Tafsir Makhi — مريم 19:87 – طه 20:81
المحتويات
- مريم 19:87
- مريم 19:88
- مريم 19:89
- مريم 19:90
- مريم 19:91
- مريم 19:92
- مريم 19:93
- مريم 19:94
- مريم 19:95
- مريم 19:96
- مريم 19:97
- مريم 19:98
- طه 20:1
- طه 20:2
- طه 20:3
- طه 20:4
- طه 20:5
- طه 20:6
- طه 20:7
- طه 20:8
- طه 20:9
- طه 20:10
- طه 20:11
- طه 20:12
- طه 20:13
- طه 20:14
- طه 20:15
- طه 20:16
- طه 20:17
- طه 20:18
- طه 20:19
- طه 20:20
- طه 20:21
- طه 20:22
- طه 20:23
- طه 20:24
- طه 20:25
- طه 20:26
- طه 20:27
- طه 20:28
- طه 20:29
- طه 20:30
- طه 20:31
- طه 20:32
- طه 20:33
- طه 20:34
- طه 20:35
- طه 20:36
- طه 20:37
- طه 20:38
- طه 20:39
- طه 20:40
- طه 20:41
- طه 20:42
- طه 20:43
- طه 20:44
- طه 20:45
- طه 20:46
- طه 20:47
- طه 20:48
- طه 20:49
- طه 20:50
- طه 20:51
- طه 20:52
- طه 20:53
- طه 20:54
- طه 20:55
- طه 20:56
- طه 20:57
- طه 20:58
- طه 20:59
- طه 20:60
- طه 20:61
- طه 20:62
- طه 20:63
- طه 20:64
- طه 20:65
- طه 20:66
- طه 20:67
- طه 20:68
- طه 20:69
- طه 20:70
- طه 20:71
- طه 20:72
- طه 20:73
- طه 20:74
- طه 20:75
- طه 20:76
- طه 20:77
- طه 20:78
- طه 20:79
- طه 20:80
- طه 20:81
مريم 19:87
قوله تعالى ذكره: ﴿وَٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ آلِهَةً لِّيَكُونُواْ لَهُمْ عِزّاً﴾.
إلى قوله: ﴿عِندَ ٱلرَّحْمَـٰنِ عَهْداً﴾.
المعنى: واتخذ هؤلاء المشركون من دون الله آلهة يعبدونها، لتكون لهم منعة من عذاب الله.
ومعنى "كلا" أي: ليس الأمر على ذلك، لا تمنعهم من عذاب الله.
* *
ثم قال: ﴿سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ﴾.
أي: ستجحد الآلهة يوم القيامة عبادتهم لها. وهو قوله تعالى: ﴿تَبَرَّأْنَآ إِلَيْكَ مَا كَانُوۤاْ إِيَّانَا يَعْبُدُونَ﴾ [القصص: ٦٣] فتبرؤها منهم هو جحدها لعبادتهم إياها.
* *
ثم قال: ﴿وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدّاً﴾.
قال ابن عباس: "ضداً": أعوانا. يعين على عذابهم.
وقال مجاهد: عوناً عليهم، تخاصمهم وتكذبهم.
قال قتادة: "ضداً" قرناء في النار، يلعن بعضهم بعضاً، ويتبرأ بعضهم من بعض.
وقال الضحاك: "ضداً" أعداء.
وقال ابن زيد: معناه: ويكونون عليهم بلاء.
وقيل: معناه أن آلهتهم التي عبدوها من دون الله [يوم القيامة] تلعنهم وتدعو عليهم، لأنهم عبدوا الملائكة، فهي تلعنهم وتتبرأ منهم.
وقيل: بل هي الأصنام يحييها الله تعالى [لهم] يوم القيامة لتوبخهم وتكذبهم.
"والضد" في كلام العرب "المخالف". ووحد "ضد لأنه في معنى عوناً. وعون مصدر، فلذلك لم يجمع.
* *
ثم قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّآ أَرْسَلْنَا ٱلشَّيَاطِينَ عَلَى ٱلْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزّاً﴾.
أي: تزعجهم على المعاصي، وتقودهم إليها قياداً، وتغويهم بها.
وقال ابن عباس: تغويهم أغواء.
وقال ابن زيد: تشليهم إشلاء على المعاصي. ومنه أزيز القدر، وهو صوت غليانها. وهذا يؤكد تحقيق القدر.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَلاَ تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدّاً﴾ أي: فلا تعجل يا محمد، على هؤلاء الكافرين بطلب العذاب لهم والهلاك، إنما نعد أعمالهم وأنفاسهم لنجازيهم على جميعها ولم نترك تعجيل هلاكهم لخير نريده بهم، ولكن ليزدادوا إثماً.
قال ابن عباس: "إنما نعد لهم عداً" يعني نعد أنفاسهم في الدنيا كما نعد سنيهم وآجالهم.
ثم قال تعالى: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ ٱلْمُتَّقِينَ إِلَى ٱلرَّحْمَـٰنِ وَفْداً﴾.
التقدير: إنما نعد أعمالهم لنجازيهم عليها يوم نحشر المتقين.
فالعامل في "يوم" ما دل عليه الكلام الأول وهو "نجازيهم" يوم كذا.
ومعنى الآية: يوم يجمع الله الذين اتقوا في الدنيا، وخافوا عقابه إلى جزاء الرحمن ووعده.
"وفداً" هو بمعنى جمع وافد، ونصبه على الحال، ووحد لأنه مصدر، "والوفد": الركبان.
قال علي رضي الله عنه: اما والله ما يحشر الوفد على أرجلهم، ولا يساقون سوقاً، ولكنهم يوتون بنوق، ولم تر الخلائق مثلها، عليها رحال الذهب، أزمتها الزبرجد، فيركبون عليها حتى يضربوا أبواب الجنة.
وقال أبو هريرة: "وفداً" على الإبل.
وروى محمد بن كعب القرظي عن أبي هريرة: أن النبي ﷺ قال: يبعث الله الأنبياء يوم القيامة إذا حشروا، على الدواب، ويبعث صالح نبي الله على ناقته، حتى يوافوا بالمؤمنين من أصحابهم المحشر، ويبعث أبنائي الحسن والحسين على ناقتي العضباء والقصواء وأبعث أنا على البراق، وخطوها عند أقصى طرفها. ويبعث بلال على ناقة من نوق الجنة، ينادي بالأذان، غضا، حتى إذا بلغ. أشهد أن محمداً رسول الله، شهد بها جميع الخلائق من المؤمنين والكافرين، فيقبل ذلك من المؤمنين، ويرد على غيرهم من أهل الشك والتكذيب
وقيل: معنى "وفداً" أي: وافدين على ما تحبون. من كان يحب ركوب الخيل، وفد على الله على خيل لا تروث، ولا تبول، لجمها من الياقوت الأحمر، ومن الزبرجد الأخضر ومن الدر الأبيض، وسرجها من السندس والاستبرق. ومن كان يحب الإبل، فعلى نجائب لا تبعر ولا تبول، أزمتها الياقوت والزبرجد، ومن كان يحب السفن، فعلى سفن من زبرجد أخضر، وأمواج مثل ما بين السماء والأرض قد أمنوا الغرق والأهوال.
وروى عمرو بن قيس الملائي أن المؤمن إذا خرج من قبره، استقبله أحسن صورة وأطيبه ريحاً. فيقول: هل تعرفني؟ فيقول: لا، إلا أن الله عز وجل قد طيب ريحك، وحسن صورتك، فيقول: كذلك كنت في الدنيا، أنا عملك الصالح، طالما ركبتك، فاركبني أنت اليوم، وتلا ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ ٱلْمُتَّقِينَ إِلَى ٱلرَّحْمَـٰنِ وَفْداً﴾.
قال قتادة: "وفداً" إلى الجنة.
وقال ابن جريج: على النجائب.
وقال الثوري: على الإبل والنوق.
وفي هذا الخبر إيماء إلى الجزاء والثواب، لأن الوفد هم الواردون على الملوك، المنتظرون العطاء والبر والإكرام منهم.
ورويَ أن المؤمن يستقبله عند خروجه من قبره أحسن صورة رآها وأطيبه ريحاً، فيقول: من أنت؟ فيقول: أما تعرفني؟ فيقول لا، إلا أن الله تبارك وتعالى [قد] طيب ريحك، وحسن وجهك، فيقول: أنا عملك الصالح، هكذا كنت في الدنيا حسن العمل، طيبه، فطالما ركبتك في الدنيا، فهلّم اركبني، فيركبه. فذلك قوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ ٱلْمُتَّقِينَ إِلَى ٱلرَّحْمَـٰنِ وَفْداً﴾ قال: ويستقبل الكافر أو قال الفاجر عند خروجه من قبره أقبح صورة رآها، وأنتنها ريحاً فيقول: من أنت؟ فيقول: أما تعرفني؟ فيقول: لا، إلا أن الله تبارك وتعالى قد قبح وجهك، وأنتن ريحك. فيقول: أنا عملك الخبيث، هكذا كنت في الدنيا خبيث العمل منتنه، فطالما ركبتني في الدنيا فهلمّ أركبك، فيركبه، فذلك قوله تعالى: ﴿وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَىٰ ظُهُورِهِمْ﴾ [الأنعام: ٣١].
ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَنَسُوقُ ٱلْمُجْرِمِينَ إِلَىٰ جَهَنَّمَ وِرْداً﴾.
أي: عطاشاً، قاله ابن عباس وأبو هريرة والحسن وقتادة والثوري. فيكون تقديره: ذي ورد يقال للواردين الماء ورد وروداً، مصدر وصف به الجمع، فلذلك لم يجمع.
وروى المقدام بن معد يكرب: أن النبي ﷺ قال: يحشر المؤمنون يوم القيامة فيحشر السقط إلى الشيخ الفاني أبناء ثلاث وثلاثين سنة، في مثل خلق آدم، وحسن يوسف وقلب أيوب، مرداء مكحلين، فسئل النبي ﷺ عن الكافر فقال: يعظم للنار حتى يصير غلظ جلده أربعون ذراعاً وحتى يصير ناب من أنيابه مثل أحد
ثم قال تعالى ﴿لاَّ يَمْلِكُونَ ٱلشَّفَاعَةَ إِلاَّ مَنِ ٱتَّخَذَ عِندَ ٱلرَّحْمَـٰنِ عَهْداً﴾.
أي: لا يملك أحد من المجرمين الشفاعة لأحد، لكن من اتخذ عند الرحمن عهداً بالإيمان، فإنه يملك الشفاعة.
فـ "من" في موضع نصب على الاستثناء المنقطع.
وقيل: هي في موضع رفع على البدل من الضمير في "يملكون". فيكون التقدير: لا يملك الشفاعة إلا المؤمنون، فإنهم يشفعون.
وقيل: التقدير: لا يملك أحد من المتقين الشفاعة إلا لمن اتخذ عند الرحمن عهداً، أي: من آمن في الدنيا، فلما حذفت اللام، صارت "من" في موضع نصب.
وقال ابن عباس: "العهد" شهادة أن لا إله إلا الله، ويتبرأ إلى الله من الحول والقوة، ولا يرجو إلا الله.
وقال ابن جريج: "عهد" عمل صالح.
وقال الليث: "العهد" حفظ كتاب الله.
وقال مقاتل: "عهدا" صلاة.
وروي عن النبي ﷺ أنه قال: إن الشهيد ليشفع في سبعين من أهل بيته
وأنه قال: "إن من أمتي رجلاً ليدخلن الله بشفاعته الجنة أكثر من بني تميم
وقال ﷺ: "إن شفاعتي لمن مات من أمتي لا يشرك بالله شيئاً
فيكون قوله: "لا يملكون".. وما بعده. في موضع نصب حال من المجرمين، أو من المتقين.
مريم 19:88
قوله تعالى ذكره: ﴿وَقَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱلرَّحْمَـٰنُ وَلَداً * لَّقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدّاً﴾ إلى قوله: ﴿سَيَجْعَلُ لَهُمُ ٱلرَّحْمَـٰنُ وُدّاً﴾.
معناه: وقال هؤلاء الكفار بالله: اتخذ الرحمن ولداً، فقال لهم جلّ ذكره: ﴿لَّقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدّاً﴾. أي: عظيماً. أي: قلتم قولاً عظيماً. قاله: ابن عباس ومجاهد وقتادة.
ويقال: أد واد واد على فاعل بمعنى واحد.
* *
ثم قال تعالى: ﴿تَكَادُ ٱلسَّمَٰوَٰتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ﴾.
أي: يتشققن مما قلتم.
﴿وَتَنشَقُّ ٱلأَرْضُ﴾ أي: تتصدع.
﴿وَتَخِرُّ ٱلْجِبَالُ هَدّاً﴾ أي: يسقط بعضها على بعض سقوطاً.
وقال ابن عباس: "هداً" هدماً.
والهد الأنقاض.
وقال ابن عباس: إن الشرك فزعت منه السماوات، والأرض، والجبال، وجميع الخلائق، إلا الثقلين، وكدن أن يزلن منه لعظمة الله. وكما لا ينفع مع الشرك إحسان المشرك كذلك نرجو أن يغفر الله ذنوب الموحدين مع التوحيد.
قال القرظي: لقد كاد عباد الله أن يقيموا علينا الساعة.
وقال النبي ﷺ: "لقنوا موتاكم شهادة أن لا إله إلا الله. من قالها عند موته وجبت له الجنة، قالوا: يا رسول الله، فمن قالها في صحته؟ قال: تلك أوجب وأوجب. ثم قال: والذي نفسي بيده، لو جيء بالسماوات والأرض وما فيهن وما بينهن، وما تحتهن، فوضعن في كفة الميزان، ووضعت شهادة أن لا إله إلا الله في الكفة الأخرى، لرجحت بهن
قال كعب: غضبت الملائكة، واستعرت جهنم حين قالوا ما قالوا.
ثم قال تعالى جل ثناؤه: ﴿أَن دَعَوْا لِلرَّحْمَـٰنِ وَلَداً﴾. أي: من أجل أنهم جعلوا له ولداً.
قال أبو ذؤيب: "دعوا" بمعنى" جعلوا.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَمَا يَنبَغِي لِلرَّحْمَـٰنِ أَن يَتَّخِذَ وَلَداً﴾. أي ما يصلح له أن يتخذ ولداً، لأن كل ولد يشبه أباه، والله لا يشبهه شيء.
* *
ثم قال: ﴿إِن كُلُّ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ إِلاَّ آتِي ٱلرَّحْمَـٰنِ عَبْداً﴾.
أي: إلا هو عبد لله، خاضعاً، ذليلاً.
وهذه الآية تدل على أن الرجل لا يملك، ولده، فإذا صار إليه بشراء أو إرث أو هدية عتق عليه، إن شاء أو أبى.
ومعنى: ﴿وَمَا يَنبَغِي لِلرَّحْمَـٰنِ أَن يَتَّخِذَ وَلَداً﴾ أن الرحمن لا شبيه له، والولد يشبه والده ومن جنسه يكون. فلو كان له ولد لأشبهه، ولكان من جنسه، وهو لا شبيه له ولا مثل، فهذا أمر لا يتمكن، ولا ينبغي أن يكون، فهو مستحيل ممتنع سبحانه لا إله إلا هو.
* *
ثم قال: ﴿لَّقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدّاً﴾.
أي: علمهم، وعدهم أجمعين، فلا يخفى عليه مبلغ جميعهم ﴿وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ فَرْداً﴾. أي: جميع الخلائق يعرضون على الله يوم القيامة منفردين، لا ناصر لأحد منهم، فيقضي الله فيهم ما هو قاض.
ثم قال تعالى ذكره: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ ٱلرَّحْمَـٰنُ وُدّاً﴾.
أي: إن الذين صدقوا الله ورسله، وعملوا بما أمرهم، وانتهوا عما نهاهم، سيجعل لهم الرحمن في الدنيا في صدور عباده المؤمنين محبة، قاله ابن عباس.
وقال مجاهد: يحبهم ويحببهم إلى المؤمنين، وكذا قال ابن جبير عن ابن عباس.
وكان هرم بن حيان يقول: ما أقبل عبد بقلبه إلى الله عز وجل، إلا أقبل الله تعالى بقلوب المؤمنين إليه حتى يرزقه مودتهم ومحبتهم.
وكان عثمان بن عفان رضي الله عنه يقول: "ما من الناس أحد يبذل خيراً أو شراً، إلا كساه الله رداء عمله.
ويروى أن هذه الآية نزلت في عبد الرحمن بن عوف، وذلك أنه لما هاجر إلى المدينة، وجد في نفسه على فراق أصحابه بمكة، فأنزل الله جل وعز، الآية يعزّيه بها ويخبره أنه سيحدث له في قلوب المؤمنين الذين هاجر إليهم محبة.
وقيل: إن الله تعالى جعل [له] في قلوب المؤمنين محبة، فلا ترى مؤمناً إلا يحبه.
مريم 19:89
قوله تعالى ذكره: ﴿وَقَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱلرَّحْمَـٰنُ وَلَداً * لَّقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدّاً﴾ إلى قوله: ﴿سَيَجْعَلُ لَهُمُ ٱلرَّحْمَـٰنُ وُدّاً﴾.
معناه: وقال هؤلاء الكفار بالله: اتخذ الرحمن ولداً، فقال لهم جلّ ذكره: ﴿لَّقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدّاً﴾. أي: عظيماً. أي: قلتم قولاً عظيماً. قاله: ابن عباس ومجاهد وقتادة.
ويقال: أد واد واد على فاعل بمعنى واحد.
* *
ثم قال تعالى: ﴿تَكَادُ ٱلسَّمَٰوَٰتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ﴾.
أي: يتشققن مما قلتم.
﴿وَتَنشَقُّ ٱلأَرْضُ﴾ أي: تتصدع.
﴿وَتَخِرُّ ٱلْجِبَالُ هَدّاً﴾ أي: يسقط بعضها على بعض سقوطاً.
وقال ابن عباس: "هداً" هدماً.
والهد الأنقاض.
وقال ابن عباس: إن الشرك فزعت منه السماوات، والأرض، والجبال، وجميع الخلائق، إلا الثقلين، وكدن أن يزلن منه لعظمة الله. وكما لا ينفع مع الشرك إحسان المشرك كذلك نرجو أن يغفر الله ذنوب الموحدين مع التوحيد.
قال القرظي: لقد كاد عباد الله أن يقيموا علينا الساعة.
وقال النبي ﷺ: "لقنوا موتاكم شهادة أن لا إله إلا الله. من قالها عند موته وجبت له الجنة، قالوا: يا رسول الله، فمن قالها في صحته؟ قال: تلك أوجب وأوجب. ثم قال: والذي نفسي بيده، لو جيء بالسماوات والأرض وما فيهن وما بينهن، وما تحتهن، فوضعن في كفة الميزان، ووضعت شهادة أن لا إله إلا الله في الكفة الأخرى، لرجحت بهن
قال كعب: غضبت الملائكة، واستعرت جهنم حين قالوا ما قالوا.
ثم قال تعالى جل ثناؤه: ﴿أَن دَعَوْا لِلرَّحْمَـٰنِ وَلَداً﴾. أي: من أجل أنهم جعلوا له ولداً.
قال أبو ذؤيب: "دعوا" بمعنى" جعلوا.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَمَا يَنبَغِي لِلرَّحْمَـٰنِ أَن يَتَّخِذَ وَلَداً﴾. أي ما يصلح له أن يتخذ ولداً، لأن كل ولد يشبه أباه، والله لا يشبهه شيء.
* *
ثم قال: ﴿إِن كُلُّ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ إِلاَّ آتِي ٱلرَّحْمَـٰنِ عَبْداً﴾.
أي: إلا هو عبد لله، خاضعاً، ذليلاً.
وهذه الآية تدل على أن الرجل لا يملك، ولده، فإذا صار إليه بشراء أو إرث أو هدية عتق عليه، إن شاء أو أبى.
ومعنى: ﴿وَمَا يَنبَغِي لِلرَّحْمَـٰنِ أَن يَتَّخِذَ وَلَداً﴾ أن الرحمن لا شبيه له، والولد يشبه والده ومن جنسه يكون. فلو كان له ولد لأشبهه، ولكان من جنسه، وهو لا شبيه له ولا مثل، فهذا أمر لا يتمكن، ولا ينبغي أن يكون، فهو مستحيل ممتنع سبحانه لا إله إلا هو.
* *
ثم قال: ﴿لَّقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدّاً﴾.
أي: علمهم، وعدهم أجمعين، فلا يخفى عليه مبلغ جميعهم ﴿وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ فَرْداً﴾. أي: جميع الخلائق يعرضون على الله يوم القيامة منفردين، لا ناصر لأحد منهم، فيقضي الله فيهم ما هو قاض.
ثم قال تعالى ذكره: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ ٱلرَّحْمَـٰنُ وُدّاً﴾.
أي: إن الذين صدقوا الله ورسله، وعملوا بما أمرهم، وانتهوا عما نهاهم، سيجعل لهم الرحمن في الدنيا في صدور عباده المؤمنين محبة، قاله ابن عباس.
وقال مجاهد: يحبهم ويحببهم إلى المؤمنين، وكذا قال ابن جبير عن ابن عباس.
وكان هرم بن حيان يقول: ما أقبل عبد بقلبه إلى الله عز وجل، إلا أقبل الله تعالى بقلوب المؤمنين إليه حتى يرزقه مودتهم ومحبتهم.
وكان عثمان بن عفان رضي الله عنه يقول: "ما من الناس أحد يبذل خيراً أو شراً، إلا كساه الله رداء عمله.
ويروى أن هذه الآية نزلت في عبد الرحمن بن عوف، وذلك أنه لما هاجر إلى المدينة، وجد في نفسه على فراق أصحابه بمكة، فأنزل الله جل وعز، الآية يعزّيه بها ويخبره أنه سيحدث له في قلوب المؤمنين الذين هاجر إليهم محبة.
وقيل: إن الله تعالى جعل [له] في قلوب المؤمنين محبة، فلا ترى مؤمناً إلا يحبه.
مريم 19:90
قوله تعالى ذكره: ﴿وَقَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱلرَّحْمَـٰنُ وَلَداً * لَّقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدّاً﴾ إلى قوله: ﴿سَيَجْعَلُ لَهُمُ ٱلرَّحْمَـٰنُ وُدّاً﴾.
معناه: وقال هؤلاء الكفار بالله: اتخذ الرحمن ولداً، فقال لهم جلّ ذكره: ﴿لَّقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدّاً﴾. أي: عظيماً. أي: قلتم قولاً عظيماً. قاله: ابن عباس ومجاهد وقتادة.
ويقال: أد واد واد على فاعل بمعنى واحد.
* *
ثم قال تعالى: ﴿تَكَادُ ٱلسَّمَٰوَٰتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ﴾.
أي: يتشققن مما قلتم.
﴿وَتَنشَقُّ ٱلأَرْضُ﴾ أي: تتصدع.
﴿وَتَخِرُّ ٱلْجِبَالُ هَدّاً﴾ أي: يسقط بعضها على بعض سقوطاً.
وقال ابن عباس: "هداً" هدماً.
والهد الأنقاض.
وقال ابن عباس: إن الشرك فزعت منه السماوات، والأرض، والجبال، وجميع الخلائق، إلا الثقلين، وكدن أن يزلن منه لعظمة الله. وكما لا ينفع مع الشرك إحسان المشرك كذلك نرجو أن يغفر الله ذنوب الموحدين مع التوحيد.
قال القرظي: لقد كاد عباد الله أن يقيموا علينا الساعة.
وقال النبي ﷺ: "لقنوا موتاكم شهادة أن لا إله إلا الله. من قالها عند موته وجبت له الجنة، قالوا: يا رسول الله، فمن قالها في صحته؟ قال: تلك أوجب وأوجب. ثم قال: والذي نفسي بيده، لو جيء بالسماوات والأرض وما فيهن وما بينهن، وما تحتهن، فوضعن في كفة الميزان، ووضعت شهادة أن لا إله إلا الله في الكفة الأخرى، لرجحت بهن
قال كعب: غضبت الملائكة، واستعرت جهنم حين قالوا ما قالوا.
ثم قال تعالى جل ثناؤه: ﴿أَن دَعَوْا لِلرَّحْمَـٰنِ وَلَداً﴾. أي: من أجل أنهم جعلوا له ولداً.
قال أبو ذؤيب: "دعوا" بمعنى" جعلوا.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَمَا يَنبَغِي لِلرَّحْمَـٰنِ أَن يَتَّخِذَ وَلَداً﴾. أي ما يصلح له أن يتخذ ولداً، لأن كل ولد يشبه أباه، والله لا يشبهه شيء.
* *
ثم قال: ﴿إِن كُلُّ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ إِلاَّ آتِي ٱلرَّحْمَـٰنِ عَبْداً﴾.
أي: إلا هو عبد لله، خاضعاً، ذليلاً.
وهذه الآية تدل على أن الرجل لا يملك، ولده، فإذا صار إليه بشراء أو إرث أو هدية عتق عليه، إن شاء أو أبى.
ومعنى: ﴿وَمَا يَنبَغِي لِلرَّحْمَـٰنِ أَن يَتَّخِذَ وَلَداً﴾ أن الرحمن لا شبيه له، والولد يشبه والده ومن جنسه يكون. فلو كان له ولد لأشبهه، ولكان من جنسه، وهو لا شبيه له ولا مثل، فهذا أمر لا يتمكن، ولا ينبغي أن يكون، فهو مستحيل ممتنع سبحانه لا إله إلا هو.
* *
ثم قال: ﴿لَّقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدّاً﴾.
أي: علمهم، وعدهم أجمعين، فلا يخفى عليه مبلغ جميعهم ﴿وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ فَرْداً﴾. أي: جميع الخلائق يعرضون على الله يوم القيامة منفردين، لا ناصر لأحد منهم، فيقضي الله فيهم ما هو قاض.
ثم قال تعالى ذكره: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ ٱلرَّحْمَـٰنُ وُدّاً﴾.
أي: إن الذين صدقوا الله ورسله، وعملوا بما أمرهم، وانتهوا عما نهاهم، سيجعل لهم الرحمن في الدنيا في صدور عباده المؤمنين محبة، قاله ابن عباس.
وقال مجاهد: يحبهم ويحببهم إلى المؤمنين، وكذا قال ابن جبير عن ابن عباس.
وكان هرم بن حيان يقول: ما أقبل عبد بقلبه إلى الله عز وجل، إلا أقبل الله تعالى بقلوب المؤمنين إليه حتى يرزقه مودتهم ومحبتهم.
وكان عثمان بن عفان رضي الله عنه يقول: "ما من الناس أحد يبذل خيراً أو شراً، إلا كساه الله رداء عمله.
ويروى أن هذه الآية نزلت في عبد الرحمن بن عوف، وذلك أنه لما هاجر إلى المدينة، وجد في نفسه على فراق أصحابه بمكة، فأنزل الله جل وعز، الآية يعزّيه بها ويخبره أنه سيحدث له في قلوب المؤمنين الذين هاجر إليهم محبة.
وقيل: إن الله تعالى جعل [له] في قلوب المؤمنين محبة، فلا ترى مؤمناً إلا يحبه.
مريم 19:91
قوله تعالى ذكره: ﴿وَقَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱلرَّحْمَـٰنُ وَلَداً * لَّقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدّاً﴾ إلى قوله: ﴿سَيَجْعَلُ لَهُمُ ٱلرَّحْمَـٰنُ وُدّاً﴾.
معناه: وقال هؤلاء الكفار بالله: اتخذ الرحمن ولداً، فقال لهم جلّ ذكره: ﴿لَّقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدّاً﴾. أي: عظيماً. أي: قلتم قولاً عظيماً. قاله: ابن عباس ومجاهد وقتادة.
ويقال: أد واد واد على فاعل بمعنى واحد.
* *
ثم قال تعالى: ﴿تَكَادُ ٱلسَّمَٰوَٰتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ﴾.
أي: يتشققن مما قلتم.
﴿وَتَنشَقُّ ٱلأَرْضُ﴾ أي: تتصدع.
﴿وَتَخِرُّ ٱلْجِبَالُ هَدّاً﴾ أي: يسقط بعضها على بعض سقوطاً.
وقال ابن عباس: "هداً" هدماً.
والهد الأنقاض.
وقال ابن عباس: إن الشرك فزعت منه السماوات، والأرض، والجبال، وجميع الخلائق، إلا الثقلين، وكدن أن يزلن منه لعظمة الله. وكما لا ينفع مع الشرك إحسان المشرك كذلك نرجو أن يغفر الله ذنوب الموحدين مع التوحيد.
قال القرظي: لقد كاد عباد الله أن يقيموا علينا الساعة.
وقال النبي ﷺ: "لقنوا موتاكم شهادة أن لا إله إلا الله. من قالها عند موته وجبت له الجنة، قالوا: يا رسول الله، فمن قالها في صحته؟ قال: تلك أوجب وأوجب. ثم قال: والذي نفسي بيده، لو جيء بالسماوات والأرض وما فيهن وما بينهن، وما تحتهن، فوضعن في كفة الميزان، ووضعت شهادة أن لا إله إلا الله في الكفة الأخرى، لرجحت بهن
قال كعب: غضبت الملائكة، واستعرت جهنم حين قالوا ما قالوا.
ثم قال تعالى جل ثناؤه: ﴿أَن دَعَوْا لِلرَّحْمَـٰنِ وَلَداً﴾. أي: من أجل أنهم جعلوا له ولداً.
قال أبو ذؤيب: "دعوا" بمعنى" جعلوا.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَمَا يَنبَغِي لِلرَّحْمَـٰنِ أَن يَتَّخِذَ وَلَداً﴾. أي ما يصلح له أن يتخذ ولداً، لأن كل ولد يشبه أباه، والله لا يشبهه شيء.
* *
ثم قال: ﴿إِن كُلُّ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ إِلاَّ آتِي ٱلرَّحْمَـٰنِ عَبْداً﴾.
أي: إلا هو عبد لله، خاضعاً، ذليلاً.
وهذه الآية تدل على أن الرجل لا يملك، ولده، فإذا صار إليه بشراء أو إرث أو هدية عتق عليه، إن شاء أو أبى.
ومعنى: ﴿وَمَا يَنبَغِي لِلرَّحْمَـٰنِ أَن يَتَّخِذَ وَلَداً﴾ أن الرحمن لا شبيه له، والولد يشبه والده ومن جنسه يكون. فلو كان له ولد لأشبهه، ولكان من جنسه، وهو لا شبيه له ولا مثل، فهذا أمر لا يتمكن، ولا ينبغي أن يكون، فهو مستحيل ممتنع سبحانه لا إله إلا هو.
* *
ثم قال: ﴿لَّقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدّاً﴾.
أي: علمهم، وعدهم أجمعين، فلا يخفى عليه مبلغ جميعهم ﴿وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ فَرْداً﴾. أي: جميع الخلائق يعرضون على الله يوم القيامة منفردين، لا ناصر لأحد منهم، فيقضي الله فيهم ما هو قاض.
ثم قال تعالى ذكره: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ ٱلرَّحْمَـٰنُ وُدّاً﴾.
أي: إن الذين صدقوا الله ورسله، وعملوا بما أمرهم، وانتهوا عما نهاهم، سيجعل لهم الرحمن في الدنيا في صدور عباده المؤمنين محبة، قاله ابن عباس.
وقال مجاهد: يحبهم ويحببهم إلى المؤمنين، وكذا قال ابن جبير عن ابن عباس.
وكان هرم بن حيان يقول: ما أقبل عبد بقلبه إلى الله عز وجل، إلا أقبل الله تعالى بقلوب المؤمنين إليه حتى يرزقه مودتهم ومحبتهم.
وكان عثمان بن عفان رضي الله عنه يقول: "ما من الناس أحد يبذل خيراً أو شراً، إلا كساه الله رداء عمله.
ويروى أن هذه الآية نزلت في عبد الرحمن بن عوف، وذلك أنه لما هاجر إلى المدينة، وجد في نفسه على فراق أصحابه بمكة، فأنزل الله جل وعز، الآية يعزّيه بها ويخبره أنه سيحدث له في قلوب المؤمنين الذين هاجر إليهم محبة.
وقيل: إن الله تعالى جعل [له] في قلوب المؤمنين محبة، فلا ترى مؤمناً إلا يحبه.
مريم 19:92
قوله تعالى ذكره: ﴿وَقَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱلرَّحْمَـٰنُ وَلَداً * لَّقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدّاً﴾ إلى قوله: ﴿سَيَجْعَلُ لَهُمُ ٱلرَّحْمَـٰنُ وُدّاً﴾.
معناه: وقال هؤلاء الكفار بالله: اتخذ الرحمن ولداً، فقال لهم جلّ ذكره: ﴿لَّقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدّاً﴾. أي: عظيماً. أي: قلتم قولاً عظيماً. قاله: ابن عباس ومجاهد وقتادة.
ويقال: أد واد واد على فاعل بمعنى واحد.
* *
ثم قال تعالى: ﴿تَكَادُ ٱلسَّمَٰوَٰتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ﴾.
أي: يتشققن مما قلتم.
﴿وَتَنشَقُّ ٱلأَرْضُ﴾ أي: تتصدع.
﴿وَتَخِرُّ ٱلْجِبَالُ هَدّاً﴾ أي: يسقط بعضها على بعض سقوطاً.
وقال ابن عباس: "هداً" هدماً.
والهد الأنقاض.
وقال ابن عباس: إن الشرك فزعت منه السماوات، والأرض، والجبال، وجميع الخلائق، إلا الثقلين، وكدن أن يزلن منه لعظمة الله. وكما لا ينفع مع الشرك إحسان المشرك كذلك نرجو أن يغفر الله ذنوب الموحدين مع التوحيد.
قال القرظي: لقد كاد عباد الله أن يقيموا علينا الساعة.
وقال النبي ﷺ: "لقنوا موتاكم شهادة أن لا إله إلا الله. من قالها عند موته وجبت له الجنة، قالوا: يا رسول الله، فمن قالها في صحته؟ قال: تلك أوجب وأوجب. ثم قال: والذي نفسي بيده، لو جيء بالسماوات والأرض وما فيهن وما بينهن، وما تحتهن، فوضعن في كفة الميزان، ووضعت شهادة أن لا إله إلا الله في الكفة الأخرى، لرجحت بهن
قال كعب: غضبت الملائكة، واستعرت جهنم حين قالوا ما قالوا.
ثم قال تعالى جل ثناؤه: ﴿أَن دَعَوْا لِلرَّحْمَـٰنِ وَلَداً﴾. أي: من أجل أنهم جعلوا له ولداً.
قال أبو ذؤيب: "دعوا" بمعنى" جعلوا.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَمَا يَنبَغِي لِلرَّحْمَـٰنِ أَن يَتَّخِذَ وَلَداً﴾. أي ما يصلح له أن يتخذ ولداً، لأن كل ولد يشبه أباه، والله لا يشبهه شيء.
* *
ثم قال: ﴿إِن كُلُّ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ إِلاَّ آتِي ٱلرَّحْمَـٰنِ عَبْداً﴾.
أي: إلا هو عبد لله، خاضعاً، ذليلاً.
وهذه الآية تدل على أن الرجل لا يملك، ولده، فإذا صار إليه بشراء أو إرث أو هدية عتق عليه، إن شاء أو أبى.
ومعنى: ﴿وَمَا يَنبَغِي لِلرَّحْمَـٰنِ أَن يَتَّخِذَ وَلَداً﴾ أن الرحمن لا شبيه له، والولد يشبه والده ومن جنسه يكون. فلو كان له ولد لأشبهه، ولكان من جنسه، وهو لا شبيه له ولا مثل، فهذا أمر لا يتمكن، ولا ينبغي أن يكون، فهو مستحيل ممتنع سبحانه لا إله إلا هو.
* *
ثم قال: ﴿لَّقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدّاً﴾.
أي: علمهم، وعدهم أجمعين، فلا يخفى عليه مبلغ جميعهم ﴿وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ فَرْداً﴾. أي: جميع الخلائق يعرضون على الله يوم القيامة منفردين، لا ناصر لأحد منهم، فيقضي الله فيهم ما هو قاض.
ثم قال تعالى ذكره: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ ٱلرَّحْمَـٰنُ وُدّاً﴾.
أي: إن الذين صدقوا الله ورسله، وعملوا بما أمرهم، وانتهوا عما نهاهم، سيجعل لهم الرحمن في الدنيا في صدور عباده المؤمنين محبة، قاله ابن عباس.
وقال مجاهد: يحبهم ويحببهم إلى المؤمنين، وكذا قال ابن جبير عن ابن عباس.
وكان هرم بن حيان يقول: ما أقبل عبد بقلبه إلى الله عز وجل، إلا أقبل الله تعالى بقلوب المؤمنين إليه حتى يرزقه مودتهم ومحبتهم.
وكان عثمان بن عفان رضي الله عنه يقول: "ما من الناس أحد يبذل خيراً أو شراً، إلا كساه الله رداء عمله.
ويروى أن هذه الآية نزلت في عبد الرحمن بن عوف، وذلك أنه لما هاجر إلى المدينة، وجد في نفسه على فراق أصحابه بمكة، فأنزل الله جل وعز، الآية يعزّيه بها ويخبره أنه سيحدث له في قلوب المؤمنين الذين هاجر إليهم محبة.
وقيل: إن الله تعالى جعل [له] في قلوب المؤمنين محبة، فلا ترى مؤمناً إلا يحبه.
مريم 19:93
قوله تعالى ذكره: ﴿وَقَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱلرَّحْمَـٰنُ وَلَداً * لَّقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدّاً﴾ إلى قوله: ﴿سَيَجْعَلُ لَهُمُ ٱلرَّحْمَـٰنُ وُدّاً﴾.
معناه: وقال هؤلاء الكفار بالله: اتخذ الرحمن ولداً، فقال لهم جلّ ذكره: ﴿لَّقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدّاً﴾. أي: عظيماً. أي: قلتم قولاً عظيماً. قاله: ابن عباس ومجاهد وقتادة.
ويقال: أد واد واد على فاعل بمعنى واحد.
* *
ثم قال تعالى: ﴿تَكَادُ ٱلسَّمَٰوَٰتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ﴾.
أي: يتشققن مما قلتم.
﴿وَتَنشَقُّ ٱلأَرْضُ﴾ أي: تتصدع.
﴿وَتَخِرُّ ٱلْجِبَالُ هَدّاً﴾ أي: يسقط بعضها على بعض سقوطاً.
وقال ابن عباس: "هداً" هدماً.
والهد الأنقاض.
وقال ابن عباس: إن الشرك فزعت منه السماوات، والأرض، والجبال، وجميع الخلائق، إلا الثقلين، وكدن أن يزلن منه لعظمة الله. وكما لا ينفع مع الشرك إحسان المشرك كذلك نرجو أن يغفر الله ذنوب الموحدين مع التوحيد.
قال القرظي: لقد كاد عباد الله أن يقيموا علينا الساعة.
وقال النبي ﷺ: "لقنوا موتاكم شهادة أن لا إله إلا الله. من قالها عند موته وجبت له الجنة، قالوا: يا رسول الله، فمن قالها في صحته؟ قال: تلك أوجب وأوجب. ثم قال: والذي نفسي بيده، لو جيء بالسماوات والأرض وما فيهن وما بينهن، وما تحتهن، فوضعن في كفة الميزان، ووضعت شهادة أن لا إله إلا الله في الكفة الأخرى، لرجحت بهن
قال كعب: غضبت الملائكة، واستعرت جهنم حين قالوا ما قالوا.
ثم قال تعالى جل ثناؤه: ﴿أَن دَعَوْا لِلرَّحْمَـٰنِ وَلَداً﴾. أي: من أجل أنهم جعلوا له ولداً.
قال أبو ذؤيب: "دعوا" بمعنى" جعلوا.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَمَا يَنبَغِي لِلرَّحْمَـٰنِ أَن يَتَّخِذَ وَلَداً﴾. أي ما يصلح له أن يتخذ ولداً، لأن كل ولد يشبه أباه، والله لا يشبهه شيء.
* *
ثم قال: ﴿إِن كُلُّ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ إِلاَّ آتِي ٱلرَّحْمَـٰنِ عَبْداً﴾.
أي: إلا هو عبد لله، خاضعاً، ذليلاً.
وهذه الآية تدل على أن الرجل لا يملك، ولده، فإذا صار إليه بشراء أو إرث أو هدية عتق عليه، إن شاء أو أبى.
ومعنى: ﴿وَمَا يَنبَغِي لِلرَّحْمَـٰنِ أَن يَتَّخِذَ وَلَداً﴾ أن الرحمن لا شبيه له، والولد يشبه والده ومن جنسه يكون. فلو كان له ولد لأشبهه، ولكان من جنسه، وهو لا شبيه له ولا مثل، فهذا أمر لا يتمكن، ولا ينبغي أن يكون، فهو مستحيل ممتنع سبحانه لا إله إلا هو.
* *
ثم قال: ﴿لَّقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدّاً﴾.
أي: علمهم، وعدهم أجمعين، فلا يخفى عليه مبلغ جميعهم ﴿وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ فَرْداً﴾. أي: جميع الخلائق يعرضون على الله يوم القيامة منفردين، لا ناصر لأحد منهم، فيقضي الله فيهم ما هو قاض.
ثم قال تعالى ذكره: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ ٱلرَّحْمَـٰنُ وُدّاً﴾.
أي: إن الذين صدقوا الله ورسله، وعملوا بما أمرهم، وانتهوا عما نهاهم، سيجعل لهم الرحمن في الدنيا في صدور عباده المؤمنين محبة، قاله ابن عباس.
وقال مجاهد: يحبهم ويحببهم إلى المؤمنين، وكذا قال ابن جبير عن ابن عباس.
وكان هرم بن حيان يقول: ما أقبل عبد بقلبه إلى الله عز وجل، إلا أقبل الله تعالى بقلوب المؤمنين إليه حتى يرزقه مودتهم ومحبتهم.
وكان عثمان بن عفان رضي الله عنه يقول: "ما من الناس أحد يبذل خيراً أو شراً، إلا كساه الله رداء عمله.
ويروى أن هذه الآية نزلت في عبد الرحمن بن عوف، وذلك أنه لما هاجر إلى المدينة، وجد في نفسه على فراق أصحابه بمكة، فأنزل الله جل وعز، الآية يعزّيه بها ويخبره أنه سيحدث له في قلوب المؤمنين الذين هاجر إليهم محبة.
وقيل: إن الله تعالى جعل [له] في قلوب المؤمنين محبة، فلا ترى مؤمناً إلا يحبه.
مريم 19:94
قوله تعالى ذكره: ﴿وَقَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱلرَّحْمَـٰنُ وَلَداً * لَّقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدّاً﴾ إلى قوله: ﴿سَيَجْعَلُ لَهُمُ ٱلرَّحْمَـٰنُ وُدّاً﴾.
معناه: وقال هؤلاء الكفار بالله: اتخذ الرحمن ولداً، فقال لهم جلّ ذكره: ﴿لَّقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدّاً﴾. أي: عظيماً. أي: قلتم قولاً عظيماً. قاله: ابن عباس ومجاهد وقتادة.
ويقال: أد واد واد على فاعل بمعنى واحد.
* *
ثم قال تعالى: ﴿تَكَادُ ٱلسَّمَٰوَٰتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ﴾.
أي: يتشققن مما قلتم.
﴿وَتَنشَقُّ ٱلأَرْضُ﴾ أي: تتصدع.
﴿وَتَخِرُّ ٱلْجِبَالُ هَدّاً﴾ أي: يسقط بعضها على بعض سقوطاً.
وقال ابن عباس: "هداً" هدماً.
والهد الأنقاض.
وقال ابن عباس: إن الشرك فزعت منه السماوات، والأرض، والجبال، وجميع الخلائق، إلا الثقلين، وكدن أن يزلن منه لعظمة الله. وكما لا ينفع مع الشرك إحسان المشرك كذلك نرجو أن يغفر الله ذنوب الموحدين مع التوحيد.
قال القرظي: لقد كاد عباد الله أن يقيموا علينا الساعة.
وقال النبي ﷺ: "لقنوا موتاكم شهادة أن لا إله إلا الله. من قالها عند موته وجبت له الجنة، قالوا: يا رسول الله، فمن قالها في صحته؟ قال: تلك أوجب وأوجب. ثم قال: والذي نفسي بيده، لو جيء بالسماوات والأرض وما فيهن وما بينهن، وما تحتهن، فوضعن في كفة الميزان، ووضعت شهادة أن لا إله إلا الله في الكفة الأخرى، لرجحت بهن
قال كعب: غضبت الملائكة، واستعرت جهنم حين قالوا ما قالوا.
ثم قال تعالى جل ثناؤه: ﴿أَن دَعَوْا لِلرَّحْمَـٰنِ وَلَداً﴾. أي: من أجل أنهم جعلوا له ولداً.
قال أبو ذؤيب: "دعوا" بمعنى" جعلوا.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَمَا يَنبَغِي لِلرَّحْمَـٰنِ أَن يَتَّخِذَ وَلَداً﴾. أي ما يصلح له أن يتخذ ولداً، لأن كل ولد يشبه أباه، والله لا يشبهه شيء.
* *
ثم قال: ﴿إِن كُلُّ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ إِلاَّ آتِي ٱلرَّحْمَـٰنِ عَبْداً﴾.
أي: إلا هو عبد لله، خاضعاً، ذليلاً.
وهذه الآية تدل على أن الرجل لا يملك، ولده، فإذا صار إليه بشراء أو إرث أو هدية عتق عليه، إن شاء أو أبى.
ومعنى: ﴿وَمَا يَنبَغِي لِلرَّحْمَـٰنِ أَن يَتَّخِذَ وَلَداً﴾ أن الرحمن لا شبيه له، والولد يشبه والده ومن جنسه يكون. فلو كان له ولد لأشبهه، ولكان من جنسه، وهو لا شبيه له ولا مثل، فهذا أمر لا يتمكن، ولا ينبغي أن يكون، فهو مستحيل ممتنع سبحانه لا إله إلا هو.
* *
ثم قال: ﴿لَّقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدّاً﴾.
أي: علمهم، وعدهم أجمعين، فلا يخفى عليه مبلغ جميعهم ﴿وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ فَرْداً﴾. أي: جميع الخلائق يعرضون على الله يوم القيامة منفردين، لا ناصر لأحد منهم، فيقضي الله فيهم ما هو قاض.
ثم قال تعالى ذكره: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ ٱلرَّحْمَـٰنُ وُدّاً﴾.
أي: إن الذين صدقوا الله ورسله، وعملوا بما أمرهم، وانتهوا عما نهاهم، سيجعل لهم الرحمن في الدنيا في صدور عباده المؤمنين محبة، قاله ابن عباس.
وقال مجاهد: يحبهم ويحببهم إلى المؤمنين، وكذا قال ابن جبير عن ابن عباس.
وكان هرم بن حيان يقول: ما أقبل عبد بقلبه إلى الله عز وجل، إلا أقبل الله تعالى بقلوب المؤمنين إليه حتى يرزقه مودتهم ومحبتهم.
وكان عثمان بن عفان رضي الله عنه يقول: "ما من الناس أحد يبذل خيراً أو شراً، إلا كساه الله رداء عمله.
ويروى أن هذه الآية نزلت في عبد الرحمن بن عوف، وذلك أنه لما هاجر إلى المدينة، وجد في نفسه على فراق أصحابه بمكة، فأنزل الله جل وعز، الآية يعزّيه بها ويخبره أنه سيحدث له في قلوب المؤمنين الذين هاجر إليهم محبة.
وقيل: إن الله تعالى جعل [له] في قلوب المؤمنين محبة، فلا ترى مؤمناً إلا يحبه.
مريم 19:95
قوله تعالى ذكره: ﴿وَقَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱلرَّحْمَـٰنُ وَلَداً * لَّقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدّاً﴾ إلى قوله: ﴿سَيَجْعَلُ لَهُمُ ٱلرَّحْمَـٰنُ وُدّاً﴾.
معناه: وقال هؤلاء الكفار بالله: اتخذ الرحمن ولداً، فقال لهم جلّ ذكره: ﴿لَّقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدّاً﴾. أي: عظيماً. أي: قلتم قولاً عظيماً. قاله: ابن عباس ومجاهد وقتادة.
ويقال: أد واد واد على فاعل بمعنى واحد.
* *
ثم قال تعالى: ﴿تَكَادُ ٱلسَّمَٰوَٰتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ﴾.
أي: يتشققن مما قلتم.
﴿وَتَنشَقُّ ٱلأَرْضُ﴾ أي: تتصدع.
﴿وَتَخِرُّ ٱلْجِبَالُ هَدّاً﴾ أي: يسقط بعضها على بعض سقوطاً.
وقال ابن عباس: "هداً" هدماً.
والهد الأنقاض.
وقال ابن عباس: إن الشرك فزعت منه السماوات، والأرض، والجبال، وجميع الخلائق، إلا الثقلين، وكدن أن يزلن منه لعظمة الله. وكما لا ينفع مع الشرك إحسان المشرك كذلك نرجو أن يغفر الله ذنوب الموحدين مع التوحيد.
قال القرظي: لقد كاد عباد الله أن يقيموا علينا الساعة.
وقال النبي ﷺ: "لقنوا موتاكم شهادة أن لا إله إلا الله. من قالها عند موته وجبت له الجنة، قالوا: يا رسول الله، فمن قالها في صحته؟ قال: تلك أوجب وأوجب. ثم قال: والذي نفسي بيده، لو جيء بالسماوات والأرض وما فيهن وما بينهن، وما تحتهن، فوضعن في كفة الميزان، ووضعت شهادة أن لا إله إلا الله في الكفة الأخرى، لرجحت بهن
قال كعب: غضبت الملائكة، واستعرت جهنم حين قالوا ما قالوا.
ثم قال تعالى جل ثناؤه: ﴿أَن دَعَوْا لِلرَّحْمَـٰنِ وَلَداً﴾. أي: من أجل أنهم جعلوا له ولداً.
قال أبو ذؤيب: "دعوا" بمعنى" جعلوا.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَمَا يَنبَغِي لِلرَّحْمَـٰنِ أَن يَتَّخِذَ وَلَداً﴾. أي ما يصلح له أن يتخذ ولداً، لأن كل ولد يشبه أباه، والله لا يشبهه شيء.
* *
ثم قال: ﴿إِن كُلُّ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ إِلاَّ آتِي ٱلرَّحْمَـٰنِ عَبْداً﴾.
أي: إلا هو عبد لله، خاضعاً، ذليلاً.
وهذه الآية تدل على أن الرجل لا يملك، ولده، فإذا صار إليه بشراء أو إرث أو هدية عتق عليه، إن شاء أو أبى.
ومعنى: ﴿وَمَا يَنبَغِي لِلرَّحْمَـٰنِ أَن يَتَّخِذَ وَلَداً﴾ أن الرحمن لا شبيه له، والولد يشبه والده ومن جنسه يكون. فلو كان له ولد لأشبهه، ولكان من جنسه، وهو لا شبيه له ولا مثل، فهذا أمر لا يتمكن، ولا ينبغي أن يكون، فهو مستحيل ممتنع سبحانه لا إله إلا هو.
* *
ثم قال: ﴿لَّقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدّاً﴾.
أي: علمهم، وعدهم أجمعين، فلا يخفى عليه مبلغ جميعهم ﴿وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ فَرْداً﴾. أي: جميع الخلائق يعرضون على الله يوم القيامة منفردين، لا ناصر لأحد منهم، فيقضي الله فيهم ما هو قاض.
ثم قال تعالى ذكره: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ ٱلرَّحْمَـٰنُ وُدّاً﴾.
أي: إن الذين صدقوا الله ورسله، وعملوا بما أمرهم، وانتهوا عما نهاهم، سيجعل لهم الرحمن في الدنيا في صدور عباده المؤمنين محبة، قاله ابن عباس.
وقال مجاهد: يحبهم ويحببهم إلى المؤمنين، وكذا قال ابن جبير عن ابن عباس.
وكان هرم بن حيان يقول: ما أقبل عبد بقلبه إلى الله عز وجل، إلا أقبل الله تعالى بقلوب المؤمنين إليه حتى يرزقه مودتهم ومحبتهم.
وكان عثمان بن عفان رضي الله عنه يقول: "ما من الناس أحد يبذل خيراً أو شراً، إلا كساه الله رداء عمله.
ويروى أن هذه الآية نزلت في عبد الرحمن بن عوف، وذلك أنه لما هاجر إلى المدينة، وجد في نفسه على فراق أصحابه بمكة، فأنزل الله جل وعز، الآية يعزّيه بها ويخبره أنه سيحدث له في قلوب المؤمنين الذين هاجر إليهم محبة.
وقيل: إن الله تعالى جعل [له] في قلوب المؤمنين محبة، فلا ترى مؤمناً إلا يحبه.
مريم 19:96
قوله تعالى ذكره: ﴿وَقَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱلرَّحْمَـٰنُ وَلَداً * لَّقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدّاً﴾ إلى قوله: ﴿سَيَجْعَلُ لَهُمُ ٱلرَّحْمَـٰنُ وُدّاً﴾.
معناه: وقال هؤلاء الكفار بالله: اتخذ الرحمن ولداً، فقال لهم جلّ ذكره: ﴿لَّقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدّاً﴾. أي: عظيماً. أي: قلتم قولاً عظيماً. قاله: ابن عباس ومجاهد وقتادة.
ويقال: أد واد واد على فاعل بمعنى واحد.
* *
ثم قال تعالى: ﴿تَكَادُ ٱلسَّمَٰوَٰتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ﴾.
أي: يتشققن مما قلتم.
﴿وَتَنشَقُّ ٱلأَرْضُ﴾ أي: تتصدع.
﴿وَتَخِرُّ ٱلْجِبَالُ هَدّاً﴾ أي: يسقط بعضها على بعض سقوطاً.
وقال ابن عباس: "هداً" هدماً.
والهد الأنقاض.
وقال ابن عباس: إن الشرك فزعت منه السماوات، والأرض، والجبال، وجميع الخلائق، إلا الثقلين، وكدن أن يزلن منه لعظمة الله. وكما لا ينفع مع الشرك إحسان المشرك كذلك نرجو أن يغفر الله ذنوب الموحدين مع التوحيد.
قال القرظي: لقد كاد عباد الله أن يقيموا علينا الساعة.
وقال النبي ﷺ: "لقنوا موتاكم شهادة أن لا إله إلا الله. من قالها عند موته وجبت له الجنة، قالوا: يا رسول الله، فمن قالها في صحته؟ قال: تلك أوجب وأوجب. ثم قال: والذي نفسي بيده، لو جيء بالسماوات والأرض وما فيهن وما بينهن، وما تحتهن، فوضعن في كفة الميزان، ووضعت شهادة أن لا إله إلا الله في الكفة الأخرى، لرجحت بهن
قال كعب: غضبت الملائكة، واستعرت جهنم حين قالوا ما قالوا.
ثم قال تعالى جل ثناؤه: ﴿أَن دَعَوْا لِلرَّحْمَـٰنِ وَلَداً﴾. أي: من أجل أنهم جعلوا له ولداً.
قال أبو ذؤيب: "دعوا" بمعنى" جعلوا.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَمَا يَنبَغِي لِلرَّحْمَـٰنِ أَن يَتَّخِذَ وَلَداً﴾. أي ما يصلح له أن يتخذ ولداً، لأن كل ولد يشبه أباه، والله لا يشبهه شيء.
* *
ثم قال: ﴿إِن كُلُّ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ إِلاَّ آتِي ٱلرَّحْمَـٰنِ عَبْداً﴾.
أي: إلا هو عبد لله، خاضعاً، ذليلاً.
وهذه الآية تدل على أن الرجل لا يملك، ولده، فإذا صار إليه بشراء أو إرث أو هدية عتق عليه، إن شاء أو أبى.
ومعنى: ﴿وَمَا يَنبَغِي لِلرَّحْمَـٰنِ أَن يَتَّخِذَ وَلَداً﴾ أن الرحمن لا شبيه له، والولد يشبه والده ومن جنسه يكون. فلو كان له ولد لأشبهه، ولكان من جنسه، وهو لا شبيه له ولا مثل، فهذا أمر لا يتمكن، ولا ينبغي أن يكون، فهو مستحيل ممتنع سبحانه لا إله إلا هو.
* *
ثم قال: ﴿لَّقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدّاً﴾.
أي: علمهم، وعدهم أجمعين، فلا يخفى عليه مبلغ جميعهم ﴿وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ فَرْداً﴾. أي: جميع الخلائق يعرضون على الله يوم القيامة منفردين، لا ناصر لأحد منهم، فيقضي الله فيهم ما هو قاض.
ثم قال تعالى ذكره: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ ٱلرَّحْمَـٰنُ وُدّاً﴾.
أي: إن الذين صدقوا الله ورسله، وعملوا بما أمرهم، وانتهوا عما نهاهم، سيجعل لهم الرحمن في الدنيا في صدور عباده المؤمنين محبة، قاله ابن عباس.
وقال مجاهد: يحبهم ويحببهم إلى المؤمنين، وكذا قال ابن جبير عن ابن عباس.
وكان هرم بن حيان يقول: ما أقبل عبد بقلبه إلى الله عز وجل، إلا أقبل الله تعالى بقلوب المؤمنين إليه حتى يرزقه مودتهم ومحبتهم.
وكان عثمان بن عفان رضي الله عنه يقول: "ما من الناس أحد يبذل خيراً أو شراً، إلا كساه الله رداء عمله.
ويروى أن هذه الآية نزلت في عبد الرحمن بن عوف، وذلك أنه لما هاجر إلى المدينة، وجد في نفسه على فراق أصحابه بمكة، فأنزل الله جل وعز، الآية يعزّيه بها ويخبره أنه سيحدث له في قلوب المؤمنين الذين هاجر إليهم محبة.
وقيل: إن الله تعالى جعل [له] في قلوب المؤمنين محبة، فلا ترى مؤمناً إلا يحبه.
مريم 19:97
قوله تعالى ذكره: ﴿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ﴾ إلى آخر السورة.
أي: فإنما سهلنا يا محمد، هذا القرآن بلسانك، وبلغتك لتبشر به من آمن وتنذر من كفر من قومك.
ومعنى: ﴿قَوْماً لُّدّاً﴾ أي: أشداء في الخصومة، لا يقبلون الحق.
قال ابن عباس: "قَوْماً لُدّاً" أي: ظلمة.
وقال أبو صالح: لداً: عوجاً عن الحق.
وقال مجاهد: اللّد": الظالم الذي لا يستقيم.
وقال قتادة: "لداً" جدلاً بالباطل.
وقال حسن: "لدا" صماً.
وقال أبو عبيدة: "اللّد" الذي لا يقبل الحق، ويدعي الباطل.
وعن مجاهد: "قوماً لداً" فجاراً.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِّن قَرْنٍ﴾. أي: وكثير من القرون أهلكنا قبل هؤلاء المشركين، بسلوكهم مسلك قومك في الكفر والخصومة في الدين.
* *
﴿تُحِسُّ مِنْهُمْ مِّنْ أَحَدٍ﴾.
أي: هل ترى منهم من أحد أو تعاينه ﴿أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزاً﴾. أي: صوتاً. بل بادوا وهلكوا، ولقوا ما عملوا، وكذلك، قومك يا محمد صائرون إلى ما صار إليه أولئك، إن ماتوا على ما هم عليه من الكفر، يقال: أحسست فلاناً: أبصرته، وحسسته أحسه قتلته.
قال قتادة: معناه: هل ترى عيناً أو تسمع صوتاً.
والرِكْز في كلام العرب الصوت الخفي.
مريم 19:98
قوله تعالى ذكره: ﴿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ﴾ إلى آخر السورة.
أي: فإنما سهلنا يا محمد، هذا القرآن بلسانك، وبلغتك لتبشر به من آمن وتنذر من كفر من قومك.
ومعنى: ﴿قَوْماً لُّدّاً﴾ أي: أشداء في الخصومة، لا يقبلون الحق.
قال ابن عباس: "قَوْماً لُدّاً" أي: ظلمة.
وقال أبو صالح: لداً: عوجاً عن الحق.
وقال مجاهد: اللّد": الظالم الذي لا يستقيم.
وقال قتادة: "لداً" جدلاً بالباطل.
وقال حسن: "لدا" صماً.
وقال أبو عبيدة: "اللّد" الذي لا يقبل الحق، ويدعي الباطل.
وعن مجاهد: "قوماً لداً" فجاراً.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِّن قَرْنٍ﴾. أي: وكثير من القرون أهلكنا قبل هؤلاء المشركين، بسلوكهم مسلك قومك في الكفر والخصومة في الدين.
* *
﴿تُحِسُّ مِنْهُمْ مِّنْ أَحَدٍ﴾.
أي: هل ترى منهم من أحد أو تعاينه ﴿أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزاً﴾. أي: صوتاً. بل بادوا وهلكوا، ولقوا ما عملوا، وكذلك، قومك يا محمد صائرون إلى ما صار إليه أولئك، إن ماتوا على ما هم عليه من الكفر، يقال: أحسست فلاناً: أبصرته، وحسسته أحسه قتلته.
قال قتادة: معناه: هل ترى عيناً أو تسمع صوتاً.
والرِكْز في كلام العرب الصوت الخفي.
طه 20:1
قوله تعالى ذكره: ﴿طه * مَآ أَنَزَلْنَا﴾ إلى قوله: ﴿وَمَا تَحْتَ ٱلثَّرَىٰ﴾.
قد قدمت علة الإمالة في هذه الحروف في أول "مريم".
وأتى أول هذه السورة على غير ترتيب أوائل السور، لأن جميع أوائل السور يحتمل أن يكون ما بعدها خبراً لها، ولا يجوز أن يكون ما بعد "طه" خبراً لها، لأنه نفي، فلذلك تأولوه بمعنى "يا رجل" و "يا إنسان".
وقيل: هو أمر من وطيء.
وروي عن بعضهم أنه قرأ "طه" بإسكان الهاء. وهي قراءة مروية عن الحسن وعكرمة، وفيها تقديران أحدهما أنه أراد الأمر من وطيء. أي: طأ الأرض. ولكن أبدل من الهمزة هاء، كما قالوا: إياك وهياك.
وقيل: إنه أبدل من الهمزة ألفاً، ثم حذف الألف لدلالة الفتح عليها، وأتى بهاء للسكت.
وقيل: الهاء هاء الكناية عن المكان. أي: طأ يا محمد المكان الذي تصلي فيه برجليك، ولا تقف على رجل واحدة فتتعب. ودل على هذا المعنى قوله: ﴿مَآ أَنَزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْقُرْآنَ لِتَشْقَىٰ﴾ فأسكنت هاء الكناية على نية الوقف، أو على التشبيه بهاء السكت.
وقد قيل: إن الهاء في قراءة الجماعة تعود على الأرض، أي: طأ الأرض يا محمد برجليك في صلاتك، والألف في طأ بدل من همزة ساكنة.
ومن قرأ "طه" بحذف الألف، وإسكان الهاء فهو أمر بالوطء لكنه أبدل من الهمزة ألفاً قبل الأمر، ثم حذف الألف للأمر، والهاء تعود على المكان على ما ذكرنا، أو هي هاء سكت كما ذكرنا، أو هي بدل من همزة ساكنة على ما قدمنا، فهذه ثلاثة أقوال في الهاء في قراءة من قرأ "طه" بحذف الألف، وإسكان الهاء، وروي عن النبي ﷺ أنه قال: "لي عند ربي جلّ وعزّ عشرة أسماء""فذكر أن منها "طه" و "يس" إسمان له.
قال ابن عباس: "طه" بالنبطية: يا رجل. وهو قول الضحاك.
وقال أبو صالح: هي بالنبطية أيطأ.
وقال ابن جبير: هي بالنبطية أيطه: أي يا رجل.
وقال ابن جبير: طه بالسريانية: يا رجل. وهو قول قتادة.
وقال عكرمة: "طه" بالنبطية: يا إنسان.
وعن ابن عباس: أنه اسم من أسماء الله تعالى أقسم [الله به].
وهذه الآية نزلت فيما كان النبي ﷺ يصنعه من السهر والتعب والقيام بالليل.
قال الضحاك: كانوا يقومون حتى تتشقق، أقدامهم، فقال المشركون: ما نزل هذا القرآن إلا للشقاء، فأنزل الله تعالى ذكره: ﴿مَآ أَنَزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْقُرْآنَ لِتَشْقَىٰ﴾ ﴿إِلاَّ تَذْكِرَةً لِّمَن يَخْشَىٰ﴾.
أي: ما أنزلناه إلا تذكرة لمن يخشى.
وقيل: كان النبي ﷺ يتعب في صلاته، ويقف على رجل واحدة، فأنزل الله: ﴿مَآ أَنَزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْقُرْآنَ لِتَشْقَىٰ﴾.
قال مجاهد: هذا في الصلاة. قال: هي مثل قوله تعالى: ﴿فَٱقْرَءُواْ مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ [المزمل: ٢٠].
قال قتادة: "أنزل الله كتابه، وبعث رسوله رحمة، رحم بها الله العباد، ليتذكروا، وينتفع رجل بما سمع منه.
ونصب تذكرة على البدل من "لتشقى".
وقيل: هي مفعول من أجله.
وقيل" نصبها على المصدر.
وقال الكوفيون: هي تكرير.
وقيل: من حروف الهجاء.
وقيل: هي حروف مقطعة، يدل كل حرف منها على معنى، وقد تقدم ذكر ذلك.
وقال الطبري: "طه": يا رجل، لغة معروفة في عك. قال الشاعر:
؎ هَتَفْتُ بِطَهَ فِي الْقِتَالِ فَلَمْ يُجِبْ ∗∗∗ فَخِفْتُ عَلَيْهِ أنْ يَكُونَ مُوائِلاَ
وقال آخر:
؎ إنَّ السَّفاهَةَ طَهَ مِنْ خَلائِقِكُمْ ∗∗∗ لا بارَكَ اللهُ في الْقَوْمِ الملاَعِينِ
والتقدير على هذا: يا رجل، ما أنزلن عليك القرآن لتشقى بإنزاله عليك. ولا يوقف على "طه" على هذا القول، لأن النداء تنبيه على ما بعده. ومن جعلها افتتاحاً وقف عليها، وهو مذهب أبي حاتم.
ثم ابتدأ فخاطب النبي ﷺ بقوله: ﴿مَآ أَنَزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْقُرْآنَ لِتَشْقَىٰ﴾ وكذلك لا يقف عليها على قول من جعلها قسماً، لأن القسم يحتاج إلى جواب، وجوابه: ﴿مَآ أَنَزَلْنَا﴾.
وأجاز أبو حاتم الوقف على "طا" ويبتدئ ها. وليس عليه عمل عند أهل النقل من المقرئين.
وقيل: تقدير الكلام: ما أنزلنا عليك القرآن إلا تذكرة، لا لتشقى.
* *
ثم قال تعالى: ﴿تَنزِيلاً مِّمَّنْ خَلَقَ ٱلأَرْضَ وَٱلسَّمَٰوَٰتِ ٱلْعُلَى﴾.
أي: نزلناه تنزيلاً من الله الذي خلق الأرض والسماوات العلى. "والعلى" جمع "علياً": كالفضلى. والفضل.
* *
ثم قال: ﴿ٱلرَّحْمَـٰنُ عَلَى ٱلْعَرْشِ ٱسْتَوَىٰ﴾.
أي: على عرشه، ارتفع وعلا.
قال أبو عبيدة: استوى: علا.
وقال القتبي: استقر.
وقيل: معناه: استولى.
وأحسن الأقوال في هذه "علا" والذي يعتقده أهل السنة، ويقولونه في هذا: إن الله جلّ ذكره، سماواته على عرشه دون أرضه وأنه في كل مكان بعلمه، وله تعالى ذكره كرسي وسع السماوات والأرض كما قال جل ذكره. وكذلك ذكر شيخنا أبو محمد بن أبي زيد رحمه الله.
وقد سأل رجل مالكاً عن هذا، فقال له: كيف استوى؟ فاحمرت وجنتا مالك، وطأطأ رأسه، ثم رفع رأسه فقال: الاستواء منه غير مجهول، والكيف منه غير معقول، والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة، وإني أخاف أن يكون ضالاً. أخرجوه، فأخرج، فناداه الرجل، يا أبا عبد الله، والله الذي لا إله غيره، لقد سألت عن هذه المسألة أهل البصرة، وأهل الكوفة، وأهل العراق، إلى أن وردت عليك، فلم أجد أحداً وفق لما وفقت له.
وروي أن خباب بن الأرت قرأ "طه" على عمر بن الخطاب إلى قوله: "فتردى" فأسلم عمر عند ذلك.
و "العلى" تمام إن رفعت "الرحمن على الابتداء، أو على إضمار مبتدأ، فإن جهلته بدلاً من الضمير في "خلق" لم تقف عليه.
و "استوى" تمام إن جعلت "الرحمن" بدلاً من الضمير في "خلق" أو على إضمار مبتدأ، فإن جعلت "له ما في السماوات" في موضع خبر الرحمن، لم تقف على استوى.
* *
ثم قال: ﴿لَهُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾.
أي: هو يملك ذلك كله ويدبره .
* *
وقوله: ﴿وَمَا تَحْتَ ٱلثَّرَىٰ﴾: الثرى: التراب المبتل الندي يعني: وما تحت الأرضين السبع.
وقال محمد بن كعب: الثرى: سبع أرضين.
وقال ابن عباس: الأرض على نون، ونون على البحر، والبحر على صخرة وهي الصخرة التي ذكر الله تعالى في قوله: ﴿فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ﴾ [لقمان: ١٦] والصخرة على قرن ثور، والثور على الثرى، وما يعلم ما تحت الثرى إلا الله.
وروي عن وهب بن منبه أنه قال: على وجه الأرض سبعة أبحر والأرضين سبعة بين كل أرضين بحر، فالبحر الأسفل مطبق على شفير جهنم، ولولا عظم ذلك البحر، وكثرة مائة وبرده، لأحرقت جهنم كل شيء فوقها. قال: وجهنم على متن الريح ومتن الريح على حجاب من ظلمة لا يعلم غلظه إلا الله، وذلك الحجاب على الثرى، وإلى الثرى انتهى علم الخلائق، لا يعلم ما تحت الثرى إلا الله.
وقال الضحاك: الأرض السابعة على الحوت، والحوت على الماء، والماء على الصخرة، والصخرة على قرن ثور، والثور على الثرى، ولا يعلم ما تحت الثرى إلا الله.
وسئل كعب ما تحت الأرض؟ قال ماء، قيل: فما تحت الماء؟ قال أرض. قيل فما تحت الأرض؟ قال: ماء، حتى بلغ سبع أرضين. قيل: له: فما تحت الأرض السابعة. قال: ماء. قيل فما تحت الماء. قال صخرة، قيل فما تحت الصخرة؟ قال: هي على منكب ملك. قيل: فما تحت الملك؟ قال: هو قائم على وسط حوت معلق طرفاه بالعرش. قيل له: فما تحت الحوت قال: هواء وظلمات وانقطع العلم.
وروى ابن وهب عن رجاله أن كعب الأحبار قال: إن إبليس يقلقل للحوت الذي على ظهره الأرض كلها. قال: فألقى في قلبه. فقال: هل تدري ما على ظهرك يا لوبيا من الأمم والشجر والدواب والناس والجبال، لو هضتهم فألقيتهم عن ظهرك كلهم. قال: فهم لوبيا بفعل ذلك، فبعث الله تعالى دابة، فدخلت في منخره حتى دخلت في دماغه فعج إلى الله منها، فخرجت. قال: وكان كعب يقول: والذي نفسي بيده، إنه لينظر إليها، بين يديه وتنظر إليه، إن همَّ بشيء من ذلك عادت حيث كانت.
وروى عاصم عن زر عن ابن مسعود أنه قال: ما بين سماء الدنيا والتي تليها مسيرة خمس مائة عام، وما بين سماء إلى سماء مسيرة خمس مائة عام، وما بين السماء السابعة والكرسي خمسة مائة عام، وما بين الكرسي وبين الماء مسيرة خمس مائة عام، والعرش فوق ذلك، والله جل ذكره فوق العرش.
وعن ابن عباس: أيضاً أنه قال: حملة العرش ما بين كعب أحدهم إلى أسفل قدميه مسيرة خمس مائة عام، وذكر أن خطوة ملك الموت ما بين المشرق إلى المغرب.
طه 20:2
قوله تعالى ذكره: ﴿طه * مَآ أَنَزَلْنَا﴾ إلى قوله: ﴿وَمَا تَحْتَ ٱلثَّرَىٰ﴾.
قد قدمت علة الإمالة في هذه الحروف في أول "مريم".
وأتى أول هذه السورة على غير ترتيب أوائل السور، لأن جميع أوائل السور يحتمل أن يكون ما بعدها خبراً لها، ولا يجوز أن يكون ما بعد "طه" خبراً لها، لأنه نفي، فلذلك تأولوه بمعنى "يا رجل" و "يا إنسان".
وقيل: هو أمر من وطيء.
وروي عن بعضهم أنه قرأ "طه" بإسكان الهاء. وهي قراءة مروية عن الحسن وعكرمة، وفيها تقديران أحدهما أنه أراد الأمر من وطيء. أي: طأ الأرض. ولكن أبدل من الهمزة هاء، كما قالوا: إياك وهياك.
وقيل: إنه أبدل من الهمزة ألفاً، ثم حذف الألف لدلالة الفتح عليها، وأتى بهاء للسكت.
وقيل: الهاء هاء الكناية عن المكان. أي: طأ يا محمد المكان الذي تصلي فيه برجليك، ولا تقف على رجل واحدة فتتعب. ودل على هذا المعنى قوله: ﴿مَآ أَنَزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْقُرْآنَ لِتَشْقَىٰ﴾ فأسكنت هاء الكناية على نية الوقف، أو على التشبيه بهاء السكت.
وقد قيل: إن الهاء في قراءة الجماعة تعود على الأرض، أي: طأ الأرض يا محمد برجليك في صلاتك، والألف في طأ بدل من همزة ساكنة.
ومن قرأ "طه" بحذف الألف، وإسكان الهاء فهو أمر بالوطء لكنه أبدل من الهمزة ألفاً قبل الأمر، ثم حذف الألف للأمر، والهاء تعود على المكان على ما ذكرنا، أو هي هاء سكت كما ذكرنا، أو هي بدل من همزة ساكنة على ما قدمنا، فهذه ثلاثة أقوال في الهاء في قراءة من قرأ "طه" بحذف الألف، وإسكان الهاء، وروي عن النبي ﷺ أنه قال: "لي عند ربي جلّ وعزّ عشرة أسماء""فذكر أن منها "طه" و "يس" إسمان له.
قال ابن عباس: "طه" بالنبطية: يا رجل. وهو قول الضحاك.
وقال أبو صالح: هي بالنبطية أيطأ.
وقال ابن جبير: هي بالنبطية أيطه: أي يا رجل.
وقال ابن جبير: طه بالسريانية: يا رجل. وهو قول قتادة.
وقال عكرمة: "طه" بالنبطية: يا إنسان.
وعن ابن عباس: أنه اسم من أسماء الله تعالى أقسم [الله به].
وهذه الآية نزلت فيما كان النبي ﷺ يصنعه من السهر والتعب والقيام بالليل.
قال الضحاك: كانوا يقومون حتى تتشقق، أقدامهم، فقال المشركون: ما نزل هذا القرآن إلا للشقاء، فأنزل الله تعالى ذكره: ﴿مَآ أَنَزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْقُرْآنَ لِتَشْقَىٰ﴾ ﴿إِلاَّ تَذْكِرَةً لِّمَن يَخْشَىٰ﴾.
أي: ما أنزلناه إلا تذكرة لمن يخشى.
وقيل: كان النبي ﷺ يتعب في صلاته، ويقف على رجل واحدة، فأنزل الله: ﴿مَآ أَنَزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْقُرْآنَ لِتَشْقَىٰ﴾.
قال مجاهد: هذا في الصلاة. قال: هي مثل قوله تعالى: ﴿فَٱقْرَءُواْ مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ [المزمل: ٢٠].
قال قتادة: "أنزل الله كتابه، وبعث رسوله رحمة، رحم بها الله العباد، ليتذكروا، وينتفع رجل بما سمع منه.
ونصب تذكرة على البدل من "لتشقى".
وقيل: هي مفعول من أجله.
وقيل" نصبها على المصدر.
وقال الكوفيون: هي تكرير.
وقيل: من حروف الهجاء.
وقيل: هي حروف مقطعة، يدل كل حرف منها على معنى، وقد تقدم ذكر ذلك.
وقال الطبري: "طه": يا رجل، لغة معروفة في عك. قال الشاعر:
؎ هَتَفْتُ بِطَهَ فِي الْقِتَالِ فَلَمْ يُجِبْ ∗∗∗ فَخِفْتُ عَلَيْهِ أنْ يَكُونَ مُوائِلاَ
وقال آخر:
؎ إنَّ السَّفاهَةَ طَهَ مِنْ خَلائِقِكُمْ ∗∗∗ لا بارَكَ اللهُ في الْقَوْمِ الملاَعِينِ
والتقدير على هذا: يا رجل، ما أنزلن عليك القرآن لتشقى بإنزاله عليك. ولا يوقف على "طه" على هذا القول، لأن النداء تنبيه على ما بعده. ومن جعلها افتتاحاً وقف عليها، وهو مذهب أبي حاتم.
ثم ابتدأ فخاطب النبي ﷺ بقوله: ﴿مَآ أَنَزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْقُرْآنَ لِتَشْقَىٰ﴾ وكذلك لا يقف عليها على قول من جعلها قسماً، لأن القسم يحتاج إلى جواب، وجوابه: ﴿مَآ أَنَزَلْنَا﴾.
وأجاز أبو حاتم الوقف على "طا" ويبتدئ ها. وليس عليه عمل عند أهل النقل من المقرئين.
وقيل: تقدير الكلام: ما أنزلنا عليك القرآن إلا تذكرة، لا لتشقى.
* *
ثم قال تعالى: ﴿تَنزِيلاً مِّمَّنْ خَلَقَ ٱلأَرْضَ وَٱلسَّمَٰوَٰتِ ٱلْعُلَى﴾.
أي: نزلناه تنزيلاً من الله الذي خلق الأرض والسماوات العلى. "والعلى" جمع "علياً": كالفضلى. والفضل.
* *
ثم قال: ﴿ٱلرَّحْمَـٰنُ عَلَى ٱلْعَرْشِ ٱسْتَوَىٰ﴾.
أي: على عرشه، ارتفع وعلا.
قال أبو عبيدة: استوى: علا.
وقال القتبي: استقر.
وقيل: معناه: استولى.
وأحسن الأقوال في هذه "علا" والذي يعتقده أهل السنة، ويقولونه في هذا: إن الله جلّ ذكره، سماواته على عرشه دون أرضه وأنه في كل مكان بعلمه، وله تعالى ذكره كرسي وسع السماوات والأرض كما قال جل ذكره. وكذلك ذكر شيخنا أبو محمد بن أبي زيد رحمه الله.
وقد سأل رجل مالكاً عن هذا، فقال له: كيف استوى؟ فاحمرت وجنتا مالك، وطأطأ رأسه، ثم رفع رأسه فقال: الاستواء منه غير مجهول، والكيف منه غير معقول، والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة، وإني أخاف أن يكون ضالاً. أخرجوه، فأخرج، فناداه الرجل، يا أبا عبد الله، والله الذي لا إله غيره، لقد سألت عن هذه المسألة أهل البصرة، وأهل الكوفة، وأهل العراق، إلى أن وردت عليك، فلم أجد أحداً وفق لما وفقت له.
وروي أن خباب بن الأرت قرأ "طه" على عمر بن الخطاب إلى قوله: "فتردى" فأسلم عمر عند ذلك.
و "العلى" تمام إن رفعت "الرحمن على الابتداء، أو على إضمار مبتدأ، فإن جهلته بدلاً من الضمير في "خلق" لم تقف عليه.
و "استوى" تمام إن جعلت "الرحمن" بدلاً من الضمير في "خلق" أو على إضمار مبتدأ، فإن جعلت "له ما في السماوات" في موضع خبر الرحمن، لم تقف على استوى.
* *
ثم قال: ﴿لَهُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾.
أي: هو يملك ذلك كله ويدبره .
* *
وقوله: ﴿وَمَا تَحْتَ ٱلثَّرَىٰ﴾: الثرى: التراب المبتل الندي يعني: وما تحت الأرضين السبع.
وقال محمد بن كعب: الثرى: سبع أرضين.
وقال ابن عباس: الأرض على نون، ونون على البحر، والبحر على صخرة وهي الصخرة التي ذكر الله تعالى في قوله: ﴿فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ﴾ [لقمان: ١٦] والصخرة على قرن ثور، والثور على الثرى، وما يعلم ما تحت الثرى إلا الله.
وروي عن وهب بن منبه أنه قال: على وجه الأرض سبعة أبحر والأرضين سبعة بين كل أرضين بحر، فالبحر الأسفل مطبق على شفير جهنم، ولولا عظم ذلك البحر، وكثرة مائة وبرده، لأحرقت جهنم كل شيء فوقها. قال: وجهنم على متن الريح ومتن الريح على حجاب من ظلمة لا يعلم غلظه إلا الله، وذلك الحجاب على الثرى، وإلى الثرى انتهى علم الخلائق، لا يعلم ما تحت الثرى إلا الله.
وقال الضحاك: الأرض السابعة على الحوت، والحوت على الماء، والماء على الصخرة، والصخرة على قرن ثور، والثور على الثرى، ولا يعلم ما تحت الثرى إلا الله.
وسئل كعب ما تحت الأرض؟ قال ماء، قيل: فما تحت الماء؟ قال أرض. قيل فما تحت الأرض؟ قال: ماء، حتى بلغ سبع أرضين. قيل: له: فما تحت الأرض السابعة. قال: ماء. قيل فما تحت الماء. قال صخرة، قيل فما تحت الصخرة؟ قال: هي على منكب ملك. قيل: فما تحت الملك؟ قال: هو قائم على وسط حوت معلق طرفاه بالعرش. قيل له: فما تحت الحوت قال: هواء وظلمات وانقطع العلم.
وروى ابن وهب عن رجاله أن كعب الأحبار قال: إن إبليس يقلقل للحوت الذي على ظهره الأرض كلها. قال: فألقى في قلبه. فقال: هل تدري ما على ظهرك يا لوبيا من الأمم والشجر والدواب والناس والجبال، لو هضتهم فألقيتهم عن ظهرك كلهم. قال: فهم لوبيا بفعل ذلك، فبعث الله تعالى دابة، فدخلت في منخره حتى دخلت في دماغه فعج إلى الله منها، فخرجت. قال: وكان كعب يقول: والذي نفسي بيده، إنه لينظر إليها، بين يديه وتنظر إليه، إن همَّ بشيء من ذلك عادت حيث كانت.
وروى عاصم عن زر عن ابن مسعود أنه قال: ما بين سماء الدنيا والتي تليها مسيرة خمس مائة عام، وما بين سماء إلى سماء مسيرة خمس مائة عام، وما بين السماء السابعة والكرسي خمسة مائة عام، وما بين الكرسي وبين الماء مسيرة خمس مائة عام، والعرش فوق ذلك، والله جل ذكره فوق العرش.
وعن ابن عباس: أيضاً أنه قال: حملة العرش ما بين كعب أحدهم إلى أسفل قدميه مسيرة خمس مائة عام، وذكر أن خطوة ملك الموت ما بين المشرق إلى المغرب.
طه 20:3
قوله تعالى ذكره: ﴿طه * مَآ أَنَزَلْنَا﴾ إلى قوله: ﴿وَمَا تَحْتَ ٱلثَّرَىٰ﴾.
قد قدمت علة الإمالة في هذه الحروف في أول "مريم".
وأتى أول هذه السورة على غير ترتيب أوائل السور، لأن جميع أوائل السور يحتمل أن يكون ما بعدها خبراً لها، ولا يجوز أن يكون ما بعد "طه" خبراً لها، لأنه نفي، فلذلك تأولوه بمعنى "يا رجل" و "يا إنسان".
وقيل: هو أمر من وطيء.
وروي عن بعضهم أنه قرأ "طه" بإسكان الهاء. وهي قراءة مروية عن الحسن وعكرمة، وفيها تقديران أحدهما أنه أراد الأمر من وطيء. أي: طأ الأرض. ولكن أبدل من الهمزة هاء، كما قالوا: إياك وهياك.
وقيل: إنه أبدل من الهمزة ألفاً، ثم حذف الألف لدلالة الفتح عليها، وأتى بهاء للسكت.
وقيل: الهاء هاء الكناية عن المكان. أي: طأ يا محمد المكان الذي تصلي فيه برجليك، ولا تقف على رجل واحدة فتتعب. ودل على هذا المعنى قوله: ﴿مَآ أَنَزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْقُرْآنَ لِتَشْقَىٰ﴾ فأسكنت هاء الكناية على نية الوقف، أو على التشبيه بهاء السكت.
وقد قيل: إن الهاء في قراءة الجماعة تعود على الأرض، أي: طأ الأرض يا محمد برجليك في صلاتك، والألف في طأ بدل من همزة ساكنة.
ومن قرأ "طه" بحذف الألف، وإسكان الهاء فهو أمر بالوطء لكنه أبدل من الهمزة ألفاً قبل الأمر، ثم حذف الألف للأمر، والهاء تعود على المكان على ما ذكرنا، أو هي هاء سكت كما ذكرنا، أو هي بدل من همزة ساكنة على ما قدمنا، فهذه ثلاثة أقوال في الهاء في قراءة من قرأ "طه" بحذف الألف، وإسكان الهاء، وروي عن النبي ﷺ أنه قال: "لي عند ربي جلّ وعزّ عشرة أسماء""فذكر أن منها "طه" و "يس" إسمان له.
قال ابن عباس: "طه" بالنبطية: يا رجل. وهو قول الضحاك.
وقال أبو صالح: هي بالنبطية أيطأ.
وقال ابن جبير: هي بالنبطية أيطه: أي يا رجل.
وقال ابن جبير: طه بالسريانية: يا رجل. وهو قول قتادة.
وقال عكرمة: "طه" بالنبطية: يا إنسان.
وعن ابن عباس: أنه اسم من أسماء الله تعالى أقسم [الله به].
وهذه الآية نزلت فيما كان النبي ﷺ يصنعه من السهر والتعب والقيام بالليل.
قال الضحاك: كانوا يقومون حتى تتشقق، أقدامهم، فقال المشركون: ما نزل هذا القرآن إلا للشقاء، فأنزل الله تعالى ذكره: ﴿مَآ أَنَزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْقُرْآنَ لِتَشْقَىٰ﴾ ﴿إِلاَّ تَذْكِرَةً لِّمَن يَخْشَىٰ﴾.
أي: ما أنزلناه إلا تذكرة لمن يخشى.
وقيل: كان النبي ﷺ يتعب في صلاته، ويقف على رجل واحدة، فأنزل الله: ﴿مَآ أَنَزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْقُرْآنَ لِتَشْقَىٰ﴾.
قال مجاهد: هذا في الصلاة. قال: هي مثل قوله تعالى: ﴿فَٱقْرَءُواْ مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ [المزمل: ٢٠].
قال قتادة: "أنزل الله كتابه، وبعث رسوله رحمة، رحم بها الله العباد، ليتذكروا، وينتفع رجل بما سمع منه.
ونصب تذكرة على البدل من "لتشقى".
وقيل: هي مفعول من أجله.
وقيل" نصبها على المصدر.
وقال الكوفيون: هي تكرير.
وقيل: من حروف الهجاء.
وقيل: هي حروف مقطعة، يدل كل حرف منها على معنى، وقد تقدم ذكر ذلك.
وقال الطبري: "طه": يا رجل، لغة معروفة في عك. قال الشاعر:
؎ هَتَفْتُ بِطَهَ فِي الْقِتَالِ فَلَمْ يُجِبْ ∗∗∗ فَخِفْتُ عَلَيْهِ أنْ يَكُونَ مُوائِلاَ
وقال آخر:
؎ إنَّ السَّفاهَةَ طَهَ مِنْ خَلائِقِكُمْ ∗∗∗ لا بارَكَ اللهُ في الْقَوْمِ الملاَعِينِ
والتقدير على هذا: يا رجل، ما أنزلن عليك القرآن لتشقى بإنزاله عليك. ولا يوقف على "طه" على هذا القول، لأن النداء تنبيه على ما بعده. ومن جعلها افتتاحاً وقف عليها، وهو مذهب أبي حاتم.
ثم ابتدأ فخاطب النبي ﷺ بقوله: ﴿مَآ أَنَزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْقُرْآنَ لِتَشْقَىٰ﴾ وكذلك لا يقف عليها على قول من جعلها قسماً، لأن القسم يحتاج إلى جواب، وجوابه: ﴿مَآ أَنَزَلْنَا﴾.
وأجاز أبو حاتم الوقف على "طا" ويبتدئ ها. وليس عليه عمل عند أهل النقل من المقرئين.
وقيل: تقدير الكلام: ما أنزلنا عليك القرآن إلا تذكرة، لا لتشقى.
* *
ثم قال تعالى: ﴿تَنزِيلاً مِّمَّنْ خَلَقَ ٱلأَرْضَ وَٱلسَّمَٰوَٰتِ ٱلْعُلَى﴾.
أي: نزلناه تنزيلاً من الله الذي خلق الأرض والسماوات العلى. "والعلى" جمع "علياً": كالفضلى. والفضل.
* *
ثم قال: ﴿ٱلرَّحْمَـٰنُ عَلَى ٱلْعَرْشِ ٱسْتَوَىٰ﴾.
أي: على عرشه، ارتفع وعلا.
قال أبو عبيدة: استوى: علا.
وقال القتبي: استقر.
وقيل: معناه: استولى.
وأحسن الأقوال في هذه "علا" والذي يعتقده أهل السنة، ويقولونه في هذا: إن الله جلّ ذكره، سماواته على عرشه دون أرضه وأنه في كل مكان بعلمه، وله تعالى ذكره كرسي وسع السماوات والأرض كما قال جل ذكره. وكذلك ذكر شيخنا أبو محمد بن أبي زيد رحمه الله.
وقد سأل رجل مالكاً عن هذا، فقال له: كيف استوى؟ فاحمرت وجنتا مالك، وطأطأ رأسه، ثم رفع رأسه فقال: الاستواء منه غير مجهول، والكيف منه غير معقول، والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة، وإني أخاف أن يكون ضالاً. أخرجوه، فأخرج، فناداه الرجل، يا أبا عبد الله، والله الذي لا إله غيره، لقد سألت عن هذه المسألة أهل البصرة، وأهل الكوفة، وأهل العراق، إلى أن وردت عليك، فلم أجد أحداً وفق لما وفقت له.
وروي أن خباب بن الأرت قرأ "طه" على عمر بن الخطاب إلى قوله: "فتردى" فأسلم عمر عند ذلك.
و "العلى" تمام إن رفعت "الرحمن على الابتداء، أو على إضمار مبتدأ، فإن جهلته بدلاً من الضمير في "خلق" لم تقف عليه.
و "استوى" تمام إن جعلت "الرحمن" بدلاً من الضمير في "خلق" أو على إضمار مبتدأ، فإن جعلت "له ما في السماوات" في موضع خبر الرحمن، لم تقف على استوى.
* *
ثم قال: ﴿لَهُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾.
أي: هو يملك ذلك كله ويدبره .
* *
وقوله: ﴿وَمَا تَحْتَ ٱلثَّرَىٰ﴾: الثرى: التراب المبتل الندي يعني: وما تحت الأرضين السبع.
وقال محمد بن كعب: الثرى: سبع أرضين.
وقال ابن عباس: الأرض على نون، ونون على البحر، والبحر على صخرة وهي الصخرة التي ذكر الله تعالى في قوله: ﴿فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ﴾ [لقمان: ١٦] والصخرة على قرن ثور، والثور على الثرى، وما يعلم ما تحت الثرى إلا الله.
وروي عن وهب بن منبه أنه قال: على وجه الأرض سبعة أبحر والأرضين سبعة بين كل أرضين بحر، فالبحر الأسفل مطبق على شفير جهنم، ولولا عظم ذلك البحر، وكثرة مائة وبرده، لأحرقت جهنم كل شيء فوقها. قال: وجهنم على متن الريح ومتن الريح على حجاب من ظلمة لا يعلم غلظه إلا الله، وذلك الحجاب على الثرى، وإلى الثرى انتهى علم الخلائق، لا يعلم ما تحت الثرى إلا الله.
وقال الضحاك: الأرض السابعة على الحوت، والحوت على الماء، والماء على الصخرة، والصخرة على قرن ثور، والثور على الثرى، ولا يعلم ما تحت الثرى إلا الله.
وسئل كعب ما تحت الأرض؟ قال ماء، قيل: فما تحت الماء؟ قال أرض. قيل فما تحت الأرض؟ قال: ماء، حتى بلغ سبع أرضين. قيل: له: فما تحت الأرض السابعة. قال: ماء. قيل فما تحت الماء. قال صخرة، قيل فما تحت الصخرة؟ قال: هي على منكب ملك. قيل: فما تحت الملك؟ قال: هو قائم على وسط حوت معلق طرفاه بالعرش. قيل له: فما تحت الحوت قال: هواء وظلمات وانقطع العلم.
وروى ابن وهب عن رجاله أن كعب الأحبار قال: إن إبليس يقلقل للحوت الذي على ظهره الأرض كلها. قال: فألقى في قلبه. فقال: هل تدري ما على ظهرك يا لوبيا من الأمم والشجر والدواب والناس والجبال، لو هضتهم فألقيتهم عن ظهرك كلهم. قال: فهم لوبيا بفعل ذلك، فبعث الله تعالى دابة، فدخلت في منخره حتى دخلت في دماغه فعج إلى الله منها، فخرجت. قال: وكان كعب يقول: والذي نفسي بيده، إنه لينظر إليها، بين يديه وتنظر إليه، إن همَّ بشيء من ذلك عادت حيث كانت.
وروى عاصم عن زر عن ابن مسعود أنه قال: ما بين سماء الدنيا والتي تليها مسيرة خمس مائة عام، وما بين سماء إلى سماء مسيرة خمس مائة عام، وما بين السماء السابعة والكرسي خمسة مائة عام، وما بين الكرسي وبين الماء مسيرة خمس مائة عام، والعرش فوق ذلك، والله جل ذكره فوق العرش.
وعن ابن عباس: أيضاً أنه قال: حملة العرش ما بين كعب أحدهم إلى أسفل قدميه مسيرة خمس مائة عام، وذكر أن خطوة ملك الموت ما بين المشرق إلى المغرب.
طه 20:4
قوله تعالى ذكره: ﴿طه * مَآ أَنَزَلْنَا﴾ إلى قوله: ﴿وَمَا تَحْتَ ٱلثَّرَىٰ﴾.
قد قدمت علة الإمالة في هذه الحروف في أول "مريم".
وأتى أول هذه السورة على غير ترتيب أوائل السور، لأن جميع أوائل السور يحتمل أن يكون ما بعدها خبراً لها، ولا يجوز أن يكون ما بعد "طه" خبراً لها، لأنه نفي، فلذلك تأولوه بمعنى "يا رجل" و "يا إنسان".
وقيل: هو أمر من وطيء.
وروي عن بعضهم أنه قرأ "طه" بإسكان الهاء. وهي قراءة مروية عن الحسن وعكرمة، وفيها تقديران أحدهما أنه أراد الأمر من وطيء. أي: طأ الأرض. ولكن أبدل من الهمزة هاء، كما قالوا: إياك وهياك.
وقيل: إنه أبدل من الهمزة ألفاً، ثم حذف الألف لدلالة الفتح عليها، وأتى بهاء للسكت.
وقيل: الهاء هاء الكناية عن المكان. أي: طأ يا محمد المكان الذي تصلي فيه برجليك، ولا تقف على رجل واحدة فتتعب. ودل على هذا المعنى قوله: ﴿مَآ أَنَزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْقُرْآنَ لِتَشْقَىٰ﴾ فأسكنت هاء الكناية على نية الوقف، أو على التشبيه بهاء السكت.
وقد قيل: إن الهاء في قراءة الجماعة تعود على الأرض، أي: طأ الأرض يا محمد برجليك في صلاتك، والألف في طأ بدل من همزة ساكنة.
ومن قرأ "طه" بحذف الألف، وإسكان الهاء فهو أمر بالوطء لكنه أبدل من الهمزة ألفاً قبل الأمر، ثم حذف الألف للأمر، والهاء تعود على المكان على ما ذكرنا، أو هي هاء سكت كما ذكرنا، أو هي بدل من همزة ساكنة على ما قدمنا، فهذه ثلاثة أقوال في الهاء في قراءة من قرأ "طه" بحذف الألف، وإسكان الهاء، وروي عن النبي ﷺ أنه قال: "لي عند ربي جلّ وعزّ عشرة أسماء""فذكر أن منها "طه" و "يس" إسمان له.
قال ابن عباس: "طه" بالنبطية: يا رجل. وهو قول الضحاك.
وقال أبو صالح: هي بالنبطية أيطأ.
وقال ابن جبير: هي بالنبطية أيطه: أي يا رجل.
وقال ابن جبير: طه بالسريانية: يا رجل. وهو قول قتادة.
وقال عكرمة: "طه" بالنبطية: يا إنسان.
وعن ابن عباس: أنه اسم من أسماء الله تعالى أقسم [الله به].
وهذه الآية نزلت فيما كان النبي ﷺ يصنعه من السهر والتعب والقيام بالليل.
قال الضحاك: كانوا يقومون حتى تتشقق، أقدامهم، فقال المشركون: ما نزل هذا القرآن إلا للشقاء، فأنزل الله تعالى ذكره: ﴿مَآ أَنَزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْقُرْآنَ لِتَشْقَىٰ﴾ ﴿إِلاَّ تَذْكِرَةً لِّمَن يَخْشَىٰ﴾.
أي: ما أنزلناه إلا تذكرة لمن يخشى.
وقيل: كان النبي ﷺ يتعب في صلاته، ويقف على رجل واحدة، فأنزل الله: ﴿مَآ أَنَزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْقُرْآنَ لِتَشْقَىٰ﴾.
قال مجاهد: هذا في الصلاة. قال: هي مثل قوله تعالى: ﴿فَٱقْرَءُواْ مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ [المزمل: ٢٠].
قال قتادة: "أنزل الله كتابه، وبعث رسوله رحمة، رحم بها الله العباد، ليتذكروا، وينتفع رجل بما سمع منه.
ونصب تذكرة على البدل من "لتشقى".
وقيل: هي مفعول من أجله.
وقيل" نصبها على المصدر.
وقال الكوفيون: هي تكرير.
وقيل: من حروف الهجاء.
وقيل: هي حروف مقطعة، يدل كل حرف منها على معنى، وقد تقدم ذكر ذلك.
وقال الطبري: "طه": يا رجل، لغة معروفة في عك. قال الشاعر:
؎ هَتَفْتُ بِطَهَ فِي الْقِتَالِ فَلَمْ يُجِبْ ∗∗∗ فَخِفْتُ عَلَيْهِ أنْ يَكُونَ مُوائِلاَ
وقال آخر:
؎ إنَّ السَّفاهَةَ طَهَ مِنْ خَلائِقِكُمْ ∗∗∗ لا بارَكَ اللهُ في الْقَوْمِ الملاَعِينِ
والتقدير على هذا: يا رجل، ما أنزلن عليك القرآن لتشقى بإنزاله عليك. ولا يوقف على "طه" على هذا القول، لأن النداء تنبيه على ما بعده. ومن جعلها افتتاحاً وقف عليها، وهو مذهب أبي حاتم.
ثم ابتدأ فخاطب النبي ﷺ بقوله: ﴿مَآ أَنَزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْقُرْآنَ لِتَشْقَىٰ﴾ وكذلك لا يقف عليها على قول من جعلها قسماً، لأن القسم يحتاج إلى جواب، وجوابه: ﴿مَآ أَنَزَلْنَا﴾.
وأجاز أبو حاتم الوقف على "طا" ويبتدئ ها. وليس عليه عمل عند أهل النقل من المقرئين.
وقيل: تقدير الكلام: ما أنزلنا عليك القرآن إلا تذكرة، لا لتشقى.
* *
ثم قال تعالى: ﴿تَنزِيلاً مِّمَّنْ خَلَقَ ٱلأَرْضَ وَٱلسَّمَٰوَٰتِ ٱلْعُلَى﴾.
أي: نزلناه تنزيلاً من الله الذي خلق الأرض والسماوات العلى. "والعلى" جمع "علياً": كالفضلى. والفضل.
* *
ثم قال: ﴿ٱلرَّحْمَـٰنُ عَلَى ٱلْعَرْشِ ٱسْتَوَىٰ﴾.
أي: على عرشه، ارتفع وعلا.
قال أبو عبيدة: استوى: علا.
وقال القتبي: استقر.
وقيل: معناه: استولى.
وأحسن الأقوال في هذه "علا" والذي يعتقده أهل السنة، ويقولونه في هذا: إن الله جلّ ذكره، سماواته على عرشه دون أرضه وأنه في كل مكان بعلمه، وله تعالى ذكره كرسي وسع السماوات والأرض كما قال جل ذكره. وكذلك ذكر شيخنا أبو محمد بن أبي زيد رحمه الله.
وقد سأل رجل مالكاً عن هذا، فقال له: كيف استوى؟ فاحمرت وجنتا مالك، وطأطأ رأسه، ثم رفع رأسه فقال: الاستواء منه غير مجهول، والكيف منه غير معقول، والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة، وإني أخاف أن يكون ضالاً. أخرجوه، فأخرج، فناداه الرجل، يا أبا عبد الله، والله الذي لا إله غيره، لقد سألت عن هذه المسألة أهل البصرة، وأهل الكوفة، وأهل العراق، إلى أن وردت عليك، فلم أجد أحداً وفق لما وفقت له.
وروي أن خباب بن الأرت قرأ "طه" على عمر بن الخطاب إلى قوله: "فتردى" فأسلم عمر عند ذلك.
و "العلى" تمام إن رفعت "الرحمن على الابتداء، أو على إضمار مبتدأ، فإن جهلته بدلاً من الضمير في "خلق" لم تقف عليه.
و "استوى" تمام إن جعلت "الرحمن" بدلاً من الضمير في "خلق" أو على إضمار مبتدأ، فإن جعلت "له ما في السماوات" في موضع خبر الرحمن، لم تقف على استوى.
* *
ثم قال: ﴿لَهُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾.
أي: هو يملك ذلك كله ويدبره .
* *
وقوله: ﴿وَمَا تَحْتَ ٱلثَّرَىٰ﴾: الثرى: التراب المبتل الندي يعني: وما تحت الأرضين السبع.
وقال محمد بن كعب: الثرى: سبع أرضين.
وقال ابن عباس: الأرض على نون، ونون على البحر، والبحر على صخرة وهي الصخرة التي ذكر الله تعالى في قوله: ﴿فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ﴾ [لقمان: ١٦] والصخرة على قرن ثور، والثور على الثرى، وما يعلم ما تحت الثرى إلا الله.
وروي عن وهب بن منبه أنه قال: على وجه الأرض سبعة أبحر والأرضين سبعة بين كل أرضين بحر، فالبحر الأسفل مطبق على شفير جهنم، ولولا عظم ذلك البحر، وكثرة مائة وبرده، لأحرقت جهنم كل شيء فوقها. قال: وجهنم على متن الريح ومتن الريح على حجاب من ظلمة لا يعلم غلظه إلا الله، وذلك الحجاب على الثرى، وإلى الثرى انتهى علم الخلائق، لا يعلم ما تحت الثرى إلا الله.
وقال الضحاك: الأرض السابعة على الحوت، والحوت على الماء، والماء على الصخرة، والصخرة على قرن ثور، والثور على الثرى، ولا يعلم ما تحت الثرى إلا الله.
وسئل كعب ما تحت الأرض؟ قال ماء، قيل: فما تحت الماء؟ قال أرض. قيل فما تحت الأرض؟ قال: ماء، حتى بلغ سبع أرضين. قيل: له: فما تحت الأرض السابعة. قال: ماء. قيل فما تحت الماء. قال صخرة، قيل فما تحت الصخرة؟ قال: هي على منكب ملك. قيل: فما تحت الملك؟ قال: هو قائم على وسط حوت معلق طرفاه بالعرش. قيل له: فما تحت الحوت قال: هواء وظلمات وانقطع العلم.
وروى ابن وهب عن رجاله أن كعب الأحبار قال: إن إبليس يقلقل للحوت الذي على ظهره الأرض كلها. قال: فألقى في قلبه. فقال: هل تدري ما على ظهرك يا لوبيا من الأمم والشجر والدواب والناس والجبال، لو هضتهم فألقيتهم عن ظهرك كلهم. قال: فهم لوبيا بفعل ذلك، فبعث الله تعالى دابة، فدخلت في منخره حتى دخلت في دماغه فعج إلى الله منها، فخرجت. قال: وكان كعب يقول: والذي نفسي بيده، إنه لينظر إليها، بين يديه وتنظر إليه، إن همَّ بشيء من ذلك عادت حيث كانت.
وروى عاصم عن زر عن ابن مسعود أنه قال: ما بين سماء الدنيا والتي تليها مسيرة خمس مائة عام، وما بين سماء إلى سماء مسيرة خمس مائة عام، وما بين السماء السابعة والكرسي خمسة مائة عام، وما بين الكرسي وبين الماء مسيرة خمس مائة عام، والعرش فوق ذلك، والله جل ذكره فوق العرش.
وعن ابن عباس: أيضاً أنه قال: حملة العرش ما بين كعب أحدهم إلى أسفل قدميه مسيرة خمس مائة عام، وذكر أن خطوة ملك الموت ما بين المشرق إلى المغرب.
طه 20:5
قوله تعالى ذكره: ﴿طه * مَآ أَنَزَلْنَا﴾ إلى قوله: ﴿وَمَا تَحْتَ ٱلثَّرَىٰ﴾.
قد قدمت علة الإمالة في هذه الحروف في أول "مريم".
وأتى أول هذه السورة على غير ترتيب أوائل السور، لأن جميع أوائل السور يحتمل أن يكون ما بعدها خبراً لها، ولا يجوز أن يكون ما بعد "طه" خبراً لها، لأنه نفي، فلذلك تأولوه بمعنى "يا رجل" و "يا إنسان".
وقيل: هو أمر من وطيء.
وروي عن بعضهم أنه قرأ "طه" بإسكان الهاء. وهي قراءة مروية عن الحسن وعكرمة، وفيها تقديران أحدهما أنه أراد الأمر من وطيء. أي: طأ الأرض. ولكن أبدل من الهمزة هاء، كما قالوا: إياك وهياك.
وقيل: إنه أبدل من الهمزة ألفاً، ثم حذف الألف لدلالة الفتح عليها، وأتى بهاء للسكت.
وقيل: الهاء هاء الكناية عن المكان. أي: طأ يا محمد المكان الذي تصلي فيه برجليك، ولا تقف على رجل واحدة فتتعب. ودل على هذا المعنى قوله: ﴿مَآ أَنَزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْقُرْآنَ لِتَشْقَىٰ﴾ فأسكنت هاء الكناية على نية الوقف، أو على التشبيه بهاء السكت.
وقد قيل: إن الهاء في قراءة الجماعة تعود على الأرض، أي: طأ الأرض يا محمد برجليك في صلاتك، والألف في طأ بدل من همزة ساكنة.
ومن قرأ "طه" بحذف الألف، وإسكان الهاء فهو أمر بالوطء لكنه أبدل من الهمزة ألفاً قبل الأمر، ثم حذف الألف للأمر، والهاء تعود على المكان على ما ذكرنا، أو هي هاء سكت كما ذكرنا، أو هي بدل من همزة ساكنة على ما قدمنا، فهذه ثلاثة أقوال في الهاء في قراءة من قرأ "طه" بحذف الألف، وإسكان الهاء، وروي عن النبي ﷺ أنه قال: "لي عند ربي جلّ وعزّ عشرة أسماء""فذكر أن منها "طه" و "يس" إسمان له.
قال ابن عباس: "طه" بالنبطية: يا رجل. وهو قول الضحاك.
وقال أبو صالح: هي بالنبطية أيطأ.
وقال ابن جبير: هي بالنبطية أيطه: أي يا رجل.
وقال ابن جبير: طه بالسريانية: يا رجل. وهو قول قتادة.
وقال عكرمة: "طه" بالنبطية: يا إنسان.
وعن ابن عباس: أنه اسم من أسماء الله تعالى أقسم [الله به].
وهذه الآية نزلت فيما كان النبي ﷺ يصنعه من السهر والتعب والقيام بالليل.
قال الضحاك: كانوا يقومون حتى تتشقق، أقدامهم، فقال المشركون: ما نزل هذا القرآن إلا للشقاء، فأنزل الله تعالى ذكره: ﴿مَآ أَنَزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْقُرْآنَ لِتَشْقَىٰ﴾ ﴿إِلاَّ تَذْكِرَةً لِّمَن يَخْشَىٰ﴾.
أي: ما أنزلناه إلا تذكرة لمن يخشى.
وقيل: كان النبي ﷺ يتعب في صلاته، ويقف على رجل واحدة، فأنزل الله: ﴿مَآ أَنَزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْقُرْآنَ لِتَشْقَىٰ﴾.
قال مجاهد: هذا في الصلاة. قال: هي مثل قوله تعالى: ﴿فَٱقْرَءُواْ مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ [المزمل: ٢٠].
قال قتادة: "أنزل الله كتابه، وبعث رسوله رحمة، رحم بها الله العباد، ليتذكروا، وينتفع رجل بما سمع منه.
ونصب تذكرة على البدل من "لتشقى".
وقيل: هي مفعول من أجله.
وقيل" نصبها على المصدر.
وقال الكوفيون: هي تكرير.
وقيل: من حروف الهجاء.
وقيل: هي حروف مقطعة، يدل كل حرف منها على معنى، وقد تقدم ذكر ذلك.
وقال الطبري: "طه": يا رجل، لغة معروفة في عك. قال الشاعر:
؎ هَتَفْتُ بِطَهَ فِي الْقِتَالِ فَلَمْ يُجِبْ ∗∗∗ فَخِفْتُ عَلَيْهِ أنْ يَكُونَ مُوائِلاَ
وقال آخر:
؎ إنَّ السَّفاهَةَ طَهَ مِنْ خَلائِقِكُمْ ∗∗∗ لا بارَكَ اللهُ في الْقَوْمِ الملاَعِينِ
والتقدير على هذا: يا رجل، ما أنزلن عليك القرآن لتشقى بإنزاله عليك. ولا يوقف على "طه" على هذا القول، لأن النداء تنبيه على ما بعده. ومن جعلها افتتاحاً وقف عليها، وهو مذهب أبي حاتم.
ثم ابتدأ فخاطب النبي ﷺ بقوله: ﴿مَآ أَنَزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْقُرْآنَ لِتَشْقَىٰ﴾ وكذلك لا يقف عليها على قول من جعلها قسماً، لأن القسم يحتاج إلى جواب، وجوابه: ﴿مَآ أَنَزَلْنَا﴾.
وأجاز أبو حاتم الوقف على "طا" ويبتدئ ها. وليس عليه عمل عند أهل النقل من المقرئين.
وقيل: تقدير الكلام: ما أنزلنا عليك القرآن إلا تذكرة، لا لتشقى.
* *
ثم قال تعالى: ﴿تَنزِيلاً مِّمَّنْ خَلَقَ ٱلأَرْضَ وَٱلسَّمَٰوَٰتِ ٱلْعُلَى﴾.
أي: نزلناه تنزيلاً من الله الذي خلق الأرض والسماوات العلى. "والعلى" جمع "علياً": كالفضلى. والفضل.
* *
ثم قال: ﴿ٱلرَّحْمَـٰنُ عَلَى ٱلْعَرْشِ ٱسْتَوَىٰ﴾.
أي: على عرشه، ارتفع وعلا.
قال أبو عبيدة: استوى: علا.
وقال القتبي: استقر.
وقيل: معناه: استولى.
وأحسن الأقوال في هذه "علا" والذي يعتقده أهل السنة، ويقولونه في هذا: إن الله جلّ ذكره، سماواته على عرشه دون أرضه وأنه في كل مكان بعلمه، وله تعالى ذكره كرسي وسع السماوات والأرض كما قال جل ذكره. وكذلك ذكر شيخنا أبو محمد بن أبي زيد رحمه الله.
وقد سأل رجل مالكاً عن هذا، فقال له: كيف استوى؟ فاحمرت وجنتا مالك، وطأطأ رأسه، ثم رفع رأسه فقال: الاستواء منه غير مجهول، والكيف منه غير معقول، والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة، وإني أخاف أن يكون ضالاً. أخرجوه، فأخرج، فناداه الرجل، يا أبا عبد الله، والله الذي لا إله غيره، لقد سألت عن هذه المسألة أهل البصرة، وأهل الكوفة، وأهل العراق، إلى أن وردت عليك، فلم أجد أحداً وفق لما وفقت له.
وروي أن خباب بن الأرت قرأ "طه" على عمر بن الخطاب إلى قوله: "فتردى" فأسلم عمر عند ذلك.
و "العلى" تمام إن رفعت "الرحمن على الابتداء، أو على إضمار مبتدأ، فإن جهلته بدلاً من الضمير في "خلق" لم تقف عليه.
و "استوى" تمام إن جعلت "الرحمن" بدلاً من الضمير في "خلق" أو على إضمار مبتدأ، فإن جعلت "له ما في السماوات" في موضع خبر الرحمن، لم تقف على استوى.
* *
ثم قال: ﴿لَهُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾.
أي: هو يملك ذلك كله ويدبره .
* *
وقوله: ﴿وَمَا تَحْتَ ٱلثَّرَىٰ﴾: الثرى: التراب المبتل الندي يعني: وما تحت الأرضين السبع.
وقال محمد بن كعب: الثرى: سبع أرضين.
وقال ابن عباس: الأرض على نون، ونون على البحر، والبحر على صخرة وهي الصخرة التي ذكر الله تعالى في قوله: ﴿فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ﴾ [لقمان: ١٦] والصخرة على قرن ثور، والثور على الثرى، وما يعلم ما تحت الثرى إلا الله.
وروي عن وهب بن منبه أنه قال: على وجه الأرض سبعة أبحر والأرضين سبعة بين كل أرضين بحر، فالبحر الأسفل مطبق على شفير جهنم، ولولا عظم ذلك البحر، وكثرة مائة وبرده، لأحرقت جهنم كل شيء فوقها. قال: وجهنم على متن الريح ومتن الريح على حجاب من ظلمة لا يعلم غلظه إلا الله، وذلك الحجاب على الثرى، وإلى الثرى انتهى علم الخلائق، لا يعلم ما تحت الثرى إلا الله.
وقال الضحاك: الأرض السابعة على الحوت، والحوت على الماء، والماء على الصخرة، والصخرة على قرن ثور، والثور على الثرى، ولا يعلم ما تحت الثرى إلا الله.
وسئل كعب ما تحت الأرض؟ قال ماء، قيل: فما تحت الماء؟ قال أرض. قيل فما تحت الأرض؟ قال: ماء، حتى بلغ سبع أرضين. قيل: له: فما تحت الأرض السابعة. قال: ماء. قيل فما تحت الماء. قال صخرة، قيل فما تحت الصخرة؟ قال: هي على منكب ملك. قيل: فما تحت الملك؟ قال: هو قائم على وسط حوت معلق طرفاه بالعرش. قيل له: فما تحت الحوت قال: هواء وظلمات وانقطع العلم.
وروى ابن وهب عن رجاله أن كعب الأحبار قال: إن إبليس يقلقل للحوت الذي على ظهره الأرض كلها. قال: فألقى في قلبه. فقال: هل تدري ما على ظهرك يا لوبيا من الأمم والشجر والدواب والناس والجبال، لو هضتهم فألقيتهم عن ظهرك كلهم. قال: فهم لوبيا بفعل ذلك، فبعث الله تعالى دابة، فدخلت في منخره حتى دخلت في دماغه فعج إلى الله منها، فخرجت. قال: وكان كعب يقول: والذي نفسي بيده، إنه لينظر إليها، بين يديه وتنظر إليه، إن همَّ بشيء من ذلك عادت حيث كانت.
وروى عاصم عن زر عن ابن مسعود أنه قال: ما بين سماء الدنيا والتي تليها مسيرة خمس مائة عام، وما بين سماء إلى سماء مسيرة خمس مائة عام، وما بين السماء السابعة والكرسي خمسة مائة عام، وما بين الكرسي وبين الماء مسيرة خمس مائة عام، والعرش فوق ذلك، والله جل ذكره فوق العرش.
وعن ابن عباس: أيضاً أنه قال: حملة العرش ما بين كعب أحدهم إلى أسفل قدميه مسيرة خمس مائة عام، وذكر أن خطوة ملك الموت ما بين المشرق إلى المغرب.
طه 20:6
قوله تعالى ذكره: ﴿طه * مَآ أَنَزَلْنَا﴾ إلى قوله: ﴿وَمَا تَحْتَ ٱلثَّرَىٰ﴾.
قد قدمت علة الإمالة في هذه الحروف في أول "مريم".
وأتى أول هذه السورة على غير ترتيب أوائل السور، لأن جميع أوائل السور يحتمل أن يكون ما بعدها خبراً لها، ولا يجوز أن يكون ما بعد "طه" خبراً لها، لأنه نفي، فلذلك تأولوه بمعنى "يا رجل" و "يا إنسان".
وقيل: هو أمر من وطيء.
وروي عن بعضهم أنه قرأ "طه" بإسكان الهاء. وهي قراءة مروية عن الحسن وعكرمة، وفيها تقديران أحدهما أنه أراد الأمر من وطيء. أي: طأ الأرض. ولكن أبدل من الهمزة هاء، كما قالوا: إياك وهياك.
وقيل: إنه أبدل من الهمزة ألفاً، ثم حذف الألف لدلالة الفتح عليها، وأتى بهاء للسكت.
وقيل: الهاء هاء الكناية عن المكان. أي: طأ يا محمد المكان الذي تصلي فيه برجليك، ولا تقف على رجل واحدة فتتعب. ودل على هذا المعنى قوله: ﴿مَآ أَنَزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْقُرْآنَ لِتَشْقَىٰ﴾ فأسكنت هاء الكناية على نية الوقف، أو على التشبيه بهاء السكت.
وقد قيل: إن الهاء في قراءة الجماعة تعود على الأرض، أي: طأ الأرض يا محمد برجليك في صلاتك، والألف في طأ بدل من همزة ساكنة.
ومن قرأ "طه" بحذف الألف، وإسكان الهاء فهو أمر بالوطء لكنه أبدل من الهمزة ألفاً قبل الأمر، ثم حذف الألف للأمر، والهاء تعود على المكان على ما ذكرنا، أو هي هاء سكت كما ذكرنا، أو هي بدل من همزة ساكنة على ما قدمنا، فهذه ثلاثة أقوال في الهاء في قراءة من قرأ "طه" بحذف الألف، وإسكان الهاء، وروي عن النبي ﷺ أنه قال: "لي عند ربي جلّ وعزّ عشرة أسماء""فذكر أن منها "طه" و "يس" إسمان له.
قال ابن عباس: "طه" بالنبطية: يا رجل. وهو قول الضحاك.
وقال أبو صالح: هي بالنبطية أيطأ.
وقال ابن جبير: هي بالنبطية أيطه: أي يا رجل.
وقال ابن جبير: طه بالسريانية: يا رجل. وهو قول قتادة.
وقال عكرمة: "طه" بالنبطية: يا إنسان.
وعن ابن عباس: أنه اسم من أسماء الله تعالى أقسم [الله به].
وهذه الآية نزلت فيما كان النبي ﷺ يصنعه من السهر والتعب والقيام بالليل.
قال الضحاك: كانوا يقومون حتى تتشقق، أقدامهم، فقال المشركون: ما نزل هذا القرآن إلا للشقاء، فأنزل الله تعالى ذكره: ﴿مَآ أَنَزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْقُرْآنَ لِتَشْقَىٰ﴾ ﴿إِلاَّ تَذْكِرَةً لِّمَن يَخْشَىٰ﴾.
أي: ما أنزلناه إلا تذكرة لمن يخشى.
وقيل: كان النبي ﷺ يتعب في صلاته، ويقف على رجل واحدة، فأنزل الله: ﴿مَآ أَنَزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْقُرْآنَ لِتَشْقَىٰ﴾.
قال مجاهد: هذا في الصلاة. قال: هي مثل قوله تعالى: ﴿فَٱقْرَءُواْ مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ [المزمل: ٢٠].
قال قتادة: "أنزل الله كتابه، وبعث رسوله رحمة، رحم بها الله العباد، ليتذكروا، وينتفع رجل بما سمع منه.
ونصب تذكرة على البدل من "لتشقى".
وقيل: هي مفعول من أجله.
وقيل" نصبها على المصدر.
وقال الكوفيون: هي تكرير.
وقيل: من حروف الهجاء.
وقيل: هي حروف مقطعة، يدل كل حرف منها على معنى، وقد تقدم ذكر ذلك.
وقال الطبري: "طه": يا رجل، لغة معروفة في عك. قال الشاعر:
؎ هَتَفْتُ بِطَهَ فِي الْقِتَالِ فَلَمْ يُجِبْ ∗∗∗ فَخِفْتُ عَلَيْهِ أنْ يَكُونَ مُوائِلاَ
وقال آخر:
؎ إنَّ السَّفاهَةَ طَهَ مِنْ خَلائِقِكُمْ ∗∗∗ لا بارَكَ اللهُ في الْقَوْمِ الملاَعِينِ
والتقدير على هذا: يا رجل، ما أنزلن عليك القرآن لتشقى بإنزاله عليك. ولا يوقف على "طه" على هذا القول، لأن النداء تنبيه على ما بعده. ومن جعلها افتتاحاً وقف عليها، وهو مذهب أبي حاتم.
ثم ابتدأ فخاطب النبي ﷺ بقوله: ﴿مَآ أَنَزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْقُرْآنَ لِتَشْقَىٰ﴾ وكذلك لا يقف عليها على قول من جعلها قسماً، لأن القسم يحتاج إلى جواب، وجوابه: ﴿مَآ أَنَزَلْنَا﴾.
وأجاز أبو حاتم الوقف على "طا" ويبتدئ ها. وليس عليه عمل عند أهل النقل من المقرئين.
وقيل: تقدير الكلام: ما أنزلنا عليك القرآن إلا تذكرة، لا لتشقى.
* *
ثم قال تعالى: ﴿تَنزِيلاً مِّمَّنْ خَلَقَ ٱلأَرْضَ وَٱلسَّمَٰوَٰتِ ٱلْعُلَى﴾.
أي: نزلناه تنزيلاً من الله الذي خلق الأرض والسماوات العلى. "والعلى" جمع "علياً": كالفضلى. والفضل.
* *
ثم قال: ﴿ٱلرَّحْمَـٰنُ عَلَى ٱلْعَرْشِ ٱسْتَوَىٰ﴾.
أي: على عرشه، ارتفع وعلا.
قال أبو عبيدة: استوى: علا.
وقال القتبي: استقر.
وقيل: معناه: استولى.
وأحسن الأقوال في هذه "علا" والذي يعتقده أهل السنة، ويقولونه في هذا: إن الله جلّ ذكره، سماواته على عرشه دون أرضه وأنه في كل مكان بعلمه، وله تعالى ذكره كرسي وسع السماوات والأرض كما قال جل ذكره. وكذلك ذكر شيخنا أبو محمد بن أبي زيد رحمه الله.
وقد سأل رجل مالكاً عن هذا، فقال له: كيف استوى؟ فاحمرت وجنتا مالك، وطأطأ رأسه، ثم رفع رأسه فقال: الاستواء منه غير مجهول، والكيف منه غير معقول، والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة، وإني أخاف أن يكون ضالاً. أخرجوه، فأخرج، فناداه الرجل، يا أبا عبد الله، والله الذي لا إله غيره، لقد سألت عن هذه المسألة أهل البصرة، وأهل الكوفة، وأهل العراق، إلى أن وردت عليك، فلم أجد أحداً وفق لما وفقت له.
وروي أن خباب بن الأرت قرأ "طه" على عمر بن الخطاب إلى قوله: "فتردى" فأسلم عمر عند ذلك.
و "العلى" تمام إن رفعت "الرحمن على الابتداء، أو على إضمار مبتدأ، فإن جهلته بدلاً من الضمير في "خلق" لم تقف عليه.
و "استوى" تمام إن جعلت "الرحمن" بدلاً من الضمير في "خلق" أو على إضمار مبتدأ، فإن جعلت "له ما في السماوات" في موضع خبر الرحمن، لم تقف على استوى.
* *
ثم قال: ﴿لَهُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾.
أي: هو يملك ذلك كله ويدبره .
* *
وقوله: ﴿وَمَا تَحْتَ ٱلثَّرَىٰ﴾: الثرى: التراب المبتل الندي يعني: وما تحت الأرضين السبع.
وقال محمد بن كعب: الثرى: سبع أرضين.
وقال ابن عباس: الأرض على نون، ونون على البحر، والبحر على صخرة وهي الصخرة التي ذكر الله تعالى في قوله: ﴿فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ﴾ [لقمان: ١٦] والصخرة على قرن ثور، والثور على الثرى، وما يعلم ما تحت الثرى إلا الله.
وروي عن وهب بن منبه أنه قال: على وجه الأرض سبعة أبحر والأرضين سبعة بين كل أرضين بحر، فالبحر الأسفل مطبق على شفير جهنم، ولولا عظم ذلك البحر، وكثرة مائة وبرده، لأحرقت جهنم كل شيء فوقها. قال: وجهنم على متن الريح ومتن الريح على حجاب من ظلمة لا يعلم غلظه إلا الله، وذلك الحجاب على الثرى، وإلى الثرى انتهى علم الخلائق، لا يعلم ما تحت الثرى إلا الله.
وقال الضحاك: الأرض السابعة على الحوت، والحوت على الماء، والماء على الصخرة، والصخرة على قرن ثور، والثور على الثرى، ولا يعلم ما تحت الثرى إلا الله.
وسئل كعب ما تحت الأرض؟ قال ماء، قيل: فما تحت الماء؟ قال أرض. قيل فما تحت الأرض؟ قال: ماء، حتى بلغ سبع أرضين. قيل: له: فما تحت الأرض السابعة. قال: ماء. قيل فما تحت الماء. قال صخرة، قيل فما تحت الصخرة؟ قال: هي على منكب ملك. قيل: فما تحت الملك؟ قال: هو قائم على وسط حوت معلق طرفاه بالعرش. قيل له: فما تحت الحوت قال: هواء وظلمات وانقطع العلم.
وروى ابن وهب عن رجاله أن كعب الأحبار قال: إن إبليس يقلقل للحوت الذي على ظهره الأرض كلها. قال: فألقى في قلبه. فقال: هل تدري ما على ظهرك يا لوبيا من الأمم والشجر والدواب والناس والجبال، لو هضتهم فألقيتهم عن ظهرك كلهم. قال: فهم لوبيا بفعل ذلك، فبعث الله تعالى دابة، فدخلت في منخره حتى دخلت في دماغه فعج إلى الله منها، فخرجت. قال: وكان كعب يقول: والذي نفسي بيده، إنه لينظر إليها، بين يديه وتنظر إليه، إن همَّ بشيء من ذلك عادت حيث كانت.
وروى عاصم عن زر عن ابن مسعود أنه قال: ما بين سماء الدنيا والتي تليها مسيرة خمس مائة عام، وما بين سماء إلى سماء مسيرة خمس مائة عام، وما بين السماء السابعة والكرسي خمسة مائة عام، وما بين الكرسي وبين الماء مسيرة خمس مائة عام، والعرش فوق ذلك، والله جل ذكره فوق العرش.
وعن ابن عباس: أيضاً أنه قال: حملة العرش ما بين كعب أحدهم إلى أسفل قدميه مسيرة خمس مائة عام، وذكر أن خطوة ملك الموت ما بين المشرق إلى المغرب.
طه 20:7
قوله تعالى ذكره: ﴿وَإِن تَجْهَرْ بِٱلْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ ٱلسِّرَّ وَأَخْفَى﴾، إلى قوله: ﴿أَوْ أَجِدُ عَلَى ٱلنَّارِ هُدًى﴾.
أي: وإن تجهر بالقول يا محمد، فإن الله تعالى يعلم ما أسررت في نفسك، وأخفى منه.
قال الحسن ومجاهد وعكرمة: "السر": ما أسررته إلى غيرك، "وأخفى" ما حدثت به نفسك.
وقال الضحاك: "السر" ما حدثت به نفسك، و "أخفى" ما لم تفعله وأنت فاعله"، وكذلك، روي عن ابن عباس.
قال ابن عباس: و "أخفى" ما تعمل غداً.
وقال ابن جبير: "السر": ما أسره الإنسان في نفسه، "وأخفى": ما لم يعلم الإنسان مما هو كائن.
وقيل: معنى: "وأخفى": ما ليس في نفس الإنسان. وسيكون ذلك في نفسه، فهو لا إله إلا هو يعلم ما سيجري في نفس الإنسان قبل أن يجري.
وقال ابن زيد: "يعلم السر" أسرار العباد وأخفى سره. وقاله أبوه زيد بن أسلم. أي: يعلم سر عباده، وأخفى سره، فلا يعلمه أحد جلّ وعزّ، وهذا اختيار النحاس. وأنكر هذا القول الطبري.
* *
وقوله: ﴿يَعْلَمُ ٱلسِّرَّ وَأَخْفَى﴾، أتى على غير ظاهر، جواب قوله "وإن تجهر بالقول، إنما هو جواب لمن قيل له وأن تستر بالقول، فإن الله يعلم السر وأخفى، ولكنه محمول على المعنى، كأنه قال: ما حاجتك إلى الجهر، والله يعلم السر وأخفى من السر.
* *
ثم قال: ﴿ٱللَّهُ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ لَهُ ٱلأَسْمَآءُ ٱلْحُسْنَىٰ﴾.
من جعل الله بدلاً من الضمير في "يعلم" لم يقف على "أخفى"، ومن جعله مبتدأ، وقف على أخفى.
أي: معبودكم واحد، لا معبود غيره، ولا إله إلا هو ﴿لَهُ ٱلأَسْمَآءُ ٱلْحُسْنَىٰ﴾ . هي تسعة وتسعون اسماً على ما روي عن النبي ﷺ، وفي ألفاضها اختلاف.
قال النبي ﷺ: لله تسعة وتسعون اسماً: مائة إلا واحدة من أحصاها دخل الجنة أي: من حفظها.
وقيل: من آمن بها.
وقيل: من قالها معتقداً لصحتها.
ثم قال تعالى ذكره ﴿وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَىٰ﴾ ﴿إِذْ رَأَى نَاراً﴾.
معناه: أن الله يخبر نبيه ﷺ بما مضى من أخبار الأنبياء عليهم السلام قبله، وما مضى عليهم ليتعزى بذلك مما يناله من قريش.
ذكر: أن موسى عليه السلام أضل الطريق في شتاء ليلاً، فلما رأى ضوء النار، قال لأهله: امكثوا لعلي أتيكم بخبر نهتدي به على الطريق أو آتيكم بقبس توقدونه في هذا البرد.
قال ابن عباس: لما قضى موسى الأجل، سار بأهله فضل الطريق.
قال وهب بن منبه: لما قضى موسى الأجل. خرج ومعه غنم له، ومعه زندله وعصاه في يده، يهش بها على غنمه نهاراً، وإذا أمسى اقتدح ناراً فبات عليها هو وأهله وغنمه، فإذا أصبح غدا بغنمه وبأهله يتوكأ على عصاه، فلما كان الليلة التي أراد الله جلّ وعزّ بموسى كرامته، وابتدأه فيها بنبوته، أخرج زنده ليقدح ناراً لأهله ليبيتوا عليها ويصبح ويعلم وجه سبيله، فقدح حتى إذا أعياه لاحت النار فرآها. ﴿فَقَالَ لأَهْلِهِ ٱمْكُثُوۤاْ إِنِّيۤ آنَسْتُ نَاراً﴾، أي أبصرتها، لعلي آتيكم منها... الآية...
وقيل: معنى: "آنست" علمت ووجدت.
و "القبس" النار في طرف العود أو قصبة.
* *
﴿أَوْ أَجِدُ عَلَى ٱلنَّارِ هُدًى﴾.
أي: دلالة تدلني على الطريق، قاله ابن عباس.
وقال مجاهد: "هدى" أي: هادياً يهدي إلى الطريق.
وقال وهب: "أو أجد على النار هدى" أي: علماً من أعلام الطريق يدلني عليه.
طه 20:8
قوله تعالى ذكره: ﴿وَإِن تَجْهَرْ بِٱلْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ ٱلسِّرَّ وَأَخْفَى﴾، إلى قوله: ﴿أَوْ أَجِدُ عَلَى ٱلنَّارِ هُدًى﴾.
أي: وإن تجهر بالقول يا محمد، فإن الله تعالى يعلم ما أسررت في نفسك، وأخفى منه.
قال الحسن ومجاهد وعكرمة: "السر": ما أسررته إلى غيرك، "وأخفى" ما حدثت به نفسك.
وقال الضحاك: "السر" ما حدثت به نفسك، و "أخفى" ما لم تفعله وأنت فاعله"، وكذلك، روي عن ابن عباس.
قال ابن عباس: و "أخفى" ما تعمل غداً.
وقال ابن جبير: "السر": ما أسره الإنسان في نفسه، "وأخفى": ما لم يعلم الإنسان مما هو كائن.
وقيل: معنى: "وأخفى": ما ليس في نفس الإنسان. وسيكون ذلك في نفسه، فهو لا إله إلا هو يعلم ما سيجري في نفس الإنسان قبل أن يجري.
وقال ابن زيد: "يعلم السر" أسرار العباد وأخفى سره. وقاله أبوه زيد بن أسلم. أي: يعلم سر عباده، وأخفى سره، فلا يعلمه أحد جلّ وعزّ، وهذا اختيار النحاس. وأنكر هذا القول الطبري.
* *
وقوله: ﴿يَعْلَمُ ٱلسِّرَّ وَأَخْفَى﴾، أتى على غير ظاهر، جواب قوله "وإن تجهر بالقول، إنما هو جواب لمن قيل له وأن تستر بالقول، فإن الله يعلم السر وأخفى، ولكنه محمول على المعنى، كأنه قال: ما حاجتك إلى الجهر، والله يعلم السر وأخفى من السر.
* *
ثم قال: ﴿ٱللَّهُ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ لَهُ ٱلأَسْمَآءُ ٱلْحُسْنَىٰ﴾.
من جعل الله بدلاً من الضمير في "يعلم" لم يقف على "أخفى"، ومن جعله مبتدأ، وقف على أخفى.
أي: معبودكم واحد، لا معبود غيره، ولا إله إلا هو ﴿لَهُ ٱلأَسْمَآءُ ٱلْحُسْنَىٰ﴾ . هي تسعة وتسعون اسماً على ما روي عن النبي ﷺ، وفي ألفاضها اختلاف.
قال النبي ﷺ: لله تسعة وتسعون اسماً: مائة إلا واحدة من أحصاها دخل الجنة أي: من حفظها.
وقيل: من آمن بها.
وقيل: من قالها معتقداً لصحتها.
ثم قال تعالى ذكره ﴿وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَىٰ﴾ ﴿إِذْ رَأَى نَاراً﴾.
معناه: أن الله يخبر نبيه ﷺ بما مضى من أخبار الأنبياء عليهم السلام قبله، وما مضى عليهم ليتعزى بذلك مما يناله من قريش.
ذكر: أن موسى عليه السلام أضل الطريق في شتاء ليلاً، فلما رأى ضوء النار، قال لأهله: امكثوا لعلي أتيكم بخبر نهتدي به على الطريق أو آتيكم بقبس توقدونه في هذا البرد.
قال ابن عباس: لما قضى موسى الأجل، سار بأهله فضل الطريق.
قال وهب بن منبه: لما قضى موسى الأجل. خرج ومعه غنم له، ومعه زندله وعصاه في يده، يهش بها على غنمه نهاراً، وإذا أمسى اقتدح ناراً فبات عليها هو وأهله وغنمه، فإذا أصبح غدا بغنمه وبأهله يتوكأ على عصاه، فلما كان الليلة التي أراد الله جلّ وعزّ بموسى كرامته، وابتدأه فيها بنبوته، أخرج زنده ليقدح ناراً لأهله ليبيتوا عليها ويصبح ويعلم وجه سبيله، فقدح حتى إذا أعياه لاحت النار فرآها. ﴿فَقَالَ لأَهْلِهِ ٱمْكُثُوۤاْ إِنِّيۤ آنَسْتُ نَاراً﴾، أي أبصرتها، لعلي آتيكم منها... الآية...
وقيل: معنى: "آنست" علمت ووجدت.
و "القبس" النار في طرف العود أو قصبة.
* *
﴿أَوْ أَجِدُ عَلَى ٱلنَّارِ هُدًى﴾.
أي: دلالة تدلني على الطريق، قاله ابن عباس.
وقال مجاهد: "هدى" أي: هادياً يهدي إلى الطريق.
وقال وهب: "أو أجد على النار هدى" أي: علماً من أعلام الطريق يدلني عليه.
طه 20:9
قوله تعالى ذكره: ﴿وَإِن تَجْهَرْ بِٱلْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ ٱلسِّرَّ وَأَخْفَى﴾، إلى قوله: ﴿أَوْ أَجِدُ عَلَى ٱلنَّارِ هُدًى﴾.
أي: وإن تجهر بالقول يا محمد، فإن الله تعالى يعلم ما أسررت في نفسك، وأخفى منه.
قال الحسن ومجاهد وعكرمة: "السر": ما أسررته إلى غيرك، "وأخفى" ما حدثت به نفسك.
وقال الضحاك: "السر" ما حدثت به نفسك، و "أخفى" ما لم تفعله وأنت فاعله"، وكذلك، روي عن ابن عباس.
قال ابن عباس: و "أخفى" ما تعمل غداً.
وقال ابن جبير: "السر": ما أسره الإنسان في نفسه، "وأخفى": ما لم يعلم الإنسان مما هو كائن.
وقيل: معنى: "وأخفى": ما ليس في نفس الإنسان. وسيكون ذلك في نفسه، فهو لا إله إلا هو يعلم ما سيجري في نفس الإنسان قبل أن يجري.
وقال ابن زيد: "يعلم السر" أسرار العباد وأخفى سره. وقاله أبوه زيد بن أسلم. أي: يعلم سر عباده، وأخفى سره، فلا يعلمه أحد جلّ وعزّ، وهذا اختيار النحاس. وأنكر هذا القول الطبري.
* *
وقوله: ﴿يَعْلَمُ ٱلسِّرَّ وَأَخْفَى﴾، أتى على غير ظاهر، جواب قوله "وإن تجهر بالقول، إنما هو جواب لمن قيل له وأن تستر بالقول، فإن الله يعلم السر وأخفى، ولكنه محمول على المعنى، كأنه قال: ما حاجتك إلى الجهر، والله يعلم السر وأخفى من السر.
* *
ثم قال: ﴿ٱللَّهُ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ لَهُ ٱلأَسْمَآءُ ٱلْحُسْنَىٰ﴾.
من جعل الله بدلاً من الضمير في "يعلم" لم يقف على "أخفى"، ومن جعله مبتدأ، وقف على أخفى.
أي: معبودكم واحد، لا معبود غيره، ولا إله إلا هو ﴿لَهُ ٱلأَسْمَآءُ ٱلْحُسْنَىٰ﴾ . هي تسعة وتسعون اسماً على ما روي عن النبي ﷺ، وفي ألفاضها اختلاف.
قال النبي ﷺ: لله تسعة وتسعون اسماً: مائة إلا واحدة من أحصاها دخل الجنة أي: من حفظها.
وقيل: من آمن بها.
وقيل: من قالها معتقداً لصحتها.
ثم قال تعالى ذكره ﴿وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَىٰ﴾ ﴿إِذْ رَأَى نَاراً﴾.
معناه: أن الله يخبر نبيه ﷺ بما مضى من أخبار الأنبياء عليهم السلام قبله، وما مضى عليهم ليتعزى بذلك مما يناله من قريش.
ذكر: أن موسى عليه السلام أضل الطريق في شتاء ليلاً، فلما رأى ضوء النار، قال لأهله: امكثوا لعلي أتيكم بخبر نهتدي به على الطريق أو آتيكم بقبس توقدونه في هذا البرد.
قال ابن عباس: لما قضى موسى الأجل، سار بأهله فضل الطريق.
قال وهب بن منبه: لما قضى موسى الأجل. خرج ومعه غنم له، ومعه زندله وعصاه في يده، يهش بها على غنمه نهاراً، وإذا أمسى اقتدح ناراً فبات عليها هو وأهله وغنمه، فإذا أصبح غدا بغنمه وبأهله يتوكأ على عصاه، فلما كان الليلة التي أراد الله جلّ وعزّ بموسى كرامته، وابتدأه فيها بنبوته، أخرج زنده ليقدح ناراً لأهله ليبيتوا عليها ويصبح ويعلم وجه سبيله، فقدح حتى إذا أعياه لاحت النار فرآها. ﴿فَقَالَ لأَهْلِهِ ٱمْكُثُوۤاْ إِنِّيۤ آنَسْتُ نَاراً﴾، أي أبصرتها، لعلي آتيكم منها... الآية...
وقيل: معنى: "آنست" علمت ووجدت.
و "القبس" النار في طرف العود أو قصبة.
* *
﴿أَوْ أَجِدُ عَلَى ٱلنَّارِ هُدًى﴾.
أي: دلالة تدلني على الطريق، قاله ابن عباس.
وقال مجاهد: "هدى" أي: هادياً يهدي إلى الطريق.
وقال وهب: "أو أجد على النار هدى" أي: علماً من أعلام الطريق يدلني عليه.
طه 20:10
قوله تعالى ذكره: ﴿وَإِن تَجْهَرْ بِٱلْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ ٱلسِّرَّ وَأَخْفَى﴾، إلى قوله: ﴿أَوْ أَجِدُ عَلَى ٱلنَّارِ هُدًى﴾.
أي: وإن تجهر بالقول يا محمد، فإن الله تعالى يعلم ما أسررت في نفسك، وأخفى منه.
قال الحسن ومجاهد وعكرمة: "السر": ما أسررته إلى غيرك، "وأخفى" ما حدثت به نفسك.
وقال الضحاك: "السر" ما حدثت به نفسك، و "أخفى" ما لم تفعله وأنت فاعله"، وكذلك، روي عن ابن عباس.
قال ابن عباس: و "أخفى" ما تعمل غداً.
وقال ابن جبير: "السر": ما أسره الإنسان في نفسه، "وأخفى": ما لم يعلم الإنسان مما هو كائن.
وقيل: معنى: "وأخفى": ما ليس في نفس الإنسان. وسيكون ذلك في نفسه، فهو لا إله إلا هو يعلم ما سيجري في نفس الإنسان قبل أن يجري.
وقال ابن زيد: "يعلم السر" أسرار العباد وأخفى سره. وقاله أبوه زيد بن أسلم. أي: يعلم سر عباده، وأخفى سره، فلا يعلمه أحد جلّ وعزّ، وهذا اختيار النحاس. وأنكر هذا القول الطبري.
* *
وقوله: ﴿يَعْلَمُ ٱلسِّرَّ وَأَخْفَى﴾، أتى على غير ظاهر، جواب قوله "وإن تجهر بالقول، إنما هو جواب لمن قيل له وأن تستر بالقول، فإن الله يعلم السر وأخفى، ولكنه محمول على المعنى، كأنه قال: ما حاجتك إلى الجهر، والله يعلم السر وأخفى من السر.
* *
ثم قال: ﴿ٱللَّهُ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ لَهُ ٱلأَسْمَآءُ ٱلْحُسْنَىٰ﴾.
من جعل الله بدلاً من الضمير في "يعلم" لم يقف على "أخفى"، ومن جعله مبتدأ، وقف على أخفى.
أي: معبودكم واحد، لا معبود غيره، ولا إله إلا هو ﴿لَهُ ٱلأَسْمَآءُ ٱلْحُسْنَىٰ﴾ . هي تسعة وتسعون اسماً على ما روي عن النبي ﷺ، وفي ألفاضها اختلاف.
قال النبي ﷺ: لله تسعة وتسعون اسماً: مائة إلا واحدة من أحصاها دخل الجنة أي: من حفظها.
وقيل: من آمن بها.
وقيل: من قالها معتقداً لصحتها.
ثم قال تعالى ذكره ﴿وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَىٰ﴾ ﴿إِذْ رَأَى نَاراً﴾.
معناه: أن الله يخبر نبيه ﷺ بما مضى من أخبار الأنبياء عليهم السلام قبله، وما مضى عليهم ليتعزى بذلك مما يناله من قريش.
ذكر: أن موسى عليه السلام أضل الطريق في شتاء ليلاً، فلما رأى ضوء النار، قال لأهله: امكثوا لعلي أتيكم بخبر نهتدي به على الطريق أو آتيكم بقبس توقدونه في هذا البرد.
قال ابن عباس: لما قضى موسى الأجل، سار بأهله فضل الطريق.
قال وهب بن منبه: لما قضى موسى الأجل. خرج ومعه غنم له، ومعه زندله وعصاه في يده، يهش بها على غنمه نهاراً، وإذا أمسى اقتدح ناراً فبات عليها هو وأهله وغنمه، فإذا أصبح غدا بغنمه وبأهله يتوكأ على عصاه، فلما كان الليلة التي أراد الله جلّ وعزّ بموسى كرامته، وابتدأه فيها بنبوته، أخرج زنده ليقدح ناراً لأهله ليبيتوا عليها ويصبح ويعلم وجه سبيله، فقدح حتى إذا أعياه لاحت النار فرآها. ﴿فَقَالَ لأَهْلِهِ ٱمْكُثُوۤاْ إِنِّيۤ آنَسْتُ نَاراً﴾، أي أبصرتها، لعلي آتيكم منها... الآية...
وقيل: معنى: "آنست" علمت ووجدت.
و "القبس" النار في طرف العود أو قصبة.
* *
﴿أَوْ أَجِدُ عَلَى ٱلنَّارِ هُدًى﴾.
أي: دلالة تدلني على الطريق، قاله ابن عباس.
وقال مجاهد: "هدى" أي: هادياً يهدي إلى الطريق.
وقال وهب: "أو أجد على النار هدى" أي: علماً من أعلام الطريق يدلني عليه.
طه 20:11
قوله تعالى ذكره: ﴿فَلَمَّآ أَتَاهَا نُودِيَ يٰمُوسَىٰ * إِنِّيۤ أَنَاْ رَبُّكَ﴾ إلى قوله: ﴿بِمَا تَسْعَىٰ﴾.
أي: فلما أتى النار موسى، ناداه ربه: يا موسى، إني أنا ربك فاخلع نعليك.
قال وهب: خرج موسى نحو النار، فإذا هي في شجرة من العليق. (وبعض أهل الكتاب يقول في عوسجة) فلما دنا، استأخرت عنه، فلما رأى تأخرها عنه، رجع وأوجس في نفسه خيفة، فلما أراد أن يرجع دنت منه ثم كلم من الشجرة، فلما سمع الصوت، استأنس فقال له الله ﴿فَٱخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِٱلْوَادِ ٱلْمُقَدَّسِ طُوًى﴾ فخلعهما وألقاهما.
قال كعب: "كانتا من جلد حمار ميت، فأمر بخلعهما، وأراد الله أن يمسه القدس، وكذلك قال عكرمة وقتادة.
وكذلك روي عن النبي ﷺ أنه قال: كانت على موسى يوم كلّمه الله جبة صوف، وكساء صوف، وسراويل صوف، ونعلاه من جلد حمار غير ذكي
وقال الحسن: كانتا من جلد بقر، ولكن الله تعالى أراد أن يباشر بقدميه بركة الأرض. وكان قد قدس الوادي مرتين. وكذلك قال ابن جريج. وهذا القول اختيار الطبري، لأن الحديث لم يصح عن النبي ﷺ أنهما من جلد حمار غير ذكي.
* *
وقوله: ﴿إِنَّكَ بِٱلْوَادِ ٱلْمُقَدَّسِ﴾.
أي: المطهر.
وقال ابن عباس: "المقدس": المبارك.
وقال مجاهد: ﴿ٱلْمُقَدَّسِ طُوًى﴾: بورك فيه مرتين.
ويروى أن موسى ﷺ لما خرج من مدين ومعه امرأته بنت شعيب يريد مصر أخطأ الطريق، وكان ﷺ رجلاً غيوراً، فكان يصحب الناس بالليل، ولا يصحبهم بالنهار، فأخطأ الطريق عند انفراده لما سبق في علم الله من أمره. فرأى ناراً. فقال لأهله امكثوا، إني أبصرت ناراً لعلي آتيكم منها بقبس أو أجد على النار هدى. أي: من يهديني إلى الطريق، وكانت ليلة مظلمة، فلما توجه نحو النار فإذا النار في شجر عناب، فوقف متعجباً من ضوء تلك النار وشدة خضرة تلك الشجرة. فلا شدة النار تغيّر خضرة تلك الشجرة، ولا كثرة ماء الشجرة يغيّر حسن ضوء النار. فلما أتى الشجرة سمع النداء، يا موسى، إني أنا ربك، فاخلع نعليك، وكانتا من جلد حمار ميت.
وقال ابن عباس : في معنى "طوى" أن موسى طواه الليل إذ مر به فارتفع إلى أعلى الوادي.
فيكون على هذا مصدراً عمل فيه ما هو من غير لفظه. كأنه قال: إنك يا موسى بالواد الذي طويته طوى: أي: تجاوزته فطويته بسيرك.
وقال قتادة: معناه: قدس مرتين، أي طهره وهو قول الحسن.
وقال مجاهد وابن أبي نجيج: "طوى" اسم الوادي. وروي ذلك أيضاً عن ابن عباس. وقاله ابن زيد.
وعن ابن عباس: أنه أمر من الله تعالى لموسى أن يطأ الوادي بقدمه. فالمعنى: اخلع نعليك. طأ الوادي.
وقال ابن جبير: معناه: طأ الأرض حافياً كما تدخل الكعبة حافياً. وكذلك روي أيضاً عن مجاهد.
ومن فتح الهمزة في "إني أنا" فعلى تقدير: "نودي بأني". ومن كسرها فعلى الاستئناف، لأن النداء وقع على موسى فاستؤنفت "إن بعده، فكسرت.
وقيل: كسرت لأنها حكاية بعدها.
معناه: القول، لأن نؤدي مثل قيل.
ومن صرف "طوى" جعله اسما للوادي مذكراً، فصرفه، وجعله مصدراً.
والأكثر في المصدر من هذا أن يكون مكسور الأول مثل ثنى. ومن لم يصرفه جعله اسماً للبقعة.
وقيل: هو معدول عن طاوي. كعمر، معدول عن عامر، وقد ذهب الكسائي في صرفه إلى أنه صرف لخفته. وكان حقه ألا ينصرف. ولكن سمع صرفه من العرب. وعلة صرفه قلة حروفه وخفته.
ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَأَنَا ٱخْتَرْتُكَ فَٱسْتَمِعْ لِمَا يُوحَىۤ﴾.
أي: وأنا اجتبيتك لرسالتي، فاستمع لما يوحى وَعِهِ بقلبك، واعمل به.
* *
﴿إِنَّنِيۤ أَنَا ٱللَّهُ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاۤ أَنَاْ فَٱعْبُدْنِي﴾.
أي: إني أنا المعبود، لا معبود غيري يستحق العبادة فاعبدني.
﴿وَأَقِمِ ٱلصَّلاَةَ لِذِكْرِيۤ﴾، أي: أقم الصلاة فإنك إذا أقمتها ذكرتني. فتقديره: أقم الصلاة، لأن تذكرني بها، هذا معنى قول مجاهد.
وقيل: معناه: أقم الصلاة حين تذكرها.
وروى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: "من نسي صلاة فليصلها إذا ذكرها، قال الله عز وجل: ﴿وَأَقِمِ ٱلصَّلاَةَ لِذِكْرِيۤ﴾ وزاد فيه قتادة "لا كفارة لها إلا ذلك".
وقيل: المعنى: أقم الصلاة لأن أذكرك بالمدح.
وقيل: المعنى: أقم الصلاة إذا ذكرتني.
وقيل: المعنى: أقم الصلاة لتذكرني فيها.
وشاهده أن ابن عباس وأبا عبد الرحمن السلمي قرآ: ﴿وَأَقِمِ ٱلصَّلاَةَ لِذِكْرِيۤ﴾ بلامين، مشددة الذال. أي: لتذكرني فيها.
وقرأ الأعرج وأبو رجا والشعبي: "لِذِكْرَاً" أبدلوا من الياء ألفا. كما يقال: يا غلاماً.
ثم قال تعالى ذكره: ﴿إِنَّ ٱلسَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا﴾. أي: إن القيامة جائية أكاد أسترها.
وقال ابن عباس معناه: لا أظهر عليها غيري.
وقال مجاهد وابن جبير: أكاد أخفيها من نفسي. وقاله قتادة والضحاك.
وقرأ ابن جبير بفتح همزة "أخفيها". وكذلك روى عن مجاهد والحسن، بمعنى أظهرها. يقال خفيت الشيء وأخفيته بمعنى: أظهرته. ومنه قيل للنباش المختفي، لأنه يظهر الموتى ويقال: أخفى بمعنى ستر. هذا هو المشهور في كلام العرب. وإنما حسن أن تتأول الآية في قراءة من ضم الهمزة على أخفيها من نفسي - والله لا يخفى عليه شيء - لأنه تعالى خاطب العرب على ما تعرف، وتستعمل فيما بينها من المخاطبات. وقد كان الرجل منهم إذا تبالغ في الخبر عن إخفاء شيء هو له مسر، قال: كدت أخفيه من نفسي. فخوطبوا على أبلغ ما يعقلون.
وقيل: إن: "أكاد" بمعنى أريد. وذلك معروف في اللغة. فيكون المعنى أريد أخفيها. أي أسترها لتجزي كل نفس بما تسعى.
وقيل: إن تمام الكلام "أكاد" أي: أكاد أن آتي بها، ثم ابتدأ فقال أخفيها أي: ولكني أخفيها لتجزى كل نفس بما تسعى.
وقيل: أكاد زائدة. وهو قول الأخفش. قال: ومنه قوله تعالى: ﴿لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾ [النور: ٤٠] وإنما هو لم يرها.
وقيل: معنى قول من قال: معناها أكاد أخفيها من نفسي، أي من قِبلي ومن عندي.
وقيل: إن المعنى أن الله تعالى قد أرسل الرسل بخبر أن الساعة آتية، وكذب بها الأمم فقال: "أكاد أخفيها" أي: أكاد لا أجعل لها دليلاً، فتأتي بغتة. فلم يخفها تعالى ذكره لأنه قد أرسل الرسل ينذرون الناس ويحذرونهم من قيامها، وإنما احتاج العلماء إلى هذه التأويلات، لأن القائل إذا قال: كدت أخفيه "كان معنى قوله: أنه أظهره، فيجب أن يكون معنى "أكاد أخفيها" أظهرها. وذلك صحيح، لأن الله عز وجل قد أظهر علاماتها وأشراطها.
واختار النحاس أن يكون المعنى: أن الساعة آتية أكاد "تم الكلام أي: "أكاد آتي بها. ودل "آتية" على "آتي بها". ثم قال "أخفيها" على الابتداء. فصح المعنى، لأنه الله تعالى قد أخفى وقتها.
* *
وقوله: ﴿لِتُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَىٰ﴾ اللام متعلقة بـ "آتية".
وقيل: بـ ﴿وَأَقِمِ ٱلصَّلاَةَ لِذِكْرِيۤ﴾. أي: لتثاب كل نفس من المكلفين بما تعمل من خير وشر.
و "السعي" العمل. وأجاز أبو حاتم الوقف على "أخفيها". ويبتدئ بلام ﴿لِتُجْزَىٰ﴾ بجعلها لام قسم. وذلك غلط ظاهر.
طه 20:12
قوله تعالى ذكره: ﴿فَلَمَّآ أَتَاهَا نُودِيَ يٰمُوسَىٰ * إِنِّيۤ أَنَاْ رَبُّكَ﴾ إلى قوله: ﴿بِمَا تَسْعَىٰ﴾.
أي: فلما أتى النار موسى، ناداه ربه: يا موسى، إني أنا ربك فاخلع نعليك.
قال وهب: خرج موسى نحو النار، فإذا هي في شجرة من العليق. (وبعض أهل الكتاب يقول في عوسجة) فلما دنا، استأخرت عنه، فلما رأى تأخرها عنه، رجع وأوجس في نفسه خيفة، فلما أراد أن يرجع دنت منه ثم كلم من الشجرة، فلما سمع الصوت، استأنس فقال له الله ﴿فَٱخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِٱلْوَادِ ٱلْمُقَدَّسِ طُوًى﴾ فخلعهما وألقاهما.
قال كعب: "كانتا من جلد حمار ميت، فأمر بخلعهما، وأراد الله أن يمسه القدس، وكذلك قال عكرمة وقتادة.
وكذلك روي عن النبي ﷺ أنه قال: كانت على موسى يوم كلّمه الله جبة صوف، وكساء صوف، وسراويل صوف، ونعلاه من جلد حمار غير ذكي
وقال الحسن: كانتا من جلد بقر، ولكن الله تعالى أراد أن يباشر بقدميه بركة الأرض. وكان قد قدس الوادي مرتين. وكذلك قال ابن جريج. وهذا القول اختيار الطبري، لأن الحديث لم يصح عن النبي ﷺ أنهما من جلد حمار غير ذكي.
* *
وقوله: ﴿إِنَّكَ بِٱلْوَادِ ٱلْمُقَدَّسِ﴾.
أي: المطهر.
وقال ابن عباس: "المقدس": المبارك.
وقال مجاهد: ﴿ٱلْمُقَدَّسِ طُوًى﴾: بورك فيه مرتين.
ويروى أن موسى ﷺ لما خرج من مدين ومعه امرأته بنت شعيب يريد مصر أخطأ الطريق، وكان ﷺ رجلاً غيوراً، فكان يصحب الناس بالليل، ولا يصحبهم بالنهار، فأخطأ الطريق عند انفراده لما سبق في علم الله من أمره. فرأى ناراً. فقال لأهله امكثوا، إني أبصرت ناراً لعلي آتيكم منها بقبس أو أجد على النار هدى. أي: من يهديني إلى الطريق، وكانت ليلة مظلمة، فلما توجه نحو النار فإذا النار في شجر عناب، فوقف متعجباً من ضوء تلك النار وشدة خضرة تلك الشجرة. فلا شدة النار تغيّر خضرة تلك الشجرة، ولا كثرة ماء الشجرة يغيّر حسن ضوء النار. فلما أتى الشجرة سمع النداء، يا موسى، إني أنا ربك، فاخلع نعليك، وكانتا من جلد حمار ميت.
وقال ابن عباس : في معنى "طوى" أن موسى طواه الليل إذ مر به فارتفع إلى أعلى الوادي.
فيكون على هذا مصدراً عمل فيه ما هو من غير لفظه. كأنه قال: إنك يا موسى بالواد الذي طويته طوى: أي: تجاوزته فطويته بسيرك.
وقال قتادة: معناه: قدس مرتين، أي طهره وهو قول الحسن.
وقال مجاهد وابن أبي نجيج: "طوى" اسم الوادي. وروي ذلك أيضاً عن ابن عباس. وقاله ابن زيد.
وعن ابن عباس: أنه أمر من الله تعالى لموسى أن يطأ الوادي بقدمه. فالمعنى: اخلع نعليك. طأ الوادي.
وقال ابن جبير: معناه: طأ الأرض حافياً كما تدخل الكعبة حافياً. وكذلك روي أيضاً عن مجاهد.
ومن فتح الهمزة في "إني أنا" فعلى تقدير: "نودي بأني". ومن كسرها فعلى الاستئناف، لأن النداء وقع على موسى فاستؤنفت "إن بعده، فكسرت.
وقيل: كسرت لأنها حكاية بعدها.
معناه: القول، لأن نؤدي مثل قيل.
ومن صرف "طوى" جعله اسما للوادي مذكراً، فصرفه، وجعله مصدراً.
والأكثر في المصدر من هذا أن يكون مكسور الأول مثل ثنى. ومن لم يصرفه جعله اسماً للبقعة.
وقيل: هو معدول عن طاوي. كعمر، معدول عن عامر، وقد ذهب الكسائي في صرفه إلى أنه صرف لخفته. وكان حقه ألا ينصرف. ولكن سمع صرفه من العرب. وعلة صرفه قلة حروفه وخفته.
ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَأَنَا ٱخْتَرْتُكَ فَٱسْتَمِعْ لِمَا يُوحَىۤ﴾.
أي: وأنا اجتبيتك لرسالتي، فاستمع لما يوحى وَعِهِ بقلبك، واعمل به.
* *
﴿إِنَّنِيۤ أَنَا ٱللَّهُ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاۤ أَنَاْ فَٱعْبُدْنِي﴾.
أي: إني أنا المعبود، لا معبود غيري يستحق العبادة فاعبدني.
﴿وَأَقِمِ ٱلصَّلاَةَ لِذِكْرِيۤ﴾، أي: أقم الصلاة فإنك إذا أقمتها ذكرتني. فتقديره: أقم الصلاة، لأن تذكرني بها، هذا معنى قول مجاهد.
وقيل: معناه: أقم الصلاة حين تذكرها.
وروى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: "من نسي صلاة فليصلها إذا ذكرها، قال الله عز وجل: ﴿وَأَقِمِ ٱلصَّلاَةَ لِذِكْرِيۤ﴾ وزاد فيه قتادة "لا كفارة لها إلا ذلك".
وقيل: المعنى: أقم الصلاة لأن أذكرك بالمدح.
وقيل: المعنى: أقم الصلاة إذا ذكرتني.
وقيل: المعنى: أقم الصلاة لتذكرني فيها.
وشاهده أن ابن عباس وأبا عبد الرحمن السلمي قرآ: ﴿وَأَقِمِ ٱلصَّلاَةَ لِذِكْرِيۤ﴾ بلامين، مشددة الذال. أي: لتذكرني فيها.
وقرأ الأعرج وأبو رجا والشعبي: "لِذِكْرَاً" أبدلوا من الياء ألفا. كما يقال: يا غلاماً.
ثم قال تعالى ذكره: ﴿إِنَّ ٱلسَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا﴾. أي: إن القيامة جائية أكاد أسترها.
وقال ابن عباس معناه: لا أظهر عليها غيري.
وقال مجاهد وابن جبير: أكاد أخفيها من نفسي. وقاله قتادة والضحاك.
وقرأ ابن جبير بفتح همزة "أخفيها". وكذلك روى عن مجاهد والحسن، بمعنى أظهرها. يقال خفيت الشيء وأخفيته بمعنى: أظهرته. ومنه قيل للنباش المختفي، لأنه يظهر الموتى ويقال: أخفى بمعنى ستر. هذا هو المشهور في كلام العرب. وإنما حسن أن تتأول الآية في قراءة من ضم الهمزة على أخفيها من نفسي - والله لا يخفى عليه شيء - لأنه تعالى خاطب العرب على ما تعرف، وتستعمل فيما بينها من المخاطبات. وقد كان الرجل منهم إذا تبالغ في الخبر عن إخفاء شيء هو له مسر، قال: كدت أخفيه من نفسي. فخوطبوا على أبلغ ما يعقلون.
وقيل: إن: "أكاد" بمعنى أريد. وذلك معروف في اللغة. فيكون المعنى أريد أخفيها. أي أسترها لتجزي كل نفس بما تسعى.
وقيل: إن تمام الكلام "أكاد" أي: أكاد أن آتي بها، ثم ابتدأ فقال أخفيها أي: ولكني أخفيها لتجزى كل نفس بما تسعى.
وقيل: أكاد زائدة. وهو قول الأخفش. قال: ومنه قوله تعالى: ﴿لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾ [النور: ٤٠] وإنما هو لم يرها.
وقيل: معنى قول من قال: معناها أكاد أخفيها من نفسي، أي من قِبلي ومن عندي.
وقيل: إن المعنى أن الله تعالى قد أرسل الرسل بخبر أن الساعة آتية، وكذب بها الأمم فقال: "أكاد أخفيها" أي: أكاد لا أجعل لها دليلاً، فتأتي بغتة. فلم يخفها تعالى ذكره لأنه قد أرسل الرسل ينذرون الناس ويحذرونهم من قيامها، وإنما احتاج العلماء إلى هذه التأويلات، لأن القائل إذا قال: كدت أخفيه "كان معنى قوله: أنه أظهره، فيجب أن يكون معنى "أكاد أخفيها" أظهرها. وذلك صحيح، لأن الله عز وجل قد أظهر علاماتها وأشراطها.
واختار النحاس أن يكون المعنى: أن الساعة آتية أكاد "تم الكلام أي: "أكاد آتي بها. ودل "آتية" على "آتي بها". ثم قال "أخفيها" على الابتداء. فصح المعنى، لأنه الله تعالى قد أخفى وقتها.
* *
وقوله: ﴿لِتُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَىٰ﴾ اللام متعلقة بـ "آتية".
وقيل: بـ ﴿وَأَقِمِ ٱلصَّلاَةَ لِذِكْرِيۤ﴾. أي: لتثاب كل نفس من المكلفين بما تعمل من خير وشر.
و "السعي" العمل. وأجاز أبو حاتم الوقف على "أخفيها". ويبتدئ بلام ﴿لِتُجْزَىٰ﴾ بجعلها لام قسم. وذلك غلط ظاهر.
طه 20:13
قوله تعالى ذكره: ﴿فَلَمَّآ أَتَاهَا نُودِيَ يٰمُوسَىٰ * إِنِّيۤ أَنَاْ رَبُّكَ﴾ إلى قوله: ﴿بِمَا تَسْعَىٰ﴾.
أي: فلما أتى النار موسى، ناداه ربه: يا موسى، إني أنا ربك فاخلع نعليك.
قال وهب: خرج موسى نحو النار، فإذا هي في شجرة من العليق. (وبعض أهل الكتاب يقول في عوسجة) فلما دنا، استأخرت عنه، فلما رأى تأخرها عنه، رجع وأوجس في نفسه خيفة، فلما أراد أن يرجع دنت منه ثم كلم من الشجرة، فلما سمع الصوت، استأنس فقال له الله ﴿فَٱخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِٱلْوَادِ ٱلْمُقَدَّسِ طُوًى﴾ فخلعهما وألقاهما.
قال كعب: "كانتا من جلد حمار ميت، فأمر بخلعهما، وأراد الله أن يمسه القدس، وكذلك قال عكرمة وقتادة.
وكذلك روي عن النبي ﷺ أنه قال: كانت على موسى يوم كلّمه الله جبة صوف، وكساء صوف، وسراويل صوف، ونعلاه من جلد حمار غير ذكي
وقال الحسن: كانتا من جلد بقر، ولكن الله تعالى أراد أن يباشر بقدميه بركة الأرض. وكان قد قدس الوادي مرتين. وكذلك قال ابن جريج. وهذا القول اختيار الطبري، لأن الحديث لم يصح عن النبي ﷺ أنهما من جلد حمار غير ذكي.
* *
وقوله: ﴿إِنَّكَ بِٱلْوَادِ ٱلْمُقَدَّسِ﴾.
أي: المطهر.
وقال ابن عباس: "المقدس": المبارك.
وقال مجاهد: ﴿ٱلْمُقَدَّسِ طُوًى﴾: بورك فيه مرتين.
ويروى أن موسى ﷺ لما خرج من مدين ومعه امرأته بنت شعيب يريد مصر أخطأ الطريق، وكان ﷺ رجلاً غيوراً، فكان يصحب الناس بالليل، ولا يصحبهم بالنهار، فأخطأ الطريق عند انفراده لما سبق في علم الله من أمره. فرأى ناراً. فقال لأهله امكثوا، إني أبصرت ناراً لعلي آتيكم منها بقبس أو أجد على النار هدى. أي: من يهديني إلى الطريق، وكانت ليلة مظلمة، فلما توجه نحو النار فإذا النار في شجر عناب، فوقف متعجباً من ضوء تلك النار وشدة خضرة تلك الشجرة. فلا شدة النار تغيّر خضرة تلك الشجرة، ولا كثرة ماء الشجرة يغيّر حسن ضوء النار. فلما أتى الشجرة سمع النداء، يا موسى، إني أنا ربك، فاخلع نعليك، وكانتا من جلد حمار ميت.
وقال ابن عباس : في معنى "طوى" أن موسى طواه الليل إذ مر به فارتفع إلى أعلى الوادي.
فيكون على هذا مصدراً عمل فيه ما هو من غير لفظه. كأنه قال: إنك يا موسى بالواد الذي طويته طوى: أي: تجاوزته فطويته بسيرك.
وقال قتادة: معناه: قدس مرتين، أي طهره وهو قول الحسن.
وقال مجاهد وابن أبي نجيج: "طوى" اسم الوادي. وروي ذلك أيضاً عن ابن عباس. وقاله ابن زيد.
وعن ابن عباس: أنه أمر من الله تعالى لموسى أن يطأ الوادي بقدمه. فالمعنى: اخلع نعليك. طأ الوادي.
وقال ابن جبير: معناه: طأ الأرض حافياً كما تدخل الكعبة حافياً. وكذلك روي أيضاً عن مجاهد.
ومن فتح الهمزة في "إني أنا" فعلى تقدير: "نودي بأني". ومن كسرها فعلى الاستئناف، لأن النداء وقع على موسى فاستؤنفت "إن بعده، فكسرت.
وقيل: كسرت لأنها حكاية بعدها.
معناه: القول، لأن نؤدي مثل قيل.
ومن صرف "طوى" جعله اسما للوادي مذكراً، فصرفه، وجعله مصدراً.
والأكثر في المصدر من هذا أن يكون مكسور الأول مثل ثنى. ومن لم يصرفه جعله اسماً للبقعة.
وقيل: هو معدول عن طاوي. كعمر، معدول عن عامر، وقد ذهب الكسائي في صرفه إلى أنه صرف لخفته. وكان حقه ألا ينصرف. ولكن سمع صرفه من العرب. وعلة صرفه قلة حروفه وخفته.
ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَأَنَا ٱخْتَرْتُكَ فَٱسْتَمِعْ لِمَا يُوحَىۤ﴾.
أي: وأنا اجتبيتك لرسالتي، فاستمع لما يوحى وَعِهِ بقلبك، واعمل به.
* *
﴿إِنَّنِيۤ أَنَا ٱللَّهُ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاۤ أَنَاْ فَٱعْبُدْنِي﴾.
أي: إني أنا المعبود، لا معبود غيري يستحق العبادة فاعبدني.
﴿وَأَقِمِ ٱلصَّلاَةَ لِذِكْرِيۤ﴾، أي: أقم الصلاة فإنك إذا أقمتها ذكرتني. فتقديره: أقم الصلاة، لأن تذكرني بها، هذا معنى قول مجاهد.
وقيل: معناه: أقم الصلاة حين تذكرها.
وروى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: "من نسي صلاة فليصلها إذا ذكرها، قال الله عز وجل: ﴿وَأَقِمِ ٱلصَّلاَةَ لِذِكْرِيۤ﴾ وزاد فيه قتادة "لا كفارة لها إلا ذلك".
وقيل: المعنى: أقم الصلاة لأن أذكرك بالمدح.
وقيل: المعنى: أقم الصلاة إذا ذكرتني.
وقيل: المعنى: أقم الصلاة لتذكرني فيها.
وشاهده أن ابن عباس وأبا عبد الرحمن السلمي قرآ: ﴿وَأَقِمِ ٱلصَّلاَةَ لِذِكْرِيۤ﴾ بلامين، مشددة الذال. أي: لتذكرني فيها.
وقرأ الأعرج وأبو رجا والشعبي: "لِذِكْرَاً" أبدلوا من الياء ألفا. كما يقال: يا غلاماً.
ثم قال تعالى ذكره: ﴿إِنَّ ٱلسَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا﴾. أي: إن القيامة جائية أكاد أسترها.
وقال ابن عباس معناه: لا أظهر عليها غيري.
وقال مجاهد وابن جبير: أكاد أخفيها من نفسي. وقاله قتادة والضحاك.
وقرأ ابن جبير بفتح همزة "أخفيها". وكذلك روى عن مجاهد والحسن، بمعنى أظهرها. يقال خفيت الشيء وأخفيته بمعنى: أظهرته. ومنه قيل للنباش المختفي، لأنه يظهر الموتى ويقال: أخفى بمعنى ستر. هذا هو المشهور في كلام العرب. وإنما حسن أن تتأول الآية في قراءة من ضم الهمزة على أخفيها من نفسي - والله لا يخفى عليه شيء - لأنه تعالى خاطب العرب على ما تعرف، وتستعمل فيما بينها من المخاطبات. وقد كان الرجل منهم إذا تبالغ في الخبر عن إخفاء شيء هو له مسر، قال: كدت أخفيه من نفسي. فخوطبوا على أبلغ ما يعقلون.
وقيل: إن: "أكاد" بمعنى أريد. وذلك معروف في اللغة. فيكون المعنى أريد أخفيها. أي أسترها لتجزي كل نفس بما تسعى.
وقيل: إن تمام الكلام "أكاد" أي: أكاد أن آتي بها، ثم ابتدأ فقال أخفيها أي: ولكني أخفيها لتجزى كل نفس بما تسعى.
وقيل: أكاد زائدة. وهو قول الأخفش. قال: ومنه قوله تعالى: ﴿لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾ [النور: ٤٠] وإنما هو لم يرها.
وقيل: معنى قول من قال: معناها أكاد أخفيها من نفسي، أي من قِبلي ومن عندي.
وقيل: إن المعنى أن الله تعالى قد أرسل الرسل بخبر أن الساعة آتية، وكذب بها الأمم فقال: "أكاد أخفيها" أي: أكاد لا أجعل لها دليلاً، فتأتي بغتة. فلم يخفها تعالى ذكره لأنه قد أرسل الرسل ينذرون الناس ويحذرونهم من قيامها، وإنما احتاج العلماء إلى هذه التأويلات، لأن القائل إذا قال: كدت أخفيه "كان معنى قوله: أنه أظهره، فيجب أن يكون معنى "أكاد أخفيها" أظهرها. وذلك صحيح، لأن الله عز وجل قد أظهر علاماتها وأشراطها.
واختار النحاس أن يكون المعنى: أن الساعة آتية أكاد "تم الكلام أي: "أكاد آتي بها. ودل "آتية" على "آتي بها". ثم قال "أخفيها" على الابتداء. فصح المعنى، لأنه الله تعالى قد أخفى وقتها.
* *
وقوله: ﴿لِتُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَىٰ﴾ اللام متعلقة بـ "آتية".
وقيل: بـ ﴿وَأَقِمِ ٱلصَّلاَةَ لِذِكْرِيۤ﴾. أي: لتثاب كل نفس من المكلفين بما تعمل من خير وشر.
و "السعي" العمل. وأجاز أبو حاتم الوقف على "أخفيها". ويبتدئ بلام ﴿لِتُجْزَىٰ﴾ بجعلها لام قسم. وذلك غلط ظاهر.
طه 20:14
قوله تعالى ذكره: ﴿فَلَمَّآ أَتَاهَا نُودِيَ يٰمُوسَىٰ * إِنِّيۤ أَنَاْ رَبُّكَ﴾ إلى قوله: ﴿بِمَا تَسْعَىٰ﴾.
أي: فلما أتى النار موسى، ناداه ربه: يا موسى، إني أنا ربك فاخلع نعليك.
قال وهب: خرج موسى نحو النار، فإذا هي في شجرة من العليق. (وبعض أهل الكتاب يقول في عوسجة) فلما دنا، استأخرت عنه، فلما رأى تأخرها عنه، رجع وأوجس في نفسه خيفة، فلما أراد أن يرجع دنت منه ثم كلم من الشجرة، فلما سمع الصوت، استأنس فقال له الله ﴿فَٱخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِٱلْوَادِ ٱلْمُقَدَّسِ طُوًى﴾ فخلعهما وألقاهما.
قال كعب: "كانتا من جلد حمار ميت، فأمر بخلعهما، وأراد الله أن يمسه القدس، وكذلك قال عكرمة وقتادة.
وكذلك روي عن النبي ﷺ أنه قال: كانت على موسى يوم كلّمه الله جبة صوف، وكساء صوف، وسراويل صوف، ونعلاه من جلد حمار غير ذكي
وقال الحسن: كانتا من جلد بقر، ولكن الله تعالى أراد أن يباشر بقدميه بركة الأرض. وكان قد قدس الوادي مرتين. وكذلك قال ابن جريج. وهذا القول اختيار الطبري، لأن الحديث لم يصح عن النبي ﷺ أنهما من جلد حمار غير ذكي.
* *
وقوله: ﴿إِنَّكَ بِٱلْوَادِ ٱلْمُقَدَّسِ﴾.
أي: المطهر.
وقال ابن عباس: "المقدس": المبارك.
وقال مجاهد: ﴿ٱلْمُقَدَّسِ طُوًى﴾: بورك فيه مرتين.
ويروى أن موسى ﷺ لما خرج من مدين ومعه امرأته بنت شعيب يريد مصر أخطأ الطريق، وكان ﷺ رجلاً غيوراً، فكان يصحب الناس بالليل، ولا يصحبهم بالنهار، فأخطأ الطريق عند انفراده لما سبق في علم الله من أمره. فرأى ناراً. فقال لأهله امكثوا، إني أبصرت ناراً لعلي آتيكم منها بقبس أو أجد على النار هدى. أي: من يهديني إلى الطريق، وكانت ليلة مظلمة، فلما توجه نحو النار فإذا النار في شجر عناب، فوقف متعجباً من ضوء تلك النار وشدة خضرة تلك الشجرة. فلا شدة النار تغيّر خضرة تلك الشجرة، ولا كثرة ماء الشجرة يغيّر حسن ضوء النار. فلما أتى الشجرة سمع النداء، يا موسى، إني أنا ربك، فاخلع نعليك، وكانتا من جلد حمار ميت.
وقال ابن عباس : في معنى "طوى" أن موسى طواه الليل إذ مر به فارتفع إلى أعلى الوادي.
فيكون على هذا مصدراً عمل فيه ما هو من غير لفظه. كأنه قال: إنك يا موسى بالواد الذي طويته طوى: أي: تجاوزته فطويته بسيرك.
وقال قتادة: معناه: قدس مرتين، أي طهره وهو قول الحسن.
وقال مجاهد وابن أبي نجيج: "طوى" اسم الوادي. وروي ذلك أيضاً عن ابن عباس. وقاله ابن زيد.
وعن ابن عباس: أنه أمر من الله تعالى لموسى أن يطأ الوادي بقدمه. فالمعنى: اخلع نعليك. طأ الوادي.
وقال ابن جبير: معناه: طأ الأرض حافياً كما تدخل الكعبة حافياً. وكذلك روي أيضاً عن مجاهد.
ومن فتح الهمزة في "إني أنا" فعلى تقدير: "نودي بأني". ومن كسرها فعلى الاستئناف، لأن النداء وقع على موسى فاستؤنفت "إن بعده، فكسرت.
وقيل: كسرت لأنها حكاية بعدها.
معناه: القول، لأن نؤدي مثل قيل.
ومن صرف "طوى" جعله اسما للوادي مذكراً، فصرفه، وجعله مصدراً.
والأكثر في المصدر من هذا أن يكون مكسور الأول مثل ثنى. ومن لم يصرفه جعله اسماً للبقعة.
وقيل: هو معدول عن طاوي. كعمر، معدول عن عامر، وقد ذهب الكسائي في صرفه إلى أنه صرف لخفته. وكان حقه ألا ينصرف. ولكن سمع صرفه من العرب. وعلة صرفه قلة حروفه وخفته.
ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَأَنَا ٱخْتَرْتُكَ فَٱسْتَمِعْ لِمَا يُوحَىۤ﴾.
أي: وأنا اجتبيتك لرسالتي، فاستمع لما يوحى وَعِهِ بقلبك، واعمل به.
* *
﴿إِنَّنِيۤ أَنَا ٱللَّهُ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاۤ أَنَاْ فَٱعْبُدْنِي﴾.
أي: إني أنا المعبود، لا معبود غيري يستحق العبادة فاعبدني.
﴿وَأَقِمِ ٱلصَّلاَةَ لِذِكْرِيۤ﴾، أي: أقم الصلاة فإنك إذا أقمتها ذكرتني. فتقديره: أقم الصلاة، لأن تذكرني بها، هذا معنى قول مجاهد.
وقيل: معناه: أقم الصلاة حين تذكرها.
وروى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: "من نسي صلاة فليصلها إذا ذكرها، قال الله عز وجل: ﴿وَأَقِمِ ٱلصَّلاَةَ لِذِكْرِيۤ﴾ وزاد فيه قتادة "لا كفارة لها إلا ذلك".
وقيل: المعنى: أقم الصلاة لأن أذكرك بالمدح.
وقيل: المعنى: أقم الصلاة إذا ذكرتني.
وقيل: المعنى: أقم الصلاة لتذكرني فيها.
وشاهده أن ابن عباس وأبا عبد الرحمن السلمي قرآ: ﴿وَأَقِمِ ٱلصَّلاَةَ لِذِكْرِيۤ﴾ بلامين، مشددة الذال. أي: لتذكرني فيها.
وقرأ الأعرج وأبو رجا والشعبي: "لِذِكْرَاً" أبدلوا من الياء ألفا. كما يقال: يا غلاماً.
ثم قال تعالى ذكره: ﴿إِنَّ ٱلسَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا﴾. أي: إن القيامة جائية أكاد أسترها.
وقال ابن عباس معناه: لا أظهر عليها غيري.
وقال مجاهد وابن جبير: أكاد أخفيها من نفسي. وقاله قتادة والضحاك.
وقرأ ابن جبير بفتح همزة "أخفيها". وكذلك روى عن مجاهد والحسن، بمعنى أظهرها. يقال خفيت الشيء وأخفيته بمعنى: أظهرته. ومنه قيل للنباش المختفي، لأنه يظهر الموتى ويقال: أخفى بمعنى ستر. هذا هو المشهور في كلام العرب. وإنما حسن أن تتأول الآية في قراءة من ضم الهمزة على أخفيها من نفسي - والله لا يخفى عليه شيء - لأنه تعالى خاطب العرب على ما تعرف، وتستعمل فيما بينها من المخاطبات. وقد كان الرجل منهم إذا تبالغ في الخبر عن إخفاء شيء هو له مسر، قال: كدت أخفيه من نفسي. فخوطبوا على أبلغ ما يعقلون.
وقيل: إن: "أكاد" بمعنى أريد. وذلك معروف في اللغة. فيكون المعنى أريد أخفيها. أي أسترها لتجزي كل نفس بما تسعى.
وقيل: إن تمام الكلام "أكاد" أي: أكاد أن آتي بها، ثم ابتدأ فقال أخفيها أي: ولكني أخفيها لتجزى كل نفس بما تسعى.
وقيل: أكاد زائدة. وهو قول الأخفش. قال: ومنه قوله تعالى: ﴿لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾ [النور: ٤٠] وإنما هو لم يرها.
وقيل: معنى قول من قال: معناها أكاد أخفيها من نفسي، أي من قِبلي ومن عندي.
وقيل: إن المعنى أن الله تعالى قد أرسل الرسل بخبر أن الساعة آتية، وكذب بها الأمم فقال: "أكاد أخفيها" أي: أكاد لا أجعل لها دليلاً، فتأتي بغتة. فلم يخفها تعالى ذكره لأنه قد أرسل الرسل ينذرون الناس ويحذرونهم من قيامها، وإنما احتاج العلماء إلى هذه التأويلات، لأن القائل إذا قال: كدت أخفيه "كان معنى قوله: أنه أظهره، فيجب أن يكون معنى "أكاد أخفيها" أظهرها. وذلك صحيح، لأن الله عز وجل قد أظهر علاماتها وأشراطها.
واختار النحاس أن يكون المعنى: أن الساعة آتية أكاد "تم الكلام أي: "أكاد آتي بها. ودل "آتية" على "آتي بها". ثم قال "أخفيها" على الابتداء. فصح المعنى، لأنه الله تعالى قد أخفى وقتها.
* *
وقوله: ﴿لِتُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَىٰ﴾ اللام متعلقة بـ "آتية".
وقيل: بـ ﴿وَأَقِمِ ٱلصَّلاَةَ لِذِكْرِيۤ﴾. أي: لتثاب كل نفس من المكلفين بما تعمل من خير وشر.
و "السعي" العمل. وأجاز أبو حاتم الوقف على "أخفيها". ويبتدئ بلام ﴿لِتُجْزَىٰ﴾ بجعلها لام قسم. وذلك غلط ظاهر.
طه 20:15
قوله تعالى ذكره: ﴿فَلَمَّآ أَتَاهَا نُودِيَ يٰمُوسَىٰ * إِنِّيۤ أَنَاْ رَبُّكَ﴾ إلى قوله: ﴿بِمَا تَسْعَىٰ﴾.
أي: فلما أتى النار موسى، ناداه ربه: يا موسى، إني أنا ربك فاخلع نعليك.
قال وهب: خرج موسى نحو النار، فإذا هي في شجرة من العليق. (وبعض أهل الكتاب يقول في عوسجة) فلما دنا، استأخرت عنه، فلما رأى تأخرها عنه، رجع وأوجس في نفسه خيفة، فلما أراد أن يرجع دنت منه ثم كلم من الشجرة، فلما سمع الصوت، استأنس فقال له الله ﴿فَٱخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِٱلْوَادِ ٱلْمُقَدَّسِ طُوًى﴾ فخلعهما وألقاهما.
قال كعب: "كانتا من جلد حمار ميت، فأمر بخلعهما، وأراد الله أن يمسه القدس، وكذلك قال عكرمة وقتادة.
وكذلك روي عن النبي ﷺ أنه قال: كانت على موسى يوم كلّمه الله جبة صوف، وكساء صوف، وسراويل صوف، ونعلاه من جلد حمار غير ذكي
وقال الحسن: كانتا من جلد بقر، ولكن الله تعالى أراد أن يباشر بقدميه بركة الأرض. وكان قد قدس الوادي مرتين. وكذلك قال ابن جريج. وهذا القول اختيار الطبري، لأن الحديث لم يصح عن النبي ﷺ أنهما من جلد حمار غير ذكي.
* *
وقوله: ﴿إِنَّكَ بِٱلْوَادِ ٱلْمُقَدَّسِ﴾.
أي: المطهر.
وقال ابن عباس: "المقدس": المبارك.
وقال مجاهد: ﴿ٱلْمُقَدَّسِ طُوًى﴾: بورك فيه مرتين.
ويروى أن موسى ﷺ لما خرج من مدين ومعه امرأته بنت شعيب يريد مصر أخطأ الطريق، وكان ﷺ رجلاً غيوراً، فكان يصحب الناس بالليل، ولا يصحبهم بالنهار، فأخطأ الطريق عند انفراده لما سبق في علم الله من أمره. فرأى ناراً. فقال لأهله امكثوا، إني أبصرت ناراً لعلي آتيكم منها بقبس أو أجد على النار هدى. أي: من يهديني إلى الطريق، وكانت ليلة مظلمة، فلما توجه نحو النار فإذا النار في شجر عناب، فوقف متعجباً من ضوء تلك النار وشدة خضرة تلك الشجرة. فلا شدة النار تغيّر خضرة تلك الشجرة، ولا كثرة ماء الشجرة يغيّر حسن ضوء النار. فلما أتى الشجرة سمع النداء، يا موسى، إني أنا ربك، فاخلع نعليك، وكانتا من جلد حمار ميت.
وقال ابن عباس : في معنى "طوى" أن موسى طواه الليل إذ مر به فارتفع إلى أعلى الوادي.
فيكون على هذا مصدراً عمل فيه ما هو من غير لفظه. كأنه قال: إنك يا موسى بالواد الذي طويته طوى: أي: تجاوزته فطويته بسيرك.
وقال قتادة: معناه: قدس مرتين، أي طهره وهو قول الحسن.
وقال مجاهد وابن أبي نجيج: "طوى" اسم الوادي. وروي ذلك أيضاً عن ابن عباس. وقاله ابن زيد.
وعن ابن عباس: أنه أمر من الله تعالى لموسى أن يطأ الوادي بقدمه. فالمعنى: اخلع نعليك. طأ الوادي.
وقال ابن جبير: معناه: طأ الأرض حافياً كما تدخل الكعبة حافياً. وكذلك روي أيضاً عن مجاهد.
ومن فتح الهمزة في "إني أنا" فعلى تقدير: "نودي بأني". ومن كسرها فعلى الاستئناف، لأن النداء وقع على موسى فاستؤنفت "إن بعده، فكسرت.
وقيل: كسرت لأنها حكاية بعدها.
معناه: القول، لأن نؤدي مثل قيل.
ومن صرف "طوى" جعله اسما للوادي مذكراً، فصرفه، وجعله مصدراً.
والأكثر في المصدر من هذا أن يكون مكسور الأول مثل ثنى. ومن لم يصرفه جعله اسماً للبقعة.
وقيل: هو معدول عن طاوي. كعمر، معدول عن عامر، وقد ذهب الكسائي في صرفه إلى أنه صرف لخفته. وكان حقه ألا ينصرف. ولكن سمع صرفه من العرب. وعلة صرفه قلة حروفه وخفته.
ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَأَنَا ٱخْتَرْتُكَ فَٱسْتَمِعْ لِمَا يُوحَىۤ﴾.
أي: وأنا اجتبيتك لرسالتي، فاستمع لما يوحى وَعِهِ بقلبك، واعمل به.
* *
﴿إِنَّنِيۤ أَنَا ٱللَّهُ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاۤ أَنَاْ فَٱعْبُدْنِي﴾.
أي: إني أنا المعبود، لا معبود غيري يستحق العبادة فاعبدني.
﴿وَأَقِمِ ٱلصَّلاَةَ لِذِكْرِيۤ﴾، أي: أقم الصلاة فإنك إذا أقمتها ذكرتني. فتقديره: أقم الصلاة، لأن تذكرني بها، هذا معنى قول مجاهد.
وقيل: معناه: أقم الصلاة حين تذكرها.
وروى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: "من نسي صلاة فليصلها إذا ذكرها، قال الله عز وجل: ﴿وَأَقِمِ ٱلصَّلاَةَ لِذِكْرِيۤ﴾ وزاد فيه قتادة "لا كفارة لها إلا ذلك".
وقيل: المعنى: أقم الصلاة لأن أذكرك بالمدح.
وقيل: المعنى: أقم الصلاة إذا ذكرتني.
وقيل: المعنى: أقم الصلاة لتذكرني فيها.
وشاهده أن ابن عباس وأبا عبد الرحمن السلمي قرآ: ﴿وَأَقِمِ ٱلصَّلاَةَ لِذِكْرِيۤ﴾ بلامين، مشددة الذال. أي: لتذكرني فيها.
وقرأ الأعرج وأبو رجا والشعبي: "لِذِكْرَاً" أبدلوا من الياء ألفا. كما يقال: يا غلاماً.
ثم قال تعالى ذكره: ﴿إِنَّ ٱلسَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا﴾. أي: إن القيامة جائية أكاد أسترها.
وقال ابن عباس معناه: لا أظهر عليها غيري.
وقال مجاهد وابن جبير: أكاد أخفيها من نفسي. وقاله قتادة والضحاك.
وقرأ ابن جبير بفتح همزة "أخفيها". وكذلك روى عن مجاهد والحسن، بمعنى أظهرها. يقال خفيت الشيء وأخفيته بمعنى: أظهرته. ومنه قيل للنباش المختفي، لأنه يظهر الموتى ويقال: أخفى بمعنى ستر. هذا هو المشهور في كلام العرب. وإنما حسن أن تتأول الآية في قراءة من ضم الهمزة على أخفيها من نفسي - والله لا يخفى عليه شيء - لأنه تعالى خاطب العرب على ما تعرف، وتستعمل فيما بينها من المخاطبات. وقد كان الرجل منهم إذا تبالغ في الخبر عن إخفاء شيء هو له مسر، قال: كدت أخفيه من نفسي. فخوطبوا على أبلغ ما يعقلون.
وقيل: إن: "أكاد" بمعنى أريد. وذلك معروف في اللغة. فيكون المعنى أريد أخفيها. أي أسترها لتجزي كل نفس بما تسعى.
وقيل: إن تمام الكلام "أكاد" أي: أكاد أن آتي بها، ثم ابتدأ فقال أخفيها أي: ولكني أخفيها لتجزى كل نفس بما تسعى.
وقيل: أكاد زائدة. وهو قول الأخفش. قال: ومنه قوله تعالى: ﴿لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾ [النور: ٤٠] وإنما هو لم يرها.
وقيل: معنى قول من قال: معناها أكاد أخفيها من نفسي، أي من قِبلي ومن عندي.
وقيل: إن المعنى أن الله تعالى قد أرسل الرسل بخبر أن الساعة آتية، وكذب بها الأمم فقال: "أكاد أخفيها" أي: أكاد لا أجعل لها دليلاً، فتأتي بغتة. فلم يخفها تعالى ذكره لأنه قد أرسل الرسل ينذرون الناس ويحذرونهم من قيامها، وإنما احتاج العلماء إلى هذه التأويلات، لأن القائل إذا قال: كدت أخفيه "كان معنى قوله: أنه أظهره، فيجب أن يكون معنى "أكاد أخفيها" أظهرها. وذلك صحيح، لأن الله عز وجل قد أظهر علاماتها وأشراطها.
واختار النحاس أن يكون المعنى: أن الساعة آتية أكاد "تم الكلام أي: "أكاد آتي بها. ودل "آتية" على "آتي بها". ثم قال "أخفيها" على الابتداء. فصح المعنى، لأنه الله تعالى قد أخفى وقتها.
* *
وقوله: ﴿لِتُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَىٰ﴾ اللام متعلقة بـ "آتية".
وقيل: بـ ﴿وَأَقِمِ ٱلصَّلاَةَ لِذِكْرِيۤ﴾. أي: لتثاب كل نفس من المكلفين بما تعمل من خير وشر.
و "السعي" العمل. وأجاز أبو حاتم الوقف على "أخفيها". ويبتدئ بلام ﴿لِتُجْزَىٰ﴾ بجعلها لام قسم. وذلك غلط ظاهر.
طه 20:16
قوله تعالى ذكره: ﴿فَلاَ يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَن لاَّ يُؤْمِنُ بِهَا﴾ إلى قوله: ﴿سِيَرتَهَا ٱلأُولَىٰ﴾.
أي: فلا يردنك عن العمل للساعة من لا يؤمن بها. أي: من لا يؤمن بالبعث. ﴿وَٱتَّبَعَ هَوَاهُ﴾ أي: هوى نفسه، وخالف أمر الله.
﴿فَتَرْدَىٰ﴾ أي: فتهلك إن فعلت ذلك.
وقيل المعنى: فلا يصدنك يا موسى، عن الإيمان بالساعة من لا يؤمن بها، وهذا خطاب لموسى عليه السلام، والمراد به الجميع.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يٰمُوسَىٰ﴾.
"ما" لفظها، لفظ الاستفهام، ومعناها [معنى] التنبيه والتثبيت والتقرير لما يريد الله منها من إحالتها عما هي عليه. فإذا نبهه وقرره على حقيقتها، لم يقدر بعد استحالتها وكونها حية أن يقول: كذا كانت.
وقال الزجاج: "تلك" هنا موصولة بمعنى التي. أي: وما التي بيمينك.
وقال الفراء: "تلك" بمعنى هذه. يوصلان كما يوصل الذي.
* *
وقوله: ﴿قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا﴾.
أي: اتكىء عليها في قيامي وقعودي.
* *
﴿وَأَهُشُّ بِهَا عَلَىٰ غَنَمِي﴾.
أي: أضرب بها الشجر، فيسقط ورقها فترعاه الغنم. فالمعنى: وأهش بها الورق. يقال: هش الشجر. إذا خبطه بالعصا. قال ذلك قتادة وعكرمة والضحاك وابن زيد.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَىٰ﴾.
أي: ولي في عصاي حاجات أخرى. والمآرب جمع واحدة مأربة ومآربة ومارِبة. بضم الراء وفتحها وكسرها. وهي من قولهم: لا إرب لي في هذا. أي: لا حاجة لي فيه.
وقال: "أخرى" ولم يقل "أخر". لأن المآرب جماعة، فأتت على ذلك.
قال السدي: "حاجات أخر، أحمل عليها المزود والسقاء.
* *
ثم قال تعالى: ﴿قَالَ أَلْقِهَا يٰمُوسَىٰ﴾.
أي: ألق عصاك. ﴿فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَىٰ﴾.
قال ابن عباس: ألقاها فصارت حية تسعى، ولم تكن قبل ذلك حية. قال فمرت بشجرة فأكلتها، ومرت بصخرة فابتلعتها، فجعل موسى يسمع وقع الصخرة في جوفها فولى مدبراً. فنودي يا موسى، خذها فلم يأخذها. ثم نودي ثانية فلم يأخذها، ثم نودي ثالثة ﴿خُذْهَا وَلاَ تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيَرتَهَا ٱلأُولَىٰ﴾. أي: هيئتها الأولى، عصا كما كانت، فأخذها.
وقال السدي: ألقاها فإذا هي حية تسعى، فلما رآها تهتز كأنها جان، ولّى مدبراً ولم يعقب، فنودي يا موسى، لا تخف إني لا يخاف لدى المرسلون.
وقيل: إنما أراد الله جلَّ ذكره أن يريه الآية الكبرى من العصا لئلا يفزع منها إذا ألقاها عند فرعون ولا يولي مدبراً منها كما فعل عند الشجرة.
وقيل: إنها عصا آدم، نزل بها من الجنة، طولها اثنى عشر ذراعاً بذراع موسى.
ويروى أن العصا كانت من ورقة آس الجنة، وهي من وسط الورقة الخط الثاني في وسط ورقة الآس "والآس" الريحان وكانت من ريحان الجنة من الخط الثاني في وسط الورقة المستطيل ، فما ظنك بحسن ريحان يكون الخط الثاني في وسط ورقه [منها] عصا في طولها اثنى عشر ذراعاً.
ويروى أن موسى ﷺ أمره الله أن يدخل يده في فيها فيقبض عليها، فأدخل يده في فيها وقبض عليها، فصارت يده بين الشعبتين اللتين كانتا في العصا، وصارت الحية في يده عصا على ما كانت عليه قبل ذلك؟. وكان للعصا شعبتان في رأسها، فصارت الشعبتان فم الحية، ثم عادت إلى حالتها.
طه 20:17
قوله تعالى ذكره: ﴿فَلاَ يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَن لاَّ يُؤْمِنُ بِهَا﴾ إلى قوله: ﴿سِيَرتَهَا ٱلأُولَىٰ﴾.
أي: فلا يردنك عن العمل للساعة من لا يؤمن بها. أي: من لا يؤمن بالبعث. ﴿وَٱتَّبَعَ هَوَاهُ﴾ أي: هوى نفسه، وخالف أمر الله.
﴿فَتَرْدَىٰ﴾ أي: فتهلك إن فعلت ذلك.
وقيل المعنى: فلا يصدنك يا موسى، عن الإيمان بالساعة من لا يؤمن بها، وهذا خطاب لموسى عليه السلام، والمراد به الجميع.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يٰمُوسَىٰ﴾.
"ما" لفظها، لفظ الاستفهام، ومعناها [معنى] التنبيه والتثبيت والتقرير لما يريد الله منها من إحالتها عما هي عليه. فإذا نبهه وقرره على حقيقتها، لم يقدر بعد استحالتها وكونها حية أن يقول: كذا كانت.
وقال الزجاج: "تلك" هنا موصولة بمعنى التي. أي: وما التي بيمينك.
وقال الفراء: "تلك" بمعنى هذه. يوصلان كما يوصل الذي.
* *
وقوله: ﴿قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا﴾.
أي: اتكىء عليها في قيامي وقعودي.
* *
﴿وَأَهُشُّ بِهَا عَلَىٰ غَنَمِي﴾.
أي: أضرب بها الشجر، فيسقط ورقها فترعاه الغنم. فالمعنى: وأهش بها الورق. يقال: هش الشجر. إذا خبطه بالعصا. قال ذلك قتادة وعكرمة والضحاك وابن زيد.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَىٰ﴾.
أي: ولي في عصاي حاجات أخرى. والمآرب جمع واحدة مأربة ومآربة ومارِبة. بضم الراء وفتحها وكسرها. وهي من قولهم: لا إرب لي في هذا. أي: لا حاجة لي فيه.
وقال: "أخرى" ولم يقل "أخر". لأن المآرب جماعة، فأتت على ذلك.
قال السدي: "حاجات أخر، أحمل عليها المزود والسقاء.
* *
ثم قال تعالى: ﴿قَالَ أَلْقِهَا يٰمُوسَىٰ﴾.
أي: ألق عصاك. ﴿فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَىٰ﴾.
قال ابن عباس: ألقاها فصارت حية تسعى، ولم تكن قبل ذلك حية. قال فمرت بشجرة فأكلتها، ومرت بصخرة فابتلعتها، فجعل موسى يسمع وقع الصخرة في جوفها فولى مدبراً. فنودي يا موسى، خذها فلم يأخذها. ثم نودي ثانية فلم يأخذها، ثم نودي ثالثة ﴿خُذْهَا وَلاَ تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيَرتَهَا ٱلأُولَىٰ﴾. أي: هيئتها الأولى، عصا كما كانت، فأخذها.
وقال السدي: ألقاها فإذا هي حية تسعى، فلما رآها تهتز كأنها جان، ولّى مدبراً ولم يعقب، فنودي يا موسى، لا تخف إني لا يخاف لدى المرسلون.
وقيل: إنما أراد الله جلَّ ذكره أن يريه الآية الكبرى من العصا لئلا يفزع منها إذا ألقاها عند فرعون ولا يولي مدبراً منها كما فعل عند الشجرة.
وقيل: إنها عصا آدم، نزل بها من الجنة، طولها اثنى عشر ذراعاً بذراع موسى.
ويروى أن العصا كانت من ورقة آس الجنة، وهي من وسط الورقة الخط الثاني في وسط ورقة الآس "والآس" الريحان وكانت من ريحان الجنة من الخط الثاني في وسط الورقة المستطيل ، فما ظنك بحسن ريحان يكون الخط الثاني في وسط ورقه [منها] عصا في طولها اثنى عشر ذراعاً.
ويروى أن موسى ﷺ أمره الله أن يدخل يده في فيها فيقبض عليها، فأدخل يده في فيها وقبض عليها، فصارت يده بين الشعبتين اللتين كانتا في العصا، وصارت الحية في يده عصا على ما كانت عليه قبل ذلك؟. وكان للعصا شعبتان في رأسها، فصارت الشعبتان فم الحية، ثم عادت إلى حالتها.
طه 20:18
قوله تعالى ذكره: ﴿فَلاَ يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَن لاَّ يُؤْمِنُ بِهَا﴾ إلى قوله: ﴿سِيَرتَهَا ٱلأُولَىٰ﴾.
أي: فلا يردنك عن العمل للساعة من لا يؤمن بها. أي: من لا يؤمن بالبعث. ﴿وَٱتَّبَعَ هَوَاهُ﴾ أي: هوى نفسه، وخالف أمر الله.
﴿فَتَرْدَىٰ﴾ أي: فتهلك إن فعلت ذلك.
وقيل المعنى: فلا يصدنك يا موسى، عن الإيمان بالساعة من لا يؤمن بها، وهذا خطاب لموسى عليه السلام، والمراد به الجميع.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يٰمُوسَىٰ﴾.
"ما" لفظها، لفظ الاستفهام، ومعناها [معنى] التنبيه والتثبيت والتقرير لما يريد الله منها من إحالتها عما هي عليه. فإذا نبهه وقرره على حقيقتها، لم يقدر بعد استحالتها وكونها حية أن يقول: كذا كانت.
وقال الزجاج: "تلك" هنا موصولة بمعنى التي. أي: وما التي بيمينك.
وقال الفراء: "تلك" بمعنى هذه. يوصلان كما يوصل الذي.
* *
وقوله: ﴿قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا﴾.
أي: اتكىء عليها في قيامي وقعودي.
* *
﴿وَأَهُشُّ بِهَا عَلَىٰ غَنَمِي﴾.
أي: أضرب بها الشجر، فيسقط ورقها فترعاه الغنم. فالمعنى: وأهش بها الورق. يقال: هش الشجر. إذا خبطه بالعصا. قال ذلك قتادة وعكرمة والضحاك وابن زيد.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَىٰ﴾.
أي: ولي في عصاي حاجات أخرى. والمآرب جمع واحدة مأربة ومآربة ومارِبة. بضم الراء وفتحها وكسرها. وهي من قولهم: لا إرب لي في هذا. أي: لا حاجة لي فيه.
وقال: "أخرى" ولم يقل "أخر". لأن المآرب جماعة، فأتت على ذلك.
قال السدي: "حاجات أخر، أحمل عليها المزود والسقاء.
* *
ثم قال تعالى: ﴿قَالَ أَلْقِهَا يٰمُوسَىٰ﴾.
أي: ألق عصاك. ﴿فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَىٰ﴾.
قال ابن عباس: ألقاها فصارت حية تسعى، ولم تكن قبل ذلك حية. قال فمرت بشجرة فأكلتها، ومرت بصخرة فابتلعتها، فجعل موسى يسمع وقع الصخرة في جوفها فولى مدبراً. فنودي يا موسى، خذها فلم يأخذها. ثم نودي ثانية فلم يأخذها، ثم نودي ثالثة ﴿خُذْهَا وَلاَ تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيَرتَهَا ٱلأُولَىٰ﴾. أي: هيئتها الأولى، عصا كما كانت، فأخذها.
وقال السدي: ألقاها فإذا هي حية تسعى، فلما رآها تهتز كأنها جان، ولّى مدبراً ولم يعقب، فنودي يا موسى، لا تخف إني لا يخاف لدى المرسلون.
وقيل: إنما أراد الله جلَّ ذكره أن يريه الآية الكبرى من العصا لئلا يفزع منها إذا ألقاها عند فرعون ولا يولي مدبراً منها كما فعل عند الشجرة.
وقيل: إنها عصا آدم، نزل بها من الجنة، طولها اثنى عشر ذراعاً بذراع موسى.
ويروى أن العصا كانت من ورقة آس الجنة، وهي من وسط الورقة الخط الثاني في وسط ورقة الآس "والآس" الريحان وكانت من ريحان الجنة من الخط الثاني في وسط الورقة المستطيل ، فما ظنك بحسن ريحان يكون الخط الثاني في وسط ورقه [منها] عصا في طولها اثنى عشر ذراعاً.
ويروى أن موسى ﷺ أمره الله أن يدخل يده في فيها فيقبض عليها، فأدخل يده في فيها وقبض عليها، فصارت يده بين الشعبتين اللتين كانتا في العصا، وصارت الحية في يده عصا على ما كانت عليه قبل ذلك؟. وكان للعصا شعبتان في رأسها، فصارت الشعبتان فم الحية، ثم عادت إلى حالتها.
طه 20:19
قوله تعالى ذكره: ﴿فَلاَ يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَن لاَّ يُؤْمِنُ بِهَا﴾ إلى قوله: ﴿سِيَرتَهَا ٱلأُولَىٰ﴾.
أي: فلا يردنك عن العمل للساعة من لا يؤمن بها. أي: من لا يؤمن بالبعث. ﴿وَٱتَّبَعَ هَوَاهُ﴾ أي: هوى نفسه، وخالف أمر الله.
﴿فَتَرْدَىٰ﴾ أي: فتهلك إن فعلت ذلك.
وقيل المعنى: فلا يصدنك يا موسى، عن الإيمان بالساعة من لا يؤمن بها، وهذا خطاب لموسى عليه السلام، والمراد به الجميع.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يٰمُوسَىٰ﴾.
"ما" لفظها، لفظ الاستفهام، ومعناها [معنى] التنبيه والتثبيت والتقرير لما يريد الله منها من إحالتها عما هي عليه. فإذا نبهه وقرره على حقيقتها، لم يقدر بعد استحالتها وكونها حية أن يقول: كذا كانت.
وقال الزجاج: "تلك" هنا موصولة بمعنى التي. أي: وما التي بيمينك.
وقال الفراء: "تلك" بمعنى هذه. يوصلان كما يوصل الذي.
* *
وقوله: ﴿قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا﴾.
أي: اتكىء عليها في قيامي وقعودي.
* *
﴿وَأَهُشُّ بِهَا عَلَىٰ غَنَمِي﴾.
أي: أضرب بها الشجر، فيسقط ورقها فترعاه الغنم. فالمعنى: وأهش بها الورق. يقال: هش الشجر. إذا خبطه بالعصا. قال ذلك قتادة وعكرمة والضحاك وابن زيد.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَىٰ﴾.
أي: ولي في عصاي حاجات أخرى. والمآرب جمع واحدة مأربة ومآربة ومارِبة. بضم الراء وفتحها وكسرها. وهي من قولهم: لا إرب لي في هذا. أي: لا حاجة لي فيه.
وقال: "أخرى" ولم يقل "أخر". لأن المآرب جماعة، فأتت على ذلك.
قال السدي: "حاجات أخر، أحمل عليها المزود والسقاء.
* *
ثم قال تعالى: ﴿قَالَ أَلْقِهَا يٰمُوسَىٰ﴾.
أي: ألق عصاك. ﴿فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَىٰ﴾.
قال ابن عباس: ألقاها فصارت حية تسعى، ولم تكن قبل ذلك حية. قال فمرت بشجرة فأكلتها، ومرت بصخرة فابتلعتها، فجعل موسى يسمع وقع الصخرة في جوفها فولى مدبراً. فنودي يا موسى، خذها فلم يأخذها. ثم نودي ثانية فلم يأخذها، ثم نودي ثالثة ﴿خُذْهَا وَلاَ تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيَرتَهَا ٱلأُولَىٰ﴾. أي: هيئتها الأولى، عصا كما كانت، فأخذها.
وقال السدي: ألقاها فإذا هي حية تسعى، فلما رآها تهتز كأنها جان، ولّى مدبراً ولم يعقب، فنودي يا موسى، لا تخف إني لا يخاف لدى المرسلون.
وقيل: إنما أراد الله جلَّ ذكره أن يريه الآية الكبرى من العصا لئلا يفزع منها إذا ألقاها عند فرعون ولا يولي مدبراً منها كما فعل عند الشجرة.
وقيل: إنها عصا آدم، نزل بها من الجنة، طولها اثنى عشر ذراعاً بذراع موسى.
ويروى أن العصا كانت من ورقة آس الجنة، وهي من وسط الورقة الخط الثاني في وسط ورقة الآس "والآس" الريحان وكانت من ريحان الجنة من الخط الثاني في وسط الورقة المستطيل ، فما ظنك بحسن ريحان يكون الخط الثاني في وسط ورقه [منها] عصا في طولها اثنى عشر ذراعاً.
ويروى أن موسى ﷺ أمره الله أن يدخل يده في فيها فيقبض عليها، فأدخل يده في فيها وقبض عليها، فصارت يده بين الشعبتين اللتين كانتا في العصا، وصارت الحية في يده عصا على ما كانت عليه قبل ذلك؟. وكان للعصا شعبتان في رأسها، فصارت الشعبتان فم الحية، ثم عادت إلى حالتها.
طه 20:20
قوله تعالى ذكره: ﴿فَلاَ يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَن لاَّ يُؤْمِنُ بِهَا﴾ إلى قوله: ﴿سِيَرتَهَا ٱلأُولَىٰ﴾.
أي: فلا يردنك عن العمل للساعة من لا يؤمن بها. أي: من لا يؤمن بالبعث. ﴿وَٱتَّبَعَ هَوَاهُ﴾ أي: هوى نفسه، وخالف أمر الله.
﴿فَتَرْدَىٰ﴾ أي: فتهلك إن فعلت ذلك.
وقيل المعنى: فلا يصدنك يا موسى، عن الإيمان بالساعة من لا يؤمن بها، وهذا خطاب لموسى عليه السلام، والمراد به الجميع.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يٰمُوسَىٰ﴾.
"ما" لفظها، لفظ الاستفهام، ومعناها [معنى] التنبيه والتثبيت والتقرير لما يريد الله منها من إحالتها عما هي عليه. فإذا نبهه وقرره على حقيقتها، لم يقدر بعد استحالتها وكونها حية أن يقول: كذا كانت.
وقال الزجاج: "تلك" هنا موصولة بمعنى التي. أي: وما التي بيمينك.
وقال الفراء: "تلك" بمعنى هذه. يوصلان كما يوصل الذي.
* *
وقوله: ﴿قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا﴾.
أي: اتكىء عليها في قيامي وقعودي.
* *
﴿وَأَهُشُّ بِهَا عَلَىٰ غَنَمِي﴾.
أي: أضرب بها الشجر، فيسقط ورقها فترعاه الغنم. فالمعنى: وأهش بها الورق. يقال: هش الشجر. إذا خبطه بالعصا. قال ذلك قتادة وعكرمة والضحاك وابن زيد.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَىٰ﴾.
أي: ولي في عصاي حاجات أخرى. والمآرب جمع واحدة مأربة ومآربة ومارِبة. بضم الراء وفتحها وكسرها. وهي من قولهم: لا إرب لي في هذا. أي: لا حاجة لي فيه.
وقال: "أخرى" ولم يقل "أخر". لأن المآرب جماعة، فأتت على ذلك.
قال السدي: "حاجات أخر، أحمل عليها المزود والسقاء.
* *
ثم قال تعالى: ﴿قَالَ أَلْقِهَا يٰمُوسَىٰ﴾.
أي: ألق عصاك. ﴿فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَىٰ﴾.
قال ابن عباس: ألقاها فصارت حية تسعى، ولم تكن قبل ذلك حية. قال فمرت بشجرة فأكلتها، ومرت بصخرة فابتلعتها، فجعل موسى يسمع وقع الصخرة في جوفها فولى مدبراً. فنودي يا موسى، خذها فلم يأخذها. ثم نودي ثانية فلم يأخذها، ثم نودي ثالثة ﴿خُذْهَا وَلاَ تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيَرتَهَا ٱلأُولَىٰ﴾. أي: هيئتها الأولى، عصا كما كانت، فأخذها.
وقال السدي: ألقاها فإذا هي حية تسعى، فلما رآها تهتز كأنها جان، ولّى مدبراً ولم يعقب، فنودي يا موسى، لا تخف إني لا يخاف لدى المرسلون.
وقيل: إنما أراد الله جلَّ ذكره أن يريه الآية الكبرى من العصا لئلا يفزع منها إذا ألقاها عند فرعون ولا يولي مدبراً منها كما فعل عند الشجرة.
وقيل: إنها عصا آدم، نزل بها من الجنة، طولها اثنى عشر ذراعاً بذراع موسى.
ويروى أن العصا كانت من ورقة آس الجنة، وهي من وسط الورقة الخط الثاني في وسط ورقة الآس "والآس" الريحان وكانت من ريحان الجنة من الخط الثاني في وسط الورقة المستطيل ، فما ظنك بحسن ريحان يكون الخط الثاني في وسط ورقه [منها] عصا في طولها اثنى عشر ذراعاً.
ويروى أن موسى ﷺ أمره الله أن يدخل يده في فيها فيقبض عليها، فأدخل يده في فيها وقبض عليها، فصارت يده بين الشعبتين اللتين كانتا في العصا، وصارت الحية في يده عصا على ما كانت عليه قبل ذلك؟. وكان للعصا شعبتان في رأسها، فصارت الشعبتان فم الحية، ثم عادت إلى حالتها.
طه 20:21
قوله تعالى ذكره: ﴿فَلاَ يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَن لاَّ يُؤْمِنُ بِهَا﴾ إلى قوله: ﴿سِيَرتَهَا ٱلأُولَىٰ﴾.
أي: فلا يردنك عن العمل للساعة من لا يؤمن بها. أي: من لا يؤمن بالبعث. ﴿وَٱتَّبَعَ هَوَاهُ﴾ أي: هوى نفسه، وخالف أمر الله.
﴿فَتَرْدَىٰ﴾ أي: فتهلك إن فعلت ذلك.
وقيل المعنى: فلا يصدنك يا موسى، عن الإيمان بالساعة من لا يؤمن بها، وهذا خطاب لموسى عليه السلام، والمراد به الجميع.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يٰمُوسَىٰ﴾.
"ما" لفظها، لفظ الاستفهام، ومعناها [معنى] التنبيه والتثبيت والتقرير لما يريد الله منها من إحالتها عما هي عليه. فإذا نبهه وقرره على حقيقتها، لم يقدر بعد استحالتها وكونها حية أن يقول: كذا كانت.
وقال الزجاج: "تلك" هنا موصولة بمعنى التي. أي: وما التي بيمينك.
وقال الفراء: "تلك" بمعنى هذه. يوصلان كما يوصل الذي.
* *
وقوله: ﴿قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا﴾.
أي: اتكىء عليها في قيامي وقعودي.
* *
﴿وَأَهُشُّ بِهَا عَلَىٰ غَنَمِي﴾.
أي: أضرب بها الشجر، فيسقط ورقها فترعاه الغنم. فالمعنى: وأهش بها الورق. يقال: هش الشجر. إذا خبطه بالعصا. قال ذلك قتادة وعكرمة والضحاك وابن زيد.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَىٰ﴾.
أي: ولي في عصاي حاجات أخرى. والمآرب جمع واحدة مأربة ومآربة ومارِبة. بضم الراء وفتحها وكسرها. وهي من قولهم: لا إرب لي في هذا. أي: لا حاجة لي فيه.
وقال: "أخرى" ولم يقل "أخر". لأن المآرب جماعة، فأتت على ذلك.
قال السدي: "حاجات أخر، أحمل عليها المزود والسقاء.
* *
ثم قال تعالى: ﴿قَالَ أَلْقِهَا يٰمُوسَىٰ﴾.
أي: ألق عصاك. ﴿فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَىٰ﴾.
قال ابن عباس: ألقاها فصارت حية تسعى، ولم تكن قبل ذلك حية. قال فمرت بشجرة فأكلتها، ومرت بصخرة فابتلعتها، فجعل موسى يسمع وقع الصخرة في جوفها فولى مدبراً. فنودي يا موسى، خذها فلم يأخذها. ثم نودي ثانية فلم يأخذها، ثم نودي ثالثة ﴿خُذْهَا وَلاَ تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيَرتَهَا ٱلأُولَىٰ﴾. أي: هيئتها الأولى، عصا كما كانت، فأخذها.
وقال السدي: ألقاها فإذا هي حية تسعى، فلما رآها تهتز كأنها جان، ولّى مدبراً ولم يعقب، فنودي يا موسى، لا تخف إني لا يخاف لدى المرسلون.
وقيل: إنما أراد الله جلَّ ذكره أن يريه الآية الكبرى من العصا لئلا يفزع منها إذا ألقاها عند فرعون ولا يولي مدبراً منها كما فعل عند الشجرة.
وقيل: إنها عصا آدم، نزل بها من الجنة، طولها اثنى عشر ذراعاً بذراع موسى.
ويروى أن العصا كانت من ورقة آس الجنة، وهي من وسط الورقة الخط الثاني في وسط ورقة الآس "والآس" الريحان وكانت من ريحان الجنة من الخط الثاني في وسط الورقة المستطيل ، فما ظنك بحسن ريحان يكون الخط الثاني في وسط ورقه [منها] عصا في طولها اثنى عشر ذراعاً.
ويروى أن موسى ﷺ أمره الله أن يدخل يده في فيها فيقبض عليها، فأدخل يده في فيها وقبض عليها، فصارت يده بين الشعبتين اللتين كانتا في العصا، وصارت الحية في يده عصا على ما كانت عليه قبل ذلك؟. وكان للعصا شعبتان في رأسها، فصارت الشعبتان فم الحية، ثم عادت إلى حالتها.
طه 20:22
قوله تعالى ذكره: ﴿وَٱضْمُمْ يَدَكَ إِلَىٰ جَنَاحِكَ﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّكَ كُنتَ بِنَا بَصِيراً﴾.
المعنى: واضمم يا موسى يدك، فضعها تحت عضدك.
وقال مجاهد: "إلى جناحك" كفه في عضده.
يقال لآخر العضد، إلى مبتدأ الإبط جناح.
وقيل: أمر أن يدخل يده في ثيابه مما يلي صدره وعضده، ففعل، ثم أخرجها بيضاء لها شعاع ونور.
وقال أبو عبيدة: "إلى جناحك" إلى ناحية جنبك. والجناحان الناحيتان.
وقيل: "إلى جناحك" إلى صدرك، ففعل، فخرجت يده نوراً ساطعاً تضيء بالليل كضوء الشمس والقمر، فهي له آية أخرى مع العصا. أي: علامة على قدرة الله وصحة نبوته.
ومعنى: ﴿مِنْ غَيْرِ سُوۤءٍ﴾ من غير برص.
وقال مجاهد: كان موسى رجلاً آدم، فأدخل يده في جيبه ثم أخرجها بيضاء من غير سوء أي من غير برص مثل الثلج، ثم ردها فخرجت كما كانت على لونه.
* *
وقوله: ﴿آيَةً أُخْرَىٰ﴾ أي: دلالة أخرى على العصا.
وقوله: "بيضاء" نصب على الحال. "وآية" بدل من بيضاء عند الأخفش.
وقال الزجاج: هي نصب بإضمار فعل تقديره "آتيناك آية أخرى".
وقيل: "آية" حال أيضاً، لأنه بمعنى مبينة.
* *
ثم قال تعالى: ﴿لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا ٱلْكُبْرَىٰ﴾.
أي: لنريك من آياتنا العجائب.
* *
ثم قال: ﴿ٱذْهَبْ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَىٰ﴾.
أي: تجاوز قدره، وتمرد على ربه. وفي الكلام حذف. والتقدير: اذهب إلى فرعون إنه طغى فادعه إلى توحيد الله وطاعته، وإرسال بني إسرائيل معك.
* *
وقوله: ﴿قَالَ رَبِّ ٱشْرَحْ لِي صَدْرِي * وَيَسِّرْ لِيۤ أَمْرِي﴾. أي: افسح لي صدري لأعي عنك ما تودعه من وحيك، وأجترئ به على خطاب فرعون.
* *
﴿وَيَسِّرْ لِيۤ أَمْرِي﴾.
أي: سهّل عليّ القيام بما كلفتني من الرسالة والطاعة.
* *
﴿وَٱحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي﴾.
أي: واطلق لساني للمنطق.
قيل: كانت في لسانه عجمة عن الكلام من أجل الجمرة التي كان ألقاها إلى فيه يوم همّ فرعون بقتله.
قال ابن جبير: "عقدة من لساني" عجمة بجمرة نار أدخلها في فيه عن أمر امرأة فرعون، ترد به عنه عقوبة فرعون حين أخذ موسى بلحيته، وهو لا يعقل. فقال فرعون: هذا عدو لي فقالت له امرأته: إنه لا يعقل. وكذلك قال مجاهد.
وقال السدي: لما تحرك الغلام - يعني موسى ﷺ - أرته أمه آسية. فبينما هي ترضعه وتلعب به، إذ ناولته فرعون وقالت: خذه. فلما أخذه، أخذ موسى بلحيته فنتفها. فقال فرعون: علي بالذباحين. فقالت آسية: لا تقتلوه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولداً. إنما هو صبي لا يعقل، وإنما صنع هذا من صباه، وقد علمت أنه ليس في أهل مصر أحلى مني. أنا أضع له حلياً من الياقوت وأضع له جمراً. فإن أخذ الياقوت فهو يعقل فاذبحه، وإن أخذ الجمرة فإنما هو صبي, فأخرجت له ياقوتاً ووضعت له طستاً من جمر، فجاء جبريل عليه السلام فطرح في يده جمرة، فطرحها موسى ﷺ في فيه فأحرقت لسانه. فهو الذي يقول الله ﴿وَٱحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي * يَفْقَهُواْ قَوْلِي﴾ أي يفهموا عني ما أقول لهم، وأبلغهم عنك. ففعل الله به ما سأل.
وقيل: إنه إنما زال بعض ما كان في لسانه من الحبسة ولم يزل كله بدلالة قول فرعون ﴿أَمْ أَنَآ خَيْرٌ مِّنْ هَـٰذَا ٱلَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلاَ يَكَادُ يُبِينُ﴾ [الزخرف: ٥٢] وقد يجوز أن يكون كان هذا قبل أن يزيل الله ما كان به، ثم أزاله كله بعد ذلك. والله أعلم.
وقوله تعالى: ﴿قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يٰمُوسَىٰ﴾ [طه: ٣٦].
يدل على أنه أزال عنه كل ما سأل، وأعطاه كل ما سأل.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَٱجْعَل لِّي وَزِيراً مِّنْ أَهْلِي﴾ ﴿هَارُونَ أَخِي﴾ .
وكان هارون أكبر من موسى.
والوزير هو الذي يلجأ إليه في الأمور. مشتق من الوزر، وهو الملجأ. والجبل وَزَرْ.
وقيل: "الوزير" الذي يتقلد خزائن الملك وأمتعته. فيكون مشتقاً من الوزار، وهي الأمتعة، ومنه قوله ﴿وَلَـٰكِنَّا حُمِّلْنَآ أَوْزَاراً مِّن زِينَةِ ٱلْقَوْمِ﴾ أي: آنية الفضة والذهب.
وقيل: "الوزير": الذي يتحمل أثقال الملك، ومنه قيل للذنب: وزره، فمعنى: ﴿وَٱجْعَل لِّي وَزِيراً﴾ أي: صاحباً ألجأ إليه وأعتمد عليه.
* *
وقوله: ﴿ٱشْدُدْ بِهِ أَزْرِي﴾.
أي: ظهري: وقيل للظهر أزر، لأنه محل الأوزار.
* *
وقوله: ﴿وَأَشْرِكْهُ فِيۤ أَمْرِي﴾.
أي: اجعله نبياً مثلي، وأرسله إلى فرعون معي. هذا على قراءة من جعله كله طلباً بفتح همزة "وأشركه"، فأما من جعله جواباً للطلب، وضم الهمزة، فمعناه: أن يجعل لي وزيراً أشدد أنا به ظهري وأشركه أنا في أمري.
* *
ثم قال: ﴿كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيراً﴾ أي: نعظمك بالتسبيح. ﴿وَنَذْكُرَكَ كَثِيراً﴾، فنحمدك. ﴿إِنَّكَ كُنتَ بِنَا بَصِيراً﴾ أي: كنت بنا ذا بصر منا، لا يخفى عليك من أفعالنا شيء.
وقيل: المعنى: إنك كنت عالماً بما يصلحنا.
وروى زيد بن أسلم أن نبي الله ﷺ موسى قال: يا رب، قد أنعمت عليّ كثيراً، فدلني على أن أشكرك. قال: اذكرني كثيراً فإنك إذا ذكرتني فقد شكرتني. وإذا نسيتني فقد كفرتني. قال: لي مواطن ينبغي أن أذكرك فيها. قال: اذكرني كثيراً. قال: فكان موسى عليه السلام إذا دخل الغائط، قال: سبحانك ربي كما توقني الأذى. من رواية ابن وهب.
طه 20:23
قوله تعالى ذكره: ﴿وَٱضْمُمْ يَدَكَ إِلَىٰ جَنَاحِكَ﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّكَ كُنتَ بِنَا بَصِيراً﴾.
المعنى: واضمم يا موسى يدك، فضعها تحت عضدك.
وقال مجاهد: "إلى جناحك" كفه في عضده.
يقال لآخر العضد، إلى مبتدأ الإبط جناح.
وقيل: أمر أن يدخل يده في ثيابه مما يلي صدره وعضده، ففعل، ثم أخرجها بيضاء لها شعاع ونور.
وقال أبو عبيدة: "إلى جناحك" إلى ناحية جنبك. والجناحان الناحيتان.
وقيل: "إلى جناحك" إلى صدرك، ففعل، فخرجت يده نوراً ساطعاً تضيء بالليل كضوء الشمس والقمر، فهي له آية أخرى مع العصا. أي: علامة على قدرة الله وصحة نبوته.
ومعنى: ﴿مِنْ غَيْرِ سُوۤءٍ﴾ من غير برص.
وقال مجاهد: كان موسى رجلاً آدم، فأدخل يده في جيبه ثم أخرجها بيضاء من غير سوء أي من غير برص مثل الثلج، ثم ردها فخرجت كما كانت على لونه.
* *
وقوله: ﴿آيَةً أُخْرَىٰ﴾ أي: دلالة أخرى على العصا.
وقوله: "بيضاء" نصب على الحال. "وآية" بدل من بيضاء عند الأخفش.
وقال الزجاج: هي نصب بإضمار فعل تقديره "آتيناك آية أخرى".
وقيل: "آية" حال أيضاً، لأنه بمعنى مبينة.
* *
ثم قال تعالى: ﴿لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا ٱلْكُبْرَىٰ﴾.
أي: لنريك من آياتنا العجائب.
* *
ثم قال: ﴿ٱذْهَبْ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَىٰ﴾.
أي: تجاوز قدره، وتمرد على ربه. وفي الكلام حذف. والتقدير: اذهب إلى فرعون إنه طغى فادعه إلى توحيد الله وطاعته، وإرسال بني إسرائيل معك.
* *
وقوله: ﴿قَالَ رَبِّ ٱشْرَحْ لِي صَدْرِي * وَيَسِّرْ لِيۤ أَمْرِي﴾. أي: افسح لي صدري لأعي عنك ما تودعه من وحيك، وأجترئ به على خطاب فرعون.
* *
﴿وَيَسِّرْ لِيۤ أَمْرِي﴾.
أي: سهّل عليّ القيام بما كلفتني من الرسالة والطاعة.
* *
﴿وَٱحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي﴾.
أي: واطلق لساني للمنطق.
قيل: كانت في لسانه عجمة عن الكلام من أجل الجمرة التي كان ألقاها إلى فيه يوم همّ فرعون بقتله.
قال ابن جبير: "عقدة من لساني" عجمة بجمرة نار أدخلها في فيه عن أمر امرأة فرعون، ترد به عنه عقوبة فرعون حين أخذ موسى بلحيته، وهو لا يعقل. فقال فرعون: هذا عدو لي فقالت له امرأته: إنه لا يعقل. وكذلك قال مجاهد.
وقال السدي: لما تحرك الغلام - يعني موسى ﷺ - أرته أمه آسية. فبينما هي ترضعه وتلعب به، إذ ناولته فرعون وقالت: خذه. فلما أخذه، أخذ موسى بلحيته فنتفها. فقال فرعون: علي بالذباحين. فقالت آسية: لا تقتلوه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولداً. إنما هو صبي لا يعقل، وإنما صنع هذا من صباه، وقد علمت أنه ليس في أهل مصر أحلى مني. أنا أضع له حلياً من الياقوت وأضع له جمراً. فإن أخذ الياقوت فهو يعقل فاذبحه، وإن أخذ الجمرة فإنما هو صبي, فأخرجت له ياقوتاً ووضعت له طستاً من جمر، فجاء جبريل عليه السلام فطرح في يده جمرة، فطرحها موسى ﷺ في فيه فأحرقت لسانه. فهو الذي يقول الله ﴿وَٱحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي * يَفْقَهُواْ قَوْلِي﴾ أي يفهموا عني ما أقول لهم، وأبلغهم عنك. ففعل الله به ما سأل.
وقيل: إنه إنما زال بعض ما كان في لسانه من الحبسة ولم يزل كله بدلالة قول فرعون ﴿أَمْ أَنَآ خَيْرٌ مِّنْ هَـٰذَا ٱلَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلاَ يَكَادُ يُبِينُ﴾ [الزخرف: ٥٢] وقد يجوز أن يكون كان هذا قبل أن يزيل الله ما كان به، ثم أزاله كله بعد ذلك. والله أعلم.
وقوله تعالى: ﴿قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يٰمُوسَىٰ﴾ [طه: ٣٦].
يدل على أنه أزال عنه كل ما سأل، وأعطاه كل ما سأل.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَٱجْعَل لِّي وَزِيراً مِّنْ أَهْلِي﴾ ﴿هَارُونَ أَخِي﴾ .
وكان هارون أكبر من موسى.
والوزير هو الذي يلجأ إليه في الأمور. مشتق من الوزر، وهو الملجأ. والجبل وَزَرْ.
وقيل: "الوزير" الذي يتقلد خزائن الملك وأمتعته. فيكون مشتقاً من الوزار، وهي الأمتعة، ومنه قوله ﴿وَلَـٰكِنَّا حُمِّلْنَآ أَوْزَاراً مِّن زِينَةِ ٱلْقَوْمِ﴾ أي: آنية الفضة والذهب.
وقيل: "الوزير": الذي يتحمل أثقال الملك، ومنه قيل للذنب: وزره، فمعنى: ﴿وَٱجْعَل لِّي وَزِيراً﴾ أي: صاحباً ألجأ إليه وأعتمد عليه.
* *
وقوله: ﴿ٱشْدُدْ بِهِ أَزْرِي﴾.
أي: ظهري: وقيل للظهر أزر، لأنه محل الأوزار.
* *
وقوله: ﴿وَأَشْرِكْهُ فِيۤ أَمْرِي﴾.
أي: اجعله نبياً مثلي، وأرسله إلى فرعون معي. هذا على قراءة من جعله كله طلباً بفتح همزة "وأشركه"، فأما من جعله جواباً للطلب، وضم الهمزة، فمعناه: أن يجعل لي وزيراً أشدد أنا به ظهري وأشركه أنا في أمري.
* *
ثم قال: ﴿كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيراً﴾ أي: نعظمك بالتسبيح. ﴿وَنَذْكُرَكَ كَثِيراً﴾، فنحمدك. ﴿إِنَّكَ كُنتَ بِنَا بَصِيراً﴾ أي: كنت بنا ذا بصر منا، لا يخفى عليك من أفعالنا شيء.
وقيل: المعنى: إنك كنت عالماً بما يصلحنا.
وروى زيد بن أسلم أن نبي الله ﷺ موسى قال: يا رب، قد أنعمت عليّ كثيراً، فدلني على أن أشكرك. قال: اذكرني كثيراً فإنك إذا ذكرتني فقد شكرتني. وإذا نسيتني فقد كفرتني. قال: لي مواطن ينبغي أن أذكرك فيها. قال: اذكرني كثيراً. قال: فكان موسى عليه السلام إذا دخل الغائط، قال: سبحانك ربي كما توقني الأذى. من رواية ابن وهب.
طه 20:24
قوله تعالى ذكره: ﴿وَٱضْمُمْ يَدَكَ إِلَىٰ جَنَاحِكَ﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّكَ كُنتَ بِنَا بَصِيراً﴾.
المعنى: واضمم يا موسى يدك، فضعها تحت عضدك.
وقال مجاهد: "إلى جناحك" كفه في عضده.
يقال لآخر العضد، إلى مبتدأ الإبط جناح.
وقيل: أمر أن يدخل يده في ثيابه مما يلي صدره وعضده، ففعل، ثم أخرجها بيضاء لها شعاع ونور.
وقال أبو عبيدة: "إلى جناحك" إلى ناحية جنبك. والجناحان الناحيتان.
وقيل: "إلى جناحك" إلى صدرك، ففعل، فخرجت يده نوراً ساطعاً تضيء بالليل كضوء الشمس والقمر، فهي له آية أخرى مع العصا. أي: علامة على قدرة الله وصحة نبوته.
ومعنى: ﴿مِنْ غَيْرِ سُوۤءٍ﴾ من غير برص.
وقال مجاهد: كان موسى رجلاً آدم، فأدخل يده في جيبه ثم أخرجها بيضاء من غير سوء أي من غير برص مثل الثلج، ثم ردها فخرجت كما كانت على لونه.
* *
وقوله: ﴿آيَةً أُخْرَىٰ﴾ أي: دلالة أخرى على العصا.
وقوله: "بيضاء" نصب على الحال. "وآية" بدل من بيضاء عند الأخفش.
وقال الزجاج: هي نصب بإضمار فعل تقديره "آتيناك آية أخرى".
وقيل: "آية" حال أيضاً، لأنه بمعنى مبينة.
* *
ثم قال تعالى: ﴿لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا ٱلْكُبْرَىٰ﴾.
أي: لنريك من آياتنا العجائب.
* *
ثم قال: ﴿ٱذْهَبْ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَىٰ﴾.
أي: تجاوز قدره، وتمرد على ربه. وفي الكلام حذف. والتقدير: اذهب إلى فرعون إنه طغى فادعه إلى توحيد الله وطاعته، وإرسال بني إسرائيل معك.
* *
وقوله: ﴿قَالَ رَبِّ ٱشْرَحْ لِي صَدْرِي * وَيَسِّرْ لِيۤ أَمْرِي﴾. أي: افسح لي صدري لأعي عنك ما تودعه من وحيك، وأجترئ به على خطاب فرعون.
* *
﴿وَيَسِّرْ لِيۤ أَمْرِي﴾.
أي: سهّل عليّ القيام بما كلفتني من الرسالة والطاعة.
* *
﴿وَٱحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي﴾.
أي: واطلق لساني للمنطق.
قيل: كانت في لسانه عجمة عن الكلام من أجل الجمرة التي كان ألقاها إلى فيه يوم همّ فرعون بقتله.
قال ابن جبير: "عقدة من لساني" عجمة بجمرة نار أدخلها في فيه عن أمر امرأة فرعون، ترد به عنه عقوبة فرعون حين أخذ موسى بلحيته، وهو لا يعقل. فقال فرعون: هذا عدو لي فقالت له امرأته: إنه لا يعقل. وكذلك قال مجاهد.
وقال السدي: لما تحرك الغلام - يعني موسى ﷺ - أرته أمه آسية. فبينما هي ترضعه وتلعب به، إذ ناولته فرعون وقالت: خذه. فلما أخذه، أخذ موسى بلحيته فنتفها. فقال فرعون: علي بالذباحين. فقالت آسية: لا تقتلوه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولداً. إنما هو صبي لا يعقل، وإنما صنع هذا من صباه، وقد علمت أنه ليس في أهل مصر أحلى مني. أنا أضع له حلياً من الياقوت وأضع له جمراً. فإن أخذ الياقوت فهو يعقل فاذبحه، وإن أخذ الجمرة فإنما هو صبي, فأخرجت له ياقوتاً ووضعت له طستاً من جمر، فجاء جبريل عليه السلام فطرح في يده جمرة، فطرحها موسى ﷺ في فيه فأحرقت لسانه. فهو الذي يقول الله ﴿وَٱحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي * يَفْقَهُواْ قَوْلِي﴾ أي يفهموا عني ما أقول لهم، وأبلغهم عنك. ففعل الله به ما سأل.
وقيل: إنه إنما زال بعض ما كان في لسانه من الحبسة ولم يزل كله بدلالة قول فرعون ﴿أَمْ أَنَآ خَيْرٌ مِّنْ هَـٰذَا ٱلَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلاَ يَكَادُ يُبِينُ﴾ [الزخرف: ٥٢] وقد يجوز أن يكون كان هذا قبل أن يزيل الله ما كان به، ثم أزاله كله بعد ذلك. والله أعلم.
وقوله تعالى: ﴿قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يٰمُوسَىٰ﴾ [طه: ٣٦].
يدل على أنه أزال عنه كل ما سأل، وأعطاه كل ما سأل.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَٱجْعَل لِّي وَزِيراً مِّنْ أَهْلِي﴾ ﴿هَارُونَ أَخِي﴾ .
وكان هارون أكبر من موسى.
والوزير هو الذي يلجأ إليه في الأمور. مشتق من الوزر، وهو الملجأ. والجبل وَزَرْ.
وقيل: "الوزير" الذي يتقلد خزائن الملك وأمتعته. فيكون مشتقاً من الوزار، وهي الأمتعة، ومنه قوله ﴿وَلَـٰكِنَّا حُمِّلْنَآ أَوْزَاراً مِّن زِينَةِ ٱلْقَوْمِ﴾ أي: آنية الفضة والذهب.
وقيل: "الوزير": الذي يتحمل أثقال الملك، ومنه قيل للذنب: وزره، فمعنى: ﴿وَٱجْعَل لِّي وَزِيراً﴾ أي: صاحباً ألجأ إليه وأعتمد عليه.
* *
وقوله: ﴿ٱشْدُدْ بِهِ أَزْرِي﴾.
أي: ظهري: وقيل للظهر أزر، لأنه محل الأوزار.
* *
وقوله: ﴿وَأَشْرِكْهُ فِيۤ أَمْرِي﴾.
أي: اجعله نبياً مثلي، وأرسله إلى فرعون معي. هذا على قراءة من جعله كله طلباً بفتح همزة "وأشركه"، فأما من جعله جواباً للطلب، وضم الهمزة، فمعناه: أن يجعل لي وزيراً أشدد أنا به ظهري وأشركه أنا في أمري.
* *
ثم قال: ﴿كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيراً﴾ أي: نعظمك بالتسبيح. ﴿وَنَذْكُرَكَ كَثِيراً﴾، فنحمدك. ﴿إِنَّكَ كُنتَ بِنَا بَصِيراً﴾ أي: كنت بنا ذا بصر منا، لا يخفى عليك من أفعالنا شيء.
وقيل: المعنى: إنك كنت عالماً بما يصلحنا.
وروى زيد بن أسلم أن نبي الله ﷺ موسى قال: يا رب، قد أنعمت عليّ كثيراً، فدلني على أن أشكرك. قال: اذكرني كثيراً فإنك إذا ذكرتني فقد شكرتني. وإذا نسيتني فقد كفرتني. قال: لي مواطن ينبغي أن أذكرك فيها. قال: اذكرني كثيراً. قال: فكان موسى عليه السلام إذا دخل الغائط، قال: سبحانك ربي كما توقني الأذى. من رواية ابن وهب.
طه 20:25
قوله تعالى ذكره: ﴿وَٱضْمُمْ يَدَكَ إِلَىٰ جَنَاحِكَ﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّكَ كُنتَ بِنَا بَصِيراً﴾.
المعنى: واضمم يا موسى يدك، فضعها تحت عضدك.
وقال مجاهد: "إلى جناحك" كفه في عضده.
يقال لآخر العضد، إلى مبتدأ الإبط جناح.
وقيل: أمر أن يدخل يده في ثيابه مما يلي صدره وعضده، ففعل، ثم أخرجها بيضاء لها شعاع ونور.
وقال أبو عبيدة: "إلى جناحك" إلى ناحية جنبك. والجناحان الناحيتان.
وقيل: "إلى جناحك" إلى صدرك، ففعل، فخرجت يده نوراً ساطعاً تضيء بالليل كضوء الشمس والقمر، فهي له آية أخرى مع العصا. أي: علامة على قدرة الله وصحة نبوته.
ومعنى: ﴿مِنْ غَيْرِ سُوۤءٍ﴾ من غير برص.
وقال مجاهد: كان موسى رجلاً آدم، فأدخل يده في جيبه ثم أخرجها بيضاء من غير سوء أي من غير برص مثل الثلج، ثم ردها فخرجت كما كانت على لونه.
* *
وقوله: ﴿آيَةً أُخْرَىٰ﴾ أي: دلالة أخرى على العصا.
وقوله: "بيضاء" نصب على الحال. "وآية" بدل من بيضاء عند الأخفش.
وقال الزجاج: هي نصب بإضمار فعل تقديره "آتيناك آية أخرى".
وقيل: "آية" حال أيضاً، لأنه بمعنى مبينة.
* *
ثم قال تعالى: ﴿لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا ٱلْكُبْرَىٰ﴾.
أي: لنريك من آياتنا العجائب.
* *
ثم قال: ﴿ٱذْهَبْ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَىٰ﴾.
أي: تجاوز قدره، وتمرد على ربه. وفي الكلام حذف. والتقدير: اذهب إلى فرعون إنه طغى فادعه إلى توحيد الله وطاعته، وإرسال بني إسرائيل معك.
* *
وقوله: ﴿قَالَ رَبِّ ٱشْرَحْ لِي صَدْرِي * وَيَسِّرْ لِيۤ أَمْرِي﴾. أي: افسح لي صدري لأعي عنك ما تودعه من وحيك، وأجترئ به على خطاب فرعون.
* *
﴿وَيَسِّرْ لِيۤ أَمْرِي﴾.
أي: سهّل عليّ القيام بما كلفتني من الرسالة والطاعة.
* *
﴿وَٱحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي﴾.
أي: واطلق لساني للمنطق.
قيل: كانت في لسانه عجمة عن الكلام من أجل الجمرة التي كان ألقاها إلى فيه يوم همّ فرعون بقتله.
قال ابن جبير: "عقدة من لساني" عجمة بجمرة نار أدخلها في فيه عن أمر امرأة فرعون، ترد به عنه عقوبة فرعون حين أخذ موسى بلحيته، وهو لا يعقل. فقال فرعون: هذا عدو لي فقالت له امرأته: إنه لا يعقل. وكذلك قال مجاهد.
وقال السدي: لما تحرك الغلام - يعني موسى ﷺ - أرته أمه آسية. فبينما هي ترضعه وتلعب به، إذ ناولته فرعون وقالت: خذه. فلما أخذه، أخذ موسى بلحيته فنتفها. فقال فرعون: علي بالذباحين. فقالت آسية: لا تقتلوه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولداً. إنما هو صبي لا يعقل، وإنما صنع هذا من صباه، وقد علمت أنه ليس في أهل مصر أحلى مني. أنا أضع له حلياً من الياقوت وأضع له جمراً. فإن أخذ الياقوت فهو يعقل فاذبحه، وإن أخذ الجمرة فإنما هو صبي, فأخرجت له ياقوتاً ووضعت له طستاً من جمر، فجاء جبريل عليه السلام فطرح في يده جمرة، فطرحها موسى ﷺ في فيه فأحرقت لسانه. فهو الذي يقول الله ﴿وَٱحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي * يَفْقَهُواْ قَوْلِي﴾ أي يفهموا عني ما أقول لهم، وأبلغهم عنك. ففعل الله به ما سأل.
وقيل: إنه إنما زال بعض ما كان في لسانه من الحبسة ولم يزل كله بدلالة قول فرعون ﴿أَمْ أَنَآ خَيْرٌ مِّنْ هَـٰذَا ٱلَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلاَ يَكَادُ يُبِينُ﴾ [الزخرف: ٥٢] وقد يجوز أن يكون كان هذا قبل أن يزيل الله ما كان به، ثم أزاله كله بعد ذلك. والله أعلم.
وقوله تعالى: ﴿قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يٰمُوسَىٰ﴾ [طه: ٣٦].
يدل على أنه أزال عنه كل ما سأل، وأعطاه كل ما سأل.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَٱجْعَل لِّي وَزِيراً مِّنْ أَهْلِي﴾ ﴿هَارُونَ أَخِي﴾ .
وكان هارون أكبر من موسى.
والوزير هو الذي يلجأ إليه في الأمور. مشتق من الوزر، وهو الملجأ. والجبل وَزَرْ.
وقيل: "الوزير" الذي يتقلد خزائن الملك وأمتعته. فيكون مشتقاً من الوزار، وهي الأمتعة، ومنه قوله ﴿وَلَـٰكِنَّا حُمِّلْنَآ أَوْزَاراً مِّن زِينَةِ ٱلْقَوْمِ﴾ أي: آنية الفضة والذهب.
وقيل: "الوزير": الذي يتحمل أثقال الملك، ومنه قيل للذنب: وزره، فمعنى: ﴿وَٱجْعَل لِّي وَزِيراً﴾ أي: صاحباً ألجأ إليه وأعتمد عليه.
* *
وقوله: ﴿ٱشْدُدْ بِهِ أَزْرِي﴾.
أي: ظهري: وقيل للظهر أزر، لأنه محل الأوزار.
* *
وقوله: ﴿وَأَشْرِكْهُ فِيۤ أَمْرِي﴾.
أي: اجعله نبياً مثلي، وأرسله إلى فرعون معي. هذا على قراءة من جعله كله طلباً بفتح همزة "وأشركه"، فأما من جعله جواباً للطلب، وضم الهمزة، فمعناه: أن يجعل لي وزيراً أشدد أنا به ظهري وأشركه أنا في أمري.
* *
ثم قال: ﴿كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيراً﴾ أي: نعظمك بالتسبيح. ﴿وَنَذْكُرَكَ كَثِيراً﴾، فنحمدك. ﴿إِنَّكَ كُنتَ بِنَا بَصِيراً﴾ أي: كنت بنا ذا بصر منا، لا يخفى عليك من أفعالنا شيء.
وقيل: المعنى: إنك كنت عالماً بما يصلحنا.
وروى زيد بن أسلم أن نبي الله ﷺ موسى قال: يا رب، قد أنعمت عليّ كثيراً، فدلني على أن أشكرك. قال: اذكرني كثيراً فإنك إذا ذكرتني فقد شكرتني. وإذا نسيتني فقد كفرتني. قال: لي مواطن ينبغي أن أذكرك فيها. قال: اذكرني كثيراً. قال: فكان موسى عليه السلام إذا دخل الغائط، قال: سبحانك ربي كما توقني الأذى. من رواية ابن وهب.
طه 20:26
قوله تعالى ذكره: ﴿وَٱضْمُمْ يَدَكَ إِلَىٰ جَنَاحِكَ﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّكَ كُنتَ بِنَا بَصِيراً﴾.
المعنى: واضمم يا موسى يدك، فضعها تحت عضدك.
وقال مجاهد: "إلى جناحك" كفه في عضده.
يقال لآخر العضد، إلى مبتدأ الإبط جناح.
وقيل: أمر أن يدخل يده في ثيابه مما يلي صدره وعضده، ففعل، ثم أخرجها بيضاء لها شعاع ونور.
وقال أبو عبيدة: "إلى جناحك" إلى ناحية جنبك. والجناحان الناحيتان.
وقيل: "إلى جناحك" إلى صدرك، ففعل، فخرجت يده نوراً ساطعاً تضيء بالليل كضوء الشمس والقمر، فهي له آية أخرى مع العصا. أي: علامة على قدرة الله وصحة نبوته.
ومعنى: ﴿مِنْ غَيْرِ سُوۤءٍ﴾ من غير برص.
وقال مجاهد: كان موسى رجلاً آدم، فأدخل يده في جيبه ثم أخرجها بيضاء من غير سوء أي من غير برص مثل الثلج، ثم ردها فخرجت كما كانت على لونه.
* *
وقوله: ﴿آيَةً أُخْرَىٰ﴾ أي: دلالة أخرى على العصا.
وقوله: "بيضاء" نصب على الحال. "وآية" بدل من بيضاء عند الأخفش.
وقال الزجاج: هي نصب بإضمار فعل تقديره "آتيناك آية أخرى".
وقيل: "آية" حال أيضاً، لأنه بمعنى مبينة.
* *
ثم قال تعالى: ﴿لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا ٱلْكُبْرَىٰ﴾.
أي: لنريك من آياتنا العجائب.
* *
ثم قال: ﴿ٱذْهَبْ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَىٰ﴾.
أي: تجاوز قدره، وتمرد على ربه. وفي الكلام حذف. والتقدير: اذهب إلى فرعون إنه طغى فادعه إلى توحيد الله وطاعته، وإرسال بني إسرائيل معك.
* *
وقوله: ﴿قَالَ رَبِّ ٱشْرَحْ لِي صَدْرِي * وَيَسِّرْ لِيۤ أَمْرِي﴾. أي: افسح لي صدري لأعي عنك ما تودعه من وحيك، وأجترئ به على خطاب فرعون.
* *
﴿وَيَسِّرْ لِيۤ أَمْرِي﴾.
أي: سهّل عليّ القيام بما كلفتني من الرسالة والطاعة.
* *
﴿وَٱحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي﴾.
أي: واطلق لساني للمنطق.
قيل: كانت في لسانه عجمة عن الكلام من أجل الجمرة التي كان ألقاها إلى فيه يوم همّ فرعون بقتله.
قال ابن جبير: "عقدة من لساني" عجمة بجمرة نار أدخلها في فيه عن أمر امرأة فرعون، ترد به عنه عقوبة فرعون حين أخذ موسى بلحيته، وهو لا يعقل. فقال فرعون: هذا عدو لي فقالت له امرأته: إنه لا يعقل. وكذلك قال مجاهد.
وقال السدي: لما تحرك الغلام - يعني موسى ﷺ - أرته أمه آسية. فبينما هي ترضعه وتلعب به، إذ ناولته فرعون وقالت: خذه. فلما أخذه، أخذ موسى بلحيته فنتفها. فقال فرعون: علي بالذباحين. فقالت آسية: لا تقتلوه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولداً. إنما هو صبي لا يعقل، وإنما صنع هذا من صباه، وقد علمت أنه ليس في أهل مصر أحلى مني. أنا أضع له حلياً من الياقوت وأضع له جمراً. فإن أخذ الياقوت فهو يعقل فاذبحه، وإن أخذ الجمرة فإنما هو صبي, فأخرجت له ياقوتاً ووضعت له طستاً من جمر، فجاء جبريل عليه السلام فطرح في يده جمرة، فطرحها موسى ﷺ في فيه فأحرقت لسانه. فهو الذي يقول الله ﴿وَٱحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي * يَفْقَهُواْ قَوْلِي﴾ أي يفهموا عني ما أقول لهم، وأبلغهم عنك. ففعل الله به ما سأل.
وقيل: إنه إنما زال بعض ما كان في لسانه من الحبسة ولم يزل كله بدلالة قول فرعون ﴿أَمْ أَنَآ خَيْرٌ مِّنْ هَـٰذَا ٱلَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلاَ يَكَادُ يُبِينُ﴾ [الزخرف: ٥٢] وقد يجوز أن يكون كان هذا قبل أن يزيل الله ما كان به، ثم أزاله كله بعد ذلك. والله أعلم.
وقوله تعالى: ﴿قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يٰمُوسَىٰ﴾ [طه: ٣٦].
يدل على أنه أزال عنه كل ما سأل، وأعطاه كل ما سأل.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَٱجْعَل لِّي وَزِيراً مِّنْ أَهْلِي﴾ ﴿هَارُونَ أَخِي﴾ .
وكان هارون أكبر من موسى.
والوزير هو الذي يلجأ إليه في الأمور. مشتق من الوزر، وهو الملجأ. والجبل وَزَرْ.
وقيل: "الوزير" الذي يتقلد خزائن الملك وأمتعته. فيكون مشتقاً من الوزار، وهي الأمتعة، ومنه قوله ﴿وَلَـٰكِنَّا حُمِّلْنَآ أَوْزَاراً مِّن زِينَةِ ٱلْقَوْمِ﴾ أي: آنية الفضة والذهب.
وقيل: "الوزير": الذي يتحمل أثقال الملك، ومنه قيل للذنب: وزره، فمعنى: ﴿وَٱجْعَل لِّي وَزِيراً﴾ أي: صاحباً ألجأ إليه وأعتمد عليه.
* *
وقوله: ﴿ٱشْدُدْ بِهِ أَزْرِي﴾.
أي: ظهري: وقيل للظهر أزر، لأنه محل الأوزار.
* *
وقوله: ﴿وَأَشْرِكْهُ فِيۤ أَمْرِي﴾.
أي: اجعله نبياً مثلي، وأرسله إلى فرعون معي. هذا على قراءة من جعله كله طلباً بفتح همزة "وأشركه"، فأما من جعله جواباً للطلب، وضم الهمزة، فمعناه: أن يجعل لي وزيراً أشدد أنا به ظهري وأشركه أنا في أمري.
* *
ثم قال: ﴿كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيراً﴾ أي: نعظمك بالتسبيح. ﴿وَنَذْكُرَكَ كَثِيراً﴾، فنحمدك. ﴿إِنَّكَ كُنتَ بِنَا بَصِيراً﴾ أي: كنت بنا ذا بصر منا، لا يخفى عليك من أفعالنا شيء.
وقيل: المعنى: إنك كنت عالماً بما يصلحنا.
وروى زيد بن أسلم أن نبي الله ﷺ موسى قال: يا رب، قد أنعمت عليّ كثيراً، فدلني على أن أشكرك. قال: اذكرني كثيراً فإنك إذا ذكرتني فقد شكرتني. وإذا نسيتني فقد كفرتني. قال: لي مواطن ينبغي أن أذكرك فيها. قال: اذكرني كثيراً. قال: فكان موسى عليه السلام إذا دخل الغائط، قال: سبحانك ربي كما توقني الأذى. من رواية ابن وهب.
طه 20:27
قوله تعالى ذكره: ﴿وَٱضْمُمْ يَدَكَ إِلَىٰ جَنَاحِكَ﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّكَ كُنتَ بِنَا بَصِيراً﴾.
المعنى: واضمم يا موسى يدك، فضعها تحت عضدك.
وقال مجاهد: "إلى جناحك" كفه في عضده.
يقال لآخر العضد، إلى مبتدأ الإبط جناح.
وقيل: أمر أن يدخل يده في ثيابه مما يلي صدره وعضده، ففعل، ثم أخرجها بيضاء لها شعاع ونور.
وقال أبو عبيدة: "إلى جناحك" إلى ناحية جنبك. والجناحان الناحيتان.
وقيل: "إلى جناحك" إلى صدرك، ففعل، فخرجت يده نوراً ساطعاً تضيء بالليل كضوء الشمس والقمر، فهي له آية أخرى مع العصا. أي: علامة على قدرة الله وصحة نبوته.
ومعنى: ﴿مِنْ غَيْرِ سُوۤءٍ﴾ من غير برص.
وقال مجاهد: كان موسى رجلاً آدم، فأدخل يده في جيبه ثم أخرجها بيضاء من غير سوء أي من غير برص مثل الثلج، ثم ردها فخرجت كما كانت على لونه.
* *
وقوله: ﴿آيَةً أُخْرَىٰ﴾ أي: دلالة أخرى على العصا.
وقوله: "بيضاء" نصب على الحال. "وآية" بدل من بيضاء عند الأخفش.
وقال الزجاج: هي نصب بإضمار فعل تقديره "آتيناك آية أخرى".
وقيل: "آية" حال أيضاً، لأنه بمعنى مبينة.
* *
ثم قال تعالى: ﴿لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا ٱلْكُبْرَىٰ﴾.
أي: لنريك من آياتنا العجائب.
* *
ثم قال: ﴿ٱذْهَبْ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَىٰ﴾.
أي: تجاوز قدره، وتمرد على ربه. وفي الكلام حذف. والتقدير: اذهب إلى فرعون إنه طغى فادعه إلى توحيد الله وطاعته، وإرسال بني إسرائيل معك.
* *
وقوله: ﴿قَالَ رَبِّ ٱشْرَحْ لِي صَدْرِي * وَيَسِّرْ لِيۤ أَمْرِي﴾. أي: افسح لي صدري لأعي عنك ما تودعه من وحيك، وأجترئ به على خطاب فرعون.
* *
﴿وَيَسِّرْ لِيۤ أَمْرِي﴾.
أي: سهّل عليّ القيام بما كلفتني من الرسالة والطاعة.
* *
﴿وَٱحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي﴾.
أي: واطلق لساني للمنطق.
قيل: كانت في لسانه عجمة عن الكلام من أجل الجمرة التي كان ألقاها إلى فيه يوم همّ فرعون بقتله.
قال ابن جبير: "عقدة من لساني" عجمة بجمرة نار أدخلها في فيه عن أمر امرأة فرعون، ترد به عنه عقوبة فرعون حين أخذ موسى بلحيته، وهو لا يعقل. فقال فرعون: هذا عدو لي فقالت له امرأته: إنه لا يعقل. وكذلك قال مجاهد.
وقال السدي: لما تحرك الغلام - يعني موسى ﷺ - أرته أمه آسية. فبينما هي ترضعه وتلعب به، إذ ناولته فرعون وقالت: خذه. فلما أخذه، أخذ موسى بلحيته فنتفها. فقال فرعون: علي بالذباحين. فقالت آسية: لا تقتلوه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولداً. إنما هو صبي لا يعقل، وإنما صنع هذا من صباه، وقد علمت أنه ليس في أهل مصر أحلى مني. أنا أضع له حلياً من الياقوت وأضع له جمراً. فإن أخذ الياقوت فهو يعقل فاذبحه، وإن أخذ الجمرة فإنما هو صبي, فأخرجت له ياقوتاً ووضعت له طستاً من جمر، فجاء جبريل عليه السلام فطرح في يده جمرة، فطرحها موسى ﷺ في فيه فأحرقت لسانه. فهو الذي يقول الله ﴿وَٱحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي * يَفْقَهُواْ قَوْلِي﴾ أي يفهموا عني ما أقول لهم، وأبلغهم عنك. ففعل الله به ما سأل.
وقيل: إنه إنما زال بعض ما كان في لسانه من الحبسة ولم يزل كله بدلالة قول فرعون ﴿أَمْ أَنَآ خَيْرٌ مِّنْ هَـٰذَا ٱلَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلاَ يَكَادُ يُبِينُ﴾ [الزخرف: ٥٢] وقد يجوز أن يكون كان هذا قبل أن يزيل الله ما كان به، ثم أزاله كله بعد ذلك. والله أعلم.
وقوله تعالى: ﴿قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يٰمُوسَىٰ﴾ [طه: ٣٦].
يدل على أنه أزال عنه كل ما سأل، وأعطاه كل ما سأل.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَٱجْعَل لِّي وَزِيراً مِّنْ أَهْلِي﴾ ﴿هَارُونَ أَخِي﴾ .
وكان هارون أكبر من موسى.
والوزير هو الذي يلجأ إليه في الأمور. مشتق من الوزر، وهو الملجأ. والجبل وَزَرْ.
وقيل: "الوزير" الذي يتقلد خزائن الملك وأمتعته. فيكون مشتقاً من الوزار، وهي الأمتعة، ومنه قوله ﴿وَلَـٰكِنَّا حُمِّلْنَآ أَوْزَاراً مِّن زِينَةِ ٱلْقَوْمِ﴾ أي: آنية الفضة والذهب.
وقيل: "الوزير": الذي يتحمل أثقال الملك، ومنه قيل للذنب: وزره، فمعنى: ﴿وَٱجْعَل لِّي وَزِيراً﴾ أي: صاحباً ألجأ إليه وأعتمد عليه.
* *
وقوله: ﴿ٱشْدُدْ بِهِ أَزْرِي﴾.
أي: ظهري: وقيل للظهر أزر، لأنه محل الأوزار.
* *
وقوله: ﴿وَأَشْرِكْهُ فِيۤ أَمْرِي﴾.
أي: اجعله نبياً مثلي، وأرسله إلى فرعون معي. هذا على قراءة من جعله كله طلباً بفتح همزة "وأشركه"، فأما من جعله جواباً للطلب، وضم الهمزة، فمعناه: أن يجعل لي وزيراً أشدد أنا به ظهري وأشركه أنا في أمري.
* *
ثم قال: ﴿كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيراً﴾ أي: نعظمك بالتسبيح. ﴿وَنَذْكُرَكَ كَثِيراً﴾، فنحمدك. ﴿إِنَّكَ كُنتَ بِنَا بَصِيراً﴾ أي: كنت بنا ذا بصر منا، لا يخفى عليك من أفعالنا شيء.
وقيل: المعنى: إنك كنت عالماً بما يصلحنا.
وروى زيد بن أسلم أن نبي الله ﷺ موسى قال: يا رب، قد أنعمت عليّ كثيراً، فدلني على أن أشكرك. قال: اذكرني كثيراً فإنك إذا ذكرتني فقد شكرتني. وإذا نسيتني فقد كفرتني. قال: لي مواطن ينبغي أن أذكرك فيها. قال: اذكرني كثيراً. قال: فكان موسى عليه السلام إذا دخل الغائط، قال: سبحانك ربي كما توقني الأذى. من رواية ابن وهب.
طه 20:28
قوله تعالى ذكره: ﴿وَٱضْمُمْ يَدَكَ إِلَىٰ جَنَاحِكَ﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّكَ كُنتَ بِنَا بَصِيراً﴾.
المعنى: واضمم يا موسى يدك، فضعها تحت عضدك.
وقال مجاهد: "إلى جناحك" كفه في عضده.
يقال لآخر العضد، إلى مبتدأ الإبط جناح.
وقيل: أمر أن يدخل يده في ثيابه مما يلي صدره وعضده، ففعل، ثم أخرجها بيضاء لها شعاع ونور.
وقال أبو عبيدة: "إلى جناحك" إلى ناحية جنبك. والجناحان الناحيتان.
وقيل: "إلى جناحك" إلى صدرك، ففعل، فخرجت يده نوراً ساطعاً تضيء بالليل كضوء الشمس والقمر، فهي له آية أخرى مع العصا. أي: علامة على قدرة الله وصحة نبوته.
ومعنى: ﴿مِنْ غَيْرِ سُوۤءٍ﴾ من غير برص.
وقال مجاهد: كان موسى رجلاً آدم، فأدخل يده في جيبه ثم أخرجها بيضاء من غير سوء أي من غير برص مثل الثلج، ثم ردها فخرجت كما كانت على لونه.
* *
وقوله: ﴿آيَةً أُخْرَىٰ﴾ أي: دلالة أخرى على العصا.
وقوله: "بيضاء" نصب على الحال. "وآية" بدل من بيضاء عند الأخفش.
وقال الزجاج: هي نصب بإضمار فعل تقديره "آتيناك آية أخرى".
وقيل: "آية" حال أيضاً، لأنه بمعنى مبينة.
* *
ثم قال تعالى: ﴿لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا ٱلْكُبْرَىٰ﴾.
أي: لنريك من آياتنا العجائب.
* *
ثم قال: ﴿ٱذْهَبْ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَىٰ﴾.
أي: تجاوز قدره، وتمرد على ربه. وفي الكلام حذف. والتقدير: اذهب إلى فرعون إنه طغى فادعه إلى توحيد الله وطاعته، وإرسال بني إسرائيل معك.
* *
وقوله: ﴿قَالَ رَبِّ ٱشْرَحْ لِي صَدْرِي * وَيَسِّرْ لِيۤ أَمْرِي﴾. أي: افسح لي صدري لأعي عنك ما تودعه من وحيك، وأجترئ به على خطاب فرعون.
* *
﴿وَيَسِّرْ لِيۤ أَمْرِي﴾.
أي: سهّل عليّ القيام بما كلفتني من الرسالة والطاعة.
* *
﴿وَٱحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي﴾.
أي: واطلق لساني للمنطق.
قيل: كانت في لسانه عجمة عن الكلام من أجل الجمرة التي كان ألقاها إلى فيه يوم همّ فرعون بقتله.
قال ابن جبير: "عقدة من لساني" عجمة بجمرة نار أدخلها في فيه عن أمر امرأة فرعون، ترد به عنه عقوبة فرعون حين أخذ موسى بلحيته، وهو لا يعقل. فقال فرعون: هذا عدو لي فقالت له امرأته: إنه لا يعقل. وكذلك قال مجاهد.
وقال السدي: لما تحرك الغلام - يعني موسى ﷺ - أرته أمه آسية. فبينما هي ترضعه وتلعب به، إذ ناولته فرعون وقالت: خذه. فلما أخذه، أخذ موسى بلحيته فنتفها. فقال فرعون: علي بالذباحين. فقالت آسية: لا تقتلوه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولداً. إنما هو صبي لا يعقل، وإنما صنع هذا من صباه، وقد علمت أنه ليس في أهل مصر أحلى مني. أنا أضع له حلياً من الياقوت وأضع له جمراً. فإن أخذ الياقوت فهو يعقل فاذبحه، وإن أخذ الجمرة فإنما هو صبي, فأخرجت له ياقوتاً ووضعت له طستاً من جمر، فجاء جبريل عليه السلام فطرح في يده جمرة، فطرحها موسى ﷺ في فيه فأحرقت لسانه. فهو الذي يقول الله ﴿وَٱحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي * يَفْقَهُواْ قَوْلِي﴾ أي يفهموا عني ما أقول لهم، وأبلغهم عنك. ففعل الله به ما سأل.
وقيل: إنه إنما زال بعض ما كان في لسانه من الحبسة ولم يزل كله بدلالة قول فرعون ﴿أَمْ أَنَآ خَيْرٌ مِّنْ هَـٰذَا ٱلَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلاَ يَكَادُ يُبِينُ﴾ [الزخرف: ٥٢] وقد يجوز أن يكون كان هذا قبل أن يزيل الله ما كان به، ثم أزاله كله بعد ذلك. والله أعلم.
وقوله تعالى: ﴿قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يٰمُوسَىٰ﴾ [طه: ٣٦].
يدل على أنه أزال عنه كل ما سأل، وأعطاه كل ما سأل.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَٱجْعَل لِّي وَزِيراً مِّنْ أَهْلِي﴾ ﴿هَارُونَ أَخِي﴾ .
وكان هارون أكبر من موسى.
والوزير هو الذي يلجأ إليه في الأمور. مشتق من الوزر، وهو الملجأ. والجبل وَزَرْ.
وقيل: "الوزير" الذي يتقلد خزائن الملك وأمتعته. فيكون مشتقاً من الوزار، وهي الأمتعة، ومنه قوله ﴿وَلَـٰكِنَّا حُمِّلْنَآ أَوْزَاراً مِّن زِينَةِ ٱلْقَوْمِ﴾ أي: آنية الفضة والذهب.
وقيل: "الوزير": الذي يتحمل أثقال الملك، ومنه قيل للذنب: وزره، فمعنى: ﴿وَٱجْعَل لِّي وَزِيراً﴾ أي: صاحباً ألجأ إليه وأعتمد عليه.
* *
وقوله: ﴿ٱشْدُدْ بِهِ أَزْرِي﴾.
أي: ظهري: وقيل للظهر أزر، لأنه محل الأوزار.
* *
وقوله: ﴿وَأَشْرِكْهُ فِيۤ أَمْرِي﴾.
أي: اجعله نبياً مثلي، وأرسله إلى فرعون معي. هذا على قراءة من جعله كله طلباً بفتح همزة "وأشركه"، فأما من جعله جواباً للطلب، وضم الهمزة، فمعناه: أن يجعل لي وزيراً أشدد أنا به ظهري وأشركه أنا في أمري.
* *
ثم قال: ﴿كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيراً﴾ أي: نعظمك بالتسبيح. ﴿وَنَذْكُرَكَ كَثِيراً﴾، فنحمدك. ﴿إِنَّكَ كُنتَ بِنَا بَصِيراً﴾ أي: كنت بنا ذا بصر منا، لا يخفى عليك من أفعالنا شيء.
وقيل: المعنى: إنك كنت عالماً بما يصلحنا.
وروى زيد بن أسلم أن نبي الله ﷺ موسى قال: يا رب، قد أنعمت عليّ كثيراً، فدلني على أن أشكرك. قال: اذكرني كثيراً فإنك إذا ذكرتني فقد شكرتني. وإذا نسيتني فقد كفرتني. قال: لي مواطن ينبغي أن أذكرك فيها. قال: اذكرني كثيراً. قال: فكان موسى عليه السلام إذا دخل الغائط، قال: سبحانك ربي كما توقني الأذى. من رواية ابن وهب.
طه 20:29
قوله تعالى ذكره: ﴿وَٱضْمُمْ يَدَكَ إِلَىٰ جَنَاحِكَ﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّكَ كُنتَ بِنَا بَصِيراً﴾.
المعنى: واضمم يا موسى يدك، فضعها تحت عضدك.
وقال مجاهد: "إلى جناحك" كفه في عضده.
يقال لآخر العضد، إلى مبتدأ الإبط جناح.
وقيل: أمر أن يدخل يده في ثيابه مما يلي صدره وعضده، ففعل، ثم أخرجها بيضاء لها شعاع ونور.
وقال أبو عبيدة: "إلى جناحك" إلى ناحية جنبك. والجناحان الناحيتان.
وقيل: "إلى جناحك" إلى صدرك، ففعل، فخرجت يده نوراً ساطعاً تضيء بالليل كضوء الشمس والقمر، فهي له آية أخرى مع العصا. أي: علامة على قدرة الله وصحة نبوته.
ومعنى: ﴿مِنْ غَيْرِ سُوۤءٍ﴾ من غير برص.
وقال مجاهد: كان موسى رجلاً آدم، فأدخل يده في جيبه ثم أخرجها بيضاء من غير سوء أي من غير برص مثل الثلج، ثم ردها فخرجت كما كانت على لونه.
* *
وقوله: ﴿آيَةً أُخْرَىٰ﴾ أي: دلالة أخرى على العصا.
وقوله: "بيضاء" نصب على الحال. "وآية" بدل من بيضاء عند الأخفش.
وقال الزجاج: هي نصب بإضمار فعل تقديره "آتيناك آية أخرى".
وقيل: "آية" حال أيضاً، لأنه بمعنى مبينة.
* *
ثم قال تعالى: ﴿لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا ٱلْكُبْرَىٰ﴾.
أي: لنريك من آياتنا العجائب.
* *
ثم قال: ﴿ٱذْهَبْ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَىٰ﴾.
أي: تجاوز قدره، وتمرد على ربه. وفي الكلام حذف. والتقدير: اذهب إلى فرعون إنه طغى فادعه إلى توحيد الله وطاعته، وإرسال بني إسرائيل معك.
* *
وقوله: ﴿قَالَ رَبِّ ٱشْرَحْ لِي صَدْرِي * وَيَسِّرْ لِيۤ أَمْرِي﴾. أي: افسح لي صدري لأعي عنك ما تودعه من وحيك، وأجترئ به على خطاب فرعون.
* *
﴿وَيَسِّرْ لِيۤ أَمْرِي﴾.
أي: سهّل عليّ القيام بما كلفتني من الرسالة والطاعة.
* *
﴿وَٱحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي﴾.
أي: واطلق لساني للمنطق.
قيل: كانت في لسانه عجمة عن الكلام من أجل الجمرة التي كان ألقاها إلى فيه يوم همّ فرعون بقتله.
قال ابن جبير: "عقدة من لساني" عجمة بجمرة نار أدخلها في فيه عن أمر امرأة فرعون، ترد به عنه عقوبة فرعون حين أخذ موسى بلحيته، وهو لا يعقل. فقال فرعون: هذا عدو لي فقالت له امرأته: إنه لا يعقل. وكذلك قال مجاهد.
وقال السدي: لما تحرك الغلام - يعني موسى ﷺ - أرته أمه آسية. فبينما هي ترضعه وتلعب به، إذ ناولته فرعون وقالت: خذه. فلما أخذه، أخذ موسى بلحيته فنتفها. فقال فرعون: علي بالذباحين. فقالت آسية: لا تقتلوه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولداً. إنما هو صبي لا يعقل، وإنما صنع هذا من صباه، وقد علمت أنه ليس في أهل مصر أحلى مني. أنا أضع له حلياً من الياقوت وأضع له جمراً. فإن أخذ الياقوت فهو يعقل فاذبحه، وإن أخذ الجمرة فإنما هو صبي, فأخرجت له ياقوتاً ووضعت له طستاً من جمر، فجاء جبريل عليه السلام فطرح في يده جمرة، فطرحها موسى ﷺ في فيه فأحرقت لسانه. فهو الذي يقول الله ﴿وَٱحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي * يَفْقَهُواْ قَوْلِي﴾ أي يفهموا عني ما أقول لهم، وأبلغهم عنك. ففعل الله به ما سأل.
وقيل: إنه إنما زال بعض ما كان في لسانه من الحبسة ولم يزل كله بدلالة قول فرعون ﴿أَمْ أَنَآ خَيْرٌ مِّنْ هَـٰذَا ٱلَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلاَ يَكَادُ يُبِينُ﴾ [الزخرف: ٥٢] وقد يجوز أن يكون كان هذا قبل أن يزيل الله ما كان به، ثم أزاله كله بعد ذلك. والله أعلم.
وقوله تعالى: ﴿قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يٰمُوسَىٰ﴾ [طه: ٣٦].
يدل على أنه أزال عنه كل ما سأل، وأعطاه كل ما سأل.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَٱجْعَل لِّي وَزِيراً مِّنْ أَهْلِي﴾ ﴿هَارُونَ أَخِي﴾ .
وكان هارون أكبر من موسى.
والوزير هو الذي يلجأ إليه في الأمور. مشتق من الوزر، وهو الملجأ. والجبل وَزَرْ.
وقيل: "الوزير" الذي يتقلد خزائن الملك وأمتعته. فيكون مشتقاً من الوزار، وهي الأمتعة، ومنه قوله ﴿وَلَـٰكِنَّا حُمِّلْنَآ أَوْزَاراً مِّن زِينَةِ ٱلْقَوْمِ﴾ أي: آنية الفضة والذهب.
وقيل: "الوزير": الذي يتحمل أثقال الملك، ومنه قيل للذنب: وزره، فمعنى: ﴿وَٱجْعَل لِّي وَزِيراً﴾ أي: صاحباً ألجأ إليه وأعتمد عليه.
* *
وقوله: ﴿ٱشْدُدْ بِهِ أَزْرِي﴾.
أي: ظهري: وقيل للظهر أزر، لأنه محل الأوزار.
* *
وقوله: ﴿وَأَشْرِكْهُ فِيۤ أَمْرِي﴾.
أي: اجعله نبياً مثلي، وأرسله إلى فرعون معي. هذا على قراءة من جعله كله طلباً بفتح همزة "وأشركه"، فأما من جعله جواباً للطلب، وضم الهمزة، فمعناه: أن يجعل لي وزيراً أشدد أنا به ظهري وأشركه أنا في أمري.
* *
ثم قال: ﴿كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيراً﴾ أي: نعظمك بالتسبيح. ﴿وَنَذْكُرَكَ كَثِيراً﴾، فنحمدك. ﴿إِنَّكَ كُنتَ بِنَا بَصِيراً﴾ أي: كنت بنا ذا بصر منا، لا يخفى عليك من أفعالنا شيء.
وقيل: المعنى: إنك كنت عالماً بما يصلحنا.
وروى زيد بن أسلم أن نبي الله ﷺ موسى قال: يا رب، قد أنعمت عليّ كثيراً، فدلني على أن أشكرك. قال: اذكرني كثيراً فإنك إذا ذكرتني فقد شكرتني. وإذا نسيتني فقد كفرتني. قال: لي مواطن ينبغي أن أذكرك فيها. قال: اذكرني كثيراً. قال: فكان موسى عليه السلام إذا دخل الغائط، قال: سبحانك ربي كما توقني الأذى. من رواية ابن وهب.
طه 20:30
قوله تعالى ذكره: ﴿وَٱضْمُمْ يَدَكَ إِلَىٰ جَنَاحِكَ﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّكَ كُنتَ بِنَا بَصِيراً﴾.
المعنى: واضمم يا موسى يدك، فضعها تحت عضدك.
وقال مجاهد: "إلى جناحك" كفه في عضده.
يقال لآخر العضد، إلى مبتدأ الإبط جناح.
وقيل: أمر أن يدخل يده في ثيابه مما يلي صدره وعضده، ففعل، ثم أخرجها بيضاء لها شعاع ونور.
وقال أبو عبيدة: "إلى جناحك" إلى ناحية جنبك. والجناحان الناحيتان.
وقيل: "إلى جناحك" إلى صدرك، ففعل، فخرجت يده نوراً ساطعاً تضيء بالليل كضوء الشمس والقمر، فهي له آية أخرى مع العصا. أي: علامة على قدرة الله وصحة نبوته.
ومعنى: ﴿مِنْ غَيْرِ سُوۤءٍ﴾ من غير برص.
وقال مجاهد: كان موسى رجلاً آدم، فأدخل يده في جيبه ثم أخرجها بيضاء من غير سوء أي من غير برص مثل الثلج، ثم ردها فخرجت كما كانت على لونه.
* *
وقوله: ﴿آيَةً أُخْرَىٰ﴾ أي: دلالة أخرى على العصا.
وقوله: "بيضاء" نصب على الحال. "وآية" بدل من بيضاء عند الأخفش.
وقال الزجاج: هي نصب بإضمار فعل تقديره "آتيناك آية أخرى".
وقيل: "آية" حال أيضاً، لأنه بمعنى مبينة.
* *
ثم قال تعالى: ﴿لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا ٱلْكُبْرَىٰ﴾.
أي: لنريك من آياتنا العجائب.
* *
ثم قال: ﴿ٱذْهَبْ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَىٰ﴾.
أي: تجاوز قدره، وتمرد على ربه. وفي الكلام حذف. والتقدير: اذهب إلى فرعون إنه طغى فادعه إلى توحيد الله وطاعته، وإرسال بني إسرائيل معك.
* *
وقوله: ﴿قَالَ رَبِّ ٱشْرَحْ لِي صَدْرِي * وَيَسِّرْ لِيۤ أَمْرِي﴾. أي: افسح لي صدري لأعي عنك ما تودعه من وحيك، وأجترئ به على خطاب فرعون.
* *
﴿وَيَسِّرْ لِيۤ أَمْرِي﴾.
أي: سهّل عليّ القيام بما كلفتني من الرسالة والطاعة.
* *
﴿وَٱحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي﴾.
أي: واطلق لساني للمنطق.
قيل: كانت في لسانه عجمة عن الكلام من أجل الجمرة التي كان ألقاها إلى فيه يوم همّ فرعون بقتله.
قال ابن جبير: "عقدة من لساني" عجمة بجمرة نار أدخلها في فيه عن أمر امرأة فرعون، ترد به عنه عقوبة فرعون حين أخذ موسى بلحيته، وهو لا يعقل. فقال فرعون: هذا عدو لي فقالت له امرأته: إنه لا يعقل. وكذلك قال مجاهد.
وقال السدي: لما تحرك الغلام - يعني موسى ﷺ - أرته أمه آسية. فبينما هي ترضعه وتلعب به، إذ ناولته فرعون وقالت: خذه. فلما أخذه، أخذ موسى بلحيته فنتفها. فقال فرعون: علي بالذباحين. فقالت آسية: لا تقتلوه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولداً. إنما هو صبي لا يعقل، وإنما صنع هذا من صباه، وقد علمت أنه ليس في أهل مصر أحلى مني. أنا أضع له حلياً من الياقوت وأضع له جمراً. فإن أخذ الياقوت فهو يعقل فاذبحه، وإن أخذ الجمرة فإنما هو صبي, فأخرجت له ياقوتاً ووضعت له طستاً من جمر، فجاء جبريل عليه السلام فطرح في يده جمرة، فطرحها موسى ﷺ في فيه فأحرقت لسانه. فهو الذي يقول الله ﴿وَٱحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي * يَفْقَهُواْ قَوْلِي﴾ أي يفهموا عني ما أقول لهم، وأبلغهم عنك. ففعل الله به ما سأل.
وقيل: إنه إنما زال بعض ما كان في لسانه من الحبسة ولم يزل كله بدلالة قول فرعون ﴿أَمْ أَنَآ خَيْرٌ مِّنْ هَـٰذَا ٱلَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلاَ يَكَادُ يُبِينُ﴾ [الزخرف: ٥٢] وقد يجوز أن يكون كان هذا قبل أن يزيل الله ما كان به، ثم أزاله كله بعد ذلك. والله أعلم.
وقوله تعالى: ﴿قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يٰمُوسَىٰ﴾ [طه: ٣٦].
يدل على أنه أزال عنه كل ما سأل، وأعطاه كل ما سأل.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَٱجْعَل لِّي وَزِيراً مِّنْ أَهْلِي﴾ ﴿هَارُونَ أَخِي﴾ .
وكان هارون أكبر من موسى.
والوزير هو الذي يلجأ إليه في الأمور. مشتق من الوزر، وهو الملجأ. والجبل وَزَرْ.
وقيل: "الوزير" الذي يتقلد خزائن الملك وأمتعته. فيكون مشتقاً من الوزار، وهي الأمتعة، ومنه قوله ﴿وَلَـٰكِنَّا حُمِّلْنَآ أَوْزَاراً مِّن زِينَةِ ٱلْقَوْمِ﴾ أي: آنية الفضة والذهب.
وقيل: "الوزير": الذي يتحمل أثقال الملك، ومنه قيل للذنب: وزره، فمعنى: ﴿وَٱجْعَل لِّي وَزِيراً﴾ أي: صاحباً ألجأ إليه وأعتمد عليه.
* *
وقوله: ﴿ٱشْدُدْ بِهِ أَزْرِي﴾.
أي: ظهري: وقيل للظهر أزر، لأنه محل الأوزار.
* *
وقوله: ﴿وَأَشْرِكْهُ فِيۤ أَمْرِي﴾.
أي: اجعله نبياً مثلي، وأرسله إلى فرعون معي. هذا على قراءة من جعله كله طلباً بفتح همزة "وأشركه"، فأما من جعله جواباً للطلب، وضم الهمزة، فمعناه: أن يجعل لي وزيراً أشدد أنا به ظهري وأشركه أنا في أمري.
* *
ثم قال: ﴿كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيراً﴾ أي: نعظمك بالتسبيح. ﴿وَنَذْكُرَكَ كَثِيراً﴾، فنحمدك. ﴿إِنَّكَ كُنتَ بِنَا بَصِيراً﴾ أي: كنت بنا ذا بصر منا، لا يخفى عليك من أفعالنا شيء.
وقيل: المعنى: إنك كنت عالماً بما يصلحنا.
وروى زيد بن أسلم أن نبي الله ﷺ موسى قال: يا رب، قد أنعمت عليّ كثيراً، فدلني على أن أشكرك. قال: اذكرني كثيراً فإنك إذا ذكرتني فقد شكرتني. وإذا نسيتني فقد كفرتني. قال: لي مواطن ينبغي أن أذكرك فيها. قال: اذكرني كثيراً. قال: فكان موسى عليه السلام إذا دخل الغائط، قال: سبحانك ربي كما توقني الأذى. من رواية ابن وهب.
طه 20:31
قوله تعالى ذكره: ﴿وَٱضْمُمْ يَدَكَ إِلَىٰ جَنَاحِكَ﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّكَ كُنتَ بِنَا بَصِيراً﴾.
المعنى: واضمم يا موسى يدك، فضعها تحت عضدك.
وقال مجاهد: "إلى جناحك" كفه في عضده.
يقال لآخر العضد، إلى مبتدأ الإبط جناح.
وقيل: أمر أن يدخل يده في ثيابه مما يلي صدره وعضده، ففعل، ثم أخرجها بيضاء لها شعاع ونور.
وقال أبو عبيدة: "إلى جناحك" إلى ناحية جنبك. والجناحان الناحيتان.
وقيل: "إلى جناحك" إلى صدرك، ففعل، فخرجت يده نوراً ساطعاً تضيء بالليل كضوء الشمس والقمر، فهي له آية أخرى مع العصا. أي: علامة على قدرة الله وصحة نبوته.
ومعنى: ﴿مِنْ غَيْرِ سُوۤءٍ﴾ من غير برص.
وقال مجاهد: كان موسى رجلاً آدم، فأدخل يده في جيبه ثم أخرجها بيضاء من غير سوء أي من غير برص مثل الثلج، ثم ردها فخرجت كما كانت على لونه.
* *
وقوله: ﴿آيَةً أُخْرَىٰ﴾ أي: دلالة أخرى على العصا.
وقوله: "بيضاء" نصب على الحال. "وآية" بدل من بيضاء عند الأخفش.
وقال الزجاج: هي نصب بإضمار فعل تقديره "آتيناك آية أخرى".
وقيل: "آية" حال أيضاً، لأنه بمعنى مبينة.
* *
ثم قال تعالى: ﴿لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا ٱلْكُبْرَىٰ﴾.
أي: لنريك من آياتنا العجائب.
* *
ثم قال: ﴿ٱذْهَبْ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَىٰ﴾.
أي: تجاوز قدره، وتمرد على ربه. وفي الكلام حذف. والتقدير: اذهب إلى فرعون إنه طغى فادعه إلى توحيد الله وطاعته، وإرسال بني إسرائيل معك.
* *
وقوله: ﴿قَالَ رَبِّ ٱشْرَحْ لِي صَدْرِي * وَيَسِّرْ لِيۤ أَمْرِي﴾. أي: افسح لي صدري لأعي عنك ما تودعه من وحيك، وأجترئ به على خطاب فرعون.
* *
﴿وَيَسِّرْ لِيۤ أَمْرِي﴾.
أي: سهّل عليّ القيام بما كلفتني من الرسالة والطاعة.
* *
﴿وَٱحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي﴾.
أي: واطلق لساني للمنطق.
قيل: كانت في لسانه عجمة عن الكلام من أجل الجمرة التي كان ألقاها إلى فيه يوم همّ فرعون بقتله.
قال ابن جبير: "عقدة من لساني" عجمة بجمرة نار أدخلها في فيه عن أمر امرأة فرعون، ترد به عنه عقوبة فرعون حين أخذ موسى بلحيته، وهو لا يعقل. فقال فرعون: هذا عدو لي فقالت له امرأته: إنه لا يعقل. وكذلك قال مجاهد.
وقال السدي: لما تحرك الغلام - يعني موسى ﷺ - أرته أمه آسية. فبينما هي ترضعه وتلعب به، إذ ناولته فرعون وقالت: خذه. فلما أخذه، أخذ موسى بلحيته فنتفها. فقال فرعون: علي بالذباحين. فقالت آسية: لا تقتلوه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولداً. إنما هو صبي لا يعقل، وإنما صنع هذا من صباه، وقد علمت أنه ليس في أهل مصر أحلى مني. أنا أضع له حلياً من الياقوت وأضع له جمراً. فإن أخذ الياقوت فهو يعقل فاذبحه، وإن أخذ الجمرة فإنما هو صبي, فأخرجت له ياقوتاً ووضعت له طستاً من جمر، فجاء جبريل عليه السلام فطرح في يده جمرة، فطرحها موسى ﷺ في فيه فأحرقت لسانه. فهو الذي يقول الله ﴿وَٱحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي * يَفْقَهُواْ قَوْلِي﴾ أي يفهموا عني ما أقول لهم، وأبلغهم عنك. ففعل الله به ما سأل.
وقيل: إنه إنما زال بعض ما كان في لسانه من الحبسة ولم يزل كله بدلالة قول فرعون ﴿أَمْ أَنَآ خَيْرٌ مِّنْ هَـٰذَا ٱلَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلاَ يَكَادُ يُبِينُ﴾ [الزخرف: ٥٢] وقد يجوز أن يكون كان هذا قبل أن يزيل الله ما كان به، ثم أزاله كله بعد ذلك. والله أعلم.
وقوله تعالى: ﴿قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يٰمُوسَىٰ﴾ [طه: ٣٦].
يدل على أنه أزال عنه كل ما سأل، وأعطاه كل ما سأل.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَٱجْعَل لِّي وَزِيراً مِّنْ أَهْلِي﴾ ﴿هَارُونَ أَخِي﴾ .
وكان هارون أكبر من موسى.
والوزير هو الذي يلجأ إليه في الأمور. مشتق من الوزر، وهو الملجأ. والجبل وَزَرْ.
وقيل: "الوزير" الذي يتقلد خزائن الملك وأمتعته. فيكون مشتقاً من الوزار، وهي الأمتعة، ومنه قوله ﴿وَلَـٰكِنَّا حُمِّلْنَآ أَوْزَاراً مِّن زِينَةِ ٱلْقَوْمِ﴾ أي: آنية الفضة والذهب.
وقيل: "الوزير": الذي يتحمل أثقال الملك، ومنه قيل للذنب: وزره، فمعنى: ﴿وَٱجْعَل لِّي وَزِيراً﴾ أي: صاحباً ألجأ إليه وأعتمد عليه.
* *
وقوله: ﴿ٱشْدُدْ بِهِ أَزْرِي﴾.
أي: ظهري: وقيل للظهر أزر، لأنه محل الأوزار.
* *
وقوله: ﴿وَأَشْرِكْهُ فِيۤ أَمْرِي﴾.
أي: اجعله نبياً مثلي، وأرسله إلى فرعون معي. هذا على قراءة من جعله كله طلباً بفتح همزة "وأشركه"، فأما من جعله جواباً للطلب، وضم الهمزة، فمعناه: أن يجعل لي وزيراً أشدد أنا به ظهري وأشركه أنا في أمري.
* *
ثم قال: ﴿كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيراً﴾ أي: نعظمك بالتسبيح. ﴿وَنَذْكُرَكَ كَثِيراً﴾، فنحمدك. ﴿إِنَّكَ كُنتَ بِنَا بَصِيراً﴾ أي: كنت بنا ذا بصر منا، لا يخفى عليك من أفعالنا شيء.
وقيل: المعنى: إنك كنت عالماً بما يصلحنا.
وروى زيد بن أسلم أن نبي الله ﷺ موسى قال: يا رب، قد أنعمت عليّ كثيراً، فدلني على أن أشكرك. قال: اذكرني كثيراً فإنك إذا ذكرتني فقد شكرتني. وإذا نسيتني فقد كفرتني. قال: لي مواطن ينبغي أن أذكرك فيها. قال: اذكرني كثيراً. قال: فكان موسى عليه السلام إذا دخل الغائط، قال: سبحانك ربي كما توقني الأذى. من رواية ابن وهب.
طه 20:32
قوله تعالى ذكره: ﴿وَٱضْمُمْ يَدَكَ إِلَىٰ جَنَاحِكَ﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّكَ كُنتَ بِنَا بَصِيراً﴾.
المعنى: واضمم يا موسى يدك، فضعها تحت عضدك.
وقال مجاهد: "إلى جناحك" كفه في عضده.
يقال لآخر العضد، إلى مبتدأ الإبط جناح.
وقيل: أمر أن يدخل يده في ثيابه مما يلي صدره وعضده، ففعل، ثم أخرجها بيضاء لها شعاع ونور.
وقال أبو عبيدة: "إلى جناحك" إلى ناحية جنبك. والجناحان الناحيتان.
وقيل: "إلى جناحك" إلى صدرك، ففعل، فخرجت يده نوراً ساطعاً تضيء بالليل كضوء الشمس والقمر، فهي له آية أخرى مع العصا. أي: علامة على قدرة الله وصحة نبوته.
ومعنى: ﴿مِنْ غَيْرِ سُوۤءٍ﴾ من غير برص.
وقال مجاهد: كان موسى رجلاً آدم، فأدخل يده في جيبه ثم أخرجها بيضاء من غير سوء أي من غير برص مثل الثلج، ثم ردها فخرجت كما كانت على لونه.
* *
وقوله: ﴿آيَةً أُخْرَىٰ﴾ أي: دلالة أخرى على العصا.
وقوله: "بيضاء" نصب على الحال. "وآية" بدل من بيضاء عند الأخفش.
وقال الزجاج: هي نصب بإضمار فعل تقديره "آتيناك آية أخرى".
وقيل: "آية" حال أيضاً، لأنه بمعنى مبينة.
* *
ثم قال تعالى: ﴿لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا ٱلْكُبْرَىٰ﴾.
أي: لنريك من آياتنا العجائب.
* *
ثم قال: ﴿ٱذْهَبْ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَىٰ﴾.
أي: تجاوز قدره، وتمرد على ربه. وفي الكلام حذف. والتقدير: اذهب إلى فرعون إنه طغى فادعه إلى توحيد الله وطاعته، وإرسال بني إسرائيل معك.
* *
وقوله: ﴿قَالَ رَبِّ ٱشْرَحْ لِي صَدْرِي * وَيَسِّرْ لِيۤ أَمْرِي﴾. أي: افسح لي صدري لأعي عنك ما تودعه من وحيك، وأجترئ به على خطاب فرعون.
* *
﴿وَيَسِّرْ لِيۤ أَمْرِي﴾.
أي: سهّل عليّ القيام بما كلفتني من الرسالة والطاعة.
* *
﴿وَٱحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي﴾.
أي: واطلق لساني للمنطق.
قيل: كانت في لسانه عجمة عن الكلام من أجل الجمرة التي كان ألقاها إلى فيه يوم همّ فرعون بقتله.
قال ابن جبير: "عقدة من لساني" عجمة بجمرة نار أدخلها في فيه عن أمر امرأة فرعون، ترد به عنه عقوبة فرعون حين أخذ موسى بلحيته، وهو لا يعقل. فقال فرعون: هذا عدو لي فقالت له امرأته: إنه لا يعقل. وكذلك قال مجاهد.
وقال السدي: لما تحرك الغلام - يعني موسى ﷺ - أرته أمه آسية. فبينما هي ترضعه وتلعب به، إذ ناولته فرعون وقالت: خذه. فلما أخذه، أخذ موسى بلحيته فنتفها. فقال فرعون: علي بالذباحين. فقالت آسية: لا تقتلوه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولداً. إنما هو صبي لا يعقل، وإنما صنع هذا من صباه، وقد علمت أنه ليس في أهل مصر أحلى مني. أنا أضع له حلياً من الياقوت وأضع له جمراً. فإن أخذ الياقوت فهو يعقل فاذبحه، وإن أخذ الجمرة فإنما هو صبي, فأخرجت له ياقوتاً ووضعت له طستاً من جمر، فجاء جبريل عليه السلام فطرح في يده جمرة، فطرحها موسى ﷺ في فيه فأحرقت لسانه. فهو الذي يقول الله ﴿وَٱحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي * يَفْقَهُواْ قَوْلِي﴾ أي يفهموا عني ما أقول لهم، وأبلغهم عنك. ففعل الله به ما سأل.
وقيل: إنه إنما زال بعض ما كان في لسانه من الحبسة ولم يزل كله بدلالة قول فرعون ﴿أَمْ أَنَآ خَيْرٌ مِّنْ هَـٰذَا ٱلَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلاَ يَكَادُ يُبِينُ﴾ [الزخرف: ٥٢] وقد يجوز أن يكون كان هذا قبل أن يزيل الله ما كان به، ثم أزاله كله بعد ذلك. والله أعلم.
وقوله تعالى: ﴿قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يٰمُوسَىٰ﴾ [طه: ٣٦].
يدل على أنه أزال عنه كل ما سأل، وأعطاه كل ما سأل.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَٱجْعَل لِّي وَزِيراً مِّنْ أَهْلِي﴾ ﴿هَارُونَ أَخِي﴾ .
وكان هارون أكبر من موسى.
والوزير هو الذي يلجأ إليه في الأمور. مشتق من الوزر، وهو الملجأ. والجبل وَزَرْ.
وقيل: "الوزير" الذي يتقلد خزائن الملك وأمتعته. فيكون مشتقاً من الوزار، وهي الأمتعة، ومنه قوله ﴿وَلَـٰكِنَّا حُمِّلْنَآ أَوْزَاراً مِّن زِينَةِ ٱلْقَوْمِ﴾ أي: آنية الفضة والذهب.
وقيل: "الوزير": الذي يتحمل أثقال الملك، ومنه قيل للذنب: وزره، فمعنى: ﴿وَٱجْعَل لِّي وَزِيراً﴾ أي: صاحباً ألجأ إليه وأعتمد عليه.
* *
وقوله: ﴿ٱشْدُدْ بِهِ أَزْرِي﴾.
أي: ظهري: وقيل للظهر أزر، لأنه محل الأوزار.
* *
وقوله: ﴿وَأَشْرِكْهُ فِيۤ أَمْرِي﴾.
أي: اجعله نبياً مثلي، وأرسله إلى فرعون معي. هذا على قراءة من جعله كله طلباً بفتح همزة "وأشركه"، فأما من جعله جواباً للطلب، وضم الهمزة، فمعناه: أن يجعل لي وزيراً أشدد أنا به ظهري وأشركه أنا في أمري.
* *
ثم قال: ﴿كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيراً﴾ أي: نعظمك بالتسبيح. ﴿وَنَذْكُرَكَ كَثِيراً﴾، فنحمدك. ﴿إِنَّكَ كُنتَ بِنَا بَصِيراً﴾ أي: كنت بنا ذا بصر منا، لا يخفى عليك من أفعالنا شيء.
وقيل: المعنى: إنك كنت عالماً بما يصلحنا.
وروى زيد بن أسلم أن نبي الله ﷺ موسى قال: يا رب، قد أنعمت عليّ كثيراً، فدلني على أن أشكرك. قال: اذكرني كثيراً فإنك إذا ذكرتني فقد شكرتني. وإذا نسيتني فقد كفرتني. قال: لي مواطن ينبغي أن أذكرك فيها. قال: اذكرني كثيراً. قال: فكان موسى عليه السلام إذا دخل الغائط، قال: سبحانك ربي كما توقني الأذى. من رواية ابن وهب.
طه 20:33
قوله تعالى ذكره: ﴿وَٱضْمُمْ يَدَكَ إِلَىٰ جَنَاحِكَ﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّكَ كُنتَ بِنَا بَصِيراً﴾.
المعنى: واضمم يا موسى يدك، فضعها تحت عضدك.
وقال مجاهد: "إلى جناحك" كفه في عضده.
يقال لآخر العضد، إلى مبتدأ الإبط جناح.
وقيل: أمر أن يدخل يده في ثيابه مما يلي صدره وعضده، ففعل، ثم أخرجها بيضاء لها شعاع ونور.
وقال أبو عبيدة: "إلى جناحك" إلى ناحية جنبك. والجناحان الناحيتان.
وقيل: "إلى جناحك" إلى صدرك، ففعل، فخرجت يده نوراً ساطعاً تضيء بالليل كضوء الشمس والقمر، فهي له آية أخرى مع العصا. أي: علامة على قدرة الله وصحة نبوته.
ومعنى: ﴿مِنْ غَيْرِ سُوۤءٍ﴾ من غير برص.
وقال مجاهد: كان موسى رجلاً آدم، فأدخل يده في جيبه ثم أخرجها بيضاء من غير سوء أي من غير برص مثل الثلج، ثم ردها فخرجت كما كانت على لونه.
* *
وقوله: ﴿آيَةً أُخْرَىٰ﴾ أي: دلالة أخرى على العصا.
وقوله: "بيضاء" نصب على الحال. "وآية" بدل من بيضاء عند الأخفش.
وقال الزجاج: هي نصب بإضمار فعل تقديره "آتيناك آية أخرى".
وقيل: "آية" حال أيضاً، لأنه بمعنى مبينة.
* *
ثم قال تعالى: ﴿لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا ٱلْكُبْرَىٰ﴾.
أي: لنريك من آياتنا العجائب.
* *
ثم قال: ﴿ٱذْهَبْ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَىٰ﴾.
أي: تجاوز قدره، وتمرد على ربه. وفي الكلام حذف. والتقدير: اذهب إلى فرعون إنه طغى فادعه إلى توحيد الله وطاعته، وإرسال بني إسرائيل معك.
* *
وقوله: ﴿قَالَ رَبِّ ٱشْرَحْ لِي صَدْرِي * وَيَسِّرْ لِيۤ أَمْرِي﴾. أي: افسح لي صدري لأعي عنك ما تودعه من وحيك، وأجترئ به على خطاب فرعون.
* *
﴿وَيَسِّرْ لِيۤ أَمْرِي﴾.
أي: سهّل عليّ القيام بما كلفتني من الرسالة والطاعة.
* *
﴿وَٱحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي﴾.
أي: واطلق لساني للمنطق.
قيل: كانت في لسانه عجمة عن الكلام من أجل الجمرة التي كان ألقاها إلى فيه يوم همّ فرعون بقتله.
قال ابن جبير: "عقدة من لساني" عجمة بجمرة نار أدخلها في فيه عن أمر امرأة فرعون، ترد به عنه عقوبة فرعون حين أخذ موسى بلحيته، وهو لا يعقل. فقال فرعون: هذا عدو لي فقالت له امرأته: إنه لا يعقل. وكذلك قال مجاهد.
وقال السدي: لما تحرك الغلام - يعني موسى ﷺ - أرته أمه آسية. فبينما هي ترضعه وتلعب به، إذ ناولته فرعون وقالت: خذه. فلما أخذه، أخذ موسى بلحيته فنتفها. فقال فرعون: علي بالذباحين. فقالت آسية: لا تقتلوه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولداً. إنما هو صبي لا يعقل، وإنما صنع هذا من صباه، وقد علمت أنه ليس في أهل مصر أحلى مني. أنا أضع له حلياً من الياقوت وأضع له جمراً. فإن أخذ الياقوت فهو يعقل فاذبحه، وإن أخذ الجمرة فإنما هو صبي, فأخرجت له ياقوتاً ووضعت له طستاً من جمر، فجاء جبريل عليه السلام فطرح في يده جمرة، فطرحها موسى ﷺ في فيه فأحرقت لسانه. فهو الذي يقول الله ﴿وَٱحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي * يَفْقَهُواْ قَوْلِي﴾ أي يفهموا عني ما أقول لهم، وأبلغهم عنك. ففعل الله به ما سأل.
وقيل: إنه إنما زال بعض ما كان في لسانه من الحبسة ولم يزل كله بدلالة قول فرعون ﴿أَمْ أَنَآ خَيْرٌ مِّنْ هَـٰذَا ٱلَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلاَ يَكَادُ يُبِينُ﴾ [الزخرف: ٥٢] وقد يجوز أن يكون كان هذا قبل أن يزيل الله ما كان به، ثم أزاله كله بعد ذلك. والله أعلم.
وقوله تعالى: ﴿قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يٰمُوسَىٰ﴾ [طه: ٣٦].
يدل على أنه أزال عنه كل ما سأل، وأعطاه كل ما سأل.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَٱجْعَل لِّي وَزِيراً مِّنْ أَهْلِي﴾ ﴿هَارُونَ أَخِي﴾ .
وكان هارون أكبر من موسى.
والوزير هو الذي يلجأ إليه في الأمور. مشتق من الوزر، وهو الملجأ. والجبل وَزَرْ.
وقيل: "الوزير" الذي يتقلد خزائن الملك وأمتعته. فيكون مشتقاً من الوزار، وهي الأمتعة، ومنه قوله ﴿وَلَـٰكِنَّا حُمِّلْنَآ أَوْزَاراً مِّن زِينَةِ ٱلْقَوْمِ﴾ أي: آنية الفضة والذهب.
وقيل: "الوزير": الذي يتحمل أثقال الملك، ومنه قيل للذنب: وزره، فمعنى: ﴿وَٱجْعَل لِّي وَزِيراً﴾ أي: صاحباً ألجأ إليه وأعتمد عليه.
* *
وقوله: ﴿ٱشْدُدْ بِهِ أَزْرِي﴾.
أي: ظهري: وقيل للظهر أزر، لأنه محل الأوزار.
* *
وقوله: ﴿وَأَشْرِكْهُ فِيۤ أَمْرِي﴾.
أي: اجعله نبياً مثلي، وأرسله إلى فرعون معي. هذا على قراءة من جعله كله طلباً بفتح همزة "وأشركه"، فأما من جعله جواباً للطلب، وضم الهمزة، فمعناه: أن يجعل لي وزيراً أشدد أنا به ظهري وأشركه أنا في أمري.
* *
ثم قال: ﴿كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيراً﴾ أي: نعظمك بالتسبيح. ﴿وَنَذْكُرَكَ كَثِيراً﴾، فنحمدك. ﴿إِنَّكَ كُنتَ بِنَا بَصِيراً﴾ أي: كنت بنا ذا بصر منا، لا يخفى عليك من أفعالنا شيء.
وقيل: المعنى: إنك كنت عالماً بما يصلحنا.
وروى زيد بن أسلم أن نبي الله ﷺ موسى قال: يا رب، قد أنعمت عليّ كثيراً، فدلني على أن أشكرك. قال: اذكرني كثيراً فإنك إذا ذكرتني فقد شكرتني. وإذا نسيتني فقد كفرتني. قال: لي مواطن ينبغي أن أذكرك فيها. قال: اذكرني كثيراً. قال: فكان موسى عليه السلام إذا دخل الغائط، قال: سبحانك ربي كما توقني الأذى. من رواية ابن وهب.
طه 20:34
قوله تعالى ذكره: ﴿وَٱضْمُمْ يَدَكَ إِلَىٰ جَنَاحِكَ﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّكَ كُنتَ بِنَا بَصِيراً﴾.
المعنى: واضمم يا موسى يدك، فضعها تحت عضدك.
وقال مجاهد: "إلى جناحك" كفه في عضده.
يقال لآخر العضد، إلى مبتدأ الإبط جناح.
وقيل: أمر أن يدخل يده في ثيابه مما يلي صدره وعضده، ففعل، ثم أخرجها بيضاء لها شعاع ونور.
وقال أبو عبيدة: "إلى جناحك" إلى ناحية جنبك. والجناحان الناحيتان.
وقيل: "إلى جناحك" إلى صدرك، ففعل، فخرجت يده نوراً ساطعاً تضيء بالليل كضوء الشمس والقمر، فهي له آية أخرى مع العصا. أي: علامة على قدرة الله وصحة نبوته.
ومعنى: ﴿مِنْ غَيْرِ سُوۤءٍ﴾ من غير برص.
وقال مجاهد: كان موسى رجلاً آدم، فأدخل يده في جيبه ثم أخرجها بيضاء من غير سوء أي من غير برص مثل الثلج، ثم ردها فخرجت كما كانت على لونه.
* *
وقوله: ﴿آيَةً أُخْرَىٰ﴾ أي: دلالة أخرى على العصا.
وقوله: "بيضاء" نصب على الحال. "وآية" بدل من بيضاء عند الأخفش.
وقال الزجاج: هي نصب بإضمار فعل تقديره "آتيناك آية أخرى".
وقيل: "آية" حال أيضاً، لأنه بمعنى مبينة.
* *
ثم قال تعالى: ﴿لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا ٱلْكُبْرَىٰ﴾.
أي: لنريك من آياتنا العجائب.
* *
ثم قال: ﴿ٱذْهَبْ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَىٰ﴾.
أي: تجاوز قدره، وتمرد على ربه. وفي الكلام حذف. والتقدير: اذهب إلى فرعون إنه طغى فادعه إلى توحيد الله وطاعته، وإرسال بني إسرائيل معك.
* *
وقوله: ﴿قَالَ رَبِّ ٱشْرَحْ لِي صَدْرِي * وَيَسِّرْ لِيۤ أَمْرِي﴾. أي: افسح لي صدري لأعي عنك ما تودعه من وحيك، وأجترئ به على خطاب فرعون.
* *
﴿وَيَسِّرْ لِيۤ أَمْرِي﴾.
أي: سهّل عليّ القيام بما كلفتني من الرسالة والطاعة.
* *
﴿وَٱحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي﴾.
أي: واطلق لساني للمنطق.
قيل: كانت في لسانه عجمة عن الكلام من أجل الجمرة التي كان ألقاها إلى فيه يوم همّ فرعون بقتله.
قال ابن جبير: "عقدة من لساني" عجمة بجمرة نار أدخلها في فيه عن أمر امرأة فرعون، ترد به عنه عقوبة فرعون حين أخذ موسى بلحيته، وهو لا يعقل. فقال فرعون: هذا عدو لي فقالت له امرأته: إنه لا يعقل. وكذلك قال مجاهد.
وقال السدي: لما تحرك الغلام - يعني موسى ﷺ - أرته أمه آسية. فبينما هي ترضعه وتلعب به، إذ ناولته فرعون وقالت: خذه. فلما أخذه، أخذ موسى بلحيته فنتفها. فقال فرعون: علي بالذباحين. فقالت آسية: لا تقتلوه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولداً. إنما هو صبي لا يعقل، وإنما صنع هذا من صباه، وقد علمت أنه ليس في أهل مصر أحلى مني. أنا أضع له حلياً من الياقوت وأضع له جمراً. فإن أخذ الياقوت فهو يعقل فاذبحه، وإن أخذ الجمرة فإنما هو صبي, فأخرجت له ياقوتاً ووضعت له طستاً من جمر، فجاء جبريل عليه السلام فطرح في يده جمرة، فطرحها موسى ﷺ في فيه فأحرقت لسانه. فهو الذي يقول الله ﴿وَٱحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي * يَفْقَهُواْ قَوْلِي﴾ أي يفهموا عني ما أقول لهم، وأبلغهم عنك. ففعل الله به ما سأل.
وقيل: إنه إنما زال بعض ما كان في لسانه من الحبسة ولم يزل كله بدلالة قول فرعون ﴿أَمْ أَنَآ خَيْرٌ مِّنْ هَـٰذَا ٱلَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلاَ يَكَادُ يُبِينُ﴾ [الزخرف: ٥٢] وقد يجوز أن يكون كان هذا قبل أن يزيل الله ما كان به، ثم أزاله كله بعد ذلك. والله أعلم.
وقوله تعالى: ﴿قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يٰمُوسَىٰ﴾ [طه: ٣٦].
يدل على أنه أزال عنه كل ما سأل، وأعطاه كل ما سأل.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَٱجْعَل لِّي وَزِيراً مِّنْ أَهْلِي﴾ ﴿هَارُونَ أَخِي﴾ .
وكان هارون أكبر من موسى.
والوزير هو الذي يلجأ إليه في الأمور. مشتق من الوزر، وهو الملجأ. والجبل وَزَرْ.
وقيل: "الوزير" الذي يتقلد خزائن الملك وأمتعته. فيكون مشتقاً من الوزار، وهي الأمتعة، ومنه قوله ﴿وَلَـٰكِنَّا حُمِّلْنَآ أَوْزَاراً مِّن زِينَةِ ٱلْقَوْمِ﴾ أي: آنية الفضة والذهب.
وقيل: "الوزير": الذي يتحمل أثقال الملك، ومنه قيل للذنب: وزره، فمعنى: ﴿وَٱجْعَل لِّي وَزِيراً﴾ أي: صاحباً ألجأ إليه وأعتمد عليه.
* *
وقوله: ﴿ٱشْدُدْ بِهِ أَزْرِي﴾.
أي: ظهري: وقيل للظهر أزر، لأنه محل الأوزار.
* *
وقوله: ﴿وَأَشْرِكْهُ فِيۤ أَمْرِي﴾.
أي: اجعله نبياً مثلي، وأرسله إلى فرعون معي. هذا على قراءة من جعله كله طلباً بفتح همزة "وأشركه"، فأما من جعله جواباً للطلب، وضم الهمزة، فمعناه: أن يجعل لي وزيراً أشدد أنا به ظهري وأشركه أنا في أمري.
* *
ثم قال: ﴿كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيراً﴾ أي: نعظمك بالتسبيح. ﴿وَنَذْكُرَكَ كَثِيراً﴾، فنحمدك. ﴿إِنَّكَ كُنتَ بِنَا بَصِيراً﴾ أي: كنت بنا ذا بصر منا، لا يخفى عليك من أفعالنا شيء.
وقيل: المعنى: إنك كنت عالماً بما يصلحنا.
وروى زيد بن أسلم أن نبي الله ﷺ موسى قال: يا رب، قد أنعمت عليّ كثيراً، فدلني على أن أشكرك. قال: اذكرني كثيراً فإنك إذا ذكرتني فقد شكرتني. وإذا نسيتني فقد كفرتني. قال: لي مواطن ينبغي أن أذكرك فيها. قال: اذكرني كثيراً. قال: فكان موسى عليه السلام إذا دخل الغائط، قال: سبحانك ربي كما توقني الأذى. من رواية ابن وهب.
طه 20:35
قوله تعالى ذكره: ﴿وَٱضْمُمْ يَدَكَ إِلَىٰ جَنَاحِكَ﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّكَ كُنتَ بِنَا بَصِيراً﴾.
المعنى: واضمم يا موسى يدك، فضعها تحت عضدك.
وقال مجاهد: "إلى جناحك" كفه في عضده.
يقال لآخر العضد، إلى مبتدأ الإبط جناح.
وقيل: أمر أن يدخل يده في ثيابه مما يلي صدره وعضده، ففعل، ثم أخرجها بيضاء لها شعاع ونور.
وقال أبو عبيدة: "إلى جناحك" إلى ناحية جنبك. والجناحان الناحيتان.
وقيل: "إلى جناحك" إلى صدرك، ففعل، فخرجت يده نوراً ساطعاً تضيء بالليل كضوء الشمس والقمر، فهي له آية أخرى مع العصا. أي: علامة على قدرة الله وصحة نبوته.
ومعنى: ﴿مِنْ غَيْرِ سُوۤءٍ﴾ من غير برص.
وقال مجاهد: كان موسى رجلاً آدم، فأدخل يده في جيبه ثم أخرجها بيضاء من غير سوء أي من غير برص مثل الثلج، ثم ردها فخرجت كما كانت على لونه.
* *
وقوله: ﴿آيَةً أُخْرَىٰ﴾ أي: دلالة أخرى على العصا.
وقوله: "بيضاء" نصب على الحال. "وآية" بدل من بيضاء عند الأخفش.
وقال الزجاج: هي نصب بإضمار فعل تقديره "آتيناك آية أخرى".
وقيل: "آية" حال أيضاً، لأنه بمعنى مبينة.
* *
ثم قال تعالى: ﴿لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا ٱلْكُبْرَىٰ﴾.
أي: لنريك من آياتنا العجائب.
* *
ثم قال: ﴿ٱذْهَبْ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَىٰ﴾.
أي: تجاوز قدره، وتمرد على ربه. وفي الكلام حذف. والتقدير: اذهب إلى فرعون إنه طغى فادعه إلى توحيد الله وطاعته، وإرسال بني إسرائيل معك.
* *
وقوله: ﴿قَالَ رَبِّ ٱشْرَحْ لِي صَدْرِي * وَيَسِّرْ لِيۤ أَمْرِي﴾. أي: افسح لي صدري لأعي عنك ما تودعه من وحيك، وأجترئ به على خطاب فرعون.
* *
﴿وَيَسِّرْ لِيۤ أَمْرِي﴾.
أي: سهّل عليّ القيام بما كلفتني من الرسالة والطاعة.
* *
﴿وَٱحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي﴾.
أي: واطلق لساني للمنطق.
قيل: كانت في لسانه عجمة عن الكلام من أجل الجمرة التي كان ألقاها إلى فيه يوم همّ فرعون بقتله.
قال ابن جبير: "عقدة من لساني" عجمة بجمرة نار أدخلها في فيه عن أمر امرأة فرعون، ترد به عنه عقوبة فرعون حين أخذ موسى بلحيته، وهو لا يعقل. فقال فرعون: هذا عدو لي فقالت له امرأته: إنه لا يعقل. وكذلك قال مجاهد.
وقال السدي: لما تحرك الغلام - يعني موسى ﷺ - أرته أمه آسية. فبينما هي ترضعه وتلعب به، إذ ناولته فرعون وقالت: خذه. فلما أخذه، أخذ موسى بلحيته فنتفها. فقال فرعون: علي بالذباحين. فقالت آسية: لا تقتلوه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولداً. إنما هو صبي لا يعقل، وإنما صنع هذا من صباه، وقد علمت أنه ليس في أهل مصر أحلى مني. أنا أضع له حلياً من الياقوت وأضع له جمراً. فإن أخذ الياقوت فهو يعقل فاذبحه، وإن أخذ الجمرة فإنما هو صبي, فأخرجت له ياقوتاً ووضعت له طستاً من جمر، فجاء جبريل عليه السلام فطرح في يده جمرة، فطرحها موسى ﷺ في فيه فأحرقت لسانه. فهو الذي يقول الله ﴿وَٱحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي * يَفْقَهُواْ قَوْلِي﴾ أي يفهموا عني ما أقول لهم، وأبلغهم عنك. ففعل الله به ما سأل.
وقيل: إنه إنما زال بعض ما كان في لسانه من الحبسة ولم يزل كله بدلالة قول فرعون ﴿أَمْ أَنَآ خَيْرٌ مِّنْ هَـٰذَا ٱلَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلاَ يَكَادُ يُبِينُ﴾ [الزخرف: ٥٢] وقد يجوز أن يكون كان هذا قبل أن يزيل الله ما كان به، ثم أزاله كله بعد ذلك. والله أعلم.
وقوله تعالى: ﴿قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يٰمُوسَىٰ﴾ [طه: ٣٦].
يدل على أنه أزال عنه كل ما سأل، وأعطاه كل ما سأل.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَٱجْعَل لِّي وَزِيراً مِّنْ أَهْلِي﴾ ﴿هَارُونَ أَخِي﴾ .
وكان هارون أكبر من موسى.
والوزير هو الذي يلجأ إليه في الأمور. مشتق من الوزر، وهو الملجأ. والجبل وَزَرْ.
وقيل: "الوزير" الذي يتقلد خزائن الملك وأمتعته. فيكون مشتقاً من الوزار، وهي الأمتعة، ومنه قوله ﴿وَلَـٰكِنَّا حُمِّلْنَآ أَوْزَاراً مِّن زِينَةِ ٱلْقَوْمِ﴾ أي: آنية الفضة والذهب.
وقيل: "الوزير": الذي يتحمل أثقال الملك، ومنه قيل للذنب: وزره، فمعنى: ﴿وَٱجْعَل لِّي وَزِيراً﴾ أي: صاحباً ألجأ إليه وأعتمد عليه.
* *
وقوله: ﴿ٱشْدُدْ بِهِ أَزْرِي﴾.
أي: ظهري: وقيل للظهر أزر، لأنه محل الأوزار.
* *
وقوله: ﴿وَأَشْرِكْهُ فِيۤ أَمْرِي﴾.
أي: اجعله نبياً مثلي، وأرسله إلى فرعون معي. هذا على قراءة من جعله كله طلباً بفتح همزة "وأشركه"، فأما من جعله جواباً للطلب، وضم الهمزة، فمعناه: أن يجعل لي وزيراً أشدد أنا به ظهري وأشركه أنا في أمري.
* *
ثم قال: ﴿كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيراً﴾ أي: نعظمك بالتسبيح. ﴿وَنَذْكُرَكَ كَثِيراً﴾، فنحمدك. ﴿إِنَّكَ كُنتَ بِنَا بَصِيراً﴾ أي: كنت بنا ذا بصر منا، لا يخفى عليك من أفعالنا شيء.
وقيل: المعنى: إنك كنت عالماً بما يصلحنا.
وروى زيد بن أسلم أن نبي الله ﷺ موسى قال: يا رب، قد أنعمت عليّ كثيراً، فدلني على أن أشكرك. قال: اذكرني كثيراً فإنك إذا ذكرتني فقد شكرتني. وإذا نسيتني فقد كفرتني. قال: لي مواطن ينبغي أن أذكرك فيها. قال: اذكرني كثيراً. قال: فكان موسى عليه السلام إذا دخل الغائط، قال: سبحانك ربي كما توقني الأذى. من رواية ابن وهب.
طه 20:36
قوله تعالى وجلّ ثناؤه: ﴿قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يٰمُوسَىٰ﴾ إلى قوله ﴿وَفَتَنَّاكَ فُتُوناً﴾.
أي: قد أعطيتك ما سألت من شرح صدرك وتيسير أمرك، وحل العقدة من لسانك، وتصيير أخيك هارون عوناً لك.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَىٰ﴾.
أي: تطولنا عليك قبل هذه المرة مرة أخرى، ثم بيَّن المرة الأخرى ما هي فقال: ﴿إِذْ أَوْحَيْنَآ إِلَىٰ أُمِّكَ﴾ أي: إذا ألهمنا أمك.
وقيل: كانت رؤيا رأتها.
وقيل: بل أوحى إليها ما شاء.
وقال ابن إسحاق: لما ولدت أم موسى موسى ﷺ، أرضعته حتى إذا أمر فرعون بقتل من ولد سنته تلك، عمدت إليه، فصنعت به ما أمرها الله تبارك وتعالى.
روي أنها رؤيا رأتها، ففعلت ما أمرت به في رؤياها. وكان فرعون يذبح ذكور أولاد بني إسرائيل لأجل أنه بلغه أنه سيكون زوال ملكه وهلاكه على يدي واحد من أولاد بني إسرائيل فخافت أم موسى من فرعون على ولدها. فأراها الله ما أمرها به في منامها، فجعلته في تابوت صغير، ومهدت له فيه، ثم عمدت إلى النيل فقذفته فيه، وهو اليم، فأصبح فرعون في مجلس له كان يجلسه على شفير النيل كل غداة، فبينما هو جالس، إذ مرّ النيل بالتابوت فقذف به، وآسية بنت مزاحم امرأته جالسة إلى جنبه. فقال: إن هذا لشيء [عجيب] في البحر، فآتوني به، فخرج إليه أعوانه حتى جاءوا به ففتح التابوت، فإذا فيه صبي في مهد، فألقى الله عز وجل عليه محبته فعطف عليه نفسه. فهو قوله: ﴿أَنِ ٱقْذِفِيهِ فِي ٱلتَّابُوتِ فَٱقْذِفِيهِ فِي ٱلْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ ٱلْيَمُّ بِٱلسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِّي وَعَدُوٌّ لَّهُ﴾. يعني فرعون.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي﴾. أي: حببتك إلى عبادي.
وقال عكرمة معناه: إني حسنت خلقك، أي: جعلت لك حسناً وملاحة.
وقيل معناه: حببتك إلى [كلِّ] من رآك.
وقيل: إن الله جلّ ذكره جعل في موسى عليه السلام ملاحة، فكان لا يراه أحد إلا أحبه واستحلاه ومال قلبه إليه.
وذكر ابن الإعرابي عن قتادة في قوله: ﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي﴾. قال: ملاحة في عينيك، لا يراك أحد إلا أحبك.
وعن عكرمة أنه قال: حسن وملاحة.
وقيل معناه: جبلت القلوب على محبتك، اختصاصاً لك.
وقال مجاهد: مودة في قلوب المؤمنين.
* *
ثم قال: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَىٰ عَيْنِيۤ﴾ أي: ولتغذى على عيني، قاله قتادة.
وقال ابن زيد: معناه: إني جعلتك في بيت الملك تنعم وتترف غذاؤه عندهم غذاء الملك.
وقال ابن زيد. معناه: وأنت بعيني إذ جعلتك أمك في التابوت ثم في البحر ثم إذ تمشي أختك.
و "اللام" في "ولتصنع" متعلقة بـ "ألقيت" أي: ألقى المحبة لتصنع.
ثم قال: ﴿إِذْ تَمْشِيۤ أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَىٰ مَن يَكْفُلُهُ﴾.
أي: ولتصنع على عيني حين تمشي أختك.
وفي الكلام حذف. والتقدير: إذ تمشي أختك تتبعك حتى وجدتك ثم يأتي من يطلب المراضع لك فتقول: هل أدلكم على من يكفله؟
قال السدي: لما ألقته أمه في اليم، قالت لأخته: قصيه، فلما التقطه آل فرعون، أرادوا له المرضعات، فلم يقبل أحداً من النساء، وجعل النساء يطلبن ذلك لينزلن عند فرعون في الرضاع، وأبى أن يأخذه فقالت أخته: هل أدلكم على أهل بيت يكفلونه لكم وهم له ناصحون. فأخذوها وقالوا لها: إنك قد عرفت هذا الغلام، فدلينا على أهله.
قالت: ما أعرفه ولكني إنما قلت: هم للملك ناصحون.
ومعنى: يكفله: يضمه إليه ويرضعه.
ورويَ أن موسى عليه السلام لما خرج من التابوت بكى وطلب اللبن فطلب له النساء، فلم يقبل أحداً، فشق ذلك على فرعون، واغتم له، وقلق، وجعل يبعث إلى كل مرضعة، ولم يقبل أحداً، فعند ذلك، جاءت أخت موسى ﷺ، فقالت: هل أدلكم على من يرضعه؟ فقيل لها: هاتها، فجاءت بأم موسى، فقبل ثديها، فطابت نفس فرعون ومضت به معها، آمنة عليه مما كانت تخافه، وذلك وعد الله لها، وقوله لها: ﴿إِنَّا رَآدُّوهُ إِلَيْكِ﴾ وهو قوله: ﴿فَرَجَعْنَاكَ إِلَىٰ أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها﴾ أي رددناك إلى أمك بعد أن كنت في أيدي آل فرعون كي تقرّ عينها، أي: تقرّ عينها بسلامتك من القتل والغرق، ولا تحزن عليك من الخوف ومن فرعون أن يقتلك.
قال ابن إسحاق: لما قالت أخت موسى ما قالت، قالوا: هاته، فأتت أمه فأخبرتها، فانطلقت معها حتى أتتهم فناولتها إياه فوضعه في حجرها، وأخذ ثدييها، فسّروا بذلك، وردّوه إلى أمه تكفله، لطفاً من الله لها، وصار موسى وأمه كأنهم من أهل بيت فرعون في الأمان من القتل وغيره. وكان على فراش فرعون وسريره متغذياً بما يتغذى به الملك. وهذا من بديع لطفه، لا إله إلا هو.
ويروى عن ابن عباس أنه قرأ: (تقِرِ) بكسر القاف، وهي لغة.
* *
ثم قال: ﴿وَقَتَلْتَ نَفْساً فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ ٱلْغَمِّ﴾.
يعني: قتله القبطي إذ استغاثه عليه الإسرائيلي: ﴿فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ ٱلْغَمِّ﴾ أي: من غمّك بقتلك النفس إذا أرادوا أن يقتلوك. فخلصناك منهم حين هربت إلى أهل مدين.
روى ابن عمر أن النبي ﷺ قال: إنما قتل موسى الذي قتل من آل فرعون خطأ
ثم قال: ﴿وَفَتَنَّاكَ فُتُوناً﴾ قال ابن عباس: معناه: اختبرناك اختباراً. وعنه ابتليناك ابتلاء.
وعن ابن عباس أيضاً: أنه إنجاؤه موسى من القوم. ومن اليم ومن الذبح حين أخذ بلحية فرعون، ومن القتل حين قتل القبطي.
وذكر ابن جبير عن ابن عباس حديثاً طويلاً في قصة موسى عليه السلام معناه: أن فرعون تذاكر هو وجلساؤه، ما وعد الله إبراهيم أن يجعل في ذريته أنبياء وملوكاً، فخافوا ذلك فأتمروا بينهم أن يذبح كل مولود ذكر من بني إسرائيل، فذبحوا كل من وجدوا، وتمادوا على ذلك، فقال بعضهم: يوشك أن يفنى بنو إسرائيل لذبحكم الصغار وموت الكبار بآجالهم فتبقون لمباشرة الأعمال والخدمة التي تكفيهم إياها بنو إسرائيل، فأجمعوا رأيهم على أن يقتلوا عاماً ويتركوا عاماً لئلا يفنى بنو إسرائيل، ولئلا يكثروا، فحملت أم موسى هارون في السنة التي لا يذبح فيها أحد فولدته علانية آمنة. وحملت بموسى في العام الثاني، وفيه الذبح، فوقع في قلبها الهم والحزن. قال ابن عباس: فذلك من الفتون مما دخل على موسى في بطن أمه. فأوحى الله تعالى ذكره إليها ألاّ تخافي ولا تحزني إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين. وأمرها إذا ولدته أن تجعله في تابوت، ثم تلقيه في اليم، ففعلت ذلك، ثم أتاها إبليس، فوسوس إليها، وقال: لو ذبح ولدك في بيتك لكنت توارينه وتسترينه كان أحب إليك مما ألقيته بيدك إلى حيتان البحر ودوابه، فانطلق به الماء حتى أوفى به عند فرضة مستقى جواري آل فرعون، فرأينه، فأخذنه، فهممن بفتح التابوت ثم خفن أن يكون في التابوت مال فلا يصدقن عليه ، فمررن به على حاله إلى امرأة فرعون، ففتحت التابوت، فإذا بغلام، فألقى الله عليه منها محبة لم يلق مثلها على أحد، وأصبح فؤاد أم موسى فارغاً من ذكر كل شيء إلا من ذكر موسى، فأتى الذباحون إلى امرأة فرعون ليذبحوه، فصرفتهم حتى تستوهبه من فرعون، فوهبها فرعون إياه، ومنعهم من ذلك. وذلك من الفتون.
وذكر ابن عباس، أنها لما أتت به إلى فرعون قالت: قرة عين لي ولك. قال فرعون: يكون لك، وأما أنا فلا حاجة لي فيه. فروي عن النبي ﷺ أنه قال: والذي حلف به، لو أقرّ فرعون أن يكون له قرة عين كما أقرت هي به لهداه الله به كما هدى به امرأته. ولكن الله تعالى حرمه ذلك
وروي أن امرأة فرعون كان لها جوار لا تشرب الماء إلا من استقائهن، فأتين يوماً إلى ساحل النيل ليأخذن الماء، فوجدن التابوت، فاتفقن على أن لا يفتحن التابوت، وأن يمضين به إلى مولاتهن على حاله، فذهبن به إلى امرأة فرعون ففتحته، فوجدت فيه صبياً لم تر مثله قط، فألقى الله في قلبها المحبة له، فأخذته ودخلت به على فرعون، وقالت له: قرة عين لي ولك فقال فرعون: أما لك فنعم، وأما لي، فلا.
قال النبي ﷺ: لو قال فرعون نعم هو قرة عين لي لآمن
فقالت له: فهبه لي، لا تقتله. فوهبه لها، فطلبت له المراضع فلم يقبل على ثدي امرأة، وكان من أمره ما قص الله علينا.
قال ابن عباس في حديث طويل معناه: أن امرأة فرعون طلبت له الرضاعة، فلم يقبل على ثدي أحد فغمّها ذلك حتى أخرجته إلى السوق تطلب له مرضعة، فأتت أخته فقالت: هل أدلكم على أهل بيت يكفلونه لكم وهم له ناصحون. فأخذوها وقالوا: ما نصحهم له؟ هل تعرفونه، فشكوا في ذلك.
قال ابن عباس: وذلك من الفتون. فقالت: نصحهم له وشفقتهم عليه رغبتهم في القرب من فرعون ورجاء منفعته، فتركوها، فانطلقت إلى أمه، فجاءت معها، فلما وضعته في حجرها ترامى إلى ثديها حتى امتلأ جنباه، وانطلقت البشرى إلى امرأة فرعون أن قد وجدنا لابنك مرضعة فوجهت وراءها، وجيء بها وبه فقالت لها: امكثي عندي ترضعين ابني هذا، فإني لم أحب حبه شيئاً قط، فأبت أم موسى وتعاسرت عليها في القيام عندها، وتذكرت ما وعدها الله من رده عليها، وأن الله منجز وعده، بابنها إلى بيتها من يومها، فأنبته الله نباتاً حسناً، فكان بنو إسرائيل يمتنعون من الظلم والسخرة بذمام موسى، فلما ترعرع قالت امرأة فرعون لأم موسى: أرني ولدي، فوعدتها بالإتيان به ليوم بعينه، فقالت امرأة فرعون لخواصها وقهارمتها: لا يبقين أحد منكم إلا استقبل ابني بهدية وكرامة، فلما أتت به أمه، لم تزل الهدية والكرامة والتحف تستقبله من حين خرج من بيت أمه إلى أن دخل على امرأة فرعون، فأكرمته هي أيضاً ونحلته وأعجبها ما رأت من حسن أثرها عليه، وانطلقت به إلى فرعون ليكرمه وينحله، فدخلت به عليه، وجعلته في حجره فتناول موسى لحية فرعون حتى مدها، فقال عدو من أعداء الله لفرعون: هذا من وعد الله إبراهيم أنه سيصرعك ويعلوك فأراد ذبحه. قال ابن عباس: وذلك من الفتون. فقالت امرأته: قد وهبته لي فما بدا لك منه. قال: ألا ترينه يزعم أنه سيصرعني ويعلوني. فقالت: اجعل بيني وبينك أمراً تعرف به الحق. ائت بجمرتين ولؤلؤتين، فقربهن إليه، فإن بطش باللؤلؤتين واجتنب الجمرتين فهو يعقل، وإن تناول الجمرتين ولم يرد اللؤلؤتين [فهو لا يعقل] ففعل ذلك، فتناول الجمرتين، فصرفه الله تعالى عن قتله، فأقام حتى بلغ مبلغ الرجال، وانتفع به بنو إسرائيل وامتنعوا به من السخرة والظلم. فبينما هو يمشي في ناحية من المدينة إذ هو برجلين يقتتلان، أحدهما من آل فرعون، والآخر من بني إسرائيل، فاستغاثه الإسرائيلي على الفرعوني. وقد ضرب الفرعوني الإسرائيلي، فغضب موسى واشتد غضبه لمعرفته لمنزلة الإسرائيلي وظلم الفرعوني له، فوكز موسى الفرعوني فقتله. ولم يرهما أحد إلا الله، فقال موسى ﷺ حين قتله: هذا من عمل الشيطان، ثم استغفر الله من قتله، فغفر له. وأصبح موسى خائفاً يستمع الأخبار، فبحث القوم عن قاتل الفرعوني فما وجدوا أحداً يخبر به. فمر موسى بذلك الإسرائيلي يقاتل رجلاً آخر فرعونياً، فاستغاثه أيضاً الإسرائيلي، فقال موسى للإسرائيلي: إنك لغوي مبين. ثم مد يده للفرعوني ليبطش به، فظن الإسرائيلي أنه إياه يريد، لما سمعه قال: إنك لغوي مبين. فقال: يا موسى، أتريد أن تقتلني كما قتلت نفساً بالأمس، فانطلق الفرعوني إلى قومه، فأخبرهم بما سمع من الإسرائيلي، فخرجوا في طلب موسى. وجاءه رجل من شيعة موسى من أقصى المدينة فاختصر طريقاً حتى سبقهم، فأنذر موسى، قال ابن عباس: وذلك من الفتون.
وقال الضحاك: ﴿وَفَتَنَّاكَ فُتُوناً﴾: أي: بلاء على بلاء.
وقال مجاهد: هو إلقاؤه في التابوت، ثم في اليم، ثم التقاط فرعون إياه، ثم خروجه خائفاً.
قوله تعالى ذكره: ﴿فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِيۤ أَهْلِ مَدْيَنَ﴾ إلى قوله: ﴿يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ﴾.
في الكلام حذف واختصار. والتقدير: وفتناك فتوناً، فخرجت خائفاً إلى مدين، فلبثت سنين فيهم.
قال: عشر سنين، كان فيهم في خدمة أجرة مهر زوجته.
* *
وقوله: ﴿ثُمَّ جِئْتَ عَلَىٰ قَدَرٍ يٰمُوسَىٰ﴾.
أي: جئت للوقت الذي أردنا إرسالك إلى فرعون فيه. هذا معنى قول ابن عباس ومجاهد وقتادة وغيرهم.
* *
ثم قال: ﴿وَٱصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾.
أي: قويتك لتبلغ عبادي أمري ونهيي.
وقيل معناه: أخبرتك لتبلغ رسالتي.
* *
ثم قال: ﴿ٱذْهَبْ أَنتَ وَأَخُوكَ بِآيَاتِي وَلاَ تَنِيَا فِي ذِكْرِي﴾.
أي: اذهبا بأدلتي وحججي ولا تفترا ولا تضعفا في أن تذكراني فيما أمرتكما ونهيتكما، فذكركما إياي يقوي عزيمتكما.
قال ابن عباس: "لا تنيا": لا تبطئا.
وقال مجاهد وقتادة والضحاك: لا تضعفا.
وقال ابن زيد: الوافي: الغافل المفرط.
* *
ثم قال: ﴿ٱذْهَبَآ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَىٰ﴾.
أي: تجاوز في الكفر. ﴿فَقُولاَ لَهُ قَوْلاً لَّيِّناً﴾. أي: كنياه. قاله مجاهد والسدي.
وعن السدي أنه قال: قال له موسى عليه السلام: هل لك أن يرد الله عليك شبابك، ويرد عليك مناكحك ومشاربك، وإذا مت دخلت الجنة؟ وتؤمن. فهذا هو القول اللين. فركن فرعون إليه وقال: مكانك حتى يأتي هامان.
وقيل: إن فرعون دخل إلى آسية فشاورها فيما قال له موسى. فقالت: ما ينبغي لأحد أن يرد هذا. فقال له هامان: أَتَعبْدُ بعدَما كنُتَ تُعْبَدْ، أنا أردك شاباً. فخضب لحيته بالسواد. فكان فرعون أول من خضب بالسواد. ودخل إلى آسية فقالت له: حسن إن لم ينصل.
وقيل: إن موسى عليه السلام قال له: إن ربنا أرسلنا إليك لتؤمن به وتعبده وتطيعه، فينسئ في أجلك أربع مائة سنة، ويملكك في أرضه ولا تبؤس ساعة من نهار، ثم تصير إلى الجنة، لا يضرك ما كنت فيه من نعيم الدنيا وسرورها ونضارتها جناح بعوضة. فقال فرعون: دعوني أستشير فاستشار هامان. فقال له: لا ترض. أبعد أن كنت مالكاً تصير مملوكاً. وبعد أن كنت رباً تصير مربوباً. فلم يؤمن لما سبق له في علم الله من الشقاء.
* *
وقوله: ﴿لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ﴾. قيل: معنى "لعل" هنا الاستفهام. والمعنى: فقولاً له قولاً لينا، فانظرا هل يتذكر فيراجع، أو يخشى الله فيرتدع عن طغيانه. قاله: ابن عباس.
وقيل: معنى "لعل" هنا: كي. أي: قولا له قولاً ليناً كي يتذكر. كما تقول: اعمل لعلك تأخذ أجرك. أي: كي تأخذ أجرك.
وقال الحسن: "لعله يتذكر" هو إخبار من الله عن قول هارون، وذلك أنه تعالى لما قال له: قولا له قولاً ليناً. قال هارون لموسى: لعله يتذكر أو يخشى.
وقيل: إن "لعل" على بابها، ترج وطمع من المرسلين. والتقدير عند سيبويه: اذهبا أنتما على رجائكما وطمعكما ومبلغكما من العلم أن يتذكر، وقد علم الله تعالى أنه لا يتذكر ولا يخشى إلا أن الحجة لا تجب إلا بالإبانة وخروج الفعل إلى الظاهر.
وقيل: إن "لعل" و "عسى" في القرآن لم يقعا إلا وقد كانا. فتذكر فرعون وخشيته قد كانت حين أدركه الغرق.
طه 20:37
قوله تعالى وجلّ ثناؤه: ﴿قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يٰمُوسَىٰ﴾ إلى قوله ﴿وَفَتَنَّاكَ فُتُوناً﴾.
أي: قد أعطيتك ما سألت من شرح صدرك وتيسير أمرك، وحل العقدة من لسانك، وتصيير أخيك هارون عوناً لك.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَىٰ﴾.
أي: تطولنا عليك قبل هذه المرة مرة أخرى، ثم بيَّن المرة الأخرى ما هي فقال: ﴿إِذْ أَوْحَيْنَآ إِلَىٰ أُمِّكَ﴾ أي: إذا ألهمنا أمك.
وقيل: كانت رؤيا رأتها.
وقيل: بل أوحى إليها ما شاء.
وقال ابن إسحاق: لما ولدت أم موسى موسى ﷺ، أرضعته حتى إذا أمر فرعون بقتل من ولد سنته تلك، عمدت إليه، فصنعت به ما أمرها الله تبارك وتعالى.
روي أنها رؤيا رأتها، ففعلت ما أمرت به في رؤياها. وكان فرعون يذبح ذكور أولاد بني إسرائيل لأجل أنه بلغه أنه سيكون زوال ملكه وهلاكه على يدي واحد من أولاد بني إسرائيل فخافت أم موسى من فرعون على ولدها. فأراها الله ما أمرها به في منامها، فجعلته في تابوت صغير، ومهدت له فيه، ثم عمدت إلى النيل فقذفته فيه، وهو اليم، فأصبح فرعون في مجلس له كان يجلسه على شفير النيل كل غداة، فبينما هو جالس، إذ مرّ النيل بالتابوت فقذف به، وآسية بنت مزاحم امرأته جالسة إلى جنبه. فقال: إن هذا لشيء [عجيب] في البحر، فآتوني به، فخرج إليه أعوانه حتى جاءوا به ففتح التابوت، فإذا فيه صبي في مهد، فألقى الله عز وجل عليه محبته فعطف عليه نفسه. فهو قوله: ﴿أَنِ ٱقْذِفِيهِ فِي ٱلتَّابُوتِ فَٱقْذِفِيهِ فِي ٱلْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ ٱلْيَمُّ بِٱلسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِّي وَعَدُوٌّ لَّهُ﴾. يعني فرعون.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي﴾. أي: حببتك إلى عبادي.
وقال عكرمة معناه: إني حسنت خلقك، أي: جعلت لك حسناً وملاحة.
وقيل معناه: حببتك إلى [كلِّ] من رآك.
وقيل: إن الله جلّ ذكره جعل في موسى عليه السلام ملاحة، فكان لا يراه أحد إلا أحبه واستحلاه ومال قلبه إليه.
وذكر ابن الإعرابي عن قتادة في قوله: ﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي﴾. قال: ملاحة في عينيك، لا يراك أحد إلا أحبك.
وعن عكرمة أنه قال: حسن وملاحة.
وقيل معناه: جبلت القلوب على محبتك، اختصاصاً لك.
وقال مجاهد: مودة في قلوب المؤمنين.
* *
ثم قال: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَىٰ عَيْنِيۤ﴾ أي: ولتغذى على عيني، قاله قتادة.
وقال ابن زيد: معناه: إني جعلتك في بيت الملك تنعم وتترف غذاؤه عندهم غذاء الملك.
وقال ابن زيد. معناه: وأنت بعيني إذ جعلتك أمك في التابوت ثم في البحر ثم إذ تمشي أختك.
و "اللام" في "ولتصنع" متعلقة بـ "ألقيت" أي: ألقى المحبة لتصنع.
ثم قال: ﴿إِذْ تَمْشِيۤ أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَىٰ مَن يَكْفُلُهُ﴾.
أي: ولتصنع على عيني حين تمشي أختك.
وفي الكلام حذف. والتقدير: إذ تمشي أختك تتبعك حتى وجدتك ثم يأتي من يطلب المراضع لك فتقول: هل أدلكم على من يكفله؟
قال السدي: لما ألقته أمه في اليم، قالت لأخته: قصيه، فلما التقطه آل فرعون، أرادوا له المرضعات، فلم يقبل أحداً من النساء، وجعل النساء يطلبن ذلك لينزلن عند فرعون في الرضاع، وأبى أن يأخذه فقالت أخته: هل أدلكم على أهل بيت يكفلونه لكم وهم له ناصحون. فأخذوها وقالوا لها: إنك قد عرفت هذا الغلام، فدلينا على أهله.
قالت: ما أعرفه ولكني إنما قلت: هم للملك ناصحون.
ومعنى: يكفله: يضمه إليه ويرضعه.
ورويَ أن موسى عليه السلام لما خرج من التابوت بكى وطلب اللبن فطلب له النساء، فلم يقبل أحداً، فشق ذلك على فرعون، واغتم له، وقلق، وجعل يبعث إلى كل مرضعة، ولم يقبل أحداً، فعند ذلك، جاءت أخت موسى ﷺ، فقالت: هل أدلكم على من يرضعه؟ فقيل لها: هاتها، فجاءت بأم موسى، فقبل ثديها، فطابت نفس فرعون ومضت به معها، آمنة عليه مما كانت تخافه، وذلك وعد الله لها، وقوله لها: ﴿إِنَّا رَآدُّوهُ إِلَيْكِ﴾ وهو قوله: ﴿فَرَجَعْنَاكَ إِلَىٰ أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها﴾ أي رددناك إلى أمك بعد أن كنت في أيدي آل فرعون كي تقرّ عينها، أي: تقرّ عينها بسلامتك من القتل والغرق، ولا تحزن عليك من الخوف ومن فرعون أن يقتلك.
قال ابن إسحاق: لما قالت أخت موسى ما قالت، قالوا: هاته، فأتت أمه فأخبرتها، فانطلقت معها حتى أتتهم فناولتها إياه فوضعه في حجرها، وأخذ ثدييها، فسّروا بذلك، وردّوه إلى أمه تكفله، لطفاً من الله لها، وصار موسى وأمه كأنهم من أهل بيت فرعون في الأمان من القتل وغيره. وكان على فراش فرعون وسريره متغذياً بما يتغذى به الملك. وهذا من بديع لطفه، لا إله إلا هو.
ويروى عن ابن عباس أنه قرأ: (تقِرِ) بكسر القاف، وهي لغة.
* *
ثم قال: ﴿وَقَتَلْتَ نَفْساً فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ ٱلْغَمِّ﴾.
يعني: قتله القبطي إذ استغاثه عليه الإسرائيلي: ﴿فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ ٱلْغَمِّ﴾ أي: من غمّك بقتلك النفس إذا أرادوا أن يقتلوك. فخلصناك منهم حين هربت إلى أهل مدين.
روى ابن عمر أن النبي ﷺ قال: إنما قتل موسى الذي قتل من آل فرعون خطأ
ثم قال: ﴿وَفَتَنَّاكَ فُتُوناً﴾ قال ابن عباس: معناه: اختبرناك اختباراً. وعنه ابتليناك ابتلاء.
وعن ابن عباس أيضاً: أنه إنجاؤه موسى من القوم. ومن اليم ومن الذبح حين أخذ بلحية فرعون، ومن القتل حين قتل القبطي.
وذكر ابن جبير عن ابن عباس حديثاً طويلاً في قصة موسى عليه السلام معناه: أن فرعون تذاكر هو وجلساؤه، ما وعد الله إبراهيم أن يجعل في ذريته أنبياء وملوكاً، فخافوا ذلك فأتمروا بينهم أن يذبح كل مولود ذكر من بني إسرائيل، فذبحوا كل من وجدوا، وتمادوا على ذلك، فقال بعضهم: يوشك أن يفنى بنو إسرائيل لذبحكم الصغار وموت الكبار بآجالهم فتبقون لمباشرة الأعمال والخدمة التي تكفيهم إياها بنو إسرائيل، فأجمعوا رأيهم على أن يقتلوا عاماً ويتركوا عاماً لئلا يفنى بنو إسرائيل، ولئلا يكثروا، فحملت أم موسى هارون في السنة التي لا يذبح فيها أحد فولدته علانية آمنة. وحملت بموسى في العام الثاني، وفيه الذبح، فوقع في قلبها الهم والحزن. قال ابن عباس: فذلك من الفتون مما دخل على موسى في بطن أمه. فأوحى الله تعالى ذكره إليها ألاّ تخافي ولا تحزني إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين. وأمرها إذا ولدته أن تجعله في تابوت، ثم تلقيه في اليم، ففعلت ذلك، ثم أتاها إبليس، فوسوس إليها، وقال: لو ذبح ولدك في بيتك لكنت توارينه وتسترينه كان أحب إليك مما ألقيته بيدك إلى حيتان البحر ودوابه، فانطلق به الماء حتى أوفى به عند فرضة مستقى جواري آل فرعون، فرأينه، فأخذنه، فهممن بفتح التابوت ثم خفن أن يكون في التابوت مال فلا يصدقن عليه ، فمررن به على حاله إلى امرأة فرعون، ففتحت التابوت، فإذا بغلام، فألقى الله عليه منها محبة لم يلق مثلها على أحد، وأصبح فؤاد أم موسى فارغاً من ذكر كل شيء إلا من ذكر موسى، فأتى الذباحون إلى امرأة فرعون ليذبحوه، فصرفتهم حتى تستوهبه من فرعون، فوهبها فرعون إياه، ومنعهم من ذلك. وذلك من الفتون.
وذكر ابن عباس، أنها لما أتت به إلى فرعون قالت: قرة عين لي ولك. قال فرعون: يكون لك، وأما أنا فلا حاجة لي فيه. فروي عن النبي ﷺ أنه قال: والذي حلف به، لو أقرّ فرعون أن يكون له قرة عين كما أقرت هي به لهداه الله به كما هدى به امرأته. ولكن الله تعالى حرمه ذلك
وروي أن امرأة فرعون كان لها جوار لا تشرب الماء إلا من استقائهن، فأتين يوماً إلى ساحل النيل ليأخذن الماء، فوجدن التابوت، فاتفقن على أن لا يفتحن التابوت، وأن يمضين به إلى مولاتهن على حاله، فذهبن به إلى امرأة فرعون ففتحته، فوجدت فيه صبياً لم تر مثله قط، فألقى الله في قلبها المحبة له، فأخذته ودخلت به على فرعون، وقالت له: قرة عين لي ولك فقال فرعون: أما لك فنعم، وأما لي، فلا.
قال النبي ﷺ: لو قال فرعون نعم هو قرة عين لي لآمن
فقالت له: فهبه لي، لا تقتله. فوهبه لها، فطلبت له المراضع فلم يقبل على ثدي امرأة، وكان من أمره ما قص الله علينا.
قال ابن عباس في حديث طويل معناه: أن امرأة فرعون طلبت له الرضاعة، فلم يقبل على ثدي أحد فغمّها ذلك حتى أخرجته إلى السوق تطلب له مرضعة، فأتت أخته فقالت: هل أدلكم على أهل بيت يكفلونه لكم وهم له ناصحون. فأخذوها وقالوا: ما نصحهم له؟ هل تعرفونه، فشكوا في ذلك.
قال ابن عباس: وذلك من الفتون. فقالت: نصحهم له وشفقتهم عليه رغبتهم في القرب من فرعون ورجاء منفعته، فتركوها، فانطلقت إلى أمه، فجاءت معها، فلما وضعته في حجرها ترامى إلى ثديها حتى امتلأ جنباه، وانطلقت البشرى إلى امرأة فرعون أن قد وجدنا لابنك مرضعة فوجهت وراءها، وجيء بها وبه فقالت لها: امكثي عندي ترضعين ابني هذا، فإني لم أحب حبه شيئاً قط، فأبت أم موسى وتعاسرت عليها في القيام عندها، وتذكرت ما وعدها الله من رده عليها، وأن الله منجز وعده، بابنها إلى بيتها من يومها، فأنبته الله نباتاً حسناً، فكان بنو إسرائيل يمتنعون من الظلم والسخرة بذمام موسى، فلما ترعرع قالت امرأة فرعون لأم موسى: أرني ولدي، فوعدتها بالإتيان به ليوم بعينه، فقالت امرأة فرعون لخواصها وقهارمتها: لا يبقين أحد منكم إلا استقبل ابني بهدية وكرامة، فلما أتت به أمه، لم تزل الهدية والكرامة والتحف تستقبله من حين خرج من بيت أمه إلى أن دخل على امرأة فرعون، فأكرمته هي أيضاً ونحلته وأعجبها ما رأت من حسن أثرها عليه، وانطلقت به إلى فرعون ليكرمه وينحله، فدخلت به عليه، وجعلته في حجره فتناول موسى لحية فرعون حتى مدها، فقال عدو من أعداء الله لفرعون: هذا من وعد الله إبراهيم أنه سيصرعك ويعلوك فأراد ذبحه. قال ابن عباس: وذلك من الفتون. فقالت امرأته: قد وهبته لي فما بدا لك منه. قال: ألا ترينه يزعم أنه سيصرعني ويعلوني. فقالت: اجعل بيني وبينك أمراً تعرف به الحق. ائت بجمرتين ولؤلؤتين، فقربهن إليه، فإن بطش باللؤلؤتين واجتنب الجمرتين فهو يعقل، وإن تناول الجمرتين ولم يرد اللؤلؤتين [فهو لا يعقل] ففعل ذلك، فتناول الجمرتين، فصرفه الله تعالى عن قتله، فأقام حتى بلغ مبلغ الرجال، وانتفع به بنو إسرائيل وامتنعوا به من السخرة والظلم. فبينما هو يمشي في ناحية من المدينة إذ هو برجلين يقتتلان، أحدهما من آل فرعون، والآخر من بني إسرائيل، فاستغاثه الإسرائيلي على الفرعوني. وقد ضرب الفرعوني الإسرائيلي، فغضب موسى واشتد غضبه لمعرفته لمنزلة الإسرائيلي وظلم الفرعوني له، فوكز موسى الفرعوني فقتله. ولم يرهما أحد إلا الله، فقال موسى ﷺ حين قتله: هذا من عمل الشيطان، ثم استغفر الله من قتله، فغفر له. وأصبح موسى خائفاً يستمع الأخبار، فبحث القوم عن قاتل الفرعوني فما وجدوا أحداً يخبر به. فمر موسى بذلك الإسرائيلي يقاتل رجلاً آخر فرعونياً، فاستغاثه أيضاً الإسرائيلي، فقال موسى للإسرائيلي: إنك لغوي مبين. ثم مد يده للفرعوني ليبطش به، فظن الإسرائيلي أنه إياه يريد، لما سمعه قال: إنك لغوي مبين. فقال: يا موسى، أتريد أن تقتلني كما قتلت نفساً بالأمس، فانطلق الفرعوني إلى قومه، فأخبرهم بما سمع من الإسرائيلي، فخرجوا في طلب موسى. وجاءه رجل من شيعة موسى من أقصى المدينة فاختصر طريقاً حتى سبقهم، فأنذر موسى، قال ابن عباس: وذلك من الفتون.
وقال الضحاك: ﴿وَفَتَنَّاكَ فُتُوناً﴾: أي: بلاء على بلاء.
وقال مجاهد: هو إلقاؤه في التابوت، ثم في اليم، ثم التقاط فرعون إياه، ثم خروجه خائفاً.
قوله تعالى ذكره: ﴿فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِيۤ أَهْلِ مَدْيَنَ﴾ إلى قوله: ﴿يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ﴾.
في الكلام حذف واختصار. والتقدير: وفتناك فتوناً، فخرجت خائفاً إلى مدين، فلبثت سنين فيهم.
قال: عشر سنين، كان فيهم في خدمة أجرة مهر زوجته.
* *
وقوله: ﴿ثُمَّ جِئْتَ عَلَىٰ قَدَرٍ يٰمُوسَىٰ﴾.
أي: جئت للوقت الذي أردنا إرسالك إلى فرعون فيه. هذا معنى قول ابن عباس ومجاهد وقتادة وغيرهم.
* *
ثم قال: ﴿وَٱصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾.
أي: قويتك لتبلغ عبادي أمري ونهيي.
وقيل معناه: أخبرتك لتبلغ رسالتي.
* *
ثم قال: ﴿ٱذْهَبْ أَنتَ وَأَخُوكَ بِآيَاتِي وَلاَ تَنِيَا فِي ذِكْرِي﴾.
أي: اذهبا بأدلتي وحججي ولا تفترا ولا تضعفا في أن تذكراني فيما أمرتكما ونهيتكما، فذكركما إياي يقوي عزيمتكما.
قال ابن عباس: "لا تنيا": لا تبطئا.
وقال مجاهد وقتادة والضحاك: لا تضعفا.
وقال ابن زيد: الوافي: الغافل المفرط.
* *
ثم قال: ﴿ٱذْهَبَآ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَىٰ﴾.
أي: تجاوز في الكفر. ﴿فَقُولاَ لَهُ قَوْلاً لَّيِّناً﴾. أي: كنياه. قاله مجاهد والسدي.
وعن السدي أنه قال: قال له موسى عليه السلام: هل لك أن يرد الله عليك شبابك، ويرد عليك مناكحك ومشاربك، وإذا مت دخلت الجنة؟ وتؤمن. فهذا هو القول اللين. فركن فرعون إليه وقال: مكانك حتى يأتي هامان.
وقيل: إن فرعون دخل إلى آسية فشاورها فيما قال له موسى. فقالت: ما ينبغي لأحد أن يرد هذا. فقال له هامان: أَتَعبْدُ بعدَما كنُتَ تُعْبَدْ، أنا أردك شاباً. فخضب لحيته بالسواد. فكان فرعون أول من خضب بالسواد. ودخل إلى آسية فقالت له: حسن إن لم ينصل.
وقيل: إن موسى عليه السلام قال له: إن ربنا أرسلنا إليك لتؤمن به وتعبده وتطيعه، فينسئ في أجلك أربع مائة سنة، ويملكك في أرضه ولا تبؤس ساعة من نهار، ثم تصير إلى الجنة، لا يضرك ما كنت فيه من نعيم الدنيا وسرورها ونضارتها جناح بعوضة. فقال فرعون: دعوني أستشير فاستشار هامان. فقال له: لا ترض. أبعد أن كنت مالكاً تصير مملوكاً. وبعد أن كنت رباً تصير مربوباً. فلم يؤمن لما سبق له في علم الله من الشقاء.
* *
وقوله: ﴿لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ﴾. قيل: معنى "لعل" هنا الاستفهام. والمعنى: فقولاً له قولاً لينا، فانظرا هل يتذكر فيراجع، أو يخشى الله فيرتدع عن طغيانه. قاله: ابن عباس.
وقيل: معنى "لعل" هنا: كي. أي: قولا له قولاً ليناً كي يتذكر. كما تقول: اعمل لعلك تأخذ أجرك. أي: كي تأخذ أجرك.
وقال الحسن: "لعله يتذكر" هو إخبار من الله عن قول هارون، وذلك أنه تعالى لما قال له: قولا له قولاً ليناً. قال هارون لموسى: لعله يتذكر أو يخشى.
وقيل: إن "لعل" على بابها، ترج وطمع من المرسلين. والتقدير عند سيبويه: اذهبا أنتما على رجائكما وطمعكما ومبلغكما من العلم أن يتذكر، وقد علم الله تعالى أنه لا يتذكر ولا يخشى إلا أن الحجة لا تجب إلا بالإبانة وخروج الفعل إلى الظاهر.
وقيل: إن "لعل" و "عسى" في القرآن لم يقعا إلا وقد كانا. فتذكر فرعون وخشيته قد كانت حين أدركه الغرق.
طه 20:38
قوله تعالى وجلّ ثناؤه: ﴿قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يٰمُوسَىٰ﴾ إلى قوله ﴿وَفَتَنَّاكَ فُتُوناً﴾.
أي: قد أعطيتك ما سألت من شرح صدرك وتيسير أمرك، وحل العقدة من لسانك، وتصيير أخيك هارون عوناً لك.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَىٰ﴾.
أي: تطولنا عليك قبل هذه المرة مرة أخرى، ثم بيَّن المرة الأخرى ما هي فقال: ﴿إِذْ أَوْحَيْنَآ إِلَىٰ أُمِّكَ﴾ أي: إذا ألهمنا أمك.
وقيل: كانت رؤيا رأتها.
وقيل: بل أوحى إليها ما شاء.
وقال ابن إسحاق: لما ولدت أم موسى موسى ﷺ، أرضعته حتى إذا أمر فرعون بقتل من ولد سنته تلك، عمدت إليه، فصنعت به ما أمرها الله تبارك وتعالى.
روي أنها رؤيا رأتها، ففعلت ما أمرت به في رؤياها. وكان فرعون يذبح ذكور أولاد بني إسرائيل لأجل أنه بلغه أنه سيكون زوال ملكه وهلاكه على يدي واحد من أولاد بني إسرائيل فخافت أم موسى من فرعون على ولدها. فأراها الله ما أمرها به في منامها، فجعلته في تابوت صغير، ومهدت له فيه، ثم عمدت إلى النيل فقذفته فيه، وهو اليم، فأصبح فرعون في مجلس له كان يجلسه على شفير النيل كل غداة، فبينما هو جالس، إذ مرّ النيل بالتابوت فقذف به، وآسية بنت مزاحم امرأته جالسة إلى جنبه. فقال: إن هذا لشيء [عجيب] في البحر، فآتوني به، فخرج إليه أعوانه حتى جاءوا به ففتح التابوت، فإذا فيه صبي في مهد، فألقى الله عز وجل عليه محبته فعطف عليه نفسه. فهو قوله: ﴿أَنِ ٱقْذِفِيهِ فِي ٱلتَّابُوتِ فَٱقْذِفِيهِ فِي ٱلْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ ٱلْيَمُّ بِٱلسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِّي وَعَدُوٌّ لَّهُ﴾. يعني فرعون.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي﴾. أي: حببتك إلى عبادي.
وقال عكرمة معناه: إني حسنت خلقك، أي: جعلت لك حسناً وملاحة.
وقيل معناه: حببتك إلى [كلِّ] من رآك.
وقيل: إن الله جلّ ذكره جعل في موسى عليه السلام ملاحة، فكان لا يراه أحد إلا أحبه واستحلاه ومال قلبه إليه.
وذكر ابن الإعرابي عن قتادة في قوله: ﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي﴾. قال: ملاحة في عينيك، لا يراك أحد إلا أحبك.
وعن عكرمة أنه قال: حسن وملاحة.
وقيل معناه: جبلت القلوب على محبتك، اختصاصاً لك.
وقال مجاهد: مودة في قلوب المؤمنين.
* *
ثم قال: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَىٰ عَيْنِيۤ﴾ أي: ولتغذى على عيني، قاله قتادة.
وقال ابن زيد: معناه: إني جعلتك في بيت الملك تنعم وتترف غذاؤه عندهم غذاء الملك.
وقال ابن زيد. معناه: وأنت بعيني إذ جعلتك أمك في التابوت ثم في البحر ثم إذ تمشي أختك.
و "اللام" في "ولتصنع" متعلقة بـ "ألقيت" أي: ألقى المحبة لتصنع.
ثم قال: ﴿إِذْ تَمْشِيۤ أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَىٰ مَن يَكْفُلُهُ﴾.
أي: ولتصنع على عيني حين تمشي أختك.
وفي الكلام حذف. والتقدير: إذ تمشي أختك تتبعك حتى وجدتك ثم يأتي من يطلب المراضع لك فتقول: هل أدلكم على من يكفله؟
قال السدي: لما ألقته أمه في اليم، قالت لأخته: قصيه، فلما التقطه آل فرعون، أرادوا له المرضعات، فلم يقبل أحداً من النساء، وجعل النساء يطلبن ذلك لينزلن عند فرعون في الرضاع، وأبى أن يأخذه فقالت أخته: هل أدلكم على أهل بيت يكفلونه لكم وهم له ناصحون. فأخذوها وقالوا لها: إنك قد عرفت هذا الغلام، فدلينا على أهله.
قالت: ما أعرفه ولكني إنما قلت: هم للملك ناصحون.
ومعنى: يكفله: يضمه إليه ويرضعه.
ورويَ أن موسى عليه السلام لما خرج من التابوت بكى وطلب اللبن فطلب له النساء، فلم يقبل أحداً، فشق ذلك على فرعون، واغتم له، وقلق، وجعل يبعث إلى كل مرضعة، ولم يقبل أحداً، فعند ذلك، جاءت أخت موسى ﷺ، فقالت: هل أدلكم على من يرضعه؟ فقيل لها: هاتها، فجاءت بأم موسى، فقبل ثديها، فطابت نفس فرعون ومضت به معها، آمنة عليه مما كانت تخافه، وذلك وعد الله لها، وقوله لها: ﴿إِنَّا رَآدُّوهُ إِلَيْكِ﴾ وهو قوله: ﴿فَرَجَعْنَاكَ إِلَىٰ أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها﴾ أي رددناك إلى أمك بعد أن كنت في أيدي آل فرعون كي تقرّ عينها، أي: تقرّ عينها بسلامتك من القتل والغرق، ولا تحزن عليك من الخوف ومن فرعون أن يقتلك.
قال ابن إسحاق: لما قالت أخت موسى ما قالت، قالوا: هاته، فأتت أمه فأخبرتها، فانطلقت معها حتى أتتهم فناولتها إياه فوضعه في حجرها، وأخذ ثدييها، فسّروا بذلك، وردّوه إلى أمه تكفله، لطفاً من الله لها، وصار موسى وأمه كأنهم من أهل بيت فرعون في الأمان من القتل وغيره. وكان على فراش فرعون وسريره متغذياً بما يتغذى به الملك. وهذا من بديع لطفه، لا إله إلا هو.
ويروى عن ابن عباس أنه قرأ: (تقِرِ) بكسر القاف، وهي لغة.
* *
ثم قال: ﴿وَقَتَلْتَ نَفْساً فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ ٱلْغَمِّ﴾.
يعني: قتله القبطي إذ استغاثه عليه الإسرائيلي: ﴿فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ ٱلْغَمِّ﴾ أي: من غمّك بقتلك النفس إذا أرادوا أن يقتلوك. فخلصناك منهم حين هربت إلى أهل مدين.
روى ابن عمر أن النبي ﷺ قال: إنما قتل موسى الذي قتل من آل فرعون خطأ
ثم قال: ﴿وَفَتَنَّاكَ فُتُوناً﴾ قال ابن عباس: معناه: اختبرناك اختباراً. وعنه ابتليناك ابتلاء.
وعن ابن عباس أيضاً: أنه إنجاؤه موسى من القوم. ومن اليم ومن الذبح حين أخذ بلحية فرعون، ومن القتل حين قتل القبطي.
وذكر ابن جبير عن ابن عباس حديثاً طويلاً في قصة موسى عليه السلام معناه: أن فرعون تذاكر هو وجلساؤه، ما وعد الله إبراهيم أن يجعل في ذريته أنبياء وملوكاً، فخافوا ذلك فأتمروا بينهم أن يذبح كل مولود ذكر من بني إسرائيل، فذبحوا كل من وجدوا، وتمادوا على ذلك، فقال بعضهم: يوشك أن يفنى بنو إسرائيل لذبحكم الصغار وموت الكبار بآجالهم فتبقون لمباشرة الأعمال والخدمة التي تكفيهم إياها بنو إسرائيل، فأجمعوا رأيهم على أن يقتلوا عاماً ويتركوا عاماً لئلا يفنى بنو إسرائيل، ولئلا يكثروا، فحملت أم موسى هارون في السنة التي لا يذبح فيها أحد فولدته علانية آمنة. وحملت بموسى في العام الثاني، وفيه الذبح، فوقع في قلبها الهم والحزن. قال ابن عباس: فذلك من الفتون مما دخل على موسى في بطن أمه. فأوحى الله تعالى ذكره إليها ألاّ تخافي ولا تحزني إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين. وأمرها إذا ولدته أن تجعله في تابوت، ثم تلقيه في اليم، ففعلت ذلك، ثم أتاها إبليس، فوسوس إليها، وقال: لو ذبح ولدك في بيتك لكنت توارينه وتسترينه كان أحب إليك مما ألقيته بيدك إلى حيتان البحر ودوابه، فانطلق به الماء حتى أوفى به عند فرضة مستقى جواري آل فرعون، فرأينه، فأخذنه، فهممن بفتح التابوت ثم خفن أن يكون في التابوت مال فلا يصدقن عليه ، فمررن به على حاله إلى امرأة فرعون، ففتحت التابوت، فإذا بغلام، فألقى الله عليه منها محبة لم يلق مثلها على أحد، وأصبح فؤاد أم موسى فارغاً من ذكر كل شيء إلا من ذكر موسى، فأتى الذباحون إلى امرأة فرعون ليذبحوه، فصرفتهم حتى تستوهبه من فرعون، فوهبها فرعون إياه، ومنعهم من ذلك. وذلك من الفتون.
وذكر ابن عباس، أنها لما أتت به إلى فرعون قالت: قرة عين لي ولك. قال فرعون: يكون لك، وأما أنا فلا حاجة لي فيه. فروي عن النبي ﷺ أنه قال: والذي حلف به، لو أقرّ فرعون أن يكون له قرة عين كما أقرت هي به لهداه الله به كما هدى به امرأته. ولكن الله تعالى حرمه ذلك
وروي أن امرأة فرعون كان لها جوار لا تشرب الماء إلا من استقائهن، فأتين يوماً إلى ساحل النيل ليأخذن الماء، فوجدن التابوت، فاتفقن على أن لا يفتحن التابوت، وأن يمضين به إلى مولاتهن على حاله، فذهبن به إلى امرأة فرعون ففتحته، فوجدت فيه صبياً لم تر مثله قط، فألقى الله في قلبها المحبة له، فأخذته ودخلت به على فرعون، وقالت له: قرة عين لي ولك فقال فرعون: أما لك فنعم، وأما لي، فلا.
قال النبي ﷺ: لو قال فرعون نعم هو قرة عين لي لآمن
فقالت له: فهبه لي، لا تقتله. فوهبه لها، فطلبت له المراضع فلم يقبل على ثدي امرأة، وكان من أمره ما قص الله علينا.
قال ابن عباس في حديث طويل معناه: أن امرأة فرعون طلبت له الرضاعة، فلم يقبل على ثدي أحد فغمّها ذلك حتى أخرجته إلى السوق تطلب له مرضعة، فأتت أخته فقالت: هل أدلكم على أهل بيت يكفلونه لكم وهم له ناصحون. فأخذوها وقالوا: ما نصحهم له؟ هل تعرفونه، فشكوا في ذلك.
قال ابن عباس: وذلك من الفتون. فقالت: نصحهم له وشفقتهم عليه رغبتهم في القرب من فرعون ورجاء منفعته، فتركوها، فانطلقت إلى أمه، فجاءت معها، فلما وضعته في حجرها ترامى إلى ثديها حتى امتلأ جنباه، وانطلقت البشرى إلى امرأة فرعون أن قد وجدنا لابنك مرضعة فوجهت وراءها، وجيء بها وبه فقالت لها: امكثي عندي ترضعين ابني هذا، فإني لم أحب حبه شيئاً قط، فأبت أم موسى وتعاسرت عليها في القيام عندها، وتذكرت ما وعدها الله من رده عليها، وأن الله منجز وعده، بابنها إلى بيتها من يومها، فأنبته الله نباتاً حسناً، فكان بنو إسرائيل يمتنعون من الظلم والسخرة بذمام موسى، فلما ترعرع قالت امرأة فرعون لأم موسى: أرني ولدي، فوعدتها بالإتيان به ليوم بعينه، فقالت امرأة فرعون لخواصها وقهارمتها: لا يبقين أحد منكم إلا استقبل ابني بهدية وكرامة، فلما أتت به أمه، لم تزل الهدية والكرامة والتحف تستقبله من حين خرج من بيت أمه إلى أن دخل على امرأة فرعون، فأكرمته هي أيضاً ونحلته وأعجبها ما رأت من حسن أثرها عليه، وانطلقت به إلى فرعون ليكرمه وينحله، فدخلت به عليه، وجعلته في حجره فتناول موسى لحية فرعون حتى مدها، فقال عدو من أعداء الله لفرعون: هذا من وعد الله إبراهيم أنه سيصرعك ويعلوك فأراد ذبحه. قال ابن عباس: وذلك من الفتون. فقالت امرأته: قد وهبته لي فما بدا لك منه. قال: ألا ترينه يزعم أنه سيصرعني ويعلوني. فقالت: اجعل بيني وبينك أمراً تعرف به الحق. ائت بجمرتين ولؤلؤتين، فقربهن إليه، فإن بطش باللؤلؤتين واجتنب الجمرتين فهو يعقل، وإن تناول الجمرتين ولم يرد اللؤلؤتين [فهو لا يعقل] ففعل ذلك، فتناول الجمرتين، فصرفه الله تعالى عن قتله، فأقام حتى بلغ مبلغ الرجال، وانتفع به بنو إسرائيل وامتنعوا به من السخرة والظلم. فبينما هو يمشي في ناحية من المدينة إذ هو برجلين يقتتلان، أحدهما من آل فرعون، والآخر من بني إسرائيل، فاستغاثه الإسرائيلي على الفرعوني. وقد ضرب الفرعوني الإسرائيلي، فغضب موسى واشتد غضبه لمعرفته لمنزلة الإسرائيلي وظلم الفرعوني له، فوكز موسى الفرعوني فقتله. ولم يرهما أحد إلا الله، فقال موسى ﷺ حين قتله: هذا من عمل الشيطان، ثم استغفر الله من قتله، فغفر له. وأصبح موسى خائفاً يستمع الأخبار، فبحث القوم عن قاتل الفرعوني فما وجدوا أحداً يخبر به. فمر موسى بذلك الإسرائيلي يقاتل رجلاً آخر فرعونياً، فاستغاثه أيضاً الإسرائيلي، فقال موسى للإسرائيلي: إنك لغوي مبين. ثم مد يده للفرعوني ليبطش به، فظن الإسرائيلي أنه إياه يريد، لما سمعه قال: إنك لغوي مبين. فقال: يا موسى، أتريد أن تقتلني كما قتلت نفساً بالأمس، فانطلق الفرعوني إلى قومه، فأخبرهم بما سمع من الإسرائيلي، فخرجوا في طلب موسى. وجاءه رجل من شيعة موسى من أقصى المدينة فاختصر طريقاً حتى سبقهم، فأنذر موسى، قال ابن عباس: وذلك من الفتون.
وقال الضحاك: ﴿وَفَتَنَّاكَ فُتُوناً﴾: أي: بلاء على بلاء.
وقال مجاهد: هو إلقاؤه في التابوت، ثم في اليم، ثم التقاط فرعون إياه، ثم خروجه خائفاً.
قوله تعالى ذكره: ﴿فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِيۤ أَهْلِ مَدْيَنَ﴾ إلى قوله: ﴿يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ﴾.
في الكلام حذف واختصار. والتقدير: وفتناك فتوناً، فخرجت خائفاً إلى مدين، فلبثت سنين فيهم.
قال: عشر سنين، كان فيهم في خدمة أجرة مهر زوجته.
* *
وقوله: ﴿ثُمَّ جِئْتَ عَلَىٰ قَدَرٍ يٰمُوسَىٰ﴾.
أي: جئت للوقت الذي أردنا إرسالك إلى فرعون فيه. هذا معنى قول ابن عباس ومجاهد وقتادة وغيرهم.
* *
ثم قال: ﴿وَٱصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾.
أي: قويتك لتبلغ عبادي أمري ونهيي.
وقيل معناه: أخبرتك لتبلغ رسالتي.
* *
ثم قال: ﴿ٱذْهَبْ أَنتَ وَأَخُوكَ بِآيَاتِي وَلاَ تَنِيَا فِي ذِكْرِي﴾.
أي: اذهبا بأدلتي وحججي ولا تفترا ولا تضعفا في أن تذكراني فيما أمرتكما ونهيتكما، فذكركما إياي يقوي عزيمتكما.
قال ابن عباس: "لا تنيا": لا تبطئا.
وقال مجاهد وقتادة والضحاك: لا تضعفا.
وقال ابن زيد: الوافي: الغافل المفرط.
* *
ثم قال: ﴿ٱذْهَبَآ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَىٰ﴾.
أي: تجاوز في الكفر. ﴿فَقُولاَ لَهُ قَوْلاً لَّيِّناً﴾. أي: كنياه. قاله مجاهد والسدي.
وعن السدي أنه قال: قال له موسى عليه السلام: هل لك أن يرد الله عليك شبابك، ويرد عليك مناكحك ومشاربك، وإذا مت دخلت الجنة؟ وتؤمن. فهذا هو القول اللين. فركن فرعون إليه وقال: مكانك حتى يأتي هامان.
وقيل: إن فرعون دخل إلى آسية فشاورها فيما قال له موسى. فقالت: ما ينبغي لأحد أن يرد هذا. فقال له هامان: أَتَعبْدُ بعدَما كنُتَ تُعْبَدْ، أنا أردك شاباً. فخضب لحيته بالسواد. فكان فرعون أول من خضب بالسواد. ودخل إلى آسية فقالت له: حسن إن لم ينصل.
وقيل: إن موسى عليه السلام قال له: إن ربنا أرسلنا إليك لتؤمن به وتعبده وتطيعه، فينسئ في أجلك أربع مائة سنة، ويملكك في أرضه ولا تبؤس ساعة من نهار، ثم تصير إلى الجنة، لا يضرك ما كنت فيه من نعيم الدنيا وسرورها ونضارتها جناح بعوضة. فقال فرعون: دعوني أستشير فاستشار هامان. فقال له: لا ترض. أبعد أن كنت مالكاً تصير مملوكاً. وبعد أن كنت رباً تصير مربوباً. فلم يؤمن لما سبق له في علم الله من الشقاء.
* *
وقوله: ﴿لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ﴾. قيل: معنى "لعل" هنا الاستفهام. والمعنى: فقولاً له قولاً لينا، فانظرا هل يتذكر فيراجع، أو يخشى الله فيرتدع عن طغيانه. قاله: ابن عباس.
وقيل: معنى "لعل" هنا: كي. أي: قولا له قولاً ليناً كي يتذكر. كما تقول: اعمل لعلك تأخذ أجرك. أي: كي تأخذ أجرك.
وقال الحسن: "لعله يتذكر" هو إخبار من الله عن قول هارون، وذلك أنه تعالى لما قال له: قولا له قولاً ليناً. قال هارون لموسى: لعله يتذكر أو يخشى.
وقيل: إن "لعل" على بابها، ترج وطمع من المرسلين. والتقدير عند سيبويه: اذهبا أنتما على رجائكما وطمعكما ومبلغكما من العلم أن يتذكر، وقد علم الله تعالى أنه لا يتذكر ولا يخشى إلا أن الحجة لا تجب إلا بالإبانة وخروج الفعل إلى الظاهر.
وقيل: إن "لعل" و "عسى" في القرآن لم يقعا إلا وقد كانا. فتذكر فرعون وخشيته قد كانت حين أدركه الغرق.
طه 20:39
قوله تعالى وجلّ ثناؤه: ﴿قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يٰمُوسَىٰ﴾ إلى قوله ﴿وَفَتَنَّاكَ فُتُوناً﴾.
أي: قد أعطيتك ما سألت من شرح صدرك وتيسير أمرك، وحل العقدة من لسانك، وتصيير أخيك هارون عوناً لك.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَىٰ﴾.
أي: تطولنا عليك قبل هذه المرة مرة أخرى، ثم بيَّن المرة الأخرى ما هي فقال: ﴿إِذْ أَوْحَيْنَآ إِلَىٰ أُمِّكَ﴾ أي: إذا ألهمنا أمك.
وقيل: كانت رؤيا رأتها.
وقيل: بل أوحى إليها ما شاء.
وقال ابن إسحاق: لما ولدت أم موسى موسى ﷺ، أرضعته حتى إذا أمر فرعون بقتل من ولد سنته تلك، عمدت إليه، فصنعت به ما أمرها الله تبارك وتعالى.
روي أنها رؤيا رأتها، ففعلت ما أمرت به في رؤياها. وكان فرعون يذبح ذكور أولاد بني إسرائيل لأجل أنه بلغه أنه سيكون زوال ملكه وهلاكه على يدي واحد من أولاد بني إسرائيل فخافت أم موسى من فرعون على ولدها. فأراها الله ما أمرها به في منامها، فجعلته في تابوت صغير، ومهدت له فيه، ثم عمدت إلى النيل فقذفته فيه، وهو اليم، فأصبح فرعون في مجلس له كان يجلسه على شفير النيل كل غداة، فبينما هو جالس، إذ مرّ النيل بالتابوت فقذف به، وآسية بنت مزاحم امرأته جالسة إلى جنبه. فقال: إن هذا لشيء [عجيب] في البحر، فآتوني به، فخرج إليه أعوانه حتى جاءوا به ففتح التابوت، فإذا فيه صبي في مهد، فألقى الله عز وجل عليه محبته فعطف عليه نفسه. فهو قوله: ﴿أَنِ ٱقْذِفِيهِ فِي ٱلتَّابُوتِ فَٱقْذِفِيهِ فِي ٱلْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ ٱلْيَمُّ بِٱلسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِّي وَعَدُوٌّ لَّهُ﴾. يعني فرعون.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي﴾. أي: حببتك إلى عبادي.
وقال عكرمة معناه: إني حسنت خلقك، أي: جعلت لك حسناً وملاحة.
وقيل معناه: حببتك إلى [كلِّ] من رآك.
وقيل: إن الله جلّ ذكره جعل في موسى عليه السلام ملاحة، فكان لا يراه أحد إلا أحبه واستحلاه ومال قلبه إليه.
وذكر ابن الإعرابي عن قتادة في قوله: ﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي﴾. قال: ملاحة في عينيك، لا يراك أحد إلا أحبك.
وعن عكرمة أنه قال: حسن وملاحة.
وقيل معناه: جبلت القلوب على محبتك، اختصاصاً لك.
وقال مجاهد: مودة في قلوب المؤمنين.
* *
ثم قال: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَىٰ عَيْنِيۤ﴾ أي: ولتغذى على عيني، قاله قتادة.
وقال ابن زيد: معناه: إني جعلتك في بيت الملك تنعم وتترف غذاؤه عندهم غذاء الملك.
وقال ابن زيد. معناه: وأنت بعيني إذ جعلتك أمك في التابوت ثم في البحر ثم إذ تمشي أختك.
و "اللام" في "ولتصنع" متعلقة بـ "ألقيت" أي: ألقى المحبة لتصنع.
ثم قال: ﴿إِذْ تَمْشِيۤ أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَىٰ مَن يَكْفُلُهُ﴾.
أي: ولتصنع على عيني حين تمشي أختك.
وفي الكلام حذف. والتقدير: إذ تمشي أختك تتبعك حتى وجدتك ثم يأتي من يطلب المراضع لك فتقول: هل أدلكم على من يكفله؟
قال السدي: لما ألقته أمه في اليم، قالت لأخته: قصيه، فلما التقطه آل فرعون، أرادوا له المرضعات، فلم يقبل أحداً من النساء، وجعل النساء يطلبن ذلك لينزلن عند فرعون في الرضاع، وأبى أن يأخذه فقالت أخته: هل أدلكم على أهل بيت يكفلونه لكم وهم له ناصحون. فأخذوها وقالوا لها: إنك قد عرفت هذا الغلام، فدلينا على أهله.
قالت: ما أعرفه ولكني إنما قلت: هم للملك ناصحون.
ومعنى: يكفله: يضمه إليه ويرضعه.
ورويَ أن موسى عليه السلام لما خرج من التابوت بكى وطلب اللبن فطلب له النساء، فلم يقبل أحداً، فشق ذلك على فرعون، واغتم له، وقلق، وجعل يبعث إلى كل مرضعة، ولم يقبل أحداً، فعند ذلك، جاءت أخت موسى ﷺ، فقالت: هل أدلكم على من يرضعه؟ فقيل لها: هاتها، فجاءت بأم موسى، فقبل ثديها، فطابت نفس فرعون ومضت به معها، آمنة عليه مما كانت تخافه، وذلك وعد الله لها، وقوله لها: ﴿إِنَّا رَآدُّوهُ إِلَيْكِ﴾ وهو قوله: ﴿فَرَجَعْنَاكَ إِلَىٰ أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها﴾ أي رددناك إلى أمك بعد أن كنت في أيدي آل فرعون كي تقرّ عينها، أي: تقرّ عينها بسلامتك من القتل والغرق، ولا تحزن عليك من الخوف ومن فرعون أن يقتلك.
قال ابن إسحاق: لما قالت أخت موسى ما قالت، قالوا: هاته، فأتت أمه فأخبرتها، فانطلقت معها حتى أتتهم فناولتها إياه فوضعه في حجرها، وأخذ ثدييها، فسّروا بذلك، وردّوه إلى أمه تكفله، لطفاً من الله لها، وصار موسى وأمه كأنهم من أهل بيت فرعون في الأمان من القتل وغيره. وكان على فراش فرعون وسريره متغذياً بما يتغذى به الملك. وهذا من بديع لطفه، لا إله إلا هو.
ويروى عن ابن عباس أنه قرأ: (تقِرِ) بكسر القاف، وهي لغة.
* *
ثم قال: ﴿وَقَتَلْتَ نَفْساً فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ ٱلْغَمِّ﴾.
يعني: قتله القبطي إذ استغاثه عليه الإسرائيلي: ﴿فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ ٱلْغَمِّ﴾ أي: من غمّك بقتلك النفس إذا أرادوا أن يقتلوك. فخلصناك منهم حين هربت إلى أهل مدين.
روى ابن عمر أن النبي ﷺ قال: إنما قتل موسى الذي قتل من آل فرعون خطأ
ثم قال: ﴿وَفَتَنَّاكَ فُتُوناً﴾ قال ابن عباس: معناه: اختبرناك اختباراً. وعنه ابتليناك ابتلاء.
وعن ابن عباس أيضاً: أنه إنجاؤه موسى من القوم. ومن اليم ومن الذبح حين أخذ بلحية فرعون، ومن القتل حين قتل القبطي.
وذكر ابن جبير عن ابن عباس حديثاً طويلاً في قصة موسى عليه السلام معناه: أن فرعون تذاكر هو وجلساؤه، ما وعد الله إبراهيم أن يجعل في ذريته أنبياء وملوكاً، فخافوا ذلك فأتمروا بينهم أن يذبح كل مولود ذكر من بني إسرائيل، فذبحوا كل من وجدوا، وتمادوا على ذلك، فقال بعضهم: يوشك أن يفنى بنو إسرائيل لذبحكم الصغار وموت الكبار بآجالهم فتبقون لمباشرة الأعمال والخدمة التي تكفيهم إياها بنو إسرائيل، فأجمعوا رأيهم على أن يقتلوا عاماً ويتركوا عاماً لئلا يفنى بنو إسرائيل، ولئلا يكثروا، فحملت أم موسى هارون في السنة التي لا يذبح فيها أحد فولدته علانية آمنة. وحملت بموسى في العام الثاني، وفيه الذبح، فوقع في قلبها الهم والحزن. قال ابن عباس: فذلك من الفتون مما دخل على موسى في بطن أمه. فأوحى الله تعالى ذكره إليها ألاّ تخافي ولا تحزني إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين. وأمرها إذا ولدته أن تجعله في تابوت، ثم تلقيه في اليم، ففعلت ذلك، ثم أتاها إبليس، فوسوس إليها، وقال: لو ذبح ولدك في بيتك لكنت توارينه وتسترينه كان أحب إليك مما ألقيته بيدك إلى حيتان البحر ودوابه، فانطلق به الماء حتى أوفى به عند فرضة مستقى جواري آل فرعون، فرأينه، فأخذنه، فهممن بفتح التابوت ثم خفن أن يكون في التابوت مال فلا يصدقن عليه ، فمررن به على حاله إلى امرأة فرعون، ففتحت التابوت، فإذا بغلام، فألقى الله عليه منها محبة لم يلق مثلها على أحد، وأصبح فؤاد أم موسى فارغاً من ذكر كل شيء إلا من ذكر موسى، فأتى الذباحون إلى امرأة فرعون ليذبحوه، فصرفتهم حتى تستوهبه من فرعون، فوهبها فرعون إياه، ومنعهم من ذلك. وذلك من الفتون.
وذكر ابن عباس، أنها لما أتت به إلى فرعون قالت: قرة عين لي ولك. قال فرعون: يكون لك، وأما أنا فلا حاجة لي فيه. فروي عن النبي ﷺ أنه قال: والذي حلف به، لو أقرّ فرعون أن يكون له قرة عين كما أقرت هي به لهداه الله به كما هدى به امرأته. ولكن الله تعالى حرمه ذلك
وروي أن امرأة فرعون كان لها جوار لا تشرب الماء إلا من استقائهن، فأتين يوماً إلى ساحل النيل ليأخذن الماء، فوجدن التابوت، فاتفقن على أن لا يفتحن التابوت، وأن يمضين به إلى مولاتهن على حاله، فذهبن به إلى امرأة فرعون ففتحته، فوجدت فيه صبياً لم تر مثله قط، فألقى الله في قلبها المحبة له، فأخذته ودخلت به على فرعون، وقالت له: قرة عين لي ولك فقال فرعون: أما لك فنعم، وأما لي، فلا.
قال النبي ﷺ: لو قال فرعون نعم هو قرة عين لي لآمن
فقالت له: فهبه لي، لا تقتله. فوهبه لها، فطلبت له المراضع فلم يقبل على ثدي امرأة، وكان من أمره ما قص الله علينا.
قال ابن عباس في حديث طويل معناه: أن امرأة فرعون طلبت له الرضاعة، فلم يقبل على ثدي أحد فغمّها ذلك حتى أخرجته إلى السوق تطلب له مرضعة، فأتت أخته فقالت: هل أدلكم على أهل بيت يكفلونه لكم وهم له ناصحون. فأخذوها وقالوا: ما نصحهم له؟ هل تعرفونه، فشكوا في ذلك.
قال ابن عباس: وذلك من الفتون. فقالت: نصحهم له وشفقتهم عليه رغبتهم في القرب من فرعون ورجاء منفعته، فتركوها، فانطلقت إلى أمه، فجاءت معها، فلما وضعته في حجرها ترامى إلى ثديها حتى امتلأ جنباه، وانطلقت البشرى إلى امرأة فرعون أن قد وجدنا لابنك مرضعة فوجهت وراءها، وجيء بها وبه فقالت لها: امكثي عندي ترضعين ابني هذا، فإني لم أحب حبه شيئاً قط، فأبت أم موسى وتعاسرت عليها في القيام عندها، وتذكرت ما وعدها الله من رده عليها، وأن الله منجز وعده، بابنها إلى بيتها من يومها، فأنبته الله نباتاً حسناً، فكان بنو إسرائيل يمتنعون من الظلم والسخرة بذمام موسى، فلما ترعرع قالت امرأة فرعون لأم موسى: أرني ولدي، فوعدتها بالإتيان به ليوم بعينه، فقالت امرأة فرعون لخواصها وقهارمتها: لا يبقين أحد منكم إلا استقبل ابني بهدية وكرامة، فلما أتت به أمه، لم تزل الهدية والكرامة والتحف تستقبله من حين خرج من بيت أمه إلى أن دخل على امرأة فرعون، فأكرمته هي أيضاً ونحلته وأعجبها ما رأت من حسن أثرها عليه، وانطلقت به إلى فرعون ليكرمه وينحله، فدخلت به عليه، وجعلته في حجره فتناول موسى لحية فرعون حتى مدها، فقال عدو من أعداء الله لفرعون: هذا من وعد الله إبراهيم أنه سيصرعك ويعلوك فأراد ذبحه. قال ابن عباس: وذلك من الفتون. فقالت امرأته: قد وهبته لي فما بدا لك منه. قال: ألا ترينه يزعم أنه سيصرعني ويعلوني. فقالت: اجعل بيني وبينك أمراً تعرف به الحق. ائت بجمرتين ولؤلؤتين، فقربهن إليه، فإن بطش باللؤلؤتين واجتنب الجمرتين فهو يعقل، وإن تناول الجمرتين ولم يرد اللؤلؤتين [فهو لا يعقل] ففعل ذلك، فتناول الجمرتين، فصرفه الله تعالى عن قتله، فأقام حتى بلغ مبلغ الرجال، وانتفع به بنو إسرائيل وامتنعوا به من السخرة والظلم. فبينما هو يمشي في ناحية من المدينة إذ هو برجلين يقتتلان، أحدهما من آل فرعون، والآخر من بني إسرائيل، فاستغاثه الإسرائيلي على الفرعوني. وقد ضرب الفرعوني الإسرائيلي، فغضب موسى واشتد غضبه لمعرفته لمنزلة الإسرائيلي وظلم الفرعوني له، فوكز موسى الفرعوني فقتله. ولم يرهما أحد إلا الله، فقال موسى ﷺ حين قتله: هذا من عمل الشيطان، ثم استغفر الله من قتله، فغفر له. وأصبح موسى خائفاً يستمع الأخبار، فبحث القوم عن قاتل الفرعوني فما وجدوا أحداً يخبر به. فمر موسى بذلك الإسرائيلي يقاتل رجلاً آخر فرعونياً، فاستغاثه أيضاً الإسرائيلي، فقال موسى للإسرائيلي: إنك لغوي مبين. ثم مد يده للفرعوني ليبطش به، فظن الإسرائيلي أنه إياه يريد، لما سمعه قال: إنك لغوي مبين. فقال: يا موسى، أتريد أن تقتلني كما قتلت نفساً بالأمس، فانطلق الفرعوني إلى قومه، فأخبرهم بما سمع من الإسرائيلي، فخرجوا في طلب موسى. وجاءه رجل من شيعة موسى من أقصى المدينة فاختصر طريقاً حتى سبقهم، فأنذر موسى، قال ابن عباس: وذلك من الفتون.
وقال الضحاك: ﴿وَفَتَنَّاكَ فُتُوناً﴾: أي: بلاء على بلاء.
وقال مجاهد: هو إلقاؤه في التابوت، ثم في اليم، ثم التقاط فرعون إياه، ثم خروجه خائفاً.
قوله تعالى ذكره: ﴿فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِيۤ أَهْلِ مَدْيَنَ﴾ إلى قوله: ﴿يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ﴾.
في الكلام حذف واختصار. والتقدير: وفتناك فتوناً، فخرجت خائفاً إلى مدين، فلبثت سنين فيهم.
قال: عشر سنين، كان فيهم في خدمة أجرة مهر زوجته.
* *
وقوله: ﴿ثُمَّ جِئْتَ عَلَىٰ قَدَرٍ يٰمُوسَىٰ﴾.
أي: جئت للوقت الذي أردنا إرسالك إلى فرعون فيه. هذا معنى قول ابن عباس ومجاهد وقتادة وغيرهم.
* *
ثم قال: ﴿وَٱصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾.
أي: قويتك لتبلغ عبادي أمري ونهيي.
وقيل معناه: أخبرتك لتبلغ رسالتي.
* *
ثم قال: ﴿ٱذْهَبْ أَنتَ وَأَخُوكَ بِآيَاتِي وَلاَ تَنِيَا فِي ذِكْرِي﴾.
أي: اذهبا بأدلتي وحججي ولا تفترا ولا تضعفا في أن تذكراني فيما أمرتكما ونهيتكما، فذكركما إياي يقوي عزيمتكما.
قال ابن عباس: "لا تنيا": لا تبطئا.
وقال مجاهد وقتادة والضحاك: لا تضعفا.
وقال ابن زيد: الوافي: الغافل المفرط.
* *
ثم قال: ﴿ٱذْهَبَآ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَىٰ﴾.
أي: تجاوز في الكفر. ﴿فَقُولاَ لَهُ قَوْلاً لَّيِّناً﴾. أي: كنياه. قاله مجاهد والسدي.
وعن السدي أنه قال: قال له موسى عليه السلام: هل لك أن يرد الله عليك شبابك، ويرد عليك مناكحك ومشاربك، وإذا مت دخلت الجنة؟ وتؤمن. فهذا هو القول اللين. فركن فرعون إليه وقال: مكانك حتى يأتي هامان.
وقيل: إن فرعون دخل إلى آسية فشاورها فيما قال له موسى. فقالت: ما ينبغي لأحد أن يرد هذا. فقال له هامان: أَتَعبْدُ بعدَما كنُتَ تُعْبَدْ، أنا أردك شاباً. فخضب لحيته بالسواد. فكان فرعون أول من خضب بالسواد. ودخل إلى آسية فقالت له: حسن إن لم ينصل.
وقيل: إن موسى عليه السلام قال له: إن ربنا أرسلنا إليك لتؤمن به وتعبده وتطيعه، فينسئ في أجلك أربع مائة سنة، ويملكك في أرضه ولا تبؤس ساعة من نهار، ثم تصير إلى الجنة، لا يضرك ما كنت فيه من نعيم الدنيا وسرورها ونضارتها جناح بعوضة. فقال فرعون: دعوني أستشير فاستشار هامان. فقال له: لا ترض. أبعد أن كنت مالكاً تصير مملوكاً. وبعد أن كنت رباً تصير مربوباً. فلم يؤمن لما سبق له في علم الله من الشقاء.
* *
وقوله: ﴿لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ﴾. قيل: معنى "لعل" هنا الاستفهام. والمعنى: فقولاً له قولاً لينا، فانظرا هل يتذكر فيراجع، أو يخشى الله فيرتدع عن طغيانه. قاله: ابن عباس.
وقيل: معنى "لعل" هنا: كي. أي: قولا له قولاً ليناً كي يتذكر. كما تقول: اعمل لعلك تأخذ أجرك. أي: كي تأخذ أجرك.
وقال الحسن: "لعله يتذكر" هو إخبار من الله عن قول هارون، وذلك أنه تعالى لما قال له: قولا له قولاً ليناً. قال هارون لموسى: لعله يتذكر أو يخشى.
وقيل: إن "لعل" على بابها، ترج وطمع من المرسلين. والتقدير عند سيبويه: اذهبا أنتما على رجائكما وطمعكما ومبلغكما من العلم أن يتذكر، وقد علم الله تعالى أنه لا يتذكر ولا يخشى إلا أن الحجة لا تجب إلا بالإبانة وخروج الفعل إلى الظاهر.
وقيل: إن "لعل" و "عسى" في القرآن لم يقعا إلا وقد كانا. فتذكر فرعون وخشيته قد كانت حين أدركه الغرق.
طه 20:40
قوله تعالى وجلّ ثناؤه: ﴿قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يٰمُوسَىٰ﴾ إلى قوله ﴿وَفَتَنَّاكَ فُتُوناً﴾.
أي: قد أعطيتك ما سألت من شرح صدرك وتيسير أمرك، وحل العقدة من لسانك، وتصيير أخيك هارون عوناً لك.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَىٰ﴾.
أي: تطولنا عليك قبل هذه المرة مرة أخرى، ثم بيَّن المرة الأخرى ما هي فقال: ﴿إِذْ أَوْحَيْنَآ إِلَىٰ أُمِّكَ﴾ أي: إذا ألهمنا أمك.
وقيل: كانت رؤيا رأتها.
وقيل: بل أوحى إليها ما شاء.
وقال ابن إسحاق: لما ولدت أم موسى موسى ﷺ، أرضعته حتى إذا أمر فرعون بقتل من ولد سنته تلك، عمدت إليه، فصنعت به ما أمرها الله تبارك وتعالى.
روي أنها رؤيا رأتها، ففعلت ما أمرت به في رؤياها. وكان فرعون يذبح ذكور أولاد بني إسرائيل لأجل أنه بلغه أنه سيكون زوال ملكه وهلاكه على يدي واحد من أولاد بني إسرائيل فخافت أم موسى من فرعون على ولدها. فأراها الله ما أمرها به في منامها، فجعلته في تابوت صغير، ومهدت له فيه، ثم عمدت إلى النيل فقذفته فيه، وهو اليم، فأصبح فرعون في مجلس له كان يجلسه على شفير النيل كل غداة، فبينما هو جالس، إذ مرّ النيل بالتابوت فقذف به، وآسية بنت مزاحم امرأته جالسة إلى جنبه. فقال: إن هذا لشيء [عجيب] في البحر، فآتوني به، فخرج إليه أعوانه حتى جاءوا به ففتح التابوت، فإذا فيه صبي في مهد، فألقى الله عز وجل عليه محبته فعطف عليه نفسه. فهو قوله: ﴿أَنِ ٱقْذِفِيهِ فِي ٱلتَّابُوتِ فَٱقْذِفِيهِ فِي ٱلْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ ٱلْيَمُّ بِٱلسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِّي وَعَدُوٌّ لَّهُ﴾. يعني فرعون.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي﴾. أي: حببتك إلى عبادي.
وقال عكرمة معناه: إني حسنت خلقك، أي: جعلت لك حسناً وملاحة.
وقيل معناه: حببتك إلى [كلِّ] من رآك.
وقيل: إن الله جلّ ذكره جعل في موسى عليه السلام ملاحة، فكان لا يراه أحد إلا أحبه واستحلاه ومال قلبه إليه.
وذكر ابن الإعرابي عن قتادة في قوله: ﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي﴾. قال: ملاحة في عينيك، لا يراك أحد إلا أحبك.
وعن عكرمة أنه قال: حسن وملاحة.
وقيل معناه: جبلت القلوب على محبتك، اختصاصاً لك.
وقال مجاهد: مودة في قلوب المؤمنين.
* *
ثم قال: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَىٰ عَيْنِيۤ﴾ أي: ولتغذى على عيني، قاله قتادة.
وقال ابن زيد: معناه: إني جعلتك في بيت الملك تنعم وتترف غذاؤه عندهم غذاء الملك.
وقال ابن زيد. معناه: وأنت بعيني إذ جعلتك أمك في التابوت ثم في البحر ثم إذ تمشي أختك.
و "اللام" في "ولتصنع" متعلقة بـ "ألقيت" أي: ألقى المحبة لتصنع.
ثم قال: ﴿إِذْ تَمْشِيۤ أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَىٰ مَن يَكْفُلُهُ﴾.
أي: ولتصنع على عيني حين تمشي أختك.
وفي الكلام حذف. والتقدير: إذ تمشي أختك تتبعك حتى وجدتك ثم يأتي من يطلب المراضع لك فتقول: هل أدلكم على من يكفله؟
قال السدي: لما ألقته أمه في اليم، قالت لأخته: قصيه، فلما التقطه آل فرعون، أرادوا له المرضعات، فلم يقبل أحداً من النساء، وجعل النساء يطلبن ذلك لينزلن عند فرعون في الرضاع، وأبى أن يأخذه فقالت أخته: هل أدلكم على أهل بيت يكفلونه لكم وهم له ناصحون. فأخذوها وقالوا لها: إنك قد عرفت هذا الغلام، فدلينا على أهله.
قالت: ما أعرفه ولكني إنما قلت: هم للملك ناصحون.
ومعنى: يكفله: يضمه إليه ويرضعه.
ورويَ أن موسى عليه السلام لما خرج من التابوت بكى وطلب اللبن فطلب له النساء، فلم يقبل أحداً، فشق ذلك على فرعون، واغتم له، وقلق، وجعل يبعث إلى كل مرضعة، ولم يقبل أحداً، فعند ذلك، جاءت أخت موسى ﷺ، فقالت: هل أدلكم على من يرضعه؟ فقيل لها: هاتها، فجاءت بأم موسى، فقبل ثديها، فطابت نفس فرعون ومضت به معها، آمنة عليه مما كانت تخافه، وذلك وعد الله لها، وقوله لها: ﴿إِنَّا رَآدُّوهُ إِلَيْكِ﴾ وهو قوله: ﴿فَرَجَعْنَاكَ إِلَىٰ أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها﴾ أي رددناك إلى أمك بعد أن كنت في أيدي آل فرعون كي تقرّ عينها، أي: تقرّ عينها بسلامتك من القتل والغرق، ولا تحزن عليك من الخوف ومن فرعون أن يقتلك.
قال ابن إسحاق: لما قالت أخت موسى ما قالت، قالوا: هاته، فأتت أمه فأخبرتها، فانطلقت معها حتى أتتهم فناولتها إياه فوضعه في حجرها، وأخذ ثدييها، فسّروا بذلك، وردّوه إلى أمه تكفله، لطفاً من الله لها، وصار موسى وأمه كأنهم من أهل بيت فرعون في الأمان من القتل وغيره. وكان على فراش فرعون وسريره متغذياً بما يتغذى به الملك. وهذا من بديع لطفه، لا إله إلا هو.
ويروى عن ابن عباس أنه قرأ: (تقِرِ) بكسر القاف، وهي لغة.
* *
ثم قال: ﴿وَقَتَلْتَ نَفْساً فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ ٱلْغَمِّ﴾.
يعني: قتله القبطي إذ استغاثه عليه الإسرائيلي: ﴿فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ ٱلْغَمِّ﴾ أي: من غمّك بقتلك النفس إذا أرادوا أن يقتلوك. فخلصناك منهم حين هربت إلى أهل مدين.
روى ابن عمر أن النبي ﷺ قال: إنما قتل موسى الذي قتل من آل فرعون خطأ
ثم قال: ﴿وَفَتَنَّاكَ فُتُوناً﴾ قال ابن عباس: معناه: اختبرناك اختباراً. وعنه ابتليناك ابتلاء.
وعن ابن عباس أيضاً: أنه إنجاؤه موسى من القوم. ومن اليم ومن الذبح حين أخذ بلحية فرعون، ومن القتل حين قتل القبطي.
وذكر ابن جبير عن ابن عباس حديثاً طويلاً في قصة موسى عليه السلام معناه: أن فرعون تذاكر هو وجلساؤه، ما وعد الله إبراهيم أن يجعل في ذريته أنبياء وملوكاً، فخافوا ذلك فأتمروا بينهم أن يذبح كل مولود ذكر من بني إسرائيل، فذبحوا كل من وجدوا، وتمادوا على ذلك، فقال بعضهم: يوشك أن يفنى بنو إسرائيل لذبحكم الصغار وموت الكبار بآجالهم فتبقون لمباشرة الأعمال والخدمة التي تكفيهم إياها بنو إسرائيل، فأجمعوا رأيهم على أن يقتلوا عاماً ويتركوا عاماً لئلا يفنى بنو إسرائيل، ولئلا يكثروا، فحملت أم موسى هارون في السنة التي لا يذبح فيها أحد فولدته علانية آمنة. وحملت بموسى في العام الثاني، وفيه الذبح، فوقع في قلبها الهم والحزن. قال ابن عباس: فذلك من الفتون مما دخل على موسى في بطن أمه. فأوحى الله تعالى ذكره إليها ألاّ تخافي ولا تحزني إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين. وأمرها إذا ولدته أن تجعله في تابوت، ثم تلقيه في اليم، ففعلت ذلك، ثم أتاها إبليس، فوسوس إليها، وقال: لو ذبح ولدك في بيتك لكنت توارينه وتسترينه كان أحب إليك مما ألقيته بيدك إلى حيتان البحر ودوابه، فانطلق به الماء حتى أوفى به عند فرضة مستقى جواري آل فرعون، فرأينه، فأخذنه، فهممن بفتح التابوت ثم خفن أن يكون في التابوت مال فلا يصدقن عليه ، فمررن به على حاله إلى امرأة فرعون، ففتحت التابوت، فإذا بغلام، فألقى الله عليه منها محبة لم يلق مثلها على أحد، وأصبح فؤاد أم موسى فارغاً من ذكر كل شيء إلا من ذكر موسى، فأتى الذباحون إلى امرأة فرعون ليذبحوه، فصرفتهم حتى تستوهبه من فرعون، فوهبها فرعون إياه، ومنعهم من ذلك. وذلك من الفتون.
وذكر ابن عباس، أنها لما أتت به إلى فرعون قالت: قرة عين لي ولك. قال فرعون: يكون لك، وأما أنا فلا حاجة لي فيه. فروي عن النبي ﷺ أنه قال: والذي حلف به، لو أقرّ فرعون أن يكون له قرة عين كما أقرت هي به لهداه الله به كما هدى به امرأته. ولكن الله تعالى حرمه ذلك
وروي أن امرأة فرعون كان لها جوار لا تشرب الماء إلا من استقائهن، فأتين يوماً إلى ساحل النيل ليأخذن الماء، فوجدن التابوت، فاتفقن على أن لا يفتحن التابوت، وأن يمضين به إلى مولاتهن على حاله، فذهبن به إلى امرأة فرعون ففتحته، فوجدت فيه صبياً لم تر مثله قط، فألقى الله في قلبها المحبة له، فأخذته ودخلت به على فرعون، وقالت له: قرة عين لي ولك فقال فرعون: أما لك فنعم، وأما لي، فلا.
قال النبي ﷺ: لو قال فرعون نعم هو قرة عين لي لآمن
فقالت له: فهبه لي، لا تقتله. فوهبه لها، فطلبت له المراضع فلم يقبل على ثدي امرأة، وكان من أمره ما قص الله علينا.
قال ابن عباس في حديث طويل معناه: أن امرأة فرعون طلبت له الرضاعة، فلم يقبل على ثدي أحد فغمّها ذلك حتى أخرجته إلى السوق تطلب له مرضعة، فأتت أخته فقالت: هل أدلكم على أهل بيت يكفلونه لكم وهم له ناصحون. فأخذوها وقالوا: ما نصحهم له؟ هل تعرفونه، فشكوا في ذلك.
قال ابن عباس: وذلك من الفتون. فقالت: نصحهم له وشفقتهم عليه رغبتهم في القرب من فرعون ورجاء منفعته، فتركوها، فانطلقت إلى أمه، فجاءت معها، فلما وضعته في حجرها ترامى إلى ثديها حتى امتلأ جنباه، وانطلقت البشرى إلى امرأة فرعون أن قد وجدنا لابنك مرضعة فوجهت وراءها، وجيء بها وبه فقالت لها: امكثي عندي ترضعين ابني هذا، فإني لم أحب حبه شيئاً قط، فأبت أم موسى وتعاسرت عليها في القيام عندها، وتذكرت ما وعدها الله من رده عليها، وأن الله منجز وعده، بابنها إلى بيتها من يومها، فأنبته الله نباتاً حسناً، فكان بنو إسرائيل يمتنعون من الظلم والسخرة بذمام موسى، فلما ترعرع قالت امرأة فرعون لأم موسى: أرني ولدي، فوعدتها بالإتيان به ليوم بعينه، فقالت امرأة فرعون لخواصها وقهارمتها: لا يبقين أحد منكم إلا استقبل ابني بهدية وكرامة، فلما أتت به أمه، لم تزل الهدية والكرامة والتحف تستقبله من حين خرج من بيت أمه إلى أن دخل على امرأة فرعون، فأكرمته هي أيضاً ونحلته وأعجبها ما رأت من حسن أثرها عليه، وانطلقت به إلى فرعون ليكرمه وينحله، فدخلت به عليه، وجعلته في حجره فتناول موسى لحية فرعون حتى مدها، فقال عدو من أعداء الله لفرعون: هذا من وعد الله إبراهيم أنه سيصرعك ويعلوك فأراد ذبحه. قال ابن عباس: وذلك من الفتون. فقالت امرأته: قد وهبته لي فما بدا لك منه. قال: ألا ترينه يزعم أنه سيصرعني ويعلوني. فقالت: اجعل بيني وبينك أمراً تعرف به الحق. ائت بجمرتين ولؤلؤتين، فقربهن إليه، فإن بطش باللؤلؤتين واجتنب الجمرتين فهو يعقل، وإن تناول الجمرتين ولم يرد اللؤلؤتين [فهو لا يعقل] ففعل ذلك، فتناول الجمرتين، فصرفه الله تعالى عن قتله، فأقام حتى بلغ مبلغ الرجال، وانتفع به بنو إسرائيل وامتنعوا به من السخرة والظلم. فبينما هو يمشي في ناحية من المدينة إذ هو برجلين يقتتلان، أحدهما من آل فرعون، والآخر من بني إسرائيل، فاستغاثه الإسرائيلي على الفرعوني. وقد ضرب الفرعوني الإسرائيلي، فغضب موسى واشتد غضبه لمعرفته لمنزلة الإسرائيلي وظلم الفرعوني له، فوكز موسى الفرعوني فقتله. ولم يرهما أحد إلا الله، فقال موسى ﷺ حين قتله: هذا من عمل الشيطان، ثم استغفر الله من قتله، فغفر له. وأصبح موسى خائفاً يستمع الأخبار، فبحث القوم عن قاتل الفرعوني فما وجدوا أحداً يخبر به. فمر موسى بذلك الإسرائيلي يقاتل رجلاً آخر فرعونياً، فاستغاثه أيضاً الإسرائيلي، فقال موسى للإسرائيلي: إنك لغوي مبين. ثم مد يده للفرعوني ليبطش به، فظن الإسرائيلي أنه إياه يريد، لما سمعه قال: إنك لغوي مبين. فقال: يا موسى، أتريد أن تقتلني كما قتلت نفساً بالأمس، فانطلق الفرعوني إلى قومه، فأخبرهم بما سمع من الإسرائيلي، فخرجوا في طلب موسى. وجاءه رجل من شيعة موسى من أقصى المدينة فاختصر طريقاً حتى سبقهم، فأنذر موسى، قال ابن عباس: وذلك من الفتون.
وقال الضحاك: ﴿وَفَتَنَّاكَ فُتُوناً﴾: أي: بلاء على بلاء.
وقال مجاهد: هو إلقاؤه في التابوت، ثم في اليم، ثم التقاط فرعون إياه، ثم خروجه خائفاً.
قوله تعالى ذكره: ﴿فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِيۤ أَهْلِ مَدْيَنَ﴾ إلى قوله: ﴿يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ﴾.
في الكلام حذف واختصار. والتقدير: وفتناك فتوناً، فخرجت خائفاً إلى مدين، فلبثت سنين فيهم.
قال: عشر سنين، كان فيهم في خدمة أجرة مهر زوجته.
* *
وقوله: ﴿ثُمَّ جِئْتَ عَلَىٰ قَدَرٍ يٰمُوسَىٰ﴾.
أي: جئت للوقت الذي أردنا إرسالك إلى فرعون فيه. هذا معنى قول ابن عباس ومجاهد وقتادة وغيرهم.
* *
ثم قال: ﴿وَٱصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾.
أي: قويتك لتبلغ عبادي أمري ونهيي.
وقيل معناه: أخبرتك لتبلغ رسالتي.
* *
ثم قال: ﴿ٱذْهَبْ أَنتَ وَأَخُوكَ بِآيَاتِي وَلاَ تَنِيَا فِي ذِكْرِي﴾.
أي: اذهبا بأدلتي وحججي ولا تفترا ولا تضعفا في أن تذكراني فيما أمرتكما ونهيتكما، فذكركما إياي يقوي عزيمتكما.
قال ابن عباس: "لا تنيا": لا تبطئا.
وقال مجاهد وقتادة والضحاك: لا تضعفا.
وقال ابن زيد: الوافي: الغافل المفرط.
* *
ثم قال: ﴿ٱذْهَبَآ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَىٰ﴾.
أي: تجاوز في الكفر. ﴿فَقُولاَ لَهُ قَوْلاً لَّيِّناً﴾. أي: كنياه. قاله مجاهد والسدي.
وعن السدي أنه قال: قال له موسى عليه السلام: هل لك أن يرد الله عليك شبابك، ويرد عليك مناكحك ومشاربك، وإذا مت دخلت الجنة؟ وتؤمن. فهذا هو القول اللين. فركن فرعون إليه وقال: مكانك حتى يأتي هامان.
وقيل: إن فرعون دخل إلى آسية فشاورها فيما قال له موسى. فقالت: ما ينبغي لأحد أن يرد هذا. فقال له هامان: أَتَعبْدُ بعدَما كنُتَ تُعْبَدْ، أنا أردك شاباً. فخضب لحيته بالسواد. فكان فرعون أول من خضب بالسواد. ودخل إلى آسية فقالت له: حسن إن لم ينصل.
وقيل: إن موسى عليه السلام قال له: إن ربنا أرسلنا إليك لتؤمن به وتعبده وتطيعه، فينسئ في أجلك أربع مائة سنة، ويملكك في أرضه ولا تبؤس ساعة من نهار، ثم تصير إلى الجنة، لا يضرك ما كنت فيه من نعيم الدنيا وسرورها ونضارتها جناح بعوضة. فقال فرعون: دعوني أستشير فاستشار هامان. فقال له: لا ترض. أبعد أن كنت مالكاً تصير مملوكاً. وبعد أن كنت رباً تصير مربوباً. فلم يؤمن لما سبق له في علم الله من الشقاء.
* *
وقوله: ﴿لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ﴾. قيل: معنى "لعل" هنا الاستفهام. والمعنى: فقولاً له قولاً لينا، فانظرا هل يتذكر فيراجع، أو يخشى الله فيرتدع عن طغيانه. قاله: ابن عباس.
وقيل: معنى "لعل" هنا: كي. أي: قولا له قولاً ليناً كي يتذكر. كما تقول: اعمل لعلك تأخذ أجرك. أي: كي تأخذ أجرك.
وقال الحسن: "لعله يتذكر" هو إخبار من الله عن قول هارون، وذلك أنه تعالى لما قال له: قولا له قولاً ليناً. قال هارون لموسى: لعله يتذكر أو يخشى.
وقيل: إن "لعل" على بابها، ترج وطمع من المرسلين. والتقدير عند سيبويه: اذهبا أنتما على رجائكما وطمعكما ومبلغكما من العلم أن يتذكر، وقد علم الله تعالى أنه لا يتذكر ولا يخشى إلا أن الحجة لا تجب إلا بالإبانة وخروج الفعل إلى الظاهر.
وقيل: إن "لعل" و "عسى" في القرآن لم يقعا إلا وقد كانا. فتذكر فرعون وخشيته قد كانت حين أدركه الغرق.
طه 20:41
قوله تعالى وجلّ ثناؤه: ﴿قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يٰمُوسَىٰ﴾ إلى قوله ﴿وَفَتَنَّاكَ فُتُوناً﴾.
أي: قد أعطيتك ما سألت من شرح صدرك وتيسير أمرك، وحل العقدة من لسانك، وتصيير أخيك هارون عوناً لك.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَىٰ﴾.
أي: تطولنا عليك قبل هذه المرة مرة أخرى، ثم بيَّن المرة الأخرى ما هي فقال: ﴿إِذْ أَوْحَيْنَآ إِلَىٰ أُمِّكَ﴾ أي: إذا ألهمنا أمك.
وقيل: كانت رؤيا رأتها.
وقيل: بل أوحى إليها ما شاء.
وقال ابن إسحاق: لما ولدت أم موسى موسى ﷺ، أرضعته حتى إذا أمر فرعون بقتل من ولد سنته تلك، عمدت إليه، فصنعت به ما أمرها الله تبارك وتعالى.
روي أنها رؤيا رأتها، ففعلت ما أمرت به في رؤياها. وكان فرعون يذبح ذكور أولاد بني إسرائيل لأجل أنه بلغه أنه سيكون زوال ملكه وهلاكه على يدي واحد من أولاد بني إسرائيل فخافت أم موسى من فرعون على ولدها. فأراها الله ما أمرها به في منامها، فجعلته في تابوت صغير، ومهدت له فيه، ثم عمدت إلى النيل فقذفته فيه، وهو اليم، فأصبح فرعون في مجلس له كان يجلسه على شفير النيل كل غداة، فبينما هو جالس، إذ مرّ النيل بالتابوت فقذف به، وآسية بنت مزاحم امرأته جالسة إلى جنبه. فقال: إن هذا لشيء [عجيب] في البحر، فآتوني به، فخرج إليه أعوانه حتى جاءوا به ففتح التابوت، فإذا فيه صبي في مهد، فألقى الله عز وجل عليه محبته فعطف عليه نفسه. فهو قوله: ﴿أَنِ ٱقْذِفِيهِ فِي ٱلتَّابُوتِ فَٱقْذِفِيهِ فِي ٱلْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ ٱلْيَمُّ بِٱلسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِّي وَعَدُوٌّ لَّهُ﴾. يعني فرعون.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي﴾. أي: حببتك إلى عبادي.
وقال عكرمة معناه: إني حسنت خلقك، أي: جعلت لك حسناً وملاحة.
وقيل معناه: حببتك إلى [كلِّ] من رآك.
وقيل: إن الله جلّ ذكره جعل في موسى عليه السلام ملاحة، فكان لا يراه أحد إلا أحبه واستحلاه ومال قلبه إليه.
وذكر ابن الإعرابي عن قتادة في قوله: ﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي﴾. قال: ملاحة في عينيك، لا يراك أحد إلا أحبك.
وعن عكرمة أنه قال: حسن وملاحة.
وقيل معناه: جبلت القلوب على محبتك، اختصاصاً لك.
وقال مجاهد: مودة في قلوب المؤمنين.
* *
ثم قال: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَىٰ عَيْنِيۤ﴾ أي: ولتغذى على عيني، قاله قتادة.
وقال ابن زيد: معناه: إني جعلتك في بيت الملك تنعم وتترف غذاؤه عندهم غذاء الملك.
وقال ابن زيد. معناه: وأنت بعيني إذ جعلتك أمك في التابوت ثم في البحر ثم إذ تمشي أختك.
و "اللام" في "ولتصنع" متعلقة بـ "ألقيت" أي: ألقى المحبة لتصنع.
ثم قال: ﴿إِذْ تَمْشِيۤ أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَىٰ مَن يَكْفُلُهُ﴾.
أي: ولتصنع على عيني حين تمشي أختك.
وفي الكلام حذف. والتقدير: إذ تمشي أختك تتبعك حتى وجدتك ثم يأتي من يطلب المراضع لك فتقول: هل أدلكم على من يكفله؟
قال السدي: لما ألقته أمه في اليم، قالت لأخته: قصيه، فلما التقطه آل فرعون، أرادوا له المرضعات، فلم يقبل أحداً من النساء، وجعل النساء يطلبن ذلك لينزلن عند فرعون في الرضاع، وأبى أن يأخذه فقالت أخته: هل أدلكم على أهل بيت يكفلونه لكم وهم له ناصحون. فأخذوها وقالوا لها: إنك قد عرفت هذا الغلام، فدلينا على أهله.
قالت: ما أعرفه ولكني إنما قلت: هم للملك ناصحون.
ومعنى: يكفله: يضمه إليه ويرضعه.
ورويَ أن موسى عليه السلام لما خرج من التابوت بكى وطلب اللبن فطلب له النساء، فلم يقبل أحداً، فشق ذلك على فرعون، واغتم له، وقلق، وجعل يبعث إلى كل مرضعة، ولم يقبل أحداً، فعند ذلك، جاءت أخت موسى ﷺ، فقالت: هل أدلكم على من يرضعه؟ فقيل لها: هاتها، فجاءت بأم موسى، فقبل ثديها، فطابت نفس فرعون ومضت به معها، آمنة عليه مما كانت تخافه، وذلك وعد الله لها، وقوله لها: ﴿إِنَّا رَآدُّوهُ إِلَيْكِ﴾ وهو قوله: ﴿فَرَجَعْنَاكَ إِلَىٰ أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها﴾ أي رددناك إلى أمك بعد أن كنت في أيدي آل فرعون كي تقرّ عينها، أي: تقرّ عينها بسلامتك من القتل والغرق، ولا تحزن عليك من الخوف ومن فرعون أن يقتلك.
قال ابن إسحاق: لما قالت أخت موسى ما قالت، قالوا: هاته، فأتت أمه فأخبرتها، فانطلقت معها حتى أتتهم فناولتها إياه فوضعه في حجرها، وأخذ ثدييها، فسّروا بذلك، وردّوه إلى أمه تكفله، لطفاً من الله لها، وصار موسى وأمه كأنهم من أهل بيت فرعون في الأمان من القتل وغيره. وكان على فراش فرعون وسريره متغذياً بما يتغذى به الملك. وهذا من بديع لطفه، لا إله إلا هو.
ويروى عن ابن عباس أنه قرأ: (تقِرِ) بكسر القاف، وهي لغة.
* *
ثم قال: ﴿وَقَتَلْتَ نَفْساً فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ ٱلْغَمِّ﴾.
يعني: قتله القبطي إذ استغاثه عليه الإسرائيلي: ﴿فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ ٱلْغَمِّ﴾ أي: من غمّك بقتلك النفس إذا أرادوا أن يقتلوك. فخلصناك منهم حين هربت إلى أهل مدين.
روى ابن عمر أن النبي ﷺ قال: إنما قتل موسى الذي قتل من آل فرعون خطأ
ثم قال: ﴿وَفَتَنَّاكَ فُتُوناً﴾ قال ابن عباس: معناه: اختبرناك اختباراً. وعنه ابتليناك ابتلاء.
وعن ابن عباس أيضاً: أنه إنجاؤه موسى من القوم. ومن اليم ومن الذبح حين أخذ بلحية فرعون، ومن القتل حين قتل القبطي.
وذكر ابن جبير عن ابن عباس حديثاً طويلاً في قصة موسى عليه السلام معناه: أن فرعون تذاكر هو وجلساؤه، ما وعد الله إبراهيم أن يجعل في ذريته أنبياء وملوكاً، فخافوا ذلك فأتمروا بينهم أن يذبح كل مولود ذكر من بني إسرائيل، فذبحوا كل من وجدوا، وتمادوا على ذلك، فقال بعضهم: يوشك أن يفنى بنو إسرائيل لذبحكم الصغار وموت الكبار بآجالهم فتبقون لمباشرة الأعمال والخدمة التي تكفيهم إياها بنو إسرائيل، فأجمعوا رأيهم على أن يقتلوا عاماً ويتركوا عاماً لئلا يفنى بنو إسرائيل، ولئلا يكثروا، فحملت أم موسى هارون في السنة التي لا يذبح فيها أحد فولدته علانية آمنة. وحملت بموسى في العام الثاني، وفيه الذبح، فوقع في قلبها الهم والحزن. قال ابن عباس: فذلك من الفتون مما دخل على موسى في بطن أمه. فأوحى الله تعالى ذكره إليها ألاّ تخافي ولا تحزني إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين. وأمرها إذا ولدته أن تجعله في تابوت، ثم تلقيه في اليم، ففعلت ذلك، ثم أتاها إبليس، فوسوس إليها، وقال: لو ذبح ولدك في بيتك لكنت توارينه وتسترينه كان أحب إليك مما ألقيته بيدك إلى حيتان البحر ودوابه، فانطلق به الماء حتى أوفى به عند فرضة مستقى جواري آل فرعون، فرأينه، فأخذنه، فهممن بفتح التابوت ثم خفن أن يكون في التابوت مال فلا يصدقن عليه ، فمررن به على حاله إلى امرأة فرعون، ففتحت التابوت، فإذا بغلام، فألقى الله عليه منها محبة لم يلق مثلها على أحد، وأصبح فؤاد أم موسى فارغاً من ذكر كل شيء إلا من ذكر موسى، فأتى الذباحون إلى امرأة فرعون ليذبحوه، فصرفتهم حتى تستوهبه من فرعون، فوهبها فرعون إياه، ومنعهم من ذلك. وذلك من الفتون.
وذكر ابن عباس، أنها لما أتت به إلى فرعون قالت: قرة عين لي ولك. قال فرعون: يكون لك، وأما أنا فلا حاجة لي فيه. فروي عن النبي ﷺ أنه قال: والذي حلف به، لو أقرّ فرعون أن يكون له قرة عين كما أقرت هي به لهداه الله به كما هدى به امرأته. ولكن الله تعالى حرمه ذلك
وروي أن امرأة فرعون كان لها جوار لا تشرب الماء إلا من استقائهن، فأتين يوماً إلى ساحل النيل ليأخذن الماء، فوجدن التابوت، فاتفقن على أن لا يفتحن التابوت، وأن يمضين به إلى مولاتهن على حاله، فذهبن به إلى امرأة فرعون ففتحته، فوجدت فيه صبياً لم تر مثله قط، فألقى الله في قلبها المحبة له، فأخذته ودخلت به على فرعون، وقالت له: قرة عين لي ولك فقال فرعون: أما لك فنعم، وأما لي، فلا.
قال النبي ﷺ: لو قال فرعون نعم هو قرة عين لي لآمن
فقالت له: فهبه لي، لا تقتله. فوهبه لها، فطلبت له المراضع فلم يقبل على ثدي امرأة، وكان من أمره ما قص الله علينا.
قال ابن عباس في حديث طويل معناه: أن امرأة فرعون طلبت له الرضاعة، فلم يقبل على ثدي أحد فغمّها ذلك حتى أخرجته إلى السوق تطلب له مرضعة، فأتت أخته فقالت: هل أدلكم على أهل بيت يكفلونه لكم وهم له ناصحون. فأخذوها وقالوا: ما نصحهم له؟ هل تعرفونه، فشكوا في ذلك.
قال ابن عباس: وذلك من الفتون. فقالت: نصحهم له وشفقتهم عليه رغبتهم في القرب من فرعون ورجاء منفعته، فتركوها، فانطلقت إلى أمه، فجاءت معها، فلما وضعته في حجرها ترامى إلى ثديها حتى امتلأ جنباه، وانطلقت البشرى إلى امرأة فرعون أن قد وجدنا لابنك مرضعة فوجهت وراءها، وجيء بها وبه فقالت لها: امكثي عندي ترضعين ابني هذا، فإني لم أحب حبه شيئاً قط، فأبت أم موسى وتعاسرت عليها في القيام عندها، وتذكرت ما وعدها الله من رده عليها، وأن الله منجز وعده، بابنها إلى بيتها من يومها، فأنبته الله نباتاً حسناً، فكان بنو إسرائيل يمتنعون من الظلم والسخرة بذمام موسى، فلما ترعرع قالت امرأة فرعون لأم موسى: أرني ولدي، فوعدتها بالإتيان به ليوم بعينه، فقالت امرأة فرعون لخواصها وقهارمتها: لا يبقين أحد منكم إلا استقبل ابني بهدية وكرامة، فلما أتت به أمه، لم تزل الهدية والكرامة والتحف تستقبله من حين خرج من بيت أمه إلى أن دخل على امرأة فرعون، فأكرمته هي أيضاً ونحلته وأعجبها ما رأت من حسن أثرها عليه، وانطلقت به إلى فرعون ليكرمه وينحله، فدخلت به عليه، وجعلته في حجره فتناول موسى لحية فرعون حتى مدها، فقال عدو من أعداء الله لفرعون: هذا من وعد الله إبراهيم أنه سيصرعك ويعلوك فأراد ذبحه. قال ابن عباس: وذلك من الفتون. فقالت امرأته: قد وهبته لي فما بدا لك منه. قال: ألا ترينه يزعم أنه سيصرعني ويعلوني. فقالت: اجعل بيني وبينك أمراً تعرف به الحق. ائت بجمرتين ولؤلؤتين، فقربهن إليه، فإن بطش باللؤلؤتين واجتنب الجمرتين فهو يعقل، وإن تناول الجمرتين ولم يرد اللؤلؤتين [فهو لا يعقل] ففعل ذلك، فتناول الجمرتين، فصرفه الله تعالى عن قتله، فأقام حتى بلغ مبلغ الرجال، وانتفع به بنو إسرائيل وامتنعوا به من السخرة والظلم. فبينما هو يمشي في ناحية من المدينة إذ هو برجلين يقتتلان، أحدهما من آل فرعون، والآخر من بني إسرائيل، فاستغاثه الإسرائيلي على الفرعوني. وقد ضرب الفرعوني الإسرائيلي، فغضب موسى واشتد غضبه لمعرفته لمنزلة الإسرائيلي وظلم الفرعوني له، فوكز موسى الفرعوني فقتله. ولم يرهما أحد إلا الله، فقال موسى ﷺ حين قتله: هذا من عمل الشيطان، ثم استغفر الله من قتله، فغفر له. وأصبح موسى خائفاً يستمع الأخبار، فبحث القوم عن قاتل الفرعوني فما وجدوا أحداً يخبر به. فمر موسى بذلك الإسرائيلي يقاتل رجلاً آخر فرعونياً، فاستغاثه أيضاً الإسرائيلي، فقال موسى للإسرائيلي: إنك لغوي مبين. ثم مد يده للفرعوني ليبطش به، فظن الإسرائيلي أنه إياه يريد، لما سمعه قال: إنك لغوي مبين. فقال: يا موسى، أتريد أن تقتلني كما قتلت نفساً بالأمس، فانطلق الفرعوني إلى قومه، فأخبرهم بما سمع من الإسرائيلي، فخرجوا في طلب موسى. وجاءه رجل من شيعة موسى من أقصى المدينة فاختصر طريقاً حتى سبقهم، فأنذر موسى، قال ابن عباس: وذلك من الفتون.
وقال الضحاك: ﴿وَفَتَنَّاكَ فُتُوناً﴾: أي: بلاء على بلاء.
وقال مجاهد: هو إلقاؤه في التابوت، ثم في اليم، ثم التقاط فرعون إياه، ثم خروجه خائفاً.
قوله تعالى ذكره: ﴿فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِيۤ أَهْلِ مَدْيَنَ﴾ إلى قوله: ﴿يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ﴾.
في الكلام حذف واختصار. والتقدير: وفتناك فتوناً، فخرجت خائفاً إلى مدين، فلبثت سنين فيهم.
قال: عشر سنين، كان فيهم في خدمة أجرة مهر زوجته.
* *
وقوله: ﴿ثُمَّ جِئْتَ عَلَىٰ قَدَرٍ يٰمُوسَىٰ﴾.
أي: جئت للوقت الذي أردنا إرسالك إلى فرعون فيه. هذا معنى قول ابن عباس ومجاهد وقتادة وغيرهم.
* *
ثم قال: ﴿وَٱصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾.
أي: قويتك لتبلغ عبادي أمري ونهيي.
وقيل معناه: أخبرتك لتبلغ رسالتي.
* *
ثم قال: ﴿ٱذْهَبْ أَنتَ وَأَخُوكَ بِآيَاتِي وَلاَ تَنِيَا فِي ذِكْرِي﴾.
أي: اذهبا بأدلتي وحججي ولا تفترا ولا تضعفا في أن تذكراني فيما أمرتكما ونهيتكما، فذكركما إياي يقوي عزيمتكما.
قال ابن عباس: "لا تنيا": لا تبطئا.
وقال مجاهد وقتادة والضحاك: لا تضعفا.
وقال ابن زيد: الوافي: الغافل المفرط.
* *
ثم قال: ﴿ٱذْهَبَآ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَىٰ﴾.
أي: تجاوز في الكفر. ﴿فَقُولاَ لَهُ قَوْلاً لَّيِّناً﴾. أي: كنياه. قاله مجاهد والسدي.
وعن السدي أنه قال: قال له موسى عليه السلام: هل لك أن يرد الله عليك شبابك، ويرد عليك مناكحك ومشاربك، وإذا مت دخلت الجنة؟ وتؤمن. فهذا هو القول اللين. فركن فرعون إليه وقال: مكانك حتى يأتي هامان.
وقيل: إن فرعون دخل إلى آسية فشاورها فيما قال له موسى. فقالت: ما ينبغي لأحد أن يرد هذا. فقال له هامان: أَتَعبْدُ بعدَما كنُتَ تُعْبَدْ، أنا أردك شاباً. فخضب لحيته بالسواد. فكان فرعون أول من خضب بالسواد. ودخل إلى آسية فقالت له: حسن إن لم ينصل.
وقيل: إن موسى عليه السلام قال له: إن ربنا أرسلنا إليك لتؤمن به وتعبده وتطيعه، فينسئ في أجلك أربع مائة سنة، ويملكك في أرضه ولا تبؤس ساعة من نهار، ثم تصير إلى الجنة، لا يضرك ما كنت فيه من نعيم الدنيا وسرورها ونضارتها جناح بعوضة. فقال فرعون: دعوني أستشير فاستشار هامان. فقال له: لا ترض. أبعد أن كنت مالكاً تصير مملوكاً. وبعد أن كنت رباً تصير مربوباً. فلم يؤمن لما سبق له في علم الله من الشقاء.
* *
وقوله: ﴿لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ﴾. قيل: معنى "لعل" هنا الاستفهام. والمعنى: فقولاً له قولاً لينا، فانظرا هل يتذكر فيراجع، أو يخشى الله فيرتدع عن طغيانه. قاله: ابن عباس.
وقيل: معنى "لعل" هنا: كي. أي: قولا له قولاً ليناً كي يتذكر. كما تقول: اعمل لعلك تأخذ أجرك. أي: كي تأخذ أجرك.
وقال الحسن: "لعله يتذكر" هو إخبار من الله عن قول هارون، وذلك أنه تعالى لما قال له: قولا له قولاً ليناً. قال هارون لموسى: لعله يتذكر أو يخشى.
وقيل: إن "لعل" على بابها، ترج وطمع من المرسلين. والتقدير عند سيبويه: اذهبا أنتما على رجائكما وطمعكما ومبلغكما من العلم أن يتذكر، وقد علم الله تعالى أنه لا يتذكر ولا يخشى إلا أن الحجة لا تجب إلا بالإبانة وخروج الفعل إلى الظاهر.
وقيل: إن "لعل" و "عسى" في القرآن لم يقعا إلا وقد كانا. فتذكر فرعون وخشيته قد كانت حين أدركه الغرق.
طه 20:42
قوله تعالى وجلّ ثناؤه: ﴿قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يٰمُوسَىٰ﴾ إلى قوله ﴿وَفَتَنَّاكَ فُتُوناً﴾.
أي: قد أعطيتك ما سألت من شرح صدرك وتيسير أمرك، وحل العقدة من لسانك، وتصيير أخيك هارون عوناً لك.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَىٰ﴾.
أي: تطولنا عليك قبل هذه المرة مرة أخرى، ثم بيَّن المرة الأخرى ما هي فقال: ﴿إِذْ أَوْحَيْنَآ إِلَىٰ أُمِّكَ﴾ أي: إذا ألهمنا أمك.
وقيل: كانت رؤيا رأتها.
وقيل: بل أوحى إليها ما شاء.
وقال ابن إسحاق: لما ولدت أم موسى موسى ﷺ، أرضعته حتى إذا أمر فرعون بقتل من ولد سنته تلك، عمدت إليه، فصنعت به ما أمرها الله تبارك وتعالى.
روي أنها رؤيا رأتها، ففعلت ما أمرت به في رؤياها. وكان فرعون يذبح ذكور أولاد بني إسرائيل لأجل أنه بلغه أنه سيكون زوال ملكه وهلاكه على يدي واحد من أولاد بني إسرائيل فخافت أم موسى من فرعون على ولدها. فأراها الله ما أمرها به في منامها، فجعلته في تابوت صغير، ومهدت له فيه، ثم عمدت إلى النيل فقذفته فيه، وهو اليم، فأصبح فرعون في مجلس له كان يجلسه على شفير النيل كل غداة، فبينما هو جالس، إذ مرّ النيل بالتابوت فقذف به، وآسية بنت مزاحم امرأته جالسة إلى جنبه. فقال: إن هذا لشيء [عجيب] في البحر، فآتوني به، فخرج إليه أعوانه حتى جاءوا به ففتح التابوت، فإذا فيه صبي في مهد، فألقى الله عز وجل عليه محبته فعطف عليه نفسه. فهو قوله: ﴿أَنِ ٱقْذِفِيهِ فِي ٱلتَّابُوتِ فَٱقْذِفِيهِ فِي ٱلْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ ٱلْيَمُّ بِٱلسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِّي وَعَدُوٌّ لَّهُ﴾. يعني فرعون.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي﴾. أي: حببتك إلى عبادي.
وقال عكرمة معناه: إني حسنت خلقك، أي: جعلت لك حسناً وملاحة.
وقيل معناه: حببتك إلى [كلِّ] من رآك.
وقيل: إن الله جلّ ذكره جعل في موسى عليه السلام ملاحة، فكان لا يراه أحد إلا أحبه واستحلاه ومال قلبه إليه.
وذكر ابن الإعرابي عن قتادة في قوله: ﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي﴾. قال: ملاحة في عينيك، لا يراك أحد إلا أحبك.
وعن عكرمة أنه قال: حسن وملاحة.
وقيل معناه: جبلت القلوب على محبتك، اختصاصاً لك.
وقال مجاهد: مودة في قلوب المؤمنين.
* *
ثم قال: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَىٰ عَيْنِيۤ﴾ أي: ولتغذى على عيني، قاله قتادة.
وقال ابن زيد: معناه: إني جعلتك في بيت الملك تنعم وتترف غذاؤه عندهم غذاء الملك.
وقال ابن زيد. معناه: وأنت بعيني إذ جعلتك أمك في التابوت ثم في البحر ثم إذ تمشي أختك.
و "اللام" في "ولتصنع" متعلقة بـ "ألقيت" أي: ألقى المحبة لتصنع.
ثم قال: ﴿إِذْ تَمْشِيۤ أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَىٰ مَن يَكْفُلُهُ﴾.
أي: ولتصنع على عيني حين تمشي أختك.
وفي الكلام حذف. والتقدير: إذ تمشي أختك تتبعك حتى وجدتك ثم يأتي من يطلب المراضع لك فتقول: هل أدلكم على من يكفله؟
قال السدي: لما ألقته أمه في اليم، قالت لأخته: قصيه، فلما التقطه آل فرعون، أرادوا له المرضعات، فلم يقبل أحداً من النساء، وجعل النساء يطلبن ذلك لينزلن عند فرعون في الرضاع، وأبى أن يأخذه فقالت أخته: هل أدلكم على أهل بيت يكفلونه لكم وهم له ناصحون. فأخذوها وقالوا لها: إنك قد عرفت هذا الغلام، فدلينا على أهله.
قالت: ما أعرفه ولكني إنما قلت: هم للملك ناصحون.
ومعنى: يكفله: يضمه إليه ويرضعه.
ورويَ أن موسى عليه السلام لما خرج من التابوت بكى وطلب اللبن فطلب له النساء، فلم يقبل أحداً، فشق ذلك على فرعون، واغتم له، وقلق، وجعل يبعث إلى كل مرضعة، ولم يقبل أحداً، فعند ذلك، جاءت أخت موسى ﷺ، فقالت: هل أدلكم على من يرضعه؟ فقيل لها: هاتها، فجاءت بأم موسى، فقبل ثديها، فطابت نفس فرعون ومضت به معها، آمنة عليه مما كانت تخافه، وذلك وعد الله لها، وقوله لها: ﴿إِنَّا رَآدُّوهُ إِلَيْكِ﴾ وهو قوله: ﴿فَرَجَعْنَاكَ إِلَىٰ أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها﴾ أي رددناك إلى أمك بعد أن كنت في أيدي آل فرعون كي تقرّ عينها، أي: تقرّ عينها بسلامتك من القتل والغرق، ولا تحزن عليك من الخوف ومن فرعون أن يقتلك.
قال ابن إسحاق: لما قالت أخت موسى ما قالت، قالوا: هاته، فأتت أمه فأخبرتها، فانطلقت معها حتى أتتهم فناولتها إياه فوضعه في حجرها، وأخذ ثدييها، فسّروا بذلك، وردّوه إلى أمه تكفله، لطفاً من الله لها، وصار موسى وأمه كأنهم من أهل بيت فرعون في الأمان من القتل وغيره. وكان على فراش فرعون وسريره متغذياً بما يتغذى به الملك. وهذا من بديع لطفه، لا إله إلا هو.
ويروى عن ابن عباس أنه قرأ: (تقِرِ) بكسر القاف، وهي لغة.
* *
ثم قال: ﴿وَقَتَلْتَ نَفْساً فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ ٱلْغَمِّ﴾.
يعني: قتله القبطي إذ استغاثه عليه الإسرائيلي: ﴿فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ ٱلْغَمِّ﴾ أي: من غمّك بقتلك النفس إذا أرادوا أن يقتلوك. فخلصناك منهم حين هربت إلى أهل مدين.
روى ابن عمر أن النبي ﷺ قال: إنما قتل موسى الذي قتل من آل فرعون خطأ
ثم قال: ﴿وَفَتَنَّاكَ فُتُوناً﴾ قال ابن عباس: معناه: اختبرناك اختباراً. وعنه ابتليناك ابتلاء.
وعن ابن عباس أيضاً: أنه إنجاؤه موسى من القوم. ومن اليم ومن الذبح حين أخذ بلحية فرعون، ومن القتل حين قتل القبطي.
وذكر ابن جبير عن ابن عباس حديثاً طويلاً في قصة موسى عليه السلام معناه: أن فرعون تذاكر هو وجلساؤه، ما وعد الله إبراهيم أن يجعل في ذريته أنبياء وملوكاً، فخافوا ذلك فأتمروا بينهم أن يذبح كل مولود ذكر من بني إسرائيل، فذبحوا كل من وجدوا، وتمادوا على ذلك، فقال بعضهم: يوشك أن يفنى بنو إسرائيل لذبحكم الصغار وموت الكبار بآجالهم فتبقون لمباشرة الأعمال والخدمة التي تكفيهم إياها بنو إسرائيل، فأجمعوا رأيهم على أن يقتلوا عاماً ويتركوا عاماً لئلا يفنى بنو إسرائيل، ولئلا يكثروا، فحملت أم موسى هارون في السنة التي لا يذبح فيها أحد فولدته علانية آمنة. وحملت بموسى في العام الثاني، وفيه الذبح، فوقع في قلبها الهم والحزن. قال ابن عباس: فذلك من الفتون مما دخل على موسى في بطن أمه. فأوحى الله تعالى ذكره إليها ألاّ تخافي ولا تحزني إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين. وأمرها إذا ولدته أن تجعله في تابوت، ثم تلقيه في اليم، ففعلت ذلك، ثم أتاها إبليس، فوسوس إليها، وقال: لو ذبح ولدك في بيتك لكنت توارينه وتسترينه كان أحب إليك مما ألقيته بيدك إلى حيتان البحر ودوابه، فانطلق به الماء حتى أوفى به عند فرضة مستقى جواري آل فرعون، فرأينه، فأخذنه، فهممن بفتح التابوت ثم خفن أن يكون في التابوت مال فلا يصدقن عليه ، فمررن به على حاله إلى امرأة فرعون، ففتحت التابوت، فإذا بغلام، فألقى الله عليه منها محبة لم يلق مثلها على أحد، وأصبح فؤاد أم موسى فارغاً من ذكر كل شيء إلا من ذكر موسى، فأتى الذباحون إلى امرأة فرعون ليذبحوه، فصرفتهم حتى تستوهبه من فرعون، فوهبها فرعون إياه، ومنعهم من ذلك. وذلك من الفتون.
وذكر ابن عباس، أنها لما أتت به إلى فرعون قالت: قرة عين لي ولك. قال فرعون: يكون لك، وأما أنا فلا حاجة لي فيه. فروي عن النبي ﷺ أنه قال: والذي حلف به، لو أقرّ فرعون أن يكون له قرة عين كما أقرت هي به لهداه الله به كما هدى به امرأته. ولكن الله تعالى حرمه ذلك
وروي أن امرأة فرعون كان لها جوار لا تشرب الماء إلا من استقائهن، فأتين يوماً إلى ساحل النيل ليأخذن الماء، فوجدن التابوت، فاتفقن على أن لا يفتحن التابوت، وأن يمضين به إلى مولاتهن على حاله، فذهبن به إلى امرأة فرعون ففتحته، فوجدت فيه صبياً لم تر مثله قط، فألقى الله في قلبها المحبة له، فأخذته ودخلت به على فرعون، وقالت له: قرة عين لي ولك فقال فرعون: أما لك فنعم، وأما لي، فلا.
قال النبي ﷺ: لو قال فرعون نعم هو قرة عين لي لآمن
فقالت له: فهبه لي، لا تقتله. فوهبه لها، فطلبت له المراضع فلم يقبل على ثدي امرأة، وكان من أمره ما قص الله علينا.
قال ابن عباس في حديث طويل معناه: أن امرأة فرعون طلبت له الرضاعة، فلم يقبل على ثدي أحد فغمّها ذلك حتى أخرجته إلى السوق تطلب له مرضعة، فأتت أخته فقالت: هل أدلكم على أهل بيت يكفلونه لكم وهم له ناصحون. فأخذوها وقالوا: ما نصحهم له؟ هل تعرفونه، فشكوا في ذلك.
قال ابن عباس: وذلك من الفتون. فقالت: نصحهم له وشفقتهم عليه رغبتهم في القرب من فرعون ورجاء منفعته، فتركوها، فانطلقت إلى أمه، فجاءت معها، فلما وضعته في حجرها ترامى إلى ثديها حتى امتلأ جنباه، وانطلقت البشرى إلى امرأة فرعون أن قد وجدنا لابنك مرضعة فوجهت وراءها، وجيء بها وبه فقالت لها: امكثي عندي ترضعين ابني هذا، فإني لم أحب حبه شيئاً قط، فأبت أم موسى وتعاسرت عليها في القيام عندها، وتذكرت ما وعدها الله من رده عليها، وأن الله منجز وعده، بابنها إلى بيتها من يومها، فأنبته الله نباتاً حسناً، فكان بنو إسرائيل يمتنعون من الظلم والسخرة بذمام موسى، فلما ترعرع قالت امرأة فرعون لأم موسى: أرني ولدي، فوعدتها بالإتيان به ليوم بعينه، فقالت امرأة فرعون لخواصها وقهارمتها: لا يبقين أحد منكم إلا استقبل ابني بهدية وكرامة، فلما أتت به أمه، لم تزل الهدية والكرامة والتحف تستقبله من حين خرج من بيت أمه إلى أن دخل على امرأة فرعون، فأكرمته هي أيضاً ونحلته وأعجبها ما رأت من حسن أثرها عليه، وانطلقت به إلى فرعون ليكرمه وينحله، فدخلت به عليه، وجعلته في حجره فتناول موسى لحية فرعون حتى مدها، فقال عدو من أعداء الله لفرعون: هذا من وعد الله إبراهيم أنه سيصرعك ويعلوك فأراد ذبحه. قال ابن عباس: وذلك من الفتون. فقالت امرأته: قد وهبته لي فما بدا لك منه. قال: ألا ترينه يزعم أنه سيصرعني ويعلوني. فقالت: اجعل بيني وبينك أمراً تعرف به الحق. ائت بجمرتين ولؤلؤتين، فقربهن إليه، فإن بطش باللؤلؤتين واجتنب الجمرتين فهو يعقل، وإن تناول الجمرتين ولم يرد اللؤلؤتين [فهو لا يعقل] ففعل ذلك، فتناول الجمرتين، فصرفه الله تعالى عن قتله، فأقام حتى بلغ مبلغ الرجال، وانتفع به بنو إسرائيل وامتنعوا به من السخرة والظلم. فبينما هو يمشي في ناحية من المدينة إذ هو برجلين يقتتلان، أحدهما من آل فرعون، والآخر من بني إسرائيل، فاستغاثه الإسرائيلي على الفرعوني. وقد ضرب الفرعوني الإسرائيلي، فغضب موسى واشتد غضبه لمعرفته لمنزلة الإسرائيلي وظلم الفرعوني له، فوكز موسى الفرعوني فقتله. ولم يرهما أحد إلا الله، فقال موسى ﷺ حين قتله: هذا من عمل الشيطان، ثم استغفر الله من قتله، فغفر له. وأصبح موسى خائفاً يستمع الأخبار، فبحث القوم عن قاتل الفرعوني فما وجدوا أحداً يخبر به. فمر موسى بذلك الإسرائيلي يقاتل رجلاً آخر فرعونياً، فاستغاثه أيضاً الإسرائيلي، فقال موسى للإسرائيلي: إنك لغوي مبين. ثم مد يده للفرعوني ليبطش به، فظن الإسرائيلي أنه إياه يريد، لما سمعه قال: إنك لغوي مبين. فقال: يا موسى، أتريد أن تقتلني كما قتلت نفساً بالأمس، فانطلق الفرعوني إلى قومه، فأخبرهم بما سمع من الإسرائيلي، فخرجوا في طلب موسى. وجاءه رجل من شيعة موسى من أقصى المدينة فاختصر طريقاً حتى سبقهم، فأنذر موسى، قال ابن عباس: وذلك من الفتون.
وقال الضحاك: ﴿وَفَتَنَّاكَ فُتُوناً﴾: أي: بلاء على بلاء.
وقال مجاهد: هو إلقاؤه في التابوت، ثم في اليم، ثم التقاط فرعون إياه، ثم خروجه خائفاً.
قوله تعالى ذكره: ﴿فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِيۤ أَهْلِ مَدْيَنَ﴾ إلى قوله: ﴿يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ﴾.
في الكلام حذف واختصار. والتقدير: وفتناك فتوناً، فخرجت خائفاً إلى مدين، فلبثت سنين فيهم.
قال: عشر سنين، كان فيهم في خدمة أجرة مهر زوجته.
* *
وقوله: ﴿ثُمَّ جِئْتَ عَلَىٰ قَدَرٍ يٰمُوسَىٰ﴾.
أي: جئت للوقت الذي أردنا إرسالك إلى فرعون فيه. هذا معنى قول ابن عباس ومجاهد وقتادة وغيرهم.
* *
ثم قال: ﴿وَٱصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾.
أي: قويتك لتبلغ عبادي أمري ونهيي.
وقيل معناه: أخبرتك لتبلغ رسالتي.
* *
ثم قال: ﴿ٱذْهَبْ أَنتَ وَأَخُوكَ بِآيَاتِي وَلاَ تَنِيَا فِي ذِكْرِي﴾.
أي: اذهبا بأدلتي وحججي ولا تفترا ولا تضعفا في أن تذكراني فيما أمرتكما ونهيتكما، فذكركما إياي يقوي عزيمتكما.
قال ابن عباس: "لا تنيا": لا تبطئا.
وقال مجاهد وقتادة والضحاك: لا تضعفا.
وقال ابن زيد: الوافي: الغافل المفرط.
* *
ثم قال: ﴿ٱذْهَبَآ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَىٰ﴾.
أي: تجاوز في الكفر. ﴿فَقُولاَ لَهُ قَوْلاً لَّيِّناً﴾. أي: كنياه. قاله مجاهد والسدي.
وعن السدي أنه قال: قال له موسى عليه السلام: هل لك أن يرد الله عليك شبابك، ويرد عليك مناكحك ومشاربك، وإذا مت دخلت الجنة؟ وتؤمن. فهذا هو القول اللين. فركن فرعون إليه وقال: مكانك حتى يأتي هامان.
وقيل: إن فرعون دخل إلى آسية فشاورها فيما قال له موسى. فقالت: ما ينبغي لأحد أن يرد هذا. فقال له هامان: أَتَعبْدُ بعدَما كنُتَ تُعْبَدْ، أنا أردك شاباً. فخضب لحيته بالسواد. فكان فرعون أول من خضب بالسواد. ودخل إلى آسية فقالت له: حسن إن لم ينصل.
وقيل: إن موسى عليه السلام قال له: إن ربنا أرسلنا إليك لتؤمن به وتعبده وتطيعه، فينسئ في أجلك أربع مائة سنة، ويملكك في أرضه ولا تبؤس ساعة من نهار، ثم تصير إلى الجنة، لا يضرك ما كنت فيه من نعيم الدنيا وسرورها ونضارتها جناح بعوضة. فقال فرعون: دعوني أستشير فاستشار هامان. فقال له: لا ترض. أبعد أن كنت مالكاً تصير مملوكاً. وبعد أن كنت رباً تصير مربوباً. فلم يؤمن لما سبق له في علم الله من الشقاء.
* *
وقوله: ﴿لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ﴾. قيل: معنى "لعل" هنا الاستفهام. والمعنى: فقولاً له قولاً لينا، فانظرا هل يتذكر فيراجع، أو يخشى الله فيرتدع عن طغيانه. قاله: ابن عباس.
وقيل: معنى "لعل" هنا: كي. أي: قولا له قولاً ليناً كي يتذكر. كما تقول: اعمل لعلك تأخذ أجرك. أي: كي تأخذ أجرك.
وقال الحسن: "لعله يتذكر" هو إخبار من الله عن قول هارون، وذلك أنه تعالى لما قال له: قولا له قولاً ليناً. قال هارون لموسى: لعله يتذكر أو يخشى.
وقيل: إن "لعل" على بابها، ترج وطمع من المرسلين. والتقدير عند سيبويه: اذهبا أنتما على رجائكما وطمعكما ومبلغكما من العلم أن يتذكر، وقد علم الله تعالى أنه لا يتذكر ولا يخشى إلا أن الحجة لا تجب إلا بالإبانة وخروج الفعل إلى الظاهر.
وقيل: إن "لعل" و "عسى" في القرآن لم يقعا إلا وقد كانا. فتذكر فرعون وخشيته قد كانت حين أدركه الغرق.
طه 20:43
قوله تعالى وجلّ ثناؤه: ﴿قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يٰمُوسَىٰ﴾ إلى قوله ﴿وَفَتَنَّاكَ فُتُوناً﴾.
أي: قد أعطيتك ما سألت من شرح صدرك وتيسير أمرك، وحل العقدة من لسانك، وتصيير أخيك هارون عوناً لك.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَىٰ﴾.
أي: تطولنا عليك قبل هذه المرة مرة أخرى، ثم بيَّن المرة الأخرى ما هي فقال: ﴿إِذْ أَوْحَيْنَآ إِلَىٰ أُمِّكَ﴾ أي: إذا ألهمنا أمك.
وقيل: كانت رؤيا رأتها.
وقيل: بل أوحى إليها ما شاء.
وقال ابن إسحاق: لما ولدت أم موسى موسى ﷺ، أرضعته حتى إذا أمر فرعون بقتل من ولد سنته تلك، عمدت إليه، فصنعت به ما أمرها الله تبارك وتعالى.
روي أنها رؤيا رأتها، ففعلت ما أمرت به في رؤياها. وكان فرعون يذبح ذكور أولاد بني إسرائيل لأجل أنه بلغه أنه سيكون زوال ملكه وهلاكه على يدي واحد من أولاد بني إسرائيل فخافت أم موسى من فرعون على ولدها. فأراها الله ما أمرها به في منامها، فجعلته في تابوت صغير، ومهدت له فيه، ثم عمدت إلى النيل فقذفته فيه، وهو اليم، فأصبح فرعون في مجلس له كان يجلسه على شفير النيل كل غداة، فبينما هو جالس، إذ مرّ النيل بالتابوت فقذف به، وآسية بنت مزاحم امرأته جالسة إلى جنبه. فقال: إن هذا لشيء [عجيب] في البحر، فآتوني به، فخرج إليه أعوانه حتى جاءوا به ففتح التابوت، فإذا فيه صبي في مهد، فألقى الله عز وجل عليه محبته فعطف عليه نفسه. فهو قوله: ﴿أَنِ ٱقْذِفِيهِ فِي ٱلتَّابُوتِ فَٱقْذِفِيهِ فِي ٱلْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ ٱلْيَمُّ بِٱلسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِّي وَعَدُوٌّ لَّهُ﴾. يعني فرعون.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي﴾. أي: حببتك إلى عبادي.
وقال عكرمة معناه: إني حسنت خلقك، أي: جعلت لك حسناً وملاحة.
وقيل معناه: حببتك إلى [كلِّ] من رآك.
وقيل: إن الله جلّ ذكره جعل في موسى عليه السلام ملاحة، فكان لا يراه أحد إلا أحبه واستحلاه ومال قلبه إليه.
وذكر ابن الإعرابي عن قتادة في قوله: ﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي﴾. قال: ملاحة في عينيك، لا يراك أحد إلا أحبك.
وعن عكرمة أنه قال: حسن وملاحة.
وقيل معناه: جبلت القلوب على محبتك، اختصاصاً لك.
وقال مجاهد: مودة في قلوب المؤمنين.
* *
ثم قال: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَىٰ عَيْنِيۤ﴾ أي: ولتغذى على عيني، قاله قتادة.
وقال ابن زيد: معناه: إني جعلتك في بيت الملك تنعم وتترف غذاؤه عندهم غذاء الملك.
وقال ابن زيد. معناه: وأنت بعيني إذ جعلتك أمك في التابوت ثم في البحر ثم إذ تمشي أختك.
و "اللام" في "ولتصنع" متعلقة بـ "ألقيت" أي: ألقى المحبة لتصنع.
ثم قال: ﴿إِذْ تَمْشِيۤ أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَىٰ مَن يَكْفُلُهُ﴾.
أي: ولتصنع على عيني حين تمشي أختك.
وفي الكلام حذف. والتقدير: إذ تمشي أختك تتبعك حتى وجدتك ثم يأتي من يطلب المراضع لك فتقول: هل أدلكم على من يكفله؟
قال السدي: لما ألقته أمه في اليم، قالت لأخته: قصيه، فلما التقطه آل فرعون، أرادوا له المرضعات، فلم يقبل أحداً من النساء، وجعل النساء يطلبن ذلك لينزلن عند فرعون في الرضاع، وأبى أن يأخذه فقالت أخته: هل أدلكم على أهل بيت يكفلونه لكم وهم له ناصحون. فأخذوها وقالوا لها: إنك قد عرفت هذا الغلام، فدلينا على أهله.
قالت: ما أعرفه ولكني إنما قلت: هم للملك ناصحون.
ومعنى: يكفله: يضمه إليه ويرضعه.
ورويَ أن موسى عليه السلام لما خرج من التابوت بكى وطلب اللبن فطلب له النساء، فلم يقبل أحداً، فشق ذلك على فرعون، واغتم له، وقلق، وجعل يبعث إلى كل مرضعة، ولم يقبل أحداً، فعند ذلك، جاءت أخت موسى ﷺ، فقالت: هل أدلكم على من يرضعه؟ فقيل لها: هاتها، فجاءت بأم موسى، فقبل ثديها، فطابت نفس فرعون ومضت به معها، آمنة عليه مما كانت تخافه، وذلك وعد الله لها، وقوله لها: ﴿إِنَّا رَآدُّوهُ إِلَيْكِ﴾ وهو قوله: ﴿فَرَجَعْنَاكَ إِلَىٰ أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها﴾ أي رددناك إلى أمك بعد أن كنت في أيدي آل فرعون كي تقرّ عينها، أي: تقرّ عينها بسلامتك من القتل والغرق، ولا تحزن عليك من الخوف ومن فرعون أن يقتلك.
قال ابن إسحاق: لما قالت أخت موسى ما قالت، قالوا: هاته، فأتت أمه فأخبرتها، فانطلقت معها حتى أتتهم فناولتها إياه فوضعه في حجرها، وأخذ ثدييها، فسّروا بذلك، وردّوه إلى أمه تكفله، لطفاً من الله لها، وصار موسى وأمه كأنهم من أهل بيت فرعون في الأمان من القتل وغيره. وكان على فراش فرعون وسريره متغذياً بما يتغذى به الملك. وهذا من بديع لطفه، لا إله إلا هو.
ويروى عن ابن عباس أنه قرأ: (تقِرِ) بكسر القاف، وهي لغة.
* *
ثم قال: ﴿وَقَتَلْتَ نَفْساً فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ ٱلْغَمِّ﴾.
يعني: قتله القبطي إذ استغاثه عليه الإسرائيلي: ﴿فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ ٱلْغَمِّ﴾ أي: من غمّك بقتلك النفس إذا أرادوا أن يقتلوك. فخلصناك منهم حين هربت إلى أهل مدين.
روى ابن عمر أن النبي ﷺ قال: إنما قتل موسى الذي قتل من آل فرعون خطأ
ثم قال: ﴿وَفَتَنَّاكَ فُتُوناً﴾ قال ابن عباس: معناه: اختبرناك اختباراً. وعنه ابتليناك ابتلاء.
وعن ابن عباس أيضاً: أنه إنجاؤه موسى من القوم. ومن اليم ومن الذبح حين أخذ بلحية فرعون، ومن القتل حين قتل القبطي.
وذكر ابن جبير عن ابن عباس حديثاً طويلاً في قصة موسى عليه السلام معناه: أن فرعون تذاكر هو وجلساؤه، ما وعد الله إبراهيم أن يجعل في ذريته أنبياء وملوكاً، فخافوا ذلك فأتمروا بينهم أن يذبح كل مولود ذكر من بني إسرائيل، فذبحوا كل من وجدوا، وتمادوا على ذلك، فقال بعضهم: يوشك أن يفنى بنو إسرائيل لذبحكم الصغار وموت الكبار بآجالهم فتبقون لمباشرة الأعمال والخدمة التي تكفيهم إياها بنو إسرائيل، فأجمعوا رأيهم على أن يقتلوا عاماً ويتركوا عاماً لئلا يفنى بنو إسرائيل، ولئلا يكثروا، فحملت أم موسى هارون في السنة التي لا يذبح فيها أحد فولدته علانية آمنة. وحملت بموسى في العام الثاني، وفيه الذبح، فوقع في قلبها الهم والحزن. قال ابن عباس: فذلك من الفتون مما دخل على موسى في بطن أمه. فأوحى الله تعالى ذكره إليها ألاّ تخافي ولا تحزني إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين. وأمرها إذا ولدته أن تجعله في تابوت، ثم تلقيه في اليم، ففعلت ذلك، ثم أتاها إبليس، فوسوس إليها، وقال: لو ذبح ولدك في بيتك لكنت توارينه وتسترينه كان أحب إليك مما ألقيته بيدك إلى حيتان البحر ودوابه، فانطلق به الماء حتى أوفى به عند فرضة مستقى جواري آل فرعون، فرأينه، فأخذنه، فهممن بفتح التابوت ثم خفن أن يكون في التابوت مال فلا يصدقن عليه ، فمررن به على حاله إلى امرأة فرعون، ففتحت التابوت، فإذا بغلام، فألقى الله عليه منها محبة لم يلق مثلها على أحد، وأصبح فؤاد أم موسى فارغاً من ذكر كل شيء إلا من ذكر موسى، فأتى الذباحون إلى امرأة فرعون ليذبحوه، فصرفتهم حتى تستوهبه من فرعون، فوهبها فرعون إياه، ومنعهم من ذلك. وذلك من الفتون.
وذكر ابن عباس، أنها لما أتت به إلى فرعون قالت: قرة عين لي ولك. قال فرعون: يكون لك، وأما أنا فلا حاجة لي فيه. فروي عن النبي ﷺ أنه قال: والذي حلف به، لو أقرّ فرعون أن يكون له قرة عين كما أقرت هي به لهداه الله به كما هدى به امرأته. ولكن الله تعالى حرمه ذلك
وروي أن امرأة فرعون كان لها جوار لا تشرب الماء إلا من استقائهن، فأتين يوماً إلى ساحل النيل ليأخذن الماء، فوجدن التابوت، فاتفقن على أن لا يفتحن التابوت، وأن يمضين به إلى مولاتهن على حاله، فذهبن به إلى امرأة فرعون ففتحته، فوجدت فيه صبياً لم تر مثله قط، فألقى الله في قلبها المحبة له، فأخذته ودخلت به على فرعون، وقالت له: قرة عين لي ولك فقال فرعون: أما لك فنعم، وأما لي، فلا.
قال النبي ﷺ: لو قال فرعون نعم هو قرة عين لي لآمن
فقالت له: فهبه لي، لا تقتله. فوهبه لها، فطلبت له المراضع فلم يقبل على ثدي امرأة، وكان من أمره ما قص الله علينا.
قال ابن عباس في حديث طويل معناه: أن امرأة فرعون طلبت له الرضاعة، فلم يقبل على ثدي أحد فغمّها ذلك حتى أخرجته إلى السوق تطلب له مرضعة، فأتت أخته فقالت: هل أدلكم على أهل بيت يكفلونه لكم وهم له ناصحون. فأخذوها وقالوا: ما نصحهم له؟ هل تعرفونه، فشكوا في ذلك.
قال ابن عباس: وذلك من الفتون. فقالت: نصحهم له وشفقتهم عليه رغبتهم في القرب من فرعون ورجاء منفعته، فتركوها، فانطلقت إلى أمه، فجاءت معها، فلما وضعته في حجرها ترامى إلى ثديها حتى امتلأ جنباه، وانطلقت البشرى إلى امرأة فرعون أن قد وجدنا لابنك مرضعة فوجهت وراءها، وجيء بها وبه فقالت لها: امكثي عندي ترضعين ابني هذا، فإني لم أحب حبه شيئاً قط، فأبت أم موسى وتعاسرت عليها في القيام عندها، وتذكرت ما وعدها الله من رده عليها، وأن الله منجز وعده، بابنها إلى بيتها من يومها، فأنبته الله نباتاً حسناً، فكان بنو إسرائيل يمتنعون من الظلم والسخرة بذمام موسى، فلما ترعرع قالت امرأة فرعون لأم موسى: أرني ولدي، فوعدتها بالإتيان به ليوم بعينه، فقالت امرأة فرعون لخواصها وقهارمتها: لا يبقين أحد منكم إلا استقبل ابني بهدية وكرامة، فلما أتت به أمه، لم تزل الهدية والكرامة والتحف تستقبله من حين خرج من بيت أمه إلى أن دخل على امرأة فرعون، فأكرمته هي أيضاً ونحلته وأعجبها ما رأت من حسن أثرها عليه، وانطلقت به إلى فرعون ليكرمه وينحله، فدخلت به عليه، وجعلته في حجره فتناول موسى لحية فرعون حتى مدها، فقال عدو من أعداء الله لفرعون: هذا من وعد الله إبراهيم أنه سيصرعك ويعلوك فأراد ذبحه. قال ابن عباس: وذلك من الفتون. فقالت امرأته: قد وهبته لي فما بدا لك منه. قال: ألا ترينه يزعم أنه سيصرعني ويعلوني. فقالت: اجعل بيني وبينك أمراً تعرف به الحق. ائت بجمرتين ولؤلؤتين، فقربهن إليه، فإن بطش باللؤلؤتين واجتنب الجمرتين فهو يعقل، وإن تناول الجمرتين ولم يرد اللؤلؤتين [فهو لا يعقل] ففعل ذلك، فتناول الجمرتين، فصرفه الله تعالى عن قتله، فأقام حتى بلغ مبلغ الرجال، وانتفع به بنو إسرائيل وامتنعوا به من السخرة والظلم. فبينما هو يمشي في ناحية من المدينة إذ هو برجلين يقتتلان، أحدهما من آل فرعون، والآخر من بني إسرائيل، فاستغاثه الإسرائيلي على الفرعوني. وقد ضرب الفرعوني الإسرائيلي، فغضب موسى واشتد غضبه لمعرفته لمنزلة الإسرائيلي وظلم الفرعوني له، فوكز موسى الفرعوني فقتله. ولم يرهما أحد إلا الله، فقال موسى ﷺ حين قتله: هذا من عمل الشيطان، ثم استغفر الله من قتله، فغفر له. وأصبح موسى خائفاً يستمع الأخبار، فبحث القوم عن قاتل الفرعوني فما وجدوا أحداً يخبر به. فمر موسى بذلك الإسرائيلي يقاتل رجلاً آخر فرعونياً، فاستغاثه أيضاً الإسرائيلي، فقال موسى للإسرائيلي: إنك لغوي مبين. ثم مد يده للفرعوني ليبطش به، فظن الإسرائيلي أنه إياه يريد، لما سمعه قال: إنك لغوي مبين. فقال: يا موسى، أتريد أن تقتلني كما قتلت نفساً بالأمس، فانطلق الفرعوني إلى قومه، فأخبرهم بما سمع من الإسرائيلي، فخرجوا في طلب موسى. وجاءه رجل من شيعة موسى من أقصى المدينة فاختصر طريقاً حتى سبقهم، فأنذر موسى، قال ابن عباس: وذلك من الفتون.
وقال الضحاك: ﴿وَفَتَنَّاكَ فُتُوناً﴾: أي: بلاء على بلاء.
وقال مجاهد: هو إلقاؤه في التابوت، ثم في اليم، ثم التقاط فرعون إياه، ثم خروجه خائفاً.
قوله تعالى ذكره: ﴿فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِيۤ أَهْلِ مَدْيَنَ﴾ إلى قوله: ﴿يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ﴾.
في الكلام حذف واختصار. والتقدير: وفتناك فتوناً، فخرجت خائفاً إلى مدين، فلبثت سنين فيهم.
قال: عشر سنين، كان فيهم في خدمة أجرة مهر زوجته.
* *
وقوله: ﴿ثُمَّ جِئْتَ عَلَىٰ قَدَرٍ يٰمُوسَىٰ﴾.
أي: جئت للوقت الذي أردنا إرسالك إلى فرعون فيه. هذا معنى قول ابن عباس ومجاهد وقتادة وغيرهم.
* *
ثم قال: ﴿وَٱصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾.
أي: قويتك لتبلغ عبادي أمري ونهيي.
وقيل معناه: أخبرتك لتبلغ رسالتي.
* *
ثم قال: ﴿ٱذْهَبْ أَنتَ وَأَخُوكَ بِآيَاتِي وَلاَ تَنِيَا فِي ذِكْرِي﴾.
أي: اذهبا بأدلتي وحججي ولا تفترا ولا تضعفا في أن تذكراني فيما أمرتكما ونهيتكما، فذكركما إياي يقوي عزيمتكما.
قال ابن عباس: "لا تنيا": لا تبطئا.
وقال مجاهد وقتادة والضحاك: لا تضعفا.
وقال ابن زيد: الوافي: الغافل المفرط.
* *
ثم قال: ﴿ٱذْهَبَآ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَىٰ﴾.
أي: تجاوز في الكفر. ﴿فَقُولاَ لَهُ قَوْلاً لَّيِّناً﴾. أي: كنياه. قاله مجاهد والسدي.
وعن السدي أنه قال: قال له موسى عليه السلام: هل لك أن يرد الله عليك شبابك، ويرد عليك مناكحك ومشاربك، وإذا مت دخلت الجنة؟ وتؤمن. فهذا هو القول اللين. فركن فرعون إليه وقال: مكانك حتى يأتي هامان.
وقيل: إن فرعون دخل إلى آسية فشاورها فيما قال له موسى. فقالت: ما ينبغي لأحد أن يرد هذا. فقال له هامان: أَتَعبْدُ بعدَما كنُتَ تُعْبَدْ، أنا أردك شاباً. فخضب لحيته بالسواد. فكان فرعون أول من خضب بالسواد. ودخل إلى آسية فقالت له: حسن إن لم ينصل.
وقيل: إن موسى عليه السلام قال له: إن ربنا أرسلنا إليك لتؤمن به وتعبده وتطيعه، فينسئ في أجلك أربع مائة سنة، ويملكك في أرضه ولا تبؤس ساعة من نهار، ثم تصير إلى الجنة، لا يضرك ما كنت فيه من نعيم الدنيا وسرورها ونضارتها جناح بعوضة. فقال فرعون: دعوني أستشير فاستشار هامان. فقال له: لا ترض. أبعد أن كنت مالكاً تصير مملوكاً. وبعد أن كنت رباً تصير مربوباً. فلم يؤمن لما سبق له في علم الله من الشقاء.
* *
وقوله: ﴿لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ﴾. قيل: معنى "لعل" هنا الاستفهام. والمعنى: فقولاً له قولاً لينا، فانظرا هل يتذكر فيراجع، أو يخشى الله فيرتدع عن طغيانه. قاله: ابن عباس.
وقيل: معنى "لعل" هنا: كي. أي: قولا له قولاً ليناً كي يتذكر. كما تقول: اعمل لعلك تأخذ أجرك. أي: كي تأخذ أجرك.
وقال الحسن: "لعله يتذكر" هو إخبار من الله عن قول هارون، وذلك أنه تعالى لما قال له: قولا له قولاً ليناً. قال هارون لموسى: لعله يتذكر أو يخشى.
وقيل: إن "لعل" على بابها، ترج وطمع من المرسلين. والتقدير عند سيبويه: اذهبا أنتما على رجائكما وطمعكما ومبلغكما من العلم أن يتذكر، وقد علم الله تعالى أنه لا يتذكر ولا يخشى إلا أن الحجة لا تجب إلا بالإبانة وخروج الفعل إلى الظاهر.
وقيل: إن "لعل" و "عسى" في القرآن لم يقعا إلا وقد كانا. فتذكر فرعون وخشيته قد كانت حين أدركه الغرق.
طه 20:44
قوله تعالى وجلّ ثناؤه: ﴿قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يٰمُوسَىٰ﴾ إلى قوله ﴿وَفَتَنَّاكَ فُتُوناً﴾.
أي: قد أعطيتك ما سألت من شرح صدرك وتيسير أمرك، وحل العقدة من لسانك، وتصيير أخيك هارون عوناً لك.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَىٰ﴾.
أي: تطولنا عليك قبل هذه المرة مرة أخرى، ثم بيَّن المرة الأخرى ما هي فقال: ﴿إِذْ أَوْحَيْنَآ إِلَىٰ أُمِّكَ﴾ أي: إذا ألهمنا أمك.
وقيل: كانت رؤيا رأتها.
وقيل: بل أوحى إليها ما شاء.
وقال ابن إسحاق: لما ولدت أم موسى موسى ﷺ، أرضعته حتى إذا أمر فرعون بقتل من ولد سنته تلك، عمدت إليه، فصنعت به ما أمرها الله تبارك وتعالى.
روي أنها رؤيا رأتها، ففعلت ما أمرت به في رؤياها. وكان فرعون يذبح ذكور أولاد بني إسرائيل لأجل أنه بلغه أنه سيكون زوال ملكه وهلاكه على يدي واحد من أولاد بني إسرائيل فخافت أم موسى من فرعون على ولدها. فأراها الله ما أمرها به في منامها، فجعلته في تابوت صغير، ومهدت له فيه، ثم عمدت إلى النيل فقذفته فيه، وهو اليم، فأصبح فرعون في مجلس له كان يجلسه على شفير النيل كل غداة، فبينما هو جالس، إذ مرّ النيل بالتابوت فقذف به، وآسية بنت مزاحم امرأته جالسة إلى جنبه. فقال: إن هذا لشيء [عجيب] في البحر، فآتوني به، فخرج إليه أعوانه حتى جاءوا به ففتح التابوت، فإذا فيه صبي في مهد، فألقى الله عز وجل عليه محبته فعطف عليه نفسه. فهو قوله: ﴿أَنِ ٱقْذِفِيهِ فِي ٱلتَّابُوتِ فَٱقْذِفِيهِ فِي ٱلْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ ٱلْيَمُّ بِٱلسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِّي وَعَدُوٌّ لَّهُ﴾. يعني فرعون.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي﴾. أي: حببتك إلى عبادي.
وقال عكرمة معناه: إني حسنت خلقك، أي: جعلت لك حسناً وملاحة.
وقيل معناه: حببتك إلى [كلِّ] من رآك.
وقيل: إن الله جلّ ذكره جعل في موسى عليه السلام ملاحة، فكان لا يراه أحد إلا أحبه واستحلاه ومال قلبه إليه.
وذكر ابن الإعرابي عن قتادة في قوله: ﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي﴾. قال: ملاحة في عينيك، لا يراك أحد إلا أحبك.
وعن عكرمة أنه قال: حسن وملاحة.
وقيل معناه: جبلت القلوب على محبتك، اختصاصاً لك.
وقال مجاهد: مودة في قلوب المؤمنين.
* *
ثم قال: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَىٰ عَيْنِيۤ﴾ أي: ولتغذى على عيني، قاله قتادة.
وقال ابن زيد: معناه: إني جعلتك في بيت الملك تنعم وتترف غذاؤه عندهم غذاء الملك.
وقال ابن زيد. معناه: وأنت بعيني إذ جعلتك أمك في التابوت ثم في البحر ثم إذ تمشي أختك.
و "اللام" في "ولتصنع" متعلقة بـ "ألقيت" أي: ألقى المحبة لتصنع.
ثم قال: ﴿إِذْ تَمْشِيۤ أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَىٰ مَن يَكْفُلُهُ﴾.
أي: ولتصنع على عيني حين تمشي أختك.
وفي الكلام حذف. والتقدير: إذ تمشي أختك تتبعك حتى وجدتك ثم يأتي من يطلب المراضع لك فتقول: هل أدلكم على من يكفله؟
قال السدي: لما ألقته أمه في اليم، قالت لأخته: قصيه، فلما التقطه آل فرعون، أرادوا له المرضعات، فلم يقبل أحداً من النساء، وجعل النساء يطلبن ذلك لينزلن عند فرعون في الرضاع، وأبى أن يأخذه فقالت أخته: هل أدلكم على أهل بيت يكفلونه لكم وهم له ناصحون. فأخذوها وقالوا لها: إنك قد عرفت هذا الغلام، فدلينا على أهله.
قالت: ما أعرفه ولكني إنما قلت: هم للملك ناصحون.
ومعنى: يكفله: يضمه إليه ويرضعه.
ورويَ أن موسى عليه السلام لما خرج من التابوت بكى وطلب اللبن فطلب له النساء، فلم يقبل أحداً، فشق ذلك على فرعون، واغتم له، وقلق، وجعل يبعث إلى كل مرضعة، ولم يقبل أحداً، فعند ذلك، جاءت أخت موسى ﷺ، فقالت: هل أدلكم على من يرضعه؟ فقيل لها: هاتها، فجاءت بأم موسى، فقبل ثديها، فطابت نفس فرعون ومضت به معها، آمنة عليه مما كانت تخافه، وذلك وعد الله لها، وقوله لها: ﴿إِنَّا رَآدُّوهُ إِلَيْكِ﴾ وهو قوله: ﴿فَرَجَعْنَاكَ إِلَىٰ أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها﴾ أي رددناك إلى أمك بعد أن كنت في أيدي آل فرعون كي تقرّ عينها، أي: تقرّ عينها بسلامتك من القتل والغرق، ولا تحزن عليك من الخوف ومن فرعون أن يقتلك.
قال ابن إسحاق: لما قالت أخت موسى ما قالت، قالوا: هاته، فأتت أمه فأخبرتها، فانطلقت معها حتى أتتهم فناولتها إياه فوضعه في حجرها، وأخذ ثدييها، فسّروا بذلك، وردّوه إلى أمه تكفله، لطفاً من الله لها، وصار موسى وأمه كأنهم من أهل بيت فرعون في الأمان من القتل وغيره. وكان على فراش فرعون وسريره متغذياً بما يتغذى به الملك. وهذا من بديع لطفه، لا إله إلا هو.
ويروى عن ابن عباس أنه قرأ: (تقِرِ) بكسر القاف، وهي لغة.
* *
ثم قال: ﴿وَقَتَلْتَ نَفْساً فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ ٱلْغَمِّ﴾.
يعني: قتله القبطي إذ استغاثه عليه الإسرائيلي: ﴿فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ ٱلْغَمِّ﴾ أي: من غمّك بقتلك النفس إذا أرادوا أن يقتلوك. فخلصناك منهم حين هربت إلى أهل مدين.
روى ابن عمر أن النبي ﷺ قال: إنما قتل موسى الذي قتل من آل فرعون خطأ
ثم قال: ﴿وَفَتَنَّاكَ فُتُوناً﴾ قال ابن عباس: معناه: اختبرناك اختباراً. وعنه ابتليناك ابتلاء.
وعن ابن عباس أيضاً: أنه إنجاؤه موسى من القوم. ومن اليم ومن الذبح حين أخذ بلحية فرعون، ومن القتل حين قتل القبطي.
وذكر ابن جبير عن ابن عباس حديثاً طويلاً في قصة موسى عليه السلام معناه: أن فرعون تذاكر هو وجلساؤه، ما وعد الله إبراهيم أن يجعل في ذريته أنبياء وملوكاً، فخافوا ذلك فأتمروا بينهم أن يذبح كل مولود ذكر من بني إسرائيل، فذبحوا كل من وجدوا، وتمادوا على ذلك، فقال بعضهم: يوشك أن يفنى بنو إسرائيل لذبحكم الصغار وموت الكبار بآجالهم فتبقون لمباشرة الأعمال والخدمة التي تكفيهم إياها بنو إسرائيل، فأجمعوا رأيهم على أن يقتلوا عاماً ويتركوا عاماً لئلا يفنى بنو إسرائيل، ولئلا يكثروا، فحملت أم موسى هارون في السنة التي لا يذبح فيها أحد فولدته علانية آمنة. وحملت بموسى في العام الثاني، وفيه الذبح، فوقع في قلبها الهم والحزن. قال ابن عباس: فذلك من الفتون مما دخل على موسى في بطن أمه. فأوحى الله تعالى ذكره إليها ألاّ تخافي ولا تحزني إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين. وأمرها إذا ولدته أن تجعله في تابوت، ثم تلقيه في اليم، ففعلت ذلك، ثم أتاها إبليس، فوسوس إليها، وقال: لو ذبح ولدك في بيتك لكنت توارينه وتسترينه كان أحب إليك مما ألقيته بيدك إلى حيتان البحر ودوابه، فانطلق به الماء حتى أوفى به عند فرضة مستقى جواري آل فرعون، فرأينه، فأخذنه، فهممن بفتح التابوت ثم خفن أن يكون في التابوت مال فلا يصدقن عليه ، فمررن به على حاله إلى امرأة فرعون، ففتحت التابوت، فإذا بغلام، فألقى الله عليه منها محبة لم يلق مثلها على أحد، وأصبح فؤاد أم موسى فارغاً من ذكر كل شيء إلا من ذكر موسى، فأتى الذباحون إلى امرأة فرعون ليذبحوه، فصرفتهم حتى تستوهبه من فرعون، فوهبها فرعون إياه، ومنعهم من ذلك. وذلك من الفتون.
وذكر ابن عباس، أنها لما أتت به إلى فرعون قالت: قرة عين لي ولك. قال فرعون: يكون لك، وأما أنا فلا حاجة لي فيه. فروي عن النبي ﷺ أنه قال: والذي حلف به، لو أقرّ فرعون أن يكون له قرة عين كما أقرت هي به لهداه الله به كما هدى به امرأته. ولكن الله تعالى حرمه ذلك
وروي أن امرأة فرعون كان لها جوار لا تشرب الماء إلا من استقائهن، فأتين يوماً إلى ساحل النيل ليأخذن الماء، فوجدن التابوت، فاتفقن على أن لا يفتحن التابوت، وأن يمضين به إلى مولاتهن على حاله، فذهبن به إلى امرأة فرعون ففتحته، فوجدت فيه صبياً لم تر مثله قط، فألقى الله في قلبها المحبة له، فأخذته ودخلت به على فرعون، وقالت له: قرة عين لي ولك فقال فرعون: أما لك فنعم، وأما لي، فلا.
قال النبي ﷺ: لو قال فرعون نعم هو قرة عين لي لآمن
فقالت له: فهبه لي، لا تقتله. فوهبه لها، فطلبت له المراضع فلم يقبل على ثدي امرأة، وكان من أمره ما قص الله علينا.
قال ابن عباس في حديث طويل معناه: أن امرأة فرعون طلبت له الرضاعة، فلم يقبل على ثدي أحد فغمّها ذلك حتى أخرجته إلى السوق تطلب له مرضعة، فأتت أخته فقالت: هل أدلكم على أهل بيت يكفلونه لكم وهم له ناصحون. فأخذوها وقالوا: ما نصحهم له؟ هل تعرفونه، فشكوا في ذلك.
قال ابن عباس: وذلك من الفتون. فقالت: نصحهم له وشفقتهم عليه رغبتهم في القرب من فرعون ورجاء منفعته، فتركوها، فانطلقت إلى أمه، فجاءت معها، فلما وضعته في حجرها ترامى إلى ثديها حتى امتلأ جنباه، وانطلقت البشرى إلى امرأة فرعون أن قد وجدنا لابنك مرضعة فوجهت وراءها، وجيء بها وبه فقالت لها: امكثي عندي ترضعين ابني هذا، فإني لم أحب حبه شيئاً قط، فأبت أم موسى وتعاسرت عليها في القيام عندها، وتذكرت ما وعدها الله من رده عليها، وأن الله منجز وعده، بابنها إلى بيتها من يومها، فأنبته الله نباتاً حسناً، فكان بنو إسرائيل يمتنعون من الظلم والسخرة بذمام موسى، فلما ترعرع قالت امرأة فرعون لأم موسى: أرني ولدي، فوعدتها بالإتيان به ليوم بعينه، فقالت امرأة فرعون لخواصها وقهارمتها: لا يبقين أحد منكم إلا استقبل ابني بهدية وكرامة، فلما أتت به أمه، لم تزل الهدية والكرامة والتحف تستقبله من حين خرج من بيت أمه إلى أن دخل على امرأة فرعون، فأكرمته هي أيضاً ونحلته وأعجبها ما رأت من حسن أثرها عليه، وانطلقت به إلى فرعون ليكرمه وينحله، فدخلت به عليه، وجعلته في حجره فتناول موسى لحية فرعون حتى مدها، فقال عدو من أعداء الله لفرعون: هذا من وعد الله إبراهيم أنه سيصرعك ويعلوك فأراد ذبحه. قال ابن عباس: وذلك من الفتون. فقالت امرأته: قد وهبته لي فما بدا لك منه. قال: ألا ترينه يزعم أنه سيصرعني ويعلوني. فقالت: اجعل بيني وبينك أمراً تعرف به الحق. ائت بجمرتين ولؤلؤتين، فقربهن إليه، فإن بطش باللؤلؤتين واجتنب الجمرتين فهو يعقل، وإن تناول الجمرتين ولم يرد اللؤلؤتين [فهو لا يعقل] ففعل ذلك، فتناول الجمرتين، فصرفه الله تعالى عن قتله، فأقام حتى بلغ مبلغ الرجال، وانتفع به بنو إسرائيل وامتنعوا به من السخرة والظلم. فبينما هو يمشي في ناحية من المدينة إذ هو برجلين يقتتلان، أحدهما من آل فرعون، والآخر من بني إسرائيل، فاستغاثه الإسرائيلي على الفرعوني. وقد ضرب الفرعوني الإسرائيلي، فغضب موسى واشتد غضبه لمعرفته لمنزلة الإسرائيلي وظلم الفرعوني له، فوكز موسى الفرعوني فقتله. ولم يرهما أحد إلا الله، فقال موسى ﷺ حين قتله: هذا من عمل الشيطان، ثم استغفر الله من قتله، فغفر له. وأصبح موسى خائفاً يستمع الأخبار، فبحث القوم عن قاتل الفرعوني فما وجدوا أحداً يخبر به. فمر موسى بذلك الإسرائيلي يقاتل رجلاً آخر فرعونياً، فاستغاثه أيضاً الإسرائيلي، فقال موسى للإسرائيلي: إنك لغوي مبين. ثم مد يده للفرعوني ليبطش به، فظن الإسرائيلي أنه إياه يريد، لما سمعه قال: إنك لغوي مبين. فقال: يا موسى، أتريد أن تقتلني كما قتلت نفساً بالأمس، فانطلق الفرعوني إلى قومه، فأخبرهم بما سمع من الإسرائيلي، فخرجوا في طلب موسى. وجاءه رجل من شيعة موسى من أقصى المدينة فاختصر طريقاً حتى سبقهم، فأنذر موسى، قال ابن عباس: وذلك من الفتون.
وقال الضحاك: ﴿وَفَتَنَّاكَ فُتُوناً﴾: أي: بلاء على بلاء.
وقال مجاهد: هو إلقاؤه في التابوت، ثم في اليم، ثم التقاط فرعون إياه، ثم خروجه خائفاً.
قوله تعالى ذكره: ﴿فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِيۤ أَهْلِ مَدْيَنَ﴾ إلى قوله: ﴿يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ﴾.
في الكلام حذف واختصار. والتقدير: وفتناك فتوناً، فخرجت خائفاً إلى مدين، فلبثت سنين فيهم.
قال: عشر سنين، كان فيهم في خدمة أجرة مهر زوجته.
* *
وقوله: ﴿ثُمَّ جِئْتَ عَلَىٰ قَدَرٍ يٰمُوسَىٰ﴾.
أي: جئت للوقت الذي أردنا إرسالك إلى فرعون فيه. هذا معنى قول ابن عباس ومجاهد وقتادة وغيرهم.
* *
ثم قال: ﴿وَٱصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾.
أي: قويتك لتبلغ عبادي أمري ونهيي.
وقيل معناه: أخبرتك لتبلغ رسالتي.
* *
ثم قال: ﴿ٱذْهَبْ أَنتَ وَأَخُوكَ بِآيَاتِي وَلاَ تَنِيَا فِي ذِكْرِي﴾.
أي: اذهبا بأدلتي وحججي ولا تفترا ولا تضعفا في أن تذكراني فيما أمرتكما ونهيتكما، فذكركما إياي يقوي عزيمتكما.
قال ابن عباس: "لا تنيا": لا تبطئا.
وقال مجاهد وقتادة والضحاك: لا تضعفا.
وقال ابن زيد: الوافي: الغافل المفرط.
* *
ثم قال: ﴿ٱذْهَبَآ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَىٰ﴾.
أي: تجاوز في الكفر. ﴿فَقُولاَ لَهُ قَوْلاً لَّيِّناً﴾. أي: كنياه. قاله مجاهد والسدي.
وعن السدي أنه قال: قال له موسى عليه السلام: هل لك أن يرد الله عليك شبابك، ويرد عليك مناكحك ومشاربك، وإذا مت دخلت الجنة؟ وتؤمن. فهذا هو القول اللين. فركن فرعون إليه وقال: مكانك حتى يأتي هامان.
وقيل: إن فرعون دخل إلى آسية فشاورها فيما قال له موسى. فقالت: ما ينبغي لأحد أن يرد هذا. فقال له هامان: أَتَعبْدُ بعدَما كنُتَ تُعْبَدْ، أنا أردك شاباً. فخضب لحيته بالسواد. فكان فرعون أول من خضب بالسواد. ودخل إلى آسية فقالت له: حسن إن لم ينصل.
وقيل: إن موسى عليه السلام قال له: إن ربنا أرسلنا إليك لتؤمن به وتعبده وتطيعه، فينسئ في أجلك أربع مائة سنة، ويملكك في أرضه ولا تبؤس ساعة من نهار، ثم تصير إلى الجنة، لا يضرك ما كنت فيه من نعيم الدنيا وسرورها ونضارتها جناح بعوضة. فقال فرعون: دعوني أستشير فاستشار هامان. فقال له: لا ترض. أبعد أن كنت مالكاً تصير مملوكاً. وبعد أن كنت رباً تصير مربوباً. فلم يؤمن لما سبق له في علم الله من الشقاء.
* *
وقوله: ﴿لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ﴾. قيل: معنى "لعل" هنا الاستفهام. والمعنى: فقولاً له قولاً لينا، فانظرا هل يتذكر فيراجع، أو يخشى الله فيرتدع عن طغيانه. قاله: ابن عباس.
وقيل: معنى "لعل" هنا: كي. أي: قولا له قولاً ليناً كي يتذكر. كما تقول: اعمل لعلك تأخذ أجرك. أي: كي تأخذ أجرك.
وقال الحسن: "لعله يتذكر" هو إخبار من الله عن قول هارون، وذلك أنه تعالى لما قال له: قولا له قولاً ليناً. قال هارون لموسى: لعله يتذكر أو يخشى.
وقيل: إن "لعل" على بابها، ترج وطمع من المرسلين. والتقدير عند سيبويه: اذهبا أنتما على رجائكما وطمعكما ومبلغكما من العلم أن يتذكر، وقد علم الله تعالى أنه لا يتذكر ولا يخشى إلا أن الحجة لا تجب إلا بالإبانة وخروج الفعل إلى الظاهر.
وقيل: إن "لعل" و "عسى" في القرآن لم يقعا إلا وقد كانا. فتذكر فرعون وخشيته قد كانت حين أدركه الغرق.
طه 20:45
قوله تعالى: ﴿قَالاَ رَبَّنَآ إِنَّنَا نَخَافُ أَن يَفْرُطَ عَلَيْنَآ﴾. إلى قوله: ﴿خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَىٰ﴾.
أي: قال موسى وهارون: يا ربنا إننا نخاف فرعون إن نحن دعوناه إلى ما أمرتنا به أن يفرط علينا بالعقوبة. أي يعجل علينا ويقدم علينا. وأصله من التقدم. ومنه حديث النبي ﷺ "أنا فرطكم على الحوض
ثم قال تعالى: ﴿لاَ تَخَافَآ إِنَّنِي مَعَكُمَآ أَسْمَعُ وَأَرَىٰ﴾. أي: إنني أعينكما عليه وأبصركما. أسمع ما يجري بينكما وبينه، فألهمكما ما تجاوباه وأرى ما تفعلان ويفعل، فلا أخلي بينكما وبينه.
قال ابن جريج: "أسمع وأرى ما يحاوركما، فأوحي إليكما، فتجاوباه. ثم قال: ﴿فَأْتِيَاهُ فَقُولاۤ إِنَّا رَسُولاَ رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ﴾.
أي: أرسلنا ربك إليك، يأمرك أن ترسل معنا بني إسرائيل، ولا تعذبهم بما تكلفهم من الأعمال الصعبة.
* *
﴿قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكَ﴾.
أي بمعجزة تدل على أنا أرسلنا إليك بذلك إن أنت لم تصدقنا فيما نقول أريناكها ﴿وَٱلسَّلاَمُ عَلَىٰ مَنِ ٱتَّبَعَ ٱلْهُدَىٰ﴾. أي: والسلامة لمن اتبع الهدى.
وليس السلام هنا تحية.
* *
ثم قال: ﴿إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَآ أَنَّ ٱلْعَذَابَ عَلَىٰ مَن كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ﴾.
هذا متصل بما قبله. أي: فقولا لفرعون: إنا رسولا ربك، وقولا له: إنا قد أوحي إلينا أن العذاب على من كذب وتولى. أي: إن عذاب الله الذي لا انقطاع له على من كذب برسله وكتبه، وتولى عن طاعته.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَمَن رَّبُّكُمَا يٰمُوسَىٰ﴾.
هذا كلام فيه حذف واختصار. والتقدير: فأتياه [فقالا] له ما أمرهما به ربهما. فقال لهما فرعون: ﴿فَمَن رَّبُّكُمَا يٰمُوسَىٰ﴾ اكتفى بخطاب موسى من خطاب أخيه من آخر الكلام. وقد خاطبهما جميعاً قبل ذلك في قوله: "ربكما" وإنما جاز ذلك لأن الخطاب إنما يكون من واحد، فردّ الخطاب إلى واحد مثله. وقريب منه "نسيا حوتهما" ولم ينسه إلا فتى موسى وحده. دل على ذلك قوله: ﴿فَإِنِّي نَسِيتُ ٱلْحُوتَ﴾.
* *
ثم قال تعالى: ﴿رَبُّنَا ٱلَّذِيۤ أَعْطَىٰ كُلَّ شَيءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَىٰ﴾. أي: قال موسى: ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه. أي: جعل لك ذكر نظير خلقه من الإناث. ثم هداهم لموضع الوطء الذي فيه النماء والزيادة من الخلق. فهدى كل حي كيف يأتي الوطء فيكون التقدير: أعطى كل شيء مثل خلقه. ثم حذف المضاف.
قال ابن عباس. معناه: خلق لكل شيء زوجه ثم هداه لمنكحه ومطعمه ومشربه ومسكنه ومولده. وكذلك قال السدي.
وقال الحسن: معناه: تمم لكل شيء خلقه، ثم هداه لما يصلحه.
القرون الماضية وكيف تبعث، فأجابه موسى بعلمها فقال: علمها عند ربي. ثم قال: ﴿فِي كِتَابٍ لاَّ يَضِلُّ رَبِّي وَلاَ يَنسَى﴾ أي علمها في أم الكتاب و ﴿لاَّ يَضِلُّ رَبِّي وَلاَ يَنسَى﴾. نعتان لكتاب. أي: في كتاب غير ضال الله، أي: غير ذاهب عن الله وغير ناس الله له.
وقيل: إن الكلام قد تم عند قوله: "في كتاب" ثم ابتدأ فقال: "لا يضل ربي" أي: لا يهلك.
وقيل: معنى الآية: لا يضل عن ربي علم شيء، ولا ينسى شيئاً.
وقال ابن عباس: لا يخطئ ربي ولا ينسى شيئاً.
وقال ابن عباس وقتادة: لا يخطئ ربي ولا ينسى شيئاً.
وقال قتادة: قوله: ﴿فَمَا بَالُ ٱلْقُرُونِ ٱلأُولَىٰ﴾ أي فما أعمار القرون الأولى. فوكلها موسى إلى الله فقال: ﴿عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي﴾.
وقرأ الحسن وقتادة وعيسى وعاصم الجحدري: ﴿لاَّ يَضِلُّ﴾ بضم الياء وكسر الضاد. أي: لا يضيعه. يقال: ضل فلان منزله يضله إذا أخطأه. وكذلك يقال في كل شيء ثابت، لا يبرح فيخطئه. فإذا ضاع ما يزول بنفسه مثل: دابة، وناقة، وفرس مما ينفلت فيذهب بنفسه، فإنه يقال: أضل فلان بعيره يضله.
* *
ثم قال تعالى: ﴿ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ مَهْداً﴾.
أي: فراشاً يتمهدها الناس، ولم يجعلها خربة خشنة.
ومن قرأ "مهداً" فهو: مصدر وصفت الأرض به. أي: ذات مهد.
وقيل "مهداً" اسم وصفت الأرض به، لأن الناس يتمهدونها فهي لهم كالمهد الذي يعرف.
وقيل: هما لغتان، كاللبس واللباس، والريش والرياش.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلاً﴾ أي: طرقاً.
* *
ثم قال: ﴿وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً﴾ أي: مطراً.
﴿فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجاً﴾ خرج إلى الإخبار عن الله جلّ ذكره، لأن كلام موسى مع فرعون انتهى إلى قوله: "من السماء ماء". ثم أخبر الله تعالى عن نفسه بجميل صنعه لخلقه في معاشهم ومعاش أنعامهم فقال: "فأخرجنا به".
وقيل: كله من كلام موسى، أخبر موسى عن نفسه، ومن معه بالزراعة والمعالجة في الحرث. فالماء هو سبب خروج النبات وبه تم وكمل. والمعالجة في الحرث وغيره لبني آدم بعون الله لهم وأقداره إياهم على ذلك. فلذلك أخبر عن نفسه فقال: فأخرجنا به أزواجاً. وقد قال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ﴾ [الواقعة: ٦٣] فأضاف الحرث إلى الخلق، وهو الزارع المنبث للحرث لا إله إلا هو. أي: أخرجنا بالمطر من الأرض أشباهاً وضروباً من نبات شتى. "وشتى": نعت للنبات أو للأزواج. ومعناه: مختلفة الأطعمة والرائحة والمنظر.
طه 20:46
قوله تعالى: ﴿قَالاَ رَبَّنَآ إِنَّنَا نَخَافُ أَن يَفْرُطَ عَلَيْنَآ﴾. إلى قوله: ﴿خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَىٰ﴾.
أي: قال موسى وهارون: يا ربنا إننا نخاف فرعون إن نحن دعوناه إلى ما أمرتنا به أن يفرط علينا بالعقوبة. أي يعجل علينا ويقدم علينا. وأصله من التقدم. ومنه حديث النبي ﷺ "أنا فرطكم على الحوض
ثم قال تعالى: ﴿لاَ تَخَافَآ إِنَّنِي مَعَكُمَآ أَسْمَعُ وَأَرَىٰ﴾. أي: إنني أعينكما عليه وأبصركما. أسمع ما يجري بينكما وبينه، فألهمكما ما تجاوباه وأرى ما تفعلان ويفعل، فلا أخلي بينكما وبينه.
قال ابن جريج: "أسمع وأرى ما يحاوركما، فأوحي إليكما، فتجاوباه. ثم قال: ﴿فَأْتِيَاهُ فَقُولاۤ إِنَّا رَسُولاَ رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ﴾.
أي: أرسلنا ربك إليك، يأمرك أن ترسل معنا بني إسرائيل، ولا تعذبهم بما تكلفهم من الأعمال الصعبة.
* *
﴿قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكَ﴾.
أي بمعجزة تدل على أنا أرسلنا إليك بذلك إن أنت لم تصدقنا فيما نقول أريناكها ﴿وَٱلسَّلاَمُ عَلَىٰ مَنِ ٱتَّبَعَ ٱلْهُدَىٰ﴾. أي: والسلامة لمن اتبع الهدى.
وليس السلام هنا تحية.
* *
ثم قال: ﴿إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَآ أَنَّ ٱلْعَذَابَ عَلَىٰ مَن كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ﴾.
هذا متصل بما قبله. أي: فقولا لفرعون: إنا رسولا ربك، وقولا له: إنا قد أوحي إلينا أن العذاب على من كذب وتولى. أي: إن عذاب الله الذي لا انقطاع له على من كذب برسله وكتبه، وتولى عن طاعته.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَمَن رَّبُّكُمَا يٰمُوسَىٰ﴾.
هذا كلام فيه حذف واختصار. والتقدير: فأتياه [فقالا] له ما أمرهما به ربهما. فقال لهما فرعون: ﴿فَمَن رَّبُّكُمَا يٰمُوسَىٰ﴾ اكتفى بخطاب موسى من خطاب أخيه من آخر الكلام. وقد خاطبهما جميعاً قبل ذلك في قوله: "ربكما" وإنما جاز ذلك لأن الخطاب إنما يكون من واحد، فردّ الخطاب إلى واحد مثله. وقريب منه "نسيا حوتهما" ولم ينسه إلا فتى موسى وحده. دل على ذلك قوله: ﴿فَإِنِّي نَسِيتُ ٱلْحُوتَ﴾.
* *
ثم قال تعالى: ﴿رَبُّنَا ٱلَّذِيۤ أَعْطَىٰ كُلَّ شَيءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَىٰ﴾. أي: قال موسى: ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه. أي: جعل لك ذكر نظير خلقه من الإناث. ثم هداهم لموضع الوطء الذي فيه النماء والزيادة من الخلق. فهدى كل حي كيف يأتي الوطء فيكون التقدير: أعطى كل شيء مثل خلقه. ثم حذف المضاف.
قال ابن عباس. معناه: خلق لكل شيء زوجه ثم هداه لمنكحه ومطعمه ومشربه ومسكنه ومولده. وكذلك قال السدي.
وقال الحسن: معناه: تمم لكل شيء خلقه، ثم هداه لما يصلحه.
القرون الماضية وكيف تبعث، فأجابه موسى بعلمها فقال: علمها عند ربي. ثم قال: ﴿فِي كِتَابٍ لاَّ يَضِلُّ رَبِّي وَلاَ يَنسَى﴾ أي علمها في أم الكتاب و ﴿لاَّ يَضِلُّ رَبِّي وَلاَ يَنسَى﴾. نعتان لكتاب. أي: في كتاب غير ضال الله، أي: غير ذاهب عن الله وغير ناس الله له.
وقيل: إن الكلام قد تم عند قوله: "في كتاب" ثم ابتدأ فقال: "لا يضل ربي" أي: لا يهلك.
وقيل: معنى الآية: لا يضل عن ربي علم شيء، ولا ينسى شيئاً.
وقال ابن عباس: لا يخطئ ربي ولا ينسى شيئاً.
وقال ابن عباس وقتادة: لا يخطئ ربي ولا ينسى شيئاً.
وقال قتادة: قوله: ﴿فَمَا بَالُ ٱلْقُرُونِ ٱلأُولَىٰ﴾ أي فما أعمار القرون الأولى. فوكلها موسى إلى الله فقال: ﴿عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي﴾.
وقرأ الحسن وقتادة وعيسى وعاصم الجحدري: ﴿لاَّ يَضِلُّ﴾ بضم الياء وكسر الضاد. أي: لا يضيعه. يقال: ضل فلان منزله يضله إذا أخطأه. وكذلك يقال في كل شيء ثابت، لا يبرح فيخطئه. فإذا ضاع ما يزول بنفسه مثل: دابة، وناقة، وفرس مما ينفلت فيذهب بنفسه، فإنه يقال: أضل فلان بعيره يضله.
* *
ثم قال تعالى: ﴿ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ مَهْداً﴾.
أي: فراشاً يتمهدها الناس، ولم يجعلها خربة خشنة.
ومن قرأ "مهداً" فهو: مصدر وصفت الأرض به. أي: ذات مهد.
وقيل "مهداً" اسم وصفت الأرض به، لأن الناس يتمهدونها فهي لهم كالمهد الذي يعرف.
وقيل: هما لغتان، كاللبس واللباس، والريش والرياش.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلاً﴾ أي: طرقاً.
* *
ثم قال: ﴿وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً﴾ أي: مطراً.
﴿فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجاً﴾ خرج إلى الإخبار عن الله جلّ ذكره، لأن كلام موسى مع فرعون انتهى إلى قوله: "من السماء ماء". ثم أخبر الله تعالى عن نفسه بجميل صنعه لخلقه في معاشهم ومعاش أنعامهم فقال: "فأخرجنا به".
وقيل: كله من كلام موسى، أخبر موسى عن نفسه، ومن معه بالزراعة والمعالجة في الحرث. فالماء هو سبب خروج النبات وبه تم وكمل. والمعالجة في الحرث وغيره لبني آدم بعون الله لهم وأقداره إياهم على ذلك. فلذلك أخبر عن نفسه فقال: فأخرجنا به أزواجاً. وقد قال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ﴾ [الواقعة: ٦٣] فأضاف الحرث إلى الخلق، وهو الزارع المنبث للحرث لا إله إلا هو. أي: أخرجنا بالمطر من الأرض أشباهاً وضروباً من نبات شتى. "وشتى": نعت للنبات أو للأزواج. ومعناه: مختلفة الأطعمة والرائحة والمنظر.
طه 20:47
قوله تعالى: ﴿قَالاَ رَبَّنَآ إِنَّنَا نَخَافُ أَن يَفْرُطَ عَلَيْنَآ﴾. إلى قوله: ﴿خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَىٰ﴾.
أي: قال موسى وهارون: يا ربنا إننا نخاف فرعون إن نحن دعوناه إلى ما أمرتنا به أن يفرط علينا بالعقوبة. أي يعجل علينا ويقدم علينا. وأصله من التقدم. ومنه حديث النبي ﷺ "أنا فرطكم على الحوض
ثم قال تعالى: ﴿لاَ تَخَافَآ إِنَّنِي مَعَكُمَآ أَسْمَعُ وَأَرَىٰ﴾. أي: إنني أعينكما عليه وأبصركما. أسمع ما يجري بينكما وبينه، فألهمكما ما تجاوباه وأرى ما تفعلان ويفعل، فلا أخلي بينكما وبينه.
قال ابن جريج: "أسمع وأرى ما يحاوركما، فأوحي إليكما، فتجاوباه. ثم قال: ﴿فَأْتِيَاهُ فَقُولاۤ إِنَّا رَسُولاَ رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ﴾.
أي: أرسلنا ربك إليك، يأمرك أن ترسل معنا بني إسرائيل، ولا تعذبهم بما تكلفهم من الأعمال الصعبة.
* *
﴿قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكَ﴾.
أي بمعجزة تدل على أنا أرسلنا إليك بذلك إن أنت لم تصدقنا فيما نقول أريناكها ﴿وَٱلسَّلاَمُ عَلَىٰ مَنِ ٱتَّبَعَ ٱلْهُدَىٰ﴾. أي: والسلامة لمن اتبع الهدى.
وليس السلام هنا تحية.
* *
ثم قال: ﴿إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَآ أَنَّ ٱلْعَذَابَ عَلَىٰ مَن كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ﴾.
هذا متصل بما قبله. أي: فقولا لفرعون: إنا رسولا ربك، وقولا له: إنا قد أوحي إلينا أن العذاب على من كذب وتولى. أي: إن عذاب الله الذي لا انقطاع له على من كذب برسله وكتبه، وتولى عن طاعته.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَمَن رَّبُّكُمَا يٰمُوسَىٰ﴾.
هذا كلام فيه حذف واختصار. والتقدير: فأتياه [فقالا] له ما أمرهما به ربهما. فقال لهما فرعون: ﴿فَمَن رَّبُّكُمَا يٰمُوسَىٰ﴾ اكتفى بخطاب موسى من خطاب أخيه من آخر الكلام. وقد خاطبهما جميعاً قبل ذلك في قوله: "ربكما" وإنما جاز ذلك لأن الخطاب إنما يكون من واحد، فردّ الخطاب إلى واحد مثله. وقريب منه "نسيا حوتهما" ولم ينسه إلا فتى موسى وحده. دل على ذلك قوله: ﴿فَإِنِّي نَسِيتُ ٱلْحُوتَ﴾.
* *
ثم قال تعالى: ﴿رَبُّنَا ٱلَّذِيۤ أَعْطَىٰ كُلَّ شَيءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَىٰ﴾. أي: قال موسى: ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه. أي: جعل لك ذكر نظير خلقه من الإناث. ثم هداهم لموضع الوطء الذي فيه النماء والزيادة من الخلق. فهدى كل حي كيف يأتي الوطء فيكون التقدير: أعطى كل شيء مثل خلقه. ثم حذف المضاف.
قال ابن عباس. معناه: خلق لكل شيء زوجه ثم هداه لمنكحه ومطعمه ومشربه ومسكنه ومولده. وكذلك قال السدي.
وقال الحسن: معناه: تمم لكل شيء خلقه، ثم هداه لما يصلحه.
القرون الماضية وكيف تبعث، فأجابه موسى بعلمها فقال: علمها عند ربي. ثم قال: ﴿فِي كِتَابٍ لاَّ يَضِلُّ رَبِّي وَلاَ يَنسَى﴾ أي علمها في أم الكتاب و ﴿لاَّ يَضِلُّ رَبِّي وَلاَ يَنسَى﴾. نعتان لكتاب. أي: في كتاب غير ضال الله، أي: غير ذاهب عن الله وغير ناس الله له.
وقيل: إن الكلام قد تم عند قوله: "في كتاب" ثم ابتدأ فقال: "لا يضل ربي" أي: لا يهلك.
وقيل: معنى الآية: لا يضل عن ربي علم شيء، ولا ينسى شيئاً.
وقال ابن عباس: لا يخطئ ربي ولا ينسى شيئاً.
وقال ابن عباس وقتادة: لا يخطئ ربي ولا ينسى شيئاً.
وقال قتادة: قوله: ﴿فَمَا بَالُ ٱلْقُرُونِ ٱلأُولَىٰ﴾ أي فما أعمار القرون الأولى. فوكلها موسى إلى الله فقال: ﴿عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي﴾.
وقرأ الحسن وقتادة وعيسى وعاصم الجحدري: ﴿لاَّ يَضِلُّ﴾ بضم الياء وكسر الضاد. أي: لا يضيعه. يقال: ضل فلان منزله يضله إذا أخطأه. وكذلك يقال في كل شيء ثابت، لا يبرح فيخطئه. فإذا ضاع ما يزول بنفسه مثل: دابة، وناقة، وفرس مما ينفلت فيذهب بنفسه، فإنه يقال: أضل فلان بعيره يضله.
* *
ثم قال تعالى: ﴿ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ مَهْداً﴾.
أي: فراشاً يتمهدها الناس، ولم يجعلها خربة خشنة.
ومن قرأ "مهداً" فهو: مصدر وصفت الأرض به. أي: ذات مهد.
وقيل "مهداً" اسم وصفت الأرض به، لأن الناس يتمهدونها فهي لهم كالمهد الذي يعرف.
وقيل: هما لغتان، كاللبس واللباس، والريش والرياش.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلاً﴾ أي: طرقاً.
* *
ثم قال: ﴿وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً﴾ أي: مطراً.
﴿فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجاً﴾ خرج إلى الإخبار عن الله جلّ ذكره، لأن كلام موسى مع فرعون انتهى إلى قوله: "من السماء ماء". ثم أخبر الله تعالى عن نفسه بجميل صنعه لخلقه في معاشهم ومعاش أنعامهم فقال: "فأخرجنا به".
وقيل: كله من كلام موسى، أخبر موسى عن نفسه، ومن معه بالزراعة والمعالجة في الحرث. فالماء هو سبب خروج النبات وبه تم وكمل. والمعالجة في الحرث وغيره لبني آدم بعون الله لهم وأقداره إياهم على ذلك. فلذلك أخبر عن نفسه فقال: فأخرجنا به أزواجاً. وقد قال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ﴾ [الواقعة: ٦٣] فأضاف الحرث إلى الخلق، وهو الزارع المنبث للحرث لا إله إلا هو. أي: أخرجنا بالمطر من الأرض أشباهاً وضروباً من نبات شتى. "وشتى": نعت للنبات أو للأزواج. ومعناه: مختلفة الأطعمة والرائحة والمنظر.
طه 20:48
قوله تعالى: ﴿قَالاَ رَبَّنَآ إِنَّنَا نَخَافُ أَن يَفْرُطَ عَلَيْنَآ﴾. إلى قوله: ﴿خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَىٰ﴾.
أي: قال موسى وهارون: يا ربنا إننا نخاف فرعون إن نحن دعوناه إلى ما أمرتنا به أن يفرط علينا بالعقوبة. أي يعجل علينا ويقدم علينا. وأصله من التقدم. ومنه حديث النبي ﷺ "أنا فرطكم على الحوض
ثم قال تعالى: ﴿لاَ تَخَافَآ إِنَّنِي مَعَكُمَآ أَسْمَعُ وَأَرَىٰ﴾. أي: إنني أعينكما عليه وأبصركما. أسمع ما يجري بينكما وبينه، فألهمكما ما تجاوباه وأرى ما تفعلان ويفعل، فلا أخلي بينكما وبينه.
قال ابن جريج: "أسمع وأرى ما يحاوركما، فأوحي إليكما، فتجاوباه. ثم قال: ﴿فَأْتِيَاهُ فَقُولاۤ إِنَّا رَسُولاَ رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ﴾.
أي: أرسلنا ربك إليك، يأمرك أن ترسل معنا بني إسرائيل، ولا تعذبهم بما تكلفهم من الأعمال الصعبة.
* *
﴿قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكَ﴾.
أي بمعجزة تدل على أنا أرسلنا إليك بذلك إن أنت لم تصدقنا فيما نقول أريناكها ﴿وَٱلسَّلاَمُ عَلَىٰ مَنِ ٱتَّبَعَ ٱلْهُدَىٰ﴾. أي: والسلامة لمن اتبع الهدى.
وليس السلام هنا تحية.
* *
ثم قال: ﴿إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَآ أَنَّ ٱلْعَذَابَ عَلَىٰ مَن كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ﴾.
هذا متصل بما قبله. أي: فقولا لفرعون: إنا رسولا ربك، وقولا له: إنا قد أوحي إلينا أن العذاب على من كذب وتولى. أي: إن عذاب الله الذي لا انقطاع له على من كذب برسله وكتبه، وتولى عن طاعته.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَمَن رَّبُّكُمَا يٰمُوسَىٰ﴾.
هذا كلام فيه حذف واختصار. والتقدير: فأتياه [فقالا] له ما أمرهما به ربهما. فقال لهما فرعون: ﴿فَمَن رَّبُّكُمَا يٰمُوسَىٰ﴾ اكتفى بخطاب موسى من خطاب أخيه من آخر الكلام. وقد خاطبهما جميعاً قبل ذلك في قوله: "ربكما" وإنما جاز ذلك لأن الخطاب إنما يكون من واحد، فردّ الخطاب إلى واحد مثله. وقريب منه "نسيا حوتهما" ولم ينسه إلا فتى موسى وحده. دل على ذلك قوله: ﴿فَإِنِّي نَسِيتُ ٱلْحُوتَ﴾.
* *
ثم قال تعالى: ﴿رَبُّنَا ٱلَّذِيۤ أَعْطَىٰ كُلَّ شَيءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَىٰ﴾. أي: قال موسى: ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه. أي: جعل لك ذكر نظير خلقه من الإناث. ثم هداهم لموضع الوطء الذي فيه النماء والزيادة من الخلق. فهدى كل حي كيف يأتي الوطء فيكون التقدير: أعطى كل شيء مثل خلقه. ثم حذف المضاف.
قال ابن عباس. معناه: خلق لكل شيء زوجه ثم هداه لمنكحه ومطعمه ومشربه ومسكنه ومولده. وكذلك قال السدي.
وقال الحسن: معناه: تمم لكل شيء خلقه، ثم هداه لما يصلحه.
القرون الماضية وكيف تبعث، فأجابه موسى بعلمها فقال: علمها عند ربي. ثم قال: ﴿فِي كِتَابٍ لاَّ يَضِلُّ رَبِّي وَلاَ يَنسَى﴾ أي علمها في أم الكتاب و ﴿لاَّ يَضِلُّ رَبِّي وَلاَ يَنسَى﴾. نعتان لكتاب. أي: في كتاب غير ضال الله، أي: غير ذاهب عن الله وغير ناس الله له.
وقيل: إن الكلام قد تم عند قوله: "في كتاب" ثم ابتدأ فقال: "لا يضل ربي" أي: لا يهلك.
وقيل: معنى الآية: لا يضل عن ربي علم شيء، ولا ينسى شيئاً.
وقال ابن عباس: لا يخطئ ربي ولا ينسى شيئاً.
وقال ابن عباس وقتادة: لا يخطئ ربي ولا ينسى شيئاً.
وقال قتادة: قوله: ﴿فَمَا بَالُ ٱلْقُرُونِ ٱلأُولَىٰ﴾ أي فما أعمار القرون الأولى. فوكلها موسى إلى الله فقال: ﴿عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي﴾.
وقرأ الحسن وقتادة وعيسى وعاصم الجحدري: ﴿لاَّ يَضِلُّ﴾ بضم الياء وكسر الضاد. أي: لا يضيعه. يقال: ضل فلان منزله يضله إذا أخطأه. وكذلك يقال في كل شيء ثابت، لا يبرح فيخطئه. فإذا ضاع ما يزول بنفسه مثل: دابة، وناقة، وفرس مما ينفلت فيذهب بنفسه، فإنه يقال: أضل فلان بعيره يضله.
* *
ثم قال تعالى: ﴿ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ مَهْداً﴾.
أي: فراشاً يتمهدها الناس، ولم يجعلها خربة خشنة.
ومن قرأ "مهداً" فهو: مصدر وصفت الأرض به. أي: ذات مهد.
وقيل "مهداً" اسم وصفت الأرض به، لأن الناس يتمهدونها فهي لهم كالمهد الذي يعرف.
وقيل: هما لغتان، كاللبس واللباس، والريش والرياش.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلاً﴾ أي: طرقاً.
* *
ثم قال: ﴿وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً﴾ أي: مطراً.
﴿فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجاً﴾ خرج إلى الإخبار عن الله جلّ ذكره، لأن كلام موسى مع فرعون انتهى إلى قوله: "من السماء ماء". ثم أخبر الله تعالى عن نفسه بجميل صنعه لخلقه في معاشهم ومعاش أنعامهم فقال: "فأخرجنا به".
وقيل: كله من كلام موسى، أخبر موسى عن نفسه، ومن معه بالزراعة والمعالجة في الحرث. فالماء هو سبب خروج النبات وبه تم وكمل. والمعالجة في الحرث وغيره لبني آدم بعون الله لهم وأقداره إياهم على ذلك. فلذلك أخبر عن نفسه فقال: فأخرجنا به أزواجاً. وقد قال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ﴾ [الواقعة: ٦٣] فأضاف الحرث إلى الخلق، وهو الزارع المنبث للحرث لا إله إلا هو. أي: أخرجنا بالمطر من الأرض أشباهاً وضروباً من نبات شتى. "وشتى": نعت للنبات أو للأزواج. ومعناه: مختلفة الأطعمة والرائحة والمنظر.
طه 20:49
قوله تعالى: ﴿قَالاَ رَبَّنَآ إِنَّنَا نَخَافُ أَن يَفْرُطَ عَلَيْنَآ﴾. إلى قوله: ﴿خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَىٰ﴾.
أي: قال موسى وهارون: يا ربنا إننا نخاف فرعون إن نحن دعوناه إلى ما أمرتنا به أن يفرط علينا بالعقوبة. أي يعجل علينا ويقدم علينا. وأصله من التقدم. ومنه حديث النبي ﷺ "أنا فرطكم على الحوض
ثم قال تعالى: ﴿لاَ تَخَافَآ إِنَّنِي مَعَكُمَآ أَسْمَعُ وَأَرَىٰ﴾. أي: إنني أعينكما عليه وأبصركما. أسمع ما يجري بينكما وبينه، فألهمكما ما تجاوباه وأرى ما تفعلان ويفعل، فلا أخلي بينكما وبينه.
قال ابن جريج: "أسمع وأرى ما يحاوركما، فأوحي إليكما، فتجاوباه. ثم قال: ﴿فَأْتِيَاهُ فَقُولاۤ إِنَّا رَسُولاَ رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ﴾.
أي: أرسلنا ربك إليك، يأمرك أن ترسل معنا بني إسرائيل، ولا تعذبهم بما تكلفهم من الأعمال الصعبة.
* *
﴿قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكَ﴾.
أي بمعجزة تدل على أنا أرسلنا إليك بذلك إن أنت لم تصدقنا فيما نقول أريناكها ﴿وَٱلسَّلاَمُ عَلَىٰ مَنِ ٱتَّبَعَ ٱلْهُدَىٰ﴾. أي: والسلامة لمن اتبع الهدى.
وليس السلام هنا تحية.
* *
ثم قال: ﴿إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَآ أَنَّ ٱلْعَذَابَ عَلَىٰ مَن كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ﴾.
هذا متصل بما قبله. أي: فقولا لفرعون: إنا رسولا ربك، وقولا له: إنا قد أوحي إلينا أن العذاب على من كذب وتولى. أي: إن عذاب الله الذي لا انقطاع له على من كذب برسله وكتبه، وتولى عن طاعته.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَمَن رَّبُّكُمَا يٰمُوسَىٰ﴾.
هذا كلام فيه حذف واختصار. والتقدير: فأتياه [فقالا] له ما أمرهما به ربهما. فقال لهما فرعون: ﴿فَمَن رَّبُّكُمَا يٰمُوسَىٰ﴾ اكتفى بخطاب موسى من خطاب أخيه من آخر الكلام. وقد خاطبهما جميعاً قبل ذلك في قوله: "ربكما" وإنما جاز ذلك لأن الخطاب إنما يكون من واحد، فردّ الخطاب إلى واحد مثله. وقريب منه "نسيا حوتهما" ولم ينسه إلا فتى موسى وحده. دل على ذلك قوله: ﴿فَإِنِّي نَسِيتُ ٱلْحُوتَ﴾.
* *
ثم قال تعالى: ﴿رَبُّنَا ٱلَّذِيۤ أَعْطَىٰ كُلَّ شَيءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَىٰ﴾. أي: قال موسى: ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه. أي: جعل لك ذكر نظير خلقه من الإناث. ثم هداهم لموضع الوطء الذي فيه النماء والزيادة من الخلق. فهدى كل حي كيف يأتي الوطء فيكون التقدير: أعطى كل شيء مثل خلقه. ثم حذف المضاف.
قال ابن عباس. معناه: خلق لكل شيء زوجه ثم هداه لمنكحه ومطعمه ومشربه ومسكنه ومولده. وكذلك قال السدي.
وقال الحسن: معناه: تمم لكل شيء خلقه، ثم هداه لما يصلحه.
القرون الماضية وكيف تبعث، فأجابه موسى بعلمها فقال: علمها عند ربي. ثم قال: ﴿فِي كِتَابٍ لاَّ يَضِلُّ رَبِّي وَلاَ يَنسَى﴾ أي علمها في أم الكتاب و ﴿لاَّ يَضِلُّ رَبِّي وَلاَ يَنسَى﴾. نعتان لكتاب. أي: في كتاب غير ضال الله، أي: غير ذاهب عن الله وغير ناس الله له.
وقيل: إن الكلام قد تم عند قوله: "في كتاب" ثم ابتدأ فقال: "لا يضل ربي" أي: لا يهلك.
وقيل: معنى الآية: لا يضل عن ربي علم شيء، ولا ينسى شيئاً.
وقال ابن عباس: لا يخطئ ربي ولا ينسى شيئاً.
وقال ابن عباس وقتادة: لا يخطئ ربي ولا ينسى شيئاً.
وقال قتادة: قوله: ﴿فَمَا بَالُ ٱلْقُرُونِ ٱلأُولَىٰ﴾ أي فما أعمار القرون الأولى. فوكلها موسى إلى الله فقال: ﴿عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي﴾.
وقرأ الحسن وقتادة وعيسى وعاصم الجحدري: ﴿لاَّ يَضِلُّ﴾ بضم الياء وكسر الضاد. أي: لا يضيعه. يقال: ضل فلان منزله يضله إذا أخطأه. وكذلك يقال في كل شيء ثابت، لا يبرح فيخطئه. فإذا ضاع ما يزول بنفسه مثل: دابة، وناقة، وفرس مما ينفلت فيذهب بنفسه، فإنه يقال: أضل فلان بعيره يضله.
* *
ثم قال تعالى: ﴿ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ مَهْداً﴾.
أي: فراشاً يتمهدها الناس، ولم يجعلها خربة خشنة.
ومن قرأ "مهداً" فهو: مصدر وصفت الأرض به. أي: ذات مهد.
وقيل "مهداً" اسم وصفت الأرض به، لأن الناس يتمهدونها فهي لهم كالمهد الذي يعرف.
وقيل: هما لغتان، كاللبس واللباس، والريش والرياش.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلاً﴾ أي: طرقاً.
* *
ثم قال: ﴿وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً﴾ أي: مطراً.
﴿فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجاً﴾ خرج إلى الإخبار عن الله جلّ ذكره، لأن كلام موسى مع فرعون انتهى إلى قوله: "من السماء ماء". ثم أخبر الله تعالى عن نفسه بجميل صنعه لخلقه في معاشهم ومعاش أنعامهم فقال: "فأخرجنا به".
وقيل: كله من كلام موسى، أخبر موسى عن نفسه، ومن معه بالزراعة والمعالجة في الحرث. فالماء هو سبب خروج النبات وبه تم وكمل. والمعالجة في الحرث وغيره لبني آدم بعون الله لهم وأقداره إياهم على ذلك. فلذلك أخبر عن نفسه فقال: فأخرجنا به أزواجاً. وقد قال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ﴾ [الواقعة: ٦٣] فأضاف الحرث إلى الخلق، وهو الزارع المنبث للحرث لا إله إلا هو. أي: أخرجنا بالمطر من الأرض أشباهاً وضروباً من نبات شتى. "وشتى": نعت للنبات أو للأزواج. ومعناه: مختلفة الأطعمة والرائحة والمنظر.
طه 20:50
قوله تعالى: ﴿قَالاَ رَبَّنَآ إِنَّنَا نَخَافُ أَن يَفْرُطَ عَلَيْنَآ﴾. إلى قوله: ﴿خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَىٰ﴾.
أي: قال موسى وهارون: يا ربنا إننا نخاف فرعون إن نحن دعوناه إلى ما أمرتنا به أن يفرط علينا بالعقوبة. أي يعجل علينا ويقدم علينا. وأصله من التقدم. ومنه حديث النبي ﷺ "أنا فرطكم على الحوض
ثم قال تعالى: ﴿لاَ تَخَافَآ إِنَّنِي مَعَكُمَآ أَسْمَعُ وَأَرَىٰ﴾. أي: إنني أعينكما عليه وأبصركما. أسمع ما يجري بينكما وبينه، فألهمكما ما تجاوباه وأرى ما تفعلان ويفعل، فلا أخلي بينكما وبينه.
قال ابن جريج: "أسمع وأرى ما يحاوركما، فأوحي إليكما، فتجاوباه. ثم قال: ﴿فَأْتِيَاهُ فَقُولاۤ إِنَّا رَسُولاَ رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ﴾.
أي: أرسلنا ربك إليك، يأمرك أن ترسل معنا بني إسرائيل، ولا تعذبهم بما تكلفهم من الأعمال الصعبة.
* *
﴿قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكَ﴾.
أي بمعجزة تدل على أنا أرسلنا إليك بذلك إن أنت لم تصدقنا فيما نقول أريناكها ﴿وَٱلسَّلاَمُ عَلَىٰ مَنِ ٱتَّبَعَ ٱلْهُدَىٰ﴾. أي: والسلامة لمن اتبع الهدى.
وليس السلام هنا تحية.
* *
ثم قال: ﴿إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَآ أَنَّ ٱلْعَذَابَ عَلَىٰ مَن كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ﴾.
هذا متصل بما قبله. أي: فقولا لفرعون: إنا رسولا ربك، وقولا له: إنا قد أوحي إلينا أن العذاب على من كذب وتولى. أي: إن عذاب الله الذي لا انقطاع له على من كذب برسله وكتبه، وتولى عن طاعته.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَمَن رَّبُّكُمَا يٰمُوسَىٰ﴾.
هذا كلام فيه حذف واختصار. والتقدير: فأتياه [فقالا] له ما أمرهما به ربهما. فقال لهما فرعون: ﴿فَمَن رَّبُّكُمَا يٰمُوسَىٰ﴾ اكتفى بخطاب موسى من خطاب أخيه من آخر الكلام. وقد خاطبهما جميعاً قبل ذلك في قوله: "ربكما" وإنما جاز ذلك لأن الخطاب إنما يكون من واحد، فردّ الخطاب إلى واحد مثله. وقريب منه "نسيا حوتهما" ولم ينسه إلا فتى موسى وحده. دل على ذلك قوله: ﴿فَإِنِّي نَسِيتُ ٱلْحُوتَ﴾.
* *
ثم قال تعالى: ﴿رَبُّنَا ٱلَّذِيۤ أَعْطَىٰ كُلَّ شَيءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَىٰ﴾. أي: قال موسى: ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه. أي: جعل لك ذكر نظير خلقه من الإناث. ثم هداهم لموضع الوطء الذي فيه النماء والزيادة من الخلق. فهدى كل حي كيف يأتي الوطء فيكون التقدير: أعطى كل شيء مثل خلقه. ثم حذف المضاف.
قال ابن عباس. معناه: خلق لكل شيء زوجه ثم هداه لمنكحه ومطعمه ومشربه ومسكنه ومولده. وكذلك قال السدي.
وقال الحسن: معناه: تمم لكل شيء خلقه، ثم هداه لما يصلحه.
القرون الماضية وكيف تبعث، فأجابه موسى بعلمها فقال: علمها عند ربي. ثم قال: ﴿فِي كِتَابٍ لاَّ يَضِلُّ رَبِّي وَلاَ يَنسَى﴾ أي علمها في أم الكتاب و ﴿لاَّ يَضِلُّ رَبِّي وَلاَ يَنسَى﴾. نعتان لكتاب. أي: في كتاب غير ضال الله، أي: غير ذاهب عن الله وغير ناس الله له.
وقيل: إن الكلام قد تم عند قوله: "في كتاب" ثم ابتدأ فقال: "لا يضل ربي" أي: لا يهلك.
وقيل: معنى الآية: لا يضل عن ربي علم شيء، ولا ينسى شيئاً.
وقال ابن عباس: لا يخطئ ربي ولا ينسى شيئاً.
وقال ابن عباس وقتادة: لا يخطئ ربي ولا ينسى شيئاً.
وقال قتادة: قوله: ﴿فَمَا بَالُ ٱلْقُرُونِ ٱلأُولَىٰ﴾ أي فما أعمار القرون الأولى. فوكلها موسى إلى الله فقال: ﴿عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي﴾.
وقرأ الحسن وقتادة وعيسى وعاصم الجحدري: ﴿لاَّ يَضِلُّ﴾ بضم الياء وكسر الضاد. أي: لا يضيعه. يقال: ضل فلان منزله يضله إذا أخطأه. وكذلك يقال في كل شيء ثابت، لا يبرح فيخطئه. فإذا ضاع ما يزول بنفسه مثل: دابة، وناقة، وفرس مما ينفلت فيذهب بنفسه، فإنه يقال: أضل فلان بعيره يضله.
* *
ثم قال تعالى: ﴿ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ مَهْداً﴾.
أي: فراشاً يتمهدها الناس، ولم يجعلها خربة خشنة.
ومن قرأ "مهداً" فهو: مصدر وصفت الأرض به. أي: ذات مهد.
وقيل "مهداً" اسم وصفت الأرض به، لأن الناس يتمهدونها فهي لهم كالمهد الذي يعرف.
وقيل: هما لغتان، كاللبس واللباس، والريش والرياش.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلاً﴾ أي: طرقاً.
* *
ثم قال: ﴿وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً﴾ أي: مطراً.
﴿فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجاً﴾ خرج إلى الإخبار عن الله جلّ ذكره، لأن كلام موسى مع فرعون انتهى إلى قوله: "من السماء ماء". ثم أخبر الله تعالى عن نفسه بجميل صنعه لخلقه في معاشهم ومعاش أنعامهم فقال: "فأخرجنا به".
وقيل: كله من كلام موسى، أخبر موسى عن نفسه، ومن معه بالزراعة والمعالجة في الحرث. فالماء هو سبب خروج النبات وبه تم وكمل. والمعالجة في الحرث وغيره لبني آدم بعون الله لهم وأقداره إياهم على ذلك. فلذلك أخبر عن نفسه فقال: فأخرجنا به أزواجاً. وقد قال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ﴾ [الواقعة: ٦٣] فأضاف الحرث إلى الخلق، وهو الزارع المنبث للحرث لا إله إلا هو. أي: أخرجنا بالمطر من الأرض أشباهاً وضروباً من نبات شتى. "وشتى": نعت للنبات أو للأزواج. ومعناه: مختلفة الأطعمة والرائحة والمنظر.
طه 20:51
قوله تعالى: ﴿قَالاَ رَبَّنَآ إِنَّنَا نَخَافُ أَن يَفْرُطَ عَلَيْنَآ﴾. إلى قوله: ﴿خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَىٰ﴾.
أي: قال موسى وهارون: يا ربنا إننا نخاف فرعون إن نحن دعوناه إلى ما أمرتنا به أن يفرط علينا بالعقوبة. أي يعجل علينا ويقدم علينا. وأصله من التقدم. ومنه حديث النبي ﷺ "أنا فرطكم على الحوض
ثم قال تعالى: ﴿لاَ تَخَافَآ إِنَّنِي مَعَكُمَآ أَسْمَعُ وَأَرَىٰ﴾. أي: إنني أعينكما عليه وأبصركما. أسمع ما يجري بينكما وبينه، فألهمكما ما تجاوباه وأرى ما تفعلان ويفعل، فلا أخلي بينكما وبينه.
قال ابن جريج: "أسمع وأرى ما يحاوركما، فأوحي إليكما، فتجاوباه. ثم قال: ﴿فَأْتِيَاهُ فَقُولاۤ إِنَّا رَسُولاَ رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ﴾.
أي: أرسلنا ربك إليك، يأمرك أن ترسل معنا بني إسرائيل، ولا تعذبهم بما تكلفهم من الأعمال الصعبة.
* *
﴿قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكَ﴾.
أي بمعجزة تدل على أنا أرسلنا إليك بذلك إن أنت لم تصدقنا فيما نقول أريناكها ﴿وَٱلسَّلاَمُ عَلَىٰ مَنِ ٱتَّبَعَ ٱلْهُدَىٰ﴾. أي: والسلامة لمن اتبع الهدى.
وليس السلام هنا تحية.
* *
ثم قال: ﴿إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَآ أَنَّ ٱلْعَذَابَ عَلَىٰ مَن كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ﴾.
هذا متصل بما قبله. أي: فقولا لفرعون: إنا رسولا ربك، وقولا له: إنا قد أوحي إلينا أن العذاب على من كذب وتولى. أي: إن عذاب الله الذي لا انقطاع له على من كذب برسله وكتبه، وتولى عن طاعته.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَمَن رَّبُّكُمَا يٰمُوسَىٰ﴾.
هذا كلام فيه حذف واختصار. والتقدير: فأتياه [فقالا] له ما أمرهما به ربهما. فقال لهما فرعون: ﴿فَمَن رَّبُّكُمَا يٰمُوسَىٰ﴾ اكتفى بخطاب موسى من خطاب أخيه من آخر الكلام. وقد خاطبهما جميعاً قبل ذلك في قوله: "ربكما" وإنما جاز ذلك لأن الخطاب إنما يكون من واحد، فردّ الخطاب إلى واحد مثله. وقريب منه "نسيا حوتهما" ولم ينسه إلا فتى موسى وحده. دل على ذلك قوله: ﴿فَإِنِّي نَسِيتُ ٱلْحُوتَ﴾.
* *
ثم قال تعالى: ﴿رَبُّنَا ٱلَّذِيۤ أَعْطَىٰ كُلَّ شَيءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَىٰ﴾. أي: قال موسى: ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه. أي: جعل لك ذكر نظير خلقه من الإناث. ثم هداهم لموضع الوطء الذي فيه النماء والزيادة من الخلق. فهدى كل حي كيف يأتي الوطء فيكون التقدير: أعطى كل شيء مثل خلقه. ثم حذف المضاف.
قال ابن عباس. معناه: خلق لكل شيء زوجه ثم هداه لمنكحه ومطعمه ومشربه ومسكنه ومولده. وكذلك قال السدي.
وقال الحسن: معناه: تمم لكل شيء خلقه، ثم هداه لما يصلحه.
القرون الماضية وكيف تبعث، فأجابه موسى بعلمها فقال: علمها عند ربي. ثم قال: ﴿فِي كِتَابٍ لاَّ يَضِلُّ رَبِّي وَلاَ يَنسَى﴾ أي علمها في أم الكتاب و ﴿لاَّ يَضِلُّ رَبِّي وَلاَ يَنسَى﴾. نعتان لكتاب. أي: في كتاب غير ضال الله، أي: غير ذاهب عن الله وغير ناس الله له.
وقيل: إن الكلام قد تم عند قوله: "في كتاب" ثم ابتدأ فقال: "لا يضل ربي" أي: لا يهلك.
وقيل: معنى الآية: لا يضل عن ربي علم شيء، ولا ينسى شيئاً.
وقال ابن عباس: لا يخطئ ربي ولا ينسى شيئاً.
وقال ابن عباس وقتادة: لا يخطئ ربي ولا ينسى شيئاً.
وقال قتادة: قوله: ﴿فَمَا بَالُ ٱلْقُرُونِ ٱلأُولَىٰ﴾ أي فما أعمار القرون الأولى. فوكلها موسى إلى الله فقال: ﴿عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي﴾.
وقرأ الحسن وقتادة وعيسى وعاصم الجحدري: ﴿لاَّ يَضِلُّ﴾ بضم الياء وكسر الضاد. أي: لا يضيعه. يقال: ضل فلان منزله يضله إذا أخطأه. وكذلك يقال في كل شيء ثابت، لا يبرح فيخطئه. فإذا ضاع ما يزول بنفسه مثل: دابة، وناقة، وفرس مما ينفلت فيذهب بنفسه، فإنه يقال: أضل فلان بعيره يضله.
* *
ثم قال تعالى: ﴿ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ مَهْداً﴾.
أي: فراشاً يتمهدها الناس، ولم يجعلها خربة خشنة.
ومن قرأ "مهداً" فهو: مصدر وصفت الأرض به. أي: ذات مهد.
وقيل "مهداً" اسم وصفت الأرض به، لأن الناس يتمهدونها فهي لهم كالمهد الذي يعرف.
وقيل: هما لغتان، كاللبس واللباس، والريش والرياش.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلاً﴾ أي: طرقاً.
* *
ثم قال: ﴿وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً﴾ أي: مطراً.
﴿فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجاً﴾ خرج إلى الإخبار عن الله جلّ ذكره، لأن كلام موسى مع فرعون انتهى إلى قوله: "من السماء ماء". ثم أخبر الله تعالى عن نفسه بجميل صنعه لخلقه في معاشهم ومعاش أنعامهم فقال: "فأخرجنا به".
وقيل: كله من كلام موسى، أخبر موسى عن نفسه، ومن معه بالزراعة والمعالجة في الحرث. فالماء هو سبب خروج النبات وبه تم وكمل. والمعالجة في الحرث وغيره لبني آدم بعون الله لهم وأقداره إياهم على ذلك. فلذلك أخبر عن نفسه فقال: فأخرجنا به أزواجاً. وقد قال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ﴾ [الواقعة: ٦٣] فأضاف الحرث إلى الخلق، وهو الزارع المنبث للحرث لا إله إلا هو. أي: أخرجنا بالمطر من الأرض أشباهاً وضروباً من نبات شتى. "وشتى": نعت للنبات أو للأزواج. ومعناه: مختلفة الأطعمة والرائحة والمنظر.
طه 20:52
قوله تعالى: ﴿قَالاَ رَبَّنَآ إِنَّنَا نَخَافُ أَن يَفْرُطَ عَلَيْنَآ﴾. إلى قوله: ﴿خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَىٰ﴾.
أي: قال موسى وهارون: يا ربنا إننا نخاف فرعون إن نحن دعوناه إلى ما أمرتنا به أن يفرط علينا بالعقوبة. أي يعجل علينا ويقدم علينا. وأصله من التقدم. ومنه حديث النبي ﷺ "أنا فرطكم على الحوض
ثم قال تعالى: ﴿لاَ تَخَافَآ إِنَّنِي مَعَكُمَآ أَسْمَعُ وَأَرَىٰ﴾. أي: إنني أعينكما عليه وأبصركما. أسمع ما يجري بينكما وبينه، فألهمكما ما تجاوباه وأرى ما تفعلان ويفعل، فلا أخلي بينكما وبينه.
قال ابن جريج: "أسمع وأرى ما يحاوركما، فأوحي إليكما، فتجاوباه. ثم قال: ﴿فَأْتِيَاهُ فَقُولاۤ إِنَّا رَسُولاَ رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ﴾.
أي: أرسلنا ربك إليك، يأمرك أن ترسل معنا بني إسرائيل، ولا تعذبهم بما تكلفهم من الأعمال الصعبة.
* *
﴿قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكَ﴾.
أي بمعجزة تدل على أنا أرسلنا إليك بذلك إن أنت لم تصدقنا فيما نقول أريناكها ﴿وَٱلسَّلاَمُ عَلَىٰ مَنِ ٱتَّبَعَ ٱلْهُدَىٰ﴾. أي: والسلامة لمن اتبع الهدى.
وليس السلام هنا تحية.
* *
ثم قال: ﴿إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَآ أَنَّ ٱلْعَذَابَ عَلَىٰ مَن كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ﴾.
هذا متصل بما قبله. أي: فقولا لفرعون: إنا رسولا ربك، وقولا له: إنا قد أوحي إلينا أن العذاب على من كذب وتولى. أي: إن عذاب الله الذي لا انقطاع له على من كذب برسله وكتبه، وتولى عن طاعته.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَمَن رَّبُّكُمَا يٰمُوسَىٰ﴾.
هذا كلام فيه حذف واختصار. والتقدير: فأتياه [فقالا] له ما أمرهما به ربهما. فقال لهما فرعون: ﴿فَمَن رَّبُّكُمَا يٰمُوسَىٰ﴾ اكتفى بخطاب موسى من خطاب أخيه من آخر الكلام. وقد خاطبهما جميعاً قبل ذلك في قوله: "ربكما" وإنما جاز ذلك لأن الخطاب إنما يكون من واحد، فردّ الخطاب إلى واحد مثله. وقريب منه "نسيا حوتهما" ولم ينسه إلا فتى موسى وحده. دل على ذلك قوله: ﴿فَإِنِّي نَسِيتُ ٱلْحُوتَ﴾.
* *
ثم قال تعالى: ﴿رَبُّنَا ٱلَّذِيۤ أَعْطَىٰ كُلَّ شَيءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَىٰ﴾. أي: قال موسى: ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه. أي: جعل لك ذكر نظير خلقه من الإناث. ثم هداهم لموضع الوطء الذي فيه النماء والزيادة من الخلق. فهدى كل حي كيف يأتي الوطء فيكون التقدير: أعطى كل شيء مثل خلقه. ثم حذف المضاف.
قال ابن عباس. معناه: خلق لكل شيء زوجه ثم هداه لمنكحه ومطعمه ومشربه ومسكنه ومولده. وكذلك قال السدي.
وقال الحسن: معناه: تمم لكل شيء خلقه، ثم هداه لما يصلحه.
القرون الماضية وكيف تبعث، فأجابه موسى بعلمها فقال: علمها عند ربي. ثم قال: ﴿فِي كِتَابٍ لاَّ يَضِلُّ رَبِّي وَلاَ يَنسَى﴾ أي علمها في أم الكتاب و ﴿لاَّ يَضِلُّ رَبِّي وَلاَ يَنسَى﴾. نعتان لكتاب. أي: في كتاب غير ضال الله، أي: غير ذاهب عن الله وغير ناس الله له.
وقيل: إن الكلام قد تم عند قوله: "في كتاب" ثم ابتدأ فقال: "لا يضل ربي" أي: لا يهلك.
وقيل: معنى الآية: لا يضل عن ربي علم شيء، ولا ينسى شيئاً.
وقال ابن عباس: لا يخطئ ربي ولا ينسى شيئاً.
وقال ابن عباس وقتادة: لا يخطئ ربي ولا ينسى شيئاً.
وقال قتادة: قوله: ﴿فَمَا بَالُ ٱلْقُرُونِ ٱلأُولَىٰ﴾ أي فما أعمار القرون الأولى. فوكلها موسى إلى الله فقال: ﴿عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي﴾.
وقرأ الحسن وقتادة وعيسى وعاصم الجحدري: ﴿لاَّ يَضِلُّ﴾ بضم الياء وكسر الضاد. أي: لا يضيعه. يقال: ضل فلان منزله يضله إذا أخطأه. وكذلك يقال في كل شيء ثابت، لا يبرح فيخطئه. فإذا ضاع ما يزول بنفسه مثل: دابة، وناقة، وفرس مما ينفلت فيذهب بنفسه، فإنه يقال: أضل فلان بعيره يضله.
* *
ثم قال تعالى: ﴿ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ مَهْداً﴾.
أي: فراشاً يتمهدها الناس، ولم يجعلها خربة خشنة.
ومن قرأ "مهداً" فهو: مصدر وصفت الأرض به. أي: ذات مهد.
وقيل "مهداً" اسم وصفت الأرض به، لأن الناس يتمهدونها فهي لهم كالمهد الذي يعرف.
وقيل: هما لغتان، كاللبس واللباس، والريش والرياش.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلاً﴾ أي: طرقاً.
* *
ثم قال: ﴿وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً﴾ أي: مطراً.
﴿فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجاً﴾ خرج إلى الإخبار عن الله جلّ ذكره، لأن كلام موسى مع فرعون انتهى إلى قوله: "من السماء ماء". ثم أخبر الله تعالى عن نفسه بجميل صنعه لخلقه في معاشهم ومعاش أنعامهم فقال: "فأخرجنا به".
وقيل: كله من كلام موسى، أخبر موسى عن نفسه، ومن معه بالزراعة والمعالجة في الحرث. فالماء هو سبب خروج النبات وبه تم وكمل. والمعالجة في الحرث وغيره لبني آدم بعون الله لهم وأقداره إياهم على ذلك. فلذلك أخبر عن نفسه فقال: فأخرجنا به أزواجاً. وقد قال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ﴾ [الواقعة: ٦٣] فأضاف الحرث إلى الخلق، وهو الزارع المنبث للحرث لا إله إلا هو. أي: أخرجنا بالمطر من الأرض أشباهاً وضروباً من نبات شتى. "وشتى": نعت للنبات أو للأزواج. ومعناه: مختلفة الأطعمة والرائحة والمنظر.
طه 20:53
قوله تعالى: ﴿قَالاَ رَبَّنَآ إِنَّنَا نَخَافُ أَن يَفْرُطَ عَلَيْنَآ﴾. إلى قوله: ﴿خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَىٰ﴾.
أي: قال موسى وهارون: يا ربنا إننا نخاف فرعون إن نحن دعوناه إلى ما أمرتنا به أن يفرط علينا بالعقوبة. أي يعجل علينا ويقدم علينا. وأصله من التقدم. ومنه حديث النبي ﷺ "أنا فرطكم على الحوض
ثم قال تعالى: ﴿لاَ تَخَافَآ إِنَّنِي مَعَكُمَآ أَسْمَعُ وَأَرَىٰ﴾. أي: إنني أعينكما عليه وأبصركما. أسمع ما يجري بينكما وبينه، فألهمكما ما تجاوباه وأرى ما تفعلان ويفعل، فلا أخلي بينكما وبينه.
قال ابن جريج: "أسمع وأرى ما يحاوركما، فأوحي إليكما، فتجاوباه. ثم قال: ﴿فَأْتِيَاهُ فَقُولاۤ إِنَّا رَسُولاَ رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ﴾.
أي: أرسلنا ربك إليك، يأمرك أن ترسل معنا بني إسرائيل، ولا تعذبهم بما تكلفهم من الأعمال الصعبة.
* *
﴿قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكَ﴾.
أي بمعجزة تدل على أنا أرسلنا إليك بذلك إن أنت لم تصدقنا فيما نقول أريناكها ﴿وَٱلسَّلاَمُ عَلَىٰ مَنِ ٱتَّبَعَ ٱلْهُدَىٰ﴾. أي: والسلامة لمن اتبع الهدى.
وليس السلام هنا تحية.
* *
ثم قال: ﴿إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَآ أَنَّ ٱلْعَذَابَ عَلَىٰ مَن كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ﴾.
هذا متصل بما قبله. أي: فقولا لفرعون: إنا رسولا ربك، وقولا له: إنا قد أوحي إلينا أن العذاب على من كذب وتولى. أي: إن عذاب الله الذي لا انقطاع له على من كذب برسله وكتبه، وتولى عن طاعته.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَمَن رَّبُّكُمَا يٰمُوسَىٰ﴾.
هذا كلام فيه حذف واختصار. والتقدير: فأتياه [فقالا] له ما أمرهما به ربهما. فقال لهما فرعون: ﴿فَمَن رَّبُّكُمَا يٰمُوسَىٰ﴾ اكتفى بخطاب موسى من خطاب أخيه من آخر الكلام. وقد خاطبهما جميعاً قبل ذلك في قوله: "ربكما" وإنما جاز ذلك لأن الخطاب إنما يكون من واحد، فردّ الخطاب إلى واحد مثله. وقريب منه "نسيا حوتهما" ولم ينسه إلا فتى موسى وحده. دل على ذلك قوله: ﴿فَإِنِّي نَسِيتُ ٱلْحُوتَ﴾.
* *
ثم قال تعالى: ﴿رَبُّنَا ٱلَّذِيۤ أَعْطَىٰ كُلَّ شَيءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَىٰ﴾. أي: قال موسى: ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه. أي: جعل لك ذكر نظير خلقه من الإناث. ثم هداهم لموضع الوطء الذي فيه النماء والزيادة من الخلق. فهدى كل حي كيف يأتي الوطء فيكون التقدير: أعطى كل شيء مثل خلقه. ثم حذف المضاف.
قال ابن عباس. معناه: خلق لكل شيء زوجه ثم هداه لمنكحه ومطعمه ومشربه ومسكنه ومولده. وكذلك قال السدي.
وقال الحسن: معناه: تمم لكل شيء خلقه، ثم هداه لما يصلحه.
القرون الماضية وكيف تبعث، فأجابه موسى بعلمها فقال: علمها عند ربي. ثم قال: ﴿فِي كِتَابٍ لاَّ يَضِلُّ رَبِّي وَلاَ يَنسَى﴾ أي علمها في أم الكتاب و ﴿لاَّ يَضِلُّ رَبِّي وَلاَ يَنسَى﴾. نعتان لكتاب. أي: في كتاب غير ضال الله، أي: غير ذاهب عن الله وغير ناس الله له.
وقيل: إن الكلام قد تم عند قوله: "في كتاب" ثم ابتدأ فقال: "لا يضل ربي" أي: لا يهلك.
وقيل: معنى الآية: لا يضل عن ربي علم شيء، ولا ينسى شيئاً.
وقال ابن عباس: لا يخطئ ربي ولا ينسى شيئاً.
وقال ابن عباس وقتادة: لا يخطئ ربي ولا ينسى شيئاً.
وقال قتادة: قوله: ﴿فَمَا بَالُ ٱلْقُرُونِ ٱلأُولَىٰ﴾ أي فما أعمار القرون الأولى. فوكلها موسى إلى الله فقال: ﴿عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي﴾.
وقرأ الحسن وقتادة وعيسى وعاصم الجحدري: ﴿لاَّ يَضِلُّ﴾ بضم الياء وكسر الضاد. أي: لا يضيعه. يقال: ضل فلان منزله يضله إذا أخطأه. وكذلك يقال في كل شيء ثابت، لا يبرح فيخطئه. فإذا ضاع ما يزول بنفسه مثل: دابة، وناقة، وفرس مما ينفلت فيذهب بنفسه، فإنه يقال: أضل فلان بعيره يضله.
* *
ثم قال تعالى: ﴿ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ مَهْداً﴾.
أي: فراشاً يتمهدها الناس، ولم يجعلها خربة خشنة.
ومن قرأ "مهداً" فهو: مصدر وصفت الأرض به. أي: ذات مهد.
وقيل "مهداً" اسم وصفت الأرض به، لأن الناس يتمهدونها فهي لهم كالمهد الذي يعرف.
وقيل: هما لغتان، كاللبس واللباس، والريش والرياش.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلاً﴾ أي: طرقاً.
* *
ثم قال: ﴿وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً﴾ أي: مطراً.
﴿فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجاً﴾ خرج إلى الإخبار عن الله جلّ ذكره، لأن كلام موسى مع فرعون انتهى إلى قوله: "من السماء ماء". ثم أخبر الله تعالى عن نفسه بجميل صنعه لخلقه في معاشهم ومعاش أنعامهم فقال: "فأخرجنا به".
وقيل: كله من كلام موسى، أخبر موسى عن نفسه، ومن معه بالزراعة والمعالجة في الحرث. فالماء هو سبب خروج النبات وبه تم وكمل. والمعالجة في الحرث وغيره لبني آدم بعون الله لهم وأقداره إياهم على ذلك. فلذلك أخبر عن نفسه فقال: فأخرجنا به أزواجاً. وقد قال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ﴾ [الواقعة: ٦٣] فأضاف الحرث إلى الخلق، وهو الزارع المنبث للحرث لا إله إلا هو. أي: أخرجنا بالمطر من الأرض أشباهاً وضروباً من نبات شتى. "وشتى": نعت للنبات أو للأزواج. ومعناه: مختلفة الأطعمة والرائحة والمنظر.
طه 20:54
قوله تعالى: ﴿كُلُواْ وَٱرْعَوْا أَنْعَامَكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿وَأَن يُحْشَرَ ٱلنَّاسُ ضُحًى﴾.
أي: كلوا من طيبات ما أخرجنا لكم بالغيث وارعوا أنعامكم فيه. ﴿إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَاتٍ لأُوْلِي ٱلنُّهَىٰ﴾ أي: إن في قدرة الله وسلطانه لعلامات لأولي العقول. أي: لأصحاب العقول.
قال قتادة: "لأولي النهى" لأولي الورع.
"والنهى" جمع نهية. يقال: فلان ذو نهية. أي ذو عقل. وخص أهل النهى بذلك، لأنهم أهل التفكير والاعتبار والتدبر والاتعاض.
* *
ثم قال تعالى: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ﴾.
أي: من الأرض خلقنا أصلكم. وهو آدم، وفي الأرض نعيدكم بعد الموت، ومن الأرض نخرجكم عند البعث في القيامة أحياء كما كنتم "تارة أخرى" أي: مرة أخرى.
قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: "إذا قبض الملك روح المؤمن عرج به إلى السماء فقال: قد قبضت روح فلان. فيقول الله عز وجل: ردّ بها. أي: قد وعدته ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَىٰ﴾. قال: فإنه ليسمع صوت نعالهم (إذا ولوا مدبرين).
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرَيْنَاهُ آيَاتِنَا كُلَّهَا﴾ أي: أرينا فرعون أدلتنا وحججنا التي أعطينا موسى وهارون كلها عياناً، فكذب بها وأبى أن يؤمن، استكباراً وعتواً.
* *
ثم قال: ﴿قَالَ أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ يٰمُوسَىٰ﴾ أي: قال فرعون لموسى لما رأى الآيات: ﴿أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ يٰمُوسَىٰ * فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِّثْلِهِ فَٱجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِداً لاَّ نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلاَ أَنتَ مَكَاناً سُوًى﴾ أي: مكاناً عدلاً نصفاً لنا ولك، قاله قتادة.
وقال مجاهد: "مكانا منصفاً بينهم".
وقال ابن زيد: مكاناً مستوياً يتبين للناس ما فيه لا صبب ولا نشز، فيغيب بعض ذلك عن بعض.
وقيل: معناه: مكاناً سوى ذلك المكان الذي كانوا فيه، فيكون الأحسن على هذا المعنى كسر السين. وعلى المعاني المتقدمة الضم. والكسر في السين لغتان بمعنى، وفي العدل لغة أخرى، وهي فتح السين والمد، ومنه قوله: ﴿إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَآءٍ بَيْنَنَا﴾ [آل عمران: ٦٤] أي: عدل.
* *
ثم قال تعالى: ﴿قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ ٱلزِّينَةِ وَأَن يُحْشَرَ ٱلنَّاسُ ضُحًى﴾.
أي: قال موسى لفرعون - حين سأله فرعون الاجتماع - موعدكم يوم الزينة. يعني يوم عيد كان لهم.
وقيل: يوم سوق كان لهم يتزينون فيه.
﴿وَأَن يُحْشَرَ ٱلنَّاسُ ضُحًى﴾ أي يساق الناس ويجمعون من كل فج وناحية. والتقدير: وقت موعدكم يوم الزينة.
وقد قرأ الحسن "يوم" بالنصب على الظرف على غير حذف. أي: موعدكم في هذا اليوم. أي: موعدكم يقع يوم الزينة "وأن يحشر الناس".
إن في موضع رفع عطف على يوم على قراءة من رفع. أي: وقت موعدكم يوم الزينة، ووقت حشر الناس. واختار النحاس أن تكون "وإن" في موضع خفض عطفاً على الزينة.
قال السدي: "يوم الزينة يوم عيد لهم".
وقال ابن جبير: "هو يوم سوق لهم".
* *
وقوله: ﴿وَأَن يُحْشَرَ ٱلنَّاسُ ضُحًى﴾ أي يجتمعون في ذلك الوقت في الموضع.
وعن ابن عباس أنه قال: "يوم الزينة، كان يوم عاشوراء. وكذلك روى الأعمش.
والضحى، مؤنثة. وتصغيرها بغير هاء، لئلا تشبه تصغير ضحوة.
وقرأ الحسن: ﴿وَأَن يُحْشَرَ ٱلنَّاسُ ضُحًى﴾ بفتح الياء وضم الشين، ونصب الناس، على تقدير: وأن يحشر فرعون الناس ضحى.
طه 20:55
قوله تعالى: ﴿كُلُواْ وَٱرْعَوْا أَنْعَامَكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿وَأَن يُحْشَرَ ٱلنَّاسُ ضُحًى﴾.
أي: كلوا من طيبات ما أخرجنا لكم بالغيث وارعوا أنعامكم فيه. ﴿إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَاتٍ لأُوْلِي ٱلنُّهَىٰ﴾ أي: إن في قدرة الله وسلطانه لعلامات لأولي العقول. أي: لأصحاب العقول.
قال قتادة: "لأولي النهى" لأولي الورع.
"والنهى" جمع نهية. يقال: فلان ذو نهية. أي ذو عقل. وخص أهل النهى بذلك، لأنهم أهل التفكير والاعتبار والتدبر والاتعاض.
* *
ثم قال تعالى: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ﴾.
أي: من الأرض خلقنا أصلكم. وهو آدم، وفي الأرض نعيدكم بعد الموت، ومن الأرض نخرجكم عند البعث في القيامة أحياء كما كنتم "تارة أخرى" أي: مرة أخرى.
قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: "إذا قبض الملك روح المؤمن عرج به إلى السماء فقال: قد قبضت روح فلان. فيقول الله عز وجل: ردّ بها. أي: قد وعدته ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَىٰ﴾. قال: فإنه ليسمع صوت نعالهم (إذا ولوا مدبرين).
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرَيْنَاهُ آيَاتِنَا كُلَّهَا﴾ أي: أرينا فرعون أدلتنا وحججنا التي أعطينا موسى وهارون كلها عياناً، فكذب بها وأبى أن يؤمن، استكباراً وعتواً.
* *
ثم قال: ﴿قَالَ أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ يٰمُوسَىٰ﴾ أي: قال فرعون لموسى لما رأى الآيات: ﴿أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ يٰمُوسَىٰ * فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِّثْلِهِ فَٱجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِداً لاَّ نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلاَ أَنتَ مَكَاناً سُوًى﴾ أي: مكاناً عدلاً نصفاً لنا ولك، قاله قتادة.
وقال مجاهد: "مكانا منصفاً بينهم".
وقال ابن زيد: مكاناً مستوياً يتبين للناس ما فيه لا صبب ولا نشز، فيغيب بعض ذلك عن بعض.
وقيل: معناه: مكاناً سوى ذلك المكان الذي كانوا فيه، فيكون الأحسن على هذا المعنى كسر السين. وعلى المعاني المتقدمة الضم. والكسر في السين لغتان بمعنى، وفي العدل لغة أخرى، وهي فتح السين والمد، ومنه قوله: ﴿إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَآءٍ بَيْنَنَا﴾ [آل عمران: ٦٤] أي: عدل.
* *
ثم قال تعالى: ﴿قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ ٱلزِّينَةِ وَأَن يُحْشَرَ ٱلنَّاسُ ضُحًى﴾.
أي: قال موسى لفرعون - حين سأله فرعون الاجتماع - موعدكم يوم الزينة. يعني يوم عيد كان لهم.
وقيل: يوم سوق كان لهم يتزينون فيه.
﴿وَأَن يُحْشَرَ ٱلنَّاسُ ضُحًى﴾ أي يساق الناس ويجمعون من كل فج وناحية. والتقدير: وقت موعدكم يوم الزينة.
وقد قرأ الحسن "يوم" بالنصب على الظرف على غير حذف. أي: موعدكم في هذا اليوم. أي: موعدكم يقع يوم الزينة "وأن يحشر الناس".
إن في موضع رفع عطف على يوم على قراءة من رفع. أي: وقت موعدكم يوم الزينة، ووقت حشر الناس. واختار النحاس أن تكون "وإن" في موضع خفض عطفاً على الزينة.
قال السدي: "يوم الزينة يوم عيد لهم".
وقال ابن جبير: "هو يوم سوق لهم".
* *
وقوله: ﴿وَأَن يُحْشَرَ ٱلنَّاسُ ضُحًى﴾ أي يجتمعون في ذلك الوقت في الموضع.
وعن ابن عباس أنه قال: "يوم الزينة، كان يوم عاشوراء. وكذلك روى الأعمش.
والضحى، مؤنثة. وتصغيرها بغير هاء، لئلا تشبه تصغير ضحوة.
وقرأ الحسن: ﴿وَأَن يُحْشَرَ ٱلنَّاسُ ضُحًى﴾ بفتح الياء وضم الشين، ونصب الناس، على تقدير: وأن يحشر فرعون الناس ضحى.
طه 20:56
قوله تعالى: ﴿كُلُواْ وَٱرْعَوْا أَنْعَامَكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿وَأَن يُحْشَرَ ٱلنَّاسُ ضُحًى﴾.
أي: كلوا من طيبات ما أخرجنا لكم بالغيث وارعوا أنعامكم فيه. ﴿إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَاتٍ لأُوْلِي ٱلنُّهَىٰ﴾ أي: إن في قدرة الله وسلطانه لعلامات لأولي العقول. أي: لأصحاب العقول.
قال قتادة: "لأولي النهى" لأولي الورع.
"والنهى" جمع نهية. يقال: فلان ذو نهية. أي ذو عقل. وخص أهل النهى بذلك، لأنهم أهل التفكير والاعتبار والتدبر والاتعاض.
* *
ثم قال تعالى: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ﴾.
أي: من الأرض خلقنا أصلكم. وهو آدم، وفي الأرض نعيدكم بعد الموت، ومن الأرض نخرجكم عند البعث في القيامة أحياء كما كنتم "تارة أخرى" أي: مرة أخرى.
قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: "إذا قبض الملك روح المؤمن عرج به إلى السماء فقال: قد قبضت روح فلان. فيقول الله عز وجل: ردّ بها. أي: قد وعدته ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَىٰ﴾. قال: فإنه ليسمع صوت نعالهم (إذا ولوا مدبرين).
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرَيْنَاهُ آيَاتِنَا كُلَّهَا﴾ أي: أرينا فرعون أدلتنا وحججنا التي أعطينا موسى وهارون كلها عياناً، فكذب بها وأبى أن يؤمن، استكباراً وعتواً.
* *
ثم قال: ﴿قَالَ أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ يٰمُوسَىٰ﴾ أي: قال فرعون لموسى لما رأى الآيات: ﴿أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ يٰمُوسَىٰ * فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِّثْلِهِ فَٱجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِداً لاَّ نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلاَ أَنتَ مَكَاناً سُوًى﴾ أي: مكاناً عدلاً نصفاً لنا ولك، قاله قتادة.
وقال مجاهد: "مكانا منصفاً بينهم".
وقال ابن زيد: مكاناً مستوياً يتبين للناس ما فيه لا صبب ولا نشز، فيغيب بعض ذلك عن بعض.
وقيل: معناه: مكاناً سوى ذلك المكان الذي كانوا فيه، فيكون الأحسن على هذا المعنى كسر السين. وعلى المعاني المتقدمة الضم. والكسر في السين لغتان بمعنى، وفي العدل لغة أخرى، وهي فتح السين والمد، ومنه قوله: ﴿إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَآءٍ بَيْنَنَا﴾ [آل عمران: ٦٤] أي: عدل.
* *
ثم قال تعالى: ﴿قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ ٱلزِّينَةِ وَأَن يُحْشَرَ ٱلنَّاسُ ضُحًى﴾.
أي: قال موسى لفرعون - حين سأله فرعون الاجتماع - موعدكم يوم الزينة. يعني يوم عيد كان لهم.
وقيل: يوم سوق كان لهم يتزينون فيه.
﴿وَأَن يُحْشَرَ ٱلنَّاسُ ضُحًى﴾ أي يساق الناس ويجمعون من كل فج وناحية. والتقدير: وقت موعدكم يوم الزينة.
وقد قرأ الحسن "يوم" بالنصب على الظرف على غير حذف. أي: موعدكم في هذا اليوم. أي: موعدكم يقع يوم الزينة "وأن يحشر الناس".
إن في موضع رفع عطف على يوم على قراءة من رفع. أي: وقت موعدكم يوم الزينة، ووقت حشر الناس. واختار النحاس أن تكون "وإن" في موضع خفض عطفاً على الزينة.
قال السدي: "يوم الزينة يوم عيد لهم".
وقال ابن جبير: "هو يوم سوق لهم".
* *
وقوله: ﴿وَأَن يُحْشَرَ ٱلنَّاسُ ضُحًى﴾ أي يجتمعون في ذلك الوقت في الموضع.
وعن ابن عباس أنه قال: "يوم الزينة، كان يوم عاشوراء. وكذلك روى الأعمش.
والضحى، مؤنثة. وتصغيرها بغير هاء، لئلا تشبه تصغير ضحوة.
وقرأ الحسن: ﴿وَأَن يُحْشَرَ ٱلنَّاسُ ضُحًى﴾ بفتح الياء وضم الشين، ونصب الناس، على تقدير: وأن يحشر فرعون الناس ضحى.
طه 20:57
قوله تعالى: ﴿كُلُواْ وَٱرْعَوْا أَنْعَامَكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿وَأَن يُحْشَرَ ٱلنَّاسُ ضُحًى﴾.
أي: كلوا من طيبات ما أخرجنا لكم بالغيث وارعوا أنعامكم فيه. ﴿إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَاتٍ لأُوْلِي ٱلنُّهَىٰ﴾ أي: إن في قدرة الله وسلطانه لعلامات لأولي العقول. أي: لأصحاب العقول.
قال قتادة: "لأولي النهى" لأولي الورع.
"والنهى" جمع نهية. يقال: فلان ذو نهية. أي ذو عقل. وخص أهل النهى بذلك، لأنهم أهل التفكير والاعتبار والتدبر والاتعاض.
* *
ثم قال تعالى: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ﴾.
أي: من الأرض خلقنا أصلكم. وهو آدم، وفي الأرض نعيدكم بعد الموت، ومن الأرض نخرجكم عند البعث في القيامة أحياء كما كنتم "تارة أخرى" أي: مرة أخرى.
قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: "إذا قبض الملك روح المؤمن عرج به إلى السماء فقال: قد قبضت روح فلان. فيقول الله عز وجل: ردّ بها. أي: قد وعدته ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَىٰ﴾. قال: فإنه ليسمع صوت نعالهم (إذا ولوا مدبرين).
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرَيْنَاهُ آيَاتِنَا كُلَّهَا﴾ أي: أرينا فرعون أدلتنا وحججنا التي أعطينا موسى وهارون كلها عياناً، فكذب بها وأبى أن يؤمن، استكباراً وعتواً.
* *
ثم قال: ﴿قَالَ أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ يٰمُوسَىٰ﴾ أي: قال فرعون لموسى لما رأى الآيات: ﴿أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ يٰمُوسَىٰ * فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِّثْلِهِ فَٱجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِداً لاَّ نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلاَ أَنتَ مَكَاناً سُوًى﴾ أي: مكاناً عدلاً نصفاً لنا ولك، قاله قتادة.
وقال مجاهد: "مكانا منصفاً بينهم".
وقال ابن زيد: مكاناً مستوياً يتبين للناس ما فيه لا صبب ولا نشز، فيغيب بعض ذلك عن بعض.
وقيل: معناه: مكاناً سوى ذلك المكان الذي كانوا فيه، فيكون الأحسن على هذا المعنى كسر السين. وعلى المعاني المتقدمة الضم. والكسر في السين لغتان بمعنى، وفي العدل لغة أخرى، وهي فتح السين والمد، ومنه قوله: ﴿إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَآءٍ بَيْنَنَا﴾ [آل عمران: ٦٤] أي: عدل.
* *
ثم قال تعالى: ﴿قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ ٱلزِّينَةِ وَأَن يُحْشَرَ ٱلنَّاسُ ضُحًى﴾.
أي: قال موسى لفرعون - حين سأله فرعون الاجتماع - موعدكم يوم الزينة. يعني يوم عيد كان لهم.
وقيل: يوم سوق كان لهم يتزينون فيه.
﴿وَأَن يُحْشَرَ ٱلنَّاسُ ضُحًى﴾ أي يساق الناس ويجمعون من كل فج وناحية. والتقدير: وقت موعدكم يوم الزينة.
وقد قرأ الحسن "يوم" بالنصب على الظرف على غير حذف. أي: موعدكم في هذا اليوم. أي: موعدكم يقع يوم الزينة "وأن يحشر الناس".
إن في موضع رفع عطف على يوم على قراءة من رفع. أي: وقت موعدكم يوم الزينة، ووقت حشر الناس. واختار النحاس أن تكون "وإن" في موضع خفض عطفاً على الزينة.
قال السدي: "يوم الزينة يوم عيد لهم".
وقال ابن جبير: "هو يوم سوق لهم".
* *
وقوله: ﴿وَأَن يُحْشَرَ ٱلنَّاسُ ضُحًى﴾ أي يجتمعون في ذلك الوقت في الموضع.
وعن ابن عباس أنه قال: "يوم الزينة، كان يوم عاشوراء. وكذلك روى الأعمش.
والضحى، مؤنثة. وتصغيرها بغير هاء، لئلا تشبه تصغير ضحوة.
وقرأ الحسن: ﴿وَأَن يُحْشَرَ ٱلنَّاسُ ضُحًى﴾ بفتح الياء وضم الشين، ونصب الناس، على تقدير: وأن يحشر فرعون الناس ضحى.
طه 20:58
قوله تعالى: ﴿كُلُواْ وَٱرْعَوْا أَنْعَامَكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿وَأَن يُحْشَرَ ٱلنَّاسُ ضُحًى﴾.
أي: كلوا من طيبات ما أخرجنا لكم بالغيث وارعوا أنعامكم فيه. ﴿إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَاتٍ لأُوْلِي ٱلنُّهَىٰ﴾ أي: إن في قدرة الله وسلطانه لعلامات لأولي العقول. أي: لأصحاب العقول.
قال قتادة: "لأولي النهى" لأولي الورع.
"والنهى" جمع نهية. يقال: فلان ذو نهية. أي ذو عقل. وخص أهل النهى بذلك، لأنهم أهل التفكير والاعتبار والتدبر والاتعاض.
* *
ثم قال تعالى: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ﴾.
أي: من الأرض خلقنا أصلكم. وهو آدم، وفي الأرض نعيدكم بعد الموت، ومن الأرض نخرجكم عند البعث في القيامة أحياء كما كنتم "تارة أخرى" أي: مرة أخرى.
قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: "إذا قبض الملك روح المؤمن عرج به إلى السماء فقال: قد قبضت روح فلان. فيقول الله عز وجل: ردّ بها. أي: قد وعدته ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَىٰ﴾. قال: فإنه ليسمع صوت نعالهم (إذا ولوا مدبرين).
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرَيْنَاهُ آيَاتِنَا كُلَّهَا﴾ أي: أرينا فرعون أدلتنا وحججنا التي أعطينا موسى وهارون كلها عياناً، فكذب بها وأبى أن يؤمن، استكباراً وعتواً.
* *
ثم قال: ﴿قَالَ أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ يٰمُوسَىٰ﴾ أي: قال فرعون لموسى لما رأى الآيات: ﴿أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ يٰمُوسَىٰ * فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِّثْلِهِ فَٱجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِداً لاَّ نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلاَ أَنتَ مَكَاناً سُوًى﴾ أي: مكاناً عدلاً نصفاً لنا ولك، قاله قتادة.
وقال مجاهد: "مكانا منصفاً بينهم".
وقال ابن زيد: مكاناً مستوياً يتبين للناس ما فيه لا صبب ولا نشز، فيغيب بعض ذلك عن بعض.
وقيل: معناه: مكاناً سوى ذلك المكان الذي كانوا فيه، فيكون الأحسن على هذا المعنى كسر السين. وعلى المعاني المتقدمة الضم. والكسر في السين لغتان بمعنى، وفي العدل لغة أخرى، وهي فتح السين والمد، ومنه قوله: ﴿إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَآءٍ بَيْنَنَا﴾ [آل عمران: ٦٤] أي: عدل.
* *
ثم قال تعالى: ﴿قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ ٱلزِّينَةِ وَأَن يُحْشَرَ ٱلنَّاسُ ضُحًى﴾.
أي: قال موسى لفرعون - حين سأله فرعون الاجتماع - موعدكم يوم الزينة. يعني يوم عيد كان لهم.
وقيل: يوم سوق كان لهم يتزينون فيه.
﴿وَأَن يُحْشَرَ ٱلنَّاسُ ضُحًى﴾ أي يساق الناس ويجمعون من كل فج وناحية. والتقدير: وقت موعدكم يوم الزينة.
وقد قرأ الحسن "يوم" بالنصب على الظرف على غير حذف. أي: موعدكم في هذا اليوم. أي: موعدكم يقع يوم الزينة "وأن يحشر الناس".
إن في موضع رفع عطف على يوم على قراءة من رفع. أي: وقت موعدكم يوم الزينة، ووقت حشر الناس. واختار النحاس أن تكون "وإن" في موضع خفض عطفاً على الزينة.
قال السدي: "يوم الزينة يوم عيد لهم".
وقال ابن جبير: "هو يوم سوق لهم".
* *
وقوله: ﴿وَأَن يُحْشَرَ ٱلنَّاسُ ضُحًى﴾ أي يجتمعون في ذلك الوقت في الموضع.
وعن ابن عباس أنه قال: "يوم الزينة، كان يوم عاشوراء. وكذلك روى الأعمش.
والضحى، مؤنثة. وتصغيرها بغير هاء، لئلا تشبه تصغير ضحوة.
وقرأ الحسن: ﴿وَأَن يُحْشَرَ ٱلنَّاسُ ضُحًى﴾ بفتح الياء وضم الشين، ونصب الناس، على تقدير: وأن يحشر فرعون الناس ضحى.
طه 20:59
قوله تعالى: ﴿كُلُواْ وَٱرْعَوْا أَنْعَامَكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿وَأَن يُحْشَرَ ٱلنَّاسُ ضُحًى﴾.
أي: كلوا من طيبات ما أخرجنا لكم بالغيث وارعوا أنعامكم فيه. ﴿إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَاتٍ لأُوْلِي ٱلنُّهَىٰ﴾ أي: إن في قدرة الله وسلطانه لعلامات لأولي العقول. أي: لأصحاب العقول.
قال قتادة: "لأولي النهى" لأولي الورع.
"والنهى" جمع نهية. يقال: فلان ذو نهية. أي ذو عقل. وخص أهل النهى بذلك، لأنهم أهل التفكير والاعتبار والتدبر والاتعاض.
* *
ثم قال تعالى: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ﴾.
أي: من الأرض خلقنا أصلكم. وهو آدم، وفي الأرض نعيدكم بعد الموت، ومن الأرض نخرجكم عند البعث في القيامة أحياء كما كنتم "تارة أخرى" أي: مرة أخرى.
قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: "إذا قبض الملك روح المؤمن عرج به إلى السماء فقال: قد قبضت روح فلان. فيقول الله عز وجل: ردّ بها. أي: قد وعدته ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَىٰ﴾. قال: فإنه ليسمع صوت نعالهم (إذا ولوا مدبرين).
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرَيْنَاهُ آيَاتِنَا كُلَّهَا﴾ أي: أرينا فرعون أدلتنا وحججنا التي أعطينا موسى وهارون كلها عياناً، فكذب بها وأبى أن يؤمن، استكباراً وعتواً.
* *
ثم قال: ﴿قَالَ أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ يٰمُوسَىٰ﴾ أي: قال فرعون لموسى لما رأى الآيات: ﴿أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ يٰمُوسَىٰ * فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِّثْلِهِ فَٱجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِداً لاَّ نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلاَ أَنتَ مَكَاناً سُوًى﴾ أي: مكاناً عدلاً نصفاً لنا ولك، قاله قتادة.
وقال مجاهد: "مكانا منصفاً بينهم".
وقال ابن زيد: مكاناً مستوياً يتبين للناس ما فيه لا صبب ولا نشز، فيغيب بعض ذلك عن بعض.
وقيل: معناه: مكاناً سوى ذلك المكان الذي كانوا فيه، فيكون الأحسن على هذا المعنى كسر السين. وعلى المعاني المتقدمة الضم. والكسر في السين لغتان بمعنى، وفي العدل لغة أخرى، وهي فتح السين والمد، ومنه قوله: ﴿إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَآءٍ بَيْنَنَا﴾ [آل عمران: ٦٤] أي: عدل.
* *
ثم قال تعالى: ﴿قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ ٱلزِّينَةِ وَأَن يُحْشَرَ ٱلنَّاسُ ضُحًى﴾.
أي: قال موسى لفرعون - حين سأله فرعون الاجتماع - موعدكم يوم الزينة. يعني يوم عيد كان لهم.
وقيل: يوم سوق كان لهم يتزينون فيه.
﴿وَأَن يُحْشَرَ ٱلنَّاسُ ضُحًى﴾ أي يساق الناس ويجمعون من كل فج وناحية. والتقدير: وقت موعدكم يوم الزينة.
وقد قرأ الحسن "يوم" بالنصب على الظرف على غير حذف. أي: موعدكم في هذا اليوم. أي: موعدكم يقع يوم الزينة "وأن يحشر الناس".
إن في موضع رفع عطف على يوم على قراءة من رفع. أي: وقت موعدكم يوم الزينة، ووقت حشر الناس. واختار النحاس أن تكون "وإن" في موضع خفض عطفاً على الزينة.
قال السدي: "يوم الزينة يوم عيد لهم".
وقال ابن جبير: "هو يوم سوق لهم".
* *
وقوله: ﴿وَأَن يُحْشَرَ ٱلنَّاسُ ضُحًى﴾ أي يجتمعون في ذلك الوقت في الموضع.
وعن ابن عباس أنه قال: "يوم الزينة، كان يوم عاشوراء. وكذلك روى الأعمش.
والضحى، مؤنثة. وتصغيرها بغير هاء، لئلا تشبه تصغير ضحوة.
وقرأ الحسن: ﴿وَأَن يُحْشَرَ ٱلنَّاسُ ضُحًى﴾ بفتح الياء وضم الشين، ونصب الناس، على تقدير: وأن يحشر فرعون الناس ضحى.
طه 20:60
قوله تعالى ذكره: ﴿فَتَوَلَّىٰ فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أَتَىٰ﴾. إلى قوله: ﴿وَقَدْ أَفْلَحَ ٱلْيَوْمَ مَنِ ٱسْتَعْلَىٰ﴾.
أي: فأدبر فرعون معرضاً عن موسى وعما جاءه به من الحق، فجمع مكره وسحرته، ثم أتى للموعد. قال لهم موسى لما أتوا: ﴿لاَ تَفْتَرُواْ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً﴾. ﴿وَيْلَكُمْ﴾ نصب على المصدر. وقيل على إضمار فعل. أي: ألزمكم الله ويلاً. وقيل: نصبه على النداء المضاف.
* *
﴿لاَ تَفْتَرُواْ﴾ أي: لا تختلقوا الكذب على الله. أي: لا تقولوا: إن الذي جئتكم به من عند الله سحر، ﴿فَيُسْحِتَكُم بِعَذَابٍ﴾.
قال ابن عباس: معناه: "فيهلككم".
وقال ابن زيد: معناه: (فيهلككم هلاكاً ليس فيه بقية).
وقال قتادة: "فيستأصلكم بالهلاك". وفيه لغتان: سحته واسحته، إذا أهلكه وأمحقه، وقد قرئ بهما جميعاً.
* *
ثم قال: ﴿وَقَدْ خَابَ مَنِ ٱفْتَرَىٰ﴾.
أي: خاب من الرحمة والثواب، من اختلق الكذب.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَتَنَازَعُوۤاْ أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ وَأَسَرُّواْ ٱلنَّجْوَىٰ﴾.
أي: تنازع السحرة فيما بينهم.
قال قتادة: "قال السحرة بعضهم لبعض: إن كان هذا ساحراً، فسنغلبه وإن كان من السماء، فله أمر" وهو قوله: ﴿وَأَسَرُّواْ ٱلنَّجْوَىٰ﴾.
قال وهب: "جمع كل ساحر حباله وعصيه، وخرج موسى، معه أخوه يتكئ على عصاه حتى أتى الجمع، وفرعون في مجلسه، معه أشراف أهل مملكته، فقال موسى للسحرة حين جاءهم: ﴿وَيْلَكُمْ لاَ تَفْتَرُواْ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً﴾ فترادد السحرة بينهم، وقالوا: ما هذا بقول ساحر. وهو قوله: ﴿وَأَسَرُّواْ ٱلنَّجْوَىٰ﴾ أي أسر السحرة المناجاة بينهم.
وقال وهب: كان سرهم: ﴿إِنْ هَـٰذَانِ لَسَاحِرَانِ﴾ إلى قوله: ﴿مَنِ ٱسْتَعْلَىٰ﴾. وكذلك قال السدي.
ثم قال تعالى ذكره: ﴿قَالُوۤاْ إِنْ هَـٰذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَن يُخْرِجَاكُمْ مِّنْ أَرْضِكُمْ﴾.
أي: قالت السحرة في سرهم وتناجيهم: إن موسى وهارون ساحران يريدان أن يخرجاكم من أرضكم بسحرهما.
وفي حرف ابن مسعود "إن هذان إلا ساحران": أي: ما هذان يخفف "إن" يجعلها بمعنى ما.
ومن شدد "إن" ورفع "هذان"، فقد خرج العلماء فيها سبعة أقوال: فالأول: أن يكون بمعنى نعم. حكى سيبويه أن "إن" تأتي بمعنى أجل. واختار هذا القول المبرد وإسماعيل القاضي والزجاج وعلي بن سليمان.
واستبعد الزجاج قراءة أبي عمرو "إن هذين" لمخالفتها للمصحف.
وقال علي بن أبي طالب: لا أحصي كم سمعت رسول الله ﷺ على منبره يقول: إن الحمدُ لله نحمده ونستعينه، يعني يرفع الحمد يجعل "إن" بمعنى "أجل". ومعنى: أجل: نعم. ثم يقول: أنا أفصح قريش كلها، وأفصحها بعدي سعيد بن إبان بن العاصي. وكذلك كانت خطباء الجاهلية تفتتح خطبها بـ "نعم"، وكذلك وقعت في أشعارها. قال الشاعر:
؎ قالت غدرت، فقلت: إن وربما ∗∗∗ نال العُلي وشقى الخليل الغادر
وقال ابن قيس الرقيات:
؎ بكرت على عواذ لي ∗∗∗ يلحينني وألومهنه
؎ ويقلن شيب قد علاك ∗∗∗ وقد كبرت فقلت إنه
وأنشد ثعلب:
؎ ليت شعري هل للمحب شفاء ∗∗∗ من جوى حبهن إن اللقاء.
أي: نعم.
فهذا قول حسن لولا دخول اللام في الخبر.
وقد قيل: إن اللام يراد بها التقديم، وهو أيضاً بعيد، إنما يجوز التقديم في اللام وهي مؤخرة في الشعر.
لكن الزجاج قال: التقدير: نعم هذان لهما ساحران. فتكون اللام داخلة على الابتداء في المعنى، كما قال: أم الحليس لعجوز شهربة.
وقيل: إن اللام يراد بها التقديم.
وقيل: هي في موضعها، و "لعجوز" مبتدأ، وشهربة الخبر، والجملة خبر عن اللام.
والقول الثاني: ما حكاه أبو زيد والكسائي والأخفش والفراء أنها لغة لبني الحارث بن كعب، يقولون: رأيت الزيدان ومررت بالزيدان، وأنشدوا.
؎ - فأطرق إطراق الشجاع ولو يرى ∗∗∗ مساغاً لنا باه الشجاع لصمماً
وأنشدوا أيضاً:
؎ - تزود منا بين أذناه طعنة على ∗∗∗ رأسه تلقى العظام من الفم.
وحكى أبو الخطاب أنها لغة لبني كنانة.
وحكى غيره أنها لغة خثعم. وهذا القول قول، حسن، لا نطعن فيه لثقة الناقلين لهذه اللغة، وتواتر نقلهم واتفاقهم على ذلك، وقد نقلها أبو زيد، وكان سيبويه إذا قال حدثني من أثق به، فإياه يعني.
ورواه الأخفش، وهو ممن روى عنه سيبويه، وقول سيبويه في ألف التثنية أنها حرف الأعراب، يدل على أن حكمها لا تتغير عن لفظها، كما لا تتغير الدال من زيد، فجاءت في هذه الآية على الأصل، كما جاء "استحوذ" على الأصل.
والقول الثالث: قاله الفراء. قال: الألف في "هذان" دعامة، ليست بلام الفعل، فزدت عليها نوناً ولم أغيرها، كما قلت "الذي" ثم زدت عليه نوناً، ولم أغيرها، فقلت "الذين" في الرفع والنصب والجر.
والقول الرابع: يحكى عن بعض الكوفيين أن الألف في هذان مشبهة بألف يفعلان، فلم تغير كما لا يغير ألف يفعلان.
والقول الخامس: حكاه الزجاج. قال: القدماء يقولون: الهاء مضمرة ها هنا، والمعنى: أنه هذان لساحران، ويعترض هذا القول دخول اللام في الخبر.
والقول السادس: قاله ابن كيسان، قال: سألني إسماعيل ابن إسحاق عنها، فقلت: القول عندي، أنه لما كان يقال هذا في موضع الرفع والنصب والجر، وكانت التثنية يجب ألا تغير، أجريت التثنية مجرى الواحد. فقال إسماعيل: ما أحسن هذا، لو تقدمك أحد بالقول به، حتى تؤنس به. فقلت: فيقول القاضي به حتى يؤنس به، فتبسم.
والقول السابع: حكاه أبو عمرو وغيره، أنه من غلط الكاتب.
روي أن عثمان وعائشة رضي الله عنهما قالا: إن في الكتاب غلطاً ستقيمه العرب بألسنتها.
وعنهما: إن في الكتاب لحناً ستقيمه العرب بألسنتها. وهذا القول قد طعن فيه، لأن أصحاب النبي ﷺ قد أجمعوا على صحة ما بين اللوحين، فلا يمكن أن يجتمعوا على غلط.
فأما من خفف "إن" فإنه رفع ما بعدها، لنقصها عن وزن الفعل ويجوز أن يكون أعملها مخففة على الثقيلة، كما يعمل الفعل محذوفاً عمله وهو غير محذوف، إلا أنه أتى بـ "هذان"، على الوجوه التي ذكرنا، فأتى بالألف في النصب.
فأما من شدد نون "هذان"، فإنه جعل التشديد عوضاً مما حذف من هذا في التثنية.
وعن الكسائي والفراء في: "إن هذان" قولان تركنا ذكرهما لبعد تأويلهما في ذلك.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ ٱلْمُثْلَىٰ﴾.
أي: يغلبكم على ساداتكم وإشرافكم. يقال للسيد: هو طريقة قومه. ولفظ الواحد والجمع والتثنية سواء. وربما جمعوا فقالوا: هؤلاء طرائق قومهم، أي أشرافهم وساداتهم. ومنه قوله: ﴿كُنَّا طَرَآئِقَ قِدَداً﴾.
والمثلى: نعت للطريقة، وهو تأنيث أمثل، وجاز نعت الجماعة بلفظ التوحيد. كما قال: ﴿هُوَ لَهُ ٱلأَسْمَآءُ ٱلْحُسْنَىٰ﴾ [طه: ٨].
ويجوز أن تكون "المثلى" أنثت لتأنيث الطريقة.
قال ابن عباس: ﴿بِطَرِيقَتِكُمُ ٱلْمُثْلَىٰ﴾ أي أمثلكم، وهم بنو إسرائيل.
وقال مجاهد: "أولي العقول والشرف والأنساب".
وقال قتادة: "كانت طريقتهم المثلى يومئذ بني إسرائيل، كانوا أكثر الناس عدداً وأموالاً وأولاداً".
وقيل: المعنى: ويذهبا بدينكم وسنتكم التي أنتم عليها.
وقال ابن وهب: "يذهبا بالذي أنتم عليه من الدين، وقرأ قول فرعون ﴿إِنِّيۤ أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُـمْ﴾ [غافر: ٢٦] قال: فهذا قوله: ﴿وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ ٱلْمُثْلَىٰ﴾.
وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أن المعنى: ويصرفان وجوه الناس إليهما.
ويكون التقدير: ويذهبا بأهل طريقتكم، ثم حذف، مثل: ﴿وَسْئَلِ ٱلْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢].
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَأَجْمِعُواْ كَيْدَكُمْ ثُمَّ ٱئْتُواْ صَفّاً﴾.
أي: اعزموا على أمركم واحكموه. هذا على قراءة من همزة وكسر الميم. فأما من فتح الميم ووصل الألف - وهي قراءة أبي عمرو - فمعناه: فاجمعوا كل كيد لكم وحيلة، فضموه مع صاحبه. ويشهد له قوله: ﴿فَجَمَعَ كَيْدَهُ﴾. وقطع الألف أحسن، لأن السحرة لم يؤمروا بهذا إلا في اليوم الذي اجتمعوا فيه، والوقت الذي أظهروا فيه سحرهم، واستعدوا بما يحتاجون من السحر، فبعيد أن يؤمروا بجمع ما قد جمعوه واستعدوا به، وإنما يؤمر بذلك من لم يجمع ما يحتاج إليه ولم يستعد به، وليس ذلك اليوم إلا يوم استعلاء وفراغ مما يحتاجون إليه من الكيد.
ويحسن قطع الألف، لأن معناه: اعزموا على أمركم وأحكموه.
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ ٱئْتُواْ صَفّاً﴾. أي: جيئوا المصلى، وهو الموضع الذي يجتمعون فيه يوم الوعيد.
فيكون ﴿صَفّاً﴾ مفعولاً بـ ﴿ٱئْتُواْ﴾. ويجوز أن يكون المعنى: ائتوا مصطفين، ليكون أعظم لأمركم، وأشد لهيبتكم، فيكون حالاً. ووحد لأنه مصدر. فهو مصدر في موضع الحال.
* *
ثم قال: ﴿وَقَدْ أَفْلَحَ ٱلْيَوْمَ مَنِ ٱسْتَعْلَىٰ﴾.
أي: قد ظفر بحاجته اليوم من علا على صاحبه فقهره.
قال وهب: "جمع فرعون الناس لذلك الجمع، ثم أمر السحرة فقال: ﴿ٱئْتُواْ صَفّاً وَقَدْ أَفْلَحَ ٱلْيَوْمَ مَنِ ٱسْتَعْلَىٰ﴾، أي: من علا على صاحبه بالغلبة".
طه 20:61
قوله تعالى ذكره: ﴿فَتَوَلَّىٰ فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أَتَىٰ﴾. إلى قوله: ﴿وَقَدْ أَفْلَحَ ٱلْيَوْمَ مَنِ ٱسْتَعْلَىٰ﴾.
أي: فأدبر فرعون معرضاً عن موسى وعما جاءه به من الحق، فجمع مكره وسحرته، ثم أتى للموعد. قال لهم موسى لما أتوا: ﴿لاَ تَفْتَرُواْ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً﴾. ﴿وَيْلَكُمْ﴾ نصب على المصدر. وقيل على إضمار فعل. أي: ألزمكم الله ويلاً. وقيل: نصبه على النداء المضاف.
* *
﴿لاَ تَفْتَرُواْ﴾ أي: لا تختلقوا الكذب على الله. أي: لا تقولوا: إن الذي جئتكم به من عند الله سحر، ﴿فَيُسْحِتَكُم بِعَذَابٍ﴾.
قال ابن عباس: معناه: "فيهلككم".
وقال ابن زيد: معناه: (فيهلككم هلاكاً ليس فيه بقية).
وقال قتادة: "فيستأصلكم بالهلاك". وفيه لغتان: سحته واسحته، إذا أهلكه وأمحقه، وقد قرئ بهما جميعاً.
* *
ثم قال: ﴿وَقَدْ خَابَ مَنِ ٱفْتَرَىٰ﴾.
أي: خاب من الرحمة والثواب، من اختلق الكذب.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَتَنَازَعُوۤاْ أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ وَأَسَرُّواْ ٱلنَّجْوَىٰ﴾.
أي: تنازع السحرة فيما بينهم.
قال قتادة: "قال السحرة بعضهم لبعض: إن كان هذا ساحراً، فسنغلبه وإن كان من السماء، فله أمر" وهو قوله: ﴿وَأَسَرُّواْ ٱلنَّجْوَىٰ﴾.
قال وهب: "جمع كل ساحر حباله وعصيه، وخرج موسى، معه أخوه يتكئ على عصاه حتى أتى الجمع، وفرعون في مجلسه، معه أشراف أهل مملكته، فقال موسى للسحرة حين جاءهم: ﴿وَيْلَكُمْ لاَ تَفْتَرُواْ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً﴾ فترادد السحرة بينهم، وقالوا: ما هذا بقول ساحر. وهو قوله: ﴿وَأَسَرُّواْ ٱلنَّجْوَىٰ﴾ أي أسر السحرة المناجاة بينهم.
وقال وهب: كان سرهم: ﴿إِنْ هَـٰذَانِ لَسَاحِرَانِ﴾ إلى قوله: ﴿مَنِ ٱسْتَعْلَىٰ﴾. وكذلك قال السدي.
ثم قال تعالى ذكره: ﴿قَالُوۤاْ إِنْ هَـٰذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَن يُخْرِجَاكُمْ مِّنْ أَرْضِكُمْ﴾.
أي: قالت السحرة في سرهم وتناجيهم: إن موسى وهارون ساحران يريدان أن يخرجاكم من أرضكم بسحرهما.
وفي حرف ابن مسعود "إن هذان إلا ساحران": أي: ما هذان يخفف "إن" يجعلها بمعنى ما.
ومن شدد "إن" ورفع "هذان"، فقد خرج العلماء فيها سبعة أقوال: فالأول: أن يكون بمعنى نعم. حكى سيبويه أن "إن" تأتي بمعنى أجل. واختار هذا القول المبرد وإسماعيل القاضي والزجاج وعلي بن سليمان.
واستبعد الزجاج قراءة أبي عمرو "إن هذين" لمخالفتها للمصحف.
وقال علي بن أبي طالب: لا أحصي كم سمعت رسول الله ﷺ على منبره يقول: إن الحمدُ لله نحمده ونستعينه، يعني يرفع الحمد يجعل "إن" بمعنى "أجل". ومعنى: أجل: نعم. ثم يقول: أنا أفصح قريش كلها، وأفصحها بعدي سعيد بن إبان بن العاصي. وكذلك كانت خطباء الجاهلية تفتتح خطبها بـ "نعم"، وكذلك وقعت في أشعارها. قال الشاعر:
؎ قالت غدرت، فقلت: إن وربما ∗∗∗ نال العُلي وشقى الخليل الغادر
وقال ابن قيس الرقيات:
؎ بكرت على عواذ لي ∗∗∗ يلحينني وألومهنه
؎ ويقلن شيب قد علاك ∗∗∗ وقد كبرت فقلت إنه
وأنشد ثعلب:
؎ ليت شعري هل للمحب شفاء ∗∗∗ من جوى حبهن إن اللقاء.
أي: نعم.
فهذا قول حسن لولا دخول اللام في الخبر.
وقد قيل: إن اللام يراد بها التقديم، وهو أيضاً بعيد، إنما يجوز التقديم في اللام وهي مؤخرة في الشعر.
لكن الزجاج قال: التقدير: نعم هذان لهما ساحران. فتكون اللام داخلة على الابتداء في المعنى، كما قال: أم الحليس لعجوز شهربة.
وقيل: إن اللام يراد بها التقديم.
وقيل: هي في موضعها، و "لعجوز" مبتدأ، وشهربة الخبر، والجملة خبر عن اللام.
والقول الثاني: ما حكاه أبو زيد والكسائي والأخفش والفراء أنها لغة لبني الحارث بن كعب، يقولون: رأيت الزيدان ومررت بالزيدان، وأنشدوا.
؎ - فأطرق إطراق الشجاع ولو يرى ∗∗∗ مساغاً لنا باه الشجاع لصمماً
وأنشدوا أيضاً:
؎ - تزود منا بين أذناه طعنة على ∗∗∗ رأسه تلقى العظام من الفم.
وحكى أبو الخطاب أنها لغة لبني كنانة.
وحكى غيره أنها لغة خثعم. وهذا القول قول، حسن، لا نطعن فيه لثقة الناقلين لهذه اللغة، وتواتر نقلهم واتفاقهم على ذلك، وقد نقلها أبو زيد، وكان سيبويه إذا قال حدثني من أثق به، فإياه يعني.
ورواه الأخفش، وهو ممن روى عنه سيبويه، وقول سيبويه في ألف التثنية أنها حرف الأعراب، يدل على أن حكمها لا تتغير عن لفظها، كما لا تتغير الدال من زيد، فجاءت في هذه الآية على الأصل، كما جاء "استحوذ" على الأصل.
والقول الثالث: قاله الفراء. قال: الألف في "هذان" دعامة، ليست بلام الفعل، فزدت عليها نوناً ولم أغيرها، كما قلت "الذي" ثم زدت عليه نوناً، ولم أغيرها، فقلت "الذين" في الرفع والنصب والجر.
والقول الرابع: يحكى عن بعض الكوفيين أن الألف في هذان مشبهة بألف يفعلان، فلم تغير كما لا يغير ألف يفعلان.
والقول الخامس: حكاه الزجاج. قال: القدماء يقولون: الهاء مضمرة ها هنا، والمعنى: أنه هذان لساحران، ويعترض هذا القول دخول اللام في الخبر.
والقول السادس: قاله ابن كيسان، قال: سألني إسماعيل ابن إسحاق عنها، فقلت: القول عندي، أنه لما كان يقال هذا في موضع الرفع والنصب والجر، وكانت التثنية يجب ألا تغير، أجريت التثنية مجرى الواحد. فقال إسماعيل: ما أحسن هذا، لو تقدمك أحد بالقول به، حتى تؤنس به. فقلت: فيقول القاضي به حتى يؤنس به، فتبسم.
والقول السابع: حكاه أبو عمرو وغيره، أنه من غلط الكاتب.
روي أن عثمان وعائشة رضي الله عنهما قالا: إن في الكتاب غلطاً ستقيمه العرب بألسنتها.
وعنهما: إن في الكتاب لحناً ستقيمه العرب بألسنتها. وهذا القول قد طعن فيه، لأن أصحاب النبي ﷺ قد أجمعوا على صحة ما بين اللوحين، فلا يمكن أن يجتمعوا على غلط.
فأما من خفف "إن" فإنه رفع ما بعدها، لنقصها عن وزن الفعل ويجوز أن يكون أعملها مخففة على الثقيلة، كما يعمل الفعل محذوفاً عمله وهو غير محذوف، إلا أنه أتى بـ "هذان"، على الوجوه التي ذكرنا، فأتى بالألف في النصب.
فأما من شدد نون "هذان"، فإنه جعل التشديد عوضاً مما حذف من هذا في التثنية.
وعن الكسائي والفراء في: "إن هذان" قولان تركنا ذكرهما لبعد تأويلهما في ذلك.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ ٱلْمُثْلَىٰ﴾.
أي: يغلبكم على ساداتكم وإشرافكم. يقال للسيد: هو طريقة قومه. ولفظ الواحد والجمع والتثنية سواء. وربما جمعوا فقالوا: هؤلاء طرائق قومهم، أي أشرافهم وساداتهم. ومنه قوله: ﴿كُنَّا طَرَآئِقَ قِدَداً﴾.
والمثلى: نعت للطريقة، وهو تأنيث أمثل، وجاز نعت الجماعة بلفظ التوحيد. كما قال: ﴿هُوَ لَهُ ٱلأَسْمَآءُ ٱلْحُسْنَىٰ﴾ [طه: ٨].
ويجوز أن تكون "المثلى" أنثت لتأنيث الطريقة.
قال ابن عباس: ﴿بِطَرِيقَتِكُمُ ٱلْمُثْلَىٰ﴾ أي أمثلكم، وهم بنو إسرائيل.
وقال مجاهد: "أولي العقول والشرف والأنساب".
وقال قتادة: "كانت طريقتهم المثلى يومئذ بني إسرائيل، كانوا أكثر الناس عدداً وأموالاً وأولاداً".
وقيل: المعنى: ويذهبا بدينكم وسنتكم التي أنتم عليها.
وقال ابن وهب: "يذهبا بالذي أنتم عليه من الدين، وقرأ قول فرعون ﴿إِنِّيۤ أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُـمْ﴾ [غافر: ٢٦] قال: فهذا قوله: ﴿وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ ٱلْمُثْلَىٰ﴾.
وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أن المعنى: ويصرفان وجوه الناس إليهما.
ويكون التقدير: ويذهبا بأهل طريقتكم، ثم حذف، مثل: ﴿وَسْئَلِ ٱلْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢].
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَأَجْمِعُواْ كَيْدَكُمْ ثُمَّ ٱئْتُواْ صَفّاً﴾.
أي: اعزموا على أمركم واحكموه. هذا على قراءة من همزة وكسر الميم. فأما من فتح الميم ووصل الألف - وهي قراءة أبي عمرو - فمعناه: فاجمعوا كل كيد لكم وحيلة، فضموه مع صاحبه. ويشهد له قوله: ﴿فَجَمَعَ كَيْدَهُ﴾. وقطع الألف أحسن، لأن السحرة لم يؤمروا بهذا إلا في اليوم الذي اجتمعوا فيه، والوقت الذي أظهروا فيه سحرهم، واستعدوا بما يحتاجون من السحر، فبعيد أن يؤمروا بجمع ما قد جمعوه واستعدوا به، وإنما يؤمر بذلك من لم يجمع ما يحتاج إليه ولم يستعد به، وليس ذلك اليوم إلا يوم استعلاء وفراغ مما يحتاجون إليه من الكيد.
ويحسن قطع الألف، لأن معناه: اعزموا على أمركم وأحكموه.
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ ٱئْتُواْ صَفّاً﴾. أي: جيئوا المصلى، وهو الموضع الذي يجتمعون فيه يوم الوعيد.
فيكون ﴿صَفّاً﴾ مفعولاً بـ ﴿ٱئْتُواْ﴾. ويجوز أن يكون المعنى: ائتوا مصطفين، ليكون أعظم لأمركم، وأشد لهيبتكم، فيكون حالاً. ووحد لأنه مصدر. فهو مصدر في موضع الحال.
* *
ثم قال: ﴿وَقَدْ أَفْلَحَ ٱلْيَوْمَ مَنِ ٱسْتَعْلَىٰ﴾.
أي: قد ظفر بحاجته اليوم من علا على صاحبه فقهره.
قال وهب: "جمع فرعون الناس لذلك الجمع، ثم أمر السحرة فقال: ﴿ٱئْتُواْ صَفّاً وَقَدْ أَفْلَحَ ٱلْيَوْمَ مَنِ ٱسْتَعْلَىٰ﴾، أي: من علا على صاحبه بالغلبة".
طه 20:62
قوله تعالى ذكره: ﴿فَتَوَلَّىٰ فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أَتَىٰ﴾. إلى قوله: ﴿وَقَدْ أَفْلَحَ ٱلْيَوْمَ مَنِ ٱسْتَعْلَىٰ﴾.
أي: فأدبر فرعون معرضاً عن موسى وعما جاءه به من الحق، فجمع مكره وسحرته، ثم أتى للموعد. قال لهم موسى لما أتوا: ﴿لاَ تَفْتَرُواْ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً﴾. ﴿وَيْلَكُمْ﴾ نصب على المصدر. وقيل على إضمار فعل. أي: ألزمكم الله ويلاً. وقيل: نصبه على النداء المضاف.
* *
﴿لاَ تَفْتَرُواْ﴾ أي: لا تختلقوا الكذب على الله. أي: لا تقولوا: إن الذي جئتكم به من عند الله سحر، ﴿فَيُسْحِتَكُم بِعَذَابٍ﴾.
قال ابن عباس: معناه: "فيهلككم".
وقال ابن زيد: معناه: (فيهلككم هلاكاً ليس فيه بقية).
وقال قتادة: "فيستأصلكم بالهلاك". وفيه لغتان: سحته واسحته، إذا أهلكه وأمحقه، وقد قرئ بهما جميعاً.
* *
ثم قال: ﴿وَقَدْ خَابَ مَنِ ٱفْتَرَىٰ﴾.
أي: خاب من الرحمة والثواب، من اختلق الكذب.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَتَنَازَعُوۤاْ أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ وَأَسَرُّواْ ٱلنَّجْوَىٰ﴾.
أي: تنازع السحرة فيما بينهم.
قال قتادة: "قال السحرة بعضهم لبعض: إن كان هذا ساحراً، فسنغلبه وإن كان من السماء، فله أمر" وهو قوله: ﴿وَأَسَرُّواْ ٱلنَّجْوَىٰ﴾.
قال وهب: "جمع كل ساحر حباله وعصيه، وخرج موسى، معه أخوه يتكئ على عصاه حتى أتى الجمع، وفرعون في مجلسه، معه أشراف أهل مملكته، فقال موسى للسحرة حين جاءهم: ﴿وَيْلَكُمْ لاَ تَفْتَرُواْ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً﴾ فترادد السحرة بينهم، وقالوا: ما هذا بقول ساحر. وهو قوله: ﴿وَأَسَرُّواْ ٱلنَّجْوَىٰ﴾ أي أسر السحرة المناجاة بينهم.
وقال وهب: كان سرهم: ﴿إِنْ هَـٰذَانِ لَسَاحِرَانِ﴾ إلى قوله: ﴿مَنِ ٱسْتَعْلَىٰ﴾. وكذلك قال السدي.
ثم قال تعالى ذكره: ﴿قَالُوۤاْ إِنْ هَـٰذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَن يُخْرِجَاكُمْ مِّنْ أَرْضِكُمْ﴾.
أي: قالت السحرة في سرهم وتناجيهم: إن موسى وهارون ساحران يريدان أن يخرجاكم من أرضكم بسحرهما.
وفي حرف ابن مسعود "إن هذان إلا ساحران": أي: ما هذان يخفف "إن" يجعلها بمعنى ما.
ومن شدد "إن" ورفع "هذان"، فقد خرج العلماء فيها سبعة أقوال: فالأول: أن يكون بمعنى نعم. حكى سيبويه أن "إن" تأتي بمعنى أجل. واختار هذا القول المبرد وإسماعيل القاضي والزجاج وعلي بن سليمان.
واستبعد الزجاج قراءة أبي عمرو "إن هذين" لمخالفتها للمصحف.
وقال علي بن أبي طالب: لا أحصي كم سمعت رسول الله ﷺ على منبره يقول: إن الحمدُ لله نحمده ونستعينه، يعني يرفع الحمد يجعل "إن" بمعنى "أجل". ومعنى: أجل: نعم. ثم يقول: أنا أفصح قريش كلها، وأفصحها بعدي سعيد بن إبان بن العاصي. وكذلك كانت خطباء الجاهلية تفتتح خطبها بـ "نعم"، وكذلك وقعت في أشعارها. قال الشاعر:
؎ قالت غدرت، فقلت: إن وربما ∗∗∗ نال العُلي وشقى الخليل الغادر
وقال ابن قيس الرقيات:
؎ بكرت على عواذ لي ∗∗∗ يلحينني وألومهنه
؎ ويقلن شيب قد علاك ∗∗∗ وقد كبرت فقلت إنه
وأنشد ثعلب:
؎ ليت شعري هل للمحب شفاء ∗∗∗ من جوى حبهن إن اللقاء.
أي: نعم.
فهذا قول حسن لولا دخول اللام في الخبر.
وقد قيل: إن اللام يراد بها التقديم، وهو أيضاً بعيد، إنما يجوز التقديم في اللام وهي مؤخرة في الشعر.
لكن الزجاج قال: التقدير: نعم هذان لهما ساحران. فتكون اللام داخلة على الابتداء في المعنى، كما قال: أم الحليس لعجوز شهربة.
وقيل: إن اللام يراد بها التقديم.
وقيل: هي في موضعها، و "لعجوز" مبتدأ، وشهربة الخبر، والجملة خبر عن اللام.
والقول الثاني: ما حكاه أبو زيد والكسائي والأخفش والفراء أنها لغة لبني الحارث بن كعب، يقولون: رأيت الزيدان ومررت بالزيدان، وأنشدوا.
؎ - فأطرق إطراق الشجاع ولو يرى ∗∗∗ مساغاً لنا باه الشجاع لصمماً
وأنشدوا أيضاً:
؎ - تزود منا بين أذناه طعنة على ∗∗∗ رأسه تلقى العظام من الفم.
وحكى أبو الخطاب أنها لغة لبني كنانة.
وحكى غيره أنها لغة خثعم. وهذا القول قول، حسن، لا نطعن فيه لثقة الناقلين لهذه اللغة، وتواتر نقلهم واتفاقهم على ذلك، وقد نقلها أبو زيد، وكان سيبويه إذا قال حدثني من أثق به، فإياه يعني.
ورواه الأخفش، وهو ممن روى عنه سيبويه، وقول سيبويه في ألف التثنية أنها حرف الأعراب، يدل على أن حكمها لا تتغير عن لفظها، كما لا تتغير الدال من زيد، فجاءت في هذه الآية على الأصل، كما جاء "استحوذ" على الأصل.
والقول الثالث: قاله الفراء. قال: الألف في "هذان" دعامة، ليست بلام الفعل، فزدت عليها نوناً ولم أغيرها، كما قلت "الذي" ثم زدت عليه نوناً، ولم أغيرها، فقلت "الذين" في الرفع والنصب والجر.
والقول الرابع: يحكى عن بعض الكوفيين أن الألف في هذان مشبهة بألف يفعلان، فلم تغير كما لا يغير ألف يفعلان.
والقول الخامس: حكاه الزجاج. قال: القدماء يقولون: الهاء مضمرة ها هنا، والمعنى: أنه هذان لساحران، ويعترض هذا القول دخول اللام في الخبر.
والقول السادس: قاله ابن كيسان، قال: سألني إسماعيل ابن إسحاق عنها، فقلت: القول عندي، أنه لما كان يقال هذا في موضع الرفع والنصب والجر، وكانت التثنية يجب ألا تغير، أجريت التثنية مجرى الواحد. فقال إسماعيل: ما أحسن هذا، لو تقدمك أحد بالقول به، حتى تؤنس به. فقلت: فيقول القاضي به حتى يؤنس به، فتبسم.
والقول السابع: حكاه أبو عمرو وغيره، أنه من غلط الكاتب.
روي أن عثمان وعائشة رضي الله عنهما قالا: إن في الكتاب غلطاً ستقيمه العرب بألسنتها.
وعنهما: إن في الكتاب لحناً ستقيمه العرب بألسنتها. وهذا القول قد طعن فيه، لأن أصحاب النبي ﷺ قد أجمعوا على صحة ما بين اللوحين، فلا يمكن أن يجتمعوا على غلط.
فأما من خفف "إن" فإنه رفع ما بعدها، لنقصها عن وزن الفعل ويجوز أن يكون أعملها مخففة على الثقيلة، كما يعمل الفعل محذوفاً عمله وهو غير محذوف، إلا أنه أتى بـ "هذان"، على الوجوه التي ذكرنا، فأتى بالألف في النصب.
فأما من شدد نون "هذان"، فإنه جعل التشديد عوضاً مما حذف من هذا في التثنية.
وعن الكسائي والفراء في: "إن هذان" قولان تركنا ذكرهما لبعد تأويلهما في ذلك.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ ٱلْمُثْلَىٰ﴾.
أي: يغلبكم على ساداتكم وإشرافكم. يقال للسيد: هو طريقة قومه. ولفظ الواحد والجمع والتثنية سواء. وربما جمعوا فقالوا: هؤلاء طرائق قومهم، أي أشرافهم وساداتهم. ومنه قوله: ﴿كُنَّا طَرَآئِقَ قِدَداً﴾.
والمثلى: نعت للطريقة، وهو تأنيث أمثل، وجاز نعت الجماعة بلفظ التوحيد. كما قال: ﴿هُوَ لَهُ ٱلأَسْمَآءُ ٱلْحُسْنَىٰ﴾ [طه: ٨].
ويجوز أن تكون "المثلى" أنثت لتأنيث الطريقة.
قال ابن عباس: ﴿بِطَرِيقَتِكُمُ ٱلْمُثْلَىٰ﴾ أي أمثلكم، وهم بنو إسرائيل.
وقال مجاهد: "أولي العقول والشرف والأنساب".
وقال قتادة: "كانت طريقتهم المثلى يومئذ بني إسرائيل، كانوا أكثر الناس عدداً وأموالاً وأولاداً".
وقيل: المعنى: ويذهبا بدينكم وسنتكم التي أنتم عليها.
وقال ابن وهب: "يذهبا بالذي أنتم عليه من الدين، وقرأ قول فرعون ﴿إِنِّيۤ أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُـمْ﴾ [غافر: ٢٦] قال: فهذا قوله: ﴿وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ ٱلْمُثْلَىٰ﴾.
وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أن المعنى: ويصرفان وجوه الناس إليهما.
ويكون التقدير: ويذهبا بأهل طريقتكم، ثم حذف، مثل: ﴿وَسْئَلِ ٱلْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢].
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَأَجْمِعُواْ كَيْدَكُمْ ثُمَّ ٱئْتُواْ صَفّاً﴾.
أي: اعزموا على أمركم واحكموه. هذا على قراءة من همزة وكسر الميم. فأما من فتح الميم ووصل الألف - وهي قراءة أبي عمرو - فمعناه: فاجمعوا كل كيد لكم وحيلة، فضموه مع صاحبه. ويشهد له قوله: ﴿فَجَمَعَ كَيْدَهُ﴾. وقطع الألف أحسن، لأن السحرة لم يؤمروا بهذا إلا في اليوم الذي اجتمعوا فيه، والوقت الذي أظهروا فيه سحرهم، واستعدوا بما يحتاجون من السحر، فبعيد أن يؤمروا بجمع ما قد جمعوه واستعدوا به، وإنما يؤمر بذلك من لم يجمع ما يحتاج إليه ولم يستعد به، وليس ذلك اليوم إلا يوم استعلاء وفراغ مما يحتاجون إليه من الكيد.
ويحسن قطع الألف، لأن معناه: اعزموا على أمركم وأحكموه.
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ ٱئْتُواْ صَفّاً﴾. أي: جيئوا المصلى، وهو الموضع الذي يجتمعون فيه يوم الوعيد.
فيكون ﴿صَفّاً﴾ مفعولاً بـ ﴿ٱئْتُواْ﴾. ويجوز أن يكون المعنى: ائتوا مصطفين، ليكون أعظم لأمركم، وأشد لهيبتكم، فيكون حالاً. ووحد لأنه مصدر. فهو مصدر في موضع الحال.
* *
ثم قال: ﴿وَقَدْ أَفْلَحَ ٱلْيَوْمَ مَنِ ٱسْتَعْلَىٰ﴾.
أي: قد ظفر بحاجته اليوم من علا على صاحبه فقهره.
قال وهب: "جمع فرعون الناس لذلك الجمع، ثم أمر السحرة فقال: ﴿ٱئْتُواْ صَفّاً وَقَدْ أَفْلَحَ ٱلْيَوْمَ مَنِ ٱسْتَعْلَىٰ﴾، أي: من علا على صاحبه بالغلبة".
طه 20:63
قوله تعالى ذكره: ﴿فَتَوَلَّىٰ فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أَتَىٰ﴾. إلى قوله: ﴿وَقَدْ أَفْلَحَ ٱلْيَوْمَ مَنِ ٱسْتَعْلَىٰ﴾.
أي: فأدبر فرعون معرضاً عن موسى وعما جاءه به من الحق، فجمع مكره وسحرته، ثم أتى للموعد. قال لهم موسى لما أتوا: ﴿لاَ تَفْتَرُواْ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً﴾. ﴿وَيْلَكُمْ﴾ نصب على المصدر. وقيل على إضمار فعل. أي: ألزمكم الله ويلاً. وقيل: نصبه على النداء المضاف.
* *
﴿لاَ تَفْتَرُواْ﴾ أي: لا تختلقوا الكذب على الله. أي: لا تقولوا: إن الذي جئتكم به من عند الله سحر، ﴿فَيُسْحِتَكُم بِعَذَابٍ﴾.
قال ابن عباس: معناه: "فيهلككم".
وقال ابن زيد: معناه: (فيهلككم هلاكاً ليس فيه بقية).
وقال قتادة: "فيستأصلكم بالهلاك". وفيه لغتان: سحته واسحته، إذا أهلكه وأمحقه، وقد قرئ بهما جميعاً.
* *
ثم قال: ﴿وَقَدْ خَابَ مَنِ ٱفْتَرَىٰ﴾.
أي: خاب من الرحمة والثواب، من اختلق الكذب.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَتَنَازَعُوۤاْ أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ وَأَسَرُّواْ ٱلنَّجْوَىٰ﴾.
أي: تنازع السحرة فيما بينهم.
قال قتادة: "قال السحرة بعضهم لبعض: إن كان هذا ساحراً، فسنغلبه وإن كان من السماء، فله أمر" وهو قوله: ﴿وَأَسَرُّواْ ٱلنَّجْوَىٰ﴾.
قال وهب: "جمع كل ساحر حباله وعصيه، وخرج موسى، معه أخوه يتكئ على عصاه حتى أتى الجمع، وفرعون في مجلسه، معه أشراف أهل مملكته، فقال موسى للسحرة حين جاءهم: ﴿وَيْلَكُمْ لاَ تَفْتَرُواْ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً﴾ فترادد السحرة بينهم، وقالوا: ما هذا بقول ساحر. وهو قوله: ﴿وَأَسَرُّواْ ٱلنَّجْوَىٰ﴾ أي أسر السحرة المناجاة بينهم.
وقال وهب: كان سرهم: ﴿إِنْ هَـٰذَانِ لَسَاحِرَانِ﴾ إلى قوله: ﴿مَنِ ٱسْتَعْلَىٰ﴾. وكذلك قال السدي.
ثم قال تعالى ذكره: ﴿قَالُوۤاْ إِنْ هَـٰذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَن يُخْرِجَاكُمْ مِّنْ أَرْضِكُمْ﴾.
أي: قالت السحرة في سرهم وتناجيهم: إن موسى وهارون ساحران يريدان أن يخرجاكم من أرضكم بسحرهما.
وفي حرف ابن مسعود "إن هذان إلا ساحران": أي: ما هذان يخفف "إن" يجعلها بمعنى ما.
ومن شدد "إن" ورفع "هذان"، فقد خرج العلماء فيها سبعة أقوال: فالأول: أن يكون بمعنى نعم. حكى سيبويه أن "إن" تأتي بمعنى أجل. واختار هذا القول المبرد وإسماعيل القاضي والزجاج وعلي بن سليمان.
واستبعد الزجاج قراءة أبي عمرو "إن هذين" لمخالفتها للمصحف.
وقال علي بن أبي طالب: لا أحصي كم سمعت رسول الله ﷺ على منبره يقول: إن الحمدُ لله نحمده ونستعينه، يعني يرفع الحمد يجعل "إن" بمعنى "أجل". ومعنى: أجل: نعم. ثم يقول: أنا أفصح قريش كلها، وأفصحها بعدي سعيد بن إبان بن العاصي. وكذلك كانت خطباء الجاهلية تفتتح خطبها بـ "نعم"، وكذلك وقعت في أشعارها. قال الشاعر:
؎ قالت غدرت، فقلت: إن وربما ∗∗∗ نال العُلي وشقى الخليل الغادر
وقال ابن قيس الرقيات:
؎ بكرت على عواذ لي ∗∗∗ يلحينني وألومهنه
؎ ويقلن شيب قد علاك ∗∗∗ وقد كبرت فقلت إنه
وأنشد ثعلب:
؎ ليت شعري هل للمحب شفاء ∗∗∗ من جوى حبهن إن اللقاء.
أي: نعم.
فهذا قول حسن لولا دخول اللام في الخبر.
وقد قيل: إن اللام يراد بها التقديم، وهو أيضاً بعيد، إنما يجوز التقديم في اللام وهي مؤخرة في الشعر.
لكن الزجاج قال: التقدير: نعم هذان لهما ساحران. فتكون اللام داخلة على الابتداء في المعنى، كما قال: أم الحليس لعجوز شهربة.
وقيل: إن اللام يراد بها التقديم.
وقيل: هي في موضعها، و "لعجوز" مبتدأ، وشهربة الخبر، والجملة خبر عن اللام.
والقول الثاني: ما حكاه أبو زيد والكسائي والأخفش والفراء أنها لغة لبني الحارث بن كعب، يقولون: رأيت الزيدان ومررت بالزيدان، وأنشدوا.
؎ - فأطرق إطراق الشجاع ولو يرى ∗∗∗ مساغاً لنا باه الشجاع لصمماً
وأنشدوا أيضاً:
؎ - تزود منا بين أذناه طعنة على ∗∗∗ رأسه تلقى العظام من الفم.
وحكى أبو الخطاب أنها لغة لبني كنانة.
وحكى غيره أنها لغة خثعم. وهذا القول قول، حسن، لا نطعن فيه لثقة الناقلين لهذه اللغة، وتواتر نقلهم واتفاقهم على ذلك، وقد نقلها أبو زيد، وكان سيبويه إذا قال حدثني من أثق به، فإياه يعني.
ورواه الأخفش، وهو ممن روى عنه سيبويه، وقول سيبويه في ألف التثنية أنها حرف الأعراب، يدل على أن حكمها لا تتغير عن لفظها، كما لا تتغير الدال من زيد، فجاءت في هذه الآية على الأصل، كما جاء "استحوذ" على الأصل.
والقول الثالث: قاله الفراء. قال: الألف في "هذان" دعامة، ليست بلام الفعل، فزدت عليها نوناً ولم أغيرها، كما قلت "الذي" ثم زدت عليه نوناً، ولم أغيرها، فقلت "الذين" في الرفع والنصب والجر.
والقول الرابع: يحكى عن بعض الكوفيين أن الألف في هذان مشبهة بألف يفعلان، فلم تغير كما لا يغير ألف يفعلان.
والقول الخامس: حكاه الزجاج. قال: القدماء يقولون: الهاء مضمرة ها هنا، والمعنى: أنه هذان لساحران، ويعترض هذا القول دخول اللام في الخبر.
والقول السادس: قاله ابن كيسان، قال: سألني إسماعيل ابن إسحاق عنها، فقلت: القول عندي، أنه لما كان يقال هذا في موضع الرفع والنصب والجر، وكانت التثنية يجب ألا تغير، أجريت التثنية مجرى الواحد. فقال إسماعيل: ما أحسن هذا، لو تقدمك أحد بالقول به، حتى تؤنس به. فقلت: فيقول القاضي به حتى يؤنس به، فتبسم.
والقول السابع: حكاه أبو عمرو وغيره، أنه من غلط الكاتب.
روي أن عثمان وعائشة رضي الله عنهما قالا: إن في الكتاب غلطاً ستقيمه العرب بألسنتها.
وعنهما: إن في الكتاب لحناً ستقيمه العرب بألسنتها. وهذا القول قد طعن فيه، لأن أصحاب النبي ﷺ قد أجمعوا على صحة ما بين اللوحين، فلا يمكن أن يجتمعوا على غلط.
فأما من خفف "إن" فإنه رفع ما بعدها، لنقصها عن وزن الفعل ويجوز أن يكون أعملها مخففة على الثقيلة، كما يعمل الفعل محذوفاً عمله وهو غير محذوف، إلا أنه أتى بـ "هذان"، على الوجوه التي ذكرنا، فأتى بالألف في النصب.
فأما من شدد نون "هذان"، فإنه جعل التشديد عوضاً مما حذف من هذا في التثنية.
وعن الكسائي والفراء في: "إن هذان" قولان تركنا ذكرهما لبعد تأويلهما في ذلك.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ ٱلْمُثْلَىٰ﴾.
أي: يغلبكم على ساداتكم وإشرافكم. يقال للسيد: هو طريقة قومه. ولفظ الواحد والجمع والتثنية سواء. وربما جمعوا فقالوا: هؤلاء طرائق قومهم، أي أشرافهم وساداتهم. ومنه قوله: ﴿كُنَّا طَرَآئِقَ قِدَداً﴾.
والمثلى: نعت للطريقة، وهو تأنيث أمثل، وجاز نعت الجماعة بلفظ التوحيد. كما قال: ﴿هُوَ لَهُ ٱلأَسْمَآءُ ٱلْحُسْنَىٰ﴾ [طه: ٨].
ويجوز أن تكون "المثلى" أنثت لتأنيث الطريقة.
قال ابن عباس: ﴿بِطَرِيقَتِكُمُ ٱلْمُثْلَىٰ﴾ أي أمثلكم، وهم بنو إسرائيل.
وقال مجاهد: "أولي العقول والشرف والأنساب".
وقال قتادة: "كانت طريقتهم المثلى يومئذ بني إسرائيل، كانوا أكثر الناس عدداً وأموالاً وأولاداً".
وقيل: المعنى: ويذهبا بدينكم وسنتكم التي أنتم عليها.
وقال ابن وهب: "يذهبا بالذي أنتم عليه من الدين، وقرأ قول فرعون ﴿إِنِّيۤ أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُـمْ﴾ [غافر: ٢٦] قال: فهذا قوله: ﴿وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ ٱلْمُثْلَىٰ﴾.
وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أن المعنى: ويصرفان وجوه الناس إليهما.
ويكون التقدير: ويذهبا بأهل طريقتكم، ثم حذف، مثل: ﴿وَسْئَلِ ٱلْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢].
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَأَجْمِعُواْ كَيْدَكُمْ ثُمَّ ٱئْتُواْ صَفّاً﴾.
أي: اعزموا على أمركم واحكموه. هذا على قراءة من همزة وكسر الميم. فأما من فتح الميم ووصل الألف - وهي قراءة أبي عمرو - فمعناه: فاجمعوا كل كيد لكم وحيلة، فضموه مع صاحبه. ويشهد له قوله: ﴿فَجَمَعَ كَيْدَهُ﴾. وقطع الألف أحسن، لأن السحرة لم يؤمروا بهذا إلا في اليوم الذي اجتمعوا فيه، والوقت الذي أظهروا فيه سحرهم، واستعدوا بما يحتاجون من السحر، فبعيد أن يؤمروا بجمع ما قد جمعوه واستعدوا به، وإنما يؤمر بذلك من لم يجمع ما يحتاج إليه ولم يستعد به، وليس ذلك اليوم إلا يوم استعلاء وفراغ مما يحتاجون إليه من الكيد.
ويحسن قطع الألف، لأن معناه: اعزموا على أمركم وأحكموه.
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ ٱئْتُواْ صَفّاً﴾. أي: جيئوا المصلى، وهو الموضع الذي يجتمعون فيه يوم الوعيد.
فيكون ﴿صَفّاً﴾ مفعولاً بـ ﴿ٱئْتُواْ﴾. ويجوز أن يكون المعنى: ائتوا مصطفين، ليكون أعظم لأمركم، وأشد لهيبتكم، فيكون حالاً. ووحد لأنه مصدر. فهو مصدر في موضع الحال.
* *
ثم قال: ﴿وَقَدْ أَفْلَحَ ٱلْيَوْمَ مَنِ ٱسْتَعْلَىٰ﴾.
أي: قد ظفر بحاجته اليوم من علا على صاحبه فقهره.
قال وهب: "جمع فرعون الناس لذلك الجمع، ثم أمر السحرة فقال: ﴿ٱئْتُواْ صَفّاً وَقَدْ أَفْلَحَ ٱلْيَوْمَ مَنِ ٱسْتَعْلَىٰ﴾، أي: من علا على صاحبه بالغلبة".
طه 20:64
قوله تعالى ذكره: ﴿فَتَوَلَّىٰ فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أَتَىٰ﴾. إلى قوله: ﴿وَقَدْ أَفْلَحَ ٱلْيَوْمَ مَنِ ٱسْتَعْلَىٰ﴾.
أي: فأدبر فرعون معرضاً عن موسى وعما جاءه به من الحق، فجمع مكره وسحرته، ثم أتى للموعد. قال لهم موسى لما أتوا: ﴿لاَ تَفْتَرُواْ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً﴾. ﴿وَيْلَكُمْ﴾ نصب على المصدر. وقيل على إضمار فعل. أي: ألزمكم الله ويلاً. وقيل: نصبه على النداء المضاف.
* *
﴿لاَ تَفْتَرُواْ﴾ أي: لا تختلقوا الكذب على الله. أي: لا تقولوا: إن الذي جئتكم به من عند الله سحر، ﴿فَيُسْحِتَكُم بِعَذَابٍ﴾.
قال ابن عباس: معناه: "فيهلككم".
وقال ابن زيد: معناه: (فيهلككم هلاكاً ليس فيه بقية).
وقال قتادة: "فيستأصلكم بالهلاك". وفيه لغتان: سحته واسحته، إذا أهلكه وأمحقه، وقد قرئ بهما جميعاً.
* *
ثم قال: ﴿وَقَدْ خَابَ مَنِ ٱفْتَرَىٰ﴾.
أي: خاب من الرحمة والثواب، من اختلق الكذب.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَتَنَازَعُوۤاْ أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ وَأَسَرُّواْ ٱلنَّجْوَىٰ﴾.
أي: تنازع السحرة فيما بينهم.
قال قتادة: "قال السحرة بعضهم لبعض: إن كان هذا ساحراً، فسنغلبه وإن كان من السماء، فله أمر" وهو قوله: ﴿وَأَسَرُّواْ ٱلنَّجْوَىٰ﴾.
قال وهب: "جمع كل ساحر حباله وعصيه، وخرج موسى، معه أخوه يتكئ على عصاه حتى أتى الجمع، وفرعون في مجلسه، معه أشراف أهل مملكته، فقال موسى للسحرة حين جاءهم: ﴿وَيْلَكُمْ لاَ تَفْتَرُواْ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً﴾ فترادد السحرة بينهم، وقالوا: ما هذا بقول ساحر. وهو قوله: ﴿وَأَسَرُّواْ ٱلنَّجْوَىٰ﴾ أي أسر السحرة المناجاة بينهم.
وقال وهب: كان سرهم: ﴿إِنْ هَـٰذَانِ لَسَاحِرَانِ﴾ إلى قوله: ﴿مَنِ ٱسْتَعْلَىٰ﴾. وكذلك قال السدي.
ثم قال تعالى ذكره: ﴿قَالُوۤاْ إِنْ هَـٰذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَن يُخْرِجَاكُمْ مِّنْ أَرْضِكُمْ﴾.
أي: قالت السحرة في سرهم وتناجيهم: إن موسى وهارون ساحران يريدان أن يخرجاكم من أرضكم بسحرهما.
وفي حرف ابن مسعود "إن هذان إلا ساحران": أي: ما هذان يخفف "إن" يجعلها بمعنى ما.
ومن شدد "إن" ورفع "هذان"، فقد خرج العلماء فيها سبعة أقوال: فالأول: أن يكون بمعنى نعم. حكى سيبويه أن "إن" تأتي بمعنى أجل. واختار هذا القول المبرد وإسماعيل القاضي والزجاج وعلي بن سليمان.
واستبعد الزجاج قراءة أبي عمرو "إن هذين" لمخالفتها للمصحف.
وقال علي بن أبي طالب: لا أحصي كم سمعت رسول الله ﷺ على منبره يقول: إن الحمدُ لله نحمده ونستعينه، يعني يرفع الحمد يجعل "إن" بمعنى "أجل". ومعنى: أجل: نعم. ثم يقول: أنا أفصح قريش كلها، وأفصحها بعدي سعيد بن إبان بن العاصي. وكذلك كانت خطباء الجاهلية تفتتح خطبها بـ "نعم"، وكذلك وقعت في أشعارها. قال الشاعر:
؎ قالت غدرت، فقلت: إن وربما ∗∗∗ نال العُلي وشقى الخليل الغادر
وقال ابن قيس الرقيات:
؎ بكرت على عواذ لي ∗∗∗ يلحينني وألومهنه
؎ ويقلن شيب قد علاك ∗∗∗ وقد كبرت فقلت إنه
وأنشد ثعلب:
؎ ليت شعري هل للمحب شفاء ∗∗∗ من جوى حبهن إن اللقاء.
أي: نعم.
فهذا قول حسن لولا دخول اللام في الخبر.
وقد قيل: إن اللام يراد بها التقديم، وهو أيضاً بعيد، إنما يجوز التقديم في اللام وهي مؤخرة في الشعر.
لكن الزجاج قال: التقدير: نعم هذان لهما ساحران. فتكون اللام داخلة على الابتداء في المعنى، كما قال: أم الحليس لعجوز شهربة.
وقيل: إن اللام يراد بها التقديم.
وقيل: هي في موضعها، و "لعجوز" مبتدأ، وشهربة الخبر، والجملة خبر عن اللام.
والقول الثاني: ما حكاه أبو زيد والكسائي والأخفش والفراء أنها لغة لبني الحارث بن كعب، يقولون: رأيت الزيدان ومررت بالزيدان، وأنشدوا.
؎ - فأطرق إطراق الشجاع ولو يرى ∗∗∗ مساغاً لنا باه الشجاع لصمماً
وأنشدوا أيضاً:
؎ - تزود منا بين أذناه طعنة على ∗∗∗ رأسه تلقى العظام من الفم.
وحكى أبو الخطاب أنها لغة لبني كنانة.
وحكى غيره أنها لغة خثعم. وهذا القول قول، حسن، لا نطعن فيه لثقة الناقلين لهذه اللغة، وتواتر نقلهم واتفاقهم على ذلك، وقد نقلها أبو زيد، وكان سيبويه إذا قال حدثني من أثق به، فإياه يعني.
ورواه الأخفش، وهو ممن روى عنه سيبويه، وقول سيبويه في ألف التثنية أنها حرف الأعراب، يدل على أن حكمها لا تتغير عن لفظها، كما لا تتغير الدال من زيد، فجاءت في هذه الآية على الأصل، كما جاء "استحوذ" على الأصل.
والقول الثالث: قاله الفراء. قال: الألف في "هذان" دعامة، ليست بلام الفعل، فزدت عليها نوناً ولم أغيرها، كما قلت "الذي" ثم زدت عليه نوناً، ولم أغيرها، فقلت "الذين" في الرفع والنصب والجر.
والقول الرابع: يحكى عن بعض الكوفيين أن الألف في هذان مشبهة بألف يفعلان، فلم تغير كما لا يغير ألف يفعلان.
والقول الخامس: حكاه الزجاج. قال: القدماء يقولون: الهاء مضمرة ها هنا، والمعنى: أنه هذان لساحران، ويعترض هذا القول دخول اللام في الخبر.
والقول السادس: قاله ابن كيسان، قال: سألني إسماعيل ابن إسحاق عنها، فقلت: القول عندي، أنه لما كان يقال هذا في موضع الرفع والنصب والجر، وكانت التثنية يجب ألا تغير، أجريت التثنية مجرى الواحد. فقال إسماعيل: ما أحسن هذا، لو تقدمك أحد بالقول به، حتى تؤنس به. فقلت: فيقول القاضي به حتى يؤنس به، فتبسم.
والقول السابع: حكاه أبو عمرو وغيره، أنه من غلط الكاتب.
روي أن عثمان وعائشة رضي الله عنهما قالا: إن في الكتاب غلطاً ستقيمه العرب بألسنتها.
وعنهما: إن في الكتاب لحناً ستقيمه العرب بألسنتها. وهذا القول قد طعن فيه، لأن أصحاب النبي ﷺ قد أجمعوا على صحة ما بين اللوحين، فلا يمكن أن يجتمعوا على غلط.
فأما من خفف "إن" فإنه رفع ما بعدها، لنقصها عن وزن الفعل ويجوز أن يكون أعملها مخففة على الثقيلة، كما يعمل الفعل محذوفاً عمله وهو غير محذوف، إلا أنه أتى بـ "هذان"، على الوجوه التي ذكرنا، فأتى بالألف في النصب.
فأما من شدد نون "هذان"، فإنه جعل التشديد عوضاً مما حذف من هذا في التثنية.
وعن الكسائي والفراء في: "إن هذان" قولان تركنا ذكرهما لبعد تأويلهما في ذلك.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ ٱلْمُثْلَىٰ﴾.
أي: يغلبكم على ساداتكم وإشرافكم. يقال للسيد: هو طريقة قومه. ولفظ الواحد والجمع والتثنية سواء. وربما جمعوا فقالوا: هؤلاء طرائق قومهم، أي أشرافهم وساداتهم. ومنه قوله: ﴿كُنَّا طَرَآئِقَ قِدَداً﴾.
والمثلى: نعت للطريقة، وهو تأنيث أمثل، وجاز نعت الجماعة بلفظ التوحيد. كما قال: ﴿هُوَ لَهُ ٱلأَسْمَآءُ ٱلْحُسْنَىٰ﴾ [طه: ٨].
ويجوز أن تكون "المثلى" أنثت لتأنيث الطريقة.
قال ابن عباس: ﴿بِطَرِيقَتِكُمُ ٱلْمُثْلَىٰ﴾ أي أمثلكم، وهم بنو إسرائيل.
وقال مجاهد: "أولي العقول والشرف والأنساب".
وقال قتادة: "كانت طريقتهم المثلى يومئذ بني إسرائيل، كانوا أكثر الناس عدداً وأموالاً وأولاداً".
وقيل: المعنى: ويذهبا بدينكم وسنتكم التي أنتم عليها.
وقال ابن وهب: "يذهبا بالذي أنتم عليه من الدين، وقرأ قول فرعون ﴿إِنِّيۤ أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُـمْ﴾ [غافر: ٢٦] قال: فهذا قوله: ﴿وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ ٱلْمُثْلَىٰ﴾.
وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أن المعنى: ويصرفان وجوه الناس إليهما.
ويكون التقدير: ويذهبا بأهل طريقتكم، ثم حذف، مثل: ﴿وَسْئَلِ ٱلْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢].
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَأَجْمِعُواْ كَيْدَكُمْ ثُمَّ ٱئْتُواْ صَفّاً﴾.
أي: اعزموا على أمركم واحكموه. هذا على قراءة من همزة وكسر الميم. فأما من فتح الميم ووصل الألف - وهي قراءة أبي عمرو - فمعناه: فاجمعوا كل كيد لكم وحيلة، فضموه مع صاحبه. ويشهد له قوله: ﴿فَجَمَعَ كَيْدَهُ﴾. وقطع الألف أحسن، لأن السحرة لم يؤمروا بهذا إلا في اليوم الذي اجتمعوا فيه، والوقت الذي أظهروا فيه سحرهم، واستعدوا بما يحتاجون من السحر، فبعيد أن يؤمروا بجمع ما قد جمعوه واستعدوا به، وإنما يؤمر بذلك من لم يجمع ما يحتاج إليه ولم يستعد به، وليس ذلك اليوم إلا يوم استعلاء وفراغ مما يحتاجون إليه من الكيد.
ويحسن قطع الألف، لأن معناه: اعزموا على أمركم وأحكموه.
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ ٱئْتُواْ صَفّاً﴾. أي: جيئوا المصلى، وهو الموضع الذي يجتمعون فيه يوم الوعيد.
فيكون ﴿صَفّاً﴾ مفعولاً بـ ﴿ٱئْتُواْ﴾. ويجوز أن يكون المعنى: ائتوا مصطفين، ليكون أعظم لأمركم، وأشد لهيبتكم، فيكون حالاً. ووحد لأنه مصدر. فهو مصدر في موضع الحال.
* *
ثم قال: ﴿وَقَدْ أَفْلَحَ ٱلْيَوْمَ مَنِ ٱسْتَعْلَىٰ﴾.
أي: قد ظفر بحاجته اليوم من علا على صاحبه فقهره.
قال وهب: "جمع فرعون الناس لذلك الجمع، ثم أمر السحرة فقال: ﴿ٱئْتُواْ صَفّاً وَقَدْ أَفْلَحَ ٱلْيَوْمَ مَنِ ٱسْتَعْلَىٰ﴾، أي: من علا على صاحبه بالغلبة".
طه 20:65
قوله تعالى: ﴿قَالُواْ يٰمُوسَىٰ إِمَّآ أَن تُلْقِيَ وَإِمَّآ أَن نَّكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَىٰ﴾ إلى قوله: ﴿هَارُونَ وَمُوسَىٰ﴾.
أي: قال السحرة: ﴿يٰمُوسَىٰ إِمَّآ أَن تُلْقِيَ وَإِمَّآ أَن نَّكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَىٰ﴾.
وفي الكلام حذف، والتقدير: فأجمعت السحرة كيدهم ثم أتوا صفاً، فقالوا: ﴿يٰمُوسَىٰ إِمَّآ أَن تُلْقِيَ﴾. وكان السحرة يومئذ فيما ذكر ابن أبي بزة سبعين ألفاً، مع كل ساحر منهم حبل وعصاً. فألقوا سبعين ألف عصاً، وسبعين ألف حبل.
وقيل: كانت حبالهم وعصيهم حمل ثلاث مائة بعير، فصار جميع ذلك في بطن الحية، ثم رجعت عصاً كما كانت في يد موسى فألقى موسى عصاه، فإذا هي ثعبان مبين، فابتلع حبالهم وعصيهم، فألقي السحرة عند ذلك سجداً، فما رفعوا رؤوسهم حتى رأوا الجنة والنار وثواب أهلها، فعند ذلك قالوا: لن نؤثرك على ما جاءنا من البينات.
وقال السدي: "كانوا بضعاً وثلاثين ألفاً، مع كل واحد حبل وعصاً".
وقال وهب بن منبه: "كانوا خمسة عشر ألفاً مع كل ساحر حباله وعصيه".
وقال ابن جريج: كانوا تسع مائة: ثلاث مائة من العريش، وثلاث مائة من الفيوم، وثلاث مائة من الاسكندرية.
* *
ثم قال تعالى: ﴿قَالَ بَلْ أَلْقُواْ فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَىٰ﴾. أي: قال لهم موسى: بل ألقوا أنتم أولاً: ما معكم إن كنتم على حق.
وفي الكلام حذف. أي: فألقوا ما معهم من الحبال والعصي، فإذا حبالهم وعصيهم يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى.
قيل: "إن السحرة سحروا أعين الناس، وعين موسى قبل أن يلقوا حبالهم وعصيهم، ثم ألقوها، فخيل إلى موسى ﷺ حينئذ أنها تسعى" قاله وهب بن منبه.
وقوله تعالى: ﴿فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُّوسَىٰ﴾.
أي: أحس ووجد موسى خوفاً في نفسه.
قيل: إنه خاف أن يفتن الناس بما صنعوا قبل أن يؤمر بإلقاء عصاه.
وكان السحرة في ناحية بالبعد من الناس، وكان فرعون وجنوده في ناحية، وموسى وهارون صلى الله عليهما وسلم في ناحية.
وقيل: إنما خاف لما أبطأ عليه الوحي بالأمر بإلقاء العصا، فخاف أن ينصرف الناس قبل أن يؤمر بإلقاء عصاه فيفتتنون، فأوحى الله تعالى إليه: ﴿لاَ تَخَفْ إِنَّكَ أَنتَ ٱلأَعْلَىٰ﴾ أي: لا تخف على انصراف الناس وافتتانهم قبل أن تلقي عصاك فأنت الغالب.
* *
ثم قال: ﴿وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ﴾ يعني العصا ﴿تَلْقَفْ مَا صَنَعُوۤاْ﴾، فألقاها فتلقفت حبالهم وعصيهم، وكانت حمل ثلاث مائة بعير، ثم عادت عصا لا يعلم أحد أين ذهبت الحبال والعصي، إلا الله. وهذه آية تشتمل على آيات، منها: انقلاب العصا ثعباناً، ومنها: ابتلاعها لحمل ثلاث مائة بعير من حبال وعصي.
وأعظمها: أنها عادت عصا يحملها موسى في يده كما كانت أولاً، وتلاشى وقر ثلاث مائة بعير بقدرة الله، فلا أثر لذلك، فسبحان من لا يقدر على هذه القدرة أحد سواه، لا إله غيره.
* *
ثم قال: ﴿إِنَّمَا صَنَعُواْ كَيْدُ سَاحِرٍ﴾ ما "بمعنى الذي ومع ﴿صَنَعُواْ﴾ "هاء" محذوفة. و ﴿كَيْدُ﴾ خبر "إن" و "الذي" اسمها.
فإن جعلت "ما" كافة لـ "إن" عن العمل، نصبت كيداً بـ ﴿صَنَعُواْ﴾ و "الكيد": المكره أي: مكر الساحر وخدعه لا على حقيقة.
* *
ثم قال: ﴿وَلاَ يُفْلِحُ ٱلسَّاحِرُ حَيْثُ أَتَىٰ﴾ أي: لا يظفر بسحره أين كان.
وقيل: المعنى: يقتل الساحر حيث وجد.
وفي حرف ابن مسعود: أين أتى.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَأُلْقِيَ ٱلسَّحَرَةُ سُجَّداً﴾.
في الكلام حذف والتقدير، فألقى موسى ما في يده فتلقفت ما صنعوا فألقيَ السحرة سجداً.
قال ابن جبير: لما ألقى [موسى] ما في يده، صار ثعباناً مبيناً، قال: ففتحت فما لها مثل الرحى ثم وضعت مشفرها على الأرض ورفعت الآخر، فاستوعبت كل شيء ألقوا من السحر ثم جاء موسى إليها، فقبض عليها، فإذا هي عصا، فخرت السحرة سجداً، وقالوا: آمنا برب هارون وموسى.
ورويَ أن رئيس السحرة قال لهم: إن كان هذا سحراً من موسى فأين مضى حمل ثلاث مائة بعير من حبال وعصي، وأين ذهب ذلك، هذا أمر من فعل الله، وليس هو سحراً، فاخلصوا التوحيد لله جل ذكره وآمنوا وخرّوا سجّداً.
طه 20:66
قوله تعالى: ﴿قَالُواْ يٰمُوسَىٰ إِمَّآ أَن تُلْقِيَ وَإِمَّآ أَن نَّكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَىٰ﴾ إلى قوله: ﴿هَارُونَ وَمُوسَىٰ﴾.
أي: قال السحرة: ﴿يٰمُوسَىٰ إِمَّآ أَن تُلْقِيَ وَإِمَّآ أَن نَّكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَىٰ﴾.
وفي الكلام حذف، والتقدير: فأجمعت السحرة كيدهم ثم أتوا صفاً، فقالوا: ﴿يٰمُوسَىٰ إِمَّآ أَن تُلْقِيَ﴾. وكان السحرة يومئذ فيما ذكر ابن أبي بزة سبعين ألفاً، مع كل ساحر منهم حبل وعصاً. فألقوا سبعين ألف عصاً، وسبعين ألف حبل.
وقيل: كانت حبالهم وعصيهم حمل ثلاث مائة بعير، فصار جميع ذلك في بطن الحية، ثم رجعت عصاً كما كانت في يد موسى فألقى موسى عصاه، فإذا هي ثعبان مبين، فابتلع حبالهم وعصيهم، فألقي السحرة عند ذلك سجداً، فما رفعوا رؤوسهم حتى رأوا الجنة والنار وثواب أهلها، فعند ذلك قالوا: لن نؤثرك على ما جاءنا من البينات.
وقال السدي: "كانوا بضعاً وثلاثين ألفاً، مع كل واحد حبل وعصاً".
وقال وهب بن منبه: "كانوا خمسة عشر ألفاً مع كل ساحر حباله وعصيه".
وقال ابن جريج: كانوا تسع مائة: ثلاث مائة من العريش، وثلاث مائة من الفيوم، وثلاث مائة من الاسكندرية.
* *
ثم قال تعالى: ﴿قَالَ بَلْ أَلْقُواْ فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَىٰ﴾. أي: قال لهم موسى: بل ألقوا أنتم أولاً: ما معكم إن كنتم على حق.
وفي الكلام حذف. أي: فألقوا ما معهم من الحبال والعصي، فإذا حبالهم وعصيهم يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى.
قيل: "إن السحرة سحروا أعين الناس، وعين موسى قبل أن يلقوا حبالهم وعصيهم، ثم ألقوها، فخيل إلى موسى ﷺ حينئذ أنها تسعى" قاله وهب بن منبه.
وقوله تعالى: ﴿فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُّوسَىٰ﴾.
أي: أحس ووجد موسى خوفاً في نفسه.
قيل: إنه خاف أن يفتن الناس بما صنعوا قبل أن يؤمر بإلقاء عصاه.
وكان السحرة في ناحية بالبعد من الناس، وكان فرعون وجنوده في ناحية، وموسى وهارون صلى الله عليهما وسلم في ناحية.
وقيل: إنما خاف لما أبطأ عليه الوحي بالأمر بإلقاء العصا، فخاف أن ينصرف الناس قبل أن يؤمر بإلقاء عصاه فيفتتنون، فأوحى الله تعالى إليه: ﴿لاَ تَخَفْ إِنَّكَ أَنتَ ٱلأَعْلَىٰ﴾ أي: لا تخف على انصراف الناس وافتتانهم قبل أن تلقي عصاك فأنت الغالب.
* *
ثم قال: ﴿وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ﴾ يعني العصا ﴿تَلْقَفْ مَا صَنَعُوۤاْ﴾، فألقاها فتلقفت حبالهم وعصيهم، وكانت حمل ثلاث مائة بعير، ثم عادت عصا لا يعلم أحد أين ذهبت الحبال والعصي، إلا الله. وهذه آية تشتمل على آيات، منها: انقلاب العصا ثعباناً، ومنها: ابتلاعها لحمل ثلاث مائة بعير من حبال وعصي.
وأعظمها: أنها عادت عصا يحملها موسى في يده كما كانت أولاً، وتلاشى وقر ثلاث مائة بعير بقدرة الله، فلا أثر لذلك، فسبحان من لا يقدر على هذه القدرة أحد سواه، لا إله غيره.
* *
ثم قال: ﴿إِنَّمَا صَنَعُواْ كَيْدُ سَاحِرٍ﴾ ما "بمعنى الذي ومع ﴿صَنَعُواْ﴾ "هاء" محذوفة. و ﴿كَيْدُ﴾ خبر "إن" و "الذي" اسمها.
فإن جعلت "ما" كافة لـ "إن" عن العمل، نصبت كيداً بـ ﴿صَنَعُواْ﴾ و "الكيد": المكره أي: مكر الساحر وخدعه لا على حقيقة.
* *
ثم قال: ﴿وَلاَ يُفْلِحُ ٱلسَّاحِرُ حَيْثُ أَتَىٰ﴾ أي: لا يظفر بسحره أين كان.
وقيل: المعنى: يقتل الساحر حيث وجد.
وفي حرف ابن مسعود: أين أتى.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَأُلْقِيَ ٱلسَّحَرَةُ سُجَّداً﴾.
في الكلام حذف والتقدير، فألقى موسى ما في يده فتلقفت ما صنعوا فألقيَ السحرة سجداً.
قال ابن جبير: لما ألقى [موسى] ما في يده، صار ثعباناً مبيناً، قال: ففتحت فما لها مثل الرحى ثم وضعت مشفرها على الأرض ورفعت الآخر، فاستوعبت كل شيء ألقوا من السحر ثم جاء موسى إليها، فقبض عليها، فإذا هي عصا، فخرت السحرة سجداً، وقالوا: آمنا برب هارون وموسى.
ورويَ أن رئيس السحرة قال لهم: إن كان هذا سحراً من موسى فأين مضى حمل ثلاث مائة بعير من حبال وعصي، وأين ذهب ذلك، هذا أمر من فعل الله، وليس هو سحراً، فاخلصوا التوحيد لله جل ذكره وآمنوا وخرّوا سجّداً.
طه 20:67
قوله تعالى: ﴿قَالُواْ يٰمُوسَىٰ إِمَّآ أَن تُلْقِيَ وَإِمَّآ أَن نَّكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَىٰ﴾ إلى قوله: ﴿هَارُونَ وَمُوسَىٰ﴾.
أي: قال السحرة: ﴿يٰمُوسَىٰ إِمَّآ أَن تُلْقِيَ وَإِمَّآ أَن نَّكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَىٰ﴾.
وفي الكلام حذف، والتقدير: فأجمعت السحرة كيدهم ثم أتوا صفاً، فقالوا: ﴿يٰمُوسَىٰ إِمَّآ أَن تُلْقِيَ﴾. وكان السحرة يومئذ فيما ذكر ابن أبي بزة سبعين ألفاً، مع كل ساحر منهم حبل وعصاً. فألقوا سبعين ألف عصاً، وسبعين ألف حبل.
وقيل: كانت حبالهم وعصيهم حمل ثلاث مائة بعير، فصار جميع ذلك في بطن الحية، ثم رجعت عصاً كما كانت في يد موسى فألقى موسى عصاه، فإذا هي ثعبان مبين، فابتلع حبالهم وعصيهم، فألقي السحرة عند ذلك سجداً، فما رفعوا رؤوسهم حتى رأوا الجنة والنار وثواب أهلها، فعند ذلك قالوا: لن نؤثرك على ما جاءنا من البينات.
وقال السدي: "كانوا بضعاً وثلاثين ألفاً، مع كل واحد حبل وعصاً".
وقال وهب بن منبه: "كانوا خمسة عشر ألفاً مع كل ساحر حباله وعصيه".
وقال ابن جريج: كانوا تسع مائة: ثلاث مائة من العريش، وثلاث مائة من الفيوم، وثلاث مائة من الاسكندرية.
* *
ثم قال تعالى: ﴿قَالَ بَلْ أَلْقُواْ فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَىٰ﴾. أي: قال لهم موسى: بل ألقوا أنتم أولاً: ما معكم إن كنتم على حق.
وفي الكلام حذف. أي: فألقوا ما معهم من الحبال والعصي، فإذا حبالهم وعصيهم يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى.
قيل: "إن السحرة سحروا أعين الناس، وعين موسى قبل أن يلقوا حبالهم وعصيهم، ثم ألقوها، فخيل إلى موسى ﷺ حينئذ أنها تسعى" قاله وهب بن منبه.
وقوله تعالى: ﴿فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُّوسَىٰ﴾.
أي: أحس ووجد موسى خوفاً في نفسه.
قيل: إنه خاف أن يفتن الناس بما صنعوا قبل أن يؤمر بإلقاء عصاه.
وكان السحرة في ناحية بالبعد من الناس، وكان فرعون وجنوده في ناحية، وموسى وهارون صلى الله عليهما وسلم في ناحية.
وقيل: إنما خاف لما أبطأ عليه الوحي بالأمر بإلقاء العصا، فخاف أن ينصرف الناس قبل أن يؤمر بإلقاء عصاه فيفتتنون، فأوحى الله تعالى إليه: ﴿لاَ تَخَفْ إِنَّكَ أَنتَ ٱلأَعْلَىٰ﴾ أي: لا تخف على انصراف الناس وافتتانهم قبل أن تلقي عصاك فأنت الغالب.
* *
ثم قال: ﴿وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ﴾ يعني العصا ﴿تَلْقَفْ مَا صَنَعُوۤاْ﴾، فألقاها فتلقفت حبالهم وعصيهم، وكانت حمل ثلاث مائة بعير، ثم عادت عصا لا يعلم أحد أين ذهبت الحبال والعصي، إلا الله. وهذه آية تشتمل على آيات، منها: انقلاب العصا ثعباناً، ومنها: ابتلاعها لحمل ثلاث مائة بعير من حبال وعصي.
وأعظمها: أنها عادت عصا يحملها موسى في يده كما كانت أولاً، وتلاشى وقر ثلاث مائة بعير بقدرة الله، فلا أثر لذلك، فسبحان من لا يقدر على هذه القدرة أحد سواه، لا إله غيره.
* *
ثم قال: ﴿إِنَّمَا صَنَعُواْ كَيْدُ سَاحِرٍ﴾ ما "بمعنى الذي ومع ﴿صَنَعُواْ﴾ "هاء" محذوفة. و ﴿كَيْدُ﴾ خبر "إن" و "الذي" اسمها.
فإن جعلت "ما" كافة لـ "إن" عن العمل، نصبت كيداً بـ ﴿صَنَعُواْ﴾ و "الكيد": المكره أي: مكر الساحر وخدعه لا على حقيقة.
* *
ثم قال: ﴿وَلاَ يُفْلِحُ ٱلسَّاحِرُ حَيْثُ أَتَىٰ﴾ أي: لا يظفر بسحره أين كان.
وقيل: المعنى: يقتل الساحر حيث وجد.
وفي حرف ابن مسعود: أين أتى.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَأُلْقِيَ ٱلسَّحَرَةُ سُجَّداً﴾.
في الكلام حذف والتقدير، فألقى موسى ما في يده فتلقفت ما صنعوا فألقيَ السحرة سجداً.
قال ابن جبير: لما ألقى [موسى] ما في يده، صار ثعباناً مبيناً، قال: ففتحت فما لها مثل الرحى ثم وضعت مشفرها على الأرض ورفعت الآخر، فاستوعبت كل شيء ألقوا من السحر ثم جاء موسى إليها، فقبض عليها، فإذا هي عصا، فخرت السحرة سجداً، وقالوا: آمنا برب هارون وموسى.
ورويَ أن رئيس السحرة قال لهم: إن كان هذا سحراً من موسى فأين مضى حمل ثلاث مائة بعير من حبال وعصي، وأين ذهب ذلك، هذا أمر من فعل الله، وليس هو سحراً، فاخلصوا التوحيد لله جل ذكره وآمنوا وخرّوا سجّداً.
طه 20:68
قوله تعالى: ﴿قَالُواْ يٰمُوسَىٰ إِمَّآ أَن تُلْقِيَ وَإِمَّآ أَن نَّكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَىٰ﴾ إلى قوله: ﴿هَارُونَ وَمُوسَىٰ﴾.
أي: قال السحرة: ﴿يٰمُوسَىٰ إِمَّآ أَن تُلْقِيَ وَإِمَّآ أَن نَّكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَىٰ﴾.
وفي الكلام حذف، والتقدير: فأجمعت السحرة كيدهم ثم أتوا صفاً، فقالوا: ﴿يٰمُوسَىٰ إِمَّآ أَن تُلْقِيَ﴾. وكان السحرة يومئذ فيما ذكر ابن أبي بزة سبعين ألفاً، مع كل ساحر منهم حبل وعصاً. فألقوا سبعين ألف عصاً، وسبعين ألف حبل.
وقيل: كانت حبالهم وعصيهم حمل ثلاث مائة بعير، فصار جميع ذلك في بطن الحية، ثم رجعت عصاً كما كانت في يد موسى فألقى موسى عصاه، فإذا هي ثعبان مبين، فابتلع حبالهم وعصيهم، فألقي السحرة عند ذلك سجداً، فما رفعوا رؤوسهم حتى رأوا الجنة والنار وثواب أهلها، فعند ذلك قالوا: لن نؤثرك على ما جاءنا من البينات.
وقال السدي: "كانوا بضعاً وثلاثين ألفاً، مع كل واحد حبل وعصاً".
وقال وهب بن منبه: "كانوا خمسة عشر ألفاً مع كل ساحر حباله وعصيه".
وقال ابن جريج: كانوا تسع مائة: ثلاث مائة من العريش، وثلاث مائة من الفيوم، وثلاث مائة من الاسكندرية.
* *
ثم قال تعالى: ﴿قَالَ بَلْ أَلْقُواْ فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَىٰ﴾. أي: قال لهم موسى: بل ألقوا أنتم أولاً: ما معكم إن كنتم على حق.
وفي الكلام حذف. أي: فألقوا ما معهم من الحبال والعصي، فإذا حبالهم وعصيهم يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى.
قيل: "إن السحرة سحروا أعين الناس، وعين موسى قبل أن يلقوا حبالهم وعصيهم، ثم ألقوها، فخيل إلى موسى ﷺ حينئذ أنها تسعى" قاله وهب بن منبه.
وقوله تعالى: ﴿فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُّوسَىٰ﴾.
أي: أحس ووجد موسى خوفاً في نفسه.
قيل: إنه خاف أن يفتن الناس بما صنعوا قبل أن يؤمر بإلقاء عصاه.
وكان السحرة في ناحية بالبعد من الناس، وكان فرعون وجنوده في ناحية، وموسى وهارون صلى الله عليهما وسلم في ناحية.
وقيل: إنما خاف لما أبطأ عليه الوحي بالأمر بإلقاء العصا، فخاف أن ينصرف الناس قبل أن يؤمر بإلقاء عصاه فيفتتنون، فأوحى الله تعالى إليه: ﴿لاَ تَخَفْ إِنَّكَ أَنتَ ٱلأَعْلَىٰ﴾ أي: لا تخف على انصراف الناس وافتتانهم قبل أن تلقي عصاك فأنت الغالب.
* *
ثم قال: ﴿وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ﴾ يعني العصا ﴿تَلْقَفْ مَا صَنَعُوۤاْ﴾، فألقاها فتلقفت حبالهم وعصيهم، وكانت حمل ثلاث مائة بعير، ثم عادت عصا لا يعلم أحد أين ذهبت الحبال والعصي، إلا الله. وهذه آية تشتمل على آيات، منها: انقلاب العصا ثعباناً، ومنها: ابتلاعها لحمل ثلاث مائة بعير من حبال وعصي.
وأعظمها: أنها عادت عصا يحملها موسى في يده كما كانت أولاً، وتلاشى وقر ثلاث مائة بعير بقدرة الله، فلا أثر لذلك، فسبحان من لا يقدر على هذه القدرة أحد سواه، لا إله غيره.
* *
ثم قال: ﴿إِنَّمَا صَنَعُواْ كَيْدُ سَاحِرٍ﴾ ما "بمعنى الذي ومع ﴿صَنَعُواْ﴾ "هاء" محذوفة. و ﴿كَيْدُ﴾ خبر "إن" و "الذي" اسمها.
فإن جعلت "ما" كافة لـ "إن" عن العمل، نصبت كيداً بـ ﴿صَنَعُواْ﴾ و "الكيد": المكره أي: مكر الساحر وخدعه لا على حقيقة.
* *
ثم قال: ﴿وَلاَ يُفْلِحُ ٱلسَّاحِرُ حَيْثُ أَتَىٰ﴾ أي: لا يظفر بسحره أين كان.
وقيل: المعنى: يقتل الساحر حيث وجد.
وفي حرف ابن مسعود: أين أتى.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَأُلْقِيَ ٱلسَّحَرَةُ سُجَّداً﴾.
في الكلام حذف والتقدير، فألقى موسى ما في يده فتلقفت ما صنعوا فألقيَ السحرة سجداً.
قال ابن جبير: لما ألقى [موسى] ما في يده، صار ثعباناً مبيناً، قال: ففتحت فما لها مثل الرحى ثم وضعت مشفرها على الأرض ورفعت الآخر، فاستوعبت كل شيء ألقوا من السحر ثم جاء موسى إليها، فقبض عليها، فإذا هي عصا، فخرت السحرة سجداً، وقالوا: آمنا برب هارون وموسى.
ورويَ أن رئيس السحرة قال لهم: إن كان هذا سحراً من موسى فأين مضى حمل ثلاث مائة بعير من حبال وعصي، وأين ذهب ذلك، هذا أمر من فعل الله، وليس هو سحراً، فاخلصوا التوحيد لله جل ذكره وآمنوا وخرّوا سجّداً.
طه 20:69
قوله تعالى: ﴿قَالُواْ يٰمُوسَىٰ إِمَّآ أَن تُلْقِيَ وَإِمَّآ أَن نَّكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَىٰ﴾ إلى قوله: ﴿هَارُونَ وَمُوسَىٰ﴾.
أي: قال السحرة: ﴿يٰمُوسَىٰ إِمَّآ أَن تُلْقِيَ وَإِمَّآ أَن نَّكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَىٰ﴾.
وفي الكلام حذف، والتقدير: فأجمعت السحرة كيدهم ثم أتوا صفاً، فقالوا: ﴿يٰمُوسَىٰ إِمَّآ أَن تُلْقِيَ﴾. وكان السحرة يومئذ فيما ذكر ابن أبي بزة سبعين ألفاً، مع كل ساحر منهم حبل وعصاً. فألقوا سبعين ألف عصاً، وسبعين ألف حبل.
وقيل: كانت حبالهم وعصيهم حمل ثلاث مائة بعير، فصار جميع ذلك في بطن الحية، ثم رجعت عصاً كما كانت في يد موسى فألقى موسى عصاه، فإذا هي ثعبان مبين، فابتلع حبالهم وعصيهم، فألقي السحرة عند ذلك سجداً، فما رفعوا رؤوسهم حتى رأوا الجنة والنار وثواب أهلها، فعند ذلك قالوا: لن نؤثرك على ما جاءنا من البينات.
وقال السدي: "كانوا بضعاً وثلاثين ألفاً، مع كل واحد حبل وعصاً".
وقال وهب بن منبه: "كانوا خمسة عشر ألفاً مع كل ساحر حباله وعصيه".
وقال ابن جريج: كانوا تسع مائة: ثلاث مائة من العريش، وثلاث مائة من الفيوم، وثلاث مائة من الاسكندرية.
* *
ثم قال تعالى: ﴿قَالَ بَلْ أَلْقُواْ فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَىٰ﴾. أي: قال لهم موسى: بل ألقوا أنتم أولاً: ما معكم إن كنتم على حق.
وفي الكلام حذف. أي: فألقوا ما معهم من الحبال والعصي، فإذا حبالهم وعصيهم يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى.
قيل: "إن السحرة سحروا أعين الناس، وعين موسى قبل أن يلقوا حبالهم وعصيهم، ثم ألقوها، فخيل إلى موسى ﷺ حينئذ أنها تسعى" قاله وهب بن منبه.
وقوله تعالى: ﴿فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُّوسَىٰ﴾.
أي: أحس ووجد موسى خوفاً في نفسه.
قيل: إنه خاف أن يفتن الناس بما صنعوا قبل أن يؤمر بإلقاء عصاه.
وكان السحرة في ناحية بالبعد من الناس، وكان فرعون وجنوده في ناحية، وموسى وهارون صلى الله عليهما وسلم في ناحية.
وقيل: إنما خاف لما أبطأ عليه الوحي بالأمر بإلقاء العصا، فخاف أن ينصرف الناس قبل أن يؤمر بإلقاء عصاه فيفتتنون، فأوحى الله تعالى إليه: ﴿لاَ تَخَفْ إِنَّكَ أَنتَ ٱلأَعْلَىٰ﴾ أي: لا تخف على انصراف الناس وافتتانهم قبل أن تلقي عصاك فأنت الغالب.
* *
ثم قال: ﴿وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ﴾ يعني العصا ﴿تَلْقَفْ مَا صَنَعُوۤاْ﴾، فألقاها فتلقفت حبالهم وعصيهم، وكانت حمل ثلاث مائة بعير، ثم عادت عصا لا يعلم أحد أين ذهبت الحبال والعصي، إلا الله. وهذه آية تشتمل على آيات، منها: انقلاب العصا ثعباناً، ومنها: ابتلاعها لحمل ثلاث مائة بعير من حبال وعصي.
وأعظمها: أنها عادت عصا يحملها موسى في يده كما كانت أولاً، وتلاشى وقر ثلاث مائة بعير بقدرة الله، فلا أثر لذلك، فسبحان من لا يقدر على هذه القدرة أحد سواه، لا إله غيره.
* *
ثم قال: ﴿إِنَّمَا صَنَعُواْ كَيْدُ سَاحِرٍ﴾ ما "بمعنى الذي ومع ﴿صَنَعُواْ﴾ "هاء" محذوفة. و ﴿كَيْدُ﴾ خبر "إن" و "الذي" اسمها.
فإن جعلت "ما" كافة لـ "إن" عن العمل، نصبت كيداً بـ ﴿صَنَعُواْ﴾ و "الكيد": المكره أي: مكر الساحر وخدعه لا على حقيقة.
* *
ثم قال: ﴿وَلاَ يُفْلِحُ ٱلسَّاحِرُ حَيْثُ أَتَىٰ﴾ أي: لا يظفر بسحره أين كان.
وقيل: المعنى: يقتل الساحر حيث وجد.
وفي حرف ابن مسعود: أين أتى.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَأُلْقِيَ ٱلسَّحَرَةُ سُجَّداً﴾.
في الكلام حذف والتقدير، فألقى موسى ما في يده فتلقفت ما صنعوا فألقيَ السحرة سجداً.
قال ابن جبير: لما ألقى [موسى] ما في يده، صار ثعباناً مبيناً، قال: ففتحت فما لها مثل الرحى ثم وضعت مشفرها على الأرض ورفعت الآخر، فاستوعبت كل شيء ألقوا من السحر ثم جاء موسى إليها، فقبض عليها، فإذا هي عصا، فخرت السحرة سجداً، وقالوا: آمنا برب هارون وموسى.
ورويَ أن رئيس السحرة قال لهم: إن كان هذا سحراً من موسى فأين مضى حمل ثلاث مائة بعير من حبال وعصي، وأين ذهب ذلك، هذا أمر من فعل الله، وليس هو سحراً، فاخلصوا التوحيد لله جل ذكره وآمنوا وخرّوا سجّداً.
طه 20:70
قوله تعالى: ﴿قَالُواْ يٰمُوسَىٰ إِمَّآ أَن تُلْقِيَ وَإِمَّآ أَن نَّكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَىٰ﴾ إلى قوله: ﴿هَارُونَ وَمُوسَىٰ﴾.
أي: قال السحرة: ﴿يٰمُوسَىٰ إِمَّآ أَن تُلْقِيَ وَإِمَّآ أَن نَّكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَىٰ﴾.
وفي الكلام حذف، والتقدير: فأجمعت السحرة كيدهم ثم أتوا صفاً، فقالوا: ﴿يٰمُوسَىٰ إِمَّآ أَن تُلْقِيَ﴾. وكان السحرة يومئذ فيما ذكر ابن أبي بزة سبعين ألفاً، مع كل ساحر منهم حبل وعصاً. فألقوا سبعين ألف عصاً، وسبعين ألف حبل.
وقيل: كانت حبالهم وعصيهم حمل ثلاث مائة بعير، فصار جميع ذلك في بطن الحية، ثم رجعت عصاً كما كانت في يد موسى فألقى موسى عصاه، فإذا هي ثعبان مبين، فابتلع حبالهم وعصيهم، فألقي السحرة عند ذلك سجداً، فما رفعوا رؤوسهم حتى رأوا الجنة والنار وثواب أهلها، فعند ذلك قالوا: لن نؤثرك على ما جاءنا من البينات.
وقال السدي: "كانوا بضعاً وثلاثين ألفاً، مع كل واحد حبل وعصاً".
وقال وهب بن منبه: "كانوا خمسة عشر ألفاً مع كل ساحر حباله وعصيه".
وقال ابن جريج: كانوا تسع مائة: ثلاث مائة من العريش، وثلاث مائة من الفيوم، وثلاث مائة من الاسكندرية.
* *
ثم قال تعالى: ﴿قَالَ بَلْ أَلْقُواْ فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَىٰ﴾. أي: قال لهم موسى: بل ألقوا أنتم أولاً: ما معكم إن كنتم على حق.
وفي الكلام حذف. أي: فألقوا ما معهم من الحبال والعصي، فإذا حبالهم وعصيهم يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى.
قيل: "إن السحرة سحروا أعين الناس، وعين موسى قبل أن يلقوا حبالهم وعصيهم، ثم ألقوها، فخيل إلى موسى ﷺ حينئذ أنها تسعى" قاله وهب بن منبه.
وقوله تعالى: ﴿فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُّوسَىٰ﴾.
أي: أحس ووجد موسى خوفاً في نفسه.
قيل: إنه خاف أن يفتن الناس بما صنعوا قبل أن يؤمر بإلقاء عصاه.
وكان السحرة في ناحية بالبعد من الناس، وكان فرعون وجنوده في ناحية، وموسى وهارون صلى الله عليهما وسلم في ناحية.
وقيل: إنما خاف لما أبطأ عليه الوحي بالأمر بإلقاء العصا، فخاف أن ينصرف الناس قبل أن يؤمر بإلقاء عصاه فيفتتنون، فأوحى الله تعالى إليه: ﴿لاَ تَخَفْ إِنَّكَ أَنتَ ٱلأَعْلَىٰ﴾ أي: لا تخف على انصراف الناس وافتتانهم قبل أن تلقي عصاك فأنت الغالب.
* *
ثم قال: ﴿وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ﴾ يعني العصا ﴿تَلْقَفْ مَا صَنَعُوۤاْ﴾، فألقاها فتلقفت حبالهم وعصيهم، وكانت حمل ثلاث مائة بعير، ثم عادت عصا لا يعلم أحد أين ذهبت الحبال والعصي، إلا الله. وهذه آية تشتمل على آيات، منها: انقلاب العصا ثعباناً، ومنها: ابتلاعها لحمل ثلاث مائة بعير من حبال وعصي.
وأعظمها: أنها عادت عصا يحملها موسى في يده كما كانت أولاً، وتلاشى وقر ثلاث مائة بعير بقدرة الله، فلا أثر لذلك، فسبحان من لا يقدر على هذه القدرة أحد سواه، لا إله غيره.
* *
ثم قال: ﴿إِنَّمَا صَنَعُواْ كَيْدُ سَاحِرٍ﴾ ما "بمعنى الذي ومع ﴿صَنَعُواْ﴾ "هاء" محذوفة. و ﴿كَيْدُ﴾ خبر "إن" و "الذي" اسمها.
فإن جعلت "ما" كافة لـ "إن" عن العمل، نصبت كيداً بـ ﴿صَنَعُواْ﴾ و "الكيد": المكره أي: مكر الساحر وخدعه لا على حقيقة.
* *
ثم قال: ﴿وَلاَ يُفْلِحُ ٱلسَّاحِرُ حَيْثُ أَتَىٰ﴾ أي: لا يظفر بسحره أين كان.
وقيل: المعنى: يقتل الساحر حيث وجد.
وفي حرف ابن مسعود: أين أتى.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَأُلْقِيَ ٱلسَّحَرَةُ سُجَّداً﴾.
في الكلام حذف والتقدير، فألقى موسى ما في يده فتلقفت ما صنعوا فألقيَ السحرة سجداً.
قال ابن جبير: لما ألقى [موسى] ما في يده، صار ثعباناً مبيناً، قال: ففتحت فما لها مثل الرحى ثم وضعت مشفرها على الأرض ورفعت الآخر، فاستوعبت كل شيء ألقوا من السحر ثم جاء موسى إليها، فقبض عليها، فإذا هي عصا، فخرت السحرة سجداً، وقالوا: آمنا برب هارون وموسى.
ورويَ أن رئيس السحرة قال لهم: إن كان هذا سحراً من موسى فأين مضى حمل ثلاث مائة بعير من حبال وعصي، وأين ذهب ذلك، هذا أمر من فعل الله، وليس هو سحراً، فاخلصوا التوحيد لله جل ذكره وآمنوا وخرّوا سجّداً.
طه 20:71
قوله تعالى ذكره: ﴿قَالَ آمَنتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ ءَاذَنَ لَكُمْ﴾ إلى قوله ﴿خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ﴾.
المعنى: قال فرعون للسحرة الذين خرّوا سجّداً: ﴿آمَنتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ ءَاذَنَ لَكُمْ﴾ يهددهم ويوعدهم أي: أصدقتم بموسى: إن موسى لكبيركم الذي علمكم السحر، ﴿فَلأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِّنْ خِلاَفٍ﴾ فكان فرعون أول مَن قطع الأيدي والأرجل من خلاف.
* *
﴿وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ ٱلنَّخْلِ﴾.
أي: عليها. وكان أول مَن صلب في جذوع النخل.
ويقال: إن فرعون شبه على الناس بما قال. وذلك أنه لما رأى ما نزل به، قال للسحرة: إن موسى لكبيركم الذي علمكم السحر فواطيتموه على ما صنعتم وعاملتموه على ذلك ليشكك الناس في الآيات التي ظهرت، فقطّع أيديهم وأرجلهم من خلاف وصلبهم حتى ماتوا، ومعنى "خلاف" أن يقطع يمين اليدين ويسرى الرجلين، أو يسرى اليدين ويمنى الرجلين.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَآ أَشَدُّ عَذَاباً وَأَبْقَىٰ﴾. أي: أنا أشد عذاباً أو موسى. يخاطب بذلك السحرة.
ومعنى: ﴿وَأَبْقَىٰ﴾ وأدوم.
* *
ثم قال: ﴿قَالُواْ لَن نُّؤْثِرَكَ عَلَىٰ مَا جَآءَنَا مِنَ ٱلْبَيِّنَاتِ﴾.
أي: قال السحرة لفرعون لما توعدهم: لن نفضلك على ما رأينا من الحجج والبراهين فنتبعك ونكذب موسى.
* *
ثم قال: ﴿وَٱلَّذِي فَطَرَنَا﴾.
أي: لن نفضلك على الذي جاءنا وعلى الذي فطرنا.
وقيل: الواو، واو قسم. و ﴿فَطَرَنَا﴾ خلقنا.
* *
﴿فَٱقْضِ مَآ أَنتَ قَاضٍ﴾.
أي: افعل ما أنت فاعل.
* *
ثم قال: ﴿إِنَّمَا تَقْضِي هَـٰذِهِ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَآ﴾.
أي: قال له السحرة ذلك. والمعنى: إنما تقضي في متاع هذه الحياة الدنيا.
و "ما" كافة لـ "إن" عن العمل. ولو جعلت "ما" بمعنى "الذي" رفعت "هذه الحياة الدنيا" أي: إن الذي تقضيه هذه الحياة الدنيا.
وقيل: معنى الكلام إنما يجوز أمرك في هذه الحياة الدنيا.
* *
ثم قال: ﴿إِنَّآ آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَآ أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ ٱلسِّحْرِ﴾.
أي: ليغفر لنا خطايانا من السحر. ﴿وَمَآ أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ ٱلسِّحْرِ﴾. فـ "ما" نافيه. أي: لم تكرهنا على السحر، نحن جئنا به طائعين، فهو ذنب عظيم، نطمع أن يغفره الله لنا إذا متنا، فتكون ﴿مِنَ﴾ لإبانة الجنسِ.
وقيل: المعنى: ليغفر لنا ربنا خطايانا، ويغفر لنا الذي أكرهتنا عليه من السحر. فتكون ﴿مِنَ﴾ للتبيين، موضعها نصب، ولا موضع لها في القول الأول.
وهذا القول رويَ عن ابن عباس، قال: "ذلك غلمان دفعهم فرعون إلى السحرة يعلمهم السحر".
وقال ابن زيد: "أمرهم بتعلم السحر"
وقال الحسن: "كانوا إذا نشأ المولود فيهم، أكرهه على تعلم السحر.
* *
ثم قال: ﴿وَٱللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ﴾ أي: خير ثواباً وأبقى عذاباً.
قال محمد بن كعب: معناه: "خير منك ثواباً أن أطيع، وأبقى منك عذاباً إن عصى" وهذا جواب منهم لقوله: ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَآ أَشَدُّ عَذَاباً وَأَبْقَىٰ﴾.
طه 20:72
قوله تعالى ذكره: ﴿قَالَ آمَنتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ ءَاذَنَ لَكُمْ﴾ إلى قوله ﴿خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ﴾.
المعنى: قال فرعون للسحرة الذين خرّوا سجّداً: ﴿آمَنتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ ءَاذَنَ لَكُمْ﴾ يهددهم ويوعدهم أي: أصدقتم بموسى: إن موسى لكبيركم الذي علمكم السحر، ﴿فَلأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِّنْ خِلاَفٍ﴾ فكان فرعون أول مَن قطع الأيدي والأرجل من خلاف.
* *
﴿وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ ٱلنَّخْلِ﴾.
أي: عليها. وكان أول مَن صلب في جذوع النخل.
ويقال: إن فرعون شبه على الناس بما قال. وذلك أنه لما رأى ما نزل به، قال للسحرة: إن موسى لكبيركم الذي علمكم السحر فواطيتموه على ما صنعتم وعاملتموه على ذلك ليشكك الناس في الآيات التي ظهرت، فقطّع أيديهم وأرجلهم من خلاف وصلبهم حتى ماتوا، ومعنى "خلاف" أن يقطع يمين اليدين ويسرى الرجلين، أو يسرى اليدين ويمنى الرجلين.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَآ أَشَدُّ عَذَاباً وَأَبْقَىٰ﴾. أي: أنا أشد عذاباً أو موسى. يخاطب بذلك السحرة.
ومعنى: ﴿وَأَبْقَىٰ﴾ وأدوم.
* *
ثم قال: ﴿قَالُواْ لَن نُّؤْثِرَكَ عَلَىٰ مَا جَآءَنَا مِنَ ٱلْبَيِّنَاتِ﴾.
أي: قال السحرة لفرعون لما توعدهم: لن نفضلك على ما رأينا من الحجج والبراهين فنتبعك ونكذب موسى.
* *
ثم قال: ﴿وَٱلَّذِي فَطَرَنَا﴾.
أي: لن نفضلك على الذي جاءنا وعلى الذي فطرنا.
وقيل: الواو، واو قسم. و ﴿فَطَرَنَا﴾ خلقنا.
* *
﴿فَٱقْضِ مَآ أَنتَ قَاضٍ﴾.
أي: افعل ما أنت فاعل.
* *
ثم قال: ﴿إِنَّمَا تَقْضِي هَـٰذِهِ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَآ﴾.
أي: قال له السحرة ذلك. والمعنى: إنما تقضي في متاع هذه الحياة الدنيا.
و "ما" كافة لـ "إن" عن العمل. ولو جعلت "ما" بمعنى "الذي" رفعت "هذه الحياة الدنيا" أي: إن الذي تقضيه هذه الحياة الدنيا.
وقيل: معنى الكلام إنما يجوز أمرك في هذه الحياة الدنيا.
* *
ثم قال: ﴿إِنَّآ آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَآ أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ ٱلسِّحْرِ﴾.
أي: ليغفر لنا خطايانا من السحر. ﴿وَمَآ أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ ٱلسِّحْرِ﴾. فـ "ما" نافيه. أي: لم تكرهنا على السحر، نحن جئنا به طائعين، فهو ذنب عظيم، نطمع أن يغفره الله لنا إذا متنا، فتكون ﴿مِنَ﴾ لإبانة الجنسِ.
وقيل: المعنى: ليغفر لنا ربنا خطايانا، ويغفر لنا الذي أكرهتنا عليه من السحر. فتكون ﴿مِنَ﴾ للتبيين، موضعها نصب، ولا موضع لها في القول الأول.
وهذا القول رويَ عن ابن عباس، قال: "ذلك غلمان دفعهم فرعون إلى السحرة يعلمهم السحر".
وقال ابن زيد: "أمرهم بتعلم السحر"
وقال الحسن: "كانوا إذا نشأ المولود فيهم، أكرهه على تعلم السحر.
* *
ثم قال: ﴿وَٱللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ﴾ أي: خير ثواباً وأبقى عذاباً.
قال محمد بن كعب: معناه: "خير منك ثواباً أن أطيع، وأبقى منك عذاباً إن عصى" وهذا جواب منهم لقوله: ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَآ أَشَدُّ عَذَاباً وَأَبْقَىٰ﴾.
طه 20:73
قوله تعالى ذكره: ﴿قَالَ آمَنتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ ءَاذَنَ لَكُمْ﴾ إلى قوله ﴿خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ﴾.
المعنى: قال فرعون للسحرة الذين خرّوا سجّداً: ﴿آمَنتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ ءَاذَنَ لَكُمْ﴾ يهددهم ويوعدهم أي: أصدقتم بموسى: إن موسى لكبيركم الذي علمكم السحر، ﴿فَلأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِّنْ خِلاَفٍ﴾ فكان فرعون أول مَن قطع الأيدي والأرجل من خلاف.
* *
﴿وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ ٱلنَّخْلِ﴾.
أي: عليها. وكان أول مَن صلب في جذوع النخل.
ويقال: إن فرعون شبه على الناس بما قال. وذلك أنه لما رأى ما نزل به، قال للسحرة: إن موسى لكبيركم الذي علمكم السحر فواطيتموه على ما صنعتم وعاملتموه على ذلك ليشكك الناس في الآيات التي ظهرت، فقطّع أيديهم وأرجلهم من خلاف وصلبهم حتى ماتوا، ومعنى "خلاف" أن يقطع يمين اليدين ويسرى الرجلين، أو يسرى اليدين ويمنى الرجلين.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَآ أَشَدُّ عَذَاباً وَأَبْقَىٰ﴾. أي: أنا أشد عذاباً أو موسى. يخاطب بذلك السحرة.
ومعنى: ﴿وَأَبْقَىٰ﴾ وأدوم.
* *
ثم قال: ﴿قَالُواْ لَن نُّؤْثِرَكَ عَلَىٰ مَا جَآءَنَا مِنَ ٱلْبَيِّنَاتِ﴾.
أي: قال السحرة لفرعون لما توعدهم: لن نفضلك على ما رأينا من الحجج والبراهين فنتبعك ونكذب موسى.
* *
ثم قال: ﴿وَٱلَّذِي فَطَرَنَا﴾.
أي: لن نفضلك على الذي جاءنا وعلى الذي فطرنا.
وقيل: الواو، واو قسم. و ﴿فَطَرَنَا﴾ خلقنا.
* *
﴿فَٱقْضِ مَآ أَنتَ قَاضٍ﴾.
أي: افعل ما أنت فاعل.
* *
ثم قال: ﴿إِنَّمَا تَقْضِي هَـٰذِهِ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَآ﴾.
أي: قال له السحرة ذلك. والمعنى: إنما تقضي في متاع هذه الحياة الدنيا.
و "ما" كافة لـ "إن" عن العمل. ولو جعلت "ما" بمعنى "الذي" رفعت "هذه الحياة الدنيا" أي: إن الذي تقضيه هذه الحياة الدنيا.
وقيل: معنى الكلام إنما يجوز أمرك في هذه الحياة الدنيا.
* *
ثم قال: ﴿إِنَّآ آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَآ أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ ٱلسِّحْرِ﴾.
أي: ليغفر لنا خطايانا من السحر. ﴿وَمَآ أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ ٱلسِّحْرِ﴾. فـ "ما" نافيه. أي: لم تكرهنا على السحر، نحن جئنا به طائعين، فهو ذنب عظيم، نطمع أن يغفره الله لنا إذا متنا، فتكون ﴿مِنَ﴾ لإبانة الجنسِ.
وقيل: المعنى: ليغفر لنا ربنا خطايانا، ويغفر لنا الذي أكرهتنا عليه من السحر. فتكون ﴿مِنَ﴾ للتبيين، موضعها نصب، ولا موضع لها في القول الأول.
وهذا القول رويَ عن ابن عباس، قال: "ذلك غلمان دفعهم فرعون إلى السحرة يعلمهم السحر".
وقال ابن زيد: "أمرهم بتعلم السحر"
وقال الحسن: "كانوا إذا نشأ المولود فيهم، أكرهه على تعلم السحر.
* *
ثم قال: ﴿وَٱللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ﴾ أي: خير ثواباً وأبقى عذاباً.
قال محمد بن كعب: معناه: "خير منك ثواباً أن أطيع، وأبقى منك عذاباً إن عصى" وهذا جواب منهم لقوله: ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَآ أَشَدُّ عَذَاباً وَأَبْقَىٰ﴾.
طه 20:74
قوله تعالى ذكره: ﴿إِنَّهُ مَن يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِماً﴾ إلى قوله: ﴿وَلاَ تَخْشَىٰ﴾.
والمعنى: إن السحرة قالوا لفرعون ﴿إِنَّهُ مَن يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِماً﴾ أي مكتسباً الكفر، فإن له جهنم أي: مأواه [جهنم ومسكنه] جزاء على كفره. ﴿لاَ يَمُوتُ فِيهَا﴾ فتخرج نفسه ﴿وَلاَ يَحْيَىٰ﴾ فتستقر نفسه في مقرها، ولكنها تتعلق بالحناجر. وعلق الإتيان بالله مجازاً في هذا. والمعنى: من يأت موعد ربه" كما قال إبراهيم: ﴿إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَىٰ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الصافات: ٩٩] أي: إلى موعد ربي. وليس الإتيان إلى الله إتيان مقاربة منه، لأنه قريب في كل أوان لا يبعده مكان ولا يقربه مكان، ولا يحويه مكان دون مكان، ولا يحتاج إلى مكان لأنه تعالى لم يزل قديماً قبل المكان ولا تجوز صفة القرب بالمكان إلا على الأجسام، لأنها محدثة بعد حدوث المكان، وكان الله ولا مكان. فالإتيان إلى الله إنما هو إتيان من الخلق يوم القيامة إلى ثواب الله وجزائه، وكذلك المعنى فيما كان مثله.
* *
ثم قال: ﴿وَمَن يَأْتِهِ مُؤْمِناً قَدْ عَمِلَ ٱلصَّالِحَاتِ﴾.
أي: ومن يأت ربه موحداً له قد عمل ما أمره به، وانتهى عما نهى عنه: ﴿فَأُوْلَـٰئِكَ لَهُمُ ٱلدَّرَجَاتُ ٱلْعُلَىٰ﴾ أي: لهم درجات الجنة العلى. ثم بين تلك الدرجات ما هي، فقال: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ﴾ أي: جنات إقامة لا ظعن عنها ولا نفاذ لها ولا فناء ﴿تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ﴾ أي: تجري من تحت أشجارها ماء الأنهار. خالدين فيها. أي: ماكثين فيها أبداً.
* *
ثم قال: ﴿وَذٰلِكَ جَزَآءُ مَن تَزَكَّىٰ﴾.
هذه الإشارة بـ "ذلك" هي إلى جميع ما تقدم بعد أولئك. أي: ذلك جزاء مَن تطهر من الذنوب.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَوْحَيْنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰ أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي﴾.
أي: أوحينا إلى موسى إذ أبى فرعون أن يستجيب له، أن أسر بعبادي، يعني بني إسرائيل.
* *
﴿فَٱضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقاً فِي ٱلْبَحْرِ يَبَساً﴾.
أي: اتخذ لهم طريقاً في البحر يبساً. أي: يابساً. وهو مصدر نعت به الطريق. والمعنى: ذا يبس.
* *
ثم قال: ﴿لاَّ تَخَافُ دَرَكاً وَلاَ تَخْشَىٰ﴾.
أي: لا تخاف من فرعون وجنوده أن يدركوه، ولا تخشى غرقاً من بين يديك.
قال ابن جريج: "قال أصحاب موسى: هذا فرعون قد أدركنا وهذا البحر قد غشينا. فأنزل الله تعالى ذكره: ﴿لاَّ تَخَافُ دَرَكاً﴾ من أصحاب فرعون، ﴿وَلاَ تَخْشَىٰ﴾ من البحر وحلاً.
وتقديره عن الأخفش: لا تخاف دركاً فيه. ثم حذف "فيه".
ومن قرأ ﴿لاَّ تَخَافُ﴾ بالرفع جعله في موضع الحال من موسى.
وقيل: هو نعت لطريق على تقدير: لا تخاف فيه.
وقيل: هو مستأنف على معنى: لست تخاف وتخشى، عطف عليه في الوجوه الثلاثة.
ومن قرأ: لا تخف بالجزم، جعله جواباً للأمر في قوله: ﴿فَٱضْرِبْ﴾.
وقيل: هو جزم على النهي. نهى أن يخاف فرعون. ويكون ﴿وَلاَ تَخْشَىٰ﴾ مقطوعاً من الأول.
وأجاز الفراء أن يكون معطوفاً على ﴿لاَّ تَخَافُ﴾ وثبتت الألف في الجزم كما ثبتت الياء والواو وهذا غلط عند جميع البصريين لأن الألف لا تتحرك فيقدر فيها حركة. والياء والواو يتحركان فيجوز أن تقدر فيهما حركة محذوفة. وأيضاً فإن ذلك لا يجوز في الياء والواو إلا في الشعر.
طه 20:75
قوله تعالى ذكره: ﴿إِنَّهُ مَن يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِماً﴾ إلى قوله: ﴿وَلاَ تَخْشَىٰ﴾.
والمعنى: إن السحرة قالوا لفرعون ﴿إِنَّهُ مَن يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِماً﴾ أي مكتسباً الكفر، فإن له جهنم أي: مأواه [جهنم ومسكنه] جزاء على كفره. ﴿لاَ يَمُوتُ فِيهَا﴾ فتخرج نفسه ﴿وَلاَ يَحْيَىٰ﴾ فتستقر نفسه في مقرها، ولكنها تتعلق بالحناجر. وعلق الإتيان بالله مجازاً في هذا. والمعنى: من يأت موعد ربه" كما قال إبراهيم: ﴿إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَىٰ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الصافات: ٩٩] أي: إلى موعد ربي. وليس الإتيان إلى الله إتيان مقاربة منه، لأنه قريب في كل أوان لا يبعده مكان ولا يقربه مكان، ولا يحويه مكان دون مكان، ولا يحتاج إلى مكان لأنه تعالى لم يزل قديماً قبل المكان ولا تجوز صفة القرب بالمكان إلا على الأجسام، لأنها محدثة بعد حدوث المكان، وكان الله ولا مكان. فالإتيان إلى الله إنما هو إتيان من الخلق يوم القيامة إلى ثواب الله وجزائه، وكذلك المعنى فيما كان مثله.
* *
ثم قال: ﴿وَمَن يَأْتِهِ مُؤْمِناً قَدْ عَمِلَ ٱلصَّالِحَاتِ﴾.
أي: ومن يأت ربه موحداً له قد عمل ما أمره به، وانتهى عما نهى عنه: ﴿فَأُوْلَـٰئِكَ لَهُمُ ٱلدَّرَجَاتُ ٱلْعُلَىٰ﴾ أي: لهم درجات الجنة العلى. ثم بين تلك الدرجات ما هي، فقال: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ﴾ أي: جنات إقامة لا ظعن عنها ولا نفاذ لها ولا فناء ﴿تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ﴾ أي: تجري من تحت أشجارها ماء الأنهار. خالدين فيها. أي: ماكثين فيها أبداً.
* *
ثم قال: ﴿وَذٰلِكَ جَزَآءُ مَن تَزَكَّىٰ﴾.
هذه الإشارة بـ "ذلك" هي إلى جميع ما تقدم بعد أولئك. أي: ذلك جزاء مَن تطهر من الذنوب.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَوْحَيْنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰ أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي﴾.
أي: أوحينا إلى موسى إذ أبى فرعون أن يستجيب له، أن أسر بعبادي، يعني بني إسرائيل.
* *
﴿فَٱضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقاً فِي ٱلْبَحْرِ يَبَساً﴾.
أي: اتخذ لهم طريقاً في البحر يبساً. أي: يابساً. وهو مصدر نعت به الطريق. والمعنى: ذا يبس.
* *
ثم قال: ﴿لاَّ تَخَافُ دَرَكاً وَلاَ تَخْشَىٰ﴾.
أي: لا تخاف من فرعون وجنوده أن يدركوه، ولا تخشى غرقاً من بين يديك.
قال ابن جريج: "قال أصحاب موسى: هذا فرعون قد أدركنا وهذا البحر قد غشينا. فأنزل الله تعالى ذكره: ﴿لاَّ تَخَافُ دَرَكاً﴾ من أصحاب فرعون، ﴿وَلاَ تَخْشَىٰ﴾ من البحر وحلاً.
وتقديره عن الأخفش: لا تخاف دركاً فيه. ثم حذف "فيه".
ومن قرأ ﴿لاَّ تَخَافُ﴾ بالرفع جعله في موضع الحال من موسى.
وقيل: هو نعت لطريق على تقدير: لا تخاف فيه.
وقيل: هو مستأنف على معنى: لست تخاف وتخشى، عطف عليه في الوجوه الثلاثة.
ومن قرأ: لا تخف بالجزم، جعله جواباً للأمر في قوله: ﴿فَٱضْرِبْ﴾.
وقيل: هو جزم على النهي. نهى أن يخاف فرعون. ويكون ﴿وَلاَ تَخْشَىٰ﴾ مقطوعاً من الأول.
وأجاز الفراء أن يكون معطوفاً على ﴿لاَّ تَخَافُ﴾ وثبتت الألف في الجزم كما ثبتت الياء والواو وهذا غلط عند جميع البصريين لأن الألف لا تتحرك فيقدر فيها حركة. والياء والواو يتحركان فيجوز أن تقدر فيهما حركة محذوفة. وأيضاً فإن ذلك لا يجوز في الياء والواو إلا في الشعر.
طه 20:76
قوله تعالى ذكره: ﴿إِنَّهُ مَن يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِماً﴾ إلى قوله: ﴿وَلاَ تَخْشَىٰ﴾.
والمعنى: إن السحرة قالوا لفرعون ﴿إِنَّهُ مَن يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِماً﴾ أي مكتسباً الكفر، فإن له جهنم أي: مأواه [جهنم ومسكنه] جزاء على كفره. ﴿لاَ يَمُوتُ فِيهَا﴾ فتخرج نفسه ﴿وَلاَ يَحْيَىٰ﴾ فتستقر نفسه في مقرها، ولكنها تتعلق بالحناجر. وعلق الإتيان بالله مجازاً في هذا. والمعنى: من يأت موعد ربه" كما قال إبراهيم: ﴿إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَىٰ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الصافات: ٩٩] أي: إلى موعد ربي. وليس الإتيان إلى الله إتيان مقاربة منه، لأنه قريب في كل أوان لا يبعده مكان ولا يقربه مكان، ولا يحويه مكان دون مكان، ولا يحتاج إلى مكان لأنه تعالى لم يزل قديماً قبل المكان ولا تجوز صفة القرب بالمكان إلا على الأجسام، لأنها محدثة بعد حدوث المكان، وكان الله ولا مكان. فالإتيان إلى الله إنما هو إتيان من الخلق يوم القيامة إلى ثواب الله وجزائه، وكذلك المعنى فيما كان مثله.
* *
ثم قال: ﴿وَمَن يَأْتِهِ مُؤْمِناً قَدْ عَمِلَ ٱلصَّالِحَاتِ﴾.
أي: ومن يأت ربه موحداً له قد عمل ما أمره به، وانتهى عما نهى عنه: ﴿فَأُوْلَـٰئِكَ لَهُمُ ٱلدَّرَجَاتُ ٱلْعُلَىٰ﴾ أي: لهم درجات الجنة العلى. ثم بين تلك الدرجات ما هي، فقال: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ﴾ أي: جنات إقامة لا ظعن عنها ولا نفاذ لها ولا فناء ﴿تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ﴾ أي: تجري من تحت أشجارها ماء الأنهار. خالدين فيها. أي: ماكثين فيها أبداً.
* *
ثم قال: ﴿وَذٰلِكَ جَزَآءُ مَن تَزَكَّىٰ﴾.
هذه الإشارة بـ "ذلك" هي إلى جميع ما تقدم بعد أولئك. أي: ذلك جزاء مَن تطهر من الذنوب.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَوْحَيْنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰ أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي﴾.
أي: أوحينا إلى موسى إذ أبى فرعون أن يستجيب له، أن أسر بعبادي، يعني بني إسرائيل.
* *
﴿فَٱضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقاً فِي ٱلْبَحْرِ يَبَساً﴾.
أي: اتخذ لهم طريقاً في البحر يبساً. أي: يابساً. وهو مصدر نعت به الطريق. والمعنى: ذا يبس.
* *
ثم قال: ﴿لاَّ تَخَافُ دَرَكاً وَلاَ تَخْشَىٰ﴾.
أي: لا تخاف من فرعون وجنوده أن يدركوه، ولا تخشى غرقاً من بين يديك.
قال ابن جريج: "قال أصحاب موسى: هذا فرعون قد أدركنا وهذا البحر قد غشينا. فأنزل الله تعالى ذكره: ﴿لاَّ تَخَافُ دَرَكاً﴾ من أصحاب فرعون، ﴿وَلاَ تَخْشَىٰ﴾ من البحر وحلاً.
وتقديره عن الأخفش: لا تخاف دركاً فيه. ثم حذف "فيه".
ومن قرأ ﴿لاَّ تَخَافُ﴾ بالرفع جعله في موضع الحال من موسى.
وقيل: هو نعت لطريق على تقدير: لا تخاف فيه.
وقيل: هو مستأنف على معنى: لست تخاف وتخشى، عطف عليه في الوجوه الثلاثة.
ومن قرأ: لا تخف بالجزم، جعله جواباً للأمر في قوله: ﴿فَٱضْرِبْ﴾.
وقيل: هو جزم على النهي. نهى أن يخاف فرعون. ويكون ﴿وَلاَ تَخْشَىٰ﴾ مقطوعاً من الأول.
وأجاز الفراء أن يكون معطوفاً على ﴿لاَّ تَخَافُ﴾ وثبتت الألف في الجزم كما ثبتت الياء والواو وهذا غلط عند جميع البصريين لأن الألف لا تتحرك فيقدر فيها حركة. والياء والواو يتحركان فيجوز أن تقدر فيهما حركة محذوفة. وأيضاً فإن ذلك لا يجوز في الياء والواو إلا في الشعر.
طه 20:77
قوله تعالى ذكره: ﴿إِنَّهُ مَن يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِماً﴾ إلى قوله: ﴿وَلاَ تَخْشَىٰ﴾.
والمعنى: إن السحرة قالوا لفرعون ﴿إِنَّهُ مَن يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِماً﴾ أي مكتسباً الكفر، فإن له جهنم أي: مأواه [جهنم ومسكنه] جزاء على كفره. ﴿لاَ يَمُوتُ فِيهَا﴾ فتخرج نفسه ﴿وَلاَ يَحْيَىٰ﴾ فتستقر نفسه في مقرها، ولكنها تتعلق بالحناجر. وعلق الإتيان بالله مجازاً في هذا. والمعنى: من يأت موعد ربه" كما قال إبراهيم: ﴿إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَىٰ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الصافات: ٩٩] أي: إلى موعد ربي. وليس الإتيان إلى الله إتيان مقاربة منه، لأنه قريب في كل أوان لا يبعده مكان ولا يقربه مكان، ولا يحويه مكان دون مكان، ولا يحتاج إلى مكان لأنه تعالى لم يزل قديماً قبل المكان ولا تجوز صفة القرب بالمكان إلا على الأجسام، لأنها محدثة بعد حدوث المكان، وكان الله ولا مكان. فالإتيان إلى الله إنما هو إتيان من الخلق يوم القيامة إلى ثواب الله وجزائه، وكذلك المعنى فيما كان مثله.
* *
ثم قال: ﴿وَمَن يَأْتِهِ مُؤْمِناً قَدْ عَمِلَ ٱلصَّالِحَاتِ﴾.
أي: ومن يأت ربه موحداً له قد عمل ما أمره به، وانتهى عما نهى عنه: ﴿فَأُوْلَـٰئِكَ لَهُمُ ٱلدَّرَجَاتُ ٱلْعُلَىٰ﴾ أي: لهم درجات الجنة العلى. ثم بين تلك الدرجات ما هي، فقال: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ﴾ أي: جنات إقامة لا ظعن عنها ولا نفاذ لها ولا فناء ﴿تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ﴾ أي: تجري من تحت أشجارها ماء الأنهار. خالدين فيها. أي: ماكثين فيها أبداً.
* *
ثم قال: ﴿وَذٰلِكَ جَزَآءُ مَن تَزَكَّىٰ﴾.
هذه الإشارة بـ "ذلك" هي إلى جميع ما تقدم بعد أولئك. أي: ذلك جزاء مَن تطهر من الذنوب.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَوْحَيْنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰ أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي﴾.
أي: أوحينا إلى موسى إذ أبى فرعون أن يستجيب له، أن أسر بعبادي، يعني بني إسرائيل.
* *
﴿فَٱضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقاً فِي ٱلْبَحْرِ يَبَساً﴾.
أي: اتخذ لهم طريقاً في البحر يبساً. أي: يابساً. وهو مصدر نعت به الطريق. والمعنى: ذا يبس.
* *
ثم قال: ﴿لاَّ تَخَافُ دَرَكاً وَلاَ تَخْشَىٰ﴾.
أي: لا تخاف من فرعون وجنوده أن يدركوه، ولا تخشى غرقاً من بين يديك.
قال ابن جريج: "قال أصحاب موسى: هذا فرعون قد أدركنا وهذا البحر قد غشينا. فأنزل الله تعالى ذكره: ﴿لاَّ تَخَافُ دَرَكاً﴾ من أصحاب فرعون، ﴿وَلاَ تَخْشَىٰ﴾ من البحر وحلاً.
وتقديره عن الأخفش: لا تخاف دركاً فيه. ثم حذف "فيه".
ومن قرأ ﴿لاَّ تَخَافُ﴾ بالرفع جعله في موضع الحال من موسى.
وقيل: هو نعت لطريق على تقدير: لا تخاف فيه.
وقيل: هو مستأنف على معنى: لست تخاف وتخشى، عطف عليه في الوجوه الثلاثة.
ومن قرأ: لا تخف بالجزم، جعله جواباً للأمر في قوله: ﴿فَٱضْرِبْ﴾.
وقيل: هو جزم على النهي. نهى أن يخاف فرعون. ويكون ﴿وَلاَ تَخْشَىٰ﴾ مقطوعاً من الأول.
وأجاز الفراء أن يكون معطوفاً على ﴿لاَّ تَخَافُ﴾ وثبتت الألف في الجزم كما ثبتت الياء والواو وهذا غلط عند جميع البصريين لأن الألف لا تتحرك فيقدر فيها حركة. والياء والواو يتحركان فيجوز أن تقدر فيهما حركة محذوفة. وأيضاً فإن ذلك لا يجوز في الياء والواو إلا في الشعر.
طه 20:78
قوله تعالى ذكره: ﴿فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ﴾ إلى قوله: ﴿ثُمَّ ٱهْتَدَىٰ﴾.
في الكلام حذف، والتقدير: فسرى موسى بهم فاتبعهم فرعون بجنوده.
والسرى، سير الليل. وكان فرعون ظن أن موسى ومن معه لا يفوتونه لأن البحر بين أيديهم. فلما أتى موسى البحر، ضربه بعصاه، فانفلق منه اثني عشر طريقاً. وبين الطريق والطريق الماء قائماً كالجبال فأخذ كل سبط طريقاً، فلما أقبل فرعون، ورأى الطريق في البحر، أوهم من معه أن البحر فعل ذلك لمشيئته. فدخل هو وأصحابه فانطبق البحر عليهم.
وروي أنهم لما تراءوا وطمع فرعون في موسى ومن معه أرسل الله ضبابة فسترت بعضهم من بعض حتى دخل موسى وقومه في البحر، فلما أمعنوا في البحر، انجلت الضبابة، فنظر أصحاب فرعون فلم يروا منهم أحداً، فتقربوا حتى أتوا البحر، فرأوه منفلقاً. فيه طرق قائمة واضحة يابسة والماء قائم بين الطريق والطريق بمنزلة الجبل العظيم لا يتحرك ولا يزول، فشاهدوا هذه الآيات العظيمة، وأوهمهم فرعون أن البحر إنما انفلق من هيبته ومخافته فدخل خلف بني إسرائيل ليلحقهم، فلما استكمل هو وجنوده في داخل البحر، انطبق عليهم، فهلكوا أجمعين.
* *
وقوله: ﴿فَغَشِيَهُمْ مِّنَ ٱلْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ﴾.
أي: ما غرقهم. وفيه معنى التعظيم، ولذلك كنى عن الغرق بغشيهم.
قال أبو النجم: أنا أبو النجم وشعري شعري.
أي: شعري ما قد عرفتموه. فكنى عنه ليعظمه.
* *
ثم قال: ﴿وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَىٰ﴾.
أي: وجار فرعون بقومه عن سواء السبيل. ﴿وَمَا هَدَىٰ﴾ أي: ما سلك بهم الطريق المستقيم. يعني في الإيمان والكفر، لأنه نهاهم عن اتباع الرسول فأطاعوه.
* *
ثم قال: ﴿يٰبَنِي إِسْرَائِيلَ قَدْ أَنجَيْنَاكُمْ مِّنْ عَدُوِّكُمْ﴾.
يعني فرعون وهذا خطاب لهم بعد هلاك فرعون وجنوده في البحر.
* *
ثم قال: ﴿وَوَاعَدْنَاكُمْ جَانِبَ ٱلطُّورِ ٱلأَيْمَنَ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكُمُ ٱلْمَنَّ وَٱلسَّلْوَىٰ﴾.
يذكرهم بنعمه عندهم وأياديه لديهم، وقد مضى تفسير هذا كله في البقرة.
* *
﴿كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾.
أي: من شهية وحلاله.
* *
﴿وَلاَ تَطْغَوْاْ فِيهِ﴾.
أي: لا يظلم بعضكم بعضاً.
والمعنى: لا يحملنكم السعة والخصب على الطغيان فتظلموا فيحل عليكم غضبي. أي: ينزل بكم ويجب.
* *
﴿وَمَن يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَىٰ﴾.
أي: شقى وهلك، أي: صار إلى الهاوية وهي قعر جهنم، نعوذ بالله منها.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ﴾.
قال ابن عباس: ﴿لِّمَن تَابَ﴾ من الشرك و ﴿وَآمَنَ﴾ وحّد الله ﴿وَعَمِلَ صَالِحَاً﴾: أدّى الفرائض.
والتقدير: وإني لستار لذنوب مَن تاب من الشرك.
وقال قتادة: وإني لغفار لمن تاب من ذنبه وآمن بربه وعمل صالحاً فيما بينه وبين الله جل ذكره.
وقوله: ثم اهتدى. معناه عند ابن عباس: لم يشكك.
وقال قتادة: ثم لزم الإسلام حتى يموت عليه.
وقال أنس بن مالك: ﴿ثُمَّ ٱهْتَدَىٰ﴾: أي: أخذ بسنة نبيه ﷺ.
وقال ابن زيد: ﴿ثُمَّ ٱهْتَدَىٰ﴾ ثم أصاب العمل.
وقال الفراء: "ثم اهتدى" ثم علم أن لذلك ثواباً وعليه عقاباً.
طه 20:79
قوله تعالى ذكره: ﴿فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ﴾ إلى قوله: ﴿ثُمَّ ٱهْتَدَىٰ﴾.
في الكلام حذف، والتقدير: فسرى موسى بهم فاتبعهم فرعون بجنوده.
والسرى، سير الليل. وكان فرعون ظن أن موسى ومن معه لا يفوتونه لأن البحر بين أيديهم. فلما أتى موسى البحر، ضربه بعصاه، فانفلق منه اثني عشر طريقاً. وبين الطريق والطريق الماء قائماً كالجبال فأخذ كل سبط طريقاً، فلما أقبل فرعون، ورأى الطريق في البحر، أوهم من معه أن البحر فعل ذلك لمشيئته. فدخل هو وأصحابه فانطبق البحر عليهم.
وروي أنهم لما تراءوا وطمع فرعون في موسى ومن معه أرسل الله ضبابة فسترت بعضهم من بعض حتى دخل موسى وقومه في البحر، فلما أمعنوا في البحر، انجلت الضبابة، فنظر أصحاب فرعون فلم يروا منهم أحداً، فتقربوا حتى أتوا البحر، فرأوه منفلقاً. فيه طرق قائمة واضحة يابسة والماء قائم بين الطريق والطريق بمنزلة الجبل العظيم لا يتحرك ولا يزول، فشاهدوا هذه الآيات العظيمة، وأوهمهم فرعون أن البحر إنما انفلق من هيبته ومخافته فدخل خلف بني إسرائيل ليلحقهم، فلما استكمل هو وجنوده في داخل البحر، انطبق عليهم، فهلكوا أجمعين.
* *
وقوله: ﴿فَغَشِيَهُمْ مِّنَ ٱلْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ﴾.
أي: ما غرقهم. وفيه معنى التعظيم، ولذلك كنى عن الغرق بغشيهم.
قال أبو النجم: أنا أبو النجم وشعري شعري.
أي: شعري ما قد عرفتموه. فكنى عنه ليعظمه.
* *
ثم قال: ﴿وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَىٰ﴾.
أي: وجار فرعون بقومه عن سواء السبيل. ﴿وَمَا هَدَىٰ﴾ أي: ما سلك بهم الطريق المستقيم. يعني في الإيمان والكفر، لأنه نهاهم عن اتباع الرسول فأطاعوه.
* *
ثم قال: ﴿يٰبَنِي إِسْرَائِيلَ قَدْ أَنجَيْنَاكُمْ مِّنْ عَدُوِّكُمْ﴾.
يعني فرعون وهذا خطاب لهم بعد هلاك فرعون وجنوده في البحر.
* *
ثم قال: ﴿وَوَاعَدْنَاكُمْ جَانِبَ ٱلطُّورِ ٱلأَيْمَنَ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكُمُ ٱلْمَنَّ وَٱلسَّلْوَىٰ﴾.
يذكرهم بنعمه عندهم وأياديه لديهم، وقد مضى تفسير هذا كله في البقرة.
* *
﴿كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾.
أي: من شهية وحلاله.
* *
﴿وَلاَ تَطْغَوْاْ فِيهِ﴾.
أي: لا يظلم بعضكم بعضاً.
والمعنى: لا يحملنكم السعة والخصب على الطغيان فتظلموا فيحل عليكم غضبي. أي: ينزل بكم ويجب.
* *
﴿وَمَن يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَىٰ﴾.
أي: شقى وهلك، أي: صار إلى الهاوية وهي قعر جهنم، نعوذ بالله منها.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ﴾.
قال ابن عباس: ﴿لِّمَن تَابَ﴾ من الشرك و ﴿وَآمَنَ﴾ وحّد الله ﴿وَعَمِلَ صَالِحَاً﴾: أدّى الفرائض.
والتقدير: وإني لستار لذنوب مَن تاب من الشرك.
وقال قتادة: وإني لغفار لمن تاب من ذنبه وآمن بربه وعمل صالحاً فيما بينه وبين الله جل ذكره.
وقوله: ثم اهتدى. معناه عند ابن عباس: لم يشكك.
وقال قتادة: ثم لزم الإسلام حتى يموت عليه.
وقال أنس بن مالك: ﴿ثُمَّ ٱهْتَدَىٰ﴾: أي: أخذ بسنة نبيه ﷺ.
وقال ابن زيد: ﴿ثُمَّ ٱهْتَدَىٰ﴾ ثم أصاب العمل.
وقال الفراء: "ثم اهتدى" ثم علم أن لذلك ثواباً وعليه عقاباً.
طه 20:80
قوله تعالى ذكره: ﴿فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ﴾ إلى قوله: ﴿ثُمَّ ٱهْتَدَىٰ﴾.
في الكلام حذف، والتقدير: فسرى موسى بهم فاتبعهم فرعون بجنوده.
والسرى، سير الليل. وكان فرعون ظن أن موسى ومن معه لا يفوتونه لأن البحر بين أيديهم. فلما أتى موسى البحر، ضربه بعصاه، فانفلق منه اثني عشر طريقاً. وبين الطريق والطريق الماء قائماً كالجبال فأخذ كل سبط طريقاً، فلما أقبل فرعون، ورأى الطريق في البحر، أوهم من معه أن البحر فعل ذلك لمشيئته. فدخل هو وأصحابه فانطبق البحر عليهم.
وروي أنهم لما تراءوا وطمع فرعون في موسى ومن معه أرسل الله ضبابة فسترت بعضهم من بعض حتى دخل موسى وقومه في البحر، فلما أمعنوا في البحر، انجلت الضبابة، فنظر أصحاب فرعون فلم يروا منهم أحداً، فتقربوا حتى أتوا البحر، فرأوه منفلقاً. فيه طرق قائمة واضحة يابسة والماء قائم بين الطريق والطريق بمنزلة الجبل العظيم لا يتحرك ولا يزول، فشاهدوا هذه الآيات العظيمة، وأوهمهم فرعون أن البحر إنما انفلق من هيبته ومخافته فدخل خلف بني إسرائيل ليلحقهم، فلما استكمل هو وجنوده في داخل البحر، انطبق عليهم، فهلكوا أجمعين.
* *
وقوله: ﴿فَغَشِيَهُمْ مِّنَ ٱلْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ﴾.
أي: ما غرقهم. وفيه معنى التعظيم، ولذلك كنى عن الغرق بغشيهم.
قال أبو النجم: أنا أبو النجم وشعري شعري.
أي: شعري ما قد عرفتموه. فكنى عنه ليعظمه.
* *
ثم قال: ﴿وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَىٰ﴾.
أي: وجار فرعون بقومه عن سواء السبيل. ﴿وَمَا هَدَىٰ﴾ أي: ما سلك بهم الطريق المستقيم. يعني في الإيمان والكفر، لأنه نهاهم عن اتباع الرسول فأطاعوه.
* *
ثم قال: ﴿يٰبَنِي إِسْرَائِيلَ قَدْ أَنجَيْنَاكُمْ مِّنْ عَدُوِّكُمْ﴾.
يعني فرعون وهذا خطاب لهم بعد هلاك فرعون وجنوده في البحر.
* *
ثم قال: ﴿وَوَاعَدْنَاكُمْ جَانِبَ ٱلطُّورِ ٱلأَيْمَنَ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكُمُ ٱلْمَنَّ وَٱلسَّلْوَىٰ﴾.
يذكرهم بنعمه عندهم وأياديه لديهم، وقد مضى تفسير هذا كله في البقرة.
* *
﴿كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾.
أي: من شهية وحلاله.
* *
﴿وَلاَ تَطْغَوْاْ فِيهِ﴾.
أي: لا يظلم بعضكم بعضاً.
والمعنى: لا يحملنكم السعة والخصب على الطغيان فتظلموا فيحل عليكم غضبي. أي: ينزل بكم ويجب.
* *
﴿وَمَن يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَىٰ﴾.
أي: شقى وهلك، أي: صار إلى الهاوية وهي قعر جهنم، نعوذ بالله منها.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ﴾.
قال ابن عباس: ﴿لِّمَن تَابَ﴾ من الشرك و ﴿وَآمَنَ﴾ وحّد الله ﴿وَعَمِلَ صَالِحَاً﴾: أدّى الفرائض.
والتقدير: وإني لستار لذنوب مَن تاب من الشرك.
وقال قتادة: وإني لغفار لمن تاب من ذنبه وآمن بربه وعمل صالحاً فيما بينه وبين الله جل ذكره.
وقوله: ثم اهتدى. معناه عند ابن عباس: لم يشكك.
وقال قتادة: ثم لزم الإسلام حتى يموت عليه.
وقال أنس بن مالك: ﴿ثُمَّ ٱهْتَدَىٰ﴾: أي: أخذ بسنة نبيه ﷺ.
وقال ابن زيد: ﴿ثُمَّ ٱهْتَدَىٰ﴾ ثم أصاب العمل.
وقال الفراء: "ثم اهتدى" ثم علم أن لذلك ثواباً وعليه عقاباً.
طه 20:81
قوله تعالى ذكره: ﴿فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ﴾ إلى قوله: ﴿ثُمَّ ٱهْتَدَىٰ﴾.
في الكلام حذف، والتقدير: فسرى موسى بهم فاتبعهم فرعون بجنوده.
والسرى، سير الليل. وكان فرعون ظن أن موسى ومن معه لا يفوتونه لأن البحر بين أيديهم. فلما أتى موسى البحر، ضربه بعصاه، فانفلق منه اثني عشر طريقاً. وبين الطريق والطريق الماء قائماً كالجبال فأخذ كل سبط طريقاً، فلما أقبل فرعون، ورأى الطريق في البحر، أوهم من معه أن البحر فعل ذلك لمشيئته. فدخل هو وأصحابه فانطبق البحر عليهم.
وروي أنهم لما تراءوا وطمع فرعون في موسى ومن معه أرسل الله ضبابة فسترت بعضهم من بعض حتى دخل موسى وقومه في البحر، فلما أمعنوا في البحر، انجلت الضبابة، فنظر أصحاب فرعون فلم يروا منهم أحداً، فتقربوا حتى أتوا البحر، فرأوه منفلقاً. فيه طرق قائمة واضحة يابسة والماء قائم بين الطريق والطريق بمنزلة الجبل العظيم لا يتحرك ولا يزول، فشاهدوا هذه الآيات العظيمة، وأوهمهم فرعون أن البحر إنما انفلق من هيبته ومخافته فدخل خلف بني إسرائيل ليلحقهم، فلما استكمل هو وجنوده في داخل البحر، انطبق عليهم، فهلكوا أجمعين.
* *
وقوله: ﴿فَغَشِيَهُمْ مِّنَ ٱلْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ﴾.
أي: ما غرقهم. وفيه معنى التعظيم، ولذلك كنى عن الغرق بغشيهم.
قال أبو النجم: أنا أبو النجم وشعري شعري.
أي: شعري ما قد عرفتموه. فكنى عنه ليعظمه.
* *
ثم قال: ﴿وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَىٰ﴾.
أي: وجار فرعون بقومه عن سواء السبيل. ﴿وَمَا هَدَىٰ﴾ أي: ما سلك بهم الطريق المستقيم. يعني في الإيمان والكفر، لأنه نهاهم عن اتباع الرسول فأطاعوه.
* *
ثم قال: ﴿يٰبَنِي إِسْرَائِيلَ قَدْ أَنجَيْنَاكُمْ مِّنْ عَدُوِّكُمْ﴾.
يعني فرعون وهذا خطاب لهم بعد هلاك فرعون وجنوده في البحر.
* *
ثم قال: ﴿وَوَاعَدْنَاكُمْ جَانِبَ ٱلطُّورِ ٱلأَيْمَنَ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكُمُ ٱلْمَنَّ وَٱلسَّلْوَىٰ﴾.
يذكرهم بنعمه عندهم وأياديه لديهم، وقد مضى تفسير هذا كله في البقرة.
* *
﴿كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾.
أي: من شهية وحلاله.
* *
﴿وَلاَ تَطْغَوْاْ فِيهِ﴾.
أي: لا يظلم بعضكم بعضاً.
والمعنى: لا يحملنكم السعة والخصب على الطغيان فتظلموا فيحل عليكم غضبي. أي: ينزل بكم ويجب.
* *
﴿وَمَن يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَىٰ﴾.
أي: شقى وهلك، أي: صار إلى الهاوية وهي قعر جهنم، نعوذ بالله منها.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ﴾.
قال ابن عباس: ﴿لِّمَن تَابَ﴾ من الشرك و ﴿وَآمَنَ﴾ وحّد الله ﴿وَعَمِلَ صَالِحَاً﴾: أدّى الفرائض.
والتقدير: وإني لستار لذنوب مَن تاب من الشرك.
وقال قتادة: وإني لغفار لمن تاب من ذنبه وآمن بربه وعمل صالحاً فيما بينه وبين الله جل ذكره.
وقوله: ثم اهتدى. معناه عند ابن عباس: لم يشكك.
وقال قتادة: ثم لزم الإسلام حتى يموت عليه.
وقال أنس بن مالك: ﴿ثُمَّ ٱهْتَدَىٰ﴾: أي: أخذ بسنة نبيه ﷺ.
وقال ابن زيد: ﴿ثُمَّ ٱهْتَدَىٰ﴾ ثم أصاب العمل.
وقال الفراء: "ثم اهتدى" ثم علم أن لذلك ثواباً وعليه عقاباً.