Lafzullah

Tafsir Makhi — الكهف 18:95 – مريم 19:86

المؤلف / المصدر: Tafsir Makhi

المحتويات
  1. الكهف 18:95
  2. الكهف 18:96
  3. الكهف 18:97
  4. الكهف 18:98
  5. الكهف 18:99
  6. الكهف 18:100
  7. الكهف 18:101
  8. الكهف 18:102
  9. الكهف 18:103
  10. الكهف 18:104
  11. الكهف 18:105
  12. الكهف 18:106
  13. الكهف 18:107
  14. الكهف 18:108
  15. الكهف 18:109
  16. الكهف 18:110
  17. مريم 19:1
  18. مريم 19:2
  19. مريم 19:3
  20. مريم 19:4
  21. مريم 19:5
  22. مريم 19:6
  23. مريم 19:7
  24. مريم 19:8
  25. مريم 19:9
  26. مريم 19:10
  27. مريم 19:11
  28. مريم 19:12
  29. مريم 19:13
  30. مريم 19:14
  31. مريم 19:15
  32. مريم 19:16
  33. مريم 19:17
  34. مريم 19:18
  35. مريم 19:19
  36. مريم 19:20
  37. مريم 19:21
  38. مريم 19:22
  39. مريم 19:23
  40. مريم 19:24
  41. مريم 19:25
  42. مريم 19:26
  43. مريم 19:27
  44. مريم 19:28
  45. مريم 19:29
  46. مريم 19:30
  47. مريم 19:31
  48. مريم 19:32
  49. مريم 19:33
  50. مريم 19:34
  51. مريم 19:35
  52. مريم 19:36
  53. مريم 19:37
  54. مريم 19:38
  55. مريم 19:39
  56. مريم 19:40
  57. مريم 19:41
  58. مريم 19:42
  59. مريم 19:43
  60. مريم 19:44
  61. مريم 19:45
  62. مريم 19:46
  63. مريم 19:47
  64. مريم 19:48
  65. مريم 19:49
  66. مريم 19:50
  67. مريم 19:51
  68. مريم 19:52
  69. مريم 19:53
  70. مريم 19:54
  71. مريم 19:55
  72. مريم 19:56
  73. مريم 19:57
  74. مريم 19:58
  75. مريم 19:59
  76. مريم 19:60
  77. مريم 19:61
  78. مريم 19:62
  79. مريم 19:63
  80. مريم 19:64
  81. مريم 19:65
  82. مريم 19:66
  83. مريم 19:67
  84. مريم 19:68
  85. مريم 19:69
  86. مريم 19:70
  87. مريم 19:71
  88. مريم 19:72
  89. مريم 19:73
  90. مريم 19:74
  91. مريم 19:75
  92. مريم 19:76
  93. مريم 19:77
  94. مريم 19:78
  95. مريم 19:79
  96. مريم 19:80
  97. مريم 19:81
  98. مريم 19:82
  99. مريم 19:83
  100. مريم 19:84
  101. مريم 19:85
  102. مريم 19:86

الكهف 18:95

قوله: ﴿ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً * حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ ٱلشَّمْسِ﴾ إلى قوله: ﴿وَبَيْنَهُمْ رَدْماً﴾. المعنى: ثم اتبع طرقاً ومنازل. أي طلب زيادة في العلم يخلق الله [عز وجل] وعجائبه [سبحانه] وقيل المعنى: اتبع سبباً آخر يبلغه إلى قطر من أقطار الأرض ﴿حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ ٱلشَّمْسِ وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَىٰ قَوْمٍ لَّمْ نَجْعَل لَّهُمْ مِّن دُونِهَا سِتْراً﴾ أي: لا جبل في أرضهم ولا شجر يسترهم من الشمس بظله ولا يحمل بلدهم بناء فيسكنون البيوت وإنما يغورون في المياه ويتسربون في الاسراب، قال: ذلك الحسن، وقتادة. وقال: ابن جريج: جاءهم جيش فقال: لهم أهلها: لا تطلع عليكم الشمس وأنتم بها فقالوا، لا نبرح حتى تطلع الشمس، ما هذه العظام؟ قالوا جيف جيش طلعت عليهم الشمس هاهنا فهربوا فذهبوا هاربين في الأرض. قال: ابن جريج: لم يبنوا فيها بناء قط، وكانوا إذا طلعت الشمس دخلوا اسراباً لهم حتى تزول الشمس ودخلوا البحر وليس في أرضهم جبل. قال: قتادة: كانوا في مكان لا يستقر فيه البناء، ويكونوا في أسراب إذا طلعت الشمس حتى إذا زالت خرجوا إلى معائشهم. وقال: الحسن: كانوا إذا طلعت الشمس عليهم يغورون في المياه، فإذا غربت الشمس خرجوا كما ترعى البهائم. وقال: قتادة يقال: لهم الزنج. وقوله: "كذلك" الكاف في موضع خفض أي قوم ﴿لَّمْ نَجْعَل لَّهُمْ مِّن دُونِهَا سِتْراً﴾ مثل ذلك القبيل الذي عند مغرب الشمس. وقيل: هي في موضع نصب نعت لسسبب أي ثم اتبع سبباً مثل اتباعه الأول: أو نعت لمصدر تطلع أي تطلع طلوعاً مثل غروبها وفيه بعد. ويجوز أن يكون المعنى لم نجعل لهم من دونها ستراً كذلك، أي مثل أولئك الذين وجدهم في غروب الشمس. فقيل له إما أن تعذب وإما ان تتخذ فيهم حسناً فقال: فيهم مثل قوله الأول. فالمعنى وكان شأنه مع هؤلاء كشأنه مع الذين [وجدهم] عند غروب الشمس. وحذف الجملة لدلالة كذلك عليها. وقيل: هي في موضع رفع على معنى: "الأمر كذلك"، أو على معنى حكمهم مثل حكم أولئك الذين تغرب عليهم الشمس. والوقف على "كذلك" حسن في هذا الوجه. * * ثم قال: ﴿وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْراً﴾. أي: بما عند مطلع الشمس علماً لا يخفى علينا من أحوالهم وأحوال غيرهم شيء. * * ثم قال: ﴿ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً * حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ﴾. أي: اتبع طرقاً ومنازل ﴿حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ﴾، أي بين الجبلين. قال: عكرمة: ما كان من صنعة بني آدم فهو "السَّد" بالفتح وما كان من صنع الله [عز وجل] فهو "السُّد" بالضم. ولذلك قال: أبو عبيدة وقطرب والفراء. وقال: أبو عمر[و] "السَّد" بالفتح هو الحاجز بينك وبين الشيء. والسُّد بالضم هو ما كان من غشاوة بالعين. وقال: أبو عمر[و] تميم تجعله كله سواء. وقال ابن [أبي] إسحاق: السد بالفتح ما لم تره عيناك، وبالضم ما رأته عيناك. وقال: الكسائي هما لغتان: بمعنى واحد. وقال المبرد: "السد" بالفتح المصدر وبالضم الاسم، وهو قول الخليل وسيبويه. * * ثم قال: ﴿وَجَدَ مِن دُونِهِمَا قَوْماً لاَّ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلاً﴾. أي: لا يكادون يفقهون ما يقال: لهم. ومن قرأ [يفقهون] بضم الياء. قدر حذف مفعول، فمعناه لا يكادون يفقهون احداً قولهم. يقال: فَقِه يفقه إذا فهم. وأَفْقَه "غيره إذا أفهمه. وفقُه يفقُه إذا صار فقيهاً. والسدان جبلان، سد ما بينهما بردم ليقطع أذى ياجوج ومأجوج وهم من وراء ذلك، قال: ابن عباس: والجبلان أرمينية وأذربيجان. * * ثم قال: ﴿قَالُواْ يٰذَا ٱلْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي ٱلأَرْضِ﴾. أي: قالوا بلغتهم [أو] أومؤوا إليه بذلك ففهم عنهم. ويأجوج ومأجوج اسمان أعجميان معرفتان فلذلك لا تنصرف. ولذلك ترك همزه من [رأى] ذلك، لأن الأعجمي غير مشتق. فأما من همزه فإنه جعله عربياً مشتقاً من اجت النار، ولكن لم ينصرف لأنه اسم للقبيلة وهو معرفة، وقال: الكسائي: من همزه جعله من أجيج النار يفعول ومفعول، ويجوز أن يكون من ترك حمزه أخذه أيضاً من هذا وسهل الهمزة على القياس فأبدل منها ألفاً، ذكر سعيد بن عبد العزيز: أن إفسادهم في أنهم كانوا يأكلون الناس. قال: محمد بن إسحاق: حدثني من لا اتهم عن وهب بن منبه اليماني، وكان له علم بالأحاديث الأولى، أنه كان يقول: ذو القرنين رجل من الروم ابن عجوز من عجائزهم ليس لها ولد غيره. وكان اسمه الاسكندر وإنما سمي ذا القرنين لأن صفحتي رأسه كانتا من نحاس، فلما بلغ وكان عبداً صالحاً، قال: الله: يا ذا القرنين إني باعثك إلى امم الأرض وهي أمم مختلفة ألسنتها وهم جميع أهل الأرض منهم أمتان بينهما طول الأرض [كله]. ومنهم أمتان بينهما عرض الأرض [كله]. وأمم في وسط الأرض ومنهم الجن والانس ويأجوج ومأجوج. فأما اللتان بينهما طول الأرض فامة عند مغرب الشمس يقال: لها ناسك وأما الأخرى فعند مطلع الشمس يقال: لها منسك. وأما اللتان بينهما عرض الأرض فاقة في بطن الأرض الأيمن يقال لها هاويل، وأما الأخرى التي في بطن الأرض الأيسر، فيقال: لها راويل، ثم مضى في الحديث بطوله. وقال: في بعض الحديث: فلما كان في بعض الطريق مما يلي منطقع الترك نحو المشرق قالت له أمة من الانس صالحة: يا ذا القرنين إن بين هذين الجبلين خلقاً من خلق الله كثير فيهم مشابهة من الإنس. وهم أشباه البهائم يأكلون العشب ويفترسون الدواب والوحوش كما تفترس السباع، ويأكلون خشاش الأرض من الحيات والعقارب وكل ذي روح مما خلق في الأرض. وليس لله خلق ينمو نماءهم في العام الواحد ولا يزداد كزيادتهم ولا يكثر ككثرتهم. [فإن كانت] لهم مدة على ما ترى من نمائهم وزيادتهم فلا شك أنهم سيملئون [الأرض] ويأكلون أهلها ويظهرون عليها فيفسدون فيها. وليست تمر بنا سنة منذ جاورناهم إلا ونحن نتوقعهم وننتظر ان يطلع علينا أوائلهم من بين هذين الجبلين ﴿فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً عَلَىٰ أَن تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدّاً﴾ أي حاجزاً ﴿قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ﴾ أي: ما أعطاني من القوة والتدبير والتيسير في الأمور خير مما تعطوني من أموالكم ولكن أعينوني بقوة أي برجال يعملون معي: أعدوا لي الصخور والحديد والنحاس حتى ارتاد بلادهم، وأعلم علمهم، وأقيس ما بين جبليهم. ثم انطلق يؤمهم حتى وقع إليهم وتوسط بلادهم. فوجدهم على مقد[ا]ر واحد ذكرهم وأنثاهم يبلغ طول أحدهم مثل نصف طول الرجل المربوع منا. لهم مخاليب في مواضع الأظفار من أيدينا. وأضراس وأنياب كأضراس السباع وأنيابها، وأحناك [كأحناك] الابل قوة. تسمع لهم حركة إذا أكلوا كحركة الجرة من الإبل، أو كقضم البغل المسن. ولهم هلب من الشعر في أجسادهم ما يواريهم، و [ما] يتقون به الحر والبرد، ولكل واحد منهم أذنان عظيمتان، إحداهما وبرة ظهرها وبطنها، والأخرى زغبة ظهرها وبطنها. تسعانه إذا لبسهما يلتحف إحداهما ويفترش الأخرى. يصيف في أحدهما ويشتي في الأخرى. ليس منهم ذكر ولا أنثى إلا وقد عرف أجله الذي يموت فيه وينقطع عمره. وذلك أنه لا يموت ميت من ذكورهم حتى يخرج من صلبه ألف ولد ولا تموت أنثى حتى يخرج من رحمها ألف ولد. فإذا كان ذلك أيقن بالموت. وهم يرزقون التنين في أيام الربيع ويستمطرونه إذا تحينوه. كما يستمطر المطر بحينه فيقدرون منه كل سنة. فيأكلون عامهم كله إلى مثلها من القابلة. فيغنيهم على كثرتهم ونمائهم. فإذا أمطروه أخصبوه وعاشوا وسمنوا عليه ورؤي أثره عليهم. فدرت عليهم الاناث، وشبعت منه الرجال. وإذا أخطاهم هزلوا وجفرت الذكور، وحالت الاناث، وتبين أثر ذلك عليهم. وهم يتداعون تداعي الحمام، ويعوون عوي الذئاب، ويتسافدون حيث التقوا تسافد البهائم. ثم لما عاين ذلك منهم ذو القرنين انصرف إلى ناحية الصدفين فقاس ما بينهما وهو في منطقع أثر الترك مما يلي مشرق الشمس فوجد بُعْدَما بينهما مائة فرسخ، فلما أنشأ عمله حفر له اسما حتى بلغ الماء. ثم جعل عرضه خمسين فرسخاً. وجعل حشوه الصخور، وطينه النحاس، يداب ثم يصب عليه. فصار كأنه عرف من جبل تحت الأرض. ثم علاه وشرفه بزبر الحديث والنحاس المذاب. ثم جعل خلاله عرفاً من نحاس اصفر. [فصار] كأنه برد محبر من صفرة النحاس وحمرته وسواد الحديد. فلما فرغ منه و [أ]حكمه انطلق عامداً إلى جماعة الجن والإنس. فسار حتى وصل إلى قوم يونس [وهم] أمة صالحة يهدون بالحق وبه يعدلون. يقتسمون بالسوية، ويحكمون بالعدل، ويتواسون ويتراحمون. حالهم واحدة. وكلمتهم واحدة وطريقتهم مستقيمة وقلوبهم متآلفة. وسيرتهم مستوية، وقبورهم بأبواب بيوتهم. وليس على بيوتهم أبواب ولا عليهم امراء ثم اتى خبر يونس بطوله. وروى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: "إن يأجوج ومأجوج يحفرونه كل يوم حتى إذا كادوا يرون شعاع الشمس قال: الذي عليهم: ارجعوا فستحفرونه غداً. فيعيده الله كأشد ما كان. فإذا بلغت مدتهم حفروا، حتى إذا كادوا يرون شعاع الشمس فقال: الذي عليهم: ارجعوا فستفتحون غداً إن شاء الله، فيقدمون عليه وهو كهيئته حين تركوه. فيخرجون على الناس فيشربون المياه، ويتحصن الناس في حصونهم. فيرمون بسهامهم. فيرجع فيها كهيئة الدماء فيقولون: قهرنا أهل الأرض وعلونا أهل السماء فيبعث الله عليهم نغفاً في أعناقهم فيقتلونهم فقال: النبي ﷺ "والذي نفس محمد بيده إن دواب الأرض لتسمن وتَشْكَرُ شكراً من لحومهم" وروى أبو سعيد الخدري ان النبي ﷺ قال: "يفتح يأجوج ومأجوج ويخرجون على الناس كما قال: الله: ﴿وَهُمْ مِّن كُلِّ حَدَبٍ يَنسِلُونَ﴾ فيغشون الأرض. وينحاز المسلمون عنهم إلى مدائنهم وحصونهم ويضمون إليهم مواشيهم. فيشربون مياه الأرض حتى [إن] بعضهم ليمر بالنهر فيشربه جميعه حتى يتركوه يابساً. وحتى إن من بعده ليمر بذلك النهر فيقول: لقد كان ها هنا ماء مرة حتى إذا لم يبق أحد إلا أحداً في حصن أو في مدينة قال: قائلهم: هؤلاء أهل الأرض قد فرغنا منهم وبقي أهل السماء. قال: فيهز أحدهم حربته ثم يرمي بها إلى السماء فترجع إليه مخضبة دماً للبلاء والفتنة. فبينما هم على ذلك بعث الله عليهم دوداً في اعناقهم كالنغف فتخرج في أعناقهم فيصبحون موتى لا يسمع لهم حس. فيقول المسلمون ألا رجل يشري نفسه فينظر ما فعل هذا العدو. وقال: فينفرد رجل منهم بذلك محتسباً نفسه قد وطنها على أنه مقتول. فيجدهم موتى بعضهم فوق بعض. فينادي: يا معشر المسلمين! ألا فأبشروا، فإن الله قد كفاكم عدوكم. فيخرجون من مدائنهم وحصونهم فيسرحون بمواشيهم فما يكون لها رعي إلا لحومهم فتشكر عليهم أحسن ما شكرت على شيء من النبات قال: ابن وهب: وخبرت أن يأجوج ومأجوج ثلاثة أصناف، صنف منهم طولهم كطول الأرز. وصنف طوله هو وعرضه سواء، وصنف يفترش أحدهم أذنه ويغطي بالأخرى سائر جسده. ومعنى: ﴿مُفْسِدُونَ فِي ٱلأَرْضِ﴾، أي سيفسدون ولم يكن لهم افساد بعد إنما خيف منهم ذلك وسيكون إذا خرجوا. * * قوله: ﴿قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ﴾ إلى قوله: ﴿فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعاً﴾. أي: الذي مكني فيه ربي خير في العمل الذي سألتموني من الحاجز بينكم وبين هؤلاء، وقضاه لي وقواني عليه خير من جعلكم الذي عرضتم علي وأكثر وأطيب. ولكن أعينوني بقوة أي بعمل تعملونه معي ﴿أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْماً﴾ أي إن أعنتموني على ذلك. ذكر قتادة أن رجلاً قال: يا نبي الله إني رأيت سد يأجوج ومأجوج قال: انعته. قال: كالبرد المحبر طريقة سوداء وطريقة حمراء، قال: قد رأيته.

الكهف 18:96

قال: ﴿آتُونِي زُبَرَ ٱلْحَدِيدِ حَتَّىٰ إِذَا سَاوَىٰ بَيْنَ ٱلصَّدَفَيْنِ﴾. أي: أعطوني القطع العظام من الحديد فأعطوه ذلك. وفي الكلام حذف وهو: فاتوه زبر الحديد فجعلها بين الصدفين وهما ناحيتا الجبل. والصِّدف والصَّدف الصُّدف الجبل. قال: ابن عباس ﴿بَيْنَ ٱلصَّدَفَيْنِ﴾ الجبلين. وقال: مجاهد ﴿بَيْنَ ٱلصَّدَفَيْنِ﴾ رأس الجبلين. وقال: الضحاك ﴿بَيْنَ ٱلصَّدَفَيْنِ﴾ بين الجبلين وهما من قبيل أرمينية وأذربيجان وهو قول ابن عباس أيضاً. * * قوله: ﴿حَتَّىٰ إِذَا جَعَلَهُ نَاراً﴾. أي: نفخ على قطع الحديد حتى صارت كالنار. ثم أذاب الصُّفر فأفرغه على القطع. والقطر النحاس عند أكثر المفسرين. وقال: أبو عبيدة: ﴿أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْراً﴾ حديداً دائباً. وقيل: هو الرصاص. * * ثم قال: ﴿فَمَا ٱسْطَاعُوۤاْ أَن يَظْهَرُوهُ﴾. أي: ما قدر يأجوج ومأجوج أن يعلوا الردم الذي جعله ذو القرنين حاجزاً بينهم ﴿وَمَا ٱسْتَطَاعُواْ لَهُ نَقْباً﴾ وما قدروا أن ينقبوا أسفله. ثم قال ذو القرنين لما رأى الردم لا يقدر عليه من فوقه ولا من أسفله: هذا الفعل ﴿رَحْمَةٌ مِّن رَّبِّي﴾ رحم بها من دون الردم من الناس ﴿فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ رَبِّي﴾ أي الوقت الذي وعده فيه أن يأجوج يخرجون ﴿جَعَلَهُ دَكَّآءَ﴾ أي سواه بالأرض. من نونه جعله على معنى مدكوكاً. ومن مده جعله بقعة دكاء وأرضاً دكاء، من قولهم: ناقة دكاء، مستوية الظهر لا سنام لها. وقيل المعنى: فإذا جاء يوم القيامة جعله دكاً ودل على هذا قوله ﴿وَحُمِلَتِ ٱلأَرْضُ وَٱلْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً﴾ [الحاقة: ١٤]. * * وقوله: ﴿جَعَلَهُ﴾ الهاء تعود على ما بين الجبلين وخروج يأجوج ومأجوج بعد نزول عيسى وبعد ظهور الدجال. يدل على ذلك أن ابن مسعود قال: قال: النبي ﷺ "لقيت ليلة الأسراء ابراهيم وموسى وعيسى صلى الله عليهم فتذاكروا أمر الساعة وردوا الأمر إلى ابراهيم فقال: ابراهيم: لا علم لي بها، فردوا الأمر إلى موسى: فقال: موسى: لا علم لي بها، فردوا الأمر إلى عيسى فقال: عيسى: أما قيام الساعة فلا يعلمه أحد، إلا الله تعالى، ولكن ربي قد عهد إلى ما هو كائن دون مجيئها. عهد إلى ان الدجال خارج وانه سيهبطني إليه. فإذا رآني أهلكه الله فيذوب كما يذوب الرصاص. حتى أن الحجر والشجر لتقول يا مسلم هذا كافر فاقتله. فيهلكهم الله ويرجع الناس إلى بلادهم واوطانه. فيستقبلهم يأجوج ومأجوج من كل حدب ينسلون لا يأتون على شيء إلاّ أهلكوه. ولا يمرون على ماء إلا شربوه، فيرجع الناس إلي، فادعوا الله عليهم. فيميتهم ويتغير الأرض من نتن ريحهم فينزل المطر فيجر أجسامهم فيلقيهم في البحر ثم تنسف الجبال حتى تكون الأرض كالأديم. فعهد إلي ربي أن ذلك، إذا كان كذلك، فإن الساعة منه كالحامل المتمم. والتي لا يدري أهلها متى تفجؤهم بولادتها ليلاً أو نهاراً وقوله: ﴿وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقّاً﴾. أي: وعد ربي الذي وعد خلقه في دك هذا الردم وخروج هؤلاء [القوم] على الناس وغير ذلك من مواعيده حقاً لا خلف في شيء منها. * * ثم قال: ﴿وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ﴾ أي: وتركنا الخلق يوم يأتيهم الوعد وتد[ك] الجبال، بعضهم يختلط مع بعض أي: الانسي بالجني، وقال: ابن زيد: هذا اول القيامة. تختلط بعض الخلق ببعض ثم نفخ في الصور في أثر ذلك ﴿فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعاً﴾. وسأل اعرابي النبي ﷺ عن الصور فقال: "قرن ينفخ فيه وعنه ﷺ أنه قال: "كيف أنعم وصاحب الصور قد التقم القرن وحنى جبهته وأصغى [بـ]ـالأذن متى يؤمر. فشق ذلك على أصحابه فقال: "قولوا حسبنا الله، على الله توكلنا، فلو اجتمع، أهل منى ما اقلوا ذلك القرن" وكذلك رواه ابن عباس ولكن في حديثه: "قال: قولوا حسبنا الله ونعم الوكيل توكلنا على الله وروى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: "لما فرغ الله من خلق السماوات والأرض خلق الصور فأعطاه اسرافيل، فهو واضعه على فيه شاخص ببصره إلى العرش ينتظر متى يؤمر. قال: أبو هريرة: يا رسول الله وما الصور؟ قال: قرن. قال: وكيف هو؟ قال: قرن عظيم ينفخ فيه ثلاث نفخات: الأولى نفخة الفزع، والثانية نفخة الصعق والثالثة نفخة القيام لرب العالمين وقيل في قوله: ﴿وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ﴾ يوم انقضاء السد وفرغ من عمله. يموجون متعجبين من السد يعني يأجوج ومأجوج. وقيل ذلك يوم خروجهم من السد. قال: أبو عبيدة: ﴿وَنُفِخَ فِي ٱلصُّورِ﴾ واحده صورة.

الكهف 18:97

قال: ﴿آتُونِي زُبَرَ ٱلْحَدِيدِ حَتَّىٰ إِذَا سَاوَىٰ بَيْنَ ٱلصَّدَفَيْنِ﴾. أي: أعطوني القطع العظام من الحديد فأعطوه ذلك. وفي الكلام حذف وهو: فاتوه زبر الحديد فجعلها بين الصدفين وهما ناحيتا الجبل. والصِّدف والصَّدف الصُّدف الجبل. قال: ابن عباس ﴿بَيْنَ ٱلصَّدَفَيْنِ﴾ الجبلين. وقال: مجاهد ﴿بَيْنَ ٱلصَّدَفَيْنِ﴾ رأس الجبلين. وقال: الضحاك ﴿بَيْنَ ٱلصَّدَفَيْنِ﴾ بين الجبلين وهما من قبيل أرمينية وأذربيجان وهو قول ابن عباس أيضاً. * * قوله: ﴿حَتَّىٰ إِذَا جَعَلَهُ نَاراً﴾. أي: نفخ على قطع الحديد حتى صارت كالنار. ثم أذاب الصُّفر فأفرغه على القطع. والقطر النحاس عند أكثر المفسرين. وقال: أبو عبيدة: ﴿أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْراً﴾ حديداً دائباً. وقيل: هو الرصاص. * * ثم قال: ﴿فَمَا ٱسْطَاعُوۤاْ أَن يَظْهَرُوهُ﴾. أي: ما قدر يأجوج ومأجوج أن يعلوا الردم الذي جعله ذو القرنين حاجزاً بينهم ﴿وَمَا ٱسْتَطَاعُواْ لَهُ نَقْباً﴾ وما قدروا أن ينقبوا أسفله. ثم قال ذو القرنين لما رأى الردم لا يقدر عليه من فوقه ولا من أسفله: هذا الفعل ﴿رَحْمَةٌ مِّن رَّبِّي﴾ رحم بها من دون الردم من الناس ﴿فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ رَبِّي﴾ أي الوقت الذي وعده فيه أن يأجوج يخرجون ﴿جَعَلَهُ دَكَّآءَ﴾ أي سواه بالأرض. من نونه جعله على معنى مدكوكاً. ومن مده جعله بقعة دكاء وأرضاً دكاء، من قولهم: ناقة دكاء، مستوية الظهر لا سنام لها. وقيل المعنى: فإذا جاء يوم القيامة جعله دكاً ودل على هذا قوله ﴿وَحُمِلَتِ ٱلأَرْضُ وَٱلْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً﴾ [الحاقة: ١٤]. * * وقوله: ﴿جَعَلَهُ﴾ الهاء تعود على ما بين الجبلين وخروج يأجوج ومأجوج بعد نزول عيسى وبعد ظهور الدجال. يدل على ذلك أن ابن مسعود قال: قال: النبي ﷺ "لقيت ليلة الأسراء ابراهيم وموسى وعيسى صلى الله عليهم فتذاكروا أمر الساعة وردوا الأمر إلى ابراهيم فقال: ابراهيم: لا علم لي بها، فردوا الأمر إلى موسى: فقال: موسى: لا علم لي بها، فردوا الأمر إلى عيسى فقال: عيسى: أما قيام الساعة فلا يعلمه أحد، إلا الله تعالى، ولكن ربي قد عهد إلى ما هو كائن دون مجيئها. عهد إلى ان الدجال خارج وانه سيهبطني إليه. فإذا رآني أهلكه الله فيذوب كما يذوب الرصاص. حتى أن الحجر والشجر لتقول يا مسلم هذا كافر فاقتله. فيهلكهم الله ويرجع الناس إلى بلادهم واوطانه. فيستقبلهم يأجوج ومأجوج من كل حدب ينسلون لا يأتون على شيء إلاّ أهلكوه. ولا يمرون على ماء إلا شربوه، فيرجع الناس إلي، فادعوا الله عليهم. فيميتهم ويتغير الأرض من نتن ريحهم فينزل المطر فيجر أجسامهم فيلقيهم في البحر ثم تنسف الجبال حتى تكون الأرض كالأديم. فعهد إلي ربي أن ذلك، إذا كان كذلك، فإن الساعة منه كالحامل المتمم. والتي لا يدري أهلها متى تفجؤهم بولادتها ليلاً أو نهاراً وقوله: ﴿وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقّاً﴾. أي: وعد ربي الذي وعد خلقه في دك هذا الردم وخروج هؤلاء [القوم] على الناس وغير ذلك من مواعيده حقاً لا خلف في شيء منها. * * ثم قال: ﴿وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ﴾ أي: وتركنا الخلق يوم يأتيهم الوعد وتد[ك] الجبال، بعضهم يختلط مع بعض أي: الانسي بالجني، وقال: ابن زيد: هذا اول القيامة. تختلط بعض الخلق ببعض ثم نفخ في الصور في أثر ذلك ﴿فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعاً﴾. وسأل اعرابي النبي ﷺ عن الصور فقال: "قرن ينفخ فيه وعنه ﷺ أنه قال: "كيف أنعم وصاحب الصور قد التقم القرن وحنى جبهته وأصغى [بـ]ـالأذن متى يؤمر. فشق ذلك على أصحابه فقال: "قولوا حسبنا الله، على الله توكلنا، فلو اجتمع، أهل منى ما اقلوا ذلك القرن" وكذلك رواه ابن عباس ولكن في حديثه: "قال: قولوا حسبنا الله ونعم الوكيل توكلنا على الله وروى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: "لما فرغ الله من خلق السماوات والأرض خلق الصور فأعطاه اسرافيل، فهو واضعه على فيه شاخص ببصره إلى العرش ينتظر متى يؤمر. قال: أبو هريرة: يا رسول الله وما الصور؟ قال: قرن. قال: وكيف هو؟ قال: قرن عظيم ينفخ فيه ثلاث نفخات: الأولى نفخة الفزع، والثانية نفخة الصعق والثالثة نفخة القيام لرب العالمين وقيل في قوله: ﴿وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ﴾ يوم انقضاء السد وفرغ من عمله. يموجون متعجبين من السد يعني يأجوج ومأجوج. وقيل ذلك يوم خروجهم من السد. قال: أبو عبيدة: ﴿وَنُفِخَ فِي ٱلصُّورِ﴾ واحده صورة.

الكهف 18:98

قال: ﴿آتُونِي زُبَرَ ٱلْحَدِيدِ حَتَّىٰ إِذَا سَاوَىٰ بَيْنَ ٱلصَّدَفَيْنِ﴾. أي: أعطوني القطع العظام من الحديد فأعطوه ذلك. وفي الكلام حذف وهو: فاتوه زبر الحديد فجعلها بين الصدفين وهما ناحيتا الجبل. والصِّدف والصَّدف الصُّدف الجبل. قال: ابن عباس ﴿بَيْنَ ٱلصَّدَفَيْنِ﴾ الجبلين. وقال: مجاهد ﴿بَيْنَ ٱلصَّدَفَيْنِ﴾ رأس الجبلين. وقال: الضحاك ﴿بَيْنَ ٱلصَّدَفَيْنِ﴾ بين الجبلين وهما من قبيل أرمينية وأذربيجان وهو قول ابن عباس أيضاً. * * قوله: ﴿حَتَّىٰ إِذَا جَعَلَهُ نَاراً﴾. أي: نفخ على قطع الحديد حتى صارت كالنار. ثم أذاب الصُّفر فأفرغه على القطع. والقطر النحاس عند أكثر المفسرين. وقال: أبو عبيدة: ﴿أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْراً﴾ حديداً دائباً. وقيل: هو الرصاص. * * ثم قال: ﴿فَمَا ٱسْطَاعُوۤاْ أَن يَظْهَرُوهُ﴾. أي: ما قدر يأجوج ومأجوج أن يعلوا الردم الذي جعله ذو القرنين حاجزاً بينهم ﴿وَمَا ٱسْتَطَاعُواْ لَهُ نَقْباً﴾ وما قدروا أن ينقبوا أسفله. ثم قال ذو القرنين لما رأى الردم لا يقدر عليه من فوقه ولا من أسفله: هذا الفعل ﴿رَحْمَةٌ مِّن رَّبِّي﴾ رحم بها من دون الردم من الناس ﴿فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ رَبِّي﴾ أي الوقت الذي وعده فيه أن يأجوج يخرجون ﴿جَعَلَهُ دَكَّآءَ﴾ أي سواه بالأرض. من نونه جعله على معنى مدكوكاً. ومن مده جعله بقعة دكاء وأرضاً دكاء، من قولهم: ناقة دكاء، مستوية الظهر لا سنام لها. وقيل المعنى: فإذا جاء يوم القيامة جعله دكاً ودل على هذا قوله ﴿وَحُمِلَتِ ٱلأَرْضُ وَٱلْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً﴾ [الحاقة: ١٤]. * * وقوله: ﴿جَعَلَهُ﴾ الهاء تعود على ما بين الجبلين وخروج يأجوج ومأجوج بعد نزول عيسى وبعد ظهور الدجال. يدل على ذلك أن ابن مسعود قال: قال: النبي ﷺ "لقيت ليلة الأسراء ابراهيم وموسى وعيسى صلى الله عليهم فتذاكروا أمر الساعة وردوا الأمر إلى ابراهيم فقال: ابراهيم: لا علم لي بها، فردوا الأمر إلى موسى: فقال: موسى: لا علم لي بها، فردوا الأمر إلى عيسى فقال: عيسى: أما قيام الساعة فلا يعلمه أحد، إلا الله تعالى، ولكن ربي قد عهد إلى ما هو كائن دون مجيئها. عهد إلى ان الدجال خارج وانه سيهبطني إليه. فإذا رآني أهلكه الله فيذوب كما يذوب الرصاص. حتى أن الحجر والشجر لتقول يا مسلم هذا كافر فاقتله. فيهلكهم الله ويرجع الناس إلى بلادهم واوطانه. فيستقبلهم يأجوج ومأجوج من كل حدب ينسلون لا يأتون على شيء إلاّ أهلكوه. ولا يمرون على ماء إلا شربوه، فيرجع الناس إلي، فادعوا الله عليهم. فيميتهم ويتغير الأرض من نتن ريحهم فينزل المطر فيجر أجسامهم فيلقيهم في البحر ثم تنسف الجبال حتى تكون الأرض كالأديم. فعهد إلي ربي أن ذلك، إذا كان كذلك، فإن الساعة منه كالحامل المتمم. والتي لا يدري أهلها متى تفجؤهم بولادتها ليلاً أو نهاراً وقوله: ﴿وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقّاً﴾. أي: وعد ربي الذي وعد خلقه في دك هذا الردم وخروج هؤلاء [القوم] على الناس وغير ذلك من مواعيده حقاً لا خلف في شيء منها. * * ثم قال: ﴿وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ﴾ أي: وتركنا الخلق يوم يأتيهم الوعد وتد[ك] الجبال، بعضهم يختلط مع بعض أي: الانسي بالجني، وقال: ابن زيد: هذا اول القيامة. تختلط بعض الخلق ببعض ثم نفخ في الصور في أثر ذلك ﴿فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعاً﴾. وسأل اعرابي النبي ﷺ عن الصور فقال: "قرن ينفخ فيه وعنه ﷺ أنه قال: "كيف أنعم وصاحب الصور قد التقم القرن وحنى جبهته وأصغى [بـ]ـالأذن متى يؤمر. فشق ذلك على أصحابه فقال: "قولوا حسبنا الله، على الله توكلنا، فلو اجتمع، أهل منى ما اقلوا ذلك القرن" وكذلك رواه ابن عباس ولكن في حديثه: "قال: قولوا حسبنا الله ونعم الوكيل توكلنا على الله وروى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: "لما فرغ الله من خلق السماوات والأرض خلق الصور فأعطاه اسرافيل، فهو واضعه على فيه شاخص ببصره إلى العرش ينتظر متى يؤمر. قال: أبو هريرة: يا رسول الله وما الصور؟ قال: قرن. قال: وكيف هو؟ قال: قرن عظيم ينفخ فيه ثلاث نفخات: الأولى نفخة الفزع، والثانية نفخة الصعق والثالثة نفخة القيام لرب العالمين وقيل في قوله: ﴿وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ﴾ يوم انقضاء السد وفرغ من عمله. يموجون متعجبين من السد يعني يأجوج ومأجوج. وقيل ذلك يوم خروجهم من السد. قال: أبو عبيدة: ﴿وَنُفِخَ فِي ٱلصُّورِ﴾ واحده صورة.

الكهف 18:99

قال: ﴿آتُونِي زُبَرَ ٱلْحَدِيدِ حَتَّىٰ إِذَا سَاوَىٰ بَيْنَ ٱلصَّدَفَيْنِ﴾. أي: أعطوني القطع العظام من الحديد فأعطوه ذلك. وفي الكلام حذف وهو: فاتوه زبر الحديد فجعلها بين الصدفين وهما ناحيتا الجبل. والصِّدف والصَّدف الصُّدف الجبل. قال: ابن عباس ﴿بَيْنَ ٱلصَّدَفَيْنِ﴾ الجبلين. وقال: مجاهد ﴿بَيْنَ ٱلصَّدَفَيْنِ﴾ رأس الجبلين. وقال: الضحاك ﴿بَيْنَ ٱلصَّدَفَيْنِ﴾ بين الجبلين وهما من قبيل أرمينية وأذربيجان وهو قول ابن عباس أيضاً. * * قوله: ﴿حَتَّىٰ إِذَا جَعَلَهُ نَاراً﴾. أي: نفخ على قطع الحديد حتى صارت كالنار. ثم أذاب الصُّفر فأفرغه على القطع. والقطر النحاس عند أكثر المفسرين. وقال: أبو عبيدة: ﴿أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْراً﴾ حديداً دائباً. وقيل: هو الرصاص. * * ثم قال: ﴿فَمَا ٱسْطَاعُوۤاْ أَن يَظْهَرُوهُ﴾. أي: ما قدر يأجوج ومأجوج أن يعلوا الردم الذي جعله ذو القرنين حاجزاً بينهم ﴿وَمَا ٱسْتَطَاعُواْ لَهُ نَقْباً﴾ وما قدروا أن ينقبوا أسفله. ثم قال ذو القرنين لما رأى الردم لا يقدر عليه من فوقه ولا من أسفله: هذا الفعل ﴿رَحْمَةٌ مِّن رَّبِّي﴾ رحم بها من دون الردم من الناس ﴿فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ رَبِّي﴾ أي الوقت الذي وعده فيه أن يأجوج يخرجون ﴿جَعَلَهُ دَكَّآءَ﴾ أي سواه بالأرض. من نونه جعله على معنى مدكوكاً. ومن مده جعله بقعة دكاء وأرضاً دكاء، من قولهم: ناقة دكاء، مستوية الظهر لا سنام لها. وقيل المعنى: فإذا جاء يوم القيامة جعله دكاً ودل على هذا قوله ﴿وَحُمِلَتِ ٱلأَرْضُ وَٱلْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً﴾ [الحاقة: ١٤]. * * وقوله: ﴿جَعَلَهُ﴾ الهاء تعود على ما بين الجبلين وخروج يأجوج ومأجوج بعد نزول عيسى وبعد ظهور الدجال. يدل على ذلك أن ابن مسعود قال: قال: النبي ﷺ "لقيت ليلة الأسراء ابراهيم وموسى وعيسى صلى الله عليهم فتذاكروا أمر الساعة وردوا الأمر إلى ابراهيم فقال: ابراهيم: لا علم لي بها، فردوا الأمر إلى موسى: فقال: موسى: لا علم لي بها، فردوا الأمر إلى عيسى فقال: عيسى: أما قيام الساعة فلا يعلمه أحد، إلا الله تعالى، ولكن ربي قد عهد إلى ما هو كائن دون مجيئها. عهد إلى ان الدجال خارج وانه سيهبطني إليه. فإذا رآني أهلكه الله فيذوب كما يذوب الرصاص. حتى أن الحجر والشجر لتقول يا مسلم هذا كافر فاقتله. فيهلكهم الله ويرجع الناس إلى بلادهم واوطانه. فيستقبلهم يأجوج ومأجوج من كل حدب ينسلون لا يأتون على شيء إلاّ أهلكوه. ولا يمرون على ماء إلا شربوه، فيرجع الناس إلي، فادعوا الله عليهم. فيميتهم ويتغير الأرض من نتن ريحهم فينزل المطر فيجر أجسامهم فيلقيهم في البحر ثم تنسف الجبال حتى تكون الأرض كالأديم. فعهد إلي ربي أن ذلك، إذا كان كذلك، فإن الساعة منه كالحامل المتمم. والتي لا يدري أهلها متى تفجؤهم بولادتها ليلاً أو نهاراً وقوله: ﴿وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقّاً﴾. أي: وعد ربي الذي وعد خلقه في دك هذا الردم وخروج هؤلاء [القوم] على الناس وغير ذلك من مواعيده حقاً لا خلف في شيء منها. * * ثم قال: ﴿وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ﴾ أي: وتركنا الخلق يوم يأتيهم الوعد وتد[ك] الجبال، بعضهم يختلط مع بعض أي: الانسي بالجني، وقال: ابن زيد: هذا اول القيامة. تختلط بعض الخلق ببعض ثم نفخ في الصور في أثر ذلك ﴿فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعاً﴾. وسأل اعرابي النبي ﷺ عن الصور فقال: "قرن ينفخ فيه وعنه ﷺ أنه قال: "كيف أنعم وصاحب الصور قد التقم القرن وحنى جبهته وأصغى [بـ]ـالأذن متى يؤمر. فشق ذلك على أصحابه فقال: "قولوا حسبنا الله، على الله توكلنا، فلو اجتمع، أهل منى ما اقلوا ذلك القرن" وكذلك رواه ابن عباس ولكن في حديثه: "قال: قولوا حسبنا الله ونعم الوكيل توكلنا على الله وروى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: "لما فرغ الله من خلق السماوات والأرض خلق الصور فأعطاه اسرافيل، فهو واضعه على فيه شاخص ببصره إلى العرش ينتظر متى يؤمر. قال: أبو هريرة: يا رسول الله وما الصور؟ قال: قرن. قال: وكيف هو؟ قال: قرن عظيم ينفخ فيه ثلاث نفخات: الأولى نفخة الفزع، والثانية نفخة الصعق والثالثة نفخة القيام لرب العالمين وقيل في قوله: ﴿وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ﴾ يوم انقضاء السد وفرغ من عمله. يموجون متعجبين من السد يعني يأجوج ومأجوج. وقيل ذلك يوم خروجهم من السد. قال: أبو عبيدة: ﴿وَنُفِخَ فِي ٱلصُّورِ﴾ واحده صورة.

الكهف 18:100

قوله: ﴿وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِّلْكَافِرِينَ عَرْضاً﴾ إلى قوله ﴿يُحْسِنُونَ صُنْعاً﴾. المعنى وأبرزنا جهنم يوم نفخ في الصور للكافرين حتى يروها كهيئة السراب. وقال: ابن مسعود: يوم يقوم الخلق لله عز وجل إذا نفخ في الصور، قيام رجل واحد، ثم يتمثل الله فيلقاهم فليس أحد من الخلق كان يعبد من دون الله شيئاً إلا وهو مرفوع له يتبعه. قال: فيلقى اليهود، فيقول من تعبدون؟ فيقولون [نعبد عزيراً. قال: فيقول هل يسركم الماء؟ فيقولون نعم. فيريهم جهنم وهي كهيئة السراب ثم قرأ ﴿وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِّلْكَافِرِينَ عَرْضاً﴾ ثم يلقى الناصرى، فيقول: من تعبدون؟ فيقولون [نعبد] المسيح. فيقول هل يسركم الماء؟ قال: فيقولون: نعم. فيريهم جهنم وهي كهيئة السراب. ثم كذلك لمن كان يعبد من دون الله جلّ وعزّ شيئاً. ثم قال: ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَّسْئُولُونَ﴾ [الصافات: ٢٤]. ثم قال: ﴿ٱلَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَآءٍ عَن ذِكْرِي﴾. أي عرضنا جهنم للكافرين الذين كانوا لا ينظرون في آيات الله فيتفكروا فيها ولا يتأملون حججه، فيعتبروا بها، وينيبوا إلى توحيده وينقادوا إلى أمره ونهيه. ﴿وَكَانُواْ لاَ يَسْتَطِيعُونَ سَمْعاً﴾ أي: لا يطيقون ان يسمعوا ذكر الله وآياته لخدلان الله إياهم عند ذلك ولعداوتهم للنبي ﷺ واستثقالهم لما أتاهم به. قال: ابن زيد: هؤلاء الكفار. * * ثم قال: ﴿أَفَحَسِبَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَن يَتَّخِذُواْ عِبَادِي مِن دُونِيۤ أَوْلِيَآءَ﴾. والمعنى أفظن الذين كفروا بالله من عبدة الملائكة والمسيح وعزيراً، أن يتخذوا الملائكة والمسيح أولياء لأنفسهم لأجل عبادتهم لهم. كلا بل هم لهم أعداء. والمعنى أفحسبوا أن ينفعهم ذلك. وقيل المعنى أفحسبوا أن يتخذوهم أولياء فيعبدونهم ولا أعاقبهم. وقرأ على بن أبي طالب رضي الله عنه "أفحسب الدين" باسكان السين ورفع الباء على معنى: أفيكفيهم اتخاذ العباد أولياء. وهو مرفوع بالابتداء و "أن يتخذوا الخبر". ثم قال: تعالى: ﴿إِنَّآ أَعْتَدْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ نُزُلاً﴾. أي: أعددنا لهم منزلاً. والنزل عند أهل اللغة ما هيئ للضيف. * * ثم قال: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُم بِٱلأَخْسَرِينَ﴾. أي: قل يا محمد لهؤلاء الذين يجادلونك بالباطل ويمارونك في المسائل من أهل الكتابين: قل هل ننبؤكم بالأخسرين أعمالاً أي بالذين اتبعوا أنفسهم في عمل يبتغون به ربحاً وفضلاً فنالوا به غضباً وهلاكاً ولم يدركوا ما طلبوا. قال: علي بن أبي طالب رضي الله عنه، عني بها الرهبان الذين حبسوا أنفسهم في الصوامع. وقال: الضحاك هم القسيسون والرهبان. وقيل هم اليهود والنصارى. أما اليهود فكذبوا محمداً وأما النصارى فكذبوا وكفروا بالجنة. وقالوا ليس فيها طعام ولا شراب. ونزل في الحرورية ﴿ٱلَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ ٱللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَٰقِهِ﴾ [البقرة: ٢٧] الآية. وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: هم كفرة أهل الكتاب كان أوائلهم على حق فأشركوا بربهم وابتدعوا في دينهم، الذين يجتهدون في الباطل ويحسبون أنهم على حق، ويجتهدون في الضلالة ويحسبون انهم على هدى فضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً. وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه: أنهم الخوارج اهل حرور. وقال: سعيد: هم الخوارج. وقيل هم الصائبون.

الكهف 18:101

قوله: ﴿وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِّلْكَافِرِينَ عَرْضاً﴾ إلى قوله ﴿يُحْسِنُونَ صُنْعاً﴾. المعنى وأبرزنا جهنم يوم نفخ في الصور للكافرين حتى يروها كهيئة السراب. وقال: ابن مسعود: يوم يقوم الخلق لله عز وجل إذا نفخ في الصور، قيام رجل واحد، ثم يتمثل الله فيلقاهم فليس أحد من الخلق كان يعبد من دون الله شيئاً إلا وهو مرفوع له يتبعه. قال: فيلقى اليهود، فيقول من تعبدون؟ فيقولون [نعبد عزيراً. قال: فيقول هل يسركم الماء؟ فيقولون نعم. فيريهم جهنم وهي كهيئة السراب ثم قرأ ﴿وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِّلْكَافِرِينَ عَرْضاً﴾ ثم يلقى الناصرى، فيقول: من تعبدون؟ فيقولون [نعبد] المسيح. فيقول هل يسركم الماء؟ قال: فيقولون: نعم. فيريهم جهنم وهي كهيئة السراب. ثم كذلك لمن كان يعبد من دون الله جلّ وعزّ شيئاً. ثم قال: ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَّسْئُولُونَ﴾ [الصافات: ٢٤]. ثم قال: ﴿ٱلَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَآءٍ عَن ذِكْرِي﴾. أي عرضنا جهنم للكافرين الذين كانوا لا ينظرون في آيات الله فيتفكروا فيها ولا يتأملون حججه، فيعتبروا بها، وينيبوا إلى توحيده وينقادوا إلى أمره ونهيه. ﴿وَكَانُواْ لاَ يَسْتَطِيعُونَ سَمْعاً﴾ أي: لا يطيقون ان يسمعوا ذكر الله وآياته لخدلان الله إياهم عند ذلك ولعداوتهم للنبي ﷺ واستثقالهم لما أتاهم به. قال: ابن زيد: هؤلاء الكفار. * * ثم قال: ﴿أَفَحَسِبَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَن يَتَّخِذُواْ عِبَادِي مِن دُونِيۤ أَوْلِيَآءَ﴾. والمعنى أفظن الذين كفروا بالله من عبدة الملائكة والمسيح وعزيراً، أن يتخذوا الملائكة والمسيح أولياء لأنفسهم لأجل عبادتهم لهم. كلا بل هم لهم أعداء. والمعنى أفحسبوا أن ينفعهم ذلك. وقيل المعنى أفحسبوا أن يتخذوهم أولياء فيعبدونهم ولا أعاقبهم. وقرأ على بن أبي طالب رضي الله عنه "أفحسب الدين" باسكان السين ورفع الباء على معنى: أفيكفيهم اتخاذ العباد أولياء. وهو مرفوع بالابتداء و "أن يتخذوا الخبر". ثم قال: تعالى: ﴿إِنَّآ أَعْتَدْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ نُزُلاً﴾. أي: أعددنا لهم منزلاً. والنزل عند أهل اللغة ما هيئ للضيف. * * ثم قال: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُم بِٱلأَخْسَرِينَ﴾. أي: قل يا محمد لهؤلاء الذين يجادلونك بالباطل ويمارونك في المسائل من أهل الكتابين: قل هل ننبؤكم بالأخسرين أعمالاً أي بالذين اتبعوا أنفسهم في عمل يبتغون به ربحاً وفضلاً فنالوا به غضباً وهلاكاً ولم يدركوا ما طلبوا. قال: علي بن أبي طالب رضي الله عنه، عني بها الرهبان الذين حبسوا أنفسهم في الصوامع. وقال: الضحاك هم القسيسون والرهبان. وقيل هم اليهود والنصارى. أما اليهود فكذبوا محمداً وأما النصارى فكذبوا وكفروا بالجنة. وقالوا ليس فيها طعام ولا شراب. ونزل في الحرورية ﴿ٱلَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ ٱللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَٰقِهِ﴾ [البقرة: ٢٧] الآية. وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: هم كفرة أهل الكتاب كان أوائلهم على حق فأشركوا بربهم وابتدعوا في دينهم، الذين يجتهدون في الباطل ويحسبون أنهم على حق، ويجتهدون في الضلالة ويحسبون انهم على هدى فضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً. وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه: أنهم الخوارج اهل حرور. وقال: سعيد: هم الخوارج. وقيل هم الصائبون.

الكهف 18:102

قوله: ﴿وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِّلْكَافِرِينَ عَرْضاً﴾ إلى قوله ﴿يُحْسِنُونَ صُنْعاً﴾. المعنى وأبرزنا جهنم يوم نفخ في الصور للكافرين حتى يروها كهيئة السراب. وقال: ابن مسعود: يوم يقوم الخلق لله عز وجل إذا نفخ في الصور، قيام رجل واحد، ثم يتمثل الله فيلقاهم فليس أحد من الخلق كان يعبد من دون الله شيئاً إلا وهو مرفوع له يتبعه. قال: فيلقى اليهود، فيقول من تعبدون؟ فيقولون [نعبد عزيراً. قال: فيقول هل يسركم الماء؟ فيقولون نعم. فيريهم جهنم وهي كهيئة السراب ثم قرأ ﴿وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِّلْكَافِرِينَ عَرْضاً﴾ ثم يلقى الناصرى، فيقول: من تعبدون؟ فيقولون [نعبد] المسيح. فيقول هل يسركم الماء؟ قال: فيقولون: نعم. فيريهم جهنم وهي كهيئة السراب. ثم كذلك لمن كان يعبد من دون الله جلّ وعزّ شيئاً. ثم قال: ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَّسْئُولُونَ﴾ [الصافات: ٢٤]. ثم قال: ﴿ٱلَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَآءٍ عَن ذِكْرِي﴾. أي عرضنا جهنم للكافرين الذين كانوا لا ينظرون في آيات الله فيتفكروا فيها ولا يتأملون حججه، فيعتبروا بها، وينيبوا إلى توحيده وينقادوا إلى أمره ونهيه. ﴿وَكَانُواْ لاَ يَسْتَطِيعُونَ سَمْعاً﴾ أي: لا يطيقون ان يسمعوا ذكر الله وآياته لخدلان الله إياهم عند ذلك ولعداوتهم للنبي ﷺ واستثقالهم لما أتاهم به. قال: ابن زيد: هؤلاء الكفار. * * ثم قال: ﴿أَفَحَسِبَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَن يَتَّخِذُواْ عِبَادِي مِن دُونِيۤ أَوْلِيَآءَ﴾. والمعنى أفظن الذين كفروا بالله من عبدة الملائكة والمسيح وعزيراً، أن يتخذوا الملائكة والمسيح أولياء لأنفسهم لأجل عبادتهم لهم. كلا بل هم لهم أعداء. والمعنى أفحسبوا أن ينفعهم ذلك. وقيل المعنى أفحسبوا أن يتخذوهم أولياء فيعبدونهم ولا أعاقبهم. وقرأ على بن أبي طالب رضي الله عنه "أفحسب الدين" باسكان السين ورفع الباء على معنى: أفيكفيهم اتخاذ العباد أولياء. وهو مرفوع بالابتداء و "أن يتخذوا الخبر". ثم قال: تعالى: ﴿إِنَّآ أَعْتَدْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ نُزُلاً﴾. أي: أعددنا لهم منزلاً. والنزل عند أهل اللغة ما هيئ للضيف. * * ثم قال: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُم بِٱلأَخْسَرِينَ﴾. أي: قل يا محمد لهؤلاء الذين يجادلونك بالباطل ويمارونك في المسائل من أهل الكتابين: قل هل ننبؤكم بالأخسرين أعمالاً أي بالذين اتبعوا أنفسهم في عمل يبتغون به ربحاً وفضلاً فنالوا به غضباً وهلاكاً ولم يدركوا ما طلبوا. قال: علي بن أبي طالب رضي الله عنه، عني بها الرهبان الذين حبسوا أنفسهم في الصوامع. وقال: الضحاك هم القسيسون والرهبان. وقيل هم اليهود والنصارى. أما اليهود فكذبوا محمداً وأما النصارى فكذبوا وكفروا بالجنة. وقالوا ليس فيها طعام ولا شراب. ونزل في الحرورية ﴿ٱلَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ ٱللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَٰقِهِ﴾ [البقرة: ٢٧] الآية. وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: هم كفرة أهل الكتاب كان أوائلهم على حق فأشركوا بربهم وابتدعوا في دينهم، الذين يجتهدون في الباطل ويحسبون أنهم على حق، ويجتهدون في الضلالة ويحسبون انهم على هدى فضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً. وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه: أنهم الخوارج اهل حرور. وقال: سعيد: هم الخوارج. وقيل هم الصائبون.

الكهف 18:103

قوله: ﴿وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِّلْكَافِرِينَ عَرْضاً﴾ إلى قوله ﴿يُحْسِنُونَ صُنْعاً﴾. المعنى وأبرزنا جهنم يوم نفخ في الصور للكافرين حتى يروها كهيئة السراب. وقال: ابن مسعود: يوم يقوم الخلق لله عز وجل إذا نفخ في الصور، قيام رجل واحد، ثم يتمثل الله فيلقاهم فليس أحد من الخلق كان يعبد من دون الله شيئاً إلا وهو مرفوع له يتبعه. قال: فيلقى اليهود، فيقول من تعبدون؟ فيقولون [نعبد عزيراً. قال: فيقول هل يسركم الماء؟ فيقولون نعم. فيريهم جهنم وهي كهيئة السراب ثم قرأ ﴿وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِّلْكَافِرِينَ عَرْضاً﴾ ثم يلقى الناصرى، فيقول: من تعبدون؟ فيقولون [نعبد] المسيح. فيقول هل يسركم الماء؟ قال: فيقولون: نعم. فيريهم جهنم وهي كهيئة السراب. ثم كذلك لمن كان يعبد من دون الله جلّ وعزّ شيئاً. ثم قال: ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَّسْئُولُونَ﴾ [الصافات: ٢٤]. ثم قال: ﴿ٱلَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَآءٍ عَن ذِكْرِي﴾. أي عرضنا جهنم للكافرين الذين كانوا لا ينظرون في آيات الله فيتفكروا فيها ولا يتأملون حججه، فيعتبروا بها، وينيبوا إلى توحيده وينقادوا إلى أمره ونهيه. ﴿وَكَانُواْ لاَ يَسْتَطِيعُونَ سَمْعاً﴾ أي: لا يطيقون ان يسمعوا ذكر الله وآياته لخدلان الله إياهم عند ذلك ولعداوتهم للنبي ﷺ واستثقالهم لما أتاهم به. قال: ابن زيد: هؤلاء الكفار. * * ثم قال: ﴿أَفَحَسِبَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَن يَتَّخِذُواْ عِبَادِي مِن دُونِيۤ أَوْلِيَآءَ﴾. والمعنى أفظن الذين كفروا بالله من عبدة الملائكة والمسيح وعزيراً، أن يتخذوا الملائكة والمسيح أولياء لأنفسهم لأجل عبادتهم لهم. كلا بل هم لهم أعداء. والمعنى أفحسبوا أن ينفعهم ذلك. وقيل المعنى أفحسبوا أن يتخذوهم أولياء فيعبدونهم ولا أعاقبهم. وقرأ على بن أبي طالب رضي الله عنه "أفحسب الدين" باسكان السين ورفع الباء على معنى: أفيكفيهم اتخاذ العباد أولياء. وهو مرفوع بالابتداء و "أن يتخذوا الخبر". ثم قال: تعالى: ﴿إِنَّآ أَعْتَدْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ نُزُلاً﴾. أي: أعددنا لهم منزلاً. والنزل عند أهل اللغة ما هيئ للضيف. * * ثم قال: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُم بِٱلأَخْسَرِينَ﴾. أي: قل يا محمد لهؤلاء الذين يجادلونك بالباطل ويمارونك في المسائل من أهل الكتابين: قل هل ننبؤكم بالأخسرين أعمالاً أي بالذين اتبعوا أنفسهم في عمل يبتغون به ربحاً وفضلاً فنالوا به غضباً وهلاكاً ولم يدركوا ما طلبوا. قال: علي بن أبي طالب رضي الله عنه، عني بها الرهبان الذين حبسوا أنفسهم في الصوامع. وقال: الضحاك هم القسيسون والرهبان. وقيل هم اليهود والنصارى. أما اليهود فكذبوا محمداً وأما النصارى فكذبوا وكفروا بالجنة. وقالوا ليس فيها طعام ولا شراب. ونزل في الحرورية ﴿ٱلَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ ٱللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَٰقِهِ﴾ [البقرة: ٢٧] الآية. وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: هم كفرة أهل الكتاب كان أوائلهم على حق فأشركوا بربهم وابتدعوا في دينهم، الذين يجتهدون في الباطل ويحسبون أنهم على حق، ويجتهدون في الضلالة ويحسبون انهم على هدى فضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً. وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه: أنهم الخوارج اهل حرور. وقال: سعيد: هم الخوارج. وقيل هم الصائبون.

الكهف 18:104

قوله: ﴿وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِّلْكَافِرِينَ عَرْضاً﴾ إلى قوله ﴿يُحْسِنُونَ صُنْعاً﴾. المعنى وأبرزنا جهنم يوم نفخ في الصور للكافرين حتى يروها كهيئة السراب. وقال: ابن مسعود: يوم يقوم الخلق لله عز وجل إذا نفخ في الصور، قيام رجل واحد، ثم يتمثل الله فيلقاهم فليس أحد من الخلق كان يعبد من دون الله شيئاً إلا وهو مرفوع له يتبعه. قال: فيلقى اليهود، فيقول من تعبدون؟ فيقولون [نعبد عزيراً. قال: فيقول هل يسركم الماء؟ فيقولون نعم. فيريهم جهنم وهي كهيئة السراب ثم قرأ ﴿وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِّلْكَافِرِينَ عَرْضاً﴾ ثم يلقى الناصرى، فيقول: من تعبدون؟ فيقولون [نعبد] المسيح. فيقول هل يسركم الماء؟ قال: فيقولون: نعم. فيريهم جهنم وهي كهيئة السراب. ثم كذلك لمن كان يعبد من دون الله جلّ وعزّ شيئاً. ثم قال: ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَّسْئُولُونَ﴾ [الصافات: ٢٤]. ثم قال: ﴿ٱلَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَآءٍ عَن ذِكْرِي﴾. أي عرضنا جهنم للكافرين الذين كانوا لا ينظرون في آيات الله فيتفكروا فيها ولا يتأملون حججه، فيعتبروا بها، وينيبوا إلى توحيده وينقادوا إلى أمره ونهيه. ﴿وَكَانُواْ لاَ يَسْتَطِيعُونَ سَمْعاً﴾ أي: لا يطيقون ان يسمعوا ذكر الله وآياته لخدلان الله إياهم عند ذلك ولعداوتهم للنبي ﷺ واستثقالهم لما أتاهم به. قال: ابن زيد: هؤلاء الكفار. * * ثم قال: ﴿أَفَحَسِبَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَن يَتَّخِذُواْ عِبَادِي مِن دُونِيۤ أَوْلِيَآءَ﴾. والمعنى أفظن الذين كفروا بالله من عبدة الملائكة والمسيح وعزيراً، أن يتخذوا الملائكة والمسيح أولياء لأنفسهم لأجل عبادتهم لهم. كلا بل هم لهم أعداء. والمعنى أفحسبوا أن ينفعهم ذلك. وقيل المعنى أفحسبوا أن يتخذوهم أولياء فيعبدونهم ولا أعاقبهم. وقرأ على بن أبي طالب رضي الله عنه "أفحسب الدين" باسكان السين ورفع الباء على معنى: أفيكفيهم اتخاذ العباد أولياء. وهو مرفوع بالابتداء و "أن يتخذوا الخبر". ثم قال: تعالى: ﴿إِنَّآ أَعْتَدْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ نُزُلاً﴾. أي: أعددنا لهم منزلاً. والنزل عند أهل اللغة ما هيئ للضيف. * * ثم قال: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُم بِٱلأَخْسَرِينَ﴾. أي: قل يا محمد لهؤلاء الذين يجادلونك بالباطل ويمارونك في المسائل من أهل الكتابين: قل هل ننبؤكم بالأخسرين أعمالاً أي بالذين اتبعوا أنفسهم في عمل يبتغون به ربحاً وفضلاً فنالوا به غضباً وهلاكاً ولم يدركوا ما طلبوا. قال: علي بن أبي طالب رضي الله عنه، عني بها الرهبان الذين حبسوا أنفسهم في الصوامع. وقال: الضحاك هم القسيسون والرهبان. وقيل هم اليهود والنصارى. أما اليهود فكذبوا محمداً وأما النصارى فكذبوا وكفروا بالجنة. وقالوا ليس فيها طعام ولا شراب. ونزل في الحرورية ﴿ٱلَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ ٱللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَٰقِهِ﴾ [البقرة: ٢٧] الآية. وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: هم كفرة أهل الكتاب كان أوائلهم على حق فأشركوا بربهم وابتدعوا في دينهم، الذين يجتهدون في الباطل ويحسبون أنهم على حق، ويجتهدون في الضلالة ويحسبون انهم على هدى فضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً. وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه: أنهم الخوارج اهل حرور. وقال: سعيد: هم الخوارج. وقيل هم الصائبون.

الكهف 18:105

قوله: ﴿أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ﴾ إلى قوله: ﴿عَنْهَا حِوَلاً﴾. أي: الذين تقدمت صفتهم واعمالهم ضلت هم ﴿ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ﴾ أي: جحدوا ذلك ﴿فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾ أي: بطلت ﴿فَلاَ نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ وَزْناً﴾ أي: لا يثقل لهم ميزان بعمل صالح. روى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: "يؤتى يوم القيامة بالعظيم الطويل الأكول الشروب فلا يزن جناح بعوضة، واقرؤوا إن شئتم: ﴿فَلاَ نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ وَزْناً﴾ ثم قال: أبو محمد: وهذا النص يدل على وزن اعمال الكفار. فلا يثقل بها ميزان إذا كانت لغير الله وإذ [كان] لا يصحبها توحيد ولا إيمان بالرسل. [قال: تعالى]: ﴿لَهُمْ سُوۤءُ ٱلْحِسَابِ﴾ [الرعد: ١٨] وقال: فيهم: ﴿وَعَلَيْنَا ٱلْحِسَابُ﴾ [الرعد: ٤٠] أي حساب من كفر. وقال: الله عز وجل ﴿فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ﴾ [النور: ٣٩] وقال: عن الكفار: ﴿وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٦]. وقال: عن الكفار أنهم قالوا: ﴿عَجِّل لَّنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ ٱلْحِسَابِ﴾ [ص: ١٦] وقال ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ [الحجر: ٩٢-٩٣] وقال: ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ ٱلَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ ٱلْمُرْسَلِينَ﴾ [الاعراف: ٦] وقال: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَآئِرَهُ فِي عُنُقِهِ﴾ [الاسراء: ١٣] أي: كتاب عمله. وقد ذكر تعالى ذكره وزن اعمال الكفار في غير ما موضع من كتابه. وذلك ما عظم الحساب، وهو كثير في القرآن مكرر يدل على محاسبة الكفار. ثم قال: تعالى ﴿ذَلِكَ جَزَآؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُواْ﴾. أي ثوابهم جهنم بكفرهم واتخاذهم آياتي ورسلي هزؤاً، أي سخرياً. * * ثم قال: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ ٱلْفِرْدَوْسِ نُزُلاً﴾. أي: الذين صدقوا الله ورسوله وأقروا بتوحيده وكتبه ورسله، وعملوا بطاعته كانت لهم جنات الفردوس نزلاً. وهي أفضل الجنات. وأوسطها، قاله قتادة. وقال: كعب: ليس في الجنات جنة أعلى من جنة الفردوس فيها الآمرون بالمعروف الناهون عن المنكر. وقيل الفردوس هو البستان بالرومية، قاله مجاهد. وقال: كعب: جنات الفردوس التي فيها الأعناب. وقيل الفردوس الأودية التي تنبت ضروباً من النبات. وقال: أبو هريرة الفردوس جبل في الجنة يتفجر منه أنهار الجنة. وقيل الفردوس سرة الجنة. وقيل الفردوس الكروم وقيل هو في الرومية منقول إلى لفظ العربية. وروى عبادة بن الصامت عن النبي ﷺ أنه قال: "الجنة مائة درجة ما بين كل درجتين مسيرة مائة عام والفردوس أعلاها. ومنها الأنهار الأربعة، والفردوس فوقها. فإذا سألتم الله عز وجل فاسألوه الفردوس" وفي حديث آخر "ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض وعنه ﷺ من رواية أبي سعيد الخدري أنه قال: "فإذا سألتم الله فاسألوه الفردوس فإنه أوسط الجنة واعلاها، وفوقها عرش الرحمن ومنها تفجر انهار الجنة وكذلك روى معاذ بن جبل عن النبي عليه السلام أنه قال: "إن في الجنة مائة درجة ما بين كل درجة ما بين السماء والأرض والفردوس أعلا الجنة وأوسطها وفوقها عرش الرحمن ومنها يفجر أنهار الجنة فإذا سألتم الله عز وجل فاسألوه الفردوس وقوله: ﴿نُزُلاً﴾ يعني منازل أو مساكن وهو من نزول بعض الناس على بعض. و ﴿خَالِدِينَ﴾ "لابثين فيها أبداً". ﴿لاَ يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلاً﴾ أي: لا يريدون تحولاً. وحولاً مصدر تحولت. خرج عن أصله كتعوج عوجاً. ويقال: قد حال من المكان حولاً. وقال: مجاهد: "حولاً" متحولاً. وروي عن بعض اصحاب أنس أنه قال: يقول أول من يدخل الجنة: إنما أدخلني الله أولهم لأنه ليس احد أعطاه مثل الذي أعطاني. وقيل معنى "حولاً" لا يحتالون في غيرها فهو من الحيلة على هذا.

الكهف 18:106

قوله: ﴿أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ﴾ إلى قوله: ﴿عَنْهَا حِوَلاً﴾. أي: الذين تقدمت صفتهم واعمالهم ضلت هم ﴿ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ﴾ أي: جحدوا ذلك ﴿فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾ أي: بطلت ﴿فَلاَ نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ وَزْناً﴾ أي: لا يثقل لهم ميزان بعمل صالح. روى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: "يؤتى يوم القيامة بالعظيم الطويل الأكول الشروب فلا يزن جناح بعوضة، واقرؤوا إن شئتم: ﴿فَلاَ نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ وَزْناً﴾ ثم قال: أبو محمد: وهذا النص يدل على وزن اعمال الكفار. فلا يثقل بها ميزان إذا كانت لغير الله وإذ [كان] لا يصحبها توحيد ولا إيمان بالرسل. [قال: تعالى]: ﴿لَهُمْ سُوۤءُ ٱلْحِسَابِ﴾ [الرعد: ١٨] وقال: فيهم: ﴿وَعَلَيْنَا ٱلْحِسَابُ﴾ [الرعد: ٤٠] أي حساب من كفر. وقال: الله عز وجل ﴿فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ﴾ [النور: ٣٩] وقال: عن الكفار: ﴿وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٦]. وقال: عن الكفار أنهم قالوا: ﴿عَجِّل لَّنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ ٱلْحِسَابِ﴾ [ص: ١٦] وقال ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ [الحجر: ٩٢-٩٣] وقال: ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ ٱلَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ ٱلْمُرْسَلِينَ﴾ [الاعراف: ٦] وقال: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَآئِرَهُ فِي عُنُقِهِ﴾ [الاسراء: ١٣] أي: كتاب عمله. وقد ذكر تعالى ذكره وزن اعمال الكفار في غير ما موضع من كتابه. وذلك ما عظم الحساب، وهو كثير في القرآن مكرر يدل على محاسبة الكفار. ثم قال: تعالى ﴿ذَلِكَ جَزَآؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُواْ﴾. أي ثوابهم جهنم بكفرهم واتخاذهم آياتي ورسلي هزؤاً، أي سخرياً. * * ثم قال: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ ٱلْفِرْدَوْسِ نُزُلاً﴾. أي: الذين صدقوا الله ورسوله وأقروا بتوحيده وكتبه ورسله، وعملوا بطاعته كانت لهم جنات الفردوس نزلاً. وهي أفضل الجنات. وأوسطها، قاله قتادة. وقال: كعب: ليس في الجنات جنة أعلى من جنة الفردوس فيها الآمرون بالمعروف الناهون عن المنكر. وقيل الفردوس هو البستان بالرومية، قاله مجاهد. وقال: كعب: جنات الفردوس التي فيها الأعناب. وقيل الفردوس الأودية التي تنبت ضروباً من النبات. وقال: أبو هريرة الفردوس جبل في الجنة يتفجر منه أنهار الجنة. وقيل الفردوس سرة الجنة. وقيل الفردوس الكروم وقيل هو في الرومية منقول إلى لفظ العربية. وروى عبادة بن الصامت عن النبي ﷺ أنه قال: "الجنة مائة درجة ما بين كل درجتين مسيرة مائة عام والفردوس أعلاها. ومنها الأنهار الأربعة، والفردوس فوقها. فإذا سألتم الله عز وجل فاسألوه الفردوس" وفي حديث آخر "ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض وعنه ﷺ من رواية أبي سعيد الخدري أنه قال: "فإذا سألتم الله فاسألوه الفردوس فإنه أوسط الجنة واعلاها، وفوقها عرش الرحمن ومنها تفجر انهار الجنة وكذلك روى معاذ بن جبل عن النبي عليه السلام أنه قال: "إن في الجنة مائة درجة ما بين كل درجة ما بين السماء والأرض والفردوس أعلا الجنة وأوسطها وفوقها عرش الرحمن ومنها يفجر أنهار الجنة فإذا سألتم الله عز وجل فاسألوه الفردوس وقوله: ﴿نُزُلاً﴾ يعني منازل أو مساكن وهو من نزول بعض الناس على بعض. و ﴿خَالِدِينَ﴾ "لابثين فيها أبداً". ﴿لاَ يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلاً﴾ أي: لا يريدون تحولاً. وحولاً مصدر تحولت. خرج عن أصله كتعوج عوجاً. ويقال: قد حال من المكان حولاً. وقال: مجاهد: "حولاً" متحولاً. وروي عن بعض اصحاب أنس أنه قال: يقول أول من يدخل الجنة: إنما أدخلني الله أولهم لأنه ليس احد أعطاه مثل الذي أعطاني. وقيل معنى "حولاً" لا يحتالون في غيرها فهو من الحيلة على هذا.

الكهف 18:107

قوله: ﴿أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ﴾ إلى قوله: ﴿عَنْهَا حِوَلاً﴾. أي: الذين تقدمت صفتهم واعمالهم ضلت هم ﴿ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ﴾ أي: جحدوا ذلك ﴿فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾ أي: بطلت ﴿فَلاَ نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ وَزْناً﴾ أي: لا يثقل لهم ميزان بعمل صالح. روى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: "يؤتى يوم القيامة بالعظيم الطويل الأكول الشروب فلا يزن جناح بعوضة، واقرؤوا إن شئتم: ﴿فَلاَ نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ وَزْناً﴾ ثم قال: أبو محمد: وهذا النص يدل على وزن اعمال الكفار. فلا يثقل بها ميزان إذا كانت لغير الله وإذ [كان] لا يصحبها توحيد ولا إيمان بالرسل. [قال: تعالى]: ﴿لَهُمْ سُوۤءُ ٱلْحِسَابِ﴾ [الرعد: ١٨] وقال: فيهم: ﴿وَعَلَيْنَا ٱلْحِسَابُ﴾ [الرعد: ٤٠] أي حساب من كفر. وقال: الله عز وجل ﴿فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ﴾ [النور: ٣٩] وقال: عن الكفار: ﴿وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٦]. وقال: عن الكفار أنهم قالوا: ﴿عَجِّل لَّنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ ٱلْحِسَابِ﴾ [ص: ١٦] وقال ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ [الحجر: ٩٢-٩٣] وقال: ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ ٱلَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ ٱلْمُرْسَلِينَ﴾ [الاعراف: ٦] وقال: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَآئِرَهُ فِي عُنُقِهِ﴾ [الاسراء: ١٣] أي: كتاب عمله. وقد ذكر تعالى ذكره وزن اعمال الكفار في غير ما موضع من كتابه. وذلك ما عظم الحساب، وهو كثير في القرآن مكرر يدل على محاسبة الكفار. ثم قال: تعالى ﴿ذَلِكَ جَزَآؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُواْ﴾. أي ثوابهم جهنم بكفرهم واتخاذهم آياتي ورسلي هزؤاً، أي سخرياً. * * ثم قال: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ ٱلْفِرْدَوْسِ نُزُلاً﴾. أي: الذين صدقوا الله ورسوله وأقروا بتوحيده وكتبه ورسله، وعملوا بطاعته كانت لهم جنات الفردوس نزلاً. وهي أفضل الجنات. وأوسطها، قاله قتادة. وقال: كعب: ليس في الجنات جنة أعلى من جنة الفردوس فيها الآمرون بالمعروف الناهون عن المنكر. وقيل الفردوس هو البستان بالرومية، قاله مجاهد. وقال: كعب: جنات الفردوس التي فيها الأعناب. وقيل الفردوس الأودية التي تنبت ضروباً من النبات. وقال: أبو هريرة الفردوس جبل في الجنة يتفجر منه أنهار الجنة. وقيل الفردوس سرة الجنة. وقيل الفردوس الكروم وقيل هو في الرومية منقول إلى لفظ العربية. وروى عبادة بن الصامت عن النبي ﷺ أنه قال: "الجنة مائة درجة ما بين كل درجتين مسيرة مائة عام والفردوس أعلاها. ومنها الأنهار الأربعة، والفردوس فوقها. فإذا سألتم الله عز وجل فاسألوه الفردوس" وفي حديث آخر "ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض وعنه ﷺ من رواية أبي سعيد الخدري أنه قال: "فإذا سألتم الله فاسألوه الفردوس فإنه أوسط الجنة واعلاها، وفوقها عرش الرحمن ومنها تفجر انهار الجنة وكذلك روى معاذ بن جبل عن النبي عليه السلام أنه قال: "إن في الجنة مائة درجة ما بين كل درجة ما بين السماء والأرض والفردوس أعلا الجنة وأوسطها وفوقها عرش الرحمن ومنها يفجر أنهار الجنة فإذا سألتم الله عز وجل فاسألوه الفردوس وقوله: ﴿نُزُلاً﴾ يعني منازل أو مساكن وهو من نزول بعض الناس على بعض. و ﴿خَالِدِينَ﴾ "لابثين فيها أبداً". ﴿لاَ يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلاً﴾ أي: لا يريدون تحولاً. وحولاً مصدر تحولت. خرج عن أصله كتعوج عوجاً. ويقال: قد حال من المكان حولاً. وقال: مجاهد: "حولاً" متحولاً. وروي عن بعض اصحاب أنس أنه قال: يقول أول من يدخل الجنة: إنما أدخلني الله أولهم لأنه ليس احد أعطاه مثل الذي أعطاني. وقيل معنى "حولاً" لا يحتالون في غيرها فهو من الحيلة على هذا.

الكهف 18:108

قوله: ﴿أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ﴾ إلى قوله: ﴿عَنْهَا حِوَلاً﴾. أي: الذين تقدمت صفتهم واعمالهم ضلت هم ﴿ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ﴾ أي: جحدوا ذلك ﴿فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾ أي: بطلت ﴿فَلاَ نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ وَزْناً﴾ أي: لا يثقل لهم ميزان بعمل صالح. روى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: "يؤتى يوم القيامة بالعظيم الطويل الأكول الشروب فلا يزن جناح بعوضة، واقرؤوا إن شئتم: ﴿فَلاَ نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ وَزْناً﴾ ثم قال: أبو محمد: وهذا النص يدل على وزن اعمال الكفار. فلا يثقل بها ميزان إذا كانت لغير الله وإذ [كان] لا يصحبها توحيد ولا إيمان بالرسل. [قال: تعالى]: ﴿لَهُمْ سُوۤءُ ٱلْحِسَابِ﴾ [الرعد: ١٨] وقال: فيهم: ﴿وَعَلَيْنَا ٱلْحِسَابُ﴾ [الرعد: ٤٠] أي حساب من كفر. وقال: الله عز وجل ﴿فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ﴾ [النور: ٣٩] وقال: عن الكفار: ﴿وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٦]. وقال: عن الكفار أنهم قالوا: ﴿عَجِّل لَّنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ ٱلْحِسَابِ﴾ [ص: ١٦] وقال ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ [الحجر: ٩٢-٩٣] وقال: ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ ٱلَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ ٱلْمُرْسَلِينَ﴾ [الاعراف: ٦] وقال: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَآئِرَهُ فِي عُنُقِهِ﴾ [الاسراء: ١٣] أي: كتاب عمله. وقد ذكر تعالى ذكره وزن اعمال الكفار في غير ما موضع من كتابه. وذلك ما عظم الحساب، وهو كثير في القرآن مكرر يدل على محاسبة الكفار. ثم قال: تعالى ﴿ذَلِكَ جَزَآؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُواْ﴾. أي ثوابهم جهنم بكفرهم واتخاذهم آياتي ورسلي هزؤاً، أي سخرياً. * * ثم قال: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ ٱلْفِرْدَوْسِ نُزُلاً﴾. أي: الذين صدقوا الله ورسوله وأقروا بتوحيده وكتبه ورسله، وعملوا بطاعته كانت لهم جنات الفردوس نزلاً. وهي أفضل الجنات. وأوسطها، قاله قتادة. وقال: كعب: ليس في الجنات جنة أعلى من جنة الفردوس فيها الآمرون بالمعروف الناهون عن المنكر. وقيل الفردوس هو البستان بالرومية، قاله مجاهد. وقال: كعب: جنات الفردوس التي فيها الأعناب. وقيل الفردوس الأودية التي تنبت ضروباً من النبات. وقال: أبو هريرة الفردوس جبل في الجنة يتفجر منه أنهار الجنة. وقيل الفردوس سرة الجنة. وقيل الفردوس الكروم وقيل هو في الرومية منقول إلى لفظ العربية. وروى عبادة بن الصامت عن النبي ﷺ أنه قال: "الجنة مائة درجة ما بين كل درجتين مسيرة مائة عام والفردوس أعلاها. ومنها الأنهار الأربعة، والفردوس فوقها. فإذا سألتم الله عز وجل فاسألوه الفردوس" وفي حديث آخر "ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض وعنه ﷺ من رواية أبي سعيد الخدري أنه قال: "فإذا سألتم الله فاسألوه الفردوس فإنه أوسط الجنة واعلاها، وفوقها عرش الرحمن ومنها تفجر انهار الجنة وكذلك روى معاذ بن جبل عن النبي عليه السلام أنه قال: "إن في الجنة مائة درجة ما بين كل درجة ما بين السماء والأرض والفردوس أعلا الجنة وأوسطها وفوقها عرش الرحمن ومنها يفجر أنهار الجنة فإذا سألتم الله عز وجل فاسألوه الفردوس وقوله: ﴿نُزُلاً﴾ يعني منازل أو مساكن وهو من نزول بعض الناس على بعض. و ﴿خَالِدِينَ﴾ "لابثين فيها أبداً". ﴿لاَ يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلاً﴾ أي: لا يريدون تحولاً. وحولاً مصدر تحولت. خرج عن أصله كتعوج عوجاً. ويقال: قد حال من المكان حولاً. وقال: مجاهد: "حولاً" متحولاً. وروي عن بعض اصحاب أنس أنه قال: يقول أول من يدخل الجنة: إنما أدخلني الله أولهم لأنه ليس احد أعطاه مثل الذي أعطاني. وقيل معنى "حولاً" لا يحتالون في غيرها فهو من الحيلة على هذا.

الكهف 18:109

قوله ﴿قُل لَّوْ كَانَ ٱلْبَحْرُ مِدَاداً لِّكَلِمَاتِ رَبِّي﴾ إلى آخر السورة. والمعنى، قل يا محمد لهؤلاء الكافرين بك، السائلين عن المسائل، لو كان ماء البحر مداداً للقلم الذي يكتب به كلمات ربي لنفد ماء البحر قبل أن تنفد كلمات ربي. * * ثم قال: ﴿وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَداً﴾. أي: لو مددنا البحر بمثل ما فيه من الماء، ما فرغت كلمات ربي، والمدد الزيادة والمعونة، يقول جئتك مدداً لكم، أي زيادة ومنه قيل لما يكتب به مِداد: لأنه يمد الكاتب شيئاً بعد شيء. والمداد جمع واحدته مدادة. ويجوز أن يكون المداد مصدر مد. وقرأ ابن عباس ﴿وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَداً﴾ على معنى ولو زدنا مثل ما فيه من المدد الذي يكتب به مداداً. * * ثم قال: ﴿قُلْ إِنَّمَآ أَنَاْ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰ إِلَيَّ أَنَّمَآ إِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ﴾. أي: قل لهؤلاء المشركين، إنما أنا إنسان مثلكم من بني آدم، لا علم لي إلا ما علمني الله، يوحي إلي إنما معبودكم معبود واحد لا ثاني له. * * قوله: ﴿فَمَن كَانَ يَرْجُواْ لِقَآءَ رَبِّهِ﴾. أي: يخاف لقاء ربه يوم القيامة ويخاف عقابه ﴿فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً﴾ فليخلص العبادة لله ويعمل بطاعته، قال: ابن جبير: ﴿يَرْجُواْ لِقَآءَ رَبِّهِ﴾ أي لقاء ثواب ربه. فعلى قول ابن جبير يرجو بمعنى ينظر ويطمع ويوقن وعلى القول الأول يرجو بمعنى يخاف كقوله: ﴿مَّا لَكُمْ لاَ تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراً﴾ [نوح: ١٣] أي لا تخافون لله عظمة كقوله ﴿قَالَ ٱلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَآءَنَا﴾ [يونس: ١٥] أي لا يخافون. ويحتمل أن يكون ﴿لاَ يَرْجُونَ﴾ لا ينتظرون ولا يوقنون بلقائنا. وقد فسر أكثر الناس ترجو بمعنى تطمع. وقال: مقاتل في قوله: ﴿فَمَن كَانَ يَرْجُواْ لِقَآءَ رَبِّهِ﴾ أي يخشى لقاء ربه، ويخشى بمعنى يخاف، وقال: الفراء وغيره من الكوفيين لا يكون الرجاء بمعنى الخوف إلاّ مع الجحد. كقولك ما رجوت ولم أرج ولا أرجو. وقال: ابن المبارك: ﴿يَرْجُواْ لِقَآءَ رَبِّهِ﴾ هو النظر إلى الله جل ذكره. فالرجاء في هذا بمعنى الطمع، وذكر الزجاج وغيره الرجاء بمعنى الخوف، فلا جحد معه. وأصل الرجاء وبابه أن يأتي بمعنى الطمع الذي يقرب من اليقين، يقع بمعنى الخوف على ما ذكرنا من الاختلاف والمعنيان متداخلان لأن من أيقن وطمع بلقاء ربه وثوابه خاف عقابه. ولا يخاف عقاب ربه إلا من طمع وأيقن بلقاء ثواب ربه. وكل واحد من المعنيين مرتبط بالآخر على ما ترى. * * ثم قال: ﴿وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدَاً﴾. أي: لا يعبد معه غيره . وقيل: لا يراني بعمله الذي يعمله لله أحداً. وسأل رجل عبادة بن الصامت رحمه الله وقال: أرأيت رجلاً يصلي يبتغي وجه الله ويحب أن يحمد؟ ويتصدق ويبتغي وجه الله، ويحب أن يحمد؟ ويحج ويبتغي وجه الله، ويحب أن يحمد؟ فقال: عبادة: ليس له شيء. إن الله عز وجل يقول أنا خير شريك. فمن كان له معي شريك فهو له كله لا حاجة لي فيه. وروى طاوس أن رجلا أتى النبي ﷺ فقال: يا نبي الله إني أحب الجهاد في سبيل الله وأحب أن يرى موطني ويرى مكاني. فأنزل الله عز وجل: ﴿فَمَن كَانَ يَرْجُواْ لِقَآءَ رَبِّهِ﴾ الآية، وقال: سفيان رضي الله عنه: الشرك هنا الرياء. وقال: معاوية بن أبي سفيان على المنبر وقد قرأ هذه الآية: إنها آخر آية نزلت من القرآن، يعني والله أعلم بمكة لأن السورة مكية. وقال: الحسن رحمه الله: نزلت هذه الآية في المؤمنين، والشرك الرياء. وقال: ابن عباس: هي في المشركين. أي لا يعبد مع الله احداً. والرياء إنما يكون في التطوع فأما في الفرائض فقد استوى الناس فيها فليس فيها رياء. وقال: بكر القاضي: سمعت سهل بن عبد الله الزاهد يقول: الرياء في أهل القدر، لأنهم يعتقدون أن أعمالهم من أنفسهم واستطاعتهم. فأما أهل السنة فيعتقدون في أعمال البر كلها أنها من فضل الله عليهم ولولا ذلك ما قدروا عليها. فليس يكون الرياء فيهم إلا خاطراً لا يبطل بما يعتقدوه. فلا رياء يصح عليهم إن شاء الله. وصلى الله على محمد نبيه وعلى آله وأصحابه وأزواجه وذرياته وسلم تسليماً.

الكهف 18:110

قوله ﴿قُل لَّوْ كَانَ ٱلْبَحْرُ مِدَاداً لِّكَلِمَاتِ رَبِّي﴾ إلى آخر السورة. والمعنى، قل يا محمد لهؤلاء الكافرين بك، السائلين عن المسائل، لو كان ماء البحر مداداً للقلم الذي يكتب به كلمات ربي لنفد ماء البحر قبل أن تنفد كلمات ربي. * * ثم قال: ﴿وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَداً﴾. أي: لو مددنا البحر بمثل ما فيه من الماء، ما فرغت كلمات ربي، والمدد الزيادة والمعونة، يقول جئتك مدداً لكم، أي زيادة ومنه قيل لما يكتب به مِداد: لأنه يمد الكاتب شيئاً بعد شيء. والمداد جمع واحدته مدادة. ويجوز أن يكون المداد مصدر مد. وقرأ ابن عباس ﴿وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَداً﴾ على معنى ولو زدنا مثل ما فيه من المدد الذي يكتب به مداداً. * * ثم قال: ﴿قُلْ إِنَّمَآ أَنَاْ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰ إِلَيَّ أَنَّمَآ إِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ﴾. أي: قل لهؤلاء المشركين، إنما أنا إنسان مثلكم من بني آدم، لا علم لي إلا ما علمني الله، يوحي إلي إنما معبودكم معبود واحد لا ثاني له. * * قوله: ﴿فَمَن كَانَ يَرْجُواْ لِقَآءَ رَبِّهِ﴾. أي: يخاف لقاء ربه يوم القيامة ويخاف عقابه ﴿فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً﴾ فليخلص العبادة لله ويعمل بطاعته، قال: ابن جبير: ﴿يَرْجُواْ لِقَآءَ رَبِّهِ﴾ أي لقاء ثواب ربه. فعلى قول ابن جبير يرجو بمعنى ينظر ويطمع ويوقن وعلى القول الأول يرجو بمعنى يخاف كقوله: ﴿مَّا لَكُمْ لاَ تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراً﴾ [نوح: ١٣] أي لا تخافون لله عظمة كقوله ﴿قَالَ ٱلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَآءَنَا﴾ [يونس: ١٥] أي لا يخافون. ويحتمل أن يكون ﴿لاَ يَرْجُونَ﴾ لا ينتظرون ولا يوقنون بلقائنا. وقد فسر أكثر الناس ترجو بمعنى تطمع. وقال: مقاتل في قوله: ﴿فَمَن كَانَ يَرْجُواْ لِقَآءَ رَبِّهِ﴾ أي يخشى لقاء ربه، ويخشى بمعنى يخاف، وقال: الفراء وغيره من الكوفيين لا يكون الرجاء بمعنى الخوف إلاّ مع الجحد. كقولك ما رجوت ولم أرج ولا أرجو. وقال: ابن المبارك: ﴿يَرْجُواْ لِقَآءَ رَبِّهِ﴾ هو النظر إلى الله جل ذكره. فالرجاء في هذا بمعنى الطمع، وذكر الزجاج وغيره الرجاء بمعنى الخوف، فلا جحد معه. وأصل الرجاء وبابه أن يأتي بمعنى الطمع الذي يقرب من اليقين، يقع بمعنى الخوف على ما ذكرنا من الاختلاف والمعنيان متداخلان لأن من أيقن وطمع بلقاء ربه وثوابه خاف عقابه. ولا يخاف عقاب ربه إلا من طمع وأيقن بلقاء ثواب ربه. وكل واحد من المعنيين مرتبط بالآخر على ما ترى. * * ثم قال: ﴿وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدَاً﴾. أي: لا يعبد معه غيره . وقيل: لا يراني بعمله الذي يعمله لله أحداً. وسأل رجل عبادة بن الصامت رحمه الله وقال: أرأيت رجلاً يصلي يبتغي وجه الله ويحب أن يحمد؟ ويتصدق ويبتغي وجه الله، ويحب أن يحمد؟ ويحج ويبتغي وجه الله، ويحب أن يحمد؟ فقال: عبادة: ليس له شيء. إن الله عز وجل يقول أنا خير شريك. فمن كان له معي شريك فهو له كله لا حاجة لي فيه. وروى طاوس أن رجلا أتى النبي ﷺ فقال: يا نبي الله إني أحب الجهاد في سبيل الله وأحب أن يرى موطني ويرى مكاني. فأنزل الله عز وجل: ﴿فَمَن كَانَ يَرْجُواْ لِقَآءَ رَبِّهِ﴾ الآية، وقال: سفيان رضي الله عنه: الشرك هنا الرياء. وقال: معاوية بن أبي سفيان على المنبر وقد قرأ هذه الآية: إنها آخر آية نزلت من القرآن، يعني والله أعلم بمكة لأن السورة مكية. وقال: الحسن رحمه الله: نزلت هذه الآية في المؤمنين، والشرك الرياء. وقال: ابن عباس: هي في المشركين. أي لا يعبد مع الله احداً. والرياء إنما يكون في التطوع فأما في الفرائض فقد استوى الناس فيها فليس فيها رياء. وقال: بكر القاضي: سمعت سهل بن عبد الله الزاهد يقول: الرياء في أهل القدر، لأنهم يعتقدون أن أعمالهم من أنفسهم واستطاعتهم. فأما أهل السنة فيعتقدون في أعمال البر كلها أنها من فضل الله عليهم ولولا ذلك ما قدروا عليها. فليس يكون الرياء فيهم إلا خاطراً لا يبطل بما يعتقدوه. فلا رياء يصح عليهم إن شاء الله. وصلى الله على محمد نبيه وعلى آله وأصحابه وأزواجه وذرياته وسلم تسليماً.

مريم 19:1

قوله تعالى ذكره: ﴿كۤهيعۤصۤ﴾. قرأ بعض القراء بإمالة الهاء والياء. وعلة الإمالة أنها أحرف مقصورة، فإذا ثنيت، ثنيت بالياء، فشابهت ما ثني بالياء من الأسماء، فأميلت لذلك. وعلة الإمالة فيها عند الخليل وسيبويه أنها أسماء للحروف، فجازت إمالتها ليفرق بينها وبين الحروف التي لا يجوز إمالتها نحو: ما ولا وإلا وما بمعنى الذي، لا يحسن عندهما إمالة شيء من هذا فإن سميت بشيء منها جازت الإمالة. ولا يحسن إمالة كاف ولا قاف وصاد، لأن الألف متوسطة. وهذه الحروف عند ابن عباس مأخوذة من أسماء دالة، على ذلك. فالكاف تدل على كبير. وقيل: الكاف تدل على كاف. قاله ابن جبير والضحاك. وروي أيضاً عن ابن جبير، أن الكاف تدل على "كريم"، وقال ابن عباس وابن جبير: الهاء تدل على هاد، وكذلك قال الضحاك. وقال ابن جبير: الياء، من حكيم. وعن الربيع بن أنس أن الياء من [قولك]: يا من يجير ولا يجار عليه. وقال ابن عباس وابن جبير: العين من عالم. وعن ابن عباس أيضاً: العين من عزيز. وقال الضحاك: العين من عدل. وقال ابن عباس وابن جبير: الصاد من صادق. وعنه أيضاً: الكاف، كاف، والهاء، هاد. والياء، يد من الله على خلقه. والعين، عالم بهم والصاد، صادق فيما وعدهم. وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: ﴿كۤهيعۤصۤ﴾ كله اسم من أسماء الله. وروي عنه أنه كان يقول: (يا كَهَيعَص) اغفر لي. وعن ابن عباس أنه قال: هو قسم أقسم الله به، وهو من أسماء الله. وقال أبو العالية: كل حرف على حدته اسم من أسماء الله وقال قتادة: ﴿كۤهيعۤصۤ﴾ اسم من أسماء القرآن. و ﴿كۤهيعۤصۤ﴾ تمام عند الأخفش، وموضعها رفع عنده والتقدير: وفيما نقص عليكم، ﴿كۤهيعۤصۤ﴾ وليس بتمام عند الفراء، لأن ﴿ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ﴾ خبره.

مريم 19:2

قوله تعالى ذكره: ﴿ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّآ﴾. إلى ﴿وَٱجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيّاً﴾. "ذِكْر" مرفوع عند الفراء على خبر ﴿كۤهيعۤصۤ﴾. ورد هذا القول الزجاج، لأن ﴿كۤهيعۤصۤ﴾ ليس مما أثنى الله به على زكريا، وليس "كهيعص" في شيء من قصة زكريا. وقال الأخفش: التقدير: وفيما يتلى عليكم، ذكر رحمة ربك عبده زكرياء. و [قيل] التقدير: هذا الذي يتلى عليك، ذكر رحمة ربك عبده زكريا. والتقدير: وفيما يتلى عليك يا محمد، ذكر ربك عبده زكريا برحمته. * * قوله: ﴿نِدَآءً خَفِيّاً﴾. أي: دعاه سراً كراهية الرياء. قاله ابن جريج وغيره. وقال السدي: رغب زكريا في الولد، فقام يصلي، ثم دعا ربه سراً فقال: "ربِّ إنِّي وَهَنَ العَظْمُ مِنَّي" إلى قوله "واجْعَلْهُ رّبِّ رَضِيّاً". ومعنى "وَهَنَ الْعَظْمُ" ضعف ورق من الكبر. * * وقوله: ﴿وَٱشْتَعَلَ ٱلرَّأْسُ شَيْباً﴾. أي: كثر الشيب في الرأس. ونصب "شيباً" على المصدر، لأن معنى اشتعل، شاب. وقال الزجاج: نصبه على التمييز. أي: اشتغل من الشيب. وروى أبو صالح عن ابن عباس أن زكريا كان من أولاد هارون من أجل أحبار بني إسرائيل، ثم تنبأه الله جلّ ذكره. * * قوله: ﴿وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَآئِكَ رَبِّ شَقِيّاً﴾. أي: لم أشق بدعائي إياك قط، لأنك عودتني الإجابة إذا دعوتك حاجتي. ثم قال تعالى حكاية عنه: ﴿وَإِنِّي خِفْتُ ٱلْمَوَالِيَ مِن وَرَآءِى﴾ أي: إني خفت بني عمي وعصبتي من بعدي أن يرثوني. وقيل: "من [ورائي": من قدامي]. قال ابن عباس : الموالي هنا، الكلالة الأولياء، خاف أن يرثوه، فوهب الله له يحيى. وقيل: إنما خاف أن تقطع النبوة من ولده، وترجع إلى عصبته من غير ولد يعقوب، فأجاب الله دعاءه بعد أربعين سنة فيما ذكر ابن وهب وغيره. وقيل: بعد ستين سنة. وقيل: معناه، خفت بني عمي عن الدين: يعني شرارهم فسأل الله تعالى في ولد يقوم بالدين بعده، ويرث النبوة من آل يعقوب، وقال أبو صالح، خاف موالي الكلالة. والموالي والأولياء سواء في كلام العرب. وقيل للعصبة موالي، لأنهم يلون الميت في النسب. وروي عن عثمان (رضي الله عنه) أنه قرأ ﴿وَإِنِّي خِفْتُ ٱلْمَوَالِيَ مِن وَرَآءِى﴾ (بفتح الخاء، وتشديد الفاء، وإكسار التاء وإسكان الياء) وهي قراءة زيد بن ثابت وسعيد بن جبير، جعل الفعل للموالي، أي: إني قَلَّتْ الموالي الأولياء من بعدي فليس لي وارث. * * ثم قال: ﴿فَهَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ وَلِيّاً﴾. أي: هب لي وارثاً ومعيناً يرثني في مالي، و "يَرِثُ من آل يعقوب"، يعني النبوة. وكان زكريا (عليه السلام) من ولد يعقوب، وهو زكريا بن آذن، وعمران بن ماثان من ولد أيوب النبي ﷺ. من سبط يهوذا بن يعقوب، وكان زكريا وعمران في زمن واحد، فتزوج زكريا أشياع بنت عمران أخت مريم ابنة عمران، واسم أمها - امرأة عمران - حنة. فيحيى وعيسى ابنا خالة. وكان زكريا نجاراً. وكفل مريم بعد موت أبيها، لأن اختها عنده، ولأن قلمه خرج دون أقلامهم. فلما حملت مريم بعيسى، أشاعت اليهود أنه ركب من مريم الفاحشة فقتلوه في جوف شجرة، فقطعوه وقطعوها معه. قال قتادة: كان النبي ﷺ إذا قرأ هذه الآية وأتى على ﴿يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ﴾ قال: "يرحم الله زكريا ما كان عليه من ورثه، ويرحم الله لوطاً. إن كان ليأوي إلى ركن شديد. وقال السدي: "يرثني ويرث من آل يعقوب" أي: يرث نبوتي ونبوة آل يعقوب. وقيل: يرث حكمتي، ويرث نبوة آل يعقوب. وقد أنكر قوم وراثة النبوة إلا بعطية من الله، ولو ورثت بالنسب لكان الناس كلهم أنبياء، لأنهم أولاد نبي وهو آدم ونوح. وأنكر آخرون وراثة المال في هذا لقوله ﷺ: "نحن معشر الأنبياء لا نورث، ما تركنا صدقة". وهذا الحديث يجب أن يكون حكمه مخصوصاً للنبي (ﷺ)، وأخبر عن نفسه على لفظ الجماعة. وفي بعض الروايات: "إِنا معشر الأنبياء لا نورث ما تركنا صدقة". ويحتمل أن تكون هذه شريعة كانت ونسختها شريعة محمد ﷺ بمنع وراثته. وقال القتبي: معناه: يرثني الحبورة. * * ثم قال: ﴿وَٱجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيّاً﴾. أي: ترضاه أنت ويرضاه عبادك، ديناً وخلقاً وخُلقاً, وهو فعل مصروف من مفعول. وأصله رضيو، منقول من مرضي وأصل مرضي، مرضو. ثم رد إلى الياء لأنها أخف.

مريم 19:3

قوله تعالى ذكره: ﴿ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّآ﴾. إلى ﴿وَٱجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيّاً﴾. "ذِكْر" مرفوع عند الفراء على خبر ﴿كۤهيعۤصۤ﴾. ورد هذا القول الزجاج، لأن ﴿كۤهيعۤصۤ﴾ ليس مما أثنى الله به على زكريا، وليس "كهيعص" في شيء من قصة زكريا. وقال الأخفش: التقدير: وفيما يتلى عليكم، ذكر رحمة ربك عبده زكرياء. و [قيل] التقدير: هذا الذي يتلى عليك، ذكر رحمة ربك عبده زكريا. والتقدير: وفيما يتلى عليك يا محمد، ذكر ربك عبده زكريا برحمته. * * قوله: ﴿نِدَآءً خَفِيّاً﴾. أي: دعاه سراً كراهية الرياء. قاله ابن جريج وغيره. وقال السدي: رغب زكريا في الولد، فقام يصلي، ثم دعا ربه سراً فقال: "ربِّ إنِّي وَهَنَ العَظْمُ مِنَّي" إلى قوله "واجْعَلْهُ رّبِّ رَضِيّاً". ومعنى "وَهَنَ الْعَظْمُ" ضعف ورق من الكبر. * * وقوله: ﴿وَٱشْتَعَلَ ٱلرَّأْسُ شَيْباً﴾. أي: كثر الشيب في الرأس. ونصب "شيباً" على المصدر، لأن معنى اشتعل، شاب. وقال الزجاج: نصبه على التمييز. أي: اشتغل من الشيب. وروى أبو صالح عن ابن عباس أن زكريا كان من أولاد هارون من أجل أحبار بني إسرائيل، ثم تنبأه الله جلّ ذكره. * * قوله: ﴿وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَآئِكَ رَبِّ شَقِيّاً﴾. أي: لم أشق بدعائي إياك قط، لأنك عودتني الإجابة إذا دعوتك حاجتي. ثم قال تعالى حكاية عنه: ﴿وَإِنِّي خِفْتُ ٱلْمَوَالِيَ مِن وَرَآءِى﴾ أي: إني خفت بني عمي وعصبتي من بعدي أن يرثوني. وقيل: "من [ورائي": من قدامي]. قال ابن عباس : الموالي هنا، الكلالة الأولياء، خاف أن يرثوه، فوهب الله له يحيى. وقيل: إنما خاف أن تقطع النبوة من ولده، وترجع إلى عصبته من غير ولد يعقوب، فأجاب الله دعاءه بعد أربعين سنة فيما ذكر ابن وهب وغيره. وقيل: بعد ستين سنة. وقيل: معناه، خفت بني عمي عن الدين: يعني شرارهم فسأل الله تعالى في ولد يقوم بالدين بعده، ويرث النبوة من آل يعقوب، وقال أبو صالح، خاف موالي الكلالة. والموالي والأولياء سواء في كلام العرب. وقيل للعصبة موالي، لأنهم يلون الميت في النسب. وروي عن عثمان (رضي الله عنه) أنه قرأ ﴿وَإِنِّي خِفْتُ ٱلْمَوَالِيَ مِن وَرَآءِى﴾ (بفتح الخاء، وتشديد الفاء، وإكسار التاء وإسكان الياء) وهي قراءة زيد بن ثابت وسعيد بن جبير، جعل الفعل للموالي، أي: إني قَلَّتْ الموالي الأولياء من بعدي فليس لي وارث. * * ثم قال: ﴿فَهَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ وَلِيّاً﴾. أي: هب لي وارثاً ومعيناً يرثني في مالي، و "يَرِثُ من آل يعقوب"، يعني النبوة. وكان زكريا (عليه السلام) من ولد يعقوب، وهو زكريا بن آذن، وعمران بن ماثان من ولد أيوب النبي ﷺ. من سبط يهوذا بن يعقوب، وكان زكريا وعمران في زمن واحد، فتزوج زكريا أشياع بنت عمران أخت مريم ابنة عمران، واسم أمها - امرأة عمران - حنة. فيحيى وعيسى ابنا خالة. وكان زكريا نجاراً. وكفل مريم بعد موت أبيها، لأن اختها عنده، ولأن قلمه خرج دون أقلامهم. فلما حملت مريم بعيسى، أشاعت اليهود أنه ركب من مريم الفاحشة فقتلوه في جوف شجرة، فقطعوه وقطعوها معه. قال قتادة: كان النبي ﷺ إذا قرأ هذه الآية وأتى على ﴿يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ﴾ قال: "يرحم الله زكريا ما كان عليه من ورثه، ويرحم الله لوطاً. إن كان ليأوي إلى ركن شديد. وقال السدي: "يرثني ويرث من آل يعقوب" أي: يرث نبوتي ونبوة آل يعقوب. وقيل: يرث حكمتي، ويرث نبوة آل يعقوب. وقد أنكر قوم وراثة النبوة إلا بعطية من الله، ولو ورثت بالنسب لكان الناس كلهم أنبياء، لأنهم أولاد نبي وهو آدم ونوح. وأنكر آخرون وراثة المال في هذا لقوله ﷺ: "نحن معشر الأنبياء لا نورث، ما تركنا صدقة". وهذا الحديث يجب أن يكون حكمه مخصوصاً للنبي (ﷺ)، وأخبر عن نفسه على لفظ الجماعة. وفي بعض الروايات: "إِنا معشر الأنبياء لا نورث ما تركنا صدقة". ويحتمل أن تكون هذه شريعة كانت ونسختها شريعة محمد ﷺ بمنع وراثته. وقال القتبي: معناه: يرثني الحبورة. * * ثم قال: ﴿وَٱجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيّاً﴾. أي: ترضاه أنت ويرضاه عبادك، ديناً وخلقاً وخُلقاً, وهو فعل مصروف من مفعول. وأصله رضيو، منقول من مرضي وأصل مرضي، مرضو. ثم رد إلى الياء لأنها أخف.

مريم 19:4

قوله تعالى ذكره: ﴿ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّآ﴾. إلى ﴿وَٱجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيّاً﴾. "ذِكْر" مرفوع عند الفراء على خبر ﴿كۤهيعۤصۤ﴾. ورد هذا القول الزجاج، لأن ﴿كۤهيعۤصۤ﴾ ليس مما أثنى الله به على زكريا، وليس "كهيعص" في شيء من قصة زكريا. وقال الأخفش: التقدير: وفيما يتلى عليكم، ذكر رحمة ربك عبده زكرياء. و [قيل] التقدير: هذا الذي يتلى عليك، ذكر رحمة ربك عبده زكريا. والتقدير: وفيما يتلى عليك يا محمد، ذكر ربك عبده زكريا برحمته. * * قوله: ﴿نِدَآءً خَفِيّاً﴾. أي: دعاه سراً كراهية الرياء. قاله ابن جريج وغيره. وقال السدي: رغب زكريا في الولد، فقام يصلي، ثم دعا ربه سراً فقال: "ربِّ إنِّي وَهَنَ العَظْمُ مِنَّي" إلى قوله "واجْعَلْهُ رّبِّ رَضِيّاً". ومعنى "وَهَنَ الْعَظْمُ" ضعف ورق من الكبر. * * وقوله: ﴿وَٱشْتَعَلَ ٱلرَّأْسُ شَيْباً﴾. أي: كثر الشيب في الرأس. ونصب "شيباً" على المصدر، لأن معنى اشتعل، شاب. وقال الزجاج: نصبه على التمييز. أي: اشتغل من الشيب. وروى أبو صالح عن ابن عباس أن زكريا كان من أولاد هارون من أجل أحبار بني إسرائيل، ثم تنبأه الله جلّ ذكره. * * قوله: ﴿وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَآئِكَ رَبِّ شَقِيّاً﴾. أي: لم أشق بدعائي إياك قط، لأنك عودتني الإجابة إذا دعوتك حاجتي. ثم قال تعالى حكاية عنه: ﴿وَإِنِّي خِفْتُ ٱلْمَوَالِيَ مِن وَرَآءِى﴾ أي: إني خفت بني عمي وعصبتي من بعدي أن يرثوني. وقيل: "من [ورائي": من قدامي]. قال ابن عباس : الموالي هنا، الكلالة الأولياء، خاف أن يرثوه، فوهب الله له يحيى. وقيل: إنما خاف أن تقطع النبوة من ولده، وترجع إلى عصبته من غير ولد يعقوب، فأجاب الله دعاءه بعد أربعين سنة فيما ذكر ابن وهب وغيره. وقيل: بعد ستين سنة. وقيل: معناه، خفت بني عمي عن الدين: يعني شرارهم فسأل الله تعالى في ولد يقوم بالدين بعده، ويرث النبوة من آل يعقوب، وقال أبو صالح، خاف موالي الكلالة. والموالي والأولياء سواء في كلام العرب. وقيل للعصبة موالي، لأنهم يلون الميت في النسب. وروي عن عثمان (رضي الله عنه) أنه قرأ ﴿وَإِنِّي خِفْتُ ٱلْمَوَالِيَ مِن وَرَآءِى﴾ (بفتح الخاء، وتشديد الفاء، وإكسار التاء وإسكان الياء) وهي قراءة زيد بن ثابت وسعيد بن جبير، جعل الفعل للموالي، أي: إني قَلَّتْ الموالي الأولياء من بعدي فليس لي وارث. * * ثم قال: ﴿فَهَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ وَلِيّاً﴾. أي: هب لي وارثاً ومعيناً يرثني في مالي، و "يَرِثُ من آل يعقوب"، يعني النبوة. وكان زكريا (عليه السلام) من ولد يعقوب، وهو زكريا بن آذن، وعمران بن ماثان من ولد أيوب النبي ﷺ. من سبط يهوذا بن يعقوب، وكان زكريا وعمران في زمن واحد، فتزوج زكريا أشياع بنت عمران أخت مريم ابنة عمران، واسم أمها - امرأة عمران - حنة. فيحيى وعيسى ابنا خالة. وكان زكريا نجاراً. وكفل مريم بعد موت أبيها، لأن اختها عنده، ولأن قلمه خرج دون أقلامهم. فلما حملت مريم بعيسى، أشاعت اليهود أنه ركب من مريم الفاحشة فقتلوه في جوف شجرة، فقطعوه وقطعوها معه. قال قتادة: كان النبي ﷺ إذا قرأ هذه الآية وأتى على ﴿يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ﴾ قال: "يرحم الله زكريا ما كان عليه من ورثه، ويرحم الله لوطاً. إن كان ليأوي إلى ركن شديد. وقال السدي: "يرثني ويرث من آل يعقوب" أي: يرث نبوتي ونبوة آل يعقوب. وقيل: يرث حكمتي، ويرث نبوة آل يعقوب. وقد أنكر قوم وراثة النبوة إلا بعطية من الله، ولو ورثت بالنسب لكان الناس كلهم أنبياء، لأنهم أولاد نبي وهو آدم ونوح. وأنكر آخرون وراثة المال في هذا لقوله ﷺ: "نحن معشر الأنبياء لا نورث، ما تركنا صدقة". وهذا الحديث يجب أن يكون حكمه مخصوصاً للنبي (ﷺ)، وأخبر عن نفسه على لفظ الجماعة. وفي بعض الروايات: "إِنا معشر الأنبياء لا نورث ما تركنا صدقة". ويحتمل أن تكون هذه شريعة كانت ونسختها شريعة محمد ﷺ بمنع وراثته. وقال القتبي: معناه: يرثني الحبورة. * * ثم قال: ﴿وَٱجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيّاً﴾. أي: ترضاه أنت ويرضاه عبادك، ديناً وخلقاً وخُلقاً, وهو فعل مصروف من مفعول. وأصله رضيو، منقول من مرضي وأصل مرضي، مرضو. ثم رد إلى الياء لأنها أخف.

مريم 19:5

قوله تعالى ذكره: ﴿ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّآ﴾. إلى ﴿وَٱجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيّاً﴾. "ذِكْر" مرفوع عند الفراء على خبر ﴿كۤهيعۤصۤ﴾. ورد هذا القول الزجاج، لأن ﴿كۤهيعۤصۤ﴾ ليس مما أثنى الله به على زكريا، وليس "كهيعص" في شيء من قصة زكريا. وقال الأخفش: التقدير: وفيما يتلى عليكم، ذكر رحمة ربك عبده زكرياء. و [قيل] التقدير: هذا الذي يتلى عليك، ذكر رحمة ربك عبده زكريا. والتقدير: وفيما يتلى عليك يا محمد، ذكر ربك عبده زكريا برحمته. * * قوله: ﴿نِدَآءً خَفِيّاً﴾. أي: دعاه سراً كراهية الرياء. قاله ابن جريج وغيره. وقال السدي: رغب زكريا في الولد، فقام يصلي، ثم دعا ربه سراً فقال: "ربِّ إنِّي وَهَنَ العَظْمُ مِنَّي" إلى قوله "واجْعَلْهُ رّبِّ رَضِيّاً". ومعنى "وَهَنَ الْعَظْمُ" ضعف ورق من الكبر. * * وقوله: ﴿وَٱشْتَعَلَ ٱلرَّأْسُ شَيْباً﴾. أي: كثر الشيب في الرأس. ونصب "شيباً" على المصدر، لأن معنى اشتعل، شاب. وقال الزجاج: نصبه على التمييز. أي: اشتغل من الشيب. وروى أبو صالح عن ابن عباس أن زكريا كان من أولاد هارون من أجل أحبار بني إسرائيل، ثم تنبأه الله جلّ ذكره. * * قوله: ﴿وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَآئِكَ رَبِّ شَقِيّاً﴾. أي: لم أشق بدعائي إياك قط، لأنك عودتني الإجابة إذا دعوتك حاجتي. ثم قال تعالى حكاية عنه: ﴿وَإِنِّي خِفْتُ ٱلْمَوَالِيَ مِن وَرَآءِى﴾ أي: إني خفت بني عمي وعصبتي من بعدي أن يرثوني. وقيل: "من [ورائي": من قدامي]. قال ابن عباس : الموالي هنا، الكلالة الأولياء، خاف أن يرثوه، فوهب الله له يحيى. وقيل: إنما خاف أن تقطع النبوة من ولده، وترجع إلى عصبته من غير ولد يعقوب، فأجاب الله دعاءه بعد أربعين سنة فيما ذكر ابن وهب وغيره. وقيل: بعد ستين سنة. وقيل: معناه، خفت بني عمي عن الدين: يعني شرارهم فسأل الله تعالى في ولد يقوم بالدين بعده، ويرث النبوة من آل يعقوب، وقال أبو صالح، خاف موالي الكلالة. والموالي والأولياء سواء في كلام العرب. وقيل للعصبة موالي، لأنهم يلون الميت في النسب. وروي عن عثمان (رضي الله عنه) أنه قرأ ﴿وَإِنِّي خِفْتُ ٱلْمَوَالِيَ مِن وَرَآءِى﴾ (بفتح الخاء، وتشديد الفاء، وإكسار التاء وإسكان الياء) وهي قراءة زيد بن ثابت وسعيد بن جبير، جعل الفعل للموالي، أي: إني قَلَّتْ الموالي الأولياء من بعدي فليس لي وارث. * * ثم قال: ﴿فَهَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ وَلِيّاً﴾. أي: هب لي وارثاً ومعيناً يرثني في مالي، و "يَرِثُ من آل يعقوب"، يعني النبوة. وكان زكريا (عليه السلام) من ولد يعقوب، وهو زكريا بن آذن، وعمران بن ماثان من ولد أيوب النبي ﷺ. من سبط يهوذا بن يعقوب، وكان زكريا وعمران في زمن واحد، فتزوج زكريا أشياع بنت عمران أخت مريم ابنة عمران، واسم أمها - امرأة عمران - حنة. فيحيى وعيسى ابنا خالة. وكان زكريا نجاراً. وكفل مريم بعد موت أبيها، لأن اختها عنده، ولأن قلمه خرج دون أقلامهم. فلما حملت مريم بعيسى، أشاعت اليهود أنه ركب من مريم الفاحشة فقتلوه في جوف شجرة، فقطعوه وقطعوها معه. قال قتادة: كان النبي ﷺ إذا قرأ هذه الآية وأتى على ﴿يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ﴾ قال: "يرحم الله زكريا ما كان عليه من ورثه، ويرحم الله لوطاً. إن كان ليأوي إلى ركن شديد. وقال السدي: "يرثني ويرث من آل يعقوب" أي: يرث نبوتي ونبوة آل يعقوب. وقيل: يرث حكمتي، ويرث نبوة آل يعقوب. وقد أنكر قوم وراثة النبوة إلا بعطية من الله، ولو ورثت بالنسب لكان الناس كلهم أنبياء، لأنهم أولاد نبي وهو آدم ونوح. وأنكر آخرون وراثة المال في هذا لقوله ﷺ: "نحن معشر الأنبياء لا نورث، ما تركنا صدقة". وهذا الحديث يجب أن يكون حكمه مخصوصاً للنبي (ﷺ)، وأخبر عن نفسه على لفظ الجماعة. وفي بعض الروايات: "إِنا معشر الأنبياء لا نورث ما تركنا صدقة". ويحتمل أن تكون هذه شريعة كانت ونسختها شريعة محمد ﷺ بمنع وراثته. وقال القتبي: معناه: يرثني الحبورة. * * ثم قال: ﴿وَٱجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيّاً﴾. أي: ترضاه أنت ويرضاه عبادك، ديناً وخلقاً وخُلقاً, وهو فعل مصروف من مفعول. وأصله رضيو، منقول من مرضي وأصل مرضي، مرضو. ثم رد إلى الياء لأنها أخف.

مريم 19:6

قوله تعالى ذكره: ﴿ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّآ﴾. إلى ﴿وَٱجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيّاً﴾. "ذِكْر" مرفوع عند الفراء على خبر ﴿كۤهيعۤصۤ﴾. ورد هذا القول الزجاج، لأن ﴿كۤهيعۤصۤ﴾ ليس مما أثنى الله به على زكريا، وليس "كهيعص" في شيء من قصة زكريا. وقال الأخفش: التقدير: وفيما يتلى عليكم، ذكر رحمة ربك عبده زكرياء. و [قيل] التقدير: هذا الذي يتلى عليك، ذكر رحمة ربك عبده زكريا. والتقدير: وفيما يتلى عليك يا محمد، ذكر ربك عبده زكريا برحمته. * * قوله: ﴿نِدَآءً خَفِيّاً﴾. أي: دعاه سراً كراهية الرياء. قاله ابن جريج وغيره. وقال السدي: رغب زكريا في الولد، فقام يصلي، ثم دعا ربه سراً فقال: "ربِّ إنِّي وَهَنَ العَظْمُ مِنَّي" إلى قوله "واجْعَلْهُ رّبِّ رَضِيّاً". ومعنى "وَهَنَ الْعَظْمُ" ضعف ورق من الكبر. * * وقوله: ﴿وَٱشْتَعَلَ ٱلرَّأْسُ شَيْباً﴾. أي: كثر الشيب في الرأس. ونصب "شيباً" على المصدر، لأن معنى اشتعل، شاب. وقال الزجاج: نصبه على التمييز. أي: اشتغل من الشيب. وروى أبو صالح عن ابن عباس أن زكريا كان من أولاد هارون من أجل أحبار بني إسرائيل، ثم تنبأه الله جلّ ذكره. * * قوله: ﴿وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَآئِكَ رَبِّ شَقِيّاً﴾. أي: لم أشق بدعائي إياك قط، لأنك عودتني الإجابة إذا دعوتك حاجتي. ثم قال تعالى حكاية عنه: ﴿وَإِنِّي خِفْتُ ٱلْمَوَالِيَ مِن وَرَآءِى﴾ أي: إني خفت بني عمي وعصبتي من بعدي أن يرثوني. وقيل: "من [ورائي": من قدامي]. قال ابن عباس : الموالي هنا، الكلالة الأولياء، خاف أن يرثوه، فوهب الله له يحيى. وقيل: إنما خاف أن تقطع النبوة من ولده، وترجع إلى عصبته من غير ولد يعقوب، فأجاب الله دعاءه بعد أربعين سنة فيما ذكر ابن وهب وغيره. وقيل: بعد ستين سنة. وقيل: معناه، خفت بني عمي عن الدين: يعني شرارهم فسأل الله تعالى في ولد يقوم بالدين بعده، ويرث النبوة من آل يعقوب، وقال أبو صالح، خاف موالي الكلالة. والموالي والأولياء سواء في كلام العرب. وقيل للعصبة موالي، لأنهم يلون الميت في النسب. وروي عن عثمان (رضي الله عنه) أنه قرأ ﴿وَإِنِّي خِفْتُ ٱلْمَوَالِيَ مِن وَرَآءِى﴾ (بفتح الخاء، وتشديد الفاء، وإكسار التاء وإسكان الياء) وهي قراءة زيد بن ثابت وسعيد بن جبير، جعل الفعل للموالي، أي: إني قَلَّتْ الموالي الأولياء من بعدي فليس لي وارث. * * ثم قال: ﴿فَهَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ وَلِيّاً﴾. أي: هب لي وارثاً ومعيناً يرثني في مالي، و "يَرِثُ من آل يعقوب"، يعني النبوة. وكان زكريا (عليه السلام) من ولد يعقوب، وهو زكريا بن آذن، وعمران بن ماثان من ولد أيوب النبي ﷺ. من سبط يهوذا بن يعقوب، وكان زكريا وعمران في زمن واحد، فتزوج زكريا أشياع بنت عمران أخت مريم ابنة عمران، واسم أمها - امرأة عمران - حنة. فيحيى وعيسى ابنا خالة. وكان زكريا نجاراً. وكفل مريم بعد موت أبيها، لأن اختها عنده، ولأن قلمه خرج دون أقلامهم. فلما حملت مريم بعيسى، أشاعت اليهود أنه ركب من مريم الفاحشة فقتلوه في جوف شجرة، فقطعوه وقطعوها معه. قال قتادة: كان النبي ﷺ إذا قرأ هذه الآية وأتى على ﴿يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ﴾ قال: "يرحم الله زكريا ما كان عليه من ورثه، ويرحم الله لوطاً. إن كان ليأوي إلى ركن شديد. وقال السدي: "يرثني ويرث من آل يعقوب" أي: يرث نبوتي ونبوة آل يعقوب. وقيل: يرث حكمتي، ويرث نبوة آل يعقوب. وقد أنكر قوم وراثة النبوة إلا بعطية من الله، ولو ورثت بالنسب لكان الناس كلهم أنبياء، لأنهم أولاد نبي وهو آدم ونوح. وأنكر آخرون وراثة المال في هذا لقوله ﷺ: "نحن معشر الأنبياء لا نورث، ما تركنا صدقة". وهذا الحديث يجب أن يكون حكمه مخصوصاً للنبي (ﷺ)، وأخبر عن نفسه على لفظ الجماعة. وفي بعض الروايات: "إِنا معشر الأنبياء لا نورث ما تركنا صدقة". ويحتمل أن تكون هذه شريعة كانت ونسختها شريعة محمد ﷺ بمنع وراثته. وقال القتبي: معناه: يرثني الحبورة. * * ثم قال: ﴿وَٱجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيّاً﴾. أي: ترضاه أنت ويرضاه عبادك، ديناً وخلقاً وخُلقاً, وهو فعل مصروف من مفعول. وأصله رضيو، منقول من مرضي وأصل مرضي، مرضو. ثم رد إلى الياء لأنها أخف.

مريم 19:7

قوله تعالى ذكره: ﴿يٰزَكَرِيَّآ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلاَمٍ ٱسْمُهُ يَحْيَىٰ﴾ إلى قوله: ﴿وَلَمْ تَكُ شَيْئاً﴾. أي: إِنا نبشرك بهبتنا لك غلاماً اسمه يحيى. قال قتادة: إِنما سماه الله يحيى لإحيائه إياه بالإيمان. وقيل: سمي بذلك لأنه حيي بالعلم والحكمة التي أوتيها. * * ثم قال تعالى: ﴿لَمْ نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيّاً﴾. أي: لم تلد العواقر مثله ولداً، قاله ابن عباس. وقال مجاهد: لم نجعل له من قبل مثلاً ولا شبيها. وقيل: المعنى، لم نأمر أحداً يسمي ابنه يحيى قبلك. وقال قتادة وزيد بن أسلم والسدي: معناه: لم يسم أحد يحيى قبله. * * ثم قال: ﴿قَالَ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلاَمٌ وَكَانَتِ ٱمْرَأَتِي عَاقِراً﴾. أي: قال زكرياء: يا رب، من أي وجه يكون لي غلام وامرأتي عاقر لا تحمل، وقد ضعفت من الكبر عن مباضعة النساء. كأنه يستثبت الخبر من عند ربه. كيف يأتي هذا الغلام؟ أيحدث فيه قوة يقوى بها على مباضعة النساء ويجعل امرأته ولوداً؟ أو يتزوج غيرها ممن تلد؟ أو كيف ذلك؟ على طريق الاسترشاد لا على طريق الإنكار، لأنه هو الراغب في ذلك إلى الله. فلا يجوز الإنكار فيه البتة. وقيل: قال ذلك على طريق التعجب من قدرة الله، إذ امرأته عاقر. قال السدي: نادى جبريل ﷺ زكرياء: ﴿يٰزَكَرِيَّآ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلاَمٍ ٱسْمُهُ يَحْيَىٰ لَمْ نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيّاً﴾. فلما سمع النداء جاءه الشيطان فقال له: يا زكريا، إن الصوت الذي سمعت ليس من الله، إنما هو من الشيطان سخر بك، ولو كان من الله أوحاه إليك ما يوحي إليك غيره من الأمر فشك مكانه وقال: ﴿أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلاَمٌ وَكَانَتِ ٱمْرَأَتِي عَاقِراً﴾. وقوله: "عُتِيّاً" أي قد عتوت من الكبر فصرت يابس العظام. يقال للعود اليابس، عود عات وعاس. وقال قتادة: "عُتِيّاً" نسئاً، وكان ابن بضع وسبعين سنة. وقيل: سبعين سنة. * * ثم قال تعالى: ﴿كَذٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾. الكاف في موضع رفع. والمعنى، قال: الأمر كذلك، أي: الأمر كما قيل لك. أي: أهب لك غلاماً اسمه يحيى، هو عليّ هين. أي: خلقه عليّ هين. ﴿وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً﴾ أي: ليس خلقنا لغلام نهبه لك بأعجب من خلقنا إياك ولم تك شيئاً موجوداً. هو نفي للعين عام. ولو قال: "ولم تك رجلاً أو إنساناً" لم يكن ذلك نفياً للعين ولا نفياً عاماً. فافهمه.

مريم 19:8

قوله تعالى ذكره: ﴿يٰزَكَرِيَّآ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلاَمٍ ٱسْمُهُ يَحْيَىٰ﴾ إلى قوله: ﴿وَلَمْ تَكُ شَيْئاً﴾. أي: إِنا نبشرك بهبتنا لك غلاماً اسمه يحيى. قال قتادة: إِنما سماه الله يحيى لإحيائه إياه بالإيمان. وقيل: سمي بذلك لأنه حيي بالعلم والحكمة التي أوتيها. * * ثم قال تعالى: ﴿لَمْ نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيّاً﴾. أي: لم تلد العواقر مثله ولداً، قاله ابن عباس. وقال مجاهد: لم نجعل له من قبل مثلاً ولا شبيها. وقيل: المعنى، لم نأمر أحداً يسمي ابنه يحيى قبلك. وقال قتادة وزيد بن أسلم والسدي: معناه: لم يسم أحد يحيى قبله. * * ثم قال: ﴿قَالَ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلاَمٌ وَكَانَتِ ٱمْرَأَتِي عَاقِراً﴾. أي: قال زكرياء: يا رب، من أي وجه يكون لي غلام وامرأتي عاقر لا تحمل، وقد ضعفت من الكبر عن مباضعة النساء. كأنه يستثبت الخبر من عند ربه. كيف يأتي هذا الغلام؟ أيحدث فيه قوة يقوى بها على مباضعة النساء ويجعل امرأته ولوداً؟ أو يتزوج غيرها ممن تلد؟ أو كيف ذلك؟ على طريق الاسترشاد لا على طريق الإنكار، لأنه هو الراغب في ذلك إلى الله. فلا يجوز الإنكار فيه البتة. وقيل: قال ذلك على طريق التعجب من قدرة الله، إذ امرأته عاقر. قال السدي: نادى جبريل ﷺ زكرياء: ﴿يٰزَكَرِيَّآ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلاَمٍ ٱسْمُهُ يَحْيَىٰ لَمْ نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيّاً﴾. فلما سمع النداء جاءه الشيطان فقال له: يا زكريا، إن الصوت الذي سمعت ليس من الله، إنما هو من الشيطان سخر بك، ولو كان من الله أوحاه إليك ما يوحي إليك غيره من الأمر فشك مكانه وقال: ﴿أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلاَمٌ وَكَانَتِ ٱمْرَأَتِي عَاقِراً﴾. وقوله: "عُتِيّاً" أي قد عتوت من الكبر فصرت يابس العظام. يقال للعود اليابس، عود عات وعاس. وقال قتادة: "عُتِيّاً" نسئاً، وكان ابن بضع وسبعين سنة. وقيل: سبعين سنة. * * ثم قال تعالى: ﴿كَذٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾. الكاف في موضع رفع. والمعنى، قال: الأمر كذلك، أي: الأمر كما قيل لك. أي: أهب لك غلاماً اسمه يحيى، هو عليّ هين. أي: خلقه عليّ هين. ﴿وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً﴾ أي: ليس خلقنا لغلام نهبه لك بأعجب من خلقنا إياك ولم تك شيئاً موجوداً. هو نفي للعين عام. ولو قال: "ولم تك رجلاً أو إنساناً" لم يكن ذلك نفياً للعين ولا نفياً عاماً. فافهمه.

مريم 19:9

قوله تعالى ذكره: ﴿يٰزَكَرِيَّآ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلاَمٍ ٱسْمُهُ يَحْيَىٰ﴾ إلى قوله: ﴿وَلَمْ تَكُ شَيْئاً﴾. أي: إِنا نبشرك بهبتنا لك غلاماً اسمه يحيى. قال قتادة: إِنما سماه الله يحيى لإحيائه إياه بالإيمان. وقيل: سمي بذلك لأنه حيي بالعلم والحكمة التي أوتيها. * * ثم قال تعالى: ﴿لَمْ نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيّاً﴾. أي: لم تلد العواقر مثله ولداً، قاله ابن عباس. وقال مجاهد: لم نجعل له من قبل مثلاً ولا شبيها. وقيل: المعنى، لم نأمر أحداً يسمي ابنه يحيى قبلك. وقال قتادة وزيد بن أسلم والسدي: معناه: لم يسم أحد يحيى قبله. * * ثم قال: ﴿قَالَ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلاَمٌ وَكَانَتِ ٱمْرَأَتِي عَاقِراً﴾. أي: قال زكرياء: يا رب، من أي وجه يكون لي غلام وامرأتي عاقر لا تحمل، وقد ضعفت من الكبر عن مباضعة النساء. كأنه يستثبت الخبر من عند ربه. كيف يأتي هذا الغلام؟ أيحدث فيه قوة يقوى بها على مباضعة النساء ويجعل امرأته ولوداً؟ أو يتزوج غيرها ممن تلد؟ أو كيف ذلك؟ على طريق الاسترشاد لا على طريق الإنكار، لأنه هو الراغب في ذلك إلى الله. فلا يجوز الإنكار فيه البتة. وقيل: قال ذلك على طريق التعجب من قدرة الله، إذ امرأته عاقر. قال السدي: نادى جبريل ﷺ زكرياء: ﴿يٰزَكَرِيَّآ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلاَمٍ ٱسْمُهُ يَحْيَىٰ لَمْ نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيّاً﴾. فلما سمع النداء جاءه الشيطان فقال له: يا زكريا، إن الصوت الذي سمعت ليس من الله، إنما هو من الشيطان سخر بك، ولو كان من الله أوحاه إليك ما يوحي إليك غيره من الأمر فشك مكانه وقال: ﴿أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلاَمٌ وَكَانَتِ ٱمْرَأَتِي عَاقِراً﴾. وقوله: "عُتِيّاً" أي قد عتوت من الكبر فصرت يابس العظام. يقال للعود اليابس، عود عات وعاس. وقال قتادة: "عُتِيّاً" نسئاً، وكان ابن بضع وسبعين سنة. وقيل: سبعين سنة. * * ثم قال تعالى: ﴿كَذٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾. الكاف في موضع رفع. والمعنى، قال: الأمر كذلك، أي: الأمر كما قيل لك. أي: أهب لك غلاماً اسمه يحيى، هو عليّ هين. أي: خلقه عليّ هين. ﴿وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً﴾ أي: ليس خلقنا لغلام نهبه لك بأعجب من خلقنا إياك ولم تك شيئاً موجوداً. هو نفي للعين عام. ولو قال: "ولم تك رجلاً أو إنساناً" لم يكن ذلك نفياً للعين ولا نفياً عاماً. فافهمه.

مريم 19:10

قوله تعالى ذكره: ﴿قَالَ رَبِّ ٱجْعَل لِيۤ آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ ٱلنَّاسَ﴾. إلى قوله: ﴿وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَياً﴾. أي: اجعل لي علامة على وقت الهبة، ودليلاً على أن ما بشرتني به ملائكتك من هذا الغلام عن أمرك ورسالتك، ومتى يكون. قال ابن زيد: "اجعل لي آية أن هذا منك"، وكذا قال السدي. * * ﴿قَالَ آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ ٱلنَّاسَ ثَلاَثَ لَيَالٍ سَوِيّاً﴾. أي: علامة ذلك وصحته أنك لا تكلم الناس ثلاث ليال، بلا علة بك من خرس ولا مرض يمنعك الكلام. قال ابن عباس: "اعتقل لسانه من غير مرض". وقال مجاهد: "سوياً": صحيحاً لا يمنعك من الكلام مرض". وقال قتادة: "سوياً": من غير خرس ولا بأس، إنما عوقب إذ سأل آية بعد مشافهته الملائكة بذلك، أخذ لسانه حتى كان يوميء إيماءً". قال ابن زيد: "حبس لسانه فكان لا يستطيع أن يكلم أحداً، وهو في ذلك يسبح ويقرأ التوراة، فإذا أراد كلام الناس، لم يستطع [أن] يكلمهم. وكذلك قال السدي. وقيل: المعنى، ثلاث ليال متتابعات. فسوياً من نعت الليالي. وعلى القول الأول يكون "سوياً" حالاً من المخاطب. والتقدير فيه التقديم. أي: آيتك ألا تكلم الناس سوياً ثلاث ليال. * * ثم قال تعالى: ﴿فَخَرَجَ عَلَىٰ قَوْمِهِ مِنَ ٱلْمِحْرَابِ﴾. أي: فخرج زكريا على قومه من مصلاه الذي جلس فيه حين حبس لسانه عن كلام الناس. وقال ابن جريج: معناه، أشرف على قومه من المحراب والمحراب عند أهل اللغة، مكان مرتفع. * * وقوله: ﴿فَأَوْحَىٰ إِلَيْهِمْ أَن سَبِّحُواْ بُكْرَةً وَعَشِيّاً﴾. أي: أوحى إليهم، قاله قتادة وقال الضحاك: "كتب لهم. وقال مجاهد ووهب بن منبه: "أشار إليهم أن سبحوا بكرة وعشياً"، أي: صلوا بكرة وعشياً. والصلاة تسمى سبحة. وقيل: "أمرهم بالتسبيح بذكر الله طرفي النهار". وهذا يدل على أن الإشارة ليست بكلام. يقال: أوحى ووحى. وأومى وومى. * * ثم قال: ﴿يٰيَحْيَىٰ خُذِ ٱلْكِتَابَ بِقُوَّةٍ﴾. والتقدير: قوله له يحيى، فقال الله تعالى له: "يا يحيى خذ الكتاب بقوة" أي بجد وعزم. قاله قتادة ومجاهد. وقال ابن زيد: "القوة: أن يعمل ما أمره الله ويجتنب ما نهاه عنه". * * ثم قال: ﴿وَآتَيْنَاهُ ٱلْحُكْمَ صَبِيّاً﴾. أي: أعطيناه الفهم لكتاب الله في حال صباه. قال معمر: "بلغني أن الصبيان قالوا ليحيى: اذهب بنا نلعب، فقال أللعب خُلقت؟ فأنزل الله تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُ ٱلْحُكْمَ صَبِيّاً﴾. قال قتادة: "كان ابن سنتين أو ثلاث". قال مالك: "بلغني أن يحيى بن زكريا، إنما قتل في امرأة، وأن بخت نصر لما دخل بيت المقدس بعد زمان طويل وجد دمه يفور لا يطرح عليه تراب ولا شيء إلا فار وعلا عليه، فلما رآه دعا بني إسرائيل فسألهم فقالوا لا علم لنا هكذا وجدناه، وأخبرنا به آباؤنا عن آبائهم أنهم هكذا وجدوه. قال بخت نصر: هذا دم مظلوم، لأقتلن عليه. فقتل [عليه] سبعين ألفاً من المسلمين والكفار فهدأ الدم بعد ذلك. وقوله تعالى: ﴿وَحَنَاناً مِّن لَّدُنَّا﴾ قال ابن عباس معناه: "ورحمة من عندنا"، وهو قول عكرمة وقتادة والضحاك. وقيل معناه: ورحمة من عندنا لزكريا، آتيناه الحكم وفعلنا به ما فعلنا، روي ذلك عن قتادة. وقال مجاهد: "معناه، وتعطفاً من عندنا عليه فعلنا ذلك". وقال ابن زيد: "معناه، ومحبة له من عندنا"، روي ذلك أيضاً عن عكرمة. وعن عطاء أن معناه: "وتعظيماً من عندنا له". وقيل معناه آتيناه رحمة بالعباد وتحنناً عليهم ليُخلصهم من الكفر إلى الإيمان. وعن ابن عباس أنه قال: لا أدري ما الحنان. وقاله عكرمة أيضاً مرة. وقول العرب "حنانيك" لغة في حنان، وليس بتثنية. وأصل الحنان من قولهم: حن إلى كذا، إذا ارتاح إليه. ويحن على فلان، إذا تعطف عليه. والحنان مصدر من حننت أحن حنيناً وحناناً، ومنه قيل لزوج الرجل حنته لتحننها عليه وتعطفها. * * وقوله: ﴿وَزَكَاةً﴾ قال قتادة: "العمل الصالح". * * وقوله: ﴿وَكَانَ تَقِيّاً﴾ أي خائفاً مؤدياً فرائضه. قال ابن عباس: "طهر فلم يعمل بذنب، فهو الزكاة". * * وقوله: ﴿وَبَرّاً بِوَالِدَيْهِ﴾. أي: مسارعاً في طاعتهما غير عاق لهما". * * ﴿وَلَمْ يَكُن جَبَّاراً﴾. أي: متكبراً عن طاعة الله، ولا عصياً لربه. * * ثم قال: ﴿وَسَلاَمٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ﴾. أي: أمان له من الشيطان حين وُلد فلم يُذنب، ولا يأتي في الآخرة بذنب. * * وقوله: ﴿وَيَوْمَ يَمُوتُ﴾ أي: وأمان له من الله من فتاني القبر. * * ﴿وَيَوْمَ يُبْعَثُ﴾. أي: وأمان له من العذاب يوم يبعث فلا يروعه شيء. قال ابن عيينة: "أوحش ما يكون الخلق في ثلاثة مواطن يوم يولد، فيرى نفسه خارجاً مما كان فيه، ويوم يموت فيرى قوماً لم يكن عاينهم، ويوم يبعث، فيرى نفسه في محشر عظيم. فخص الله تعالى يحيى بالأمان في هذه الثلاثة مواطن، وهي الفضيلة التي فضل الله بها يحيى. وروي أن يحيى وعيسى عليهما السلام التقيا، فقال عيسى: استغفر لي، أنت خير مني. وقال يحيى: استغفر لي، أنت خير مني. فقال عيسى: أنت خير مني؟ سلمتُ على نفسي، وسلم الله عليك، فعرف الله فضلها. فقال النبي ﷺ: "كل بني آدم يأتي يوم القيامة وله ذنب إلا يحيى بن زكرياء وقال ﷺ: "ما من أحد يلقى الله عز وجل يوم القيامة إلا وأذنب إلا يحيى بن زكرياء، ما أذنب ولا هم بامرأة". وهو قوله تعالى: ﴿وَسَلاَمٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ﴾، أي أمان له وعصمة من الشيطان ألا يحمله على ذنب و "يوم يموت" من عذاب القبر"، ويوم يبعث" من هول المحشر. وقد قيل: المعنى، ورحمته، وسلامته عليه يوم ولد، وذلك تفضل من الله غير جزاء له على عمله، إذ لم يعمل بعد شيئاً. * * وقوله: ﴿وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَياً﴾. هو جزاء من الله له بعمله وسعيه. وروى ابن وهب عن مالك بن أنس عن حميد بن قيس عن مجاهد، أنه [قال]: كان طعام يحيى بن زكريا العشب، وإن كان ليبكي من خشية الله ما لو كان القار على عينيه لحرقه. ولقد كان الدمع اتخذ مجرى في وجهه. قال أبو ادريس الخولاني: أطيب الناس طعاماً يحيى بن زكرياء. إنما كان يأكل مع الوحش كراهة أن يخالط الناس في معايشهم. قال ابن وهب أن ابن شهاب قال: كان يحيى ابن خالة عيسى وكان أكبر من عيسى بيسير.

مريم 19:11

قوله تعالى ذكره: ﴿قَالَ رَبِّ ٱجْعَل لِيۤ آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ ٱلنَّاسَ﴾. إلى قوله: ﴿وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَياً﴾. أي: اجعل لي علامة على وقت الهبة، ودليلاً على أن ما بشرتني به ملائكتك من هذا الغلام عن أمرك ورسالتك، ومتى يكون. قال ابن زيد: "اجعل لي آية أن هذا منك"، وكذا قال السدي. * * ﴿قَالَ آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ ٱلنَّاسَ ثَلاَثَ لَيَالٍ سَوِيّاً﴾. أي: علامة ذلك وصحته أنك لا تكلم الناس ثلاث ليال، بلا علة بك من خرس ولا مرض يمنعك الكلام. قال ابن عباس: "اعتقل لسانه من غير مرض". وقال مجاهد: "سوياً": صحيحاً لا يمنعك من الكلام مرض". وقال قتادة: "سوياً": من غير خرس ولا بأس، إنما عوقب إذ سأل آية بعد مشافهته الملائكة بذلك، أخذ لسانه حتى كان يوميء إيماءً". قال ابن زيد: "حبس لسانه فكان لا يستطيع أن يكلم أحداً، وهو في ذلك يسبح ويقرأ التوراة، فإذا أراد كلام الناس، لم يستطع [أن] يكلمهم. وكذلك قال السدي. وقيل: المعنى، ثلاث ليال متتابعات. فسوياً من نعت الليالي. وعلى القول الأول يكون "سوياً" حالاً من المخاطب. والتقدير فيه التقديم. أي: آيتك ألا تكلم الناس سوياً ثلاث ليال. * * ثم قال تعالى: ﴿فَخَرَجَ عَلَىٰ قَوْمِهِ مِنَ ٱلْمِحْرَابِ﴾. أي: فخرج زكريا على قومه من مصلاه الذي جلس فيه حين حبس لسانه عن كلام الناس. وقال ابن جريج: معناه، أشرف على قومه من المحراب والمحراب عند أهل اللغة، مكان مرتفع. * * وقوله: ﴿فَأَوْحَىٰ إِلَيْهِمْ أَن سَبِّحُواْ بُكْرَةً وَعَشِيّاً﴾. أي: أوحى إليهم، قاله قتادة وقال الضحاك: "كتب لهم. وقال مجاهد ووهب بن منبه: "أشار إليهم أن سبحوا بكرة وعشياً"، أي: صلوا بكرة وعشياً. والصلاة تسمى سبحة. وقيل: "أمرهم بالتسبيح بذكر الله طرفي النهار". وهذا يدل على أن الإشارة ليست بكلام. يقال: أوحى ووحى. وأومى وومى. * * ثم قال: ﴿يٰيَحْيَىٰ خُذِ ٱلْكِتَابَ بِقُوَّةٍ﴾. والتقدير: قوله له يحيى، فقال الله تعالى له: "يا يحيى خذ الكتاب بقوة" أي بجد وعزم. قاله قتادة ومجاهد. وقال ابن زيد: "القوة: أن يعمل ما أمره الله ويجتنب ما نهاه عنه". * * ثم قال: ﴿وَآتَيْنَاهُ ٱلْحُكْمَ صَبِيّاً﴾. أي: أعطيناه الفهم لكتاب الله في حال صباه. قال معمر: "بلغني أن الصبيان قالوا ليحيى: اذهب بنا نلعب، فقال أللعب خُلقت؟ فأنزل الله تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُ ٱلْحُكْمَ صَبِيّاً﴾. قال قتادة: "كان ابن سنتين أو ثلاث". قال مالك: "بلغني أن يحيى بن زكريا، إنما قتل في امرأة، وأن بخت نصر لما دخل بيت المقدس بعد زمان طويل وجد دمه يفور لا يطرح عليه تراب ولا شيء إلا فار وعلا عليه، فلما رآه دعا بني إسرائيل فسألهم فقالوا لا علم لنا هكذا وجدناه، وأخبرنا به آباؤنا عن آبائهم أنهم هكذا وجدوه. قال بخت نصر: هذا دم مظلوم، لأقتلن عليه. فقتل [عليه] سبعين ألفاً من المسلمين والكفار فهدأ الدم بعد ذلك. وقوله تعالى: ﴿وَحَنَاناً مِّن لَّدُنَّا﴾ قال ابن عباس معناه: "ورحمة من عندنا"، وهو قول عكرمة وقتادة والضحاك. وقيل معناه: ورحمة من عندنا لزكريا، آتيناه الحكم وفعلنا به ما فعلنا، روي ذلك عن قتادة. وقال مجاهد: "معناه، وتعطفاً من عندنا عليه فعلنا ذلك". وقال ابن زيد: "معناه، ومحبة له من عندنا"، روي ذلك أيضاً عن عكرمة. وعن عطاء أن معناه: "وتعظيماً من عندنا له". وقيل معناه آتيناه رحمة بالعباد وتحنناً عليهم ليُخلصهم من الكفر إلى الإيمان. وعن ابن عباس أنه قال: لا أدري ما الحنان. وقاله عكرمة أيضاً مرة. وقول العرب "حنانيك" لغة في حنان، وليس بتثنية. وأصل الحنان من قولهم: حن إلى كذا، إذا ارتاح إليه. ويحن على فلان، إذا تعطف عليه. والحنان مصدر من حننت أحن حنيناً وحناناً، ومنه قيل لزوج الرجل حنته لتحننها عليه وتعطفها. * * وقوله: ﴿وَزَكَاةً﴾ قال قتادة: "العمل الصالح". * * وقوله: ﴿وَكَانَ تَقِيّاً﴾ أي خائفاً مؤدياً فرائضه. قال ابن عباس: "طهر فلم يعمل بذنب، فهو الزكاة". * * وقوله: ﴿وَبَرّاً بِوَالِدَيْهِ﴾. أي: مسارعاً في طاعتهما غير عاق لهما". * * ﴿وَلَمْ يَكُن جَبَّاراً﴾. أي: متكبراً عن طاعة الله، ولا عصياً لربه. * * ثم قال: ﴿وَسَلاَمٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ﴾. أي: أمان له من الشيطان حين وُلد فلم يُذنب، ولا يأتي في الآخرة بذنب. * * وقوله: ﴿وَيَوْمَ يَمُوتُ﴾ أي: وأمان له من الله من فتاني القبر. * * ﴿وَيَوْمَ يُبْعَثُ﴾. أي: وأمان له من العذاب يوم يبعث فلا يروعه شيء. قال ابن عيينة: "أوحش ما يكون الخلق في ثلاثة مواطن يوم يولد، فيرى نفسه خارجاً مما كان فيه، ويوم يموت فيرى قوماً لم يكن عاينهم، ويوم يبعث، فيرى نفسه في محشر عظيم. فخص الله تعالى يحيى بالأمان في هذه الثلاثة مواطن، وهي الفضيلة التي فضل الله بها يحيى. وروي أن يحيى وعيسى عليهما السلام التقيا، فقال عيسى: استغفر لي، أنت خير مني. وقال يحيى: استغفر لي، أنت خير مني. فقال عيسى: أنت خير مني؟ سلمتُ على نفسي، وسلم الله عليك، فعرف الله فضلها. فقال النبي ﷺ: "كل بني آدم يأتي يوم القيامة وله ذنب إلا يحيى بن زكرياء وقال ﷺ: "ما من أحد يلقى الله عز وجل يوم القيامة إلا وأذنب إلا يحيى بن زكرياء، ما أذنب ولا هم بامرأة". وهو قوله تعالى: ﴿وَسَلاَمٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ﴾، أي أمان له وعصمة من الشيطان ألا يحمله على ذنب و "يوم يموت" من عذاب القبر"، ويوم يبعث" من هول المحشر. وقد قيل: المعنى، ورحمته، وسلامته عليه يوم ولد، وذلك تفضل من الله غير جزاء له على عمله، إذ لم يعمل بعد شيئاً. * * وقوله: ﴿وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَياً﴾. هو جزاء من الله له بعمله وسعيه. وروى ابن وهب عن مالك بن أنس عن حميد بن قيس عن مجاهد، أنه [قال]: كان طعام يحيى بن زكريا العشب، وإن كان ليبكي من خشية الله ما لو كان القار على عينيه لحرقه. ولقد كان الدمع اتخذ مجرى في وجهه. قال أبو ادريس الخولاني: أطيب الناس طعاماً يحيى بن زكرياء. إنما كان يأكل مع الوحش كراهة أن يخالط الناس في معايشهم. قال ابن وهب أن ابن شهاب قال: كان يحيى ابن خالة عيسى وكان أكبر من عيسى بيسير.

مريم 19:12

قوله تعالى ذكره: ﴿قَالَ رَبِّ ٱجْعَل لِيۤ آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ ٱلنَّاسَ﴾. إلى قوله: ﴿وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَياً﴾. أي: اجعل لي علامة على وقت الهبة، ودليلاً على أن ما بشرتني به ملائكتك من هذا الغلام عن أمرك ورسالتك، ومتى يكون. قال ابن زيد: "اجعل لي آية أن هذا منك"، وكذا قال السدي. * * ﴿قَالَ آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ ٱلنَّاسَ ثَلاَثَ لَيَالٍ سَوِيّاً﴾. أي: علامة ذلك وصحته أنك لا تكلم الناس ثلاث ليال، بلا علة بك من خرس ولا مرض يمنعك الكلام. قال ابن عباس: "اعتقل لسانه من غير مرض". وقال مجاهد: "سوياً": صحيحاً لا يمنعك من الكلام مرض". وقال قتادة: "سوياً": من غير خرس ولا بأس، إنما عوقب إذ سأل آية بعد مشافهته الملائكة بذلك، أخذ لسانه حتى كان يوميء إيماءً". قال ابن زيد: "حبس لسانه فكان لا يستطيع أن يكلم أحداً، وهو في ذلك يسبح ويقرأ التوراة، فإذا أراد كلام الناس، لم يستطع [أن] يكلمهم. وكذلك قال السدي. وقيل: المعنى، ثلاث ليال متتابعات. فسوياً من نعت الليالي. وعلى القول الأول يكون "سوياً" حالاً من المخاطب. والتقدير فيه التقديم. أي: آيتك ألا تكلم الناس سوياً ثلاث ليال. * * ثم قال تعالى: ﴿فَخَرَجَ عَلَىٰ قَوْمِهِ مِنَ ٱلْمِحْرَابِ﴾. أي: فخرج زكريا على قومه من مصلاه الذي جلس فيه حين حبس لسانه عن كلام الناس. وقال ابن جريج: معناه، أشرف على قومه من المحراب والمحراب عند أهل اللغة، مكان مرتفع. * * وقوله: ﴿فَأَوْحَىٰ إِلَيْهِمْ أَن سَبِّحُواْ بُكْرَةً وَعَشِيّاً﴾. أي: أوحى إليهم، قاله قتادة وقال الضحاك: "كتب لهم. وقال مجاهد ووهب بن منبه: "أشار إليهم أن سبحوا بكرة وعشياً"، أي: صلوا بكرة وعشياً. والصلاة تسمى سبحة. وقيل: "أمرهم بالتسبيح بذكر الله طرفي النهار". وهذا يدل على أن الإشارة ليست بكلام. يقال: أوحى ووحى. وأومى وومى. * * ثم قال: ﴿يٰيَحْيَىٰ خُذِ ٱلْكِتَابَ بِقُوَّةٍ﴾. والتقدير: قوله له يحيى، فقال الله تعالى له: "يا يحيى خذ الكتاب بقوة" أي بجد وعزم. قاله قتادة ومجاهد. وقال ابن زيد: "القوة: أن يعمل ما أمره الله ويجتنب ما نهاه عنه". * * ثم قال: ﴿وَآتَيْنَاهُ ٱلْحُكْمَ صَبِيّاً﴾. أي: أعطيناه الفهم لكتاب الله في حال صباه. قال معمر: "بلغني أن الصبيان قالوا ليحيى: اذهب بنا نلعب، فقال أللعب خُلقت؟ فأنزل الله تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُ ٱلْحُكْمَ صَبِيّاً﴾. قال قتادة: "كان ابن سنتين أو ثلاث". قال مالك: "بلغني أن يحيى بن زكريا، إنما قتل في امرأة، وأن بخت نصر لما دخل بيت المقدس بعد زمان طويل وجد دمه يفور لا يطرح عليه تراب ولا شيء إلا فار وعلا عليه، فلما رآه دعا بني إسرائيل فسألهم فقالوا لا علم لنا هكذا وجدناه، وأخبرنا به آباؤنا عن آبائهم أنهم هكذا وجدوه. قال بخت نصر: هذا دم مظلوم، لأقتلن عليه. فقتل [عليه] سبعين ألفاً من المسلمين والكفار فهدأ الدم بعد ذلك. وقوله تعالى: ﴿وَحَنَاناً مِّن لَّدُنَّا﴾ قال ابن عباس معناه: "ورحمة من عندنا"، وهو قول عكرمة وقتادة والضحاك. وقيل معناه: ورحمة من عندنا لزكريا، آتيناه الحكم وفعلنا به ما فعلنا، روي ذلك عن قتادة. وقال مجاهد: "معناه، وتعطفاً من عندنا عليه فعلنا ذلك". وقال ابن زيد: "معناه، ومحبة له من عندنا"، روي ذلك أيضاً عن عكرمة. وعن عطاء أن معناه: "وتعظيماً من عندنا له". وقيل معناه آتيناه رحمة بالعباد وتحنناً عليهم ليُخلصهم من الكفر إلى الإيمان. وعن ابن عباس أنه قال: لا أدري ما الحنان. وقاله عكرمة أيضاً مرة. وقول العرب "حنانيك" لغة في حنان، وليس بتثنية. وأصل الحنان من قولهم: حن إلى كذا، إذا ارتاح إليه. ويحن على فلان، إذا تعطف عليه. والحنان مصدر من حننت أحن حنيناً وحناناً، ومنه قيل لزوج الرجل حنته لتحننها عليه وتعطفها. * * وقوله: ﴿وَزَكَاةً﴾ قال قتادة: "العمل الصالح". * * وقوله: ﴿وَكَانَ تَقِيّاً﴾ أي خائفاً مؤدياً فرائضه. قال ابن عباس: "طهر فلم يعمل بذنب، فهو الزكاة". * * وقوله: ﴿وَبَرّاً بِوَالِدَيْهِ﴾. أي: مسارعاً في طاعتهما غير عاق لهما". * * ﴿وَلَمْ يَكُن جَبَّاراً﴾. أي: متكبراً عن طاعة الله، ولا عصياً لربه. * * ثم قال: ﴿وَسَلاَمٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ﴾. أي: أمان له من الشيطان حين وُلد فلم يُذنب، ولا يأتي في الآخرة بذنب. * * وقوله: ﴿وَيَوْمَ يَمُوتُ﴾ أي: وأمان له من الله من فتاني القبر. * * ﴿وَيَوْمَ يُبْعَثُ﴾. أي: وأمان له من العذاب يوم يبعث فلا يروعه شيء. قال ابن عيينة: "أوحش ما يكون الخلق في ثلاثة مواطن يوم يولد، فيرى نفسه خارجاً مما كان فيه، ويوم يموت فيرى قوماً لم يكن عاينهم، ويوم يبعث، فيرى نفسه في محشر عظيم. فخص الله تعالى يحيى بالأمان في هذه الثلاثة مواطن، وهي الفضيلة التي فضل الله بها يحيى. وروي أن يحيى وعيسى عليهما السلام التقيا، فقال عيسى: استغفر لي، أنت خير مني. وقال يحيى: استغفر لي، أنت خير مني. فقال عيسى: أنت خير مني؟ سلمتُ على نفسي، وسلم الله عليك، فعرف الله فضلها. فقال النبي ﷺ: "كل بني آدم يأتي يوم القيامة وله ذنب إلا يحيى بن زكرياء وقال ﷺ: "ما من أحد يلقى الله عز وجل يوم القيامة إلا وأذنب إلا يحيى بن زكرياء، ما أذنب ولا هم بامرأة". وهو قوله تعالى: ﴿وَسَلاَمٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ﴾، أي أمان له وعصمة من الشيطان ألا يحمله على ذنب و "يوم يموت" من عذاب القبر"، ويوم يبعث" من هول المحشر. وقد قيل: المعنى، ورحمته، وسلامته عليه يوم ولد، وذلك تفضل من الله غير جزاء له على عمله، إذ لم يعمل بعد شيئاً. * * وقوله: ﴿وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَياً﴾. هو جزاء من الله له بعمله وسعيه. وروى ابن وهب عن مالك بن أنس عن حميد بن قيس عن مجاهد، أنه [قال]: كان طعام يحيى بن زكريا العشب، وإن كان ليبكي من خشية الله ما لو كان القار على عينيه لحرقه. ولقد كان الدمع اتخذ مجرى في وجهه. قال أبو ادريس الخولاني: أطيب الناس طعاماً يحيى بن زكرياء. إنما كان يأكل مع الوحش كراهة أن يخالط الناس في معايشهم. قال ابن وهب أن ابن شهاب قال: كان يحيى ابن خالة عيسى وكان أكبر من عيسى بيسير.

مريم 19:13

قوله تعالى ذكره: ﴿قَالَ رَبِّ ٱجْعَل لِيۤ آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ ٱلنَّاسَ﴾. إلى قوله: ﴿وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَياً﴾. أي: اجعل لي علامة على وقت الهبة، ودليلاً على أن ما بشرتني به ملائكتك من هذا الغلام عن أمرك ورسالتك، ومتى يكون. قال ابن زيد: "اجعل لي آية أن هذا منك"، وكذا قال السدي. * * ﴿قَالَ آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ ٱلنَّاسَ ثَلاَثَ لَيَالٍ سَوِيّاً﴾. أي: علامة ذلك وصحته أنك لا تكلم الناس ثلاث ليال، بلا علة بك من خرس ولا مرض يمنعك الكلام. قال ابن عباس: "اعتقل لسانه من غير مرض". وقال مجاهد: "سوياً": صحيحاً لا يمنعك من الكلام مرض". وقال قتادة: "سوياً": من غير خرس ولا بأس، إنما عوقب إذ سأل آية بعد مشافهته الملائكة بذلك، أخذ لسانه حتى كان يوميء إيماءً". قال ابن زيد: "حبس لسانه فكان لا يستطيع أن يكلم أحداً، وهو في ذلك يسبح ويقرأ التوراة، فإذا أراد كلام الناس، لم يستطع [أن] يكلمهم. وكذلك قال السدي. وقيل: المعنى، ثلاث ليال متتابعات. فسوياً من نعت الليالي. وعلى القول الأول يكون "سوياً" حالاً من المخاطب. والتقدير فيه التقديم. أي: آيتك ألا تكلم الناس سوياً ثلاث ليال. * * ثم قال تعالى: ﴿فَخَرَجَ عَلَىٰ قَوْمِهِ مِنَ ٱلْمِحْرَابِ﴾. أي: فخرج زكريا على قومه من مصلاه الذي جلس فيه حين حبس لسانه عن كلام الناس. وقال ابن جريج: معناه، أشرف على قومه من المحراب والمحراب عند أهل اللغة، مكان مرتفع. * * وقوله: ﴿فَأَوْحَىٰ إِلَيْهِمْ أَن سَبِّحُواْ بُكْرَةً وَعَشِيّاً﴾. أي: أوحى إليهم، قاله قتادة وقال الضحاك: "كتب لهم. وقال مجاهد ووهب بن منبه: "أشار إليهم أن سبحوا بكرة وعشياً"، أي: صلوا بكرة وعشياً. والصلاة تسمى سبحة. وقيل: "أمرهم بالتسبيح بذكر الله طرفي النهار". وهذا يدل على أن الإشارة ليست بكلام. يقال: أوحى ووحى. وأومى وومى. * * ثم قال: ﴿يٰيَحْيَىٰ خُذِ ٱلْكِتَابَ بِقُوَّةٍ﴾. والتقدير: قوله له يحيى، فقال الله تعالى له: "يا يحيى خذ الكتاب بقوة" أي بجد وعزم. قاله قتادة ومجاهد. وقال ابن زيد: "القوة: أن يعمل ما أمره الله ويجتنب ما نهاه عنه". * * ثم قال: ﴿وَآتَيْنَاهُ ٱلْحُكْمَ صَبِيّاً﴾. أي: أعطيناه الفهم لكتاب الله في حال صباه. قال معمر: "بلغني أن الصبيان قالوا ليحيى: اذهب بنا نلعب، فقال أللعب خُلقت؟ فأنزل الله تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُ ٱلْحُكْمَ صَبِيّاً﴾. قال قتادة: "كان ابن سنتين أو ثلاث". قال مالك: "بلغني أن يحيى بن زكريا، إنما قتل في امرأة، وأن بخت نصر لما دخل بيت المقدس بعد زمان طويل وجد دمه يفور لا يطرح عليه تراب ولا شيء إلا فار وعلا عليه، فلما رآه دعا بني إسرائيل فسألهم فقالوا لا علم لنا هكذا وجدناه، وأخبرنا به آباؤنا عن آبائهم أنهم هكذا وجدوه. قال بخت نصر: هذا دم مظلوم، لأقتلن عليه. فقتل [عليه] سبعين ألفاً من المسلمين والكفار فهدأ الدم بعد ذلك. وقوله تعالى: ﴿وَحَنَاناً مِّن لَّدُنَّا﴾ قال ابن عباس معناه: "ورحمة من عندنا"، وهو قول عكرمة وقتادة والضحاك. وقيل معناه: ورحمة من عندنا لزكريا، آتيناه الحكم وفعلنا به ما فعلنا، روي ذلك عن قتادة. وقال مجاهد: "معناه، وتعطفاً من عندنا عليه فعلنا ذلك". وقال ابن زيد: "معناه، ومحبة له من عندنا"، روي ذلك أيضاً عن عكرمة. وعن عطاء أن معناه: "وتعظيماً من عندنا له". وقيل معناه آتيناه رحمة بالعباد وتحنناً عليهم ليُخلصهم من الكفر إلى الإيمان. وعن ابن عباس أنه قال: لا أدري ما الحنان. وقاله عكرمة أيضاً مرة. وقول العرب "حنانيك" لغة في حنان، وليس بتثنية. وأصل الحنان من قولهم: حن إلى كذا، إذا ارتاح إليه. ويحن على فلان، إذا تعطف عليه. والحنان مصدر من حننت أحن حنيناً وحناناً، ومنه قيل لزوج الرجل حنته لتحننها عليه وتعطفها. * * وقوله: ﴿وَزَكَاةً﴾ قال قتادة: "العمل الصالح". * * وقوله: ﴿وَكَانَ تَقِيّاً﴾ أي خائفاً مؤدياً فرائضه. قال ابن عباس: "طهر فلم يعمل بذنب، فهو الزكاة". * * وقوله: ﴿وَبَرّاً بِوَالِدَيْهِ﴾. أي: مسارعاً في طاعتهما غير عاق لهما". * * ﴿وَلَمْ يَكُن جَبَّاراً﴾. أي: متكبراً عن طاعة الله، ولا عصياً لربه. * * ثم قال: ﴿وَسَلاَمٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ﴾. أي: أمان له من الشيطان حين وُلد فلم يُذنب، ولا يأتي في الآخرة بذنب. * * وقوله: ﴿وَيَوْمَ يَمُوتُ﴾ أي: وأمان له من الله من فتاني القبر. * * ﴿وَيَوْمَ يُبْعَثُ﴾. أي: وأمان له من العذاب يوم يبعث فلا يروعه شيء. قال ابن عيينة: "أوحش ما يكون الخلق في ثلاثة مواطن يوم يولد، فيرى نفسه خارجاً مما كان فيه، ويوم يموت فيرى قوماً لم يكن عاينهم، ويوم يبعث، فيرى نفسه في محشر عظيم. فخص الله تعالى يحيى بالأمان في هذه الثلاثة مواطن، وهي الفضيلة التي فضل الله بها يحيى. وروي أن يحيى وعيسى عليهما السلام التقيا، فقال عيسى: استغفر لي، أنت خير مني. وقال يحيى: استغفر لي، أنت خير مني. فقال عيسى: أنت خير مني؟ سلمتُ على نفسي، وسلم الله عليك، فعرف الله فضلها. فقال النبي ﷺ: "كل بني آدم يأتي يوم القيامة وله ذنب إلا يحيى بن زكرياء وقال ﷺ: "ما من أحد يلقى الله عز وجل يوم القيامة إلا وأذنب إلا يحيى بن زكرياء، ما أذنب ولا هم بامرأة". وهو قوله تعالى: ﴿وَسَلاَمٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ﴾، أي أمان له وعصمة من الشيطان ألا يحمله على ذنب و "يوم يموت" من عذاب القبر"، ويوم يبعث" من هول المحشر. وقد قيل: المعنى، ورحمته، وسلامته عليه يوم ولد، وذلك تفضل من الله غير جزاء له على عمله، إذ لم يعمل بعد شيئاً. * * وقوله: ﴿وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَياً﴾. هو جزاء من الله له بعمله وسعيه. وروى ابن وهب عن مالك بن أنس عن حميد بن قيس عن مجاهد، أنه [قال]: كان طعام يحيى بن زكريا العشب، وإن كان ليبكي من خشية الله ما لو كان القار على عينيه لحرقه. ولقد كان الدمع اتخذ مجرى في وجهه. قال أبو ادريس الخولاني: أطيب الناس طعاماً يحيى بن زكرياء. إنما كان يأكل مع الوحش كراهة أن يخالط الناس في معايشهم. قال ابن وهب أن ابن شهاب قال: كان يحيى ابن خالة عيسى وكان أكبر من عيسى بيسير.

مريم 19:14

قوله تعالى ذكره: ﴿قَالَ رَبِّ ٱجْعَل لِيۤ آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ ٱلنَّاسَ﴾. إلى قوله: ﴿وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَياً﴾. أي: اجعل لي علامة على وقت الهبة، ودليلاً على أن ما بشرتني به ملائكتك من هذا الغلام عن أمرك ورسالتك، ومتى يكون. قال ابن زيد: "اجعل لي آية أن هذا منك"، وكذا قال السدي. * * ﴿قَالَ آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ ٱلنَّاسَ ثَلاَثَ لَيَالٍ سَوِيّاً﴾. أي: علامة ذلك وصحته أنك لا تكلم الناس ثلاث ليال، بلا علة بك من خرس ولا مرض يمنعك الكلام. قال ابن عباس: "اعتقل لسانه من غير مرض". وقال مجاهد: "سوياً": صحيحاً لا يمنعك من الكلام مرض". وقال قتادة: "سوياً": من غير خرس ولا بأس، إنما عوقب إذ سأل آية بعد مشافهته الملائكة بذلك، أخذ لسانه حتى كان يوميء إيماءً". قال ابن زيد: "حبس لسانه فكان لا يستطيع أن يكلم أحداً، وهو في ذلك يسبح ويقرأ التوراة، فإذا أراد كلام الناس، لم يستطع [أن] يكلمهم. وكذلك قال السدي. وقيل: المعنى، ثلاث ليال متتابعات. فسوياً من نعت الليالي. وعلى القول الأول يكون "سوياً" حالاً من المخاطب. والتقدير فيه التقديم. أي: آيتك ألا تكلم الناس سوياً ثلاث ليال. * * ثم قال تعالى: ﴿فَخَرَجَ عَلَىٰ قَوْمِهِ مِنَ ٱلْمِحْرَابِ﴾. أي: فخرج زكريا على قومه من مصلاه الذي جلس فيه حين حبس لسانه عن كلام الناس. وقال ابن جريج: معناه، أشرف على قومه من المحراب والمحراب عند أهل اللغة، مكان مرتفع. * * وقوله: ﴿فَأَوْحَىٰ إِلَيْهِمْ أَن سَبِّحُواْ بُكْرَةً وَعَشِيّاً﴾. أي: أوحى إليهم، قاله قتادة وقال الضحاك: "كتب لهم. وقال مجاهد ووهب بن منبه: "أشار إليهم أن سبحوا بكرة وعشياً"، أي: صلوا بكرة وعشياً. والصلاة تسمى سبحة. وقيل: "أمرهم بالتسبيح بذكر الله طرفي النهار". وهذا يدل على أن الإشارة ليست بكلام. يقال: أوحى ووحى. وأومى وومى. * * ثم قال: ﴿يٰيَحْيَىٰ خُذِ ٱلْكِتَابَ بِقُوَّةٍ﴾. والتقدير: قوله له يحيى، فقال الله تعالى له: "يا يحيى خذ الكتاب بقوة" أي بجد وعزم. قاله قتادة ومجاهد. وقال ابن زيد: "القوة: أن يعمل ما أمره الله ويجتنب ما نهاه عنه". * * ثم قال: ﴿وَآتَيْنَاهُ ٱلْحُكْمَ صَبِيّاً﴾. أي: أعطيناه الفهم لكتاب الله في حال صباه. قال معمر: "بلغني أن الصبيان قالوا ليحيى: اذهب بنا نلعب، فقال أللعب خُلقت؟ فأنزل الله تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُ ٱلْحُكْمَ صَبِيّاً﴾. قال قتادة: "كان ابن سنتين أو ثلاث". قال مالك: "بلغني أن يحيى بن زكريا، إنما قتل في امرأة، وأن بخت نصر لما دخل بيت المقدس بعد زمان طويل وجد دمه يفور لا يطرح عليه تراب ولا شيء إلا فار وعلا عليه، فلما رآه دعا بني إسرائيل فسألهم فقالوا لا علم لنا هكذا وجدناه، وأخبرنا به آباؤنا عن آبائهم أنهم هكذا وجدوه. قال بخت نصر: هذا دم مظلوم، لأقتلن عليه. فقتل [عليه] سبعين ألفاً من المسلمين والكفار فهدأ الدم بعد ذلك. وقوله تعالى: ﴿وَحَنَاناً مِّن لَّدُنَّا﴾ قال ابن عباس معناه: "ورحمة من عندنا"، وهو قول عكرمة وقتادة والضحاك. وقيل معناه: ورحمة من عندنا لزكريا، آتيناه الحكم وفعلنا به ما فعلنا، روي ذلك عن قتادة. وقال مجاهد: "معناه، وتعطفاً من عندنا عليه فعلنا ذلك". وقال ابن زيد: "معناه، ومحبة له من عندنا"، روي ذلك أيضاً عن عكرمة. وعن عطاء أن معناه: "وتعظيماً من عندنا له". وقيل معناه آتيناه رحمة بالعباد وتحنناً عليهم ليُخلصهم من الكفر إلى الإيمان. وعن ابن عباس أنه قال: لا أدري ما الحنان. وقاله عكرمة أيضاً مرة. وقول العرب "حنانيك" لغة في حنان، وليس بتثنية. وأصل الحنان من قولهم: حن إلى كذا، إذا ارتاح إليه. ويحن على فلان، إذا تعطف عليه. والحنان مصدر من حننت أحن حنيناً وحناناً، ومنه قيل لزوج الرجل حنته لتحننها عليه وتعطفها. * * وقوله: ﴿وَزَكَاةً﴾ قال قتادة: "العمل الصالح". * * وقوله: ﴿وَكَانَ تَقِيّاً﴾ أي خائفاً مؤدياً فرائضه. قال ابن عباس: "طهر فلم يعمل بذنب، فهو الزكاة". * * وقوله: ﴿وَبَرّاً بِوَالِدَيْهِ﴾. أي: مسارعاً في طاعتهما غير عاق لهما". * * ﴿وَلَمْ يَكُن جَبَّاراً﴾. أي: متكبراً عن طاعة الله، ولا عصياً لربه. * * ثم قال: ﴿وَسَلاَمٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ﴾. أي: أمان له من الشيطان حين وُلد فلم يُذنب، ولا يأتي في الآخرة بذنب. * * وقوله: ﴿وَيَوْمَ يَمُوتُ﴾ أي: وأمان له من الله من فتاني القبر. * * ﴿وَيَوْمَ يُبْعَثُ﴾. أي: وأمان له من العذاب يوم يبعث فلا يروعه شيء. قال ابن عيينة: "أوحش ما يكون الخلق في ثلاثة مواطن يوم يولد، فيرى نفسه خارجاً مما كان فيه، ويوم يموت فيرى قوماً لم يكن عاينهم، ويوم يبعث، فيرى نفسه في محشر عظيم. فخص الله تعالى يحيى بالأمان في هذه الثلاثة مواطن، وهي الفضيلة التي فضل الله بها يحيى. وروي أن يحيى وعيسى عليهما السلام التقيا، فقال عيسى: استغفر لي، أنت خير مني. وقال يحيى: استغفر لي، أنت خير مني. فقال عيسى: أنت خير مني؟ سلمتُ على نفسي، وسلم الله عليك، فعرف الله فضلها. فقال النبي ﷺ: "كل بني آدم يأتي يوم القيامة وله ذنب إلا يحيى بن زكرياء وقال ﷺ: "ما من أحد يلقى الله عز وجل يوم القيامة إلا وأذنب إلا يحيى بن زكرياء، ما أذنب ولا هم بامرأة". وهو قوله تعالى: ﴿وَسَلاَمٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ﴾، أي أمان له وعصمة من الشيطان ألا يحمله على ذنب و "يوم يموت" من عذاب القبر"، ويوم يبعث" من هول المحشر. وقد قيل: المعنى، ورحمته، وسلامته عليه يوم ولد، وذلك تفضل من الله غير جزاء له على عمله، إذ لم يعمل بعد شيئاً. * * وقوله: ﴿وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَياً﴾. هو جزاء من الله له بعمله وسعيه. وروى ابن وهب عن مالك بن أنس عن حميد بن قيس عن مجاهد، أنه [قال]: كان طعام يحيى بن زكريا العشب، وإن كان ليبكي من خشية الله ما لو كان القار على عينيه لحرقه. ولقد كان الدمع اتخذ مجرى في وجهه. قال أبو ادريس الخولاني: أطيب الناس طعاماً يحيى بن زكرياء. إنما كان يأكل مع الوحش كراهة أن يخالط الناس في معايشهم. قال ابن وهب أن ابن شهاب قال: كان يحيى ابن خالة عيسى وكان أكبر من عيسى بيسير.

مريم 19:15

قوله تعالى ذكره: ﴿قَالَ رَبِّ ٱجْعَل لِيۤ آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ ٱلنَّاسَ﴾. إلى قوله: ﴿وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَياً﴾. أي: اجعل لي علامة على وقت الهبة، ودليلاً على أن ما بشرتني به ملائكتك من هذا الغلام عن أمرك ورسالتك، ومتى يكون. قال ابن زيد: "اجعل لي آية أن هذا منك"، وكذا قال السدي. * * ﴿قَالَ آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ ٱلنَّاسَ ثَلاَثَ لَيَالٍ سَوِيّاً﴾. أي: علامة ذلك وصحته أنك لا تكلم الناس ثلاث ليال، بلا علة بك من خرس ولا مرض يمنعك الكلام. قال ابن عباس: "اعتقل لسانه من غير مرض". وقال مجاهد: "سوياً": صحيحاً لا يمنعك من الكلام مرض". وقال قتادة: "سوياً": من غير خرس ولا بأس، إنما عوقب إذ سأل آية بعد مشافهته الملائكة بذلك، أخذ لسانه حتى كان يوميء إيماءً". قال ابن زيد: "حبس لسانه فكان لا يستطيع أن يكلم أحداً، وهو في ذلك يسبح ويقرأ التوراة، فإذا أراد كلام الناس، لم يستطع [أن] يكلمهم. وكذلك قال السدي. وقيل: المعنى، ثلاث ليال متتابعات. فسوياً من نعت الليالي. وعلى القول الأول يكون "سوياً" حالاً من المخاطب. والتقدير فيه التقديم. أي: آيتك ألا تكلم الناس سوياً ثلاث ليال. * * ثم قال تعالى: ﴿فَخَرَجَ عَلَىٰ قَوْمِهِ مِنَ ٱلْمِحْرَابِ﴾. أي: فخرج زكريا على قومه من مصلاه الذي جلس فيه حين حبس لسانه عن كلام الناس. وقال ابن جريج: معناه، أشرف على قومه من المحراب والمحراب عند أهل اللغة، مكان مرتفع. * * وقوله: ﴿فَأَوْحَىٰ إِلَيْهِمْ أَن سَبِّحُواْ بُكْرَةً وَعَشِيّاً﴾. أي: أوحى إليهم، قاله قتادة وقال الضحاك: "كتب لهم. وقال مجاهد ووهب بن منبه: "أشار إليهم أن سبحوا بكرة وعشياً"، أي: صلوا بكرة وعشياً. والصلاة تسمى سبحة. وقيل: "أمرهم بالتسبيح بذكر الله طرفي النهار". وهذا يدل على أن الإشارة ليست بكلام. يقال: أوحى ووحى. وأومى وومى. * * ثم قال: ﴿يٰيَحْيَىٰ خُذِ ٱلْكِتَابَ بِقُوَّةٍ﴾. والتقدير: قوله له يحيى، فقال الله تعالى له: "يا يحيى خذ الكتاب بقوة" أي بجد وعزم. قاله قتادة ومجاهد. وقال ابن زيد: "القوة: أن يعمل ما أمره الله ويجتنب ما نهاه عنه". * * ثم قال: ﴿وَآتَيْنَاهُ ٱلْحُكْمَ صَبِيّاً﴾. أي: أعطيناه الفهم لكتاب الله في حال صباه. قال معمر: "بلغني أن الصبيان قالوا ليحيى: اذهب بنا نلعب، فقال أللعب خُلقت؟ فأنزل الله تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُ ٱلْحُكْمَ صَبِيّاً﴾. قال قتادة: "كان ابن سنتين أو ثلاث". قال مالك: "بلغني أن يحيى بن زكريا، إنما قتل في امرأة، وأن بخت نصر لما دخل بيت المقدس بعد زمان طويل وجد دمه يفور لا يطرح عليه تراب ولا شيء إلا فار وعلا عليه، فلما رآه دعا بني إسرائيل فسألهم فقالوا لا علم لنا هكذا وجدناه، وأخبرنا به آباؤنا عن آبائهم أنهم هكذا وجدوه. قال بخت نصر: هذا دم مظلوم، لأقتلن عليه. فقتل [عليه] سبعين ألفاً من المسلمين والكفار فهدأ الدم بعد ذلك. وقوله تعالى: ﴿وَحَنَاناً مِّن لَّدُنَّا﴾ قال ابن عباس معناه: "ورحمة من عندنا"، وهو قول عكرمة وقتادة والضحاك. وقيل معناه: ورحمة من عندنا لزكريا، آتيناه الحكم وفعلنا به ما فعلنا، روي ذلك عن قتادة. وقال مجاهد: "معناه، وتعطفاً من عندنا عليه فعلنا ذلك". وقال ابن زيد: "معناه، ومحبة له من عندنا"، روي ذلك أيضاً عن عكرمة. وعن عطاء أن معناه: "وتعظيماً من عندنا له". وقيل معناه آتيناه رحمة بالعباد وتحنناً عليهم ليُخلصهم من الكفر إلى الإيمان. وعن ابن عباس أنه قال: لا أدري ما الحنان. وقاله عكرمة أيضاً مرة. وقول العرب "حنانيك" لغة في حنان، وليس بتثنية. وأصل الحنان من قولهم: حن إلى كذا، إذا ارتاح إليه. ويحن على فلان، إذا تعطف عليه. والحنان مصدر من حننت أحن حنيناً وحناناً، ومنه قيل لزوج الرجل حنته لتحننها عليه وتعطفها. * * وقوله: ﴿وَزَكَاةً﴾ قال قتادة: "العمل الصالح". * * وقوله: ﴿وَكَانَ تَقِيّاً﴾ أي خائفاً مؤدياً فرائضه. قال ابن عباس: "طهر فلم يعمل بذنب، فهو الزكاة". * * وقوله: ﴿وَبَرّاً بِوَالِدَيْهِ﴾. أي: مسارعاً في طاعتهما غير عاق لهما". * * ﴿وَلَمْ يَكُن جَبَّاراً﴾. أي: متكبراً عن طاعة الله، ولا عصياً لربه. * * ثم قال: ﴿وَسَلاَمٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ﴾. أي: أمان له من الشيطان حين وُلد فلم يُذنب، ولا يأتي في الآخرة بذنب. * * وقوله: ﴿وَيَوْمَ يَمُوتُ﴾ أي: وأمان له من الله من فتاني القبر. * * ﴿وَيَوْمَ يُبْعَثُ﴾. أي: وأمان له من العذاب يوم يبعث فلا يروعه شيء. قال ابن عيينة: "أوحش ما يكون الخلق في ثلاثة مواطن يوم يولد، فيرى نفسه خارجاً مما كان فيه، ويوم يموت فيرى قوماً لم يكن عاينهم، ويوم يبعث، فيرى نفسه في محشر عظيم. فخص الله تعالى يحيى بالأمان في هذه الثلاثة مواطن، وهي الفضيلة التي فضل الله بها يحيى. وروي أن يحيى وعيسى عليهما السلام التقيا، فقال عيسى: استغفر لي، أنت خير مني. وقال يحيى: استغفر لي، أنت خير مني. فقال عيسى: أنت خير مني؟ سلمتُ على نفسي، وسلم الله عليك، فعرف الله فضلها. فقال النبي ﷺ: "كل بني آدم يأتي يوم القيامة وله ذنب إلا يحيى بن زكرياء وقال ﷺ: "ما من أحد يلقى الله عز وجل يوم القيامة إلا وأذنب إلا يحيى بن زكرياء، ما أذنب ولا هم بامرأة". وهو قوله تعالى: ﴿وَسَلاَمٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ﴾، أي أمان له وعصمة من الشيطان ألا يحمله على ذنب و "يوم يموت" من عذاب القبر"، ويوم يبعث" من هول المحشر. وقد قيل: المعنى، ورحمته، وسلامته عليه يوم ولد، وذلك تفضل من الله غير جزاء له على عمله، إذ لم يعمل بعد شيئاً. * * وقوله: ﴿وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَياً﴾. هو جزاء من الله له بعمله وسعيه. وروى ابن وهب عن مالك بن أنس عن حميد بن قيس عن مجاهد، أنه [قال]: كان طعام يحيى بن زكريا العشب، وإن كان ليبكي من خشية الله ما لو كان القار على عينيه لحرقه. ولقد كان الدمع اتخذ مجرى في وجهه. قال أبو ادريس الخولاني: أطيب الناس طعاماً يحيى بن زكرياء. إنما كان يأكل مع الوحش كراهة أن يخالط الناس في معايشهم. قال ابن وهب أن ابن شهاب قال: كان يحيى ابن خالة عيسى وكان أكبر من عيسى بيسير.

مريم 19:16

قوله تعالى ذكره: ﴿وَٱذْكُرْ فِي ٱلْكِتَابِ مَرْيَمَ﴾ إلى قوله: ﴿وَلَمْ أَكُ بَغِيّاً﴾. والمعنى: واذكر يا محمد في الكتاب الذي أنزل إليك مريم حين اعتزلت من أهلها، وانفردت في مكان شرقي، أي في شرقي المحراب. وقال السدي: "خرجت مريم إلى جانب المحراب لحيض أصابها". وقال قتادة: "شرقياً" قبل المشرق شاسعاً". وقيل: إنما صارت بمكان يلي المشرق، لأن ما يلي المشرق عندهم كان خيراً مما يلي المغرب . وقال ابن عباس: أظلها الله بالشمس، وجعل لها منها حجاباً". وهو قوله: ﴿فَٱتَّخَذَتْ مِن دُونِهِم حِجَاباً﴾ أي: ستراً يسترها عن الناس. ويروى أن مريم كانت في منزل زكرياء، وكان زوج أختها، وكان لها محراب تصلي فيه، وكان زكرياء إذا خرج أغلق عليها الباب، فآذاها يوماً القمل في رأسها فتمنت لو وجدت خلوة إلى الجبل تفلي فيه رأسها، فانفرج لها السقف وخرجت والبيت مقفل في يوم شديد البرد، فجلست في شرفة من الشمس، وأتى زكرياء فلم يجدها فبينما هي جالسة إذ أتاها جبريل ﷺ في صورة البشر في أحسن صورة شاب مقصص عليه البياض وعليه تاج مكلل بالدر والياقوت، ومريم يومئذ بنت أربع عشرة سنة، فلما أن رأت جبريل عليه السلام يصعد نحوها نادته ﴿إِنِّيۤ أَعُوذُ بِٱلرَّحْمَـٰنِ مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيّاً﴾. أي إن كنت تتقي الله فكان من شأنها ما قصّ الله علينا. * * ثم قال تعالى: ﴿فَأَرْسَلْنَآ إِلَيْهَآ رُوحَنَا﴾. قال قتادة وابن جريج ووهب بن منبه: هو جبريل ﷺ. وقيل: الروح: عيسى، لأنه روح الله وكلمته أَلقاها إلى مريم. وقيل: معناه، فدخل الروح في مريم فتمثل لها بشراً سوياً. أي تمثل فيها، يعني عيسى. قال أبي بن كعب: "كان روح عيسى بن مريم من الأرواح التي أخذ الله تعالى ذكره عليها الميثاق، فأرسل ذلك الروح إلى مريم، فدخل من فيها، فحملت بعيسى عليه السلام". والله أعلم بذلك كله. والصحيح أنه جبريل عليه السلام لقوله: "فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَراً" لأن عيسى بشر، ومعناه فتشبه لها في صورة آدمي، سوي الخلق، معتدله. وإنما سمي جبريل ﷺ روحاً، لأنه يأتي بما يحيي به العباد من الوحي، ولهذا سمي عيسى أيضاً روحاً، وسمي القرآن روحاً. وقيل: إنما اعتزلت لتغتسل من الحيض. وقيل: لتخلو بالعبادة. * * ثم قال: ﴿قَالَتْ إِنِّيۤ أَعُوذُ بِٱلرَّحْمَـٰنِ مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيّاً﴾. المعنى: أن مريم خافت من جبريل لما رأته في هيئة آدمي. قال قتادة: "خشيت أن يكون يريدها على نفسها". وقال السدي: "فزعت منه لما رأته، فتعوذت بالرحمن واستجارت به منه". ومعنى: ﴿إِن كُنتَ تَقِيّاً﴾ أي: إن كنت ذا تقوى وخوف من الله، تتقي محارمه. وقيل: المعنى: إني أستجير بالله منك إن كنت تتقي الله في استجارتي به منك. قال وهب بن منبه: "هو رجل من بني آدم معروف عندهم بالشر اسمه "تقي". فـ "إن" على هذه الأقوال للشرط، وما قبلها جواب للشرط. وقيل: ﴿إِن كُنتَ تَقِيّاً﴾ معناه: ما كنت. [قوله]: قَالَ: ﴿إِنَّمَآ أَنَاْ رَسُولُ رَبِّكِ لأَهَبَ لَكِ غُلاَماً زَكِيّاً﴾. من قرأ بالهمز في لأَهَبَ، فإنه أسند الفعل إلى جبريل ﷺ، إذ قد علم أن الهبة أصلها من الله. والتقدير: إنما أنا رسول ربك أرسلني لأهب لك. وقال أبو عبيد: التقدير في هذه القراءة: إنما أنا رسول ربك، يقول لك: أرسلته إليك لأهب لك غلاماً. فأما من لم يهمز، فيحتمل أن يكون على أحد هذين المعنيين المتقدم ذكرهما في الهمز، لكن خففت الهمزة، ويحتمل أن يكون في الكلام حذف تقديره: بعثني لِيَهَبَ لك. وكذا حكى أبو عمرو عن ابن عباس. و "الزكي": الطاهر من الذنوب. * * ﴿قَالَتْ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلاَمٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيّاً﴾. أي: قالت مريم: من أي وجه يكون لي غلام؟ أَمِنْ قبل زوج أرزقه منه؟ أم يبتدئ الله خلقه ابتداء، ولم يمسسني بشر من بني آدم بنكاح حلال. "ولمَ أكُ بَغيّاً" أي لم يمسسني أحد في حرام. قال السدي: [﴿بَغِيّاً﴾ زانية]. و ﴿بَغِيّاً﴾ فعول. وفعول يقع للمؤنث والمذكر بغير هاء. كقولك: امرأة شكور، ورجل شكور. ولا يجوز أن يكون "بغي" فعيلاً، لأنه يلزم فيه دخول الهاء ككريمة ورحيمة. ولا يلزم ذلك في فعول. فدل حذف الهاء منه على أنه فعول، وليس بفعيل. وأصله بغوى، ثم وقع القلب والإدغام على الأصول المعروفة عند أهل العربية .

مريم 19:17

قوله تعالى ذكره: ﴿وَٱذْكُرْ فِي ٱلْكِتَابِ مَرْيَمَ﴾ إلى قوله: ﴿وَلَمْ أَكُ بَغِيّاً﴾. والمعنى: واذكر يا محمد في الكتاب الذي أنزل إليك مريم حين اعتزلت من أهلها، وانفردت في مكان شرقي، أي في شرقي المحراب. وقال السدي: "خرجت مريم إلى جانب المحراب لحيض أصابها". وقال قتادة: "شرقياً" قبل المشرق شاسعاً". وقيل: إنما صارت بمكان يلي المشرق، لأن ما يلي المشرق عندهم كان خيراً مما يلي المغرب . وقال ابن عباس: أظلها الله بالشمس، وجعل لها منها حجاباً". وهو قوله: ﴿فَٱتَّخَذَتْ مِن دُونِهِم حِجَاباً﴾ أي: ستراً يسترها عن الناس. ويروى أن مريم كانت في منزل زكرياء، وكان زوج أختها، وكان لها محراب تصلي فيه، وكان زكرياء إذا خرج أغلق عليها الباب، فآذاها يوماً القمل في رأسها فتمنت لو وجدت خلوة إلى الجبل تفلي فيه رأسها، فانفرج لها السقف وخرجت والبيت مقفل في يوم شديد البرد، فجلست في شرفة من الشمس، وأتى زكرياء فلم يجدها فبينما هي جالسة إذ أتاها جبريل ﷺ في صورة البشر في أحسن صورة شاب مقصص عليه البياض وعليه تاج مكلل بالدر والياقوت، ومريم يومئذ بنت أربع عشرة سنة، فلما أن رأت جبريل عليه السلام يصعد نحوها نادته ﴿إِنِّيۤ أَعُوذُ بِٱلرَّحْمَـٰنِ مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيّاً﴾. أي إن كنت تتقي الله فكان من شأنها ما قصّ الله علينا. * * ثم قال تعالى: ﴿فَأَرْسَلْنَآ إِلَيْهَآ رُوحَنَا﴾. قال قتادة وابن جريج ووهب بن منبه: هو جبريل ﷺ. وقيل: الروح: عيسى، لأنه روح الله وكلمته أَلقاها إلى مريم. وقيل: معناه، فدخل الروح في مريم فتمثل لها بشراً سوياً. أي تمثل فيها، يعني عيسى. قال أبي بن كعب: "كان روح عيسى بن مريم من الأرواح التي أخذ الله تعالى ذكره عليها الميثاق، فأرسل ذلك الروح إلى مريم، فدخل من فيها، فحملت بعيسى عليه السلام". والله أعلم بذلك كله. والصحيح أنه جبريل عليه السلام لقوله: "فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَراً" لأن عيسى بشر، ومعناه فتشبه لها في صورة آدمي، سوي الخلق، معتدله. وإنما سمي جبريل ﷺ روحاً، لأنه يأتي بما يحيي به العباد من الوحي، ولهذا سمي عيسى أيضاً روحاً، وسمي القرآن روحاً. وقيل: إنما اعتزلت لتغتسل من الحيض. وقيل: لتخلو بالعبادة. * * ثم قال: ﴿قَالَتْ إِنِّيۤ أَعُوذُ بِٱلرَّحْمَـٰنِ مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيّاً﴾. المعنى: أن مريم خافت من جبريل لما رأته في هيئة آدمي. قال قتادة: "خشيت أن يكون يريدها على نفسها". وقال السدي: "فزعت منه لما رأته، فتعوذت بالرحمن واستجارت به منه". ومعنى: ﴿إِن كُنتَ تَقِيّاً﴾ أي: إن كنت ذا تقوى وخوف من الله، تتقي محارمه. وقيل: المعنى: إني أستجير بالله منك إن كنت تتقي الله في استجارتي به منك. قال وهب بن منبه: "هو رجل من بني آدم معروف عندهم بالشر اسمه "تقي". فـ "إن" على هذه الأقوال للشرط، وما قبلها جواب للشرط. وقيل: ﴿إِن كُنتَ تَقِيّاً﴾ معناه: ما كنت. [قوله]: قَالَ: ﴿إِنَّمَآ أَنَاْ رَسُولُ رَبِّكِ لأَهَبَ لَكِ غُلاَماً زَكِيّاً﴾. من قرأ بالهمز في لأَهَبَ، فإنه أسند الفعل إلى جبريل ﷺ، إذ قد علم أن الهبة أصلها من الله. والتقدير: إنما أنا رسول ربك أرسلني لأهب لك. وقال أبو عبيد: التقدير في هذه القراءة: إنما أنا رسول ربك، يقول لك: أرسلته إليك لأهب لك غلاماً. فأما من لم يهمز، فيحتمل أن يكون على أحد هذين المعنيين المتقدم ذكرهما في الهمز، لكن خففت الهمزة، ويحتمل أن يكون في الكلام حذف تقديره: بعثني لِيَهَبَ لك. وكذا حكى أبو عمرو عن ابن عباس. و "الزكي": الطاهر من الذنوب. * * ﴿قَالَتْ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلاَمٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيّاً﴾. أي: قالت مريم: من أي وجه يكون لي غلام؟ أَمِنْ قبل زوج أرزقه منه؟ أم يبتدئ الله خلقه ابتداء، ولم يمسسني بشر من بني آدم بنكاح حلال. "ولمَ أكُ بَغيّاً" أي لم يمسسني أحد في حرام. قال السدي: [﴿بَغِيّاً﴾ زانية]. و ﴿بَغِيّاً﴾ فعول. وفعول يقع للمؤنث والمذكر بغير هاء. كقولك: امرأة شكور، ورجل شكور. ولا يجوز أن يكون "بغي" فعيلاً، لأنه يلزم فيه دخول الهاء ككريمة ورحيمة. ولا يلزم ذلك في فعول. فدل حذف الهاء منه على أنه فعول، وليس بفعيل. وأصله بغوى، ثم وقع القلب والإدغام على الأصول المعروفة عند أهل العربية .

مريم 19:18

قوله تعالى ذكره: ﴿وَٱذْكُرْ فِي ٱلْكِتَابِ مَرْيَمَ﴾ إلى قوله: ﴿وَلَمْ أَكُ بَغِيّاً﴾. والمعنى: واذكر يا محمد في الكتاب الذي أنزل إليك مريم حين اعتزلت من أهلها، وانفردت في مكان شرقي، أي في شرقي المحراب. وقال السدي: "خرجت مريم إلى جانب المحراب لحيض أصابها". وقال قتادة: "شرقياً" قبل المشرق شاسعاً". وقيل: إنما صارت بمكان يلي المشرق، لأن ما يلي المشرق عندهم كان خيراً مما يلي المغرب . وقال ابن عباس: أظلها الله بالشمس، وجعل لها منها حجاباً". وهو قوله: ﴿فَٱتَّخَذَتْ مِن دُونِهِم حِجَاباً﴾ أي: ستراً يسترها عن الناس. ويروى أن مريم كانت في منزل زكرياء، وكان زوج أختها، وكان لها محراب تصلي فيه، وكان زكرياء إذا خرج أغلق عليها الباب، فآذاها يوماً القمل في رأسها فتمنت لو وجدت خلوة إلى الجبل تفلي فيه رأسها، فانفرج لها السقف وخرجت والبيت مقفل في يوم شديد البرد، فجلست في شرفة من الشمس، وأتى زكرياء فلم يجدها فبينما هي جالسة إذ أتاها جبريل ﷺ في صورة البشر في أحسن صورة شاب مقصص عليه البياض وعليه تاج مكلل بالدر والياقوت، ومريم يومئذ بنت أربع عشرة سنة، فلما أن رأت جبريل عليه السلام يصعد نحوها نادته ﴿إِنِّيۤ أَعُوذُ بِٱلرَّحْمَـٰنِ مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيّاً﴾. أي إن كنت تتقي الله فكان من شأنها ما قصّ الله علينا. * * ثم قال تعالى: ﴿فَأَرْسَلْنَآ إِلَيْهَآ رُوحَنَا﴾. قال قتادة وابن جريج ووهب بن منبه: هو جبريل ﷺ. وقيل: الروح: عيسى، لأنه روح الله وكلمته أَلقاها إلى مريم. وقيل: معناه، فدخل الروح في مريم فتمثل لها بشراً سوياً. أي تمثل فيها، يعني عيسى. قال أبي بن كعب: "كان روح عيسى بن مريم من الأرواح التي أخذ الله تعالى ذكره عليها الميثاق، فأرسل ذلك الروح إلى مريم، فدخل من فيها، فحملت بعيسى عليه السلام". والله أعلم بذلك كله. والصحيح أنه جبريل عليه السلام لقوله: "فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَراً" لأن عيسى بشر، ومعناه فتشبه لها في صورة آدمي، سوي الخلق، معتدله. وإنما سمي جبريل ﷺ روحاً، لأنه يأتي بما يحيي به العباد من الوحي، ولهذا سمي عيسى أيضاً روحاً، وسمي القرآن روحاً. وقيل: إنما اعتزلت لتغتسل من الحيض. وقيل: لتخلو بالعبادة. * * ثم قال: ﴿قَالَتْ إِنِّيۤ أَعُوذُ بِٱلرَّحْمَـٰنِ مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيّاً﴾. المعنى: أن مريم خافت من جبريل لما رأته في هيئة آدمي. قال قتادة: "خشيت أن يكون يريدها على نفسها". وقال السدي: "فزعت منه لما رأته، فتعوذت بالرحمن واستجارت به منه". ومعنى: ﴿إِن كُنتَ تَقِيّاً﴾ أي: إن كنت ذا تقوى وخوف من الله، تتقي محارمه. وقيل: المعنى: إني أستجير بالله منك إن كنت تتقي الله في استجارتي به منك. قال وهب بن منبه: "هو رجل من بني آدم معروف عندهم بالشر اسمه "تقي". فـ "إن" على هذه الأقوال للشرط، وما قبلها جواب للشرط. وقيل: ﴿إِن كُنتَ تَقِيّاً﴾ معناه: ما كنت. [قوله]: قَالَ: ﴿إِنَّمَآ أَنَاْ رَسُولُ رَبِّكِ لأَهَبَ لَكِ غُلاَماً زَكِيّاً﴾. من قرأ بالهمز في لأَهَبَ، فإنه أسند الفعل إلى جبريل ﷺ، إذ قد علم أن الهبة أصلها من الله. والتقدير: إنما أنا رسول ربك أرسلني لأهب لك. وقال أبو عبيد: التقدير في هذه القراءة: إنما أنا رسول ربك، يقول لك: أرسلته إليك لأهب لك غلاماً. فأما من لم يهمز، فيحتمل أن يكون على أحد هذين المعنيين المتقدم ذكرهما في الهمز، لكن خففت الهمزة، ويحتمل أن يكون في الكلام حذف تقديره: بعثني لِيَهَبَ لك. وكذا حكى أبو عمرو عن ابن عباس. و "الزكي": الطاهر من الذنوب. * * ﴿قَالَتْ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلاَمٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيّاً﴾. أي: قالت مريم: من أي وجه يكون لي غلام؟ أَمِنْ قبل زوج أرزقه منه؟ أم يبتدئ الله خلقه ابتداء، ولم يمسسني بشر من بني آدم بنكاح حلال. "ولمَ أكُ بَغيّاً" أي لم يمسسني أحد في حرام. قال السدي: [﴿بَغِيّاً﴾ زانية]. و ﴿بَغِيّاً﴾ فعول. وفعول يقع للمؤنث والمذكر بغير هاء. كقولك: امرأة شكور، ورجل شكور. ولا يجوز أن يكون "بغي" فعيلاً، لأنه يلزم فيه دخول الهاء ككريمة ورحيمة. ولا يلزم ذلك في فعول. فدل حذف الهاء منه على أنه فعول، وليس بفعيل. وأصله بغوى، ثم وقع القلب والإدغام على الأصول المعروفة عند أهل العربية .

مريم 19:19

قوله تعالى ذكره: ﴿وَٱذْكُرْ فِي ٱلْكِتَابِ مَرْيَمَ﴾ إلى قوله: ﴿وَلَمْ أَكُ بَغِيّاً﴾. والمعنى: واذكر يا محمد في الكتاب الذي أنزل إليك مريم حين اعتزلت من أهلها، وانفردت في مكان شرقي، أي في شرقي المحراب. وقال السدي: "خرجت مريم إلى جانب المحراب لحيض أصابها". وقال قتادة: "شرقياً" قبل المشرق شاسعاً". وقيل: إنما صارت بمكان يلي المشرق، لأن ما يلي المشرق عندهم كان خيراً مما يلي المغرب . وقال ابن عباس: أظلها الله بالشمس، وجعل لها منها حجاباً". وهو قوله: ﴿فَٱتَّخَذَتْ مِن دُونِهِم حِجَاباً﴾ أي: ستراً يسترها عن الناس. ويروى أن مريم كانت في منزل زكرياء، وكان زوج أختها، وكان لها محراب تصلي فيه، وكان زكرياء إذا خرج أغلق عليها الباب، فآذاها يوماً القمل في رأسها فتمنت لو وجدت خلوة إلى الجبل تفلي فيه رأسها، فانفرج لها السقف وخرجت والبيت مقفل في يوم شديد البرد، فجلست في شرفة من الشمس، وأتى زكرياء فلم يجدها فبينما هي جالسة إذ أتاها جبريل ﷺ في صورة البشر في أحسن صورة شاب مقصص عليه البياض وعليه تاج مكلل بالدر والياقوت، ومريم يومئذ بنت أربع عشرة سنة، فلما أن رأت جبريل عليه السلام يصعد نحوها نادته ﴿إِنِّيۤ أَعُوذُ بِٱلرَّحْمَـٰنِ مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيّاً﴾. أي إن كنت تتقي الله فكان من شأنها ما قصّ الله علينا. * * ثم قال تعالى: ﴿فَأَرْسَلْنَآ إِلَيْهَآ رُوحَنَا﴾. قال قتادة وابن جريج ووهب بن منبه: هو جبريل ﷺ. وقيل: الروح: عيسى، لأنه روح الله وكلمته أَلقاها إلى مريم. وقيل: معناه، فدخل الروح في مريم فتمثل لها بشراً سوياً. أي تمثل فيها، يعني عيسى. قال أبي بن كعب: "كان روح عيسى بن مريم من الأرواح التي أخذ الله تعالى ذكره عليها الميثاق، فأرسل ذلك الروح إلى مريم، فدخل من فيها، فحملت بعيسى عليه السلام". والله أعلم بذلك كله. والصحيح أنه جبريل عليه السلام لقوله: "فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَراً" لأن عيسى بشر، ومعناه فتشبه لها في صورة آدمي، سوي الخلق، معتدله. وإنما سمي جبريل ﷺ روحاً، لأنه يأتي بما يحيي به العباد من الوحي، ولهذا سمي عيسى أيضاً روحاً، وسمي القرآن روحاً. وقيل: إنما اعتزلت لتغتسل من الحيض. وقيل: لتخلو بالعبادة. * * ثم قال: ﴿قَالَتْ إِنِّيۤ أَعُوذُ بِٱلرَّحْمَـٰنِ مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيّاً﴾. المعنى: أن مريم خافت من جبريل لما رأته في هيئة آدمي. قال قتادة: "خشيت أن يكون يريدها على نفسها". وقال السدي: "فزعت منه لما رأته، فتعوذت بالرحمن واستجارت به منه". ومعنى: ﴿إِن كُنتَ تَقِيّاً﴾ أي: إن كنت ذا تقوى وخوف من الله، تتقي محارمه. وقيل: المعنى: إني أستجير بالله منك إن كنت تتقي الله في استجارتي به منك. قال وهب بن منبه: "هو رجل من بني آدم معروف عندهم بالشر اسمه "تقي". فـ "إن" على هذه الأقوال للشرط، وما قبلها جواب للشرط. وقيل: ﴿إِن كُنتَ تَقِيّاً﴾ معناه: ما كنت. [قوله]: قَالَ: ﴿إِنَّمَآ أَنَاْ رَسُولُ رَبِّكِ لأَهَبَ لَكِ غُلاَماً زَكِيّاً﴾. من قرأ بالهمز في لأَهَبَ، فإنه أسند الفعل إلى جبريل ﷺ، إذ قد علم أن الهبة أصلها من الله. والتقدير: إنما أنا رسول ربك أرسلني لأهب لك. وقال أبو عبيد: التقدير في هذه القراءة: إنما أنا رسول ربك، يقول لك: أرسلته إليك لأهب لك غلاماً. فأما من لم يهمز، فيحتمل أن يكون على أحد هذين المعنيين المتقدم ذكرهما في الهمز، لكن خففت الهمزة، ويحتمل أن يكون في الكلام حذف تقديره: بعثني لِيَهَبَ لك. وكذا حكى أبو عمرو عن ابن عباس. و "الزكي": الطاهر من الذنوب. * * ﴿قَالَتْ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلاَمٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيّاً﴾. أي: قالت مريم: من أي وجه يكون لي غلام؟ أَمِنْ قبل زوج أرزقه منه؟ أم يبتدئ الله خلقه ابتداء، ولم يمسسني بشر من بني آدم بنكاح حلال. "ولمَ أكُ بَغيّاً" أي لم يمسسني أحد في حرام. قال السدي: [﴿بَغِيّاً﴾ زانية]. و ﴿بَغِيّاً﴾ فعول. وفعول يقع للمؤنث والمذكر بغير هاء. كقولك: امرأة شكور، ورجل شكور. ولا يجوز أن يكون "بغي" فعيلاً، لأنه يلزم فيه دخول الهاء ككريمة ورحيمة. ولا يلزم ذلك في فعول. فدل حذف الهاء منه على أنه فعول، وليس بفعيل. وأصله بغوى، ثم وقع القلب والإدغام على الأصول المعروفة عند أهل العربية .

مريم 19:20

قوله تعالى ذكره: ﴿وَٱذْكُرْ فِي ٱلْكِتَابِ مَرْيَمَ﴾ إلى قوله: ﴿وَلَمْ أَكُ بَغِيّاً﴾. والمعنى: واذكر يا محمد في الكتاب الذي أنزل إليك مريم حين اعتزلت من أهلها، وانفردت في مكان شرقي، أي في شرقي المحراب. وقال السدي: "خرجت مريم إلى جانب المحراب لحيض أصابها". وقال قتادة: "شرقياً" قبل المشرق شاسعاً". وقيل: إنما صارت بمكان يلي المشرق، لأن ما يلي المشرق عندهم كان خيراً مما يلي المغرب . وقال ابن عباس: أظلها الله بالشمس، وجعل لها منها حجاباً". وهو قوله: ﴿فَٱتَّخَذَتْ مِن دُونِهِم حِجَاباً﴾ أي: ستراً يسترها عن الناس. ويروى أن مريم كانت في منزل زكرياء، وكان زوج أختها، وكان لها محراب تصلي فيه، وكان زكرياء إذا خرج أغلق عليها الباب، فآذاها يوماً القمل في رأسها فتمنت لو وجدت خلوة إلى الجبل تفلي فيه رأسها، فانفرج لها السقف وخرجت والبيت مقفل في يوم شديد البرد، فجلست في شرفة من الشمس، وأتى زكرياء فلم يجدها فبينما هي جالسة إذ أتاها جبريل ﷺ في صورة البشر في أحسن صورة شاب مقصص عليه البياض وعليه تاج مكلل بالدر والياقوت، ومريم يومئذ بنت أربع عشرة سنة، فلما أن رأت جبريل عليه السلام يصعد نحوها نادته ﴿إِنِّيۤ أَعُوذُ بِٱلرَّحْمَـٰنِ مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيّاً﴾. أي إن كنت تتقي الله فكان من شأنها ما قصّ الله علينا. * * ثم قال تعالى: ﴿فَأَرْسَلْنَآ إِلَيْهَآ رُوحَنَا﴾. قال قتادة وابن جريج ووهب بن منبه: هو جبريل ﷺ. وقيل: الروح: عيسى، لأنه روح الله وكلمته أَلقاها إلى مريم. وقيل: معناه، فدخل الروح في مريم فتمثل لها بشراً سوياً. أي تمثل فيها، يعني عيسى. قال أبي بن كعب: "كان روح عيسى بن مريم من الأرواح التي أخذ الله تعالى ذكره عليها الميثاق، فأرسل ذلك الروح إلى مريم، فدخل من فيها، فحملت بعيسى عليه السلام". والله أعلم بذلك كله. والصحيح أنه جبريل عليه السلام لقوله: "فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَراً" لأن عيسى بشر، ومعناه فتشبه لها في صورة آدمي، سوي الخلق، معتدله. وإنما سمي جبريل ﷺ روحاً، لأنه يأتي بما يحيي به العباد من الوحي، ولهذا سمي عيسى أيضاً روحاً، وسمي القرآن روحاً. وقيل: إنما اعتزلت لتغتسل من الحيض. وقيل: لتخلو بالعبادة. * * ثم قال: ﴿قَالَتْ إِنِّيۤ أَعُوذُ بِٱلرَّحْمَـٰنِ مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيّاً﴾. المعنى: أن مريم خافت من جبريل لما رأته في هيئة آدمي. قال قتادة: "خشيت أن يكون يريدها على نفسها". وقال السدي: "فزعت منه لما رأته، فتعوذت بالرحمن واستجارت به منه". ومعنى: ﴿إِن كُنتَ تَقِيّاً﴾ أي: إن كنت ذا تقوى وخوف من الله، تتقي محارمه. وقيل: المعنى: إني أستجير بالله منك إن كنت تتقي الله في استجارتي به منك. قال وهب بن منبه: "هو رجل من بني آدم معروف عندهم بالشر اسمه "تقي". فـ "إن" على هذه الأقوال للشرط، وما قبلها جواب للشرط. وقيل: ﴿إِن كُنتَ تَقِيّاً﴾ معناه: ما كنت. [قوله]: قَالَ: ﴿إِنَّمَآ أَنَاْ رَسُولُ رَبِّكِ لأَهَبَ لَكِ غُلاَماً زَكِيّاً﴾. من قرأ بالهمز في لأَهَبَ، فإنه أسند الفعل إلى جبريل ﷺ، إذ قد علم أن الهبة أصلها من الله. والتقدير: إنما أنا رسول ربك أرسلني لأهب لك. وقال أبو عبيد: التقدير في هذه القراءة: إنما أنا رسول ربك، يقول لك: أرسلته إليك لأهب لك غلاماً. فأما من لم يهمز، فيحتمل أن يكون على أحد هذين المعنيين المتقدم ذكرهما في الهمز، لكن خففت الهمزة، ويحتمل أن يكون في الكلام حذف تقديره: بعثني لِيَهَبَ لك. وكذا حكى أبو عمرو عن ابن عباس. و "الزكي": الطاهر من الذنوب. * * ﴿قَالَتْ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلاَمٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيّاً﴾. أي: قالت مريم: من أي وجه يكون لي غلام؟ أَمِنْ قبل زوج أرزقه منه؟ أم يبتدئ الله خلقه ابتداء، ولم يمسسني بشر من بني آدم بنكاح حلال. "ولمَ أكُ بَغيّاً" أي لم يمسسني أحد في حرام. قال السدي: [﴿بَغِيّاً﴾ زانية]. و ﴿بَغِيّاً﴾ فعول. وفعول يقع للمؤنث والمذكر بغير هاء. كقولك: امرأة شكور، ورجل شكور. ولا يجوز أن يكون "بغي" فعيلاً، لأنه يلزم فيه دخول الهاء ككريمة ورحيمة. ولا يلزم ذلك في فعول. فدل حذف الهاء منه على أنه فعول، وليس بفعيل. وأصله بغوى، ثم وقع القلب والإدغام على الأصول المعروفة عند أهل العربية .

مريم 19:21

قوله تعالى ذكره: ﴿قَالَ كَذٰلِكَ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ﴾ إلى قوله: ﴿نَسْياً مَّنسِيّاً﴾. أي: قال: الأمر كما قيل لك، أن الله يهب لك غلاماً زكيا. ﴿هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾ أي: سهل. * * ﴿وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِّلْنَّاسِ﴾ أي: ولنجعل هذا الغلام حجة على الناس ﴿وَرَحْمَةً مِّنَّا﴾. أي: ورحمة منا لك، ولمن آمن به. * * ﴿وَكَانَ أَمْراً مَّقْضِيّاً﴾. أي: كان خلقه منك بغير ذكر أمراً قد قضاه الله في سابق علمه أنه يكون على ذلك. * * ثم قال تعالى: ﴿فَحَمَلَتْهُ فَٱنْتَبَذَتْ بِهِ مَكَاناً قَصِيّاً﴾. في الكلام حذف، تقديره: فنفخنا فيها من روحنا بغلام ﴿فَحَمَلَتْهُ فَٱنْتَبَذَتْ بِهِ﴾ أي: اعتزلت به مكاناً قصياً، أي: متباعداً عن الناس [نائيا]، وهو بيت لحم، أقصى الوادي. فنظرت إلى أكمة ، فصعدت عليها مسرعة، وإذا على الأكمة جذع نخلة، فاستندت إلى الجذع. وهو قوله: ﴿فَأَجَآءَهَا ٱلْمَخَاضُ إِلَىٰ جِذْعِ ٱلنَّخْلَةِ﴾. فجزعت عند شدة الولادة، وخوف ما يقول الناس، فقالت: ﴿يٰلَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَـٰذَا وَكُنتُ نَسْياً مَّنسِيّاً﴾. فسمع جبريل ﷺ كلامها، فناداها من تحتها ﴿أَلاَّ تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيّاً﴾ أي: جدولاً، وهو النهر الصغير. ثم قال لها: ﴿وَهُزِّىۤ إِلَيْكِ بِجِذْعِ ٱلنَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيّاً﴾، فعجبت من قول جبريل ﷺ، لأنه كان جذعاً قد نخر ليس فيه سعف، فلما هزته، نظرت إلى السعف قد أطلع من بين أعلى الجذع، وقد أخضر، ونظرت إلى الطلع قد خرج من بين السعف أبيض، ثم نظرت إليه قد اخضرّ بعد البياض، فصار بلحاً، ثم نظرت إلى البلح قد احمرّ بعد الخضرة، ثم نظرت إليه قد صار بسراً، ثم نظرت إلى البسر قد احمرّ، ثم نظرت إليه قد صار رطباً، وكذلك كله في أقل من ساعة. وقيل: كان ذلك كله في أقل من طرفة عين. فجعلت الرطب تسقط بين يديها، فطابت نفسها لما رأت من الآيات. قال وهب بن منبه: "نفخ جبريل ﷺ في جيب درعها حتى وصلت النفخة إلى الرحم. قال وهب: لما قال لها جبريل ﴿قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾ استسلمت لأمر الله، فنفخ في جيبها وانصرف عنها". وقال السدي: "فخرجت وعليها جلبابها لما قال لها جبريل عليه السلام ذلك، فأخذ كمها، فنفخ في جيب درعها وكان مشقوقاً من قدامها، فدخلت النفخة صدرها، فحملت، فأتتها أختها - امرأة زكريا - تعودها، فلما فتحت لها الباب، التزمتها، فقالت امرأة زكريا: يا مريم، أشعرت أني حبلى؟ قالت مريم: أشعرت أيضاً أني حبلى؟ قالت امرأة زكريا: فإني وجدت ما في بطني يسجد لما في بطنك. فذلك قوله تعالى: ﴿مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِّنَ ٱللَّهِ﴾ [آل عمران: ٣٩]. قال ابن جريج: "إنما نفخ جبريل في جيب درعها ورحمها". قال السدي: "لما بلغ أن تضع مريم خرجت إلى المحراب الشرقي منه، فأتت أقصاه". * * قوله: ﴿فَأَجَآءَهَا ٱلْمَخَاضُ إِلَىٰ جِذْعِ ٱلنَّخْلَةِ﴾. أي: جاء بها المخاض إلى جذع النخلة. والهمزة دخلت لتعاقب الباء. قال ابن عباس ومجاهد والسدي: المعنى: أَلجأها. و "المخاض": "الحمل". وقال قتادة: ﴿فَأَجَآءَهَا﴾ "اضطرها". وذكر بعض أهل الأخبار أنها اعتزلت، وذهبت إلى أدنى أرض مصر، وآخر أرض الشام. وذلك أنها هربت من قومها لما حملت، فتوجهت نحو أرض مصر. قال وهب بن منبه: "لما اشتملت مريم على الحمل، كان معها ذو قرابة لها يقال له يوسف النجار، وكانا منطلقين إلى الجبل الذي عند صيهور، وكان ذلك المسجد يومئذ من أعظم مساجدهم. وكان مريم ويوسف يخدمان في ذلك المسجد، في ذلك الزمان، وكان لخدمته فضل عظيم. فرغبا في ذلك. فكانا يليان معالجة ذلك بأنفسهما وتحبيره وكناسته، وكل عمل يعمل فيه. وكان لا يعمل من أهل زمانها أحد أشد اجتهاداً وعبادة منهما. فكان أول من أنكر حمل مريم صاحبها يوسف. ولما رأى الذي بها، استعظمه، ولم يدر على ما يضع أمرها، فإذا أراد يوسف أن يتهمها، ذكر صلاحها وبراءتها، وأنها لم تغب عنه ساعة قط ، وإذا أراد أن يبرئها رأى الذي ظهر عليها. فلما اشتد ذلك عليه كلّمها. فكان أول كلامه إياها أن قال لها: إنه قد حدث في نفسي من أمرك أمر، وقد خشيت، وقد حرصت على أن أكتمه وأميته في نفسي، فغلبني ذلك، فرأيت أن الكلام أشفى فيه لصدري. قالت: فقل قولاً جميلاً. قال: ما كنت أقول لك إلا ذلك. فحدثيني هل ينبت زرع بغير بذر؟ قالت: نعم. قال: فهل تنبت شجرة من غير غيث؟ قالت: نعم. قال: فهل يكون ولد من غير ذكر؟ قالت: نعم. ألم تعلم أن الله تعالى أنبت الزرع يوم خلقه من غير بذر، والبذر يومئذٍ إنما صار من الزرع الذي أنبته الله من غير بذر؟ أو لم تعلم أن الله بقدرته أنبت الشجر بغير غيث وأنه جعل بتلك القدرة الغيث حياة الشجر بعدما خلق كل واحد منهما وحده؟ أو تقول: لن يقدر الله على أن ينبت الشجر حتى استعان عليه بالماء؟ ولولا ذلك لم يقدر على إنباته؟ قال يوسف: لا أقول هذا، ولكني أعلم أن الله يقدر على ما يشاء يقول لذلك كن فيكون. قالت له: أو لم تعلم أن الله خلق آدم وامرأته من غير أنثى ولا ذكر قال: بلى. فلما قالت له ذلك، وقع في نفسه أن الذي بها شيء من الله. ثم دنا نفاسها فأوحى الله تعالى إليها أن اخرجي من أرض قومك، فإنهم إن ظفروا بك، عيروك، وقتلوا ولدك. فأفضت ذلك إلى أختها، وأختها حينئذ حبلى، وقد بشرت بيحيى، فلما التقتا، وجدت أم يحيى ما في بطنها خر لوجهه ساجداً معترفاً بعيسى. فاحتملها يوسف إلى أرض مصر على حمار له، ليس بينها حين ركبت الحمار وبين الأكاف شيء. فلما كان بقرب أرض مصر، في منقطع بلاد قومها، أدرك مريم النفاس، فألجأها إلى حمار أو مذوده وأصل نخلة. فاشتد على مريم المخاض، فلما وجدت منه شدة التجأت إلى النخلة فاحتضنتها واحتوشتها الملائكة قاموا صفوفاً محدقين بها. وعن وهب أنها قالت له عند سؤاله: إن الله تعالى خلق البذر قبل الزرع، وإن الله خلق الحبة من غير مطر، وإن الله خلق آدم من غير أنثى ولا ذكر. وعن وهب أيضاً أنه قال: لما حضر ولادتها، وجدت ما تجده المرأة من الطلق، فخرجت من المدينة حتى تدركها الولادة إلى قرية من إيلياء على ستة أميال يقال لها بيت لحم. فأجاءها المخاض إلى أصل نخلة إليها مذود مقرة وتحتها نبع من الماء فوضعته عندها. وقد قال السدي لما حضر وضعها إلى جانب المحراب الشرقي منه أتت أقصاه. وقيل: إن عيسى ولد بمصر بكورة أهناس، ونخلة مريم قائمة بها إلى اليوم. والله أعلم بذلك كله. قال ابن عباس: ليس إلا أن حملت فولدت في ساعة. وعن مجاهد، أنها حملته ستة أشهر، فكانت حياته آية له لأنه يعيش من ولد من ستة أشهر. وقال غيره أقامت ثمانية أشهر، وذلك آية لعيسى أيضاً، لأنه يولد مولود لثمانية أشهر فيعيش. * * وقوله: ﴿فَأَجَآءَهَا ٱلْمَخَاضُ﴾ يدل على طول المكث. قال مجاهد: كان حمل النخلة عجوة. وقيل: كان جذعاً بلا رأس، وكان ذلك في الشتاء، فأنبت الله له رأساً، وخلق فيه رطباً؟ في غير وقته. وروي أنها لما رأت الآية في الرطب والجذع طابت نفسها. وقالت: ليس ولادتي هذا الغلام من غير أب أعجب من هذا الجذع البالي. فأكلت من الرطب، وشربت من النهر. * * وقوله: ﴿يٰلَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَـٰذَا﴾ [أي: قبل هذا] الطلق، استحياء من الناس قاله السدي. * * ﴿وَكُنتُ نَسْياً مَّنسِيّاً﴾. أي: لم أخلق ولم أكن شيئاً. قال السدي: معناه نسى ذكري وأمري، فلا يرى لي أثر ولا عين. وقال قتادة: معناه: وكنت شيئاً لا يذكر ولا يعرف ولا يدري من أنا. وقال مجاهد وعكرمة: حيضة ملقاة. والنسي عند أهل اللغة، ما طال مكثه فنسي. ويكون النسي الشيء الحقير الذي لا يعبأ به. وقرأ محمد بن كعب: "نِسْئاً" بالهمز وكسر النون. وكذا قرأ أيوب، إلا أنه فتح النون وهو من نسأه الله إذا أخره. وإنما تمنت الموت وقد علمت أن الرضى بقضاء الله واجب عليها لأنها كرهت أن يعصى الله فيها وفيما يقول قومها فيها إذ جاءت بولد من غير ذكر، فشق عليها أن يأثموا فيها ويعصوا الله من أجلها فيما يرمونها به لا أنها سخطت قضاء الله فيها، إذ هي تعلم أن الله تعالى لم يختر لها إلا ما فيه الخيرة والصلاح لها. فتمنيها للموت إنما هو طاعة لله لأن من كره أن يعصى الله فيه فقد أطاع الله.

مريم 19:22

قوله تعالى ذكره: ﴿قَالَ كَذٰلِكَ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ﴾ إلى قوله: ﴿نَسْياً مَّنسِيّاً﴾. أي: قال: الأمر كما قيل لك، أن الله يهب لك غلاماً زكيا. ﴿هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾ أي: سهل. * * ﴿وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِّلْنَّاسِ﴾ أي: ولنجعل هذا الغلام حجة على الناس ﴿وَرَحْمَةً مِّنَّا﴾. أي: ورحمة منا لك، ولمن آمن به. * * ﴿وَكَانَ أَمْراً مَّقْضِيّاً﴾. أي: كان خلقه منك بغير ذكر أمراً قد قضاه الله في سابق علمه أنه يكون على ذلك. * * ثم قال تعالى: ﴿فَحَمَلَتْهُ فَٱنْتَبَذَتْ بِهِ مَكَاناً قَصِيّاً﴾. في الكلام حذف، تقديره: فنفخنا فيها من روحنا بغلام ﴿فَحَمَلَتْهُ فَٱنْتَبَذَتْ بِهِ﴾ أي: اعتزلت به مكاناً قصياً، أي: متباعداً عن الناس [نائيا]، وهو بيت لحم، أقصى الوادي. فنظرت إلى أكمة ، فصعدت عليها مسرعة، وإذا على الأكمة جذع نخلة، فاستندت إلى الجذع. وهو قوله: ﴿فَأَجَآءَهَا ٱلْمَخَاضُ إِلَىٰ جِذْعِ ٱلنَّخْلَةِ﴾. فجزعت عند شدة الولادة، وخوف ما يقول الناس، فقالت: ﴿يٰلَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَـٰذَا وَكُنتُ نَسْياً مَّنسِيّاً﴾. فسمع جبريل ﷺ كلامها، فناداها من تحتها ﴿أَلاَّ تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيّاً﴾ أي: جدولاً، وهو النهر الصغير. ثم قال لها: ﴿وَهُزِّىۤ إِلَيْكِ بِجِذْعِ ٱلنَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيّاً﴾، فعجبت من قول جبريل ﷺ، لأنه كان جذعاً قد نخر ليس فيه سعف، فلما هزته، نظرت إلى السعف قد أطلع من بين أعلى الجذع، وقد أخضر، ونظرت إلى الطلع قد خرج من بين السعف أبيض، ثم نظرت إليه قد اخضرّ بعد البياض، فصار بلحاً، ثم نظرت إلى البلح قد احمرّ بعد الخضرة، ثم نظرت إليه قد صار بسراً، ثم نظرت إلى البسر قد احمرّ، ثم نظرت إليه قد صار رطباً، وكذلك كله في أقل من ساعة. وقيل: كان ذلك كله في أقل من طرفة عين. فجعلت الرطب تسقط بين يديها، فطابت نفسها لما رأت من الآيات. قال وهب بن منبه: "نفخ جبريل ﷺ في جيب درعها حتى وصلت النفخة إلى الرحم. قال وهب: لما قال لها جبريل ﴿قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾ استسلمت لأمر الله، فنفخ في جيبها وانصرف عنها". وقال السدي: "فخرجت وعليها جلبابها لما قال لها جبريل عليه السلام ذلك، فأخذ كمها، فنفخ في جيب درعها وكان مشقوقاً من قدامها، فدخلت النفخة صدرها، فحملت، فأتتها أختها - امرأة زكريا - تعودها، فلما فتحت لها الباب، التزمتها، فقالت امرأة زكريا: يا مريم، أشعرت أني حبلى؟ قالت مريم: أشعرت أيضاً أني حبلى؟ قالت امرأة زكريا: فإني وجدت ما في بطني يسجد لما في بطنك. فذلك قوله تعالى: ﴿مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِّنَ ٱللَّهِ﴾ [آل عمران: ٣٩]. قال ابن جريج: "إنما نفخ جبريل في جيب درعها ورحمها". قال السدي: "لما بلغ أن تضع مريم خرجت إلى المحراب الشرقي منه، فأتت أقصاه". * * قوله: ﴿فَأَجَآءَهَا ٱلْمَخَاضُ إِلَىٰ جِذْعِ ٱلنَّخْلَةِ﴾. أي: جاء بها المخاض إلى جذع النخلة. والهمزة دخلت لتعاقب الباء. قال ابن عباس ومجاهد والسدي: المعنى: أَلجأها. و "المخاض": "الحمل". وقال قتادة: ﴿فَأَجَآءَهَا﴾ "اضطرها". وذكر بعض أهل الأخبار أنها اعتزلت، وذهبت إلى أدنى أرض مصر، وآخر أرض الشام. وذلك أنها هربت من قومها لما حملت، فتوجهت نحو أرض مصر. قال وهب بن منبه: "لما اشتملت مريم على الحمل، كان معها ذو قرابة لها يقال له يوسف النجار، وكانا منطلقين إلى الجبل الذي عند صيهور، وكان ذلك المسجد يومئذ من أعظم مساجدهم. وكان مريم ويوسف يخدمان في ذلك المسجد، في ذلك الزمان، وكان لخدمته فضل عظيم. فرغبا في ذلك. فكانا يليان معالجة ذلك بأنفسهما وتحبيره وكناسته، وكل عمل يعمل فيه. وكان لا يعمل من أهل زمانها أحد أشد اجتهاداً وعبادة منهما. فكان أول من أنكر حمل مريم صاحبها يوسف. ولما رأى الذي بها، استعظمه، ولم يدر على ما يضع أمرها، فإذا أراد يوسف أن يتهمها، ذكر صلاحها وبراءتها، وأنها لم تغب عنه ساعة قط ، وإذا أراد أن يبرئها رأى الذي ظهر عليها. فلما اشتد ذلك عليه كلّمها. فكان أول كلامه إياها أن قال لها: إنه قد حدث في نفسي من أمرك أمر، وقد خشيت، وقد حرصت على أن أكتمه وأميته في نفسي، فغلبني ذلك، فرأيت أن الكلام أشفى فيه لصدري. قالت: فقل قولاً جميلاً. قال: ما كنت أقول لك إلا ذلك. فحدثيني هل ينبت زرع بغير بذر؟ قالت: نعم. قال: فهل تنبت شجرة من غير غيث؟ قالت: نعم. قال: فهل يكون ولد من غير ذكر؟ قالت: نعم. ألم تعلم أن الله تعالى أنبت الزرع يوم خلقه من غير بذر، والبذر يومئذٍ إنما صار من الزرع الذي أنبته الله من غير بذر؟ أو لم تعلم أن الله بقدرته أنبت الشجر بغير غيث وأنه جعل بتلك القدرة الغيث حياة الشجر بعدما خلق كل واحد منهما وحده؟ أو تقول: لن يقدر الله على أن ينبت الشجر حتى استعان عليه بالماء؟ ولولا ذلك لم يقدر على إنباته؟ قال يوسف: لا أقول هذا، ولكني أعلم أن الله يقدر على ما يشاء يقول لذلك كن فيكون. قالت له: أو لم تعلم أن الله خلق آدم وامرأته من غير أنثى ولا ذكر قال: بلى. فلما قالت له ذلك، وقع في نفسه أن الذي بها شيء من الله. ثم دنا نفاسها فأوحى الله تعالى إليها أن اخرجي من أرض قومك، فإنهم إن ظفروا بك، عيروك، وقتلوا ولدك. فأفضت ذلك إلى أختها، وأختها حينئذ حبلى، وقد بشرت بيحيى، فلما التقتا، وجدت أم يحيى ما في بطنها خر لوجهه ساجداً معترفاً بعيسى. فاحتملها يوسف إلى أرض مصر على حمار له، ليس بينها حين ركبت الحمار وبين الأكاف شيء. فلما كان بقرب أرض مصر، في منقطع بلاد قومها، أدرك مريم النفاس، فألجأها إلى حمار أو مذوده وأصل نخلة. فاشتد على مريم المخاض، فلما وجدت منه شدة التجأت إلى النخلة فاحتضنتها واحتوشتها الملائكة قاموا صفوفاً محدقين بها. وعن وهب أنها قالت له عند سؤاله: إن الله تعالى خلق البذر قبل الزرع، وإن الله خلق الحبة من غير مطر، وإن الله خلق آدم من غير أنثى ولا ذكر. وعن وهب أيضاً أنه قال: لما حضر ولادتها، وجدت ما تجده المرأة من الطلق، فخرجت من المدينة حتى تدركها الولادة إلى قرية من إيلياء على ستة أميال يقال لها بيت لحم. فأجاءها المخاض إلى أصل نخلة إليها مذود مقرة وتحتها نبع من الماء فوضعته عندها. وقد قال السدي لما حضر وضعها إلى جانب المحراب الشرقي منه أتت أقصاه. وقيل: إن عيسى ولد بمصر بكورة أهناس، ونخلة مريم قائمة بها إلى اليوم. والله أعلم بذلك كله. قال ابن عباس: ليس إلا أن حملت فولدت في ساعة. وعن مجاهد، أنها حملته ستة أشهر، فكانت حياته آية له لأنه يعيش من ولد من ستة أشهر. وقال غيره أقامت ثمانية أشهر، وذلك آية لعيسى أيضاً، لأنه يولد مولود لثمانية أشهر فيعيش. * * وقوله: ﴿فَأَجَآءَهَا ٱلْمَخَاضُ﴾ يدل على طول المكث. قال مجاهد: كان حمل النخلة عجوة. وقيل: كان جذعاً بلا رأس، وكان ذلك في الشتاء، فأنبت الله له رأساً، وخلق فيه رطباً؟ في غير وقته. وروي أنها لما رأت الآية في الرطب والجذع طابت نفسها. وقالت: ليس ولادتي هذا الغلام من غير أب أعجب من هذا الجذع البالي. فأكلت من الرطب، وشربت من النهر. * * وقوله: ﴿يٰلَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَـٰذَا﴾ [أي: قبل هذا] الطلق، استحياء من الناس قاله السدي. * * ﴿وَكُنتُ نَسْياً مَّنسِيّاً﴾. أي: لم أخلق ولم أكن شيئاً. قال السدي: معناه نسى ذكري وأمري، فلا يرى لي أثر ولا عين. وقال قتادة: معناه: وكنت شيئاً لا يذكر ولا يعرف ولا يدري من أنا. وقال مجاهد وعكرمة: حيضة ملقاة. والنسي عند أهل اللغة، ما طال مكثه فنسي. ويكون النسي الشيء الحقير الذي لا يعبأ به. وقرأ محمد بن كعب: "نِسْئاً" بالهمز وكسر النون. وكذا قرأ أيوب، إلا أنه فتح النون وهو من نسأه الله إذا أخره. وإنما تمنت الموت وقد علمت أن الرضى بقضاء الله واجب عليها لأنها كرهت أن يعصى الله فيها وفيما يقول قومها فيها إذ جاءت بولد من غير ذكر، فشق عليها أن يأثموا فيها ويعصوا الله من أجلها فيما يرمونها به لا أنها سخطت قضاء الله فيها، إذ هي تعلم أن الله تعالى لم يختر لها إلا ما فيه الخيرة والصلاح لها. فتمنيها للموت إنما هو طاعة لله لأن من كره أن يعصى الله فيه فقد أطاع الله.

مريم 19:23

قوله تعالى ذكره: ﴿قَالَ كَذٰلِكَ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ﴾ إلى قوله: ﴿نَسْياً مَّنسِيّاً﴾. أي: قال: الأمر كما قيل لك، أن الله يهب لك غلاماً زكيا. ﴿هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾ أي: سهل. * * ﴿وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِّلْنَّاسِ﴾ أي: ولنجعل هذا الغلام حجة على الناس ﴿وَرَحْمَةً مِّنَّا﴾. أي: ورحمة منا لك، ولمن آمن به. * * ﴿وَكَانَ أَمْراً مَّقْضِيّاً﴾. أي: كان خلقه منك بغير ذكر أمراً قد قضاه الله في سابق علمه أنه يكون على ذلك. * * ثم قال تعالى: ﴿فَحَمَلَتْهُ فَٱنْتَبَذَتْ بِهِ مَكَاناً قَصِيّاً﴾. في الكلام حذف، تقديره: فنفخنا فيها من روحنا بغلام ﴿فَحَمَلَتْهُ فَٱنْتَبَذَتْ بِهِ﴾ أي: اعتزلت به مكاناً قصياً، أي: متباعداً عن الناس [نائيا]، وهو بيت لحم، أقصى الوادي. فنظرت إلى أكمة ، فصعدت عليها مسرعة، وإذا على الأكمة جذع نخلة، فاستندت إلى الجذع. وهو قوله: ﴿فَأَجَآءَهَا ٱلْمَخَاضُ إِلَىٰ جِذْعِ ٱلنَّخْلَةِ﴾. فجزعت عند شدة الولادة، وخوف ما يقول الناس، فقالت: ﴿يٰلَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَـٰذَا وَكُنتُ نَسْياً مَّنسِيّاً﴾. فسمع جبريل ﷺ كلامها، فناداها من تحتها ﴿أَلاَّ تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيّاً﴾ أي: جدولاً، وهو النهر الصغير. ثم قال لها: ﴿وَهُزِّىۤ إِلَيْكِ بِجِذْعِ ٱلنَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيّاً﴾، فعجبت من قول جبريل ﷺ، لأنه كان جذعاً قد نخر ليس فيه سعف، فلما هزته، نظرت إلى السعف قد أطلع من بين أعلى الجذع، وقد أخضر، ونظرت إلى الطلع قد خرج من بين السعف أبيض، ثم نظرت إليه قد اخضرّ بعد البياض، فصار بلحاً، ثم نظرت إلى البلح قد احمرّ بعد الخضرة، ثم نظرت إليه قد صار بسراً، ثم نظرت إلى البسر قد احمرّ، ثم نظرت إليه قد صار رطباً، وكذلك كله في أقل من ساعة. وقيل: كان ذلك كله في أقل من طرفة عين. فجعلت الرطب تسقط بين يديها، فطابت نفسها لما رأت من الآيات. قال وهب بن منبه: "نفخ جبريل ﷺ في جيب درعها حتى وصلت النفخة إلى الرحم. قال وهب: لما قال لها جبريل ﴿قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾ استسلمت لأمر الله، فنفخ في جيبها وانصرف عنها". وقال السدي: "فخرجت وعليها جلبابها لما قال لها جبريل عليه السلام ذلك، فأخذ كمها، فنفخ في جيب درعها وكان مشقوقاً من قدامها، فدخلت النفخة صدرها، فحملت، فأتتها أختها - امرأة زكريا - تعودها، فلما فتحت لها الباب، التزمتها، فقالت امرأة زكريا: يا مريم، أشعرت أني حبلى؟ قالت مريم: أشعرت أيضاً أني حبلى؟ قالت امرأة زكريا: فإني وجدت ما في بطني يسجد لما في بطنك. فذلك قوله تعالى: ﴿مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِّنَ ٱللَّهِ﴾ [آل عمران: ٣٩]. قال ابن جريج: "إنما نفخ جبريل في جيب درعها ورحمها". قال السدي: "لما بلغ أن تضع مريم خرجت إلى المحراب الشرقي منه، فأتت أقصاه". * * قوله: ﴿فَأَجَآءَهَا ٱلْمَخَاضُ إِلَىٰ جِذْعِ ٱلنَّخْلَةِ﴾. أي: جاء بها المخاض إلى جذع النخلة. والهمزة دخلت لتعاقب الباء. قال ابن عباس ومجاهد والسدي: المعنى: أَلجأها. و "المخاض": "الحمل". وقال قتادة: ﴿فَأَجَآءَهَا﴾ "اضطرها". وذكر بعض أهل الأخبار أنها اعتزلت، وذهبت إلى أدنى أرض مصر، وآخر أرض الشام. وذلك أنها هربت من قومها لما حملت، فتوجهت نحو أرض مصر. قال وهب بن منبه: "لما اشتملت مريم على الحمل، كان معها ذو قرابة لها يقال له يوسف النجار، وكانا منطلقين إلى الجبل الذي عند صيهور، وكان ذلك المسجد يومئذ من أعظم مساجدهم. وكان مريم ويوسف يخدمان في ذلك المسجد، في ذلك الزمان، وكان لخدمته فضل عظيم. فرغبا في ذلك. فكانا يليان معالجة ذلك بأنفسهما وتحبيره وكناسته، وكل عمل يعمل فيه. وكان لا يعمل من أهل زمانها أحد أشد اجتهاداً وعبادة منهما. فكان أول من أنكر حمل مريم صاحبها يوسف. ولما رأى الذي بها، استعظمه، ولم يدر على ما يضع أمرها، فإذا أراد يوسف أن يتهمها، ذكر صلاحها وبراءتها، وأنها لم تغب عنه ساعة قط ، وإذا أراد أن يبرئها رأى الذي ظهر عليها. فلما اشتد ذلك عليه كلّمها. فكان أول كلامه إياها أن قال لها: إنه قد حدث في نفسي من أمرك أمر، وقد خشيت، وقد حرصت على أن أكتمه وأميته في نفسي، فغلبني ذلك، فرأيت أن الكلام أشفى فيه لصدري. قالت: فقل قولاً جميلاً. قال: ما كنت أقول لك إلا ذلك. فحدثيني هل ينبت زرع بغير بذر؟ قالت: نعم. قال: فهل تنبت شجرة من غير غيث؟ قالت: نعم. قال: فهل يكون ولد من غير ذكر؟ قالت: نعم. ألم تعلم أن الله تعالى أنبت الزرع يوم خلقه من غير بذر، والبذر يومئذٍ إنما صار من الزرع الذي أنبته الله من غير بذر؟ أو لم تعلم أن الله بقدرته أنبت الشجر بغير غيث وأنه جعل بتلك القدرة الغيث حياة الشجر بعدما خلق كل واحد منهما وحده؟ أو تقول: لن يقدر الله على أن ينبت الشجر حتى استعان عليه بالماء؟ ولولا ذلك لم يقدر على إنباته؟ قال يوسف: لا أقول هذا، ولكني أعلم أن الله يقدر على ما يشاء يقول لذلك كن فيكون. قالت له: أو لم تعلم أن الله خلق آدم وامرأته من غير أنثى ولا ذكر قال: بلى. فلما قالت له ذلك، وقع في نفسه أن الذي بها شيء من الله. ثم دنا نفاسها فأوحى الله تعالى إليها أن اخرجي من أرض قومك، فإنهم إن ظفروا بك، عيروك، وقتلوا ولدك. فأفضت ذلك إلى أختها، وأختها حينئذ حبلى، وقد بشرت بيحيى، فلما التقتا، وجدت أم يحيى ما في بطنها خر لوجهه ساجداً معترفاً بعيسى. فاحتملها يوسف إلى أرض مصر على حمار له، ليس بينها حين ركبت الحمار وبين الأكاف شيء. فلما كان بقرب أرض مصر، في منقطع بلاد قومها، أدرك مريم النفاس، فألجأها إلى حمار أو مذوده وأصل نخلة. فاشتد على مريم المخاض، فلما وجدت منه شدة التجأت إلى النخلة فاحتضنتها واحتوشتها الملائكة قاموا صفوفاً محدقين بها. وعن وهب أنها قالت له عند سؤاله: إن الله تعالى خلق البذر قبل الزرع، وإن الله خلق الحبة من غير مطر، وإن الله خلق آدم من غير أنثى ولا ذكر. وعن وهب أيضاً أنه قال: لما حضر ولادتها، وجدت ما تجده المرأة من الطلق، فخرجت من المدينة حتى تدركها الولادة إلى قرية من إيلياء على ستة أميال يقال لها بيت لحم. فأجاءها المخاض إلى أصل نخلة إليها مذود مقرة وتحتها نبع من الماء فوضعته عندها. وقد قال السدي لما حضر وضعها إلى جانب المحراب الشرقي منه أتت أقصاه. وقيل: إن عيسى ولد بمصر بكورة أهناس، ونخلة مريم قائمة بها إلى اليوم. والله أعلم بذلك كله. قال ابن عباس: ليس إلا أن حملت فولدت في ساعة. وعن مجاهد، أنها حملته ستة أشهر، فكانت حياته آية له لأنه يعيش من ولد من ستة أشهر. وقال غيره أقامت ثمانية أشهر، وذلك آية لعيسى أيضاً، لأنه يولد مولود لثمانية أشهر فيعيش. * * وقوله: ﴿فَأَجَآءَهَا ٱلْمَخَاضُ﴾ يدل على طول المكث. قال مجاهد: كان حمل النخلة عجوة. وقيل: كان جذعاً بلا رأس، وكان ذلك في الشتاء، فأنبت الله له رأساً، وخلق فيه رطباً؟ في غير وقته. وروي أنها لما رأت الآية في الرطب والجذع طابت نفسها. وقالت: ليس ولادتي هذا الغلام من غير أب أعجب من هذا الجذع البالي. فأكلت من الرطب، وشربت من النهر. * * وقوله: ﴿يٰلَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَـٰذَا﴾ [أي: قبل هذا] الطلق، استحياء من الناس قاله السدي. * * ﴿وَكُنتُ نَسْياً مَّنسِيّاً﴾. أي: لم أخلق ولم أكن شيئاً. قال السدي: معناه نسى ذكري وأمري، فلا يرى لي أثر ولا عين. وقال قتادة: معناه: وكنت شيئاً لا يذكر ولا يعرف ولا يدري من أنا. وقال مجاهد وعكرمة: حيضة ملقاة. والنسي عند أهل اللغة، ما طال مكثه فنسي. ويكون النسي الشيء الحقير الذي لا يعبأ به. وقرأ محمد بن كعب: "نِسْئاً" بالهمز وكسر النون. وكذا قرأ أيوب، إلا أنه فتح النون وهو من نسأه الله إذا أخره. وإنما تمنت الموت وقد علمت أن الرضى بقضاء الله واجب عليها لأنها كرهت أن يعصى الله فيها وفيما يقول قومها فيها إذ جاءت بولد من غير ذكر، فشق عليها أن يأثموا فيها ويعصوا الله من أجلها فيما يرمونها به لا أنها سخطت قضاء الله فيها، إذ هي تعلم أن الله تعالى لم يختر لها إلا ما فيه الخيرة والصلاح لها. فتمنيها للموت إنما هو طاعة لله لأن من كره أن يعصى الله فيه فقد أطاع الله.

مريم 19:24

قوله تعالى ذكره: ﴿فَنَادَاهَا مِن تَحْتِهَآ أَلاَّ تَحْزَنِي﴾ إلى قوله: ﴿فَلَنْ أُكَلِّمَ ٱلْيَوْمَ إِنسِيّاً﴾. من قرأ "مَنْ تَحْتَهَا" بالفتح "أراد فناداها عيسى". كذلك تأوله أُبي بن كعب والبراء بن عازب والنخعي، وبذلك قرؤوا. ومن قرأ بكسر الميم والتاء، أراد فناداها جبريل. كذلك قال ابن عباس والضحاك. وقال مجاهد: هو عيسى عليه السلام. قال الضحاك: كان جبريل ﷺ أسفل منها، فناداها من ذلك الموضع "ألاّ تحزني". وقال أبو عبيد: من كسر الميم والتاء، يجوز في قراءته أن يكون لجبريل ولعيسى عليهما السلام. ومن فتحهما، هو لعيسى خاصة، والاختيار عند أهل النظر في الكسر أن يكون لعيسى مثل الفتح، أي: فناداها عيسى من تحتها. وقرئ بذلك لتقدم ذكر عيسى ولم يتقدم ذكر جبريل إلا فيما بعد، عند قوله: ﴿فَأَرْسَلْنَآ إِلَيْهَآ رُوحَنَا﴾ فالحمل على الأقرب أولى من الأبعد. قال ابن زيد: قال لها عيسى: لا تحزني، قالت: وكيف لا أحزن وأنت معي لا ذات زوج، فأقول من زوج، ولا مملوكة فأقول من سيدي، أي شيء عذري عند الناس؟ يا ليتني مت قبل هذا وكنت نسياً منسياً. قال لها عيسى: أنا أكفيك الكلام. قال البراء: "السري" الجدول، وهو النهر الصغير. وبذا قال ابن عباس وغيره، وهو بالنبطية. وقال مجاهد: "السري" النهر بالسريانية. وقال قتادة: السري: عيسى نفسه. وكذا قال ابن زيد. أي: شخصاً سرياً. وقال الحسن: كان والله سرياً من الرجال، يعني عيسى. فقيل له: يا أبا سعيد، إنما هو الجدول النهر. فقال: يرحمك الله، إنما تلتمس مجالستكم لهذا. * * وقوله: ﴿وَهُزِّىۤ إِلَيْكِ بِجِذْعِ ٱلنَّخْلَةِ﴾. يدل على أنه النهر لقوله تعالى بعد ذلك ﴿فَكُلِي وَٱشْرَبِي﴾ فكلي من هذا الرطب واشربي من هذا الماء وقريّ عيناً بولدك. وقوله ﴿تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً﴾. من قرأ بالتاء، رده على النخلة ومن قرأ بالياء، رده على الجذع، ومن شدد السين أدغم فيها إحدى التاءين، ومن خفّف، حذف إحدى التاءين كتظاهرون و "رطبا" منصوب على التمييز. وقال المبرد هو مفعول بهزي أي: وهزي إليك رطباً بجذع النخلة. وقرأه مسروق بن الأجدع "تُسقط" بتاء مضمومة. وحذف الألف فيكون على هذا "رطباً" مفعولاً به. وكذلك هو على قراءة عاصم "تساقط" على تفاعل. قيل: نصبه على التمييز. وقيل: هو مفعول بـ "هزي". و ﴿جَنِيّاً﴾ نعت للرطب وهو فعيل بمعنى مفعول، أي: رطباً مجنياً. والجني: الطري. "والرطب" يؤنث على معنى الجماعة، ويذكر على معنى الجنس. وقال أبو وائل: لو علم الله شيئاً أطيب من الرطب لأطعمه مريم". * * وقوله: ﴿وَقَرِّي عَيْناً﴾ هو من قررت بالمكان عند الشيباني، أي: قري عيناً. وقيل: هو من قررت به عيناه مشتق من القر أي: بردت عيناً، فلم تسخ بخروج الدمع. ولغة قريش قررت به عيناً أقر وقررت بالمكان أقر. وأهل نجد يقولون: قررت به عيناً أقر. * * ثم قال تعالى: ﴿فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ ٱلبَشَرِ أَحَداً فَقُولِيۤ إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَـٰنِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ ٱلْيَوْمَ إِنسِيّاً﴾. أي: "قال لها عيسى ﷺ بعد قوله [لها] أنا أكفيك الكلام، فإما ترين... الآية". والظاهر أن يكون هذا الأمر من الله جلّ ذكره لها، والله أعلم بذلك. فالمعنى: إن رأيت من بني آدم أحداً يسألك. فقولي: إني نذرت للرحمن صوماً. أي: أوجبت على نفسي للرحمن صوماً. أي: صمتاً: قاله ابن عباس والضحاك. وقال قتادة صامت من الطعام والشراب والكلام. وقال ابن زيد: كان في بني إسرائيل من إذا اجتهد صام من الكلام كما يصوم من الطعام إلا من ذكر الله عز وجل فقال لها ذلك. وأصل الصوم. الإمساك، وإنما أمرها بالصوم عن الكلام لأنه خاف عليها ألا تكون لها حجة فيما جاءت به، فأمرها بالكف عن الكلام ليكفيها ولدها الحجة عنها. ولا يحل لأحد أن ينذر ترك الكلام يوماً. وإنما جعل الله ذلك آية لمريم خاصة. وقد قيل: بل كانت ذلك اليوم صائمة عن الطعام والشراب، فأذن لها ألا تكلم الناس ذلك اليوم. روى يزيد الرقاشي أن أنس بن مالك قال: إذ ولد عيسى أصبح كل صنم يعبد من دون الله خاراً على وجهه، وأقبلت الشياطين إلى إبليس تضرب وجوهها لما حدث. ومعنى "فَقُولي" أي: أشيري إليهم بذلك، لأنها لو كلمتهم بذلك لتناقض ما عقدت على نفسها من الصمت. وهذا يدل على أن القول قد يكون غير كلام، وهو كثير في كلام العرب.

مريم 19:25

قوله تعالى ذكره: ﴿فَنَادَاهَا مِن تَحْتِهَآ أَلاَّ تَحْزَنِي﴾ إلى قوله: ﴿فَلَنْ أُكَلِّمَ ٱلْيَوْمَ إِنسِيّاً﴾. من قرأ "مَنْ تَحْتَهَا" بالفتح "أراد فناداها عيسى". كذلك تأوله أُبي بن كعب والبراء بن عازب والنخعي، وبذلك قرؤوا. ومن قرأ بكسر الميم والتاء، أراد فناداها جبريل. كذلك قال ابن عباس والضحاك. وقال مجاهد: هو عيسى عليه السلام. قال الضحاك: كان جبريل ﷺ أسفل منها، فناداها من ذلك الموضع "ألاّ تحزني". وقال أبو عبيد: من كسر الميم والتاء، يجوز في قراءته أن يكون لجبريل ولعيسى عليهما السلام. ومن فتحهما، هو لعيسى خاصة، والاختيار عند أهل النظر في الكسر أن يكون لعيسى مثل الفتح، أي: فناداها عيسى من تحتها. وقرئ بذلك لتقدم ذكر عيسى ولم يتقدم ذكر جبريل إلا فيما بعد، عند قوله: ﴿فَأَرْسَلْنَآ إِلَيْهَآ رُوحَنَا﴾ فالحمل على الأقرب أولى من الأبعد. قال ابن زيد: قال لها عيسى: لا تحزني، قالت: وكيف لا أحزن وأنت معي لا ذات زوج، فأقول من زوج، ولا مملوكة فأقول من سيدي، أي شيء عذري عند الناس؟ يا ليتني مت قبل هذا وكنت نسياً منسياً. قال لها عيسى: أنا أكفيك الكلام. قال البراء: "السري" الجدول، وهو النهر الصغير. وبذا قال ابن عباس وغيره، وهو بالنبطية. وقال مجاهد: "السري" النهر بالسريانية. وقال قتادة: السري: عيسى نفسه. وكذا قال ابن زيد. أي: شخصاً سرياً. وقال الحسن: كان والله سرياً من الرجال، يعني عيسى. فقيل له: يا أبا سعيد، إنما هو الجدول النهر. فقال: يرحمك الله، إنما تلتمس مجالستكم لهذا. * * وقوله: ﴿وَهُزِّىۤ إِلَيْكِ بِجِذْعِ ٱلنَّخْلَةِ﴾. يدل على أنه النهر لقوله تعالى بعد ذلك ﴿فَكُلِي وَٱشْرَبِي﴾ فكلي من هذا الرطب واشربي من هذا الماء وقريّ عيناً بولدك. وقوله ﴿تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً﴾. من قرأ بالتاء، رده على النخلة ومن قرأ بالياء، رده على الجذع، ومن شدد السين أدغم فيها إحدى التاءين، ومن خفّف، حذف إحدى التاءين كتظاهرون و "رطبا" منصوب على التمييز. وقال المبرد هو مفعول بهزي أي: وهزي إليك رطباً بجذع النخلة. وقرأه مسروق بن الأجدع "تُسقط" بتاء مضمومة. وحذف الألف فيكون على هذا "رطباً" مفعولاً به. وكذلك هو على قراءة عاصم "تساقط" على تفاعل. قيل: نصبه على التمييز. وقيل: هو مفعول بـ "هزي". و ﴿جَنِيّاً﴾ نعت للرطب وهو فعيل بمعنى مفعول، أي: رطباً مجنياً. والجني: الطري. "والرطب" يؤنث على معنى الجماعة، ويذكر على معنى الجنس. وقال أبو وائل: لو علم الله شيئاً أطيب من الرطب لأطعمه مريم". * * وقوله: ﴿وَقَرِّي عَيْناً﴾ هو من قررت بالمكان عند الشيباني، أي: قري عيناً. وقيل: هو من قررت به عيناه مشتق من القر أي: بردت عيناً، فلم تسخ بخروج الدمع. ولغة قريش قررت به عيناً أقر وقررت بالمكان أقر. وأهل نجد يقولون: قررت به عيناً أقر. * * ثم قال تعالى: ﴿فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ ٱلبَشَرِ أَحَداً فَقُولِيۤ إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَـٰنِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ ٱلْيَوْمَ إِنسِيّاً﴾. أي: "قال لها عيسى ﷺ بعد قوله [لها] أنا أكفيك الكلام، فإما ترين... الآية". والظاهر أن يكون هذا الأمر من الله جلّ ذكره لها، والله أعلم بذلك. فالمعنى: إن رأيت من بني آدم أحداً يسألك. فقولي: إني نذرت للرحمن صوماً. أي: أوجبت على نفسي للرحمن صوماً. أي: صمتاً: قاله ابن عباس والضحاك. وقال قتادة صامت من الطعام والشراب والكلام. وقال ابن زيد: كان في بني إسرائيل من إذا اجتهد صام من الكلام كما يصوم من الطعام إلا من ذكر الله عز وجل فقال لها ذلك. وأصل الصوم. الإمساك، وإنما أمرها بالصوم عن الكلام لأنه خاف عليها ألا تكون لها حجة فيما جاءت به، فأمرها بالكف عن الكلام ليكفيها ولدها الحجة عنها. ولا يحل لأحد أن ينذر ترك الكلام يوماً. وإنما جعل الله ذلك آية لمريم خاصة. وقد قيل: بل كانت ذلك اليوم صائمة عن الطعام والشراب، فأذن لها ألا تكلم الناس ذلك اليوم. روى يزيد الرقاشي أن أنس بن مالك قال: إذ ولد عيسى أصبح كل صنم يعبد من دون الله خاراً على وجهه، وأقبلت الشياطين إلى إبليس تضرب وجوهها لما حدث. ومعنى "فَقُولي" أي: أشيري إليهم بذلك، لأنها لو كلمتهم بذلك لتناقض ما عقدت على نفسها من الصمت. وهذا يدل على أن القول قد يكون غير كلام، وهو كثير في كلام العرب.

مريم 19:26

قوله تعالى ذكره: ﴿فَنَادَاهَا مِن تَحْتِهَآ أَلاَّ تَحْزَنِي﴾ إلى قوله: ﴿فَلَنْ أُكَلِّمَ ٱلْيَوْمَ إِنسِيّاً﴾. من قرأ "مَنْ تَحْتَهَا" بالفتح "أراد فناداها عيسى". كذلك تأوله أُبي بن كعب والبراء بن عازب والنخعي، وبذلك قرؤوا. ومن قرأ بكسر الميم والتاء، أراد فناداها جبريل. كذلك قال ابن عباس والضحاك. وقال مجاهد: هو عيسى عليه السلام. قال الضحاك: كان جبريل ﷺ أسفل منها، فناداها من ذلك الموضع "ألاّ تحزني". وقال أبو عبيد: من كسر الميم والتاء، يجوز في قراءته أن يكون لجبريل ولعيسى عليهما السلام. ومن فتحهما، هو لعيسى خاصة، والاختيار عند أهل النظر في الكسر أن يكون لعيسى مثل الفتح، أي: فناداها عيسى من تحتها. وقرئ بذلك لتقدم ذكر عيسى ولم يتقدم ذكر جبريل إلا فيما بعد، عند قوله: ﴿فَأَرْسَلْنَآ إِلَيْهَآ رُوحَنَا﴾ فالحمل على الأقرب أولى من الأبعد. قال ابن زيد: قال لها عيسى: لا تحزني، قالت: وكيف لا أحزن وأنت معي لا ذات زوج، فأقول من زوج، ولا مملوكة فأقول من سيدي، أي شيء عذري عند الناس؟ يا ليتني مت قبل هذا وكنت نسياً منسياً. قال لها عيسى: أنا أكفيك الكلام. قال البراء: "السري" الجدول، وهو النهر الصغير. وبذا قال ابن عباس وغيره، وهو بالنبطية. وقال مجاهد: "السري" النهر بالسريانية. وقال قتادة: السري: عيسى نفسه. وكذا قال ابن زيد. أي: شخصاً سرياً. وقال الحسن: كان والله سرياً من الرجال، يعني عيسى. فقيل له: يا أبا سعيد، إنما هو الجدول النهر. فقال: يرحمك الله، إنما تلتمس مجالستكم لهذا. * * وقوله: ﴿وَهُزِّىۤ إِلَيْكِ بِجِذْعِ ٱلنَّخْلَةِ﴾. يدل على أنه النهر لقوله تعالى بعد ذلك ﴿فَكُلِي وَٱشْرَبِي﴾ فكلي من هذا الرطب واشربي من هذا الماء وقريّ عيناً بولدك. وقوله ﴿تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً﴾. من قرأ بالتاء، رده على النخلة ومن قرأ بالياء، رده على الجذع، ومن شدد السين أدغم فيها إحدى التاءين، ومن خفّف، حذف إحدى التاءين كتظاهرون و "رطبا" منصوب على التمييز. وقال المبرد هو مفعول بهزي أي: وهزي إليك رطباً بجذع النخلة. وقرأه مسروق بن الأجدع "تُسقط" بتاء مضمومة. وحذف الألف فيكون على هذا "رطباً" مفعولاً به. وكذلك هو على قراءة عاصم "تساقط" على تفاعل. قيل: نصبه على التمييز. وقيل: هو مفعول بـ "هزي". و ﴿جَنِيّاً﴾ نعت للرطب وهو فعيل بمعنى مفعول، أي: رطباً مجنياً. والجني: الطري. "والرطب" يؤنث على معنى الجماعة، ويذكر على معنى الجنس. وقال أبو وائل: لو علم الله شيئاً أطيب من الرطب لأطعمه مريم". * * وقوله: ﴿وَقَرِّي عَيْناً﴾ هو من قررت بالمكان عند الشيباني، أي: قري عيناً. وقيل: هو من قررت به عيناه مشتق من القر أي: بردت عيناً، فلم تسخ بخروج الدمع. ولغة قريش قررت به عيناً أقر وقررت بالمكان أقر. وأهل نجد يقولون: قررت به عيناً أقر. * * ثم قال تعالى: ﴿فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ ٱلبَشَرِ أَحَداً فَقُولِيۤ إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَـٰنِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ ٱلْيَوْمَ إِنسِيّاً﴾. أي: "قال لها عيسى ﷺ بعد قوله [لها] أنا أكفيك الكلام، فإما ترين... الآية". والظاهر أن يكون هذا الأمر من الله جلّ ذكره لها، والله أعلم بذلك. فالمعنى: إن رأيت من بني آدم أحداً يسألك. فقولي: إني نذرت للرحمن صوماً. أي: أوجبت على نفسي للرحمن صوماً. أي: صمتاً: قاله ابن عباس والضحاك. وقال قتادة صامت من الطعام والشراب والكلام. وقال ابن زيد: كان في بني إسرائيل من إذا اجتهد صام من الكلام كما يصوم من الطعام إلا من ذكر الله عز وجل فقال لها ذلك. وأصل الصوم. الإمساك، وإنما أمرها بالصوم عن الكلام لأنه خاف عليها ألا تكون لها حجة فيما جاءت به، فأمرها بالكف عن الكلام ليكفيها ولدها الحجة عنها. ولا يحل لأحد أن ينذر ترك الكلام يوماً. وإنما جعل الله ذلك آية لمريم خاصة. وقد قيل: بل كانت ذلك اليوم صائمة عن الطعام والشراب، فأذن لها ألا تكلم الناس ذلك اليوم. روى يزيد الرقاشي أن أنس بن مالك قال: إذ ولد عيسى أصبح كل صنم يعبد من دون الله خاراً على وجهه، وأقبلت الشياطين إلى إبليس تضرب وجوهها لما حدث. ومعنى "فَقُولي" أي: أشيري إليهم بذلك، لأنها لو كلمتهم بذلك لتناقض ما عقدت على نفسها من الصمت. وهذا يدل على أن القول قد يكون غير كلام، وهو كثير في كلام العرب.

مريم 19:27

قوله تعالى ذكره: ﴿فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ﴾. إلى قوله: ﴿جَبَّاراً شَقِيّاً﴾. المعنى: أن عيسى عليه السلام لما قال لها ذلك: اطمأنت وسلمت لأمر الله وحملته حتى أتت به قومها. قال السدي: "لما ولدته ذهب الشيطان فأخبر بني إسرائيل أن مريم قد ولدت، فأقبلوا يشتدون، فدعوها، فأتت به قومها تحمله". قالوا: ﴿يٰمَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيّاً﴾. أي: جئت بأمر عجيب وعظيم لم يسبق مثلك إلى مثله. روي أنها خرجت من عندهم ضحى، وجاءت عند الظهر ومعها صبي تحمله فكان الحمل والولادة في ثلاث ساعات من النهار". وكانت مريم قد حاضت قبل ذلك حيضتين لا غير. ثم قالوا لها: ﴿يٰأُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ ٱمْرَأَ سَوْءٍ﴾. أي يا أخت هارون في الصلاح والعبادة. قال قتادة: كان رجلاً صالحاً في بني إسرائيل، يسمى هارون، فشبهوها به. قال: وذكر لنا أنه شيع جنازته يوم مات أربعون ألفاً كلهم يسمى هارون من بني إسرائيل سوى من ليس اسمه هارون. وكانت عائشة رضي الله عنها تقول: هو هارون أخو موسى. فقال لها كعب: يا أم المؤمنين، إن كان النبي ﷺ قاله فهو أعلم، وإلا فإني أجد بينهما ست مائة سنة، فسكتت. وقيل: أريد بهارون هنا أخو موسى نسبت مريم إليه لأنها من ولده كما يقال للتميمي يا أخا تميم. قال ابن جبير: كان هارون منهم رجلاً فاسقاً، فنسبوها إليه، وقد غلط بعض المؤلفين في هذا فقال: كان لها أخ صالح يسمى بهارون. وما علمت أحداً من المفسرين وأهل التاريخ قال هذا. وقال المغيرة بن شعبة: بعثني رسول الله ﷺ إلى أهل نجران فقالوا: ألستم تقرأون يا أخت هارون؟ قلت: بلى، قالوا: وقد علمتم ما كان بين موسى وعيسى؟ قال: فرجعت إلى النبي ﷺ. فأخبرته، فقال: ألا أخبرتهم أنهم كانوا يسمون بأنبيائهم والصالحين قبلهم فهذا يدل على أن هارون المذكور في الآية كان رجلاً صالحاً وكانوا يسمون أولادهم بهارون لمحبتهم في ذلك الصالح الذي كان اسمه هارون. * * وقوله: ﴿مَا كَانَ أَبُوكِ ٱمْرَأَ سَوْءٍ﴾. أي: ما كان أبوك رجل سوء فيأتي الفواحش. ﴿وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيّاً﴾. أي زانية. ﴿فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ﴾. أي: لما قالوا لها ذلك أشارت لهم إلى عيسى أن كلّموه. ﴿قَالُواْ كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي ٱلْمَهْدِ صَبِيّاً﴾. قال قتادة: "المهد" هنا حجر أمه. و "كان" هنا، زائدة. و "صبياً" نصب على الحال، والعامل فيه الاستقرار. والمعنى: كيف نكلم من في المهد صبياً لا يفهم مثله، ولا ينطق لسانه بكلام. وقيل: إنّ "كان" هنا بمعنى وقع. و "صبياً" نصب على الحال والعامل فيه "كان". والمعنى على هذا القول: كيف نكلم صبياً قد خلق في المهد. وقيل إن "من" للشرط. و "صبياً" حال. و "كان" بمعنى: وقع وخلق أيضاً. والمعنى على هذا، من كان في المهد صبياً فكيف نكلمه. كما تقول: من كان لا يسمع ولا يبصر فكيف نخاطبه. قوله تعالى: ﴿قَالَ إِنِّي عَبْدُ ٱللَّهِ آتَانِيَ ٱلْكِتَابَ﴾. أي: قال عيسى لهم ذلك. وذلك أن مريم لما أشارت لهم إلى عيسى أن يكلموه، ظنوا أن ذلك منها استهزاء، فغضبوا. * * وقوله: ﴿آتَانِيَ ٱلْكِتَابَ﴾. أي: قضى أن يؤتيني ذلك فيما قضى. قال عكرمة: الكتاب: القضاء. * * وقوله: ﴿وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً﴾ يدل على أن الخير والشر بقدر من الله وقضاء. قال مجاهد: أن نفاعاً معلماً للخير حيثما كنت. وقال محمد بن كعب: لم يبعث الله نبياً إلا أتى على إثره الشدة واحتباس المطر إلا عيسى عليه السلام، فإنه أتى على إثره الرخاء والمطر، وأتت البركات بيمينه. وقيل: معنى، "مباركاً" ثابت على دين الله وطاعته أينما كنت لأن أصل البركة الثبات على الشيء، مأخوذ من بروك البعير. وروى ابن وهب، عن مالك بن أنس أنه قال: بلغني أن عيسى ابن مريم انتهى إلى قرية قد خربت حصونها، وجفت أنهارها وتشعيت شجرها. فنادى يا خراب، أين أهلك؟ فلم يجبه أحد ثم نادى ثانية، فلم يجبه أحد، ثم نادى الثالثة، فنودي يا عيسى ابن مريم بادوا وتضمنتهم الأرض، وعادت أعمالهم قلائد في رقابهم إلى يوم القيامة يا عيسى ابن مريم فجد. * * وقوله: ﴿وَأَوْصَانِي بِٱلصَّلاَةِ﴾. أي: قضى أن يوصيني بذلك. * * وقوله: ﴿وَٱلزَّكَاةِ﴾: هي زكاة الأموال. وقيل: هي تطهير البدن من الذنوب. ﴿مَا دُمْتُ حَيّاً﴾ أي: وقت حياتي في الدنيا. ﴿وَبَرّاً بِوَالِدَتِي﴾ أي: وجعلني براً بوالدتي. وقد قرأ أبو نهيك، "وَبِرٍّ"، بكسر الباء والراء. أي: وأوصاني ببر والدتي. * * وقوله: ﴿وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيّاً﴾. أي: ولم يجعلني مستكبراً عليه فيما أمرني به ونهاني عنه، شقياً. وهذا يدل على أن الله جعل الأشقياء أشقياء، والسعداء سعداء. فهو نص ظاهر في القدر. قال قتادة: ذكر لنا أن عيسى ﷺ كان يقول: سلوني فإن قلبي لين، وإني صغير في نفسي، مما أعطاه الله عز وجل من التواضع. قال: وذكر لنا أن امرأة رأت عيسى وهو يحيي الموتى ويبرئ الأكمه والأبرص. فقالت: طوبى للبطن الذي حملك، والثدي الذي أرضعك. فقال لها عيسى: طوبى لمن تلا كتاب الله، واتبع ما فيه، ولم يكن جباراً شقياً. ومن قرأ: "وَبِرٍّ" بالخفض حسن أن يقف على "أينما كنت" ومن نصبه، لم يقف عليه، لأن "وبراً" منصوب بـ "جعلني.

مريم 19:28

قوله تعالى ذكره: ﴿فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ﴾. إلى قوله: ﴿جَبَّاراً شَقِيّاً﴾. المعنى: أن عيسى عليه السلام لما قال لها ذلك: اطمأنت وسلمت لأمر الله وحملته حتى أتت به قومها. قال السدي: "لما ولدته ذهب الشيطان فأخبر بني إسرائيل أن مريم قد ولدت، فأقبلوا يشتدون، فدعوها، فأتت به قومها تحمله". قالوا: ﴿يٰمَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيّاً﴾. أي: جئت بأمر عجيب وعظيم لم يسبق مثلك إلى مثله. روي أنها خرجت من عندهم ضحى، وجاءت عند الظهر ومعها صبي تحمله فكان الحمل والولادة في ثلاث ساعات من النهار". وكانت مريم قد حاضت قبل ذلك حيضتين لا غير. ثم قالوا لها: ﴿يٰأُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ ٱمْرَأَ سَوْءٍ﴾. أي يا أخت هارون في الصلاح والعبادة. قال قتادة: كان رجلاً صالحاً في بني إسرائيل، يسمى هارون، فشبهوها به. قال: وذكر لنا أنه شيع جنازته يوم مات أربعون ألفاً كلهم يسمى هارون من بني إسرائيل سوى من ليس اسمه هارون. وكانت عائشة رضي الله عنها تقول: هو هارون أخو موسى. فقال لها كعب: يا أم المؤمنين، إن كان النبي ﷺ قاله فهو أعلم، وإلا فإني أجد بينهما ست مائة سنة، فسكتت. وقيل: أريد بهارون هنا أخو موسى نسبت مريم إليه لأنها من ولده كما يقال للتميمي يا أخا تميم. قال ابن جبير: كان هارون منهم رجلاً فاسقاً، فنسبوها إليه، وقد غلط بعض المؤلفين في هذا فقال: كان لها أخ صالح يسمى بهارون. وما علمت أحداً من المفسرين وأهل التاريخ قال هذا. وقال المغيرة بن شعبة: بعثني رسول الله ﷺ إلى أهل نجران فقالوا: ألستم تقرأون يا أخت هارون؟ قلت: بلى، قالوا: وقد علمتم ما كان بين موسى وعيسى؟ قال: فرجعت إلى النبي ﷺ. فأخبرته، فقال: ألا أخبرتهم أنهم كانوا يسمون بأنبيائهم والصالحين قبلهم فهذا يدل على أن هارون المذكور في الآية كان رجلاً صالحاً وكانوا يسمون أولادهم بهارون لمحبتهم في ذلك الصالح الذي كان اسمه هارون. * * وقوله: ﴿مَا كَانَ أَبُوكِ ٱمْرَأَ سَوْءٍ﴾. أي: ما كان أبوك رجل سوء فيأتي الفواحش. ﴿وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيّاً﴾. أي زانية. ﴿فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ﴾. أي: لما قالوا لها ذلك أشارت لهم إلى عيسى أن كلّموه. ﴿قَالُواْ كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي ٱلْمَهْدِ صَبِيّاً﴾. قال قتادة: "المهد" هنا حجر أمه. و "كان" هنا، زائدة. و "صبياً" نصب على الحال، والعامل فيه الاستقرار. والمعنى: كيف نكلم من في المهد صبياً لا يفهم مثله، ولا ينطق لسانه بكلام. وقيل: إنّ "كان" هنا بمعنى وقع. و "صبياً" نصب على الحال والعامل فيه "كان". والمعنى على هذا القول: كيف نكلم صبياً قد خلق في المهد. وقيل إن "من" للشرط. و "صبياً" حال. و "كان" بمعنى: وقع وخلق أيضاً. والمعنى على هذا، من كان في المهد صبياً فكيف نكلمه. كما تقول: من كان لا يسمع ولا يبصر فكيف نخاطبه. قوله تعالى: ﴿قَالَ إِنِّي عَبْدُ ٱللَّهِ آتَانِيَ ٱلْكِتَابَ﴾. أي: قال عيسى لهم ذلك. وذلك أن مريم لما أشارت لهم إلى عيسى أن يكلموه، ظنوا أن ذلك منها استهزاء، فغضبوا. * * وقوله: ﴿آتَانِيَ ٱلْكِتَابَ﴾. أي: قضى أن يؤتيني ذلك فيما قضى. قال عكرمة: الكتاب: القضاء. * * وقوله: ﴿وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً﴾ يدل على أن الخير والشر بقدر من الله وقضاء. قال مجاهد: أن نفاعاً معلماً للخير حيثما كنت. وقال محمد بن كعب: لم يبعث الله نبياً إلا أتى على إثره الشدة واحتباس المطر إلا عيسى عليه السلام، فإنه أتى على إثره الرخاء والمطر، وأتت البركات بيمينه. وقيل: معنى، "مباركاً" ثابت على دين الله وطاعته أينما كنت لأن أصل البركة الثبات على الشيء، مأخوذ من بروك البعير. وروى ابن وهب، عن مالك بن أنس أنه قال: بلغني أن عيسى ابن مريم انتهى إلى قرية قد خربت حصونها، وجفت أنهارها وتشعيت شجرها. فنادى يا خراب، أين أهلك؟ فلم يجبه أحد ثم نادى ثانية، فلم يجبه أحد، ثم نادى الثالثة، فنودي يا عيسى ابن مريم بادوا وتضمنتهم الأرض، وعادت أعمالهم قلائد في رقابهم إلى يوم القيامة يا عيسى ابن مريم فجد. * * وقوله: ﴿وَأَوْصَانِي بِٱلصَّلاَةِ﴾. أي: قضى أن يوصيني بذلك. * * وقوله: ﴿وَٱلزَّكَاةِ﴾: هي زكاة الأموال. وقيل: هي تطهير البدن من الذنوب. ﴿مَا دُمْتُ حَيّاً﴾ أي: وقت حياتي في الدنيا. ﴿وَبَرّاً بِوَالِدَتِي﴾ أي: وجعلني براً بوالدتي. وقد قرأ أبو نهيك، "وَبِرٍّ"، بكسر الباء والراء. أي: وأوصاني ببر والدتي. * * وقوله: ﴿وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيّاً﴾. أي: ولم يجعلني مستكبراً عليه فيما أمرني به ونهاني عنه، شقياً. وهذا يدل على أن الله جعل الأشقياء أشقياء، والسعداء سعداء. فهو نص ظاهر في القدر. قال قتادة: ذكر لنا أن عيسى ﷺ كان يقول: سلوني فإن قلبي لين، وإني صغير في نفسي، مما أعطاه الله عز وجل من التواضع. قال: وذكر لنا أن امرأة رأت عيسى وهو يحيي الموتى ويبرئ الأكمه والأبرص. فقالت: طوبى للبطن الذي حملك، والثدي الذي أرضعك. فقال لها عيسى: طوبى لمن تلا كتاب الله، واتبع ما فيه، ولم يكن جباراً شقياً. ومن قرأ: "وَبِرٍّ" بالخفض حسن أن يقف على "أينما كنت" ومن نصبه، لم يقف عليه، لأن "وبراً" منصوب بـ "جعلني.

مريم 19:29

قوله تعالى ذكره: ﴿فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ﴾. إلى قوله: ﴿جَبَّاراً شَقِيّاً﴾. المعنى: أن عيسى عليه السلام لما قال لها ذلك: اطمأنت وسلمت لأمر الله وحملته حتى أتت به قومها. قال السدي: "لما ولدته ذهب الشيطان فأخبر بني إسرائيل أن مريم قد ولدت، فأقبلوا يشتدون، فدعوها، فأتت به قومها تحمله". قالوا: ﴿يٰمَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيّاً﴾. أي: جئت بأمر عجيب وعظيم لم يسبق مثلك إلى مثله. روي أنها خرجت من عندهم ضحى، وجاءت عند الظهر ومعها صبي تحمله فكان الحمل والولادة في ثلاث ساعات من النهار". وكانت مريم قد حاضت قبل ذلك حيضتين لا غير. ثم قالوا لها: ﴿يٰأُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ ٱمْرَأَ سَوْءٍ﴾. أي يا أخت هارون في الصلاح والعبادة. قال قتادة: كان رجلاً صالحاً في بني إسرائيل، يسمى هارون، فشبهوها به. قال: وذكر لنا أنه شيع جنازته يوم مات أربعون ألفاً كلهم يسمى هارون من بني إسرائيل سوى من ليس اسمه هارون. وكانت عائشة رضي الله عنها تقول: هو هارون أخو موسى. فقال لها كعب: يا أم المؤمنين، إن كان النبي ﷺ قاله فهو أعلم، وإلا فإني أجد بينهما ست مائة سنة، فسكتت. وقيل: أريد بهارون هنا أخو موسى نسبت مريم إليه لأنها من ولده كما يقال للتميمي يا أخا تميم. قال ابن جبير: كان هارون منهم رجلاً فاسقاً، فنسبوها إليه، وقد غلط بعض المؤلفين في هذا فقال: كان لها أخ صالح يسمى بهارون. وما علمت أحداً من المفسرين وأهل التاريخ قال هذا. وقال المغيرة بن شعبة: بعثني رسول الله ﷺ إلى أهل نجران فقالوا: ألستم تقرأون يا أخت هارون؟ قلت: بلى، قالوا: وقد علمتم ما كان بين موسى وعيسى؟ قال: فرجعت إلى النبي ﷺ. فأخبرته، فقال: ألا أخبرتهم أنهم كانوا يسمون بأنبيائهم والصالحين قبلهم فهذا يدل على أن هارون المذكور في الآية كان رجلاً صالحاً وكانوا يسمون أولادهم بهارون لمحبتهم في ذلك الصالح الذي كان اسمه هارون. * * وقوله: ﴿مَا كَانَ أَبُوكِ ٱمْرَأَ سَوْءٍ﴾. أي: ما كان أبوك رجل سوء فيأتي الفواحش. ﴿وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيّاً﴾. أي زانية. ﴿فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ﴾. أي: لما قالوا لها ذلك أشارت لهم إلى عيسى أن كلّموه. ﴿قَالُواْ كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي ٱلْمَهْدِ صَبِيّاً﴾. قال قتادة: "المهد" هنا حجر أمه. و "كان" هنا، زائدة. و "صبياً" نصب على الحال، والعامل فيه الاستقرار. والمعنى: كيف نكلم من في المهد صبياً لا يفهم مثله، ولا ينطق لسانه بكلام. وقيل: إنّ "كان" هنا بمعنى وقع. و "صبياً" نصب على الحال والعامل فيه "كان". والمعنى على هذا القول: كيف نكلم صبياً قد خلق في المهد. وقيل إن "من" للشرط. و "صبياً" حال. و "كان" بمعنى: وقع وخلق أيضاً. والمعنى على هذا، من كان في المهد صبياً فكيف نكلمه. كما تقول: من كان لا يسمع ولا يبصر فكيف نخاطبه. قوله تعالى: ﴿قَالَ إِنِّي عَبْدُ ٱللَّهِ آتَانِيَ ٱلْكِتَابَ﴾. أي: قال عيسى لهم ذلك. وذلك أن مريم لما أشارت لهم إلى عيسى أن يكلموه، ظنوا أن ذلك منها استهزاء، فغضبوا. * * وقوله: ﴿آتَانِيَ ٱلْكِتَابَ﴾. أي: قضى أن يؤتيني ذلك فيما قضى. قال عكرمة: الكتاب: القضاء. * * وقوله: ﴿وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً﴾ يدل على أن الخير والشر بقدر من الله وقضاء. قال مجاهد: أن نفاعاً معلماً للخير حيثما كنت. وقال محمد بن كعب: لم يبعث الله نبياً إلا أتى على إثره الشدة واحتباس المطر إلا عيسى عليه السلام، فإنه أتى على إثره الرخاء والمطر، وأتت البركات بيمينه. وقيل: معنى، "مباركاً" ثابت على دين الله وطاعته أينما كنت لأن أصل البركة الثبات على الشيء، مأخوذ من بروك البعير. وروى ابن وهب، عن مالك بن أنس أنه قال: بلغني أن عيسى ابن مريم انتهى إلى قرية قد خربت حصونها، وجفت أنهارها وتشعيت شجرها. فنادى يا خراب، أين أهلك؟ فلم يجبه أحد ثم نادى ثانية، فلم يجبه أحد، ثم نادى الثالثة، فنودي يا عيسى ابن مريم بادوا وتضمنتهم الأرض، وعادت أعمالهم قلائد في رقابهم إلى يوم القيامة يا عيسى ابن مريم فجد. * * وقوله: ﴿وَأَوْصَانِي بِٱلصَّلاَةِ﴾. أي: قضى أن يوصيني بذلك. * * وقوله: ﴿وَٱلزَّكَاةِ﴾: هي زكاة الأموال. وقيل: هي تطهير البدن من الذنوب. ﴿مَا دُمْتُ حَيّاً﴾ أي: وقت حياتي في الدنيا. ﴿وَبَرّاً بِوَالِدَتِي﴾ أي: وجعلني براً بوالدتي. وقد قرأ أبو نهيك، "وَبِرٍّ"، بكسر الباء والراء. أي: وأوصاني ببر والدتي. * * وقوله: ﴿وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيّاً﴾. أي: ولم يجعلني مستكبراً عليه فيما أمرني به ونهاني عنه، شقياً. وهذا يدل على أن الله جعل الأشقياء أشقياء، والسعداء سعداء. فهو نص ظاهر في القدر. قال قتادة: ذكر لنا أن عيسى ﷺ كان يقول: سلوني فإن قلبي لين، وإني صغير في نفسي، مما أعطاه الله عز وجل من التواضع. قال: وذكر لنا أن امرأة رأت عيسى وهو يحيي الموتى ويبرئ الأكمه والأبرص. فقالت: طوبى للبطن الذي حملك، والثدي الذي أرضعك. فقال لها عيسى: طوبى لمن تلا كتاب الله، واتبع ما فيه، ولم يكن جباراً شقياً. ومن قرأ: "وَبِرٍّ" بالخفض حسن أن يقف على "أينما كنت" ومن نصبه، لم يقف عليه، لأن "وبراً" منصوب بـ "جعلني.

مريم 19:30

قوله تعالى ذكره: ﴿فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ﴾. إلى قوله: ﴿جَبَّاراً شَقِيّاً﴾. المعنى: أن عيسى عليه السلام لما قال لها ذلك: اطمأنت وسلمت لأمر الله وحملته حتى أتت به قومها. قال السدي: "لما ولدته ذهب الشيطان فأخبر بني إسرائيل أن مريم قد ولدت، فأقبلوا يشتدون، فدعوها، فأتت به قومها تحمله". قالوا: ﴿يٰمَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيّاً﴾. أي: جئت بأمر عجيب وعظيم لم يسبق مثلك إلى مثله. روي أنها خرجت من عندهم ضحى، وجاءت عند الظهر ومعها صبي تحمله فكان الحمل والولادة في ثلاث ساعات من النهار". وكانت مريم قد حاضت قبل ذلك حيضتين لا غير. ثم قالوا لها: ﴿يٰأُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ ٱمْرَأَ سَوْءٍ﴾. أي يا أخت هارون في الصلاح والعبادة. قال قتادة: كان رجلاً صالحاً في بني إسرائيل، يسمى هارون، فشبهوها به. قال: وذكر لنا أنه شيع جنازته يوم مات أربعون ألفاً كلهم يسمى هارون من بني إسرائيل سوى من ليس اسمه هارون. وكانت عائشة رضي الله عنها تقول: هو هارون أخو موسى. فقال لها كعب: يا أم المؤمنين، إن كان النبي ﷺ قاله فهو أعلم، وإلا فإني أجد بينهما ست مائة سنة، فسكتت. وقيل: أريد بهارون هنا أخو موسى نسبت مريم إليه لأنها من ولده كما يقال للتميمي يا أخا تميم. قال ابن جبير: كان هارون منهم رجلاً فاسقاً، فنسبوها إليه، وقد غلط بعض المؤلفين في هذا فقال: كان لها أخ صالح يسمى بهارون. وما علمت أحداً من المفسرين وأهل التاريخ قال هذا. وقال المغيرة بن شعبة: بعثني رسول الله ﷺ إلى أهل نجران فقالوا: ألستم تقرأون يا أخت هارون؟ قلت: بلى، قالوا: وقد علمتم ما كان بين موسى وعيسى؟ قال: فرجعت إلى النبي ﷺ. فأخبرته، فقال: ألا أخبرتهم أنهم كانوا يسمون بأنبيائهم والصالحين قبلهم فهذا يدل على أن هارون المذكور في الآية كان رجلاً صالحاً وكانوا يسمون أولادهم بهارون لمحبتهم في ذلك الصالح الذي كان اسمه هارون. * * وقوله: ﴿مَا كَانَ أَبُوكِ ٱمْرَأَ سَوْءٍ﴾. أي: ما كان أبوك رجل سوء فيأتي الفواحش. ﴿وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيّاً﴾. أي زانية. ﴿فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ﴾. أي: لما قالوا لها ذلك أشارت لهم إلى عيسى أن كلّموه. ﴿قَالُواْ كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي ٱلْمَهْدِ صَبِيّاً﴾. قال قتادة: "المهد" هنا حجر أمه. و "كان" هنا، زائدة. و "صبياً" نصب على الحال، والعامل فيه الاستقرار. والمعنى: كيف نكلم من في المهد صبياً لا يفهم مثله، ولا ينطق لسانه بكلام. وقيل: إنّ "كان" هنا بمعنى وقع. و "صبياً" نصب على الحال والعامل فيه "كان". والمعنى على هذا القول: كيف نكلم صبياً قد خلق في المهد. وقيل إن "من" للشرط. و "صبياً" حال. و "كان" بمعنى: وقع وخلق أيضاً. والمعنى على هذا، من كان في المهد صبياً فكيف نكلمه. كما تقول: من كان لا يسمع ولا يبصر فكيف نخاطبه. قوله تعالى: ﴿قَالَ إِنِّي عَبْدُ ٱللَّهِ آتَانِيَ ٱلْكِتَابَ﴾. أي: قال عيسى لهم ذلك. وذلك أن مريم لما أشارت لهم إلى عيسى أن يكلموه، ظنوا أن ذلك منها استهزاء، فغضبوا. * * وقوله: ﴿آتَانِيَ ٱلْكِتَابَ﴾. أي: قضى أن يؤتيني ذلك فيما قضى. قال عكرمة: الكتاب: القضاء. * * وقوله: ﴿وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً﴾ يدل على أن الخير والشر بقدر من الله وقضاء. قال مجاهد: أن نفاعاً معلماً للخير حيثما كنت. وقال محمد بن كعب: لم يبعث الله نبياً إلا أتى على إثره الشدة واحتباس المطر إلا عيسى عليه السلام، فإنه أتى على إثره الرخاء والمطر، وأتت البركات بيمينه. وقيل: معنى، "مباركاً" ثابت على دين الله وطاعته أينما كنت لأن أصل البركة الثبات على الشيء، مأخوذ من بروك البعير. وروى ابن وهب، عن مالك بن أنس أنه قال: بلغني أن عيسى ابن مريم انتهى إلى قرية قد خربت حصونها، وجفت أنهارها وتشعيت شجرها. فنادى يا خراب، أين أهلك؟ فلم يجبه أحد ثم نادى ثانية، فلم يجبه أحد، ثم نادى الثالثة، فنودي يا عيسى ابن مريم بادوا وتضمنتهم الأرض، وعادت أعمالهم قلائد في رقابهم إلى يوم القيامة يا عيسى ابن مريم فجد. * * وقوله: ﴿وَأَوْصَانِي بِٱلصَّلاَةِ﴾. أي: قضى أن يوصيني بذلك. * * وقوله: ﴿وَٱلزَّكَاةِ﴾: هي زكاة الأموال. وقيل: هي تطهير البدن من الذنوب. ﴿مَا دُمْتُ حَيّاً﴾ أي: وقت حياتي في الدنيا. ﴿وَبَرّاً بِوَالِدَتِي﴾ أي: وجعلني براً بوالدتي. وقد قرأ أبو نهيك، "وَبِرٍّ"، بكسر الباء والراء. أي: وأوصاني ببر والدتي. * * وقوله: ﴿وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيّاً﴾. أي: ولم يجعلني مستكبراً عليه فيما أمرني به ونهاني عنه، شقياً. وهذا يدل على أن الله جعل الأشقياء أشقياء، والسعداء سعداء. فهو نص ظاهر في القدر. قال قتادة: ذكر لنا أن عيسى ﷺ كان يقول: سلوني فإن قلبي لين، وإني صغير في نفسي، مما أعطاه الله عز وجل من التواضع. قال: وذكر لنا أن امرأة رأت عيسى وهو يحيي الموتى ويبرئ الأكمه والأبرص. فقالت: طوبى للبطن الذي حملك، والثدي الذي أرضعك. فقال لها عيسى: طوبى لمن تلا كتاب الله، واتبع ما فيه، ولم يكن جباراً شقياً. ومن قرأ: "وَبِرٍّ" بالخفض حسن أن يقف على "أينما كنت" ومن نصبه، لم يقف عليه، لأن "وبراً" منصوب بـ "جعلني.

مريم 19:31

قوله تعالى ذكره: ﴿فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ﴾. إلى قوله: ﴿جَبَّاراً شَقِيّاً﴾. المعنى: أن عيسى عليه السلام لما قال لها ذلك: اطمأنت وسلمت لأمر الله وحملته حتى أتت به قومها. قال السدي: "لما ولدته ذهب الشيطان فأخبر بني إسرائيل أن مريم قد ولدت، فأقبلوا يشتدون، فدعوها، فأتت به قومها تحمله". قالوا: ﴿يٰمَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيّاً﴾. أي: جئت بأمر عجيب وعظيم لم يسبق مثلك إلى مثله. روي أنها خرجت من عندهم ضحى، وجاءت عند الظهر ومعها صبي تحمله فكان الحمل والولادة في ثلاث ساعات من النهار". وكانت مريم قد حاضت قبل ذلك حيضتين لا غير. ثم قالوا لها: ﴿يٰأُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ ٱمْرَأَ سَوْءٍ﴾. أي يا أخت هارون في الصلاح والعبادة. قال قتادة: كان رجلاً صالحاً في بني إسرائيل، يسمى هارون، فشبهوها به. قال: وذكر لنا أنه شيع جنازته يوم مات أربعون ألفاً كلهم يسمى هارون من بني إسرائيل سوى من ليس اسمه هارون. وكانت عائشة رضي الله عنها تقول: هو هارون أخو موسى. فقال لها كعب: يا أم المؤمنين، إن كان النبي ﷺ قاله فهو أعلم، وإلا فإني أجد بينهما ست مائة سنة، فسكتت. وقيل: أريد بهارون هنا أخو موسى نسبت مريم إليه لأنها من ولده كما يقال للتميمي يا أخا تميم. قال ابن جبير: كان هارون منهم رجلاً فاسقاً، فنسبوها إليه، وقد غلط بعض المؤلفين في هذا فقال: كان لها أخ صالح يسمى بهارون. وما علمت أحداً من المفسرين وأهل التاريخ قال هذا. وقال المغيرة بن شعبة: بعثني رسول الله ﷺ إلى أهل نجران فقالوا: ألستم تقرأون يا أخت هارون؟ قلت: بلى، قالوا: وقد علمتم ما كان بين موسى وعيسى؟ قال: فرجعت إلى النبي ﷺ. فأخبرته، فقال: ألا أخبرتهم أنهم كانوا يسمون بأنبيائهم والصالحين قبلهم فهذا يدل على أن هارون المذكور في الآية كان رجلاً صالحاً وكانوا يسمون أولادهم بهارون لمحبتهم في ذلك الصالح الذي كان اسمه هارون. * * وقوله: ﴿مَا كَانَ أَبُوكِ ٱمْرَأَ سَوْءٍ﴾. أي: ما كان أبوك رجل سوء فيأتي الفواحش. ﴿وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيّاً﴾. أي زانية. ﴿فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ﴾. أي: لما قالوا لها ذلك أشارت لهم إلى عيسى أن كلّموه. ﴿قَالُواْ كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي ٱلْمَهْدِ صَبِيّاً﴾. قال قتادة: "المهد" هنا حجر أمه. و "كان" هنا، زائدة. و "صبياً" نصب على الحال، والعامل فيه الاستقرار. والمعنى: كيف نكلم من في المهد صبياً لا يفهم مثله، ولا ينطق لسانه بكلام. وقيل: إنّ "كان" هنا بمعنى وقع. و "صبياً" نصب على الحال والعامل فيه "كان". والمعنى على هذا القول: كيف نكلم صبياً قد خلق في المهد. وقيل إن "من" للشرط. و "صبياً" حال. و "كان" بمعنى: وقع وخلق أيضاً. والمعنى على هذا، من كان في المهد صبياً فكيف نكلمه. كما تقول: من كان لا يسمع ولا يبصر فكيف نخاطبه. قوله تعالى: ﴿قَالَ إِنِّي عَبْدُ ٱللَّهِ آتَانِيَ ٱلْكِتَابَ﴾. أي: قال عيسى لهم ذلك. وذلك أن مريم لما أشارت لهم إلى عيسى أن يكلموه، ظنوا أن ذلك منها استهزاء، فغضبوا. * * وقوله: ﴿آتَانِيَ ٱلْكِتَابَ﴾. أي: قضى أن يؤتيني ذلك فيما قضى. قال عكرمة: الكتاب: القضاء. * * وقوله: ﴿وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً﴾ يدل على أن الخير والشر بقدر من الله وقضاء. قال مجاهد: أن نفاعاً معلماً للخير حيثما كنت. وقال محمد بن كعب: لم يبعث الله نبياً إلا أتى على إثره الشدة واحتباس المطر إلا عيسى عليه السلام، فإنه أتى على إثره الرخاء والمطر، وأتت البركات بيمينه. وقيل: معنى، "مباركاً" ثابت على دين الله وطاعته أينما كنت لأن أصل البركة الثبات على الشيء، مأخوذ من بروك البعير. وروى ابن وهب، عن مالك بن أنس أنه قال: بلغني أن عيسى ابن مريم انتهى إلى قرية قد خربت حصونها، وجفت أنهارها وتشعيت شجرها. فنادى يا خراب، أين أهلك؟ فلم يجبه أحد ثم نادى ثانية، فلم يجبه أحد، ثم نادى الثالثة، فنودي يا عيسى ابن مريم بادوا وتضمنتهم الأرض، وعادت أعمالهم قلائد في رقابهم إلى يوم القيامة يا عيسى ابن مريم فجد. * * وقوله: ﴿وَأَوْصَانِي بِٱلصَّلاَةِ﴾. أي: قضى أن يوصيني بذلك. * * وقوله: ﴿وَٱلزَّكَاةِ﴾: هي زكاة الأموال. وقيل: هي تطهير البدن من الذنوب. ﴿مَا دُمْتُ حَيّاً﴾ أي: وقت حياتي في الدنيا. ﴿وَبَرّاً بِوَالِدَتِي﴾ أي: وجعلني براً بوالدتي. وقد قرأ أبو نهيك، "وَبِرٍّ"، بكسر الباء والراء. أي: وأوصاني ببر والدتي. * * وقوله: ﴿وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيّاً﴾. أي: ولم يجعلني مستكبراً عليه فيما أمرني به ونهاني عنه، شقياً. وهذا يدل على أن الله جعل الأشقياء أشقياء، والسعداء سعداء. فهو نص ظاهر في القدر. قال قتادة: ذكر لنا أن عيسى ﷺ كان يقول: سلوني فإن قلبي لين، وإني صغير في نفسي، مما أعطاه الله عز وجل من التواضع. قال: وذكر لنا أن امرأة رأت عيسى وهو يحيي الموتى ويبرئ الأكمه والأبرص. فقالت: طوبى للبطن الذي حملك، والثدي الذي أرضعك. فقال لها عيسى: طوبى لمن تلا كتاب الله، واتبع ما فيه، ولم يكن جباراً شقياً. ومن قرأ: "وَبِرٍّ" بالخفض حسن أن يقف على "أينما كنت" ومن نصبه، لم يقف عليه، لأن "وبراً" منصوب بـ "جعلني.

مريم 19:32

قوله تعالى ذكره: ﴿فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ﴾. إلى قوله: ﴿جَبَّاراً شَقِيّاً﴾. المعنى: أن عيسى عليه السلام لما قال لها ذلك: اطمأنت وسلمت لأمر الله وحملته حتى أتت به قومها. قال السدي: "لما ولدته ذهب الشيطان فأخبر بني إسرائيل أن مريم قد ولدت، فأقبلوا يشتدون، فدعوها، فأتت به قومها تحمله". قالوا: ﴿يٰمَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيّاً﴾. أي: جئت بأمر عجيب وعظيم لم يسبق مثلك إلى مثله. روي أنها خرجت من عندهم ضحى، وجاءت عند الظهر ومعها صبي تحمله فكان الحمل والولادة في ثلاث ساعات من النهار". وكانت مريم قد حاضت قبل ذلك حيضتين لا غير. ثم قالوا لها: ﴿يٰأُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ ٱمْرَأَ سَوْءٍ﴾. أي يا أخت هارون في الصلاح والعبادة. قال قتادة: كان رجلاً صالحاً في بني إسرائيل، يسمى هارون، فشبهوها به. قال: وذكر لنا أنه شيع جنازته يوم مات أربعون ألفاً كلهم يسمى هارون من بني إسرائيل سوى من ليس اسمه هارون. وكانت عائشة رضي الله عنها تقول: هو هارون أخو موسى. فقال لها كعب: يا أم المؤمنين، إن كان النبي ﷺ قاله فهو أعلم، وإلا فإني أجد بينهما ست مائة سنة، فسكتت. وقيل: أريد بهارون هنا أخو موسى نسبت مريم إليه لأنها من ولده كما يقال للتميمي يا أخا تميم. قال ابن جبير: كان هارون منهم رجلاً فاسقاً، فنسبوها إليه، وقد غلط بعض المؤلفين في هذا فقال: كان لها أخ صالح يسمى بهارون. وما علمت أحداً من المفسرين وأهل التاريخ قال هذا. وقال المغيرة بن شعبة: بعثني رسول الله ﷺ إلى أهل نجران فقالوا: ألستم تقرأون يا أخت هارون؟ قلت: بلى، قالوا: وقد علمتم ما كان بين موسى وعيسى؟ قال: فرجعت إلى النبي ﷺ. فأخبرته، فقال: ألا أخبرتهم أنهم كانوا يسمون بأنبيائهم والصالحين قبلهم فهذا يدل على أن هارون المذكور في الآية كان رجلاً صالحاً وكانوا يسمون أولادهم بهارون لمحبتهم في ذلك الصالح الذي كان اسمه هارون. * * وقوله: ﴿مَا كَانَ أَبُوكِ ٱمْرَأَ سَوْءٍ﴾. أي: ما كان أبوك رجل سوء فيأتي الفواحش. ﴿وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيّاً﴾. أي زانية. ﴿فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ﴾. أي: لما قالوا لها ذلك أشارت لهم إلى عيسى أن كلّموه. ﴿قَالُواْ كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي ٱلْمَهْدِ صَبِيّاً﴾. قال قتادة: "المهد" هنا حجر أمه. و "كان" هنا، زائدة. و "صبياً" نصب على الحال، والعامل فيه الاستقرار. والمعنى: كيف نكلم من في المهد صبياً لا يفهم مثله، ولا ينطق لسانه بكلام. وقيل: إنّ "كان" هنا بمعنى وقع. و "صبياً" نصب على الحال والعامل فيه "كان". والمعنى على هذا القول: كيف نكلم صبياً قد خلق في المهد. وقيل إن "من" للشرط. و "صبياً" حال. و "كان" بمعنى: وقع وخلق أيضاً. والمعنى على هذا، من كان في المهد صبياً فكيف نكلمه. كما تقول: من كان لا يسمع ولا يبصر فكيف نخاطبه. قوله تعالى: ﴿قَالَ إِنِّي عَبْدُ ٱللَّهِ آتَانِيَ ٱلْكِتَابَ﴾. أي: قال عيسى لهم ذلك. وذلك أن مريم لما أشارت لهم إلى عيسى أن يكلموه، ظنوا أن ذلك منها استهزاء، فغضبوا. * * وقوله: ﴿آتَانِيَ ٱلْكِتَابَ﴾. أي: قضى أن يؤتيني ذلك فيما قضى. قال عكرمة: الكتاب: القضاء. * * وقوله: ﴿وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً﴾ يدل على أن الخير والشر بقدر من الله وقضاء. قال مجاهد: أن نفاعاً معلماً للخير حيثما كنت. وقال محمد بن كعب: لم يبعث الله نبياً إلا أتى على إثره الشدة واحتباس المطر إلا عيسى عليه السلام، فإنه أتى على إثره الرخاء والمطر، وأتت البركات بيمينه. وقيل: معنى، "مباركاً" ثابت على دين الله وطاعته أينما كنت لأن أصل البركة الثبات على الشيء، مأخوذ من بروك البعير. وروى ابن وهب، عن مالك بن أنس أنه قال: بلغني أن عيسى ابن مريم انتهى إلى قرية قد خربت حصونها، وجفت أنهارها وتشعيت شجرها. فنادى يا خراب، أين أهلك؟ فلم يجبه أحد ثم نادى ثانية، فلم يجبه أحد، ثم نادى الثالثة، فنودي يا عيسى ابن مريم بادوا وتضمنتهم الأرض، وعادت أعمالهم قلائد في رقابهم إلى يوم القيامة يا عيسى ابن مريم فجد. * * وقوله: ﴿وَأَوْصَانِي بِٱلصَّلاَةِ﴾. أي: قضى أن يوصيني بذلك. * * وقوله: ﴿وَٱلزَّكَاةِ﴾: هي زكاة الأموال. وقيل: هي تطهير البدن من الذنوب. ﴿مَا دُمْتُ حَيّاً﴾ أي: وقت حياتي في الدنيا. ﴿وَبَرّاً بِوَالِدَتِي﴾ أي: وجعلني براً بوالدتي. وقد قرأ أبو نهيك، "وَبِرٍّ"، بكسر الباء والراء. أي: وأوصاني ببر والدتي. * * وقوله: ﴿وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيّاً﴾. أي: ولم يجعلني مستكبراً عليه فيما أمرني به ونهاني عنه، شقياً. وهذا يدل على أن الله جعل الأشقياء أشقياء، والسعداء سعداء. فهو نص ظاهر في القدر. قال قتادة: ذكر لنا أن عيسى ﷺ كان يقول: سلوني فإن قلبي لين، وإني صغير في نفسي، مما أعطاه الله عز وجل من التواضع. قال: وذكر لنا أن امرأة رأت عيسى وهو يحيي الموتى ويبرئ الأكمه والأبرص. فقالت: طوبى للبطن الذي حملك، والثدي الذي أرضعك. فقال لها عيسى: طوبى لمن تلا كتاب الله، واتبع ما فيه، ولم يكن جباراً شقياً. ومن قرأ: "وَبِرٍّ" بالخفض حسن أن يقف على "أينما كنت" ومن نصبه، لم يقف عليه، لأن "وبراً" منصوب بـ "جعلني.

مريم 19:33

قوله تعالى ذكره: ﴿وَٱلسَّلاَمُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ﴾ إلى قوله: ﴿صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ﴾. معناه: أن عيسى عليه السلام سلّم على نفسه في هذه الأوقات وهي أشد ما يمر على الإنسان في حياته وبعد موته. أي: الأمن علي من الشيطان أن يصيبني في حين ولادتي بسوء، ويوم أموت من هول المطلع، ويوم أبعث يوم القيامة من الفزع. فأخبرهم أنه سيموت، وأنه يبعث حياً. ذكر عبيد بن عمير وغيره أن عيسى ﷺ كان يأكل من الشجر ويلبس من الشعر، ويأكل ما وجد، ولا يسأل عما فقد، ولا يخبئ طعام اليوم لغد، وليس له ولد يموت، ولا بيت يخرب، يبيت حيث يدركه الليل. * * ثم قال تعالى: ﴿ذٰلِكَ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ ٱلْحَقِّ﴾. أي: هذا الذي وصفت لكم صفته، وأخبرتكم خبره هو عيسى ابن مريم. * * ثم قال: ﴿قَوْلَ ٱلْحَقِّ﴾ من رفع القول. فعلى خبر الابتداء. أي هذا الكلام الذي قصصته عليكم قول الحق. أي قول الله، فـ ﴿ٱلْحَقِّ﴾ هو الله. أي هو كلامه لا كلام غيره من اليهود والنصارى فيما ادعوا في عيسى من الكذب والبهتان . ومن نصبه، فعلى المصدر. أي: أقول قول الحق، لا قول اليهود، الذين زعموا أن عيسى عليه السلام كان ساحراً كذاباً. ولا قول النصارى، أنه ولد الله تعالى وجلّ وعزّ عن ذلك. قال مجاهد: ﴿قَوْلَ ٱلْحَقِّ﴾. الحق: الله. أي: قول الله هو الحق. فمن رفع القول حسن أن يقف على مريم، ثم يبتدئ "قول الحق" أي هذا قول الله. ومن نصب، لم يحسن الوقف على مريم، لأن ما قبله قد قام مقام الفعل الناصب لـ: "قول". وقد أجازه أبو حاتم على إضمار ناصب لقول الحق، كأنه ابتدأ: أقول قول الحق. * * وقوله: ﴿ٱلَّذِي فِيهِ يَمْتُرُونَ﴾ أي: يشكون ويختصمون من المراء وهو الخصام والجدال. قال قتادة: امترت فيه اليهود، فقالوا: ساحر كذاب، وامترت فيه النصارى، فزعموا أنه ابن الله. وذلك أن بني إسرائيل اجتمعوا فأخرجوا منهم أربعة نفر. أخرج كل قوم عالمهم، فامتروا في عيسى حين رفع، فقال أحدهم: هو الله هبط إلى الأرض، فأحيا من أحيا، وأمات من أمات، ثم صعد إلى السماء، وهم اليعقوبية فقال له الثلاثة: كذبت، ثم قال اثنان منهم للثالث: قل أنت فيه. قال: فقال: هو ابن الله وهم النسطورية. فقال له الاثنان: كذبت. ثم قال أحد الاثنين للآخر: قل فيه. فقال هو ثالث ثلاثة. الله إله، وهو إله، وأمه إله. وهم الاسرائيلية ملوك النصارى. قال له الرابع: كذبت. هو عبد الله ورسوله وكلمته وروحه، وهم المسلمون. فكان لكل واحد منهم أتباع على ما قال. فاقتتلوا فظهر على المسلمين، فذلك قوله تعالى: ﴿وَيَقْتُلُونَ ٱلَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِٱلْقِسْطِ مِنَ ٱلنَّاسِ﴾. قال قتادة: وهم الذين قال الله تعالى فيهم: ﴿فَٱخْتَلَفَ ٱلأَحْزَابُ مِن بَيْنِهِمْ﴾ يعني: اختلفوا فصاروا أحزاباً. قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ للَّهِ أَن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٍ﴾. هذا تكذيب للذين قالوا: إن عيسى ابن الله. أي: ما يصلح له أن يتخذ ولداً، بل كل شيء خلقه. ثم قال سبحانه: ينزه نفسه عما قالوا، أي: تنزيهاً لله أن يكون له ما أضيف إليه من الولد، فقال: ﴿مَا كَانَ للَّهِ أَن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٍ﴾، ينفي عن نفسه وينزهها عما يقول الظالمون، وهذا اللفظ ظاهره الحظر، والله لا يحظر عليه شيء، لكنه محمول على معناه. ومعناه النفي، أي: ما كان لله ليتخذ ولداً. فهو نفي عن الله ما لا يليق به وليس فيه في الباطن حظر. ومثله قوله: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلاَّ خَطَئاً﴾ [النساء: ٩٢] معناه النفي، وتقديره: ما كان لمؤمنٍ أن يقتل مؤمناً. فظاهره حظر، ومعناه النفي، ولو كان حظراً لم يستثنى منه الإثبات في قوله "إلا خطأ" والنفي يستثنى منه الاثبات. ومعنى الإثبات في هذا، إجازة وقوعه من المؤمن لا أنه إطلاق له أن يفعل ذلك، وقد مضى ذكر هذا. ومثله ﴿مَّا كَانَ لَكُمْ أَن تُنبِتُواْ شَجَرَهَا﴾ [النمل: ٦٠] ظاهره الحظر. أي لا تفعلوا وهو تعالى لم يحظر على خلقه أن يفعلوا ذلك، وإنما معنى ذلك، النفي عنهم القدرة على اختراع ذلك. فالمعنى: ما كنتم مخترعين ذلك، ومحدثين له، بل الله اخترعه وأحدثه. وهو كثير في القرآن يقاس عليه ما شابهه. * * ثم قال: ﴿إِذَا قَضَىٰ أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾. أي: إذا أراد خلق شيء، فإنما يقول له كن فيكون موجوداً حادثاً لا يتكلف في حدوثه معالجة ولا معاناة تصحيح، والتقدير، إذا قضى أمراً كونه. وقد زل في هذا بعض الملحدين فقال: هذا يدل على أن الأمر مخلوق، لأنه قال: قضى أمراً. قال: وأمره كلامه، وهذا إلحاد وكفر. ليس قضى في هذا بمعنى خلق، إنما هو بمعنى أراد. والأمر في هذا إنما هو أحد الأمور المحدثة، لا كلامه - تعالى عن ذلك - فالمعنى: إذا أراد إحداث أمر من الأمور المحدثة، قال له: كن فكان. فكن كلامه. فبهذا يحدث المحدثات. فلو كان الأمر في هذا كلامه، لحدث بكلامه كن، فيصير كلامه يحدث بكلامه، وهذا خلف من الكلام وخطأ ظاهر. * * ثم قال تعالى: ﴿وَإِنَّ ٱللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ﴾. هذا من قول عيسى لهم. أخبرهم أنه وإياهم عبيد الله. فالعبادة له منا واجبة علينا. ﴿هَـٰذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ﴾ أي: هذا الذي أوصيتكم به طريق مستقيم ينجوا من سلكه. فمن فتح "أن" فعلى معنى: و "لأن الله". هذا مذهب الخليل وسيبويه. وقال الفراء "أن" في موضع خفض عطف على الصلاة. أي: قال عيسى: أوصاني بالصلاة، وبأن الله ربي وأجاز أن يكون في موضع رفع على معنى: والأمر أن الله. وحكي عن أبي عمرو أنها في موضع نصب عطف على أمر. أي: وقضى الله أن الله ربي. وقيل: هي في موضع رفع عطف على عيسى. أي: ذلك عيسى، وذلك أن الله. وهذا ضعيف، لأن المعنى ليس عليه. ومن كسر، فعلى الابتداء، ولم يعطفها على ما قبلها. وفي حرف ابن مسعود وأبي: "أن الله ربي" بغير واو. فهذا يدل على صحة الاستئناف. وقيل: الكسر على العطف على: "قال: إني عبد الله، وقال إن الله ربي". و "سبحانه"، وقف عند نافع. ولا يحسن الابتداء بـ "أن" على قراءة من فتح، إلا على قول الخليل وسيبويه: لأنهما لا يجعلان في الكلام عطفاً. وعلى قول الكسائي: الأمر أن الله يحسن الابتداء بها أيضاً.

مريم 19:34

قوله تعالى ذكره: ﴿وَٱلسَّلاَمُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ﴾ إلى قوله: ﴿صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ﴾. معناه: أن عيسى عليه السلام سلّم على نفسه في هذه الأوقات وهي أشد ما يمر على الإنسان في حياته وبعد موته. أي: الأمن علي من الشيطان أن يصيبني في حين ولادتي بسوء، ويوم أموت من هول المطلع، ويوم أبعث يوم القيامة من الفزع. فأخبرهم أنه سيموت، وأنه يبعث حياً. ذكر عبيد بن عمير وغيره أن عيسى ﷺ كان يأكل من الشجر ويلبس من الشعر، ويأكل ما وجد، ولا يسأل عما فقد، ولا يخبئ طعام اليوم لغد، وليس له ولد يموت، ولا بيت يخرب، يبيت حيث يدركه الليل. * * ثم قال تعالى: ﴿ذٰلِكَ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ ٱلْحَقِّ﴾. أي: هذا الذي وصفت لكم صفته، وأخبرتكم خبره هو عيسى ابن مريم. * * ثم قال: ﴿قَوْلَ ٱلْحَقِّ﴾ من رفع القول. فعلى خبر الابتداء. أي هذا الكلام الذي قصصته عليكم قول الحق. أي قول الله، فـ ﴿ٱلْحَقِّ﴾ هو الله. أي هو كلامه لا كلام غيره من اليهود والنصارى فيما ادعوا في عيسى من الكذب والبهتان . ومن نصبه، فعلى المصدر. أي: أقول قول الحق، لا قول اليهود، الذين زعموا أن عيسى عليه السلام كان ساحراً كذاباً. ولا قول النصارى، أنه ولد الله تعالى وجلّ وعزّ عن ذلك. قال مجاهد: ﴿قَوْلَ ٱلْحَقِّ﴾. الحق: الله. أي: قول الله هو الحق. فمن رفع القول حسن أن يقف على مريم، ثم يبتدئ "قول الحق" أي هذا قول الله. ومن نصب، لم يحسن الوقف على مريم، لأن ما قبله قد قام مقام الفعل الناصب لـ: "قول". وقد أجازه أبو حاتم على إضمار ناصب لقول الحق، كأنه ابتدأ: أقول قول الحق. * * وقوله: ﴿ٱلَّذِي فِيهِ يَمْتُرُونَ﴾ أي: يشكون ويختصمون من المراء وهو الخصام والجدال. قال قتادة: امترت فيه اليهود، فقالوا: ساحر كذاب، وامترت فيه النصارى، فزعموا أنه ابن الله. وذلك أن بني إسرائيل اجتمعوا فأخرجوا منهم أربعة نفر. أخرج كل قوم عالمهم، فامتروا في عيسى حين رفع، فقال أحدهم: هو الله هبط إلى الأرض، فأحيا من أحيا، وأمات من أمات، ثم صعد إلى السماء، وهم اليعقوبية فقال له الثلاثة: كذبت، ثم قال اثنان منهم للثالث: قل أنت فيه. قال: فقال: هو ابن الله وهم النسطورية. فقال له الاثنان: كذبت. ثم قال أحد الاثنين للآخر: قل فيه. فقال هو ثالث ثلاثة. الله إله، وهو إله، وأمه إله. وهم الاسرائيلية ملوك النصارى. قال له الرابع: كذبت. هو عبد الله ورسوله وكلمته وروحه، وهم المسلمون. فكان لكل واحد منهم أتباع على ما قال. فاقتتلوا فظهر على المسلمين، فذلك قوله تعالى: ﴿وَيَقْتُلُونَ ٱلَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِٱلْقِسْطِ مِنَ ٱلنَّاسِ﴾. قال قتادة: وهم الذين قال الله تعالى فيهم: ﴿فَٱخْتَلَفَ ٱلأَحْزَابُ مِن بَيْنِهِمْ﴾ يعني: اختلفوا فصاروا أحزاباً. قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ للَّهِ أَن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٍ﴾. هذا تكذيب للذين قالوا: إن عيسى ابن الله. أي: ما يصلح له أن يتخذ ولداً، بل كل شيء خلقه. ثم قال سبحانه: ينزه نفسه عما قالوا، أي: تنزيهاً لله أن يكون له ما أضيف إليه من الولد، فقال: ﴿مَا كَانَ للَّهِ أَن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٍ﴾، ينفي عن نفسه وينزهها عما يقول الظالمون، وهذا اللفظ ظاهره الحظر، والله لا يحظر عليه شيء، لكنه محمول على معناه. ومعناه النفي، أي: ما كان لله ليتخذ ولداً. فهو نفي عن الله ما لا يليق به وليس فيه في الباطن حظر. ومثله قوله: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلاَّ خَطَئاً﴾ [النساء: ٩٢] معناه النفي، وتقديره: ما كان لمؤمنٍ أن يقتل مؤمناً. فظاهره حظر، ومعناه النفي، ولو كان حظراً لم يستثنى منه الإثبات في قوله "إلا خطأ" والنفي يستثنى منه الاثبات. ومعنى الإثبات في هذا، إجازة وقوعه من المؤمن لا أنه إطلاق له أن يفعل ذلك، وقد مضى ذكر هذا. ومثله ﴿مَّا كَانَ لَكُمْ أَن تُنبِتُواْ شَجَرَهَا﴾ [النمل: ٦٠] ظاهره الحظر. أي لا تفعلوا وهو تعالى لم يحظر على خلقه أن يفعلوا ذلك، وإنما معنى ذلك، النفي عنهم القدرة على اختراع ذلك. فالمعنى: ما كنتم مخترعين ذلك، ومحدثين له، بل الله اخترعه وأحدثه. وهو كثير في القرآن يقاس عليه ما شابهه. * * ثم قال: ﴿إِذَا قَضَىٰ أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾. أي: إذا أراد خلق شيء، فإنما يقول له كن فيكون موجوداً حادثاً لا يتكلف في حدوثه معالجة ولا معاناة تصحيح، والتقدير، إذا قضى أمراً كونه. وقد زل في هذا بعض الملحدين فقال: هذا يدل على أن الأمر مخلوق، لأنه قال: قضى أمراً. قال: وأمره كلامه، وهذا إلحاد وكفر. ليس قضى في هذا بمعنى خلق، إنما هو بمعنى أراد. والأمر في هذا إنما هو أحد الأمور المحدثة، لا كلامه - تعالى عن ذلك - فالمعنى: إذا أراد إحداث أمر من الأمور المحدثة، قال له: كن فكان. فكن كلامه. فبهذا يحدث المحدثات. فلو كان الأمر في هذا كلامه، لحدث بكلامه كن، فيصير كلامه يحدث بكلامه، وهذا خلف من الكلام وخطأ ظاهر. * * ثم قال تعالى: ﴿وَإِنَّ ٱللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ﴾. هذا من قول عيسى لهم. أخبرهم أنه وإياهم عبيد الله. فالعبادة له منا واجبة علينا. ﴿هَـٰذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ﴾ أي: هذا الذي أوصيتكم به طريق مستقيم ينجوا من سلكه. فمن فتح "أن" فعلى معنى: و "لأن الله". هذا مذهب الخليل وسيبويه. وقال الفراء "أن" في موضع خفض عطف على الصلاة. أي: قال عيسى: أوصاني بالصلاة، وبأن الله ربي وأجاز أن يكون في موضع رفع على معنى: والأمر أن الله. وحكي عن أبي عمرو أنها في موضع نصب عطف على أمر. أي: وقضى الله أن الله ربي. وقيل: هي في موضع رفع عطف على عيسى. أي: ذلك عيسى، وذلك أن الله. وهذا ضعيف، لأن المعنى ليس عليه. ومن كسر، فعلى الابتداء، ولم يعطفها على ما قبلها. وفي حرف ابن مسعود وأبي: "أن الله ربي" بغير واو. فهذا يدل على صحة الاستئناف. وقيل: الكسر على العطف على: "قال: إني عبد الله، وقال إن الله ربي". و "سبحانه"، وقف عند نافع. ولا يحسن الابتداء بـ "أن" على قراءة من فتح، إلا على قول الخليل وسيبويه: لأنهما لا يجعلان في الكلام عطفاً. وعلى قول الكسائي: الأمر أن الله يحسن الابتداء بها أيضاً.

مريم 19:35

قوله تعالى ذكره: ﴿وَٱلسَّلاَمُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ﴾ إلى قوله: ﴿صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ﴾. معناه: أن عيسى عليه السلام سلّم على نفسه في هذه الأوقات وهي أشد ما يمر على الإنسان في حياته وبعد موته. أي: الأمن علي من الشيطان أن يصيبني في حين ولادتي بسوء، ويوم أموت من هول المطلع، ويوم أبعث يوم القيامة من الفزع. فأخبرهم أنه سيموت، وأنه يبعث حياً. ذكر عبيد بن عمير وغيره أن عيسى ﷺ كان يأكل من الشجر ويلبس من الشعر، ويأكل ما وجد، ولا يسأل عما فقد، ولا يخبئ طعام اليوم لغد، وليس له ولد يموت، ولا بيت يخرب، يبيت حيث يدركه الليل. * * ثم قال تعالى: ﴿ذٰلِكَ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ ٱلْحَقِّ﴾. أي: هذا الذي وصفت لكم صفته، وأخبرتكم خبره هو عيسى ابن مريم. * * ثم قال: ﴿قَوْلَ ٱلْحَقِّ﴾ من رفع القول. فعلى خبر الابتداء. أي هذا الكلام الذي قصصته عليكم قول الحق. أي قول الله، فـ ﴿ٱلْحَقِّ﴾ هو الله. أي هو كلامه لا كلام غيره من اليهود والنصارى فيما ادعوا في عيسى من الكذب والبهتان . ومن نصبه، فعلى المصدر. أي: أقول قول الحق، لا قول اليهود، الذين زعموا أن عيسى عليه السلام كان ساحراً كذاباً. ولا قول النصارى، أنه ولد الله تعالى وجلّ وعزّ عن ذلك. قال مجاهد: ﴿قَوْلَ ٱلْحَقِّ﴾. الحق: الله. أي: قول الله هو الحق. فمن رفع القول حسن أن يقف على مريم، ثم يبتدئ "قول الحق" أي هذا قول الله. ومن نصب، لم يحسن الوقف على مريم، لأن ما قبله قد قام مقام الفعل الناصب لـ: "قول". وقد أجازه أبو حاتم على إضمار ناصب لقول الحق، كأنه ابتدأ: أقول قول الحق. * * وقوله: ﴿ٱلَّذِي فِيهِ يَمْتُرُونَ﴾ أي: يشكون ويختصمون من المراء وهو الخصام والجدال. قال قتادة: امترت فيه اليهود، فقالوا: ساحر كذاب، وامترت فيه النصارى، فزعموا أنه ابن الله. وذلك أن بني إسرائيل اجتمعوا فأخرجوا منهم أربعة نفر. أخرج كل قوم عالمهم، فامتروا في عيسى حين رفع، فقال أحدهم: هو الله هبط إلى الأرض، فأحيا من أحيا، وأمات من أمات، ثم صعد إلى السماء، وهم اليعقوبية فقال له الثلاثة: كذبت، ثم قال اثنان منهم للثالث: قل أنت فيه. قال: فقال: هو ابن الله وهم النسطورية. فقال له الاثنان: كذبت. ثم قال أحد الاثنين للآخر: قل فيه. فقال هو ثالث ثلاثة. الله إله، وهو إله، وأمه إله. وهم الاسرائيلية ملوك النصارى. قال له الرابع: كذبت. هو عبد الله ورسوله وكلمته وروحه، وهم المسلمون. فكان لكل واحد منهم أتباع على ما قال. فاقتتلوا فظهر على المسلمين، فذلك قوله تعالى: ﴿وَيَقْتُلُونَ ٱلَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِٱلْقِسْطِ مِنَ ٱلنَّاسِ﴾. قال قتادة: وهم الذين قال الله تعالى فيهم: ﴿فَٱخْتَلَفَ ٱلأَحْزَابُ مِن بَيْنِهِمْ﴾ يعني: اختلفوا فصاروا أحزاباً. قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ للَّهِ أَن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٍ﴾. هذا تكذيب للذين قالوا: إن عيسى ابن الله. أي: ما يصلح له أن يتخذ ولداً، بل كل شيء خلقه. ثم قال سبحانه: ينزه نفسه عما قالوا، أي: تنزيهاً لله أن يكون له ما أضيف إليه من الولد، فقال: ﴿مَا كَانَ للَّهِ أَن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٍ﴾، ينفي عن نفسه وينزهها عما يقول الظالمون، وهذا اللفظ ظاهره الحظر، والله لا يحظر عليه شيء، لكنه محمول على معناه. ومعناه النفي، أي: ما كان لله ليتخذ ولداً. فهو نفي عن الله ما لا يليق به وليس فيه في الباطن حظر. ومثله قوله: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلاَّ خَطَئاً﴾ [النساء: ٩٢] معناه النفي، وتقديره: ما كان لمؤمنٍ أن يقتل مؤمناً. فظاهره حظر، ومعناه النفي، ولو كان حظراً لم يستثنى منه الإثبات في قوله "إلا خطأ" والنفي يستثنى منه الاثبات. ومعنى الإثبات في هذا، إجازة وقوعه من المؤمن لا أنه إطلاق له أن يفعل ذلك، وقد مضى ذكر هذا. ومثله ﴿مَّا كَانَ لَكُمْ أَن تُنبِتُواْ شَجَرَهَا﴾ [النمل: ٦٠] ظاهره الحظر. أي لا تفعلوا وهو تعالى لم يحظر على خلقه أن يفعلوا ذلك، وإنما معنى ذلك، النفي عنهم القدرة على اختراع ذلك. فالمعنى: ما كنتم مخترعين ذلك، ومحدثين له، بل الله اخترعه وأحدثه. وهو كثير في القرآن يقاس عليه ما شابهه. * * ثم قال: ﴿إِذَا قَضَىٰ أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾. أي: إذا أراد خلق شيء، فإنما يقول له كن فيكون موجوداً حادثاً لا يتكلف في حدوثه معالجة ولا معاناة تصحيح، والتقدير، إذا قضى أمراً كونه. وقد زل في هذا بعض الملحدين فقال: هذا يدل على أن الأمر مخلوق، لأنه قال: قضى أمراً. قال: وأمره كلامه، وهذا إلحاد وكفر. ليس قضى في هذا بمعنى خلق، إنما هو بمعنى أراد. والأمر في هذا إنما هو أحد الأمور المحدثة، لا كلامه - تعالى عن ذلك - فالمعنى: إذا أراد إحداث أمر من الأمور المحدثة، قال له: كن فكان. فكن كلامه. فبهذا يحدث المحدثات. فلو كان الأمر في هذا كلامه، لحدث بكلامه كن، فيصير كلامه يحدث بكلامه، وهذا خلف من الكلام وخطأ ظاهر. * * ثم قال تعالى: ﴿وَإِنَّ ٱللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ﴾. هذا من قول عيسى لهم. أخبرهم أنه وإياهم عبيد الله. فالعبادة له منا واجبة علينا. ﴿هَـٰذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ﴾ أي: هذا الذي أوصيتكم به طريق مستقيم ينجوا من سلكه. فمن فتح "أن" فعلى معنى: و "لأن الله". هذا مذهب الخليل وسيبويه. وقال الفراء "أن" في موضع خفض عطف على الصلاة. أي: قال عيسى: أوصاني بالصلاة، وبأن الله ربي وأجاز أن يكون في موضع رفع على معنى: والأمر أن الله. وحكي عن أبي عمرو أنها في موضع نصب عطف على أمر. أي: وقضى الله أن الله ربي. وقيل: هي في موضع رفع عطف على عيسى. أي: ذلك عيسى، وذلك أن الله. وهذا ضعيف، لأن المعنى ليس عليه. ومن كسر، فعلى الابتداء، ولم يعطفها على ما قبلها. وفي حرف ابن مسعود وأبي: "أن الله ربي" بغير واو. فهذا يدل على صحة الاستئناف. وقيل: الكسر على العطف على: "قال: إني عبد الله، وقال إن الله ربي". و "سبحانه"، وقف عند نافع. ولا يحسن الابتداء بـ "أن" على قراءة من فتح، إلا على قول الخليل وسيبويه: لأنهما لا يجعلان في الكلام عطفاً. وعلى قول الكسائي: الأمر أن الله يحسن الابتداء بها أيضاً.

مريم 19:36

قوله تعالى ذكره: ﴿وَٱلسَّلاَمُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ﴾ إلى قوله: ﴿صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ﴾. معناه: أن عيسى عليه السلام سلّم على نفسه في هذه الأوقات وهي أشد ما يمر على الإنسان في حياته وبعد موته. أي: الأمن علي من الشيطان أن يصيبني في حين ولادتي بسوء، ويوم أموت من هول المطلع، ويوم أبعث يوم القيامة من الفزع. فأخبرهم أنه سيموت، وأنه يبعث حياً. ذكر عبيد بن عمير وغيره أن عيسى ﷺ كان يأكل من الشجر ويلبس من الشعر، ويأكل ما وجد، ولا يسأل عما فقد، ولا يخبئ طعام اليوم لغد، وليس له ولد يموت، ولا بيت يخرب، يبيت حيث يدركه الليل. * * ثم قال تعالى: ﴿ذٰلِكَ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ ٱلْحَقِّ﴾. أي: هذا الذي وصفت لكم صفته، وأخبرتكم خبره هو عيسى ابن مريم. * * ثم قال: ﴿قَوْلَ ٱلْحَقِّ﴾ من رفع القول. فعلى خبر الابتداء. أي هذا الكلام الذي قصصته عليكم قول الحق. أي قول الله، فـ ﴿ٱلْحَقِّ﴾ هو الله. أي هو كلامه لا كلام غيره من اليهود والنصارى فيما ادعوا في عيسى من الكذب والبهتان . ومن نصبه، فعلى المصدر. أي: أقول قول الحق، لا قول اليهود، الذين زعموا أن عيسى عليه السلام كان ساحراً كذاباً. ولا قول النصارى، أنه ولد الله تعالى وجلّ وعزّ عن ذلك. قال مجاهد: ﴿قَوْلَ ٱلْحَقِّ﴾. الحق: الله. أي: قول الله هو الحق. فمن رفع القول حسن أن يقف على مريم، ثم يبتدئ "قول الحق" أي هذا قول الله. ومن نصب، لم يحسن الوقف على مريم، لأن ما قبله قد قام مقام الفعل الناصب لـ: "قول". وقد أجازه أبو حاتم على إضمار ناصب لقول الحق، كأنه ابتدأ: أقول قول الحق. * * وقوله: ﴿ٱلَّذِي فِيهِ يَمْتُرُونَ﴾ أي: يشكون ويختصمون من المراء وهو الخصام والجدال. قال قتادة: امترت فيه اليهود، فقالوا: ساحر كذاب، وامترت فيه النصارى، فزعموا أنه ابن الله. وذلك أن بني إسرائيل اجتمعوا فأخرجوا منهم أربعة نفر. أخرج كل قوم عالمهم، فامتروا في عيسى حين رفع، فقال أحدهم: هو الله هبط إلى الأرض، فأحيا من أحيا، وأمات من أمات، ثم صعد إلى السماء، وهم اليعقوبية فقال له الثلاثة: كذبت، ثم قال اثنان منهم للثالث: قل أنت فيه. قال: فقال: هو ابن الله وهم النسطورية. فقال له الاثنان: كذبت. ثم قال أحد الاثنين للآخر: قل فيه. فقال هو ثالث ثلاثة. الله إله، وهو إله، وأمه إله. وهم الاسرائيلية ملوك النصارى. قال له الرابع: كذبت. هو عبد الله ورسوله وكلمته وروحه، وهم المسلمون. فكان لكل واحد منهم أتباع على ما قال. فاقتتلوا فظهر على المسلمين، فذلك قوله تعالى: ﴿وَيَقْتُلُونَ ٱلَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِٱلْقِسْطِ مِنَ ٱلنَّاسِ﴾. قال قتادة: وهم الذين قال الله تعالى فيهم: ﴿فَٱخْتَلَفَ ٱلأَحْزَابُ مِن بَيْنِهِمْ﴾ يعني: اختلفوا فصاروا أحزاباً. قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ للَّهِ أَن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٍ﴾. هذا تكذيب للذين قالوا: إن عيسى ابن الله. أي: ما يصلح له أن يتخذ ولداً، بل كل شيء خلقه. ثم قال سبحانه: ينزه نفسه عما قالوا، أي: تنزيهاً لله أن يكون له ما أضيف إليه من الولد، فقال: ﴿مَا كَانَ للَّهِ أَن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٍ﴾، ينفي عن نفسه وينزهها عما يقول الظالمون، وهذا اللفظ ظاهره الحظر، والله لا يحظر عليه شيء، لكنه محمول على معناه. ومعناه النفي، أي: ما كان لله ليتخذ ولداً. فهو نفي عن الله ما لا يليق به وليس فيه في الباطن حظر. ومثله قوله: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلاَّ خَطَئاً﴾ [النساء: ٩٢] معناه النفي، وتقديره: ما كان لمؤمنٍ أن يقتل مؤمناً. فظاهره حظر، ومعناه النفي، ولو كان حظراً لم يستثنى منه الإثبات في قوله "إلا خطأ" والنفي يستثنى منه الاثبات. ومعنى الإثبات في هذا، إجازة وقوعه من المؤمن لا أنه إطلاق له أن يفعل ذلك، وقد مضى ذكر هذا. ومثله ﴿مَّا كَانَ لَكُمْ أَن تُنبِتُواْ شَجَرَهَا﴾ [النمل: ٦٠] ظاهره الحظر. أي لا تفعلوا وهو تعالى لم يحظر على خلقه أن يفعلوا ذلك، وإنما معنى ذلك، النفي عنهم القدرة على اختراع ذلك. فالمعنى: ما كنتم مخترعين ذلك، ومحدثين له، بل الله اخترعه وأحدثه. وهو كثير في القرآن يقاس عليه ما شابهه. * * ثم قال: ﴿إِذَا قَضَىٰ أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾. أي: إذا أراد خلق شيء، فإنما يقول له كن فيكون موجوداً حادثاً لا يتكلف في حدوثه معالجة ولا معاناة تصحيح، والتقدير، إذا قضى أمراً كونه. وقد زل في هذا بعض الملحدين فقال: هذا يدل على أن الأمر مخلوق، لأنه قال: قضى أمراً. قال: وأمره كلامه، وهذا إلحاد وكفر. ليس قضى في هذا بمعنى خلق، إنما هو بمعنى أراد. والأمر في هذا إنما هو أحد الأمور المحدثة، لا كلامه - تعالى عن ذلك - فالمعنى: إذا أراد إحداث أمر من الأمور المحدثة، قال له: كن فكان. فكن كلامه. فبهذا يحدث المحدثات. فلو كان الأمر في هذا كلامه، لحدث بكلامه كن، فيصير كلامه يحدث بكلامه، وهذا خلف من الكلام وخطأ ظاهر. * * ثم قال تعالى: ﴿وَإِنَّ ٱللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ﴾. هذا من قول عيسى لهم. أخبرهم أنه وإياهم عبيد الله. فالعبادة له منا واجبة علينا. ﴿هَـٰذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ﴾ أي: هذا الذي أوصيتكم به طريق مستقيم ينجوا من سلكه. فمن فتح "أن" فعلى معنى: و "لأن الله". هذا مذهب الخليل وسيبويه. وقال الفراء "أن" في موضع خفض عطف على الصلاة. أي: قال عيسى: أوصاني بالصلاة، وبأن الله ربي وأجاز أن يكون في موضع رفع على معنى: والأمر أن الله. وحكي عن أبي عمرو أنها في موضع نصب عطف على أمر. أي: وقضى الله أن الله ربي. وقيل: هي في موضع رفع عطف على عيسى. أي: ذلك عيسى، وذلك أن الله. وهذا ضعيف، لأن المعنى ليس عليه. ومن كسر، فعلى الابتداء، ولم يعطفها على ما قبلها. وفي حرف ابن مسعود وأبي: "أن الله ربي" بغير واو. فهذا يدل على صحة الاستئناف. وقيل: الكسر على العطف على: "قال: إني عبد الله، وقال إن الله ربي". و "سبحانه"، وقف عند نافع. ولا يحسن الابتداء بـ "أن" على قراءة من فتح، إلا على قول الخليل وسيبويه: لأنهما لا يجعلان في الكلام عطفاً. وعلى قول الكسائي: الأمر أن الله يحسن الابتداء بها أيضاً.

مريم 19:37

قوله تعالى ذكره: ﴿فَٱخْتَلَفَ ٱلأَحْزَابُ مِن بَيْنِهِمْ﴾ إلى قوله: ﴿لِلشَّيْطَانِ وَلِيّاً﴾. أي: فاختلف المختلفون بعد رفع عيسى ﷺ. فصاروا أحزاباً، وقد ذكر اختلافهم كيف كان. * * ثم قال: ﴿فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾. أي: وادٍ في جهنم للكافرين الذين زعموا أن عيسى إله، والذين زعموا أنه ابن الله. ﴿مِن مَّشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ يعني يوم القيامة. * * ثم قال: ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا﴾. أي: ما أسمعهم وأبصرهم يوم القيامة إذا عاينوا ما لا يحتاج إلى فكر ولا رؤية. وقد كانوا في الدنيا عمياً عن إبصار الحق، صماً عن سماع الهدى. قال قتادة: سمعوا حين لا ينفعهم السمع، وأبصروا حين لا ينفعهم البصر. قال ابن زيد: كانت في الدنيا على أبصارهم غشاوة، وفي آذانهم وقر، فلما كان يوم القيامة، أبصروا، وسمعوا فلم ينتفعوا، وقرأ ﴿رَبَّنَآ أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَٱرْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً﴾ [السجدة: ١٢]. ثم قال تعالى ذكره: ﴿لَـٰكِنِ ٱلظَّالِمُونَ ٱلْيَوْمَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ﴾ أي: لكن الكافرون في الدنيا في ذهاب مبين عن سبيل الحق. و ﴿يَوْمَ يَأْتُونَنَا﴾ وقف حسن. والعامل فيه "أسمع بهم وأبصر" أي: ما أبصرهم وأسمعهم في هذا اليوم، أي: هم ممن يقال ذلك فيهم، ففيه معنى التعجب، ولفظه، لفظ الأمر، ولا ضمير في الفعلين، إذ ليس بأمر للمأمور، إنما هو لفظ وافق لفظ الأمر، وليس به. * * ثم قال: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ ٱلْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ ٱلأَمْرُ﴾ أي: أنذر هؤلاء المشركين يوم حسرتهم وندامتهم على ما فرطوا في جنب الله إذا رأوا مساكنهم في الجنة قد أورثها الله أهل الإيمان به، وعوضوا منها منازل في النار، وأيقن الفريقان في الخلود. قال ابن مسعود: ليس نفس إلا وهي تنظر إلى بيت في الجنة، وبيت في النار، وهو يوم الحسرة، فيرى أهل النار البيت الذي في الجنة فيقال: لو آمنتم، فتأخذهم الحسرة، ويرى أهل الجنة البيت الذي في النار، فيقال لهم: لولا ما منّ به الله عليكم. وقيل: ﴿يَوْمَ ٱلْحَسْرَةِ﴾ يوم يعطى كتابه بشماله. وروى أبو سعيد الخدري أن النبي ﷺ قال: "يجاء بالموت فيوضع بين الجنة والنار كأنه كبش أملح. قال: فيقال: يا أهل الجنة، هل تعرفون هذا؟ فيشرئبون وينظرون، فيقولون: نعم هذا الموت. قال: فيقال: يا أهل النار، هل تعرفون هذا؟ فيشرئبون وينظرون فيقولون: نعم، هذا الموت. ثم يؤمر به فيذبح. قال: فيقول: يا أهل الجنة، خلود بلا موت، ويا أهل النار، خلود بلا موت. ثم قرأ رسول الله ﷺ: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ ٱلْحَسْرَةِ﴾ الآية. وأشار بيده في الدنيا" يريد الغفلة في الدنيا. وكذلك رواه أبو هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: "يؤتى بالموت يوم القيامة، فيوقف على الصراط. وقال في أهل الجنة، فيطلعون خائفين وجلين أن يخرجوا من مكانهم، وقال في أهل النار، فيطلعون فرحين مسرورين، رجاء أن يخرجوا من مكانهم. وقال فيذبح على الصراط قال ابن عباس: "يصور الله الموت كأنه كبش أملح. فيذبح، فييأس أهل النار من الموت، فلا يرجونه، فتأخذهم الحسرة من أجل الخلود في النار، ويأمن أهل الجنة الموت، فلا يخشونه". وقال ابن عباس: "يوم الحسرة" من أسماء يوم القيامة، عظّمه الله وحذره عباده. ومعنى: ﴿إِذْ قُضِيَ ٱلأَمْرُ﴾ إذ فرغ من الحكم لأهل النار بالخلود فيها ولأهل الجنة بالخلود [فيها]. * * وقوله: ﴿وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ﴾ أي: هؤلاء المشركون في غفلة عما الله فاعل بهم يوم القيامة. ﴿وَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ﴾ أي: لا يصدقون بآيات الله ولا بالرجوع إليه يوم القيامة. * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ ٱلأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا﴾. أي: نفني من على الأرض، فتبقى لا مالك لها غيرنا. * * ﴿وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ﴾. أي: يرد هؤلاء المشركون وغيرهم، فيجازي كلاً بعمله. والمعنى: إلى حكم الله يرجعون وقضائه فيهم ومجازاتهم. لم يرد برجوعهم إليه، إلى مكانه، ولا إلى ما قرب منه، إنما رجوعهم إلى جزائه وحكمه فيهم. وكذلك كل ما شابهه. ﴿قُضِيَ ٱلأَمْرُ﴾ وقف، إلا أن يجعل "وهم في غفلة" في موضع الحال فلا يقف على ذلك. والتمام "يؤمنون". * * ثم قال تعالى: ﴿وَٱذْكُرْ فِي ٱلْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقاً نَّبِيّاً﴾. أي: أتل على هؤلاء قصص إبراهيم وأبيه التي أخبرناك بها في الكتاب المنزل عليك، وكذلك معنى قوله: ﴿وَٱذْكُرْ فِي ٱلْكِتَابِ﴾ في كل موضع، إنما معناه اذكر لقومك ما أنزل عليك في القرآن من قصة إبراهيم، وموسى وغيرهما. ﴿إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقاً نَّبِيّاً﴾ أي: كان من أهل الصدق في حديثه وأخباره ومواعيده. "نبيئاً" أي: تنبأه الله وأوحى إليه. ولا يوقف على "نبي" لأن "إذ" متعلقة بما قبلها. * * ﴿إِذْ قَالَ لأَبِيهِ يٰأَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لاَ يَسْمَعُ﴾. أبتِ عند سيبويه لا تقع بالتأنيث إلا في النداء. ويكون للمذكر والمؤنث. و "التاء" عنده عوض من ياء الإضافة. ولذلك لا يجمع بينهما. ووقف ابن كثير بالهاء، وجميع القراء غيره يقفون بالتاء، لأنه مضاف في التقدير. وقرأ ابن عامر بفتح التاء على تقدير يا أبتاه، فحذف الهاء لأنه واصل وحذف الألف كما تحذف ياء الإضافة، لأنها بدل منها. وقيل: إنه أبدل من كسرة "التاء" فتحة، ومن "الياء" التي كانت في الأصل ألفاً. ثم حذف الألف، إذ لا يجمع بين الياء والتاء، والألف عوض من الياء. فكما لا تثبت الياء مع التاء، كذلك لا تثبت الألف التي هي عوض من الياء. وهذا القول أشبه من الأول، وفيهما نظر. * * وقوله: ﴿مَا لاَ يَسْمَعُ وَلاَ يُبْصِرُ﴾ يعني الأصنام، لا يسمعك إذا دعوته، ولا يبصرك إذا أجبته ولا يغني عنك شيئاً: إن نزل بكل أمر أو ضر لم ينفعك ولا دفع عنك شيئاً. * * ثم قال: ﴿يٰأَبَتِ إِنِّي قَدْ جَآءَنِي مِنَ ٱلْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ﴾. يعني: الوحي الذي أوحى الله إليه. ﴿فَٱتَّبِعْنِيۤ﴾ أي: أقبل قولي، وما أدعوك إليه. ﴿أَهْدِكَ صِرَاطاً سَوِيّاً﴾ أي: أبصرك وأرشدك الطريق المستوي الذي لا تضل فيه إن لزمته. * * ثم قال: ﴿يٰأَبَتِ لاَ تَعْبُدِ ٱلشَّيْطَانَ﴾. أي: لا تطعه فيما يأمرك به فتكون بمنزلة من عبده. * * ﴿إِنَّ ٱلشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَـٰنِ عَصِيّاً﴾. أي: عاص. و "عصياً"، فعيل بمعنى فاعل. لام الفعل "ياء" أدغمت فيها "ياء" فعيل. * * ثم قال: ﴿يٰأَبَتِ إِنِّيۤ أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِّنَ ٱلرَّحْمَـٰنِ﴾ الآية... أي: إني أعلم أنك، إن مت على عبادة الشيطان، أن العذاب يمسك فتكون للشيطان ولياً دون الله. فالخوف هنا بمعنى العلم. كما تقع الخشية بمعنى العلم في قوله: ﴿فَخَشِينَآ أَن يُرْهِقَهُمَا طُغْيَاناً وَكُفْراً﴾ [الكهف: ٨٠].

مريم 19:38

قوله تعالى ذكره: ﴿فَٱخْتَلَفَ ٱلأَحْزَابُ مِن بَيْنِهِمْ﴾ إلى قوله: ﴿لِلشَّيْطَانِ وَلِيّاً﴾. أي: فاختلف المختلفون بعد رفع عيسى ﷺ. فصاروا أحزاباً، وقد ذكر اختلافهم كيف كان. * * ثم قال: ﴿فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾. أي: وادٍ في جهنم للكافرين الذين زعموا أن عيسى إله، والذين زعموا أنه ابن الله. ﴿مِن مَّشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ يعني يوم القيامة. * * ثم قال: ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا﴾. أي: ما أسمعهم وأبصرهم يوم القيامة إذا عاينوا ما لا يحتاج إلى فكر ولا رؤية. وقد كانوا في الدنيا عمياً عن إبصار الحق، صماً عن سماع الهدى. قال قتادة: سمعوا حين لا ينفعهم السمع، وأبصروا حين لا ينفعهم البصر. قال ابن زيد: كانت في الدنيا على أبصارهم غشاوة، وفي آذانهم وقر، فلما كان يوم القيامة، أبصروا، وسمعوا فلم ينتفعوا، وقرأ ﴿رَبَّنَآ أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَٱرْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً﴾ [السجدة: ١٢]. ثم قال تعالى ذكره: ﴿لَـٰكِنِ ٱلظَّالِمُونَ ٱلْيَوْمَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ﴾ أي: لكن الكافرون في الدنيا في ذهاب مبين عن سبيل الحق. و ﴿يَوْمَ يَأْتُونَنَا﴾ وقف حسن. والعامل فيه "أسمع بهم وأبصر" أي: ما أبصرهم وأسمعهم في هذا اليوم، أي: هم ممن يقال ذلك فيهم، ففيه معنى التعجب، ولفظه، لفظ الأمر، ولا ضمير في الفعلين، إذ ليس بأمر للمأمور، إنما هو لفظ وافق لفظ الأمر، وليس به. * * ثم قال: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ ٱلْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ ٱلأَمْرُ﴾ أي: أنذر هؤلاء المشركين يوم حسرتهم وندامتهم على ما فرطوا في جنب الله إذا رأوا مساكنهم في الجنة قد أورثها الله أهل الإيمان به، وعوضوا منها منازل في النار، وأيقن الفريقان في الخلود. قال ابن مسعود: ليس نفس إلا وهي تنظر إلى بيت في الجنة، وبيت في النار، وهو يوم الحسرة، فيرى أهل النار البيت الذي في الجنة فيقال: لو آمنتم، فتأخذهم الحسرة، ويرى أهل الجنة البيت الذي في النار، فيقال لهم: لولا ما منّ به الله عليكم. وقيل: ﴿يَوْمَ ٱلْحَسْرَةِ﴾ يوم يعطى كتابه بشماله. وروى أبو سعيد الخدري أن النبي ﷺ قال: "يجاء بالموت فيوضع بين الجنة والنار كأنه كبش أملح. قال: فيقال: يا أهل الجنة، هل تعرفون هذا؟ فيشرئبون وينظرون، فيقولون: نعم هذا الموت. قال: فيقال: يا أهل النار، هل تعرفون هذا؟ فيشرئبون وينظرون فيقولون: نعم، هذا الموت. ثم يؤمر به فيذبح. قال: فيقول: يا أهل الجنة، خلود بلا موت، ويا أهل النار، خلود بلا موت. ثم قرأ رسول الله ﷺ: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ ٱلْحَسْرَةِ﴾ الآية. وأشار بيده في الدنيا" يريد الغفلة في الدنيا. وكذلك رواه أبو هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: "يؤتى بالموت يوم القيامة، فيوقف على الصراط. وقال في أهل الجنة، فيطلعون خائفين وجلين أن يخرجوا من مكانهم، وقال في أهل النار، فيطلعون فرحين مسرورين، رجاء أن يخرجوا من مكانهم. وقال فيذبح على الصراط قال ابن عباس: "يصور الله الموت كأنه كبش أملح. فيذبح، فييأس أهل النار من الموت، فلا يرجونه، فتأخذهم الحسرة من أجل الخلود في النار، ويأمن أهل الجنة الموت، فلا يخشونه". وقال ابن عباس: "يوم الحسرة" من أسماء يوم القيامة، عظّمه الله وحذره عباده. ومعنى: ﴿إِذْ قُضِيَ ٱلأَمْرُ﴾ إذ فرغ من الحكم لأهل النار بالخلود فيها ولأهل الجنة بالخلود [فيها]. * * وقوله: ﴿وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ﴾ أي: هؤلاء المشركون في غفلة عما الله فاعل بهم يوم القيامة. ﴿وَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ﴾ أي: لا يصدقون بآيات الله ولا بالرجوع إليه يوم القيامة. * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ ٱلأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا﴾. أي: نفني من على الأرض، فتبقى لا مالك لها غيرنا. * * ﴿وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ﴾. أي: يرد هؤلاء المشركون وغيرهم، فيجازي كلاً بعمله. والمعنى: إلى حكم الله يرجعون وقضائه فيهم ومجازاتهم. لم يرد برجوعهم إليه، إلى مكانه، ولا إلى ما قرب منه، إنما رجوعهم إلى جزائه وحكمه فيهم. وكذلك كل ما شابهه. ﴿قُضِيَ ٱلأَمْرُ﴾ وقف، إلا أن يجعل "وهم في غفلة" في موضع الحال فلا يقف على ذلك. والتمام "يؤمنون". * * ثم قال تعالى: ﴿وَٱذْكُرْ فِي ٱلْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقاً نَّبِيّاً﴾. أي: أتل على هؤلاء قصص إبراهيم وأبيه التي أخبرناك بها في الكتاب المنزل عليك، وكذلك معنى قوله: ﴿وَٱذْكُرْ فِي ٱلْكِتَابِ﴾ في كل موضع، إنما معناه اذكر لقومك ما أنزل عليك في القرآن من قصة إبراهيم، وموسى وغيرهما. ﴿إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقاً نَّبِيّاً﴾ أي: كان من أهل الصدق في حديثه وأخباره ومواعيده. "نبيئاً" أي: تنبأه الله وأوحى إليه. ولا يوقف على "نبي" لأن "إذ" متعلقة بما قبلها. * * ﴿إِذْ قَالَ لأَبِيهِ يٰأَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لاَ يَسْمَعُ﴾. أبتِ عند سيبويه لا تقع بالتأنيث إلا في النداء. ويكون للمذكر والمؤنث. و "التاء" عنده عوض من ياء الإضافة. ولذلك لا يجمع بينهما. ووقف ابن كثير بالهاء، وجميع القراء غيره يقفون بالتاء، لأنه مضاف في التقدير. وقرأ ابن عامر بفتح التاء على تقدير يا أبتاه، فحذف الهاء لأنه واصل وحذف الألف كما تحذف ياء الإضافة، لأنها بدل منها. وقيل: إنه أبدل من كسرة "التاء" فتحة، ومن "الياء" التي كانت في الأصل ألفاً. ثم حذف الألف، إذ لا يجمع بين الياء والتاء، والألف عوض من الياء. فكما لا تثبت الياء مع التاء، كذلك لا تثبت الألف التي هي عوض من الياء. وهذا القول أشبه من الأول، وفيهما نظر. * * وقوله: ﴿مَا لاَ يَسْمَعُ وَلاَ يُبْصِرُ﴾ يعني الأصنام، لا يسمعك إذا دعوته، ولا يبصرك إذا أجبته ولا يغني عنك شيئاً: إن نزل بكل أمر أو ضر لم ينفعك ولا دفع عنك شيئاً. * * ثم قال: ﴿يٰأَبَتِ إِنِّي قَدْ جَآءَنِي مِنَ ٱلْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ﴾. يعني: الوحي الذي أوحى الله إليه. ﴿فَٱتَّبِعْنِيۤ﴾ أي: أقبل قولي، وما أدعوك إليه. ﴿أَهْدِكَ صِرَاطاً سَوِيّاً﴾ أي: أبصرك وأرشدك الطريق المستوي الذي لا تضل فيه إن لزمته. * * ثم قال: ﴿يٰأَبَتِ لاَ تَعْبُدِ ٱلشَّيْطَانَ﴾. أي: لا تطعه فيما يأمرك به فتكون بمنزلة من عبده. * * ﴿إِنَّ ٱلشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَـٰنِ عَصِيّاً﴾. أي: عاص. و "عصياً"، فعيل بمعنى فاعل. لام الفعل "ياء" أدغمت فيها "ياء" فعيل. * * ثم قال: ﴿يٰأَبَتِ إِنِّيۤ أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِّنَ ٱلرَّحْمَـٰنِ﴾ الآية... أي: إني أعلم أنك، إن مت على عبادة الشيطان، أن العذاب يمسك فتكون للشيطان ولياً دون الله. فالخوف هنا بمعنى العلم. كما تقع الخشية بمعنى العلم في قوله: ﴿فَخَشِينَآ أَن يُرْهِقَهُمَا طُغْيَاناً وَكُفْراً﴾ [الكهف: ٨٠].

مريم 19:39

قوله تعالى ذكره: ﴿فَٱخْتَلَفَ ٱلأَحْزَابُ مِن بَيْنِهِمْ﴾ إلى قوله: ﴿لِلشَّيْطَانِ وَلِيّاً﴾. أي: فاختلف المختلفون بعد رفع عيسى ﷺ. فصاروا أحزاباً، وقد ذكر اختلافهم كيف كان. * * ثم قال: ﴿فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾. أي: وادٍ في جهنم للكافرين الذين زعموا أن عيسى إله، والذين زعموا أنه ابن الله. ﴿مِن مَّشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ يعني يوم القيامة. * * ثم قال: ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا﴾. أي: ما أسمعهم وأبصرهم يوم القيامة إذا عاينوا ما لا يحتاج إلى فكر ولا رؤية. وقد كانوا في الدنيا عمياً عن إبصار الحق، صماً عن سماع الهدى. قال قتادة: سمعوا حين لا ينفعهم السمع، وأبصروا حين لا ينفعهم البصر. قال ابن زيد: كانت في الدنيا على أبصارهم غشاوة، وفي آذانهم وقر، فلما كان يوم القيامة، أبصروا، وسمعوا فلم ينتفعوا، وقرأ ﴿رَبَّنَآ أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَٱرْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً﴾ [السجدة: ١٢]. ثم قال تعالى ذكره: ﴿لَـٰكِنِ ٱلظَّالِمُونَ ٱلْيَوْمَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ﴾ أي: لكن الكافرون في الدنيا في ذهاب مبين عن سبيل الحق. و ﴿يَوْمَ يَأْتُونَنَا﴾ وقف حسن. والعامل فيه "أسمع بهم وأبصر" أي: ما أبصرهم وأسمعهم في هذا اليوم، أي: هم ممن يقال ذلك فيهم، ففيه معنى التعجب، ولفظه، لفظ الأمر، ولا ضمير في الفعلين، إذ ليس بأمر للمأمور، إنما هو لفظ وافق لفظ الأمر، وليس به. * * ثم قال: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ ٱلْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ ٱلأَمْرُ﴾ أي: أنذر هؤلاء المشركين يوم حسرتهم وندامتهم على ما فرطوا في جنب الله إذا رأوا مساكنهم في الجنة قد أورثها الله أهل الإيمان به، وعوضوا منها منازل في النار، وأيقن الفريقان في الخلود. قال ابن مسعود: ليس نفس إلا وهي تنظر إلى بيت في الجنة، وبيت في النار، وهو يوم الحسرة، فيرى أهل النار البيت الذي في الجنة فيقال: لو آمنتم، فتأخذهم الحسرة، ويرى أهل الجنة البيت الذي في النار، فيقال لهم: لولا ما منّ به الله عليكم. وقيل: ﴿يَوْمَ ٱلْحَسْرَةِ﴾ يوم يعطى كتابه بشماله. وروى أبو سعيد الخدري أن النبي ﷺ قال: "يجاء بالموت فيوضع بين الجنة والنار كأنه كبش أملح. قال: فيقال: يا أهل الجنة، هل تعرفون هذا؟ فيشرئبون وينظرون، فيقولون: نعم هذا الموت. قال: فيقال: يا أهل النار، هل تعرفون هذا؟ فيشرئبون وينظرون فيقولون: نعم، هذا الموت. ثم يؤمر به فيذبح. قال: فيقول: يا أهل الجنة، خلود بلا موت، ويا أهل النار، خلود بلا موت. ثم قرأ رسول الله ﷺ: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ ٱلْحَسْرَةِ﴾ الآية. وأشار بيده في الدنيا" يريد الغفلة في الدنيا. وكذلك رواه أبو هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: "يؤتى بالموت يوم القيامة، فيوقف على الصراط. وقال في أهل الجنة، فيطلعون خائفين وجلين أن يخرجوا من مكانهم، وقال في أهل النار، فيطلعون فرحين مسرورين، رجاء أن يخرجوا من مكانهم. وقال فيذبح على الصراط قال ابن عباس: "يصور الله الموت كأنه كبش أملح. فيذبح، فييأس أهل النار من الموت، فلا يرجونه، فتأخذهم الحسرة من أجل الخلود في النار، ويأمن أهل الجنة الموت، فلا يخشونه". وقال ابن عباس: "يوم الحسرة" من أسماء يوم القيامة، عظّمه الله وحذره عباده. ومعنى: ﴿إِذْ قُضِيَ ٱلأَمْرُ﴾ إذ فرغ من الحكم لأهل النار بالخلود فيها ولأهل الجنة بالخلود [فيها]. * * وقوله: ﴿وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ﴾ أي: هؤلاء المشركون في غفلة عما الله فاعل بهم يوم القيامة. ﴿وَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ﴾ أي: لا يصدقون بآيات الله ولا بالرجوع إليه يوم القيامة. * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ ٱلأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا﴾. أي: نفني من على الأرض، فتبقى لا مالك لها غيرنا. * * ﴿وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ﴾. أي: يرد هؤلاء المشركون وغيرهم، فيجازي كلاً بعمله. والمعنى: إلى حكم الله يرجعون وقضائه فيهم ومجازاتهم. لم يرد برجوعهم إليه، إلى مكانه، ولا إلى ما قرب منه، إنما رجوعهم إلى جزائه وحكمه فيهم. وكذلك كل ما شابهه. ﴿قُضِيَ ٱلأَمْرُ﴾ وقف، إلا أن يجعل "وهم في غفلة" في موضع الحال فلا يقف على ذلك. والتمام "يؤمنون". * * ثم قال تعالى: ﴿وَٱذْكُرْ فِي ٱلْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقاً نَّبِيّاً﴾. أي: أتل على هؤلاء قصص إبراهيم وأبيه التي أخبرناك بها في الكتاب المنزل عليك، وكذلك معنى قوله: ﴿وَٱذْكُرْ فِي ٱلْكِتَابِ﴾ في كل موضع، إنما معناه اذكر لقومك ما أنزل عليك في القرآن من قصة إبراهيم، وموسى وغيرهما. ﴿إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقاً نَّبِيّاً﴾ أي: كان من أهل الصدق في حديثه وأخباره ومواعيده. "نبيئاً" أي: تنبأه الله وأوحى إليه. ولا يوقف على "نبي" لأن "إذ" متعلقة بما قبلها. * * ﴿إِذْ قَالَ لأَبِيهِ يٰأَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لاَ يَسْمَعُ﴾. أبتِ عند سيبويه لا تقع بالتأنيث إلا في النداء. ويكون للمذكر والمؤنث. و "التاء" عنده عوض من ياء الإضافة. ولذلك لا يجمع بينهما. ووقف ابن كثير بالهاء، وجميع القراء غيره يقفون بالتاء، لأنه مضاف في التقدير. وقرأ ابن عامر بفتح التاء على تقدير يا أبتاه، فحذف الهاء لأنه واصل وحذف الألف كما تحذف ياء الإضافة، لأنها بدل منها. وقيل: إنه أبدل من كسرة "التاء" فتحة، ومن "الياء" التي كانت في الأصل ألفاً. ثم حذف الألف، إذ لا يجمع بين الياء والتاء، والألف عوض من الياء. فكما لا تثبت الياء مع التاء، كذلك لا تثبت الألف التي هي عوض من الياء. وهذا القول أشبه من الأول، وفيهما نظر. * * وقوله: ﴿مَا لاَ يَسْمَعُ وَلاَ يُبْصِرُ﴾ يعني الأصنام، لا يسمعك إذا دعوته، ولا يبصرك إذا أجبته ولا يغني عنك شيئاً: إن نزل بكل أمر أو ضر لم ينفعك ولا دفع عنك شيئاً. * * ثم قال: ﴿يٰأَبَتِ إِنِّي قَدْ جَآءَنِي مِنَ ٱلْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ﴾. يعني: الوحي الذي أوحى الله إليه. ﴿فَٱتَّبِعْنِيۤ﴾ أي: أقبل قولي، وما أدعوك إليه. ﴿أَهْدِكَ صِرَاطاً سَوِيّاً﴾ أي: أبصرك وأرشدك الطريق المستوي الذي لا تضل فيه إن لزمته. * * ثم قال: ﴿يٰأَبَتِ لاَ تَعْبُدِ ٱلشَّيْطَانَ﴾. أي: لا تطعه فيما يأمرك به فتكون بمنزلة من عبده. * * ﴿إِنَّ ٱلشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَـٰنِ عَصِيّاً﴾. أي: عاص. و "عصياً"، فعيل بمعنى فاعل. لام الفعل "ياء" أدغمت فيها "ياء" فعيل. * * ثم قال: ﴿يٰأَبَتِ إِنِّيۤ أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِّنَ ٱلرَّحْمَـٰنِ﴾ الآية... أي: إني أعلم أنك، إن مت على عبادة الشيطان، أن العذاب يمسك فتكون للشيطان ولياً دون الله. فالخوف هنا بمعنى العلم. كما تقع الخشية بمعنى العلم في قوله: ﴿فَخَشِينَآ أَن يُرْهِقَهُمَا طُغْيَاناً وَكُفْراً﴾ [الكهف: ٨٠].

مريم 19:40

قوله تعالى ذكره: ﴿فَٱخْتَلَفَ ٱلأَحْزَابُ مِن بَيْنِهِمْ﴾ إلى قوله: ﴿لِلشَّيْطَانِ وَلِيّاً﴾. أي: فاختلف المختلفون بعد رفع عيسى ﷺ. فصاروا أحزاباً، وقد ذكر اختلافهم كيف كان. * * ثم قال: ﴿فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾. أي: وادٍ في جهنم للكافرين الذين زعموا أن عيسى إله، والذين زعموا أنه ابن الله. ﴿مِن مَّشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ يعني يوم القيامة. * * ثم قال: ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا﴾. أي: ما أسمعهم وأبصرهم يوم القيامة إذا عاينوا ما لا يحتاج إلى فكر ولا رؤية. وقد كانوا في الدنيا عمياً عن إبصار الحق، صماً عن سماع الهدى. قال قتادة: سمعوا حين لا ينفعهم السمع، وأبصروا حين لا ينفعهم البصر. قال ابن زيد: كانت في الدنيا على أبصارهم غشاوة، وفي آذانهم وقر، فلما كان يوم القيامة، أبصروا، وسمعوا فلم ينتفعوا، وقرأ ﴿رَبَّنَآ أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَٱرْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً﴾ [السجدة: ١٢]. ثم قال تعالى ذكره: ﴿لَـٰكِنِ ٱلظَّالِمُونَ ٱلْيَوْمَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ﴾ أي: لكن الكافرون في الدنيا في ذهاب مبين عن سبيل الحق. و ﴿يَوْمَ يَأْتُونَنَا﴾ وقف حسن. والعامل فيه "أسمع بهم وأبصر" أي: ما أبصرهم وأسمعهم في هذا اليوم، أي: هم ممن يقال ذلك فيهم، ففيه معنى التعجب، ولفظه، لفظ الأمر، ولا ضمير في الفعلين، إذ ليس بأمر للمأمور، إنما هو لفظ وافق لفظ الأمر، وليس به. * * ثم قال: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ ٱلْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ ٱلأَمْرُ﴾ أي: أنذر هؤلاء المشركين يوم حسرتهم وندامتهم على ما فرطوا في جنب الله إذا رأوا مساكنهم في الجنة قد أورثها الله أهل الإيمان به، وعوضوا منها منازل في النار، وأيقن الفريقان في الخلود. قال ابن مسعود: ليس نفس إلا وهي تنظر إلى بيت في الجنة، وبيت في النار، وهو يوم الحسرة، فيرى أهل النار البيت الذي في الجنة فيقال: لو آمنتم، فتأخذهم الحسرة، ويرى أهل الجنة البيت الذي في النار، فيقال لهم: لولا ما منّ به الله عليكم. وقيل: ﴿يَوْمَ ٱلْحَسْرَةِ﴾ يوم يعطى كتابه بشماله. وروى أبو سعيد الخدري أن النبي ﷺ قال: "يجاء بالموت فيوضع بين الجنة والنار كأنه كبش أملح. قال: فيقال: يا أهل الجنة، هل تعرفون هذا؟ فيشرئبون وينظرون، فيقولون: نعم هذا الموت. قال: فيقال: يا أهل النار، هل تعرفون هذا؟ فيشرئبون وينظرون فيقولون: نعم، هذا الموت. ثم يؤمر به فيذبح. قال: فيقول: يا أهل الجنة، خلود بلا موت، ويا أهل النار، خلود بلا موت. ثم قرأ رسول الله ﷺ: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ ٱلْحَسْرَةِ﴾ الآية. وأشار بيده في الدنيا" يريد الغفلة في الدنيا. وكذلك رواه أبو هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: "يؤتى بالموت يوم القيامة، فيوقف على الصراط. وقال في أهل الجنة، فيطلعون خائفين وجلين أن يخرجوا من مكانهم، وقال في أهل النار، فيطلعون فرحين مسرورين، رجاء أن يخرجوا من مكانهم. وقال فيذبح على الصراط قال ابن عباس: "يصور الله الموت كأنه كبش أملح. فيذبح، فييأس أهل النار من الموت، فلا يرجونه، فتأخذهم الحسرة من أجل الخلود في النار، ويأمن أهل الجنة الموت، فلا يخشونه". وقال ابن عباس: "يوم الحسرة" من أسماء يوم القيامة، عظّمه الله وحذره عباده. ومعنى: ﴿إِذْ قُضِيَ ٱلأَمْرُ﴾ إذ فرغ من الحكم لأهل النار بالخلود فيها ولأهل الجنة بالخلود [فيها]. * * وقوله: ﴿وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ﴾ أي: هؤلاء المشركون في غفلة عما الله فاعل بهم يوم القيامة. ﴿وَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ﴾ أي: لا يصدقون بآيات الله ولا بالرجوع إليه يوم القيامة. * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ ٱلأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا﴾. أي: نفني من على الأرض، فتبقى لا مالك لها غيرنا. * * ﴿وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ﴾. أي: يرد هؤلاء المشركون وغيرهم، فيجازي كلاً بعمله. والمعنى: إلى حكم الله يرجعون وقضائه فيهم ومجازاتهم. لم يرد برجوعهم إليه، إلى مكانه، ولا إلى ما قرب منه، إنما رجوعهم إلى جزائه وحكمه فيهم. وكذلك كل ما شابهه. ﴿قُضِيَ ٱلأَمْرُ﴾ وقف، إلا أن يجعل "وهم في غفلة" في موضع الحال فلا يقف على ذلك. والتمام "يؤمنون". * * ثم قال تعالى: ﴿وَٱذْكُرْ فِي ٱلْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقاً نَّبِيّاً﴾. أي: أتل على هؤلاء قصص إبراهيم وأبيه التي أخبرناك بها في الكتاب المنزل عليك، وكذلك معنى قوله: ﴿وَٱذْكُرْ فِي ٱلْكِتَابِ﴾ في كل موضع، إنما معناه اذكر لقومك ما أنزل عليك في القرآن من قصة إبراهيم، وموسى وغيرهما. ﴿إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقاً نَّبِيّاً﴾ أي: كان من أهل الصدق في حديثه وأخباره ومواعيده. "نبيئاً" أي: تنبأه الله وأوحى إليه. ولا يوقف على "نبي" لأن "إذ" متعلقة بما قبلها. * * ﴿إِذْ قَالَ لأَبِيهِ يٰأَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لاَ يَسْمَعُ﴾. أبتِ عند سيبويه لا تقع بالتأنيث إلا في النداء. ويكون للمذكر والمؤنث. و "التاء" عنده عوض من ياء الإضافة. ولذلك لا يجمع بينهما. ووقف ابن كثير بالهاء، وجميع القراء غيره يقفون بالتاء، لأنه مضاف في التقدير. وقرأ ابن عامر بفتح التاء على تقدير يا أبتاه، فحذف الهاء لأنه واصل وحذف الألف كما تحذف ياء الإضافة، لأنها بدل منها. وقيل: إنه أبدل من كسرة "التاء" فتحة، ومن "الياء" التي كانت في الأصل ألفاً. ثم حذف الألف، إذ لا يجمع بين الياء والتاء، والألف عوض من الياء. فكما لا تثبت الياء مع التاء، كذلك لا تثبت الألف التي هي عوض من الياء. وهذا القول أشبه من الأول، وفيهما نظر. * * وقوله: ﴿مَا لاَ يَسْمَعُ وَلاَ يُبْصِرُ﴾ يعني الأصنام، لا يسمعك إذا دعوته، ولا يبصرك إذا أجبته ولا يغني عنك شيئاً: إن نزل بكل أمر أو ضر لم ينفعك ولا دفع عنك شيئاً. * * ثم قال: ﴿يٰأَبَتِ إِنِّي قَدْ جَآءَنِي مِنَ ٱلْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ﴾. يعني: الوحي الذي أوحى الله إليه. ﴿فَٱتَّبِعْنِيۤ﴾ أي: أقبل قولي، وما أدعوك إليه. ﴿أَهْدِكَ صِرَاطاً سَوِيّاً﴾ أي: أبصرك وأرشدك الطريق المستوي الذي لا تضل فيه إن لزمته. * * ثم قال: ﴿يٰأَبَتِ لاَ تَعْبُدِ ٱلشَّيْطَانَ﴾. أي: لا تطعه فيما يأمرك به فتكون بمنزلة من عبده. * * ﴿إِنَّ ٱلشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَـٰنِ عَصِيّاً﴾. أي: عاص. و "عصياً"، فعيل بمعنى فاعل. لام الفعل "ياء" أدغمت فيها "ياء" فعيل. * * ثم قال: ﴿يٰأَبَتِ إِنِّيۤ أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِّنَ ٱلرَّحْمَـٰنِ﴾ الآية... أي: إني أعلم أنك، إن مت على عبادة الشيطان، أن العذاب يمسك فتكون للشيطان ولياً دون الله. فالخوف هنا بمعنى العلم. كما تقع الخشية بمعنى العلم في قوله: ﴿فَخَشِينَآ أَن يُرْهِقَهُمَا طُغْيَاناً وَكُفْراً﴾ [الكهف: ٨٠].

مريم 19:41

قوله تعالى ذكره: ﴿فَٱخْتَلَفَ ٱلأَحْزَابُ مِن بَيْنِهِمْ﴾ إلى قوله: ﴿لِلشَّيْطَانِ وَلِيّاً﴾. أي: فاختلف المختلفون بعد رفع عيسى ﷺ. فصاروا أحزاباً، وقد ذكر اختلافهم كيف كان. * * ثم قال: ﴿فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾. أي: وادٍ في جهنم للكافرين الذين زعموا أن عيسى إله، والذين زعموا أنه ابن الله. ﴿مِن مَّشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ يعني يوم القيامة. * * ثم قال: ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا﴾. أي: ما أسمعهم وأبصرهم يوم القيامة إذا عاينوا ما لا يحتاج إلى فكر ولا رؤية. وقد كانوا في الدنيا عمياً عن إبصار الحق، صماً عن سماع الهدى. قال قتادة: سمعوا حين لا ينفعهم السمع، وأبصروا حين لا ينفعهم البصر. قال ابن زيد: كانت في الدنيا على أبصارهم غشاوة، وفي آذانهم وقر، فلما كان يوم القيامة، أبصروا، وسمعوا فلم ينتفعوا، وقرأ ﴿رَبَّنَآ أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَٱرْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً﴾ [السجدة: ١٢]. ثم قال تعالى ذكره: ﴿لَـٰكِنِ ٱلظَّالِمُونَ ٱلْيَوْمَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ﴾ أي: لكن الكافرون في الدنيا في ذهاب مبين عن سبيل الحق. و ﴿يَوْمَ يَأْتُونَنَا﴾ وقف حسن. والعامل فيه "أسمع بهم وأبصر" أي: ما أبصرهم وأسمعهم في هذا اليوم، أي: هم ممن يقال ذلك فيهم، ففيه معنى التعجب، ولفظه، لفظ الأمر، ولا ضمير في الفعلين، إذ ليس بأمر للمأمور، إنما هو لفظ وافق لفظ الأمر، وليس به. * * ثم قال: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ ٱلْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ ٱلأَمْرُ﴾ أي: أنذر هؤلاء المشركين يوم حسرتهم وندامتهم على ما فرطوا في جنب الله إذا رأوا مساكنهم في الجنة قد أورثها الله أهل الإيمان به، وعوضوا منها منازل في النار، وأيقن الفريقان في الخلود. قال ابن مسعود: ليس نفس إلا وهي تنظر إلى بيت في الجنة، وبيت في النار، وهو يوم الحسرة، فيرى أهل النار البيت الذي في الجنة فيقال: لو آمنتم، فتأخذهم الحسرة، ويرى أهل الجنة البيت الذي في النار، فيقال لهم: لولا ما منّ به الله عليكم. وقيل: ﴿يَوْمَ ٱلْحَسْرَةِ﴾ يوم يعطى كتابه بشماله. وروى أبو سعيد الخدري أن النبي ﷺ قال: "يجاء بالموت فيوضع بين الجنة والنار كأنه كبش أملح. قال: فيقال: يا أهل الجنة، هل تعرفون هذا؟ فيشرئبون وينظرون، فيقولون: نعم هذا الموت. قال: فيقال: يا أهل النار، هل تعرفون هذا؟ فيشرئبون وينظرون فيقولون: نعم، هذا الموت. ثم يؤمر به فيذبح. قال: فيقول: يا أهل الجنة، خلود بلا موت، ويا أهل النار، خلود بلا موت. ثم قرأ رسول الله ﷺ: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ ٱلْحَسْرَةِ﴾ الآية. وأشار بيده في الدنيا" يريد الغفلة في الدنيا. وكذلك رواه أبو هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: "يؤتى بالموت يوم القيامة، فيوقف على الصراط. وقال في أهل الجنة، فيطلعون خائفين وجلين أن يخرجوا من مكانهم، وقال في أهل النار، فيطلعون فرحين مسرورين، رجاء أن يخرجوا من مكانهم. وقال فيذبح على الصراط قال ابن عباس: "يصور الله الموت كأنه كبش أملح. فيذبح، فييأس أهل النار من الموت، فلا يرجونه، فتأخذهم الحسرة من أجل الخلود في النار، ويأمن أهل الجنة الموت، فلا يخشونه". وقال ابن عباس: "يوم الحسرة" من أسماء يوم القيامة، عظّمه الله وحذره عباده. ومعنى: ﴿إِذْ قُضِيَ ٱلأَمْرُ﴾ إذ فرغ من الحكم لأهل النار بالخلود فيها ولأهل الجنة بالخلود [فيها]. * * وقوله: ﴿وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ﴾ أي: هؤلاء المشركون في غفلة عما الله فاعل بهم يوم القيامة. ﴿وَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ﴾ أي: لا يصدقون بآيات الله ولا بالرجوع إليه يوم القيامة. * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ ٱلأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا﴾. أي: نفني من على الأرض، فتبقى لا مالك لها غيرنا. * * ﴿وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ﴾. أي: يرد هؤلاء المشركون وغيرهم، فيجازي كلاً بعمله. والمعنى: إلى حكم الله يرجعون وقضائه فيهم ومجازاتهم. لم يرد برجوعهم إليه، إلى مكانه، ولا إلى ما قرب منه، إنما رجوعهم إلى جزائه وحكمه فيهم. وكذلك كل ما شابهه. ﴿قُضِيَ ٱلأَمْرُ﴾ وقف، إلا أن يجعل "وهم في غفلة" في موضع الحال فلا يقف على ذلك. والتمام "يؤمنون". * * ثم قال تعالى: ﴿وَٱذْكُرْ فِي ٱلْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقاً نَّبِيّاً﴾. أي: أتل على هؤلاء قصص إبراهيم وأبيه التي أخبرناك بها في الكتاب المنزل عليك، وكذلك معنى قوله: ﴿وَٱذْكُرْ فِي ٱلْكِتَابِ﴾ في كل موضع، إنما معناه اذكر لقومك ما أنزل عليك في القرآن من قصة إبراهيم، وموسى وغيرهما. ﴿إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقاً نَّبِيّاً﴾ أي: كان من أهل الصدق في حديثه وأخباره ومواعيده. "نبيئاً" أي: تنبأه الله وأوحى إليه. ولا يوقف على "نبي" لأن "إذ" متعلقة بما قبلها. * * ﴿إِذْ قَالَ لأَبِيهِ يٰأَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لاَ يَسْمَعُ﴾. أبتِ عند سيبويه لا تقع بالتأنيث إلا في النداء. ويكون للمذكر والمؤنث. و "التاء" عنده عوض من ياء الإضافة. ولذلك لا يجمع بينهما. ووقف ابن كثير بالهاء، وجميع القراء غيره يقفون بالتاء، لأنه مضاف في التقدير. وقرأ ابن عامر بفتح التاء على تقدير يا أبتاه، فحذف الهاء لأنه واصل وحذف الألف كما تحذف ياء الإضافة، لأنها بدل منها. وقيل: إنه أبدل من كسرة "التاء" فتحة، ومن "الياء" التي كانت في الأصل ألفاً. ثم حذف الألف، إذ لا يجمع بين الياء والتاء، والألف عوض من الياء. فكما لا تثبت الياء مع التاء، كذلك لا تثبت الألف التي هي عوض من الياء. وهذا القول أشبه من الأول، وفيهما نظر. * * وقوله: ﴿مَا لاَ يَسْمَعُ وَلاَ يُبْصِرُ﴾ يعني الأصنام، لا يسمعك إذا دعوته، ولا يبصرك إذا أجبته ولا يغني عنك شيئاً: إن نزل بكل أمر أو ضر لم ينفعك ولا دفع عنك شيئاً. * * ثم قال: ﴿يٰأَبَتِ إِنِّي قَدْ جَآءَنِي مِنَ ٱلْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ﴾. يعني: الوحي الذي أوحى الله إليه. ﴿فَٱتَّبِعْنِيۤ﴾ أي: أقبل قولي، وما أدعوك إليه. ﴿أَهْدِكَ صِرَاطاً سَوِيّاً﴾ أي: أبصرك وأرشدك الطريق المستوي الذي لا تضل فيه إن لزمته. * * ثم قال: ﴿يٰأَبَتِ لاَ تَعْبُدِ ٱلشَّيْطَانَ﴾. أي: لا تطعه فيما يأمرك به فتكون بمنزلة من عبده. * * ﴿إِنَّ ٱلشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَـٰنِ عَصِيّاً﴾. أي: عاص. و "عصياً"، فعيل بمعنى فاعل. لام الفعل "ياء" أدغمت فيها "ياء" فعيل. * * ثم قال: ﴿يٰأَبَتِ إِنِّيۤ أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِّنَ ٱلرَّحْمَـٰنِ﴾ الآية... أي: إني أعلم أنك، إن مت على عبادة الشيطان، أن العذاب يمسك فتكون للشيطان ولياً دون الله. فالخوف هنا بمعنى العلم. كما تقع الخشية بمعنى العلم في قوله: ﴿فَخَشِينَآ أَن يُرْهِقَهُمَا طُغْيَاناً وَكُفْراً﴾ [الكهف: ٨٠].

مريم 19:42

قوله تعالى ذكره: ﴿فَٱخْتَلَفَ ٱلأَحْزَابُ مِن بَيْنِهِمْ﴾ إلى قوله: ﴿لِلشَّيْطَانِ وَلِيّاً﴾. أي: فاختلف المختلفون بعد رفع عيسى ﷺ. فصاروا أحزاباً، وقد ذكر اختلافهم كيف كان. * * ثم قال: ﴿فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾. أي: وادٍ في جهنم للكافرين الذين زعموا أن عيسى إله، والذين زعموا أنه ابن الله. ﴿مِن مَّشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ يعني يوم القيامة. * * ثم قال: ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا﴾. أي: ما أسمعهم وأبصرهم يوم القيامة إذا عاينوا ما لا يحتاج إلى فكر ولا رؤية. وقد كانوا في الدنيا عمياً عن إبصار الحق، صماً عن سماع الهدى. قال قتادة: سمعوا حين لا ينفعهم السمع، وأبصروا حين لا ينفعهم البصر. قال ابن زيد: كانت في الدنيا على أبصارهم غشاوة، وفي آذانهم وقر، فلما كان يوم القيامة، أبصروا، وسمعوا فلم ينتفعوا، وقرأ ﴿رَبَّنَآ أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَٱرْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً﴾ [السجدة: ١٢]. ثم قال تعالى ذكره: ﴿لَـٰكِنِ ٱلظَّالِمُونَ ٱلْيَوْمَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ﴾ أي: لكن الكافرون في الدنيا في ذهاب مبين عن سبيل الحق. و ﴿يَوْمَ يَأْتُونَنَا﴾ وقف حسن. والعامل فيه "أسمع بهم وأبصر" أي: ما أبصرهم وأسمعهم في هذا اليوم، أي: هم ممن يقال ذلك فيهم، ففيه معنى التعجب، ولفظه، لفظ الأمر، ولا ضمير في الفعلين، إذ ليس بأمر للمأمور، إنما هو لفظ وافق لفظ الأمر، وليس به. * * ثم قال: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ ٱلْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ ٱلأَمْرُ﴾ أي: أنذر هؤلاء المشركين يوم حسرتهم وندامتهم على ما فرطوا في جنب الله إذا رأوا مساكنهم في الجنة قد أورثها الله أهل الإيمان به، وعوضوا منها منازل في النار، وأيقن الفريقان في الخلود. قال ابن مسعود: ليس نفس إلا وهي تنظر إلى بيت في الجنة، وبيت في النار، وهو يوم الحسرة، فيرى أهل النار البيت الذي في الجنة فيقال: لو آمنتم، فتأخذهم الحسرة، ويرى أهل الجنة البيت الذي في النار، فيقال لهم: لولا ما منّ به الله عليكم. وقيل: ﴿يَوْمَ ٱلْحَسْرَةِ﴾ يوم يعطى كتابه بشماله. وروى أبو سعيد الخدري أن النبي ﷺ قال: "يجاء بالموت فيوضع بين الجنة والنار كأنه كبش أملح. قال: فيقال: يا أهل الجنة، هل تعرفون هذا؟ فيشرئبون وينظرون، فيقولون: نعم هذا الموت. قال: فيقال: يا أهل النار، هل تعرفون هذا؟ فيشرئبون وينظرون فيقولون: نعم، هذا الموت. ثم يؤمر به فيذبح. قال: فيقول: يا أهل الجنة، خلود بلا موت، ويا أهل النار، خلود بلا موت. ثم قرأ رسول الله ﷺ: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ ٱلْحَسْرَةِ﴾ الآية. وأشار بيده في الدنيا" يريد الغفلة في الدنيا. وكذلك رواه أبو هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: "يؤتى بالموت يوم القيامة، فيوقف على الصراط. وقال في أهل الجنة، فيطلعون خائفين وجلين أن يخرجوا من مكانهم، وقال في أهل النار، فيطلعون فرحين مسرورين، رجاء أن يخرجوا من مكانهم. وقال فيذبح على الصراط قال ابن عباس: "يصور الله الموت كأنه كبش أملح. فيذبح، فييأس أهل النار من الموت، فلا يرجونه، فتأخذهم الحسرة من أجل الخلود في النار، ويأمن أهل الجنة الموت، فلا يخشونه". وقال ابن عباس: "يوم الحسرة" من أسماء يوم القيامة، عظّمه الله وحذره عباده. ومعنى: ﴿إِذْ قُضِيَ ٱلأَمْرُ﴾ إذ فرغ من الحكم لأهل النار بالخلود فيها ولأهل الجنة بالخلود [فيها]. * * وقوله: ﴿وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ﴾ أي: هؤلاء المشركون في غفلة عما الله فاعل بهم يوم القيامة. ﴿وَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ﴾ أي: لا يصدقون بآيات الله ولا بالرجوع إليه يوم القيامة. * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ ٱلأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا﴾. أي: نفني من على الأرض، فتبقى لا مالك لها غيرنا. * * ﴿وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ﴾. أي: يرد هؤلاء المشركون وغيرهم، فيجازي كلاً بعمله. والمعنى: إلى حكم الله يرجعون وقضائه فيهم ومجازاتهم. لم يرد برجوعهم إليه، إلى مكانه، ولا إلى ما قرب منه، إنما رجوعهم إلى جزائه وحكمه فيهم. وكذلك كل ما شابهه. ﴿قُضِيَ ٱلأَمْرُ﴾ وقف، إلا أن يجعل "وهم في غفلة" في موضع الحال فلا يقف على ذلك. والتمام "يؤمنون". * * ثم قال تعالى: ﴿وَٱذْكُرْ فِي ٱلْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقاً نَّبِيّاً﴾. أي: أتل على هؤلاء قصص إبراهيم وأبيه التي أخبرناك بها في الكتاب المنزل عليك، وكذلك معنى قوله: ﴿وَٱذْكُرْ فِي ٱلْكِتَابِ﴾ في كل موضع، إنما معناه اذكر لقومك ما أنزل عليك في القرآن من قصة إبراهيم، وموسى وغيرهما. ﴿إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقاً نَّبِيّاً﴾ أي: كان من أهل الصدق في حديثه وأخباره ومواعيده. "نبيئاً" أي: تنبأه الله وأوحى إليه. ولا يوقف على "نبي" لأن "إذ" متعلقة بما قبلها. * * ﴿إِذْ قَالَ لأَبِيهِ يٰأَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لاَ يَسْمَعُ﴾. أبتِ عند سيبويه لا تقع بالتأنيث إلا في النداء. ويكون للمذكر والمؤنث. و "التاء" عنده عوض من ياء الإضافة. ولذلك لا يجمع بينهما. ووقف ابن كثير بالهاء، وجميع القراء غيره يقفون بالتاء، لأنه مضاف في التقدير. وقرأ ابن عامر بفتح التاء على تقدير يا أبتاه، فحذف الهاء لأنه واصل وحذف الألف كما تحذف ياء الإضافة، لأنها بدل منها. وقيل: إنه أبدل من كسرة "التاء" فتحة، ومن "الياء" التي كانت في الأصل ألفاً. ثم حذف الألف، إذ لا يجمع بين الياء والتاء، والألف عوض من الياء. فكما لا تثبت الياء مع التاء، كذلك لا تثبت الألف التي هي عوض من الياء. وهذا القول أشبه من الأول، وفيهما نظر. * * وقوله: ﴿مَا لاَ يَسْمَعُ وَلاَ يُبْصِرُ﴾ يعني الأصنام، لا يسمعك إذا دعوته، ولا يبصرك إذا أجبته ولا يغني عنك شيئاً: إن نزل بكل أمر أو ضر لم ينفعك ولا دفع عنك شيئاً. * * ثم قال: ﴿يٰأَبَتِ إِنِّي قَدْ جَآءَنِي مِنَ ٱلْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ﴾. يعني: الوحي الذي أوحى الله إليه. ﴿فَٱتَّبِعْنِيۤ﴾ أي: أقبل قولي، وما أدعوك إليه. ﴿أَهْدِكَ صِرَاطاً سَوِيّاً﴾ أي: أبصرك وأرشدك الطريق المستوي الذي لا تضل فيه إن لزمته. * * ثم قال: ﴿يٰأَبَتِ لاَ تَعْبُدِ ٱلشَّيْطَانَ﴾. أي: لا تطعه فيما يأمرك به فتكون بمنزلة من عبده. * * ﴿إِنَّ ٱلشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَـٰنِ عَصِيّاً﴾. أي: عاص. و "عصياً"، فعيل بمعنى فاعل. لام الفعل "ياء" أدغمت فيها "ياء" فعيل. * * ثم قال: ﴿يٰأَبَتِ إِنِّيۤ أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِّنَ ٱلرَّحْمَـٰنِ﴾ الآية... أي: إني أعلم أنك، إن مت على عبادة الشيطان، أن العذاب يمسك فتكون للشيطان ولياً دون الله. فالخوف هنا بمعنى العلم. كما تقع الخشية بمعنى العلم في قوله: ﴿فَخَشِينَآ أَن يُرْهِقَهُمَا طُغْيَاناً وَكُفْراً﴾ [الكهف: ٨٠].

مريم 19:43

قوله تعالى ذكره: ﴿فَٱخْتَلَفَ ٱلأَحْزَابُ مِن بَيْنِهِمْ﴾ إلى قوله: ﴿لِلشَّيْطَانِ وَلِيّاً﴾. أي: فاختلف المختلفون بعد رفع عيسى ﷺ. فصاروا أحزاباً، وقد ذكر اختلافهم كيف كان. * * ثم قال: ﴿فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾. أي: وادٍ في جهنم للكافرين الذين زعموا أن عيسى إله، والذين زعموا أنه ابن الله. ﴿مِن مَّشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ يعني يوم القيامة. * * ثم قال: ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا﴾. أي: ما أسمعهم وأبصرهم يوم القيامة إذا عاينوا ما لا يحتاج إلى فكر ولا رؤية. وقد كانوا في الدنيا عمياً عن إبصار الحق، صماً عن سماع الهدى. قال قتادة: سمعوا حين لا ينفعهم السمع، وأبصروا حين لا ينفعهم البصر. قال ابن زيد: كانت في الدنيا على أبصارهم غشاوة، وفي آذانهم وقر، فلما كان يوم القيامة، أبصروا، وسمعوا فلم ينتفعوا، وقرأ ﴿رَبَّنَآ أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَٱرْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً﴾ [السجدة: ١٢]. ثم قال تعالى ذكره: ﴿لَـٰكِنِ ٱلظَّالِمُونَ ٱلْيَوْمَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ﴾ أي: لكن الكافرون في الدنيا في ذهاب مبين عن سبيل الحق. و ﴿يَوْمَ يَأْتُونَنَا﴾ وقف حسن. والعامل فيه "أسمع بهم وأبصر" أي: ما أبصرهم وأسمعهم في هذا اليوم، أي: هم ممن يقال ذلك فيهم، ففيه معنى التعجب، ولفظه، لفظ الأمر، ولا ضمير في الفعلين، إذ ليس بأمر للمأمور، إنما هو لفظ وافق لفظ الأمر، وليس به. * * ثم قال: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ ٱلْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ ٱلأَمْرُ﴾ أي: أنذر هؤلاء المشركين يوم حسرتهم وندامتهم على ما فرطوا في جنب الله إذا رأوا مساكنهم في الجنة قد أورثها الله أهل الإيمان به، وعوضوا منها منازل في النار، وأيقن الفريقان في الخلود. قال ابن مسعود: ليس نفس إلا وهي تنظر إلى بيت في الجنة، وبيت في النار، وهو يوم الحسرة، فيرى أهل النار البيت الذي في الجنة فيقال: لو آمنتم، فتأخذهم الحسرة، ويرى أهل الجنة البيت الذي في النار، فيقال لهم: لولا ما منّ به الله عليكم. وقيل: ﴿يَوْمَ ٱلْحَسْرَةِ﴾ يوم يعطى كتابه بشماله. وروى أبو سعيد الخدري أن النبي ﷺ قال: "يجاء بالموت فيوضع بين الجنة والنار كأنه كبش أملح. قال: فيقال: يا أهل الجنة، هل تعرفون هذا؟ فيشرئبون وينظرون، فيقولون: نعم هذا الموت. قال: فيقال: يا أهل النار، هل تعرفون هذا؟ فيشرئبون وينظرون فيقولون: نعم، هذا الموت. ثم يؤمر به فيذبح. قال: فيقول: يا أهل الجنة، خلود بلا موت، ويا أهل النار، خلود بلا موت. ثم قرأ رسول الله ﷺ: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ ٱلْحَسْرَةِ﴾ الآية. وأشار بيده في الدنيا" يريد الغفلة في الدنيا. وكذلك رواه أبو هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: "يؤتى بالموت يوم القيامة، فيوقف على الصراط. وقال في أهل الجنة، فيطلعون خائفين وجلين أن يخرجوا من مكانهم، وقال في أهل النار، فيطلعون فرحين مسرورين، رجاء أن يخرجوا من مكانهم. وقال فيذبح على الصراط قال ابن عباس: "يصور الله الموت كأنه كبش أملح. فيذبح، فييأس أهل النار من الموت، فلا يرجونه، فتأخذهم الحسرة من أجل الخلود في النار، ويأمن أهل الجنة الموت، فلا يخشونه". وقال ابن عباس: "يوم الحسرة" من أسماء يوم القيامة، عظّمه الله وحذره عباده. ومعنى: ﴿إِذْ قُضِيَ ٱلأَمْرُ﴾ إذ فرغ من الحكم لأهل النار بالخلود فيها ولأهل الجنة بالخلود [فيها]. * * وقوله: ﴿وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ﴾ أي: هؤلاء المشركون في غفلة عما الله فاعل بهم يوم القيامة. ﴿وَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ﴾ أي: لا يصدقون بآيات الله ولا بالرجوع إليه يوم القيامة. * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ ٱلأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا﴾. أي: نفني من على الأرض، فتبقى لا مالك لها غيرنا. * * ﴿وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ﴾. أي: يرد هؤلاء المشركون وغيرهم، فيجازي كلاً بعمله. والمعنى: إلى حكم الله يرجعون وقضائه فيهم ومجازاتهم. لم يرد برجوعهم إليه، إلى مكانه، ولا إلى ما قرب منه، إنما رجوعهم إلى جزائه وحكمه فيهم. وكذلك كل ما شابهه. ﴿قُضِيَ ٱلأَمْرُ﴾ وقف، إلا أن يجعل "وهم في غفلة" في موضع الحال فلا يقف على ذلك. والتمام "يؤمنون". * * ثم قال تعالى: ﴿وَٱذْكُرْ فِي ٱلْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقاً نَّبِيّاً﴾. أي: أتل على هؤلاء قصص إبراهيم وأبيه التي أخبرناك بها في الكتاب المنزل عليك، وكذلك معنى قوله: ﴿وَٱذْكُرْ فِي ٱلْكِتَابِ﴾ في كل موضع، إنما معناه اذكر لقومك ما أنزل عليك في القرآن من قصة إبراهيم، وموسى وغيرهما. ﴿إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقاً نَّبِيّاً﴾ أي: كان من أهل الصدق في حديثه وأخباره ومواعيده. "نبيئاً" أي: تنبأه الله وأوحى إليه. ولا يوقف على "نبي" لأن "إذ" متعلقة بما قبلها. * * ﴿إِذْ قَالَ لأَبِيهِ يٰأَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لاَ يَسْمَعُ﴾. أبتِ عند سيبويه لا تقع بالتأنيث إلا في النداء. ويكون للمذكر والمؤنث. و "التاء" عنده عوض من ياء الإضافة. ولذلك لا يجمع بينهما. ووقف ابن كثير بالهاء، وجميع القراء غيره يقفون بالتاء، لأنه مضاف في التقدير. وقرأ ابن عامر بفتح التاء على تقدير يا أبتاه، فحذف الهاء لأنه واصل وحذف الألف كما تحذف ياء الإضافة، لأنها بدل منها. وقيل: إنه أبدل من كسرة "التاء" فتحة، ومن "الياء" التي كانت في الأصل ألفاً. ثم حذف الألف، إذ لا يجمع بين الياء والتاء، والألف عوض من الياء. فكما لا تثبت الياء مع التاء، كذلك لا تثبت الألف التي هي عوض من الياء. وهذا القول أشبه من الأول، وفيهما نظر. * * وقوله: ﴿مَا لاَ يَسْمَعُ وَلاَ يُبْصِرُ﴾ يعني الأصنام، لا يسمعك إذا دعوته، ولا يبصرك إذا أجبته ولا يغني عنك شيئاً: إن نزل بكل أمر أو ضر لم ينفعك ولا دفع عنك شيئاً. * * ثم قال: ﴿يٰأَبَتِ إِنِّي قَدْ جَآءَنِي مِنَ ٱلْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ﴾. يعني: الوحي الذي أوحى الله إليه. ﴿فَٱتَّبِعْنِيۤ﴾ أي: أقبل قولي، وما أدعوك إليه. ﴿أَهْدِكَ صِرَاطاً سَوِيّاً﴾ أي: أبصرك وأرشدك الطريق المستوي الذي لا تضل فيه إن لزمته. * * ثم قال: ﴿يٰأَبَتِ لاَ تَعْبُدِ ٱلشَّيْطَانَ﴾. أي: لا تطعه فيما يأمرك به فتكون بمنزلة من عبده. * * ﴿إِنَّ ٱلشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَـٰنِ عَصِيّاً﴾. أي: عاص. و "عصياً"، فعيل بمعنى فاعل. لام الفعل "ياء" أدغمت فيها "ياء" فعيل. * * ثم قال: ﴿يٰأَبَتِ إِنِّيۤ أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِّنَ ٱلرَّحْمَـٰنِ﴾ الآية... أي: إني أعلم أنك، إن مت على عبادة الشيطان، أن العذاب يمسك فتكون للشيطان ولياً دون الله. فالخوف هنا بمعنى العلم. كما تقع الخشية بمعنى العلم في قوله: ﴿فَخَشِينَآ أَن يُرْهِقَهُمَا طُغْيَاناً وَكُفْراً﴾ [الكهف: ٨٠].

مريم 19:44

قوله تعالى ذكره: ﴿فَٱخْتَلَفَ ٱلأَحْزَابُ مِن بَيْنِهِمْ﴾ إلى قوله: ﴿لِلشَّيْطَانِ وَلِيّاً﴾. أي: فاختلف المختلفون بعد رفع عيسى ﷺ. فصاروا أحزاباً، وقد ذكر اختلافهم كيف كان. * * ثم قال: ﴿فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾. أي: وادٍ في جهنم للكافرين الذين زعموا أن عيسى إله، والذين زعموا أنه ابن الله. ﴿مِن مَّشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ يعني يوم القيامة. * * ثم قال: ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا﴾. أي: ما أسمعهم وأبصرهم يوم القيامة إذا عاينوا ما لا يحتاج إلى فكر ولا رؤية. وقد كانوا في الدنيا عمياً عن إبصار الحق، صماً عن سماع الهدى. قال قتادة: سمعوا حين لا ينفعهم السمع، وأبصروا حين لا ينفعهم البصر. قال ابن زيد: كانت في الدنيا على أبصارهم غشاوة، وفي آذانهم وقر، فلما كان يوم القيامة، أبصروا، وسمعوا فلم ينتفعوا، وقرأ ﴿رَبَّنَآ أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَٱرْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً﴾ [السجدة: ١٢]. ثم قال تعالى ذكره: ﴿لَـٰكِنِ ٱلظَّالِمُونَ ٱلْيَوْمَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ﴾ أي: لكن الكافرون في الدنيا في ذهاب مبين عن سبيل الحق. و ﴿يَوْمَ يَأْتُونَنَا﴾ وقف حسن. والعامل فيه "أسمع بهم وأبصر" أي: ما أبصرهم وأسمعهم في هذا اليوم، أي: هم ممن يقال ذلك فيهم، ففيه معنى التعجب، ولفظه، لفظ الأمر، ولا ضمير في الفعلين، إذ ليس بأمر للمأمور، إنما هو لفظ وافق لفظ الأمر، وليس به. * * ثم قال: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ ٱلْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ ٱلأَمْرُ﴾ أي: أنذر هؤلاء المشركين يوم حسرتهم وندامتهم على ما فرطوا في جنب الله إذا رأوا مساكنهم في الجنة قد أورثها الله أهل الإيمان به، وعوضوا منها منازل في النار، وأيقن الفريقان في الخلود. قال ابن مسعود: ليس نفس إلا وهي تنظر إلى بيت في الجنة، وبيت في النار، وهو يوم الحسرة، فيرى أهل النار البيت الذي في الجنة فيقال: لو آمنتم، فتأخذهم الحسرة، ويرى أهل الجنة البيت الذي في النار، فيقال لهم: لولا ما منّ به الله عليكم. وقيل: ﴿يَوْمَ ٱلْحَسْرَةِ﴾ يوم يعطى كتابه بشماله. وروى أبو سعيد الخدري أن النبي ﷺ قال: "يجاء بالموت فيوضع بين الجنة والنار كأنه كبش أملح. قال: فيقال: يا أهل الجنة، هل تعرفون هذا؟ فيشرئبون وينظرون، فيقولون: نعم هذا الموت. قال: فيقال: يا أهل النار، هل تعرفون هذا؟ فيشرئبون وينظرون فيقولون: نعم، هذا الموت. ثم يؤمر به فيذبح. قال: فيقول: يا أهل الجنة، خلود بلا موت، ويا أهل النار، خلود بلا موت. ثم قرأ رسول الله ﷺ: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ ٱلْحَسْرَةِ﴾ الآية. وأشار بيده في الدنيا" يريد الغفلة في الدنيا. وكذلك رواه أبو هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: "يؤتى بالموت يوم القيامة، فيوقف على الصراط. وقال في أهل الجنة، فيطلعون خائفين وجلين أن يخرجوا من مكانهم، وقال في أهل النار، فيطلعون فرحين مسرورين، رجاء أن يخرجوا من مكانهم. وقال فيذبح على الصراط قال ابن عباس: "يصور الله الموت كأنه كبش أملح. فيذبح، فييأس أهل النار من الموت، فلا يرجونه، فتأخذهم الحسرة من أجل الخلود في النار، ويأمن أهل الجنة الموت، فلا يخشونه". وقال ابن عباس: "يوم الحسرة" من أسماء يوم القيامة، عظّمه الله وحذره عباده. ومعنى: ﴿إِذْ قُضِيَ ٱلأَمْرُ﴾ إذ فرغ من الحكم لأهل النار بالخلود فيها ولأهل الجنة بالخلود [فيها]. * * وقوله: ﴿وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ﴾ أي: هؤلاء المشركون في غفلة عما الله فاعل بهم يوم القيامة. ﴿وَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ﴾ أي: لا يصدقون بآيات الله ولا بالرجوع إليه يوم القيامة. * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ ٱلأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا﴾. أي: نفني من على الأرض، فتبقى لا مالك لها غيرنا. * * ﴿وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ﴾. أي: يرد هؤلاء المشركون وغيرهم، فيجازي كلاً بعمله. والمعنى: إلى حكم الله يرجعون وقضائه فيهم ومجازاتهم. لم يرد برجوعهم إليه، إلى مكانه، ولا إلى ما قرب منه، إنما رجوعهم إلى جزائه وحكمه فيهم. وكذلك كل ما شابهه. ﴿قُضِيَ ٱلأَمْرُ﴾ وقف، إلا أن يجعل "وهم في غفلة" في موضع الحال فلا يقف على ذلك. والتمام "يؤمنون". * * ثم قال تعالى: ﴿وَٱذْكُرْ فِي ٱلْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقاً نَّبِيّاً﴾. أي: أتل على هؤلاء قصص إبراهيم وأبيه التي أخبرناك بها في الكتاب المنزل عليك، وكذلك معنى قوله: ﴿وَٱذْكُرْ فِي ٱلْكِتَابِ﴾ في كل موضع، إنما معناه اذكر لقومك ما أنزل عليك في القرآن من قصة إبراهيم، وموسى وغيرهما. ﴿إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقاً نَّبِيّاً﴾ أي: كان من أهل الصدق في حديثه وأخباره ومواعيده. "نبيئاً" أي: تنبأه الله وأوحى إليه. ولا يوقف على "نبي" لأن "إذ" متعلقة بما قبلها. * * ﴿إِذْ قَالَ لأَبِيهِ يٰأَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لاَ يَسْمَعُ﴾. أبتِ عند سيبويه لا تقع بالتأنيث إلا في النداء. ويكون للمذكر والمؤنث. و "التاء" عنده عوض من ياء الإضافة. ولذلك لا يجمع بينهما. ووقف ابن كثير بالهاء، وجميع القراء غيره يقفون بالتاء، لأنه مضاف في التقدير. وقرأ ابن عامر بفتح التاء على تقدير يا أبتاه، فحذف الهاء لأنه واصل وحذف الألف كما تحذف ياء الإضافة، لأنها بدل منها. وقيل: إنه أبدل من كسرة "التاء" فتحة، ومن "الياء" التي كانت في الأصل ألفاً. ثم حذف الألف، إذ لا يجمع بين الياء والتاء، والألف عوض من الياء. فكما لا تثبت الياء مع التاء، كذلك لا تثبت الألف التي هي عوض من الياء. وهذا القول أشبه من الأول، وفيهما نظر. * * وقوله: ﴿مَا لاَ يَسْمَعُ وَلاَ يُبْصِرُ﴾ يعني الأصنام، لا يسمعك إذا دعوته، ولا يبصرك إذا أجبته ولا يغني عنك شيئاً: إن نزل بكل أمر أو ضر لم ينفعك ولا دفع عنك شيئاً. * * ثم قال: ﴿يٰأَبَتِ إِنِّي قَدْ جَآءَنِي مِنَ ٱلْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ﴾. يعني: الوحي الذي أوحى الله إليه. ﴿فَٱتَّبِعْنِيۤ﴾ أي: أقبل قولي، وما أدعوك إليه. ﴿أَهْدِكَ صِرَاطاً سَوِيّاً﴾ أي: أبصرك وأرشدك الطريق المستوي الذي لا تضل فيه إن لزمته. * * ثم قال: ﴿يٰأَبَتِ لاَ تَعْبُدِ ٱلشَّيْطَانَ﴾. أي: لا تطعه فيما يأمرك به فتكون بمنزلة من عبده. * * ﴿إِنَّ ٱلشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَـٰنِ عَصِيّاً﴾. أي: عاص. و "عصياً"، فعيل بمعنى فاعل. لام الفعل "ياء" أدغمت فيها "ياء" فعيل. * * ثم قال: ﴿يٰأَبَتِ إِنِّيۤ أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِّنَ ٱلرَّحْمَـٰنِ﴾ الآية... أي: إني أعلم أنك، إن مت على عبادة الشيطان، أن العذاب يمسك فتكون للشيطان ولياً دون الله. فالخوف هنا بمعنى العلم. كما تقع الخشية بمعنى العلم في قوله: ﴿فَخَشِينَآ أَن يُرْهِقَهُمَا طُغْيَاناً وَكُفْراً﴾ [الكهف: ٨٠].

مريم 19:45

قوله تعالى ذكره: ﴿فَٱخْتَلَفَ ٱلأَحْزَابُ مِن بَيْنِهِمْ﴾ إلى قوله: ﴿لِلشَّيْطَانِ وَلِيّاً﴾. أي: فاختلف المختلفون بعد رفع عيسى ﷺ. فصاروا أحزاباً، وقد ذكر اختلافهم كيف كان. * * ثم قال: ﴿فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾. أي: وادٍ في جهنم للكافرين الذين زعموا أن عيسى إله، والذين زعموا أنه ابن الله. ﴿مِن مَّشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ يعني يوم القيامة. * * ثم قال: ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا﴾. أي: ما أسمعهم وأبصرهم يوم القيامة إذا عاينوا ما لا يحتاج إلى فكر ولا رؤية. وقد كانوا في الدنيا عمياً عن إبصار الحق، صماً عن سماع الهدى. قال قتادة: سمعوا حين لا ينفعهم السمع، وأبصروا حين لا ينفعهم البصر. قال ابن زيد: كانت في الدنيا على أبصارهم غشاوة، وفي آذانهم وقر، فلما كان يوم القيامة، أبصروا، وسمعوا فلم ينتفعوا، وقرأ ﴿رَبَّنَآ أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَٱرْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً﴾ [السجدة: ١٢]. ثم قال تعالى ذكره: ﴿لَـٰكِنِ ٱلظَّالِمُونَ ٱلْيَوْمَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ﴾ أي: لكن الكافرون في الدنيا في ذهاب مبين عن سبيل الحق. و ﴿يَوْمَ يَأْتُونَنَا﴾ وقف حسن. والعامل فيه "أسمع بهم وأبصر" أي: ما أبصرهم وأسمعهم في هذا اليوم، أي: هم ممن يقال ذلك فيهم، ففيه معنى التعجب، ولفظه، لفظ الأمر، ولا ضمير في الفعلين، إذ ليس بأمر للمأمور، إنما هو لفظ وافق لفظ الأمر، وليس به. * * ثم قال: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ ٱلْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ ٱلأَمْرُ﴾ أي: أنذر هؤلاء المشركين يوم حسرتهم وندامتهم على ما فرطوا في جنب الله إذا رأوا مساكنهم في الجنة قد أورثها الله أهل الإيمان به، وعوضوا منها منازل في النار، وأيقن الفريقان في الخلود. قال ابن مسعود: ليس نفس إلا وهي تنظر إلى بيت في الجنة، وبيت في النار، وهو يوم الحسرة، فيرى أهل النار البيت الذي في الجنة فيقال: لو آمنتم، فتأخذهم الحسرة، ويرى أهل الجنة البيت الذي في النار، فيقال لهم: لولا ما منّ به الله عليكم. وقيل: ﴿يَوْمَ ٱلْحَسْرَةِ﴾ يوم يعطى كتابه بشماله. وروى أبو سعيد الخدري أن النبي ﷺ قال: "يجاء بالموت فيوضع بين الجنة والنار كأنه كبش أملح. قال: فيقال: يا أهل الجنة، هل تعرفون هذا؟ فيشرئبون وينظرون، فيقولون: نعم هذا الموت. قال: فيقال: يا أهل النار، هل تعرفون هذا؟ فيشرئبون وينظرون فيقولون: نعم، هذا الموت. ثم يؤمر به فيذبح. قال: فيقول: يا أهل الجنة، خلود بلا موت، ويا أهل النار، خلود بلا موت. ثم قرأ رسول الله ﷺ: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ ٱلْحَسْرَةِ﴾ الآية. وأشار بيده في الدنيا" يريد الغفلة في الدنيا. وكذلك رواه أبو هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: "يؤتى بالموت يوم القيامة، فيوقف على الصراط. وقال في أهل الجنة، فيطلعون خائفين وجلين أن يخرجوا من مكانهم، وقال في أهل النار، فيطلعون فرحين مسرورين، رجاء أن يخرجوا من مكانهم. وقال فيذبح على الصراط قال ابن عباس: "يصور الله الموت كأنه كبش أملح. فيذبح، فييأس أهل النار من الموت، فلا يرجونه، فتأخذهم الحسرة من أجل الخلود في النار، ويأمن أهل الجنة الموت، فلا يخشونه". وقال ابن عباس: "يوم الحسرة" من أسماء يوم القيامة، عظّمه الله وحذره عباده. ومعنى: ﴿إِذْ قُضِيَ ٱلأَمْرُ﴾ إذ فرغ من الحكم لأهل النار بالخلود فيها ولأهل الجنة بالخلود [فيها]. * * وقوله: ﴿وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ﴾ أي: هؤلاء المشركون في غفلة عما الله فاعل بهم يوم القيامة. ﴿وَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ﴾ أي: لا يصدقون بآيات الله ولا بالرجوع إليه يوم القيامة. * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ ٱلأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا﴾. أي: نفني من على الأرض، فتبقى لا مالك لها غيرنا. * * ﴿وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ﴾. أي: يرد هؤلاء المشركون وغيرهم، فيجازي كلاً بعمله. والمعنى: إلى حكم الله يرجعون وقضائه فيهم ومجازاتهم. لم يرد برجوعهم إليه، إلى مكانه، ولا إلى ما قرب منه، إنما رجوعهم إلى جزائه وحكمه فيهم. وكذلك كل ما شابهه. ﴿قُضِيَ ٱلأَمْرُ﴾ وقف، إلا أن يجعل "وهم في غفلة" في موضع الحال فلا يقف على ذلك. والتمام "يؤمنون". * * ثم قال تعالى: ﴿وَٱذْكُرْ فِي ٱلْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقاً نَّبِيّاً﴾. أي: أتل على هؤلاء قصص إبراهيم وأبيه التي أخبرناك بها في الكتاب المنزل عليك، وكذلك معنى قوله: ﴿وَٱذْكُرْ فِي ٱلْكِتَابِ﴾ في كل موضع، إنما معناه اذكر لقومك ما أنزل عليك في القرآن من قصة إبراهيم، وموسى وغيرهما. ﴿إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقاً نَّبِيّاً﴾ أي: كان من أهل الصدق في حديثه وأخباره ومواعيده. "نبيئاً" أي: تنبأه الله وأوحى إليه. ولا يوقف على "نبي" لأن "إذ" متعلقة بما قبلها. * * ﴿إِذْ قَالَ لأَبِيهِ يٰأَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لاَ يَسْمَعُ﴾. أبتِ عند سيبويه لا تقع بالتأنيث إلا في النداء. ويكون للمذكر والمؤنث. و "التاء" عنده عوض من ياء الإضافة. ولذلك لا يجمع بينهما. ووقف ابن كثير بالهاء، وجميع القراء غيره يقفون بالتاء، لأنه مضاف في التقدير. وقرأ ابن عامر بفتح التاء على تقدير يا أبتاه، فحذف الهاء لأنه واصل وحذف الألف كما تحذف ياء الإضافة، لأنها بدل منها. وقيل: إنه أبدل من كسرة "التاء" فتحة، ومن "الياء" التي كانت في الأصل ألفاً. ثم حذف الألف، إذ لا يجمع بين الياء والتاء، والألف عوض من الياء. فكما لا تثبت الياء مع التاء، كذلك لا تثبت الألف التي هي عوض من الياء. وهذا القول أشبه من الأول، وفيهما نظر. * * وقوله: ﴿مَا لاَ يَسْمَعُ وَلاَ يُبْصِرُ﴾ يعني الأصنام، لا يسمعك إذا دعوته، ولا يبصرك إذا أجبته ولا يغني عنك شيئاً: إن نزل بكل أمر أو ضر لم ينفعك ولا دفع عنك شيئاً. * * ثم قال: ﴿يٰأَبَتِ إِنِّي قَدْ جَآءَنِي مِنَ ٱلْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ﴾. يعني: الوحي الذي أوحى الله إليه. ﴿فَٱتَّبِعْنِيۤ﴾ أي: أقبل قولي، وما أدعوك إليه. ﴿أَهْدِكَ صِرَاطاً سَوِيّاً﴾ أي: أبصرك وأرشدك الطريق المستوي الذي لا تضل فيه إن لزمته. * * ثم قال: ﴿يٰأَبَتِ لاَ تَعْبُدِ ٱلشَّيْطَانَ﴾. أي: لا تطعه فيما يأمرك به فتكون بمنزلة من عبده. * * ﴿إِنَّ ٱلشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَـٰنِ عَصِيّاً﴾. أي: عاص. و "عصياً"، فعيل بمعنى فاعل. لام الفعل "ياء" أدغمت فيها "ياء" فعيل. * * ثم قال: ﴿يٰأَبَتِ إِنِّيۤ أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِّنَ ٱلرَّحْمَـٰنِ﴾ الآية... أي: إني أعلم أنك، إن مت على عبادة الشيطان، أن العذاب يمسك فتكون للشيطان ولياً دون الله. فالخوف هنا بمعنى العلم. كما تقع الخشية بمعنى العلم في قوله: ﴿فَخَشِينَآ أَن يُرْهِقَهُمَا طُغْيَاناً وَكُفْراً﴾ [الكهف: ٨٠].

مريم 19:46

قوله تعالى ذكره: قال ﴿أَرَاغِبٌ أَنتَ عَنْ آلِهَتِي يٰإِبْرَاهِيمُ﴾ إلى قوله ﴿أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيّاً﴾. أي: قال أبوه له حين دعاه إلى الإيمان وترك عبادة الشيطان، أراغب أنت عن عبادة آلهتي يا إبراهيم. ﴿لَئِن لَّمْ تَنتَهِ﴾ عن ذكر آلهتي بالسوء ورغبتك عن عبادتها لأرجمنك" أي: لأسبنك، قاله قتادة والسدي وابن جريح. وقيل معناه: لأقتلنك. وقيل معناه: لأرجمنك بالحجارة. * * ثم قال: ﴿وَٱهْجُرْنِي مَلِيّاً﴾ أي: واهجرني يا إبراهيم حيناً طويلاً. قاله: مجاهد والحسن وعكرمة. فـ "ملياً" ظرف. وقال ابن عباس: معناه: واهجرني سالماً من عقوبتي إياك، وقاله: قتادة والضحاك. فـ "ملياً" على هذا نصب على الحال من إبراهيم، واختار الطبري هذا القول، واختار النحاس القول الأول. و "أراغب" رفع بالابتداء، و "أنت" فاعل سد مسد الخبر، ويجوز أن يكون "أنت" مبتدأ، و "أراغب" خبره مقدم عليه، وحسن رفع "أراغب" بالابتداء لاعتماد على ألف الاستفهام الذي معناه التقرير. * * ثم قال تعالى: ﴿قَالَ سَلاَمٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّيۤ﴾. أي: قال إبراهيم لأبيه حين توعده، وامتنع من الإيمان بما جاء به: سلام عليك" أي: أمنة مني لك أن أعاودك فيما كرهت، ولكن سأستغفر لك ربي أي: أسأل لك ربي أن يستر عليك ذنوبك ﴿إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيّاً﴾ أي: إن ربي عهدته بي لطيفاً، يجيب دعائي إذا دعوته. قال ابن عباس وابن زيد: "حفيّاً" لطيفاً يقال حفي به إذا بره ولطف به. قال السدي: ﴿سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ﴾ أخره إلى السحر. ﴿يٰإِبْرَاهِيمُ﴾ تمام عند نافع. وإن شئت ابتدأت يا إبراهيم. و "سلام عليك" تمام عند أبي حاتم. و "لك ربي" عند غيره التمام. * * ثم قال تعالى: ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ﴾. أي: وأجتنبكم وعبادة ما تدعون [من دون الله] من أوثانكم وأصنامكم. و ﴿وَأَدْعُواْ رَبِّي﴾ بإخلاص العبادة له ﴿عَسَىۤ أَلاَّ أَكُونَ بِدُعَآءِ رَبِّي شَقِيّاً﴾ أي: عسى أن لا أشقى بدعاء ربي. * * ثم قال تعالى: ﴿فَلَمَّا ٱعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ﴾. أي: فحين اعتزل إبراهيم قومه وعباده ما يعبدون من دون الله. ﴿وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ﴾ أي: آنسنا وحشته لما فارق قومه، فوهبنا له إسحاق، وابنه يعقوب. * * ﴿وَكُلاًّ جَعَلْنَا نَبِيّاً﴾. أي: وإبراهيم وإسحاق ويعقوب، جعلناهم أنبياء. روي أنه خرج عنهم إلى ناحية الشام بإذن الله له. * * ثم قال: ﴿وَوَهَبْنَا لَهْم مِّن رَّحْمَتِنَا﴾. أي: ووهبنا لجميعهم من رحمتنا. وهو ما بسط لهم من الرزق في الدنيا. ﴿وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيّاً﴾ أي: ورزقناهم الثناء الحسن والذكر الجميل من الناس إلى قيام الساعة. قوله: "ويعقوب" وقف. و "نبيئاً" أحسن منه و "علياً" أحسن منهما. * * ثم قال تعالى: ﴿وَٱذْكُرْ فِي ٱلْكِتَابِ مُوسَىٰ إِنَّهُ كَانَ مُخْلِصاً﴾. أي: واقصص على قومك يا محمد نبأ موسى، إنه كان مخلصاً لله عبادته وأعماله كلها. هذه على قراءة من كسر "اللام" في "مخلصاً" ومن فتحها فمعناه: إنه كان مختاراً اختاره الله لكلامه ورسالته. ﴿وَكَانَ رَسُولاً نَّبِيّاً﴾ أي: أرسله الله إلى بني إسرائيل، وتنبأه. * * ثم قال تعالى: ﴿وَنَادَيْنَاهُ مِن جَانِبِ ٱلطُّورِ ٱلأَيْمَنِ﴾ أي: وكلمناه من جانب الجبل الأيمن، قاله قتادة. وقال الطبري: يعني بالأيمن هنا: يمين موسى، لأن الجبل لا يمين له ولا شمال. ﴿وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيّاً﴾، أي: وأدنيناه مناجياً. قال ابن عباس: إن الله عز وجل أدناه حتى سمع صريف القلم. وقال أبو صالح: قربه حتى سمع صريف القلم. وعن مجاهد في معنى ﴿وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيّاً﴾ قال: بين السماء الرابعة أو قال السادسة وبين العرش سبعون ألف حجاب، حجاب نور وحجاب ظلمة وحجاب نور وحجاب ظلمة، فما زال يقرب موسى حتى كان بينه وبينه حجاب وسمع صريف القلم، وقال: أرني أنظر إليك. وقال قتادة: ﴿وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيّاً﴾ (نجا بصدقه). وقيل معناه: قربناه في الكرامة والرفعة في منزلة رفيعة، لأن الله تعالى ذكره وجلّ ثناؤه ليس بمحدود، فيكون بعض الأجسام أقرب إليه من بعض. فهو كلام فيه توسع. فقد يقرب الرجل عبده بإكرامه له، وإن بعد منه ويبعد عبده الآخر بإهانته له وإن قرب مكانه منه، فذلك شائع في اللغة. والمعنى: إنا رفعنا قدره بكلامنا له. * * ثم قال تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ مِن رَّحْمَتِنَآ أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيّاً﴾. أي: وهبنا لموسى - رحمة منا له - أخاه هارون نبياً. أي: أيدناه بنبوته. قال ابن عباس: كان هارون أكبر من موسى، ولكن أراد أنه وهب له نبوته.

مريم 19:47

قوله تعالى ذكره: قال ﴿أَرَاغِبٌ أَنتَ عَنْ آلِهَتِي يٰإِبْرَاهِيمُ﴾ إلى قوله ﴿أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيّاً﴾. أي: قال أبوه له حين دعاه إلى الإيمان وترك عبادة الشيطان، أراغب أنت عن عبادة آلهتي يا إبراهيم. ﴿لَئِن لَّمْ تَنتَهِ﴾ عن ذكر آلهتي بالسوء ورغبتك عن عبادتها لأرجمنك" أي: لأسبنك، قاله قتادة والسدي وابن جريح. وقيل معناه: لأقتلنك. وقيل معناه: لأرجمنك بالحجارة. * * ثم قال: ﴿وَٱهْجُرْنِي مَلِيّاً﴾ أي: واهجرني يا إبراهيم حيناً طويلاً. قاله: مجاهد والحسن وعكرمة. فـ "ملياً" ظرف. وقال ابن عباس: معناه: واهجرني سالماً من عقوبتي إياك، وقاله: قتادة والضحاك. فـ "ملياً" على هذا نصب على الحال من إبراهيم، واختار الطبري هذا القول، واختار النحاس القول الأول. و "أراغب" رفع بالابتداء، و "أنت" فاعل سد مسد الخبر، ويجوز أن يكون "أنت" مبتدأ، و "أراغب" خبره مقدم عليه، وحسن رفع "أراغب" بالابتداء لاعتماد على ألف الاستفهام الذي معناه التقرير. * * ثم قال تعالى: ﴿قَالَ سَلاَمٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّيۤ﴾. أي: قال إبراهيم لأبيه حين توعده، وامتنع من الإيمان بما جاء به: سلام عليك" أي: أمنة مني لك أن أعاودك فيما كرهت، ولكن سأستغفر لك ربي أي: أسأل لك ربي أن يستر عليك ذنوبك ﴿إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيّاً﴾ أي: إن ربي عهدته بي لطيفاً، يجيب دعائي إذا دعوته. قال ابن عباس وابن زيد: "حفيّاً" لطيفاً يقال حفي به إذا بره ولطف به. قال السدي: ﴿سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ﴾ أخره إلى السحر. ﴿يٰإِبْرَاهِيمُ﴾ تمام عند نافع. وإن شئت ابتدأت يا إبراهيم. و "سلام عليك" تمام عند أبي حاتم. و "لك ربي" عند غيره التمام. * * ثم قال تعالى: ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ﴾. أي: وأجتنبكم وعبادة ما تدعون [من دون الله] من أوثانكم وأصنامكم. و ﴿وَأَدْعُواْ رَبِّي﴾ بإخلاص العبادة له ﴿عَسَىۤ أَلاَّ أَكُونَ بِدُعَآءِ رَبِّي شَقِيّاً﴾ أي: عسى أن لا أشقى بدعاء ربي. * * ثم قال تعالى: ﴿فَلَمَّا ٱعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ﴾. أي: فحين اعتزل إبراهيم قومه وعباده ما يعبدون من دون الله. ﴿وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ﴾ أي: آنسنا وحشته لما فارق قومه، فوهبنا له إسحاق، وابنه يعقوب. * * ﴿وَكُلاًّ جَعَلْنَا نَبِيّاً﴾. أي: وإبراهيم وإسحاق ويعقوب، جعلناهم أنبياء. روي أنه خرج عنهم إلى ناحية الشام بإذن الله له. * * ثم قال: ﴿وَوَهَبْنَا لَهْم مِّن رَّحْمَتِنَا﴾. أي: ووهبنا لجميعهم من رحمتنا. وهو ما بسط لهم من الرزق في الدنيا. ﴿وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيّاً﴾ أي: ورزقناهم الثناء الحسن والذكر الجميل من الناس إلى قيام الساعة. قوله: "ويعقوب" وقف. و "نبيئاً" أحسن منه و "علياً" أحسن منهما. * * ثم قال تعالى: ﴿وَٱذْكُرْ فِي ٱلْكِتَابِ مُوسَىٰ إِنَّهُ كَانَ مُخْلِصاً﴾. أي: واقصص على قومك يا محمد نبأ موسى، إنه كان مخلصاً لله عبادته وأعماله كلها. هذه على قراءة من كسر "اللام" في "مخلصاً" ومن فتحها فمعناه: إنه كان مختاراً اختاره الله لكلامه ورسالته. ﴿وَكَانَ رَسُولاً نَّبِيّاً﴾ أي: أرسله الله إلى بني إسرائيل، وتنبأه. * * ثم قال تعالى: ﴿وَنَادَيْنَاهُ مِن جَانِبِ ٱلطُّورِ ٱلأَيْمَنِ﴾ أي: وكلمناه من جانب الجبل الأيمن، قاله قتادة. وقال الطبري: يعني بالأيمن هنا: يمين موسى، لأن الجبل لا يمين له ولا شمال. ﴿وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيّاً﴾، أي: وأدنيناه مناجياً. قال ابن عباس: إن الله عز وجل أدناه حتى سمع صريف القلم. وقال أبو صالح: قربه حتى سمع صريف القلم. وعن مجاهد في معنى ﴿وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيّاً﴾ قال: بين السماء الرابعة أو قال السادسة وبين العرش سبعون ألف حجاب، حجاب نور وحجاب ظلمة وحجاب نور وحجاب ظلمة، فما زال يقرب موسى حتى كان بينه وبينه حجاب وسمع صريف القلم، وقال: أرني أنظر إليك. وقال قتادة: ﴿وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيّاً﴾ (نجا بصدقه). وقيل معناه: قربناه في الكرامة والرفعة في منزلة رفيعة، لأن الله تعالى ذكره وجلّ ثناؤه ليس بمحدود، فيكون بعض الأجسام أقرب إليه من بعض. فهو كلام فيه توسع. فقد يقرب الرجل عبده بإكرامه له، وإن بعد منه ويبعد عبده الآخر بإهانته له وإن قرب مكانه منه، فذلك شائع في اللغة. والمعنى: إنا رفعنا قدره بكلامنا له. * * ثم قال تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ مِن رَّحْمَتِنَآ أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيّاً﴾. أي: وهبنا لموسى - رحمة منا له - أخاه هارون نبياً. أي: أيدناه بنبوته. قال ابن عباس: كان هارون أكبر من موسى، ولكن أراد أنه وهب له نبوته.

مريم 19:48

قوله تعالى ذكره: قال ﴿أَرَاغِبٌ أَنتَ عَنْ آلِهَتِي يٰإِبْرَاهِيمُ﴾ إلى قوله ﴿أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيّاً﴾. أي: قال أبوه له حين دعاه إلى الإيمان وترك عبادة الشيطان، أراغب أنت عن عبادة آلهتي يا إبراهيم. ﴿لَئِن لَّمْ تَنتَهِ﴾ عن ذكر آلهتي بالسوء ورغبتك عن عبادتها لأرجمنك" أي: لأسبنك، قاله قتادة والسدي وابن جريح. وقيل معناه: لأقتلنك. وقيل معناه: لأرجمنك بالحجارة. * * ثم قال: ﴿وَٱهْجُرْنِي مَلِيّاً﴾ أي: واهجرني يا إبراهيم حيناً طويلاً. قاله: مجاهد والحسن وعكرمة. فـ "ملياً" ظرف. وقال ابن عباس: معناه: واهجرني سالماً من عقوبتي إياك، وقاله: قتادة والضحاك. فـ "ملياً" على هذا نصب على الحال من إبراهيم، واختار الطبري هذا القول، واختار النحاس القول الأول. و "أراغب" رفع بالابتداء، و "أنت" فاعل سد مسد الخبر، ويجوز أن يكون "أنت" مبتدأ، و "أراغب" خبره مقدم عليه، وحسن رفع "أراغب" بالابتداء لاعتماد على ألف الاستفهام الذي معناه التقرير. * * ثم قال تعالى: ﴿قَالَ سَلاَمٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّيۤ﴾. أي: قال إبراهيم لأبيه حين توعده، وامتنع من الإيمان بما جاء به: سلام عليك" أي: أمنة مني لك أن أعاودك فيما كرهت، ولكن سأستغفر لك ربي أي: أسأل لك ربي أن يستر عليك ذنوبك ﴿إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيّاً﴾ أي: إن ربي عهدته بي لطيفاً، يجيب دعائي إذا دعوته. قال ابن عباس وابن زيد: "حفيّاً" لطيفاً يقال حفي به إذا بره ولطف به. قال السدي: ﴿سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ﴾ أخره إلى السحر. ﴿يٰإِبْرَاهِيمُ﴾ تمام عند نافع. وإن شئت ابتدأت يا إبراهيم. و "سلام عليك" تمام عند أبي حاتم. و "لك ربي" عند غيره التمام. * * ثم قال تعالى: ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ﴾. أي: وأجتنبكم وعبادة ما تدعون [من دون الله] من أوثانكم وأصنامكم. و ﴿وَأَدْعُواْ رَبِّي﴾ بإخلاص العبادة له ﴿عَسَىۤ أَلاَّ أَكُونَ بِدُعَآءِ رَبِّي شَقِيّاً﴾ أي: عسى أن لا أشقى بدعاء ربي. * * ثم قال تعالى: ﴿فَلَمَّا ٱعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ﴾. أي: فحين اعتزل إبراهيم قومه وعباده ما يعبدون من دون الله. ﴿وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ﴾ أي: آنسنا وحشته لما فارق قومه، فوهبنا له إسحاق، وابنه يعقوب. * * ﴿وَكُلاًّ جَعَلْنَا نَبِيّاً﴾. أي: وإبراهيم وإسحاق ويعقوب، جعلناهم أنبياء. روي أنه خرج عنهم إلى ناحية الشام بإذن الله له. * * ثم قال: ﴿وَوَهَبْنَا لَهْم مِّن رَّحْمَتِنَا﴾. أي: ووهبنا لجميعهم من رحمتنا. وهو ما بسط لهم من الرزق في الدنيا. ﴿وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيّاً﴾ أي: ورزقناهم الثناء الحسن والذكر الجميل من الناس إلى قيام الساعة. قوله: "ويعقوب" وقف. و "نبيئاً" أحسن منه و "علياً" أحسن منهما. * * ثم قال تعالى: ﴿وَٱذْكُرْ فِي ٱلْكِتَابِ مُوسَىٰ إِنَّهُ كَانَ مُخْلِصاً﴾. أي: واقصص على قومك يا محمد نبأ موسى، إنه كان مخلصاً لله عبادته وأعماله كلها. هذه على قراءة من كسر "اللام" في "مخلصاً" ومن فتحها فمعناه: إنه كان مختاراً اختاره الله لكلامه ورسالته. ﴿وَكَانَ رَسُولاً نَّبِيّاً﴾ أي: أرسله الله إلى بني إسرائيل، وتنبأه. * * ثم قال تعالى: ﴿وَنَادَيْنَاهُ مِن جَانِبِ ٱلطُّورِ ٱلأَيْمَنِ﴾ أي: وكلمناه من جانب الجبل الأيمن، قاله قتادة. وقال الطبري: يعني بالأيمن هنا: يمين موسى، لأن الجبل لا يمين له ولا شمال. ﴿وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيّاً﴾، أي: وأدنيناه مناجياً. قال ابن عباس: إن الله عز وجل أدناه حتى سمع صريف القلم. وقال أبو صالح: قربه حتى سمع صريف القلم. وعن مجاهد في معنى ﴿وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيّاً﴾ قال: بين السماء الرابعة أو قال السادسة وبين العرش سبعون ألف حجاب، حجاب نور وحجاب ظلمة وحجاب نور وحجاب ظلمة، فما زال يقرب موسى حتى كان بينه وبينه حجاب وسمع صريف القلم، وقال: أرني أنظر إليك. وقال قتادة: ﴿وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيّاً﴾ (نجا بصدقه). وقيل معناه: قربناه في الكرامة والرفعة في منزلة رفيعة، لأن الله تعالى ذكره وجلّ ثناؤه ليس بمحدود، فيكون بعض الأجسام أقرب إليه من بعض. فهو كلام فيه توسع. فقد يقرب الرجل عبده بإكرامه له، وإن بعد منه ويبعد عبده الآخر بإهانته له وإن قرب مكانه منه، فذلك شائع في اللغة. والمعنى: إنا رفعنا قدره بكلامنا له. * * ثم قال تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ مِن رَّحْمَتِنَآ أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيّاً﴾. أي: وهبنا لموسى - رحمة منا له - أخاه هارون نبياً. أي: أيدناه بنبوته. قال ابن عباس: كان هارون أكبر من موسى، ولكن أراد أنه وهب له نبوته.

مريم 19:49

قوله تعالى ذكره: قال ﴿أَرَاغِبٌ أَنتَ عَنْ آلِهَتِي يٰإِبْرَاهِيمُ﴾ إلى قوله ﴿أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيّاً﴾. أي: قال أبوه له حين دعاه إلى الإيمان وترك عبادة الشيطان، أراغب أنت عن عبادة آلهتي يا إبراهيم. ﴿لَئِن لَّمْ تَنتَهِ﴾ عن ذكر آلهتي بالسوء ورغبتك عن عبادتها لأرجمنك" أي: لأسبنك، قاله قتادة والسدي وابن جريح. وقيل معناه: لأقتلنك. وقيل معناه: لأرجمنك بالحجارة. * * ثم قال: ﴿وَٱهْجُرْنِي مَلِيّاً﴾ أي: واهجرني يا إبراهيم حيناً طويلاً. قاله: مجاهد والحسن وعكرمة. فـ "ملياً" ظرف. وقال ابن عباس: معناه: واهجرني سالماً من عقوبتي إياك، وقاله: قتادة والضحاك. فـ "ملياً" على هذا نصب على الحال من إبراهيم، واختار الطبري هذا القول، واختار النحاس القول الأول. و "أراغب" رفع بالابتداء، و "أنت" فاعل سد مسد الخبر، ويجوز أن يكون "أنت" مبتدأ، و "أراغب" خبره مقدم عليه، وحسن رفع "أراغب" بالابتداء لاعتماد على ألف الاستفهام الذي معناه التقرير. * * ثم قال تعالى: ﴿قَالَ سَلاَمٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّيۤ﴾. أي: قال إبراهيم لأبيه حين توعده، وامتنع من الإيمان بما جاء به: سلام عليك" أي: أمنة مني لك أن أعاودك فيما كرهت، ولكن سأستغفر لك ربي أي: أسأل لك ربي أن يستر عليك ذنوبك ﴿إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيّاً﴾ أي: إن ربي عهدته بي لطيفاً، يجيب دعائي إذا دعوته. قال ابن عباس وابن زيد: "حفيّاً" لطيفاً يقال حفي به إذا بره ولطف به. قال السدي: ﴿سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ﴾ أخره إلى السحر. ﴿يٰإِبْرَاهِيمُ﴾ تمام عند نافع. وإن شئت ابتدأت يا إبراهيم. و "سلام عليك" تمام عند أبي حاتم. و "لك ربي" عند غيره التمام. * * ثم قال تعالى: ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ﴾. أي: وأجتنبكم وعبادة ما تدعون [من دون الله] من أوثانكم وأصنامكم. و ﴿وَأَدْعُواْ رَبِّي﴾ بإخلاص العبادة له ﴿عَسَىۤ أَلاَّ أَكُونَ بِدُعَآءِ رَبِّي شَقِيّاً﴾ أي: عسى أن لا أشقى بدعاء ربي. * * ثم قال تعالى: ﴿فَلَمَّا ٱعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ﴾. أي: فحين اعتزل إبراهيم قومه وعباده ما يعبدون من دون الله. ﴿وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ﴾ أي: آنسنا وحشته لما فارق قومه، فوهبنا له إسحاق، وابنه يعقوب. * * ﴿وَكُلاًّ جَعَلْنَا نَبِيّاً﴾. أي: وإبراهيم وإسحاق ويعقوب، جعلناهم أنبياء. روي أنه خرج عنهم إلى ناحية الشام بإذن الله له. * * ثم قال: ﴿وَوَهَبْنَا لَهْم مِّن رَّحْمَتِنَا﴾. أي: ووهبنا لجميعهم من رحمتنا. وهو ما بسط لهم من الرزق في الدنيا. ﴿وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيّاً﴾ أي: ورزقناهم الثناء الحسن والذكر الجميل من الناس إلى قيام الساعة. قوله: "ويعقوب" وقف. و "نبيئاً" أحسن منه و "علياً" أحسن منهما. * * ثم قال تعالى: ﴿وَٱذْكُرْ فِي ٱلْكِتَابِ مُوسَىٰ إِنَّهُ كَانَ مُخْلِصاً﴾. أي: واقصص على قومك يا محمد نبأ موسى، إنه كان مخلصاً لله عبادته وأعماله كلها. هذه على قراءة من كسر "اللام" في "مخلصاً" ومن فتحها فمعناه: إنه كان مختاراً اختاره الله لكلامه ورسالته. ﴿وَكَانَ رَسُولاً نَّبِيّاً﴾ أي: أرسله الله إلى بني إسرائيل، وتنبأه. * * ثم قال تعالى: ﴿وَنَادَيْنَاهُ مِن جَانِبِ ٱلطُّورِ ٱلأَيْمَنِ﴾ أي: وكلمناه من جانب الجبل الأيمن، قاله قتادة. وقال الطبري: يعني بالأيمن هنا: يمين موسى، لأن الجبل لا يمين له ولا شمال. ﴿وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيّاً﴾، أي: وأدنيناه مناجياً. قال ابن عباس: إن الله عز وجل أدناه حتى سمع صريف القلم. وقال أبو صالح: قربه حتى سمع صريف القلم. وعن مجاهد في معنى ﴿وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيّاً﴾ قال: بين السماء الرابعة أو قال السادسة وبين العرش سبعون ألف حجاب، حجاب نور وحجاب ظلمة وحجاب نور وحجاب ظلمة، فما زال يقرب موسى حتى كان بينه وبينه حجاب وسمع صريف القلم، وقال: أرني أنظر إليك. وقال قتادة: ﴿وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيّاً﴾ (نجا بصدقه). وقيل معناه: قربناه في الكرامة والرفعة في منزلة رفيعة، لأن الله تعالى ذكره وجلّ ثناؤه ليس بمحدود، فيكون بعض الأجسام أقرب إليه من بعض. فهو كلام فيه توسع. فقد يقرب الرجل عبده بإكرامه له، وإن بعد منه ويبعد عبده الآخر بإهانته له وإن قرب مكانه منه، فذلك شائع في اللغة. والمعنى: إنا رفعنا قدره بكلامنا له. * * ثم قال تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ مِن رَّحْمَتِنَآ أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيّاً﴾. أي: وهبنا لموسى - رحمة منا له - أخاه هارون نبياً. أي: أيدناه بنبوته. قال ابن عباس: كان هارون أكبر من موسى، ولكن أراد أنه وهب له نبوته.

مريم 19:50

قوله تعالى ذكره: قال ﴿أَرَاغِبٌ أَنتَ عَنْ آلِهَتِي يٰإِبْرَاهِيمُ﴾ إلى قوله ﴿أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيّاً﴾. أي: قال أبوه له حين دعاه إلى الإيمان وترك عبادة الشيطان، أراغب أنت عن عبادة آلهتي يا إبراهيم. ﴿لَئِن لَّمْ تَنتَهِ﴾ عن ذكر آلهتي بالسوء ورغبتك عن عبادتها لأرجمنك" أي: لأسبنك، قاله قتادة والسدي وابن جريح. وقيل معناه: لأقتلنك. وقيل معناه: لأرجمنك بالحجارة. * * ثم قال: ﴿وَٱهْجُرْنِي مَلِيّاً﴾ أي: واهجرني يا إبراهيم حيناً طويلاً. قاله: مجاهد والحسن وعكرمة. فـ "ملياً" ظرف. وقال ابن عباس: معناه: واهجرني سالماً من عقوبتي إياك، وقاله: قتادة والضحاك. فـ "ملياً" على هذا نصب على الحال من إبراهيم، واختار الطبري هذا القول، واختار النحاس القول الأول. و "أراغب" رفع بالابتداء، و "أنت" فاعل سد مسد الخبر، ويجوز أن يكون "أنت" مبتدأ، و "أراغب" خبره مقدم عليه، وحسن رفع "أراغب" بالابتداء لاعتماد على ألف الاستفهام الذي معناه التقرير. * * ثم قال تعالى: ﴿قَالَ سَلاَمٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّيۤ﴾. أي: قال إبراهيم لأبيه حين توعده، وامتنع من الإيمان بما جاء به: سلام عليك" أي: أمنة مني لك أن أعاودك فيما كرهت، ولكن سأستغفر لك ربي أي: أسأل لك ربي أن يستر عليك ذنوبك ﴿إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيّاً﴾ أي: إن ربي عهدته بي لطيفاً، يجيب دعائي إذا دعوته. قال ابن عباس وابن زيد: "حفيّاً" لطيفاً يقال حفي به إذا بره ولطف به. قال السدي: ﴿سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ﴾ أخره إلى السحر. ﴿يٰإِبْرَاهِيمُ﴾ تمام عند نافع. وإن شئت ابتدأت يا إبراهيم. و "سلام عليك" تمام عند أبي حاتم. و "لك ربي" عند غيره التمام. * * ثم قال تعالى: ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ﴾. أي: وأجتنبكم وعبادة ما تدعون [من دون الله] من أوثانكم وأصنامكم. و ﴿وَأَدْعُواْ رَبِّي﴾ بإخلاص العبادة له ﴿عَسَىۤ أَلاَّ أَكُونَ بِدُعَآءِ رَبِّي شَقِيّاً﴾ أي: عسى أن لا أشقى بدعاء ربي. * * ثم قال تعالى: ﴿فَلَمَّا ٱعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ﴾. أي: فحين اعتزل إبراهيم قومه وعباده ما يعبدون من دون الله. ﴿وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ﴾ أي: آنسنا وحشته لما فارق قومه، فوهبنا له إسحاق، وابنه يعقوب. * * ﴿وَكُلاًّ جَعَلْنَا نَبِيّاً﴾. أي: وإبراهيم وإسحاق ويعقوب، جعلناهم أنبياء. روي أنه خرج عنهم إلى ناحية الشام بإذن الله له. * * ثم قال: ﴿وَوَهَبْنَا لَهْم مِّن رَّحْمَتِنَا﴾. أي: ووهبنا لجميعهم من رحمتنا. وهو ما بسط لهم من الرزق في الدنيا. ﴿وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيّاً﴾ أي: ورزقناهم الثناء الحسن والذكر الجميل من الناس إلى قيام الساعة. قوله: "ويعقوب" وقف. و "نبيئاً" أحسن منه و "علياً" أحسن منهما. * * ثم قال تعالى: ﴿وَٱذْكُرْ فِي ٱلْكِتَابِ مُوسَىٰ إِنَّهُ كَانَ مُخْلِصاً﴾. أي: واقصص على قومك يا محمد نبأ موسى، إنه كان مخلصاً لله عبادته وأعماله كلها. هذه على قراءة من كسر "اللام" في "مخلصاً" ومن فتحها فمعناه: إنه كان مختاراً اختاره الله لكلامه ورسالته. ﴿وَكَانَ رَسُولاً نَّبِيّاً﴾ أي: أرسله الله إلى بني إسرائيل، وتنبأه. * * ثم قال تعالى: ﴿وَنَادَيْنَاهُ مِن جَانِبِ ٱلطُّورِ ٱلأَيْمَنِ﴾ أي: وكلمناه من جانب الجبل الأيمن، قاله قتادة. وقال الطبري: يعني بالأيمن هنا: يمين موسى، لأن الجبل لا يمين له ولا شمال. ﴿وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيّاً﴾، أي: وأدنيناه مناجياً. قال ابن عباس: إن الله عز وجل أدناه حتى سمع صريف القلم. وقال أبو صالح: قربه حتى سمع صريف القلم. وعن مجاهد في معنى ﴿وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيّاً﴾ قال: بين السماء الرابعة أو قال السادسة وبين العرش سبعون ألف حجاب، حجاب نور وحجاب ظلمة وحجاب نور وحجاب ظلمة، فما زال يقرب موسى حتى كان بينه وبينه حجاب وسمع صريف القلم، وقال: أرني أنظر إليك. وقال قتادة: ﴿وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيّاً﴾ (نجا بصدقه). وقيل معناه: قربناه في الكرامة والرفعة في منزلة رفيعة، لأن الله تعالى ذكره وجلّ ثناؤه ليس بمحدود، فيكون بعض الأجسام أقرب إليه من بعض. فهو كلام فيه توسع. فقد يقرب الرجل عبده بإكرامه له، وإن بعد منه ويبعد عبده الآخر بإهانته له وإن قرب مكانه منه، فذلك شائع في اللغة. والمعنى: إنا رفعنا قدره بكلامنا له. * * ثم قال تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ مِن رَّحْمَتِنَآ أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيّاً﴾. أي: وهبنا لموسى - رحمة منا له - أخاه هارون نبياً. أي: أيدناه بنبوته. قال ابن عباس: كان هارون أكبر من موسى، ولكن أراد أنه وهب له نبوته.

مريم 19:51

قوله تعالى ذكره: قال ﴿أَرَاغِبٌ أَنتَ عَنْ آلِهَتِي يٰإِبْرَاهِيمُ﴾ إلى قوله ﴿أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيّاً﴾. أي: قال أبوه له حين دعاه إلى الإيمان وترك عبادة الشيطان، أراغب أنت عن عبادة آلهتي يا إبراهيم. ﴿لَئِن لَّمْ تَنتَهِ﴾ عن ذكر آلهتي بالسوء ورغبتك عن عبادتها لأرجمنك" أي: لأسبنك، قاله قتادة والسدي وابن جريح. وقيل معناه: لأقتلنك. وقيل معناه: لأرجمنك بالحجارة. * * ثم قال: ﴿وَٱهْجُرْنِي مَلِيّاً﴾ أي: واهجرني يا إبراهيم حيناً طويلاً. قاله: مجاهد والحسن وعكرمة. فـ "ملياً" ظرف. وقال ابن عباس: معناه: واهجرني سالماً من عقوبتي إياك، وقاله: قتادة والضحاك. فـ "ملياً" على هذا نصب على الحال من إبراهيم، واختار الطبري هذا القول، واختار النحاس القول الأول. و "أراغب" رفع بالابتداء، و "أنت" فاعل سد مسد الخبر، ويجوز أن يكون "أنت" مبتدأ، و "أراغب" خبره مقدم عليه، وحسن رفع "أراغب" بالابتداء لاعتماد على ألف الاستفهام الذي معناه التقرير. * * ثم قال تعالى: ﴿قَالَ سَلاَمٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّيۤ﴾. أي: قال إبراهيم لأبيه حين توعده، وامتنع من الإيمان بما جاء به: سلام عليك" أي: أمنة مني لك أن أعاودك فيما كرهت، ولكن سأستغفر لك ربي أي: أسأل لك ربي أن يستر عليك ذنوبك ﴿إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيّاً﴾ أي: إن ربي عهدته بي لطيفاً، يجيب دعائي إذا دعوته. قال ابن عباس وابن زيد: "حفيّاً" لطيفاً يقال حفي به إذا بره ولطف به. قال السدي: ﴿سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ﴾ أخره إلى السحر. ﴿يٰإِبْرَاهِيمُ﴾ تمام عند نافع. وإن شئت ابتدأت يا إبراهيم. و "سلام عليك" تمام عند أبي حاتم. و "لك ربي" عند غيره التمام. * * ثم قال تعالى: ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ﴾. أي: وأجتنبكم وعبادة ما تدعون [من دون الله] من أوثانكم وأصنامكم. و ﴿وَأَدْعُواْ رَبِّي﴾ بإخلاص العبادة له ﴿عَسَىۤ أَلاَّ أَكُونَ بِدُعَآءِ رَبِّي شَقِيّاً﴾ أي: عسى أن لا أشقى بدعاء ربي. * * ثم قال تعالى: ﴿فَلَمَّا ٱعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ﴾. أي: فحين اعتزل إبراهيم قومه وعباده ما يعبدون من دون الله. ﴿وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ﴾ أي: آنسنا وحشته لما فارق قومه، فوهبنا له إسحاق، وابنه يعقوب. * * ﴿وَكُلاًّ جَعَلْنَا نَبِيّاً﴾. أي: وإبراهيم وإسحاق ويعقوب، جعلناهم أنبياء. روي أنه خرج عنهم إلى ناحية الشام بإذن الله له. * * ثم قال: ﴿وَوَهَبْنَا لَهْم مِّن رَّحْمَتِنَا﴾. أي: ووهبنا لجميعهم من رحمتنا. وهو ما بسط لهم من الرزق في الدنيا. ﴿وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيّاً﴾ أي: ورزقناهم الثناء الحسن والذكر الجميل من الناس إلى قيام الساعة. قوله: "ويعقوب" وقف. و "نبيئاً" أحسن منه و "علياً" أحسن منهما. * * ثم قال تعالى: ﴿وَٱذْكُرْ فِي ٱلْكِتَابِ مُوسَىٰ إِنَّهُ كَانَ مُخْلِصاً﴾. أي: واقصص على قومك يا محمد نبأ موسى، إنه كان مخلصاً لله عبادته وأعماله كلها. هذه على قراءة من كسر "اللام" في "مخلصاً" ومن فتحها فمعناه: إنه كان مختاراً اختاره الله لكلامه ورسالته. ﴿وَكَانَ رَسُولاً نَّبِيّاً﴾ أي: أرسله الله إلى بني إسرائيل، وتنبأه. * * ثم قال تعالى: ﴿وَنَادَيْنَاهُ مِن جَانِبِ ٱلطُّورِ ٱلأَيْمَنِ﴾ أي: وكلمناه من جانب الجبل الأيمن، قاله قتادة. وقال الطبري: يعني بالأيمن هنا: يمين موسى، لأن الجبل لا يمين له ولا شمال. ﴿وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيّاً﴾، أي: وأدنيناه مناجياً. قال ابن عباس: إن الله عز وجل أدناه حتى سمع صريف القلم. وقال أبو صالح: قربه حتى سمع صريف القلم. وعن مجاهد في معنى ﴿وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيّاً﴾ قال: بين السماء الرابعة أو قال السادسة وبين العرش سبعون ألف حجاب، حجاب نور وحجاب ظلمة وحجاب نور وحجاب ظلمة، فما زال يقرب موسى حتى كان بينه وبينه حجاب وسمع صريف القلم، وقال: أرني أنظر إليك. وقال قتادة: ﴿وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيّاً﴾ (نجا بصدقه). وقيل معناه: قربناه في الكرامة والرفعة في منزلة رفيعة، لأن الله تعالى ذكره وجلّ ثناؤه ليس بمحدود، فيكون بعض الأجسام أقرب إليه من بعض. فهو كلام فيه توسع. فقد يقرب الرجل عبده بإكرامه له، وإن بعد منه ويبعد عبده الآخر بإهانته له وإن قرب مكانه منه، فذلك شائع في اللغة. والمعنى: إنا رفعنا قدره بكلامنا له. * * ثم قال تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ مِن رَّحْمَتِنَآ أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيّاً﴾. أي: وهبنا لموسى - رحمة منا له - أخاه هارون نبياً. أي: أيدناه بنبوته. قال ابن عباس: كان هارون أكبر من موسى، ولكن أراد أنه وهب له نبوته.

مريم 19:52

قوله تعالى ذكره: قال ﴿أَرَاغِبٌ أَنتَ عَنْ آلِهَتِي يٰإِبْرَاهِيمُ﴾ إلى قوله ﴿أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيّاً﴾. أي: قال أبوه له حين دعاه إلى الإيمان وترك عبادة الشيطان، أراغب أنت عن عبادة آلهتي يا إبراهيم. ﴿لَئِن لَّمْ تَنتَهِ﴾ عن ذكر آلهتي بالسوء ورغبتك عن عبادتها لأرجمنك" أي: لأسبنك، قاله قتادة والسدي وابن جريح. وقيل معناه: لأقتلنك. وقيل معناه: لأرجمنك بالحجارة. * * ثم قال: ﴿وَٱهْجُرْنِي مَلِيّاً﴾ أي: واهجرني يا إبراهيم حيناً طويلاً. قاله: مجاهد والحسن وعكرمة. فـ "ملياً" ظرف. وقال ابن عباس: معناه: واهجرني سالماً من عقوبتي إياك، وقاله: قتادة والضحاك. فـ "ملياً" على هذا نصب على الحال من إبراهيم، واختار الطبري هذا القول، واختار النحاس القول الأول. و "أراغب" رفع بالابتداء، و "أنت" فاعل سد مسد الخبر، ويجوز أن يكون "أنت" مبتدأ، و "أراغب" خبره مقدم عليه، وحسن رفع "أراغب" بالابتداء لاعتماد على ألف الاستفهام الذي معناه التقرير. * * ثم قال تعالى: ﴿قَالَ سَلاَمٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّيۤ﴾. أي: قال إبراهيم لأبيه حين توعده، وامتنع من الإيمان بما جاء به: سلام عليك" أي: أمنة مني لك أن أعاودك فيما كرهت، ولكن سأستغفر لك ربي أي: أسأل لك ربي أن يستر عليك ذنوبك ﴿إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيّاً﴾ أي: إن ربي عهدته بي لطيفاً، يجيب دعائي إذا دعوته. قال ابن عباس وابن زيد: "حفيّاً" لطيفاً يقال حفي به إذا بره ولطف به. قال السدي: ﴿سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ﴾ أخره إلى السحر. ﴿يٰإِبْرَاهِيمُ﴾ تمام عند نافع. وإن شئت ابتدأت يا إبراهيم. و "سلام عليك" تمام عند أبي حاتم. و "لك ربي" عند غيره التمام. * * ثم قال تعالى: ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ﴾. أي: وأجتنبكم وعبادة ما تدعون [من دون الله] من أوثانكم وأصنامكم. و ﴿وَأَدْعُواْ رَبِّي﴾ بإخلاص العبادة له ﴿عَسَىۤ أَلاَّ أَكُونَ بِدُعَآءِ رَبِّي شَقِيّاً﴾ أي: عسى أن لا أشقى بدعاء ربي. * * ثم قال تعالى: ﴿فَلَمَّا ٱعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ﴾. أي: فحين اعتزل إبراهيم قومه وعباده ما يعبدون من دون الله. ﴿وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ﴾ أي: آنسنا وحشته لما فارق قومه، فوهبنا له إسحاق، وابنه يعقوب. * * ﴿وَكُلاًّ جَعَلْنَا نَبِيّاً﴾. أي: وإبراهيم وإسحاق ويعقوب، جعلناهم أنبياء. روي أنه خرج عنهم إلى ناحية الشام بإذن الله له. * * ثم قال: ﴿وَوَهَبْنَا لَهْم مِّن رَّحْمَتِنَا﴾. أي: ووهبنا لجميعهم من رحمتنا. وهو ما بسط لهم من الرزق في الدنيا. ﴿وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيّاً﴾ أي: ورزقناهم الثناء الحسن والذكر الجميل من الناس إلى قيام الساعة. قوله: "ويعقوب" وقف. و "نبيئاً" أحسن منه و "علياً" أحسن منهما. * * ثم قال تعالى: ﴿وَٱذْكُرْ فِي ٱلْكِتَابِ مُوسَىٰ إِنَّهُ كَانَ مُخْلِصاً﴾. أي: واقصص على قومك يا محمد نبأ موسى، إنه كان مخلصاً لله عبادته وأعماله كلها. هذه على قراءة من كسر "اللام" في "مخلصاً" ومن فتحها فمعناه: إنه كان مختاراً اختاره الله لكلامه ورسالته. ﴿وَكَانَ رَسُولاً نَّبِيّاً﴾ أي: أرسله الله إلى بني إسرائيل، وتنبأه. * * ثم قال تعالى: ﴿وَنَادَيْنَاهُ مِن جَانِبِ ٱلطُّورِ ٱلأَيْمَنِ﴾ أي: وكلمناه من جانب الجبل الأيمن، قاله قتادة. وقال الطبري: يعني بالأيمن هنا: يمين موسى، لأن الجبل لا يمين له ولا شمال. ﴿وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيّاً﴾، أي: وأدنيناه مناجياً. قال ابن عباس: إن الله عز وجل أدناه حتى سمع صريف القلم. وقال أبو صالح: قربه حتى سمع صريف القلم. وعن مجاهد في معنى ﴿وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيّاً﴾ قال: بين السماء الرابعة أو قال السادسة وبين العرش سبعون ألف حجاب، حجاب نور وحجاب ظلمة وحجاب نور وحجاب ظلمة، فما زال يقرب موسى حتى كان بينه وبينه حجاب وسمع صريف القلم، وقال: أرني أنظر إليك. وقال قتادة: ﴿وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيّاً﴾ (نجا بصدقه). وقيل معناه: قربناه في الكرامة والرفعة في منزلة رفيعة، لأن الله تعالى ذكره وجلّ ثناؤه ليس بمحدود، فيكون بعض الأجسام أقرب إليه من بعض. فهو كلام فيه توسع. فقد يقرب الرجل عبده بإكرامه له، وإن بعد منه ويبعد عبده الآخر بإهانته له وإن قرب مكانه منه، فذلك شائع في اللغة. والمعنى: إنا رفعنا قدره بكلامنا له. * * ثم قال تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ مِن رَّحْمَتِنَآ أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيّاً﴾. أي: وهبنا لموسى - رحمة منا له - أخاه هارون نبياً. أي: أيدناه بنبوته. قال ابن عباس: كان هارون أكبر من موسى، ولكن أراد أنه وهب له نبوته.

مريم 19:53

قوله تعالى ذكره: قال ﴿أَرَاغِبٌ أَنتَ عَنْ آلِهَتِي يٰإِبْرَاهِيمُ﴾ إلى قوله ﴿أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيّاً﴾. أي: قال أبوه له حين دعاه إلى الإيمان وترك عبادة الشيطان، أراغب أنت عن عبادة آلهتي يا إبراهيم. ﴿لَئِن لَّمْ تَنتَهِ﴾ عن ذكر آلهتي بالسوء ورغبتك عن عبادتها لأرجمنك" أي: لأسبنك، قاله قتادة والسدي وابن جريح. وقيل معناه: لأقتلنك. وقيل معناه: لأرجمنك بالحجارة. * * ثم قال: ﴿وَٱهْجُرْنِي مَلِيّاً﴾ أي: واهجرني يا إبراهيم حيناً طويلاً. قاله: مجاهد والحسن وعكرمة. فـ "ملياً" ظرف. وقال ابن عباس: معناه: واهجرني سالماً من عقوبتي إياك، وقاله: قتادة والضحاك. فـ "ملياً" على هذا نصب على الحال من إبراهيم، واختار الطبري هذا القول، واختار النحاس القول الأول. و "أراغب" رفع بالابتداء، و "أنت" فاعل سد مسد الخبر، ويجوز أن يكون "أنت" مبتدأ، و "أراغب" خبره مقدم عليه، وحسن رفع "أراغب" بالابتداء لاعتماد على ألف الاستفهام الذي معناه التقرير. * * ثم قال تعالى: ﴿قَالَ سَلاَمٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّيۤ﴾. أي: قال إبراهيم لأبيه حين توعده، وامتنع من الإيمان بما جاء به: سلام عليك" أي: أمنة مني لك أن أعاودك فيما كرهت، ولكن سأستغفر لك ربي أي: أسأل لك ربي أن يستر عليك ذنوبك ﴿إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيّاً﴾ أي: إن ربي عهدته بي لطيفاً، يجيب دعائي إذا دعوته. قال ابن عباس وابن زيد: "حفيّاً" لطيفاً يقال حفي به إذا بره ولطف به. قال السدي: ﴿سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ﴾ أخره إلى السحر. ﴿يٰإِبْرَاهِيمُ﴾ تمام عند نافع. وإن شئت ابتدأت يا إبراهيم. و "سلام عليك" تمام عند أبي حاتم. و "لك ربي" عند غيره التمام. * * ثم قال تعالى: ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ﴾. أي: وأجتنبكم وعبادة ما تدعون [من دون الله] من أوثانكم وأصنامكم. و ﴿وَأَدْعُواْ رَبِّي﴾ بإخلاص العبادة له ﴿عَسَىۤ أَلاَّ أَكُونَ بِدُعَآءِ رَبِّي شَقِيّاً﴾ أي: عسى أن لا أشقى بدعاء ربي. * * ثم قال تعالى: ﴿فَلَمَّا ٱعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ﴾. أي: فحين اعتزل إبراهيم قومه وعباده ما يعبدون من دون الله. ﴿وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ﴾ أي: آنسنا وحشته لما فارق قومه، فوهبنا له إسحاق، وابنه يعقوب. * * ﴿وَكُلاًّ جَعَلْنَا نَبِيّاً﴾. أي: وإبراهيم وإسحاق ويعقوب، جعلناهم أنبياء. روي أنه خرج عنهم إلى ناحية الشام بإذن الله له. * * ثم قال: ﴿وَوَهَبْنَا لَهْم مِّن رَّحْمَتِنَا﴾. أي: ووهبنا لجميعهم من رحمتنا. وهو ما بسط لهم من الرزق في الدنيا. ﴿وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيّاً﴾ أي: ورزقناهم الثناء الحسن والذكر الجميل من الناس إلى قيام الساعة. قوله: "ويعقوب" وقف. و "نبيئاً" أحسن منه و "علياً" أحسن منهما. * * ثم قال تعالى: ﴿وَٱذْكُرْ فِي ٱلْكِتَابِ مُوسَىٰ إِنَّهُ كَانَ مُخْلِصاً﴾. أي: واقصص على قومك يا محمد نبأ موسى، إنه كان مخلصاً لله عبادته وأعماله كلها. هذه على قراءة من كسر "اللام" في "مخلصاً" ومن فتحها فمعناه: إنه كان مختاراً اختاره الله لكلامه ورسالته. ﴿وَكَانَ رَسُولاً نَّبِيّاً﴾ أي: أرسله الله إلى بني إسرائيل، وتنبأه. * * ثم قال تعالى: ﴿وَنَادَيْنَاهُ مِن جَانِبِ ٱلطُّورِ ٱلأَيْمَنِ﴾ أي: وكلمناه من جانب الجبل الأيمن، قاله قتادة. وقال الطبري: يعني بالأيمن هنا: يمين موسى، لأن الجبل لا يمين له ولا شمال. ﴿وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيّاً﴾، أي: وأدنيناه مناجياً. قال ابن عباس: إن الله عز وجل أدناه حتى سمع صريف القلم. وقال أبو صالح: قربه حتى سمع صريف القلم. وعن مجاهد في معنى ﴿وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيّاً﴾ قال: بين السماء الرابعة أو قال السادسة وبين العرش سبعون ألف حجاب، حجاب نور وحجاب ظلمة وحجاب نور وحجاب ظلمة، فما زال يقرب موسى حتى كان بينه وبينه حجاب وسمع صريف القلم، وقال: أرني أنظر إليك. وقال قتادة: ﴿وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيّاً﴾ (نجا بصدقه). وقيل معناه: قربناه في الكرامة والرفعة في منزلة رفيعة، لأن الله تعالى ذكره وجلّ ثناؤه ليس بمحدود، فيكون بعض الأجسام أقرب إليه من بعض. فهو كلام فيه توسع. فقد يقرب الرجل عبده بإكرامه له، وإن بعد منه ويبعد عبده الآخر بإهانته له وإن قرب مكانه منه، فذلك شائع في اللغة. والمعنى: إنا رفعنا قدره بكلامنا له. * * ثم قال تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ مِن رَّحْمَتِنَآ أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيّاً﴾. أي: وهبنا لموسى - رحمة منا له - أخاه هارون نبياً. أي: أيدناه بنبوته. قال ابن عباس: كان هارون أكبر من موسى، ولكن أراد أنه وهب له نبوته.

مريم 19:54

قوله تعالى ذكره: ﴿وَٱذْكُرْ فِي ٱلْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ﴾ إلى قوله: ﴿سُجَّداً وَبُكِيّاً﴾. المعنى: واقصص عليهم يا محمد، نبأ إسماعيل، إنه كان صادق الوعد، أي: لا يخلف وعده. قال ابن جريج: لم يعد ربه عدة إلا أنجزها. وقيل: إن هذا مما يدل على أنه هو الذبيح، لأنه وعد من نفسه الصبر على الذبح، فصبر حتى فداه الله. قال سهل بن عقيل: وعد إسماعيل رجلاً مكانه أن يأتيه، فجاءه إسماعيل، ونسي الرجل، وظن أنه قد اشتغل، فبات إسماعيل في المكان حتى جاء الرجل من الغد. فقال له الرجل: ما برحت من ها هنا؟ فقال إسماعيل: لا والله. فقال الرجل: إني نسيت. فقال إسماعيل إني لم أكن لأبرح حتى تأتينَي، فذلك قوله "كان صادق الوعد". وروي أن إبليس اللعين تمثّل له، فوقع بينهما موعد ألا يبرح إسماعيل حتى يعود إليه. فكان في اعتقاد إسماعيل أن ينتظر سنة فأتاه جبريل ﷺ فأعلمه أنه إبليس، فذهب وأرسله الله إلى جرهم. * * وقوله: ﴿وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِٱلصَّـلاَةِ وَٱلزَّكَـاةِ﴾. يعني أمته كلها، ذات نسب وغير ذات نسب. ﴿وَكَانَ عِندَ رَبِّهِ مَرْضِيّاً﴾ . أي: محموداً فيما كلفه، غير مقصر. و "مرضي" مفعول، والأصل فيه عند سيبويه. "مرضو". ولكن أبدلوا من الواو ياء لأنها أخف، ولأنها واو قبلها ضمة، وليس ذلك في كلامهم فأبدل ولم يعتد بالساكن الذي قبل الواو المضمومة. ومثله قولهم مسنية، أصلها مسنوة. وقال الكسائي والفراء: من قال "مرضى" بناه على رضيت وقالا وأهل الحجاز يقولون "مرضو". وحكيا أنَّ من العرب من يُثني رضاً على رضوان، ورضيان، وربوان، وربيان. فمرضي على رضيان. ومرضو على رضوان. ولا يعرف البصريون في التثنية إلا رضوان بالواو. وربوان بالواو. * * ثم قال تعالى: ﴿وَٱذْكُرْ فِي ٱلْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقاً نَّبِيَّاً﴾. أي: واقصص نبأ إدريس، إنه كان لا يقول إلا الحق فيما يوحى إليه، وفي غيره "نبيئاً" تنبأه الله. كان إدريس خياطاً، وكان كلما وخز وخزة بالإبرة سبّح الله، وهو أول من خاط الثياب، وبينه وبين آدم خمسة آباء. * * ثم قال: ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَاناً عَلِيّاً﴾ قال كعب: أوحى الله إليه أني أرفع لك كل يوم مثل عمل بني آدم، فأحب أن يزداد عملاً فأتاه خليل له من الملائكة، فقال: إن الله أوحى إليّ كذا وكذا، فكلم لي ملك الموت فليؤخرني حتى أزداد عملاً، فحمله بين جناحيه ثم صعد به إلى السماء، فلما كان في السماء الرابعة تلقاه ملك الموت منحدراً، فكلم ملك الموت في الذي كلّمه فيه إدريس فقال: وأين إدريس؟ فقال هو ذا على ظهري. فقال ملك الموت: فالعجب، بعثت، وقيل لي: اقبض روحه في السماء الرابعة وهو في الأرض، فجعلت أقول: كيف أقبض روحه في السماء الرابعة وهو في الأرض. فقبض روحه هناك، فذلك قوله: ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَاناً عَلِيّاً﴾. وقيل: إن الله جلّ ذكره جعله في السماء الرابعة قاضياً كالملك في وسط ملكه وجعل خزائن السماوات بيده. وقيل: رفع إلى السماء السادسة. وقال مجاهد: رفع إدريس ولم يمت كما رفع عيسى. وقال مجاهد وقتادة: رفع إلى السماء الرابعة. وروي قتادة عن أنس أن النبي ﷺ قال لما عرج به إلى السماء، قال: "أتيت على إدريس في السماء الرابعة وقيل: ﴿مَكَاناً عَلِيّاً﴾ عنى به في النبوة والعلم. وسأل ابن عباس كعباً عن إدريس وما يجد من خبرة في التوراة فقال: إن في كتاب الله أن إدريس كان يعرج بعمله إلى السماء، فيعدل عمله عمل جميع أهل الأرض. فاستأذن فيه ملك من الملائكة أن يؤاخيه، فأذن الله له أن يؤاخيه، فسأله إدريس. أي أخي، هل بينك وبين ملك الموت إخاء؟ قال: نعم، ذلك أخي دون الملائكة، وهم متآخون كما يتآخى بنو آدم فقال: هل لك أن تسأله كم بقي من عمري لكي أزداد في العمل؟. قال إن شئت سألته وأنت تسمع. قال: فحمله الملك تحت جناحيه حتى صعد به إلى السماء [فقال لملك الموت] أي أخي، كم بقي من أجل إدريس؟ فقال: ما أدري حتى أنظره قال: فنظر فقال: إنك تسألني عن رجل ما بقي من أجله إلا طرفة عين. فنظر الملك تحت جناحه، فإذا إدريس قد قبض وهو لا يشعر. ذكر ذلك ابن وهب. وروى ابن وهب أيضاً عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه قال: إن إدريس أقدم من نوح، بعثه الله إلى قومه فأمرهم أن يقولوا: لا إله إلا الله ويعملوا بما شاءوا فأبوا، فأهلكهم الله. وروى أن ادريس سَار ذات يوم في حاجته فأدركه وهج الشمس فقال: يا رب، إني مشيت في الشمس يوماً. فآذاني حرّها، فكيف بمن يحملها مسيرة خمس مائة عام في يوم واحد، اللّهم خفف عن من يحملها، واحمل عنه حرها. فلما أصبح الملك، وجد خفة فسأل الله عن ذلك، فأعلمه أن إدريس دعا له في ذلك، فسأل الله أن يجمع بينه وبينه، وأن يجعل بينه وبينه خلة، فأذن الله له في ذلك. * * ثم قال تعالى: ﴿أُولَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ ٱلنَّبِيِّيْنَ﴾. المعنى: أولئك الذين قصصت عليك، أنباءهم، هم الذي أنعم الله عليهم بتوفيقه، فهداهم لطريق الرشد من الأنبياء ﴿مِن ذُرِّيَّةِ ءَادَمَ﴾. يعني إدريس. و ﴿وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ﴾ (أي ومن ذرية من حملنا مع نوح في الفلك، يعني: إبراهيم). ﴿وَمِن ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ﴾ يعني يعقوب من ذرية إبراهيم وإسماعيل من ذرية إبراهيم، ومن ذريته أيضاً هارون وموسى، وزكريا، وعيسى، وأمه. ﴿وَمِمَّنْ هَدَيْنَا﴾ للإيمان والعمل الصالح. ﴿وَٱجْتَبَيْنَآ﴾ أي: واصطفيا للرسالة والوحي. * * ثم قال تعالى: ﴿إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُ ٱلرَّحْمَـٰنِ﴾. أي: أدلته وحججه التي أنزلها في كتابه. ﴿خَرُّواْ سُجَّداً﴾ أي خضعاً. ﴿وَبُكِيّاً﴾ أي باكين. فبكى يجوز أن يكون مصدراً لبكى يبكي بكياً. بمعنى: بكاء. ويكون أصله بكوياً. كجلس يجلس جلوساً. ثم نقل ورد إلى الياء، على أصل اجتماع الواو والياء. والأول ساكن، ويكسر ما قبلها، لأنه ليس من كلامهم ياء ساكنة قبلها ضمة، ومن كسر أوله، اتبع الكسر الكسر والياء. ويجوز أن يكون جمع باكٍ على فعول، كما قالوا شاهد وشهود. فأما العتي والجثي فهما جمع جاث وعات على فعول، ثم غير على ما تقدم في "مرضي". لأن لامه واو. فهو مخالف لبكياً. إذ لامه ياء، ولام جثياً وعتياً واو، لأن ذلك من بكى يبكي، وهذين من جثا يجثو، وعتا يعتو، فقس على هذا ياءات هذه السورة وغيرها. وقرأ عمر بن الخطاب رضي الله عنه سورة "مريم" فسجد فقال "هذا السجود، فأين البكي" وهذا يدل على أنه مصدر لا جمع يريد به فأين البكاء.

مريم 19:55

قوله تعالى ذكره: ﴿وَٱذْكُرْ فِي ٱلْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ﴾ إلى قوله: ﴿سُجَّداً وَبُكِيّاً﴾. المعنى: واقصص عليهم يا محمد، نبأ إسماعيل، إنه كان صادق الوعد، أي: لا يخلف وعده. قال ابن جريج: لم يعد ربه عدة إلا أنجزها. وقيل: إن هذا مما يدل على أنه هو الذبيح، لأنه وعد من نفسه الصبر على الذبح، فصبر حتى فداه الله. قال سهل بن عقيل: وعد إسماعيل رجلاً مكانه أن يأتيه، فجاءه إسماعيل، ونسي الرجل، وظن أنه قد اشتغل، فبات إسماعيل في المكان حتى جاء الرجل من الغد. فقال له الرجل: ما برحت من ها هنا؟ فقال إسماعيل: لا والله. فقال الرجل: إني نسيت. فقال إسماعيل إني لم أكن لأبرح حتى تأتينَي، فذلك قوله "كان صادق الوعد". وروي أن إبليس اللعين تمثّل له، فوقع بينهما موعد ألا يبرح إسماعيل حتى يعود إليه. فكان في اعتقاد إسماعيل أن ينتظر سنة فأتاه جبريل ﷺ فأعلمه أنه إبليس، فذهب وأرسله الله إلى جرهم. * * وقوله: ﴿وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِٱلصَّـلاَةِ وَٱلزَّكَـاةِ﴾. يعني أمته كلها، ذات نسب وغير ذات نسب. ﴿وَكَانَ عِندَ رَبِّهِ مَرْضِيّاً﴾ . أي: محموداً فيما كلفه، غير مقصر. و "مرضي" مفعول، والأصل فيه عند سيبويه. "مرضو". ولكن أبدلوا من الواو ياء لأنها أخف، ولأنها واو قبلها ضمة، وليس ذلك في كلامهم فأبدل ولم يعتد بالساكن الذي قبل الواو المضمومة. ومثله قولهم مسنية، أصلها مسنوة. وقال الكسائي والفراء: من قال "مرضى" بناه على رضيت وقالا وأهل الحجاز يقولون "مرضو". وحكيا أنَّ من العرب من يُثني رضاً على رضوان، ورضيان، وربوان، وربيان. فمرضي على رضيان. ومرضو على رضوان. ولا يعرف البصريون في التثنية إلا رضوان بالواو. وربوان بالواو. * * ثم قال تعالى: ﴿وَٱذْكُرْ فِي ٱلْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقاً نَّبِيَّاً﴾. أي: واقصص نبأ إدريس، إنه كان لا يقول إلا الحق فيما يوحى إليه، وفي غيره "نبيئاً" تنبأه الله. كان إدريس خياطاً، وكان كلما وخز وخزة بالإبرة سبّح الله، وهو أول من خاط الثياب، وبينه وبين آدم خمسة آباء. * * ثم قال: ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَاناً عَلِيّاً﴾ قال كعب: أوحى الله إليه أني أرفع لك كل يوم مثل عمل بني آدم، فأحب أن يزداد عملاً فأتاه خليل له من الملائكة، فقال: إن الله أوحى إليّ كذا وكذا، فكلم لي ملك الموت فليؤخرني حتى أزداد عملاً، فحمله بين جناحيه ثم صعد به إلى السماء، فلما كان في السماء الرابعة تلقاه ملك الموت منحدراً، فكلم ملك الموت في الذي كلّمه فيه إدريس فقال: وأين إدريس؟ فقال هو ذا على ظهري. فقال ملك الموت: فالعجب، بعثت، وقيل لي: اقبض روحه في السماء الرابعة وهو في الأرض، فجعلت أقول: كيف أقبض روحه في السماء الرابعة وهو في الأرض. فقبض روحه هناك، فذلك قوله: ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَاناً عَلِيّاً﴾. وقيل: إن الله جلّ ذكره جعله في السماء الرابعة قاضياً كالملك في وسط ملكه وجعل خزائن السماوات بيده. وقيل: رفع إلى السماء السادسة. وقال مجاهد: رفع إدريس ولم يمت كما رفع عيسى. وقال مجاهد وقتادة: رفع إلى السماء الرابعة. وروي قتادة عن أنس أن النبي ﷺ قال لما عرج به إلى السماء، قال: "أتيت على إدريس في السماء الرابعة وقيل: ﴿مَكَاناً عَلِيّاً﴾ عنى به في النبوة والعلم. وسأل ابن عباس كعباً عن إدريس وما يجد من خبرة في التوراة فقال: إن في كتاب الله أن إدريس كان يعرج بعمله إلى السماء، فيعدل عمله عمل جميع أهل الأرض. فاستأذن فيه ملك من الملائكة أن يؤاخيه، فأذن الله له أن يؤاخيه، فسأله إدريس. أي أخي، هل بينك وبين ملك الموت إخاء؟ قال: نعم، ذلك أخي دون الملائكة، وهم متآخون كما يتآخى بنو آدم فقال: هل لك أن تسأله كم بقي من عمري لكي أزداد في العمل؟. قال إن شئت سألته وأنت تسمع. قال: فحمله الملك تحت جناحيه حتى صعد به إلى السماء [فقال لملك الموت] أي أخي، كم بقي من أجل إدريس؟ فقال: ما أدري حتى أنظره قال: فنظر فقال: إنك تسألني عن رجل ما بقي من أجله إلا طرفة عين. فنظر الملك تحت جناحه، فإذا إدريس قد قبض وهو لا يشعر. ذكر ذلك ابن وهب. وروى ابن وهب أيضاً عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه قال: إن إدريس أقدم من نوح، بعثه الله إلى قومه فأمرهم أن يقولوا: لا إله إلا الله ويعملوا بما شاءوا فأبوا، فأهلكهم الله. وروى أن ادريس سَار ذات يوم في حاجته فأدركه وهج الشمس فقال: يا رب، إني مشيت في الشمس يوماً. فآذاني حرّها، فكيف بمن يحملها مسيرة خمس مائة عام في يوم واحد، اللّهم خفف عن من يحملها، واحمل عنه حرها. فلما أصبح الملك، وجد خفة فسأل الله عن ذلك، فأعلمه أن إدريس دعا له في ذلك، فسأل الله أن يجمع بينه وبينه، وأن يجعل بينه وبينه خلة، فأذن الله له في ذلك. * * ثم قال تعالى: ﴿أُولَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ ٱلنَّبِيِّيْنَ﴾. المعنى: أولئك الذين قصصت عليك، أنباءهم، هم الذي أنعم الله عليهم بتوفيقه، فهداهم لطريق الرشد من الأنبياء ﴿مِن ذُرِّيَّةِ ءَادَمَ﴾. يعني إدريس. و ﴿وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ﴾ (أي ومن ذرية من حملنا مع نوح في الفلك، يعني: إبراهيم). ﴿وَمِن ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ﴾ يعني يعقوب من ذرية إبراهيم وإسماعيل من ذرية إبراهيم، ومن ذريته أيضاً هارون وموسى، وزكريا، وعيسى، وأمه. ﴿وَمِمَّنْ هَدَيْنَا﴾ للإيمان والعمل الصالح. ﴿وَٱجْتَبَيْنَآ﴾ أي: واصطفيا للرسالة والوحي. * * ثم قال تعالى: ﴿إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُ ٱلرَّحْمَـٰنِ﴾. أي: أدلته وحججه التي أنزلها في كتابه. ﴿خَرُّواْ سُجَّداً﴾ أي خضعاً. ﴿وَبُكِيّاً﴾ أي باكين. فبكى يجوز أن يكون مصدراً لبكى يبكي بكياً. بمعنى: بكاء. ويكون أصله بكوياً. كجلس يجلس جلوساً. ثم نقل ورد إلى الياء، على أصل اجتماع الواو والياء. والأول ساكن، ويكسر ما قبلها، لأنه ليس من كلامهم ياء ساكنة قبلها ضمة، ومن كسر أوله، اتبع الكسر الكسر والياء. ويجوز أن يكون جمع باكٍ على فعول، كما قالوا شاهد وشهود. فأما العتي والجثي فهما جمع جاث وعات على فعول، ثم غير على ما تقدم في "مرضي". لأن لامه واو. فهو مخالف لبكياً. إذ لامه ياء، ولام جثياً وعتياً واو، لأن ذلك من بكى يبكي، وهذين من جثا يجثو، وعتا يعتو، فقس على هذا ياءات هذه السورة وغيرها. وقرأ عمر بن الخطاب رضي الله عنه سورة "مريم" فسجد فقال "هذا السجود، فأين البكي" وهذا يدل على أنه مصدر لا جمع يريد به فأين البكاء.

مريم 19:56

قوله تعالى ذكره: ﴿وَٱذْكُرْ فِي ٱلْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ﴾ إلى قوله: ﴿سُجَّداً وَبُكِيّاً﴾. المعنى: واقصص عليهم يا محمد، نبأ إسماعيل، إنه كان صادق الوعد، أي: لا يخلف وعده. قال ابن جريج: لم يعد ربه عدة إلا أنجزها. وقيل: إن هذا مما يدل على أنه هو الذبيح، لأنه وعد من نفسه الصبر على الذبح، فصبر حتى فداه الله. قال سهل بن عقيل: وعد إسماعيل رجلاً مكانه أن يأتيه، فجاءه إسماعيل، ونسي الرجل، وظن أنه قد اشتغل، فبات إسماعيل في المكان حتى جاء الرجل من الغد. فقال له الرجل: ما برحت من ها هنا؟ فقال إسماعيل: لا والله. فقال الرجل: إني نسيت. فقال إسماعيل إني لم أكن لأبرح حتى تأتينَي، فذلك قوله "كان صادق الوعد". وروي أن إبليس اللعين تمثّل له، فوقع بينهما موعد ألا يبرح إسماعيل حتى يعود إليه. فكان في اعتقاد إسماعيل أن ينتظر سنة فأتاه جبريل ﷺ فأعلمه أنه إبليس، فذهب وأرسله الله إلى جرهم. * * وقوله: ﴿وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِٱلصَّـلاَةِ وَٱلزَّكَـاةِ﴾. يعني أمته كلها، ذات نسب وغير ذات نسب. ﴿وَكَانَ عِندَ رَبِّهِ مَرْضِيّاً﴾ . أي: محموداً فيما كلفه، غير مقصر. و "مرضي" مفعول، والأصل فيه عند سيبويه. "مرضو". ولكن أبدلوا من الواو ياء لأنها أخف، ولأنها واو قبلها ضمة، وليس ذلك في كلامهم فأبدل ولم يعتد بالساكن الذي قبل الواو المضمومة. ومثله قولهم مسنية، أصلها مسنوة. وقال الكسائي والفراء: من قال "مرضى" بناه على رضيت وقالا وأهل الحجاز يقولون "مرضو". وحكيا أنَّ من العرب من يُثني رضاً على رضوان، ورضيان، وربوان، وربيان. فمرضي على رضيان. ومرضو على رضوان. ولا يعرف البصريون في التثنية إلا رضوان بالواو. وربوان بالواو. * * ثم قال تعالى: ﴿وَٱذْكُرْ فِي ٱلْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقاً نَّبِيَّاً﴾. أي: واقصص نبأ إدريس، إنه كان لا يقول إلا الحق فيما يوحى إليه، وفي غيره "نبيئاً" تنبأه الله. كان إدريس خياطاً، وكان كلما وخز وخزة بالإبرة سبّح الله، وهو أول من خاط الثياب، وبينه وبين آدم خمسة آباء. * * ثم قال: ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَاناً عَلِيّاً﴾ قال كعب: أوحى الله إليه أني أرفع لك كل يوم مثل عمل بني آدم، فأحب أن يزداد عملاً فأتاه خليل له من الملائكة، فقال: إن الله أوحى إليّ كذا وكذا، فكلم لي ملك الموت فليؤخرني حتى أزداد عملاً، فحمله بين جناحيه ثم صعد به إلى السماء، فلما كان في السماء الرابعة تلقاه ملك الموت منحدراً، فكلم ملك الموت في الذي كلّمه فيه إدريس فقال: وأين إدريس؟ فقال هو ذا على ظهري. فقال ملك الموت: فالعجب، بعثت، وقيل لي: اقبض روحه في السماء الرابعة وهو في الأرض، فجعلت أقول: كيف أقبض روحه في السماء الرابعة وهو في الأرض. فقبض روحه هناك، فذلك قوله: ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَاناً عَلِيّاً﴾. وقيل: إن الله جلّ ذكره جعله في السماء الرابعة قاضياً كالملك في وسط ملكه وجعل خزائن السماوات بيده. وقيل: رفع إلى السماء السادسة. وقال مجاهد: رفع إدريس ولم يمت كما رفع عيسى. وقال مجاهد وقتادة: رفع إلى السماء الرابعة. وروي قتادة عن أنس أن النبي ﷺ قال لما عرج به إلى السماء، قال: "أتيت على إدريس في السماء الرابعة وقيل: ﴿مَكَاناً عَلِيّاً﴾ عنى به في النبوة والعلم. وسأل ابن عباس كعباً عن إدريس وما يجد من خبرة في التوراة فقال: إن في كتاب الله أن إدريس كان يعرج بعمله إلى السماء، فيعدل عمله عمل جميع أهل الأرض. فاستأذن فيه ملك من الملائكة أن يؤاخيه، فأذن الله له أن يؤاخيه، فسأله إدريس. أي أخي، هل بينك وبين ملك الموت إخاء؟ قال: نعم، ذلك أخي دون الملائكة، وهم متآخون كما يتآخى بنو آدم فقال: هل لك أن تسأله كم بقي من عمري لكي أزداد في العمل؟. قال إن شئت سألته وأنت تسمع. قال: فحمله الملك تحت جناحيه حتى صعد به إلى السماء [فقال لملك الموت] أي أخي، كم بقي من أجل إدريس؟ فقال: ما أدري حتى أنظره قال: فنظر فقال: إنك تسألني عن رجل ما بقي من أجله إلا طرفة عين. فنظر الملك تحت جناحه، فإذا إدريس قد قبض وهو لا يشعر. ذكر ذلك ابن وهب. وروى ابن وهب أيضاً عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه قال: إن إدريس أقدم من نوح، بعثه الله إلى قومه فأمرهم أن يقولوا: لا إله إلا الله ويعملوا بما شاءوا فأبوا، فأهلكهم الله. وروى أن ادريس سَار ذات يوم في حاجته فأدركه وهج الشمس فقال: يا رب، إني مشيت في الشمس يوماً. فآذاني حرّها، فكيف بمن يحملها مسيرة خمس مائة عام في يوم واحد، اللّهم خفف عن من يحملها، واحمل عنه حرها. فلما أصبح الملك، وجد خفة فسأل الله عن ذلك، فأعلمه أن إدريس دعا له في ذلك، فسأل الله أن يجمع بينه وبينه، وأن يجعل بينه وبينه خلة، فأذن الله له في ذلك. * * ثم قال تعالى: ﴿أُولَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ ٱلنَّبِيِّيْنَ﴾. المعنى: أولئك الذين قصصت عليك، أنباءهم، هم الذي أنعم الله عليهم بتوفيقه، فهداهم لطريق الرشد من الأنبياء ﴿مِن ذُرِّيَّةِ ءَادَمَ﴾. يعني إدريس. و ﴿وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ﴾ (أي ومن ذرية من حملنا مع نوح في الفلك، يعني: إبراهيم). ﴿وَمِن ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ﴾ يعني يعقوب من ذرية إبراهيم وإسماعيل من ذرية إبراهيم، ومن ذريته أيضاً هارون وموسى، وزكريا، وعيسى، وأمه. ﴿وَمِمَّنْ هَدَيْنَا﴾ للإيمان والعمل الصالح. ﴿وَٱجْتَبَيْنَآ﴾ أي: واصطفيا للرسالة والوحي. * * ثم قال تعالى: ﴿إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُ ٱلرَّحْمَـٰنِ﴾. أي: أدلته وحججه التي أنزلها في كتابه. ﴿خَرُّواْ سُجَّداً﴾ أي خضعاً. ﴿وَبُكِيّاً﴾ أي باكين. فبكى يجوز أن يكون مصدراً لبكى يبكي بكياً. بمعنى: بكاء. ويكون أصله بكوياً. كجلس يجلس جلوساً. ثم نقل ورد إلى الياء، على أصل اجتماع الواو والياء. والأول ساكن، ويكسر ما قبلها، لأنه ليس من كلامهم ياء ساكنة قبلها ضمة، ومن كسر أوله، اتبع الكسر الكسر والياء. ويجوز أن يكون جمع باكٍ على فعول، كما قالوا شاهد وشهود. فأما العتي والجثي فهما جمع جاث وعات على فعول، ثم غير على ما تقدم في "مرضي". لأن لامه واو. فهو مخالف لبكياً. إذ لامه ياء، ولام جثياً وعتياً واو، لأن ذلك من بكى يبكي، وهذين من جثا يجثو، وعتا يعتو، فقس على هذا ياءات هذه السورة وغيرها. وقرأ عمر بن الخطاب رضي الله عنه سورة "مريم" فسجد فقال "هذا السجود، فأين البكي" وهذا يدل على أنه مصدر لا جمع يريد به فأين البكاء.

مريم 19:57

قوله تعالى ذكره: ﴿وَٱذْكُرْ فِي ٱلْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ﴾ إلى قوله: ﴿سُجَّداً وَبُكِيّاً﴾. المعنى: واقصص عليهم يا محمد، نبأ إسماعيل، إنه كان صادق الوعد، أي: لا يخلف وعده. قال ابن جريج: لم يعد ربه عدة إلا أنجزها. وقيل: إن هذا مما يدل على أنه هو الذبيح، لأنه وعد من نفسه الصبر على الذبح، فصبر حتى فداه الله. قال سهل بن عقيل: وعد إسماعيل رجلاً مكانه أن يأتيه، فجاءه إسماعيل، ونسي الرجل، وظن أنه قد اشتغل، فبات إسماعيل في المكان حتى جاء الرجل من الغد. فقال له الرجل: ما برحت من ها هنا؟ فقال إسماعيل: لا والله. فقال الرجل: إني نسيت. فقال إسماعيل إني لم أكن لأبرح حتى تأتينَي، فذلك قوله "كان صادق الوعد". وروي أن إبليس اللعين تمثّل له، فوقع بينهما موعد ألا يبرح إسماعيل حتى يعود إليه. فكان في اعتقاد إسماعيل أن ينتظر سنة فأتاه جبريل ﷺ فأعلمه أنه إبليس، فذهب وأرسله الله إلى جرهم. * * وقوله: ﴿وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِٱلصَّـلاَةِ وَٱلزَّكَـاةِ﴾. يعني أمته كلها، ذات نسب وغير ذات نسب. ﴿وَكَانَ عِندَ رَبِّهِ مَرْضِيّاً﴾ . أي: محموداً فيما كلفه، غير مقصر. و "مرضي" مفعول، والأصل فيه عند سيبويه. "مرضو". ولكن أبدلوا من الواو ياء لأنها أخف، ولأنها واو قبلها ضمة، وليس ذلك في كلامهم فأبدل ولم يعتد بالساكن الذي قبل الواو المضمومة. ومثله قولهم مسنية، أصلها مسنوة. وقال الكسائي والفراء: من قال "مرضى" بناه على رضيت وقالا وأهل الحجاز يقولون "مرضو". وحكيا أنَّ من العرب من يُثني رضاً على رضوان، ورضيان، وربوان، وربيان. فمرضي على رضيان. ومرضو على رضوان. ولا يعرف البصريون في التثنية إلا رضوان بالواو. وربوان بالواو. * * ثم قال تعالى: ﴿وَٱذْكُرْ فِي ٱلْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقاً نَّبِيَّاً﴾. أي: واقصص نبأ إدريس، إنه كان لا يقول إلا الحق فيما يوحى إليه، وفي غيره "نبيئاً" تنبأه الله. كان إدريس خياطاً، وكان كلما وخز وخزة بالإبرة سبّح الله، وهو أول من خاط الثياب، وبينه وبين آدم خمسة آباء. * * ثم قال: ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَاناً عَلِيّاً﴾ قال كعب: أوحى الله إليه أني أرفع لك كل يوم مثل عمل بني آدم، فأحب أن يزداد عملاً فأتاه خليل له من الملائكة، فقال: إن الله أوحى إليّ كذا وكذا، فكلم لي ملك الموت فليؤخرني حتى أزداد عملاً، فحمله بين جناحيه ثم صعد به إلى السماء، فلما كان في السماء الرابعة تلقاه ملك الموت منحدراً، فكلم ملك الموت في الذي كلّمه فيه إدريس فقال: وأين إدريس؟ فقال هو ذا على ظهري. فقال ملك الموت: فالعجب، بعثت، وقيل لي: اقبض روحه في السماء الرابعة وهو في الأرض، فجعلت أقول: كيف أقبض روحه في السماء الرابعة وهو في الأرض. فقبض روحه هناك، فذلك قوله: ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَاناً عَلِيّاً﴾. وقيل: إن الله جلّ ذكره جعله في السماء الرابعة قاضياً كالملك في وسط ملكه وجعل خزائن السماوات بيده. وقيل: رفع إلى السماء السادسة. وقال مجاهد: رفع إدريس ولم يمت كما رفع عيسى. وقال مجاهد وقتادة: رفع إلى السماء الرابعة. وروي قتادة عن أنس أن النبي ﷺ قال لما عرج به إلى السماء، قال: "أتيت على إدريس في السماء الرابعة وقيل: ﴿مَكَاناً عَلِيّاً﴾ عنى به في النبوة والعلم. وسأل ابن عباس كعباً عن إدريس وما يجد من خبرة في التوراة فقال: إن في كتاب الله أن إدريس كان يعرج بعمله إلى السماء، فيعدل عمله عمل جميع أهل الأرض. فاستأذن فيه ملك من الملائكة أن يؤاخيه، فأذن الله له أن يؤاخيه، فسأله إدريس. أي أخي، هل بينك وبين ملك الموت إخاء؟ قال: نعم، ذلك أخي دون الملائكة، وهم متآخون كما يتآخى بنو آدم فقال: هل لك أن تسأله كم بقي من عمري لكي أزداد في العمل؟. قال إن شئت سألته وأنت تسمع. قال: فحمله الملك تحت جناحيه حتى صعد به إلى السماء [فقال لملك الموت] أي أخي، كم بقي من أجل إدريس؟ فقال: ما أدري حتى أنظره قال: فنظر فقال: إنك تسألني عن رجل ما بقي من أجله إلا طرفة عين. فنظر الملك تحت جناحه، فإذا إدريس قد قبض وهو لا يشعر. ذكر ذلك ابن وهب. وروى ابن وهب أيضاً عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه قال: إن إدريس أقدم من نوح، بعثه الله إلى قومه فأمرهم أن يقولوا: لا إله إلا الله ويعملوا بما شاءوا فأبوا، فأهلكهم الله. وروى أن ادريس سَار ذات يوم في حاجته فأدركه وهج الشمس فقال: يا رب، إني مشيت في الشمس يوماً. فآذاني حرّها، فكيف بمن يحملها مسيرة خمس مائة عام في يوم واحد، اللّهم خفف عن من يحملها، واحمل عنه حرها. فلما أصبح الملك، وجد خفة فسأل الله عن ذلك، فأعلمه أن إدريس دعا له في ذلك، فسأل الله أن يجمع بينه وبينه، وأن يجعل بينه وبينه خلة، فأذن الله له في ذلك. * * ثم قال تعالى: ﴿أُولَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ ٱلنَّبِيِّيْنَ﴾. المعنى: أولئك الذين قصصت عليك، أنباءهم، هم الذي أنعم الله عليهم بتوفيقه، فهداهم لطريق الرشد من الأنبياء ﴿مِن ذُرِّيَّةِ ءَادَمَ﴾. يعني إدريس. و ﴿وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ﴾ (أي ومن ذرية من حملنا مع نوح في الفلك، يعني: إبراهيم). ﴿وَمِن ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ﴾ يعني يعقوب من ذرية إبراهيم وإسماعيل من ذرية إبراهيم، ومن ذريته أيضاً هارون وموسى، وزكريا، وعيسى، وأمه. ﴿وَمِمَّنْ هَدَيْنَا﴾ للإيمان والعمل الصالح. ﴿وَٱجْتَبَيْنَآ﴾ أي: واصطفيا للرسالة والوحي. * * ثم قال تعالى: ﴿إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُ ٱلرَّحْمَـٰنِ﴾. أي: أدلته وحججه التي أنزلها في كتابه. ﴿خَرُّواْ سُجَّداً﴾ أي خضعاً. ﴿وَبُكِيّاً﴾ أي باكين. فبكى يجوز أن يكون مصدراً لبكى يبكي بكياً. بمعنى: بكاء. ويكون أصله بكوياً. كجلس يجلس جلوساً. ثم نقل ورد إلى الياء، على أصل اجتماع الواو والياء. والأول ساكن، ويكسر ما قبلها، لأنه ليس من كلامهم ياء ساكنة قبلها ضمة، ومن كسر أوله، اتبع الكسر الكسر والياء. ويجوز أن يكون جمع باكٍ على فعول، كما قالوا شاهد وشهود. فأما العتي والجثي فهما جمع جاث وعات على فعول، ثم غير على ما تقدم في "مرضي". لأن لامه واو. فهو مخالف لبكياً. إذ لامه ياء، ولام جثياً وعتياً واو، لأن ذلك من بكى يبكي، وهذين من جثا يجثو، وعتا يعتو، فقس على هذا ياءات هذه السورة وغيرها. وقرأ عمر بن الخطاب رضي الله عنه سورة "مريم" فسجد فقال "هذا السجود، فأين البكي" وهذا يدل على أنه مصدر لا جمع يريد به فأين البكاء.

مريم 19:58

قوله تعالى ذكره: ﴿وَٱذْكُرْ فِي ٱلْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ﴾ إلى قوله: ﴿سُجَّداً وَبُكِيّاً﴾. المعنى: واقصص عليهم يا محمد، نبأ إسماعيل، إنه كان صادق الوعد، أي: لا يخلف وعده. قال ابن جريج: لم يعد ربه عدة إلا أنجزها. وقيل: إن هذا مما يدل على أنه هو الذبيح، لأنه وعد من نفسه الصبر على الذبح، فصبر حتى فداه الله. قال سهل بن عقيل: وعد إسماعيل رجلاً مكانه أن يأتيه، فجاءه إسماعيل، ونسي الرجل، وظن أنه قد اشتغل، فبات إسماعيل في المكان حتى جاء الرجل من الغد. فقال له الرجل: ما برحت من ها هنا؟ فقال إسماعيل: لا والله. فقال الرجل: إني نسيت. فقال إسماعيل إني لم أكن لأبرح حتى تأتينَي، فذلك قوله "كان صادق الوعد". وروي أن إبليس اللعين تمثّل له، فوقع بينهما موعد ألا يبرح إسماعيل حتى يعود إليه. فكان في اعتقاد إسماعيل أن ينتظر سنة فأتاه جبريل ﷺ فأعلمه أنه إبليس، فذهب وأرسله الله إلى جرهم. * * وقوله: ﴿وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِٱلصَّـلاَةِ وَٱلزَّكَـاةِ﴾. يعني أمته كلها، ذات نسب وغير ذات نسب. ﴿وَكَانَ عِندَ رَبِّهِ مَرْضِيّاً﴾ . أي: محموداً فيما كلفه، غير مقصر. و "مرضي" مفعول، والأصل فيه عند سيبويه. "مرضو". ولكن أبدلوا من الواو ياء لأنها أخف، ولأنها واو قبلها ضمة، وليس ذلك في كلامهم فأبدل ولم يعتد بالساكن الذي قبل الواو المضمومة. ومثله قولهم مسنية، أصلها مسنوة. وقال الكسائي والفراء: من قال "مرضى" بناه على رضيت وقالا وأهل الحجاز يقولون "مرضو". وحكيا أنَّ من العرب من يُثني رضاً على رضوان، ورضيان، وربوان، وربيان. فمرضي على رضيان. ومرضو على رضوان. ولا يعرف البصريون في التثنية إلا رضوان بالواو. وربوان بالواو. * * ثم قال تعالى: ﴿وَٱذْكُرْ فِي ٱلْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقاً نَّبِيَّاً﴾. أي: واقصص نبأ إدريس، إنه كان لا يقول إلا الحق فيما يوحى إليه، وفي غيره "نبيئاً" تنبأه الله. كان إدريس خياطاً، وكان كلما وخز وخزة بالإبرة سبّح الله، وهو أول من خاط الثياب، وبينه وبين آدم خمسة آباء. * * ثم قال: ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَاناً عَلِيّاً﴾ قال كعب: أوحى الله إليه أني أرفع لك كل يوم مثل عمل بني آدم، فأحب أن يزداد عملاً فأتاه خليل له من الملائكة، فقال: إن الله أوحى إليّ كذا وكذا، فكلم لي ملك الموت فليؤخرني حتى أزداد عملاً، فحمله بين جناحيه ثم صعد به إلى السماء، فلما كان في السماء الرابعة تلقاه ملك الموت منحدراً، فكلم ملك الموت في الذي كلّمه فيه إدريس فقال: وأين إدريس؟ فقال هو ذا على ظهري. فقال ملك الموت: فالعجب، بعثت، وقيل لي: اقبض روحه في السماء الرابعة وهو في الأرض، فجعلت أقول: كيف أقبض روحه في السماء الرابعة وهو في الأرض. فقبض روحه هناك، فذلك قوله: ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَاناً عَلِيّاً﴾. وقيل: إن الله جلّ ذكره جعله في السماء الرابعة قاضياً كالملك في وسط ملكه وجعل خزائن السماوات بيده. وقيل: رفع إلى السماء السادسة. وقال مجاهد: رفع إدريس ولم يمت كما رفع عيسى. وقال مجاهد وقتادة: رفع إلى السماء الرابعة. وروي قتادة عن أنس أن النبي ﷺ قال لما عرج به إلى السماء، قال: "أتيت على إدريس في السماء الرابعة وقيل: ﴿مَكَاناً عَلِيّاً﴾ عنى به في النبوة والعلم. وسأل ابن عباس كعباً عن إدريس وما يجد من خبرة في التوراة فقال: إن في كتاب الله أن إدريس كان يعرج بعمله إلى السماء، فيعدل عمله عمل جميع أهل الأرض. فاستأذن فيه ملك من الملائكة أن يؤاخيه، فأذن الله له أن يؤاخيه، فسأله إدريس. أي أخي، هل بينك وبين ملك الموت إخاء؟ قال: نعم، ذلك أخي دون الملائكة، وهم متآخون كما يتآخى بنو آدم فقال: هل لك أن تسأله كم بقي من عمري لكي أزداد في العمل؟. قال إن شئت سألته وأنت تسمع. قال: فحمله الملك تحت جناحيه حتى صعد به إلى السماء [فقال لملك الموت] أي أخي، كم بقي من أجل إدريس؟ فقال: ما أدري حتى أنظره قال: فنظر فقال: إنك تسألني عن رجل ما بقي من أجله إلا طرفة عين. فنظر الملك تحت جناحه، فإذا إدريس قد قبض وهو لا يشعر. ذكر ذلك ابن وهب. وروى ابن وهب أيضاً عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه قال: إن إدريس أقدم من نوح، بعثه الله إلى قومه فأمرهم أن يقولوا: لا إله إلا الله ويعملوا بما شاءوا فأبوا، فأهلكهم الله. وروى أن ادريس سَار ذات يوم في حاجته فأدركه وهج الشمس فقال: يا رب، إني مشيت في الشمس يوماً. فآذاني حرّها، فكيف بمن يحملها مسيرة خمس مائة عام في يوم واحد، اللّهم خفف عن من يحملها، واحمل عنه حرها. فلما أصبح الملك، وجد خفة فسأل الله عن ذلك، فأعلمه أن إدريس دعا له في ذلك، فسأل الله أن يجمع بينه وبينه، وأن يجعل بينه وبينه خلة، فأذن الله له في ذلك. * * ثم قال تعالى: ﴿أُولَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ ٱلنَّبِيِّيْنَ﴾. المعنى: أولئك الذين قصصت عليك، أنباءهم، هم الذي أنعم الله عليهم بتوفيقه، فهداهم لطريق الرشد من الأنبياء ﴿مِن ذُرِّيَّةِ ءَادَمَ﴾. يعني إدريس. و ﴿وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ﴾ (أي ومن ذرية من حملنا مع نوح في الفلك، يعني: إبراهيم). ﴿وَمِن ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ﴾ يعني يعقوب من ذرية إبراهيم وإسماعيل من ذرية إبراهيم، ومن ذريته أيضاً هارون وموسى، وزكريا، وعيسى، وأمه. ﴿وَمِمَّنْ هَدَيْنَا﴾ للإيمان والعمل الصالح. ﴿وَٱجْتَبَيْنَآ﴾ أي: واصطفيا للرسالة والوحي. * * ثم قال تعالى: ﴿إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُ ٱلرَّحْمَـٰنِ﴾. أي: أدلته وحججه التي أنزلها في كتابه. ﴿خَرُّواْ سُجَّداً﴾ أي خضعاً. ﴿وَبُكِيّاً﴾ أي باكين. فبكى يجوز أن يكون مصدراً لبكى يبكي بكياً. بمعنى: بكاء. ويكون أصله بكوياً. كجلس يجلس جلوساً. ثم نقل ورد إلى الياء، على أصل اجتماع الواو والياء. والأول ساكن، ويكسر ما قبلها، لأنه ليس من كلامهم ياء ساكنة قبلها ضمة، ومن كسر أوله، اتبع الكسر الكسر والياء. ويجوز أن يكون جمع باكٍ على فعول، كما قالوا شاهد وشهود. فأما العتي والجثي فهما جمع جاث وعات على فعول، ثم غير على ما تقدم في "مرضي". لأن لامه واو. فهو مخالف لبكياً. إذ لامه ياء، ولام جثياً وعتياً واو، لأن ذلك من بكى يبكي، وهذين من جثا يجثو، وعتا يعتو، فقس على هذا ياءات هذه السورة وغيرها. وقرأ عمر بن الخطاب رضي الله عنه سورة "مريم" فسجد فقال "هذا السجود، فأين البكي" وهذا يدل على أنه مصدر لا جمع يريد به فأين البكاء.

مريم 19:59

قوله تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُواْ ٱلصَّلَٰوةَ﴾. إلى قوله: ﴿وَعْدُهُ مَأْتِيّاً﴾. المعنى: فخلف من بعد من ذكرنا من الأنبياء، خلف سوء خلفوهم في الأرض. يقال في الردئ "خَلْف" بإسكان اللام، وفي الصلاح "خَلَفْ" بتحريك اللام. وعن أبي إسحاق ضد هذا. والأول أشهر. * * ثم قال: ﴿أَضَاعُواْ ٱلصَّلَٰوةَ وَٱتَّبَعُواْ ٱلشَّهَوَٰتِ﴾ أي أخروا الصلاة عن مواقيتها، ولم يتركوها، ولو تركوها لكان كفراً. قاله عمر بن عبد العزيز: وهو معنى قول ابن مسعود. وكذلك قال ابن مسعود: في قوله تعالى ذكره: ﴿ٱلَّذِينَ هُمْ عَن صَلاَتِهِمْ سَاهُونَ﴾ [الماعون: ٥] إنه تأخيرها عن وقتها. قال مسروق: لا يحافظ على الصلوات الخمس أحد فيكتب من الغافلين. وروى الخدري أن النبي ﷺ قال: "الخلف من بعد ستين سنة قال أبو محمد مكي رضي الله عنه: وقد ذكر الجعفي في تفسيره عن محمد بن كعب القرظي أنه قال: هم ناس يظهرون في آخر الزمان من قبل المغرب، وهم شر من يملك، وذكر اسمهم. وعن مجاهد، أن الخلف هنا النصارى بعد اليهود. رواه ابن وهب، وهو ظاهر الآية لأن بعده "إلا من تاب وآمن" فذكره لشرط الإيمان مع التوبة يدل على أنهم لم يكونوا مؤمنين. * * وقوله: ﴿وَٱتَّبَعُواْ ٱلشَّهَوَٰتِ﴾ قيل: معناه: اتبعوا شهواتهم فيما حرّم الله عليهم. وقال القرظي: أضاعتهم لها، تركها وهذا القول اختيار الطبري لقوله بعد ذلك: ﴿إِلاَّ مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً﴾ فلو كان المضيعون مؤمنين لم يقل: "إلا من تاب وآمن" ولكنهم كانوا كفاراً بتركهم للصلاة والزكاة. وقال مجاهد: هؤلاء قوم يكونون عند قيام الساعة، وذهاب صالحي أمة محمد ﷺ، ينزو بعضهم على بعض في الأزقة زنا. وقال عطاء: هم من أمة محمد عليه السلام. * * ثم قال تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَلْقَونَ غَيّاً﴾. يعني: وادياً في جهنم قاله ابن عمر. وعنه أنه قال: هو نهر في جهنم، خبيث الطعم بعيد القعر. وقال ابن عباس: غياً: خسراناً. وقال ابن زيد: "غياً" شراً. والتقدير: فسوف يلقون جزاء الغي، كما قال يلق آثاماً أي: جزاء الآثام. وقيل: سمي الوادي غياً لأن الغاوين يصيرون إليه. وقيل: المعنى: "فسوف يلقون غياً". أي: خيبة من الجنة، والثواب الذي يناله المؤمنون، وعذاباً في النار. و "الغي" في اللغة "الخيبة. ثم استثنى فقال: ﴿إِلاَّ مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَأُوْلَـٰئِكَ يَدْخُلُونَ ٱلْجَنَّةَ﴾ دون أولئك. * * ﴿وَلاَ يُظْلَمُونَ شَيْئاً﴾. أي: ولا ينقصون من جزاء أعمالهم شيئاً. ثم بيّن موضع الدخول فقال: "جنات عدن" أي: إقامة. ﴿ٱلَّتِي وَعَدَ ٱلرَّحْمَـٰنُ عِبَادَهُ بِٱلْغَيْبِ﴾ أي: وعدهم بها، وهم لم يروها فصدقوا بذلك. * * ﴿إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيّاً﴾. الوعد هنا بمعنى الموعود. كما قالوا: الخلق بمعنى المخلوق. و "مأتياً" أي: يأتيه أولياؤه، وأهل طاعته. وقيل "مأتياً": هو مفعول بمعنى فاعل. قاله ابن قتيبة واستبعده النحاس، وهو عنده مفعول من الإتيان، لأن كل ما وصل إليك فقد وصلت إليه.

مريم 19:60

قوله تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُواْ ٱلصَّلَٰوةَ﴾. إلى قوله: ﴿وَعْدُهُ مَأْتِيّاً﴾. المعنى: فخلف من بعد من ذكرنا من الأنبياء، خلف سوء خلفوهم في الأرض. يقال في الردئ "خَلْف" بإسكان اللام، وفي الصلاح "خَلَفْ" بتحريك اللام. وعن أبي إسحاق ضد هذا. والأول أشهر. * * ثم قال: ﴿أَضَاعُواْ ٱلصَّلَٰوةَ وَٱتَّبَعُواْ ٱلشَّهَوَٰتِ﴾ أي أخروا الصلاة عن مواقيتها، ولم يتركوها، ولو تركوها لكان كفراً. قاله عمر بن عبد العزيز: وهو معنى قول ابن مسعود. وكذلك قال ابن مسعود: في قوله تعالى ذكره: ﴿ٱلَّذِينَ هُمْ عَن صَلاَتِهِمْ سَاهُونَ﴾ [الماعون: ٥] إنه تأخيرها عن وقتها. قال مسروق: لا يحافظ على الصلوات الخمس أحد فيكتب من الغافلين. وروى الخدري أن النبي ﷺ قال: "الخلف من بعد ستين سنة قال أبو محمد مكي رضي الله عنه: وقد ذكر الجعفي في تفسيره عن محمد بن كعب القرظي أنه قال: هم ناس يظهرون في آخر الزمان من قبل المغرب، وهم شر من يملك، وذكر اسمهم. وعن مجاهد، أن الخلف هنا النصارى بعد اليهود. رواه ابن وهب، وهو ظاهر الآية لأن بعده "إلا من تاب وآمن" فذكره لشرط الإيمان مع التوبة يدل على أنهم لم يكونوا مؤمنين. * * وقوله: ﴿وَٱتَّبَعُواْ ٱلشَّهَوَٰتِ﴾ قيل: معناه: اتبعوا شهواتهم فيما حرّم الله عليهم. وقال القرظي: أضاعتهم لها، تركها وهذا القول اختيار الطبري لقوله بعد ذلك: ﴿إِلاَّ مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً﴾ فلو كان المضيعون مؤمنين لم يقل: "إلا من تاب وآمن" ولكنهم كانوا كفاراً بتركهم للصلاة والزكاة. وقال مجاهد: هؤلاء قوم يكونون عند قيام الساعة، وذهاب صالحي أمة محمد ﷺ، ينزو بعضهم على بعض في الأزقة زنا. وقال عطاء: هم من أمة محمد عليه السلام. * * ثم قال تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَلْقَونَ غَيّاً﴾. يعني: وادياً في جهنم قاله ابن عمر. وعنه أنه قال: هو نهر في جهنم، خبيث الطعم بعيد القعر. وقال ابن عباس: غياً: خسراناً. وقال ابن زيد: "غياً" شراً. والتقدير: فسوف يلقون جزاء الغي، كما قال يلق آثاماً أي: جزاء الآثام. وقيل: سمي الوادي غياً لأن الغاوين يصيرون إليه. وقيل: المعنى: "فسوف يلقون غياً". أي: خيبة من الجنة، والثواب الذي يناله المؤمنون، وعذاباً في النار. و "الغي" في اللغة "الخيبة. ثم استثنى فقال: ﴿إِلاَّ مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَأُوْلَـٰئِكَ يَدْخُلُونَ ٱلْجَنَّةَ﴾ دون أولئك. * * ﴿وَلاَ يُظْلَمُونَ شَيْئاً﴾. أي: ولا ينقصون من جزاء أعمالهم شيئاً. ثم بيّن موضع الدخول فقال: "جنات عدن" أي: إقامة. ﴿ٱلَّتِي وَعَدَ ٱلرَّحْمَـٰنُ عِبَادَهُ بِٱلْغَيْبِ﴾ أي: وعدهم بها، وهم لم يروها فصدقوا بذلك. * * ﴿إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيّاً﴾. الوعد هنا بمعنى الموعود. كما قالوا: الخلق بمعنى المخلوق. و "مأتياً" أي: يأتيه أولياؤه، وأهل طاعته. وقيل "مأتياً": هو مفعول بمعنى فاعل. قاله ابن قتيبة واستبعده النحاس، وهو عنده مفعول من الإتيان، لأن كل ما وصل إليك فقد وصلت إليه.

مريم 19:61

قوله تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُواْ ٱلصَّلَٰوةَ﴾. إلى قوله: ﴿وَعْدُهُ مَأْتِيّاً﴾. المعنى: فخلف من بعد من ذكرنا من الأنبياء، خلف سوء خلفوهم في الأرض. يقال في الردئ "خَلْف" بإسكان اللام، وفي الصلاح "خَلَفْ" بتحريك اللام. وعن أبي إسحاق ضد هذا. والأول أشهر. * * ثم قال: ﴿أَضَاعُواْ ٱلصَّلَٰوةَ وَٱتَّبَعُواْ ٱلشَّهَوَٰتِ﴾ أي أخروا الصلاة عن مواقيتها، ولم يتركوها، ولو تركوها لكان كفراً. قاله عمر بن عبد العزيز: وهو معنى قول ابن مسعود. وكذلك قال ابن مسعود: في قوله تعالى ذكره: ﴿ٱلَّذِينَ هُمْ عَن صَلاَتِهِمْ سَاهُونَ﴾ [الماعون: ٥] إنه تأخيرها عن وقتها. قال مسروق: لا يحافظ على الصلوات الخمس أحد فيكتب من الغافلين. وروى الخدري أن النبي ﷺ قال: "الخلف من بعد ستين سنة قال أبو محمد مكي رضي الله عنه: وقد ذكر الجعفي في تفسيره عن محمد بن كعب القرظي أنه قال: هم ناس يظهرون في آخر الزمان من قبل المغرب، وهم شر من يملك، وذكر اسمهم. وعن مجاهد، أن الخلف هنا النصارى بعد اليهود. رواه ابن وهب، وهو ظاهر الآية لأن بعده "إلا من تاب وآمن" فذكره لشرط الإيمان مع التوبة يدل على أنهم لم يكونوا مؤمنين. * * وقوله: ﴿وَٱتَّبَعُواْ ٱلشَّهَوَٰتِ﴾ قيل: معناه: اتبعوا شهواتهم فيما حرّم الله عليهم. وقال القرظي: أضاعتهم لها، تركها وهذا القول اختيار الطبري لقوله بعد ذلك: ﴿إِلاَّ مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً﴾ فلو كان المضيعون مؤمنين لم يقل: "إلا من تاب وآمن" ولكنهم كانوا كفاراً بتركهم للصلاة والزكاة. وقال مجاهد: هؤلاء قوم يكونون عند قيام الساعة، وذهاب صالحي أمة محمد ﷺ، ينزو بعضهم على بعض في الأزقة زنا. وقال عطاء: هم من أمة محمد عليه السلام. * * ثم قال تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَلْقَونَ غَيّاً﴾. يعني: وادياً في جهنم قاله ابن عمر. وعنه أنه قال: هو نهر في جهنم، خبيث الطعم بعيد القعر. وقال ابن عباس: غياً: خسراناً. وقال ابن زيد: "غياً" شراً. والتقدير: فسوف يلقون جزاء الغي، كما قال يلق آثاماً أي: جزاء الآثام. وقيل: سمي الوادي غياً لأن الغاوين يصيرون إليه. وقيل: المعنى: "فسوف يلقون غياً". أي: خيبة من الجنة، والثواب الذي يناله المؤمنون، وعذاباً في النار. و "الغي" في اللغة "الخيبة. ثم استثنى فقال: ﴿إِلاَّ مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَأُوْلَـٰئِكَ يَدْخُلُونَ ٱلْجَنَّةَ﴾ دون أولئك. * * ﴿وَلاَ يُظْلَمُونَ شَيْئاً﴾. أي: ولا ينقصون من جزاء أعمالهم شيئاً. ثم بيّن موضع الدخول فقال: "جنات عدن" أي: إقامة. ﴿ٱلَّتِي وَعَدَ ٱلرَّحْمَـٰنُ عِبَادَهُ بِٱلْغَيْبِ﴾ أي: وعدهم بها، وهم لم يروها فصدقوا بذلك. * * ﴿إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيّاً﴾. الوعد هنا بمعنى الموعود. كما قالوا: الخلق بمعنى المخلوق. و "مأتياً" أي: يأتيه أولياؤه، وأهل طاعته. وقيل "مأتياً": هو مفعول بمعنى فاعل. قاله ابن قتيبة واستبعده النحاس، وهو عنده مفعول من الإتيان، لأن كل ما وصل إليك فقد وصلت إليه.

مريم 19:62

قوله تعالى ذكره: ﴿لاَّ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً﴾ إلى قوله ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً﴾. أي: لا يسمعون في الجنة لغواً وهو الهدر والباطل من القول. ﴿إِلاَّ سَلاَماً﴾ أي: تحييهم الملائكة من كل باب بالسلام. وقوله: "إلا سلاماً" استثناء ليس من الأول. وقيل: هو بدل من لغو. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيّاً﴾. أي: لهم ما يشتهون من المطاعم، قدر وقت البكرة ووقت العشي من نهار الدنيا. إذ لا ليل في الجنة ولا نهار. قال مجاهد: ليس "بكرة" ولا "عشي" ولكن يؤتون به على ما كانوا يشتهون في الدنيا. خاطبهم الله بأعظم ما كان في أنفسهم من العيش. وكانت العرب إذا أصاب أحدهم الغداء والعشاء عجب به فأخبرهم الله أن لهم في الجنة ذلك الذي يعجبهم. وقال زهير بن محمد: "ليس في الجنة ليل. هم في نور أبداً ولهم مقدار الليل والنهار. يعرفون مقدار الليل بإرخاء الحجب وإغلاق الأبواب. ويعرفون مقدار النهار برفع الحجب وفتح الأبواب". وقيل: معنى الآية: ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيّاً﴾. مقدار ما يكفيهم لكل ساعة ولكل وقت يريدون فيه الأكل. * * ثم قال تعالى: ﴿تِلْكَ ٱلْجَنَّةُ ٱلَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَن كَانَ تَقِيّاً﴾. أي: الجنة التي وصفت، هي التي تورث مساكن أهل النار فيها. "من مكان تقياً" أي من اتقى عقاب الله، فأدى فرائضه واجتنب محارمه. قال إبراهيم بن عرفة: وعد الله بالجنة كل من اتقى، وأرجو أن يكون كل موحد من أهل التقية - إن شاء الله - ولن يهلك مؤمن بين توحيد الله، وشفاعة نبيه ﷺ. وقيل: "التقي": الذي قد أكثر من اتقاء معاصي الله ومحارمه. * * ثم قال تعالى: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلاَّ بِأَمْرِ رَبِّكَ﴾. هذه الآية نزلت لما استبطأ النبي ﷺ الوحي. قال ابن عباس: قال النبي ﷺ لجبريل عليه السلام: ما يمنعك أن تزورنا أكثر مما تزورنا، فنزلت ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلاَّ بِأَمْرِ رَبِّكَ﴾ وعن ابن عباس أيضاً أنه قال: احتبس جبريل عن النبي ﷺ بالوحي فيما سأله المشركون عنه من خبر الفتية وخبر الطواف، وعن الروح، وقد كان قال لهم النبي ﷺ سأخبركم غداً، ولم يستثن. فأبطأ عنه الوحي أربعين يوماً. ثم نزل جبريل عليه السلام: ﴿وَلاَ تَقُولَنَّ لِشَاْىءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذٰلِكَ غَداً * إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ﴾ [الكهف: ٢٣-٢٤]، فوجد النبي ﷺ من ذلك، وحزن فأتاه جبريل عليه السلام، فقال: يا رسول الله ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلاَّ بِأَمْرِ رَبِّكَ﴾ الآية. وكذلك قال قتادة ومجاهد والضحاك باختلاف لفظ واتفاق معنى. * * ثم قال تعالى: ﴿لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذٰلِكَ﴾. معناه عند أبي العالية: ما بين أيدينا من الدنيا وما خلفنا من الآخرة "وما بين ذلك" ما بين النفختين. وقال ابن عباس: "ما بين أيدينا" الآخرة "وما خلفنا" من الدنيا. وكذلك قال قتادة، إلا أنه قال: "وما بين ذلك"، ما بين الدنيا والآخرة. وُرُوِيَ عن معمر: "ما بين ذلك" ما بين النفختين. وكذا قال الضحاك. وقال ابن جريج: "ما بين أيدينا" ما مضى أمامنا من أمر الدنيا، "وما خلفنا،" ما يكون بعدنا من الدنيا والآخرة، "وما بين ذلك" ما بين ما مضى أمامهم وما بين ما يكون بعدهم. وقال الأخفش "ما بين أيدينا": ما كان قبل أن نخلق "وما خلفنا" ما يكون بعد أن نموت "وما بين ذلك" منذ خلقنا إلى أن نموت. وقال ابن جبير: "ما بين ذلك" ما بين الدنيا والآخرة، يعني البرزخ. فيكون المعنى: فلا استبطاء يا محمد في تخلفنا عنك، فإنا لا ننتزل إلا بأمر ربك لنا بالنزول بما هو حادث من أمور الآخرة، وما قد مضى من أمر الدنيا، وما بين هذين الوقتين. * * وقوله: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً﴾ أي ذا نسيان، فيكون تأخر نزولنا من أجل نسيانه إياك. قال مجاهد: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً﴾ أي ما نسيك.

مريم 19:63

قوله تعالى ذكره: ﴿لاَّ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً﴾ إلى قوله ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً﴾. أي: لا يسمعون في الجنة لغواً وهو الهدر والباطل من القول. ﴿إِلاَّ سَلاَماً﴾ أي: تحييهم الملائكة من كل باب بالسلام. وقوله: "إلا سلاماً" استثناء ليس من الأول. وقيل: هو بدل من لغو. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيّاً﴾. أي: لهم ما يشتهون من المطاعم، قدر وقت البكرة ووقت العشي من نهار الدنيا. إذ لا ليل في الجنة ولا نهار. قال مجاهد: ليس "بكرة" ولا "عشي" ولكن يؤتون به على ما كانوا يشتهون في الدنيا. خاطبهم الله بأعظم ما كان في أنفسهم من العيش. وكانت العرب إذا أصاب أحدهم الغداء والعشاء عجب به فأخبرهم الله أن لهم في الجنة ذلك الذي يعجبهم. وقال زهير بن محمد: "ليس في الجنة ليل. هم في نور أبداً ولهم مقدار الليل والنهار. يعرفون مقدار الليل بإرخاء الحجب وإغلاق الأبواب. ويعرفون مقدار النهار برفع الحجب وفتح الأبواب". وقيل: معنى الآية: ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيّاً﴾. مقدار ما يكفيهم لكل ساعة ولكل وقت يريدون فيه الأكل. * * ثم قال تعالى: ﴿تِلْكَ ٱلْجَنَّةُ ٱلَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَن كَانَ تَقِيّاً﴾. أي: الجنة التي وصفت، هي التي تورث مساكن أهل النار فيها. "من مكان تقياً" أي من اتقى عقاب الله، فأدى فرائضه واجتنب محارمه. قال إبراهيم بن عرفة: وعد الله بالجنة كل من اتقى، وأرجو أن يكون كل موحد من أهل التقية - إن شاء الله - ولن يهلك مؤمن بين توحيد الله، وشفاعة نبيه ﷺ. وقيل: "التقي": الذي قد أكثر من اتقاء معاصي الله ومحارمه. * * ثم قال تعالى: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلاَّ بِأَمْرِ رَبِّكَ﴾. هذه الآية نزلت لما استبطأ النبي ﷺ الوحي. قال ابن عباس: قال النبي ﷺ لجبريل عليه السلام: ما يمنعك أن تزورنا أكثر مما تزورنا، فنزلت ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلاَّ بِأَمْرِ رَبِّكَ﴾ وعن ابن عباس أيضاً أنه قال: احتبس جبريل عن النبي ﷺ بالوحي فيما سأله المشركون عنه من خبر الفتية وخبر الطواف، وعن الروح، وقد كان قال لهم النبي ﷺ سأخبركم غداً، ولم يستثن. فأبطأ عنه الوحي أربعين يوماً. ثم نزل جبريل عليه السلام: ﴿وَلاَ تَقُولَنَّ لِشَاْىءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذٰلِكَ غَداً * إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ﴾ [الكهف: ٢٣-٢٤]، فوجد النبي ﷺ من ذلك، وحزن فأتاه جبريل عليه السلام، فقال: يا رسول الله ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلاَّ بِأَمْرِ رَبِّكَ﴾ الآية. وكذلك قال قتادة ومجاهد والضحاك باختلاف لفظ واتفاق معنى. * * ثم قال تعالى: ﴿لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذٰلِكَ﴾. معناه عند أبي العالية: ما بين أيدينا من الدنيا وما خلفنا من الآخرة "وما بين ذلك" ما بين النفختين. وقال ابن عباس: "ما بين أيدينا" الآخرة "وما خلفنا" من الدنيا. وكذلك قال قتادة، إلا أنه قال: "وما بين ذلك"، ما بين الدنيا والآخرة. وُرُوِيَ عن معمر: "ما بين ذلك" ما بين النفختين. وكذا قال الضحاك. وقال ابن جريج: "ما بين أيدينا" ما مضى أمامنا من أمر الدنيا، "وما خلفنا،" ما يكون بعدنا من الدنيا والآخرة، "وما بين ذلك" ما بين ما مضى أمامهم وما بين ما يكون بعدهم. وقال الأخفش "ما بين أيدينا": ما كان قبل أن نخلق "وما خلفنا" ما يكون بعد أن نموت "وما بين ذلك" منذ خلقنا إلى أن نموت. وقال ابن جبير: "ما بين ذلك" ما بين الدنيا والآخرة، يعني البرزخ. فيكون المعنى: فلا استبطاء يا محمد في تخلفنا عنك، فإنا لا ننتزل إلا بأمر ربك لنا بالنزول بما هو حادث من أمور الآخرة، وما قد مضى من أمر الدنيا، وما بين هذين الوقتين. * * وقوله: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً﴾ أي ذا نسيان، فيكون تأخر نزولنا من أجل نسيانه إياك. قال مجاهد: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً﴾ أي ما نسيك.

مريم 19:64

قوله تعالى ذكره: ﴿لاَّ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً﴾ إلى قوله ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً﴾. أي: لا يسمعون في الجنة لغواً وهو الهدر والباطل من القول. ﴿إِلاَّ سَلاَماً﴾ أي: تحييهم الملائكة من كل باب بالسلام. وقوله: "إلا سلاماً" استثناء ليس من الأول. وقيل: هو بدل من لغو. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيّاً﴾. أي: لهم ما يشتهون من المطاعم، قدر وقت البكرة ووقت العشي من نهار الدنيا. إذ لا ليل في الجنة ولا نهار. قال مجاهد: ليس "بكرة" ولا "عشي" ولكن يؤتون به على ما كانوا يشتهون في الدنيا. خاطبهم الله بأعظم ما كان في أنفسهم من العيش. وكانت العرب إذا أصاب أحدهم الغداء والعشاء عجب به فأخبرهم الله أن لهم في الجنة ذلك الذي يعجبهم. وقال زهير بن محمد: "ليس في الجنة ليل. هم في نور أبداً ولهم مقدار الليل والنهار. يعرفون مقدار الليل بإرخاء الحجب وإغلاق الأبواب. ويعرفون مقدار النهار برفع الحجب وفتح الأبواب". وقيل: معنى الآية: ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيّاً﴾. مقدار ما يكفيهم لكل ساعة ولكل وقت يريدون فيه الأكل. * * ثم قال تعالى: ﴿تِلْكَ ٱلْجَنَّةُ ٱلَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَن كَانَ تَقِيّاً﴾. أي: الجنة التي وصفت، هي التي تورث مساكن أهل النار فيها. "من مكان تقياً" أي من اتقى عقاب الله، فأدى فرائضه واجتنب محارمه. قال إبراهيم بن عرفة: وعد الله بالجنة كل من اتقى، وأرجو أن يكون كل موحد من أهل التقية - إن شاء الله - ولن يهلك مؤمن بين توحيد الله، وشفاعة نبيه ﷺ. وقيل: "التقي": الذي قد أكثر من اتقاء معاصي الله ومحارمه. * * ثم قال تعالى: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلاَّ بِأَمْرِ رَبِّكَ﴾. هذه الآية نزلت لما استبطأ النبي ﷺ الوحي. قال ابن عباس: قال النبي ﷺ لجبريل عليه السلام: ما يمنعك أن تزورنا أكثر مما تزورنا، فنزلت ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلاَّ بِأَمْرِ رَبِّكَ﴾ وعن ابن عباس أيضاً أنه قال: احتبس جبريل عن النبي ﷺ بالوحي فيما سأله المشركون عنه من خبر الفتية وخبر الطواف، وعن الروح، وقد كان قال لهم النبي ﷺ سأخبركم غداً، ولم يستثن. فأبطأ عنه الوحي أربعين يوماً. ثم نزل جبريل عليه السلام: ﴿وَلاَ تَقُولَنَّ لِشَاْىءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذٰلِكَ غَداً * إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ﴾ [الكهف: ٢٣-٢٤]، فوجد النبي ﷺ من ذلك، وحزن فأتاه جبريل عليه السلام، فقال: يا رسول الله ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلاَّ بِأَمْرِ رَبِّكَ﴾ الآية. وكذلك قال قتادة ومجاهد والضحاك باختلاف لفظ واتفاق معنى. * * ثم قال تعالى: ﴿لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذٰلِكَ﴾. معناه عند أبي العالية: ما بين أيدينا من الدنيا وما خلفنا من الآخرة "وما بين ذلك" ما بين النفختين. وقال ابن عباس: "ما بين أيدينا" الآخرة "وما خلفنا" من الدنيا. وكذلك قال قتادة، إلا أنه قال: "وما بين ذلك"، ما بين الدنيا والآخرة. وُرُوِيَ عن معمر: "ما بين ذلك" ما بين النفختين. وكذا قال الضحاك. وقال ابن جريج: "ما بين أيدينا" ما مضى أمامنا من أمر الدنيا، "وما خلفنا،" ما يكون بعدنا من الدنيا والآخرة، "وما بين ذلك" ما بين ما مضى أمامهم وما بين ما يكون بعدهم. وقال الأخفش "ما بين أيدينا": ما كان قبل أن نخلق "وما خلفنا" ما يكون بعد أن نموت "وما بين ذلك" منذ خلقنا إلى أن نموت. وقال ابن جبير: "ما بين ذلك" ما بين الدنيا والآخرة، يعني البرزخ. فيكون المعنى: فلا استبطاء يا محمد في تخلفنا عنك، فإنا لا ننتزل إلا بأمر ربك لنا بالنزول بما هو حادث من أمور الآخرة، وما قد مضى من أمر الدنيا، وما بين هذين الوقتين. * * وقوله: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً﴾ أي ذا نسيان، فيكون تأخر نزولنا من أجل نسيانه إياك. قال مجاهد: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً﴾ أي ما نسيك.

مريم 19:65

قوله تعالى ذكره: ﴿رَّبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ إلى قوله: ﴿أَشَدُّ عَلَى ٱلرَّحْمَـٰنِ عِتِيّاً﴾. أي: وما كان ربك - رب السماوات والأرض وما بينهما - ذا نسيان، "فاعبده" أي: الزم طاعته. ﴿وَٱصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ﴾ أي: اصبر نفسك على العمل بطاعته. ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً﴾ أي: مثلاً وشبهاً في جوده وحلمه وكرمه وطوله. قاله ابن عباس وقتادة ومجاهد وابن جبير. وعن ابن عباس أن معناه: هل تعلم يا محمد أحداً يسمى الرحمن سواه. وقيل: هل تعلم أحداً يقال له الله غيره. وقيل المعنى: هل تعلم أحداً يقال له رب السماوات والأرض وما بينهما غيره. وقيل: المعنى: هل تعلم أحداً يجوز أن يكون إلهاً معبوداً غيره. * * ثم قال تعالى: ﴿وَيَقُولُ ٱلإِنسَانُ أَءِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيّاً﴾. أي: ينكر الإنسان الكافر البعث، فيقول: أنبعث، إذا ما مت، إنكاراً منه للبعث. فقال الله تعالى لنا: ﴿أَوَلاَ يَذْكُرُ ٱلإِنسَٰنُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئاً﴾ أي: فكما خلقناه من غير شيء، وأوجدناه من عدم، كذلك نحييه بعد مماته. وهذا مثل قوله تعالى: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ﴾ [يس: ٧٨] فكان الجواب ﴿قُلْ يُحْيِيهَا ٱلَّذِيۤ أَنشَأَهَآ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [يس: ٧٩] والرؤية بمعنى العلم في هذا. أي: أولم يعلم الإنسان ذلك من حدوثه قبل أن لم يكن شيئاً. ولا يجوز أن تكون من رؤية البصر، لأن الإنسان لم ير نفسه وقت خلقه. والوقف على "حياً" بعيد، لأن "أولاً" معطوف، دخل عليه ألف الاستفهام للتوبيخ. وقيل: إن الآية نزلت في الوليد بن المغيرة وأصحابه. ثم هي في كل من كان مثلهم من الكفار المنكرين للبعث. ودخلت اللام في "لسوف" للتأكيد جواباً لقول قيل للإنسان، كان النبي ﷺ قال له: (إذا ما مت لسوف تبعث حياً). فقال إنكاراً للبعث، وجواباً لما قيل له: "أئذا ما مت لسوف أبعث" فأتى باللام في الجواب، كما كانت في القول ولو كان مبتدئاً بذلك لم تدخل اللام، لأن اللام للتأكيد والإيجاب، وهو منكر للبعث، فلا يصلح دخول اللام في غير منكر لخبره، فإنما دخلت في هذا لمجازاة ما قيل له. أدخل اللام في الجواب كما دخلت في القول الذي أجاب عنه. * * ثم قال: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَٱلشَّيَاطِينَ﴾. أي: لنحشرن هؤلاء المنكرين للبعث مقرنين بأوليائهم من الشياطين. * * ﴿ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيّاً﴾. أي: على ركبهم، وهو جمع جاث. وأصله جثو، مثل: قاعد وقعود، ثم أبدل من الواو ياء لأنها ظرف على ما تقدم في "مرضياً". وقيل: "جثياً" قعوداً لا يقدرون على القيام لشدة هول ما يرون. روى ابن جبير عن ابن عباس أنه قال: سمعت النبي ﷺ يقول: إنكم [ملاقو] الله حفاة عراة مشاة عزلاً. قال ابن جبير: يحشرون حفاة عراة، فأول من يكسى خليل الله إبراهيم عليه السلام. وعن النبي ﷺ أنه قال: "كأني أراكم جاثين بالكوم دون جهنم". ثم قال تعالى: ﴿ثُمَّ لَنَنزِعَنَّ مِن كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى ٱلرَّحْمَـٰنِ عِتِيّاً﴾. أي: ثم لنأخذنّ من كل جماعة أشدهم على الرحمن عتواً وتمرداً. يعني الأكابر فالأكابر جرماً. والجبار فالجبار. والمعنى: نبدأ بتعذيب أعظمهم جرماً ثم الذي يليه ثم الذي يليه. قال مجاهد: "من كل شيعة": من كل أمة. والشيعة: الجماعة المتعاونون على الأمر: فالتقدير: لنأخذن من كل أمة تعاونت على الكفر أشدهم كفراً ثم الذي يليه. "وأيهم" رفع عند الخليل على الحكاية. أي لننزعنّ الذي يقال له من أجل عتوه أيهم أشد. ومعناه: لننزعن من كل فرقة الأعتى فالأعتى، يعذب أولاً أشدهم كفراً ثم الذي يليه. ومذهب يونس أن "لننزعن" معلق. "وأيهم" رفع بالابتداء وليس هذا الفعل مما يجوز أن يعلق عند غيره. ومذهب سيبويه أن "أيهم" مبنية على الضم، لأنها خالفت أخواتها في الحذف، لأنك لو قلت رأيت الذي أفضل منك، ومررت بمن أفضل منك قبح، وذلك حسن في "أيهم" فخالفت أختها بحسن حذف الصلة بعدها، فبنيت على الضم. وقد خطيء سيبويه في هذا القول، لأن مذهبه أنه إنما أعرب "أيا" إذا انفردت من أجل أنها تضاف. فكيف يعربها من أجل أنها تضاف ويبينها وهي مضافة. وقال الكسائي: "لننزعن" واقع على المعنى. كما تقول: لبست من الثياب، وأكلت من الطعام. فترفع "أيهم" بالابتداء. وقال الفراء: المعنى: "لننزعن" بالنداء، فيكون معنى "لننزعن": لننادين. وهذا يتعلق، ولا يتعدى، فحسن الرفع بالابتداء، إذ هو في موضع فعل يجوز أن يعلق عن العمل. أعني "لننزعن" وقع موقع "لننادين". ونادى فعل يعلق عن العمل إذا كان بعده جملة. فلا يعمل في اللفظ ويعمل في المعنى كظننت وحسبت. وقال بعض الكوفيين في "أي" معنى الشرط والمجازاة فلذلك لم يعمل فيها ما قبلها. وقال المبرد: "أيهم" متعلقة بشيعة لا بننزعن. والمعنى: ثم لننزعن من الذين تشايعوا أيهم. أي: من الذين تعاونوا فنظروا أيهم أشد. فيكون المعنى على هذا ثم لننزعن من هؤلاء الذين فعلوا هذا الذي وصف عنهم.

مريم 19:66

قوله تعالى ذكره: ﴿رَّبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ إلى قوله: ﴿أَشَدُّ عَلَى ٱلرَّحْمَـٰنِ عِتِيّاً﴾. أي: وما كان ربك - رب السماوات والأرض وما بينهما - ذا نسيان، "فاعبده" أي: الزم طاعته. ﴿وَٱصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ﴾ أي: اصبر نفسك على العمل بطاعته. ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً﴾ أي: مثلاً وشبهاً في جوده وحلمه وكرمه وطوله. قاله ابن عباس وقتادة ومجاهد وابن جبير. وعن ابن عباس أن معناه: هل تعلم يا محمد أحداً يسمى الرحمن سواه. وقيل: هل تعلم أحداً يقال له الله غيره. وقيل المعنى: هل تعلم أحداً يقال له رب السماوات والأرض وما بينهما غيره. وقيل: المعنى: هل تعلم أحداً يجوز أن يكون إلهاً معبوداً غيره. * * ثم قال تعالى: ﴿وَيَقُولُ ٱلإِنسَانُ أَءِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيّاً﴾. أي: ينكر الإنسان الكافر البعث، فيقول: أنبعث، إذا ما مت، إنكاراً منه للبعث. فقال الله تعالى لنا: ﴿أَوَلاَ يَذْكُرُ ٱلإِنسَٰنُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئاً﴾ أي: فكما خلقناه من غير شيء، وأوجدناه من عدم، كذلك نحييه بعد مماته. وهذا مثل قوله تعالى: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ﴾ [يس: ٧٨] فكان الجواب ﴿قُلْ يُحْيِيهَا ٱلَّذِيۤ أَنشَأَهَآ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [يس: ٧٩] والرؤية بمعنى العلم في هذا. أي: أولم يعلم الإنسان ذلك من حدوثه قبل أن لم يكن شيئاً. ولا يجوز أن تكون من رؤية البصر، لأن الإنسان لم ير نفسه وقت خلقه. والوقف على "حياً" بعيد، لأن "أولاً" معطوف، دخل عليه ألف الاستفهام للتوبيخ. وقيل: إن الآية نزلت في الوليد بن المغيرة وأصحابه. ثم هي في كل من كان مثلهم من الكفار المنكرين للبعث. ودخلت اللام في "لسوف" للتأكيد جواباً لقول قيل للإنسان، كان النبي ﷺ قال له: (إذا ما مت لسوف تبعث حياً). فقال إنكاراً للبعث، وجواباً لما قيل له: "أئذا ما مت لسوف أبعث" فأتى باللام في الجواب، كما كانت في القول ولو كان مبتدئاً بذلك لم تدخل اللام، لأن اللام للتأكيد والإيجاب، وهو منكر للبعث، فلا يصلح دخول اللام في غير منكر لخبره، فإنما دخلت في هذا لمجازاة ما قيل له. أدخل اللام في الجواب كما دخلت في القول الذي أجاب عنه. * * ثم قال: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَٱلشَّيَاطِينَ﴾. أي: لنحشرن هؤلاء المنكرين للبعث مقرنين بأوليائهم من الشياطين. * * ﴿ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيّاً﴾. أي: على ركبهم، وهو جمع جاث. وأصله جثو، مثل: قاعد وقعود، ثم أبدل من الواو ياء لأنها ظرف على ما تقدم في "مرضياً". وقيل: "جثياً" قعوداً لا يقدرون على القيام لشدة هول ما يرون. روى ابن جبير عن ابن عباس أنه قال: سمعت النبي ﷺ يقول: إنكم [ملاقو] الله حفاة عراة مشاة عزلاً. قال ابن جبير: يحشرون حفاة عراة، فأول من يكسى خليل الله إبراهيم عليه السلام. وعن النبي ﷺ أنه قال: "كأني أراكم جاثين بالكوم دون جهنم". ثم قال تعالى: ﴿ثُمَّ لَنَنزِعَنَّ مِن كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى ٱلرَّحْمَـٰنِ عِتِيّاً﴾. أي: ثم لنأخذنّ من كل جماعة أشدهم على الرحمن عتواً وتمرداً. يعني الأكابر فالأكابر جرماً. والجبار فالجبار. والمعنى: نبدأ بتعذيب أعظمهم جرماً ثم الذي يليه ثم الذي يليه. قال مجاهد: "من كل شيعة": من كل أمة. والشيعة: الجماعة المتعاونون على الأمر: فالتقدير: لنأخذن من كل أمة تعاونت على الكفر أشدهم كفراً ثم الذي يليه. "وأيهم" رفع عند الخليل على الحكاية. أي لننزعنّ الذي يقال له من أجل عتوه أيهم أشد. ومعناه: لننزعن من كل فرقة الأعتى فالأعتى، يعذب أولاً أشدهم كفراً ثم الذي يليه. ومذهب يونس أن "لننزعن" معلق. "وأيهم" رفع بالابتداء وليس هذا الفعل مما يجوز أن يعلق عند غيره. ومذهب سيبويه أن "أيهم" مبنية على الضم، لأنها خالفت أخواتها في الحذف، لأنك لو قلت رأيت الذي أفضل منك، ومررت بمن أفضل منك قبح، وذلك حسن في "أيهم" فخالفت أختها بحسن حذف الصلة بعدها، فبنيت على الضم. وقد خطيء سيبويه في هذا القول، لأن مذهبه أنه إنما أعرب "أيا" إذا انفردت من أجل أنها تضاف. فكيف يعربها من أجل أنها تضاف ويبينها وهي مضافة. وقال الكسائي: "لننزعن" واقع على المعنى. كما تقول: لبست من الثياب، وأكلت من الطعام. فترفع "أيهم" بالابتداء. وقال الفراء: المعنى: "لننزعن" بالنداء، فيكون معنى "لننزعن": لننادين. وهذا يتعلق، ولا يتعدى، فحسن الرفع بالابتداء، إذ هو في موضع فعل يجوز أن يعلق عن العمل. أعني "لننزعن" وقع موقع "لننادين". ونادى فعل يعلق عن العمل إذا كان بعده جملة. فلا يعمل في اللفظ ويعمل في المعنى كظننت وحسبت. وقال بعض الكوفيين في "أي" معنى الشرط والمجازاة فلذلك لم يعمل فيها ما قبلها. وقال المبرد: "أيهم" متعلقة بشيعة لا بننزعن. والمعنى: ثم لننزعن من الذين تشايعوا أيهم. أي: من الذين تعاونوا فنظروا أيهم أشد. فيكون المعنى على هذا ثم لننزعن من هؤلاء الذين فعلوا هذا الذي وصف عنهم.

مريم 19:67

قوله تعالى ذكره: ﴿رَّبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ إلى قوله: ﴿أَشَدُّ عَلَى ٱلرَّحْمَـٰنِ عِتِيّاً﴾. أي: وما كان ربك - رب السماوات والأرض وما بينهما - ذا نسيان، "فاعبده" أي: الزم طاعته. ﴿وَٱصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ﴾ أي: اصبر نفسك على العمل بطاعته. ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً﴾ أي: مثلاً وشبهاً في جوده وحلمه وكرمه وطوله. قاله ابن عباس وقتادة ومجاهد وابن جبير. وعن ابن عباس أن معناه: هل تعلم يا محمد أحداً يسمى الرحمن سواه. وقيل: هل تعلم أحداً يقال له الله غيره. وقيل المعنى: هل تعلم أحداً يقال له رب السماوات والأرض وما بينهما غيره. وقيل: المعنى: هل تعلم أحداً يجوز أن يكون إلهاً معبوداً غيره. * * ثم قال تعالى: ﴿وَيَقُولُ ٱلإِنسَانُ أَءِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيّاً﴾. أي: ينكر الإنسان الكافر البعث، فيقول: أنبعث، إذا ما مت، إنكاراً منه للبعث. فقال الله تعالى لنا: ﴿أَوَلاَ يَذْكُرُ ٱلإِنسَٰنُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئاً﴾ أي: فكما خلقناه من غير شيء، وأوجدناه من عدم، كذلك نحييه بعد مماته. وهذا مثل قوله تعالى: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ﴾ [يس: ٧٨] فكان الجواب ﴿قُلْ يُحْيِيهَا ٱلَّذِيۤ أَنشَأَهَآ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [يس: ٧٩] والرؤية بمعنى العلم في هذا. أي: أولم يعلم الإنسان ذلك من حدوثه قبل أن لم يكن شيئاً. ولا يجوز أن تكون من رؤية البصر، لأن الإنسان لم ير نفسه وقت خلقه. والوقف على "حياً" بعيد، لأن "أولاً" معطوف، دخل عليه ألف الاستفهام للتوبيخ. وقيل: إن الآية نزلت في الوليد بن المغيرة وأصحابه. ثم هي في كل من كان مثلهم من الكفار المنكرين للبعث. ودخلت اللام في "لسوف" للتأكيد جواباً لقول قيل للإنسان، كان النبي ﷺ قال له: (إذا ما مت لسوف تبعث حياً). فقال إنكاراً للبعث، وجواباً لما قيل له: "أئذا ما مت لسوف أبعث" فأتى باللام في الجواب، كما كانت في القول ولو كان مبتدئاً بذلك لم تدخل اللام، لأن اللام للتأكيد والإيجاب، وهو منكر للبعث، فلا يصلح دخول اللام في غير منكر لخبره، فإنما دخلت في هذا لمجازاة ما قيل له. أدخل اللام في الجواب كما دخلت في القول الذي أجاب عنه. * * ثم قال: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَٱلشَّيَاطِينَ﴾. أي: لنحشرن هؤلاء المنكرين للبعث مقرنين بأوليائهم من الشياطين. * * ﴿ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيّاً﴾. أي: على ركبهم، وهو جمع جاث. وأصله جثو، مثل: قاعد وقعود، ثم أبدل من الواو ياء لأنها ظرف على ما تقدم في "مرضياً". وقيل: "جثياً" قعوداً لا يقدرون على القيام لشدة هول ما يرون. روى ابن جبير عن ابن عباس أنه قال: سمعت النبي ﷺ يقول: إنكم [ملاقو] الله حفاة عراة مشاة عزلاً. قال ابن جبير: يحشرون حفاة عراة، فأول من يكسى خليل الله إبراهيم عليه السلام. وعن النبي ﷺ أنه قال: "كأني أراكم جاثين بالكوم دون جهنم". ثم قال تعالى: ﴿ثُمَّ لَنَنزِعَنَّ مِن كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى ٱلرَّحْمَـٰنِ عِتِيّاً﴾. أي: ثم لنأخذنّ من كل جماعة أشدهم على الرحمن عتواً وتمرداً. يعني الأكابر فالأكابر جرماً. والجبار فالجبار. والمعنى: نبدأ بتعذيب أعظمهم جرماً ثم الذي يليه ثم الذي يليه. قال مجاهد: "من كل شيعة": من كل أمة. والشيعة: الجماعة المتعاونون على الأمر: فالتقدير: لنأخذن من كل أمة تعاونت على الكفر أشدهم كفراً ثم الذي يليه. "وأيهم" رفع عند الخليل على الحكاية. أي لننزعنّ الذي يقال له من أجل عتوه أيهم أشد. ومعناه: لننزعن من كل فرقة الأعتى فالأعتى، يعذب أولاً أشدهم كفراً ثم الذي يليه. ومذهب يونس أن "لننزعن" معلق. "وأيهم" رفع بالابتداء وليس هذا الفعل مما يجوز أن يعلق عند غيره. ومذهب سيبويه أن "أيهم" مبنية على الضم، لأنها خالفت أخواتها في الحذف، لأنك لو قلت رأيت الذي أفضل منك، ومررت بمن أفضل منك قبح، وذلك حسن في "أيهم" فخالفت أختها بحسن حذف الصلة بعدها، فبنيت على الضم. وقد خطيء سيبويه في هذا القول، لأن مذهبه أنه إنما أعرب "أيا" إذا انفردت من أجل أنها تضاف. فكيف يعربها من أجل أنها تضاف ويبينها وهي مضافة. وقال الكسائي: "لننزعن" واقع على المعنى. كما تقول: لبست من الثياب، وأكلت من الطعام. فترفع "أيهم" بالابتداء. وقال الفراء: المعنى: "لننزعن" بالنداء، فيكون معنى "لننزعن": لننادين. وهذا يتعلق، ولا يتعدى، فحسن الرفع بالابتداء، إذ هو في موضع فعل يجوز أن يعلق عن العمل. أعني "لننزعن" وقع موقع "لننادين". ونادى فعل يعلق عن العمل إذا كان بعده جملة. فلا يعمل في اللفظ ويعمل في المعنى كظننت وحسبت. وقال بعض الكوفيين في "أي" معنى الشرط والمجازاة فلذلك لم يعمل فيها ما قبلها. وقال المبرد: "أيهم" متعلقة بشيعة لا بننزعن. والمعنى: ثم لننزعن من الذين تشايعوا أيهم. أي: من الذين تعاونوا فنظروا أيهم أشد. فيكون المعنى على هذا ثم لننزعن من هؤلاء الذين فعلوا هذا الذي وصف عنهم.

مريم 19:68

قوله تعالى ذكره: ﴿رَّبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ إلى قوله: ﴿أَشَدُّ عَلَى ٱلرَّحْمَـٰنِ عِتِيّاً﴾. أي: وما كان ربك - رب السماوات والأرض وما بينهما - ذا نسيان، "فاعبده" أي: الزم طاعته. ﴿وَٱصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ﴾ أي: اصبر نفسك على العمل بطاعته. ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً﴾ أي: مثلاً وشبهاً في جوده وحلمه وكرمه وطوله. قاله ابن عباس وقتادة ومجاهد وابن جبير. وعن ابن عباس أن معناه: هل تعلم يا محمد أحداً يسمى الرحمن سواه. وقيل: هل تعلم أحداً يقال له الله غيره. وقيل المعنى: هل تعلم أحداً يقال له رب السماوات والأرض وما بينهما غيره. وقيل: المعنى: هل تعلم أحداً يجوز أن يكون إلهاً معبوداً غيره. * * ثم قال تعالى: ﴿وَيَقُولُ ٱلإِنسَانُ أَءِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيّاً﴾. أي: ينكر الإنسان الكافر البعث، فيقول: أنبعث، إذا ما مت، إنكاراً منه للبعث. فقال الله تعالى لنا: ﴿أَوَلاَ يَذْكُرُ ٱلإِنسَٰنُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئاً﴾ أي: فكما خلقناه من غير شيء، وأوجدناه من عدم، كذلك نحييه بعد مماته. وهذا مثل قوله تعالى: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ﴾ [يس: ٧٨] فكان الجواب ﴿قُلْ يُحْيِيهَا ٱلَّذِيۤ أَنشَأَهَآ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [يس: ٧٩] والرؤية بمعنى العلم في هذا. أي: أولم يعلم الإنسان ذلك من حدوثه قبل أن لم يكن شيئاً. ولا يجوز أن تكون من رؤية البصر، لأن الإنسان لم ير نفسه وقت خلقه. والوقف على "حياً" بعيد، لأن "أولاً" معطوف، دخل عليه ألف الاستفهام للتوبيخ. وقيل: إن الآية نزلت في الوليد بن المغيرة وأصحابه. ثم هي في كل من كان مثلهم من الكفار المنكرين للبعث. ودخلت اللام في "لسوف" للتأكيد جواباً لقول قيل للإنسان، كان النبي ﷺ قال له: (إذا ما مت لسوف تبعث حياً). فقال إنكاراً للبعث، وجواباً لما قيل له: "أئذا ما مت لسوف أبعث" فأتى باللام في الجواب، كما كانت في القول ولو كان مبتدئاً بذلك لم تدخل اللام، لأن اللام للتأكيد والإيجاب، وهو منكر للبعث، فلا يصلح دخول اللام في غير منكر لخبره، فإنما دخلت في هذا لمجازاة ما قيل له. أدخل اللام في الجواب كما دخلت في القول الذي أجاب عنه. * * ثم قال: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَٱلشَّيَاطِينَ﴾. أي: لنحشرن هؤلاء المنكرين للبعث مقرنين بأوليائهم من الشياطين. * * ﴿ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيّاً﴾. أي: على ركبهم، وهو جمع جاث. وأصله جثو، مثل: قاعد وقعود، ثم أبدل من الواو ياء لأنها ظرف على ما تقدم في "مرضياً". وقيل: "جثياً" قعوداً لا يقدرون على القيام لشدة هول ما يرون. روى ابن جبير عن ابن عباس أنه قال: سمعت النبي ﷺ يقول: إنكم [ملاقو] الله حفاة عراة مشاة عزلاً. قال ابن جبير: يحشرون حفاة عراة، فأول من يكسى خليل الله إبراهيم عليه السلام. وعن النبي ﷺ أنه قال: "كأني أراكم جاثين بالكوم دون جهنم". ثم قال تعالى: ﴿ثُمَّ لَنَنزِعَنَّ مِن كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى ٱلرَّحْمَـٰنِ عِتِيّاً﴾. أي: ثم لنأخذنّ من كل جماعة أشدهم على الرحمن عتواً وتمرداً. يعني الأكابر فالأكابر جرماً. والجبار فالجبار. والمعنى: نبدأ بتعذيب أعظمهم جرماً ثم الذي يليه ثم الذي يليه. قال مجاهد: "من كل شيعة": من كل أمة. والشيعة: الجماعة المتعاونون على الأمر: فالتقدير: لنأخذن من كل أمة تعاونت على الكفر أشدهم كفراً ثم الذي يليه. "وأيهم" رفع عند الخليل على الحكاية. أي لننزعنّ الذي يقال له من أجل عتوه أيهم أشد. ومعناه: لننزعن من كل فرقة الأعتى فالأعتى، يعذب أولاً أشدهم كفراً ثم الذي يليه. ومذهب يونس أن "لننزعن" معلق. "وأيهم" رفع بالابتداء وليس هذا الفعل مما يجوز أن يعلق عند غيره. ومذهب سيبويه أن "أيهم" مبنية على الضم، لأنها خالفت أخواتها في الحذف، لأنك لو قلت رأيت الذي أفضل منك، ومررت بمن أفضل منك قبح، وذلك حسن في "أيهم" فخالفت أختها بحسن حذف الصلة بعدها، فبنيت على الضم. وقد خطيء سيبويه في هذا القول، لأن مذهبه أنه إنما أعرب "أيا" إذا انفردت من أجل أنها تضاف. فكيف يعربها من أجل أنها تضاف ويبينها وهي مضافة. وقال الكسائي: "لننزعن" واقع على المعنى. كما تقول: لبست من الثياب، وأكلت من الطعام. فترفع "أيهم" بالابتداء. وقال الفراء: المعنى: "لننزعن" بالنداء، فيكون معنى "لننزعن": لننادين. وهذا يتعلق، ولا يتعدى، فحسن الرفع بالابتداء، إذ هو في موضع فعل يجوز أن يعلق عن العمل. أعني "لننزعن" وقع موقع "لننادين". ونادى فعل يعلق عن العمل إذا كان بعده جملة. فلا يعمل في اللفظ ويعمل في المعنى كظننت وحسبت. وقال بعض الكوفيين في "أي" معنى الشرط والمجازاة فلذلك لم يعمل فيها ما قبلها. وقال المبرد: "أيهم" متعلقة بشيعة لا بننزعن. والمعنى: ثم لننزعن من الذين تشايعوا أيهم. أي: من الذين تعاونوا فنظروا أيهم أشد. فيكون المعنى على هذا ثم لننزعن من هؤلاء الذين فعلوا هذا الذي وصف عنهم.

مريم 19:69

قوله تعالى ذكره: ﴿رَّبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ إلى قوله: ﴿أَشَدُّ عَلَى ٱلرَّحْمَـٰنِ عِتِيّاً﴾. أي: وما كان ربك - رب السماوات والأرض وما بينهما - ذا نسيان، "فاعبده" أي: الزم طاعته. ﴿وَٱصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ﴾ أي: اصبر نفسك على العمل بطاعته. ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً﴾ أي: مثلاً وشبهاً في جوده وحلمه وكرمه وطوله. قاله ابن عباس وقتادة ومجاهد وابن جبير. وعن ابن عباس أن معناه: هل تعلم يا محمد أحداً يسمى الرحمن سواه. وقيل: هل تعلم أحداً يقال له الله غيره. وقيل المعنى: هل تعلم أحداً يقال له رب السماوات والأرض وما بينهما غيره. وقيل: المعنى: هل تعلم أحداً يجوز أن يكون إلهاً معبوداً غيره. * * ثم قال تعالى: ﴿وَيَقُولُ ٱلإِنسَانُ أَءِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيّاً﴾. أي: ينكر الإنسان الكافر البعث، فيقول: أنبعث، إذا ما مت، إنكاراً منه للبعث. فقال الله تعالى لنا: ﴿أَوَلاَ يَذْكُرُ ٱلإِنسَٰنُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئاً﴾ أي: فكما خلقناه من غير شيء، وأوجدناه من عدم، كذلك نحييه بعد مماته. وهذا مثل قوله تعالى: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ﴾ [يس: ٧٨] فكان الجواب ﴿قُلْ يُحْيِيهَا ٱلَّذِيۤ أَنشَأَهَآ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [يس: ٧٩] والرؤية بمعنى العلم في هذا. أي: أولم يعلم الإنسان ذلك من حدوثه قبل أن لم يكن شيئاً. ولا يجوز أن تكون من رؤية البصر، لأن الإنسان لم ير نفسه وقت خلقه. والوقف على "حياً" بعيد، لأن "أولاً" معطوف، دخل عليه ألف الاستفهام للتوبيخ. وقيل: إن الآية نزلت في الوليد بن المغيرة وأصحابه. ثم هي في كل من كان مثلهم من الكفار المنكرين للبعث. ودخلت اللام في "لسوف" للتأكيد جواباً لقول قيل للإنسان، كان النبي ﷺ قال له: (إذا ما مت لسوف تبعث حياً). فقال إنكاراً للبعث، وجواباً لما قيل له: "أئذا ما مت لسوف أبعث" فأتى باللام في الجواب، كما كانت في القول ولو كان مبتدئاً بذلك لم تدخل اللام، لأن اللام للتأكيد والإيجاب، وهو منكر للبعث، فلا يصلح دخول اللام في غير منكر لخبره، فإنما دخلت في هذا لمجازاة ما قيل له. أدخل اللام في الجواب كما دخلت في القول الذي أجاب عنه. * * ثم قال: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَٱلشَّيَاطِينَ﴾. أي: لنحشرن هؤلاء المنكرين للبعث مقرنين بأوليائهم من الشياطين. * * ﴿ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيّاً﴾. أي: على ركبهم، وهو جمع جاث. وأصله جثو، مثل: قاعد وقعود، ثم أبدل من الواو ياء لأنها ظرف على ما تقدم في "مرضياً". وقيل: "جثياً" قعوداً لا يقدرون على القيام لشدة هول ما يرون. روى ابن جبير عن ابن عباس أنه قال: سمعت النبي ﷺ يقول: إنكم [ملاقو] الله حفاة عراة مشاة عزلاً. قال ابن جبير: يحشرون حفاة عراة، فأول من يكسى خليل الله إبراهيم عليه السلام. وعن النبي ﷺ أنه قال: "كأني أراكم جاثين بالكوم دون جهنم". ثم قال تعالى: ﴿ثُمَّ لَنَنزِعَنَّ مِن كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى ٱلرَّحْمَـٰنِ عِتِيّاً﴾. أي: ثم لنأخذنّ من كل جماعة أشدهم على الرحمن عتواً وتمرداً. يعني الأكابر فالأكابر جرماً. والجبار فالجبار. والمعنى: نبدأ بتعذيب أعظمهم جرماً ثم الذي يليه ثم الذي يليه. قال مجاهد: "من كل شيعة": من كل أمة. والشيعة: الجماعة المتعاونون على الأمر: فالتقدير: لنأخذن من كل أمة تعاونت على الكفر أشدهم كفراً ثم الذي يليه. "وأيهم" رفع عند الخليل على الحكاية. أي لننزعنّ الذي يقال له من أجل عتوه أيهم أشد. ومعناه: لننزعن من كل فرقة الأعتى فالأعتى، يعذب أولاً أشدهم كفراً ثم الذي يليه. ومذهب يونس أن "لننزعن" معلق. "وأيهم" رفع بالابتداء وليس هذا الفعل مما يجوز أن يعلق عند غيره. ومذهب سيبويه أن "أيهم" مبنية على الضم، لأنها خالفت أخواتها في الحذف، لأنك لو قلت رأيت الذي أفضل منك، ومررت بمن أفضل منك قبح، وذلك حسن في "أيهم" فخالفت أختها بحسن حذف الصلة بعدها، فبنيت على الضم. وقد خطيء سيبويه في هذا القول، لأن مذهبه أنه إنما أعرب "أيا" إذا انفردت من أجل أنها تضاف. فكيف يعربها من أجل أنها تضاف ويبينها وهي مضافة. وقال الكسائي: "لننزعن" واقع على المعنى. كما تقول: لبست من الثياب، وأكلت من الطعام. فترفع "أيهم" بالابتداء. وقال الفراء: المعنى: "لننزعن" بالنداء، فيكون معنى "لننزعن": لننادين. وهذا يتعلق، ولا يتعدى، فحسن الرفع بالابتداء، إذ هو في موضع فعل يجوز أن يعلق عن العمل. أعني "لننزعن" وقع موقع "لننادين". ونادى فعل يعلق عن العمل إذا كان بعده جملة. فلا يعمل في اللفظ ويعمل في المعنى كظننت وحسبت. وقال بعض الكوفيين في "أي" معنى الشرط والمجازاة فلذلك لم يعمل فيها ما قبلها. وقال المبرد: "أيهم" متعلقة بشيعة لا بننزعن. والمعنى: ثم لننزعن من الذين تشايعوا أيهم. أي: من الذين تعاونوا فنظروا أيهم أشد. فيكون المعنى على هذا ثم لننزعن من هؤلاء الذين فعلوا هذا الذي وصف عنهم.

مريم 19:70

قوله تعالى ذكره: ﴿ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِٱلَّذِينَ هُمْ أَوْلَىٰ بِهَا صِلِيّاً﴾ إلى قوله ﴿فِيهَا جِثِيّاً﴾. أي: ثم لنحن أعلم بالذين ننزعهم من كل شيعة فيقدمهم إلى العذاب فيصلونه. "وصلياً" مصدر صلى يصلي صلياً، على فعول وأصله صلوي: ثم أعل وكسرت اللام. * * ثم قال: ﴿وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا كَانَ عَلَىٰ رَبِّكَ حَتْماً مَّقْضِيّاً﴾. المعنى: وإنّ من هؤلاء القوم، الذين هذا القول المتقدم قولهم في البعث، إلا وارد جهنم. * * ﴿ثُمَّ نُنَجِّي ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ﴾. أي: اتقوا الشرك، وآمنوا بالبعث، فهي مخصوصة فيمن تقدم ذكره على هذا القول. وقيل: هي عامة. والمعنى: ما منكم أحد إلا يرد جهنم. كان ذلك على ربك يا محمد قضاء مقضياً في أم الكتاب. وقال ابن مسعود وقتادة معناه: قضاءً واجباً. قال ابن عباس: الورود، الدخول. واحتج بقوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾ وبقوله تعالى: ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ ٱلنَّارَ﴾ وقل محتجاً للدخول: دخل هؤلاء؟ أم لا؟. وقاله ابن جريج. وقاله ابن عباس: يردها البر والفاجر. وقيل: إنهم يردونها وهي خامدة. وعن كعب أنه قال: تمسك النار للناس كأنها متن أهالة، حتى تستوي عليها أقدام الخلق، برّهم وفاجرهم. ثم ينادي بها مناد امسكي أصحابك ودعي أصحابي. فتخسف بكل ولي لها. فلهي أعلم بهم من الرجل بولده، وخرج المؤمنون ندية ثيابهم. وقال كعب: ما بين منكبي الخازن من خزنة جهنم مسيرة سنة. وقال ابن مسعود: الورود: الدخول. وقال قتادة: هو الممر عليها. وقيل: الورود هو الجواز على الصراط. والصراط على شفير جهنم مثل حد السيف. فتمر الطبقة الأولى كالبرق، والثانية كالريح، والثالثة، كأجود الخيل، والرابعة كأجود البهائم. ثم يمرون، والملائكة يقولون: اللهم سلم سلم. وعن ابن عباس، أن الورود الدخول، ولكن المخاطبة للكفار خاصة. وكذلك قال عكرمة. وقال ابن زيد: الورود عام، للمسلم والكافر، إلا أن ورود المؤمن المرور. ودل على هذا أن ابن عباس وعكرمة قرآ: وإن منهم إلا واردها يريدان الكفار برد الهاء والميم على ما تقدم من ذكر الكفار. وقرأ ابن عباس وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهما: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي ٱلَّذِينَ﴾ بفتح التاء. إلا أن عليا قرأ "تَنحَّى بالحاء" وكذلك قرأ ابن أبي ليلى بفتح التاء. فورود المؤمن على الجسر بين ظهريها، وورود الكافر الدخول. وعن النبي ﷺ أنه قال: "الزالون والزالات يؤمئذٍ كثيرة وقد أحاط بالجسر سماطان من الملائكة، دعواهم يومئذٍ يا الله سلم سلم وقال مجاهد: "الحمى حظ كل مسلم من النار. وقال أبو هريرة: خرج رسول الله ﷺ يعود رجلاً من أصحابه وعكَ، وأنا معه. فقال: إن الله جلّ ذكره يقول: هي ناري أسلطها على عبدي المؤمن لتكون حظه من النار في الآخرة وقال السدي: يردونها كلهم، ثم يصدر عنها المؤمنون بأعمالهم. وروت حفصة، أن النبي ﷺ: قال إني لأرجو أن لا يدخل النار أحد شهد بدراً والحديبية. قالت: فقلت: يا رسول الله، أليس الله جلّ وعزّ يقول: "وإن منكم إلا واردها؟" قال لها: أولم تسمعيه يقول: "ثم نُنَجي الذين اتقوا" وقيل: المعنى: وإن منكم إلا وارد القيامة. وهذا اختيار الطبري ودل على هذا قوله: ﴿لاَ يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا﴾ [الأنبياء: ١٠٢] وقوله: ﴿أُوْلَـٰئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠١]. ودل على هذا أيضاً قوله تعالى قبل الآية "﴿فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَٱلشَّيَاطِينَ﴾ فالحشر إنما هو في القيامة. وروى ابن وهب عن زيد بن أسلم أنه قال في تفسير الورود: "وإن منكم يا أهل هذا القول إلا وارد جهنم". يعني: الذين أنكروا البعث فقالوا: أإذا متنا لسوف نخرج أحياء إنكاراً منهم بالبعث. * * وقوله: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ﴾ أي: ننجيهم من ورودها فلا يردونها. وقيل: معناه: وإن منكم إلاّ يحضر جهنم ويعاينها، لا يدخلها إلا من وجب عليه دخولها. ودليله قوله: ﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَآءَ مَدْيَنَ﴾ [القصص: ٢٣] فهو لم يدخل الماء، إنما حضر قرب الماء وعاينه، لم يدخله فكذلك هذا، يحضرون كلهم جهنم ويعاينونها وينجي الله من دخولها المتقين وهو قوله تعالى: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ﴾. * * ثم قال: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ﴾. أي: ننجي من النار بعد الورود الذين اتقوا الله وأدوا فرائضه، واجتنبوا محارمه. * * ثم قال: ﴿وَّنَذَرُ ٱلظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيّاً﴾ أي: وندعهم في النار بروكاً على ركبهم. كذا قال قادة. وقال: إن الناس يردون جهنم وهي سوداء مظلمة، فأما المؤمنون فأضاءت لهم حسناتهم فأنجوا منها، وأما الكفار فأوبقتهم أعمالهم واحتبسوا بذنوبهم. قال ابن زيد: لا يجلس الرجل جاثياً إلا عند كرب ينزل به.

مريم 19:71

قوله تعالى ذكره: ﴿ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِٱلَّذِينَ هُمْ أَوْلَىٰ بِهَا صِلِيّاً﴾ إلى قوله ﴿فِيهَا جِثِيّاً﴾. أي: ثم لنحن أعلم بالذين ننزعهم من كل شيعة فيقدمهم إلى العذاب فيصلونه. "وصلياً" مصدر صلى يصلي صلياً، على فعول وأصله صلوي: ثم أعل وكسرت اللام. * * ثم قال: ﴿وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا كَانَ عَلَىٰ رَبِّكَ حَتْماً مَّقْضِيّاً﴾. المعنى: وإنّ من هؤلاء القوم، الذين هذا القول المتقدم قولهم في البعث، إلا وارد جهنم. * * ﴿ثُمَّ نُنَجِّي ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ﴾. أي: اتقوا الشرك، وآمنوا بالبعث، فهي مخصوصة فيمن تقدم ذكره على هذا القول. وقيل: هي عامة. والمعنى: ما منكم أحد إلا يرد جهنم. كان ذلك على ربك يا محمد قضاء مقضياً في أم الكتاب. وقال ابن مسعود وقتادة معناه: قضاءً واجباً. قال ابن عباس: الورود، الدخول. واحتج بقوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾ وبقوله تعالى: ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ ٱلنَّارَ﴾ وقل محتجاً للدخول: دخل هؤلاء؟ أم لا؟. وقاله ابن جريج. وقاله ابن عباس: يردها البر والفاجر. وقيل: إنهم يردونها وهي خامدة. وعن كعب أنه قال: تمسك النار للناس كأنها متن أهالة، حتى تستوي عليها أقدام الخلق، برّهم وفاجرهم. ثم ينادي بها مناد امسكي أصحابك ودعي أصحابي. فتخسف بكل ولي لها. فلهي أعلم بهم من الرجل بولده، وخرج المؤمنون ندية ثيابهم. وقال كعب: ما بين منكبي الخازن من خزنة جهنم مسيرة سنة. وقال ابن مسعود: الورود: الدخول. وقال قتادة: هو الممر عليها. وقيل: الورود هو الجواز على الصراط. والصراط على شفير جهنم مثل حد السيف. فتمر الطبقة الأولى كالبرق، والثانية كالريح، والثالثة، كأجود الخيل، والرابعة كأجود البهائم. ثم يمرون، والملائكة يقولون: اللهم سلم سلم. وعن ابن عباس، أن الورود الدخول، ولكن المخاطبة للكفار خاصة. وكذلك قال عكرمة. وقال ابن زيد: الورود عام، للمسلم والكافر، إلا أن ورود المؤمن المرور. ودل على هذا أن ابن عباس وعكرمة قرآ: وإن منهم إلا واردها يريدان الكفار برد الهاء والميم على ما تقدم من ذكر الكفار. وقرأ ابن عباس وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهما: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي ٱلَّذِينَ﴾ بفتح التاء. إلا أن عليا قرأ "تَنحَّى بالحاء" وكذلك قرأ ابن أبي ليلى بفتح التاء. فورود المؤمن على الجسر بين ظهريها، وورود الكافر الدخول. وعن النبي ﷺ أنه قال: "الزالون والزالات يؤمئذٍ كثيرة وقد أحاط بالجسر سماطان من الملائكة، دعواهم يومئذٍ يا الله سلم سلم وقال مجاهد: "الحمى حظ كل مسلم من النار. وقال أبو هريرة: خرج رسول الله ﷺ يعود رجلاً من أصحابه وعكَ، وأنا معه. فقال: إن الله جلّ ذكره يقول: هي ناري أسلطها على عبدي المؤمن لتكون حظه من النار في الآخرة وقال السدي: يردونها كلهم، ثم يصدر عنها المؤمنون بأعمالهم. وروت حفصة، أن النبي ﷺ: قال إني لأرجو أن لا يدخل النار أحد شهد بدراً والحديبية. قالت: فقلت: يا رسول الله، أليس الله جلّ وعزّ يقول: "وإن منكم إلا واردها؟" قال لها: أولم تسمعيه يقول: "ثم نُنَجي الذين اتقوا" وقيل: المعنى: وإن منكم إلا وارد القيامة. وهذا اختيار الطبري ودل على هذا قوله: ﴿لاَ يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا﴾ [الأنبياء: ١٠٢] وقوله: ﴿أُوْلَـٰئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠١]. ودل على هذا أيضاً قوله تعالى قبل الآية "﴿فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَٱلشَّيَاطِينَ﴾ فالحشر إنما هو في القيامة. وروى ابن وهب عن زيد بن أسلم أنه قال في تفسير الورود: "وإن منكم يا أهل هذا القول إلا وارد جهنم". يعني: الذين أنكروا البعث فقالوا: أإذا متنا لسوف نخرج أحياء إنكاراً منهم بالبعث. * * وقوله: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ﴾ أي: ننجيهم من ورودها فلا يردونها. وقيل: معناه: وإن منكم إلاّ يحضر جهنم ويعاينها، لا يدخلها إلا من وجب عليه دخولها. ودليله قوله: ﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَآءَ مَدْيَنَ﴾ [القصص: ٢٣] فهو لم يدخل الماء، إنما حضر قرب الماء وعاينه، لم يدخله فكذلك هذا، يحضرون كلهم جهنم ويعاينونها وينجي الله من دخولها المتقين وهو قوله تعالى: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ﴾. * * ثم قال: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ﴾. أي: ننجي من النار بعد الورود الذين اتقوا الله وأدوا فرائضه، واجتنبوا محارمه. * * ثم قال: ﴿وَّنَذَرُ ٱلظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيّاً﴾ أي: وندعهم في النار بروكاً على ركبهم. كذا قال قادة. وقال: إن الناس يردون جهنم وهي سوداء مظلمة، فأما المؤمنون فأضاءت لهم حسناتهم فأنجوا منها، وأما الكفار فأوبقتهم أعمالهم واحتبسوا بذنوبهم. قال ابن زيد: لا يجلس الرجل جاثياً إلا عند كرب ينزل به.

مريم 19:72

قوله تعالى ذكره: ﴿ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِٱلَّذِينَ هُمْ أَوْلَىٰ بِهَا صِلِيّاً﴾ إلى قوله ﴿فِيهَا جِثِيّاً﴾. أي: ثم لنحن أعلم بالذين ننزعهم من كل شيعة فيقدمهم إلى العذاب فيصلونه. "وصلياً" مصدر صلى يصلي صلياً، على فعول وأصله صلوي: ثم أعل وكسرت اللام. * * ثم قال: ﴿وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا كَانَ عَلَىٰ رَبِّكَ حَتْماً مَّقْضِيّاً﴾. المعنى: وإنّ من هؤلاء القوم، الذين هذا القول المتقدم قولهم في البعث، إلا وارد جهنم. * * ﴿ثُمَّ نُنَجِّي ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ﴾. أي: اتقوا الشرك، وآمنوا بالبعث، فهي مخصوصة فيمن تقدم ذكره على هذا القول. وقيل: هي عامة. والمعنى: ما منكم أحد إلا يرد جهنم. كان ذلك على ربك يا محمد قضاء مقضياً في أم الكتاب. وقال ابن مسعود وقتادة معناه: قضاءً واجباً. قال ابن عباس: الورود، الدخول. واحتج بقوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾ وبقوله تعالى: ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ ٱلنَّارَ﴾ وقل محتجاً للدخول: دخل هؤلاء؟ أم لا؟. وقاله ابن جريج. وقاله ابن عباس: يردها البر والفاجر. وقيل: إنهم يردونها وهي خامدة. وعن كعب أنه قال: تمسك النار للناس كأنها متن أهالة، حتى تستوي عليها أقدام الخلق، برّهم وفاجرهم. ثم ينادي بها مناد امسكي أصحابك ودعي أصحابي. فتخسف بكل ولي لها. فلهي أعلم بهم من الرجل بولده، وخرج المؤمنون ندية ثيابهم. وقال كعب: ما بين منكبي الخازن من خزنة جهنم مسيرة سنة. وقال ابن مسعود: الورود: الدخول. وقال قتادة: هو الممر عليها. وقيل: الورود هو الجواز على الصراط. والصراط على شفير جهنم مثل حد السيف. فتمر الطبقة الأولى كالبرق، والثانية كالريح، والثالثة، كأجود الخيل، والرابعة كأجود البهائم. ثم يمرون، والملائكة يقولون: اللهم سلم سلم. وعن ابن عباس، أن الورود الدخول، ولكن المخاطبة للكفار خاصة. وكذلك قال عكرمة. وقال ابن زيد: الورود عام، للمسلم والكافر، إلا أن ورود المؤمن المرور. ودل على هذا أن ابن عباس وعكرمة قرآ: وإن منهم إلا واردها يريدان الكفار برد الهاء والميم على ما تقدم من ذكر الكفار. وقرأ ابن عباس وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهما: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي ٱلَّذِينَ﴾ بفتح التاء. إلا أن عليا قرأ "تَنحَّى بالحاء" وكذلك قرأ ابن أبي ليلى بفتح التاء. فورود المؤمن على الجسر بين ظهريها، وورود الكافر الدخول. وعن النبي ﷺ أنه قال: "الزالون والزالات يؤمئذٍ كثيرة وقد أحاط بالجسر سماطان من الملائكة، دعواهم يومئذٍ يا الله سلم سلم وقال مجاهد: "الحمى حظ كل مسلم من النار. وقال أبو هريرة: خرج رسول الله ﷺ يعود رجلاً من أصحابه وعكَ، وأنا معه. فقال: إن الله جلّ ذكره يقول: هي ناري أسلطها على عبدي المؤمن لتكون حظه من النار في الآخرة وقال السدي: يردونها كلهم، ثم يصدر عنها المؤمنون بأعمالهم. وروت حفصة، أن النبي ﷺ: قال إني لأرجو أن لا يدخل النار أحد شهد بدراً والحديبية. قالت: فقلت: يا رسول الله، أليس الله جلّ وعزّ يقول: "وإن منكم إلا واردها؟" قال لها: أولم تسمعيه يقول: "ثم نُنَجي الذين اتقوا" وقيل: المعنى: وإن منكم إلا وارد القيامة. وهذا اختيار الطبري ودل على هذا قوله: ﴿لاَ يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا﴾ [الأنبياء: ١٠٢] وقوله: ﴿أُوْلَـٰئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠١]. ودل على هذا أيضاً قوله تعالى قبل الآية "﴿فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَٱلشَّيَاطِينَ﴾ فالحشر إنما هو في القيامة. وروى ابن وهب عن زيد بن أسلم أنه قال في تفسير الورود: "وإن منكم يا أهل هذا القول إلا وارد جهنم". يعني: الذين أنكروا البعث فقالوا: أإذا متنا لسوف نخرج أحياء إنكاراً منهم بالبعث. * * وقوله: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ﴾ أي: ننجيهم من ورودها فلا يردونها. وقيل: معناه: وإن منكم إلاّ يحضر جهنم ويعاينها، لا يدخلها إلا من وجب عليه دخولها. ودليله قوله: ﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَآءَ مَدْيَنَ﴾ [القصص: ٢٣] فهو لم يدخل الماء، إنما حضر قرب الماء وعاينه، لم يدخله فكذلك هذا، يحضرون كلهم جهنم ويعاينونها وينجي الله من دخولها المتقين وهو قوله تعالى: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ﴾. * * ثم قال: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ﴾. أي: ننجي من النار بعد الورود الذين اتقوا الله وأدوا فرائضه، واجتنبوا محارمه. * * ثم قال: ﴿وَّنَذَرُ ٱلظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيّاً﴾ أي: وندعهم في النار بروكاً على ركبهم. كذا قال قادة. وقال: إن الناس يردون جهنم وهي سوداء مظلمة، فأما المؤمنون فأضاءت لهم حسناتهم فأنجوا منها، وأما الكفار فأوبقتهم أعمالهم واحتبسوا بذنوبهم. قال ابن زيد: لا يجلس الرجل جاثياً إلا عند كرب ينزل به.

مريم 19:73

قوله تعالى ذكره: ﴿وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَٰتٍ﴾ إلى قوله ﴿وَأَضْعَفُ جُنداً﴾. المعنى: أن الكفار من قريش كانوا إذا تلا عليهم النبي ﷺ آيات القرآن، قالوا للذين آمنوا (أي الفريقين منا ومنكم خير مقاماً) أي: خير موضع إقامة، وهي مساكنهم "وأحسن ندياً" أي [مجلسا]. يتركون التفكير في آيات الله والاعتبار بها ويأخذون في التفاخر بحسن المسكن وحسن المجلس. قال ابن عباس: "المقام" المسكن. و "الندي" المجلس. يقال: ندوت القوم أندوهم ندواً، إذا جمعتهم في مجلس [واحد]. ومنه دار الندوة المتصلة بالمسجد الحرام، لأنهم كانوا يجتمعون فيها إذا كربهم أمر. ومنه قوله: ﴿وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ ٱلْمُنْكَرَ﴾ [العنكبوت: ٢٩] ومنه ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ﴾ [العلق: ١٧] أي أهل مجلسه. ويقال: هو في ندي قومه، وفي ناديهم بمعنى: مجلسهم وندي: جمع أندية. ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِّن قَرْنٍ﴾. أي: وكثيراً يا محمد أهلكنا من القرون هم أحسن أثاثاً ورِئْيا قبل هؤلاء القائلين للمؤمنين: أي الفريقين خير مقاماً وأحسن ندياً. قال ابن عباس: "الأثاث": المتاع. "والرئي: المنظر. أي: أحسن متاعاً وأحسن مرئى ومنظراً من هؤلاء فأهلك الله أموالهم، وأفسد صورهم وكذلك قال ابن زيد ومجاهد: "الأثاث": المتاع و "الرئي": المنظر. وقال معمر: أحسن أثاثاً: أحسن صوراً. ورئياً: أموالاً. وروي عن ابن عباس: "أحسن أثاثاً وزياً" بالزاي. وقرأ طلحة "ورياً" خفيفة الياء من غير همز. ومن شدد الياء، جعله من رأيت، ولكن خفف الهمزة، فأبدل وأدغم. ويجوز أن يكون من رويت روية ورياء فيكون معناه أيضاً منظراً، لأن العرب تقول: ما أحسن روية فلان في هذا الأمر؟.. إذا كان حسن النظر فيه، والمعرفة به. ويجوز أن يكون من ري الشارب. فيكون المعنى أن جلودهم مرتوية من النعمة. وأجاز الأخفش أن يكون من ري المنظر. ومن همز جعله من رؤية العين. "والأثاث" جمع واحده أثاثة كالحمام والسحاب. هذا مذهب الأخفش. وقال الفراء: لا واحد له كالمتاع. * * ثم قال تعالى: ﴿قُلْ مَن كَانَ فِي ٱلضَّلَـٰلَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ ٱلرَّحْمَـٰنُ مَدّاً﴾. أي: قل يا محمد لهؤلاء القائلين - إذا تتلى عليهم آياتنا بينات - أي الفريقين خير مقاماً وأحسن ندياً من كان منا ومنكم في الضلالة فليمدد له الرحمن مداً. فهو لفظ أمر، ومعناه الخبر. أي جعل الله جزاء ضلالته في الدنيا أن يطول له فيها، ويمد له كما قال تعالى: ﴿وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الأنعام: ١١٠]. لأن لفظ الأمر يؤكد معنى الخبر، كأن المتكلم يلزمه نفسه، كأنه يقول: أفعل ذلك وآمر نفسي به، فهو أبلغ. فلذلك أتى به على الخبر. ومعناه: فليعش ما شاء، وليوسع لنفسه في العمر، فإن مصيره إلى الموت والعذاب. قال ابن نجيح معناه: فليدعه في طغيانه. * * ثم قال تعالى: ﴿حَتَّىٰ إِذَا رَأَوْاْ مَا يُوعَدُونَ إِمَّا ٱلعَذَابَ﴾. يعني به النصر، فيعذبوا بالقتل والسبي. "وإما الساعة" يعني يوم القيامة، فيصيرون إلى النار. و "إما" للتخيير. وهي عند المبرد إن زيدت عليها "ما". واستدل على ذلك أن الشاعر إذا اضطر، جاز له حذف "ما". وليست عند غيره إلا حرفاً واحداً. ولم يختلفوا فيها في العطف أنها حرف واحد. وقال أبو العباس: إذا قلت ضربت إما زيداً وإما عمراً، فالأولى دخلت لبنية الكلام على الشك، والثانية للعطف. وقال ابن كيسان: "إما": للشك والتخيير، والواو هي العاطفة. وأجاز الكسائي: إما زيد قائم على النفي بجعل "إما" بمنزلة "ما". وأجاز الفراء أن تأتي "إما" مفردة بمنزلة "أو". قوله: ﴿فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَّكَاناً﴾. أي: مسكناً، منكم ومنهم. ﴿وَأَضْعَفُ جُنداً﴾ أهم؟ أم أنتم؟ يعني: إذا نصر الله المؤمنين. فأما قراءة طلحة، فإنما يجوز على تقدير. القلب وإلقاء حركة الهمزة على الياء بعد القلب.

مريم 19:74

قوله تعالى ذكره: ﴿وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَٰتٍ﴾ إلى قوله ﴿وَأَضْعَفُ جُنداً﴾. المعنى: أن الكفار من قريش كانوا إذا تلا عليهم النبي ﷺ آيات القرآن، قالوا للذين آمنوا (أي الفريقين منا ومنكم خير مقاماً) أي: خير موضع إقامة، وهي مساكنهم "وأحسن ندياً" أي [مجلسا]. يتركون التفكير في آيات الله والاعتبار بها ويأخذون في التفاخر بحسن المسكن وحسن المجلس. قال ابن عباس: "المقام" المسكن. و "الندي" المجلس. يقال: ندوت القوم أندوهم ندواً، إذا جمعتهم في مجلس [واحد]. ومنه دار الندوة المتصلة بالمسجد الحرام، لأنهم كانوا يجتمعون فيها إذا كربهم أمر. ومنه قوله: ﴿وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ ٱلْمُنْكَرَ﴾ [العنكبوت: ٢٩] ومنه ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ﴾ [العلق: ١٧] أي أهل مجلسه. ويقال: هو في ندي قومه، وفي ناديهم بمعنى: مجلسهم وندي: جمع أندية. ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِّن قَرْنٍ﴾. أي: وكثيراً يا محمد أهلكنا من القرون هم أحسن أثاثاً ورِئْيا قبل هؤلاء القائلين للمؤمنين: أي الفريقين خير مقاماً وأحسن ندياً. قال ابن عباس: "الأثاث": المتاع. "والرئي: المنظر. أي: أحسن متاعاً وأحسن مرئى ومنظراً من هؤلاء فأهلك الله أموالهم، وأفسد صورهم وكذلك قال ابن زيد ومجاهد: "الأثاث": المتاع و "الرئي": المنظر. وقال معمر: أحسن أثاثاً: أحسن صوراً. ورئياً: أموالاً. وروي عن ابن عباس: "أحسن أثاثاً وزياً" بالزاي. وقرأ طلحة "ورياً" خفيفة الياء من غير همز. ومن شدد الياء، جعله من رأيت، ولكن خفف الهمزة، فأبدل وأدغم. ويجوز أن يكون من رويت روية ورياء فيكون معناه أيضاً منظراً، لأن العرب تقول: ما أحسن روية فلان في هذا الأمر؟.. إذا كان حسن النظر فيه، والمعرفة به. ويجوز أن يكون من ري الشارب. فيكون المعنى أن جلودهم مرتوية من النعمة. وأجاز الأخفش أن يكون من ري المنظر. ومن همز جعله من رؤية العين. "والأثاث" جمع واحده أثاثة كالحمام والسحاب. هذا مذهب الأخفش. وقال الفراء: لا واحد له كالمتاع. * * ثم قال تعالى: ﴿قُلْ مَن كَانَ فِي ٱلضَّلَـٰلَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ ٱلرَّحْمَـٰنُ مَدّاً﴾. أي: قل يا محمد لهؤلاء القائلين - إذا تتلى عليهم آياتنا بينات - أي الفريقين خير مقاماً وأحسن ندياً من كان منا ومنكم في الضلالة فليمدد له الرحمن مداً. فهو لفظ أمر، ومعناه الخبر. أي جعل الله جزاء ضلالته في الدنيا أن يطول له فيها، ويمد له كما قال تعالى: ﴿وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الأنعام: ١١٠]. لأن لفظ الأمر يؤكد معنى الخبر، كأن المتكلم يلزمه نفسه، كأنه يقول: أفعل ذلك وآمر نفسي به، فهو أبلغ. فلذلك أتى به على الخبر. ومعناه: فليعش ما شاء، وليوسع لنفسه في العمر، فإن مصيره إلى الموت والعذاب. قال ابن نجيح معناه: فليدعه في طغيانه. * * ثم قال تعالى: ﴿حَتَّىٰ إِذَا رَأَوْاْ مَا يُوعَدُونَ إِمَّا ٱلعَذَابَ﴾. يعني به النصر، فيعذبوا بالقتل والسبي. "وإما الساعة" يعني يوم القيامة، فيصيرون إلى النار. و "إما" للتخيير. وهي عند المبرد إن زيدت عليها "ما". واستدل على ذلك أن الشاعر إذا اضطر، جاز له حذف "ما". وليست عند غيره إلا حرفاً واحداً. ولم يختلفوا فيها في العطف أنها حرف واحد. وقال أبو العباس: إذا قلت ضربت إما زيداً وإما عمراً، فالأولى دخلت لبنية الكلام على الشك، والثانية للعطف. وقال ابن كيسان: "إما": للشك والتخيير، والواو هي العاطفة. وأجاز الكسائي: إما زيد قائم على النفي بجعل "إما" بمنزلة "ما". وأجاز الفراء أن تأتي "إما" مفردة بمنزلة "أو". قوله: ﴿فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَّكَاناً﴾. أي: مسكناً، منكم ومنهم. ﴿وَأَضْعَفُ جُنداً﴾ أهم؟ أم أنتم؟ يعني: إذا نصر الله المؤمنين. فأما قراءة طلحة، فإنما يجوز على تقدير. القلب وإلقاء حركة الهمزة على الياء بعد القلب.

مريم 19:75

قوله تعالى ذكره: ﴿وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَٰتٍ﴾ إلى قوله ﴿وَأَضْعَفُ جُنداً﴾. المعنى: أن الكفار من قريش كانوا إذا تلا عليهم النبي ﷺ آيات القرآن، قالوا للذين آمنوا (أي الفريقين منا ومنكم خير مقاماً) أي: خير موضع إقامة، وهي مساكنهم "وأحسن ندياً" أي [مجلسا]. يتركون التفكير في آيات الله والاعتبار بها ويأخذون في التفاخر بحسن المسكن وحسن المجلس. قال ابن عباس: "المقام" المسكن. و "الندي" المجلس. يقال: ندوت القوم أندوهم ندواً، إذا جمعتهم في مجلس [واحد]. ومنه دار الندوة المتصلة بالمسجد الحرام، لأنهم كانوا يجتمعون فيها إذا كربهم أمر. ومنه قوله: ﴿وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ ٱلْمُنْكَرَ﴾ [العنكبوت: ٢٩] ومنه ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ﴾ [العلق: ١٧] أي أهل مجلسه. ويقال: هو في ندي قومه، وفي ناديهم بمعنى: مجلسهم وندي: جمع أندية. ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِّن قَرْنٍ﴾. أي: وكثيراً يا محمد أهلكنا من القرون هم أحسن أثاثاً ورِئْيا قبل هؤلاء القائلين للمؤمنين: أي الفريقين خير مقاماً وأحسن ندياً. قال ابن عباس: "الأثاث": المتاع. "والرئي: المنظر. أي: أحسن متاعاً وأحسن مرئى ومنظراً من هؤلاء فأهلك الله أموالهم، وأفسد صورهم وكذلك قال ابن زيد ومجاهد: "الأثاث": المتاع و "الرئي": المنظر. وقال معمر: أحسن أثاثاً: أحسن صوراً. ورئياً: أموالاً. وروي عن ابن عباس: "أحسن أثاثاً وزياً" بالزاي. وقرأ طلحة "ورياً" خفيفة الياء من غير همز. ومن شدد الياء، جعله من رأيت، ولكن خفف الهمزة، فأبدل وأدغم. ويجوز أن يكون من رويت روية ورياء فيكون معناه أيضاً منظراً، لأن العرب تقول: ما أحسن روية فلان في هذا الأمر؟.. إذا كان حسن النظر فيه، والمعرفة به. ويجوز أن يكون من ري الشارب. فيكون المعنى أن جلودهم مرتوية من النعمة. وأجاز الأخفش أن يكون من ري المنظر. ومن همز جعله من رؤية العين. "والأثاث" جمع واحده أثاثة كالحمام والسحاب. هذا مذهب الأخفش. وقال الفراء: لا واحد له كالمتاع. * * ثم قال تعالى: ﴿قُلْ مَن كَانَ فِي ٱلضَّلَـٰلَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ ٱلرَّحْمَـٰنُ مَدّاً﴾. أي: قل يا محمد لهؤلاء القائلين - إذا تتلى عليهم آياتنا بينات - أي الفريقين خير مقاماً وأحسن ندياً من كان منا ومنكم في الضلالة فليمدد له الرحمن مداً. فهو لفظ أمر، ومعناه الخبر. أي جعل الله جزاء ضلالته في الدنيا أن يطول له فيها، ويمد له كما قال تعالى: ﴿وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الأنعام: ١١٠]. لأن لفظ الأمر يؤكد معنى الخبر، كأن المتكلم يلزمه نفسه، كأنه يقول: أفعل ذلك وآمر نفسي به، فهو أبلغ. فلذلك أتى به على الخبر. ومعناه: فليعش ما شاء، وليوسع لنفسه في العمر، فإن مصيره إلى الموت والعذاب. قال ابن نجيح معناه: فليدعه في طغيانه. * * ثم قال تعالى: ﴿حَتَّىٰ إِذَا رَأَوْاْ مَا يُوعَدُونَ إِمَّا ٱلعَذَابَ﴾. يعني به النصر، فيعذبوا بالقتل والسبي. "وإما الساعة" يعني يوم القيامة، فيصيرون إلى النار. و "إما" للتخيير. وهي عند المبرد إن زيدت عليها "ما". واستدل على ذلك أن الشاعر إذا اضطر، جاز له حذف "ما". وليست عند غيره إلا حرفاً واحداً. ولم يختلفوا فيها في العطف أنها حرف واحد. وقال أبو العباس: إذا قلت ضربت إما زيداً وإما عمراً، فالأولى دخلت لبنية الكلام على الشك، والثانية للعطف. وقال ابن كيسان: "إما": للشك والتخيير، والواو هي العاطفة. وأجاز الكسائي: إما زيد قائم على النفي بجعل "إما" بمنزلة "ما". وأجاز الفراء أن تأتي "إما" مفردة بمنزلة "أو". قوله: ﴿فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَّكَاناً﴾. أي: مسكناً، منكم ومنهم. ﴿وَأَضْعَفُ جُنداً﴾ أهم؟ أم أنتم؟ يعني: إذا نصر الله المؤمنين. فأما قراءة طلحة، فإنما يجوز على تقدير. القلب وإلقاء حركة الهمزة على الياء بعد القلب.

مريم 19:76

قوله تعالى ذكره: ﴿وَيَزِيدُ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ٱهْتَدَواْ هُدًى﴾ إلى قوله: ﴿وَيَأْتِينَا فَرْداً﴾. أي: ويزيد الله المؤمنين هدى، لأنهم يؤمنون بكل ما أنزل إليهم من الفرائض، ويصدقون بها، ويعملون بها، فهم في زيادة إيمان وهذا مثل قوله تعالى: ﴿أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَـٰذِهِ إِيمَاناً﴾... [التوبة: ١٢٤] الآية. وقيل: يزيدهم هدى بإيمانهم بالناسخ والمنسوخ. وقيل: هو زيادة في اليقين بجعل جزائهم في الدنيا أن يزيدهم في يقينهم هدى. * * ثم قال تعالى: ﴿وَٱلْبَاقِيَاتُ ٱلصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَاباً﴾. يعني: الأعمال الصالحات هي خير عند ربك جزاء لأهلها. ﴿وَخَيْرٌ مَّرَدّاً﴾ عليهم من مقامات هؤلاء المشركين في أنديتهم، وافتخارهم بها في الدنيا. وقد تقدم ذكر الباقيات الصالحات، واختلاف العلماء في معناها في "الكهف". وقد قيل: "الباقيات الصالحات" الإيمان والأعمال الصالحة وسماها باقية، لأنها تنفع أهلها في الدنيا والآخرة ولا تبطل كأعمال الكفار الذين لا يريدون بها ما عند الله. وروي أن النبي ﷺ جلس ذات يوم فأخذ عوداً يابساً فحط ورقه، ثم قال: إن لا إله إلا الله والله أكبر والحمد لله وسبحان الله يحططن الخطايا كما تحط ورق الشجر الريح، خذهن يا أبا الدرداء قبل أن يحال بينك وبينهن، هن الباقيات الصالحات، وهن من كنوز الجنة. فكان أبو الدرداء، إذا ذكر هذا الحديث قال: لأهللن الله، ولأكبرن الله، ولأسبحن الله حتى إذا رآني الجاهل حسب أني مجنون وإنما سميت هذه الكلمات بالباقيات الصالحات لأنها تبقى لأهلها حتى يردوا عليها في الجنة. وروى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: خذوا جنتكم خذوا جنتكم فقالوا: يا رسول الله، أمن عدو قد حضر؟ قال: لا، ولكن من النار. قولوا سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، فإنهن يأتين يوم القيامة مقدمات ومعقبات ومنجيات، هن الباقيات الصالحات ثم قال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ ٱلَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لأُوتَيَنَّ مَالاً وَوَلَداً﴾. هذه الآية نزلت في العاص بن وائل السهمي. قال خباب: كنت قينا - والقين الحداد - قال: وكان لي على العاص بن وائل دين، فأتيته أتقاضاه، فقال لي: والله لا أقضيك حتى تكفر بمحمد ﷺ. قلت: والله لا أكفر بمحمد ﷺ حتى تموت ثم تبعث. قال: وإني لمبعوث؟ قلت: نعم. قال: فإنه سيكون لي ثم مال وولد، فأقضيك. فأنزل الله جل ثناؤه ﴿أَفَرَأَيْتَ ٱلَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا...﴾ الآيات إلى ﴿... فَرْداً﴾. وكذلك قال مجاهد: وقال ابن عباس: كان رجال من أصحاب النبي ﷺ يطلبون العاص بن وائل السهمي بدين، فأتوا يتقاضونه فقال: ألستم تزعمون أن في الجنة فضة وذهباً وحريراً ومن كل الثمرات؟ قالوا: بلى. قال: فإن موعدكم الآخرة، فوالله لأوتين مالاً وولداً، ولأوتين مثل كتابكم الذي جئتم به، فضرب الله تعالى مثله في القرآن في قوله: ﴿أَفَرَأَيْتَ ٱلَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا﴾. إلى ﴿فَرْداً﴾. * * ثم قال تعالى: ﴿أَطَّلَعَ ٱلْغَيْبَ أَمِ ٱتَّخَذَ عِندَ ٱلرَّحْمَـٰنِ عَهْداً﴾. أي: اعلم هذا القائل الغيب أفقال ذلك عن علم غيب عنده؟ أم اتخذ عند الرحمن عهداً؟ أي: أم آمن بالله ورسوله وعمل بطاعته فكان له بذلك عهد عن الله فيؤتيه ما يقوله له في الآخرة؟. قال قتادة: "عهداً" عملاً صالحاً قدمه. وقاله: سفيان. وقيل: "العهد" التوحيد: "لا إله إلا الله". وقيل: "العهد: الوعد. وقال عبد الله بن عمر: يقول الله تعالى يوم القيامة: من كان له عندي عهد، فليقم، فقالوا: يا أبا عبد الرحمن، فعلّمنا. فقال قولوا: اللهم فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، إني أعهد إليك عهداً في هذه الحياة الدنيا، إنك إن تكلني إلى عملي تقربني من الشر، وتباعدني من الخير، وإني لا أثق إلا برحمتك، فاجعلها لي عندك عهداً تؤديه إلى يوم القيامة، إنك لا تخلف الميعاد. * * ثم قال تعالى: ﴿كَلاَّ سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ﴾ المعنى: ليس الأمر كما قال أنه يؤتى في القيامة مالاً وولداً. قال أبو محمد ولـ "كلا" كتاب مفرد في القرآن، قد ألفناه وكتب عنا، ولذلك لم نشبع الكلام فيها ها هنا. * * ثم قال: ﴿كَلاَّ سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ﴾. أي: سنكتب قوله، فنجازيه عليه، فنمد له من العذاب مداً. أي: نزيده زيادة من العذاب على قوله هذا. أي: نطول له العذاب غير ما له من العذاب على كفره. * * ثم قال: ﴿وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ﴾. أي: نرث منه ماله وولده يوم القيامة ﴿وَيَأْتِينَا فَرْداً﴾ أي: وحده لا مال له ولا ولد. وقوله: "ونرثه" هو، فعل من فعل يفعل بالكسر فيهما، كما جاء بالضم في الفعلين في مثل: ظرُف يظرُف. ونظيره: ورم يرم وومق يمق، ووري الزنديري، ووفق بأمره يفق، وورع يرع ووثق، يثق، ومنه وسع يسع ووطيء يطأ. وإنما فتح من أجل حرف الحلق، والدليل على أنه يفعل بالكسر في الأصل، حذف الواو منه في المستقبل. وبعدها فتحة، ولم يعتد بالفتحة، إذ هي غير أصلية، إنما أحدثها حرف الحلق، والكسر هو الأصل، فلذلك حذفت الواو في المستقبل على أصل حذفها في: يزن، ويعد وشبهه. وقد أتت أربعة أفعال من السالم على يفعَل ويفعِل باللغتين في المستقبل وهي حسب يحسب، ونعم ينعم، ويبس يبس ويئس ييأس. وحرف الجر، مقدر محذوف من المفعول الأول في "ونرثه" أي ونرث منه قوله. وفي حرف ابن مسعود، و "نَرِثُهُ ما عِنْدَهُ". وقال ابن زيد: "وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ" ما جمع من الدنيا، وما عمل فيها. وقيل: معناه: ويبقى عليه الإثم.

مريم 19:77

قوله تعالى ذكره: ﴿وَيَزِيدُ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ٱهْتَدَواْ هُدًى﴾ إلى قوله: ﴿وَيَأْتِينَا فَرْداً﴾. أي: ويزيد الله المؤمنين هدى، لأنهم يؤمنون بكل ما أنزل إليهم من الفرائض، ويصدقون بها، ويعملون بها، فهم في زيادة إيمان وهذا مثل قوله تعالى: ﴿أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَـٰذِهِ إِيمَاناً﴾... [التوبة: ١٢٤] الآية. وقيل: يزيدهم هدى بإيمانهم بالناسخ والمنسوخ. وقيل: هو زيادة في اليقين بجعل جزائهم في الدنيا أن يزيدهم في يقينهم هدى. * * ثم قال تعالى: ﴿وَٱلْبَاقِيَاتُ ٱلصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَاباً﴾. يعني: الأعمال الصالحات هي خير عند ربك جزاء لأهلها. ﴿وَخَيْرٌ مَّرَدّاً﴾ عليهم من مقامات هؤلاء المشركين في أنديتهم، وافتخارهم بها في الدنيا. وقد تقدم ذكر الباقيات الصالحات، واختلاف العلماء في معناها في "الكهف". وقد قيل: "الباقيات الصالحات" الإيمان والأعمال الصالحة وسماها باقية، لأنها تنفع أهلها في الدنيا والآخرة ولا تبطل كأعمال الكفار الذين لا يريدون بها ما عند الله. وروي أن النبي ﷺ جلس ذات يوم فأخذ عوداً يابساً فحط ورقه، ثم قال: إن لا إله إلا الله والله أكبر والحمد لله وسبحان الله يحططن الخطايا كما تحط ورق الشجر الريح، خذهن يا أبا الدرداء قبل أن يحال بينك وبينهن، هن الباقيات الصالحات، وهن من كنوز الجنة. فكان أبو الدرداء، إذا ذكر هذا الحديث قال: لأهللن الله، ولأكبرن الله، ولأسبحن الله حتى إذا رآني الجاهل حسب أني مجنون وإنما سميت هذه الكلمات بالباقيات الصالحات لأنها تبقى لأهلها حتى يردوا عليها في الجنة. وروى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: خذوا جنتكم خذوا جنتكم فقالوا: يا رسول الله، أمن عدو قد حضر؟ قال: لا، ولكن من النار. قولوا سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، فإنهن يأتين يوم القيامة مقدمات ومعقبات ومنجيات، هن الباقيات الصالحات ثم قال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ ٱلَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لأُوتَيَنَّ مَالاً وَوَلَداً﴾. هذه الآية نزلت في العاص بن وائل السهمي. قال خباب: كنت قينا - والقين الحداد - قال: وكان لي على العاص بن وائل دين، فأتيته أتقاضاه، فقال لي: والله لا أقضيك حتى تكفر بمحمد ﷺ. قلت: والله لا أكفر بمحمد ﷺ حتى تموت ثم تبعث. قال: وإني لمبعوث؟ قلت: نعم. قال: فإنه سيكون لي ثم مال وولد، فأقضيك. فأنزل الله جل ثناؤه ﴿أَفَرَأَيْتَ ٱلَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا...﴾ الآيات إلى ﴿... فَرْداً﴾. وكذلك قال مجاهد: وقال ابن عباس: كان رجال من أصحاب النبي ﷺ يطلبون العاص بن وائل السهمي بدين، فأتوا يتقاضونه فقال: ألستم تزعمون أن في الجنة فضة وذهباً وحريراً ومن كل الثمرات؟ قالوا: بلى. قال: فإن موعدكم الآخرة، فوالله لأوتين مالاً وولداً، ولأوتين مثل كتابكم الذي جئتم به، فضرب الله تعالى مثله في القرآن في قوله: ﴿أَفَرَأَيْتَ ٱلَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا﴾. إلى ﴿فَرْداً﴾. * * ثم قال تعالى: ﴿أَطَّلَعَ ٱلْغَيْبَ أَمِ ٱتَّخَذَ عِندَ ٱلرَّحْمَـٰنِ عَهْداً﴾. أي: اعلم هذا القائل الغيب أفقال ذلك عن علم غيب عنده؟ أم اتخذ عند الرحمن عهداً؟ أي: أم آمن بالله ورسوله وعمل بطاعته فكان له بذلك عهد عن الله فيؤتيه ما يقوله له في الآخرة؟. قال قتادة: "عهداً" عملاً صالحاً قدمه. وقاله: سفيان. وقيل: "العهد" التوحيد: "لا إله إلا الله". وقيل: "العهد: الوعد. وقال عبد الله بن عمر: يقول الله تعالى يوم القيامة: من كان له عندي عهد، فليقم، فقالوا: يا أبا عبد الرحمن، فعلّمنا. فقال قولوا: اللهم فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، إني أعهد إليك عهداً في هذه الحياة الدنيا، إنك إن تكلني إلى عملي تقربني من الشر، وتباعدني من الخير، وإني لا أثق إلا برحمتك، فاجعلها لي عندك عهداً تؤديه إلى يوم القيامة، إنك لا تخلف الميعاد. * * ثم قال تعالى: ﴿كَلاَّ سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ﴾ المعنى: ليس الأمر كما قال أنه يؤتى في القيامة مالاً وولداً. قال أبو محمد ولـ "كلا" كتاب مفرد في القرآن، قد ألفناه وكتب عنا، ولذلك لم نشبع الكلام فيها ها هنا. * * ثم قال: ﴿كَلاَّ سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ﴾. أي: سنكتب قوله، فنجازيه عليه، فنمد له من العذاب مداً. أي: نزيده زيادة من العذاب على قوله هذا. أي: نطول له العذاب غير ما له من العذاب على كفره. * * ثم قال: ﴿وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ﴾. أي: نرث منه ماله وولده يوم القيامة ﴿وَيَأْتِينَا فَرْداً﴾ أي: وحده لا مال له ولا ولد. وقوله: "ونرثه" هو، فعل من فعل يفعل بالكسر فيهما، كما جاء بالضم في الفعلين في مثل: ظرُف يظرُف. ونظيره: ورم يرم وومق يمق، ووري الزنديري، ووفق بأمره يفق، وورع يرع ووثق، يثق، ومنه وسع يسع ووطيء يطأ. وإنما فتح من أجل حرف الحلق، والدليل على أنه يفعل بالكسر في الأصل، حذف الواو منه في المستقبل. وبعدها فتحة، ولم يعتد بالفتحة، إذ هي غير أصلية، إنما أحدثها حرف الحلق، والكسر هو الأصل، فلذلك حذفت الواو في المستقبل على أصل حذفها في: يزن، ويعد وشبهه. وقد أتت أربعة أفعال من السالم على يفعَل ويفعِل باللغتين في المستقبل وهي حسب يحسب، ونعم ينعم، ويبس يبس ويئس ييأس. وحرف الجر، مقدر محذوف من المفعول الأول في "ونرثه" أي ونرث منه قوله. وفي حرف ابن مسعود، و "نَرِثُهُ ما عِنْدَهُ". وقال ابن زيد: "وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ" ما جمع من الدنيا، وما عمل فيها. وقيل: معناه: ويبقى عليه الإثم.

مريم 19:78

قوله تعالى ذكره: ﴿وَيَزِيدُ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ٱهْتَدَواْ هُدًى﴾ إلى قوله: ﴿وَيَأْتِينَا فَرْداً﴾. أي: ويزيد الله المؤمنين هدى، لأنهم يؤمنون بكل ما أنزل إليهم من الفرائض، ويصدقون بها، ويعملون بها، فهم في زيادة إيمان وهذا مثل قوله تعالى: ﴿أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَـٰذِهِ إِيمَاناً﴾... [التوبة: ١٢٤] الآية. وقيل: يزيدهم هدى بإيمانهم بالناسخ والمنسوخ. وقيل: هو زيادة في اليقين بجعل جزائهم في الدنيا أن يزيدهم في يقينهم هدى. * * ثم قال تعالى: ﴿وَٱلْبَاقِيَاتُ ٱلصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَاباً﴾. يعني: الأعمال الصالحات هي خير عند ربك جزاء لأهلها. ﴿وَخَيْرٌ مَّرَدّاً﴾ عليهم من مقامات هؤلاء المشركين في أنديتهم، وافتخارهم بها في الدنيا. وقد تقدم ذكر الباقيات الصالحات، واختلاف العلماء في معناها في "الكهف". وقد قيل: "الباقيات الصالحات" الإيمان والأعمال الصالحة وسماها باقية، لأنها تنفع أهلها في الدنيا والآخرة ولا تبطل كأعمال الكفار الذين لا يريدون بها ما عند الله. وروي أن النبي ﷺ جلس ذات يوم فأخذ عوداً يابساً فحط ورقه، ثم قال: إن لا إله إلا الله والله أكبر والحمد لله وسبحان الله يحططن الخطايا كما تحط ورق الشجر الريح، خذهن يا أبا الدرداء قبل أن يحال بينك وبينهن، هن الباقيات الصالحات، وهن من كنوز الجنة. فكان أبو الدرداء، إذا ذكر هذا الحديث قال: لأهللن الله، ولأكبرن الله، ولأسبحن الله حتى إذا رآني الجاهل حسب أني مجنون وإنما سميت هذه الكلمات بالباقيات الصالحات لأنها تبقى لأهلها حتى يردوا عليها في الجنة. وروى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: خذوا جنتكم خذوا جنتكم فقالوا: يا رسول الله، أمن عدو قد حضر؟ قال: لا، ولكن من النار. قولوا سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، فإنهن يأتين يوم القيامة مقدمات ومعقبات ومنجيات، هن الباقيات الصالحات ثم قال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ ٱلَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لأُوتَيَنَّ مَالاً وَوَلَداً﴾. هذه الآية نزلت في العاص بن وائل السهمي. قال خباب: كنت قينا - والقين الحداد - قال: وكان لي على العاص بن وائل دين، فأتيته أتقاضاه، فقال لي: والله لا أقضيك حتى تكفر بمحمد ﷺ. قلت: والله لا أكفر بمحمد ﷺ حتى تموت ثم تبعث. قال: وإني لمبعوث؟ قلت: نعم. قال: فإنه سيكون لي ثم مال وولد، فأقضيك. فأنزل الله جل ثناؤه ﴿أَفَرَأَيْتَ ٱلَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا...﴾ الآيات إلى ﴿... فَرْداً﴾. وكذلك قال مجاهد: وقال ابن عباس: كان رجال من أصحاب النبي ﷺ يطلبون العاص بن وائل السهمي بدين، فأتوا يتقاضونه فقال: ألستم تزعمون أن في الجنة فضة وذهباً وحريراً ومن كل الثمرات؟ قالوا: بلى. قال: فإن موعدكم الآخرة، فوالله لأوتين مالاً وولداً، ولأوتين مثل كتابكم الذي جئتم به، فضرب الله تعالى مثله في القرآن في قوله: ﴿أَفَرَأَيْتَ ٱلَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا﴾. إلى ﴿فَرْداً﴾. * * ثم قال تعالى: ﴿أَطَّلَعَ ٱلْغَيْبَ أَمِ ٱتَّخَذَ عِندَ ٱلرَّحْمَـٰنِ عَهْداً﴾. أي: اعلم هذا القائل الغيب أفقال ذلك عن علم غيب عنده؟ أم اتخذ عند الرحمن عهداً؟ أي: أم آمن بالله ورسوله وعمل بطاعته فكان له بذلك عهد عن الله فيؤتيه ما يقوله له في الآخرة؟. قال قتادة: "عهداً" عملاً صالحاً قدمه. وقاله: سفيان. وقيل: "العهد" التوحيد: "لا إله إلا الله". وقيل: "العهد: الوعد. وقال عبد الله بن عمر: يقول الله تعالى يوم القيامة: من كان له عندي عهد، فليقم، فقالوا: يا أبا عبد الرحمن، فعلّمنا. فقال قولوا: اللهم فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، إني أعهد إليك عهداً في هذه الحياة الدنيا، إنك إن تكلني إلى عملي تقربني من الشر، وتباعدني من الخير، وإني لا أثق إلا برحمتك، فاجعلها لي عندك عهداً تؤديه إلى يوم القيامة، إنك لا تخلف الميعاد. * * ثم قال تعالى: ﴿كَلاَّ سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ﴾ المعنى: ليس الأمر كما قال أنه يؤتى في القيامة مالاً وولداً. قال أبو محمد ولـ "كلا" كتاب مفرد في القرآن، قد ألفناه وكتب عنا، ولذلك لم نشبع الكلام فيها ها هنا. * * ثم قال: ﴿كَلاَّ سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ﴾. أي: سنكتب قوله، فنجازيه عليه، فنمد له من العذاب مداً. أي: نزيده زيادة من العذاب على قوله هذا. أي: نطول له العذاب غير ما له من العذاب على كفره. * * ثم قال: ﴿وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ﴾. أي: نرث منه ماله وولده يوم القيامة ﴿وَيَأْتِينَا فَرْداً﴾ أي: وحده لا مال له ولا ولد. وقوله: "ونرثه" هو، فعل من فعل يفعل بالكسر فيهما، كما جاء بالضم في الفعلين في مثل: ظرُف يظرُف. ونظيره: ورم يرم وومق يمق، ووري الزنديري، ووفق بأمره يفق، وورع يرع ووثق، يثق، ومنه وسع يسع ووطيء يطأ. وإنما فتح من أجل حرف الحلق، والدليل على أنه يفعل بالكسر في الأصل، حذف الواو منه في المستقبل. وبعدها فتحة، ولم يعتد بالفتحة، إذ هي غير أصلية، إنما أحدثها حرف الحلق، والكسر هو الأصل، فلذلك حذفت الواو في المستقبل على أصل حذفها في: يزن، ويعد وشبهه. وقد أتت أربعة أفعال من السالم على يفعَل ويفعِل باللغتين في المستقبل وهي حسب يحسب، ونعم ينعم، ويبس يبس ويئس ييأس. وحرف الجر، مقدر محذوف من المفعول الأول في "ونرثه" أي ونرث منه قوله. وفي حرف ابن مسعود، و "نَرِثُهُ ما عِنْدَهُ". وقال ابن زيد: "وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ" ما جمع من الدنيا، وما عمل فيها. وقيل: معناه: ويبقى عليه الإثم.

مريم 19:79

قوله تعالى ذكره: ﴿وَيَزِيدُ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ٱهْتَدَواْ هُدًى﴾ إلى قوله: ﴿وَيَأْتِينَا فَرْداً﴾. أي: ويزيد الله المؤمنين هدى، لأنهم يؤمنون بكل ما أنزل إليهم من الفرائض، ويصدقون بها، ويعملون بها، فهم في زيادة إيمان وهذا مثل قوله تعالى: ﴿أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَـٰذِهِ إِيمَاناً﴾... [التوبة: ١٢٤] الآية. وقيل: يزيدهم هدى بإيمانهم بالناسخ والمنسوخ. وقيل: هو زيادة في اليقين بجعل جزائهم في الدنيا أن يزيدهم في يقينهم هدى. * * ثم قال تعالى: ﴿وَٱلْبَاقِيَاتُ ٱلصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَاباً﴾. يعني: الأعمال الصالحات هي خير عند ربك جزاء لأهلها. ﴿وَخَيْرٌ مَّرَدّاً﴾ عليهم من مقامات هؤلاء المشركين في أنديتهم، وافتخارهم بها في الدنيا. وقد تقدم ذكر الباقيات الصالحات، واختلاف العلماء في معناها في "الكهف". وقد قيل: "الباقيات الصالحات" الإيمان والأعمال الصالحة وسماها باقية، لأنها تنفع أهلها في الدنيا والآخرة ولا تبطل كأعمال الكفار الذين لا يريدون بها ما عند الله. وروي أن النبي ﷺ جلس ذات يوم فأخذ عوداً يابساً فحط ورقه، ثم قال: إن لا إله إلا الله والله أكبر والحمد لله وسبحان الله يحططن الخطايا كما تحط ورق الشجر الريح، خذهن يا أبا الدرداء قبل أن يحال بينك وبينهن، هن الباقيات الصالحات، وهن من كنوز الجنة. فكان أبو الدرداء، إذا ذكر هذا الحديث قال: لأهللن الله، ولأكبرن الله، ولأسبحن الله حتى إذا رآني الجاهل حسب أني مجنون وإنما سميت هذه الكلمات بالباقيات الصالحات لأنها تبقى لأهلها حتى يردوا عليها في الجنة. وروى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: خذوا جنتكم خذوا جنتكم فقالوا: يا رسول الله، أمن عدو قد حضر؟ قال: لا، ولكن من النار. قولوا سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، فإنهن يأتين يوم القيامة مقدمات ومعقبات ومنجيات، هن الباقيات الصالحات ثم قال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ ٱلَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لأُوتَيَنَّ مَالاً وَوَلَداً﴾. هذه الآية نزلت في العاص بن وائل السهمي. قال خباب: كنت قينا - والقين الحداد - قال: وكان لي على العاص بن وائل دين، فأتيته أتقاضاه، فقال لي: والله لا أقضيك حتى تكفر بمحمد ﷺ. قلت: والله لا أكفر بمحمد ﷺ حتى تموت ثم تبعث. قال: وإني لمبعوث؟ قلت: نعم. قال: فإنه سيكون لي ثم مال وولد، فأقضيك. فأنزل الله جل ثناؤه ﴿أَفَرَأَيْتَ ٱلَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا...﴾ الآيات إلى ﴿... فَرْداً﴾. وكذلك قال مجاهد: وقال ابن عباس: كان رجال من أصحاب النبي ﷺ يطلبون العاص بن وائل السهمي بدين، فأتوا يتقاضونه فقال: ألستم تزعمون أن في الجنة فضة وذهباً وحريراً ومن كل الثمرات؟ قالوا: بلى. قال: فإن موعدكم الآخرة، فوالله لأوتين مالاً وولداً، ولأوتين مثل كتابكم الذي جئتم به، فضرب الله تعالى مثله في القرآن في قوله: ﴿أَفَرَأَيْتَ ٱلَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا﴾. إلى ﴿فَرْداً﴾. * * ثم قال تعالى: ﴿أَطَّلَعَ ٱلْغَيْبَ أَمِ ٱتَّخَذَ عِندَ ٱلرَّحْمَـٰنِ عَهْداً﴾. أي: اعلم هذا القائل الغيب أفقال ذلك عن علم غيب عنده؟ أم اتخذ عند الرحمن عهداً؟ أي: أم آمن بالله ورسوله وعمل بطاعته فكان له بذلك عهد عن الله فيؤتيه ما يقوله له في الآخرة؟. قال قتادة: "عهداً" عملاً صالحاً قدمه. وقاله: سفيان. وقيل: "العهد" التوحيد: "لا إله إلا الله". وقيل: "العهد: الوعد. وقال عبد الله بن عمر: يقول الله تعالى يوم القيامة: من كان له عندي عهد، فليقم، فقالوا: يا أبا عبد الرحمن، فعلّمنا. فقال قولوا: اللهم فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، إني أعهد إليك عهداً في هذه الحياة الدنيا، إنك إن تكلني إلى عملي تقربني من الشر، وتباعدني من الخير، وإني لا أثق إلا برحمتك، فاجعلها لي عندك عهداً تؤديه إلى يوم القيامة، إنك لا تخلف الميعاد. * * ثم قال تعالى: ﴿كَلاَّ سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ﴾ المعنى: ليس الأمر كما قال أنه يؤتى في القيامة مالاً وولداً. قال أبو محمد ولـ "كلا" كتاب مفرد في القرآن، قد ألفناه وكتب عنا، ولذلك لم نشبع الكلام فيها ها هنا. * * ثم قال: ﴿كَلاَّ سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ﴾. أي: سنكتب قوله، فنجازيه عليه، فنمد له من العذاب مداً. أي: نزيده زيادة من العذاب على قوله هذا. أي: نطول له العذاب غير ما له من العذاب على كفره. * * ثم قال: ﴿وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ﴾. أي: نرث منه ماله وولده يوم القيامة ﴿وَيَأْتِينَا فَرْداً﴾ أي: وحده لا مال له ولا ولد. وقوله: "ونرثه" هو، فعل من فعل يفعل بالكسر فيهما، كما جاء بالضم في الفعلين في مثل: ظرُف يظرُف. ونظيره: ورم يرم وومق يمق، ووري الزنديري، ووفق بأمره يفق، وورع يرع ووثق، يثق، ومنه وسع يسع ووطيء يطأ. وإنما فتح من أجل حرف الحلق، والدليل على أنه يفعل بالكسر في الأصل، حذف الواو منه في المستقبل. وبعدها فتحة، ولم يعتد بالفتحة، إذ هي غير أصلية، إنما أحدثها حرف الحلق، والكسر هو الأصل، فلذلك حذفت الواو في المستقبل على أصل حذفها في: يزن، ويعد وشبهه. وقد أتت أربعة أفعال من السالم على يفعَل ويفعِل باللغتين في المستقبل وهي حسب يحسب، ونعم ينعم، ويبس يبس ويئس ييأس. وحرف الجر، مقدر محذوف من المفعول الأول في "ونرثه" أي ونرث منه قوله. وفي حرف ابن مسعود، و "نَرِثُهُ ما عِنْدَهُ". وقال ابن زيد: "وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ" ما جمع من الدنيا، وما عمل فيها. وقيل: معناه: ويبقى عليه الإثم.

مريم 19:80

قوله تعالى ذكره: ﴿وَيَزِيدُ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ٱهْتَدَواْ هُدًى﴾ إلى قوله: ﴿وَيَأْتِينَا فَرْداً﴾. أي: ويزيد الله المؤمنين هدى، لأنهم يؤمنون بكل ما أنزل إليهم من الفرائض، ويصدقون بها، ويعملون بها، فهم في زيادة إيمان وهذا مثل قوله تعالى: ﴿أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَـٰذِهِ إِيمَاناً﴾... [التوبة: ١٢٤] الآية. وقيل: يزيدهم هدى بإيمانهم بالناسخ والمنسوخ. وقيل: هو زيادة في اليقين بجعل جزائهم في الدنيا أن يزيدهم في يقينهم هدى. * * ثم قال تعالى: ﴿وَٱلْبَاقِيَاتُ ٱلصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَاباً﴾. يعني: الأعمال الصالحات هي خير عند ربك جزاء لأهلها. ﴿وَخَيْرٌ مَّرَدّاً﴾ عليهم من مقامات هؤلاء المشركين في أنديتهم، وافتخارهم بها في الدنيا. وقد تقدم ذكر الباقيات الصالحات، واختلاف العلماء في معناها في "الكهف". وقد قيل: "الباقيات الصالحات" الإيمان والأعمال الصالحة وسماها باقية، لأنها تنفع أهلها في الدنيا والآخرة ولا تبطل كأعمال الكفار الذين لا يريدون بها ما عند الله. وروي أن النبي ﷺ جلس ذات يوم فأخذ عوداً يابساً فحط ورقه، ثم قال: إن لا إله إلا الله والله أكبر والحمد لله وسبحان الله يحططن الخطايا كما تحط ورق الشجر الريح، خذهن يا أبا الدرداء قبل أن يحال بينك وبينهن، هن الباقيات الصالحات، وهن من كنوز الجنة. فكان أبو الدرداء، إذا ذكر هذا الحديث قال: لأهللن الله، ولأكبرن الله، ولأسبحن الله حتى إذا رآني الجاهل حسب أني مجنون وإنما سميت هذه الكلمات بالباقيات الصالحات لأنها تبقى لأهلها حتى يردوا عليها في الجنة. وروى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: خذوا جنتكم خذوا جنتكم فقالوا: يا رسول الله، أمن عدو قد حضر؟ قال: لا، ولكن من النار. قولوا سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، فإنهن يأتين يوم القيامة مقدمات ومعقبات ومنجيات، هن الباقيات الصالحات ثم قال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ ٱلَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لأُوتَيَنَّ مَالاً وَوَلَداً﴾. هذه الآية نزلت في العاص بن وائل السهمي. قال خباب: كنت قينا - والقين الحداد - قال: وكان لي على العاص بن وائل دين، فأتيته أتقاضاه، فقال لي: والله لا أقضيك حتى تكفر بمحمد ﷺ. قلت: والله لا أكفر بمحمد ﷺ حتى تموت ثم تبعث. قال: وإني لمبعوث؟ قلت: نعم. قال: فإنه سيكون لي ثم مال وولد، فأقضيك. فأنزل الله جل ثناؤه ﴿أَفَرَأَيْتَ ٱلَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا...﴾ الآيات إلى ﴿... فَرْداً﴾. وكذلك قال مجاهد: وقال ابن عباس: كان رجال من أصحاب النبي ﷺ يطلبون العاص بن وائل السهمي بدين، فأتوا يتقاضونه فقال: ألستم تزعمون أن في الجنة فضة وذهباً وحريراً ومن كل الثمرات؟ قالوا: بلى. قال: فإن موعدكم الآخرة، فوالله لأوتين مالاً وولداً، ولأوتين مثل كتابكم الذي جئتم به، فضرب الله تعالى مثله في القرآن في قوله: ﴿أَفَرَأَيْتَ ٱلَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا﴾. إلى ﴿فَرْداً﴾. * * ثم قال تعالى: ﴿أَطَّلَعَ ٱلْغَيْبَ أَمِ ٱتَّخَذَ عِندَ ٱلرَّحْمَـٰنِ عَهْداً﴾. أي: اعلم هذا القائل الغيب أفقال ذلك عن علم غيب عنده؟ أم اتخذ عند الرحمن عهداً؟ أي: أم آمن بالله ورسوله وعمل بطاعته فكان له بذلك عهد عن الله فيؤتيه ما يقوله له في الآخرة؟. قال قتادة: "عهداً" عملاً صالحاً قدمه. وقاله: سفيان. وقيل: "العهد" التوحيد: "لا إله إلا الله". وقيل: "العهد: الوعد. وقال عبد الله بن عمر: يقول الله تعالى يوم القيامة: من كان له عندي عهد، فليقم، فقالوا: يا أبا عبد الرحمن، فعلّمنا. فقال قولوا: اللهم فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، إني أعهد إليك عهداً في هذه الحياة الدنيا، إنك إن تكلني إلى عملي تقربني من الشر، وتباعدني من الخير، وإني لا أثق إلا برحمتك، فاجعلها لي عندك عهداً تؤديه إلى يوم القيامة، إنك لا تخلف الميعاد. * * ثم قال تعالى: ﴿كَلاَّ سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ﴾ المعنى: ليس الأمر كما قال أنه يؤتى في القيامة مالاً وولداً. قال أبو محمد ولـ "كلا" كتاب مفرد في القرآن، قد ألفناه وكتب عنا، ولذلك لم نشبع الكلام فيها ها هنا. * * ثم قال: ﴿كَلاَّ سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ﴾. أي: سنكتب قوله، فنجازيه عليه، فنمد له من العذاب مداً. أي: نزيده زيادة من العذاب على قوله هذا. أي: نطول له العذاب غير ما له من العذاب على كفره. * * ثم قال: ﴿وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ﴾. أي: نرث منه ماله وولده يوم القيامة ﴿وَيَأْتِينَا فَرْداً﴾ أي: وحده لا مال له ولا ولد. وقوله: "ونرثه" هو، فعل من فعل يفعل بالكسر فيهما، كما جاء بالضم في الفعلين في مثل: ظرُف يظرُف. ونظيره: ورم يرم وومق يمق، ووري الزنديري، ووفق بأمره يفق، وورع يرع ووثق، يثق، ومنه وسع يسع ووطيء يطأ. وإنما فتح من أجل حرف الحلق، والدليل على أنه يفعل بالكسر في الأصل، حذف الواو منه في المستقبل. وبعدها فتحة، ولم يعتد بالفتحة، إذ هي غير أصلية، إنما أحدثها حرف الحلق، والكسر هو الأصل، فلذلك حذفت الواو في المستقبل على أصل حذفها في: يزن، ويعد وشبهه. وقد أتت أربعة أفعال من السالم على يفعَل ويفعِل باللغتين في المستقبل وهي حسب يحسب، ونعم ينعم، ويبس يبس ويئس ييأس. وحرف الجر، مقدر محذوف من المفعول الأول في "ونرثه" أي ونرث منه قوله. وفي حرف ابن مسعود، و "نَرِثُهُ ما عِنْدَهُ". وقال ابن زيد: "وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ" ما جمع من الدنيا، وما عمل فيها. وقيل: معناه: ويبقى عليه الإثم.

مريم 19:81

قوله تعالى ذكره: ﴿وَٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ آلِهَةً لِّيَكُونُواْ لَهُمْ عِزّاً﴾. إلى قوله: ﴿عِندَ ٱلرَّحْمَـٰنِ عَهْداً﴾. المعنى: واتخذ هؤلاء المشركون من دون الله آلهة يعبدونها، لتكون لهم منعة من عذاب الله. ومعنى "كلا" أي: ليس الأمر على ذلك، لا تمنعهم من عذاب الله. * * ثم قال: ﴿سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ﴾. أي: ستجحد الآلهة يوم القيامة عبادتهم لها. وهو قوله تعالى: ﴿تَبَرَّأْنَآ إِلَيْكَ مَا كَانُوۤاْ إِيَّانَا يَعْبُدُونَ﴾ [القصص: ٦٣] فتبرؤها منهم هو جحدها لعبادتهم إياها. * * ثم قال: ﴿وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدّاً﴾. قال ابن عباس: "ضداً": أعوانا. يعين على عذابهم. وقال مجاهد: عوناً عليهم، تخاصمهم وتكذبهم. قال قتادة: "ضداً" قرناء في النار، يلعن بعضهم بعضاً، ويتبرأ بعضهم من بعض. وقال الضحاك: "ضداً" أعداء. وقال ابن زيد: معناه: ويكونون عليهم بلاء. وقيل: معناه أن آلهتهم التي عبدوها من دون الله [يوم القيامة] تلعنهم وتدعو عليهم، لأنهم عبدوا الملائكة، فهي تلعنهم وتتبرأ منهم. وقيل: بل هي الأصنام يحييها الله تعالى [لهم] يوم القيامة لتوبخهم وتكذبهم. "والضد" في كلام العرب "المخالف". ووحد "ضد لأنه في معنى عوناً. وعون مصدر، فلذلك لم يجمع. * * ثم قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّآ أَرْسَلْنَا ٱلشَّيَاطِينَ عَلَى ٱلْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزّاً﴾. أي: تزعجهم على المعاصي، وتقودهم إليها قياداً، وتغويهم بها. وقال ابن عباس: تغويهم أغواء. وقال ابن زيد: تشليهم إشلاء على المعاصي. ومنه أزيز القدر، وهو صوت غليانها. وهذا يؤكد تحقيق القدر. * * ثم قال تعالى: ﴿فَلاَ تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدّاً﴾ أي: فلا تعجل يا محمد، على هؤلاء الكافرين بطلب العذاب لهم والهلاك، إنما نعد أعمالهم وأنفاسهم لنجازيهم على جميعها ولم نترك تعجيل هلاكهم لخير نريده بهم، ولكن ليزدادوا إثماً. قال ابن عباس: "إنما نعد لهم عداً" يعني نعد أنفاسهم في الدنيا كما نعد سنيهم وآجالهم. ثم قال تعالى: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ ٱلْمُتَّقِينَ إِلَى ٱلرَّحْمَـٰنِ وَفْداً﴾. التقدير: إنما نعد أعمالهم لنجازيهم عليها يوم نحشر المتقين. فالعامل في "يوم" ما دل عليه الكلام الأول وهو "نجازيهم" يوم كذا. ومعنى الآية: يوم يجمع الله الذين اتقوا في الدنيا، وخافوا عقابه إلى جزاء الرحمن ووعده. "وفداً" هو بمعنى جمع وافد، ونصبه على الحال، ووحد لأنه مصدر، "والوفد": الركبان. قال علي رضي الله عنه: اما والله ما يحشر الوفد على أرجلهم، ولا يساقون سوقاً، ولكنهم يوتون بنوق، ولم تر الخلائق مثلها، عليها رحال الذهب، أزمتها الزبرجد، فيركبون عليها حتى يضربوا أبواب الجنة. وقال أبو هريرة: "وفداً" على الإبل. وروى محمد بن كعب القرظي عن أبي هريرة: أن النبي ﷺ قال: يبعث الله الأنبياء يوم القيامة إذا حشروا، على الدواب، ويبعث صالح نبي الله على ناقته، حتى يوافوا بالمؤمنين من أصحابهم المحشر، ويبعث أبنائي الحسن والحسين على ناقتي العضباء والقصواء وأبعث أنا على البراق، وخطوها عند أقصى طرفها. ويبعث بلال على ناقة من نوق الجنة، ينادي بالأذان، غضا، حتى إذا بلغ. أشهد أن محمداً رسول الله، شهد بها جميع الخلائق من المؤمنين والكافرين، فيقبل ذلك من المؤمنين، ويرد على غيرهم من أهل الشك والتكذيب وقيل: معنى "وفداً" أي: وافدين على ما تحبون. من كان يحب ركوب الخيل، وفد على الله على خيل لا تروث، ولا تبول، لجمها من الياقوت الأحمر، ومن الزبرجد الأخضر ومن الدر الأبيض، وسرجها من السندس والاستبرق. ومن كان يحب الإبل، فعلى نجائب لا تبعر ولا تبول، أزمتها الياقوت والزبرجد، ومن كان يحب السفن، فعلى سفن من زبرجد أخضر، وأمواج مثل ما بين السماء والأرض قد أمنوا الغرق والأهوال. وروى عمرو بن قيس الملائي أن المؤمن إذا خرج من قبره، استقبله أحسن صورة وأطيبه ريحاً. فيقول: هل تعرفني؟ فيقول: لا، إلا أن الله عز وجل قد طيب ريحك، وحسن صورتك، فيقول: كذلك كنت في الدنيا، أنا عملك الصالح، طالما ركبتك، فاركبني أنت اليوم، وتلا ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ ٱلْمُتَّقِينَ إِلَى ٱلرَّحْمَـٰنِ وَفْداً﴾. قال قتادة: "وفداً" إلى الجنة. وقال ابن جريج: على النجائب. وقال الثوري: على الإبل والنوق. وفي هذا الخبر إيماء إلى الجزاء والثواب، لأن الوفد هم الواردون على الملوك، المنتظرون العطاء والبر والإكرام منهم. ورويَ أن المؤمن يستقبله عند خروجه من قبره أحسن صورة رآها وأطيبه ريحاً، فيقول: من أنت؟ فيقول: أما تعرفني؟ فيقول لا، إلا أن الله تبارك وتعالى [قد] طيب ريحك، وحسن وجهك، فيقول: أنا عملك الصالح، هكذا كنت في الدنيا حسن العمل، طيبه، فطالما ركبتك في الدنيا، فهلّم اركبني، فيركبه. فذلك قوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ ٱلْمُتَّقِينَ إِلَى ٱلرَّحْمَـٰنِ وَفْداً﴾ قال: ويستقبل الكافر أو قال الفاجر عند خروجه من قبره أقبح صورة رآها، وأنتنها ريحاً فيقول: من أنت؟ فيقول: أما تعرفني؟ فيقول: لا، إلا أن الله تبارك وتعالى قد قبح وجهك، وأنتن ريحك. فيقول: أنا عملك الخبيث، هكذا كنت في الدنيا خبيث العمل منتنه، فطالما ركبتني في الدنيا فهلمّ أركبك، فيركبه، فذلك قوله تعالى: ﴿وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَىٰ ظُهُورِهِمْ﴾ [الأنعام: ٣١]. ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَنَسُوقُ ٱلْمُجْرِمِينَ إِلَىٰ جَهَنَّمَ وِرْداً﴾. أي: عطاشاً، قاله ابن عباس وأبو هريرة والحسن وقتادة والثوري. فيكون تقديره: ذي ورد يقال للواردين الماء ورد وروداً، مصدر وصف به الجمع، فلذلك لم يجمع. وروى المقدام بن معد يكرب: أن النبي ﷺ قال: يحشر المؤمنون يوم القيامة فيحشر السقط إلى الشيخ الفاني أبناء ثلاث وثلاثين سنة، في مثل خلق آدم، وحسن يوسف وقلب أيوب، مرداء مكحلين، فسئل النبي ﷺ عن الكافر فقال: يعظم للنار حتى يصير غلظ جلده أربعون ذراعاً وحتى يصير ناب من أنيابه مثل أحد ثم قال تعالى ﴿لاَّ يَمْلِكُونَ ٱلشَّفَاعَةَ إِلاَّ مَنِ ٱتَّخَذَ عِندَ ٱلرَّحْمَـٰنِ عَهْداً﴾. أي: لا يملك أحد من المجرمين الشفاعة لأحد، لكن من اتخذ عند الرحمن عهداً بالإيمان، فإنه يملك الشفاعة. فـ "من" في موضع نصب على الاستثناء المنقطع. وقيل: هي في موضع رفع على البدل من الضمير في "يملكون". فيكون التقدير: لا يملك الشفاعة إلا المؤمنون، فإنهم يشفعون. وقيل: التقدير: لا يملك أحد من المتقين الشفاعة إلا لمن اتخذ عند الرحمن عهداً، أي: من آمن في الدنيا، فلما حذفت اللام، صارت "من" في موضع نصب. وقال ابن عباس: "العهد" شهادة أن لا إله إلا الله، ويتبرأ إلى الله من الحول والقوة، ولا يرجو إلا الله. وقال ابن جريج: "عهد" عمل صالح. وقال الليث: "العهد" حفظ كتاب الله. وقال مقاتل: "عهدا" صلاة. وروي عن النبي ﷺ أنه قال: إن الشهيد ليشفع في سبعين من أهل بيته وأنه قال: "إن من أمتي رجلاً ليدخلن الله بشفاعته الجنة أكثر من بني تميم وقال ﷺ: "إن شفاعتي لمن مات من أمتي لا يشرك بالله شيئاً فيكون قوله: "لا يملكون".. وما بعده. في موضع نصب حال من المجرمين، أو من المتقين.

مريم 19:82

قوله تعالى ذكره: ﴿وَٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ آلِهَةً لِّيَكُونُواْ لَهُمْ عِزّاً﴾. إلى قوله: ﴿عِندَ ٱلرَّحْمَـٰنِ عَهْداً﴾. المعنى: واتخذ هؤلاء المشركون من دون الله آلهة يعبدونها، لتكون لهم منعة من عذاب الله. ومعنى "كلا" أي: ليس الأمر على ذلك، لا تمنعهم من عذاب الله. * * ثم قال: ﴿سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ﴾. أي: ستجحد الآلهة يوم القيامة عبادتهم لها. وهو قوله تعالى: ﴿تَبَرَّأْنَآ إِلَيْكَ مَا كَانُوۤاْ إِيَّانَا يَعْبُدُونَ﴾ [القصص: ٦٣] فتبرؤها منهم هو جحدها لعبادتهم إياها. * * ثم قال: ﴿وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدّاً﴾. قال ابن عباس: "ضداً": أعوانا. يعين على عذابهم. وقال مجاهد: عوناً عليهم، تخاصمهم وتكذبهم. قال قتادة: "ضداً" قرناء في النار، يلعن بعضهم بعضاً، ويتبرأ بعضهم من بعض. وقال الضحاك: "ضداً" أعداء. وقال ابن زيد: معناه: ويكونون عليهم بلاء. وقيل: معناه أن آلهتهم التي عبدوها من دون الله [يوم القيامة] تلعنهم وتدعو عليهم، لأنهم عبدوا الملائكة، فهي تلعنهم وتتبرأ منهم. وقيل: بل هي الأصنام يحييها الله تعالى [لهم] يوم القيامة لتوبخهم وتكذبهم. "والضد" في كلام العرب "المخالف". ووحد "ضد لأنه في معنى عوناً. وعون مصدر، فلذلك لم يجمع. * * ثم قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّآ أَرْسَلْنَا ٱلشَّيَاطِينَ عَلَى ٱلْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزّاً﴾. أي: تزعجهم على المعاصي، وتقودهم إليها قياداً، وتغويهم بها. وقال ابن عباس: تغويهم أغواء. وقال ابن زيد: تشليهم إشلاء على المعاصي. ومنه أزيز القدر، وهو صوت غليانها. وهذا يؤكد تحقيق القدر. * * ثم قال تعالى: ﴿فَلاَ تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدّاً﴾ أي: فلا تعجل يا محمد، على هؤلاء الكافرين بطلب العذاب لهم والهلاك، إنما نعد أعمالهم وأنفاسهم لنجازيهم على جميعها ولم نترك تعجيل هلاكهم لخير نريده بهم، ولكن ليزدادوا إثماً. قال ابن عباس: "إنما نعد لهم عداً" يعني نعد أنفاسهم في الدنيا كما نعد سنيهم وآجالهم. ثم قال تعالى: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ ٱلْمُتَّقِينَ إِلَى ٱلرَّحْمَـٰنِ وَفْداً﴾. التقدير: إنما نعد أعمالهم لنجازيهم عليها يوم نحشر المتقين. فالعامل في "يوم" ما دل عليه الكلام الأول وهو "نجازيهم" يوم كذا. ومعنى الآية: يوم يجمع الله الذين اتقوا في الدنيا، وخافوا عقابه إلى جزاء الرحمن ووعده. "وفداً" هو بمعنى جمع وافد، ونصبه على الحال، ووحد لأنه مصدر، "والوفد": الركبان. قال علي رضي الله عنه: اما والله ما يحشر الوفد على أرجلهم، ولا يساقون سوقاً، ولكنهم يوتون بنوق، ولم تر الخلائق مثلها، عليها رحال الذهب، أزمتها الزبرجد، فيركبون عليها حتى يضربوا أبواب الجنة. وقال أبو هريرة: "وفداً" على الإبل. وروى محمد بن كعب القرظي عن أبي هريرة: أن النبي ﷺ قال: يبعث الله الأنبياء يوم القيامة إذا حشروا، على الدواب، ويبعث صالح نبي الله على ناقته، حتى يوافوا بالمؤمنين من أصحابهم المحشر، ويبعث أبنائي الحسن والحسين على ناقتي العضباء والقصواء وأبعث أنا على البراق، وخطوها عند أقصى طرفها. ويبعث بلال على ناقة من نوق الجنة، ينادي بالأذان، غضا، حتى إذا بلغ. أشهد أن محمداً رسول الله، شهد بها جميع الخلائق من المؤمنين والكافرين، فيقبل ذلك من المؤمنين، ويرد على غيرهم من أهل الشك والتكذيب وقيل: معنى "وفداً" أي: وافدين على ما تحبون. من كان يحب ركوب الخيل، وفد على الله على خيل لا تروث، ولا تبول، لجمها من الياقوت الأحمر، ومن الزبرجد الأخضر ومن الدر الأبيض، وسرجها من السندس والاستبرق. ومن كان يحب الإبل، فعلى نجائب لا تبعر ولا تبول، أزمتها الياقوت والزبرجد، ومن كان يحب السفن، فعلى سفن من زبرجد أخضر، وأمواج مثل ما بين السماء والأرض قد أمنوا الغرق والأهوال. وروى عمرو بن قيس الملائي أن المؤمن إذا خرج من قبره، استقبله أحسن صورة وأطيبه ريحاً. فيقول: هل تعرفني؟ فيقول: لا، إلا أن الله عز وجل قد طيب ريحك، وحسن صورتك، فيقول: كذلك كنت في الدنيا، أنا عملك الصالح، طالما ركبتك، فاركبني أنت اليوم، وتلا ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ ٱلْمُتَّقِينَ إِلَى ٱلرَّحْمَـٰنِ وَفْداً﴾. قال قتادة: "وفداً" إلى الجنة. وقال ابن جريج: على النجائب. وقال الثوري: على الإبل والنوق. وفي هذا الخبر إيماء إلى الجزاء والثواب، لأن الوفد هم الواردون على الملوك، المنتظرون العطاء والبر والإكرام منهم. ورويَ أن المؤمن يستقبله عند خروجه من قبره أحسن صورة رآها وأطيبه ريحاً، فيقول: من أنت؟ فيقول: أما تعرفني؟ فيقول لا، إلا أن الله تبارك وتعالى [قد] طيب ريحك، وحسن وجهك، فيقول: أنا عملك الصالح، هكذا كنت في الدنيا حسن العمل، طيبه، فطالما ركبتك في الدنيا، فهلّم اركبني، فيركبه. فذلك قوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ ٱلْمُتَّقِينَ إِلَى ٱلرَّحْمَـٰنِ وَفْداً﴾ قال: ويستقبل الكافر أو قال الفاجر عند خروجه من قبره أقبح صورة رآها، وأنتنها ريحاً فيقول: من أنت؟ فيقول: أما تعرفني؟ فيقول: لا، إلا أن الله تبارك وتعالى قد قبح وجهك، وأنتن ريحك. فيقول: أنا عملك الخبيث، هكذا كنت في الدنيا خبيث العمل منتنه، فطالما ركبتني في الدنيا فهلمّ أركبك، فيركبه، فذلك قوله تعالى: ﴿وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَىٰ ظُهُورِهِمْ﴾ [الأنعام: ٣١]. ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَنَسُوقُ ٱلْمُجْرِمِينَ إِلَىٰ جَهَنَّمَ وِرْداً﴾. أي: عطاشاً، قاله ابن عباس وأبو هريرة والحسن وقتادة والثوري. فيكون تقديره: ذي ورد يقال للواردين الماء ورد وروداً، مصدر وصف به الجمع، فلذلك لم يجمع. وروى المقدام بن معد يكرب: أن النبي ﷺ قال: يحشر المؤمنون يوم القيامة فيحشر السقط إلى الشيخ الفاني أبناء ثلاث وثلاثين سنة، في مثل خلق آدم، وحسن يوسف وقلب أيوب، مرداء مكحلين، فسئل النبي ﷺ عن الكافر فقال: يعظم للنار حتى يصير غلظ جلده أربعون ذراعاً وحتى يصير ناب من أنيابه مثل أحد ثم قال تعالى ﴿لاَّ يَمْلِكُونَ ٱلشَّفَاعَةَ إِلاَّ مَنِ ٱتَّخَذَ عِندَ ٱلرَّحْمَـٰنِ عَهْداً﴾. أي: لا يملك أحد من المجرمين الشفاعة لأحد، لكن من اتخذ عند الرحمن عهداً بالإيمان، فإنه يملك الشفاعة. فـ "من" في موضع نصب على الاستثناء المنقطع. وقيل: هي في موضع رفع على البدل من الضمير في "يملكون". فيكون التقدير: لا يملك الشفاعة إلا المؤمنون، فإنهم يشفعون. وقيل: التقدير: لا يملك أحد من المتقين الشفاعة إلا لمن اتخذ عند الرحمن عهداً، أي: من آمن في الدنيا، فلما حذفت اللام، صارت "من" في موضع نصب. وقال ابن عباس: "العهد" شهادة أن لا إله إلا الله، ويتبرأ إلى الله من الحول والقوة، ولا يرجو إلا الله. وقال ابن جريج: "عهد" عمل صالح. وقال الليث: "العهد" حفظ كتاب الله. وقال مقاتل: "عهدا" صلاة. وروي عن النبي ﷺ أنه قال: إن الشهيد ليشفع في سبعين من أهل بيته وأنه قال: "إن من أمتي رجلاً ليدخلن الله بشفاعته الجنة أكثر من بني تميم وقال ﷺ: "إن شفاعتي لمن مات من أمتي لا يشرك بالله شيئاً فيكون قوله: "لا يملكون".. وما بعده. في موضع نصب حال من المجرمين، أو من المتقين.

مريم 19:83

قوله تعالى ذكره: ﴿وَٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ آلِهَةً لِّيَكُونُواْ لَهُمْ عِزّاً﴾. إلى قوله: ﴿عِندَ ٱلرَّحْمَـٰنِ عَهْداً﴾. المعنى: واتخذ هؤلاء المشركون من دون الله آلهة يعبدونها، لتكون لهم منعة من عذاب الله. ومعنى "كلا" أي: ليس الأمر على ذلك، لا تمنعهم من عذاب الله. * * ثم قال: ﴿سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ﴾. أي: ستجحد الآلهة يوم القيامة عبادتهم لها. وهو قوله تعالى: ﴿تَبَرَّأْنَآ إِلَيْكَ مَا كَانُوۤاْ إِيَّانَا يَعْبُدُونَ﴾ [القصص: ٦٣] فتبرؤها منهم هو جحدها لعبادتهم إياها. * * ثم قال: ﴿وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدّاً﴾. قال ابن عباس: "ضداً": أعوانا. يعين على عذابهم. وقال مجاهد: عوناً عليهم، تخاصمهم وتكذبهم. قال قتادة: "ضداً" قرناء في النار، يلعن بعضهم بعضاً، ويتبرأ بعضهم من بعض. وقال الضحاك: "ضداً" أعداء. وقال ابن زيد: معناه: ويكونون عليهم بلاء. وقيل: معناه أن آلهتهم التي عبدوها من دون الله [يوم القيامة] تلعنهم وتدعو عليهم، لأنهم عبدوا الملائكة، فهي تلعنهم وتتبرأ منهم. وقيل: بل هي الأصنام يحييها الله تعالى [لهم] يوم القيامة لتوبخهم وتكذبهم. "والضد" في كلام العرب "المخالف". ووحد "ضد لأنه في معنى عوناً. وعون مصدر، فلذلك لم يجمع. * * ثم قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّآ أَرْسَلْنَا ٱلشَّيَاطِينَ عَلَى ٱلْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزّاً﴾. أي: تزعجهم على المعاصي، وتقودهم إليها قياداً، وتغويهم بها. وقال ابن عباس: تغويهم أغواء. وقال ابن زيد: تشليهم إشلاء على المعاصي. ومنه أزيز القدر، وهو صوت غليانها. وهذا يؤكد تحقيق القدر. * * ثم قال تعالى: ﴿فَلاَ تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدّاً﴾ أي: فلا تعجل يا محمد، على هؤلاء الكافرين بطلب العذاب لهم والهلاك، إنما نعد أعمالهم وأنفاسهم لنجازيهم على جميعها ولم نترك تعجيل هلاكهم لخير نريده بهم، ولكن ليزدادوا إثماً. قال ابن عباس: "إنما نعد لهم عداً" يعني نعد أنفاسهم في الدنيا كما نعد سنيهم وآجالهم. ثم قال تعالى: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ ٱلْمُتَّقِينَ إِلَى ٱلرَّحْمَـٰنِ وَفْداً﴾. التقدير: إنما نعد أعمالهم لنجازيهم عليها يوم نحشر المتقين. فالعامل في "يوم" ما دل عليه الكلام الأول وهو "نجازيهم" يوم كذا. ومعنى الآية: يوم يجمع الله الذين اتقوا في الدنيا، وخافوا عقابه إلى جزاء الرحمن ووعده. "وفداً" هو بمعنى جمع وافد، ونصبه على الحال، ووحد لأنه مصدر، "والوفد": الركبان. قال علي رضي الله عنه: اما والله ما يحشر الوفد على أرجلهم، ولا يساقون سوقاً، ولكنهم يوتون بنوق، ولم تر الخلائق مثلها، عليها رحال الذهب، أزمتها الزبرجد، فيركبون عليها حتى يضربوا أبواب الجنة. وقال أبو هريرة: "وفداً" على الإبل. وروى محمد بن كعب القرظي عن أبي هريرة: أن النبي ﷺ قال: يبعث الله الأنبياء يوم القيامة إذا حشروا، على الدواب، ويبعث صالح نبي الله على ناقته، حتى يوافوا بالمؤمنين من أصحابهم المحشر، ويبعث أبنائي الحسن والحسين على ناقتي العضباء والقصواء وأبعث أنا على البراق، وخطوها عند أقصى طرفها. ويبعث بلال على ناقة من نوق الجنة، ينادي بالأذان، غضا، حتى إذا بلغ. أشهد أن محمداً رسول الله، شهد بها جميع الخلائق من المؤمنين والكافرين، فيقبل ذلك من المؤمنين، ويرد على غيرهم من أهل الشك والتكذيب وقيل: معنى "وفداً" أي: وافدين على ما تحبون. من كان يحب ركوب الخيل، وفد على الله على خيل لا تروث، ولا تبول، لجمها من الياقوت الأحمر، ومن الزبرجد الأخضر ومن الدر الأبيض، وسرجها من السندس والاستبرق. ومن كان يحب الإبل، فعلى نجائب لا تبعر ولا تبول، أزمتها الياقوت والزبرجد، ومن كان يحب السفن، فعلى سفن من زبرجد أخضر، وأمواج مثل ما بين السماء والأرض قد أمنوا الغرق والأهوال. وروى عمرو بن قيس الملائي أن المؤمن إذا خرج من قبره، استقبله أحسن صورة وأطيبه ريحاً. فيقول: هل تعرفني؟ فيقول: لا، إلا أن الله عز وجل قد طيب ريحك، وحسن صورتك، فيقول: كذلك كنت في الدنيا، أنا عملك الصالح، طالما ركبتك، فاركبني أنت اليوم، وتلا ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ ٱلْمُتَّقِينَ إِلَى ٱلرَّحْمَـٰنِ وَفْداً﴾. قال قتادة: "وفداً" إلى الجنة. وقال ابن جريج: على النجائب. وقال الثوري: على الإبل والنوق. وفي هذا الخبر إيماء إلى الجزاء والثواب، لأن الوفد هم الواردون على الملوك، المنتظرون العطاء والبر والإكرام منهم. ورويَ أن المؤمن يستقبله عند خروجه من قبره أحسن صورة رآها وأطيبه ريحاً، فيقول: من أنت؟ فيقول: أما تعرفني؟ فيقول لا، إلا أن الله تبارك وتعالى [قد] طيب ريحك، وحسن وجهك، فيقول: أنا عملك الصالح، هكذا كنت في الدنيا حسن العمل، طيبه، فطالما ركبتك في الدنيا، فهلّم اركبني، فيركبه. فذلك قوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ ٱلْمُتَّقِينَ إِلَى ٱلرَّحْمَـٰنِ وَفْداً﴾ قال: ويستقبل الكافر أو قال الفاجر عند خروجه من قبره أقبح صورة رآها، وأنتنها ريحاً فيقول: من أنت؟ فيقول: أما تعرفني؟ فيقول: لا، إلا أن الله تبارك وتعالى قد قبح وجهك، وأنتن ريحك. فيقول: أنا عملك الخبيث، هكذا كنت في الدنيا خبيث العمل منتنه، فطالما ركبتني في الدنيا فهلمّ أركبك، فيركبه، فذلك قوله تعالى: ﴿وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَىٰ ظُهُورِهِمْ﴾ [الأنعام: ٣١]. ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَنَسُوقُ ٱلْمُجْرِمِينَ إِلَىٰ جَهَنَّمَ وِرْداً﴾. أي: عطاشاً، قاله ابن عباس وأبو هريرة والحسن وقتادة والثوري. فيكون تقديره: ذي ورد يقال للواردين الماء ورد وروداً، مصدر وصف به الجمع، فلذلك لم يجمع. وروى المقدام بن معد يكرب: أن النبي ﷺ قال: يحشر المؤمنون يوم القيامة فيحشر السقط إلى الشيخ الفاني أبناء ثلاث وثلاثين سنة، في مثل خلق آدم، وحسن يوسف وقلب أيوب، مرداء مكحلين، فسئل النبي ﷺ عن الكافر فقال: يعظم للنار حتى يصير غلظ جلده أربعون ذراعاً وحتى يصير ناب من أنيابه مثل أحد ثم قال تعالى ﴿لاَّ يَمْلِكُونَ ٱلشَّفَاعَةَ إِلاَّ مَنِ ٱتَّخَذَ عِندَ ٱلرَّحْمَـٰنِ عَهْداً﴾. أي: لا يملك أحد من المجرمين الشفاعة لأحد، لكن من اتخذ عند الرحمن عهداً بالإيمان، فإنه يملك الشفاعة. فـ "من" في موضع نصب على الاستثناء المنقطع. وقيل: هي في موضع رفع على البدل من الضمير في "يملكون". فيكون التقدير: لا يملك الشفاعة إلا المؤمنون، فإنهم يشفعون. وقيل: التقدير: لا يملك أحد من المتقين الشفاعة إلا لمن اتخذ عند الرحمن عهداً، أي: من آمن في الدنيا، فلما حذفت اللام، صارت "من" في موضع نصب. وقال ابن عباس: "العهد" شهادة أن لا إله إلا الله، ويتبرأ إلى الله من الحول والقوة، ولا يرجو إلا الله. وقال ابن جريج: "عهد" عمل صالح. وقال الليث: "العهد" حفظ كتاب الله. وقال مقاتل: "عهدا" صلاة. وروي عن النبي ﷺ أنه قال: إن الشهيد ليشفع في سبعين من أهل بيته وأنه قال: "إن من أمتي رجلاً ليدخلن الله بشفاعته الجنة أكثر من بني تميم وقال ﷺ: "إن شفاعتي لمن مات من أمتي لا يشرك بالله شيئاً فيكون قوله: "لا يملكون".. وما بعده. في موضع نصب حال من المجرمين، أو من المتقين.

مريم 19:84

قوله تعالى ذكره: ﴿وَٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ آلِهَةً لِّيَكُونُواْ لَهُمْ عِزّاً﴾. إلى قوله: ﴿عِندَ ٱلرَّحْمَـٰنِ عَهْداً﴾. المعنى: واتخذ هؤلاء المشركون من دون الله آلهة يعبدونها، لتكون لهم منعة من عذاب الله. ومعنى "كلا" أي: ليس الأمر على ذلك، لا تمنعهم من عذاب الله. * * ثم قال: ﴿سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ﴾. أي: ستجحد الآلهة يوم القيامة عبادتهم لها. وهو قوله تعالى: ﴿تَبَرَّأْنَآ إِلَيْكَ مَا كَانُوۤاْ إِيَّانَا يَعْبُدُونَ﴾ [القصص: ٦٣] فتبرؤها منهم هو جحدها لعبادتهم إياها. * * ثم قال: ﴿وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدّاً﴾. قال ابن عباس: "ضداً": أعوانا. يعين على عذابهم. وقال مجاهد: عوناً عليهم، تخاصمهم وتكذبهم. قال قتادة: "ضداً" قرناء في النار، يلعن بعضهم بعضاً، ويتبرأ بعضهم من بعض. وقال الضحاك: "ضداً" أعداء. وقال ابن زيد: معناه: ويكونون عليهم بلاء. وقيل: معناه أن آلهتهم التي عبدوها من دون الله [يوم القيامة] تلعنهم وتدعو عليهم، لأنهم عبدوا الملائكة، فهي تلعنهم وتتبرأ منهم. وقيل: بل هي الأصنام يحييها الله تعالى [لهم] يوم القيامة لتوبخهم وتكذبهم. "والضد" في كلام العرب "المخالف". ووحد "ضد لأنه في معنى عوناً. وعون مصدر، فلذلك لم يجمع. * * ثم قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّآ أَرْسَلْنَا ٱلشَّيَاطِينَ عَلَى ٱلْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزّاً﴾. أي: تزعجهم على المعاصي، وتقودهم إليها قياداً، وتغويهم بها. وقال ابن عباس: تغويهم أغواء. وقال ابن زيد: تشليهم إشلاء على المعاصي. ومنه أزيز القدر، وهو صوت غليانها. وهذا يؤكد تحقيق القدر. * * ثم قال تعالى: ﴿فَلاَ تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدّاً﴾ أي: فلا تعجل يا محمد، على هؤلاء الكافرين بطلب العذاب لهم والهلاك، إنما نعد أعمالهم وأنفاسهم لنجازيهم على جميعها ولم نترك تعجيل هلاكهم لخير نريده بهم، ولكن ليزدادوا إثماً. قال ابن عباس: "إنما نعد لهم عداً" يعني نعد أنفاسهم في الدنيا كما نعد سنيهم وآجالهم. ثم قال تعالى: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ ٱلْمُتَّقِينَ إِلَى ٱلرَّحْمَـٰنِ وَفْداً﴾. التقدير: إنما نعد أعمالهم لنجازيهم عليها يوم نحشر المتقين. فالعامل في "يوم" ما دل عليه الكلام الأول وهو "نجازيهم" يوم كذا. ومعنى الآية: يوم يجمع الله الذين اتقوا في الدنيا، وخافوا عقابه إلى جزاء الرحمن ووعده. "وفداً" هو بمعنى جمع وافد، ونصبه على الحال، ووحد لأنه مصدر، "والوفد": الركبان. قال علي رضي الله عنه: اما والله ما يحشر الوفد على أرجلهم، ولا يساقون سوقاً، ولكنهم يوتون بنوق، ولم تر الخلائق مثلها، عليها رحال الذهب، أزمتها الزبرجد، فيركبون عليها حتى يضربوا أبواب الجنة. وقال أبو هريرة: "وفداً" على الإبل. وروى محمد بن كعب القرظي عن أبي هريرة: أن النبي ﷺ قال: يبعث الله الأنبياء يوم القيامة إذا حشروا، على الدواب، ويبعث صالح نبي الله على ناقته، حتى يوافوا بالمؤمنين من أصحابهم المحشر، ويبعث أبنائي الحسن والحسين على ناقتي العضباء والقصواء وأبعث أنا على البراق، وخطوها عند أقصى طرفها. ويبعث بلال على ناقة من نوق الجنة، ينادي بالأذان، غضا، حتى إذا بلغ. أشهد أن محمداً رسول الله، شهد بها جميع الخلائق من المؤمنين والكافرين، فيقبل ذلك من المؤمنين، ويرد على غيرهم من أهل الشك والتكذيب وقيل: معنى "وفداً" أي: وافدين على ما تحبون. من كان يحب ركوب الخيل، وفد على الله على خيل لا تروث، ولا تبول، لجمها من الياقوت الأحمر، ومن الزبرجد الأخضر ومن الدر الأبيض، وسرجها من السندس والاستبرق. ومن كان يحب الإبل، فعلى نجائب لا تبعر ولا تبول، أزمتها الياقوت والزبرجد، ومن كان يحب السفن، فعلى سفن من زبرجد أخضر، وأمواج مثل ما بين السماء والأرض قد أمنوا الغرق والأهوال. وروى عمرو بن قيس الملائي أن المؤمن إذا خرج من قبره، استقبله أحسن صورة وأطيبه ريحاً. فيقول: هل تعرفني؟ فيقول: لا، إلا أن الله عز وجل قد طيب ريحك، وحسن صورتك، فيقول: كذلك كنت في الدنيا، أنا عملك الصالح، طالما ركبتك، فاركبني أنت اليوم، وتلا ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ ٱلْمُتَّقِينَ إِلَى ٱلرَّحْمَـٰنِ وَفْداً﴾. قال قتادة: "وفداً" إلى الجنة. وقال ابن جريج: على النجائب. وقال الثوري: على الإبل والنوق. وفي هذا الخبر إيماء إلى الجزاء والثواب، لأن الوفد هم الواردون على الملوك، المنتظرون العطاء والبر والإكرام منهم. ورويَ أن المؤمن يستقبله عند خروجه من قبره أحسن صورة رآها وأطيبه ريحاً، فيقول: من أنت؟ فيقول: أما تعرفني؟ فيقول لا، إلا أن الله تبارك وتعالى [قد] طيب ريحك، وحسن وجهك، فيقول: أنا عملك الصالح، هكذا كنت في الدنيا حسن العمل، طيبه، فطالما ركبتك في الدنيا، فهلّم اركبني، فيركبه. فذلك قوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ ٱلْمُتَّقِينَ إِلَى ٱلرَّحْمَـٰنِ وَفْداً﴾ قال: ويستقبل الكافر أو قال الفاجر عند خروجه من قبره أقبح صورة رآها، وأنتنها ريحاً فيقول: من أنت؟ فيقول: أما تعرفني؟ فيقول: لا، إلا أن الله تبارك وتعالى قد قبح وجهك، وأنتن ريحك. فيقول: أنا عملك الخبيث، هكذا كنت في الدنيا خبيث العمل منتنه، فطالما ركبتني في الدنيا فهلمّ أركبك، فيركبه، فذلك قوله تعالى: ﴿وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَىٰ ظُهُورِهِمْ﴾ [الأنعام: ٣١]. ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَنَسُوقُ ٱلْمُجْرِمِينَ إِلَىٰ جَهَنَّمَ وِرْداً﴾. أي: عطاشاً، قاله ابن عباس وأبو هريرة والحسن وقتادة والثوري. فيكون تقديره: ذي ورد يقال للواردين الماء ورد وروداً، مصدر وصف به الجمع، فلذلك لم يجمع. وروى المقدام بن معد يكرب: أن النبي ﷺ قال: يحشر المؤمنون يوم القيامة فيحشر السقط إلى الشيخ الفاني أبناء ثلاث وثلاثين سنة، في مثل خلق آدم، وحسن يوسف وقلب أيوب، مرداء مكحلين، فسئل النبي ﷺ عن الكافر فقال: يعظم للنار حتى يصير غلظ جلده أربعون ذراعاً وحتى يصير ناب من أنيابه مثل أحد ثم قال تعالى ﴿لاَّ يَمْلِكُونَ ٱلشَّفَاعَةَ إِلاَّ مَنِ ٱتَّخَذَ عِندَ ٱلرَّحْمَـٰنِ عَهْداً﴾. أي: لا يملك أحد من المجرمين الشفاعة لأحد، لكن من اتخذ عند الرحمن عهداً بالإيمان، فإنه يملك الشفاعة. فـ "من" في موضع نصب على الاستثناء المنقطع. وقيل: هي في موضع رفع على البدل من الضمير في "يملكون". فيكون التقدير: لا يملك الشفاعة إلا المؤمنون، فإنهم يشفعون. وقيل: التقدير: لا يملك أحد من المتقين الشفاعة إلا لمن اتخذ عند الرحمن عهداً، أي: من آمن في الدنيا، فلما حذفت اللام، صارت "من" في موضع نصب. وقال ابن عباس: "العهد" شهادة أن لا إله إلا الله، ويتبرأ إلى الله من الحول والقوة، ولا يرجو إلا الله. وقال ابن جريج: "عهد" عمل صالح. وقال الليث: "العهد" حفظ كتاب الله. وقال مقاتل: "عهدا" صلاة. وروي عن النبي ﷺ أنه قال: إن الشهيد ليشفع في سبعين من أهل بيته وأنه قال: "إن من أمتي رجلاً ليدخلن الله بشفاعته الجنة أكثر من بني تميم وقال ﷺ: "إن شفاعتي لمن مات من أمتي لا يشرك بالله شيئاً فيكون قوله: "لا يملكون".. وما بعده. في موضع نصب حال من المجرمين، أو من المتقين.

مريم 19:85

قوله تعالى ذكره: ﴿وَٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ آلِهَةً لِّيَكُونُواْ لَهُمْ عِزّاً﴾. إلى قوله: ﴿عِندَ ٱلرَّحْمَـٰنِ عَهْداً﴾. المعنى: واتخذ هؤلاء المشركون من دون الله آلهة يعبدونها، لتكون لهم منعة من عذاب الله. ومعنى "كلا" أي: ليس الأمر على ذلك، لا تمنعهم من عذاب الله. * * ثم قال: ﴿سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ﴾. أي: ستجحد الآلهة يوم القيامة عبادتهم لها. وهو قوله تعالى: ﴿تَبَرَّأْنَآ إِلَيْكَ مَا كَانُوۤاْ إِيَّانَا يَعْبُدُونَ﴾ [القصص: ٦٣] فتبرؤها منهم هو جحدها لعبادتهم إياها. * * ثم قال: ﴿وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدّاً﴾. قال ابن عباس: "ضداً": أعوانا. يعين على عذابهم. وقال مجاهد: عوناً عليهم، تخاصمهم وتكذبهم. قال قتادة: "ضداً" قرناء في النار، يلعن بعضهم بعضاً، ويتبرأ بعضهم من بعض. وقال الضحاك: "ضداً" أعداء. وقال ابن زيد: معناه: ويكونون عليهم بلاء. وقيل: معناه أن آلهتهم التي عبدوها من دون الله [يوم القيامة] تلعنهم وتدعو عليهم، لأنهم عبدوا الملائكة، فهي تلعنهم وتتبرأ منهم. وقيل: بل هي الأصنام يحييها الله تعالى [لهم] يوم القيامة لتوبخهم وتكذبهم. "والضد" في كلام العرب "المخالف". ووحد "ضد لأنه في معنى عوناً. وعون مصدر، فلذلك لم يجمع. * * ثم قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّآ أَرْسَلْنَا ٱلشَّيَاطِينَ عَلَى ٱلْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزّاً﴾. أي: تزعجهم على المعاصي، وتقودهم إليها قياداً، وتغويهم بها. وقال ابن عباس: تغويهم أغواء. وقال ابن زيد: تشليهم إشلاء على المعاصي. ومنه أزيز القدر، وهو صوت غليانها. وهذا يؤكد تحقيق القدر. * * ثم قال تعالى: ﴿فَلاَ تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدّاً﴾ أي: فلا تعجل يا محمد، على هؤلاء الكافرين بطلب العذاب لهم والهلاك، إنما نعد أعمالهم وأنفاسهم لنجازيهم على جميعها ولم نترك تعجيل هلاكهم لخير نريده بهم، ولكن ليزدادوا إثماً. قال ابن عباس: "إنما نعد لهم عداً" يعني نعد أنفاسهم في الدنيا كما نعد سنيهم وآجالهم. ثم قال تعالى: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ ٱلْمُتَّقِينَ إِلَى ٱلرَّحْمَـٰنِ وَفْداً﴾. التقدير: إنما نعد أعمالهم لنجازيهم عليها يوم نحشر المتقين. فالعامل في "يوم" ما دل عليه الكلام الأول وهو "نجازيهم" يوم كذا. ومعنى الآية: يوم يجمع الله الذين اتقوا في الدنيا، وخافوا عقابه إلى جزاء الرحمن ووعده. "وفداً" هو بمعنى جمع وافد، ونصبه على الحال، ووحد لأنه مصدر، "والوفد": الركبان. قال علي رضي الله عنه: اما والله ما يحشر الوفد على أرجلهم، ولا يساقون سوقاً، ولكنهم يوتون بنوق، ولم تر الخلائق مثلها، عليها رحال الذهب، أزمتها الزبرجد، فيركبون عليها حتى يضربوا أبواب الجنة. وقال أبو هريرة: "وفداً" على الإبل. وروى محمد بن كعب القرظي عن أبي هريرة: أن النبي ﷺ قال: يبعث الله الأنبياء يوم القيامة إذا حشروا، على الدواب، ويبعث صالح نبي الله على ناقته، حتى يوافوا بالمؤمنين من أصحابهم المحشر، ويبعث أبنائي الحسن والحسين على ناقتي العضباء والقصواء وأبعث أنا على البراق، وخطوها عند أقصى طرفها. ويبعث بلال على ناقة من نوق الجنة، ينادي بالأذان، غضا، حتى إذا بلغ. أشهد أن محمداً رسول الله، شهد بها جميع الخلائق من المؤمنين والكافرين، فيقبل ذلك من المؤمنين، ويرد على غيرهم من أهل الشك والتكذيب وقيل: معنى "وفداً" أي: وافدين على ما تحبون. من كان يحب ركوب الخيل، وفد على الله على خيل لا تروث، ولا تبول، لجمها من الياقوت الأحمر، ومن الزبرجد الأخضر ومن الدر الأبيض، وسرجها من السندس والاستبرق. ومن كان يحب الإبل، فعلى نجائب لا تبعر ولا تبول، أزمتها الياقوت والزبرجد، ومن كان يحب السفن، فعلى سفن من زبرجد أخضر، وأمواج مثل ما بين السماء والأرض قد أمنوا الغرق والأهوال. وروى عمرو بن قيس الملائي أن المؤمن إذا خرج من قبره، استقبله أحسن صورة وأطيبه ريحاً. فيقول: هل تعرفني؟ فيقول: لا، إلا أن الله عز وجل قد طيب ريحك، وحسن صورتك، فيقول: كذلك كنت في الدنيا، أنا عملك الصالح، طالما ركبتك، فاركبني أنت اليوم، وتلا ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ ٱلْمُتَّقِينَ إِلَى ٱلرَّحْمَـٰنِ وَفْداً﴾. قال قتادة: "وفداً" إلى الجنة. وقال ابن جريج: على النجائب. وقال الثوري: على الإبل والنوق. وفي هذا الخبر إيماء إلى الجزاء والثواب، لأن الوفد هم الواردون على الملوك، المنتظرون العطاء والبر والإكرام منهم. ورويَ أن المؤمن يستقبله عند خروجه من قبره أحسن صورة رآها وأطيبه ريحاً، فيقول: من أنت؟ فيقول: أما تعرفني؟ فيقول لا، إلا أن الله تبارك وتعالى [قد] طيب ريحك، وحسن وجهك، فيقول: أنا عملك الصالح، هكذا كنت في الدنيا حسن العمل، طيبه، فطالما ركبتك في الدنيا، فهلّم اركبني، فيركبه. فذلك قوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ ٱلْمُتَّقِينَ إِلَى ٱلرَّحْمَـٰنِ وَفْداً﴾ قال: ويستقبل الكافر أو قال الفاجر عند خروجه من قبره أقبح صورة رآها، وأنتنها ريحاً فيقول: من أنت؟ فيقول: أما تعرفني؟ فيقول: لا، إلا أن الله تبارك وتعالى قد قبح وجهك، وأنتن ريحك. فيقول: أنا عملك الخبيث، هكذا كنت في الدنيا خبيث العمل منتنه، فطالما ركبتني في الدنيا فهلمّ أركبك، فيركبه، فذلك قوله تعالى: ﴿وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَىٰ ظُهُورِهِمْ﴾ [الأنعام: ٣١]. ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَنَسُوقُ ٱلْمُجْرِمِينَ إِلَىٰ جَهَنَّمَ وِرْداً﴾. أي: عطاشاً، قاله ابن عباس وأبو هريرة والحسن وقتادة والثوري. فيكون تقديره: ذي ورد يقال للواردين الماء ورد وروداً، مصدر وصف به الجمع، فلذلك لم يجمع. وروى المقدام بن معد يكرب: أن النبي ﷺ قال: يحشر المؤمنون يوم القيامة فيحشر السقط إلى الشيخ الفاني أبناء ثلاث وثلاثين سنة، في مثل خلق آدم، وحسن يوسف وقلب أيوب، مرداء مكحلين، فسئل النبي ﷺ عن الكافر فقال: يعظم للنار حتى يصير غلظ جلده أربعون ذراعاً وحتى يصير ناب من أنيابه مثل أحد ثم قال تعالى ﴿لاَّ يَمْلِكُونَ ٱلشَّفَاعَةَ إِلاَّ مَنِ ٱتَّخَذَ عِندَ ٱلرَّحْمَـٰنِ عَهْداً﴾. أي: لا يملك أحد من المجرمين الشفاعة لأحد، لكن من اتخذ عند الرحمن عهداً بالإيمان، فإنه يملك الشفاعة. فـ "من" في موضع نصب على الاستثناء المنقطع. وقيل: هي في موضع رفع على البدل من الضمير في "يملكون". فيكون التقدير: لا يملك الشفاعة إلا المؤمنون، فإنهم يشفعون. وقيل: التقدير: لا يملك أحد من المتقين الشفاعة إلا لمن اتخذ عند الرحمن عهداً، أي: من آمن في الدنيا، فلما حذفت اللام، صارت "من" في موضع نصب. وقال ابن عباس: "العهد" شهادة أن لا إله إلا الله، ويتبرأ إلى الله من الحول والقوة، ولا يرجو إلا الله. وقال ابن جريج: "عهد" عمل صالح. وقال الليث: "العهد" حفظ كتاب الله. وقال مقاتل: "عهدا" صلاة. وروي عن النبي ﷺ أنه قال: إن الشهيد ليشفع في سبعين من أهل بيته وأنه قال: "إن من أمتي رجلاً ليدخلن الله بشفاعته الجنة أكثر من بني تميم وقال ﷺ: "إن شفاعتي لمن مات من أمتي لا يشرك بالله شيئاً فيكون قوله: "لا يملكون".. وما بعده. في موضع نصب حال من المجرمين، أو من المتقين.

مريم 19:86

قوله تعالى ذكره: ﴿وَٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ آلِهَةً لِّيَكُونُواْ لَهُمْ عِزّاً﴾. إلى قوله: ﴿عِندَ ٱلرَّحْمَـٰنِ عَهْداً﴾. المعنى: واتخذ هؤلاء المشركون من دون الله آلهة يعبدونها، لتكون لهم منعة من عذاب الله. ومعنى "كلا" أي: ليس الأمر على ذلك، لا تمنعهم من عذاب الله. * * ثم قال: ﴿سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ﴾. أي: ستجحد الآلهة يوم القيامة عبادتهم لها. وهو قوله تعالى: ﴿تَبَرَّأْنَآ إِلَيْكَ مَا كَانُوۤاْ إِيَّانَا يَعْبُدُونَ﴾ [القصص: ٦٣] فتبرؤها منهم هو جحدها لعبادتهم إياها. * * ثم قال: ﴿وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدّاً﴾. قال ابن عباس: "ضداً": أعوانا. يعين على عذابهم. وقال مجاهد: عوناً عليهم، تخاصمهم وتكذبهم. قال قتادة: "ضداً" قرناء في النار، يلعن بعضهم بعضاً، ويتبرأ بعضهم من بعض. وقال الضحاك: "ضداً" أعداء. وقال ابن زيد: معناه: ويكونون عليهم بلاء. وقيل: معناه أن آلهتهم التي عبدوها من دون الله [يوم القيامة] تلعنهم وتدعو عليهم، لأنهم عبدوا الملائكة، فهي تلعنهم وتتبرأ منهم. وقيل: بل هي الأصنام يحييها الله تعالى [لهم] يوم القيامة لتوبخهم وتكذبهم. "والضد" في كلام العرب "المخالف". ووحد "ضد لأنه في معنى عوناً. وعون مصدر، فلذلك لم يجمع. * * ثم قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّآ أَرْسَلْنَا ٱلشَّيَاطِينَ عَلَى ٱلْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزّاً﴾. أي: تزعجهم على المعاصي، وتقودهم إليها قياداً، وتغويهم بها. وقال ابن عباس: تغويهم أغواء. وقال ابن زيد: تشليهم إشلاء على المعاصي. ومنه أزيز القدر، وهو صوت غليانها. وهذا يؤكد تحقيق القدر. * * ثم قال تعالى: ﴿فَلاَ تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدّاً﴾ أي: فلا تعجل يا محمد، على هؤلاء الكافرين بطلب العذاب لهم والهلاك، إنما نعد أعمالهم وأنفاسهم لنجازيهم على جميعها ولم نترك تعجيل هلاكهم لخير نريده بهم، ولكن ليزدادوا إثماً. قال ابن عباس: "إنما نعد لهم عداً" يعني نعد أنفاسهم في الدنيا كما نعد سنيهم وآجالهم. ثم قال تعالى: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ ٱلْمُتَّقِينَ إِلَى ٱلرَّحْمَـٰنِ وَفْداً﴾. التقدير: إنما نعد أعمالهم لنجازيهم عليها يوم نحشر المتقين. فالعامل في "يوم" ما دل عليه الكلام الأول وهو "نجازيهم" يوم كذا. ومعنى الآية: يوم يجمع الله الذين اتقوا في الدنيا، وخافوا عقابه إلى جزاء الرحمن ووعده. "وفداً" هو بمعنى جمع وافد، ونصبه على الحال، ووحد لأنه مصدر، "والوفد": الركبان. قال علي رضي الله عنه: اما والله ما يحشر الوفد على أرجلهم، ولا يساقون سوقاً، ولكنهم يوتون بنوق، ولم تر الخلائق مثلها، عليها رحال الذهب، أزمتها الزبرجد، فيركبون عليها حتى يضربوا أبواب الجنة. وقال أبو هريرة: "وفداً" على الإبل. وروى محمد بن كعب القرظي عن أبي هريرة: أن النبي ﷺ قال: يبعث الله الأنبياء يوم القيامة إذا حشروا، على الدواب، ويبعث صالح نبي الله على ناقته، حتى يوافوا بالمؤمنين من أصحابهم المحشر، ويبعث أبنائي الحسن والحسين على ناقتي العضباء والقصواء وأبعث أنا على البراق، وخطوها عند أقصى طرفها. ويبعث بلال على ناقة من نوق الجنة، ينادي بالأذان، غضا، حتى إذا بلغ. أشهد أن محمداً رسول الله، شهد بها جميع الخلائق من المؤمنين والكافرين، فيقبل ذلك من المؤمنين، ويرد على غيرهم من أهل الشك والتكذيب وقيل: معنى "وفداً" أي: وافدين على ما تحبون. من كان يحب ركوب الخيل، وفد على الله على خيل لا تروث، ولا تبول، لجمها من الياقوت الأحمر، ومن الزبرجد الأخضر ومن الدر الأبيض، وسرجها من السندس والاستبرق. ومن كان يحب الإبل، فعلى نجائب لا تبعر ولا تبول، أزمتها الياقوت والزبرجد، ومن كان يحب السفن، فعلى سفن من زبرجد أخضر، وأمواج مثل ما بين السماء والأرض قد أمنوا الغرق والأهوال. وروى عمرو بن قيس الملائي أن المؤمن إذا خرج من قبره، استقبله أحسن صورة وأطيبه ريحاً. فيقول: هل تعرفني؟ فيقول: لا، إلا أن الله عز وجل قد طيب ريحك، وحسن صورتك، فيقول: كذلك كنت في الدنيا، أنا عملك الصالح، طالما ركبتك، فاركبني أنت اليوم، وتلا ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ ٱلْمُتَّقِينَ إِلَى ٱلرَّحْمَـٰنِ وَفْداً﴾. قال قتادة: "وفداً" إلى الجنة. وقال ابن جريج: على النجائب. وقال الثوري: على الإبل والنوق. وفي هذا الخبر إيماء إلى الجزاء والثواب، لأن الوفد هم الواردون على الملوك، المنتظرون العطاء والبر والإكرام منهم. ورويَ أن المؤمن يستقبله عند خروجه من قبره أحسن صورة رآها وأطيبه ريحاً، فيقول: من أنت؟ فيقول: أما تعرفني؟ فيقول لا، إلا أن الله تبارك وتعالى [قد] طيب ريحك، وحسن وجهك، فيقول: أنا عملك الصالح، هكذا كنت في الدنيا حسن العمل، طيبه، فطالما ركبتك في الدنيا، فهلّم اركبني، فيركبه. فذلك قوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ ٱلْمُتَّقِينَ إِلَى ٱلرَّحْمَـٰنِ وَفْداً﴾ قال: ويستقبل الكافر أو قال الفاجر عند خروجه من قبره أقبح صورة رآها، وأنتنها ريحاً فيقول: من أنت؟ فيقول: أما تعرفني؟ فيقول: لا، إلا أن الله تبارك وتعالى قد قبح وجهك، وأنتن ريحك. فيقول: أنا عملك الخبيث، هكذا كنت في الدنيا خبيث العمل منتنه، فطالما ركبتني في الدنيا فهلمّ أركبك، فيركبه، فذلك قوله تعالى: ﴿وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَىٰ ظُهُورِهِمْ﴾ [الأنعام: ٣١]. ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَنَسُوقُ ٱلْمُجْرِمِينَ إِلَىٰ جَهَنَّمَ وِرْداً﴾. أي: عطاشاً، قاله ابن عباس وأبو هريرة والحسن وقتادة والثوري. فيكون تقديره: ذي ورد يقال للواردين الماء ورد وروداً، مصدر وصف به الجمع، فلذلك لم يجمع. وروى المقدام بن معد يكرب: أن النبي ﷺ قال: يحشر المؤمنون يوم القيامة فيحشر السقط إلى الشيخ الفاني أبناء ثلاث وثلاثين سنة، في مثل خلق آدم، وحسن يوسف وقلب أيوب، مرداء مكحلين، فسئل النبي ﷺ عن الكافر فقال: يعظم للنار حتى يصير غلظ جلده أربعون ذراعاً وحتى يصير ناب من أنيابه مثل أحد ثم قال تعالى ﴿لاَّ يَمْلِكُونَ ٱلشَّفَاعَةَ إِلاَّ مَنِ ٱتَّخَذَ عِندَ ٱلرَّحْمَـٰنِ عَهْداً﴾. أي: لا يملك أحد من المجرمين الشفاعة لأحد، لكن من اتخذ عند الرحمن عهداً بالإيمان، فإنه يملك الشفاعة. فـ "من" في موضع نصب على الاستثناء المنقطع. وقيل: هي في موضع رفع على البدل من الضمير في "يملكون". فيكون التقدير: لا يملك الشفاعة إلا المؤمنون، فإنهم يشفعون. وقيل: التقدير: لا يملك أحد من المتقين الشفاعة إلا لمن اتخذ عند الرحمن عهداً، أي: من آمن في الدنيا، فلما حذفت اللام، صارت "من" في موضع نصب. وقال ابن عباس: "العهد" شهادة أن لا إله إلا الله، ويتبرأ إلى الله من الحول والقوة، ولا يرجو إلا الله. وقال ابن جريج: "عهد" عمل صالح. وقال الليث: "العهد" حفظ كتاب الله. وقال مقاتل: "عهدا" صلاة. وروي عن النبي ﷺ أنه قال: إن الشهيد ليشفع في سبعين من أهل بيته وأنه قال: "إن من أمتي رجلاً ليدخلن الله بشفاعته الجنة أكثر من بني تميم وقال ﷺ: "إن شفاعتي لمن مات من أمتي لا يشرك بالله شيئاً فيكون قوله: "لا يملكون".. وما بعده. في موضع نصب حال من المجرمين، أو من المتقين.