Lafzullah

Tafsir Makhi — طه 20:82 – طه 20:135

المؤلف / المصدر: Tafsir Makhi

المحتويات
  1. طه 20:82
  2. طه 20:83
  3. طه 20:84
  4. طه 20:85
  5. طه 20:86
  6. طه 20:87
  7. طه 20:88
  8. طه 20:89
  9. طه 20:90
  10. طه 20:91
  11. طه 20:92
  12. طه 20:93
  13. طه 20:94
  14. طه 20:95
  15. طه 20:96
  16. طه 20:97
  17. طه 20:98
  18. طه 20:99
  19. طه 20:100
  20. طه 20:101
  21. طه 20:102
  22. طه 20:103
  23. طه 20:104
  24. طه 20:105
  25. طه 20:106
  26. طه 20:107
  27. طه 20:108
  28. طه 20:109
  29. طه 20:110
  30. طه 20:111
  31. طه 20:112
  32. طه 20:113
  33. طه 20:114
  34. طه 20:115
  35. طه 20:116
  36. طه 20:117
  37. طه 20:118
  38. طه 20:119
  39. طه 20:120
  40. طه 20:121
  41. طه 20:122
  42. طه 20:123
  43. طه 20:124
  44. طه 20:125
  45. طه 20:126
  46. طه 20:127
  47. طه 20:128
  48. طه 20:129
  49. طه 20:130
  50. طه 20:131
  51. طه 20:132
  52. طه 20:133
  53. طه 20:134
  54. طه 20:135

طه 20:82

قوله تعالى ذكره: ﴿فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ﴾ إلى قوله: ﴿ثُمَّ ٱهْتَدَىٰ﴾. في الكلام حذف، والتقدير: فسرى موسى بهم فاتبعهم فرعون بجنوده. والسرى، سير الليل. وكان فرعون ظن أن موسى ومن معه لا يفوتونه لأن البحر بين أيديهم. فلما أتى موسى البحر، ضربه بعصاه، فانفلق منه اثني عشر طريقاً. وبين الطريق والطريق الماء قائماً كالجبال فأخذ كل سبط طريقاً، فلما أقبل فرعون، ورأى الطريق في البحر، أوهم من معه أن البحر فعل ذلك لمشيئته. فدخل هو وأصحابه فانطبق البحر عليهم. وروي أنهم لما تراءوا وطمع فرعون في موسى ومن معه أرسل الله ضبابة فسترت بعضهم من بعض حتى دخل موسى وقومه في البحر، فلما أمعنوا في البحر، انجلت الضبابة، فنظر أصحاب فرعون فلم يروا منهم أحداً، فتقربوا حتى أتوا البحر، فرأوه منفلقاً. فيه طرق قائمة واضحة يابسة والماء قائم بين الطريق والطريق بمنزلة الجبل العظيم لا يتحرك ولا يزول، فشاهدوا هذه الآيات العظيمة، وأوهمهم فرعون أن البحر إنما انفلق من هيبته ومخافته فدخل خلف بني إسرائيل ليلحقهم، فلما استكمل هو وجنوده في داخل البحر، انطبق عليهم، فهلكوا أجمعين. * * وقوله: ﴿فَغَشِيَهُمْ مِّنَ ٱلْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ﴾. أي: ما غرقهم. وفيه معنى التعظيم، ولذلك كنى عن الغرق بغشيهم. قال أبو النجم: أنا أبو النجم وشعري شعري. أي: شعري ما قد عرفتموه. فكنى عنه ليعظمه. * * ثم قال: ﴿وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَىٰ﴾. أي: وجار فرعون بقومه عن سواء السبيل. ﴿وَمَا هَدَىٰ﴾ أي: ما سلك بهم الطريق المستقيم. يعني في الإيمان والكفر، لأنه نهاهم عن اتباع الرسول فأطاعوه. * * ثم قال: ﴿يٰبَنِي إِسْرَائِيلَ قَدْ أَنجَيْنَاكُمْ مِّنْ عَدُوِّكُمْ﴾. يعني فرعون وهذا خطاب لهم بعد هلاك فرعون وجنوده في البحر. * * ثم قال: ﴿وَوَاعَدْنَاكُمْ جَانِبَ ٱلطُّورِ ٱلأَيْمَنَ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكُمُ ٱلْمَنَّ وَٱلسَّلْوَىٰ﴾. يذكرهم بنعمه عندهم وأياديه لديهم، وقد مضى تفسير هذا كله في البقرة. * * ﴿كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾. أي: من شهية وحلاله. * * ﴿وَلاَ تَطْغَوْاْ فِيهِ﴾. أي: لا يظلم بعضكم بعضاً. والمعنى: لا يحملنكم السعة والخصب على الطغيان فتظلموا فيحل عليكم غضبي. أي: ينزل بكم ويجب. * * ﴿وَمَن يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَىٰ﴾. أي: شقى وهلك، أي: صار إلى الهاوية وهي قعر جهنم، نعوذ بالله منها. * * ثم قال تعالى: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ﴾. قال ابن عباس: ﴿لِّمَن تَابَ﴾ من الشرك و ﴿وَآمَنَ﴾ وحّد الله ﴿وَعَمِلَ صَالِحَاً﴾: أدّى الفرائض. والتقدير: وإني لستار لذنوب مَن تاب من الشرك. وقال قتادة: وإني لغفار لمن تاب من ذنبه وآمن بربه وعمل صالحاً فيما بينه وبين الله جل ذكره. وقوله: ثم اهتدى. معناه عند ابن عباس: لم يشكك. وقال قتادة: ثم لزم الإسلام حتى يموت عليه. وقال أنس بن مالك: ﴿ثُمَّ ٱهْتَدَىٰ﴾: أي: أخذ بسنة نبيه ﷺ. وقال ابن زيد: ﴿ثُمَّ ٱهْتَدَىٰ﴾ ثم أصاب العمل. وقال الفراء: "ثم اهتدى" ثم علم أن لذلك ثواباً وعليه عقاباً.

طه 20:83

قوله تعالى ذكره: ﴿وَمَآ أَعْجَلَكَ عَن قَومِكَ يٰمُوسَىٰ﴾ إلى قوله: ﴿فَكَذَلِكَ أَلْقَى ٱلسَّامِرِيُّ﴾. أي: وأي شيء أعجلك يا موسى وتركت قومك خلفك، وذلك أن الله عز وجل أنجى موسى وقومه من فرعون وقطع به البحر وأهلك فرعون وقومه، ووعد موسى ومن معه جانب الطور الأيمن، فتعجل موسى إلى ربه، وترك قومه مع هارون يسير بهم في أثر موسى. وقال ابن إسحاق: وعد الله موسى وقومه بعد أن أنجاه وقومه ثلاثين ليلة وأتمها بعشر فتم ميقات ربه أربعين ليلة تلقاه فيها بما شاء، واستخلف موسى على قومه هارون ومعه السامري يسير بهم على أثر موسى ليلحقه بهم. فلما كلم الله موسى. قال له: ما أعجلك عن قومك يا موسى. قال هم أولاء على أثري، وعجلت إليك رب لترضى. وقيل: المعنى: أن الله تعالى ذكره وعد موسى أن يأتيه في جماعة من بني إسرائيل، ويترك باقيهم مع هارون. فخرج بجماعة من خيارهم، فتقدمهم موسى إلى الموضع الذي وعد بالإتيان إليه. فلذلك قال له تعالى ذكره ﴿وَمَآ أَعْجَلَكَ عَن قَومِكَ يٰمُوسَىٰ﴾ أي: عن القوم الذين أتوا معك للميعاد. قيل: وعدهم أن يسمعوا كلام الله، فلذلك قال: هم أولاً على أثري أي: قريب، مني سائرون إلي. وإنما تقدمتهم لترضى عني. * * ثم قال تعالى: ﴿قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِن بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ ٱلسَّامِرِيُّ﴾. أي: قد ابتلينا قومك من بعدك بعبادة العجل وإضلال السامري لهم، دعاؤه إياهم إلى عبادة العجل. قيل: إن السامري كان من القبط، آمن بموسى، فترك الإيمان فهو قوله ﴿فَنَسِيَ﴾ أي: فترك العهد، وأكثر الأقوال أنه من بني إسرائيل. وأنه ابن خالة موسى، ويكون قوله: "فنسي" يريد أنه من قول السامري. قال لهم: إن موسى نسي إلهكم عندكم ومضى يطلبه. يريد العجل. وأراد بقوله: "قومك من بعدك" الذين تأخروا مع هارون لا الذين صحبوا موسى ومضوا معه للميقات. وهم الذين اختارهم موسى للميقات، وهم سبعون. فلذلك قال موسى لما أخذتهم الرجفة فماتوا: ﴿أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ ٱلسُّفَهَآءُ مِنَّآ﴾ [الأعراف: ١٥٥]. يعني الذين تأخروا مع هارون وعبدوا العجل. * * ثم قال: ﴿فَرَجَعَ مُوسَىٰ إِلَىٰ قَوْمِهِ غَضْبَٰنَ أَسِفاً﴾. أي: فانصرف موسى إلى قومه من بني إسرائيل بعد تمام الأربعين ليلة غضبان على قومه لاتخاذهم العجل من بعده. ﴿أَسِفاً﴾ أي: حزيناً لما أحدثوا من الكفر. والأسف: يكون الحزن، ويكون الغضب. ومن الغضب، قوله تعالى: ﴿فَلَمَّآ آسَفُونَا﴾ [الزخرف: ٥٥] أي: أغضبونا. ثم قال تعالى ذكره: ﴿قَالَ يٰقَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْداً حَسَناً﴾. أي: قال موسى عليه السلام لبني إسرائيل لما رجع إليهم غضبانا حزيناً: ألم يعدكم ربكم وعداً حسناً. وذلك الوعد، قوله: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحَاً ثُمَّ ٱهْتَدَىٰ﴾. وقيل: وعدهم إنزال التوراة عليهم. وقيل: وعدهم الجنة إذا أقاموا على الطاعة. وقيل: وعدهم أن يسمعهم كلامه . * * ثم قال: ﴿أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ ٱلْعَهْدُ﴾. أي: طال عليكم إنجاز الوعد. * * وقوله: ﴿فَأَخْلَفْتُمْ مَّوْعِدِي﴾. كان قد وعدوه أن يقيموا على طاعته ويسيروا في أثره للموعد إلى جانب الطور الأيمن، فعبدوا العجل بعده وأقاموا، وقالوا لهارون: ﴿لَن نَّبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّىٰ يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَىٰ﴾. * * ثم قال تعالى: ﴿مَآ أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا﴾. من ضم الميم في "بملكنا": فمعناه: ما أخلفنا موعدك بسلطاننا. أي: لم نملك الصواب ولا القدرة على ترك الأخلاف، بل كان ذلك خطأ منا. ومن كسر الميم: فمعناه: ما أخلفنا موعدك بأن ملكنا الصواب. ومن فتح الميم فمعناه: بقوتنا. وقيل: هي لغات يرجعن إلى معنى واحد. وقيل: إن هذا من قول الذين لم يعبدوا العجل، أي: لم نملك ردهم عن عبادة العجل، ولا منعهم من ذلك، فتبرءوا منهم واعتذروا. * * ثم قال: ﴿وَلَـٰكِنَّا حُمِّلْنَآ أَوْزَاراً مِّن زِينَةِ ٱلْقَوْمِ فَقَذَفْنَاهَا﴾. قال ابن عباس: كان مع بني إسرائيل حلي من حلي آل فرعون، فهو الأوزار من زينة القوم، أي قوم فرعون. ويقال: إن بني إسرائيل لما أراد موسى أن يسير بهم ليلاً من مصر بأمر الله، أمرهم أن يستعيروا من أمتعة آل فرعون وحليهم، وقال لهم: إن الله مغنمكم ذلك، ففعلوا، فذلك الزينة الذي حمِّلوا من زينة القوم. * * وقوله: ﴿فَقَذَفْنَاهَا﴾. أي: في النار لتذوب. * * وقوله: ﴿فَكَذَلِكَ أَلْقَى ٱلسَّامِرِيُّ﴾. أي: فألقى السامري الحلي مثل ذلك، أي: ألقى ما كان معه من تربة حافر فرس جبريل ﷺ فالكاف في موضع نصب لمصدر محذوف.

طه 20:84

قوله تعالى ذكره: ﴿وَمَآ أَعْجَلَكَ عَن قَومِكَ يٰمُوسَىٰ﴾ إلى قوله: ﴿فَكَذَلِكَ أَلْقَى ٱلسَّامِرِيُّ﴾. أي: وأي شيء أعجلك يا موسى وتركت قومك خلفك، وذلك أن الله عز وجل أنجى موسى وقومه من فرعون وقطع به البحر وأهلك فرعون وقومه، ووعد موسى ومن معه جانب الطور الأيمن، فتعجل موسى إلى ربه، وترك قومه مع هارون يسير بهم في أثر موسى. وقال ابن إسحاق: وعد الله موسى وقومه بعد أن أنجاه وقومه ثلاثين ليلة وأتمها بعشر فتم ميقات ربه أربعين ليلة تلقاه فيها بما شاء، واستخلف موسى على قومه هارون ومعه السامري يسير بهم على أثر موسى ليلحقه بهم. فلما كلم الله موسى. قال له: ما أعجلك عن قومك يا موسى. قال هم أولاء على أثري، وعجلت إليك رب لترضى. وقيل: المعنى: أن الله تعالى ذكره وعد موسى أن يأتيه في جماعة من بني إسرائيل، ويترك باقيهم مع هارون. فخرج بجماعة من خيارهم، فتقدمهم موسى إلى الموضع الذي وعد بالإتيان إليه. فلذلك قال له تعالى ذكره ﴿وَمَآ أَعْجَلَكَ عَن قَومِكَ يٰمُوسَىٰ﴾ أي: عن القوم الذين أتوا معك للميعاد. قيل: وعدهم أن يسمعوا كلام الله، فلذلك قال: هم أولاً على أثري أي: قريب، مني سائرون إلي. وإنما تقدمتهم لترضى عني. * * ثم قال تعالى: ﴿قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِن بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ ٱلسَّامِرِيُّ﴾. أي: قد ابتلينا قومك من بعدك بعبادة العجل وإضلال السامري لهم، دعاؤه إياهم إلى عبادة العجل. قيل: إن السامري كان من القبط، آمن بموسى، فترك الإيمان فهو قوله ﴿فَنَسِيَ﴾ أي: فترك العهد، وأكثر الأقوال أنه من بني إسرائيل. وأنه ابن خالة موسى، ويكون قوله: "فنسي" يريد أنه من قول السامري. قال لهم: إن موسى نسي إلهكم عندكم ومضى يطلبه. يريد العجل. وأراد بقوله: "قومك من بعدك" الذين تأخروا مع هارون لا الذين صحبوا موسى ومضوا معه للميقات. وهم الذين اختارهم موسى للميقات، وهم سبعون. فلذلك قال موسى لما أخذتهم الرجفة فماتوا: ﴿أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ ٱلسُّفَهَآءُ مِنَّآ﴾ [الأعراف: ١٥٥]. يعني الذين تأخروا مع هارون وعبدوا العجل. * * ثم قال: ﴿فَرَجَعَ مُوسَىٰ إِلَىٰ قَوْمِهِ غَضْبَٰنَ أَسِفاً﴾. أي: فانصرف موسى إلى قومه من بني إسرائيل بعد تمام الأربعين ليلة غضبان على قومه لاتخاذهم العجل من بعده. ﴿أَسِفاً﴾ أي: حزيناً لما أحدثوا من الكفر. والأسف: يكون الحزن، ويكون الغضب. ومن الغضب، قوله تعالى: ﴿فَلَمَّآ آسَفُونَا﴾ [الزخرف: ٥٥] أي: أغضبونا. ثم قال تعالى ذكره: ﴿قَالَ يٰقَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْداً حَسَناً﴾. أي: قال موسى عليه السلام لبني إسرائيل لما رجع إليهم غضبانا حزيناً: ألم يعدكم ربكم وعداً حسناً. وذلك الوعد، قوله: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحَاً ثُمَّ ٱهْتَدَىٰ﴾. وقيل: وعدهم إنزال التوراة عليهم. وقيل: وعدهم الجنة إذا أقاموا على الطاعة. وقيل: وعدهم أن يسمعهم كلامه . * * ثم قال: ﴿أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ ٱلْعَهْدُ﴾. أي: طال عليكم إنجاز الوعد. * * وقوله: ﴿فَأَخْلَفْتُمْ مَّوْعِدِي﴾. كان قد وعدوه أن يقيموا على طاعته ويسيروا في أثره للموعد إلى جانب الطور الأيمن، فعبدوا العجل بعده وأقاموا، وقالوا لهارون: ﴿لَن نَّبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّىٰ يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَىٰ﴾. * * ثم قال تعالى: ﴿مَآ أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا﴾. من ضم الميم في "بملكنا": فمعناه: ما أخلفنا موعدك بسلطاننا. أي: لم نملك الصواب ولا القدرة على ترك الأخلاف، بل كان ذلك خطأ منا. ومن كسر الميم: فمعناه: ما أخلفنا موعدك بأن ملكنا الصواب. ومن فتح الميم فمعناه: بقوتنا. وقيل: هي لغات يرجعن إلى معنى واحد. وقيل: إن هذا من قول الذين لم يعبدوا العجل، أي: لم نملك ردهم عن عبادة العجل، ولا منعهم من ذلك، فتبرءوا منهم واعتذروا. * * ثم قال: ﴿وَلَـٰكِنَّا حُمِّلْنَآ أَوْزَاراً مِّن زِينَةِ ٱلْقَوْمِ فَقَذَفْنَاهَا﴾. قال ابن عباس: كان مع بني إسرائيل حلي من حلي آل فرعون، فهو الأوزار من زينة القوم، أي قوم فرعون. ويقال: إن بني إسرائيل لما أراد موسى أن يسير بهم ليلاً من مصر بأمر الله، أمرهم أن يستعيروا من أمتعة آل فرعون وحليهم، وقال لهم: إن الله مغنمكم ذلك، ففعلوا، فذلك الزينة الذي حمِّلوا من زينة القوم. * * وقوله: ﴿فَقَذَفْنَاهَا﴾. أي: في النار لتذوب. * * وقوله: ﴿فَكَذَلِكَ أَلْقَى ٱلسَّامِرِيُّ﴾. أي: فألقى السامري الحلي مثل ذلك، أي: ألقى ما كان معه من تربة حافر فرس جبريل ﷺ فالكاف في موضع نصب لمصدر محذوف.

طه 20:85

قوله تعالى ذكره: ﴿وَمَآ أَعْجَلَكَ عَن قَومِكَ يٰمُوسَىٰ﴾ إلى قوله: ﴿فَكَذَلِكَ أَلْقَى ٱلسَّامِرِيُّ﴾. أي: وأي شيء أعجلك يا موسى وتركت قومك خلفك، وذلك أن الله عز وجل أنجى موسى وقومه من فرعون وقطع به البحر وأهلك فرعون وقومه، ووعد موسى ومن معه جانب الطور الأيمن، فتعجل موسى إلى ربه، وترك قومه مع هارون يسير بهم في أثر موسى. وقال ابن إسحاق: وعد الله موسى وقومه بعد أن أنجاه وقومه ثلاثين ليلة وأتمها بعشر فتم ميقات ربه أربعين ليلة تلقاه فيها بما شاء، واستخلف موسى على قومه هارون ومعه السامري يسير بهم على أثر موسى ليلحقه بهم. فلما كلم الله موسى. قال له: ما أعجلك عن قومك يا موسى. قال هم أولاء على أثري، وعجلت إليك رب لترضى. وقيل: المعنى: أن الله تعالى ذكره وعد موسى أن يأتيه في جماعة من بني إسرائيل، ويترك باقيهم مع هارون. فخرج بجماعة من خيارهم، فتقدمهم موسى إلى الموضع الذي وعد بالإتيان إليه. فلذلك قال له تعالى ذكره ﴿وَمَآ أَعْجَلَكَ عَن قَومِكَ يٰمُوسَىٰ﴾ أي: عن القوم الذين أتوا معك للميعاد. قيل: وعدهم أن يسمعوا كلام الله، فلذلك قال: هم أولاً على أثري أي: قريب، مني سائرون إلي. وإنما تقدمتهم لترضى عني. * * ثم قال تعالى: ﴿قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِن بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ ٱلسَّامِرِيُّ﴾. أي: قد ابتلينا قومك من بعدك بعبادة العجل وإضلال السامري لهم، دعاؤه إياهم إلى عبادة العجل. قيل: إن السامري كان من القبط، آمن بموسى، فترك الإيمان فهو قوله ﴿فَنَسِيَ﴾ أي: فترك العهد، وأكثر الأقوال أنه من بني إسرائيل. وأنه ابن خالة موسى، ويكون قوله: "فنسي" يريد أنه من قول السامري. قال لهم: إن موسى نسي إلهكم عندكم ومضى يطلبه. يريد العجل. وأراد بقوله: "قومك من بعدك" الذين تأخروا مع هارون لا الذين صحبوا موسى ومضوا معه للميقات. وهم الذين اختارهم موسى للميقات، وهم سبعون. فلذلك قال موسى لما أخذتهم الرجفة فماتوا: ﴿أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ ٱلسُّفَهَآءُ مِنَّآ﴾ [الأعراف: ١٥٥]. يعني الذين تأخروا مع هارون وعبدوا العجل. * * ثم قال: ﴿فَرَجَعَ مُوسَىٰ إِلَىٰ قَوْمِهِ غَضْبَٰنَ أَسِفاً﴾. أي: فانصرف موسى إلى قومه من بني إسرائيل بعد تمام الأربعين ليلة غضبان على قومه لاتخاذهم العجل من بعده. ﴿أَسِفاً﴾ أي: حزيناً لما أحدثوا من الكفر. والأسف: يكون الحزن، ويكون الغضب. ومن الغضب، قوله تعالى: ﴿فَلَمَّآ آسَفُونَا﴾ [الزخرف: ٥٥] أي: أغضبونا. ثم قال تعالى ذكره: ﴿قَالَ يٰقَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْداً حَسَناً﴾. أي: قال موسى عليه السلام لبني إسرائيل لما رجع إليهم غضبانا حزيناً: ألم يعدكم ربكم وعداً حسناً. وذلك الوعد، قوله: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحَاً ثُمَّ ٱهْتَدَىٰ﴾. وقيل: وعدهم إنزال التوراة عليهم. وقيل: وعدهم الجنة إذا أقاموا على الطاعة. وقيل: وعدهم أن يسمعهم كلامه . * * ثم قال: ﴿أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ ٱلْعَهْدُ﴾. أي: طال عليكم إنجاز الوعد. * * وقوله: ﴿فَأَخْلَفْتُمْ مَّوْعِدِي﴾. كان قد وعدوه أن يقيموا على طاعته ويسيروا في أثره للموعد إلى جانب الطور الأيمن، فعبدوا العجل بعده وأقاموا، وقالوا لهارون: ﴿لَن نَّبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّىٰ يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَىٰ﴾. * * ثم قال تعالى: ﴿مَآ أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا﴾. من ضم الميم في "بملكنا": فمعناه: ما أخلفنا موعدك بسلطاننا. أي: لم نملك الصواب ولا القدرة على ترك الأخلاف، بل كان ذلك خطأ منا. ومن كسر الميم: فمعناه: ما أخلفنا موعدك بأن ملكنا الصواب. ومن فتح الميم فمعناه: بقوتنا. وقيل: هي لغات يرجعن إلى معنى واحد. وقيل: إن هذا من قول الذين لم يعبدوا العجل، أي: لم نملك ردهم عن عبادة العجل، ولا منعهم من ذلك، فتبرءوا منهم واعتذروا. * * ثم قال: ﴿وَلَـٰكِنَّا حُمِّلْنَآ أَوْزَاراً مِّن زِينَةِ ٱلْقَوْمِ فَقَذَفْنَاهَا﴾. قال ابن عباس: كان مع بني إسرائيل حلي من حلي آل فرعون، فهو الأوزار من زينة القوم، أي قوم فرعون. ويقال: إن بني إسرائيل لما أراد موسى أن يسير بهم ليلاً من مصر بأمر الله، أمرهم أن يستعيروا من أمتعة آل فرعون وحليهم، وقال لهم: إن الله مغنمكم ذلك، ففعلوا، فذلك الزينة الذي حمِّلوا من زينة القوم. * * وقوله: ﴿فَقَذَفْنَاهَا﴾. أي: في النار لتذوب. * * وقوله: ﴿فَكَذَلِكَ أَلْقَى ٱلسَّامِرِيُّ﴾. أي: فألقى السامري الحلي مثل ذلك، أي: ألقى ما كان معه من تربة حافر فرس جبريل ﷺ فالكاف في موضع نصب لمصدر محذوف.

طه 20:86

قوله تعالى ذكره: ﴿وَمَآ أَعْجَلَكَ عَن قَومِكَ يٰمُوسَىٰ﴾ إلى قوله: ﴿فَكَذَلِكَ أَلْقَى ٱلسَّامِرِيُّ﴾. أي: وأي شيء أعجلك يا موسى وتركت قومك خلفك، وذلك أن الله عز وجل أنجى موسى وقومه من فرعون وقطع به البحر وأهلك فرعون وقومه، ووعد موسى ومن معه جانب الطور الأيمن، فتعجل موسى إلى ربه، وترك قومه مع هارون يسير بهم في أثر موسى. وقال ابن إسحاق: وعد الله موسى وقومه بعد أن أنجاه وقومه ثلاثين ليلة وأتمها بعشر فتم ميقات ربه أربعين ليلة تلقاه فيها بما شاء، واستخلف موسى على قومه هارون ومعه السامري يسير بهم على أثر موسى ليلحقه بهم. فلما كلم الله موسى. قال له: ما أعجلك عن قومك يا موسى. قال هم أولاء على أثري، وعجلت إليك رب لترضى. وقيل: المعنى: أن الله تعالى ذكره وعد موسى أن يأتيه في جماعة من بني إسرائيل، ويترك باقيهم مع هارون. فخرج بجماعة من خيارهم، فتقدمهم موسى إلى الموضع الذي وعد بالإتيان إليه. فلذلك قال له تعالى ذكره ﴿وَمَآ أَعْجَلَكَ عَن قَومِكَ يٰمُوسَىٰ﴾ أي: عن القوم الذين أتوا معك للميعاد. قيل: وعدهم أن يسمعوا كلام الله، فلذلك قال: هم أولاً على أثري أي: قريب، مني سائرون إلي. وإنما تقدمتهم لترضى عني. * * ثم قال تعالى: ﴿قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِن بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ ٱلسَّامِرِيُّ﴾. أي: قد ابتلينا قومك من بعدك بعبادة العجل وإضلال السامري لهم، دعاؤه إياهم إلى عبادة العجل. قيل: إن السامري كان من القبط، آمن بموسى، فترك الإيمان فهو قوله ﴿فَنَسِيَ﴾ أي: فترك العهد، وأكثر الأقوال أنه من بني إسرائيل. وأنه ابن خالة موسى، ويكون قوله: "فنسي" يريد أنه من قول السامري. قال لهم: إن موسى نسي إلهكم عندكم ومضى يطلبه. يريد العجل. وأراد بقوله: "قومك من بعدك" الذين تأخروا مع هارون لا الذين صحبوا موسى ومضوا معه للميقات. وهم الذين اختارهم موسى للميقات، وهم سبعون. فلذلك قال موسى لما أخذتهم الرجفة فماتوا: ﴿أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ ٱلسُّفَهَآءُ مِنَّآ﴾ [الأعراف: ١٥٥]. يعني الذين تأخروا مع هارون وعبدوا العجل. * * ثم قال: ﴿فَرَجَعَ مُوسَىٰ إِلَىٰ قَوْمِهِ غَضْبَٰنَ أَسِفاً﴾. أي: فانصرف موسى إلى قومه من بني إسرائيل بعد تمام الأربعين ليلة غضبان على قومه لاتخاذهم العجل من بعده. ﴿أَسِفاً﴾ أي: حزيناً لما أحدثوا من الكفر. والأسف: يكون الحزن، ويكون الغضب. ومن الغضب، قوله تعالى: ﴿فَلَمَّآ آسَفُونَا﴾ [الزخرف: ٥٥] أي: أغضبونا. ثم قال تعالى ذكره: ﴿قَالَ يٰقَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْداً حَسَناً﴾. أي: قال موسى عليه السلام لبني إسرائيل لما رجع إليهم غضبانا حزيناً: ألم يعدكم ربكم وعداً حسناً. وذلك الوعد، قوله: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحَاً ثُمَّ ٱهْتَدَىٰ﴾. وقيل: وعدهم إنزال التوراة عليهم. وقيل: وعدهم الجنة إذا أقاموا على الطاعة. وقيل: وعدهم أن يسمعهم كلامه . * * ثم قال: ﴿أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ ٱلْعَهْدُ﴾. أي: طال عليكم إنجاز الوعد. * * وقوله: ﴿فَأَخْلَفْتُمْ مَّوْعِدِي﴾. كان قد وعدوه أن يقيموا على طاعته ويسيروا في أثره للموعد إلى جانب الطور الأيمن، فعبدوا العجل بعده وأقاموا، وقالوا لهارون: ﴿لَن نَّبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّىٰ يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَىٰ﴾. * * ثم قال تعالى: ﴿مَآ أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا﴾. من ضم الميم في "بملكنا": فمعناه: ما أخلفنا موعدك بسلطاننا. أي: لم نملك الصواب ولا القدرة على ترك الأخلاف، بل كان ذلك خطأ منا. ومن كسر الميم: فمعناه: ما أخلفنا موعدك بأن ملكنا الصواب. ومن فتح الميم فمعناه: بقوتنا. وقيل: هي لغات يرجعن إلى معنى واحد. وقيل: إن هذا من قول الذين لم يعبدوا العجل، أي: لم نملك ردهم عن عبادة العجل، ولا منعهم من ذلك، فتبرءوا منهم واعتذروا. * * ثم قال: ﴿وَلَـٰكِنَّا حُمِّلْنَآ أَوْزَاراً مِّن زِينَةِ ٱلْقَوْمِ فَقَذَفْنَاهَا﴾. قال ابن عباس: كان مع بني إسرائيل حلي من حلي آل فرعون، فهو الأوزار من زينة القوم، أي قوم فرعون. ويقال: إن بني إسرائيل لما أراد موسى أن يسير بهم ليلاً من مصر بأمر الله، أمرهم أن يستعيروا من أمتعة آل فرعون وحليهم، وقال لهم: إن الله مغنمكم ذلك، ففعلوا، فذلك الزينة الذي حمِّلوا من زينة القوم. * * وقوله: ﴿فَقَذَفْنَاهَا﴾. أي: في النار لتذوب. * * وقوله: ﴿فَكَذَلِكَ أَلْقَى ٱلسَّامِرِيُّ﴾. أي: فألقى السامري الحلي مثل ذلك، أي: ألقى ما كان معه من تربة حافر فرس جبريل ﷺ فالكاف في موضع نصب لمصدر محذوف.

طه 20:87

قوله تعالى ذكره: ﴿وَمَآ أَعْجَلَكَ عَن قَومِكَ يٰمُوسَىٰ﴾ إلى قوله: ﴿فَكَذَلِكَ أَلْقَى ٱلسَّامِرِيُّ﴾. أي: وأي شيء أعجلك يا موسى وتركت قومك خلفك، وذلك أن الله عز وجل أنجى موسى وقومه من فرعون وقطع به البحر وأهلك فرعون وقومه، ووعد موسى ومن معه جانب الطور الأيمن، فتعجل موسى إلى ربه، وترك قومه مع هارون يسير بهم في أثر موسى. وقال ابن إسحاق: وعد الله موسى وقومه بعد أن أنجاه وقومه ثلاثين ليلة وأتمها بعشر فتم ميقات ربه أربعين ليلة تلقاه فيها بما شاء، واستخلف موسى على قومه هارون ومعه السامري يسير بهم على أثر موسى ليلحقه بهم. فلما كلم الله موسى. قال له: ما أعجلك عن قومك يا موسى. قال هم أولاء على أثري، وعجلت إليك رب لترضى. وقيل: المعنى: أن الله تعالى ذكره وعد موسى أن يأتيه في جماعة من بني إسرائيل، ويترك باقيهم مع هارون. فخرج بجماعة من خيارهم، فتقدمهم موسى إلى الموضع الذي وعد بالإتيان إليه. فلذلك قال له تعالى ذكره ﴿وَمَآ أَعْجَلَكَ عَن قَومِكَ يٰمُوسَىٰ﴾ أي: عن القوم الذين أتوا معك للميعاد. قيل: وعدهم أن يسمعوا كلام الله، فلذلك قال: هم أولاً على أثري أي: قريب، مني سائرون إلي. وإنما تقدمتهم لترضى عني. * * ثم قال تعالى: ﴿قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِن بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ ٱلسَّامِرِيُّ﴾. أي: قد ابتلينا قومك من بعدك بعبادة العجل وإضلال السامري لهم، دعاؤه إياهم إلى عبادة العجل. قيل: إن السامري كان من القبط، آمن بموسى، فترك الإيمان فهو قوله ﴿فَنَسِيَ﴾ أي: فترك العهد، وأكثر الأقوال أنه من بني إسرائيل. وأنه ابن خالة موسى، ويكون قوله: "فنسي" يريد أنه من قول السامري. قال لهم: إن موسى نسي إلهكم عندكم ومضى يطلبه. يريد العجل. وأراد بقوله: "قومك من بعدك" الذين تأخروا مع هارون لا الذين صحبوا موسى ومضوا معه للميقات. وهم الذين اختارهم موسى للميقات، وهم سبعون. فلذلك قال موسى لما أخذتهم الرجفة فماتوا: ﴿أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ ٱلسُّفَهَآءُ مِنَّآ﴾ [الأعراف: ١٥٥]. يعني الذين تأخروا مع هارون وعبدوا العجل. * * ثم قال: ﴿فَرَجَعَ مُوسَىٰ إِلَىٰ قَوْمِهِ غَضْبَٰنَ أَسِفاً﴾. أي: فانصرف موسى إلى قومه من بني إسرائيل بعد تمام الأربعين ليلة غضبان على قومه لاتخاذهم العجل من بعده. ﴿أَسِفاً﴾ أي: حزيناً لما أحدثوا من الكفر. والأسف: يكون الحزن، ويكون الغضب. ومن الغضب، قوله تعالى: ﴿فَلَمَّآ آسَفُونَا﴾ [الزخرف: ٥٥] أي: أغضبونا. ثم قال تعالى ذكره: ﴿قَالَ يٰقَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْداً حَسَناً﴾. أي: قال موسى عليه السلام لبني إسرائيل لما رجع إليهم غضبانا حزيناً: ألم يعدكم ربكم وعداً حسناً. وذلك الوعد، قوله: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحَاً ثُمَّ ٱهْتَدَىٰ﴾. وقيل: وعدهم إنزال التوراة عليهم. وقيل: وعدهم الجنة إذا أقاموا على الطاعة. وقيل: وعدهم أن يسمعهم كلامه . * * ثم قال: ﴿أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ ٱلْعَهْدُ﴾. أي: طال عليكم إنجاز الوعد. * * وقوله: ﴿فَأَخْلَفْتُمْ مَّوْعِدِي﴾. كان قد وعدوه أن يقيموا على طاعته ويسيروا في أثره للموعد إلى جانب الطور الأيمن، فعبدوا العجل بعده وأقاموا، وقالوا لهارون: ﴿لَن نَّبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّىٰ يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَىٰ﴾. * * ثم قال تعالى: ﴿مَآ أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا﴾. من ضم الميم في "بملكنا": فمعناه: ما أخلفنا موعدك بسلطاننا. أي: لم نملك الصواب ولا القدرة على ترك الأخلاف، بل كان ذلك خطأ منا. ومن كسر الميم: فمعناه: ما أخلفنا موعدك بأن ملكنا الصواب. ومن فتح الميم فمعناه: بقوتنا. وقيل: هي لغات يرجعن إلى معنى واحد. وقيل: إن هذا من قول الذين لم يعبدوا العجل، أي: لم نملك ردهم عن عبادة العجل، ولا منعهم من ذلك، فتبرءوا منهم واعتذروا. * * ثم قال: ﴿وَلَـٰكِنَّا حُمِّلْنَآ أَوْزَاراً مِّن زِينَةِ ٱلْقَوْمِ فَقَذَفْنَاهَا﴾. قال ابن عباس: كان مع بني إسرائيل حلي من حلي آل فرعون، فهو الأوزار من زينة القوم، أي قوم فرعون. ويقال: إن بني إسرائيل لما أراد موسى أن يسير بهم ليلاً من مصر بأمر الله، أمرهم أن يستعيروا من أمتعة آل فرعون وحليهم، وقال لهم: إن الله مغنمكم ذلك، ففعلوا، فذلك الزينة الذي حمِّلوا من زينة القوم. * * وقوله: ﴿فَقَذَفْنَاهَا﴾. أي: في النار لتذوب. * * وقوله: ﴿فَكَذَلِكَ أَلْقَى ٱلسَّامِرِيُّ﴾. أي: فألقى السامري الحلي مثل ذلك، أي: ألقى ما كان معه من تربة حافر فرس جبريل ﷺ فالكاف في موضع نصب لمصدر محذوف.

طه 20:88

قوله تعالى ذكره: ﴿فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلاً جَسَداً لَّهُ خُوَارٌ﴾. إلى قوله: ﴿وَأَطِيعُوۤاْ أَمْرِي﴾. أي: أخرج لهم السامري من الحلي الذي قذفوه في النار، وألقى هو عليه التربة التي كانت معه، عجلاً مجسداً، أي: له جسد لا روح فيه. وقيل: كان لا رأس له، فلذلك قيل جسداً. وقوله: "له خوار"، أي: له صوت مثل البقر. قال قتادة: "كان الله جل ذكره وقّت لموسى ثلاثين ليلة، ثم أتمها بعشر، فلما مضت الثلاثون، قال عدو الله السامري: إنما أصابكم ما أصابكم بالحلي الذي كان معكم، (يعني إنما أبطأ عليكم موسى عقوبة من أجل الحلي، ثم قال لهم): فهلموا وكانت حلياً تعوروها من آل فرعون، فساروا وهي معهم، فدفعوها إليه، فصورها صورة بقرة، وكان قد صر في عمامته أو ثوبه قبضة من أثر فرس جبريل ﷺ فقذفها في الحلي والصورة فأخرج لهم عجلاً جسداً له خوار، فجعل يخور خوار البقرة، فقال: هذا إلهكم وإله موسى. وقال السدي: إن هارون قال لهم: يا بني إسرائيل، إن الغنيمة لا تحل لكم، وإن حلي القبط إنما هو غنيمة، فاجمعوها جميعاً واحفروا لها حفرة فادفنوها، فإن جاء موسى فأحلها أخذتموها، وإلا كان شيئاً لم تأكلوه. فجمعوا ذلك الحلي في حفرة، فجاء السامري بتلك القبضة التي من حافر فرس جبريل عليه السلام، فقذفها فأخرج الله من الحلي عجلاً جسداً له خوار، وعدّت بنو إسرائيل موعد موسى، فعدّوا الليلة يوماً واليوم يوماً، فلما كان العشرون خرج لهم العجل، فلما رأوه، قال لهم السامري: هذا إلهكم وإله موسى، ﴿فَنَسِيَ﴾، فعكفوا عليه يعبدونه، وكان يخور ويمشي. * * وقوله: ﴿فَنَسِيَ﴾ يعني فنسي السامري دينه، أي تركه حين أمرهم بعبادة العجل. قال ابن عباس: ﴿فَنَسِيَ﴾: أي: ترك السامري ما كان عليه من الإيمان، فيكون ﴿فَنَسِيَ﴾ من قول الله جل ذكره، إخباراً عن السامري. وعن ابن عباس أيضاً: ﴿فَنَسِيَ﴾ أي: فنسي موسى إلاهه عندكم وذهب يطلبه، فأضله ولم يهتد إليه. فيكون ﴿فَنَسِيَ﴾ من قول السامري لبني إسرائيل، وهو قول مجاهد وقتادة والسدي والضحاك وابن زيد. وقيل: معناه: فنسي موسى الطريق وضل عنه. وقيل: فنسي السامري العهد الذي عهد إليه في الإيمان، فيكون ﴿فَنَسِيَ﴾ على هذا القول من الترك. وعلى القولين الأولين من النسيان. * * ثم قال تعالى: ﴿أَفَلاَ يَرَوْنَ أَلاَّ يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلاً﴾. أي: أفلا يرى هؤلاء الذين عبدوا العجل أنه لا يكلمهم ولا يرد عليهم جواباً. وهذا توبيخ لهم. * * ﴿وَلاَ يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرّاً وَلاَ نَفْعاً﴾. أي: لا يقدر لهم على ضر ولا نفع، فكيف يكون من هذه حاله إلهاً يُعبد؟!. * * ثم قال: ﴿وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِن قَبْلُ يٰقَوْمِ إِنَّمَا فُتِنتُمْ بِهِ﴾ أي قال لهم هارون من قبل رجوع موسى إليهم: يا قوم، ﴿إِنَّمَا فُتِنتُمْ بِهِ﴾ أي: إنما أخبركم الله به لينظر محافظتكم على الإيمان بهذا العجل الذي أحدث فيه الخوار، فيعلم صحيح الإيمان من مريض القلب الشاك في دينه. * * ثم قال: ﴿وَإِنَّ رَبَّكُمُ ٱلرَّحْمَـٰنُ فَٱتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوۤاْ أَمْرِي﴾ أي: إن معبودكم الذي يستحق العبادة هو الرحمن، فاتبعوني ولا تعبدوا غيره. وأطيعوا أمري في ترك عبادة العجل.

طه 20:89

قوله تعالى ذكره: ﴿فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلاً جَسَداً لَّهُ خُوَارٌ﴾. إلى قوله: ﴿وَأَطِيعُوۤاْ أَمْرِي﴾. أي: أخرج لهم السامري من الحلي الذي قذفوه في النار، وألقى هو عليه التربة التي كانت معه، عجلاً مجسداً، أي: له جسد لا روح فيه. وقيل: كان لا رأس له، فلذلك قيل جسداً. وقوله: "له خوار"، أي: له صوت مثل البقر. قال قتادة: "كان الله جل ذكره وقّت لموسى ثلاثين ليلة، ثم أتمها بعشر، فلما مضت الثلاثون، قال عدو الله السامري: إنما أصابكم ما أصابكم بالحلي الذي كان معكم، (يعني إنما أبطأ عليكم موسى عقوبة من أجل الحلي، ثم قال لهم): فهلموا وكانت حلياً تعوروها من آل فرعون، فساروا وهي معهم، فدفعوها إليه، فصورها صورة بقرة، وكان قد صر في عمامته أو ثوبه قبضة من أثر فرس جبريل ﷺ فقذفها في الحلي والصورة فأخرج لهم عجلاً جسداً له خوار، فجعل يخور خوار البقرة، فقال: هذا إلهكم وإله موسى. وقال السدي: إن هارون قال لهم: يا بني إسرائيل، إن الغنيمة لا تحل لكم، وإن حلي القبط إنما هو غنيمة، فاجمعوها جميعاً واحفروا لها حفرة فادفنوها، فإن جاء موسى فأحلها أخذتموها، وإلا كان شيئاً لم تأكلوه. فجمعوا ذلك الحلي في حفرة، فجاء السامري بتلك القبضة التي من حافر فرس جبريل عليه السلام، فقذفها فأخرج الله من الحلي عجلاً جسداً له خوار، وعدّت بنو إسرائيل موعد موسى، فعدّوا الليلة يوماً واليوم يوماً، فلما كان العشرون خرج لهم العجل، فلما رأوه، قال لهم السامري: هذا إلهكم وإله موسى، ﴿فَنَسِيَ﴾، فعكفوا عليه يعبدونه، وكان يخور ويمشي. * * وقوله: ﴿فَنَسِيَ﴾ يعني فنسي السامري دينه، أي تركه حين أمرهم بعبادة العجل. قال ابن عباس: ﴿فَنَسِيَ﴾: أي: ترك السامري ما كان عليه من الإيمان، فيكون ﴿فَنَسِيَ﴾ من قول الله جل ذكره، إخباراً عن السامري. وعن ابن عباس أيضاً: ﴿فَنَسِيَ﴾ أي: فنسي موسى إلاهه عندكم وذهب يطلبه، فأضله ولم يهتد إليه. فيكون ﴿فَنَسِيَ﴾ من قول السامري لبني إسرائيل، وهو قول مجاهد وقتادة والسدي والضحاك وابن زيد. وقيل: معناه: فنسي موسى الطريق وضل عنه. وقيل: فنسي السامري العهد الذي عهد إليه في الإيمان، فيكون ﴿فَنَسِيَ﴾ على هذا القول من الترك. وعلى القولين الأولين من النسيان. * * ثم قال تعالى: ﴿أَفَلاَ يَرَوْنَ أَلاَّ يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلاً﴾. أي: أفلا يرى هؤلاء الذين عبدوا العجل أنه لا يكلمهم ولا يرد عليهم جواباً. وهذا توبيخ لهم. * * ﴿وَلاَ يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرّاً وَلاَ نَفْعاً﴾. أي: لا يقدر لهم على ضر ولا نفع، فكيف يكون من هذه حاله إلهاً يُعبد؟!. * * ثم قال: ﴿وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِن قَبْلُ يٰقَوْمِ إِنَّمَا فُتِنتُمْ بِهِ﴾ أي قال لهم هارون من قبل رجوع موسى إليهم: يا قوم، ﴿إِنَّمَا فُتِنتُمْ بِهِ﴾ أي: إنما أخبركم الله به لينظر محافظتكم على الإيمان بهذا العجل الذي أحدث فيه الخوار، فيعلم صحيح الإيمان من مريض القلب الشاك في دينه. * * ثم قال: ﴿وَإِنَّ رَبَّكُمُ ٱلرَّحْمَـٰنُ فَٱتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوۤاْ أَمْرِي﴾ أي: إن معبودكم الذي يستحق العبادة هو الرحمن، فاتبعوني ولا تعبدوا غيره. وأطيعوا أمري في ترك عبادة العجل.

طه 20:90

قوله تعالى ذكره: ﴿فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلاً جَسَداً لَّهُ خُوَارٌ﴾. إلى قوله: ﴿وَأَطِيعُوۤاْ أَمْرِي﴾. أي: أخرج لهم السامري من الحلي الذي قذفوه في النار، وألقى هو عليه التربة التي كانت معه، عجلاً مجسداً، أي: له جسد لا روح فيه. وقيل: كان لا رأس له، فلذلك قيل جسداً. وقوله: "له خوار"، أي: له صوت مثل البقر. قال قتادة: "كان الله جل ذكره وقّت لموسى ثلاثين ليلة، ثم أتمها بعشر، فلما مضت الثلاثون، قال عدو الله السامري: إنما أصابكم ما أصابكم بالحلي الذي كان معكم، (يعني إنما أبطأ عليكم موسى عقوبة من أجل الحلي، ثم قال لهم): فهلموا وكانت حلياً تعوروها من آل فرعون، فساروا وهي معهم، فدفعوها إليه، فصورها صورة بقرة، وكان قد صر في عمامته أو ثوبه قبضة من أثر فرس جبريل ﷺ فقذفها في الحلي والصورة فأخرج لهم عجلاً جسداً له خوار، فجعل يخور خوار البقرة، فقال: هذا إلهكم وإله موسى. وقال السدي: إن هارون قال لهم: يا بني إسرائيل، إن الغنيمة لا تحل لكم، وإن حلي القبط إنما هو غنيمة، فاجمعوها جميعاً واحفروا لها حفرة فادفنوها، فإن جاء موسى فأحلها أخذتموها، وإلا كان شيئاً لم تأكلوه. فجمعوا ذلك الحلي في حفرة، فجاء السامري بتلك القبضة التي من حافر فرس جبريل عليه السلام، فقذفها فأخرج الله من الحلي عجلاً جسداً له خوار، وعدّت بنو إسرائيل موعد موسى، فعدّوا الليلة يوماً واليوم يوماً، فلما كان العشرون خرج لهم العجل، فلما رأوه، قال لهم السامري: هذا إلهكم وإله موسى، ﴿فَنَسِيَ﴾، فعكفوا عليه يعبدونه، وكان يخور ويمشي. * * وقوله: ﴿فَنَسِيَ﴾ يعني فنسي السامري دينه، أي تركه حين أمرهم بعبادة العجل. قال ابن عباس: ﴿فَنَسِيَ﴾: أي: ترك السامري ما كان عليه من الإيمان، فيكون ﴿فَنَسِيَ﴾ من قول الله جل ذكره، إخباراً عن السامري. وعن ابن عباس أيضاً: ﴿فَنَسِيَ﴾ أي: فنسي موسى إلاهه عندكم وذهب يطلبه، فأضله ولم يهتد إليه. فيكون ﴿فَنَسِيَ﴾ من قول السامري لبني إسرائيل، وهو قول مجاهد وقتادة والسدي والضحاك وابن زيد. وقيل: معناه: فنسي موسى الطريق وضل عنه. وقيل: فنسي السامري العهد الذي عهد إليه في الإيمان، فيكون ﴿فَنَسِيَ﴾ على هذا القول من الترك. وعلى القولين الأولين من النسيان. * * ثم قال تعالى: ﴿أَفَلاَ يَرَوْنَ أَلاَّ يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلاً﴾. أي: أفلا يرى هؤلاء الذين عبدوا العجل أنه لا يكلمهم ولا يرد عليهم جواباً. وهذا توبيخ لهم. * * ﴿وَلاَ يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرّاً وَلاَ نَفْعاً﴾. أي: لا يقدر لهم على ضر ولا نفع، فكيف يكون من هذه حاله إلهاً يُعبد؟!. * * ثم قال: ﴿وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِن قَبْلُ يٰقَوْمِ إِنَّمَا فُتِنتُمْ بِهِ﴾ أي قال لهم هارون من قبل رجوع موسى إليهم: يا قوم، ﴿إِنَّمَا فُتِنتُمْ بِهِ﴾ أي: إنما أخبركم الله به لينظر محافظتكم على الإيمان بهذا العجل الذي أحدث فيه الخوار، فيعلم صحيح الإيمان من مريض القلب الشاك في دينه. * * ثم قال: ﴿وَإِنَّ رَبَّكُمُ ٱلرَّحْمَـٰنُ فَٱتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوۤاْ أَمْرِي﴾ أي: إن معبودكم الذي يستحق العبادة هو الرحمن، فاتبعوني ولا تعبدوا غيره. وأطيعوا أمري في ترك عبادة العجل.

طه 20:91

قوله تعالى ذكره: ﴿قَالُواْ لَن نَّبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ﴾ إلى قوله: ﴿إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ يَوْماً﴾. أي: قال بنو إسرائيل لهارون لما نهاهم عن عبادة العجل: لن نفارق عبادة العجل حتى يرجع إلينا موسى. * * ثم قال: ﴿يٰهَرُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوۤاْ * أَلاَّ تَتَّبِعَنِ﴾ في الكلام حذف. والتقدير: لما رجع موسى، قال: يا هارون: ما منعك أن تتبعني بمن لم يعبد العجل على ما كان بيني وبينهم. قال ابن عباس: لما قال القوم: ﴿لَن نَّبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّىٰ يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَىٰ﴾، أقام هارون بمن معه من المسلمين ممن لن يفتتن، وأقام من يعبد العجل على عبادة العجل، وخشي هارون إن مضى في أثر موسى بمن معه من المسلمين أن يقول له موسى: فرقت بين بني إسرائيل، ولم ترقب قولي. وكان هارون لموسى مطيعاً. وقال ابن جريج: أمر موسى هارون أن يصلح ولا يتبع سبيل المفسدين فذلك قوله: ما منعك ألا تتبعني أفعصيت أمري أي: ألا تتبع ما أمرتك به من الصلاح عليهم. * * ثم قال تعالى: ﴿قَالَ يَبْنَؤُمَّ لاَ تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلاَ بِرَأْسِي﴾. في الكلام حذف، والتقدير: فأخذ موسى بلحية هارون يجره إليه، فقال هارون: ﴿يَبْنَؤُمَّ لاَ تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلاَ بِرَأْسِي﴾. وقيل: المعنى: لا تفعل هذا، فيتوهموا أنه منك استخفاف وعقوبة. وقيل: إن موسى إنما فعل هذا على غير استخفاف ولا عقوبة، كما يأخذ الإنسان بلحية نفسه. * * وقوله: ﴿إِنِّي خَشِيتُ أَن تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِيۤ إِسْرَآءِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي﴾. قال ابن زيد: خشي هارون أن يمضي في أثر موسى بمن بقي معه من المسلمين الذين لم يعبدوا العجل، ويترك الذين قالوا: لن نبرح عليه عاكفين حتى يرجع إلينا موسى، فيقول له موسى فرقت بين بني إسرائيل ولم ترقب قولي. أي: جئت بطائفة وتركت طائفة. وهو قول ابن عباس. وقال ابن جريج: معناه: خشيت أن نقتتل فيقتل بعضنا بعضاً. ومعنى: ﴿وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي﴾ أي: ولم تحفظ قولي. * * ثم قال: ﴿فَمَا خَطْبُكَ يٰسَامِرِيُّ﴾. أي: فما شأنك، وما الذي دعاك إلى ما صنعت؟ قال: ﴿بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُواْ بِهِ﴾: أي: علمت ما لم يعلموا. قال ابن جريج: لما قتل فرعون الولدان، قالت أم السامري: لو نحيته حتى لا أراه ولا أرى قتلته. فجعلته في غار، فأتى جبريل عليه السلام فجعل كف نفسه في فيه، فجعل يرضع العسل واللبن، فجعل يختلف إليه حتى عرفه، فمن ثم معرفته إياه حين قبض قبضة من أثر فرس جبريل عليه السلام. وقيل: معنى: ﴿بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُواْ بِهِ﴾ أي: أبصرت ما لم يبصروا يعني: فرس جبريل. ومن قرأ بالياء، جعله إخباراً عن بني إسرائيل. ومن قرأ بالتاء. جعله خطاباً لموسى وبني إسرائيل. * * ثم قال: ﴿فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِّنْ أَثَرِ ٱلرَّسُولِ﴾. أي: من أثر حافر فرس جبريل عليه السلام. وقرأ الحسن وقتادة: فقبصت قبصة بالصاد غير المعجمة، وذلك الأخذ بأطراف الأصابع. "والقبضة" على قراءة الجماعة قبضك على الشيء بملء كفك مرة واحدة. "والقُبضة" بضم القاف، مقدار ما يقبض كالغرفة والغرفة. * * وقوله: ﴿فَنَبَذْتُهَا﴾. أي: ألقيتها في العجل ليخور. * * ﴿وَكَذٰلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي﴾. أي: زيّنت لي نفسي أن الحلي إذا سبك وألقيت فيه القبضة أنه يصير عجلاً جسداً. وروى أبو صالح عن ابن عباس أنه قال : "لما خرج موسى عليه السلام ببني إسرائيل السبعين رجلاً، أمرهم أن ينتظروه في أسفل الجبل، وصعد موسى الجبل وكلمه الله أربعين يوماً وليلة، وكتب له في الألواح وأن بني إسرائيل عدوا عشرين يوماً وعشرين ليلة، فاستبطأوا موسى بعد ذلك، فاتخذوا العجل من بعده، قال: فبلغنا - والله أعلم - أن الله قال لموسى عند ذلك أن قومك قد اتخذوا العجل من بعدك، قال: عجلاً جسداً له خوار. فقال موسى: رب، من جعله لهم؟ فقال: السامري، فقال موسى: رب، السامري جعل لهم العجل وأنت فتنت قومي بالخوار، وجعلت الروح فيه، فما أصنع؟ فرجع موسى إلى قومه معه السبعون رجلاً، ولم يخبرهم موسى بالذي أحدث بنو إسرائيل بعده من عبادة العجل، وبالذي قال له ربه، فلما غشي موسى ومن معه محلة قومه، سمع اللغط حول العجل، فقال السبعون الذين معه: ما هذا في المحلة؟ أقتال؟ فقال موسى ﷺ: ليس بقتال، ولكنه صوت الفتنة، فلما دخل موسى، ونظر إلى ما يصنع بنو إسرائيل حول العجل، غضب، فألقى الألواح، فتكسرت، وصعد عامة الذي كان فيها من كلام الله وأخذ موسى برأس أخيه يجره إليه، فقال له هارون: يا أخي ﴿لاَ تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلاَ بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَن تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِيۤ إِسْرَآءِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي﴾، فأرسله ثم أقبل على السامري، فقال: ما خطبك يا سامري، ولِمَ صنعت ما أرى، فقال له ما نص الله علينا، فأمر موسى بالسامري أن يخرج من محلة بني إسرائيل، وأن لا يخالطهم في شيء، وأمر بالعجل فذبح، ثم أحرقه بالنار، ثم ذراه في اليم، ثم أتاهم موسى بكتاب ربهم فيه الحلال والحرام، والفرائض والحدود فلما نظروا إليه قالوا: لا حاجة لنا في الذي آتيتنا به، فإن العجل الذي حرقت كان أحب إلينا من الذي آتينا به فلسنا بقابليه ولا آخذين بما فيه. فقال موسى: رب إن عبادك بني إسرائيل قد ردوا كتابك وكذبوا نبيك، فأمر الله تعالى الملائكة فرفعوا الجبل فغشوا به بني إسرائيل حتى ظلوا به عسكرهم، فحال بينهم وبين السماء، فقال موسى ﷺ: إما أن تأخذوا هذا الكتاب بما فيه، وإما أن يلقى عليكم الجبل، فقالوا: سمعنا وعصينا الذي جئتنا به، ثم أخذوا ولم يجدوا من أخذه بداً، فرفع عنهم الجبل فنظروا في الكتاب، فبين راض وكاره ومؤمن وكافر فعفا الله تعالى عنهم، فهو قوله: ﴿ثُمَّ عَفَوْنَا عَنكُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾. [ثم قال: وكذلك سولت لي نفسي]. وقال ابن زيد: كذلك حدثتني نفسي. ثم قال تعالى جلّ ذكره: ﴿قَالَ فَٱذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي ٱلْحَيَاةِ أَن تَقُولَ لاَ مِسَاسَ﴾. أي: قال موسى للسامري: فاذهب فإن لك في حياة الدنيا: أي: أيام حياتك أن تقول لا مساس، أي لا أمس، أي: عقوبتك في الدنيا أن لا تكلم ولا تخالط. وقيل: معناه: لك في [الحياة] الدنيا أن تعيش مع البهائم والسباع والوحوش في البرية، مستوحشاً لا تقرب أحداً ولا تمس أحداً ولا يمسك أحد. وروي أن موسى عليه السلام أمر بني إسرائيل ألا يؤاكلوه، ولا يخالطوه ولا يبايعوه، فلذلك قال له: أن تقول لا مساس وذلك فيما يذكر في قبيلته إلى الآن. وقال قتادة: كان السامري عظيماً من عظماء بني إسرائيل من قبيلة يقال لها سامرة ولكن عدو الله نافق بعدما قطع البحر مع بني إسرائيل. وقال ابن جبير: كان من أهل كرمان. * * وقوله: ﴿لاَ مِسَاسَ﴾ منصوب على التبرئة كـ (لا رجل في الدار). ويجوز: ﴿لاَ مِسَاسَ﴾ بكسر السين وتبنيه على الكسر. * * ثم قال: ﴿وَإِنَّ لَكَ مَوْعِداً لَّن تُخْلَفَهُ﴾ يعني القيامة. ومن كسر اللام، أراد لن تغيب عنه، وهو قول قتادة، أي: تأتي إليه طائعاً أو كارهاً وفيه معنى التهديد والوعيد، ولفظه لفظ الخبر. ومن فتح اللام، أراد لن يخلفكه الله، ثم رد إلى ما لم يسم فاعله. * * ثم قال: ﴿وَٱنظُرْ إِلَىٰ إِلَـٰهِكَ ٱلَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفاً﴾. أي: انظر إلى العجل الذي عبدته من دون الله، وأقمت بعدي على عبادته لنحرّقنّه بالنار قطعة بعد قطعة، لأن في التشديد معنى التكثير. وقرأ الحسن: بتخفيف الراء على معنى: لنحرقنه مرة واحدة. وقرأ أبو جعفر القارئ: ﴿لَّنُحَرِّقَنَّهُ﴾ بفتح النون وضم الراء، بمعنى لنبردنه بالمبارد، يقال: أحرقه وحرقه بالنار، يحرقه ويُحَرِّقه: إذا نحته بمبرد أو غيره. وقراءة أبي جعفر تروى عن علي وابن عباس. قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: أمر موسى بالعجل فبرد في البحر فلم يشرب منه أحد ممن عبد العجل إلا اصفّر لونه، فقالوا: ما توبتنا قال: أن يقتل بعضكم بعضاً، فأخذوا السكاكين، فكان الرجل يقتل أباه وأخاه حتى قُتِلَ منهم سبعون ألفاً، فأوحى الله إليه: مرهم فليرفعوا القتل، فقد رحمت مَن قتل منهم، وقد تبت على مَن بقي. * * وقوله: ﴿ثُمَّ لَنَنسِفَنَّهُ فِي ٱلْيَمِّ نَسْفاً﴾ أي: لنذرينه في البحر ذرواً. ثم قال تعالى ذكره: ﴿إِنَّمَآ إِلَـٰهُكُمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِي لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً﴾. أي: إنما معبودكم الذي تجب له العبادة والإخلاص لله الذي لا معبود إلا هو، وسع كل شيء علماً أي: أحاط بكل شيء علماً فلا يَخفى عليه شيء. قال قتادة: معناه: ملأ كل شيء علماً. يقال: فلان يسع هذا الأمر، إذا أطاقه وقَوِيَ عليه. * * ثم قال تعالى: ﴿كَذٰلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَآءِ مَا قَدْ سَبَقَ﴾. أي: كما قصصنا عليك يا محمد خبر موسى وقومه، كذلك نقص عليك من أخبار من قد سبق قبلك مما لم تشاهده ولا عاينته. * * ثم قال: ﴿وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِن لَّدُنَّا ذِكْراً﴾. أي: وقد أعطيناك يا محمد من عندنا ذكراً تتذكر به وتتعظ. وهو القرآن. * * ﴿مَّنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ وِزْراً﴾. أي: من لم يؤمن به ويعمل بما فيه، فإنه يحمل يوم القيامة إثماً عظيماً ﴿خَالِدِينَ فِيهِ﴾ أي: [ماكثين] في عقوبته في النار. ثم قال تعالى وجل ثناؤه: ﴿وَسَآءَ لَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ حِمْلاً﴾. أي: وساء لهم الوزر حملاً. أي: بئس الوزر لهم. يعني ذنوبهم. * * ثم قال تعالى: ﴿يَوْمَ يُنفَخُ فِي ٱلصُّورِ﴾. ﴿يَوْمَ﴾ بدل من يوم الأول، والمعنى: يوم ينفخ ملك الصور فيه. ثم رد إلى ما لم يسم فاعله، وكانت الياء أولى عند من قرأ بها، لأن النفخ في الصور لا يتولاه الله جل ذكره، إنما يتولاه الملك، بأمره وقدرته. ولا حجة في "ونحشر" لأن النافخ الملك والحاشر الله. ومَن قرأه بالنون، فلأن بعده، ونحشر فأتى بالفعلين على الإخبار عن الله جل ذكره للمطابقة لأن الله تعالى هو الفاعل لجميع الأحوال المقدر لها. * * ثم قال تعالى: ﴿وَنَحْشُرُ ٱلْمُجْرِمِينَ يَوْمِئِذٍ زُرْقاً﴾. أي: زرق الأعين من العطش الذي يكون بهم في الحشر. وقال ابن عباس: يكونون يوم القيامة في حال عمياً، وفي حال زرقاً. وقال جماعة زرقاً: عمياً. ويروى: أنهم يقومون من قبورهم يبصرون، ثم يصيرون عمياً. ويروى: أنهم لا يبصرون شيئاً إلا جهنم. وقيل: زرقاً شعثين متغيرين كلون الرماد. ثم قال: يتخافتون بينهم. أي: يسرون القول بينهم، يقولون بعضهم لبعض، إن لبثتم في الدنيا إلا عشراً. وأصل الخفت في اللغة السكون. أي: ما لبثتم من النفخة الأولى إلى البعث، إلا عشراً، وبين النفختين أربعون سنة. * * ثم قال: ﴿نَّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ يَوْماً﴾ أي: نحن أعلم بسرهم إذ يقول: أمثلهم طريقة أي: أعلمهم في أنفسهم إن لبثتم إلا يوماً، وذلك من شدة هول المطلع، ينسون ما كانوا فيه في الدنيا من النعيم وطول العمر حتى يتخيل إليهم من شدة ما هم فيه أنهم لم يعيشوا في الدنيا إلا يوماً واحداً. وقيل: ذلك تقديرهم فيما بين النفختين. وقيل: عني بذلك إقامتهم في القبور، ظنوا أنهم لم يلبثوا فيها إلى يوماً بعد انقطاع العذاب عنهم في القبور، لأنهم في طول مكثهم يعذبون، ثم ينقطع عنهم العذاب فيما بين النفختين.

طه 20:92

قوله تعالى ذكره: ﴿قَالُواْ لَن نَّبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ﴾ إلى قوله: ﴿إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ يَوْماً﴾. أي: قال بنو إسرائيل لهارون لما نهاهم عن عبادة العجل: لن نفارق عبادة العجل حتى يرجع إلينا موسى. * * ثم قال: ﴿يٰهَرُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوۤاْ * أَلاَّ تَتَّبِعَنِ﴾ في الكلام حذف. والتقدير: لما رجع موسى، قال: يا هارون: ما منعك أن تتبعني بمن لم يعبد العجل على ما كان بيني وبينهم. قال ابن عباس: لما قال القوم: ﴿لَن نَّبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّىٰ يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَىٰ﴾، أقام هارون بمن معه من المسلمين ممن لن يفتتن، وأقام من يعبد العجل على عبادة العجل، وخشي هارون إن مضى في أثر موسى بمن معه من المسلمين أن يقول له موسى: فرقت بين بني إسرائيل، ولم ترقب قولي. وكان هارون لموسى مطيعاً. وقال ابن جريج: أمر موسى هارون أن يصلح ولا يتبع سبيل المفسدين فذلك قوله: ما منعك ألا تتبعني أفعصيت أمري أي: ألا تتبع ما أمرتك به من الصلاح عليهم. * * ثم قال تعالى: ﴿قَالَ يَبْنَؤُمَّ لاَ تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلاَ بِرَأْسِي﴾. في الكلام حذف، والتقدير: فأخذ موسى بلحية هارون يجره إليه، فقال هارون: ﴿يَبْنَؤُمَّ لاَ تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلاَ بِرَأْسِي﴾. وقيل: المعنى: لا تفعل هذا، فيتوهموا أنه منك استخفاف وعقوبة. وقيل: إن موسى إنما فعل هذا على غير استخفاف ولا عقوبة، كما يأخذ الإنسان بلحية نفسه. * * وقوله: ﴿إِنِّي خَشِيتُ أَن تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِيۤ إِسْرَآءِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي﴾. قال ابن زيد: خشي هارون أن يمضي في أثر موسى بمن بقي معه من المسلمين الذين لم يعبدوا العجل، ويترك الذين قالوا: لن نبرح عليه عاكفين حتى يرجع إلينا موسى، فيقول له موسى فرقت بين بني إسرائيل ولم ترقب قولي. أي: جئت بطائفة وتركت طائفة. وهو قول ابن عباس. وقال ابن جريج: معناه: خشيت أن نقتتل فيقتل بعضنا بعضاً. ومعنى: ﴿وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي﴾ أي: ولم تحفظ قولي. * * ثم قال: ﴿فَمَا خَطْبُكَ يٰسَامِرِيُّ﴾. أي: فما شأنك، وما الذي دعاك إلى ما صنعت؟ قال: ﴿بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُواْ بِهِ﴾: أي: علمت ما لم يعلموا. قال ابن جريج: لما قتل فرعون الولدان، قالت أم السامري: لو نحيته حتى لا أراه ولا أرى قتلته. فجعلته في غار، فأتى جبريل عليه السلام فجعل كف نفسه في فيه، فجعل يرضع العسل واللبن، فجعل يختلف إليه حتى عرفه، فمن ثم معرفته إياه حين قبض قبضة من أثر فرس جبريل عليه السلام. وقيل: معنى: ﴿بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُواْ بِهِ﴾ أي: أبصرت ما لم يبصروا يعني: فرس جبريل. ومن قرأ بالياء، جعله إخباراً عن بني إسرائيل. ومن قرأ بالتاء. جعله خطاباً لموسى وبني إسرائيل. * * ثم قال: ﴿فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِّنْ أَثَرِ ٱلرَّسُولِ﴾. أي: من أثر حافر فرس جبريل عليه السلام. وقرأ الحسن وقتادة: فقبصت قبصة بالصاد غير المعجمة، وذلك الأخذ بأطراف الأصابع. "والقبضة" على قراءة الجماعة قبضك على الشيء بملء كفك مرة واحدة. "والقُبضة" بضم القاف، مقدار ما يقبض كالغرفة والغرفة. * * وقوله: ﴿فَنَبَذْتُهَا﴾. أي: ألقيتها في العجل ليخور. * * ﴿وَكَذٰلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي﴾. أي: زيّنت لي نفسي أن الحلي إذا سبك وألقيت فيه القبضة أنه يصير عجلاً جسداً. وروى أبو صالح عن ابن عباس أنه قال : "لما خرج موسى عليه السلام ببني إسرائيل السبعين رجلاً، أمرهم أن ينتظروه في أسفل الجبل، وصعد موسى الجبل وكلمه الله أربعين يوماً وليلة، وكتب له في الألواح وأن بني إسرائيل عدوا عشرين يوماً وعشرين ليلة، فاستبطأوا موسى بعد ذلك، فاتخذوا العجل من بعده، قال: فبلغنا - والله أعلم - أن الله قال لموسى عند ذلك أن قومك قد اتخذوا العجل من بعدك، قال: عجلاً جسداً له خوار. فقال موسى: رب، من جعله لهم؟ فقال: السامري، فقال موسى: رب، السامري جعل لهم العجل وأنت فتنت قومي بالخوار، وجعلت الروح فيه، فما أصنع؟ فرجع موسى إلى قومه معه السبعون رجلاً، ولم يخبرهم موسى بالذي أحدث بنو إسرائيل بعده من عبادة العجل، وبالذي قال له ربه، فلما غشي موسى ومن معه محلة قومه، سمع اللغط حول العجل، فقال السبعون الذين معه: ما هذا في المحلة؟ أقتال؟ فقال موسى ﷺ: ليس بقتال، ولكنه صوت الفتنة، فلما دخل موسى، ونظر إلى ما يصنع بنو إسرائيل حول العجل، غضب، فألقى الألواح، فتكسرت، وصعد عامة الذي كان فيها من كلام الله وأخذ موسى برأس أخيه يجره إليه، فقال له هارون: يا أخي ﴿لاَ تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلاَ بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَن تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِيۤ إِسْرَآءِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي﴾، فأرسله ثم أقبل على السامري، فقال: ما خطبك يا سامري، ولِمَ صنعت ما أرى، فقال له ما نص الله علينا، فأمر موسى بالسامري أن يخرج من محلة بني إسرائيل، وأن لا يخالطهم في شيء، وأمر بالعجل فذبح، ثم أحرقه بالنار، ثم ذراه في اليم، ثم أتاهم موسى بكتاب ربهم فيه الحلال والحرام، والفرائض والحدود فلما نظروا إليه قالوا: لا حاجة لنا في الذي آتيتنا به، فإن العجل الذي حرقت كان أحب إلينا من الذي آتينا به فلسنا بقابليه ولا آخذين بما فيه. فقال موسى: رب إن عبادك بني إسرائيل قد ردوا كتابك وكذبوا نبيك، فأمر الله تعالى الملائكة فرفعوا الجبل فغشوا به بني إسرائيل حتى ظلوا به عسكرهم، فحال بينهم وبين السماء، فقال موسى ﷺ: إما أن تأخذوا هذا الكتاب بما فيه، وإما أن يلقى عليكم الجبل، فقالوا: سمعنا وعصينا الذي جئتنا به، ثم أخذوا ولم يجدوا من أخذه بداً، فرفع عنهم الجبل فنظروا في الكتاب، فبين راض وكاره ومؤمن وكافر فعفا الله تعالى عنهم، فهو قوله: ﴿ثُمَّ عَفَوْنَا عَنكُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾. [ثم قال: وكذلك سولت لي نفسي]. وقال ابن زيد: كذلك حدثتني نفسي. ثم قال تعالى جلّ ذكره: ﴿قَالَ فَٱذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي ٱلْحَيَاةِ أَن تَقُولَ لاَ مِسَاسَ﴾. أي: قال موسى للسامري: فاذهب فإن لك في حياة الدنيا: أي: أيام حياتك أن تقول لا مساس، أي لا أمس، أي: عقوبتك في الدنيا أن لا تكلم ولا تخالط. وقيل: معناه: لك في [الحياة] الدنيا أن تعيش مع البهائم والسباع والوحوش في البرية، مستوحشاً لا تقرب أحداً ولا تمس أحداً ولا يمسك أحد. وروي أن موسى عليه السلام أمر بني إسرائيل ألا يؤاكلوه، ولا يخالطوه ولا يبايعوه، فلذلك قال له: أن تقول لا مساس وذلك فيما يذكر في قبيلته إلى الآن. وقال قتادة: كان السامري عظيماً من عظماء بني إسرائيل من قبيلة يقال لها سامرة ولكن عدو الله نافق بعدما قطع البحر مع بني إسرائيل. وقال ابن جبير: كان من أهل كرمان. * * وقوله: ﴿لاَ مِسَاسَ﴾ منصوب على التبرئة كـ (لا رجل في الدار). ويجوز: ﴿لاَ مِسَاسَ﴾ بكسر السين وتبنيه على الكسر. * * ثم قال: ﴿وَإِنَّ لَكَ مَوْعِداً لَّن تُخْلَفَهُ﴾ يعني القيامة. ومن كسر اللام، أراد لن تغيب عنه، وهو قول قتادة، أي: تأتي إليه طائعاً أو كارهاً وفيه معنى التهديد والوعيد، ولفظه لفظ الخبر. ومن فتح اللام، أراد لن يخلفكه الله، ثم رد إلى ما لم يسم فاعله. * * ثم قال: ﴿وَٱنظُرْ إِلَىٰ إِلَـٰهِكَ ٱلَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفاً﴾. أي: انظر إلى العجل الذي عبدته من دون الله، وأقمت بعدي على عبادته لنحرّقنّه بالنار قطعة بعد قطعة، لأن في التشديد معنى التكثير. وقرأ الحسن: بتخفيف الراء على معنى: لنحرقنه مرة واحدة. وقرأ أبو جعفر القارئ: ﴿لَّنُحَرِّقَنَّهُ﴾ بفتح النون وضم الراء، بمعنى لنبردنه بالمبارد، يقال: أحرقه وحرقه بالنار، يحرقه ويُحَرِّقه: إذا نحته بمبرد أو غيره. وقراءة أبي جعفر تروى عن علي وابن عباس. قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: أمر موسى بالعجل فبرد في البحر فلم يشرب منه أحد ممن عبد العجل إلا اصفّر لونه، فقالوا: ما توبتنا قال: أن يقتل بعضكم بعضاً، فأخذوا السكاكين، فكان الرجل يقتل أباه وأخاه حتى قُتِلَ منهم سبعون ألفاً، فأوحى الله إليه: مرهم فليرفعوا القتل، فقد رحمت مَن قتل منهم، وقد تبت على مَن بقي. * * وقوله: ﴿ثُمَّ لَنَنسِفَنَّهُ فِي ٱلْيَمِّ نَسْفاً﴾ أي: لنذرينه في البحر ذرواً. ثم قال تعالى ذكره: ﴿إِنَّمَآ إِلَـٰهُكُمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِي لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً﴾. أي: إنما معبودكم الذي تجب له العبادة والإخلاص لله الذي لا معبود إلا هو، وسع كل شيء علماً أي: أحاط بكل شيء علماً فلا يَخفى عليه شيء. قال قتادة: معناه: ملأ كل شيء علماً. يقال: فلان يسع هذا الأمر، إذا أطاقه وقَوِيَ عليه. * * ثم قال تعالى: ﴿كَذٰلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَآءِ مَا قَدْ سَبَقَ﴾. أي: كما قصصنا عليك يا محمد خبر موسى وقومه، كذلك نقص عليك من أخبار من قد سبق قبلك مما لم تشاهده ولا عاينته. * * ثم قال: ﴿وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِن لَّدُنَّا ذِكْراً﴾. أي: وقد أعطيناك يا محمد من عندنا ذكراً تتذكر به وتتعظ. وهو القرآن. * * ﴿مَّنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ وِزْراً﴾. أي: من لم يؤمن به ويعمل بما فيه، فإنه يحمل يوم القيامة إثماً عظيماً ﴿خَالِدِينَ فِيهِ﴾ أي: [ماكثين] في عقوبته في النار. ثم قال تعالى وجل ثناؤه: ﴿وَسَآءَ لَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ حِمْلاً﴾. أي: وساء لهم الوزر حملاً. أي: بئس الوزر لهم. يعني ذنوبهم. * * ثم قال تعالى: ﴿يَوْمَ يُنفَخُ فِي ٱلصُّورِ﴾. ﴿يَوْمَ﴾ بدل من يوم الأول، والمعنى: يوم ينفخ ملك الصور فيه. ثم رد إلى ما لم يسم فاعله، وكانت الياء أولى عند من قرأ بها، لأن النفخ في الصور لا يتولاه الله جل ذكره، إنما يتولاه الملك، بأمره وقدرته. ولا حجة في "ونحشر" لأن النافخ الملك والحاشر الله. ومَن قرأه بالنون، فلأن بعده، ونحشر فأتى بالفعلين على الإخبار عن الله جل ذكره للمطابقة لأن الله تعالى هو الفاعل لجميع الأحوال المقدر لها. * * ثم قال تعالى: ﴿وَنَحْشُرُ ٱلْمُجْرِمِينَ يَوْمِئِذٍ زُرْقاً﴾. أي: زرق الأعين من العطش الذي يكون بهم في الحشر. وقال ابن عباس: يكونون يوم القيامة في حال عمياً، وفي حال زرقاً. وقال جماعة زرقاً: عمياً. ويروى: أنهم يقومون من قبورهم يبصرون، ثم يصيرون عمياً. ويروى: أنهم لا يبصرون شيئاً إلا جهنم. وقيل: زرقاً شعثين متغيرين كلون الرماد. ثم قال: يتخافتون بينهم. أي: يسرون القول بينهم، يقولون بعضهم لبعض، إن لبثتم في الدنيا إلا عشراً. وأصل الخفت في اللغة السكون. أي: ما لبثتم من النفخة الأولى إلى البعث، إلا عشراً، وبين النفختين أربعون سنة. * * ثم قال: ﴿نَّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ يَوْماً﴾ أي: نحن أعلم بسرهم إذ يقول: أمثلهم طريقة أي: أعلمهم في أنفسهم إن لبثتم إلا يوماً، وذلك من شدة هول المطلع، ينسون ما كانوا فيه في الدنيا من النعيم وطول العمر حتى يتخيل إليهم من شدة ما هم فيه أنهم لم يعيشوا في الدنيا إلا يوماً واحداً. وقيل: ذلك تقديرهم فيما بين النفختين. وقيل: عني بذلك إقامتهم في القبور، ظنوا أنهم لم يلبثوا فيها إلى يوماً بعد انقطاع العذاب عنهم في القبور، لأنهم في طول مكثهم يعذبون، ثم ينقطع عنهم العذاب فيما بين النفختين.

طه 20:93

قوله تعالى ذكره: ﴿قَالُواْ لَن نَّبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ﴾ إلى قوله: ﴿إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ يَوْماً﴾. أي: قال بنو إسرائيل لهارون لما نهاهم عن عبادة العجل: لن نفارق عبادة العجل حتى يرجع إلينا موسى. * * ثم قال: ﴿يٰهَرُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوۤاْ * أَلاَّ تَتَّبِعَنِ﴾ في الكلام حذف. والتقدير: لما رجع موسى، قال: يا هارون: ما منعك أن تتبعني بمن لم يعبد العجل على ما كان بيني وبينهم. قال ابن عباس: لما قال القوم: ﴿لَن نَّبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّىٰ يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَىٰ﴾، أقام هارون بمن معه من المسلمين ممن لن يفتتن، وأقام من يعبد العجل على عبادة العجل، وخشي هارون إن مضى في أثر موسى بمن معه من المسلمين أن يقول له موسى: فرقت بين بني إسرائيل، ولم ترقب قولي. وكان هارون لموسى مطيعاً. وقال ابن جريج: أمر موسى هارون أن يصلح ولا يتبع سبيل المفسدين فذلك قوله: ما منعك ألا تتبعني أفعصيت أمري أي: ألا تتبع ما أمرتك به من الصلاح عليهم. * * ثم قال تعالى: ﴿قَالَ يَبْنَؤُمَّ لاَ تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلاَ بِرَأْسِي﴾. في الكلام حذف، والتقدير: فأخذ موسى بلحية هارون يجره إليه، فقال هارون: ﴿يَبْنَؤُمَّ لاَ تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلاَ بِرَأْسِي﴾. وقيل: المعنى: لا تفعل هذا، فيتوهموا أنه منك استخفاف وعقوبة. وقيل: إن موسى إنما فعل هذا على غير استخفاف ولا عقوبة، كما يأخذ الإنسان بلحية نفسه. * * وقوله: ﴿إِنِّي خَشِيتُ أَن تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِيۤ إِسْرَآءِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي﴾. قال ابن زيد: خشي هارون أن يمضي في أثر موسى بمن بقي معه من المسلمين الذين لم يعبدوا العجل، ويترك الذين قالوا: لن نبرح عليه عاكفين حتى يرجع إلينا موسى، فيقول له موسى فرقت بين بني إسرائيل ولم ترقب قولي. أي: جئت بطائفة وتركت طائفة. وهو قول ابن عباس. وقال ابن جريج: معناه: خشيت أن نقتتل فيقتل بعضنا بعضاً. ومعنى: ﴿وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي﴾ أي: ولم تحفظ قولي. * * ثم قال: ﴿فَمَا خَطْبُكَ يٰسَامِرِيُّ﴾. أي: فما شأنك، وما الذي دعاك إلى ما صنعت؟ قال: ﴿بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُواْ بِهِ﴾: أي: علمت ما لم يعلموا. قال ابن جريج: لما قتل فرعون الولدان، قالت أم السامري: لو نحيته حتى لا أراه ولا أرى قتلته. فجعلته في غار، فأتى جبريل عليه السلام فجعل كف نفسه في فيه، فجعل يرضع العسل واللبن، فجعل يختلف إليه حتى عرفه، فمن ثم معرفته إياه حين قبض قبضة من أثر فرس جبريل عليه السلام. وقيل: معنى: ﴿بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُواْ بِهِ﴾ أي: أبصرت ما لم يبصروا يعني: فرس جبريل. ومن قرأ بالياء، جعله إخباراً عن بني إسرائيل. ومن قرأ بالتاء. جعله خطاباً لموسى وبني إسرائيل. * * ثم قال: ﴿فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِّنْ أَثَرِ ٱلرَّسُولِ﴾. أي: من أثر حافر فرس جبريل عليه السلام. وقرأ الحسن وقتادة: فقبصت قبصة بالصاد غير المعجمة، وذلك الأخذ بأطراف الأصابع. "والقبضة" على قراءة الجماعة قبضك على الشيء بملء كفك مرة واحدة. "والقُبضة" بضم القاف، مقدار ما يقبض كالغرفة والغرفة. * * وقوله: ﴿فَنَبَذْتُهَا﴾. أي: ألقيتها في العجل ليخور. * * ﴿وَكَذٰلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي﴾. أي: زيّنت لي نفسي أن الحلي إذا سبك وألقيت فيه القبضة أنه يصير عجلاً جسداً. وروى أبو صالح عن ابن عباس أنه قال : "لما خرج موسى عليه السلام ببني إسرائيل السبعين رجلاً، أمرهم أن ينتظروه في أسفل الجبل، وصعد موسى الجبل وكلمه الله أربعين يوماً وليلة، وكتب له في الألواح وأن بني إسرائيل عدوا عشرين يوماً وعشرين ليلة، فاستبطأوا موسى بعد ذلك، فاتخذوا العجل من بعده، قال: فبلغنا - والله أعلم - أن الله قال لموسى عند ذلك أن قومك قد اتخذوا العجل من بعدك، قال: عجلاً جسداً له خوار. فقال موسى: رب، من جعله لهم؟ فقال: السامري، فقال موسى: رب، السامري جعل لهم العجل وأنت فتنت قومي بالخوار، وجعلت الروح فيه، فما أصنع؟ فرجع موسى إلى قومه معه السبعون رجلاً، ولم يخبرهم موسى بالذي أحدث بنو إسرائيل بعده من عبادة العجل، وبالذي قال له ربه، فلما غشي موسى ومن معه محلة قومه، سمع اللغط حول العجل، فقال السبعون الذين معه: ما هذا في المحلة؟ أقتال؟ فقال موسى ﷺ: ليس بقتال، ولكنه صوت الفتنة، فلما دخل موسى، ونظر إلى ما يصنع بنو إسرائيل حول العجل، غضب، فألقى الألواح، فتكسرت، وصعد عامة الذي كان فيها من كلام الله وأخذ موسى برأس أخيه يجره إليه، فقال له هارون: يا أخي ﴿لاَ تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلاَ بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَن تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِيۤ إِسْرَآءِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي﴾، فأرسله ثم أقبل على السامري، فقال: ما خطبك يا سامري، ولِمَ صنعت ما أرى، فقال له ما نص الله علينا، فأمر موسى بالسامري أن يخرج من محلة بني إسرائيل، وأن لا يخالطهم في شيء، وأمر بالعجل فذبح، ثم أحرقه بالنار، ثم ذراه في اليم، ثم أتاهم موسى بكتاب ربهم فيه الحلال والحرام، والفرائض والحدود فلما نظروا إليه قالوا: لا حاجة لنا في الذي آتيتنا به، فإن العجل الذي حرقت كان أحب إلينا من الذي آتينا به فلسنا بقابليه ولا آخذين بما فيه. فقال موسى: رب إن عبادك بني إسرائيل قد ردوا كتابك وكذبوا نبيك، فأمر الله تعالى الملائكة فرفعوا الجبل فغشوا به بني إسرائيل حتى ظلوا به عسكرهم، فحال بينهم وبين السماء، فقال موسى ﷺ: إما أن تأخذوا هذا الكتاب بما فيه، وإما أن يلقى عليكم الجبل، فقالوا: سمعنا وعصينا الذي جئتنا به، ثم أخذوا ولم يجدوا من أخذه بداً، فرفع عنهم الجبل فنظروا في الكتاب، فبين راض وكاره ومؤمن وكافر فعفا الله تعالى عنهم، فهو قوله: ﴿ثُمَّ عَفَوْنَا عَنكُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾. [ثم قال: وكذلك سولت لي نفسي]. وقال ابن زيد: كذلك حدثتني نفسي. ثم قال تعالى جلّ ذكره: ﴿قَالَ فَٱذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي ٱلْحَيَاةِ أَن تَقُولَ لاَ مِسَاسَ﴾. أي: قال موسى للسامري: فاذهب فإن لك في حياة الدنيا: أي: أيام حياتك أن تقول لا مساس، أي لا أمس، أي: عقوبتك في الدنيا أن لا تكلم ولا تخالط. وقيل: معناه: لك في [الحياة] الدنيا أن تعيش مع البهائم والسباع والوحوش في البرية، مستوحشاً لا تقرب أحداً ولا تمس أحداً ولا يمسك أحد. وروي أن موسى عليه السلام أمر بني إسرائيل ألا يؤاكلوه، ولا يخالطوه ولا يبايعوه، فلذلك قال له: أن تقول لا مساس وذلك فيما يذكر في قبيلته إلى الآن. وقال قتادة: كان السامري عظيماً من عظماء بني إسرائيل من قبيلة يقال لها سامرة ولكن عدو الله نافق بعدما قطع البحر مع بني إسرائيل. وقال ابن جبير: كان من أهل كرمان. * * وقوله: ﴿لاَ مِسَاسَ﴾ منصوب على التبرئة كـ (لا رجل في الدار). ويجوز: ﴿لاَ مِسَاسَ﴾ بكسر السين وتبنيه على الكسر. * * ثم قال: ﴿وَإِنَّ لَكَ مَوْعِداً لَّن تُخْلَفَهُ﴾ يعني القيامة. ومن كسر اللام، أراد لن تغيب عنه، وهو قول قتادة، أي: تأتي إليه طائعاً أو كارهاً وفيه معنى التهديد والوعيد، ولفظه لفظ الخبر. ومن فتح اللام، أراد لن يخلفكه الله، ثم رد إلى ما لم يسم فاعله. * * ثم قال: ﴿وَٱنظُرْ إِلَىٰ إِلَـٰهِكَ ٱلَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفاً﴾. أي: انظر إلى العجل الذي عبدته من دون الله، وأقمت بعدي على عبادته لنحرّقنّه بالنار قطعة بعد قطعة، لأن في التشديد معنى التكثير. وقرأ الحسن: بتخفيف الراء على معنى: لنحرقنه مرة واحدة. وقرأ أبو جعفر القارئ: ﴿لَّنُحَرِّقَنَّهُ﴾ بفتح النون وضم الراء، بمعنى لنبردنه بالمبارد، يقال: أحرقه وحرقه بالنار، يحرقه ويُحَرِّقه: إذا نحته بمبرد أو غيره. وقراءة أبي جعفر تروى عن علي وابن عباس. قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: أمر موسى بالعجل فبرد في البحر فلم يشرب منه أحد ممن عبد العجل إلا اصفّر لونه، فقالوا: ما توبتنا قال: أن يقتل بعضكم بعضاً، فأخذوا السكاكين، فكان الرجل يقتل أباه وأخاه حتى قُتِلَ منهم سبعون ألفاً، فأوحى الله إليه: مرهم فليرفعوا القتل، فقد رحمت مَن قتل منهم، وقد تبت على مَن بقي. * * وقوله: ﴿ثُمَّ لَنَنسِفَنَّهُ فِي ٱلْيَمِّ نَسْفاً﴾ أي: لنذرينه في البحر ذرواً. ثم قال تعالى ذكره: ﴿إِنَّمَآ إِلَـٰهُكُمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِي لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً﴾. أي: إنما معبودكم الذي تجب له العبادة والإخلاص لله الذي لا معبود إلا هو، وسع كل شيء علماً أي: أحاط بكل شيء علماً فلا يَخفى عليه شيء. قال قتادة: معناه: ملأ كل شيء علماً. يقال: فلان يسع هذا الأمر، إذا أطاقه وقَوِيَ عليه. * * ثم قال تعالى: ﴿كَذٰلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَآءِ مَا قَدْ سَبَقَ﴾. أي: كما قصصنا عليك يا محمد خبر موسى وقومه، كذلك نقص عليك من أخبار من قد سبق قبلك مما لم تشاهده ولا عاينته. * * ثم قال: ﴿وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِن لَّدُنَّا ذِكْراً﴾. أي: وقد أعطيناك يا محمد من عندنا ذكراً تتذكر به وتتعظ. وهو القرآن. * * ﴿مَّنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ وِزْراً﴾. أي: من لم يؤمن به ويعمل بما فيه، فإنه يحمل يوم القيامة إثماً عظيماً ﴿خَالِدِينَ فِيهِ﴾ أي: [ماكثين] في عقوبته في النار. ثم قال تعالى وجل ثناؤه: ﴿وَسَآءَ لَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ حِمْلاً﴾. أي: وساء لهم الوزر حملاً. أي: بئس الوزر لهم. يعني ذنوبهم. * * ثم قال تعالى: ﴿يَوْمَ يُنفَخُ فِي ٱلصُّورِ﴾. ﴿يَوْمَ﴾ بدل من يوم الأول، والمعنى: يوم ينفخ ملك الصور فيه. ثم رد إلى ما لم يسم فاعله، وكانت الياء أولى عند من قرأ بها، لأن النفخ في الصور لا يتولاه الله جل ذكره، إنما يتولاه الملك، بأمره وقدرته. ولا حجة في "ونحشر" لأن النافخ الملك والحاشر الله. ومَن قرأه بالنون، فلأن بعده، ونحشر فأتى بالفعلين على الإخبار عن الله جل ذكره للمطابقة لأن الله تعالى هو الفاعل لجميع الأحوال المقدر لها. * * ثم قال تعالى: ﴿وَنَحْشُرُ ٱلْمُجْرِمِينَ يَوْمِئِذٍ زُرْقاً﴾. أي: زرق الأعين من العطش الذي يكون بهم في الحشر. وقال ابن عباس: يكونون يوم القيامة في حال عمياً، وفي حال زرقاً. وقال جماعة زرقاً: عمياً. ويروى: أنهم يقومون من قبورهم يبصرون، ثم يصيرون عمياً. ويروى: أنهم لا يبصرون شيئاً إلا جهنم. وقيل: زرقاً شعثين متغيرين كلون الرماد. ثم قال: يتخافتون بينهم. أي: يسرون القول بينهم، يقولون بعضهم لبعض، إن لبثتم في الدنيا إلا عشراً. وأصل الخفت في اللغة السكون. أي: ما لبثتم من النفخة الأولى إلى البعث، إلا عشراً، وبين النفختين أربعون سنة. * * ثم قال: ﴿نَّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ يَوْماً﴾ أي: نحن أعلم بسرهم إذ يقول: أمثلهم طريقة أي: أعلمهم في أنفسهم إن لبثتم إلا يوماً، وذلك من شدة هول المطلع، ينسون ما كانوا فيه في الدنيا من النعيم وطول العمر حتى يتخيل إليهم من شدة ما هم فيه أنهم لم يعيشوا في الدنيا إلا يوماً واحداً. وقيل: ذلك تقديرهم فيما بين النفختين. وقيل: عني بذلك إقامتهم في القبور، ظنوا أنهم لم يلبثوا فيها إلى يوماً بعد انقطاع العذاب عنهم في القبور، لأنهم في طول مكثهم يعذبون، ثم ينقطع عنهم العذاب فيما بين النفختين.

طه 20:94

قوله تعالى ذكره: ﴿قَالُواْ لَن نَّبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ﴾ إلى قوله: ﴿إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ يَوْماً﴾. أي: قال بنو إسرائيل لهارون لما نهاهم عن عبادة العجل: لن نفارق عبادة العجل حتى يرجع إلينا موسى. * * ثم قال: ﴿يٰهَرُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوۤاْ * أَلاَّ تَتَّبِعَنِ﴾ في الكلام حذف. والتقدير: لما رجع موسى، قال: يا هارون: ما منعك أن تتبعني بمن لم يعبد العجل على ما كان بيني وبينهم. قال ابن عباس: لما قال القوم: ﴿لَن نَّبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّىٰ يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَىٰ﴾، أقام هارون بمن معه من المسلمين ممن لن يفتتن، وأقام من يعبد العجل على عبادة العجل، وخشي هارون إن مضى في أثر موسى بمن معه من المسلمين أن يقول له موسى: فرقت بين بني إسرائيل، ولم ترقب قولي. وكان هارون لموسى مطيعاً. وقال ابن جريج: أمر موسى هارون أن يصلح ولا يتبع سبيل المفسدين فذلك قوله: ما منعك ألا تتبعني أفعصيت أمري أي: ألا تتبع ما أمرتك به من الصلاح عليهم. * * ثم قال تعالى: ﴿قَالَ يَبْنَؤُمَّ لاَ تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلاَ بِرَأْسِي﴾. في الكلام حذف، والتقدير: فأخذ موسى بلحية هارون يجره إليه، فقال هارون: ﴿يَبْنَؤُمَّ لاَ تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلاَ بِرَأْسِي﴾. وقيل: المعنى: لا تفعل هذا، فيتوهموا أنه منك استخفاف وعقوبة. وقيل: إن موسى إنما فعل هذا على غير استخفاف ولا عقوبة، كما يأخذ الإنسان بلحية نفسه. * * وقوله: ﴿إِنِّي خَشِيتُ أَن تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِيۤ إِسْرَآءِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي﴾. قال ابن زيد: خشي هارون أن يمضي في أثر موسى بمن بقي معه من المسلمين الذين لم يعبدوا العجل، ويترك الذين قالوا: لن نبرح عليه عاكفين حتى يرجع إلينا موسى، فيقول له موسى فرقت بين بني إسرائيل ولم ترقب قولي. أي: جئت بطائفة وتركت طائفة. وهو قول ابن عباس. وقال ابن جريج: معناه: خشيت أن نقتتل فيقتل بعضنا بعضاً. ومعنى: ﴿وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي﴾ أي: ولم تحفظ قولي. * * ثم قال: ﴿فَمَا خَطْبُكَ يٰسَامِرِيُّ﴾. أي: فما شأنك، وما الذي دعاك إلى ما صنعت؟ قال: ﴿بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُواْ بِهِ﴾: أي: علمت ما لم يعلموا. قال ابن جريج: لما قتل فرعون الولدان، قالت أم السامري: لو نحيته حتى لا أراه ولا أرى قتلته. فجعلته في غار، فأتى جبريل عليه السلام فجعل كف نفسه في فيه، فجعل يرضع العسل واللبن، فجعل يختلف إليه حتى عرفه، فمن ثم معرفته إياه حين قبض قبضة من أثر فرس جبريل عليه السلام. وقيل: معنى: ﴿بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُواْ بِهِ﴾ أي: أبصرت ما لم يبصروا يعني: فرس جبريل. ومن قرأ بالياء، جعله إخباراً عن بني إسرائيل. ومن قرأ بالتاء. جعله خطاباً لموسى وبني إسرائيل. * * ثم قال: ﴿فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِّنْ أَثَرِ ٱلرَّسُولِ﴾. أي: من أثر حافر فرس جبريل عليه السلام. وقرأ الحسن وقتادة: فقبصت قبصة بالصاد غير المعجمة، وذلك الأخذ بأطراف الأصابع. "والقبضة" على قراءة الجماعة قبضك على الشيء بملء كفك مرة واحدة. "والقُبضة" بضم القاف، مقدار ما يقبض كالغرفة والغرفة. * * وقوله: ﴿فَنَبَذْتُهَا﴾. أي: ألقيتها في العجل ليخور. * * ﴿وَكَذٰلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي﴾. أي: زيّنت لي نفسي أن الحلي إذا سبك وألقيت فيه القبضة أنه يصير عجلاً جسداً. وروى أبو صالح عن ابن عباس أنه قال : "لما خرج موسى عليه السلام ببني إسرائيل السبعين رجلاً، أمرهم أن ينتظروه في أسفل الجبل، وصعد موسى الجبل وكلمه الله أربعين يوماً وليلة، وكتب له في الألواح وأن بني إسرائيل عدوا عشرين يوماً وعشرين ليلة، فاستبطأوا موسى بعد ذلك، فاتخذوا العجل من بعده، قال: فبلغنا - والله أعلم - أن الله قال لموسى عند ذلك أن قومك قد اتخذوا العجل من بعدك، قال: عجلاً جسداً له خوار. فقال موسى: رب، من جعله لهم؟ فقال: السامري، فقال موسى: رب، السامري جعل لهم العجل وأنت فتنت قومي بالخوار، وجعلت الروح فيه، فما أصنع؟ فرجع موسى إلى قومه معه السبعون رجلاً، ولم يخبرهم موسى بالذي أحدث بنو إسرائيل بعده من عبادة العجل، وبالذي قال له ربه، فلما غشي موسى ومن معه محلة قومه، سمع اللغط حول العجل، فقال السبعون الذين معه: ما هذا في المحلة؟ أقتال؟ فقال موسى ﷺ: ليس بقتال، ولكنه صوت الفتنة، فلما دخل موسى، ونظر إلى ما يصنع بنو إسرائيل حول العجل، غضب، فألقى الألواح، فتكسرت، وصعد عامة الذي كان فيها من كلام الله وأخذ موسى برأس أخيه يجره إليه، فقال له هارون: يا أخي ﴿لاَ تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلاَ بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَن تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِيۤ إِسْرَآءِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي﴾، فأرسله ثم أقبل على السامري، فقال: ما خطبك يا سامري، ولِمَ صنعت ما أرى، فقال له ما نص الله علينا، فأمر موسى بالسامري أن يخرج من محلة بني إسرائيل، وأن لا يخالطهم في شيء، وأمر بالعجل فذبح، ثم أحرقه بالنار، ثم ذراه في اليم، ثم أتاهم موسى بكتاب ربهم فيه الحلال والحرام، والفرائض والحدود فلما نظروا إليه قالوا: لا حاجة لنا في الذي آتيتنا به، فإن العجل الذي حرقت كان أحب إلينا من الذي آتينا به فلسنا بقابليه ولا آخذين بما فيه. فقال موسى: رب إن عبادك بني إسرائيل قد ردوا كتابك وكذبوا نبيك، فأمر الله تعالى الملائكة فرفعوا الجبل فغشوا به بني إسرائيل حتى ظلوا به عسكرهم، فحال بينهم وبين السماء، فقال موسى ﷺ: إما أن تأخذوا هذا الكتاب بما فيه، وإما أن يلقى عليكم الجبل، فقالوا: سمعنا وعصينا الذي جئتنا به، ثم أخذوا ولم يجدوا من أخذه بداً، فرفع عنهم الجبل فنظروا في الكتاب، فبين راض وكاره ومؤمن وكافر فعفا الله تعالى عنهم، فهو قوله: ﴿ثُمَّ عَفَوْنَا عَنكُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾. [ثم قال: وكذلك سولت لي نفسي]. وقال ابن زيد: كذلك حدثتني نفسي. ثم قال تعالى جلّ ذكره: ﴿قَالَ فَٱذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي ٱلْحَيَاةِ أَن تَقُولَ لاَ مِسَاسَ﴾. أي: قال موسى للسامري: فاذهب فإن لك في حياة الدنيا: أي: أيام حياتك أن تقول لا مساس، أي لا أمس، أي: عقوبتك في الدنيا أن لا تكلم ولا تخالط. وقيل: معناه: لك في [الحياة] الدنيا أن تعيش مع البهائم والسباع والوحوش في البرية، مستوحشاً لا تقرب أحداً ولا تمس أحداً ولا يمسك أحد. وروي أن موسى عليه السلام أمر بني إسرائيل ألا يؤاكلوه، ولا يخالطوه ولا يبايعوه، فلذلك قال له: أن تقول لا مساس وذلك فيما يذكر في قبيلته إلى الآن. وقال قتادة: كان السامري عظيماً من عظماء بني إسرائيل من قبيلة يقال لها سامرة ولكن عدو الله نافق بعدما قطع البحر مع بني إسرائيل. وقال ابن جبير: كان من أهل كرمان. * * وقوله: ﴿لاَ مِسَاسَ﴾ منصوب على التبرئة كـ (لا رجل في الدار). ويجوز: ﴿لاَ مِسَاسَ﴾ بكسر السين وتبنيه على الكسر. * * ثم قال: ﴿وَإِنَّ لَكَ مَوْعِداً لَّن تُخْلَفَهُ﴾ يعني القيامة. ومن كسر اللام، أراد لن تغيب عنه، وهو قول قتادة، أي: تأتي إليه طائعاً أو كارهاً وفيه معنى التهديد والوعيد، ولفظه لفظ الخبر. ومن فتح اللام، أراد لن يخلفكه الله، ثم رد إلى ما لم يسم فاعله. * * ثم قال: ﴿وَٱنظُرْ إِلَىٰ إِلَـٰهِكَ ٱلَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفاً﴾. أي: انظر إلى العجل الذي عبدته من دون الله، وأقمت بعدي على عبادته لنحرّقنّه بالنار قطعة بعد قطعة، لأن في التشديد معنى التكثير. وقرأ الحسن: بتخفيف الراء على معنى: لنحرقنه مرة واحدة. وقرأ أبو جعفر القارئ: ﴿لَّنُحَرِّقَنَّهُ﴾ بفتح النون وضم الراء، بمعنى لنبردنه بالمبارد، يقال: أحرقه وحرقه بالنار، يحرقه ويُحَرِّقه: إذا نحته بمبرد أو غيره. وقراءة أبي جعفر تروى عن علي وابن عباس. قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: أمر موسى بالعجل فبرد في البحر فلم يشرب منه أحد ممن عبد العجل إلا اصفّر لونه، فقالوا: ما توبتنا قال: أن يقتل بعضكم بعضاً، فأخذوا السكاكين، فكان الرجل يقتل أباه وأخاه حتى قُتِلَ منهم سبعون ألفاً، فأوحى الله إليه: مرهم فليرفعوا القتل، فقد رحمت مَن قتل منهم، وقد تبت على مَن بقي. * * وقوله: ﴿ثُمَّ لَنَنسِفَنَّهُ فِي ٱلْيَمِّ نَسْفاً﴾ أي: لنذرينه في البحر ذرواً. ثم قال تعالى ذكره: ﴿إِنَّمَآ إِلَـٰهُكُمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِي لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً﴾. أي: إنما معبودكم الذي تجب له العبادة والإخلاص لله الذي لا معبود إلا هو، وسع كل شيء علماً أي: أحاط بكل شيء علماً فلا يَخفى عليه شيء. قال قتادة: معناه: ملأ كل شيء علماً. يقال: فلان يسع هذا الأمر، إذا أطاقه وقَوِيَ عليه. * * ثم قال تعالى: ﴿كَذٰلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَآءِ مَا قَدْ سَبَقَ﴾. أي: كما قصصنا عليك يا محمد خبر موسى وقومه، كذلك نقص عليك من أخبار من قد سبق قبلك مما لم تشاهده ولا عاينته. * * ثم قال: ﴿وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِن لَّدُنَّا ذِكْراً﴾. أي: وقد أعطيناك يا محمد من عندنا ذكراً تتذكر به وتتعظ. وهو القرآن. * * ﴿مَّنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ وِزْراً﴾. أي: من لم يؤمن به ويعمل بما فيه، فإنه يحمل يوم القيامة إثماً عظيماً ﴿خَالِدِينَ فِيهِ﴾ أي: [ماكثين] في عقوبته في النار. ثم قال تعالى وجل ثناؤه: ﴿وَسَآءَ لَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ حِمْلاً﴾. أي: وساء لهم الوزر حملاً. أي: بئس الوزر لهم. يعني ذنوبهم. * * ثم قال تعالى: ﴿يَوْمَ يُنفَخُ فِي ٱلصُّورِ﴾. ﴿يَوْمَ﴾ بدل من يوم الأول، والمعنى: يوم ينفخ ملك الصور فيه. ثم رد إلى ما لم يسم فاعله، وكانت الياء أولى عند من قرأ بها، لأن النفخ في الصور لا يتولاه الله جل ذكره، إنما يتولاه الملك، بأمره وقدرته. ولا حجة في "ونحشر" لأن النافخ الملك والحاشر الله. ومَن قرأه بالنون، فلأن بعده، ونحشر فأتى بالفعلين على الإخبار عن الله جل ذكره للمطابقة لأن الله تعالى هو الفاعل لجميع الأحوال المقدر لها. * * ثم قال تعالى: ﴿وَنَحْشُرُ ٱلْمُجْرِمِينَ يَوْمِئِذٍ زُرْقاً﴾. أي: زرق الأعين من العطش الذي يكون بهم في الحشر. وقال ابن عباس: يكونون يوم القيامة في حال عمياً، وفي حال زرقاً. وقال جماعة زرقاً: عمياً. ويروى: أنهم يقومون من قبورهم يبصرون، ثم يصيرون عمياً. ويروى: أنهم لا يبصرون شيئاً إلا جهنم. وقيل: زرقاً شعثين متغيرين كلون الرماد. ثم قال: يتخافتون بينهم. أي: يسرون القول بينهم، يقولون بعضهم لبعض، إن لبثتم في الدنيا إلا عشراً. وأصل الخفت في اللغة السكون. أي: ما لبثتم من النفخة الأولى إلى البعث، إلا عشراً، وبين النفختين أربعون سنة. * * ثم قال: ﴿نَّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ يَوْماً﴾ أي: نحن أعلم بسرهم إذ يقول: أمثلهم طريقة أي: أعلمهم في أنفسهم إن لبثتم إلا يوماً، وذلك من شدة هول المطلع، ينسون ما كانوا فيه في الدنيا من النعيم وطول العمر حتى يتخيل إليهم من شدة ما هم فيه أنهم لم يعيشوا في الدنيا إلا يوماً واحداً. وقيل: ذلك تقديرهم فيما بين النفختين. وقيل: عني بذلك إقامتهم في القبور، ظنوا أنهم لم يلبثوا فيها إلى يوماً بعد انقطاع العذاب عنهم في القبور، لأنهم في طول مكثهم يعذبون، ثم ينقطع عنهم العذاب فيما بين النفختين.

طه 20:95

قوله تعالى ذكره: ﴿قَالُواْ لَن نَّبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ﴾ إلى قوله: ﴿إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ يَوْماً﴾. أي: قال بنو إسرائيل لهارون لما نهاهم عن عبادة العجل: لن نفارق عبادة العجل حتى يرجع إلينا موسى. * * ثم قال: ﴿يٰهَرُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوۤاْ * أَلاَّ تَتَّبِعَنِ﴾ في الكلام حذف. والتقدير: لما رجع موسى، قال: يا هارون: ما منعك أن تتبعني بمن لم يعبد العجل على ما كان بيني وبينهم. قال ابن عباس: لما قال القوم: ﴿لَن نَّبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّىٰ يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَىٰ﴾، أقام هارون بمن معه من المسلمين ممن لن يفتتن، وأقام من يعبد العجل على عبادة العجل، وخشي هارون إن مضى في أثر موسى بمن معه من المسلمين أن يقول له موسى: فرقت بين بني إسرائيل، ولم ترقب قولي. وكان هارون لموسى مطيعاً. وقال ابن جريج: أمر موسى هارون أن يصلح ولا يتبع سبيل المفسدين فذلك قوله: ما منعك ألا تتبعني أفعصيت أمري أي: ألا تتبع ما أمرتك به من الصلاح عليهم. * * ثم قال تعالى: ﴿قَالَ يَبْنَؤُمَّ لاَ تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلاَ بِرَأْسِي﴾. في الكلام حذف، والتقدير: فأخذ موسى بلحية هارون يجره إليه، فقال هارون: ﴿يَبْنَؤُمَّ لاَ تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلاَ بِرَأْسِي﴾. وقيل: المعنى: لا تفعل هذا، فيتوهموا أنه منك استخفاف وعقوبة. وقيل: إن موسى إنما فعل هذا على غير استخفاف ولا عقوبة، كما يأخذ الإنسان بلحية نفسه. * * وقوله: ﴿إِنِّي خَشِيتُ أَن تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِيۤ إِسْرَآءِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي﴾. قال ابن زيد: خشي هارون أن يمضي في أثر موسى بمن بقي معه من المسلمين الذين لم يعبدوا العجل، ويترك الذين قالوا: لن نبرح عليه عاكفين حتى يرجع إلينا موسى، فيقول له موسى فرقت بين بني إسرائيل ولم ترقب قولي. أي: جئت بطائفة وتركت طائفة. وهو قول ابن عباس. وقال ابن جريج: معناه: خشيت أن نقتتل فيقتل بعضنا بعضاً. ومعنى: ﴿وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي﴾ أي: ولم تحفظ قولي. * * ثم قال: ﴿فَمَا خَطْبُكَ يٰسَامِرِيُّ﴾. أي: فما شأنك، وما الذي دعاك إلى ما صنعت؟ قال: ﴿بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُواْ بِهِ﴾: أي: علمت ما لم يعلموا. قال ابن جريج: لما قتل فرعون الولدان، قالت أم السامري: لو نحيته حتى لا أراه ولا أرى قتلته. فجعلته في غار، فأتى جبريل عليه السلام فجعل كف نفسه في فيه، فجعل يرضع العسل واللبن، فجعل يختلف إليه حتى عرفه، فمن ثم معرفته إياه حين قبض قبضة من أثر فرس جبريل عليه السلام. وقيل: معنى: ﴿بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُواْ بِهِ﴾ أي: أبصرت ما لم يبصروا يعني: فرس جبريل. ومن قرأ بالياء، جعله إخباراً عن بني إسرائيل. ومن قرأ بالتاء. جعله خطاباً لموسى وبني إسرائيل. * * ثم قال: ﴿فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِّنْ أَثَرِ ٱلرَّسُولِ﴾. أي: من أثر حافر فرس جبريل عليه السلام. وقرأ الحسن وقتادة: فقبصت قبصة بالصاد غير المعجمة، وذلك الأخذ بأطراف الأصابع. "والقبضة" على قراءة الجماعة قبضك على الشيء بملء كفك مرة واحدة. "والقُبضة" بضم القاف، مقدار ما يقبض كالغرفة والغرفة. * * وقوله: ﴿فَنَبَذْتُهَا﴾. أي: ألقيتها في العجل ليخور. * * ﴿وَكَذٰلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي﴾. أي: زيّنت لي نفسي أن الحلي إذا سبك وألقيت فيه القبضة أنه يصير عجلاً جسداً. وروى أبو صالح عن ابن عباس أنه قال : "لما خرج موسى عليه السلام ببني إسرائيل السبعين رجلاً، أمرهم أن ينتظروه في أسفل الجبل، وصعد موسى الجبل وكلمه الله أربعين يوماً وليلة، وكتب له في الألواح وأن بني إسرائيل عدوا عشرين يوماً وعشرين ليلة، فاستبطأوا موسى بعد ذلك، فاتخذوا العجل من بعده، قال: فبلغنا - والله أعلم - أن الله قال لموسى عند ذلك أن قومك قد اتخذوا العجل من بعدك، قال: عجلاً جسداً له خوار. فقال موسى: رب، من جعله لهم؟ فقال: السامري، فقال موسى: رب، السامري جعل لهم العجل وأنت فتنت قومي بالخوار، وجعلت الروح فيه، فما أصنع؟ فرجع موسى إلى قومه معه السبعون رجلاً، ولم يخبرهم موسى بالذي أحدث بنو إسرائيل بعده من عبادة العجل، وبالذي قال له ربه، فلما غشي موسى ومن معه محلة قومه، سمع اللغط حول العجل، فقال السبعون الذين معه: ما هذا في المحلة؟ أقتال؟ فقال موسى ﷺ: ليس بقتال، ولكنه صوت الفتنة، فلما دخل موسى، ونظر إلى ما يصنع بنو إسرائيل حول العجل، غضب، فألقى الألواح، فتكسرت، وصعد عامة الذي كان فيها من كلام الله وأخذ موسى برأس أخيه يجره إليه، فقال له هارون: يا أخي ﴿لاَ تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلاَ بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَن تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِيۤ إِسْرَآءِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي﴾، فأرسله ثم أقبل على السامري، فقال: ما خطبك يا سامري، ولِمَ صنعت ما أرى، فقال له ما نص الله علينا، فأمر موسى بالسامري أن يخرج من محلة بني إسرائيل، وأن لا يخالطهم في شيء، وأمر بالعجل فذبح، ثم أحرقه بالنار، ثم ذراه في اليم، ثم أتاهم موسى بكتاب ربهم فيه الحلال والحرام، والفرائض والحدود فلما نظروا إليه قالوا: لا حاجة لنا في الذي آتيتنا به، فإن العجل الذي حرقت كان أحب إلينا من الذي آتينا به فلسنا بقابليه ولا آخذين بما فيه. فقال موسى: رب إن عبادك بني إسرائيل قد ردوا كتابك وكذبوا نبيك، فأمر الله تعالى الملائكة فرفعوا الجبل فغشوا به بني إسرائيل حتى ظلوا به عسكرهم، فحال بينهم وبين السماء، فقال موسى ﷺ: إما أن تأخذوا هذا الكتاب بما فيه، وإما أن يلقى عليكم الجبل، فقالوا: سمعنا وعصينا الذي جئتنا به، ثم أخذوا ولم يجدوا من أخذه بداً، فرفع عنهم الجبل فنظروا في الكتاب، فبين راض وكاره ومؤمن وكافر فعفا الله تعالى عنهم، فهو قوله: ﴿ثُمَّ عَفَوْنَا عَنكُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾. [ثم قال: وكذلك سولت لي نفسي]. وقال ابن زيد: كذلك حدثتني نفسي. ثم قال تعالى جلّ ذكره: ﴿قَالَ فَٱذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي ٱلْحَيَاةِ أَن تَقُولَ لاَ مِسَاسَ﴾. أي: قال موسى للسامري: فاذهب فإن لك في حياة الدنيا: أي: أيام حياتك أن تقول لا مساس، أي لا أمس، أي: عقوبتك في الدنيا أن لا تكلم ولا تخالط. وقيل: معناه: لك في [الحياة] الدنيا أن تعيش مع البهائم والسباع والوحوش في البرية، مستوحشاً لا تقرب أحداً ولا تمس أحداً ولا يمسك أحد. وروي أن موسى عليه السلام أمر بني إسرائيل ألا يؤاكلوه، ولا يخالطوه ولا يبايعوه، فلذلك قال له: أن تقول لا مساس وذلك فيما يذكر في قبيلته إلى الآن. وقال قتادة: كان السامري عظيماً من عظماء بني إسرائيل من قبيلة يقال لها سامرة ولكن عدو الله نافق بعدما قطع البحر مع بني إسرائيل. وقال ابن جبير: كان من أهل كرمان. * * وقوله: ﴿لاَ مِسَاسَ﴾ منصوب على التبرئة كـ (لا رجل في الدار). ويجوز: ﴿لاَ مِسَاسَ﴾ بكسر السين وتبنيه على الكسر. * * ثم قال: ﴿وَإِنَّ لَكَ مَوْعِداً لَّن تُخْلَفَهُ﴾ يعني القيامة. ومن كسر اللام، أراد لن تغيب عنه، وهو قول قتادة، أي: تأتي إليه طائعاً أو كارهاً وفيه معنى التهديد والوعيد، ولفظه لفظ الخبر. ومن فتح اللام، أراد لن يخلفكه الله، ثم رد إلى ما لم يسم فاعله. * * ثم قال: ﴿وَٱنظُرْ إِلَىٰ إِلَـٰهِكَ ٱلَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفاً﴾. أي: انظر إلى العجل الذي عبدته من دون الله، وأقمت بعدي على عبادته لنحرّقنّه بالنار قطعة بعد قطعة، لأن في التشديد معنى التكثير. وقرأ الحسن: بتخفيف الراء على معنى: لنحرقنه مرة واحدة. وقرأ أبو جعفر القارئ: ﴿لَّنُحَرِّقَنَّهُ﴾ بفتح النون وضم الراء، بمعنى لنبردنه بالمبارد، يقال: أحرقه وحرقه بالنار، يحرقه ويُحَرِّقه: إذا نحته بمبرد أو غيره. وقراءة أبي جعفر تروى عن علي وابن عباس. قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: أمر موسى بالعجل فبرد في البحر فلم يشرب منه أحد ممن عبد العجل إلا اصفّر لونه، فقالوا: ما توبتنا قال: أن يقتل بعضكم بعضاً، فأخذوا السكاكين، فكان الرجل يقتل أباه وأخاه حتى قُتِلَ منهم سبعون ألفاً، فأوحى الله إليه: مرهم فليرفعوا القتل، فقد رحمت مَن قتل منهم، وقد تبت على مَن بقي. * * وقوله: ﴿ثُمَّ لَنَنسِفَنَّهُ فِي ٱلْيَمِّ نَسْفاً﴾ أي: لنذرينه في البحر ذرواً. ثم قال تعالى ذكره: ﴿إِنَّمَآ إِلَـٰهُكُمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِي لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً﴾. أي: إنما معبودكم الذي تجب له العبادة والإخلاص لله الذي لا معبود إلا هو، وسع كل شيء علماً أي: أحاط بكل شيء علماً فلا يَخفى عليه شيء. قال قتادة: معناه: ملأ كل شيء علماً. يقال: فلان يسع هذا الأمر، إذا أطاقه وقَوِيَ عليه. * * ثم قال تعالى: ﴿كَذٰلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَآءِ مَا قَدْ سَبَقَ﴾. أي: كما قصصنا عليك يا محمد خبر موسى وقومه، كذلك نقص عليك من أخبار من قد سبق قبلك مما لم تشاهده ولا عاينته. * * ثم قال: ﴿وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِن لَّدُنَّا ذِكْراً﴾. أي: وقد أعطيناك يا محمد من عندنا ذكراً تتذكر به وتتعظ. وهو القرآن. * * ﴿مَّنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ وِزْراً﴾. أي: من لم يؤمن به ويعمل بما فيه، فإنه يحمل يوم القيامة إثماً عظيماً ﴿خَالِدِينَ فِيهِ﴾ أي: [ماكثين] في عقوبته في النار. ثم قال تعالى وجل ثناؤه: ﴿وَسَآءَ لَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ حِمْلاً﴾. أي: وساء لهم الوزر حملاً. أي: بئس الوزر لهم. يعني ذنوبهم. * * ثم قال تعالى: ﴿يَوْمَ يُنفَخُ فِي ٱلصُّورِ﴾. ﴿يَوْمَ﴾ بدل من يوم الأول، والمعنى: يوم ينفخ ملك الصور فيه. ثم رد إلى ما لم يسم فاعله، وكانت الياء أولى عند من قرأ بها، لأن النفخ في الصور لا يتولاه الله جل ذكره، إنما يتولاه الملك، بأمره وقدرته. ولا حجة في "ونحشر" لأن النافخ الملك والحاشر الله. ومَن قرأه بالنون، فلأن بعده، ونحشر فأتى بالفعلين على الإخبار عن الله جل ذكره للمطابقة لأن الله تعالى هو الفاعل لجميع الأحوال المقدر لها. * * ثم قال تعالى: ﴿وَنَحْشُرُ ٱلْمُجْرِمِينَ يَوْمِئِذٍ زُرْقاً﴾. أي: زرق الأعين من العطش الذي يكون بهم في الحشر. وقال ابن عباس: يكونون يوم القيامة في حال عمياً، وفي حال زرقاً. وقال جماعة زرقاً: عمياً. ويروى: أنهم يقومون من قبورهم يبصرون، ثم يصيرون عمياً. ويروى: أنهم لا يبصرون شيئاً إلا جهنم. وقيل: زرقاً شعثين متغيرين كلون الرماد. ثم قال: يتخافتون بينهم. أي: يسرون القول بينهم، يقولون بعضهم لبعض، إن لبثتم في الدنيا إلا عشراً. وأصل الخفت في اللغة السكون. أي: ما لبثتم من النفخة الأولى إلى البعث، إلا عشراً، وبين النفختين أربعون سنة. * * ثم قال: ﴿نَّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ يَوْماً﴾ أي: نحن أعلم بسرهم إذ يقول: أمثلهم طريقة أي: أعلمهم في أنفسهم إن لبثتم إلا يوماً، وذلك من شدة هول المطلع، ينسون ما كانوا فيه في الدنيا من النعيم وطول العمر حتى يتخيل إليهم من شدة ما هم فيه أنهم لم يعيشوا في الدنيا إلا يوماً واحداً. وقيل: ذلك تقديرهم فيما بين النفختين. وقيل: عني بذلك إقامتهم في القبور، ظنوا أنهم لم يلبثوا فيها إلى يوماً بعد انقطاع العذاب عنهم في القبور، لأنهم في طول مكثهم يعذبون، ثم ينقطع عنهم العذاب فيما بين النفختين.

طه 20:96

قوله تعالى ذكره: ﴿قَالُواْ لَن نَّبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ﴾ إلى قوله: ﴿إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ يَوْماً﴾. أي: قال بنو إسرائيل لهارون لما نهاهم عن عبادة العجل: لن نفارق عبادة العجل حتى يرجع إلينا موسى. * * ثم قال: ﴿يٰهَرُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوۤاْ * أَلاَّ تَتَّبِعَنِ﴾ في الكلام حذف. والتقدير: لما رجع موسى، قال: يا هارون: ما منعك أن تتبعني بمن لم يعبد العجل على ما كان بيني وبينهم. قال ابن عباس: لما قال القوم: ﴿لَن نَّبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّىٰ يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَىٰ﴾، أقام هارون بمن معه من المسلمين ممن لن يفتتن، وأقام من يعبد العجل على عبادة العجل، وخشي هارون إن مضى في أثر موسى بمن معه من المسلمين أن يقول له موسى: فرقت بين بني إسرائيل، ولم ترقب قولي. وكان هارون لموسى مطيعاً. وقال ابن جريج: أمر موسى هارون أن يصلح ولا يتبع سبيل المفسدين فذلك قوله: ما منعك ألا تتبعني أفعصيت أمري أي: ألا تتبع ما أمرتك به من الصلاح عليهم. * * ثم قال تعالى: ﴿قَالَ يَبْنَؤُمَّ لاَ تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلاَ بِرَأْسِي﴾. في الكلام حذف، والتقدير: فأخذ موسى بلحية هارون يجره إليه، فقال هارون: ﴿يَبْنَؤُمَّ لاَ تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلاَ بِرَأْسِي﴾. وقيل: المعنى: لا تفعل هذا، فيتوهموا أنه منك استخفاف وعقوبة. وقيل: إن موسى إنما فعل هذا على غير استخفاف ولا عقوبة، كما يأخذ الإنسان بلحية نفسه. * * وقوله: ﴿إِنِّي خَشِيتُ أَن تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِيۤ إِسْرَآءِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي﴾. قال ابن زيد: خشي هارون أن يمضي في أثر موسى بمن بقي معه من المسلمين الذين لم يعبدوا العجل، ويترك الذين قالوا: لن نبرح عليه عاكفين حتى يرجع إلينا موسى، فيقول له موسى فرقت بين بني إسرائيل ولم ترقب قولي. أي: جئت بطائفة وتركت طائفة. وهو قول ابن عباس. وقال ابن جريج: معناه: خشيت أن نقتتل فيقتل بعضنا بعضاً. ومعنى: ﴿وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي﴾ أي: ولم تحفظ قولي. * * ثم قال: ﴿فَمَا خَطْبُكَ يٰسَامِرِيُّ﴾. أي: فما شأنك، وما الذي دعاك إلى ما صنعت؟ قال: ﴿بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُواْ بِهِ﴾: أي: علمت ما لم يعلموا. قال ابن جريج: لما قتل فرعون الولدان، قالت أم السامري: لو نحيته حتى لا أراه ولا أرى قتلته. فجعلته في غار، فأتى جبريل عليه السلام فجعل كف نفسه في فيه، فجعل يرضع العسل واللبن، فجعل يختلف إليه حتى عرفه، فمن ثم معرفته إياه حين قبض قبضة من أثر فرس جبريل عليه السلام. وقيل: معنى: ﴿بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُواْ بِهِ﴾ أي: أبصرت ما لم يبصروا يعني: فرس جبريل. ومن قرأ بالياء، جعله إخباراً عن بني إسرائيل. ومن قرأ بالتاء. جعله خطاباً لموسى وبني إسرائيل. * * ثم قال: ﴿فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِّنْ أَثَرِ ٱلرَّسُولِ﴾. أي: من أثر حافر فرس جبريل عليه السلام. وقرأ الحسن وقتادة: فقبصت قبصة بالصاد غير المعجمة، وذلك الأخذ بأطراف الأصابع. "والقبضة" على قراءة الجماعة قبضك على الشيء بملء كفك مرة واحدة. "والقُبضة" بضم القاف، مقدار ما يقبض كالغرفة والغرفة. * * وقوله: ﴿فَنَبَذْتُهَا﴾. أي: ألقيتها في العجل ليخور. * * ﴿وَكَذٰلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي﴾. أي: زيّنت لي نفسي أن الحلي إذا سبك وألقيت فيه القبضة أنه يصير عجلاً جسداً. وروى أبو صالح عن ابن عباس أنه قال : "لما خرج موسى عليه السلام ببني إسرائيل السبعين رجلاً، أمرهم أن ينتظروه في أسفل الجبل، وصعد موسى الجبل وكلمه الله أربعين يوماً وليلة، وكتب له في الألواح وأن بني إسرائيل عدوا عشرين يوماً وعشرين ليلة، فاستبطأوا موسى بعد ذلك، فاتخذوا العجل من بعده، قال: فبلغنا - والله أعلم - أن الله قال لموسى عند ذلك أن قومك قد اتخذوا العجل من بعدك، قال: عجلاً جسداً له خوار. فقال موسى: رب، من جعله لهم؟ فقال: السامري، فقال موسى: رب، السامري جعل لهم العجل وأنت فتنت قومي بالخوار، وجعلت الروح فيه، فما أصنع؟ فرجع موسى إلى قومه معه السبعون رجلاً، ولم يخبرهم موسى بالذي أحدث بنو إسرائيل بعده من عبادة العجل، وبالذي قال له ربه، فلما غشي موسى ومن معه محلة قومه، سمع اللغط حول العجل، فقال السبعون الذين معه: ما هذا في المحلة؟ أقتال؟ فقال موسى ﷺ: ليس بقتال، ولكنه صوت الفتنة، فلما دخل موسى، ونظر إلى ما يصنع بنو إسرائيل حول العجل، غضب، فألقى الألواح، فتكسرت، وصعد عامة الذي كان فيها من كلام الله وأخذ موسى برأس أخيه يجره إليه، فقال له هارون: يا أخي ﴿لاَ تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلاَ بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَن تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِيۤ إِسْرَآءِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي﴾، فأرسله ثم أقبل على السامري، فقال: ما خطبك يا سامري، ولِمَ صنعت ما أرى، فقال له ما نص الله علينا، فأمر موسى بالسامري أن يخرج من محلة بني إسرائيل، وأن لا يخالطهم في شيء، وأمر بالعجل فذبح، ثم أحرقه بالنار، ثم ذراه في اليم، ثم أتاهم موسى بكتاب ربهم فيه الحلال والحرام، والفرائض والحدود فلما نظروا إليه قالوا: لا حاجة لنا في الذي آتيتنا به، فإن العجل الذي حرقت كان أحب إلينا من الذي آتينا به فلسنا بقابليه ولا آخذين بما فيه. فقال موسى: رب إن عبادك بني إسرائيل قد ردوا كتابك وكذبوا نبيك، فأمر الله تعالى الملائكة فرفعوا الجبل فغشوا به بني إسرائيل حتى ظلوا به عسكرهم، فحال بينهم وبين السماء، فقال موسى ﷺ: إما أن تأخذوا هذا الكتاب بما فيه، وإما أن يلقى عليكم الجبل، فقالوا: سمعنا وعصينا الذي جئتنا به، ثم أخذوا ولم يجدوا من أخذه بداً، فرفع عنهم الجبل فنظروا في الكتاب، فبين راض وكاره ومؤمن وكافر فعفا الله تعالى عنهم، فهو قوله: ﴿ثُمَّ عَفَوْنَا عَنكُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾. [ثم قال: وكذلك سولت لي نفسي]. وقال ابن زيد: كذلك حدثتني نفسي. ثم قال تعالى جلّ ذكره: ﴿قَالَ فَٱذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي ٱلْحَيَاةِ أَن تَقُولَ لاَ مِسَاسَ﴾. أي: قال موسى للسامري: فاذهب فإن لك في حياة الدنيا: أي: أيام حياتك أن تقول لا مساس، أي لا أمس، أي: عقوبتك في الدنيا أن لا تكلم ولا تخالط. وقيل: معناه: لك في [الحياة] الدنيا أن تعيش مع البهائم والسباع والوحوش في البرية، مستوحشاً لا تقرب أحداً ولا تمس أحداً ولا يمسك أحد. وروي أن موسى عليه السلام أمر بني إسرائيل ألا يؤاكلوه، ولا يخالطوه ولا يبايعوه، فلذلك قال له: أن تقول لا مساس وذلك فيما يذكر في قبيلته إلى الآن. وقال قتادة: كان السامري عظيماً من عظماء بني إسرائيل من قبيلة يقال لها سامرة ولكن عدو الله نافق بعدما قطع البحر مع بني إسرائيل. وقال ابن جبير: كان من أهل كرمان. * * وقوله: ﴿لاَ مِسَاسَ﴾ منصوب على التبرئة كـ (لا رجل في الدار). ويجوز: ﴿لاَ مِسَاسَ﴾ بكسر السين وتبنيه على الكسر. * * ثم قال: ﴿وَإِنَّ لَكَ مَوْعِداً لَّن تُخْلَفَهُ﴾ يعني القيامة. ومن كسر اللام، أراد لن تغيب عنه، وهو قول قتادة، أي: تأتي إليه طائعاً أو كارهاً وفيه معنى التهديد والوعيد، ولفظه لفظ الخبر. ومن فتح اللام، أراد لن يخلفكه الله، ثم رد إلى ما لم يسم فاعله. * * ثم قال: ﴿وَٱنظُرْ إِلَىٰ إِلَـٰهِكَ ٱلَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفاً﴾. أي: انظر إلى العجل الذي عبدته من دون الله، وأقمت بعدي على عبادته لنحرّقنّه بالنار قطعة بعد قطعة، لأن في التشديد معنى التكثير. وقرأ الحسن: بتخفيف الراء على معنى: لنحرقنه مرة واحدة. وقرأ أبو جعفر القارئ: ﴿لَّنُحَرِّقَنَّهُ﴾ بفتح النون وضم الراء، بمعنى لنبردنه بالمبارد، يقال: أحرقه وحرقه بالنار، يحرقه ويُحَرِّقه: إذا نحته بمبرد أو غيره. وقراءة أبي جعفر تروى عن علي وابن عباس. قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: أمر موسى بالعجل فبرد في البحر فلم يشرب منه أحد ممن عبد العجل إلا اصفّر لونه، فقالوا: ما توبتنا قال: أن يقتل بعضكم بعضاً، فأخذوا السكاكين، فكان الرجل يقتل أباه وأخاه حتى قُتِلَ منهم سبعون ألفاً، فأوحى الله إليه: مرهم فليرفعوا القتل، فقد رحمت مَن قتل منهم، وقد تبت على مَن بقي. * * وقوله: ﴿ثُمَّ لَنَنسِفَنَّهُ فِي ٱلْيَمِّ نَسْفاً﴾ أي: لنذرينه في البحر ذرواً. ثم قال تعالى ذكره: ﴿إِنَّمَآ إِلَـٰهُكُمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِي لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً﴾. أي: إنما معبودكم الذي تجب له العبادة والإخلاص لله الذي لا معبود إلا هو، وسع كل شيء علماً أي: أحاط بكل شيء علماً فلا يَخفى عليه شيء. قال قتادة: معناه: ملأ كل شيء علماً. يقال: فلان يسع هذا الأمر، إذا أطاقه وقَوِيَ عليه. * * ثم قال تعالى: ﴿كَذٰلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَآءِ مَا قَدْ سَبَقَ﴾. أي: كما قصصنا عليك يا محمد خبر موسى وقومه، كذلك نقص عليك من أخبار من قد سبق قبلك مما لم تشاهده ولا عاينته. * * ثم قال: ﴿وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِن لَّدُنَّا ذِكْراً﴾. أي: وقد أعطيناك يا محمد من عندنا ذكراً تتذكر به وتتعظ. وهو القرآن. * * ﴿مَّنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ وِزْراً﴾. أي: من لم يؤمن به ويعمل بما فيه، فإنه يحمل يوم القيامة إثماً عظيماً ﴿خَالِدِينَ فِيهِ﴾ أي: [ماكثين] في عقوبته في النار. ثم قال تعالى وجل ثناؤه: ﴿وَسَآءَ لَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ حِمْلاً﴾. أي: وساء لهم الوزر حملاً. أي: بئس الوزر لهم. يعني ذنوبهم. * * ثم قال تعالى: ﴿يَوْمَ يُنفَخُ فِي ٱلصُّورِ﴾. ﴿يَوْمَ﴾ بدل من يوم الأول، والمعنى: يوم ينفخ ملك الصور فيه. ثم رد إلى ما لم يسم فاعله، وكانت الياء أولى عند من قرأ بها، لأن النفخ في الصور لا يتولاه الله جل ذكره، إنما يتولاه الملك، بأمره وقدرته. ولا حجة في "ونحشر" لأن النافخ الملك والحاشر الله. ومَن قرأه بالنون، فلأن بعده، ونحشر فأتى بالفعلين على الإخبار عن الله جل ذكره للمطابقة لأن الله تعالى هو الفاعل لجميع الأحوال المقدر لها. * * ثم قال تعالى: ﴿وَنَحْشُرُ ٱلْمُجْرِمِينَ يَوْمِئِذٍ زُرْقاً﴾. أي: زرق الأعين من العطش الذي يكون بهم في الحشر. وقال ابن عباس: يكونون يوم القيامة في حال عمياً، وفي حال زرقاً. وقال جماعة زرقاً: عمياً. ويروى: أنهم يقومون من قبورهم يبصرون، ثم يصيرون عمياً. ويروى: أنهم لا يبصرون شيئاً إلا جهنم. وقيل: زرقاً شعثين متغيرين كلون الرماد. ثم قال: يتخافتون بينهم. أي: يسرون القول بينهم، يقولون بعضهم لبعض، إن لبثتم في الدنيا إلا عشراً. وأصل الخفت في اللغة السكون. أي: ما لبثتم من النفخة الأولى إلى البعث، إلا عشراً، وبين النفختين أربعون سنة. * * ثم قال: ﴿نَّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ يَوْماً﴾ أي: نحن أعلم بسرهم إذ يقول: أمثلهم طريقة أي: أعلمهم في أنفسهم إن لبثتم إلا يوماً، وذلك من شدة هول المطلع، ينسون ما كانوا فيه في الدنيا من النعيم وطول العمر حتى يتخيل إليهم من شدة ما هم فيه أنهم لم يعيشوا في الدنيا إلا يوماً واحداً. وقيل: ذلك تقديرهم فيما بين النفختين. وقيل: عني بذلك إقامتهم في القبور، ظنوا أنهم لم يلبثوا فيها إلى يوماً بعد انقطاع العذاب عنهم في القبور، لأنهم في طول مكثهم يعذبون، ثم ينقطع عنهم العذاب فيما بين النفختين.

طه 20:97

قوله تعالى ذكره: ﴿قَالُواْ لَن نَّبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ﴾ إلى قوله: ﴿إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ يَوْماً﴾. أي: قال بنو إسرائيل لهارون لما نهاهم عن عبادة العجل: لن نفارق عبادة العجل حتى يرجع إلينا موسى. * * ثم قال: ﴿يٰهَرُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوۤاْ * أَلاَّ تَتَّبِعَنِ﴾ في الكلام حذف. والتقدير: لما رجع موسى، قال: يا هارون: ما منعك أن تتبعني بمن لم يعبد العجل على ما كان بيني وبينهم. قال ابن عباس: لما قال القوم: ﴿لَن نَّبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّىٰ يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَىٰ﴾، أقام هارون بمن معه من المسلمين ممن لن يفتتن، وأقام من يعبد العجل على عبادة العجل، وخشي هارون إن مضى في أثر موسى بمن معه من المسلمين أن يقول له موسى: فرقت بين بني إسرائيل، ولم ترقب قولي. وكان هارون لموسى مطيعاً. وقال ابن جريج: أمر موسى هارون أن يصلح ولا يتبع سبيل المفسدين فذلك قوله: ما منعك ألا تتبعني أفعصيت أمري أي: ألا تتبع ما أمرتك به من الصلاح عليهم. * * ثم قال تعالى: ﴿قَالَ يَبْنَؤُمَّ لاَ تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلاَ بِرَأْسِي﴾. في الكلام حذف، والتقدير: فأخذ موسى بلحية هارون يجره إليه، فقال هارون: ﴿يَبْنَؤُمَّ لاَ تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلاَ بِرَأْسِي﴾. وقيل: المعنى: لا تفعل هذا، فيتوهموا أنه منك استخفاف وعقوبة. وقيل: إن موسى إنما فعل هذا على غير استخفاف ولا عقوبة، كما يأخذ الإنسان بلحية نفسه. * * وقوله: ﴿إِنِّي خَشِيتُ أَن تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِيۤ إِسْرَآءِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي﴾. قال ابن زيد: خشي هارون أن يمضي في أثر موسى بمن بقي معه من المسلمين الذين لم يعبدوا العجل، ويترك الذين قالوا: لن نبرح عليه عاكفين حتى يرجع إلينا موسى، فيقول له موسى فرقت بين بني إسرائيل ولم ترقب قولي. أي: جئت بطائفة وتركت طائفة. وهو قول ابن عباس. وقال ابن جريج: معناه: خشيت أن نقتتل فيقتل بعضنا بعضاً. ومعنى: ﴿وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي﴾ أي: ولم تحفظ قولي. * * ثم قال: ﴿فَمَا خَطْبُكَ يٰسَامِرِيُّ﴾. أي: فما شأنك، وما الذي دعاك إلى ما صنعت؟ قال: ﴿بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُواْ بِهِ﴾: أي: علمت ما لم يعلموا. قال ابن جريج: لما قتل فرعون الولدان، قالت أم السامري: لو نحيته حتى لا أراه ولا أرى قتلته. فجعلته في غار، فأتى جبريل عليه السلام فجعل كف نفسه في فيه، فجعل يرضع العسل واللبن، فجعل يختلف إليه حتى عرفه، فمن ثم معرفته إياه حين قبض قبضة من أثر فرس جبريل عليه السلام. وقيل: معنى: ﴿بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُواْ بِهِ﴾ أي: أبصرت ما لم يبصروا يعني: فرس جبريل. ومن قرأ بالياء، جعله إخباراً عن بني إسرائيل. ومن قرأ بالتاء. جعله خطاباً لموسى وبني إسرائيل. * * ثم قال: ﴿فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِّنْ أَثَرِ ٱلرَّسُولِ﴾. أي: من أثر حافر فرس جبريل عليه السلام. وقرأ الحسن وقتادة: فقبصت قبصة بالصاد غير المعجمة، وذلك الأخذ بأطراف الأصابع. "والقبضة" على قراءة الجماعة قبضك على الشيء بملء كفك مرة واحدة. "والقُبضة" بضم القاف، مقدار ما يقبض كالغرفة والغرفة. * * وقوله: ﴿فَنَبَذْتُهَا﴾. أي: ألقيتها في العجل ليخور. * * ﴿وَكَذٰلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي﴾. أي: زيّنت لي نفسي أن الحلي إذا سبك وألقيت فيه القبضة أنه يصير عجلاً جسداً. وروى أبو صالح عن ابن عباس أنه قال : "لما خرج موسى عليه السلام ببني إسرائيل السبعين رجلاً، أمرهم أن ينتظروه في أسفل الجبل، وصعد موسى الجبل وكلمه الله أربعين يوماً وليلة، وكتب له في الألواح وأن بني إسرائيل عدوا عشرين يوماً وعشرين ليلة، فاستبطأوا موسى بعد ذلك، فاتخذوا العجل من بعده، قال: فبلغنا - والله أعلم - أن الله قال لموسى عند ذلك أن قومك قد اتخذوا العجل من بعدك، قال: عجلاً جسداً له خوار. فقال موسى: رب، من جعله لهم؟ فقال: السامري، فقال موسى: رب، السامري جعل لهم العجل وأنت فتنت قومي بالخوار، وجعلت الروح فيه، فما أصنع؟ فرجع موسى إلى قومه معه السبعون رجلاً، ولم يخبرهم موسى بالذي أحدث بنو إسرائيل بعده من عبادة العجل، وبالذي قال له ربه، فلما غشي موسى ومن معه محلة قومه، سمع اللغط حول العجل، فقال السبعون الذين معه: ما هذا في المحلة؟ أقتال؟ فقال موسى ﷺ: ليس بقتال، ولكنه صوت الفتنة، فلما دخل موسى، ونظر إلى ما يصنع بنو إسرائيل حول العجل، غضب، فألقى الألواح، فتكسرت، وصعد عامة الذي كان فيها من كلام الله وأخذ موسى برأس أخيه يجره إليه، فقال له هارون: يا أخي ﴿لاَ تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلاَ بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَن تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِيۤ إِسْرَآءِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي﴾، فأرسله ثم أقبل على السامري، فقال: ما خطبك يا سامري، ولِمَ صنعت ما أرى، فقال له ما نص الله علينا، فأمر موسى بالسامري أن يخرج من محلة بني إسرائيل، وأن لا يخالطهم في شيء، وأمر بالعجل فذبح، ثم أحرقه بالنار، ثم ذراه في اليم، ثم أتاهم موسى بكتاب ربهم فيه الحلال والحرام، والفرائض والحدود فلما نظروا إليه قالوا: لا حاجة لنا في الذي آتيتنا به، فإن العجل الذي حرقت كان أحب إلينا من الذي آتينا به فلسنا بقابليه ولا آخذين بما فيه. فقال موسى: رب إن عبادك بني إسرائيل قد ردوا كتابك وكذبوا نبيك، فأمر الله تعالى الملائكة فرفعوا الجبل فغشوا به بني إسرائيل حتى ظلوا به عسكرهم، فحال بينهم وبين السماء، فقال موسى ﷺ: إما أن تأخذوا هذا الكتاب بما فيه، وإما أن يلقى عليكم الجبل، فقالوا: سمعنا وعصينا الذي جئتنا به، ثم أخذوا ولم يجدوا من أخذه بداً، فرفع عنهم الجبل فنظروا في الكتاب، فبين راض وكاره ومؤمن وكافر فعفا الله تعالى عنهم، فهو قوله: ﴿ثُمَّ عَفَوْنَا عَنكُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾. [ثم قال: وكذلك سولت لي نفسي]. وقال ابن زيد: كذلك حدثتني نفسي. ثم قال تعالى جلّ ذكره: ﴿قَالَ فَٱذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي ٱلْحَيَاةِ أَن تَقُولَ لاَ مِسَاسَ﴾. أي: قال موسى للسامري: فاذهب فإن لك في حياة الدنيا: أي: أيام حياتك أن تقول لا مساس، أي لا أمس، أي: عقوبتك في الدنيا أن لا تكلم ولا تخالط. وقيل: معناه: لك في [الحياة] الدنيا أن تعيش مع البهائم والسباع والوحوش في البرية، مستوحشاً لا تقرب أحداً ولا تمس أحداً ولا يمسك أحد. وروي أن موسى عليه السلام أمر بني إسرائيل ألا يؤاكلوه، ولا يخالطوه ولا يبايعوه، فلذلك قال له: أن تقول لا مساس وذلك فيما يذكر في قبيلته إلى الآن. وقال قتادة: كان السامري عظيماً من عظماء بني إسرائيل من قبيلة يقال لها سامرة ولكن عدو الله نافق بعدما قطع البحر مع بني إسرائيل. وقال ابن جبير: كان من أهل كرمان. * * وقوله: ﴿لاَ مِسَاسَ﴾ منصوب على التبرئة كـ (لا رجل في الدار). ويجوز: ﴿لاَ مِسَاسَ﴾ بكسر السين وتبنيه على الكسر. * * ثم قال: ﴿وَإِنَّ لَكَ مَوْعِداً لَّن تُخْلَفَهُ﴾ يعني القيامة. ومن كسر اللام، أراد لن تغيب عنه، وهو قول قتادة، أي: تأتي إليه طائعاً أو كارهاً وفيه معنى التهديد والوعيد، ولفظه لفظ الخبر. ومن فتح اللام، أراد لن يخلفكه الله، ثم رد إلى ما لم يسم فاعله. * * ثم قال: ﴿وَٱنظُرْ إِلَىٰ إِلَـٰهِكَ ٱلَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفاً﴾. أي: انظر إلى العجل الذي عبدته من دون الله، وأقمت بعدي على عبادته لنحرّقنّه بالنار قطعة بعد قطعة، لأن في التشديد معنى التكثير. وقرأ الحسن: بتخفيف الراء على معنى: لنحرقنه مرة واحدة. وقرأ أبو جعفر القارئ: ﴿لَّنُحَرِّقَنَّهُ﴾ بفتح النون وضم الراء، بمعنى لنبردنه بالمبارد، يقال: أحرقه وحرقه بالنار، يحرقه ويُحَرِّقه: إذا نحته بمبرد أو غيره. وقراءة أبي جعفر تروى عن علي وابن عباس. قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: أمر موسى بالعجل فبرد في البحر فلم يشرب منه أحد ممن عبد العجل إلا اصفّر لونه، فقالوا: ما توبتنا قال: أن يقتل بعضكم بعضاً، فأخذوا السكاكين، فكان الرجل يقتل أباه وأخاه حتى قُتِلَ منهم سبعون ألفاً، فأوحى الله إليه: مرهم فليرفعوا القتل، فقد رحمت مَن قتل منهم، وقد تبت على مَن بقي. * * وقوله: ﴿ثُمَّ لَنَنسِفَنَّهُ فِي ٱلْيَمِّ نَسْفاً﴾ أي: لنذرينه في البحر ذرواً. ثم قال تعالى ذكره: ﴿إِنَّمَآ إِلَـٰهُكُمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِي لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً﴾. أي: إنما معبودكم الذي تجب له العبادة والإخلاص لله الذي لا معبود إلا هو، وسع كل شيء علماً أي: أحاط بكل شيء علماً فلا يَخفى عليه شيء. قال قتادة: معناه: ملأ كل شيء علماً. يقال: فلان يسع هذا الأمر، إذا أطاقه وقَوِيَ عليه. * * ثم قال تعالى: ﴿كَذٰلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَآءِ مَا قَدْ سَبَقَ﴾. أي: كما قصصنا عليك يا محمد خبر موسى وقومه، كذلك نقص عليك من أخبار من قد سبق قبلك مما لم تشاهده ولا عاينته. * * ثم قال: ﴿وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِن لَّدُنَّا ذِكْراً﴾. أي: وقد أعطيناك يا محمد من عندنا ذكراً تتذكر به وتتعظ. وهو القرآن. * * ﴿مَّنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ وِزْراً﴾. أي: من لم يؤمن به ويعمل بما فيه، فإنه يحمل يوم القيامة إثماً عظيماً ﴿خَالِدِينَ فِيهِ﴾ أي: [ماكثين] في عقوبته في النار. ثم قال تعالى وجل ثناؤه: ﴿وَسَآءَ لَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ حِمْلاً﴾. أي: وساء لهم الوزر حملاً. أي: بئس الوزر لهم. يعني ذنوبهم. * * ثم قال تعالى: ﴿يَوْمَ يُنفَخُ فِي ٱلصُّورِ﴾. ﴿يَوْمَ﴾ بدل من يوم الأول، والمعنى: يوم ينفخ ملك الصور فيه. ثم رد إلى ما لم يسم فاعله، وكانت الياء أولى عند من قرأ بها، لأن النفخ في الصور لا يتولاه الله جل ذكره، إنما يتولاه الملك، بأمره وقدرته. ولا حجة في "ونحشر" لأن النافخ الملك والحاشر الله. ومَن قرأه بالنون، فلأن بعده، ونحشر فأتى بالفعلين على الإخبار عن الله جل ذكره للمطابقة لأن الله تعالى هو الفاعل لجميع الأحوال المقدر لها. * * ثم قال تعالى: ﴿وَنَحْشُرُ ٱلْمُجْرِمِينَ يَوْمِئِذٍ زُرْقاً﴾. أي: زرق الأعين من العطش الذي يكون بهم في الحشر. وقال ابن عباس: يكونون يوم القيامة في حال عمياً، وفي حال زرقاً. وقال جماعة زرقاً: عمياً. ويروى: أنهم يقومون من قبورهم يبصرون، ثم يصيرون عمياً. ويروى: أنهم لا يبصرون شيئاً إلا جهنم. وقيل: زرقاً شعثين متغيرين كلون الرماد. ثم قال: يتخافتون بينهم. أي: يسرون القول بينهم، يقولون بعضهم لبعض، إن لبثتم في الدنيا إلا عشراً. وأصل الخفت في اللغة السكون. أي: ما لبثتم من النفخة الأولى إلى البعث، إلا عشراً، وبين النفختين أربعون سنة. * * ثم قال: ﴿نَّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ يَوْماً﴾ أي: نحن أعلم بسرهم إذ يقول: أمثلهم طريقة أي: أعلمهم في أنفسهم إن لبثتم إلا يوماً، وذلك من شدة هول المطلع، ينسون ما كانوا فيه في الدنيا من النعيم وطول العمر حتى يتخيل إليهم من شدة ما هم فيه أنهم لم يعيشوا في الدنيا إلا يوماً واحداً. وقيل: ذلك تقديرهم فيما بين النفختين. وقيل: عني بذلك إقامتهم في القبور، ظنوا أنهم لم يلبثوا فيها إلى يوماً بعد انقطاع العذاب عنهم في القبور، لأنهم في طول مكثهم يعذبون، ثم ينقطع عنهم العذاب فيما بين النفختين.

طه 20:98

قوله تعالى ذكره: ﴿قَالُواْ لَن نَّبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ﴾ إلى قوله: ﴿إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ يَوْماً﴾. أي: قال بنو إسرائيل لهارون لما نهاهم عن عبادة العجل: لن نفارق عبادة العجل حتى يرجع إلينا موسى. * * ثم قال: ﴿يٰهَرُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوۤاْ * أَلاَّ تَتَّبِعَنِ﴾ في الكلام حذف. والتقدير: لما رجع موسى، قال: يا هارون: ما منعك أن تتبعني بمن لم يعبد العجل على ما كان بيني وبينهم. قال ابن عباس: لما قال القوم: ﴿لَن نَّبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّىٰ يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَىٰ﴾، أقام هارون بمن معه من المسلمين ممن لن يفتتن، وأقام من يعبد العجل على عبادة العجل، وخشي هارون إن مضى في أثر موسى بمن معه من المسلمين أن يقول له موسى: فرقت بين بني إسرائيل، ولم ترقب قولي. وكان هارون لموسى مطيعاً. وقال ابن جريج: أمر موسى هارون أن يصلح ولا يتبع سبيل المفسدين فذلك قوله: ما منعك ألا تتبعني أفعصيت أمري أي: ألا تتبع ما أمرتك به من الصلاح عليهم. * * ثم قال تعالى: ﴿قَالَ يَبْنَؤُمَّ لاَ تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلاَ بِرَأْسِي﴾. في الكلام حذف، والتقدير: فأخذ موسى بلحية هارون يجره إليه، فقال هارون: ﴿يَبْنَؤُمَّ لاَ تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلاَ بِرَأْسِي﴾. وقيل: المعنى: لا تفعل هذا، فيتوهموا أنه منك استخفاف وعقوبة. وقيل: إن موسى إنما فعل هذا على غير استخفاف ولا عقوبة، كما يأخذ الإنسان بلحية نفسه. * * وقوله: ﴿إِنِّي خَشِيتُ أَن تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِيۤ إِسْرَآءِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي﴾. قال ابن زيد: خشي هارون أن يمضي في أثر موسى بمن بقي معه من المسلمين الذين لم يعبدوا العجل، ويترك الذين قالوا: لن نبرح عليه عاكفين حتى يرجع إلينا موسى، فيقول له موسى فرقت بين بني إسرائيل ولم ترقب قولي. أي: جئت بطائفة وتركت طائفة. وهو قول ابن عباس. وقال ابن جريج: معناه: خشيت أن نقتتل فيقتل بعضنا بعضاً. ومعنى: ﴿وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي﴾ أي: ولم تحفظ قولي. * * ثم قال: ﴿فَمَا خَطْبُكَ يٰسَامِرِيُّ﴾. أي: فما شأنك، وما الذي دعاك إلى ما صنعت؟ قال: ﴿بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُواْ بِهِ﴾: أي: علمت ما لم يعلموا. قال ابن جريج: لما قتل فرعون الولدان، قالت أم السامري: لو نحيته حتى لا أراه ولا أرى قتلته. فجعلته في غار، فأتى جبريل عليه السلام فجعل كف نفسه في فيه، فجعل يرضع العسل واللبن، فجعل يختلف إليه حتى عرفه، فمن ثم معرفته إياه حين قبض قبضة من أثر فرس جبريل عليه السلام. وقيل: معنى: ﴿بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُواْ بِهِ﴾ أي: أبصرت ما لم يبصروا يعني: فرس جبريل. ومن قرأ بالياء، جعله إخباراً عن بني إسرائيل. ومن قرأ بالتاء. جعله خطاباً لموسى وبني إسرائيل. * * ثم قال: ﴿فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِّنْ أَثَرِ ٱلرَّسُولِ﴾. أي: من أثر حافر فرس جبريل عليه السلام. وقرأ الحسن وقتادة: فقبصت قبصة بالصاد غير المعجمة، وذلك الأخذ بأطراف الأصابع. "والقبضة" على قراءة الجماعة قبضك على الشيء بملء كفك مرة واحدة. "والقُبضة" بضم القاف، مقدار ما يقبض كالغرفة والغرفة. * * وقوله: ﴿فَنَبَذْتُهَا﴾. أي: ألقيتها في العجل ليخور. * * ﴿وَكَذٰلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي﴾. أي: زيّنت لي نفسي أن الحلي إذا سبك وألقيت فيه القبضة أنه يصير عجلاً جسداً. وروى أبو صالح عن ابن عباس أنه قال : "لما خرج موسى عليه السلام ببني إسرائيل السبعين رجلاً، أمرهم أن ينتظروه في أسفل الجبل، وصعد موسى الجبل وكلمه الله أربعين يوماً وليلة، وكتب له في الألواح وأن بني إسرائيل عدوا عشرين يوماً وعشرين ليلة، فاستبطأوا موسى بعد ذلك، فاتخذوا العجل من بعده، قال: فبلغنا - والله أعلم - أن الله قال لموسى عند ذلك أن قومك قد اتخذوا العجل من بعدك، قال: عجلاً جسداً له خوار. فقال موسى: رب، من جعله لهم؟ فقال: السامري، فقال موسى: رب، السامري جعل لهم العجل وأنت فتنت قومي بالخوار، وجعلت الروح فيه، فما أصنع؟ فرجع موسى إلى قومه معه السبعون رجلاً، ولم يخبرهم موسى بالذي أحدث بنو إسرائيل بعده من عبادة العجل، وبالذي قال له ربه، فلما غشي موسى ومن معه محلة قومه، سمع اللغط حول العجل، فقال السبعون الذين معه: ما هذا في المحلة؟ أقتال؟ فقال موسى ﷺ: ليس بقتال، ولكنه صوت الفتنة، فلما دخل موسى، ونظر إلى ما يصنع بنو إسرائيل حول العجل، غضب، فألقى الألواح، فتكسرت، وصعد عامة الذي كان فيها من كلام الله وأخذ موسى برأس أخيه يجره إليه، فقال له هارون: يا أخي ﴿لاَ تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلاَ بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَن تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِيۤ إِسْرَآءِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي﴾، فأرسله ثم أقبل على السامري، فقال: ما خطبك يا سامري، ولِمَ صنعت ما أرى، فقال له ما نص الله علينا، فأمر موسى بالسامري أن يخرج من محلة بني إسرائيل، وأن لا يخالطهم في شيء، وأمر بالعجل فذبح، ثم أحرقه بالنار، ثم ذراه في اليم، ثم أتاهم موسى بكتاب ربهم فيه الحلال والحرام، والفرائض والحدود فلما نظروا إليه قالوا: لا حاجة لنا في الذي آتيتنا به، فإن العجل الذي حرقت كان أحب إلينا من الذي آتينا به فلسنا بقابليه ولا آخذين بما فيه. فقال موسى: رب إن عبادك بني إسرائيل قد ردوا كتابك وكذبوا نبيك، فأمر الله تعالى الملائكة فرفعوا الجبل فغشوا به بني إسرائيل حتى ظلوا به عسكرهم، فحال بينهم وبين السماء، فقال موسى ﷺ: إما أن تأخذوا هذا الكتاب بما فيه، وإما أن يلقى عليكم الجبل، فقالوا: سمعنا وعصينا الذي جئتنا به، ثم أخذوا ولم يجدوا من أخذه بداً، فرفع عنهم الجبل فنظروا في الكتاب، فبين راض وكاره ومؤمن وكافر فعفا الله تعالى عنهم، فهو قوله: ﴿ثُمَّ عَفَوْنَا عَنكُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾. [ثم قال: وكذلك سولت لي نفسي]. وقال ابن زيد: كذلك حدثتني نفسي. ثم قال تعالى جلّ ذكره: ﴿قَالَ فَٱذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي ٱلْحَيَاةِ أَن تَقُولَ لاَ مِسَاسَ﴾. أي: قال موسى للسامري: فاذهب فإن لك في حياة الدنيا: أي: أيام حياتك أن تقول لا مساس، أي لا أمس، أي: عقوبتك في الدنيا أن لا تكلم ولا تخالط. وقيل: معناه: لك في [الحياة] الدنيا أن تعيش مع البهائم والسباع والوحوش في البرية، مستوحشاً لا تقرب أحداً ولا تمس أحداً ولا يمسك أحد. وروي أن موسى عليه السلام أمر بني إسرائيل ألا يؤاكلوه، ولا يخالطوه ولا يبايعوه، فلذلك قال له: أن تقول لا مساس وذلك فيما يذكر في قبيلته إلى الآن. وقال قتادة: كان السامري عظيماً من عظماء بني إسرائيل من قبيلة يقال لها سامرة ولكن عدو الله نافق بعدما قطع البحر مع بني إسرائيل. وقال ابن جبير: كان من أهل كرمان. * * وقوله: ﴿لاَ مِسَاسَ﴾ منصوب على التبرئة كـ (لا رجل في الدار). ويجوز: ﴿لاَ مِسَاسَ﴾ بكسر السين وتبنيه على الكسر. * * ثم قال: ﴿وَإِنَّ لَكَ مَوْعِداً لَّن تُخْلَفَهُ﴾ يعني القيامة. ومن كسر اللام، أراد لن تغيب عنه، وهو قول قتادة، أي: تأتي إليه طائعاً أو كارهاً وفيه معنى التهديد والوعيد، ولفظه لفظ الخبر. ومن فتح اللام، أراد لن يخلفكه الله، ثم رد إلى ما لم يسم فاعله. * * ثم قال: ﴿وَٱنظُرْ إِلَىٰ إِلَـٰهِكَ ٱلَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفاً﴾. أي: انظر إلى العجل الذي عبدته من دون الله، وأقمت بعدي على عبادته لنحرّقنّه بالنار قطعة بعد قطعة، لأن في التشديد معنى التكثير. وقرأ الحسن: بتخفيف الراء على معنى: لنحرقنه مرة واحدة. وقرأ أبو جعفر القارئ: ﴿لَّنُحَرِّقَنَّهُ﴾ بفتح النون وضم الراء، بمعنى لنبردنه بالمبارد، يقال: أحرقه وحرقه بالنار، يحرقه ويُحَرِّقه: إذا نحته بمبرد أو غيره. وقراءة أبي جعفر تروى عن علي وابن عباس. قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: أمر موسى بالعجل فبرد في البحر فلم يشرب منه أحد ممن عبد العجل إلا اصفّر لونه، فقالوا: ما توبتنا قال: أن يقتل بعضكم بعضاً، فأخذوا السكاكين، فكان الرجل يقتل أباه وأخاه حتى قُتِلَ منهم سبعون ألفاً، فأوحى الله إليه: مرهم فليرفعوا القتل، فقد رحمت مَن قتل منهم، وقد تبت على مَن بقي. * * وقوله: ﴿ثُمَّ لَنَنسِفَنَّهُ فِي ٱلْيَمِّ نَسْفاً﴾ أي: لنذرينه في البحر ذرواً. ثم قال تعالى ذكره: ﴿إِنَّمَآ إِلَـٰهُكُمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِي لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً﴾. أي: إنما معبودكم الذي تجب له العبادة والإخلاص لله الذي لا معبود إلا هو، وسع كل شيء علماً أي: أحاط بكل شيء علماً فلا يَخفى عليه شيء. قال قتادة: معناه: ملأ كل شيء علماً. يقال: فلان يسع هذا الأمر، إذا أطاقه وقَوِيَ عليه. * * ثم قال تعالى: ﴿كَذٰلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَآءِ مَا قَدْ سَبَقَ﴾. أي: كما قصصنا عليك يا محمد خبر موسى وقومه، كذلك نقص عليك من أخبار من قد سبق قبلك مما لم تشاهده ولا عاينته. * * ثم قال: ﴿وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِن لَّدُنَّا ذِكْراً﴾. أي: وقد أعطيناك يا محمد من عندنا ذكراً تتذكر به وتتعظ. وهو القرآن. * * ﴿مَّنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ وِزْراً﴾. أي: من لم يؤمن به ويعمل بما فيه، فإنه يحمل يوم القيامة إثماً عظيماً ﴿خَالِدِينَ فِيهِ﴾ أي: [ماكثين] في عقوبته في النار. ثم قال تعالى وجل ثناؤه: ﴿وَسَآءَ لَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ حِمْلاً﴾. أي: وساء لهم الوزر حملاً. أي: بئس الوزر لهم. يعني ذنوبهم. * * ثم قال تعالى: ﴿يَوْمَ يُنفَخُ فِي ٱلصُّورِ﴾. ﴿يَوْمَ﴾ بدل من يوم الأول، والمعنى: يوم ينفخ ملك الصور فيه. ثم رد إلى ما لم يسم فاعله، وكانت الياء أولى عند من قرأ بها، لأن النفخ في الصور لا يتولاه الله جل ذكره، إنما يتولاه الملك، بأمره وقدرته. ولا حجة في "ونحشر" لأن النافخ الملك والحاشر الله. ومَن قرأه بالنون، فلأن بعده، ونحشر فأتى بالفعلين على الإخبار عن الله جل ذكره للمطابقة لأن الله تعالى هو الفاعل لجميع الأحوال المقدر لها. * * ثم قال تعالى: ﴿وَنَحْشُرُ ٱلْمُجْرِمِينَ يَوْمِئِذٍ زُرْقاً﴾. أي: زرق الأعين من العطش الذي يكون بهم في الحشر. وقال ابن عباس: يكونون يوم القيامة في حال عمياً، وفي حال زرقاً. وقال جماعة زرقاً: عمياً. ويروى: أنهم يقومون من قبورهم يبصرون، ثم يصيرون عمياً. ويروى: أنهم لا يبصرون شيئاً إلا جهنم. وقيل: زرقاً شعثين متغيرين كلون الرماد. ثم قال: يتخافتون بينهم. أي: يسرون القول بينهم، يقولون بعضهم لبعض، إن لبثتم في الدنيا إلا عشراً. وأصل الخفت في اللغة السكون. أي: ما لبثتم من النفخة الأولى إلى البعث، إلا عشراً، وبين النفختين أربعون سنة. * * ثم قال: ﴿نَّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ يَوْماً﴾ أي: نحن أعلم بسرهم إذ يقول: أمثلهم طريقة أي: أعلمهم في أنفسهم إن لبثتم إلا يوماً، وذلك من شدة هول المطلع، ينسون ما كانوا فيه في الدنيا من النعيم وطول العمر حتى يتخيل إليهم من شدة ما هم فيه أنهم لم يعيشوا في الدنيا إلا يوماً واحداً. وقيل: ذلك تقديرهم فيما بين النفختين. وقيل: عني بذلك إقامتهم في القبور، ظنوا أنهم لم يلبثوا فيها إلى يوماً بعد انقطاع العذاب عنهم في القبور، لأنهم في طول مكثهم يعذبون، ثم ينقطع عنهم العذاب فيما بين النفختين.

طه 20:99

قوله تعالى ذكره: ﴿قَالُواْ لَن نَّبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ﴾ إلى قوله: ﴿إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ يَوْماً﴾. أي: قال بنو إسرائيل لهارون لما نهاهم عن عبادة العجل: لن نفارق عبادة العجل حتى يرجع إلينا موسى. * * ثم قال: ﴿يٰهَرُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوۤاْ * أَلاَّ تَتَّبِعَنِ﴾ في الكلام حذف. والتقدير: لما رجع موسى، قال: يا هارون: ما منعك أن تتبعني بمن لم يعبد العجل على ما كان بيني وبينهم. قال ابن عباس: لما قال القوم: ﴿لَن نَّبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّىٰ يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَىٰ﴾، أقام هارون بمن معه من المسلمين ممن لن يفتتن، وأقام من يعبد العجل على عبادة العجل، وخشي هارون إن مضى في أثر موسى بمن معه من المسلمين أن يقول له موسى: فرقت بين بني إسرائيل، ولم ترقب قولي. وكان هارون لموسى مطيعاً. وقال ابن جريج: أمر موسى هارون أن يصلح ولا يتبع سبيل المفسدين فذلك قوله: ما منعك ألا تتبعني أفعصيت أمري أي: ألا تتبع ما أمرتك به من الصلاح عليهم. * * ثم قال تعالى: ﴿قَالَ يَبْنَؤُمَّ لاَ تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلاَ بِرَأْسِي﴾. في الكلام حذف، والتقدير: فأخذ موسى بلحية هارون يجره إليه، فقال هارون: ﴿يَبْنَؤُمَّ لاَ تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلاَ بِرَأْسِي﴾. وقيل: المعنى: لا تفعل هذا، فيتوهموا أنه منك استخفاف وعقوبة. وقيل: إن موسى إنما فعل هذا على غير استخفاف ولا عقوبة، كما يأخذ الإنسان بلحية نفسه. * * وقوله: ﴿إِنِّي خَشِيتُ أَن تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِيۤ إِسْرَآءِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي﴾. قال ابن زيد: خشي هارون أن يمضي في أثر موسى بمن بقي معه من المسلمين الذين لم يعبدوا العجل، ويترك الذين قالوا: لن نبرح عليه عاكفين حتى يرجع إلينا موسى، فيقول له موسى فرقت بين بني إسرائيل ولم ترقب قولي. أي: جئت بطائفة وتركت طائفة. وهو قول ابن عباس. وقال ابن جريج: معناه: خشيت أن نقتتل فيقتل بعضنا بعضاً. ومعنى: ﴿وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي﴾ أي: ولم تحفظ قولي. * * ثم قال: ﴿فَمَا خَطْبُكَ يٰسَامِرِيُّ﴾. أي: فما شأنك، وما الذي دعاك إلى ما صنعت؟ قال: ﴿بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُواْ بِهِ﴾: أي: علمت ما لم يعلموا. قال ابن جريج: لما قتل فرعون الولدان، قالت أم السامري: لو نحيته حتى لا أراه ولا أرى قتلته. فجعلته في غار، فأتى جبريل عليه السلام فجعل كف نفسه في فيه، فجعل يرضع العسل واللبن، فجعل يختلف إليه حتى عرفه، فمن ثم معرفته إياه حين قبض قبضة من أثر فرس جبريل عليه السلام. وقيل: معنى: ﴿بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُواْ بِهِ﴾ أي: أبصرت ما لم يبصروا يعني: فرس جبريل. ومن قرأ بالياء، جعله إخباراً عن بني إسرائيل. ومن قرأ بالتاء. جعله خطاباً لموسى وبني إسرائيل. * * ثم قال: ﴿فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِّنْ أَثَرِ ٱلرَّسُولِ﴾. أي: من أثر حافر فرس جبريل عليه السلام. وقرأ الحسن وقتادة: فقبصت قبصة بالصاد غير المعجمة، وذلك الأخذ بأطراف الأصابع. "والقبضة" على قراءة الجماعة قبضك على الشيء بملء كفك مرة واحدة. "والقُبضة" بضم القاف، مقدار ما يقبض كالغرفة والغرفة. * * وقوله: ﴿فَنَبَذْتُهَا﴾. أي: ألقيتها في العجل ليخور. * * ﴿وَكَذٰلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي﴾. أي: زيّنت لي نفسي أن الحلي إذا سبك وألقيت فيه القبضة أنه يصير عجلاً جسداً. وروى أبو صالح عن ابن عباس أنه قال : "لما خرج موسى عليه السلام ببني إسرائيل السبعين رجلاً، أمرهم أن ينتظروه في أسفل الجبل، وصعد موسى الجبل وكلمه الله أربعين يوماً وليلة، وكتب له في الألواح وأن بني إسرائيل عدوا عشرين يوماً وعشرين ليلة، فاستبطأوا موسى بعد ذلك، فاتخذوا العجل من بعده، قال: فبلغنا - والله أعلم - أن الله قال لموسى عند ذلك أن قومك قد اتخذوا العجل من بعدك، قال: عجلاً جسداً له خوار. فقال موسى: رب، من جعله لهم؟ فقال: السامري، فقال موسى: رب، السامري جعل لهم العجل وأنت فتنت قومي بالخوار، وجعلت الروح فيه، فما أصنع؟ فرجع موسى إلى قومه معه السبعون رجلاً، ولم يخبرهم موسى بالذي أحدث بنو إسرائيل بعده من عبادة العجل، وبالذي قال له ربه، فلما غشي موسى ومن معه محلة قومه، سمع اللغط حول العجل، فقال السبعون الذين معه: ما هذا في المحلة؟ أقتال؟ فقال موسى ﷺ: ليس بقتال، ولكنه صوت الفتنة، فلما دخل موسى، ونظر إلى ما يصنع بنو إسرائيل حول العجل، غضب، فألقى الألواح، فتكسرت، وصعد عامة الذي كان فيها من كلام الله وأخذ موسى برأس أخيه يجره إليه، فقال له هارون: يا أخي ﴿لاَ تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلاَ بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَن تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِيۤ إِسْرَآءِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي﴾، فأرسله ثم أقبل على السامري، فقال: ما خطبك يا سامري، ولِمَ صنعت ما أرى، فقال له ما نص الله علينا، فأمر موسى بالسامري أن يخرج من محلة بني إسرائيل، وأن لا يخالطهم في شيء، وأمر بالعجل فذبح، ثم أحرقه بالنار، ثم ذراه في اليم، ثم أتاهم موسى بكتاب ربهم فيه الحلال والحرام، والفرائض والحدود فلما نظروا إليه قالوا: لا حاجة لنا في الذي آتيتنا به، فإن العجل الذي حرقت كان أحب إلينا من الذي آتينا به فلسنا بقابليه ولا آخذين بما فيه. فقال موسى: رب إن عبادك بني إسرائيل قد ردوا كتابك وكذبوا نبيك، فأمر الله تعالى الملائكة فرفعوا الجبل فغشوا به بني إسرائيل حتى ظلوا به عسكرهم، فحال بينهم وبين السماء، فقال موسى ﷺ: إما أن تأخذوا هذا الكتاب بما فيه، وإما أن يلقى عليكم الجبل، فقالوا: سمعنا وعصينا الذي جئتنا به، ثم أخذوا ولم يجدوا من أخذه بداً، فرفع عنهم الجبل فنظروا في الكتاب، فبين راض وكاره ومؤمن وكافر فعفا الله تعالى عنهم، فهو قوله: ﴿ثُمَّ عَفَوْنَا عَنكُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾. [ثم قال: وكذلك سولت لي نفسي]. وقال ابن زيد: كذلك حدثتني نفسي. ثم قال تعالى جلّ ذكره: ﴿قَالَ فَٱذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي ٱلْحَيَاةِ أَن تَقُولَ لاَ مِسَاسَ﴾. أي: قال موسى للسامري: فاذهب فإن لك في حياة الدنيا: أي: أيام حياتك أن تقول لا مساس، أي لا أمس، أي: عقوبتك في الدنيا أن لا تكلم ولا تخالط. وقيل: معناه: لك في [الحياة] الدنيا أن تعيش مع البهائم والسباع والوحوش في البرية، مستوحشاً لا تقرب أحداً ولا تمس أحداً ولا يمسك أحد. وروي أن موسى عليه السلام أمر بني إسرائيل ألا يؤاكلوه، ولا يخالطوه ولا يبايعوه، فلذلك قال له: أن تقول لا مساس وذلك فيما يذكر في قبيلته إلى الآن. وقال قتادة: كان السامري عظيماً من عظماء بني إسرائيل من قبيلة يقال لها سامرة ولكن عدو الله نافق بعدما قطع البحر مع بني إسرائيل. وقال ابن جبير: كان من أهل كرمان. * * وقوله: ﴿لاَ مِسَاسَ﴾ منصوب على التبرئة كـ (لا رجل في الدار). ويجوز: ﴿لاَ مِسَاسَ﴾ بكسر السين وتبنيه على الكسر. * * ثم قال: ﴿وَإِنَّ لَكَ مَوْعِداً لَّن تُخْلَفَهُ﴾ يعني القيامة. ومن كسر اللام، أراد لن تغيب عنه، وهو قول قتادة، أي: تأتي إليه طائعاً أو كارهاً وفيه معنى التهديد والوعيد، ولفظه لفظ الخبر. ومن فتح اللام، أراد لن يخلفكه الله، ثم رد إلى ما لم يسم فاعله. * * ثم قال: ﴿وَٱنظُرْ إِلَىٰ إِلَـٰهِكَ ٱلَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفاً﴾. أي: انظر إلى العجل الذي عبدته من دون الله، وأقمت بعدي على عبادته لنحرّقنّه بالنار قطعة بعد قطعة، لأن في التشديد معنى التكثير. وقرأ الحسن: بتخفيف الراء على معنى: لنحرقنه مرة واحدة. وقرأ أبو جعفر القارئ: ﴿لَّنُحَرِّقَنَّهُ﴾ بفتح النون وضم الراء، بمعنى لنبردنه بالمبارد، يقال: أحرقه وحرقه بالنار، يحرقه ويُحَرِّقه: إذا نحته بمبرد أو غيره. وقراءة أبي جعفر تروى عن علي وابن عباس. قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: أمر موسى بالعجل فبرد في البحر فلم يشرب منه أحد ممن عبد العجل إلا اصفّر لونه، فقالوا: ما توبتنا قال: أن يقتل بعضكم بعضاً، فأخذوا السكاكين، فكان الرجل يقتل أباه وأخاه حتى قُتِلَ منهم سبعون ألفاً، فأوحى الله إليه: مرهم فليرفعوا القتل، فقد رحمت مَن قتل منهم، وقد تبت على مَن بقي. * * وقوله: ﴿ثُمَّ لَنَنسِفَنَّهُ فِي ٱلْيَمِّ نَسْفاً﴾ أي: لنذرينه في البحر ذرواً. ثم قال تعالى ذكره: ﴿إِنَّمَآ إِلَـٰهُكُمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِي لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً﴾. أي: إنما معبودكم الذي تجب له العبادة والإخلاص لله الذي لا معبود إلا هو، وسع كل شيء علماً أي: أحاط بكل شيء علماً فلا يَخفى عليه شيء. قال قتادة: معناه: ملأ كل شيء علماً. يقال: فلان يسع هذا الأمر، إذا أطاقه وقَوِيَ عليه. * * ثم قال تعالى: ﴿كَذٰلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَآءِ مَا قَدْ سَبَقَ﴾. أي: كما قصصنا عليك يا محمد خبر موسى وقومه، كذلك نقص عليك من أخبار من قد سبق قبلك مما لم تشاهده ولا عاينته. * * ثم قال: ﴿وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِن لَّدُنَّا ذِكْراً﴾. أي: وقد أعطيناك يا محمد من عندنا ذكراً تتذكر به وتتعظ. وهو القرآن. * * ﴿مَّنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ وِزْراً﴾. أي: من لم يؤمن به ويعمل بما فيه، فإنه يحمل يوم القيامة إثماً عظيماً ﴿خَالِدِينَ فِيهِ﴾ أي: [ماكثين] في عقوبته في النار. ثم قال تعالى وجل ثناؤه: ﴿وَسَآءَ لَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ حِمْلاً﴾. أي: وساء لهم الوزر حملاً. أي: بئس الوزر لهم. يعني ذنوبهم. * * ثم قال تعالى: ﴿يَوْمَ يُنفَخُ فِي ٱلصُّورِ﴾. ﴿يَوْمَ﴾ بدل من يوم الأول، والمعنى: يوم ينفخ ملك الصور فيه. ثم رد إلى ما لم يسم فاعله، وكانت الياء أولى عند من قرأ بها، لأن النفخ في الصور لا يتولاه الله جل ذكره، إنما يتولاه الملك، بأمره وقدرته. ولا حجة في "ونحشر" لأن النافخ الملك والحاشر الله. ومَن قرأه بالنون، فلأن بعده، ونحشر فأتى بالفعلين على الإخبار عن الله جل ذكره للمطابقة لأن الله تعالى هو الفاعل لجميع الأحوال المقدر لها. * * ثم قال تعالى: ﴿وَنَحْشُرُ ٱلْمُجْرِمِينَ يَوْمِئِذٍ زُرْقاً﴾. أي: زرق الأعين من العطش الذي يكون بهم في الحشر. وقال ابن عباس: يكونون يوم القيامة في حال عمياً، وفي حال زرقاً. وقال جماعة زرقاً: عمياً. ويروى: أنهم يقومون من قبورهم يبصرون، ثم يصيرون عمياً. ويروى: أنهم لا يبصرون شيئاً إلا جهنم. وقيل: زرقاً شعثين متغيرين كلون الرماد. ثم قال: يتخافتون بينهم. أي: يسرون القول بينهم، يقولون بعضهم لبعض، إن لبثتم في الدنيا إلا عشراً. وأصل الخفت في اللغة السكون. أي: ما لبثتم من النفخة الأولى إلى البعث، إلا عشراً، وبين النفختين أربعون سنة. * * ثم قال: ﴿نَّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ يَوْماً﴾ أي: نحن أعلم بسرهم إذ يقول: أمثلهم طريقة أي: أعلمهم في أنفسهم إن لبثتم إلا يوماً، وذلك من شدة هول المطلع، ينسون ما كانوا فيه في الدنيا من النعيم وطول العمر حتى يتخيل إليهم من شدة ما هم فيه أنهم لم يعيشوا في الدنيا إلا يوماً واحداً. وقيل: ذلك تقديرهم فيما بين النفختين. وقيل: عني بذلك إقامتهم في القبور، ظنوا أنهم لم يلبثوا فيها إلى يوماً بعد انقطاع العذاب عنهم في القبور، لأنهم في طول مكثهم يعذبون، ثم ينقطع عنهم العذاب فيما بين النفختين.

طه 20:100

قوله تعالى ذكره: ﴿قَالُواْ لَن نَّبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ﴾ إلى قوله: ﴿إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ يَوْماً﴾. أي: قال بنو إسرائيل لهارون لما نهاهم عن عبادة العجل: لن نفارق عبادة العجل حتى يرجع إلينا موسى. * * ثم قال: ﴿يٰهَرُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوۤاْ * أَلاَّ تَتَّبِعَنِ﴾ في الكلام حذف. والتقدير: لما رجع موسى، قال: يا هارون: ما منعك أن تتبعني بمن لم يعبد العجل على ما كان بيني وبينهم. قال ابن عباس: لما قال القوم: ﴿لَن نَّبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّىٰ يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَىٰ﴾، أقام هارون بمن معه من المسلمين ممن لن يفتتن، وأقام من يعبد العجل على عبادة العجل، وخشي هارون إن مضى في أثر موسى بمن معه من المسلمين أن يقول له موسى: فرقت بين بني إسرائيل، ولم ترقب قولي. وكان هارون لموسى مطيعاً. وقال ابن جريج: أمر موسى هارون أن يصلح ولا يتبع سبيل المفسدين فذلك قوله: ما منعك ألا تتبعني أفعصيت أمري أي: ألا تتبع ما أمرتك به من الصلاح عليهم. * * ثم قال تعالى: ﴿قَالَ يَبْنَؤُمَّ لاَ تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلاَ بِرَأْسِي﴾. في الكلام حذف، والتقدير: فأخذ موسى بلحية هارون يجره إليه، فقال هارون: ﴿يَبْنَؤُمَّ لاَ تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلاَ بِرَأْسِي﴾. وقيل: المعنى: لا تفعل هذا، فيتوهموا أنه منك استخفاف وعقوبة. وقيل: إن موسى إنما فعل هذا على غير استخفاف ولا عقوبة، كما يأخذ الإنسان بلحية نفسه. * * وقوله: ﴿إِنِّي خَشِيتُ أَن تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِيۤ إِسْرَآءِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي﴾. قال ابن زيد: خشي هارون أن يمضي في أثر موسى بمن بقي معه من المسلمين الذين لم يعبدوا العجل، ويترك الذين قالوا: لن نبرح عليه عاكفين حتى يرجع إلينا موسى، فيقول له موسى فرقت بين بني إسرائيل ولم ترقب قولي. أي: جئت بطائفة وتركت طائفة. وهو قول ابن عباس. وقال ابن جريج: معناه: خشيت أن نقتتل فيقتل بعضنا بعضاً. ومعنى: ﴿وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي﴾ أي: ولم تحفظ قولي. * * ثم قال: ﴿فَمَا خَطْبُكَ يٰسَامِرِيُّ﴾. أي: فما شأنك، وما الذي دعاك إلى ما صنعت؟ قال: ﴿بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُواْ بِهِ﴾: أي: علمت ما لم يعلموا. قال ابن جريج: لما قتل فرعون الولدان، قالت أم السامري: لو نحيته حتى لا أراه ولا أرى قتلته. فجعلته في غار، فأتى جبريل عليه السلام فجعل كف نفسه في فيه، فجعل يرضع العسل واللبن، فجعل يختلف إليه حتى عرفه، فمن ثم معرفته إياه حين قبض قبضة من أثر فرس جبريل عليه السلام. وقيل: معنى: ﴿بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُواْ بِهِ﴾ أي: أبصرت ما لم يبصروا يعني: فرس جبريل. ومن قرأ بالياء، جعله إخباراً عن بني إسرائيل. ومن قرأ بالتاء. جعله خطاباً لموسى وبني إسرائيل. * * ثم قال: ﴿فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِّنْ أَثَرِ ٱلرَّسُولِ﴾. أي: من أثر حافر فرس جبريل عليه السلام. وقرأ الحسن وقتادة: فقبصت قبصة بالصاد غير المعجمة، وذلك الأخذ بأطراف الأصابع. "والقبضة" على قراءة الجماعة قبضك على الشيء بملء كفك مرة واحدة. "والقُبضة" بضم القاف، مقدار ما يقبض كالغرفة والغرفة. * * وقوله: ﴿فَنَبَذْتُهَا﴾. أي: ألقيتها في العجل ليخور. * * ﴿وَكَذٰلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي﴾. أي: زيّنت لي نفسي أن الحلي إذا سبك وألقيت فيه القبضة أنه يصير عجلاً جسداً. وروى أبو صالح عن ابن عباس أنه قال : "لما خرج موسى عليه السلام ببني إسرائيل السبعين رجلاً، أمرهم أن ينتظروه في أسفل الجبل، وصعد موسى الجبل وكلمه الله أربعين يوماً وليلة، وكتب له في الألواح وأن بني إسرائيل عدوا عشرين يوماً وعشرين ليلة، فاستبطأوا موسى بعد ذلك، فاتخذوا العجل من بعده، قال: فبلغنا - والله أعلم - أن الله قال لموسى عند ذلك أن قومك قد اتخذوا العجل من بعدك، قال: عجلاً جسداً له خوار. فقال موسى: رب، من جعله لهم؟ فقال: السامري، فقال موسى: رب، السامري جعل لهم العجل وأنت فتنت قومي بالخوار، وجعلت الروح فيه، فما أصنع؟ فرجع موسى إلى قومه معه السبعون رجلاً، ولم يخبرهم موسى بالذي أحدث بنو إسرائيل بعده من عبادة العجل، وبالذي قال له ربه، فلما غشي موسى ومن معه محلة قومه، سمع اللغط حول العجل، فقال السبعون الذين معه: ما هذا في المحلة؟ أقتال؟ فقال موسى ﷺ: ليس بقتال، ولكنه صوت الفتنة، فلما دخل موسى، ونظر إلى ما يصنع بنو إسرائيل حول العجل، غضب، فألقى الألواح، فتكسرت، وصعد عامة الذي كان فيها من كلام الله وأخذ موسى برأس أخيه يجره إليه، فقال له هارون: يا أخي ﴿لاَ تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلاَ بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَن تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِيۤ إِسْرَآءِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي﴾، فأرسله ثم أقبل على السامري، فقال: ما خطبك يا سامري، ولِمَ صنعت ما أرى، فقال له ما نص الله علينا، فأمر موسى بالسامري أن يخرج من محلة بني إسرائيل، وأن لا يخالطهم في شيء، وأمر بالعجل فذبح، ثم أحرقه بالنار، ثم ذراه في اليم، ثم أتاهم موسى بكتاب ربهم فيه الحلال والحرام، والفرائض والحدود فلما نظروا إليه قالوا: لا حاجة لنا في الذي آتيتنا به، فإن العجل الذي حرقت كان أحب إلينا من الذي آتينا به فلسنا بقابليه ولا آخذين بما فيه. فقال موسى: رب إن عبادك بني إسرائيل قد ردوا كتابك وكذبوا نبيك، فأمر الله تعالى الملائكة فرفعوا الجبل فغشوا به بني إسرائيل حتى ظلوا به عسكرهم، فحال بينهم وبين السماء، فقال موسى ﷺ: إما أن تأخذوا هذا الكتاب بما فيه، وإما أن يلقى عليكم الجبل، فقالوا: سمعنا وعصينا الذي جئتنا به، ثم أخذوا ولم يجدوا من أخذه بداً، فرفع عنهم الجبل فنظروا في الكتاب، فبين راض وكاره ومؤمن وكافر فعفا الله تعالى عنهم، فهو قوله: ﴿ثُمَّ عَفَوْنَا عَنكُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾. [ثم قال: وكذلك سولت لي نفسي]. وقال ابن زيد: كذلك حدثتني نفسي. ثم قال تعالى جلّ ذكره: ﴿قَالَ فَٱذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي ٱلْحَيَاةِ أَن تَقُولَ لاَ مِسَاسَ﴾. أي: قال موسى للسامري: فاذهب فإن لك في حياة الدنيا: أي: أيام حياتك أن تقول لا مساس، أي لا أمس، أي: عقوبتك في الدنيا أن لا تكلم ولا تخالط. وقيل: معناه: لك في [الحياة] الدنيا أن تعيش مع البهائم والسباع والوحوش في البرية، مستوحشاً لا تقرب أحداً ولا تمس أحداً ولا يمسك أحد. وروي أن موسى عليه السلام أمر بني إسرائيل ألا يؤاكلوه، ولا يخالطوه ولا يبايعوه، فلذلك قال له: أن تقول لا مساس وذلك فيما يذكر في قبيلته إلى الآن. وقال قتادة: كان السامري عظيماً من عظماء بني إسرائيل من قبيلة يقال لها سامرة ولكن عدو الله نافق بعدما قطع البحر مع بني إسرائيل. وقال ابن جبير: كان من أهل كرمان. * * وقوله: ﴿لاَ مِسَاسَ﴾ منصوب على التبرئة كـ (لا رجل في الدار). ويجوز: ﴿لاَ مِسَاسَ﴾ بكسر السين وتبنيه على الكسر. * * ثم قال: ﴿وَإِنَّ لَكَ مَوْعِداً لَّن تُخْلَفَهُ﴾ يعني القيامة. ومن كسر اللام، أراد لن تغيب عنه، وهو قول قتادة، أي: تأتي إليه طائعاً أو كارهاً وفيه معنى التهديد والوعيد، ولفظه لفظ الخبر. ومن فتح اللام، أراد لن يخلفكه الله، ثم رد إلى ما لم يسم فاعله. * * ثم قال: ﴿وَٱنظُرْ إِلَىٰ إِلَـٰهِكَ ٱلَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفاً﴾. أي: انظر إلى العجل الذي عبدته من دون الله، وأقمت بعدي على عبادته لنحرّقنّه بالنار قطعة بعد قطعة، لأن في التشديد معنى التكثير. وقرأ الحسن: بتخفيف الراء على معنى: لنحرقنه مرة واحدة. وقرأ أبو جعفر القارئ: ﴿لَّنُحَرِّقَنَّهُ﴾ بفتح النون وضم الراء، بمعنى لنبردنه بالمبارد، يقال: أحرقه وحرقه بالنار، يحرقه ويُحَرِّقه: إذا نحته بمبرد أو غيره. وقراءة أبي جعفر تروى عن علي وابن عباس. قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: أمر موسى بالعجل فبرد في البحر فلم يشرب منه أحد ممن عبد العجل إلا اصفّر لونه، فقالوا: ما توبتنا قال: أن يقتل بعضكم بعضاً، فأخذوا السكاكين، فكان الرجل يقتل أباه وأخاه حتى قُتِلَ منهم سبعون ألفاً، فأوحى الله إليه: مرهم فليرفعوا القتل، فقد رحمت مَن قتل منهم، وقد تبت على مَن بقي. * * وقوله: ﴿ثُمَّ لَنَنسِفَنَّهُ فِي ٱلْيَمِّ نَسْفاً﴾ أي: لنذرينه في البحر ذرواً. ثم قال تعالى ذكره: ﴿إِنَّمَآ إِلَـٰهُكُمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِي لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً﴾. أي: إنما معبودكم الذي تجب له العبادة والإخلاص لله الذي لا معبود إلا هو، وسع كل شيء علماً أي: أحاط بكل شيء علماً فلا يَخفى عليه شيء. قال قتادة: معناه: ملأ كل شيء علماً. يقال: فلان يسع هذا الأمر، إذا أطاقه وقَوِيَ عليه. * * ثم قال تعالى: ﴿كَذٰلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَآءِ مَا قَدْ سَبَقَ﴾. أي: كما قصصنا عليك يا محمد خبر موسى وقومه، كذلك نقص عليك من أخبار من قد سبق قبلك مما لم تشاهده ولا عاينته. * * ثم قال: ﴿وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِن لَّدُنَّا ذِكْراً﴾. أي: وقد أعطيناك يا محمد من عندنا ذكراً تتذكر به وتتعظ. وهو القرآن. * * ﴿مَّنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ وِزْراً﴾. أي: من لم يؤمن به ويعمل بما فيه، فإنه يحمل يوم القيامة إثماً عظيماً ﴿خَالِدِينَ فِيهِ﴾ أي: [ماكثين] في عقوبته في النار. ثم قال تعالى وجل ثناؤه: ﴿وَسَآءَ لَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ حِمْلاً﴾. أي: وساء لهم الوزر حملاً. أي: بئس الوزر لهم. يعني ذنوبهم. * * ثم قال تعالى: ﴿يَوْمَ يُنفَخُ فِي ٱلصُّورِ﴾. ﴿يَوْمَ﴾ بدل من يوم الأول، والمعنى: يوم ينفخ ملك الصور فيه. ثم رد إلى ما لم يسم فاعله، وكانت الياء أولى عند من قرأ بها، لأن النفخ في الصور لا يتولاه الله جل ذكره، إنما يتولاه الملك، بأمره وقدرته. ولا حجة في "ونحشر" لأن النافخ الملك والحاشر الله. ومَن قرأه بالنون، فلأن بعده، ونحشر فأتى بالفعلين على الإخبار عن الله جل ذكره للمطابقة لأن الله تعالى هو الفاعل لجميع الأحوال المقدر لها. * * ثم قال تعالى: ﴿وَنَحْشُرُ ٱلْمُجْرِمِينَ يَوْمِئِذٍ زُرْقاً﴾. أي: زرق الأعين من العطش الذي يكون بهم في الحشر. وقال ابن عباس: يكونون يوم القيامة في حال عمياً، وفي حال زرقاً. وقال جماعة زرقاً: عمياً. ويروى: أنهم يقومون من قبورهم يبصرون، ثم يصيرون عمياً. ويروى: أنهم لا يبصرون شيئاً إلا جهنم. وقيل: زرقاً شعثين متغيرين كلون الرماد. ثم قال: يتخافتون بينهم. أي: يسرون القول بينهم، يقولون بعضهم لبعض، إن لبثتم في الدنيا إلا عشراً. وأصل الخفت في اللغة السكون. أي: ما لبثتم من النفخة الأولى إلى البعث، إلا عشراً، وبين النفختين أربعون سنة. * * ثم قال: ﴿نَّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ يَوْماً﴾ أي: نحن أعلم بسرهم إذ يقول: أمثلهم طريقة أي: أعلمهم في أنفسهم إن لبثتم إلا يوماً، وذلك من شدة هول المطلع، ينسون ما كانوا فيه في الدنيا من النعيم وطول العمر حتى يتخيل إليهم من شدة ما هم فيه أنهم لم يعيشوا في الدنيا إلا يوماً واحداً. وقيل: ذلك تقديرهم فيما بين النفختين. وقيل: عني بذلك إقامتهم في القبور، ظنوا أنهم لم يلبثوا فيها إلى يوماً بعد انقطاع العذاب عنهم في القبور، لأنهم في طول مكثهم يعذبون، ثم ينقطع عنهم العذاب فيما بين النفختين.

طه 20:101

قوله تعالى ذكره: ﴿قَالُواْ لَن نَّبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ﴾ إلى قوله: ﴿إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ يَوْماً﴾. أي: قال بنو إسرائيل لهارون لما نهاهم عن عبادة العجل: لن نفارق عبادة العجل حتى يرجع إلينا موسى. * * ثم قال: ﴿يٰهَرُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوۤاْ * أَلاَّ تَتَّبِعَنِ﴾ في الكلام حذف. والتقدير: لما رجع موسى، قال: يا هارون: ما منعك أن تتبعني بمن لم يعبد العجل على ما كان بيني وبينهم. قال ابن عباس: لما قال القوم: ﴿لَن نَّبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّىٰ يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَىٰ﴾، أقام هارون بمن معه من المسلمين ممن لن يفتتن، وأقام من يعبد العجل على عبادة العجل، وخشي هارون إن مضى في أثر موسى بمن معه من المسلمين أن يقول له موسى: فرقت بين بني إسرائيل، ولم ترقب قولي. وكان هارون لموسى مطيعاً. وقال ابن جريج: أمر موسى هارون أن يصلح ولا يتبع سبيل المفسدين فذلك قوله: ما منعك ألا تتبعني أفعصيت أمري أي: ألا تتبع ما أمرتك به من الصلاح عليهم. * * ثم قال تعالى: ﴿قَالَ يَبْنَؤُمَّ لاَ تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلاَ بِرَأْسِي﴾. في الكلام حذف، والتقدير: فأخذ موسى بلحية هارون يجره إليه، فقال هارون: ﴿يَبْنَؤُمَّ لاَ تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلاَ بِرَأْسِي﴾. وقيل: المعنى: لا تفعل هذا، فيتوهموا أنه منك استخفاف وعقوبة. وقيل: إن موسى إنما فعل هذا على غير استخفاف ولا عقوبة، كما يأخذ الإنسان بلحية نفسه. * * وقوله: ﴿إِنِّي خَشِيتُ أَن تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِيۤ إِسْرَآءِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي﴾. قال ابن زيد: خشي هارون أن يمضي في أثر موسى بمن بقي معه من المسلمين الذين لم يعبدوا العجل، ويترك الذين قالوا: لن نبرح عليه عاكفين حتى يرجع إلينا موسى، فيقول له موسى فرقت بين بني إسرائيل ولم ترقب قولي. أي: جئت بطائفة وتركت طائفة. وهو قول ابن عباس. وقال ابن جريج: معناه: خشيت أن نقتتل فيقتل بعضنا بعضاً. ومعنى: ﴿وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي﴾ أي: ولم تحفظ قولي. * * ثم قال: ﴿فَمَا خَطْبُكَ يٰسَامِرِيُّ﴾. أي: فما شأنك، وما الذي دعاك إلى ما صنعت؟ قال: ﴿بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُواْ بِهِ﴾: أي: علمت ما لم يعلموا. قال ابن جريج: لما قتل فرعون الولدان، قالت أم السامري: لو نحيته حتى لا أراه ولا أرى قتلته. فجعلته في غار، فأتى جبريل عليه السلام فجعل كف نفسه في فيه، فجعل يرضع العسل واللبن، فجعل يختلف إليه حتى عرفه، فمن ثم معرفته إياه حين قبض قبضة من أثر فرس جبريل عليه السلام. وقيل: معنى: ﴿بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُواْ بِهِ﴾ أي: أبصرت ما لم يبصروا يعني: فرس جبريل. ومن قرأ بالياء، جعله إخباراً عن بني إسرائيل. ومن قرأ بالتاء. جعله خطاباً لموسى وبني إسرائيل. * * ثم قال: ﴿فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِّنْ أَثَرِ ٱلرَّسُولِ﴾. أي: من أثر حافر فرس جبريل عليه السلام. وقرأ الحسن وقتادة: فقبصت قبصة بالصاد غير المعجمة، وذلك الأخذ بأطراف الأصابع. "والقبضة" على قراءة الجماعة قبضك على الشيء بملء كفك مرة واحدة. "والقُبضة" بضم القاف، مقدار ما يقبض كالغرفة والغرفة. * * وقوله: ﴿فَنَبَذْتُهَا﴾. أي: ألقيتها في العجل ليخور. * * ﴿وَكَذٰلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي﴾. أي: زيّنت لي نفسي أن الحلي إذا سبك وألقيت فيه القبضة أنه يصير عجلاً جسداً. وروى أبو صالح عن ابن عباس أنه قال : "لما خرج موسى عليه السلام ببني إسرائيل السبعين رجلاً، أمرهم أن ينتظروه في أسفل الجبل، وصعد موسى الجبل وكلمه الله أربعين يوماً وليلة، وكتب له في الألواح وأن بني إسرائيل عدوا عشرين يوماً وعشرين ليلة، فاستبطأوا موسى بعد ذلك، فاتخذوا العجل من بعده، قال: فبلغنا - والله أعلم - أن الله قال لموسى عند ذلك أن قومك قد اتخذوا العجل من بعدك، قال: عجلاً جسداً له خوار. فقال موسى: رب، من جعله لهم؟ فقال: السامري، فقال موسى: رب، السامري جعل لهم العجل وأنت فتنت قومي بالخوار، وجعلت الروح فيه، فما أصنع؟ فرجع موسى إلى قومه معه السبعون رجلاً، ولم يخبرهم موسى بالذي أحدث بنو إسرائيل بعده من عبادة العجل، وبالذي قال له ربه، فلما غشي موسى ومن معه محلة قومه، سمع اللغط حول العجل، فقال السبعون الذين معه: ما هذا في المحلة؟ أقتال؟ فقال موسى ﷺ: ليس بقتال، ولكنه صوت الفتنة، فلما دخل موسى، ونظر إلى ما يصنع بنو إسرائيل حول العجل، غضب، فألقى الألواح، فتكسرت، وصعد عامة الذي كان فيها من كلام الله وأخذ موسى برأس أخيه يجره إليه، فقال له هارون: يا أخي ﴿لاَ تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلاَ بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَن تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِيۤ إِسْرَآءِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي﴾، فأرسله ثم أقبل على السامري، فقال: ما خطبك يا سامري، ولِمَ صنعت ما أرى، فقال له ما نص الله علينا، فأمر موسى بالسامري أن يخرج من محلة بني إسرائيل، وأن لا يخالطهم في شيء، وأمر بالعجل فذبح، ثم أحرقه بالنار، ثم ذراه في اليم، ثم أتاهم موسى بكتاب ربهم فيه الحلال والحرام، والفرائض والحدود فلما نظروا إليه قالوا: لا حاجة لنا في الذي آتيتنا به، فإن العجل الذي حرقت كان أحب إلينا من الذي آتينا به فلسنا بقابليه ولا آخذين بما فيه. فقال موسى: رب إن عبادك بني إسرائيل قد ردوا كتابك وكذبوا نبيك، فأمر الله تعالى الملائكة فرفعوا الجبل فغشوا به بني إسرائيل حتى ظلوا به عسكرهم، فحال بينهم وبين السماء، فقال موسى ﷺ: إما أن تأخذوا هذا الكتاب بما فيه، وإما أن يلقى عليكم الجبل، فقالوا: سمعنا وعصينا الذي جئتنا به، ثم أخذوا ولم يجدوا من أخذه بداً، فرفع عنهم الجبل فنظروا في الكتاب، فبين راض وكاره ومؤمن وكافر فعفا الله تعالى عنهم، فهو قوله: ﴿ثُمَّ عَفَوْنَا عَنكُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾. [ثم قال: وكذلك سولت لي نفسي]. وقال ابن زيد: كذلك حدثتني نفسي. ثم قال تعالى جلّ ذكره: ﴿قَالَ فَٱذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي ٱلْحَيَاةِ أَن تَقُولَ لاَ مِسَاسَ﴾. أي: قال موسى للسامري: فاذهب فإن لك في حياة الدنيا: أي: أيام حياتك أن تقول لا مساس، أي لا أمس، أي: عقوبتك في الدنيا أن لا تكلم ولا تخالط. وقيل: معناه: لك في [الحياة] الدنيا أن تعيش مع البهائم والسباع والوحوش في البرية، مستوحشاً لا تقرب أحداً ولا تمس أحداً ولا يمسك أحد. وروي أن موسى عليه السلام أمر بني إسرائيل ألا يؤاكلوه، ولا يخالطوه ولا يبايعوه، فلذلك قال له: أن تقول لا مساس وذلك فيما يذكر في قبيلته إلى الآن. وقال قتادة: كان السامري عظيماً من عظماء بني إسرائيل من قبيلة يقال لها سامرة ولكن عدو الله نافق بعدما قطع البحر مع بني إسرائيل. وقال ابن جبير: كان من أهل كرمان. * * وقوله: ﴿لاَ مِسَاسَ﴾ منصوب على التبرئة كـ (لا رجل في الدار). ويجوز: ﴿لاَ مِسَاسَ﴾ بكسر السين وتبنيه على الكسر. * * ثم قال: ﴿وَإِنَّ لَكَ مَوْعِداً لَّن تُخْلَفَهُ﴾ يعني القيامة. ومن كسر اللام، أراد لن تغيب عنه، وهو قول قتادة، أي: تأتي إليه طائعاً أو كارهاً وفيه معنى التهديد والوعيد، ولفظه لفظ الخبر. ومن فتح اللام، أراد لن يخلفكه الله، ثم رد إلى ما لم يسم فاعله. * * ثم قال: ﴿وَٱنظُرْ إِلَىٰ إِلَـٰهِكَ ٱلَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفاً﴾. أي: انظر إلى العجل الذي عبدته من دون الله، وأقمت بعدي على عبادته لنحرّقنّه بالنار قطعة بعد قطعة، لأن في التشديد معنى التكثير. وقرأ الحسن: بتخفيف الراء على معنى: لنحرقنه مرة واحدة. وقرأ أبو جعفر القارئ: ﴿لَّنُحَرِّقَنَّهُ﴾ بفتح النون وضم الراء، بمعنى لنبردنه بالمبارد، يقال: أحرقه وحرقه بالنار، يحرقه ويُحَرِّقه: إذا نحته بمبرد أو غيره. وقراءة أبي جعفر تروى عن علي وابن عباس. قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: أمر موسى بالعجل فبرد في البحر فلم يشرب منه أحد ممن عبد العجل إلا اصفّر لونه، فقالوا: ما توبتنا قال: أن يقتل بعضكم بعضاً، فأخذوا السكاكين، فكان الرجل يقتل أباه وأخاه حتى قُتِلَ منهم سبعون ألفاً، فأوحى الله إليه: مرهم فليرفعوا القتل، فقد رحمت مَن قتل منهم، وقد تبت على مَن بقي. * * وقوله: ﴿ثُمَّ لَنَنسِفَنَّهُ فِي ٱلْيَمِّ نَسْفاً﴾ أي: لنذرينه في البحر ذرواً. ثم قال تعالى ذكره: ﴿إِنَّمَآ إِلَـٰهُكُمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِي لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً﴾. أي: إنما معبودكم الذي تجب له العبادة والإخلاص لله الذي لا معبود إلا هو، وسع كل شيء علماً أي: أحاط بكل شيء علماً فلا يَخفى عليه شيء. قال قتادة: معناه: ملأ كل شيء علماً. يقال: فلان يسع هذا الأمر، إذا أطاقه وقَوِيَ عليه. * * ثم قال تعالى: ﴿كَذٰلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَآءِ مَا قَدْ سَبَقَ﴾. أي: كما قصصنا عليك يا محمد خبر موسى وقومه، كذلك نقص عليك من أخبار من قد سبق قبلك مما لم تشاهده ولا عاينته. * * ثم قال: ﴿وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِن لَّدُنَّا ذِكْراً﴾. أي: وقد أعطيناك يا محمد من عندنا ذكراً تتذكر به وتتعظ. وهو القرآن. * * ﴿مَّنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ وِزْراً﴾. أي: من لم يؤمن به ويعمل بما فيه، فإنه يحمل يوم القيامة إثماً عظيماً ﴿خَالِدِينَ فِيهِ﴾ أي: [ماكثين] في عقوبته في النار. ثم قال تعالى وجل ثناؤه: ﴿وَسَآءَ لَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ حِمْلاً﴾. أي: وساء لهم الوزر حملاً. أي: بئس الوزر لهم. يعني ذنوبهم. * * ثم قال تعالى: ﴿يَوْمَ يُنفَخُ فِي ٱلصُّورِ﴾. ﴿يَوْمَ﴾ بدل من يوم الأول، والمعنى: يوم ينفخ ملك الصور فيه. ثم رد إلى ما لم يسم فاعله، وكانت الياء أولى عند من قرأ بها، لأن النفخ في الصور لا يتولاه الله جل ذكره، إنما يتولاه الملك، بأمره وقدرته. ولا حجة في "ونحشر" لأن النافخ الملك والحاشر الله. ومَن قرأه بالنون، فلأن بعده، ونحشر فأتى بالفعلين على الإخبار عن الله جل ذكره للمطابقة لأن الله تعالى هو الفاعل لجميع الأحوال المقدر لها. * * ثم قال تعالى: ﴿وَنَحْشُرُ ٱلْمُجْرِمِينَ يَوْمِئِذٍ زُرْقاً﴾. أي: زرق الأعين من العطش الذي يكون بهم في الحشر. وقال ابن عباس: يكونون يوم القيامة في حال عمياً، وفي حال زرقاً. وقال جماعة زرقاً: عمياً. ويروى: أنهم يقومون من قبورهم يبصرون، ثم يصيرون عمياً. ويروى: أنهم لا يبصرون شيئاً إلا جهنم. وقيل: زرقاً شعثين متغيرين كلون الرماد. ثم قال: يتخافتون بينهم. أي: يسرون القول بينهم، يقولون بعضهم لبعض، إن لبثتم في الدنيا إلا عشراً. وأصل الخفت في اللغة السكون. أي: ما لبثتم من النفخة الأولى إلى البعث، إلا عشراً، وبين النفختين أربعون سنة. * * ثم قال: ﴿نَّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ يَوْماً﴾ أي: نحن أعلم بسرهم إذ يقول: أمثلهم طريقة أي: أعلمهم في أنفسهم إن لبثتم إلا يوماً، وذلك من شدة هول المطلع، ينسون ما كانوا فيه في الدنيا من النعيم وطول العمر حتى يتخيل إليهم من شدة ما هم فيه أنهم لم يعيشوا في الدنيا إلا يوماً واحداً. وقيل: ذلك تقديرهم فيما بين النفختين. وقيل: عني بذلك إقامتهم في القبور، ظنوا أنهم لم يلبثوا فيها إلى يوماً بعد انقطاع العذاب عنهم في القبور، لأنهم في طول مكثهم يعذبون، ثم ينقطع عنهم العذاب فيما بين النفختين.

طه 20:102

قوله تعالى ذكره: ﴿قَالُواْ لَن نَّبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ﴾ إلى قوله: ﴿إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ يَوْماً﴾. أي: قال بنو إسرائيل لهارون لما نهاهم عن عبادة العجل: لن نفارق عبادة العجل حتى يرجع إلينا موسى. * * ثم قال: ﴿يٰهَرُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوۤاْ * أَلاَّ تَتَّبِعَنِ﴾ في الكلام حذف. والتقدير: لما رجع موسى، قال: يا هارون: ما منعك أن تتبعني بمن لم يعبد العجل على ما كان بيني وبينهم. قال ابن عباس: لما قال القوم: ﴿لَن نَّبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّىٰ يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَىٰ﴾، أقام هارون بمن معه من المسلمين ممن لن يفتتن، وأقام من يعبد العجل على عبادة العجل، وخشي هارون إن مضى في أثر موسى بمن معه من المسلمين أن يقول له موسى: فرقت بين بني إسرائيل، ولم ترقب قولي. وكان هارون لموسى مطيعاً. وقال ابن جريج: أمر موسى هارون أن يصلح ولا يتبع سبيل المفسدين فذلك قوله: ما منعك ألا تتبعني أفعصيت أمري أي: ألا تتبع ما أمرتك به من الصلاح عليهم. * * ثم قال تعالى: ﴿قَالَ يَبْنَؤُمَّ لاَ تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلاَ بِرَأْسِي﴾. في الكلام حذف، والتقدير: فأخذ موسى بلحية هارون يجره إليه، فقال هارون: ﴿يَبْنَؤُمَّ لاَ تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلاَ بِرَأْسِي﴾. وقيل: المعنى: لا تفعل هذا، فيتوهموا أنه منك استخفاف وعقوبة. وقيل: إن موسى إنما فعل هذا على غير استخفاف ولا عقوبة، كما يأخذ الإنسان بلحية نفسه. * * وقوله: ﴿إِنِّي خَشِيتُ أَن تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِيۤ إِسْرَآءِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي﴾. قال ابن زيد: خشي هارون أن يمضي في أثر موسى بمن بقي معه من المسلمين الذين لم يعبدوا العجل، ويترك الذين قالوا: لن نبرح عليه عاكفين حتى يرجع إلينا موسى، فيقول له موسى فرقت بين بني إسرائيل ولم ترقب قولي. أي: جئت بطائفة وتركت طائفة. وهو قول ابن عباس. وقال ابن جريج: معناه: خشيت أن نقتتل فيقتل بعضنا بعضاً. ومعنى: ﴿وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي﴾ أي: ولم تحفظ قولي. * * ثم قال: ﴿فَمَا خَطْبُكَ يٰسَامِرِيُّ﴾. أي: فما شأنك، وما الذي دعاك إلى ما صنعت؟ قال: ﴿بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُواْ بِهِ﴾: أي: علمت ما لم يعلموا. قال ابن جريج: لما قتل فرعون الولدان، قالت أم السامري: لو نحيته حتى لا أراه ولا أرى قتلته. فجعلته في غار، فأتى جبريل عليه السلام فجعل كف نفسه في فيه، فجعل يرضع العسل واللبن، فجعل يختلف إليه حتى عرفه، فمن ثم معرفته إياه حين قبض قبضة من أثر فرس جبريل عليه السلام. وقيل: معنى: ﴿بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُواْ بِهِ﴾ أي: أبصرت ما لم يبصروا يعني: فرس جبريل. ومن قرأ بالياء، جعله إخباراً عن بني إسرائيل. ومن قرأ بالتاء. جعله خطاباً لموسى وبني إسرائيل. * * ثم قال: ﴿فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِّنْ أَثَرِ ٱلرَّسُولِ﴾. أي: من أثر حافر فرس جبريل عليه السلام. وقرأ الحسن وقتادة: فقبصت قبصة بالصاد غير المعجمة، وذلك الأخذ بأطراف الأصابع. "والقبضة" على قراءة الجماعة قبضك على الشيء بملء كفك مرة واحدة. "والقُبضة" بضم القاف، مقدار ما يقبض كالغرفة والغرفة. * * وقوله: ﴿فَنَبَذْتُهَا﴾. أي: ألقيتها في العجل ليخور. * * ﴿وَكَذٰلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي﴾. أي: زيّنت لي نفسي أن الحلي إذا سبك وألقيت فيه القبضة أنه يصير عجلاً جسداً. وروى أبو صالح عن ابن عباس أنه قال : "لما خرج موسى عليه السلام ببني إسرائيل السبعين رجلاً، أمرهم أن ينتظروه في أسفل الجبل، وصعد موسى الجبل وكلمه الله أربعين يوماً وليلة، وكتب له في الألواح وأن بني إسرائيل عدوا عشرين يوماً وعشرين ليلة، فاستبطأوا موسى بعد ذلك، فاتخذوا العجل من بعده، قال: فبلغنا - والله أعلم - أن الله قال لموسى عند ذلك أن قومك قد اتخذوا العجل من بعدك، قال: عجلاً جسداً له خوار. فقال موسى: رب، من جعله لهم؟ فقال: السامري، فقال موسى: رب، السامري جعل لهم العجل وأنت فتنت قومي بالخوار، وجعلت الروح فيه، فما أصنع؟ فرجع موسى إلى قومه معه السبعون رجلاً، ولم يخبرهم موسى بالذي أحدث بنو إسرائيل بعده من عبادة العجل، وبالذي قال له ربه، فلما غشي موسى ومن معه محلة قومه، سمع اللغط حول العجل، فقال السبعون الذين معه: ما هذا في المحلة؟ أقتال؟ فقال موسى ﷺ: ليس بقتال، ولكنه صوت الفتنة، فلما دخل موسى، ونظر إلى ما يصنع بنو إسرائيل حول العجل، غضب، فألقى الألواح، فتكسرت، وصعد عامة الذي كان فيها من كلام الله وأخذ موسى برأس أخيه يجره إليه، فقال له هارون: يا أخي ﴿لاَ تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلاَ بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَن تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِيۤ إِسْرَآءِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي﴾، فأرسله ثم أقبل على السامري، فقال: ما خطبك يا سامري، ولِمَ صنعت ما أرى، فقال له ما نص الله علينا، فأمر موسى بالسامري أن يخرج من محلة بني إسرائيل، وأن لا يخالطهم في شيء، وأمر بالعجل فذبح، ثم أحرقه بالنار، ثم ذراه في اليم، ثم أتاهم موسى بكتاب ربهم فيه الحلال والحرام، والفرائض والحدود فلما نظروا إليه قالوا: لا حاجة لنا في الذي آتيتنا به، فإن العجل الذي حرقت كان أحب إلينا من الذي آتينا به فلسنا بقابليه ولا آخذين بما فيه. فقال موسى: رب إن عبادك بني إسرائيل قد ردوا كتابك وكذبوا نبيك، فأمر الله تعالى الملائكة فرفعوا الجبل فغشوا به بني إسرائيل حتى ظلوا به عسكرهم، فحال بينهم وبين السماء، فقال موسى ﷺ: إما أن تأخذوا هذا الكتاب بما فيه، وإما أن يلقى عليكم الجبل، فقالوا: سمعنا وعصينا الذي جئتنا به، ثم أخذوا ولم يجدوا من أخذه بداً، فرفع عنهم الجبل فنظروا في الكتاب، فبين راض وكاره ومؤمن وكافر فعفا الله تعالى عنهم، فهو قوله: ﴿ثُمَّ عَفَوْنَا عَنكُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾. [ثم قال: وكذلك سولت لي نفسي]. وقال ابن زيد: كذلك حدثتني نفسي. ثم قال تعالى جلّ ذكره: ﴿قَالَ فَٱذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي ٱلْحَيَاةِ أَن تَقُولَ لاَ مِسَاسَ﴾. أي: قال موسى للسامري: فاذهب فإن لك في حياة الدنيا: أي: أيام حياتك أن تقول لا مساس، أي لا أمس، أي: عقوبتك في الدنيا أن لا تكلم ولا تخالط. وقيل: معناه: لك في [الحياة] الدنيا أن تعيش مع البهائم والسباع والوحوش في البرية، مستوحشاً لا تقرب أحداً ولا تمس أحداً ولا يمسك أحد. وروي أن موسى عليه السلام أمر بني إسرائيل ألا يؤاكلوه، ولا يخالطوه ولا يبايعوه، فلذلك قال له: أن تقول لا مساس وذلك فيما يذكر في قبيلته إلى الآن. وقال قتادة: كان السامري عظيماً من عظماء بني إسرائيل من قبيلة يقال لها سامرة ولكن عدو الله نافق بعدما قطع البحر مع بني إسرائيل. وقال ابن جبير: كان من أهل كرمان. * * وقوله: ﴿لاَ مِسَاسَ﴾ منصوب على التبرئة كـ (لا رجل في الدار). ويجوز: ﴿لاَ مِسَاسَ﴾ بكسر السين وتبنيه على الكسر. * * ثم قال: ﴿وَإِنَّ لَكَ مَوْعِداً لَّن تُخْلَفَهُ﴾ يعني القيامة. ومن كسر اللام، أراد لن تغيب عنه، وهو قول قتادة، أي: تأتي إليه طائعاً أو كارهاً وفيه معنى التهديد والوعيد، ولفظه لفظ الخبر. ومن فتح اللام، أراد لن يخلفكه الله، ثم رد إلى ما لم يسم فاعله. * * ثم قال: ﴿وَٱنظُرْ إِلَىٰ إِلَـٰهِكَ ٱلَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفاً﴾. أي: انظر إلى العجل الذي عبدته من دون الله، وأقمت بعدي على عبادته لنحرّقنّه بالنار قطعة بعد قطعة، لأن في التشديد معنى التكثير. وقرأ الحسن: بتخفيف الراء على معنى: لنحرقنه مرة واحدة. وقرأ أبو جعفر القارئ: ﴿لَّنُحَرِّقَنَّهُ﴾ بفتح النون وضم الراء، بمعنى لنبردنه بالمبارد، يقال: أحرقه وحرقه بالنار، يحرقه ويُحَرِّقه: إذا نحته بمبرد أو غيره. وقراءة أبي جعفر تروى عن علي وابن عباس. قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: أمر موسى بالعجل فبرد في البحر فلم يشرب منه أحد ممن عبد العجل إلا اصفّر لونه، فقالوا: ما توبتنا قال: أن يقتل بعضكم بعضاً، فأخذوا السكاكين، فكان الرجل يقتل أباه وأخاه حتى قُتِلَ منهم سبعون ألفاً، فأوحى الله إليه: مرهم فليرفعوا القتل، فقد رحمت مَن قتل منهم، وقد تبت على مَن بقي. * * وقوله: ﴿ثُمَّ لَنَنسِفَنَّهُ فِي ٱلْيَمِّ نَسْفاً﴾ أي: لنذرينه في البحر ذرواً. ثم قال تعالى ذكره: ﴿إِنَّمَآ إِلَـٰهُكُمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِي لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً﴾. أي: إنما معبودكم الذي تجب له العبادة والإخلاص لله الذي لا معبود إلا هو، وسع كل شيء علماً أي: أحاط بكل شيء علماً فلا يَخفى عليه شيء. قال قتادة: معناه: ملأ كل شيء علماً. يقال: فلان يسع هذا الأمر، إذا أطاقه وقَوِيَ عليه. * * ثم قال تعالى: ﴿كَذٰلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَآءِ مَا قَدْ سَبَقَ﴾. أي: كما قصصنا عليك يا محمد خبر موسى وقومه، كذلك نقص عليك من أخبار من قد سبق قبلك مما لم تشاهده ولا عاينته. * * ثم قال: ﴿وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِن لَّدُنَّا ذِكْراً﴾. أي: وقد أعطيناك يا محمد من عندنا ذكراً تتذكر به وتتعظ. وهو القرآن. * * ﴿مَّنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ وِزْراً﴾. أي: من لم يؤمن به ويعمل بما فيه، فإنه يحمل يوم القيامة إثماً عظيماً ﴿خَالِدِينَ فِيهِ﴾ أي: [ماكثين] في عقوبته في النار. ثم قال تعالى وجل ثناؤه: ﴿وَسَآءَ لَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ حِمْلاً﴾. أي: وساء لهم الوزر حملاً. أي: بئس الوزر لهم. يعني ذنوبهم. * * ثم قال تعالى: ﴿يَوْمَ يُنفَخُ فِي ٱلصُّورِ﴾. ﴿يَوْمَ﴾ بدل من يوم الأول، والمعنى: يوم ينفخ ملك الصور فيه. ثم رد إلى ما لم يسم فاعله، وكانت الياء أولى عند من قرأ بها، لأن النفخ في الصور لا يتولاه الله جل ذكره، إنما يتولاه الملك، بأمره وقدرته. ولا حجة في "ونحشر" لأن النافخ الملك والحاشر الله. ومَن قرأه بالنون، فلأن بعده، ونحشر فأتى بالفعلين على الإخبار عن الله جل ذكره للمطابقة لأن الله تعالى هو الفاعل لجميع الأحوال المقدر لها. * * ثم قال تعالى: ﴿وَنَحْشُرُ ٱلْمُجْرِمِينَ يَوْمِئِذٍ زُرْقاً﴾. أي: زرق الأعين من العطش الذي يكون بهم في الحشر. وقال ابن عباس: يكونون يوم القيامة في حال عمياً، وفي حال زرقاً. وقال جماعة زرقاً: عمياً. ويروى: أنهم يقومون من قبورهم يبصرون، ثم يصيرون عمياً. ويروى: أنهم لا يبصرون شيئاً إلا جهنم. وقيل: زرقاً شعثين متغيرين كلون الرماد. ثم قال: يتخافتون بينهم. أي: يسرون القول بينهم، يقولون بعضهم لبعض، إن لبثتم في الدنيا إلا عشراً. وأصل الخفت في اللغة السكون. أي: ما لبثتم من النفخة الأولى إلى البعث، إلا عشراً، وبين النفختين أربعون سنة. * * ثم قال: ﴿نَّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ يَوْماً﴾ أي: نحن أعلم بسرهم إذ يقول: أمثلهم طريقة أي: أعلمهم في أنفسهم إن لبثتم إلا يوماً، وذلك من شدة هول المطلع، ينسون ما كانوا فيه في الدنيا من النعيم وطول العمر حتى يتخيل إليهم من شدة ما هم فيه أنهم لم يعيشوا في الدنيا إلا يوماً واحداً. وقيل: ذلك تقديرهم فيما بين النفختين. وقيل: عني بذلك إقامتهم في القبور، ظنوا أنهم لم يلبثوا فيها إلى يوماً بعد انقطاع العذاب عنهم في القبور، لأنهم في طول مكثهم يعذبون، ثم ينقطع عنهم العذاب فيما بين النفختين.

طه 20:103

قوله تعالى ذكره: ﴿قَالُواْ لَن نَّبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ﴾ إلى قوله: ﴿إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ يَوْماً﴾. أي: قال بنو إسرائيل لهارون لما نهاهم عن عبادة العجل: لن نفارق عبادة العجل حتى يرجع إلينا موسى. * * ثم قال: ﴿يٰهَرُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوۤاْ * أَلاَّ تَتَّبِعَنِ﴾ في الكلام حذف. والتقدير: لما رجع موسى، قال: يا هارون: ما منعك أن تتبعني بمن لم يعبد العجل على ما كان بيني وبينهم. قال ابن عباس: لما قال القوم: ﴿لَن نَّبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّىٰ يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَىٰ﴾، أقام هارون بمن معه من المسلمين ممن لن يفتتن، وأقام من يعبد العجل على عبادة العجل، وخشي هارون إن مضى في أثر موسى بمن معه من المسلمين أن يقول له موسى: فرقت بين بني إسرائيل، ولم ترقب قولي. وكان هارون لموسى مطيعاً. وقال ابن جريج: أمر موسى هارون أن يصلح ولا يتبع سبيل المفسدين فذلك قوله: ما منعك ألا تتبعني أفعصيت أمري أي: ألا تتبع ما أمرتك به من الصلاح عليهم. * * ثم قال تعالى: ﴿قَالَ يَبْنَؤُمَّ لاَ تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلاَ بِرَأْسِي﴾. في الكلام حذف، والتقدير: فأخذ موسى بلحية هارون يجره إليه، فقال هارون: ﴿يَبْنَؤُمَّ لاَ تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلاَ بِرَأْسِي﴾. وقيل: المعنى: لا تفعل هذا، فيتوهموا أنه منك استخفاف وعقوبة. وقيل: إن موسى إنما فعل هذا على غير استخفاف ولا عقوبة، كما يأخذ الإنسان بلحية نفسه. * * وقوله: ﴿إِنِّي خَشِيتُ أَن تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِيۤ إِسْرَآءِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي﴾. قال ابن زيد: خشي هارون أن يمضي في أثر موسى بمن بقي معه من المسلمين الذين لم يعبدوا العجل، ويترك الذين قالوا: لن نبرح عليه عاكفين حتى يرجع إلينا موسى، فيقول له موسى فرقت بين بني إسرائيل ولم ترقب قولي. أي: جئت بطائفة وتركت طائفة. وهو قول ابن عباس. وقال ابن جريج: معناه: خشيت أن نقتتل فيقتل بعضنا بعضاً. ومعنى: ﴿وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي﴾ أي: ولم تحفظ قولي. * * ثم قال: ﴿فَمَا خَطْبُكَ يٰسَامِرِيُّ﴾. أي: فما شأنك، وما الذي دعاك إلى ما صنعت؟ قال: ﴿بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُواْ بِهِ﴾: أي: علمت ما لم يعلموا. قال ابن جريج: لما قتل فرعون الولدان، قالت أم السامري: لو نحيته حتى لا أراه ولا أرى قتلته. فجعلته في غار، فأتى جبريل عليه السلام فجعل كف نفسه في فيه، فجعل يرضع العسل واللبن، فجعل يختلف إليه حتى عرفه، فمن ثم معرفته إياه حين قبض قبضة من أثر فرس جبريل عليه السلام. وقيل: معنى: ﴿بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُواْ بِهِ﴾ أي: أبصرت ما لم يبصروا يعني: فرس جبريل. ومن قرأ بالياء، جعله إخباراً عن بني إسرائيل. ومن قرأ بالتاء. جعله خطاباً لموسى وبني إسرائيل. * * ثم قال: ﴿فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِّنْ أَثَرِ ٱلرَّسُولِ﴾. أي: من أثر حافر فرس جبريل عليه السلام. وقرأ الحسن وقتادة: فقبصت قبصة بالصاد غير المعجمة، وذلك الأخذ بأطراف الأصابع. "والقبضة" على قراءة الجماعة قبضك على الشيء بملء كفك مرة واحدة. "والقُبضة" بضم القاف، مقدار ما يقبض كالغرفة والغرفة. * * وقوله: ﴿فَنَبَذْتُهَا﴾. أي: ألقيتها في العجل ليخور. * * ﴿وَكَذٰلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي﴾. أي: زيّنت لي نفسي أن الحلي إذا سبك وألقيت فيه القبضة أنه يصير عجلاً جسداً. وروى أبو صالح عن ابن عباس أنه قال : "لما خرج موسى عليه السلام ببني إسرائيل السبعين رجلاً، أمرهم أن ينتظروه في أسفل الجبل، وصعد موسى الجبل وكلمه الله أربعين يوماً وليلة، وكتب له في الألواح وأن بني إسرائيل عدوا عشرين يوماً وعشرين ليلة، فاستبطأوا موسى بعد ذلك، فاتخذوا العجل من بعده، قال: فبلغنا - والله أعلم - أن الله قال لموسى عند ذلك أن قومك قد اتخذوا العجل من بعدك، قال: عجلاً جسداً له خوار. فقال موسى: رب، من جعله لهم؟ فقال: السامري، فقال موسى: رب، السامري جعل لهم العجل وأنت فتنت قومي بالخوار، وجعلت الروح فيه، فما أصنع؟ فرجع موسى إلى قومه معه السبعون رجلاً، ولم يخبرهم موسى بالذي أحدث بنو إسرائيل بعده من عبادة العجل، وبالذي قال له ربه، فلما غشي موسى ومن معه محلة قومه، سمع اللغط حول العجل، فقال السبعون الذين معه: ما هذا في المحلة؟ أقتال؟ فقال موسى ﷺ: ليس بقتال، ولكنه صوت الفتنة، فلما دخل موسى، ونظر إلى ما يصنع بنو إسرائيل حول العجل، غضب، فألقى الألواح، فتكسرت، وصعد عامة الذي كان فيها من كلام الله وأخذ موسى برأس أخيه يجره إليه، فقال له هارون: يا أخي ﴿لاَ تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلاَ بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَن تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِيۤ إِسْرَآءِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي﴾، فأرسله ثم أقبل على السامري، فقال: ما خطبك يا سامري، ولِمَ صنعت ما أرى، فقال له ما نص الله علينا، فأمر موسى بالسامري أن يخرج من محلة بني إسرائيل، وأن لا يخالطهم في شيء، وأمر بالعجل فذبح، ثم أحرقه بالنار، ثم ذراه في اليم، ثم أتاهم موسى بكتاب ربهم فيه الحلال والحرام، والفرائض والحدود فلما نظروا إليه قالوا: لا حاجة لنا في الذي آتيتنا به، فإن العجل الذي حرقت كان أحب إلينا من الذي آتينا به فلسنا بقابليه ولا آخذين بما فيه. فقال موسى: رب إن عبادك بني إسرائيل قد ردوا كتابك وكذبوا نبيك، فأمر الله تعالى الملائكة فرفعوا الجبل فغشوا به بني إسرائيل حتى ظلوا به عسكرهم، فحال بينهم وبين السماء، فقال موسى ﷺ: إما أن تأخذوا هذا الكتاب بما فيه، وإما أن يلقى عليكم الجبل، فقالوا: سمعنا وعصينا الذي جئتنا به، ثم أخذوا ولم يجدوا من أخذه بداً، فرفع عنهم الجبل فنظروا في الكتاب، فبين راض وكاره ومؤمن وكافر فعفا الله تعالى عنهم، فهو قوله: ﴿ثُمَّ عَفَوْنَا عَنكُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾. [ثم قال: وكذلك سولت لي نفسي]. وقال ابن زيد: كذلك حدثتني نفسي. ثم قال تعالى جلّ ذكره: ﴿قَالَ فَٱذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي ٱلْحَيَاةِ أَن تَقُولَ لاَ مِسَاسَ﴾. أي: قال موسى للسامري: فاذهب فإن لك في حياة الدنيا: أي: أيام حياتك أن تقول لا مساس، أي لا أمس، أي: عقوبتك في الدنيا أن لا تكلم ولا تخالط. وقيل: معناه: لك في [الحياة] الدنيا أن تعيش مع البهائم والسباع والوحوش في البرية، مستوحشاً لا تقرب أحداً ولا تمس أحداً ولا يمسك أحد. وروي أن موسى عليه السلام أمر بني إسرائيل ألا يؤاكلوه، ولا يخالطوه ولا يبايعوه، فلذلك قال له: أن تقول لا مساس وذلك فيما يذكر في قبيلته إلى الآن. وقال قتادة: كان السامري عظيماً من عظماء بني إسرائيل من قبيلة يقال لها سامرة ولكن عدو الله نافق بعدما قطع البحر مع بني إسرائيل. وقال ابن جبير: كان من أهل كرمان. * * وقوله: ﴿لاَ مِسَاسَ﴾ منصوب على التبرئة كـ (لا رجل في الدار). ويجوز: ﴿لاَ مِسَاسَ﴾ بكسر السين وتبنيه على الكسر. * * ثم قال: ﴿وَإِنَّ لَكَ مَوْعِداً لَّن تُخْلَفَهُ﴾ يعني القيامة. ومن كسر اللام، أراد لن تغيب عنه، وهو قول قتادة، أي: تأتي إليه طائعاً أو كارهاً وفيه معنى التهديد والوعيد، ولفظه لفظ الخبر. ومن فتح اللام، أراد لن يخلفكه الله، ثم رد إلى ما لم يسم فاعله. * * ثم قال: ﴿وَٱنظُرْ إِلَىٰ إِلَـٰهِكَ ٱلَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفاً﴾. أي: انظر إلى العجل الذي عبدته من دون الله، وأقمت بعدي على عبادته لنحرّقنّه بالنار قطعة بعد قطعة، لأن في التشديد معنى التكثير. وقرأ الحسن: بتخفيف الراء على معنى: لنحرقنه مرة واحدة. وقرأ أبو جعفر القارئ: ﴿لَّنُحَرِّقَنَّهُ﴾ بفتح النون وضم الراء، بمعنى لنبردنه بالمبارد، يقال: أحرقه وحرقه بالنار، يحرقه ويُحَرِّقه: إذا نحته بمبرد أو غيره. وقراءة أبي جعفر تروى عن علي وابن عباس. قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: أمر موسى بالعجل فبرد في البحر فلم يشرب منه أحد ممن عبد العجل إلا اصفّر لونه، فقالوا: ما توبتنا قال: أن يقتل بعضكم بعضاً، فأخذوا السكاكين، فكان الرجل يقتل أباه وأخاه حتى قُتِلَ منهم سبعون ألفاً، فأوحى الله إليه: مرهم فليرفعوا القتل، فقد رحمت مَن قتل منهم، وقد تبت على مَن بقي. * * وقوله: ﴿ثُمَّ لَنَنسِفَنَّهُ فِي ٱلْيَمِّ نَسْفاً﴾ أي: لنذرينه في البحر ذرواً. ثم قال تعالى ذكره: ﴿إِنَّمَآ إِلَـٰهُكُمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِي لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً﴾. أي: إنما معبودكم الذي تجب له العبادة والإخلاص لله الذي لا معبود إلا هو، وسع كل شيء علماً أي: أحاط بكل شيء علماً فلا يَخفى عليه شيء. قال قتادة: معناه: ملأ كل شيء علماً. يقال: فلان يسع هذا الأمر، إذا أطاقه وقَوِيَ عليه. * * ثم قال تعالى: ﴿كَذٰلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَآءِ مَا قَدْ سَبَقَ﴾. أي: كما قصصنا عليك يا محمد خبر موسى وقومه، كذلك نقص عليك من أخبار من قد سبق قبلك مما لم تشاهده ولا عاينته. * * ثم قال: ﴿وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِن لَّدُنَّا ذِكْراً﴾. أي: وقد أعطيناك يا محمد من عندنا ذكراً تتذكر به وتتعظ. وهو القرآن. * * ﴿مَّنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ وِزْراً﴾. أي: من لم يؤمن به ويعمل بما فيه، فإنه يحمل يوم القيامة إثماً عظيماً ﴿خَالِدِينَ فِيهِ﴾ أي: [ماكثين] في عقوبته في النار. ثم قال تعالى وجل ثناؤه: ﴿وَسَآءَ لَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ حِمْلاً﴾. أي: وساء لهم الوزر حملاً. أي: بئس الوزر لهم. يعني ذنوبهم. * * ثم قال تعالى: ﴿يَوْمَ يُنفَخُ فِي ٱلصُّورِ﴾. ﴿يَوْمَ﴾ بدل من يوم الأول، والمعنى: يوم ينفخ ملك الصور فيه. ثم رد إلى ما لم يسم فاعله، وكانت الياء أولى عند من قرأ بها، لأن النفخ في الصور لا يتولاه الله جل ذكره، إنما يتولاه الملك، بأمره وقدرته. ولا حجة في "ونحشر" لأن النافخ الملك والحاشر الله. ومَن قرأه بالنون، فلأن بعده، ونحشر فأتى بالفعلين على الإخبار عن الله جل ذكره للمطابقة لأن الله تعالى هو الفاعل لجميع الأحوال المقدر لها. * * ثم قال تعالى: ﴿وَنَحْشُرُ ٱلْمُجْرِمِينَ يَوْمِئِذٍ زُرْقاً﴾. أي: زرق الأعين من العطش الذي يكون بهم في الحشر. وقال ابن عباس: يكونون يوم القيامة في حال عمياً، وفي حال زرقاً. وقال جماعة زرقاً: عمياً. ويروى: أنهم يقومون من قبورهم يبصرون، ثم يصيرون عمياً. ويروى: أنهم لا يبصرون شيئاً إلا جهنم. وقيل: زرقاً شعثين متغيرين كلون الرماد. ثم قال: يتخافتون بينهم. أي: يسرون القول بينهم، يقولون بعضهم لبعض، إن لبثتم في الدنيا إلا عشراً. وأصل الخفت في اللغة السكون. أي: ما لبثتم من النفخة الأولى إلى البعث، إلا عشراً، وبين النفختين أربعون سنة. * * ثم قال: ﴿نَّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ يَوْماً﴾ أي: نحن أعلم بسرهم إذ يقول: أمثلهم طريقة أي: أعلمهم في أنفسهم إن لبثتم إلا يوماً، وذلك من شدة هول المطلع، ينسون ما كانوا فيه في الدنيا من النعيم وطول العمر حتى يتخيل إليهم من شدة ما هم فيه أنهم لم يعيشوا في الدنيا إلا يوماً واحداً. وقيل: ذلك تقديرهم فيما بين النفختين. وقيل: عني بذلك إقامتهم في القبور، ظنوا أنهم لم يلبثوا فيها إلى يوماً بعد انقطاع العذاب عنهم في القبور، لأنهم في طول مكثهم يعذبون، ثم ينقطع عنهم العذاب فيما بين النفختين.

طه 20:104

قوله تعالى ذكره: ﴿قَالُواْ لَن نَّبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ﴾ إلى قوله: ﴿إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ يَوْماً﴾. أي: قال بنو إسرائيل لهارون لما نهاهم عن عبادة العجل: لن نفارق عبادة العجل حتى يرجع إلينا موسى. * * ثم قال: ﴿يٰهَرُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوۤاْ * أَلاَّ تَتَّبِعَنِ﴾ في الكلام حذف. والتقدير: لما رجع موسى، قال: يا هارون: ما منعك أن تتبعني بمن لم يعبد العجل على ما كان بيني وبينهم. قال ابن عباس: لما قال القوم: ﴿لَن نَّبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّىٰ يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَىٰ﴾، أقام هارون بمن معه من المسلمين ممن لن يفتتن، وأقام من يعبد العجل على عبادة العجل، وخشي هارون إن مضى في أثر موسى بمن معه من المسلمين أن يقول له موسى: فرقت بين بني إسرائيل، ولم ترقب قولي. وكان هارون لموسى مطيعاً. وقال ابن جريج: أمر موسى هارون أن يصلح ولا يتبع سبيل المفسدين فذلك قوله: ما منعك ألا تتبعني أفعصيت أمري أي: ألا تتبع ما أمرتك به من الصلاح عليهم. * * ثم قال تعالى: ﴿قَالَ يَبْنَؤُمَّ لاَ تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلاَ بِرَأْسِي﴾. في الكلام حذف، والتقدير: فأخذ موسى بلحية هارون يجره إليه، فقال هارون: ﴿يَبْنَؤُمَّ لاَ تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلاَ بِرَأْسِي﴾. وقيل: المعنى: لا تفعل هذا، فيتوهموا أنه منك استخفاف وعقوبة. وقيل: إن موسى إنما فعل هذا على غير استخفاف ولا عقوبة، كما يأخذ الإنسان بلحية نفسه. * * وقوله: ﴿إِنِّي خَشِيتُ أَن تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِيۤ إِسْرَآءِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي﴾. قال ابن زيد: خشي هارون أن يمضي في أثر موسى بمن بقي معه من المسلمين الذين لم يعبدوا العجل، ويترك الذين قالوا: لن نبرح عليه عاكفين حتى يرجع إلينا موسى، فيقول له موسى فرقت بين بني إسرائيل ولم ترقب قولي. أي: جئت بطائفة وتركت طائفة. وهو قول ابن عباس. وقال ابن جريج: معناه: خشيت أن نقتتل فيقتل بعضنا بعضاً. ومعنى: ﴿وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي﴾ أي: ولم تحفظ قولي. * * ثم قال: ﴿فَمَا خَطْبُكَ يٰسَامِرِيُّ﴾. أي: فما شأنك، وما الذي دعاك إلى ما صنعت؟ قال: ﴿بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُواْ بِهِ﴾: أي: علمت ما لم يعلموا. قال ابن جريج: لما قتل فرعون الولدان، قالت أم السامري: لو نحيته حتى لا أراه ولا أرى قتلته. فجعلته في غار، فأتى جبريل عليه السلام فجعل كف نفسه في فيه، فجعل يرضع العسل واللبن، فجعل يختلف إليه حتى عرفه، فمن ثم معرفته إياه حين قبض قبضة من أثر فرس جبريل عليه السلام. وقيل: معنى: ﴿بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُواْ بِهِ﴾ أي: أبصرت ما لم يبصروا يعني: فرس جبريل. ومن قرأ بالياء، جعله إخباراً عن بني إسرائيل. ومن قرأ بالتاء. جعله خطاباً لموسى وبني إسرائيل. * * ثم قال: ﴿فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِّنْ أَثَرِ ٱلرَّسُولِ﴾. أي: من أثر حافر فرس جبريل عليه السلام. وقرأ الحسن وقتادة: فقبصت قبصة بالصاد غير المعجمة، وذلك الأخذ بأطراف الأصابع. "والقبضة" على قراءة الجماعة قبضك على الشيء بملء كفك مرة واحدة. "والقُبضة" بضم القاف، مقدار ما يقبض كالغرفة والغرفة. * * وقوله: ﴿فَنَبَذْتُهَا﴾. أي: ألقيتها في العجل ليخور. * * ﴿وَكَذٰلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي﴾. أي: زيّنت لي نفسي أن الحلي إذا سبك وألقيت فيه القبضة أنه يصير عجلاً جسداً. وروى أبو صالح عن ابن عباس أنه قال : "لما خرج موسى عليه السلام ببني إسرائيل السبعين رجلاً، أمرهم أن ينتظروه في أسفل الجبل، وصعد موسى الجبل وكلمه الله أربعين يوماً وليلة، وكتب له في الألواح وأن بني إسرائيل عدوا عشرين يوماً وعشرين ليلة، فاستبطأوا موسى بعد ذلك، فاتخذوا العجل من بعده، قال: فبلغنا - والله أعلم - أن الله قال لموسى عند ذلك أن قومك قد اتخذوا العجل من بعدك، قال: عجلاً جسداً له خوار. فقال موسى: رب، من جعله لهم؟ فقال: السامري، فقال موسى: رب، السامري جعل لهم العجل وأنت فتنت قومي بالخوار، وجعلت الروح فيه، فما أصنع؟ فرجع موسى إلى قومه معه السبعون رجلاً، ولم يخبرهم موسى بالذي أحدث بنو إسرائيل بعده من عبادة العجل، وبالذي قال له ربه، فلما غشي موسى ومن معه محلة قومه، سمع اللغط حول العجل، فقال السبعون الذين معه: ما هذا في المحلة؟ أقتال؟ فقال موسى ﷺ: ليس بقتال، ولكنه صوت الفتنة، فلما دخل موسى، ونظر إلى ما يصنع بنو إسرائيل حول العجل، غضب، فألقى الألواح، فتكسرت، وصعد عامة الذي كان فيها من كلام الله وأخذ موسى برأس أخيه يجره إليه، فقال له هارون: يا أخي ﴿لاَ تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلاَ بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَن تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِيۤ إِسْرَآءِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي﴾، فأرسله ثم أقبل على السامري، فقال: ما خطبك يا سامري، ولِمَ صنعت ما أرى، فقال له ما نص الله علينا، فأمر موسى بالسامري أن يخرج من محلة بني إسرائيل، وأن لا يخالطهم في شيء، وأمر بالعجل فذبح، ثم أحرقه بالنار، ثم ذراه في اليم، ثم أتاهم موسى بكتاب ربهم فيه الحلال والحرام، والفرائض والحدود فلما نظروا إليه قالوا: لا حاجة لنا في الذي آتيتنا به، فإن العجل الذي حرقت كان أحب إلينا من الذي آتينا به فلسنا بقابليه ولا آخذين بما فيه. فقال موسى: رب إن عبادك بني إسرائيل قد ردوا كتابك وكذبوا نبيك، فأمر الله تعالى الملائكة فرفعوا الجبل فغشوا به بني إسرائيل حتى ظلوا به عسكرهم، فحال بينهم وبين السماء، فقال موسى ﷺ: إما أن تأخذوا هذا الكتاب بما فيه، وإما أن يلقى عليكم الجبل، فقالوا: سمعنا وعصينا الذي جئتنا به، ثم أخذوا ولم يجدوا من أخذه بداً، فرفع عنهم الجبل فنظروا في الكتاب، فبين راض وكاره ومؤمن وكافر فعفا الله تعالى عنهم، فهو قوله: ﴿ثُمَّ عَفَوْنَا عَنكُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾. [ثم قال: وكذلك سولت لي نفسي]. وقال ابن زيد: كذلك حدثتني نفسي. ثم قال تعالى جلّ ذكره: ﴿قَالَ فَٱذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي ٱلْحَيَاةِ أَن تَقُولَ لاَ مِسَاسَ﴾. أي: قال موسى للسامري: فاذهب فإن لك في حياة الدنيا: أي: أيام حياتك أن تقول لا مساس، أي لا أمس، أي: عقوبتك في الدنيا أن لا تكلم ولا تخالط. وقيل: معناه: لك في [الحياة] الدنيا أن تعيش مع البهائم والسباع والوحوش في البرية، مستوحشاً لا تقرب أحداً ولا تمس أحداً ولا يمسك أحد. وروي أن موسى عليه السلام أمر بني إسرائيل ألا يؤاكلوه، ولا يخالطوه ولا يبايعوه، فلذلك قال له: أن تقول لا مساس وذلك فيما يذكر في قبيلته إلى الآن. وقال قتادة: كان السامري عظيماً من عظماء بني إسرائيل من قبيلة يقال لها سامرة ولكن عدو الله نافق بعدما قطع البحر مع بني إسرائيل. وقال ابن جبير: كان من أهل كرمان. * * وقوله: ﴿لاَ مِسَاسَ﴾ منصوب على التبرئة كـ (لا رجل في الدار). ويجوز: ﴿لاَ مِسَاسَ﴾ بكسر السين وتبنيه على الكسر. * * ثم قال: ﴿وَإِنَّ لَكَ مَوْعِداً لَّن تُخْلَفَهُ﴾ يعني القيامة. ومن كسر اللام، أراد لن تغيب عنه، وهو قول قتادة، أي: تأتي إليه طائعاً أو كارهاً وفيه معنى التهديد والوعيد، ولفظه لفظ الخبر. ومن فتح اللام، أراد لن يخلفكه الله، ثم رد إلى ما لم يسم فاعله. * * ثم قال: ﴿وَٱنظُرْ إِلَىٰ إِلَـٰهِكَ ٱلَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفاً﴾. أي: انظر إلى العجل الذي عبدته من دون الله، وأقمت بعدي على عبادته لنحرّقنّه بالنار قطعة بعد قطعة، لأن في التشديد معنى التكثير. وقرأ الحسن: بتخفيف الراء على معنى: لنحرقنه مرة واحدة. وقرأ أبو جعفر القارئ: ﴿لَّنُحَرِّقَنَّهُ﴾ بفتح النون وضم الراء، بمعنى لنبردنه بالمبارد، يقال: أحرقه وحرقه بالنار، يحرقه ويُحَرِّقه: إذا نحته بمبرد أو غيره. وقراءة أبي جعفر تروى عن علي وابن عباس. قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: أمر موسى بالعجل فبرد في البحر فلم يشرب منه أحد ممن عبد العجل إلا اصفّر لونه، فقالوا: ما توبتنا قال: أن يقتل بعضكم بعضاً، فأخذوا السكاكين، فكان الرجل يقتل أباه وأخاه حتى قُتِلَ منهم سبعون ألفاً، فأوحى الله إليه: مرهم فليرفعوا القتل، فقد رحمت مَن قتل منهم، وقد تبت على مَن بقي. * * وقوله: ﴿ثُمَّ لَنَنسِفَنَّهُ فِي ٱلْيَمِّ نَسْفاً﴾ أي: لنذرينه في البحر ذرواً. ثم قال تعالى ذكره: ﴿إِنَّمَآ إِلَـٰهُكُمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِي لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً﴾. أي: إنما معبودكم الذي تجب له العبادة والإخلاص لله الذي لا معبود إلا هو، وسع كل شيء علماً أي: أحاط بكل شيء علماً فلا يَخفى عليه شيء. قال قتادة: معناه: ملأ كل شيء علماً. يقال: فلان يسع هذا الأمر، إذا أطاقه وقَوِيَ عليه. * * ثم قال تعالى: ﴿كَذٰلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَآءِ مَا قَدْ سَبَقَ﴾. أي: كما قصصنا عليك يا محمد خبر موسى وقومه، كذلك نقص عليك من أخبار من قد سبق قبلك مما لم تشاهده ولا عاينته. * * ثم قال: ﴿وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِن لَّدُنَّا ذِكْراً﴾. أي: وقد أعطيناك يا محمد من عندنا ذكراً تتذكر به وتتعظ. وهو القرآن. * * ﴿مَّنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ وِزْراً﴾. أي: من لم يؤمن به ويعمل بما فيه، فإنه يحمل يوم القيامة إثماً عظيماً ﴿خَالِدِينَ فِيهِ﴾ أي: [ماكثين] في عقوبته في النار. ثم قال تعالى وجل ثناؤه: ﴿وَسَآءَ لَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ حِمْلاً﴾. أي: وساء لهم الوزر حملاً. أي: بئس الوزر لهم. يعني ذنوبهم. * * ثم قال تعالى: ﴿يَوْمَ يُنفَخُ فِي ٱلصُّورِ﴾. ﴿يَوْمَ﴾ بدل من يوم الأول، والمعنى: يوم ينفخ ملك الصور فيه. ثم رد إلى ما لم يسم فاعله، وكانت الياء أولى عند من قرأ بها، لأن النفخ في الصور لا يتولاه الله جل ذكره، إنما يتولاه الملك، بأمره وقدرته. ولا حجة في "ونحشر" لأن النافخ الملك والحاشر الله. ومَن قرأه بالنون، فلأن بعده، ونحشر فأتى بالفعلين على الإخبار عن الله جل ذكره للمطابقة لأن الله تعالى هو الفاعل لجميع الأحوال المقدر لها. * * ثم قال تعالى: ﴿وَنَحْشُرُ ٱلْمُجْرِمِينَ يَوْمِئِذٍ زُرْقاً﴾. أي: زرق الأعين من العطش الذي يكون بهم في الحشر. وقال ابن عباس: يكونون يوم القيامة في حال عمياً، وفي حال زرقاً. وقال جماعة زرقاً: عمياً. ويروى: أنهم يقومون من قبورهم يبصرون، ثم يصيرون عمياً. ويروى: أنهم لا يبصرون شيئاً إلا جهنم. وقيل: زرقاً شعثين متغيرين كلون الرماد. ثم قال: يتخافتون بينهم. أي: يسرون القول بينهم، يقولون بعضهم لبعض، إن لبثتم في الدنيا إلا عشراً. وأصل الخفت في اللغة السكون. أي: ما لبثتم من النفخة الأولى إلى البعث، إلا عشراً، وبين النفختين أربعون سنة. * * ثم قال: ﴿نَّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ يَوْماً﴾ أي: نحن أعلم بسرهم إذ يقول: أمثلهم طريقة أي: أعلمهم في أنفسهم إن لبثتم إلا يوماً، وذلك من شدة هول المطلع، ينسون ما كانوا فيه في الدنيا من النعيم وطول العمر حتى يتخيل إليهم من شدة ما هم فيه أنهم لم يعيشوا في الدنيا إلا يوماً واحداً. وقيل: ذلك تقديرهم فيما بين النفختين. وقيل: عني بذلك إقامتهم في القبور، ظنوا أنهم لم يلبثوا فيها إلى يوماً بعد انقطاع العذاب عنهم في القبور، لأنهم في طول مكثهم يعذبون، ثم ينقطع عنهم العذاب فيما بين النفختين.

طه 20:105

قوله تعالى ذكره: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْجِبَالِ﴾ إلى قوله: ﴿وَلاَ يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً﴾. المعنى: ويسألك يا محمد قومك عن الجبال، فقل يذريها ربي تذرية. وهو تصييرها هباء منبثاً، فَيَذَرُها قَاعاً. أي: فيذر أماكنها قاعاً، أي: أرضاً ملساء صفصفاً: أي: مستوياً لا نبات فيها ولا نشز ولا ارتفاع. وقيل: معناه يجعلها رملاً، ثم يرسل عليها الرياح تنسفها وتفرقها حتى يصير مواضعها قاعاً مستوياً. فالصفصف، المستوى. قال ابن عباس: قاعاً صفصفاً : مستوياً، لا نبات فيه. والقاع في اللغة، المكان المنكشف. والصفصف: المستوى الأملس. وقال بعض أهل اللغة: القاع: مستنقع الماء. والصفصف الذي لا نبات فيه. * * ثم قال: ﴿لاَّ تَرَىٰ فِيهَا عِوَجاً وَلاۤ أَمْتاً﴾. معناه عند ابن عباس: لا ترى فيها وادياً ولا رابية. والأمت عند أهل اللغة، أن يكون في الموضع ارتفاع وانهباط وعلو وانخفاض. وقال قتادة: ﴿لاَّ تَرَىٰ فِيهَا عِوَجاً﴾ أي: صدوعاً، ﴿وَلاۤ أَمْتاً﴾ أي: دوعاً، ﴿وَلاۤ أَمْتاً﴾ أي: أكمة. وعن ابن عباس أيضاً: ﴿عِوَجاً﴾: ميلاً، والأمت: الأثر: مثل الشراك. * * ثم قال تعالى ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ ٱلدَّاعِيَ لاَ عِوَجَ لَهُ﴾ أي: يومئذ إذ يتبع الناس صوت الداعي الذي يدعوهم إلى موقف القيامة، ﴿لاَ عِوَجَ لَهُ﴾ أي: لا عوج لهم عنه، ولكنهم يأتمون به، ويأتونه. قال محمد بن كعب القرظي: يحشر الناس يوم القيامة في ظلمة، تطوى السماء وتتناثر النجوم، وتذهب الشمس والقمر، وينادي مناد فيتبع الناس الصوت يؤمونه. * * وقوله: ﴿وَخَشَعَتِ ٱلأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَـٰنِ﴾. أي: وسكنت أصوات الخلائق للرحمن. فلا تسمع إلا همساً. أي: حس الأقدام إلى المحشر، قاله: ابن عباس وعكرمة والحسن. وقيل: هو الصوت الخفي الذي يوجد لتحريك الشفتين، وأصله الصوت الخفي. يقال: همس فلان إلى فلان بحديث، إذا أسره إليه وأخفاه. وعن ابن عباس أيضاً: ﴿هَمْساً﴾ صوتاً خفياً. وهو قول مجاهد. * * ثم قال: ﴿يَوْمَئِذٍ لاَّ تَنفَعُ ٱلشَّفَاعَةُ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ ٱلرَّحْمَـٰنُ﴾. أي: لا تنفع الشفاعة، إلا شفاعة من أذن له الرحمن في الشفاعة، ﴿وَرَضِيَ لَهُ قَوْلاً﴾ أي: قال: لا إله إلا الله. ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ بدل من الأولى. وإن شئت جعلته متعلقاً به ﴿يَتَّبِعُونَ﴾ فتبتدئ به إن شئت، ولا تبتدئ به في القول الأول. * * ثم قال تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾. قال قتادة: "ما بين أيديهم من أمر الشفاعة وما خلفهم من أمر الدنيا". وقيل: معناه: يعلم ما بين أيدي هؤلاء، الذين يتبعون الداعي من أمر القيامة، وما الذي يصيرون إليه من الثواب والعقاب، وما خلفهم أي ما خلفوه وراءهم من أمر الدنيا. ﴿وَلاَ يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً﴾ أي: لا يحيط خلقه به علماً، وهو يحيط بهم علماً. وقيل: المعنى، لا يحيطون بما بين أيديهم وما خلفهم علماً. فتكون الهاء تعود على "ما". وقال الطبري: الضمير في أيديهم وخلفهم، يعود على الملائكة، وكذلك هو في يحيطون. أعلم الله بذلك الذين كانوا يعبدون الملائكة، وأن الملائكة لا تعلم ما بين أيديها وما خلفها يوبخهم بذلك. وإن من كان هكذا، كيف يعبد، وأن العبادة إنما تصلح لمن لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء. وهو الله لا إله إلا هو.

طه 20:106

قوله تعالى ذكره: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْجِبَالِ﴾ إلى قوله: ﴿وَلاَ يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً﴾. المعنى: ويسألك يا محمد قومك عن الجبال، فقل يذريها ربي تذرية. وهو تصييرها هباء منبثاً، فَيَذَرُها قَاعاً. أي: فيذر أماكنها قاعاً، أي: أرضاً ملساء صفصفاً: أي: مستوياً لا نبات فيها ولا نشز ولا ارتفاع. وقيل: معناه يجعلها رملاً، ثم يرسل عليها الرياح تنسفها وتفرقها حتى يصير مواضعها قاعاً مستوياً. فالصفصف، المستوى. قال ابن عباس: قاعاً صفصفاً : مستوياً، لا نبات فيه. والقاع في اللغة، المكان المنكشف. والصفصف: المستوى الأملس. وقال بعض أهل اللغة: القاع: مستنقع الماء. والصفصف الذي لا نبات فيه. * * ثم قال: ﴿لاَّ تَرَىٰ فِيهَا عِوَجاً وَلاۤ أَمْتاً﴾. معناه عند ابن عباس: لا ترى فيها وادياً ولا رابية. والأمت عند أهل اللغة، أن يكون في الموضع ارتفاع وانهباط وعلو وانخفاض. وقال قتادة: ﴿لاَّ تَرَىٰ فِيهَا عِوَجاً﴾ أي: صدوعاً، ﴿وَلاۤ أَمْتاً﴾ أي: دوعاً، ﴿وَلاۤ أَمْتاً﴾ أي: أكمة. وعن ابن عباس أيضاً: ﴿عِوَجاً﴾: ميلاً، والأمت: الأثر: مثل الشراك. * * ثم قال تعالى ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ ٱلدَّاعِيَ لاَ عِوَجَ لَهُ﴾ أي: يومئذ إذ يتبع الناس صوت الداعي الذي يدعوهم إلى موقف القيامة، ﴿لاَ عِوَجَ لَهُ﴾ أي: لا عوج لهم عنه، ولكنهم يأتمون به، ويأتونه. قال محمد بن كعب القرظي: يحشر الناس يوم القيامة في ظلمة، تطوى السماء وتتناثر النجوم، وتذهب الشمس والقمر، وينادي مناد فيتبع الناس الصوت يؤمونه. * * وقوله: ﴿وَخَشَعَتِ ٱلأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَـٰنِ﴾. أي: وسكنت أصوات الخلائق للرحمن. فلا تسمع إلا همساً. أي: حس الأقدام إلى المحشر، قاله: ابن عباس وعكرمة والحسن. وقيل: هو الصوت الخفي الذي يوجد لتحريك الشفتين، وأصله الصوت الخفي. يقال: همس فلان إلى فلان بحديث، إذا أسره إليه وأخفاه. وعن ابن عباس أيضاً: ﴿هَمْساً﴾ صوتاً خفياً. وهو قول مجاهد. * * ثم قال: ﴿يَوْمَئِذٍ لاَّ تَنفَعُ ٱلشَّفَاعَةُ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ ٱلرَّحْمَـٰنُ﴾. أي: لا تنفع الشفاعة، إلا شفاعة من أذن له الرحمن في الشفاعة، ﴿وَرَضِيَ لَهُ قَوْلاً﴾ أي: قال: لا إله إلا الله. ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ بدل من الأولى. وإن شئت جعلته متعلقاً به ﴿يَتَّبِعُونَ﴾ فتبتدئ به إن شئت، ولا تبتدئ به في القول الأول. * * ثم قال تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾. قال قتادة: "ما بين أيديهم من أمر الشفاعة وما خلفهم من أمر الدنيا". وقيل: معناه: يعلم ما بين أيدي هؤلاء، الذين يتبعون الداعي من أمر القيامة، وما الذي يصيرون إليه من الثواب والعقاب، وما خلفهم أي ما خلفوه وراءهم من أمر الدنيا. ﴿وَلاَ يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً﴾ أي: لا يحيط خلقه به علماً، وهو يحيط بهم علماً. وقيل: المعنى، لا يحيطون بما بين أيديهم وما خلفهم علماً. فتكون الهاء تعود على "ما". وقال الطبري: الضمير في أيديهم وخلفهم، يعود على الملائكة، وكذلك هو في يحيطون. أعلم الله بذلك الذين كانوا يعبدون الملائكة، وأن الملائكة لا تعلم ما بين أيديها وما خلفها يوبخهم بذلك. وإن من كان هكذا، كيف يعبد، وأن العبادة إنما تصلح لمن لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء. وهو الله لا إله إلا هو.

طه 20:107

قوله تعالى ذكره: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْجِبَالِ﴾ إلى قوله: ﴿وَلاَ يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً﴾. المعنى: ويسألك يا محمد قومك عن الجبال، فقل يذريها ربي تذرية. وهو تصييرها هباء منبثاً، فَيَذَرُها قَاعاً. أي: فيذر أماكنها قاعاً، أي: أرضاً ملساء صفصفاً: أي: مستوياً لا نبات فيها ولا نشز ولا ارتفاع. وقيل: معناه يجعلها رملاً، ثم يرسل عليها الرياح تنسفها وتفرقها حتى يصير مواضعها قاعاً مستوياً. فالصفصف، المستوى. قال ابن عباس: قاعاً صفصفاً : مستوياً، لا نبات فيه. والقاع في اللغة، المكان المنكشف. والصفصف: المستوى الأملس. وقال بعض أهل اللغة: القاع: مستنقع الماء. والصفصف الذي لا نبات فيه. * * ثم قال: ﴿لاَّ تَرَىٰ فِيهَا عِوَجاً وَلاۤ أَمْتاً﴾. معناه عند ابن عباس: لا ترى فيها وادياً ولا رابية. والأمت عند أهل اللغة، أن يكون في الموضع ارتفاع وانهباط وعلو وانخفاض. وقال قتادة: ﴿لاَّ تَرَىٰ فِيهَا عِوَجاً﴾ أي: صدوعاً، ﴿وَلاۤ أَمْتاً﴾ أي: دوعاً، ﴿وَلاۤ أَمْتاً﴾ أي: أكمة. وعن ابن عباس أيضاً: ﴿عِوَجاً﴾: ميلاً، والأمت: الأثر: مثل الشراك. * * ثم قال تعالى ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ ٱلدَّاعِيَ لاَ عِوَجَ لَهُ﴾ أي: يومئذ إذ يتبع الناس صوت الداعي الذي يدعوهم إلى موقف القيامة، ﴿لاَ عِوَجَ لَهُ﴾ أي: لا عوج لهم عنه، ولكنهم يأتمون به، ويأتونه. قال محمد بن كعب القرظي: يحشر الناس يوم القيامة في ظلمة، تطوى السماء وتتناثر النجوم، وتذهب الشمس والقمر، وينادي مناد فيتبع الناس الصوت يؤمونه. * * وقوله: ﴿وَخَشَعَتِ ٱلأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَـٰنِ﴾. أي: وسكنت أصوات الخلائق للرحمن. فلا تسمع إلا همساً. أي: حس الأقدام إلى المحشر، قاله: ابن عباس وعكرمة والحسن. وقيل: هو الصوت الخفي الذي يوجد لتحريك الشفتين، وأصله الصوت الخفي. يقال: همس فلان إلى فلان بحديث، إذا أسره إليه وأخفاه. وعن ابن عباس أيضاً: ﴿هَمْساً﴾ صوتاً خفياً. وهو قول مجاهد. * * ثم قال: ﴿يَوْمَئِذٍ لاَّ تَنفَعُ ٱلشَّفَاعَةُ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ ٱلرَّحْمَـٰنُ﴾. أي: لا تنفع الشفاعة، إلا شفاعة من أذن له الرحمن في الشفاعة، ﴿وَرَضِيَ لَهُ قَوْلاً﴾ أي: قال: لا إله إلا الله. ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ بدل من الأولى. وإن شئت جعلته متعلقاً به ﴿يَتَّبِعُونَ﴾ فتبتدئ به إن شئت، ولا تبتدئ به في القول الأول. * * ثم قال تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾. قال قتادة: "ما بين أيديهم من أمر الشفاعة وما خلفهم من أمر الدنيا". وقيل: معناه: يعلم ما بين أيدي هؤلاء، الذين يتبعون الداعي من أمر القيامة، وما الذي يصيرون إليه من الثواب والعقاب، وما خلفهم أي ما خلفوه وراءهم من أمر الدنيا. ﴿وَلاَ يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً﴾ أي: لا يحيط خلقه به علماً، وهو يحيط بهم علماً. وقيل: المعنى، لا يحيطون بما بين أيديهم وما خلفهم علماً. فتكون الهاء تعود على "ما". وقال الطبري: الضمير في أيديهم وخلفهم، يعود على الملائكة، وكذلك هو في يحيطون. أعلم الله بذلك الذين كانوا يعبدون الملائكة، وأن الملائكة لا تعلم ما بين أيديها وما خلفها يوبخهم بذلك. وإن من كان هكذا، كيف يعبد، وأن العبادة إنما تصلح لمن لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء. وهو الله لا إله إلا هو.

طه 20:108

قوله تعالى ذكره: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْجِبَالِ﴾ إلى قوله: ﴿وَلاَ يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً﴾. المعنى: ويسألك يا محمد قومك عن الجبال، فقل يذريها ربي تذرية. وهو تصييرها هباء منبثاً، فَيَذَرُها قَاعاً. أي: فيذر أماكنها قاعاً، أي: أرضاً ملساء صفصفاً: أي: مستوياً لا نبات فيها ولا نشز ولا ارتفاع. وقيل: معناه يجعلها رملاً، ثم يرسل عليها الرياح تنسفها وتفرقها حتى يصير مواضعها قاعاً مستوياً. فالصفصف، المستوى. قال ابن عباس: قاعاً صفصفاً : مستوياً، لا نبات فيه. والقاع في اللغة، المكان المنكشف. والصفصف: المستوى الأملس. وقال بعض أهل اللغة: القاع: مستنقع الماء. والصفصف الذي لا نبات فيه. * * ثم قال: ﴿لاَّ تَرَىٰ فِيهَا عِوَجاً وَلاۤ أَمْتاً﴾. معناه عند ابن عباس: لا ترى فيها وادياً ولا رابية. والأمت عند أهل اللغة، أن يكون في الموضع ارتفاع وانهباط وعلو وانخفاض. وقال قتادة: ﴿لاَّ تَرَىٰ فِيهَا عِوَجاً﴾ أي: صدوعاً، ﴿وَلاۤ أَمْتاً﴾ أي: دوعاً، ﴿وَلاۤ أَمْتاً﴾ أي: أكمة. وعن ابن عباس أيضاً: ﴿عِوَجاً﴾: ميلاً، والأمت: الأثر: مثل الشراك. * * ثم قال تعالى ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ ٱلدَّاعِيَ لاَ عِوَجَ لَهُ﴾ أي: يومئذ إذ يتبع الناس صوت الداعي الذي يدعوهم إلى موقف القيامة، ﴿لاَ عِوَجَ لَهُ﴾ أي: لا عوج لهم عنه، ولكنهم يأتمون به، ويأتونه. قال محمد بن كعب القرظي: يحشر الناس يوم القيامة في ظلمة، تطوى السماء وتتناثر النجوم، وتذهب الشمس والقمر، وينادي مناد فيتبع الناس الصوت يؤمونه. * * وقوله: ﴿وَخَشَعَتِ ٱلأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَـٰنِ﴾. أي: وسكنت أصوات الخلائق للرحمن. فلا تسمع إلا همساً. أي: حس الأقدام إلى المحشر، قاله: ابن عباس وعكرمة والحسن. وقيل: هو الصوت الخفي الذي يوجد لتحريك الشفتين، وأصله الصوت الخفي. يقال: همس فلان إلى فلان بحديث، إذا أسره إليه وأخفاه. وعن ابن عباس أيضاً: ﴿هَمْساً﴾ صوتاً خفياً. وهو قول مجاهد. * * ثم قال: ﴿يَوْمَئِذٍ لاَّ تَنفَعُ ٱلشَّفَاعَةُ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ ٱلرَّحْمَـٰنُ﴾. أي: لا تنفع الشفاعة، إلا شفاعة من أذن له الرحمن في الشفاعة، ﴿وَرَضِيَ لَهُ قَوْلاً﴾ أي: قال: لا إله إلا الله. ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ بدل من الأولى. وإن شئت جعلته متعلقاً به ﴿يَتَّبِعُونَ﴾ فتبتدئ به إن شئت، ولا تبتدئ به في القول الأول. * * ثم قال تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾. قال قتادة: "ما بين أيديهم من أمر الشفاعة وما خلفهم من أمر الدنيا". وقيل: معناه: يعلم ما بين أيدي هؤلاء، الذين يتبعون الداعي من أمر القيامة، وما الذي يصيرون إليه من الثواب والعقاب، وما خلفهم أي ما خلفوه وراءهم من أمر الدنيا. ﴿وَلاَ يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً﴾ أي: لا يحيط خلقه به علماً، وهو يحيط بهم علماً. وقيل: المعنى، لا يحيطون بما بين أيديهم وما خلفهم علماً. فتكون الهاء تعود على "ما". وقال الطبري: الضمير في أيديهم وخلفهم، يعود على الملائكة، وكذلك هو في يحيطون. أعلم الله بذلك الذين كانوا يعبدون الملائكة، وأن الملائكة لا تعلم ما بين أيديها وما خلفها يوبخهم بذلك. وإن من كان هكذا، كيف يعبد، وأن العبادة إنما تصلح لمن لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء. وهو الله لا إله إلا هو.

طه 20:109

قوله تعالى ذكره: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْجِبَالِ﴾ إلى قوله: ﴿وَلاَ يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً﴾. المعنى: ويسألك يا محمد قومك عن الجبال، فقل يذريها ربي تذرية. وهو تصييرها هباء منبثاً، فَيَذَرُها قَاعاً. أي: فيذر أماكنها قاعاً، أي: أرضاً ملساء صفصفاً: أي: مستوياً لا نبات فيها ولا نشز ولا ارتفاع. وقيل: معناه يجعلها رملاً، ثم يرسل عليها الرياح تنسفها وتفرقها حتى يصير مواضعها قاعاً مستوياً. فالصفصف، المستوى. قال ابن عباس: قاعاً صفصفاً : مستوياً، لا نبات فيه. والقاع في اللغة، المكان المنكشف. والصفصف: المستوى الأملس. وقال بعض أهل اللغة: القاع: مستنقع الماء. والصفصف الذي لا نبات فيه. * * ثم قال: ﴿لاَّ تَرَىٰ فِيهَا عِوَجاً وَلاۤ أَمْتاً﴾. معناه عند ابن عباس: لا ترى فيها وادياً ولا رابية. والأمت عند أهل اللغة، أن يكون في الموضع ارتفاع وانهباط وعلو وانخفاض. وقال قتادة: ﴿لاَّ تَرَىٰ فِيهَا عِوَجاً﴾ أي: صدوعاً، ﴿وَلاۤ أَمْتاً﴾ أي: دوعاً، ﴿وَلاۤ أَمْتاً﴾ أي: أكمة. وعن ابن عباس أيضاً: ﴿عِوَجاً﴾: ميلاً، والأمت: الأثر: مثل الشراك. * * ثم قال تعالى ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ ٱلدَّاعِيَ لاَ عِوَجَ لَهُ﴾ أي: يومئذ إذ يتبع الناس صوت الداعي الذي يدعوهم إلى موقف القيامة، ﴿لاَ عِوَجَ لَهُ﴾ أي: لا عوج لهم عنه، ولكنهم يأتمون به، ويأتونه. قال محمد بن كعب القرظي: يحشر الناس يوم القيامة في ظلمة، تطوى السماء وتتناثر النجوم، وتذهب الشمس والقمر، وينادي مناد فيتبع الناس الصوت يؤمونه. * * وقوله: ﴿وَخَشَعَتِ ٱلأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَـٰنِ﴾. أي: وسكنت أصوات الخلائق للرحمن. فلا تسمع إلا همساً. أي: حس الأقدام إلى المحشر، قاله: ابن عباس وعكرمة والحسن. وقيل: هو الصوت الخفي الذي يوجد لتحريك الشفتين، وأصله الصوت الخفي. يقال: همس فلان إلى فلان بحديث، إذا أسره إليه وأخفاه. وعن ابن عباس أيضاً: ﴿هَمْساً﴾ صوتاً خفياً. وهو قول مجاهد. * * ثم قال: ﴿يَوْمَئِذٍ لاَّ تَنفَعُ ٱلشَّفَاعَةُ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ ٱلرَّحْمَـٰنُ﴾. أي: لا تنفع الشفاعة، إلا شفاعة من أذن له الرحمن في الشفاعة، ﴿وَرَضِيَ لَهُ قَوْلاً﴾ أي: قال: لا إله إلا الله. ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ بدل من الأولى. وإن شئت جعلته متعلقاً به ﴿يَتَّبِعُونَ﴾ فتبتدئ به إن شئت، ولا تبتدئ به في القول الأول. * * ثم قال تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾. قال قتادة: "ما بين أيديهم من أمر الشفاعة وما خلفهم من أمر الدنيا". وقيل: معناه: يعلم ما بين أيدي هؤلاء، الذين يتبعون الداعي من أمر القيامة، وما الذي يصيرون إليه من الثواب والعقاب، وما خلفهم أي ما خلفوه وراءهم من أمر الدنيا. ﴿وَلاَ يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً﴾ أي: لا يحيط خلقه به علماً، وهو يحيط بهم علماً. وقيل: المعنى، لا يحيطون بما بين أيديهم وما خلفهم علماً. فتكون الهاء تعود على "ما". وقال الطبري: الضمير في أيديهم وخلفهم، يعود على الملائكة، وكذلك هو في يحيطون. أعلم الله بذلك الذين كانوا يعبدون الملائكة، وأن الملائكة لا تعلم ما بين أيديها وما خلفها يوبخهم بذلك. وإن من كان هكذا، كيف يعبد، وأن العبادة إنما تصلح لمن لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء. وهو الله لا إله إلا هو.

طه 20:110

قوله تعالى ذكره: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْجِبَالِ﴾ إلى قوله: ﴿وَلاَ يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً﴾. المعنى: ويسألك يا محمد قومك عن الجبال، فقل يذريها ربي تذرية. وهو تصييرها هباء منبثاً، فَيَذَرُها قَاعاً. أي: فيذر أماكنها قاعاً، أي: أرضاً ملساء صفصفاً: أي: مستوياً لا نبات فيها ولا نشز ولا ارتفاع. وقيل: معناه يجعلها رملاً، ثم يرسل عليها الرياح تنسفها وتفرقها حتى يصير مواضعها قاعاً مستوياً. فالصفصف، المستوى. قال ابن عباس: قاعاً صفصفاً : مستوياً، لا نبات فيه. والقاع في اللغة، المكان المنكشف. والصفصف: المستوى الأملس. وقال بعض أهل اللغة: القاع: مستنقع الماء. والصفصف الذي لا نبات فيه. * * ثم قال: ﴿لاَّ تَرَىٰ فِيهَا عِوَجاً وَلاۤ أَمْتاً﴾. معناه عند ابن عباس: لا ترى فيها وادياً ولا رابية. والأمت عند أهل اللغة، أن يكون في الموضع ارتفاع وانهباط وعلو وانخفاض. وقال قتادة: ﴿لاَّ تَرَىٰ فِيهَا عِوَجاً﴾ أي: صدوعاً، ﴿وَلاۤ أَمْتاً﴾ أي: دوعاً، ﴿وَلاۤ أَمْتاً﴾ أي: أكمة. وعن ابن عباس أيضاً: ﴿عِوَجاً﴾: ميلاً، والأمت: الأثر: مثل الشراك. * * ثم قال تعالى ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ ٱلدَّاعِيَ لاَ عِوَجَ لَهُ﴾ أي: يومئذ إذ يتبع الناس صوت الداعي الذي يدعوهم إلى موقف القيامة، ﴿لاَ عِوَجَ لَهُ﴾ أي: لا عوج لهم عنه، ولكنهم يأتمون به، ويأتونه. قال محمد بن كعب القرظي: يحشر الناس يوم القيامة في ظلمة، تطوى السماء وتتناثر النجوم، وتذهب الشمس والقمر، وينادي مناد فيتبع الناس الصوت يؤمونه. * * وقوله: ﴿وَخَشَعَتِ ٱلأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَـٰنِ﴾. أي: وسكنت أصوات الخلائق للرحمن. فلا تسمع إلا همساً. أي: حس الأقدام إلى المحشر، قاله: ابن عباس وعكرمة والحسن. وقيل: هو الصوت الخفي الذي يوجد لتحريك الشفتين، وأصله الصوت الخفي. يقال: همس فلان إلى فلان بحديث، إذا أسره إليه وأخفاه. وعن ابن عباس أيضاً: ﴿هَمْساً﴾ صوتاً خفياً. وهو قول مجاهد. * * ثم قال: ﴿يَوْمَئِذٍ لاَّ تَنفَعُ ٱلشَّفَاعَةُ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ ٱلرَّحْمَـٰنُ﴾. أي: لا تنفع الشفاعة، إلا شفاعة من أذن له الرحمن في الشفاعة، ﴿وَرَضِيَ لَهُ قَوْلاً﴾ أي: قال: لا إله إلا الله. ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ بدل من الأولى. وإن شئت جعلته متعلقاً به ﴿يَتَّبِعُونَ﴾ فتبتدئ به إن شئت، ولا تبتدئ به في القول الأول. * * ثم قال تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾. قال قتادة: "ما بين أيديهم من أمر الشفاعة وما خلفهم من أمر الدنيا". وقيل: معناه: يعلم ما بين أيدي هؤلاء، الذين يتبعون الداعي من أمر القيامة، وما الذي يصيرون إليه من الثواب والعقاب، وما خلفهم أي ما خلفوه وراءهم من أمر الدنيا. ﴿وَلاَ يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً﴾ أي: لا يحيط خلقه به علماً، وهو يحيط بهم علماً. وقيل: المعنى، لا يحيطون بما بين أيديهم وما خلفهم علماً. فتكون الهاء تعود على "ما". وقال الطبري: الضمير في أيديهم وخلفهم، يعود على الملائكة، وكذلك هو في يحيطون. أعلم الله بذلك الذين كانوا يعبدون الملائكة، وأن الملائكة لا تعلم ما بين أيديها وما خلفها يوبخهم بذلك. وإن من كان هكذا، كيف يعبد، وأن العبادة إنما تصلح لمن لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء. وهو الله لا إله إلا هو.

طه 20:111

قوله تعالى ذكره: ﴿وَعَنَتِ ٱلْوُجُوهُ لِلْحَيِّ ٱلْقَيُّومِ﴾ إلى قوله: ﴿زِدْنِي عِلْماً﴾. قال ابن عباس: ﴿عَنَتِ﴾: ذلت أي: استسلمت. وقال مجاهد: ﴿عَنَتِ﴾ خشعت. وقال طلق بن حبيب: هو وضعك جبهتك وأنفك وركبتك وكفيك وأطراف قدميك في السجود. فهذا يراد به أنها عنت في الدنيا، والأقوال غير هذا يراد بها الآخرة. وقال ابن زيد: ﴿عَنَتِ﴾ استأسرت للحي القيوم. أي: صاروا أسارى. وقال الفراء: ﴿عَنَتِ﴾ الوجوه نصبّ وعملته، والعاني الأسير. وهذا قول أهل اللغة، أن العاني الأسير، سمي بذلك لأنه يذل ويخضع. ومنه الحديث: "النساء عندكم عوان"ومنه: افتتحت الأرض عنوة، ومنه: عنيت فلانا. * * ثم قال تعالى: ﴿وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْماً﴾. أي: قد خسر من حمل يوم القيامة شركاً بالله، قاله: قتادة وابن زيد وغيرهما. * * ثم قال تعالى: ﴿وَمَن يَعْمَلْ مِنَ ٱلصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلاَ يَخَافُ ظُلْماً وَلاَ هَضْماً﴾. أي: مَن يؤد الفرائض التي افترض الله عليه، وهو مصدق بالله وملائكته وكتبه ورسله، فلا يخاف ظلماً، أي: لا يخاف أن تحمل عليه سيئات غيره ويعاقب عليها. ﴿وَلاَ هَضْماً﴾ أي: نقصاً من ثوابه. قاله قتادة وغيره. ومن قرأ: فلا يخف بالجزم، جعله نهياً، نهاه الله جل ذكره عن الخوف من أن يصيبه ظلم أو هضم. وقال ابن جريج : ﴿ٱلصَّالِحَاتِ﴾ هنا: الفرائض. وقال الضحاك: ﴿وَلاَ هَضْماً﴾: هو أن يقهر الرجل الرجل بقوته وأصل الهضم، الانتقاص. يقال: هضمني فلان حقي، أي: نقصني، ومنه امرأة هضيم الكشح، أي: ظاهرة البطن. وهذا دواء يهضم الطعام. أي: ينقصه، فيزول ثقله. ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَكَذٰلِكَ أَنزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ ٱلْوَعِيدِ﴾. المعنى: كما رغب أهل الإيمان في صالح الأعمال فوعدهم ما وعدهم، كذلك حذر بالوعيد أهل الكفر، فقال: ﴿وَكَذٰلِكَ أَنزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً﴾ أي: أنزلناه بلغتكم أيها العرب لتفهموه. ﴿وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ ٱلْوَعِيدِ﴾ أي: وخوفناهم بضروب من الوعيد ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ ما فيه من الوعيد أو يحدث لهم ذكراً فينقلبون عما هم مقيمون عليه من الكفر بالله، يعني: أو يحدث لهم القرآن ذكراً. قال قتادة: "ذكرا": ورعاً. وقيل: معناه: أو يحدث لهم شرفاً بإيمانهم به، كما قال: ﴿لَقَدْ أَنزَلْنَآ إِلَيْكُمْ كِتَاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ﴾ أي: شرفكم إن آمنتم به. روي ذلك أيضاً عن قتادة. ثم قال تعالى ذكره: ﴿فَتَعَٰلَى ٱللَّهُ ٱلْمَلِكُ ٱلْحَقُّ﴾ أي: فتعالى الله الذي له العبادة من جميع خلقه، ملك الدنيا والآخرة جميعاً على ما يصفه به المشركون من خلقه. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلاَ تَعْجَلْ بِٱلْقُرْآنِ مِن قَبْلِ أَن يُقْضَىٰ إِلَيْكَ وَحْيُهُ﴾. أي: لا تعجل بالقرآن فتقرئه أصحابك أو تقرأه عليهم من قبل أن يقضى إليك وحيه، أي: بيان معانيه فأمر النبي ﷺ ألا يكتب القرآن أو يتلوه على أحد حتى يبينه له، قاله: ابن عباس وقتادة. وقيل: إن النبي ﷺ كان يستعجل القراءة من قبل أن يفرغ جبريل مما يأتيه به، خوف النسيان. ومنه ﴿لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ [القيامة: ١٦]. ﴿وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْماً﴾ أي: زدني علماً إلى ما علمتني. أمره الله تعالى أن يسأل ذلك. وذكر ابن وهب أن الحسن قال: أتت امرأة إلى النبي ﷺ فقالت: "إن زوجي لكم وجهي" قال لها: بينكما القصاص، فأنزل الله تعالى: ولا تعجل بالقرآن... الآية. فأمسك النبي ﷺ حتى نزلت: ﴿ٱلرِّجَالُ قَوَّٰمُونَ عَلَى ٱلنِّسَآءِ بِمَا فَضَّلَ ٱللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ﴾ [النساء: ٣٤].

طه 20:112

قوله تعالى ذكره: ﴿وَعَنَتِ ٱلْوُجُوهُ لِلْحَيِّ ٱلْقَيُّومِ﴾ إلى قوله: ﴿زِدْنِي عِلْماً﴾. قال ابن عباس: ﴿عَنَتِ﴾: ذلت أي: استسلمت. وقال مجاهد: ﴿عَنَتِ﴾ خشعت. وقال طلق بن حبيب: هو وضعك جبهتك وأنفك وركبتك وكفيك وأطراف قدميك في السجود. فهذا يراد به أنها عنت في الدنيا، والأقوال غير هذا يراد بها الآخرة. وقال ابن زيد: ﴿عَنَتِ﴾ استأسرت للحي القيوم. أي: صاروا أسارى. وقال الفراء: ﴿عَنَتِ﴾ الوجوه نصبّ وعملته، والعاني الأسير. وهذا قول أهل اللغة، أن العاني الأسير، سمي بذلك لأنه يذل ويخضع. ومنه الحديث: "النساء عندكم عوان"ومنه: افتتحت الأرض عنوة، ومنه: عنيت فلانا. * * ثم قال تعالى: ﴿وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْماً﴾. أي: قد خسر من حمل يوم القيامة شركاً بالله، قاله: قتادة وابن زيد وغيرهما. * * ثم قال تعالى: ﴿وَمَن يَعْمَلْ مِنَ ٱلصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلاَ يَخَافُ ظُلْماً وَلاَ هَضْماً﴾. أي: مَن يؤد الفرائض التي افترض الله عليه، وهو مصدق بالله وملائكته وكتبه ورسله، فلا يخاف ظلماً، أي: لا يخاف أن تحمل عليه سيئات غيره ويعاقب عليها. ﴿وَلاَ هَضْماً﴾ أي: نقصاً من ثوابه. قاله قتادة وغيره. ومن قرأ: فلا يخف بالجزم، جعله نهياً، نهاه الله جل ذكره عن الخوف من أن يصيبه ظلم أو هضم. وقال ابن جريج : ﴿ٱلصَّالِحَاتِ﴾ هنا: الفرائض. وقال الضحاك: ﴿وَلاَ هَضْماً﴾: هو أن يقهر الرجل الرجل بقوته وأصل الهضم، الانتقاص. يقال: هضمني فلان حقي، أي: نقصني، ومنه امرأة هضيم الكشح، أي: ظاهرة البطن. وهذا دواء يهضم الطعام. أي: ينقصه، فيزول ثقله. ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَكَذٰلِكَ أَنزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ ٱلْوَعِيدِ﴾. المعنى: كما رغب أهل الإيمان في صالح الأعمال فوعدهم ما وعدهم، كذلك حذر بالوعيد أهل الكفر، فقال: ﴿وَكَذٰلِكَ أَنزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً﴾ أي: أنزلناه بلغتكم أيها العرب لتفهموه. ﴿وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ ٱلْوَعِيدِ﴾ أي: وخوفناهم بضروب من الوعيد ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ ما فيه من الوعيد أو يحدث لهم ذكراً فينقلبون عما هم مقيمون عليه من الكفر بالله، يعني: أو يحدث لهم القرآن ذكراً. قال قتادة: "ذكرا": ورعاً. وقيل: معناه: أو يحدث لهم شرفاً بإيمانهم به، كما قال: ﴿لَقَدْ أَنزَلْنَآ إِلَيْكُمْ كِتَاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ﴾ أي: شرفكم إن آمنتم به. روي ذلك أيضاً عن قتادة. ثم قال تعالى ذكره: ﴿فَتَعَٰلَى ٱللَّهُ ٱلْمَلِكُ ٱلْحَقُّ﴾ أي: فتعالى الله الذي له العبادة من جميع خلقه، ملك الدنيا والآخرة جميعاً على ما يصفه به المشركون من خلقه. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلاَ تَعْجَلْ بِٱلْقُرْآنِ مِن قَبْلِ أَن يُقْضَىٰ إِلَيْكَ وَحْيُهُ﴾. أي: لا تعجل بالقرآن فتقرئه أصحابك أو تقرأه عليهم من قبل أن يقضى إليك وحيه، أي: بيان معانيه فأمر النبي ﷺ ألا يكتب القرآن أو يتلوه على أحد حتى يبينه له، قاله: ابن عباس وقتادة. وقيل: إن النبي ﷺ كان يستعجل القراءة من قبل أن يفرغ جبريل مما يأتيه به، خوف النسيان. ومنه ﴿لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ [القيامة: ١٦]. ﴿وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْماً﴾ أي: زدني علماً إلى ما علمتني. أمره الله تعالى أن يسأل ذلك. وذكر ابن وهب أن الحسن قال: أتت امرأة إلى النبي ﷺ فقالت: "إن زوجي لكم وجهي" قال لها: بينكما القصاص، فأنزل الله تعالى: ولا تعجل بالقرآن... الآية. فأمسك النبي ﷺ حتى نزلت: ﴿ٱلرِّجَالُ قَوَّٰمُونَ عَلَى ٱلنِّسَآءِ بِمَا فَضَّلَ ٱللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ﴾ [النساء: ٣٤].

طه 20:113

قوله تعالى ذكره: ﴿وَعَنَتِ ٱلْوُجُوهُ لِلْحَيِّ ٱلْقَيُّومِ﴾ إلى قوله: ﴿زِدْنِي عِلْماً﴾. قال ابن عباس: ﴿عَنَتِ﴾: ذلت أي: استسلمت. وقال مجاهد: ﴿عَنَتِ﴾ خشعت. وقال طلق بن حبيب: هو وضعك جبهتك وأنفك وركبتك وكفيك وأطراف قدميك في السجود. فهذا يراد به أنها عنت في الدنيا، والأقوال غير هذا يراد بها الآخرة. وقال ابن زيد: ﴿عَنَتِ﴾ استأسرت للحي القيوم. أي: صاروا أسارى. وقال الفراء: ﴿عَنَتِ﴾ الوجوه نصبّ وعملته، والعاني الأسير. وهذا قول أهل اللغة، أن العاني الأسير، سمي بذلك لأنه يذل ويخضع. ومنه الحديث: "النساء عندكم عوان"ومنه: افتتحت الأرض عنوة، ومنه: عنيت فلانا. * * ثم قال تعالى: ﴿وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْماً﴾. أي: قد خسر من حمل يوم القيامة شركاً بالله، قاله: قتادة وابن زيد وغيرهما. * * ثم قال تعالى: ﴿وَمَن يَعْمَلْ مِنَ ٱلصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلاَ يَخَافُ ظُلْماً وَلاَ هَضْماً﴾. أي: مَن يؤد الفرائض التي افترض الله عليه، وهو مصدق بالله وملائكته وكتبه ورسله، فلا يخاف ظلماً، أي: لا يخاف أن تحمل عليه سيئات غيره ويعاقب عليها. ﴿وَلاَ هَضْماً﴾ أي: نقصاً من ثوابه. قاله قتادة وغيره. ومن قرأ: فلا يخف بالجزم، جعله نهياً، نهاه الله جل ذكره عن الخوف من أن يصيبه ظلم أو هضم. وقال ابن جريج : ﴿ٱلصَّالِحَاتِ﴾ هنا: الفرائض. وقال الضحاك: ﴿وَلاَ هَضْماً﴾: هو أن يقهر الرجل الرجل بقوته وأصل الهضم، الانتقاص. يقال: هضمني فلان حقي، أي: نقصني، ومنه امرأة هضيم الكشح، أي: ظاهرة البطن. وهذا دواء يهضم الطعام. أي: ينقصه، فيزول ثقله. ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَكَذٰلِكَ أَنزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ ٱلْوَعِيدِ﴾. المعنى: كما رغب أهل الإيمان في صالح الأعمال فوعدهم ما وعدهم، كذلك حذر بالوعيد أهل الكفر، فقال: ﴿وَكَذٰلِكَ أَنزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً﴾ أي: أنزلناه بلغتكم أيها العرب لتفهموه. ﴿وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ ٱلْوَعِيدِ﴾ أي: وخوفناهم بضروب من الوعيد ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ ما فيه من الوعيد أو يحدث لهم ذكراً فينقلبون عما هم مقيمون عليه من الكفر بالله، يعني: أو يحدث لهم القرآن ذكراً. قال قتادة: "ذكرا": ورعاً. وقيل: معناه: أو يحدث لهم شرفاً بإيمانهم به، كما قال: ﴿لَقَدْ أَنزَلْنَآ إِلَيْكُمْ كِتَاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ﴾ أي: شرفكم إن آمنتم به. روي ذلك أيضاً عن قتادة. ثم قال تعالى ذكره: ﴿فَتَعَٰلَى ٱللَّهُ ٱلْمَلِكُ ٱلْحَقُّ﴾ أي: فتعالى الله الذي له العبادة من جميع خلقه، ملك الدنيا والآخرة جميعاً على ما يصفه به المشركون من خلقه. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلاَ تَعْجَلْ بِٱلْقُرْآنِ مِن قَبْلِ أَن يُقْضَىٰ إِلَيْكَ وَحْيُهُ﴾. أي: لا تعجل بالقرآن فتقرئه أصحابك أو تقرأه عليهم من قبل أن يقضى إليك وحيه، أي: بيان معانيه فأمر النبي ﷺ ألا يكتب القرآن أو يتلوه على أحد حتى يبينه له، قاله: ابن عباس وقتادة. وقيل: إن النبي ﷺ كان يستعجل القراءة من قبل أن يفرغ جبريل مما يأتيه به، خوف النسيان. ومنه ﴿لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ [القيامة: ١٦]. ﴿وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْماً﴾ أي: زدني علماً إلى ما علمتني. أمره الله تعالى أن يسأل ذلك. وذكر ابن وهب أن الحسن قال: أتت امرأة إلى النبي ﷺ فقالت: "إن زوجي لكم وجهي" قال لها: بينكما القصاص، فأنزل الله تعالى: ولا تعجل بالقرآن... الآية. فأمسك النبي ﷺ حتى نزلت: ﴿ٱلرِّجَالُ قَوَّٰمُونَ عَلَى ٱلنِّسَآءِ بِمَا فَضَّلَ ٱللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ﴾ [النساء: ٣٤].

طه 20:114

قوله تعالى ذكره: ﴿وَعَنَتِ ٱلْوُجُوهُ لِلْحَيِّ ٱلْقَيُّومِ﴾ إلى قوله: ﴿زِدْنِي عِلْماً﴾. قال ابن عباس: ﴿عَنَتِ﴾: ذلت أي: استسلمت. وقال مجاهد: ﴿عَنَتِ﴾ خشعت. وقال طلق بن حبيب: هو وضعك جبهتك وأنفك وركبتك وكفيك وأطراف قدميك في السجود. فهذا يراد به أنها عنت في الدنيا، والأقوال غير هذا يراد بها الآخرة. وقال ابن زيد: ﴿عَنَتِ﴾ استأسرت للحي القيوم. أي: صاروا أسارى. وقال الفراء: ﴿عَنَتِ﴾ الوجوه نصبّ وعملته، والعاني الأسير. وهذا قول أهل اللغة، أن العاني الأسير، سمي بذلك لأنه يذل ويخضع. ومنه الحديث: "النساء عندكم عوان"ومنه: افتتحت الأرض عنوة، ومنه: عنيت فلانا. * * ثم قال تعالى: ﴿وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْماً﴾. أي: قد خسر من حمل يوم القيامة شركاً بالله، قاله: قتادة وابن زيد وغيرهما. * * ثم قال تعالى: ﴿وَمَن يَعْمَلْ مِنَ ٱلصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلاَ يَخَافُ ظُلْماً وَلاَ هَضْماً﴾. أي: مَن يؤد الفرائض التي افترض الله عليه، وهو مصدق بالله وملائكته وكتبه ورسله، فلا يخاف ظلماً، أي: لا يخاف أن تحمل عليه سيئات غيره ويعاقب عليها. ﴿وَلاَ هَضْماً﴾ أي: نقصاً من ثوابه. قاله قتادة وغيره. ومن قرأ: فلا يخف بالجزم، جعله نهياً، نهاه الله جل ذكره عن الخوف من أن يصيبه ظلم أو هضم. وقال ابن جريج : ﴿ٱلصَّالِحَاتِ﴾ هنا: الفرائض. وقال الضحاك: ﴿وَلاَ هَضْماً﴾: هو أن يقهر الرجل الرجل بقوته وأصل الهضم، الانتقاص. يقال: هضمني فلان حقي، أي: نقصني، ومنه امرأة هضيم الكشح، أي: ظاهرة البطن. وهذا دواء يهضم الطعام. أي: ينقصه، فيزول ثقله. ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَكَذٰلِكَ أَنزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ ٱلْوَعِيدِ﴾. المعنى: كما رغب أهل الإيمان في صالح الأعمال فوعدهم ما وعدهم، كذلك حذر بالوعيد أهل الكفر، فقال: ﴿وَكَذٰلِكَ أَنزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً﴾ أي: أنزلناه بلغتكم أيها العرب لتفهموه. ﴿وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ ٱلْوَعِيدِ﴾ أي: وخوفناهم بضروب من الوعيد ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ ما فيه من الوعيد أو يحدث لهم ذكراً فينقلبون عما هم مقيمون عليه من الكفر بالله، يعني: أو يحدث لهم القرآن ذكراً. قال قتادة: "ذكرا": ورعاً. وقيل: معناه: أو يحدث لهم شرفاً بإيمانهم به، كما قال: ﴿لَقَدْ أَنزَلْنَآ إِلَيْكُمْ كِتَاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ﴾ أي: شرفكم إن آمنتم به. روي ذلك أيضاً عن قتادة. ثم قال تعالى ذكره: ﴿فَتَعَٰلَى ٱللَّهُ ٱلْمَلِكُ ٱلْحَقُّ﴾ أي: فتعالى الله الذي له العبادة من جميع خلقه، ملك الدنيا والآخرة جميعاً على ما يصفه به المشركون من خلقه. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلاَ تَعْجَلْ بِٱلْقُرْآنِ مِن قَبْلِ أَن يُقْضَىٰ إِلَيْكَ وَحْيُهُ﴾. أي: لا تعجل بالقرآن فتقرئه أصحابك أو تقرأه عليهم من قبل أن يقضى إليك وحيه، أي: بيان معانيه فأمر النبي ﷺ ألا يكتب القرآن أو يتلوه على أحد حتى يبينه له، قاله: ابن عباس وقتادة. وقيل: إن النبي ﷺ كان يستعجل القراءة من قبل أن يفرغ جبريل مما يأتيه به، خوف النسيان. ومنه ﴿لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ [القيامة: ١٦]. ﴿وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْماً﴾ أي: زدني علماً إلى ما علمتني. أمره الله تعالى أن يسأل ذلك. وذكر ابن وهب أن الحسن قال: أتت امرأة إلى النبي ﷺ فقالت: "إن زوجي لكم وجهي" قال لها: بينكما القصاص، فأنزل الله تعالى: ولا تعجل بالقرآن... الآية. فأمسك النبي ﷺ حتى نزلت: ﴿ٱلرِّجَالُ قَوَّٰمُونَ عَلَى ٱلنِّسَآءِ بِمَا فَضَّلَ ٱللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ﴾ [النساء: ٣٤].

طه 20:115

قوله تعالى ذكره: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَآ إِلَىٰ ءَادَمَ مِن قَبْلُ﴾ إلى قوله: ﴿وَلاَ تَضْحَىٰ﴾. المعنى: أن يترك هؤلاء المشركون أمري، ويتبعوا أمر عدوهم إبليس، فقديماً فعل أبوهم آدم ذلك. فلقد عهدنا إليه أن إبليس عدوه، فنسي، وأطاعه، أي: فترك ما عهد إليه، وأطاع إبليس إذ وسوس إليه. قال ابن عباس ومجاهد: "نسي" ترك أمر الله. وقال الحسن: "نسي": ترك، ولو كان من النسيان، لم يكن عليه شيء. وقال ابن زيد: العهد الذي عهد الله جلّ ذكره إلى آدم هو قوله: ﴿إِنَّ هَـٰذَا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ﴾ أي: نسي العداوة التي أعلم بها. وقيل: قول عدوه، فيكون نسي من النسيان على هذا القول لا من الترك. وقال ابن عباس: إنما سمي الإنسان إنساناً لأنه عهد إليه فنسي. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً﴾. قال قتادة: ﴿عَزْماً﴾: صبراً. وقال عطية: ﴿عَزْماً﴾ حفظاً لما أمر به. وروي ذلك عن ابن عباس. وقال ابن زيد: "العزم": المحافظة والتمسك بأمر الله. وعن ابن عباس: ﴿وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً﴾ أي لم نجعل له عزماً. قال أبو أمامة: لو أن أحلام بني آدم، يعني: عقولهم جمعت منذ خلق الله آدم إلى أن تقوم الساعة، وضعت في كفة ميزان. ووضع حلم آدم في الكفة [الأخرى] لرجح حلمه بأحلامهم. وقد قال الله تعالى ذكره ﴿وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً﴾. وقيل: المعنى: "ولم نجد له عزما" على ترك المعصية. وأصل العزم في اللغة، اعتقاد القلب على الشيء، فيكون المعنى على هذا، ولم نجد له عزم قلب على الصبر على الوفاء لله بما عهد إليه. * * ثم قال تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ ٱسْجُدُواْ لأَدَمََ﴾ أي: واذكر يا محمد، إذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم: أي اجعلوه قبلة لأنهم أمروا بالعبادة له والسجود له دون الله، فسجدوا إلا إبليس أبى. وهذا تذكير من الله تعالى لنبيّه بما كان من قصة آدم، وأن أولاده لن يعدوا أن يكونوا على مناهجه في ارتكاب المعاصي إلا من عصمه الله. * * ثم قال تعالى: ﴿فَقُلْنَا يآءَادَمُ إِنَّ هَـٰذَا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ﴾. ولذلك لم يسجد لك وخالف أمري. * * ﴿فَلاَ يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ ٱلْجَنَّةِ فَتَشْقَىٰ﴾. أي: لا تطيعاه فيما يأمركما به فيخرجكما من الجنة. أي: فيكون عيشك من كد يمينك، فهو من شقاء الدنيا لا من شقاء الآخرة. قال ابن جبير: أهبط إلى آدم ثور أحمر، فكان يحرث عليه ويمسح العرق عن جبينه، فذلك قوله: "فتشقى" فكان ذلك شقاؤه. وجرى الخطاب لآدم وحده، إذ قد علم أن حكم حواء حكمه، ولأن ابتداء الخطاب كان لآدم وحده في قوله "يا آدم إن هذا عدو لك" ولأن التعب في المعيشة في الدنيا على الرجل يجري أكثره، فخصّ بالخطاب لذلك. * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ لَكَ أَلاَّ تَجُوعَ فِيهَا وَلاَ تَعْرَىٰ * وَأَنَّكَ لاَ تَظْمَأُ فِيهَا وَلاَ تَضْحَىٰ﴾. أي: إن لك الشبع في الجنة والكسوة والري والسترة. ومعنى "ولا تضحى" لا يصيبك حرّ الشمس، ولا تظهر إليها، لأن الشمس جعلها الله دون الموضع الذي كان فيه، فليس في الجنة شمس ولا في السماء السابعة. "والظمأ" العطش، مقصور مهموز. والظمى مقصور غير مهموز سعة في الشفتين. وقد قال ابن عيينة في الآية، أنه يراد بها الأرض. فالهاء في "فيها" في الموضعين تعود على الأرض، وهي في القول الأول تعود على الجنة.

طه 20:116

قوله تعالى ذكره: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَآ إِلَىٰ ءَادَمَ مِن قَبْلُ﴾ إلى قوله: ﴿وَلاَ تَضْحَىٰ﴾. المعنى: أن يترك هؤلاء المشركون أمري، ويتبعوا أمر عدوهم إبليس، فقديماً فعل أبوهم آدم ذلك. فلقد عهدنا إليه أن إبليس عدوه، فنسي، وأطاعه، أي: فترك ما عهد إليه، وأطاع إبليس إذ وسوس إليه. قال ابن عباس ومجاهد: "نسي" ترك أمر الله. وقال الحسن: "نسي": ترك، ولو كان من النسيان، لم يكن عليه شيء. وقال ابن زيد: العهد الذي عهد الله جلّ ذكره إلى آدم هو قوله: ﴿إِنَّ هَـٰذَا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ﴾ أي: نسي العداوة التي أعلم بها. وقيل: قول عدوه، فيكون نسي من النسيان على هذا القول لا من الترك. وقال ابن عباس: إنما سمي الإنسان إنساناً لأنه عهد إليه فنسي. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً﴾. قال قتادة: ﴿عَزْماً﴾: صبراً. وقال عطية: ﴿عَزْماً﴾ حفظاً لما أمر به. وروي ذلك عن ابن عباس. وقال ابن زيد: "العزم": المحافظة والتمسك بأمر الله. وعن ابن عباس: ﴿وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً﴾ أي لم نجعل له عزماً. قال أبو أمامة: لو أن أحلام بني آدم، يعني: عقولهم جمعت منذ خلق الله آدم إلى أن تقوم الساعة، وضعت في كفة ميزان. ووضع حلم آدم في الكفة [الأخرى] لرجح حلمه بأحلامهم. وقد قال الله تعالى ذكره ﴿وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً﴾. وقيل: المعنى: "ولم نجد له عزما" على ترك المعصية. وأصل العزم في اللغة، اعتقاد القلب على الشيء، فيكون المعنى على هذا، ولم نجد له عزم قلب على الصبر على الوفاء لله بما عهد إليه. * * ثم قال تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ ٱسْجُدُواْ لأَدَمََ﴾ أي: واذكر يا محمد، إذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم: أي اجعلوه قبلة لأنهم أمروا بالعبادة له والسجود له دون الله، فسجدوا إلا إبليس أبى. وهذا تذكير من الله تعالى لنبيّه بما كان من قصة آدم، وأن أولاده لن يعدوا أن يكونوا على مناهجه في ارتكاب المعاصي إلا من عصمه الله. * * ثم قال تعالى: ﴿فَقُلْنَا يآءَادَمُ إِنَّ هَـٰذَا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ﴾. ولذلك لم يسجد لك وخالف أمري. * * ﴿فَلاَ يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ ٱلْجَنَّةِ فَتَشْقَىٰ﴾. أي: لا تطيعاه فيما يأمركما به فيخرجكما من الجنة. أي: فيكون عيشك من كد يمينك، فهو من شقاء الدنيا لا من شقاء الآخرة. قال ابن جبير: أهبط إلى آدم ثور أحمر، فكان يحرث عليه ويمسح العرق عن جبينه، فذلك قوله: "فتشقى" فكان ذلك شقاؤه. وجرى الخطاب لآدم وحده، إذ قد علم أن حكم حواء حكمه، ولأن ابتداء الخطاب كان لآدم وحده في قوله "يا آدم إن هذا عدو لك" ولأن التعب في المعيشة في الدنيا على الرجل يجري أكثره، فخصّ بالخطاب لذلك. * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ لَكَ أَلاَّ تَجُوعَ فِيهَا وَلاَ تَعْرَىٰ * وَأَنَّكَ لاَ تَظْمَأُ فِيهَا وَلاَ تَضْحَىٰ﴾. أي: إن لك الشبع في الجنة والكسوة والري والسترة. ومعنى "ولا تضحى" لا يصيبك حرّ الشمس، ولا تظهر إليها، لأن الشمس جعلها الله دون الموضع الذي كان فيه، فليس في الجنة شمس ولا في السماء السابعة. "والظمأ" العطش، مقصور مهموز. والظمى مقصور غير مهموز سعة في الشفتين. وقد قال ابن عيينة في الآية، أنه يراد بها الأرض. فالهاء في "فيها" في الموضعين تعود على الأرض، وهي في القول الأول تعود على الجنة.

طه 20:117

قوله تعالى ذكره: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَآ إِلَىٰ ءَادَمَ مِن قَبْلُ﴾ إلى قوله: ﴿وَلاَ تَضْحَىٰ﴾. المعنى: أن يترك هؤلاء المشركون أمري، ويتبعوا أمر عدوهم إبليس، فقديماً فعل أبوهم آدم ذلك. فلقد عهدنا إليه أن إبليس عدوه، فنسي، وأطاعه، أي: فترك ما عهد إليه، وأطاع إبليس إذ وسوس إليه. قال ابن عباس ومجاهد: "نسي" ترك أمر الله. وقال الحسن: "نسي": ترك، ولو كان من النسيان، لم يكن عليه شيء. وقال ابن زيد: العهد الذي عهد الله جلّ ذكره إلى آدم هو قوله: ﴿إِنَّ هَـٰذَا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ﴾ أي: نسي العداوة التي أعلم بها. وقيل: قول عدوه، فيكون نسي من النسيان على هذا القول لا من الترك. وقال ابن عباس: إنما سمي الإنسان إنساناً لأنه عهد إليه فنسي. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً﴾. قال قتادة: ﴿عَزْماً﴾: صبراً. وقال عطية: ﴿عَزْماً﴾ حفظاً لما أمر به. وروي ذلك عن ابن عباس. وقال ابن زيد: "العزم": المحافظة والتمسك بأمر الله. وعن ابن عباس: ﴿وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً﴾ أي لم نجعل له عزماً. قال أبو أمامة: لو أن أحلام بني آدم، يعني: عقولهم جمعت منذ خلق الله آدم إلى أن تقوم الساعة، وضعت في كفة ميزان. ووضع حلم آدم في الكفة [الأخرى] لرجح حلمه بأحلامهم. وقد قال الله تعالى ذكره ﴿وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً﴾. وقيل: المعنى: "ولم نجد له عزما" على ترك المعصية. وأصل العزم في اللغة، اعتقاد القلب على الشيء، فيكون المعنى على هذا، ولم نجد له عزم قلب على الصبر على الوفاء لله بما عهد إليه. * * ثم قال تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ ٱسْجُدُواْ لأَدَمََ﴾ أي: واذكر يا محمد، إذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم: أي اجعلوه قبلة لأنهم أمروا بالعبادة له والسجود له دون الله، فسجدوا إلا إبليس أبى. وهذا تذكير من الله تعالى لنبيّه بما كان من قصة آدم، وأن أولاده لن يعدوا أن يكونوا على مناهجه في ارتكاب المعاصي إلا من عصمه الله. * * ثم قال تعالى: ﴿فَقُلْنَا يآءَادَمُ إِنَّ هَـٰذَا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ﴾. ولذلك لم يسجد لك وخالف أمري. * * ﴿فَلاَ يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ ٱلْجَنَّةِ فَتَشْقَىٰ﴾. أي: لا تطيعاه فيما يأمركما به فيخرجكما من الجنة. أي: فيكون عيشك من كد يمينك، فهو من شقاء الدنيا لا من شقاء الآخرة. قال ابن جبير: أهبط إلى آدم ثور أحمر، فكان يحرث عليه ويمسح العرق عن جبينه، فذلك قوله: "فتشقى" فكان ذلك شقاؤه. وجرى الخطاب لآدم وحده، إذ قد علم أن حكم حواء حكمه، ولأن ابتداء الخطاب كان لآدم وحده في قوله "يا آدم إن هذا عدو لك" ولأن التعب في المعيشة في الدنيا على الرجل يجري أكثره، فخصّ بالخطاب لذلك. * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ لَكَ أَلاَّ تَجُوعَ فِيهَا وَلاَ تَعْرَىٰ * وَأَنَّكَ لاَ تَظْمَأُ فِيهَا وَلاَ تَضْحَىٰ﴾. أي: إن لك الشبع في الجنة والكسوة والري والسترة. ومعنى "ولا تضحى" لا يصيبك حرّ الشمس، ولا تظهر إليها، لأن الشمس جعلها الله دون الموضع الذي كان فيه، فليس في الجنة شمس ولا في السماء السابعة. "والظمأ" العطش، مقصور مهموز. والظمى مقصور غير مهموز سعة في الشفتين. وقد قال ابن عيينة في الآية، أنه يراد بها الأرض. فالهاء في "فيها" في الموضعين تعود على الأرض، وهي في القول الأول تعود على الجنة.

طه 20:118

قوله تعالى ذكره: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَآ إِلَىٰ ءَادَمَ مِن قَبْلُ﴾ إلى قوله: ﴿وَلاَ تَضْحَىٰ﴾. المعنى: أن يترك هؤلاء المشركون أمري، ويتبعوا أمر عدوهم إبليس، فقديماً فعل أبوهم آدم ذلك. فلقد عهدنا إليه أن إبليس عدوه، فنسي، وأطاعه، أي: فترك ما عهد إليه، وأطاع إبليس إذ وسوس إليه. قال ابن عباس ومجاهد: "نسي" ترك أمر الله. وقال الحسن: "نسي": ترك، ولو كان من النسيان، لم يكن عليه شيء. وقال ابن زيد: العهد الذي عهد الله جلّ ذكره إلى آدم هو قوله: ﴿إِنَّ هَـٰذَا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ﴾ أي: نسي العداوة التي أعلم بها. وقيل: قول عدوه، فيكون نسي من النسيان على هذا القول لا من الترك. وقال ابن عباس: إنما سمي الإنسان إنساناً لأنه عهد إليه فنسي. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً﴾. قال قتادة: ﴿عَزْماً﴾: صبراً. وقال عطية: ﴿عَزْماً﴾ حفظاً لما أمر به. وروي ذلك عن ابن عباس. وقال ابن زيد: "العزم": المحافظة والتمسك بأمر الله. وعن ابن عباس: ﴿وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً﴾ أي لم نجعل له عزماً. قال أبو أمامة: لو أن أحلام بني آدم، يعني: عقولهم جمعت منذ خلق الله آدم إلى أن تقوم الساعة، وضعت في كفة ميزان. ووضع حلم آدم في الكفة [الأخرى] لرجح حلمه بأحلامهم. وقد قال الله تعالى ذكره ﴿وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً﴾. وقيل: المعنى: "ولم نجد له عزما" على ترك المعصية. وأصل العزم في اللغة، اعتقاد القلب على الشيء، فيكون المعنى على هذا، ولم نجد له عزم قلب على الصبر على الوفاء لله بما عهد إليه. * * ثم قال تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ ٱسْجُدُواْ لأَدَمََ﴾ أي: واذكر يا محمد، إذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم: أي اجعلوه قبلة لأنهم أمروا بالعبادة له والسجود له دون الله، فسجدوا إلا إبليس أبى. وهذا تذكير من الله تعالى لنبيّه بما كان من قصة آدم، وأن أولاده لن يعدوا أن يكونوا على مناهجه في ارتكاب المعاصي إلا من عصمه الله. * * ثم قال تعالى: ﴿فَقُلْنَا يآءَادَمُ إِنَّ هَـٰذَا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ﴾. ولذلك لم يسجد لك وخالف أمري. * * ﴿فَلاَ يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ ٱلْجَنَّةِ فَتَشْقَىٰ﴾. أي: لا تطيعاه فيما يأمركما به فيخرجكما من الجنة. أي: فيكون عيشك من كد يمينك، فهو من شقاء الدنيا لا من شقاء الآخرة. قال ابن جبير: أهبط إلى آدم ثور أحمر، فكان يحرث عليه ويمسح العرق عن جبينه، فذلك قوله: "فتشقى" فكان ذلك شقاؤه. وجرى الخطاب لآدم وحده، إذ قد علم أن حكم حواء حكمه، ولأن ابتداء الخطاب كان لآدم وحده في قوله "يا آدم إن هذا عدو لك" ولأن التعب في المعيشة في الدنيا على الرجل يجري أكثره، فخصّ بالخطاب لذلك. * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ لَكَ أَلاَّ تَجُوعَ فِيهَا وَلاَ تَعْرَىٰ * وَأَنَّكَ لاَ تَظْمَأُ فِيهَا وَلاَ تَضْحَىٰ﴾. أي: إن لك الشبع في الجنة والكسوة والري والسترة. ومعنى "ولا تضحى" لا يصيبك حرّ الشمس، ولا تظهر إليها، لأن الشمس جعلها الله دون الموضع الذي كان فيه، فليس في الجنة شمس ولا في السماء السابعة. "والظمأ" العطش، مقصور مهموز. والظمى مقصور غير مهموز سعة في الشفتين. وقد قال ابن عيينة في الآية، أنه يراد بها الأرض. فالهاء في "فيها" في الموضعين تعود على الأرض، وهي في القول الأول تعود على الجنة.

طه 20:119

قوله تعالى ذكره: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَآ إِلَىٰ ءَادَمَ مِن قَبْلُ﴾ إلى قوله: ﴿وَلاَ تَضْحَىٰ﴾. المعنى: أن يترك هؤلاء المشركون أمري، ويتبعوا أمر عدوهم إبليس، فقديماً فعل أبوهم آدم ذلك. فلقد عهدنا إليه أن إبليس عدوه، فنسي، وأطاعه، أي: فترك ما عهد إليه، وأطاع إبليس إذ وسوس إليه. قال ابن عباس ومجاهد: "نسي" ترك أمر الله. وقال الحسن: "نسي": ترك، ولو كان من النسيان، لم يكن عليه شيء. وقال ابن زيد: العهد الذي عهد الله جلّ ذكره إلى آدم هو قوله: ﴿إِنَّ هَـٰذَا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ﴾ أي: نسي العداوة التي أعلم بها. وقيل: قول عدوه، فيكون نسي من النسيان على هذا القول لا من الترك. وقال ابن عباس: إنما سمي الإنسان إنساناً لأنه عهد إليه فنسي. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً﴾. قال قتادة: ﴿عَزْماً﴾: صبراً. وقال عطية: ﴿عَزْماً﴾ حفظاً لما أمر به. وروي ذلك عن ابن عباس. وقال ابن زيد: "العزم": المحافظة والتمسك بأمر الله. وعن ابن عباس: ﴿وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً﴾ أي لم نجعل له عزماً. قال أبو أمامة: لو أن أحلام بني آدم، يعني: عقولهم جمعت منذ خلق الله آدم إلى أن تقوم الساعة، وضعت في كفة ميزان. ووضع حلم آدم في الكفة [الأخرى] لرجح حلمه بأحلامهم. وقد قال الله تعالى ذكره ﴿وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً﴾. وقيل: المعنى: "ولم نجد له عزما" على ترك المعصية. وأصل العزم في اللغة، اعتقاد القلب على الشيء، فيكون المعنى على هذا، ولم نجد له عزم قلب على الصبر على الوفاء لله بما عهد إليه. * * ثم قال تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ ٱسْجُدُواْ لأَدَمََ﴾ أي: واذكر يا محمد، إذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم: أي اجعلوه قبلة لأنهم أمروا بالعبادة له والسجود له دون الله، فسجدوا إلا إبليس أبى. وهذا تذكير من الله تعالى لنبيّه بما كان من قصة آدم، وأن أولاده لن يعدوا أن يكونوا على مناهجه في ارتكاب المعاصي إلا من عصمه الله. * * ثم قال تعالى: ﴿فَقُلْنَا يآءَادَمُ إِنَّ هَـٰذَا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ﴾. ولذلك لم يسجد لك وخالف أمري. * * ﴿فَلاَ يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ ٱلْجَنَّةِ فَتَشْقَىٰ﴾. أي: لا تطيعاه فيما يأمركما به فيخرجكما من الجنة. أي: فيكون عيشك من كد يمينك، فهو من شقاء الدنيا لا من شقاء الآخرة. قال ابن جبير: أهبط إلى آدم ثور أحمر، فكان يحرث عليه ويمسح العرق عن جبينه، فذلك قوله: "فتشقى" فكان ذلك شقاؤه. وجرى الخطاب لآدم وحده، إذ قد علم أن حكم حواء حكمه، ولأن ابتداء الخطاب كان لآدم وحده في قوله "يا آدم إن هذا عدو لك" ولأن التعب في المعيشة في الدنيا على الرجل يجري أكثره، فخصّ بالخطاب لذلك. * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ لَكَ أَلاَّ تَجُوعَ فِيهَا وَلاَ تَعْرَىٰ * وَأَنَّكَ لاَ تَظْمَأُ فِيهَا وَلاَ تَضْحَىٰ﴾. أي: إن لك الشبع في الجنة والكسوة والري والسترة. ومعنى "ولا تضحى" لا يصيبك حرّ الشمس، ولا تظهر إليها، لأن الشمس جعلها الله دون الموضع الذي كان فيه، فليس في الجنة شمس ولا في السماء السابعة. "والظمأ" العطش، مقصور مهموز. والظمى مقصور غير مهموز سعة في الشفتين. وقد قال ابن عيينة في الآية، أنه يراد بها الأرض. فالهاء في "فيها" في الموضعين تعود على الأرض، وهي في القول الأول تعود على الجنة.

طه 20:120

قوله تعالى ذكره: ﴿فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ ٱلشَّيْطَانُ﴾ إلى قوله: ﴿مَعِيشَةً ضَنكاً﴾. أي: فألقى إلى آدم الشيطان، فقال له: ﴿يٰآدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَىٰ شَجَرَةِ ٱلْخُلْدِ﴾ أي: على شجرة من أكل منها خلد فلم يمت، ﴿وَمُلْكٍ لاَّ يَبْلَىٰ﴾ أي: لا ينقضي. وقال السدي: على شجرة الخلد: أي: على شجرة إن أكلت منها كنت ملكاً مثل الله عز وجل، أو تكونا من الخالدين"، لا تموتان أبداً. * * ثم قال تعالى: ﴿فَأَكَلاَ مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا﴾ أي: فأكل آدم وحواء من الشجرة التي نهيا عنها، وأطاعا أمر إبليس، فبدت لهما سوءاتهما. أي ظهرت وانكشفت لهما عورتهما، وكانت مستورة عن أعينهما. قال السدي: إنما أراد إبليس اللعين أن يظهر لهما سوءاتهما، لأنه علم أن لهما سوأة، لما كان يقرأ من كتب الملائكة، ولم يعلم ذلك آدم، وكان لباسهما الظفر، فأبى آدم أن يأكل منها، فتقدمت حواء فأكلت منها. ثم قالت: يا آدم، كُلْ [فإني] قد أكلت، فلم يضرني، فلما أكل آدم منها بدت لهما سوءاتهما. * * ثم قال: ﴿وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ ٱلْجَنَّةِ﴾ أي: أقبلا. وقيل: معناه: جعلا يخصفان عليهما ورق التين. قاله السدي. وقال قتادة: ﴿يَخْصِفَانِ﴾ يوصلان. * * ثم قال تعالى: ﴿وَعَصَىٰ ءَادَمُ رَبَّهُ فَغَوَىٰ﴾. أي: وخالف آدم أمر به، فتعدى إلى الأكل من الشجرة فغوى. * * ثم قال: ﴿ثُمَّ ٱجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ﴾. أي: اصطفاه [واختاره] ربه بعد معصيته وهداه للتوبة ووفقه لها. * * ثم قال: ﴿قَالَ ٱهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعاً بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾. أي: قال الله لآدم وحواء اهبطا من الجنة جميعاً إلى الأرض، أي: انزلا. وهذا يدل على أن الجنة في السماء. * * ﴿بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾. أي: أنتم عدو إبليس وذريته، وإبليس عدوّكما، وعدو ذريتكما. قال الضحاك: أُهبطَ آدم بالهند على جبل يقال له الوسي على رأسه إكليل من ريحان الجنة، وفي يده قبضة من حشيشها فانتثر في ذلك الجبل، فكان منه الطيب، وأهبطت حواء بجدة وأهبط إبليس بالبصرة. * * ثم قال تعالى: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى﴾. يعني: آدم وحواء وإبليس. أي: بيان لسبيلي وما اختاره لخلقي من ديني. ﴿فَمَنِ ٱتَّبَعَ هُدَايَ﴾ أي: بياني وعمل به. ﴿فَلاَ يَضِلُّ﴾ أي: ليس يزول عن محجة الحق. ﴿وَلاَ يَشْقَىٰ﴾ أي: في الآخرة بعذابها. قال ابن عباس: فضمن الله لمن قرأ القرآن، واتّبع ما فيه، أن لا يضلّ في الدنيا، ولا يشقى في الآخرة. أي: وقاه الله من الضلالة في الدنيا، ووقاه يوم القيامة سوء الحساب. ثم تلا هذه الآية. وقال ابن جبير: من قرأ القرآن واتبع ما فيه، عصمه الله من الضلالة ووقاه. * * ثم قال: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي﴾. أي: من لم يؤمن بالقرآن، ﴿فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً﴾. قال ابن عباس : هي الشقاء. وقال مجاهد: معيشة ضيقة. وهو قول قتادة. وذلك في جهنم، لأنه جعل طعامهم فيها الضريع والزقوم. قاله: الحسن وابن زيد وقتادة. وقيل: عني بذلك أكلهم في الدنيا الحرام، فالحرام ضيق بسوء عاقبته وإن اتسع في الظاهر. قاله: عكرمة والضحاك. وعن ابن عباس أنه: كل ما أنفق في غير ذات الله فهو معيشة ضنك. وعن أبي سعيد الخدري أنه: عذاب القبر يضيق عليه في قبره، حتى تختلف أضلاعه، وقاله السدي: وهو مروي عن النبي ﷺ. روي عنه أنه قال: أتدرون ما المعيشة الضنك؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال عذاب الكافر في قبره، والذي نفسي بيده، إنه يسلط عليه تسعة وتسعون تنيناً، أتدرون ما التنين؟ تسعة وتسعون حية لكل حية سبعة رؤوس ينفخن في جسمه ويلسعنه ويخدشنه إلى يوم القيامة وروى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: إن المؤمن إذا ألحد في قبره أتاه ملكان أزرقان أسودان، فيأتيانه من قبل رأسه، فتقول صلاته لا يؤتى من قبلي، فرب ليلة قد بات فيها ساهراً حذاراً لهذا المضجع فيوتى من قبل رجليه، فتقول رجلاه لا يؤتي من قبلنا، فقد كان ينصب ويمشي علينا في طاعة الله حذاراً لهذا المضجع فيؤتى من قبل يمينه فتقول صدقته لا يؤتى من قبلي، فقد كان يتصدق حذاراً لهذا المضجع، فيؤتى من قبل شماله، فيقول صومه لا يؤتى من قبلي، فقد كان يجوع ويظمأ حذاراً لهذا المضجع، فيوقظ كما يوقظ النائم، ثم يسأل قوله تعالى: ﴿وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ ٱلْقِيامَةِ أَعْمَىٰ﴾ إلى قوله: ﴿لأُوْلِي ٱلنُّهَىٰ﴾. قال مجاهد: أعمى عن حجة، لا حجة له يهتدي بها، وقاله أبو صالح. وقيل: معنى ذلك، أنه لا يهتدي إلى وجه ينال منه نفعاً ولا خيراً، كما لا يهتدي الأعمى إلى جهات المنافع في الدنيا. وقيل: "أعمى" من عمى البصر، كما قال: ونحشر المجرمين يومئذ زرقاً. * * ثم قال تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِيۤ أَعْمَىٰ وَقَدْ كُنتُ بَصِيراً﴾. قال مجاهد، معناه: لِمَ حشرتني ولا حجة لي، وقد كنت عالماً بحجتي بصيراً بها عند نفسي في الدنيا. وقال إبراهيم بن عرفة: كلما ذكر الله جلّ وعز في القرآن من العمى، فذمّه فإنما يريد به عمى القلب. قال الله تعالى: ﴿فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى ٱلأَبْصَارُ وَلَـٰكِن تَعْمَىٰ ٱلْقُلُوبُ ٱلَّتِي فِي ٱلصُّدُورِ﴾. وقيل: معناه، وقد كنت ذا بصر أنظر به الأشياء في الدنيا. وقيل: معنى الآية: ونحشره يوم القيامة أعمى عن حجته، ورؤية الأشياء، لأن الآية عامة. وقوله: "لم حشرتني أعمى"، أي: أعمى عن حجتي وعن رؤية الأشياء وقد كنت بصيراً، أي: بصيراً بحجتي في الدنيا رائياً للأشياء. وهذا سؤال من العبد لربه أن يعلمه الجُرم الذي استحق ذلك عليه، لأنه جهله وظن أنه لا ذنب له، فقال الله جلّ ذكره: ﴿قَالَ كَذٰلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا﴾ أي: فعلت ذلك بك كما أتتك آياتنا، وهي ما أنزل في كتابه من فرائضه. ﴿فَنَسِيتَهَا﴾. أي فتركتها، أي: أعرضت عنها، ولم تؤمن بها. * * ﴿وَكَذٰلِكَ ٱلْيَوْمَ تُنْسَىٰ﴾. أي: كما نسيت آياتنا في الدنيا، ولم تؤمن بها، كذلك تترك اليوم في النار. وقال قتادة: ﴿وَكَذٰلِكَ ٱلْيَوْمَ تُنْسَىٰ﴾ أي: تنسى من الخير، ولم تنسى من الشر. * * ثم قال: ﴿وَكَذٰلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِن بِآيَاتِ رَبِّهِ﴾. أي: وهكذا نتيبُ من أسرف فعصى ربه، ولم يؤمن برسله وكتبه، فنذيقه معيشة ضنكاً في البرزخ ﴿وَلَعَذَابُ ٱلآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَىٰ﴾. أي: ولعذاب الله إياهم في الآخرة أشد من عذاب القبر "وأبقى" أي: أدوم. * * ثم قال: ﴿أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِّنَ ٱلْقُرُونِ﴾. أي: أفلم يهد يا محمد لقومك كثرة ما أهلكنا قبلهم من القرون الماضية، يمشون في مساكنهم وآثارهم، ويرون آثار العقوبة التي أحللنا بهم لما كفروا، فيؤمنون بالله وكتبه ورسله خوفاً أن يصيبهم بكفرهم مثل ما أصاب القرون قبلهم، فيكون "كم" فاعلة ليهد على هذا التقدير، كأنه قال: أفلم يهد لهم القرون التي هلكت. "ويهد" بمعنى، يبين، وشاهد هذا التقدير أن في حرف ابن مسعود: أفلم يهد لهم من أهلكنا قبلهم فكم في موضع "من". وقيل: "كم" استفهام، فلا يعمل ما قبلها فيها، وهي في موضع نصب بـ "أهلكنا". وهذا القول هو الصحيح عند البصريين، لا يعمل ما قبل "كم" فيها خبراً كانت أو استفهاماً، إنما يعمل فيها عندهم ما بعدها، كأي في الاستفهام. وكانت قريش تسافر إلى الشام، فيرون آثار عاد وثمود ومن هلك بكفره قبلهم وبعدهم، فحذرهم الله أن يصيبهم مثل ما عاينوا. وقيل: التقدير: أفلم يهد لهم الأمر، بإهلاكنا من أهلكنا، فالفاعل مضمر. وقال المبرد: الفاعل المصدر، ودل "يهدي" عليه، كأنه قال: يهدي الهدى. * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لأُوْلِي ٱلنُّهَىٰ﴾. أي: إن في ما يعاين هؤلاء من مساكن القرون الهالكة التي كذبت رسلها قبلهم، لدلالات وعبراً ومواعظ لأولى العقول. وقال ابن عباس: ﴿لأُوْلِي ٱلنُّهَىٰ﴾: لأولي التقى. وقال قتادة: لأولي الورع.

طه 20:121

قوله تعالى ذكره: ﴿فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ ٱلشَّيْطَانُ﴾ إلى قوله: ﴿مَعِيشَةً ضَنكاً﴾. أي: فألقى إلى آدم الشيطان، فقال له: ﴿يٰآدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَىٰ شَجَرَةِ ٱلْخُلْدِ﴾ أي: على شجرة من أكل منها خلد فلم يمت، ﴿وَمُلْكٍ لاَّ يَبْلَىٰ﴾ أي: لا ينقضي. وقال السدي: على شجرة الخلد: أي: على شجرة إن أكلت منها كنت ملكاً مثل الله عز وجل، أو تكونا من الخالدين"، لا تموتان أبداً. * * ثم قال تعالى: ﴿فَأَكَلاَ مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا﴾ أي: فأكل آدم وحواء من الشجرة التي نهيا عنها، وأطاعا أمر إبليس، فبدت لهما سوءاتهما. أي ظهرت وانكشفت لهما عورتهما، وكانت مستورة عن أعينهما. قال السدي: إنما أراد إبليس اللعين أن يظهر لهما سوءاتهما، لأنه علم أن لهما سوأة، لما كان يقرأ من كتب الملائكة، ولم يعلم ذلك آدم، وكان لباسهما الظفر، فأبى آدم أن يأكل منها، فتقدمت حواء فأكلت منها. ثم قالت: يا آدم، كُلْ [فإني] قد أكلت، فلم يضرني، فلما أكل آدم منها بدت لهما سوءاتهما. * * ثم قال: ﴿وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ ٱلْجَنَّةِ﴾ أي: أقبلا. وقيل: معناه: جعلا يخصفان عليهما ورق التين. قاله السدي. وقال قتادة: ﴿يَخْصِفَانِ﴾ يوصلان. * * ثم قال تعالى: ﴿وَعَصَىٰ ءَادَمُ رَبَّهُ فَغَوَىٰ﴾. أي: وخالف آدم أمر به، فتعدى إلى الأكل من الشجرة فغوى. * * ثم قال: ﴿ثُمَّ ٱجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ﴾. أي: اصطفاه [واختاره] ربه بعد معصيته وهداه للتوبة ووفقه لها. * * ثم قال: ﴿قَالَ ٱهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعاً بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾. أي: قال الله لآدم وحواء اهبطا من الجنة جميعاً إلى الأرض، أي: انزلا. وهذا يدل على أن الجنة في السماء. * * ﴿بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾. أي: أنتم عدو إبليس وذريته، وإبليس عدوّكما، وعدو ذريتكما. قال الضحاك: أُهبطَ آدم بالهند على جبل يقال له الوسي على رأسه إكليل من ريحان الجنة، وفي يده قبضة من حشيشها فانتثر في ذلك الجبل، فكان منه الطيب، وأهبطت حواء بجدة وأهبط إبليس بالبصرة. * * ثم قال تعالى: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى﴾. يعني: آدم وحواء وإبليس. أي: بيان لسبيلي وما اختاره لخلقي من ديني. ﴿فَمَنِ ٱتَّبَعَ هُدَايَ﴾ أي: بياني وعمل به. ﴿فَلاَ يَضِلُّ﴾ أي: ليس يزول عن محجة الحق. ﴿وَلاَ يَشْقَىٰ﴾ أي: في الآخرة بعذابها. قال ابن عباس: فضمن الله لمن قرأ القرآن، واتّبع ما فيه، أن لا يضلّ في الدنيا، ولا يشقى في الآخرة. أي: وقاه الله من الضلالة في الدنيا، ووقاه يوم القيامة سوء الحساب. ثم تلا هذه الآية. وقال ابن جبير: من قرأ القرآن واتبع ما فيه، عصمه الله من الضلالة ووقاه. * * ثم قال: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي﴾. أي: من لم يؤمن بالقرآن، ﴿فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً﴾. قال ابن عباس : هي الشقاء. وقال مجاهد: معيشة ضيقة. وهو قول قتادة. وذلك في جهنم، لأنه جعل طعامهم فيها الضريع والزقوم. قاله: الحسن وابن زيد وقتادة. وقيل: عني بذلك أكلهم في الدنيا الحرام، فالحرام ضيق بسوء عاقبته وإن اتسع في الظاهر. قاله: عكرمة والضحاك. وعن ابن عباس أنه: كل ما أنفق في غير ذات الله فهو معيشة ضنك. وعن أبي سعيد الخدري أنه: عذاب القبر يضيق عليه في قبره، حتى تختلف أضلاعه، وقاله السدي: وهو مروي عن النبي ﷺ. روي عنه أنه قال: أتدرون ما المعيشة الضنك؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال عذاب الكافر في قبره، والذي نفسي بيده، إنه يسلط عليه تسعة وتسعون تنيناً، أتدرون ما التنين؟ تسعة وتسعون حية لكل حية سبعة رؤوس ينفخن في جسمه ويلسعنه ويخدشنه إلى يوم القيامة وروى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: إن المؤمن إذا ألحد في قبره أتاه ملكان أزرقان أسودان، فيأتيانه من قبل رأسه، فتقول صلاته لا يؤتى من قبلي، فرب ليلة قد بات فيها ساهراً حذاراً لهذا المضجع فيوتى من قبل رجليه، فتقول رجلاه لا يؤتي من قبلنا، فقد كان ينصب ويمشي علينا في طاعة الله حذاراً لهذا المضجع فيؤتى من قبل يمينه فتقول صدقته لا يؤتى من قبلي، فقد كان يتصدق حذاراً لهذا المضجع، فيؤتى من قبل شماله، فيقول صومه لا يؤتى من قبلي، فقد كان يجوع ويظمأ حذاراً لهذا المضجع، فيوقظ كما يوقظ النائم، ثم يسأل قوله تعالى: ﴿وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ ٱلْقِيامَةِ أَعْمَىٰ﴾ إلى قوله: ﴿لأُوْلِي ٱلنُّهَىٰ﴾. قال مجاهد: أعمى عن حجة، لا حجة له يهتدي بها، وقاله أبو صالح. وقيل: معنى ذلك، أنه لا يهتدي إلى وجه ينال منه نفعاً ولا خيراً، كما لا يهتدي الأعمى إلى جهات المنافع في الدنيا. وقيل: "أعمى" من عمى البصر، كما قال: ونحشر المجرمين يومئذ زرقاً. * * ثم قال تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِيۤ أَعْمَىٰ وَقَدْ كُنتُ بَصِيراً﴾. قال مجاهد، معناه: لِمَ حشرتني ولا حجة لي، وقد كنت عالماً بحجتي بصيراً بها عند نفسي في الدنيا. وقال إبراهيم بن عرفة: كلما ذكر الله جلّ وعز في القرآن من العمى، فذمّه فإنما يريد به عمى القلب. قال الله تعالى: ﴿فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى ٱلأَبْصَارُ وَلَـٰكِن تَعْمَىٰ ٱلْقُلُوبُ ٱلَّتِي فِي ٱلصُّدُورِ﴾. وقيل: معناه، وقد كنت ذا بصر أنظر به الأشياء في الدنيا. وقيل: معنى الآية: ونحشره يوم القيامة أعمى عن حجته، ورؤية الأشياء، لأن الآية عامة. وقوله: "لم حشرتني أعمى"، أي: أعمى عن حجتي وعن رؤية الأشياء وقد كنت بصيراً، أي: بصيراً بحجتي في الدنيا رائياً للأشياء. وهذا سؤال من العبد لربه أن يعلمه الجُرم الذي استحق ذلك عليه، لأنه جهله وظن أنه لا ذنب له، فقال الله جلّ ذكره: ﴿قَالَ كَذٰلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا﴾ أي: فعلت ذلك بك كما أتتك آياتنا، وهي ما أنزل في كتابه من فرائضه. ﴿فَنَسِيتَهَا﴾. أي فتركتها، أي: أعرضت عنها، ولم تؤمن بها. * * ﴿وَكَذٰلِكَ ٱلْيَوْمَ تُنْسَىٰ﴾. أي: كما نسيت آياتنا في الدنيا، ولم تؤمن بها، كذلك تترك اليوم في النار. وقال قتادة: ﴿وَكَذٰلِكَ ٱلْيَوْمَ تُنْسَىٰ﴾ أي: تنسى من الخير، ولم تنسى من الشر. * * ثم قال: ﴿وَكَذٰلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِن بِآيَاتِ رَبِّهِ﴾. أي: وهكذا نتيبُ من أسرف فعصى ربه، ولم يؤمن برسله وكتبه، فنذيقه معيشة ضنكاً في البرزخ ﴿وَلَعَذَابُ ٱلآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَىٰ﴾. أي: ولعذاب الله إياهم في الآخرة أشد من عذاب القبر "وأبقى" أي: أدوم. * * ثم قال: ﴿أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِّنَ ٱلْقُرُونِ﴾. أي: أفلم يهد يا محمد لقومك كثرة ما أهلكنا قبلهم من القرون الماضية، يمشون في مساكنهم وآثارهم، ويرون آثار العقوبة التي أحللنا بهم لما كفروا، فيؤمنون بالله وكتبه ورسله خوفاً أن يصيبهم بكفرهم مثل ما أصاب القرون قبلهم، فيكون "كم" فاعلة ليهد على هذا التقدير، كأنه قال: أفلم يهد لهم القرون التي هلكت. "ويهد" بمعنى، يبين، وشاهد هذا التقدير أن في حرف ابن مسعود: أفلم يهد لهم من أهلكنا قبلهم فكم في موضع "من". وقيل: "كم" استفهام، فلا يعمل ما قبلها فيها، وهي في موضع نصب بـ "أهلكنا". وهذا القول هو الصحيح عند البصريين، لا يعمل ما قبل "كم" فيها خبراً كانت أو استفهاماً، إنما يعمل فيها عندهم ما بعدها، كأي في الاستفهام. وكانت قريش تسافر إلى الشام، فيرون آثار عاد وثمود ومن هلك بكفره قبلهم وبعدهم، فحذرهم الله أن يصيبهم مثل ما عاينوا. وقيل: التقدير: أفلم يهد لهم الأمر، بإهلاكنا من أهلكنا، فالفاعل مضمر. وقال المبرد: الفاعل المصدر، ودل "يهدي" عليه، كأنه قال: يهدي الهدى. * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لأُوْلِي ٱلنُّهَىٰ﴾. أي: إن في ما يعاين هؤلاء من مساكن القرون الهالكة التي كذبت رسلها قبلهم، لدلالات وعبراً ومواعظ لأولى العقول. وقال ابن عباس: ﴿لأُوْلِي ٱلنُّهَىٰ﴾: لأولي التقى. وقال قتادة: لأولي الورع.

طه 20:122

قوله تعالى ذكره: ﴿فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ ٱلشَّيْطَانُ﴾ إلى قوله: ﴿مَعِيشَةً ضَنكاً﴾. أي: فألقى إلى آدم الشيطان، فقال له: ﴿يٰآدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَىٰ شَجَرَةِ ٱلْخُلْدِ﴾ أي: على شجرة من أكل منها خلد فلم يمت، ﴿وَمُلْكٍ لاَّ يَبْلَىٰ﴾ أي: لا ينقضي. وقال السدي: على شجرة الخلد: أي: على شجرة إن أكلت منها كنت ملكاً مثل الله عز وجل، أو تكونا من الخالدين"، لا تموتان أبداً. * * ثم قال تعالى: ﴿فَأَكَلاَ مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا﴾ أي: فأكل آدم وحواء من الشجرة التي نهيا عنها، وأطاعا أمر إبليس، فبدت لهما سوءاتهما. أي ظهرت وانكشفت لهما عورتهما، وكانت مستورة عن أعينهما. قال السدي: إنما أراد إبليس اللعين أن يظهر لهما سوءاتهما، لأنه علم أن لهما سوأة، لما كان يقرأ من كتب الملائكة، ولم يعلم ذلك آدم، وكان لباسهما الظفر، فأبى آدم أن يأكل منها، فتقدمت حواء فأكلت منها. ثم قالت: يا آدم، كُلْ [فإني] قد أكلت، فلم يضرني، فلما أكل آدم منها بدت لهما سوءاتهما. * * ثم قال: ﴿وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ ٱلْجَنَّةِ﴾ أي: أقبلا. وقيل: معناه: جعلا يخصفان عليهما ورق التين. قاله السدي. وقال قتادة: ﴿يَخْصِفَانِ﴾ يوصلان. * * ثم قال تعالى: ﴿وَعَصَىٰ ءَادَمُ رَبَّهُ فَغَوَىٰ﴾. أي: وخالف آدم أمر به، فتعدى إلى الأكل من الشجرة فغوى. * * ثم قال: ﴿ثُمَّ ٱجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ﴾. أي: اصطفاه [واختاره] ربه بعد معصيته وهداه للتوبة ووفقه لها. * * ثم قال: ﴿قَالَ ٱهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعاً بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾. أي: قال الله لآدم وحواء اهبطا من الجنة جميعاً إلى الأرض، أي: انزلا. وهذا يدل على أن الجنة في السماء. * * ﴿بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾. أي: أنتم عدو إبليس وذريته، وإبليس عدوّكما، وعدو ذريتكما. قال الضحاك: أُهبطَ آدم بالهند على جبل يقال له الوسي على رأسه إكليل من ريحان الجنة، وفي يده قبضة من حشيشها فانتثر في ذلك الجبل، فكان منه الطيب، وأهبطت حواء بجدة وأهبط إبليس بالبصرة. * * ثم قال تعالى: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى﴾. يعني: آدم وحواء وإبليس. أي: بيان لسبيلي وما اختاره لخلقي من ديني. ﴿فَمَنِ ٱتَّبَعَ هُدَايَ﴾ أي: بياني وعمل به. ﴿فَلاَ يَضِلُّ﴾ أي: ليس يزول عن محجة الحق. ﴿وَلاَ يَشْقَىٰ﴾ أي: في الآخرة بعذابها. قال ابن عباس: فضمن الله لمن قرأ القرآن، واتّبع ما فيه، أن لا يضلّ في الدنيا، ولا يشقى في الآخرة. أي: وقاه الله من الضلالة في الدنيا، ووقاه يوم القيامة سوء الحساب. ثم تلا هذه الآية. وقال ابن جبير: من قرأ القرآن واتبع ما فيه، عصمه الله من الضلالة ووقاه. * * ثم قال: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي﴾. أي: من لم يؤمن بالقرآن، ﴿فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً﴾. قال ابن عباس : هي الشقاء. وقال مجاهد: معيشة ضيقة. وهو قول قتادة. وذلك في جهنم، لأنه جعل طعامهم فيها الضريع والزقوم. قاله: الحسن وابن زيد وقتادة. وقيل: عني بذلك أكلهم في الدنيا الحرام، فالحرام ضيق بسوء عاقبته وإن اتسع في الظاهر. قاله: عكرمة والضحاك. وعن ابن عباس أنه: كل ما أنفق في غير ذات الله فهو معيشة ضنك. وعن أبي سعيد الخدري أنه: عذاب القبر يضيق عليه في قبره، حتى تختلف أضلاعه، وقاله السدي: وهو مروي عن النبي ﷺ. روي عنه أنه قال: أتدرون ما المعيشة الضنك؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال عذاب الكافر في قبره، والذي نفسي بيده، إنه يسلط عليه تسعة وتسعون تنيناً، أتدرون ما التنين؟ تسعة وتسعون حية لكل حية سبعة رؤوس ينفخن في جسمه ويلسعنه ويخدشنه إلى يوم القيامة وروى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: إن المؤمن إذا ألحد في قبره أتاه ملكان أزرقان أسودان، فيأتيانه من قبل رأسه، فتقول صلاته لا يؤتى من قبلي، فرب ليلة قد بات فيها ساهراً حذاراً لهذا المضجع فيوتى من قبل رجليه، فتقول رجلاه لا يؤتي من قبلنا، فقد كان ينصب ويمشي علينا في طاعة الله حذاراً لهذا المضجع فيؤتى من قبل يمينه فتقول صدقته لا يؤتى من قبلي، فقد كان يتصدق حذاراً لهذا المضجع، فيؤتى من قبل شماله، فيقول صومه لا يؤتى من قبلي، فقد كان يجوع ويظمأ حذاراً لهذا المضجع، فيوقظ كما يوقظ النائم، ثم يسأل قوله تعالى: ﴿وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ ٱلْقِيامَةِ أَعْمَىٰ﴾ إلى قوله: ﴿لأُوْلِي ٱلنُّهَىٰ﴾. قال مجاهد: أعمى عن حجة، لا حجة له يهتدي بها، وقاله أبو صالح. وقيل: معنى ذلك، أنه لا يهتدي إلى وجه ينال منه نفعاً ولا خيراً، كما لا يهتدي الأعمى إلى جهات المنافع في الدنيا. وقيل: "أعمى" من عمى البصر، كما قال: ونحشر المجرمين يومئذ زرقاً. * * ثم قال تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِيۤ أَعْمَىٰ وَقَدْ كُنتُ بَصِيراً﴾. قال مجاهد، معناه: لِمَ حشرتني ولا حجة لي، وقد كنت عالماً بحجتي بصيراً بها عند نفسي في الدنيا. وقال إبراهيم بن عرفة: كلما ذكر الله جلّ وعز في القرآن من العمى، فذمّه فإنما يريد به عمى القلب. قال الله تعالى: ﴿فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى ٱلأَبْصَارُ وَلَـٰكِن تَعْمَىٰ ٱلْقُلُوبُ ٱلَّتِي فِي ٱلصُّدُورِ﴾. وقيل: معناه، وقد كنت ذا بصر أنظر به الأشياء في الدنيا. وقيل: معنى الآية: ونحشره يوم القيامة أعمى عن حجته، ورؤية الأشياء، لأن الآية عامة. وقوله: "لم حشرتني أعمى"، أي: أعمى عن حجتي وعن رؤية الأشياء وقد كنت بصيراً، أي: بصيراً بحجتي في الدنيا رائياً للأشياء. وهذا سؤال من العبد لربه أن يعلمه الجُرم الذي استحق ذلك عليه، لأنه جهله وظن أنه لا ذنب له، فقال الله جلّ ذكره: ﴿قَالَ كَذٰلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا﴾ أي: فعلت ذلك بك كما أتتك آياتنا، وهي ما أنزل في كتابه من فرائضه. ﴿فَنَسِيتَهَا﴾. أي فتركتها، أي: أعرضت عنها، ولم تؤمن بها. * * ﴿وَكَذٰلِكَ ٱلْيَوْمَ تُنْسَىٰ﴾. أي: كما نسيت آياتنا في الدنيا، ولم تؤمن بها، كذلك تترك اليوم في النار. وقال قتادة: ﴿وَكَذٰلِكَ ٱلْيَوْمَ تُنْسَىٰ﴾ أي: تنسى من الخير، ولم تنسى من الشر. * * ثم قال: ﴿وَكَذٰلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِن بِآيَاتِ رَبِّهِ﴾. أي: وهكذا نتيبُ من أسرف فعصى ربه، ولم يؤمن برسله وكتبه، فنذيقه معيشة ضنكاً في البرزخ ﴿وَلَعَذَابُ ٱلآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَىٰ﴾. أي: ولعذاب الله إياهم في الآخرة أشد من عذاب القبر "وأبقى" أي: أدوم. * * ثم قال: ﴿أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِّنَ ٱلْقُرُونِ﴾. أي: أفلم يهد يا محمد لقومك كثرة ما أهلكنا قبلهم من القرون الماضية، يمشون في مساكنهم وآثارهم، ويرون آثار العقوبة التي أحللنا بهم لما كفروا، فيؤمنون بالله وكتبه ورسله خوفاً أن يصيبهم بكفرهم مثل ما أصاب القرون قبلهم، فيكون "كم" فاعلة ليهد على هذا التقدير، كأنه قال: أفلم يهد لهم القرون التي هلكت. "ويهد" بمعنى، يبين، وشاهد هذا التقدير أن في حرف ابن مسعود: أفلم يهد لهم من أهلكنا قبلهم فكم في موضع "من". وقيل: "كم" استفهام، فلا يعمل ما قبلها فيها، وهي في موضع نصب بـ "أهلكنا". وهذا القول هو الصحيح عند البصريين، لا يعمل ما قبل "كم" فيها خبراً كانت أو استفهاماً، إنما يعمل فيها عندهم ما بعدها، كأي في الاستفهام. وكانت قريش تسافر إلى الشام، فيرون آثار عاد وثمود ومن هلك بكفره قبلهم وبعدهم، فحذرهم الله أن يصيبهم مثل ما عاينوا. وقيل: التقدير: أفلم يهد لهم الأمر، بإهلاكنا من أهلكنا، فالفاعل مضمر. وقال المبرد: الفاعل المصدر، ودل "يهدي" عليه، كأنه قال: يهدي الهدى. * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لأُوْلِي ٱلنُّهَىٰ﴾. أي: إن في ما يعاين هؤلاء من مساكن القرون الهالكة التي كذبت رسلها قبلهم، لدلالات وعبراً ومواعظ لأولى العقول. وقال ابن عباس: ﴿لأُوْلِي ٱلنُّهَىٰ﴾: لأولي التقى. وقال قتادة: لأولي الورع.

طه 20:123

قوله تعالى ذكره: ﴿فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ ٱلشَّيْطَانُ﴾ إلى قوله: ﴿مَعِيشَةً ضَنكاً﴾. أي: فألقى إلى آدم الشيطان، فقال له: ﴿يٰآدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَىٰ شَجَرَةِ ٱلْخُلْدِ﴾ أي: على شجرة من أكل منها خلد فلم يمت، ﴿وَمُلْكٍ لاَّ يَبْلَىٰ﴾ أي: لا ينقضي. وقال السدي: على شجرة الخلد: أي: على شجرة إن أكلت منها كنت ملكاً مثل الله عز وجل، أو تكونا من الخالدين"، لا تموتان أبداً. * * ثم قال تعالى: ﴿فَأَكَلاَ مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا﴾ أي: فأكل آدم وحواء من الشجرة التي نهيا عنها، وأطاعا أمر إبليس، فبدت لهما سوءاتهما. أي ظهرت وانكشفت لهما عورتهما، وكانت مستورة عن أعينهما. قال السدي: إنما أراد إبليس اللعين أن يظهر لهما سوءاتهما، لأنه علم أن لهما سوأة، لما كان يقرأ من كتب الملائكة، ولم يعلم ذلك آدم، وكان لباسهما الظفر، فأبى آدم أن يأكل منها، فتقدمت حواء فأكلت منها. ثم قالت: يا آدم، كُلْ [فإني] قد أكلت، فلم يضرني، فلما أكل آدم منها بدت لهما سوءاتهما. * * ثم قال: ﴿وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ ٱلْجَنَّةِ﴾ أي: أقبلا. وقيل: معناه: جعلا يخصفان عليهما ورق التين. قاله السدي. وقال قتادة: ﴿يَخْصِفَانِ﴾ يوصلان. * * ثم قال تعالى: ﴿وَعَصَىٰ ءَادَمُ رَبَّهُ فَغَوَىٰ﴾. أي: وخالف آدم أمر به، فتعدى إلى الأكل من الشجرة فغوى. * * ثم قال: ﴿ثُمَّ ٱجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ﴾. أي: اصطفاه [واختاره] ربه بعد معصيته وهداه للتوبة ووفقه لها. * * ثم قال: ﴿قَالَ ٱهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعاً بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾. أي: قال الله لآدم وحواء اهبطا من الجنة جميعاً إلى الأرض، أي: انزلا. وهذا يدل على أن الجنة في السماء. * * ﴿بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾. أي: أنتم عدو إبليس وذريته، وإبليس عدوّكما، وعدو ذريتكما. قال الضحاك: أُهبطَ آدم بالهند على جبل يقال له الوسي على رأسه إكليل من ريحان الجنة، وفي يده قبضة من حشيشها فانتثر في ذلك الجبل، فكان منه الطيب، وأهبطت حواء بجدة وأهبط إبليس بالبصرة. * * ثم قال تعالى: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى﴾. يعني: آدم وحواء وإبليس. أي: بيان لسبيلي وما اختاره لخلقي من ديني. ﴿فَمَنِ ٱتَّبَعَ هُدَايَ﴾ أي: بياني وعمل به. ﴿فَلاَ يَضِلُّ﴾ أي: ليس يزول عن محجة الحق. ﴿وَلاَ يَشْقَىٰ﴾ أي: في الآخرة بعذابها. قال ابن عباس: فضمن الله لمن قرأ القرآن، واتّبع ما فيه، أن لا يضلّ في الدنيا، ولا يشقى في الآخرة. أي: وقاه الله من الضلالة في الدنيا، ووقاه يوم القيامة سوء الحساب. ثم تلا هذه الآية. وقال ابن جبير: من قرأ القرآن واتبع ما فيه، عصمه الله من الضلالة ووقاه. * * ثم قال: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي﴾. أي: من لم يؤمن بالقرآن، ﴿فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً﴾. قال ابن عباس : هي الشقاء. وقال مجاهد: معيشة ضيقة. وهو قول قتادة. وذلك في جهنم، لأنه جعل طعامهم فيها الضريع والزقوم. قاله: الحسن وابن زيد وقتادة. وقيل: عني بذلك أكلهم في الدنيا الحرام، فالحرام ضيق بسوء عاقبته وإن اتسع في الظاهر. قاله: عكرمة والضحاك. وعن ابن عباس أنه: كل ما أنفق في غير ذات الله فهو معيشة ضنك. وعن أبي سعيد الخدري أنه: عذاب القبر يضيق عليه في قبره، حتى تختلف أضلاعه، وقاله السدي: وهو مروي عن النبي ﷺ. روي عنه أنه قال: أتدرون ما المعيشة الضنك؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال عذاب الكافر في قبره، والذي نفسي بيده، إنه يسلط عليه تسعة وتسعون تنيناً، أتدرون ما التنين؟ تسعة وتسعون حية لكل حية سبعة رؤوس ينفخن في جسمه ويلسعنه ويخدشنه إلى يوم القيامة وروى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: إن المؤمن إذا ألحد في قبره أتاه ملكان أزرقان أسودان، فيأتيانه من قبل رأسه، فتقول صلاته لا يؤتى من قبلي، فرب ليلة قد بات فيها ساهراً حذاراً لهذا المضجع فيوتى من قبل رجليه، فتقول رجلاه لا يؤتي من قبلنا، فقد كان ينصب ويمشي علينا في طاعة الله حذاراً لهذا المضجع فيؤتى من قبل يمينه فتقول صدقته لا يؤتى من قبلي، فقد كان يتصدق حذاراً لهذا المضجع، فيؤتى من قبل شماله، فيقول صومه لا يؤتى من قبلي، فقد كان يجوع ويظمأ حذاراً لهذا المضجع، فيوقظ كما يوقظ النائم، ثم يسأل قوله تعالى: ﴿وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ ٱلْقِيامَةِ أَعْمَىٰ﴾ إلى قوله: ﴿لأُوْلِي ٱلنُّهَىٰ﴾. قال مجاهد: أعمى عن حجة، لا حجة له يهتدي بها، وقاله أبو صالح. وقيل: معنى ذلك، أنه لا يهتدي إلى وجه ينال منه نفعاً ولا خيراً، كما لا يهتدي الأعمى إلى جهات المنافع في الدنيا. وقيل: "أعمى" من عمى البصر، كما قال: ونحشر المجرمين يومئذ زرقاً. * * ثم قال تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِيۤ أَعْمَىٰ وَقَدْ كُنتُ بَصِيراً﴾. قال مجاهد، معناه: لِمَ حشرتني ولا حجة لي، وقد كنت عالماً بحجتي بصيراً بها عند نفسي في الدنيا. وقال إبراهيم بن عرفة: كلما ذكر الله جلّ وعز في القرآن من العمى، فذمّه فإنما يريد به عمى القلب. قال الله تعالى: ﴿فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى ٱلأَبْصَارُ وَلَـٰكِن تَعْمَىٰ ٱلْقُلُوبُ ٱلَّتِي فِي ٱلصُّدُورِ﴾. وقيل: معناه، وقد كنت ذا بصر أنظر به الأشياء في الدنيا. وقيل: معنى الآية: ونحشره يوم القيامة أعمى عن حجته، ورؤية الأشياء، لأن الآية عامة. وقوله: "لم حشرتني أعمى"، أي: أعمى عن حجتي وعن رؤية الأشياء وقد كنت بصيراً، أي: بصيراً بحجتي في الدنيا رائياً للأشياء. وهذا سؤال من العبد لربه أن يعلمه الجُرم الذي استحق ذلك عليه، لأنه جهله وظن أنه لا ذنب له، فقال الله جلّ ذكره: ﴿قَالَ كَذٰلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا﴾ أي: فعلت ذلك بك كما أتتك آياتنا، وهي ما أنزل في كتابه من فرائضه. ﴿فَنَسِيتَهَا﴾. أي فتركتها، أي: أعرضت عنها، ولم تؤمن بها. * * ﴿وَكَذٰلِكَ ٱلْيَوْمَ تُنْسَىٰ﴾. أي: كما نسيت آياتنا في الدنيا، ولم تؤمن بها، كذلك تترك اليوم في النار. وقال قتادة: ﴿وَكَذٰلِكَ ٱلْيَوْمَ تُنْسَىٰ﴾ أي: تنسى من الخير، ولم تنسى من الشر. * * ثم قال: ﴿وَكَذٰلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِن بِآيَاتِ رَبِّهِ﴾. أي: وهكذا نتيبُ من أسرف فعصى ربه، ولم يؤمن برسله وكتبه، فنذيقه معيشة ضنكاً في البرزخ ﴿وَلَعَذَابُ ٱلآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَىٰ﴾. أي: ولعذاب الله إياهم في الآخرة أشد من عذاب القبر "وأبقى" أي: أدوم. * * ثم قال: ﴿أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِّنَ ٱلْقُرُونِ﴾. أي: أفلم يهد يا محمد لقومك كثرة ما أهلكنا قبلهم من القرون الماضية، يمشون في مساكنهم وآثارهم، ويرون آثار العقوبة التي أحللنا بهم لما كفروا، فيؤمنون بالله وكتبه ورسله خوفاً أن يصيبهم بكفرهم مثل ما أصاب القرون قبلهم، فيكون "كم" فاعلة ليهد على هذا التقدير، كأنه قال: أفلم يهد لهم القرون التي هلكت. "ويهد" بمعنى، يبين، وشاهد هذا التقدير أن في حرف ابن مسعود: أفلم يهد لهم من أهلكنا قبلهم فكم في موضع "من". وقيل: "كم" استفهام، فلا يعمل ما قبلها فيها، وهي في موضع نصب بـ "أهلكنا". وهذا القول هو الصحيح عند البصريين، لا يعمل ما قبل "كم" فيها خبراً كانت أو استفهاماً، إنما يعمل فيها عندهم ما بعدها، كأي في الاستفهام. وكانت قريش تسافر إلى الشام، فيرون آثار عاد وثمود ومن هلك بكفره قبلهم وبعدهم، فحذرهم الله أن يصيبهم مثل ما عاينوا. وقيل: التقدير: أفلم يهد لهم الأمر، بإهلاكنا من أهلكنا، فالفاعل مضمر. وقال المبرد: الفاعل المصدر، ودل "يهدي" عليه، كأنه قال: يهدي الهدى. * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لأُوْلِي ٱلنُّهَىٰ﴾. أي: إن في ما يعاين هؤلاء من مساكن القرون الهالكة التي كذبت رسلها قبلهم، لدلالات وعبراً ومواعظ لأولى العقول. وقال ابن عباس: ﴿لأُوْلِي ٱلنُّهَىٰ﴾: لأولي التقى. وقال قتادة: لأولي الورع.

طه 20:124

قوله تعالى ذكره: ﴿فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ ٱلشَّيْطَانُ﴾ إلى قوله: ﴿مَعِيشَةً ضَنكاً﴾. أي: فألقى إلى آدم الشيطان، فقال له: ﴿يٰآدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَىٰ شَجَرَةِ ٱلْخُلْدِ﴾ أي: على شجرة من أكل منها خلد فلم يمت، ﴿وَمُلْكٍ لاَّ يَبْلَىٰ﴾ أي: لا ينقضي. وقال السدي: على شجرة الخلد: أي: على شجرة إن أكلت منها كنت ملكاً مثل الله عز وجل، أو تكونا من الخالدين"، لا تموتان أبداً. * * ثم قال تعالى: ﴿فَأَكَلاَ مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا﴾ أي: فأكل آدم وحواء من الشجرة التي نهيا عنها، وأطاعا أمر إبليس، فبدت لهما سوءاتهما. أي ظهرت وانكشفت لهما عورتهما، وكانت مستورة عن أعينهما. قال السدي: إنما أراد إبليس اللعين أن يظهر لهما سوءاتهما، لأنه علم أن لهما سوأة، لما كان يقرأ من كتب الملائكة، ولم يعلم ذلك آدم، وكان لباسهما الظفر، فأبى آدم أن يأكل منها، فتقدمت حواء فأكلت منها. ثم قالت: يا آدم، كُلْ [فإني] قد أكلت، فلم يضرني، فلما أكل آدم منها بدت لهما سوءاتهما. * * ثم قال: ﴿وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ ٱلْجَنَّةِ﴾ أي: أقبلا. وقيل: معناه: جعلا يخصفان عليهما ورق التين. قاله السدي. وقال قتادة: ﴿يَخْصِفَانِ﴾ يوصلان. * * ثم قال تعالى: ﴿وَعَصَىٰ ءَادَمُ رَبَّهُ فَغَوَىٰ﴾. أي: وخالف آدم أمر به، فتعدى إلى الأكل من الشجرة فغوى. * * ثم قال: ﴿ثُمَّ ٱجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ﴾. أي: اصطفاه [واختاره] ربه بعد معصيته وهداه للتوبة ووفقه لها. * * ثم قال: ﴿قَالَ ٱهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعاً بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾. أي: قال الله لآدم وحواء اهبطا من الجنة جميعاً إلى الأرض، أي: انزلا. وهذا يدل على أن الجنة في السماء. * * ﴿بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾. أي: أنتم عدو إبليس وذريته، وإبليس عدوّكما، وعدو ذريتكما. قال الضحاك: أُهبطَ آدم بالهند على جبل يقال له الوسي على رأسه إكليل من ريحان الجنة، وفي يده قبضة من حشيشها فانتثر في ذلك الجبل، فكان منه الطيب، وأهبطت حواء بجدة وأهبط إبليس بالبصرة. * * ثم قال تعالى: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى﴾. يعني: آدم وحواء وإبليس. أي: بيان لسبيلي وما اختاره لخلقي من ديني. ﴿فَمَنِ ٱتَّبَعَ هُدَايَ﴾ أي: بياني وعمل به. ﴿فَلاَ يَضِلُّ﴾ أي: ليس يزول عن محجة الحق. ﴿وَلاَ يَشْقَىٰ﴾ أي: في الآخرة بعذابها. قال ابن عباس: فضمن الله لمن قرأ القرآن، واتّبع ما فيه، أن لا يضلّ في الدنيا، ولا يشقى في الآخرة. أي: وقاه الله من الضلالة في الدنيا، ووقاه يوم القيامة سوء الحساب. ثم تلا هذه الآية. وقال ابن جبير: من قرأ القرآن واتبع ما فيه، عصمه الله من الضلالة ووقاه. * * ثم قال: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي﴾. أي: من لم يؤمن بالقرآن، ﴿فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً﴾. قال ابن عباس : هي الشقاء. وقال مجاهد: معيشة ضيقة. وهو قول قتادة. وذلك في جهنم، لأنه جعل طعامهم فيها الضريع والزقوم. قاله: الحسن وابن زيد وقتادة. وقيل: عني بذلك أكلهم في الدنيا الحرام، فالحرام ضيق بسوء عاقبته وإن اتسع في الظاهر. قاله: عكرمة والضحاك. وعن ابن عباس أنه: كل ما أنفق في غير ذات الله فهو معيشة ضنك. وعن أبي سعيد الخدري أنه: عذاب القبر يضيق عليه في قبره، حتى تختلف أضلاعه، وقاله السدي: وهو مروي عن النبي ﷺ. روي عنه أنه قال: أتدرون ما المعيشة الضنك؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال عذاب الكافر في قبره، والذي نفسي بيده، إنه يسلط عليه تسعة وتسعون تنيناً، أتدرون ما التنين؟ تسعة وتسعون حية لكل حية سبعة رؤوس ينفخن في جسمه ويلسعنه ويخدشنه إلى يوم القيامة وروى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: إن المؤمن إذا ألحد في قبره أتاه ملكان أزرقان أسودان، فيأتيانه من قبل رأسه، فتقول صلاته لا يؤتى من قبلي، فرب ليلة قد بات فيها ساهراً حذاراً لهذا المضجع فيوتى من قبل رجليه، فتقول رجلاه لا يؤتي من قبلنا، فقد كان ينصب ويمشي علينا في طاعة الله حذاراً لهذا المضجع فيؤتى من قبل يمينه فتقول صدقته لا يؤتى من قبلي، فقد كان يتصدق حذاراً لهذا المضجع، فيؤتى من قبل شماله، فيقول صومه لا يؤتى من قبلي، فقد كان يجوع ويظمأ حذاراً لهذا المضجع، فيوقظ كما يوقظ النائم، ثم يسأل قوله تعالى: ﴿وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ ٱلْقِيامَةِ أَعْمَىٰ﴾ إلى قوله: ﴿لأُوْلِي ٱلنُّهَىٰ﴾. قال مجاهد: أعمى عن حجة، لا حجة له يهتدي بها، وقاله أبو صالح. وقيل: معنى ذلك، أنه لا يهتدي إلى وجه ينال منه نفعاً ولا خيراً، كما لا يهتدي الأعمى إلى جهات المنافع في الدنيا. وقيل: "أعمى" من عمى البصر، كما قال: ونحشر المجرمين يومئذ زرقاً. * * ثم قال تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِيۤ أَعْمَىٰ وَقَدْ كُنتُ بَصِيراً﴾. قال مجاهد، معناه: لِمَ حشرتني ولا حجة لي، وقد كنت عالماً بحجتي بصيراً بها عند نفسي في الدنيا. وقال إبراهيم بن عرفة: كلما ذكر الله جلّ وعز في القرآن من العمى، فذمّه فإنما يريد به عمى القلب. قال الله تعالى: ﴿فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى ٱلأَبْصَارُ وَلَـٰكِن تَعْمَىٰ ٱلْقُلُوبُ ٱلَّتِي فِي ٱلصُّدُورِ﴾. وقيل: معناه، وقد كنت ذا بصر أنظر به الأشياء في الدنيا. وقيل: معنى الآية: ونحشره يوم القيامة أعمى عن حجته، ورؤية الأشياء، لأن الآية عامة. وقوله: "لم حشرتني أعمى"، أي: أعمى عن حجتي وعن رؤية الأشياء وقد كنت بصيراً، أي: بصيراً بحجتي في الدنيا رائياً للأشياء. وهذا سؤال من العبد لربه أن يعلمه الجُرم الذي استحق ذلك عليه، لأنه جهله وظن أنه لا ذنب له، فقال الله جلّ ذكره: ﴿قَالَ كَذٰلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا﴾ أي: فعلت ذلك بك كما أتتك آياتنا، وهي ما أنزل في كتابه من فرائضه. ﴿فَنَسِيتَهَا﴾. أي فتركتها، أي: أعرضت عنها، ولم تؤمن بها. * * ﴿وَكَذٰلِكَ ٱلْيَوْمَ تُنْسَىٰ﴾. أي: كما نسيت آياتنا في الدنيا، ولم تؤمن بها، كذلك تترك اليوم في النار. وقال قتادة: ﴿وَكَذٰلِكَ ٱلْيَوْمَ تُنْسَىٰ﴾ أي: تنسى من الخير، ولم تنسى من الشر. * * ثم قال: ﴿وَكَذٰلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِن بِآيَاتِ رَبِّهِ﴾. أي: وهكذا نتيبُ من أسرف فعصى ربه، ولم يؤمن برسله وكتبه، فنذيقه معيشة ضنكاً في البرزخ ﴿وَلَعَذَابُ ٱلآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَىٰ﴾. أي: ولعذاب الله إياهم في الآخرة أشد من عذاب القبر "وأبقى" أي: أدوم. * * ثم قال: ﴿أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِّنَ ٱلْقُرُونِ﴾. أي: أفلم يهد يا محمد لقومك كثرة ما أهلكنا قبلهم من القرون الماضية، يمشون في مساكنهم وآثارهم، ويرون آثار العقوبة التي أحللنا بهم لما كفروا، فيؤمنون بالله وكتبه ورسله خوفاً أن يصيبهم بكفرهم مثل ما أصاب القرون قبلهم، فيكون "كم" فاعلة ليهد على هذا التقدير، كأنه قال: أفلم يهد لهم القرون التي هلكت. "ويهد" بمعنى، يبين، وشاهد هذا التقدير أن في حرف ابن مسعود: أفلم يهد لهم من أهلكنا قبلهم فكم في موضع "من". وقيل: "كم" استفهام، فلا يعمل ما قبلها فيها، وهي في موضع نصب بـ "أهلكنا". وهذا القول هو الصحيح عند البصريين، لا يعمل ما قبل "كم" فيها خبراً كانت أو استفهاماً، إنما يعمل فيها عندهم ما بعدها، كأي في الاستفهام. وكانت قريش تسافر إلى الشام، فيرون آثار عاد وثمود ومن هلك بكفره قبلهم وبعدهم، فحذرهم الله أن يصيبهم مثل ما عاينوا. وقيل: التقدير: أفلم يهد لهم الأمر، بإهلاكنا من أهلكنا، فالفاعل مضمر. وقال المبرد: الفاعل المصدر، ودل "يهدي" عليه، كأنه قال: يهدي الهدى. * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لأُوْلِي ٱلنُّهَىٰ﴾. أي: إن في ما يعاين هؤلاء من مساكن القرون الهالكة التي كذبت رسلها قبلهم، لدلالات وعبراً ومواعظ لأولى العقول. وقال ابن عباس: ﴿لأُوْلِي ٱلنُّهَىٰ﴾: لأولي التقى. وقال قتادة: لأولي الورع.

طه 20:125

قوله تعالى ذكره: ﴿فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ ٱلشَّيْطَانُ﴾ إلى قوله: ﴿مَعِيشَةً ضَنكاً﴾. أي: فألقى إلى آدم الشيطان، فقال له: ﴿يٰآدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَىٰ شَجَرَةِ ٱلْخُلْدِ﴾ أي: على شجرة من أكل منها خلد فلم يمت، ﴿وَمُلْكٍ لاَّ يَبْلَىٰ﴾ أي: لا ينقضي. وقال السدي: على شجرة الخلد: أي: على شجرة إن أكلت منها كنت ملكاً مثل الله عز وجل، أو تكونا من الخالدين"، لا تموتان أبداً. * * ثم قال تعالى: ﴿فَأَكَلاَ مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا﴾ أي: فأكل آدم وحواء من الشجرة التي نهيا عنها، وأطاعا أمر إبليس، فبدت لهما سوءاتهما. أي ظهرت وانكشفت لهما عورتهما، وكانت مستورة عن أعينهما. قال السدي: إنما أراد إبليس اللعين أن يظهر لهما سوءاتهما، لأنه علم أن لهما سوأة، لما كان يقرأ من كتب الملائكة، ولم يعلم ذلك آدم، وكان لباسهما الظفر، فأبى آدم أن يأكل منها، فتقدمت حواء فأكلت منها. ثم قالت: يا آدم، كُلْ [فإني] قد أكلت، فلم يضرني، فلما أكل آدم منها بدت لهما سوءاتهما. * * ثم قال: ﴿وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ ٱلْجَنَّةِ﴾ أي: أقبلا. وقيل: معناه: جعلا يخصفان عليهما ورق التين. قاله السدي. وقال قتادة: ﴿يَخْصِفَانِ﴾ يوصلان. * * ثم قال تعالى: ﴿وَعَصَىٰ ءَادَمُ رَبَّهُ فَغَوَىٰ﴾. أي: وخالف آدم أمر به، فتعدى إلى الأكل من الشجرة فغوى. * * ثم قال: ﴿ثُمَّ ٱجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ﴾. أي: اصطفاه [واختاره] ربه بعد معصيته وهداه للتوبة ووفقه لها. * * ثم قال: ﴿قَالَ ٱهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعاً بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾. أي: قال الله لآدم وحواء اهبطا من الجنة جميعاً إلى الأرض، أي: انزلا. وهذا يدل على أن الجنة في السماء. * * ﴿بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾. أي: أنتم عدو إبليس وذريته، وإبليس عدوّكما، وعدو ذريتكما. قال الضحاك: أُهبطَ آدم بالهند على جبل يقال له الوسي على رأسه إكليل من ريحان الجنة، وفي يده قبضة من حشيشها فانتثر في ذلك الجبل، فكان منه الطيب، وأهبطت حواء بجدة وأهبط إبليس بالبصرة. * * ثم قال تعالى: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى﴾. يعني: آدم وحواء وإبليس. أي: بيان لسبيلي وما اختاره لخلقي من ديني. ﴿فَمَنِ ٱتَّبَعَ هُدَايَ﴾ أي: بياني وعمل به. ﴿فَلاَ يَضِلُّ﴾ أي: ليس يزول عن محجة الحق. ﴿وَلاَ يَشْقَىٰ﴾ أي: في الآخرة بعذابها. قال ابن عباس: فضمن الله لمن قرأ القرآن، واتّبع ما فيه، أن لا يضلّ في الدنيا، ولا يشقى في الآخرة. أي: وقاه الله من الضلالة في الدنيا، ووقاه يوم القيامة سوء الحساب. ثم تلا هذه الآية. وقال ابن جبير: من قرأ القرآن واتبع ما فيه، عصمه الله من الضلالة ووقاه. * * ثم قال: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي﴾. أي: من لم يؤمن بالقرآن، ﴿فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً﴾. قال ابن عباس : هي الشقاء. وقال مجاهد: معيشة ضيقة. وهو قول قتادة. وذلك في جهنم، لأنه جعل طعامهم فيها الضريع والزقوم. قاله: الحسن وابن زيد وقتادة. وقيل: عني بذلك أكلهم في الدنيا الحرام، فالحرام ضيق بسوء عاقبته وإن اتسع في الظاهر. قاله: عكرمة والضحاك. وعن ابن عباس أنه: كل ما أنفق في غير ذات الله فهو معيشة ضنك. وعن أبي سعيد الخدري أنه: عذاب القبر يضيق عليه في قبره، حتى تختلف أضلاعه، وقاله السدي: وهو مروي عن النبي ﷺ. روي عنه أنه قال: أتدرون ما المعيشة الضنك؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال عذاب الكافر في قبره، والذي نفسي بيده، إنه يسلط عليه تسعة وتسعون تنيناً، أتدرون ما التنين؟ تسعة وتسعون حية لكل حية سبعة رؤوس ينفخن في جسمه ويلسعنه ويخدشنه إلى يوم القيامة وروى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: إن المؤمن إذا ألحد في قبره أتاه ملكان أزرقان أسودان، فيأتيانه من قبل رأسه، فتقول صلاته لا يؤتى من قبلي، فرب ليلة قد بات فيها ساهراً حذاراً لهذا المضجع فيوتى من قبل رجليه، فتقول رجلاه لا يؤتي من قبلنا، فقد كان ينصب ويمشي علينا في طاعة الله حذاراً لهذا المضجع فيؤتى من قبل يمينه فتقول صدقته لا يؤتى من قبلي، فقد كان يتصدق حذاراً لهذا المضجع، فيؤتى من قبل شماله، فيقول صومه لا يؤتى من قبلي، فقد كان يجوع ويظمأ حذاراً لهذا المضجع، فيوقظ كما يوقظ النائم، ثم يسأل قوله تعالى: ﴿وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ ٱلْقِيامَةِ أَعْمَىٰ﴾ إلى قوله: ﴿لأُوْلِي ٱلنُّهَىٰ﴾. قال مجاهد: أعمى عن حجة، لا حجة له يهتدي بها، وقاله أبو صالح. وقيل: معنى ذلك، أنه لا يهتدي إلى وجه ينال منه نفعاً ولا خيراً، كما لا يهتدي الأعمى إلى جهات المنافع في الدنيا. وقيل: "أعمى" من عمى البصر، كما قال: ونحشر المجرمين يومئذ زرقاً. * * ثم قال تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِيۤ أَعْمَىٰ وَقَدْ كُنتُ بَصِيراً﴾. قال مجاهد، معناه: لِمَ حشرتني ولا حجة لي، وقد كنت عالماً بحجتي بصيراً بها عند نفسي في الدنيا. وقال إبراهيم بن عرفة: كلما ذكر الله جلّ وعز في القرآن من العمى، فذمّه فإنما يريد به عمى القلب. قال الله تعالى: ﴿فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى ٱلأَبْصَارُ وَلَـٰكِن تَعْمَىٰ ٱلْقُلُوبُ ٱلَّتِي فِي ٱلصُّدُورِ﴾. وقيل: معناه، وقد كنت ذا بصر أنظر به الأشياء في الدنيا. وقيل: معنى الآية: ونحشره يوم القيامة أعمى عن حجته، ورؤية الأشياء، لأن الآية عامة. وقوله: "لم حشرتني أعمى"، أي: أعمى عن حجتي وعن رؤية الأشياء وقد كنت بصيراً، أي: بصيراً بحجتي في الدنيا رائياً للأشياء. وهذا سؤال من العبد لربه أن يعلمه الجُرم الذي استحق ذلك عليه، لأنه جهله وظن أنه لا ذنب له، فقال الله جلّ ذكره: ﴿قَالَ كَذٰلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا﴾ أي: فعلت ذلك بك كما أتتك آياتنا، وهي ما أنزل في كتابه من فرائضه. ﴿فَنَسِيتَهَا﴾. أي فتركتها، أي: أعرضت عنها، ولم تؤمن بها. * * ﴿وَكَذٰلِكَ ٱلْيَوْمَ تُنْسَىٰ﴾. أي: كما نسيت آياتنا في الدنيا، ولم تؤمن بها، كذلك تترك اليوم في النار. وقال قتادة: ﴿وَكَذٰلِكَ ٱلْيَوْمَ تُنْسَىٰ﴾ أي: تنسى من الخير، ولم تنسى من الشر. * * ثم قال: ﴿وَكَذٰلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِن بِآيَاتِ رَبِّهِ﴾. أي: وهكذا نتيبُ من أسرف فعصى ربه، ولم يؤمن برسله وكتبه، فنذيقه معيشة ضنكاً في البرزخ ﴿وَلَعَذَابُ ٱلآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَىٰ﴾. أي: ولعذاب الله إياهم في الآخرة أشد من عذاب القبر "وأبقى" أي: أدوم. * * ثم قال: ﴿أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِّنَ ٱلْقُرُونِ﴾. أي: أفلم يهد يا محمد لقومك كثرة ما أهلكنا قبلهم من القرون الماضية، يمشون في مساكنهم وآثارهم، ويرون آثار العقوبة التي أحللنا بهم لما كفروا، فيؤمنون بالله وكتبه ورسله خوفاً أن يصيبهم بكفرهم مثل ما أصاب القرون قبلهم، فيكون "كم" فاعلة ليهد على هذا التقدير، كأنه قال: أفلم يهد لهم القرون التي هلكت. "ويهد" بمعنى، يبين، وشاهد هذا التقدير أن في حرف ابن مسعود: أفلم يهد لهم من أهلكنا قبلهم فكم في موضع "من". وقيل: "كم" استفهام، فلا يعمل ما قبلها فيها، وهي في موضع نصب بـ "أهلكنا". وهذا القول هو الصحيح عند البصريين، لا يعمل ما قبل "كم" فيها خبراً كانت أو استفهاماً، إنما يعمل فيها عندهم ما بعدها، كأي في الاستفهام. وكانت قريش تسافر إلى الشام، فيرون آثار عاد وثمود ومن هلك بكفره قبلهم وبعدهم، فحذرهم الله أن يصيبهم مثل ما عاينوا. وقيل: التقدير: أفلم يهد لهم الأمر، بإهلاكنا من أهلكنا، فالفاعل مضمر. وقال المبرد: الفاعل المصدر، ودل "يهدي" عليه، كأنه قال: يهدي الهدى. * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لأُوْلِي ٱلنُّهَىٰ﴾. أي: إن في ما يعاين هؤلاء من مساكن القرون الهالكة التي كذبت رسلها قبلهم، لدلالات وعبراً ومواعظ لأولى العقول. وقال ابن عباس: ﴿لأُوْلِي ٱلنُّهَىٰ﴾: لأولي التقى. وقال قتادة: لأولي الورع.

طه 20:126

قوله تعالى ذكره: ﴿فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ ٱلشَّيْطَانُ﴾ إلى قوله: ﴿مَعِيشَةً ضَنكاً﴾. أي: فألقى إلى آدم الشيطان، فقال له: ﴿يٰآدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَىٰ شَجَرَةِ ٱلْخُلْدِ﴾ أي: على شجرة من أكل منها خلد فلم يمت، ﴿وَمُلْكٍ لاَّ يَبْلَىٰ﴾ أي: لا ينقضي. وقال السدي: على شجرة الخلد: أي: على شجرة إن أكلت منها كنت ملكاً مثل الله عز وجل، أو تكونا من الخالدين"، لا تموتان أبداً. * * ثم قال تعالى: ﴿فَأَكَلاَ مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا﴾ أي: فأكل آدم وحواء من الشجرة التي نهيا عنها، وأطاعا أمر إبليس، فبدت لهما سوءاتهما. أي ظهرت وانكشفت لهما عورتهما، وكانت مستورة عن أعينهما. قال السدي: إنما أراد إبليس اللعين أن يظهر لهما سوءاتهما، لأنه علم أن لهما سوأة، لما كان يقرأ من كتب الملائكة، ولم يعلم ذلك آدم، وكان لباسهما الظفر، فأبى آدم أن يأكل منها، فتقدمت حواء فأكلت منها. ثم قالت: يا آدم، كُلْ [فإني] قد أكلت، فلم يضرني، فلما أكل آدم منها بدت لهما سوءاتهما. * * ثم قال: ﴿وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ ٱلْجَنَّةِ﴾ أي: أقبلا. وقيل: معناه: جعلا يخصفان عليهما ورق التين. قاله السدي. وقال قتادة: ﴿يَخْصِفَانِ﴾ يوصلان. * * ثم قال تعالى: ﴿وَعَصَىٰ ءَادَمُ رَبَّهُ فَغَوَىٰ﴾. أي: وخالف آدم أمر به، فتعدى إلى الأكل من الشجرة فغوى. * * ثم قال: ﴿ثُمَّ ٱجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ﴾. أي: اصطفاه [واختاره] ربه بعد معصيته وهداه للتوبة ووفقه لها. * * ثم قال: ﴿قَالَ ٱهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعاً بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾. أي: قال الله لآدم وحواء اهبطا من الجنة جميعاً إلى الأرض، أي: انزلا. وهذا يدل على أن الجنة في السماء. * * ﴿بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾. أي: أنتم عدو إبليس وذريته، وإبليس عدوّكما، وعدو ذريتكما. قال الضحاك: أُهبطَ آدم بالهند على جبل يقال له الوسي على رأسه إكليل من ريحان الجنة، وفي يده قبضة من حشيشها فانتثر في ذلك الجبل، فكان منه الطيب، وأهبطت حواء بجدة وأهبط إبليس بالبصرة. * * ثم قال تعالى: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى﴾. يعني: آدم وحواء وإبليس. أي: بيان لسبيلي وما اختاره لخلقي من ديني. ﴿فَمَنِ ٱتَّبَعَ هُدَايَ﴾ أي: بياني وعمل به. ﴿فَلاَ يَضِلُّ﴾ أي: ليس يزول عن محجة الحق. ﴿وَلاَ يَشْقَىٰ﴾ أي: في الآخرة بعذابها. قال ابن عباس: فضمن الله لمن قرأ القرآن، واتّبع ما فيه، أن لا يضلّ في الدنيا، ولا يشقى في الآخرة. أي: وقاه الله من الضلالة في الدنيا، ووقاه يوم القيامة سوء الحساب. ثم تلا هذه الآية. وقال ابن جبير: من قرأ القرآن واتبع ما فيه، عصمه الله من الضلالة ووقاه. * * ثم قال: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي﴾. أي: من لم يؤمن بالقرآن، ﴿فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً﴾. قال ابن عباس : هي الشقاء. وقال مجاهد: معيشة ضيقة. وهو قول قتادة. وذلك في جهنم، لأنه جعل طعامهم فيها الضريع والزقوم. قاله: الحسن وابن زيد وقتادة. وقيل: عني بذلك أكلهم في الدنيا الحرام، فالحرام ضيق بسوء عاقبته وإن اتسع في الظاهر. قاله: عكرمة والضحاك. وعن ابن عباس أنه: كل ما أنفق في غير ذات الله فهو معيشة ضنك. وعن أبي سعيد الخدري أنه: عذاب القبر يضيق عليه في قبره، حتى تختلف أضلاعه، وقاله السدي: وهو مروي عن النبي ﷺ. روي عنه أنه قال: أتدرون ما المعيشة الضنك؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال عذاب الكافر في قبره، والذي نفسي بيده، إنه يسلط عليه تسعة وتسعون تنيناً، أتدرون ما التنين؟ تسعة وتسعون حية لكل حية سبعة رؤوس ينفخن في جسمه ويلسعنه ويخدشنه إلى يوم القيامة وروى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: إن المؤمن إذا ألحد في قبره أتاه ملكان أزرقان أسودان، فيأتيانه من قبل رأسه، فتقول صلاته لا يؤتى من قبلي، فرب ليلة قد بات فيها ساهراً حذاراً لهذا المضجع فيوتى من قبل رجليه، فتقول رجلاه لا يؤتي من قبلنا، فقد كان ينصب ويمشي علينا في طاعة الله حذاراً لهذا المضجع فيؤتى من قبل يمينه فتقول صدقته لا يؤتى من قبلي، فقد كان يتصدق حذاراً لهذا المضجع، فيؤتى من قبل شماله، فيقول صومه لا يؤتى من قبلي، فقد كان يجوع ويظمأ حذاراً لهذا المضجع، فيوقظ كما يوقظ النائم، ثم يسأل قوله تعالى: ﴿وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ ٱلْقِيامَةِ أَعْمَىٰ﴾ إلى قوله: ﴿لأُوْلِي ٱلنُّهَىٰ﴾. قال مجاهد: أعمى عن حجة، لا حجة له يهتدي بها، وقاله أبو صالح. وقيل: معنى ذلك، أنه لا يهتدي إلى وجه ينال منه نفعاً ولا خيراً، كما لا يهتدي الأعمى إلى جهات المنافع في الدنيا. وقيل: "أعمى" من عمى البصر، كما قال: ونحشر المجرمين يومئذ زرقاً. * * ثم قال تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِيۤ أَعْمَىٰ وَقَدْ كُنتُ بَصِيراً﴾. قال مجاهد، معناه: لِمَ حشرتني ولا حجة لي، وقد كنت عالماً بحجتي بصيراً بها عند نفسي في الدنيا. وقال إبراهيم بن عرفة: كلما ذكر الله جلّ وعز في القرآن من العمى، فذمّه فإنما يريد به عمى القلب. قال الله تعالى: ﴿فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى ٱلأَبْصَارُ وَلَـٰكِن تَعْمَىٰ ٱلْقُلُوبُ ٱلَّتِي فِي ٱلصُّدُورِ﴾. وقيل: معناه، وقد كنت ذا بصر أنظر به الأشياء في الدنيا. وقيل: معنى الآية: ونحشره يوم القيامة أعمى عن حجته، ورؤية الأشياء، لأن الآية عامة. وقوله: "لم حشرتني أعمى"، أي: أعمى عن حجتي وعن رؤية الأشياء وقد كنت بصيراً، أي: بصيراً بحجتي في الدنيا رائياً للأشياء. وهذا سؤال من العبد لربه أن يعلمه الجُرم الذي استحق ذلك عليه، لأنه جهله وظن أنه لا ذنب له، فقال الله جلّ ذكره: ﴿قَالَ كَذٰلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا﴾ أي: فعلت ذلك بك كما أتتك آياتنا، وهي ما أنزل في كتابه من فرائضه. ﴿فَنَسِيتَهَا﴾. أي فتركتها، أي: أعرضت عنها، ولم تؤمن بها. * * ﴿وَكَذٰلِكَ ٱلْيَوْمَ تُنْسَىٰ﴾. أي: كما نسيت آياتنا في الدنيا، ولم تؤمن بها، كذلك تترك اليوم في النار. وقال قتادة: ﴿وَكَذٰلِكَ ٱلْيَوْمَ تُنْسَىٰ﴾ أي: تنسى من الخير، ولم تنسى من الشر. * * ثم قال: ﴿وَكَذٰلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِن بِآيَاتِ رَبِّهِ﴾. أي: وهكذا نتيبُ من أسرف فعصى ربه، ولم يؤمن برسله وكتبه، فنذيقه معيشة ضنكاً في البرزخ ﴿وَلَعَذَابُ ٱلآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَىٰ﴾. أي: ولعذاب الله إياهم في الآخرة أشد من عذاب القبر "وأبقى" أي: أدوم. * * ثم قال: ﴿أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِّنَ ٱلْقُرُونِ﴾. أي: أفلم يهد يا محمد لقومك كثرة ما أهلكنا قبلهم من القرون الماضية، يمشون في مساكنهم وآثارهم، ويرون آثار العقوبة التي أحللنا بهم لما كفروا، فيؤمنون بالله وكتبه ورسله خوفاً أن يصيبهم بكفرهم مثل ما أصاب القرون قبلهم، فيكون "كم" فاعلة ليهد على هذا التقدير، كأنه قال: أفلم يهد لهم القرون التي هلكت. "ويهد" بمعنى، يبين، وشاهد هذا التقدير أن في حرف ابن مسعود: أفلم يهد لهم من أهلكنا قبلهم فكم في موضع "من". وقيل: "كم" استفهام، فلا يعمل ما قبلها فيها، وهي في موضع نصب بـ "أهلكنا". وهذا القول هو الصحيح عند البصريين، لا يعمل ما قبل "كم" فيها خبراً كانت أو استفهاماً، إنما يعمل فيها عندهم ما بعدها، كأي في الاستفهام. وكانت قريش تسافر إلى الشام، فيرون آثار عاد وثمود ومن هلك بكفره قبلهم وبعدهم، فحذرهم الله أن يصيبهم مثل ما عاينوا. وقيل: التقدير: أفلم يهد لهم الأمر، بإهلاكنا من أهلكنا، فالفاعل مضمر. وقال المبرد: الفاعل المصدر، ودل "يهدي" عليه، كأنه قال: يهدي الهدى. * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لأُوْلِي ٱلنُّهَىٰ﴾. أي: إن في ما يعاين هؤلاء من مساكن القرون الهالكة التي كذبت رسلها قبلهم، لدلالات وعبراً ومواعظ لأولى العقول. وقال ابن عباس: ﴿لأُوْلِي ٱلنُّهَىٰ﴾: لأولي التقى. وقال قتادة: لأولي الورع.

طه 20:127

قوله تعالى ذكره: ﴿فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ ٱلشَّيْطَانُ﴾ إلى قوله: ﴿مَعِيشَةً ضَنكاً﴾. أي: فألقى إلى آدم الشيطان، فقال له: ﴿يٰآدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَىٰ شَجَرَةِ ٱلْخُلْدِ﴾ أي: على شجرة من أكل منها خلد فلم يمت، ﴿وَمُلْكٍ لاَّ يَبْلَىٰ﴾ أي: لا ينقضي. وقال السدي: على شجرة الخلد: أي: على شجرة إن أكلت منها كنت ملكاً مثل الله عز وجل، أو تكونا من الخالدين"، لا تموتان أبداً. * * ثم قال تعالى: ﴿فَأَكَلاَ مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا﴾ أي: فأكل آدم وحواء من الشجرة التي نهيا عنها، وأطاعا أمر إبليس، فبدت لهما سوءاتهما. أي ظهرت وانكشفت لهما عورتهما، وكانت مستورة عن أعينهما. قال السدي: إنما أراد إبليس اللعين أن يظهر لهما سوءاتهما، لأنه علم أن لهما سوأة، لما كان يقرأ من كتب الملائكة، ولم يعلم ذلك آدم، وكان لباسهما الظفر، فأبى آدم أن يأكل منها، فتقدمت حواء فأكلت منها. ثم قالت: يا آدم، كُلْ [فإني] قد أكلت، فلم يضرني، فلما أكل آدم منها بدت لهما سوءاتهما. * * ثم قال: ﴿وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ ٱلْجَنَّةِ﴾ أي: أقبلا. وقيل: معناه: جعلا يخصفان عليهما ورق التين. قاله السدي. وقال قتادة: ﴿يَخْصِفَانِ﴾ يوصلان. * * ثم قال تعالى: ﴿وَعَصَىٰ ءَادَمُ رَبَّهُ فَغَوَىٰ﴾. أي: وخالف آدم أمر به، فتعدى إلى الأكل من الشجرة فغوى. * * ثم قال: ﴿ثُمَّ ٱجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ﴾. أي: اصطفاه [واختاره] ربه بعد معصيته وهداه للتوبة ووفقه لها. * * ثم قال: ﴿قَالَ ٱهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعاً بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾. أي: قال الله لآدم وحواء اهبطا من الجنة جميعاً إلى الأرض، أي: انزلا. وهذا يدل على أن الجنة في السماء. * * ﴿بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾. أي: أنتم عدو إبليس وذريته، وإبليس عدوّكما، وعدو ذريتكما. قال الضحاك: أُهبطَ آدم بالهند على جبل يقال له الوسي على رأسه إكليل من ريحان الجنة، وفي يده قبضة من حشيشها فانتثر في ذلك الجبل، فكان منه الطيب، وأهبطت حواء بجدة وأهبط إبليس بالبصرة. * * ثم قال تعالى: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى﴾. يعني: آدم وحواء وإبليس. أي: بيان لسبيلي وما اختاره لخلقي من ديني. ﴿فَمَنِ ٱتَّبَعَ هُدَايَ﴾ أي: بياني وعمل به. ﴿فَلاَ يَضِلُّ﴾ أي: ليس يزول عن محجة الحق. ﴿وَلاَ يَشْقَىٰ﴾ أي: في الآخرة بعذابها. قال ابن عباس: فضمن الله لمن قرأ القرآن، واتّبع ما فيه، أن لا يضلّ في الدنيا، ولا يشقى في الآخرة. أي: وقاه الله من الضلالة في الدنيا، ووقاه يوم القيامة سوء الحساب. ثم تلا هذه الآية. وقال ابن جبير: من قرأ القرآن واتبع ما فيه، عصمه الله من الضلالة ووقاه. * * ثم قال: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي﴾. أي: من لم يؤمن بالقرآن، ﴿فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً﴾. قال ابن عباس : هي الشقاء. وقال مجاهد: معيشة ضيقة. وهو قول قتادة. وذلك في جهنم، لأنه جعل طعامهم فيها الضريع والزقوم. قاله: الحسن وابن زيد وقتادة. وقيل: عني بذلك أكلهم في الدنيا الحرام، فالحرام ضيق بسوء عاقبته وإن اتسع في الظاهر. قاله: عكرمة والضحاك. وعن ابن عباس أنه: كل ما أنفق في غير ذات الله فهو معيشة ضنك. وعن أبي سعيد الخدري أنه: عذاب القبر يضيق عليه في قبره، حتى تختلف أضلاعه، وقاله السدي: وهو مروي عن النبي ﷺ. روي عنه أنه قال: أتدرون ما المعيشة الضنك؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال عذاب الكافر في قبره، والذي نفسي بيده، إنه يسلط عليه تسعة وتسعون تنيناً، أتدرون ما التنين؟ تسعة وتسعون حية لكل حية سبعة رؤوس ينفخن في جسمه ويلسعنه ويخدشنه إلى يوم القيامة وروى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: إن المؤمن إذا ألحد في قبره أتاه ملكان أزرقان أسودان، فيأتيانه من قبل رأسه، فتقول صلاته لا يؤتى من قبلي، فرب ليلة قد بات فيها ساهراً حذاراً لهذا المضجع فيوتى من قبل رجليه، فتقول رجلاه لا يؤتي من قبلنا، فقد كان ينصب ويمشي علينا في طاعة الله حذاراً لهذا المضجع فيؤتى من قبل يمينه فتقول صدقته لا يؤتى من قبلي، فقد كان يتصدق حذاراً لهذا المضجع، فيؤتى من قبل شماله، فيقول صومه لا يؤتى من قبلي، فقد كان يجوع ويظمأ حذاراً لهذا المضجع، فيوقظ كما يوقظ النائم، ثم يسأل قوله تعالى: ﴿وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ ٱلْقِيامَةِ أَعْمَىٰ﴾ إلى قوله: ﴿لأُوْلِي ٱلنُّهَىٰ﴾. قال مجاهد: أعمى عن حجة، لا حجة له يهتدي بها، وقاله أبو صالح. وقيل: معنى ذلك، أنه لا يهتدي إلى وجه ينال منه نفعاً ولا خيراً، كما لا يهتدي الأعمى إلى جهات المنافع في الدنيا. وقيل: "أعمى" من عمى البصر، كما قال: ونحشر المجرمين يومئذ زرقاً. * * ثم قال تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِيۤ أَعْمَىٰ وَقَدْ كُنتُ بَصِيراً﴾. قال مجاهد، معناه: لِمَ حشرتني ولا حجة لي، وقد كنت عالماً بحجتي بصيراً بها عند نفسي في الدنيا. وقال إبراهيم بن عرفة: كلما ذكر الله جلّ وعز في القرآن من العمى، فذمّه فإنما يريد به عمى القلب. قال الله تعالى: ﴿فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى ٱلأَبْصَارُ وَلَـٰكِن تَعْمَىٰ ٱلْقُلُوبُ ٱلَّتِي فِي ٱلصُّدُورِ﴾. وقيل: معناه، وقد كنت ذا بصر أنظر به الأشياء في الدنيا. وقيل: معنى الآية: ونحشره يوم القيامة أعمى عن حجته، ورؤية الأشياء، لأن الآية عامة. وقوله: "لم حشرتني أعمى"، أي: أعمى عن حجتي وعن رؤية الأشياء وقد كنت بصيراً، أي: بصيراً بحجتي في الدنيا رائياً للأشياء. وهذا سؤال من العبد لربه أن يعلمه الجُرم الذي استحق ذلك عليه، لأنه جهله وظن أنه لا ذنب له، فقال الله جلّ ذكره: ﴿قَالَ كَذٰلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا﴾ أي: فعلت ذلك بك كما أتتك آياتنا، وهي ما أنزل في كتابه من فرائضه. ﴿فَنَسِيتَهَا﴾. أي فتركتها، أي: أعرضت عنها، ولم تؤمن بها. * * ﴿وَكَذٰلِكَ ٱلْيَوْمَ تُنْسَىٰ﴾. أي: كما نسيت آياتنا في الدنيا، ولم تؤمن بها، كذلك تترك اليوم في النار. وقال قتادة: ﴿وَكَذٰلِكَ ٱلْيَوْمَ تُنْسَىٰ﴾ أي: تنسى من الخير، ولم تنسى من الشر. * * ثم قال: ﴿وَكَذٰلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِن بِآيَاتِ رَبِّهِ﴾. أي: وهكذا نتيبُ من أسرف فعصى ربه، ولم يؤمن برسله وكتبه، فنذيقه معيشة ضنكاً في البرزخ ﴿وَلَعَذَابُ ٱلآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَىٰ﴾. أي: ولعذاب الله إياهم في الآخرة أشد من عذاب القبر "وأبقى" أي: أدوم. * * ثم قال: ﴿أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِّنَ ٱلْقُرُونِ﴾. أي: أفلم يهد يا محمد لقومك كثرة ما أهلكنا قبلهم من القرون الماضية، يمشون في مساكنهم وآثارهم، ويرون آثار العقوبة التي أحللنا بهم لما كفروا، فيؤمنون بالله وكتبه ورسله خوفاً أن يصيبهم بكفرهم مثل ما أصاب القرون قبلهم، فيكون "كم" فاعلة ليهد على هذا التقدير، كأنه قال: أفلم يهد لهم القرون التي هلكت. "ويهد" بمعنى، يبين، وشاهد هذا التقدير أن في حرف ابن مسعود: أفلم يهد لهم من أهلكنا قبلهم فكم في موضع "من". وقيل: "كم" استفهام، فلا يعمل ما قبلها فيها، وهي في موضع نصب بـ "أهلكنا". وهذا القول هو الصحيح عند البصريين، لا يعمل ما قبل "كم" فيها خبراً كانت أو استفهاماً، إنما يعمل فيها عندهم ما بعدها، كأي في الاستفهام. وكانت قريش تسافر إلى الشام، فيرون آثار عاد وثمود ومن هلك بكفره قبلهم وبعدهم، فحذرهم الله أن يصيبهم مثل ما عاينوا. وقيل: التقدير: أفلم يهد لهم الأمر، بإهلاكنا من أهلكنا، فالفاعل مضمر. وقال المبرد: الفاعل المصدر، ودل "يهدي" عليه، كأنه قال: يهدي الهدى. * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لأُوْلِي ٱلنُّهَىٰ﴾. أي: إن في ما يعاين هؤلاء من مساكن القرون الهالكة التي كذبت رسلها قبلهم، لدلالات وعبراً ومواعظ لأولى العقول. وقال ابن عباس: ﴿لأُوْلِي ٱلنُّهَىٰ﴾: لأولي التقى. وقال قتادة: لأولي الورع.

طه 20:128

قوله تعالى ذكره: ﴿فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ ٱلشَّيْطَانُ﴾ إلى قوله: ﴿مَعِيشَةً ضَنكاً﴾. أي: فألقى إلى آدم الشيطان، فقال له: ﴿يٰآدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَىٰ شَجَرَةِ ٱلْخُلْدِ﴾ أي: على شجرة من أكل منها خلد فلم يمت، ﴿وَمُلْكٍ لاَّ يَبْلَىٰ﴾ أي: لا ينقضي. وقال السدي: على شجرة الخلد: أي: على شجرة إن أكلت منها كنت ملكاً مثل الله عز وجل، أو تكونا من الخالدين"، لا تموتان أبداً. * * ثم قال تعالى: ﴿فَأَكَلاَ مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا﴾ أي: فأكل آدم وحواء من الشجرة التي نهيا عنها، وأطاعا أمر إبليس، فبدت لهما سوءاتهما. أي ظهرت وانكشفت لهما عورتهما، وكانت مستورة عن أعينهما. قال السدي: إنما أراد إبليس اللعين أن يظهر لهما سوءاتهما، لأنه علم أن لهما سوأة، لما كان يقرأ من كتب الملائكة، ولم يعلم ذلك آدم، وكان لباسهما الظفر، فأبى آدم أن يأكل منها، فتقدمت حواء فأكلت منها. ثم قالت: يا آدم، كُلْ [فإني] قد أكلت، فلم يضرني، فلما أكل آدم منها بدت لهما سوءاتهما. * * ثم قال: ﴿وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ ٱلْجَنَّةِ﴾ أي: أقبلا. وقيل: معناه: جعلا يخصفان عليهما ورق التين. قاله السدي. وقال قتادة: ﴿يَخْصِفَانِ﴾ يوصلان. * * ثم قال تعالى: ﴿وَعَصَىٰ ءَادَمُ رَبَّهُ فَغَوَىٰ﴾. أي: وخالف آدم أمر به، فتعدى إلى الأكل من الشجرة فغوى. * * ثم قال: ﴿ثُمَّ ٱجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ﴾. أي: اصطفاه [واختاره] ربه بعد معصيته وهداه للتوبة ووفقه لها. * * ثم قال: ﴿قَالَ ٱهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعاً بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾. أي: قال الله لآدم وحواء اهبطا من الجنة جميعاً إلى الأرض، أي: انزلا. وهذا يدل على أن الجنة في السماء. * * ﴿بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾. أي: أنتم عدو إبليس وذريته، وإبليس عدوّكما، وعدو ذريتكما. قال الضحاك: أُهبطَ آدم بالهند على جبل يقال له الوسي على رأسه إكليل من ريحان الجنة، وفي يده قبضة من حشيشها فانتثر في ذلك الجبل، فكان منه الطيب، وأهبطت حواء بجدة وأهبط إبليس بالبصرة. * * ثم قال تعالى: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى﴾. يعني: آدم وحواء وإبليس. أي: بيان لسبيلي وما اختاره لخلقي من ديني. ﴿فَمَنِ ٱتَّبَعَ هُدَايَ﴾ أي: بياني وعمل به. ﴿فَلاَ يَضِلُّ﴾ أي: ليس يزول عن محجة الحق. ﴿وَلاَ يَشْقَىٰ﴾ أي: في الآخرة بعذابها. قال ابن عباس: فضمن الله لمن قرأ القرآن، واتّبع ما فيه، أن لا يضلّ في الدنيا، ولا يشقى في الآخرة. أي: وقاه الله من الضلالة في الدنيا، ووقاه يوم القيامة سوء الحساب. ثم تلا هذه الآية. وقال ابن جبير: من قرأ القرآن واتبع ما فيه، عصمه الله من الضلالة ووقاه. * * ثم قال: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي﴾. أي: من لم يؤمن بالقرآن، ﴿فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً﴾. قال ابن عباس : هي الشقاء. وقال مجاهد: معيشة ضيقة. وهو قول قتادة. وذلك في جهنم، لأنه جعل طعامهم فيها الضريع والزقوم. قاله: الحسن وابن زيد وقتادة. وقيل: عني بذلك أكلهم في الدنيا الحرام، فالحرام ضيق بسوء عاقبته وإن اتسع في الظاهر. قاله: عكرمة والضحاك. وعن ابن عباس أنه: كل ما أنفق في غير ذات الله فهو معيشة ضنك. وعن أبي سعيد الخدري أنه: عذاب القبر يضيق عليه في قبره، حتى تختلف أضلاعه، وقاله السدي: وهو مروي عن النبي ﷺ. روي عنه أنه قال: أتدرون ما المعيشة الضنك؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال عذاب الكافر في قبره، والذي نفسي بيده، إنه يسلط عليه تسعة وتسعون تنيناً، أتدرون ما التنين؟ تسعة وتسعون حية لكل حية سبعة رؤوس ينفخن في جسمه ويلسعنه ويخدشنه إلى يوم القيامة وروى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: إن المؤمن إذا ألحد في قبره أتاه ملكان أزرقان أسودان، فيأتيانه من قبل رأسه، فتقول صلاته لا يؤتى من قبلي، فرب ليلة قد بات فيها ساهراً حذاراً لهذا المضجع فيوتى من قبل رجليه، فتقول رجلاه لا يؤتي من قبلنا، فقد كان ينصب ويمشي علينا في طاعة الله حذاراً لهذا المضجع فيؤتى من قبل يمينه فتقول صدقته لا يؤتى من قبلي، فقد كان يتصدق حذاراً لهذا المضجع، فيؤتى من قبل شماله، فيقول صومه لا يؤتى من قبلي، فقد كان يجوع ويظمأ حذاراً لهذا المضجع، فيوقظ كما يوقظ النائم، ثم يسأل قوله تعالى: ﴿وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ ٱلْقِيامَةِ أَعْمَىٰ﴾ إلى قوله: ﴿لأُوْلِي ٱلنُّهَىٰ﴾. قال مجاهد: أعمى عن حجة، لا حجة له يهتدي بها، وقاله أبو صالح. وقيل: معنى ذلك، أنه لا يهتدي إلى وجه ينال منه نفعاً ولا خيراً، كما لا يهتدي الأعمى إلى جهات المنافع في الدنيا. وقيل: "أعمى" من عمى البصر، كما قال: ونحشر المجرمين يومئذ زرقاً. * * ثم قال تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِيۤ أَعْمَىٰ وَقَدْ كُنتُ بَصِيراً﴾. قال مجاهد، معناه: لِمَ حشرتني ولا حجة لي، وقد كنت عالماً بحجتي بصيراً بها عند نفسي في الدنيا. وقال إبراهيم بن عرفة: كلما ذكر الله جلّ وعز في القرآن من العمى، فذمّه فإنما يريد به عمى القلب. قال الله تعالى: ﴿فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى ٱلأَبْصَارُ وَلَـٰكِن تَعْمَىٰ ٱلْقُلُوبُ ٱلَّتِي فِي ٱلصُّدُورِ﴾. وقيل: معناه، وقد كنت ذا بصر أنظر به الأشياء في الدنيا. وقيل: معنى الآية: ونحشره يوم القيامة أعمى عن حجته، ورؤية الأشياء، لأن الآية عامة. وقوله: "لم حشرتني أعمى"، أي: أعمى عن حجتي وعن رؤية الأشياء وقد كنت بصيراً، أي: بصيراً بحجتي في الدنيا رائياً للأشياء. وهذا سؤال من العبد لربه أن يعلمه الجُرم الذي استحق ذلك عليه، لأنه جهله وظن أنه لا ذنب له، فقال الله جلّ ذكره: ﴿قَالَ كَذٰلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا﴾ أي: فعلت ذلك بك كما أتتك آياتنا، وهي ما أنزل في كتابه من فرائضه. ﴿فَنَسِيتَهَا﴾. أي فتركتها، أي: أعرضت عنها، ولم تؤمن بها. * * ﴿وَكَذٰلِكَ ٱلْيَوْمَ تُنْسَىٰ﴾. أي: كما نسيت آياتنا في الدنيا، ولم تؤمن بها، كذلك تترك اليوم في النار. وقال قتادة: ﴿وَكَذٰلِكَ ٱلْيَوْمَ تُنْسَىٰ﴾ أي: تنسى من الخير، ولم تنسى من الشر. * * ثم قال: ﴿وَكَذٰلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِن بِآيَاتِ رَبِّهِ﴾. أي: وهكذا نتيبُ من أسرف فعصى ربه، ولم يؤمن برسله وكتبه، فنذيقه معيشة ضنكاً في البرزخ ﴿وَلَعَذَابُ ٱلآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَىٰ﴾. أي: ولعذاب الله إياهم في الآخرة أشد من عذاب القبر "وأبقى" أي: أدوم. * * ثم قال: ﴿أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِّنَ ٱلْقُرُونِ﴾. أي: أفلم يهد يا محمد لقومك كثرة ما أهلكنا قبلهم من القرون الماضية، يمشون في مساكنهم وآثارهم، ويرون آثار العقوبة التي أحللنا بهم لما كفروا، فيؤمنون بالله وكتبه ورسله خوفاً أن يصيبهم بكفرهم مثل ما أصاب القرون قبلهم، فيكون "كم" فاعلة ليهد على هذا التقدير، كأنه قال: أفلم يهد لهم القرون التي هلكت. "ويهد" بمعنى، يبين، وشاهد هذا التقدير أن في حرف ابن مسعود: أفلم يهد لهم من أهلكنا قبلهم فكم في موضع "من". وقيل: "كم" استفهام، فلا يعمل ما قبلها فيها، وهي في موضع نصب بـ "أهلكنا". وهذا القول هو الصحيح عند البصريين، لا يعمل ما قبل "كم" فيها خبراً كانت أو استفهاماً، إنما يعمل فيها عندهم ما بعدها، كأي في الاستفهام. وكانت قريش تسافر إلى الشام، فيرون آثار عاد وثمود ومن هلك بكفره قبلهم وبعدهم، فحذرهم الله أن يصيبهم مثل ما عاينوا. وقيل: التقدير: أفلم يهد لهم الأمر، بإهلاكنا من أهلكنا، فالفاعل مضمر. وقال المبرد: الفاعل المصدر، ودل "يهدي" عليه، كأنه قال: يهدي الهدى. * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لأُوْلِي ٱلنُّهَىٰ﴾. أي: إن في ما يعاين هؤلاء من مساكن القرون الهالكة التي كذبت رسلها قبلهم، لدلالات وعبراً ومواعظ لأولى العقول. وقال ابن عباس: ﴿لأُوْلِي ٱلنُّهَىٰ﴾: لأولي التقى. وقال قتادة: لأولي الورع.

طه 20:129

قوله تعالى ذكره: ﴿وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ﴾ إلى قوله: ﴿خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ﴾. أي: ولولا أن الله قدر أن كل من قضى له أجلاً، فإنه لا يخترمه قبل بلوغ ذلك الوقت، والأجل المسمى "لكان لزاماً" أي: لكان العذاب لزاماً لهم. وقيل: المعنى: لولا أنه قد سبق في علم الله تأخير عذاب هذه الأمة إلى يوم القيامة لكان العذاب لازماً لهم على كفرهم. وقيل: معنى: ﴿كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ﴾ أي: أنه لا يعذبهم حتى يبلغوا آجالهم. ومعنى: ﴿وَأَجَلٌ مُّسَمًّى﴾ هو يوم القيامة. وقال مجاهد: "الأجل المسمى هو الدنيا. وقال قتادة: الأجل المسمى، الساعة، يقول الله تعالى: ﴿بَلِ ٱلسَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ﴾ [القمر: ٤٦]. قال ابن عباس: "لكان لزاماً" لكان موتاً. وقال ابن زيد: اللزام: القتل. * * ثم قال: ﴿فَٱصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ﴾. أي: اصبر يا محمد على قول هؤلاء المكذبين بآيات الله، بأنك ساحر وأنك مجنون، وأنك شاعر، ونحو ذلك. * * ثم قال: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ ٱلشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا﴾. وقال ابن عباس: هي الصلاة المكتوبة أي: وصَلِّ بثنائك على ربك. وقيل: قوله: ﴿بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ معناه: بحمدك ربك، وقوله: ﴿قَبْلَ طُلُوعِ ٱلشَّمْسِ﴾ يعني بعد صلاة الصبح وقبل غروبها، صلاة العصر وقوله ﴿وَمِنْ آنَآءِ ٱلْلَّيْلِ﴾ أي: ومن ساعات الليل فسبح، يريد صلاة العشاء الآخرة. وأطراف النهار يعني: صلاة الظهر والمغرب لأن صلاة الظهر في آخر طرف النهار الأول وفي أول طرف النهار الآخر فهي في طرفين منه، والطرف الثالث غروب الشمس، وعند ذلك تصلي المغرب، فلذلك قيل أطراف النهار، لأن للنهار أربعة أطراف، عند طلوع الشمس وعند غروبها وعند زوال الشمس وعند وقوفها للزوال. وقيل: إنه جمع في موضع تثنية. كما قال: فقد صغت قلوبكما. وقيل: قوله ﴿وَمِنْ آنَآءِ ٱلْلَّيْلِ﴾ أوله وأوسطه وآخره قاله الحسن: يعني: به النافلة. وقال ابن عباس: "هو جوف الليل". * * وقوله: ﴿لَعَلَّكَ تَرْضَىٰ﴾ أي: في الآخرة. ولعل من الله واجبة. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِّنْهُمْ﴾. أي: لا تنظر يا محمد إلى ما جعلناه لهؤلاء المعرضين عن آيات الله وأشكالهم من متعة متعوا بها في الدنيا ﴿لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ﴾ أي: لنختبرهم فيما متعناهم به. وروي أن النبي ﷺ مر على إبل لبعض العرب قد سمنت فتقنع ثم مر ولم ينظر إليها، لقول الله تعالى: ﴿وَلاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِّنْهُمْ...﴾ الآية. "وزهرة" منصوبة بمعنى: متعنا، لأن "متعنا" بمعنى: جعلنا، أي: جعلنا لهم الحياة الدنيا زهرة. ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ﴾. أي: وعده لك بما يعطيك في الآخرة خير لك "وأبقى" أي: "وأدوم". ويروى أن هذه الآية نزلت على النبي ﷺ من قبل أنه بعث إلى يهودي يستسلف منه طعاماً، فأبى أن يسلفه إلا برهن فحزِن النبي لذلك، فأنزل الله تعالى: ﴿وَلاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا...﴾ الآية، ونزلت ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعاً مِّنَ ٱلْمَثَانِي وَٱلْقُرْآنَ ٱلْعَظِيمَ * لاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ...﴾ [الحجر: ٨٧-٨٨] الآية. * * وقوله: ﴿زَهْرَةَ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا﴾ يعني: زينتها. * * وقوله: ﴿لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ﴾. أي: لنبتليهم فيه. وقيل: لنجعل لهم ذلك فتنة.

طه 20:130

قوله تعالى ذكره: ﴿وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ﴾ إلى قوله: ﴿خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ﴾. أي: ولولا أن الله قدر أن كل من قضى له أجلاً، فإنه لا يخترمه قبل بلوغ ذلك الوقت، والأجل المسمى "لكان لزاماً" أي: لكان العذاب لزاماً لهم. وقيل: المعنى: لولا أنه قد سبق في علم الله تأخير عذاب هذه الأمة إلى يوم القيامة لكان العذاب لازماً لهم على كفرهم. وقيل: معنى: ﴿كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ﴾ أي: أنه لا يعذبهم حتى يبلغوا آجالهم. ومعنى: ﴿وَأَجَلٌ مُّسَمًّى﴾ هو يوم القيامة. وقال مجاهد: "الأجل المسمى هو الدنيا. وقال قتادة: الأجل المسمى، الساعة، يقول الله تعالى: ﴿بَلِ ٱلسَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ﴾ [القمر: ٤٦]. قال ابن عباس: "لكان لزاماً" لكان موتاً. وقال ابن زيد: اللزام: القتل. * * ثم قال: ﴿فَٱصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ﴾. أي: اصبر يا محمد على قول هؤلاء المكذبين بآيات الله، بأنك ساحر وأنك مجنون، وأنك شاعر، ونحو ذلك. * * ثم قال: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ ٱلشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا﴾. وقال ابن عباس: هي الصلاة المكتوبة أي: وصَلِّ بثنائك على ربك. وقيل: قوله: ﴿بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ معناه: بحمدك ربك، وقوله: ﴿قَبْلَ طُلُوعِ ٱلشَّمْسِ﴾ يعني بعد صلاة الصبح وقبل غروبها، صلاة العصر وقوله ﴿وَمِنْ آنَآءِ ٱلْلَّيْلِ﴾ أي: ومن ساعات الليل فسبح، يريد صلاة العشاء الآخرة. وأطراف النهار يعني: صلاة الظهر والمغرب لأن صلاة الظهر في آخر طرف النهار الأول وفي أول طرف النهار الآخر فهي في طرفين منه، والطرف الثالث غروب الشمس، وعند ذلك تصلي المغرب، فلذلك قيل أطراف النهار، لأن للنهار أربعة أطراف، عند طلوع الشمس وعند غروبها وعند زوال الشمس وعند وقوفها للزوال. وقيل: إنه جمع في موضع تثنية. كما قال: فقد صغت قلوبكما. وقيل: قوله ﴿وَمِنْ آنَآءِ ٱلْلَّيْلِ﴾ أوله وأوسطه وآخره قاله الحسن: يعني: به النافلة. وقال ابن عباس: "هو جوف الليل". * * وقوله: ﴿لَعَلَّكَ تَرْضَىٰ﴾ أي: في الآخرة. ولعل من الله واجبة. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِّنْهُمْ﴾. أي: لا تنظر يا محمد إلى ما جعلناه لهؤلاء المعرضين عن آيات الله وأشكالهم من متعة متعوا بها في الدنيا ﴿لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ﴾ أي: لنختبرهم فيما متعناهم به. وروي أن النبي ﷺ مر على إبل لبعض العرب قد سمنت فتقنع ثم مر ولم ينظر إليها، لقول الله تعالى: ﴿وَلاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِّنْهُمْ...﴾ الآية. "وزهرة" منصوبة بمعنى: متعنا، لأن "متعنا" بمعنى: جعلنا، أي: جعلنا لهم الحياة الدنيا زهرة. ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ﴾. أي: وعده لك بما يعطيك في الآخرة خير لك "وأبقى" أي: "وأدوم". ويروى أن هذه الآية نزلت على النبي ﷺ من قبل أنه بعث إلى يهودي يستسلف منه طعاماً، فأبى أن يسلفه إلا برهن فحزِن النبي لذلك، فأنزل الله تعالى: ﴿وَلاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا...﴾ الآية، ونزلت ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعاً مِّنَ ٱلْمَثَانِي وَٱلْقُرْآنَ ٱلْعَظِيمَ * لاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ...﴾ [الحجر: ٨٧-٨٨] الآية. * * وقوله: ﴿زَهْرَةَ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا﴾ يعني: زينتها. * * وقوله: ﴿لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ﴾. أي: لنبتليهم فيه. وقيل: لنجعل لهم ذلك فتنة.

طه 20:131

قوله تعالى ذكره: ﴿وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ﴾ إلى قوله: ﴿خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ﴾. أي: ولولا أن الله قدر أن كل من قضى له أجلاً، فإنه لا يخترمه قبل بلوغ ذلك الوقت، والأجل المسمى "لكان لزاماً" أي: لكان العذاب لزاماً لهم. وقيل: المعنى: لولا أنه قد سبق في علم الله تأخير عذاب هذه الأمة إلى يوم القيامة لكان العذاب لازماً لهم على كفرهم. وقيل: معنى: ﴿كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ﴾ أي: أنه لا يعذبهم حتى يبلغوا آجالهم. ومعنى: ﴿وَأَجَلٌ مُّسَمًّى﴾ هو يوم القيامة. وقال مجاهد: "الأجل المسمى هو الدنيا. وقال قتادة: الأجل المسمى، الساعة، يقول الله تعالى: ﴿بَلِ ٱلسَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ﴾ [القمر: ٤٦]. قال ابن عباس: "لكان لزاماً" لكان موتاً. وقال ابن زيد: اللزام: القتل. * * ثم قال: ﴿فَٱصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ﴾. أي: اصبر يا محمد على قول هؤلاء المكذبين بآيات الله، بأنك ساحر وأنك مجنون، وأنك شاعر، ونحو ذلك. * * ثم قال: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ ٱلشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا﴾. وقال ابن عباس: هي الصلاة المكتوبة أي: وصَلِّ بثنائك على ربك. وقيل: قوله: ﴿بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ معناه: بحمدك ربك، وقوله: ﴿قَبْلَ طُلُوعِ ٱلشَّمْسِ﴾ يعني بعد صلاة الصبح وقبل غروبها، صلاة العصر وقوله ﴿وَمِنْ آنَآءِ ٱلْلَّيْلِ﴾ أي: ومن ساعات الليل فسبح، يريد صلاة العشاء الآخرة. وأطراف النهار يعني: صلاة الظهر والمغرب لأن صلاة الظهر في آخر طرف النهار الأول وفي أول طرف النهار الآخر فهي في طرفين منه، والطرف الثالث غروب الشمس، وعند ذلك تصلي المغرب، فلذلك قيل أطراف النهار، لأن للنهار أربعة أطراف، عند طلوع الشمس وعند غروبها وعند زوال الشمس وعند وقوفها للزوال. وقيل: إنه جمع في موضع تثنية. كما قال: فقد صغت قلوبكما. وقيل: قوله ﴿وَمِنْ آنَآءِ ٱلْلَّيْلِ﴾ أوله وأوسطه وآخره قاله الحسن: يعني: به النافلة. وقال ابن عباس: "هو جوف الليل". * * وقوله: ﴿لَعَلَّكَ تَرْضَىٰ﴾ أي: في الآخرة. ولعل من الله واجبة. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِّنْهُمْ﴾. أي: لا تنظر يا محمد إلى ما جعلناه لهؤلاء المعرضين عن آيات الله وأشكالهم من متعة متعوا بها في الدنيا ﴿لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ﴾ أي: لنختبرهم فيما متعناهم به. وروي أن النبي ﷺ مر على إبل لبعض العرب قد سمنت فتقنع ثم مر ولم ينظر إليها، لقول الله تعالى: ﴿وَلاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِّنْهُمْ...﴾ الآية. "وزهرة" منصوبة بمعنى: متعنا، لأن "متعنا" بمعنى: جعلنا، أي: جعلنا لهم الحياة الدنيا زهرة. ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ﴾. أي: وعده لك بما يعطيك في الآخرة خير لك "وأبقى" أي: "وأدوم". ويروى أن هذه الآية نزلت على النبي ﷺ من قبل أنه بعث إلى يهودي يستسلف منه طعاماً، فأبى أن يسلفه إلا برهن فحزِن النبي لذلك، فأنزل الله تعالى: ﴿وَلاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا...﴾ الآية، ونزلت ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعاً مِّنَ ٱلْمَثَانِي وَٱلْقُرْآنَ ٱلْعَظِيمَ * لاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ...﴾ [الحجر: ٨٧-٨٨] الآية. * * وقوله: ﴿زَهْرَةَ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا﴾ يعني: زينتها. * * وقوله: ﴿لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ﴾. أي: لنبتليهم فيه. وقيل: لنجعل لهم ذلك فتنة.

طه 20:132

قوله تعالى ذكره: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِٱلصَّلاَةِ﴾ إلى آخر السورة. أي: وأمر أهلك بالدوام على الصلاة، واصطبر على القيام عليها والإتيان بها بحدودها. ﴿لاَ نَسْأَلُكَ رِزْقاً﴾ أي: أن ترزق نفسك ولا ترزق أحداً من العباد. وكان عمر رضي الله عنه إذا قام من الليل صلى، فإذا كان من السحر أيقظ أهله فقال: الصلاة الصلاة. وتأول هذه الآية، وامر أهلك بالصلاة... الآية. وكان رسول الله ﷺ إذا نزل بأهله ضيق أو شدة، أمرهم بالصلاة ثم قرأ ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِٱلصَّلاَةِ﴾... الآية. وكان رسول الله ﷺ إذا حز به أمر يصلي. وقال ﷺ في رواية عثمان بن عفان عنه: "من توضأ فأحسن الوضوء ثم صلى ركعتين غفر له قال محمد بن كعب: وكنت إذا سمعت الحديث طلبت تصديقه في كتاب الله عز وجل، فطلبت تصديق هذا فوجدته في كتاب الله عز وجل في قوله: لنبيه ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُّبِيناً * لِّيَغْفِرَ لَكَ ٱللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ﴾ [الفتح: ١-٢] فجعل تمام النعمة أن غفر له ذنبه، وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى ٱلصَّلاةِ فٱغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: ٦] إلى قوله: ﴿وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: ٦] فعلمت حين جعل تمام النعمة على النبي ﷺ المغفرة أنها هنا، مثل ذلك حين قال: وليتم نعمته عليكم فهو المغفرة. * * ثم قال: ﴿وَٱلْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَىٰ﴾. أي: والعاقبة الصالحة من عمل كل عامل لأهل التقوى. * * ثم قال تعالى: ﴿وَقَالُواْ لَوْلاَ يَأْتِينَا بِآيَةٍ مِّن رَّبِّهِ﴾. أي: وقال المشركون هلاّ يأتينا محمد بآية من ربه، كما أتى صالح قومه بالناقة من ربه، وعيسى بإحياء الموتى، وإبراء الأكمه والأبرص. ثم قال الله تعالى جواباً لهم: ﴿أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ مَا فِي ٱلصُّحُفِ ٱلأُولَىٰ﴾. أي: ما في الكتب التي قبل هذا الكتاب من أخبار الأمم من قبلهم التي أهلكناهم لما سألوا الآيات. فكفروا بها لما أتتهم كيف عجلنا لهم العذاب. فالمعنى: فما يؤمنهم إن أتتهم آية أن يكون حالهم كحال أولئك. قال مجاهد: ﴿مَا فِي ٱلصُّحُفِ ٱلأُولَىٰ﴾: التوراة والإنجيل. وقال قتادة: ﴿ٱلصُّحُفِ ٱلأُولَىٰ﴾ الكتب التي خلت من الأمم التي يمشون في مساكنهم. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّآ أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِّن قَبْلِهِ﴾. أي: ولو أنا أهلكنا هؤلاء المشركين الذين يكذبون بهذا القرآن بعذاب من قبل ننزله عليهم. وقيل: من قبل أن نبعث داعياً يدعوهم إلى ما فرضنا عليهم. فالهاء تعود على القرآن، أو على النبي. * * ثم قال: ﴿لَقَالُواْ رَبَّنَا لَوْلاۤ أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً﴾. أي: لقالوا يوم القيامة إذا وردوا على الله تعالى، فأراد عقابهم: ربنا هلاّ أرسلت إلينا رسولاً يدعونا إلى طاعتك فنتبع آياتك، أي: حججك وأدلتك وأمرك ونهيك من قبل أن تذل بتعذيبك لنا ونخزي بها. روى الخدري عن النبي ﷺ أنه قال: يحتج على الله عز وجل يوم القيامة ثلاثة: الهالك في الفترة، والمغلوب على عقله، والصبي الصغير. فيقول المغلوب على عقله: لم يجعل لي عقلاً أنتفع به، ويقول الهالك: لم يأتني رسول ولا نبي، ولو أتاني لك رسول أو نبي لكنت أطوع خلقك لك، وقرأ ﴿لَوْلاۤ أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً﴾ ويقول الصغير: كنت صغيراً لا أعقل قال فترفع لهم النار فيقال لهم ردوها. قال: فيردها من كان في علم الله أنه سعيد، ويتلكأ عنها من كان في علم الله أنه شقي. فيقول: إياي عصيتم، فكيف برسلي لو أتتكم ثم قال: ﴿قُلْ كُلٌّ مُّتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُواْ﴾. أي قل يا محمد: كلكم أيها المشركون متربص، أي: منتظر دوائر الزمان، فتربصوا، أي: فترقبوا، وانتظروا ﴿فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحَابُ ٱلصِّرَاطِ ٱلسَّوِيِّ﴾. أي: من أهل الطريق المعتدل المستقيم، أنحن أم أنتم؟. * * ﴿وَمَنِ ٱهْتَدَىٰ﴾. أي: وستعلمون حينئذ من المهتدي الذي هو على سنن الطريق القاصد، غير الجائر عن قصده منا ومنكم. "ومن" استفهام في موضع رفع، لا يعمل فيها ستعلمون. وأجاز الفراء: أن تكون في موضع نصب بقوله: ستعلمون. بمنزلة ﴿وَٱللَّهُ يَعْلَمُ ٱلْمُفْسِدَ مِنَ ٱلْمُصْلِحِ﴾ [البقرة: ٢٢٠]. فإن جعلت "مَنْ" غير استفهام، جاز أن يعمل فيها ما قبلها. وقرأ يحيى بن يعمر وعاصم الجحدري: "السَّوَّى" بتشديد الواو من غير همز على "فعلى" أراد السوأي. ثم سهل الهمزة على البدل والإدغام وأنثها لأن الصراط يؤنث، والتذكير فيه أكثر.

طه 20:133

قوله تعالى ذكره: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِٱلصَّلاَةِ﴾ إلى آخر السورة. أي: وأمر أهلك بالدوام على الصلاة، واصطبر على القيام عليها والإتيان بها بحدودها. ﴿لاَ نَسْأَلُكَ رِزْقاً﴾ أي: أن ترزق نفسك ولا ترزق أحداً من العباد. وكان عمر رضي الله عنه إذا قام من الليل صلى، فإذا كان من السحر أيقظ أهله فقال: الصلاة الصلاة. وتأول هذه الآية، وامر أهلك بالصلاة... الآية. وكان رسول الله ﷺ إذا نزل بأهله ضيق أو شدة، أمرهم بالصلاة ثم قرأ ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِٱلصَّلاَةِ﴾... الآية. وكان رسول الله ﷺ إذا حز به أمر يصلي. وقال ﷺ في رواية عثمان بن عفان عنه: "من توضأ فأحسن الوضوء ثم صلى ركعتين غفر له قال محمد بن كعب: وكنت إذا سمعت الحديث طلبت تصديقه في كتاب الله عز وجل، فطلبت تصديق هذا فوجدته في كتاب الله عز وجل في قوله: لنبيه ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُّبِيناً * لِّيَغْفِرَ لَكَ ٱللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ﴾ [الفتح: ١-٢] فجعل تمام النعمة أن غفر له ذنبه، وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى ٱلصَّلاةِ فٱغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: ٦] إلى قوله: ﴿وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: ٦] فعلمت حين جعل تمام النعمة على النبي ﷺ المغفرة أنها هنا، مثل ذلك حين قال: وليتم نعمته عليكم فهو المغفرة. * * ثم قال: ﴿وَٱلْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَىٰ﴾. أي: والعاقبة الصالحة من عمل كل عامل لأهل التقوى. * * ثم قال تعالى: ﴿وَقَالُواْ لَوْلاَ يَأْتِينَا بِآيَةٍ مِّن رَّبِّهِ﴾. أي: وقال المشركون هلاّ يأتينا محمد بآية من ربه، كما أتى صالح قومه بالناقة من ربه، وعيسى بإحياء الموتى، وإبراء الأكمه والأبرص. ثم قال الله تعالى جواباً لهم: ﴿أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ مَا فِي ٱلصُّحُفِ ٱلأُولَىٰ﴾. أي: ما في الكتب التي قبل هذا الكتاب من أخبار الأمم من قبلهم التي أهلكناهم لما سألوا الآيات. فكفروا بها لما أتتهم كيف عجلنا لهم العذاب. فالمعنى: فما يؤمنهم إن أتتهم آية أن يكون حالهم كحال أولئك. قال مجاهد: ﴿مَا فِي ٱلصُّحُفِ ٱلأُولَىٰ﴾: التوراة والإنجيل. وقال قتادة: ﴿ٱلصُّحُفِ ٱلأُولَىٰ﴾ الكتب التي خلت من الأمم التي يمشون في مساكنهم. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّآ أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِّن قَبْلِهِ﴾. أي: ولو أنا أهلكنا هؤلاء المشركين الذين يكذبون بهذا القرآن بعذاب من قبل ننزله عليهم. وقيل: من قبل أن نبعث داعياً يدعوهم إلى ما فرضنا عليهم. فالهاء تعود على القرآن، أو على النبي. * * ثم قال: ﴿لَقَالُواْ رَبَّنَا لَوْلاۤ أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً﴾. أي: لقالوا يوم القيامة إذا وردوا على الله تعالى، فأراد عقابهم: ربنا هلاّ أرسلت إلينا رسولاً يدعونا إلى طاعتك فنتبع آياتك، أي: حججك وأدلتك وأمرك ونهيك من قبل أن تذل بتعذيبك لنا ونخزي بها. روى الخدري عن النبي ﷺ أنه قال: يحتج على الله عز وجل يوم القيامة ثلاثة: الهالك في الفترة، والمغلوب على عقله، والصبي الصغير. فيقول المغلوب على عقله: لم يجعل لي عقلاً أنتفع به، ويقول الهالك: لم يأتني رسول ولا نبي، ولو أتاني لك رسول أو نبي لكنت أطوع خلقك لك، وقرأ ﴿لَوْلاۤ أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً﴾ ويقول الصغير: كنت صغيراً لا أعقل قال فترفع لهم النار فيقال لهم ردوها. قال: فيردها من كان في علم الله أنه سعيد، ويتلكأ عنها من كان في علم الله أنه شقي. فيقول: إياي عصيتم، فكيف برسلي لو أتتكم ثم قال: ﴿قُلْ كُلٌّ مُّتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُواْ﴾. أي قل يا محمد: كلكم أيها المشركون متربص، أي: منتظر دوائر الزمان، فتربصوا، أي: فترقبوا، وانتظروا ﴿فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحَابُ ٱلصِّرَاطِ ٱلسَّوِيِّ﴾. أي: من أهل الطريق المعتدل المستقيم، أنحن أم أنتم؟. * * ﴿وَمَنِ ٱهْتَدَىٰ﴾. أي: وستعلمون حينئذ من المهتدي الذي هو على سنن الطريق القاصد، غير الجائر عن قصده منا ومنكم. "ومن" استفهام في موضع رفع، لا يعمل فيها ستعلمون. وأجاز الفراء: أن تكون في موضع نصب بقوله: ستعلمون. بمنزلة ﴿وَٱللَّهُ يَعْلَمُ ٱلْمُفْسِدَ مِنَ ٱلْمُصْلِحِ﴾ [البقرة: ٢٢٠]. فإن جعلت "مَنْ" غير استفهام، جاز أن يعمل فيها ما قبلها. وقرأ يحيى بن يعمر وعاصم الجحدري: "السَّوَّى" بتشديد الواو من غير همز على "فعلى" أراد السوأي. ثم سهل الهمزة على البدل والإدغام وأنثها لأن الصراط يؤنث، والتذكير فيه أكثر.

طه 20:134

قوله تعالى ذكره: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِٱلصَّلاَةِ﴾ إلى آخر السورة. أي: وأمر أهلك بالدوام على الصلاة، واصطبر على القيام عليها والإتيان بها بحدودها. ﴿لاَ نَسْأَلُكَ رِزْقاً﴾ أي: أن ترزق نفسك ولا ترزق أحداً من العباد. وكان عمر رضي الله عنه إذا قام من الليل صلى، فإذا كان من السحر أيقظ أهله فقال: الصلاة الصلاة. وتأول هذه الآية، وامر أهلك بالصلاة... الآية. وكان رسول الله ﷺ إذا نزل بأهله ضيق أو شدة، أمرهم بالصلاة ثم قرأ ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِٱلصَّلاَةِ﴾... الآية. وكان رسول الله ﷺ إذا حز به أمر يصلي. وقال ﷺ في رواية عثمان بن عفان عنه: "من توضأ فأحسن الوضوء ثم صلى ركعتين غفر له قال محمد بن كعب: وكنت إذا سمعت الحديث طلبت تصديقه في كتاب الله عز وجل، فطلبت تصديق هذا فوجدته في كتاب الله عز وجل في قوله: لنبيه ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُّبِيناً * لِّيَغْفِرَ لَكَ ٱللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ﴾ [الفتح: ١-٢] فجعل تمام النعمة أن غفر له ذنبه، وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى ٱلصَّلاةِ فٱغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: ٦] إلى قوله: ﴿وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: ٦] فعلمت حين جعل تمام النعمة على النبي ﷺ المغفرة أنها هنا، مثل ذلك حين قال: وليتم نعمته عليكم فهو المغفرة. * * ثم قال: ﴿وَٱلْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَىٰ﴾. أي: والعاقبة الصالحة من عمل كل عامل لأهل التقوى. * * ثم قال تعالى: ﴿وَقَالُواْ لَوْلاَ يَأْتِينَا بِآيَةٍ مِّن رَّبِّهِ﴾. أي: وقال المشركون هلاّ يأتينا محمد بآية من ربه، كما أتى صالح قومه بالناقة من ربه، وعيسى بإحياء الموتى، وإبراء الأكمه والأبرص. ثم قال الله تعالى جواباً لهم: ﴿أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ مَا فِي ٱلصُّحُفِ ٱلأُولَىٰ﴾. أي: ما في الكتب التي قبل هذا الكتاب من أخبار الأمم من قبلهم التي أهلكناهم لما سألوا الآيات. فكفروا بها لما أتتهم كيف عجلنا لهم العذاب. فالمعنى: فما يؤمنهم إن أتتهم آية أن يكون حالهم كحال أولئك. قال مجاهد: ﴿مَا فِي ٱلصُّحُفِ ٱلأُولَىٰ﴾: التوراة والإنجيل. وقال قتادة: ﴿ٱلصُّحُفِ ٱلأُولَىٰ﴾ الكتب التي خلت من الأمم التي يمشون في مساكنهم. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّآ أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِّن قَبْلِهِ﴾. أي: ولو أنا أهلكنا هؤلاء المشركين الذين يكذبون بهذا القرآن بعذاب من قبل ننزله عليهم. وقيل: من قبل أن نبعث داعياً يدعوهم إلى ما فرضنا عليهم. فالهاء تعود على القرآن، أو على النبي. * * ثم قال: ﴿لَقَالُواْ رَبَّنَا لَوْلاۤ أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً﴾. أي: لقالوا يوم القيامة إذا وردوا على الله تعالى، فأراد عقابهم: ربنا هلاّ أرسلت إلينا رسولاً يدعونا إلى طاعتك فنتبع آياتك، أي: حججك وأدلتك وأمرك ونهيك من قبل أن تذل بتعذيبك لنا ونخزي بها. روى الخدري عن النبي ﷺ أنه قال: يحتج على الله عز وجل يوم القيامة ثلاثة: الهالك في الفترة، والمغلوب على عقله، والصبي الصغير. فيقول المغلوب على عقله: لم يجعل لي عقلاً أنتفع به، ويقول الهالك: لم يأتني رسول ولا نبي، ولو أتاني لك رسول أو نبي لكنت أطوع خلقك لك، وقرأ ﴿لَوْلاۤ أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً﴾ ويقول الصغير: كنت صغيراً لا أعقل قال فترفع لهم النار فيقال لهم ردوها. قال: فيردها من كان في علم الله أنه سعيد، ويتلكأ عنها من كان في علم الله أنه شقي. فيقول: إياي عصيتم، فكيف برسلي لو أتتكم ثم قال: ﴿قُلْ كُلٌّ مُّتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُواْ﴾. أي قل يا محمد: كلكم أيها المشركون متربص، أي: منتظر دوائر الزمان، فتربصوا، أي: فترقبوا، وانتظروا ﴿فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحَابُ ٱلصِّرَاطِ ٱلسَّوِيِّ﴾. أي: من أهل الطريق المعتدل المستقيم، أنحن أم أنتم؟. * * ﴿وَمَنِ ٱهْتَدَىٰ﴾. أي: وستعلمون حينئذ من المهتدي الذي هو على سنن الطريق القاصد، غير الجائر عن قصده منا ومنكم. "ومن" استفهام في موضع رفع، لا يعمل فيها ستعلمون. وأجاز الفراء: أن تكون في موضع نصب بقوله: ستعلمون. بمنزلة ﴿وَٱللَّهُ يَعْلَمُ ٱلْمُفْسِدَ مِنَ ٱلْمُصْلِحِ﴾ [البقرة: ٢٢٠]. فإن جعلت "مَنْ" غير استفهام، جاز أن يعمل فيها ما قبلها. وقرأ يحيى بن يعمر وعاصم الجحدري: "السَّوَّى" بتشديد الواو من غير همز على "فعلى" أراد السوأي. ثم سهل الهمزة على البدل والإدغام وأنثها لأن الصراط يؤنث، والتذكير فيه أكثر.

طه 20:135

قوله تعالى ذكره: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِٱلصَّلاَةِ﴾ إلى آخر السورة. أي: وأمر أهلك بالدوام على الصلاة، واصطبر على القيام عليها والإتيان بها بحدودها. ﴿لاَ نَسْأَلُكَ رِزْقاً﴾ أي: أن ترزق نفسك ولا ترزق أحداً من العباد. وكان عمر رضي الله عنه إذا قام من الليل صلى، فإذا كان من السحر أيقظ أهله فقال: الصلاة الصلاة. وتأول هذه الآية، وامر أهلك بالصلاة... الآية. وكان رسول الله ﷺ إذا نزل بأهله ضيق أو شدة، أمرهم بالصلاة ثم قرأ ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِٱلصَّلاَةِ﴾... الآية. وكان رسول الله ﷺ إذا حز به أمر يصلي. وقال ﷺ في رواية عثمان بن عفان عنه: "من توضأ فأحسن الوضوء ثم صلى ركعتين غفر له قال محمد بن كعب: وكنت إذا سمعت الحديث طلبت تصديقه في كتاب الله عز وجل، فطلبت تصديق هذا فوجدته في كتاب الله عز وجل في قوله: لنبيه ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُّبِيناً * لِّيَغْفِرَ لَكَ ٱللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ﴾ [الفتح: ١-٢] فجعل تمام النعمة أن غفر له ذنبه، وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى ٱلصَّلاةِ فٱغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: ٦] إلى قوله: ﴿وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: ٦] فعلمت حين جعل تمام النعمة على النبي ﷺ المغفرة أنها هنا، مثل ذلك حين قال: وليتم نعمته عليكم فهو المغفرة. * * ثم قال: ﴿وَٱلْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَىٰ﴾. أي: والعاقبة الصالحة من عمل كل عامل لأهل التقوى. * * ثم قال تعالى: ﴿وَقَالُواْ لَوْلاَ يَأْتِينَا بِآيَةٍ مِّن رَّبِّهِ﴾. أي: وقال المشركون هلاّ يأتينا محمد بآية من ربه، كما أتى صالح قومه بالناقة من ربه، وعيسى بإحياء الموتى، وإبراء الأكمه والأبرص. ثم قال الله تعالى جواباً لهم: ﴿أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ مَا فِي ٱلصُّحُفِ ٱلأُولَىٰ﴾. أي: ما في الكتب التي قبل هذا الكتاب من أخبار الأمم من قبلهم التي أهلكناهم لما سألوا الآيات. فكفروا بها لما أتتهم كيف عجلنا لهم العذاب. فالمعنى: فما يؤمنهم إن أتتهم آية أن يكون حالهم كحال أولئك. قال مجاهد: ﴿مَا فِي ٱلصُّحُفِ ٱلأُولَىٰ﴾: التوراة والإنجيل. وقال قتادة: ﴿ٱلصُّحُفِ ٱلأُولَىٰ﴾ الكتب التي خلت من الأمم التي يمشون في مساكنهم. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّآ أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِّن قَبْلِهِ﴾. أي: ولو أنا أهلكنا هؤلاء المشركين الذين يكذبون بهذا القرآن بعذاب من قبل ننزله عليهم. وقيل: من قبل أن نبعث داعياً يدعوهم إلى ما فرضنا عليهم. فالهاء تعود على القرآن، أو على النبي. * * ثم قال: ﴿لَقَالُواْ رَبَّنَا لَوْلاۤ أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً﴾. أي: لقالوا يوم القيامة إذا وردوا على الله تعالى، فأراد عقابهم: ربنا هلاّ أرسلت إلينا رسولاً يدعونا إلى طاعتك فنتبع آياتك، أي: حججك وأدلتك وأمرك ونهيك من قبل أن تذل بتعذيبك لنا ونخزي بها. روى الخدري عن النبي ﷺ أنه قال: يحتج على الله عز وجل يوم القيامة ثلاثة: الهالك في الفترة، والمغلوب على عقله، والصبي الصغير. فيقول المغلوب على عقله: لم يجعل لي عقلاً أنتفع به، ويقول الهالك: لم يأتني رسول ولا نبي، ولو أتاني لك رسول أو نبي لكنت أطوع خلقك لك، وقرأ ﴿لَوْلاۤ أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً﴾ ويقول الصغير: كنت صغيراً لا أعقل قال فترفع لهم النار فيقال لهم ردوها. قال: فيردها من كان في علم الله أنه سعيد، ويتلكأ عنها من كان في علم الله أنه شقي. فيقول: إياي عصيتم، فكيف برسلي لو أتتكم ثم قال: ﴿قُلْ كُلٌّ مُّتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُواْ﴾. أي قل يا محمد: كلكم أيها المشركون متربص، أي: منتظر دوائر الزمان، فتربصوا، أي: فترقبوا، وانتظروا ﴿فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحَابُ ٱلصِّرَاطِ ٱلسَّوِيِّ﴾. أي: من أهل الطريق المعتدل المستقيم، أنحن أم أنتم؟. * * ﴿وَمَنِ ٱهْتَدَىٰ﴾. أي: وستعلمون حينئذ من المهتدي الذي هو على سنن الطريق القاصد، غير الجائر عن قصده منا ومنكم. "ومن" استفهام في موضع رفع، لا يعمل فيها ستعلمون. وأجاز الفراء: أن تكون في موضع نصب بقوله: ستعلمون. بمنزلة ﴿وَٱللَّهُ يَعْلَمُ ٱلْمُفْسِدَ مِنَ ٱلْمُصْلِحِ﴾ [البقرة: ٢٢٠]. فإن جعلت "مَنْ" غير استفهام، جاز أن يعمل فيها ما قبلها. وقرأ يحيى بن يعمر وعاصم الجحدري: "السَّوَّى" بتشديد الواو من غير همز على "فعلى" أراد السوأي. ثم سهل الهمزة على البدل والإدغام وأنثها لأن الصراط يؤنث، والتذكير فيه أكثر.