Lafzullah

Tafsir Makhi — الأنبياء 21:1 – الأنبياء 21:70

المؤلف / المصدر: Tafsir Makhi

المحتويات
  1. الأنبياء 21:1
  2. الأنبياء 21:2
  3. الأنبياء 21:3
  4. الأنبياء 21:4
  5. الأنبياء 21:5
  6. الأنبياء 21:6
  7. الأنبياء 21:7
  8. الأنبياء 21:8
  9. الأنبياء 21:9
  10. الأنبياء 21:10
  11. الأنبياء 21:11
  12. الأنبياء 21:12
  13. الأنبياء 21:13
  14. الأنبياء 21:14
  15. الأنبياء 21:15
  16. الأنبياء 21:16
  17. الأنبياء 21:17
  18. الأنبياء 21:18
  19. الأنبياء 21:19
  20. الأنبياء 21:20
  21. الأنبياء 21:21
  22. الأنبياء 21:22
  23. الأنبياء 21:23
  24. الأنبياء 21:24
  25. الأنبياء 21:25
  26. الأنبياء 21:26
  27. الأنبياء 21:27
  28. الأنبياء 21:28
  29. الأنبياء 21:29
  30. الأنبياء 21:30
  31. الأنبياء 21:31
  32. الأنبياء 21:32
  33. الأنبياء 21:33
  34. الأنبياء 21:34
  35. الأنبياء 21:35
  36. الأنبياء 21:36
  37. الأنبياء 21:37
  38. الأنبياء 21:38
  39. الأنبياء 21:39
  40. الأنبياء 21:40
  41. الأنبياء 21:41
  42. الأنبياء 21:42
  43. الأنبياء 21:43
  44. الأنبياء 21:44
  45. الأنبياء 21:45
  46. الأنبياء 21:46
  47. الأنبياء 21:47
  48. الأنبياء 21:48
  49. الأنبياء 21:49
  50. الأنبياء 21:50
  51. الأنبياء 21:51
  52. الأنبياء 21:52
  53. الأنبياء 21:53
  54. الأنبياء 21:54
  55. الأنبياء 21:55
  56. الأنبياء 21:56
  57. الأنبياء 21:57
  58. الأنبياء 21:58
  59. الأنبياء 21:59
  60. الأنبياء 21:60
  61. الأنبياء 21:61
  62. الأنبياء 21:62
  63. الأنبياء 21:63
  64. الأنبياء 21:64
  65. الأنبياء 21:65
  66. الأنبياء 21:66
  67. الأنبياء 21:67
  68. الأنبياء 21:68
  69. الأنبياء 21:69
  70. الأنبياء 21:70

الأنبياء 21:1

قوله تعالى ذكره: ﴿ٱقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ﴾ إلى قوله: ﴿وَأَنتُمْ تُبْصِرُونَ﴾. معناه: دنا حساب الله للناس على أعمالهم ونقمته منهم ﴿وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُّعْرِضُونَ﴾ يعني: في الدنيا. روى أبو هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: "في غفلة في الدنيا وروي أن أصحاب النبي عليه السلام كان يقول بعضهم لبعض كل يوم، ما الخبر؟. أي: ما حدث؟. فمر رجل برجل يبني حائطاً له، فقال له: ما الخبر؟ فقال: نزلت: "اقترب للناس حسابهم وهم في غفلة معرضون". فنزل وترك البناء، فلم يبن ذلك الحائط بعدها. فالمعنى: قرب [من الناس حسابهم] وهم قد غفلوا عما يراد بهم من محاسبة ربهم لهم على أعمالهم. قال ابن عباس: "عنى بذلك الكفار" دليله، قوله: ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث إلا استمعوه وهم يلعبون. ومعنى الآية ما يأتي الكفار. وقال ابن عباس: "اقترب للناس حسابهم" معناه: قرب عذابهم. * * قوله: ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِّن ذِكْرٍ مِّن رَّبِّهِمْ مُّحْدَثٍ﴾. أي: ما يأتيهم من قرآن يذكرهم الله به ويعظمهم إلا استمعوه وهم يلعبون، لا يعتبرون ولا يتفكرون في وعده ووعيده. ومعنى "محدث" أي: محدث عند النبي ﷺ، لأنه لم يكن يعلمه فعلمه بإنزال جبريل صلى الله عليهما وسلم إياه عليه فهو محدث في علم النبي عليه السلام ومعرفته. غير محدث عند الله تعالى ذكره. وقد قيل: عني بذلك: أن النبي ﷺ كان يذكرهم ويعظهم فتذكيره لهم محدث على الحقيقة. وقال: ﴿مِّن رَّبِّهِمْ﴾ لأنه لا ينطق إلا بما يؤمر به، قال تعالى ذكره: ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ ٱلْهَوَىٰ﴾ [النجم: ٣] فالله أمره بوعظهم، وتذكيرهم، فلذلك قال: "من ربهم". * * ثم قال: ﴿لاَهِيَةً قُلُوبُهُمْ﴾. أي: غافلة، لا يتدبرون حكمه ولا يتفكرون فيما أودعه كتابه. * * ثم قال تعالى: ﴿وَأَسَرُّواْ ٱلنَّجْوَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ﴾. أي: أسر هؤلاء الناس الذين اقترب حسابهم، النجوى بينهم، أي: أظهروا المناجاة بينهم، فقالوا: هل محمد إلا بشر مثلكم، وهو يزعم أنه رسول من عند الله إليكم. وقيل: ﴿وَأَسَرُّواْ ٱلنَّجْوَى﴾ أي: قالوا ذلك سراً. وقال أبو عبيدة: "هو من الأضداد". * * وقوله: ﴿قَالَ رَبِّي يَعْلَمُ ٱلْقَوْلَ فِي ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ﴾ [الأنبياء: ٤]. الآية يدل على أنه بمعنى أخفوا. * * ثم قال: ﴿أَفَتَأْتُونَ ٱلسِّحْرَ وَأَنتُمْ تُبْصِرُونَ﴾. زعموا أن محمداً ﷺ وشرف وكرم ساحر، وأن ما جاء به سحر. أي تقبلون ما جاءكم به وهو سحر وأنتم تبصرون أنه بشر مثلكم. وفي الضمير الذي أتى بلفظ الجمع في قوله تعالى: ﴿وَأَسَرُّواْ ٱلنَّجْوَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ﴾ مع الكلام على موضع "الذين" من الإعراب ستة أقوال: الأول: أن يكون ﴿ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ﴾ بدلاً من الواو في ﴿وَأَسَرُّواْ﴾. فيكون التقدير: ﴿وَأَسَرُّواْ ٱلنَّجْوَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ﴾. والثاني: أن يكون ﴿ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ﴾ رفعاً بابتداء مضمر، والتقدير: "هم الذين ظلموا". والثالث: أن يكون ﴿ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ﴾ رفعاً بفعلهم. والتقدير: يقول الذين ظلموا هل هذا. والرابع: أن يكون ﴿ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ﴾ في موضع نصب بإضمار، أعني. والخامس: أن يكون على لغة من جمع الفعل مقدماً، كما حكي: أكلوني البراغيث، وهو قول الأخفش. والسادس: أن يكون ﴿ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ﴾ بدلاً من الناس أو نعتاً. كأنه قال: اقترب للناس الذين ظلموا حسابهم. والوقف على ﴿وَأَسَرُّواْ ٱلنَّجْوَى﴾ حسن على القول الثاني والثالث والرابع.

الأنبياء 21:2

قوله تعالى ذكره: ﴿ٱقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ﴾ إلى قوله: ﴿وَأَنتُمْ تُبْصِرُونَ﴾. معناه: دنا حساب الله للناس على أعمالهم ونقمته منهم ﴿وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُّعْرِضُونَ﴾ يعني: في الدنيا. روى أبو هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: "في غفلة في الدنيا وروي أن أصحاب النبي عليه السلام كان يقول بعضهم لبعض كل يوم، ما الخبر؟. أي: ما حدث؟. فمر رجل برجل يبني حائطاً له، فقال له: ما الخبر؟ فقال: نزلت: "اقترب للناس حسابهم وهم في غفلة معرضون". فنزل وترك البناء، فلم يبن ذلك الحائط بعدها. فالمعنى: قرب [من الناس حسابهم] وهم قد غفلوا عما يراد بهم من محاسبة ربهم لهم على أعمالهم. قال ابن عباس: "عنى بذلك الكفار" دليله، قوله: ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث إلا استمعوه وهم يلعبون. ومعنى الآية ما يأتي الكفار. وقال ابن عباس: "اقترب للناس حسابهم" معناه: قرب عذابهم. * * قوله: ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِّن ذِكْرٍ مِّن رَّبِّهِمْ مُّحْدَثٍ﴾. أي: ما يأتيهم من قرآن يذكرهم الله به ويعظمهم إلا استمعوه وهم يلعبون، لا يعتبرون ولا يتفكرون في وعده ووعيده. ومعنى "محدث" أي: محدث عند النبي ﷺ، لأنه لم يكن يعلمه فعلمه بإنزال جبريل صلى الله عليهما وسلم إياه عليه فهو محدث في علم النبي عليه السلام ومعرفته. غير محدث عند الله تعالى ذكره. وقد قيل: عني بذلك: أن النبي ﷺ كان يذكرهم ويعظهم فتذكيره لهم محدث على الحقيقة. وقال: ﴿مِّن رَّبِّهِمْ﴾ لأنه لا ينطق إلا بما يؤمر به، قال تعالى ذكره: ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ ٱلْهَوَىٰ﴾ [النجم: ٣] فالله أمره بوعظهم، وتذكيرهم، فلذلك قال: "من ربهم". * * ثم قال: ﴿لاَهِيَةً قُلُوبُهُمْ﴾. أي: غافلة، لا يتدبرون حكمه ولا يتفكرون فيما أودعه كتابه. * * ثم قال تعالى: ﴿وَأَسَرُّواْ ٱلنَّجْوَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ﴾. أي: أسر هؤلاء الناس الذين اقترب حسابهم، النجوى بينهم، أي: أظهروا المناجاة بينهم، فقالوا: هل محمد إلا بشر مثلكم، وهو يزعم أنه رسول من عند الله إليكم. وقيل: ﴿وَأَسَرُّواْ ٱلنَّجْوَى﴾ أي: قالوا ذلك سراً. وقال أبو عبيدة: "هو من الأضداد". * * وقوله: ﴿قَالَ رَبِّي يَعْلَمُ ٱلْقَوْلَ فِي ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ﴾ [الأنبياء: ٤]. الآية يدل على أنه بمعنى أخفوا. * * ثم قال: ﴿أَفَتَأْتُونَ ٱلسِّحْرَ وَأَنتُمْ تُبْصِرُونَ﴾. زعموا أن محمداً ﷺ وشرف وكرم ساحر، وأن ما جاء به سحر. أي تقبلون ما جاءكم به وهو سحر وأنتم تبصرون أنه بشر مثلكم. وفي الضمير الذي أتى بلفظ الجمع في قوله تعالى: ﴿وَأَسَرُّواْ ٱلنَّجْوَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ﴾ مع الكلام على موضع "الذين" من الإعراب ستة أقوال: الأول: أن يكون ﴿ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ﴾ بدلاً من الواو في ﴿وَأَسَرُّواْ﴾. فيكون التقدير: ﴿وَأَسَرُّواْ ٱلنَّجْوَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ﴾. والثاني: أن يكون ﴿ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ﴾ رفعاً بابتداء مضمر، والتقدير: "هم الذين ظلموا". والثالث: أن يكون ﴿ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ﴾ رفعاً بفعلهم. والتقدير: يقول الذين ظلموا هل هذا. والرابع: أن يكون ﴿ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ﴾ في موضع نصب بإضمار، أعني. والخامس: أن يكون على لغة من جمع الفعل مقدماً، كما حكي: أكلوني البراغيث، وهو قول الأخفش. والسادس: أن يكون ﴿ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ﴾ بدلاً من الناس أو نعتاً. كأنه قال: اقترب للناس الذين ظلموا حسابهم. والوقف على ﴿وَأَسَرُّواْ ٱلنَّجْوَى﴾ حسن على القول الثاني والثالث والرابع.

الأنبياء 21:3

قوله تعالى ذكره: ﴿ٱقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ﴾ إلى قوله: ﴿وَأَنتُمْ تُبْصِرُونَ﴾. معناه: دنا حساب الله للناس على أعمالهم ونقمته منهم ﴿وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُّعْرِضُونَ﴾ يعني: في الدنيا. روى أبو هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: "في غفلة في الدنيا وروي أن أصحاب النبي عليه السلام كان يقول بعضهم لبعض كل يوم، ما الخبر؟. أي: ما حدث؟. فمر رجل برجل يبني حائطاً له، فقال له: ما الخبر؟ فقال: نزلت: "اقترب للناس حسابهم وهم في غفلة معرضون". فنزل وترك البناء، فلم يبن ذلك الحائط بعدها. فالمعنى: قرب [من الناس حسابهم] وهم قد غفلوا عما يراد بهم من محاسبة ربهم لهم على أعمالهم. قال ابن عباس: "عنى بذلك الكفار" دليله، قوله: ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث إلا استمعوه وهم يلعبون. ومعنى الآية ما يأتي الكفار. وقال ابن عباس: "اقترب للناس حسابهم" معناه: قرب عذابهم. * * قوله: ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِّن ذِكْرٍ مِّن رَّبِّهِمْ مُّحْدَثٍ﴾. أي: ما يأتيهم من قرآن يذكرهم الله به ويعظمهم إلا استمعوه وهم يلعبون، لا يعتبرون ولا يتفكرون في وعده ووعيده. ومعنى "محدث" أي: محدث عند النبي ﷺ، لأنه لم يكن يعلمه فعلمه بإنزال جبريل صلى الله عليهما وسلم إياه عليه فهو محدث في علم النبي عليه السلام ومعرفته. غير محدث عند الله تعالى ذكره. وقد قيل: عني بذلك: أن النبي ﷺ كان يذكرهم ويعظهم فتذكيره لهم محدث على الحقيقة. وقال: ﴿مِّن رَّبِّهِمْ﴾ لأنه لا ينطق إلا بما يؤمر به، قال تعالى ذكره: ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ ٱلْهَوَىٰ﴾ [النجم: ٣] فالله أمره بوعظهم، وتذكيرهم، فلذلك قال: "من ربهم". * * ثم قال: ﴿لاَهِيَةً قُلُوبُهُمْ﴾. أي: غافلة، لا يتدبرون حكمه ولا يتفكرون فيما أودعه كتابه. * * ثم قال تعالى: ﴿وَأَسَرُّواْ ٱلنَّجْوَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ﴾. أي: أسر هؤلاء الناس الذين اقترب حسابهم، النجوى بينهم، أي: أظهروا المناجاة بينهم، فقالوا: هل محمد إلا بشر مثلكم، وهو يزعم أنه رسول من عند الله إليكم. وقيل: ﴿وَأَسَرُّواْ ٱلنَّجْوَى﴾ أي: قالوا ذلك سراً. وقال أبو عبيدة: "هو من الأضداد". * * وقوله: ﴿قَالَ رَبِّي يَعْلَمُ ٱلْقَوْلَ فِي ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ﴾ [الأنبياء: ٤]. الآية يدل على أنه بمعنى أخفوا. * * ثم قال: ﴿أَفَتَأْتُونَ ٱلسِّحْرَ وَأَنتُمْ تُبْصِرُونَ﴾. زعموا أن محمداً ﷺ وشرف وكرم ساحر، وأن ما جاء به سحر. أي تقبلون ما جاءكم به وهو سحر وأنتم تبصرون أنه بشر مثلكم. وفي الضمير الذي أتى بلفظ الجمع في قوله تعالى: ﴿وَأَسَرُّواْ ٱلنَّجْوَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ﴾ مع الكلام على موضع "الذين" من الإعراب ستة أقوال: الأول: أن يكون ﴿ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ﴾ بدلاً من الواو في ﴿وَأَسَرُّواْ﴾. فيكون التقدير: ﴿وَأَسَرُّواْ ٱلنَّجْوَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ﴾. والثاني: أن يكون ﴿ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ﴾ رفعاً بابتداء مضمر، والتقدير: "هم الذين ظلموا". والثالث: أن يكون ﴿ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ﴾ رفعاً بفعلهم. والتقدير: يقول الذين ظلموا هل هذا. والرابع: أن يكون ﴿ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ﴾ في موضع نصب بإضمار، أعني. والخامس: أن يكون على لغة من جمع الفعل مقدماً، كما حكي: أكلوني البراغيث، وهو قول الأخفش. والسادس: أن يكون ﴿ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ﴾ بدلاً من الناس أو نعتاً. كأنه قال: اقترب للناس الذين ظلموا حسابهم. والوقف على ﴿وَأَسَرُّواْ ٱلنَّجْوَى﴾ حسن على القول الثاني والثالث والرابع.

الأنبياء 21:4

قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّي يَعْلَمُ ٱلْقَوْلَ فِي ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ﴾ إلى قوله: ﴿فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ﴾. أي: قل يا محمد: ربي يعلم قولكم بينكم، ﴿أَفَتَأْتُونَ ٱلسِّحْرَ وَأَنتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ ويعلم غير ذلك في السماوات والأرض وهو السميع لجميع ذلك ، العليم بجميع خلقه، فيجازي كلا على قدر أعمالهم. * * ثم قال تعالى: ﴿بَلْ قَالُوۤاْ أَضْغَاثُ أَحْلاَمٍ﴾. أي: بل قال المشركون: الذي جاء به محمد أضغاث أحلام. أو هم أضغاث أحلام. أي: لم يصدقوا بالقرآن، ولا آمنوا به ولكن قالوا: هو أضغاث أحلام، أي رؤيا رآها في النوم. "والأضغاث" الأخلاط. ومنه ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً﴾. وقال بعضهم: بل هي فرية واختلاق من عند نفسه. وقال بعضهم: بل محمد... شاعر، فنقض بعضهم قول بعض. ثم قالوا بعد ذلك. ونقضوا قولهم كلهم ورجعوا عن ما قالوا، فقالوا: ﴿فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَآ أُرْسِلَ ٱلأَوَّلُونَ﴾ أي: بل يأتينا محمد بآية تدل على صدقه، كما جاءت به الرسل قبل محمد؟ من مثل الناقة، وإحياء الموتى وشبهه. وذلك منهم تعنت، لأن الله تعالى قد أعطاه من الآيات ما لهم فيها كفاية، وإنما دخلت "بل" في هذا وليس في الكلام جحد لأن الخبر عن أهل الجحود والتكذيب، فدخلت "بل" لذلك. ثم قال تعالى ذكره: ﴿مَآ آمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَآ﴾. في هذه الآية بيان لإثبات القدر، لأن المعنى: أن امتناع من تقدم من الكفار من الإيمان حتى هلكوا لا يوجب امتناع من بعدهم، لكن كل ذلك بقدر من الله جل ذكره؛ وتحقيق المعنى على قول المفسرين، ما آمن قبل هؤلاء الذين كذبوا محمداً من أهل قرية عذبناها بالهلاك في الدنيا إذ كفروا بعد مجيء الآية. ﴿أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ﴾ استفهام معناه التقرير. أي: فهؤلاء المكذبون محمداً السائلون الآية، يؤمنون إن جاءتهم آية. فلم يبعث الله تعالى إليهم آية لعلمه أنهم يكذبون بها، فيجب عليهم حلول العذاب. وقد تقدم في علمه أن ميعادهم الساعة. قال تعالى: ﴿بَلِ ٱلسَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ﴾ [القمر: ٤٦]. فلما كان أمر هذه الأمة وعقوبتها، أخّرها الله إلى قيام الساعة، لم يرسل إليها آية مما اقترحوا به من الآيات التي توجب حلول العذاب عليها إذ كفرت بعد ذلك كما فعل بالأمم الماضية. * * ثم قال: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِيۤ إِلَيْهِمْ﴾ أي: وما أرسلنا قبلك يا محمد من الرسل إلا رجالاً مثل الأمم المرسل إليها. يوحي الله إليهم ما يريد. أي: لم يرسل ملائكة، فما أنكر هؤلاء من إرسالك إليهم وأنت رجل مثلهم؟ وهذا جواب لقول المشركين: ﴿هَلْ هَـٰذَآ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ﴾. * * ثم قال: ﴿فَاسْئَلُوۤاْ أَهْلَ ٱلذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ﴾. أي: اسألوا: أهل الكتب التي نزلت قبل كتابكم، يخبرونكم أنه لم تكن الرسل التي أتتهم بالكتب إلا رجالاً مثلهم. قال سفيان: "يريد: اسألوا من أسلم من أهل التوراة والإنجيل". ويراد بالذكر: التوراة والإنجيل. وروي عن عبد الله بن سلام: أنه قال: "نزلت في ﴿فَاسْئَلُوۤاْ أَهْلَ ٱلذِّكْرِ﴾ فهذا يدل على أن "الذكر" التوراة. وقال قتادة: ﴿أَهْلَ ٱلذِّكْرِ﴾: "أهل التوراة". وقيل: ﴿أَهْلَ ٱلذِّكْرِ﴾ "أهل القرآن" من آمن منهم. وقال علي: "نحن أهل الذكر". وقال ابن زيد: "الذكر: القرآن. لقوله: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ٱلذِّكْرَ﴾". * * ثم قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَداً لاَّ يَأْكُلُونَ ٱلطَّعَامَ﴾. أي: وما جعلنا الرسل الذين أرسلنا في الأمم الخالية، جسداً لا يأكلون الطعام. أي: لم نجعلهم ملائكة، ولكن جعلناهم مثلك، يأكلون الطعام. وقال قتادة: معناه: "ما جعلناهم جسداً إلا ليأكلوا الطعام". وقال الضحاك: معناه: "لم أجعلهم جسداً لا روح فيه، لا يأكلون الطعام، ولكن جعلناهم أجساداً فيها أرواح يأكلون الطعام". والجَسَدُ وُحِّدَ وقَبلَهُ جماعة، لأنه بمعنى المصدر، كأنه قال: وما جعلناهم خلقاً لا يأكلون الطعام. والتقدير: ذوي جسد. وهذا جواب لقولهم ﴿وَقَالُواْ مَالِ هَـٰذَا ٱلرَّسُولِ يَأْكُلُ ٱلطَّعَامَ﴾ [الفرقان: ٧]. فأعلمهم [الله] أن الرسل تأكل الطعام، وأنهم يموتون. وهو معنى قوله: وما كانوا خالدين. * * ثم قال تعالى: ﴿ثُمَّ صَدَقْنَاهُمُ ٱلْوَعْدَ﴾. أي: صدقنا الرسل الوعد بإهلاك قومهم إذ سألوا الآيات، فأتتهم وكذبوا بها. كقوله تعالى: ﴿فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ فَإِنِّيۤ أُعَذِّبُهُ﴾ [المائدة: ١١٥]. * * ﴿فَأَنجَيْنَاهُمْ﴾. أي: أنجينا الرسل لما أتى العذاب لأممها. ﴿وَمَن نَّشَآءُ﴾ أي: وأنجينا من نشاء، يعني: من آمن بالرسل، ﴿وَأَهْلَكْنَا ٱلْمُسْرفِينَ﴾ يعني: الذين أسرفوا على أنفسهم فكذبوا الآيات بعد أن أتتهم، فازدادوا كفراً بذلك، فهو إسرافهم. * * ثم قال تعالى: ﴿لَقَدْ أَنزَلْنَآ إِلَيْكُمْ كِتَاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ﴾. يخاطب قريشاً. أي: فيه شرفكم إن آمنتم به، لأنه عليكم نزل، وبلغتكم. وهو قوله: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ﴾ قاله ابن عباس. وقال مجاهد: ﴿فِيهِ ذِكْرُكُمْ﴾ أي: حديثكم. وقال سفيان: "نزل القرآن بمكارم الأخلاق"، فهو شرف لمن اتبعه وآمن به. والذكر: يستعمل بمعنى الشرف: يقال فلان مذكور في هذا البلد، إذا كان فيه رفيعاً مذكوراً بالشرف والفضل. وقيل: معناه: فيه [ذكركم أي]: ذَكَّرْنَاكُم به أَمْرَ دينكم وأمر آخرتكم ومعادكم فجعله ذكرهم، إذ كان به يذكرهم ما وصفنا. وقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّآ أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى ٱلدَّارِ﴾ [ص: ٤٦]. أي اخترناهم ليذكروا أمر معادهم وآخرتهم. وفيه قول آخر، تراه في موضعه. * * وقوله: ﴿أَفَلاَ تَعْقِلُونَ﴾. تقرير توبيخ وتنبيه على فهم ذلك وقبوله [أي]: أفلا تعقلون أن ذلك على ما أخبرناكم به.

الأنبياء 21:5

قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّي يَعْلَمُ ٱلْقَوْلَ فِي ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ﴾ إلى قوله: ﴿فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ﴾. أي: قل يا محمد: ربي يعلم قولكم بينكم، ﴿أَفَتَأْتُونَ ٱلسِّحْرَ وَأَنتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ ويعلم غير ذلك في السماوات والأرض وهو السميع لجميع ذلك ، العليم بجميع خلقه، فيجازي كلا على قدر أعمالهم. * * ثم قال تعالى: ﴿بَلْ قَالُوۤاْ أَضْغَاثُ أَحْلاَمٍ﴾. أي: بل قال المشركون: الذي جاء به محمد أضغاث أحلام. أو هم أضغاث أحلام. أي: لم يصدقوا بالقرآن، ولا آمنوا به ولكن قالوا: هو أضغاث أحلام، أي رؤيا رآها في النوم. "والأضغاث" الأخلاط. ومنه ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً﴾. وقال بعضهم: بل هي فرية واختلاق من عند نفسه. وقال بعضهم: بل محمد... شاعر، فنقض بعضهم قول بعض. ثم قالوا بعد ذلك. ونقضوا قولهم كلهم ورجعوا عن ما قالوا، فقالوا: ﴿فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَآ أُرْسِلَ ٱلأَوَّلُونَ﴾ أي: بل يأتينا محمد بآية تدل على صدقه، كما جاءت به الرسل قبل محمد؟ من مثل الناقة، وإحياء الموتى وشبهه. وذلك منهم تعنت، لأن الله تعالى قد أعطاه من الآيات ما لهم فيها كفاية، وإنما دخلت "بل" في هذا وليس في الكلام جحد لأن الخبر عن أهل الجحود والتكذيب، فدخلت "بل" لذلك. ثم قال تعالى ذكره: ﴿مَآ آمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَآ﴾. في هذه الآية بيان لإثبات القدر، لأن المعنى: أن امتناع من تقدم من الكفار من الإيمان حتى هلكوا لا يوجب امتناع من بعدهم، لكن كل ذلك بقدر من الله جل ذكره؛ وتحقيق المعنى على قول المفسرين، ما آمن قبل هؤلاء الذين كذبوا محمداً من أهل قرية عذبناها بالهلاك في الدنيا إذ كفروا بعد مجيء الآية. ﴿أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ﴾ استفهام معناه التقرير. أي: فهؤلاء المكذبون محمداً السائلون الآية، يؤمنون إن جاءتهم آية. فلم يبعث الله تعالى إليهم آية لعلمه أنهم يكذبون بها، فيجب عليهم حلول العذاب. وقد تقدم في علمه أن ميعادهم الساعة. قال تعالى: ﴿بَلِ ٱلسَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ﴾ [القمر: ٤٦]. فلما كان أمر هذه الأمة وعقوبتها، أخّرها الله إلى قيام الساعة، لم يرسل إليها آية مما اقترحوا به من الآيات التي توجب حلول العذاب عليها إذ كفرت بعد ذلك كما فعل بالأمم الماضية. * * ثم قال: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِيۤ إِلَيْهِمْ﴾ أي: وما أرسلنا قبلك يا محمد من الرسل إلا رجالاً مثل الأمم المرسل إليها. يوحي الله إليهم ما يريد. أي: لم يرسل ملائكة، فما أنكر هؤلاء من إرسالك إليهم وأنت رجل مثلهم؟ وهذا جواب لقول المشركين: ﴿هَلْ هَـٰذَآ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ﴾. * * ثم قال: ﴿فَاسْئَلُوۤاْ أَهْلَ ٱلذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ﴾. أي: اسألوا: أهل الكتب التي نزلت قبل كتابكم، يخبرونكم أنه لم تكن الرسل التي أتتهم بالكتب إلا رجالاً مثلهم. قال سفيان: "يريد: اسألوا من أسلم من أهل التوراة والإنجيل". ويراد بالذكر: التوراة والإنجيل. وروي عن عبد الله بن سلام: أنه قال: "نزلت في ﴿فَاسْئَلُوۤاْ أَهْلَ ٱلذِّكْرِ﴾ فهذا يدل على أن "الذكر" التوراة. وقال قتادة: ﴿أَهْلَ ٱلذِّكْرِ﴾: "أهل التوراة". وقيل: ﴿أَهْلَ ٱلذِّكْرِ﴾ "أهل القرآن" من آمن منهم. وقال علي: "نحن أهل الذكر". وقال ابن زيد: "الذكر: القرآن. لقوله: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ٱلذِّكْرَ﴾". * * ثم قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَداً لاَّ يَأْكُلُونَ ٱلطَّعَامَ﴾. أي: وما جعلنا الرسل الذين أرسلنا في الأمم الخالية، جسداً لا يأكلون الطعام. أي: لم نجعلهم ملائكة، ولكن جعلناهم مثلك، يأكلون الطعام. وقال قتادة: معناه: "ما جعلناهم جسداً إلا ليأكلوا الطعام". وقال الضحاك: معناه: "لم أجعلهم جسداً لا روح فيه، لا يأكلون الطعام، ولكن جعلناهم أجساداً فيها أرواح يأكلون الطعام". والجَسَدُ وُحِّدَ وقَبلَهُ جماعة، لأنه بمعنى المصدر، كأنه قال: وما جعلناهم خلقاً لا يأكلون الطعام. والتقدير: ذوي جسد. وهذا جواب لقولهم ﴿وَقَالُواْ مَالِ هَـٰذَا ٱلرَّسُولِ يَأْكُلُ ٱلطَّعَامَ﴾ [الفرقان: ٧]. فأعلمهم [الله] أن الرسل تأكل الطعام، وأنهم يموتون. وهو معنى قوله: وما كانوا خالدين. * * ثم قال تعالى: ﴿ثُمَّ صَدَقْنَاهُمُ ٱلْوَعْدَ﴾. أي: صدقنا الرسل الوعد بإهلاك قومهم إذ سألوا الآيات، فأتتهم وكذبوا بها. كقوله تعالى: ﴿فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ فَإِنِّيۤ أُعَذِّبُهُ﴾ [المائدة: ١١٥]. * * ﴿فَأَنجَيْنَاهُمْ﴾. أي: أنجينا الرسل لما أتى العذاب لأممها. ﴿وَمَن نَّشَآءُ﴾ أي: وأنجينا من نشاء، يعني: من آمن بالرسل، ﴿وَأَهْلَكْنَا ٱلْمُسْرفِينَ﴾ يعني: الذين أسرفوا على أنفسهم فكذبوا الآيات بعد أن أتتهم، فازدادوا كفراً بذلك، فهو إسرافهم. * * ثم قال تعالى: ﴿لَقَدْ أَنزَلْنَآ إِلَيْكُمْ كِتَاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ﴾. يخاطب قريشاً. أي: فيه شرفكم إن آمنتم به، لأنه عليكم نزل، وبلغتكم. وهو قوله: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ﴾ قاله ابن عباس. وقال مجاهد: ﴿فِيهِ ذِكْرُكُمْ﴾ أي: حديثكم. وقال سفيان: "نزل القرآن بمكارم الأخلاق"، فهو شرف لمن اتبعه وآمن به. والذكر: يستعمل بمعنى الشرف: يقال فلان مذكور في هذا البلد، إذا كان فيه رفيعاً مذكوراً بالشرف والفضل. وقيل: معناه: فيه [ذكركم أي]: ذَكَّرْنَاكُم به أَمْرَ دينكم وأمر آخرتكم ومعادكم فجعله ذكرهم، إذ كان به يذكرهم ما وصفنا. وقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّآ أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى ٱلدَّارِ﴾ [ص: ٤٦]. أي اخترناهم ليذكروا أمر معادهم وآخرتهم. وفيه قول آخر، تراه في موضعه. * * وقوله: ﴿أَفَلاَ تَعْقِلُونَ﴾. تقرير توبيخ وتنبيه على فهم ذلك وقبوله [أي]: أفلا تعقلون أن ذلك على ما أخبرناكم به.

الأنبياء 21:6

قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّي يَعْلَمُ ٱلْقَوْلَ فِي ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ﴾ إلى قوله: ﴿فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ﴾. أي: قل يا محمد: ربي يعلم قولكم بينكم، ﴿أَفَتَأْتُونَ ٱلسِّحْرَ وَأَنتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ ويعلم غير ذلك في السماوات والأرض وهو السميع لجميع ذلك ، العليم بجميع خلقه، فيجازي كلا على قدر أعمالهم. * * ثم قال تعالى: ﴿بَلْ قَالُوۤاْ أَضْغَاثُ أَحْلاَمٍ﴾. أي: بل قال المشركون: الذي جاء به محمد أضغاث أحلام. أو هم أضغاث أحلام. أي: لم يصدقوا بالقرآن، ولا آمنوا به ولكن قالوا: هو أضغاث أحلام، أي رؤيا رآها في النوم. "والأضغاث" الأخلاط. ومنه ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً﴾. وقال بعضهم: بل هي فرية واختلاق من عند نفسه. وقال بعضهم: بل محمد... شاعر، فنقض بعضهم قول بعض. ثم قالوا بعد ذلك. ونقضوا قولهم كلهم ورجعوا عن ما قالوا، فقالوا: ﴿فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَآ أُرْسِلَ ٱلأَوَّلُونَ﴾ أي: بل يأتينا محمد بآية تدل على صدقه، كما جاءت به الرسل قبل محمد؟ من مثل الناقة، وإحياء الموتى وشبهه. وذلك منهم تعنت، لأن الله تعالى قد أعطاه من الآيات ما لهم فيها كفاية، وإنما دخلت "بل" في هذا وليس في الكلام جحد لأن الخبر عن أهل الجحود والتكذيب، فدخلت "بل" لذلك. ثم قال تعالى ذكره: ﴿مَآ آمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَآ﴾. في هذه الآية بيان لإثبات القدر، لأن المعنى: أن امتناع من تقدم من الكفار من الإيمان حتى هلكوا لا يوجب امتناع من بعدهم، لكن كل ذلك بقدر من الله جل ذكره؛ وتحقيق المعنى على قول المفسرين، ما آمن قبل هؤلاء الذين كذبوا محمداً من أهل قرية عذبناها بالهلاك في الدنيا إذ كفروا بعد مجيء الآية. ﴿أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ﴾ استفهام معناه التقرير. أي: فهؤلاء المكذبون محمداً السائلون الآية، يؤمنون إن جاءتهم آية. فلم يبعث الله تعالى إليهم آية لعلمه أنهم يكذبون بها، فيجب عليهم حلول العذاب. وقد تقدم في علمه أن ميعادهم الساعة. قال تعالى: ﴿بَلِ ٱلسَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ﴾ [القمر: ٤٦]. فلما كان أمر هذه الأمة وعقوبتها، أخّرها الله إلى قيام الساعة، لم يرسل إليها آية مما اقترحوا به من الآيات التي توجب حلول العذاب عليها إذ كفرت بعد ذلك كما فعل بالأمم الماضية. * * ثم قال: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِيۤ إِلَيْهِمْ﴾ أي: وما أرسلنا قبلك يا محمد من الرسل إلا رجالاً مثل الأمم المرسل إليها. يوحي الله إليهم ما يريد. أي: لم يرسل ملائكة، فما أنكر هؤلاء من إرسالك إليهم وأنت رجل مثلهم؟ وهذا جواب لقول المشركين: ﴿هَلْ هَـٰذَآ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ﴾. * * ثم قال: ﴿فَاسْئَلُوۤاْ أَهْلَ ٱلذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ﴾. أي: اسألوا: أهل الكتب التي نزلت قبل كتابكم، يخبرونكم أنه لم تكن الرسل التي أتتهم بالكتب إلا رجالاً مثلهم. قال سفيان: "يريد: اسألوا من أسلم من أهل التوراة والإنجيل". ويراد بالذكر: التوراة والإنجيل. وروي عن عبد الله بن سلام: أنه قال: "نزلت في ﴿فَاسْئَلُوۤاْ أَهْلَ ٱلذِّكْرِ﴾ فهذا يدل على أن "الذكر" التوراة. وقال قتادة: ﴿أَهْلَ ٱلذِّكْرِ﴾: "أهل التوراة". وقيل: ﴿أَهْلَ ٱلذِّكْرِ﴾ "أهل القرآن" من آمن منهم. وقال علي: "نحن أهل الذكر". وقال ابن زيد: "الذكر: القرآن. لقوله: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ٱلذِّكْرَ﴾". * * ثم قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَداً لاَّ يَأْكُلُونَ ٱلطَّعَامَ﴾. أي: وما جعلنا الرسل الذين أرسلنا في الأمم الخالية، جسداً لا يأكلون الطعام. أي: لم نجعلهم ملائكة، ولكن جعلناهم مثلك، يأكلون الطعام. وقال قتادة: معناه: "ما جعلناهم جسداً إلا ليأكلوا الطعام". وقال الضحاك: معناه: "لم أجعلهم جسداً لا روح فيه، لا يأكلون الطعام، ولكن جعلناهم أجساداً فيها أرواح يأكلون الطعام". والجَسَدُ وُحِّدَ وقَبلَهُ جماعة، لأنه بمعنى المصدر، كأنه قال: وما جعلناهم خلقاً لا يأكلون الطعام. والتقدير: ذوي جسد. وهذا جواب لقولهم ﴿وَقَالُواْ مَالِ هَـٰذَا ٱلرَّسُولِ يَأْكُلُ ٱلطَّعَامَ﴾ [الفرقان: ٧]. فأعلمهم [الله] أن الرسل تأكل الطعام، وأنهم يموتون. وهو معنى قوله: وما كانوا خالدين. * * ثم قال تعالى: ﴿ثُمَّ صَدَقْنَاهُمُ ٱلْوَعْدَ﴾. أي: صدقنا الرسل الوعد بإهلاك قومهم إذ سألوا الآيات، فأتتهم وكذبوا بها. كقوله تعالى: ﴿فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ فَإِنِّيۤ أُعَذِّبُهُ﴾ [المائدة: ١١٥]. * * ﴿فَأَنجَيْنَاهُمْ﴾. أي: أنجينا الرسل لما أتى العذاب لأممها. ﴿وَمَن نَّشَآءُ﴾ أي: وأنجينا من نشاء، يعني: من آمن بالرسل، ﴿وَأَهْلَكْنَا ٱلْمُسْرفِينَ﴾ يعني: الذين أسرفوا على أنفسهم فكذبوا الآيات بعد أن أتتهم، فازدادوا كفراً بذلك، فهو إسرافهم. * * ثم قال تعالى: ﴿لَقَدْ أَنزَلْنَآ إِلَيْكُمْ كِتَاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ﴾. يخاطب قريشاً. أي: فيه شرفكم إن آمنتم به، لأنه عليكم نزل، وبلغتكم. وهو قوله: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ﴾ قاله ابن عباس. وقال مجاهد: ﴿فِيهِ ذِكْرُكُمْ﴾ أي: حديثكم. وقال سفيان: "نزل القرآن بمكارم الأخلاق"، فهو شرف لمن اتبعه وآمن به. والذكر: يستعمل بمعنى الشرف: يقال فلان مذكور في هذا البلد، إذا كان فيه رفيعاً مذكوراً بالشرف والفضل. وقيل: معناه: فيه [ذكركم أي]: ذَكَّرْنَاكُم به أَمْرَ دينكم وأمر آخرتكم ومعادكم فجعله ذكرهم، إذ كان به يذكرهم ما وصفنا. وقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّآ أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى ٱلدَّارِ﴾ [ص: ٤٦]. أي اخترناهم ليذكروا أمر معادهم وآخرتهم. وفيه قول آخر، تراه في موضعه. * * وقوله: ﴿أَفَلاَ تَعْقِلُونَ﴾. تقرير توبيخ وتنبيه على فهم ذلك وقبوله [أي]: أفلا تعقلون أن ذلك على ما أخبرناكم به.

الأنبياء 21:7

قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّي يَعْلَمُ ٱلْقَوْلَ فِي ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ﴾ إلى قوله: ﴿فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ﴾. أي: قل يا محمد: ربي يعلم قولكم بينكم، ﴿أَفَتَأْتُونَ ٱلسِّحْرَ وَأَنتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ ويعلم غير ذلك في السماوات والأرض وهو السميع لجميع ذلك ، العليم بجميع خلقه، فيجازي كلا على قدر أعمالهم. * * ثم قال تعالى: ﴿بَلْ قَالُوۤاْ أَضْغَاثُ أَحْلاَمٍ﴾. أي: بل قال المشركون: الذي جاء به محمد أضغاث أحلام. أو هم أضغاث أحلام. أي: لم يصدقوا بالقرآن، ولا آمنوا به ولكن قالوا: هو أضغاث أحلام، أي رؤيا رآها في النوم. "والأضغاث" الأخلاط. ومنه ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً﴾. وقال بعضهم: بل هي فرية واختلاق من عند نفسه. وقال بعضهم: بل محمد... شاعر، فنقض بعضهم قول بعض. ثم قالوا بعد ذلك. ونقضوا قولهم كلهم ورجعوا عن ما قالوا، فقالوا: ﴿فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَآ أُرْسِلَ ٱلأَوَّلُونَ﴾ أي: بل يأتينا محمد بآية تدل على صدقه، كما جاءت به الرسل قبل محمد؟ من مثل الناقة، وإحياء الموتى وشبهه. وذلك منهم تعنت، لأن الله تعالى قد أعطاه من الآيات ما لهم فيها كفاية، وإنما دخلت "بل" في هذا وليس في الكلام جحد لأن الخبر عن أهل الجحود والتكذيب، فدخلت "بل" لذلك. ثم قال تعالى ذكره: ﴿مَآ آمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَآ﴾. في هذه الآية بيان لإثبات القدر، لأن المعنى: أن امتناع من تقدم من الكفار من الإيمان حتى هلكوا لا يوجب امتناع من بعدهم، لكن كل ذلك بقدر من الله جل ذكره؛ وتحقيق المعنى على قول المفسرين، ما آمن قبل هؤلاء الذين كذبوا محمداً من أهل قرية عذبناها بالهلاك في الدنيا إذ كفروا بعد مجيء الآية. ﴿أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ﴾ استفهام معناه التقرير. أي: فهؤلاء المكذبون محمداً السائلون الآية، يؤمنون إن جاءتهم آية. فلم يبعث الله تعالى إليهم آية لعلمه أنهم يكذبون بها، فيجب عليهم حلول العذاب. وقد تقدم في علمه أن ميعادهم الساعة. قال تعالى: ﴿بَلِ ٱلسَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ﴾ [القمر: ٤٦]. فلما كان أمر هذه الأمة وعقوبتها، أخّرها الله إلى قيام الساعة، لم يرسل إليها آية مما اقترحوا به من الآيات التي توجب حلول العذاب عليها إذ كفرت بعد ذلك كما فعل بالأمم الماضية. * * ثم قال: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِيۤ إِلَيْهِمْ﴾ أي: وما أرسلنا قبلك يا محمد من الرسل إلا رجالاً مثل الأمم المرسل إليها. يوحي الله إليهم ما يريد. أي: لم يرسل ملائكة، فما أنكر هؤلاء من إرسالك إليهم وأنت رجل مثلهم؟ وهذا جواب لقول المشركين: ﴿هَلْ هَـٰذَآ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ﴾. * * ثم قال: ﴿فَاسْئَلُوۤاْ أَهْلَ ٱلذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ﴾. أي: اسألوا: أهل الكتب التي نزلت قبل كتابكم، يخبرونكم أنه لم تكن الرسل التي أتتهم بالكتب إلا رجالاً مثلهم. قال سفيان: "يريد: اسألوا من أسلم من أهل التوراة والإنجيل". ويراد بالذكر: التوراة والإنجيل. وروي عن عبد الله بن سلام: أنه قال: "نزلت في ﴿فَاسْئَلُوۤاْ أَهْلَ ٱلذِّكْرِ﴾ فهذا يدل على أن "الذكر" التوراة. وقال قتادة: ﴿أَهْلَ ٱلذِّكْرِ﴾: "أهل التوراة". وقيل: ﴿أَهْلَ ٱلذِّكْرِ﴾ "أهل القرآن" من آمن منهم. وقال علي: "نحن أهل الذكر". وقال ابن زيد: "الذكر: القرآن. لقوله: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ٱلذِّكْرَ﴾". * * ثم قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَداً لاَّ يَأْكُلُونَ ٱلطَّعَامَ﴾. أي: وما جعلنا الرسل الذين أرسلنا في الأمم الخالية، جسداً لا يأكلون الطعام. أي: لم نجعلهم ملائكة، ولكن جعلناهم مثلك، يأكلون الطعام. وقال قتادة: معناه: "ما جعلناهم جسداً إلا ليأكلوا الطعام". وقال الضحاك: معناه: "لم أجعلهم جسداً لا روح فيه، لا يأكلون الطعام، ولكن جعلناهم أجساداً فيها أرواح يأكلون الطعام". والجَسَدُ وُحِّدَ وقَبلَهُ جماعة، لأنه بمعنى المصدر، كأنه قال: وما جعلناهم خلقاً لا يأكلون الطعام. والتقدير: ذوي جسد. وهذا جواب لقولهم ﴿وَقَالُواْ مَالِ هَـٰذَا ٱلرَّسُولِ يَأْكُلُ ٱلطَّعَامَ﴾ [الفرقان: ٧]. فأعلمهم [الله] أن الرسل تأكل الطعام، وأنهم يموتون. وهو معنى قوله: وما كانوا خالدين. * * ثم قال تعالى: ﴿ثُمَّ صَدَقْنَاهُمُ ٱلْوَعْدَ﴾. أي: صدقنا الرسل الوعد بإهلاك قومهم إذ سألوا الآيات، فأتتهم وكذبوا بها. كقوله تعالى: ﴿فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ فَإِنِّيۤ أُعَذِّبُهُ﴾ [المائدة: ١١٥]. * * ﴿فَأَنجَيْنَاهُمْ﴾. أي: أنجينا الرسل لما أتى العذاب لأممها. ﴿وَمَن نَّشَآءُ﴾ أي: وأنجينا من نشاء، يعني: من آمن بالرسل، ﴿وَأَهْلَكْنَا ٱلْمُسْرفِينَ﴾ يعني: الذين أسرفوا على أنفسهم فكذبوا الآيات بعد أن أتتهم، فازدادوا كفراً بذلك، فهو إسرافهم. * * ثم قال تعالى: ﴿لَقَدْ أَنزَلْنَآ إِلَيْكُمْ كِتَاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ﴾. يخاطب قريشاً. أي: فيه شرفكم إن آمنتم به، لأنه عليكم نزل، وبلغتكم. وهو قوله: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ﴾ قاله ابن عباس. وقال مجاهد: ﴿فِيهِ ذِكْرُكُمْ﴾ أي: حديثكم. وقال سفيان: "نزل القرآن بمكارم الأخلاق"، فهو شرف لمن اتبعه وآمن به. والذكر: يستعمل بمعنى الشرف: يقال فلان مذكور في هذا البلد، إذا كان فيه رفيعاً مذكوراً بالشرف والفضل. وقيل: معناه: فيه [ذكركم أي]: ذَكَّرْنَاكُم به أَمْرَ دينكم وأمر آخرتكم ومعادكم فجعله ذكرهم، إذ كان به يذكرهم ما وصفنا. وقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّآ أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى ٱلدَّارِ﴾ [ص: ٤٦]. أي اخترناهم ليذكروا أمر معادهم وآخرتهم. وفيه قول آخر، تراه في موضعه. * * وقوله: ﴿أَفَلاَ تَعْقِلُونَ﴾. تقرير توبيخ وتنبيه على فهم ذلك وقبوله [أي]: أفلا تعقلون أن ذلك على ما أخبرناكم به.

الأنبياء 21:8

قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّي يَعْلَمُ ٱلْقَوْلَ فِي ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ﴾ إلى قوله: ﴿فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ﴾. أي: قل يا محمد: ربي يعلم قولكم بينكم، ﴿أَفَتَأْتُونَ ٱلسِّحْرَ وَأَنتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ ويعلم غير ذلك في السماوات والأرض وهو السميع لجميع ذلك ، العليم بجميع خلقه، فيجازي كلا على قدر أعمالهم. * * ثم قال تعالى: ﴿بَلْ قَالُوۤاْ أَضْغَاثُ أَحْلاَمٍ﴾. أي: بل قال المشركون: الذي جاء به محمد أضغاث أحلام. أو هم أضغاث أحلام. أي: لم يصدقوا بالقرآن، ولا آمنوا به ولكن قالوا: هو أضغاث أحلام، أي رؤيا رآها في النوم. "والأضغاث" الأخلاط. ومنه ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً﴾. وقال بعضهم: بل هي فرية واختلاق من عند نفسه. وقال بعضهم: بل محمد... شاعر، فنقض بعضهم قول بعض. ثم قالوا بعد ذلك. ونقضوا قولهم كلهم ورجعوا عن ما قالوا، فقالوا: ﴿فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَآ أُرْسِلَ ٱلأَوَّلُونَ﴾ أي: بل يأتينا محمد بآية تدل على صدقه، كما جاءت به الرسل قبل محمد؟ من مثل الناقة، وإحياء الموتى وشبهه. وذلك منهم تعنت، لأن الله تعالى قد أعطاه من الآيات ما لهم فيها كفاية، وإنما دخلت "بل" في هذا وليس في الكلام جحد لأن الخبر عن أهل الجحود والتكذيب، فدخلت "بل" لذلك. ثم قال تعالى ذكره: ﴿مَآ آمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَآ﴾. في هذه الآية بيان لإثبات القدر، لأن المعنى: أن امتناع من تقدم من الكفار من الإيمان حتى هلكوا لا يوجب امتناع من بعدهم، لكن كل ذلك بقدر من الله جل ذكره؛ وتحقيق المعنى على قول المفسرين، ما آمن قبل هؤلاء الذين كذبوا محمداً من أهل قرية عذبناها بالهلاك في الدنيا إذ كفروا بعد مجيء الآية. ﴿أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ﴾ استفهام معناه التقرير. أي: فهؤلاء المكذبون محمداً السائلون الآية، يؤمنون إن جاءتهم آية. فلم يبعث الله تعالى إليهم آية لعلمه أنهم يكذبون بها، فيجب عليهم حلول العذاب. وقد تقدم في علمه أن ميعادهم الساعة. قال تعالى: ﴿بَلِ ٱلسَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ﴾ [القمر: ٤٦]. فلما كان أمر هذه الأمة وعقوبتها، أخّرها الله إلى قيام الساعة، لم يرسل إليها آية مما اقترحوا به من الآيات التي توجب حلول العذاب عليها إذ كفرت بعد ذلك كما فعل بالأمم الماضية. * * ثم قال: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِيۤ إِلَيْهِمْ﴾ أي: وما أرسلنا قبلك يا محمد من الرسل إلا رجالاً مثل الأمم المرسل إليها. يوحي الله إليهم ما يريد. أي: لم يرسل ملائكة، فما أنكر هؤلاء من إرسالك إليهم وأنت رجل مثلهم؟ وهذا جواب لقول المشركين: ﴿هَلْ هَـٰذَآ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ﴾. * * ثم قال: ﴿فَاسْئَلُوۤاْ أَهْلَ ٱلذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ﴾. أي: اسألوا: أهل الكتب التي نزلت قبل كتابكم، يخبرونكم أنه لم تكن الرسل التي أتتهم بالكتب إلا رجالاً مثلهم. قال سفيان: "يريد: اسألوا من أسلم من أهل التوراة والإنجيل". ويراد بالذكر: التوراة والإنجيل. وروي عن عبد الله بن سلام: أنه قال: "نزلت في ﴿فَاسْئَلُوۤاْ أَهْلَ ٱلذِّكْرِ﴾ فهذا يدل على أن "الذكر" التوراة. وقال قتادة: ﴿أَهْلَ ٱلذِّكْرِ﴾: "أهل التوراة". وقيل: ﴿أَهْلَ ٱلذِّكْرِ﴾ "أهل القرآن" من آمن منهم. وقال علي: "نحن أهل الذكر". وقال ابن زيد: "الذكر: القرآن. لقوله: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ٱلذِّكْرَ﴾". * * ثم قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَداً لاَّ يَأْكُلُونَ ٱلطَّعَامَ﴾. أي: وما جعلنا الرسل الذين أرسلنا في الأمم الخالية، جسداً لا يأكلون الطعام. أي: لم نجعلهم ملائكة، ولكن جعلناهم مثلك، يأكلون الطعام. وقال قتادة: معناه: "ما جعلناهم جسداً إلا ليأكلوا الطعام". وقال الضحاك: معناه: "لم أجعلهم جسداً لا روح فيه، لا يأكلون الطعام، ولكن جعلناهم أجساداً فيها أرواح يأكلون الطعام". والجَسَدُ وُحِّدَ وقَبلَهُ جماعة، لأنه بمعنى المصدر، كأنه قال: وما جعلناهم خلقاً لا يأكلون الطعام. والتقدير: ذوي جسد. وهذا جواب لقولهم ﴿وَقَالُواْ مَالِ هَـٰذَا ٱلرَّسُولِ يَأْكُلُ ٱلطَّعَامَ﴾ [الفرقان: ٧]. فأعلمهم [الله] أن الرسل تأكل الطعام، وأنهم يموتون. وهو معنى قوله: وما كانوا خالدين. * * ثم قال تعالى: ﴿ثُمَّ صَدَقْنَاهُمُ ٱلْوَعْدَ﴾. أي: صدقنا الرسل الوعد بإهلاك قومهم إذ سألوا الآيات، فأتتهم وكذبوا بها. كقوله تعالى: ﴿فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ فَإِنِّيۤ أُعَذِّبُهُ﴾ [المائدة: ١١٥]. * * ﴿فَأَنجَيْنَاهُمْ﴾. أي: أنجينا الرسل لما أتى العذاب لأممها. ﴿وَمَن نَّشَآءُ﴾ أي: وأنجينا من نشاء، يعني: من آمن بالرسل، ﴿وَأَهْلَكْنَا ٱلْمُسْرفِينَ﴾ يعني: الذين أسرفوا على أنفسهم فكذبوا الآيات بعد أن أتتهم، فازدادوا كفراً بذلك، فهو إسرافهم. * * ثم قال تعالى: ﴿لَقَدْ أَنزَلْنَآ إِلَيْكُمْ كِتَاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ﴾. يخاطب قريشاً. أي: فيه شرفكم إن آمنتم به، لأنه عليكم نزل، وبلغتكم. وهو قوله: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ﴾ قاله ابن عباس. وقال مجاهد: ﴿فِيهِ ذِكْرُكُمْ﴾ أي: حديثكم. وقال سفيان: "نزل القرآن بمكارم الأخلاق"، فهو شرف لمن اتبعه وآمن به. والذكر: يستعمل بمعنى الشرف: يقال فلان مذكور في هذا البلد، إذا كان فيه رفيعاً مذكوراً بالشرف والفضل. وقيل: معناه: فيه [ذكركم أي]: ذَكَّرْنَاكُم به أَمْرَ دينكم وأمر آخرتكم ومعادكم فجعله ذكرهم، إذ كان به يذكرهم ما وصفنا. وقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّآ أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى ٱلدَّارِ﴾ [ص: ٤٦]. أي اخترناهم ليذكروا أمر معادهم وآخرتهم. وفيه قول آخر، تراه في موضعه. * * وقوله: ﴿أَفَلاَ تَعْقِلُونَ﴾. تقرير توبيخ وتنبيه على فهم ذلك وقبوله [أي]: أفلا تعقلون أن ذلك على ما أخبرناكم به.

الأنبياء 21:9

قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّي يَعْلَمُ ٱلْقَوْلَ فِي ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ﴾ إلى قوله: ﴿فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ﴾. أي: قل يا محمد: ربي يعلم قولكم بينكم، ﴿أَفَتَأْتُونَ ٱلسِّحْرَ وَأَنتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ ويعلم غير ذلك في السماوات والأرض وهو السميع لجميع ذلك ، العليم بجميع خلقه، فيجازي كلا على قدر أعمالهم. * * ثم قال تعالى: ﴿بَلْ قَالُوۤاْ أَضْغَاثُ أَحْلاَمٍ﴾. أي: بل قال المشركون: الذي جاء به محمد أضغاث أحلام. أو هم أضغاث أحلام. أي: لم يصدقوا بالقرآن، ولا آمنوا به ولكن قالوا: هو أضغاث أحلام، أي رؤيا رآها في النوم. "والأضغاث" الأخلاط. ومنه ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً﴾. وقال بعضهم: بل هي فرية واختلاق من عند نفسه. وقال بعضهم: بل محمد... شاعر، فنقض بعضهم قول بعض. ثم قالوا بعد ذلك. ونقضوا قولهم كلهم ورجعوا عن ما قالوا، فقالوا: ﴿فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَآ أُرْسِلَ ٱلأَوَّلُونَ﴾ أي: بل يأتينا محمد بآية تدل على صدقه، كما جاءت به الرسل قبل محمد؟ من مثل الناقة، وإحياء الموتى وشبهه. وذلك منهم تعنت، لأن الله تعالى قد أعطاه من الآيات ما لهم فيها كفاية، وإنما دخلت "بل" في هذا وليس في الكلام جحد لأن الخبر عن أهل الجحود والتكذيب، فدخلت "بل" لذلك. ثم قال تعالى ذكره: ﴿مَآ آمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَآ﴾. في هذه الآية بيان لإثبات القدر، لأن المعنى: أن امتناع من تقدم من الكفار من الإيمان حتى هلكوا لا يوجب امتناع من بعدهم، لكن كل ذلك بقدر من الله جل ذكره؛ وتحقيق المعنى على قول المفسرين، ما آمن قبل هؤلاء الذين كذبوا محمداً من أهل قرية عذبناها بالهلاك في الدنيا إذ كفروا بعد مجيء الآية. ﴿أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ﴾ استفهام معناه التقرير. أي: فهؤلاء المكذبون محمداً السائلون الآية، يؤمنون إن جاءتهم آية. فلم يبعث الله تعالى إليهم آية لعلمه أنهم يكذبون بها، فيجب عليهم حلول العذاب. وقد تقدم في علمه أن ميعادهم الساعة. قال تعالى: ﴿بَلِ ٱلسَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ﴾ [القمر: ٤٦]. فلما كان أمر هذه الأمة وعقوبتها، أخّرها الله إلى قيام الساعة، لم يرسل إليها آية مما اقترحوا به من الآيات التي توجب حلول العذاب عليها إذ كفرت بعد ذلك كما فعل بالأمم الماضية. * * ثم قال: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِيۤ إِلَيْهِمْ﴾ أي: وما أرسلنا قبلك يا محمد من الرسل إلا رجالاً مثل الأمم المرسل إليها. يوحي الله إليهم ما يريد. أي: لم يرسل ملائكة، فما أنكر هؤلاء من إرسالك إليهم وأنت رجل مثلهم؟ وهذا جواب لقول المشركين: ﴿هَلْ هَـٰذَآ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ﴾. * * ثم قال: ﴿فَاسْئَلُوۤاْ أَهْلَ ٱلذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ﴾. أي: اسألوا: أهل الكتب التي نزلت قبل كتابكم، يخبرونكم أنه لم تكن الرسل التي أتتهم بالكتب إلا رجالاً مثلهم. قال سفيان: "يريد: اسألوا من أسلم من أهل التوراة والإنجيل". ويراد بالذكر: التوراة والإنجيل. وروي عن عبد الله بن سلام: أنه قال: "نزلت في ﴿فَاسْئَلُوۤاْ أَهْلَ ٱلذِّكْرِ﴾ فهذا يدل على أن "الذكر" التوراة. وقال قتادة: ﴿أَهْلَ ٱلذِّكْرِ﴾: "أهل التوراة". وقيل: ﴿أَهْلَ ٱلذِّكْرِ﴾ "أهل القرآن" من آمن منهم. وقال علي: "نحن أهل الذكر". وقال ابن زيد: "الذكر: القرآن. لقوله: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ٱلذِّكْرَ﴾". * * ثم قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَداً لاَّ يَأْكُلُونَ ٱلطَّعَامَ﴾. أي: وما جعلنا الرسل الذين أرسلنا في الأمم الخالية، جسداً لا يأكلون الطعام. أي: لم نجعلهم ملائكة، ولكن جعلناهم مثلك، يأكلون الطعام. وقال قتادة: معناه: "ما جعلناهم جسداً إلا ليأكلوا الطعام". وقال الضحاك: معناه: "لم أجعلهم جسداً لا روح فيه، لا يأكلون الطعام، ولكن جعلناهم أجساداً فيها أرواح يأكلون الطعام". والجَسَدُ وُحِّدَ وقَبلَهُ جماعة، لأنه بمعنى المصدر، كأنه قال: وما جعلناهم خلقاً لا يأكلون الطعام. والتقدير: ذوي جسد. وهذا جواب لقولهم ﴿وَقَالُواْ مَالِ هَـٰذَا ٱلرَّسُولِ يَأْكُلُ ٱلطَّعَامَ﴾ [الفرقان: ٧]. فأعلمهم [الله] أن الرسل تأكل الطعام، وأنهم يموتون. وهو معنى قوله: وما كانوا خالدين. * * ثم قال تعالى: ﴿ثُمَّ صَدَقْنَاهُمُ ٱلْوَعْدَ﴾. أي: صدقنا الرسل الوعد بإهلاك قومهم إذ سألوا الآيات، فأتتهم وكذبوا بها. كقوله تعالى: ﴿فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ فَإِنِّيۤ أُعَذِّبُهُ﴾ [المائدة: ١١٥]. * * ﴿فَأَنجَيْنَاهُمْ﴾. أي: أنجينا الرسل لما أتى العذاب لأممها. ﴿وَمَن نَّشَآءُ﴾ أي: وأنجينا من نشاء، يعني: من آمن بالرسل، ﴿وَأَهْلَكْنَا ٱلْمُسْرفِينَ﴾ يعني: الذين أسرفوا على أنفسهم فكذبوا الآيات بعد أن أتتهم، فازدادوا كفراً بذلك، فهو إسرافهم. * * ثم قال تعالى: ﴿لَقَدْ أَنزَلْنَآ إِلَيْكُمْ كِتَاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ﴾. يخاطب قريشاً. أي: فيه شرفكم إن آمنتم به، لأنه عليكم نزل، وبلغتكم. وهو قوله: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ﴾ قاله ابن عباس. وقال مجاهد: ﴿فِيهِ ذِكْرُكُمْ﴾ أي: حديثكم. وقال سفيان: "نزل القرآن بمكارم الأخلاق"، فهو شرف لمن اتبعه وآمن به. والذكر: يستعمل بمعنى الشرف: يقال فلان مذكور في هذا البلد، إذا كان فيه رفيعاً مذكوراً بالشرف والفضل. وقيل: معناه: فيه [ذكركم أي]: ذَكَّرْنَاكُم به أَمْرَ دينكم وأمر آخرتكم ومعادكم فجعله ذكرهم، إذ كان به يذكرهم ما وصفنا. وقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّآ أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى ٱلدَّارِ﴾ [ص: ٤٦]. أي اخترناهم ليذكروا أمر معادهم وآخرتهم. وفيه قول آخر، تراه في موضعه. * * وقوله: ﴿أَفَلاَ تَعْقِلُونَ﴾. تقرير توبيخ وتنبيه على فهم ذلك وقبوله [أي]: أفلا تعقلون أن ذلك على ما أخبرناكم به.

الأنبياء 21:10

قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّي يَعْلَمُ ٱلْقَوْلَ فِي ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ﴾ إلى قوله: ﴿فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ﴾. أي: قل يا محمد: ربي يعلم قولكم بينكم، ﴿أَفَتَأْتُونَ ٱلسِّحْرَ وَأَنتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ ويعلم غير ذلك في السماوات والأرض وهو السميع لجميع ذلك ، العليم بجميع خلقه، فيجازي كلا على قدر أعمالهم. * * ثم قال تعالى: ﴿بَلْ قَالُوۤاْ أَضْغَاثُ أَحْلاَمٍ﴾. أي: بل قال المشركون: الذي جاء به محمد أضغاث أحلام. أو هم أضغاث أحلام. أي: لم يصدقوا بالقرآن، ولا آمنوا به ولكن قالوا: هو أضغاث أحلام، أي رؤيا رآها في النوم. "والأضغاث" الأخلاط. ومنه ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً﴾. وقال بعضهم: بل هي فرية واختلاق من عند نفسه. وقال بعضهم: بل محمد... شاعر، فنقض بعضهم قول بعض. ثم قالوا بعد ذلك. ونقضوا قولهم كلهم ورجعوا عن ما قالوا، فقالوا: ﴿فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَآ أُرْسِلَ ٱلأَوَّلُونَ﴾ أي: بل يأتينا محمد بآية تدل على صدقه، كما جاءت به الرسل قبل محمد؟ من مثل الناقة، وإحياء الموتى وشبهه. وذلك منهم تعنت، لأن الله تعالى قد أعطاه من الآيات ما لهم فيها كفاية، وإنما دخلت "بل" في هذا وليس في الكلام جحد لأن الخبر عن أهل الجحود والتكذيب، فدخلت "بل" لذلك. ثم قال تعالى ذكره: ﴿مَآ آمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَآ﴾. في هذه الآية بيان لإثبات القدر، لأن المعنى: أن امتناع من تقدم من الكفار من الإيمان حتى هلكوا لا يوجب امتناع من بعدهم، لكن كل ذلك بقدر من الله جل ذكره؛ وتحقيق المعنى على قول المفسرين، ما آمن قبل هؤلاء الذين كذبوا محمداً من أهل قرية عذبناها بالهلاك في الدنيا إذ كفروا بعد مجيء الآية. ﴿أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ﴾ استفهام معناه التقرير. أي: فهؤلاء المكذبون محمداً السائلون الآية، يؤمنون إن جاءتهم آية. فلم يبعث الله تعالى إليهم آية لعلمه أنهم يكذبون بها، فيجب عليهم حلول العذاب. وقد تقدم في علمه أن ميعادهم الساعة. قال تعالى: ﴿بَلِ ٱلسَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ﴾ [القمر: ٤٦]. فلما كان أمر هذه الأمة وعقوبتها، أخّرها الله إلى قيام الساعة، لم يرسل إليها آية مما اقترحوا به من الآيات التي توجب حلول العذاب عليها إذ كفرت بعد ذلك كما فعل بالأمم الماضية. * * ثم قال: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِيۤ إِلَيْهِمْ﴾ أي: وما أرسلنا قبلك يا محمد من الرسل إلا رجالاً مثل الأمم المرسل إليها. يوحي الله إليهم ما يريد. أي: لم يرسل ملائكة، فما أنكر هؤلاء من إرسالك إليهم وأنت رجل مثلهم؟ وهذا جواب لقول المشركين: ﴿هَلْ هَـٰذَآ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ﴾. * * ثم قال: ﴿فَاسْئَلُوۤاْ أَهْلَ ٱلذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ﴾. أي: اسألوا: أهل الكتب التي نزلت قبل كتابكم، يخبرونكم أنه لم تكن الرسل التي أتتهم بالكتب إلا رجالاً مثلهم. قال سفيان: "يريد: اسألوا من أسلم من أهل التوراة والإنجيل". ويراد بالذكر: التوراة والإنجيل. وروي عن عبد الله بن سلام: أنه قال: "نزلت في ﴿فَاسْئَلُوۤاْ أَهْلَ ٱلذِّكْرِ﴾ فهذا يدل على أن "الذكر" التوراة. وقال قتادة: ﴿أَهْلَ ٱلذِّكْرِ﴾: "أهل التوراة". وقيل: ﴿أَهْلَ ٱلذِّكْرِ﴾ "أهل القرآن" من آمن منهم. وقال علي: "نحن أهل الذكر". وقال ابن زيد: "الذكر: القرآن. لقوله: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ٱلذِّكْرَ﴾". * * ثم قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَداً لاَّ يَأْكُلُونَ ٱلطَّعَامَ﴾. أي: وما جعلنا الرسل الذين أرسلنا في الأمم الخالية، جسداً لا يأكلون الطعام. أي: لم نجعلهم ملائكة، ولكن جعلناهم مثلك، يأكلون الطعام. وقال قتادة: معناه: "ما جعلناهم جسداً إلا ليأكلوا الطعام". وقال الضحاك: معناه: "لم أجعلهم جسداً لا روح فيه، لا يأكلون الطعام، ولكن جعلناهم أجساداً فيها أرواح يأكلون الطعام". والجَسَدُ وُحِّدَ وقَبلَهُ جماعة، لأنه بمعنى المصدر، كأنه قال: وما جعلناهم خلقاً لا يأكلون الطعام. والتقدير: ذوي جسد. وهذا جواب لقولهم ﴿وَقَالُواْ مَالِ هَـٰذَا ٱلرَّسُولِ يَأْكُلُ ٱلطَّعَامَ﴾ [الفرقان: ٧]. فأعلمهم [الله] أن الرسل تأكل الطعام، وأنهم يموتون. وهو معنى قوله: وما كانوا خالدين. * * ثم قال تعالى: ﴿ثُمَّ صَدَقْنَاهُمُ ٱلْوَعْدَ﴾. أي: صدقنا الرسل الوعد بإهلاك قومهم إذ سألوا الآيات، فأتتهم وكذبوا بها. كقوله تعالى: ﴿فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ فَإِنِّيۤ أُعَذِّبُهُ﴾ [المائدة: ١١٥]. * * ﴿فَأَنجَيْنَاهُمْ﴾. أي: أنجينا الرسل لما أتى العذاب لأممها. ﴿وَمَن نَّشَآءُ﴾ أي: وأنجينا من نشاء، يعني: من آمن بالرسل، ﴿وَأَهْلَكْنَا ٱلْمُسْرفِينَ﴾ يعني: الذين أسرفوا على أنفسهم فكذبوا الآيات بعد أن أتتهم، فازدادوا كفراً بذلك، فهو إسرافهم. * * ثم قال تعالى: ﴿لَقَدْ أَنزَلْنَآ إِلَيْكُمْ كِتَاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ﴾. يخاطب قريشاً. أي: فيه شرفكم إن آمنتم به، لأنه عليكم نزل، وبلغتكم. وهو قوله: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ﴾ قاله ابن عباس. وقال مجاهد: ﴿فِيهِ ذِكْرُكُمْ﴾ أي: حديثكم. وقال سفيان: "نزل القرآن بمكارم الأخلاق"، فهو شرف لمن اتبعه وآمن به. والذكر: يستعمل بمعنى الشرف: يقال فلان مذكور في هذا البلد، إذا كان فيه رفيعاً مذكوراً بالشرف والفضل. وقيل: معناه: فيه [ذكركم أي]: ذَكَّرْنَاكُم به أَمْرَ دينكم وأمر آخرتكم ومعادكم فجعله ذكرهم، إذ كان به يذكرهم ما وصفنا. وقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّآ أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى ٱلدَّارِ﴾ [ص: ٤٦]. أي اخترناهم ليذكروا أمر معادهم وآخرتهم. وفيه قول آخر، تراه في موضعه. * * وقوله: ﴿أَفَلاَ تَعْقِلُونَ﴾. تقرير توبيخ وتنبيه على فهم ذلك وقبوله [أي]: أفلا تعقلون أن ذلك على ما أخبرناكم به.

الأنبياء 21:11

قوله تعالى: ﴿وَكَمْ قَصَمْنَا مِن قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً﴾ إلى قوله: ﴿عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾. المعنى: وكثيراً أهلكنا من أهل القرى كانوا ظالمين بكفرهِم فـ "كم" في موضع نصب بقصمنا، وهي خبر، وفيها معنى التكثير. وانقصم أصله الكسر. يقال انقصم سنه، وقصمت ظهر فلان، أي: كسرته. وروى ابن وهب عن بعض رجاله، أنه كان باليمن قريتان، فبطر أهلها وأترفوا حتى ما كانوا يغلقون أبوابهم، فبعث الله تعالى إليهم نبياً فدعاهم، فقتلوه، فألقى الله في نفس بخت نصر غزوهم، فبعث إليهم جيشاً، فهزموه، ثم بعث آخر فهزموه. فخرج إليهم بنفسه، فهزمهم، فخرجوا يركضون فسمع مناد يقول: ﴿لاَ تَرْكُضُواْ وَٱرْجِعُوۤاْ إِلَىٰ مَآ أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَاكِنِكُمْ﴾. فرجعوا، فسمعوا صوتاً يقول: يا لثارات النبي فقتلوا كلهم. فهي التي عنى الله في هذه السورة حصدوا بالسيف. قال مجاهد: "قصمنا": أهكلنا. وجرى الخبر عن القرية والمراد أهلها، لأن المعنى مفهوم. * * ثم قال: ﴿وَأَنشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْماً آخَرِينَ﴾ أي: أحدثنا بعد إهلاك هؤلاء الظالمين قوماً آخرين سواهم. * * ثم قال: ﴿فَلَمَّآ أَحَسُّواْ بَأْسَنَآ إِذَا هُمْ مِّنْهَا يَرْكُضُونَ﴾. أي: فلما عاين هؤلاء الظالمون من أهل القرى العذاب، ووجدوا مسه، إذا هم مما أحسوا يركضون. أي: يهربون سراعاً يعدون. وأصله من ركض الدابة إذا حركت رجليك عليها فعدت. فقوله: ﴿فَلَمَّآ أَحَسُّواْ بَأْسَنَآ﴾. لا يرجع إلى قوله: ﴿قَوْماً آخَرِينَ﴾ لأنه لم يذكر لهم ذنباً يعذبون من أجله، لكنه راجع إلى قوله: ﴿وَكَمْ قَصَمْنَا مِن قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً﴾. * * ثم قال: ﴿لاَ تَرْكُضُواْ﴾. أي: لا تفروا ولا تهربوا. ﴿وَٱرْجِعُوۤاْ إِلَىٰ مَآ أُتْرِفْتُمْ فِيهِ﴾. أي: إلى ما أنعمتم فيه من عيشكم وإلى، ﴿وَمَسَاكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ﴾ أي: تسألون عن دنياكم شيئاً. على وجه السخرية بهم والاستهزاء. قاله: قتادة. وقال مجاهد: ﴿لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ﴾ أي: تنتهون. وقيل: معناه: لعلكم تسألون شيئاً مما شغلكم عما لكم فيه الصلاح، على التهدد. وقيل: معناه: لعلكم تسألون عما نزل بكم من العقوبة وعاينتموه من العذاب. * * ثم قال تعالى: ﴿قَالُواْ يٰوَيْلَنَآ إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾. أي: قالوا لمّا حلَّ عليهم العذاب: يا ويلنا. وهي كلمة يقولها من وقع في هلكة وتقال لمن وقع في هلكة. ﴿إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾ بكفرنا بربنا. * * ثم قال تعالى: ﴿فَمَا زَالَت تِلْكَ دَعْوَاهُمْ﴾. أي: فما زالت تلك الكلمة دعواهم وهي الدعاء بالويل، والإقرار بالظلم. * * ﴿حَتَّىٰ جَعَلْنَاهُمْ حَصِيداً خَامِدِينَ﴾. أي: حتى هلكوا فحصدوا من الحياة كما يحصد الزرع فصاروا مثل الحصيد من الزرع. ﴿خَامِدِينَ﴾ أي: قد سكنت حركتهم كما تخمد النار فتطفأ. قال الضحاك ومقاتل ومجاهد: "حصدوا قتلاً بالسيف". قال قتادة: "لما عاينوا العذاب، لم يكن لهم هِجِّيرَي إلا قولهم: يا ويلنا، إنا كنا ظالمين. حتى دمّر الله تعالى عليهم فأهلكهم. قال ابن عباس: "خامدين خمود النار، أي طفئت ولم ينتفعوا بالإيمان والندم عند معاينة العذاب، لأنه وقت قد رفع عنهم فيه التكليف. وإذا رفع التكليف، ارتفع القبول. وإنما القبول منوط بالتكليف. * * ثم قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَآءَ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَـٰعِبِينَ﴾. أي: ما خلقناهما لعباً وعبثاً، إنما خلقناهما حجة عليكم أيها الناس، لتعتبروا وتعلموا أن الذي خلقهما ودبرهما لا يشبهه شيء، وإنه لا تكون العبادة إلا له. وقيل: المعنى، ما خلقناهما وما بينهما لعباً ولا باطلاً، أي: ليظلم بعض الناس بعضاً، ويكفر بعضهم، ويخالف بعضهم ما أمر به، ثم يموتوا فلا يجازون بأفعالهم. وقيل: المعنى: ما خلقناهما لعباً، بل خلقناهما ليؤمر الناس بحسن وينهوا عن قبح. * * ثم قال تعالى: ﴿لَوْ أَرَدْنَآ أَن نَّتَّخِذَ لَهْواً﴾. أي: زوجة وولداً، ﴿لاَّتَّخَذْنَاهُ مِن لَّدُنَّآ﴾ أي: من عندنا. أي مما نخلق. لكنا لا نفعل ذلك، ولا يصلح لنا فعله. قال الحسن: اللهو: المرأة. وقاله مجاهد. وقال قتادة: اللهو بلغة أهل اليمن - المرأة. وقال ابن عباس: "لهواً: ولداً". وقيل: لهواً: نكاحاً. * * وقوله: ﴿إِن كُنَّا فَاعِلِينَ﴾. أي: ما كنا فاعلين. قاله قتادة. وقيل: إن: للشرط. والتقدير: إن كنا فاعلين، ولسنا ممن يفعله. وقال ابن جريج: "قالوا: مريم صاحبته، وعيسى ولده. تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً. فأنزل الله: ﴿لَوْ أَرَدْنَآ أَن نَّتَّخِذَ﴾ الآية. ومعنى: "من لدنا" عند ابن جريج: "من عندنا من أهل السماء ولم نتخذه من أهل الأرض الذين تلحقهم الآفات والنقص". ﴿إِن كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ أي: ما كنا نفعل ذلك. * * ثم قال تعالى: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِٱلْحَقِّ عَلَى ٱلْبَاطِلِ﴾. قال مجاهد: الحق: القرآن، والباطل الشيطان. وكذلك كل ما في القرآن من الباطل فهو الشيطان عنده. وتقديره في العربية ذو الباطل فتقديره: بل ننزل القرآن على الكفر وأهله ﴿فَيَدْمَغُهُ﴾ أي: فيهلكه. ولذلك قيل للشجة التي تبلغ الدماغ: (الدامغة) وقيل من سلم منها. قوله ﴿فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ﴾. أي: ذاهب مضمحل. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَكُمُ ٱلْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ﴾. أي: ولكم الويل من وصفكم ربكم بغير صفته بقولكم: إنه اتخذ ولداً وزوجة. وقيل: معناه: ولكم واد في جهنم يستعيذ أهل جهنم منه. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَهُ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ﴾. أي: كيف يجوز أن يتخذ ولداً من له من في السماوات والأرض، ومن عنده من الملائكة الذين ادعيتم أنهم بنات الله لا يستكبرون عن عبادتهم إياه ﴿وَلاَ يَسْتَحْسِرُونَ﴾ أي: ولا يعيون ولا ينقطعون عن عبادته. "وعند" في هذا بمعنى: قرب المنزلة عند الله لهم، وليس بمعنى قرب المسافة، لأنه لا تحويه الأمكنة فقد علمتم أنه ليس يستعبد والد ولده، ولا صاحبته، وكل من في السماوات والأرض عبيده، فكيف يكون له صاحبة وولد، أفلا تتفكرون فيما تفترون من الكذب على ربكم. * * ثم قال تعالى: ﴿يُسَبِّحُونَ ٱلَّيلَ وَٱلنَّهَارَ لاَ يَفْتُرُونَ﴾. أي: لا يكلون من تسبيحهم. قال كعب: "التسبيح لهم بمنزلة النفس لبني آدم". وعنه أنه قال: "ألهموا التسبيح كما ألهمتم الطرف والنفس". وذكر علي بن معبد أن عمر بن الخطاب قال لكعب: خوفنا يا كعب. فقال: "إن لله عز وجل ملائكة من يوم خلقهم قيام، ما ثنوا أصلابهم، وآخرين ركوعاً ما رفعوا أصلابهم، وآخرين سجوداً ما رفعوا رؤوسهم حتى ينفخ في الصور النفخة الآخرة، فيقولون جميعاً: سبحانك ما عبدناك حق عبادتك كما ينبغي لك أن تعبد ثم قال: والله لو أن رجلاً عمل عمل سبعين نبياً لاستقل عمله من شدة ما يرى يومئذ، والله لو دلي من غسلين دلو واحد من مطلع الشمس، لغلت منه جماجم قوم في مغربها والله لتزفرن جهنم زفرة ولا يبقى ملك مقرب إلاّ خرّ جاثياً على ركبتيه". وروى ابن المبارك في حديث عن بعض شيوخه: "أن ملكاً لما استوى الرب جل ذكره على عرشه سجد فلم يرفع رأسه ولا يرفعه إلى يوم القيامة. فيقول يوم القيامة: لم أعبدك حق عبادتك، إلا أني لم أشرك بك شيئاً، ولم أتخذ من دونك ولياً". وعن عبد الله بن عمرو أنه قال: "إن الله جزأ الخلق عشرة أجزاء، فجعل الملائكة تسعة أجزاء، وسائر الخلق جزء. وجزأ الملائكة عشرة أجزاء فجعل تسعة أجزاء يسبحون الليل والنهار لا يفترون وجزءاً لرسالته. وجزأ سائر الخلق عشرة أجزاء فجعل الجن تسعة أجزاء، وسائر بني آدم جزءاً. وجزأ بني آدم عشرة أجزاء، فجعل يأجوج ومأجوج تسعة أجزاء، وسائر بني آدم جزءاً". وعنه أيضاً أنه قال: "الملائكة عشرة أجزاء، تسعة أجزاء منهم الكروبيون الذين يسبحون الليل والنهار لا يفترون، وجزءاً واحداً لرسالته ولما شاء من أمره". وقال ابن عباس: "كل تسبيح في القرآن، يعني: به الصلاة". * * ثم قال تعالى: ﴿أَمِ ٱتَّخَذُوۤاْ آلِهَةً مِّنَ ٱلأَرْضِ﴾. أي: اتخذ هؤلاء المشركون آلهة من الأرض: ﴿هُمْ يُنشِرُونَ﴾ أي: هذه الآلهة تحيي الموتى. بل الله هو الذي يحيي الموتى. وقرئ ﴿هُمْ يُنشِرُونَ﴾ بفتح الياء. والمعنى: هم يحيون فلا يموتون أبداً، كالله الحي الذي لا يموت. * * ثم قال تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَآ آلِهَةٌ إِلاَّ ٱللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾. أي: لو كان في السماوات والأرض آلهة غير الله. و "إلا" بمعنى: غير: فاعرب الاسم الذي بعد "إلا" كإعراب "غير" لو ظهرت فرفع. هذا مذهب البصريين وسيبويه. وقال الفراء: "إلا" بمعنى سوى. ومعنى الآية: لو كان المعبود آلهة أو إلهين لفسد التدبير، لأن أحدهما يريد ما لا يريد الآخر، فإذا تم ما أراد أحدهما، عجز الآخر. والعاجز لا يكون إلهاً. وإذا فسد وجود إلهين أو آلهة، ولم يكن بد من خالق مقدر للأشياء، يقدم المقدم منها، ويؤخر المؤخر منها، ويوجدها بعد عدمها، ثبت أنه واحد. * * ثم قال تعالى: ﴿فَسُبْحَانَ ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ أي: فتنزيه لله تعالى وتبرئة له عما يفتري عليه هؤلاء المشركون من الكذب. * * ثم قال تعالى: ﴿لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾. أي: لا سائل يتعقب عليه فيما يفعله بخلقه من حياة وموت وصحة ومرض، وغير ذلك وجميع الخلق. مسؤولون عن أفعالهم، ومحاسبون عليها.

الأنبياء 21:12

قوله تعالى: ﴿وَكَمْ قَصَمْنَا مِن قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً﴾ إلى قوله: ﴿عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾. المعنى: وكثيراً أهلكنا من أهل القرى كانوا ظالمين بكفرهِم فـ "كم" في موضع نصب بقصمنا، وهي خبر، وفيها معنى التكثير. وانقصم أصله الكسر. يقال انقصم سنه، وقصمت ظهر فلان، أي: كسرته. وروى ابن وهب عن بعض رجاله، أنه كان باليمن قريتان، فبطر أهلها وأترفوا حتى ما كانوا يغلقون أبوابهم، فبعث الله تعالى إليهم نبياً فدعاهم، فقتلوه، فألقى الله في نفس بخت نصر غزوهم، فبعث إليهم جيشاً، فهزموه، ثم بعث آخر فهزموه. فخرج إليهم بنفسه، فهزمهم، فخرجوا يركضون فسمع مناد يقول: ﴿لاَ تَرْكُضُواْ وَٱرْجِعُوۤاْ إِلَىٰ مَآ أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَاكِنِكُمْ﴾. فرجعوا، فسمعوا صوتاً يقول: يا لثارات النبي فقتلوا كلهم. فهي التي عنى الله في هذه السورة حصدوا بالسيف. قال مجاهد: "قصمنا": أهكلنا. وجرى الخبر عن القرية والمراد أهلها، لأن المعنى مفهوم. * * ثم قال: ﴿وَأَنشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْماً آخَرِينَ﴾ أي: أحدثنا بعد إهلاك هؤلاء الظالمين قوماً آخرين سواهم. * * ثم قال: ﴿فَلَمَّآ أَحَسُّواْ بَأْسَنَآ إِذَا هُمْ مِّنْهَا يَرْكُضُونَ﴾. أي: فلما عاين هؤلاء الظالمون من أهل القرى العذاب، ووجدوا مسه، إذا هم مما أحسوا يركضون. أي: يهربون سراعاً يعدون. وأصله من ركض الدابة إذا حركت رجليك عليها فعدت. فقوله: ﴿فَلَمَّآ أَحَسُّواْ بَأْسَنَآ﴾. لا يرجع إلى قوله: ﴿قَوْماً آخَرِينَ﴾ لأنه لم يذكر لهم ذنباً يعذبون من أجله، لكنه راجع إلى قوله: ﴿وَكَمْ قَصَمْنَا مِن قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً﴾. * * ثم قال: ﴿لاَ تَرْكُضُواْ﴾. أي: لا تفروا ولا تهربوا. ﴿وَٱرْجِعُوۤاْ إِلَىٰ مَآ أُتْرِفْتُمْ فِيهِ﴾. أي: إلى ما أنعمتم فيه من عيشكم وإلى، ﴿وَمَسَاكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ﴾ أي: تسألون عن دنياكم شيئاً. على وجه السخرية بهم والاستهزاء. قاله: قتادة. وقال مجاهد: ﴿لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ﴾ أي: تنتهون. وقيل: معناه: لعلكم تسألون شيئاً مما شغلكم عما لكم فيه الصلاح، على التهدد. وقيل: معناه: لعلكم تسألون عما نزل بكم من العقوبة وعاينتموه من العذاب. * * ثم قال تعالى: ﴿قَالُواْ يٰوَيْلَنَآ إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾. أي: قالوا لمّا حلَّ عليهم العذاب: يا ويلنا. وهي كلمة يقولها من وقع في هلكة وتقال لمن وقع في هلكة. ﴿إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾ بكفرنا بربنا. * * ثم قال تعالى: ﴿فَمَا زَالَت تِلْكَ دَعْوَاهُمْ﴾. أي: فما زالت تلك الكلمة دعواهم وهي الدعاء بالويل، والإقرار بالظلم. * * ﴿حَتَّىٰ جَعَلْنَاهُمْ حَصِيداً خَامِدِينَ﴾. أي: حتى هلكوا فحصدوا من الحياة كما يحصد الزرع فصاروا مثل الحصيد من الزرع. ﴿خَامِدِينَ﴾ أي: قد سكنت حركتهم كما تخمد النار فتطفأ. قال الضحاك ومقاتل ومجاهد: "حصدوا قتلاً بالسيف". قال قتادة: "لما عاينوا العذاب، لم يكن لهم هِجِّيرَي إلا قولهم: يا ويلنا، إنا كنا ظالمين. حتى دمّر الله تعالى عليهم فأهلكهم. قال ابن عباس: "خامدين خمود النار، أي طفئت ولم ينتفعوا بالإيمان والندم عند معاينة العذاب، لأنه وقت قد رفع عنهم فيه التكليف. وإذا رفع التكليف، ارتفع القبول. وإنما القبول منوط بالتكليف. * * ثم قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَآءَ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَـٰعِبِينَ﴾. أي: ما خلقناهما لعباً وعبثاً، إنما خلقناهما حجة عليكم أيها الناس، لتعتبروا وتعلموا أن الذي خلقهما ودبرهما لا يشبهه شيء، وإنه لا تكون العبادة إلا له. وقيل: المعنى، ما خلقناهما وما بينهما لعباً ولا باطلاً، أي: ليظلم بعض الناس بعضاً، ويكفر بعضهم، ويخالف بعضهم ما أمر به، ثم يموتوا فلا يجازون بأفعالهم. وقيل: المعنى: ما خلقناهما لعباً، بل خلقناهما ليؤمر الناس بحسن وينهوا عن قبح. * * ثم قال تعالى: ﴿لَوْ أَرَدْنَآ أَن نَّتَّخِذَ لَهْواً﴾. أي: زوجة وولداً، ﴿لاَّتَّخَذْنَاهُ مِن لَّدُنَّآ﴾ أي: من عندنا. أي مما نخلق. لكنا لا نفعل ذلك، ولا يصلح لنا فعله. قال الحسن: اللهو: المرأة. وقاله مجاهد. وقال قتادة: اللهو بلغة أهل اليمن - المرأة. وقال ابن عباس: "لهواً: ولداً". وقيل: لهواً: نكاحاً. * * وقوله: ﴿إِن كُنَّا فَاعِلِينَ﴾. أي: ما كنا فاعلين. قاله قتادة. وقيل: إن: للشرط. والتقدير: إن كنا فاعلين، ولسنا ممن يفعله. وقال ابن جريج: "قالوا: مريم صاحبته، وعيسى ولده. تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً. فأنزل الله: ﴿لَوْ أَرَدْنَآ أَن نَّتَّخِذَ﴾ الآية. ومعنى: "من لدنا" عند ابن جريج: "من عندنا من أهل السماء ولم نتخذه من أهل الأرض الذين تلحقهم الآفات والنقص". ﴿إِن كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ أي: ما كنا نفعل ذلك. * * ثم قال تعالى: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِٱلْحَقِّ عَلَى ٱلْبَاطِلِ﴾. قال مجاهد: الحق: القرآن، والباطل الشيطان. وكذلك كل ما في القرآن من الباطل فهو الشيطان عنده. وتقديره في العربية ذو الباطل فتقديره: بل ننزل القرآن على الكفر وأهله ﴿فَيَدْمَغُهُ﴾ أي: فيهلكه. ولذلك قيل للشجة التي تبلغ الدماغ: (الدامغة) وقيل من سلم منها. قوله ﴿فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ﴾. أي: ذاهب مضمحل. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَكُمُ ٱلْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ﴾. أي: ولكم الويل من وصفكم ربكم بغير صفته بقولكم: إنه اتخذ ولداً وزوجة. وقيل: معناه: ولكم واد في جهنم يستعيذ أهل جهنم منه. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَهُ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ﴾. أي: كيف يجوز أن يتخذ ولداً من له من في السماوات والأرض، ومن عنده من الملائكة الذين ادعيتم أنهم بنات الله لا يستكبرون عن عبادتهم إياه ﴿وَلاَ يَسْتَحْسِرُونَ﴾ أي: ولا يعيون ولا ينقطعون عن عبادته. "وعند" في هذا بمعنى: قرب المنزلة عند الله لهم، وليس بمعنى قرب المسافة، لأنه لا تحويه الأمكنة فقد علمتم أنه ليس يستعبد والد ولده، ولا صاحبته، وكل من في السماوات والأرض عبيده، فكيف يكون له صاحبة وولد، أفلا تتفكرون فيما تفترون من الكذب على ربكم. * * ثم قال تعالى: ﴿يُسَبِّحُونَ ٱلَّيلَ وَٱلنَّهَارَ لاَ يَفْتُرُونَ﴾. أي: لا يكلون من تسبيحهم. قال كعب: "التسبيح لهم بمنزلة النفس لبني آدم". وعنه أنه قال: "ألهموا التسبيح كما ألهمتم الطرف والنفس". وذكر علي بن معبد أن عمر بن الخطاب قال لكعب: خوفنا يا كعب. فقال: "إن لله عز وجل ملائكة من يوم خلقهم قيام، ما ثنوا أصلابهم، وآخرين ركوعاً ما رفعوا أصلابهم، وآخرين سجوداً ما رفعوا رؤوسهم حتى ينفخ في الصور النفخة الآخرة، فيقولون جميعاً: سبحانك ما عبدناك حق عبادتك كما ينبغي لك أن تعبد ثم قال: والله لو أن رجلاً عمل عمل سبعين نبياً لاستقل عمله من شدة ما يرى يومئذ، والله لو دلي من غسلين دلو واحد من مطلع الشمس، لغلت منه جماجم قوم في مغربها والله لتزفرن جهنم زفرة ولا يبقى ملك مقرب إلاّ خرّ جاثياً على ركبتيه". وروى ابن المبارك في حديث عن بعض شيوخه: "أن ملكاً لما استوى الرب جل ذكره على عرشه سجد فلم يرفع رأسه ولا يرفعه إلى يوم القيامة. فيقول يوم القيامة: لم أعبدك حق عبادتك، إلا أني لم أشرك بك شيئاً، ولم أتخذ من دونك ولياً". وعن عبد الله بن عمرو أنه قال: "إن الله جزأ الخلق عشرة أجزاء، فجعل الملائكة تسعة أجزاء، وسائر الخلق جزء. وجزأ الملائكة عشرة أجزاء فجعل تسعة أجزاء يسبحون الليل والنهار لا يفترون وجزءاً لرسالته. وجزأ سائر الخلق عشرة أجزاء فجعل الجن تسعة أجزاء، وسائر بني آدم جزءاً. وجزأ بني آدم عشرة أجزاء، فجعل يأجوج ومأجوج تسعة أجزاء، وسائر بني آدم جزءاً". وعنه أيضاً أنه قال: "الملائكة عشرة أجزاء، تسعة أجزاء منهم الكروبيون الذين يسبحون الليل والنهار لا يفترون، وجزءاً واحداً لرسالته ولما شاء من أمره". وقال ابن عباس: "كل تسبيح في القرآن، يعني: به الصلاة". * * ثم قال تعالى: ﴿أَمِ ٱتَّخَذُوۤاْ آلِهَةً مِّنَ ٱلأَرْضِ﴾. أي: اتخذ هؤلاء المشركون آلهة من الأرض: ﴿هُمْ يُنشِرُونَ﴾ أي: هذه الآلهة تحيي الموتى. بل الله هو الذي يحيي الموتى. وقرئ ﴿هُمْ يُنشِرُونَ﴾ بفتح الياء. والمعنى: هم يحيون فلا يموتون أبداً، كالله الحي الذي لا يموت. * * ثم قال تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَآ آلِهَةٌ إِلاَّ ٱللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾. أي: لو كان في السماوات والأرض آلهة غير الله. و "إلا" بمعنى: غير: فاعرب الاسم الذي بعد "إلا" كإعراب "غير" لو ظهرت فرفع. هذا مذهب البصريين وسيبويه. وقال الفراء: "إلا" بمعنى سوى. ومعنى الآية: لو كان المعبود آلهة أو إلهين لفسد التدبير، لأن أحدهما يريد ما لا يريد الآخر، فإذا تم ما أراد أحدهما، عجز الآخر. والعاجز لا يكون إلهاً. وإذا فسد وجود إلهين أو آلهة، ولم يكن بد من خالق مقدر للأشياء، يقدم المقدم منها، ويؤخر المؤخر منها، ويوجدها بعد عدمها، ثبت أنه واحد. * * ثم قال تعالى: ﴿فَسُبْحَانَ ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ أي: فتنزيه لله تعالى وتبرئة له عما يفتري عليه هؤلاء المشركون من الكذب. * * ثم قال تعالى: ﴿لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾. أي: لا سائل يتعقب عليه فيما يفعله بخلقه من حياة وموت وصحة ومرض، وغير ذلك وجميع الخلق. مسؤولون عن أفعالهم، ومحاسبون عليها.

الأنبياء 21:13

قوله تعالى: ﴿وَكَمْ قَصَمْنَا مِن قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً﴾ إلى قوله: ﴿عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾. المعنى: وكثيراً أهلكنا من أهل القرى كانوا ظالمين بكفرهِم فـ "كم" في موضع نصب بقصمنا، وهي خبر، وفيها معنى التكثير. وانقصم أصله الكسر. يقال انقصم سنه، وقصمت ظهر فلان، أي: كسرته. وروى ابن وهب عن بعض رجاله، أنه كان باليمن قريتان، فبطر أهلها وأترفوا حتى ما كانوا يغلقون أبوابهم، فبعث الله تعالى إليهم نبياً فدعاهم، فقتلوه، فألقى الله في نفس بخت نصر غزوهم، فبعث إليهم جيشاً، فهزموه، ثم بعث آخر فهزموه. فخرج إليهم بنفسه، فهزمهم، فخرجوا يركضون فسمع مناد يقول: ﴿لاَ تَرْكُضُواْ وَٱرْجِعُوۤاْ إِلَىٰ مَآ أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَاكِنِكُمْ﴾. فرجعوا، فسمعوا صوتاً يقول: يا لثارات النبي فقتلوا كلهم. فهي التي عنى الله في هذه السورة حصدوا بالسيف. قال مجاهد: "قصمنا": أهكلنا. وجرى الخبر عن القرية والمراد أهلها، لأن المعنى مفهوم. * * ثم قال: ﴿وَأَنشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْماً آخَرِينَ﴾ أي: أحدثنا بعد إهلاك هؤلاء الظالمين قوماً آخرين سواهم. * * ثم قال: ﴿فَلَمَّآ أَحَسُّواْ بَأْسَنَآ إِذَا هُمْ مِّنْهَا يَرْكُضُونَ﴾. أي: فلما عاين هؤلاء الظالمون من أهل القرى العذاب، ووجدوا مسه، إذا هم مما أحسوا يركضون. أي: يهربون سراعاً يعدون. وأصله من ركض الدابة إذا حركت رجليك عليها فعدت. فقوله: ﴿فَلَمَّآ أَحَسُّواْ بَأْسَنَآ﴾. لا يرجع إلى قوله: ﴿قَوْماً آخَرِينَ﴾ لأنه لم يذكر لهم ذنباً يعذبون من أجله، لكنه راجع إلى قوله: ﴿وَكَمْ قَصَمْنَا مِن قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً﴾. * * ثم قال: ﴿لاَ تَرْكُضُواْ﴾. أي: لا تفروا ولا تهربوا. ﴿وَٱرْجِعُوۤاْ إِلَىٰ مَآ أُتْرِفْتُمْ فِيهِ﴾. أي: إلى ما أنعمتم فيه من عيشكم وإلى، ﴿وَمَسَاكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ﴾ أي: تسألون عن دنياكم شيئاً. على وجه السخرية بهم والاستهزاء. قاله: قتادة. وقال مجاهد: ﴿لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ﴾ أي: تنتهون. وقيل: معناه: لعلكم تسألون شيئاً مما شغلكم عما لكم فيه الصلاح، على التهدد. وقيل: معناه: لعلكم تسألون عما نزل بكم من العقوبة وعاينتموه من العذاب. * * ثم قال تعالى: ﴿قَالُواْ يٰوَيْلَنَآ إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾. أي: قالوا لمّا حلَّ عليهم العذاب: يا ويلنا. وهي كلمة يقولها من وقع في هلكة وتقال لمن وقع في هلكة. ﴿إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾ بكفرنا بربنا. * * ثم قال تعالى: ﴿فَمَا زَالَت تِلْكَ دَعْوَاهُمْ﴾. أي: فما زالت تلك الكلمة دعواهم وهي الدعاء بالويل، والإقرار بالظلم. * * ﴿حَتَّىٰ جَعَلْنَاهُمْ حَصِيداً خَامِدِينَ﴾. أي: حتى هلكوا فحصدوا من الحياة كما يحصد الزرع فصاروا مثل الحصيد من الزرع. ﴿خَامِدِينَ﴾ أي: قد سكنت حركتهم كما تخمد النار فتطفأ. قال الضحاك ومقاتل ومجاهد: "حصدوا قتلاً بالسيف". قال قتادة: "لما عاينوا العذاب، لم يكن لهم هِجِّيرَي إلا قولهم: يا ويلنا، إنا كنا ظالمين. حتى دمّر الله تعالى عليهم فأهلكهم. قال ابن عباس: "خامدين خمود النار، أي طفئت ولم ينتفعوا بالإيمان والندم عند معاينة العذاب، لأنه وقت قد رفع عنهم فيه التكليف. وإذا رفع التكليف، ارتفع القبول. وإنما القبول منوط بالتكليف. * * ثم قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَآءَ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَـٰعِبِينَ﴾. أي: ما خلقناهما لعباً وعبثاً، إنما خلقناهما حجة عليكم أيها الناس، لتعتبروا وتعلموا أن الذي خلقهما ودبرهما لا يشبهه شيء، وإنه لا تكون العبادة إلا له. وقيل: المعنى، ما خلقناهما وما بينهما لعباً ولا باطلاً، أي: ليظلم بعض الناس بعضاً، ويكفر بعضهم، ويخالف بعضهم ما أمر به، ثم يموتوا فلا يجازون بأفعالهم. وقيل: المعنى: ما خلقناهما لعباً، بل خلقناهما ليؤمر الناس بحسن وينهوا عن قبح. * * ثم قال تعالى: ﴿لَوْ أَرَدْنَآ أَن نَّتَّخِذَ لَهْواً﴾. أي: زوجة وولداً، ﴿لاَّتَّخَذْنَاهُ مِن لَّدُنَّآ﴾ أي: من عندنا. أي مما نخلق. لكنا لا نفعل ذلك، ولا يصلح لنا فعله. قال الحسن: اللهو: المرأة. وقاله مجاهد. وقال قتادة: اللهو بلغة أهل اليمن - المرأة. وقال ابن عباس: "لهواً: ولداً". وقيل: لهواً: نكاحاً. * * وقوله: ﴿إِن كُنَّا فَاعِلِينَ﴾. أي: ما كنا فاعلين. قاله قتادة. وقيل: إن: للشرط. والتقدير: إن كنا فاعلين، ولسنا ممن يفعله. وقال ابن جريج: "قالوا: مريم صاحبته، وعيسى ولده. تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً. فأنزل الله: ﴿لَوْ أَرَدْنَآ أَن نَّتَّخِذَ﴾ الآية. ومعنى: "من لدنا" عند ابن جريج: "من عندنا من أهل السماء ولم نتخذه من أهل الأرض الذين تلحقهم الآفات والنقص". ﴿إِن كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ أي: ما كنا نفعل ذلك. * * ثم قال تعالى: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِٱلْحَقِّ عَلَى ٱلْبَاطِلِ﴾. قال مجاهد: الحق: القرآن، والباطل الشيطان. وكذلك كل ما في القرآن من الباطل فهو الشيطان عنده. وتقديره في العربية ذو الباطل فتقديره: بل ننزل القرآن على الكفر وأهله ﴿فَيَدْمَغُهُ﴾ أي: فيهلكه. ولذلك قيل للشجة التي تبلغ الدماغ: (الدامغة) وقيل من سلم منها. قوله ﴿فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ﴾. أي: ذاهب مضمحل. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَكُمُ ٱلْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ﴾. أي: ولكم الويل من وصفكم ربكم بغير صفته بقولكم: إنه اتخذ ولداً وزوجة. وقيل: معناه: ولكم واد في جهنم يستعيذ أهل جهنم منه. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَهُ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ﴾. أي: كيف يجوز أن يتخذ ولداً من له من في السماوات والأرض، ومن عنده من الملائكة الذين ادعيتم أنهم بنات الله لا يستكبرون عن عبادتهم إياه ﴿وَلاَ يَسْتَحْسِرُونَ﴾ أي: ولا يعيون ولا ينقطعون عن عبادته. "وعند" في هذا بمعنى: قرب المنزلة عند الله لهم، وليس بمعنى قرب المسافة، لأنه لا تحويه الأمكنة فقد علمتم أنه ليس يستعبد والد ولده، ولا صاحبته، وكل من في السماوات والأرض عبيده، فكيف يكون له صاحبة وولد، أفلا تتفكرون فيما تفترون من الكذب على ربكم. * * ثم قال تعالى: ﴿يُسَبِّحُونَ ٱلَّيلَ وَٱلنَّهَارَ لاَ يَفْتُرُونَ﴾. أي: لا يكلون من تسبيحهم. قال كعب: "التسبيح لهم بمنزلة النفس لبني آدم". وعنه أنه قال: "ألهموا التسبيح كما ألهمتم الطرف والنفس". وذكر علي بن معبد أن عمر بن الخطاب قال لكعب: خوفنا يا كعب. فقال: "إن لله عز وجل ملائكة من يوم خلقهم قيام، ما ثنوا أصلابهم، وآخرين ركوعاً ما رفعوا أصلابهم، وآخرين سجوداً ما رفعوا رؤوسهم حتى ينفخ في الصور النفخة الآخرة، فيقولون جميعاً: سبحانك ما عبدناك حق عبادتك كما ينبغي لك أن تعبد ثم قال: والله لو أن رجلاً عمل عمل سبعين نبياً لاستقل عمله من شدة ما يرى يومئذ، والله لو دلي من غسلين دلو واحد من مطلع الشمس، لغلت منه جماجم قوم في مغربها والله لتزفرن جهنم زفرة ولا يبقى ملك مقرب إلاّ خرّ جاثياً على ركبتيه". وروى ابن المبارك في حديث عن بعض شيوخه: "أن ملكاً لما استوى الرب جل ذكره على عرشه سجد فلم يرفع رأسه ولا يرفعه إلى يوم القيامة. فيقول يوم القيامة: لم أعبدك حق عبادتك، إلا أني لم أشرك بك شيئاً، ولم أتخذ من دونك ولياً". وعن عبد الله بن عمرو أنه قال: "إن الله جزأ الخلق عشرة أجزاء، فجعل الملائكة تسعة أجزاء، وسائر الخلق جزء. وجزأ الملائكة عشرة أجزاء فجعل تسعة أجزاء يسبحون الليل والنهار لا يفترون وجزءاً لرسالته. وجزأ سائر الخلق عشرة أجزاء فجعل الجن تسعة أجزاء، وسائر بني آدم جزءاً. وجزأ بني آدم عشرة أجزاء، فجعل يأجوج ومأجوج تسعة أجزاء، وسائر بني آدم جزءاً". وعنه أيضاً أنه قال: "الملائكة عشرة أجزاء، تسعة أجزاء منهم الكروبيون الذين يسبحون الليل والنهار لا يفترون، وجزءاً واحداً لرسالته ولما شاء من أمره". وقال ابن عباس: "كل تسبيح في القرآن، يعني: به الصلاة". * * ثم قال تعالى: ﴿أَمِ ٱتَّخَذُوۤاْ آلِهَةً مِّنَ ٱلأَرْضِ﴾. أي: اتخذ هؤلاء المشركون آلهة من الأرض: ﴿هُمْ يُنشِرُونَ﴾ أي: هذه الآلهة تحيي الموتى. بل الله هو الذي يحيي الموتى. وقرئ ﴿هُمْ يُنشِرُونَ﴾ بفتح الياء. والمعنى: هم يحيون فلا يموتون أبداً، كالله الحي الذي لا يموت. * * ثم قال تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَآ آلِهَةٌ إِلاَّ ٱللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾. أي: لو كان في السماوات والأرض آلهة غير الله. و "إلا" بمعنى: غير: فاعرب الاسم الذي بعد "إلا" كإعراب "غير" لو ظهرت فرفع. هذا مذهب البصريين وسيبويه. وقال الفراء: "إلا" بمعنى سوى. ومعنى الآية: لو كان المعبود آلهة أو إلهين لفسد التدبير، لأن أحدهما يريد ما لا يريد الآخر، فإذا تم ما أراد أحدهما، عجز الآخر. والعاجز لا يكون إلهاً. وإذا فسد وجود إلهين أو آلهة، ولم يكن بد من خالق مقدر للأشياء، يقدم المقدم منها، ويؤخر المؤخر منها، ويوجدها بعد عدمها، ثبت أنه واحد. * * ثم قال تعالى: ﴿فَسُبْحَانَ ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ أي: فتنزيه لله تعالى وتبرئة له عما يفتري عليه هؤلاء المشركون من الكذب. * * ثم قال تعالى: ﴿لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾. أي: لا سائل يتعقب عليه فيما يفعله بخلقه من حياة وموت وصحة ومرض، وغير ذلك وجميع الخلق. مسؤولون عن أفعالهم، ومحاسبون عليها.

الأنبياء 21:14

قوله تعالى: ﴿وَكَمْ قَصَمْنَا مِن قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً﴾ إلى قوله: ﴿عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾. المعنى: وكثيراً أهلكنا من أهل القرى كانوا ظالمين بكفرهِم فـ "كم" في موضع نصب بقصمنا، وهي خبر، وفيها معنى التكثير. وانقصم أصله الكسر. يقال انقصم سنه، وقصمت ظهر فلان، أي: كسرته. وروى ابن وهب عن بعض رجاله، أنه كان باليمن قريتان، فبطر أهلها وأترفوا حتى ما كانوا يغلقون أبوابهم، فبعث الله تعالى إليهم نبياً فدعاهم، فقتلوه، فألقى الله في نفس بخت نصر غزوهم، فبعث إليهم جيشاً، فهزموه، ثم بعث آخر فهزموه. فخرج إليهم بنفسه، فهزمهم، فخرجوا يركضون فسمع مناد يقول: ﴿لاَ تَرْكُضُواْ وَٱرْجِعُوۤاْ إِلَىٰ مَآ أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَاكِنِكُمْ﴾. فرجعوا، فسمعوا صوتاً يقول: يا لثارات النبي فقتلوا كلهم. فهي التي عنى الله في هذه السورة حصدوا بالسيف. قال مجاهد: "قصمنا": أهكلنا. وجرى الخبر عن القرية والمراد أهلها، لأن المعنى مفهوم. * * ثم قال: ﴿وَأَنشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْماً آخَرِينَ﴾ أي: أحدثنا بعد إهلاك هؤلاء الظالمين قوماً آخرين سواهم. * * ثم قال: ﴿فَلَمَّآ أَحَسُّواْ بَأْسَنَآ إِذَا هُمْ مِّنْهَا يَرْكُضُونَ﴾. أي: فلما عاين هؤلاء الظالمون من أهل القرى العذاب، ووجدوا مسه، إذا هم مما أحسوا يركضون. أي: يهربون سراعاً يعدون. وأصله من ركض الدابة إذا حركت رجليك عليها فعدت. فقوله: ﴿فَلَمَّآ أَحَسُّواْ بَأْسَنَآ﴾. لا يرجع إلى قوله: ﴿قَوْماً آخَرِينَ﴾ لأنه لم يذكر لهم ذنباً يعذبون من أجله، لكنه راجع إلى قوله: ﴿وَكَمْ قَصَمْنَا مِن قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً﴾. * * ثم قال: ﴿لاَ تَرْكُضُواْ﴾. أي: لا تفروا ولا تهربوا. ﴿وَٱرْجِعُوۤاْ إِلَىٰ مَآ أُتْرِفْتُمْ فِيهِ﴾. أي: إلى ما أنعمتم فيه من عيشكم وإلى، ﴿وَمَسَاكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ﴾ أي: تسألون عن دنياكم شيئاً. على وجه السخرية بهم والاستهزاء. قاله: قتادة. وقال مجاهد: ﴿لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ﴾ أي: تنتهون. وقيل: معناه: لعلكم تسألون شيئاً مما شغلكم عما لكم فيه الصلاح، على التهدد. وقيل: معناه: لعلكم تسألون عما نزل بكم من العقوبة وعاينتموه من العذاب. * * ثم قال تعالى: ﴿قَالُواْ يٰوَيْلَنَآ إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾. أي: قالوا لمّا حلَّ عليهم العذاب: يا ويلنا. وهي كلمة يقولها من وقع في هلكة وتقال لمن وقع في هلكة. ﴿إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾ بكفرنا بربنا. * * ثم قال تعالى: ﴿فَمَا زَالَت تِلْكَ دَعْوَاهُمْ﴾. أي: فما زالت تلك الكلمة دعواهم وهي الدعاء بالويل، والإقرار بالظلم. * * ﴿حَتَّىٰ جَعَلْنَاهُمْ حَصِيداً خَامِدِينَ﴾. أي: حتى هلكوا فحصدوا من الحياة كما يحصد الزرع فصاروا مثل الحصيد من الزرع. ﴿خَامِدِينَ﴾ أي: قد سكنت حركتهم كما تخمد النار فتطفأ. قال الضحاك ومقاتل ومجاهد: "حصدوا قتلاً بالسيف". قال قتادة: "لما عاينوا العذاب، لم يكن لهم هِجِّيرَي إلا قولهم: يا ويلنا، إنا كنا ظالمين. حتى دمّر الله تعالى عليهم فأهلكهم. قال ابن عباس: "خامدين خمود النار، أي طفئت ولم ينتفعوا بالإيمان والندم عند معاينة العذاب، لأنه وقت قد رفع عنهم فيه التكليف. وإذا رفع التكليف، ارتفع القبول. وإنما القبول منوط بالتكليف. * * ثم قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَآءَ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَـٰعِبِينَ﴾. أي: ما خلقناهما لعباً وعبثاً، إنما خلقناهما حجة عليكم أيها الناس، لتعتبروا وتعلموا أن الذي خلقهما ودبرهما لا يشبهه شيء، وإنه لا تكون العبادة إلا له. وقيل: المعنى، ما خلقناهما وما بينهما لعباً ولا باطلاً، أي: ليظلم بعض الناس بعضاً، ويكفر بعضهم، ويخالف بعضهم ما أمر به، ثم يموتوا فلا يجازون بأفعالهم. وقيل: المعنى: ما خلقناهما لعباً، بل خلقناهما ليؤمر الناس بحسن وينهوا عن قبح. * * ثم قال تعالى: ﴿لَوْ أَرَدْنَآ أَن نَّتَّخِذَ لَهْواً﴾. أي: زوجة وولداً، ﴿لاَّتَّخَذْنَاهُ مِن لَّدُنَّآ﴾ أي: من عندنا. أي مما نخلق. لكنا لا نفعل ذلك، ولا يصلح لنا فعله. قال الحسن: اللهو: المرأة. وقاله مجاهد. وقال قتادة: اللهو بلغة أهل اليمن - المرأة. وقال ابن عباس: "لهواً: ولداً". وقيل: لهواً: نكاحاً. * * وقوله: ﴿إِن كُنَّا فَاعِلِينَ﴾. أي: ما كنا فاعلين. قاله قتادة. وقيل: إن: للشرط. والتقدير: إن كنا فاعلين، ولسنا ممن يفعله. وقال ابن جريج: "قالوا: مريم صاحبته، وعيسى ولده. تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً. فأنزل الله: ﴿لَوْ أَرَدْنَآ أَن نَّتَّخِذَ﴾ الآية. ومعنى: "من لدنا" عند ابن جريج: "من عندنا من أهل السماء ولم نتخذه من أهل الأرض الذين تلحقهم الآفات والنقص". ﴿إِن كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ أي: ما كنا نفعل ذلك. * * ثم قال تعالى: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِٱلْحَقِّ عَلَى ٱلْبَاطِلِ﴾. قال مجاهد: الحق: القرآن، والباطل الشيطان. وكذلك كل ما في القرآن من الباطل فهو الشيطان عنده. وتقديره في العربية ذو الباطل فتقديره: بل ننزل القرآن على الكفر وأهله ﴿فَيَدْمَغُهُ﴾ أي: فيهلكه. ولذلك قيل للشجة التي تبلغ الدماغ: (الدامغة) وقيل من سلم منها. قوله ﴿فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ﴾. أي: ذاهب مضمحل. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَكُمُ ٱلْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ﴾. أي: ولكم الويل من وصفكم ربكم بغير صفته بقولكم: إنه اتخذ ولداً وزوجة. وقيل: معناه: ولكم واد في جهنم يستعيذ أهل جهنم منه. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَهُ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ﴾. أي: كيف يجوز أن يتخذ ولداً من له من في السماوات والأرض، ومن عنده من الملائكة الذين ادعيتم أنهم بنات الله لا يستكبرون عن عبادتهم إياه ﴿وَلاَ يَسْتَحْسِرُونَ﴾ أي: ولا يعيون ولا ينقطعون عن عبادته. "وعند" في هذا بمعنى: قرب المنزلة عند الله لهم، وليس بمعنى قرب المسافة، لأنه لا تحويه الأمكنة فقد علمتم أنه ليس يستعبد والد ولده، ولا صاحبته، وكل من في السماوات والأرض عبيده، فكيف يكون له صاحبة وولد، أفلا تتفكرون فيما تفترون من الكذب على ربكم. * * ثم قال تعالى: ﴿يُسَبِّحُونَ ٱلَّيلَ وَٱلنَّهَارَ لاَ يَفْتُرُونَ﴾. أي: لا يكلون من تسبيحهم. قال كعب: "التسبيح لهم بمنزلة النفس لبني آدم". وعنه أنه قال: "ألهموا التسبيح كما ألهمتم الطرف والنفس". وذكر علي بن معبد أن عمر بن الخطاب قال لكعب: خوفنا يا كعب. فقال: "إن لله عز وجل ملائكة من يوم خلقهم قيام، ما ثنوا أصلابهم، وآخرين ركوعاً ما رفعوا أصلابهم، وآخرين سجوداً ما رفعوا رؤوسهم حتى ينفخ في الصور النفخة الآخرة، فيقولون جميعاً: سبحانك ما عبدناك حق عبادتك كما ينبغي لك أن تعبد ثم قال: والله لو أن رجلاً عمل عمل سبعين نبياً لاستقل عمله من شدة ما يرى يومئذ، والله لو دلي من غسلين دلو واحد من مطلع الشمس، لغلت منه جماجم قوم في مغربها والله لتزفرن جهنم زفرة ولا يبقى ملك مقرب إلاّ خرّ جاثياً على ركبتيه". وروى ابن المبارك في حديث عن بعض شيوخه: "أن ملكاً لما استوى الرب جل ذكره على عرشه سجد فلم يرفع رأسه ولا يرفعه إلى يوم القيامة. فيقول يوم القيامة: لم أعبدك حق عبادتك، إلا أني لم أشرك بك شيئاً، ولم أتخذ من دونك ولياً". وعن عبد الله بن عمرو أنه قال: "إن الله جزأ الخلق عشرة أجزاء، فجعل الملائكة تسعة أجزاء، وسائر الخلق جزء. وجزأ الملائكة عشرة أجزاء فجعل تسعة أجزاء يسبحون الليل والنهار لا يفترون وجزءاً لرسالته. وجزأ سائر الخلق عشرة أجزاء فجعل الجن تسعة أجزاء، وسائر بني آدم جزءاً. وجزأ بني آدم عشرة أجزاء، فجعل يأجوج ومأجوج تسعة أجزاء، وسائر بني آدم جزءاً". وعنه أيضاً أنه قال: "الملائكة عشرة أجزاء، تسعة أجزاء منهم الكروبيون الذين يسبحون الليل والنهار لا يفترون، وجزءاً واحداً لرسالته ولما شاء من أمره". وقال ابن عباس: "كل تسبيح في القرآن، يعني: به الصلاة". * * ثم قال تعالى: ﴿أَمِ ٱتَّخَذُوۤاْ آلِهَةً مِّنَ ٱلأَرْضِ﴾. أي: اتخذ هؤلاء المشركون آلهة من الأرض: ﴿هُمْ يُنشِرُونَ﴾ أي: هذه الآلهة تحيي الموتى. بل الله هو الذي يحيي الموتى. وقرئ ﴿هُمْ يُنشِرُونَ﴾ بفتح الياء. والمعنى: هم يحيون فلا يموتون أبداً، كالله الحي الذي لا يموت. * * ثم قال تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَآ آلِهَةٌ إِلاَّ ٱللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾. أي: لو كان في السماوات والأرض آلهة غير الله. و "إلا" بمعنى: غير: فاعرب الاسم الذي بعد "إلا" كإعراب "غير" لو ظهرت فرفع. هذا مذهب البصريين وسيبويه. وقال الفراء: "إلا" بمعنى سوى. ومعنى الآية: لو كان المعبود آلهة أو إلهين لفسد التدبير، لأن أحدهما يريد ما لا يريد الآخر، فإذا تم ما أراد أحدهما، عجز الآخر. والعاجز لا يكون إلهاً. وإذا فسد وجود إلهين أو آلهة، ولم يكن بد من خالق مقدر للأشياء، يقدم المقدم منها، ويؤخر المؤخر منها، ويوجدها بعد عدمها، ثبت أنه واحد. * * ثم قال تعالى: ﴿فَسُبْحَانَ ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ أي: فتنزيه لله تعالى وتبرئة له عما يفتري عليه هؤلاء المشركون من الكذب. * * ثم قال تعالى: ﴿لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾. أي: لا سائل يتعقب عليه فيما يفعله بخلقه من حياة وموت وصحة ومرض، وغير ذلك وجميع الخلق. مسؤولون عن أفعالهم، ومحاسبون عليها.

الأنبياء 21:15

قوله تعالى: ﴿وَكَمْ قَصَمْنَا مِن قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً﴾ إلى قوله: ﴿عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾. المعنى: وكثيراً أهلكنا من أهل القرى كانوا ظالمين بكفرهِم فـ "كم" في موضع نصب بقصمنا، وهي خبر، وفيها معنى التكثير. وانقصم أصله الكسر. يقال انقصم سنه، وقصمت ظهر فلان، أي: كسرته. وروى ابن وهب عن بعض رجاله، أنه كان باليمن قريتان، فبطر أهلها وأترفوا حتى ما كانوا يغلقون أبوابهم، فبعث الله تعالى إليهم نبياً فدعاهم، فقتلوه، فألقى الله في نفس بخت نصر غزوهم، فبعث إليهم جيشاً، فهزموه، ثم بعث آخر فهزموه. فخرج إليهم بنفسه، فهزمهم، فخرجوا يركضون فسمع مناد يقول: ﴿لاَ تَرْكُضُواْ وَٱرْجِعُوۤاْ إِلَىٰ مَآ أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَاكِنِكُمْ﴾. فرجعوا، فسمعوا صوتاً يقول: يا لثارات النبي فقتلوا كلهم. فهي التي عنى الله في هذه السورة حصدوا بالسيف. قال مجاهد: "قصمنا": أهكلنا. وجرى الخبر عن القرية والمراد أهلها، لأن المعنى مفهوم. * * ثم قال: ﴿وَأَنشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْماً آخَرِينَ﴾ أي: أحدثنا بعد إهلاك هؤلاء الظالمين قوماً آخرين سواهم. * * ثم قال: ﴿فَلَمَّآ أَحَسُّواْ بَأْسَنَآ إِذَا هُمْ مِّنْهَا يَرْكُضُونَ﴾. أي: فلما عاين هؤلاء الظالمون من أهل القرى العذاب، ووجدوا مسه، إذا هم مما أحسوا يركضون. أي: يهربون سراعاً يعدون. وأصله من ركض الدابة إذا حركت رجليك عليها فعدت. فقوله: ﴿فَلَمَّآ أَحَسُّواْ بَأْسَنَآ﴾. لا يرجع إلى قوله: ﴿قَوْماً آخَرِينَ﴾ لأنه لم يذكر لهم ذنباً يعذبون من أجله، لكنه راجع إلى قوله: ﴿وَكَمْ قَصَمْنَا مِن قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً﴾. * * ثم قال: ﴿لاَ تَرْكُضُواْ﴾. أي: لا تفروا ولا تهربوا. ﴿وَٱرْجِعُوۤاْ إِلَىٰ مَآ أُتْرِفْتُمْ فِيهِ﴾. أي: إلى ما أنعمتم فيه من عيشكم وإلى، ﴿وَمَسَاكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ﴾ أي: تسألون عن دنياكم شيئاً. على وجه السخرية بهم والاستهزاء. قاله: قتادة. وقال مجاهد: ﴿لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ﴾ أي: تنتهون. وقيل: معناه: لعلكم تسألون شيئاً مما شغلكم عما لكم فيه الصلاح، على التهدد. وقيل: معناه: لعلكم تسألون عما نزل بكم من العقوبة وعاينتموه من العذاب. * * ثم قال تعالى: ﴿قَالُواْ يٰوَيْلَنَآ إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾. أي: قالوا لمّا حلَّ عليهم العذاب: يا ويلنا. وهي كلمة يقولها من وقع في هلكة وتقال لمن وقع في هلكة. ﴿إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾ بكفرنا بربنا. * * ثم قال تعالى: ﴿فَمَا زَالَت تِلْكَ دَعْوَاهُمْ﴾. أي: فما زالت تلك الكلمة دعواهم وهي الدعاء بالويل، والإقرار بالظلم. * * ﴿حَتَّىٰ جَعَلْنَاهُمْ حَصِيداً خَامِدِينَ﴾. أي: حتى هلكوا فحصدوا من الحياة كما يحصد الزرع فصاروا مثل الحصيد من الزرع. ﴿خَامِدِينَ﴾ أي: قد سكنت حركتهم كما تخمد النار فتطفأ. قال الضحاك ومقاتل ومجاهد: "حصدوا قتلاً بالسيف". قال قتادة: "لما عاينوا العذاب، لم يكن لهم هِجِّيرَي إلا قولهم: يا ويلنا، إنا كنا ظالمين. حتى دمّر الله تعالى عليهم فأهلكهم. قال ابن عباس: "خامدين خمود النار، أي طفئت ولم ينتفعوا بالإيمان والندم عند معاينة العذاب، لأنه وقت قد رفع عنهم فيه التكليف. وإذا رفع التكليف، ارتفع القبول. وإنما القبول منوط بالتكليف. * * ثم قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَآءَ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَـٰعِبِينَ﴾. أي: ما خلقناهما لعباً وعبثاً، إنما خلقناهما حجة عليكم أيها الناس، لتعتبروا وتعلموا أن الذي خلقهما ودبرهما لا يشبهه شيء، وإنه لا تكون العبادة إلا له. وقيل: المعنى، ما خلقناهما وما بينهما لعباً ولا باطلاً، أي: ليظلم بعض الناس بعضاً، ويكفر بعضهم، ويخالف بعضهم ما أمر به، ثم يموتوا فلا يجازون بأفعالهم. وقيل: المعنى: ما خلقناهما لعباً، بل خلقناهما ليؤمر الناس بحسن وينهوا عن قبح. * * ثم قال تعالى: ﴿لَوْ أَرَدْنَآ أَن نَّتَّخِذَ لَهْواً﴾. أي: زوجة وولداً، ﴿لاَّتَّخَذْنَاهُ مِن لَّدُنَّآ﴾ أي: من عندنا. أي مما نخلق. لكنا لا نفعل ذلك، ولا يصلح لنا فعله. قال الحسن: اللهو: المرأة. وقاله مجاهد. وقال قتادة: اللهو بلغة أهل اليمن - المرأة. وقال ابن عباس: "لهواً: ولداً". وقيل: لهواً: نكاحاً. * * وقوله: ﴿إِن كُنَّا فَاعِلِينَ﴾. أي: ما كنا فاعلين. قاله قتادة. وقيل: إن: للشرط. والتقدير: إن كنا فاعلين، ولسنا ممن يفعله. وقال ابن جريج: "قالوا: مريم صاحبته، وعيسى ولده. تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً. فأنزل الله: ﴿لَوْ أَرَدْنَآ أَن نَّتَّخِذَ﴾ الآية. ومعنى: "من لدنا" عند ابن جريج: "من عندنا من أهل السماء ولم نتخذه من أهل الأرض الذين تلحقهم الآفات والنقص". ﴿إِن كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ أي: ما كنا نفعل ذلك. * * ثم قال تعالى: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِٱلْحَقِّ عَلَى ٱلْبَاطِلِ﴾. قال مجاهد: الحق: القرآن، والباطل الشيطان. وكذلك كل ما في القرآن من الباطل فهو الشيطان عنده. وتقديره في العربية ذو الباطل فتقديره: بل ننزل القرآن على الكفر وأهله ﴿فَيَدْمَغُهُ﴾ أي: فيهلكه. ولذلك قيل للشجة التي تبلغ الدماغ: (الدامغة) وقيل من سلم منها. قوله ﴿فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ﴾. أي: ذاهب مضمحل. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَكُمُ ٱلْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ﴾. أي: ولكم الويل من وصفكم ربكم بغير صفته بقولكم: إنه اتخذ ولداً وزوجة. وقيل: معناه: ولكم واد في جهنم يستعيذ أهل جهنم منه. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَهُ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ﴾. أي: كيف يجوز أن يتخذ ولداً من له من في السماوات والأرض، ومن عنده من الملائكة الذين ادعيتم أنهم بنات الله لا يستكبرون عن عبادتهم إياه ﴿وَلاَ يَسْتَحْسِرُونَ﴾ أي: ولا يعيون ولا ينقطعون عن عبادته. "وعند" في هذا بمعنى: قرب المنزلة عند الله لهم، وليس بمعنى قرب المسافة، لأنه لا تحويه الأمكنة فقد علمتم أنه ليس يستعبد والد ولده، ولا صاحبته، وكل من في السماوات والأرض عبيده، فكيف يكون له صاحبة وولد، أفلا تتفكرون فيما تفترون من الكذب على ربكم. * * ثم قال تعالى: ﴿يُسَبِّحُونَ ٱلَّيلَ وَٱلنَّهَارَ لاَ يَفْتُرُونَ﴾. أي: لا يكلون من تسبيحهم. قال كعب: "التسبيح لهم بمنزلة النفس لبني آدم". وعنه أنه قال: "ألهموا التسبيح كما ألهمتم الطرف والنفس". وذكر علي بن معبد أن عمر بن الخطاب قال لكعب: خوفنا يا كعب. فقال: "إن لله عز وجل ملائكة من يوم خلقهم قيام، ما ثنوا أصلابهم، وآخرين ركوعاً ما رفعوا أصلابهم، وآخرين سجوداً ما رفعوا رؤوسهم حتى ينفخ في الصور النفخة الآخرة، فيقولون جميعاً: سبحانك ما عبدناك حق عبادتك كما ينبغي لك أن تعبد ثم قال: والله لو أن رجلاً عمل عمل سبعين نبياً لاستقل عمله من شدة ما يرى يومئذ، والله لو دلي من غسلين دلو واحد من مطلع الشمس، لغلت منه جماجم قوم في مغربها والله لتزفرن جهنم زفرة ولا يبقى ملك مقرب إلاّ خرّ جاثياً على ركبتيه". وروى ابن المبارك في حديث عن بعض شيوخه: "أن ملكاً لما استوى الرب جل ذكره على عرشه سجد فلم يرفع رأسه ولا يرفعه إلى يوم القيامة. فيقول يوم القيامة: لم أعبدك حق عبادتك، إلا أني لم أشرك بك شيئاً، ولم أتخذ من دونك ولياً". وعن عبد الله بن عمرو أنه قال: "إن الله جزأ الخلق عشرة أجزاء، فجعل الملائكة تسعة أجزاء، وسائر الخلق جزء. وجزأ الملائكة عشرة أجزاء فجعل تسعة أجزاء يسبحون الليل والنهار لا يفترون وجزءاً لرسالته. وجزأ سائر الخلق عشرة أجزاء فجعل الجن تسعة أجزاء، وسائر بني آدم جزءاً. وجزأ بني آدم عشرة أجزاء، فجعل يأجوج ومأجوج تسعة أجزاء، وسائر بني آدم جزءاً". وعنه أيضاً أنه قال: "الملائكة عشرة أجزاء، تسعة أجزاء منهم الكروبيون الذين يسبحون الليل والنهار لا يفترون، وجزءاً واحداً لرسالته ولما شاء من أمره". وقال ابن عباس: "كل تسبيح في القرآن، يعني: به الصلاة". * * ثم قال تعالى: ﴿أَمِ ٱتَّخَذُوۤاْ آلِهَةً مِّنَ ٱلأَرْضِ﴾. أي: اتخذ هؤلاء المشركون آلهة من الأرض: ﴿هُمْ يُنشِرُونَ﴾ أي: هذه الآلهة تحيي الموتى. بل الله هو الذي يحيي الموتى. وقرئ ﴿هُمْ يُنشِرُونَ﴾ بفتح الياء. والمعنى: هم يحيون فلا يموتون أبداً، كالله الحي الذي لا يموت. * * ثم قال تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَآ آلِهَةٌ إِلاَّ ٱللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾. أي: لو كان في السماوات والأرض آلهة غير الله. و "إلا" بمعنى: غير: فاعرب الاسم الذي بعد "إلا" كإعراب "غير" لو ظهرت فرفع. هذا مذهب البصريين وسيبويه. وقال الفراء: "إلا" بمعنى سوى. ومعنى الآية: لو كان المعبود آلهة أو إلهين لفسد التدبير، لأن أحدهما يريد ما لا يريد الآخر، فإذا تم ما أراد أحدهما، عجز الآخر. والعاجز لا يكون إلهاً. وإذا فسد وجود إلهين أو آلهة، ولم يكن بد من خالق مقدر للأشياء، يقدم المقدم منها، ويؤخر المؤخر منها، ويوجدها بعد عدمها، ثبت أنه واحد. * * ثم قال تعالى: ﴿فَسُبْحَانَ ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ أي: فتنزيه لله تعالى وتبرئة له عما يفتري عليه هؤلاء المشركون من الكذب. * * ثم قال تعالى: ﴿لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾. أي: لا سائل يتعقب عليه فيما يفعله بخلقه من حياة وموت وصحة ومرض، وغير ذلك وجميع الخلق. مسؤولون عن أفعالهم، ومحاسبون عليها.

الأنبياء 21:16

قوله تعالى: ﴿وَكَمْ قَصَمْنَا مِن قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً﴾ إلى قوله: ﴿عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾. المعنى: وكثيراً أهلكنا من أهل القرى كانوا ظالمين بكفرهِم فـ "كم" في موضع نصب بقصمنا، وهي خبر، وفيها معنى التكثير. وانقصم أصله الكسر. يقال انقصم سنه، وقصمت ظهر فلان، أي: كسرته. وروى ابن وهب عن بعض رجاله، أنه كان باليمن قريتان، فبطر أهلها وأترفوا حتى ما كانوا يغلقون أبوابهم، فبعث الله تعالى إليهم نبياً فدعاهم، فقتلوه، فألقى الله في نفس بخت نصر غزوهم، فبعث إليهم جيشاً، فهزموه، ثم بعث آخر فهزموه. فخرج إليهم بنفسه، فهزمهم، فخرجوا يركضون فسمع مناد يقول: ﴿لاَ تَرْكُضُواْ وَٱرْجِعُوۤاْ إِلَىٰ مَآ أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَاكِنِكُمْ﴾. فرجعوا، فسمعوا صوتاً يقول: يا لثارات النبي فقتلوا كلهم. فهي التي عنى الله في هذه السورة حصدوا بالسيف. قال مجاهد: "قصمنا": أهكلنا. وجرى الخبر عن القرية والمراد أهلها، لأن المعنى مفهوم. * * ثم قال: ﴿وَأَنشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْماً آخَرِينَ﴾ أي: أحدثنا بعد إهلاك هؤلاء الظالمين قوماً آخرين سواهم. * * ثم قال: ﴿فَلَمَّآ أَحَسُّواْ بَأْسَنَآ إِذَا هُمْ مِّنْهَا يَرْكُضُونَ﴾. أي: فلما عاين هؤلاء الظالمون من أهل القرى العذاب، ووجدوا مسه، إذا هم مما أحسوا يركضون. أي: يهربون سراعاً يعدون. وأصله من ركض الدابة إذا حركت رجليك عليها فعدت. فقوله: ﴿فَلَمَّآ أَحَسُّواْ بَأْسَنَآ﴾. لا يرجع إلى قوله: ﴿قَوْماً آخَرِينَ﴾ لأنه لم يذكر لهم ذنباً يعذبون من أجله، لكنه راجع إلى قوله: ﴿وَكَمْ قَصَمْنَا مِن قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً﴾. * * ثم قال: ﴿لاَ تَرْكُضُواْ﴾. أي: لا تفروا ولا تهربوا. ﴿وَٱرْجِعُوۤاْ إِلَىٰ مَآ أُتْرِفْتُمْ فِيهِ﴾. أي: إلى ما أنعمتم فيه من عيشكم وإلى، ﴿وَمَسَاكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ﴾ أي: تسألون عن دنياكم شيئاً. على وجه السخرية بهم والاستهزاء. قاله: قتادة. وقال مجاهد: ﴿لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ﴾ أي: تنتهون. وقيل: معناه: لعلكم تسألون شيئاً مما شغلكم عما لكم فيه الصلاح، على التهدد. وقيل: معناه: لعلكم تسألون عما نزل بكم من العقوبة وعاينتموه من العذاب. * * ثم قال تعالى: ﴿قَالُواْ يٰوَيْلَنَآ إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾. أي: قالوا لمّا حلَّ عليهم العذاب: يا ويلنا. وهي كلمة يقولها من وقع في هلكة وتقال لمن وقع في هلكة. ﴿إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾ بكفرنا بربنا. * * ثم قال تعالى: ﴿فَمَا زَالَت تِلْكَ دَعْوَاهُمْ﴾. أي: فما زالت تلك الكلمة دعواهم وهي الدعاء بالويل، والإقرار بالظلم. * * ﴿حَتَّىٰ جَعَلْنَاهُمْ حَصِيداً خَامِدِينَ﴾. أي: حتى هلكوا فحصدوا من الحياة كما يحصد الزرع فصاروا مثل الحصيد من الزرع. ﴿خَامِدِينَ﴾ أي: قد سكنت حركتهم كما تخمد النار فتطفأ. قال الضحاك ومقاتل ومجاهد: "حصدوا قتلاً بالسيف". قال قتادة: "لما عاينوا العذاب، لم يكن لهم هِجِّيرَي إلا قولهم: يا ويلنا، إنا كنا ظالمين. حتى دمّر الله تعالى عليهم فأهلكهم. قال ابن عباس: "خامدين خمود النار، أي طفئت ولم ينتفعوا بالإيمان والندم عند معاينة العذاب، لأنه وقت قد رفع عنهم فيه التكليف. وإذا رفع التكليف، ارتفع القبول. وإنما القبول منوط بالتكليف. * * ثم قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَآءَ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَـٰعِبِينَ﴾. أي: ما خلقناهما لعباً وعبثاً، إنما خلقناهما حجة عليكم أيها الناس، لتعتبروا وتعلموا أن الذي خلقهما ودبرهما لا يشبهه شيء، وإنه لا تكون العبادة إلا له. وقيل: المعنى، ما خلقناهما وما بينهما لعباً ولا باطلاً، أي: ليظلم بعض الناس بعضاً، ويكفر بعضهم، ويخالف بعضهم ما أمر به، ثم يموتوا فلا يجازون بأفعالهم. وقيل: المعنى: ما خلقناهما لعباً، بل خلقناهما ليؤمر الناس بحسن وينهوا عن قبح. * * ثم قال تعالى: ﴿لَوْ أَرَدْنَآ أَن نَّتَّخِذَ لَهْواً﴾. أي: زوجة وولداً، ﴿لاَّتَّخَذْنَاهُ مِن لَّدُنَّآ﴾ أي: من عندنا. أي مما نخلق. لكنا لا نفعل ذلك، ولا يصلح لنا فعله. قال الحسن: اللهو: المرأة. وقاله مجاهد. وقال قتادة: اللهو بلغة أهل اليمن - المرأة. وقال ابن عباس: "لهواً: ولداً". وقيل: لهواً: نكاحاً. * * وقوله: ﴿إِن كُنَّا فَاعِلِينَ﴾. أي: ما كنا فاعلين. قاله قتادة. وقيل: إن: للشرط. والتقدير: إن كنا فاعلين، ولسنا ممن يفعله. وقال ابن جريج: "قالوا: مريم صاحبته، وعيسى ولده. تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً. فأنزل الله: ﴿لَوْ أَرَدْنَآ أَن نَّتَّخِذَ﴾ الآية. ومعنى: "من لدنا" عند ابن جريج: "من عندنا من أهل السماء ولم نتخذه من أهل الأرض الذين تلحقهم الآفات والنقص". ﴿إِن كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ أي: ما كنا نفعل ذلك. * * ثم قال تعالى: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِٱلْحَقِّ عَلَى ٱلْبَاطِلِ﴾. قال مجاهد: الحق: القرآن، والباطل الشيطان. وكذلك كل ما في القرآن من الباطل فهو الشيطان عنده. وتقديره في العربية ذو الباطل فتقديره: بل ننزل القرآن على الكفر وأهله ﴿فَيَدْمَغُهُ﴾ أي: فيهلكه. ولذلك قيل للشجة التي تبلغ الدماغ: (الدامغة) وقيل من سلم منها. قوله ﴿فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ﴾. أي: ذاهب مضمحل. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَكُمُ ٱلْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ﴾. أي: ولكم الويل من وصفكم ربكم بغير صفته بقولكم: إنه اتخذ ولداً وزوجة. وقيل: معناه: ولكم واد في جهنم يستعيذ أهل جهنم منه. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَهُ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ﴾. أي: كيف يجوز أن يتخذ ولداً من له من في السماوات والأرض، ومن عنده من الملائكة الذين ادعيتم أنهم بنات الله لا يستكبرون عن عبادتهم إياه ﴿وَلاَ يَسْتَحْسِرُونَ﴾ أي: ولا يعيون ولا ينقطعون عن عبادته. "وعند" في هذا بمعنى: قرب المنزلة عند الله لهم، وليس بمعنى قرب المسافة، لأنه لا تحويه الأمكنة فقد علمتم أنه ليس يستعبد والد ولده، ولا صاحبته، وكل من في السماوات والأرض عبيده، فكيف يكون له صاحبة وولد، أفلا تتفكرون فيما تفترون من الكذب على ربكم. * * ثم قال تعالى: ﴿يُسَبِّحُونَ ٱلَّيلَ وَٱلنَّهَارَ لاَ يَفْتُرُونَ﴾. أي: لا يكلون من تسبيحهم. قال كعب: "التسبيح لهم بمنزلة النفس لبني آدم". وعنه أنه قال: "ألهموا التسبيح كما ألهمتم الطرف والنفس". وذكر علي بن معبد أن عمر بن الخطاب قال لكعب: خوفنا يا كعب. فقال: "إن لله عز وجل ملائكة من يوم خلقهم قيام، ما ثنوا أصلابهم، وآخرين ركوعاً ما رفعوا أصلابهم، وآخرين سجوداً ما رفعوا رؤوسهم حتى ينفخ في الصور النفخة الآخرة، فيقولون جميعاً: سبحانك ما عبدناك حق عبادتك كما ينبغي لك أن تعبد ثم قال: والله لو أن رجلاً عمل عمل سبعين نبياً لاستقل عمله من شدة ما يرى يومئذ، والله لو دلي من غسلين دلو واحد من مطلع الشمس، لغلت منه جماجم قوم في مغربها والله لتزفرن جهنم زفرة ولا يبقى ملك مقرب إلاّ خرّ جاثياً على ركبتيه". وروى ابن المبارك في حديث عن بعض شيوخه: "أن ملكاً لما استوى الرب جل ذكره على عرشه سجد فلم يرفع رأسه ولا يرفعه إلى يوم القيامة. فيقول يوم القيامة: لم أعبدك حق عبادتك، إلا أني لم أشرك بك شيئاً، ولم أتخذ من دونك ولياً". وعن عبد الله بن عمرو أنه قال: "إن الله جزأ الخلق عشرة أجزاء، فجعل الملائكة تسعة أجزاء، وسائر الخلق جزء. وجزأ الملائكة عشرة أجزاء فجعل تسعة أجزاء يسبحون الليل والنهار لا يفترون وجزءاً لرسالته. وجزأ سائر الخلق عشرة أجزاء فجعل الجن تسعة أجزاء، وسائر بني آدم جزءاً. وجزأ بني آدم عشرة أجزاء، فجعل يأجوج ومأجوج تسعة أجزاء، وسائر بني آدم جزءاً". وعنه أيضاً أنه قال: "الملائكة عشرة أجزاء، تسعة أجزاء منهم الكروبيون الذين يسبحون الليل والنهار لا يفترون، وجزءاً واحداً لرسالته ولما شاء من أمره". وقال ابن عباس: "كل تسبيح في القرآن، يعني: به الصلاة". * * ثم قال تعالى: ﴿أَمِ ٱتَّخَذُوۤاْ آلِهَةً مِّنَ ٱلأَرْضِ﴾. أي: اتخذ هؤلاء المشركون آلهة من الأرض: ﴿هُمْ يُنشِرُونَ﴾ أي: هذه الآلهة تحيي الموتى. بل الله هو الذي يحيي الموتى. وقرئ ﴿هُمْ يُنشِرُونَ﴾ بفتح الياء. والمعنى: هم يحيون فلا يموتون أبداً، كالله الحي الذي لا يموت. * * ثم قال تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَآ آلِهَةٌ إِلاَّ ٱللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾. أي: لو كان في السماوات والأرض آلهة غير الله. و "إلا" بمعنى: غير: فاعرب الاسم الذي بعد "إلا" كإعراب "غير" لو ظهرت فرفع. هذا مذهب البصريين وسيبويه. وقال الفراء: "إلا" بمعنى سوى. ومعنى الآية: لو كان المعبود آلهة أو إلهين لفسد التدبير، لأن أحدهما يريد ما لا يريد الآخر، فإذا تم ما أراد أحدهما، عجز الآخر. والعاجز لا يكون إلهاً. وإذا فسد وجود إلهين أو آلهة، ولم يكن بد من خالق مقدر للأشياء، يقدم المقدم منها، ويؤخر المؤخر منها، ويوجدها بعد عدمها، ثبت أنه واحد. * * ثم قال تعالى: ﴿فَسُبْحَانَ ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ أي: فتنزيه لله تعالى وتبرئة له عما يفتري عليه هؤلاء المشركون من الكذب. * * ثم قال تعالى: ﴿لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾. أي: لا سائل يتعقب عليه فيما يفعله بخلقه من حياة وموت وصحة ومرض، وغير ذلك وجميع الخلق. مسؤولون عن أفعالهم، ومحاسبون عليها.

الأنبياء 21:17

قوله تعالى: ﴿وَكَمْ قَصَمْنَا مِن قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً﴾ إلى قوله: ﴿عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾. المعنى: وكثيراً أهلكنا من أهل القرى كانوا ظالمين بكفرهِم فـ "كم" في موضع نصب بقصمنا، وهي خبر، وفيها معنى التكثير. وانقصم أصله الكسر. يقال انقصم سنه، وقصمت ظهر فلان، أي: كسرته. وروى ابن وهب عن بعض رجاله، أنه كان باليمن قريتان، فبطر أهلها وأترفوا حتى ما كانوا يغلقون أبوابهم، فبعث الله تعالى إليهم نبياً فدعاهم، فقتلوه، فألقى الله في نفس بخت نصر غزوهم، فبعث إليهم جيشاً، فهزموه، ثم بعث آخر فهزموه. فخرج إليهم بنفسه، فهزمهم، فخرجوا يركضون فسمع مناد يقول: ﴿لاَ تَرْكُضُواْ وَٱرْجِعُوۤاْ إِلَىٰ مَآ أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَاكِنِكُمْ﴾. فرجعوا، فسمعوا صوتاً يقول: يا لثارات النبي فقتلوا كلهم. فهي التي عنى الله في هذه السورة حصدوا بالسيف. قال مجاهد: "قصمنا": أهكلنا. وجرى الخبر عن القرية والمراد أهلها، لأن المعنى مفهوم. * * ثم قال: ﴿وَأَنشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْماً آخَرِينَ﴾ أي: أحدثنا بعد إهلاك هؤلاء الظالمين قوماً آخرين سواهم. * * ثم قال: ﴿فَلَمَّآ أَحَسُّواْ بَأْسَنَآ إِذَا هُمْ مِّنْهَا يَرْكُضُونَ﴾. أي: فلما عاين هؤلاء الظالمون من أهل القرى العذاب، ووجدوا مسه، إذا هم مما أحسوا يركضون. أي: يهربون سراعاً يعدون. وأصله من ركض الدابة إذا حركت رجليك عليها فعدت. فقوله: ﴿فَلَمَّآ أَحَسُّواْ بَأْسَنَآ﴾. لا يرجع إلى قوله: ﴿قَوْماً آخَرِينَ﴾ لأنه لم يذكر لهم ذنباً يعذبون من أجله، لكنه راجع إلى قوله: ﴿وَكَمْ قَصَمْنَا مِن قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً﴾. * * ثم قال: ﴿لاَ تَرْكُضُواْ﴾. أي: لا تفروا ولا تهربوا. ﴿وَٱرْجِعُوۤاْ إِلَىٰ مَآ أُتْرِفْتُمْ فِيهِ﴾. أي: إلى ما أنعمتم فيه من عيشكم وإلى، ﴿وَمَسَاكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ﴾ أي: تسألون عن دنياكم شيئاً. على وجه السخرية بهم والاستهزاء. قاله: قتادة. وقال مجاهد: ﴿لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ﴾ أي: تنتهون. وقيل: معناه: لعلكم تسألون شيئاً مما شغلكم عما لكم فيه الصلاح، على التهدد. وقيل: معناه: لعلكم تسألون عما نزل بكم من العقوبة وعاينتموه من العذاب. * * ثم قال تعالى: ﴿قَالُواْ يٰوَيْلَنَآ إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾. أي: قالوا لمّا حلَّ عليهم العذاب: يا ويلنا. وهي كلمة يقولها من وقع في هلكة وتقال لمن وقع في هلكة. ﴿إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾ بكفرنا بربنا. * * ثم قال تعالى: ﴿فَمَا زَالَت تِلْكَ دَعْوَاهُمْ﴾. أي: فما زالت تلك الكلمة دعواهم وهي الدعاء بالويل، والإقرار بالظلم. * * ﴿حَتَّىٰ جَعَلْنَاهُمْ حَصِيداً خَامِدِينَ﴾. أي: حتى هلكوا فحصدوا من الحياة كما يحصد الزرع فصاروا مثل الحصيد من الزرع. ﴿خَامِدِينَ﴾ أي: قد سكنت حركتهم كما تخمد النار فتطفأ. قال الضحاك ومقاتل ومجاهد: "حصدوا قتلاً بالسيف". قال قتادة: "لما عاينوا العذاب، لم يكن لهم هِجِّيرَي إلا قولهم: يا ويلنا، إنا كنا ظالمين. حتى دمّر الله تعالى عليهم فأهلكهم. قال ابن عباس: "خامدين خمود النار، أي طفئت ولم ينتفعوا بالإيمان والندم عند معاينة العذاب، لأنه وقت قد رفع عنهم فيه التكليف. وإذا رفع التكليف، ارتفع القبول. وإنما القبول منوط بالتكليف. * * ثم قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَآءَ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَـٰعِبِينَ﴾. أي: ما خلقناهما لعباً وعبثاً، إنما خلقناهما حجة عليكم أيها الناس، لتعتبروا وتعلموا أن الذي خلقهما ودبرهما لا يشبهه شيء، وإنه لا تكون العبادة إلا له. وقيل: المعنى، ما خلقناهما وما بينهما لعباً ولا باطلاً، أي: ليظلم بعض الناس بعضاً، ويكفر بعضهم، ويخالف بعضهم ما أمر به، ثم يموتوا فلا يجازون بأفعالهم. وقيل: المعنى: ما خلقناهما لعباً، بل خلقناهما ليؤمر الناس بحسن وينهوا عن قبح. * * ثم قال تعالى: ﴿لَوْ أَرَدْنَآ أَن نَّتَّخِذَ لَهْواً﴾. أي: زوجة وولداً، ﴿لاَّتَّخَذْنَاهُ مِن لَّدُنَّآ﴾ أي: من عندنا. أي مما نخلق. لكنا لا نفعل ذلك، ولا يصلح لنا فعله. قال الحسن: اللهو: المرأة. وقاله مجاهد. وقال قتادة: اللهو بلغة أهل اليمن - المرأة. وقال ابن عباس: "لهواً: ولداً". وقيل: لهواً: نكاحاً. * * وقوله: ﴿إِن كُنَّا فَاعِلِينَ﴾. أي: ما كنا فاعلين. قاله قتادة. وقيل: إن: للشرط. والتقدير: إن كنا فاعلين، ولسنا ممن يفعله. وقال ابن جريج: "قالوا: مريم صاحبته، وعيسى ولده. تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً. فأنزل الله: ﴿لَوْ أَرَدْنَآ أَن نَّتَّخِذَ﴾ الآية. ومعنى: "من لدنا" عند ابن جريج: "من عندنا من أهل السماء ولم نتخذه من أهل الأرض الذين تلحقهم الآفات والنقص". ﴿إِن كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ أي: ما كنا نفعل ذلك. * * ثم قال تعالى: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِٱلْحَقِّ عَلَى ٱلْبَاطِلِ﴾. قال مجاهد: الحق: القرآن، والباطل الشيطان. وكذلك كل ما في القرآن من الباطل فهو الشيطان عنده. وتقديره في العربية ذو الباطل فتقديره: بل ننزل القرآن على الكفر وأهله ﴿فَيَدْمَغُهُ﴾ أي: فيهلكه. ولذلك قيل للشجة التي تبلغ الدماغ: (الدامغة) وقيل من سلم منها. قوله ﴿فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ﴾. أي: ذاهب مضمحل. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَكُمُ ٱلْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ﴾. أي: ولكم الويل من وصفكم ربكم بغير صفته بقولكم: إنه اتخذ ولداً وزوجة. وقيل: معناه: ولكم واد في جهنم يستعيذ أهل جهنم منه. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَهُ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ﴾. أي: كيف يجوز أن يتخذ ولداً من له من في السماوات والأرض، ومن عنده من الملائكة الذين ادعيتم أنهم بنات الله لا يستكبرون عن عبادتهم إياه ﴿وَلاَ يَسْتَحْسِرُونَ﴾ أي: ولا يعيون ولا ينقطعون عن عبادته. "وعند" في هذا بمعنى: قرب المنزلة عند الله لهم، وليس بمعنى قرب المسافة، لأنه لا تحويه الأمكنة فقد علمتم أنه ليس يستعبد والد ولده، ولا صاحبته، وكل من في السماوات والأرض عبيده، فكيف يكون له صاحبة وولد، أفلا تتفكرون فيما تفترون من الكذب على ربكم. * * ثم قال تعالى: ﴿يُسَبِّحُونَ ٱلَّيلَ وَٱلنَّهَارَ لاَ يَفْتُرُونَ﴾. أي: لا يكلون من تسبيحهم. قال كعب: "التسبيح لهم بمنزلة النفس لبني آدم". وعنه أنه قال: "ألهموا التسبيح كما ألهمتم الطرف والنفس". وذكر علي بن معبد أن عمر بن الخطاب قال لكعب: خوفنا يا كعب. فقال: "إن لله عز وجل ملائكة من يوم خلقهم قيام، ما ثنوا أصلابهم، وآخرين ركوعاً ما رفعوا أصلابهم، وآخرين سجوداً ما رفعوا رؤوسهم حتى ينفخ في الصور النفخة الآخرة، فيقولون جميعاً: سبحانك ما عبدناك حق عبادتك كما ينبغي لك أن تعبد ثم قال: والله لو أن رجلاً عمل عمل سبعين نبياً لاستقل عمله من شدة ما يرى يومئذ، والله لو دلي من غسلين دلو واحد من مطلع الشمس، لغلت منه جماجم قوم في مغربها والله لتزفرن جهنم زفرة ولا يبقى ملك مقرب إلاّ خرّ جاثياً على ركبتيه". وروى ابن المبارك في حديث عن بعض شيوخه: "أن ملكاً لما استوى الرب جل ذكره على عرشه سجد فلم يرفع رأسه ولا يرفعه إلى يوم القيامة. فيقول يوم القيامة: لم أعبدك حق عبادتك، إلا أني لم أشرك بك شيئاً، ولم أتخذ من دونك ولياً". وعن عبد الله بن عمرو أنه قال: "إن الله جزأ الخلق عشرة أجزاء، فجعل الملائكة تسعة أجزاء، وسائر الخلق جزء. وجزأ الملائكة عشرة أجزاء فجعل تسعة أجزاء يسبحون الليل والنهار لا يفترون وجزءاً لرسالته. وجزأ سائر الخلق عشرة أجزاء فجعل الجن تسعة أجزاء، وسائر بني آدم جزءاً. وجزأ بني آدم عشرة أجزاء، فجعل يأجوج ومأجوج تسعة أجزاء، وسائر بني آدم جزءاً". وعنه أيضاً أنه قال: "الملائكة عشرة أجزاء، تسعة أجزاء منهم الكروبيون الذين يسبحون الليل والنهار لا يفترون، وجزءاً واحداً لرسالته ولما شاء من أمره". وقال ابن عباس: "كل تسبيح في القرآن، يعني: به الصلاة". * * ثم قال تعالى: ﴿أَمِ ٱتَّخَذُوۤاْ آلِهَةً مِّنَ ٱلأَرْضِ﴾. أي: اتخذ هؤلاء المشركون آلهة من الأرض: ﴿هُمْ يُنشِرُونَ﴾ أي: هذه الآلهة تحيي الموتى. بل الله هو الذي يحيي الموتى. وقرئ ﴿هُمْ يُنشِرُونَ﴾ بفتح الياء. والمعنى: هم يحيون فلا يموتون أبداً، كالله الحي الذي لا يموت. * * ثم قال تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَآ آلِهَةٌ إِلاَّ ٱللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾. أي: لو كان في السماوات والأرض آلهة غير الله. و "إلا" بمعنى: غير: فاعرب الاسم الذي بعد "إلا" كإعراب "غير" لو ظهرت فرفع. هذا مذهب البصريين وسيبويه. وقال الفراء: "إلا" بمعنى سوى. ومعنى الآية: لو كان المعبود آلهة أو إلهين لفسد التدبير، لأن أحدهما يريد ما لا يريد الآخر، فإذا تم ما أراد أحدهما، عجز الآخر. والعاجز لا يكون إلهاً. وإذا فسد وجود إلهين أو آلهة، ولم يكن بد من خالق مقدر للأشياء، يقدم المقدم منها، ويؤخر المؤخر منها، ويوجدها بعد عدمها، ثبت أنه واحد. * * ثم قال تعالى: ﴿فَسُبْحَانَ ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ أي: فتنزيه لله تعالى وتبرئة له عما يفتري عليه هؤلاء المشركون من الكذب. * * ثم قال تعالى: ﴿لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾. أي: لا سائل يتعقب عليه فيما يفعله بخلقه من حياة وموت وصحة ومرض، وغير ذلك وجميع الخلق. مسؤولون عن أفعالهم، ومحاسبون عليها.

الأنبياء 21:18

قوله تعالى: ﴿وَكَمْ قَصَمْنَا مِن قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً﴾ إلى قوله: ﴿عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾. المعنى: وكثيراً أهلكنا من أهل القرى كانوا ظالمين بكفرهِم فـ "كم" في موضع نصب بقصمنا، وهي خبر، وفيها معنى التكثير. وانقصم أصله الكسر. يقال انقصم سنه، وقصمت ظهر فلان، أي: كسرته. وروى ابن وهب عن بعض رجاله، أنه كان باليمن قريتان، فبطر أهلها وأترفوا حتى ما كانوا يغلقون أبوابهم، فبعث الله تعالى إليهم نبياً فدعاهم، فقتلوه، فألقى الله في نفس بخت نصر غزوهم، فبعث إليهم جيشاً، فهزموه، ثم بعث آخر فهزموه. فخرج إليهم بنفسه، فهزمهم، فخرجوا يركضون فسمع مناد يقول: ﴿لاَ تَرْكُضُواْ وَٱرْجِعُوۤاْ إِلَىٰ مَآ أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَاكِنِكُمْ﴾. فرجعوا، فسمعوا صوتاً يقول: يا لثارات النبي فقتلوا كلهم. فهي التي عنى الله في هذه السورة حصدوا بالسيف. قال مجاهد: "قصمنا": أهكلنا. وجرى الخبر عن القرية والمراد أهلها، لأن المعنى مفهوم. * * ثم قال: ﴿وَأَنشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْماً آخَرِينَ﴾ أي: أحدثنا بعد إهلاك هؤلاء الظالمين قوماً آخرين سواهم. * * ثم قال: ﴿فَلَمَّآ أَحَسُّواْ بَأْسَنَآ إِذَا هُمْ مِّنْهَا يَرْكُضُونَ﴾. أي: فلما عاين هؤلاء الظالمون من أهل القرى العذاب، ووجدوا مسه، إذا هم مما أحسوا يركضون. أي: يهربون سراعاً يعدون. وأصله من ركض الدابة إذا حركت رجليك عليها فعدت. فقوله: ﴿فَلَمَّآ أَحَسُّواْ بَأْسَنَآ﴾. لا يرجع إلى قوله: ﴿قَوْماً آخَرِينَ﴾ لأنه لم يذكر لهم ذنباً يعذبون من أجله، لكنه راجع إلى قوله: ﴿وَكَمْ قَصَمْنَا مِن قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً﴾. * * ثم قال: ﴿لاَ تَرْكُضُواْ﴾. أي: لا تفروا ولا تهربوا. ﴿وَٱرْجِعُوۤاْ إِلَىٰ مَآ أُتْرِفْتُمْ فِيهِ﴾. أي: إلى ما أنعمتم فيه من عيشكم وإلى، ﴿وَمَسَاكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ﴾ أي: تسألون عن دنياكم شيئاً. على وجه السخرية بهم والاستهزاء. قاله: قتادة. وقال مجاهد: ﴿لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ﴾ أي: تنتهون. وقيل: معناه: لعلكم تسألون شيئاً مما شغلكم عما لكم فيه الصلاح، على التهدد. وقيل: معناه: لعلكم تسألون عما نزل بكم من العقوبة وعاينتموه من العذاب. * * ثم قال تعالى: ﴿قَالُواْ يٰوَيْلَنَآ إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾. أي: قالوا لمّا حلَّ عليهم العذاب: يا ويلنا. وهي كلمة يقولها من وقع في هلكة وتقال لمن وقع في هلكة. ﴿إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾ بكفرنا بربنا. * * ثم قال تعالى: ﴿فَمَا زَالَت تِلْكَ دَعْوَاهُمْ﴾. أي: فما زالت تلك الكلمة دعواهم وهي الدعاء بالويل، والإقرار بالظلم. * * ﴿حَتَّىٰ جَعَلْنَاهُمْ حَصِيداً خَامِدِينَ﴾. أي: حتى هلكوا فحصدوا من الحياة كما يحصد الزرع فصاروا مثل الحصيد من الزرع. ﴿خَامِدِينَ﴾ أي: قد سكنت حركتهم كما تخمد النار فتطفأ. قال الضحاك ومقاتل ومجاهد: "حصدوا قتلاً بالسيف". قال قتادة: "لما عاينوا العذاب، لم يكن لهم هِجِّيرَي إلا قولهم: يا ويلنا، إنا كنا ظالمين. حتى دمّر الله تعالى عليهم فأهلكهم. قال ابن عباس: "خامدين خمود النار، أي طفئت ولم ينتفعوا بالإيمان والندم عند معاينة العذاب، لأنه وقت قد رفع عنهم فيه التكليف. وإذا رفع التكليف، ارتفع القبول. وإنما القبول منوط بالتكليف. * * ثم قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَآءَ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَـٰعِبِينَ﴾. أي: ما خلقناهما لعباً وعبثاً، إنما خلقناهما حجة عليكم أيها الناس، لتعتبروا وتعلموا أن الذي خلقهما ودبرهما لا يشبهه شيء، وإنه لا تكون العبادة إلا له. وقيل: المعنى، ما خلقناهما وما بينهما لعباً ولا باطلاً، أي: ليظلم بعض الناس بعضاً، ويكفر بعضهم، ويخالف بعضهم ما أمر به، ثم يموتوا فلا يجازون بأفعالهم. وقيل: المعنى: ما خلقناهما لعباً، بل خلقناهما ليؤمر الناس بحسن وينهوا عن قبح. * * ثم قال تعالى: ﴿لَوْ أَرَدْنَآ أَن نَّتَّخِذَ لَهْواً﴾. أي: زوجة وولداً، ﴿لاَّتَّخَذْنَاهُ مِن لَّدُنَّآ﴾ أي: من عندنا. أي مما نخلق. لكنا لا نفعل ذلك، ولا يصلح لنا فعله. قال الحسن: اللهو: المرأة. وقاله مجاهد. وقال قتادة: اللهو بلغة أهل اليمن - المرأة. وقال ابن عباس: "لهواً: ولداً". وقيل: لهواً: نكاحاً. * * وقوله: ﴿إِن كُنَّا فَاعِلِينَ﴾. أي: ما كنا فاعلين. قاله قتادة. وقيل: إن: للشرط. والتقدير: إن كنا فاعلين، ولسنا ممن يفعله. وقال ابن جريج: "قالوا: مريم صاحبته، وعيسى ولده. تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً. فأنزل الله: ﴿لَوْ أَرَدْنَآ أَن نَّتَّخِذَ﴾ الآية. ومعنى: "من لدنا" عند ابن جريج: "من عندنا من أهل السماء ولم نتخذه من أهل الأرض الذين تلحقهم الآفات والنقص". ﴿إِن كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ أي: ما كنا نفعل ذلك. * * ثم قال تعالى: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِٱلْحَقِّ عَلَى ٱلْبَاطِلِ﴾. قال مجاهد: الحق: القرآن، والباطل الشيطان. وكذلك كل ما في القرآن من الباطل فهو الشيطان عنده. وتقديره في العربية ذو الباطل فتقديره: بل ننزل القرآن على الكفر وأهله ﴿فَيَدْمَغُهُ﴾ أي: فيهلكه. ولذلك قيل للشجة التي تبلغ الدماغ: (الدامغة) وقيل من سلم منها. قوله ﴿فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ﴾. أي: ذاهب مضمحل. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَكُمُ ٱلْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ﴾. أي: ولكم الويل من وصفكم ربكم بغير صفته بقولكم: إنه اتخذ ولداً وزوجة. وقيل: معناه: ولكم واد في جهنم يستعيذ أهل جهنم منه. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَهُ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ﴾. أي: كيف يجوز أن يتخذ ولداً من له من في السماوات والأرض، ومن عنده من الملائكة الذين ادعيتم أنهم بنات الله لا يستكبرون عن عبادتهم إياه ﴿وَلاَ يَسْتَحْسِرُونَ﴾ أي: ولا يعيون ولا ينقطعون عن عبادته. "وعند" في هذا بمعنى: قرب المنزلة عند الله لهم، وليس بمعنى قرب المسافة، لأنه لا تحويه الأمكنة فقد علمتم أنه ليس يستعبد والد ولده، ولا صاحبته، وكل من في السماوات والأرض عبيده، فكيف يكون له صاحبة وولد، أفلا تتفكرون فيما تفترون من الكذب على ربكم. * * ثم قال تعالى: ﴿يُسَبِّحُونَ ٱلَّيلَ وَٱلنَّهَارَ لاَ يَفْتُرُونَ﴾. أي: لا يكلون من تسبيحهم. قال كعب: "التسبيح لهم بمنزلة النفس لبني آدم". وعنه أنه قال: "ألهموا التسبيح كما ألهمتم الطرف والنفس". وذكر علي بن معبد أن عمر بن الخطاب قال لكعب: خوفنا يا كعب. فقال: "إن لله عز وجل ملائكة من يوم خلقهم قيام، ما ثنوا أصلابهم، وآخرين ركوعاً ما رفعوا أصلابهم، وآخرين سجوداً ما رفعوا رؤوسهم حتى ينفخ في الصور النفخة الآخرة، فيقولون جميعاً: سبحانك ما عبدناك حق عبادتك كما ينبغي لك أن تعبد ثم قال: والله لو أن رجلاً عمل عمل سبعين نبياً لاستقل عمله من شدة ما يرى يومئذ، والله لو دلي من غسلين دلو واحد من مطلع الشمس، لغلت منه جماجم قوم في مغربها والله لتزفرن جهنم زفرة ولا يبقى ملك مقرب إلاّ خرّ جاثياً على ركبتيه". وروى ابن المبارك في حديث عن بعض شيوخه: "أن ملكاً لما استوى الرب جل ذكره على عرشه سجد فلم يرفع رأسه ولا يرفعه إلى يوم القيامة. فيقول يوم القيامة: لم أعبدك حق عبادتك، إلا أني لم أشرك بك شيئاً، ولم أتخذ من دونك ولياً". وعن عبد الله بن عمرو أنه قال: "إن الله جزأ الخلق عشرة أجزاء، فجعل الملائكة تسعة أجزاء، وسائر الخلق جزء. وجزأ الملائكة عشرة أجزاء فجعل تسعة أجزاء يسبحون الليل والنهار لا يفترون وجزءاً لرسالته. وجزأ سائر الخلق عشرة أجزاء فجعل الجن تسعة أجزاء، وسائر بني آدم جزءاً. وجزأ بني آدم عشرة أجزاء، فجعل يأجوج ومأجوج تسعة أجزاء، وسائر بني آدم جزءاً". وعنه أيضاً أنه قال: "الملائكة عشرة أجزاء، تسعة أجزاء منهم الكروبيون الذين يسبحون الليل والنهار لا يفترون، وجزءاً واحداً لرسالته ولما شاء من أمره". وقال ابن عباس: "كل تسبيح في القرآن، يعني: به الصلاة". * * ثم قال تعالى: ﴿أَمِ ٱتَّخَذُوۤاْ آلِهَةً مِّنَ ٱلأَرْضِ﴾. أي: اتخذ هؤلاء المشركون آلهة من الأرض: ﴿هُمْ يُنشِرُونَ﴾ أي: هذه الآلهة تحيي الموتى. بل الله هو الذي يحيي الموتى. وقرئ ﴿هُمْ يُنشِرُونَ﴾ بفتح الياء. والمعنى: هم يحيون فلا يموتون أبداً، كالله الحي الذي لا يموت. * * ثم قال تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَآ آلِهَةٌ إِلاَّ ٱللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾. أي: لو كان في السماوات والأرض آلهة غير الله. و "إلا" بمعنى: غير: فاعرب الاسم الذي بعد "إلا" كإعراب "غير" لو ظهرت فرفع. هذا مذهب البصريين وسيبويه. وقال الفراء: "إلا" بمعنى سوى. ومعنى الآية: لو كان المعبود آلهة أو إلهين لفسد التدبير، لأن أحدهما يريد ما لا يريد الآخر، فإذا تم ما أراد أحدهما، عجز الآخر. والعاجز لا يكون إلهاً. وإذا فسد وجود إلهين أو آلهة، ولم يكن بد من خالق مقدر للأشياء، يقدم المقدم منها، ويؤخر المؤخر منها، ويوجدها بعد عدمها، ثبت أنه واحد. * * ثم قال تعالى: ﴿فَسُبْحَانَ ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ أي: فتنزيه لله تعالى وتبرئة له عما يفتري عليه هؤلاء المشركون من الكذب. * * ثم قال تعالى: ﴿لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾. أي: لا سائل يتعقب عليه فيما يفعله بخلقه من حياة وموت وصحة ومرض، وغير ذلك وجميع الخلق. مسؤولون عن أفعالهم، ومحاسبون عليها.

الأنبياء 21:19

قوله تعالى: ﴿وَكَمْ قَصَمْنَا مِن قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً﴾ إلى قوله: ﴿عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾. المعنى: وكثيراً أهلكنا من أهل القرى كانوا ظالمين بكفرهِم فـ "كم" في موضع نصب بقصمنا، وهي خبر، وفيها معنى التكثير. وانقصم أصله الكسر. يقال انقصم سنه، وقصمت ظهر فلان، أي: كسرته. وروى ابن وهب عن بعض رجاله، أنه كان باليمن قريتان، فبطر أهلها وأترفوا حتى ما كانوا يغلقون أبوابهم، فبعث الله تعالى إليهم نبياً فدعاهم، فقتلوه، فألقى الله في نفس بخت نصر غزوهم، فبعث إليهم جيشاً، فهزموه، ثم بعث آخر فهزموه. فخرج إليهم بنفسه، فهزمهم، فخرجوا يركضون فسمع مناد يقول: ﴿لاَ تَرْكُضُواْ وَٱرْجِعُوۤاْ إِلَىٰ مَآ أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَاكِنِكُمْ﴾. فرجعوا، فسمعوا صوتاً يقول: يا لثارات النبي فقتلوا كلهم. فهي التي عنى الله في هذه السورة حصدوا بالسيف. قال مجاهد: "قصمنا": أهكلنا. وجرى الخبر عن القرية والمراد أهلها، لأن المعنى مفهوم. * * ثم قال: ﴿وَأَنشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْماً آخَرِينَ﴾ أي: أحدثنا بعد إهلاك هؤلاء الظالمين قوماً آخرين سواهم. * * ثم قال: ﴿فَلَمَّآ أَحَسُّواْ بَأْسَنَآ إِذَا هُمْ مِّنْهَا يَرْكُضُونَ﴾. أي: فلما عاين هؤلاء الظالمون من أهل القرى العذاب، ووجدوا مسه، إذا هم مما أحسوا يركضون. أي: يهربون سراعاً يعدون. وأصله من ركض الدابة إذا حركت رجليك عليها فعدت. فقوله: ﴿فَلَمَّآ أَحَسُّواْ بَأْسَنَآ﴾. لا يرجع إلى قوله: ﴿قَوْماً آخَرِينَ﴾ لأنه لم يذكر لهم ذنباً يعذبون من أجله، لكنه راجع إلى قوله: ﴿وَكَمْ قَصَمْنَا مِن قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً﴾. * * ثم قال: ﴿لاَ تَرْكُضُواْ﴾. أي: لا تفروا ولا تهربوا. ﴿وَٱرْجِعُوۤاْ إِلَىٰ مَآ أُتْرِفْتُمْ فِيهِ﴾. أي: إلى ما أنعمتم فيه من عيشكم وإلى، ﴿وَمَسَاكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ﴾ أي: تسألون عن دنياكم شيئاً. على وجه السخرية بهم والاستهزاء. قاله: قتادة. وقال مجاهد: ﴿لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ﴾ أي: تنتهون. وقيل: معناه: لعلكم تسألون شيئاً مما شغلكم عما لكم فيه الصلاح، على التهدد. وقيل: معناه: لعلكم تسألون عما نزل بكم من العقوبة وعاينتموه من العذاب. * * ثم قال تعالى: ﴿قَالُواْ يٰوَيْلَنَآ إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾. أي: قالوا لمّا حلَّ عليهم العذاب: يا ويلنا. وهي كلمة يقولها من وقع في هلكة وتقال لمن وقع في هلكة. ﴿إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾ بكفرنا بربنا. * * ثم قال تعالى: ﴿فَمَا زَالَت تِلْكَ دَعْوَاهُمْ﴾. أي: فما زالت تلك الكلمة دعواهم وهي الدعاء بالويل، والإقرار بالظلم. * * ﴿حَتَّىٰ جَعَلْنَاهُمْ حَصِيداً خَامِدِينَ﴾. أي: حتى هلكوا فحصدوا من الحياة كما يحصد الزرع فصاروا مثل الحصيد من الزرع. ﴿خَامِدِينَ﴾ أي: قد سكنت حركتهم كما تخمد النار فتطفأ. قال الضحاك ومقاتل ومجاهد: "حصدوا قتلاً بالسيف". قال قتادة: "لما عاينوا العذاب، لم يكن لهم هِجِّيرَي إلا قولهم: يا ويلنا، إنا كنا ظالمين. حتى دمّر الله تعالى عليهم فأهلكهم. قال ابن عباس: "خامدين خمود النار، أي طفئت ولم ينتفعوا بالإيمان والندم عند معاينة العذاب، لأنه وقت قد رفع عنهم فيه التكليف. وإذا رفع التكليف، ارتفع القبول. وإنما القبول منوط بالتكليف. * * ثم قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَآءَ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَـٰعِبِينَ﴾. أي: ما خلقناهما لعباً وعبثاً، إنما خلقناهما حجة عليكم أيها الناس، لتعتبروا وتعلموا أن الذي خلقهما ودبرهما لا يشبهه شيء، وإنه لا تكون العبادة إلا له. وقيل: المعنى، ما خلقناهما وما بينهما لعباً ولا باطلاً، أي: ليظلم بعض الناس بعضاً، ويكفر بعضهم، ويخالف بعضهم ما أمر به، ثم يموتوا فلا يجازون بأفعالهم. وقيل: المعنى: ما خلقناهما لعباً، بل خلقناهما ليؤمر الناس بحسن وينهوا عن قبح. * * ثم قال تعالى: ﴿لَوْ أَرَدْنَآ أَن نَّتَّخِذَ لَهْواً﴾. أي: زوجة وولداً، ﴿لاَّتَّخَذْنَاهُ مِن لَّدُنَّآ﴾ أي: من عندنا. أي مما نخلق. لكنا لا نفعل ذلك، ولا يصلح لنا فعله. قال الحسن: اللهو: المرأة. وقاله مجاهد. وقال قتادة: اللهو بلغة أهل اليمن - المرأة. وقال ابن عباس: "لهواً: ولداً". وقيل: لهواً: نكاحاً. * * وقوله: ﴿إِن كُنَّا فَاعِلِينَ﴾. أي: ما كنا فاعلين. قاله قتادة. وقيل: إن: للشرط. والتقدير: إن كنا فاعلين، ولسنا ممن يفعله. وقال ابن جريج: "قالوا: مريم صاحبته، وعيسى ولده. تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً. فأنزل الله: ﴿لَوْ أَرَدْنَآ أَن نَّتَّخِذَ﴾ الآية. ومعنى: "من لدنا" عند ابن جريج: "من عندنا من أهل السماء ولم نتخذه من أهل الأرض الذين تلحقهم الآفات والنقص". ﴿إِن كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ أي: ما كنا نفعل ذلك. * * ثم قال تعالى: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِٱلْحَقِّ عَلَى ٱلْبَاطِلِ﴾. قال مجاهد: الحق: القرآن، والباطل الشيطان. وكذلك كل ما في القرآن من الباطل فهو الشيطان عنده. وتقديره في العربية ذو الباطل فتقديره: بل ننزل القرآن على الكفر وأهله ﴿فَيَدْمَغُهُ﴾ أي: فيهلكه. ولذلك قيل للشجة التي تبلغ الدماغ: (الدامغة) وقيل من سلم منها. قوله ﴿فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ﴾. أي: ذاهب مضمحل. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَكُمُ ٱلْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ﴾. أي: ولكم الويل من وصفكم ربكم بغير صفته بقولكم: إنه اتخذ ولداً وزوجة. وقيل: معناه: ولكم واد في جهنم يستعيذ أهل جهنم منه. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَهُ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ﴾. أي: كيف يجوز أن يتخذ ولداً من له من في السماوات والأرض، ومن عنده من الملائكة الذين ادعيتم أنهم بنات الله لا يستكبرون عن عبادتهم إياه ﴿وَلاَ يَسْتَحْسِرُونَ﴾ أي: ولا يعيون ولا ينقطعون عن عبادته. "وعند" في هذا بمعنى: قرب المنزلة عند الله لهم، وليس بمعنى قرب المسافة، لأنه لا تحويه الأمكنة فقد علمتم أنه ليس يستعبد والد ولده، ولا صاحبته، وكل من في السماوات والأرض عبيده، فكيف يكون له صاحبة وولد، أفلا تتفكرون فيما تفترون من الكذب على ربكم. * * ثم قال تعالى: ﴿يُسَبِّحُونَ ٱلَّيلَ وَٱلنَّهَارَ لاَ يَفْتُرُونَ﴾. أي: لا يكلون من تسبيحهم. قال كعب: "التسبيح لهم بمنزلة النفس لبني آدم". وعنه أنه قال: "ألهموا التسبيح كما ألهمتم الطرف والنفس". وذكر علي بن معبد أن عمر بن الخطاب قال لكعب: خوفنا يا كعب. فقال: "إن لله عز وجل ملائكة من يوم خلقهم قيام، ما ثنوا أصلابهم، وآخرين ركوعاً ما رفعوا أصلابهم، وآخرين سجوداً ما رفعوا رؤوسهم حتى ينفخ في الصور النفخة الآخرة، فيقولون جميعاً: سبحانك ما عبدناك حق عبادتك كما ينبغي لك أن تعبد ثم قال: والله لو أن رجلاً عمل عمل سبعين نبياً لاستقل عمله من شدة ما يرى يومئذ، والله لو دلي من غسلين دلو واحد من مطلع الشمس، لغلت منه جماجم قوم في مغربها والله لتزفرن جهنم زفرة ولا يبقى ملك مقرب إلاّ خرّ جاثياً على ركبتيه". وروى ابن المبارك في حديث عن بعض شيوخه: "أن ملكاً لما استوى الرب جل ذكره على عرشه سجد فلم يرفع رأسه ولا يرفعه إلى يوم القيامة. فيقول يوم القيامة: لم أعبدك حق عبادتك، إلا أني لم أشرك بك شيئاً، ولم أتخذ من دونك ولياً". وعن عبد الله بن عمرو أنه قال: "إن الله جزأ الخلق عشرة أجزاء، فجعل الملائكة تسعة أجزاء، وسائر الخلق جزء. وجزأ الملائكة عشرة أجزاء فجعل تسعة أجزاء يسبحون الليل والنهار لا يفترون وجزءاً لرسالته. وجزأ سائر الخلق عشرة أجزاء فجعل الجن تسعة أجزاء، وسائر بني آدم جزءاً. وجزأ بني آدم عشرة أجزاء، فجعل يأجوج ومأجوج تسعة أجزاء، وسائر بني آدم جزءاً". وعنه أيضاً أنه قال: "الملائكة عشرة أجزاء، تسعة أجزاء منهم الكروبيون الذين يسبحون الليل والنهار لا يفترون، وجزءاً واحداً لرسالته ولما شاء من أمره". وقال ابن عباس: "كل تسبيح في القرآن، يعني: به الصلاة". * * ثم قال تعالى: ﴿أَمِ ٱتَّخَذُوۤاْ آلِهَةً مِّنَ ٱلأَرْضِ﴾. أي: اتخذ هؤلاء المشركون آلهة من الأرض: ﴿هُمْ يُنشِرُونَ﴾ أي: هذه الآلهة تحيي الموتى. بل الله هو الذي يحيي الموتى. وقرئ ﴿هُمْ يُنشِرُونَ﴾ بفتح الياء. والمعنى: هم يحيون فلا يموتون أبداً، كالله الحي الذي لا يموت. * * ثم قال تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَآ آلِهَةٌ إِلاَّ ٱللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾. أي: لو كان في السماوات والأرض آلهة غير الله. و "إلا" بمعنى: غير: فاعرب الاسم الذي بعد "إلا" كإعراب "غير" لو ظهرت فرفع. هذا مذهب البصريين وسيبويه. وقال الفراء: "إلا" بمعنى سوى. ومعنى الآية: لو كان المعبود آلهة أو إلهين لفسد التدبير، لأن أحدهما يريد ما لا يريد الآخر، فإذا تم ما أراد أحدهما، عجز الآخر. والعاجز لا يكون إلهاً. وإذا فسد وجود إلهين أو آلهة، ولم يكن بد من خالق مقدر للأشياء، يقدم المقدم منها، ويؤخر المؤخر منها، ويوجدها بعد عدمها، ثبت أنه واحد. * * ثم قال تعالى: ﴿فَسُبْحَانَ ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ أي: فتنزيه لله تعالى وتبرئة له عما يفتري عليه هؤلاء المشركون من الكذب. * * ثم قال تعالى: ﴿لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾. أي: لا سائل يتعقب عليه فيما يفعله بخلقه من حياة وموت وصحة ومرض، وغير ذلك وجميع الخلق. مسؤولون عن أفعالهم، ومحاسبون عليها.

الأنبياء 21:20

قوله تعالى: ﴿وَكَمْ قَصَمْنَا مِن قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً﴾ إلى قوله: ﴿عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾. المعنى: وكثيراً أهلكنا من أهل القرى كانوا ظالمين بكفرهِم فـ "كم" في موضع نصب بقصمنا، وهي خبر، وفيها معنى التكثير. وانقصم أصله الكسر. يقال انقصم سنه، وقصمت ظهر فلان، أي: كسرته. وروى ابن وهب عن بعض رجاله، أنه كان باليمن قريتان، فبطر أهلها وأترفوا حتى ما كانوا يغلقون أبوابهم، فبعث الله تعالى إليهم نبياً فدعاهم، فقتلوه، فألقى الله في نفس بخت نصر غزوهم، فبعث إليهم جيشاً، فهزموه، ثم بعث آخر فهزموه. فخرج إليهم بنفسه، فهزمهم، فخرجوا يركضون فسمع مناد يقول: ﴿لاَ تَرْكُضُواْ وَٱرْجِعُوۤاْ إِلَىٰ مَآ أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَاكِنِكُمْ﴾. فرجعوا، فسمعوا صوتاً يقول: يا لثارات النبي فقتلوا كلهم. فهي التي عنى الله في هذه السورة حصدوا بالسيف. قال مجاهد: "قصمنا": أهكلنا. وجرى الخبر عن القرية والمراد أهلها، لأن المعنى مفهوم. * * ثم قال: ﴿وَأَنشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْماً آخَرِينَ﴾ أي: أحدثنا بعد إهلاك هؤلاء الظالمين قوماً آخرين سواهم. * * ثم قال: ﴿فَلَمَّآ أَحَسُّواْ بَأْسَنَآ إِذَا هُمْ مِّنْهَا يَرْكُضُونَ﴾. أي: فلما عاين هؤلاء الظالمون من أهل القرى العذاب، ووجدوا مسه، إذا هم مما أحسوا يركضون. أي: يهربون سراعاً يعدون. وأصله من ركض الدابة إذا حركت رجليك عليها فعدت. فقوله: ﴿فَلَمَّآ أَحَسُّواْ بَأْسَنَآ﴾. لا يرجع إلى قوله: ﴿قَوْماً آخَرِينَ﴾ لأنه لم يذكر لهم ذنباً يعذبون من أجله، لكنه راجع إلى قوله: ﴿وَكَمْ قَصَمْنَا مِن قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً﴾. * * ثم قال: ﴿لاَ تَرْكُضُواْ﴾. أي: لا تفروا ولا تهربوا. ﴿وَٱرْجِعُوۤاْ إِلَىٰ مَآ أُتْرِفْتُمْ فِيهِ﴾. أي: إلى ما أنعمتم فيه من عيشكم وإلى، ﴿وَمَسَاكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ﴾ أي: تسألون عن دنياكم شيئاً. على وجه السخرية بهم والاستهزاء. قاله: قتادة. وقال مجاهد: ﴿لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ﴾ أي: تنتهون. وقيل: معناه: لعلكم تسألون شيئاً مما شغلكم عما لكم فيه الصلاح، على التهدد. وقيل: معناه: لعلكم تسألون عما نزل بكم من العقوبة وعاينتموه من العذاب. * * ثم قال تعالى: ﴿قَالُواْ يٰوَيْلَنَآ إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾. أي: قالوا لمّا حلَّ عليهم العذاب: يا ويلنا. وهي كلمة يقولها من وقع في هلكة وتقال لمن وقع في هلكة. ﴿إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾ بكفرنا بربنا. * * ثم قال تعالى: ﴿فَمَا زَالَت تِلْكَ دَعْوَاهُمْ﴾. أي: فما زالت تلك الكلمة دعواهم وهي الدعاء بالويل، والإقرار بالظلم. * * ﴿حَتَّىٰ جَعَلْنَاهُمْ حَصِيداً خَامِدِينَ﴾. أي: حتى هلكوا فحصدوا من الحياة كما يحصد الزرع فصاروا مثل الحصيد من الزرع. ﴿خَامِدِينَ﴾ أي: قد سكنت حركتهم كما تخمد النار فتطفأ. قال الضحاك ومقاتل ومجاهد: "حصدوا قتلاً بالسيف". قال قتادة: "لما عاينوا العذاب، لم يكن لهم هِجِّيرَي إلا قولهم: يا ويلنا، إنا كنا ظالمين. حتى دمّر الله تعالى عليهم فأهلكهم. قال ابن عباس: "خامدين خمود النار، أي طفئت ولم ينتفعوا بالإيمان والندم عند معاينة العذاب، لأنه وقت قد رفع عنهم فيه التكليف. وإذا رفع التكليف، ارتفع القبول. وإنما القبول منوط بالتكليف. * * ثم قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَآءَ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَـٰعِبِينَ﴾. أي: ما خلقناهما لعباً وعبثاً، إنما خلقناهما حجة عليكم أيها الناس، لتعتبروا وتعلموا أن الذي خلقهما ودبرهما لا يشبهه شيء، وإنه لا تكون العبادة إلا له. وقيل: المعنى، ما خلقناهما وما بينهما لعباً ولا باطلاً، أي: ليظلم بعض الناس بعضاً، ويكفر بعضهم، ويخالف بعضهم ما أمر به، ثم يموتوا فلا يجازون بأفعالهم. وقيل: المعنى: ما خلقناهما لعباً، بل خلقناهما ليؤمر الناس بحسن وينهوا عن قبح. * * ثم قال تعالى: ﴿لَوْ أَرَدْنَآ أَن نَّتَّخِذَ لَهْواً﴾. أي: زوجة وولداً، ﴿لاَّتَّخَذْنَاهُ مِن لَّدُنَّآ﴾ أي: من عندنا. أي مما نخلق. لكنا لا نفعل ذلك، ولا يصلح لنا فعله. قال الحسن: اللهو: المرأة. وقاله مجاهد. وقال قتادة: اللهو بلغة أهل اليمن - المرأة. وقال ابن عباس: "لهواً: ولداً". وقيل: لهواً: نكاحاً. * * وقوله: ﴿إِن كُنَّا فَاعِلِينَ﴾. أي: ما كنا فاعلين. قاله قتادة. وقيل: إن: للشرط. والتقدير: إن كنا فاعلين، ولسنا ممن يفعله. وقال ابن جريج: "قالوا: مريم صاحبته، وعيسى ولده. تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً. فأنزل الله: ﴿لَوْ أَرَدْنَآ أَن نَّتَّخِذَ﴾ الآية. ومعنى: "من لدنا" عند ابن جريج: "من عندنا من أهل السماء ولم نتخذه من أهل الأرض الذين تلحقهم الآفات والنقص". ﴿إِن كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ أي: ما كنا نفعل ذلك. * * ثم قال تعالى: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِٱلْحَقِّ عَلَى ٱلْبَاطِلِ﴾. قال مجاهد: الحق: القرآن، والباطل الشيطان. وكذلك كل ما في القرآن من الباطل فهو الشيطان عنده. وتقديره في العربية ذو الباطل فتقديره: بل ننزل القرآن على الكفر وأهله ﴿فَيَدْمَغُهُ﴾ أي: فيهلكه. ولذلك قيل للشجة التي تبلغ الدماغ: (الدامغة) وقيل من سلم منها. قوله ﴿فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ﴾. أي: ذاهب مضمحل. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَكُمُ ٱلْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ﴾. أي: ولكم الويل من وصفكم ربكم بغير صفته بقولكم: إنه اتخذ ولداً وزوجة. وقيل: معناه: ولكم واد في جهنم يستعيذ أهل جهنم منه. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَهُ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ﴾. أي: كيف يجوز أن يتخذ ولداً من له من في السماوات والأرض، ومن عنده من الملائكة الذين ادعيتم أنهم بنات الله لا يستكبرون عن عبادتهم إياه ﴿وَلاَ يَسْتَحْسِرُونَ﴾ أي: ولا يعيون ولا ينقطعون عن عبادته. "وعند" في هذا بمعنى: قرب المنزلة عند الله لهم، وليس بمعنى قرب المسافة، لأنه لا تحويه الأمكنة فقد علمتم أنه ليس يستعبد والد ولده، ولا صاحبته، وكل من في السماوات والأرض عبيده، فكيف يكون له صاحبة وولد، أفلا تتفكرون فيما تفترون من الكذب على ربكم. * * ثم قال تعالى: ﴿يُسَبِّحُونَ ٱلَّيلَ وَٱلنَّهَارَ لاَ يَفْتُرُونَ﴾. أي: لا يكلون من تسبيحهم. قال كعب: "التسبيح لهم بمنزلة النفس لبني آدم". وعنه أنه قال: "ألهموا التسبيح كما ألهمتم الطرف والنفس". وذكر علي بن معبد أن عمر بن الخطاب قال لكعب: خوفنا يا كعب. فقال: "إن لله عز وجل ملائكة من يوم خلقهم قيام، ما ثنوا أصلابهم، وآخرين ركوعاً ما رفعوا أصلابهم، وآخرين سجوداً ما رفعوا رؤوسهم حتى ينفخ في الصور النفخة الآخرة، فيقولون جميعاً: سبحانك ما عبدناك حق عبادتك كما ينبغي لك أن تعبد ثم قال: والله لو أن رجلاً عمل عمل سبعين نبياً لاستقل عمله من شدة ما يرى يومئذ، والله لو دلي من غسلين دلو واحد من مطلع الشمس، لغلت منه جماجم قوم في مغربها والله لتزفرن جهنم زفرة ولا يبقى ملك مقرب إلاّ خرّ جاثياً على ركبتيه". وروى ابن المبارك في حديث عن بعض شيوخه: "أن ملكاً لما استوى الرب جل ذكره على عرشه سجد فلم يرفع رأسه ولا يرفعه إلى يوم القيامة. فيقول يوم القيامة: لم أعبدك حق عبادتك، إلا أني لم أشرك بك شيئاً، ولم أتخذ من دونك ولياً". وعن عبد الله بن عمرو أنه قال: "إن الله جزأ الخلق عشرة أجزاء، فجعل الملائكة تسعة أجزاء، وسائر الخلق جزء. وجزأ الملائكة عشرة أجزاء فجعل تسعة أجزاء يسبحون الليل والنهار لا يفترون وجزءاً لرسالته. وجزأ سائر الخلق عشرة أجزاء فجعل الجن تسعة أجزاء، وسائر بني آدم جزءاً. وجزأ بني آدم عشرة أجزاء، فجعل يأجوج ومأجوج تسعة أجزاء، وسائر بني آدم جزءاً". وعنه أيضاً أنه قال: "الملائكة عشرة أجزاء، تسعة أجزاء منهم الكروبيون الذين يسبحون الليل والنهار لا يفترون، وجزءاً واحداً لرسالته ولما شاء من أمره". وقال ابن عباس: "كل تسبيح في القرآن، يعني: به الصلاة". * * ثم قال تعالى: ﴿أَمِ ٱتَّخَذُوۤاْ آلِهَةً مِّنَ ٱلأَرْضِ﴾. أي: اتخذ هؤلاء المشركون آلهة من الأرض: ﴿هُمْ يُنشِرُونَ﴾ أي: هذه الآلهة تحيي الموتى. بل الله هو الذي يحيي الموتى. وقرئ ﴿هُمْ يُنشِرُونَ﴾ بفتح الياء. والمعنى: هم يحيون فلا يموتون أبداً، كالله الحي الذي لا يموت. * * ثم قال تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَآ آلِهَةٌ إِلاَّ ٱللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾. أي: لو كان في السماوات والأرض آلهة غير الله. و "إلا" بمعنى: غير: فاعرب الاسم الذي بعد "إلا" كإعراب "غير" لو ظهرت فرفع. هذا مذهب البصريين وسيبويه. وقال الفراء: "إلا" بمعنى سوى. ومعنى الآية: لو كان المعبود آلهة أو إلهين لفسد التدبير، لأن أحدهما يريد ما لا يريد الآخر، فإذا تم ما أراد أحدهما، عجز الآخر. والعاجز لا يكون إلهاً. وإذا فسد وجود إلهين أو آلهة، ولم يكن بد من خالق مقدر للأشياء، يقدم المقدم منها، ويؤخر المؤخر منها، ويوجدها بعد عدمها، ثبت أنه واحد. * * ثم قال تعالى: ﴿فَسُبْحَانَ ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ أي: فتنزيه لله تعالى وتبرئة له عما يفتري عليه هؤلاء المشركون من الكذب. * * ثم قال تعالى: ﴿لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾. أي: لا سائل يتعقب عليه فيما يفعله بخلقه من حياة وموت وصحة ومرض، وغير ذلك وجميع الخلق. مسؤولون عن أفعالهم، ومحاسبون عليها.

الأنبياء 21:21

قوله تعالى: ﴿وَكَمْ قَصَمْنَا مِن قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً﴾ إلى قوله: ﴿عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾. المعنى: وكثيراً أهلكنا من أهل القرى كانوا ظالمين بكفرهِم فـ "كم" في موضع نصب بقصمنا، وهي خبر، وفيها معنى التكثير. وانقصم أصله الكسر. يقال انقصم سنه، وقصمت ظهر فلان، أي: كسرته. وروى ابن وهب عن بعض رجاله، أنه كان باليمن قريتان، فبطر أهلها وأترفوا حتى ما كانوا يغلقون أبوابهم، فبعث الله تعالى إليهم نبياً فدعاهم، فقتلوه، فألقى الله في نفس بخت نصر غزوهم، فبعث إليهم جيشاً، فهزموه، ثم بعث آخر فهزموه. فخرج إليهم بنفسه، فهزمهم، فخرجوا يركضون فسمع مناد يقول: ﴿لاَ تَرْكُضُواْ وَٱرْجِعُوۤاْ إِلَىٰ مَآ أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَاكِنِكُمْ﴾. فرجعوا، فسمعوا صوتاً يقول: يا لثارات النبي فقتلوا كلهم. فهي التي عنى الله في هذه السورة حصدوا بالسيف. قال مجاهد: "قصمنا": أهكلنا. وجرى الخبر عن القرية والمراد أهلها، لأن المعنى مفهوم. * * ثم قال: ﴿وَأَنشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْماً آخَرِينَ﴾ أي: أحدثنا بعد إهلاك هؤلاء الظالمين قوماً آخرين سواهم. * * ثم قال: ﴿فَلَمَّآ أَحَسُّواْ بَأْسَنَآ إِذَا هُمْ مِّنْهَا يَرْكُضُونَ﴾. أي: فلما عاين هؤلاء الظالمون من أهل القرى العذاب، ووجدوا مسه، إذا هم مما أحسوا يركضون. أي: يهربون سراعاً يعدون. وأصله من ركض الدابة إذا حركت رجليك عليها فعدت. فقوله: ﴿فَلَمَّآ أَحَسُّواْ بَأْسَنَآ﴾. لا يرجع إلى قوله: ﴿قَوْماً آخَرِينَ﴾ لأنه لم يذكر لهم ذنباً يعذبون من أجله، لكنه راجع إلى قوله: ﴿وَكَمْ قَصَمْنَا مِن قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً﴾. * * ثم قال: ﴿لاَ تَرْكُضُواْ﴾. أي: لا تفروا ولا تهربوا. ﴿وَٱرْجِعُوۤاْ إِلَىٰ مَآ أُتْرِفْتُمْ فِيهِ﴾. أي: إلى ما أنعمتم فيه من عيشكم وإلى، ﴿وَمَسَاكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ﴾ أي: تسألون عن دنياكم شيئاً. على وجه السخرية بهم والاستهزاء. قاله: قتادة. وقال مجاهد: ﴿لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ﴾ أي: تنتهون. وقيل: معناه: لعلكم تسألون شيئاً مما شغلكم عما لكم فيه الصلاح، على التهدد. وقيل: معناه: لعلكم تسألون عما نزل بكم من العقوبة وعاينتموه من العذاب. * * ثم قال تعالى: ﴿قَالُواْ يٰوَيْلَنَآ إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾. أي: قالوا لمّا حلَّ عليهم العذاب: يا ويلنا. وهي كلمة يقولها من وقع في هلكة وتقال لمن وقع في هلكة. ﴿إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾ بكفرنا بربنا. * * ثم قال تعالى: ﴿فَمَا زَالَت تِلْكَ دَعْوَاهُمْ﴾. أي: فما زالت تلك الكلمة دعواهم وهي الدعاء بالويل، والإقرار بالظلم. * * ﴿حَتَّىٰ جَعَلْنَاهُمْ حَصِيداً خَامِدِينَ﴾. أي: حتى هلكوا فحصدوا من الحياة كما يحصد الزرع فصاروا مثل الحصيد من الزرع. ﴿خَامِدِينَ﴾ أي: قد سكنت حركتهم كما تخمد النار فتطفأ. قال الضحاك ومقاتل ومجاهد: "حصدوا قتلاً بالسيف". قال قتادة: "لما عاينوا العذاب، لم يكن لهم هِجِّيرَي إلا قولهم: يا ويلنا، إنا كنا ظالمين. حتى دمّر الله تعالى عليهم فأهلكهم. قال ابن عباس: "خامدين خمود النار، أي طفئت ولم ينتفعوا بالإيمان والندم عند معاينة العذاب، لأنه وقت قد رفع عنهم فيه التكليف. وإذا رفع التكليف، ارتفع القبول. وإنما القبول منوط بالتكليف. * * ثم قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَآءَ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَـٰعِبِينَ﴾. أي: ما خلقناهما لعباً وعبثاً، إنما خلقناهما حجة عليكم أيها الناس، لتعتبروا وتعلموا أن الذي خلقهما ودبرهما لا يشبهه شيء، وإنه لا تكون العبادة إلا له. وقيل: المعنى، ما خلقناهما وما بينهما لعباً ولا باطلاً، أي: ليظلم بعض الناس بعضاً، ويكفر بعضهم، ويخالف بعضهم ما أمر به، ثم يموتوا فلا يجازون بأفعالهم. وقيل: المعنى: ما خلقناهما لعباً، بل خلقناهما ليؤمر الناس بحسن وينهوا عن قبح. * * ثم قال تعالى: ﴿لَوْ أَرَدْنَآ أَن نَّتَّخِذَ لَهْواً﴾. أي: زوجة وولداً، ﴿لاَّتَّخَذْنَاهُ مِن لَّدُنَّآ﴾ أي: من عندنا. أي مما نخلق. لكنا لا نفعل ذلك، ولا يصلح لنا فعله. قال الحسن: اللهو: المرأة. وقاله مجاهد. وقال قتادة: اللهو بلغة أهل اليمن - المرأة. وقال ابن عباس: "لهواً: ولداً". وقيل: لهواً: نكاحاً. * * وقوله: ﴿إِن كُنَّا فَاعِلِينَ﴾. أي: ما كنا فاعلين. قاله قتادة. وقيل: إن: للشرط. والتقدير: إن كنا فاعلين، ولسنا ممن يفعله. وقال ابن جريج: "قالوا: مريم صاحبته، وعيسى ولده. تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً. فأنزل الله: ﴿لَوْ أَرَدْنَآ أَن نَّتَّخِذَ﴾ الآية. ومعنى: "من لدنا" عند ابن جريج: "من عندنا من أهل السماء ولم نتخذه من أهل الأرض الذين تلحقهم الآفات والنقص". ﴿إِن كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ أي: ما كنا نفعل ذلك. * * ثم قال تعالى: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِٱلْحَقِّ عَلَى ٱلْبَاطِلِ﴾. قال مجاهد: الحق: القرآن، والباطل الشيطان. وكذلك كل ما في القرآن من الباطل فهو الشيطان عنده. وتقديره في العربية ذو الباطل فتقديره: بل ننزل القرآن على الكفر وأهله ﴿فَيَدْمَغُهُ﴾ أي: فيهلكه. ولذلك قيل للشجة التي تبلغ الدماغ: (الدامغة) وقيل من سلم منها. قوله ﴿فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ﴾. أي: ذاهب مضمحل. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَكُمُ ٱلْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ﴾. أي: ولكم الويل من وصفكم ربكم بغير صفته بقولكم: إنه اتخذ ولداً وزوجة. وقيل: معناه: ولكم واد في جهنم يستعيذ أهل جهنم منه. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَهُ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ﴾. أي: كيف يجوز أن يتخذ ولداً من له من في السماوات والأرض، ومن عنده من الملائكة الذين ادعيتم أنهم بنات الله لا يستكبرون عن عبادتهم إياه ﴿وَلاَ يَسْتَحْسِرُونَ﴾ أي: ولا يعيون ولا ينقطعون عن عبادته. "وعند" في هذا بمعنى: قرب المنزلة عند الله لهم، وليس بمعنى قرب المسافة، لأنه لا تحويه الأمكنة فقد علمتم أنه ليس يستعبد والد ولده، ولا صاحبته، وكل من في السماوات والأرض عبيده، فكيف يكون له صاحبة وولد، أفلا تتفكرون فيما تفترون من الكذب على ربكم. * * ثم قال تعالى: ﴿يُسَبِّحُونَ ٱلَّيلَ وَٱلنَّهَارَ لاَ يَفْتُرُونَ﴾. أي: لا يكلون من تسبيحهم. قال كعب: "التسبيح لهم بمنزلة النفس لبني آدم". وعنه أنه قال: "ألهموا التسبيح كما ألهمتم الطرف والنفس". وذكر علي بن معبد أن عمر بن الخطاب قال لكعب: خوفنا يا كعب. فقال: "إن لله عز وجل ملائكة من يوم خلقهم قيام، ما ثنوا أصلابهم، وآخرين ركوعاً ما رفعوا أصلابهم، وآخرين سجوداً ما رفعوا رؤوسهم حتى ينفخ في الصور النفخة الآخرة، فيقولون جميعاً: سبحانك ما عبدناك حق عبادتك كما ينبغي لك أن تعبد ثم قال: والله لو أن رجلاً عمل عمل سبعين نبياً لاستقل عمله من شدة ما يرى يومئذ، والله لو دلي من غسلين دلو واحد من مطلع الشمس، لغلت منه جماجم قوم في مغربها والله لتزفرن جهنم زفرة ولا يبقى ملك مقرب إلاّ خرّ جاثياً على ركبتيه". وروى ابن المبارك في حديث عن بعض شيوخه: "أن ملكاً لما استوى الرب جل ذكره على عرشه سجد فلم يرفع رأسه ولا يرفعه إلى يوم القيامة. فيقول يوم القيامة: لم أعبدك حق عبادتك، إلا أني لم أشرك بك شيئاً، ولم أتخذ من دونك ولياً". وعن عبد الله بن عمرو أنه قال: "إن الله جزأ الخلق عشرة أجزاء، فجعل الملائكة تسعة أجزاء، وسائر الخلق جزء. وجزأ الملائكة عشرة أجزاء فجعل تسعة أجزاء يسبحون الليل والنهار لا يفترون وجزءاً لرسالته. وجزأ سائر الخلق عشرة أجزاء فجعل الجن تسعة أجزاء، وسائر بني آدم جزءاً. وجزأ بني آدم عشرة أجزاء، فجعل يأجوج ومأجوج تسعة أجزاء، وسائر بني آدم جزءاً". وعنه أيضاً أنه قال: "الملائكة عشرة أجزاء، تسعة أجزاء منهم الكروبيون الذين يسبحون الليل والنهار لا يفترون، وجزءاً واحداً لرسالته ولما شاء من أمره". وقال ابن عباس: "كل تسبيح في القرآن، يعني: به الصلاة". * * ثم قال تعالى: ﴿أَمِ ٱتَّخَذُوۤاْ آلِهَةً مِّنَ ٱلأَرْضِ﴾. أي: اتخذ هؤلاء المشركون آلهة من الأرض: ﴿هُمْ يُنشِرُونَ﴾ أي: هذه الآلهة تحيي الموتى. بل الله هو الذي يحيي الموتى. وقرئ ﴿هُمْ يُنشِرُونَ﴾ بفتح الياء. والمعنى: هم يحيون فلا يموتون أبداً، كالله الحي الذي لا يموت. * * ثم قال تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَآ آلِهَةٌ إِلاَّ ٱللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾. أي: لو كان في السماوات والأرض آلهة غير الله. و "إلا" بمعنى: غير: فاعرب الاسم الذي بعد "إلا" كإعراب "غير" لو ظهرت فرفع. هذا مذهب البصريين وسيبويه. وقال الفراء: "إلا" بمعنى سوى. ومعنى الآية: لو كان المعبود آلهة أو إلهين لفسد التدبير، لأن أحدهما يريد ما لا يريد الآخر، فإذا تم ما أراد أحدهما، عجز الآخر. والعاجز لا يكون إلهاً. وإذا فسد وجود إلهين أو آلهة، ولم يكن بد من خالق مقدر للأشياء، يقدم المقدم منها، ويؤخر المؤخر منها، ويوجدها بعد عدمها، ثبت أنه واحد. * * ثم قال تعالى: ﴿فَسُبْحَانَ ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ أي: فتنزيه لله تعالى وتبرئة له عما يفتري عليه هؤلاء المشركون من الكذب. * * ثم قال تعالى: ﴿لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾. أي: لا سائل يتعقب عليه فيما يفعله بخلقه من حياة وموت وصحة ومرض، وغير ذلك وجميع الخلق. مسؤولون عن أفعالهم، ومحاسبون عليها.

الأنبياء 21:22

قوله تعالى: ﴿وَكَمْ قَصَمْنَا مِن قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً﴾ إلى قوله: ﴿عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾. المعنى: وكثيراً أهلكنا من أهل القرى كانوا ظالمين بكفرهِم فـ "كم" في موضع نصب بقصمنا، وهي خبر، وفيها معنى التكثير. وانقصم أصله الكسر. يقال انقصم سنه، وقصمت ظهر فلان، أي: كسرته. وروى ابن وهب عن بعض رجاله، أنه كان باليمن قريتان، فبطر أهلها وأترفوا حتى ما كانوا يغلقون أبوابهم، فبعث الله تعالى إليهم نبياً فدعاهم، فقتلوه، فألقى الله في نفس بخت نصر غزوهم، فبعث إليهم جيشاً، فهزموه، ثم بعث آخر فهزموه. فخرج إليهم بنفسه، فهزمهم، فخرجوا يركضون فسمع مناد يقول: ﴿لاَ تَرْكُضُواْ وَٱرْجِعُوۤاْ إِلَىٰ مَآ أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَاكِنِكُمْ﴾. فرجعوا، فسمعوا صوتاً يقول: يا لثارات النبي فقتلوا كلهم. فهي التي عنى الله في هذه السورة حصدوا بالسيف. قال مجاهد: "قصمنا": أهكلنا. وجرى الخبر عن القرية والمراد أهلها، لأن المعنى مفهوم. * * ثم قال: ﴿وَأَنشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْماً آخَرِينَ﴾ أي: أحدثنا بعد إهلاك هؤلاء الظالمين قوماً آخرين سواهم. * * ثم قال: ﴿فَلَمَّآ أَحَسُّواْ بَأْسَنَآ إِذَا هُمْ مِّنْهَا يَرْكُضُونَ﴾. أي: فلما عاين هؤلاء الظالمون من أهل القرى العذاب، ووجدوا مسه، إذا هم مما أحسوا يركضون. أي: يهربون سراعاً يعدون. وأصله من ركض الدابة إذا حركت رجليك عليها فعدت. فقوله: ﴿فَلَمَّآ أَحَسُّواْ بَأْسَنَآ﴾. لا يرجع إلى قوله: ﴿قَوْماً آخَرِينَ﴾ لأنه لم يذكر لهم ذنباً يعذبون من أجله، لكنه راجع إلى قوله: ﴿وَكَمْ قَصَمْنَا مِن قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً﴾. * * ثم قال: ﴿لاَ تَرْكُضُواْ﴾. أي: لا تفروا ولا تهربوا. ﴿وَٱرْجِعُوۤاْ إِلَىٰ مَآ أُتْرِفْتُمْ فِيهِ﴾. أي: إلى ما أنعمتم فيه من عيشكم وإلى، ﴿وَمَسَاكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ﴾ أي: تسألون عن دنياكم شيئاً. على وجه السخرية بهم والاستهزاء. قاله: قتادة. وقال مجاهد: ﴿لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ﴾ أي: تنتهون. وقيل: معناه: لعلكم تسألون شيئاً مما شغلكم عما لكم فيه الصلاح، على التهدد. وقيل: معناه: لعلكم تسألون عما نزل بكم من العقوبة وعاينتموه من العذاب. * * ثم قال تعالى: ﴿قَالُواْ يٰوَيْلَنَآ إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾. أي: قالوا لمّا حلَّ عليهم العذاب: يا ويلنا. وهي كلمة يقولها من وقع في هلكة وتقال لمن وقع في هلكة. ﴿إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾ بكفرنا بربنا. * * ثم قال تعالى: ﴿فَمَا زَالَت تِلْكَ دَعْوَاهُمْ﴾. أي: فما زالت تلك الكلمة دعواهم وهي الدعاء بالويل، والإقرار بالظلم. * * ﴿حَتَّىٰ جَعَلْنَاهُمْ حَصِيداً خَامِدِينَ﴾. أي: حتى هلكوا فحصدوا من الحياة كما يحصد الزرع فصاروا مثل الحصيد من الزرع. ﴿خَامِدِينَ﴾ أي: قد سكنت حركتهم كما تخمد النار فتطفأ. قال الضحاك ومقاتل ومجاهد: "حصدوا قتلاً بالسيف". قال قتادة: "لما عاينوا العذاب، لم يكن لهم هِجِّيرَي إلا قولهم: يا ويلنا، إنا كنا ظالمين. حتى دمّر الله تعالى عليهم فأهلكهم. قال ابن عباس: "خامدين خمود النار، أي طفئت ولم ينتفعوا بالإيمان والندم عند معاينة العذاب، لأنه وقت قد رفع عنهم فيه التكليف. وإذا رفع التكليف، ارتفع القبول. وإنما القبول منوط بالتكليف. * * ثم قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَآءَ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَـٰعِبِينَ﴾. أي: ما خلقناهما لعباً وعبثاً، إنما خلقناهما حجة عليكم أيها الناس، لتعتبروا وتعلموا أن الذي خلقهما ودبرهما لا يشبهه شيء، وإنه لا تكون العبادة إلا له. وقيل: المعنى، ما خلقناهما وما بينهما لعباً ولا باطلاً، أي: ليظلم بعض الناس بعضاً، ويكفر بعضهم، ويخالف بعضهم ما أمر به، ثم يموتوا فلا يجازون بأفعالهم. وقيل: المعنى: ما خلقناهما لعباً، بل خلقناهما ليؤمر الناس بحسن وينهوا عن قبح. * * ثم قال تعالى: ﴿لَوْ أَرَدْنَآ أَن نَّتَّخِذَ لَهْواً﴾. أي: زوجة وولداً، ﴿لاَّتَّخَذْنَاهُ مِن لَّدُنَّآ﴾ أي: من عندنا. أي مما نخلق. لكنا لا نفعل ذلك، ولا يصلح لنا فعله. قال الحسن: اللهو: المرأة. وقاله مجاهد. وقال قتادة: اللهو بلغة أهل اليمن - المرأة. وقال ابن عباس: "لهواً: ولداً". وقيل: لهواً: نكاحاً. * * وقوله: ﴿إِن كُنَّا فَاعِلِينَ﴾. أي: ما كنا فاعلين. قاله قتادة. وقيل: إن: للشرط. والتقدير: إن كنا فاعلين، ولسنا ممن يفعله. وقال ابن جريج: "قالوا: مريم صاحبته، وعيسى ولده. تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً. فأنزل الله: ﴿لَوْ أَرَدْنَآ أَن نَّتَّخِذَ﴾ الآية. ومعنى: "من لدنا" عند ابن جريج: "من عندنا من أهل السماء ولم نتخذه من أهل الأرض الذين تلحقهم الآفات والنقص". ﴿إِن كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ أي: ما كنا نفعل ذلك. * * ثم قال تعالى: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِٱلْحَقِّ عَلَى ٱلْبَاطِلِ﴾. قال مجاهد: الحق: القرآن، والباطل الشيطان. وكذلك كل ما في القرآن من الباطل فهو الشيطان عنده. وتقديره في العربية ذو الباطل فتقديره: بل ننزل القرآن على الكفر وأهله ﴿فَيَدْمَغُهُ﴾ أي: فيهلكه. ولذلك قيل للشجة التي تبلغ الدماغ: (الدامغة) وقيل من سلم منها. قوله ﴿فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ﴾. أي: ذاهب مضمحل. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَكُمُ ٱلْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ﴾. أي: ولكم الويل من وصفكم ربكم بغير صفته بقولكم: إنه اتخذ ولداً وزوجة. وقيل: معناه: ولكم واد في جهنم يستعيذ أهل جهنم منه. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَهُ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ﴾. أي: كيف يجوز أن يتخذ ولداً من له من في السماوات والأرض، ومن عنده من الملائكة الذين ادعيتم أنهم بنات الله لا يستكبرون عن عبادتهم إياه ﴿وَلاَ يَسْتَحْسِرُونَ﴾ أي: ولا يعيون ولا ينقطعون عن عبادته. "وعند" في هذا بمعنى: قرب المنزلة عند الله لهم، وليس بمعنى قرب المسافة، لأنه لا تحويه الأمكنة فقد علمتم أنه ليس يستعبد والد ولده، ولا صاحبته، وكل من في السماوات والأرض عبيده، فكيف يكون له صاحبة وولد، أفلا تتفكرون فيما تفترون من الكذب على ربكم. * * ثم قال تعالى: ﴿يُسَبِّحُونَ ٱلَّيلَ وَٱلنَّهَارَ لاَ يَفْتُرُونَ﴾. أي: لا يكلون من تسبيحهم. قال كعب: "التسبيح لهم بمنزلة النفس لبني آدم". وعنه أنه قال: "ألهموا التسبيح كما ألهمتم الطرف والنفس". وذكر علي بن معبد أن عمر بن الخطاب قال لكعب: خوفنا يا كعب. فقال: "إن لله عز وجل ملائكة من يوم خلقهم قيام، ما ثنوا أصلابهم، وآخرين ركوعاً ما رفعوا أصلابهم، وآخرين سجوداً ما رفعوا رؤوسهم حتى ينفخ في الصور النفخة الآخرة، فيقولون جميعاً: سبحانك ما عبدناك حق عبادتك كما ينبغي لك أن تعبد ثم قال: والله لو أن رجلاً عمل عمل سبعين نبياً لاستقل عمله من شدة ما يرى يومئذ، والله لو دلي من غسلين دلو واحد من مطلع الشمس، لغلت منه جماجم قوم في مغربها والله لتزفرن جهنم زفرة ولا يبقى ملك مقرب إلاّ خرّ جاثياً على ركبتيه". وروى ابن المبارك في حديث عن بعض شيوخه: "أن ملكاً لما استوى الرب جل ذكره على عرشه سجد فلم يرفع رأسه ولا يرفعه إلى يوم القيامة. فيقول يوم القيامة: لم أعبدك حق عبادتك، إلا أني لم أشرك بك شيئاً، ولم أتخذ من دونك ولياً". وعن عبد الله بن عمرو أنه قال: "إن الله جزأ الخلق عشرة أجزاء، فجعل الملائكة تسعة أجزاء، وسائر الخلق جزء. وجزأ الملائكة عشرة أجزاء فجعل تسعة أجزاء يسبحون الليل والنهار لا يفترون وجزءاً لرسالته. وجزأ سائر الخلق عشرة أجزاء فجعل الجن تسعة أجزاء، وسائر بني آدم جزءاً. وجزأ بني آدم عشرة أجزاء، فجعل يأجوج ومأجوج تسعة أجزاء، وسائر بني آدم جزءاً". وعنه أيضاً أنه قال: "الملائكة عشرة أجزاء، تسعة أجزاء منهم الكروبيون الذين يسبحون الليل والنهار لا يفترون، وجزءاً واحداً لرسالته ولما شاء من أمره". وقال ابن عباس: "كل تسبيح في القرآن، يعني: به الصلاة". * * ثم قال تعالى: ﴿أَمِ ٱتَّخَذُوۤاْ آلِهَةً مِّنَ ٱلأَرْضِ﴾. أي: اتخذ هؤلاء المشركون آلهة من الأرض: ﴿هُمْ يُنشِرُونَ﴾ أي: هذه الآلهة تحيي الموتى. بل الله هو الذي يحيي الموتى. وقرئ ﴿هُمْ يُنشِرُونَ﴾ بفتح الياء. والمعنى: هم يحيون فلا يموتون أبداً، كالله الحي الذي لا يموت. * * ثم قال تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَآ آلِهَةٌ إِلاَّ ٱللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾. أي: لو كان في السماوات والأرض آلهة غير الله. و "إلا" بمعنى: غير: فاعرب الاسم الذي بعد "إلا" كإعراب "غير" لو ظهرت فرفع. هذا مذهب البصريين وسيبويه. وقال الفراء: "إلا" بمعنى سوى. ومعنى الآية: لو كان المعبود آلهة أو إلهين لفسد التدبير، لأن أحدهما يريد ما لا يريد الآخر، فإذا تم ما أراد أحدهما، عجز الآخر. والعاجز لا يكون إلهاً. وإذا فسد وجود إلهين أو آلهة، ولم يكن بد من خالق مقدر للأشياء، يقدم المقدم منها، ويؤخر المؤخر منها، ويوجدها بعد عدمها، ثبت أنه واحد. * * ثم قال تعالى: ﴿فَسُبْحَانَ ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ أي: فتنزيه لله تعالى وتبرئة له عما يفتري عليه هؤلاء المشركون من الكذب. * * ثم قال تعالى: ﴿لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾. أي: لا سائل يتعقب عليه فيما يفعله بخلقه من حياة وموت وصحة ومرض، وغير ذلك وجميع الخلق. مسؤولون عن أفعالهم، ومحاسبون عليها.

الأنبياء 21:23

قوله تعالى: ﴿وَكَمْ قَصَمْنَا مِن قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً﴾ إلى قوله: ﴿عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾. المعنى: وكثيراً أهلكنا من أهل القرى كانوا ظالمين بكفرهِم فـ "كم" في موضع نصب بقصمنا، وهي خبر، وفيها معنى التكثير. وانقصم أصله الكسر. يقال انقصم سنه، وقصمت ظهر فلان، أي: كسرته. وروى ابن وهب عن بعض رجاله، أنه كان باليمن قريتان، فبطر أهلها وأترفوا حتى ما كانوا يغلقون أبوابهم، فبعث الله تعالى إليهم نبياً فدعاهم، فقتلوه، فألقى الله في نفس بخت نصر غزوهم، فبعث إليهم جيشاً، فهزموه، ثم بعث آخر فهزموه. فخرج إليهم بنفسه، فهزمهم، فخرجوا يركضون فسمع مناد يقول: ﴿لاَ تَرْكُضُواْ وَٱرْجِعُوۤاْ إِلَىٰ مَآ أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَاكِنِكُمْ﴾. فرجعوا، فسمعوا صوتاً يقول: يا لثارات النبي فقتلوا كلهم. فهي التي عنى الله في هذه السورة حصدوا بالسيف. قال مجاهد: "قصمنا": أهكلنا. وجرى الخبر عن القرية والمراد أهلها، لأن المعنى مفهوم. * * ثم قال: ﴿وَأَنشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْماً آخَرِينَ﴾ أي: أحدثنا بعد إهلاك هؤلاء الظالمين قوماً آخرين سواهم. * * ثم قال: ﴿فَلَمَّآ أَحَسُّواْ بَأْسَنَآ إِذَا هُمْ مِّنْهَا يَرْكُضُونَ﴾. أي: فلما عاين هؤلاء الظالمون من أهل القرى العذاب، ووجدوا مسه، إذا هم مما أحسوا يركضون. أي: يهربون سراعاً يعدون. وأصله من ركض الدابة إذا حركت رجليك عليها فعدت. فقوله: ﴿فَلَمَّآ أَحَسُّواْ بَأْسَنَآ﴾. لا يرجع إلى قوله: ﴿قَوْماً آخَرِينَ﴾ لأنه لم يذكر لهم ذنباً يعذبون من أجله، لكنه راجع إلى قوله: ﴿وَكَمْ قَصَمْنَا مِن قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً﴾. * * ثم قال: ﴿لاَ تَرْكُضُواْ﴾. أي: لا تفروا ولا تهربوا. ﴿وَٱرْجِعُوۤاْ إِلَىٰ مَآ أُتْرِفْتُمْ فِيهِ﴾. أي: إلى ما أنعمتم فيه من عيشكم وإلى، ﴿وَمَسَاكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ﴾ أي: تسألون عن دنياكم شيئاً. على وجه السخرية بهم والاستهزاء. قاله: قتادة. وقال مجاهد: ﴿لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ﴾ أي: تنتهون. وقيل: معناه: لعلكم تسألون شيئاً مما شغلكم عما لكم فيه الصلاح، على التهدد. وقيل: معناه: لعلكم تسألون عما نزل بكم من العقوبة وعاينتموه من العذاب. * * ثم قال تعالى: ﴿قَالُواْ يٰوَيْلَنَآ إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾. أي: قالوا لمّا حلَّ عليهم العذاب: يا ويلنا. وهي كلمة يقولها من وقع في هلكة وتقال لمن وقع في هلكة. ﴿إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾ بكفرنا بربنا. * * ثم قال تعالى: ﴿فَمَا زَالَت تِلْكَ دَعْوَاهُمْ﴾. أي: فما زالت تلك الكلمة دعواهم وهي الدعاء بالويل، والإقرار بالظلم. * * ﴿حَتَّىٰ جَعَلْنَاهُمْ حَصِيداً خَامِدِينَ﴾. أي: حتى هلكوا فحصدوا من الحياة كما يحصد الزرع فصاروا مثل الحصيد من الزرع. ﴿خَامِدِينَ﴾ أي: قد سكنت حركتهم كما تخمد النار فتطفأ. قال الضحاك ومقاتل ومجاهد: "حصدوا قتلاً بالسيف". قال قتادة: "لما عاينوا العذاب، لم يكن لهم هِجِّيرَي إلا قولهم: يا ويلنا، إنا كنا ظالمين. حتى دمّر الله تعالى عليهم فأهلكهم. قال ابن عباس: "خامدين خمود النار، أي طفئت ولم ينتفعوا بالإيمان والندم عند معاينة العذاب، لأنه وقت قد رفع عنهم فيه التكليف. وإذا رفع التكليف، ارتفع القبول. وإنما القبول منوط بالتكليف. * * ثم قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَآءَ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَـٰعِبِينَ﴾. أي: ما خلقناهما لعباً وعبثاً، إنما خلقناهما حجة عليكم أيها الناس، لتعتبروا وتعلموا أن الذي خلقهما ودبرهما لا يشبهه شيء، وإنه لا تكون العبادة إلا له. وقيل: المعنى، ما خلقناهما وما بينهما لعباً ولا باطلاً، أي: ليظلم بعض الناس بعضاً، ويكفر بعضهم، ويخالف بعضهم ما أمر به، ثم يموتوا فلا يجازون بأفعالهم. وقيل: المعنى: ما خلقناهما لعباً، بل خلقناهما ليؤمر الناس بحسن وينهوا عن قبح. * * ثم قال تعالى: ﴿لَوْ أَرَدْنَآ أَن نَّتَّخِذَ لَهْواً﴾. أي: زوجة وولداً، ﴿لاَّتَّخَذْنَاهُ مِن لَّدُنَّآ﴾ أي: من عندنا. أي مما نخلق. لكنا لا نفعل ذلك، ولا يصلح لنا فعله. قال الحسن: اللهو: المرأة. وقاله مجاهد. وقال قتادة: اللهو بلغة أهل اليمن - المرأة. وقال ابن عباس: "لهواً: ولداً". وقيل: لهواً: نكاحاً. * * وقوله: ﴿إِن كُنَّا فَاعِلِينَ﴾. أي: ما كنا فاعلين. قاله قتادة. وقيل: إن: للشرط. والتقدير: إن كنا فاعلين، ولسنا ممن يفعله. وقال ابن جريج: "قالوا: مريم صاحبته، وعيسى ولده. تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً. فأنزل الله: ﴿لَوْ أَرَدْنَآ أَن نَّتَّخِذَ﴾ الآية. ومعنى: "من لدنا" عند ابن جريج: "من عندنا من أهل السماء ولم نتخذه من أهل الأرض الذين تلحقهم الآفات والنقص". ﴿إِن كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ أي: ما كنا نفعل ذلك. * * ثم قال تعالى: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِٱلْحَقِّ عَلَى ٱلْبَاطِلِ﴾. قال مجاهد: الحق: القرآن، والباطل الشيطان. وكذلك كل ما في القرآن من الباطل فهو الشيطان عنده. وتقديره في العربية ذو الباطل فتقديره: بل ننزل القرآن على الكفر وأهله ﴿فَيَدْمَغُهُ﴾ أي: فيهلكه. ولذلك قيل للشجة التي تبلغ الدماغ: (الدامغة) وقيل من سلم منها. قوله ﴿فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ﴾. أي: ذاهب مضمحل. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَكُمُ ٱلْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ﴾. أي: ولكم الويل من وصفكم ربكم بغير صفته بقولكم: إنه اتخذ ولداً وزوجة. وقيل: معناه: ولكم واد في جهنم يستعيذ أهل جهنم منه. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَهُ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ﴾. أي: كيف يجوز أن يتخذ ولداً من له من في السماوات والأرض، ومن عنده من الملائكة الذين ادعيتم أنهم بنات الله لا يستكبرون عن عبادتهم إياه ﴿وَلاَ يَسْتَحْسِرُونَ﴾ أي: ولا يعيون ولا ينقطعون عن عبادته. "وعند" في هذا بمعنى: قرب المنزلة عند الله لهم، وليس بمعنى قرب المسافة، لأنه لا تحويه الأمكنة فقد علمتم أنه ليس يستعبد والد ولده، ولا صاحبته، وكل من في السماوات والأرض عبيده، فكيف يكون له صاحبة وولد، أفلا تتفكرون فيما تفترون من الكذب على ربكم. * * ثم قال تعالى: ﴿يُسَبِّحُونَ ٱلَّيلَ وَٱلنَّهَارَ لاَ يَفْتُرُونَ﴾. أي: لا يكلون من تسبيحهم. قال كعب: "التسبيح لهم بمنزلة النفس لبني آدم". وعنه أنه قال: "ألهموا التسبيح كما ألهمتم الطرف والنفس". وذكر علي بن معبد أن عمر بن الخطاب قال لكعب: خوفنا يا كعب. فقال: "إن لله عز وجل ملائكة من يوم خلقهم قيام، ما ثنوا أصلابهم، وآخرين ركوعاً ما رفعوا أصلابهم، وآخرين سجوداً ما رفعوا رؤوسهم حتى ينفخ في الصور النفخة الآخرة، فيقولون جميعاً: سبحانك ما عبدناك حق عبادتك كما ينبغي لك أن تعبد ثم قال: والله لو أن رجلاً عمل عمل سبعين نبياً لاستقل عمله من شدة ما يرى يومئذ، والله لو دلي من غسلين دلو واحد من مطلع الشمس، لغلت منه جماجم قوم في مغربها والله لتزفرن جهنم زفرة ولا يبقى ملك مقرب إلاّ خرّ جاثياً على ركبتيه". وروى ابن المبارك في حديث عن بعض شيوخه: "أن ملكاً لما استوى الرب جل ذكره على عرشه سجد فلم يرفع رأسه ولا يرفعه إلى يوم القيامة. فيقول يوم القيامة: لم أعبدك حق عبادتك، إلا أني لم أشرك بك شيئاً، ولم أتخذ من دونك ولياً". وعن عبد الله بن عمرو أنه قال: "إن الله جزأ الخلق عشرة أجزاء، فجعل الملائكة تسعة أجزاء، وسائر الخلق جزء. وجزأ الملائكة عشرة أجزاء فجعل تسعة أجزاء يسبحون الليل والنهار لا يفترون وجزءاً لرسالته. وجزأ سائر الخلق عشرة أجزاء فجعل الجن تسعة أجزاء، وسائر بني آدم جزءاً. وجزأ بني آدم عشرة أجزاء، فجعل يأجوج ومأجوج تسعة أجزاء، وسائر بني آدم جزءاً". وعنه أيضاً أنه قال: "الملائكة عشرة أجزاء، تسعة أجزاء منهم الكروبيون الذين يسبحون الليل والنهار لا يفترون، وجزءاً واحداً لرسالته ولما شاء من أمره". وقال ابن عباس: "كل تسبيح في القرآن، يعني: به الصلاة". * * ثم قال تعالى: ﴿أَمِ ٱتَّخَذُوۤاْ آلِهَةً مِّنَ ٱلأَرْضِ﴾. أي: اتخذ هؤلاء المشركون آلهة من الأرض: ﴿هُمْ يُنشِرُونَ﴾ أي: هذه الآلهة تحيي الموتى. بل الله هو الذي يحيي الموتى. وقرئ ﴿هُمْ يُنشِرُونَ﴾ بفتح الياء. والمعنى: هم يحيون فلا يموتون أبداً، كالله الحي الذي لا يموت. * * ثم قال تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَآ آلِهَةٌ إِلاَّ ٱللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾. أي: لو كان في السماوات والأرض آلهة غير الله. و "إلا" بمعنى: غير: فاعرب الاسم الذي بعد "إلا" كإعراب "غير" لو ظهرت فرفع. هذا مذهب البصريين وسيبويه. وقال الفراء: "إلا" بمعنى سوى. ومعنى الآية: لو كان المعبود آلهة أو إلهين لفسد التدبير، لأن أحدهما يريد ما لا يريد الآخر، فإذا تم ما أراد أحدهما، عجز الآخر. والعاجز لا يكون إلهاً. وإذا فسد وجود إلهين أو آلهة، ولم يكن بد من خالق مقدر للأشياء، يقدم المقدم منها، ويؤخر المؤخر منها، ويوجدها بعد عدمها، ثبت أنه واحد. * * ثم قال تعالى: ﴿فَسُبْحَانَ ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ أي: فتنزيه لله تعالى وتبرئة له عما يفتري عليه هؤلاء المشركون من الكذب. * * ثم قال تعالى: ﴿لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾. أي: لا سائل يتعقب عليه فيما يفعله بخلقه من حياة وموت وصحة ومرض، وغير ذلك وجميع الخلق. مسؤولون عن أفعالهم، ومحاسبون عليها.

الأنبياء 21:24

قوله تعالى ذكره: ﴿أَمِ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِ آلِهَةً قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلاَ يُؤْمِنُونَ﴾. المعنى: اتخذ هؤلاء المشركون من دون الله آلهة تنفع وتضر، وتحيي وتميت. قل لهم يا محمد هاتوا برهانكم إن كنتم تزعمون أنكم محقون في أقوالكم أي: هاتوا حجة ودليلاً على صدقكم. وقيل: معناه: بل اتخذوا آلهة. وهو بعيد لقوله: "هم ينتشرون" لأنه يصير أنه أوجب ذلك لهم. وذلك لا يجوز. * * ثم قال: ﴿هَـٰذَا ذِكْرُ مَن مَّعِيَ وَذِكْرُ مَن قَبْلِي﴾، أي: هذا الذي جئتكم به من القرآن خبر من معي مما لهم من ثواب الله على إيمانهم، وما عليهم من عقاب الله على معصيتهم إياه، وكفرهم به. "وذكر من قبلي" من الأمم التي سلفت قبلي. أي خبرهم، وما فعل الله بهم في الدنيا، وما هو فاعل بهم في الآخرة. قال قتادة: "ذكر من معي" القرآن فيه الحلال والحرام. "وذكر من قبلي" ذكر أعمال الأمم السالفة وما صنع الله بهم، وما هو صانع بهم وإلى ما صاروا. وقال ابن جريج: معناه: هذا حديث من معي، وحديث من قبلي. وقيل: المعنى: "وذكر من قبلي" يعني الكتب المتقدمة. أي: هذا القرآن وهذه الكتب المتقدمة لا يوجد في شيء منها. أن الله اتخذ ولداً، ولا كان معه إله. فالمعنى على هذا أنه جواب ورد لقوله: ﴿أَمِ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِ آلِهَةً﴾. * * وقوله: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَآ آلِهَةٌ إِلاَّ ٱللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ أي: هذا ذكر من معي وهو القرآن وذكر من قبلي وهو التوراة والإنجيل هل فيهما أن العبادة للآلهة أو فيهما أن الله تعالى أذن لأحد أن يتخذ إلهاً من دونه. وهل فيهما إلا أن الله إله واحد. ودل على ذلك كله أيضاً قوله بعد ذلك: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلاَّ نُوحِيۤ إِلَيْهِ أَنَّهُ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ أَنَاْ فَٱعْبُدُونِ﴾. وقرأ يحيى بن يعمر "هذا ذكر" من معي "وذكر" من قبلي بالتنوين وكسر الميم من "مِن" وتقديره: هذا ذكر مما أنزل إلي وذكر مما قبلي. وأنكر أبو حاتم هذه القراءة، ولم يعرف لها وجهاً. * * ثم قال: ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ ٱلْحَقَّ﴾ أي: لا يعلمون الصواب من الخطأ. فهم معرضون عن الحق جهلاً به. وقال قتادة: "معناه: فهم معرضون عن كتاب الله. وقرأ الحسن: "الحقُّ" بالرفع، على معنى: هذا الحق، أو هو الحق. * * ثم قال تعالى: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلاَّ نُوحِيۤ إِلَيْهِ أَنَّهُ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ أَنَاْ فَٱعْبُدُونِ﴾. أي: ما أرسلنا الرسل من قبلك يا محمد إلا بالتوحيد وإلا بالعبادة لله وحده، فهذا الأصل الذي لا بد منه ، والشرائع بعد ذلك تختلف، في التوراة شريعة، وفي الإنجيل شريعة، وفي القرآن شريعة. كما قال تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً﴾ [المائدة: ٤٨]. * * ثم قال تعالى: ﴿وَقَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱلرَّحْمَـٰنُ وَلَداً﴾. أي: قال الكافرون بربهم اتخذ الرحمان ولداً من ملائكته "سبحانه" ينزه نفسه ويبرؤها مما قالوا: ﴿بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ﴾. أي: بل هم عباد مكرمون، أي: بل الملائكة الذين جعلوهم بنات الله عباد مكرمون. وقيل: عنى به، الملائكة وعيسى عليهم السلام. قال قتادة: "قالت اليهود إن الله جل ذكره صاهر الجن، فكانت منهم الملائكة، فقال الله تكذيباً لهم: "بل هم عباد مكرمون". وعنه أيضاً أنه قال: قالت اليهود وطوائف من الناس ذلك. * * ثم قال: ﴿لاَ يَسْبِقُونَهُ بِٱلْقَوْلِ﴾. أي: لا يتكلمون إلا بما أمرهم به قاله قتادة. ﴿وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾ أي: لا يأمرون حتى يأمر. وقيل: يعملون ما أمروا به. * * ثم قال تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾. أي: يعلم ما بين أيدي ملائكته مما لم يبلغوه وهم قائلون وعاملون. ﴿وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ أي: وما مضى قبل اليوم مما خلفوه وراءهم من الأزمان والدهور وما عملوا فيه. قال ابن عباس: معناه: "يعلم ما قدموا وما أضاعوا من أعمالهم". * * ثم قال تعالى: ﴿وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ٱرْتَضَىٰ﴾. أي: لا يشفع الملائكة إلا لمن رضي الله عنه. قال ابن عباس: "إلا لمن ارتضى" أي: ارتضى له بشهادة أن لا إله إلا الله وهذا من أبين الدلالة على جواز الشفاعة بشرط الرضا من الله عز وجل وقال مجاهد: "لمن رضي عمله". * * ثم قال: ﴿وَهُمْ مِّنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾. أي: من خوف الله وحذر عقابه حذرون خائفون. * * ثم قال: ﴿وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّيۤ إِلَـٰهٌ مِّن دُونِهِ فَذٰلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ﴾. أي: من يقل من الملائكة إني إله من دون الله فَثَوَابُهُ جهنم. وقيل: عنى به إبليس، لأنه كان من الملائكة، ولم يقل ذلك أحد من الملائكة غيره. قاله: ابن جريج وقتادة. * * ثم قال: ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي ٱلظَّالِمِينَ﴾. أي: كذلك نجزي كل من عبد غير الله، أو ادعى ما لا يجب له من الألوهية. * * ثم قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَنَّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ كَانَتَا رَتْقاً فَفَتَقْنَاهُمَا﴾. أي: أو لم يعلم هؤلاء المشركون بقلوبهم فيعلمون أن السماوات والأرض كان كل واحد منهما لا صدع فيه. لا تمطر السماء ولا تنبت الأرض، ﴿فَفَتَقْنَاهُمَا﴾. أي: فصدعهما الله بالماء والنبات، فأنزل الله من السماء الماء، وأخرج من الأرض النبات. هذا معنى قول عكرمة. قال: "فتقت السماء بالمطر، وفتقت الأرض بالنبات وهو قوله: ﴿وَٱلسَّمَآءِ ذَاتِ ٱلرَّجْعِ * وَٱلأَرْضِ ذَاتِ ٱلصَّدْعِ﴾ [الطارق: ١١-١٢] وهو أيضاً قول عطية وابن زيد. وهذا القول اختيار الطبري، لأن بعده: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ ٱلْمَآءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ أي: من الماء الذي فتقنا السماء به. ووحد رتقاً، لأنه مصدر. يقال: رتق فلان الفتق. إذا سده، فهو يرتقه رتقاً. وقيل: معنى الآية كانتا ملتصقتين ففصلنا بينهما بالهواء، قاله: الحسن وقتادة. وقال مجاهد: "كانت السماء مرتتقة طبقة واحدة، ففتقها الله سبع سماوات. وكذا الأرض. وهو قول أبي صالح والسدي. وعن ابن عباس أن المعنى: "أن السماء والأرض كانتا ملتصقتين بالظلام لأن الليل خلق قبل النهار، ففتقهما الله تعالى بضوء النهار". وقوله: "إن السماوات" تدل على قول مجاهد. وقد قيل: إنما قال السماوات يريد به السماء، لأن كل قطعة منها سماء. وقيل: إنما قال "السماوات" لأن المطر روي أنه ينزل من السماء السابعة. وروي أنه ينزل من الرابعة. وقد قالوا: ثوب أخلاق، فجمعوا لأن كل قطعة منه خلقة، فجمع لأن فيها قطع كثيرة. وقوله: "كانتا"، ولم يقل "كنَّ"، فإنما كان ذلك لأنهما صنفان، كما قال تعالى: ﴿يُمْسِكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ أَن تَزُولاَ﴾ [فاطر: ٤١] وقيل: إنما كان ذلك لأن السماوات كانت سماء واحدة، فعبر على الأصل. وقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ ٱلْمَآءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾. أي: كل شيء له حياة وموت كالإنسان والبهيمة والزرع والشجر، لأن لها موتاً إذا جفت ويبست فحياة جميع ذلك بالماء. وقيل: هو حياة جميع الحيوان، إنما جيء بالماء الذي بنباته يعيش كل [شيء] حي. وقيل: عنى بالماء هنا، النطفة خاصة.

الأنبياء 21:25

قوله تعالى ذكره: ﴿أَمِ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِ آلِهَةً قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلاَ يُؤْمِنُونَ﴾. المعنى: اتخذ هؤلاء المشركون من دون الله آلهة تنفع وتضر، وتحيي وتميت. قل لهم يا محمد هاتوا برهانكم إن كنتم تزعمون أنكم محقون في أقوالكم أي: هاتوا حجة ودليلاً على صدقكم. وقيل: معناه: بل اتخذوا آلهة. وهو بعيد لقوله: "هم ينتشرون" لأنه يصير أنه أوجب ذلك لهم. وذلك لا يجوز. * * ثم قال: ﴿هَـٰذَا ذِكْرُ مَن مَّعِيَ وَذِكْرُ مَن قَبْلِي﴾، أي: هذا الذي جئتكم به من القرآن خبر من معي مما لهم من ثواب الله على إيمانهم، وما عليهم من عقاب الله على معصيتهم إياه، وكفرهم به. "وذكر من قبلي" من الأمم التي سلفت قبلي. أي خبرهم، وما فعل الله بهم في الدنيا، وما هو فاعل بهم في الآخرة. قال قتادة: "ذكر من معي" القرآن فيه الحلال والحرام. "وذكر من قبلي" ذكر أعمال الأمم السالفة وما صنع الله بهم، وما هو صانع بهم وإلى ما صاروا. وقال ابن جريج: معناه: هذا حديث من معي، وحديث من قبلي. وقيل: المعنى: "وذكر من قبلي" يعني الكتب المتقدمة. أي: هذا القرآن وهذه الكتب المتقدمة لا يوجد في شيء منها. أن الله اتخذ ولداً، ولا كان معه إله. فالمعنى على هذا أنه جواب ورد لقوله: ﴿أَمِ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِ آلِهَةً﴾. * * وقوله: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَآ آلِهَةٌ إِلاَّ ٱللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ أي: هذا ذكر من معي وهو القرآن وذكر من قبلي وهو التوراة والإنجيل هل فيهما أن العبادة للآلهة أو فيهما أن الله تعالى أذن لأحد أن يتخذ إلهاً من دونه. وهل فيهما إلا أن الله إله واحد. ودل على ذلك كله أيضاً قوله بعد ذلك: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلاَّ نُوحِيۤ إِلَيْهِ أَنَّهُ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ أَنَاْ فَٱعْبُدُونِ﴾. وقرأ يحيى بن يعمر "هذا ذكر" من معي "وذكر" من قبلي بالتنوين وكسر الميم من "مِن" وتقديره: هذا ذكر مما أنزل إلي وذكر مما قبلي. وأنكر أبو حاتم هذه القراءة، ولم يعرف لها وجهاً. * * ثم قال: ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ ٱلْحَقَّ﴾ أي: لا يعلمون الصواب من الخطأ. فهم معرضون عن الحق جهلاً به. وقال قتادة: "معناه: فهم معرضون عن كتاب الله. وقرأ الحسن: "الحقُّ" بالرفع، على معنى: هذا الحق، أو هو الحق. * * ثم قال تعالى: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلاَّ نُوحِيۤ إِلَيْهِ أَنَّهُ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ أَنَاْ فَٱعْبُدُونِ﴾. أي: ما أرسلنا الرسل من قبلك يا محمد إلا بالتوحيد وإلا بالعبادة لله وحده، فهذا الأصل الذي لا بد منه ، والشرائع بعد ذلك تختلف، في التوراة شريعة، وفي الإنجيل شريعة، وفي القرآن شريعة. كما قال تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً﴾ [المائدة: ٤٨]. * * ثم قال تعالى: ﴿وَقَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱلرَّحْمَـٰنُ وَلَداً﴾. أي: قال الكافرون بربهم اتخذ الرحمان ولداً من ملائكته "سبحانه" ينزه نفسه ويبرؤها مما قالوا: ﴿بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ﴾. أي: بل هم عباد مكرمون، أي: بل الملائكة الذين جعلوهم بنات الله عباد مكرمون. وقيل: عنى به، الملائكة وعيسى عليهم السلام. قال قتادة: "قالت اليهود إن الله جل ذكره صاهر الجن، فكانت منهم الملائكة، فقال الله تكذيباً لهم: "بل هم عباد مكرمون". وعنه أيضاً أنه قال: قالت اليهود وطوائف من الناس ذلك. * * ثم قال: ﴿لاَ يَسْبِقُونَهُ بِٱلْقَوْلِ﴾. أي: لا يتكلمون إلا بما أمرهم به قاله قتادة. ﴿وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾ أي: لا يأمرون حتى يأمر. وقيل: يعملون ما أمروا به. * * ثم قال تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾. أي: يعلم ما بين أيدي ملائكته مما لم يبلغوه وهم قائلون وعاملون. ﴿وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ أي: وما مضى قبل اليوم مما خلفوه وراءهم من الأزمان والدهور وما عملوا فيه. قال ابن عباس: معناه: "يعلم ما قدموا وما أضاعوا من أعمالهم". * * ثم قال تعالى: ﴿وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ٱرْتَضَىٰ﴾. أي: لا يشفع الملائكة إلا لمن رضي الله عنه. قال ابن عباس: "إلا لمن ارتضى" أي: ارتضى له بشهادة أن لا إله إلا الله وهذا من أبين الدلالة على جواز الشفاعة بشرط الرضا من الله عز وجل وقال مجاهد: "لمن رضي عمله". * * ثم قال: ﴿وَهُمْ مِّنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾. أي: من خوف الله وحذر عقابه حذرون خائفون. * * ثم قال: ﴿وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّيۤ إِلَـٰهٌ مِّن دُونِهِ فَذٰلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ﴾. أي: من يقل من الملائكة إني إله من دون الله فَثَوَابُهُ جهنم. وقيل: عنى به إبليس، لأنه كان من الملائكة، ولم يقل ذلك أحد من الملائكة غيره. قاله: ابن جريج وقتادة. * * ثم قال: ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي ٱلظَّالِمِينَ﴾. أي: كذلك نجزي كل من عبد غير الله، أو ادعى ما لا يجب له من الألوهية. * * ثم قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَنَّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ كَانَتَا رَتْقاً فَفَتَقْنَاهُمَا﴾. أي: أو لم يعلم هؤلاء المشركون بقلوبهم فيعلمون أن السماوات والأرض كان كل واحد منهما لا صدع فيه. لا تمطر السماء ولا تنبت الأرض، ﴿فَفَتَقْنَاهُمَا﴾. أي: فصدعهما الله بالماء والنبات، فأنزل الله من السماء الماء، وأخرج من الأرض النبات. هذا معنى قول عكرمة. قال: "فتقت السماء بالمطر، وفتقت الأرض بالنبات وهو قوله: ﴿وَٱلسَّمَآءِ ذَاتِ ٱلرَّجْعِ * وَٱلأَرْضِ ذَاتِ ٱلصَّدْعِ﴾ [الطارق: ١١-١٢] وهو أيضاً قول عطية وابن زيد. وهذا القول اختيار الطبري، لأن بعده: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ ٱلْمَآءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ أي: من الماء الذي فتقنا السماء به. ووحد رتقاً، لأنه مصدر. يقال: رتق فلان الفتق. إذا سده، فهو يرتقه رتقاً. وقيل: معنى الآية كانتا ملتصقتين ففصلنا بينهما بالهواء، قاله: الحسن وقتادة. وقال مجاهد: "كانت السماء مرتتقة طبقة واحدة، ففتقها الله سبع سماوات. وكذا الأرض. وهو قول أبي صالح والسدي. وعن ابن عباس أن المعنى: "أن السماء والأرض كانتا ملتصقتين بالظلام لأن الليل خلق قبل النهار، ففتقهما الله تعالى بضوء النهار". وقوله: "إن السماوات" تدل على قول مجاهد. وقد قيل: إنما قال السماوات يريد به السماء، لأن كل قطعة منها سماء. وقيل: إنما قال "السماوات" لأن المطر روي أنه ينزل من السماء السابعة. وروي أنه ينزل من الرابعة. وقد قالوا: ثوب أخلاق، فجمعوا لأن كل قطعة منه خلقة، فجمع لأن فيها قطع كثيرة. وقوله: "كانتا"، ولم يقل "كنَّ"، فإنما كان ذلك لأنهما صنفان، كما قال تعالى: ﴿يُمْسِكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ أَن تَزُولاَ﴾ [فاطر: ٤١] وقيل: إنما كان ذلك لأن السماوات كانت سماء واحدة، فعبر على الأصل. وقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ ٱلْمَآءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾. أي: كل شيء له حياة وموت كالإنسان والبهيمة والزرع والشجر، لأن لها موتاً إذا جفت ويبست فحياة جميع ذلك بالماء. وقيل: هو حياة جميع الحيوان، إنما جيء بالماء الذي بنباته يعيش كل [شيء] حي. وقيل: عنى بالماء هنا، النطفة خاصة.

الأنبياء 21:26

قوله تعالى ذكره: ﴿أَمِ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِ آلِهَةً قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلاَ يُؤْمِنُونَ﴾. المعنى: اتخذ هؤلاء المشركون من دون الله آلهة تنفع وتضر، وتحيي وتميت. قل لهم يا محمد هاتوا برهانكم إن كنتم تزعمون أنكم محقون في أقوالكم أي: هاتوا حجة ودليلاً على صدقكم. وقيل: معناه: بل اتخذوا آلهة. وهو بعيد لقوله: "هم ينتشرون" لأنه يصير أنه أوجب ذلك لهم. وذلك لا يجوز. * * ثم قال: ﴿هَـٰذَا ذِكْرُ مَن مَّعِيَ وَذِكْرُ مَن قَبْلِي﴾، أي: هذا الذي جئتكم به من القرآن خبر من معي مما لهم من ثواب الله على إيمانهم، وما عليهم من عقاب الله على معصيتهم إياه، وكفرهم به. "وذكر من قبلي" من الأمم التي سلفت قبلي. أي خبرهم، وما فعل الله بهم في الدنيا، وما هو فاعل بهم في الآخرة. قال قتادة: "ذكر من معي" القرآن فيه الحلال والحرام. "وذكر من قبلي" ذكر أعمال الأمم السالفة وما صنع الله بهم، وما هو صانع بهم وإلى ما صاروا. وقال ابن جريج: معناه: هذا حديث من معي، وحديث من قبلي. وقيل: المعنى: "وذكر من قبلي" يعني الكتب المتقدمة. أي: هذا القرآن وهذه الكتب المتقدمة لا يوجد في شيء منها. أن الله اتخذ ولداً، ولا كان معه إله. فالمعنى على هذا أنه جواب ورد لقوله: ﴿أَمِ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِ آلِهَةً﴾. * * وقوله: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَآ آلِهَةٌ إِلاَّ ٱللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ أي: هذا ذكر من معي وهو القرآن وذكر من قبلي وهو التوراة والإنجيل هل فيهما أن العبادة للآلهة أو فيهما أن الله تعالى أذن لأحد أن يتخذ إلهاً من دونه. وهل فيهما إلا أن الله إله واحد. ودل على ذلك كله أيضاً قوله بعد ذلك: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلاَّ نُوحِيۤ إِلَيْهِ أَنَّهُ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ أَنَاْ فَٱعْبُدُونِ﴾. وقرأ يحيى بن يعمر "هذا ذكر" من معي "وذكر" من قبلي بالتنوين وكسر الميم من "مِن" وتقديره: هذا ذكر مما أنزل إلي وذكر مما قبلي. وأنكر أبو حاتم هذه القراءة، ولم يعرف لها وجهاً. * * ثم قال: ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ ٱلْحَقَّ﴾ أي: لا يعلمون الصواب من الخطأ. فهم معرضون عن الحق جهلاً به. وقال قتادة: "معناه: فهم معرضون عن كتاب الله. وقرأ الحسن: "الحقُّ" بالرفع، على معنى: هذا الحق، أو هو الحق. * * ثم قال تعالى: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلاَّ نُوحِيۤ إِلَيْهِ أَنَّهُ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ أَنَاْ فَٱعْبُدُونِ﴾. أي: ما أرسلنا الرسل من قبلك يا محمد إلا بالتوحيد وإلا بالعبادة لله وحده، فهذا الأصل الذي لا بد منه ، والشرائع بعد ذلك تختلف، في التوراة شريعة، وفي الإنجيل شريعة، وفي القرآن شريعة. كما قال تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً﴾ [المائدة: ٤٨]. * * ثم قال تعالى: ﴿وَقَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱلرَّحْمَـٰنُ وَلَداً﴾. أي: قال الكافرون بربهم اتخذ الرحمان ولداً من ملائكته "سبحانه" ينزه نفسه ويبرؤها مما قالوا: ﴿بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ﴾. أي: بل هم عباد مكرمون، أي: بل الملائكة الذين جعلوهم بنات الله عباد مكرمون. وقيل: عنى به، الملائكة وعيسى عليهم السلام. قال قتادة: "قالت اليهود إن الله جل ذكره صاهر الجن، فكانت منهم الملائكة، فقال الله تكذيباً لهم: "بل هم عباد مكرمون". وعنه أيضاً أنه قال: قالت اليهود وطوائف من الناس ذلك. * * ثم قال: ﴿لاَ يَسْبِقُونَهُ بِٱلْقَوْلِ﴾. أي: لا يتكلمون إلا بما أمرهم به قاله قتادة. ﴿وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾ أي: لا يأمرون حتى يأمر. وقيل: يعملون ما أمروا به. * * ثم قال تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾. أي: يعلم ما بين أيدي ملائكته مما لم يبلغوه وهم قائلون وعاملون. ﴿وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ أي: وما مضى قبل اليوم مما خلفوه وراءهم من الأزمان والدهور وما عملوا فيه. قال ابن عباس: معناه: "يعلم ما قدموا وما أضاعوا من أعمالهم". * * ثم قال تعالى: ﴿وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ٱرْتَضَىٰ﴾. أي: لا يشفع الملائكة إلا لمن رضي الله عنه. قال ابن عباس: "إلا لمن ارتضى" أي: ارتضى له بشهادة أن لا إله إلا الله وهذا من أبين الدلالة على جواز الشفاعة بشرط الرضا من الله عز وجل وقال مجاهد: "لمن رضي عمله". * * ثم قال: ﴿وَهُمْ مِّنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾. أي: من خوف الله وحذر عقابه حذرون خائفون. * * ثم قال: ﴿وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّيۤ إِلَـٰهٌ مِّن دُونِهِ فَذٰلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ﴾. أي: من يقل من الملائكة إني إله من دون الله فَثَوَابُهُ جهنم. وقيل: عنى به إبليس، لأنه كان من الملائكة، ولم يقل ذلك أحد من الملائكة غيره. قاله: ابن جريج وقتادة. * * ثم قال: ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي ٱلظَّالِمِينَ﴾. أي: كذلك نجزي كل من عبد غير الله، أو ادعى ما لا يجب له من الألوهية. * * ثم قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَنَّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ كَانَتَا رَتْقاً فَفَتَقْنَاهُمَا﴾. أي: أو لم يعلم هؤلاء المشركون بقلوبهم فيعلمون أن السماوات والأرض كان كل واحد منهما لا صدع فيه. لا تمطر السماء ولا تنبت الأرض، ﴿فَفَتَقْنَاهُمَا﴾. أي: فصدعهما الله بالماء والنبات، فأنزل الله من السماء الماء، وأخرج من الأرض النبات. هذا معنى قول عكرمة. قال: "فتقت السماء بالمطر، وفتقت الأرض بالنبات وهو قوله: ﴿وَٱلسَّمَآءِ ذَاتِ ٱلرَّجْعِ * وَٱلأَرْضِ ذَاتِ ٱلصَّدْعِ﴾ [الطارق: ١١-١٢] وهو أيضاً قول عطية وابن زيد. وهذا القول اختيار الطبري، لأن بعده: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ ٱلْمَآءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ أي: من الماء الذي فتقنا السماء به. ووحد رتقاً، لأنه مصدر. يقال: رتق فلان الفتق. إذا سده، فهو يرتقه رتقاً. وقيل: معنى الآية كانتا ملتصقتين ففصلنا بينهما بالهواء، قاله: الحسن وقتادة. وقال مجاهد: "كانت السماء مرتتقة طبقة واحدة، ففتقها الله سبع سماوات. وكذا الأرض. وهو قول أبي صالح والسدي. وعن ابن عباس أن المعنى: "أن السماء والأرض كانتا ملتصقتين بالظلام لأن الليل خلق قبل النهار، ففتقهما الله تعالى بضوء النهار". وقوله: "إن السماوات" تدل على قول مجاهد. وقد قيل: إنما قال السماوات يريد به السماء، لأن كل قطعة منها سماء. وقيل: إنما قال "السماوات" لأن المطر روي أنه ينزل من السماء السابعة. وروي أنه ينزل من الرابعة. وقد قالوا: ثوب أخلاق، فجمعوا لأن كل قطعة منه خلقة، فجمع لأن فيها قطع كثيرة. وقوله: "كانتا"، ولم يقل "كنَّ"، فإنما كان ذلك لأنهما صنفان، كما قال تعالى: ﴿يُمْسِكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ أَن تَزُولاَ﴾ [فاطر: ٤١] وقيل: إنما كان ذلك لأن السماوات كانت سماء واحدة، فعبر على الأصل. وقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ ٱلْمَآءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾. أي: كل شيء له حياة وموت كالإنسان والبهيمة والزرع والشجر، لأن لها موتاً إذا جفت ويبست فحياة جميع ذلك بالماء. وقيل: هو حياة جميع الحيوان، إنما جيء بالماء الذي بنباته يعيش كل [شيء] حي. وقيل: عنى بالماء هنا، النطفة خاصة.

الأنبياء 21:27

قوله تعالى ذكره: ﴿أَمِ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِ آلِهَةً قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلاَ يُؤْمِنُونَ﴾. المعنى: اتخذ هؤلاء المشركون من دون الله آلهة تنفع وتضر، وتحيي وتميت. قل لهم يا محمد هاتوا برهانكم إن كنتم تزعمون أنكم محقون في أقوالكم أي: هاتوا حجة ودليلاً على صدقكم. وقيل: معناه: بل اتخذوا آلهة. وهو بعيد لقوله: "هم ينتشرون" لأنه يصير أنه أوجب ذلك لهم. وذلك لا يجوز. * * ثم قال: ﴿هَـٰذَا ذِكْرُ مَن مَّعِيَ وَذِكْرُ مَن قَبْلِي﴾، أي: هذا الذي جئتكم به من القرآن خبر من معي مما لهم من ثواب الله على إيمانهم، وما عليهم من عقاب الله على معصيتهم إياه، وكفرهم به. "وذكر من قبلي" من الأمم التي سلفت قبلي. أي خبرهم، وما فعل الله بهم في الدنيا، وما هو فاعل بهم في الآخرة. قال قتادة: "ذكر من معي" القرآن فيه الحلال والحرام. "وذكر من قبلي" ذكر أعمال الأمم السالفة وما صنع الله بهم، وما هو صانع بهم وإلى ما صاروا. وقال ابن جريج: معناه: هذا حديث من معي، وحديث من قبلي. وقيل: المعنى: "وذكر من قبلي" يعني الكتب المتقدمة. أي: هذا القرآن وهذه الكتب المتقدمة لا يوجد في شيء منها. أن الله اتخذ ولداً، ولا كان معه إله. فالمعنى على هذا أنه جواب ورد لقوله: ﴿أَمِ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِ آلِهَةً﴾. * * وقوله: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَآ آلِهَةٌ إِلاَّ ٱللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ أي: هذا ذكر من معي وهو القرآن وذكر من قبلي وهو التوراة والإنجيل هل فيهما أن العبادة للآلهة أو فيهما أن الله تعالى أذن لأحد أن يتخذ إلهاً من دونه. وهل فيهما إلا أن الله إله واحد. ودل على ذلك كله أيضاً قوله بعد ذلك: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلاَّ نُوحِيۤ إِلَيْهِ أَنَّهُ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ أَنَاْ فَٱعْبُدُونِ﴾. وقرأ يحيى بن يعمر "هذا ذكر" من معي "وذكر" من قبلي بالتنوين وكسر الميم من "مِن" وتقديره: هذا ذكر مما أنزل إلي وذكر مما قبلي. وأنكر أبو حاتم هذه القراءة، ولم يعرف لها وجهاً. * * ثم قال: ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ ٱلْحَقَّ﴾ أي: لا يعلمون الصواب من الخطأ. فهم معرضون عن الحق جهلاً به. وقال قتادة: "معناه: فهم معرضون عن كتاب الله. وقرأ الحسن: "الحقُّ" بالرفع، على معنى: هذا الحق، أو هو الحق. * * ثم قال تعالى: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلاَّ نُوحِيۤ إِلَيْهِ أَنَّهُ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ أَنَاْ فَٱعْبُدُونِ﴾. أي: ما أرسلنا الرسل من قبلك يا محمد إلا بالتوحيد وإلا بالعبادة لله وحده، فهذا الأصل الذي لا بد منه ، والشرائع بعد ذلك تختلف، في التوراة شريعة، وفي الإنجيل شريعة، وفي القرآن شريعة. كما قال تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً﴾ [المائدة: ٤٨]. * * ثم قال تعالى: ﴿وَقَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱلرَّحْمَـٰنُ وَلَداً﴾. أي: قال الكافرون بربهم اتخذ الرحمان ولداً من ملائكته "سبحانه" ينزه نفسه ويبرؤها مما قالوا: ﴿بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ﴾. أي: بل هم عباد مكرمون، أي: بل الملائكة الذين جعلوهم بنات الله عباد مكرمون. وقيل: عنى به، الملائكة وعيسى عليهم السلام. قال قتادة: "قالت اليهود إن الله جل ذكره صاهر الجن، فكانت منهم الملائكة، فقال الله تكذيباً لهم: "بل هم عباد مكرمون". وعنه أيضاً أنه قال: قالت اليهود وطوائف من الناس ذلك. * * ثم قال: ﴿لاَ يَسْبِقُونَهُ بِٱلْقَوْلِ﴾. أي: لا يتكلمون إلا بما أمرهم به قاله قتادة. ﴿وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾ أي: لا يأمرون حتى يأمر. وقيل: يعملون ما أمروا به. * * ثم قال تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾. أي: يعلم ما بين أيدي ملائكته مما لم يبلغوه وهم قائلون وعاملون. ﴿وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ أي: وما مضى قبل اليوم مما خلفوه وراءهم من الأزمان والدهور وما عملوا فيه. قال ابن عباس: معناه: "يعلم ما قدموا وما أضاعوا من أعمالهم". * * ثم قال تعالى: ﴿وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ٱرْتَضَىٰ﴾. أي: لا يشفع الملائكة إلا لمن رضي الله عنه. قال ابن عباس: "إلا لمن ارتضى" أي: ارتضى له بشهادة أن لا إله إلا الله وهذا من أبين الدلالة على جواز الشفاعة بشرط الرضا من الله عز وجل وقال مجاهد: "لمن رضي عمله". * * ثم قال: ﴿وَهُمْ مِّنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾. أي: من خوف الله وحذر عقابه حذرون خائفون. * * ثم قال: ﴿وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّيۤ إِلَـٰهٌ مِّن دُونِهِ فَذٰلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ﴾. أي: من يقل من الملائكة إني إله من دون الله فَثَوَابُهُ جهنم. وقيل: عنى به إبليس، لأنه كان من الملائكة، ولم يقل ذلك أحد من الملائكة غيره. قاله: ابن جريج وقتادة. * * ثم قال: ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي ٱلظَّالِمِينَ﴾. أي: كذلك نجزي كل من عبد غير الله، أو ادعى ما لا يجب له من الألوهية. * * ثم قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَنَّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ كَانَتَا رَتْقاً فَفَتَقْنَاهُمَا﴾. أي: أو لم يعلم هؤلاء المشركون بقلوبهم فيعلمون أن السماوات والأرض كان كل واحد منهما لا صدع فيه. لا تمطر السماء ولا تنبت الأرض، ﴿فَفَتَقْنَاهُمَا﴾. أي: فصدعهما الله بالماء والنبات، فأنزل الله من السماء الماء، وأخرج من الأرض النبات. هذا معنى قول عكرمة. قال: "فتقت السماء بالمطر، وفتقت الأرض بالنبات وهو قوله: ﴿وَٱلسَّمَآءِ ذَاتِ ٱلرَّجْعِ * وَٱلأَرْضِ ذَاتِ ٱلصَّدْعِ﴾ [الطارق: ١١-١٢] وهو أيضاً قول عطية وابن زيد. وهذا القول اختيار الطبري، لأن بعده: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ ٱلْمَآءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ أي: من الماء الذي فتقنا السماء به. ووحد رتقاً، لأنه مصدر. يقال: رتق فلان الفتق. إذا سده، فهو يرتقه رتقاً. وقيل: معنى الآية كانتا ملتصقتين ففصلنا بينهما بالهواء، قاله: الحسن وقتادة. وقال مجاهد: "كانت السماء مرتتقة طبقة واحدة، ففتقها الله سبع سماوات. وكذا الأرض. وهو قول أبي صالح والسدي. وعن ابن عباس أن المعنى: "أن السماء والأرض كانتا ملتصقتين بالظلام لأن الليل خلق قبل النهار، ففتقهما الله تعالى بضوء النهار". وقوله: "إن السماوات" تدل على قول مجاهد. وقد قيل: إنما قال السماوات يريد به السماء، لأن كل قطعة منها سماء. وقيل: إنما قال "السماوات" لأن المطر روي أنه ينزل من السماء السابعة. وروي أنه ينزل من الرابعة. وقد قالوا: ثوب أخلاق، فجمعوا لأن كل قطعة منه خلقة، فجمع لأن فيها قطع كثيرة. وقوله: "كانتا"، ولم يقل "كنَّ"، فإنما كان ذلك لأنهما صنفان، كما قال تعالى: ﴿يُمْسِكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ أَن تَزُولاَ﴾ [فاطر: ٤١] وقيل: إنما كان ذلك لأن السماوات كانت سماء واحدة، فعبر على الأصل. وقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ ٱلْمَآءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾. أي: كل شيء له حياة وموت كالإنسان والبهيمة والزرع والشجر، لأن لها موتاً إذا جفت ويبست فحياة جميع ذلك بالماء. وقيل: هو حياة جميع الحيوان، إنما جيء بالماء الذي بنباته يعيش كل [شيء] حي. وقيل: عنى بالماء هنا، النطفة خاصة.

الأنبياء 21:28

قوله تعالى ذكره: ﴿أَمِ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِ آلِهَةً قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلاَ يُؤْمِنُونَ﴾. المعنى: اتخذ هؤلاء المشركون من دون الله آلهة تنفع وتضر، وتحيي وتميت. قل لهم يا محمد هاتوا برهانكم إن كنتم تزعمون أنكم محقون في أقوالكم أي: هاتوا حجة ودليلاً على صدقكم. وقيل: معناه: بل اتخذوا آلهة. وهو بعيد لقوله: "هم ينتشرون" لأنه يصير أنه أوجب ذلك لهم. وذلك لا يجوز. * * ثم قال: ﴿هَـٰذَا ذِكْرُ مَن مَّعِيَ وَذِكْرُ مَن قَبْلِي﴾، أي: هذا الذي جئتكم به من القرآن خبر من معي مما لهم من ثواب الله على إيمانهم، وما عليهم من عقاب الله على معصيتهم إياه، وكفرهم به. "وذكر من قبلي" من الأمم التي سلفت قبلي. أي خبرهم، وما فعل الله بهم في الدنيا، وما هو فاعل بهم في الآخرة. قال قتادة: "ذكر من معي" القرآن فيه الحلال والحرام. "وذكر من قبلي" ذكر أعمال الأمم السالفة وما صنع الله بهم، وما هو صانع بهم وإلى ما صاروا. وقال ابن جريج: معناه: هذا حديث من معي، وحديث من قبلي. وقيل: المعنى: "وذكر من قبلي" يعني الكتب المتقدمة. أي: هذا القرآن وهذه الكتب المتقدمة لا يوجد في شيء منها. أن الله اتخذ ولداً، ولا كان معه إله. فالمعنى على هذا أنه جواب ورد لقوله: ﴿أَمِ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِ آلِهَةً﴾. * * وقوله: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَآ آلِهَةٌ إِلاَّ ٱللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ أي: هذا ذكر من معي وهو القرآن وذكر من قبلي وهو التوراة والإنجيل هل فيهما أن العبادة للآلهة أو فيهما أن الله تعالى أذن لأحد أن يتخذ إلهاً من دونه. وهل فيهما إلا أن الله إله واحد. ودل على ذلك كله أيضاً قوله بعد ذلك: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلاَّ نُوحِيۤ إِلَيْهِ أَنَّهُ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ أَنَاْ فَٱعْبُدُونِ﴾. وقرأ يحيى بن يعمر "هذا ذكر" من معي "وذكر" من قبلي بالتنوين وكسر الميم من "مِن" وتقديره: هذا ذكر مما أنزل إلي وذكر مما قبلي. وأنكر أبو حاتم هذه القراءة، ولم يعرف لها وجهاً. * * ثم قال: ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ ٱلْحَقَّ﴾ أي: لا يعلمون الصواب من الخطأ. فهم معرضون عن الحق جهلاً به. وقال قتادة: "معناه: فهم معرضون عن كتاب الله. وقرأ الحسن: "الحقُّ" بالرفع، على معنى: هذا الحق، أو هو الحق. * * ثم قال تعالى: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلاَّ نُوحِيۤ إِلَيْهِ أَنَّهُ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ أَنَاْ فَٱعْبُدُونِ﴾. أي: ما أرسلنا الرسل من قبلك يا محمد إلا بالتوحيد وإلا بالعبادة لله وحده، فهذا الأصل الذي لا بد منه ، والشرائع بعد ذلك تختلف، في التوراة شريعة، وفي الإنجيل شريعة، وفي القرآن شريعة. كما قال تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً﴾ [المائدة: ٤٨]. * * ثم قال تعالى: ﴿وَقَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱلرَّحْمَـٰنُ وَلَداً﴾. أي: قال الكافرون بربهم اتخذ الرحمان ولداً من ملائكته "سبحانه" ينزه نفسه ويبرؤها مما قالوا: ﴿بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ﴾. أي: بل هم عباد مكرمون، أي: بل الملائكة الذين جعلوهم بنات الله عباد مكرمون. وقيل: عنى به، الملائكة وعيسى عليهم السلام. قال قتادة: "قالت اليهود إن الله جل ذكره صاهر الجن، فكانت منهم الملائكة، فقال الله تكذيباً لهم: "بل هم عباد مكرمون". وعنه أيضاً أنه قال: قالت اليهود وطوائف من الناس ذلك. * * ثم قال: ﴿لاَ يَسْبِقُونَهُ بِٱلْقَوْلِ﴾. أي: لا يتكلمون إلا بما أمرهم به قاله قتادة. ﴿وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾ أي: لا يأمرون حتى يأمر. وقيل: يعملون ما أمروا به. * * ثم قال تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾. أي: يعلم ما بين أيدي ملائكته مما لم يبلغوه وهم قائلون وعاملون. ﴿وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ أي: وما مضى قبل اليوم مما خلفوه وراءهم من الأزمان والدهور وما عملوا فيه. قال ابن عباس: معناه: "يعلم ما قدموا وما أضاعوا من أعمالهم". * * ثم قال تعالى: ﴿وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ٱرْتَضَىٰ﴾. أي: لا يشفع الملائكة إلا لمن رضي الله عنه. قال ابن عباس: "إلا لمن ارتضى" أي: ارتضى له بشهادة أن لا إله إلا الله وهذا من أبين الدلالة على جواز الشفاعة بشرط الرضا من الله عز وجل وقال مجاهد: "لمن رضي عمله". * * ثم قال: ﴿وَهُمْ مِّنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾. أي: من خوف الله وحذر عقابه حذرون خائفون. * * ثم قال: ﴿وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّيۤ إِلَـٰهٌ مِّن دُونِهِ فَذٰلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ﴾. أي: من يقل من الملائكة إني إله من دون الله فَثَوَابُهُ جهنم. وقيل: عنى به إبليس، لأنه كان من الملائكة، ولم يقل ذلك أحد من الملائكة غيره. قاله: ابن جريج وقتادة. * * ثم قال: ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي ٱلظَّالِمِينَ﴾. أي: كذلك نجزي كل من عبد غير الله، أو ادعى ما لا يجب له من الألوهية. * * ثم قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَنَّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ كَانَتَا رَتْقاً فَفَتَقْنَاهُمَا﴾. أي: أو لم يعلم هؤلاء المشركون بقلوبهم فيعلمون أن السماوات والأرض كان كل واحد منهما لا صدع فيه. لا تمطر السماء ولا تنبت الأرض، ﴿فَفَتَقْنَاهُمَا﴾. أي: فصدعهما الله بالماء والنبات، فأنزل الله من السماء الماء، وأخرج من الأرض النبات. هذا معنى قول عكرمة. قال: "فتقت السماء بالمطر، وفتقت الأرض بالنبات وهو قوله: ﴿وَٱلسَّمَآءِ ذَاتِ ٱلرَّجْعِ * وَٱلأَرْضِ ذَاتِ ٱلصَّدْعِ﴾ [الطارق: ١١-١٢] وهو أيضاً قول عطية وابن زيد. وهذا القول اختيار الطبري، لأن بعده: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ ٱلْمَآءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ أي: من الماء الذي فتقنا السماء به. ووحد رتقاً، لأنه مصدر. يقال: رتق فلان الفتق. إذا سده، فهو يرتقه رتقاً. وقيل: معنى الآية كانتا ملتصقتين ففصلنا بينهما بالهواء، قاله: الحسن وقتادة. وقال مجاهد: "كانت السماء مرتتقة طبقة واحدة، ففتقها الله سبع سماوات. وكذا الأرض. وهو قول أبي صالح والسدي. وعن ابن عباس أن المعنى: "أن السماء والأرض كانتا ملتصقتين بالظلام لأن الليل خلق قبل النهار، ففتقهما الله تعالى بضوء النهار". وقوله: "إن السماوات" تدل على قول مجاهد. وقد قيل: إنما قال السماوات يريد به السماء، لأن كل قطعة منها سماء. وقيل: إنما قال "السماوات" لأن المطر روي أنه ينزل من السماء السابعة. وروي أنه ينزل من الرابعة. وقد قالوا: ثوب أخلاق، فجمعوا لأن كل قطعة منه خلقة، فجمع لأن فيها قطع كثيرة. وقوله: "كانتا"، ولم يقل "كنَّ"، فإنما كان ذلك لأنهما صنفان، كما قال تعالى: ﴿يُمْسِكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ أَن تَزُولاَ﴾ [فاطر: ٤١] وقيل: إنما كان ذلك لأن السماوات كانت سماء واحدة، فعبر على الأصل. وقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ ٱلْمَآءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾. أي: كل شيء له حياة وموت كالإنسان والبهيمة والزرع والشجر، لأن لها موتاً إذا جفت ويبست فحياة جميع ذلك بالماء. وقيل: هو حياة جميع الحيوان، إنما جيء بالماء الذي بنباته يعيش كل [شيء] حي. وقيل: عنى بالماء هنا، النطفة خاصة.

الأنبياء 21:29

قوله تعالى ذكره: ﴿أَمِ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِ آلِهَةً قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلاَ يُؤْمِنُونَ﴾. المعنى: اتخذ هؤلاء المشركون من دون الله آلهة تنفع وتضر، وتحيي وتميت. قل لهم يا محمد هاتوا برهانكم إن كنتم تزعمون أنكم محقون في أقوالكم أي: هاتوا حجة ودليلاً على صدقكم. وقيل: معناه: بل اتخذوا آلهة. وهو بعيد لقوله: "هم ينتشرون" لأنه يصير أنه أوجب ذلك لهم. وذلك لا يجوز. * * ثم قال: ﴿هَـٰذَا ذِكْرُ مَن مَّعِيَ وَذِكْرُ مَن قَبْلِي﴾، أي: هذا الذي جئتكم به من القرآن خبر من معي مما لهم من ثواب الله على إيمانهم، وما عليهم من عقاب الله على معصيتهم إياه، وكفرهم به. "وذكر من قبلي" من الأمم التي سلفت قبلي. أي خبرهم، وما فعل الله بهم في الدنيا، وما هو فاعل بهم في الآخرة. قال قتادة: "ذكر من معي" القرآن فيه الحلال والحرام. "وذكر من قبلي" ذكر أعمال الأمم السالفة وما صنع الله بهم، وما هو صانع بهم وإلى ما صاروا. وقال ابن جريج: معناه: هذا حديث من معي، وحديث من قبلي. وقيل: المعنى: "وذكر من قبلي" يعني الكتب المتقدمة. أي: هذا القرآن وهذه الكتب المتقدمة لا يوجد في شيء منها. أن الله اتخذ ولداً، ولا كان معه إله. فالمعنى على هذا أنه جواب ورد لقوله: ﴿أَمِ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِ آلِهَةً﴾. * * وقوله: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَآ آلِهَةٌ إِلاَّ ٱللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ أي: هذا ذكر من معي وهو القرآن وذكر من قبلي وهو التوراة والإنجيل هل فيهما أن العبادة للآلهة أو فيهما أن الله تعالى أذن لأحد أن يتخذ إلهاً من دونه. وهل فيهما إلا أن الله إله واحد. ودل على ذلك كله أيضاً قوله بعد ذلك: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلاَّ نُوحِيۤ إِلَيْهِ أَنَّهُ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ أَنَاْ فَٱعْبُدُونِ﴾. وقرأ يحيى بن يعمر "هذا ذكر" من معي "وذكر" من قبلي بالتنوين وكسر الميم من "مِن" وتقديره: هذا ذكر مما أنزل إلي وذكر مما قبلي. وأنكر أبو حاتم هذه القراءة، ولم يعرف لها وجهاً. * * ثم قال: ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ ٱلْحَقَّ﴾ أي: لا يعلمون الصواب من الخطأ. فهم معرضون عن الحق جهلاً به. وقال قتادة: "معناه: فهم معرضون عن كتاب الله. وقرأ الحسن: "الحقُّ" بالرفع، على معنى: هذا الحق، أو هو الحق. * * ثم قال تعالى: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلاَّ نُوحِيۤ إِلَيْهِ أَنَّهُ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ أَنَاْ فَٱعْبُدُونِ﴾. أي: ما أرسلنا الرسل من قبلك يا محمد إلا بالتوحيد وإلا بالعبادة لله وحده، فهذا الأصل الذي لا بد منه ، والشرائع بعد ذلك تختلف، في التوراة شريعة، وفي الإنجيل شريعة، وفي القرآن شريعة. كما قال تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً﴾ [المائدة: ٤٨]. * * ثم قال تعالى: ﴿وَقَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱلرَّحْمَـٰنُ وَلَداً﴾. أي: قال الكافرون بربهم اتخذ الرحمان ولداً من ملائكته "سبحانه" ينزه نفسه ويبرؤها مما قالوا: ﴿بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ﴾. أي: بل هم عباد مكرمون، أي: بل الملائكة الذين جعلوهم بنات الله عباد مكرمون. وقيل: عنى به، الملائكة وعيسى عليهم السلام. قال قتادة: "قالت اليهود إن الله جل ذكره صاهر الجن، فكانت منهم الملائكة، فقال الله تكذيباً لهم: "بل هم عباد مكرمون". وعنه أيضاً أنه قال: قالت اليهود وطوائف من الناس ذلك. * * ثم قال: ﴿لاَ يَسْبِقُونَهُ بِٱلْقَوْلِ﴾. أي: لا يتكلمون إلا بما أمرهم به قاله قتادة. ﴿وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾ أي: لا يأمرون حتى يأمر. وقيل: يعملون ما أمروا به. * * ثم قال تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾. أي: يعلم ما بين أيدي ملائكته مما لم يبلغوه وهم قائلون وعاملون. ﴿وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ أي: وما مضى قبل اليوم مما خلفوه وراءهم من الأزمان والدهور وما عملوا فيه. قال ابن عباس: معناه: "يعلم ما قدموا وما أضاعوا من أعمالهم". * * ثم قال تعالى: ﴿وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ٱرْتَضَىٰ﴾. أي: لا يشفع الملائكة إلا لمن رضي الله عنه. قال ابن عباس: "إلا لمن ارتضى" أي: ارتضى له بشهادة أن لا إله إلا الله وهذا من أبين الدلالة على جواز الشفاعة بشرط الرضا من الله عز وجل وقال مجاهد: "لمن رضي عمله". * * ثم قال: ﴿وَهُمْ مِّنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾. أي: من خوف الله وحذر عقابه حذرون خائفون. * * ثم قال: ﴿وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّيۤ إِلَـٰهٌ مِّن دُونِهِ فَذٰلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ﴾. أي: من يقل من الملائكة إني إله من دون الله فَثَوَابُهُ جهنم. وقيل: عنى به إبليس، لأنه كان من الملائكة، ولم يقل ذلك أحد من الملائكة غيره. قاله: ابن جريج وقتادة. * * ثم قال: ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي ٱلظَّالِمِينَ﴾. أي: كذلك نجزي كل من عبد غير الله، أو ادعى ما لا يجب له من الألوهية. * * ثم قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَنَّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ كَانَتَا رَتْقاً فَفَتَقْنَاهُمَا﴾. أي: أو لم يعلم هؤلاء المشركون بقلوبهم فيعلمون أن السماوات والأرض كان كل واحد منهما لا صدع فيه. لا تمطر السماء ولا تنبت الأرض، ﴿فَفَتَقْنَاهُمَا﴾. أي: فصدعهما الله بالماء والنبات، فأنزل الله من السماء الماء، وأخرج من الأرض النبات. هذا معنى قول عكرمة. قال: "فتقت السماء بالمطر، وفتقت الأرض بالنبات وهو قوله: ﴿وَٱلسَّمَآءِ ذَاتِ ٱلرَّجْعِ * وَٱلأَرْضِ ذَاتِ ٱلصَّدْعِ﴾ [الطارق: ١١-١٢] وهو أيضاً قول عطية وابن زيد. وهذا القول اختيار الطبري، لأن بعده: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ ٱلْمَآءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ أي: من الماء الذي فتقنا السماء به. ووحد رتقاً، لأنه مصدر. يقال: رتق فلان الفتق. إذا سده، فهو يرتقه رتقاً. وقيل: معنى الآية كانتا ملتصقتين ففصلنا بينهما بالهواء، قاله: الحسن وقتادة. وقال مجاهد: "كانت السماء مرتتقة طبقة واحدة، ففتقها الله سبع سماوات. وكذا الأرض. وهو قول أبي صالح والسدي. وعن ابن عباس أن المعنى: "أن السماء والأرض كانتا ملتصقتين بالظلام لأن الليل خلق قبل النهار، ففتقهما الله تعالى بضوء النهار". وقوله: "إن السماوات" تدل على قول مجاهد. وقد قيل: إنما قال السماوات يريد به السماء، لأن كل قطعة منها سماء. وقيل: إنما قال "السماوات" لأن المطر روي أنه ينزل من السماء السابعة. وروي أنه ينزل من الرابعة. وقد قالوا: ثوب أخلاق، فجمعوا لأن كل قطعة منه خلقة، فجمع لأن فيها قطع كثيرة. وقوله: "كانتا"، ولم يقل "كنَّ"، فإنما كان ذلك لأنهما صنفان، كما قال تعالى: ﴿يُمْسِكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ أَن تَزُولاَ﴾ [فاطر: ٤١] وقيل: إنما كان ذلك لأن السماوات كانت سماء واحدة، فعبر على الأصل. وقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ ٱلْمَآءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾. أي: كل شيء له حياة وموت كالإنسان والبهيمة والزرع والشجر، لأن لها موتاً إذا جفت ويبست فحياة جميع ذلك بالماء. وقيل: هو حياة جميع الحيوان، إنما جيء بالماء الذي بنباته يعيش كل [شيء] حي. وقيل: عنى بالماء هنا، النطفة خاصة.

الأنبياء 21:30

قوله تعالى ذكره: ﴿أَمِ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِ آلِهَةً قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلاَ يُؤْمِنُونَ﴾. المعنى: اتخذ هؤلاء المشركون من دون الله آلهة تنفع وتضر، وتحيي وتميت. قل لهم يا محمد هاتوا برهانكم إن كنتم تزعمون أنكم محقون في أقوالكم أي: هاتوا حجة ودليلاً على صدقكم. وقيل: معناه: بل اتخذوا آلهة. وهو بعيد لقوله: "هم ينتشرون" لأنه يصير أنه أوجب ذلك لهم. وذلك لا يجوز. * * ثم قال: ﴿هَـٰذَا ذِكْرُ مَن مَّعِيَ وَذِكْرُ مَن قَبْلِي﴾، أي: هذا الذي جئتكم به من القرآن خبر من معي مما لهم من ثواب الله على إيمانهم، وما عليهم من عقاب الله على معصيتهم إياه، وكفرهم به. "وذكر من قبلي" من الأمم التي سلفت قبلي. أي خبرهم، وما فعل الله بهم في الدنيا، وما هو فاعل بهم في الآخرة. قال قتادة: "ذكر من معي" القرآن فيه الحلال والحرام. "وذكر من قبلي" ذكر أعمال الأمم السالفة وما صنع الله بهم، وما هو صانع بهم وإلى ما صاروا. وقال ابن جريج: معناه: هذا حديث من معي، وحديث من قبلي. وقيل: المعنى: "وذكر من قبلي" يعني الكتب المتقدمة. أي: هذا القرآن وهذه الكتب المتقدمة لا يوجد في شيء منها. أن الله اتخذ ولداً، ولا كان معه إله. فالمعنى على هذا أنه جواب ورد لقوله: ﴿أَمِ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِ آلِهَةً﴾. * * وقوله: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَآ آلِهَةٌ إِلاَّ ٱللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ أي: هذا ذكر من معي وهو القرآن وذكر من قبلي وهو التوراة والإنجيل هل فيهما أن العبادة للآلهة أو فيهما أن الله تعالى أذن لأحد أن يتخذ إلهاً من دونه. وهل فيهما إلا أن الله إله واحد. ودل على ذلك كله أيضاً قوله بعد ذلك: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلاَّ نُوحِيۤ إِلَيْهِ أَنَّهُ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ أَنَاْ فَٱعْبُدُونِ﴾. وقرأ يحيى بن يعمر "هذا ذكر" من معي "وذكر" من قبلي بالتنوين وكسر الميم من "مِن" وتقديره: هذا ذكر مما أنزل إلي وذكر مما قبلي. وأنكر أبو حاتم هذه القراءة، ولم يعرف لها وجهاً. * * ثم قال: ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ ٱلْحَقَّ﴾ أي: لا يعلمون الصواب من الخطأ. فهم معرضون عن الحق جهلاً به. وقال قتادة: "معناه: فهم معرضون عن كتاب الله. وقرأ الحسن: "الحقُّ" بالرفع، على معنى: هذا الحق، أو هو الحق. * * ثم قال تعالى: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلاَّ نُوحِيۤ إِلَيْهِ أَنَّهُ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ أَنَاْ فَٱعْبُدُونِ﴾. أي: ما أرسلنا الرسل من قبلك يا محمد إلا بالتوحيد وإلا بالعبادة لله وحده، فهذا الأصل الذي لا بد منه ، والشرائع بعد ذلك تختلف، في التوراة شريعة، وفي الإنجيل شريعة، وفي القرآن شريعة. كما قال تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً﴾ [المائدة: ٤٨]. * * ثم قال تعالى: ﴿وَقَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱلرَّحْمَـٰنُ وَلَداً﴾. أي: قال الكافرون بربهم اتخذ الرحمان ولداً من ملائكته "سبحانه" ينزه نفسه ويبرؤها مما قالوا: ﴿بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ﴾. أي: بل هم عباد مكرمون، أي: بل الملائكة الذين جعلوهم بنات الله عباد مكرمون. وقيل: عنى به، الملائكة وعيسى عليهم السلام. قال قتادة: "قالت اليهود إن الله جل ذكره صاهر الجن، فكانت منهم الملائكة، فقال الله تكذيباً لهم: "بل هم عباد مكرمون". وعنه أيضاً أنه قال: قالت اليهود وطوائف من الناس ذلك. * * ثم قال: ﴿لاَ يَسْبِقُونَهُ بِٱلْقَوْلِ﴾. أي: لا يتكلمون إلا بما أمرهم به قاله قتادة. ﴿وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾ أي: لا يأمرون حتى يأمر. وقيل: يعملون ما أمروا به. * * ثم قال تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾. أي: يعلم ما بين أيدي ملائكته مما لم يبلغوه وهم قائلون وعاملون. ﴿وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ أي: وما مضى قبل اليوم مما خلفوه وراءهم من الأزمان والدهور وما عملوا فيه. قال ابن عباس: معناه: "يعلم ما قدموا وما أضاعوا من أعمالهم". * * ثم قال تعالى: ﴿وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ٱرْتَضَىٰ﴾. أي: لا يشفع الملائكة إلا لمن رضي الله عنه. قال ابن عباس: "إلا لمن ارتضى" أي: ارتضى له بشهادة أن لا إله إلا الله وهذا من أبين الدلالة على جواز الشفاعة بشرط الرضا من الله عز وجل وقال مجاهد: "لمن رضي عمله". * * ثم قال: ﴿وَهُمْ مِّنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾. أي: من خوف الله وحذر عقابه حذرون خائفون. * * ثم قال: ﴿وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّيۤ إِلَـٰهٌ مِّن دُونِهِ فَذٰلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ﴾. أي: من يقل من الملائكة إني إله من دون الله فَثَوَابُهُ جهنم. وقيل: عنى به إبليس، لأنه كان من الملائكة، ولم يقل ذلك أحد من الملائكة غيره. قاله: ابن جريج وقتادة. * * ثم قال: ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي ٱلظَّالِمِينَ﴾. أي: كذلك نجزي كل من عبد غير الله، أو ادعى ما لا يجب له من الألوهية. * * ثم قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَنَّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ كَانَتَا رَتْقاً فَفَتَقْنَاهُمَا﴾. أي: أو لم يعلم هؤلاء المشركون بقلوبهم فيعلمون أن السماوات والأرض كان كل واحد منهما لا صدع فيه. لا تمطر السماء ولا تنبت الأرض، ﴿فَفَتَقْنَاهُمَا﴾. أي: فصدعهما الله بالماء والنبات، فأنزل الله من السماء الماء، وأخرج من الأرض النبات. هذا معنى قول عكرمة. قال: "فتقت السماء بالمطر، وفتقت الأرض بالنبات وهو قوله: ﴿وَٱلسَّمَآءِ ذَاتِ ٱلرَّجْعِ * وَٱلأَرْضِ ذَاتِ ٱلصَّدْعِ﴾ [الطارق: ١١-١٢] وهو أيضاً قول عطية وابن زيد. وهذا القول اختيار الطبري، لأن بعده: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ ٱلْمَآءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ أي: من الماء الذي فتقنا السماء به. ووحد رتقاً، لأنه مصدر. يقال: رتق فلان الفتق. إذا سده، فهو يرتقه رتقاً. وقيل: معنى الآية كانتا ملتصقتين ففصلنا بينهما بالهواء، قاله: الحسن وقتادة. وقال مجاهد: "كانت السماء مرتتقة طبقة واحدة، ففتقها الله سبع سماوات. وكذا الأرض. وهو قول أبي صالح والسدي. وعن ابن عباس أن المعنى: "أن السماء والأرض كانتا ملتصقتين بالظلام لأن الليل خلق قبل النهار، ففتقهما الله تعالى بضوء النهار". وقوله: "إن السماوات" تدل على قول مجاهد. وقد قيل: إنما قال السماوات يريد به السماء، لأن كل قطعة منها سماء. وقيل: إنما قال "السماوات" لأن المطر روي أنه ينزل من السماء السابعة. وروي أنه ينزل من الرابعة. وقد قالوا: ثوب أخلاق، فجمعوا لأن كل قطعة منه خلقة، فجمع لأن فيها قطع كثيرة. وقوله: "كانتا"، ولم يقل "كنَّ"، فإنما كان ذلك لأنهما صنفان، كما قال تعالى: ﴿يُمْسِكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ أَن تَزُولاَ﴾ [فاطر: ٤١] وقيل: إنما كان ذلك لأن السماوات كانت سماء واحدة، فعبر على الأصل. وقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ ٱلْمَآءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾. أي: كل شيء له حياة وموت كالإنسان والبهيمة والزرع والشجر، لأن لها موتاً إذا جفت ويبست فحياة جميع ذلك بالماء. وقيل: هو حياة جميع الحيوان، إنما جيء بالماء الذي بنباته يعيش كل [شيء] حي. وقيل: عنى بالماء هنا، النطفة خاصة.

الأنبياء 21:31

قوله تعالى ذكره: ﴿وَجَعَلْنَا فِي ٱلأَرْضِ رَوَاسِيَ﴾. إلى قوله ﴿فَلاَ تَسْتَعْجِلُونِ﴾. أي: وجعلنا الأرض جبالاً لئلا تميد بالناس. قال قتادة : "كانوا على الأرض تمور بهم، ولا يثبت عليها بناء فأصبحوا وقد خلق الله الجبال أوتاداً حتى لا تميد الأرض". والميد التحرك والدوران. * * ثم قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجاً سُبُلاً﴾. قال قتادة: "فجاجاً": إعلاماً. "سبلاً": طرقاً. قال ابن عباس: "وجعلنا فيها فجاجاً" أي: في الرواسي. وعنه: "الفجاج" كل شعب في جبل أو واد له منفذ. وعنه أيضاً: "فجاجاً" بين الجبال. والفج في اللغة، الطريق بين الجبلين. وقيل: الضمير في فيها يعود على الأرض، وهو اختيار الطبري لقوله تعالى: ﴿لَّعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾. أي: يهتدون إلى السير في الأرض. والأرض تؤنث وتذكر. والتأنيث أكثر. وحكى أبو زيد أرضون وأراض وأروض في جميع الأرض. ويجوز في القياس أرضات. * * ثم قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا ٱلسَّمَآءَ سَقْفاً مَّحْفُوظاً﴾. أي: سقفاً للأرض محفوظاً بالملائكة من الشياطين. وقيل: معناه: محفوظاً من أن يقع على الأرض. وقيل: محفوظاً بالنجوم من الشياطين. وهو أولى، ودليله قوله تعالى ذكره: ﴿وَحِفْظاً مِّن كُلِّ شَيْطَانٍ مَّارِدٍ﴾ [الصافات: ٧]. وقال ابن جبير: السماء بحر مكفوف. ورفعه إلى النبي ﷺ. وروى الحسن البصري أن النبي ﷺ قال: السماء موج مكفوف قال قتادة: ﴿سَقْفاً مَّحْفُوظاً﴾ أي: مرفوعاً، وموجاً مكفوفاً. * * ثم قال تعالى: ﴿وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ﴾. أي: وهم عن شمسها وقمرها ونجومها وغير ذلك من آياتنا، معرضون عن التفكر فيها، وتدبر ما فيها من الحجج والدلائل على توحيد الله وقدرته. * * ثم قال تعالى: ﴿وَهُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلْلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ﴾. أي: ابتدعها. فمن ابتدع هذه الأشياء وخلقها، فله تجب العبادة لا لغيره. قال عكرمة: سئل ابن عباس عن الليل أكان قبل النهار أم قبل الليل؟ فقال: أرأيتم السماوات والأرض حين كانتا رتقاً، أكان بينهما إلا ظلمة ذلك لتعلموا أن الليل قبل النهار. والليلة اسم للزمان من غروب الشمس إلى الانفجار الثاني. واليوم: اسم للزمان من طلوع الفجر إلى غروب الشمس. وكذلك النهار، واليوم ألزم لهذا الوقت من النهار، لأن بعض العرب يجعل النهار من طلوع الشمس إلى غروبها. حكى ذلك عن بعضهم أبو حاتم في كتابه صفة البرد والحر وصفة أوقات الليل والنهار. وقد يقع اليوم، اسماً للزمان، من طلوع الشمس إلى غروبها. وذلك مما جرت به العادات من الاستجارات ونحوها مما تعارف ذلك بين الناس، والأصل في اليوم، أنه اسم للزمان الذي تَعَبَّدَ الله به خلقه بالصيام والنهار مثله في أكثر اللغات. وأصل الليل والنهار أنهما صفتان لزمانين معلومين على ما ذكرنا. وقد قال الخليل: النهار ما بين الفجر إلى الغروب. * * ثم قال تعالى: ﴿كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾. قال مجاهد: "الفلك" كهيئة حديدة الرحى. وقاله ابن جريج. وقال الضحاك: "الفلك" هو سرعة جري الشمس والقمر والنجوم وسيرها. وقيل: "الفلك": موج مكفوف تجري الشمس والقمر والنجوم فيه. وقيل: "الفلك" القطب الذي تدور به النجوم. وقال ابن عباس وقتادة: "في فلك السماء". وقال ابن زيد: "الفلك" الذي بين السماء والأرض من مجاري النجوم والشمس والقمر. وقرأ: ﴿تَبَارَكَ ٱلَّذِي جَعَلَ فِي ٱلسَّمَآءِ بُرُوجاً وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجاً وَقَمَراً مُّنِيراً﴾ [الفرقان: ٦١]. وقال: فلك البروج بين السماء والأرض، وليست في الأرض. وعن الحسن أن الفلك طاحونة كهيئة فلكة المغزل. وقال: "يسبحون" لأنه أخبر عنها كما يخبر عمن يعقل. فأتى بالواو والنون في فعلها. ومعنى: "يسبحون" يجرون وينصرفون ويدورون. * * ثم قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن قَبْلِكَ ٱلْخُلْدَ﴾. أي: ما خلدنا أحداً من بني آدم في الدنيا، فنخلدك يا محمد فيها. أفئن مت فهؤلاء المشركون خالدون بعدك في الدنيا. وتقديره: أهم الخالدون إن مت. * * ثم قال تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ ٱلْمَوْتِ﴾. أي: كل نفس معالجة غصص الموت، ومتجرعة كأسه. * * ﴿وَنَبْلُوكُم بِٱلشَّرِّ وَٱلْخَيْرِ فِتْنَةً﴾. أي: ونختبركم أيها الناس بالرخاء والشدة وبما تحبون وما تكرهون، لننظر صبركم عند البلاء وشكركم عند الرخاء. وقال ابن عباس: معناه: نبتليكم بالشدة والرخاء، والصحة والسقم والغنى والفقر والحلال والحرام والطاعة والمعصية والهدى والضلالة. * * ثم قال تعالى: ﴿وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾. أي: تردون فتجازون بأعمالكم. والرجوع إلى الله في هذا وفي كل ما في القرآن، إنما معناه: إلى حكمه وإلى قضائه وعدله، وليس برجوع إلى مكان الله، ولا إلى ما قرب منه، لأنه لا تحويه الأمكنة، إنما هو بمنزلة قولك: رجع أمرنا إلى القاضي وإلى الأمير. فقرب المسافة لا يجوز على الله جل ذكره، فافهمه. * * ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَا رَآكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ إِن يَتَّخِذُونَكَ إِلاَّ هُزُواً﴾. أي: يسخرون منك يا محمد إذا رأوك. يقول بعضهم لبعض: ﴿أَهَـٰذَا ٱلَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ﴾ بسوء ويعيبها، تعجباً من ذلك. فيعجبون يا محمد من ذكرك آلهتهم وهي لا تضر ولا تنفع. وهم بذكر الرحمان الذي خلقهم، وأنهم عليهم كافرون. * * ثم قال تعالى: ﴿خُلِقَ ٱلإنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ﴾. يعني: آدم خلق من العجلة وعلى العجلة. وقال ابن جبير: "لما نفخ في آدم الروح إلى ركبتيه ذهب لينهض فقال الله تعالى: ﴿خُلِقَ ٱلإنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ﴾. وقال سلمان الفارسي: "لما خلق الله من آدم وجهه ورأسه، جعل ينظر، وهو يخلق، قال وبقيت رجلاه. فلما كان بعد العصر قال: يا رب عجل قبل الليل. فقال: ﴿خُلِقَ ٱلإنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ﴾. ذكره ابن وهب عن رجاله. وقال قتادة: "معناه: خلق الإنسان عجولاً. وقال السدي: لما نفخ الله في آدم الروح فدخل في رأسه، عطس، فقالت له الملائكة: قل الحمد لله. فقال: الحمد لله. فقال الله تعالى له: رحمك ربك. فلما دخل الروح في عينيه. نظر إلى ثمار الجنة. فلما دخل في جوفه اشتهى الطعام، فوثب قبل أن ينتهي الروح رجليه عجلان إلى ثمار الجنة فذلك حين يقول: ﴿خُلِقَ ٱلإنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ﴾. وقيل: معناه: خلق آدم آخر النهار من يوم الجمعة قبل غروب الشمس فكان خلقه على استعجال. قاله ابن جريج: وغيره. قال ابن جريج: خلق الله آدم بعد خلق كل شيء آخر النهار من يوم خلق الخلق. فلما أتى الروح عينيه ولسانه ورأسه، ولم يبلغ أسفله، قال: يا رب، استعجل بخلقي قبل غروب الشمس، فذلك قوله: ﴿خُلِقَ ٱلإنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ﴾. وقد قال ابن زيد: معناه: خلق الإنسان على عجل. خلق آدم آخر النهار من يوم الجمعة، فخلقه الله على عجل وجعله عجولاً. وقال الأخفش: إنما خلق الإنسان من عجل، لأنه خلق على تعجيل من الأمر، لأنه إنما قال له كن فكان. فخلق على استعجال وقال جماعة من النحويين: هو مقلوب. والمعنى: خلق العجل من الإنسان. وقيل: المعنى: خلق الإنسان من طين، لأن العجل من الطين. * * ثم قال: ﴿سَأُوْرِيكُمْ آيَاتِي فَلاَ تَسْتَعْجِلُونِ﴾. أي: سأوريكم أيها المستعجلون ربهم بالآيات، القائلون لنبيه "فليأتنا بآية" فلا تستعجلون بالآيات فستأتيكم.

الأنبياء 21:32

قوله تعالى ذكره: ﴿وَجَعَلْنَا فِي ٱلأَرْضِ رَوَاسِيَ﴾. إلى قوله ﴿فَلاَ تَسْتَعْجِلُونِ﴾. أي: وجعلنا الأرض جبالاً لئلا تميد بالناس. قال قتادة : "كانوا على الأرض تمور بهم، ولا يثبت عليها بناء فأصبحوا وقد خلق الله الجبال أوتاداً حتى لا تميد الأرض". والميد التحرك والدوران. * * ثم قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجاً سُبُلاً﴾. قال قتادة: "فجاجاً": إعلاماً. "سبلاً": طرقاً. قال ابن عباس: "وجعلنا فيها فجاجاً" أي: في الرواسي. وعنه: "الفجاج" كل شعب في جبل أو واد له منفذ. وعنه أيضاً: "فجاجاً" بين الجبال. والفج في اللغة، الطريق بين الجبلين. وقيل: الضمير في فيها يعود على الأرض، وهو اختيار الطبري لقوله تعالى: ﴿لَّعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾. أي: يهتدون إلى السير في الأرض. والأرض تؤنث وتذكر. والتأنيث أكثر. وحكى أبو زيد أرضون وأراض وأروض في جميع الأرض. ويجوز في القياس أرضات. * * ثم قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا ٱلسَّمَآءَ سَقْفاً مَّحْفُوظاً﴾. أي: سقفاً للأرض محفوظاً بالملائكة من الشياطين. وقيل: معناه: محفوظاً من أن يقع على الأرض. وقيل: محفوظاً بالنجوم من الشياطين. وهو أولى، ودليله قوله تعالى ذكره: ﴿وَحِفْظاً مِّن كُلِّ شَيْطَانٍ مَّارِدٍ﴾ [الصافات: ٧]. وقال ابن جبير: السماء بحر مكفوف. ورفعه إلى النبي ﷺ. وروى الحسن البصري أن النبي ﷺ قال: السماء موج مكفوف قال قتادة: ﴿سَقْفاً مَّحْفُوظاً﴾ أي: مرفوعاً، وموجاً مكفوفاً. * * ثم قال تعالى: ﴿وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ﴾. أي: وهم عن شمسها وقمرها ونجومها وغير ذلك من آياتنا، معرضون عن التفكر فيها، وتدبر ما فيها من الحجج والدلائل على توحيد الله وقدرته. * * ثم قال تعالى: ﴿وَهُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلْلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ﴾. أي: ابتدعها. فمن ابتدع هذه الأشياء وخلقها، فله تجب العبادة لا لغيره. قال عكرمة: سئل ابن عباس عن الليل أكان قبل النهار أم قبل الليل؟ فقال: أرأيتم السماوات والأرض حين كانتا رتقاً، أكان بينهما إلا ظلمة ذلك لتعلموا أن الليل قبل النهار. والليلة اسم للزمان من غروب الشمس إلى الانفجار الثاني. واليوم: اسم للزمان من طلوع الفجر إلى غروب الشمس. وكذلك النهار، واليوم ألزم لهذا الوقت من النهار، لأن بعض العرب يجعل النهار من طلوع الشمس إلى غروبها. حكى ذلك عن بعضهم أبو حاتم في كتابه صفة البرد والحر وصفة أوقات الليل والنهار. وقد يقع اليوم، اسماً للزمان، من طلوع الشمس إلى غروبها. وذلك مما جرت به العادات من الاستجارات ونحوها مما تعارف ذلك بين الناس، والأصل في اليوم، أنه اسم للزمان الذي تَعَبَّدَ الله به خلقه بالصيام والنهار مثله في أكثر اللغات. وأصل الليل والنهار أنهما صفتان لزمانين معلومين على ما ذكرنا. وقد قال الخليل: النهار ما بين الفجر إلى الغروب. * * ثم قال تعالى: ﴿كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾. قال مجاهد: "الفلك" كهيئة حديدة الرحى. وقاله ابن جريج. وقال الضحاك: "الفلك" هو سرعة جري الشمس والقمر والنجوم وسيرها. وقيل: "الفلك": موج مكفوف تجري الشمس والقمر والنجوم فيه. وقيل: "الفلك" القطب الذي تدور به النجوم. وقال ابن عباس وقتادة: "في فلك السماء". وقال ابن زيد: "الفلك" الذي بين السماء والأرض من مجاري النجوم والشمس والقمر. وقرأ: ﴿تَبَارَكَ ٱلَّذِي جَعَلَ فِي ٱلسَّمَآءِ بُرُوجاً وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجاً وَقَمَراً مُّنِيراً﴾ [الفرقان: ٦١]. وقال: فلك البروج بين السماء والأرض، وليست في الأرض. وعن الحسن أن الفلك طاحونة كهيئة فلكة المغزل. وقال: "يسبحون" لأنه أخبر عنها كما يخبر عمن يعقل. فأتى بالواو والنون في فعلها. ومعنى: "يسبحون" يجرون وينصرفون ويدورون. * * ثم قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن قَبْلِكَ ٱلْخُلْدَ﴾. أي: ما خلدنا أحداً من بني آدم في الدنيا، فنخلدك يا محمد فيها. أفئن مت فهؤلاء المشركون خالدون بعدك في الدنيا. وتقديره: أهم الخالدون إن مت. * * ثم قال تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ ٱلْمَوْتِ﴾. أي: كل نفس معالجة غصص الموت، ومتجرعة كأسه. * * ﴿وَنَبْلُوكُم بِٱلشَّرِّ وَٱلْخَيْرِ فِتْنَةً﴾. أي: ونختبركم أيها الناس بالرخاء والشدة وبما تحبون وما تكرهون، لننظر صبركم عند البلاء وشكركم عند الرخاء. وقال ابن عباس: معناه: نبتليكم بالشدة والرخاء، والصحة والسقم والغنى والفقر والحلال والحرام والطاعة والمعصية والهدى والضلالة. * * ثم قال تعالى: ﴿وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾. أي: تردون فتجازون بأعمالكم. والرجوع إلى الله في هذا وفي كل ما في القرآن، إنما معناه: إلى حكمه وإلى قضائه وعدله، وليس برجوع إلى مكان الله، ولا إلى ما قرب منه، لأنه لا تحويه الأمكنة، إنما هو بمنزلة قولك: رجع أمرنا إلى القاضي وإلى الأمير. فقرب المسافة لا يجوز على الله جل ذكره، فافهمه. * * ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَا رَآكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ إِن يَتَّخِذُونَكَ إِلاَّ هُزُواً﴾. أي: يسخرون منك يا محمد إذا رأوك. يقول بعضهم لبعض: ﴿أَهَـٰذَا ٱلَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ﴾ بسوء ويعيبها، تعجباً من ذلك. فيعجبون يا محمد من ذكرك آلهتهم وهي لا تضر ولا تنفع. وهم بذكر الرحمان الذي خلقهم، وأنهم عليهم كافرون. * * ثم قال تعالى: ﴿خُلِقَ ٱلإنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ﴾. يعني: آدم خلق من العجلة وعلى العجلة. وقال ابن جبير: "لما نفخ في آدم الروح إلى ركبتيه ذهب لينهض فقال الله تعالى: ﴿خُلِقَ ٱلإنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ﴾. وقال سلمان الفارسي: "لما خلق الله من آدم وجهه ورأسه، جعل ينظر، وهو يخلق، قال وبقيت رجلاه. فلما كان بعد العصر قال: يا رب عجل قبل الليل. فقال: ﴿خُلِقَ ٱلإنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ﴾. ذكره ابن وهب عن رجاله. وقال قتادة: "معناه: خلق الإنسان عجولاً. وقال السدي: لما نفخ الله في آدم الروح فدخل في رأسه، عطس، فقالت له الملائكة: قل الحمد لله. فقال: الحمد لله. فقال الله تعالى له: رحمك ربك. فلما دخل الروح في عينيه. نظر إلى ثمار الجنة. فلما دخل في جوفه اشتهى الطعام، فوثب قبل أن ينتهي الروح رجليه عجلان إلى ثمار الجنة فذلك حين يقول: ﴿خُلِقَ ٱلإنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ﴾. وقيل: معناه: خلق آدم آخر النهار من يوم الجمعة قبل غروب الشمس فكان خلقه على استعجال. قاله ابن جريج: وغيره. قال ابن جريج: خلق الله آدم بعد خلق كل شيء آخر النهار من يوم خلق الخلق. فلما أتى الروح عينيه ولسانه ورأسه، ولم يبلغ أسفله، قال: يا رب، استعجل بخلقي قبل غروب الشمس، فذلك قوله: ﴿خُلِقَ ٱلإنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ﴾. وقد قال ابن زيد: معناه: خلق الإنسان على عجل. خلق آدم آخر النهار من يوم الجمعة، فخلقه الله على عجل وجعله عجولاً. وقال الأخفش: إنما خلق الإنسان من عجل، لأنه خلق على تعجيل من الأمر، لأنه إنما قال له كن فكان. فخلق على استعجال وقال جماعة من النحويين: هو مقلوب. والمعنى: خلق العجل من الإنسان. وقيل: المعنى: خلق الإنسان من طين، لأن العجل من الطين. * * ثم قال: ﴿سَأُوْرِيكُمْ آيَاتِي فَلاَ تَسْتَعْجِلُونِ﴾. أي: سأوريكم أيها المستعجلون ربهم بالآيات، القائلون لنبيه "فليأتنا بآية" فلا تستعجلون بالآيات فستأتيكم.

الأنبياء 21:33

قوله تعالى ذكره: ﴿وَجَعَلْنَا فِي ٱلأَرْضِ رَوَاسِيَ﴾. إلى قوله ﴿فَلاَ تَسْتَعْجِلُونِ﴾. أي: وجعلنا الأرض جبالاً لئلا تميد بالناس. قال قتادة : "كانوا على الأرض تمور بهم، ولا يثبت عليها بناء فأصبحوا وقد خلق الله الجبال أوتاداً حتى لا تميد الأرض". والميد التحرك والدوران. * * ثم قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجاً سُبُلاً﴾. قال قتادة: "فجاجاً": إعلاماً. "سبلاً": طرقاً. قال ابن عباس: "وجعلنا فيها فجاجاً" أي: في الرواسي. وعنه: "الفجاج" كل شعب في جبل أو واد له منفذ. وعنه أيضاً: "فجاجاً" بين الجبال. والفج في اللغة، الطريق بين الجبلين. وقيل: الضمير في فيها يعود على الأرض، وهو اختيار الطبري لقوله تعالى: ﴿لَّعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾. أي: يهتدون إلى السير في الأرض. والأرض تؤنث وتذكر. والتأنيث أكثر. وحكى أبو زيد أرضون وأراض وأروض في جميع الأرض. ويجوز في القياس أرضات. * * ثم قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا ٱلسَّمَآءَ سَقْفاً مَّحْفُوظاً﴾. أي: سقفاً للأرض محفوظاً بالملائكة من الشياطين. وقيل: معناه: محفوظاً من أن يقع على الأرض. وقيل: محفوظاً بالنجوم من الشياطين. وهو أولى، ودليله قوله تعالى ذكره: ﴿وَحِفْظاً مِّن كُلِّ شَيْطَانٍ مَّارِدٍ﴾ [الصافات: ٧]. وقال ابن جبير: السماء بحر مكفوف. ورفعه إلى النبي ﷺ. وروى الحسن البصري أن النبي ﷺ قال: السماء موج مكفوف قال قتادة: ﴿سَقْفاً مَّحْفُوظاً﴾ أي: مرفوعاً، وموجاً مكفوفاً. * * ثم قال تعالى: ﴿وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ﴾. أي: وهم عن شمسها وقمرها ونجومها وغير ذلك من آياتنا، معرضون عن التفكر فيها، وتدبر ما فيها من الحجج والدلائل على توحيد الله وقدرته. * * ثم قال تعالى: ﴿وَهُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلْلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ﴾. أي: ابتدعها. فمن ابتدع هذه الأشياء وخلقها، فله تجب العبادة لا لغيره. قال عكرمة: سئل ابن عباس عن الليل أكان قبل النهار أم قبل الليل؟ فقال: أرأيتم السماوات والأرض حين كانتا رتقاً، أكان بينهما إلا ظلمة ذلك لتعلموا أن الليل قبل النهار. والليلة اسم للزمان من غروب الشمس إلى الانفجار الثاني. واليوم: اسم للزمان من طلوع الفجر إلى غروب الشمس. وكذلك النهار، واليوم ألزم لهذا الوقت من النهار، لأن بعض العرب يجعل النهار من طلوع الشمس إلى غروبها. حكى ذلك عن بعضهم أبو حاتم في كتابه صفة البرد والحر وصفة أوقات الليل والنهار. وقد يقع اليوم، اسماً للزمان، من طلوع الشمس إلى غروبها. وذلك مما جرت به العادات من الاستجارات ونحوها مما تعارف ذلك بين الناس، والأصل في اليوم، أنه اسم للزمان الذي تَعَبَّدَ الله به خلقه بالصيام والنهار مثله في أكثر اللغات. وأصل الليل والنهار أنهما صفتان لزمانين معلومين على ما ذكرنا. وقد قال الخليل: النهار ما بين الفجر إلى الغروب. * * ثم قال تعالى: ﴿كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾. قال مجاهد: "الفلك" كهيئة حديدة الرحى. وقاله ابن جريج. وقال الضحاك: "الفلك" هو سرعة جري الشمس والقمر والنجوم وسيرها. وقيل: "الفلك": موج مكفوف تجري الشمس والقمر والنجوم فيه. وقيل: "الفلك" القطب الذي تدور به النجوم. وقال ابن عباس وقتادة: "في فلك السماء". وقال ابن زيد: "الفلك" الذي بين السماء والأرض من مجاري النجوم والشمس والقمر. وقرأ: ﴿تَبَارَكَ ٱلَّذِي جَعَلَ فِي ٱلسَّمَآءِ بُرُوجاً وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجاً وَقَمَراً مُّنِيراً﴾ [الفرقان: ٦١]. وقال: فلك البروج بين السماء والأرض، وليست في الأرض. وعن الحسن أن الفلك طاحونة كهيئة فلكة المغزل. وقال: "يسبحون" لأنه أخبر عنها كما يخبر عمن يعقل. فأتى بالواو والنون في فعلها. ومعنى: "يسبحون" يجرون وينصرفون ويدورون. * * ثم قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن قَبْلِكَ ٱلْخُلْدَ﴾. أي: ما خلدنا أحداً من بني آدم في الدنيا، فنخلدك يا محمد فيها. أفئن مت فهؤلاء المشركون خالدون بعدك في الدنيا. وتقديره: أهم الخالدون إن مت. * * ثم قال تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ ٱلْمَوْتِ﴾. أي: كل نفس معالجة غصص الموت، ومتجرعة كأسه. * * ﴿وَنَبْلُوكُم بِٱلشَّرِّ وَٱلْخَيْرِ فِتْنَةً﴾. أي: ونختبركم أيها الناس بالرخاء والشدة وبما تحبون وما تكرهون، لننظر صبركم عند البلاء وشكركم عند الرخاء. وقال ابن عباس: معناه: نبتليكم بالشدة والرخاء، والصحة والسقم والغنى والفقر والحلال والحرام والطاعة والمعصية والهدى والضلالة. * * ثم قال تعالى: ﴿وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾. أي: تردون فتجازون بأعمالكم. والرجوع إلى الله في هذا وفي كل ما في القرآن، إنما معناه: إلى حكمه وإلى قضائه وعدله، وليس برجوع إلى مكان الله، ولا إلى ما قرب منه، لأنه لا تحويه الأمكنة، إنما هو بمنزلة قولك: رجع أمرنا إلى القاضي وإلى الأمير. فقرب المسافة لا يجوز على الله جل ذكره، فافهمه. * * ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَا رَآكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ إِن يَتَّخِذُونَكَ إِلاَّ هُزُواً﴾. أي: يسخرون منك يا محمد إذا رأوك. يقول بعضهم لبعض: ﴿أَهَـٰذَا ٱلَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ﴾ بسوء ويعيبها، تعجباً من ذلك. فيعجبون يا محمد من ذكرك آلهتهم وهي لا تضر ولا تنفع. وهم بذكر الرحمان الذي خلقهم، وأنهم عليهم كافرون. * * ثم قال تعالى: ﴿خُلِقَ ٱلإنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ﴾. يعني: آدم خلق من العجلة وعلى العجلة. وقال ابن جبير: "لما نفخ في آدم الروح إلى ركبتيه ذهب لينهض فقال الله تعالى: ﴿خُلِقَ ٱلإنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ﴾. وقال سلمان الفارسي: "لما خلق الله من آدم وجهه ورأسه، جعل ينظر، وهو يخلق، قال وبقيت رجلاه. فلما كان بعد العصر قال: يا رب عجل قبل الليل. فقال: ﴿خُلِقَ ٱلإنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ﴾. ذكره ابن وهب عن رجاله. وقال قتادة: "معناه: خلق الإنسان عجولاً. وقال السدي: لما نفخ الله في آدم الروح فدخل في رأسه، عطس، فقالت له الملائكة: قل الحمد لله. فقال: الحمد لله. فقال الله تعالى له: رحمك ربك. فلما دخل الروح في عينيه. نظر إلى ثمار الجنة. فلما دخل في جوفه اشتهى الطعام، فوثب قبل أن ينتهي الروح رجليه عجلان إلى ثمار الجنة فذلك حين يقول: ﴿خُلِقَ ٱلإنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ﴾. وقيل: معناه: خلق آدم آخر النهار من يوم الجمعة قبل غروب الشمس فكان خلقه على استعجال. قاله ابن جريج: وغيره. قال ابن جريج: خلق الله آدم بعد خلق كل شيء آخر النهار من يوم خلق الخلق. فلما أتى الروح عينيه ولسانه ورأسه، ولم يبلغ أسفله، قال: يا رب، استعجل بخلقي قبل غروب الشمس، فذلك قوله: ﴿خُلِقَ ٱلإنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ﴾. وقد قال ابن زيد: معناه: خلق الإنسان على عجل. خلق آدم آخر النهار من يوم الجمعة، فخلقه الله على عجل وجعله عجولاً. وقال الأخفش: إنما خلق الإنسان من عجل، لأنه خلق على تعجيل من الأمر، لأنه إنما قال له كن فكان. فخلق على استعجال وقال جماعة من النحويين: هو مقلوب. والمعنى: خلق العجل من الإنسان. وقيل: المعنى: خلق الإنسان من طين، لأن العجل من الطين. * * ثم قال: ﴿سَأُوْرِيكُمْ آيَاتِي فَلاَ تَسْتَعْجِلُونِ﴾. أي: سأوريكم أيها المستعجلون ربهم بالآيات، القائلون لنبيه "فليأتنا بآية" فلا تستعجلون بالآيات فستأتيكم.

الأنبياء 21:34

قوله تعالى ذكره: ﴿وَجَعَلْنَا فِي ٱلأَرْضِ رَوَاسِيَ﴾. إلى قوله ﴿فَلاَ تَسْتَعْجِلُونِ﴾. أي: وجعلنا الأرض جبالاً لئلا تميد بالناس. قال قتادة : "كانوا على الأرض تمور بهم، ولا يثبت عليها بناء فأصبحوا وقد خلق الله الجبال أوتاداً حتى لا تميد الأرض". والميد التحرك والدوران. * * ثم قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجاً سُبُلاً﴾. قال قتادة: "فجاجاً": إعلاماً. "سبلاً": طرقاً. قال ابن عباس: "وجعلنا فيها فجاجاً" أي: في الرواسي. وعنه: "الفجاج" كل شعب في جبل أو واد له منفذ. وعنه أيضاً: "فجاجاً" بين الجبال. والفج في اللغة، الطريق بين الجبلين. وقيل: الضمير في فيها يعود على الأرض، وهو اختيار الطبري لقوله تعالى: ﴿لَّعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾. أي: يهتدون إلى السير في الأرض. والأرض تؤنث وتذكر. والتأنيث أكثر. وحكى أبو زيد أرضون وأراض وأروض في جميع الأرض. ويجوز في القياس أرضات. * * ثم قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا ٱلسَّمَآءَ سَقْفاً مَّحْفُوظاً﴾. أي: سقفاً للأرض محفوظاً بالملائكة من الشياطين. وقيل: معناه: محفوظاً من أن يقع على الأرض. وقيل: محفوظاً بالنجوم من الشياطين. وهو أولى، ودليله قوله تعالى ذكره: ﴿وَحِفْظاً مِّن كُلِّ شَيْطَانٍ مَّارِدٍ﴾ [الصافات: ٧]. وقال ابن جبير: السماء بحر مكفوف. ورفعه إلى النبي ﷺ. وروى الحسن البصري أن النبي ﷺ قال: السماء موج مكفوف قال قتادة: ﴿سَقْفاً مَّحْفُوظاً﴾ أي: مرفوعاً، وموجاً مكفوفاً. * * ثم قال تعالى: ﴿وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ﴾. أي: وهم عن شمسها وقمرها ونجومها وغير ذلك من آياتنا، معرضون عن التفكر فيها، وتدبر ما فيها من الحجج والدلائل على توحيد الله وقدرته. * * ثم قال تعالى: ﴿وَهُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلْلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ﴾. أي: ابتدعها. فمن ابتدع هذه الأشياء وخلقها، فله تجب العبادة لا لغيره. قال عكرمة: سئل ابن عباس عن الليل أكان قبل النهار أم قبل الليل؟ فقال: أرأيتم السماوات والأرض حين كانتا رتقاً، أكان بينهما إلا ظلمة ذلك لتعلموا أن الليل قبل النهار. والليلة اسم للزمان من غروب الشمس إلى الانفجار الثاني. واليوم: اسم للزمان من طلوع الفجر إلى غروب الشمس. وكذلك النهار، واليوم ألزم لهذا الوقت من النهار، لأن بعض العرب يجعل النهار من طلوع الشمس إلى غروبها. حكى ذلك عن بعضهم أبو حاتم في كتابه صفة البرد والحر وصفة أوقات الليل والنهار. وقد يقع اليوم، اسماً للزمان، من طلوع الشمس إلى غروبها. وذلك مما جرت به العادات من الاستجارات ونحوها مما تعارف ذلك بين الناس، والأصل في اليوم، أنه اسم للزمان الذي تَعَبَّدَ الله به خلقه بالصيام والنهار مثله في أكثر اللغات. وأصل الليل والنهار أنهما صفتان لزمانين معلومين على ما ذكرنا. وقد قال الخليل: النهار ما بين الفجر إلى الغروب. * * ثم قال تعالى: ﴿كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾. قال مجاهد: "الفلك" كهيئة حديدة الرحى. وقاله ابن جريج. وقال الضحاك: "الفلك" هو سرعة جري الشمس والقمر والنجوم وسيرها. وقيل: "الفلك": موج مكفوف تجري الشمس والقمر والنجوم فيه. وقيل: "الفلك" القطب الذي تدور به النجوم. وقال ابن عباس وقتادة: "في فلك السماء". وقال ابن زيد: "الفلك" الذي بين السماء والأرض من مجاري النجوم والشمس والقمر. وقرأ: ﴿تَبَارَكَ ٱلَّذِي جَعَلَ فِي ٱلسَّمَآءِ بُرُوجاً وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجاً وَقَمَراً مُّنِيراً﴾ [الفرقان: ٦١]. وقال: فلك البروج بين السماء والأرض، وليست في الأرض. وعن الحسن أن الفلك طاحونة كهيئة فلكة المغزل. وقال: "يسبحون" لأنه أخبر عنها كما يخبر عمن يعقل. فأتى بالواو والنون في فعلها. ومعنى: "يسبحون" يجرون وينصرفون ويدورون. * * ثم قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن قَبْلِكَ ٱلْخُلْدَ﴾. أي: ما خلدنا أحداً من بني آدم في الدنيا، فنخلدك يا محمد فيها. أفئن مت فهؤلاء المشركون خالدون بعدك في الدنيا. وتقديره: أهم الخالدون إن مت. * * ثم قال تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ ٱلْمَوْتِ﴾. أي: كل نفس معالجة غصص الموت، ومتجرعة كأسه. * * ﴿وَنَبْلُوكُم بِٱلشَّرِّ وَٱلْخَيْرِ فِتْنَةً﴾. أي: ونختبركم أيها الناس بالرخاء والشدة وبما تحبون وما تكرهون، لننظر صبركم عند البلاء وشكركم عند الرخاء. وقال ابن عباس: معناه: نبتليكم بالشدة والرخاء، والصحة والسقم والغنى والفقر والحلال والحرام والطاعة والمعصية والهدى والضلالة. * * ثم قال تعالى: ﴿وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾. أي: تردون فتجازون بأعمالكم. والرجوع إلى الله في هذا وفي كل ما في القرآن، إنما معناه: إلى حكمه وإلى قضائه وعدله، وليس برجوع إلى مكان الله، ولا إلى ما قرب منه، لأنه لا تحويه الأمكنة، إنما هو بمنزلة قولك: رجع أمرنا إلى القاضي وإلى الأمير. فقرب المسافة لا يجوز على الله جل ذكره، فافهمه. * * ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَا رَآكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ إِن يَتَّخِذُونَكَ إِلاَّ هُزُواً﴾. أي: يسخرون منك يا محمد إذا رأوك. يقول بعضهم لبعض: ﴿أَهَـٰذَا ٱلَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ﴾ بسوء ويعيبها، تعجباً من ذلك. فيعجبون يا محمد من ذكرك آلهتهم وهي لا تضر ولا تنفع. وهم بذكر الرحمان الذي خلقهم، وأنهم عليهم كافرون. * * ثم قال تعالى: ﴿خُلِقَ ٱلإنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ﴾. يعني: آدم خلق من العجلة وعلى العجلة. وقال ابن جبير: "لما نفخ في آدم الروح إلى ركبتيه ذهب لينهض فقال الله تعالى: ﴿خُلِقَ ٱلإنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ﴾. وقال سلمان الفارسي: "لما خلق الله من آدم وجهه ورأسه، جعل ينظر، وهو يخلق، قال وبقيت رجلاه. فلما كان بعد العصر قال: يا رب عجل قبل الليل. فقال: ﴿خُلِقَ ٱلإنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ﴾. ذكره ابن وهب عن رجاله. وقال قتادة: "معناه: خلق الإنسان عجولاً. وقال السدي: لما نفخ الله في آدم الروح فدخل في رأسه، عطس، فقالت له الملائكة: قل الحمد لله. فقال: الحمد لله. فقال الله تعالى له: رحمك ربك. فلما دخل الروح في عينيه. نظر إلى ثمار الجنة. فلما دخل في جوفه اشتهى الطعام، فوثب قبل أن ينتهي الروح رجليه عجلان إلى ثمار الجنة فذلك حين يقول: ﴿خُلِقَ ٱلإنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ﴾. وقيل: معناه: خلق آدم آخر النهار من يوم الجمعة قبل غروب الشمس فكان خلقه على استعجال. قاله ابن جريج: وغيره. قال ابن جريج: خلق الله آدم بعد خلق كل شيء آخر النهار من يوم خلق الخلق. فلما أتى الروح عينيه ولسانه ورأسه، ولم يبلغ أسفله، قال: يا رب، استعجل بخلقي قبل غروب الشمس، فذلك قوله: ﴿خُلِقَ ٱلإنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ﴾. وقد قال ابن زيد: معناه: خلق الإنسان على عجل. خلق آدم آخر النهار من يوم الجمعة، فخلقه الله على عجل وجعله عجولاً. وقال الأخفش: إنما خلق الإنسان من عجل، لأنه خلق على تعجيل من الأمر، لأنه إنما قال له كن فكان. فخلق على استعجال وقال جماعة من النحويين: هو مقلوب. والمعنى: خلق العجل من الإنسان. وقيل: المعنى: خلق الإنسان من طين، لأن العجل من الطين. * * ثم قال: ﴿سَأُوْرِيكُمْ آيَاتِي فَلاَ تَسْتَعْجِلُونِ﴾. أي: سأوريكم أيها المستعجلون ربهم بالآيات، القائلون لنبيه "فليأتنا بآية" فلا تستعجلون بالآيات فستأتيكم.

الأنبياء 21:35

قوله تعالى ذكره: ﴿وَجَعَلْنَا فِي ٱلأَرْضِ رَوَاسِيَ﴾. إلى قوله ﴿فَلاَ تَسْتَعْجِلُونِ﴾. أي: وجعلنا الأرض جبالاً لئلا تميد بالناس. قال قتادة : "كانوا على الأرض تمور بهم، ولا يثبت عليها بناء فأصبحوا وقد خلق الله الجبال أوتاداً حتى لا تميد الأرض". والميد التحرك والدوران. * * ثم قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجاً سُبُلاً﴾. قال قتادة: "فجاجاً": إعلاماً. "سبلاً": طرقاً. قال ابن عباس: "وجعلنا فيها فجاجاً" أي: في الرواسي. وعنه: "الفجاج" كل شعب في جبل أو واد له منفذ. وعنه أيضاً: "فجاجاً" بين الجبال. والفج في اللغة، الطريق بين الجبلين. وقيل: الضمير في فيها يعود على الأرض، وهو اختيار الطبري لقوله تعالى: ﴿لَّعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾. أي: يهتدون إلى السير في الأرض. والأرض تؤنث وتذكر. والتأنيث أكثر. وحكى أبو زيد أرضون وأراض وأروض في جميع الأرض. ويجوز في القياس أرضات. * * ثم قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا ٱلسَّمَآءَ سَقْفاً مَّحْفُوظاً﴾. أي: سقفاً للأرض محفوظاً بالملائكة من الشياطين. وقيل: معناه: محفوظاً من أن يقع على الأرض. وقيل: محفوظاً بالنجوم من الشياطين. وهو أولى، ودليله قوله تعالى ذكره: ﴿وَحِفْظاً مِّن كُلِّ شَيْطَانٍ مَّارِدٍ﴾ [الصافات: ٧]. وقال ابن جبير: السماء بحر مكفوف. ورفعه إلى النبي ﷺ. وروى الحسن البصري أن النبي ﷺ قال: السماء موج مكفوف قال قتادة: ﴿سَقْفاً مَّحْفُوظاً﴾ أي: مرفوعاً، وموجاً مكفوفاً. * * ثم قال تعالى: ﴿وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ﴾. أي: وهم عن شمسها وقمرها ونجومها وغير ذلك من آياتنا، معرضون عن التفكر فيها، وتدبر ما فيها من الحجج والدلائل على توحيد الله وقدرته. * * ثم قال تعالى: ﴿وَهُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلْلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ﴾. أي: ابتدعها. فمن ابتدع هذه الأشياء وخلقها، فله تجب العبادة لا لغيره. قال عكرمة: سئل ابن عباس عن الليل أكان قبل النهار أم قبل الليل؟ فقال: أرأيتم السماوات والأرض حين كانتا رتقاً، أكان بينهما إلا ظلمة ذلك لتعلموا أن الليل قبل النهار. والليلة اسم للزمان من غروب الشمس إلى الانفجار الثاني. واليوم: اسم للزمان من طلوع الفجر إلى غروب الشمس. وكذلك النهار، واليوم ألزم لهذا الوقت من النهار، لأن بعض العرب يجعل النهار من طلوع الشمس إلى غروبها. حكى ذلك عن بعضهم أبو حاتم في كتابه صفة البرد والحر وصفة أوقات الليل والنهار. وقد يقع اليوم، اسماً للزمان، من طلوع الشمس إلى غروبها. وذلك مما جرت به العادات من الاستجارات ونحوها مما تعارف ذلك بين الناس، والأصل في اليوم، أنه اسم للزمان الذي تَعَبَّدَ الله به خلقه بالصيام والنهار مثله في أكثر اللغات. وأصل الليل والنهار أنهما صفتان لزمانين معلومين على ما ذكرنا. وقد قال الخليل: النهار ما بين الفجر إلى الغروب. * * ثم قال تعالى: ﴿كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾. قال مجاهد: "الفلك" كهيئة حديدة الرحى. وقاله ابن جريج. وقال الضحاك: "الفلك" هو سرعة جري الشمس والقمر والنجوم وسيرها. وقيل: "الفلك": موج مكفوف تجري الشمس والقمر والنجوم فيه. وقيل: "الفلك" القطب الذي تدور به النجوم. وقال ابن عباس وقتادة: "في فلك السماء". وقال ابن زيد: "الفلك" الذي بين السماء والأرض من مجاري النجوم والشمس والقمر. وقرأ: ﴿تَبَارَكَ ٱلَّذِي جَعَلَ فِي ٱلسَّمَآءِ بُرُوجاً وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجاً وَقَمَراً مُّنِيراً﴾ [الفرقان: ٦١]. وقال: فلك البروج بين السماء والأرض، وليست في الأرض. وعن الحسن أن الفلك طاحونة كهيئة فلكة المغزل. وقال: "يسبحون" لأنه أخبر عنها كما يخبر عمن يعقل. فأتى بالواو والنون في فعلها. ومعنى: "يسبحون" يجرون وينصرفون ويدورون. * * ثم قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن قَبْلِكَ ٱلْخُلْدَ﴾. أي: ما خلدنا أحداً من بني آدم في الدنيا، فنخلدك يا محمد فيها. أفئن مت فهؤلاء المشركون خالدون بعدك في الدنيا. وتقديره: أهم الخالدون إن مت. * * ثم قال تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ ٱلْمَوْتِ﴾. أي: كل نفس معالجة غصص الموت، ومتجرعة كأسه. * * ﴿وَنَبْلُوكُم بِٱلشَّرِّ وَٱلْخَيْرِ فِتْنَةً﴾. أي: ونختبركم أيها الناس بالرخاء والشدة وبما تحبون وما تكرهون، لننظر صبركم عند البلاء وشكركم عند الرخاء. وقال ابن عباس: معناه: نبتليكم بالشدة والرخاء، والصحة والسقم والغنى والفقر والحلال والحرام والطاعة والمعصية والهدى والضلالة. * * ثم قال تعالى: ﴿وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾. أي: تردون فتجازون بأعمالكم. والرجوع إلى الله في هذا وفي كل ما في القرآن، إنما معناه: إلى حكمه وإلى قضائه وعدله، وليس برجوع إلى مكان الله، ولا إلى ما قرب منه، لأنه لا تحويه الأمكنة، إنما هو بمنزلة قولك: رجع أمرنا إلى القاضي وإلى الأمير. فقرب المسافة لا يجوز على الله جل ذكره، فافهمه. * * ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَا رَآكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ إِن يَتَّخِذُونَكَ إِلاَّ هُزُواً﴾. أي: يسخرون منك يا محمد إذا رأوك. يقول بعضهم لبعض: ﴿أَهَـٰذَا ٱلَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ﴾ بسوء ويعيبها، تعجباً من ذلك. فيعجبون يا محمد من ذكرك آلهتهم وهي لا تضر ولا تنفع. وهم بذكر الرحمان الذي خلقهم، وأنهم عليهم كافرون. * * ثم قال تعالى: ﴿خُلِقَ ٱلإنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ﴾. يعني: آدم خلق من العجلة وعلى العجلة. وقال ابن جبير: "لما نفخ في آدم الروح إلى ركبتيه ذهب لينهض فقال الله تعالى: ﴿خُلِقَ ٱلإنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ﴾. وقال سلمان الفارسي: "لما خلق الله من آدم وجهه ورأسه، جعل ينظر، وهو يخلق، قال وبقيت رجلاه. فلما كان بعد العصر قال: يا رب عجل قبل الليل. فقال: ﴿خُلِقَ ٱلإنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ﴾. ذكره ابن وهب عن رجاله. وقال قتادة: "معناه: خلق الإنسان عجولاً. وقال السدي: لما نفخ الله في آدم الروح فدخل في رأسه، عطس، فقالت له الملائكة: قل الحمد لله. فقال: الحمد لله. فقال الله تعالى له: رحمك ربك. فلما دخل الروح في عينيه. نظر إلى ثمار الجنة. فلما دخل في جوفه اشتهى الطعام، فوثب قبل أن ينتهي الروح رجليه عجلان إلى ثمار الجنة فذلك حين يقول: ﴿خُلِقَ ٱلإنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ﴾. وقيل: معناه: خلق آدم آخر النهار من يوم الجمعة قبل غروب الشمس فكان خلقه على استعجال. قاله ابن جريج: وغيره. قال ابن جريج: خلق الله آدم بعد خلق كل شيء آخر النهار من يوم خلق الخلق. فلما أتى الروح عينيه ولسانه ورأسه، ولم يبلغ أسفله، قال: يا رب، استعجل بخلقي قبل غروب الشمس، فذلك قوله: ﴿خُلِقَ ٱلإنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ﴾. وقد قال ابن زيد: معناه: خلق الإنسان على عجل. خلق آدم آخر النهار من يوم الجمعة، فخلقه الله على عجل وجعله عجولاً. وقال الأخفش: إنما خلق الإنسان من عجل، لأنه خلق على تعجيل من الأمر، لأنه إنما قال له كن فكان. فخلق على استعجال وقال جماعة من النحويين: هو مقلوب. والمعنى: خلق العجل من الإنسان. وقيل: المعنى: خلق الإنسان من طين، لأن العجل من الطين. * * ثم قال: ﴿سَأُوْرِيكُمْ آيَاتِي فَلاَ تَسْتَعْجِلُونِ﴾. أي: سأوريكم أيها المستعجلون ربهم بالآيات، القائلون لنبيه "فليأتنا بآية" فلا تستعجلون بالآيات فستأتيكم.

الأنبياء 21:36

قوله تعالى ذكره: ﴿وَجَعَلْنَا فِي ٱلأَرْضِ رَوَاسِيَ﴾. إلى قوله ﴿فَلاَ تَسْتَعْجِلُونِ﴾. أي: وجعلنا الأرض جبالاً لئلا تميد بالناس. قال قتادة : "كانوا على الأرض تمور بهم، ولا يثبت عليها بناء فأصبحوا وقد خلق الله الجبال أوتاداً حتى لا تميد الأرض". والميد التحرك والدوران. * * ثم قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجاً سُبُلاً﴾. قال قتادة: "فجاجاً": إعلاماً. "سبلاً": طرقاً. قال ابن عباس: "وجعلنا فيها فجاجاً" أي: في الرواسي. وعنه: "الفجاج" كل شعب في جبل أو واد له منفذ. وعنه أيضاً: "فجاجاً" بين الجبال. والفج في اللغة، الطريق بين الجبلين. وقيل: الضمير في فيها يعود على الأرض، وهو اختيار الطبري لقوله تعالى: ﴿لَّعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾. أي: يهتدون إلى السير في الأرض. والأرض تؤنث وتذكر. والتأنيث أكثر. وحكى أبو زيد أرضون وأراض وأروض في جميع الأرض. ويجوز في القياس أرضات. * * ثم قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا ٱلسَّمَآءَ سَقْفاً مَّحْفُوظاً﴾. أي: سقفاً للأرض محفوظاً بالملائكة من الشياطين. وقيل: معناه: محفوظاً من أن يقع على الأرض. وقيل: محفوظاً بالنجوم من الشياطين. وهو أولى، ودليله قوله تعالى ذكره: ﴿وَحِفْظاً مِّن كُلِّ شَيْطَانٍ مَّارِدٍ﴾ [الصافات: ٧]. وقال ابن جبير: السماء بحر مكفوف. ورفعه إلى النبي ﷺ. وروى الحسن البصري أن النبي ﷺ قال: السماء موج مكفوف قال قتادة: ﴿سَقْفاً مَّحْفُوظاً﴾ أي: مرفوعاً، وموجاً مكفوفاً. * * ثم قال تعالى: ﴿وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ﴾. أي: وهم عن شمسها وقمرها ونجومها وغير ذلك من آياتنا، معرضون عن التفكر فيها، وتدبر ما فيها من الحجج والدلائل على توحيد الله وقدرته. * * ثم قال تعالى: ﴿وَهُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلْلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ﴾. أي: ابتدعها. فمن ابتدع هذه الأشياء وخلقها، فله تجب العبادة لا لغيره. قال عكرمة: سئل ابن عباس عن الليل أكان قبل النهار أم قبل الليل؟ فقال: أرأيتم السماوات والأرض حين كانتا رتقاً، أكان بينهما إلا ظلمة ذلك لتعلموا أن الليل قبل النهار. والليلة اسم للزمان من غروب الشمس إلى الانفجار الثاني. واليوم: اسم للزمان من طلوع الفجر إلى غروب الشمس. وكذلك النهار، واليوم ألزم لهذا الوقت من النهار، لأن بعض العرب يجعل النهار من طلوع الشمس إلى غروبها. حكى ذلك عن بعضهم أبو حاتم في كتابه صفة البرد والحر وصفة أوقات الليل والنهار. وقد يقع اليوم، اسماً للزمان، من طلوع الشمس إلى غروبها. وذلك مما جرت به العادات من الاستجارات ونحوها مما تعارف ذلك بين الناس، والأصل في اليوم، أنه اسم للزمان الذي تَعَبَّدَ الله به خلقه بالصيام والنهار مثله في أكثر اللغات. وأصل الليل والنهار أنهما صفتان لزمانين معلومين على ما ذكرنا. وقد قال الخليل: النهار ما بين الفجر إلى الغروب. * * ثم قال تعالى: ﴿كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾. قال مجاهد: "الفلك" كهيئة حديدة الرحى. وقاله ابن جريج. وقال الضحاك: "الفلك" هو سرعة جري الشمس والقمر والنجوم وسيرها. وقيل: "الفلك": موج مكفوف تجري الشمس والقمر والنجوم فيه. وقيل: "الفلك" القطب الذي تدور به النجوم. وقال ابن عباس وقتادة: "في فلك السماء". وقال ابن زيد: "الفلك" الذي بين السماء والأرض من مجاري النجوم والشمس والقمر. وقرأ: ﴿تَبَارَكَ ٱلَّذِي جَعَلَ فِي ٱلسَّمَآءِ بُرُوجاً وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجاً وَقَمَراً مُّنِيراً﴾ [الفرقان: ٦١]. وقال: فلك البروج بين السماء والأرض، وليست في الأرض. وعن الحسن أن الفلك طاحونة كهيئة فلكة المغزل. وقال: "يسبحون" لأنه أخبر عنها كما يخبر عمن يعقل. فأتى بالواو والنون في فعلها. ومعنى: "يسبحون" يجرون وينصرفون ويدورون. * * ثم قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن قَبْلِكَ ٱلْخُلْدَ﴾. أي: ما خلدنا أحداً من بني آدم في الدنيا، فنخلدك يا محمد فيها. أفئن مت فهؤلاء المشركون خالدون بعدك في الدنيا. وتقديره: أهم الخالدون إن مت. * * ثم قال تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ ٱلْمَوْتِ﴾. أي: كل نفس معالجة غصص الموت، ومتجرعة كأسه. * * ﴿وَنَبْلُوكُم بِٱلشَّرِّ وَٱلْخَيْرِ فِتْنَةً﴾. أي: ونختبركم أيها الناس بالرخاء والشدة وبما تحبون وما تكرهون، لننظر صبركم عند البلاء وشكركم عند الرخاء. وقال ابن عباس: معناه: نبتليكم بالشدة والرخاء، والصحة والسقم والغنى والفقر والحلال والحرام والطاعة والمعصية والهدى والضلالة. * * ثم قال تعالى: ﴿وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾. أي: تردون فتجازون بأعمالكم. والرجوع إلى الله في هذا وفي كل ما في القرآن، إنما معناه: إلى حكمه وإلى قضائه وعدله، وليس برجوع إلى مكان الله، ولا إلى ما قرب منه، لأنه لا تحويه الأمكنة، إنما هو بمنزلة قولك: رجع أمرنا إلى القاضي وإلى الأمير. فقرب المسافة لا يجوز على الله جل ذكره، فافهمه. * * ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَا رَآكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ إِن يَتَّخِذُونَكَ إِلاَّ هُزُواً﴾. أي: يسخرون منك يا محمد إذا رأوك. يقول بعضهم لبعض: ﴿أَهَـٰذَا ٱلَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ﴾ بسوء ويعيبها، تعجباً من ذلك. فيعجبون يا محمد من ذكرك آلهتهم وهي لا تضر ولا تنفع. وهم بذكر الرحمان الذي خلقهم، وأنهم عليهم كافرون. * * ثم قال تعالى: ﴿خُلِقَ ٱلإنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ﴾. يعني: آدم خلق من العجلة وعلى العجلة. وقال ابن جبير: "لما نفخ في آدم الروح إلى ركبتيه ذهب لينهض فقال الله تعالى: ﴿خُلِقَ ٱلإنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ﴾. وقال سلمان الفارسي: "لما خلق الله من آدم وجهه ورأسه، جعل ينظر، وهو يخلق، قال وبقيت رجلاه. فلما كان بعد العصر قال: يا رب عجل قبل الليل. فقال: ﴿خُلِقَ ٱلإنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ﴾. ذكره ابن وهب عن رجاله. وقال قتادة: "معناه: خلق الإنسان عجولاً. وقال السدي: لما نفخ الله في آدم الروح فدخل في رأسه، عطس، فقالت له الملائكة: قل الحمد لله. فقال: الحمد لله. فقال الله تعالى له: رحمك ربك. فلما دخل الروح في عينيه. نظر إلى ثمار الجنة. فلما دخل في جوفه اشتهى الطعام، فوثب قبل أن ينتهي الروح رجليه عجلان إلى ثمار الجنة فذلك حين يقول: ﴿خُلِقَ ٱلإنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ﴾. وقيل: معناه: خلق آدم آخر النهار من يوم الجمعة قبل غروب الشمس فكان خلقه على استعجال. قاله ابن جريج: وغيره. قال ابن جريج: خلق الله آدم بعد خلق كل شيء آخر النهار من يوم خلق الخلق. فلما أتى الروح عينيه ولسانه ورأسه، ولم يبلغ أسفله، قال: يا رب، استعجل بخلقي قبل غروب الشمس، فذلك قوله: ﴿خُلِقَ ٱلإنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ﴾. وقد قال ابن زيد: معناه: خلق الإنسان على عجل. خلق آدم آخر النهار من يوم الجمعة، فخلقه الله على عجل وجعله عجولاً. وقال الأخفش: إنما خلق الإنسان من عجل، لأنه خلق على تعجيل من الأمر، لأنه إنما قال له كن فكان. فخلق على استعجال وقال جماعة من النحويين: هو مقلوب. والمعنى: خلق العجل من الإنسان. وقيل: المعنى: خلق الإنسان من طين، لأن العجل من الطين. * * ثم قال: ﴿سَأُوْرِيكُمْ آيَاتِي فَلاَ تَسْتَعْجِلُونِ﴾. أي: سأوريكم أيها المستعجلون ربهم بالآيات، القائلون لنبيه "فليأتنا بآية" فلا تستعجلون بالآيات فستأتيكم.

الأنبياء 21:37

قوله تعالى ذكره: ﴿وَجَعَلْنَا فِي ٱلأَرْضِ رَوَاسِيَ﴾. إلى قوله ﴿فَلاَ تَسْتَعْجِلُونِ﴾. أي: وجعلنا الأرض جبالاً لئلا تميد بالناس. قال قتادة : "كانوا على الأرض تمور بهم، ولا يثبت عليها بناء فأصبحوا وقد خلق الله الجبال أوتاداً حتى لا تميد الأرض". والميد التحرك والدوران. * * ثم قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجاً سُبُلاً﴾. قال قتادة: "فجاجاً": إعلاماً. "سبلاً": طرقاً. قال ابن عباس: "وجعلنا فيها فجاجاً" أي: في الرواسي. وعنه: "الفجاج" كل شعب في جبل أو واد له منفذ. وعنه أيضاً: "فجاجاً" بين الجبال. والفج في اللغة، الطريق بين الجبلين. وقيل: الضمير في فيها يعود على الأرض، وهو اختيار الطبري لقوله تعالى: ﴿لَّعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾. أي: يهتدون إلى السير في الأرض. والأرض تؤنث وتذكر. والتأنيث أكثر. وحكى أبو زيد أرضون وأراض وأروض في جميع الأرض. ويجوز في القياس أرضات. * * ثم قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا ٱلسَّمَآءَ سَقْفاً مَّحْفُوظاً﴾. أي: سقفاً للأرض محفوظاً بالملائكة من الشياطين. وقيل: معناه: محفوظاً من أن يقع على الأرض. وقيل: محفوظاً بالنجوم من الشياطين. وهو أولى، ودليله قوله تعالى ذكره: ﴿وَحِفْظاً مِّن كُلِّ شَيْطَانٍ مَّارِدٍ﴾ [الصافات: ٧]. وقال ابن جبير: السماء بحر مكفوف. ورفعه إلى النبي ﷺ. وروى الحسن البصري أن النبي ﷺ قال: السماء موج مكفوف قال قتادة: ﴿سَقْفاً مَّحْفُوظاً﴾ أي: مرفوعاً، وموجاً مكفوفاً. * * ثم قال تعالى: ﴿وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ﴾. أي: وهم عن شمسها وقمرها ونجومها وغير ذلك من آياتنا، معرضون عن التفكر فيها، وتدبر ما فيها من الحجج والدلائل على توحيد الله وقدرته. * * ثم قال تعالى: ﴿وَهُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلْلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ﴾. أي: ابتدعها. فمن ابتدع هذه الأشياء وخلقها، فله تجب العبادة لا لغيره. قال عكرمة: سئل ابن عباس عن الليل أكان قبل النهار أم قبل الليل؟ فقال: أرأيتم السماوات والأرض حين كانتا رتقاً، أكان بينهما إلا ظلمة ذلك لتعلموا أن الليل قبل النهار. والليلة اسم للزمان من غروب الشمس إلى الانفجار الثاني. واليوم: اسم للزمان من طلوع الفجر إلى غروب الشمس. وكذلك النهار، واليوم ألزم لهذا الوقت من النهار، لأن بعض العرب يجعل النهار من طلوع الشمس إلى غروبها. حكى ذلك عن بعضهم أبو حاتم في كتابه صفة البرد والحر وصفة أوقات الليل والنهار. وقد يقع اليوم، اسماً للزمان، من طلوع الشمس إلى غروبها. وذلك مما جرت به العادات من الاستجارات ونحوها مما تعارف ذلك بين الناس، والأصل في اليوم، أنه اسم للزمان الذي تَعَبَّدَ الله به خلقه بالصيام والنهار مثله في أكثر اللغات. وأصل الليل والنهار أنهما صفتان لزمانين معلومين على ما ذكرنا. وقد قال الخليل: النهار ما بين الفجر إلى الغروب. * * ثم قال تعالى: ﴿كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾. قال مجاهد: "الفلك" كهيئة حديدة الرحى. وقاله ابن جريج. وقال الضحاك: "الفلك" هو سرعة جري الشمس والقمر والنجوم وسيرها. وقيل: "الفلك": موج مكفوف تجري الشمس والقمر والنجوم فيه. وقيل: "الفلك" القطب الذي تدور به النجوم. وقال ابن عباس وقتادة: "في فلك السماء". وقال ابن زيد: "الفلك" الذي بين السماء والأرض من مجاري النجوم والشمس والقمر. وقرأ: ﴿تَبَارَكَ ٱلَّذِي جَعَلَ فِي ٱلسَّمَآءِ بُرُوجاً وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجاً وَقَمَراً مُّنِيراً﴾ [الفرقان: ٦١]. وقال: فلك البروج بين السماء والأرض، وليست في الأرض. وعن الحسن أن الفلك طاحونة كهيئة فلكة المغزل. وقال: "يسبحون" لأنه أخبر عنها كما يخبر عمن يعقل. فأتى بالواو والنون في فعلها. ومعنى: "يسبحون" يجرون وينصرفون ويدورون. * * ثم قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن قَبْلِكَ ٱلْخُلْدَ﴾. أي: ما خلدنا أحداً من بني آدم في الدنيا، فنخلدك يا محمد فيها. أفئن مت فهؤلاء المشركون خالدون بعدك في الدنيا. وتقديره: أهم الخالدون إن مت. * * ثم قال تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ ٱلْمَوْتِ﴾. أي: كل نفس معالجة غصص الموت، ومتجرعة كأسه. * * ﴿وَنَبْلُوكُم بِٱلشَّرِّ وَٱلْخَيْرِ فِتْنَةً﴾. أي: ونختبركم أيها الناس بالرخاء والشدة وبما تحبون وما تكرهون، لننظر صبركم عند البلاء وشكركم عند الرخاء. وقال ابن عباس: معناه: نبتليكم بالشدة والرخاء، والصحة والسقم والغنى والفقر والحلال والحرام والطاعة والمعصية والهدى والضلالة. * * ثم قال تعالى: ﴿وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾. أي: تردون فتجازون بأعمالكم. والرجوع إلى الله في هذا وفي كل ما في القرآن، إنما معناه: إلى حكمه وإلى قضائه وعدله، وليس برجوع إلى مكان الله، ولا إلى ما قرب منه، لأنه لا تحويه الأمكنة، إنما هو بمنزلة قولك: رجع أمرنا إلى القاضي وإلى الأمير. فقرب المسافة لا يجوز على الله جل ذكره، فافهمه. * * ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَا رَآكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ إِن يَتَّخِذُونَكَ إِلاَّ هُزُواً﴾. أي: يسخرون منك يا محمد إذا رأوك. يقول بعضهم لبعض: ﴿أَهَـٰذَا ٱلَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ﴾ بسوء ويعيبها، تعجباً من ذلك. فيعجبون يا محمد من ذكرك آلهتهم وهي لا تضر ولا تنفع. وهم بذكر الرحمان الذي خلقهم، وأنهم عليهم كافرون. * * ثم قال تعالى: ﴿خُلِقَ ٱلإنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ﴾. يعني: آدم خلق من العجلة وعلى العجلة. وقال ابن جبير: "لما نفخ في آدم الروح إلى ركبتيه ذهب لينهض فقال الله تعالى: ﴿خُلِقَ ٱلإنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ﴾. وقال سلمان الفارسي: "لما خلق الله من آدم وجهه ورأسه، جعل ينظر، وهو يخلق، قال وبقيت رجلاه. فلما كان بعد العصر قال: يا رب عجل قبل الليل. فقال: ﴿خُلِقَ ٱلإنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ﴾. ذكره ابن وهب عن رجاله. وقال قتادة: "معناه: خلق الإنسان عجولاً. وقال السدي: لما نفخ الله في آدم الروح فدخل في رأسه، عطس، فقالت له الملائكة: قل الحمد لله. فقال: الحمد لله. فقال الله تعالى له: رحمك ربك. فلما دخل الروح في عينيه. نظر إلى ثمار الجنة. فلما دخل في جوفه اشتهى الطعام، فوثب قبل أن ينتهي الروح رجليه عجلان إلى ثمار الجنة فذلك حين يقول: ﴿خُلِقَ ٱلإنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ﴾. وقيل: معناه: خلق آدم آخر النهار من يوم الجمعة قبل غروب الشمس فكان خلقه على استعجال. قاله ابن جريج: وغيره. قال ابن جريج: خلق الله آدم بعد خلق كل شيء آخر النهار من يوم خلق الخلق. فلما أتى الروح عينيه ولسانه ورأسه، ولم يبلغ أسفله، قال: يا رب، استعجل بخلقي قبل غروب الشمس، فذلك قوله: ﴿خُلِقَ ٱلإنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ﴾. وقد قال ابن زيد: معناه: خلق الإنسان على عجل. خلق آدم آخر النهار من يوم الجمعة، فخلقه الله على عجل وجعله عجولاً. وقال الأخفش: إنما خلق الإنسان من عجل، لأنه خلق على تعجيل من الأمر، لأنه إنما قال له كن فكان. فخلق على استعجال وقال جماعة من النحويين: هو مقلوب. والمعنى: خلق العجل من الإنسان. وقيل: المعنى: خلق الإنسان من طين، لأن العجل من الطين. * * ثم قال: ﴿سَأُوْرِيكُمْ آيَاتِي فَلاَ تَسْتَعْجِلُونِ﴾. أي: سأوريكم أيها المستعجلون ربهم بالآيات، القائلون لنبيه "فليأتنا بآية" فلا تستعجلون بالآيات فستأتيكم.

الأنبياء 21:38

قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ﴾ إلى قوله: ﴿يٰويْلَنَآ إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾. أي: ويقول المشركون متى يأتنا هذا الذي تعدنا يا محمد والوعد بمعنى الموعود. كما قيل: الخلق بمعنى المخلوق. والوزر بمعنى الموزور. ﴿إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ يخاطبون النبي ﷺ والمؤمنين. و "متى" في موضع رفع عند البصريين. وفي موضع نصب عند الكوفيين وكذلك الجواب عند الكوفيين إذا كان معرفة، نصب. يقول: متى وعدك؟ فالجواب عندهم يوم الجمعة بالنصب، فإن كان الجواب نكرة، كان نكرة مرفوعاً. لو قلت يوم قريب ونحوه رفعت. وحكى الفراء: اجتمع الجيشان: المسلمون جانب، والكفار جانب صاحبهم برفع الأولى لأنه نكرة. ونصب الثاني لأنه معرفة. والرفع عند البصريين، في جميع هذا الوجه، إذا كان الظرف متمكناً تقول: موعدك غُدْوة وبُكْرَة فترفع. فإن قلت موعدك بَكْرَاً. نصبت لأن بكراً غير متمكن. ويدل على صحة قول البصريين إجماع القراء المشهورين على الرفع في قوله: ﴿مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ ٱلزِّينَةِ﴾ [طه: ٥٩]. * * ثم قال تعالى: ﴿لَوْ يَعْلَمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ حِينَ لاَ يَكُفُّونَ عَن وُجُوهِهِمُ ٱلنَّارَ﴾. أي: لو يعلم هؤلاء المستعجلون عذاب الله ماذا لهم من البلاء حين تلفح وجوههم النار وظهورهم ولا يقدرون أن يكفوا ذلك عن أنفسهم، ففي "يكفون" ضمير "المشركين". ﴿وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ﴾ أي: ولا ناصر لهم من عذاب الله يستنقذهم منه . وفي الكلام حذف. قيل: التقدير: لو علموا ذلك، ما أقاموا على كفرهم. وقيل: التقدير: لو علموا ذلك ما سألوا العذاب واستعجلوه. فقالوا: متى هذا الوعد، فهو جواب "لو" محذوف لعلم السامع. وقيل: التقدير: لو يعلمون ذلك، لاتعظوا وازدجروا عن كفرهم. وقيل: هو تنبيه على تحقيق وقوع الساعة. فالمعنى: لو يعلمون ذلك علم يقين، لعلموا أن الساعة آتية لا ريب فيها. ودل على هذا المعنى قوله: "بل تأتيهم بغتة" هذا قول الكسائي ومثله، ﴿لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ ٱلْيَقِينِ﴾ [التكاثر: ٥]. أي: لو علمتم ذلك يقيناً ما ألهاكم التكاثر. * * ثم قال: ﴿أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِّن دُونِنَا﴾. أي: ألهؤلاء المستعجلون ربهم بالعذاب آلهة تمنعهم من دون الله إن حل عليهم العذاب. ثم وصف تعالى ذكره الآلهة بالضعف، فقال: ﴿لاَ يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ﴾ فمن لا يقدر أن ينصر نفسه، فكيف يقدر أن ينصر غيره. * * وقوله: ﴿وَلاَ هُمْ مِّنَّا يُصْحَبُونَ﴾. أي: لا تصحب آلهتهم من الله تعالى بخير. قاله قتادة. وقال مجاهد: ﴿يُصْحَبُونَ﴾. أي: ينصرون. وعن مجاهد أيضاً: ﴿يُصْحَبُونَ﴾ يحفظون. وعن ابن عباس: ﴿يُصْحَبُونَ﴾ يمنعون. وعن ابن عباس: ﴿وَلاَ هُمْ مِّنَّا يُصْحَبُونَ﴾ أي: ولا الكفار منا يجارون من قوله: ﴿وَهُوَ يُجْيِرُ وَلاَ يُجَارُ عَلَيْهِ﴾ وهذا القول: اختيار الطبري ليكون الضمير يعود على الكفار. ويحتمل قول من قال: يحفظون ويمنعون وينصرون أن يكون الضمير يعود على الكفار. * * ثم قال تعالى: ﴿بَلْ مَتَّعْنَا هَـٰؤُلاۤءِ وَآبَآءَهُمْ حَتَّىٰ طَالَ عَلَيْهِمُ ٱلْعُمُرُ﴾. أي: متعناهم بالحياة، ومتعنا آباءهم من قبلهم، حتى طال عليهم العمر. وهم على كفرهم مقيمون. * * ﴿أَفَلاَ يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي ٱلأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَآ﴾. أي: أفلا يرى هؤلاء المشركون أنا نأتي الأرض نخربها من نواحيها بقهرنا أهلها وقتلهم بالسيف، فيتعظوا بذلك، ويحذروا أن ينزل بهم مثل ذلك. وقال عكرمة وقتادة: ﴿نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَآ﴾ يعني بالموت. وقال الحسن والضحاك: يعني فتح البلدان والأرض، يراد بها أرض مكة. * * ثم قال تعالى: ﴿أَفَهُمُ ٱلْغَالِبُونَ﴾. هذا تقريع وتوبيخ: أي: ليس هم الغالبون. ولكن رسول الله ﷺ الغالب. * * ثم قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَآ أُنذِرُكُم بِٱلْوَحْيِ﴾. أي: بالقرآن. * * ﴿وَلاَ يَسْمَعُ ٱلصُّمُّ ٱلدُّعَآءَ﴾. أي: من أصم الله قلبه عن قبول الذكر، فليس يسمع سماعاً ينتفع به، إنما ينتفع به المؤمن. فعُني بالصم هنا المعرضون عن ذكر الله. فمن أعرض عن قبول شيء، فهو بمنزلة من لا يسمعه، وقت ما ينذر به. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَئِن مَّسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِّنْ عَذَابِ رَبِّكَ﴾. أي: ولئن مسهم نصيب وحظ من عذاب ربك، "يقال: نفح فلان لفلان من عطائه إذا أعطاه قسماً أو نصيباً من المال. وقال قتادة: نفحة: عقوبة. وقيل: النفحة ها هنا: الجوع الذي أخذهم الله به بمكة. وقيل: "نفحة"، أقل شيء من العذاب، وأدنى شيء منه. ﴿لَيَقُولُنَّ يٰويْلَنَآ إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾. أي: ظلمنا في عبادتنا الأصنام وتركنا عبادة الله الذي خلقنا، وأنعم علينا.

الأنبياء 21:39

قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ﴾ إلى قوله: ﴿يٰويْلَنَآ إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾. أي: ويقول المشركون متى يأتنا هذا الذي تعدنا يا محمد والوعد بمعنى الموعود. كما قيل: الخلق بمعنى المخلوق. والوزر بمعنى الموزور. ﴿إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ يخاطبون النبي ﷺ والمؤمنين. و "متى" في موضع رفع عند البصريين. وفي موضع نصب عند الكوفيين وكذلك الجواب عند الكوفيين إذا كان معرفة، نصب. يقول: متى وعدك؟ فالجواب عندهم يوم الجمعة بالنصب، فإن كان الجواب نكرة، كان نكرة مرفوعاً. لو قلت يوم قريب ونحوه رفعت. وحكى الفراء: اجتمع الجيشان: المسلمون جانب، والكفار جانب صاحبهم برفع الأولى لأنه نكرة. ونصب الثاني لأنه معرفة. والرفع عند البصريين، في جميع هذا الوجه، إذا كان الظرف متمكناً تقول: موعدك غُدْوة وبُكْرَة فترفع. فإن قلت موعدك بَكْرَاً. نصبت لأن بكراً غير متمكن. ويدل على صحة قول البصريين إجماع القراء المشهورين على الرفع في قوله: ﴿مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ ٱلزِّينَةِ﴾ [طه: ٥٩]. * * ثم قال تعالى: ﴿لَوْ يَعْلَمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ حِينَ لاَ يَكُفُّونَ عَن وُجُوهِهِمُ ٱلنَّارَ﴾. أي: لو يعلم هؤلاء المستعجلون عذاب الله ماذا لهم من البلاء حين تلفح وجوههم النار وظهورهم ولا يقدرون أن يكفوا ذلك عن أنفسهم، ففي "يكفون" ضمير "المشركين". ﴿وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ﴾ أي: ولا ناصر لهم من عذاب الله يستنقذهم منه . وفي الكلام حذف. قيل: التقدير: لو علموا ذلك، ما أقاموا على كفرهم. وقيل: التقدير: لو علموا ذلك ما سألوا العذاب واستعجلوه. فقالوا: متى هذا الوعد، فهو جواب "لو" محذوف لعلم السامع. وقيل: التقدير: لو يعلمون ذلك، لاتعظوا وازدجروا عن كفرهم. وقيل: هو تنبيه على تحقيق وقوع الساعة. فالمعنى: لو يعلمون ذلك علم يقين، لعلموا أن الساعة آتية لا ريب فيها. ودل على هذا المعنى قوله: "بل تأتيهم بغتة" هذا قول الكسائي ومثله، ﴿لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ ٱلْيَقِينِ﴾ [التكاثر: ٥]. أي: لو علمتم ذلك يقيناً ما ألهاكم التكاثر. * * ثم قال: ﴿أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِّن دُونِنَا﴾. أي: ألهؤلاء المستعجلون ربهم بالعذاب آلهة تمنعهم من دون الله إن حل عليهم العذاب. ثم وصف تعالى ذكره الآلهة بالضعف، فقال: ﴿لاَ يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ﴾ فمن لا يقدر أن ينصر نفسه، فكيف يقدر أن ينصر غيره. * * وقوله: ﴿وَلاَ هُمْ مِّنَّا يُصْحَبُونَ﴾. أي: لا تصحب آلهتهم من الله تعالى بخير. قاله قتادة. وقال مجاهد: ﴿يُصْحَبُونَ﴾. أي: ينصرون. وعن مجاهد أيضاً: ﴿يُصْحَبُونَ﴾ يحفظون. وعن ابن عباس: ﴿يُصْحَبُونَ﴾ يمنعون. وعن ابن عباس: ﴿وَلاَ هُمْ مِّنَّا يُصْحَبُونَ﴾ أي: ولا الكفار منا يجارون من قوله: ﴿وَهُوَ يُجْيِرُ وَلاَ يُجَارُ عَلَيْهِ﴾ وهذا القول: اختيار الطبري ليكون الضمير يعود على الكفار. ويحتمل قول من قال: يحفظون ويمنعون وينصرون أن يكون الضمير يعود على الكفار. * * ثم قال تعالى: ﴿بَلْ مَتَّعْنَا هَـٰؤُلاۤءِ وَآبَآءَهُمْ حَتَّىٰ طَالَ عَلَيْهِمُ ٱلْعُمُرُ﴾. أي: متعناهم بالحياة، ومتعنا آباءهم من قبلهم، حتى طال عليهم العمر. وهم على كفرهم مقيمون. * * ﴿أَفَلاَ يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي ٱلأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَآ﴾. أي: أفلا يرى هؤلاء المشركون أنا نأتي الأرض نخربها من نواحيها بقهرنا أهلها وقتلهم بالسيف، فيتعظوا بذلك، ويحذروا أن ينزل بهم مثل ذلك. وقال عكرمة وقتادة: ﴿نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَآ﴾ يعني بالموت. وقال الحسن والضحاك: يعني فتح البلدان والأرض، يراد بها أرض مكة. * * ثم قال تعالى: ﴿أَفَهُمُ ٱلْغَالِبُونَ﴾. هذا تقريع وتوبيخ: أي: ليس هم الغالبون. ولكن رسول الله ﷺ الغالب. * * ثم قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَآ أُنذِرُكُم بِٱلْوَحْيِ﴾. أي: بالقرآن. * * ﴿وَلاَ يَسْمَعُ ٱلصُّمُّ ٱلدُّعَآءَ﴾. أي: من أصم الله قلبه عن قبول الذكر، فليس يسمع سماعاً ينتفع به، إنما ينتفع به المؤمن. فعُني بالصم هنا المعرضون عن ذكر الله. فمن أعرض عن قبول شيء، فهو بمنزلة من لا يسمعه، وقت ما ينذر به. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَئِن مَّسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِّنْ عَذَابِ رَبِّكَ﴾. أي: ولئن مسهم نصيب وحظ من عذاب ربك، "يقال: نفح فلان لفلان من عطائه إذا أعطاه قسماً أو نصيباً من المال. وقال قتادة: نفحة: عقوبة. وقيل: النفحة ها هنا: الجوع الذي أخذهم الله به بمكة. وقيل: "نفحة"، أقل شيء من العذاب، وأدنى شيء منه. ﴿لَيَقُولُنَّ يٰويْلَنَآ إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾. أي: ظلمنا في عبادتنا الأصنام وتركنا عبادة الله الذي خلقنا، وأنعم علينا.

الأنبياء 21:40

قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ﴾ إلى قوله: ﴿يٰويْلَنَآ إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾. أي: ويقول المشركون متى يأتنا هذا الذي تعدنا يا محمد والوعد بمعنى الموعود. كما قيل: الخلق بمعنى المخلوق. والوزر بمعنى الموزور. ﴿إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ يخاطبون النبي ﷺ والمؤمنين. و "متى" في موضع رفع عند البصريين. وفي موضع نصب عند الكوفيين وكذلك الجواب عند الكوفيين إذا كان معرفة، نصب. يقول: متى وعدك؟ فالجواب عندهم يوم الجمعة بالنصب، فإن كان الجواب نكرة، كان نكرة مرفوعاً. لو قلت يوم قريب ونحوه رفعت. وحكى الفراء: اجتمع الجيشان: المسلمون جانب، والكفار جانب صاحبهم برفع الأولى لأنه نكرة. ونصب الثاني لأنه معرفة. والرفع عند البصريين، في جميع هذا الوجه، إذا كان الظرف متمكناً تقول: موعدك غُدْوة وبُكْرَة فترفع. فإن قلت موعدك بَكْرَاً. نصبت لأن بكراً غير متمكن. ويدل على صحة قول البصريين إجماع القراء المشهورين على الرفع في قوله: ﴿مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ ٱلزِّينَةِ﴾ [طه: ٥٩]. * * ثم قال تعالى: ﴿لَوْ يَعْلَمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ حِينَ لاَ يَكُفُّونَ عَن وُجُوهِهِمُ ٱلنَّارَ﴾. أي: لو يعلم هؤلاء المستعجلون عذاب الله ماذا لهم من البلاء حين تلفح وجوههم النار وظهورهم ولا يقدرون أن يكفوا ذلك عن أنفسهم، ففي "يكفون" ضمير "المشركين". ﴿وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ﴾ أي: ولا ناصر لهم من عذاب الله يستنقذهم منه . وفي الكلام حذف. قيل: التقدير: لو علموا ذلك، ما أقاموا على كفرهم. وقيل: التقدير: لو علموا ذلك ما سألوا العذاب واستعجلوه. فقالوا: متى هذا الوعد، فهو جواب "لو" محذوف لعلم السامع. وقيل: التقدير: لو يعلمون ذلك، لاتعظوا وازدجروا عن كفرهم. وقيل: هو تنبيه على تحقيق وقوع الساعة. فالمعنى: لو يعلمون ذلك علم يقين، لعلموا أن الساعة آتية لا ريب فيها. ودل على هذا المعنى قوله: "بل تأتيهم بغتة" هذا قول الكسائي ومثله، ﴿لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ ٱلْيَقِينِ﴾ [التكاثر: ٥]. أي: لو علمتم ذلك يقيناً ما ألهاكم التكاثر. * * ثم قال: ﴿أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِّن دُونِنَا﴾. أي: ألهؤلاء المستعجلون ربهم بالعذاب آلهة تمنعهم من دون الله إن حل عليهم العذاب. ثم وصف تعالى ذكره الآلهة بالضعف، فقال: ﴿لاَ يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ﴾ فمن لا يقدر أن ينصر نفسه، فكيف يقدر أن ينصر غيره. * * وقوله: ﴿وَلاَ هُمْ مِّنَّا يُصْحَبُونَ﴾. أي: لا تصحب آلهتهم من الله تعالى بخير. قاله قتادة. وقال مجاهد: ﴿يُصْحَبُونَ﴾. أي: ينصرون. وعن مجاهد أيضاً: ﴿يُصْحَبُونَ﴾ يحفظون. وعن ابن عباس: ﴿يُصْحَبُونَ﴾ يمنعون. وعن ابن عباس: ﴿وَلاَ هُمْ مِّنَّا يُصْحَبُونَ﴾ أي: ولا الكفار منا يجارون من قوله: ﴿وَهُوَ يُجْيِرُ وَلاَ يُجَارُ عَلَيْهِ﴾ وهذا القول: اختيار الطبري ليكون الضمير يعود على الكفار. ويحتمل قول من قال: يحفظون ويمنعون وينصرون أن يكون الضمير يعود على الكفار. * * ثم قال تعالى: ﴿بَلْ مَتَّعْنَا هَـٰؤُلاۤءِ وَآبَآءَهُمْ حَتَّىٰ طَالَ عَلَيْهِمُ ٱلْعُمُرُ﴾. أي: متعناهم بالحياة، ومتعنا آباءهم من قبلهم، حتى طال عليهم العمر. وهم على كفرهم مقيمون. * * ﴿أَفَلاَ يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي ٱلأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَآ﴾. أي: أفلا يرى هؤلاء المشركون أنا نأتي الأرض نخربها من نواحيها بقهرنا أهلها وقتلهم بالسيف، فيتعظوا بذلك، ويحذروا أن ينزل بهم مثل ذلك. وقال عكرمة وقتادة: ﴿نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَآ﴾ يعني بالموت. وقال الحسن والضحاك: يعني فتح البلدان والأرض، يراد بها أرض مكة. * * ثم قال تعالى: ﴿أَفَهُمُ ٱلْغَالِبُونَ﴾. هذا تقريع وتوبيخ: أي: ليس هم الغالبون. ولكن رسول الله ﷺ الغالب. * * ثم قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَآ أُنذِرُكُم بِٱلْوَحْيِ﴾. أي: بالقرآن. * * ﴿وَلاَ يَسْمَعُ ٱلصُّمُّ ٱلدُّعَآءَ﴾. أي: من أصم الله قلبه عن قبول الذكر، فليس يسمع سماعاً ينتفع به، إنما ينتفع به المؤمن. فعُني بالصم هنا المعرضون عن ذكر الله. فمن أعرض عن قبول شيء، فهو بمنزلة من لا يسمعه، وقت ما ينذر به. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَئِن مَّسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِّنْ عَذَابِ رَبِّكَ﴾. أي: ولئن مسهم نصيب وحظ من عذاب ربك، "يقال: نفح فلان لفلان من عطائه إذا أعطاه قسماً أو نصيباً من المال. وقال قتادة: نفحة: عقوبة. وقيل: النفحة ها هنا: الجوع الذي أخذهم الله به بمكة. وقيل: "نفحة"، أقل شيء من العذاب، وأدنى شيء منه. ﴿لَيَقُولُنَّ يٰويْلَنَآ إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾. أي: ظلمنا في عبادتنا الأصنام وتركنا عبادة الله الذي خلقنا، وأنعم علينا.

الأنبياء 21:41

قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ﴾ إلى قوله: ﴿يٰويْلَنَآ إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾. أي: ويقول المشركون متى يأتنا هذا الذي تعدنا يا محمد والوعد بمعنى الموعود. كما قيل: الخلق بمعنى المخلوق. والوزر بمعنى الموزور. ﴿إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ يخاطبون النبي ﷺ والمؤمنين. و "متى" في موضع رفع عند البصريين. وفي موضع نصب عند الكوفيين وكذلك الجواب عند الكوفيين إذا كان معرفة، نصب. يقول: متى وعدك؟ فالجواب عندهم يوم الجمعة بالنصب، فإن كان الجواب نكرة، كان نكرة مرفوعاً. لو قلت يوم قريب ونحوه رفعت. وحكى الفراء: اجتمع الجيشان: المسلمون جانب، والكفار جانب صاحبهم برفع الأولى لأنه نكرة. ونصب الثاني لأنه معرفة. والرفع عند البصريين، في جميع هذا الوجه، إذا كان الظرف متمكناً تقول: موعدك غُدْوة وبُكْرَة فترفع. فإن قلت موعدك بَكْرَاً. نصبت لأن بكراً غير متمكن. ويدل على صحة قول البصريين إجماع القراء المشهورين على الرفع في قوله: ﴿مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ ٱلزِّينَةِ﴾ [طه: ٥٩]. * * ثم قال تعالى: ﴿لَوْ يَعْلَمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ حِينَ لاَ يَكُفُّونَ عَن وُجُوهِهِمُ ٱلنَّارَ﴾. أي: لو يعلم هؤلاء المستعجلون عذاب الله ماذا لهم من البلاء حين تلفح وجوههم النار وظهورهم ولا يقدرون أن يكفوا ذلك عن أنفسهم، ففي "يكفون" ضمير "المشركين". ﴿وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ﴾ أي: ولا ناصر لهم من عذاب الله يستنقذهم منه . وفي الكلام حذف. قيل: التقدير: لو علموا ذلك، ما أقاموا على كفرهم. وقيل: التقدير: لو علموا ذلك ما سألوا العذاب واستعجلوه. فقالوا: متى هذا الوعد، فهو جواب "لو" محذوف لعلم السامع. وقيل: التقدير: لو يعلمون ذلك، لاتعظوا وازدجروا عن كفرهم. وقيل: هو تنبيه على تحقيق وقوع الساعة. فالمعنى: لو يعلمون ذلك علم يقين، لعلموا أن الساعة آتية لا ريب فيها. ودل على هذا المعنى قوله: "بل تأتيهم بغتة" هذا قول الكسائي ومثله، ﴿لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ ٱلْيَقِينِ﴾ [التكاثر: ٥]. أي: لو علمتم ذلك يقيناً ما ألهاكم التكاثر. * * ثم قال: ﴿أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِّن دُونِنَا﴾. أي: ألهؤلاء المستعجلون ربهم بالعذاب آلهة تمنعهم من دون الله إن حل عليهم العذاب. ثم وصف تعالى ذكره الآلهة بالضعف، فقال: ﴿لاَ يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ﴾ فمن لا يقدر أن ينصر نفسه، فكيف يقدر أن ينصر غيره. * * وقوله: ﴿وَلاَ هُمْ مِّنَّا يُصْحَبُونَ﴾. أي: لا تصحب آلهتهم من الله تعالى بخير. قاله قتادة. وقال مجاهد: ﴿يُصْحَبُونَ﴾. أي: ينصرون. وعن مجاهد أيضاً: ﴿يُصْحَبُونَ﴾ يحفظون. وعن ابن عباس: ﴿يُصْحَبُونَ﴾ يمنعون. وعن ابن عباس: ﴿وَلاَ هُمْ مِّنَّا يُصْحَبُونَ﴾ أي: ولا الكفار منا يجارون من قوله: ﴿وَهُوَ يُجْيِرُ وَلاَ يُجَارُ عَلَيْهِ﴾ وهذا القول: اختيار الطبري ليكون الضمير يعود على الكفار. ويحتمل قول من قال: يحفظون ويمنعون وينصرون أن يكون الضمير يعود على الكفار. * * ثم قال تعالى: ﴿بَلْ مَتَّعْنَا هَـٰؤُلاۤءِ وَآبَآءَهُمْ حَتَّىٰ طَالَ عَلَيْهِمُ ٱلْعُمُرُ﴾. أي: متعناهم بالحياة، ومتعنا آباءهم من قبلهم، حتى طال عليهم العمر. وهم على كفرهم مقيمون. * * ﴿أَفَلاَ يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي ٱلأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَآ﴾. أي: أفلا يرى هؤلاء المشركون أنا نأتي الأرض نخربها من نواحيها بقهرنا أهلها وقتلهم بالسيف، فيتعظوا بذلك، ويحذروا أن ينزل بهم مثل ذلك. وقال عكرمة وقتادة: ﴿نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَآ﴾ يعني بالموت. وقال الحسن والضحاك: يعني فتح البلدان والأرض، يراد بها أرض مكة. * * ثم قال تعالى: ﴿أَفَهُمُ ٱلْغَالِبُونَ﴾. هذا تقريع وتوبيخ: أي: ليس هم الغالبون. ولكن رسول الله ﷺ الغالب. * * ثم قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَآ أُنذِرُكُم بِٱلْوَحْيِ﴾. أي: بالقرآن. * * ﴿وَلاَ يَسْمَعُ ٱلصُّمُّ ٱلدُّعَآءَ﴾. أي: من أصم الله قلبه عن قبول الذكر، فليس يسمع سماعاً ينتفع به، إنما ينتفع به المؤمن. فعُني بالصم هنا المعرضون عن ذكر الله. فمن أعرض عن قبول شيء، فهو بمنزلة من لا يسمعه، وقت ما ينذر به. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَئِن مَّسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِّنْ عَذَابِ رَبِّكَ﴾. أي: ولئن مسهم نصيب وحظ من عذاب ربك، "يقال: نفح فلان لفلان من عطائه إذا أعطاه قسماً أو نصيباً من المال. وقال قتادة: نفحة: عقوبة. وقيل: النفحة ها هنا: الجوع الذي أخذهم الله به بمكة. وقيل: "نفحة"، أقل شيء من العذاب، وأدنى شيء منه. ﴿لَيَقُولُنَّ يٰويْلَنَآ إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾. أي: ظلمنا في عبادتنا الأصنام وتركنا عبادة الله الذي خلقنا، وأنعم علينا.

الأنبياء 21:42

قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ﴾ إلى قوله: ﴿يٰويْلَنَآ إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾. أي: ويقول المشركون متى يأتنا هذا الذي تعدنا يا محمد والوعد بمعنى الموعود. كما قيل: الخلق بمعنى المخلوق. والوزر بمعنى الموزور. ﴿إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ يخاطبون النبي ﷺ والمؤمنين. و "متى" في موضع رفع عند البصريين. وفي موضع نصب عند الكوفيين وكذلك الجواب عند الكوفيين إذا كان معرفة، نصب. يقول: متى وعدك؟ فالجواب عندهم يوم الجمعة بالنصب، فإن كان الجواب نكرة، كان نكرة مرفوعاً. لو قلت يوم قريب ونحوه رفعت. وحكى الفراء: اجتمع الجيشان: المسلمون جانب، والكفار جانب صاحبهم برفع الأولى لأنه نكرة. ونصب الثاني لأنه معرفة. والرفع عند البصريين، في جميع هذا الوجه، إذا كان الظرف متمكناً تقول: موعدك غُدْوة وبُكْرَة فترفع. فإن قلت موعدك بَكْرَاً. نصبت لأن بكراً غير متمكن. ويدل على صحة قول البصريين إجماع القراء المشهورين على الرفع في قوله: ﴿مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ ٱلزِّينَةِ﴾ [طه: ٥٩]. * * ثم قال تعالى: ﴿لَوْ يَعْلَمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ حِينَ لاَ يَكُفُّونَ عَن وُجُوهِهِمُ ٱلنَّارَ﴾. أي: لو يعلم هؤلاء المستعجلون عذاب الله ماذا لهم من البلاء حين تلفح وجوههم النار وظهورهم ولا يقدرون أن يكفوا ذلك عن أنفسهم، ففي "يكفون" ضمير "المشركين". ﴿وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ﴾ أي: ولا ناصر لهم من عذاب الله يستنقذهم منه . وفي الكلام حذف. قيل: التقدير: لو علموا ذلك، ما أقاموا على كفرهم. وقيل: التقدير: لو علموا ذلك ما سألوا العذاب واستعجلوه. فقالوا: متى هذا الوعد، فهو جواب "لو" محذوف لعلم السامع. وقيل: التقدير: لو يعلمون ذلك، لاتعظوا وازدجروا عن كفرهم. وقيل: هو تنبيه على تحقيق وقوع الساعة. فالمعنى: لو يعلمون ذلك علم يقين، لعلموا أن الساعة آتية لا ريب فيها. ودل على هذا المعنى قوله: "بل تأتيهم بغتة" هذا قول الكسائي ومثله، ﴿لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ ٱلْيَقِينِ﴾ [التكاثر: ٥]. أي: لو علمتم ذلك يقيناً ما ألهاكم التكاثر. * * ثم قال: ﴿أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِّن دُونِنَا﴾. أي: ألهؤلاء المستعجلون ربهم بالعذاب آلهة تمنعهم من دون الله إن حل عليهم العذاب. ثم وصف تعالى ذكره الآلهة بالضعف، فقال: ﴿لاَ يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ﴾ فمن لا يقدر أن ينصر نفسه، فكيف يقدر أن ينصر غيره. * * وقوله: ﴿وَلاَ هُمْ مِّنَّا يُصْحَبُونَ﴾. أي: لا تصحب آلهتهم من الله تعالى بخير. قاله قتادة. وقال مجاهد: ﴿يُصْحَبُونَ﴾. أي: ينصرون. وعن مجاهد أيضاً: ﴿يُصْحَبُونَ﴾ يحفظون. وعن ابن عباس: ﴿يُصْحَبُونَ﴾ يمنعون. وعن ابن عباس: ﴿وَلاَ هُمْ مِّنَّا يُصْحَبُونَ﴾ أي: ولا الكفار منا يجارون من قوله: ﴿وَهُوَ يُجْيِرُ وَلاَ يُجَارُ عَلَيْهِ﴾ وهذا القول: اختيار الطبري ليكون الضمير يعود على الكفار. ويحتمل قول من قال: يحفظون ويمنعون وينصرون أن يكون الضمير يعود على الكفار. * * ثم قال تعالى: ﴿بَلْ مَتَّعْنَا هَـٰؤُلاۤءِ وَآبَآءَهُمْ حَتَّىٰ طَالَ عَلَيْهِمُ ٱلْعُمُرُ﴾. أي: متعناهم بالحياة، ومتعنا آباءهم من قبلهم، حتى طال عليهم العمر. وهم على كفرهم مقيمون. * * ﴿أَفَلاَ يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي ٱلأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَآ﴾. أي: أفلا يرى هؤلاء المشركون أنا نأتي الأرض نخربها من نواحيها بقهرنا أهلها وقتلهم بالسيف، فيتعظوا بذلك، ويحذروا أن ينزل بهم مثل ذلك. وقال عكرمة وقتادة: ﴿نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَآ﴾ يعني بالموت. وقال الحسن والضحاك: يعني فتح البلدان والأرض، يراد بها أرض مكة. * * ثم قال تعالى: ﴿أَفَهُمُ ٱلْغَالِبُونَ﴾. هذا تقريع وتوبيخ: أي: ليس هم الغالبون. ولكن رسول الله ﷺ الغالب. * * ثم قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَآ أُنذِرُكُم بِٱلْوَحْيِ﴾. أي: بالقرآن. * * ﴿وَلاَ يَسْمَعُ ٱلصُّمُّ ٱلدُّعَآءَ﴾. أي: من أصم الله قلبه عن قبول الذكر، فليس يسمع سماعاً ينتفع به، إنما ينتفع به المؤمن. فعُني بالصم هنا المعرضون عن ذكر الله. فمن أعرض عن قبول شيء، فهو بمنزلة من لا يسمعه، وقت ما ينذر به. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَئِن مَّسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِّنْ عَذَابِ رَبِّكَ﴾. أي: ولئن مسهم نصيب وحظ من عذاب ربك، "يقال: نفح فلان لفلان من عطائه إذا أعطاه قسماً أو نصيباً من المال. وقال قتادة: نفحة: عقوبة. وقيل: النفحة ها هنا: الجوع الذي أخذهم الله به بمكة. وقيل: "نفحة"، أقل شيء من العذاب، وأدنى شيء منه. ﴿لَيَقُولُنَّ يٰويْلَنَآ إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾. أي: ظلمنا في عبادتنا الأصنام وتركنا عبادة الله الذي خلقنا، وأنعم علينا.

الأنبياء 21:43

قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ﴾ إلى قوله: ﴿يٰويْلَنَآ إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾. أي: ويقول المشركون متى يأتنا هذا الذي تعدنا يا محمد والوعد بمعنى الموعود. كما قيل: الخلق بمعنى المخلوق. والوزر بمعنى الموزور. ﴿إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ يخاطبون النبي ﷺ والمؤمنين. و "متى" في موضع رفع عند البصريين. وفي موضع نصب عند الكوفيين وكذلك الجواب عند الكوفيين إذا كان معرفة، نصب. يقول: متى وعدك؟ فالجواب عندهم يوم الجمعة بالنصب، فإن كان الجواب نكرة، كان نكرة مرفوعاً. لو قلت يوم قريب ونحوه رفعت. وحكى الفراء: اجتمع الجيشان: المسلمون جانب، والكفار جانب صاحبهم برفع الأولى لأنه نكرة. ونصب الثاني لأنه معرفة. والرفع عند البصريين، في جميع هذا الوجه، إذا كان الظرف متمكناً تقول: موعدك غُدْوة وبُكْرَة فترفع. فإن قلت موعدك بَكْرَاً. نصبت لأن بكراً غير متمكن. ويدل على صحة قول البصريين إجماع القراء المشهورين على الرفع في قوله: ﴿مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ ٱلزِّينَةِ﴾ [طه: ٥٩]. * * ثم قال تعالى: ﴿لَوْ يَعْلَمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ حِينَ لاَ يَكُفُّونَ عَن وُجُوهِهِمُ ٱلنَّارَ﴾. أي: لو يعلم هؤلاء المستعجلون عذاب الله ماذا لهم من البلاء حين تلفح وجوههم النار وظهورهم ولا يقدرون أن يكفوا ذلك عن أنفسهم، ففي "يكفون" ضمير "المشركين". ﴿وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ﴾ أي: ولا ناصر لهم من عذاب الله يستنقذهم منه . وفي الكلام حذف. قيل: التقدير: لو علموا ذلك، ما أقاموا على كفرهم. وقيل: التقدير: لو علموا ذلك ما سألوا العذاب واستعجلوه. فقالوا: متى هذا الوعد، فهو جواب "لو" محذوف لعلم السامع. وقيل: التقدير: لو يعلمون ذلك، لاتعظوا وازدجروا عن كفرهم. وقيل: هو تنبيه على تحقيق وقوع الساعة. فالمعنى: لو يعلمون ذلك علم يقين، لعلموا أن الساعة آتية لا ريب فيها. ودل على هذا المعنى قوله: "بل تأتيهم بغتة" هذا قول الكسائي ومثله، ﴿لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ ٱلْيَقِينِ﴾ [التكاثر: ٥]. أي: لو علمتم ذلك يقيناً ما ألهاكم التكاثر. * * ثم قال: ﴿أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِّن دُونِنَا﴾. أي: ألهؤلاء المستعجلون ربهم بالعذاب آلهة تمنعهم من دون الله إن حل عليهم العذاب. ثم وصف تعالى ذكره الآلهة بالضعف، فقال: ﴿لاَ يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ﴾ فمن لا يقدر أن ينصر نفسه، فكيف يقدر أن ينصر غيره. * * وقوله: ﴿وَلاَ هُمْ مِّنَّا يُصْحَبُونَ﴾. أي: لا تصحب آلهتهم من الله تعالى بخير. قاله قتادة. وقال مجاهد: ﴿يُصْحَبُونَ﴾. أي: ينصرون. وعن مجاهد أيضاً: ﴿يُصْحَبُونَ﴾ يحفظون. وعن ابن عباس: ﴿يُصْحَبُونَ﴾ يمنعون. وعن ابن عباس: ﴿وَلاَ هُمْ مِّنَّا يُصْحَبُونَ﴾ أي: ولا الكفار منا يجارون من قوله: ﴿وَهُوَ يُجْيِرُ وَلاَ يُجَارُ عَلَيْهِ﴾ وهذا القول: اختيار الطبري ليكون الضمير يعود على الكفار. ويحتمل قول من قال: يحفظون ويمنعون وينصرون أن يكون الضمير يعود على الكفار. * * ثم قال تعالى: ﴿بَلْ مَتَّعْنَا هَـٰؤُلاۤءِ وَآبَآءَهُمْ حَتَّىٰ طَالَ عَلَيْهِمُ ٱلْعُمُرُ﴾. أي: متعناهم بالحياة، ومتعنا آباءهم من قبلهم، حتى طال عليهم العمر. وهم على كفرهم مقيمون. * * ﴿أَفَلاَ يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي ٱلأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَآ﴾. أي: أفلا يرى هؤلاء المشركون أنا نأتي الأرض نخربها من نواحيها بقهرنا أهلها وقتلهم بالسيف، فيتعظوا بذلك، ويحذروا أن ينزل بهم مثل ذلك. وقال عكرمة وقتادة: ﴿نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَآ﴾ يعني بالموت. وقال الحسن والضحاك: يعني فتح البلدان والأرض، يراد بها أرض مكة. * * ثم قال تعالى: ﴿أَفَهُمُ ٱلْغَالِبُونَ﴾. هذا تقريع وتوبيخ: أي: ليس هم الغالبون. ولكن رسول الله ﷺ الغالب. * * ثم قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَآ أُنذِرُكُم بِٱلْوَحْيِ﴾. أي: بالقرآن. * * ﴿وَلاَ يَسْمَعُ ٱلصُّمُّ ٱلدُّعَآءَ﴾. أي: من أصم الله قلبه عن قبول الذكر، فليس يسمع سماعاً ينتفع به، إنما ينتفع به المؤمن. فعُني بالصم هنا المعرضون عن ذكر الله. فمن أعرض عن قبول شيء، فهو بمنزلة من لا يسمعه، وقت ما ينذر به. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَئِن مَّسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِّنْ عَذَابِ رَبِّكَ﴾. أي: ولئن مسهم نصيب وحظ من عذاب ربك، "يقال: نفح فلان لفلان من عطائه إذا أعطاه قسماً أو نصيباً من المال. وقال قتادة: نفحة: عقوبة. وقيل: النفحة ها هنا: الجوع الذي أخذهم الله به بمكة. وقيل: "نفحة"، أقل شيء من العذاب، وأدنى شيء منه. ﴿لَيَقُولُنَّ يٰويْلَنَآ إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾. أي: ظلمنا في عبادتنا الأصنام وتركنا عبادة الله الذي خلقنا، وأنعم علينا.

الأنبياء 21:44

قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ﴾ إلى قوله: ﴿يٰويْلَنَآ إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾. أي: ويقول المشركون متى يأتنا هذا الذي تعدنا يا محمد والوعد بمعنى الموعود. كما قيل: الخلق بمعنى المخلوق. والوزر بمعنى الموزور. ﴿إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ يخاطبون النبي ﷺ والمؤمنين. و "متى" في موضع رفع عند البصريين. وفي موضع نصب عند الكوفيين وكذلك الجواب عند الكوفيين إذا كان معرفة، نصب. يقول: متى وعدك؟ فالجواب عندهم يوم الجمعة بالنصب، فإن كان الجواب نكرة، كان نكرة مرفوعاً. لو قلت يوم قريب ونحوه رفعت. وحكى الفراء: اجتمع الجيشان: المسلمون جانب، والكفار جانب صاحبهم برفع الأولى لأنه نكرة. ونصب الثاني لأنه معرفة. والرفع عند البصريين، في جميع هذا الوجه، إذا كان الظرف متمكناً تقول: موعدك غُدْوة وبُكْرَة فترفع. فإن قلت موعدك بَكْرَاً. نصبت لأن بكراً غير متمكن. ويدل على صحة قول البصريين إجماع القراء المشهورين على الرفع في قوله: ﴿مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ ٱلزِّينَةِ﴾ [طه: ٥٩]. * * ثم قال تعالى: ﴿لَوْ يَعْلَمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ حِينَ لاَ يَكُفُّونَ عَن وُجُوهِهِمُ ٱلنَّارَ﴾. أي: لو يعلم هؤلاء المستعجلون عذاب الله ماذا لهم من البلاء حين تلفح وجوههم النار وظهورهم ولا يقدرون أن يكفوا ذلك عن أنفسهم، ففي "يكفون" ضمير "المشركين". ﴿وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ﴾ أي: ولا ناصر لهم من عذاب الله يستنقذهم منه . وفي الكلام حذف. قيل: التقدير: لو علموا ذلك، ما أقاموا على كفرهم. وقيل: التقدير: لو علموا ذلك ما سألوا العذاب واستعجلوه. فقالوا: متى هذا الوعد، فهو جواب "لو" محذوف لعلم السامع. وقيل: التقدير: لو يعلمون ذلك، لاتعظوا وازدجروا عن كفرهم. وقيل: هو تنبيه على تحقيق وقوع الساعة. فالمعنى: لو يعلمون ذلك علم يقين، لعلموا أن الساعة آتية لا ريب فيها. ودل على هذا المعنى قوله: "بل تأتيهم بغتة" هذا قول الكسائي ومثله، ﴿لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ ٱلْيَقِينِ﴾ [التكاثر: ٥]. أي: لو علمتم ذلك يقيناً ما ألهاكم التكاثر. * * ثم قال: ﴿أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِّن دُونِنَا﴾. أي: ألهؤلاء المستعجلون ربهم بالعذاب آلهة تمنعهم من دون الله إن حل عليهم العذاب. ثم وصف تعالى ذكره الآلهة بالضعف، فقال: ﴿لاَ يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ﴾ فمن لا يقدر أن ينصر نفسه، فكيف يقدر أن ينصر غيره. * * وقوله: ﴿وَلاَ هُمْ مِّنَّا يُصْحَبُونَ﴾. أي: لا تصحب آلهتهم من الله تعالى بخير. قاله قتادة. وقال مجاهد: ﴿يُصْحَبُونَ﴾. أي: ينصرون. وعن مجاهد أيضاً: ﴿يُصْحَبُونَ﴾ يحفظون. وعن ابن عباس: ﴿يُصْحَبُونَ﴾ يمنعون. وعن ابن عباس: ﴿وَلاَ هُمْ مِّنَّا يُصْحَبُونَ﴾ أي: ولا الكفار منا يجارون من قوله: ﴿وَهُوَ يُجْيِرُ وَلاَ يُجَارُ عَلَيْهِ﴾ وهذا القول: اختيار الطبري ليكون الضمير يعود على الكفار. ويحتمل قول من قال: يحفظون ويمنعون وينصرون أن يكون الضمير يعود على الكفار. * * ثم قال تعالى: ﴿بَلْ مَتَّعْنَا هَـٰؤُلاۤءِ وَآبَآءَهُمْ حَتَّىٰ طَالَ عَلَيْهِمُ ٱلْعُمُرُ﴾. أي: متعناهم بالحياة، ومتعنا آباءهم من قبلهم، حتى طال عليهم العمر. وهم على كفرهم مقيمون. * * ﴿أَفَلاَ يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي ٱلأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَآ﴾. أي: أفلا يرى هؤلاء المشركون أنا نأتي الأرض نخربها من نواحيها بقهرنا أهلها وقتلهم بالسيف، فيتعظوا بذلك، ويحذروا أن ينزل بهم مثل ذلك. وقال عكرمة وقتادة: ﴿نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَآ﴾ يعني بالموت. وقال الحسن والضحاك: يعني فتح البلدان والأرض، يراد بها أرض مكة. * * ثم قال تعالى: ﴿أَفَهُمُ ٱلْغَالِبُونَ﴾. هذا تقريع وتوبيخ: أي: ليس هم الغالبون. ولكن رسول الله ﷺ الغالب. * * ثم قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَآ أُنذِرُكُم بِٱلْوَحْيِ﴾. أي: بالقرآن. * * ﴿وَلاَ يَسْمَعُ ٱلصُّمُّ ٱلدُّعَآءَ﴾. أي: من أصم الله قلبه عن قبول الذكر، فليس يسمع سماعاً ينتفع به، إنما ينتفع به المؤمن. فعُني بالصم هنا المعرضون عن ذكر الله. فمن أعرض عن قبول شيء، فهو بمنزلة من لا يسمعه، وقت ما ينذر به. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَئِن مَّسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِّنْ عَذَابِ رَبِّكَ﴾. أي: ولئن مسهم نصيب وحظ من عذاب ربك، "يقال: نفح فلان لفلان من عطائه إذا أعطاه قسماً أو نصيباً من المال. وقال قتادة: نفحة: عقوبة. وقيل: النفحة ها هنا: الجوع الذي أخذهم الله به بمكة. وقيل: "نفحة"، أقل شيء من العذاب، وأدنى شيء منه. ﴿لَيَقُولُنَّ يٰويْلَنَآ إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾. أي: ظلمنا في عبادتنا الأصنام وتركنا عبادة الله الذي خلقنا، وأنعم علينا.

الأنبياء 21:45

قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ﴾ إلى قوله: ﴿يٰويْلَنَآ إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾. أي: ويقول المشركون متى يأتنا هذا الذي تعدنا يا محمد والوعد بمعنى الموعود. كما قيل: الخلق بمعنى المخلوق. والوزر بمعنى الموزور. ﴿إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ يخاطبون النبي ﷺ والمؤمنين. و "متى" في موضع رفع عند البصريين. وفي موضع نصب عند الكوفيين وكذلك الجواب عند الكوفيين إذا كان معرفة، نصب. يقول: متى وعدك؟ فالجواب عندهم يوم الجمعة بالنصب، فإن كان الجواب نكرة، كان نكرة مرفوعاً. لو قلت يوم قريب ونحوه رفعت. وحكى الفراء: اجتمع الجيشان: المسلمون جانب، والكفار جانب صاحبهم برفع الأولى لأنه نكرة. ونصب الثاني لأنه معرفة. والرفع عند البصريين، في جميع هذا الوجه، إذا كان الظرف متمكناً تقول: موعدك غُدْوة وبُكْرَة فترفع. فإن قلت موعدك بَكْرَاً. نصبت لأن بكراً غير متمكن. ويدل على صحة قول البصريين إجماع القراء المشهورين على الرفع في قوله: ﴿مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ ٱلزِّينَةِ﴾ [طه: ٥٩]. * * ثم قال تعالى: ﴿لَوْ يَعْلَمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ حِينَ لاَ يَكُفُّونَ عَن وُجُوهِهِمُ ٱلنَّارَ﴾. أي: لو يعلم هؤلاء المستعجلون عذاب الله ماذا لهم من البلاء حين تلفح وجوههم النار وظهورهم ولا يقدرون أن يكفوا ذلك عن أنفسهم، ففي "يكفون" ضمير "المشركين". ﴿وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ﴾ أي: ولا ناصر لهم من عذاب الله يستنقذهم منه . وفي الكلام حذف. قيل: التقدير: لو علموا ذلك، ما أقاموا على كفرهم. وقيل: التقدير: لو علموا ذلك ما سألوا العذاب واستعجلوه. فقالوا: متى هذا الوعد، فهو جواب "لو" محذوف لعلم السامع. وقيل: التقدير: لو يعلمون ذلك، لاتعظوا وازدجروا عن كفرهم. وقيل: هو تنبيه على تحقيق وقوع الساعة. فالمعنى: لو يعلمون ذلك علم يقين، لعلموا أن الساعة آتية لا ريب فيها. ودل على هذا المعنى قوله: "بل تأتيهم بغتة" هذا قول الكسائي ومثله، ﴿لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ ٱلْيَقِينِ﴾ [التكاثر: ٥]. أي: لو علمتم ذلك يقيناً ما ألهاكم التكاثر. * * ثم قال: ﴿أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِّن دُونِنَا﴾. أي: ألهؤلاء المستعجلون ربهم بالعذاب آلهة تمنعهم من دون الله إن حل عليهم العذاب. ثم وصف تعالى ذكره الآلهة بالضعف، فقال: ﴿لاَ يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ﴾ فمن لا يقدر أن ينصر نفسه، فكيف يقدر أن ينصر غيره. * * وقوله: ﴿وَلاَ هُمْ مِّنَّا يُصْحَبُونَ﴾. أي: لا تصحب آلهتهم من الله تعالى بخير. قاله قتادة. وقال مجاهد: ﴿يُصْحَبُونَ﴾. أي: ينصرون. وعن مجاهد أيضاً: ﴿يُصْحَبُونَ﴾ يحفظون. وعن ابن عباس: ﴿يُصْحَبُونَ﴾ يمنعون. وعن ابن عباس: ﴿وَلاَ هُمْ مِّنَّا يُصْحَبُونَ﴾ أي: ولا الكفار منا يجارون من قوله: ﴿وَهُوَ يُجْيِرُ وَلاَ يُجَارُ عَلَيْهِ﴾ وهذا القول: اختيار الطبري ليكون الضمير يعود على الكفار. ويحتمل قول من قال: يحفظون ويمنعون وينصرون أن يكون الضمير يعود على الكفار. * * ثم قال تعالى: ﴿بَلْ مَتَّعْنَا هَـٰؤُلاۤءِ وَآبَآءَهُمْ حَتَّىٰ طَالَ عَلَيْهِمُ ٱلْعُمُرُ﴾. أي: متعناهم بالحياة، ومتعنا آباءهم من قبلهم، حتى طال عليهم العمر. وهم على كفرهم مقيمون. * * ﴿أَفَلاَ يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي ٱلأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَآ﴾. أي: أفلا يرى هؤلاء المشركون أنا نأتي الأرض نخربها من نواحيها بقهرنا أهلها وقتلهم بالسيف، فيتعظوا بذلك، ويحذروا أن ينزل بهم مثل ذلك. وقال عكرمة وقتادة: ﴿نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَآ﴾ يعني بالموت. وقال الحسن والضحاك: يعني فتح البلدان والأرض، يراد بها أرض مكة. * * ثم قال تعالى: ﴿أَفَهُمُ ٱلْغَالِبُونَ﴾. هذا تقريع وتوبيخ: أي: ليس هم الغالبون. ولكن رسول الله ﷺ الغالب. * * ثم قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَآ أُنذِرُكُم بِٱلْوَحْيِ﴾. أي: بالقرآن. * * ﴿وَلاَ يَسْمَعُ ٱلصُّمُّ ٱلدُّعَآءَ﴾. أي: من أصم الله قلبه عن قبول الذكر، فليس يسمع سماعاً ينتفع به، إنما ينتفع به المؤمن. فعُني بالصم هنا المعرضون عن ذكر الله. فمن أعرض عن قبول شيء، فهو بمنزلة من لا يسمعه، وقت ما ينذر به. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَئِن مَّسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِّنْ عَذَابِ رَبِّكَ﴾. أي: ولئن مسهم نصيب وحظ من عذاب ربك، "يقال: نفح فلان لفلان من عطائه إذا أعطاه قسماً أو نصيباً من المال. وقال قتادة: نفحة: عقوبة. وقيل: النفحة ها هنا: الجوع الذي أخذهم الله به بمكة. وقيل: "نفحة"، أقل شيء من العذاب، وأدنى شيء منه. ﴿لَيَقُولُنَّ يٰويْلَنَآ إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾. أي: ظلمنا في عبادتنا الأصنام وتركنا عبادة الله الذي خلقنا، وأنعم علينا.

الأنبياء 21:46

قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ﴾ إلى قوله: ﴿يٰويْلَنَآ إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾. أي: ويقول المشركون متى يأتنا هذا الذي تعدنا يا محمد والوعد بمعنى الموعود. كما قيل: الخلق بمعنى المخلوق. والوزر بمعنى الموزور. ﴿إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ يخاطبون النبي ﷺ والمؤمنين. و "متى" في موضع رفع عند البصريين. وفي موضع نصب عند الكوفيين وكذلك الجواب عند الكوفيين إذا كان معرفة، نصب. يقول: متى وعدك؟ فالجواب عندهم يوم الجمعة بالنصب، فإن كان الجواب نكرة، كان نكرة مرفوعاً. لو قلت يوم قريب ونحوه رفعت. وحكى الفراء: اجتمع الجيشان: المسلمون جانب، والكفار جانب صاحبهم برفع الأولى لأنه نكرة. ونصب الثاني لأنه معرفة. والرفع عند البصريين، في جميع هذا الوجه، إذا كان الظرف متمكناً تقول: موعدك غُدْوة وبُكْرَة فترفع. فإن قلت موعدك بَكْرَاً. نصبت لأن بكراً غير متمكن. ويدل على صحة قول البصريين إجماع القراء المشهورين على الرفع في قوله: ﴿مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ ٱلزِّينَةِ﴾ [طه: ٥٩]. * * ثم قال تعالى: ﴿لَوْ يَعْلَمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ حِينَ لاَ يَكُفُّونَ عَن وُجُوهِهِمُ ٱلنَّارَ﴾. أي: لو يعلم هؤلاء المستعجلون عذاب الله ماذا لهم من البلاء حين تلفح وجوههم النار وظهورهم ولا يقدرون أن يكفوا ذلك عن أنفسهم، ففي "يكفون" ضمير "المشركين". ﴿وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ﴾ أي: ولا ناصر لهم من عذاب الله يستنقذهم منه . وفي الكلام حذف. قيل: التقدير: لو علموا ذلك، ما أقاموا على كفرهم. وقيل: التقدير: لو علموا ذلك ما سألوا العذاب واستعجلوه. فقالوا: متى هذا الوعد، فهو جواب "لو" محذوف لعلم السامع. وقيل: التقدير: لو يعلمون ذلك، لاتعظوا وازدجروا عن كفرهم. وقيل: هو تنبيه على تحقيق وقوع الساعة. فالمعنى: لو يعلمون ذلك علم يقين، لعلموا أن الساعة آتية لا ريب فيها. ودل على هذا المعنى قوله: "بل تأتيهم بغتة" هذا قول الكسائي ومثله، ﴿لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ ٱلْيَقِينِ﴾ [التكاثر: ٥]. أي: لو علمتم ذلك يقيناً ما ألهاكم التكاثر. * * ثم قال: ﴿أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِّن دُونِنَا﴾. أي: ألهؤلاء المستعجلون ربهم بالعذاب آلهة تمنعهم من دون الله إن حل عليهم العذاب. ثم وصف تعالى ذكره الآلهة بالضعف، فقال: ﴿لاَ يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ﴾ فمن لا يقدر أن ينصر نفسه، فكيف يقدر أن ينصر غيره. * * وقوله: ﴿وَلاَ هُمْ مِّنَّا يُصْحَبُونَ﴾. أي: لا تصحب آلهتهم من الله تعالى بخير. قاله قتادة. وقال مجاهد: ﴿يُصْحَبُونَ﴾. أي: ينصرون. وعن مجاهد أيضاً: ﴿يُصْحَبُونَ﴾ يحفظون. وعن ابن عباس: ﴿يُصْحَبُونَ﴾ يمنعون. وعن ابن عباس: ﴿وَلاَ هُمْ مِّنَّا يُصْحَبُونَ﴾ أي: ولا الكفار منا يجارون من قوله: ﴿وَهُوَ يُجْيِرُ وَلاَ يُجَارُ عَلَيْهِ﴾ وهذا القول: اختيار الطبري ليكون الضمير يعود على الكفار. ويحتمل قول من قال: يحفظون ويمنعون وينصرون أن يكون الضمير يعود على الكفار. * * ثم قال تعالى: ﴿بَلْ مَتَّعْنَا هَـٰؤُلاۤءِ وَآبَآءَهُمْ حَتَّىٰ طَالَ عَلَيْهِمُ ٱلْعُمُرُ﴾. أي: متعناهم بالحياة، ومتعنا آباءهم من قبلهم، حتى طال عليهم العمر. وهم على كفرهم مقيمون. * * ﴿أَفَلاَ يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي ٱلأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَآ﴾. أي: أفلا يرى هؤلاء المشركون أنا نأتي الأرض نخربها من نواحيها بقهرنا أهلها وقتلهم بالسيف، فيتعظوا بذلك، ويحذروا أن ينزل بهم مثل ذلك. وقال عكرمة وقتادة: ﴿نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَآ﴾ يعني بالموت. وقال الحسن والضحاك: يعني فتح البلدان والأرض، يراد بها أرض مكة. * * ثم قال تعالى: ﴿أَفَهُمُ ٱلْغَالِبُونَ﴾. هذا تقريع وتوبيخ: أي: ليس هم الغالبون. ولكن رسول الله ﷺ الغالب. * * ثم قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَآ أُنذِرُكُم بِٱلْوَحْيِ﴾. أي: بالقرآن. * * ﴿وَلاَ يَسْمَعُ ٱلصُّمُّ ٱلدُّعَآءَ﴾. أي: من أصم الله قلبه عن قبول الذكر، فليس يسمع سماعاً ينتفع به، إنما ينتفع به المؤمن. فعُني بالصم هنا المعرضون عن ذكر الله. فمن أعرض عن قبول شيء، فهو بمنزلة من لا يسمعه، وقت ما ينذر به. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَئِن مَّسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِّنْ عَذَابِ رَبِّكَ﴾. أي: ولئن مسهم نصيب وحظ من عذاب ربك، "يقال: نفح فلان لفلان من عطائه إذا أعطاه قسماً أو نصيباً من المال. وقال قتادة: نفحة: عقوبة. وقيل: النفحة ها هنا: الجوع الذي أخذهم الله به بمكة. وقيل: "نفحة"، أقل شيء من العذاب، وأدنى شيء منه. ﴿لَيَقُولُنَّ يٰويْلَنَآ إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾. أي: ظلمنا في عبادتنا الأصنام وتركنا عبادة الله الذي خلقنا، وأنعم علينا.

الأنبياء 21:47

قوله تعالى: ﴿وَنَضَعُ ٱلْمَوَازِينَ ٱلْقِسْطَ﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّهُ لَمِنَ ٱلظَّالِمِينَ﴾. أي: ونضع الموازين العدل في يوم القيامة. "اللام" بمعنى: "في". وقيل: "اللام" على بابها. والتقدير لأهل يوم القيامة. * * ﴿فَلاَ تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً﴾. أي: لا يؤخذ أحد بذنب غيره، أو بذنب لم يعمله، أو يسقط له ما عمله من خير. قال ابن عباس: هذا بمنزلة قوله: ﴿وَٱلْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ ٱلْحَقُّ﴾ [الأعراف: ٨]. وروي أن الميزان له كفتان، وأن الأعمال تمثل بما يوزن. ويروى أنه إنما يوزن خواتمها. وقال سلمان الفارسي: توضع الموازين يوم القيامة، فلو وضع في إحدى الكفتين السماوات والأرض، لوسعتهن. فتقول الملائكة: ربنا لمن وضعت هذا؟ فيقول: لمن شئت من عبادي. فيقولون: سبحان ربنا ما عبدناك حق عبادتك. وعن حذيفة: أن صاحب الميزان يوم القيامة جبريل ﷺ وشرّف وكرّم. وعن مجاهد: "الموازين": العدل. وقال النبي ﷺ: لا يذكر أحد حميمه عند الميزان وقوله: ﴿وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا﴾. أي: إن كان له عمل من الحسنات أو [عليه] عمل من السيئات وزن حبة من خردل، جئنا بها، فوفينا كلاً ما عمل. وقال ابن زيد: "أتينا بها" أي كتبناها، وأحصيناها له وعليه. وقرأ مجاهد: "أتينا بها، بمعنى: جازينا بها. * * ﴿وَكَفَىٰ بِنَا حَاسِبِينَ﴾. أي: وكُفينا حاسبين. أي: حسب من شهد الموقف ذلك اليوم بنا حاسبين. إذ لم يغب عنا من أعمالهم شيء. "وحاسبين" نصب على الحال، أو على التمييز. وروى أحمد بن صالح عن قالون عن نافع: "القصط" بالصاد، لأجل الطاء والأصل، السين. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَىٰ وَهَارُونَ ٱلْفُرْقَانَ وَضِيَآءً وَذِكْراً لَّلْمُتَّقِينَ﴾. أي: أعطيناهما الكتاب الذي يفرق بين الحق والباطل. وهو التوراة، قاله قتادة. قال ابن زيد: الفرقان: الحق أتاه الله موسى وهارون، ففرق به بينهما وبين فرعون. قضى بينهم بالحق، وهو مثل: ﴿وَمَآ أَنزَلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا يَوْمَ ٱلْفُرْقَانِ﴾ [الأنفال: ٤١] يعني: يوم بدر. وهذا القول اختيار الطبري لقوله: وضياء. فالضياء هو التوراة، أضاءت لهما ولمن اتبعهما أمر دينهم. وفي دخول الواو في "وضياء" دليل على أن الضياء غير الفرقان. * * وقوله: ﴿وَذِكْراً لَّلْمُتَّقِينَ﴾ أي: وذكراً لمن اتقى الله بطاعته، وخاف ربه بالغيب أن يعاقبه في الآخرة. * * ﴿وَهُمْ مِّنَ ٱلسَّاعَةِ مُشْفِقُونَ﴾. أي: من قيام القيامة حذرون أن تقوم عليهم، فيردوا على ربهم مفرطون فيما يجب عليهم من طاعته. وقرأ ابن عباس: "الفرقان ضياء" بغير واو. فيكون الفرقان على هذه القراءة التوراة بغير اختلاف. * * ثم قال تعالى: ﴿وَهَـٰذَا ذِكْرٌ مُّبَارَكٌ﴾. يعني القرآن. * * ﴿أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنكِرُونَ﴾. تقرير وتوبيخ للمشركين الذين أنكروه وقالوا: ﴿أَضْغَاثُ أَحْلاَمٍ بَلِ ٱفْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ﴾. * * ثم قال: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَآ إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِن قَبْلُ﴾. أي: ولقد وفقنا إبراهيم فأعطيناه هداه من قبل موسى وهارون. قال مجاهد: "معناه: هديناه صغيراً". وقال ابن عباس: لما خرج وهو صغير من الموضع الذي جعل فيه، رأى كوكباً في السماء، وهي الزهرة تضيء فقال: هذا ربي. فلما غابت، قال: لا أحب الآفلين. ثم فعل ذلك مع الشمس والقمر. ثم قال: ﴿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ حَنِيفاً وَمَآ أَنَاْ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٧٩]. * * وقوله: ﴿وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ﴾. أي: عالمين أنه ذو يقين وإيمان بالله. إذ قال لأبيه: "أي حين ﴿قَالَ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَـٰذِهِ ٱلتَّمَاثِيلُ ٱلَّتِيۤ أَنتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ﴾. أي: ما هذه الصور التي أنتم عليها مقيمون. يعني أصنامهم التي كانوا يعبدون. * * ثم قال: ﴿قَالُواْ وَجَدْنَآ آبَآءَنَا لَهَا عَابِدِينَ﴾. أي: قالوا لإبراهيم إنما عبدنا هذه الأصنام لأنَّا وجدنا آباءنا لها عابدين. قال لهم إبراهيم ﷺ: ﴿لَقَدْ كُنتُمْ أَنتُمْ وَآبَآؤُكُمْ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ﴾ أي: في ذهاب عن الحق بعبادتكم هذه الأصنام. "مبين" أي: ظاهر. قالوا لإبراهيم ﴿أَجِئْتَنَا بِٱلْحَقِّ أَمْ أَنتَ مِنَ ٱللاَّعِبِينَ﴾ أي: أحق ما تقول. أم أنت لاعب من اللاعبين. قال لهم إبراهيم: ﴿بَل رَّبُّكُمْ رَبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ٱلَّذِي فطَرَهُنَّ﴾ أي: بل جئتكم بالحق لا باللعب. "ربكم رب السماوات والأرض الذي فطرهن" أي: خلقهن. ﴿وَأَنَاْ عَلَىٰ ذٰلِكُمْ مِّنَ ٱلشَّاهِدِينَ﴾ أي: أنا شاهد من الشاهدين أن ربكم رب السماوات والأرض دون التماثيل التي تعبدون. * * ثم قال: ﴿وَتَٱللَّهِ لأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ﴾. أقسم إبراهيم بهذا في نفسه سراً من قومه، لم يسمعه منهم أحد إلا الذي أفشاه عليه. إذ قال: ﴿سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ﴾ [الأنبياء: ٦٠]. قال مجاهد: قال ذلك إبراهيم حين استأذنه قومه إلى عيد لهم فأبى وقال: "إني سقيم"، فسمع منه وعيد أصنامهم رجل منهم استأخر وهو الذي يقول: "سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم". ثم قال تعالى ذكره: ﴿فَجَعَلَهُمْ جُذَاذاً إِلاَّ كَبِيراً لَّهُمْ﴾. أي: فجعل الأصنام حطاماً إلا صنماً كبيراً لهم، فإنه تركه لم يحطمه، وعلق الفأس في عنقه ليحتج به عليهم إن فطنوا به، وهو صنم كبير في الصورة. وقيل: هو أكبرها عندهم، لا أكبرها في صورته. * * وقوله: ﴿لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ﴾. أي: لعلهم يؤمنون به إذا رأوها مكسرة لم تدفع عن أنفسها ضر من أرادها، ولم يدفع عنها كبيرها شيئاً. قال السدي: "قال أبو إبراهيم له، إن لنا عيداً لو خرجت معنا، والله قد أعجبك ديننا. فلما كان يوم العيد خرجوا إليه، معهم إبراهيم فلما كان ببعض الطريق، ألقى نفسه وقال: إني سقيم أشتكي رجلي وهو صريع. فلما مضوا، نادى في آخرهم وقد بقي ضعفاء الناس ﴿وَتَٱللَّهِ لأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَن تُوَلُّواْ مُدْبِرِينَ﴾ فسمعوها منه. ثم رجع إبراهيم إلى بيت الآلهة، فإذا هن في بهو عظيم، مستقبل باب البهو صنم عظيم إلى جنبه أصغر منه، بعضها إلى جنب بعض يليه أصغر منه حتى بلغوا باب البهو، وإذا هم قد جعلوا طعاماً فوضعوه بين يدي الآلهة. قالوا: إذا كان حين نرجع، رجعنا وقد باركت الآلهة في طعامنا، فأكلنا. فلما نظر إليها إبراهيم، وإلى ما بين أيديها من الطعام. قال: ﴿فَقَالَ أَلا تَأْكُلُونَ﴾. فلم تجبه. فقال: ﴿مَا لَكُمْ لاَ تَنطِقُونَ﴾ فأخرج حديدة فنقر كل صنم في حافتيه، ثم علق الفأس في عنق الصنم الأكبر، ثم خرج، فلما رجعوا، قالوا: ﴿قَالُواْ مَن فَعَلَ هَـٰذَا بِآلِهَتِنَآ إِنَّهُ لَمِنَ ٱلظَّالِمِينَ﴾. "والجذاذ" بالضم جمع جذاذة، كزجاجة وزجاج. وقيل: هو مصدر كالحطام والرفات. ومن كسر جعله جمع جذيذ وجذيذ معدول عن مجذود كجريح بمعنى مجروح، فيكون ككبير وكبار وصغير وصغار وثقيل وثقال. وقال قطرب: هو مصدر ضم أو كسر أو فتح، وهي لغات فيه بمعنى والجذاذ. أي: الحطام والفتات، ومنه الجذيذة.

الأنبياء 21:48

قوله تعالى: ﴿وَنَضَعُ ٱلْمَوَازِينَ ٱلْقِسْطَ﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّهُ لَمِنَ ٱلظَّالِمِينَ﴾. أي: ونضع الموازين العدل في يوم القيامة. "اللام" بمعنى: "في". وقيل: "اللام" على بابها. والتقدير لأهل يوم القيامة. * * ﴿فَلاَ تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً﴾. أي: لا يؤخذ أحد بذنب غيره، أو بذنب لم يعمله، أو يسقط له ما عمله من خير. قال ابن عباس: هذا بمنزلة قوله: ﴿وَٱلْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ ٱلْحَقُّ﴾ [الأعراف: ٨]. وروي أن الميزان له كفتان، وأن الأعمال تمثل بما يوزن. ويروى أنه إنما يوزن خواتمها. وقال سلمان الفارسي: توضع الموازين يوم القيامة، فلو وضع في إحدى الكفتين السماوات والأرض، لوسعتهن. فتقول الملائكة: ربنا لمن وضعت هذا؟ فيقول: لمن شئت من عبادي. فيقولون: سبحان ربنا ما عبدناك حق عبادتك. وعن حذيفة: أن صاحب الميزان يوم القيامة جبريل ﷺ وشرّف وكرّم. وعن مجاهد: "الموازين": العدل. وقال النبي ﷺ: لا يذكر أحد حميمه عند الميزان وقوله: ﴿وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا﴾. أي: إن كان له عمل من الحسنات أو [عليه] عمل من السيئات وزن حبة من خردل، جئنا بها، فوفينا كلاً ما عمل. وقال ابن زيد: "أتينا بها" أي كتبناها، وأحصيناها له وعليه. وقرأ مجاهد: "أتينا بها، بمعنى: جازينا بها. * * ﴿وَكَفَىٰ بِنَا حَاسِبِينَ﴾. أي: وكُفينا حاسبين. أي: حسب من شهد الموقف ذلك اليوم بنا حاسبين. إذ لم يغب عنا من أعمالهم شيء. "وحاسبين" نصب على الحال، أو على التمييز. وروى أحمد بن صالح عن قالون عن نافع: "القصط" بالصاد، لأجل الطاء والأصل، السين. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَىٰ وَهَارُونَ ٱلْفُرْقَانَ وَضِيَآءً وَذِكْراً لَّلْمُتَّقِينَ﴾. أي: أعطيناهما الكتاب الذي يفرق بين الحق والباطل. وهو التوراة، قاله قتادة. قال ابن زيد: الفرقان: الحق أتاه الله موسى وهارون، ففرق به بينهما وبين فرعون. قضى بينهم بالحق، وهو مثل: ﴿وَمَآ أَنزَلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا يَوْمَ ٱلْفُرْقَانِ﴾ [الأنفال: ٤١] يعني: يوم بدر. وهذا القول اختيار الطبري لقوله: وضياء. فالضياء هو التوراة، أضاءت لهما ولمن اتبعهما أمر دينهم. وفي دخول الواو في "وضياء" دليل على أن الضياء غير الفرقان. * * وقوله: ﴿وَذِكْراً لَّلْمُتَّقِينَ﴾ أي: وذكراً لمن اتقى الله بطاعته، وخاف ربه بالغيب أن يعاقبه في الآخرة. * * ﴿وَهُمْ مِّنَ ٱلسَّاعَةِ مُشْفِقُونَ﴾. أي: من قيام القيامة حذرون أن تقوم عليهم، فيردوا على ربهم مفرطون فيما يجب عليهم من طاعته. وقرأ ابن عباس: "الفرقان ضياء" بغير واو. فيكون الفرقان على هذه القراءة التوراة بغير اختلاف. * * ثم قال تعالى: ﴿وَهَـٰذَا ذِكْرٌ مُّبَارَكٌ﴾. يعني القرآن. * * ﴿أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنكِرُونَ﴾. تقرير وتوبيخ للمشركين الذين أنكروه وقالوا: ﴿أَضْغَاثُ أَحْلاَمٍ بَلِ ٱفْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ﴾. * * ثم قال: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَآ إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِن قَبْلُ﴾. أي: ولقد وفقنا إبراهيم فأعطيناه هداه من قبل موسى وهارون. قال مجاهد: "معناه: هديناه صغيراً". وقال ابن عباس: لما خرج وهو صغير من الموضع الذي جعل فيه، رأى كوكباً في السماء، وهي الزهرة تضيء فقال: هذا ربي. فلما غابت، قال: لا أحب الآفلين. ثم فعل ذلك مع الشمس والقمر. ثم قال: ﴿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ حَنِيفاً وَمَآ أَنَاْ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٧٩]. * * وقوله: ﴿وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ﴾. أي: عالمين أنه ذو يقين وإيمان بالله. إذ قال لأبيه: "أي حين ﴿قَالَ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَـٰذِهِ ٱلتَّمَاثِيلُ ٱلَّتِيۤ أَنتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ﴾. أي: ما هذه الصور التي أنتم عليها مقيمون. يعني أصنامهم التي كانوا يعبدون. * * ثم قال: ﴿قَالُواْ وَجَدْنَآ آبَآءَنَا لَهَا عَابِدِينَ﴾. أي: قالوا لإبراهيم إنما عبدنا هذه الأصنام لأنَّا وجدنا آباءنا لها عابدين. قال لهم إبراهيم ﷺ: ﴿لَقَدْ كُنتُمْ أَنتُمْ وَآبَآؤُكُمْ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ﴾ أي: في ذهاب عن الحق بعبادتكم هذه الأصنام. "مبين" أي: ظاهر. قالوا لإبراهيم ﴿أَجِئْتَنَا بِٱلْحَقِّ أَمْ أَنتَ مِنَ ٱللاَّعِبِينَ﴾ أي: أحق ما تقول. أم أنت لاعب من اللاعبين. قال لهم إبراهيم: ﴿بَل رَّبُّكُمْ رَبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ٱلَّذِي فطَرَهُنَّ﴾ أي: بل جئتكم بالحق لا باللعب. "ربكم رب السماوات والأرض الذي فطرهن" أي: خلقهن. ﴿وَأَنَاْ عَلَىٰ ذٰلِكُمْ مِّنَ ٱلشَّاهِدِينَ﴾ أي: أنا شاهد من الشاهدين أن ربكم رب السماوات والأرض دون التماثيل التي تعبدون. * * ثم قال: ﴿وَتَٱللَّهِ لأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ﴾. أقسم إبراهيم بهذا في نفسه سراً من قومه، لم يسمعه منهم أحد إلا الذي أفشاه عليه. إذ قال: ﴿سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ﴾ [الأنبياء: ٦٠]. قال مجاهد: قال ذلك إبراهيم حين استأذنه قومه إلى عيد لهم فأبى وقال: "إني سقيم"، فسمع منه وعيد أصنامهم رجل منهم استأخر وهو الذي يقول: "سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم". ثم قال تعالى ذكره: ﴿فَجَعَلَهُمْ جُذَاذاً إِلاَّ كَبِيراً لَّهُمْ﴾. أي: فجعل الأصنام حطاماً إلا صنماً كبيراً لهم، فإنه تركه لم يحطمه، وعلق الفأس في عنقه ليحتج به عليهم إن فطنوا به، وهو صنم كبير في الصورة. وقيل: هو أكبرها عندهم، لا أكبرها في صورته. * * وقوله: ﴿لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ﴾. أي: لعلهم يؤمنون به إذا رأوها مكسرة لم تدفع عن أنفسها ضر من أرادها، ولم يدفع عنها كبيرها شيئاً. قال السدي: "قال أبو إبراهيم له، إن لنا عيداً لو خرجت معنا، والله قد أعجبك ديننا. فلما كان يوم العيد خرجوا إليه، معهم إبراهيم فلما كان ببعض الطريق، ألقى نفسه وقال: إني سقيم أشتكي رجلي وهو صريع. فلما مضوا، نادى في آخرهم وقد بقي ضعفاء الناس ﴿وَتَٱللَّهِ لأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَن تُوَلُّواْ مُدْبِرِينَ﴾ فسمعوها منه. ثم رجع إبراهيم إلى بيت الآلهة، فإذا هن في بهو عظيم، مستقبل باب البهو صنم عظيم إلى جنبه أصغر منه، بعضها إلى جنب بعض يليه أصغر منه حتى بلغوا باب البهو، وإذا هم قد جعلوا طعاماً فوضعوه بين يدي الآلهة. قالوا: إذا كان حين نرجع، رجعنا وقد باركت الآلهة في طعامنا، فأكلنا. فلما نظر إليها إبراهيم، وإلى ما بين أيديها من الطعام. قال: ﴿فَقَالَ أَلا تَأْكُلُونَ﴾. فلم تجبه. فقال: ﴿مَا لَكُمْ لاَ تَنطِقُونَ﴾ فأخرج حديدة فنقر كل صنم في حافتيه، ثم علق الفأس في عنق الصنم الأكبر، ثم خرج، فلما رجعوا، قالوا: ﴿قَالُواْ مَن فَعَلَ هَـٰذَا بِآلِهَتِنَآ إِنَّهُ لَمِنَ ٱلظَّالِمِينَ﴾. "والجذاذ" بالضم جمع جذاذة، كزجاجة وزجاج. وقيل: هو مصدر كالحطام والرفات. ومن كسر جعله جمع جذيذ وجذيذ معدول عن مجذود كجريح بمعنى مجروح، فيكون ككبير وكبار وصغير وصغار وثقيل وثقال. وقال قطرب: هو مصدر ضم أو كسر أو فتح، وهي لغات فيه بمعنى والجذاذ. أي: الحطام والفتات، ومنه الجذيذة.

الأنبياء 21:49

قوله تعالى: ﴿وَنَضَعُ ٱلْمَوَازِينَ ٱلْقِسْطَ﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّهُ لَمِنَ ٱلظَّالِمِينَ﴾. أي: ونضع الموازين العدل في يوم القيامة. "اللام" بمعنى: "في". وقيل: "اللام" على بابها. والتقدير لأهل يوم القيامة. * * ﴿فَلاَ تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً﴾. أي: لا يؤخذ أحد بذنب غيره، أو بذنب لم يعمله، أو يسقط له ما عمله من خير. قال ابن عباس: هذا بمنزلة قوله: ﴿وَٱلْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ ٱلْحَقُّ﴾ [الأعراف: ٨]. وروي أن الميزان له كفتان، وأن الأعمال تمثل بما يوزن. ويروى أنه إنما يوزن خواتمها. وقال سلمان الفارسي: توضع الموازين يوم القيامة، فلو وضع في إحدى الكفتين السماوات والأرض، لوسعتهن. فتقول الملائكة: ربنا لمن وضعت هذا؟ فيقول: لمن شئت من عبادي. فيقولون: سبحان ربنا ما عبدناك حق عبادتك. وعن حذيفة: أن صاحب الميزان يوم القيامة جبريل ﷺ وشرّف وكرّم. وعن مجاهد: "الموازين": العدل. وقال النبي ﷺ: لا يذكر أحد حميمه عند الميزان وقوله: ﴿وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا﴾. أي: إن كان له عمل من الحسنات أو [عليه] عمل من السيئات وزن حبة من خردل، جئنا بها، فوفينا كلاً ما عمل. وقال ابن زيد: "أتينا بها" أي كتبناها، وأحصيناها له وعليه. وقرأ مجاهد: "أتينا بها، بمعنى: جازينا بها. * * ﴿وَكَفَىٰ بِنَا حَاسِبِينَ﴾. أي: وكُفينا حاسبين. أي: حسب من شهد الموقف ذلك اليوم بنا حاسبين. إذ لم يغب عنا من أعمالهم شيء. "وحاسبين" نصب على الحال، أو على التمييز. وروى أحمد بن صالح عن قالون عن نافع: "القصط" بالصاد، لأجل الطاء والأصل، السين. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَىٰ وَهَارُونَ ٱلْفُرْقَانَ وَضِيَآءً وَذِكْراً لَّلْمُتَّقِينَ﴾. أي: أعطيناهما الكتاب الذي يفرق بين الحق والباطل. وهو التوراة، قاله قتادة. قال ابن زيد: الفرقان: الحق أتاه الله موسى وهارون، ففرق به بينهما وبين فرعون. قضى بينهم بالحق، وهو مثل: ﴿وَمَآ أَنزَلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا يَوْمَ ٱلْفُرْقَانِ﴾ [الأنفال: ٤١] يعني: يوم بدر. وهذا القول اختيار الطبري لقوله: وضياء. فالضياء هو التوراة، أضاءت لهما ولمن اتبعهما أمر دينهم. وفي دخول الواو في "وضياء" دليل على أن الضياء غير الفرقان. * * وقوله: ﴿وَذِكْراً لَّلْمُتَّقِينَ﴾ أي: وذكراً لمن اتقى الله بطاعته، وخاف ربه بالغيب أن يعاقبه في الآخرة. * * ﴿وَهُمْ مِّنَ ٱلسَّاعَةِ مُشْفِقُونَ﴾. أي: من قيام القيامة حذرون أن تقوم عليهم، فيردوا على ربهم مفرطون فيما يجب عليهم من طاعته. وقرأ ابن عباس: "الفرقان ضياء" بغير واو. فيكون الفرقان على هذه القراءة التوراة بغير اختلاف. * * ثم قال تعالى: ﴿وَهَـٰذَا ذِكْرٌ مُّبَارَكٌ﴾. يعني القرآن. * * ﴿أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنكِرُونَ﴾. تقرير وتوبيخ للمشركين الذين أنكروه وقالوا: ﴿أَضْغَاثُ أَحْلاَمٍ بَلِ ٱفْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ﴾. * * ثم قال: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَآ إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِن قَبْلُ﴾. أي: ولقد وفقنا إبراهيم فأعطيناه هداه من قبل موسى وهارون. قال مجاهد: "معناه: هديناه صغيراً". وقال ابن عباس: لما خرج وهو صغير من الموضع الذي جعل فيه، رأى كوكباً في السماء، وهي الزهرة تضيء فقال: هذا ربي. فلما غابت، قال: لا أحب الآفلين. ثم فعل ذلك مع الشمس والقمر. ثم قال: ﴿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ حَنِيفاً وَمَآ أَنَاْ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٧٩]. * * وقوله: ﴿وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ﴾. أي: عالمين أنه ذو يقين وإيمان بالله. إذ قال لأبيه: "أي حين ﴿قَالَ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَـٰذِهِ ٱلتَّمَاثِيلُ ٱلَّتِيۤ أَنتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ﴾. أي: ما هذه الصور التي أنتم عليها مقيمون. يعني أصنامهم التي كانوا يعبدون. * * ثم قال: ﴿قَالُواْ وَجَدْنَآ آبَآءَنَا لَهَا عَابِدِينَ﴾. أي: قالوا لإبراهيم إنما عبدنا هذه الأصنام لأنَّا وجدنا آباءنا لها عابدين. قال لهم إبراهيم ﷺ: ﴿لَقَدْ كُنتُمْ أَنتُمْ وَآبَآؤُكُمْ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ﴾ أي: في ذهاب عن الحق بعبادتكم هذه الأصنام. "مبين" أي: ظاهر. قالوا لإبراهيم ﴿أَجِئْتَنَا بِٱلْحَقِّ أَمْ أَنتَ مِنَ ٱللاَّعِبِينَ﴾ أي: أحق ما تقول. أم أنت لاعب من اللاعبين. قال لهم إبراهيم: ﴿بَل رَّبُّكُمْ رَبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ٱلَّذِي فطَرَهُنَّ﴾ أي: بل جئتكم بالحق لا باللعب. "ربكم رب السماوات والأرض الذي فطرهن" أي: خلقهن. ﴿وَأَنَاْ عَلَىٰ ذٰلِكُمْ مِّنَ ٱلشَّاهِدِينَ﴾ أي: أنا شاهد من الشاهدين أن ربكم رب السماوات والأرض دون التماثيل التي تعبدون. * * ثم قال: ﴿وَتَٱللَّهِ لأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ﴾. أقسم إبراهيم بهذا في نفسه سراً من قومه، لم يسمعه منهم أحد إلا الذي أفشاه عليه. إذ قال: ﴿سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ﴾ [الأنبياء: ٦٠]. قال مجاهد: قال ذلك إبراهيم حين استأذنه قومه إلى عيد لهم فأبى وقال: "إني سقيم"، فسمع منه وعيد أصنامهم رجل منهم استأخر وهو الذي يقول: "سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم". ثم قال تعالى ذكره: ﴿فَجَعَلَهُمْ جُذَاذاً إِلاَّ كَبِيراً لَّهُمْ﴾. أي: فجعل الأصنام حطاماً إلا صنماً كبيراً لهم، فإنه تركه لم يحطمه، وعلق الفأس في عنقه ليحتج به عليهم إن فطنوا به، وهو صنم كبير في الصورة. وقيل: هو أكبرها عندهم، لا أكبرها في صورته. * * وقوله: ﴿لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ﴾. أي: لعلهم يؤمنون به إذا رأوها مكسرة لم تدفع عن أنفسها ضر من أرادها، ولم يدفع عنها كبيرها شيئاً. قال السدي: "قال أبو إبراهيم له، إن لنا عيداً لو خرجت معنا، والله قد أعجبك ديننا. فلما كان يوم العيد خرجوا إليه، معهم إبراهيم فلما كان ببعض الطريق، ألقى نفسه وقال: إني سقيم أشتكي رجلي وهو صريع. فلما مضوا، نادى في آخرهم وقد بقي ضعفاء الناس ﴿وَتَٱللَّهِ لأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَن تُوَلُّواْ مُدْبِرِينَ﴾ فسمعوها منه. ثم رجع إبراهيم إلى بيت الآلهة، فإذا هن في بهو عظيم، مستقبل باب البهو صنم عظيم إلى جنبه أصغر منه، بعضها إلى جنب بعض يليه أصغر منه حتى بلغوا باب البهو، وإذا هم قد جعلوا طعاماً فوضعوه بين يدي الآلهة. قالوا: إذا كان حين نرجع، رجعنا وقد باركت الآلهة في طعامنا، فأكلنا. فلما نظر إليها إبراهيم، وإلى ما بين أيديها من الطعام. قال: ﴿فَقَالَ أَلا تَأْكُلُونَ﴾. فلم تجبه. فقال: ﴿مَا لَكُمْ لاَ تَنطِقُونَ﴾ فأخرج حديدة فنقر كل صنم في حافتيه، ثم علق الفأس في عنق الصنم الأكبر، ثم خرج، فلما رجعوا، قالوا: ﴿قَالُواْ مَن فَعَلَ هَـٰذَا بِآلِهَتِنَآ إِنَّهُ لَمِنَ ٱلظَّالِمِينَ﴾. "والجذاذ" بالضم جمع جذاذة، كزجاجة وزجاج. وقيل: هو مصدر كالحطام والرفات. ومن كسر جعله جمع جذيذ وجذيذ معدول عن مجذود كجريح بمعنى مجروح، فيكون ككبير وكبار وصغير وصغار وثقيل وثقال. وقال قطرب: هو مصدر ضم أو كسر أو فتح، وهي لغات فيه بمعنى والجذاذ. أي: الحطام والفتات، ومنه الجذيذة.

الأنبياء 21:50

قوله تعالى: ﴿وَنَضَعُ ٱلْمَوَازِينَ ٱلْقِسْطَ﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّهُ لَمِنَ ٱلظَّالِمِينَ﴾. أي: ونضع الموازين العدل في يوم القيامة. "اللام" بمعنى: "في". وقيل: "اللام" على بابها. والتقدير لأهل يوم القيامة. * * ﴿فَلاَ تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً﴾. أي: لا يؤخذ أحد بذنب غيره، أو بذنب لم يعمله، أو يسقط له ما عمله من خير. قال ابن عباس: هذا بمنزلة قوله: ﴿وَٱلْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ ٱلْحَقُّ﴾ [الأعراف: ٨]. وروي أن الميزان له كفتان، وأن الأعمال تمثل بما يوزن. ويروى أنه إنما يوزن خواتمها. وقال سلمان الفارسي: توضع الموازين يوم القيامة، فلو وضع في إحدى الكفتين السماوات والأرض، لوسعتهن. فتقول الملائكة: ربنا لمن وضعت هذا؟ فيقول: لمن شئت من عبادي. فيقولون: سبحان ربنا ما عبدناك حق عبادتك. وعن حذيفة: أن صاحب الميزان يوم القيامة جبريل ﷺ وشرّف وكرّم. وعن مجاهد: "الموازين": العدل. وقال النبي ﷺ: لا يذكر أحد حميمه عند الميزان وقوله: ﴿وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا﴾. أي: إن كان له عمل من الحسنات أو [عليه] عمل من السيئات وزن حبة من خردل، جئنا بها، فوفينا كلاً ما عمل. وقال ابن زيد: "أتينا بها" أي كتبناها، وأحصيناها له وعليه. وقرأ مجاهد: "أتينا بها، بمعنى: جازينا بها. * * ﴿وَكَفَىٰ بِنَا حَاسِبِينَ﴾. أي: وكُفينا حاسبين. أي: حسب من شهد الموقف ذلك اليوم بنا حاسبين. إذ لم يغب عنا من أعمالهم شيء. "وحاسبين" نصب على الحال، أو على التمييز. وروى أحمد بن صالح عن قالون عن نافع: "القصط" بالصاد، لأجل الطاء والأصل، السين. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَىٰ وَهَارُونَ ٱلْفُرْقَانَ وَضِيَآءً وَذِكْراً لَّلْمُتَّقِينَ﴾. أي: أعطيناهما الكتاب الذي يفرق بين الحق والباطل. وهو التوراة، قاله قتادة. قال ابن زيد: الفرقان: الحق أتاه الله موسى وهارون، ففرق به بينهما وبين فرعون. قضى بينهم بالحق، وهو مثل: ﴿وَمَآ أَنزَلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا يَوْمَ ٱلْفُرْقَانِ﴾ [الأنفال: ٤١] يعني: يوم بدر. وهذا القول اختيار الطبري لقوله: وضياء. فالضياء هو التوراة، أضاءت لهما ولمن اتبعهما أمر دينهم. وفي دخول الواو في "وضياء" دليل على أن الضياء غير الفرقان. * * وقوله: ﴿وَذِكْراً لَّلْمُتَّقِينَ﴾ أي: وذكراً لمن اتقى الله بطاعته، وخاف ربه بالغيب أن يعاقبه في الآخرة. * * ﴿وَهُمْ مِّنَ ٱلسَّاعَةِ مُشْفِقُونَ﴾. أي: من قيام القيامة حذرون أن تقوم عليهم، فيردوا على ربهم مفرطون فيما يجب عليهم من طاعته. وقرأ ابن عباس: "الفرقان ضياء" بغير واو. فيكون الفرقان على هذه القراءة التوراة بغير اختلاف. * * ثم قال تعالى: ﴿وَهَـٰذَا ذِكْرٌ مُّبَارَكٌ﴾. يعني القرآن. * * ﴿أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنكِرُونَ﴾. تقرير وتوبيخ للمشركين الذين أنكروه وقالوا: ﴿أَضْغَاثُ أَحْلاَمٍ بَلِ ٱفْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ﴾. * * ثم قال: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَآ إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِن قَبْلُ﴾. أي: ولقد وفقنا إبراهيم فأعطيناه هداه من قبل موسى وهارون. قال مجاهد: "معناه: هديناه صغيراً". وقال ابن عباس: لما خرج وهو صغير من الموضع الذي جعل فيه، رأى كوكباً في السماء، وهي الزهرة تضيء فقال: هذا ربي. فلما غابت، قال: لا أحب الآفلين. ثم فعل ذلك مع الشمس والقمر. ثم قال: ﴿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ حَنِيفاً وَمَآ أَنَاْ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٧٩]. * * وقوله: ﴿وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ﴾. أي: عالمين أنه ذو يقين وإيمان بالله. إذ قال لأبيه: "أي حين ﴿قَالَ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَـٰذِهِ ٱلتَّمَاثِيلُ ٱلَّتِيۤ أَنتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ﴾. أي: ما هذه الصور التي أنتم عليها مقيمون. يعني أصنامهم التي كانوا يعبدون. * * ثم قال: ﴿قَالُواْ وَجَدْنَآ آبَآءَنَا لَهَا عَابِدِينَ﴾. أي: قالوا لإبراهيم إنما عبدنا هذه الأصنام لأنَّا وجدنا آباءنا لها عابدين. قال لهم إبراهيم ﷺ: ﴿لَقَدْ كُنتُمْ أَنتُمْ وَآبَآؤُكُمْ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ﴾ أي: في ذهاب عن الحق بعبادتكم هذه الأصنام. "مبين" أي: ظاهر. قالوا لإبراهيم ﴿أَجِئْتَنَا بِٱلْحَقِّ أَمْ أَنتَ مِنَ ٱللاَّعِبِينَ﴾ أي: أحق ما تقول. أم أنت لاعب من اللاعبين. قال لهم إبراهيم: ﴿بَل رَّبُّكُمْ رَبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ٱلَّذِي فطَرَهُنَّ﴾ أي: بل جئتكم بالحق لا باللعب. "ربكم رب السماوات والأرض الذي فطرهن" أي: خلقهن. ﴿وَأَنَاْ عَلَىٰ ذٰلِكُمْ مِّنَ ٱلشَّاهِدِينَ﴾ أي: أنا شاهد من الشاهدين أن ربكم رب السماوات والأرض دون التماثيل التي تعبدون. * * ثم قال: ﴿وَتَٱللَّهِ لأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ﴾. أقسم إبراهيم بهذا في نفسه سراً من قومه، لم يسمعه منهم أحد إلا الذي أفشاه عليه. إذ قال: ﴿سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ﴾ [الأنبياء: ٦٠]. قال مجاهد: قال ذلك إبراهيم حين استأذنه قومه إلى عيد لهم فأبى وقال: "إني سقيم"، فسمع منه وعيد أصنامهم رجل منهم استأخر وهو الذي يقول: "سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم". ثم قال تعالى ذكره: ﴿فَجَعَلَهُمْ جُذَاذاً إِلاَّ كَبِيراً لَّهُمْ﴾. أي: فجعل الأصنام حطاماً إلا صنماً كبيراً لهم، فإنه تركه لم يحطمه، وعلق الفأس في عنقه ليحتج به عليهم إن فطنوا به، وهو صنم كبير في الصورة. وقيل: هو أكبرها عندهم، لا أكبرها في صورته. * * وقوله: ﴿لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ﴾. أي: لعلهم يؤمنون به إذا رأوها مكسرة لم تدفع عن أنفسها ضر من أرادها، ولم يدفع عنها كبيرها شيئاً. قال السدي: "قال أبو إبراهيم له، إن لنا عيداً لو خرجت معنا، والله قد أعجبك ديننا. فلما كان يوم العيد خرجوا إليه، معهم إبراهيم فلما كان ببعض الطريق، ألقى نفسه وقال: إني سقيم أشتكي رجلي وهو صريع. فلما مضوا، نادى في آخرهم وقد بقي ضعفاء الناس ﴿وَتَٱللَّهِ لأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَن تُوَلُّواْ مُدْبِرِينَ﴾ فسمعوها منه. ثم رجع إبراهيم إلى بيت الآلهة، فإذا هن في بهو عظيم، مستقبل باب البهو صنم عظيم إلى جنبه أصغر منه، بعضها إلى جنب بعض يليه أصغر منه حتى بلغوا باب البهو، وإذا هم قد جعلوا طعاماً فوضعوه بين يدي الآلهة. قالوا: إذا كان حين نرجع، رجعنا وقد باركت الآلهة في طعامنا، فأكلنا. فلما نظر إليها إبراهيم، وإلى ما بين أيديها من الطعام. قال: ﴿فَقَالَ أَلا تَأْكُلُونَ﴾. فلم تجبه. فقال: ﴿مَا لَكُمْ لاَ تَنطِقُونَ﴾ فأخرج حديدة فنقر كل صنم في حافتيه، ثم علق الفأس في عنق الصنم الأكبر، ثم خرج، فلما رجعوا، قالوا: ﴿قَالُواْ مَن فَعَلَ هَـٰذَا بِآلِهَتِنَآ إِنَّهُ لَمِنَ ٱلظَّالِمِينَ﴾. "والجذاذ" بالضم جمع جذاذة، كزجاجة وزجاج. وقيل: هو مصدر كالحطام والرفات. ومن كسر جعله جمع جذيذ وجذيذ معدول عن مجذود كجريح بمعنى مجروح، فيكون ككبير وكبار وصغير وصغار وثقيل وثقال. وقال قطرب: هو مصدر ضم أو كسر أو فتح، وهي لغات فيه بمعنى والجذاذ. أي: الحطام والفتات، ومنه الجذيذة.

الأنبياء 21:51

قوله تعالى: ﴿وَنَضَعُ ٱلْمَوَازِينَ ٱلْقِسْطَ﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّهُ لَمِنَ ٱلظَّالِمِينَ﴾. أي: ونضع الموازين العدل في يوم القيامة. "اللام" بمعنى: "في". وقيل: "اللام" على بابها. والتقدير لأهل يوم القيامة. * * ﴿فَلاَ تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً﴾. أي: لا يؤخذ أحد بذنب غيره، أو بذنب لم يعمله، أو يسقط له ما عمله من خير. قال ابن عباس: هذا بمنزلة قوله: ﴿وَٱلْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ ٱلْحَقُّ﴾ [الأعراف: ٨]. وروي أن الميزان له كفتان، وأن الأعمال تمثل بما يوزن. ويروى أنه إنما يوزن خواتمها. وقال سلمان الفارسي: توضع الموازين يوم القيامة، فلو وضع في إحدى الكفتين السماوات والأرض، لوسعتهن. فتقول الملائكة: ربنا لمن وضعت هذا؟ فيقول: لمن شئت من عبادي. فيقولون: سبحان ربنا ما عبدناك حق عبادتك. وعن حذيفة: أن صاحب الميزان يوم القيامة جبريل ﷺ وشرّف وكرّم. وعن مجاهد: "الموازين": العدل. وقال النبي ﷺ: لا يذكر أحد حميمه عند الميزان وقوله: ﴿وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا﴾. أي: إن كان له عمل من الحسنات أو [عليه] عمل من السيئات وزن حبة من خردل، جئنا بها، فوفينا كلاً ما عمل. وقال ابن زيد: "أتينا بها" أي كتبناها، وأحصيناها له وعليه. وقرأ مجاهد: "أتينا بها، بمعنى: جازينا بها. * * ﴿وَكَفَىٰ بِنَا حَاسِبِينَ﴾. أي: وكُفينا حاسبين. أي: حسب من شهد الموقف ذلك اليوم بنا حاسبين. إذ لم يغب عنا من أعمالهم شيء. "وحاسبين" نصب على الحال، أو على التمييز. وروى أحمد بن صالح عن قالون عن نافع: "القصط" بالصاد، لأجل الطاء والأصل، السين. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَىٰ وَهَارُونَ ٱلْفُرْقَانَ وَضِيَآءً وَذِكْراً لَّلْمُتَّقِينَ﴾. أي: أعطيناهما الكتاب الذي يفرق بين الحق والباطل. وهو التوراة، قاله قتادة. قال ابن زيد: الفرقان: الحق أتاه الله موسى وهارون، ففرق به بينهما وبين فرعون. قضى بينهم بالحق، وهو مثل: ﴿وَمَآ أَنزَلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا يَوْمَ ٱلْفُرْقَانِ﴾ [الأنفال: ٤١] يعني: يوم بدر. وهذا القول اختيار الطبري لقوله: وضياء. فالضياء هو التوراة، أضاءت لهما ولمن اتبعهما أمر دينهم. وفي دخول الواو في "وضياء" دليل على أن الضياء غير الفرقان. * * وقوله: ﴿وَذِكْراً لَّلْمُتَّقِينَ﴾ أي: وذكراً لمن اتقى الله بطاعته، وخاف ربه بالغيب أن يعاقبه في الآخرة. * * ﴿وَهُمْ مِّنَ ٱلسَّاعَةِ مُشْفِقُونَ﴾. أي: من قيام القيامة حذرون أن تقوم عليهم، فيردوا على ربهم مفرطون فيما يجب عليهم من طاعته. وقرأ ابن عباس: "الفرقان ضياء" بغير واو. فيكون الفرقان على هذه القراءة التوراة بغير اختلاف. * * ثم قال تعالى: ﴿وَهَـٰذَا ذِكْرٌ مُّبَارَكٌ﴾. يعني القرآن. * * ﴿أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنكِرُونَ﴾. تقرير وتوبيخ للمشركين الذين أنكروه وقالوا: ﴿أَضْغَاثُ أَحْلاَمٍ بَلِ ٱفْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ﴾. * * ثم قال: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَآ إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِن قَبْلُ﴾. أي: ولقد وفقنا إبراهيم فأعطيناه هداه من قبل موسى وهارون. قال مجاهد: "معناه: هديناه صغيراً". وقال ابن عباس: لما خرج وهو صغير من الموضع الذي جعل فيه، رأى كوكباً في السماء، وهي الزهرة تضيء فقال: هذا ربي. فلما غابت، قال: لا أحب الآفلين. ثم فعل ذلك مع الشمس والقمر. ثم قال: ﴿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ حَنِيفاً وَمَآ أَنَاْ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٧٩]. * * وقوله: ﴿وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ﴾. أي: عالمين أنه ذو يقين وإيمان بالله. إذ قال لأبيه: "أي حين ﴿قَالَ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَـٰذِهِ ٱلتَّمَاثِيلُ ٱلَّتِيۤ أَنتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ﴾. أي: ما هذه الصور التي أنتم عليها مقيمون. يعني أصنامهم التي كانوا يعبدون. * * ثم قال: ﴿قَالُواْ وَجَدْنَآ آبَآءَنَا لَهَا عَابِدِينَ﴾. أي: قالوا لإبراهيم إنما عبدنا هذه الأصنام لأنَّا وجدنا آباءنا لها عابدين. قال لهم إبراهيم ﷺ: ﴿لَقَدْ كُنتُمْ أَنتُمْ وَآبَآؤُكُمْ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ﴾ أي: في ذهاب عن الحق بعبادتكم هذه الأصنام. "مبين" أي: ظاهر. قالوا لإبراهيم ﴿أَجِئْتَنَا بِٱلْحَقِّ أَمْ أَنتَ مِنَ ٱللاَّعِبِينَ﴾ أي: أحق ما تقول. أم أنت لاعب من اللاعبين. قال لهم إبراهيم: ﴿بَل رَّبُّكُمْ رَبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ٱلَّذِي فطَرَهُنَّ﴾ أي: بل جئتكم بالحق لا باللعب. "ربكم رب السماوات والأرض الذي فطرهن" أي: خلقهن. ﴿وَأَنَاْ عَلَىٰ ذٰلِكُمْ مِّنَ ٱلشَّاهِدِينَ﴾ أي: أنا شاهد من الشاهدين أن ربكم رب السماوات والأرض دون التماثيل التي تعبدون. * * ثم قال: ﴿وَتَٱللَّهِ لأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ﴾. أقسم إبراهيم بهذا في نفسه سراً من قومه، لم يسمعه منهم أحد إلا الذي أفشاه عليه. إذ قال: ﴿سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ﴾ [الأنبياء: ٦٠]. قال مجاهد: قال ذلك إبراهيم حين استأذنه قومه إلى عيد لهم فأبى وقال: "إني سقيم"، فسمع منه وعيد أصنامهم رجل منهم استأخر وهو الذي يقول: "سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم". ثم قال تعالى ذكره: ﴿فَجَعَلَهُمْ جُذَاذاً إِلاَّ كَبِيراً لَّهُمْ﴾. أي: فجعل الأصنام حطاماً إلا صنماً كبيراً لهم، فإنه تركه لم يحطمه، وعلق الفأس في عنقه ليحتج به عليهم إن فطنوا به، وهو صنم كبير في الصورة. وقيل: هو أكبرها عندهم، لا أكبرها في صورته. * * وقوله: ﴿لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ﴾. أي: لعلهم يؤمنون به إذا رأوها مكسرة لم تدفع عن أنفسها ضر من أرادها، ولم يدفع عنها كبيرها شيئاً. قال السدي: "قال أبو إبراهيم له، إن لنا عيداً لو خرجت معنا، والله قد أعجبك ديننا. فلما كان يوم العيد خرجوا إليه، معهم إبراهيم فلما كان ببعض الطريق، ألقى نفسه وقال: إني سقيم أشتكي رجلي وهو صريع. فلما مضوا، نادى في آخرهم وقد بقي ضعفاء الناس ﴿وَتَٱللَّهِ لأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَن تُوَلُّواْ مُدْبِرِينَ﴾ فسمعوها منه. ثم رجع إبراهيم إلى بيت الآلهة، فإذا هن في بهو عظيم، مستقبل باب البهو صنم عظيم إلى جنبه أصغر منه، بعضها إلى جنب بعض يليه أصغر منه حتى بلغوا باب البهو، وإذا هم قد جعلوا طعاماً فوضعوه بين يدي الآلهة. قالوا: إذا كان حين نرجع، رجعنا وقد باركت الآلهة في طعامنا، فأكلنا. فلما نظر إليها إبراهيم، وإلى ما بين أيديها من الطعام. قال: ﴿فَقَالَ أَلا تَأْكُلُونَ﴾. فلم تجبه. فقال: ﴿مَا لَكُمْ لاَ تَنطِقُونَ﴾ فأخرج حديدة فنقر كل صنم في حافتيه، ثم علق الفأس في عنق الصنم الأكبر، ثم خرج، فلما رجعوا، قالوا: ﴿قَالُواْ مَن فَعَلَ هَـٰذَا بِآلِهَتِنَآ إِنَّهُ لَمِنَ ٱلظَّالِمِينَ﴾. "والجذاذ" بالضم جمع جذاذة، كزجاجة وزجاج. وقيل: هو مصدر كالحطام والرفات. ومن كسر جعله جمع جذيذ وجذيذ معدول عن مجذود كجريح بمعنى مجروح، فيكون ككبير وكبار وصغير وصغار وثقيل وثقال. وقال قطرب: هو مصدر ضم أو كسر أو فتح، وهي لغات فيه بمعنى والجذاذ. أي: الحطام والفتات، ومنه الجذيذة.

الأنبياء 21:52

قوله تعالى: ﴿وَنَضَعُ ٱلْمَوَازِينَ ٱلْقِسْطَ﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّهُ لَمِنَ ٱلظَّالِمِينَ﴾. أي: ونضع الموازين العدل في يوم القيامة. "اللام" بمعنى: "في". وقيل: "اللام" على بابها. والتقدير لأهل يوم القيامة. * * ﴿فَلاَ تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً﴾. أي: لا يؤخذ أحد بذنب غيره، أو بذنب لم يعمله، أو يسقط له ما عمله من خير. قال ابن عباس: هذا بمنزلة قوله: ﴿وَٱلْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ ٱلْحَقُّ﴾ [الأعراف: ٨]. وروي أن الميزان له كفتان، وأن الأعمال تمثل بما يوزن. ويروى أنه إنما يوزن خواتمها. وقال سلمان الفارسي: توضع الموازين يوم القيامة، فلو وضع في إحدى الكفتين السماوات والأرض، لوسعتهن. فتقول الملائكة: ربنا لمن وضعت هذا؟ فيقول: لمن شئت من عبادي. فيقولون: سبحان ربنا ما عبدناك حق عبادتك. وعن حذيفة: أن صاحب الميزان يوم القيامة جبريل ﷺ وشرّف وكرّم. وعن مجاهد: "الموازين": العدل. وقال النبي ﷺ: لا يذكر أحد حميمه عند الميزان وقوله: ﴿وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا﴾. أي: إن كان له عمل من الحسنات أو [عليه] عمل من السيئات وزن حبة من خردل، جئنا بها، فوفينا كلاً ما عمل. وقال ابن زيد: "أتينا بها" أي كتبناها، وأحصيناها له وعليه. وقرأ مجاهد: "أتينا بها، بمعنى: جازينا بها. * * ﴿وَكَفَىٰ بِنَا حَاسِبِينَ﴾. أي: وكُفينا حاسبين. أي: حسب من شهد الموقف ذلك اليوم بنا حاسبين. إذ لم يغب عنا من أعمالهم شيء. "وحاسبين" نصب على الحال، أو على التمييز. وروى أحمد بن صالح عن قالون عن نافع: "القصط" بالصاد، لأجل الطاء والأصل، السين. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَىٰ وَهَارُونَ ٱلْفُرْقَانَ وَضِيَآءً وَذِكْراً لَّلْمُتَّقِينَ﴾. أي: أعطيناهما الكتاب الذي يفرق بين الحق والباطل. وهو التوراة، قاله قتادة. قال ابن زيد: الفرقان: الحق أتاه الله موسى وهارون، ففرق به بينهما وبين فرعون. قضى بينهم بالحق، وهو مثل: ﴿وَمَآ أَنزَلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا يَوْمَ ٱلْفُرْقَانِ﴾ [الأنفال: ٤١] يعني: يوم بدر. وهذا القول اختيار الطبري لقوله: وضياء. فالضياء هو التوراة، أضاءت لهما ولمن اتبعهما أمر دينهم. وفي دخول الواو في "وضياء" دليل على أن الضياء غير الفرقان. * * وقوله: ﴿وَذِكْراً لَّلْمُتَّقِينَ﴾ أي: وذكراً لمن اتقى الله بطاعته، وخاف ربه بالغيب أن يعاقبه في الآخرة. * * ﴿وَهُمْ مِّنَ ٱلسَّاعَةِ مُشْفِقُونَ﴾. أي: من قيام القيامة حذرون أن تقوم عليهم، فيردوا على ربهم مفرطون فيما يجب عليهم من طاعته. وقرأ ابن عباس: "الفرقان ضياء" بغير واو. فيكون الفرقان على هذه القراءة التوراة بغير اختلاف. * * ثم قال تعالى: ﴿وَهَـٰذَا ذِكْرٌ مُّبَارَكٌ﴾. يعني القرآن. * * ﴿أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنكِرُونَ﴾. تقرير وتوبيخ للمشركين الذين أنكروه وقالوا: ﴿أَضْغَاثُ أَحْلاَمٍ بَلِ ٱفْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ﴾. * * ثم قال: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَآ إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِن قَبْلُ﴾. أي: ولقد وفقنا إبراهيم فأعطيناه هداه من قبل موسى وهارون. قال مجاهد: "معناه: هديناه صغيراً". وقال ابن عباس: لما خرج وهو صغير من الموضع الذي جعل فيه، رأى كوكباً في السماء، وهي الزهرة تضيء فقال: هذا ربي. فلما غابت، قال: لا أحب الآفلين. ثم فعل ذلك مع الشمس والقمر. ثم قال: ﴿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ حَنِيفاً وَمَآ أَنَاْ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٧٩]. * * وقوله: ﴿وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ﴾. أي: عالمين أنه ذو يقين وإيمان بالله. إذ قال لأبيه: "أي حين ﴿قَالَ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَـٰذِهِ ٱلتَّمَاثِيلُ ٱلَّتِيۤ أَنتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ﴾. أي: ما هذه الصور التي أنتم عليها مقيمون. يعني أصنامهم التي كانوا يعبدون. * * ثم قال: ﴿قَالُواْ وَجَدْنَآ آبَآءَنَا لَهَا عَابِدِينَ﴾. أي: قالوا لإبراهيم إنما عبدنا هذه الأصنام لأنَّا وجدنا آباءنا لها عابدين. قال لهم إبراهيم ﷺ: ﴿لَقَدْ كُنتُمْ أَنتُمْ وَآبَآؤُكُمْ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ﴾ أي: في ذهاب عن الحق بعبادتكم هذه الأصنام. "مبين" أي: ظاهر. قالوا لإبراهيم ﴿أَجِئْتَنَا بِٱلْحَقِّ أَمْ أَنتَ مِنَ ٱللاَّعِبِينَ﴾ أي: أحق ما تقول. أم أنت لاعب من اللاعبين. قال لهم إبراهيم: ﴿بَل رَّبُّكُمْ رَبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ٱلَّذِي فطَرَهُنَّ﴾ أي: بل جئتكم بالحق لا باللعب. "ربكم رب السماوات والأرض الذي فطرهن" أي: خلقهن. ﴿وَأَنَاْ عَلَىٰ ذٰلِكُمْ مِّنَ ٱلشَّاهِدِينَ﴾ أي: أنا شاهد من الشاهدين أن ربكم رب السماوات والأرض دون التماثيل التي تعبدون. * * ثم قال: ﴿وَتَٱللَّهِ لأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ﴾. أقسم إبراهيم بهذا في نفسه سراً من قومه، لم يسمعه منهم أحد إلا الذي أفشاه عليه. إذ قال: ﴿سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ﴾ [الأنبياء: ٦٠]. قال مجاهد: قال ذلك إبراهيم حين استأذنه قومه إلى عيد لهم فأبى وقال: "إني سقيم"، فسمع منه وعيد أصنامهم رجل منهم استأخر وهو الذي يقول: "سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم". ثم قال تعالى ذكره: ﴿فَجَعَلَهُمْ جُذَاذاً إِلاَّ كَبِيراً لَّهُمْ﴾. أي: فجعل الأصنام حطاماً إلا صنماً كبيراً لهم، فإنه تركه لم يحطمه، وعلق الفأس في عنقه ليحتج به عليهم إن فطنوا به، وهو صنم كبير في الصورة. وقيل: هو أكبرها عندهم، لا أكبرها في صورته. * * وقوله: ﴿لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ﴾. أي: لعلهم يؤمنون به إذا رأوها مكسرة لم تدفع عن أنفسها ضر من أرادها، ولم يدفع عنها كبيرها شيئاً. قال السدي: "قال أبو إبراهيم له، إن لنا عيداً لو خرجت معنا، والله قد أعجبك ديننا. فلما كان يوم العيد خرجوا إليه، معهم إبراهيم فلما كان ببعض الطريق، ألقى نفسه وقال: إني سقيم أشتكي رجلي وهو صريع. فلما مضوا، نادى في آخرهم وقد بقي ضعفاء الناس ﴿وَتَٱللَّهِ لأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَن تُوَلُّواْ مُدْبِرِينَ﴾ فسمعوها منه. ثم رجع إبراهيم إلى بيت الآلهة، فإذا هن في بهو عظيم، مستقبل باب البهو صنم عظيم إلى جنبه أصغر منه، بعضها إلى جنب بعض يليه أصغر منه حتى بلغوا باب البهو، وإذا هم قد جعلوا طعاماً فوضعوه بين يدي الآلهة. قالوا: إذا كان حين نرجع، رجعنا وقد باركت الآلهة في طعامنا، فأكلنا. فلما نظر إليها إبراهيم، وإلى ما بين أيديها من الطعام. قال: ﴿فَقَالَ أَلا تَأْكُلُونَ﴾. فلم تجبه. فقال: ﴿مَا لَكُمْ لاَ تَنطِقُونَ﴾ فأخرج حديدة فنقر كل صنم في حافتيه، ثم علق الفأس في عنق الصنم الأكبر، ثم خرج، فلما رجعوا، قالوا: ﴿قَالُواْ مَن فَعَلَ هَـٰذَا بِآلِهَتِنَآ إِنَّهُ لَمِنَ ٱلظَّالِمِينَ﴾. "والجذاذ" بالضم جمع جذاذة، كزجاجة وزجاج. وقيل: هو مصدر كالحطام والرفات. ومن كسر جعله جمع جذيذ وجذيذ معدول عن مجذود كجريح بمعنى مجروح، فيكون ككبير وكبار وصغير وصغار وثقيل وثقال. وقال قطرب: هو مصدر ضم أو كسر أو فتح، وهي لغات فيه بمعنى والجذاذ. أي: الحطام والفتات، ومنه الجذيذة.

الأنبياء 21:53

قوله تعالى: ﴿وَنَضَعُ ٱلْمَوَازِينَ ٱلْقِسْطَ﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّهُ لَمِنَ ٱلظَّالِمِينَ﴾. أي: ونضع الموازين العدل في يوم القيامة. "اللام" بمعنى: "في". وقيل: "اللام" على بابها. والتقدير لأهل يوم القيامة. * * ﴿فَلاَ تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً﴾. أي: لا يؤخذ أحد بذنب غيره، أو بذنب لم يعمله، أو يسقط له ما عمله من خير. قال ابن عباس: هذا بمنزلة قوله: ﴿وَٱلْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ ٱلْحَقُّ﴾ [الأعراف: ٨]. وروي أن الميزان له كفتان، وأن الأعمال تمثل بما يوزن. ويروى أنه إنما يوزن خواتمها. وقال سلمان الفارسي: توضع الموازين يوم القيامة، فلو وضع في إحدى الكفتين السماوات والأرض، لوسعتهن. فتقول الملائكة: ربنا لمن وضعت هذا؟ فيقول: لمن شئت من عبادي. فيقولون: سبحان ربنا ما عبدناك حق عبادتك. وعن حذيفة: أن صاحب الميزان يوم القيامة جبريل ﷺ وشرّف وكرّم. وعن مجاهد: "الموازين": العدل. وقال النبي ﷺ: لا يذكر أحد حميمه عند الميزان وقوله: ﴿وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا﴾. أي: إن كان له عمل من الحسنات أو [عليه] عمل من السيئات وزن حبة من خردل، جئنا بها، فوفينا كلاً ما عمل. وقال ابن زيد: "أتينا بها" أي كتبناها، وأحصيناها له وعليه. وقرأ مجاهد: "أتينا بها، بمعنى: جازينا بها. * * ﴿وَكَفَىٰ بِنَا حَاسِبِينَ﴾. أي: وكُفينا حاسبين. أي: حسب من شهد الموقف ذلك اليوم بنا حاسبين. إذ لم يغب عنا من أعمالهم شيء. "وحاسبين" نصب على الحال، أو على التمييز. وروى أحمد بن صالح عن قالون عن نافع: "القصط" بالصاد، لأجل الطاء والأصل، السين. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَىٰ وَهَارُونَ ٱلْفُرْقَانَ وَضِيَآءً وَذِكْراً لَّلْمُتَّقِينَ﴾. أي: أعطيناهما الكتاب الذي يفرق بين الحق والباطل. وهو التوراة، قاله قتادة. قال ابن زيد: الفرقان: الحق أتاه الله موسى وهارون، ففرق به بينهما وبين فرعون. قضى بينهم بالحق، وهو مثل: ﴿وَمَآ أَنزَلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا يَوْمَ ٱلْفُرْقَانِ﴾ [الأنفال: ٤١] يعني: يوم بدر. وهذا القول اختيار الطبري لقوله: وضياء. فالضياء هو التوراة، أضاءت لهما ولمن اتبعهما أمر دينهم. وفي دخول الواو في "وضياء" دليل على أن الضياء غير الفرقان. * * وقوله: ﴿وَذِكْراً لَّلْمُتَّقِينَ﴾ أي: وذكراً لمن اتقى الله بطاعته، وخاف ربه بالغيب أن يعاقبه في الآخرة. * * ﴿وَهُمْ مِّنَ ٱلسَّاعَةِ مُشْفِقُونَ﴾. أي: من قيام القيامة حذرون أن تقوم عليهم، فيردوا على ربهم مفرطون فيما يجب عليهم من طاعته. وقرأ ابن عباس: "الفرقان ضياء" بغير واو. فيكون الفرقان على هذه القراءة التوراة بغير اختلاف. * * ثم قال تعالى: ﴿وَهَـٰذَا ذِكْرٌ مُّبَارَكٌ﴾. يعني القرآن. * * ﴿أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنكِرُونَ﴾. تقرير وتوبيخ للمشركين الذين أنكروه وقالوا: ﴿أَضْغَاثُ أَحْلاَمٍ بَلِ ٱفْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ﴾. * * ثم قال: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَآ إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِن قَبْلُ﴾. أي: ولقد وفقنا إبراهيم فأعطيناه هداه من قبل موسى وهارون. قال مجاهد: "معناه: هديناه صغيراً". وقال ابن عباس: لما خرج وهو صغير من الموضع الذي جعل فيه، رأى كوكباً في السماء، وهي الزهرة تضيء فقال: هذا ربي. فلما غابت، قال: لا أحب الآفلين. ثم فعل ذلك مع الشمس والقمر. ثم قال: ﴿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ حَنِيفاً وَمَآ أَنَاْ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٧٩]. * * وقوله: ﴿وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ﴾. أي: عالمين أنه ذو يقين وإيمان بالله. إذ قال لأبيه: "أي حين ﴿قَالَ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَـٰذِهِ ٱلتَّمَاثِيلُ ٱلَّتِيۤ أَنتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ﴾. أي: ما هذه الصور التي أنتم عليها مقيمون. يعني أصنامهم التي كانوا يعبدون. * * ثم قال: ﴿قَالُواْ وَجَدْنَآ آبَآءَنَا لَهَا عَابِدِينَ﴾. أي: قالوا لإبراهيم إنما عبدنا هذه الأصنام لأنَّا وجدنا آباءنا لها عابدين. قال لهم إبراهيم ﷺ: ﴿لَقَدْ كُنتُمْ أَنتُمْ وَآبَآؤُكُمْ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ﴾ أي: في ذهاب عن الحق بعبادتكم هذه الأصنام. "مبين" أي: ظاهر. قالوا لإبراهيم ﴿أَجِئْتَنَا بِٱلْحَقِّ أَمْ أَنتَ مِنَ ٱللاَّعِبِينَ﴾ أي: أحق ما تقول. أم أنت لاعب من اللاعبين. قال لهم إبراهيم: ﴿بَل رَّبُّكُمْ رَبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ٱلَّذِي فطَرَهُنَّ﴾ أي: بل جئتكم بالحق لا باللعب. "ربكم رب السماوات والأرض الذي فطرهن" أي: خلقهن. ﴿وَأَنَاْ عَلَىٰ ذٰلِكُمْ مِّنَ ٱلشَّاهِدِينَ﴾ أي: أنا شاهد من الشاهدين أن ربكم رب السماوات والأرض دون التماثيل التي تعبدون. * * ثم قال: ﴿وَتَٱللَّهِ لأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ﴾. أقسم إبراهيم بهذا في نفسه سراً من قومه، لم يسمعه منهم أحد إلا الذي أفشاه عليه. إذ قال: ﴿سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ﴾ [الأنبياء: ٦٠]. قال مجاهد: قال ذلك إبراهيم حين استأذنه قومه إلى عيد لهم فأبى وقال: "إني سقيم"، فسمع منه وعيد أصنامهم رجل منهم استأخر وهو الذي يقول: "سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم". ثم قال تعالى ذكره: ﴿فَجَعَلَهُمْ جُذَاذاً إِلاَّ كَبِيراً لَّهُمْ﴾. أي: فجعل الأصنام حطاماً إلا صنماً كبيراً لهم، فإنه تركه لم يحطمه، وعلق الفأس في عنقه ليحتج به عليهم إن فطنوا به، وهو صنم كبير في الصورة. وقيل: هو أكبرها عندهم، لا أكبرها في صورته. * * وقوله: ﴿لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ﴾. أي: لعلهم يؤمنون به إذا رأوها مكسرة لم تدفع عن أنفسها ضر من أرادها، ولم يدفع عنها كبيرها شيئاً. قال السدي: "قال أبو إبراهيم له، إن لنا عيداً لو خرجت معنا، والله قد أعجبك ديننا. فلما كان يوم العيد خرجوا إليه، معهم إبراهيم فلما كان ببعض الطريق، ألقى نفسه وقال: إني سقيم أشتكي رجلي وهو صريع. فلما مضوا، نادى في آخرهم وقد بقي ضعفاء الناس ﴿وَتَٱللَّهِ لأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَن تُوَلُّواْ مُدْبِرِينَ﴾ فسمعوها منه. ثم رجع إبراهيم إلى بيت الآلهة، فإذا هن في بهو عظيم، مستقبل باب البهو صنم عظيم إلى جنبه أصغر منه، بعضها إلى جنب بعض يليه أصغر منه حتى بلغوا باب البهو، وإذا هم قد جعلوا طعاماً فوضعوه بين يدي الآلهة. قالوا: إذا كان حين نرجع، رجعنا وقد باركت الآلهة في طعامنا، فأكلنا. فلما نظر إليها إبراهيم، وإلى ما بين أيديها من الطعام. قال: ﴿فَقَالَ أَلا تَأْكُلُونَ﴾. فلم تجبه. فقال: ﴿مَا لَكُمْ لاَ تَنطِقُونَ﴾ فأخرج حديدة فنقر كل صنم في حافتيه، ثم علق الفأس في عنق الصنم الأكبر، ثم خرج، فلما رجعوا، قالوا: ﴿قَالُواْ مَن فَعَلَ هَـٰذَا بِآلِهَتِنَآ إِنَّهُ لَمِنَ ٱلظَّالِمِينَ﴾. "والجذاذ" بالضم جمع جذاذة، كزجاجة وزجاج. وقيل: هو مصدر كالحطام والرفات. ومن كسر جعله جمع جذيذ وجذيذ معدول عن مجذود كجريح بمعنى مجروح، فيكون ككبير وكبار وصغير وصغار وثقيل وثقال. وقال قطرب: هو مصدر ضم أو كسر أو فتح، وهي لغات فيه بمعنى والجذاذ. أي: الحطام والفتات، ومنه الجذيذة.

الأنبياء 21:54

قوله تعالى: ﴿وَنَضَعُ ٱلْمَوَازِينَ ٱلْقِسْطَ﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّهُ لَمِنَ ٱلظَّالِمِينَ﴾. أي: ونضع الموازين العدل في يوم القيامة. "اللام" بمعنى: "في". وقيل: "اللام" على بابها. والتقدير لأهل يوم القيامة. * * ﴿فَلاَ تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً﴾. أي: لا يؤخذ أحد بذنب غيره، أو بذنب لم يعمله، أو يسقط له ما عمله من خير. قال ابن عباس: هذا بمنزلة قوله: ﴿وَٱلْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ ٱلْحَقُّ﴾ [الأعراف: ٨]. وروي أن الميزان له كفتان، وأن الأعمال تمثل بما يوزن. ويروى أنه إنما يوزن خواتمها. وقال سلمان الفارسي: توضع الموازين يوم القيامة، فلو وضع في إحدى الكفتين السماوات والأرض، لوسعتهن. فتقول الملائكة: ربنا لمن وضعت هذا؟ فيقول: لمن شئت من عبادي. فيقولون: سبحان ربنا ما عبدناك حق عبادتك. وعن حذيفة: أن صاحب الميزان يوم القيامة جبريل ﷺ وشرّف وكرّم. وعن مجاهد: "الموازين": العدل. وقال النبي ﷺ: لا يذكر أحد حميمه عند الميزان وقوله: ﴿وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا﴾. أي: إن كان له عمل من الحسنات أو [عليه] عمل من السيئات وزن حبة من خردل، جئنا بها، فوفينا كلاً ما عمل. وقال ابن زيد: "أتينا بها" أي كتبناها، وأحصيناها له وعليه. وقرأ مجاهد: "أتينا بها، بمعنى: جازينا بها. * * ﴿وَكَفَىٰ بِنَا حَاسِبِينَ﴾. أي: وكُفينا حاسبين. أي: حسب من شهد الموقف ذلك اليوم بنا حاسبين. إذ لم يغب عنا من أعمالهم شيء. "وحاسبين" نصب على الحال، أو على التمييز. وروى أحمد بن صالح عن قالون عن نافع: "القصط" بالصاد، لأجل الطاء والأصل، السين. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَىٰ وَهَارُونَ ٱلْفُرْقَانَ وَضِيَآءً وَذِكْراً لَّلْمُتَّقِينَ﴾. أي: أعطيناهما الكتاب الذي يفرق بين الحق والباطل. وهو التوراة، قاله قتادة. قال ابن زيد: الفرقان: الحق أتاه الله موسى وهارون، ففرق به بينهما وبين فرعون. قضى بينهم بالحق، وهو مثل: ﴿وَمَآ أَنزَلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا يَوْمَ ٱلْفُرْقَانِ﴾ [الأنفال: ٤١] يعني: يوم بدر. وهذا القول اختيار الطبري لقوله: وضياء. فالضياء هو التوراة، أضاءت لهما ولمن اتبعهما أمر دينهم. وفي دخول الواو في "وضياء" دليل على أن الضياء غير الفرقان. * * وقوله: ﴿وَذِكْراً لَّلْمُتَّقِينَ﴾ أي: وذكراً لمن اتقى الله بطاعته، وخاف ربه بالغيب أن يعاقبه في الآخرة. * * ﴿وَهُمْ مِّنَ ٱلسَّاعَةِ مُشْفِقُونَ﴾. أي: من قيام القيامة حذرون أن تقوم عليهم، فيردوا على ربهم مفرطون فيما يجب عليهم من طاعته. وقرأ ابن عباس: "الفرقان ضياء" بغير واو. فيكون الفرقان على هذه القراءة التوراة بغير اختلاف. * * ثم قال تعالى: ﴿وَهَـٰذَا ذِكْرٌ مُّبَارَكٌ﴾. يعني القرآن. * * ﴿أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنكِرُونَ﴾. تقرير وتوبيخ للمشركين الذين أنكروه وقالوا: ﴿أَضْغَاثُ أَحْلاَمٍ بَلِ ٱفْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ﴾. * * ثم قال: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَآ إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِن قَبْلُ﴾. أي: ولقد وفقنا إبراهيم فأعطيناه هداه من قبل موسى وهارون. قال مجاهد: "معناه: هديناه صغيراً". وقال ابن عباس: لما خرج وهو صغير من الموضع الذي جعل فيه، رأى كوكباً في السماء، وهي الزهرة تضيء فقال: هذا ربي. فلما غابت، قال: لا أحب الآفلين. ثم فعل ذلك مع الشمس والقمر. ثم قال: ﴿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ حَنِيفاً وَمَآ أَنَاْ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٧٩]. * * وقوله: ﴿وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ﴾. أي: عالمين أنه ذو يقين وإيمان بالله. إذ قال لأبيه: "أي حين ﴿قَالَ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَـٰذِهِ ٱلتَّمَاثِيلُ ٱلَّتِيۤ أَنتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ﴾. أي: ما هذه الصور التي أنتم عليها مقيمون. يعني أصنامهم التي كانوا يعبدون. * * ثم قال: ﴿قَالُواْ وَجَدْنَآ آبَآءَنَا لَهَا عَابِدِينَ﴾. أي: قالوا لإبراهيم إنما عبدنا هذه الأصنام لأنَّا وجدنا آباءنا لها عابدين. قال لهم إبراهيم ﷺ: ﴿لَقَدْ كُنتُمْ أَنتُمْ وَآبَآؤُكُمْ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ﴾ أي: في ذهاب عن الحق بعبادتكم هذه الأصنام. "مبين" أي: ظاهر. قالوا لإبراهيم ﴿أَجِئْتَنَا بِٱلْحَقِّ أَمْ أَنتَ مِنَ ٱللاَّعِبِينَ﴾ أي: أحق ما تقول. أم أنت لاعب من اللاعبين. قال لهم إبراهيم: ﴿بَل رَّبُّكُمْ رَبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ٱلَّذِي فطَرَهُنَّ﴾ أي: بل جئتكم بالحق لا باللعب. "ربكم رب السماوات والأرض الذي فطرهن" أي: خلقهن. ﴿وَأَنَاْ عَلَىٰ ذٰلِكُمْ مِّنَ ٱلشَّاهِدِينَ﴾ أي: أنا شاهد من الشاهدين أن ربكم رب السماوات والأرض دون التماثيل التي تعبدون. * * ثم قال: ﴿وَتَٱللَّهِ لأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ﴾. أقسم إبراهيم بهذا في نفسه سراً من قومه، لم يسمعه منهم أحد إلا الذي أفشاه عليه. إذ قال: ﴿سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ﴾ [الأنبياء: ٦٠]. قال مجاهد: قال ذلك إبراهيم حين استأذنه قومه إلى عيد لهم فأبى وقال: "إني سقيم"، فسمع منه وعيد أصنامهم رجل منهم استأخر وهو الذي يقول: "سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم". ثم قال تعالى ذكره: ﴿فَجَعَلَهُمْ جُذَاذاً إِلاَّ كَبِيراً لَّهُمْ﴾. أي: فجعل الأصنام حطاماً إلا صنماً كبيراً لهم، فإنه تركه لم يحطمه، وعلق الفأس في عنقه ليحتج به عليهم إن فطنوا به، وهو صنم كبير في الصورة. وقيل: هو أكبرها عندهم، لا أكبرها في صورته. * * وقوله: ﴿لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ﴾. أي: لعلهم يؤمنون به إذا رأوها مكسرة لم تدفع عن أنفسها ضر من أرادها، ولم يدفع عنها كبيرها شيئاً. قال السدي: "قال أبو إبراهيم له، إن لنا عيداً لو خرجت معنا، والله قد أعجبك ديننا. فلما كان يوم العيد خرجوا إليه، معهم إبراهيم فلما كان ببعض الطريق، ألقى نفسه وقال: إني سقيم أشتكي رجلي وهو صريع. فلما مضوا، نادى في آخرهم وقد بقي ضعفاء الناس ﴿وَتَٱللَّهِ لأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَن تُوَلُّواْ مُدْبِرِينَ﴾ فسمعوها منه. ثم رجع إبراهيم إلى بيت الآلهة، فإذا هن في بهو عظيم، مستقبل باب البهو صنم عظيم إلى جنبه أصغر منه، بعضها إلى جنب بعض يليه أصغر منه حتى بلغوا باب البهو، وإذا هم قد جعلوا طعاماً فوضعوه بين يدي الآلهة. قالوا: إذا كان حين نرجع، رجعنا وقد باركت الآلهة في طعامنا، فأكلنا. فلما نظر إليها إبراهيم، وإلى ما بين أيديها من الطعام. قال: ﴿فَقَالَ أَلا تَأْكُلُونَ﴾. فلم تجبه. فقال: ﴿مَا لَكُمْ لاَ تَنطِقُونَ﴾ فأخرج حديدة فنقر كل صنم في حافتيه، ثم علق الفأس في عنق الصنم الأكبر، ثم خرج، فلما رجعوا، قالوا: ﴿قَالُواْ مَن فَعَلَ هَـٰذَا بِآلِهَتِنَآ إِنَّهُ لَمِنَ ٱلظَّالِمِينَ﴾. "والجذاذ" بالضم جمع جذاذة، كزجاجة وزجاج. وقيل: هو مصدر كالحطام والرفات. ومن كسر جعله جمع جذيذ وجذيذ معدول عن مجذود كجريح بمعنى مجروح، فيكون ككبير وكبار وصغير وصغار وثقيل وثقال. وقال قطرب: هو مصدر ضم أو كسر أو فتح، وهي لغات فيه بمعنى والجذاذ. أي: الحطام والفتات، ومنه الجذيذة.

الأنبياء 21:55

قوله تعالى: ﴿وَنَضَعُ ٱلْمَوَازِينَ ٱلْقِسْطَ﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّهُ لَمِنَ ٱلظَّالِمِينَ﴾. أي: ونضع الموازين العدل في يوم القيامة. "اللام" بمعنى: "في". وقيل: "اللام" على بابها. والتقدير لأهل يوم القيامة. * * ﴿فَلاَ تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً﴾. أي: لا يؤخذ أحد بذنب غيره، أو بذنب لم يعمله، أو يسقط له ما عمله من خير. قال ابن عباس: هذا بمنزلة قوله: ﴿وَٱلْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ ٱلْحَقُّ﴾ [الأعراف: ٨]. وروي أن الميزان له كفتان، وأن الأعمال تمثل بما يوزن. ويروى أنه إنما يوزن خواتمها. وقال سلمان الفارسي: توضع الموازين يوم القيامة، فلو وضع في إحدى الكفتين السماوات والأرض، لوسعتهن. فتقول الملائكة: ربنا لمن وضعت هذا؟ فيقول: لمن شئت من عبادي. فيقولون: سبحان ربنا ما عبدناك حق عبادتك. وعن حذيفة: أن صاحب الميزان يوم القيامة جبريل ﷺ وشرّف وكرّم. وعن مجاهد: "الموازين": العدل. وقال النبي ﷺ: لا يذكر أحد حميمه عند الميزان وقوله: ﴿وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا﴾. أي: إن كان له عمل من الحسنات أو [عليه] عمل من السيئات وزن حبة من خردل، جئنا بها، فوفينا كلاً ما عمل. وقال ابن زيد: "أتينا بها" أي كتبناها، وأحصيناها له وعليه. وقرأ مجاهد: "أتينا بها، بمعنى: جازينا بها. * * ﴿وَكَفَىٰ بِنَا حَاسِبِينَ﴾. أي: وكُفينا حاسبين. أي: حسب من شهد الموقف ذلك اليوم بنا حاسبين. إذ لم يغب عنا من أعمالهم شيء. "وحاسبين" نصب على الحال، أو على التمييز. وروى أحمد بن صالح عن قالون عن نافع: "القصط" بالصاد، لأجل الطاء والأصل، السين. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَىٰ وَهَارُونَ ٱلْفُرْقَانَ وَضِيَآءً وَذِكْراً لَّلْمُتَّقِينَ﴾. أي: أعطيناهما الكتاب الذي يفرق بين الحق والباطل. وهو التوراة، قاله قتادة. قال ابن زيد: الفرقان: الحق أتاه الله موسى وهارون، ففرق به بينهما وبين فرعون. قضى بينهم بالحق، وهو مثل: ﴿وَمَآ أَنزَلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا يَوْمَ ٱلْفُرْقَانِ﴾ [الأنفال: ٤١] يعني: يوم بدر. وهذا القول اختيار الطبري لقوله: وضياء. فالضياء هو التوراة، أضاءت لهما ولمن اتبعهما أمر دينهم. وفي دخول الواو في "وضياء" دليل على أن الضياء غير الفرقان. * * وقوله: ﴿وَذِكْراً لَّلْمُتَّقِينَ﴾ أي: وذكراً لمن اتقى الله بطاعته، وخاف ربه بالغيب أن يعاقبه في الآخرة. * * ﴿وَهُمْ مِّنَ ٱلسَّاعَةِ مُشْفِقُونَ﴾. أي: من قيام القيامة حذرون أن تقوم عليهم، فيردوا على ربهم مفرطون فيما يجب عليهم من طاعته. وقرأ ابن عباس: "الفرقان ضياء" بغير واو. فيكون الفرقان على هذه القراءة التوراة بغير اختلاف. * * ثم قال تعالى: ﴿وَهَـٰذَا ذِكْرٌ مُّبَارَكٌ﴾. يعني القرآن. * * ﴿أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنكِرُونَ﴾. تقرير وتوبيخ للمشركين الذين أنكروه وقالوا: ﴿أَضْغَاثُ أَحْلاَمٍ بَلِ ٱفْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ﴾. * * ثم قال: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَآ إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِن قَبْلُ﴾. أي: ولقد وفقنا إبراهيم فأعطيناه هداه من قبل موسى وهارون. قال مجاهد: "معناه: هديناه صغيراً". وقال ابن عباس: لما خرج وهو صغير من الموضع الذي جعل فيه، رأى كوكباً في السماء، وهي الزهرة تضيء فقال: هذا ربي. فلما غابت، قال: لا أحب الآفلين. ثم فعل ذلك مع الشمس والقمر. ثم قال: ﴿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ حَنِيفاً وَمَآ أَنَاْ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٧٩]. * * وقوله: ﴿وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ﴾. أي: عالمين أنه ذو يقين وإيمان بالله. إذ قال لأبيه: "أي حين ﴿قَالَ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَـٰذِهِ ٱلتَّمَاثِيلُ ٱلَّتِيۤ أَنتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ﴾. أي: ما هذه الصور التي أنتم عليها مقيمون. يعني أصنامهم التي كانوا يعبدون. * * ثم قال: ﴿قَالُواْ وَجَدْنَآ آبَآءَنَا لَهَا عَابِدِينَ﴾. أي: قالوا لإبراهيم إنما عبدنا هذه الأصنام لأنَّا وجدنا آباءنا لها عابدين. قال لهم إبراهيم ﷺ: ﴿لَقَدْ كُنتُمْ أَنتُمْ وَآبَآؤُكُمْ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ﴾ أي: في ذهاب عن الحق بعبادتكم هذه الأصنام. "مبين" أي: ظاهر. قالوا لإبراهيم ﴿أَجِئْتَنَا بِٱلْحَقِّ أَمْ أَنتَ مِنَ ٱللاَّعِبِينَ﴾ أي: أحق ما تقول. أم أنت لاعب من اللاعبين. قال لهم إبراهيم: ﴿بَل رَّبُّكُمْ رَبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ٱلَّذِي فطَرَهُنَّ﴾ أي: بل جئتكم بالحق لا باللعب. "ربكم رب السماوات والأرض الذي فطرهن" أي: خلقهن. ﴿وَأَنَاْ عَلَىٰ ذٰلِكُمْ مِّنَ ٱلشَّاهِدِينَ﴾ أي: أنا شاهد من الشاهدين أن ربكم رب السماوات والأرض دون التماثيل التي تعبدون. * * ثم قال: ﴿وَتَٱللَّهِ لأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ﴾. أقسم إبراهيم بهذا في نفسه سراً من قومه، لم يسمعه منهم أحد إلا الذي أفشاه عليه. إذ قال: ﴿سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ﴾ [الأنبياء: ٦٠]. قال مجاهد: قال ذلك إبراهيم حين استأذنه قومه إلى عيد لهم فأبى وقال: "إني سقيم"، فسمع منه وعيد أصنامهم رجل منهم استأخر وهو الذي يقول: "سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم". ثم قال تعالى ذكره: ﴿فَجَعَلَهُمْ جُذَاذاً إِلاَّ كَبِيراً لَّهُمْ﴾. أي: فجعل الأصنام حطاماً إلا صنماً كبيراً لهم، فإنه تركه لم يحطمه، وعلق الفأس في عنقه ليحتج به عليهم إن فطنوا به، وهو صنم كبير في الصورة. وقيل: هو أكبرها عندهم، لا أكبرها في صورته. * * وقوله: ﴿لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ﴾. أي: لعلهم يؤمنون به إذا رأوها مكسرة لم تدفع عن أنفسها ضر من أرادها، ولم يدفع عنها كبيرها شيئاً. قال السدي: "قال أبو إبراهيم له، إن لنا عيداً لو خرجت معنا، والله قد أعجبك ديننا. فلما كان يوم العيد خرجوا إليه، معهم إبراهيم فلما كان ببعض الطريق، ألقى نفسه وقال: إني سقيم أشتكي رجلي وهو صريع. فلما مضوا، نادى في آخرهم وقد بقي ضعفاء الناس ﴿وَتَٱللَّهِ لأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَن تُوَلُّواْ مُدْبِرِينَ﴾ فسمعوها منه. ثم رجع إبراهيم إلى بيت الآلهة، فإذا هن في بهو عظيم، مستقبل باب البهو صنم عظيم إلى جنبه أصغر منه، بعضها إلى جنب بعض يليه أصغر منه حتى بلغوا باب البهو، وإذا هم قد جعلوا طعاماً فوضعوه بين يدي الآلهة. قالوا: إذا كان حين نرجع، رجعنا وقد باركت الآلهة في طعامنا، فأكلنا. فلما نظر إليها إبراهيم، وإلى ما بين أيديها من الطعام. قال: ﴿فَقَالَ أَلا تَأْكُلُونَ﴾. فلم تجبه. فقال: ﴿مَا لَكُمْ لاَ تَنطِقُونَ﴾ فأخرج حديدة فنقر كل صنم في حافتيه، ثم علق الفأس في عنق الصنم الأكبر، ثم خرج، فلما رجعوا، قالوا: ﴿قَالُواْ مَن فَعَلَ هَـٰذَا بِآلِهَتِنَآ إِنَّهُ لَمِنَ ٱلظَّالِمِينَ﴾. "والجذاذ" بالضم جمع جذاذة، كزجاجة وزجاج. وقيل: هو مصدر كالحطام والرفات. ومن كسر جعله جمع جذيذ وجذيذ معدول عن مجذود كجريح بمعنى مجروح، فيكون ككبير وكبار وصغير وصغار وثقيل وثقال. وقال قطرب: هو مصدر ضم أو كسر أو فتح، وهي لغات فيه بمعنى والجذاذ. أي: الحطام والفتات، ومنه الجذيذة.

الأنبياء 21:56

قوله تعالى: ﴿وَنَضَعُ ٱلْمَوَازِينَ ٱلْقِسْطَ﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّهُ لَمِنَ ٱلظَّالِمِينَ﴾. أي: ونضع الموازين العدل في يوم القيامة. "اللام" بمعنى: "في". وقيل: "اللام" على بابها. والتقدير لأهل يوم القيامة. * * ﴿فَلاَ تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً﴾. أي: لا يؤخذ أحد بذنب غيره، أو بذنب لم يعمله، أو يسقط له ما عمله من خير. قال ابن عباس: هذا بمنزلة قوله: ﴿وَٱلْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ ٱلْحَقُّ﴾ [الأعراف: ٨]. وروي أن الميزان له كفتان، وأن الأعمال تمثل بما يوزن. ويروى أنه إنما يوزن خواتمها. وقال سلمان الفارسي: توضع الموازين يوم القيامة، فلو وضع في إحدى الكفتين السماوات والأرض، لوسعتهن. فتقول الملائكة: ربنا لمن وضعت هذا؟ فيقول: لمن شئت من عبادي. فيقولون: سبحان ربنا ما عبدناك حق عبادتك. وعن حذيفة: أن صاحب الميزان يوم القيامة جبريل ﷺ وشرّف وكرّم. وعن مجاهد: "الموازين": العدل. وقال النبي ﷺ: لا يذكر أحد حميمه عند الميزان وقوله: ﴿وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا﴾. أي: إن كان له عمل من الحسنات أو [عليه] عمل من السيئات وزن حبة من خردل، جئنا بها، فوفينا كلاً ما عمل. وقال ابن زيد: "أتينا بها" أي كتبناها، وأحصيناها له وعليه. وقرأ مجاهد: "أتينا بها، بمعنى: جازينا بها. * * ﴿وَكَفَىٰ بِنَا حَاسِبِينَ﴾. أي: وكُفينا حاسبين. أي: حسب من شهد الموقف ذلك اليوم بنا حاسبين. إذ لم يغب عنا من أعمالهم شيء. "وحاسبين" نصب على الحال، أو على التمييز. وروى أحمد بن صالح عن قالون عن نافع: "القصط" بالصاد، لأجل الطاء والأصل، السين. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَىٰ وَهَارُونَ ٱلْفُرْقَانَ وَضِيَآءً وَذِكْراً لَّلْمُتَّقِينَ﴾. أي: أعطيناهما الكتاب الذي يفرق بين الحق والباطل. وهو التوراة، قاله قتادة. قال ابن زيد: الفرقان: الحق أتاه الله موسى وهارون، ففرق به بينهما وبين فرعون. قضى بينهم بالحق، وهو مثل: ﴿وَمَآ أَنزَلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا يَوْمَ ٱلْفُرْقَانِ﴾ [الأنفال: ٤١] يعني: يوم بدر. وهذا القول اختيار الطبري لقوله: وضياء. فالضياء هو التوراة، أضاءت لهما ولمن اتبعهما أمر دينهم. وفي دخول الواو في "وضياء" دليل على أن الضياء غير الفرقان. * * وقوله: ﴿وَذِكْراً لَّلْمُتَّقِينَ﴾ أي: وذكراً لمن اتقى الله بطاعته، وخاف ربه بالغيب أن يعاقبه في الآخرة. * * ﴿وَهُمْ مِّنَ ٱلسَّاعَةِ مُشْفِقُونَ﴾. أي: من قيام القيامة حذرون أن تقوم عليهم، فيردوا على ربهم مفرطون فيما يجب عليهم من طاعته. وقرأ ابن عباس: "الفرقان ضياء" بغير واو. فيكون الفرقان على هذه القراءة التوراة بغير اختلاف. * * ثم قال تعالى: ﴿وَهَـٰذَا ذِكْرٌ مُّبَارَكٌ﴾. يعني القرآن. * * ﴿أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنكِرُونَ﴾. تقرير وتوبيخ للمشركين الذين أنكروه وقالوا: ﴿أَضْغَاثُ أَحْلاَمٍ بَلِ ٱفْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ﴾. * * ثم قال: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَآ إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِن قَبْلُ﴾. أي: ولقد وفقنا إبراهيم فأعطيناه هداه من قبل موسى وهارون. قال مجاهد: "معناه: هديناه صغيراً". وقال ابن عباس: لما خرج وهو صغير من الموضع الذي جعل فيه، رأى كوكباً في السماء، وهي الزهرة تضيء فقال: هذا ربي. فلما غابت، قال: لا أحب الآفلين. ثم فعل ذلك مع الشمس والقمر. ثم قال: ﴿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ حَنِيفاً وَمَآ أَنَاْ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٧٩]. * * وقوله: ﴿وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ﴾. أي: عالمين أنه ذو يقين وإيمان بالله. إذ قال لأبيه: "أي حين ﴿قَالَ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَـٰذِهِ ٱلتَّمَاثِيلُ ٱلَّتِيۤ أَنتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ﴾. أي: ما هذه الصور التي أنتم عليها مقيمون. يعني أصنامهم التي كانوا يعبدون. * * ثم قال: ﴿قَالُواْ وَجَدْنَآ آبَآءَنَا لَهَا عَابِدِينَ﴾. أي: قالوا لإبراهيم إنما عبدنا هذه الأصنام لأنَّا وجدنا آباءنا لها عابدين. قال لهم إبراهيم ﷺ: ﴿لَقَدْ كُنتُمْ أَنتُمْ وَآبَآؤُكُمْ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ﴾ أي: في ذهاب عن الحق بعبادتكم هذه الأصنام. "مبين" أي: ظاهر. قالوا لإبراهيم ﴿أَجِئْتَنَا بِٱلْحَقِّ أَمْ أَنتَ مِنَ ٱللاَّعِبِينَ﴾ أي: أحق ما تقول. أم أنت لاعب من اللاعبين. قال لهم إبراهيم: ﴿بَل رَّبُّكُمْ رَبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ٱلَّذِي فطَرَهُنَّ﴾ أي: بل جئتكم بالحق لا باللعب. "ربكم رب السماوات والأرض الذي فطرهن" أي: خلقهن. ﴿وَأَنَاْ عَلَىٰ ذٰلِكُمْ مِّنَ ٱلشَّاهِدِينَ﴾ أي: أنا شاهد من الشاهدين أن ربكم رب السماوات والأرض دون التماثيل التي تعبدون. * * ثم قال: ﴿وَتَٱللَّهِ لأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ﴾. أقسم إبراهيم بهذا في نفسه سراً من قومه، لم يسمعه منهم أحد إلا الذي أفشاه عليه. إذ قال: ﴿سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ﴾ [الأنبياء: ٦٠]. قال مجاهد: قال ذلك إبراهيم حين استأذنه قومه إلى عيد لهم فأبى وقال: "إني سقيم"، فسمع منه وعيد أصنامهم رجل منهم استأخر وهو الذي يقول: "سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم". ثم قال تعالى ذكره: ﴿فَجَعَلَهُمْ جُذَاذاً إِلاَّ كَبِيراً لَّهُمْ﴾. أي: فجعل الأصنام حطاماً إلا صنماً كبيراً لهم، فإنه تركه لم يحطمه، وعلق الفأس في عنقه ليحتج به عليهم إن فطنوا به، وهو صنم كبير في الصورة. وقيل: هو أكبرها عندهم، لا أكبرها في صورته. * * وقوله: ﴿لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ﴾. أي: لعلهم يؤمنون به إذا رأوها مكسرة لم تدفع عن أنفسها ضر من أرادها، ولم يدفع عنها كبيرها شيئاً. قال السدي: "قال أبو إبراهيم له، إن لنا عيداً لو خرجت معنا، والله قد أعجبك ديننا. فلما كان يوم العيد خرجوا إليه، معهم إبراهيم فلما كان ببعض الطريق، ألقى نفسه وقال: إني سقيم أشتكي رجلي وهو صريع. فلما مضوا، نادى في آخرهم وقد بقي ضعفاء الناس ﴿وَتَٱللَّهِ لأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَن تُوَلُّواْ مُدْبِرِينَ﴾ فسمعوها منه. ثم رجع إبراهيم إلى بيت الآلهة، فإذا هن في بهو عظيم، مستقبل باب البهو صنم عظيم إلى جنبه أصغر منه، بعضها إلى جنب بعض يليه أصغر منه حتى بلغوا باب البهو، وإذا هم قد جعلوا طعاماً فوضعوه بين يدي الآلهة. قالوا: إذا كان حين نرجع، رجعنا وقد باركت الآلهة في طعامنا، فأكلنا. فلما نظر إليها إبراهيم، وإلى ما بين أيديها من الطعام. قال: ﴿فَقَالَ أَلا تَأْكُلُونَ﴾. فلم تجبه. فقال: ﴿مَا لَكُمْ لاَ تَنطِقُونَ﴾ فأخرج حديدة فنقر كل صنم في حافتيه، ثم علق الفأس في عنق الصنم الأكبر، ثم خرج، فلما رجعوا، قالوا: ﴿قَالُواْ مَن فَعَلَ هَـٰذَا بِآلِهَتِنَآ إِنَّهُ لَمِنَ ٱلظَّالِمِينَ﴾. "والجذاذ" بالضم جمع جذاذة، كزجاجة وزجاج. وقيل: هو مصدر كالحطام والرفات. ومن كسر جعله جمع جذيذ وجذيذ معدول عن مجذود كجريح بمعنى مجروح، فيكون ككبير وكبار وصغير وصغار وثقيل وثقال. وقال قطرب: هو مصدر ضم أو كسر أو فتح، وهي لغات فيه بمعنى والجذاذ. أي: الحطام والفتات، ومنه الجذيذة.

الأنبياء 21:57

قوله تعالى: ﴿وَنَضَعُ ٱلْمَوَازِينَ ٱلْقِسْطَ﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّهُ لَمِنَ ٱلظَّالِمِينَ﴾. أي: ونضع الموازين العدل في يوم القيامة. "اللام" بمعنى: "في". وقيل: "اللام" على بابها. والتقدير لأهل يوم القيامة. * * ﴿فَلاَ تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً﴾. أي: لا يؤخذ أحد بذنب غيره، أو بذنب لم يعمله، أو يسقط له ما عمله من خير. قال ابن عباس: هذا بمنزلة قوله: ﴿وَٱلْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ ٱلْحَقُّ﴾ [الأعراف: ٨]. وروي أن الميزان له كفتان، وأن الأعمال تمثل بما يوزن. ويروى أنه إنما يوزن خواتمها. وقال سلمان الفارسي: توضع الموازين يوم القيامة، فلو وضع في إحدى الكفتين السماوات والأرض، لوسعتهن. فتقول الملائكة: ربنا لمن وضعت هذا؟ فيقول: لمن شئت من عبادي. فيقولون: سبحان ربنا ما عبدناك حق عبادتك. وعن حذيفة: أن صاحب الميزان يوم القيامة جبريل ﷺ وشرّف وكرّم. وعن مجاهد: "الموازين": العدل. وقال النبي ﷺ: لا يذكر أحد حميمه عند الميزان وقوله: ﴿وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا﴾. أي: إن كان له عمل من الحسنات أو [عليه] عمل من السيئات وزن حبة من خردل، جئنا بها، فوفينا كلاً ما عمل. وقال ابن زيد: "أتينا بها" أي كتبناها، وأحصيناها له وعليه. وقرأ مجاهد: "أتينا بها، بمعنى: جازينا بها. * * ﴿وَكَفَىٰ بِنَا حَاسِبِينَ﴾. أي: وكُفينا حاسبين. أي: حسب من شهد الموقف ذلك اليوم بنا حاسبين. إذ لم يغب عنا من أعمالهم شيء. "وحاسبين" نصب على الحال، أو على التمييز. وروى أحمد بن صالح عن قالون عن نافع: "القصط" بالصاد، لأجل الطاء والأصل، السين. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَىٰ وَهَارُونَ ٱلْفُرْقَانَ وَضِيَآءً وَذِكْراً لَّلْمُتَّقِينَ﴾. أي: أعطيناهما الكتاب الذي يفرق بين الحق والباطل. وهو التوراة، قاله قتادة. قال ابن زيد: الفرقان: الحق أتاه الله موسى وهارون، ففرق به بينهما وبين فرعون. قضى بينهم بالحق، وهو مثل: ﴿وَمَآ أَنزَلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا يَوْمَ ٱلْفُرْقَانِ﴾ [الأنفال: ٤١] يعني: يوم بدر. وهذا القول اختيار الطبري لقوله: وضياء. فالضياء هو التوراة، أضاءت لهما ولمن اتبعهما أمر دينهم. وفي دخول الواو في "وضياء" دليل على أن الضياء غير الفرقان. * * وقوله: ﴿وَذِكْراً لَّلْمُتَّقِينَ﴾ أي: وذكراً لمن اتقى الله بطاعته، وخاف ربه بالغيب أن يعاقبه في الآخرة. * * ﴿وَهُمْ مِّنَ ٱلسَّاعَةِ مُشْفِقُونَ﴾. أي: من قيام القيامة حذرون أن تقوم عليهم، فيردوا على ربهم مفرطون فيما يجب عليهم من طاعته. وقرأ ابن عباس: "الفرقان ضياء" بغير واو. فيكون الفرقان على هذه القراءة التوراة بغير اختلاف. * * ثم قال تعالى: ﴿وَهَـٰذَا ذِكْرٌ مُّبَارَكٌ﴾. يعني القرآن. * * ﴿أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنكِرُونَ﴾. تقرير وتوبيخ للمشركين الذين أنكروه وقالوا: ﴿أَضْغَاثُ أَحْلاَمٍ بَلِ ٱفْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ﴾. * * ثم قال: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَآ إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِن قَبْلُ﴾. أي: ولقد وفقنا إبراهيم فأعطيناه هداه من قبل موسى وهارون. قال مجاهد: "معناه: هديناه صغيراً". وقال ابن عباس: لما خرج وهو صغير من الموضع الذي جعل فيه، رأى كوكباً في السماء، وهي الزهرة تضيء فقال: هذا ربي. فلما غابت، قال: لا أحب الآفلين. ثم فعل ذلك مع الشمس والقمر. ثم قال: ﴿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ حَنِيفاً وَمَآ أَنَاْ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٧٩]. * * وقوله: ﴿وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ﴾. أي: عالمين أنه ذو يقين وإيمان بالله. إذ قال لأبيه: "أي حين ﴿قَالَ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَـٰذِهِ ٱلتَّمَاثِيلُ ٱلَّتِيۤ أَنتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ﴾. أي: ما هذه الصور التي أنتم عليها مقيمون. يعني أصنامهم التي كانوا يعبدون. * * ثم قال: ﴿قَالُواْ وَجَدْنَآ آبَآءَنَا لَهَا عَابِدِينَ﴾. أي: قالوا لإبراهيم إنما عبدنا هذه الأصنام لأنَّا وجدنا آباءنا لها عابدين. قال لهم إبراهيم ﷺ: ﴿لَقَدْ كُنتُمْ أَنتُمْ وَآبَآؤُكُمْ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ﴾ أي: في ذهاب عن الحق بعبادتكم هذه الأصنام. "مبين" أي: ظاهر. قالوا لإبراهيم ﴿أَجِئْتَنَا بِٱلْحَقِّ أَمْ أَنتَ مِنَ ٱللاَّعِبِينَ﴾ أي: أحق ما تقول. أم أنت لاعب من اللاعبين. قال لهم إبراهيم: ﴿بَل رَّبُّكُمْ رَبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ٱلَّذِي فطَرَهُنَّ﴾ أي: بل جئتكم بالحق لا باللعب. "ربكم رب السماوات والأرض الذي فطرهن" أي: خلقهن. ﴿وَأَنَاْ عَلَىٰ ذٰلِكُمْ مِّنَ ٱلشَّاهِدِينَ﴾ أي: أنا شاهد من الشاهدين أن ربكم رب السماوات والأرض دون التماثيل التي تعبدون. * * ثم قال: ﴿وَتَٱللَّهِ لأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ﴾. أقسم إبراهيم بهذا في نفسه سراً من قومه، لم يسمعه منهم أحد إلا الذي أفشاه عليه. إذ قال: ﴿سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ﴾ [الأنبياء: ٦٠]. قال مجاهد: قال ذلك إبراهيم حين استأذنه قومه إلى عيد لهم فأبى وقال: "إني سقيم"، فسمع منه وعيد أصنامهم رجل منهم استأخر وهو الذي يقول: "سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم". ثم قال تعالى ذكره: ﴿فَجَعَلَهُمْ جُذَاذاً إِلاَّ كَبِيراً لَّهُمْ﴾. أي: فجعل الأصنام حطاماً إلا صنماً كبيراً لهم، فإنه تركه لم يحطمه، وعلق الفأس في عنقه ليحتج به عليهم إن فطنوا به، وهو صنم كبير في الصورة. وقيل: هو أكبرها عندهم، لا أكبرها في صورته. * * وقوله: ﴿لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ﴾. أي: لعلهم يؤمنون به إذا رأوها مكسرة لم تدفع عن أنفسها ضر من أرادها، ولم يدفع عنها كبيرها شيئاً. قال السدي: "قال أبو إبراهيم له، إن لنا عيداً لو خرجت معنا، والله قد أعجبك ديننا. فلما كان يوم العيد خرجوا إليه، معهم إبراهيم فلما كان ببعض الطريق، ألقى نفسه وقال: إني سقيم أشتكي رجلي وهو صريع. فلما مضوا، نادى في آخرهم وقد بقي ضعفاء الناس ﴿وَتَٱللَّهِ لأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَن تُوَلُّواْ مُدْبِرِينَ﴾ فسمعوها منه. ثم رجع إبراهيم إلى بيت الآلهة، فإذا هن في بهو عظيم، مستقبل باب البهو صنم عظيم إلى جنبه أصغر منه، بعضها إلى جنب بعض يليه أصغر منه حتى بلغوا باب البهو، وإذا هم قد جعلوا طعاماً فوضعوه بين يدي الآلهة. قالوا: إذا كان حين نرجع، رجعنا وقد باركت الآلهة في طعامنا، فأكلنا. فلما نظر إليها إبراهيم، وإلى ما بين أيديها من الطعام. قال: ﴿فَقَالَ أَلا تَأْكُلُونَ﴾. فلم تجبه. فقال: ﴿مَا لَكُمْ لاَ تَنطِقُونَ﴾ فأخرج حديدة فنقر كل صنم في حافتيه، ثم علق الفأس في عنق الصنم الأكبر، ثم خرج، فلما رجعوا، قالوا: ﴿قَالُواْ مَن فَعَلَ هَـٰذَا بِآلِهَتِنَآ إِنَّهُ لَمِنَ ٱلظَّالِمِينَ﴾. "والجذاذ" بالضم جمع جذاذة، كزجاجة وزجاج. وقيل: هو مصدر كالحطام والرفات. ومن كسر جعله جمع جذيذ وجذيذ معدول عن مجذود كجريح بمعنى مجروح، فيكون ككبير وكبار وصغير وصغار وثقيل وثقال. وقال قطرب: هو مصدر ضم أو كسر أو فتح، وهي لغات فيه بمعنى والجذاذ. أي: الحطام والفتات، ومنه الجذيذة.

الأنبياء 21:58

قوله تعالى: ﴿وَنَضَعُ ٱلْمَوَازِينَ ٱلْقِسْطَ﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّهُ لَمِنَ ٱلظَّالِمِينَ﴾. أي: ونضع الموازين العدل في يوم القيامة. "اللام" بمعنى: "في". وقيل: "اللام" على بابها. والتقدير لأهل يوم القيامة. * * ﴿فَلاَ تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً﴾. أي: لا يؤخذ أحد بذنب غيره، أو بذنب لم يعمله، أو يسقط له ما عمله من خير. قال ابن عباس: هذا بمنزلة قوله: ﴿وَٱلْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ ٱلْحَقُّ﴾ [الأعراف: ٨]. وروي أن الميزان له كفتان، وأن الأعمال تمثل بما يوزن. ويروى أنه إنما يوزن خواتمها. وقال سلمان الفارسي: توضع الموازين يوم القيامة، فلو وضع في إحدى الكفتين السماوات والأرض، لوسعتهن. فتقول الملائكة: ربنا لمن وضعت هذا؟ فيقول: لمن شئت من عبادي. فيقولون: سبحان ربنا ما عبدناك حق عبادتك. وعن حذيفة: أن صاحب الميزان يوم القيامة جبريل ﷺ وشرّف وكرّم. وعن مجاهد: "الموازين": العدل. وقال النبي ﷺ: لا يذكر أحد حميمه عند الميزان وقوله: ﴿وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا﴾. أي: إن كان له عمل من الحسنات أو [عليه] عمل من السيئات وزن حبة من خردل، جئنا بها، فوفينا كلاً ما عمل. وقال ابن زيد: "أتينا بها" أي كتبناها، وأحصيناها له وعليه. وقرأ مجاهد: "أتينا بها، بمعنى: جازينا بها. * * ﴿وَكَفَىٰ بِنَا حَاسِبِينَ﴾. أي: وكُفينا حاسبين. أي: حسب من شهد الموقف ذلك اليوم بنا حاسبين. إذ لم يغب عنا من أعمالهم شيء. "وحاسبين" نصب على الحال، أو على التمييز. وروى أحمد بن صالح عن قالون عن نافع: "القصط" بالصاد، لأجل الطاء والأصل، السين. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَىٰ وَهَارُونَ ٱلْفُرْقَانَ وَضِيَآءً وَذِكْراً لَّلْمُتَّقِينَ﴾. أي: أعطيناهما الكتاب الذي يفرق بين الحق والباطل. وهو التوراة، قاله قتادة. قال ابن زيد: الفرقان: الحق أتاه الله موسى وهارون، ففرق به بينهما وبين فرعون. قضى بينهم بالحق، وهو مثل: ﴿وَمَآ أَنزَلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا يَوْمَ ٱلْفُرْقَانِ﴾ [الأنفال: ٤١] يعني: يوم بدر. وهذا القول اختيار الطبري لقوله: وضياء. فالضياء هو التوراة، أضاءت لهما ولمن اتبعهما أمر دينهم. وفي دخول الواو في "وضياء" دليل على أن الضياء غير الفرقان. * * وقوله: ﴿وَذِكْراً لَّلْمُتَّقِينَ﴾ أي: وذكراً لمن اتقى الله بطاعته، وخاف ربه بالغيب أن يعاقبه في الآخرة. * * ﴿وَهُمْ مِّنَ ٱلسَّاعَةِ مُشْفِقُونَ﴾. أي: من قيام القيامة حذرون أن تقوم عليهم، فيردوا على ربهم مفرطون فيما يجب عليهم من طاعته. وقرأ ابن عباس: "الفرقان ضياء" بغير واو. فيكون الفرقان على هذه القراءة التوراة بغير اختلاف. * * ثم قال تعالى: ﴿وَهَـٰذَا ذِكْرٌ مُّبَارَكٌ﴾. يعني القرآن. * * ﴿أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنكِرُونَ﴾. تقرير وتوبيخ للمشركين الذين أنكروه وقالوا: ﴿أَضْغَاثُ أَحْلاَمٍ بَلِ ٱفْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ﴾. * * ثم قال: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَآ إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِن قَبْلُ﴾. أي: ولقد وفقنا إبراهيم فأعطيناه هداه من قبل موسى وهارون. قال مجاهد: "معناه: هديناه صغيراً". وقال ابن عباس: لما خرج وهو صغير من الموضع الذي جعل فيه، رأى كوكباً في السماء، وهي الزهرة تضيء فقال: هذا ربي. فلما غابت، قال: لا أحب الآفلين. ثم فعل ذلك مع الشمس والقمر. ثم قال: ﴿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ حَنِيفاً وَمَآ أَنَاْ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٧٩]. * * وقوله: ﴿وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ﴾. أي: عالمين أنه ذو يقين وإيمان بالله. إذ قال لأبيه: "أي حين ﴿قَالَ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَـٰذِهِ ٱلتَّمَاثِيلُ ٱلَّتِيۤ أَنتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ﴾. أي: ما هذه الصور التي أنتم عليها مقيمون. يعني أصنامهم التي كانوا يعبدون. * * ثم قال: ﴿قَالُواْ وَجَدْنَآ آبَآءَنَا لَهَا عَابِدِينَ﴾. أي: قالوا لإبراهيم إنما عبدنا هذه الأصنام لأنَّا وجدنا آباءنا لها عابدين. قال لهم إبراهيم ﷺ: ﴿لَقَدْ كُنتُمْ أَنتُمْ وَآبَآؤُكُمْ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ﴾ أي: في ذهاب عن الحق بعبادتكم هذه الأصنام. "مبين" أي: ظاهر. قالوا لإبراهيم ﴿أَجِئْتَنَا بِٱلْحَقِّ أَمْ أَنتَ مِنَ ٱللاَّعِبِينَ﴾ أي: أحق ما تقول. أم أنت لاعب من اللاعبين. قال لهم إبراهيم: ﴿بَل رَّبُّكُمْ رَبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ٱلَّذِي فطَرَهُنَّ﴾ أي: بل جئتكم بالحق لا باللعب. "ربكم رب السماوات والأرض الذي فطرهن" أي: خلقهن. ﴿وَأَنَاْ عَلَىٰ ذٰلِكُمْ مِّنَ ٱلشَّاهِدِينَ﴾ أي: أنا شاهد من الشاهدين أن ربكم رب السماوات والأرض دون التماثيل التي تعبدون. * * ثم قال: ﴿وَتَٱللَّهِ لأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ﴾. أقسم إبراهيم بهذا في نفسه سراً من قومه، لم يسمعه منهم أحد إلا الذي أفشاه عليه. إذ قال: ﴿سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ﴾ [الأنبياء: ٦٠]. قال مجاهد: قال ذلك إبراهيم حين استأذنه قومه إلى عيد لهم فأبى وقال: "إني سقيم"، فسمع منه وعيد أصنامهم رجل منهم استأخر وهو الذي يقول: "سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم". ثم قال تعالى ذكره: ﴿فَجَعَلَهُمْ جُذَاذاً إِلاَّ كَبِيراً لَّهُمْ﴾. أي: فجعل الأصنام حطاماً إلا صنماً كبيراً لهم، فإنه تركه لم يحطمه، وعلق الفأس في عنقه ليحتج به عليهم إن فطنوا به، وهو صنم كبير في الصورة. وقيل: هو أكبرها عندهم، لا أكبرها في صورته. * * وقوله: ﴿لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ﴾. أي: لعلهم يؤمنون به إذا رأوها مكسرة لم تدفع عن أنفسها ضر من أرادها، ولم يدفع عنها كبيرها شيئاً. قال السدي: "قال أبو إبراهيم له، إن لنا عيداً لو خرجت معنا، والله قد أعجبك ديننا. فلما كان يوم العيد خرجوا إليه، معهم إبراهيم فلما كان ببعض الطريق، ألقى نفسه وقال: إني سقيم أشتكي رجلي وهو صريع. فلما مضوا، نادى في آخرهم وقد بقي ضعفاء الناس ﴿وَتَٱللَّهِ لأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَن تُوَلُّواْ مُدْبِرِينَ﴾ فسمعوها منه. ثم رجع إبراهيم إلى بيت الآلهة، فإذا هن في بهو عظيم، مستقبل باب البهو صنم عظيم إلى جنبه أصغر منه، بعضها إلى جنب بعض يليه أصغر منه حتى بلغوا باب البهو، وإذا هم قد جعلوا طعاماً فوضعوه بين يدي الآلهة. قالوا: إذا كان حين نرجع، رجعنا وقد باركت الآلهة في طعامنا، فأكلنا. فلما نظر إليها إبراهيم، وإلى ما بين أيديها من الطعام. قال: ﴿فَقَالَ أَلا تَأْكُلُونَ﴾. فلم تجبه. فقال: ﴿مَا لَكُمْ لاَ تَنطِقُونَ﴾ فأخرج حديدة فنقر كل صنم في حافتيه، ثم علق الفأس في عنق الصنم الأكبر، ثم خرج، فلما رجعوا، قالوا: ﴿قَالُواْ مَن فَعَلَ هَـٰذَا بِآلِهَتِنَآ إِنَّهُ لَمِنَ ٱلظَّالِمِينَ﴾. "والجذاذ" بالضم جمع جذاذة، كزجاجة وزجاج. وقيل: هو مصدر كالحطام والرفات. ومن كسر جعله جمع جذيذ وجذيذ معدول عن مجذود كجريح بمعنى مجروح، فيكون ككبير وكبار وصغير وصغار وثقيل وثقال. وقال قطرب: هو مصدر ضم أو كسر أو فتح، وهي لغات فيه بمعنى والجذاذ. أي: الحطام والفتات، ومنه الجذيذة.

الأنبياء 21:59

قوله تعالى: ﴿وَنَضَعُ ٱلْمَوَازِينَ ٱلْقِسْطَ﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّهُ لَمِنَ ٱلظَّالِمِينَ﴾. أي: ونضع الموازين العدل في يوم القيامة. "اللام" بمعنى: "في". وقيل: "اللام" على بابها. والتقدير لأهل يوم القيامة. * * ﴿فَلاَ تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً﴾. أي: لا يؤخذ أحد بذنب غيره، أو بذنب لم يعمله، أو يسقط له ما عمله من خير. قال ابن عباس: هذا بمنزلة قوله: ﴿وَٱلْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ ٱلْحَقُّ﴾ [الأعراف: ٨]. وروي أن الميزان له كفتان، وأن الأعمال تمثل بما يوزن. ويروى أنه إنما يوزن خواتمها. وقال سلمان الفارسي: توضع الموازين يوم القيامة، فلو وضع في إحدى الكفتين السماوات والأرض، لوسعتهن. فتقول الملائكة: ربنا لمن وضعت هذا؟ فيقول: لمن شئت من عبادي. فيقولون: سبحان ربنا ما عبدناك حق عبادتك. وعن حذيفة: أن صاحب الميزان يوم القيامة جبريل ﷺ وشرّف وكرّم. وعن مجاهد: "الموازين": العدل. وقال النبي ﷺ: لا يذكر أحد حميمه عند الميزان وقوله: ﴿وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا﴾. أي: إن كان له عمل من الحسنات أو [عليه] عمل من السيئات وزن حبة من خردل، جئنا بها، فوفينا كلاً ما عمل. وقال ابن زيد: "أتينا بها" أي كتبناها، وأحصيناها له وعليه. وقرأ مجاهد: "أتينا بها، بمعنى: جازينا بها. * * ﴿وَكَفَىٰ بِنَا حَاسِبِينَ﴾. أي: وكُفينا حاسبين. أي: حسب من شهد الموقف ذلك اليوم بنا حاسبين. إذ لم يغب عنا من أعمالهم شيء. "وحاسبين" نصب على الحال، أو على التمييز. وروى أحمد بن صالح عن قالون عن نافع: "القصط" بالصاد، لأجل الطاء والأصل، السين. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَىٰ وَهَارُونَ ٱلْفُرْقَانَ وَضِيَآءً وَذِكْراً لَّلْمُتَّقِينَ﴾. أي: أعطيناهما الكتاب الذي يفرق بين الحق والباطل. وهو التوراة، قاله قتادة. قال ابن زيد: الفرقان: الحق أتاه الله موسى وهارون، ففرق به بينهما وبين فرعون. قضى بينهم بالحق، وهو مثل: ﴿وَمَآ أَنزَلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا يَوْمَ ٱلْفُرْقَانِ﴾ [الأنفال: ٤١] يعني: يوم بدر. وهذا القول اختيار الطبري لقوله: وضياء. فالضياء هو التوراة، أضاءت لهما ولمن اتبعهما أمر دينهم. وفي دخول الواو في "وضياء" دليل على أن الضياء غير الفرقان. * * وقوله: ﴿وَذِكْراً لَّلْمُتَّقِينَ﴾ أي: وذكراً لمن اتقى الله بطاعته، وخاف ربه بالغيب أن يعاقبه في الآخرة. * * ﴿وَهُمْ مِّنَ ٱلسَّاعَةِ مُشْفِقُونَ﴾. أي: من قيام القيامة حذرون أن تقوم عليهم، فيردوا على ربهم مفرطون فيما يجب عليهم من طاعته. وقرأ ابن عباس: "الفرقان ضياء" بغير واو. فيكون الفرقان على هذه القراءة التوراة بغير اختلاف. * * ثم قال تعالى: ﴿وَهَـٰذَا ذِكْرٌ مُّبَارَكٌ﴾. يعني القرآن. * * ﴿أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنكِرُونَ﴾. تقرير وتوبيخ للمشركين الذين أنكروه وقالوا: ﴿أَضْغَاثُ أَحْلاَمٍ بَلِ ٱفْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ﴾. * * ثم قال: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَآ إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِن قَبْلُ﴾. أي: ولقد وفقنا إبراهيم فأعطيناه هداه من قبل موسى وهارون. قال مجاهد: "معناه: هديناه صغيراً". وقال ابن عباس: لما خرج وهو صغير من الموضع الذي جعل فيه، رأى كوكباً في السماء، وهي الزهرة تضيء فقال: هذا ربي. فلما غابت، قال: لا أحب الآفلين. ثم فعل ذلك مع الشمس والقمر. ثم قال: ﴿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ حَنِيفاً وَمَآ أَنَاْ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٧٩]. * * وقوله: ﴿وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ﴾. أي: عالمين أنه ذو يقين وإيمان بالله. إذ قال لأبيه: "أي حين ﴿قَالَ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَـٰذِهِ ٱلتَّمَاثِيلُ ٱلَّتِيۤ أَنتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ﴾. أي: ما هذه الصور التي أنتم عليها مقيمون. يعني أصنامهم التي كانوا يعبدون. * * ثم قال: ﴿قَالُواْ وَجَدْنَآ آبَآءَنَا لَهَا عَابِدِينَ﴾. أي: قالوا لإبراهيم إنما عبدنا هذه الأصنام لأنَّا وجدنا آباءنا لها عابدين. قال لهم إبراهيم ﷺ: ﴿لَقَدْ كُنتُمْ أَنتُمْ وَآبَآؤُكُمْ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ﴾ أي: في ذهاب عن الحق بعبادتكم هذه الأصنام. "مبين" أي: ظاهر. قالوا لإبراهيم ﴿أَجِئْتَنَا بِٱلْحَقِّ أَمْ أَنتَ مِنَ ٱللاَّعِبِينَ﴾ أي: أحق ما تقول. أم أنت لاعب من اللاعبين. قال لهم إبراهيم: ﴿بَل رَّبُّكُمْ رَبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ٱلَّذِي فطَرَهُنَّ﴾ أي: بل جئتكم بالحق لا باللعب. "ربكم رب السماوات والأرض الذي فطرهن" أي: خلقهن. ﴿وَأَنَاْ عَلَىٰ ذٰلِكُمْ مِّنَ ٱلشَّاهِدِينَ﴾ أي: أنا شاهد من الشاهدين أن ربكم رب السماوات والأرض دون التماثيل التي تعبدون. * * ثم قال: ﴿وَتَٱللَّهِ لأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ﴾. أقسم إبراهيم بهذا في نفسه سراً من قومه، لم يسمعه منهم أحد إلا الذي أفشاه عليه. إذ قال: ﴿سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ﴾ [الأنبياء: ٦٠]. قال مجاهد: قال ذلك إبراهيم حين استأذنه قومه إلى عيد لهم فأبى وقال: "إني سقيم"، فسمع منه وعيد أصنامهم رجل منهم استأخر وهو الذي يقول: "سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم". ثم قال تعالى ذكره: ﴿فَجَعَلَهُمْ جُذَاذاً إِلاَّ كَبِيراً لَّهُمْ﴾. أي: فجعل الأصنام حطاماً إلا صنماً كبيراً لهم، فإنه تركه لم يحطمه، وعلق الفأس في عنقه ليحتج به عليهم إن فطنوا به، وهو صنم كبير في الصورة. وقيل: هو أكبرها عندهم، لا أكبرها في صورته. * * وقوله: ﴿لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ﴾. أي: لعلهم يؤمنون به إذا رأوها مكسرة لم تدفع عن أنفسها ضر من أرادها، ولم يدفع عنها كبيرها شيئاً. قال السدي: "قال أبو إبراهيم له، إن لنا عيداً لو خرجت معنا، والله قد أعجبك ديننا. فلما كان يوم العيد خرجوا إليه، معهم إبراهيم فلما كان ببعض الطريق، ألقى نفسه وقال: إني سقيم أشتكي رجلي وهو صريع. فلما مضوا، نادى في آخرهم وقد بقي ضعفاء الناس ﴿وَتَٱللَّهِ لأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَن تُوَلُّواْ مُدْبِرِينَ﴾ فسمعوها منه. ثم رجع إبراهيم إلى بيت الآلهة، فإذا هن في بهو عظيم، مستقبل باب البهو صنم عظيم إلى جنبه أصغر منه، بعضها إلى جنب بعض يليه أصغر منه حتى بلغوا باب البهو، وإذا هم قد جعلوا طعاماً فوضعوه بين يدي الآلهة. قالوا: إذا كان حين نرجع، رجعنا وقد باركت الآلهة في طعامنا، فأكلنا. فلما نظر إليها إبراهيم، وإلى ما بين أيديها من الطعام. قال: ﴿فَقَالَ أَلا تَأْكُلُونَ﴾. فلم تجبه. فقال: ﴿مَا لَكُمْ لاَ تَنطِقُونَ﴾ فأخرج حديدة فنقر كل صنم في حافتيه، ثم علق الفأس في عنق الصنم الأكبر، ثم خرج، فلما رجعوا، قالوا: ﴿قَالُواْ مَن فَعَلَ هَـٰذَا بِآلِهَتِنَآ إِنَّهُ لَمِنَ ٱلظَّالِمِينَ﴾. "والجذاذ" بالضم جمع جذاذة، كزجاجة وزجاج. وقيل: هو مصدر كالحطام والرفات. ومن كسر جعله جمع جذيذ وجذيذ معدول عن مجذود كجريح بمعنى مجروح، فيكون ككبير وكبار وصغير وصغار وثقيل وثقال. وقال قطرب: هو مصدر ضم أو كسر أو فتح، وهي لغات فيه بمعنى والجذاذ. أي: الحطام والفتات، ومنه الجذيذة.

الأنبياء 21:60

قوله تعالى: ﴿قَالُواْ سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ﴾ إلى قوله: ﴿فَجَعَلْنَاهُمُ ٱلأَخْسَرِينَ﴾. أي: قال الذين سمعوه [حين] قال: ﴿وَتَٱللَّهِ لأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَن تُوَلُّواْ مُدْبِرِينَ﴾، ﴿سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ﴾ أي: يذكرهم بسوء. وقيل: يذكرهم: يسبهم ويعيبهم. ﴿يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ﴾ أي: يقال له يا إبراهيم. وقيل: التقدير: يقال له: هو إبراهيم، أو المعروف به إبراهيم: ﴿قَالُواْ فَأْتُواْ بِهِ عَلَىٰ أَعْيُنِ ٱلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ﴾. أي: قال بعضهم لبعض: فجيئوا به على رؤوس الناس لعلهم يشهدون عليه أنه هو الذي فعل هذا. قال قتادة: كرهوا أن يأخذوه بغير بينة. وقيل: معناه: لعلهم يعاينون العقوبة التي تختص به. * * ثم قال: ﴿قَالُوۤاْ أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَـٰذَا بِآلِهَتِنَا يٰإِبْرَاهِيمُ﴾. في الكلام حذف والتقدير: فأتوا به، فلما أتوا قالوا: أأنت فعلت هذا بآلهتنا يا إبراهيم قال لهم: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَـٰذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِن كَانُواْ يِنْطِقُونَ﴾ إنه غضب من أن تعبد معه هذه الصغار، وهو أكبر منها فكسرها. وقيل: التقدير: بل فعله كبيرهم هذا، إن كانوا ينطقون فاسألوهم. أي: إن كانت الآلهة المكسرة تنطق، فإن كبيرهم هو الذي كسرهم غضباً أن تعبد معه وهو كبيرهم. وقد أتت الأخبار عن النبي ﷺ أنه قال: إن إبراهيم عليه السلام لم يكذب إلا ثلاث كذبات كلها في الله. قوله تعالى: بل فعله كبيرهم هذا. وقوله: "إني سقيم" وقوله في سارة: "إنها أختي" وهذا عند أهل العلم غير مكروه، لأنه يجوز أن يكون الله تعالى أذن له في ذلك كما أذن ليوسف أن يقول مؤذنه لأخوته "إنكم لسارقون" ولم يكونوا سرقوا شيئاً. وقد خرجَّ العلماء لإبراهيم عليه السلام في هذه الأشياء الثلاثة وجوهاً تخرج إلى غير الكذب. فسارة أخته في الدين، وقوله: "إني سقيم" معناه: مغتم بضلالكم حتى أنا كالسقيم. وقيل معناه: إني سقيم عندكم. وقيل: يجوز أن يكون ناله من ذلك الوقت مرض. وقيل: معناه: إني سأسقم، لأن كل من كان مصيره إلى الموت، فلا بد من أن يسقم. وقيل: لا يكون الكاذب إلا الآثم، وما ليس فيه إثم، فليس بكذب. دل على ذلك قول الملكين ﴿بَغَىٰ بَعْضُنَا عَلَىٰ بَعْضٍ﴾ [ص: ٢٢] ولم يكونا خصمين ولا كان بغي ولكن عرضا بذلك لداود للقصة التي جرت له في المرأة التي تزوجها. وقال المبرد: معناه إذا كنا خصمين فبغى أحدنا على صاحبه فما الحكم؟. * * ثم قال تعالى: ﴿فَرَجَعُوۤاْ إِلَىٰ أَنفُسِهِمْ فَقَالُوۤاْ إِنَّكُمْ أَنتُمُ ٱلظَّالِمُونَ﴾. أي: ففكروا حين قال لهم إبراهيم، بل فعله كبيرهم هذا. ورجعوا إلى عقولهم ونظر بعضهم إلى بعض فقالوا إنكم أيها القوم الظالمون هذا الرجل في مسألتكم إياه وقِيلكم له" من فعل هذا بآلهتنا يا إبراهيم". فهذه آلهتكم حاضرة فاسألوها. * * ثم قال تعالى: ﴿ثُمَّ نُكِسُواْ عَلَىٰ رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَـٰؤُلاۤءِ يَنطِقُونَ﴾. أي: ثم [غلبوا] في الحجة واحتجوا على إبراهيم بما هو حجة له عليهم، فقالوا: لقد علمت ما هؤلاء الأصنام ينطقون. أي: لا تتكلم فتخبرنا من فعل بها هذا. وقال قتادة: "نكسوا عن رؤوسهم": "انقطعت حجتهم". يقال: نكس الرجل على رأسه إذا انقطعت حجته، كأنه طأطأ رأسه استحياء. وعن قتادة أيضاً أنه قال: "أدركت القوم حيرة سوء"، يعني: حين قال لهم إبراهيم: فاسألوهم إن كانوا ينطقون. وقيل: المعنى: نكسوا في الفتنة والشرك بعد المعرفة: قاله: ابن عباس والسدي فيكون معناه: ثم رجعوا كما عرفوا، وتيقنوا من حجة إبراهيم عليهم السلام. فقالوا: لقد علمت ما هؤلاء ينطقون. * * ثم قال تعالى: ﴿قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لاَ يَنفَعُكُمْ شَيْئاً وَلاَ يَضُرُّكُمْ﴾. أي: قال إبراهيم لقومه لما أقروا أن آلهتهم لا تنطق، أفتعبدون من دون الله ما لا ينفعكم شيئاً ولا يضركم، لأن من لا ينفع نفسه فيدفع عنها الضرر، فليس ينفع غيره. ثم قال لهم إبراهيم: ﴿أُفٍّ لَّكُمْ﴾. أي: قبحاً لكم، وشراً لكم وللآلهة التي تعبدون من دون الله، أفلا تعقلون خطأكم في عبادتكم ما لا ينفع ولا يضر، وترككم عبادة الذي بيده النفع والضر. وقد تقدم شرح أف في "سبحان". * * ثم قال تعالى: ﴿قَالُواْ حَرِّقُوهُ وَٱنصُرُوۤاْ آلِهَتَكُمْ إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ﴾. أي: قال بعضهم لبعض، حرقوا إبراهيم بالنار وانصروا آلهتكم إن كنتم ناصريها ولم تريدوا ترك عبادتها. رويَ أن الذي قاله: رجل من أكراد فارس. وروي أن الله تعالى ذِكْرُهُ خَسَفَ به الأرضَ، فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة. وقال ابن عمر: الذي أشار بذلك، رجل من أعراب فارس. وهم الكرد، فأعراب فارس يقال لهم الكرد. ثم قال تعالى ذكره: ﴿قُلْنَا يٰنَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلَٰماً عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ﴾. في الكلام حذف، والتقدير: فأوقدوا له ناراً وألْقوه فيها، فقلنا يا نار كوني برداً وسلاماً. قال السدي: حبسوه في بيت، وجمعوا له حطباً، حتى إن كانت المرأة لتمرض، فتقول: إن عافاني الله، لأجمعن حطباً لإبراهيم. فلما جمعوا وأكثروا، بنوا بنياناً وأوقدوا النار حتى أن الطير لتمر بها فتحترق من شدة وهجها وحرها. ثم عمدوا إلى إبراهيم ﷺ وشرَّف وكرَّم، فَرَفعوه على رأس البنيان، فرفع إبراهيم عليه السلام رأسه إلى السماء فقالت السماء والأرض والجبال والملائكة: ربنا إبراهيم يحرق فيك. فقال جل وعز: أنا أعلم به، وإن دعاكم فأغيثوه. وقال إبراهيم ﷺ حين رفع راسه إلى السماء: اللهم أنت الواحد في السماء وأنا الواحد في الأرض ليس في الأرض من يعبدك غيري حسبي الله ونعم الوكيل. فقذفوه في النار فناداها "يا نار كوني برداً وسلاماً على إبراهيم". فكان جبريل، هو الذي ناداها". وقال أرقم "إن إبراهيم عليه السلام حين جعلوا يوثقونه ليلقوه في النار قال: لا إله إلا أنت سبحانك رب العالمين، لك الحمد ولك الملك لا شريك لك". قال كعب: "ما انتفع أحد من أهل الأرض يومئذ بنار، ولا أحرقت النار يومئذ شيئاً إلا وثاق إبراهيم عليه السلام. قال ابن عباس: "لو لم يتبع بردها سلاماً لمات إبراهيم من بردها. فلم تبق يومئذ نار في الأرض. إلا طفئت ظنت أنها هي تعنى. فلما طفئت النار، نظروا إلى إبراهيم عليه السلام، فإذا هو ورجل آخر معه، وإذا رأس إبراهيم ﷺ في حجره يمسح عن وجهه العرق. وذكر أن ذلك الرجل هو ملك الظل. وأنزل الله تعالى ناراً فانتفع بها بنو آدم وأخرجوا إبراهيم ﷺ فأدخلوه على الملك نمرود ولم يكن قبل ذلك دخل عليه". قال كعب: ما أحرقت النار منه إلا وثاقه. وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: "لولا أنه قال: "وسلاماً" لقتله بردها". قال بكر بن عبد الله: لما أرادوا أن يلقوا إبراهيم في النار، قالت الخليقة: يا رب، خليلك يلقى في النار؟ فأذن لنا حتى ننصره. فقال الله عز وجل: هو خليلي، ليس لي خليل غيره. وأنا إلهه ليس له إله غيري، فإن استغاث بكم فأغيثوه. فجاء ملك القطر فقال: يا رب، إئذن لي فلأطفينها عنه. فقال الله عز وجل هو خليلي ليس لي خليل غيره، وأنا إلهه، ليس له إله غيري إن استغاث بك فأغثه. فقال الله عز وجل: ﴿قُلْنَا يٰنَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلَٰماً عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ﴾. فما أحرقت ذلك اليوم عراكاً. وقال قتادة: "كانت الدواب كلها تطفئ عن إبراهيم النار إلا الوزغ". وروي عن إبراهيم ﷺ أنه قال: ما كنت أياماً قط أنعم مني من الأيام التي كنت فيها في النار. ولما رفع عن إبراهيم الطبق ورآه والده يرشح جبينه، قال عند ذلك: نعم الرب ربك يا إبراهيم، فكان ذلك أحسن شيء قاله: أبو إبراهيم. قال: ألقي إبراهيم في النار وهو ابن ست عشرة سنة وذبح إسحاق هو ابن سبع سنين، وكان مذبحه من بيت إيليا على ميلين ولما علمت سارة بما أراد بإسحاق بطنت يومين وماتت في اليوم الثالث. وروى معتمر بن سليمان أن جبريل ﷺ لما جاء إبراهيم وهو يوثق ويقمط ليلقى في النار. قال يا إبراهيم: ألك حاجة؟ قال: أما إليك. فلا. ويروى أن إبراهيم كان في زمان نمرود، فلما كسر إبراهيم ﷺ أصنامهم كما قص الله علينا في كتابه بنى نمرود بناء طوله ثمانون ذراعاً في عرضه أربعون ذراعاً، وأوقد فيه النيران، ثم جعل إبراهيم في منجنيق فقذف به في النار، فقال الله جل ذكره للنار كوني برداً وسلاماً على إبراهيم فبردت ذلك اليوم، فلم ينتفع بها أحد. ولولا ما قال تعالى "وسلاماً" لآذت إبراهيم ببردها. وروي أن جبريل عليه السلام أتى إبراهيم وهو في المنجنيق، فقال يا إبراهيم، سلني حوائجك، إن كنت تريد أن أجعل الأرض عليهم عاليها سافلها فعلت. فقال إبراهيم عليه السلام: إني رفعت حوائجي إلى الله، ولست أسأل أحداً غيره. فقال جبريل ﷺ: لو كان ينبغي لله أن يتخذ خليلاً، لاتخذك خليلاً. فاتخذ الله إبراهيم خليلاً، فلما رمي إبراهيم في النار، أشرف نمرود ينظر إلى النار فرأى فيها عدة يذهبون ويجيئون، فدعا حاجبه، وفتح بابه، وأدخل عليه أشراف قومه فقال لهم: كم طرحتم في النار؟ فقالوا: إبراهيم وحده. قال فهو هذا معه عدة قد صار الجحيم عليهم مثل الأرض، فركب نمرود حتى أتى النار فصاح: يا إبراهيم، فقال إبراهيم: ما تشاء. قال: إنك لحي، قال نعم والحمد لله. قال: فمن هؤلاء النفر معك؟ قال: ملائكة ربي. قال: تقدر أن تخرج؟ قال: نعم. قال: فاخرج. فانفرج له الجحيم فخرج ﷺ وقد زاده الله جمالاً ونوراً. فقال نمرود: إنك لكريم على ربك. فقال إبراهيم: كذا هو لمن أطاعه. فقال نمرود: أتراني إن تقربت إليه بقربان يقبله مني؟ فقال إبراهيم: إنما يتقبل الله من المتقين. فذبح نمرود أربعة آلاف كبش. فأكل الناس منها حتى أكل الطير والسباع والهوام. ثم قال يا إبراهيم أرني جند ربك الذي تهددني بهم فقال إبراهيم ﷺ: اللهم أره أضعف جندك. فنزلت سحابة فقال إبراهيم: في هذه جند ربي فقال: أرنيهم. فانتشر منها بعوض فما برح نمرود حتى رأى عظام من حضر من أصحابه، وعظام خيلهم قد أكلتهم البعوض إلا العظام. ثم وقعت واحدة في شفة نمرود السفلى فصاح حتى أمر بها فقطعت، فارتفعت إلى شفته العليا، فاستغاث فقطعت، ثم دخلت في منخره، فما كان يهدأ ليلاً ولا نهاراً. وكان يضرب رأسه بمرزبة من حديد، فأقام في ذلك أربع مائة سنة. وقال الحسن: لما ألقي إبراهيم ﷺ في النار، لم يؤذه حرها، فقالوا: سحرها فما لها حر. ويروى أنهم بنوا له بنياناً ارتفاعه أربعون ذراعاً وطوله على وجه الأرض ثمانون ذراعاً، فأوقدوا فيه النار، ووضعوا إبراهيم عليه السلام في المنجنيق وألقوه في الجحيم، فقال الله تعالى للنار: كوني برداً وسلاماً على إبراهيم، ولو لم يقل تعالى ذكره "وسلاماً" لمات إبراهيم من البرد في وسط النار، فكان إبراهيم جالساً في النار على زرابية من الجنة. قال الحسن: فلما رأوه لا يؤذيه حرها، قالوا: سحرها. فقال لهم إبراهيم ﷺ: جربوها برجل منكم. فألقوا فيها رجلاً فأكلته. ويروى عنه أنه قال: لما أوثقوه ليلقوه في النار، قال: لا إله إلا أنت سبحانك رب العالمين لك الحمد ولك الملك لا شريك لك. وذكر الشعبي عن عبد الله بن عمر أنه قال: لما ألقي إبراهيم في البنيان والنار، قال حسبي الله ونعم الوكيل. فقال الله: يا نار كوني برداً وسلاماً على إبراهيم. وقال زيد بن أسلم: قال إبراهيم حين أرادوا أن يلقوه في النار: اللهم أنت إلهي، الواحد في السماء وأنا عبدك الواحد في الأرض حسبي الله ونعم الوكيل. فقال الله تعالى للنار: كوني برداً وسلاماً على إبراهيم. * * ثم قال: ﴿وَأَرَادُواْ بِهِ كَيْداً فَجَعَلْنَاهُمُ ٱلأَخْسَرِينَ﴾ أي: الهالكين.

الأنبياء 21:61

قوله تعالى: ﴿قَالُواْ سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ﴾ إلى قوله: ﴿فَجَعَلْنَاهُمُ ٱلأَخْسَرِينَ﴾. أي: قال الذين سمعوه [حين] قال: ﴿وَتَٱللَّهِ لأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَن تُوَلُّواْ مُدْبِرِينَ﴾، ﴿سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ﴾ أي: يذكرهم بسوء. وقيل: يذكرهم: يسبهم ويعيبهم. ﴿يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ﴾ أي: يقال له يا إبراهيم. وقيل: التقدير: يقال له: هو إبراهيم، أو المعروف به إبراهيم: ﴿قَالُواْ فَأْتُواْ بِهِ عَلَىٰ أَعْيُنِ ٱلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ﴾. أي: قال بعضهم لبعض: فجيئوا به على رؤوس الناس لعلهم يشهدون عليه أنه هو الذي فعل هذا. قال قتادة: كرهوا أن يأخذوه بغير بينة. وقيل: معناه: لعلهم يعاينون العقوبة التي تختص به. * * ثم قال: ﴿قَالُوۤاْ أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَـٰذَا بِآلِهَتِنَا يٰإِبْرَاهِيمُ﴾. في الكلام حذف والتقدير: فأتوا به، فلما أتوا قالوا: أأنت فعلت هذا بآلهتنا يا إبراهيم قال لهم: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَـٰذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِن كَانُواْ يِنْطِقُونَ﴾ إنه غضب من أن تعبد معه هذه الصغار، وهو أكبر منها فكسرها. وقيل: التقدير: بل فعله كبيرهم هذا، إن كانوا ينطقون فاسألوهم. أي: إن كانت الآلهة المكسرة تنطق، فإن كبيرهم هو الذي كسرهم غضباً أن تعبد معه وهو كبيرهم. وقد أتت الأخبار عن النبي ﷺ أنه قال: إن إبراهيم عليه السلام لم يكذب إلا ثلاث كذبات كلها في الله. قوله تعالى: بل فعله كبيرهم هذا. وقوله: "إني سقيم" وقوله في سارة: "إنها أختي" وهذا عند أهل العلم غير مكروه، لأنه يجوز أن يكون الله تعالى أذن له في ذلك كما أذن ليوسف أن يقول مؤذنه لأخوته "إنكم لسارقون" ولم يكونوا سرقوا شيئاً. وقد خرجَّ العلماء لإبراهيم عليه السلام في هذه الأشياء الثلاثة وجوهاً تخرج إلى غير الكذب. فسارة أخته في الدين، وقوله: "إني سقيم" معناه: مغتم بضلالكم حتى أنا كالسقيم. وقيل معناه: إني سقيم عندكم. وقيل: يجوز أن يكون ناله من ذلك الوقت مرض. وقيل: معناه: إني سأسقم، لأن كل من كان مصيره إلى الموت، فلا بد من أن يسقم. وقيل: لا يكون الكاذب إلا الآثم، وما ليس فيه إثم، فليس بكذب. دل على ذلك قول الملكين ﴿بَغَىٰ بَعْضُنَا عَلَىٰ بَعْضٍ﴾ [ص: ٢٢] ولم يكونا خصمين ولا كان بغي ولكن عرضا بذلك لداود للقصة التي جرت له في المرأة التي تزوجها. وقال المبرد: معناه إذا كنا خصمين فبغى أحدنا على صاحبه فما الحكم؟. * * ثم قال تعالى: ﴿فَرَجَعُوۤاْ إِلَىٰ أَنفُسِهِمْ فَقَالُوۤاْ إِنَّكُمْ أَنتُمُ ٱلظَّالِمُونَ﴾. أي: ففكروا حين قال لهم إبراهيم، بل فعله كبيرهم هذا. ورجعوا إلى عقولهم ونظر بعضهم إلى بعض فقالوا إنكم أيها القوم الظالمون هذا الرجل في مسألتكم إياه وقِيلكم له" من فعل هذا بآلهتنا يا إبراهيم". فهذه آلهتكم حاضرة فاسألوها. * * ثم قال تعالى: ﴿ثُمَّ نُكِسُواْ عَلَىٰ رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَـٰؤُلاۤءِ يَنطِقُونَ﴾. أي: ثم [غلبوا] في الحجة واحتجوا على إبراهيم بما هو حجة له عليهم، فقالوا: لقد علمت ما هؤلاء الأصنام ينطقون. أي: لا تتكلم فتخبرنا من فعل بها هذا. وقال قتادة: "نكسوا عن رؤوسهم": "انقطعت حجتهم". يقال: نكس الرجل على رأسه إذا انقطعت حجته، كأنه طأطأ رأسه استحياء. وعن قتادة أيضاً أنه قال: "أدركت القوم حيرة سوء"، يعني: حين قال لهم إبراهيم: فاسألوهم إن كانوا ينطقون. وقيل: المعنى: نكسوا في الفتنة والشرك بعد المعرفة: قاله: ابن عباس والسدي فيكون معناه: ثم رجعوا كما عرفوا، وتيقنوا من حجة إبراهيم عليهم السلام. فقالوا: لقد علمت ما هؤلاء ينطقون. * * ثم قال تعالى: ﴿قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لاَ يَنفَعُكُمْ شَيْئاً وَلاَ يَضُرُّكُمْ﴾. أي: قال إبراهيم لقومه لما أقروا أن آلهتهم لا تنطق، أفتعبدون من دون الله ما لا ينفعكم شيئاً ولا يضركم، لأن من لا ينفع نفسه فيدفع عنها الضرر، فليس ينفع غيره. ثم قال لهم إبراهيم: ﴿أُفٍّ لَّكُمْ﴾. أي: قبحاً لكم، وشراً لكم وللآلهة التي تعبدون من دون الله، أفلا تعقلون خطأكم في عبادتكم ما لا ينفع ولا يضر، وترككم عبادة الذي بيده النفع والضر. وقد تقدم شرح أف في "سبحان". * * ثم قال تعالى: ﴿قَالُواْ حَرِّقُوهُ وَٱنصُرُوۤاْ آلِهَتَكُمْ إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ﴾. أي: قال بعضهم لبعض، حرقوا إبراهيم بالنار وانصروا آلهتكم إن كنتم ناصريها ولم تريدوا ترك عبادتها. رويَ أن الذي قاله: رجل من أكراد فارس. وروي أن الله تعالى ذِكْرُهُ خَسَفَ به الأرضَ، فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة. وقال ابن عمر: الذي أشار بذلك، رجل من أعراب فارس. وهم الكرد، فأعراب فارس يقال لهم الكرد. ثم قال تعالى ذكره: ﴿قُلْنَا يٰنَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلَٰماً عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ﴾. في الكلام حذف، والتقدير: فأوقدوا له ناراً وألْقوه فيها، فقلنا يا نار كوني برداً وسلاماً. قال السدي: حبسوه في بيت، وجمعوا له حطباً، حتى إن كانت المرأة لتمرض، فتقول: إن عافاني الله، لأجمعن حطباً لإبراهيم. فلما جمعوا وأكثروا، بنوا بنياناً وأوقدوا النار حتى أن الطير لتمر بها فتحترق من شدة وهجها وحرها. ثم عمدوا إلى إبراهيم ﷺ وشرَّف وكرَّم، فَرَفعوه على رأس البنيان، فرفع إبراهيم عليه السلام رأسه إلى السماء فقالت السماء والأرض والجبال والملائكة: ربنا إبراهيم يحرق فيك. فقال جل وعز: أنا أعلم به، وإن دعاكم فأغيثوه. وقال إبراهيم ﷺ حين رفع راسه إلى السماء: اللهم أنت الواحد في السماء وأنا الواحد في الأرض ليس في الأرض من يعبدك غيري حسبي الله ونعم الوكيل. فقذفوه في النار فناداها "يا نار كوني برداً وسلاماً على إبراهيم". فكان جبريل، هو الذي ناداها". وقال أرقم "إن إبراهيم عليه السلام حين جعلوا يوثقونه ليلقوه في النار قال: لا إله إلا أنت سبحانك رب العالمين، لك الحمد ولك الملك لا شريك لك". قال كعب: "ما انتفع أحد من أهل الأرض يومئذ بنار، ولا أحرقت النار يومئذ شيئاً إلا وثاق إبراهيم عليه السلام. قال ابن عباس: "لو لم يتبع بردها سلاماً لمات إبراهيم من بردها. فلم تبق يومئذ نار في الأرض. إلا طفئت ظنت أنها هي تعنى. فلما طفئت النار، نظروا إلى إبراهيم عليه السلام، فإذا هو ورجل آخر معه، وإذا رأس إبراهيم ﷺ في حجره يمسح عن وجهه العرق. وذكر أن ذلك الرجل هو ملك الظل. وأنزل الله تعالى ناراً فانتفع بها بنو آدم وأخرجوا إبراهيم ﷺ فأدخلوه على الملك نمرود ولم يكن قبل ذلك دخل عليه". قال كعب: ما أحرقت النار منه إلا وثاقه. وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: "لولا أنه قال: "وسلاماً" لقتله بردها". قال بكر بن عبد الله: لما أرادوا أن يلقوا إبراهيم في النار، قالت الخليقة: يا رب، خليلك يلقى في النار؟ فأذن لنا حتى ننصره. فقال الله عز وجل: هو خليلي، ليس لي خليل غيره. وأنا إلهه ليس له إله غيري، فإن استغاث بكم فأغيثوه. فجاء ملك القطر فقال: يا رب، إئذن لي فلأطفينها عنه. فقال الله عز وجل هو خليلي ليس لي خليل غيره، وأنا إلهه، ليس له إله غيري إن استغاث بك فأغثه. فقال الله عز وجل: ﴿قُلْنَا يٰنَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلَٰماً عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ﴾. فما أحرقت ذلك اليوم عراكاً. وقال قتادة: "كانت الدواب كلها تطفئ عن إبراهيم النار إلا الوزغ". وروي عن إبراهيم ﷺ أنه قال: ما كنت أياماً قط أنعم مني من الأيام التي كنت فيها في النار. ولما رفع عن إبراهيم الطبق ورآه والده يرشح جبينه، قال عند ذلك: نعم الرب ربك يا إبراهيم، فكان ذلك أحسن شيء قاله: أبو إبراهيم. قال: ألقي إبراهيم في النار وهو ابن ست عشرة سنة وذبح إسحاق هو ابن سبع سنين، وكان مذبحه من بيت إيليا على ميلين ولما علمت سارة بما أراد بإسحاق بطنت يومين وماتت في اليوم الثالث. وروى معتمر بن سليمان أن جبريل ﷺ لما جاء إبراهيم وهو يوثق ويقمط ليلقى في النار. قال يا إبراهيم: ألك حاجة؟ قال: أما إليك. فلا. ويروى أن إبراهيم كان في زمان نمرود، فلما كسر إبراهيم ﷺ أصنامهم كما قص الله علينا في كتابه بنى نمرود بناء طوله ثمانون ذراعاً في عرضه أربعون ذراعاً، وأوقد فيه النيران، ثم جعل إبراهيم في منجنيق فقذف به في النار، فقال الله جل ذكره للنار كوني برداً وسلاماً على إبراهيم فبردت ذلك اليوم، فلم ينتفع بها أحد. ولولا ما قال تعالى "وسلاماً" لآذت إبراهيم ببردها. وروي أن جبريل عليه السلام أتى إبراهيم وهو في المنجنيق، فقال يا إبراهيم، سلني حوائجك، إن كنت تريد أن أجعل الأرض عليهم عاليها سافلها فعلت. فقال إبراهيم عليه السلام: إني رفعت حوائجي إلى الله، ولست أسأل أحداً غيره. فقال جبريل ﷺ: لو كان ينبغي لله أن يتخذ خليلاً، لاتخذك خليلاً. فاتخذ الله إبراهيم خليلاً، فلما رمي إبراهيم في النار، أشرف نمرود ينظر إلى النار فرأى فيها عدة يذهبون ويجيئون، فدعا حاجبه، وفتح بابه، وأدخل عليه أشراف قومه فقال لهم: كم طرحتم في النار؟ فقالوا: إبراهيم وحده. قال فهو هذا معه عدة قد صار الجحيم عليهم مثل الأرض، فركب نمرود حتى أتى النار فصاح: يا إبراهيم، فقال إبراهيم: ما تشاء. قال: إنك لحي، قال نعم والحمد لله. قال: فمن هؤلاء النفر معك؟ قال: ملائكة ربي. قال: تقدر أن تخرج؟ قال: نعم. قال: فاخرج. فانفرج له الجحيم فخرج ﷺ وقد زاده الله جمالاً ونوراً. فقال نمرود: إنك لكريم على ربك. فقال إبراهيم: كذا هو لمن أطاعه. فقال نمرود: أتراني إن تقربت إليه بقربان يقبله مني؟ فقال إبراهيم: إنما يتقبل الله من المتقين. فذبح نمرود أربعة آلاف كبش. فأكل الناس منها حتى أكل الطير والسباع والهوام. ثم قال يا إبراهيم أرني جند ربك الذي تهددني بهم فقال إبراهيم ﷺ: اللهم أره أضعف جندك. فنزلت سحابة فقال إبراهيم: في هذه جند ربي فقال: أرنيهم. فانتشر منها بعوض فما برح نمرود حتى رأى عظام من حضر من أصحابه، وعظام خيلهم قد أكلتهم البعوض إلا العظام. ثم وقعت واحدة في شفة نمرود السفلى فصاح حتى أمر بها فقطعت، فارتفعت إلى شفته العليا، فاستغاث فقطعت، ثم دخلت في منخره، فما كان يهدأ ليلاً ولا نهاراً. وكان يضرب رأسه بمرزبة من حديد، فأقام في ذلك أربع مائة سنة. وقال الحسن: لما ألقي إبراهيم ﷺ في النار، لم يؤذه حرها، فقالوا: سحرها فما لها حر. ويروى أنهم بنوا له بنياناً ارتفاعه أربعون ذراعاً وطوله على وجه الأرض ثمانون ذراعاً، فأوقدوا فيه النار، ووضعوا إبراهيم عليه السلام في المنجنيق وألقوه في الجحيم، فقال الله تعالى للنار: كوني برداً وسلاماً على إبراهيم، ولو لم يقل تعالى ذكره "وسلاماً" لمات إبراهيم من البرد في وسط النار، فكان إبراهيم جالساً في النار على زرابية من الجنة. قال الحسن: فلما رأوه لا يؤذيه حرها، قالوا: سحرها. فقال لهم إبراهيم ﷺ: جربوها برجل منكم. فألقوا فيها رجلاً فأكلته. ويروى عنه أنه قال: لما أوثقوه ليلقوه في النار، قال: لا إله إلا أنت سبحانك رب العالمين لك الحمد ولك الملك لا شريك لك. وذكر الشعبي عن عبد الله بن عمر أنه قال: لما ألقي إبراهيم في البنيان والنار، قال حسبي الله ونعم الوكيل. فقال الله: يا نار كوني برداً وسلاماً على إبراهيم. وقال زيد بن أسلم: قال إبراهيم حين أرادوا أن يلقوه في النار: اللهم أنت إلهي، الواحد في السماء وأنا عبدك الواحد في الأرض حسبي الله ونعم الوكيل. فقال الله تعالى للنار: كوني برداً وسلاماً على إبراهيم. * * ثم قال: ﴿وَأَرَادُواْ بِهِ كَيْداً فَجَعَلْنَاهُمُ ٱلأَخْسَرِينَ﴾ أي: الهالكين.

الأنبياء 21:62

قوله تعالى: ﴿قَالُواْ سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ﴾ إلى قوله: ﴿فَجَعَلْنَاهُمُ ٱلأَخْسَرِينَ﴾. أي: قال الذين سمعوه [حين] قال: ﴿وَتَٱللَّهِ لأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَن تُوَلُّواْ مُدْبِرِينَ﴾، ﴿سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ﴾ أي: يذكرهم بسوء. وقيل: يذكرهم: يسبهم ويعيبهم. ﴿يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ﴾ أي: يقال له يا إبراهيم. وقيل: التقدير: يقال له: هو إبراهيم، أو المعروف به إبراهيم: ﴿قَالُواْ فَأْتُواْ بِهِ عَلَىٰ أَعْيُنِ ٱلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ﴾. أي: قال بعضهم لبعض: فجيئوا به على رؤوس الناس لعلهم يشهدون عليه أنه هو الذي فعل هذا. قال قتادة: كرهوا أن يأخذوه بغير بينة. وقيل: معناه: لعلهم يعاينون العقوبة التي تختص به. * * ثم قال: ﴿قَالُوۤاْ أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَـٰذَا بِآلِهَتِنَا يٰإِبْرَاهِيمُ﴾. في الكلام حذف والتقدير: فأتوا به، فلما أتوا قالوا: أأنت فعلت هذا بآلهتنا يا إبراهيم قال لهم: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَـٰذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِن كَانُواْ يِنْطِقُونَ﴾ إنه غضب من أن تعبد معه هذه الصغار، وهو أكبر منها فكسرها. وقيل: التقدير: بل فعله كبيرهم هذا، إن كانوا ينطقون فاسألوهم. أي: إن كانت الآلهة المكسرة تنطق، فإن كبيرهم هو الذي كسرهم غضباً أن تعبد معه وهو كبيرهم. وقد أتت الأخبار عن النبي ﷺ أنه قال: إن إبراهيم عليه السلام لم يكذب إلا ثلاث كذبات كلها في الله. قوله تعالى: بل فعله كبيرهم هذا. وقوله: "إني سقيم" وقوله في سارة: "إنها أختي" وهذا عند أهل العلم غير مكروه، لأنه يجوز أن يكون الله تعالى أذن له في ذلك كما أذن ليوسف أن يقول مؤذنه لأخوته "إنكم لسارقون" ولم يكونوا سرقوا شيئاً. وقد خرجَّ العلماء لإبراهيم عليه السلام في هذه الأشياء الثلاثة وجوهاً تخرج إلى غير الكذب. فسارة أخته في الدين، وقوله: "إني سقيم" معناه: مغتم بضلالكم حتى أنا كالسقيم. وقيل معناه: إني سقيم عندكم. وقيل: يجوز أن يكون ناله من ذلك الوقت مرض. وقيل: معناه: إني سأسقم، لأن كل من كان مصيره إلى الموت، فلا بد من أن يسقم. وقيل: لا يكون الكاذب إلا الآثم، وما ليس فيه إثم، فليس بكذب. دل على ذلك قول الملكين ﴿بَغَىٰ بَعْضُنَا عَلَىٰ بَعْضٍ﴾ [ص: ٢٢] ولم يكونا خصمين ولا كان بغي ولكن عرضا بذلك لداود للقصة التي جرت له في المرأة التي تزوجها. وقال المبرد: معناه إذا كنا خصمين فبغى أحدنا على صاحبه فما الحكم؟. * * ثم قال تعالى: ﴿فَرَجَعُوۤاْ إِلَىٰ أَنفُسِهِمْ فَقَالُوۤاْ إِنَّكُمْ أَنتُمُ ٱلظَّالِمُونَ﴾. أي: ففكروا حين قال لهم إبراهيم، بل فعله كبيرهم هذا. ورجعوا إلى عقولهم ونظر بعضهم إلى بعض فقالوا إنكم أيها القوم الظالمون هذا الرجل في مسألتكم إياه وقِيلكم له" من فعل هذا بآلهتنا يا إبراهيم". فهذه آلهتكم حاضرة فاسألوها. * * ثم قال تعالى: ﴿ثُمَّ نُكِسُواْ عَلَىٰ رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَـٰؤُلاۤءِ يَنطِقُونَ﴾. أي: ثم [غلبوا] في الحجة واحتجوا على إبراهيم بما هو حجة له عليهم، فقالوا: لقد علمت ما هؤلاء الأصنام ينطقون. أي: لا تتكلم فتخبرنا من فعل بها هذا. وقال قتادة: "نكسوا عن رؤوسهم": "انقطعت حجتهم". يقال: نكس الرجل على رأسه إذا انقطعت حجته، كأنه طأطأ رأسه استحياء. وعن قتادة أيضاً أنه قال: "أدركت القوم حيرة سوء"، يعني: حين قال لهم إبراهيم: فاسألوهم إن كانوا ينطقون. وقيل: المعنى: نكسوا في الفتنة والشرك بعد المعرفة: قاله: ابن عباس والسدي فيكون معناه: ثم رجعوا كما عرفوا، وتيقنوا من حجة إبراهيم عليهم السلام. فقالوا: لقد علمت ما هؤلاء ينطقون. * * ثم قال تعالى: ﴿قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لاَ يَنفَعُكُمْ شَيْئاً وَلاَ يَضُرُّكُمْ﴾. أي: قال إبراهيم لقومه لما أقروا أن آلهتهم لا تنطق، أفتعبدون من دون الله ما لا ينفعكم شيئاً ولا يضركم، لأن من لا ينفع نفسه فيدفع عنها الضرر، فليس ينفع غيره. ثم قال لهم إبراهيم: ﴿أُفٍّ لَّكُمْ﴾. أي: قبحاً لكم، وشراً لكم وللآلهة التي تعبدون من دون الله، أفلا تعقلون خطأكم في عبادتكم ما لا ينفع ولا يضر، وترككم عبادة الذي بيده النفع والضر. وقد تقدم شرح أف في "سبحان". * * ثم قال تعالى: ﴿قَالُواْ حَرِّقُوهُ وَٱنصُرُوۤاْ آلِهَتَكُمْ إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ﴾. أي: قال بعضهم لبعض، حرقوا إبراهيم بالنار وانصروا آلهتكم إن كنتم ناصريها ولم تريدوا ترك عبادتها. رويَ أن الذي قاله: رجل من أكراد فارس. وروي أن الله تعالى ذِكْرُهُ خَسَفَ به الأرضَ، فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة. وقال ابن عمر: الذي أشار بذلك، رجل من أعراب فارس. وهم الكرد، فأعراب فارس يقال لهم الكرد. ثم قال تعالى ذكره: ﴿قُلْنَا يٰنَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلَٰماً عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ﴾. في الكلام حذف، والتقدير: فأوقدوا له ناراً وألْقوه فيها، فقلنا يا نار كوني برداً وسلاماً. قال السدي: حبسوه في بيت، وجمعوا له حطباً، حتى إن كانت المرأة لتمرض، فتقول: إن عافاني الله، لأجمعن حطباً لإبراهيم. فلما جمعوا وأكثروا، بنوا بنياناً وأوقدوا النار حتى أن الطير لتمر بها فتحترق من شدة وهجها وحرها. ثم عمدوا إلى إبراهيم ﷺ وشرَّف وكرَّم، فَرَفعوه على رأس البنيان، فرفع إبراهيم عليه السلام رأسه إلى السماء فقالت السماء والأرض والجبال والملائكة: ربنا إبراهيم يحرق فيك. فقال جل وعز: أنا أعلم به، وإن دعاكم فأغيثوه. وقال إبراهيم ﷺ حين رفع راسه إلى السماء: اللهم أنت الواحد في السماء وأنا الواحد في الأرض ليس في الأرض من يعبدك غيري حسبي الله ونعم الوكيل. فقذفوه في النار فناداها "يا نار كوني برداً وسلاماً على إبراهيم". فكان جبريل، هو الذي ناداها". وقال أرقم "إن إبراهيم عليه السلام حين جعلوا يوثقونه ليلقوه في النار قال: لا إله إلا أنت سبحانك رب العالمين، لك الحمد ولك الملك لا شريك لك". قال كعب: "ما انتفع أحد من أهل الأرض يومئذ بنار، ولا أحرقت النار يومئذ شيئاً إلا وثاق إبراهيم عليه السلام. قال ابن عباس: "لو لم يتبع بردها سلاماً لمات إبراهيم من بردها. فلم تبق يومئذ نار في الأرض. إلا طفئت ظنت أنها هي تعنى. فلما طفئت النار، نظروا إلى إبراهيم عليه السلام، فإذا هو ورجل آخر معه، وإذا رأس إبراهيم ﷺ في حجره يمسح عن وجهه العرق. وذكر أن ذلك الرجل هو ملك الظل. وأنزل الله تعالى ناراً فانتفع بها بنو آدم وأخرجوا إبراهيم ﷺ فأدخلوه على الملك نمرود ولم يكن قبل ذلك دخل عليه". قال كعب: ما أحرقت النار منه إلا وثاقه. وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: "لولا أنه قال: "وسلاماً" لقتله بردها". قال بكر بن عبد الله: لما أرادوا أن يلقوا إبراهيم في النار، قالت الخليقة: يا رب، خليلك يلقى في النار؟ فأذن لنا حتى ننصره. فقال الله عز وجل: هو خليلي، ليس لي خليل غيره. وأنا إلهه ليس له إله غيري، فإن استغاث بكم فأغيثوه. فجاء ملك القطر فقال: يا رب، إئذن لي فلأطفينها عنه. فقال الله عز وجل هو خليلي ليس لي خليل غيره، وأنا إلهه، ليس له إله غيري إن استغاث بك فأغثه. فقال الله عز وجل: ﴿قُلْنَا يٰنَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلَٰماً عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ﴾. فما أحرقت ذلك اليوم عراكاً. وقال قتادة: "كانت الدواب كلها تطفئ عن إبراهيم النار إلا الوزغ". وروي عن إبراهيم ﷺ أنه قال: ما كنت أياماً قط أنعم مني من الأيام التي كنت فيها في النار. ولما رفع عن إبراهيم الطبق ورآه والده يرشح جبينه، قال عند ذلك: نعم الرب ربك يا إبراهيم، فكان ذلك أحسن شيء قاله: أبو إبراهيم. قال: ألقي إبراهيم في النار وهو ابن ست عشرة سنة وذبح إسحاق هو ابن سبع سنين، وكان مذبحه من بيت إيليا على ميلين ولما علمت سارة بما أراد بإسحاق بطنت يومين وماتت في اليوم الثالث. وروى معتمر بن سليمان أن جبريل ﷺ لما جاء إبراهيم وهو يوثق ويقمط ليلقى في النار. قال يا إبراهيم: ألك حاجة؟ قال: أما إليك. فلا. ويروى أن إبراهيم كان في زمان نمرود، فلما كسر إبراهيم ﷺ أصنامهم كما قص الله علينا في كتابه بنى نمرود بناء طوله ثمانون ذراعاً في عرضه أربعون ذراعاً، وأوقد فيه النيران، ثم جعل إبراهيم في منجنيق فقذف به في النار، فقال الله جل ذكره للنار كوني برداً وسلاماً على إبراهيم فبردت ذلك اليوم، فلم ينتفع بها أحد. ولولا ما قال تعالى "وسلاماً" لآذت إبراهيم ببردها. وروي أن جبريل عليه السلام أتى إبراهيم وهو في المنجنيق، فقال يا إبراهيم، سلني حوائجك، إن كنت تريد أن أجعل الأرض عليهم عاليها سافلها فعلت. فقال إبراهيم عليه السلام: إني رفعت حوائجي إلى الله، ولست أسأل أحداً غيره. فقال جبريل ﷺ: لو كان ينبغي لله أن يتخذ خليلاً، لاتخذك خليلاً. فاتخذ الله إبراهيم خليلاً، فلما رمي إبراهيم في النار، أشرف نمرود ينظر إلى النار فرأى فيها عدة يذهبون ويجيئون، فدعا حاجبه، وفتح بابه، وأدخل عليه أشراف قومه فقال لهم: كم طرحتم في النار؟ فقالوا: إبراهيم وحده. قال فهو هذا معه عدة قد صار الجحيم عليهم مثل الأرض، فركب نمرود حتى أتى النار فصاح: يا إبراهيم، فقال إبراهيم: ما تشاء. قال: إنك لحي، قال نعم والحمد لله. قال: فمن هؤلاء النفر معك؟ قال: ملائكة ربي. قال: تقدر أن تخرج؟ قال: نعم. قال: فاخرج. فانفرج له الجحيم فخرج ﷺ وقد زاده الله جمالاً ونوراً. فقال نمرود: إنك لكريم على ربك. فقال إبراهيم: كذا هو لمن أطاعه. فقال نمرود: أتراني إن تقربت إليه بقربان يقبله مني؟ فقال إبراهيم: إنما يتقبل الله من المتقين. فذبح نمرود أربعة آلاف كبش. فأكل الناس منها حتى أكل الطير والسباع والهوام. ثم قال يا إبراهيم أرني جند ربك الذي تهددني بهم فقال إبراهيم ﷺ: اللهم أره أضعف جندك. فنزلت سحابة فقال إبراهيم: في هذه جند ربي فقال: أرنيهم. فانتشر منها بعوض فما برح نمرود حتى رأى عظام من حضر من أصحابه، وعظام خيلهم قد أكلتهم البعوض إلا العظام. ثم وقعت واحدة في شفة نمرود السفلى فصاح حتى أمر بها فقطعت، فارتفعت إلى شفته العليا، فاستغاث فقطعت، ثم دخلت في منخره، فما كان يهدأ ليلاً ولا نهاراً. وكان يضرب رأسه بمرزبة من حديد، فأقام في ذلك أربع مائة سنة. وقال الحسن: لما ألقي إبراهيم ﷺ في النار، لم يؤذه حرها، فقالوا: سحرها فما لها حر. ويروى أنهم بنوا له بنياناً ارتفاعه أربعون ذراعاً وطوله على وجه الأرض ثمانون ذراعاً، فأوقدوا فيه النار، ووضعوا إبراهيم عليه السلام في المنجنيق وألقوه في الجحيم، فقال الله تعالى للنار: كوني برداً وسلاماً على إبراهيم، ولو لم يقل تعالى ذكره "وسلاماً" لمات إبراهيم من البرد في وسط النار، فكان إبراهيم جالساً في النار على زرابية من الجنة. قال الحسن: فلما رأوه لا يؤذيه حرها، قالوا: سحرها. فقال لهم إبراهيم ﷺ: جربوها برجل منكم. فألقوا فيها رجلاً فأكلته. ويروى عنه أنه قال: لما أوثقوه ليلقوه في النار، قال: لا إله إلا أنت سبحانك رب العالمين لك الحمد ولك الملك لا شريك لك. وذكر الشعبي عن عبد الله بن عمر أنه قال: لما ألقي إبراهيم في البنيان والنار، قال حسبي الله ونعم الوكيل. فقال الله: يا نار كوني برداً وسلاماً على إبراهيم. وقال زيد بن أسلم: قال إبراهيم حين أرادوا أن يلقوه في النار: اللهم أنت إلهي، الواحد في السماء وأنا عبدك الواحد في الأرض حسبي الله ونعم الوكيل. فقال الله تعالى للنار: كوني برداً وسلاماً على إبراهيم. * * ثم قال: ﴿وَأَرَادُواْ بِهِ كَيْداً فَجَعَلْنَاهُمُ ٱلأَخْسَرِينَ﴾ أي: الهالكين.

الأنبياء 21:63

قوله تعالى: ﴿قَالُواْ سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ﴾ إلى قوله: ﴿فَجَعَلْنَاهُمُ ٱلأَخْسَرِينَ﴾. أي: قال الذين سمعوه [حين] قال: ﴿وَتَٱللَّهِ لأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَن تُوَلُّواْ مُدْبِرِينَ﴾، ﴿سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ﴾ أي: يذكرهم بسوء. وقيل: يذكرهم: يسبهم ويعيبهم. ﴿يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ﴾ أي: يقال له يا إبراهيم. وقيل: التقدير: يقال له: هو إبراهيم، أو المعروف به إبراهيم: ﴿قَالُواْ فَأْتُواْ بِهِ عَلَىٰ أَعْيُنِ ٱلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ﴾. أي: قال بعضهم لبعض: فجيئوا به على رؤوس الناس لعلهم يشهدون عليه أنه هو الذي فعل هذا. قال قتادة: كرهوا أن يأخذوه بغير بينة. وقيل: معناه: لعلهم يعاينون العقوبة التي تختص به. * * ثم قال: ﴿قَالُوۤاْ أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَـٰذَا بِآلِهَتِنَا يٰإِبْرَاهِيمُ﴾. في الكلام حذف والتقدير: فأتوا به، فلما أتوا قالوا: أأنت فعلت هذا بآلهتنا يا إبراهيم قال لهم: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَـٰذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِن كَانُواْ يِنْطِقُونَ﴾ إنه غضب من أن تعبد معه هذه الصغار، وهو أكبر منها فكسرها. وقيل: التقدير: بل فعله كبيرهم هذا، إن كانوا ينطقون فاسألوهم. أي: إن كانت الآلهة المكسرة تنطق، فإن كبيرهم هو الذي كسرهم غضباً أن تعبد معه وهو كبيرهم. وقد أتت الأخبار عن النبي ﷺ أنه قال: إن إبراهيم عليه السلام لم يكذب إلا ثلاث كذبات كلها في الله. قوله تعالى: بل فعله كبيرهم هذا. وقوله: "إني سقيم" وقوله في سارة: "إنها أختي" وهذا عند أهل العلم غير مكروه، لأنه يجوز أن يكون الله تعالى أذن له في ذلك كما أذن ليوسف أن يقول مؤذنه لأخوته "إنكم لسارقون" ولم يكونوا سرقوا شيئاً. وقد خرجَّ العلماء لإبراهيم عليه السلام في هذه الأشياء الثلاثة وجوهاً تخرج إلى غير الكذب. فسارة أخته في الدين، وقوله: "إني سقيم" معناه: مغتم بضلالكم حتى أنا كالسقيم. وقيل معناه: إني سقيم عندكم. وقيل: يجوز أن يكون ناله من ذلك الوقت مرض. وقيل: معناه: إني سأسقم، لأن كل من كان مصيره إلى الموت، فلا بد من أن يسقم. وقيل: لا يكون الكاذب إلا الآثم، وما ليس فيه إثم، فليس بكذب. دل على ذلك قول الملكين ﴿بَغَىٰ بَعْضُنَا عَلَىٰ بَعْضٍ﴾ [ص: ٢٢] ولم يكونا خصمين ولا كان بغي ولكن عرضا بذلك لداود للقصة التي جرت له في المرأة التي تزوجها. وقال المبرد: معناه إذا كنا خصمين فبغى أحدنا على صاحبه فما الحكم؟. * * ثم قال تعالى: ﴿فَرَجَعُوۤاْ إِلَىٰ أَنفُسِهِمْ فَقَالُوۤاْ إِنَّكُمْ أَنتُمُ ٱلظَّالِمُونَ﴾. أي: ففكروا حين قال لهم إبراهيم، بل فعله كبيرهم هذا. ورجعوا إلى عقولهم ونظر بعضهم إلى بعض فقالوا إنكم أيها القوم الظالمون هذا الرجل في مسألتكم إياه وقِيلكم له" من فعل هذا بآلهتنا يا إبراهيم". فهذه آلهتكم حاضرة فاسألوها. * * ثم قال تعالى: ﴿ثُمَّ نُكِسُواْ عَلَىٰ رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَـٰؤُلاۤءِ يَنطِقُونَ﴾. أي: ثم [غلبوا] في الحجة واحتجوا على إبراهيم بما هو حجة له عليهم، فقالوا: لقد علمت ما هؤلاء الأصنام ينطقون. أي: لا تتكلم فتخبرنا من فعل بها هذا. وقال قتادة: "نكسوا عن رؤوسهم": "انقطعت حجتهم". يقال: نكس الرجل على رأسه إذا انقطعت حجته، كأنه طأطأ رأسه استحياء. وعن قتادة أيضاً أنه قال: "أدركت القوم حيرة سوء"، يعني: حين قال لهم إبراهيم: فاسألوهم إن كانوا ينطقون. وقيل: المعنى: نكسوا في الفتنة والشرك بعد المعرفة: قاله: ابن عباس والسدي فيكون معناه: ثم رجعوا كما عرفوا، وتيقنوا من حجة إبراهيم عليهم السلام. فقالوا: لقد علمت ما هؤلاء ينطقون. * * ثم قال تعالى: ﴿قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لاَ يَنفَعُكُمْ شَيْئاً وَلاَ يَضُرُّكُمْ﴾. أي: قال إبراهيم لقومه لما أقروا أن آلهتهم لا تنطق، أفتعبدون من دون الله ما لا ينفعكم شيئاً ولا يضركم، لأن من لا ينفع نفسه فيدفع عنها الضرر، فليس ينفع غيره. ثم قال لهم إبراهيم: ﴿أُفٍّ لَّكُمْ﴾. أي: قبحاً لكم، وشراً لكم وللآلهة التي تعبدون من دون الله، أفلا تعقلون خطأكم في عبادتكم ما لا ينفع ولا يضر، وترككم عبادة الذي بيده النفع والضر. وقد تقدم شرح أف في "سبحان". * * ثم قال تعالى: ﴿قَالُواْ حَرِّقُوهُ وَٱنصُرُوۤاْ آلِهَتَكُمْ إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ﴾. أي: قال بعضهم لبعض، حرقوا إبراهيم بالنار وانصروا آلهتكم إن كنتم ناصريها ولم تريدوا ترك عبادتها. رويَ أن الذي قاله: رجل من أكراد فارس. وروي أن الله تعالى ذِكْرُهُ خَسَفَ به الأرضَ، فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة. وقال ابن عمر: الذي أشار بذلك، رجل من أعراب فارس. وهم الكرد، فأعراب فارس يقال لهم الكرد. ثم قال تعالى ذكره: ﴿قُلْنَا يٰنَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلَٰماً عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ﴾. في الكلام حذف، والتقدير: فأوقدوا له ناراً وألْقوه فيها، فقلنا يا نار كوني برداً وسلاماً. قال السدي: حبسوه في بيت، وجمعوا له حطباً، حتى إن كانت المرأة لتمرض، فتقول: إن عافاني الله، لأجمعن حطباً لإبراهيم. فلما جمعوا وأكثروا، بنوا بنياناً وأوقدوا النار حتى أن الطير لتمر بها فتحترق من شدة وهجها وحرها. ثم عمدوا إلى إبراهيم ﷺ وشرَّف وكرَّم، فَرَفعوه على رأس البنيان، فرفع إبراهيم عليه السلام رأسه إلى السماء فقالت السماء والأرض والجبال والملائكة: ربنا إبراهيم يحرق فيك. فقال جل وعز: أنا أعلم به، وإن دعاكم فأغيثوه. وقال إبراهيم ﷺ حين رفع راسه إلى السماء: اللهم أنت الواحد في السماء وأنا الواحد في الأرض ليس في الأرض من يعبدك غيري حسبي الله ونعم الوكيل. فقذفوه في النار فناداها "يا نار كوني برداً وسلاماً على إبراهيم". فكان جبريل، هو الذي ناداها". وقال أرقم "إن إبراهيم عليه السلام حين جعلوا يوثقونه ليلقوه في النار قال: لا إله إلا أنت سبحانك رب العالمين، لك الحمد ولك الملك لا شريك لك". قال كعب: "ما انتفع أحد من أهل الأرض يومئذ بنار، ولا أحرقت النار يومئذ شيئاً إلا وثاق إبراهيم عليه السلام. قال ابن عباس: "لو لم يتبع بردها سلاماً لمات إبراهيم من بردها. فلم تبق يومئذ نار في الأرض. إلا طفئت ظنت أنها هي تعنى. فلما طفئت النار، نظروا إلى إبراهيم عليه السلام، فإذا هو ورجل آخر معه، وإذا رأس إبراهيم ﷺ في حجره يمسح عن وجهه العرق. وذكر أن ذلك الرجل هو ملك الظل. وأنزل الله تعالى ناراً فانتفع بها بنو آدم وأخرجوا إبراهيم ﷺ فأدخلوه على الملك نمرود ولم يكن قبل ذلك دخل عليه". قال كعب: ما أحرقت النار منه إلا وثاقه. وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: "لولا أنه قال: "وسلاماً" لقتله بردها". قال بكر بن عبد الله: لما أرادوا أن يلقوا إبراهيم في النار، قالت الخليقة: يا رب، خليلك يلقى في النار؟ فأذن لنا حتى ننصره. فقال الله عز وجل: هو خليلي، ليس لي خليل غيره. وأنا إلهه ليس له إله غيري، فإن استغاث بكم فأغيثوه. فجاء ملك القطر فقال: يا رب، إئذن لي فلأطفينها عنه. فقال الله عز وجل هو خليلي ليس لي خليل غيره، وأنا إلهه، ليس له إله غيري إن استغاث بك فأغثه. فقال الله عز وجل: ﴿قُلْنَا يٰنَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلَٰماً عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ﴾. فما أحرقت ذلك اليوم عراكاً. وقال قتادة: "كانت الدواب كلها تطفئ عن إبراهيم النار إلا الوزغ". وروي عن إبراهيم ﷺ أنه قال: ما كنت أياماً قط أنعم مني من الأيام التي كنت فيها في النار. ولما رفع عن إبراهيم الطبق ورآه والده يرشح جبينه، قال عند ذلك: نعم الرب ربك يا إبراهيم، فكان ذلك أحسن شيء قاله: أبو إبراهيم. قال: ألقي إبراهيم في النار وهو ابن ست عشرة سنة وذبح إسحاق هو ابن سبع سنين، وكان مذبحه من بيت إيليا على ميلين ولما علمت سارة بما أراد بإسحاق بطنت يومين وماتت في اليوم الثالث. وروى معتمر بن سليمان أن جبريل ﷺ لما جاء إبراهيم وهو يوثق ويقمط ليلقى في النار. قال يا إبراهيم: ألك حاجة؟ قال: أما إليك. فلا. ويروى أن إبراهيم كان في زمان نمرود، فلما كسر إبراهيم ﷺ أصنامهم كما قص الله علينا في كتابه بنى نمرود بناء طوله ثمانون ذراعاً في عرضه أربعون ذراعاً، وأوقد فيه النيران، ثم جعل إبراهيم في منجنيق فقذف به في النار، فقال الله جل ذكره للنار كوني برداً وسلاماً على إبراهيم فبردت ذلك اليوم، فلم ينتفع بها أحد. ولولا ما قال تعالى "وسلاماً" لآذت إبراهيم ببردها. وروي أن جبريل عليه السلام أتى إبراهيم وهو في المنجنيق، فقال يا إبراهيم، سلني حوائجك، إن كنت تريد أن أجعل الأرض عليهم عاليها سافلها فعلت. فقال إبراهيم عليه السلام: إني رفعت حوائجي إلى الله، ولست أسأل أحداً غيره. فقال جبريل ﷺ: لو كان ينبغي لله أن يتخذ خليلاً، لاتخذك خليلاً. فاتخذ الله إبراهيم خليلاً، فلما رمي إبراهيم في النار، أشرف نمرود ينظر إلى النار فرأى فيها عدة يذهبون ويجيئون، فدعا حاجبه، وفتح بابه، وأدخل عليه أشراف قومه فقال لهم: كم طرحتم في النار؟ فقالوا: إبراهيم وحده. قال فهو هذا معه عدة قد صار الجحيم عليهم مثل الأرض، فركب نمرود حتى أتى النار فصاح: يا إبراهيم، فقال إبراهيم: ما تشاء. قال: إنك لحي، قال نعم والحمد لله. قال: فمن هؤلاء النفر معك؟ قال: ملائكة ربي. قال: تقدر أن تخرج؟ قال: نعم. قال: فاخرج. فانفرج له الجحيم فخرج ﷺ وقد زاده الله جمالاً ونوراً. فقال نمرود: إنك لكريم على ربك. فقال إبراهيم: كذا هو لمن أطاعه. فقال نمرود: أتراني إن تقربت إليه بقربان يقبله مني؟ فقال إبراهيم: إنما يتقبل الله من المتقين. فذبح نمرود أربعة آلاف كبش. فأكل الناس منها حتى أكل الطير والسباع والهوام. ثم قال يا إبراهيم أرني جند ربك الذي تهددني بهم فقال إبراهيم ﷺ: اللهم أره أضعف جندك. فنزلت سحابة فقال إبراهيم: في هذه جند ربي فقال: أرنيهم. فانتشر منها بعوض فما برح نمرود حتى رأى عظام من حضر من أصحابه، وعظام خيلهم قد أكلتهم البعوض إلا العظام. ثم وقعت واحدة في شفة نمرود السفلى فصاح حتى أمر بها فقطعت، فارتفعت إلى شفته العليا، فاستغاث فقطعت، ثم دخلت في منخره، فما كان يهدأ ليلاً ولا نهاراً. وكان يضرب رأسه بمرزبة من حديد، فأقام في ذلك أربع مائة سنة. وقال الحسن: لما ألقي إبراهيم ﷺ في النار، لم يؤذه حرها، فقالوا: سحرها فما لها حر. ويروى أنهم بنوا له بنياناً ارتفاعه أربعون ذراعاً وطوله على وجه الأرض ثمانون ذراعاً، فأوقدوا فيه النار، ووضعوا إبراهيم عليه السلام في المنجنيق وألقوه في الجحيم، فقال الله تعالى للنار: كوني برداً وسلاماً على إبراهيم، ولو لم يقل تعالى ذكره "وسلاماً" لمات إبراهيم من البرد في وسط النار، فكان إبراهيم جالساً في النار على زرابية من الجنة. قال الحسن: فلما رأوه لا يؤذيه حرها، قالوا: سحرها. فقال لهم إبراهيم ﷺ: جربوها برجل منكم. فألقوا فيها رجلاً فأكلته. ويروى عنه أنه قال: لما أوثقوه ليلقوه في النار، قال: لا إله إلا أنت سبحانك رب العالمين لك الحمد ولك الملك لا شريك لك. وذكر الشعبي عن عبد الله بن عمر أنه قال: لما ألقي إبراهيم في البنيان والنار، قال حسبي الله ونعم الوكيل. فقال الله: يا نار كوني برداً وسلاماً على إبراهيم. وقال زيد بن أسلم: قال إبراهيم حين أرادوا أن يلقوه في النار: اللهم أنت إلهي، الواحد في السماء وأنا عبدك الواحد في الأرض حسبي الله ونعم الوكيل. فقال الله تعالى للنار: كوني برداً وسلاماً على إبراهيم. * * ثم قال: ﴿وَأَرَادُواْ بِهِ كَيْداً فَجَعَلْنَاهُمُ ٱلأَخْسَرِينَ﴾ أي: الهالكين.

الأنبياء 21:64

قوله تعالى: ﴿قَالُواْ سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ﴾ إلى قوله: ﴿فَجَعَلْنَاهُمُ ٱلأَخْسَرِينَ﴾. أي: قال الذين سمعوه [حين] قال: ﴿وَتَٱللَّهِ لأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَن تُوَلُّواْ مُدْبِرِينَ﴾، ﴿سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ﴾ أي: يذكرهم بسوء. وقيل: يذكرهم: يسبهم ويعيبهم. ﴿يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ﴾ أي: يقال له يا إبراهيم. وقيل: التقدير: يقال له: هو إبراهيم، أو المعروف به إبراهيم: ﴿قَالُواْ فَأْتُواْ بِهِ عَلَىٰ أَعْيُنِ ٱلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ﴾. أي: قال بعضهم لبعض: فجيئوا به على رؤوس الناس لعلهم يشهدون عليه أنه هو الذي فعل هذا. قال قتادة: كرهوا أن يأخذوه بغير بينة. وقيل: معناه: لعلهم يعاينون العقوبة التي تختص به. * * ثم قال: ﴿قَالُوۤاْ أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَـٰذَا بِآلِهَتِنَا يٰإِبْرَاهِيمُ﴾. في الكلام حذف والتقدير: فأتوا به، فلما أتوا قالوا: أأنت فعلت هذا بآلهتنا يا إبراهيم قال لهم: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَـٰذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِن كَانُواْ يِنْطِقُونَ﴾ إنه غضب من أن تعبد معه هذه الصغار، وهو أكبر منها فكسرها. وقيل: التقدير: بل فعله كبيرهم هذا، إن كانوا ينطقون فاسألوهم. أي: إن كانت الآلهة المكسرة تنطق، فإن كبيرهم هو الذي كسرهم غضباً أن تعبد معه وهو كبيرهم. وقد أتت الأخبار عن النبي ﷺ أنه قال: إن إبراهيم عليه السلام لم يكذب إلا ثلاث كذبات كلها في الله. قوله تعالى: بل فعله كبيرهم هذا. وقوله: "إني سقيم" وقوله في سارة: "إنها أختي" وهذا عند أهل العلم غير مكروه، لأنه يجوز أن يكون الله تعالى أذن له في ذلك كما أذن ليوسف أن يقول مؤذنه لأخوته "إنكم لسارقون" ولم يكونوا سرقوا شيئاً. وقد خرجَّ العلماء لإبراهيم عليه السلام في هذه الأشياء الثلاثة وجوهاً تخرج إلى غير الكذب. فسارة أخته في الدين، وقوله: "إني سقيم" معناه: مغتم بضلالكم حتى أنا كالسقيم. وقيل معناه: إني سقيم عندكم. وقيل: يجوز أن يكون ناله من ذلك الوقت مرض. وقيل: معناه: إني سأسقم، لأن كل من كان مصيره إلى الموت، فلا بد من أن يسقم. وقيل: لا يكون الكاذب إلا الآثم، وما ليس فيه إثم، فليس بكذب. دل على ذلك قول الملكين ﴿بَغَىٰ بَعْضُنَا عَلَىٰ بَعْضٍ﴾ [ص: ٢٢] ولم يكونا خصمين ولا كان بغي ولكن عرضا بذلك لداود للقصة التي جرت له في المرأة التي تزوجها. وقال المبرد: معناه إذا كنا خصمين فبغى أحدنا على صاحبه فما الحكم؟. * * ثم قال تعالى: ﴿فَرَجَعُوۤاْ إِلَىٰ أَنفُسِهِمْ فَقَالُوۤاْ إِنَّكُمْ أَنتُمُ ٱلظَّالِمُونَ﴾. أي: ففكروا حين قال لهم إبراهيم، بل فعله كبيرهم هذا. ورجعوا إلى عقولهم ونظر بعضهم إلى بعض فقالوا إنكم أيها القوم الظالمون هذا الرجل في مسألتكم إياه وقِيلكم له" من فعل هذا بآلهتنا يا إبراهيم". فهذه آلهتكم حاضرة فاسألوها. * * ثم قال تعالى: ﴿ثُمَّ نُكِسُواْ عَلَىٰ رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَـٰؤُلاۤءِ يَنطِقُونَ﴾. أي: ثم [غلبوا] في الحجة واحتجوا على إبراهيم بما هو حجة له عليهم، فقالوا: لقد علمت ما هؤلاء الأصنام ينطقون. أي: لا تتكلم فتخبرنا من فعل بها هذا. وقال قتادة: "نكسوا عن رؤوسهم": "انقطعت حجتهم". يقال: نكس الرجل على رأسه إذا انقطعت حجته، كأنه طأطأ رأسه استحياء. وعن قتادة أيضاً أنه قال: "أدركت القوم حيرة سوء"، يعني: حين قال لهم إبراهيم: فاسألوهم إن كانوا ينطقون. وقيل: المعنى: نكسوا في الفتنة والشرك بعد المعرفة: قاله: ابن عباس والسدي فيكون معناه: ثم رجعوا كما عرفوا، وتيقنوا من حجة إبراهيم عليهم السلام. فقالوا: لقد علمت ما هؤلاء ينطقون. * * ثم قال تعالى: ﴿قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لاَ يَنفَعُكُمْ شَيْئاً وَلاَ يَضُرُّكُمْ﴾. أي: قال إبراهيم لقومه لما أقروا أن آلهتهم لا تنطق، أفتعبدون من دون الله ما لا ينفعكم شيئاً ولا يضركم، لأن من لا ينفع نفسه فيدفع عنها الضرر، فليس ينفع غيره. ثم قال لهم إبراهيم: ﴿أُفٍّ لَّكُمْ﴾. أي: قبحاً لكم، وشراً لكم وللآلهة التي تعبدون من دون الله، أفلا تعقلون خطأكم في عبادتكم ما لا ينفع ولا يضر، وترككم عبادة الذي بيده النفع والضر. وقد تقدم شرح أف في "سبحان". * * ثم قال تعالى: ﴿قَالُواْ حَرِّقُوهُ وَٱنصُرُوۤاْ آلِهَتَكُمْ إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ﴾. أي: قال بعضهم لبعض، حرقوا إبراهيم بالنار وانصروا آلهتكم إن كنتم ناصريها ولم تريدوا ترك عبادتها. رويَ أن الذي قاله: رجل من أكراد فارس. وروي أن الله تعالى ذِكْرُهُ خَسَفَ به الأرضَ، فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة. وقال ابن عمر: الذي أشار بذلك، رجل من أعراب فارس. وهم الكرد، فأعراب فارس يقال لهم الكرد. ثم قال تعالى ذكره: ﴿قُلْنَا يٰنَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلَٰماً عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ﴾. في الكلام حذف، والتقدير: فأوقدوا له ناراً وألْقوه فيها، فقلنا يا نار كوني برداً وسلاماً. قال السدي: حبسوه في بيت، وجمعوا له حطباً، حتى إن كانت المرأة لتمرض، فتقول: إن عافاني الله، لأجمعن حطباً لإبراهيم. فلما جمعوا وأكثروا، بنوا بنياناً وأوقدوا النار حتى أن الطير لتمر بها فتحترق من شدة وهجها وحرها. ثم عمدوا إلى إبراهيم ﷺ وشرَّف وكرَّم، فَرَفعوه على رأس البنيان، فرفع إبراهيم عليه السلام رأسه إلى السماء فقالت السماء والأرض والجبال والملائكة: ربنا إبراهيم يحرق فيك. فقال جل وعز: أنا أعلم به، وإن دعاكم فأغيثوه. وقال إبراهيم ﷺ حين رفع راسه إلى السماء: اللهم أنت الواحد في السماء وأنا الواحد في الأرض ليس في الأرض من يعبدك غيري حسبي الله ونعم الوكيل. فقذفوه في النار فناداها "يا نار كوني برداً وسلاماً على إبراهيم". فكان جبريل، هو الذي ناداها". وقال أرقم "إن إبراهيم عليه السلام حين جعلوا يوثقونه ليلقوه في النار قال: لا إله إلا أنت سبحانك رب العالمين، لك الحمد ولك الملك لا شريك لك". قال كعب: "ما انتفع أحد من أهل الأرض يومئذ بنار، ولا أحرقت النار يومئذ شيئاً إلا وثاق إبراهيم عليه السلام. قال ابن عباس: "لو لم يتبع بردها سلاماً لمات إبراهيم من بردها. فلم تبق يومئذ نار في الأرض. إلا طفئت ظنت أنها هي تعنى. فلما طفئت النار، نظروا إلى إبراهيم عليه السلام، فإذا هو ورجل آخر معه، وإذا رأس إبراهيم ﷺ في حجره يمسح عن وجهه العرق. وذكر أن ذلك الرجل هو ملك الظل. وأنزل الله تعالى ناراً فانتفع بها بنو آدم وأخرجوا إبراهيم ﷺ فأدخلوه على الملك نمرود ولم يكن قبل ذلك دخل عليه". قال كعب: ما أحرقت النار منه إلا وثاقه. وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: "لولا أنه قال: "وسلاماً" لقتله بردها". قال بكر بن عبد الله: لما أرادوا أن يلقوا إبراهيم في النار، قالت الخليقة: يا رب، خليلك يلقى في النار؟ فأذن لنا حتى ننصره. فقال الله عز وجل: هو خليلي، ليس لي خليل غيره. وأنا إلهه ليس له إله غيري، فإن استغاث بكم فأغيثوه. فجاء ملك القطر فقال: يا رب، إئذن لي فلأطفينها عنه. فقال الله عز وجل هو خليلي ليس لي خليل غيره، وأنا إلهه، ليس له إله غيري إن استغاث بك فأغثه. فقال الله عز وجل: ﴿قُلْنَا يٰنَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلَٰماً عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ﴾. فما أحرقت ذلك اليوم عراكاً. وقال قتادة: "كانت الدواب كلها تطفئ عن إبراهيم النار إلا الوزغ". وروي عن إبراهيم ﷺ أنه قال: ما كنت أياماً قط أنعم مني من الأيام التي كنت فيها في النار. ولما رفع عن إبراهيم الطبق ورآه والده يرشح جبينه، قال عند ذلك: نعم الرب ربك يا إبراهيم، فكان ذلك أحسن شيء قاله: أبو إبراهيم. قال: ألقي إبراهيم في النار وهو ابن ست عشرة سنة وذبح إسحاق هو ابن سبع سنين، وكان مذبحه من بيت إيليا على ميلين ولما علمت سارة بما أراد بإسحاق بطنت يومين وماتت في اليوم الثالث. وروى معتمر بن سليمان أن جبريل ﷺ لما جاء إبراهيم وهو يوثق ويقمط ليلقى في النار. قال يا إبراهيم: ألك حاجة؟ قال: أما إليك. فلا. ويروى أن إبراهيم كان في زمان نمرود، فلما كسر إبراهيم ﷺ أصنامهم كما قص الله علينا في كتابه بنى نمرود بناء طوله ثمانون ذراعاً في عرضه أربعون ذراعاً، وأوقد فيه النيران، ثم جعل إبراهيم في منجنيق فقذف به في النار، فقال الله جل ذكره للنار كوني برداً وسلاماً على إبراهيم فبردت ذلك اليوم، فلم ينتفع بها أحد. ولولا ما قال تعالى "وسلاماً" لآذت إبراهيم ببردها. وروي أن جبريل عليه السلام أتى إبراهيم وهو في المنجنيق، فقال يا إبراهيم، سلني حوائجك، إن كنت تريد أن أجعل الأرض عليهم عاليها سافلها فعلت. فقال إبراهيم عليه السلام: إني رفعت حوائجي إلى الله، ولست أسأل أحداً غيره. فقال جبريل ﷺ: لو كان ينبغي لله أن يتخذ خليلاً، لاتخذك خليلاً. فاتخذ الله إبراهيم خليلاً، فلما رمي إبراهيم في النار، أشرف نمرود ينظر إلى النار فرأى فيها عدة يذهبون ويجيئون، فدعا حاجبه، وفتح بابه، وأدخل عليه أشراف قومه فقال لهم: كم طرحتم في النار؟ فقالوا: إبراهيم وحده. قال فهو هذا معه عدة قد صار الجحيم عليهم مثل الأرض، فركب نمرود حتى أتى النار فصاح: يا إبراهيم، فقال إبراهيم: ما تشاء. قال: إنك لحي، قال نعم والحمد لله. قال: فمن هؤلاء النفر معك؟ قال: ملائكة ربي. قال: تقدر أن تخرج؟ قال: نعم. قال: فاخرج. فانفرج له الجحيم فخرج ﷺ وقد زاده الله جمالاً ونوراً. فقال نمرود: إنك لكريم على ربك. فقال إبراهيم: كذا هو لمن أطاعه. فقال نمرود: أتراني إن تقربت إليه بقربان يقبله مني؟ فقال إبراهيم: إنما يتقبل الله من المتقين. فذبح نمرود أربعة آلاف كبش. فأكل الناس منها حتى أكل الطير والسباع والهوام. ثم قال يا إبراهيم أرني جند ربك الذي تهددني بهم فقال إبراهيم ﷺ: اللهم أره أضعف جندك. فنزلت سحابة فقال إبراهيم: في هذه جند ربي فقال: أرنيهم. فانتشر منها بعوض فما برح نمرود حتى رأى عظام من حضر من أصحابه، وعظام خيلهم قد أكلتهم البعوض إلا العظام. ثم وقعت واحدة في شفة نمرود السفلى فصاح حتى أمر بها فقطعت، فارتفعت إلى شفته العليا، فاستغاث فقطعت، ثم دخلت في منخره، فما كان يهدأ ليلاً ولا نهاراً. وكان يضرب رأسه بمرزبة من حديد، فأقام في ذلك أربع مائة سنة. وقال الحسن: لما ألقي إبراهيم ﷺ في النار، لم يؤذه حرها، فقالوا: سحرها فما لها حر. ويروى أنهم بنوا له بنياناً ارتفاعه أربعون ذراعاً وطوله على وجه الأرض ثمانون ذراعاً، فأوقدوا فيه النار، ووضعوا إبراهيم عليه السلام في المنجنيق وألقوه في الجحيم، فقال الله تعالى للنار: كوني برداً وسلاماً على إبراهيم، ولو لم يقل تعالى ذكره "وسلاماً" لمات إبراهيم من البرد في وسط النار، فكان إبراهيم جالساً في النار على زرابية من الجنة. قال الحسن: فلما رأوه لا يؤذيه حرها، قالوا: سحرها. فقال لهم إبراهيم ﷺ: جربوها برجل منكم. فألقوا فيها رجلاً فأكلته. ويروى عنه أنه قال: لما أوثقوه ليلقوه في النار، قال: لا إله إلا أنت سبحانك رب العالمين لك الحمد ولك الملك لا شريك لك. وذكر الشعبي عن عبد الله بن عمر أنه قال: لما ألقي إبراهيم في البنيان والنار، قال حسبي الله ونعم الوكيل. فقال الله: يا نار كوني برداً وسلاماً على إبراهيم. وقال زيد بن أسلم: قال إبراهيم حين أرادوا أن يلقوه في النار: اللهم أنت إلهي، الواحد في السماء وأنا عبدك الواحد في الأرض حسبي الله ونعم الوكيل. فقال الله تعالى للنار: كوني برداً وسلاماً على إبراهيم. * * ثم قال: ﴿وَأَرَادُواْ بِهِ كَيْداً فَجَعَلْنَاهُمُ ٱلأَخْسَرِينَ﴾ أي: الهالكين.

الأنبياء 21:65

قوله تعالى: ﴿قَالُواْ سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ﴾ إلى قوله: ﴿فَجَعَلْنَاهُمُ ٱلأَخْسَرِينَ﴾. أي: قال الذين سمعوه [حين] قال: ﴿وَتَٱللَّهِ لأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَن تُوَلُّواْ مُدْبِرِينَ﴾، ﴿سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ﴾ أي: يذكرهم بسوء. وقيل: يذكرهم: يسبهم ويعيبهم. ﴿يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ﴾ أي: يقال له يا إبراهيم. وقيل: التقدير: يقال له: هو إبراهيم، أو المعروف به إبراهيم: ﴿قَالُواْ فَأْتُواْ بِهِ عَلَىٰ أَعْيُنِ ٱلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ﴾. أي: قال بعضهم لبعض: فجيئوا به على رؤوس الناس لعلهم يشهدون عليه أنه هو الذي فعل هذا. قال قتادة: كرهوا أن يأخذوه بغير بينة. وقيل: معناه: لعلهم يعاينون العقوبة التي تختص به. * * ثم قال: ﴿قَالُوۤاْ أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَـٰذَا بِآلِهَتِنَا يٰإِبْرَاهِيمُ﴾. في الكلام حذف والتقدير: فأتوا به، فلما أتوا قالوا: أأنت فعلت هذا بآلهتنا يا إبراهيم قال لهم: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَـٰذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِن كَانُواْ يِنْطِقُونَ﴾ إنه غضب من أن تعبد معه هذه الصغار، وهو أكبر منها فكسرها. وقيل: التقدير: بل فعله كبيرهم هذا، إن كانوا ينطقون فاسألوهم. أي: إن كانت الآلهة المكسرة تنطق، فإن كبيرهم هو الذي كسرهم غضباً أن تعبد معه وهو كبيرهم. وقد أتت الأخبار عن النبي ﷺ أنه قال: إن إبراهيم عليه السلام لم يكذب إلا ثلاث كذبات كلها في الله. قوله تعالى: بل فعله كبيرهم هذا. وقوله: "إني سقيم" وقوله في سارة: "إنها أختي" وهذا عند أهل العلم غير مكروه، لأنه يجوز أن يكون الله تعالى أذن له في ذلك كما أذن ليوسف أن يقول مؤذنه لأخوته "إنكم لسارقون" ولم يكونوا سرقوا شيئاً. وقد خرجَّ العلماء لإبراهيم عليه السلام في هذه الأشياء الثلاثة وجوهاً تخرج إلى غير الكذب. فسارة أخته في الدين، وقوله: "إني سقيم" معناه: مغتم بضلالكم حتى أنا كالسقيم. وقيل معناه: إني سقيم عندكم. وقيل: يجوز أن يكون ناله من ذلك الوقت مرض. وقيل: معناه: إني سأسقم، لأن كل من كان مصيره إلى الموت، فلا بد من أن يسقم. وقيل: لا يكون الكاذب إلا الآثم، وما ليس فيه إثم، فليس بكذب. دل على ذلك قول الملكين ﴿بَغَىٰ بَعْضُنَا عَلَىٰ بَعْضٍ﴾ [ص: ٢٢] ولم يكونا خصمين ولا كان بغي ولكن عرضا بذلك لداود للقصة التي جرت له في المرأة التي تزوجها. وقال المبرد: معناه إذا كنا خصمين فبغى أحدنا على صاحبه فما الحكم؟. * * ثم قال تعالى: ﴿فَرَجَعُوۤاْ إِلَىٰ أَنفُسِهِمْ فَقَالُوۤاْ إِنَّكُمْ أَنتُمُ ٱلظَّالِمُونَ﴾. أي: ففكروا حين قال لهم إبراهيم، بل فعله كبيرهم هذا. ورجعوا إلى عقولهم ونظر بعضهم إلى بعض فقالوا إنكم أيها القوم الظالمون هذا الرجل في مسألتكم إياه وقِيلكم له" من فعل هذا بآلهتنا يا إبراهيم". فهذه آلهتكم حاضرة فاسألوها. * * ثم قال تعالى: ﴿ثُمَّ نُكِسُواْ عَلَىٰ رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَـٰؤُلاۤءِ يَنطِقُونَ﴾. أي: ثم [غلبوا] في الحجة واحتجوا على إبراهيم بما هو حجة له عليهم، فقالوا: لقد علمت ما هؤلاء الأصنام ينطقون. أي: لا تتكلم فتخبرنا من فعل بها هذا. وقال قتادة: "نكسوا عن رؤوسهم": "انقطعت حجتهم". يقال: نكس الرجل على رأسه إذا انقطعت حجته، كأنه طأطأ رأسه استحياء. وعن قتادة أيضاً أنه قال: "أدركت القوم حيرة سوء"، يعني: حين قال لهم إبراهيم: فاسألوهم إن كانوا ينطقون. وقيل: المعنى: نكسوا في الفتنة والشرك بعد المعرفة: قاله: ابن عباس والسدي فيكون معناه: ثم رجعوا كما عرفوا، وتيقنوا من حجة إبراهيم عليهم السلام. فقالوا: لقد علمت ما هؤلاء ينطقون. * * ثم قال تعالى: ﴿قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لاَ يَنفَعُكُمْ شَيْئاً وَلاَ يَضُرُّكُمْ﴾. أي: قال إبراهيم لقومه لما أقروا أن آلهتهم لا تنطق، أفتعبدون من دون الله ما لا ينفعكم شيئاً ولا يضركم، لأن من لا ينفع نفسه فيدفع عنها الضرر، فليس ينفع غيره. ثم قال لهم إبراهيم: ﴿أُفٍّ لَّكُمْ﴾. أي: قبحاً لكم، وشراً لكم وللآلهة التي تعبدون من دون الله، أفلا تعقلون خطأكم في عبادتكم ما لا ينفع ولا يضر، وترككم عبادة الذي بيده النفع والضر. وقد تقدم شرح أف في "سبحان". * * ثم قال تعالى: ﴿قَالُواْ حَرِّقُوهُ وَٱنصُرُوۤاْ آلِهَتَكُمْ إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ﴾. أي: قال بعضهم لبعض، حرقوا إبراهيم بالنار وانصروا آلهتكم إن كنتم ناصريها ولم تريدوا ترك عبادتها. رويَ أن الذي قاله: رجل من أكراد فارس. وروي أن الله تعالى ذِكْرُهُ خَسَفَ به الأرضَ، فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة. وقال ابن عمر: الذي أشار بذلك، رجل من أعراب فارس. وهم الكرد، فأعراب فارس يقال لهم الكرد. ثم قال تعالى ذكره: ﴿قُلْنَا يٰنَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلَٰماً عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ﴾. في الكلام حذف، والتقدير: فأوقدوا له ناراً وألْقوه فيها، فقلنا يا نار كوني برداً وسلاماً. قال السدي: حبسوه في بيت، وجمعوا له حطباً، حتى إن كانت المرأة لتمرض، فتقول: إن عافاني الله، لأجمعن حطباً لإبراهيم. فلما جمعوا وأكثروا، بنوا بنياناً وأوقدوا النار حتى أن الطير لتمر بها فتحترق من شدة وهجها وحرها. ثم عمدوا إلى إبراهيم ﷺ وشرَّف وكرَّم، فَرَفعوه على رأس البنيان، فرفع إبراهيم عليه السلام رأسه إلى السماء فقالت السماء والأرض والجبال والملائكة: ربنا إبراهيم يحرق فيك. فقال جل وعز: أنا أعلم به، وإن دعاكم فأغيثوه. وقال إبراهيم ﷺ حين رفع راسه إلى السماء: اللهم أنت الواحد في السماء وأنا الواحد في الأرض ليس في الأرض من يعبدك غيري حسبي الله ونعم الوكيل. فقذفوه في النار فناداها "يا نار كوني برداً وسلاماً على إبراهيم". فكان جبريل، هو الذي ناداها". وقال أرقم "إن إبراهيم عليه السلام حين جعلوا يوثقونه ليلقوه في النار قال: لا إله إلا أنت سبحانك رب العالمين، لك الحمد ولك الملك لا شريك لك". قال كعب: "ما انتفع أحد من أهل الأرض يومئذ بنار، ولا أحرقت النار يومئذ شيئاً إلا وثاق إبراهيم عليه السلام. قال ابن عباس: "لو لم يتبع بردها سلاماً لمات إبراهيم من بردها. فلم تبق يومئذ نار في الأرض. إلا طفئت ظنت أنها هي تعنى. فلما طفئت النار، نظروا إلى إبراهيم عليه السلام، فإذا هو ورجل آخر معه، وإذا رأس إبراهيم ﷺ في حجره يمسح عن وجهه العرق. وذكر أن ذلك الرجل هو ملك الظل. وأنزل الله تعالى ناراً فانتفع بها بنو آدم وأخرجوا إبراهيم ﷺ فأدخلوه على الملك نمرود ولم يكن قبل ذلك دخل عليه". قال كعب: ما أحرقت النار منه إلا وثاقه. وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: "لولا أنه قال: "وسلاماً" لقتله بردها". قال بكر بن عبد الله: لما أرادوا أن يلقوا إبراهيم في النار، قالت الخليقة: يا رب، خليلك يلقى في النار؟ فأذن لنا حتى ننصره. فقال الله عز وجل: هو خليلي، ليس لي خليل غيره. وأنا إلهه ليس له إله غيري، فإن استغاث بكم فأغيثوه. فجاء ملك القطر فقال: يا رب، إئذن لي فلأطفينها عنه. فقال الله عز وجل هو خليلي ليس لي خليل غيره، وأنا إلهه، ليس له إله غيري إن استغاث بك فأغثه. فقال الله عز وجل: ﴿قُلْنَا يٰنَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلَٰماً عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ﴾. فما أحرقت ذلك اليوم عراكاً. وقال قتادة: "كانت الدواب كلها تطفئ عن إبراهيم النار إلا الوزغ". وروي عن إبراهيم ﷺ أنه قال: ما كنت أياماً قط أنعم مني من الأيام التي كنت فيها في النار. ولما رفع عن إبراهيم الطبق ورآه والده يرشح جبينه، قال عند ذلك: نعم الرب ربك يا إبراهيم، فكان ذلك أحسن شيء قاله: أبو إبراهيم. قال: ألقي إبراهيم في النار وهو ابن ست عشرة سنة وذبح إسحاق هو ابن سبع سنين، وكان مذبحه من بيت إيليا على ميلين ولما علمت سارة بما أراد بإسحاق بطنت يومين وماتت في اليوم الثالث. وروى معتمر بن سليمان أن جبريل ﷺ لما جاء إبراهيم وهو يوثق ويقمط ليلقى في النار. قال يا إبراهيم: ألك حاجة؟ قال: أما إليك. فلا. ويروى أن إبراهيم كان في زمان نمرود، فلما كسر إبراهيم ﷺ أصنامهم كما قص الله علينا في كتابه بنى نمرود بناء طوله ثمانون ذراعاً في عرضه أربعون ذراعاً، وأوقد فيه النيران، ثم جعل إبراهيم في منجنيق فقذف به في النار، فقال الله جل ذكره للنار كوني برداً وسلاماً على إبراهيم فبردت ذلك اليوم، فلم ينتفع بها أحد. ولولا ما قال تعالى "وسلاماً" لآذت إبراهيم ببردها. وروي أن جبريل عليه السلام أتى إبراهيم وهو في المنجنيق، فقال يا إبراهيم، سلني حوائجك، إن كنت تريد أن أجعل الأرض عليهم عاليها سافلها فعلت. فقال إبراهيم عليه السلام: إني رفعت حوائجي إلى الله، ولست أسأل أحداً غيره. فقال جبريل ﷺ: لو كان ينبغي لله أن يتخذ خليلاً، لاتخذك خليلاً. فاتخذ الله إبراهيم خليلاً، فلما رمي إبراهيم في النار، أشرف نمرود ينظر إلى النار فرأى فيها عدة يذهبون ويجيئون، فدعا حاجبه، وفتح بابه، وأدخل عليه أشراف قومه فقال لهم: كم طرحتم في النار؟ فقالوا: إبراهيم وحده. قال فهو هذا معه عدة قد صار الجحيم عليهم مثل الأرض، فركب نمرود حتى أتى النار فصاح: يا إبراهيم، فقال إبراهيم: ما تشاء. قال: إنك لحي، قال نعم والحمد لله. قال: فمن هؤلاء النفر معك؟ قال: ملائكة ربي. قال: تقدر أن تخرج؟ قال: نعم. قال: فاخرج. فانفرج له الجحيم فخرج ﷺ وقد زاده الله جمالاً ونوراً. فقال نمرود: إنك لكريم على ربك. فقال إبراهيم: كذا هو لمن أطاعه. فقال نمرود: أتراني إن تقربت إليه بقربان يقبله مني؟ فقال إبراهيم: إنما يتقبل الله من المتقين. فذبح نمرود أربعة آلاف كبش. فأكل الناس منها حتى أكل الطير والسباع والهوام. ثم قال يا إبراهيم أرني جند ربك الذي تهددني بهم فقال إبراهيم ﷺ: اللهم أره أضعف جندك. فنزلت سحابة فقال إبراهيم: في هذه جند ربي فقال: أرنيهم. فانتشر منها بعوض فما برح نمرود حتى رأى عظام من حضر من أصحابه، وعظام خيلهم قد أكلتهم البعوض إلا العظام. ثم وقعت واحدة في شفة نمرود السفلى فصاح حتى أمر بها فقطعت، فارتفعت إلى شفته العليا، فاستغاث فقطعت، ثم دخلت في منخره، فما كان يهدأ ليلاً ولا نهاراً. وكان يضرب رأسه بمرزبة من حديد، فأقام في ذلك أربع مائة سنة. وقال الحسن: لما ألقي إبراهيم ﷺ في النار، لم يؤذه حرها، فقالوا: سحرها فما لها حر. ويروى أنهم بنوا له بنياناً ارتفاعه أربعون ذراعاً وطوله على وجه الأرض ثمانون ذراعاً، فأوقدوا فيه النار، ووضعوا إبراهيم عليه السلام في المنجنيق وألقوه في الجحيم، فقال الله تعالى للنار: كوني برداً وسلاماً على إبراهيم، ولو لم يقل تعالى ذكره "وسلاماً" لمات إبراهيم من البرد في وسط النار، فكان إبراهيم جالساً في النار على زرابية من الجنة. قال الحسن: فلما رأوه لا يؤذيه حرها، قالوا: سحرها. فقال لهم إبراهيم ﷺ: جربوها برجل منكم. فألقوا فيها رجلاً فأكلته. ويروى عنه أنه قال: لما أوثقوه ليلقوه في النار، قال: لا إله إلا أنت سبحانك رب العالمين لك الحمد ولك الملك لا شريك لك. وذكر الشعبي عن عبد الله بن عمر أنه قال: لما ألقي إبراهيم في البنيان والنار، قال حسبي الله ونعم الوكيل. فقال الله: يا نار كوني برداً وسلاماً على إبراهيم. وقال زيد بن أسلم: قال إبراهيم حين أرادوا أن يلقوه في النار: اللهم أنت إلهي، الواحد في السماء وأنا عبدك الواحد في الأرض حسبي الله ونعم الوكيل. فقال الله تعالى للنار: كوني برداً وسلاماً على إبراهيم. * * ثم قال: ﴿وَأَرَادُواْ بِهِ كَيْداً فَجَعَلْنَاهُمُ ٱلأَخْسَرِينَ﴾ أي: الهالكين.

الأنبياء 21:66

قوله تعالى: ﴿قَالُواْ سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ﴾ إلى قوله: ﴿فَجَعَلْنَاهُمُ ٱلأَخْسَرِينَ﴾. أي: قال الذين سمعوه [حين] قال: ﴿وَتَٱللَّهِ لأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَن تُوَلُّواْ مُدْبِرِينَ﴾، ﴿سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ﴾ أي: يذكرهم بسوء. وقيل: يذكرهم: يسبهم ويعيبهم. ﴿يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ﴾ أي: يقال له يا إبراهيم. وقيل: التقدير: يقال له: هو إبراهيم، أو المعروف به إبراهيم: ﴿قَالُواْ فَأْتُواْ بِهِ عَلَىٰ أَعْيُنِ ٱلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ﴾. أي: قال بعضهم لبعض: فجيئوا به على رؤوس الناس لعلهم يشهدون عليه أنه هو الذي فعل هذا. قال قتادة: كرهوا أن يأخذوه بغير بينة. وقيل: معناه: لعلهم يعاينون العقوبة التي تختص به. * * ثم قال: ﴿قَالُوۤاْ أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَـٰذَا بِآلِهَتِنَا يٰإِبْرَاهِيمُ﴾. في الكلام حذف والتقدير: فأتوا به، فلما أتوا قالوا: أأنت فعلت هذا بآلهتنا يا إبراهيم قال لهم: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَـٰذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِن كَانُواْ يِنْطِقُونَ﴾ إنه غضب من أن تعبد معه هذه الصغار، وهو أكبر منها فكسرها. وقيل: التقدير: بل فعله كبيرهم هذا، إن كانوا ينطقون فاسألوهم. أي: إن كانت الآلهة المكسرة تنطق، فإن كبيرهم هو الذي كسرهم غضباً أن تعبد معه وهو كبيرهم. وقد أتت الأخبار عن النبي ﷺ أنه قال: إن إبراهيم عليه السلام لم يكذب إلا ثلاث كذبات كلها في الله. قوله تعالى: بل فعله كبيرهم هذا. وقوله: "إني سقيم" وقوله في سارة: "إنها أختي" وهذا عند أهل العلم غير مكروه، لأنه يجوز أن يكون الله تعالى أذن له في ذلك كما أذن ليوسف أن يقول مؤذنه لأخوته "إنكم لسارقون" ولم يكونوا سرقوا شيئاً. وقد خرجَّ العلماء لإبراهيم عليه السلام في هذه الأشياء الثلاثة وجوهاً تخرج إلى غير الكذب. فسارة أخته في الدين، وقوله: "إني سقيم" معناه: مغتم بضلالكم حتى أنا كالسقيم. وقيل معناه: إني سقيم عندكم. وقيل: يجوز أن يكون ناله من ذلك الوقت مرض. وقيل: معناه: إني سأسقم، لأن كل من كان مصيره إلى الموت، فلا بد من أن يسقم. وقيل: لا يكون الكاذب إلا الآثم، وما ليس فيه إثم، فليس بكذب. دل على ذلك قول الملكين ﴿بَغَىٰ بَعْضُنَا عَلَىٰ بَعْضٍ﴾ [ص: ٢٢] ولم يكونا خصمين ولا كان بغي ولكن عرضا بذلك لداود للقصة التي جرت له في المرأة التي تزوجها. وقال المبرد: معناه إذا كنا خصمين فبغى أحدنا على صاحبه فما الحكم؟. * * ثم قال تعالى: ﴿فَرَجَعُوۤاْ إِلَىٰ أَنفُسِهِمْ فَقَالُوۤاْ إِنَّكُمْ أَنتُمُ ٱلظَّالِمُونَ﴾. أي: ففكروا حين قال لهم إبراهيم، بل فعله كبيرهم هذا. ورجعوا إلى عقولهم ونظر بعضهم إلى بعض فقالوا إنكم أيها القوم الظالمون هذا الرجل في مسألتكم إياه وقِيلكم له" من فعل هذا بآلهتنا يا إبراهيم". فهذه آلهتكم حاضرة فاسألوها. * * ثم قال تعالى: ﴿ثُمَّ نُكِسُواْ عَلَىٰ رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَـٰؤُلاۤءِ يَنطِقُونَ﴾. أي: ثم [غلبوا] في الحجة واحتجوا على إبراهيم بما هو حجة له عليهم، فقالوا: لقد علمت ما هؤلاء الأصنام ينطقون. أي: لا تتكلم فتخبرنا من فعل بها هذا. وقال قتادة: "نكسوا عن رؤوسهم": "انقطعت حجتهم". يقال: نكس الرجل على رأسه إذا انقطعت حجته، كأنه طأطأ رأسه استحياء. وعن قتادة أيضاً أنه قال: "أدركت القوم حيرة سوء"، يعني: حين قال لهم إبراهيم: فاسألوهم إن كانوا ينطقون. وقيل: المعنى: نكسوا في الفتنة والشرك بعد المعرفة: قاله: ابن عباس والسدي فيكون معناه: ثم رجعوا كما عرفوا، وتيقنوا من حجة إبراهيم عليهم السلام. فقالوا: لقد علمت ما هؤلاء ينطقون. * * ثم قال تعالى: ﴿قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لاَ يَنفَعُكُمْ شَيْئاً وَلاَ يَضُرُّكُمْ﴾. أي: قال إبراهيم لقومه لما أقروا أن آلهتهم لا تنطق، أفتعبدون من دون الله ما لا ينفعكم شيئاً ولا يضركم، لأن من لا ينفع نفسه فيدفع عنها الضرر، فليس ينفع غيره. ثم قال لهم إبراهيم: ﴿أُفٍّ لَّكُمْ﴾. أي: قبحاً لكم، وشراً لكم وللآلهة التي تعبدون من دون الله، أفلا تعقلون خطأكم في عبادتكم ما لا ينفع ولا يضر، وترككم عبادة الذي بيده النفع والضر. وقد تقدم شرح أف في "سبحان". * * ثم قال تعالى: ﴿قَالُواْ حَرِّقُوهُ وَٱنصُرُوۤاْ آلِهَتَكُمْ إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ﴾. أي: قال بعضهم لبعض، حرقوا إبراهيم بالنار وانصروا آلهتكم إن كنتم ناصريها ولم تريدوا ترك عبادتها. رويَ أن الذي قاله: رجل من أكراد فارس. وروي أن الله تعالى ذِكْرُهُ خَسَفَ به الأرضَ، فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة. وقال ابن عمر: الذي أشار بذلك، رجل من أعراب فارس. وهم الكرد، فأعراب فارس يقال لهم الكرد. ثم قال تعالى ذكره: ﴿قُلْنَا يٰنَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلَٰماً عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ﴾. في الكلام حذف، والتقدير: فأوقدوا له ناراً وألْقوه فيها، فقلنا يا نار كوني برداً وسلاماً. قال السدي: حبسوه في بيت، وجمعوا له حطباً، حتى إن كانت المرأة لتمرض، فتقول: إن عافاني الله، لأجمعن حطباً لإبراهيم. فلما جمعوا وأكثروا، بنوا بنياناً وأوقدوا النار حتى أن الطير لتمر بها فتحترق من شدة وهجها وحرها. ثم عمدوا إلى إبراهيم ﷺ وشرَّف وكرَّم، فَرَفعوه على رأس البنيان، فرفع إبراهيم عليه السلام رأسه إلى السماء فقالت السماء والأرض والجبال والملائكة: ربنا إبراهيم يحرق فيك. فقال جل وعز: أنا أعلم به، وإن دعاكم فأغيثوه. وقال إبراهيم ﷺ حين رفع راسه إلى السماء: اللهم أنت الواحد في السماء وأنا الواحد في الأرض ليس في الأرض من يعبدك غيري حسبي الله ونعم الوكيل. فقذفوه في النار فناداها "يا نار كوني برداً وسلاماً على إبراهيم". فكان جبريل، هو الذي ناداها". وقال أرقم "إن إبراهيم عليه السلام حين جعلوا يوثقونه ليلقوه في النار قال: لا إله إلا أنت سبحانك رب العالمين، لك الحمد ولك الملك لا شريك لك". قال كعب: "ما انتفع أحد من أهل الأرض يومئذ بنار، ولا أحرقت النار يومئذ شيئاً إلا وثاق إبراهيم عليه السلام. قال ابن عباس: "لو لم يتبع بردها سلاماً لمات إبراهيم من بردها. فلم تبق يومئذ نار في الأرض. إلا طفئت ظنت أنها هي تعنى. فلما طفئت النار، نظروا إلى إبراهيم عليه السلام، فإذا هو ورجل آخر معه، وإذا رأس إبراهيم ﷺ في حجره يمسح عن وجهه العرق. وذكر أن ذلك الرجل هو ملك الظل. وأنزل الله تعالى ناراً فانتفع بها بنو آدم وأخرجوا إبراهيم ﷺ فأدخلوه على الملك نمرود ولم يكن قبل ذلك دخل عليه". قال كعب: ما أحرقت النار منه إلا وثاقه. وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: "لولا أنه قال: "وسلاماً" لقتله بردها". قال بكر بن عبد الله: لما أرادوا أن يلقوا إبراهيم في النار، قالت الخليقة: يا رب، خليلك يلقى في النار؟ فأذن لنا حتى ننصره. فقال الله عز وجل: هو خليلي، ليس لي خليل غيره. وأنا إلهه ليس له إله غيري، فإن استغاث بكم فأغيثوه. فجاء ملك القطر فقال: يا رب، إئذن لي فلأطفينها عنه. فقال الله عز وجل هو خليلي ليس لي خليل غيره، وأنا إلهه، ليس له إله غيري إن استغاث بك فأغثه. فقال الله عز وجل: ﴿قُلْنَا يٰنَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلَٰماً عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ﴾. فما أحرقت ذلك اليوم عراكاً. وقال قتادة: "كانت الدواب كلها تطفئ عن إبراهيم النار إلا الوزغ". وروي عن إبراهيم ﷺ أنه قال: ما كنت أياماً قط أنعم مني من الأيام التي كنت فيها في النار. ولما رفع عن إبراهيم الطبق ورآه والده يرشح جبينه، قال عند ذلك: نعم الرب ربك يا إبراهيم، فكان ذلك أحسن شيء قاله: أبو إبراهيم. قال: ألقي إبراهيم في النار وهو ابن ست عشرة سنة وذبح إسحاق هو ابن سبع سنين، وكان مذبحه من بيت إيليا على ميلين ولما علمت سارة بما أراد بإسحاق بطنت يومين وماتت في اليوم الثالث. وروى معتمر بن سليمان أن جبريل ﷺ لما جاء إبراهيم وهو يوثق ويقمط ليلقى في النار. قال يا إبراهيم: ألك حاجة؟ قال: أما إليك. فلا. ويروى أن إبراهيم كان في زمان نمرود، فلما كسر إبراهيم ﷺ أصنامهم كما قص الله علينا في كتابه بنى نمرود بناء طوله ثمانون ذراعاً في عرضه أربعون ذراعاً، وأوقد فيه النيران، ثم جعل إبراهيم في منجنيق فقذف به في النار، فقال الله جل ذكره للنار كوني برداً وسلاماً على إبراهيم فبردت ذلك اليوم، فلم ينتفع بها أحد. ولولا ما قال تعالى "وسلاماً" لآذت إبراهيم ببردها. وروي أن جبريل عليه السلام أتى إبراهيم وهو في المنجنيق، فقال يا إبراهيم، سلني حوائجك، إن كنت تريد أن أجعل الأرض عليهم عاليها سافلها فعلت. فقال إبراهيم عليه السلام: إني رفعت حوائجي إلى الله، ولست أسأل أحداً غيره. فقال جبريل ﷺ: لو كان ينبغي لله أن يتخذ خليلاً، لاتخذك خليلاً. فاتخذ الله إبراهيم خليلاً، فلما رمي إبراهيم في النار، أشرف نمرود ينظر إلى النار فرأى فيها عدة يذهبون ويجيئون، فدعا حاجبه، وفتح بابه، وأدخل عليه أشراف قومه فقال لهم: كم طرحتم في النار؟ فقالوا: إبراهيم وحده. قال فهو هذا معه عدة قد صار الجحيم عليهم مثل الأرض، فركب نمرود حتى أتى النار فصاح: يا إبراهيم، فقال إبراهيم: ما تشاء. قال: إنك لحي، قال نعم والحمد لله. قال: فمن هؤلاء النفر معك؟ قال: ملائكة ربي. قال: تقدر أن تخرج؟ قال: نعم. قال: فاخرج. فانفرج له الجحيم فخرج ﷺ وقد زاده الله جمالاً ونوراً. فقال نمرود: إنك لكريم على ربك. فقال إبراهيم: كذا هو لمن أطاعه. فقال نمرود: أتراني إن تقربت إليه بقربان يقبله مني؟ فقال إبراهيم: إنما يتقبل الله من المتقين. فذبح نمرود أربعة آلاف كبش. فأكل الناس منها حتى أكل الطير والسباع والهوام. ثم قال يا إبراهيم أرني جند ربك الذي تهددني بهم فقال إبراهيم ﷺ: اللهم أره أضعف جندك. فنزلت سحابة فقال إبراهيم: في هذه جند ربي فقال: أرنيهم. فانتشر منها بعوض فما برح نمرود حتى رأى عظام من حضر من أصحابه، وعظام خيلهم قد أكلتهم البعوض إلا العظام. ثم وقعت واحدة في شفة نمرود السفلى فصاح حتى أمر بها فقطعت، فارتفعت إلى شفته العليا، فاستغاث فقطعت، ثم دخلت في منخره، فما كان يهدأ ليلاً ولا نهاراً. وكان يضرب رأسه بمرزبة من حديد، فأقام في ذلك أربع مائة سنة. وقال الحسن: لما ألقي إبراهيم ﷺ في النار، لم يؤذه حرها، فقالوا: سحرها فما لها حر. ويروى أنهم بنوا له بنياناً ارتفاعه أربعون ذراعاً وطوله على وجه الأرض ثمانون ذراعاً، فأوقدوا فيه النار، ووضعوا إبراهيم عليه السلام في المنجنيق وألقوه في الجحيم، فقال الله تعالى للنار: كوني برداً وسلاماً على إبراهيم، ولو لم يقل تعالى ذكره "وسلاماً" لمات إبراهيم من البرد في وسط النار، فكان إبراهيم جالساً في النار على زرابية من الجنة. قال الحسن: فلما رأوه لا يؤذيه حرها، قالوا: سحرها. فقال لهم إبراهيم ﷺ: جربوها برجل منكم. فألقوا فيها رجلاً فأكلته. ويروى عنه أنه قال: لما أوثقوه ليلقوه في النار، قال: لا إله إلا أنت سبحانك رب العالمين لك الحمد ولك الملك لا شريك لك. وذكر الشعبي عن عبد الله بن عمر أنه قال: لما ألقي إبراهيم في البنيان والنار، قال حسبي الله ونعم الوكيل. فقال الله: يا نار كوني برداً وسلاماً على إبراهيم. وقال زيد بن أسلم: قال إبراهيم حين أرادوا أن يلقوه في النار: اللهم أنت إلهي، الواحد في السماء وأنا عبدك الواحد في الأرض حسبي الله ونعم الوكيل. فقال الله تعالى للنار: كوني برداً وسلاماً على إبراهيم. * * ثم قال: ﴿وَأَرَادُواْ بِهِ كَيْداً فَجَعَلْنَاهُمُ ٱلأَخْسَرِينَ﴾ أي: الهالكين.

الأنبياء 21:67

قوله تعالى: ﴿قَالُواْ سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ﴾ إلى قوله: ﴿فَجَعَلْنَاهُمُ ٱلأَخْسَرِينَ﴾. أي: قال الذين سمعوه [حين] قال: ﴿وَتَٱللَّهِ لأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَن تُوَلُّواْ مُدْبِرِينَ﴾، ﴿سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ﴾ أي: يذكرهم بسوء. وقيل: يذكرهم: يسبهم ويعيبهم. ﴿يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ﴾ أي: يقال له يا إبراهيم. وقيل: التقدير: يقال له: هو إبراهيم، أو المعروف به إبراهيم: ﴿قَالُواْ فَأْتُواْ بِهِ عَلَىٰ أَعْيُنِ ٱلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ﴾. أي: قال بعضهم لبعض: فجيئوا به على رؤوس الناس لعلهم يشهدون عليه أنه هو الذي فعل هذا. قال قتادة: كرهوا أن يأخذوه بغير بينة. وقيل: معناه: لعلهم يعاينون العقوبة التي تختص به. * * ثم قال: ﴿قَالُوۤاْ أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَـٰذَا بِآلِهَتِنَا يٰإِبْرَاهِيمُ﴾. في الكلام حذف والتقدير: فأتوا به، فلما أتوا قالوا: أأنت فعلت هذا بآلهتنا يا إبراهيم قال لهم: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَـٰذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِن كَانُواْ يِنْطِقُونَ﴾ إنه غضب من أن تعبد معه هذه الصغار، وهو أكبر منها فكسرها. وقيل: التقدير: بل فعله كبيرهم هذا، إن كانوا ينطقون فاسألوهم. أي: إن كانت الآلهة المكسرة تنطق، فإن كبيرهم هو الذي كسرهم غضباً أن تعبد معه وهو كبيرهم. وقد أتت الأخبار عن النبي ﷺ أنه قال: إن إبراهيم عليه السلام لم يكذب إلا ثلاث كذبات كلها في الله. قوله تعالى: بل فعله كبيرهم هذا. وقوله: "إني سقيم" وقوله في سارة: "إنها أختي" وهذا عند أهل العلم غير مكروه، لأنه يجوز أن يكون الله تعالى أذن له في ذلك كما أذن ليوسف أن يقول مؤذنه لأخوته "إنكم لسارقون" ولم يكونوا سرقوا شيئاً. وقد خرجَّ العلماء لإبراهيم عليه السلام في هذه الأشياء الثلاثة وجوهاً تخرج إلى غير الكذب. فسارة أخته في الدين، وقوله: "إني سقيم" معناه: مغتم بضلالكم حتى أنا كالسقيم. وقيل معناه: إني سقيم عندكم. وقيل: يجوز أن يكون ناله من ذلك الوقت مرض. وقيل: معناه: إني سأسقم، لأن كل من كان مصيره إلى الموت، فلا بد من أن يسقم. وقيل: لا يكون الكاذب إلا الآثم، وما ليس فيه إثم، فليس بكذب. دل على ذلك قول الملكين ﴿بَغَىٰ بَعْضُنَا عَلَىٰ بَعْضٍ﴾ [ص: ٢٢] ولم يكونا خصمين ولا كان بغي ولكن عرضا بذلك لداود للقصة التي جرت له في المرأة التي تزوجها. وقال المبرد: معناه إذا كنا خصمين فبغى أحدنا على صاحبه فما الحكم؟. * * ثم قال تعالى: ﴿فَرَجَعُوۤاْ إِلَىٰ أَنفُسِهِمْ فَقَالُوۤاْ إِنَّكُمْ أَنتُمُ ٱلظَّالِمُونَ﴾. أي: ففكروا حين قال لهم إبراهيم، بل فعله كبيرهم هذا. ورجعوا إلى عقولهم ونظر بعضهم إلى بعض فقالوا إنكم أيها القوم الظالمون هذا الرجل في مسألتكم إياه وقِيلكم له" من فعل هذا بآلهتنا يا إبراهيم". فهذه آلهتكم حاضرة فاسألوها. * * ثم قال تعالى: ﴿ثُمَّ نُكِسُواْ عَلَىٰ رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَـٰؤُلاۤءِ يَنطِقُونَ﴾. أي: ثم [غلبوا] في الحجة واحتجوا على إبراهيم بما هو حجة له عليهم، فقالوا: لقد علمت ما هؤلاء الأصنام ينطقون. أي: لا تتكلم فتخبرنا من فعل بها هذا. وقال قتادة: "نكسوا عن رؤوسهم": "انقطعت حجتهم". يقال: نكس الرجل على رأسه إذا انقطعت حجته، كأنه طأطأ رأسه استحياء. وعن قتادة أيضاً أنه قال: "أدركت القوم حيرة سوء"، يعني: حين قال لهم إبراهيم: فاسألوهم إن كانوا ينطقون. وقيل: المعنى: نكسوا في الفتنة والشرك بعد المعرفة: قاله: ابن عباس والسدي فيكون معناه: ثم رجعوا كما عرفوا، وتيقنوا من حجة إبراهيم عليهم السلام. فقالوا: لقد علمت ما هؤلاء ينطقون. * * ثم قال تعالى: ﴿قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لاَ يَنفَعُكُمْ شَيْئاً وَلاَ يَضُرُّكُمْ﴾. أي: قال إبراهيم لقومه لما أقروا أن آلهتهم لا تنطق، أفتعبدون من دون الله ما لا ينفعكم شيئاً ولا يضركم، لأن من لا ينفع نفسه فيدفع عنها الضرر، فليس ينفع غيره. ثم قال لهم إبراهيم: ﴿أُفٍّ لَّكُمْ﴾. أي: قبحاً لكم، وشراً لكم وللآلهة التي تعبدون من دون الله، أفلا تعقلون خطأكم في عبادتكم ما لا ينفع ولا يضر، وترككم عبادة الذي بيده النفع والضر. وقد تقدم شرح أف في "سبحان". * * ثم قال تعالى: ﴿قَالُواْ حَرِّقُوهُ وَٱنصُرُوۤاْ آلِهَتَكُمْ إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ﴾. أي: قال بعضهم لبعض، حرقوا إبراهيم بالنار وانصروا آلهتكم إن كنتم ناصريها ولم تريدوا ترك عبادتها. رويَ أن الذي قاله: رجل من أكراد فارس. وروي أن الله تعالى ذِكْرُهُ خَسَفَ به الأرضَ، فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة. وقال ابن عمر: الذي أشار بذلك، رجل من أعراب فارس. وهم الكرد، فأعراب فارس يقال لهم الكرد. ثم قال تعالى ذكره: ﴿قُلْنَا يٰنَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلَٰماً عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ﴾. في الكلام حذف، والتقدير: فأوقدوا له ناراً وألْقوه فيها، فقلنا يا نار كوني برداً وسلاماً. قال السدي: حبسوه في بيت، وجمعوا له حطباً، حتى إن كانت المرأة لتمرض، فتقول: إن عافاني الله، لأجمعن حطباً لإبراهيم. فلما جمعوا وأكثروا، بنوا بنياناً وأوقدوا النار حتى أن الطير لتمر بها فتحترق من شدة وهجها وحرها. ثم عمدوا إلى إبراهيم ﷺ وشرَّف وكرَّم، فَرَفعوه على رأس البنيان، فرفع إبراهيم عليه السلام رأسه إلى السماء فقالت السماء والأرض والجبال والملائكة: ربنا إبراهيم يحرق فيك. فقال جل وعز: أنا أعلم به، وإن دعاكم فأغيثوه. وقال إبراهيم ﷺ حين رفع راسه إلى السماء: اللهم أنت الواحد في السماء وأنا الواحد في الأرض ليس في الأرض من يعبدك غيري حسبي الله ونعم الوكيل. فقذفوه في النار فناداها "يا نار كوني برداً وسلاماً على إبراهيم". فكان جبريل، هو الذي ناداها". وقال أرقم "إن إبراهيم عليه السلام حين جعلوا يوثقونه ليلقوه في النار قال: لا إله إلا أنت سبحانك رب العالمين، لك الحمد ولك الملك لا شريك لك". قال كعب: "ما انتفع أحد من أهل الأرض يومئذ بنار، ولا أحرقت النار يومئذ شيئاً إلا وثاق إبراهيم عليه السلام. قال ابن عباس: "لو لم يتبع بردها سلاماً لمات إبراهيم من بردها. فلم تبق يومئذ نار في الأرض. إلا طفئت ظنت أنها هي تعنى. فلما طفئت النار، نظروا إلى إبراهيم عليه السلام، فإذا هو ورجل آخر معه، وإذا رأس إبراهيم ﷺ في حجره يمسح عن وجهه العرق. وذكر أن ذلك الرجل هو ملك الظل. وأنزل الله تعالى ناراً فانتفع بها بنو آدم وأخرجوا إبراهيم ﷺ فأدخلوه على الملك نمرود ولم يكن قبل ذلك دخل عليه". قال كعب: ما أحرقت النار منه إلا وثاقه. وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: "لولا أنه قال: "وسلاماً" لقتله بردها". قال بكر بن عبد الله: لما أرادوا أن يلقوا إبراهيم في النار، قالت الخليقة: يا رب، خليلك يلقى في النار؟ فأذن لنا حتى ننصره. فقال الله عز وجل: هو خليلي، ليس لي خليل غيره. وأنا إلهه ليس له إله غيري، فإن استغاث بكم فأغيثوه. فجاء ملك القطر فقال: يا رب، إئذن لي فلأطفينها عنه. فقال الله عز وجل هو خليلي ليس لي خليل غيره، وأنا إلهه، ليس له إله غيري إن استغاث بك فأغثه. فقال الله عز وجل: ﴿قُلْنَا يٰنَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلَٰماً عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ﴾. فما أحرقت ذلك اليوم عراكاً. وقال قتادة: "كانت الدواب كلها تطفئ عن إبراهيم النار إلا الوزغ". وروي عن إبراهيم ﷺ أنه قال: ما كنت أياماً قط أنعم مني من الأيام التي كنت فيها في النار. ولما رفع عن إبراهيم الطبق ورآه والده يرشح جبينه، قال عند ذلك: نعم الرب ربك يا إبراهيم، فكان ذلك أحسن شيء قاله: أبو إبراهيم. قال: ألقي إبراهيم في النار وهو ابن ست عشرة سنة وذبح إسحاق هو ابن سبع سنين، وكان مذبحه من بيت إيليا على ميلين ولما علمت سارة بما أراد بإسحاق بطنت يومين وماتت في اليوم الثالث. وروى معتمر بن سليمان أن جبريل ﷺ لما جاء إبراهيم وهو يوثق ويقمط ليلقى في النار. قال يا إبراهيم: ألك حاجة؟ قال: أما إليك. فلا. ويروى أن إبراهيم كان في زمان نمرود، فلما كسر إبراهيم ﷺ أصنامهم كما قص الله علينا في كتابه بنى نمرود بناء طوله ثمانون ذراعاً في عرضه أربعون ذراعاً، وأوقد فيه النيران، ثم جعل إبراهيم في منجنيق فقذف به في النار، فقال الله جل ذكره للنار كوني برداً وسلاماً على إبراهيم فبردت ذلك اليوم، فلم ينتفع بها أحد. ولولا ما قال تعالى "وسلاماً" لآذت إبراهيم ببردها. وروي أن جبريل عليه السلام أتى إبراهيم وهو في المنجنيق، فقال يا إبراهيم، سلني حوائجك، إن كنت تريد أن أجعل الأرض عليهم عاليها سافلها فعلت. فقال إبراهيم عليه السلام: إني رفعت حوائجي إلى الله، ولست أسأل أحداً غيره. فقال جبريل ﷺ: لو كان ينبغي لله أن يتخذ خليلاً، لاتخذك خليلاً. فاتخذ الله إبراهيم خليلاً، فلما رمي إبراهيم في النار، أشرف نمرود ينظر إلى النار فرأى فيها عدة يذهبون ويجيئون، فدعا حاجبه، وفتح بابه، وأدخل عليه أشراف قومه فقال لهم: كم طرحتم في النار؟ فقالوا: إبراهيم وحده. قال فهو هذا معه عدة قد صار الجحيم عليهم مثل الأرض، فركب نمرود حتى أتى النار فصاح: يا إبراهيم، فقال إبراهيم: ما تشاء. قال: إنك لحي، قال نعم والحمد لله. قال: فمن هؤلاء النفر معك؟ قال: ملائكة ربي. قال: تقدر أن تخرج؟ قال: نعم. قال: فاخرج. فانفرج له الجحيم فخرج ﷺ وقد زاده الله جمالاً ونوراً. فقال نمرود: إنك لكريم على ربك. فقال إبراهيم: كذا هو لمن أطاعه. فقال نمرود: أتراني إن تقربت إليه بقربان يقبله مني؟ فقال إبراهيم: إنما يتقبل الله من المتقين. فذبح نمرود أربعة آلاف كبش. فأكل الناس منها حتى أكل الطير والسباع والهوام. ثم قال يا إبراهيم أرني جند ربك الذي تهددني بهم فقال إبراهيم ﷺ: اللهم أره أضعف جندك. فنزلت سحابة فقال إبراهيم: في هذه جند ربي فقال: أرنيهم. فانتشر منها بعوض فما برح نمرود حتى رأى عظام من حضر من أصحابه، وعظام خيلهم قد أكلتهم البعوض إلا العظام. ثم وقعت واحدة في شفة نمرود السفلى فصاح حتى أمر بها فقطعت، فارتفعت إلى شفته العليا، فاستغاث فقطعت، ثم دخلت في منخره، فما كان يهدأ ليلاً ولا نهاراً. وكان يضرب رأسه بمرزبة من حديد، فأقام في ذلك أربع مائة سنة. وقال الحسن: لما ألقي إبراهيم ﷺ في النار، لم يؤذه حرها، فقالوا: سحرها فما لها حر. ويروى أنهم بنوا له بنياناً ارتفاعه أربعون ذراعاً وطوله على وجه الأرض ثمانون ذراعاً، فأوقدوا فيه النار، ووضعوا إبراهيم عليه السلام في المنجنيق وألقوه في الجحيم، فقال الله تعالى للنار: كوني برداً وسلاماً على إبراهيم، ولو لم يقل تعالى ذكره "وسلاماً" لمات إبراهيم من البرد في وسط النار، فكان إبراهيم جالساً في النار على زرابية من الجنة. قال الحسن: فلما رأوه لا يؤذيه حرها، قالوا: سحرها. فقال لهم إبراهيم ﷺ: جربوها برجل منكم. فألقوا فيها رجلاً فأكلته. ويروى عنه أنه قال: لما أوثقوه ليلقوه في النار، قال: لا إله إلا أنت سبحانك رب العالمين لك الحمد ولك الملك لا شريك لك. وذكر الشعبي عن عبد الله بن عمر أنه قال: لما ألقي إبراهيم في البنيان والنار، قال حسبي الله ونعم الوكيل. فقال الله: يا نار كوني برداً وسلاماً على إبراهيم. وقال زيد بن أسلم: قال إبراهيم حين أرادوا أن يلقوه في النار: اللهم أنت إلهي، الواحد في السماء وأنا عبدك الواحد في الأرض حسبي الله ونعم الوكيل. فقال الله تعالى للنار: كوني برداً وسلاماً على إبراهيم. * * ثم قال: ﴿وَأَرَادُواْ بِهِ كَيْداً فَجَعَلْنَاهُمُ ٱلأَخْسَرِينَ﴾ أي: الهالكين.

الأنبياء 21:68

قوله تعالى: ﴿قَالُواْ سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ﴾ إلى قوله: ﴿فَجَعَلْنَاهُمُ ٱلأَخْسَرِينَ﴾. أي: قال الذين سمعوه [حين] قال: ﴿وَتَٱللَّهِ لأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَن تُوَلُّواْ مُدْبِرِينَ﴾، ﴿سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ﴾ أي: يذكرهم بسوء. وقيل: يذكرهم: يسبهم ويعيبهم. ﴿يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ﴾ أي: يقال له يا إبراهيم. وقيل: التقدير: يقال له: هو إبراهيم، أو المعروف به إبراهيم: ﴿قَالُواْ فَأْتُواْ بِهِ عَلَىٰ أَعْيُنِ ٱلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ﴾. أي: قال بعضهم لبعض: فجيئوا به على رؤوس الناس لعلهم يشهدون عليه أنه هو الذي فعل هذا. قال قتادة: كرهوا أن يأخذوه بغير بينة. وقيل: معناه: لعلهم يعاينون العقوبة التي تختص به. * * ثم قال: ﴿قَالُوۤاْ أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَـٰذَا بِآلِهَتِنَا يٰإِبْرَاهِيمُ﴾. في الكلام حذف والتقدير: فأتوا به، فلما أتوا قالوا: أأنت فعلت هذا بآلهتنا يا إبراهيم قال لهم: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَـٰذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِن كَانُواْ يِنْطِقُونَ﴾ إنه غضب من أن تعبد معه هذه الصغار، وهو أكبر منها فكسرها. وقيل: التقدير: بل فعله كبيرهم هذا، إن كانوا ينطقون فاسألوهم. أي: إن كانت الآلهة المكسرة تنطق، فإن كبيرهم هو الذي كسرهم غضباً أن تعبد معه وهو كبيرهم. وقد أتت الأخبار عن النبي ﷺ أنه قال: إن إبراهيم عليه السلام لم يكذب إلا ثلاث كذبات كلها في الله. قوله تعالى: بل فعله كبيرهم هذا. وقوله: "إني سقيم" وقوله في سارة: "إنها أختي" وهذا عند أهل العلم غير مكروه، لأنه يجوز أن يكون الله تعالى أذن له في ذلك كما أذن ليوسف أن يقول مؤذنه لأخوته "إنكم لسارقون" ولم يكونوا سرقوا شيئاً. وقد خرجَّ العلماء لإبراهيم عليه السلام في هذه الأشياء الثلاثة وجوهاً تخرج إلى غير الكذب. فسارة أخته في الدين، وقوله: "إني سقيم" معناه: مغتم بضلالكم حتى أنا كالسقيم. وقيل معناه: إني سقيم عندكم. وقيل: يجوز أن يكون ناله من ذلك الوقت مرض. وقيل: معناه: إني سأسقم، لأن كل من كان مصيره إلى الموت، فلا بد من أن يسقم. وقيل: لا يكون الكاذب إلا الآثم، وما ليس فيه إثم، فليس بكذب. دل على ذلك قول الملكين ﴿بَغَىٰ بَعْضُنَا عَلَىٰ بَعْضٍ﴾ [ص: ٢٢] ولم يكونا خصمين ولا كان بغي ولكن عرضا بذلك لداود للقصة التي جرت له في المرأة التي تزوجها. وقال المبرد: معناه إذا كنا خصمين فبغى أحدنا على صاحبه فما الحكم؟. * * ثم قال تعالى: ﴿فَرَجَعُوۤاْ إِلَىٰ أَنفُسِهِمْ فَقَالُوۤاْ إِنَّكُمْ أَنتُمُ ٱلظَّالِمُونَ﴾. أي: ففكروا حين قال لهم إبراهيم، بل فعله كبيرهم هذا. ورجعوا إلى عقولهم ونظر بعضهم إلى بعض فقالوا إنكم أيها القوم الظالمون هذا الرجل في مسألتكم إياه وقِيلكم له" من فعل هذا بآلهتنا يا إبراهيم". فهذه آلهتكم حاضرة فاسألوها. * * ثم قال تعالى: ﴿ثُمَّ نُكِسُواْ عَلَىٰ رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَـٰؤُلاۤءِ يَنطِقُونَ﴾. أي: ثم [غلبوا] في الحجة واحتجوا على إبراهيم بما هو حجة له عليهم، فقالوا: لقد علمت ما هؤلاء الأصنام ينطقون. أي: لا تتكلم فتخبرنا من فعل بها هذا. وقال قتادة: "نكسوا عن رؤوسهم": "انقطعت حجتهم". يقال: نكس الرجل على رأسه إذا انقطعت حجته، كأنه طأطأ رأسه استحياء. وعن قتادة أيضاً أنه قال: "أدركت القوم حيرة سوء"، يعني: حين قال لهم إبراهيم: فاسألوهم إن كانوا ينطقون. وقيل: المعنى: نكسوا في الفتنة والشرك بعد المعرفة: قاله: ابن عباس والسدي فيكون معناه: ثم رجعوا كما عرفوا، وتيقنوا من حجة إبراهيم عليهم السلام. فقالوا: لقد علمت ما هؤلاء ينطقون. * * ثم قال تعالى: ﴿قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لاَ يَنفَعُكُمْ شَيْئاً وَلاَ يَضُرُّكُمْ﴾. أي: قال إبراهيم لقومه لما أقروا أن آلهتهم لا تنطق، أفتعبدون من دون الله ما لا ينفعكم شيئاً ولا يضركم، لأن من لا ينفع نفسه فيدفع عنها الضرر، فليس ينفع غيره. ثم قال لهم إبراهيم: ﴿أُفٍّ لَّكُمْ﴾. أي: قبحاً لكم، وشراً لكم وللآلهة التي تعبدون من دون الله، أفلا تعقلون خطأكم في عبادتكم ما لا ينفع ولا يضر، وترككم عبادة الذي بيده النفع والضر. وقد تقدم شرح أف في "سبحان". * * ثم قال تعالى: ﴿قَالُواْ حَرِّقُوهُ وَٱنصُرُوۤاْ آلِهَتَكُمْ إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ﴾. أي: قال بعضهم لبعض، حرقوا إبراهيم بالنار وانصروا آلهتكم إن كنتم ناصريها ولم تريدوا ترك عبادتها. رويَ أن الذي قاله: رجل من أكراد فارس. وروي أن الله تعالى ذِكْرُهُ خَسَفَ به الأرضَ، فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة. وقال ابن عمر: الذي أشار بذلك، رجل من أعراب فارس. وهم الكرد، فأعراب فارس يقال لهم الكرد. ثم قال تعالى ذكره: ﴿قُلْنَا يٰنَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلَٰماً عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ﴾. في الكلام حذف، والتقدير: فأوقدوا له ناراً وألْقوه فيها، فقلنا يا نار كوني برداً وسلاماً. قال السدي: حبسوه في بيت، وجمعوا له حطباً، حتى إن كانت المرأة لتمرض، فتقول: إن عافاني الله، لأجمعن حطباً لإبراهيم. فلما جمعوا وأكثروا، بنوا بنياناً وأوقدوا النار حتى أن الطير لتمر بها فتحترق من شدة وهجها وحرها. ثم عمدوا إلى إبراهيم ﷺ وشرَّف وكرَّم، فَرَفعوه على رأس البنيان، فرفع إبراهيم عليه السلام رأسه إلى السماء فقالت السماء والأرض والجبال والملائكة: ربنا إبراهيم يحرق فيك. فقال جل وعز: أنا أعلم به، وإن دعاكم فأغيثوه. وقال إبراهيم ﷺ حين رفع راسه إلى السماء: اللهم أنت الواحد في السماء وأنا الواحد في الأرض ليس في الأرض من يعبدك غيري حسبي الله ونعم الوكيل. فقذفوه في النار فناداها "يا نار كوني برداً وسلاماً على إبراهيم". فكان جبريل، هو الذي ناداها". وقال أرقم "إن إبراهيم عليه السلام حين جعلوا يوثقونه ليلقوه في النار قال: لا إله إلا أنت سبحانك رب العالمين، لك الحمد ولك الملك لا شريك لك". قال كعب: "ما انتفع أحد من أهل الأرض يومئذ بنار، ولا أحرقت النار يومئذ شيئاً إلا وثاق إبراهيم عليه السلام. قال ابن عباس: "لو لم يتبع بردها سلاماً لمات إبراهيم من بردها. فلم تبق يومئذ نار في الأرض. إلا طفئت ظنت أنها هي تعنى. فلما طفئت النار، نظروا إلى إبراهيم عليه السلام، فإذا هو ورجل آخر معه، وإذا رأس إبراهيم ﷺ في حجره يمسح عن وجهه العرق. وذكر أن ذلك الرجل هو ملك الظل. وأنزل الله تعالى ناراً فانتفع بها بنو آدم وأخرجوا إبراهيم ﷺ فأدخلوه على الملك نمرود ولم يكن قبل ذلك دخل عليه". قال كعب: ما أحرقت النار منه إلا وثاقه. وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: "لولا أنه قال: "وسلاماً" لقتله بردها". قال بكر بن عبد الله: لما أرادوا أن يلقوا إبراهيم في النار، قالت الخليقة: يا رب، خليلك يلقى في النار؟ فأذن لنا حتى ننصره. فقال الله عز وجل: هو خليلي، ليس لي خليل غيره. وأنا إلهه ليس له إله غيري، فإن استغاث بكم فأغيثوه. فجاء ملك القطر فقال: يا رب، إئذن لي فلأطفينها عنه. فقال الله عز وجل هو خليلي ليس لي خليل غيره، وأنا إلهه، ليس له إله غيري إن استغاث بك فأغثه. فقال الله عز وجل: ﴿قُلْنَا يٰنَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلَٰماً عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ﴾. فما أحرقت ذلك اليوم عراكاً. وقال قتادة: "كانت الدواب كلها تطفئ عن إبراهيم النار إلا الوزغ". وروي عن إبراهيم ﷺ أنه قال: ما كنت أياماً قط أنعم مني من الأيام التي كنت فيها في النار. ولما رفع عن إبراهيم الطبق ورآه والده يرشح جبينه، قال عند ذلك: نعم الرب ربك يا إبراهيم، فكان ذلك أحسن شيء قاله: أبو إبراهيم. قال: ألقي إبراهيم في النار وهو ابن ست عشرة سنة وذبح إسحاق هو ابن سبع سنين، وكان مذبحه من بيت إيليا على ميلين ولما علمت سارة بما أراد بإسحاق بطنت يومين وماتت في اليوم الثالث. وروى معتمر بن سليمان أن جبريل ﷺ لما جاء إبراهيم وهو يوثق ويقمط ليلقى في النار. قال يا إبراهيم: ألك حاجة؟ قال: أما إليك. فلا. ويروى أن إبراهيم كان في زمان نمرود، فلما كسر إبراهيم ﷺ أصنامهم كما قص الله علينا في كتابه بنى نمرود بناء طوله ثمانون ذراعاً في عرضه أربعون ذراعاً، وأوقد فيه النيران، ثم جعل إبراهيم في منجنيق فقذف به في النار، فقال الله جل ذكره للنار كوني برداً وسلاماً على إبراهيم فبردت ذلك اليوم، فلم ينتفع بها أحد. ولولا ما قال تعالى "وسلاماً" لآذت إبراهيم ببردها. وروي أن جبريل عليه السلام أتى إبراهيم وهو في المنجنيق، فقال يا إبراهيم، سلني حوائجك، إن كنت تريد أن أجعل الأرض عليهم عاليها سافلها فعلت. فقال إبراهيم عليه السلام: إني رفعت حوائجي إلى الله، ولست أسأل أحداً غيره. فقال جبريل ﷺ: لو كان ينبغي لله أن يتخذ خليلاً، لاتخذك خليلاً. فاتخذ الله إبراهيم خليلاً، فلما رمي إبراهيم في النار، أشرف نمرود ينظر إلى النار فرأى فيها عدة يذهبون ويجيئون، فدعا حاجبه، وفتح بابه، وأدخل عليه أشراف قومه فقال لهم: كم طرحتم في النار؟ فقالوا: إبراهيم وحده. قال فهو هذا معه عدة قد صار الجحيم عليهم مثل الأرض، فركب نمرود حتى أتى النار فصاح: يا إبراهيم، فقال إبراهيم: ما تشاء. قال: إنك لحي، قال نعم والحمد لله. قال: فمن هؤلاء النفر معك؟ قال: ملائكة ربي. قال: تقدر أن تخرج؟ قال: نعم. قال: فاخرج. فانفرج له الجحيم فخرج ﷺ وقد زاده الله جمالاً ونوراً. فقال نمرود: إنك لكريم على ربك. فقال إبراهيم: كذا هو لمن أطاعه. فقال نمرود: أتراني إن تقربت إليه بقربان يقبله مني؟ فقال إبراهيم: إنما يتقبل الله من المتقين. فذبح نمرود أربعة آلاف كبش. فأكل الناس منها حتى أكل الطير والسباع والهوام. ثم قال يا إبراهيم أرني جند ربك الذي تهددني بهم فقال إبراهيم ﷺ: اللهم أره أضعف جندك. فنزلت سحابة فقال إبراهيم: في هذه جند ربي فقال: أرنيهم. فانتشر منها بعوض فما برح نمرود حتى رأى عظام من حضر من أصحابه، وعظام خيلهم قد أكلتهم البعوض إلا العظام. ثم وقعت واحدة في شفة نمرود السفلى فصاح حتى أمر بها فقطعت، فارتفعت إلى شفته العليا، فاستغاث فقطعت، ثم دخلت في منخره، فما كان يهدأ ليلاً ولا نهاراً. وكان يضرب رأسه بمرزبة من حديد، فأقام في ذلك أربع مائة سنة. وقال الحسن: لما ألقي إبراهيم ﷺ في النار، لم يؤذه حرها، فقالوا: سحرها فما لها حر. ويروى أنهم بنوا له بنياناً ارتفاعه أربعون ذراعاً وطوله على وجه الأرض ثمانون ذراعاً، فأوقدوا فيه النار، ووضعوا إبراهيم عليه السلام في المنجنيق وألقوه في الجحيم، فقال الله تعالى للنار: كوني برداً وسلاماً على إبراهيم، ولو لم يقل تعالى ذكره "وسلاماً" لمات إبراهيم من البرد في وسط النار، فكان إبراهيم جالساً في النار على زرابية من الجنة. قال الحسن: فلما رأوه لا يؤذيه حرها، قالوا: سحرها. فقال لهم إبراهيم ﷺ: جربوها برجل منكم. فألقوا فيها رجلاً فأكلته. ويروى عنه أنه قال: لما أوثقوه ليلقوه في النار، قال: لا إله إلا أنت سبحانك رب العالمين لك الحمد ولك الملك لا شريك لك. وذكر الشعبي عن عبد الله بن عمر أنه قال: لما ألقي إبراهيم في البنيان والنار، قال حسبي الله ونعم الوكيل. فقال الله: يا نار كوني برداً وسلاماً على إبراهيم. وقال زيد بن أسلم: قال إبراهيم حين أرادوا أن يلقوه في النار: اللهم أنت إلهي، الواحد في السماء وأنا عبدك الواحد في الأرض حسبي الله ونعم الوكيل. فقال الله تعالى للنار: كوني برداً وسلاماً على إبراهيم. * * ثم قال: ﴿وَأَرَادُواْ بِهِ كَيْداً فَجَعَلْنَاهُمُ ٱلأَخْسَرِينَ﴾ أي: الهالكين.

الأنبياء 21:69

قوله تعالى: ﴿قَالُواْ سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ﴾ إلى قوله: ﴿فَجَعَلْنَاهُمُ ٱلأَخْسَرِينَ﴾. أي: قال الذين سمعوه [حين] قال: ﴿وَتَٱللَّهِ لأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَن تُوَلُّواْ مُدْبِرِينَ﴾، ﴿سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ﴾ أي: يذكرهم بسوء. وقيل: يذكرهم: يسبهم ويعيبهم. ﴿يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ﴾ أي: يقال له يا إبراهيم. وقيل: التقدير: يقال له: هو إبراهيم، أو المعروف به إبراهيم: ﴿قَالُواْ فَأْتُواْ بِهِ عَلَىٰ أَعْيُنِ ٱلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ﴾. أي: قال بعضهم لبعض: فجيئوا به على رؤوس الناس لعلهم يشهدون عليه أنه هو الذي فعل هذا. قال قتادة: كرهوا أن يأخذوه بغير بينة. وقيل: معناه: لعلهم يعاينون العقوبة التي تختص به. * * ثم قال: ﴿قَالُوۤاْ أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَـٰذَا بِآلِهَتِنَا يٰإِبْرَاهِيمُ﴾. في الكلام حذف والتقدير: فأتوا به، فلما أتوا قالوا: أأنت فعلت هذا بآلهتنا يا إبراهيم قال لهم: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَـٰذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِن كَانُواْ يِنْطِقُونَ﴾ إنه غضب من أن تعبد معه هذه الصغار، وهو أكبر منها فكسرها. وقيل: التقدير: بل فعله كبيرهم هذا، إن كانوا ينطقون فاسألوهم. أي: إن كانت الآلهة المكسرة تنطق، فإن كبيرهم هو الذي كسرهم غضباً أن تعبد معه وهو كبيرهم. وقد أتت الأخبار عن النبي ﷺ أنه قال: إن إبراهيم عليه السلام لم يكذب إلا ثلاث كذبات كلها في الله. قوله تعالى: بل فعله كبيرهم هذا. وقوله: "إني سقيم" وقوله في سارة: "إنها أختي" وهذا عند أهل العلم غير مكروه، لأنه يجوز أن يكون الله تعالى أذن له في ذلك كما أذن ليوسف أن يقول مؤذنه لأخوته "إنكم لسارقون" ولم يكونوا سرقوا شيئاً. وقد خرجَّ العلماء لإبراهيم عليه السلام في هذه الأشياء الثلاثة وجوهاً تخرج إلى غير الكذب. فسارة أخته في الدين، وقوله: "إني سقيم" معناه: مغتم بضلالكم حتى أنا كالسقيم. وقيل معناه: إني سقيم عندكم. وقيل: يجوز أن يكون ناله من ذلك الوقت مرض. وقيل: معناه: إني سأسقم، لأن كل من كان مصيره إلى الموت، فلا بد من أن يسقم. وقيل: لا يكون الكاذب إلا الآثم، وما ليس فيه إثم، فليس بكذب. دل على ذلك قول الملكين ﴿بَغَىٰ بَعْضُنَا عَلَىٰ بَعْضٍ﴾ [ص: ٢٢] ولم يكونا خصمين ولا كان بغي ولكن عرضا بذلك لداود للقصة التي جرت له في المرأة التي تزوجها. وقال المبرد: معناه إذا كنا خصمين فبغى أحدنا على صاحبه فما الحكم؟. * * ثم قال تعالى: ﴿فَرَجَعُوۤاْ إِلَىٰ أَنفُسِهِمْ فَقَالُوۤاْ إِنَّكُمْ أَنتُمُ ٱلظَّالِمُونَ﴾. أي: ففكروا حين قال لهم إبراهيم، بل فعله كبيرهم هذا. ورجعوا إلى عقولهم ونظر بعضهم إلى بعض فقالوا إنكم أيها القوم الظالمون هذا الرجل في مسألتكم إياه وقِيلكم له" من فعل هذا بآلهتنا يا إبراهيم". فهذه آلهتكم حاضرة فاسألوها. * * ثم قال تعالى: ﴿ثُمَّ نُكِسُواْ عَلَىٰ رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَـٰؤُلاۤءِ يَنطِقُونَ﴾. أي: ثم [غلبوا] في الحجة واحتجوا على إبراهيم بما هو حجة له عليهم، فقالوا: لقد علمت ما هؤلاء الأصنام ينطقون. أي: لا تتكلم فتخبرنا من فعل بها هذا. وقال قتادة: "نكسوا عن رؤوسهم": "انقطعت حجتهم". يقال: نكس الرجل على رأسه إذا انقطعت حجته، كأنه طأطأ رأسه استحياء. وعن قتادة أيضاً أنه قال: "أدركت القوم حيرة سوء"، يعني: حين قال لهم إبراهيم: فاسألوهم إن كانوا ينطقون. وقيل: المعنى: نكسوا في الفتنة والشرك بعد المعرفة: قاله: ابن عباس والسدي فيكون معناه: ثم رجعوا كما عرفوا، وتيقنوا من حجة إبراهيم عليهم السلام. فقالوا: لقد علمت ما هؤلاء ينطقون. * * ثم قال تعالى: ﴿قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لاَ يَنفَعُكُمْ شَيْئاً وَلاَ يَضُرُّكُمْ﴾. أي: قال إبراهيم لقومه لما أقروا أن آلهتهم لا تنطق، أفتعبدون من دون الله ما لا ينفعكم شيئاً ولا يضركم، لأن من لا ينفع نفسه فيدفع عنها الضرر، فليس ينفع غيره. ثم قال لهم إبراهيم: ﴿أُفٍّ لَّكُمْ﴾. أي: قبحاً لكم، وشراً لكم وللآلهة التي تعبدون من دون الله، أفلا تعقلون خطأكم في عبادتكم ما لا ينفع ولا يضر، وترككم عبادة الذي بيده النفع والضر. وقد تقدم شرح أف في "سبحان". * * ثم قال تعالى: ﴿قَالُواْ حَرِّقُوهُ وَٱنصُرُوۤاْ آلِهَتَكُمْ إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ﴾. أي: قال بعضهم لبعض، حرقوا إبراهيم بالنار وانصروا آلهتكم إن كنتم ناصريها ولم تريدوا ترك عبادتها. رويَ أن الذي قاله: رجل من أكراد فارس. وروي أن الله تعالى ذِكْرُهُ خَسَفَ به الأرضَ، فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة. وقال ابن عمر: الذي أشار بذلك، رجل من أعراب فارس. وهم الكرد، فأعراب فارس يقال لهم الكرد. ثم قال تعالى ذكره: ﴿قُلْنَا يٰنَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلَٰماً عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ﴾. في الكلام حذف، والتقدير: فأوقدوا له ناراً وألْقوه فيها، فقلنا يا نار كوني برداً وسلاماً. قال السدي: حبسوه في بيت، وجمعوا له حطباً، حتى إن كانت المرأة لتمرض، فتقول: إن عافاني الله، لأجمعن حطباً لإبراهيم. فلما جمعوا وأكثروا، بنوا بنياناً وأوقدوا النار حتى أن الطير لتمر بها فتحترق من شدة وهجها وحرها. ثم عمدوا إلى إبراهيم ﷺ وشرَّف وكرَّم، فَرَفعوه على رأس البنيان، فرفع إبراهيم عليه السلام رأسه إلى السماء فقالت السماء والأرض والجبال والملائكة: ربنا إبراهيم يحرق فيك. فقال جل وعز: أنا أعلم به، وإن دعاكم فأغيثوه. وقال إبراهيم ﷺ حين رفع راسه إلى السماء: اللهم أنت الواحد في السماء وأنا الواحد في الأرض ليس في الأرض من يعبدك غيري حسبي الله ونعم الوكيل. فقذفوه في النار فناداها "يا نار كوني برداً وسلاماً على إبراهيم". فكان جبريل، هو الذي ناداها". وقال أرقم "إن إبراهيم عليه السلام حين جعلوا يوثقونه ليلقوه في النار قال: لا إله إلا أنت سبحانك رب العالمين، لك الحمد ولك الملك لا شريك لك". قال كعب: "ما انتفع أحد من أهل الأرض يومئذ بنار، ولا أحرقت النار يومئذ شيئاً إلا وثاق إبراهيم عليه السلام. قال ابن عباس: "لو لم يتبع بردها سلاماً لمات إبراهيم من بردها. فلم تبق يومئذ نار في الأرض. إلا طفئت ظنت أنها هي تعنى. فلما طفئت النار، نظروا إلى إبراهيم عليه السلام، فإذا هو ورجل آخر معه، وإذا رأس إبراهيم ﷺ في حجره يمسح عن وجهه العرق. وذكر أن ذلك الرجل هو ملك الظل. وأنزل الله تعالى ناراً فانتفع بها بنو آدم وأخرجوا إبراهيم ﷺ فأدخلوه على الملك نمرود ولم يكن قبل ذلك دخل عليه". قال كعب: ما أحرقت النار منه إلا وثاقه. وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: "لولا أنه قال: "وسلاماً" لقتله بردها". قال بكر بن عبد الله: لما أرادوا أن يلقوا إبراهيم في النار، قالت الخليقة: يا رب، خليلك يلقى في النار؟ فأذن لنا حتى ننصره. فقال الله عز وجل: هو خليلي، ليس لي خليل غيره. وأنا إلهه ليس له إله غيري، فإن استغاث بكم فأغيثوه. فجاء ملك القطر فقال: يا رب، إئذن لي فلأطفينها عنه. فقال الله عز وجل هو خليلي ليس لي خليل غيره، وأنا إلهه، ليس له إله غيري إن استغاث بك فأغثه. فقال الله عز وجل: ﴿قُلْنَا يٰنَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلَٰماً عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ﴾. فما أحرقت ذلك اليوم عراكاً. وقال قتادة: "كانت الدواب كلها تطفئ عن إبراهيم النار إلا الوزغ". وروي عن إبراهيم ﷺ أنه قال: ما كنت أياماً قط أنعم مني من الأيام التي كنت فيها في النار. ولما رفع عن إبراهيم الطبق ورآه والده يرشح جبينه، قال عند ذلك: نعم الرب ربك يا إبراهيم، فكان ذلك أحسن شيء قاله: أبو إبراهيم. قال: ألقي إبراهيم في النار وهو ابن ست عشرة سنة وذبح إسحاق هو ابن سبع سنين، وكان مذبحه من بيت إيليا على ميلين ولما علمت سارة بما أراد بإسحاق بطنت يومين وماتت في اليوم الثالث. وروى معتمر بن سليمان أن جبريل ﷺ لما جاء إبراهيم وهو يوثق ويقمط ليلقى في النار. قال يا إبراهيم: ألك حاجة؟ قال: أما إليك. فلا. ويروى أن إبراهيم كان في زمان نمرود، فلما كسر إبراهيم ﷺ أصنامهم كما قص الله علينا في كتابه بنى نمرود بناء طوله ثمانون ذراعاً في عرضه أربعون ذراعاً، وأوقد فيه النيران، ثم جعل إبراهيم في منجنيق فقذف به في النار، فقال الله جل ذكره للنار كوني برداً وسلاماً على إبراهيم فبردت ذلك اليوم، فلم ينتفع بها أحد. ولولا ما قال تعالى "وسلاماً" لآذت إبراهيم ببردها. وروي أن جبريل عليه السلام أتى إبراهيم وهو في المنجنيق، فقال يا إبراهيم، سلني حوائجك، إن كنت تريد أن أجعل الأرض عليهم عاليها سافلها فعلت. فقال إبراهيم عليه السلام: إني رفعت حوائجي إلى الله، ولست أسأل أحداً غيره. فقال جبريل ﷺ: لو كان ينبغي لله أن يتخذ خليلاً، لاتخذك خليلاً. فاتخذ الله إبراهيم خليلاً، فلما رمي إبراهيم في النار، أشرف نمرود ينظر إلى النار فرأى فيها عدة يذهبون ويجيئون، فدعا حاجبه، وفتح بابه، وأدخل عليه أشراف قومه فقال لهم: كم طرحتم في النار؟ فقالوا: إبراهيم وحده. قال فهو هذا معه عدة قد صار الجحيم عليهم مثل الأرض، فركب نمرود حتى أتى النار فصاح: يا إبراهيم، فقال إبراهيم: ما تشاء. قال: إنك لحي، قال نعم والحمد لله. قال: فمن هؤلاء النفر معك؟ قال: ملائكة ربي. قال: تقدر أن تخرج؟ قال: نعم. قال: فاخرج. فانفرج له الجحيم فخرج ﷺ وقد زاده الله جمالاً ونوراً. فقال نمرود: إنك لكريم على ربك. فقال إبراهيم: كذا هو لمن أطاعه. فقال نمرود: أتراني إن تقربت إليه بقربان يقبله مني؟ فقال إبراهيم: إنما يتقبل الله من المتقين. فذبح نمرود أربعة آلاف كبش. فأكل الناس منها حتى أكل الطير والسباع والهوام. ثم قال يا إبراهيم أرني جند ربك الذي تهددني بهم فقال إبراهيم ﷺ: اللهم أره أضعف جندك. فنزلت سحابة فقال إبراهيم: في هذه جند ربي فقال: أرنيهم. فانتشر منها بعوض فما برح نمرود حتى رأى عظام من حضر من أصحابه، وعظام خيلهم قد أكلتهم البعوض إلا العظام. ثم وقعت واحدة في شفة نمرود السفلى فصاح حتى أمر بها فقطعت، فارتفعت إلى شفته العليا، فاستغاث فقطعت، ثم دخلت في منخره، فما كان يهدأ ليلاً ولا نهاراً. وكان يضرب رأسه بمرزبة من حديد، فأقام في ذلك أربع مائة سنة. وقال الحسن: لما ألقي إبراهيم ﷺ في النار، لم يؤذه حرها، فقالوا: سحرها فما لها حر. ويروى أنهم بنوا له بنياناً ارتفاعه أربعون ذراعاً وطوله على وجه الأرض ثمانون ذراعاً، فأوقدوا فيه النار، ووضعوا إبراهيم عليه السلام في المنجنيق وألقوه في الجحيم، فقال الله تعالى للنار: كوني برداً وسلاماً على إبراهيم، ولو لم يقل تعالى ذكره "وسلاماً" لمات إبراهيم من البرد في وسط النار، فكان إبراهيم جالساً في النار على زرابية من الجنة. قال الحسن: فلما رأوه لا يؤذيه حرها، قالوا: سحرها. فقال لهم إبراهيم ﷺ: جربوها برجل منكم. فألقوا فيها رجلاً فأكلته. ويروى عنه أنه قال: لما أوثقوه ليلقوه في النار، قال: لا إله إلا أنت سبحانك رب العالمين لك الحمد ولك الملك لا شريك لك. وذكر الشعبي عن عبد الله بن عمر أنه قال: لما ألقي إبراهيم في البنيان والنار، قال حسبي الله ونعم الوكيل. فقال الله: يا نار كوني برداً وسلاماً على إبراهيم. وقال زيد بن أسلم: قال إبراهيم حين أرادوا أن يلقوه في النار: اللهم أنت إلهي، الواحد في السماء وأنا عبدك الواحد في الأرض حسبي الله ونعم الوكيل. فقال الله تعالى للنار: كوني برداً وسلاماً على إبراهيم. * * ثم قال: ﴿وَأَرَادُواْ بِهِ كَيْداً فَجَعَلْنَاهُمُ ٱلأَخْسَرِينَ﴾ أي: الهالكين.

الأنبياء 21:70

قوله تعالى: ﴿قَالُواْ سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ﴾ إلى قوله: ﴿فَجَعَلْنَاهُمُ ٱلأَخْسَرِينَ﴾. أي: قال الذين سمعوه [حين] قال: ﴿وَتَٱللَّهِ لأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَن تُوَلُّواْ مُدْبِرِينَ﴾، ﴿سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ﴾ أي: يذكرهم بسوء. وقيل: يذكرهم: يسبهم ويعيبهم. ﴿يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ﴾ أي: يقال له يا إبراهيم. وقيل: التقدير: يقال له: هو إبراهيم، أو المعروف به إبراهيم: ﴿قَالُواْ فَأْتُواْ بِهِ عَلَىٰ أَعْيُنِ ٱلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ﴾. أي: قال بعضهم لبعض: فجيئوا به على رؤوس الناس لعلهم يشهدون عليه أنه هو الذي فعل هذا. قال قتادة: كرهوا أن يأخذوه بغير بينة. وقيل: معناه: لعلهم يعاينون العقوبة التي تختص به. * * ثم قال: ﴿قَالُوۤاْ أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَـٰذَا بِآلِهَتِنَا يٰإِبْرَاهِيمُ﴾. في الكلام حذف والتقدير: فأتوا به، فلما أتوا قالوا: أأنت فعلت هذا بآلهتنا يا إبراهيم قال لهم: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَـٰذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِن كَانُواْ يِنْطِقُونَ﴾ إنه غضب من أن تعبد معه هذه الصغار، وهو أكبر منها فكسرها. وقيل: التقدير: بل فعله كبيرهم هذا، إن كانوا ينطقون فاسألوهم. أي: إن كانت الآلهة المكسرة تنطق، فإن كبيرهم هو الذي كسرهم غضباً أن تعبد معه وهو كبيرهم. وقد أتت الأخبار عن النبي ﷺ أنه قال: إن إبراهيم عليه السلام لم يكذب إلا ثلاث كذبات كلها في الله. قوله تعالى: بل فعله كبيرهم هذا. وقوله: "إني سقيم" وقوله في سارة: "إنها أختي" وهذا عند أهل العلم غير مكروه، لأنه يجوز أن يكون الله تعالى أذن له في ذلك كما أذن ليوسف أن يقول مؤذنه لأخوته "إنكم لسارقون" ولم يكونوا سرقوا شيئاً. وقد خرجَّ العلماء لإبراهيم عليه السلام في هذه الأشياء الثلاثة وجوهاً تخرج إلى غير الكذب. فسارة أخته في الدين، وقوله: "إني سقيم" معناه: مغتم بضلالكم حتى أنا كالسقيم. وقيل معناه: إني سقيم عندكم. وقيل: يجوز أن يكون ناله من ذلك الوقت مرض. وقيل: معناه: إني سأسقم، لأن كل من كان مصيره إلى الموت، فلا بد من أن يسقم. وقيل: لا يكون الكاذب إلا الآثم، وما ليس فيه إثم، فليس بكذب. دل على ذلك قول الملكين ﴿بَغَىٰ بَعْضُنَا عَلَىٰ بَعْضٍ﴾ [ص: ٢٢] ولم يكونا خصمين ولا كان بغي ولكن عرضا بذلك لداود للقصة التي جرت له في المرأة التي تزوجها. وقال المبرد: معناه إذا كنا خصمين فبغى أحدنا على صاحبه فما الحكم؟. * * ثم قال تعالى: ﴿فَرَجَعُوۤاْ إِلَىٰ أَنفُسِهِمْ فَقَالُوۤاْ إِنَّكُمْ أَنتُمُ ٱلظَّالِمُونَ﴾. أي: ففكروا حين قال لهم إبراهيم، بل فعله كبيرهم هذا. ورجعوا إلى عقولهم ونظر بعضهم إلى بعض فقالوا إنكم أيها القوم الظالمون هذا الرجل في مسألتكم إياه وقِيلكم له" من فعل هذا بآلهتنا يا إبراهيم". فهذه آلهتكم حاضرة فاسألوها. * * ثم قال تعالى: ﴿ثُمَّ نُكِسُواْ عَلَىٰ رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَـٰؤُلاۤءِ يَنطِقُونَ﴾. أي: ثم [غلبوا] في الحجة واحتجوا على إبراهيم بما هو حجة له عليهم، فقالوا: لقد علمت ما هؤلاء الأصنام ينطقون. أي: لا تتكلم فتخبرنا من فعل بها هذا. وقال قتادة: "نكسوا عن رؤوسهم": "انقطعت حجتهم". يقال: نكس الرجل على رأسه إذا انقطعت حجته، كأنه طأطأ رأسه استحياء. وعن قتادة أيضاً أنه قال: "أدركت القوم حيرة سوء"، يعني: حين قال لهم إبراهيم: فاسألوهم إن كانوا ينطقون. وقيل: المعنى: نكسوا في الفتنة والشرك بعد المعرفة: قاله: ابن عباس والسدي فيكون معناه: ثم رجعوا كما عرفوا، وتيقنوا من حجة إبراهيم عليهم السلام. فقالوا: لقد علمت ما هؤلاء ينطقون. * * ثم قال تعالى: ﴿قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لاَ يَنفَعُكُمْ شَيْئاً وَلاَ يَضُرُّكُمْ﴾. أي: قال إبراهيم لقومه لما أقروا أن آلهتهم لا تنطق، أفتعبدون من دون الله ما لا ينفعكم شيئاً ولا يضركم، لأن من لا ينفع نفسه فيدفع عنها الضرر، فليس ينفع غيره. ثم قال لهم إبراهيم: ﴿أُفٍّ لَّكُمْ﴾. أي: قبحاً لكم، وشراً لكم وللآلهة التي تعبدون من دون الله، أفلا تعقلون خطأكم في عبادتكم ما لا ينفع ولا يضر، وترككم عبادة الذي بيده النفع والضر. وقد تقدم شرح أف في "سبحان". * * ثم قال تعالى: ﴿قَالُواْ حَرِّقُوهُ وَٱنصُرُوۤاْ آلِهَتَكُمْ إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ﴾. أي: قال بعضهم لبعض، حرقوا إبراهيم بالنار وانصروا آلهتكم إن كنتم ناصريها ولم تريدوا ترك عبادتها. رويَ أن الذي قاله: رجل من أكراد فارس. وروي أن الله تعالى ذِكْرُهُ خَسَفَ به الأرضَ، فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة. وقال ابن عمر: الذي أشار بذلك، رجل من أعراب فارس. وهم الكرد، فأعراب فارس يقال لهم الكرد. ثم قال تعالى ذكره: ﴿قُلْنَا يٰنَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلَٰماً عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ﴾. في الكلام حذف، والتقدير: فأوقدوا له ناراً وألْقوه فيها، فقلنا يا نار كوني برداً وسلاماً. قال السدي: حبسوه في بيت، وجمعوا له حطباً، حتى إن كانت المرأة لتمرض، فتقول: إن عافاني الله، لأجمعن حطباً لإبراهيم. فلما جمعوا وأكثروا، بنوا بنياناً وأوقدوا النار حتى أن الطير لتمر بها فتحترق من شدة وهجها وحرها. ثم عمدوا إلى إبراهيم ﷺ وشرَّف وكرَّم، فَرَفعوه على رأس البنيان، فرفع إبراهيم عليه السلام رأسه إلى السماء فقالت السماء والأرض والجبال والملائكة: ربنا إبراهيم يحرق فيك. فقال جل وعز: أنا أعلم به، وإن دعاكم فأغيثوه. وقال إبراهيم ﷺ حين رفع راسه إلى السماء: اللهم أنت الواحد في السماء وأنا الواحد في الأرض ليس في الأرض من يعبدك غيري حسبي الله ونعم الوكيل. فقذفوه في النار فناداها "يا نار كوني برداً وسلاماً على إبراهيم". فكان جبريل، هو الذي ناداها". وقال أرقم "إن إبراهيم عليه السلام حين جعلوا يوثقونه ليلقوه في النار قال: لا إله إلا أنت سبحانك رب العالمين، لك الحمد ولك الملك لا شريك لك". قال كعب: "ما انتفع أحد من أهل الأرض يومئذ بنار، ولا أحرقت النار يومئذ شيئاً إلا وثاق إبراهيم عليه السلام. قال ابن عباس: "لو لم يتبع بردها سلاماً لمات إبراهيم من بردها. فلم تبق يومئذ نار في الأرض. إلا طفئت ظنت أنها هي تعنى. فلما طفئت النار، نظروا إلى إبراهيم عليه السلام، فإذا هو ورجل آخر معه، وإذا رأس إبراهيم ﷺ في حجره يمسح عن وجهه العرق. وذكر أن ذلك الرجل هو ملك الظل. وأنزل الله تعالى ناراً فانتفع بها بنو آدم وأخرجوا إبراهيم ﷺ فأدخلوه على الملك نمرود ولم يكن قبل ذلك دخل عليه". قال كعب: ما أحرقت النار منه إلا وثاقه. وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: "لولا أنه قال: "وسلاماً" لقتله بردها". قال بكر بن عبد الله: لما أرادوا أن يلقوا إبراهيم في النار، قالت الخليقة: يا رب، خليلك يلقى في النار؟ فأذن لنا حتى ننصره. فقال الله عز وجل: هو خليلي، ليس لي خليل غيره. وأنا إلهه ليس له إله غيري، فإن استغاث بكم فأغيثوه. فجاء ملك القطر فقال: يا رب، إئذن لي فلأطفينها عنه. فقال الله عز وجل هو خليلي ليس لي خليل غيره، وأنا إلهه، ليس له إله غيري إن استغاث بك فأغثه. فقال الله عز وجل: ﴿قُلْنَا يٰنَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلَٰماً عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ﴾. فما أحرقت ذلك اليوم عراكاً. وقال قتادة: "كانت الدواب كلها تطفئ عن إبراهيم النار إلا الوزغ". وروي عن إبراهيم ﷺ أنه قال: ما كنت أياماً قط أنعم مني من الأيام التي كنت فيها في النار. ولما رفع عن إبراهيم الطبق ورآه والده يرشح جبينه، قال عند ذلك: نعم الرب ربك يا إبراهيم، فكان ذلك أحسن شيء قاله: أبو إبراهيم. قال: ألقي إبراهيم في النار وهو ابن ست عشرة سنة وذبح إسحاق هو ابن سبع سنين، وكان مذبحه من بيت إيليا على ميلين ولما علمت سارة بما أراد بإسحاق بطنت يومين وماتت في اليوم الثالث. وروى معتمر بن سليمان أن جبريل ﷺ لما جاء إبراهيم وهو يوثق ويقمط ليلقى في النار. قال يا إبراهيم: ألك حاجة؟ قال: أما إليك. فلا. ويروى أن إبراهيم كان في زمان نمرود، فلما كسر إبراهيم ﷺ أصنامهم كما قص الله علينا في كتابه بنى نمرود بناء طوله ثمانون ذراعاً في عرضه أربعون ذراعاً، وأوقد فيه النيران، ثم جعل إبراهيم في منجنيق فقذف به في النار، فقال الله جل ذكره للنار كوني برداً وسلاماً على إبراهيم فبردت ذلك اليوم، فلم ينتفع بها أحد. ولولا ما قال تعالى "وسلاماً" لآذت إبراهيم ببردها. وروي أن جبريل عليه السلام أتى إبراهيم وهو في المنجنيق، فقال يا إبراهيم، سلني حوائجك، إن كنت تريد أن أجعل الأرض عليهم عاليها سافلها فعلت. فقال إبراهيم عليه السلام: إني رفعت حوائجي إلى الله، ولست أسأل أحداً غيره. فقال جبريل ﷺ: لو كان ينبغي لله أن يتخذ خليلاً، لاتخذك خليلاً. فاتخذ الله إبراهيم خليلاً، فلما رمي إبراهيم في النار، أشرف نمرود ينظر إلى النار فرأى فيها عدة يذهبون ويجيئون، فدعا حاجبه، وفتح بابه، وأدخل عليه أشراف قومه فقال لهم: كم طرحتم في النار؟ فقالوا: إبراهيم وحده. قال فهو هذا معه عدة قد صار الجحيم عليهم مثل الأرض، فركب نمرود حتى أتى النار فصاح: يا إبراهيم، فقال إبراهيم: ما تشاء. قال: إنك لحي، قال نعم والحمد لله. قال: فمن هؤلاء النفر معك؟ قال: ملائكة ربي. قال: تقدر أن تخرج؟ قال: نعم. قال: فاخرج. فانفرج له الجحيم فخرج ﷺ وقد زاده الله جمالاً ونوراً. فقال نمرود: إنك لكريم على ربك. فقال إبراهيم: كذا هو لمن أطاعه. فقال نمرود: أتراني إن تقربت إليه بقربان يقبله مني؟ فقال إبراهيم: إنما يتقبل الله من المتقين. فذبح نمرود أربعة آلاف كبش. فأكل الناس منها حتى أكل الطير والسباع والهوام. ثم قال يا إبراهيم أرني جند ربك الذي تهددني بهم فقال إبراهيم ﷺ: اللهم أره أضعف جندك. فنزلت سحابة فقال إبراهيم: في هذه جند ربي فقال: أرنيهم. فانتشر منها بعوض فما برح نمرود حتى رأى عظام من حضر من أصحابه، وعظام خيلهم قد أكلتهم البعوض إلا العظام. ثم وقعت واحدة في شفة نمرود السفلى فصاح حتى أمر بها فقطعت، فارتفعت إلى شفته العليا، فاستغاث فقطعت، ثم دخلت في منخره، فما كان يهدأ ليلاً ولا نهاراً. وكان يضرب رأسه بمرزبة من حديد، فأقام في ذلك أربع مائة سنة. وقال الحسن: لما ألقي إبراهيم ﷺ في النار، لم يؤذه حرها، فقالوا: سحرها فما لها حر. ويروى أنهم بنوا له بنياناً ارتفاعه أربعون ذراعاً وطوله على وجه الأرض ثمانون ذراعاً، فأوقدوا فيه النار، ووضعوا إبراهيم عليه السلام في المنجنيق وألقوه في الجحيم، فقال الله تعالى للنار: كوني برداً وسلاماً على إبراهيم، ولو لم يقل تعالى ذكره "وسلاماً" لمات إبراهيم من البرد في وسط النار، فكان إبراهيم جالساً في النار على زرابية من الجنة. قال الحسن: فلما رأوه لا يؤذيه حرها، قالوا: سحرها. فقال لهم إبراهيم ﷺ: جربوها برجل منكم. فألقوا فيها رجلاً فأكلته. ويروى عنه أنه قال: لما أوثقوه ليلقوه في النار، قال: لا إله إلا أنت سبحانك رب العالمين لك الحمد ولك الملك لا شريك لك. وذكر الشعبي عن عبد الله بن عمر أنه قال: لما ألقي إبراهيم في البنيان والنار، قال حسبي الله ونعم الوكيل. فقال الله: يا نار كوني برداً وسلاماً على إبراهيم. وقال زيد بن أسلم: قال إبراهيم حين أرادوا أن يلقوه في النار: اللهم أنت إلهي، الواحد في السماء وأنا عبدك الواحد في الأرض حسبي الله ونعم الوكيل. فقال الله تعالى للنار: كوني برداً وسلاماً على إبراهيم. * * ثم قال: ﴿وَأَرَادُواْ بِهِ كَيْداً فَجَعَلْنَاهُمُ ٱلأَخْسَرِينَ﴾ أي: الهالكين.