Tafsir Makhi — الأنبياء 21:72 – الحج 22:32
المحتويات
- الأنبياء 21:72
- الأنبياء 21:73
- الأنبياء 21:74
- الأنبياء 21:75
- الأنبياء 21:76
- الأنبياء 21:77
- الأنبياء 21:78
- الأنبياء 21:79
- الأنبياء 21:80
- الأنبياء 21:81
- الأنبياء 21:82
- الأنبياء 21:83
- الأنبياء 21:84
- الأنبياء 21:85
- الأنبياء 21:86
- الأنبياء 21:87
- الأنبياء 21:88
- الأنبياء 21:89
- الأنبياء 21:90
- الأنبياء 21:91
- الأنبياء 21:92
- الأنبياء 21:93
- الأنبياء 21:94
- الأنبياء 21:95
- الأنبياء 21:96
- الأنبياء 21:97
- الأنبياء 21:98
- الأنبياء 21:99
- الأنبياء 21:100
- الأنبياء 21:101
- الأنبياء 21:102
- الأنبياء 21:103
- الأنبياء 21:104
- الأنبياء 21:105
- الأنبياء 21:106
- الأنبياء 21:107
- الأنبياء 21:108
- الأنبياء 21:109
- الأنبياء 21:110
- الأنبياء 21:111
- الأنبياء 21:112
- الحج 22:1
- الحج 22:2
- الحج 22:3
- الحج 22:4
- الحج 22:5
- الحج 22:6
- الحج 22:7
- الحج 22:8
- الحج 22:9
- الحج 22:10
- الحج 22:11
- الحج 22:12
- الحج 22:13
- الحج 22:14
- الحج 22:15
- الحج 22:16
- الحج 22:17
- الحج 22:18
- الحج 22:19
- الحج 22:20
- الحج 22:21
- الحج 22:22
- الحج 22:23
- الحج 22:24
- الحج 22:25
- الحج 22:26
- الحج 22:27
- الحج 22:28
- الحج 22:29
- الحج 22:30
- الحج 22:31
- الحج 22:32
الأنبياء 21:72
قوله تعالى ذكره: ﴿وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطاً﴾ إلى قوله: ﴿لَنَا عَابِدِينَ﴾. أي: ونجينا إبراهيم ولوطاً من أعدائهما نمرود وقومه، من أرض العراق إلى الأرض التي باركنا فيها للعالمين. وهي أرض الشام قاله قتادة والحسن، وقاله أُبي بن كعب وغيرهم. وكان لوطاً ابن أخي إبراهيم.
ويروى أن سارة زوج إبراهيم أخت لوط، يريدون أخت لوط لأمه، إذ لا يحل تزوج أخت ابن الأخ لأب أو لأب وأم. ولوط هو ابن هارون بن بارح أبي إبراهيم. وهارون هو أخو إبراهيم. وكان نمرود إله أريكوثا من أرض العراق فهاجرا إلى أرض الشام، خرجا إليها مهاجرين.
ويروى أن جميع الأمواه العذبة تخرج من تحت الصخرة التي ببيت المقدس.
ويقال: هي أرض المحشر والمنشر. وبها يجتمع الناس وبها ينزل عيسى، وبها يهلك الله مسيح الضلالة الكذاب الدجال.
قال ابن إسحاق: خرج إبراهيم مهاجراً إلى ربه، وخرج معه لوط مهاجراً، وتزوج إبراهيم سارة بنت عمه، فخرج بها معه يلتمس الفرار بدينه والأمان على عبادة ربه، حتى نزل حران، فمكث بها ما شاء الله أن يمكث. ثم خرج منها مهاجراً حتى قدم مصر، ثم خرج من مصر إلى الشام، فنزل السبع من أرض فلسطين وهي برية الشام ونزل لوط بالمؤتفكة. وهي من السبع على مسيرة يوم وليلة وأقرب من ذلك، فبعثه الله نبياً.
وقيل: إن سارة إنما هي بنت ملك حران، تزوجها واشترط لها ألا يغيرها. وكان لوط ابن أخت إبراهيم. وكان مسكن لوط بحران.
وقال ابن عباس قوله: ﴿إِلَى ٱلأَرْضِ ٱلَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ﴾. مكة ونزول إسماعيل البيت، ودل على ذلك قوله: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ﴾ [آل عمران: ٩٦].
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً﴾ أي: ولد الولد فالنافلة يعقوب. قاله: ابن عباس وقتادة.
وقال ابن جريج: النافلة: إسحاق ويعقوب.
ومعنى النافلة: عطية. أي: وهبناهما له عطية من عندنا وكذلك قال مجاهد. فعلى القول الأول، يقف على "إسحاق" وعلى هذا القول، لا تقف عليه.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَكُلاًّ جَعَلْنَا صَالِحِينَ﴾.
أي: وكلهم جعلنا عاملين بطاعة الله.
* *
ثم قال: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا﴾.
أي: أئمة يهتدى بهم في أمر الله، قاله قتادة.
وقيل: جعلهم أئمة يؤتم بهم في الخير.
وقيل: المعنى: يهدون الناس بأمر الله إياهم بذلك، ويدعونهم إلى الله وإلى عبادته.
* *
﴿وَأَوْحَيْنَآ إِلَيْهِمْ فِعْلَ ٱلْخَيْرَاتِ﴾.
أي: أن افعلوا الخيرات وأقيموا الصلاة وأتوا الزكاة، أي: أمرناهم بذلك. فالمصدر، يقدر بأن والفعل.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَكَانُواْ لَنَا عَابِدِينَ﴾.
أي: خاشعين لا يستكبرون عن عبادتنا.
و "عابدين" وقف إن نصبت "ولوطاً" بإضمار فعل. أي: واذكر لوطاً.
الأنبياء 21:73
قوله تعالى ذكره: ﴿وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطاً﴾ إلى قوله: ﴿لَنَا عَابِدِينَ﴾. أي: ونجينا إبراهيم ولوطاً من أعدائهما نمرود وقومه، من أرض العراق إلى الأرض التي باركنا فيها للعالمين. وهي أرض الشام قاله قتادة والحسن، وقاله أُبي بن كعب وغيرهم. وكان لوطاً ابن أخي إبراهيم.
ويروى أن سارة زوج إبراهيم أخت لوط، يريدون أخت لوط لأمه، إذ لا يحل تزوج أخت ابن الأخ لأب أو لأب وأم. ولوط هو ابن هارون بن بارح أبي إبراهيم. وهارون هو أخو إبراهيم. وكان نمرود إله أريكوثا من أرض العراق فهاجرا إلى أرض الشام، خرجا إليها مهاجرين.
ويروى أن جميع الأمواه العذبة تخرج من تحت الصخرة التي ببيت المقدس.
ويقال: هي أرض المحشر والمنشر. وبها يجتمع الناس وبها ينزل عيسى، وبها يهلك الله مسيح الضلالة الكذاب الدجال.
قال ابن إسحاق: خرج إبراهيم مهاجراً إلى ربه، وخرج معه لوط مهاجراً، وتزوج إبراهيم سارة بنت عمه، فخرج بها معه يلتمس الفرار بدينه والأمان على عبادة ربه، حتى نزل حران، فمكث بها ما شاء الله أن يمكث. ثم خرج منها مهاجراً حتى قدم مصر، ثم خرج من مصر إلى الشام، فنزل السبع من أرض فلسطين وهي برية الشام ونزل لوط بالمؤتفكة. وهي من السبع على مسيرة يوم وليلة وأقرب من ذلك، فبعثه الله نبياً.
وقيل: إن سارة إنما هي بنت ملك حران، تزوجها واشترط لها ألا يغيرها. وكان لوط ابن أخت إبراهيم. وكان مسكن لوط بحران.
وقال ابن عباس قوله: ﴿إِلَى ٱلأَرْضِ ٱلَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ﴾. مكة ونزول إسماعيل البيت، ودل على ذلك قوله: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ﴾ [آل عمران: ٩٦].
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً﴾ أي: ولد الولد فالنافلة يعقوب. قاله: ابن عباس وقتادة.
وقال ابن جريج: النافلة: إسحاق ويعقوب.
ومعنى النافلة: عطية. أي: وهبناهما له عطية من عندنا وكذلك قال مجاهد. فعلى القول الأول، يقف على "إسحاق" وعلى هذا القول، لا تقف عليه.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَكُلاًّ جَعَلْنَا صَالِحِينَ﴾.
أي: وكلهم جعلنا عاملين بطاعة الله.
* *
ثم قال: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا﴾.
أي: أئمة يهتدى بهم في أمر الله، قاله قتادة.
وقيل: جعلهم أئمة يؤتم بهم في الخير.
وقيل: المعنى: يهدون الناس بأمر الله إياهم بذلك، ويدعونهم إلى الله وإلى عبادته.
* *
﴿وَأَوْحَيْنَآ إِلَيْهِمْ فِعْلَ ٱلْخَيْرَاتِ﴾.
أي: أن افعلوا الخيرات وأقيموا الصلاة وأتوا الزكاة، أي: أمرناهم بذلك. فالمصدر، يقدر بأن والفعل.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَكَانُواْ لَنَا عَابِدِينَ﴾.
أي: خاشعين لا يستكبرون عن عبادتنا.
و "عابدين" وقف إن نصبت "ولوطاً" بإضمار فعل. أي: واذكر لوطاً.
الأنبياء 21:74
قوله تعالى: ﴿وَلُوطاً آتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً﴾ إلى قوله: ﴿فَهَلْ أَنتُمْ شَاكِرُونَ﴾.
المعنى: وآتينا لوطاً آتيناه حكماً وهو فعل القضاء بين الخصمين وعلماً بأمر دينه. ﴿وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ ٱلْقَرْيَةِ ٱلَّتِي كَانَت تَّعْمَلُ ٱلْخَبَائِثَ﴾، أي: من العذاب الذي نزل بالقرية، وهي قرية سدوم التي بعث لوط إلى أهلها، والخبائث هو إتيان الذكور في أدبارهم وإظهار المنكر في مجالسهم، فأخرجه الله مع ابنتيه ومن آمن إلى الشام حين أراد الله إهلاك قومه، لأنهم كانوا قوم سوء "فاسقين". أي: خارجين عن طاعة الله تعالى مخالفين لأمره.
* *
ثم قال: ﴿وَأَدْخَلْنَاهُ فِي رَحْمَتِنَآ﴾.
أي: أنجيناه من العذاب فدخل في الرحمة.
وقال ابن زيد: هو دخوله في الإسلام.
* *
﴿إِنَّهُ مِنَ ٱلصَّالِحِينَ﴾.
أي: من العاملين بطاعة الله.
ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَنُوحاً إِذْ نَادَىٰ مِن قَبْلُ﴾.
أي: واذكر نوحاً إذ نادى ربه من قبلك. ومن قبل إبراهيم ولوط، وسأل أن يهلك قومه الذين كذبوه فاستجبنا له دعاءه، ونجيناه وأهله. يعني أهل الإيمان من ولده وحلائله من الكرب العظيم، وهو الغرق الذي حل بقومه، وبجميع من في الأرض.
* *
ثم قال: ﴿وَنَصَرْنَاهُ مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا﴾.
أي: ونصرناه على القوم المكذبين، فأنجيناه منهم وأغرقناهم أجمعين، لأنهم كانوا قوم سوء، يعصون الله، ويكذبون رسوله. فـ "من" بمعنى "على".
* *
ثم قال: ﴿وَأَدْخَلْنَاهُ فِي رَحْمَتِنَآ﴾ أي: بالنجاة.
وقيل: في الإسلام.
"إنه من الصالحين" من العالمين بطاعة الله.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي ٱلْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ ٱلْقَوْمِ﴾.
أي: واذكر داود وسليمان حين يحكمان في الحرث.
قال قتادة: ذكر لنا أن غنم القوم وقعت في كرم ليلاً.
وقال ابن مسعود: كان ذلك الحرث كرماً قد أنبت عناقيده.
يقال: نفشت الغنم، إذا رعت ليلاً. فهي نفاش ونفاش ونفش وإذا رعت النهار قيل: سرحت وسَرَبَت وهملت.
قال الزهري: النفش بالليل والهمل بالنهار.
* *
وقوله: ﴿وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ﴾ أي: لحكم داود وسليمان والقوم الذين حكما بينهم شاهدين، لا يخفى علينا منه شيء، ولا يغيب.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ﴾ أي: ففهمنا القضية سليمان دون داود، ﴿وَكُلاًّ آتَيْنَا حُكْماً وَعِلْماً﴾ أي: وكلهم، يعني داود وسليمان والرسل المذكورين في هذه السورة. ﴿آتَيْنَا حُكْماً﴾ يعني النبوة وعلماً بأحكام الله.
قال ابن عباس: دخلت الغنم ليلاً، فأفسدت الكرم، فاختصموا إلى داود. فقضى بالغنم لصاحب الكرم، فمروا على سليمان، فأخبروه فقال: كان غير هذا الحكم أرفق بالجميع. فدخل صاحب الغنم، فأخبر داود، فقال لسليمان: كيف الحكم عندك. فقال: يا نبي الله، تدفع الغنم إلى صاحب الحرث، فيصيب من ألبانها وأصوافها وأولادها، وتدفع الكرم إلى صاحب الغنم يقوم به حتى يرجع إلى حاله. فإذا رجع إلى حاله، سلم الكرم إلى صاحبه والغنم إلى صاحبها. وكذلك قال مجاهد وشريح وقتادة وجماعة من الكوفيين يزعمون أن هذا الحكم منسوخ، وأن البهائم إذا أفسدت زرعاً ليلاً أو نهاراً أنه لا يلزم أصحابها شيء .
قال: هو منسوخ بقوله ﷺ:
"العجماء جبار" ولم يقل بهذا أحد غير أبي حنيفة.
وقد حكم بالضمان لما أفسدت البهائم بالليل ثلاثة من الأنبياء: داود وسليمان ومحمد ﷺ. قضى النبي أن على أهل الثمار حفظها بالنهار، وضمن أصحاب الماشية ما أصابت ماشيتهم بالليل.
وقال أبو حنيفة: لا ضمان.
ومعنى قوله ﷺ: "جرح العجماء جبار" إنما يعني به ما أصابت البهيمة فلا أرش فيه إذا لم يكن على صاحبها حفظها، لأن العلماء قد أجمعوا على أن على راكب الدابة ما أصابت بيديها، إذ عليه حفظها ولا خلاف فيها إلا خلاف من لا يعد خلافاً. فإذا لزم ما أصابت بيديها الدابة فليس بجبار إلا إذا لم يكن على صاحبها حفظها وتضمين أصحاب الماشية ما أصابت بالليل. وهو قول مالك والشافعي.
فالذي يحكم به في مثل هذه القضية في الإسلام أن يقوم ما أفسدته الماشية من الكرم، ويغرمه أرباب الماشية لأهل الكرم، لأن حفظ الليل كان عليهم لازماً، فلما فرطوا ضمنوا الجناية.
ويروى أن ناقة للبراء بن عازب رعت نباتاً لقوم، فقضى رسول الله عليه السلام أن على أهل الثمار حفظها بالنهار، وضمن أصحاب المواشي ما أصابت مواشيهم بالليل.
وخالف أبو حنيفة هذا الحكم، وزعم أنه منسوخ بقول النبي ﷺ: العجماء جبار. والرواية عند أهل الحديث: العجماء جرحها جبار. وقد أجمع أن على راكب الدابة ما أصابت بيديها، فدل ذلك أن ما أصابت جبار إذا لم يكن صاحبها معها أو قائدها. فخالف أبو حنيفة، في هذا داود وسليمان ومحمداً ﷺ وجميع العلماء. "وجبار" مشتق من جبرت العظم، إذا لامته، وجبرت الرِّجْلَ، إذا نعشته فكان صاحبها يجبر وينعش بإسقاط ما جنته الدابة عنه من غير أن يكون له فيه فعل.
ويجوز أن يكون من أجبرت الرجل على الشيء، إذا قهرته عليه، فتكون الدابة كلها مجبرة من حيث عليه أن لا يأخذ في الجناية بشيء.
وقد قيل: إن الذي أفسدت الماشية كان زرعاً فقضى فيه سليمان أن يأخذ صاحب الزرع الماشية ينتفع بألبانها. وأصوافها إلى أن يأتي حول ثاني، ويزرع له صاحب الماشية مثل زرعه. فإذا بلغ الحد الذي كان عليه وقت رعته الماشية، دفعه إلى صاحب الزرع، وأخذ ماشيته.
وقيل: كانا نبيين يحكمان في وقت بأمر الله ووحيه. فكان داود يحكم بحكم أمره الله به. فيحكم به في الزرع، ثم نسخه الله، فأوحى إلى سليمان نسخه فحكم به في ذلك. فكل حكم بحكم الله تعالى وأمره له. وحكم سليمان ناسخ لحكم داود بأمر الله له ووحيه إليه. ولذلك قال: وكلاً آتينا حكماً وعلماً.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَكُلاًّ آتَيْنَا حُكْماً وَعِلْماً﴾.
قال زيد بن أسلم: الحكم، أو الحكمة العقل.
وقال مالك: وإنه ليقع بقلبي أن الحكمة، الفقه بدين الله عز وجل، ولين يدخله الله القلوب من رحمته وفضله.
* *
ثم قال: ﴿وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ ٱلْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ﴾.
أي: يسبحن معه إذا سبح.
وقال قتادة: "معنى" يسبحن هنا، يصلين معه إذا صلى. "والطير" يجوز أن يدخلن في التسبيح مع الجبال، وهو الأولى، ويجوز أن يدخلن في التسخير لا غير.
* *
ثم قال: ﴿وَكُنَّا فَاعِلِينَ﴾.
أي: فاعلين بقدر ما نريد.
وقيل: المعنى: وكنا فاعلين للأنبياء مثل هذه الآيات.
وقيل: معناه: وكنا قضينا أن نفعل ذلك به في أم الكتاب.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَّكُمْ﴾.
أي: وعلمنا لداود صنعة سلاح وهو الدرع هنا. واللبوس في كلام العرب: السلاح كله: الدرع والسيف والرمح وغير ذلك. وكان أول من صنع هذه الحلق والسرد داود.
* *
وقوله: ﴿لِتُحْصِنَكُمْ﴾ أي: ليُحرزكم إذا لبستموها، ولقيتم أعداءكم من القتل، فهل أنتم أيها الناس شاكرون الله على نعمه عندكم.
الأنبياء 21:75
قوله تعالى: ﴿وَلُوطاً آتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً﴾ إلى قوله: ﴿فَهَلْ أَنتُمْ شَاكِرُونَ﴾.
المعنى: وآتينا لوطاً آتيناه حكماً وهو فعل القضاء بين الخصمين وعلماً بأمر دينه. ﴿وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ ٱلْقَرْيَةِ ٱلَّتِي كَانَت تَّعْمَلُ ٱلْخَبَائِثَ﴾، أي: من العذاب الذي نزل بالقرية، وهي قرية سدوم التي بعث لوط إلى أهلها، والخبائث هو إتيان الذكور في أدبارهم وإظهار المنكر في مجالسهم، فأخرجه الله مع ابنتيه ومن آمن إلى الشام حين أراد الله إهلاك قومه، لأنهم كانوا قوم سوء "فاسقين". أي: خارجين عن طاعة الله تعالى مخالفين لأمره.
* *
ثم قال: ﴿وَأَدْخَلْنَاهُ فِي رَحْمَتِنَآ﴾.
أي: أنجيناه من العذاب فدخل في الرحمة.
وقال ابن زيد: هو دخوله في الإسلام.
* *
﴿إِنَّهُ مِنَ ٱلصَّالِحِينَ﴾.
أي: من العاملين بطاعة الله.
ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَنُوحاً إِذْ نَادَىٰ مِن قَبْلُ﴾.
أي: واذكر نوحاً إذ نادى ربه من قبلك. ومن قبل إبراهيم ولوط، وسأل أن يهلك قومه الذين كذبوه فاستجبنا له دعاءه، ونجيناه وأهله. يعني أهل الإيمان من ولده وحلائله من الكرب العظيم، وهو الغرق الذي حل بقومه، وبجميع من في الأرض.
* *
ثم قال: ﴿وَنَصَرْنَاهُ مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا﴾.
أي: ونصرناه على القوم المكذبين، فأنجيناه منهم وأغرقناهم أجمعين، لأنهم كانوا قوم سوء، يعصون الله، ويكذبون رسوله. فـ "من" بمعنى "على".
* *
ثم قال: ﴿وَأَدْخَلْنَاهُ فِي رَحْمَتِنَآ﴾ أي: بالنجاة.
وقيل: في الإسلام.
"إنه من الصالحين" من العالمين بطاعة الله.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي ٱلْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ ٱلْقَوْمِ﴾.
أي: واذكر داود وسليمان حين يحكمان في الحرث.
قال قتادة: ذكر لنا أن غنم القوم وقعت في كرم ليلاً.
وقال ابن مسعود: كان ذلك الحرث كرماً قد أنبت عناقيده.
يقال: نفشت الغنم، إذا رعت ليلاً. فهي نفاش ونفاش ونفش وإذا رعت النهار قيل: سرحت وسَرَبَت وهملت.
قال الزهري: النفش بالليل والهمل بالنهار.
* *
وقوله: ﴿وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ﴾ أي: لحكم داود وسليمان والقوم الذين حكما بينهم شاهدين، لا يخفى علينا منه شيء، ولا يغيب.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ﴾ أي: ففهمنا القضية سليمان دون داود، ﴿وَكُلاًّ آتَيْنَا حُكْماً وَعِلْماً﴾ أي: وكلهم، يعني داود وسليمان والرسل المذكورين في هذه السورة. ﴿آتَيْنَا حُكْماً﴾ يعني النبوة وعلماً بأحكام الله.
قال ابن عباس: دخلت الغنم ليلاً، فأفسدت الكرم، فاختصموا إلى داود. فقضى بالغنم لصاحب الكرم، فمروا على سليمان، فأخبروه فقال: كان غير هذا الحكم أرفق بالجميع. فدخل صاحب الغنم، فأخبر داود، فقال لسليمان: كيف الحكم عندك. فقال: يا نبي الله، تدفع الغنم إلى صاحب الحرث، فيصيب من ألبانها وأصوافها وأولادها، وتدفع الكرم إلى صاحب الغنم يقوم به حتى يرجع إلى حاله. فإذا رجع إلى حاله، سلم الكرم إلى صاحبه والغنم إلى صاحبها. وكذلك قال مجاهد وشريح وقتادة وجماعة من الكوفيين يزعمون أن هذا الحكم منسوخ، وأن البهائم إذا أفسدت زرعاً ليلاً أو نهاراً أنه لا يلزم أصحابها شيء .
قال: هو منسوخ بقوله ﷺ:
"العجماء جبار" ولم يقل بهذا أحد غير أبي حنيفة.
وقد حكم بالضمان لما أفسدت البهائم بالليل ثلاثة من الأنبياء: داود وسليمان ومحمد ﷺ. قضى النبي أن على أهل الثمار حفظها بالنهار، وضمن أصحاب الماشية ما أصابت ماشيتهم بالليل.
وقال أبو حنيفة: لا ضمان.
ومعنى قوله ﷺ: "جرح العجماء جبار" إنما يعني به ما أصابت البهيمة فلا أرش فيه إذا لم يكن على صاحبها حفظها، لأن العلماء قد أجمعوا على أن على راكب الدابة ما أصابت بيديها، إذ عليه حفظها ولا خلاف فيها إلا خلاف من لا يعد خلافاً. فإذا لزم ما أصابت بيديها الدابة فليس بجبار إلا إذا لم يكن على صاحبها حفظها وتضمين أصحاب الماشية ما أصابت بالليل. وهو قول مالك والشافعي.
فالذي يحكم به في مثل هذه القضية في الإسلام أن يقوم ما أفسدته الماشية من الكرم، ويغرمه أرباب الماشية لأهل الكرم، لأن حفظ الليل كان عليهم لازماً، فلما فرطوا ضمنوا الجناية.
ويروى أن ناقة للبراء بن عازب رعت نباتاً لقوم، فقضى رسول الله عليه السلام أن على أهل الثمار حفظها بالنهار، وضمن أصحاب المواشي ما أصابت مواشيهم بالليل.
وخالف أبو حنيفة هذا الحكم، وزعم أنه منسوخ بقول النبي ﷺ: العجماء جبار. والرواية عند أهل الحديث: العجماء جرحها جبار. وقد أجمع أن على راكب الدابة ما أصابت بيديها، فدل ذلك أن ما أصابت جبار إذا لم يكن صاحبها معها أو قائدها. فخالف أبو حنيفة، في هذا داود وسليمان ومحمداً ﷺ وجميع العلماء. "وجبار" مشتق من جبرت العظم، إذا لامته، وجبرت الرِّجْلَ، إذا نعشته فكان صاحبها يجبر وينعش بإسقاط ما جنته الدابة عنه من غير أن يكون له فيه فعل.
ويجوز أن يكون من أجبرت الرجل على الشيء، إذا قهرته عليه، فتكون الدابة كلها مجبرة من حيث عليه أن لا يأخذ في الجناية بشيء.
وقد قيل: إن الذي أفسدت الماشية كان زرعاً فقضى فيه سليمان أن يأخذ صاحب الزرع الماشية ينتفع بألبانها. وأصوافها إلى أن يأتي حول ثاني، ويزرع له صاحب الماشية مثل زرعه. فإذا بلغ الحد الذي كان عليه وقت رعته الماشية، دفعه إلى صاحب الزرع، وأخذ ماشيته.
وقيل: كانا نبيين يحكمان في وقت بأمر الله ووحيه. فكان داود يحكم بحكم أمره الله به. فيحكم به في الزرع، ثم نسخه الله، فأوحى إلى سليمان نسخه فحكم به في ذلك. فكل حكم بحكم الله تعالى وأمره له. وحكم سليمان ناسخ لحكم داود بأمر الله له ووحيه إليه. ولذلك قال: وكلاً آتينا حكماً وعلماً.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَكُلاًّ آتَيْنَا حُكْماً وَعِلْماً﴾.
قال زيد بن أسلم: الحكم، أو الحكمة العقل.
وقال مالك: وإنه ليقع بقلبي أن الحكمة، الفقه بدين الله عز وجل، ولين يدخله الله القلوب من رحمته وفضله.
* *
ثم قال: ﴿وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ ٱلْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ﴾.
أي: يسبحن معه إذا سبح.
وقال قتادة: "معنى" يسبحن هنا، يصلين معه إذا صلى. "والطير" يجوز أن يدخلن في التسبيح مع الجبال، وهو الأولى، ويجوز أن يدخلن في التسخير لا غير.
* *
ثم قال: ﴿وَكُنَّا فَاعِلِينَ﴾.
أي: فاعلين بقدر ما نريد.
وقيل: المعنى: وكنا فاعلين للأنبياء مثل هذه الآيات.
وقيل: معناه: وكنا قضينا أن نفعل ذلك به في أم الكتاب.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَّكُمْ﴾.
أي: وعلمنا لداود صنعة سلاح وهو الدرع هنا. واللبوس في كلام العرب: السلاح كله: الدرع والسيف والرمح وغير ذلك. وكان أول من صنع هذه الحلق والسرد داود.
* *
وقوله: ﴿لِتُحْصِنَكُمْ﴾ أي: ليُحرزكم إذا لبستموها، ولقيتم أعداءكم من القتل، فهل أنتم أيها الناس شاكرون الله على نعمه عندكم.
الأنبياء 21:76
قوله تعالى: ﴿وَلُوطاً آتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً﴾ إلى قوله: ﴿فَهَلْ أَنتُمْ شَاكِرُونَ﴾.
المعنى: وآتينا لوطاً آتيناه حكماً وهو فعل القضاء بين الخصمين وعلماً بأمر دينه. ﴿وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ ٱلْقَرْيَةِ ٱلَّتِي كَانَت تَّعْمَلُ ٱلْخَبَائِثَ﴾، أي: من العذاب الذي نزل بالقرية، وهي قرية سدوم التي بعث لوط إلى أهلها، والخبائث هو إتيان الذكور في أدبارهم وإظهار المنكر في مجالسهم، فأخرجه الله مع ابنتيه ومن آمن إلى الشام حين أراد الله إهلاك قومه، لأنهم كانوا قوم سوء "فاسقين". أي: خارجين عن طاعة الله تعالى مخالفين لأمره.
* *
ثم قال: ﴿وَأَدْخَلْنَاهُ فِي رَحْمَتِنَآ﴾.
أي: أنجيناه من العذاب فدخل في الرحمة.
وقال ابن زيد: هو دخوله في الإسلام.
* *
﴿إِنَّهُ مِنَ ٱلصَّالِحِينَ﴾.
أي: من العاملين بطاعة الله.
ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَنُوحاً إِذْ نَادَىٰ مِن قَبْلُ﴾.
أي: واذكر نوحاً إذ نادى ربه من قبلك. ومن قبل إبراهيم ولوط، وسأل أن يهلك قومه الذين كذبوه فاستجبنا له دعاءه، ونجيناه وأهله. يعني أهل الإيمان من ولده وحلائله من الكرب العظيم، وهو الغرق الذي حل بقومه، وبجميع من في الأرض.
* *
ثم قال: ﴿وَنَصَرْنَاهُ مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا﴾.
أي: ونصرناه على القوم المكذبين، فأنجيناه منهم وأغرقناهم أجمعين، لأنهم كانوا قوم سوء، يعصون الله، ويكذبون رسوله. فـ "من" بمعنى "على".
* *
ثم قال: ﴿وَأَدْخَلْنَاهُ فِي رَحْمَتِنَآ﴾ أي: بالنجاة.
وقيل: في الإسلام.
"إنه من الصالحين" من العالمين بطاعة الله.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي ٱلْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ ٱلْقَوْمِ﴾.
أي: واذكر داود وسليمان حين يحكمان في الحرث.
قال قتادة: ذكر لنا أن غنم القوم وقعت في كرم ليلاً.
وقال ابن مسعود: كان ذلك الحرث كرماً قد أنبت عناقيده.
يقال: نفشت الغنم، إذا رعت ليلاً. فهي نفاش ونفاش ونفش وإذا رعت النهار قيل: سرحت وسَرَبَت وهملت.
قال الزهري: النفش بالليل والهمل بالنهار.
* *
وقوله: ﴿وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ﴾ أي: لحكم داود وسليمان والقوم الذين حكما بينهم شاهدين، لا يخفى علينا منه شيء، ولا يغيب.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ﴾ أي: ففهمنا القضية سليمان دون داود، ﴿وَكُلاًّ آتَيْنَا حُكْماً وَعِلْماً﴾ أي: وكلهم، يعني داود وسليمان والرسل المذكورين في هذه السورة. ﴿آتَيْنَا حُكْماً﴾ يعني النبوة وعلماً بأحكام الله.
قال ابن عباس: دخلت الغنم ليلاً، فأفسدت الكرم، فاختصموا إلى داود. فقضى بالغنم لصاحب الكرم، فمروا على سليمان، فأخبروه فقال: كان غير هذا الحكم أرفق بالجميع. فدخل صاحب الغنم، فأخبر داود، فقال لسليمان: كيف الحكم عندك. فقال: يا نبي الله، تدفع الغنم إلى صاحب الحرث، فيصيب من ألبانها وأصوافها وأولادها، وتدفع الكرم إلى صاحب الغنم يقوم به حتى يرجع إلى حاله. فإذا رجع إلى حاله، سلم الكرم إلى صاحبه والغنم إلى صاحبها. وكذلك قال مجاهد وشريح وقتادة وجماعة من الكوفيين يزعمون أن هذا الحكم منسوخ، وأن البهائم إذا أفسدت زرعاً ليلاً أو نهاراً أنه لا يلزم أصحابها شيء .
قال: هو منسوخ بقوله ﷺ:
"العجماء جبار" ولم يقل بهذا أحد غير أبي حنيفة.
وقد حكم بالضمان لما أفسدت البهائم بالليل ثلاثة من الأنبياء: داود وسليمان ومحمد ﷺ. قضى النبي أن على أهل الثمار حفظها بالنهار، وضمن أصحاب الماشية ما أصابت ماشيتهم بالليل.
وقال أبو حنيفة: لا ضمان.
ومعنى قوله ﷺ: "جرح العجماء جبار" إنما يعني به ما أصابت البهيمة فلا أرش فيه إذا لم يكن على صاحبها حفظها، لأن العلماء قد أجمعوا على أن على راكب الدابة ما أصابت بيديها، إذ عليه حفظها ولا خلاف فيها إلا خلاف من لا يعد خلافاً. فإذا لزم ما أصابت بيديها الدابة فليس بجبار إلا إذا لم يكن على صاحبها حفظها وتضمين أصحاب الماشية ما أصابت بالليل. وهو قول مالك والشافعي.
فالذي يحكم به في مثل هذه القضية في الإسلام أن يقوم ما أفسدته الماشية من الكرم، ويغرمه أرباب الماشية لأهل الكرم، لأن حفظ الليل كان عليهم لازماً، فلما فرطوا ضمنوا الجناية.
ويروى أن ناقة للبراء بن عازب رعت نباتاً لقوم، فقضى رسول الله عليه السلام أن على أهل الثمار حفظها بالنهار، وضمن أصحاب المواشي ما أصابت مواشيهم بالليل.
وخالف أبو حنيفة هذا الحكم، وزعم أنه منسوخ بقول النبي ﷺ: العجماء جبار. والرواية عند أهل الحديث: العجماء جرحها جبار. وقد أجمع أن على راكب الدابة ما أصابت بيديها، فدل ذلك أن ما أصابت جبار إذا لم يكن صاحبها معها أو قائدها. فخالف أبو حنيفة، في هذا داود وسليمان ومحمداً ﷺ وجميع العلماء. "وجبار" مشتق من جبرت العظم، إذا لامته، وجبرت الرِّجْلَ، إذا نعشته فكان صاحبها يجبر وينعش بإسقاط ما جنته الدابة عنه من غير أن يكون له فيه فعل.
ويجوز أن يكون من أجبرت الرجل على الشيء، إذا قهرته عليه، فتكون الدابة كلها مجبرة من حيث عليه أن لا يأخذ في الجناية بشيء.
وقد قيل: إن الذي أفسدت الماشية كان زرعاً فقضى فيه سليمان أن يأخذ صاحب الزرع الماشية ينتفع بألبانها. وأصوافها إلى أن يأتي حول ثاني، ويزرع له صاحب الماشية مثل زرعه. فإذا بلغ الحد الذي كان عليه وقت رعته الماشية، دفعه إلى صاحب الزرع، وأخذ ماشيته.
وقيل: كانا نبيين يحكمان في وقت بأمر الله ووحيه. فكان داود يحكم بحكم أمره الله به. فيحكم به في الزرع، ثم نسخه الله، فأوحى إلى سليمان نسخه فحكم به في ذلك. فكل حكم بحكم الله تعالى وأمره له. وحكم سليمان ناسخ لحكم داود بأمر الله له ووحيه إليه. ولذلك قال: وكلاً آتينا حكماً وعلماً.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَكُلاًّ آتَيْنَا حُكْماً وَعِلْماً﴾.
قال زيد بن أسلم: الحكم، أو الحكمة العقل.
وقال مالك: وإنه ليقع بقلبي أن الحكمة، الفقه بدين الله عز وجل، ولين يدخله الله القلوب من رحمته وفضله.
* *
ثم قال: ﴿وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ ٱلْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ﴾.
أي: يسبحن معه إذا سبح.
وقال قتادة: "معنى" يسبحن هنا، يصلين معه إذا صلى. "والطير" يجوز أن يدخلن في التسبيح مع الجبال، وهو الأولى، ويجوز أن يدخلن في التسخير لا غير.
* *
ثم قال: ﴿وَكُنَّا فَاعِلِينَ﴾.
أي: فاعلين بقدر ما نريد.
وقيل: المعنى: وكنا فاعلين للأنبياء مثل هذه الآيات.
وقيل: معناه: وكنا قضينا أن نفعل ذلك به في أم الكتاب.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَّكُمْ﴾.
أي: وعلمنا لداود صنعة سلاح وهو الدرع هنا. واللبوس في كلام العرب: السلاح كله: الدرع والسيف والرمح وغير ذلك. وكان أول من صنع هذه الحلق والسرد داود.
* *
وقوله: ﴿لِتُحْصِنَكُمْ﴾ أي: ليُحرزكم إذا لبستموها، ولقيتم أعداءكم من القتل، فهل أنتم أيها الناس شاكرون الله على نعمه عندكم.
الأنبياء 21:77
قوله تعالى: ﴿وَلُوطاً آتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً﴾ إلى قوله: ﴿فَهَلْ أَنتُمْ شَاكِرُونَ﴾.
المعنى: وآتينا لوطاً آتيناه حكماً وهو فعل القضاء بين الخصمين وعلماً بأمر دينه. ﴿وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ ٱلْقَرْيَةِ ٱلَّتِي كَانَت تَّعْمَلُ ٱلْخَبَائِثَ﴾، أي: من العذاب الذي نزل بالقرية، وهي قرية سدوم التي بعث لوط إلى أهلها، والخبائث هو إتيان الذكور في أدبارهم وإظهار المنكر في مجالسهم، فأخرجه الله مع ابنتيه ومن آمن إلى الشام حين أراد الله إهلاك قومه، لأنهم كانوا قوم سوء "فاسقين". أي: خارجين عن طاعة الله تعالى مخالفين لأمره.
* *
ثم قال: ﴿وَأَدْخَلْنَاهُ فِي رَحْمَتِنَآ﴾.
أي: أنجيناه من العذاب فدخل في الرحمة.
وقال ابن زيد: هو دخوله في الإسلام.
* *
﴿إِنَّهُ مِنَ ٱلصَّالِحِينَ﴾.
أي: من العاملين بطاعة الله.
ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَنُوحاً إِذْ نَادَىٰ مِن قَبْلُ﴾.
أي: واذكر نوحاً إذ نادى ربه من قبلك. ومن قبل إبراهيم ولوط، وسأل أن يهلك قومه الذين كذبوه فاستجبنا له دعاءه، ونجيناه وأهله. يعني أهل الإيمان من ولده وحلائله من الكرب العظيم، وهو الغرق الذي حل بقومه، وبجميع من في الأرض.
* *
ثم قال: ﴿وَنَصَرْنَاهُ مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا﴾.
أي: ونصرناه على القوم المكذبين، فأنجيناه منهم وأغرقناهم أجمعين، لأنهم كانوا قوم سوء، يعصون الله، ويكذبون رسوله. فـ "من" بمعنى "على".
* *
ثم قال: ﴿وَأَدْخَلْنَاهُ فِي رَحْمَتِنَآ﴾ أي: بالنجاة.
وقيل: في الإسلام.
"إنه من الصالحين" من العالمين بطاعة الله.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي ٱلْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ ٱلْقَوْمِ﴾.
أي: واذكر داود وسليمان حين يحكمان في الحرث.
قال قتادة: ذكر لنا أن غنم القوم وقعت في كرم ليلاً.
وقال ابن مسعود: كان ذلك الحرث كرماً قد أنبت عناقيده.
يقال: نفشت الغنم، إذا رعت ليلاً. فهي نفاش ونفاش ونفش وإذا رعت النهار قيل: سرحت وسَرَبَت وهملت.
قال الزهري: النفش بالليل والهمل بالنهار.
* *
وقوله: ﴿وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ﴾ أي: لحكم داود وسليمان والقوم الذين حكما بينهم شاهدين، لا يخفى علينا منه شيء، ولا يغيب.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ﴾ أي: ففهمنا القضية سليمان دون داود، ﴿وَكُلاًّ آتَيْنَا حُكْماً وَعِلْماً﴾ أي: وكلهم، يعني داود وسليمان والرسل المذكورين في هذه السورة. ﴿آتَيْنَا حُكْماً﴾ يعني النبوة وعلماً بأحكام الله.
قال ابن عباس: دخلت الغنم ليلاً، فأفسدت الكرم، فاختصموا إلى داود. فقضى بالغنم لصاحب الكرم، فمروا على سليمان، فأخبروه فقال: كان غير هذا الحكم أرفق بالجميع. فدخل صاحب الغنم، فأخبر داود، فقال لسليمان: كيف الحكم عندك. فقال: يا نبي الله، تدفع الغنم إلى صاحب الحرث، فيصيب من ألبانها وأصوافها وأولادها، وتدفع الكرم إلى صاحب الغنم يقوم به حتى يرجع إلى حاله. فإذا رجع إلى حاله، سلم الكرم إلى صاحبه والغنم إلى صاحبها. وكذلك قال مجاهد وشريح وقتادة وجماعة من الكوفيين يزعمون أن هذا الحكم منسوخ، وأن البهائم إذا أفسدت زرعاً ليلاً أو نهاراً أنه لا يلزم أصحابها شيء .
قال: هو منسوخ بقوله ﷺ:
"العجماء جبار" ولم يقل بهذا أحد غير أبي حنيفة.
وقد حكم بالضمان لما أفسدت البهائم بالليل ثلاثة من الأنبياء: داود وسليمان ومحمد ﷺ. قضى النبي أن على أهل الثمار حفظها بالنهار، وضمن أصحاب الماشية ما أصابت ماشيتهم بالليل.
وقال أبو حنيفة: لا ضمان.
ومعنى قوله ﷺ: "جرح العجماء جبار" إنما يعني به ما أصابت البهيمة فلا أرش فيه إذا لم يكن على صاحبها حفظها، لأن العلماء قد أجمعوا على أن على راكب الدابة ما أصابت بيديها، إذ عليه حفظها ولا خلاف فيها إلا خلاف من لا يعد خلافاً. فإذا لزم ما أصابت بيديها الدابة فليس بجبار إلا إذا لم يكن على صاحبها حفظها وتضمين أصحاب الماشية ما أصابت بالليل. وهو قول مالك والشافعي.
فالذي يحكم به في مثل هذه القضية في الإسلام أن يقوم ما أفسدته الماشية من الكرم، ويغرمه أرباب الماشية لأهل الكرم، لأن حفظ الليل كان عليهم لازماً، فلما فرطوا ضمنوا الجناية.
ويروى أن ناقة للبراء بن عازب رعت نباتاً لقوم، فقضى رسول الله عليه السلام أن على أهل الثمار حفظها بالنهار، وضمن أصحاب المواشي ما أصابت مواشيهم بالليل.
وخالف أبو حنيفة هذا الحكم، وزعم أنه منسوخ بقول النبي ﷺ: العجماء جبار. والرواية عند أهل الحديث: العجماء جرحها جبار. وقد أجمع أن على راكب الدابة ما أصابت بيديها، فدل ذلك أن ما أصابت جبار إذا لم يكن صاحبها معها أو قائدها. فخالف أبو حنيفة، في هذا داود وسليمان ومحمداً ﷺ وجميع العلماء. "وجبار" مشتق من جبرت العظم، إذا لامته، وجبرت الرِّجْلَ، إذا نعشته فكان صاحبها يجبر وينعش بإسقاط ما جنته الدابة عنه من غير أن يكون له فيه فعل.
ويجوز أن يكون من أجبرت الرجل على الشيء، إذا قهرته عليه، فتكون الدابة كلها مجبرة من حيث عليه أن لا يأخذ في الجناية بشيء.
وقد قيل: إن الذي أفسدت الماشية كان زرعاً فقضى فيه سليمان أن يأخذ صاحب الزرع الماشية ينتفع بألبانها. وأصوافها إلى أن يأتي حول ثاني، ويزرع له صاحب الماشية مثل زرعه. فإذا بلغ الحد الذي كان عليه وقت رعته الماشية، دفعه إلى صاحب الزرع، وأخذ ماشيته.
وقيل: كانا نبيين يحكمان في وقت بأمر الله ووحيه. فكان داود يحكم بحكم أمره الله به. فيحكم به في الزرع، ثم نسخه الله، فأوحى إلى سليمان نسخه فحكم به في ذلك. فكل حكم بحكم الله تعالى وأمره له. وحكم سليمان ناسخ لحكم داود بأمر الله له ووحيه إليه. ولذلك قال: وكلاً آتينا حكماً وعلماً.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَكُلاًّ آتَيْنَا حُكْماً وَعِلْماً﴾.
قال زيد بن أسلم: الحكم، أو الحكمة العقل.
وقال مالك: وإنه ليقع بقلبي أن الحكمة، الفقه بدين الله عز وجل، ولين يدخله الله القلوب من رحمته وفضله.
* *
ثم قال: ﴿وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ ٱلْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ﴾.
أي: يسبحن معه إذا سبح.
وقال قتادة: "معنى" يسبحن هنا، يصلين معه إذا صلى. "والطير" يجوز أن يدخلن في التسبيح مع الجبال، وهو الأولى، ويجوز أن يدخلن في التسخير لا غير.
* *
ثم قال: ﴿وَكُنَّا فَاعِلِينَ﴾.
أي: فاعلين بقدر ما نريد.
وقيل: المعنى: وكنا فاعلين للأنبياء مثل هذه الآيات.
وقيل: معناه: وكنا قضينا أن نفعل ذلك به في أم الكتاب.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَّكُمْ﴾.
أي: وعلمنا لداود صنعة سلاح وهو الدرع هنا. واللبوس في كلام العرب: السلاح كله: الدرع والسيف والرمح وغير ذلك. وكان أول من صنع هذه الحلق والسرد داود.
* *
وقوله: ﴿لِتُحْصِنَكُمْ﴾ أي: ليُحرزكم إذا لبستموها، ولقيتم أعداءكم من القتل، فهل أنتم أيها الناس شاكرون الله على نعمه عندكم.
الأنبياء 21:78
قوله تعالى: ﴿وَلُوطاً آتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً﴾ إلى قوله: ﴿فَهَلْ أَنتُمْ شَاكِرُونَ﴾.
المعنى: وآتينا لوطاً آتيناه حكماً وهو فعل القضاء بين الخصمين وعلماً بأمر دينه. ﴿وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ ٱلْقَرْيَةِ ٱلَّتِي كَانَت تَّعْمَلُ ٱلْخَبَائِثَ﴾، أي: من العذاب الذي نزل بالقرية، وهي قرية سدوم التي بعث لوط إلى أهلها، والخبائث هو إتيان الذكور في أدبارهم وإظهار المنكر في مجالسهم، فأخرجه الله مع ابنتيه ومن آمن إلى الشام حين أراد الله إهلاك قومه، لأنهم كانوا قوم سوء "فاسقين". أي: خارجين عن طاعة الله تعالى مخالفين لأمره.
* *
ثم قال: ﴿وَأَدْخَلْنَاهُ فِي رَحْمَتِنَآ﴾.
أي: أنجيناه من العذاب فدخل في الرحمة.
وقال ابن زيد: هو دخوله في الإسلام.
* *
﴿إِنَّهُ مِنَ ٱلصَّالِحِينَ﴾.
أي: من العاملين بطاعة الله.
ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَنُوحاً إِذْ نَادَىٰ مِن قَبْلُ﴾.
أي: واذكر نوحاً إذ نادى ربه من قبلك. ومن قبل إبراهيم ولوط، وسأل أن يهلك قومه الذين كذبوه فاستجبنا له دعاءه، ونجيناه وأهله. يعني أهل الإيمان من ولده وحلائله من الكرب العظيم، وهو الغرق الذي حل بقومه، وبجميع من في الأرض.
* *
ثم قال: ﴿وَنَصَرْنَاهُ مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا﴾.
أي: ونصرناه على القوم المكذبين، فأنجيناه منهم وأغرقناهم أجمعين، لأنهم كانوا قوم سوء، يعصون الله، ويكذبون رسوله. فـ "من" بمعنى "على".
* *
ثم قال: ﴿وَأَدْخَلْنَاهُ فِي رَحْمَتِنَآ﴾ أي: بالنجاة.
وقيل: في الإسلام.
"إنه من الصالحين" من العالمين بطاعة الله.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي ٱلْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ ٱلْقَوْمِ﴾.
أي: واذكر داود وسليمان حين يحكمان في الحرث.
قال قتادة: ذكر لنا أن غنم القوم وقعت في كرم ليلاً.
وقال ابن مسعود: كان ذلك الحرث كرماً قد أنبت عناقيده.
يقال: نفشت الغنم، إذا رعت ليلاً. فهي نفاش ونفاش ونفش وإذا رعت النهار قيل: سرحت وسَرَبَت وهملت.
قال الزهري: النفش بالليل والهمل بالنهار.
* *
وقوله: ﴿وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ﴾ أي: لحكم داود وسليمان والقوم الذين حكما بينهم شاهدين، لا يخفى علينا منه شيء، ولا يغيب.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ﴾ أي: ففهمنا القضية سليمان دون داود، ﴿وَكُلاًّ آتَيْنَا حُكْماً وَعِلْماً﴾ أي: وكلهم، يعني داود وسليمان والرسل المذكورين في هذه السورة. ﴿آتَيْنَا حُكْماً﴾ يعني النبوة وعلماً بأحكام الله.
قال ابن عباس: دخلت الغنم ليلاً، فأفسدت الكرم، فاختصموا إلى داود. فقضى بالغنم لصاحب الكرم، فمروا على سليمان، فأخبروه فقال: كان غير هذا الحكم أرفق بالجميع. فدخل صاحب الغنم، فأخبر داود، فقال لسليمان: كيف الحكم عندك. فقال: يا نبي الله، تدفع الغنم إلى صاحب الحرث، فيصيب من ألبانها وأصوافها وأولادها، وتدفع الكرم إلى صاحب الغنم يقوم به حتى يرجع إلى حاله. فإذا رجع إلى حاله، سلم الكرم إلى صاحبه والغنم إلى صاحبها. وكذلك قال مجاهد وشريح وقتادة وجماعة من الكوفيين يزعمون أن هذا الحكم منسوخ، وأن البهائم إذا أفسدت زرعاً ليلاً أو نهاراً أنه لا يلزم أصحابها شيء .
قال: هو منسوخ بقوله ﷺ:
"العجماء جبار" ولم يقل بهذا أحد غير أبي حنيفة.
وقد حكم بالضمان لما أفسدت البهائم بالليل ثلاثة من الأنبياء: داود وسليمان ومحمد ﷺ. قضى النبي أن على أهل الثمار حفظها بالنهار، وضمن أصحاب الماشية ما أصابت ماشيتهم بالليل.
وقال أبو حنيفة: لا ضمان.
ومعنى قوله ﷺ: "جرح العجماء جبار" إنما يعني به ما أصابت البهيمة فلا أرش فيه إذا لم يكن على صاحبها حفظها، لأن العلماء قد أجمعوا على أن على راكب الدابة ما أصابت بيديها، إذ عليه حفظها ولا خلاف فيها إلا خلاف من لا يعد خلافاً. فإذا لزم ما أصابت بيديها الدابة فليس بجبار إلا إذا لم يكن على صاحبها حفظها وتضمين أصحاب الماشية ما أصابت بالليل. وهو قول مالك والشافعي.
فالذي يحكم به في مثل هذه القضية في الإسلام أن يقوم ما أفسدته الماشية من الكرم، ويغرمه أرباب الماشية لأهل الكرم، لأن حفظ الليل كان عليهم لازماً، فلما فرطوا ضمنوا الجناية.
ويروى أن ناقة للبراء بن عازب رعت نباتاً لقوم، فقضى رسول الله عليه السلام أن على أهل الثمار حفظها بالنهار، وضمن أصحاب المواشي ما أصابت مواشيهم بالليل.
وخالف أبو حنيفة هذا الحكم، وزعم أنه منسوخ بقول النبي ﷺ: العجماء جبار. والرواية عند أهل الحديث: العجماء جرحها جبار. وقد أجمع أن على راكب الدابة ما أصابت بيديها، فدل ذلك أن ما أصابت جبار إذا لم يكن صاحبها معها أو قائدها. فخالف أبو حنيفة، في هذا داود وسليمان ومحمداً ﷺ وجميع العلماء. "وجبار" مشتق من جبرت العظم، إذا لامته، وجبرت الرِّجْلَ، إذا نعشته فكان صاحبها يجبر وينعش بإسقاط ما جنته الدابة عنه من غير أن يكون له فيه فعل.
ويجوز أن يكون من أجبرت الرجل على الشيء، إذا قهرته عليه، فتكون الدابة كلها مجبرة من حيث عليه أن لا يأخذ في الجناية بشيء.
وقد قيل: إن الذي أفسدت الماشية كان زرعاً فقضى فيه سليمان أن يأخذ صاحب الزرع الماشية ينتفع بألبانها. وأصوافها إلى أن يأتي حول ثاني، ويزرع له صاحب الماشية مثل زرعه. فإذا بلغ الحد الذي كان عليه وقت رعته الماشية، دفعه إلى صاحب الزرع، وأخذ ماشيته.
وقيل: كانا نبيين يحكمان في وقت بأمر الله ووحيه. فكان داود يحكم بحكم أمره الله به. فيحكم به في الزرع، ثم نسخه الله، فأوحى إلى سليمان نسخه فحكم به في ذلك. فكل حكم بحكم الله تعالى وأمره له. وحكم سليمان ناسخ لحكم داود بأمر الله له ووحيه إليه. ولذلك قال: وكلاً آتينا حكماً وعلماً.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَكُلاًّ آتَيْنَا حُكْماً وَعِلْماً﴾.
قال زيد بن أسلم: الحكم، أو الحكمة العقل.
وقال مالك: وإنه ليقع بقلبي أن الحكمة، الفقه بدين الله عز وجل، ولين يدخله الله القلوب من رحمته وفضله.
* *
ثم قال: ﴿وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ ٱلْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ﴾.
أي: يسبحن معه إذا سبح.
وقال قتادة: "معنى" يسبحن هنا، يصلين معه إذا صلى. "والطير" يجوز أن يدخلن في التسبيح مع الجبال، وهو الأولى، ويجوز أن يدخلن في التسخير لا غير.
* *
ثم قال: ﴿وَكُنَّا فَاعِلِينَ﴾.
أي: فاعلين بقدر ما نريد.
وقيل: المعنى: وكنا فاعلين للأنبياء مثل هذه الآيات.
وقيل: معناه: وكنا قضينا أن نفعل ذلك به في أم الكتاب.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَّكُمْ﴾.
أي: وعلمنا لداود صنعة سلاح وهو الدرع هنا. واللبوس في كلام العرب: السلاح كله: الدرع والسيف والرمح وغير ذلك. وكان أول من صنع هذه الحلق والسرد داود.
* *
وقوله: ﴿لِتُحْصِنَكُمْ﴾ أي: ليُحرزكم إذا لبستموها، ولقيتم أعداءكم من القتل، فهل أنتم أيها الناس شاكرون الله على نعمه عندكم.
الأنبياء 21:79
قوله تعالى: ﴿وَلُوطاً آتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً﴾ إلى قوله: ﴿فَهَلْ أَنتُمْ شَاكِرُونَ﴾.
المعنى: وآتينا لوطاً آتيناه حكماً وهو فعل القضاء بين الخصمين وعلماً بأمر دينه. ﴿وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ ٱلْقَرْيَةِ ٱلَّتِي كَانَت تَّعْمَلُ ٱلْخَبَائِثَ﴾، أي: من العذاب الذي نزل بالقرية، وهي قرية سدوم التي بعث لوط إلى أهلها، والخبائث هو إتيان الذكور في أدبارهم وإظهار المنكر في مجالسهم، فأخرجه الله مع ابنتيه ومن آمن إلى الشام حين أراد الله إهلاك قومه، لأنهم كانوا قوم سوء "فاسقين". أي: خارجين عن طاعة الله تعالى مخالفين لأمره.
* *
ثم قال: ﴿وَأَدْخَلْنَاهُ فِي رَحْمَتِنَآ﴾.
أي: أنجيناه من العذاب فدخل في الرحمة.
وقال ابن زيد: هو دخوله في الإسلام.
* *
﴿إِنَّهُ مِنَ ٱلصَّالِحِينَ﴾.
أي: من العاملين بطاعة الله.
ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَنُوحاً إِذْ نَادَىٰ مِن قَبْلُ﴾.
أي: واذكر نوحاً إذ نادى ربه من قبلك. ومن قبل إبراهيم ولوط، وسأل أن يهلك قومه الذين كذبوه فاستجبنا له دعاءه، ونجيناه وأهله. يعني أهل الإيمان من ولده وحلائله من الكرب العظيم، وهو الغرق الذي حل بقومه، وبجميع من في الأرض.
* *
ثم قال: ﴿وَنَصَرْنَاهُ مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا﴾.
أي: ونصرناه على القوم المكذبين، فأنجيناه منهم وأغرقناهم أجمعين، لأنهم كانوا قوم سوء، يعصون الله، ويكذبون رسوله. فـ "من" بمعنى "على".
* *
ثم قال: ﴿وَأَدْخَلْنَاهُ فِي رَحْمَتِنَآ﴾ أي: بالنجاة.
وقيل: في الإسلام.
"إنه من الصالحين" من العالمين بطاعة الله.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي ٱلْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ ٱلْقَوْمِ﴾.
أي: واذكر داود وسليمان حين يحكمان في الحرث.
قال قتادة: ذكر لنا أن غنم القوم وقعت في كرم ليلاً.
وقال ابن مسعود: كان ذلك الحرث كرماً قد أنبت عناقيده.
يقال: نفشت الغنم، إذا رعت ليلاً. فهي نفاش ونفاش ونفش وإذا رعت النهار قيل: سرحت وسَرَبَت وهملت.
قال الزهري: النفش بالليل والهمل بالنهار.
* *
وقوله: ﴿وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ﴾ أي: لحكم داود وسليمان والقوم الذين حكما بينهم شاهدين، لا يخفى علينا منه شيء، ولا يغيب.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ﴾ أي: ففهمنا القضية سليمان دون داود، ﴿وَكُلاًّ آتَيْنَا حُكْماً وَعِلْماً﴾ أي: وكلهم، يعني داود وسليمان والرسل المذكورين في هذه السورة. ﴿آتَيْنَا حُكْماً﴾ يعني النبوة وعلماً بأحكام الله.
قال ابن عباس: دخلت الغنم ليلاً، فأفسدت الكرم، فاختصموا إلى داود. فقضى بالغنم لصاحب الكرم، فمروا على سليمان، فأخبروه فقال: كان غير هذا الحكم أرفق بالجميع. فدخل صاحب الغنم، فأخبر داود، فقال لسليمان: كيف الحكم عندك. فقال: يا نبي الله، تدفع الغنم إلى صاحب الحرث، فيصيب من ألبانها وأصوافها وأولادها، وتدفع الكرم إلى صاحب الغنم يقوم به حتى يرجع إلى حاله. فإذا رجع إلى حاله، سلم الكرم إلى صاحبه والغنم إلى صاحبها. وكذلك قال مجاهد وشريح وقتادة وجماعة من الكوفيين يزعمون أن هذا الحكم منسوخ، وأن البهائم إذا أفسدت زرعاً ليلاً أو نهاراً أنه لا يلزم أصحابها شيء .
قال: هو منسوخ بقوله ﷺ:
"العجماء جبار" ولم يقل بهذا أحد غير أبي حنيفة.
وقد حكم بالضمان لما أفسدت البهائم بالليل ثلاثة من الأنبياء: داود وسليمان ومحمد ﷺ. قضى النبي أن على أهل الثمار حفظها بالنهار، وضمن أصحاب الماشية ما أصابت ماشيتهم بالليل.
وقال أبو حنيفة: لا ضمان.
ومعنى قوله ﷺ: "جرح العجماء جبار" إنما يعني به ما أصابت البهيمة فلا أرش فيه إذا لم يكن على صاحبها حفظها، لأن العلماء قد أجمعوا على أن على راكب الدابة ما أصابت بيديها، إذ عليه حفظها ولا خلاف فيها إلا خلاف من لا يعد خلافاً. فإذا لزم ما أصابت بيديها الدابة فليس بجبار إلا إذا لم يكن على صاحبها حفظها وتضمين أصحاب الماشية ما أصابت بالليل. وهو قول مالك والشافعي.
فالذي يحكم به في مثل هذه القضية في الإسلام أن يقوم ما أفسدته الماشية من الكرم، ويغرمه أرباب الماشية لأهل الكرم، لأن حفظ الليل كان عليهم لازماً، فلما فرطوا ضمنوا الجناية.
ويروى أن ناقة للبراء بن عازب رعت نباتاً لقوم، فقضى رسول الله عليه السلام أن على أهل الثمار حفظها بالنهار، وضمن أصحاب المواشي ما أصابت مواشيهم بالليل.
وخالف أبو حنيفة هذا الحكم، وزعم أنه منسوخ بقول النبي ﷺ: العجماء جبار. والرواية عند أهل الحديث: العجماء جرحها جبار. وقد أجمع أن على راكب الدابة ما أصابت بيديها، فدل ذلك أن ما أصابت جبار إذا لم يكن صاحبها معها أو قائدها. فخالف أبو حنيفة، في هذا داود وسليمان ومحمداً ﷺ وجميع العلماء. "وجبار" مشتق من جبرت العظم، إذا لامته، وجبرت الرِّجْلَ، إذا نعشته فكان صاحبها يجبر وينعش بإسقاط ما جنته الدابة عنه من غير أن يكون له فيه فعل.
ويجوز أن يكون من أجبرت الرجل على الشيء، إذا قهرته عليه، فتكون الدابة كلها مجبرة من حيث عليه أن لا يأخذ في الجناية بشيء.
وقد قيل: إن الذي أفسدت الماشية كان زرعاً فقضى فيه سليمان أن يأخذ صاحب الزرع الماشية ينتفع بألبانها. وأصوافها إلى أن يأتي حول ثاني، ويزرع له صاحب الماشية مثل زرعه. فإذا بلغ الحد الذي كان عليه وقت رعته الماشية، دفعه إلى صاحب الزرع، وأخذ ماشيته.
وقيل: كانا نبيين يحكمان في وقت بأمر الله ووحيه. فكان داود يحكم بحكم أمره الله به. فيحكم به في الزرع، ثم نسخه الله، فأوحى إلى سليمان نسخه فحكم به في ذلك. فكل حكم بحكم الله تعالى وأمره له. وحكم سليمان ناسخ لحكم داود بأمر الله له ووحيه إليه. ولذلك قال: وكلاً آتينا حكماً وعلماً.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَكُلاًّ آتَيْنَا حُكْماً وَعِلْماً﴾.
قال زيد بن أسلم: الحكم، أو الحكمة العقل.
وقال مالك: وإنه ليقع بقلبي أن الحكمة، الفقه بدين الله عز وجل، ولين يدخله الله القلوب من رحمته وفضله.
* *
ثم قال: ﴿وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ ٱلْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ﴾.
أي: يسبحن معه إذا سبح.
وقال قتادة: "معنى" يسبحن هنا، يصلين معه إذا صلى. "والطير" يجوز أن يدخلن في التسبيح مع الجبال، وهو الأولى، ويجوز أن يدخلن في التسخير لا غير.
* *
ثم قال: ﴿وَكُنَّا فَاعِلِينَ﴾.
أي: فاعلين بقدر ما نريد.
وقيل: المعنى: وكنا فاعلين للأنبياء مثل هذه الآيات.
وقيل: معناه: وكنا قضينا أن نفعل ذلك به في أم الكتاب.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَّكُمْ﴾.
أي: وعلمنا لداود صنعة سلاح وهو الدرع هنا. واللبوس في كلام العرب: السلاح كله: الدرع والسيف والرمح وغير ذلك. وكان أول من صنع هذه الحلق والسرد داود.
* *
وقوله: ﴿لِتُحْصِنَكُمْ﴾ أي: ليُحرزكم إذا لبستموها، ولقيتم أعداءكم من القتل، فهل أنتم أيها الناس شاكرون الله على نعمه عندكم.
الأنبياء 21:80
قوله تعالى: ﴿وَلُوطاً آتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً﴾ إلى قوله: ﴿فَهَلْ أَنتُمْ شَاكِرُونَ﴾.
المعنى: وآتينا لوطاً آتيناه حكماً وهو فعل القضاء بين الخصمين وعلماً بأمر دينه. ﴿وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ ٱلْقَرْيَةِ ٱلَّتِي كَانَت تَّعْمَلُ ٱلْخَبَائِثَ﴾، أي: من العذاب الذي نزل بالقرية، وهي قرية سدوم التي بعث لوط إلى أهلها، والخبائث هو إتيان الذكور في أدبارهم وإظهار المنكر في مجالسهم، فأخرجه الله مع ابنتيه ومن آمن إلى الشام حين أراد الله إهلاك قومه، لأنهم كانوا قوم سوء "فاسقين". أي: خارجين عن طاعة الله تعالى مخالفين لأمره.
* *
ثم قال: ﴿وَأَدْخَلْنَاهُ فِي رَحْمَتِنَآ﴾.
أي: أنجيناه من العذاب فدخل في الرحمة.
وقال ابن زيد: هو دخوله في الإسلام.
* *
﴿إِنَّهُ مِنَ ٱلصَّالِحِينَ﴾.
أي: من العاملين بطاعة الله.
ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَنُوحاً إِذْ نَادَىٰ مِن قَبْلُ﴾.
أي: واذكر نوحاً إذ نادى ربه من قبلك. ومن قبل إبراهيم ولوط، وسأل أن يهلك قومه الذين كذبوه فاستجبنا له دعاءه، ونجيناه وأهله. يعني أهل الإيمان من ولده وحلائله من الكرب العظيم، وهو الغرق الذي حل بقومه، وبجميع من في الأرض.
* *
ثم قال: ﴿وَنَصَرْنَاهُ مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا﴾.
أي: ونصرناه على القوم المكذبين، فأنجيناه منهم وأغرقناهم أجمعين، لأنهم كانوا قوم سوء، يعصون الله، ويكذبون رسوله. فـ "من" بمعنى "على".
* *
ثم قال: ﴿وَأَدْخَلْنَاهُ فِي رَحْمَتِنَآ﴾ أي: بالنجاة.
وقيل: في الإسلام.
"إنه من الصالحين" من العالمين بطاعة الله.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي ٱلْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ ٱلْقَوْمِ﴾.
أي: واذكر داود وسليمان حين يحكمان في الحرث.
قال قتادة: ذكر لنا أن غنم القوم وقعت في كرم ليلاً.
وقال ابن مسعود: كان ذلك الحرث كرماً قد أنبت عناقيده.
يقال: نفشت الغنم، إذا رعت ليلاً. فهي نفاش ونفاش ونفش وإذا رعت النهار قيل: سرحت وسَرَبَت وهملت.
قال الزهري: النفش بالليل والهمل بالنهار.
* *
وقوله: ﴿وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ﴾ أي: لحكم داود وسليمان والقوم الذين حكما بينهم شاهدين، لا يخفى علينا منه شيء، ولا يغيب.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ﴾ أي: ففهمنا القضية سليمان دون داود، ﴿وَكُلاًّ آتَيْنَا حُكْماً وَعِلْماً﴾ أي: وكلهم، يعني داود وسليمان والرسل المذكورين في هذه السورة. ﴿آتَيْنَا حُكْماً﴾ يعني النبوة وعلماً بأحكام الله.
قال ابن عباس: دخلت الغنم ليلاً، فأفسدت الكرم، فاختصموا إلى داود. فقضى بالغنم لصاحب الكرم، فمروا على سليمان، فأخبروه فقال: كان غير هذا الحكم أرفق بالجميع. فدخل صاحب الغنم، فأخبر داود، فقال لسليمان: كيف الحكم عندك. فقال: يا نبي الله، تدفع الغنم إلى صاحب الحرث، فيصيب من ألبانها وأصوافها وأولادها، وتدفع الكرم إلى صاحب الغنم يقوم به حتى يرجع إلى حاله. فإذا رجع إلى حاله، سلم الكرم إلى صاحبه والغنم إلى صاحبها. وكذلك قال مجاهد وشريح وقتادة وجماعة من الكوفيين يزعمون أن هذا الحكم منسوخ، وأن البهائم إذا أفسدت زرعاً ليلاً أو نهاراً أنه لا يلزم أصحابها شيء .
قال: هو منسوخ بقوله ﷺ:
"العجماء جبار" ولم يقل بهذا أحد غير أبي حنيفة.
وقد حكم بالضمان لما أفسدت البهائم بالليل ثلاثة من الأنبياء: داود وسليمان ومحمد ﷺ. قضى النبي أن على أهل الثمار حفظها بالنهار، وضمن أصحاب الماشية ما أصابت ماشيتهم بالليل.
وقال أبو حنيفة: لا ضمان.
ومعنى قوله ﷺ: "جرح العجماء جبار" إنما يعني به ما أصابت البهيمة فلا أرش فيه إذا لم يكن على صاحبها حفظها، لأن العلماء قد أجمعوا على أن على راكب الدابة ما أصابت بيديها، إذ عليه حفظها ولا خلاف فيها إلا خلاف من لا يعد خلافاً. فإذا لزم ما أصابت بيديها الدابة فليس بجبار إلا إذا لم يكن على صاحبها حفظها وتضمين أصحاب الماشية ما أصابت بالليل. وهو قول مالك والشافعي.
فالذي يحكم به في مثل هذه القضية في الإسلام أن يقوم ما أفسدته الماشية من الكرم، ويغرمه أرباب الماشية لأهل الكرم، لأن حفظ الليل كان عليهم لازماً، فلما فرطوا ضمنوا الجناية.
ويروى أن ناقة للبراء بن عازب رعت نباتاً لقوم، فقضى رسول الله عليه السلام أن على أهل الثمار حفظها بالنهار، وضمن أصحاب المواشي ما أصابت مواشيهم بالليل.
وخالف أبو حنيفة هذا الحكم، وزعم أنه منسوخ بقول النبي ﷺ: العجماء جبار. والرواية عند أهل الحديث: العجماء جرحها جبار. وقد أجمع أن على راكب الدابة ما أصابت بيديها، فدل ذلك أن ما أصابت جبار إذا لم يكن صاحبها معها أو قائدها. فخالف أبو حنيفة، في هذا داود وسليمان ومحمداً ﷺ وجميع العلماء. "وجبار" مشتق من جبرت العظم، إذا لامته، وجبرت الرِّجْلَ، إذا نعشته فكان صاحبها يجبر وينعش بإسقاط ما جنته الدابة عنه من غير أن يكون له فيه فعل.
ويجوز أن يكون من أجبرت الرجل على الشيء، إذا قهرته عليه، فتكون الدابة كلها مجبرة من حيث عليه أن لا يأخذ في الجناية بشيء.
وقد قيل: إن الذي أفسدت الماشية كان زرعاً فقضى فيه سليمان أن يأخذ صاحب الزرع الماشية ينتفع بألبانها. وأصوافها إلى أن يأتي حول ثاني، ويزرع له صاحب الماشية مثل زرعه. فإذا بلغ الحد الذي كان عليه وقت رعته الماشية، دفعه إلى صاحب الزرع، وأخذ ماشيته.
وقيل: كانا نبيين يحكمان في وقت بأمر الله ووحيه. فكان داود يحكم بحكم أمره الله به. فيحكم به في الزرع، ثم نسخه الله، فأوحى إلى سليمان نسخه فحكم به في ذلك. فكل حكم بحكم الله تعالى وأمره له. وحكم سليمان ناسخ لحكم داود بأمر الله له ووحيه إليه. ولذلك قال: وكلاً آتينا حكماً وعلماً.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَكُلاًّ آتَيْنَا حُكْماً وَعِلْماً﴾.
قال زيد بن أسلم: الحكم، أو الحكمة العقل.
وقال مالك: وإنه ليقع بقلبي أن الحكمة، الفقه بدين الله عز وجل، ولين يدخله الله القلوب من رحمته وفضله.
* *
ثم قال: ﴿وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ ٱلْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ﴾.
أي: يسبحن معه إذا سبح.
وقال قتادة: "معنى" يسبحن هنا، يصلين معه إذا صلى. "والطير" يجوز أن يدخلن في التسبيح مع الجبال، وهو الأولى، ويجوز أن يدخلن في التسخير لا غير.
* *
ثم قال: ﴿وَكُنَّا فَاعِلِينَ﴾.
أي: فاعلين بقدر ما نريد.
وقيل: المعنى: وكنا فاعلين للأنبياء مثل هذه الآيات.
وقيل: معناه: وكنا قضينا أن نفعل ذلك به في أم الكتاب.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَّكُمْ﴾.
أي: وعلمنا لداود صنعة سلاح وهو الدرع هنا. واللبوس في كلام العرب: السلاح كله: الدرع والسيف والرمح وغير ذلك. وكان أول من صنع هذه الحلق والسرد داود.
* *
وقوله: ﴿لِتُحْصِنَكُمْ﴾ أي: ليُحرزكم إذا لبستموها، ولقيتم أعداءكم من القتل، فهل أنتم أيها الناس شاكرون الله على نعمه عندكم.
الأنبياء 21:81
قوله تعالى: ﴿وَلِسُلَيْمَانَ ٱلرِّيحَ عَاصِفَةً﴾ إلى قوله: ﴿وَذِكْرَىٰ لِلْعَابِدِينَ﴾.
أي: وسخرنا لسليمان الريح عاصفة. وعصوفها، شدة هبوبها، تجري بأمر سليمان إلى الأرض التي باركنا فيها، يعني إلى أرض الشام. وكانت تجري به وبأصحابه إلى حيث شاء، ثم تعود به إلى منزله بالشام.
وقال وهب بن منبه: كان سليمان إذا خرج من مجلسه عكف عليه الطير وقام له الإنس والجن، حتى يجلس على سريره. وكان امرأ غزاء، قلما يقعد عن الغزو، ولا يسمع في ناحية من الأرض بملك إلا تاه حتى يذله، وكان إذا أراد الغزو، أمر بعسكره فضرب له بخشب، ثم نصب له على الخشب، ثم حمل عليه الناس والدواب وآلة الحرب كلها، حتى إذا حمل معه ما يريد، أمر العاصف من الريح فدخلت تحت ذلك الخشب فاحتملته، حتى إذا استفلت، أمر الرخاء، فمرته شهراً في روحته وشهراً في غدوته إلى حيث أراد. وهو قوله تعالى ذكره: ﴿فَسَخَّرْنَا لَهُ ٱلرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَآءً حَيْثُ أَصَابَ﴾ وقوله: ﴿وَلِسُلَيْمَانَ ٱلرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ﴾.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ﴾.
أي: بصلاح كل الخلق، وبما أعطينا سليمان مما فيه صلاح له وللخلق، عالمين بذلك، لا يخفى علينا منه شيء.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَمِنَ ٱلشَّيَاطِينِ مَن يَغُوصُونَ لَهُ﴾.
أي: وسخرنا له من الشياطين قوماً يغوصون له في البحر، "ويعملون عملاً دون ذلك" يعني البنيان والتماثيل والمحاريب وغير ذلك من الأعمال.
قال الفراء: دون ذلك: أي: سوى ذلك.
فإن قيل: كيف تهيأ للجن هذه الأعمال من البنيان العظيم واستخراج الدر من قعور البحار وغير ذلك، وأجسامهم رقيقة ضعيفة لا تقدر على حمل الأجسام العظام ولا تقدر على ضر الناس إلا بالوسوسة لضعفهم ورقة أجسامهم. فالجواب أن الذين سخروا لهذه الأعمال أعطاهم الله قوة على ذلك، وذلك من إحدى المعجزات لسليمان. فلما مات سليمان، سلبهم الله تعالى تلك القوة، وردهم على خلقتهم الأولى، فلا يقدرون الآن على حمل الأجسام الكثيفة ونقلها. ولو أظهروا ذلك، وقدروا عليه، لدخلت على الناس شبهة من جهتهم وتوهيناً لمعجزات الرسل. وكذلك سخر الطير له بأن زاد في فهمها عنه وقبولها لأمره، وخوفها عقابه، وذلك من معجزات سليمان. فلما مات، زال ذلك عنها، ورجعت إلى ما خلقت عليه.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَكُنَّا لَهُمْ حَافِظِينَ﴾.
أي: لأعمالهم وأعدادهم وطاعتهم له، حافظين.
وقيل: المعنى: وكنا لهم حافظين، أن يفسدوا ما عملوا.
وقيل: حافظون لهم أن يهربوا منه ويمتنعوا عليه فحفظهم بما شاء من ملائكة أو جن مثلهم طائعين لله.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ ٱلضُّرُّ﴾. أي: واذكر يا محمد أيوب حين نادى ربه، وقد مسه الضر والبلاء. رب إني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين فاستجبنا له دعاءه فكشفنا ما به من ضر. ويروى أنه ما نادى إلا بعد تسع سنين، وكان الضر الذي نزل به اختباراً من الله تعالى له، وامتحاناً. وكان الله قد وسع عليه في دنياه، وأعطاه ولداً وأهلاً، فاختبره الله بهلاك ماله فشكر وعلم أنه من عند الله. ثم ابتلاه بذهاب أهله وولده فصبر وشكر، ثم ابتلاه بالبلاء في جسمه، فتناثر لحمه، وتذود جسمه وعظم عليه البلاء حتى أخرجه أهل بلده من قريتهم، ورموه على تل من الأرض خارج القرية وكان إبليس في خلال تلك المحن يتصور له ويستفزه أن يكفر بنعم الله أو يغضب لما حل عليه، ولم يجد فيه إحالة عن شكره وذكره، ولم يبق من أهله إلا امرأة واحدة تقوم عليه وتكسب له، وإبليس اللعين يتلطف أن يستفز أحدهما بزلة أو كفر، فلم يقدر على ذلك.
قال وهب بن منبه: فبلغني أنها التمست له يوماً من الأيام ما تطعمه، فما وجدت شيئاً حتى جزت قرناً من رأسها فباعته برغيف فأتته فعشته إياه. قال وهب: فلبث في ذلك البلاء ثلاث سنين.
وقال الحسن البصري: مكث في ذلك البلاء تسع سنين وستة أشهر ملقى على رماد في جانب القرية، فلما اشتد بلاؤه وعظمت مصيبته أراد الله تعالى أن يفرج عنه، فقيل له: يا أيوب، اركض برجلك هذا مغتسل بارد وشراب فيه شفاؤك وقد وهبت لك أهلك ومثلهم معهم وولدك، ومثلهم معهم، وعمرك ومثله معه، لتكون لمن خلفك آية، وتكون عبرة لأهل البلاء، وعزاء للصابرين. فركض برجله، وانفرجت له عين فدخل فيها فاغتسل. فأذهب الله عنه كل ما كان به من البلاء، ثم خرج وجلس، وأقبلت امرأته تلتمسه في مضجعه، فلم تجده، وقامت كالواهلة ملتدمة، ثم قالت: يا عبد الله، هل لك علم بالرجل المبتلى الذي كان ها هنا؟ قال: لا، ثم تبسم فعرفته واعتنقته.
قال ابن عباس: فوالذي نفسي بيده، ما فارقته من عناقه حتى موجهاً كل مال لهما وولد.
ويروى أن الله جل ذكره رد عليه أهله ومثلهم معهم، وأمطر عليه فراشاً من ذهب، فجمع حتى ملأ كل ما أراد، وأقبل يشحن في ثيابه فأوحى الله إليه، أما يكفيك ما جمعت حتى تشحن في قميصك؟ فقال أيوب: وما يشبع من خيرك؟
ويروى أن إبليس اللعين تمثل لامرأة أيوب ﷺ في هيئة شريفة ومركب له هيبة، وقال [لها]:
أنت صاحبة أيوب المبتلى؟ فقالت: نعم. قال: هل تعرفينني؟ قالت: لا. فقال: أنا إله الأرض، وأنا الذي صنعت بصاحبك ما صنعت لأنه عبد إله السماء وتركني. ولو سجد لي سجدة واحدة لرددت عليك وعليه كل ما كان لكما من مال وولد. ثم مثل لها أباهم ببطن الوادي الذي لقيها فيه وقال إن صاحبك أكل طعاماً ولم يسمنى عليه لعوفي مما به من البلاء، فرجعت امرأة أيوب إليه، فأخبرته بما قال لها وما أراها فقال لها أيوب، قد أتاك عدو الله ليفتنك عن دينك. ثم أقسم أن الله عافاه ليضربنها مائة ضربة.
قال ابن عباس: لما ابتلاه الله بما ابتلاه [ولم يشأ] الدعاء في أن يكشف عنه ما به من ضر، غير أنه كان يذكر الله كثيراً ولا يزيده البلاء في الله إلا رغبة وحسن إيمان، فلما انتهى الكتاب أجله أذن له في الدعاء فدعا، فكشف ما به، ورد عليه مثل أهله وماله الذين ذهبوا، ولم يرد عليه الذي هلك، لكن وعده أن يوليه إياهم في الآخرة، قال مجاهد. قال: خُيِّرَ أيوب أن يرد عليه أهله ومثلهم معهم في الدنيا، أو يعطى في الدنيا مثل أهله، ويرد عليه في الآخرة أهله، فاختار أن يردوا عليه في الآخرة ويعطى في الدنيا مثلهم، وقال ابن عباس.
وقال الحسن: رد عليه ماله الذي ذهب ومثلهم معهم من النسل.
* *
ثم قال: ﴿رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَذِكْرَىٰ لِلْعَابِدِينَ﴾.
أي: ورحمناه رحمة ليتذكروا بذلك ويتعظوا.
وروى أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: مكث أيوب به بلاؤه ثمانية عشر سنة. فرفضه القريب والبعيد إلا رجلين من إخوانه كانا يغدوان ويروحان عليه، فقال أحدهما لصاحبه ذات يوم: تعلم، والله لقد أذنب أيوب ذنباً ما أذنبه أحد من العالمين، له ثمان عشر سنة بهذا الضر، لم يرحمه الله فيكشف ما به، فأخبر الذي يقول أيوب بقول صاحبه بحضرتهما، فقال أيوب: ما أدري ما تقولان، غير أن الله يعلم إن كنت أمر بالرجلين يتنازعان فيذكران الله ويحلفان، فأرجع إلى بيتي فأكفر عنهما كراهية أن يذكر الله إلا في حق
وروي عن الليث أنه قال: كان الذي أصاب أيوب أنه دخل مع أهل قريته على ملكهم جبار من الجبابرة في بعض ما كان من ظلمة للناس، فكلموه، فأبلغوا في كلامهم، فرفق أيوب في كلامه مخافة منه على زرعه، فقال الله له: يا أيوب أتقيت عبداً من عبيدي من أجل زرعك، فنزل به ما نزل ذكره ابن وهب.
وعن الليث أنه قال: بلغني أنه قيل لأيوب صلوات الله عليه: ما لك لا تسأل الله العافية؟ قال: إني لأستحي من الله أن أسأله العافية حتى يمر بي من البلاء ما مر بي من الرخاء.
وقيل: إن الذي كان حدث به داء يقال له الأكلة، فكان جسمه يتآكل ويتساقط حتى شغل عن القيام بماله، فذهب ماله وزال جميع ملكه، وحتى أن قومه أخرجوه من جوارهم، فصار في طريق من أطراف البلاد بحيث لا يجد فيه غذاء إلا ما يجده الفقراء الزمناء، وهو صابر مع ذلك، يحتسب، عارف بعدل الله في ذلك أنه لم يختر له، ولا فعل به إلا ما حسن نظره في باب الدين أو أنه فعل ذلك به ليعوضه من نعيم الجنة ما هو أنفع له وأصلح مما سلبه من ماله وصحة جسمه، فكان إبليس اللعين يؤذيه بالوسوسة، ويؤذي أهله بذلك، ويوسوس إلى جيرانه في إخراجه عنهم، وإبعاده منهم. فعند ذلك دعا الله في كشف ما به، فاستجاب له لا إله إلا هو، فكشف ضره، ورزقه من المال والأهل أكثر مما كان قبل ذلك.
* *
قوله: ﴿وَذِكْرَىٰ لِلْعَابِدِينَ﴾ قيل: معناه: ليتعظ العابدون فيما يصيبهم من المحن بأيوب، فيصبروا ويحتسبوا ذلك عند الله، كما فعل أيوب. ولا يجوز لأحد أن يتأول في قوله تعالى: ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ ٱلشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ﴾ فهو الذي أمرضه، وألقى الضر في بدنه، ولا يكون ذلك إلا من عند الله وبأمره وإرادته يفعل ما يشاء، ويبتلي عباده بما يشاء، ليكفر عنهم سيئاتهم، وليثيبهم بما أصابهم. ففي كل قدر قدره الله على العبد المؤمن خير له، إما في عاجل أمره أو آجله، فعلى هذا يعبد الله من فهم عنه.
وقيل: إن الذي أصابه إبليس، إنما هو ما وسوس إليه به وإلى أهله، فكان ذلك الذي شكا به إلى الله.
الأنبياء 21:82
قوله تعالى: ﴿وَلِسُلَيْمَانَ ٱلرِّيحَ عَاصِفَةً﴾ إلى قوله: ﴿وَذِكْرَىٰ لِلْعَابِدِينَ﴾.
أي: وسخرنا لسليمان الريح عاصفة. وعصوفها، شدة هبوبها، تجري بأمر سليمان إلى الأرض التي باركنا فيها، يعني إلى أرض الشام. وكانت تجري به وبأصحابه إلى حيث شاء، ثم تعود به إلى منزله بالشام.
وقال وهب بن منبه: كان سليمان إذا خرج من مجلسه عكف عليه الطير وقام له الإنس والجن، حتى يجلس على سريره. وكان امرأ غزاء، قلما يقعد عن الغزو، ولا يسمع في ناحية من الأرض بملك إلا تاه حتى يذله، وكان إذا أراد الغزو، أمر بعسكره فضرب له بخشب، ثم نصب له على الخشب، ثم حمل عليه الناس والدواب وآلة الحرب كلها، حتى إذا حمل معه ما يريد، أمر العاصف من الريح فدخلت تحت ذلك الخشب فاحتملته، حتى إذا استفلت، أمر الرخاء، فمرته شهراً في روحته وشهراً في غدوته إلى حيث أراد. وهو قوله تعالى ذكره: ﴿فَسَخَّرْنَا لَهُ ٱلرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَآءً حَيْثُ أَصَابَ﴾ وقوله: ﴿وَلِسُلَيْمَانَ ٱلرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ﴾.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ﴾.
أي: بصلاح كل الخلق، وبما أعطينا سليمان مما فيه صلاح له وللخلق، عالمين بذلك، لا يخفى علينا منه شيء.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَمِنَ ٱلشَّيَاطِينِ مَن يَغُوصُونَ لَهُ﴾.
أي: وسخرنا له من الشياطين قوماً يغوصون له في البحر، "ويعملون عملاً دون ذلك" يعني البنيان والتماثيل والمحاريب وغير ذلك من الأعمال.
قال الفراء: دون ذلك: أي: سوى ذلك.
فإن قيل: كيف تهيأ للجن هذه الأعمال من البنيان العظيم واستخراج الدر من قعور البحار وغير ذلك، وأجسامهم رقيقة ضعيفة لا تقدر على حمل الأجسام العظام ولا تقدر على ضر الناس إلا بالوسوسة لضعفهم ورقة أجسامهم. فالجواب أن الذين سخروا لهذه الأعمال أعطاهم الله قوة على ذلك، وذلك من إحدى المعجزات لسليمان. فلما مات سليمان، سلبهم الله تعالى تلك القوة، وردهم على خلقتهم الأولى، فلا يقدرون الآن على حمل الأجسام الكثيفة ونقلها. ولو أظهروا ذلك، وقدروا عليه، لدخلت على الناس شبهة من جهتهم وتوهيناً لمعجزات الرسل. وكذلك سخر الطير له بأن زاد في فهمها عنه وقبولها لأمره، وخوفها عقابه، وذلك من معجزات سليمان. فلما مات، زال ذلك عنها، ورجعت إلى ما خلقت عليه.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَكُنَّا لَهُمْ حَافِظِينَ﴾.
أي: لأعمالهم وأعدادهم وطاعتهم له، حافظين.
وقيل: المعنى: وكنا لهم حافظين، أن يفسدوا ما عملوا.
وقيل: حافظون لهم أن يهربوا منه ويمتنعوا عليه فحفظهم بما شاء من ملائكة أو جن مثلهم طائعين لله.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ ٱلضُّرُّ﴾. أي: واذكر يا محمد أيوب حين نادى ربه، وقد مسه الضر والبلاء. رب إني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين فاستجبنا له دعاءه فكشفنا ما به من ضر. ويروى أنه ما نادى إلا بعد تسع سنين، وكان الضر الذي نزل به اختباراً من الله تعالى له، وامتحاناً. وكان الله قد وسع عليه في دنياه، وأعطاه ولداً وأهلاً، فاختبره الله بهلاك ماله فشكر وعلم أنه من عند الله. ثم ابتلاه بذهاب أهله وولده فصبر وشكر، ثم ابتلاه بالبلاء في جسمه، فتناثر لحمه، وتذود جسمه وعظم عليه البلاء حتى أخرجه أهل بلده من قريتهم، ورموه على تل من الأرض خارج القرية وكان إبليس في خلال تلك المحن يتصور له ويستفزه أن يكفر بنعم الله أو يغضب لما حل عليه، ولم يجد فيه إحالة عن شكره وذكره، ولم يبق من أهله إلا امرأة واحدة تقوم عليه وتكسب له، وإبليس اللعين يتلطف أن يستفز أحدهما بزلة أو كفر، فلم يقدر على ذلك.
قال وهب بن منبه: فبلغني أنها التمست له يوماً من الأيام ما تطعمه، فما وجدت شيئاً حتى جزت قرناً من رأسها فباعته برغيف فأتته فعشته إياه. قال وهب: فلبث في ذلك البلاء ثلاث سنين.
وقال الحسن البصري: مكث في ذلك البلاء تسع سنين وستة أشهر ملقى على رماد في جانب القرية، فلما اشتد بلاؤه وعظمت مصيبته أراد الله تعالى أن يفرج عنه، فقيل له: يا أيوب، اركض برجلك هذا مغتسل بارد وشراب فيه شفاؤك وقد وهبت لك أهلك ومثلهم معهم وولدك، ومثلهم معهم، وعمرك ومثله معه، لتكون لمن خلفك آية، وتكون عبرة لأهل البلاء، وعزاء للصابرين. فركض برجله، وانفرجت له عين فدخل فيها فاغتسل. فأذهب الله عنه كل ما كان به من البلاء، ثم خرج وجلس، وأقبلت امرأته تلتمسه في مضجعه، فلم تجده، وقامت كالواهلة ملتدمة، ثم قالت: يا عبد الله، هل لك علم بالرجل المبتلى الذي كان ها هنا؟ قال: لا، ثم تبسم فعرفته واعتنقته.
قال ابن عباس: فوالذي نفسي بيده، ما فارقته من عناقه حتى موجهاً كل مال لهما وولد.
ويروى أن الله جل ذكره رد عليه أهله ومثلهم معهم، وأمطر عليه فراشاً من ذهب، فجمع حتى ملأ كل ما أراد، وأقبل يشحن في ثيابه فأوحى الله إليه، أما يكفيك ما جمعت حتى تشحن في قميصك؟ فقال أيوب: وما يشبع من خيرك؟
ويروى أن إبليس اللعين تمثل لامرأة أيوب ﷺ في هيئة شريفة ومركب له هيبة، وقال [لها]:
أنت صاحبة أيوب المبتلى؟ فقالت: نعم. قال: هل تعرفينني؟ قالت: لا. فقال: أنا إله الأرض، وأنا الذي صنعت بصاحبك ما صنعت لأنه عبد إله السماء وتركني. ولو سجد لي سجدة واحدة لرددت عليك وعليه كل ما كان لكما من مال وولد. ثم مثل لها أباهم ببطن الوادي الذي لقيها فيه وقال إن صاحبك أكل طعاماً ولم يسمنى عليه لعوفي مما به من البلاء، فرجعت امرأة أيوب إليه، فأخبرته بما قال لها وما أراها فقال لها أيوب، قد أتاك عدو الله ليفتنك عن دينك. ثم أقسم أن الله عافاه ليضربنها مائة ضربة.
قال ابن عباس: لما ابتلاه الله بما ابتلاه [ولم يشأ] الدعاء في أن يكشف عنه ما به من ضر، غير أنه كان يذكر الله كثيراً ولا يزيده البلاء في الله إلا رغبة وحسن إيمان، فلما انتهى الكتاب أجله أذن له في الدعاء فدعا، فكشف ما به، ورد عليه مثل أهله وماله الذين ذهبوا، ولم يرد عليه الذي هلك، لكن وعده أن يوليه إياهم في الآخرة، قال مجاهد. قال: خُيِّرَ أيوب أن يرد عليه أهله ومثلهم معهم في الدنيا، أو يعطى في الدنيا مثل أهله، ويرد عليه في الآخرة أهله، فاختار أن يردوا عليه في الآخرة ويعطى في الدنيا مثلهم، وقال ابن عباس.
وقال الحسن: رد عليه ماله الذي ذهب ومثلهم معهم من النسل.
* *
ثم قال: ﴿رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَذِكْرَىٰ لِلْعَابِدِينَ﴾.
أي: ورحمناه رحمة ليتذكروا بذلك ويتعظوا.
وروى أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: مكث أيوب به بلاؤه ثمانية عشر سنة. فرفضه القريب والبعيد إلا رجلين من إخوانه كانا يغدوان ويروحان عليه، فقال أحدهما لصاحبه ذات يوم: تعلم، والله لقد أذنب أيوب ذنباً ما أذنبه أحد من العالمين، له ثمان عشر سنة بهذا الضر، لم يرحمه الله فيكشف ما به، فأخبر الذي يقول أيوب بقول صاحبه بحضرتهما، فقال أيوب: ما أدري ما تقولان، غير أن الله يعلم إن كنت أمر بالرجلين يتنازعان فيذكران الله ويحلفان، فأرجع إلى بيتي فأكفر عنهما كراهية أن يذكر الله إلا في حق
وروي عن الليث أنه قال: كان الذي أصاب أيوب أنه دخل مع أهل قريته على ملكهم جبار من الجبابرة في بعض ما كان من ظلمة للناس، فكلموه، فأبلغوا في كلامهم، فرفق أيوب في كلامه مخافة منه على زرعه، فقال الله له: يا أيوب أتقيت عبداً من عبيدي من أجل زرعك، فنزل به ما نزل ذكره ابن وهب.
وعن الليث أنه قال: بلغني أنه قيل لأيوب صلوات الله عليه: ما لك لا تسأل الله العافية؟ قال: إني لأستحي من الله أن أسأله العافية حتى يمر بي من البلاء ما مر بي من الرخاء.
وقيل: إن الذي كان حدث به داء يقال له الأكلة، فكان جسمه يتآكل ويتساقط حتى شغل عن القيام بماله، فذهب ماله وزال جميع ملكه، وحتى أن قومه أخرجوه من جوارهم، فصار في طريق من أطراف البلاد بحيث لا يجد فيه غذاء إلا ما يجده الفقراء الزمناء، وهو صابر مع ذلك، يحتسب، عارف بعدل الله في ذلك أنه لم يختر له، ولا فعل به إلا ما حسن نظره في باب الدين أو أنه فعل ذلك به ليعوضه من نعيم الجنة ما هو أنفع له وأصلح مما سلبه من ماله وصحة جسمه، فكان إبليس اللعين يؤذيه بالوسوسة، ويؤذي أهله بذلك، ويوسوس إلى جيرانه في إخراجه عنهم، وإبعاده منهم. فعند ذلك دعا الله في كشف ما به، فاستجاب له لا إله إلا هو، فكشف ضره، ورزقه من المال والأهل أكثر مما كان قبل ذلك.
* *
قوله: ﴿وَذِكْرَىٰ لِلْعَابِدِينَ﴾ قيل: معناه: ليتعظ العابدون فيما يصيبهم من المحن بأيوب، فيصبروا ويحتسبوا ذلك عند الله، كما فعل أيوب. ولا يجوز لأحد أن يتأول في قوله تعالى: ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ ٱلشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ﴾ فهو الذي أمرضه، وألقى الضر في بدنه، ولا يكون ذلك إلا من عند الله وبأمره وإرادته يفعل ما يشاء، ويبتلي عباده بما يشاء، ليكفر عنهم سيئاتهم، وليثيبهم بما أصابهم. ففي كل قدر قدره الله على العبد المؤمن خير له، إما في عاجل أمره أو آجله، فعلى هذا يعبد الله من فهم عنه.
وقيل: إن الذي أصابه إبليس، إنما هو ما وسوس إليه به وإلى أهله، فكان ذلك الذي شكا به إلى الله.
الأنبياء 21:83
قوله تعالى: ﴿وَلِسُلَيْمَانَ ٱلرِّيحَ عَاصِفَةً﴾ إلى قوله: ﴿وَذِكْرَىٰ لِلْعَابِدِينَ﴾.
أي: وسخرنا لسليمان الريح عاصفة. وعصوفها، شدة هبوبها، تجري بأمر سليمان إلى الأرض التي باركنا فيها، يعني إلى أرض الشام. وكانت تجري به وبأصحابه إلى حيث شاء، ثم تعود به إلى منزله بالشام.
وقال وهب بن منبه: كان سليمان إذا خرج من مجلسه عكف عليه الطير وقام له الإنس والجن، حتى يجلس على سريره. وكان امرأ غزاء، قلما يقعد عن الغزو، ولا يسمع في ناحية من الأرض بملك إلا تاه حتى يذله، وكان إذا أراد الغزو، أمر بعسكره فضرب له بخشب، ثم نصب له على الخشب، ثم حمل عليه الناس والدواب وآلة الحرب كلها، حتى إذا حمل معه ما يريد، أمر العاصف من الريح فدخلت تحت ذلك الخشب فاحتملته، حتى إذا استفلت، أمر الرخاء، فمرته شهراً في روحته وشهراً في غدوته إلى حيث أراد. وهو قوله تعالى ذكره: ﴿فَسَخَّرْنَا لَهُ ٱلرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَآءً حَيْثُ أَصَابَ﴾ وقوله: ﴿وَلِسُلَيْمَانَ ٱلرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ﴾.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ﴾.
أي: بصلاح كل الخلق، وبما أعطينا سليمان مما فيه صلاح له وللخلق، عالمين بذلك، لا يخفى علينا منه شيء.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَمِنَ ٱلشَّيَاطِينِ مَن يَغُوصُونَ لَهُ﴾.
أي: وسخرنا له من الشياطين قوماً يغوصون له في البحر، "ويعملون عملاً دون ذلك" يعني البنيان والتماثيل والمحاريب وغير ذلك من الأعمال.
قال الفراء: دون ذلك: أي: سوى ذلك.
فإن قيل: كيف تهيأ للجن هذه الأعمال من البنيان العظيم واستخراج الدر من قعور البحار وغير ذلك، وأجسامهم رقيقة ضعيفة لا تقدر على حمل الأجسام العظام ولا تقدر على ضر الناس إلا بالوسوسة لضعفهم ورقة أجسامهم. فالجواب أن الذين سخروا لهذه الأعمال أعطاهم الله قوة على ذلك، وذلك من إحدى المعجزات لسليمان. فلما مات سليمان، سلبهم الله تعالى تلك القوة، وردهم على خلقتهم الأولى، فلا يقدرون الآن على حمل الأجسام الكثيفة ونقلها. ولو أظهروا ذلك، وقدروا عليه، لدخلت على الناس شبهة من جهتهم وتوهيناً لمعجزات الرسل. وكذلك سخر الطير له بأن زاد في فهمها عنه وقبولها لأمره، وخوفها عقابه، وذلك من معجزات سليمان. فلما مات، زال ذلك عنها، ورجعت إلى ما خلقت عليه.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَكُنَّا لَهُمْ حَافِظِينَ﴾.
أي: لأعمالهم وأعدادهم وطاعتهم له، حافظين.
وقيل: المعنى: وكنا لهم حافظين، أن يفسدوا ما عملوا.
وقيل: حافظون لهم أن يهربوا منه ويمتنعوا عليه فحفظهم بما شاء من ملائكة أو جن مثلهم طائعين لله.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ ٱلضُّرُّ﴾. أي: واذكر يا محمد أيوب حين نادى ربه، وقد مسه الضر والبلاء. رب إني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين فاستجبنا له دعاءه فكشفنا ما به من ضر. ويروى أنه ما نادى إلا بعد تسع سنين، وكان الضر الذي نزل به اختباراً من الله تعالى له، وامتحاناً. وكان الله قد وسع عليه في دنياه، وأعطاه ولداً وأهلاً، فاختبره الله بهلاك ماله فشكر وعلم أنه من عند الله. ثم ابتلاه بذهاب أهله وولده فصبر وشكر، ثم ابتلاه بالبلاء في جسمه، فتناثر لحمه، وتذود جسمه وعظم عليه البلاء حتى أخرجه أهل بلده من قريتهم، ورموه على تل من الأرض خارج القرية وكان إبليس في خلال تلك المحن يتصور له ويستفزه أن يكفر بنعم الله أو يغضب لما حل عليه، ولم يجد فيه إحالة عن شكره وذكره، ولم يبق من أهله إلا امرأة واحدة تقوم عليه وتكسب له، وإبليس اللعين يتلطف أن يستفز أحدهما بزلة أو كفر، فلم يقدر على ذلك.
قال وهب بن منبه: فبلغني أنها التمست له يوماً من الأيام ما تطعمه، فما وجدت شيئاً حتى جزت قرناً من رأسها فباعته برغيف فأتته فعشته إياه. قال وهب: فلبث في ذلك البلاء ثلاث سنين.
وقال الحسن البصري: مكث في ذلك البلاء تسع سنين وستة أشهر ملقى على رماد في جانب القرية، فلما اشتد بلاؤه وعظمت مصيبته أراد الله تعالى أن يفرج عنه، فقيل له: يا أيوب، اركض برجلك هذا مغتسل بارد وشراب فيه شفاؤك وقد وهبت لك أهلك ومثلهم معهم وولدك، ومثلهم معهم، وعمرك ومثله معه، لتكون لمن خلفك آية، وتكون عبرة لأهل البلاء، وعزاء للصابرين. فركض برجله، وانفرجت له عين فدخل فيها فاغتسل. فأذهب الله عنه كل ما كان به من البلاء، ثم خرج وجلس، وأقبلت امرأته تلتمسه في مضجعه، فلم تجده، وقامت كالواهلة ملتدمة، ثم قالت: يا عبد الله، هل لك علم بالرجل المبتلى الذي كان ها هنا؟ قال: لا، ثم تبسم فعرفته واعتنقته.
قال ابن عباس: فوالذي نفسي بيده، ما فارقته من عناقه حتى موجهاً كل مال لهما وولد.
ويروى أن الله جل ذكره رد عليه أهله ومثلهم معهم، وأمطر عليه فراشاً من ذهب، فجمع حتى ملأ كل ما أراد، وأقبل يشحن في ثيابه فأوحى الله إليه، أما يكفيك ما جمعت حتى تشحن في قميصك؟ فقال أيوب: وما يشبع من خيرك؟
ويروى أن إبليس اللعين تمثل لامرأة أيوب ﷺ في هيئة شريفة ومركب له هيبة، وقال [لها]:
أنت صاحبة أيوب المبتلى؟ فقالت: نعم. قال: هل تعرفينني؟ قالت: لا. فقال: أنا إله الأرض، وأنا الذي صنعت بصاحبك ما صنعت لأنه عبد إله السماء وتركني. ولو سجد لي سجدة واحدة لرددت عليك وعليه كل ما كان لكما من مال وولد. ثم مثل لها أباهم ببطن الوادي الذي لقيها فيه وقال إن صاحبك أكل طعاماً ولم يسمنى عليه لعوفي مما به من البلاء، فرجعت امرأة أيوب إليه، فأخبرته بما قال لها وما أراها فقال لها أيوب، قد أتاك عدو الله ليفتنك عن دينك. ثم أقسم أن الله عافاه ليضربنها مائة ضربة.
قال ابن عباس: لما ابتلاه الله بما ابتلاه [ولم يشأ] الدعاء في أن يكشف عنه ما به من ضر، غير أنه كان يذكر الله كثيراً ولا يزيده البلاء في الله إلا رغبة وحسن إيمان، فلما انتهى الكتاب أجله أذن له في الدعاء فدعا، فكشف ما به، ورد عليه مثل أهله وماله الذين ذهبوا، ولم يرد عليه الذي هلك، لكن وعده أن يوليه إياهم في الآخرة، قال مجاهد. قال: خُيِّرَ أيوب أن يرد عليه أهله ومثلهم معهم في الدنيا، أو يعطى في الدنيا مثل أهله، ويرد عليه في الآخرة أهله، فاختار أن يردوا عليه في الآخرة ويعطى في الدنيا مثلهم، وقال ابن عباس.
وقال الحسن: رد عليه ماله الذي ذهب ومثلهم معهم من النسل.
* *
ثم قال: ﴿رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَذِكْرَىٰ لِلْعَابِدِينَ﴾.
أي: ورحمناه رحمة ليتذكروا بذلك ويتعظوا.
وروى أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: مكث أيوب به بلاؤه ثمانية عشر سنة. فرفضه القريب والبعيد إلا رجلين من إخوانه كانا يغدوان ويروحان عليه، فقال أحدهما لصاحبه ذات يوم: تعلم، والله لقد أذنب أيوب ذنباً ما أذنبه أحد من العالمين، له ثمان عشر سنة بهذا الضر، لم يرحمه الله فيكشف ما به، فأخبر الذي يقول أيوب بقول صاحبه بحضرتهما، فقال أيوب: ما أدري ما تقولان، غير أن الله يعلم إن كنت أمر بالرجلين يتنازعان فيذكران الله ويحلفان، فأرجع إلى بيتي فأكفر عنهما كراهية أن يذكر الله إلا في حق
وروي عن الليث أنه قال: كان الذي أصاب أيوب أنه دخل مع أهل قريته على ملكهم جبار من الجبابرة في بعض ما كان من ظلمة للناس، فكلموه، فأبلغوا في كلامهم، فرفق أيوب في كلامه مخافة منه على زرعه، فقال الله له: يا أيوب أتقيت عبداً من عبيدي من أجل زرعك، فنزل به ما نزل ذكره ابن وهب.
وعن الليث أنه قال: بلغني أنه قيل لأيوب صلوات الله عليه: ما لك لا تسأل الله العافية؟ قال: إني لأستحي من الله أن أسأله العافية حتى يمر بي من البلاء ما مر بي من الرخاء.
وقيل: إن الذي كان حدث به داء يقال له الأكلة، فكان جسمه يتآكل ويتساقط حتى شغل عن القيام بماله، فذهب ماله وزال جميع ملكه، وحتى أن قومه أخرجوه من جوارهم، فصار في طريق من أطراف البلاد بحيث لا يجد فيه غذاء إلا ما يجده الفقراء الزمناء، وهو صابر مع ذلك، يحتسب، عارف بعدل الله في ذلك أنه لم يختر له، ولا فعل به إلا ما حسن نظره في باب الدين أو أنه فعل ذلك به ليعوضه من نعيم الجنة ما هو أنفع له وأصلح مما سلبه من ماله وصحة جسمه، فكان إبليس اللعين يؤذيه بالوسوسة، ويؤذي أهله بذلك، ويوسوس إلى جيرانه في إخراجه عنهم، وإبعاده منهم. فعند ذلك دعا الله في كشف ما به، فاستجاب له لا إله إلا هو، فكشف ضره، ورزقه من المال والأهل أكثر مما كان قبل ذلك.
* *
قوله: ﴿وَذِكْرَىٰ لِلْعَابِدِينَ﴾ قيل: معناه: ليتعظ العابدون فيما يصيبهم من المحن بأيوب، فيصبروا ويحتسبوا ذلك عند الله، كما فعل أيوب. ولا يجوز لأحد أن يتأول في قوله تعالى: ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ ٱلشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ﴾ فهو الذي أمرضه، وألقى الضر في بدنه، ولا يكون ذلك إلا من عند الله وبأمره وإرادته يفعل ما يشاء، ويبتلي عباده بما يشاء، ليكفر عنهم سيئاتهم، وليثيبهم بما أصابهم. ففي كل قدر قدره الله على العبد المؤمن خير له، إما في عاجل أمره أو آجله، فعلى هذا يعبد الله من فهم عنه.
وقيل: إن الذي أصابه إبليس، إنما هو ما وسوس إليه به وإلى أهله، فكان ذلك الذي شكا به إلى الله.
الأنبياء 21:84
قوله تعالى: ﴿وَلِسُلَيْمَانَ ٱلرِّيحَ عَاصِفَةً﴾ إلى قوله: ﴿وَذِكْرَىٰ لِلْعَابِدِينَ﴾.
أي: وسخرنا لسليمان الريح عاصفة. وعصوفها، شدة هبوبها، تجري بأمر سليمان إلى الأرض التي باركنا فيها، يعني إلى أرض الشام. وكانت تجري به وبأصحابه إلى حيث شاء، ثم تعود به إلى منزله بالشام.
وقال وهب بن منبه: كان سليمان إذا خرج من مجلسه عكف عليه الطير وقام له الإنس والجن، حتى يجلس على سريره. وكان امرأ غزاء، قلما يقعد عن الغزو، ولا يسمع في ناحية من الأرض بملك إلا تاه حتى يذله، وكان إذا أراد الغزو، أمر بعسكره فضرب له بخشب، ثم نصب له على الخشب، ثم حمل عليه الناس والدواب وآلة الحرب كلها، حتى إذا حمل معه ما يريد، أمر العاصف من الريح فدخلت تحت ذلك الخشب فاحتملته، حتى إذا استفلت، أمر الرخاء، فمرته شهراً في روحته وشهراً في غدوته إلى حيث أراد. وهو قوله تعالى ذكره: ﴿فَسَخَّرْنَا لَهُ ٱلرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَآءً حَيْثُ أَصَابَ﴾ وقوله: ﴿وَلِسُلَيْمَانَ ٱلرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ﴾.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ﴾.
أي: بصلاح كل الخلق، وبما أعطينا سليمان مما فيه صلاح له وللخلق، عالمين بذلك، لا يخفى علينا منه شيء.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَمِنَ ٱلشَّيَاطِينِ مَن يَغُوصُونَ لَهُ﴾.
أي: وسخرنا له من الشياطين قوماً يغوصون له في البحر، "ويعملون عملاً دون ذلك" يعني البنيان والتماثيل والمحاريب وغير ذلك من الأعمال.
قال الفراء: دون ذلك: أي: سوى ذلك.
فإن قيل: كيف تهيأ للجن هذه الأعمال من البنيان العظيم واستخراج الدر من قعور البحار وغير ذلك، وأجسامهم رقيقة ضعيفة لا تقدر على حمل الأجسام العظام ولا تقدر على ضر الناس إلا بالوسوسة لضعفهم ورقة أجسامهم. فالجواب أن الذين سخروا لهذه الأعمال أعطاهم الله قوة على ذلك، وذلك من إحدى المعجزات لسليمان. فلما مات سليمان، سلبهم الله تعالى تلك القوة، وردهم على خلقتهم الأولى، فلا يقدرون الآن على حمل الأجسام الكثيفة ونقلها. ولو أظهروا ذلك، وقدروا عليه، لدخلت على الناس شبهة من جهتهم وتوهيناً لمعجزات الرسل. وكذلك سخر الطير له بأن زاد في فهمها عنه وقبولها لأمره، وخوفها عقابه، وذلك من معجزات سليمان. فلما مات، زال ذلك عنها، ورجعت إلى ما خلقت عليه.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَكُنَّا لَهُمْ حَافِظِينَ﴾.
أي: لأعمالهم وأعدادهم وطاعتهم له، حافظين.
وقيل: المعنى: وكنا لهم حافظين، أن يفسدوا ما عملوا.
وقيل: حافظون لهم أن يهربوا منه ويمتنعوا عليه فحفظهم بما شاء من ملائكة أو جن مثلهم طائعين لله.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ ٱلضُّرُّ﴾. أي: واذكر يا محمد أيوب حين نادى ربه، وقد مسه الضر والبلاء. رب إني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين فاستجبنا له دعاءه فكشفنا ما به من ضر. ويروى أنه ما نادى إلا بعد تسع سنين، وكان الضر الذي نزل به اختباراً من الله تعالى له، وامتحاناً. وكان الله قد وسع عليه في دنياه، وأعطاه ولداً وأهلاً، فاختبره الله بهلاك ماله فشكر وعلم أنه من عند الله. ثم ابتلاه بذهاب أهله وولده فصبر وشكر، ثم ابتلاه بالبلاء في جسمه، فتناثر لحمه، وتذود جسمه وعظم عليه البلاء حتى أخرجه أهل بلده من قريتهم، ورموه على تل من الأرض خارج القرية وكان إبليس في خلال تلك المحن يتصور له ويستفزه أن يكفر بنعم الله أو يغضب لما حل عليه، ولم يجد فيه إحالة عن شكره وذكره، ولم يبق من أهله إلا امرأة واحدة تقوم عليه وتكسب له، وإبليس اللعين يتلطف أن يستفز أحدهما بزلة أو كفر، فلم يقدر على ذلك.
قال وهب بن منبه: فبلغني أنها التمست له يوماً من الأيام ما تطعمه، فما وجدت شيئاً حتى جزت قرناً من رأسها فباعته برغيف فأتته فعشته إياه. قال وهب: فلبث في ذلك البلاء ثلاث سنين.
وقال الحسن البصري: مكث في ذلك البلاء تسع سنين وستة أشهر ملقى على رماد في جانب القرية، فلما اشتد بلاؤه وعظمت مصيبته أراد الله تعالى أن يفرج عنه، فقيل له: يا أيوب، اركض برجلك هذا مغتسل بارد وشراب فيه شفاؤك وقد وهبت لك أهلك ومثلهم معهم وولدك، ومثلهم معهم، وعمرك ومثله معه، لتكون لمن خلفك آية، وتكون عبرة لأهل البلاء، وعزاء للصابرين. فركض برجله، وانفرجت له عين فدخل فيها فاغتسل. فأذهب الله عنه كل ما كان به من البلاء، ثم خرج وجلس، وأقبلت امرأته تلتمسه في مضجعه، فلم تجده، وقامت كالواهلة ملتدمة، ثم قالت: يا عبد الله، هل لك علم بالرجل المبتلى الذي كان ها هنا؟ قال: لا، ثم تبسم فعرفته واعتنقته.
قال ابن عباس: فوالذي نفسي بيده، ما فارقته من عناقه حتى موجهاً كل مال لهما وولد.
ويروى أن الله جل ذكره رد عليه أهله ومثلهم معهم، وأمطر عليه فراشاً من ذهب، فجمع حتى ملأ كل ما أراد، وأقبل يشحن في ثيابه فأوحى الله إليه، أما يكفيك ما جمعت حتى تشحن في قميصك؟ فقال أيوب: وما يشبع من خيرك؟
ويروى أن إبليس اللعين تمثل لامرأة أيوب ﷺ في هيئة شريفة ومركب له هيبة، وقال [لها]:
أنت صاحبة أيوب المبتلى؟ فقالت: نعم. قال: هل تعرفينني؟ قالت: لا. فقال: أنا إله الأرض، وأنا الذي صنعت بصاحبك ما صنعت لأنه عبد إله السماء وتركني. ولو سجد لي سجدة واحدة لرددت عليك وعليه كل ما كان لكما من مال وولد. ثم مثل لها أباهم ببطن الوادي الذي لقيها فيه وقال إن صاحبك أكل طعاماً ولم يسمنى عليه لعوفي مما به من البلاء، فرجعت امرأة أيوب إليه، فأخبرته بما قال لها وما أراها فقال لها أيوب، قد أتاك عدو الله ليفتنك عن دينك. ثم أقسم أن الله عافاه ليضربنها مائة ضربة.
قال ابن عباس: لما ابتلاه الله بما ابتلاه [ولم يشأ] الدعاء في أن يكشف عنه ما به من ضر، غير أنه كان يذكر الله كثيراً ولا يزيده البلاء في الله إلا رغبة وحسن إيمان، فلما انتهى الكتاب أجله أذن له في الدعاء فدعا، فكشف ما به، ورد عليه مثل أهله وماله الذين ذهبوا، ولم يرد عليه الذي هلك، لكن وعده أن يوليه إياهم في الآخرة، قال مجاهد. قال: خُيِّرَ أيوب أن يرد عليه أهله ومثلهم معهم في الدنيا، أو يعطى في الدنيا مثل أهله، ويرد عليه في الآخرة أهله، فاختار أن يردوا عليه في الآخرة ويعطى في الدنيا مثلهم، وقال ابن عباس.
وقال الحسن: رد عليه ماله الذي ذهب ومثلهم معهم من النسل.
* *
ثم قال: ﴿رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَذِكْرَىٰ لِلْعَابِدِينَ﴾.
أي: ورحمناه رحمة ليتذكروا بذلك ويتعظوا.
وروى أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: مكث أيوب به بلاؤه ثمانية عشر سنة. فرفضه القريب والبعيد إلا رجلين من إخوانه كانا يغدوان ويروحان عليه، فقال أحدهما لصاحبه ذات يوم: تعلم، والله لقد أذنب أيوب ذنباً ما أذنبه أحد من العالمين، له ثمان عشر سنة بهذا الضر، لم يرحمه الله فيكشف ما به، فأخبر الذي يقول أيوب بقول صاحبه بحضرتهما، فقال أيوب: ما أدري ما تقولان، غير أن الله يعلم إن كنت أمر بالرجلين يتنازعان فيذكران الله ويحلفان، فأرجع إلى بيتي فأكفر عنهما كراهية أن يذكر الله إلا في حق
وروي عن الليث أنه قال: كان الذي أصاب أيوب أنه دخل مع أهل قريته على ملكهم جبار من الجبابرة في بعض ما كان من ظلمة للناس، فكلموه، فأبلغوا في كلامهم، فرفق أيوب في كلامه مخافة منه على زرعه، فقال الله له: يا أيوب أتقيت عبداً من عبيدي من أجل زرعك، فنزل به ما نزل ذكره ابن وهب.
وعن الليث أنه قال: بلغني أنه قيل لأيوب صلوات الله عليه: ما لك لا تسأل الله العافية؟ قال: إني لأستحي من الله أن أسأله العافية حتى يمر بي من البلاء ما مر بي من الرخاء.
وقيل: إن الذي كان حدث به داء يقال له الأكلة، فكان جسمه يتآكل ويتساقط حتى شغل عن القيام بماله، فذهب ماله وزال جميع ملكه، وحتى أن قومه أخرجوه من جوارهم، فصار في طريق من أطراف البلاد بحيث لا يجد فيه غذاء إلا ما يجده الفقراء الزمناء، وهو صابر مع ذلك، يحتسب، عارف بعدل الله في ذلك أنه لم يختر له، ولا فعل به إلا ما حسن نظره في باب الدين أو أنه فعل ذلك به ليعوضه من نعيم الجنة ما هو أنفع له وأصلح مما سلبه من ماله وصحة جسمه، فكان إبليس اللعين يؤذيه بالوسوسة، ويؤذي أهله بذلك، ويوسوس إلى جيرانه في إخراجه عنهم، وإبعاده منهم. فعند ذلك دعا الله في كشف ما به، فاستجاب له لا إله إلا هو، فكشف ضره، ورزقه من المال والأهل أكثر مما كان قبل ذلك.
* *
قوله: ﴿وَذِكْرَىٰ لِلْعَابِدِينَ﴾ قيل: معناه: ليتعظ العابدون فيما يصيبهم من المحن بأيوب، فيصبروا ويحتسبوا ذلك عند الله، كما فعل أيوب. ولا يجوز لأحد أن يتأول في قوله تعالى: ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ ٱلشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ﴾ فهو الذي أمرضه، وألقى الضر في بدنه، ولا يكون ذلك إلا من عند الله وبأمره وإرادته يفعل ما يشاء، ويبتلي عباده بما يشاء، ليكفر عنهم سيئاتهم، وليثيبهم بما أصابهم. ففي كل قدر قدره الله على العبد المؤمن خير له، إما في عاجل أمره أو آجله، فعلى هذا يعبد الله من فهم عنه.
وقيل: إن الذي أصابه إبليس، إنما هو ما وسوس إليه به وإلى أهله، فكان ذلك الذي شكا به إلى الله.
الأنبياء 21:85
قوله: ﴿وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا ٱلْكِفْلِ كُلٌّ مِّنَ﴾ إلى قوله: ﴿نُنجِـي ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: واذكر يا محمد إسماعيل وإدريس وذا الكفل. ذو الكفل رجل تكفل بكفالة من الطاعة لله فأتمه.
روي أن نبياً من الأنبياء قال: من يتكفل لي أن يصوم النهار ويقوم الليل ولا يغضب. فقام شاب فقال: أنا. فقال: اجلس. ثم قال: من يتكفل لي أن يقوم الليل ويصوم النهار ولا يغضب. فقام ذلك الشاب فقال: أنا. فقال: اجلس فجلس ثم عاد الثالثة فقام ذلك الشاب فقال: أنا. فصام النهار وقام الليل ثم مات ذلك النبي، فجلس ذلك الشاب مكانه فقضى بين الناس، فكان لا يغضب، فجاءه الشيطان في صورة إنسان ليغضبه وهو صائم يريد أن يقيل، فضرب الباب ضرباً شديداً، فقال: من هذا؟ فقال: رجل له حاجة فأرسل معه رجلاً فرجع فقال: لا أرضى بهذا الرجل، فأرسل معه آخر فقال: لا أرضى بهذا الرجل، فخرج إليه فأخذ بيده فانطلق حتى إذا كان في السوق خلاه وذهب فسمي ذا الكفل.
وقال مجاهد: لما كبر اليسع قال لو أني استخلفت رجلاً على الناس يعمل عليهم في حياتي حتى أنظر كيف يعمل. قال: فجمع الناس فقال: من يتكفل بثلاثة أستخلفه؟ يصوم النهار ويقوم الليل ولا يغضب. قال: فقام رجل تزدريه العيون فقال: أنا وقال مثلها في اليوم الثاني، فقام ذلك الرجل فاستخلفه فجعل إبليس يقول للشياطين: عليكم بفلان، فأعياهم فقال: دعوني وإياه، [فأتاه] في صورة شيخ كبير قبيح الصورة فقير. وأتاه حين أخذ مضجعه للقائلة، وكان لا ينام بالليل والنهار إلا تلك السويعة فدق الباب، فقال: من هذا؟ فقال: شيخ كبير مظلوم. قال: ففتح الباب وجعل يقص عليه ويطول عليه، حتى حضر الرواح وذهبت القائلة وقال له: إذا رحت فأتني وآخذ لك بحقك. فانطلق وراح وكان في مجلسه فجعل ينظر هل يرى الشيخ فلم يره فقام يتبعه، فلما كان الغد جعل يقضي بين الناس فنظره فلم يره، فلما رجع إلى القائلة وأخذ مضجعه، أتاه فدق الباب، فقال: من هذا؟ فقال: الشيخ الكبير المظلوم. ففتح له، فقال: ألم أقل لك إذا قعدت فآتني؟ فقال: إن خصمي قوم أخبث قوم إذا عرفوا أنك قاعد قالوا نحن نعطيك حقك، وإذا نمت جحدوني. قال: فانطلق فإذا رحت فأتني فأتته القائلة وراج، وجعل ينظر فلا يراه، وشق عليه النعاس. فقال لأهله من الغد: لا تدعن أحداً يقرب هذا الباب حتى أنام، فإني قد شق علي النوم فلما كان تلك الساعة جاء فقال له الرجل: وراءك، فقال: إني قد أتيته بالأمس، وذكرت له أمري فقال: لا والله، لقد أمرنا ألا ندع أحداً يقربه، فلما أعياه نظر فرأى كوة فتسور منها، فإذا هو في البيت، وإذا هو يدق الباب من داخل، فاستيقظ الرجل، فقال: يا أبا فلان، ألم آمرك؟ فقال: أما من قبلي والله فلم تؤت، فانظر من أين أوتيت. فقام إلى الباب، فإذا هو مغلق كما أغلقه. وإذا الرجل معه في البيت، فعرفه، فقال: يا عدو الله. قال: نعم. أعييتني في كل شيء، ففعلت ما ترى لأغضبك، فسمي ذا الكفل، لأنه تكفل بأمر فوفى به.
قال مجاهد: كان رجلاً صالحاً غير نبي. وكذا قال أبو موسى الأشعري وقوله: ﴿كُلٌّ مِّنَ ٱلصَّابِرِينَ﴾ أي: كلهم من أهل الصبر فيما نابه في الله، وعلى تبليغ رسالاته وعلى شدائد الدنيا، وعلى القيام بعبادة الله، وعلى الصبر على الأذى في الله.
* *
﴿وَأَدْخَلْنَاهُمْ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُمْ مِّنَ ٱلصَّالِحِينَ﴾.
أي: ممن عمل بطاعة الله.
وقيل: إن ذا الكفل إنما سمي بذلك لأن الله تكفل له في عمله وسعيه بضعف عمل غيره من الأنبياء الذين كانوا في زمنه.
ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَذَا ٱلنُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِباً فَظَنَّ﴾.
أي: واذكر [يا محمد] صاحب الحوت. وهو يونس إذ ذهب مغاضباً.
قال ابن عباس والضحاك: ذهب غاضباً على قومه.
وعن ابن عباس أنه خرج مغاضباً على ربه لما رد العذاب عن قومه وصرفه عنهم. وهذا قول مردود، لا تغضب الأنبياء على ربها، لأن الغضب على الله معاداة له. ومن قصد الله بالعداوة كفر. ونعيذ الله تعالى يونس ﷺ من ذلك. وكذلك لا يجوز أن تتأول في قوله تعالى: ﴿فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ﴾.
إنه من القدرة عليه، وأنه يفوت الله. كان ﷺ أعلم بالله من ذلك، إنما هو من التقدير الذي هو التضييق. ظن أن الله لا يضيق عليه مسلكه في خروجه عنهم. طمع برحمة الله له في ترك التضييق عليه. وقد فسرنا هذا المعنى.
وقيل: إنما نقم الله عليه أنه خرج عن قومه فاراً من نزول العذاب بهم من غير أن يأمره الله بالخروج، وهي صغيرة والله يغفر الصغائر لغير الأنبياء، فكيف للأنبياء. فنادى في بطن الحوت ﴿لاَّ إِلَـٰهَ إِلاَّ أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ ٱلظَّالِمِينَ﴾.
أي: من الظالمين لنفسي في خروجي عن قومي قبل أن تأمرني بالخروج. فاستجاب الله له، وأخرجه من بطن الحوت. وتلك معجزة وآية له: تدل على نبوته وفضله.
وقيل: إن الله غفر له صغيرته، ولم يحبسه في بطن الحوت بذنبه إنما أراد أن يريه قدرته، ويجعل ذلك آية. وخروجه من بطن الحوت عاقلاً حياً معجزة له، ودليلاً على توبته، لأن الصغائر تغفر باجتناب الكبائر. والكبائر تغفر بالتوبة. وذلك أنهم كذبوه فيما جاءهم به فأوحى الله تعالى إليه أني مرسل إليهم العذاب يوم كذا، فأخرج من بين أظهرهم. فأعلم قومه بالعذاب الذي يأتيهم، فقالوا: ارمقوه، فإن هو خرج من بين أظهركم فهو والله كائن ما وعدكم، فلما كان الليلة التي وعدوا بالعذاب في صبيحتها، أدلج ورآه القوم فحذروا وخرجوا من القرية إلى براز من أرضهم، وفرقوا بين كل دابة وولدها، ثم عجوا إلى الله جل وعز واستقالوه فأقالهم.
قيل: خرجوا إلى موضع يقال له تل الرماد، ففرقوا بين الصبيان وأمهاتهم، وبين الرجال ونسائهم، وعجوا إلى الله تعالى ذكره وخرجوا بالبهائم، فرفع الله عنهم العذاب، وانتظر يونس الخبر عن القرية وأهلها حتى مر به مار فقال: ما فعل أهل القرية، فقال: فعلوا أن نبيهم لما خرج عنهم عرفوا أنه قد صدقهم ما وعدهم به من العذاب، فخرجوا من قريتهم إلى براز من الأرض وفرقوا بين ذات كل ولد وولدها، ثم عجوا إلى الله وتابوا إليه، فقبل منهم وأخر عنهم العذاب. فقال يونس عند ذلك وغضب: والله لا أرجع إليهم كذاباً أبداً، وعدتهم العذاب في يوم ثم رد عنهم. ومضى على وجهه مغاضباً.
قال الحسن: بلغني أن يونس لما أصاب الذنب، انطلق مغاضباً لربه، فاستزله الشيطان. وقاله الشعبي.
فقيل: إنه إنما لم يرجع إليهم لأنه استحيا منهم أن يجدوا عليه الخلف فيما وعدهم به .
وقيل: كان من سنتهم قتل من كذب، فخاف أن يظنوا أنه كذبهم فيقتلوه.
وقيل: معناه: مغاضباً أي: مغاضباً من أجل ربه. أي: غضب على قومه لكفرهم بربه.
وقال الحسن: أمر بالسير إلى قوم لينذرهم بأس الله، ويدعوهم إليه، فسأل ربه أن ينظره ليتأهب للشخوص إليهم. فقيل له الأمر أسرع من ذلك، ولم ينظر حتى سأل أن ينظر إلى أن يأخذ نعلاً يلبسها. وكان رجلاً في خلقه ضيق.
فقال: أعجلني ربي أن آخذ نعلاً فذهب مغاضباً.
وقال وهب اليماني: إن يونس بن متى كان عبداً صالحاً وكان في خلقه ضيق. فلما حملت عليه أثقال النبوة - ولها أثقال لا يحملها إلا قليل من الناس - تَفَسَّخَ تحتها تَفَسُّخَ الربع تحت الحمل فقذفها من يديه، وخرج هارباً منها.
وقال الأخفش: إنما غاضب بعض الملوك.
واختار الطبري أن يكون المعنى مغاضباً لربه.
واختار النحاس أن يكون مغاضباً لقومه.
وقال ابن عباس: إنما أرسل يونس بعدما نبذه الحوت، لقوله: ﴿فَنَبَذْنَاهُ بِٱلْعَرَآءِ وَهُوَ سَقِيمٌ﴾ [الصافات: ١٤٥]. ثم قال: ﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَىٰ مِئَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾ [الصافات: ١٤٧].
* *
وقوله: ﴿فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ أي: فظن أن لن نعاقبه بالتضييق عليه. يقال: قدرت على فلان: ضيقت عليه. ومنه قوله: ﴿وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّآ آتَاهُ ٱللَّهُ﴾ [الطلاق: ٧].
قال ابن عباس: معناه: فظن أن لن نأخذه بالعذاب الذي أصابه.
وعنه أيضاً: أن المعنى: ظن أن لن نقضي عليه عقوبة، ولا بلاء فيما صنع بقومه إذ غضب عليهم وفر منهم.
وقال مجاهد وقتادة والضحاك: المعنى: فظن أن لن نعاقبه.
وهذه الأقوال: هي الاختيار لبعد إضافة تعجيز الله جل ذكره إلى نبي، وقد قاله: جماعة، وقولهم مرغوب عنه.
قال سعيد بن أبي الحسن: استزله الشيطان حتى ظن أن لن يقدر عليه، وكان له سلف عبادة وتسبيح، فأبى الله أن يدعه للشيطان فأخذه فقذفه في بطن الحوت، فأقام فيه أربعين بين يوم وليلة وأمسك الله نفسه، فلم يقتله هناك، فتاب إلى ربه في بطن الحوت وراجع نفسه. وقال: ﴿سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ ٱلظَّالِمِينَ﴾ فاستخرجه الله من بطن الحوت برحمته لما كان سلف له من العبادة والتسبيح، فجعله من الصالحين.
وقال ابن زيد: معنى الآية على تقدير الاستفهام، التقدير أفظن أن لن نقدر [عليه].
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَنَادَىٰ فِي ٱلظُّلُمَاتِ أَن لاَّ إِلَـٰهَ إِلاَّ أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ ٱلظَّالِمِينَ﴾.
يعني: فنادى يونس في ظلمة الليل وظلمة البحر، وظلمة بطن الحوت. قاله: ابن عباس وابن جريج وقتادة ومحمد بن كعب.
وقيل: إن الحوت الذي ابتلع يونس ابتلعه حوت آخر. فتلك الظلمات بطن حوت في بطن حوت في ظلمة البحر.
* *
وقوله: ﴿إِنِّي كُنتُ مِنَ ٱلظَّالِمِينَ﴾ اعتراف منه بذنبه وتوبته منه.
قال عوف الأعرابي: لما صار يونس في بطن الحوت، ظن أنه قد مات، ثم حرك رجليه، فلما تحركت، سجد مكانه، ثم نادى: يا رب، اتخذت لك مسجداً في موضع ما اتخذه أحد.
وروى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: لما أراد الله حبس يونس في بطن الحوت، أوحى الله جل وعز إلى الحوت أن خذه، ولا تخدش له لحماً، ولا تكسر له عظماً. فأخذه ثم هوى به إلى مسكنه، فلما انتهى به إلى أسفل الأرض، سمع يونساً حساً، فقال: ما هذا؟ فأوحى الله إليه وهو في بطن الحوت: هذا تسبيح دواب البحر. فسبح وهو في بطن الحوت.
قال: فسمعت الملائكة تسبيحه فقالوا: يا ربنا، إنا لنسمع صوتاً ضعيفاً بأرض غريبة. قال ذلك عبدي يونس، عصاني فحبسته في بطن الحوت في البحر. قالوا: العبد الصالح الذي كان يصعد إلينا منه كل يوم وليلة عمل صالح؟ قال: نعم. قال: فشفعوا له عند ذلك، فأمر الحوت فقذفه في الساحل، كما قال: "وهو سقيم"
ثم قال تعالى: ﴿فَٱسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ ٱلْغَمِّ﴾ أي: من بطن الحوت.
وقيل: من غمه بخطيئته.
وقيل: منهما جميعاً.
وروي عن النبي ﷺ أنه قال: "دعوة يونس في بطن الحوت لن يدعو بها رجل قط إلا استجيب له
قوله: ﴿وَكَذٰلِكَ نُنجِـي ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: إذا استغاثوا.
قال سعيد بن مالك: سمعت النبي ﷺ يقول: اسم الله جل وعز الذي إذا دعي به أجاب، وإذا سئل به أعطى دعوة يونس بن متى. قال: قلت: يا رسول الله: هي ليونس بن متى خاصة أم لجماعة المسلمين؟ قال: هي ليونس خاصة، وللمسلمين عامة إذا دعوا بها، ألم تسمع قول الله جل ذكره:
﴿فَنَادَىٰ فِي ٱلظُّلُمَاتِ أَن لاَّ إِلَـٰهَ إِلاَّ أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ ٱلظَّالِمِينَ * فَٱسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ ٱلْغَمِّ وَكَذٰلِكَ نُنجِـي ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ فهو شرط الله تعالى لمن دعاه به
وروي عن ابن مسعود أنه قال: لما خرج يونس من بطن الحوت مر بغلام يرعى غنماً فقال له: ممن أنت يا غلام؟ فقال: من قوم يونس. قال له: فإذا رجعت إليهم فأخبرهم أنك لقيت يونس فقال له الغلام: إن تكن يونس فقد تعلم أنه من كذب ولم تكن له بينة على قوله يقتل، فمن يشهد لي. فقال يونس تشهد لك هذه الشجرة وهذه البقعة. فقال الغلام: فمرها بذلك. فقال لها يونس: إن جاءكما هذا الغلام فاشهدا له أني يونس. قالتا: نعم. فرجع الغلام إلى قومه وكان له أخوة، وكان في منعة. فأتى الملك فقال: إني لقيت يونس، وهو يقرأ عليك السلام. فأمر به الملك أن يقتل، فقالوا: إن له بينة، فأرسل معه إلى الشجرة والبقعة، فشهدتا له أن يونس لقيه. فرجع القوم مذعورين مما رأوا، فأعلموا بذلك الملك، فتناول الملك بيد الغلام فأجلسه مجلسه، وقال: "أنت أحق بهذا المكان مني. فأقام لهم ذلك الغلام أمرهم أربعين سنة".
الأنبياء 21:86
قوله: ﴿وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا ٱلْكِفْلِ كُلٌّ مِّنَ﴾ إلى قوله: ﴿نُنجِـي ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: واذكر يا محمد إسماعيل وإدريس وذا الكفل. ذو الكفل رجل تكفل بكفالة من الطاعة لله فأتمه.
روي أن نبياً من الأنبياء قال: من يتكفل لي أن يصوم النهار ويقوم الليل ولا يغضب. فقام شاب فقال: أنا. فقال: اجلس. ثم قال: من يتكفل لي أن يقوم الليل ويصوم النهار ولا يغضب. فقام ذلك الشاب فقال: أنا. فقال: اجلس فجلس ثم عاد الثالثة فقام ذلك الشاب فقال: أنا. فصام النهار وقام الليل ثم مات ذلك النبي، فجلس ذلك الشاب مكانه فقضى بين الناس، فكان لا يغضب، فجاءه الشيطان في صورة إنسان ليغضبه وهو صائم يريد أن يقيل، فضرب الباب ضرباً شديداً، فقال: من هذا؟ فقال: رجل له حاجة فأرسل معه رجلاً فرجع فقال: لا أرضى بهذا الرجل، فأرسل معه آخر فقال: لا أرضى بهذا الرجل، فخرج إليه فأخذ بيده فانطلق حتى إذا كان في السوق خلاه وذهب فسمي ذا الكفل.
وقال مجاهد: لما كبر اليسع قال لو أني استخلفت رجلاً على الناس يعمل عليهم في حياتي حتى أنظر كيف يعمل. قال: فجمع الناس فقال: من يتكفل بثلاثة أستخلفه؟ يصوم النهار ويقوم الليل ولا يغضب. قال: فقام رجل تزدريه العيون فقال: أنا وقال مثلها في اليوم الثاني، فقام ذلك الرجل فاستخلفه فجعل إبليس يقول للشياطين: عليكم بفلان، فأعياهم فقال: دعوني وإياه، [فأتاه] في صورة شيخ كبير قبيح الصورة فقير. وأتاه حين أخذ مضجعه للقائلة، وكان لا ينام بالليل والنهار إلا تلك السويعة فدق الباب، فقال: من هذا؟ فقال: شيخ كبير مظلوم. قال: ففتح الباب وجعل يقص عليه ويطول عليه، حتى حضر الرواح وذهبت القائلة وقال له: إذا رحت فأتني وآخذ لك بحقك. فانطلق وراح وكان في مجلسه فجعل ينظر هل يرى الشيخ فلم يره فقام يتبعه، فلما كان الغد جعل يقضي بين الناس فنظره فلم يره، فلما رجع إلى القائلة وأخذ مضجعه، أتاه فدق الباب، فقال: من هذا؟ فقال: الشيخ الكبير المظلوم. ففتح له، فقال: ألم أقل لك إذا قعدت فآتني؟ فقال: إن خصمي قوم أخبث قوم إذا عرفوا أنك قاعد قالوا نحن نعطيك حقك، وإذا نمت جحدوني. قال: فانطلق فإذا رحت فأتني فأتته القائلة وراج، وجعل ينظر فلا يراه، وشق عليه النعاس. فقال لأهله من الغد: لا تدعن أحداً يقرب هذا الباب حتى أنام، فإني قد شق علي النوم فلما كان تلك الساعة جاء فقال له الرجل: وراءك، فقال: إني قد أتيته بالأمس، وذكرت له أمري فقال: لا والله، لقد أمرنا ألا ندع أحداً يقربه، فلما أعياه نظر فرأى كوة فتسور منها، فإذا هو في البيت، وإذا هو يدق الباب من داخل، فاستيقظ الرجل، فقال: يا أبا فلان، ألم آمرك؟ فقال: أما من قبلي والله فلم تؤت، فانظر من أين أوتيت. فقام إلى الباب، فإذا هو مغلق كما أغلقه. وإذا الرجل معه في البيت، فعرفه، فقال: يا عدو الله. قال: نعم. أعييتني في كل شيء، ففعلت ما ترى لأغضبك، فسمي ذا الكفل، لأنه تكفل بأمر فوفى به.
قال مجاهد: كان رجلاً صالحاً غير نبي. وكذا قال أبو موسى الأشعري وقوله: ﴿كُلٌّ مِّنَ ٱلصَّابِرِينَ﴾ أي: كلهم من أهل الصبر فيما نابه في الله، وعلى تبليغ رسالاته وعلى شدائد الدنيا، وعلى القيام بعبادة الله، وعلى الصبر على الأذى في الله.
* *
﴿وَأَدْخَلْنَاهُمْ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُمْ مِّنَ ٱلصَّالِحِينَ﴾.
أي: ممن عمل بطاعة الله.
وقيل: إن ذا الكفل إنما سمي بذلك لأن الله تكفل له في عمله وسعيه بضعف عمل غيره من الأنبياء الذين كانوا في زمنه.
ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَذَا ٱلنُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِباً فَظَنَّ﴾.
أي: واذكر [يا محمد] صاحب الحوت. وهو يونس إذ ذهب مغاضباً.
قال ابن عباس والضحاك: ذهب غاضباً على قومه.
وعن ابن عباس أنه خرج مغاضباً على ربه لما رد العذاب عن قومه وصرفه عنهم. وهذا قول مردود، لا تغضب الأنبياء على ربها، لأن الغضب على الله معاداة له. ومن قصد الله بالعداوة كفر. ونعيذ الله تعالى يونس ﷺ من ذلك. وكذلك لا يجوز أن تتأول في قوله تعالى: ﴿فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ﴾.
إنه من القدرة عليه، وأنه يفوت الله. كان ﷺ أعلم بالله من ذلك، إنما هو من التقدير الذي هو التضييق. ظن أن الله لا يضيق عليه مسلكه في خروجه عنهم. طمع برحمة الله له في ترك التضييق عليه. وقد فسرنا هذا المعنى.
وقيل: إنما نقم الله عليه أنه خرج عن قومه فاراً من نزول العذاب بهم من غير أن يأمره الله بالخروج، وهي صغيرة والله يغفر الصغائر لغير الأنبياء، فكيف للأنبياء. فنادى في بطن الحوت ﴿لاَّ إِلَـٰهَ إِلاَّ أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ ٱلظَّالِمِينَ﴾.
أي: من الظالمين لنفسي في خروجي عن قومي قبل أن تأمرني بالخروج. فاستجاب الله له، وأخرجه من بطن الحوت. وتلك معجزة وآية له: تدل على نبوته وفضله.
وقيل: إن الله غفر له صغيرته، ولم يحبسه في بطن الحوت بذنبه إنما أراد أن يريه قدرته، ويجعل ذلك آية. وخروجه من بطن الحوت عاقلاً حياً معجزة له، ودليلاً على توبته، لأن الصغائر تغفر باجتناب الكبائر. والكبائر تغفر بالتوبة. وذلك أنهم كذبوه فيما جاءهم به فأوحى الله تعالى إليه أني مرسل إليهم العذاب يوم كذا، فأخرج من بين أظهرهم. فأعلم قومه بالعذاب الذي يأتيهم، فقالوا: ارمقوه، فإن هو خرج من بين أظهركم فهو والله كائن ما وعدكم، فلما كان الليلة التي وعدوا بالعذاب في صبيحتها، أدلج ورآه القوم فحذروا وخرجوا من القرية إلى براز من أرضهم، وفرقوا بين كل دابة وولدها، ثم عجوا إلى الله جل وعز واستقالوه فأقالهم.
قيل: خرجوا إلى موضع يقال له تل الرماد، ففرقوا بين الصبيان وأمهاتهم، وبين الرجال ونسائهم، وعجوا إلى الله تعالى ذكره وخرجوا بالبهائم، فرفع الله عنهم العذاب، وانتظر يونس الخبر عن القرية وأهلها حتى مر به مار فقال: ما فعل أهل القرية، فقال: فعلوا أن نبيهم لما خرج عنهم عرفوا أنه قد صدقهم ما وعدهم به من العذاب، فخرجوا من قريتهم إلى براز من الأرض وفرقوا بين ذات كل ولد وولدها، ثم عجوا إلى الله وتابوا إليه، فقبل منهم وأخر عنهم العذاب. فقال يونس عند ذلك وغضب: والله لا أرجع إليهم كذاباً أبداً، وعدتهم العذاب في يوم ثم رد عنهم. ومضى على وجهه مغاضباً.
قال الحسن: بلغني أن يونس لما أصاب الذنب، انطلق مغاضباً لربه، فاستزله الشيطان. وقاله الشعبي.
فقيل: إنه إنما لم يرجع إليهم لأنه استحيا منهم أن يجدوا عليه الخلف فيما وعدهم به .
وقيل: كان من سنتهم قتل من كذب، فخاف أن يظنوا أنه كذبهم فيقتلوه.
وقيل: معناه: مغاضباً أي: مغاضباً من أجل ربه. أي: غضب على قومه لكفرهم بربه.
وقال الحسن: أمر بالسير إلى قوم لينذرهم بأس الله، ويدعوهم إليه، فسأل ربه أن ينظره ليتأهب للشخوص إليهم. فقيل له الأمر أسرع من ذلك، ولم ينظر حتى سأل أن ينظر إلى أن يأخذ نعلاً يلبسها. وكان رجلاً في خلقه ضيق.
فقال: أعجلني ربي أن آخذ نعلاً فذهب مغاضباً.
وقال وهب اليماني: إن يونس بن متى كان عبداً صالحاً وكان في خلقه ضيق. فلما حملت عليه أثقال النبوة - ولها أثقال لا يحملها إلا قليل من الناس - تَفَسَّخَ تحتها تَفَسُّخَ الربع تحت الحمل فقذفها من يديه، وخرج هارباً منها.
وقال الأخفش: إنما غاضب بعض الملوك.
واختار الطبري أن يكون المعنى مغاضباً لربه.
واختار النحاس أن يكون مغاضباً لقومه.
وقال ابن عباس: إنما أرسل يونس بعدما نبذه الحوت، لقوله: ﴿فَنَبَذْنَاهُ بِٱلْعَرَآءِ وَهُوَ سَقِيمٌ﴾ [الصافات: ١٤٥]. ثم قال: ﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَىٰ مِئَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾ [الصافات: ١٤٧].
* *
وقوله: ﴿فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ أي: فظن أن لن نعاقبه بالتضييق عليه. يقال: قدرت على فلان: ضيقت عليه. ومنه قوله: ﴿وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّآ آتَاهُ ٱللَّهُ﴾ [الطلاق: ٧].
قال ابن عباس: معناه: فظن أن لن نأخذه بالعذاب الذي أصابه.
وعنه أيضاً: أن المعنى: ظن أن لن نقضي عليه عقوبة، ولا بلاء فيما صنع بقومه إذ غضب عليهم وفر منهم.
وقال مجاهد وقتادة والضحاك: المعنى: فظن أن لن نعاقبه.
وهذه الأقوال: هي الاختيار لبعد إضافة تعجيز الله جل ذكره إلى نبي، وقد قاله: جماعة، وقولهم مرغوب عنه.
قال سعيد بن أبي الحسن: استزله الشيطان حتى ظن أن لن يقدر عليه، وكان له سلف عبادة وتسبيح، فأبى الله أن يدعه للشيطان فأخذه فقذفه في بطن الحوت، فأقام فيه أربعين بين يوم وليلة وأمسك الله نفسه، فلم يقتله هناك، فتاب إلى ربه في بطن الحوت وراجع نفسه. وقال: ﴿سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ ٱلظَّالِمِينَ﴾ فاستخرجه الله من بطن الحوت برحمته لما كان سلف له من العبادة والتسبيح، فجعله من الصالحين.
وقال ابن زيد: معنى الآية على تقدير الاستفهام، التقدير أفظن أن لن نقدر [عليه].
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَنَادَىٰ فِي ٱلظُّلُمَاتِ أَن لاَّ إِلَـٰهَ إِلاَّ أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ ٱلظَّالِمِينَ﴾.
يعني: فنادى يونس في ظلمة الليل وظلمة البحر، وظلمة بطن الحوت. قاله: ابن عباس وابن جريج وقتادة ومحمد بن كعب.
وقيل: إن الحوت الذي ابتلع يونس ابتلعه حوت آخر. فتلك الظلمات بطن حوت في بطن حوت في ظلمة البحر.
* *
وقوله: ﴿إِنِّي كُنتُ مِنَ ٱلظَّالِمِينَ﴾ اعتراف منه بذنبه وتوبته منه.
قال عوف الأعرابي: لما صار يونس في بطن الحوت، ظن أنه قد مات، ثم حرك رجليه، فلما تحركت، سجد مكانه، ثم نادى: يا رب، اتخذت لك مسجداً في موضع ما اتخذه أحد.
وروى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: لما أراد الله حبس يونس في بطن الحوت، أوحى الله جل وعز إلى الحوت أن خذه، ولا تخدش له لحماً، ولا تكسر له عظماً. فأخذه ثم هوى به إلى مسكنه، فلما انتهى به إلى أسفل الأرض، سمع يونساً حساً، فقال: ما هذا؟ فأوحى الله إليه وهو في بطن الحوت: هذا تسبيح دواب البحر. فسبح وهو في بطن الحوت.
قال: فسمعت الملائكة تسبيحه فقالوا: يا ربنا، إنا لنسمع صوتاً ضعيفاً بأرض غريبة. قال ذلك عبدي يونس، عصاني فحبسته في بطن الحوت في البحر. قالوا: العبد الصالح الذي كان يصعد إلينا منه كل يوم وليلة عمل صالح؟ قال: نعم. قال: فشفعوا له عند ذلك، فأمر الحوت فقذفه في الساحل، كما قال: "وهو سقيم"
ثم قال تعالى: ﴿فَٱسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ ٱلْغَمِّ﴾ أي: من بطن الحوت.
وقيل: من غمه بخطيئته.
وقيل: منهما جميعاً.
وروي عن النبي ﷺ أنه قال: "دعوة يونس في بطن الحوت لن يدعو بها رجل قط إلا استجيب له
قوله: ﴿وَكَذٰلِكَ نُنجِـي ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: إذا استغاثوا.
قال سعيد بن مالك: سمعت النبي ﷺ يقول: اسم الله جل وعز الذي إذا دعي به أجاب، وإذا سئل به أعطى دعوة يونس بن متى. قال: قلت: يا رسول الله: هي ليونس بن متى خاصة أم لجماعة المسلمين؟ قال: هي ليونس خاصة، وللمسلمين عامة إذا دعوا بها، ألم تسمع قول الله جل ذكره:
﴿فَنَادَىٰ فِي ٱلظُّلُمَاتِ أَن لاَّ إِلَـٰهَ إِلاَّ أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ ٱلظَّالِمِينَ * فَٱسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ ٱلْغَمِّ وَكَذٰلِكَ نُنجِـي ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ فهو شرط الله تعالى لمن دعاه به
وروي عن ابن مسعود أنه قال: لما خرج يونس من بطن الحوت مر بغلام يرعى غنماً فقال له: ممن أنت يا غلام؟ فقال: من قوم يونس. قال له: فإذا رجعت إليهم فأخبرهم أنك لقيت يونس فقال له الغلام: إن تكن يونس فقد تعلم أنه من كذب ولم تكن له بينة على قوله يقتل، فمن يشهد لي. فقال يونس تشهد لك هذه الشجرة وهذه البقعة. فقال الغلام: فمرها بذلك. فقال لها يونس: إن جاءكما هذا الغلام فاشهدا له أني يونس. قالتا: نعم. فرجع الغلام إلى قومه وكان له أخوة، وكان في منعة. فأتى الملك فقال: إني لقيت يونس، وهو يقرأ عليك السلام. فأمر به الملك أن يقتل، فقالوا: إن له بينة، فأرسل معه إلى الشجرة والبقعة، فشهدتا له أن يونس لقيه. فرجع القوم مذعورين مما رأوا، فأعلموا بذلك الملك، فتناول الملك بيد الغلام فأجلسه مجلسه، وقال: "أنت أحق بهذا المكان مني. فأقام لهم ذلك الغلام أمرهم أربعين سنة".
الأنبياء 21:87
قوله: ﴿وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا ٱلْكِفْلِ كُلٌّ مِّنَ﴾ إلى قوله: ﴿نُنجِـي ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: واذكر يا محمد إسماعيل وإدريس وذا الكفل. ذو الكفل رجل تكفل بكفالة من الطاعة لله فأتمه.
روي أن نبياً من الأنبياء قال: من يتكفل لي أن يصوم النهار ويقوم الليل ولا يغضب. فقام شاب فقال: أنا. فقال: اجلس. ثم قال: من يتكفل لي أن يقوم الليل ويصوم النهار ولا يغضب. فقام ذلك الشاب فقال: أنا. فقال: اجلس فجلس ثم عاد الثالثة فقام ذلك الشاب فقال: أنا. فصام النهار وقام الليل ثم مات ذلك النبي، فجلس ذلك الشاب مكانه فقضى بين الناس، فكان لا يغضب، فجاءه الشيطان في صورة إنسان ليغضبه وهو صائم يريد أن يقيل، فضرب الباب ضرباً شديداً، فقال: من هذا؟ فقال: رجل له حاجة فأرسل معه رجلاً فرجع فقال: لا أرضى بهذا الرجل، فأرسل معه آخر فقال: لا أرضى بهذا الرجل، فخرج إليه فأخذ بيده فانطلق حتى إذا كان في السوق خلاه وذهب فسمي ذا الكفل.
وقال مجاهد: لما كبر اليسع قال لو أني استخلفت رجلاً على الناس يعمل عليهم في حياتي حتى أنظر كيف يعمل. قال: فجمع الناس فقال: من يتكفل بثلاثة أستخلفه؟ يصوم النهار ويقوم الليل ولا يغضب. قال: فقام رجل تزدريه العيون فقال: أنا وقال مثلها في اليوم الثاني، فقام ذلك الرجل فاستخلفه فجعل إبليس يقول للشياطين: عليكم بفلان، فأعياهم فقال: دعوني وإياه، [فأتاه] في صورة شيخ كبير قبيح الصورة فقير. وأتاه حين أخذ مضجعه للقائلة، وكان لا ينام بالليل والنهار إلا تلك السويعة فدق الباب، فقال: من هذا؟ فقال: شيخ كبير مظلوم. قال: ففتح الباب وجعل يقص عليه ويطول عليه، حتى حضر الرواح وذهبت القائلة وقال له: إذا رحت فأتني وآخذ لك بحقك. فانطلق وراح وكان في مجلسه فجعل ينظر هل يرى الشيخ فلم يره فقام يتبعه، فلما كان الغد جعل يقضي بين الناس فنظره فلم يره، فلما رجع إلى القائلة وأخذ مضجعه، أتاه فدق الباب، فقال: من هذا؟ فقال: الشيخ الكبير المظلوم. ففتح له، فقال: ألم أقل لك إذا قعدت فآتني؟ فقال: إن خصمي قوم أخبث قوم إذا عرفوا أنك قاعد قالوا نحن نعطيك حقك، وإذا نمت جحدوني. قال: فانطلق فإذا رحت فأتني فأتته القائلة وراج، وجعل ينظر فلا يراه، وشق عليه النعاس. فقال لأهله من الغد: لا تدعن أحداً يقرب هذا الباب حتى أنام، فإني قد شق علي النوم فلما كان تلك الساعة جاء فقال له الرجل: وراءك، فقال: إني قد أتيته بالأمس، وذكرت له أمري فقال: لا والله، لقد أمرنا ألا ندع أحداً يقربه، فلما أعياه نظر فرأى كوة فتسور منها، فإذا هو في البيت، وإذا هو يدق الباب من داخل، فاستيقظ الرجل، فقال: يا أبا فلان، ألم آمرك؟ فقال: أما من قبلي والله فلم تؤت، فانظر من أين أوتيت. فقام إلى الباب، فإذا هو مغلق كما أغلقه. وإذا الرجل معه في البيت، فعرفه، فقال: يا عدو الله. قال: نعم. أعييتني في كل شيء، ففعلت ما ترى لأغضبك، فسمي ذا الكفل، لأنه تكفل بأمر فوفى به.
قال مجاهد: كان رجلاً صالحاً غير نبي. وكذا قال أبو موسى الأشعري وقوله: ﴿كُلٌّ مِّنَ ٱلصَّابِرِينَ﴾ أي: كلهم من أهل الصبر فيما نابه في الله، وعلى تبليغ رسالاته وعلى شدائد الدنيا، وعلى القيام بعبادة الله، وعلى الصبر على الأذى في الله.
* *
﴿وَأَدْخَلْنَاهُمْ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُمْ مِّنَ ٱلصَّالِحِينَ﴾.
أي: ممن عمل بطاعة الله.
وقيل: إن ذا الكفل إنما سمي بذلك لأن الله تكفل له في عمله وسعيه بضعف عمل غيره من الأنبياء الذين كانوا في زمنه.
ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَذَا ٱلنُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِباً فَظَنَّ﴾.
أي: واذكر [يا محمد] صاحب الحوت. وهو يونس إذ ذهب مغاضباً.
قال ابن عباس والضحاك: ذهب غاضباً على قومه.
وعن ابن عباس أنه خرج مغاضباً على ربه لما رد العذاب عن قومه وصرفه عنهم. وهذا قول مردود، لا تغضب الأنبياء على ربها، لأن الغضب على الله معاداة له. ومن قصد الله بالعداوة كفر. ونعيذ الله تعالى يونس ﷺ من ذلك. وكذلك لا يجوز أن تتأول في قوله تعالى: ﴿فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ﴾.
إنه من القدرة عليه، وأنه يفوت الله. كان ﷺ أعلم بالله من ذلك، إنما هو من التقدير الذي هو التضييق. ظن أن الله لا يضيق عليه مسلكه في خروجه عنهم. طمع برحمة الله له في ترك التضييق عليه. وقد فسرنا هذا المعنى.
وقيل: إنما نقم الله عليه أنه خرج عن قومه فاراً من نزول العذاب بهم من غير أن يأمره الله بالخروج، وهي صغيرة والله يغفر الصغائر لغير الأنبياء، فكيف للأنبياء. فنادى في بطن الحوت ﴿لاَّ إِلَـٰهَ إِلاَّ أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ ٱلظَّالِمِينَ﴾.
أي: من الظالمين لنفسي في خروجي عن قومي قبل أن تأمرني بالخروج. فاستجاب الله له، وأخرجه من بطن الحوت. وتلك معجزة وآية له: تدل على نبوته وفضله.
وقيل: إن الله غفر له صغيرته، ولم يحبسه في بطن الحوت بذنبه إنما أراد أن يريه قدرته، ويجعل ذلك آية. وخروجه من بطن الحوت عاقلاً حياً معجزة له، ودليلاً على توبته، لأن الصغائر تغفر باجتناب الكبائر. والكبائر تغفر بالتوبة. وذلك أنهم كذبوه فيما جاءهم به فأوحى الله تعالى إليه أني مرسل إليهم العذاب يوم كذا، فأخرج من بين أظهرهم. فأعلم قومه بالعذاب الذي يأتيهم، فقالوا: ارمقوه، فإن هو خرج من بين أظهركم فهو والله كائن ما وعدكم، فلما كان الليلة التي وعدوا بالعذاب في صبيحتها، أدلج ورآه القوم فحذروا وخرجوا من القرية إلى براز من أرضهم، وفرقوا بين كل دابة وولدها، ثم عجوا إلى الله جل وعز واستقالوه فأقالهم.
قيل: خرجوا إلى موضع يقال له تل الرماد، ففرقوا بين الصبيان وأمهاتهم، وبين الرجال ونسائهم، وعجوا إلى الله تعالى ذكره وخرجوا بالبهائم، فرفع الله عنهم العذاب، وانتظر يونس الخبر عن القرية وأهلها حتى مر به مار فقال: ما فعل أهل القرية، فقال: فعلوا أن نبيهم لما خرج عنهم عرفوا أنه قد صدقهم ما وعدهم به من العذاب، فخرجوا من قريتهم إلى براز من الأرض وفرقوا بين ذات كل ولد وولدها، ثم عجوا إلى الله وتابوا إليه، فقبل منهم وأخر عنهم العذاب. فقال يونس عند ذلك وغضب: والله لا أرجع إليهم كذاباً أبداً، وعدتهم العذاب في يوم ثم رد عنهم. ومضى على وجهه مغاضباً.
قال الحسن: بلغني أن يونس لما أصاب الذنب، انطلق مغاضباً لربه، فاستزله الشيطان. وقاله الشعبي.
فقيل: إنه إنما لم يرجع إليهم لأنه استحيا منهم أن يجدوا عليه الخلف فيما وعدهم به .
وقيل: كان من سنتهم قتل من كذب، فخاف أن يظنوا أنه كذبهم فيقتلوه.
وقيل: معناه: مغاضباً أي: مغاضباً من أجل ربه. أي: غضب على قومه لكفرهم بربه.
وقال الحسن: أمر بالسير إلى قوم لينذرهم بأس الله، ويدعوهم إليه، فسأل ربه أن ينظره ليتأهب للشخوص إليهم. فقيل له الأمر أسرع من ذلك، ولم ينظر حتى سأل أن ينظر إلى أن يأخذ نعلاً يلبسها. وكان رجلاً في خلقه ضيق.
فقال: أعجلني ربي أن آخذ نعلاً فذهب مغاضباً.
وقال وهب اليماني: إن يونس بن متى كان عبداً صالحاً وكان في خلقه ضيق. فلما حملت عليه أثقال النبوة - ولها أثقال لا يحملها إلا قليل من الناس - تَفَسَّخَ تحتها تَفَسُّخَ الربع تحت الحمل فقذفها من يديه، وخرج هارباً منها.
وقال الأخفش: إنما غاضب بعض الملوك.
واختار الطبري أن يكون المعنى مغاضباً لربه.
واختار النحاس أن يكون مغاضباً لقومه.
وقال ابن عباس: إنما أرسل يونس بعدما نبذه الحوت، لقوله: ﴿فَنَبَذْنَاهُ بِٱلْعَرَآءِ وَهُوَ سَقِيمٌ﴾ [الصافات: ١٤٥]. ثم قال: ﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَىٰ مِئَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾ [الصافات: ١٤٧].
* *
وقوله: ﴿فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ أي: فظن أن لن نعاقبه بالتضييق عليه. يقال: قدرت على فلان: ضيقت عليه. ومنه قوله: ﴿وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّآ آتَاهُ ٱللَّهُ﴾ [الطلاق: ٧].
قال ابن عباس: معناه: فظن أن لن نأخذه بالعذاب الذي أصابه.
وعنه أيضاً: أن المعنى: ظن أن لن نقضي عليه عقوبة، ولا بلاء فيما صنع بقومه إذ غضب عليهم وفر منهم.
وقال مجاهد وقتادة والضحاك: المعنى: فظن أن لن نعاقبه.
وهذه الأقوال: هي الاختيار لبعد إضافة تعجيز الله جل ذكره إلى نبي، وقد قاله: جماعة، وقولهم مرغوب عنه.
قال سعيد بن أبي الحسن: استزله الشيطان حتى ظن أن لن يقدر عليه، وكان له سلف عبادة وتسبيح، فأبى الله أن يدعه للشيطان فأخذه فقذفه في بطن الحوت، فأقام فيه أربعين بين يوم وليلة وأمسك الله نفسه، فلم يقتله هناك، فتاب إلى ربه في بطن الحوت وراجع نفسه. وقال: ﴿سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ ٱلظَّالِمِينَ﴾ فاستخرجه الله من بطن الحوت برحمته لما كان سلف له من العبادة والتسبيح، فجعله من الصالحين.
وقال ابن زيد: معنى الآية على تقدير الاستفهام، التقدير أفظن أن لن نقدر [عليه].
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَنَادَىٰ فِي ٱلظُّلُمَاتِ أَن لاَّ إِلَـٰهَ إِلاَّ أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ ٱلظَّالِمِينَ﴾.
يعني: فنادى يونس في ظلمة الليل وظلمة البحر، وظلمة بطن الحوت. قاله: ابن عباس وابن جريج وقتادة ومحمد بن كعب.
وقيل: إن الحوت الذي ابتلع يونس ابتلعه حوت آخر. فتلك الظلمات بطن حوت في بطن حوت في ظلمة البحر.
* *
وقوله: ﴿إِنِّي كُنتُ مِنَ ٱلظَّالِمِينَ﴾ اعتراف منه بذنبه وتوبته منه.
قال عوف الأعرابي: لما صار يونس في بطن الحوت، ظن أنه قد مات، ثم حرك رجليه، فلما تحركت، سجد مكانه، ثم نادى: يا رب، اتخذت لك مسجداً في موضع ما اتخذه أحد.
وروى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: لما أراد الله حبس يونس في بطن الحوت، أوحى الله جل وعز إلى الحوت أن خذه، ولا تخدش له لحماً، ولا تكسر له عظماً. فأخذه ثم هوى به إلى مسكنه، فلما انتهى به إلى أسفل الأرض، سمع يونساً حساً، فقال: ما هذا؟ فأوحى الله إليه وهو في بطن الحوت: هذا تسبيح دواب البحر. فسبح وهو في بطن الحوت.
قال: فسمعت الملائكة تسبيحه فقالوا: يا ربنا، إنا لنسمع صوتاً ضعيفاً بأرض غريبة. قال ذلك عبدي يونس، عصاني فحبسته في بطن الحوت في البحر. قالوا: العبد الصالح الذي كان يصعد إلينا منه كل يوم وليلة عمل صالح؟ قال: نعم. قال: فشفعوا له عند ذلك، فأمر الحوت فقذفه في الساحل، كما قال: "وهو سقيم"
ثم قال تعالى: ﴿فَٱسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ ٱلْغَمِّ﴾ أي: من بطن الحوت.
وقيل: من غمه بخطيئته.
وقيل: منهما جميعاً.
وروي عن النبي ﷺ أنه قال: "دعوة يونس في بطن الحوت لن يدعو بها رجل قط إلا استجيب له
قوله: ﴿وَكَذٰلِكَ نُنجِـي ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: إذا استغاثوا.
قال سعيد بن مالك: سمعت النبي ﷺ يقول: اسم الله جل وعز الذي إذا دعي به أجاب، وإذا سئل به أعطى دعوة يونس بن متى. قال: قلت: يا رسول الله: هي ليونس بن متى خاصة أم لجماعة المسلمين؟ قال: هي ليونس خاصة، وللمسلمين عامة إذا دعوا بها، ألم تسمع قول الله جل ذكره:
﴿فَنَادَىٰ فِي ٱلظُّلُمَاتِ أَن لاَّ إِلَـٰهَ إِلاَّ أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ ٱلظَّالِمِينَ * فَٱسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ ٱلْغَمِّ وَكَذٰلِكَ نُنجِـي ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ فهو شرط الله تعالى لمن دعاه به
وروي عن ابن مسعود أنه قال: لما خرج يونس من بطن الحوت مر بغلام يرعى غنماً فقال له: ممن أنت يا غلام؟ فقال: من قوم يونس. قال له: فإذا رجعت إليهم فأخبرهم أنك لقيت يونس فقال له الغلام: إن تكن يونس فقد تعلم أنه من كذب ولم تكن له بينة على قوله يقتل، فمن يشهد لي. فقال يونس تشهد لك هذه الشجرة وهذه البقعة. فقال الغلام: فمرها بذلك. فقال لها يونس: إن جاءكما هذا الغلام فاشهدا له أني يونس. قالتا: نعم. فرجع الغلام إلى قومه وكان له أخوة، وكان في منعة. فأتى الملك فقال: إني لقيت يونس، وهو يقرأ عليك السلام. فأمر به الملك أن يقتل، فقالوا: إن له بينة، فأرسل معه إلى الشجرة والبقعة، فشهدتا له أن يونس لقيه. فرجع القوم مذعورين مما رأوا، فأعلموا بذلك الملك، فتناول الملك بيد الغلام فأجلسه مجلسه، وقال: "أنت أحق بهذا المكان مني. فأقام لهم ذلك الغلام أمرهم أربعين سنة".
الأنبياء 21:88
قوله: ﴿وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا ٱلْكِفْلِ كُلٌّ مِّنَ﴾ إلى قوله: ﴿نُنجِـي ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: واذكر يا محمد إسماعيل وإدريس وذا الكفل. ذو الكفل رجل تكفل بكفالة من الطاعة لله فأتمه.
روي أن نبياً من الأنبياء قال: من يتكفل لي أن يصوم النهار ويقوم الليل ولا يغضب. فقام شاب فقال: أنا. فقال: اجلس. ثم قال: من يتكفل لي أن يقوم الليل ويصوم النهار ولا يغضب. فقام ذلك الشاب فقال: أنا. فقال: اجلس فجلس ثم عاد الثالثة فقام ذلك الشاب فقال: أنا. فصام النهار وقام الليل ثم مات ذلك النبي، فجلس ذلك الشاب مكانه فقضى بين الناس، فكان لا يغضب، فجاءه الشيطان في صورة إنسان ليغضبه وهو صائم يريد أن يقيل، فضرب الباب ضرباً شديداً، فقال: من هذا؟ فقال: رجل له حاجة فأرسل معه رجلاً فرجع فقال: لا أرضى بهذا الرجل، فأرسل معه آخر فقال: لا أرضى بهذا الرجل، فخرج إليه فأخذ بيده فانطلق حتى إذا كان في السوق خلاه وذهب فسمي ذا الكفل.
وقال مجاهد: لما كبر اليسع قال لو أني استخلفت رجلاً على الناس يعمل عليهم في حياتي حتى أنظر كيف يعمل. قال: فجمع الناس فقال: من يتكفل بثلاثة أستخلفه؟ يصوم النهار ويقوم الليل ولا يغضب. قال: فقام رجل تزدريه العيون فقال: أنا وقال مثلها في اليوم الثاني، فقام ذلك الرجل فاستخلفه فجعل إبليس يقول للشياطين: عليكم بفلان، فأعياهم فقال: دعوني وإياه، [فأتاه] في صورة شيخ كبير قبيح الصورة فقير. وأتاه حين أخذ مضجعه للقائلة، وكان لا ينام بالليل والنهار إلا تلك السويعة فدق الباب، فقال: من هذا؟ فقال: شيخ كبير مظلوم. قال: ففتح الباب وجعل يقص عليه ويطول عليه، حتى حضر الرواح وذهبت القائلة وقال له: إذا رحت فأتني وآخذ لك بحقك. فانطلق وراح وكان في مجلسه فجعل ينظر هل يرى الشيخ فلم يره فقام يتبعه، فلما كان الغد جعل يقضي بين الناس فنظره فلم يره، فلما رجع إلى القائلة وأخذ مضجعه، أتاه فدق الباب، فقال: من هذا؟ فقال: الشيخ الكبير المظلوم. ففتح له، فقال: ألم أقل لك إذا قعدت فآتني؟ فقال: إن خصمي قوم أخبث قوم إذا عرفوا أنك قاعد قالوا نحن نعطيك حقك، وإذا نمت جحدوني. قال: فانطلق فإذا رحت فأتني فأتته القائلة وراج، وجعل ينظر فلا يراه، وشق عليه النعاس. فقال لأهله من الغد: لا تدعن أحداً يقرب هذا الباب حتى أنام، فإني قد شق علي النوم فلما كان تلك الساعة جاء فقال له الرجل: وراءك، فقال: إني قد أتيته بالأمس، وذكرت له أمري فقال: لا والله، لقد أمرنا ألا ندع أحداً يقربه، فلما أعياه نظر فرأى كوة فتسور منها، فإذا هو في البيت، وإذا هو يدق الباب من داخل، فاستيقظ الرجل، فقال: يا أبا فلان، ألم آمرك؟ فقال: أما من قبلي والله فلم تؤت، فانظر من أين أوتيت. فقام إلى الباب، فإذا هو مغلق كما أغلقه. وإذا الرجل معه في البيت، فعرفه، فقال: يا عدو الله. قال: نعم. أعييتني في كل شيء، ففعلت ما ترى لأغضبك، فسمي ذا الكفل، لأنه تكفل بأمر فوفى به.
قال مجاهد: كان رجلاً صالحاً غير نبي. وكذا قال أبو موسى الأشعري وقوله: ﴿كُلٌّ مِّنَ ٱلصَّابِرِينَ﴾ أي: كلهم من أهل الصبر فيما نابه في الله، وعلى تبليغ رسالاته وعلى شدائد الدنيا، وعلى القيام بعبادة الله، وعلى الصبر على الأذى في الله.
* *
﴿وَأَدْخَلْنَاهُمْ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُمْ مِّنَ ٱلصَّالِحِينَ﴾.
أي: ممن عمل بطاعة الله.
وقيل: إن ذا الكفل إنما سمي بذلك لأن الله تكفل له في عمله وسعيه بضعف عمل غيره من الأنبياء الذين كانوا في زمنه.
ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَذَا ٱلنُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِباً فَظَنَّ﴾.
أي: واذكر [يا محمد] صاحب الحوت. وهو يونس إذ ذهب مغاضباً.
قال ابن عباس والضحاك: ذهب غاضباً على قومه.
وعن ابن عباس أنه خرج مغاضباً على ربه لما رد العذاب عن قومه وصرفه عنهم. وهذا قول مردود، لا تغضب الأنبياء على ربها، لأن الغضب على الله معاداة له. ومن قصد الله بالعداوة كفر. ونعيذ الله تعالى يونس ﷺ من ذلك. وكذلك لا يجوز أن تتأول في قوله تعالى: ﴿فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ﴾.
إنه من القدرة عليه، وأنه يفوت الله. كان ﷺ أعلم بالله من ذلك، إنما هو من التقدير الذي هو التضييق. ظن أن الله لا يضيق عليه مسلكه في خروجه عنهم. طمع برحمة الله له في ترك التضييق عليه. وقد فسرنا هذا المعنى.
وقيل: إنما نقم الله عليه أنه خرج عن قومه فاراً من نزول العذاب بهم من غير أن يأمره الله بالخروج، وهي صغيرة والله يغفر الصغائر لغير الأنبياء، فكيف للأنبياء. فنادى في بطن الحوت ﴿لاَّ إِلَـٰهَ إِلاَّ أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ ٱلظَّالِمِينَ﴾.
أي: من الظالمين لنفسي في خروجي عن قومي قبل أن تأمرني بالخروج. فاستجاب الله له، وأخرجه من بطن الحوت. وتلك معجزة وآية له: تدل على نبوته وفضله.
وقيل: إن الله غفر له صغيرته، ولم يحبسه في بطن الحوت بذنبه إنما أراد أن يريه قدرته، ويجعل ذلك آية. وخروجه من بطن الحوت عاقلاً حياً معجزة له، ودليلاً على توبته، لأن الصغائر تغفر باجتناب الكبائر. والكبائر تغفر بالتوبة. وذلك أنهم كذبوه فيما جاءهم به فأوحى الله تعالى إليه أني مرسل إليهم العذاب يوم كذا، فأخرج من بين أظهرهم. فأعلم قومه بالعذاب الذي يأتيهم، فقالوا: ارمقوه، فإن هو خرج من بين أظهركم فهو والله كائن ما وعدكم، فلما كان الليلة التي وعدوا بالعذاب في صبيحتها، أدلج ورآه القوم فحذروا وخرجوا من القرية إلى براز من أرضهم، وفرقوا بين كل دابة وولدها، ثم عجوا إلى الله جل وعز واستقالوه فأقالهم.
قيل: خرجوا إلى موضع يقال له تل الرماد، ففرقوا بين الصبيان وأمهاتهم، وبين الرجال ونسائهم، وعجوا إلى الله تعالى ذكره وخرجوا بالبهائم، فرفع الله عنهم العذاب، وانتظر يونس الخبر عن القرية وأهلها حتى مر به مار فقال: ما فعل أهل القرية، فقال: فعلوا أن نبيهم لما خرج عنهم عرفوا أنه قد صدقهم ما وعدهم به من العذاب، فخرجوا من قريتهم إلى براز من الأرض وفرقوا بين ذات كل ولد وولدها، ثم عجوا إلى الله وتابوا إليه، فقبل منهم وأخر عنهم العذاب. فقال يونس عند ذلك وغضب: والله لا أرجع إليهم كذاباً أبداً، وعدتهم العذاب في يوم ثم رد عنهم. ومضى على وجهه مغاضباً.
قال الحسن: بلغني أن يونس لما أصاب الذنب، انطلق مغاضباً لربه، فاستزله الشيطان. وقاله الشعبي.
فقيل: إنه إنما لم يرجع إليهم لأنه استحيا منهم أن يجدوا عليه الخلف فيما وعدهم به .
وقيل: كان من سنتهم قتل من كذب، فخاف أن يظنوا أنه كذبهم فيقتلوه.
وقيل: معناه: مغاضباً أي: مغاضباً من أجل ربه. أي: غضب على قومه لكفرهم بربه.
وقال الحسن: أمر بالسير إلى قوم لينذرهم بأس الله، ويدعوهم إليه، فسأل ربه أن ينظره ليتأهب للشخوص إليهم. فقيل له الأمر أسرع من ذلك، ولم ينظر حتى سأل أن ينظر إلى أن يأخذ نعلاً يلبسها. وكان رجلاً في خلقه ضيق.
فقال: أعجلني ربي أن آخذ نعلاً فذهب مغاضباً.
وقال وهب اليماني: إن يونس بن متى كان عبداً صالحاً وكان في خلقه ضيق. فلما حملت عليه أثقال النبوة - ولها أثقال لا يحملها إلا قليل من الناس - تَفَسَّخَ تحتها تَفَسُّخَ الربع تحت الحمل فقذفها من يديه، وخرج هارباً منها.
وقال الأخفش: إنما غاضب بعض الملوك.
واختار الطبري أن يكون المعنى مغاضباً لربه.
واختار النحاس أن يكون مغاضباً لقومه.
وقال ابن عباس: إنما أرسل يونس بعدما نبذه الحوت، لقوله: ﴿فَنَبَذْنَاهُ بِٱلْعَرَآءِ وَهُوَ سَقِيمٌ﴾ [الصافات: ١٤٥]. ثم قال: ﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَىٰ مِئَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾ [الصافات: ١٤٧].
* *
وقوله: ﴿فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ أي: فظن أن لن نعاقبه بالتضييق عليه. يقال: قدرت على فلان: ضيقت عليه. ومنه قوله: ﴿وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّآ آتَاهُ ٱللَّهُ﴾ [الطلاق: ٧].
قال ابن عباس: معناه: فظن أن لن نأخذه بالعذاب الذي أصابه.
وعنه أيضاً: أن المعنى: ظن أن لن نقضي عليه عقوبة، ولا بلاء فيما صنع بقومه إذ غضب عليهم وفر منهم.
وقال مجاهد وقتادة والضحاك: المعنى: فظن أن لن نعاقبه.
وهذه الأقوال: هي الاختيار لبعد إضافة تعجيز الله جل ذكره إلى نبي، وقد قاله: جماعة، وقولهم مرغوب عنه.
قال سعيد بن أبي الحسن: استزله الشيطان حتى ظن أن لن يقدر عليه، وكان له سلف عبادة وتسبيح، فأبى الله أن يدعه للشيطان فأخذه فقذفه في بطن الحوت، فأقام فيه أربعين بين يوم وليلة وأمسك الله نفسه، فلم يقتله هناك، فتاب إلى ربه في بطن الحوت وراجع نفسه. وقال: ﴿سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ ٱلظَّالِمِينَ﴾ فاستخرجه الله من بطن الحوت برحمته لما كان سلف له من العبادة والتسبيح، فجعله من الصالحين.
وقال ابن زيد: معنى الآية على تقدير الاستفهام، التقدير أفظن أن لن نقدر [عليه].
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَنَادَىٰ فِي ٱلظُّلُمَاتِ أَن لاَّ إِلَـٰهَ إِلاَّ أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ ٱلظَّالِمِينَ﴾.
يعني: فنادى يونس في ظلمة الليل وظلمة البحر، وظلمة بطن الحوت. قاله: ابن عباس وابن جريج وقتادة ومحمد بن كعب.
وقيل: إن الحوت الذي ابتلع يونس ابتلعه حوت آخر. فتلك الظلمات بطن حوت في بطن حوت في ظلمة البحر.
* *
وقوله: ﴿إِنِّي كُنتُ مِنَ ٱلظَّالِمِينَ﴾ اعتراف منه بذنبه وتوبته منه.
قال عوف الأعرابي: لما صار يونس في بطن الحوت، ظن أنه قد مات، ثم حرك رجليه، فلما تحركت، سجد مكانه، ثم نادى: يا رب، اتخذت لك مسجداً في موضع ما اتخذه أحد.
وروى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: لما أراد الله حبس يونس في بطن الحوت، أوحى الله جل وعز إلى الحوت أن خذه، ولا تخدش له لحماً، ولا تكسر له عظماً. فأخذه ثم هوى به إلى مسكنه، فلما انتهى به إلى أسفل الأرض، سمع يونساً حساً، فقال: ما هذا؟ فأوحى الله إليه وهو في بطن الحوت: هذا تسبيح دواب البحر. فسبح وهو في بطن الحوت.
قال: فسمعت الملائكة تسبيحه فقالوا: يا ربنا، إنا لنسمع صوتاً ضعيفاً بأرض غريبة. قال ذلك عبدي يونس، عصاني فحبسته في بطن الحوت في البحر. قالوا: العبد الصالح الذي كان يصعد إلينا منه كل يوم وليلة عمل صالح؟ قال: نعم. قال: فشفعوا له عند ذلك، فأمر الحوت فقذفه في الساحل، كما قال: "وهو سقيم"
ثم قال تعالى: ﴿فَٱسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ ٱلْغَمِّ﴾ أي: من بطن الحوت.
وقيل: من غمه بخطيئته.
وقيل: منهما جميعاً.
وروي عن النبي ﷺ أنه قال: "دعوة يونس في بطن الحوت لن يدعو بها رجل قط إلا استجيب له
قوله: ﴿وَكَذٰلِكَ نُنجِـي ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: إذا استغاثوا.
قال سعيد بن مالك: سمعت النبي ﷺ يقول: اسم الله جل وعز الذي إذا دعي به أجاب، وإذا سئل به أعطى دعوة يونس بن متى. قال: قلت: يا رسول الله: هي ليونس بن متى خاصة أم لجماعة المسلمين؟ قال: هي ليونس خاصة، وللمسلمين عامة إذا دعوا بها، ألم تسمع قول الله جل ذكره:
﴿فَنَادَىٰ فِي ٱلظُّلُمَاتِ أَن لاَّ إِلَـٰهَ إِلاَّ أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ ٱلظَّالِمِينَ * فَٱسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ ٱلْغَمِّ وَكَذٰلِكَ نُنجِـي ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ فهو شرط الله تعالى لمن دعاه به
وروي عن ابن مسعود أنه قال: لما خرج يونس من بطن الحوت مر بغلام يرعى غنماً فقال له: ممن أنت يا غلام؟ فقال: من قوم يونس. قال له: فإذا رجعت إليهم فأخبرهم أنك لقيت يونس فقال له الغلام: إن تكن يونس فقد تعلم أنه من كذب ولم تكن له بينة على قوله يقتل، فمن يشهد لي. فقال يونس تشهد لك هذه الشجرة وهذه البقعة. فقال الغلام: فمرها بذلك. فقال لها يونس: إن جاءكما هذا الغلام فاشهدا له أني يونس. قالتا: نعم. فرجع الغلام إلى قومه وكان له أخوة، وكان في منعة. فأتى الملك فقال: إني لقيت يونس، وهو يقرأ عليك السلام. فأمر به الملك أن يقتل، فقالوا: إن له بينة، فأرسل معه إلى الشجرة والبقعة، فشهدتا له أن يونس لقيه. فرجع القوم مذعورين مما رأوا، فأعلموا بذلك الملك، فتناول الملك بيد الغلام فأجلسه مجلسه، وقال: "أنت أحق بهذا المكان مني. فأقام لهم ذلك الغلام أمرهم أربعين سنة".
الأنبياء 21:89
قوله تعالى ذكره: ﴿وَزَكَرِيَّآ إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ﴾ إلى قوله: ﴿فَٱعْبُدُونِ﴾.
أي: واذكر يا محمد زكريا حين نادى ربه ﴿رَبِّ لاَ تَذَرْنِي فَرْداً﴾ أي وحيداً، لا ولد لي ولا عصبة، فارزقني وارثاً من آل يعقوب: ﴿وَأَنتَ خَيْرُ ٱلْوَارِثِينَ﴾، فاستجبنا له دعاءه، ووهبنا له يحيى وارثاً. ثم قال: ﴿وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ﴾.
أي: جعلناها ولوداً بعد أن كانت عقيماً.
وقال عطاء: كانت سيئة الخلق طويلة اللسان، فأصلحها الله وصيرها حسنة الخلق، وهو قول محمد بن كعب وعون بن عبد الله.
* *
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُواْ يُسَارِعُونَ فِي ٱلْخَيْرَاتِ﴾. يعني زكريا وزوجته ويحيى، أي: يسارعون في طاعة الله، والعمل بما يقرب إليه.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً﴾.
أي: رغبة فيما يرجون من ثوابه ورهبة مما يخافون من عقابه.
قال قتادة: رغباً في رحمة الله ورهباً من عذاب الله.
والدعاء في هذا الموضع: العبادة. كما قال: ﴿وَأَدْعُو رَبِّي عَسَىۤ﴾ [مريم: ٤٨] أي: أعبد ربي.
قال ابن زيد: معناه: خوفاً وطمعاً.
قال ابن جريج: رغباً في رحمة الله ورهباً من عذاب الله.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَكَانُواْ لَنَا خاشِعِينَ﴾ أي: متواضعين متذللين لا يستكبرون عن العبادة والدعاء والتضرع.
قال سفيان: هو الحزن الدائم في القلب.
* *
ثم قال: ﴿وَٱلَّتِيۤ أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا﴾.
أي: واذكر يا محمد التي أحصنت فرجها، يعني مريم: وأحصنت، حفظت ومنعت. وعنى بالفرج جيبها وقيل: فرج نفسها.
وقوله: فنفخنا فيها من روحنا: أي: من جبريل ﷺ، لأنه روح الله، نفخ في جيب ذراعها بعد أن منعته منه إذ لم تعرفه.
وقيل: أمر الله تعالى جبريل ﷺ، فنفخ الروح الذي هو روح عيسى في فرجها فحيي بذلك.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَاهَا وَٱبْنَهَآ آيَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ أي: عبرة لعالم زمانهما. والتقدير على مذهب سيبويه: وجعلناها آية وابنها آية، ثم حذف الأولى. أي: علماً وحجة على العالمين والمعنى: جعلها آية إذ ولدت من غير فحل، وجعله آية إذ ولد من غير نطفة، وإذ نطق في يوم ولد، وتكلم بالحكمة في ذلك اليوم.
ثم قال تعالى ذكره: ﴿إِنَّ هَـٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾.
أي: وإن هذه ملتكم ملة واحدة، وأنا ربكم أيها الناس فاعبدون، دون الأصنام والأوثان.
قال مجاهد وابن عباس: "أمتكم أمة واحدة" أي: دينكم دين واحد. وأمة نصبت على الحال .
الأنبياء 21:90
قوله تعالى ذكره: ﴿وَزَكَرِيَّآ إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ﴾ إلى قوله: ﴿فَٱعْبُدُونِ﴾.
أي: واذكر يا محمد زكريا حين نادى ربه ﴿رَبِّ لاَ تَذَرْنِي فَرْداً﴾ أي وحيداً، لا ولد لي ولا عصبة، فارزقني وارثاً من آل يعقوب: ﴿وَأَنتَ خَيْرُ ٱلْوَارِثِينَ﴾، فاستجبنا له دعاءه، ووهبنا له يحيى وارثاً. ثم قال: ﴿وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ﴾.
أي: جعلناها ولوداً بعد أن كانت عقيماً.
وقال عطاء: كانت سيئة الخلق طويلة اللسان، فأصلحها الله وصيرها حسنة الخلق، وهو قول محمد بن كعب وعون بن عبد الله.
* *
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُواْ يُسَارِعُونَ فِي ٱلْخَيْرَاتِ﴾. يعني زكريا وزوجته ويحيى، أي: يسارعون في طاعة الله، والعمل بما يقرب إليه.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً﴾.
أي: رغبة فيما يرجون من ثوابه ورهبة مما يخافون من عقابه.
قال قتادة: رغباً في رحمة الله ورهباً من عذاب الله.
والدعاء في هذا الموضع: العبادة. كما قال: ﴿وَأَدْعُو رَبِّي عَسَىۤ﴾ [مريم: ٤٨] أي: أعبد ربي.
قال ابن زيد: معناه: خوفاً وطمعاً.
قال ابن جريج: رغباً في رحمة الله ورهباً من عذاب الله.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَكَانُواْ لَنَا خاشِعِينَ﴾ أي: متواضعين متذللين لا يستكبرون عن العبادة والدعاء والتضرع.
قال سفيان: هو الحزن الدائم في القلب.
* *
ثم قال: ﴿وَٱلَّتِيۤ أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا﴾.
أي: واذكر يا محمد التي أحصنت فرجها، يعني مريم: وأحصنت، حفظت ومنعت. وعنى بالفرج جيبها وقيل: فرج نفسها.
وقوله: فنفخنا فيها من روحنا: أي: من جبريل ﷺ، لأنه روح الله، نفخ في جيب ذراعها بعد أن منعته منه إذ لم تعرفه.
وقيل: أمر الله تعالى جبريل ﷺ، فنفخ الروح الذي هو روح عيسى في فرجها فحيي بذلك.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَاهَا وَٱبْنَهَآ آيَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ أي: عبرة لعالم زمانهما. والتقدير على مذهب سيبويه: وجعلناها آية وابنها آية، ثم حذف الأولى. أي: علماً وحجة على العالمين والمعنى: جعلها آية إذ ولدت من غير فحل، وجعله آية إذ ولد من غير نطفة، وإذ نطق في يوم ولد، وتكلم بالحكمة في ذلك اليوم.
ثم قال تعالى ذكره: ﴿إِنَّ هَـٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾.
أي: وإن هذه ملتكم ملة واحدة، وأنا ربكم أيها الناس فاعبدون، دون الأصنام والأوثان.
قال مجاهد وابن عباس: "أمتكم أمة واحدة" أي: دينكم دين واحد. وأمة نصبت على الحال .
الأنبياء 21:91
قوله تعالى ذكره: ﴿وَزَكَرِيَّآ إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ﴾ إلى قوله: ﴿فَٱعْبُدُونِ﴾.
أي: واذكر يا محمد زكريا حين نادى ربه ﴿رَبِّ لاَ تَذَرْنِي فَرْداً﴾ أي وحيداً، لا ولد لي ولا عصبة، فارزقني وارثاً من آل يعقوب: ﴿وَأَنتَ خَيْرُ ٱلْوَارِثِينَ﴾، فاستجبنا له دعاءه، ووهبنا له يحيى وارثاً. ثم قال: ﴿وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ﴾.
أي: جعلناها ولوداً بعد أن كانت عقيماً.
وقال عطاء: كانت سيئة الخلق طويلة اللسان، فأصلحها الله وصيرها حسنة الخلق، وهو قول محمد بن كعب وعون بن عبد الله.
* *
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُواْ يُسَارِعُونَ فِي ٱلْخَيْرَاتِ﴾. يعني زكريا وزوجته ويحيى، أي: يسارعون في طاعة الله، والعمل بما يقرب إليه.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً﴾.
أي: رغبة فيما يرجون من ثوابه ورهبة مما يخافون من عقابه.
قال قتادة: رغباً في رحمة الله ورهباً من عذاب الله.
والدعاء في هذا الموضع: العبادة. كما قال: ﴿وَأَدْعُو رَبِّي عَسَىۤ﴾ [مريم: ٤٨] أي: أعبد ربي.
قال ابن زيد: معناه: خوفاً وطمعاً.
قال ابن جريج: رغباً في رحمة الله ورهباً من عذاب الله.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَكَانُواْ لَنَا خاشِعِينَ﴾ أي: متواضعين متذللين لا يستكبرون عن العبادة والدعاء والتضرع.
قال سفيان: هو الحزن الدائم في القلب.
* *
ثم قال: ﴿وَٱلَّتِيۤ أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا﴾.
أي: واذكر يا محمد التي أحصنت فرجها، يعني مريم: وأحصنت، حفظت ومنعت. وعنى بالفرج جيبها وقيل: فرج نفسها.
وقوله: فنفخنا فيها من روحنا: أي: من جبريل ﷺ، لأنه روح الله، نفخ في جيب ذراعها بعد أن منعته منه إذ لم تعرفه.
وقيل: أمر الله تعالى جبريل ﷺ، فنفخ الروح الذي هو روح عيسى في فرجها فحيي بذلك.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَاهَا وَٱبْنَهَآ آيَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ أي: عبرة لعالم زمانهما. والتقدير على مذهب سيبويه: وجعلناها آية وابنها آية، ثم حذف الأولى. أي: علماً وحجة على العالمين والمعنى: جعلها آية إذ ولدت من غير فحل، وجعله آية إذ ولد من غير نطفة، وإذ نطق في يوم ولد، وتكلم بالحكمة في ذلك اليوم.
ثم قال تعالى ذكره: ﴿إِنَّ هَـٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾.
أي: وإن هذه ملتكم ملة واحدة، وأنا ربكم أيها الناس فاعبدون، دون الأصنام والأوثان.
قال مجاهد وابن عباس: "أمتكم أمة واحدة" أي: دينكم دين واحد. وأمة نصبت على الحال .
الأنبياء 21:92
قوله تعالى ذكره: ﴿وَزَكَرِيَّآ إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ﴾ إلى قوله: ﴿فَٱعْبُدُونِ﴾.
أي: واذكر يا محمد زكريا حين نادى ربه ﴿رَبِّ لاَ تَذَرْنِي فَرْداً﴾ أي وحيداً، لا ولد لي ولا عصبة، فارزقني وارثاً من آل يعقوب: ﴿وَأَنتَ خَيْرُ ٱلْوَارِثِينَ﴾، فاستجبنا له دعاءه، ووهبنا له يحيى وارثاً. ثم قال: ﴿وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ﴾.
أي: جعلناها ولوداً بعد أن كانت عقيماً.
وقال عطاء: كانت سيئة الخلق طويلة اللسان، فأصلحها الله وصيرها حسنة الخلق، وهو قول محمد بن كعب وعون بن عبد الله.
* *
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُواْ يُسَارِعُونَ فِي ٱلْخَيْرَاتِ﴾. يعني زكريا وزوجته ويحيى، أي: يسارعون في طاعة الله، والعمل بما يقرب إليه.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً﴾.
أي: رغبة فيما يرجون من ثوابه ورهبة مما يخافون من عقابه.
قال قتادة: رغباً في رحمة الله ورهباً من عذاب الله.
والدعاء في هذا الموضع: العبادة. كما قال: ﴿وَأَدْعُو رَبِّي عَسَىۤ﴾ [مريم: ٤٨] أي: أعبد ربي.
قال ابن زيد: معناه: خوفاً وطمعاً.
قال ابن جريج: رغباً في رحمة الله ورهباً من عذاب الله.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَكَانُواْ لَنَا خاشِعِينَ﴾ أي: متواضعين متذللين لا يستكبرون عن العبادة والدعاء والتضرع.
قال سفيان: هو الحزن الدائم في القلب.
* *
ثم قال: ﴿وَٱلَّتِيۤ أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا﴾.
أي: واذكر يا محمد التي أحصنت فرجها، يعني مريم: وأحصنت، حفظت ومنعت. وعنى بالفرج جيبها وقيل: فرج نفسها.
وقوله: فنفخنا فيها من روحنا: أي: من جبريل ﷺ، لأنه روح الله، نفخ في جيب ذراعها بعد أن منعته منه إذ لم تعرفه.
وقيل: أمر الله تعالى جبريل ﷺ، فنفخ الروح الذي هو روح عيسى في فرجها فحيي بذلك.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَاهَا وَٱبْنَهَآ آيَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ أي: عبرة لعالم زمانهما. والتقدير على مذهب سيبويه: وجعلناها آية وابنها آية، ثم حذف الأولى. أي: علماً وحجة على العالمين والمعنى: جعلها آية إذ ولدت من غير فحل، وجعله آية إذ ولد من غير نطفة، وإذ نطق في يوم ولد، وتكلم بالحكمة في ذلك اليوم.
ثم قال تعالى ذكره: ﴿إِنَّ هَـٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾.
أي: وإن هذه ملتكم ملة واحدة، وأنا ربكم أيها الناس فاعبدون، دون الأصنام والأوثان.
قال مجاهد وابن عباس: "أمتكم أمة واحدة" أي: دينكم دين واحد. وأمة نصبت على الحال .
الأنبياء 21:93
قوله تعالى ذكره: ﴿وَتَقَطَّعُوۤاْ أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ﴾ إلى قوله: ﴿وَهُمْ مِّن كُلِّ حَدَبٍ يَنسِلُونَ﴾.
أي: وتفرقوا في دينهم الذي قضى الله به عليهم ودعاهم إليه فصاروا فيه أحزاباً، فتهودت اليهود وتنصرت النصارى، وعبدت الأوثان.
* *
ثم قال تعالى: ﴿كُلٌّ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ﴾.
أي: كلهم على اختلاف أديانهم، إلينا يرجعون. أي: إلى حكمنا فيهم، فنجازي كلاً بما صنع. وهذا كلام فيه تهديد ووعيد.
قال ابن زيد: "وتقطعوا أمرهم" أي: اختلفوا في الدين. ثم قال: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِنَ ٱلصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾.
أي: فمن يعمل من هؤلاء الذين تفرقوا في دينهم بما أمره الله، وهو مقر بتوحيد الله. ﴿فَلاَ كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ﴾.
أي: فإن الله يشكر عمله الذي عمل ويثيبه عليه في الآخرة.
ومعناه: إذا لم يكفر بنبي بعث إليه ولا بمن قبله من الأنبياء ولا بكتاب نبيه ولا بكتاب من تقدم من الأنبياء. فـ "من" للتبعيض. أي: من يعمل شيئاً من الصالحات وهو مؤمن.
وقيل: "من" زائدة. والأول أحسن. إذ لا يحكم على الزيادة إلا بدليل ظاهر. ولا دليل يدل على ذلك. وأيضاً: فإن في تقدير زيادة "من" تكليف غاية العمل. وهذا لا يقدر عليه ولا يكلف الله نفساً فوق طاقتها، فمن ذا الذي يقدر على عمل الصالحات كلها؟.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ﴾.
أي: نكتب أعماله الصالحة لنجزيه على صغيرها وكبيرها. ومعنى كتبت: جمعت.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَحَرَامٌ عَلَىٰ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَآ أَنَّهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ﴾ أي: وحرام على قرية أهلكهم الله بالطبع على قلوبهم، والتمادي على الكفر، أن يرجعوا إلى الإيمان والتوبة. هذا معنى قول عكرمة وهو اختيار الطبري.
وقيل: المعنى: وحرام على [أهل] قرية أمتناهم أن يرجعوا إلى الدنيا. و "لا" زائدة. ومعنى "وحرام": وجب أن لا يرجعوا وعزم أن لا يرجعوا إلى توبة، ولا بعد موت.
قال ابن عباس: في معنى: ﴿وَحَرَامٌ عَلَىٰ قَرْيَةٍ...﴾ الآية.
وجب أنهم لا يرجعون.
وقال أبو عبيدة: "لا" زائدة. "وحرام": على بابها. بمعنى المنع.
وقال أبو إسحاق: "لا" غير زائدة. و "حرام": على بابها. والتقدير: حرام على أهل قرية، أهلكناها أن يُتقبل منهم عمل لأنهم لا يرجعون ولا يتوبون.
ثم قال تعالى ذكره: ﴿حَتَّىٰ إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ﴾.
أي: فتح سد يأجوج ومأجوج.
روى حذيفة بن اليمان أن النبي ﷺ قال: "أول الآيات الدجال ونزول عيسى عليه السلام ونار تخرج من قعر عدن أبين تسوق الناس إلى المحشر تقيل معهم إذا قالوا والدابة ثم يأجوج ومأجوج. قال حذيفة: قلت يا رسول الله، ما يأجوج ومأجوج. قال: يأجوج ومأجوج أمة. كل أمة مائة ألف أمة لا يموت الرجل منهم حتى يرى ألف عين تطرف بين يديه من صلبه وهم ولد آدم فيسيرون إلى خراب الدنيا ويكون مقدمتهم بالشام، وساقتهم بالعراق، فيمرون بأنهار الدنيا فيشربون الفرات ودجلة وبحيرة طبرية حتى يأتوا بيت المقدس فيقولون: قد قتلنا أهل الدنيا فقاتلوا من في السماء، فيرمون بالنشاب إلى السماء، فترجع نشابهم مخضبة بالدم. فيقولون: قد قتلنا. من في السماء. وعيسى والمسلمون بجبل طور سنين، فيوحي الله جل وعز إلى عيسى أن أحرز عبادي بالطور وما يلي أيلة. ثم إن عيسى عليه السلام يرفع يده إلى السماء ويؤمن المسلمون فيبعث الله عليهم دابة يقال لها النغف تدخل في مناخرهم فيصبحون موتى حتى تنتن الأرض من جيفتهم فيجأر الناس والأرض إلى الله تعالى منهم، فيأمر الله السماء فتمطر كأفواه القرب، فتغسل الأرض من جيفهم ونتنهم فعند ذلك طلوع الشمس من مغربها
قال أبو العالية: إن يأجوج ومأجوج يزيدون على سائر الأنس الضعف. وأن الجن يزيدون على الإنس الضعف، وأن يأجوج ومأجوج رجلان اسمهما يأجوج ومأجوج.
قال عمر البكالي: إن الله جل وعز جزأ الملائكة والإنس والجن عشرة أجزاء. فتسعة منهم الكروبيون وهم الملائكة الذين يحملون العرش، ثم هم أيضاً الذين يسبحون الليل والنهار لا يفترون قال: ومن بقي من الملائكة لأمر الله ووحيه ورسالته، ثم جزأ الجن والإنس عشرة أجزاء، فتسعة منهم الجن، لا يولد من الإنس ولد إلا ولد من الجن تسعة، ثم جزأ الإنس عشرة أجزاء، فتسعة منهم يأجوج ومأجوج، وسائر الناس جزء [واحد].
وقال ابن عباس: يأجوج ومأجوج أمتان، في كل أمة أربعمائة ألف أمة، لا يموت الرجل منهم حتى ينظر إلى ألف من صلبه فصاعداً؟
وعنه أنه قال: الأرض سبعة أجزاء، ستة منها فيها يأجوج ومأجوج وجزء [واحد] فيه سائر الخلق.
ومن جعل يأجوج ومأجوج مشتقاً، أجاز همزة، وهو مشتق من أجة النار، وهو حرها. ومنه أجة الحر، ومنه ملح أجاج. ولم يصرفه لأنه جعله اسماً للقبيلة وهو معرفة، ووزنها: فاعول ومفعول، ويجوز في قراءة من لم يهمز أن يكونا أعجميين، وأن يكونا مشتقين. وخففت الهمزة.
وقال الأخفش: يأجوج من يججت ومأجوج من مججت وقوله: ﴿وَهُمْ مِّن كُلِّ حَدَبٍ يَنسِلُونَ﴾.
قيل: يعني بني آدم يخرجون من كل موضع دفنوا فيه، يعني الحشر. قاله مجاهد.
وقال ابن عمر عنى به يأجوج ومأجوج، يخرجون من كل مكان يفسدون في الأرض. ومعنى: "من كل حدب" أي: من كل نشز، ومن كل شرف وأكمة.
قال ابن زيد: هو مبتدأ يوم القيامة. و "ينسلون": يمشون مسرعين كنسلان الذئب. يقال: نسل ينسل وينسل، إذا أسرع وتقارب خطوة.
قال عطية الحوفي: يأجوج ومأجوج أمتان، في كل أمة أربع مائة ألف أمة، لا يشبه بعضهم بعضاً، لا يموت الرجل منهم حتى ينظر في مائة عين من ولده.
وقال عبد الله بن عمرو بن العاص: إن الرجل منهم ليموت فيدع لصلبه من الذرية ألفاً فصاعداً، وإن من ورائهم لثلاث أمم ما يعلم عدتهم إلا الله تعالى مسنك وتأريس وتأويل، وخروجهم بعد خروج الدجال ونزول عيسى عليه السلام.
قال كعب الأحبار: عرض أسكفة باب يأجوج ومأجوج السفلى أربعة وعشرون ذراعاً، فتفتحها حوافر خيلهم، والعليا عرضها إثنا عشر ذراعاً، فتفتحها أسنة رماحهم.
الأنبياء 21:94
قوله تعالى ذكره: ﴿وَتَقَطَّعُوۤاْ أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ﴾ إلى قوله: ﴿وَهُمْ مِّن كُلِّ حَدَبٍ يَنسِلُونَ﴾.
أي: وتفرقوا في دينهم الذي قضى الله به عليهم ودعاهم إليه فصاروا فيه أحزاباً، فتهودت اليهود وتنصرت النصارى، وعبدت الأوثان.
* *
ثم قال تعالى: ﴿كُلٌّ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ﴾.
أي: كلهم على اختلاف أديانهم، إلينا يرجعون. أي: إلى حكمنا فيهم، فنجازي كلاً بما صنع. وهذا كلام فيه تهديد ووعيد.
قال ابن زيد: "وتقطعوا أمرهم" أي: اختلفوا في الدين. ثم قال: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِنَ ٱلصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾.
أي: فمن يعمل من هؤلاء الذين تفرقوا في دينهم بما أمره الله، وهو مقر بتوحيد الله. ﴿فَلاَ كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ﴾.
أي: فإن الله يشكر عمله الذي عمل ويثيبه عليه في الآخرة.
ومعناه: إذا لم يكفر بنبي بعث إليه ولا بمن قبله من الأنبياء ولا بكتاب نبيه ولا بكتاب من تقدم من الأنبياء. فـ "من" للتبعيض. أي: من يعمل شيئاً من الصالحات وهو مؤمن.
وقيل: "من" زائدة. والأول أحسن. إذ لا يحكم على الزيادة إلا بدليل ظاهر. ولا دليل يدل على ذلك. وأيضاً: فإن في تقدير زيادة "من" تكليف غاية العمل. وهذا لا يقدر عليه ولا يكلف الله نفساً فوق طاقتها، فمن ذا الذي يقدر على عمل الصالحات كلها؟.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ﴾.
أي: نكتب أعماله الصالحة لنجزيه على صغيرها وكبيرها. ومعنى كتبت: جمعت.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَحَرَامٌ عَلَىٰ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَآ أَنَّهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ﴾ أي: وحرام على قرية أهلكهم الله بالطبع على قلوبهم، والتمادي على الكفر، أن يرجعوا إلى الإيمان والتوبة. هذا معنى قول عكرمة وهو اختيار الطبري.
وقيل: المعنى: وحرام على [أهل] قرية أمتناهم أن يرجعوا إلى الدنيا. و "لا" زائدة. ومعنى "وحرام": وجب أن لا يرجعوا وعزم أن لا يرجعوا إلى توبة، ولا بعد موت.
قال ابن عباس: في معنى: ﴿وَحَرَامٌ عَلَىٰ قَرْيَةٍ...﴾ الآية.
وجب أنهم لا يرجعون.
وقال أبو عبيدة: "لا" زائدة. "وحرام": على بابها. بمعنى المنع.
وقال أبو إسحاق: "لا" غير زائدة. و "حرام": على بابها. والتقدير: حرام على أهل قرية، أهلكناها أن يُتقبل منهم عمل لأنهم لا يرجعون ولا يتوبون.
ثم قال تعالى ذكره: ﴿حَتَّىٰ إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ﴾.
أي: فتح سد يأجوج ومأجوج.
روى حذيفة بن اليمان أن النبي ﷺ قال: "أول الآيات الدجال ونزول عيسى عليه السلام ونار تخرج من قعر عدن أبين تسوق الناس إلى المحشر تقيل معهم إذا قالوا والدابة ثم يأجوج ومأجوج. قال حذيفة: قلت يا رسول الله، ما يأجوج ومأجوج. قال: يأجوج ومأجوج أمة. كل أمة مائة ألف أمة لا يموت الرجل منهم حتى يرى ألف عين تطرف بين يديه من صلبه وهم ولد آدم فيسيرون إلى خراب الدنيا ويكون مقدمتهم بالشام، وساقتهم بالعراق، فيمرون بأنهار الدنيا فيشربون الفرات ودجلة وبحيرة طبرية حتى يأتوا بيت المقدس فيقولون: قد قتلنا أهل الدنيا فقاتلوا من في السماء، فيرمون بالنشاب إلى السماء، فترجع نشابهم مخضبة بالدم. فيقولون: قد قتلنا. من في السماء. وعيسى والمسلمون بجبل طور سنين، فيوحي الله جل وعز إلى عيسى أن أحرز عبادي بالطور وما يلي أيلة. ثم إن عيسى عليه السلام يرفع يده إلى السماء ويؤمن المسلمون فيبعث الله عليهم دابة يقال لها النغف تدخل في مناخرهم فيصبحون موتى حتى تنتن الأرض من جيفتهم فيجأر الناس والأرض إلى الله تعالى منهم، فيأمر الله السماء فتمطر كأفواه القرب، فتغسل الأرض من جيفهم ونتنهم فعند ذلك طلوع الشمس من مغربها
قال أبو العالية: إن يأجوج ومأجوج يزيدون على سائر الأنس الضعف. وأن الجن يزيدون على الإنس الضعف، وأن يأجوج ومأجوج رجلان اسمهما يأجوج ومأجوج.
قال عمر البكالي: إن الله جل وعز جزأ الملائكة والإنس والجن عشرة أجزاء. فتسعة منهم الكروبيون وهم الملائكة الذين يحملون العرش، ثم هم أيضاً الذين يسبحون الليل والنهار لا يفترون قال: ومن بقي من الملائكة لأمر الله ووحيه ورسالته، ثم جزأ الجن والإنس عشرة أجزاء، فتسعة منهم الجن، لا يولد من الإنس ولد إلا ولد من الجن تسعة، ثم جزأ الإنس عشرة أجزاء، فتسعة منهم يأجوج ومأجوج، وسائر الناس جزء [واحد].
وقال ابن عباس: يأجوج ومأجوج أمتان، في كل أمة أربعمائة ألف أمة، لا يموت الرجل منهم حتى ينظر إلى ألف من صلبه فصاعداً؟
وعنه أنه قال: الأرض سبعة أجزاء، ستة منها فيها يأجوج ومأجوج وجزء [واحد] فيه سائر الخلق.
ومن جعل يأجوج ومأجوج مشتقاً، أجاز همزة، وهو مشتق من أجة النار، وهو حرها. ومنه أجة الحر، ومنه ملح أجاج. ولم يصرفه لأنه جعله اسماً للقبيلة وهو معرفة، ووزنها: فاعول ومفعول، ويجوز في قراءة من لم يهمز أن يكونا أعجميين، وأن يكونا مشتقين. وخففت الهمزة.
وقال الأخفش: يأجوج من يججت ومأجوج من مججت وقوله: ﴿وَهُمْ مِّن كُلِّ حَدَبٍ يَنسِلُونَ﴾.
قيل: يعني بني آدم يخرجون من كل موضع دفنوا فيه، يعني الحشر. قاله مجاهد.
وقال ابن عمر عنى به يأجوج ومأجوج، يخرجون من كل مكان يفسدون في الأرض. ومعنى: "من كل حدب" أي: من كل نشز، ومن كل شرف وأكمة.
قال ابن زيد: هو مبتدأ يوم القيامة. و "ينسلون": يمشون مسرعين كنسلان الذئب. يقال: نسل ينسل وينسل، إذا أسرع وتقارب خطوة.
قال عطية الحوفي: يأجوج ومأجوج أمتان، في كل أمة أربع مائة ألف أمة، لا يشبه بعضهم بعضاً، لا يموت الرجل منهم حتى ينظر في مائة عين من ولده.
وقال عبد الله بن عمرو بن العاص: إن الرجل منهم ليموت فيدع لصلبه من الذرية ألفاً فصاعداً، وإن من ورائهم لثلاث أمم ما يعلم عدتهم إلا الله تعالى مسنك وتأريس وتأويل، وخروجهم بعد خروج الدجال ونزول عيسى عليه السلام.
قال كعب الأحبار: عرض أسكفة باب يأجوج ومأجوج السفلى أربعة وعشرون ذراعاً، فتفتحها حوافر خيلهم، والعليا عرضها إثنا عشر ذراعاً، فتفتحها أسنة رماحهم.
الأنبياء 21:95
قوله تعالى ذكره: ﴿وَتَقَطَّعُوۤاْ أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ﴾ إلى قوله: ﴿وَهُمْ مِّن كُلِّ حَدَبٍ يَنسِلُونَ﴾.
أي: وتفرقوا في دينهم الذي قضى الله به عليهم ودعاهم إليه فصاروا فيه أحزاباً، فتهودت اليهود وتنصرت النصارى، وعبدت الأوثان.
* *
ثم قال تعالى: ﴿كُلٌّ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ﴾.
أي: كلهم على اختلاف أديانهم، إلينا يرجعون. أي: إلى حكمنا فيهم، فنجازي كلاً بما صنع. وهذا كلام فيه تهديد ووعيد.
قال ابن زيد: "وتقطعوا أمرهم" أي: اختلفوا في الدين. ثم قال: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِنَ ٱلصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾.
أي: فمن يعمل من هؤلاء الذين تفرقوا في دينهم بما أمره الله، وهو مقر بتوحيد الله. ﴿فَلاَ كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ﴾.
أي: فإن الله يشكر عمله الذي عمل ويثيبه عليه في الآخرة.
ومعناه: إذا لم يكفر بنبي بعث إليه ولا بمن قبله من الأنبياء ولا بكتاب نبيه ولا بكتاب من تقدم من الأنبياء. فـ "من" للتبعيض. أي: من يعمل شيئاً من الصالحات وهو مؤمن.
وقيل: "من" زائدة. والأول أحسن. إذ لا يحكم على الزيادة إلا بدليل ظاهر. ولا دليل يدل على ذلك. وأيضاً: فإن في تقدير زيادة "من" تكليف غاية العمل. وهذا لا يقدر عليه ولا يكلف الله نفساً فوق طاقتها، فمن ذا الذي يقدر على عمل الصالحات كلها؟.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ﴾.
أي: نكتب أعماله الصالحة لنجزيه على صغيرها وكبيرها. ومعنى كتبت: جمعت.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَحَرَامٌ عَلَىٰ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَآ أَنَّهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ﴾ أي: وحرام على قرية أهلكهم الله بالطبع على قلوبهم، والتمادي على الكفر، أن يرجعوا إلى الإيمان والتوبة. هذا معنى قول عكرمة وهو اختيار الطبري.
وقيل: المعنى: وحرام على [أهل] قرية أمتناهم أن يرجعوا إلى الدنيا. و "لا" زائدة. ومعنى "وحرام": وجب أن لا يرجعوا وعزم أن لا يرجعوا إلى توبة، ولا بعد موت.
قال ابن عباس: في معنى: ﴿وَحَرَامٌ عَلَىٰ قَرْيَةٍ...﴾ الآية.
وجب أنهم لا يرجعون.
وقال أبو عبيدة: "لا" زائدة. "وحرام": على بابها. بمعنى المنع.
وقال أبو إسحاق: "لا" غير زائدة. و "حرام": على بابها. والتقدير: حرام على أهل قرية، أهلكناها أن يُتقبل منهم عمل لأنهم لا يرجعون ولا يتوبون.
ثم قال تعالى ذكره: ﴿حَتَّىٰ إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ﴾.
أي: فتح سد يأجوج ومأجوج.
روى حذيفة بن اليمان أن النبي ﷺ قال: "أول الآيات الدجال ونزول عيسى عليه السلام ونار تخرج من قعر عدن أبين تسوق الناس إلى المحشر تقيل معهم إذا قالوا والدابة ثم يأجوج ومأجوج. قال حذيفة: قلت يا رسول الله، ما يأجوج ومأجوج. قال: يأجوج ومأجوج أمة. كل أمة مائة ألف أمة لا يموت الرجل منهم حتى يرى ألف عين تطرف بين يديه من صلبه وهم ولد آدم فيسيرون إلى خراب الدنيا ويكون مقدمتهم بالشام، وساقتهم بالعراق، فيمرون بأنهار الدنيا فيشربون الفرات ودجلة وبحيرة طبرية حتى يأتوا بيت المقدس فيقولون: قد قتلنا أهل الدنيا فقاتلوا من في السماء، فيرمون بالنشاب إلى السماء، فترجع نشابهم مخضبة بالدم. فيقولون: قد قتلنا. من في السماء. وعيسى والمسلمون بجبل طور سنين، فيوحي الله جل وعز إلى عيسى أن أحرز عبادي بالطور وما يلي أيلة. ثم إن عيسى عليه السلام يرفع يده إلى السماء ويؤمن المسلمون فيبعث الله عليهم دابة يقال لها النغف تدخل في مناخرهم فيصبحون موتى حتى تنتن الأرض من جيفتهم فيجأر الناس والأرض إلى الله تعالى منهم، فيأمر الله السماء فتمطر كأفواه القرب، فتغسل الأرض من جيفهم ونتنهم فعند ذلك طلوع الشمس من مغربها
قال أبو العالية: إن يأجوج ومأجوج يزيدون على سائر الأنس الضعف. وأن الجن يزيدون على الإنس الضعف، وأن يأجوج ومأجوج رجلان اسمهما يأجوج ومأجوج.
قال عمر البكالي: إن الله جل وعز جزأ الملائكة والإنس والجن عشرة أجزاء. فتسعة منهم الكروبيون وهم الملائكة الذين يحملون العرش، ثم هم أيضاً الذين يسبحون الليل والنهار لا يفترون قال: ومن بقي من الملائكة لأمر الله ووحيه ورسالته، ثم جزأ الجن والإنس عشرة أجزاء، فتسعة منهم الجن، لا يولد من الإنس ولد إلا ولد من الجن تسعة، ثم جزأ الإنس عشرة أجزاء، فتسعة منهم يأجوج ومأجوج، وسائر الناس جزء [واحد].
وقال ابن عباس: يأجوج ومأجوج أمتان، في كل أمة أربعمائة ألف أمة، لا يموت الرجل منهم حتى ينظر إلى ألف من صلبه فصاعداً؟
وعنه أنه قال: الأرض سبعة أجزاء، ستة منها فيها يأجوج ومأجوج وجزء [واحد] فيه سائر الخلق.
ومن جعل يأجوج ومأجوج مشتقاً، أجاز همزة، وهو مشتق من أجة النار، وهو حرها. ومنه أجة الحر، ومنه ملح أجاج. ولم يصرفه لأنه جعله اسماً للقبيلة وهو معرفة، ووزنها: فاعول ومفعول، ويجوز في قراءة من لم يهمز أن يكونا أعجميين، وأن يكونا مشتقين. وخففت الهمزة.
وقال الأخفش: يأجوج من يججت ومأجوج من مججت وقوله: ﴿وَهُمْ مِّن كُلِّ حَدَبٍ يَنسِلُونَ﴾.
قيل: يعني بني آدم يخرجون من كل موضع دفنوا فيه، يعني الحشر. قاله مجاهد.
وقال ابن عمر عنى به يأجوج ومأجوج، يخرجون من كل مكان يفسدون في الأرض. ومعنى: "من كل حدب" أي: من كل نشز، ومن كل شرف وأكمة.
قال ابن زيد: هو مبتدأ يوم القيامة. و "ينسلون": يمشون مسرعين كنسلان الذئب. يقال: نسل ينسل وينسل، إذا أسرع وتقارب خطوة.
قال عطية الحوفي: يأجوج ومأجوج أمتان، في كل أمة أربع مائة ألف أمة، لا يشبه بعضهم بعضاً، لا يموت الرجل منهم حتى ينظر في مائة عين من ولده.
وقال عبد الله بن عمرو بن العاص: إن الرجل منهم ليموت فيدع لصلبه من الذرية ألفاً فصاعداً، وإن من ورائهم لثلاث أمم ما يعلم عدتهم إلا الله تعالى مسنك وتأريس وتأويل، وخروجهم بعد خروج الدجال ونزول عيسى عليه السلام.
قال كعب الأحبار: عرض أسكفة باب يأجوج ومأجوج السفلى أربعة وعشرون ذراعاً، فتفتحها حوافر خيلهم، والعليا عرضها إثنا عشر ذراعاً، فتفتحها أسنة رماحهم.
الأنبياء 21:96
قوله تعالى ذكره: ﴿وَتَقَطَّعُوۤاْ أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ﴾ إلى قوله: ﴿وَهُمْ مِّن كُلِّ حَدَبٍ يَنسِلُونَ﴾.
أي: وتفرقوا في دينهم الذي قضى الله به عليهم ودعاهم إليه فصاروا فيه أحزاباً، فتهودت اليهود وتنصرت النصارى، وعبدت الأوثان.
* *
ثم قال تعالى: ﴿كُلٌّ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ﴾.
أي: كلهم على اختلاف أديانهم، إلينا يرجعون. أي: إلى حكمنا فيهم، فنجازي كلاً بما صنع. وهذا كلام فيه تهديد ووعيد.
قال ابن زيد: "وتقطعوا أمرهم" أي: اختلفوا في الدين. ثم قال: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِنَ ٱلصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾.
أي: فمن يعمل من هؤلاء الذين تفرقوا في دينهم بما أمره الله، وهو مقر بتوحيد الله. ﴿فَلاَ كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ﴾.
أي: فإن الله يشكر عمله الذي عمل ويثيبه عليه في الآخرة.
ومعناه: إذا لم يكفر بنبي بعث إليه ولا بمن قبله من الأنبياء ولا بكتاب نبيه ولا بكتاب من تقدم من الأنبياء. فـ "من" للتبعيض. أي: من يعمل شيئاً من الصالحات وهو مؤمن.
وقيل: "من" زائدة. والأول أحسن. إذ لا يحكم على الزيادة إلا بدليل ظاهر. ولا دليل يدل على ذلك. وأيضاً: فإن في تقدير زيادة "من" تكليف غاية العمل. وهذا لا يقدر عليه ولا يكلف الله نفساً فوق طاقتها، فمن ذا الذي يقدر على عمل الصالحات كلها؟.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ﴾.
أي: نكتب أعماله الصالحة لنجزيه على صغيرها وكبيرها. ومعنى كتبت: جمعت.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَحَرَامٌ عَلَىٰ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَآ أَنَّهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ﴾ أي: وحرام على قرية أهلكهم الله بالطبع على قلوبهم، والتمادي على الكفر، أن يرجعوا إلى الإيمان والتوبة. هذا معنى قول عكرمة وهو اختيار الطبري.
وقيل: المعنى: وحرام على [أهل] قرية أمتناهم أن يرجعوا إلى الدنيا. و "لا" زائدة. ومعنى "وحرام": وجب أن لا يرجعوا وعزم أن لا يرجعوا إلى توبة، ولا بعد موت.
قال ابن عباس: في معنى: ﴿وَحَرَامٌ عَلَىٰ قَرْيَةٍ...﴾ الآية.
وجب أنهم لا يرجعون.
وقال أبو عبيدة: "لا" زائدة. "وحرام": على بابها. بمعنى المنع.
وقال أبو إسحاق: "لا" غير زائدة. و "حرام": على بابها. والتقدير: حرام على أهل قرية، أهلكناها أن يُتقبل منهم عمل لأنهم لا يرجعون ولا يتوبون.
ثم قال تعالى ذكره: ﴿حَتَّىٰ إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ﴾.
أي: فتح سد يأجوج ومأجوج.
روى حذيفة بن اليمان أن النبي ﷺ قال: "أول الآيات الدجال ونزول عيسى عليه السلام ونار تخرج من قعر عدن أبين تسوق الناس إلى المحشر تقيل معهم إذا قالوا والدابة ثم يأجوج ومأجوج. قال حذيفة: قلت يا رسول الله، ما يأجوج ومأجوج. قال: يأجوج ومأجوج أمة. كل أمة مائة ألف أمة لا يموت الرجل منهم حتى يرى ألف عين تطرف بين يديه من صلبه وهم ولد آدم فيسيرون إلى خراب الدنيا ويكون مقدمتهم بالشام، وساقتهم بالعراق، فيمرون بأنهار الدنيا فيشربون الفرات ودجلة وبحيرة طبرية حتى يأتوا بيت المقدس فيقولون: قد قتلنا أهل الدنيا فقاتلوا من في السماء، فيرمون بالنشاب إلى السماء، فترجع نشابهم مخضبة بالدم. فيقولون: قد قتلنا. من في السماء. وعيسى والمسلمون بجبل طور سنين، فيوحي الله جل وعز إلى عيسى أن أحرز عبادي بالطور وما يلي أيلة. ثم إن عيسى عليه السلام يرفع يده إلى السماء ويؤمن المسلمون فيبعث الله عليهم دابة يقال لها النغف تدخل في مناخرهم فيصبحون موتى حتى تنتن الأرض من جيفتهم فيجأر الناس والأرض إلى الله تعالى منهم، فيأمر الله السماء فتمطر كأفواه القرب، فتغسل الأرض من جيفهم ونتنهم فعند ذلك طلوع الشمس من مغربها
قال أبو العالية: إن يأجوج ومأجوج يزيدون على سائر الأنس الضعف. وأن الجن يزيدون على الإنس الضعف، وأن يأجوج ومأجوج رجلان اسمهما يأجوج ومأجوج.
قال عمر البكالي: إن الله جل وعز جزأ الملائكة والإنس والجن عشرة أجزاء. فتسعة منهم الكروبيون وهم الملائكة الذين يحملون العرش، ثم هم أيضاً الذين يسبحون الليل والنهار لا يفترون قال: ومن بقي من الملائكة لأمر الله ووحيه ورسالته، ثم جزأ الجن والإنس عشرة أجزاء، فتسعة منهم الجن، لا يولد من الإنس ولد إلا ولد من الجن تسعة، ثم جزأ الإنس عشرة أجزاء، فتسعة منهم يأجوج ومأجوج، وسائر الناس جزء [واحد].
وقال ابن عباس: يأجوج ومأجوج أمتان، في كل أمة أربعمائة ألف أمة، لا يموت الرجل منهم حتى ينظر إلى ألف من صلبه فصاعداً؟
وعنه أنه قال: الأرض سبعة أجزاء، ستة منها فيها يأجوج ومأجوج وجزء [واحد] فيه سائر الخلق.
ومن جعل يأجوج ومأجوج مشتقاً، أجاز همزة، وهو مشتق من أجة النار، وهو حرها. ومنه أجة الحر، ومنه ملح أجاج. ولم يصرفه لأنه جعله اسماً للقبيلة وهو معرفة، ووزنها: فاعول ومفعول، ويجوز في قراءة من لم يهمز أن يكونا أعجميين، وأن يكونا مشتقين. وخففت الهمزة.
وقال الأخفش: يأجوج من يججت ومأجوج من مججت وقوله: ﴿وَهُمْ مِّن كُلِّ حَدَبٍ يَنسِلُونَ﴾.
قيل: يعني بني آدم يخرجون من كل موضع دفنوا فيه، يعني الحشر. قاله مجاهد.
وقال ابن عمر عنى به يأجوج ومأجوج، يخرجون من كل مكان يفسدون في الأرض. ومعنى: "من كل حدب" أي: من كل نشز، ومن كل شرف وأكمة.
قال ابن زيد: هو مبتدأ يوم القيامة. و "ينسلون": يمشون مسرعين كنسلان الذئب. يقال: نسل ينسل وينسل، إذا أسرع وتقارب خطوة.
قال عطية الحوفي: يأجوج ومأجوج أمتان، في كل أمة أربع مائة ألف أمة، لا يشبه بعضهم بعضاً، لا يموت الرجل منهم حتى ينظر في مائة عين من ولده.
وقال عبد الله بن عمرو بن العاص: إن الرجل منهم ليموت فيدع لصلبه من الذرية ألفاً فصاعداً، وإن من ورائهم لثلاث أمم ما يعلم عدتهم إلا الله تعالى مسنك وتأريس وتأويل، وخروجهم بعد خروج الدجال ونزول عيسى عليه السلام.
قال كعب الأحبار: عرض أسكفة باب يأجوج ومأجوج السفلى أربعة وعشرون ذراعاً، فتفتحها حوافر خيلهم، والعليا عرضها إثنا عشر ذراعاً، فتفتحها أسنة رماحهم.
الأنبياء 21:97
قوله تعالى ذكره: ﴿وَٱقْتَرَبَ ٱلْوَعْدُ ٱلْحَقُّ﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾.
الواو زائدة في "واقترب" عند الكسائي والفراء.
قالا: اقترب جواب "إذا" في قوله: "حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج" اقترب الوعد.
وأجاز الكسائي أن يكون جواب إذا، ﴿فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ﴾.
وقال أبو إسحاق: الجواب: قالوا يا ويلنا، ثم حذف "قالوا" كقوله: ﴿وَٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَآءَ مَا نَعْبُدُهُمْ﴾ [الزمر: ٣] أي: قالوا: ما نعبدهم وحذف القول كثير في القرآن، ومعنى الآية: وقرب بعث الأموات للجزاء لا شك فيه بعد خروج يأجوج ومأجوج.
قال حذيفة: لو أن رجلاً افتلى فلواً بعد خروج يأجوج ومأجوج لم يركبه حتى تقوم الساعة.
* *
وقوله: ﴿فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾. قيل: هي عماد. وقيل: هي إضمار الأبصار، والأبصار الثانية تبيين لها أي: فإذا أبصار الكافرين قد شخصت عند مجيء الوعد. يقولون ﴿يٰوَيْلَنَا قَدْ كُنَّا﴾ قبل هذا الوقت في الدنيا ﴿فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَـٰذَا﴾ الذي نرى ونعاين، ﴿بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ﴾ أي: بمعصيتنا ربنا وطاعتنا إبليس وجنوده.
ثم قال تعالى ذكره: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾.
أي: إنكم أيها الكفار والأوثان التي تعبدونها من دون الله وَقُودُ جهنم، قاله ابن عباس.
وقال مجاهد: حصب جهنم: حطبها.
وقال قتادة وعكرمة: حصب جهنم: يقذفون فيها.
وقال الضحاك: إن جهنم إنما تحصب بهم، أي: يرمى بهم فيها، وقرأ علي وعائشة رضي الله عنهما حطب بالطاء.
وعن ابن عباس: ﴿حَصَبُ﴾ بالضاد معجمة. والحضب: ما دكيت به النار وأججتها، والحصب بالصاد غير معجمة: اسم المرمى به في النار.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ﴾ يخرج منه عُزَيرٌ والمسيح والملائكة، لأن "ما" لما لا يعقل، فهي للأصنام والأوثان .
وروي عن ابن عباس أنه قال: لما نزل: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ﴾ الآية، قال المشركون: أليس قد عبد عزير والمسيح والملائكة وأنت تقول يا محمد أنهم قوم صالحون. فأنزل الله ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِّنَّا ٱلْحُسْنَىٰ أُوْلَـٰئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾.
وقيل: إن الذي قال هذا هو ابن الزبعري، وأنزل الله تعالى: ﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ٱبْنُ مَرْيَمَ مَثَلاً إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ﴾ [الزخرف: ٥٧].
* *
ثم قال تعالى: ﴿لَوْ كَانَ هَـٰؤُلاۤءِ آلِهَةً مَّا وَرَدُوهَا﴾.
أي: لو كان هؤلاء الذين تعبدون من دون الله آلهة ما وردوا جهنم. يقول الله ذلك لهم. فلو كانت آلهة كما تزعمون لدفعت عن أنفسها وعمن عبدها في الدنيا.
* *
ثم قال: ﴿وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ﴾.
يعني الآلهة والذين عبدوا ماكثين في النار.
* *
ثم قال تعالى: ﴿لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ﴾. أي: للآلهة، وللذين عبدوها في جهنم زفير ﴿هُمْ فِيهَا لاَ يَسْمَعُونَ﴾.
أي: لا يسمعون ما يسرهم، لأنهم صم.
وقال ابن مسعود: إذا بقي في النار من خلد فيها، جعلوا في توابيت من حديد، فلا يرى أحدهم أنه يعذب في النار غيره. ثم قرأ الآية.
ثم قال تعالى ذكره: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِّنَّا ٱلْحُسْنَىٰ أُوْلَـٰئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾.
يعني: كل من سبقت له من الله السعادة من خلقه. أنه مبعد من النار، وهو مذهب علي بن أبي طالب.
وروي عنه أنه قرأ الآية وقال: عثمان منهم وأصحابه، وأنا منهم.
وقيل: عني به كل من عبد من دون الله، وهو لله طائع، ولعبادة من يعبده كاره مثل عيسى وعزير والملائكة. وهو مذهب مجاهد وعكرمة والحسن وأبي صالح. وهو قول ابن عباس والضحاك.
و "الحسنى": الجنة والسعادة.
﴿أُوْلَـٰئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ أي: عن جهنم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿لاَ يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا﴾.
أي: حسها وصوتها إذا دخلوا الجنة.
وقيل: معناه: إن ذلك في موطن من المواطن، وإلا، فلا بد من سماع زفيرها.
روي عن النبي ﷺ أنه قال: إن جهنم يؤتى بها يوم القيامة تزفر زفرة فلا يبقى ملك مقرب ولا نبي مرسل إلا جثا على ركبتيه خوفاً منها
وقال أبو عثمان النهدي: على الصراط حيات تلسع أهل النار فيقولون: حس، حس.
* *
ثم قال: ﴿وَهُمْ فِي مَا ٱشْتَهَتْ أَنفُسُهُمْ خَالِدُونَ﴾.
أي: ماكثون فيما تشتهيه أنفسهم من نعيمها، لا يخافون زوالاً عنها ولا انتقالاً.
* *
ثم قال تعالى: ﴿لاَ يَحْزُنُهُمُ ٱلْفَزَعُ ٱلأَكْبَرُ﴾.
يعني: النار إذا أطبقت على أهلها وذبح الموت بين الجنة والنار قاله ابن جريج.
وقال ابن عباس: هو النفخة الآخرة.
وقال الحسن: هو وقت يؤمر بالعبد إلى النار.
* *
ثم قال: ﴿وَتَتَلَقَّاهُمُ ٱلْمَلاَئِكَةُ هَـٰذَا يَوْمُكُمُ ٱلَّذِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ﴾.
أي: تتلقاهم بالبشرى، وتقول: لهم: هذا يوم كرامتكم التي وُعِدْتُم في الدنيا على طاعتكم، وهذا، قبل أن يدخلوا الجنة.
* *
ثم قال تعالى: ﴿يَوْمَ نَطْوِي ٱلسَّمَآءَ كَطَيِّ ٱلسِّجِلِّ﴾ أي: لا يحزنهم الفزع الأكبر يوم نطوي السماء كطي السجل، والسجل في قول عبد الله بن عمر ملك اسمه السجل قاله السدي.
والمعنى: نطوى السماء كما يطوي هذا الملك الكتاب.
وقال ابن عباس: هو رجل كان يكتب لرسول الله ﷺ.
وعن ابن عباس: أنه اسم الصحيفة التي يكتب فيها. والتقدير: كطي الصحيفة على الكتاب. وقاله: مجاهد، وهو اختيار الطبري. قال: واللام بمعنى: "على". والتقدير: نطوي السماء كما تطوى الصحيفة على ما فيها من الكتاب.
وقيل: التقدير: كطي الصحيفة من أجل ما كتب فيها. كما تقول: إنما أكرمك لفلان، أي: من أجله.
* *
ثم قال تعالى: ﴿كَمَا بَدَأْنَآ أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ﴾.
أي: نعيد الخلق عراة حفاة غرلاً يوم القيامة، كما خلقناهم في بطون أمهاتهم. قاله مجاهد.
وقال النبي ﷺ لإحدى نسائه: تأتون حفاة عراة غلفاً، فاستترت بكم ذرعها وقالت: واسوأتاه: قال ابن جريج أخبرت أنها عائشة. وقالت: يا نبي الله، لا يحتشم الناس بعضهم من بعض. فقال: ﴿لِكُلِّ ٱمْرِىءٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾.
وقال ابن عباس في معنى: ﴿كَمَا بَدَأْنَآ أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ﴾ قال: نهلك كل شيء كما كان أول مرة.
وقيل: ذلك خلق السماء مرة أخرى بعد طيها وزوالها وإفنائها يعيدها في الآخرة كما بدأها في أول خلق فجعلها سماء قبل أن لم تكن سماء ﴿وَعْداً عَلَيْنَآ﴾ أي: لا بد من كون ذلك، إنه لا يخلف الميعاد.
وقال ابن مسعود: يرسل الله جل ذكره ماء من تحت العرش كمني الرجل، فينبت منه لحماتهم وأجسامهم كما تنبت الأرض المرعى.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَعْداً عَلَيْنَآ إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾.
أي: وعداً حقاً لا بد منه، إنا كنا قادرين على ذلك، فاستعدوا له وتأهبوا.
الأنبياء 21:98
قوله تعالى ذكره: ﴿وَٱقْتَرَبَ ٱلْوَعْدُ ٱلْحَقُّ﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾.
الواو زائدة في "واقترب" عند الكسائي والفراء.
قالا: اقترب جواب "إذا" في قوله: "حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج" اقترب الوعد.
وأجاز الكسائي أن يكون جواب إذا، ﴿فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ﴾.
وقال أبو إسحاق: الجواب: قالوا يا ويلنا، ثم حذف "قالوا" كقوله: ﴿وَٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَآءَ مَا نَعْبُدُهُمْ﴾ [الزمر: ٣] أي: قالوا: ما نعبدهم وحذف القول كثير في القرآن، ومعنى الآية: وقرب بعث الأموات للجزاء لا شك فيه بعد خروج يأجوج ومأجوج.
قال حذيفة: لو أن رجلاً افتلى فلواً بعد خروج يأجوج ومأجوج لم يركبه حتى تقوم الساعة.
* *
وقوله: ﴿فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾. قيل: هي عماد. وقيل: هي إضمار الأبصار، والأبصار الثانية تبيين لها أي: فإذا أبصار الكافرين قد شخصت عند مجيء الوعد. يقولون ﴿يٰوَيْلَنَا قَدْ كُنَّا﴾ قبل هذا الوقت في الدنيا ﴿فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَـٰذَا﴾ الذي نرى ونعاين، ﴿بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ﴾ أي: بمعصيتنا ربنا وطاعتنا إبليس وجنوده.
ثم قال تعالى ذكره: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾.
أي: إنكم أيها الكفار والأوثان التي تعبدونها من دون الله وَقُودُ جهنم، قاله ابن عباس.
وقال مجاهد: حصب جهنم: حطبها.
وقال قتادة وعكرمة: حصب جهنم: يقذفون فيها.
وقال الضحاك: إن جهنم إنما تحصب بهم، أي: يرمى بهم فيها، وقرأ علي وعائشة رضي الله عنهما حطب بالطاء.
وعن ابن عباس: ﴿حَصَبُ﴾ بالضاد معجمة. والحضب: ما دكيت به النار وأججتها، والحصب بالصاد غير معجمة: اسم المرمى به في النار.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ﴾ يخرج منه عُزَيرٌ والمسيح والملائكة، لأن "ما" لما لا يعقل، فهي للأصنام والأوثان .
وروي عن ابن عباس أنه قال: لما نزل: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ﴾ الآية، قال المشركون: أليس قد عبد عزير والمسيح والملائكة وأنت تقول يا محمد أنهم قوم صالحون. فأنزل الله ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِّنَّا ٱلْحُسْنَىٰ أُوْلَـٰئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾.
وقيل: إن الذي قال هذا هو ابن الزبعري، وأنزل الله تعالى: ﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ٱبْنُ مَرْيَمَ مَثَلاً إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ﴾ [الزخرف: ٥٧].
* *
ثم قال تعالى: ﴿لَوْ كَانَ هَـٰؤُلاۤءِ آلِهَةً مَّا وَرَدُوهَا﴾.
أي: لو كان هؤلاء الذين تعبدون من دون الله آلهة ما وردوا جهنم. يقول الله ذلك لهم. فلو كانت آلهة كما تزعمون لدفعت عن أنفسها وعمن عبدها في الدنيا.
* *
ثم قال: ﴿وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ﴾.
يعني الآلهة والذين عبدوا ماكثين في النار.
* *
ثم قال تعالى: ﴿لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ﴾. أي: للآلهة، وللذين عبدوها في جهنم زفير ﴿هُمْ فِيهَا لاَ يَسْمَعُونَ﴾.
أي: لا يسمعون ما يسرهم، لأنهم صم.
وقال ابن مسعود: إذا بقي في النار من خلد فيها، جعلوا في توابيت من حديد، فلا يرى أحدهم أنه يعذب في النار غيره. ثم قرأ الآية.
ثم قال تعالى ذكره: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِّنَّا ٱلْحُسْنَىٰ أُوْلَـٰئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾.
يعني: كل من سبقت له من الله السعادة من خلقه. أنه مبعد من النار، وهو مذهب علي بن أبي طالب.
وروي عنه أنه قرأ الآية وقال: عثمان منهم وأصحابه، وأنا منهم.
وقيل: عني به كل من عبد من دون الله، وهو لله طائع، ولعبادة من يعبده كاره مثل عيسى وعزير والملائكة. وهو مذهب مجاهد وعكرمة والحسن وأبي صالح. وهو قول ابن عباس والضحاك.
و "الحسنى": الجنة والسعادة.
﴿أُوْلَـٰئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ أي: عن جهنم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿لاَ يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا﴾.
أي: حسها وصوتها إذا دخلوا الجنة.
وقيل: معناه: إن ذلك في موطن من المواطن، وإلا، فلا بد من سماع زفيرها.
روي عن النبي ﷺ أنه قال: إن جهنم يؤتى بها يوم القيامة تزفر زفرة فلا يبقى ملك مقرب ولا نبي مرسل إلا جثا على ركبتيه خوفاً منها
وقال أبو عثمان النهدي: على الصراط حيات تلسع أهل النار فيقولون: حس، حس.
* *
ثم قال: ﴿وَهُمْ فِي مَا ٱشْتَهَتْ أَنفُسُهُمْ خَالِدُونَ﴾.
أي: ماكثون فيما تشتهيه أنفسهم من نعيمها، لا يخافون زوالاً عنها ولا انتقالاً.
* *
ثم قال تعالى: ﴿لاَ يَحْزُنُهُمُ ٱلْفَزَعُ ٱلأَكْبَرُ﴾.
يعني: النار إذا أطبقت على أهلها وذبح الموت بين الجنة والنار قاله ابن جريج.
وقال ابن عباس: هو النفخة الآخرة.
وقال الحسن: هو وقت يؤمر بالعبد إلى النار.
* *
ثم قال: ﴿وَتَتَلَقَّاهُمُ ٱلْمَلاَئِكَةُ هَـٰذَا يَوْمُكُمُ ٱلَّذِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ﴾.
أي: تتلقاهم بالبشرى، وتقول: لهم: هذا يوم كرامتكم التي وُعِدْتُم في الدنيا على طاعتكم، وهذا، قبل أن يدخلوا الجنة.
* *
ثم قال تعالى: ﴿يَوْمَ نَطْوِي ٱلسَّمَآءَ كَطَيِّ ٱلسِّجِلِّ﴾ أي: لا يحزنهم الفزع الأكبر يوم نطوي السماء كطي السجل، والسجل في قول عبد الله بن عمر ملك اسمه السجل قاله السدي.
والمعنى: نطوى السماء كما يطوي هذا الملك الكتاب.
وقال ابن عباس: هو رجل كان يكتب لرسول الله ﷺ.
وعن ابن عباس: أنه اسم الصحيفة التي يكتب فيها. والتقدير: كطي الصحيفة على الكتاب. وقاله: مجاهد، وهو اختيار الطبري. قال: واللام بمعنى: "على". والتقدير: نطوي السماء كما تطوى الصحيفة على ما فيها من الكتاب.
وقيل: التقدير: كطي الصحيفة من أجل ما كتب فيها. كما تقول: إنما أكرمك لفلان، أي: من أجله.
* *
ثم قال تعالى: ﴿كَمَا بَدَأْنَآ أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ﴾.
أي: نعيد الخلق عراة حفاة غرلاً يوم القيامة، كما خلقناهم في بطون أمهاتهم. قاله مجاهد.
وقال النبي ﷺ لإحدى نسائه: تأتون حفاة عراة غلفاً، فاستترت بكم ذرعها وقالت: واسوأتاه: قال ابن جريج أخبرت أنها عائشة. وقالت: يا نبي الله، لا يحتشم الناس بعضهم من بعض. فقال: ﴿لِكُلِّ ٱمْرِىءٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾.
وقال ابن عباس في معنى: ﴿كَمَا بَدَأْنَآ أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ﴾ قال: نهلك كل شيء كما كان أول مرة.
وقيل: ذلك خلق السماء مرة أخرى بعد طيها وزوالها وإفنائها يعيدها في الآخرة كما بدأها في أول خلق فجعلها سماء قبل أن لم تكن سماء ﴿وَعْداً عَلَيْنَآ﴾ أي: لا بد من كون ذلك، إنه لا يخلف الميعاد.
وقال ابن مسعود: يرسل الله جل ذكره ماء من تحت العرش كمني الرجل، فينبت منه لحماتهم وأجسامهم كما تنبت الأرض المرعى.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَعْداً عَلَيْنَآ إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾.
أي: وعداً حقاً لا بد منه، إنا كنا قادرين على ذلك، فاستعدوا له وتأهبوا.
الأنبياء 21:99
قوله تعالى ذكره: ﴿وَٱقْتَرَبَ ٱلْوَعْدُ ٱلْحَقُّ﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾.
الواو زائدة في "واقترب" عند الكسائي والفراء.
قالا: اقترب جواب "إذا" في قوله: "حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج" اقترب الوعد.
وأجاز الكسائي أن يكون جواب إذا، ﴿فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ﴾.
وقال أبو إسحاق: الجواب: قالوا يا ويلنا، ثم حذف "قالوا" كقوله: ﴿وَٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَآءَ مَا نَعْبُدُهُمْ﴾ [الزمر: ٣] أي: قالوا: ما نعبدهم وحذف القول كثير في القرآن، ومعنى الآية: وقرب بعث الأموات للجزاء لا شك فيه بعد خروج يأجوج ومأجوج.
قال حذيفة: لو أن رجلاً افتلى فلواً بعد خروج يأجوج ومأجوج لم يركبه حتى تقوم الساعة.
* *
وقوله: ﴿فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾. قيل: هي عماد. وقيل: هي إضمار الأبصار، والأبصار الثانية تبيين لها أي: فإذا أبصار الكافرين قد شخصت عند مجيء الوعد. يقولون ﴿يٰوَيْلَنَا قَدْ كُنَّا﴾ قبل هذا الوقت في الدنيا ﴿فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَـٰذَا﴾ الذي نرى ونعاين، ﴿بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ﴾ أي: بمعصيتنا ربنا وطاعتنا إبليس وجنوده.
ثم قال تعالى ذكره: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾.
أي: إنكم أيها الكفار والأوثان التي تعبدونها من دون الله وَقُودُ جهنم، قاله ابن عباس.
وقال مجاهد: حصب جهنم: حطبها.
وقال قتادة وعكرمة: حصب جهنم: يقذفون فيها.
وقال الضحاك: إن جهنم إنما تحصب بهم، أي: يرمى بهم فيها، وقرأ علي وعائشة رضي الله عنهما حطب بالطاء.
وعن ابن عباس: ﴿حَصَبُ﴾ بالضاد معجمة. والحضب: ما دكيت به النار وأججتها، والحصب بالصاد غير معجمة: اسم المرمى به في النار.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ﴾ يخرج منه عُزَيرٌ والمسيح والملائكة، لأن "ما" لما لا يعقل، فهي للأصنام والأوثان .
وروي عن ابن عباس أنه قال: لما نزل: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ﴾ الآية، قال المشركون: أليس قد عبد عزير والمسيح والملائكة وأنت تقول يا محمد أنهم قوم صالحون. فأنزل الله ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِّنَّا ٱلْحُسْنَىٰ أُوْلَـٰئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾.
وقيل: إن الذي قال هذا هو ابن الزبعري، وأنزل الله تعالى: ﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ٱبْنُ مَرْيَمَ مَثَلاً إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ﴾ [الزخرف: ٥٧].
* *
ثم قال تعالى: ﴿لَوْ كَانَ هَـٰؤُلاۤءِ آلِهَةً مَّا وَرَدُوهَا﴾.
أي: لو كان هؤلاء الذين تعبدون من دون الله آلهة ما وردوا جهنم. يقول الله ذلك لهم. فلو كانت آلهة كما تزعمون لدفعت عن أنفسها وعمن عبدها في الدنيا.
* *
ثم قال: ﴿وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ﴾.
يعني الآلهة والذين عبدوا ماكثين في النار.
* *
ثم قال تعالى: ﴿لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ﴾. أي: للآلهة، وللذين عبدوها في جهنم زفير ﴿هُمْ فِيهَا لاَ يَسْمَعُونَ﴾.
أي: لا يسمعون ما يسرهم، لأنهم صم.
وقال ابن مسعود: إذا بقي في النار من خلد فيها، جعلوا في توابيت من حديد، فلا يرى أحدهم أنه يعذب في النار غيره. ثم قرأ الآية.
ثم قال تعالى ذكره: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِّنَّا ٱلْحُسْنَىٰ أُوْلَـٰئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾.
يعني: كل من سبقت له من الله السعادة من خلقه. أنه مبعد من النار، وهو مذهب علي بن أبي طالب.
وروي عنه أنه قرأ الآية وقال: عثمان منهم وأصحابه، وأنا منهم.
وقيل: عني به كل من عبد من دون الله، وهو لله طائع، ولعبادة من يعبده كاره مثل عيسى وعزير والملائكة. وهو مذهب مجاهد وعكرمة والحسن وأبي صالح. وهو قول ابن عباس والضحاك.
و "الحسنى": الجنة والسعادة.
﴿أُوْلَـٰئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ أي: عن جهنم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿لاَ يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا﴾.
أي: حسها وصوتها إذا دخلوا الجنة.
وقيل: معناه: إن ذلك في موطن من المواطن، وإلا، فلا بد من سماع زفيرها.
روي عن النبي ﷺ أنه قال: إن جهنم يؤتى بها يوم القيامة تزفر زفرة فلا يبقى ملك مقرب ولا نبي مرسل إلا جثا على ركبتيه خوفاً منها
وقال أبو عثمان النهدي: على الصراط حيات تلسع أهل النار فيقولون: حس، حس.
* *
ثم قال: ﴿وَهُمْ فِي مَا ٱشْتَهَتْ أَنفُسُهُمْ خَالِدُونَ﴾.
أي: ماكثون فيما تشتهيه أنفسهم من نعيمها، لا يخافون زوالاً عنها ولا انتقالاً.
* *
ثم قال تعالى: ﴿لاَ يَحْزُنُهُمُ ٱلْفَزَعُ ٱلأَكْبَرُ﴾.
يعني: النار إذا أطبقت على أهلها وذبح الموت بين الجنة والنار قاله ابن جريج.
وقال ابن عباس: هو النفخة الآخرة.
وقال الحسن: هو وقت يؤمر بالعبد إلى النار.
* *
ثم قال: ﴿وَتَتَلَقَّاهُمُ ٱلْمَلاَئِكَةُ هَـٰذَا يَوْمُكُمُ ٱلَّذِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ﴾.
أي: تتلقاهم بالبشرى، وتقول: لهم: هذا يوم كرامتكم التي وُعِدْتُم في الدنيا على طاعتكم، وهذا، قبل أن يدخلوا الجنة.
* *
ثم قال تعالى: ﴿يَوْمَ نَطْوِي ٱلسَّمَآءَ كَطَيِّ ٱلسِّجِلِّ﴾ أي: لا يحزنهم الفزع الأكبر يوم نطوي السماء كطي السجل، والسجل في قول عبد الله بن عمر ملك اسمه السجل قاله السدي.
والمعنى: نطوى السماء كما يطوي هذا الملك الكتاب.
وقال ابن عباس: هو رجل كان يكتب لرسول الله ﷺ.
وعن ابن عباس: أنه اسم الصحيفة التي يكتب فيها. والتقدير: كطي الصحيفة على الكتاب. وقاله: مجاهد، وهو اختيار الطبري. قال: واللام بمعنى: "على". والتقدير: نطوي السماء كما تطوى الصحيفة على ما فيها من الكتاب.
وقيل: التقدير: كطي الصحيفة من أجل ما كتب فيها. كما تقول: إنما أكرمك لفلان، أي: من أجله.
* *
ثم قال تعالى: ﴿كَمَا بَدَأْنَآ أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ﴾.
أي: نعيد الخلق عراة حفاة غرلاً يوم القيامة، كما خلقناهم في بطون أمهاتهم. قاله مجاهد.
وقال النبي ﷺ لإحدى نسائه: تأتون حفاة عراة غلفاً، فاستترت بكم ذرعها وقالت: واسوأتاه: قال ابن جريج أخبرت أنها عائشة. وقالت: يا نبي الله، لا يحتشم الناس بعضهم من بعض. فقال: ﴿لِكُلِّ ٱمْرِىءٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾.
وقال ابن عباس في معنى: ﴿كَمَا بَدَأْنَآ أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ﴾ قال: نهلك كل شيء كما كان أول مرة.
وقيل: ذلك خلق السماء مرة أخرى بعد طيها وزوالها وإفنائها يعيدها في الآخرة كما بدأها في أول خلق فجعلها سماء قبل أن لم تكن سماء ﴿وَعْداً عَلَيْنَآ﴾ أي: لا بد من كون ذلك، إنه لا يخلف الميعاد.
وقال ابن مسعود: يرسل الله جل ذكره ماء من تحت العرش كمني الرجل، فينبت منه لحماتهم وأجسامهم كما تنبت الأرض المرعى.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَعْداً عَلَيْنَآ إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾.
أي: وعداً حقاً لا بد منه، إنا كنا قادرين على ذلك، فاستعدوا له وتأهبوا.
الأنبياء 21:100
قوله تعالى ذكره: ﴿وَٱقْتَرَبَ ٱلْوَعْدُ ٱلْحَقُّ﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾.
الواو زائدة في "واقترب" عند الكسائي والفراء.
قالا: اقترب جواب "إذا" في قوله: "حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج" اقترب الوعد.
وأجاز الكسائي أن يكون جواب إذا، ﴿فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ﴾.
وقال أبو إسحاق: الجواب: قالوا يا ويلنا، ثم حذف "قالوا" كقوله: ﴿وَٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَآءَ مَا نَعْبُدُهُمْ﴾ [الزمر: ٣] أي: قالوا: ما نعبدهم وحذف القول كثير في القرآن، ومعنى الآية: وقرب بعث الأموات للجزاء لا شك فيه بعد خروج يأجوج ومأجوج.
قال حذيفة: لو أن رجلاً افتلى فلواً بعد خروج يأجوج ومأجوج لم يركبه حتى تقوم الساعة.
* *
وقوله: ﴿فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾. قيل: هي عماد. وقيل: هي إضمار الأبصار، والأبصار الثانية تبيين لها أي: فإذا أبصار الكافرين قد شخصت عند مجيء الوعد. يقولون ﴿يٰوَيْلَنَا قَدْ كُنَّا﴾ قبل هذا الوقت في الدنيا ﴿فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَـٰذَا﴾ الذي نرى ونعاين، ﴿بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ﴾ أي: بمعصيتنا ربنا وطاعتنا إبليس وجنوده.
ثم قال تعالى ذكره: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾.
أي: إنكم أيها الكفار والأوثان التي تعبدونها من دون الله وَقُودُ جهنم، قاله ابن عباس.
وقال مجاهد: حصب جهنم: حطبها.
وقال قتادة وعكرمة: حصب جهنم: يقذفون فيها.
وقال الضحاك: إن جهنم إنما تحصب بهم، أي: يرمى بهم فيها، وقرأ علي وعائشة رضي الله عنهما حطب بالطاء.
وعن ابن عباس: ﴿حَصَبُ﴾ بالضاد معجمة. والحضب: ما دكيت به النار وأججتها، والحصب بالصاد غير معجمة: اسم المرمى به في النار.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ﴾ يخرج منه عُزَيرٌ والمسيح والملائكة، لأن "ما" لما لا يعقل، فهي للأصنام والأوثان .
وروي عن ابن عباس أنه قال: لما نزل: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ﴾ الآية، قال المشركون: أليس قد عبد عزير والمسيح والملائكة وأنت تقول يا محمد أنهم قوم صالحون. فأنزل الله ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِّنَّا ٱلْحُسْنَىٰ أُوْلَـٰئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾.
وقيل: إن الذي قال هذا هو ابن الزبعري، وأنزل الله تعالى: ﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ٱبْنُ مَرْيَمَ مَثَلاً إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ﴾ [الزخرف: ٥٧].
* *
ثم قال تعالى: ﴿لَوْ كَانَ هَـٰؤُلاۤءِ آلِهَةً مَّا وَرَدُوهَا﴾.
أي: لو كان هؤلاء الذين تعبدون من دون الله آلهة ما وردوا جهنم. يقول الله ذلك لهم. فلو كانت آلهة كما تزعمون لدفعت عن أنفسها وعمن عبدها في الدنيا.
* *
ثم قال: ﴿وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ﴾.
يعني الآلهة والذين عبدوا ماكثين في النار.
* *
ثم قال تعالى: ﴿لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ﴾. أي: للآلهة، وللذين عبدوها في جهنم زفير ﴿هُمْ فِيهَا لاَ يَسْمَعُونَ﴾.
أي: لا يسمعون ما يسرهم، لأنهم صم.
وقال ابن مسعود: إذا بقي في النار من خلد فيها، جعلوا في توابيت من حديد، فلا يرى أحدهم أنه يعذب في النار غيره. ثم قرأ الآية.
ثم قال تعالى ذكره: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِّنَّا ٱلْحُسْنَىٰ أُوْلَـٰئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾.
يعني: كل من سبقت له من الله السعادة من خلقه. أنه مبعد من النار، وهو مذهب علي بن أبي طالب.
وروي عنه أنه قرأ الآية وقال: عثمان منهم وأصحابه، وأنا منهم.
وقيل: عني به كل من عبد من دون الله، وهو لله طائع، ولعبادة من يعبده كاره مثل عيسى وعزير والملائكة. وهو مذهب مجاهد وعكرمة والحسن وأبي صالح. وهو قول ابن عباس والضحاك.
و "الحسنى": الجنة والسعادة.
﴿أُوْلَـٰئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ أي: عن جهنم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿لاَ يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا﴾.
أي: حسها وصوتها إذا دخلوا الجنة.
وقيل: معناه: إن ذلك في موطن من المواطن، وإلا، فلا بد من سماع زفيرها.
روي عن النبي ﷺ أنه قال: إن جهنم يؤتى بها يوم القيامة تزفر زفرة فلا يبقى ملك مقرب ولا نبي مرسل إلا جثا على ركبتيه خوفاً منها
وقال أبو عثمان النهدي: على الصراط حيات تلسع أهل النار فيقولون: حس، حس.
* *
ثم قال: ﴿وَهُمْ فِي مَا ٱشْتَهَتْ أَنفُسُهُمْ خَالِدُونَ﴾.
أي: ماكثون فيما تشتهيه أنفسهم من نعيمها، لا يخافون زوالاً عنها ولا انتقالاً.
* *
ثم قال تعالى: ﴿لاَ يَحْزُنُهُمُ ٱلْفَزَعُ ٱلأَكْبَرُ﴾.
يعني: النار إذا أطبقت على أهلها وذبح الموت بين الجنة والنار قاله ابن جريج.
وقال ابن عباس: هو النفخة الآخرة.
وقال الحسن: هو وقت يؤمر بالعبد إلى النار.
* *
ثم قال: ﴿وَتَتَلَقَّاهُمُ ٱلْمَلاَئِكَةُ هَـٰذَا يَوْمُكُمُ ٱلَّذِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ﴾.
أي: تتلقاهم بالبشرى، وتقول: لهم: هذا يوم كرامتكم التي وُعِدْتُم في الدنيا على طاعتكم، وهذا، قبل أن يدخلوا الجنة.
* *
ثم قال تعالى: ﴿يَوْمَ نَطْوِي ٱلسَّمَآءَ كَطَيِّ ٱلسِّجِلِّ﴾ أي: لا يحزنهم الفزع الأكبر يوم نطوي السماء كطي السجل، والسجل في قول عبد الله بن عمر ملك اسمه السجل قاله السدي.
والمعنى: نطوى السماء كما يطوي هذا الملك الكتاب.
وقال ابن عباس: هو رجل كان يكتب لرسول الله ﷺ.
وعن ابن عباس: أنه اسم الصحيفة التي يكتب فيها. والتقدير: كطي الصحيفة على الكتاب. وقاله: مجاهد، وهو اختيار الطبري. قال: واللام بمعنى: "على". والتقدير: نطوي السماء كما تطوى الصحيفة على ما فيها من الكتاب.
وقيل: التقدير: كطي الصحيفة من أجل ما كتب فيها. كما تقول: إنما أكرمك لفلان، أي: من أجله.
* *
ثم قال تعالى: ﴿كَمَا بَدَأْنَآ أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ﴾.
أي: نعيد الخلق عراة حفاة غرلاً يوم القيامة، كما خلقناهم في بطون أمهاتهم. قاله مجاهد.
وقال النبي ﷺ لإحدى نسائه: تأتون حفاة عراة غلفاً، فاستترت بكم ذرعها وقالت: واسوأتاه: قال ابن جريج أخبرت أنها عائشة. وقالت: يا نبي الله، لا يحتشم الناس بعضهم من بعض. فقال: ﴿لِكُلِّ ٱمْرِىءٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾.
وقال ابن عباس في معنى: ﴿كَمَا بَدَأْنَآ أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ﴾ قال: نهلك كل شيء كما كان أول مرة.
وقيل: ذلك خلق السماء مرة أخرى بعد طيها وزوالها وإفنائها يعيدها في الآخرة كما بدأها في أول خلق فجعلها سماء قبل أن لم تكن سماء ﴿وَعْداً عَلَيْنَآ﴾ أي: لا بد من كون ذلك، إنه لا يخلف الميعاد.
وقال ابن مسعود: يرسل الله جل ذكره ماء من تحت العرش كمني الرجل، فينبت منه لحماتهم وأجسامهم كما تنبت الأرض المرعى.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَعْداً عَلَيْنَآ إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾.
أي: وعداً حقاً لا بد منه، إنا كنا قادرين على ذلك، فاستعدوا له وتأهبوا.
الأنبياء 21:101
قوله تعالى ذكره: ﴿وَٱقْتَرَبَ ٱلْوَعْدُ ٱلْحَقُّ﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾.
الواو زائدة في "واقترب" عند الكسائي والفراء.
قالا: اقترب جواب "إذا" في قوله: "حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج" اقترب الوعد.
وأجاز الكسائي أن يكون جواب إذا، ﴿فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ﴾.
وقال أبو إسحاق: الجواب: قالوا يا ويلنا، ثم حذف "قالوا" كقوله: ﴿وَٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَآءَ مَا نَعْبُدُهُمْ﴾ [الزمر: ٣] أي: قالوا: ما نعبدهم وحذف القول كثير في القرآن، ومعنى الآية: وقرب بعث الأموات للجزاء لا شك فيه بعد خروج يأجوج ومأجوج.
قال حذيفة: لو أن رجلاً افتلى فلواً بعد خروج يأجوج ومأجوج لم يركبه حتى تقوم الساعة.
* *
وقوله: ﴿فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾. قيل: هي عماد. وقيل: هي إضمار الأبصار، والأبصار الثانية تبيين لها أي: فإذا أبصار الكافرين قد شخصت عند مجيء الوعد. يقولون ﴿يٰوَيْلَنَا قَدْ كُنَّا﴾ قبل هذا الوقت في الدنيا ﴿فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَـٰذَا﴾ الذي نرى ونعاين، ﴿بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ﴾ أي: بمعصيتنا ربنا وطاعتنا إبليس وجنوده.
ثم قال تعالى ذكره: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾.
أي: إنكم أيها الكفار والأوثان التي تعبدونها من دون الله وَقُودُ جهنم، قاله ابن عباس.
وقال مجاهد: حصب جهنم: حطبها.
وقال قتادة وعكرمة: حصب جهنم: يقذفون فيها.
وقال الضحاك: إن جهنم إنما تحصب بهم، أي: يرمى بهم فيها، وقرأ علي وعائشة رضي الله عنهما حطب بالطاء.
وعن ابن عباس: ﴿حَصَبُ﴾ بالضاد معجمة. والحضب: ما دكيت به النار وأججتها، والحصب بالصاد غير معجمة: اسم المرمى به في النار.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ﴾ يخرج منه عُزَيرٌ والمسيح والملائكة، لأن "ما" لما لا يعقل، فهي للأصنام والأوثان .
وروي عن ابن عباس أنه قال: لما نزل: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ﴾ الآية، قال المشركون: أليس قد عبد عزير والمسيح والملائكة وأنت تقول يا محمد أنهم قوم صالحون. فأنزل الله ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِّنَّا ٱلْحُسْنَىٰ أُوْلَـٰئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾.
وقيل: إن الذي قال هذا هو ابن الزبعري، وأنزل الله تعالى: ﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ٱبْنُ مَرْيَمَ مَثَلاً إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ﴾ [الزخرف: ٥٧].
* *
ثم قال تعالى: ﴿لَوْ كَانَ هَـٰؤُلاۤءِ آلِهَةً مَّا وَرَدُوهَا﴾.
أي: لو كان هؤلاء الذين تعبدون من دون الله آلهة ما وردوا جهنم. يقول الله ذلك لهم. فلو كانت آلهة كما تزعمون لدفعت عن أنفسها وعمن عبدها في الدنيا.
* *
ثم قال: ﴿وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ﴾.
يعني الآلهة والذين عبدوا ماكثين في النار.
* *
ثم قال تعالى: ﴿لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ﴾. أي: للآلهة، وللذين عبدوها في جهنم زفير ﴿هُمْ فِيهَا لاَ يَسْمَعُونَ﴾.
أي: لا يسمعون ما يسرهم، لأنهم صم.
وقال ابن مسعود: إذا بقي في النار من خلد فيها، جعلوا في توابيت من حديد، فلا يرى أحدهم أنه يعذب في النار غيره. ثم قرأ الآية.
ثم قال تعالى ذكره: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِّنَّا ٱلْحُسْنَىٰ أُوْلَـٰئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾.
يعني: كل من سبقت له من الله السعادة من خلقه. أنه مبعد من النار، وهو مذهب علي بن أبي طالب.
وروي عنه أنه قرأ الآية وقال: عثمان منهم وأصحابه، وأنا منهم.
وقيل: عني به كل من عبد من دون الله، وهو لله طائع، ولعبادة من يعبده كاره مثل عيسى وعزير والملائكة. وهو مذهب مجاهد وعكرمة والحسن وأبي صالح. وهو قول ابن عباس والضحاك.
و "الحسنى": الجنة والسعادة.
﴿أُوْلَـٰئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ أي: عن جهنم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿لاَ يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا﴾.
أي: حسها وصوتها إذا دخلوا الجنة.
وقيل: معناه: إن ذلك في موطن من المواطن، وإلا، فلا بد من سماع زفيرها.
روي عن النبي ﷺ أنه قال: إن جهنم يؤتى بها يوم القيامة تزفر زفرة فلا يبقى ملك مقرب ولا نبي مرسل إلا جثا على ركبتيه خوفاً منها
وقال أبو عثمان النهدي: على الصراط حيات تلسع أهل النار فيقولون: حس، حس.
* *
ثم قال: ﴿وَهُمْ فِي مَا ٱشْتَهَتْ أَنفُسُهُمْ خَالِدُونَ﴾.
أي: ماكثون فيما تشتهيه أنفسهم من نعيمها، لا يخافون زوالاً عنها ولا انتقالاً.
* *
ثم قال تعالى: ﴿لاَ يَحْزُنُهُمُ ٱلْفَزَعُ ٱلأَكْبَرُ﴾.
يعني: النار إذا أطبقت على أهلها وذبح الموت بين الجنة والنار قاله ابن جريج.
وقال ابن عباس: هو النفخة الآخرة.
وقال الحسن: هو وقت يؤمر بالعبد إلى النار.
* *
ثم قال: ﴿وَتَتَلَقَّاهُمُ ٱلْمَلاَئِكَةُ هَـٰذَا يَوْمُكُمُ ٱلَّذِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ﴾.
أي: تتلقاهم بالبشرى، وتقول: لهم: هذا يوم كرامتكم التي وُعِدْتُم في الدنيا على طاعتكم، وهذا، قبل أن يدخلوا الجنة.
* *
ثم قال تعالى: ﴿يَوْمَ نَطْوِي ٱلسَّمَآءَ كَطَيِّ ٱلسِّجِلِّ﴾ أي: لا يحزنهم الفزع الأكبر يوم نطوي السماء كطي السجل، والسجل في قول عبد الله بن عمر ملك اسمه السجل قاله السدي.
والمعنى: نطوى السماء كما يطوي هذا الملك الكتاب.
وقال ابن عباس: هو رجل كان يكتب لرسول الله ﷺ.
وعن ابن عباس: أنه اسم الصحيفة التي يكتب فيها. والتقدير: كطي الصحيفة على الكتاب. وقاله: مجاهد، وهو اختيار الطبري. قال: واللام بمعنى: "على". والتقدير: نطوي السماء كما تطوى الصحيفة على ما فيها من الكتاب.
وقيل: التقدير: كطي الصحيفة من أجل ما كتب فيها. كما تقول: إنما أكرمك لفلان، أي: من أجله.
* *
ثم قال تعالى: ﴿كَمَا بَدَأْنَآ أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ﴾.
أي: نعيد الخلق عراة حفاة غرلاً يوم القيامة، كما خلقناهم في بطون أمهاتهم. قاله مجاهد.
وقال النبي ﷺ لإحدى نسائه: تأتون حفاة عراة غلفاً، فاستترت بكم ذرعها وقالت: واسوأتاه: قال ابن جريج أخبرت أنها عائشة. وقالت: يا نبي الله، لا يحتشم الناس بعضهم من بعض. فقال: ﴿لِكُلِّ ٱمْرِىءٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾.
وقال ابن عباس في معنى: ﴿كَمَا بَدَأْنَآ أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ﴾ قال: نهلك كل شيء كما كان أول مرة.
وقيل: ذلك خلق السماء مرة أخرى بعد طيها وزوالها وإفنائها يعيدها في الآخرة كما بدأها في أول خلق فجعلها سماء قبل أن لم تكن سماء ﴿وَعْداً عَلَيْنَآ﴾ أي: لا بد من كون ذلك، إنه لا يخلف الميعاد.
وقال ابن مسعود: يرسل الله جل ذكره ماء من تحت العرش كمني الرجل، فينبت منه لحماتهم وأجسامهم كما تنبت الأرض المرعى.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَعْداً عَلَيْنَآ إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾.
أي: وعداً حقاً لا بد منه، إنا كنا قادرين على ذلك، فاستعدوا له وتأهبوا.
الأنبياء 21:102
قوله تعالى ذكره: ﴿وَٱقْتَرَبَ ٱلْوَعْدُ ٱلْحَقُّ﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾.
الواو زائدة في "واقترب" عند الكسائي والفراء.
قالا: اقترب جواب "إذا" في قوله: "حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج" اقترب الوعد.
وأجاز الكسائي أن يكون جواب إذا، ﴿فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ﴾.
وقال أبو إسحاق: الجواب: قالوا يا ويلنا، ثم حذف "قالوا" كقوله: ﴿وَٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَآءَ مَا نَعْبُدُهُمْ﴾ [الزمر: ٣] أي: قالوا: ما نعبدهم وحذف القول كثير في القرآن، ومعنى الآية: وقرب بعث الأموات للجزاء لا شك فيه بعد خروج يأجوج ومأجوج.
قال حذيفة: لو أن رجلاً افتلى فلواً بعد خروج يأجوج ومأجوج لم يركبه حتى تقوم الساعة.
* *
وقوله: ﴿فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾. قيل: هي عماد. وقيل: هي إضمار الأبصار، والأبصار الثانية تبيين لها أي: فإذا أبصار الكافرين قد شخصت عند مجيء الوعد. يقولون ﴿يٰوَيْلَنَا قَدْ كُنَّا﴾ قبل هذا الوقت في الدنيا ﴿فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَـٰذَا﴾ الذي نرى ونعاين، ﴿بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ﴾ أي: بمعصيتنا ربنا وطاعتنا إبليس وجنوده.
ثم قال تعالى ذكره: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾.
أي: إنكم أيها الكفار والأوثان التي تعبدونها من دون الله وَقُودُ جهنم، قاله ابن عباس.
وقال مجاهد: حصب جهنم: حطبها.
وقال قتادة وعكرمة: حصب جهنم: يقذفون فيها.
وقال الضحاك: إن جهنم إنما تحصب بهم، أي: يرمى بهم فيها، وقرأ علي وعائشة رضي الله عنهما حطب بالطاء.
وعن ابن عباس: ﴿حَصَبُ﴾ بالضاد معجمة. والحضب: ما دكيت به النار وأججتها، والحصب بالصاد غير معجمة: اسم المرمى به في النار.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ﴾ يخرج منه عُزَيرٌ والمسيح والملائكة، لأن "ما" لما لا يعقل، فهي للأصنام والأوثان .
وروي عن ابن عباس أنه قال: لما نزل: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ﴾ الآية، قال المشركون: أليس قد عبد عزير والمسيح والملائكة وأنت تقول يا محمد أنهم قوم صالحون. فأنزل الله ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِّنَّا ٱلْحُسْنَىٰ أُوْلَـٰئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾.
وقيل: إن الذي قال هذا هو ابن الزبعري، وأنزل الله تعالى: ﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ٱبْنُ مَرْيَمَ مَثَلاً إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ﴾ [الزخرف: ٥٧].
* *
ثم قال تعالى: ﴿لَوْ كَانَ هَـٰؤُلاۤءِ آلِهَةً مَّا وَرَدُوهَا﴾.
أي: لو كان هؤلاء الذين تعبدون من دون الله آلهة ما وردوا جهنم. يقول الله ذلك لهم. فلو كانت آلهة كما تزعمون لدفعت عن أنفسها وعمن عبدها في الدنيا.
* *
ثم قال: ﴿وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ﴾.
يعني الآلهة والذين عبدوا ماكثين في النار.
* *
ثم قال تعالى: ﴿لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ﴾. أي: للآلهة، وللذين عبدوها في جهنم زفير ﴿هُمْ فِيهَا لاَ يَسْمَعُونَ﴾.
أي: لا يسمعون ما يسرهم، لأنهم صم.
وقال ابن مسعود: إذا بقي في النار من خلد فيها، جعلوا في توابيت من حديد، فلا يرى أحدهم أنه يعذب في النار غيره. ثم قرأ الآية.
ثم قال تعالى ذكره: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِّنَّا ٱلْحُسْنَىٰ أُوْلَـٰئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾.
يعني: كل من سبقت له من الله السعادة من خلقه. أنه مبعد من النار، وهو مذهب علي بن أبي طالب.
وروي عنه أنه قرأ الآية وقال: عثمان منهم وأصحابه، وأنا منهم.
وقيل: عني به كل من عبد من دون الله، وهو لله طائع، ولعبادة من يعبده كاره مثل عيسى وعزير والملائكة. وهو مذهب مجاهد وعكرمة والحسن وأبي صالح. وهو قول ابن عباس والضحاك.
و "الحسنى": الجنة والسعادة.
﴿أُوْلَـٰئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ أي: عن جهنم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿لاَ يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا﴾.
أي: حسها وصوتها إذا دخلوا الجنة.
وقيل: معناه: إن ذلك في موطن من المواطن، وإلا، فلا بد من سماع زفيرها.
روي عن النبي ﷺ أنه قال: إن جهنم يؤتى بها يوم القيامة تزفر زفرة فلا يبقى ملك مقرب ولا نبي مرسل إلا جثا على ركبتيه خوفاً منها
وقال أبو عثمان النهدي: على الصراط حيات تلسع أهل النار فيقولون: حس، حس.
* *
ثم قال: ﴿وَهُمْ فِي مَا ٱشْتَهَتْ أَنفُسُهُمْ خَالِدُونَ﴾.
أي: ماكثون فيما تشتهيه أنفسهم من نعيمها، لا يخافون زوالاً عنها ولا انتقالاً.
* *
ثم قال تعالى: ﴿لاَ يَحْزُنُهُمُ ٱلْفَزَعُ ٱلأَكْبَرُ﴾.
يعني: النار إذا أطبقت على أهلها وذبح الموت بين الجنة والنار قاله ابن جريج.
وقال ابن عباس: هو النفخة الآخرة.
وقال الحسن: هو وقت يؤمر بالعبد إلى النار.
* *
ثم قال: ﴿وَتَتَلَقَّاهُمُ ٱلْمَلاَئِكَةُ هَـٰذَا يَوْمُكُمُ ٱلَّذِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ﴾.
أي: تتلقاهم بالبشرى، وتقول: لهم: هذا يوم كرامتكم التي وُعِدْتُم في الدنيا على طاعتكم، وهذا، قبل أن يدخلوا الجنة.
* *
ثم قال تعالى: ﴿يَوْمَ نَطْوِي ٱلسَّمَآءَ كَطَيِّ ٱلسِّجِلِّ﴾ أي: لا يحزنهم الفزع الأكبر يوم نطوي السماء كطي السجل، والسجل في قول عبد الله بن عمر ملك اسمه السجل قاله السدي.
والمعنى: نطوى السماء كما يطوي هذا الملك الكتاب.
وقال ابن عباس: هو رجل كان يكتب لرسول الله ﷺ.
وعن ابن عباس: أنه اسم الصحيفة التي يكتب فيها. والتقدير: كطي الصحيفة على الكتاب. وقاله: مجاهد، وهو اختيار الطبري. قال: واللام بمعنى: "على". والتقدير: نطوي السماء كما تطوى الصحيفة على ما فيها من الكتاب.
وقيل: التقدير: كطي الصحيفة من أجل ما كتب فيها. كما تقول: إنما أكرمك لفلان، أي: من أجله.
* *
ثم قال تعالى: ﴿كَمَا بَدَأْنَآ أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ﴾.
أي: نعيد الخلق عراة حفاة غرلاً يوم القيامة، كما خلقناهم في بطون أمهاتهم. قاله مجاهد.
وقال النبي ﷺ لإحدى نسائه: تأتون حفاة عراة غلفاً، فاستترت بكم ذرعها وقالت: واسوأتاه: قال ابن جريج أخبرت أنها عائشة. وقالت: يا نبي الله، لا يحتشم الناس بعضهم من بعض. فقال: ﴿لِكُلِّ ٱمْرِىءٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾.
وقال ابن عباس في معنى: ﴿كَمَا بَدَأْنَآ أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ﴾ قال: نهلك كل شيء كما كان أول مرة.
وقيل: ذلك خلق السماء مرة أخرى بعد طيها وزوالها وإفنائها يعيدها في الآخرة كما بدأها في أول خلق فجعلها سماء قبل أن لم تكن سماء ﴿وَعْداً عَلَيْنَآ﴾ أي: لا بد من كون ذلك، إنه لا يخلف الميعاد.
وقال ابن مسعود: يرسل الله جل ذكره ماء من تحت العرش كمني الرجل، فينبت منه لحماتهم وأجسامهم كما تنبت الأرض المرعى.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَعْداً عَلَيْنَآ إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾.
أي: وعداً حقاً لا بد منه، إنا كنا قادرين على ذلك، فاستعدوا له وتأهبوا.
الأنبياء 21:103
قوله تعالى ذكره: ﴿وَٱقْتَرَبَ ٱلْوَعْدُ ٱلْحَقُّ﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾.
الواو زائدة في "واقترب" عند الكسائي والفراء.
قالا: اقترب جواب "إذا" في قوله: "حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج" اقترب الوعد.
وأجاز الكسائي أن يكون جواب إذا، ﴿فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ﴾.
وقال أبو إسحاق: الجواب: قالوا يا ويلنا، ثم حذف "قالوا" كقوله: ﴿وَٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَآءَ مَا نَعْبُدُهُمْ﴾ [الزمر: ٣] أي: قالوا: ما نعبدهم وحذف القول كثير في القرآن، ومعنى الآية: وقرب بعث الأموات للجزاء لا شك فيه بعد خروج يأجوج ومأجوج.
قال حذيفة: لو أن رجلاً افتلى فلواً بعد خروج يأجوج ومأجوج لم يركبه حتى تقوم الساعة.
* *
وقوله: ﴿فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾. قيل: هي عماد. وقيل: هي إضمار الأبصار، والأبصار الثانية تبيين لها أي: فإذا أبصار الكافرين قد شخصت عند مجيء الوعد. يقولون ﴿يٰوَيْلَنَا قَدْ كُنَّا﴾ قبل هذا الوقت في الدنيا ﴿فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَـٰذَا﴾ الذي نرى ونعاين، ﴿بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ﴾ أي: بمعصيتنا ربنا وطاعتنا إبليس وجنوده.
ثم قال تعالى ذكره: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾.
أي: إنكم أيها الكفار والأوثان التي تعبدونها من دون الله وَقُودُ جهنم، قاله ابن عباس.
وقال مجاهد: حصب جهنم: حطبها.
وقال قتادة وعكرمة: حصب جهنم: يقذفون فيها.
وقال الضحاك: إن جهنم إنما تحصب بهم، أي: يرمى بهم فيها، وقرأ علي وعائشة رضي الله عنهما حطب بالطاء.
وعن ابن عباس: ﴿حَصَبُ﴾ بالضاد معجمة. والحضب: ما دكيت به النار وأججتها، والحصب بالصاد غير معجمة: اسم المرمى به في النار.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ﴾ يخرج منه عُزَيرٌ والمسيح والملائكة، لأن "ما" لما لا يعقل، فهي للأصنام والأوثان .
وروي عن ابن عباس أنه قال: لما نزل: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ﴾ الآية، قال المشركون: أليس قد عبد عزير والمسيح والملائكة وأنت تقول يا محمد أنهم قوم صالحون. فأنزل الله ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِّنَّا ٱلْحُسْنَىٰ أُوْلَـٰئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾.
وقيل: إن الذي قال هذا هو ابن الزبعري، وأنزل الله تعالى: ﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ٱبْنُ مَرْيَمَ مَثَلاً إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ﴾ [الزخرف: ٥٧].
* *
ثم قال تعالى: ﴿لَوْ كَانَ هَـٰؤُلاۤءِ آلِهَةً مَّا وَرَدُوهَا﴾.
أي: لو كان هؤلاء الذين تعبدون من دون الله آلهة ما وردوا جهنم. يقول الله ذلك لهم. فلو كانت آلهة كما تزعمون لدفعت عن أنفسها وعمن عبدها في الدنيا.
* *
ثم قال: ﴿وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ﴾.
يعني الآلهة والذين عبدوا ماكثين في النار.
* *
ثم قال تعالى: ﴿لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ﴾. أي: للآلهة، وللذين عبدوها في جهنم زفير ﴿هُمْ فِيهَا لاَ يَسْمَعُونَ﴾.
أي: لا يسمعون ما يسرهم، لأنهم صم.
وقال ابن مسعود: إذا بقي في النار من خلد فيها، جعلوا في توابيت من حديد، فلا يرى أحدهم أنه يعذب في النار غيره. ثم قرأ الآية.
ثم قال تعالى ذكره: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِّنَّا ٱلْحُسْنَىٰ أُوْلَـٰئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾.
يعني: كل من سبقت له من الله السعادة من خلقه. أنه مبعد من النار، وهو مذهب علي بن أبي طالب.
وروي عنه أنه قرأ الآية وقال: عثمان منهم وأصحابه، وأنا منهم.
وقيل: عني به كل من عبد من دون الله، وهو لله طائع، ولعبادة من يعبده كاره مثل عيسى وعزير والملائكة. وهو مذهب مجاهد وعكرمة والحسن وأبي صالح. وهو قول ابن عباس والضحاك.
و "الحسنى": الجنة والسعادة.
﴿أُوْلَـٰئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ أي: عن جهنم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿لاَ يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا﴾.
أي: حسها وصوتها إذا دخلوا الجنة.
وقيل: معناه: إن ذلك في موطن من المواطن، وإلا، فلا بد من سماع زفيرها.
روي عن النبي ﷺ أنه قال: إن جهنم يؤتى بها يوم القيامة تزفر زفرة فلا يبقى ملك مقرب ولا نبي مرسل إلا جثا على ركبتيه خوفاً منها
وقال أبو عثمان النهدي: على الصراط حيات تلسع أهل النار فيقولون: حس، حس.
* *
ثم قال: ﴿وَهُمْ فِي مَا ٱشْتَهَتْ أَنفُسُهُمْ خَالِدُونَ﴾.
أي: ماكثون فيما تشتهيه أنفسهم من نعيمها، لا يخافون زوالاً عنها ولا انتقالاً.
* *
ثم قال تعالى: ﴿لاَ يَحْزُنُهُمُ ٱلْفَزَعُ ٱلأَكْبَرُ﴾.
يعني: النار إذا أطبقت على أهلها وذبح الموت بين الجنة والنار قاله ابن جريج.
وقال ابن عباس: هو النفخة الآخرة.
وقال الحسن: هو وقت يؤمر بالعبد إلى النار.
* *
ثم قال: ﴿وَتَتَلَقَّاهُمُ ٱلْمَلاَئِكَةُ هَـٰذَا يَوْمُكُمُ ٱلَّذِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ﴾.
أي: تتلقاهم بالبشرى، وتقول: لهم: هذا يوم كرامتكم التي وُعِدْتُم في الدنيا على طاعتكم، وهذا، قبل أن يدخلوا الجنة.
* *
ثم قال تعالى: ﴿يَوْمَ نَطْوِي ٱلسَّمَآءَ كَطَيِّ ٱلسِّجِلِّ﴾ أي: لا يحزنهم الفزع الأكبر يوم نطوي السماء كطي السجل، والسجل في قول عبد الله بن عمر ملك اسمه السجل قاله السدي.
والمعنى: نطوى السماء كما يطوي هذا الملك الكتاب.
وقال ابن عباس: هو رجل كان يكتب لرسول الله ﷺ.
وعن ابن عباس: أنه اسم الصحيفة التي يكتب فيها. والتقدير: كطي الصحيفة على الكتاب. وقاله: مجاهد، وهو اختيار الطبري. قال: واللام بمعنى: "على". والتقدير: نطوي السماء كما تطوى الصحيفة على ما فيها من الكتاب.
وقيل: التقدير: كطي الصحيفة من أجل ما كتب فيها. كما تقول: إنما أكرمك لفلان، أي: من أجله.
* *
ثم قال تعالى: ﴿كَمَا بَدَأْنَآ أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ﴾.
أي: نعيد الخلق عراة حفاة غرلاً يوم القيامة، كما خلقناهم في بطون أمهاتهم. قاله مجاهد.
وقال النبي ﷺ لإحدى نسائه: تأتون حفاة عراة غلفاً، فاستترت بكم ذرعها وقالت: واسوأتاه: قال ابن جريج أخبرت أنها عائشة. وقالت: يا نبي الله، لا يحتشم الناس بعضهم من بعض. فقال: ﴿لِكُلِّ ٱمْرِىءٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾.
وقال ابن عباس في معنى: ﴿كَمَا بَدَأْنَآ أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ﴾ قال: نهلك كل شيء كما كان أول مرة.
وقيل: ذلك خلق السماء مرة أخرى بعد طيها وزوالها وإفنائها يعيدها في الآخرة كما بدأها في أول خلق فجعلها سماء قبل أن لم تكن سماء ﴿وَعْداً عَلَيْنَآ﴾ أي: لا بد من كون ذلك، إنه لا يخلف الميعاد.
وقال ابن مسعود: يرسل الله جل ذكره ماء من تحت العرش كمني الرجل، فينبت منه لحماتهم وأجسامهم كما تنبت الأرض المرعى.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَعْداً عَلَيْنَآ إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾.
أي: وعداً حقاً لا بد منه، إنا كنا قادرين على ذلك، فاستعدوا له وتأهبوا.
الأنبياء 21:104
قوله تعالى ذكره: ﴿وَٱقْتَرَبَ ٱلْوَعْدُ ٱلْحَقُّ﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾.
الواو زائدة في "واقترب" عند الكسائي والفراء.
قالا: اقترب جواب "إذا" في قوله: "حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج" اقترب الوعد.
وأجاز الكسائي أن يكون جواب إذا، ﴿فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ﴾.
وقال أبو إسحاق: الجواب: قالوا يا ويلنا، ثم حذف "قالوا" كقوله: ﴿وَٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَآءَ مَا نَعْبُدُهُمْ﴾ [الزمر: ٣] أي: قالوا: ما نعبدهم وحذف القول كثير في القرآن، ومعنى الآية: وقرب بعث الأموات للجزاء لا شك فيه بعد خروج يأجوج ومأجوج.
قال حذيفة: لو أن رجلاً افتلى فلواً بعد خروج يأجوج ومأجوج لم يركبه حتى تقوم الساعة.
* *
وقوله: ﴿فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾. قيل: هي عماد. وقيل: هي إضمار الأبصار، والأبصار الثانية تبيين لها أي: فإذا أبصار الكافرين قد شخصت عند مجيء الوعد. يقولون ﴿يٰوَيْلَنَا قَدْ كُنَّا﴾ قبل هذا الوقت في الدنيا ﴿فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَـٰذَا﴾ الذي نرى ونعاين، ﴿بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ﴾ أي: بمعصيتنا ربنا وطاعتنا إبليس وجنوده.
ثم قال تعالى ذكره: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾.
أي: إنكم أيها الكفار والأوثان التي تعبدونها من دون الله وَقُودُ جهنم، قاله ابن عباس.
وقال مجاهد: حصب جهنم: حطبها.
وقال قتادة وعكرمة: حصب جهنم: يقذفون فيها.
وقال الضحاك: إن جهنم إنما تحصب بهم، أي: يرمى بهم فيها، وقرأ علي وعائشة رضي الله عنهما حطب بالطاء.
وعن ابن عباس: ﴿حَصَبُ﴾ بالضاد معجمة. والحضب: ما دكيت به النار وأججتها، والحصب بالصاد غير معجمة: اسم المرمى به في النار.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ﴾ يخرج منه عُزَيرٌ والمسيح والملائكة، لأن "ما" لما لا يعقل، فهي للأصنام والأوثان .
وروي عن ابن عباس أنه قال: لما نزل: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ﴾ الآية، قال المشركون: أليس قد عبد عزير والمسيح والملائكة وأنت تقول يا محمد أنهم قوم صالحون. فأنزل الله ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِّنَّا ٱلْحُسْنَىٰ أُوْلَـٰئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾.
وقيل: إن الذي قال هذا هو ابن الزبعري، وأنزل الله تعالى: ﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ٱبْنُ مَرْيَمَ مَثَلاً إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ﴾ [الزخرف: ٥٧].
* *
ثم قال تعالى: ﴿لَوْ كَانَ هَـٰؤُلاۤءِ آلِهَةً مَّا وَرَدُوهَا﴾.
أي: لو كان هؤلاء الذين تعبدون من دون الله آلهة ما وردوا جهنم. يقول الله ذلك لهم. فلو كانت آلهة كما تزعمون لدفعت عن أنفسها وعمن عبدها في الدنيا.
* *
ثم قال: ﴿وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ﴾.
يعني الآلهة والذين عبدوا ماكثين في النار.
* *
ثم قال تعالى: ﴿لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ﴾. أي: للآلهة، وللذين عبدوها في جهنم زفير ﴿هُمْ فِيهَا لاَ يَسْمَعُونَ﴾.
أي: لا يسمعون ما يسرهم، لأنهم صم.
وقال ابن مسعود: إذا بقي في النار من خلد فيها، جعلوا في توابيت من حديد، فلا يرى أحدهم أنه يعذب في النار غيره. ثم قرأ الآية.
ثم قال تعالى ذكره: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِّنَّا ٱلْحُسْنَىٰ أُوْلَـٰئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾.
يعني: كل من سبقت له من الله السعادة من خلقه. أنه مبعد من النار، وهو مذهب علي بن أبي طالب.
وروي عنه أنه قرأ الآية وقال: عثمان منهم وأصحابه، وأنا منهم.
وقيل: عني به كل من عبد من دون الله، وهو لله طائع، ولعبادة من يعبده كاره مثل عيسى وعزير والملائكة. وهو مذهب مجاهد وعكرمة والحسن وأبي صالح. وهو قول ابن عباس والضحاك.
و "الحسنى": الجنة والسعادة.
﴿أُوْلَـٰئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ أي: عن جهنم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿لاَ يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا﴾.
أي: حسها وصوتها إذا دخلوا الجنة.
وقيل: معناه: إن ذلك في موطن من المواطن، وإلا، فلا بد من سماع زفيرها.
روي عن النبي ﷺ أنه قال: إن جهنم يؤتى بها يوم القيامة تزفر زفرة فلا يبقى ملك مقرب ولا نبي مرسل إلا جثا على ركبتيه خوفاً منها
وقال أبو عثمان النهدي: على الصراط حيات تلسع أهل النار فيقولون: حس، حس.
* *
ثم قال: ﴿وَهُمْ فِي مَا ٱشْتَهَتْ أَنفُسُهُمْ خَالِدُونَ﴾.
أي: ماكثون فيما تشتهيه أنفسهم من نعيمها، لا يخافون زوالاً عنها ولا انتقالاً.
* *
ثم قال تعالى: ﴿لاَ يَحْزُنُهُمُ ٱلْفَزَعُ ٱلأَكْبَرُ﴾.
يعني: النار إذا أطبقت على أهلها وذبح الموت بين الجنة والنار قاله ابن جريج.
وقال ابن عباس: هو النفخة الآخرة.
وقال الحسن: هو وقت يؤمر بالعبد إلى النار.
* *
ثم قال: ﴿وَتَتَلَقَّاهُمُ ٱلْمَلاَئِكَةُ هَـٰذَا يَوْمُكُمُ ٱلَّذِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ﴾.
أي: تتلقاهم بالبشرى، وتقول: لهم: هذا يوم كرامتكم التي وُعِدْتُم في الدنيا على طاعتكم، وهذا، قبل أن يدخلوا الجنة.
* *
ثم قال تعالى: ﴿يَوْمَ نَطْوِي ٱلسَّمَآءَ كَطَيِّ ٱلسِّجِلِّ﴾ أي: لا يحزنهم الفزع الأكبر يوم نطوي السماء كطي السجل، والسجل في قول عبد الله بن عمر ملك اسمه السجل قاله السدي.
والمعنى: نطوى السماء كما يطوي هذا الملك الكتاب.
وقال ابن عباس: هو رجل كان يكتب لرسول الله ﷺ.
وعن ابن عباس: أنه اسم الصحيفة التي يكتب فيها. والتقدير: كطي الصحيفة على الكتاب. وقاله: مجاهد، وهو اختيار الطبري. قال: واللام بمعنى: "على". والتقدير: نطوي السماء كما تطوى الصحيفة على ما فيها من الكتاب.
وقيل: التقدير: كطي الصحيفة من أجل ما كتب فيها. كما تقول: إنما أكرمك لفلان، أي: من أجله.
* *
ثم قال تعالى: ﴿كَمَا بَدَأْنَآ أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ﴾.
أي: نعيد الخلق عراة حفاة غرلاً يوم القيامة، كما خلقناهم في بطون أمهاتهم. قاله مجاهد.
وقال النبي ﷺ لإحدى نسائه: تأتون حفاة عراة غلفاً، فاستترت بكم ذرعها وقالت: واسوأتاه: قال ابن جريج أخبرت أنها عائشة. وقالت: يا نبي الله، لا يحتشم الناس بعضهم من بعض. فقال: ﴿لِكُلِّ ٱمْرِىءٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾.
وقال ابن عباس في معنى: ﴿كَمَا بَدَأْنَآ أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ﴾ قال: نهلك كل شيء كما كان أول مرة.
وقيل: ذلك خلق السماء مرة أخرى بعد طيها وزوالها وإفنائها يعيدها في الآخرة كما بدأها في أول خلق فجعلها سماء قبل أن لم تكن سماء ﴿وَعْداً عَلَيْنَآ﴾ أي: لا بد من كون ذلك، إنه لا يخلف الميعاد.
وقال ابن مسعود: يرسل الله جل ذكره ماء من تحت العرش كمني الرجل، فينبت منه لحماتهم وأجسامهم كما تنبت الأرض المرعى.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَعْداً عَلَيْنَآ إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾.
أي: وعداً حقاً لا بد منه، إنا كنا قادرين على ذلك، فاستعدوا له وتأهبوا.
الأنبياء 21:105
قوله تعالى ذكره: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي ٱلزَّبُورِ﴾ إلى قوله: ﴿عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ﴾ آخر السورة.
المعنى: ولقد كتبنا في كتب الأنبياء كلها والقرآن.
* *
وقوله: ﴿مِن بَعْدِ ٱلذِّكْرِ﴾.
الذكر: أم الكتاب الذي عند الله في السماء.
قاله: مجاهد وابن زيد.
وقال ابن جبير: الزبور: القرآن. والذكر: التوراة.
وقال ابن عباس: الزبور: الكتب التي أنزلت على الأنبياء بعد التوراة. والذكر: التوراة وقاله: الضحاك.
وقال الشعبي: الزبور، زبور داود، والذكر: التوراة.
* *
وقوله: ﴿أَنَّ ٱلأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ ٱلصَّالِحُونَ﴾.
أي: أثبتنا وقضينا في الكتاب من بعد أم الكتاب، أن أرض الجنة يرثها العاملون بطاعة الله. قاله: ابن عباس ومجاهد، وهو قول ابن جبير وابن زيد.
وعن ابن عباس أنه قال: أخبر الله تعالى في التوراة والإنجيل وسابق علمه قبل أن يخلق السماوات والأرض أنه يورث أمة محمد ﷺ الأرض المقدسة.
وقد قيل: ويدخلهم الجنة، وهم الصالحون.
ويدل على أنها أرض الجنة قوله: ﴿وَقَـالُواْ ٱلْحَـمْدُ للَّهِ ٱلَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا ٱلأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ ٱلْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَآءُ﴾.
قال ابن زيد: فالجنة مبتدؤها في الأرض، وتذهب درجاً علواً، والنار مبتدؤها في الأرض وتذهب سفلاً طباقاً، وبينهما حجاب سور، ما يدري أحد ما ذلك السور، وقرأ ﴿بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ ٱلرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ ٱلْعَذَابُ﴾ [الحديد: ١٣]. قال: ودرج النار تذهب سفالاً في الأرض، والجنة تذهب علواً في السماوات.
وقال عامر بن عبد الله: هي الأرض التي تجتمع فيها أرواح المؤمنين حتى يكون البعث.
وعن ابن عباس أيضاً أنه قال: هي أرض الكفار ترثها أمة محمد ﷺ يريد يفتحونها.
وقيل: عُني بذلك بنو إسرائيل، وقد وفى لهم في عز وجل بذلك.
وهو قوله: ﴿وَأَوْرَثْنَا ٱلْقَوْمَ ٱلَّذِينَ كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ...﴾ الآية.
* *
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي هَـٰذَا لَبَلاَغاً لِّقَوْمٍ عَابِدِينَ﴾.
أي: إن في هذا القرآن لبلاغاً لمن آمن به وعمل بما فيه إلى رضوان الله، أي: يبلغهم القرآن إلى رضوان الله.
وقال أبو هريرة: هم الذين يصلون الصلوات الخمس في المسجد.
وقال سفيان: الثوري: ﴿لِّقَوْمٍ عَابِدِينَ﴾ بلغني أنهم أصحاب الصلوات الخمس.
وقال كعب: ﴿لِّقَوْمٍ عَابِدِينَ﴾ أمة محمد ﷺ وأنهم لأصحاب الصلوات الخمس، سماهم الله صالحين.
وقال ابن عباس: ﴿عَابِدِينَ﴾ عالمين.
وقال ابن جريج: ﴿إِنَّ فِي هَـٰذَا﴾ يعني: هذه السورة.
وقيل: القرآن، فيه تنزل الصلوات الخمس، من أداها كانت له بلاغاً.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾.
أي: للمؤمن والكافر: فهو ﷺ رحمة للمؤمن في الدنيا والآخرة، يعافى في الدنيا من السيف، ومن حلول العذاب من الله، وفي الآخرة من النار، وهو رحمة للكافر إذ عوفي في الدنيا مما أصاب الأمم الماضية من الخسف والقذف بكفرها، قاله ابن عباس.
وقال ابن زيد: العالمون من آمن به خاصة، فهو رحمة للمؤمن.
ثم قال تعالى ذكره: ﴿قُلْ إِنَّمَآ يُوحَىٰ إِلَيَّ أَنَّمَآ إِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ﴾ أي: إنما معبودكم الذي تجب له العبادة واحد، لا معبود غيره. ﴿فَهَلْ أَنتُمْ مُّسْلِمُونَ﴾ أي: فهل أنتم أيها المشركون مذعنون لله، تاركون عبادة غيره من الأوثان والأصنام.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُلْ ءَاذَنتُكُمْ عَلَىٰ سَوَآءٍ﴾.
أي: فإن أدبر هؤلاء المشركون عن توحيد الله والإقرار بما جئتهم به، فقل: آذنتكم على سواء أي: أعلمتكم أني وإياكم على حرب لا صلح بيننا. يعني بذلك قريشاً.
وقال قتادة: ﴿عَلَىٰ سَوَآءٍ﴾ على مهل .
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَإِنْ أَدْرِيۤ أَقَرِيبٌ أَم بَعِيدٌ مَّا تُوعَدُونَ﴾.
أي: قل لهم يا محمد: ما أدري متى يحل بكم عقاب الله على كفركم. أقريب هو أم بعيد.
* *
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّهُ يَعْلَمُ ٱلْجَهْرَ مِنَ ٱلْقَوْلِ وَيَعْلَمُ مَا تَكْتُمُونَ﴾.
أي: قل لهم يا محمد: إن الله يعلم سركم وجهركم، لا يخفى عليه من قولكم ولا من أحوالكم شيء.
* *
ثم قال: ﴿وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَّكُمْ﴾.
أي: ما أدري لعل تأخير العذاب عنكم وإمهال الله إياكم على كفركم فتنة لكم أي: اختبار لكم ﴿وَمَتَاعٌ إِلَىٰ حِينٍ﴾.
أي: وأمتعكم بالبقاء وتأخير العذاب إلى انقضاء المدة.
وقال مجاهد: "إلى حين الموت".
وقال زيد بن أسلم: بلغنا أن رسول الله ﷺ رأى في منامه بني أمية يجلسون على المنابر، فأخبر بذلك فخرج الحكم من عند رسول الله ﷺ فأخبر بذلك بني أمية فقالوا له ارجع فاسأله متى يكون هذا.
فرجع إليه فسأله، فأنزل الله تعالى: ﴿وَإِنْ أَدْرِيۤ أَقَرِيبٌ أَم بَعِيدٌ مَّا تُوعَدُونَ﴾ إلى آخر الآية، ﴿وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَّكُمْ وَمَتَاعٌ إِلَىٰ حِينٍ﴾.
وروى أن الحسن بن علي خطب على الناس إذ سلم الأمر إلى معاوية، وقال في خطبته وهو يلتفت إلى معاوية: قال الله جل ذكره: ﴿وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَّكُمْ وَمَتَاعٌ إِلَىٰ حِينٍ﴾.
* *
ثم قال تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ ٱحْكُم بِٱلْحَقِّ﴾ أي: قل يا محمد: رب افصل بيني وبين من كذبني بإحلال عذابك بهم ونقمتك، وهو الحق الذي أمر الله تعالى نبيه أن يسأله إياه ومثله ﴿رَبَّنَا ٱفْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِٱلْحَقِّ﴾ [الأعراف: ٨٩].
وروى قتادة أن النبي ﷺ كان إذا شهد قتالاً يقول: يا رب احكم بالحق
وقرأ أبو جعفر يزيد: ﴿قَالَ رَبِّ﴾ بالرفع، وهو غلط عند النحويين لا يجوز عندهم رجل أقبل، لأنهم جعلوا يا عوضاً عن المحذوف والأصل يا أيها الرجل.
وقرأ عكرمة والضحاك: ﴿قَالَ رَبِّ﴾ بفتح الياء ﴿ٱحْكُم﴾ بالرفع والهمز على الابتداء. أو الخبر. واحتجا في ذلك بأن الله تعالى لا يحكم إلا بالحق، فكيف يأمره أن يسأل أن يحكم له بالحق. ومعنى ذلك عند العلماء رب عجل حكمك بالحق.
والتقدير عند أبي عبيد: أحكم بحكمك الحق.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَرَبُّنَا ٱلرَّحْمَـٰنُ﴾.
أي: وقل يا محمد: ﴿وَرَبُّنَا ٱلرَّحْمَـٰنُ﴾ أي: الذي يرحم عباده المؤمنين. ﴿ٱلْمُسْتَعَانُ عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ﴾.
أي: الذي استعينه عليكم فيما تقولون وتصفون من قولكم: ﴿مَا هَـٰذَا إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ﴾ [المؤمنون: ٢٤] وقولكم: ﴿بَلِ ٱفْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ﴾ [الأنبياء: ٥]. وكذبكم على الله جل ذكره في قولكم: ﴿ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ وَلَداً﴾ [البقرة: ١١٦] وشبهه من باطلكم.
الأنبياء 21:106
قوله تعالى ذكره: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي ٱلزَّبُورِ﴾ إلى قوله: ﴿عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ﴾ آخر السورة.
المعنى: ولقد كتبنا في كتب الأنبياء كلها والقرآن.
* *
وقوله: ﴿مِن بَعْدِ ٱلذِّكْرِ﴾.
الذكر: أم الكتاب الذي عند الله في السماء.
قاله: مجاهد وابن زيد.
وقال ابن جبير: الزبور: القرآن. والذكر: التوراة.
وقال ابن عباس: الزبور: الكتب التي أنزلت على الأنبياء بعد التوراة. والذكر: التوراة وقاله: الضحاك.
وقال الشعبي: الزبور، زبور داود، والذكر: التوراة.
* *
وقوله: ﴿أَنَّ ٱلأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ ٱلصَّالِحُونَ﴾.
أي: أثبتنا وقضينا في الكتاب من بعد أم الكتاب، أن أرض الجنة يرثها العاملون بطاعة الله. قاله: ابن عباس ومجاهد، وهو قول ابن جبير وابن زيد.
وعن ابن عباس أنه قال: أخبر الله تعالى في التوراة والإنجيل وسابق علمه قبل أن يخلق السماوات والأرض أنه يورث أمة محمد ﷺ الأرض المقدسة.
وقد قيل: ويدخلهم الجنة، وهم الصالحون.
ويدل على أنها أرض الجنة قوله: ﴿وَقَـالُواْ ٱلْحَـمْدُ للَّهِ ٱلَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا ٱلأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ ٱلْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَآءُ﴾.
قال ابن زيد: فالجنة مبتدؤها في الأرض، وتذهب درجاً علواً، والنار مبتدؤها في الأرض وتذهب سفلاً طباقاً، وبينهما حجاب سور، ما يدري أحد ما ذلك السور، وقرأ ﴿بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ ٱلرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ ٱلْعَذَابُ﴾ [الحديد: ١٣]. قال: ودرج النار تذهب سفالاً في الأرض، والجنة تذهب علواً في السماوات.
وقال عامر بن عبد الله: هي الأرض التي تجتمع فيها أرواح المؤمنين حتى يكون البعث.
وعن ابن عباس أيضاً أنه قال: هي أرض الكفار ترثها أمة محمد ﷺ يريد يفتحونها.
وقيل: عُني بذلك بنو إسرائيل، وقد وفى لهم في عز وجل بذلك.
وهو قوله: ﴿وَأَوْرَثْنَا ٱلْقَوْمَ ٱلَّذِينَ كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ...﴾ الآية.
* *
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي هَـٰذَا لَبَلاَغاً لِّقَوْمٍ عَابِدِينَ﴾.
أي: إن في هذا القرآن لبلاغاً لمن آمن به وعمل بما فيه إلى رضوان الله، أي: يبلغهم القرآن إلى رضوان الله.
وقال أبو هريرة: هم الذين يصلون الصلوات الخمس في المسجد.
وقال سفيان: الثوري: ﴿لِّقَوْمٍ عَابِدِينَ﴾ بلغني أنهم أصحاب الصلوات الخمس.
وقال كعب: ﴿لِّقَوْمٍ عَابِدِينَ﴾ أمة محمد ﷺ وأنهم لأصحاب الصلوات الخمس، سماهم الله صالحين.
وقال ابن عباس: ﴿عَابِدِينَ﴾ عالمين.
وقال ابن جريج: ﴿إِنَّ فِي هَـٰذَا﴾ يعني: هذه السورة.
وقيل: القرآن، فيه تنزل الصلوات الخمس، من أداها كانت له بلاغاً.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾.
أي: للمؤمن والكافر: فهو ﷺ رحمة للمؤمن في الدنيا والآخرة، يعافى في الدنيا من السيف، ومن حلول العذاب من الله، وفي الآخرة من النار، وهو رحمة للكافر إذ عوفي في الدنيا مما أصاب الأمم الماضية من الخسف والقذف بكفرها، قاله ابن عباس.
وقال ابن زيد: العالمون من آمن به خاصة، فهو رحمة للمؤمن.
ثم قال تعالى ذكره: ﴿قُلْ إِنَّمَآ يُوحَىٰ إِلَيَّ أَنَّمَآ إِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ﴾ أي: إنما معبودكم الذي تجب له العبادة واحد، لا معبود غيره. ﴿فَهَلْ أَنتُمْ مُّسْلِمُونَ﴾ أي: فهل أنتم أيها المشركون مذعنون لله، تاركون عبادة غيره من الأوثان والأصنام.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُلْ ءَاذَنتُكُمْ عَلَىٰ سَوَآءٍ﴾.
أي: فإن أدبر هؤلاء المشركون عن توحيد الله والإقرار بما جئتهم به، فقل: آذنتكم على سواء أي: أعلمتكم أني وإياكم على حرب لا صلح بيننا. يعني بذلك قريشاً.
وقال قتادة: ﴿عَلَىٰ سَوَآءٍ﴾ على مهل .
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَإِنْ أَدْرِيۤ أَقَرِيبٌ أَم بَعِيدٌ مَّا تُوعَدُونَ﴾.
أي: قل لهم يا محمد: ما أدري متى يحل بكم عقاب الله على كفركم. أقريب هو أم بعيد.
* *
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّهُ يَعْلَمُ ٱلْجَهْرَ مِنَ ٱلْقَوْلِ وَيَعْلَمُ مَا تَكْتُمُونَ﴾.
أي: قل لهم يا محمد: إن الله يعلم سركم وجهركم، لا يخفى عليه من قولكم ولا من أحوالكم شيء.
* *
ثم قال: ﴿وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَّكُمْ﴾.
أي: ما أدري لعل تأخير العذاب عنكم وإمهال الله إياكم على كفركم فتنة لكم أي: اختبار لكم ﴿وَمَتَاعٌ إِلَىٰ حِينٍ﴾.
أي: وأمتعكم بالبقاء وتأخير العذاب إلى انقضاء المدة.
وقال مجاهد: "إلى حين الموت".
وقال زيد بن أسلم: بلغنا أن رسول الله ﷺ رأى في منامه بني أمية يجلسون على المنابر، فأخبر بذلك فخرج الحكم من عند رسول الله ﷺ فأخبر بذلك بني أمية فقالوا له ارجع فاسأله متى يكون هذا.
فرجع إليه فسأله، فأنزل الله تعالى: ﴿وَإِنْ أَدْرِيۤ أَقَرِيبٌ أَم بَعِيدٌ مَّا تُوعَدُونَ﴾ إلى آخر الآية، ﴿وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَّكُمْ وَمَتَاعٌ إِلَىٰ حِينٍ﴾.
وروى أن الحسن بن علي خطب على الناس إذ سلم الأمر إلى معاوية، وقال في خطبته وهو يلتفت إلى معاوية: قال الله جل ذكره: ﴿وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَّكُمْ وَمَتَاعٌ إِلَىٰ حِينٍ﴾.
* *
ثم قال تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ ٱحْكُم بِٱلْحَقِّ﴾ أي: قل يا محمد: رب افصل بيني وبين من كذبني بإحلال عذابك بهم ونقمتك، وهو الحق الذي أمر الله تعالى نبيه أن يسأله إياه ومثله ﴿رَبَّنَا ٱفْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِٱلْحَقِّ﴾ [الأعراف: ٨٩].
وروى قتادة أن النبي ﷺ كان إذا شهد قتالاً يقول: يا رب احكم بالحق
وقرأ أبو جعفر يزيد: ﴿قَالَ رَبِّ﴾ بالرفع، وهو غلط عند النحويين لا يجوز عندهم رجل أقبل، لأنهم جعلوا يا عوضاً عن المحذوف والأصل يا أيها الرجل.
وقرأ عكرمة والضحاك: ﴿قَالَ رَبِّ﴾ بفتح الياء ﴿ٱحْكُم﴾ بالرفع والهمز على الابتداء. أو الخبر. واحتجا في ذلك بأن الله تعالى لا يحكم إلا بالحق، فكيف يأمره أن يسأل أن يحكم له بالحق. ومعنى ذلك عند العلماء رب عجل حكمك بالحق.
والتقدير عند أبي عبيد: أحكم بحكمك الحق.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَرَبُّنَا ٱلرَّحْمَـٰنُ﴾.
أي: وقل يا محمد: ﴿وَرَبُّنَا ٱلرَّحْمَـٰنُ﴾ أي: الذي يرحم عباده المؤمنين. ﴿ٱلْمُسْتَعَانُ عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ﴾.
أي: الذي استعينه عليكم فيما تقولون وتصفون من قولكم: ﴿مَا هَـٰذَا إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ﴾ [المؤمنون: ٢٤] وقولكم: ﴿بَلِ ٱفْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ﴾ [الأنبياء: ٥]. وكذبكم على الله جل ذكره في قولكم: ﴿ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ وَلَداً﴾ [البقرة: ١١٦] وشبهه من باطلكم.
الأنبياء 21:107
قوله تعالى ذكره: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي ٱلزَّبُورِ﴾ إلى قوله: ﴿عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ﴾ آخر السورة.
المعنى: ولقد كتبنا في كتب الأنبياء كلها والقرآن.
* *
وقوله: ﴿مِن بَعْدِ ٱلذِّكْرِ﴾.
الذكر: أم الكتاب الذي عند الله في السماء.
قاله: مجاهد وابن زيد.
وقال ابن جبير: الزبور: القرآن. والذكر: التوراة.
وقال ابن عباس: الزبور: الكتب التي أنزلت على الأنبياء بعد التوراة. والذكر: التوراة وقاله: الضحاك.
وقال الشعبي: الزبور، زبور داود، والذكر: التوراة.
* *
وقوله: ﴿أَنَّ ٱلأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ ٱلصَّالِحُونَ﴾.
أي: أثبتنا وقضينا في الكتاب من بعد أم الكتاب، أن أرض الجنة يرثها العاملون بطاعة الله. قاله: ابن عباس ومجاهد، وهو قول ابن جبير وابن زيد.
وعن ابن عباس أنه قال: أخبر الله تعالى في التوراة والإنجيل وسابق علمه قبل أن يخلق السماوات والأرض أنه يورث أمة محمد ﷺ الأرض المقدسة.
وقد قيل: ويدخلهم الجنة، وهم الصالحون.
ويدل على أنها أرض الجنة قوله: ﴿وَقَـالُواْ ٱلْحَـمْدُ للَّهِ ٱلَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا ٱلأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ ٱلْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَآءُ﴾.
قال ابن زيد: فالجنة مبتدؤها في الأرض، وتذهب درجاً علواً، والنار مبتدؤها في الأرض وتذهب سفلاً طباقاً، وبينهما حجاب سور، ما يدري أحد ما ذلك السور، وقرأ ﴿بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ ٱلرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ ٱلْعَذَابُ﴾ [الحديد: ١٣]. قال: ودرج النار تذهب سفالاً في الأرض، والجنة تذهب علواً في السماوات.
وقال عامر بن عبد الله: هي الأرض التي تجتمع فيها أرواح المؤمنين حتى يكون البعث.
وعن ابن عباس أيضاً أنه قال: هي أرض الكفار ترثها أمة محمد ﷺ يريد يفتحونها.
وقيل: عُني بذلك بنو إسرائيل، وقد وفى لهم في عز وجل بذلك.
وهو قوله: ﴿وَأَوْرَثْنَا ٱلْقَوْمَ ٱلَّذِينَ كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ...﴾ الآية.
* *
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي هَـٰذَا لَبَلاَغاً لِّقَوْمٍ عَابِدِينَ﴾.
أي: إن في هذا القرآن لبلاغاً لمن آمن به وعمل بما فيه إلى رضوان الله، أي: يبلغهم القرآن إلى رضوان الله.
وقال أبو هريرة: هم الذين يصلون الصلوات الخمس في المسجد.
وقال سفيان: الثوري: ﴿لِّقَوْمٍ عَابِدِينَ﴾ بلغني أنهم أصحاب الصلوات الخمس.
وقال كعب: ﴿لِّقَوْمٍ عَابِدِينَ﴾ أمة محمد ﷺ وأنهم لأصحاب الصلوات الخمس، سماهم الله صالحين.
وقال ابن عباس: ﴿عَابِدِينَ﴾ عالمين.
وقال ابن جريج: ﴿إِنَّ فِي هَـٰذَا﴾ يعني: هذه السورة.
وقيل: القرآن، فيه تنزل الصلوات الخمس، من أداها كانت له بلاغاً.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾.
أي: للمؤمن والكافر: فهو ﷺ رحمة للمؤمن في الدنيا والآخرة، يعافى في الدنيا من السيف، ومن حلول العذاب من الله، وفي الآخرة من النار، وهو رحمة للكافر إذ عوفي في الدنيا مما أصاب الأمم الماضية من الخسف والقذف بكفرها، قاله ابن عباس.
وقال ابن زيد: العالمون من آمن به خاصة، فهو رحمة للمؤمن.
ثم قال تعالى ذكره: ﴿قُلْ إِنَّمَآ يُوحَىٰ إِلَيَّ أَنَّمَآ إِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ﴾ أي: إنما معبودكم الذي تجب له العبادة واحد، لا معبود غيره. ﴿فَهَلْ أَنتُمْ مُّسْلِمُونَ﴾ أي: فهل أنتم أيها المشركون مذعنون لله، تاركون عبادة غيره من الأوثان والأصنام.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُلْ ءَاذَنتُكُمْ عَلَىٰ سَوَآءٍ﴾.
أي: فإن أدبر هؤلاء المشركون عن توحيد الله والإقرار بما جئتهم به، فقل: آذنتكم على سواء أي: أعلمتكم أني وإياكم على حرب لا صلح بيننا. يعني بذلك قريشاً.
وقال قتادة: ﴿عَلَىٰ سَوَآءٍ﴾ على مهل .
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَإِنْ أَدْرِيۤ أَقَرِيبٌ أَم بَعِيدٌ مَّا تُوعَدُونَ﴾.
أي: قل لهم يا محمد: ما أدري متى يحل بكم عقاب الله على كفركم. أقريب هو أم بعيد.
* *
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّهُ يَعْلَمُ ٱلْجَهْرَ مِنَ ٱلْقَوْلِ وَيَعْلَمُ مَا تَكْتُمُونَ﴾.
أي: قل لهم يا محمد: إن الله يعلم سركم وجهركم، لا يخفى عليه من قولكم ولا من أحوالكم شيء.
* *
ثم قال: ﴿وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَّكُمْ﴾.
أي: ما أدري لعل تأخير العذاب عنكم وإمهال الله إياكم على كفركم فتنة لكم أي: اختبار لكم ﴿وَمَتَاعٌ إِلَىٰ حِينٍ﴾.
أي: وأمتعكم بالبقاء وتأخير العذاب إلى انقضاء المدة.
وقال مجاهد: "إلى حين الموت".
وقال زيد بن أسلم: بلغنا أن رسول الله ﷺ رأى في منامه بني أمية يجلسون على المنابر، فأخبر بذلك فخرج الحكم من عند رسول الله ﷺ فأخبر بذلك بني أمية فقالوا له ارجع فاسأله متى يكون هذا.
فرجع إليه فسأله، فأنزل الله تعالى: ﴿وَإِنْ أَدْرِيۤ أَقَرِيبٌ أَم بَعِيدٌ مَّا تُوعَدُونَ﴾ إلى آخر الآية، ﴿وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَّكُمْ وَمَتَاعٌ إِلَىٰ حِينٍ﴾.
وروى أن الحسن بن علي خطب على الناس إذ سلم الأمر إلى معاوية، وقال في خطبته وهو يلتفت إلى معاوية: قال الله جل ذكره: ﴿وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَّكُمْ وَمَتَاعٌ إِلَىٰ حِينٍ﴾.
* *
ثم قال تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ ٱحْكُم بِٱلْحَقِّ﴾ أي: قل يا محمد: رب افصل بيني وبين من كذبني بإحلال عذابك بهم ونقمتك، وهو الحق الذي أمر الله تعالى نبيه أن يسأله إياه ومثله ﴿رَبَّنَا ٱفْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِٱلْحَقِّ﴾ [الأعراف: ٨٩].
وروى قتادة أن النبي ﷺ كان إذا شهد قتالاً يقول: يا رب احكم بالحق
وقرأ أبو جعفر يزيد: ﴿قَالَ رَبِّ﴾ بالرفع، وهو غلط عند النحويين لا يجوز عندهم رجل أقبل، لأنهم جعلوا يا عوضاً عن المحذوف والأصل يا أيها الرجل.
وقرأ عكرمة والضحاك: ﴿قَالَ رَبِّ﴾ بفتح الياء ﴿ٱحْكُم﴾ بالرفع والهمز على الابتداء. أو الخبر. واحتجا في ذلك بأن الله تعالى لا يحكم إلا بالحق، فكيف يأمره أن يسأل أن يحكم له بالحق. ومعنى ذلك عند العلماء رب عجل حكمك بالحق.
والتقدير عند أبي عبيد: أحكم بحكمك الحق.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَرَبُّنَا ٱلرَّحْمَـٰنُ﴾.
أي: وقل يا محمد: ﴿وَرَبُّنَا ٱلرَّحْمَـٰنُ﴾ أي: الذي يرحم عباده المؤمنين. ﴿ٱلْمُسْتَعَانُ عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ﴾.
أي: الذي استعينه عليكم فيما تقولون وتصفون من قولكم: ﴿مَا هَـٰذَا إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ﴾ [المؤمنون: ٢٤] وقولكم: ﴿بَلِ ٱفْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ﴾ [الأنبياء: ٥]. وكذبكم على الله جل ذكره في قولكم: ﴿ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ وَلَداً﴾ [البقرة: ١١٦] وشبهه من باطلكم.
الأنبياء 21:108
قوله تعالى ذكره: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي ٱلزَّبُورِ﴾ إلى قوله: ﴿عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ﴾ آخر السورة.
المعنى: ولقد كتبنا في كتب الأنبياء كلها والقرآن.
* *
وقوله: ﴿مِن بَعْدِ ٱلذِّكْرِ﴾.
الذكر: أم الكتاب الذي عند الله في السماء.
قاله: مجاهد وابن زيد.
وقال ابن جبير: الزبور: القرآن. والذكر: التوراة.
وقال ابن عباس: الزبور: الكتب التي أنزلت على الأنبياء بعد التوراة. والذكر: التوراة وقاله: الضحاك.
وقال الشعبي: الزبور، زبور داود، والذكر: التوراة.
* *
وقوله: ﴿أَنَّ ٱلأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ ٱلصَّالِحُونَ﴾.
أي: أثبتنا وقضينا في الكتاب من بعد أم الكتاب، أن أرض الجنة يرثها العاملون بطاعة الله. قاله: ابن عباس ومجاهد، وهو قول ابن جبير وابن زيد.
وعن ابن عباس أنه قال: أخبر الله تعالى في التوراة والإنجيل وسابق علمه قبل أن يخلق السماوات والأرض أنه يورث أمة محمد ﷺ الأرض المقدسة.
وقد قيل: ويدخلهم الجنة، وهم الصالحون.
ويدل على أنها أرض الجنة قوله: ﴿وَقَـالُواْ ٱلْحَـمْدُ للَّهِ ٱلَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا ٱلأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ ٱلْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَآءُ﴾.
قال ابن زيد: فالجنة مبتدؤها في الأرض، وتذهب درجاً علواً، والنار مبتدؤها في الأرض وتذهب سفلاً طباقاً، وبينهما حجاب سور، ما يدري أحد ما ذلك السور، وقرأ ﴿بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ ٱلرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ ٱلْعَذَابُ﴾ [الحديد: ١٣]. قال: ودرج النار تذهب سفالاً في الأرض، والجنة تذهب علواً في السماوات.
وقال عامر بن عبد الله: هي الأرض التي تجتمع فيها أرواح المؤمنين حتى يكون البعث.
وعن ابن عباس أيضاً أنه قال: هي أرض الكفار ترثها أمة محمد ﷺ يريد يفتحونها.
وقيل: عُني بذلك بنو إسرائيل، وقد وفى لهم في عز وجل بذلك.
وهو قوله: ﴿وَأَوْرَثْنَا ٱلْقَوْمَ ٱلَّذِينَ كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ...﴾ الآية.
* *
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي هَـٰذَا لَبَلاَغاً لِّقَوْمٍ عَابِدِينَ﴾.
أي: إن في هذا القرآن لبلاغاً لمن آمن به وعمل بما فيه إلى رضوان الله، أي: يبلغهم القرآن إلى رضوان الله.
وقال أبو هريرة: هم الذين يصلون الصلوات الخمس في المسجد.
وقال سفيان: الثوري: ﴿لِّقَوْمٍ عَابِدِينَ﴾ بلغني أنهم أصحاب الصلوات الخمس.
وقال كعب: ﴿لِّقَوْمٍ عَابِدِينَ﴾ أمة محمد ﷺ وأنهم لأصحاب الصلوات الخمس، سماهم الله صالحين.
وقال ابن عباس: ﴿عَابِدِينَ﴾ عالمين.
وقال ابن جريج: ﴿إِنَّ فِي هَـٰذَا﴾ يعني: هذه السورة.
وقيل: القرآن، فيه تنزل الصلوات الخمس، من أداها كانت له بلاغاً.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾.
أي: للمؤمن والكافر: فهو ﷺ رحمة للمؤمن في الدنيا والآخرة، يعافى في الدنيا من السيف، ومن حلول العذاب من الله، وفي الآخرة من النار، وهو رحمة للكافر إذ عوفي في الدنيا مما أصاب الأمم الماضية من الخسف والقذف بكفرها، قاله ابن عباس.
وقال ابن زيد: العالمون من آمن به خاصة، فهو رحمة للمؤمن.
ثم قال تعالى ذكره: ﴿قُلْ إِنَّمَآ يُوحَىٰ إِلَيَّ أَنَّمَآ إِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ﴾ أي: إنما معبودكم الذي تجب له العبادة واحد، لا معبود غيره. ﴿فَهَلْ أَنتُمْ مُّسْلِمُونَ﴾ أي: فهل أنتم أيها المشركون مذعنون لله، تاركون عبادة غيره من الأوثان والأصنام.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُلْ ءَاذَنتُكُمْ عَلَىٰ سَوَآءٍ﴾.
أي: فإن أدبر هؤلاء المشركون عن توحيد الله والإقرار بما جئتهم به، فقل: آذنتكم على سواء أي: أعلمتكم أني وإياكم على حرب لا صلح بيننا. يعني بذلك قريشاً.
وقال قتادة: ﴿عَلَىٰ سَوَآءٍ﴾ على مهل .
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَإِنْ أَدْرِيۤ أَقَرِيبٌ أَم بَعِيدٌ مَّا تُوعَدُونَ﴾.
أي: قل لهم يا محمد: ما أدري متى يحل بكم عقاب الله على كفركم. أقريب هو أم بعيد.
* *
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّهُ يَعْلَمُ ٱلْجَهْرَ مِنَ ٱلْقَوْلِ وَيَعْلَمُ مَا تَكْتُمُونَ﴾.
أي: قل لهم يا محمد: إن الله يعلم سركم وجهركم، لا يخفى عليه من قولكم ولا من أحوالكم شيء.
* *
ثم قال: ﴿وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَّكُمْ﴾.
أي: ما أدري لعل تأخير العذاب عنكم وإمهال الله إياكم على كفركم فتنة لكم أي: اختبار لكم ﴿وَمَتَاعٌ إِلَىٰ حِينٍ﴾.
أي: وأمتعكم بالبقاء وتأخير العذاب إلى انقضاء المدة.
وقال مجاهد: "إلى حين الموت".
وقال زيد بن أسلم: بلغنا أن رسول الله ﷺ رأى في منامه بني أمية يجلسون على المنابر، فأخبر بذلك فخرج الحكم من عند رسول الله ﷺ فأخبر بذلك بني أمية فقالوا له ارجع فاسأله متى يكون هذا.
فرجع إليه فسأله، فأنزل الله تعالى: ﴿وَإِنْ أَدْرِيۤ أَقَرِيبٌ أَم بَعِيدٌ مَّا تُوعَدُونَ﴾ إلى آخر الآية، ﴿وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَّكُمْ وَمَتَاعٌ إِلَىٰ حِينٍ﴾.
وروى أن الحسن بن علي خطب على الناس إذ سلم الأمر إلى معاوية، وقال في خطبته وهو يلتفت إلى معاوية: قال الله جل ذكره: ﴿وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَّكُمْ وَمَتَاعٌ إِلَىٰ حِينٍ﴾.
* *
ثم قال تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ ٱحْكُم بِٱلْحَقِّ﴾ أي: قل يا محمد: رب افصل بيني وبين من كذبني بإحلال عذابك بهم ونقمتك، وهو الحق الذي أمر الله تعالى نبيه أن يسأله إياه ومثله ﴿رَبَّنَا ٱفْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِٱلْحَقِّ﴾ [الأعراف: ٨٩].
وروى قتادة أن النبي ﷺ كان إذا شهد قتالاً يقول: يا رب احكم بالحق
وقرأ أبو جعفر يزيد: ﴿قَالَ رَبِّ﴾ بالرفع، وهو غلط عند النحويين لا يجوز عندهم رجل أقبل، لأنهم جعلوا يا عوضاً عن المحذوف والأصل يا أيها الرجل.
وقرأ عكرمة والضحاك: ﴿قَالَ رَبِّ﴾ بفتح الياء ﴿ٱحْكُم﴾ بالرفع والهمز على الابتداء. أو الخبر. واحتجا في ذلك بأن الله تعالى لا يحكم إلا بالحق، فكيف يأمره أن يسأل أن يحكم له بالحق. ومعنى ذلك عند العلماء رب عجل حكمك بالحق.
والتقدير عند أبي عبيد: أحكم بحكمك الحق.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَرَبُّنَا ٱلرَّحْمَـٰنُ﴾.
أي: وقل يا محمد: ﴿وَرَبُّنَا ٱلرَّحْمَـٰنُ﴾ أي: الذي يرحم عباده المؤمنين. ﴿ٱلْمُسْتَعَانُ عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ﴾.
أي: الذي استعينه عليكم فيما تقولون وتصفون من قولكم: ﴿مَا هَـٰذَا إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ﴾ [المؤمنون: ٢٤] وقولكم: ﴿بَلِ ٱفْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ﴾ [الأنبياء: ٥]. وكذبكم على الله جل ذكره في قولكم: ﴿ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ وَلَداً﴾ [البقرة: ١١٦] وشبهه من باطلكم.
الأنبياء 21:109
قوله تعالى ذكره: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي ٱلزَّبُورِ﴾ إلى قوله: ﴿عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ﴾ آخر السورة.
المعنى: ولقد كتبنا في كتب الأنبياء كلها والقرآن.
* *
وقوله: ﴿مِن بَعْدِ ٱلذِّكْرِ﴾.
الذكر: أم الكتاب الذي عند الله في السماء.
قاله: مجاهد وابن زيد.
وقال ابن جبير: الزبور: القرآن. والذكر: التوراة.
وقال ابن عباس: الزبور: الكتب التي أنزلت على الأنبياء بعد التوراة. والذكر: التوراة وقاله: الضحاك.
وقال الشعبي: الزبور، زبور داود، والذكر: التوراة.
* *
وقوله: ﴿أَنَّ ٱلأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ ٱلصَّالِحُونَ﴾.
أي: أثبتنا وقضينا في الكتاب من بعد أم الكتاب، أن أرض الجنة يرثها العاملون بطاعة الله. قاله: ابن عباس ومجاهد، وهو قول ابن جبير وابن زيد.
وعن ابن عباس أنه قال: أخبر الله تعالى في التوراة والإنجيل وسابق علمه قبل أن يخلق السماوات والأرض أنه يورث أمة محمد ﷺ الأرض المقدسة.
وقد قيل: ويدخلهم الجنة، وهم الصالحون.
ويدل على أنها أرض الجنة قوله: ﴿وَقَـالُواْ ٱلْحَـمْدُ للَّهِ ٱلَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا ٱلأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ ٱلْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَآءُ﴾.
قال ابن زيد: فالجنة مبتدؤها في الأرض، وتذهب درجاً علواً، والنار مبتدؤها في الأرض وتذهب سفلاً طباقاً، وبينهما حجاب سور، ما يدري أحد ما ذلك السور، وقرأ ﴿بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ ٱلرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ ٱلْعَذَابُ﴾ [الحديد: ١٣]. قال: ودرج النار تذهب سفالاً في الأرض، والجنة تذهب علواً في السماوات.
وقال عامر بن عبد الله: هي الأرض التي تجتمع فيها أرواح المؤمنين حتى يكون البعث.
وعن ابن عباس أيضاً أنه قال: هي أرض الكفار ترثها أمة محمد ﷺ يريد يفتحونها.
وقيل: عُني بذلك بنو إسرائيل، وقد وفى لهم في عز وجل بذلك.
وهو قوله: ﴿وَأَوْرَثْنَا ٱلْقَوْمَ ٱلَّذِينَ كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ...﴾ الآية.
* *
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي هَـٰذَا لَبَلاَغاً لِّقَوْمٍ عَابِدِينَ﴾.
أي: إن في هذا القرآن لبلاغاً لمن آمن به وعمل بما فيه إلى رضوان الله، أي: يبلغهم القرآن إلى رضوان الله.
وقال أبو هريرة: هم الذين يصلون الصلوات الخمس في المسجد.
وقال سفيان: الثوري: ﴿لِّقَوْمٍ عَابِدِينَ﴾ بلغني أنهم أصحاب الصلوات الخمس.
وقال كعب: ﴿لِّقَوْمٍ عَابِدِينَ﴾ أمة محمد ﷺ وأنهم لأصحاب الصلوات الخمس، سماهم الله صالحين.
وقال ابن عباس: ﴿عَابِدِينَ﴾ عالمين.
وقال ابن جريج: ﴿إِنَّ فِي هَـٰذَا﴾ يعني: هذه السورة.
وقيل: القرآن، فيه تنزل الصلوات الخمس، من أداها كانت له بلاغاً.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾.
أي: للمؤمن والكافر: فهو ﷺ رحمة للمؤمن في الدنيا والآخرة، يعافى في الدنيا من السيف، ومن حلول العذاب من الله، وفي الآخرة من النار، وهو رحمة للكافر إذ عوفي في الدنيا مما أصاب الأمم الماضية من الخسف والقذف بكفرها، قاله ابن عباس.
وقال ابن زيد: العالمون من آمن به خاصة، فهو رحمة للمؤمن.
ثم قال تعالى ذكره: ﴿قُلْ إِنَّمَآ يُوحَىٰ إِلَيَّ أَنَّمَآ إِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ﴾ أي: إنما معبودكم الذي تجب له العبادة واحد، لا معبود غيره. ﴿فَهَلْ أَنتُمْ مُّسْلِمُونَ﴾ أي: فهل أنتم أيها المشركون مذعنون لله، تاركون عبادة غيره من الأوثان والأصنام.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُلْ ءَاذَنتُكُمْ عَلَىٰ سَوَآءٍ﴾.
أي: فإن أدبر هؤلاء المشركون عن توحيد الله والإقرار بما جئتهم به، فقل: آذنتكم على سواء أي: أعلمتكم أني وإياكم على حرب لا صلح بيننا. يعني بذلك قريشاً.
وقال قتادة: ﴿عَلَىٰ سَوَآءٍ﴾ على مهل .
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَإِنْ أَدْرِيۤ أَقَرِيبٌ أَم بَعِيدٌ مَّا تُوعَدُونَ﴾.
أي: قل لهم يا محمد: ما أدري متى يحل بكم عقاب الله على كفركم. أقريب هو أم بعيد.
* *
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّهُ يَعْلَمُ ٱلْجَهْرَ مِنَ ٱلْقَوْلِ وَيَعْلَمُ مَا تَكْتُمُونَ﴾.
أي: قل لهم يا محمد: إن الله يعلم سركم وجهركم، لا يخفى عليه من قولكم ولا من أحوالكم شيء.
* *
ثم قال: ﴿وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَّكُمْ﴾.
أي: ما أدري لعل تأخير العذاب عنكم وإمهال الله إياكم على كفركم فتنة لكم أي: اختبار لكم ﴿وَمَتَاعٌ إِلَىٰ حِينٍ﴾.
أي: وأمتعكم بالبقاء وتأخير العذاب إلى انقضاء المدة.
وقال مجاهد: "إلى حين الموت".
وقال زيد بن أسلم: بلغنا أن رسول الله ﷺ رأى في منامه بني أمية يجلسون على المنابر، فأخبر بذلك فخرج الحكم من عند رسول الله ﷺ فأخبر بذلك بني أمية فقالوا له ارجع فاسأله متى يكون هذا.
فرجع إليه فسأله، فأنزل الله تعالى: ﴿وَإِنْ أَدْرِيۤ أَقَرِيبٌ أَم بَعِيدٌ مَّا تُوعَدُونَ﴾ إلى آخر الآية، ﴿وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَّكُمْ وَمَتَاعٌ إِلَىٰ حِينٍ﴾.
وروى أن الحسن بن علي خطب على الناس إذ سلم الأمر إلى معاوية، وقال في خطبته وهو يلتفت إلى معاوية: قال الله جل ذكره: ﴿وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَّكُمْ وَمَتَاعٌ إِلَىٰ حِينٍ﴾.
* *
ثم قال تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ ٱحْكُم بِٱلْحَقِّ﴾ أي: قل يا محمد: رب افصل بيني وبين من كذبني بإحلال عذابك بهم ونقمتك، وهو الحق الذي أمر الله تعالى نبيه أن يسأله إياه ومثله ﴿رَبَّنَا ٱفْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِٱلْحَقِّ﴾ [الأعراف: ٨٩].
وروى قتادة أن النبي ﷺ كان إذا شهد قتالاً يقول: يا رب احكم بالحق
وقرأ أبو جعفر يزيد: ﴿قَالَ رَبِّ﴾ بالرفع، وهو غلط عند النحويين لا يجوز عندهم رجل أقبل، لأنهم جعلوا يا عوضاً عن المحذوف والأصل يا أيها الرجل.
وقرأ عكرمة والضحاك: ﴿قَالَ رَبِّ﴾ بفتح الياء ﴿ٱحْكُم﴾ بالرفع والهمز على الابتداء. أو الخبر. واحتجا في ذلك بأن الله تعالى لا يحكم إلا بالحق، فكيف يأمره أن يسأل أن يحكم له بالحق. ومعنى ذلك عند العلماء رب عجل حكمك بالحق.
والتقدير عند أبي عبيد: أحكم بحكمك الحق.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَرَبُّنَا ٱلرَّحْمَـٰنُ﴾.
أي: وقل يا محمد: ﴿وَرَبُّنَا ٱلرَّحْمَـٰنُ﴾ أي: الذي يرحم عباده المؤمنين. ﴿ٱلْمُسْتَعَانُ عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ﴾.
أي: الذي استعينه عليكم فيما تقولون وتصفون من قولكم: ﴿مَا هَـٰذَا إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ﴾ [المؤمنون: ٢٤] وقولكم: ﴿بَلِ ٱفْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ﴾ [الأنبياء: ٥]. وكذبكم على الله جل ذكره في قولكم: ﴿ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ وَلَداً﴾ [البقرة: ١١٦] وشبهه من باطلكم.
الأنبياء 21:110
قوله تعالى ذكره: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي ٱلزَّبُورِ﴾ إلى قوله: ﴿عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ﴾ آخر السورة.
المعنى: ولقد كتبنا في كتب الأنبياء كلها والقرآن.
* *
وقوله: ﴿مِن بَعْدِ ٱلذِّكْرِ﴾.
الذكر: أم الكتاب الذي عند الله في السماء.
قاله: مجاهد وابن زيد.
وقال ابن جبير: الزبور: القرآن. والذكر: التوراة.
وقال ابن عباس: الزبور: الكتب التي أنزلت على الأنبياء بعد التوراة. والذكر: التوراة وقاله: الضحاك.
وقال الشعبي: الزبور، زبور داود، والذكر: التوراة.
* *
وقوله: ﴿أَنَّ ٱلأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ ٱلصَّالِحُونَ﴾.
أي: أثبتنا وقضينا في الكتاب من بعد أم الكتاب، أن أرض الجنة يرثها العاملون بطاعة الله. قاله: ابن عباس ومجاهد، وهو قول ابن جبير وابن زيد.
وعن ابن عباس أنه قال: أخبر الله تعالى في التوراة والإنجيل وسابق علمه قبل أن يخلق السماوات والأرض أنه يورث أمة محمد ﷺ الأرض المقدسة.
وقد قيل: ويدخلهم الجنة، وهم الصالحون.
ويدل على أنها أرض الجنة قوله: ﴿وَقَـالُواْ ٱلْحَـمْدُ للَّهِ ٱلَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا ٱلأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ ٱلْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَآءُ﴾.
قال ابن زيد: فالجنة مبتدؤها في الأرض، وتذهب درجاً علواً، والنار مبتدؤها في الأرض وتذهب سفلاً طباقاً، وبينهما حجاب سور، ما يدري أحد ما ذلك السور، وقرأ ﴿بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ ٱلرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ ٱلْعَذَابُ﴾ [الحديد: ١٣]. قال: ودرج النار تذهب سفالاً في الأرض، والجنة تذهب علواً في السماوات.
وقال عامر بن عبد الله: هي الأرض التي تجتمع فيها أرواح المؤمنين حتى يكون البعث.
وعن ابن عباس أيضاً أنه قال: هي أرض الكفار ترثها أمة محمد ﷺ يريد يفتحونها.
وقيل: عُني بذلك بنو إسرائيل، وقد وفى لهم في عز وجل بذلك.
وهو قوله: ﴿وَأَوْرَثْنَا ٱلْقَوْمَ ٱلَّذِينَ كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ...﴾ الآية.
* *
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي هَـٰذَا لَبَلاَغاً لِّقَوْمٍ عَابِدِينَ﴾.
أي: إن في هذا القرآن لبلاغاً لمن آمن به وعمل بما فيه إلى رضوان الله، أي: يبلغهم القرآن إلى رضوان الله.
وقال أبو هريرة: هم الذين يصلون الصلوات الخمس في المسجد.
وقال سفيان: الثوري: ﴿لِّقَوْمٍ عَابِدِينَ﴾ بلغني أنهم أصحاب الصلوات الخمس.
وقال كعب: ﴿لِّقَوْمٍ عَابِدِينَ﴾ أمة محمد ﷺ وأنهم لأصحاب الصلوات الخمس، سماهم الله صالحين.
وقال ابن عباس: ﴿عَابِدِينَ﴾ عالمين.
وقال ابن جريج: ﴿إِنَّ فِي هَـٰذَا﴾ يعني: هذه السورة.
وقيل: القرآن، فيه تنزل الصلوات الخمس، من أداها كانت له بلاغاً.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾.
أي: للمؤمن والكافر: فهو ﷺ رحمة للمؤمن في الدنيا والآخرة، يعافى في الدنيا من السيف، ومن حلول العذاب من الله، وفي الآخرة من النار، وهو رحمة للكافر إذ عوفي في الدنيا مما أصاب الأمم الماضية من الخسف والقذف بكفرها، قاله ابن عباس.
وقال ابن زيد: العالمون من آمن به خاصة، فهو رحمة للمؤمن.
ثم قال تعالى ذكره: ﴿قُلْ إِنَّمَآ يُوحَىٰ إِلَيَّ أَنَّمَآ إِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ﴾ أي: إنما معبودكم الذي تجب له العبادة واحد، لا معبود غيره. ﴿فَهَلْ أَنتُمْ مُّسْلِمُونَ﴾ أي: فهل أنتم أيها المشركون مذعنون لله، تاركون عبادة غيره من الأوثان والأصنام.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُلْ ءَاذَنتُكُمْ عَلَىٰ سَوَآءٍ﴾.
أي: فإن أدبر هؤلاء المشركون عن توحيد الله والإقرار بما جئتهم به، فقل: آذنتكم على سواء أي: أعلمتكم أني وإياكم على حرب لا صلح بيننا. يعني بذلك قريشاً.
وقال قتادة: ﴿عَلَىٰ سَوَآءٍ﴾ على مهل .
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَإِنْ أَدْرِيۤ أَقَرِيبٌ أَم بَعِيدٌ مَّا تُوعَدُونَ﴾.
أي: قل لهم يا محمد: ما أدري متى يحل بكم عقاب الله على كفركم. أقريب هو أم بعيد.
* *
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّهُ يَعْلَمُ ٱلْجَهْرَ مِنَ ٱلْقَوْلِ وَيَعْلَمُ مَا تَكْتُمُونَ﴾.
أي: قل لهم يا محمد: إن الله يعلم سركم وجهركم، لا يخفى عليه من قولكم ولا من أحوالكم شيء.
* *
ثم قال: ﴿وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَّكُمْ﴾.
أي: ما أدري لعل تأخير العذاب عنكم وإمهال الله إياكم على كفركم فتنة لكم أي: اختبار لكم ﴿وَمَتَاعٌ إِلَىٰ حِينٍ﴾.
أي: وأمتعكم بالبقاء وتأخير العذاب إلى انقضاء المدة.
وقال مجاهد: "إلى حين الموت".
وقال زيد بن أسلم: بلغنا أن رسول الله ﷺ رأى في منامه بني أمية يجلسون على المنابر، فأخبر بذلك فخرج الحكم من عند رسول الله ﷺ فأخبر بذلك بني أمية فقالوا له ارجع فاسأله متى يكون هذا.
فرجع إليه فسأله، فأنزل الله تعالى: ﴿وَإِنْ أَدْرِيۤ أَقَرِيبٌ أَم بَعِيدٌ مَّا تُوعَدُونَ﴾ إلى آخر الآية، ﴿وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَّكُمْ وَمَتَاعٌ إِلَىٰ حِينٍ﴾.
وروى أن الحسن بن علي خطب على الناس إذ سلم الأمر إلى معاوية، وقال في خطبته وهو يلتفت إلى معاوية: قال الله جل ذكره: ﴿وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَّكُمْ وَمَتَاعٌ إِلَىٰ حِينٍ﴾.
* *
ثم قال تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ ٱحْكُم بِٱلْحَقِّ﴾ أي: قل يا محمد: رب افصل بيني وبين من كذبني بإحلال عذابك بهم ونقمتك، وهو الحق الذي أمر الله تعالى نبيه أن يسأله إياه ومثله ﴿رَبَّنَا ٱفْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِٱلْحَقِّ﴾ [الأعراف: ٨٩].
وروى قتادة أن النبي ﷺ كان إذا شهد قتالاً يقول: يا رب احكم بالحق
وقرأ أبو جعفر يزيد: ﴿قَالَ رَبِّ﴾ بالرفع، وهو غلط عند النحويين لا يجوز عندهم رجل أقبل، لأنهم جعلوا يا عوضاً عن المحذوف والأصل يا أيها الرجل.
وقرأ عكرمة والضحاك: ﴿قَالَ رَبِّ﴾ بفتح الياء ﴿ٱحْكُم﴾ بالرفع والهمز على الابتداء. أو الخبر. واحتجا في ذلك بأن الله تعالى لا يحكم إلا بالحق، فكيف يأمره أن يسأل أن يحكم له بالحق. ومعنى ذلك عند العلماء رب عجل حكمك بالحق.
والتقدير عند أبي عبيد: أحكم بحكمك الحق.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَرَبُّنَا ٱلرَّحْمَـٰنُ﴾.
أي: وقل يا محمد: ﴿وَرَبُّنَا ٱلرَّحْمَـٰنُ﴾ أي: الذي يرحم عباده المؤمنين. ﴿ٱلْمُسْتَعَانُ عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ﴾.
أي: الذي استعينه عليكم فيما تقولون وتصفون من قولكم: ﴿مَا هَـٰذَا إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ﴾ [المؤمنون: ٢٤] وقولكم: ﴿بَلِ ٱفْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ﴾ [الأنبياء: ٥]. وكذبكم على الله جل ذكره في قولكم: ﴿ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ وَلَداً﴾ [البقرة: ١١٦] وشبهه من باطلكم.
الأنبياء 21:111
قوله تعالى ذكره: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي ٱلزَّبُورِ﴾ إلى قوله: ﴿عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ﴾ آخر السورة.
المعنى: ولقد كتبنا في كتب الأنبياء كلها والقرآن.
* *
وقوله: ﴿مِن بَعْدِ ٱلذِّكْرِ﴾.
الذكر: أم الكتاب الذي عند الله في السماء.
قاله: مجاهد وابن زيد.
وقال ابن جبير: الزبور: القرآن. والذكر: التوراة.
وقال ابن عباس: الزبور: الكتب التي أنزلت على الأنبياء بعد التوراة. والذكر: التوراة وقاله: الضحاك.
وقال الشعبي: الزبور، زبور داود، والذكر: التوراة.
* *
وقوله: ﴿أَنَّ ٱلأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ ٱلصَّالِحُونَ﴾.
أي: أثبتنا وقضينا في الكتاب من بعد أم الكتاب، أن أرض الجنة يرثها العاملون بطاعة الله. قاله: ابن عباس ومجاهد، وهو قول ابن جبير وابن زيد.
وعن ابن عباس أنه قال: أخبر الله تعالى في التوراة والإنجيل وسابق علمه قبل أن يخلق السماوات والأرض أنه يورث أمة محمد ﷺ الأرض المقدسة.
وقد قيل: ويدخلهم الجنة، وهم الصالحون.
ويدل على أنها أرض الجنة قوله: ﴿وَقَـالُواْ ٱلْحَـمْدُ للَّهِ ٱلَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا ٱلأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ ٱلْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَآءُ﴾.
قال ابن زيد: فالجنة مبتدؤها في الأرض، وتذهب درجاً علواً، والنار مبتدؤها في الأرض وتذهب سفلاً طباقاً، وبينهما حجاب سور، ما يدري أحد ما ذلك السور، وقرأ ﴿بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ ٱلرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ ٱلْعَذَابُ﴾ [الحديد: ١٣]. قال: ودرج النار تذهب سفالاً في الأرض، والجنة تذهب علواً في السماوات.
وقال عامر بن عبد الله: هي الأرض التي تجتمع فيها أرواح المؤمنين حتى يكون البعث.
وعن ابن عباس أيضاً أنه قال: هي أرض الكفار ترثها أمة محمد ﷺ يريد يفتحونها.
وقيل: عُني بذلك بنو إسرائيل، وقد وفى لهم في عز وجل بذلك.
وهو قوله: ﴿وَأَوْرَثْنَا ٱلْقَوْمَ ٱلَّذِينَ كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ...﴾ الآية.
* *
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي هَـٰذَا لَبَلاَغاً لِّقَوْمٍ عَابِدِينَ﴾.
أي: إن في هذا القرآن لبلاغاً لمن آمن به وعمل بما فيه إلى رضوان الله، أي: يبلغهم القرآن إلى رضوان الله.
وقال أبو هريرة: هم الذين يصلون الصلوات الخمس في المسجد.
وقال سفيان: الثوري: ﴿لِّقَوْمٍ عَابِدِينَ﴾ بلغني أنهم أصحاب الصلوات الخمس.
وقال كعب: ﴿لِّقَوْمٍ عَابِدِينَ﴾ أمة محمد ﷺ وأنهم لأصحاب الصلوات الخمس، سماهم الله صالحين.
وقال ابن عباس: ﴿عَابِدِينَ﴾ عالمين.
وقال ابن جريج: ﴿إِنَّ فِي هَـٰذَا﴾ يعني: هذه السورة.
وقيل: القرآن، فيه تنزل الصلوات الخمس، من أداها كانت له بلاغاً.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾.
أي: للمؤمن والكافر: فهو ﷺ رحمة للمؤمن في الدنيا والآخرة، يعافى في الدنيا من السيف، ومن حلول العذاب من الله، وفي الآخرة من النار، وهو رحمة للكافر إذ عوفي في الدنيا مما أصاب الأمم الماضية من الخسف والقذف بكفرها، قاله ابن عباس.
وقال ابن زيد: العالمون من آمن به خاصة، فهو رحمة للمؤمن.
ثم قال تعالى ذكره: ﴿قُلْ إِنَّمَآ يُوحَىٰ إِلَيَّ أَنَّمَآ إِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ﴾ أي: إنما معبودكم الذي تجب له العبادة واحد، لا معبود غيره. ﴿فَهَلْ أَنتُمْ مُّسْلِمُونَ﴾ أي: فهل أنتم أيها المشركون مذعنون لله، تاركون عبادة غيره من الأوثان والأصنام.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُلْ ءَاذَنتُكُمْ عَلَىٰ سَوَآءٍ﴾.
أي: فإن أدبر هؤلاء المشركون عن توحيد الله والإقرار بما جئتهم به، فقل: آذنتكم على سواء أي: أعلمتكم أني وإياكم على حرب لا صلح بيننا. يعني بذلك قريشاً.
وقال قتادة: ﴿عَلَىٰ سَوَآءٍ﴾ على مهل .
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَإِنْ أَدْرِيۤ أَقَرِيبٌ أَم بَعِيدٌ مَّا تُوعَدُونَ﴾.
أي: قل لهم يا محمد: ما أدري متى يحل بكم عقاب الله على كفركم. أقريب هو أم بعيد.
* *
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّهُ يَعْلَمُ ٱلْجَهْرَ مِنَ ٱلْقَوْلِ وَيَعْلَمُ مَا تَكْتُمُونَ﴾.
أي: قل لهم يا محمد: إن الله يعلم سركم وجهركم، لا يخفى عليه من قولكم ولا من أحوالكم شيء.
* *
ثم قال: ﴿وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَّكُمْ﴾.
أي: ما أدري لعل تأخير العذاب عنكم وإمهال الله إياكم على كفركم فتنة لكم أي: اختبار لكم ﴿وَمَتَاعٌ إِلَىٰ حِينٍ﴾.
أي: وأمتعكم بالبقاء وتأخير العذاب إلى انقضاء المدة.
وقال مجاهد: "إلى حين الموت".
وقال زيد بن أسلم: بلغنا أن رسول الله ﷺ رأى في منامه بني أمية يجلسون على المنابر، فأخبر بذلك فخرج الحكم من عند رسول الله ﷺ فأخبر بذلك بني أمية فقالوا له ارجع فاسأله متى يكون هذا.
فرجع إليه فسأله، فأنزل الله تعالى: ﴿وَإِنْ أَدْرِيۤ أَقَرِيبٌ أَم بَعِيدٌ مَّا تُوعَدُونَ﴾ إلى آخر الآية، ﴿وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَّكُمْ وَمَتَاعٌ إِلَىٰ حِينٍ﴾.
وروى أن الحسن بن علي خطب على الناس إذ سلم الأمر إلى معاوية، وقال في خطبته وهو يلتفت إلى معاوية: قال الله جل ذكره: ﴿وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَّكُمْ وَمَتَاعٌ إِلَىٰ حِينٍ﴾.
* *
ثم قال تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ ٱحْكُم بِٱلْحَقِّ﴾ أي: قل يا محمد: رب افصل بيني وبين من كذبني بإحلال عذابك بهم ونقمتك، وهو الحق الذي أمر الله تعالى نبيه أن يسأله إياه ومثله ﴿رَبَّنَا ٱفْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِٱلْحَقِّ﴾ [الأعراف: ٨٩].
وروى قتادة أن النبي ﷺ كان إذا شهد قتالاً يقول: يا رب احكم بالحق
وقرأ أبو جعفر يزيد: ﴿قَالَ رَبِّ﴾ بالرفع، وهو غلط عند النحويين لا يجوز عندهم رجل أقبل، لأنهم جعلوا يا عوضاً عن المحذوف والأصل يا أيها الرجل.
وقرأ عكرمة والضحاك: ﴿قَالَ رَبِّ﴾ بفتح الياء ﴿ٱحْكُم﴾ بالرفع والهمز على الابتداء. أو الخبر. واحتجا في ذلك بأن الله تعالى لا يحكم إلا بالحق، فكيف يأمره أن يسأل أن يحكم له بالحق. ومعنى ذلك عند العلماء رب عجل حكمك بالحق.
والتقدير عند أبي عبيد: أحكم بحكمك الحق.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَرَبُّنَا ٱلرَّحْمَـٰنُ﴾.
أي: وقل يا محمد: ﴿وَرَبُّنَا ٱلرَّحْمَـٰنُ﴾ أي: الذي يرحم عباده المؤمنين. ﴿ٱلْمُسْتَعَانُ عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ﴾.
أي: الذي استعينه عليكم فيما تقولون وتصفون من قولكم: ﴿مَا هَـٰذَا إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ﴾ [المؤمنون: ٢٤] وقولكم: ﴿بَلِ ٱفْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ﴾ [الأنبياء: ٥]. وكذبكم على الله جل ذكره في قولكم: ﴿ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ وَلَداً﴾ [البقرة: ١١٦] وشبهه من باطلكم.
الأنبياء 21:112
قوله تعالى ذكره: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي ٱلزَّبُورِ﴾ إلى قوله: ﴿عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ﴾ آخر السورة.
المعنى: ولقد كتبنا في كتب الأنبياء كلها والقرآن.
* *
وقوله: ﴿مِن بَعْدِ ٱلذِّكْرِ﴾.
الذكر: أم الكتاب الذي عند الله في السماء.
قاله: مجاهد وابن زيد.
وقال ابن جبير: الزبور: القرآن. والذكر: التوراة.
وقال ابن عباس: الزبور: الكتب التي أنزلت على الأنبياء بعد التوراة. والذكر: التوراة وقاله: الضحاك.
وقال الشعبي: الزبور، زبور داود، والذكر: التوراة.
* *
وقوله: ﴿أَنَّ ٱلأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ ٱلصَّالِحُونَ﴾.
أي: أثبتنا وقضينا في الكتاب من بعد أم الكتاب، أن أرض الجنة يرثها العاملون بطاعة الله. قاله: ابن عباس ومجاهد، وهو قول ابن جبير وابن زيد.
وعن ابن عباس أنه قال: أخبر الله تعالى في التوراة والإنجيل وسابق علمه قبل أن يخلق السماوات والأرض أنه يورث أمة محمد ﷺ الأرض المقدسة.
وقد قيل: ويدخلهم الجنة، وهم الصالحون.
ويدل على أنها أرض الجنة قوله: ﴿وَقَـالُواْ ٱلْحَـمْدُ للَّهِ ٱلَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا ٱلأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ ٱلْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَآءُ﴾.
قال ابن زيد: فالجنة مبتدؤها في الأرض، وتذهب درجاً علواً، والنار مبتدؤها في الأرض وتذهب سفلاً طباقاً، وبينهما حجاب سور، ما يدري أحد ما ذلك السور، وقرأ ﴿بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ ٱلرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ ٱلْعَذَابُ﴾ [الحديد: ١٣]. قال: ودرج النار تذهب سفالاً في الأرض، والجنة تذهب علواً في السماوات.
وقال عامر بن عبد الله: هي الأرض التي تجتمع فيها أرواح المؤمنين حتى يكون البعث.
وعن ابن عباس أيضاً أنه قال: هي أرض الكفار ترثها أمة محمد ﷺ يريد يفتحونها.
وقيل: عُني بذلك بنو إسرائيل، وقد وفى لهم في عز وجل بذلك.
وهو قوله: ﴿وَأَوْرَثْنَا ٱلْقَوْمَ ٱلَّذِينَ كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ...﴾ الآية.
* *
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي هَـٰذَا لَبَلاَغاً لِّقَوْمٍ عَابِدِينَ﴾.
أي: إن في هذا القرآن لبلاغاً لمن آمن به وعمل بما فيه إلى رضوان الله، أي: يبلغهم القرآن إلى رضوان الله.
وقال أبو هريرة: هم الذين يصلون الصلوات الخمس في المسجد.
وقال سفيان: الثوري: ﴿لِّقَوْمٍ عَابِدِينَ﴾ بلغني أنهم أصحاب الصلوات الخمس.
وقال كعب: ﴿لِّقَوْمٍ عَابِدِينَ﴾ أمة محمد ﷺ وأنهم لأصحاب الصلوات الخمس، سماهم الله صالحين.
وقال ابن عباس: ﴿عَابِدِينَ﴾ عالمين.
وقال ابن جريج: ﴿إِنَّ فِي هَـٰذَا﴾ يعني: هذه السورة.
وقيل: القرآن، فيه تنزل الصلوات الخمس، من أداها كانت له بلاغاً.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾.
أي: للمؤمن والكافر: فهو ﷺ رحمة للمؤمن في الدنيا والآخرة، يعافى في الدنيا من السيف، ومن حلول العذاب من الله، وفي الآخرة من النار، وهو رحمة للكافر إذ عوفي في الدنيا مما أصاب الأمم الماضية من الخسف والقذف بكفرها، قاله ابن عباس.
وقال ابن زيد: العالمون من آمن به خاصة، فهو رحمة للمؤمن.
ثم قال تعالى ذكره: ﴿قُلْ إِنَّمَآ يُوحَىٰ إِلَيَّ أَنَّمَآ إِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ﴾ أي: إنما معبودكم الذي تجب له العبادة واحد، لا معبود غيره. ﴿فَهَلْ أَنتُمْ مُّسْلِمُونَ﴾ أي: فهل أنتم أيها المشركون مذعنون لله، تاركون عبادة غيره من الأوثان والأصنام.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُلْ ءَاذَنتُكُمْ عَلَىٰ سَوَآءٍ﴾.
أي: فإن أدبر هؤلاء المشركون عن توحيد الله والإقرار بما جئتهم به، فقل: آذنتكم على سواء أي: أعلمتكم أني وإياكم على حرب لا صلح بيننا. يعني بذلك قريشاً.
وقال قتادة: ﴿عَلَىٰ سَوَآءٍ﴾ على مهل .
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَإِنْ أَدْرِيۤ أَقَرِيبٌ أَم بَعِيدٌ مَّا تُوعَدُونَ﴾.
أي: قل لهم يا محمد: ما أدري متى يحل بكم عقاب الله على كفركم. أقريب هو أم بعيد.
* *
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّهُ يَعْلَمُ ٱلْجَهْرَ مِنَ ٱلْقَوْلِ وَيَعْلَمُ مَا تَكْتُمُونَ﴾.
أي: قل لهم يا محمد: إن الله يعلم سركم وجهركم، لا يخفى عليه من قولكم ولا من أحوالكم شيء.
* *
ثم قال: ﴿وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَّكُمْ﴾.
أي: ما أدري لعل تأخير العذاب عنكم وإمهال الله إياكم على كفركم فتنة لكم أي: اختبار لكم ﴿وَمَتَاعٌ إِلَىٰ حِينٍ﴾.
أي: وأمتعكم بالبقاء وتأخير العذاب إلى انقضاء المدة.
وقال مجاهد: "إلى حين الموت".
وقال زيد بن أسلم: بلغنا أن رسول الله ﷺ رأى في منامه بني أمية يجلسون على المنابر، فأخبر بذلك فخرج الحكم من عند رسول الله ﷺ فأخبر بذلك بني أمية فقالوا له ارجع فاسأله متى يكون هذا.
فرجع إليه فسأله، فأنزل الله تعالى: ﴿وَإِنْ أَدْرِيۤ أَقَرِيبٌ أَم بَعِيدٌ مَّا تُوعَدُونَ﴾ إلى آخر الآية، ﴿وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَّكُمْ وَمَتَاعٌ إِلَىٰ حِينٍ﴾.
وروى أن الحسن بن علي خطب على الناس إذ سلم الأمر إلى معاوية، وقال في خطبته وهو يلتفت إلى معاوية: قال الله جل ذكره: ﴿وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَّكُمْ وَمَتَاعٌ إِلَىٰ حِينٍ﴾.
* *
ثم قال تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ ٱحْكُم بِٱلْحَقِّ﴾ أي: قل يا محمد: رب افصل بيني وبين من كذبني بإحلال عذابك بهم ونقمتك، وهو الحق الذي أمر الله تعالى نبيه أن يسأله إياه ومثله ﴿رَبَّنَا ٱفْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِٱلْحَقِّ﴾ [الأعراف: ٨٩].
وروى قتادة أن النبي ﷺ كان إذا شهد قتالاً يقول: يا رب احكم بالحق
وقرأ أبو جعفر يزيد: ﴿قَالَ رَبِّ﴾ بالرفع، وهو غلط عند النحويين لا يجوز عندهم رجل أقبل، لأنهم جعلوا يا عوضاً عن المحذوف والأصل يا أيها الرجل.
وقرأ عكرمة والضحاك: ﴿قَالَ رَبِّ﴾ بفتح الياء ﴿ٱحْكُم﴾ بالرفع والهمز على الابتداء. أو الخبر. واحتجا في ذلك بأن الله تعالى لا يحكم إلا بالحق، فكيف يأمره أن يسأل أن يحكم له بالحق. ومعنى ذلك عند العلماء رب عجل حكمك بالحق.
والتقدير عند أبي عبيد: أحكم بحكمك الحق.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَرَبُّنَا ٱلرَّحْمَـٰنُ﴾.
أي: وقل يا محمد: ﴿وَرَبُّنَا ٱلرَّحْمَـٰنُ﴾ أي: الذي يرحم عباده المؤمنين. ﴿ٱلْمُسْتَعَانُ عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ﴾.
أي: الذي استعينه عليكم فيما تقولون وتصفون من قولكم: ﴿مَا هَـٰذَا إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ﴾ [المؤمنون: ٢٤] وقولكم: ﴿بَلِ ٱفْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ﴾ [الأنبياء: ٥]. وكذبكم على الله جل ذكره في قولكم: ﴿ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ وَلَداً﴾ [البقرة: ١١٦] وشبهه من باطلكم.
الحج 22:1
قوله تعالى ذكره: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ ٱلسَّاعَةِ﴾ إلى قوله: ﴿وَلَـٰكِنَّ عَذَابَ ٱللَّهِ شَدِيدٌ﴾.
المعنى: يا أيها الناس احذروا عقاب الله وأطيعوه إن زلزلة الساعة شيء عظيم.
قال ابن جريج: زلزلتها: أشراطها في الدنيا.
وروى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: إن الله جل ذكره لما فرغ من خلق السماوات والأرض، خلق الصور، فأعطاه إسرافيل فهو واضعه على فيه، شاخص ببصره إلى العرش ينتظر متى يؤمر.
قال أبو هريرة: وما الصور؟ قال النبي ﷺ: قرن. قال: وكيف هو؟ قال: قرن عظيم، ينفخ فيه ثلاث نفخات: الأولى نفخة الفزع، والثانية نفخة الصعق، والثالثة نفخة القيام لرب العالمين جل وعز، يأمر الله إسرافيل بالنفخة الأولى، فيقول انفخ نفخة الفزع، فيفزع أهل السماوات الأرض إلا من شاء الله، ويأمره فيطوِّلُها، فلا يفتر، وهي التي يقول الله عز وجل: ﴿وَمَا يَنظُرُ هَـٰؤُلآءِ إِلاَّ صَيْحَةً واحِدَةً مَّا لَهَا مِن فَوَاقٍ﴾ أي: من راحة. فيسير الله الجبال فتكون سراباً، وترج الأرض بأهلها رجاً، وهي التي يقول الله: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ ٱلرَّاجِفَةُ * تَتْبَعُهَا ٱلرَّادِفَةُ * قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ﴾ وتكون الأرض كالسفينة الموبقة تضربها الرياح تُكفأ بأهلها، أو كالقنديل المعلق بالعرش ترجحه الرياح فيميد الناس على ظهرها، فتذهل المراضع، وتضع الحوامل ويشيب الولدان، وتطير الشياطين هاربة حتى تأتي الأقطار فتلقاها الملائكة، فتضرب وجوهها، فترجع، ويولي الناس مدبرين، ينادي بعضهم بعضاً، وهو الذي يقول الله ﴿يَوْمَ ٱلتَّنَادِ * يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ...﴾ إلى قوله ﴿...هَادٍ﴾ فبينما هم على ذلك إذ تصدعت الأرض من قطر إلى قطر. فرأوا أمراً عظيماً، فأخذهم لذلك من الكرب ما الله أعلم به. ثم نظروا في السماء، فإذا هي كالمهل، ثم خسف شمسها وقمرها، وانتثرت نجومها ثم كشطت عنهم، قال رسول الله ﷺ: والأموات لا يعلمون بشيء من ذلك. فقال أبو هريرة: فمن استثنى الله عز وجل حين يقول: ﴿فَفَزِعَ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَن فِي ٱلأَرْضِ إِلاَّ مَن شَآءَ ٱللَّهُ﴾ قال: أولئك الشهداء، وإنما يصل الفزع إلى الأحياء، أولئك أحياء عند ربهم يرزقون فرحين وقاهم الله فزع ذلك اليوم، وأمنهم، وهو عذاب الله يبعثه على شرار خلقه، وهو الذي يقول جل ذكره: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ ٱلسَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ...﴾ إلى قوله ﴿...شَدِيدٌ﴾
وقال الحسن: بلغني أن رسول الله ﷺ لما قفل من غزوة العسر، ومعه أصحابه، فقال: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ ٱلسَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ...﴾ إلى قوله: ﴿...شَدِيدٌ﴾. ثم قال: أتدرون أي يوم ذلك؟ قيل له: الله ورسوله أعلم. قال: ذلك يوم يقول الله جل ذكره لآدم: قم فابعث بعث النار، فيقول آدم: يا رب، وما بعث النار؟ فيقول: ابعث لكل ألف تسعة وتسعين وتسع مائة إلى النار، وواحد إلى الجنة قال: فاشتد ذلك على الناس حتى لم يبدوا عن واضحة. فلما رأى ما في وجوههم قال لهم: اعملوا وابشروا، فوالله ما أنتم في الناس إلا كالرقمة في ذراع الدابة، أو كالشامة في جنب البعير، إنه لم يكن رسولان إلا وبينهما فترة من جاهلية، وأهل الجاهلية أهل النار بين ظهراني خليقتين لا يعادهم أحد من أهل الأرض إلا كثروهم، يأجوج ومأجوج، وتكملة العدد من المنافقين
وروي عن الحسن أنه قال: يخرج من النار رجل بعد ألف عام. فقال الحسن: يا ليتني أنا ذلك الرجل.
وقال قوم: يراد بهذا كله يوم القيامة، فمن قال: هو يوم القيامة قال: المعنى: يوم يرون القيامة. ومن قال: هو قبل يوم القيامة قال: المعنى: يوم يرون أشراطها تذهل. وظاهر النص يدل على أن "الهاء" في "ترونها" تعود على الزلزلة. أي: يوم ترون الزلزلة، وذلك من أشراط الساعة، وهو ظاهر النص، لأن يوم القيامة لا حامل فيها ولا مرضعة. إنما ذلك في الدنيا، فهو وقت تظهر فيه الزلازل والأشراط والشدائد الدالة على قيام الساعة فتذهب المرضعات عن أولادها، وتضع الحوامل حملهن لشدة ذلك، وعظيم خوفه وصعوبته ولما يلقى فيه من الهلع والفزع.
وقول من قال: هو يوم القيامة يدل عليه ما رواه عمران بن الحصين قال: بينما رسول الله ﷺ في بعض مغازيه وقد فاوت السير بأصحابه إذ نادى رسول الله بهذه الآية ﴿يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمْ...﴾ فحثوا المطي حتى كانوا حول رسول الله ﷺ فقال: هل تدرون أي يوم ذلك؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: ذلك يوم ينادى آدم يناديه ربه، ابعث بعثة النار من كل ألف تسع مائة وتسع وتسعون إلى النار، وواحد إلى الجنة. قال: فأبلس القوم، فما وضح منهم ضاحك، فقال النبي ﷺ:
اعلموا وأبشروا، فإن معكم خليقتين ما كانتا في قوم إلا كثرتاه، فمن هلك من بني آدم ومن هلك من بني إبليس ويأجوج ومأجوج. ثم قال: ألا أبشروا ما أنتم في الناس إلا كالشامة في جنب البعير أو كالرقمة في ذراع الناقة، وكذلك رواه الخدري وأنس بن مالك، فهذا الحديث أصح من الأول طريقاً وزاد الحسن في الحديث أن النبي ﷺ. قال فيه ولم يكن رسولان إلا كان بينهما فترة من الجاهلية، فهم أهل النار، وإنكم بين ظهراني خليقتين لا يعادهما أحد من أهل الأرض إلا كثروهم يأجوج ومأجوج، وهم أهل النار. وتكمل العدة من المنافقين.
وقال ابن مسعود: سمعت النبي ﷺ يقول: "أترضون أن تكونوا ربع أهل الجنة؟ قلنا: نعم. فقال: "أترضون أن تكونوا ثلث أهل الجنة؟ قلنا: نعم. قال: فوالذي نفسي بيده إني لأرجو أن تكونوا شطر أهل الجنة، وسأخبركم عن ذلك. إنه لا يدخل الجنة إلا نفس مسلمة، وإن قلة المسلمين في الكفار يوم القيامة كالشعرة السوداء في الثور الأبيض. وكالشعرة البيضاء في الثور الأسود
ثم قال تعالى: ﴿يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّآ أَرْضَعَتْ﴾.
أتت مرضعة بالهاء، لجريانها على الفعل ويجوز مرضع، كما قال: امرأة حائض وطامث وطالق. والأصل: الهاء. ولكن جرى عند سيبويه على معنى شيء حائض وطامث.
وقال الفراء: إنما قالوا: حائض وطامث، لأن المذكر لا حظَّ له في هذا الوصف. فلم يحتج إلى هاء في المؤنث. وقالوا: قائم وقائمة، فِأتوا بالهاء في المؤنث لأِنه يقع للمؤنث والمذكر وهذا القول ينتقض على الفراء لأنهم قالوا: ناقة ضامر، وبعير ضامر، وناقة ساغل وبعير ساغل، ورجل عانس وامرأة عانس فلم يدخلوا الهاء في المؤنث، وقد شاركه المذكر في الفعل. وحذف الهاء عند سيبويه في هذا على أصله على تقديره بشيء عانس وساغل ونحوه، وينتقض على الفراء قوله بقولهم: حاضت الجارية وطلقت المرأة. فلو كان حرف الهاء من أجل أنه لا يشترك فيه المذكر مع المؤنث، ولم تدخل علامة التأنيث في حاضت وطمثت وينقض أيضاً قوله في قولهم رجل بالغ وامرأة بالغ، ورجل آثم وامرأة آثم. ومعنى تذهل: تنسى وتترك ولدها من هول ثقل ما ترى وتضع الحامل حملها قبل بلوغ وقته. ﴿وَتَرَى ٱلنَّاسَ سُكَارَىٰ﴾ من الخوف ﴿وَمَا هُم بِسُكَارَىٰ وَلَـٰكِنَّ عَذَابَ ٱللَّهِ شَدِيدٌ﴾.
قالت عائشة رضي الله عنها: كان النبي ﷺ في حجري فقطرت دموعي على خده، فاستيقظ فقال: ما يبكيك؟ فقلت: ذكرت القيامة وهولها. فهل يذكرون أهلهم يا رسول الله؟ فقال: يا عائشة ثلاثة مواطن لا يذكر فيها أحد إلا نفسه، عند الميزان حتى يعلم أيخف ميزانه أم يثقل. وعند الصحف حتى يعلم ما في صحيفته وعند الصراط حتى يجاوزه
وروي عن ابن عباس أنه قال: نزلت هاتان الآيتان على النبي ﷺ وهو يسير فكف ثم قرأهما على الناس ثلاثة مرات ثم قال: "يا أيها الناس، أتدرون أي يوم ذلك؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: فإنه اليوم الذي يقول الله فيه لآدم: ابعث بعث النار من ولدك. فيقول: أي رب، من كل كم؟ فيقول: من كل ألف تسع مائة وتسعة وتسعون إلى النار وواحد إلى الجنة. قال رسول الله ﷺ: فيسكر الكبير يومئذ من غير شراب، ويشيب الصغير، ثم مضى رسول الله ﷺ حتى نزل ونزل الناس ثم راحوا إلى نبي الله، فقالوا: يا رسول الله، ما سمعنا شيئاً قط أوجع لقلوبنا ولا أشد علينا من شيء حدثتنا به اليوم. فقال لهم رسول الله ﷺ: أبشروا فإني أرجو أن تكونوا شطر أهل الجنة، فإن الأمم عرضت علي فرأيت النبي يأتي في الثمانية رهط ويأتي النبي في الأربعة ويأتي الآخر في الاثنين، حتى رأيت النبي وليس يأتي معه أحد من أمته، حتى رأيت أمة أعجبني كثرتها فقلت أي رب، أمتي هذه؟ فقال: لا، بل هذا موسى ﷺ ومن تبعه، ثم رأيت أمة أخرى أعجبني كثرتها، فقلت: أي رب، أمتي هذه؟ قال: لا. بل هذا يونس ومن تبعه. ثم رأيت أمة أخرى أعجبني كثرتها فقلت: أي رب، أمتي هذه؟ قال: لا، بل هذا عيسى ومن تبعه. فقلت: أي رب، فأين أمتي؟ قال لي: انظر، فنظرت قبل طريق مكة فإذا أنا بناس كثير. ثم قال: انظر: فنظرت قبل طريق الشام، فإذا أنا بناس كثير ثم قال: انظر، فنظرت قبل طريق العراق، فإذا أنا بناس كثير، ثم قال: انظر، فنظرت تحتي، فإذا كل شيء ينتغش من الناس من كثرتهم فقلت: أي رب، قد رضيت. قال: فإن مع هذا سبعين ألفاً ليس عليهم حساب ولا عذاب، فقام عكاشة بن محصن الأسدي أخو بني غنم فقال: يا رسول الله، أدع الله أن يجعلني منهم، قال: جعلك الله منهم فقام رجل آخر من الأنصار فقال: يا رسول الله، ادع الله أن يجعلني منهم، فقال: سبقك بها عكاشة
وقوله: ﴿وَتَرَى ٱلنَّاسَ سُكَارَىٰ﴾.
رجع من مخاطبة الجماعة من الناس إلى مخاطبة النبي ﷺ كما جاز أن يخرج عن مخاطبة النبي ﷺ إلى مخاطبة الجماعة في قوله تعالى: ﴿يٰأيُّهَا ٱلنَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ﴾.
الحج 22:2
قوله تعالى ذكره: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ ٱلسَّاعَةِ﴾ إلى قوله: ﴿وَلَـٰكِنَّ عَذَابَ ٱللَّهِ شَدِيدٌ﴾.
المعنى: يا أيها الناس احذروا عقاب الله وأطيعوه إن زلزلة الساعة شيء عظيم.
قال ابن جريج: زلزلتها: أشراطها في الدنيا.
وروى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: إن الله جل ذكره لما فرغ من خلق السماوات والأرض، خلق الصور، فأعطاه إسرافيل فهو واضعه على فيه، شاخص ببصره إلى العرش ينتظر متى يؤمر.
قال أبو هريرة: وما الصور؟ قال النبي ﷺ: قرن. قال: وكيف هو؟ قال: قرن عظيم، ينفخ فيه ثلاث نفخات: الأولى نفخة الفزع، والثانية نفخة الصعق، والثالثة نفخة القيام لرب العالمين جل وعز، يأمر الله إسرافيل بالنفخة الأولى، فيقول انفخ نفخة الفزع، فيفزع أهل السماوات الأرض إلا من شاء الله، ويأمره فيطوِّلُها، فلا يفتر، وهي التي يقول الله عز وجل: ﴿وَمَا يَنظُرُ هَـٰؤُلآءِ إِلاَّ صَيْحَةً واحِدَةً مَّا لَهَا مِن فَوَاقٍ﴾ أي: من راحة. فيسير الله الجبال فتكون سراباً، وترج الأرض بأهلها رجاً، وهي التي يقول الله: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ ٱلرَّاجِفَةُ * تَتْبَعُهَا ٱلرَّادِفَةُ * قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ﴾ وتكون الأرض كالسفينة الموبقة تضربها الرياح تُكفأ بأهلها، أو كالقنديل المعلق بالعرش ترجحه الرياح فيميد الناس على ظهرها، فتذهل المراضع، وتضع الحوامل ويشيب الولدان، وتطير الشياطين هاربة حتى تأتي الأقطار فتلقاها الملائكة، فتضرب وجوهها، فترجع، ويولي الناس مدبرين، ينادي بعضهم بعضاً، وهو الذي يقول الله ﴿يَوْمَ ٱلتَّنَادِ * يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ...﴾ إلى قوله ﴿...هَادٍ﴾ فبينما هم على ذلك إذ تصدعت الأرض من قطر إلى قطر. فرأوا أمراً عظيماً، فأخذهم لذلك من الكرب ما الله أعلم به. ثم نظروا في السماء، فإذا هي كالمهل، ثم خسف شمسها وقمرها، وانتثرت نجومها ثم كشطت عنهم، قال رسول الله ﷺ: والأموات لا يعلمون بشيء من ذلك. فقال أبو هريرة: فمن استثنى الله عز وجل حين يقول: ﴿فَفَزِعَ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَن فِي ٱلأَرْضِ إِلاَّ مَن شَآءَ ٱللَّهُ﴾ قال: أولئك الشهداء، وإنما يصل الفزع إلى الأحياء، أولئك أحياء عند ربهم يرزقون فرحين وقاهم الله فزع ذلك اليوم، وأمنهم، وهو عذاب الله يبعثه على شرار خلقه، وهو الذي يقول جل ذكره: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ ٱلسَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ...﴾ إلى قوله ﴿...شَدِيدٌ﴾
وقال الحسن: بلغني أن رسول الله ﷺ لما قفل من غزوة العسر، ومعه أصحابه، فقال: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ ٱلسَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ...﴾ إلى قوله: ﴿...شَدِيدٌ﴾. ثم قال: أتدرون أي يوم ذلك؟ قيل له: الله ورسوله أعلم. قال: ذلك يوم يقول الله جل ذكره لآدم: قم فابعث بعث النار، فيقول آدم: يا رب، وما بعث النار؟ فيقول: ابعث لكل ألف تسعة وتسعين وتسع مائة إلى النار، وواحد إلى الجنة قال: فاشتد ذلك على الناس حتى لم يبدوا عن واضحة. فلما رأى ما في وجوههم قال لهم: اعملوا وابشروا، فوالله ما أنتم في الناس إلا كالرقمة في ذراع الدابة، أو كالشامة في جنب البعير، إنه لم يكن رسولان إلا وبينهما فترة من جاهلية، وأهل الجاهلية أهل النار بين ظهراني خليقتين لا يعادهم أحد من أهل الأرض إلا كثروهم، يأجوج ومأجوج، وتكملة العدد من المنافقين
وروي عن الحسن أنه قال: يخرج من النار رجل بعد ألف عام. فقال الحسن: يا ليتني أنا ذلك الرجل.
وقال قوم: يراد بهذا كله يوم القيامة، فمن قال: هو يوم القيامة قال: المعنى: يوم يرون القيامة. ومن قال: هو قبل يوم القيامة قال: المعنى: يوم يرون أشراطها تذهل. وظاهر النص يدل على أن "الهاء" في "ترونها" تعود على الزلزلة. أي: يوم ترون الزلزلة، وذلك من أشراط الساعة، وهو ظاهر النص، لأن يوم القيامة لا حامل فيها ولا مرضعة. إنما ذلك في الدنيا، فهو وقت تظهر فيه الزلازل والأشراط والشدائد الدالة على قيام الساعة فتذهب المرضعات عن أولادها، وتضع الحوامل حملهن لشدة ذلك، وعظيم خوفه وصعوبته ولما يلقى فيه من الهلع والفزع.
وقول من قال: هو يوم القيامة يدل عليه ما رواه عمران بن الحصين قال: بينما رسول الله ﷺ في بعض مغازيه وقد فاوت السير بأصحابه إذ نادى رسول الله بهذه الآية ﴿يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمْ...﴾ فحثوا المطي حتى كانوا حول رسول الله ﷺ فقال: هل تدرون أي يوم ذلك؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: ذلك يوم ينادى آدم يناديه ربه، ابعث بعثة النار من كل ألف تسع مائة وتسع وتسعون إلى النار، وواحد إلى الجنة. قال: فأبلس القوم، فما وضح منهم ضاحك، فقال النبي ﷺ:
اعلموا وأبشروا، فإن معكم خليقتين ما كانتا في قوم إلا كثرتاه، فمن هلك من بني آدم ومن هلك من بني إبليس ويأجوج ومأجوج. ثم قال: ألا أبشروا ما أنتم في الناس إلا كالشامة في جنب البعير أو كالرقمة في ذراع الناقة، وكذلك رواه الخدري وأنس بن مالك، فهذا الحديث أصح من الأول طريقاً وزاد الحسن في الحديث أن النبي ﷺ. قال فيه ولم يكن رسولان إلا كان بينهما فترة من الجاهلية، فهم أهل النار، وإنكم بين ظهراني خليقتين لا يعادهما أحد من أهل الأرض إلا كثروهم يأجوج ومأجوج، وهم أهل النار. وتكمل العدة من المنافقين.
وقال ابن مسعود: سمعت النبي ﷺ يقول: "أترضون أن تكونوا ربع أهل الجنة؟ قلنا: نعم. فقال: "أترضون أن تكونوا ثلث أهل الجنة؟ قلنا: نعم. قال: فوالذي نفسي بيده إني لأرجو أن تكونوا شطر أهل الجنة، وسأخبركم عن ذلك. إنه لا يدخل الجنة إلا نفس مسلمة، وإن قلة المسلمين في الكفار يوم القيامة كالشعرة السوداء في الثور الأبيض. وكالشعرة البيضاء في الثور الأسود
ثم قال تعالى: ﴿يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّآ أَرْضَعَتْ﴾.
أتت مرضعة بالهاء، لجريانها على الفعل ويجوز مرضع، كما قال: امرأة حائض وطامث وطالق. والأصل: الهاء. ولكن جرى عند سيبويه على معنى شيء حائض وطامث.
وقال الفراء: إنما قالوا: حائض وطامث، لأن المذكر لا حظَّ له في هذا الوصف. فلم يحتج إلى هاء في المؤنث. وقالوا: قائم وقائمة، فِأتوا بالهاء في المؤنث لأِنه يقع للمؤنث والمذكر وهذا القول ينتقض على الفراء لأنهم قالوا: ناقة ضامر، وبعير ضامر، وناقة ساغل وبعير ساغل، ورجل عانس وامرأة عانس فلم يدخلوا الهاء في المؤنث، وقد شاركه المذكر في الفعل. وحذف الهاء عند سيبويه في هذا على أصله على تقديره بشيء عانس وساغل ونحوه، وينتقض على الفراء قوله بقولهم: حاضت الجارية وطلقت المرأة. فلو كان حرف الهاء من أجل أنه لا يشترك فيه المذكر مع المؤنث، ولم تدخل علامة التأنيث في حاضت وطمثت وينقض أيضاً قوله في قولهم رجل بالغ وامرأة بالغ، ورجل آثم وامرأة آثم. ومعنى تذهل: تنسى وتترك ولدها من هول ثقل ما ترى وتضع الحامل حملها قبل بلوغ وقته. ﴿وَتَرَى ٱلنَّاسَ سُكَارَىٰ﴾ من الخوف ﴿وَمَا هُم بِسُكَارَىٰ وَلَـٰكِنَّ عَذَابَ ٱللَّهِ شَدِيدٌ﴾.
قالت عائشة رضي الله عنها: كان النبي ﷺ في حجري فقطرت دموعي على خده، فاستيقظ فقال: ما يبكيك؟ فقلت: ذكرت القيامة وهولها. فهل يذكرون أهلهم يا رسول الله؟ فقال: يا عائشة ثلاثة مواطن لا يذكر فيها أحد إلا نفسه، عند الميزان حتى يعلم أيخف ميزانه أم يثقل. وعند الصحف حتى يعلم ما في صحيفته وعند الصراط حتى يجاوزه
وروي عن ابن عباس أنه قال: نزلت هاتان الآيتان على النبي ﷺ وهو يسير فكف ثم قرأهما على الناس ثلاثة مرات ثم قال: "يا أيها الناس، أتدرون أي يوم ذلك؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: فإنه اليوم الذي يقول الله فيه لآدم: ابعث بعث النار من ولدك. فيقول: أي رب، من كل كم؟ فيقول: من كل ألف تسع مائة وتسعة وتسعون إلى النار وواحد إلى الجنة. قال رسول الله ﷺ: فيسكر الكبير يومئذ من غير شراب، ويشيب الصغير، ثم مضى رسول الله ﷺ حتى نزل ونزل الناس ثم راحوا إلى نبي الله، فقالوا: يا رسول الله، ما سمعنا شيئاً قط أوجع لقلوبنا ولا أشد علينا من شيء حدثتنا به اليوم. فقال لهم رسول الله ﷺ: أبشروا فإني أرجو أن تكونوا شطر أهل الجنة، فإن الأمم عرضت علي فرأيت النبي يأتي في الثمانية رهط ويأتي النبي في الأربعة ويأتي الآخر في الاثنين، حتى رأيت النبي وليس يأتي معه أحد من أمته، حتى رأيت أمة أعجبني كثرتها فقلت أي رب، أمتي هذه؟ فقال: لا، بل هذا موسى ﷺ ومن تبعه، ثم رأيت أمة أخرى أعجبني كثرتها، فقلت: أي رب، أمتي هذه؟ قال: لا. بل هذا يونس ومن تبعه. ثم رأيت أمة أخرى أعجبني كثرتها فقلت: أي رب، أمتي هذه؟ قال: لا، بل هذا عيسى ومن تبعه. فقلت: أي رب، فأين أمتي؟ قال لي: انظر، فنظرت قبل طريق مكة فإذا أنا بناس كثير. ثم قال: انظر: فنظرت قبل طريق الشام، فإذا أنا بناس كثير ثم قال: انظر، فنظرت قبل طريق العراق، فإذا أنا بناس كثير، ثم قال: انظر، فنظرت تحتي، فإذا كل شيء ينتغش من الناس من كثرتهم فقلت: أي رب، قد رضيت. قال: فإن مع هذا سبعين ألفاً ليس عليهم حساب ولا عذاب، فقام عكاشة بن محصن الأسدي أخو بني غنم فقال: يا رسول الله، أدع الله أن يجعلني منهم، قال: جعلك الله منهم فقام رجل آخر من الأنصار فقال: يا رسول الله، ادع الله أن يجعلني منهم، فقال: سبقك بها عكاشة
وقوله: ﴿وَتَرَى ٱلنَّاسَ سُكَارَىٰ﴾.
رجع من مخاطبة الجماعة من الناس إلى مخاطبة النبي ﷺ كما جاز أن يخرج عن مخاطبة النبي ﷺ إلى مخاطبة الجماعة في قوله تعالى: ﴿يٰأيُّهَا ٱلنَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ﴾.
الحج 22:3
قوله تعالى ذكره: ﴿وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي ٱللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ إلى قوله: ﴿وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَّرِيدٍ﴾.
هذه الآية نزلت في النضر بن الحارث كان يخاصم ويزعم أن الله جل ذكره غير قادر على إحياء من بلى وعاد تراباً، بغير علم له في ذلك. ﴿وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَّرِيدٍ﴾.
أي يتبع في قوله ذلك كل شيطان مارد. والمريد والمارد: المتجاوز في الشر القوي فيه. ومنه قيل: صخرة مرداء، أي: ملساء. ومنه: الأمرد.
وقيل: نزلت في أبي جهل بن هشام.
* *
ثم قال تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَن تَوَلاَّهُ﴾.
أي: كتب على الشيطان أي: قضى على الشيطان أنه تولاه. الهاء في "أنه" مجهول تفسره الجملة التي بعده. و "تولاه". أي: تولى الشيطان. أي: فمن اتبع الشيطان من خلق الله، فإنه يضله. أي: فإن الشيطان يضل من اتبعه، ﴿وَيَهْدِيهِ إِلَىٰ عَذَابِ ٱلسَّعِيرِ﴾.
أي: يسوقه إليه بطاعته له، ومعصيته لله، فالهاء في "عليه" و "تولاه" و "فإنه" تعود على الشيطان.
* *
ثم قال: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ ٱلْبَعْثِ﴾.
أي: إن كنتم في شك من أنكم تبعثون وتعودون كما كنتم فتدبروا خلقكم وابتداءكم، فإنكم لا تجدون فرقاً بين الابتداء والإعادة، إذ خلقناكم من تراب، يعني آدم. "ثم من نطفة" يعني ولد آدم، ثم من علقة، ثم من مضغة، ثم يخرجكم طفلاً. فإذا تدبرتم ابتداءكم وانتقال أحوالكم، علمتم أن من قدر على هذا أنه قادر على الإعادة، فالنطفة ماء الرجل، والعلقة: الدم، والمضغة: لحمة صغيرة بقدر ما يمضغ. وقوله: ﴿مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ﴾. قيل: هو من نعت النطفة. فالمخلقة ما كان خلقاً سوياً، وغير المخلقة ما ألقت الأرحام من النطف قبل أن تكونوا خلقاً. قال ابن عمر: إذا وقعت النطفة في الرحم، بعث الله ملكاً، فقال: يا رب مخلقة أو غير مخلقة، فإن قال غير مخلقة، مجتها الأرحام دماً وإن قال: مخلقة، قال يا رب: ما صفة هذه النطفة؟ أذكر أم أنثى؟ ما رزقها؟ ما أجلها؟ أشقي أم سعيد؟ قال: فيقال: انطلق إلى أم الكتاب، فاستنسخ منه صفة هذه النطفة. قال: فينطلق الملك، فينسخها، فلا تزال معه حتى يأتي على آخر صفتها.
وقيل: معناه، تامة أو غير تامة، وهو قول قتادة.
وقال مجاهد: هو السقط، مخلق وغير مخلق.
وقال الشعبي: بعد المضغة تكون مخلقة، وهو الخلق الرابع، وإذا قذفها الرحم قيل فهي غير مخلقة.
وقال ابن مسعود: سمعت رسول الله ﷺ يقول: - وهو الصادق المصدوق - يجمع خلق كل أحدكم في بطن أمه أربعين يوماً، ثم يكون علقة أربعين يوماً، ثم يكون مضغة أربعين يوماً، ثم يبعث الله إليه ملكاً، فيقول: أكتب عمله وأجله ورزقه واكتب شقياً أو سعيداً
وقال عبد الله: والذي نفسي بيده، إن الرجل ليعمل عمل أهل السعادة، فيعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع ثم يدركه الشقاء، فيعمل بعمل أهل النار والشقاء، فيدخل النار.
واختار الطبري أن تكون المخلقة المصورة خلقاً تاماً، وغير مخلقة السقط قبل تمام خلقه فيكون مخلقة وغير مخلقة من نعت المضغة، لأنه ليس بعد المضغة إلا التصوير.
* *
ثم قال تعالى: ﴿لِّنُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ أي: فعلنا ذلك لنبين لكم قدرتنا على ما نشاء. أي: ذكرنا لكم أحوال الابتداء، لنبين لكم أثر الصنعة والقدرة. فقوله: ﴿لِّنُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ جواب للقصة المذكورة في خلق الإنسان كلها. أي: أخبرناكم بهذه القدرة في خلقكم لنبين لكم أن البعث حق.
ثم ابتدأ بخبر آخر فقال: ﴿وَنُقِرُّ فِي ٱلأَرْحَامِ﴾ ولذلك ارتفع، ولا يجوز نصبه على العطف على "لنبين"، لأنه لم يذكر القصة في قدرته ليقر في الأرحام ما يشاء، إنما ذكرها ليدل على صحة وقوع البعث بعد الموت. والمعنى: ﴿وَنُقِرُّ فِي ٱلأَرْحَامِ مَا نَشَآءُ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى﴾، أي: ونبقي في الأرحام من نشاء حياته فلا يسقط إلى وقت ولادته فيخرج طفلاً.
* *
وقوله: ﴿ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلاً﴾.
أي: يخرج كل واحد منكم طفلاً.
* *
وقوله: ﴿ثُمَّ لِتَبْلُغُوۤاْ أَشُدَّكُمْ﴾ أي: ثم نعمركم لتبلغوا أشدكم.
وقيل: معناه: ثم نخرجكم طفلاً لتبلغوا أشدكم.
والأول أحسن، لأن هذا، يوجب زيادة "ثم"، ولا يحسن زيادتها، بل لا بد لها من فائدة، وهو ما ذكرنا من التعبير ليقع به البلوغ إلى الأشد. ومعنى أشدكم. أي كمال عقولكم ﴿وَمِنكُمْ مَّن يُتَوَفَّىٰ﴾.
أي: من قبل بلوغ أشده فيموت.
* *
﴿وَمِنكُمْ مَّن يُرَدُّ إِلَىٰ أَرْذَلِ ٱلْعُمُرِ﴾.
أي: من ينسأ في أجله فيعمر حتى يهرم، فيرد إلى أرذل عمره.
وروي عن علي رضي الله عنه أنه قال: أرذل العمر، خمسة وسبعون عاماً.
* *
ثم قال: ﴿لِكَيْلاَ يَعْلَمَ مِن بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً﴾.
أي: ليصير لا علم له بالأشياء بعدما كان عالماً بها.
* *
ثم قال: ﴿وَتَرَى ٱلأَرْضَ هَامِدَةً﴾.
أي: يابسة دارسة لا نبات فيها، وأصل الهمود، الدروس والدثور.
﴿فَإِذَآ أَنزَلْنَا عَلَيْهَا ٱلْمَآءَ ٱهْتَزَّتْ﴾ أي: تحركت بالنبات.
﴿وَرَبَتْ﴾ أي: وأضعفت النبات بمجيء الغيث.
قال قتادة: ﴿ٱهْتَزَّتْ وَرَبَتْ﴾ حسنت وعرف الغيث في ربوعها.
وقيل: التقدير: فإذا أنزلنا عليها الماء ربت واهتزت، فيكون المهتز الزرع، يتحرك إذا نبت على الحقيقة، فيرد المعنى إلى النبات. وظاهر الإخبار عن الأرض.
* *
وقوله: ﴿وَتَرَى﴾ رجوع من خطاب جماعة إلى خطاب واحد وهو حسن، قد تقدم نظائره.
وقرأ أبو جعفر القاري: ﴿وَأَنبَتَتْ﴾ بالهمز. أي: ارتفعت حتى صارت بمنزلة الربيئة. وهو الذي يحفظ القوم على شيء مشرف يقال: هو رأبئ القوم وربيئتهم. وفعيل: للمبالغة.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَأَنبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾.
أي: من كل نوع حسن، يعني من النبات. ﴿بَهِيجٍ﴾ بمعنى مبهج أي: يبهج من رآه حسنُه.
* *
ثم قال تعالى: ﴿ذٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْحَقُّ﴾.
أي: فعل الله ذلك بأنه الحق، أو الأمر ذلك بأنه الحق.
أي: هذا الذي تقدم ذكره من عظيم القدرة في خلق الإنسان، والأرض وغير ذلك، فعله بأنه الحق الذي لا شك فيه، وإن ما سواه باطل لا يقدر على شيء من ذلك. ومن فعل هذه القدرة، فهو قادر على قيام الساعة، وبعث من في القبور، فهو كله مَثَلٌ بعد مثل في تحقيق قيام الساعة وإحياء الموتى كما أحيا الإنسان من نطفة، ثم نقله من حال إلى حال. وكما أحيا الأرض بعد دروسها، وكذلك احتج في قوله: ﴿ذٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْحَقُّ...﴾ إلى ﴿ٱلْقُبُورِ﴾ وعلى إعادة الموتى وعلى ما يريد، ولذلك قال: ﴿وَأَنَّهُ يُحْيِـي ٱلْمَوْتَىٰ وَأَنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * وَأَنَّ ٱلسَّاعَةَ آتِيَةٌ لاَّ رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ ٱللَّهَ يَبْعَثُ مَن فِي ٱلْقُبُورِ﴾. فلا تَشُكُّوا في ذلك.
* *
ثم قال تعالى: ﴿ومِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي ٱللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلاَ هُدًى﴾.
أي: من يخاصم في توحيد الله بغير علم ولا هدى. أي: وبغير هدى وبغير كتاب منير، أي ينير حجته، فتضيء له.
ونزلت أيضاً هذه الآية في النضر بن الحارث.
الحج 22:4
قوله تعالى ذكره: ﴿وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي ٱللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ إلى قوله: ﴿وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَّرِيدٍ﴾.
هذه الآية نزلت في النضر بن الحارث كان يخاصم ويزعم أن الله جل ذكره غير قادر على إحياء من بلى وعاد تراباً، بغير علم له في ذلك. ﴿وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَّرِيدٍ﴾.
أي يتبع في قوله ذلك كل شيطان مارد. والمريد والمارد: المتجاوز في الشر القوي فيه. ومنه قيل: صخرة مرداء، أي: ملساء. ومنه: الأمرد.
وقيل: نزلت في أبي جهل بن هشام.
* *
ثم قال تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَن تَوَلاَّهُ﴾.
أي: كتب على الشيطان أي: قضى على الشيطان أنه تولاه. الهاء في "أنه" مجهول تفسره الجملة التي بعده. و "تولاه". أي: تولى الشيطان. أي: فمن اتبع الشيطان من خلق الله، فإنه يضله. أي: فإن الشيطان يضل من اتبعه، ﴿وَيَهْدِيهِ إِلَىٰ عَذَابِ ٱلسَّعِيرِ﴾.
أي: يسوقه إليه بطاعته له، ومعصيته لله، فالهاء في "عليه" و "تولاه" و "فإنه" تعود على الشيطان.
* *
ثم قال: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ ٱلْبَعْثِ﴾.
أي: إن كنتم في شك من أنكم تبعثون وتعودون كما كنتم فتدبروا خلقكم وابتداءكم، فإنكم لا تجدون فرقاً بين الابتداء والإعادة، إذ خلقناكم من تراب، يعني آدم. "ثم من نطفة" يعني ولد آدم، ثم من علقة، ثم من مضغة، ثم يخرجكم طفلاً. فإذا تدبرتم ابتداءكم وانتقال أحوالكم، علمتم أن من قدر على هذا أنه قادر على الإعادة، فالنطفة ماء الرجل، والعلقة: الدم، والمضغة: لحمة صغيرة بقدر ما يمضغ. وقوله: ﴿مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ﴾. قيل: هو من نعت النطفة. فالمخلقة ما كان خلقاً سوياً، وغير المخلقة ما ألقت الأرحام من النطف قبل أن تكونوا خلقاً. قال ابن عمر: إذا وقعت النطفة في الرحم، بعث الله ملكاً، فقال: يا رب مخلقة أو غير مخلقة، فإن قال غير مخلقة، مجتها الأرحام دماً وإن قال: مخلقة، قال يا رب: ما صفة هذه النطفة؟ أذكر أم أنثى؟ ما رزقها؟ ما أجلها؟ أشقي أم سعيد؟ قال: فيقال: انطلق إلى أم الكتاب، فاستنسخ منه صفة هذه النطفة. قال: فينطلق الملك، فينسخها، فلا تزال معه حتى يأتي على آخر صفتها.
وقيل: معناه، تامة أو غير تامة، وهو قول قتادة.
وقال مجاهد: هو السقط، مخلق وغير مخلق.
وقال الشعبي: بعد المضغة تكون مخلقة، وهو الخلق الرابع، وإذا قذفها الرحم قيل فهي غير مخلقة.
وقال ابن مسعود: سمعت رسول الله ﷺ يقول: - وهو الصادق المصدوق - يجمع خلق كل أحدكم في بطن أمه أربعين يوماً، ثم يكون علقة أربعين يوماً، ثم يكون مضغة أربعين يوماً، ثم يبعث الله إليه ملكاً، فيقول: أكتب عمله وأجله ورزقه واكتب شقياً أو سعيداً
وقال عبد الله: والذي نفسي بيده، إن الرجل ليعمل عمل أهل السعادة، فيعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع ثم يدركه الشقاء، فيعمل بعمل أهل النار والشقاء، فيدخل النار.
واختار الطبري أن تكون المخلقة المصورة خلقاً تاماً، وغير مخلقة السقط قبل تمام خلقه فيكون مخلقة وغير مخلقة من نعت المضغة، لأنه ليس بعد المضغة إلا التصوير.
* *
ثم قال تعالى: ﴿لِّنُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ أي: فعلنا ذلك لنبين لكم قدرتنا على ما نشاء. أي: ذكرنا لكم أحوال الابتداء، لنبين لكم أثر الصنعة والقدرة. فقوله: ﴿لِّنُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ جواب للقصة المذكورة في خلق الإنسان كلها. أي: أخبرناكم بهذه القدرة في خلقكم لنبين لكم أن البعث حق.
ثم ابتدأ بخبر آخر فقال: ﴿وَنُقِرُّ فِي ٱلأَرْحَامِ﴾ ولذلك ارتفع، ولا يجوز نصبه على العطف على "لنبين"، لأنه لم يذكر القصة في قدرته ليقر في الأرحام ما يشاء، إنما ذكرها ليدل على صحة وقوع البعث بعد الموت. والمعنى: ﴿وَنُقِرُّ فِي ٱلأَرْحَامِ مَا نَشَآءُ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى﴾، أي: ونبقي في الأرحام من نشاء حياته فلا يسقط إلى وقت ولادته فيخرج طفلاً.
* *
وقوله: ﴿ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلاً﴾.
أي: يخرج كل واحد منكم طفلاً.
* *
وقوله: ﴿ثُمَّ لِتَبْلُغُوۤاْ أَشُدَّكُمْ﴾ أي: ثم نعمركم لتبلغوا أشدكم.
وقيل: معناه: ثم نخرجكم طفلاً لتبلغوا أشدكم.
والأول أحسن، لأن هذا، يوجب زيادة "ثم"، ولا يحسن زيادتها، بل لا بد لها من فائدة، وهو ما ذكرنا من التعبير ليقع به البلوغ إلى الأشد. ومعنى أشدكم. أي كمال عقولكم ﴿وَمِنكُمْ مَّن يُتَوَفَّىٰ﴾.
أي: من قبل بلوغ أشده فيموت.
* *
﴿وَمِنكُمْ مَّن يُرَدُّ إِلَىٰ أَرْذَلِ ٱلْعُمُرِ﴾.
أي: من ينسأ في أجله فيعمر حتى يهرم، فيرد إلى أرذل عمره.
وروي عن علي رضي الله عنه أنه قال: أرذل العمر، خمسة وسبعون عاماً.
* *
ثم قال: ﴿لِكَيْلاَ يَعْلَمَ مِن بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً﴾.
أي: ليصير لا علم له بالأشياء بعدما كان عالماً بها.
* *
ثم قال: ﴿وَتَرَى ٱلأَرْضَ هَامِدَةً﴾.
أي: يابسة دارسة لا نبات فيها، وأصل الهمود، الدروس والدثور.
﴿فَإِذَآ أَنزَلْنَا عَلَيْهَا ٱلْمَآءَ ٱهْتَزَّتْ﴾ أي: تحركت بالنبات.
﴿وَرَبَتْ﴾ أي: وأضعفت النبات بمجيء الغيث.
قال قتادة: ﴿ٱهْتَزَّتْ وَرَبَتْ﴾ حسنت وعرف الغيث في ربوعها.
وقيل: التقدير: فإذا أنزلنا عليها الماء ربت واهتزت، فيكون المهتز الزرع، يتحرك إذا نبت على الحقيقة، فيرد المعنى إلى النبات. وظاهر الإخبار عن الأرض.
* *
وقوله: ﴿وَتَرَى﴾ رجوع من خطاب جماعة إلى خطاب واحد وهو حسن، قد تقدم نظائره.
وقرأ أبو جعفر القاري: ﴿وَأَنبَتَتْ﴾ بالهمز. أي: ارتفعت حتى صارت بمنزلة الربيئة. وهو الذي يحفظ القوم على شيء مشرف يقال: هو رأبئ القوم وربيئتهم. وفعيل: للمبالغة.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَأَنبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾.
أي: من كل نوع حسن، يعني من النبات. ﴿بَهِيجٍ﴾ بمعنى مبهج أي: يبهج من رآه حسنُه.
* *
ثم قال تعالى: ﴿ذٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْحَقُّ﴾.
أي: فعل الله ذلك بأنه الحق، أو الأمر ذلك بأنه الحق.
أي: هذا الذي تقدم ذكره من عظيم القدرة في خلق الإنسان، والأرض وغير ذلك، فعله بأنه الحق الذي لا شك فيه، وإن ما سواه باطل لا يقدر على شيء من ذلك. ومن فعل هذه القدرة، فهو قادر على قيام الساعة، وبعث من في القبور، فهو كله مَثَلٌ بعد مثل في تحقيق قيام الساعة وإحياء الموتى كما أحيا الإنسان من نطفة، ثم نقله من حال إلى حال. وكما أحيا الأرض بعد دروسها، وكذلك احتج في قوله: ﴿ذٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْحَقُّ...﴾ إلى ﴿ٱلْقُبُورِ﴾ وعلى إعادة الموتى وعلى ما يريد، ولذلك قال: ﴿وَأَنَّهُ يُحْيِـي ٱلْمَوْتَىٰ وَأَنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * وَأَنَّ ٱلسَّاعَةَ آتِيَةٌ لاَّ رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ ٱللَّهَ يَبْعَثُ مَن فِي ٱلْقُبُورِ﴾. فلا تَشُكُّوا في ذلك.
* *
ثم قال تعالى: ﴿ومِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي ٱللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلاَ هُدًى﴾.
أي: من يخاصم في توحيد الله بغير علم ولا هدى. أي: وبغير هدى وبغير كتاب منير، أي ينير حجته، فتضيء له.
ونزلت أيضاً هذه الآية في النضر بن الحارث.
الحج 22:5
قوله تعالى ذكره: ﴿وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي ٱللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ إلى قوله: ﴿وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَّرِيدٍ﴾.
هذه الآية نزلت في النضر بن الحارث كان يخاصم ويزعم أن الله جل ذكره غير قادر على إحياء من بلى وعاد تراباً، بغير علم له في ذلك. ﴿وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَّرِيدٍ﴾.
أي يتبع في قوله ذلك كل شيطان مارد. والمريد والمارد: المتجاوز في الشر القوي فيه. ومنه قيل: صخرة مرداء، أي: ملساء. ومنه: الأمرد.
وقيل: نزلت في أبي جهل بن هشام.
* *
ثم قال تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَن تَوَلاَّهُ﴾.
أي: كتب على الشيطان أي: قضى على الشيطان أنه تولاه. الهاء في "أنه" مجهول تفسره الجملة التي بعده. و "تولاه". أي: تولى الشيطان. أي: فمن اتبع الشيطان من خلق الله، فإنه يضله. أي: فإن الشيطان يضل من اتبعه، ﴿وَيَهْدِيهِ إِلَىٰ عَذَابِ ٱلسَّعِيرِ﴾.
أي: يسوقه إليه بطاعته له، ومعصيته لله، فالهاء في "عليه" و "تولاه" و "فإنه" تعود على الشيطان.
* *
ثم قال: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ ٱلْبَعْثِ﴾.
أي: إن كنتم في شك من أنكم تبعثون وتعودون كما كنتم فتدبروا خلقكم وابتداءكم، فإنكم لا تجدون فرقاً بين الابتداء والإعادة، إذ خلقناكم من تراب، يعني آدم. "ثم من نطفة" يعني ولد آدم، ثم من علقة، ثم من مضغة، ثم يخرجكم طفلاً. فإذا تدبرتم ابتداءكم وانتقال أحوالكم، علمتم أن من قدر على هذا أنه قادر على الإعادة، فالنطفة ماء الرجل، والعلقة: الدم، والمضغة: لحمة صغيرة بقدر ما يمضغ. وقوله: ﴿مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ﴾. قيل: هو من نعت النطفة. فالمخلقة ما كان خلقاً سوياً، وغير المخلقة ما ألقت الأرحام من النطف قبل أن تكونوا خلقاً. قال ابن عمر: إذا وقعت النطفة في الرحم، بعث الله ملكاً، فقال: يا رب مخلقة أو غير مخلقة، فإن قال غير مخلقة، مجتها الأرحام دماً وإن قال: مخلقة، قال يا رب: ما صفة هذه النطفة؟ أذكر أم أنثى؟ ما رزقها؟ ما أجلها؟ أشقي أم سعيد؟ قال: فيقال: انطلق إلى أم الكتاب، فاستنسخ منه صفة هذه النطفة. قال: فينطلق الملك، فينسخها، فلا تزال معه حتى يأتي على آخر صفتها.
وقيل: معناه، تامة أو غير تامة، وهو قول قتادة.
وقال مجاهد: هو السقط، مخلق وغير مخلق.
وقال الشعبي: بعد المضغة تكون مخلقة، وهو الخلق الرابع، وإذا قذفها الرحم قيل فهي غير مخلقة.
وقال ابن مسعود: سمعت رسول الله ﷺ يقول: - وهو الصادق المصدوق - يجمع خلق كل أحدكم في بطن أمه أربعين يوماً، ثم يكون علقة أربعين يوماً، ثم يكون مضغة أربعين يوماً، ثم يبعث الله إليه ملكاً، فيقول: أكتب عمله وأجله ورزقه واكتب شقياً أو سعيداً
وقال عبد الله: والذي نفسي بيده، إن الرجل ليعمل عمل أهل السعادة، فيعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع ثم يدركه الشقاء، فيعمل بعمل أهل النار والشقاء، فيدخل النار.
واختار الطبري أن تكون المخلقة المصورة خلقاً تاماً، وغير مخلقة السقط قبل تمام خلقه فيكون مخلقة وغير مخلقة من نعت المضغة، لأنه ليس بعد المضغة إلا التصوير.
* *
ثم قال تعالى: ﴿لِّنُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ أي: فعلنا ذلك لنبين لكم قدرتنا على ما نشاء. أي: ذكرنا لكم أحوال الابتداء، لنبين لكم أثر الصنعة والقدرة. فقوله: ﴿لِّنُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ جواب للقصة المذكورة في خلق الإنسان كلها. أي: أخبرناكم بهذه القدرة في خلقكم لنبين لكم أن البعث حق.
ثم ابتدأ بخبر آخر فقال: ﴿وَنُقِرُّ فِي ٱلأَرْحَامِ﴾ ولذلك ارتفع، ولا يجوز نصبه على العطف على "لنبين"، لأنه لم يذكر القصة في قدرته ليقر في الأرحام ما يشاء، إنما ذكرها ليدل على صحة وقوع البعث بعد الموت. والمعنى: ﴿وَنُقِرُّ فِي ٱلأَرْحَامِ مَا نَشَآءُ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى﴾، أي: ونبقي في الأرحام من نشاء حياته فلا يسقط إلى وقت ولادته فيخرج طفلاً.
* *
وقوله: ﴿ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلاً﴾.
أي: يخرج كل واحد منكم طفلاً.
* *
وقوله: ﴿ثُمَّ لِتَبْلُغُوۤاْ أَشُدَّكُمْ﴾ أي: ثم نعمركم لتبلغوا أشدكم.
وقيل: معناه: ثم نخرجكم طفلاً لتبلغوا أشدكم.
والأول أحسن، لأن هذا، يوجب زيادة "ثم"، ولا يحسن زيادتها، بل لا بد لها من فائدة، وهو ما ذكرنا من التعبير ليقع به البلوغ إلى الأشد. ومعنى أشدكم. أي كمال عقولكم ﴿وَمِنكُمْ مَّن يُتَوَفَّىٰ﴾.
أي: من قبل بلوغ أشده فيموت.
* *
﴿وَمِنكُمْ مَّن يُرَدُّ إِلَىٰ أَرْذَلِ ٱلْعُمُرِ﴾.
أي: من ينسأ في أجله فيعمر حتى يهرم، فيرد إلى أرذل عمره.
وروي عن علي رضي الله عنه أنه قال: أرذل العمر، خمسة وسبعون عاماً.
* *
ثم قال: ﴿لِكَيْلاَ يَعْلَمَ مِن بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً﴾.
أي: ليصير لا علم له بالأشياء بعدما كان عالماً بها.
* *
ثم قال: ﴿وَتَرَى ٱلأَرْضَ هَامِدَةً﴾.
أي: يابسة دارسة لا نبات فيها، وأصل الهمود، الدروس والدثور.
﴿فَإِذَآ أَنزَلْنَا عَلَيْهَا ٱلْمَآءَ ٱهْتَزَّتْ﴾ أي: تحركت بالنبات.
﴿وَرَبَتْ﴾ أي: وأضعفت النبات بمجيء الغيث.
قال قتادة: ﴿ٱهْتَزَّتْ وَرَبَتْ﴾ حسنت وعرف الغيث في ربوعها.
وقيل: التقدير: فإذا أنزلنا عليها الماء ربت واهتزت، فيكون المهتز الزرع، يتحرك إذا نبت على الحقيقة، فيرد المعنى إلى النبات. وظاهر الإخبار عن الأرض.
* *
وقوله: ﴿وَتَرَى﴾ رجوع من خطاب جماعة إلى خطاب واحد وهو حسن، قد تقدم نظائره.
وقرأ أبو جعفر القاري: ﴿وَأَنبَتَتْ﴾ بالهمز. أي: ارتفعت حتى صارت بمنزلة الربيئة. وهو الذي يحفظ القوم على شيء مشرف يقال: هو رأبئ القوم وربيئتهم. وفعيل: للمبالغة.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَأَنبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾.
أي: من كل نوع حسن، يعني من النبات. ﴿بَهِيجٍ﴾ بمعنى مبهج أي: يبهج من رآه حسنُه.
* *
ثم قال تعالى: ﴿ذٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْحَقُّ﴾.
أي: فعل الله ذلك بأنه الحق، أو الأمر ذلك بأنه الحق.
أي: هذا الذي تقدم ذكره من عظيم القدرة في خلق الإنسان، والأرض وغير ذلك، فعله بأنه الحق الذي لا شك فيه، وإن ما سواه باطل لا يقدر على شيء من ذلك. ومن فعل هذه القدرة، فهو قادر على قيام الساعة، وبعث من في القبور، فهو كله مَثَلٌ بعد مثل في تحقيق قيام الساعة وإحياء الموتى كما أحيا الإنسان من نطفة، ثم نقله من حال إلى حال. وكما أحيا الأرض بعد دروسها، وكذلك احتج في قوله: ﴿ذٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْحَقُّ...﴾ إلى ﴿ٱلْقُبُورِ﴾ وعلى إعادة الموتى وعلى ما يريد، ولذلك قال: ﴿وَأَنَّهُ يُحْيِـي ٱلْمَوْتَىٰ وَأَنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * وَأَنَّ ٱلسَّاعَةَ آتِيَةٌ لاَّ رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ ٱللَّهَ يَبْعَثُ مَن فِي ٱلْقُبُورِ﴾. فلا تَشُكُّوا في ذلك.
* *
ثم قال تعالى: ﴿ومِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي ٱللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلاَ هُدًى﴾.
أي: من يخاصم في توحيد الله بغير علم ولا هدى. أي: وبغير هدى وبغير كتاب منير، أي ينير حجته، فتضيء له.
ونزلت أيضاً هذه الآية في النضر بن الحارث.
الحج 22:6
قوله تعالى ذكره: ﴿وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي ٱللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ إلى قوله: ﴿وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَّرِيدٍ﴾.
هذه الآية نزلت في النضر بن الحارث كان يخاصم ويزعم أن الله جل ذكره غير قادر على إحياء من بلى وعاد تراباً، بغير علم له في ذلك. ﴿وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَّرِيدٍ﴾.
أي يتبع في قوله ذلك كل شيطان مارد. والمريد والمارد: المتجاوز في الشر القوي فيه. ومنه قيل: صخرة مرداء، أي: ملساء. ومنه: الأمرد.
وقيل: نزلت في أبي جهل بن هشام.
* *
ثم قال تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَن تَوَلاَّهُ﴾.
أي: كتب على الشيطان أي: قضى على الشيطان أنه تولاه. الهاء في "أنه" مجهول تفسره الجملة التي بعده. و "تولاه". أي: تولى الشيطان. أي: فمن اتبع الشيطان من خلق الله، فإنه يضله. أي: فإن الشيطان يضل من اتبعه، ﴿وَيَهْدِيهِ إِلَىٰ عَذَابِ ٱلسَّعِيرِ﴾.
أي: يسوقه إليه بطاعته له، ومعصيته لله، فالهاء في "عليه" و "تولاه" و "فإنه" تعود على الشيطان.
* *
ثم قال: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ ٱلْبَعْثِ﴾.
أي: إن كنتم في شك من أنكم تبعثون وتعودون كما كنتم فتدبروا خلقكم وابتداءكم، فإنكم لا تجدون فرقاً بين الابتداء والإعادة، إذ خلقناكم من تراب، يعني آدم. "ثم من نطفة" يعني ولد آدم، ثم من علقة، ثم من مضغة، ثم يخرجكم طفلاً. فإذا تدبرتم ابتداءكم وانتقال أحوالكم، علمتم أن من قدر على هذا أنه قادر على الإعادة، فالنطفة ماء الرجل، والعلقة: الدم، والمضغة: لحمة صغيرة بقدر ما يمضغ. وقوله: ﴿مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ﴾. قيل: هو من نعت النطفة. فالمخلقة ما كان خلقاً سوياً، وغير المخلقة ما ألقت الأرحام من النطف قبل أن تكونوا خلقاً. قال ابن عمر: إذا وقعت النطفة في الرحم، بعث الله ملكاً، فقال: يا رب مخلقة أو غير مخلقة، فإن قال غير مخلقة، مجتها الأرحام دماً وإن قال: مخلقة، قال يا رب: ما صفة هذه النطفة؟ أذكر أم أنثى؟ ما رزقها؟ ما أجلها؟ أشقي أم سعيد؟ قال: فيقال: انطلق إلى أم الكتاب، فاستنسخ منه صفة هذه النطفة. قال: فينطلق الملك، فينسخها، فلا تزال معه حتى يأتي على آخر صفتها.
وقيل: معناه، تامة أو غير تامة، وهو قول قتادة.
وقال مجاهد: هو السقط، مخلق وغير مخلق.
وقال الشعبي: بعد المضغة تكون مخلقة، وهو الخلق الرابع، وإذا قذفها الرحم قيل فهي غير مخلقة.
وقال ابن مسعود: سمعت رسول الله ﷺ يقول: - وهو الصادق المصدوق - يجمع خلق كل أحدكم في بطن أمه أربعين يوماً، ثم يكون علقة أربعين يوماً، ثم يكون مضغة أربعين يوماً، ثم يبعث الله إليه ملكاً، فيقول: أكتب عمله وأجله ورزقه واكتب شقياً أو سعيداً
وقال عبد الله: والذي نفسي بيده، إن الرجل ليعمل عمل أهل السعادة، فيعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع ثم يدركه الشقاء، فيعمل بعمل أهل النار والشقاء، فيدخل النار.
واختار الطبري أن تكون المخلقة المصورة خلقاً تاماً، وغير مخلقة السقط قبل تمام خلقه فيكون مخلقة وغير مخلقة من نعت المضغة، لأنه ليس بعد المضغة إلا التصوير.
* *
ثم قال تعالى: ﴿لِّنُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ أي: فعلنا ذلك لنبين لكم قدرتنا على ما نشاء. أي: ذكرنا لكم أحوال الابتداء، لنبين لكم أثر الصنعة والقدرة. فقوله: ﴿لِّنُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ جواب للقصة المذكورة في خلق الإنسان كلها. أي: أخبرناكم بهذه القدرة في خلقكم لنبين لكم أن البعث حق.
ثم ابتدأ بخبر آخر فقال: ﴿وَنُقِرُّ فِي ٱلأَرْحَامِ﴾ ولذلك ارتفع، ولا يجوز نصبه على العطف على "لنبين"، لأنه لم يذكر القصة في قدرته ليقر في الأرحام ما يشاء، إنما ذكرها ليدل على صحة وقوع البعث بعد الموت. والمعنى: ﴿وَنُقِرُّ فِي ٱلأَرْحَامِ مَا نَشَآءُ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى﴾، أي: ونبقي في الأرحام من نشاء حياته فلا يسقط إلى وقت ولادته فيخرج طفلاً.
* *
وقوله: ﴿ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلاً﴾.
أي: يخرج كل واحد منكم طفلاً.
* *
وقوله: ﴿ثُمَّ لِتَبْلُغُوۤاْ أَشُدَّكُمْ﴾ أي: ثم نعمركم لتبلغوا أشدكم.
وقيل: معناه: ثم نخرجكم طفلاً لتبلغوا أشدكم.
والأول أحسن، لأن هذا، يوجب زيادة "ثم"، ولا يحسن زيادتها، بل لا بد لها من فائدة، وهو ما ذكرنا من التعبير ليقع به البلوغ إلى الأشد. ومعنى أشدكم. أي كمال عقولكم ﴿وَمِنكُمْ مَّن يُتَوَفَّىٰ﴾.
أي: من قبل بلوغ أشده فيموت.
* *
﴿وَمِنكُمْ مَّن يُرَدُّ إِلَىٰ أَرْذَلِ ٱلْعُمُرِ﴾.
أي: من ينسأ في أجله فيعمر حتى يهرم، فيرد إلى أرذل عمره.
وروي عن علي رضي الله عنه أنه قال: أرذل العمر، خمسة وسبعون عاماً.
* *
ثم قال: ﴿لِكَيْلاَ يَعْلَمَ مِن بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً﴾.
أي: ليصير لا علم له بالأشياء بعدما كان عالماً بها.
* *
ثم قال: ﴿وَتَرَى ٱلأَرْضَ هَامِدَةً﴾.
أي: يابسة دارسة لا نبات فيها، وأصل الهمود، الدروس والدثور.
﴿فَإِذَآ أَنزَلْنَا عَلَيْهَا ٱلْمَآءَ ٱهْتَزَّتْ﴾ أي: تحركت بالنبات.
﴿وَرَبَتْ﴾ أي: وأضعفت النبات بمجيء الغيث.
قال قتادة: ﴿ٱهْتَزَّتْ وَرَبَتْ﴾ حسنت وعرف الغيث في ربوعها.
وقيل: التقدير: فإذا أنزلنا عليها الماء ربت واهتزت، فيكون المهتز الزرع، يتحرك إذا نبت على الحقيقة، فيرد المعنى إلى النبات. وظاهر الإخبار عن الأرض.
* *
وقوله: ﴿وَتَرَى﴾ رجوع من خطاب جماعة إلى خطاب واحد وهو حسن، قد تقدم نظائره.
وقرأ أبو جعفر القاري: ﴿وَأَنبَتَتْ﴾ بالهمز. أي: ارتفعت حتى صارت بمنزلة الربيئة. وهو الذي يحفظ القوم على شيء مشرف يقال: هو رأبئ القوم وربيئتهم. وفعيل: للمبالغة.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَأَنبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾.
أي: من كل نوع حسن، يعني من النبات. ﴿بَهِيجٍ﴾ بمعنى مبهج أي: يبهج من رآه حسنُه.
* *
ثم قال تعالى: ﴿ذٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْحَقُّ﴾.
أي: فعل الله ذلك بأنه الحق، أو الأمر ذلك بأنه الحق.
أي: هذا الذي تقدم ذكره من عظيم القدرة في خلق الإنسان، والأرض وغير ذلك، فعله بأنه الحق الذي لا شك فيه، وإن ما سواه باطل لا يقدر على شيء من ذلك. ومن فعل هذه القدرة، فهو قادر على قيام الساعة، وبعث من في القبور، فهو كله مَثَلٌ بعد مثل في تحقيق قيام الساعة وإحياء الموتى كما أحيا الإنسان من نطفة، ثم نقله من حال إلى حال. وكما أحيا الأرض بعد دروسها، وكذلك احتج في قوله: ﴿ذٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْحَقُّ...﴾ إلى ﴿ٱلْقُبُورِ﴾ وعلى إعادة الموتى وعلى ما يريد، ولذلك قال: ﴿وَأَنَّهُ يُحْيِـي ٱلْمَوْتَىٰ وَأَنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * وَأَنَّ ٱلسَّاعَةَ آتِيَةٌ لاَّ رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ ٱللَّهَ يَبْعَثُ مَن فِي ٱلْقُبُورِ﴾. فلا تَشُكُّوا في ذلك.
* *
ثم قال تعالى: ﴿ومِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي ٱللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلاَ هُدًى﴾.
أي: من يخاصم في توحيد الله بغير علم ولا هدى. أي: وبغير هدى وبغير كتاب منير، أي ينير حجته، فتضيء له.
ونزلت أيضاً هذه الآية في النضر بن الحارث.
الحج 22:7
قوله تعالى ذكره: ﴿وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي ٱللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ إلى قوله: ﴿وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَّرِيدٍ﴾.
هذه الآية نزلت في النضر بن الحارث كان يخاصم ويزعم أن الله جل ذكره غير قادر على إحياء من بلى وعاد تراباً، بغير علم له في ذلك. ﴿وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَّرِيدٍ﴾.
أي يتبع في قوله ذلك كل شيطان مارد. والمريد والمارد: المتجاوز في الشر القوي فيه. ومنه قيل: صخرة مرداء، أي: ملساء. ومنه: الأمرد.
وقيل: نزلت في أبي جهل بن هشام.
* *
ثم قال تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَن تَوَلاَّهُ﴾.
أي: كتب على الشيطان أي: قضى على الشيطان أنه تولاه. الهاء في "أنه" مجهول تفسره الجملة التي بعده. و "تولاه". أي: تولى الشيطان. أي: فمن اتبع الشيطان من خلق الله، فإنه يضله. أي: فإن الشيطان يضل من اتبعه، ﴿وَيَهْدِيهِ إِلَىٰ عَذَابِ ٱلسَّعِيرِ﴾.
أي: يسوقه إليه بطاعته له، ومعصيته لله، فالهاء في "عليه" و "تولاه" و "فإنه" تعود على الشيطان.
* *
ثم قال: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ ٱلْبَعْثِ﴾.
أي: إن كنتم في شك من أنكم تبعثون وتعودون كما كنتم فتدبروا خلقكم وابتداءكم، فإنكم لا تجدون فرقاً بين الابتداء والإعادة، إذ خلقناكم من تراب، يعني آدم. "ثم من نطفة" يعني ولد آدم، ثم من علقة، ثم من مضغة، ثم يخرجكم طفلاً. فإذا تدبرتم ابتداءكم وانتقال أحوالكم، علمتم أن من قدر على هذا أنه قادر على الإعادة، فالنطفة ماء الرجل، والعلقة: الدم، والمضغة: لحمة صغيرة بقدر ما يمضغ. وقوله: ﴿مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ﴾. قيل: هو من نعت النطفة. فالمخلقة ما كان خلقاً سوياً، وغير المخلقة ما ألقت الأرحام من النطف قبل أن تكونوا خلقاً. قال ابن عمر: إذا وقعت النطفة في الرحم، بعث الله ملكاً، فقال: يا رب مخلقة أو غير مخلقة، فإن قال غير مخلقة، مجتها الأرحام دماً وإن قال: مخلقة، قال يا رب: ما صفة هذه النطفة؟ أذكر أم أنثى؟ ما رزقها؟ ما أجلها؟ أشقي أم سعيد؟ قال: فيقال: انطلق إلى أم الكتاب، فاستنسخ منه صفة هذه النطفة. قال: فينطلق الملك، فينسخها، فلا تزال معه حتى يأتي على آخر صفتها.
وقيل: معناه، تامة أو غير تامة، وهو قول قتادة.
وقال مجاهد: هو السقط، مخلق وغير مخلق.
وقال الشعبي: بعد المضغة تكون مخلقة، وهو الخلق الرابع، وإذا قذفها الرحم قيل فهي غير مخلقة.
وقال ابن مسعود: سمعت رسول الله ﷺ يقول: - وهو الصادق المصدوق - يجمع خلق كل أحدكم في بطن أمه أربعين يوماً، ثم يكون علقة أربعين يوماً، ثم يكون مضغة أربعين يوماً، ثم يبعث الله إليه ملكاً، فيقول: أكتب عمله وأجله ورزقه واكتب شقياً أو سعيداً
وقال عبد الله: والذي نفسي بيده، إن الرجل ليعمل عمل أهل السعادة، فيعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع ثم يدركه الشقاء، فيعمل بعمل أهل النار والشقاء، فيدخل النار.
واختار الطبري أن تكون المخلقة المصورة خلقاً تاماً، وغير مخلقة السقط قبل تمام خلقه فيكون مخلقة وغير مخلقة من نعت المضغة، لأنه ليس بعد المضغة إلا التصوير.
* *
ثم قال تعالى: ﴿لِّنُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ أي: فعلنا ذلك لنبين لكم قدرتنا على ما نشاء. أي: ذكرنا لكم أحوال الابتداء، لنبين لكم أثر الصنعة والقدرة. فقوله: ﴿لِّنُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ جواب للقصة المذكورة في خلق الإنسان كلها. أي: أخبرناكم بهذه القدرة في خلقكم لنبين لكم أن البعث حق.
ثم ابتدأ بخبر آخر فقال: ﴿وَنُقِرُّ فِي ٱلأَرْحَامِ﴾ ولذلك ارتفع، ولا يجوز نصبه على العطف على "لنبين"، لأنه لم يذكر القصة في قدرته ليقر في الأرحام ما يشاء، إنما ذكرها ليدل على صحة وقوع البعث بعد الموت. والمعنى: ﴿وَنُقِرُّ فِي ٱلأَرْحَامِ مَا نَشَآءُ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى﴾، أي: ونبقي في الأرحام من نشاء حياته فلا يسقط إلى وقت ولادته فيخرج طفلاً.
* *
وقوله: ﴿ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلاً﴾.
أي: يخرج كل واحد منكم طفلاً.
* *
وقوله: ﴿ثُمَّ لِتَبْلُغُوۤاْ أَشُدَّكُمْ﴾ أي: ثم نعمركم لتبلغوا أشدكم.
وقيل: معناه: ثم نخرجكم طفلاً لتبلغوا أشدكم.
والأول أحسن، لأن هذا، يوجب زيادة "ثم"، ولا يحسن زيادتها، بل لا بد لها من فائدة، وهو ما ذكرنا من التعبير ليقع به البلوغ إلى الأشد. ومعنى أشدكم. أي كمال عقولكم ﴿وَمِنكُمْ مَّن يُتَوَفَّىٰ﴾.
أي: من قبل بلوغ أشده فيموت.
* *
﴿وَمِنكُمْ مَّن يُرَدُّ إِلَىٰ أَرْذَلِ ٱلْعُمُرِ﴾.
أي: من ينسأ في أجله فيعمر حتى يهرم، فيرد إلى أرذل عمره.
وروي عن علي رضي الله عنه أنه قال: أرذل العمر، خمسة وسبعون عاماً.
* *
ثم قال: ﴿لِكَيْلاَ يَعْلَمَ مِن بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً﴾.
أي: ليصير لا علم له بالأشياء بعدما كان عالماً بها.
* *
ثم قال: ﴿وَتَرَى ٱلأَرْضَ هَامِدَةً﴾.
أي: يابسة دارسة لا نبات فيها، وأصل الهمود، الدروس والدثور.
﴿فَإِذَآ أَنزَلْنَا عَلَيْهَا ٱلْمَآءَ ٱهْتَزَّتْ﴾ أي: تحركت بالنبات.
﴿وَرَبَتْ﴾ أي: وأضعفت النبات بمجيء الغيث.
قال قتادة: ﴿ٱهْتَزَّتْ وَرَبَتْ﴾ حسنت وعرف الغيث في ربوعها.
وقيل: التقدير: فإذا أنزلنا عليها الماء ربت واهتزت، فيكون المهتز الزرع، يتحرك إذا نبت على الحقيقة، فيرد المعنى إلى النبات. وظاهر الإخبار عن الأرض.
* *
وقوله: ﴿وَتَرَى﴾ رجوع من خطاب جماعة إلى خطاب واحد وهو حسن، قد تقدم نظائره.
وقرأ أبو جعفر القاري: ﴿وَأَنبَتَتْ﴾ بالهمز. أي: ارتفعت حتى صارت بمنزلة الربيئة. وهو الذي يحفظ القوم على شيء مشرف يقال: هو رأبئ القوم وربيئتهم. وفعيل: للمبالغة.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَأَنبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾.
أي: من كل نوع حسن، يعني من النبات. ﴿بَهِيجٍ﴾ بمعنى مبهج أي: يبهج من رآه حسنُه.
* *
ثم قال تعالى: ﴿ذٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْحَقُّ﴾.
أي: فعل الله ذلك بأنه الحق، أو الأمر ذلك بأنه الحق.
أي: هذا الذي تقدم ذكره من عظيم القدرة في خلق الإنسان، والأرض وغير ذلك، فعله بأنه الحق الذي لا شك فيه، وإن ما سواه باطل لا يقدر على شيء من ذلك. ومن فعل هذه القدرة، فهو قادر على قيام الساعة، وبعث من في القبور، فهو كله مَثَلٌ بعد مثل في تحقيق قيام الساعة وإحياء الموتى كما أحيا الإنسان من نطفة، ثم نقله من حال إلى حال. وكما أحيا الأرض بعد دروسها، وكذلك احتج في قوله: ﴿ذٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْحَقُّ...﴾ إلى ﴿ٱلْقُبُورِ﴾ وعلى إعادة الموتى وعلى ما يريد، ولذلك قال: ﴿وَأَنَّهُ يُحْيِـي ٱلْمَوْتَىٰ وَأَنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * وَأَنَّ ٱلسَّاعَةَ آتِيَةٌ لاَّ رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ ٱللَّهَ يَبْعَثُ مَن فِي ٱلْقُبُورِ﴾. فلا تَشُكُّوا في ذلك.
* *
ثم قال تعالى: ﴿ومِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي ٱللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلاَ هُدًى﴾.
أي: من يخاصم في توحيد الله بغير علم ولا هدى. أي: وبغير هدى وبغير كتاب منير، أي ينير حجته، فتضيء له.
ونزلت أيضاً هذه الآية في النضر بن الحارث.
الحج 22:8
قوله تعالى ذكره: ﴿وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي ٱللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ إلى قوله: ﴿وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَّرِيدٍ﴾.
هذه الآية نزلت في النضر بن الحارث كان يخاصم ويزعم أن الله جل ذكره غير قادر على إحياء من بلى وعاد تراباً، بغير علم له في ذلك. ﴿وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَّرِيدٍ﴾.
أي يتبع في قوله ذلك كل شيطان مارد. والمريد والمارد: المتجاوز في الشر القوي فيه. ومنه قيل: صخرة مرداء، أي: ملساء. ومنه: الأمرد.
وقيل: نزلت في أبي جهل بن هشام.
* *
ثم قال تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَن تَوَلاَّهُ﴾.
أي: كتب على الشيطان أي: قضى على الشيطان أنه تولاه. الهاء في "أنه" مجهول تفسره الجملة التي بعده. و "تولاه". أي: تولى الشيطان. أي: فمن اتبع الشيطان من خلق الله، فإنه يضله. أي: فإن الشيطان يضل من اتبعه، ﴿وَيَهْدِيهِ إِلَىٰ عَذَابِ ٱلسَّعِيرِ﴾.
أي: يسوقه إليه بطاعته له، ومعصيته لله، فالهاء في "عليه" و "تولاه" و "فإنه" تعود على الشيطان.
* *
ثم قال: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ ٱلْبَعْثِ﴾.
أي: إن كنتم في شك من أنكم تبعثون وتعودون كما كنتم فتدبروا خلقكم وابتداءكم، فإنكم لا تجدون فرقاً بين الابتداء والإعادة، إذ خلقناكم من تراب، يعني آدم. "ثم من نطفة" يعني ولد آدم، ثم من علقة، ثم من مضغة، ثم يخرجكم طفلاً. فإذا تدبرتم ابتداءكم وانتقال أحوالكم، علمتم أن من قدر على هذا أنه قادر على الإعادة، فالنطفة ماء الرجل، والعلقة: الدم، والمضغة: لحمة صغيرة بقدر ما يمضغ. وقوله: ﴿مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ﴾. قيل: هو من نعت النطفة. فالمخلقة ما كان خلقاً سوياً، وغير المخلقة ما ألقت الأرحام من النطف قبل أن تكونوا خلقاً. قال ابن عمر: إذا وقعت النطفة في الرحم، بعث الله ملكاً، فقال: يا رب مخلقة أو غير مخلقة، فإن قال غير مخلقة، مجتها الأرحام دماً وإن قال: مخلقة، قال يا رب: ما صفة هذه النطفة؟ أذكر أم أنثى؟ ما رزقها؟ ما أجلها؟ أشقي أم سعيد؟ قال: فيقال: انطلق إلى أم الكتاب، فاستنسخ منه صفة هذه النطفة. قال: فينطلق الملك، فينسخها، فلا تزال معه حتى يأتي على آخر صفتها.
وقيل: معناه، تامة أو غير تامة، وهو قول قتادة.
وقال مجاهد: هو السقط، مخلق وغير مخلق.
وقال الشعبي: بعد المضغة تكون مخلقة، وهو الخلق الرابع، وإذا قذفها الرحم قيل فهي غير مخلقة.
وقال ابن مسعود: سمعت رسول الله ﷺ يقول: - وهو الصادق المصدوق - يجمع خلق كل أحدكم في بطن أمه أربعين يوماً، ثم يكون علقة أربعين يوماً، ثم يكون مضغة أربعين يوماً، ثم يبعث الله إليه ملكاً، فيقول: أكتب عمله وأجله ورزقه واكتب شقياً أو سعيداً
وقال عبد الله: والذي نفسي بيده، إن الرجل ليعمل عمل أهل السعادة، فيعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع ثم يدركه الشقاء، فيعمل بعمل أهل النار والشقاء، فيدخل النار.
واختار الطبري أن تكون المخلقة المصورة خلقاً تاماً، وغير مخلقة السقط قبل تمام خلقه فيكون مخلقة وغير مخلقة من نعت المضغة، لأنه ليس بعد المضغة إلا التصوير.
* *
ثم قال تعالى: ﴿لِّنُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ أي: فعلنا ذلك لنبين لكم قدرتنا على ما نشاء. أي: ذكرنا لكم أحوال الابتداء، لنبين لكم أثر الصنعة والقدرة. فقوله: ﴿لِّنُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ جواب للقصة المذكورة في خلق الإنسان كلها. أي: أخبرناكم بهذه القدرة في خلقكم لنبين لكم أن البعث حق.
ثم ابتدأ بخبر آخر فقال: ﴿وَنُقِرُّ فِي ٱلأَرْحَامِ﴾ ولذلك ارتفع، ولا يجوز نصبه على العطف على "لنبين"، لأنه لم يذكر القصة في قدرته ليقر في الأرحام ما يشاء، إنما ذكرها ليدل على صحة وقوع البعث بعد الموت. والمعنى: ﴿وَنُقِرُّ فِي ٱلأَرْحَامِ مَا نَشَآءُ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى﴾، أي: ونبقي في الأرحام من نشاء حياته فلا يسقط إلى وقت ولادته فيخرج طفلاً.
* *
وقوله: ﴿ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلاً﴾.
أي: يخرج كل واحد منكم طفلاً.
* *
وقوله: ﴿ثُمَّ لِتَبْلُغُوۤاْ أَشُدَّكُمْ﴾ أي: ثم نعمركم لتبلغوا أشدكم.
وقيل: معناه: ثم نخرجكم طفلاً لتبلغوا أشدكم.
والأول أحسن، لأن هذا، يوجب زيادة "ثم"، ولا يحسن زيادتها، بل لا بد لها من فائدة، وهو ما ذكرنا من التعبير ليقع به البلوغ إلى الأشد. ومعنى أشدكم. أي كمال عقولكم ﴿وَمِنكُمْ مَّن يُتَوَفَّىٰ﴾.
أي: من قبل بلوغ أشده فيموت.
* *
﴿وَمِنكُمْ مَّن يُرَدُّ إِلَىٰ أَرْذَلِ ٱلْعُمُرِ﴾.
أي: من ينسأ في أجله فيعمر حتى يهرم، فيرد إلى أرذل عمره.
وروي عن علي رضي الله عنه أنه قال: أرذل العمر، خمسة وسبعون عاماً.
* *
ثم قال: ﴿لِكَيْلاَ يَعْلَمَ مِن بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً﴾.
أي: ليصير لا علم له بالأشياء بعدما كان عالماً بها.
* *
ثم قال: ﴿وَتَرَى ٱلأَرْضَ هَامِدَةً﴾.
أي: يابسة دارسة لا نبات فيها، وأصل الهمود، الدروس والدثور.
﴿فَإِذَآ أَنزَلْنَا عَلَيْهَا ٱلْمَآءَ ٱهْتَزَّتْ﴾ أي: تحركت بالنبات.
﴿وَرَبَتْ﴾ أي: وأضعفت النبات بمجيء الغيث.
قال قتادة: ﴿ٱهْتَزَّتْ وَرَبَتْ﴾ حسنت وعرف الغيث في ربوعها.
وقيل: التقدير: فإذا أنزلنا عليها الماء ربت واهتزت، فيكون المهتز الزرع، يتحرك إذا نبت على الحقيقة، فيرد المعنى إلى النبات. وظاهر الإخبار عن الأرض.
* *
وقوله: ﴿وَتَرَى﴾ رجوع من خطاب جماعة إلى خطاب واحد وهو حسن، قد تقدم نظائره.
وقرأ أبو جعفر القاري: ﴿وَأَنبَتَتْ﴾ بالهمز. أي: ارتفعت حتى صارت بمنزلة الربيئة. وهو الذي يحفظ القوم على شيء مشرف يقال: هو رأبئ القوم وربيئتهم. وفعيل: للمبالغة.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَأَنبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾.
أي: من كل نوع حسن، يعني من النبات. ﴿بَهِيجٍ﴾ بمعنى مبهج أي: يبهج من رآه حسنُه.
* *
ثم قال تعالى: ﴿ذٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْحَقُّ﴾.
أي: فعل الله ذلك بأنه الحق، أو الأمر ذلك بأنه الحق.
أي: هذا الذي تقدم ذكره من عظيم القدرة في خلق الإنسان، والأرض وغير ذلك، فعله بأنه الحق الذي لا شك فيه، وإن ما سواه باطل لا يقدر على شيء من ذلك. ومن فعل هذه القدرة، فهو قادر على قيام الساعة، وبعث من في القبور، فهو كله مَثَلٌ بعد مثل في تحقيق قيام الساعة وإحياء الموتى كما أحيا الإنسان من نطفة، ثم نقله من حال إلى حال. وكما أحيا الأرض بعد دروسها، وكذلك احتج في قوله: ﴿ذٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْحَقُّ...﴾ إلى ﴿ٱلْقُبُورِ﴾ وعلى إعادة الموتى وعلى ما يريد، ولذلك قال: ﴿وَأَنَّهُ يُحْيِـي ٱلْمَوْتَىٰ وَأَنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * وَأَنَّ ٱلسَّاعَةَ آتِيَةٌ لاَّ رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ ٱللَّهَ يَبْعَثُ مَن فِي ٱلْقُبُورِ﴾. فلا تَشُكُّوا في ذلك.
* *
ثم قال تعالى: ﴿ومِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي ٱللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلاَ هُدًى﴾.
أي: من يخاصم في توحيد الله بغير علم ولا هدى. أي: وبغير هدى وبغير كتاب منير، أي ينير حجته، فتضيء له.
ونزلت أيضاً هذه الآية في النضر بن الحارث.
الحج 22:9
قوله تعالى ذكره: ﴿ثَانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ﴾ إلى قوله: ﴿وَلَبِئْسَ ٱلْعَشِيرُ﴾.
أي: يخاصم في توحيد الله بغير علم، وبغير هدى وبغير كتاب، ﴿ثَانِيَ عِطْفِهِ﴾. أي: معرضاً عن الحق، متحيراً فنصبه على الحال.
قال ابن عباس: "ثاني عطفه" مستكبراً في نفسه. قال: هو النضر بن الحارث، لوى عنقه مرحاً وتعظماً.
وقال مجاهد وقتادة: معناه: لاوياً رقبته.
وقال ابن زيد: "لا ويا رأسه معرضاً، مولياً، لا يقبل على ما يقال له"، ومنه قوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ ٱللَّهِ لَوَّوْاْ رُءُوسَهُمْ...﴾ [المنافقون: ٥] الآية، وهو قوله: ﴿وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِ ءَايَاتُنَا وَلَّىٰ مُسْتَكْبِراً﴾.
والعِطْفُ: ما انثنى من العنق.
* *
ثم قال: ﴿لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ﴾.
أي جادل هذا المشرك في توحيد الله ونفى البعث ليضل المؤمنين بالله عن دينهم الذي هداهم الله إليه ﴿لَهُ فِي ٱلدُّنْيَا خِزْيٌ﴾.
وهو القتل والهوان بأيدي المؤمنين، فقتله الله بأيديهم يوم بدر. ﴿وَنُذِيقُهُ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ عَذَابَ ٱلْحَرِيقِ﴾ أي: نحرقه بالنار.
* *
ثم قال: ﴿ذٰلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ﴾ أي: يقال له إذا أذيق عذاب النار. ذلك بما قدمت يداك في الدنيا، وبأن الله ليس بظلام للعبيد.
قوله ﴿بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ﴾ وقف، إن جعلت ﴿وَأَنَّ﴾ في موضع رفع على معنى "والأمر أن الله".
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَعْبُدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ حَرْفٍ﴾.
هذه الآية نزلت في أعراب كانوا يقدمون على رسول الله ﷺ مهاجرين من باديتهم، فإذا نالوا رخاء من عيش بعد الهجرة وبعد الدخول في الإسلام أقاموا على الإسلام، وإن نالوا بعد ذلك شدة وضيق عيش أو موت ماشية ونحوه، ارتدوا على أعقابهم. فالمعنى: ومن الناس من يعبد الله على شك، فإن أصابه خير - وهو السعة من العيش اطمأن به: أي استقر بالإسلام، وثبت عليه، وإن أصابته فتنة، وهو الضيق في العيش وشبهه انقلب على وجهه أي: رجع إلى الذي كان عليه من الكفر بالله.
قال ابن عباس: "كان أحدهم إذا قدم المدينة، فإن صح جسمه ونتجت فرسه مهراً حسناً وولدت امرأته غلاماً، رضي به واطمأن إليه. وقال: ما أصبت منذ كنت على ديني هذا إلا خيراً، وإن أصابه وجع وولدت امرأته جارية، وتأخرت عنه الصدقة أتاه الشيطان فقال: والله ما أصبت مذ كنت على دينك هذا إلا شراً، فذلك الفتنة".
وقال مجاهد: ﴿عَلَىٰ حَرْفٍ﴾: على شك.
قال ابن جريج: كان ناس من قبائل العرب ومن حولهم من أهل القرى يقولون: نأتي محمداً عليه السلام، فإن صادفنا خيراً من معيشة الرزق ثبتنا، وإلا لحقنا بأهلنا. وبهذا القول قال: قتادة والضحاك.
قيل: هم المنافقون، كانوا إذا رأوا النبي ﷺ مستعلياً على أعدائه في أمن وخصب، أظهروا التصديق به، وتصويب دينه، وصَلُّوا معه وصاموا، وهم مع ذلك على غير بصيرة فيما هم عليه، فإذا أصابته فتنة من خوف أو تشديد في العبادة والأمر بالجهاد، انقلب عما كان يظهر من الإيمان والصوم والصلاة، فأظهر الكفر والبراءة من دين الله، فانقلب على وجهه خاسراً دنياه وأخراه.
وقال ابن زيد: "هي في المنافقين، إن صلحت له دنياه أقام على العبادة، وإن فسدت عليه دنياه وتغيرت، انقلب فلا يقيم العبادة إلا لما صلح من دنياه، فإذا أصابته فتنة أو شدة أو اختبار أو ضيق، ترك دينه، ورجع إلى الكفر. وهذا التفسير كله يدل على أن السورة مدنية. ومن قال: إنها مكية، قال: نزلت في شيبة بن ربيعة، كان أسلم ثم ارتد.
وقيل: نزلت في النضر بن الحارث.
وتقدير الكلام: ومن الناس من يعبد الله على حرف الدين، أي: على طرفه لا يدخل فيه ويتمكن.
ومعنى: ﴿ٱنْقَلَبَ عَلَىٰ وَجْهِهِ﴾ [أي: انقلب] عن دينه. ﴿خَسِرَ ٱلدُّنْيَا وَٱلأَخِرَةَ﴾ أي: خسر دنياه لأنه لم يظفر بحاجته منها. وقيل معناه: أنه خسر حظه في الغنيمة، لأنه لا حظ لكافر فيها. وخسر الآخرة لما له فيها من العذاب، ولأنه خاسر الثواب.
* *
ثم قال تعالى: ﴿ذٰلِكَ هُوَ ٱلْخُسْرَانُ ٱلْمُبِينُ﴾.
أي: خسران الدنيا والآخرة. ذلك هو الخسران المبين، أي يبين لمن تفكر فيه وتدبر.
* *
ثم قال تعالى: ﴿يَدْعُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لاَ يَضُرُّهُ وَمَا لاَ يَنفَعُهُ﴾.
وإن أصاب هذا الذي يعبد الله على حرف ضر، يدعو من دون الله آلهة لا تضره إن لم يعبدها في الدنيا، ولا تنفعه في الآخرة إن عبدها. ﴿ذٰلِكَ هُوَ ٱلضَّلاَلُ ٱلْبَعِيدُ﴾. أي: الطويل: والعرب تقول: لما لا يكون البتة: هذا بعيد.
* *
ثم قال: ﴿يَدْعُواْ لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِن نَّفْعِهِ﴾ تقدير هذا الكلام عند الكسائي والبصريين: يدعو من لضره أقرب من نفعه. أي: يدعو إلهاً لضره أقرب من نفعه، لأن من عبد الأصنام، فضررها يعود عليه في الدنيا والآخرة، ولا نفع يعود عليه من ذلك، وإنما احتيج إلى تقدير تأخير اللام، لأن "يدعو" فعل لا يعلق، ولا بد أن يعمل، واللام تمنعه من العمل، فأخرت اللام ليعمل الفعل في "من" ولا يعلق. وقيل: مع "يدعو" هاء مضمرة وهو في موضع حال من ذلك. والتقدير: ذلك هو الضلال البعيد يدعوه، فيقف على "يدعو" في هذا القول.
وتقديره: ذلك هو الضلال البعيد في حالة دعائه إياه. ويكون لمن ضره أقرب من نفعه مستأنفاً مرفوعاً بالابتداء، وخبره: ﴿لَبِئْسَ ٱلْمَوْلَىٰ وَلَبِئْسَ ٱلْعَشِيرُ﴾.
وقيل: "يدعو" بمعنى يقول، فلا يحتاج إلى عمل، وتكون اللام في موضعها و "من" مرفوعة بالابتداء، والخبر محذوف. والتقدير: يقول لمن ضره أقرب من نفعه إلهي.
وقيل: "يدعو" بمعنى: يسمى.
وقال الزجاج: "ذلك" بمعنى الذي. وهو في موضع نصب بـ "يدعو" أو التقدير: يدعو الذي هو الضلال البعيد. ثم ابتدأ: لمن ضره أقرب من نفعه. وخبره: "لبئس المولى" وهذا مثل قوله: "وما تلك بيمينك". أي: وما التي بيمينك.
وقال الفراء: يجوز أن تكون "يدعو" مكررة تأكيداً لـ "يدعو" الأولى، فيقف على "يدعو" على هذا، ويبتدئ "من ضره" على الابتداء والخبر "لَبِئْس المولى".
وحكي عن المبرد أنه قال: التقدير: يدعو لمن ضره أقرب من نفعه إلهاً. وهذا لا معنى له، لأن ما بعد اللام مبتدأ، فلا ينصب خبره، فإن جعل الخبر "لبيس المولى" لم يكن للكلام معنى ويصير منقطعاً بعضه من بعض.
* *
وقوله: ﴿لَبِئْسَ ٱلْمَوْلَىٰ﴾ أي: لبيس ابن العم، "ولبيس العشير" أي: الخليط والصاحب. قاله ابن زيد.
وقيل: "المولى": الولي الناصر.
وقال مجاهد: "لبيس العشير" يعني الوثن.
ولا يوقف على "البعيد" على قول الزجاج، لأن ذلك منصوب بـ "يدعو".
وقد أفردنا لهذه الآية كتاباً، وشرحنا ما فيه بأبسط من هذا. ومعنى: "لمن ضره أقرب من نفعه" فأوجب أن عبادة الآلهة تضر، وقد قال قبل ذلك: "ما لا يضره وما لا ينفعه" فنفى عنها الضر. فإنما يراد بذل أنها لا تضر في الدنيا، وأراد بالآية الأخرى ضرها في الآخرة. والمعنى: لمن ضره في الآخرة أقرب من نفعه. والأخرى ما لا يضره في الدنيا. وكذلك معنى ما كان مثله.
الحج 22:10
قوله تعالى ذكره: ﴿ثَانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ﴾ إلى قوله: ﴿وَلَبِئْسَ ٱلْعَشِيرُ﴾.
أي: يخاصم في توحيد الله بغير علم، وبغير هدى وبغير كتاب، ﴿ثَانِيَ عِطْفِهِ﴾. أي: معرضاً عن الحق، متحيراً فنصبه على الحال.
قال ابن عباس: "ثاني عطفه" مستكبراً في نفسه. قال: هو النضر بن الحارث، لوى عنقه مرحاً وتعظماً.
وقال مجاهد وقتادة: معناه: لاوياً رقبته.
وقال ابن زيد: "لا ويا رأسه معرضاً، مولياً، لا يقبل على ما يقال له"، ومنه قوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ ٱللَّهِ لَوَّوْاْ رُءُوسَهُمْ...﴾ [المنافقون: ٥] الآية، وهو قوله: ﴿وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِ ءَايَاتُنَا وَلَّىٰ مُسْتَكْبِراً﴾.
والعِطْفُ: ما انثنى من العنق.
* *
ثم قال: ﴿لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ﴾.
أي جادل هذا المشرك في توحيد الله ونفى البعث ليضل المؤمنين بالله عن دينهم الذي هداهم الله إليه ﴿لَهُ فِي ٱلدُّنْيَا خِزْيٌ﴾.
وهو القتل والهوان بأيدي المؤمنين، فقتله الله بأيديهم يوم بدر. ﴿وَنُذِيقُهُ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ عَذَابَ ٱلْحَرِيقِ﴾ أي: نحرقه بالنار.
* *
ثم قال: ﴿ذٰلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ﴾ أي: يقال له إذا أذيق عذاب النار. ذلك بما قدمت يداك في الدنيا، وبأن الله ليس بظلام للعبيد.
قوله ﴿بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ﴾ وقف، إن جعلت ﴿وَأَنَّ﴾ في موضع رفع على معنى "والأمر أن الله".
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَعْبُدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ حَرْفٍ﴾.
هذه الآية نزلت في أعراب كانوا يقدمون على رسول الله ﷺ مهاجرين من باديتهم، فإذا نالوا رخاء من عيش بعد الهجرة وبعد الدخول في الإسلام أقاموا على الإسلام، وإن نالوا بعد ذلك شدة وضيق عيش أو موت ماشية ونحوه، ارتدوا على أعقابهم. فالمعنى: ومن الناس من يعبد الله على شك، فإن أصابه خير - وهو السعة من العيش اطمأن به: أي استقر بالإسلام، وثبت عليه، وإن أصابته فتنة، وهو الضيق في العيش وشبهه انقلب على وجهه أي: رجع إلى الذي كان عليه من الكفر بالله.
قال ابن عباس: "كان أحدهم إذا قدم المدينة، فإن صح جسمه ونتجت فرسه مهراً حسناً وولدت امرأته غلاماً، رضي به واطمأن إليه. وقال: ما أصبت منذ كنت على ديني هذا إلا خيراً، وإن أصابه وجع وولدت امرأته جارية، وتأخرت عنه الصدقة أتاه الشيطان فقال: والله ما أصبت مذ كنت على دينك هذا إلا شراً، فذلك الفتنة".
وقال مجاهد: ﴿عَلَىٰ حَرْفٍ﴾: على شك.
قال ابن جريج: كان ناس من قبائل العرب ومن حولهم من أهل القرى يقولون: نأتي محمداً عليه السلام، فإن صادفنا خيراً من معيشة الرزق ثبتنا، وإلا لحقنا بأهلنا. وبهذا القول قال: قتادة والضحاك.
قيل: هم المنافقون، كانوا إذا رأوا النبي ﷺ مستعلياً على أعدائه في أمن وخصب، أظهروا التصديق به، وتصويب دينه، وصَلُّوا معه وصاموا، وهم مع ذلك على غير بصيرة فيما هم عليه، فإذا أصابته فتنة من خوف أو تشديد في العبادة والأمر بالجهاد، انقلب عما كان يظهر من الإيمان والصوم والصلاة، فأظهر الكفر والبراءة من دين الله، فانقلب على وجهه خاسراً دنياه وأخراه.
وقال ابن زيد: "هي في المنافقين، إن صلحت له دنياه أقام على العبادة، وإن فسدت عليه دنياه وتغيرت، انقلب فلا يقيم العبادة إلا لما صلح من دنياه، فإذا أصابته فتنة أو شدة أو اختبار أو ضيق، ترك دينه، ورجع إلى الكفر. وهذا التفسير كله يدل على أن السورة مدنية. ومن قال: إنها مكية، قال: نزلت في شيبة بن ربيعة، كان أسلم ثم ارتد.
وقيل: نزلت في النضر بن الحارث.
وتقدير الكلام: ومن الناس من يعبد الله على حرف الدين، أي: على طرفه لا يدخل فيه ويتمكن.
ومعنى: ﴿ٱنْقَلَبَ عَلَىٰ وَجْهِهِ﴾ [أي: انقلب] عن دينه. ﴿خَسِرَ ٱلدُّنْيَا وَٱلأَخِرَةَ﴾ أي: خسر دنياه لأنه لم يظفر بحاجته منها. وقيل معناه: أنه خسر حظه في الغنيمة، لأنه لا حظ لكافر فيها. وخسر الآخرة لما له فيها من العذاب، ولأنه خاسر الثواب.
* *
ثم قال تعالى: ﴿ذٰلِكَ هُوَ ٱلْخُسْرَانُ ٱلْمُبِينُ﴾.
أي: خسران الدنيا والآخرة. ذلك هو الخسران المبين، أي يبين لمن تفكر فيه وتدبر.
* *
ثم قال تعالى: ﴿يَدْعُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لاَ يَضُرُّهُ وَمَا لاَ يَنفَعُهُ﴾.
وإن أصاب هذا الذي يعبد الله على حرف ضر، يدعو من دون الله آلهة لا تضره إن لم يعبدها في الدنيا، ولا تنفعه في الآخرة إن عبدها. ﴿ذٰلِكَ هُوَ ٱلضَّلاَلُ ٱلْبَعِيدُ﴾. أي: الطويل: والعرب تقول: لما لا يكون البتة: هذا بعيد.
* *
ثم قال: ﴿يَدْعُواْ لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِن نَّفْعِهِ﴾ تقدير هذا الكلام عند الكسائي والبصريين: يدعو من لضره أقرب من نفعه. أي: يدعو إلهاً لضره أقرب من نفعه، لأن من عبد الأصنام، فضررها يعود عليه في الدنيا والآخرة، ولا نفع يعود عليه من ذلك، وإنما احتيج إلى تقدير تأخير اللام، لأن "يدعو" فعل لا يعلق، ولا بد أن يعمل، واللام تمنعه من العمل، فأخرت اللام ليعمل الفعل في "من" ولا يعلق. وقيل: مع "يدعو" هاء مضمرة وهو في موضع حال من ذلك. والتقدير: ذلك هو الضلال البعيد يدعوه، فيقف على "يدعو" في هذا القول.
وتقديره: ذلك هو الضلال البعيد في حالة دعائه إياه. ويكون لمن ضره أقرب من نفعه مستأنفاً مرفوعاً بالابتداء، وخبره: ﴿لَبِئْسَ ٱلْمَوْلَىٰ وَلَبِئْسَ ٱلْعَشِيرُ﴾.
وقيل: "يدعو" بمعنى يقول، فلا يحتاج إلى عمل، وتكون اللام في موضعها و "من" مرفوعة بالابتداء، والخبر محذوف. والتقدير: يقول لمن ضره أقرب من نفعه إلهي.
وقيل: "يدعو" بمعنى: يسمى.
وقال الزجاج: "ذلك" بمعنى الذي. وهو في موضع نصب بـ "يدعو" أو التقدير: يدعو الذي هو الضلال البعيد. ثم ابتدأ: لمن ضره أقرب من نفعه. وخبره: "لبئس المولى" وهذا مثل قوله: "وما تلك بيمينك". أي: وما التي بيمينك.
وقال الفراء: يجوز أن تكون "يدعو" مكررة تأكيداً لـ "يدعو" الأولى، فيقف على "يدعو" على هذا، ويبتدئ "من ضره" على الابتداء والخبر "لَبِئْس المولى".
وحكي عن المبرد أنه قال: التقدير: يدعو لمن ضره أقرب من نفعه إلهاً. وهذا لا معنى له، لأن ما بعد اللام مبتدأ، فلا ينصب خبره، فإن جعل الخبر "لبيس المولى" لم يكن للكلام معنى ويصير منقطعاً بعضه من بعض.
* *
وقوله: ﴿لَبِئْسَ ٱلْمَوْلَىٰ﴾ أي: لبيس ابن العم، "ولبيس العشير" أي: الخليط والصاحب. قاله ابن زيد.
وقيل: "المولى": الولي الناصر.
وقال مجاهد: "لبيس العشير" يعني الوثن.
ولا يوقف على "البعيد" على قول الزجاج، لأن ذلك منصوب بـ "يدعو".
وقد أفردنا لهذه الآية كتاباً، وشرحنا ما فيه بأبسط من هذا. ومعنى: "لمن ضره أقرب من نفعه" فأوجب أن عبادة الآلهة تضر، وقد قال قبل ذلك: "ما لا يضره وما لا ينفعه" فنفى عنها الضر. فإنما يراد بذل أنها لا تضر في الدنيا، وأراد بالآية الأخرى ضرها في الآخرة. والمعنى: لمن ضره في الآخرة أقرب من نفعه. والأخرى ما لا يضره في الدنيا. وكذلك معنى ما كان مثله.
الحج 22:11
قوله تعالى ذكره: ﴿ثَانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ﴾ إلى قوله: ﴿وَلَبِئْسَ ٱلْعَشِيرُ﴾.
أي: يخاصم في توحيد الله بغير علم، وبغير هدى وبغير كتاب، ﴿ثَانِيَ عِطْفِهِ﴾. أي: معرضاً عن الحق، متحيراً فنصبه على الحال.
قال ابن عباس: "ثاني عطفه" مستكبراً في نفسه. قال: هو النضر بن الحارث، لوى عنقه مرحاً وتعظماً.
وقال مجاهد وقتادة: معناه: لاوياً رقبته.
وقال ابن زيد: "لا ويا رأسه معرضاً، مولياً، لا يقبل على ما يقال له"، ومنه قوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ ٱللَّهِ لَوَّوْاْ رُءُوسَهُمْ...﴾ [المنافقون: ٥] الآية، وهو قوله: ﴿وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِ ءَايَاتُنَا وَلَّىٰ مُسْتَكْبِراً﴾.
والعِطْفُ: ما انثنى من العنق.
* *
ثم قال: ﴿لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ﴾.
أي جادل هذا المشرك في توحيد الله ونفى البعث ليضل المؤمنين بالله عن دينهم الذي هداهم الله إليه ﴿لَهُ فِي ٱلدُّنْيَا خِزْيٌ﴾.
وهو القتل والهوان بأيدي المؤمنين، فقتله الله بأيديهم يوم بدر. ﴿وَنُذِيقُهُ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ عَذَابَ ٱلْحَرِيقِ﴾ أي: نحرقه بالنار.
* *
ثم قال: ﴿ذٰلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ﴾ أي: يقال له إذا أذيق عذاب النار. ذلك بما قدمت يداك في الدنيا، وبأن الله ليس بظلام للعبيد.
قوله ﴿بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ﴾ وقف، إن جعلت ﴿وَأَنَّ﴾ في موضع رفع على معنى "والأمر أن الله".
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَعْبُدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ حَرْفٍ﴾.
هذه الآية نزلت في أعراب كانوا يقدمون على رسول الله ﷺ مهاجرين من باديتهم، فإذا نالوا رخاء من عيش بعد الهجرة وبعد الدخول في الإسلام أقاموا على الإسلام، وإن نالوا بعد ذلك شدة وضيق عيش أو موت ماشية ونحوه، ارتدوا على أعقابهم. فالمعنى: ومن الناس من يعبد الله على شك، فإن أصابه خير - وهو السعة من العيش اطمأن به: أي استقر بالإسلام، وثبت عليه، وإن أصابته فتنة، وهو الضيق في العيش وشبهه انقلب على وجهه أي: رجع إلى الذي كان عليه من الكفر بالله.
قال ابن عباس: "كان أحدهم إذا قدم المدينة، فإن صح جسمه ونتجت فرسه مهراً حسناً وولدت امرأته غلاماً، رضي به واطمأن إليه. وقال: ما أصبت منذ كنت على ديني هذا إلا خيراً، وإن أصابه وجع وولدت امرأته جارية، وتأخرت عنه الصدقة أتاه الشيطان فقال: والله ما أصبت مذ كنت على دينك هذا إلا شراً، فذلك الفتنة".
وقال مجاهد: ﴿عَلَىٰ حَرْفٍ﴾: على شك.
قال ابن جريج: كان ناس من قبائل العرب ومن حولهم من أهل القرى يقولون: نأتي محمداً عليه السلام، فإن صادفنا خيراً من معيشة الرزق ثبتنا، وإلا لحقنا بأهلنا. وبهذا القول قال: قتادة والضحاك.
قيل: هم المنافقون، كانوا إذا رأوا النبي ﷺ مستعلياً على أعدائه في أمن وخصب، أظهروا التصديق به، وتصويب دينه، وصَلُّوا معه وصاموا، وهم مع ذلك على غير بصيرة فيما هم عليه، فإذا أصابته فتنة من خوف أو تشديد في العبادة والأمر بالجهاد، انقلب عما كان يظهر من الإيمان والصوم والصلاة، فأظهر الكفر والبراءة من دين الله، فانقلب على وجهه خاسراً دنياه وأخراه.
وقال ابن زيد: "هي في المنافقين، إن صلحت له دنياه أقام على العبادة، وإن فسدت عليه دنياه وتغيرت، انقلب فلا يقيم العبادة إلا لما صلح من دنياه، فإذا أصابته فتنة أو شدة أو اختبار أو ضيق، ترك دينه، ورجع إلى الكفر. وهذا التفسير كله يدل على أن السورة مدنية. ومن قال: إنها مكية، قال: نزلت في شيبة بن ربيعة، كان أسلم ثم ارتد.
وقيل: نزلت في النضر بن الحارث.
وتقدير الكلام: ومن الناس من يعبد الله على حرف الدين، أي: على طرفه لا يدخل فيه ويتمكن.
ومعنى: ﴿ٱنْقَلَبَ عَلَىٰ وَجْهِهِ﴾ [أي: انقلب] عن دينه. ﴿خَسِرَ ٱلدُّنْيَا وَٱلأَخِرَةَ﴾ أي: خسر دنياه لأنه لم يظفر بحاجته منها. وقيل معناه: أنه خسر حظه في الغنيمة، لأنه لا حظ لكافر فيها. وخسر الآخرة لما له فيها من العذاب، ولأنه خاسر الثواب.
* *
ثم قال تعالى: ﴿ذٰلِكَ هُوَ ٱلْخُسْرَانُ ٱلْمُبِينُ﴾.
أي: خسران الدنيا والآخرة. ذلك هو الخسران المبين، أي يبين لمن تفكر فيه وتدبر.
* *
ثم قال تعالى: ﴿يَدْعُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لاَ يَضُرُّهُ وَمَا لاَ يَنفَعُهُ﴾.
وإن أصاب هذا الذي يعبد الله على حرف ضر، يدعو من دون الله آلهة لا تضره إن لم يعبدها في الدنيا، ولا تنفعه في الآخرة إن عبدها. ﴿ذٰلِكَ هُوَ ٱلضَّلاَلُ ٱلْبَعِيدُ﴾. أي: الطويل: والعرب تقول: لما لا يكون البتة: هذا بعيد.
* *
ثم قال: ﴿يَدْعُواْ لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِن نَّفْعِهِ﴾ تقدير هذا الكلام عند الكسائي والبصريين: يدعو من لضره أقرب من نفعه. أي: يدعو إلهاً لضره أقرب من نفعه، لأن من عبد الأصنام، فضررها يعود عليه في الدنيا والآخرة، ولا نفع يعود عليه من ذلك، وإنما احتيج إلى تقدير تأخير اللام، لأن "يدعو" فعل لا يعلق، ولا بد أن يعمل، واللام تمنعه من العمل، فأخرت اللام ليعمل الفعل في "من" ولا يعلق. وقيل: مع "يدعو" هاء مضمرة وهو في موضع حال من ذلك. والتقدير: ذلك هو الضلال البعيد يدعوه، فيقف على "يدعو" في هذا القول.
وتقديره: ذلك هو الضلال البعيد في حالة دعائه إياه. ويكون لمن ضره أقرب من نفعه مستأنفاً مرفوعاً بالابتداء، وخبره: ﴿لَبِئْسَ ٱلْمَوْلَىٰ وَلَبِئْسَ ٱلْعَشِيرُ﴾.
وقيل: "يدعو" بمعنى يقول، فلا يحتاج إلى عمل، وتكون اللام في موضعها و "من" مرفوعة بالابتداء، والخبر محذوف. والتقدير: يقول لمن ضره أقرب من نفعه إلهي.
وقيل: "يدعو" بمعنى: يسمى.
وقال الزجاج: "ذلك" بمعنى الذي. وهو في موضع نصب بـ "يدعو" أو التقدير: يدعو الذي هو الضلال البعيد. ثم ابتدأ: لمن ضره أقرب من نفعه. وخبره: "لبئس المولى" وهذا مثل قوله: "وما تلك بيمينك". أي: وما التي بيمينك.
وقال الفراء: يجوز أن تكون "يدعو" مكررة تأكيداً لـ "يدعو" الأولى، فيقف على "يدعو" على هذا، ويبتدئ "من ضره" على الابتداء والخبر "لَبِئْس المولى".
وحكي عن المبرد أنه قال: التقدير: يدعو لمن ضره أقرب من نفعه إلهاً. وهذا لا معنى له، لأن ما بعد اللام مبتدأ، فلا ينصب خبره، فإن جعل الخبر "لبيس المولى" لم يكن للكلام معنى ويصير منقطعاً بعضه من بعض.
* *
وقوله: ﴿لَبِئْسَ ٱلْمَوْلَىٰ﴾ أي: لبيس ابن العم، "ولبيس العشير" أي: الخليط والصاحب. قاله ابن زيد.
وقيل: "المولى": الولي الناصر.
وقال مجاهد: "لبيس العشير" يعني الوثن.
ولا يوقف على "البعيد" على قول الزجاج، لأن ذلك منصوب بـ "يدعو".
وقد أفردنا لهذه الآية كتاباً، وشرحنا ما فيه بأبسط من هذا. ومعنى: "لمن ضره أقرب من نفعه" فأوجب أن عبادة الآلهة تضر، وقد قال قبل ذلك: "ما لا يضره وما لا ينفعه" فنفى عنها الضر. فإنما يراد بذل أنها لا تضر في الدنيا، وأراد بالآية الأخرى ضرها في الآخرة. والمعنى: لمن ضره في الآخرة أقرب من نفعه. والأخرى ما لا يضره في الدنيا. وكذلك معنى ما كان مثله.
الحج 22:12
قوله تعالى ذكره: ﴿ثَانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ﴾ إلى قوله: ﴿وَلَبِئْسَ ٱلْعَشِيرُ﴾.
أي: يخاصم في توحيد الله بغير علم، وبغير هدى وبغير كتاب، ﴿ثَانِيَ عِطْفِهِ﴾. أي: معرضاً عن الحق، متحيراً فنصبه على الحال.
قال ابن عباس: "ثاني عطفه" مستكبراً في نفسه. قال: هو النضر بن الحارث، لوى عنقه مرحاً وتعظماً.
وقال مجاهد وقتادة: معناه: لاوياً رقبته.
وقال ابن زيد: "لا ويا رأسه معرضاً، مولياً، لا يقبل على ما يقال له"، ومنه قوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ ٱللَّهِ لَوَّوْاْ رُءُوسَهُمْ...﴾ [المنافقون: ٥] الآية، وهو قوله: ﴿وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِ ءَايَاتُنَا وَلَّىٰ مُسْتَكْبِراً﴾.
والعِطْفُ: ما انثنى من العنق.
* *
ثم قال: ﴿لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ﴾.
أي جادل هذا المشرك في توحيد الله ونفى البعث ليضل المؤمنين بالله عن دينهم الذي هداهم الله إليه ﴿لَهُ فِي ٱلدُّنْيَا خِزْيٌ﴾.
وهو القتل والهوان بأيدي المؤمنين، فقتله الله بأيديهم يوم بدر. ﴿وَنُذِيقُهُ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ عَذَابَ ٱلْحَرِيقِ﴾ أي: نحرقه بالنار.
* *
ثم قال: ﴿ذٰلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ﴾ أي: يقال له إذا أذيق عذاب النار. ذلك بما قدمت يداك في الدنيا، وبأن الله ليس بظلام للعبيد.
قوله ﴿بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ﴾ وقف، إن جعلت ﴿وَأَنَّ﴾ في موضع رفع على معنى "والأمر أن الله".
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَعْبُدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ حَرْفٍ﴾.
هذه الآية نزلت في أعراب كانوا يقدمون على رسول الله ﷺ مهاجرين من باديتهم، فإذا نالوا رخاء من عيش بعد الهجرة وبعد الدخول في الإسلام أقاموا على الإسلام، وإن نالوا بعد ذلك شدة وضيق عيش أو موت ماشية ونحوه، ارتدوا على أعقابهم. فالمعنى: ومن الناس من يعبد الله على شك، فإن أصابه خير - وهو السعة من العيش اطمأن به: أي استقر بالإسلام، وثبت عليه، وإن أصابته فتنة، وهو الضيق في العيش وشبهه انقلب على وجهه أي: رجع إلى الذي كان عليه من الكفر بالله.
قال ابن عباس: "كان أحدهم إذا قدم المدينة، فإن صح جسمه ونتجت فرسه مهراً حسناً وولدت امرأته غلاماً، رضي به واطمأن إليه. وقال: ما أصبت منذ كنت على ديني هذا إلا خيراً، وإن أصابه وجع وولدت امرأته جارية، وتأخرت عنه الصدقة أتاه الشيطان فقال: والله ما أصبت مذ كنت على دينك هذا إلا شراً، فذلك الفتنة".
وقال مجاهد: ﴿عَلَىٰ حَرْفٍ﴾: على شك.
قال ابن جريج: كان ناس من قبائل العرب ومن حولهم من أهل القرى يقولون: نأتي محمداً عليه السلام، فإن صادفنا خيراً من معيشة الرزق ثبتنا، وإلا لحقنا بأهلنا. وبهذا القول قال: قتادة والضحاك.
قيل: هم المنافقون، كانوا إذا رأوا النبي ﷺ مستعلياً على أعدائه في أمن وخصب، أظهروا التصديق به، وتصويب دينه، وصَلُّوا معه وصاموا، وهم مع ذلك على غير بصيرة فيما هم عليه، فإذا أصابته فتنة من خوف أو تشديد في العبادة والأمر بالجهاد، انقلب عما كان يظهر من الإيمان والصوم والصلاة، فأظهر الكفر والبراءة من دين الله، فانقلب على وجهه خاسراً دنياه وأخراه.
وقال ابن زيد: "هي في المنافقين، إن صلحت له دنياه أقام على العبادة، وإن فسدت عليه دنياه وتغيرت، انقلب فلا يقيم العبادة إلا لما صلح من دنياه، فإذا أصابته فتنة أو شدة أو اختبار أو ضيق، ترك دينه، ورجع إلى الكفر. وهذا التفسير كله يدل على أن السورة مدنية. ومن قال: إنها مكية، قال: نزلت في شيبة بن ربيعة، كان أسلم ثم ارتد.
وقيل: نزلت في النضر بن الحارث.
وتقدير الكلام: ومن الناس من يعبد الله على حرف الدين، أي: على طرفه لا يدخل فيه ويتمكن.
ومعنى: ﴿ٱنْقَلَبَ عَلَىٰ وَجْهِهِ﴾ [أي: انقلب] عن دينه. ﴿خَسِرَ ٱلدُّنْيَا وَٱلأَخِرَةَ﴾ أي: خسر دنياه لأنه لم يظفر بحاجته منها. وقيل معناه: أنه خسر حظه في الغنيمة، لأنه لا حظ لكافر فيها. وخسر الآخرة لما له فيها من العذاب، ولأنه خاسر الثواب.
* *
ثم قال تعالى: ﴿ذٰلِكَ هُوَ ٱلْخُسْرَانُ ٱلْمُبِينُ﴾.
أي: خسران الدنيا والآخرة. ذلك هو الخسران المبين، أي يبين لمن تفكر فيه وتدبر.
* *
ثم قال تعالى: ﴿يَدْعُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لاَ يَضُرُّهُ وَمَا لاَ يَنفَعُهُ﴾.
وإن أصاب هذا الذي يعبد الله على حرف ضر، يدعو من دون الله آلهة لا تضره إن لم يعبدها في الدنيا، ولا تنفعه في الآخرة إن عبدها. ﴿ذٰلِكَ هُوَ ٱلضَّلاَلُ ٱلْبَعِيدُ﴾. أي: الطويل: والعرب تقول: لما لا يكون البتة: هذا بعيد.
* *
ثم قال: ﴿يَدْعُواْ لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِن نَّفْعِهِ﴾ تقدير هذا الكلام عند الكسائي والبصريين: يدعو من لضره أقرب من نفعه. أي: يدعو إلهاً لضره أقرب من نفعه، لأن من عبد الأصنام، فضررها يعود عليه في الدنيا والآخرة، ولا نفع يعود عليه من ذلك، وإنما احتيج إلى تقدير تأخير اللام، لأن "يدعو" فعل لا يعلق، ولا بد أن يعمل، واللام تمنعه من العمل، فأخرت اللام ليعمل الفعل في "من" ولا يعلق. وقيل: مع "يدعو" هاء مضمرة وهو في موضع حال من ذلك. والتقدير: ذلك هو الضلال البعيد يدعوه، فيقف على "يدعو" في هذا القول.
وتقديره: ذلك هو الضلال البعيد في حالة دعائه إياه. ويكون لمن ضره أقرب من نفعه مستأنفاً مرفوعاً بالابتداء، وخبره: ﴿لَبِئْسَ ٱلْمَوْلَىٰ وَلَبِئْسَ ٱلْعَشِيرُ﴾.
وقيل: "يدعو" بمعنى يقول، فلا يحتاج إلى عمل، وتكون اللام في موضعها و "من" مرفوعة بالابتداء، والخبر محذوف. والتقدير: يقول لمن ضره أقرب من نفعه إلهي.
وقيل: "يدعو" بمعنى: يسمى.
وقال الزجاج: "ذلك" بمعنى الذي. وهو في موضع نصب بـ "يدعو" أو التقدير: يدعو الذي هو الضلال البعيد. ثم ابتدأ: لمن ضره أقرب من نفعه. وخبره: "لبئس المولى" وهذا مثل قوله: "وما تلك بيمينك". أي: وما التي بيمينك.
وقال الفراء: يجوز أن تكون "يدعو" مكررة تأكيداً لـ "يدعو" الأولى، فيقف على "يدعو" على هذا، ويبتدئ "من ضره" على الابتداء والخبر "لَبِئْس المولى".
وحكي عن المبرد أنه قال: التقدير: يدعو لمن ضره أقرب من نفعه إلهاً. وهذا لا معنى له، لأن ما بعد اللام مبتدأ، فلا ينصب خبره، فإن جعل الخبر "لبيس المولى" لم يكن للكلام معنى ويصير منقطعاً بعضه من بعض.
* *
وقوله: ﴿لَبِئْسَ ٱلْمَوْلَىٰ﴾ أي: لبيس ابن العم، "ولبيس العشير" أي: الخليط والصاحب. قاله ابن زيد.
وقيل: "المولى": الولي الناصر.
وقال مجاهد: "لبيس العشير" يعني الوثن.
ولا يوقف على "البعيد" على قول الزجاج، لأن ذلك منصوب بـ "يدعو".
وقد أفردنا لهذه الآية كتاباً، وشرحنا ما فيه بأبسط من هذا. ومعنى: "لمن ضره أقرب من نفعه" فأوجب أن عبادة الآلهة تضر، وقد قال قبل ذلك: "ما لا يضره وما لا ينفعه" فنفى عنها الضر. فإنما يراد بذل أنها لا تضر في الدنيا، وأراد بالآية الأخرى ضرها في الآخرة. والمعنى: لمن ضره في الآخرة أقرب من نفعه. والأخرى ما لا يضره في الدنيا. وكذلك معنى ما كان مثله.
الحج 22:13
قوله تعالى ذكره: ﴿ثَانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ﴾ إلى قوله: ﴿وَلَبِئْسَ ٱلْعَشِيرُ﴾.
أي: يخاصم في توحيد الله بغير علم، وبغير هدى وبغير كتاب، ﴿ثَانِيَ عِطْفِهِ﴾. أي: معرضاً عن الحق، متحيراً فنصبه على الحال.
قال ابن عباس: "ثاني عطفه" مستكبراً في نفسه. قال: هو النضر بن الحارث، لوى عنقه مرحاً وتعظماً.
وقال مجاهد وقتادة: معناه: لاوياً رقبته.
وقال ابن زيد: "لا ويا رأسه معرضاً، مولياً، لا يقبل على ما يقال له"، ومنه قوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ ٱللَّهِ لَوَّوْاْ رُءُوسَهُمْ...﴾ [المنافقون: ٥] الآية، وهو قوله: ﴿وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِ ءَايَاتُنَا وَلَّىٰ مُسْتَكْبِراً﴾.
والعِطْفُ: ما انثنى من العنق.
* *
ثم قال: ﴿لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ﴾.
أي جادل هذا المشرك في توحيد الله ونفى البعث ليضل المؤمنين بالله عن دينهم الذي هداهم الله إليه ﴿لَهُ فِي ٱلدُّنْيَا خِزْيٌ﴾.
وهو القتل والهوان بأيدي المؤمنين، فقتله الله بأيديهم يوم بدر. ﴿وَنُذِيقُهُ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ عَذَابَ ٱلْحَرِيقِ﴾ أي: نحرقه بالنار.
* *
ثم قال: ﴿ذٰلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ﴾ أي: يقال له إذا أذيق عذاب النار. ذلك بما قدمت يداك في الدنيا، وبأن الله ليس بظلام للعبيد.
قوله ﴿بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ﴾ وقف، إن جعلت ﴿وَأَنَّ﴾ في موضع رفع على معنى "والأمر أن الله".
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَعْبُدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ حَرْفٍ﴾.
هذه الآية نزلت في أعراب كانوا يقدمون على رسول الله ﷺ مهاجرين من باديتهم، فإذا نالوا رخاء من عيش بعد الهجرة وبعد الدخول في الإسلام أقاموا على الإسلام، وإن نالوا بعد ذلك شدة وضيق عيش أو موت ماشية ونحوه، ارتدوا على أعقابهم. فالمعنى: ومن الناس من يعبد الله على شك، فإن أصابه خير - وهو السعة من العيش اطمأن به: أي استقر بالإسلام، وثبت عليه، وإن أصابته فتنة، وهو الضيق في العيش وشبهه انقلب على وجهه أي: رجع إلى الذي كان عليه من الكفر بالله.
قال ابن عباس: "كان أحدهم إذا قدم المدينة، فإن صح جسمه ونتجت فرسه مهراً حسناً وولدت امرأته غلاماً، رضي به واطمأن إليه. وقال: ما أصبت منذ كنت على ديني هذا إلا خيراً، وإن أصابه وجع وولدت امرأته جارية، وتأخرت عنه الصدقة أتاه الشيطان فقال: والله ما أصبت مذ كنت على دينك هذا إلا شراً، فذلك الفتنة".
وقال مجاهد: ﴿عَلَىٰ حَرْفٍ﴾: على شك.
قال ابن جريج: كان ناس من قبائل العرب ومن حولهم من أهل القرى يقولون: نأتي محمداً عليه السلام، فإن صادفنا خيراً من معيشة الرزق ثبتنا، وإلا لحقنا بأهلنا. وبهذا القول قال: قتادة والضحاك.
قيل: هم المنافقون، كانوا إذا رأوا النبي ﷺ مستعلياً على أعدائه في أمن وخصب، أظهروا التصديق به، وتصويب دينه، وصَلُّوا معه وصاموا، وهم مع ذلك على غير بصيرة فيما هم عليه، فإذا أصابته فتنة من خوف أو تشديد في العبادة والأمر بالجهاد، انقلب عما كان يظهر من الإيمان والصوم والصلاة، فأظهر الكفر والبراءة من دين الله، فانقلب على وجهه خاسراً دنياه وأخراه.
وقال ابن زيد: "هي في المنافقين، إن صلحت له دنياه أقام على العبادة، وإن فسدت عليه دنياه وتغيرت، انقلب فلا يقيم العبادة إلا لما صلح من دنياه، فإذا أصابته فتنة أو شدة أو اختبار أو ضيق، ترك دينه، ورجع إلى الكفر. وهذا التفسير كله يدل على أن السورة مدنية. ومن قال: إنها مكية، قال: نزلت في شيبة بن ربيعة، كان أسلم ثم ارتد.
وقيل: نزلت في النضر بن الحارث.
وتقدير الكلام: ومن الناس من يعبد الله على حرف الدين، أي: على طرفه لا يدخل فيه ويتمكن.
ومعنى: ﴿ٱنْقَلَبَ عَلَىٰ وَجْهِهِ﴾ [أي: انقلب] عن دينه. ﴿خَسِرَ ٱلدُّنْيَا وَٱلأَخِرَةَ﴾ أي: خسر دنياه لأنه لم يظفر بحاجته منها. وقيل معناه: أنه خسر حظه في الغنيمة، لأنه لا حظ لكافر فيها. وخسر الآخرة لما له فيها من العذاب، ولأنه خاسر الثواب.
* *
ثم قال تعالى: ﴿ذٰلِكَ هُوَ ٱلْخُسْرَانُ ٱلْمُبِينُ﴾.
أي: خسران الدنيا والآخرة. ذلك هو الخسران المبين، أي يبين لمن تفكر فيه وتدبر.
* *
ثم قال تعالى: ﴿يَدْعُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لاَ يَضُرُّهُ وَمَا لاَ يَنفَعُهُ﴾.
وإن أصاب هذا الذي يعبد الله على حرف ضر، يدعو من دون الله آلهة لا تضره إن لم يعبدها في الدنيا، ولا تنفعه في الآخرة إن عبدها. ﴿ذٰلِكَ هُوَ ٱلضَّلاَلُ ٱلْبَعِيدُ﴾. أي: الطويل: والعرب تقول: لما لا يكون البتة: هذا بعيد.
* *
ثم قال: ﴿يَدْعُواْ لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِن نَّفْعِهِ﴾ تقدير هذا الكلام عند الكسائي والبصريين: يدعو من لضره أقرب من نفعه. أي: يدعو إلهاً لضره أقرب من نفعه، لأن من عبد الأصنام، فضررها يعود عليه في الدنيا والآخرة، ولا نفع يعود عليه من ذلك، وإنما احتيج إلى تقدير تأخير اللام، لأن "يدعو" فعل لا يعلق، ولا بد أن يعمل، واللام تمنعه من العمل، فأخرت اللام ليعمل الفعل في "من" ولا يعلق. وقيل: مع "يدعو" هاء مضمرة وهو في موضع حال من ذلك. والتقدير: ذلك هو الضلال البعيد يدعوه، فيقف على "يدعو" في هذا القول.
وتقديره: ذلك هو الضلال البعيد في حالة دعائه إياه. ويكون لمن ضره أقرب من نفعه مستأنفاً مرفوعاً بالابتداء، وخبره: ﴿لَبِئْسَ ٱلْمَوْلَىٰ وَلَبِئْسَ ٱلْعَشِيرُ﴾.
وقيل: "يدعو" بمعنى يقول، فلا يحتاج إلى عمل، وتكون اللام في موضعها و "من" مرفوعة بالابتداء، والخبر محذوف. والتقدير: يقول لمن ضره أقرب من نفعه إلهي.
وقيل: "يدعو" بمعنى: يسمى.
وقال الزجاج: "ذلك" بمعنى الذي. وهو في موضع نصب بـ "يدعو" أو التقدير: يدعو الذي هو الضلال البعيد. ثم ابتدأ: لمن ضره أقرب من نفعه. وخبره: "لبئس المولى" وهذا مثل قوله: "وما تلك بيمينك". أي: وما التي بيمينك.
وقال الفراء: يجوز أن تكون "يدعو" مكررة تأكيداً لـ "يدعو" الأولى، فيقف على "يدعو" على هذا، ويبتدئ "من ضره" على الابتداء والخبر "لَبِئْس المولى".
وحكي عن المبرد أنه قال: التقدير: يدعو لمن ضره أقرب من نفعه إلهاً. وهذا لا معنى له، لأن ما بعد اللام مبتدأ، فلا ينصب خبره، فإن جعل الخبر "لبيس المولى" لم يكن للكلام معنى ويصير منقطعاً بعضه من بعض.
* *
وقوله: ﴿لَبِئْسَ ٱلْمَوْلَىٰ﴾ أي: لبيس ابن العم، "ولبيس العشير" أي: الخليط والصاحب. قاله ابن زيد.
وقيل: "المولى": الولي الناصر.
وقال مجاهد: "لبيس العشير" يعني الوثن.
ولا يوقف على "البعيد" على قول الزجاج، لأن ذلك منصوب بـ "يدعو".
وقد أفردنا لهذه الآية كتاباً، وشرحنا ما فيه بأبسط من هذا. ومعنى: "لمن ضره أقرب من نفعه" فأوجب أن عبادة الآلهة تضر، وقد قال قبل ذلك: "ما لا يضره وما لا ينفعه" فنفى عنها الضر. فإنما يراد بذل أنها لا تضر في الدنيا، وأراد بالآية الأخرى ضرها في الآخرة. والمعنى: لمن ضره في الآخرة أقرب من نفعه. والأخرى ما لا يضره في الدنيا. وكذلك معنى ما كان مثله.
الحج 22:14
قوله تعالى ذكره: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يُدْخِلُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ﴾ إلى قوله: ﴿وَذُوقُواْ عَذَابَ ٱلْحَرِيقِ﴾.
أي: إن الله يدخل المصدقين به وبكتبه ورسله العاملين الطاعات بساتين. "تجري من تحتها الأنهار". أي: من تحت أشجارها.
﴿إِنَّ ٱللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾. فيعطي ما شاء من كرامته أهل طاعته.
* *
ثم قال: ﴿مَن كَانَ يَظُنُّ أَن لَّن يَنصُرَهُ ٱللَّهُ فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ﴾.
أي: من كان يظن أن لن ينصر الله محمداً عليه السلام في الدنيا والآخرة، "فليمدد بسبب" وهو الحبل "إلى السماء" يعني سماء البيت، وهو سقفه. "ثم ليقطع" السبب. يعني: الاختناق به. "فلينظر هل يذهبن" اختناقه، ذلك ما يغيظ. أي: ما يجد من في صدره من الغيظ. هذا معنى قول قتادة وهو مروي عن ابن عباس أيضاً.
وقال ابن زيد معناه: من كان يظن أن لن ينصر الله محمداً ﷺ، فليقطع ذلك من أصله، من حيث يأتيه النصر، فإن أصله في السماء، فليمدد سببه إلى السماء ثم ليقطع الوحي عن النبي ﷺ ﴿فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ﴾.
أي: هل يذهب فعله ما يجد في نفسه من غيظ. في نصر الله تعالى محمداً.
وقيل: النصر هنا معناه: الرزق. وحكي عن العرب، من ينصرني نصره الله. أي: من يعطني أعطاه الله. فالتقدير على هذا: من كان يظن أن لن يرزق الله محمداً عليه السلام، فليختنق في حبل في سقف بيته ثم لينظر هل يذهب فعله غيظه.
وقيل: معناه: من كان يظن أن لن يرزق الله تعالى محمداً فليمدد بسبب إلى السماء، فليقطع رزقه إن كان يقدر، فلينظر هل يذهب كيده غيظه.
وكونها عائدة على "من" - وهو قول أبي عبيدة مع طائفة من أهل اللغة - ويكون ينصره بمعنى "ينفعه".
وقد قيل: إن "الهاء" تعود على الدين. أي: من كان يظن أن لن ينصر الله دينه، فليفعل ما ذكر.
قال ابن عباس: معناه: إن لن ينصر الله محمداً. فالهاء لمحمد عليه السلام.
وقال مجاهد: معناه: من كان يظن أن لن يرزقه الله، فليمدد بحبل إلى سارية البيت فليخنق نفسه. فالهاء على هذا لـ "ظن" كأنه قال: من ظن أن الله لا يرزقه، فليقتل نفسه، إذ لا حياة له مع عدم رزق الله له.
وقيل: معناه: من كان يظن أن لن ينصر الله نبيه في الدنيا والآخرة وأنه يتهيأ له أن يغلب نبيه أو يزيل عنه النصر الذي يريده الله به. فليطلب سبباً يصل به إلى السماء، فليقطع نصر الله عن نبيه، فلينظر هل يتهيأ له الوصول إلى السماء بكيد وبسبب يحتاله. وهل يتهيأ له أن يقطع النصر عن نبي الله، أو يزيل بكيده وحيلته ما يغيظه من نصر الله لنبيه، فإنما هذا دلالة على ما لا يتهيأ لهم، ولا يقدرون عليه، وفيه إعلام أن النصر لمحمد من عند الله، وتنبيه على أن محمداً منصور لا يغلب.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَكَذٰلِكَ أَنزَلْنَاهُ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَأَنَّ ٱللَّهَ يَهْدِي مَن يُرِيدُ﴾ أي: وكما بينت لكم الحجة على من تقدم ذكره، كذلك أنزلت على محمد آيات واضحات يهتدي بها من وفقه الله للحق.
* *
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَٱلَّذِينَ هَادُواْ وَٱلصَّابِئِينَ وَٱلنَّصَارَىٰ﴾.
أي: إن هؤلاء على اختلاف أديانهم يفصل بينهم الله يوم القيامة، فيدخل المؤمنين الجنة، ويدخل غيرهم النار، فهذا هو الفصل.
قال قتادة: "والصابون" قوم يعبدون الملائكة، ويصلون إلى القبلة، ويقرأون الزبور. والمجوس، يعبدون الشمس والقمر والنيران "والذين أشركوا" يعبدون الأوثان. والأديان ستة، خمسة للشيطان وواحد للرحمن.
* *
وقوله: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾.
أي: شاهد على أعمالهم على اختلاف أديانهم، فإن الثانية تخبر عن الأولى. أي: سدت مسد خبرها، إذ هي داخلة على ابتداء وخبر. والابتداء والخبر يسدان مسد خبر أن في كثير من الكلام.
وقيل: لما طال الكلام، صارت الأولى كأنها ملغاة، فأعيدت تأكيداً وتكريراً. والأول أحسن .
* *
ثم قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَن فِي ٱلأَرْضِ﴾.
أي: يخضعون وينقادون لله.
وقيل: السجود هنا مما لا يعقل، ومن الموات والكفار إنما هو ظهور أثر الصنعة عليها، والخضوع الذي يدل على أنها مخلوقه. وانقيادها لله وتصريف الله لها فيما شاء.
أن يصرفها فهو مجاز وتوسع. وهذا القول لا يصح، لأنه تعالى قد أخبرنا بأن من الحجارة ما يخشى، وأنه سخر مع داود الجبال والطير يسبحن. وهذا لا يمتنع حمله على الحقيقة، ولا يحسن حمله على معنى ظهور الصنعة فيها، لأن ذلك مع غير داود مثل ما هو مع داود. وإذا لم يكن بد من حمله على الحقيقة، حسن حمل السجود في الموات وما لا يعقل على الحقيقة أيضاً.
وقيل: سجودها، هو تحول ظلها حين تطلع الشمس وحين تزول، فإذا تحول ظل كل شيء، فهو سجوده.
وقال مجاهد: ظلال هذا كله يسجد.
وقال أبو العالية: ما في السماء نجم ولا شمس ولا قمر إلا يقع لله ساجداً حين يغيب، ثم لا ينصرف حتى يؤذن له، فيأخذ ذات اليمين.
* *
وقوله: ﴿وَكَثِيرٌ مِّنَ ٱلنَّاسِ﴾ يعني: المؤمنين. ﴿وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ ٱلْعَذَابُ﴾ يعني ظل الكافر يسجد لله. قاله مجاهد، وهو عنده مع هذا منقاد لله، خاضع وهو ساجد مع ظله، إلا أن سجود ظله ميلانه مع الشمس وسجوده هو انقياده وخضوعه على صحته وسقمه ورزقه ومنعه.
وقوله: "وكثير من الناس". قيل: معناه: وكثير من الناس في الجنة بدليل قوله: "وكثير حق عليه العذاب" لأن الجنة ضد النار. ولو قال: "وكثير لا يسجد" لكان المعنى. وكثير من الناس. أي: وكثير من الناس يسجد.
وقيل: معنى: "وكثير حق عليه العذاب": وكثير أبى السجود فحق عليه العذاب فيكون الوقف على هذا القول. "وكثير من الناس" ثم يبتدئ: "وكثير حق عليه العذاب" ولهذا المعنى رفع "كثير". وقد عطف على ما عمل فيه الفعل. ولولا هذا المعنى، لكان النصب الاختيار. كما قال: ﴿وَٱلظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً﴾ [الإنسان: ٣١] "فكثير" الثاني: مبتدأ، وليس بمعطوف على الأول، فإنما هو إخبار عن خلق كثير [وجب عليه] العذاب بكفره. وما قبله إخبار عن كثير من الناس يسجدون لله، وهم المؤمنون.
[ثم قال] ﴿وَمَن يُهِنِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ﴾.
أي: ومن يشقه الله فيهينه، فما له من مكرم يكرمه بالسعادة.
﴿إِنَّ ٱللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَآءُ﴾ يوفق من يشاء لطاعته، ويخذل من يشاء فيكفر.
* *
ثم قال تعالى: ﴿هَـٰذَانِ خَصْمَانِ ٱخْتَصَمُواْ فِي رَبِّهِمْ﴾.
يعني: الذين تبارزوا يوم بدر. وقد ذكر ذلك في أول السورة.
وقال ابن عباس: هم أهل إيمان، وأهل كتاب. اختصموا. قال أهل الكتاب للمؤمنين: نحن أولى بالله، وأقدم منكم كتاباً ونبينا قبل نبيكم. وقال المؤمنون: نحن أحق بالله، آمنا بمحمد ﷺ وبنبيكم وبما أنزل الله من كتاب، وأنتم تعرفون كتابنا ونبينا ثم تركتموه وكفرتم به حسداً. فكان ذلك خصومتهم في ربهم.
وقال الحسن: هم الكفار والمؤمنون، اختصموا في ربهم. وكذا قال مجاهد.
وقال عكرمة: "هذان" إشارة إلى الجنة والنار. اختصما في ربهما، فقالت النار: خلقني الله لعقوبته. وقالت الجنة: خلقني الله لرحمته. فقد قص عليك من خبرهما ما تسمع.
ثم قال تعالى ذكره: ﴿فَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِّن نَّارٍ﴾.
أي: قمصاً من نحاس ونار.
وقال ابن جبير: ليس في الآنية أشد حراً من النحاس.
قال مجاهد: الكافر قطعت له ثياب من نار. والمؤمن يدخله الله جنات تجري من تحتها الأنهار.
* *
ثم قال: ﴿يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُءُوسِهِمُ ٱلْحَمِيمُ﴾ أي: ماء يغلي.
وروى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: إن الحميم ليصب على رؤوسهم فينفذ الجمجمة حتى يخلص إلى جوفه، فيسلت ما في جوفه حتى يبلغ قدميه. وهو قوله: "يصهر به ما في بطونهم". ثم يعاد كما كان. ومعنى يصهر: يذاب ما في بطونهم من الشحوم، وتشوى جلودهم فتتساقط.
قال مجاهد وقتادة: يصهر: يذاب.
قال ابن عباس: يسقون ماء إذا دخل في بطونهم أذابها والجلود مع البطون.
وقال ابن جبير: إذا جاع أهل النار، يعني إذا جاعوا واستغاثوا بشجر الزقوم، فيأكلون منها، فاختلعت جلود وجوههم. فلو أن ماراً مر بهم يعرفهم، لعرف جلود وجوههم فيها. ثم يصب عليهم العطش، فيستغيثون فيغاثون بماء كالمهل، وهو الذي انتهى حره، فإذا أدنوه من أفواههم انشوى من حره لحوم وجوههم التي قد سقطت عنها الجلود، "ويصهر به ما في بطونهم"، أي: يذاب. يمشون في أمعائهم، وتسقط جلودهم ثم يضربون بمقامع من حديد، يسقط كل عضو على حياله، يدعون بالويل والثبور، نعوذ بالله من ذلك.
وقال عبد الله بن السري: يأتيه الملك بالإناء يحمله بكلبتين، فإذا أدناه إليه يكرهه، فيرفع الملك بقمعة، فيضرب بها رأسه، فيفلق بها دماغه، فيكفي الإناء في دماغه، فيصير إلى جوفه. فذلك قوله: ﴿يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَٱلْجُلُودُ * وَلَهُمْ مَّقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ﴾.
* *
وقوله: ﴿وَلَهُمْ مَّقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ﴾.
أي: عذاب مقامع أو ضرب مقامع تضربهم بها الخزنة إذا أرادوا الخروج من النار، حتى يرجعوا إليها.
* *
وقوله: ﴿كُلَّمَآ أَرَادُوۤاْ أَن يَخْرُجُواْ مِنْهَا﴾ أي: من العذاب، وغم الظلمة.
قال الفضيل بن عياض: والله ما طمعوا في الخروج. إن الأيدي والأرجل لموثقة، ولكن يرفعهم لهبها، وتردهم مقامعها.
قال سلمان الفارسي: النار سواد مظلمة، لا يضيء لهبها ولا جمرها.
قال مالك بن دينار: بلغني أنه إذا أحس أهل النار في النار، بضرب مقامع الحديد، انغمسوا في حياض الحميم، فيذهبون سفالاً سفالاً مقدار أربعين سنة، كما يغرق الرجل فيذهب في الماء سفالاً سفالاً.
وروي أن جهنم تجيش فتلقي من فيها إلى أعلى أبوابها، فيريدون الخروج، فتعيدهم الخزان بالمقامع، ويقولون لهم: ذوقوا عذاب الحريق، بمعنى المحروق، كالأليم بمعنى المؤلم. فهو فعيل بمعنى مفعول.
الحج 22:15
قوله تعالى ذكره: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يُدْخِلُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ﴾ إلى قوله: ﴿وَذُوقُواْ عَذَابَ ٱلْحَرِيقِ﴾.
أي: إن الله يدخل المصدقين به وبكتبه ورسله العاملين الطاعات بساتين. "تجري من تحتها الأنهار". أي: من تحت أشجارها.
﴿إِنَّ ٱللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾. فيعطي ما شاء من كرامته أهل طاعته.
* *
ثم قال: ﴿مَن كَانَ يَظُنُّ أَن لَّن يَنصُرَهُ ٱللَّهُ فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ﴾.
أي: من كان يظن أن لن ينصر الله محمداً عليه السلام في الدنيا والآخرة، "فليمدد بسبب" وهو الحبل "إلى السماء" يعني سماء البيت، وهو سقفه. "ثم ليقطع" السبب. يعني: الاختناق به. "فلينظر هل يذهبن" اختناقه، ذلك ما يغيظ. أي: ما يجد من في صدره من الغيظ. هذا معنى قول قتادة وهو مروي عن ابن عباس أيضاً.
وقال ابن زيد معناه: من كان يظن أن لن ينصر الله محمداً ﷺ، فليقطع ذلك من أصله، من حيث يأتيه النصر، فإن أصله في السماء، فليمدد سببه إلى السماء ثم ليقطع الوحي عن النبي ﷺ ﴿فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ﴾.
أي: هل يذهب فعله ما يجد في نفسه من غيظ. في نصر الله تعالى محمداً.
وقيل: النصر هنا معناه: الرزق. وحكي عن العرب، من ينصرني نصره الله. أي: من يعطني أعطاه الله. فالتقدير على هذا: من كان يظن أن لن يرزق الله محمداً عليه السلام، فليختنق في حبل في سقف بيته ثم لينظر هل يذهب فعله غيظه.
وقيل: معناه: من كان يظن أن لن يرزق الله تعالى محمداً فليمدد بسبب إلى السماء، فليقطع رزقه إن كان يقدر، فلينظر هل يذهب كيده غيظه.
وكونها عائدة على "من" - وهو قول أبي عبيدة مع طائفة من أهل اللغة - ويكون ينصره بمعنى "ينفعه".
وقد قيل: إن "الهاء" تعود على الدين. أي: من كان يظن أن لن ينصر الله دينه، فليفعل ما ذكر.
قال ابن عباس: معناه: إن لن ينصر الله محمداً. فالهاء لمحمد عليه السلام.
وقال مجاهد: معناه: من كان يظن أن لن يرزقه الله، فليمدد بحبل إلى سارية البيت فليخنق نفسه. فالهاء على هذا لـ "ظن" كأنه قال: من ظن أن الله لا يرزقه، فليقتل نفسه، إذ لا حياة له مع عدم رزق الله له.
وقيل: معناه: من كان يظن أن لن ينصر الله نبيه في الدنيا والآخرة وأنه يتهيأ له أن يغلب نبيه أو يزيل عنه النصر الذي يريده الله به. فليطلب سبباً يصل به إلى السماء، فليقطع نصر الله عن نبيه، فلينظر هل يتهيأ له الوصول إلى السماء بكيد وبسبب يحتاله. وهل يتهيأ له أن يقطع النصر عن نبي الله، أو يزيل بكيده وحيلته ما يغيظه من نصر الله لنبيه، فإنما هذا دلالة على ما لا يتهيأ لهم، ولا يقدرون عليه، وفيه إعلام أن النصر لمحمد من عند الله، وتنبيه على أن محمداً منصور لا يغلب.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَكَذٰلِكَ أَنزَلْنَاهُ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَأَنَّ ٱللَّهَ يَهْدِي مَن يُرِيدُ﴾ أي: وكما بينت لكم الحجة على من تقدم ذكره، كذلك أنزلت على محمد آيات واضحات يهتدي بها من وفقه الله للحق.
* *
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَٱلَّذِينَ هَادُواْ وَٱلصَّابِئِينَ وَٱلنَّصَارَىٰ﴾.
أي: إن هؤلاء على اختلاف أديانهم يفصل بينهم الله يوم القيامة، فيدخل المؤمنين الجنة، ويدخل غيرهم النار، فهذا هو الفصل.
قال قتادة: "والصابون" قوم يعبدون الملائكة، ويصلون إلى القبلة، ويقرأون الزبور. والمجوس، يعبدون الشمس والقمر والنيران "والذين أشركوا" يعبدون الأوثان. والأديان ستة، خمسة للشيطان وواحد للرحمن.
* *
وقوله: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾.
أي: شاهد على أعمالهم على اختلاف أديانهم، فإن الثانية تخبر عن الأولى. أي: سدت مسد خبرها، إذ هي داخلة على ابتداء وخبر. والابتداء والخبر يسدان مسد خبر أن في كثير من الكلام.
وقيل: لما طال الكلام، صارت الأولى كأنها ملغاة، فأعيدت تأكيداً وتكريراً. والأول أحسن .
* *
ثم قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَن فِي ٱلأَرْضِ﴾.
أي: يخضعون وينقادون لله.
وقيل: السجود هنا مما لا يعقل، ومن الموات والكفار إنما هو ظهور أثر الصنعة عليها، والخضوع الذي يدل على أنها مخلوقه. وانقيادها لله وتصريف الله لها فيما شاء.
أن يصرفها فهو مجاز وتوسع. وهذا القول لا يصح، لأنه تعالى قد أخبرنا بأن من الحجارة ما يخشى، وأنه سخر مع داود الجبال والطير يسبحن. وهذا لا يمتنع حمله على الحقيقة، ولا يحسن حمله على معنى ظهور الصنعة فيها، لأن ذلك مع غير داود مثل ما هو مع داود. وإذا لم يكن بد من حمله على الحقيقة، حسن حمل السجود في الموات وما لا يعقل على الحقيقة أيضاً.
وقيل: سجودها، هو تحول ظلها حين تطلع الشمس وحين تزول، فإذا تحول ظل كل شيء، فهو سجوده.
وقال مجاهد: ظلال هذا كله يسجد.
وقال أبو العالية: ما في السماء نجم ولا شمس ولا قمر إلا يقع لله ساجداً حين يغيب، ثم لا ينصرف حتى يؤذن له، فيأخذ ذات اليمين.
* *
وقوله: ﴿وَكَثِيرٌ مِّنَ ٱلنَّاسِ﴾ يعني: المؤمنين. ﴿وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ ٱلْعَذَابُ﴾ يعني ظل الكافر يسجد لله. قاله مجاهد، وهو عنده مع هذا منقاد لله، خاضع وهو ساجد مع ظله، إلا أن سجود ظله ميلانه مع الشمس وسجوده هو انقياده وخضوعه على صحته وسقمه ورزقه ومنعه.
وقوله: "وكثير من الناس". قيل: معناه: وكثير من الناس في الجنة بدليل قوله: "وكثير حق عليه العذاب" لأن الجنة ضد النار. ولو قال: "وكثير لا يسجد" لكان المعنى. وكثير من الناس. أي: وكثير من الناس يسجد.
وقيل: معنى: "وكثير حق عليه العذاب": وكثير أبى السجود فحق عليه العذاب فيكون الوقف على هذا القول. "وكثير من الناس" ثم يبتدئ: "وكثير حق عليه العذاب" ولهذا المعنى رفع "كثير". وقد عطف على ما عمل فيه الفعل. ولولا هذا المعنى، لكان النصب الاختيار. كما قال: ﴿وَٱلظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً﴾ [الإنسان: ٣١] "فكثير" الثاني: مبتدأ، وليس بمعطوف على الأول، فإنما هو إخبار عن خلق كثير [وجب عليه] العذاب بكفره. وما قبله إخبار عن كثير من الناس يسجدون لله، وهم المؤمنون.
[ثم قال] ﴿وَمَن يُهِنِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ﴾.
أي: ومن يشقه الله فيهينه، فما له من مكرم يكرمه بالسعادة.
﴿إِنَّ ٱللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَآءُ﴾ يوفق من يشاء لطاعته، ويخذل من يشاء فيكفر.
* *
ثم قال تعالى: ﴿هَـٰذَانِ خَصْمَانِ ٱخْتَصَمُواْ فِي رَبِّهِمْ﴾.
يعني: الذين تبارزوا يوم بدر. وقد ذكر ذلك في أول السورة.
وقال ابن عباس: هم أهل إيمان، وأهل كتاب. اختصموا. قال أهل الكتاب للمؤمنين: نحن أولى بالله، وأقدم منكم كتاباً ونبينا قبل نبيكم. وقال المؤمنون: نحن أحق بالله، آمنا بمحمد ﷺ وبنبيكم وبما أنزل الله من كتاب، وأنتم تعرفون كتابنا ونبينا ثم تركتموه وكفرتم به حسداً. فكان ذلك خصومتهم في ربهم.
وقال الحسن: هم الكفار والمؤمنون، اختصموا في ربهم. وكذا قال مجاهد.
وقال عكرمة: "هذان" إشارة إلى الجنة والنار. اختصما في ربهما، فقالت النار: خلقني الله لعقوبته. وقالت الجنة: خلقني الله لرحمته. فقد قص عليك من خبرهما ما تسمع.
ثم قال تعالى ذكره: ﴿فَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِّن نَّارٍ﴾.
أي: قمصاً من نحاس ونار.
وقال ابن جبير: ليس في الآنية أشد حراً من النحاس.
قال مجاهد: الكافر قطعت له ثياب من نار. والمؤمن يدخله الله جنات تجري من تحتها الأنهار.
* *
ثم قال: ﴿يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُءُوسِهِمُ ٱلْحَمِيمُ﴾ أي: ماء يغلي.
وروى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: إن الحميم ليصب على رؤوسهم فينفذ الجمجمة حتى يخلص إلى جوفه، فيسلت ما في جوفه حتى يبلغ قدميه. وهو قوله: "يصهر به ما في بطونهم". ثم يعاد كما كان. ومعنى يصهر: يذاب ما في بطونهم من الشحوم، وتشوى جلودهم فتتساقط.
قال مجاهد وقتادة: يصهر: يذاب.
قال ابن عباس: يسقون ماء إذا دخل في بطونهم أذابها والجلود مع البطون.
وقال ابن جبير: إذا جاع أهل النار، يعني إذا جاعوا واستغاثوا بشجر الزقوم، فيأكلون منها، فاختلعت جلود وجوههم. فلو أن ماراً مر بهم يعرفهم، لعرف جلود وجوههم فيها. ثم يصب عليهم العطش، فيستغيثون فيغاثون بماء كالمهل، وهو الذي انتهى حره، فإذا أدنوه من أفواههم انشوى من حره لحوم وجوههم التي قد سقطت عنها الجلود، "ويصهر به ما في بطونهم"، أي: يذاب. يمشون في أمعائهم، وتسقط جلودهم ثم يضربون بمقامع من حديد، يسقط كل عضو على حياله، يدعون بالويل والثبور، نعوذ بالله من ذلك.
وقال عبد الله بن السري: يأتيه الملك بالإناء يحمله بكلبتين، فإذا أدناه إليه يكرهه، فيرفع الملك بقمعة، فيضرب بها رأسه، فيفلق بها دماغه، فيكفي الإناء في دماغه، فيصير إلى جوفه. فذلك قوله: ﴿يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَٱلْجُلُودُ * وَلَهُمْ مَّقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ﴾.
* *
وقوله: ﴿وَلَهُمْ مَّقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ﴾.
أي: عذاب مقامع أو ضرب مقامع تضربهم بها الخزنة إذا أرادوا الخروج من النار، حتى يرجعوا إليها.
* *
وقوله: ﴿كُلَّمَآ أَرَادُوۤاْ أَن يَخْرُجُواْ مِنْهَا﴾ أي: من العذاب، وغم الظلمة.
قال الفضيل بن عياض: والله ما طمعوا في الخروج. إن الأيدي والأرجل لموثقة، ولكن يرفعهم لهبها، وتردهم مقامعها.
قال سلمان الفارسي: النار سواد مظلمة، لا يضيء لهبها ولا جمرها.
قال مالك بن دينار: بلغني أنه إذا أحس أهل النار في النار، بضرب مقامع الحديد، انغمسوا في حياض الحميم، فيذهبون سفالاً سفالاً مقدار أربعين سنة، كما يغرق الرجل فيذهب في الماء سفالاً سفالاً.
وروي أن جهنم تجيش فتلقي من فيها إلى أعلى أبوابها، فيريدون الخروج، فتعيدهم الخزان بالمقامع، ويقولون لهم: ذوقوا عذاب الحريق، بمعنى المحروق، كالأليم بمعنى المؤلم. فهو فعيل بمعنى مفعول.
الحج 22:16
قوله تعالى ذكره: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يُدْخِلُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ﴾ إلى قوله: ﴿وَذُوقُواْ عَذَابَ ٱلْحَرِيقِ﴾.
أي: إن الله يدخل المصدقين به وبكتبه ورسله العاملين الطاعات بساتين. "تجري من تحتها الأنهار". أي: من تحت أشجارها.
﴿إِنَّ ٱللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾. فيعطي ما شاء من كرامته أهل طاعته.
* *
ثم قال: ﴿مَن كَانَ يَظُنُّ أَن لَّن يَنصُرَهُ ٱللَّهُ فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ﴾.
أي: من كان يظن أن لن ينصر الله محمداً عليه السلام في الدنيا والآخرة، "فليمدد بسبب" وهو الحبل "إلى السماء" يعني سماء البيت، وهو سقفه. "ثم ليقطع" السبب. يعني: الاختناق به. "فلينظر هل يذهبن" اختناقه، ذلك ما يغيظ. أي: ما يجد من في صدره من الغيظ. هذا معنى قول قتادة وهو مروي عن ابن عباس أيضاً.
وقال ابن زيد معناه: من كان يظن أن لن ينصر الله محمداً ﷺ، فليقطع ذلك من أصله، من حيث يأتيه النصر، فإن أصله في السماء، فليمدد سببه إلى السماء ثم ليقطع الوحي عن النبي ﷺ ﴿فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ﴾.
أي: هل يذهب فعله ما يجد في نفسه من غيظ. في نصر الله تعالى محمداً.
وقيل: النصر هنا معناه: الرزق. وحكي عن العرب، من ينصرني نصره الله. أي: من يعطني أعطاه الله. فالتقدير على هذا: من كان يظن أن لن يرزق الله محمداً عليه السلام، فليختنق في حبل في سقف بيته ثم لينظر هل يذهب فعله غيظه.
وقيل: معناه: من كان يظن أن لن يرزق الله تعالى محمداً فليمدد بسبب إلى السماء، فليقطع رزقه إن كان يقدر، فلينظر هل يذهب كيده غيظه.
وكونها عائدة على "من" - وهو قول أبي عبيدة مع طائفة من أهل اللغة - ويكون ينصره بمعنى "ينفعه".
وقد قيل: إن "الهاء" تعود على الدين. أي: من كان يظن أن لن ينصر الله دينه، فليفعل ما ذكر.
قال ابن عباس: معناه: إن لن ينصر الله محمداً. فالهاء لمحمد عليه السلام.
وقال مجاهد: معناه: من كان يظن أن لن يرزقه الله، فليمدد بحبل إلى سارية البيت فليخنق نفسه. فالهاء على هذا لـ "ظن" كأنه قال: من ظن أن الله لا يرزقه، فليقتل نفسه، إذ لا حياة له مع عدم رزق الله له.
وقيل: معناه: من كان يظن أن لن ينصر الله نبيه في الدنيا والآخرة وأنه يتهيأ له أن يغلب نبيه أو يزيل عنه النصر الذي يريده الله به. فليطلب سبباً يصل به إلى السماء، فليقطع نصر الله عن نبيه، فلينظر هل يتهيأ له الوصول إلى السماء بكيد وبسبب يحتاله. وهل يتهيأ له أن يقطع النصر عن نبي الله، أو يزيل بكيده وحيلته ما يغيظه من نصر الله لنبيه، فإنما هذا دلالة على ما لا يتهيأ لهم، ولا يقدرون عليه، وفيه إعلام أن النصر لمحمد من عند الله، وتنبيه على أن محمداً منصور لا يغلب.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَكَذٰلِكَ أَنزَلْنَاهُ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَأَنَّ ٱللَّهَ يَهْدِي مَن يُرِيدُ﴾ أي: وكما بينت لكم الحجة على من تقدم ذكره، كذلك أنزلت على محمد آيات واضحات يهتدي بها من وفقه الله للحق.
* *
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَٱلَّذِينَ هَادُواْ وَٱلصَّابِئِينَ وَٱلنَّصَارَىٰ﴾.
أي: إن هؤلاء على اختلاف أديانهم يفصل بينهم الله يوم القيامة، فيدخل المؤمنين الجنة، ويدخل غيرهم النار، فهذا هو الفصل.
قال قتادة: "والصابون" قوم يعبدون الملائكة، ويصلون إلى القبلة، ويقرأون الزبور. والمجوس، يعبدون الشمس والقمر والنيران "والذين أشركوا" يعبدون الأوثان. والأديان ستة، خمسة للشيطان وواحد للرحمن.
* *
وقوله: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾.
أي: شاهد على أعمالهم على اختلاف أديانهم، فإن الثانية تخبر عن الأولى. أي: سدت مسد خبرها، إذ هي داخلة على ابتداء وخبر. والابتداء والخبر يسدان مسد خبر أن في كثير من الكلام.
وقيل: لما طال الكلام، صارت الأولى كأنها ملغاة، فأعيدت تأكيداً وتكريراً. والأول أحسن .
* *
ثم قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَن فِي ٱلأَرْضِ﴾.
أي: يخضعون وينقادون لله.
وقيل: السجود هنا مما لا يعقل، ومن الموات والكفار إنما هو ظهور أثر الصنعة عليها، والخضوع الذي يدل على أنها مخلوقه. وانقيادها لله وتصريف الله لها فيما شاء.
أن يصرفها فهو مجاز وتوسع. وهذا القول لا يصح، لأنه تعالى قد أخبرنا بأن من الحجارة ما يخشى، وأنه سخر مع داود الجبال والطير يسبحن. وهذا لا يمتنع حمله على الحقيقة، ولا يحسن حمله على معنى ظهور الصنعة فيها، لأن ذلك مع غير داود مثل ما هو مع داود. وإذا لم يكن بد من حمله على الحقيقة، حسن حمل السجود في الموات وما لا يعقل على الحقيقة أيضاً.
وقيل: سجودها، هو تحول ظلها حين تطلع الشمس وحين تزول، فإذا تحول ظل كل شيء، فهو سجوده.
وقال مجاهد: ظلال هذا كله يسجد.
وقال أبو العالية: ما في السماء نجم ولا شمس ولا قمر إلا يقع لله ساجداً حين يغيب، ثم لا ينصرف حتى يؤذن له، فيأخذ ذات اليمين.
* *
وقوله: ﴿وَكَثِيرٌ مِّنَ ٱلنَّاسِ﴾ يعني: المؤمنين. ﴿وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ ٱلْعَذَابُ﴾ يعني ظل الكافر يسجد لله. قاله مجاهد، وهو عنده مع هذا منقاد لله، خاضع وهو ساجد مع ظله، إلا أن سجود ظله ميلانه مع الشمس وسجوده هو انقياده وخضوعه على صحته وسقمه ورزقه ومنعه.
وقوله: "وكثير من الناس". قيل: معناه: وكثير من الناس في الجنة بدليل قوله: "وكثير حق عليه العذاب" لأن الجنة ضد النار. ولو قال: "وكثير لا يسجد" لكان المعنى. وكثير من الناس. أي: وكثير من الناس يسجد.
وقيل: معنى: "وكثير حق عليه العذاب": وكثير أبى السجود فحق عليه العذاب فيكون الوقف على هذا القول. "وكثير من الناس" ثم يبتدئ: "وكثير حق عليه العذاب" ولهذا المعنى رفع "كثير". وقد عطف على ما عمل فيه الفعل. ولولا هذا المعنى، لكان النصب الاختيار. كما قال: ﴿وَٱلظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً﴾ [الإنسان: ٣١] "فكثير" الثاني: مبتدأ، وليس بمعطوف على الأول، فإنما هو إخبار عن خلق كثير [وجب عليه] العذاب بكفره. وما قبله إخبار عن كثير من الناس يسجدون لله، وهم المؤمنون.
[ثم قال] ﴿وَمَن يُهِنِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ﴾.
أي: ومن يشقه الله فيهينه، فما له من مكرم يكرمه بالسعادة.
﴿إِنَّ ٱللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَآءُ﴾ يوفق من يشاء لطاعته، ويخذل من يشاء فيكفر.
* *
ثم قال تعالى: ﴿هَـٰذَانِ خَصْمَانِ ٱخْتَصَمُواْ فِي رَبِّهِمْ﴾.
يعني: الذين تبارزوا يوم بدر. وقد ذكر ذلك في أول السورة.
وقال ابن عباس: هم أهل إيمان، وأهل كتاب. اختصموا. قال أهل الكتاب للمؤمنين: نحن أولى بالله، وأقدم منكم كتاباً ونبينا قبل نبيكم. وقال المؤمنون: نحن أحق بالله، آمنا بمحمد ﷺ وبنبيكم وبما أنزل الله من كتاب، وأنتم تعرفون كتابنا ونبينا ثم تركتموه وكفرتم به حسداً. فكان ذلك خصومتهم في ربهم.
وقال الحسن: هم الكفار والمؤمنون، اختصموا في ربهم. وكذا قال مجاهد.
وقال عكرمة: "هذان" إشارة إلى الجنة والنار. اختصما في ربهما، فقالت النار: خلقني الله لعقوبته. وقالت الجنة: خلقني الله لرحمته. فقد قص عليك من خبرهما ما تسمع.
ثم قال تعالى ذكره: ﴿فَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِّن نَّارٍ﴾.
أي: قمصاً من نحاس ونار.
وقال ابن جبير: ليس في الآنية أشد حراً من النحاس.
قال مجاهد: الكافر قطعت له ثياب من نار. والمؤمن يدخله الله جنات تجري من تحتها الأنهار.
* *
ثم قال: ﴿يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُءُوسِهِمُ ٱلْحَمِيمُ﴾ أي: ماء يغلي.
وروى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: إن الحميم ليصب على رؤوسهم فينفذ الجمجمة حتى يخلص إلى جوفه، فيسلت ما في جوفه حتى يبلغ قدميه. وهو قوله: "يصهر به ما في بطونهم". ثم يعاد كما كان. ومعنى يصهر: يذاب ما في بطونهم من الشحوم، وتشوى جلودهم فتتساقط.
قال مجاهد وقتادة: يصهر: يذاب.
قال ابن عباس: يسقون ماء إذا دخل في بطونهم أذابها والجلود مع البطون.
وقال ابن جبير: إذا جاع أهل النار، يعني إذا جاعوا واستغاثوا بشجر الزقوم، فيأكلون منها، فاختلعت جلود وجوههم. فلو أن ماراً مر بهم يعرفهم، لعرف جلود وجوههم فيها. ثم يصب عليهم العطش، فيستغيثون فيغاثون بماء كالمهل، وهو الذي انتهى حره، فإذا أدنوه من أفواههم انشوى من حره لحوم وجوههم التي قد سقطت عنها الجلود، "ويصهر به ما في بطونهم"، أي: يذاب. يمشون في أمعائهم، وتسقط جلودهم ثم يضربون بمقامع من حديد، يسقط كل عضو على حياله، يدعون بالويل والثبور، نعوذ بالله من ذلك.
وقال عبد الله بن السري: يأتيه الملك بالإناء يحمله بكلبتين، فإذا أدناه إليه يكرهه، فيرفع الملك بقمعة، فيضرب بها رأسه، فيفلق بها دماغه، فيكفي الإناء في دماغه، فيصير إلى جوفه. فذلك قوله: ﴿يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَٱلْجُلُودُ * وَلَهُمْ مَّقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ﴾.
* *
وقوله: ﴿وَلَهُمْ مَّقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ﴾.
أي: عذاب مقامع أو ضرب مقامع تضربهم بها الخزنة إذا أرادوا الخروج من النار، حتى يرجعوا إليها.
* *
وقوله: ﴿كُلَّمَآ أَرَادُوۤاْ أَن يَخْرُجُواْ مِنْهَا﴾ أي: من العذاب، وغم الظلمة.
قال الفضيل بن عياض: والله ما طمعوا في الخروج. إن الأيدي والأرجل لموثقة، ولكن يرفعهم لهبها، وتردهم مقامعها.
قال سلمان الفارسي: النار سواد مظلمة، لا يضيء لهبها ولا جمرها.
قال مالك بن دينار: بلغني أنه إذا أحس أهل النار في النار، بضرب مقامع الحديد، انغمسوا في حياض الحميم، فيذهبون سفالاً سفالاً مقدار أربعين سنة، كما يغرق الرجل فيذهب في الماء سفالاً سفالاً.
وروي أن جهنم تجيش فتلقي من فيها إلى أعلى أبوابها، فيريدون الخروج، فتعيدهم الخزان بالمقامع، ويقولون لهم: ذوقوا عذاب الحريق، بمعنى المحروق، كالأليم بمعنى المؤلم. فهو فعيل بمعنى مفعول.
الحج 22:17
قوله تعالى ذكره: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يُدْخِلُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ﴾ إلى قوله: ﴿وَذُوقُواْ عَذَابَ ٱلْحَرِيقِ﴾.
أي: إن الله يدخل المصدقين به وبكتبه ورسله العاملين الطاعات بساتين. "تجري من تحتها الأنهار". أي: من تحت أشجارها.
﴿إِنَّ ٱللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾. فيعطي ما شاء من كرامته أهل طاعته.
* *
ثم قال: ﴿مَن كَانَ يَظُنُّ أَن لَّن يَنصُرَهُ ٱللَّهُ فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ﴾.
أي: من كان يظن أن لن ينصر الله محمداً عليه السلام في الدنيا والآخرة، "فليمدد بسبب" وهو الحبل "إلى السماء" يعني سماء البيت، وهو سقفه. "ثم ليقطع" السبب. يعني: الاختناق به. "فلينظر هل يذهبن" اختناقه، ذلك ما يغيظ. أي: ما يجد من في صدره من الغيظ. هذا معنى قول قتادة وهو مروي عن ابن عباس أيضاً.
وقال ابن زيد معناه: من كان يظن أن لن ينصر الله محمداً ﷺ، فليقطع ذلك من أصله، من حيث يأتيه النصر، فإن أصله في السماء، فليمدد سببه إلى السماء ثم ليقطع الوحي عن النبي ﷺ ﴿فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ﴾.
أي: هل يذهب فعله ما يجد في نفسه من غيظ. في نصر الله تعالى محمداً.
وقيل: النصر هنا معناه: الرزق. وحكي عن العرب، من ينصرني نصره الله. أي: من يعطني أعطاه الله. فالتقدير على هذا: من كان يظن أن لن يرزق الله محمداً عليه السلام، فليختنق في حبل في سقف بيته ثم لينظر هل يذهب فعله غيظه.
وقيل: معناه: من كان يظن أن لن يرزق الله تعالى محمداً فليمدد بسبب إلى السماء، فليقطع رزقه إن كان يقدر، فلينظر هل يذهب كيده غيظه.
وكونها عائدة على "من" - وهو قول أبي عبيدة مع طائفة من أهل اللغة - ويكون ينصره بمعنى "ينفعه".
وقد قيل: إن "الهاء" تعود على الدين. أي: من كان يظن أن لن ينصر الله دينه، فليفعل ما ذكر.
قال ابن عباس: معناه: إن لن ينصر الله محمداً. فالهاء لمحمد عليه السلام.
وقال مجاهد: معناه: من كان يظن أن لن يرزقه الله، فليمدد بحبل إلى سارية البيت فليخنق نفسه. فالهاء على هذا لـ "ظن" كأنه قال: من ظن أن الله لا يرزقه، فليقتل نفسه، إذ لا حياة له مع عدم رزق الله له.
وقيل: معناه: من كان يظن أن لن ينصر الله نبيه في الدنيا والآخرة وأنه يتهيأ له أن يغلب نبيه أو يزيل عنه النصر الذي يريده الله به. فليطلب سبباً يصل به إلى السماء، فليقطع نصر الله عن نبيه، فلينظر هل يتهيأ له الوصول إلى السماء بكيد وبسبب يحتاله. وهل يتهيأ له أن يقطع النصر عن نبي الله، أو يزيل بكيده وحيلته ما يغيظه من نصر الله لنبيه، فإنما هذا دلالة على ما لا يتهيأ لهم، ولا يقدرون عليه، وفيه إعلام أن النصر لمحمد من عند الله، وتنبيه على أن محمداً منصور لا يغلب.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَكَذٰلِكَ أَنزَلْنَاهُ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَأَنَّ ٱللَّهَ يَهْدِي مَن يُرِيدُ﴾ أي: وكما بينت لكم الحجة على من تقدم ذكره، كذلك أنزلت على محمد آيات واضحات يهتدي بها من وفقه الله للحق.
* *
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَٱلَّذِينَ هَادُواْ وَٱلصَّابِئِينَ وَٱلنَّصَارَىٰ﴾.
أي: إن هؤلاء على اختلاف أديانهم يفصل بينهم الله يوم القيامة، فيدخل المؤمنين الجنة، ويدخل غيرهم النار، فهذا هو الفصل.
قال قتادة: "والصابون" قوم يعبدون الملائكة، ويصلون إلى القبلة، ويقرأون الزبور. والمجوس، يعبدون الشمس والقمر والنيران "والذين أشركوا" يعبدون الأوثان. والأديان ستة، خمسة للشيطان وواحد للرحمن.
* *
وقوله: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾.
أي: شاهد على أعمالهم على اختلاف أديانهم، فإن الثانية تخبر عن الأولى. أي: سدت مسد خبرها، إذ هي داخلة على ابتداء وخبر. والابتداء والخبر يسدان مسد خبر أن في كثير من الكلام.
وقيل: لما طال الكلام، صارت الأولى كأنها ملغاة، فأعيدت تأكيداً وتكريراً. والأول أحسن .
* *
ثم قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَن فِي ٱلأَرْضِ﴾.
أي: يخضعون وينقادون لله.
وقيل: السجود هنا مما لا يعقل، ومن الموات والكفار إنما هو ظهور أثر الصنعة عليها، والخضوع الذي يدل على أنها مخلوقه. وانقيادها لله وتصريف الله لها فيما شاء.
أن يصرفها فهو مجاز وتوسع. وهذا القول لا يصح، لأنه تعالى قد أخبرنا بأن من الحجارة ما يخشى، وأنه سخر مع داود الجبال والطير يسبحن. وهذا لا يمتنع حمله على الحقيقة، ولا يحسن حمله على معنى ظهور الصنعة فيها، لأن ذلك مع غير داود مثل ما هو مع داود. وإذا لم يكن بد من حمله على الحقيقة، حسن حمل السجود في الموات وما لا يعقل على الحقيقة أيضاً.
وقيل: سجودها، هو تحول ظلها حين تطلع الشمس وحين تزول، فإذا تحول ظل كل شيء، فهو سجوده.
وقال مجاهد: ظلال هذا كله يسجد.
وقال أبو العالية: ما في السماء نجم ولا شمس ولا قمر إلا يقع لله ساجداً حين يغيب، ثم لا ينصرف حتى يؤذن له، فيأخذ ذات اليمين.
* *
وقوله: ﴿وَكَثِيرٌ مِّنَ ٱلنَّاسِ﴾ يعني: المؤمنين. ﴿وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ ٱلْعَذَابُ﴾ يعني ظل الكافر يسجد لله. قاله مجاهد، وهو عنده مع هذا منقاد لله، خاضع وهو ساجد مع ظله، إلا أن سجود ظله ميلانه مع الشمس وسجوده هو انقياده وخضوعه على صحته وسقمه ورزقه ومنعه.
وقوله: "وكثير من الناس". قيل: معناه: وكثير من الناس في الجنة بدليل قوله: "وكثير حق عليه العذاب" لأن الجنة ضد النار. ولو قال: "وكثير لا يسجد" لكان المعنى. وكثير من الناس. أي: وكثير من الناس يسجد.
وقيل: معنى: "وكثير حق عليه العذاب": وكثير أبى السجود فحق عليه العذاب فيكون الوقف على هذا القول. "وكثير من الناس" ثم يبتدئ: "وكثير حق عليه العذاب" ولهذا المعنى رفع "كثير". وقد عطف على ما عمل فيه الفعل. ولولا هذا المعنى، لكان النصب الاختيار. كما قال: ﴿وَٱلظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً﴾ [الإنسان: ٣١] "فكثير" الثاني: مبتدأ، وليس بمعطوف على الأول، فإنما هو إخبار عن خلق كثير [وجب عليه] العذاب بكفره. وما قبله إخبار عن كثير من الناس يسجدون لله، وهم المؤمنون.
[ثم قال] ﴿وَمَن يُهِنِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ﴾.
أي: ومن يشقه الله فيهينه، فما له من مكرم يكرمه بالسعادة.
﴿إِنَّ ٱللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَآءُ﴾ يوفق من يشاء لطاعته، ويخذل من يشاء فيكفر.
* *
ثم قال تعالى: ﴿هَـٰذَانِ خَصْمَانِ ٱخْتَصَمُواْ فِي رَبِّهِمْ﴾.
يعني: الذين تبارزوا يوم بدر. وقد ذكر ذلك في أول السورة.
وقال ابن عباس: هم أهل إيمان، وأهل كتاب. اختصموا. قال أهل الكتاب للمؤمنين: نحن أولى بالله، وأقدم منكم كتاباً ونبينا قبل نبيكم. وقال المؤمنون: نحن أحق بالله، آمنا بمحمد ﷺ وبنبيكم وبما أنزل الله من كتاب، وأنتم تعرفون كتابنا ونبينا ثم تركتموه وكفرتم به حسداً. فكان ذلك خصومتهم في ربهم.
وقال الحسن: هم الكفار والمؤمنون، اختصموا في ربهم. وكذا قال مجاهد.
وقال عكرمة: "هذان" إشارة إلى الجنة والنار. اختصما في ربهما، فقالت النار: خلقني الله لعقوبته. وقالت الجنة: خلقني الله لرحمته. فقد قص عليك من خبرهما ما تسمع.
ثم قال تعالى ذكره: ﴿فَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِّن نَّارٍ﴾.
أي: قمصاً من نحاس ونار.
وقال ابن جبير: ليس في الآنية أشد حراً من النحاس.
قال مجاهد: الكافر قطعت له ثياب من نار. والمؤمن يدخله الله جنات تجري من تحتها الأنهار.
* *
ثم قال: ﴿يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُءُوسِهِمُ ٱلْحَمِيمُ﴾ أي: ماء يغلي.
وروى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: إن الحميم ليصب على رؤوسهم فينفذ الجمجمة حتى يخلص إلى جوفه، فيسلت ما في جوفه حتى يبلغ قدميه. وهو قوله: "يصهر به ما في بطونهم". ثم يعاد كما كان. ومعنى يصهر: يذاب ما في بطونهم من الشحوم، وتشوى جلودهم فتتساقط.
قال مجاهد وقتادة: يصهر: يذاب.
قال ابن عباس: يسقون ماء إذا دخل في بطونهم أذابها والجلود مع البطون.
وقال ابن جبير: إذا جاع أهل النار، يعني إذا جاعوا واستغاثوا بشجر الزقوم، فيأكلون منها، فاختلعت جلود وجوههم. فلو أن ماراً مر بهم يعرفهم، لعرف جلود وجوههم فيها. ثم يصب عليهم العطش، فيستغيثون فيغاثون بماء كالمهل، وهو الذي انتهى حره، فإذا أدنوه من أفواههم انشوى من حره لحوم وجوههم التي قد سقطت عنها الجلود، "ويصهر به ما في بطونهم"، أي: يذاب. يمشون في أمعائهم، وتسقط جلودهم ثم يضربون بمقامع من حديد، يسقط كل عضو على حياله، يدعون بالويل والثبور، نعوذ بالله من ذلك.
وقال عبد الله بن السري: يأتيه الملك بالإناء يحمله بكلبتين، فإذا أدناه إليه يكرهه، فيرفع الملك بقمعة، فيضرب بها رأسه، فيفلق بها دماغه، فيكفي الإناء في دماغه، فيصير إلى جوفه. فذلك قوله: ﴿يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَٱلْجُلُودُ * وَلَهُمْ مَّقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ﴾.
* *
وقوله: ﴿وَلَهُمْ مَّقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ﴾.
أي: عذاب مقامع أو ضرب مقامع تضربهم بها الخزنة إذا أرادوا الخروج من النار، حتى يرجعوا إليها.
* *
وقوله: ﴿كُلَّمَآ أَرَادُوۤاْ أَن يَخْرُجُواْ مِنْهَا﴾ أي: من العذاب، وغم الظلمة.
قال الفضيل بن عياض: والله ما طمعوا في الخروج. إن الأيدي والأرجل لموثقة، ولكن يرفعهم لهبها، وتردهم مقامعها.
قال سلمان الفارسي: النار سواد مظلمة، لا يضيء لهبها ولا جمرها.
قال مالك بن دينار: بلغني أنه إذا أحس أهل النار في النار، بضرب مقامع الحديد، انغمسوا في حياض الحميم، فيذهبون سفالاً سفالاً مقدار أربعين سنة، كما يغرق الرجل فيذهب في الماء سفالاً سفالاً.
وروي أن جهنم تجيش فتلقي من فيها إلى أعلى أبوابها، فيريدون الخروج، فتعيدهم الخزان بالمقامع، ويقولون لهم: ذوقوا عذاب الحريق، بمعنى المحروق، كالأليم بمعنى المؤلم. فهو فعيل بمعنى مفعول.
الحج 22:18
قوله تعالى ذكره: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يُدْخِلُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ﴾ إلى قوله: ﴿وَذُوقُواْ عَذَابَ ٱلْحَرِيقِ﴾.
أي: إن الله يدخل المصدقين به وبكتبه ورسله العاملين الطاعات بساتين. "تجري من تحتها الأنهار". أي: من تحت أشجارها.
﴿إِنَّ ٱللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾. فيعطي ما شاء من كرامته أهل طاعته.
* *
ثم قال: ﴿مَن كَانَ يَظُنُّ أَن لَّن يَنصُرَهُ ٱللَّهُ فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ﴾.
أي: من كان يظن أن لن ينصر الله محمداً عليه السلام في الدنيا والآخرة، "فليمدد بسبب" وهو الحبل "إلى السماء" يعني سماء البيت، وهو سقفه. "ثم ليقطع" السبب. يعني: الاختناق به. "فلينظر هل يذهبن" اختناقه، ذلك ما يغيظ. أي: ما يجد من في صدره من الغيظ. هذا معنى قول قتادة وهو مروي عن ابن عباس أيضاً.
وقال ابن زيد معناه: من كان يظن أن لن ينصر الله محمداً ﷺ، فليقطع ذلك من أصله، من حيث يأتيه النصر، فإن أصله في السماء، فليمدد سببه إلى السماء ثم ليقطع الوحي عن النبي ﷺ ﴿فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ﴾.
أي: هل يذهب فعله ما يجد في نفسه من غيظ. في نصر الله تعالى محمداً.
وقيل: النصر هنا معناه: الرزق. وحكي عن العرب، من ينصرني نصره الله. أي: من يعطني أعطاه الله. فالتقدير على هذا: من كان يظن أن لن يرزق الله محمداً عليه السلام، فليختنق في حبل في سقف بيته ثم لينظر هل يذهب فعله غيظه.
وقيل: معناه: من كان يظن أن لن يرزق الله تعالى محمداً فليمدد بسبب إلى السماء، فليقطع رزقه إن كان يقدر، فلينظر هل يذهب كيده غيظه.
وكونها عائدة على "من" - وهو قول أبي عبيدة مع طائفة من أهل اللغة - ويكون ينصره بمعنى "ينفعه".
وقد قيل: إن "الهاء" تعود على الدين. أي: من كان يظن أن لن ينصر الله دينه، فليفعل ما ذكر.
قال ابن عباس: معناه: إن لن ينصر الله محمداً. فالهاء لمحمد عليه السلام.
وقال مجاهد: معناه: من كان يظن أن لن يرزقه الله، فليمدد بحبل إلى سارية البيت فليخنق نفسه. فالهاء على هذا لـ "ظن" كأنه قال: من ظن أن الله لا يرزقه، فليقتل نفسه، إذ لا حياة له مع عدم رزق الله له.
وقيل: معناه: من كان يظن أن لن ينصر الله نبيه في الدنيا والآخرة وأنه يتهيأ له أن يغلب نبيه أو يزيل عنه النصر الذي يريده الله به. فليطلب سبباً يصل به إلى السماء، فليقطع نصر الله عن نبيه، فلينظر هل يتهيأ له الوصول إلى السماء بكيد وبسبب يحتاله. وهل يتهيأ له أن يقطع النصر عن نبي الله، أو يزيل بكيده وحيلته ما يغيظه من نصر الله لنبيه، فإنما هذا دلالة على ما لا يتهيأ لهم، ولا يقدرون عليه، وفيه إعلام أن النصر لمحمد من عند الله، وتنبيه على أن محمداً منصور لا يغلب.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَكَذٰلِكَ أَنزَلْنَاهُ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَأَنَّ ٱللَّهَ يَهْدِي مَن يُرِيدُ﴾ أي: وكما بينت لكم الحجة على من تقدم ذكره، كذلك أنزلت على محمد آيات واضحات يهتدي بها من وفقه الله للحق.
* *
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَٱلَّذِينَ هَادُواْ وَٱلصَّابِئِينَ وَٱلنَّصَارَىٰ﴾.
أي: إن هؤلاء على اختلاف أديانهم يفصل بينهم الله يوم القيامة، فيدخل المؤمنين الجنة، ويدخل غيرهم النار، فهذا هو الفصل.
قال قتادة: "والصابون" قوم يعبدون الملائكة، ويصلون إلى القبلة، ويقرأون الزبور. والمجوس، يعبدون الشمس والقمر والنيران "والذين أشركوا" يعبدون الأوثان. والأديان ستة، خمسة للشيطان وواحد للرحمن.
* *
وقوله: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾.
أي: شاهد على أعمالهم على اختلاف أديانهم، فإن الثانية تخبر عن الأولى. أي: سدت مسد خبرها، إذ هي داخلة على ابتداء وخبر. والابتداء والخبر يسدان مسد خبر أن في كثير من الكلام.
وقيل: لما طال الكلام، صارت الأولى كأنها ملغاة، فأعيدت تأكيداً وتكريراً. والأول أحسن .
* *
ثم قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَن فِي ٱلأَرْضِ﴾.
أي: يخضعون وينقادون لله.
وقيل: السجود هنا مما لا يعقل، ومن الموات والكفار إنما هو ظهور أثر الصنعة عليها، والخضوع الذي يدل على أنها مخلوقه. وانقيادها لله وتصريف الله لها فيما شاء.
أن يصرفها فهو مجاز وتوسع. وهذا القول لا يصح، لأنه تعالى قد أخبرنا بأن من الحجارة ما يخشى، وأنه سخر مع داود الجبال والطير يسبحن. وهذا لا يمتنع حمله على الحقيقة، ولا يحسن حمله على معنى ظهور الصنعة فيها، لأن ذلك مع غير داود مثل ما هو مع داود. وإذا لم يكن بد من حمله على الحقيقة، حسن حمل السجود في الموات وما لا يعقل على الحقيقة أيضاً.
وقيل: سجودها، هو تحول ظلها حين تطلع الشمس وحين تزول، فإذا تحول ظل كل شيء، فهو سجوده.
وقال مجاهد: ظلال هذا كله يسجد.
وقال أبو العالية: ما في السماء نجم ولا شمس ولا قمر إلا يقع لله ساجداً حين يغيب، ثم لا ينصرف حتى يؤذن له، فيأخذ ذات اليمين.
* *
وقوله: ﴿وَكَثِيرٌ مِّنَ ٱلنَّاسِ﴾ يعني: المؤمنين. ﴿وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ ٱلْعَذَابُ﴾ يعني ظل الكافر يسجد لله. قاله مجاهد، وهو عنده مع هذا منقاد لله، خاضع وهو ساجد مع ظله، إلا أن سجود ظله ميلانه مع الشمس وسجوده هو انقياده وخضوعه على صحته وسقمه ورزقه ومنعه.
وقوله: "وكثير من الناس". قيل: معناه: وكثير من الناس في الجنة بدليل قوله: "وكثير حق عليه العذاب" لأن الجنة ضد النار. ولو قال: "وكثير لا يسجد" لكان المعنى. وكثير من الناس. أي: وكثير من الناس يسجد.
وقيل: معنى: "وكثير حق عليه العذاب": وكثير أبى السجود فحق عليه العذاب فيكون الوقف على هذا القول. "وكثير من الناس" ثم يبتدئ: "وكثير حق عليه العذاب" ولهذا المعنى رفع "كثير". وقد عطف على ما عمل فيه الفعل. ولولا هذا المعنى، لكان النصب الاختيار. كما قال: ﴿وَٱلظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً﴾ [الإنسان: ٣١] "فكثير" الثاني: مبتدأ، وليس بمعطوف على الأول، فإنما هو إخبار عن خلق كثير [وجب عليه] العذاب بكفره. وما قبله إخبار عن كثير من الناس يسجدون لله، وهم المؤمنون.
[ثم قال] ﴿وَمَن يُهِنِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ﴾.
أي: ومن يشقه الله فيهينه، فما له من مكرم يكرمه بالسعادة.
﴿إِنَّ ٱللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَآءُ﴾ يوفق من يشاء لطاعته، ويخذل من يشاء فيكفر.
* *
ثم قال تعالى: ﴿هَـٰذَانِ خَصْمَانِ ٱخْتَصَمُواْ فِي رَبِّهِمْ﴾.
يعني: الذين تبارزوا يوم بدر. وقد ذكر ذلك في أول السورة.
وقال ابن عباس: هم أهل إيمان، وأهل كتاب. اختصموا. قال أهل الكتاب للمؤمنين: نحن أولى بالله، وأقدم منكم كتاباً ونبينا قبل نبيكم. وقال المؤمنون: نحن أحق بالله، آمنا بمحمد ﷺ وبنبيكم وبما أنزل الله من كتاب، وأنتم تعرفون كتابنا ونبينا ثم تركتموه وكفرتم به حسداً. فكان ذلك خصومتهم في ربهم.
وقال الحسن: هم الكفار والمؤمنون، اختصموا في ربهم. وكذا قال مجاهد.
وقال عكرمة: "هذان" إشارة إلى الجنة والنار. اختصما في ربهما، فقالت النار: خلقني الله لعقوبته. وقالت الجنة: خلقني الله لرحمته. فقد قص عليك من خبرهما ما تسمع.
ثم قال تعالى ذكره: ﴿فَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِّن نَّارٍ﴾.
أي: قمصاً من نحاس ونار.
وقال ابن جبير: ليس في الآنية أشد حراً من النحاس.
قال مجاهد: الكافر قطعت له ثياب من نار. والمؤمن يدخله الله جنات تجري من تحتها الأنهار.
* *
ثم قال: ﴿يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُءُوسِهِمُ ٱلْحَمِيمُ﴾ أي: ماء يغلي.
وروى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: إن الحميم ليصب على رؤوسهم فينفذ الجمجمة حتى يخلص إلى جوفه، فيسلت ما في جوفه حتى يبلغ قدميه. وهو قوله: "يصهر به ما في بطونهم". ثم يعاد كما كان. ومعنى يصهر: يذاب ما في بطونهم من الشحوم، وتشوى جلودهم فتتساقط.
قال مجاهد وقتادة: يصهر: يذاب.
قال ابن عباس: يسقون ماء إذا دخل في بطونهم أذابها والجلود مع البطون.
وقال ابن جبير: إذا جاع أهل النار، يعني إذا جاعوا واستغاثوا بشجر الزقوم، فيأكلون منها، فاختلعت جلود وجوههم. فلو أن ماراً مر بهم يعرفهم، لعرف جلود وجوههم فيها. ثم يصب عليهم العطش، فيستغيثون فيغاثون بماء كالمهل، وهو الذي انتهى حره، فإذا أدنوه من أفواههم انشوى من حره لحوم وجوههم التي قد سقطت عنها الجلود، "ويصهر به ما في بطونهم"، أي: يذاب. يمشون في أمعائهم، وتسقط جلودهم ثم يضربون بمقامع من حديد، يسقط كل عضو على حياله، يدعون بالويل والثبور، نعوذ بالله من ذلك.
وقال عبد الله بن السري: يأتيه الملك بالإناء يحمله بكلبتين، فإذا أدناه إليه يكرهه، فيرفع الملك بقمعة، فيضرب بها رأسه، فيفلق بها دماغه، فيكفي الإناء في دماغه، فيصير إلى جوفه. فذلك قوله: ﴿يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَٱلْجُلُودُ * وَلَهُمْ مَّقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ﴾.
* *
وقوله: ﴿وَلَهُمْ مَّقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ﴾.
أي: عذاب مقامع أو ضرب مقامع تضربهم بها الخزنة إذا أرادوا الخروج من النار، حتى يرجعوا إليها.
* *
وقوله: ﴿كُلَّمَآ أَرَادُوۤاْ أَن يَخْرُجُواْ مِنْهَا﴾ أي: من العذاب، وغم الظلمة.
قال الفضيل بن عياض: والله ما طمعوا في الخروج. إن الأيدي والأرجل لموثقة، ولكن يرفعهم لهبها، وتردهم مقامعها.
قال سلمان الفارسي: النار سواد مظلمة، لا يضيء لهبها ولا جمرها.
قال مالك بن دينار: بلغني أنه إذا أحس أهل النار في النار، بضرب مقامع الحديد، انغمسوا في حياض الحميم، فيذهبون سفالاً سفالاً مقدار أربعين سنة، كما يغرق الرجل فيذهب في الماء سفالاً سفالاً.
وروي أن جهنم تجيش فتلقي من فيها إلى أعلى أبوابها، فيريدون الخروج، فتعيدهم الخزان بالمقامع، ويقولون لهم: ذوقوا عذاب الحريق، بمعنى المحروق، كالأليم بمعنى المؤلم. فهو فعيل بمعنى مفعول.
الحج 22:19
قوله تعالى ذكره: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يُدْخِلُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ﴾ إلى قوله: ﴿وَذُوقُواْ عَذَابَ ٱلْحَرِيقِ﴾.
أي: إن الله يدخل المصدقين به وبكتبه ورسله العاملين الطاعات بساتين. "تجري من تحتها الأنهار". أي: من تحت أشجارها.
﴿إِنَّ ٱللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾. فيعطي ما شاء من كرامته أهل طاعته.
* *
ثم قال: ﴿مَن كَانَ يَظُنُّ أَن لَّن يَنصُرَهُ ٱللَّهُ فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ﴾.
أي: من كان يظن أن لن ينصر الله محمداً عليه السلام في الدنيا والآخرة، "فليمدد بسبب" وهو الحبل "إلى السماء" يعني سماء البيت، وهو سقفه. "ثم ليقطع" السبب. يعني: الاختناق به. "فلينظر هل يذهبن" اختناقه، ذلك ما يغيظ. أي: ما يجد من في صدره من الغيظ. هذا معنى قول قتادة وهو مروي عن ابن عباس أيضاً.
وقال ابن زيد معناه: من كان يظن أن لن ينصر الله محمداً ﷺ، فليقطع ذلك من أصله، من حيث يأتيه النصر، فإن أصله في السماء، فليمدد سببه إلى السماء ثم ليقطع الوحي عن النبي ﷺ ﴿فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ﴾.
أي: هل يذهب فعله ما يجد في نفسه من غيظ. في نصر الله تعالى محمداً.
وقيل: النصر هنا معناه: الرزق. وحكي عن العرب، من ينصرني نصره الله. أي: من يعطني أعطاه الله. فالتقدير على هذا: من كان يظن أن لن يرزق الله محمداً عليه السلام، فليختنق في حبل في سقف بيته ثم لينظر هل يذهب فعله غيظه.
وقيل: معناه: من كان يظن أن لن يرزق الله تعالى محمداً فليمدد بسبب إلى السماء، فليقطع رزقه إن كان يقدر، فلينظر هل يذهب كيده غيظه.
وكونها عائدة على "من" - وهو قول أبي عبيدة مع طائفة من أهل اللغة - ويكون ينصره بمعنى "ينفعه".
وقد قيل: إن "الهاء" تعود على الدين. أي: من كان يظن أن لن ينصر الله دينه، فليفعل ما ذكر.
قال ابن عباس: معناه: إن لن ينصر الله محمداً. فالهاء لمحمد عليه السلام.
وقال مجاهد: معناه: من كان يظن أن لن يرزقه الله، فليمدد بحبل إلى سارية البيت فليخنق نفسه. فالهاء على هذا لـ "ظن" كأنه قال: من ظن أن الله لا يرزقه، فليقتل نفسه، إذ لا حياة له مع عدم رزق الله له.
وقيل: معناه: من كان يظن أن لن ينصر الله نبيه في الدنيا والآخرة وأنه يتهيأ له أن يغلب نبيه أو يزيل عنه النصر الذي يريده الله به. فليطلب سبباً يصل به إلى السماء، فليقطع نصر الله عن نبيه، فلينظر هل يتهيأ له الوصول إلى السماء بكيد وبسبب يحتاله. وهل يتهيأ له أن يقطع النصر عن نبي الله، أو يزيل بكيده وحيلته ما يغيظه من نصر الله لنبيه، فإنما هذا دلالة على ما لا يتهيأ لهم، ولا يقدرون عليه، وفيه إعلام أن النصر لمحمد من عند الله، وتنبيه على أن محمداً منصور لا يغلب.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَكَذٰلِكَ أَنزَلْنَاهُ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَأَنَّ ٱللَّهَ يَهْدِي مَن يُرِيدُ﴾ أي: وكما بينت لكم الحجة على من تقدم ذكره، كذلك أنزلت على محمد آيات واضحات يهتدي بها من وفقه الله للحق.
* *
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَٱلَّذِينَ هَادُواْ وَٱلصَّابِئِينَ وَٱلنَّصَارَىٰ﴾.
أي: إن هؤلاء على اختلاف أديانهم يفصل بينهم الله يوم القيامة، فيدخل المؤمنين الجنة، ويدخل غيرهم النار، فهذا هو الفصل.
قال قتادة: "والصابون" قوم يعبدون الملائكة، ويصلون إلى القبلة، ويقرأون الزبور. والمجوس، يعبدون الشمس والقمر والنيران "والذين أشركوا" يعبدون الأوثان. والأديان ستة، خمسة للشيطان وواحد للرحمن.
* *
وقوله: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾.
أي: شاهد على أعمالهم على اختلاف أديانهم، فإن الثانية تخبر عن الأولى. أي: سدت مسد خبرها، إذ هي داخلة على ابتداء وخبر. والابتداء والخبر يسدان مسد خبر أن في كثير من الكلام.
وقيل: لما طال الكلام، صارت الأولى كأنها ملغاة، فأعيدت تأكيداً وتكريراً. والأول أحسن .
* *
ثم قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَن فِي ٱلأَرْضِ﴾.
أي: يخضعون وينقادون لله.
وقيل: السجود هنا مما لا يعقل، ومن الموات والكفار إنما هو ظهور أثر الصنعة عليها، والخضوع الذي يدل على أنها مخلوقه. وانقيادها لله وتصريف الله لها فيما شاء.
أن يصرفها فهو مجاز وتوسع. وهذا القول لا يصح، لأنه تعالى قد أخبرنا بأن من الحجارة ما يخشى، وأنه سخر مع داود الجبال والطير يسبحن. وهذا لا يمتنع حمله على الحقيقة، ولا يحسن حمله على معنى ظهور الصنعة فيها، لأن ذلك مع غير داود مثل ما هو مع داود. وإذا لم يكن بد من حمله على الحقيقة، حسن حمل السجود في الموات وما لا يعقل على الحقيقة أيضاً.
وقيل: سجودها، هو تحول ظلها حين تطلع الشمس وحين تزول، فإذا تحول ظل كل شيء، فهو سجوده.
وقال مجاهد: ظلال هذا كله يسجد.
وقال أبو العالية: ما في السماء نجم ولا شمس ولا قمر إلا يقع لله ساجداً حين يغيب، ثم لا ينصرف حتى يؤذن له، فيأخذ ذات اليمين.
* *
وقوله: ﴿وَكَثِيرٌ مِّنَ ٱلنَّاسِ﴾ يعني: المؤمنين. ﴿وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ ٱلْعَذَابُ﴾ يعني ظل الكافر يسجد لله. قاله مجاهد، وهو عنده مع هذا منقاد لله، خاضع وهو ساجد مع ظله، إلا أن سجود ظله ميلانه مع الشمس وسجوده هو انقياده وخضوعه على صحته وسقمه ورزقه ومنعه.
وقوله: "وكثير من الناس". قيل: معناه: وكثير من الناس في الجنة بدليل قوله: "وكثير حق عليه العذاب" لأن الجنة ضد النار. ولو قال: "وكثير لا يسجد" لكان المعنى. وكثير من الناس. أي: وكثير من الناس يسجد.
وقيل: معنى: "وكثير حق عليه العذاب": وكثير أبى السجود فحق عليه العذاب فيكون الوقف على هذا القول. "وكثير من الناس" ثم يبتدئ: "وكثير حق عليه العذاب" ولهذا المعنى رفع "كثير". وقد عطف على ما عمل فيه الفعل. ولولا هذا المعنى، لكان النصب الاختيار. كما قال: ﴿وَٱلظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً﴾ [الإنسان: ٣١] "فكثير" الثاني: مبتدأ، وليس بمعطوف على الأول، فإنما هو إخبار عن خلق كثير [وجب عليه] العذاب بكفره. وما قبله إخبار عن كثير من الناس يسجدون لله، وهم المؤمنون.
[ثم قال] ﴿وَمَن يُهِنِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ﴾.
أي: ومن يشقه الله فيهينه، فما له من مكرم يكرمه بالسعادة.
﴿إِنَّ ٱللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَآءُ﴾ يوفق من يشاء لطاعته، ويخذل من يشاء فيكفر.
* *
ثم قال تعالى: ﴿هَـٰذَانِ خَصْمَانِ ٱخْتَصَمُواْ فِي رَبِّهِمْ﴾.
يعني: الذين تبارزوا يوم بدر. وقد ذكر ذلك في أول السورة.
وقال ابن عباس: هم أهل إيمان، وأهل كتاب. اختصموا. قال أهل الكتاب للمؤمنين: نحن أولى بالله، وأقدم منكم كتاباً ونبينا قبل نبيكم. وقال المؤمنون: نحن أحق بالله، آمنا بمحمد ﷺ وبنبيكم وبما أنزل الله من كتاب، وأنتم تعرفون كتابنا ونبينا ثم تركتموه وكفرتم به حسداً. فكان ذلك خصومتهم في ربهم.
وقال الحسن: هم الكفار والمؤمنون، اختصموا في ربهم. وكذا قال مجاهد.
وقال عكرمة: "هذان" إشارة إلى الجنة والنار. اختصما في ربهما، فقالت النار: خلقني الله لعقوبته. وقالت الجنة: خلقني الله لرحمته. فقد قص عليك من خبرهما ما تسمع.
ثم قال تعالى ذكره: ﴿فَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِّن نَّارٍ﴾.
أي: قمصاً من نحاس ونار.
وقال ابن جبير: ليس في الآنية أشد حراً من النحاس.
قال مجاهد: الكافر قطعت له ثياب من نار. والمؤمن يدخله الله جنات تجري من تحتها الأنهار.
* *
ثم قال: ﴿يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُءُوسِهِمُ ٱلْحَمِيمُ﴾ أي: ماء يغلي.
وروى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: إن الحميم ليصب على رؤوسهم فينفذ الجمجمة حتى يخلص إلى جوفه، فيسلت ما في جوفه حتى يبلغ قدميه. وهو قوله: "يصهر به ما في بطونهم". ثم يعاد كما كان. ومعنى يصهر: يذاب ما في بطونهم من الشحوم، وتشوى جلودهم فتتساقط.
قال مجاهد وقتادة: يصهر: يذاب.
قال ابن عباس: يسقون ماء إذا دخل في بطونهم أذابها والجلود مع البطون.
وقال ابن جبير: إذا جاع أهل النار، يعني إذا جاعوا واستغاثوا بشجر الزقوم، فيأكلون منها، فاختلعت جلود وجوههم. فلو أن ماراً مر بهم يعرفهم، لعرف جلود وجوههم فيها. ثم يصب عليهم العطش، فيستغيثون فيغاثون بماء كالمهل، وهو الذي انتهى حره، فإذا أدنوه من أفواههم انشوى من حره لحوم وجوههم التي قد سقطت عنها الجلود، "ويصهر به ما في بطونهم"، أي: يذاب. يمشون في أمعائهم، وتسقط جلودهم ثم يضربون بمقامع من حديد، يسقط كل عضو على حياله، يدعون بالويل والثبور، نعوذ بالله من ذلك.
وقال عبد الله بن السري: يأتيه الملك بالإناء يحمله بكلبتين، فإذا أدناه إليه يكرهه، فيرفع الملك بقمعة، فيضرب بها رأسه، فيفلق بها دماغه، فيكفي الإناء في دماغه، فيصير إلى جوفه. فذلك قوله: ﴿يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَٱلْجُلُودُ * وَلَهُمْ مَّقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ﴾.
* *
وقوله: ﴿وَلَهُمْ مَّقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ﴾.
أي: عذاب مقامع أو ضرب مقامع تضربهم بها الخزنة إذا أرادوا الخروج من النار، حتى يرجعوا إليها.
* *
وقوله: ﴿كُلَّمَآ أَرَادُوۤاْ أَن يَخْرُجُواْ مِنْهَا﴾ أي: من العذاب، وغم الظلمة.
قال الفضيل بن عياض: والله ما طمعوا في الخروج. إن الأيدي والأرجل لموثقة، ولكن يرفعهم لهبها، وتردهم مقامعها.
قال سلمان الفارسي: النار سواد مظلمة، لا يضيء لهبها ولا جمرها.
قال مالك بن دينار: بلغني أنه إذا أحس أهل النار في النار، بضرب مقامع الحديد، انغمسوا في حياض الحميم، فيذهبون سفالاً سفالاً مقدار أربعين سنة، كما يغرق الرجل فيذهب في الماء سفالاً سفالاً.
وروي أن جهنم تجيش فتلقي من فيها إلى أعلى أبوابها، فيريدون الخروج، فتعيدهم الخزان بالمقامع، ويقولون لهم: ذوقوا عذاب الحريق، بمعنى المحروق، كالأليم بمعنى المؤلم. فهو فعيل بمعنى مفعول.
الحج 22:20
قوله تعالى ذكره: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يُدْخِلُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ﴾ إلى قوله: ﴿وَذُوقُواْ عَذَابَ ٱلْحَرِيقِ﴾.
أي: إن الله يدخل المصدقين به وبكتبه ورسله العاملين الطاعات بساتين. "تجري من تحتها الأنهار". أي: من تحت أشجارها.
﴿إِنَّ ٱللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾. فيعطي ما شاء من كرامته أهل طاعته.
* *
ثم قال: ﴿مَن كَانَ يَظُنُّ أَن لَّن يَنصُرَهُ ٱللَّهُ فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ﴾.
أي: من كان يظن أن لن ينصر الله محمداً عليه السلام في الدنيا والآخرة، "فليمدد بسبب" وهو الحبل "إلى السماء" يعني سماء البيت، وهو سقفه. "ثم ليقطع" السبب. يعني: الاختناق به. "فلينظر هل يذهبن" اختناقه، ذلك ما يغيظ. أي: ما يجد من في صدره من الغيظ. هذا معنى قول قتادة وهو مروي عن ابن عباس أيضاً.
وقال ابن زيد معناه: من كان يظن أن لن ينصر الله محمداً ﷺ، فليقطع ذلك من أصله، من حيث يأتيه النصر، فإن أصله في السماء، فليمدد سببه إلى السماء ثم ليقطع الوحي عن النبي ﷺ ﴿فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ﴾.
أي: هل يذهب فعله ما يجد في نفسه من غيظ. في نصر الله تعالى محمداً.
وقيل: النصر هنا معناه: الرزق. وحكي عن العرب، من ينصرني نصره الله. أي: من يعطني أعطاه الله. فالتقدير على هذا: من كان يظن أن لن يرزق الله محمداً عليه السلام، فليختنق في حبل في سقف بيته ثم لينظر هل يذهب فعله غيظه.
وقيل: معناه: من كان يظن أن لن يرزق الله تعالى محمداً فليمدد بسبب إلى السماء، فليقطع رزقه إن كان يقدر، فلينظر هل يذهب كيده غيظه.
وكونها عائدة على "من" - وهو قول أبي عبيدة مع طائفة من أهل اللغة - ويكون ينصره بمعنى "ينفعه".
وقد قيل: إن "الهاء" تعود على الدين. أي: من كان يظن أن لن ينصر الله دينه، فليفعل ما ذكر.
قال ابن عباس: معناه: إن لن ينصر الله محمداً. فالهاء لمحمد عليه السلام.
وقال مجاهد: معناه: من كان يظن أن لن يرزقه الله، فليمدد بحبل إلى سارية البيت فليخنق نفسه. فالهاء على هذا لـ "ظن" كأنه قال: من ظن أن الله لا يرزقه، فليقتل نفسه، إذ لا حياة له مع عدم رزق الله له.
وقيل: معناه: من كان يظن أن لن ينصر الله نبيه في الدنيا والآخرة وأنه يتهيأ له أن يغلب نبيه أو يزيل عنه النصر الذي يريده الله به. فليطلب سبباً يصل به إلى السماء، فليقطع نصر الله عن نبيه، فلينظر هل يتهيأ له الوصول إلى السماء بكيد وبسبب يحتاله. وهل يتهيأ له أن يقطع النصر عن نبي الله، أو يزيل بكيده وحيلته ما يغيظه من نصر الله لنبيه، فإنما هذا دلالة على ما لا يتهيأ لهم، ولا يقدرون عليه، وفيه إعلام أن النصر لمحمد من عند الله، وتنبيه على أن محمداً منصور لا يغلب.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَكَذٰلِكَ أَنزَلْنَاهُ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَأَنَّ ٱللَّهَ يَهْدِي مَن يُرِيدُ﴾ أي: وكما بينت لكم الحجة على من تقدم ذكره، كذلك أنزلت على محمد آيات واضحات يهتدي بها من وفقه الله للحق.
* *
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَٱلَّذِينَ هَادُواْ وَٱلصَّابِئِينَ وَٱلنَّصَارَىٰ﴾.
أي: إن هؤلاء على اختلاف أديانهم يفصل بينهم الله يوم القيامة، فيدخل المؤمنين الجنة، ويدخل غيرهم النار، فهذا هو الفصل.
قال قتادة: "والصابون" قوم يعبدون الملائكة، ويصلون إلى القبلة، ويقرأون الزبور. والمجوس، يعبدون الشمس والقمر والنيران "والذين أشركوا" يعبدون الأوثان. والأديان ستة، خمسة للشيطان وواحد للرحمن.
* *
وقوله: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾.
أي: شاهد على أعمالهم على اختلاف أديانهم، فإن الثانية تخبر عن الأولى. أي: سدت مسد خبرها، إذ هي داخلة على ابتداء وخبر. والابتداء والخبر يسدان مسد خبر أن في كثير من الكلام.
وقيل: لما طال الكلام، صارت الأولى كأنها ملغاة، فأعيدت تأكيداً وتكريراً. والأول أحسن .
* *
ثم قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَن فِي ٱلأَرْضِ﴾.
أي: يخضعون وينقادون لله.
وقيل: السجود هنا مما لا يعقل، ومن الموات والكفار إنما هو ظهور أثر الصنعة عليها، والخضوع الذي يدل على أنها مخلوقه. وانقيادها لله وتصريف الله لها فيما شاء.
أن يصرفها فهو مجاز وتوسع. وهذا القول لا يصح، لأنه تعالى قد أخبرنا بأن من الحجارة ما يخشى، وأنه سخر مع داود الجبال والطير يسبحن. وهذا لا يمتنع حمله على الحقيقة، ولا يحسن حمله على معنى ظهور الصنعة فيها، لأن ذلك مع غير داود مثل ما هو مع داود. وإذا لم يكن بد من حمله على الحقيقة، حسن حمل السجود في الموات وما لا يعقل على الحقيقة أيضاً.
وقيل: سجودها، هو تحول ظلها حين تطلع الشمس وحين تزول، فإذا تحول ظل كل شيء، فهو سجوده.
وقال مجاهد: ظلال هذا كله يسجد.
وقال أبو العالية: ما في السماء نجم ولا شمس ولا قمر إلا يقع لله ساجداً حين يغيب، ثم لا ينصرف حتى يؤذن له، فيأخذ ذات اليمين.
* *
وقوله: ﴿وَكَثِيرٌ مِّنَ ٱلنَّاسِ﴾ يعني: المؤمنين. ﴿وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ ٱلْعَذَابُ﴾ يعني ظل الكافر يسجد لله. قاله مجاهد، وهو عنده مع هذا منقاد لله، خاضع وهو ساجد مع ظله، إلا أن سجود ظله ميلانه مع الشمس وسجوده هو انقياده وخضوعه على صحته وسقمه ورزقه ومنعه.
وقوله: "وكثير من الناس". قيل: معناه: وكثير من الناس في الجنة بدليل قوله: "وكثير حق عليه العذاب" لأن الجنة ضد النار. ولو قال: "وكثير لا يسجد" لكان المعنى. وكثير من الناس. أي: وكثير من الناس يسجد.
وقيل: معنى: "وكثير حق عليه العذاب": وكثير أبى السجود فحق عليه العذاب فيكون الوقف على هذا القول. "وكثير من الناس" ثم يبتدئ: "وكثير حق عليه العذاب" ولهذا المعنى رفع "كثير". وقد عطف على ما عمل فيه الفعل. ولولا هذا المعنى، لكان النصب الاختيار. كما قال: ﴿وَٱلظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً﴾ [الإنسان: ٣١] "فكثير" الثاني: مبتدأ، وليس بمعطوف على الأول، فإنما هو إخبار عن خلق كثير [وجب عليه] العذاب بكفره. وما قبله إخبار عن كثير من الناس يسجدون لله، وهم المؤمنون.
[ثم قال] ﴿وَمَن يُهِنِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ﴾.
أي: ومن يشقه الله فيهينه، فما له من مكرم يكرمه بالسعادة.
﴿إِنَّ ٱللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَآءُ﴾ يوفق من يشاء لطاعته، ويخذل من يشاء فيكفر.
* *
ثم قال تعالى: ﴿هَـٰذَانِ خَصْمَانِ ٱخْتَصَمُواْ فِي رَبِّهِمْ﴾.
يعني: الذين تبارزوا يوم بدر. وقد ذكر ذلك في أول السورة.
وقال ابن عباس: هم أهل إيمان، وأهل كتاب. اختصموا. قال أهل الكتاب للمؤمنين: نحن أولى بالله، وأقدم منكم كتاباً ونبينا قبل نبيكم. وقال المؤمنون: نحن أحق بالله، آمنا بمحمد ﷺ وبنبيكم وبما أنزل الله من كتاب، وأنتم تعرفون كتابنا ونبينا ثم تركتموه وكفرتم به حسداً. فكان ذلك خصومتهم في ربهم.
وقال الحسن: هم الكفار والمؤمنون، اختصموا في ربهم. وكذا قال مجاهد.
وقال عكرمة: "هذان" إشارة إلى الجنة والنار. اختصما في ربهما، فقالت النار: خلقني الله لعقوبته. وقالت الجنة: خلقني الله لرحمته. فقد قص عليك من خبرهما ما تسمع.
ثم قال تعالى ذكره: ﴿فَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِّن نَّارٍ﴾.
أي: قمصاً من نحاس ونار.
وقال ابن جبير: ليس في الآنية أشد حراً من النحاس.
قال مجاهد: الكافر قطعت له ثياب من نار. والمؤمن يدخله الله جنات تجري من تحتها الأنهار.
* *
ثم قال: ﴿يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُءُوسِهِمُ ٱلْحَمِيمُ﴾ أي: ماء يغلي.
وروى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: إن الحميم ليصب على رؤوسهم فينفذ الجمجمة حتى يخلص إلى جوفه، فيسلت ما في جوفه حتى يبلغ قدميه. وهو قوله: "يصهر به ما في بطونهم". ثم يعاد كما كان. ومعنى يصهر: يذاب ما في بطونهم من الشحوم، وتشوى جلودهم فتتساقط.
قال مجاهد وقتادة: يصهر: يذاب.
قال ابن عباس: يسقون ماء إذا دخل في بطونهم أذابها والجلود مع البطون.
وقال ابن جبير: إذا جاع أهل النار، يعني إذا جاعوا واستغاثوا بشجر الزقوم، فيأكلون منها، فاختلعت جلود وجوههم. فلو أن ماراً مر بهم يعرفهم، لعرف جلود وجوههم فيها. ثم يصب عليهم العطش، فيستغيثون فيغاثون بماء كالمهل، وهو الذي انتهى حره، فإذا أدنوه من أفواههم انشوى من حره لحوم وجوههم التي قد سقطت عنها الجلود، "ويصهر به ما في بطونهم"، أي: يذاب. يمشون في أمعائهم، وتسقط جلودهم ثم يضربون بمقامع من حديد، يسقط كل عضو على حياله، يدعون بالويل والثبور، نعوذ بالله من ذلك.
وقال عبد الله بن السري: يأتيه الملك بالإناء يحمله بكلبتين، فإذا أدناه إليه يكرهه، فيرفع الملك بقمعة، فيضرب بها رأسه، فيفلق بها دماغه، فيكفي الإناء في دماغه، فيصير إلى جوفه. فذلك قوله: ﴿يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَٱلْجُلُودُ * وَلَهُمْ مَّقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ﴾.
* *
وقوله: ﴿وَلَهُمْ مَّقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ﴾.
أي: عذاب مقامع أو ضرب مقامع تضربهم بها الخزنة إذا أرادوا الخروج من النار، حتى يرجعوا إليها.
* *
وقوله: ﴿كُلَّمَآ أَرَادُوۤاْ أَن يَخْرُجُواْ مِنْهَا﴾ أي: من العذاب، وغم الظلمة.
قال الفضيل بن عياض: والله ما طمعوا في الخروج. إن الأيدي والأرجل لموثقة، ولكن يرفعهم لهبها، وتردهم مقامعها.
قال سلمان الفارسي: النار سواد مظلمة، لا يضيء لهبها ولا جمرها.
قال مالك بن دينار: بلغني أنه إذا أحس أهل النار في النار، بضرب مقامع الحديد، انغمسوا في حياض الحميم، فيذهبون سفالاً سفالاً مقدار أربعين سنة، كما يغرق الرجل فيذهب في الماء سفالاً سفالاً.
وروي أن جهنم تجيش فتلقي من فيها إلى أعلى أبوابها، فيريدون الخروج، فتعيدهم الخزان بالمقامع، ويقولون لهم: ذوقوا عذاب الحريق، بمعنى المحروق، كالأليم بمعنى المؤلم. فهو فعيل بمعنى مفعول.
الحج 22:21
قوله تعالى ذكره: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يُدْخِلُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ﴾ إلى قوله: ﴿وَذُوقُواْ عَذَابَ ٱلْحَرِيقِ﴾.
أي: إن الله يدخل المصدقين به وبكتبه ورسله العاملين الطاعات بساتين. "تجري من تحتها الأنهار". أي: من تحت أشجارها.
﴿إِنَّ ٱللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾. فيعطي ما شاء من كرامته أهل طاعته.
* *
ثم قال: ﴿مَن كَانَ يَظُنُّ أَن لَّن يَنصُرَهُ ٱللَّهُ فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ﴾.
أي: من كان يظن أن لن ينصر الله محمداً عليه السلام في الدنيا والآخرة، "فليمدد بسبب" وهو الحبل "إلى السماء" يعني سماء البيت، وهو سقفه. "ثم ليقطع" السبب. يعني: الاختناق به. "فلينظر هل يذهبن" اختناقه، ذلك ما يغيظ. أي: ما يجد من في صدره من الغيظ. هذا معنى قول قتادة وهو مروي عن ابن عباس أيضاً.
وقال ابن زيد معناه: من كان يظن أن لن ينصر الله محمداً ﷺ، فليقطع ذلك من أصله، من حيث يأتيه النصر، فإن أصله في السماء، فليمدد سببه إلى السماء ثم ليقطع الوحي عن النبي ﷺ ﴿فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ﴾.
أي: هل يذهب فعله ما يجد في نفسه من غيظ. في نصر الله تعالى محمداً.
وقيل: النصر هنا معناه: الرزق. وحكي عن العرب، من ينصرني نصره الله. أي: من يعطني أعطاه الله. فالتقدير على هذا: من كان يظن أن لن يرزق الله محمداً عليه السلام، فليختنق في حبل في سقف بيته ثم لينظر هل يذهب فعله غيظه.
وقيل: معناه: من كان يظن أن لن يرزق الله تعالى محمداً فليمدد بسبب إلى السماء، فليقطع رزقه إن كان يقدر، فلينظر هل يذهب كيده غيظه.
وكونها عائدة على "من" - وهو قول أبي عبيدة مع طائفة من أهل اللغة - ويكون ينصره بمعنى "ينفعه".
وقد قيل: إن "الهاء" تعود على الدين. أي: من كان يظن أن لن ينصر الله دينه، فليفعل ما ذكر.
قال ابن عباس: معناه: إن لن ينصر الله محمداً. فالهاء لمحمد عليه السلام.
وقال مجاهد: معناه: من كان يظن أن لن يرزقه الله، فليمدد بحبل إلى سارية البيت فليخنق نفسه. فالهاء على هذا لـ "ظن" كأنه قال: من ظن أن الله لا يرزقه، فليقتل نفسه، إذ لا حياة له مع عدم رزق الله له.
وقيل: معناه: من كان يظن أن لن ينصر الله نبيه في الدنيا والآخرة وأنه يتهيأ له أن يغلب نبيه أو يزيل عنه النصر الذي يريده الله به. فليطلب سبباً يصل به إلى السماء، فليقطع نصر الله عن نبيه، فلينظر هل يتهيأ له الوصول إلى السماء بكيد وبسبب يحتاله. وهل يتهيأ له أن يقطع النصر عن نبي الله، أو يزيل بكيده وحيلته ما يغيظه من نصر الله لنبيه، فإنما هذا دلالة على ما لا يتهيأ لهم، ولا يقدرون عليه، وفيه إعلام أن النصر لمحمد من عند الله، وتنبيه على أن محمداً منصور لا يغلب.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَكَذٰلِكَ أَنزَلْنَاهُ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَأَنَّ ٱللَّهَ يَهْدِي مَن يُرِيدُ﴾ أي: وكما بينت لكم الحجة على من تقدم ذكره، كذلك أنزلت على محمد آيات واضحات يهتدي بها من وفقه الله للحق.
* *
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَٱلَّذِينَ هَادُواْ وَٱلصَّابِئِينَ وَٱلنَّصَارَىٰ﴾.
أي: إن هؤلاء على اختلاف أديانهم يفصل بينهم الله يوم القيامة، فيدخل المؤمنين الجنة، ويدخل غيرهم النار، فهذا هو الفصل.
قال قتادة: "والصابون" قوم يعبدون الملائكة، ويصلون إلى القبلة، ويقرأون الزبور. والمجوس، يعبدون الشمس والقمر والنيران "والذين أشركوا" يعبدون الأوثان. والأديان ستة، خمسة للشيطان وواحد للرحمن.
* *
وقوله: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾.
أي: شاهد على أعمالهم على اختلاف أديانهم، فإن الثانية تخبر عن الأولى. أي: سدت مسد خبرها، إذ هي داخلة على ابتداء وخبر. والابتداء والخبر يسدان مسد خبر أن في كثير من الكلام.
وقيل: لما طال الكلام، صارت الأولى كأنها ملغاة، فأعيدت تأكيداً وتكريراً. والأول أحسن .
* *
ثم قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَن فِي ٱلأَرْضِ﴾.
أي: يخضعون وينقادون لله.
وقيل: السجود هنا مما لا يعقل، ومن الموات والكفار إنما هو ظهور أثر الصنعة عليها، والخضوع الذي يدل على أنها مخلوقه. وانقيادها لله وتصريف الله لها فيما شاء.
أن يصرفها فهو مجاز وتوسع. وهذا القول لا يصح، لأنه تعالى قد أخبرنا بأن من الحجارة ما يخشى، وأنه سخر مع داود الجبال والطير يسبحن. وهذا لا يمتنع حمله على الحقيقة، ولا يحسن حمله على معنى ظهور الصنعة فيها، لأن ذلك مع غير داود مثل ما هو مع داود. وإذا لم يكن بد من حمله على الحقيقة، حسن حمل السجود في الموات وما لا يعقل على الحقيقة أيضاً.
وقيل: سجودها، هو تحول ظلها حين تطلع الشمس وحين تزول، فإذا تحول ظل كل شيء، فهو سجوده.
وقال مجاهد: ظلال هذا كله يسجد.
وقال أبو العالية: ما في السماء نجم ولا شمس ولا قمر إلا يقع لله ساجداً حين يغيب، ثم لا ينصرف حتى يؤذن له، فيأخذ ذات اليمين.
* *
وقوله: ﴿وَكَثِيرٌ مِّنَ ٱلنَّاسِ﴾ يعني: المؤمنين. ﴿وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ ٱلْعَذَابُ﴾ يعني ظل الكافر يسجد لله. قاله مجاهد، وهو عنده مع هذا منقاد لله، خاضع وهو ساجد مع ظله، إلا أن سجود ظله ميلانه مع الشمس وسجوده هو انقياده وخضوعه على صحته وسقمه ورزقه ومنعه.
وقوله: "وكثير من الناس". قيل: معناه: وكثير من الناس في الجنة بدليل قوله: "وكثير حق عليه العذاب" لأن الجنة ضد النار. ولو قال: "وكثير لا يسجد" لكان المعنى. وكثير من الناس. أي: وكثير من الناس يسجد.
وقيل: معنى: "وكثير حق عليه العذاب": وكثير أبى السجود فحق عليه العذاب فيكون الوقف على هذا القول. "وكثير من الناس" ثم يبتدئ: "وكثير حق عليه العذاب" ولهذا المعنى رفع "كثير". وقد عطف على ما عمل فيه الفعل. ولولا هذا المعنى، لكان النصب الاختيار. كما قال: ﴿وَٱلظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً﴾ [الإنسان: ٣١] "فكثير" الثاني: مبتدأ، وليس بمعطوف على الأول، فإنما هو إخبار عن خلق كثير [وجب عليه] العذاب بكفره. وما قبله إخبار عن كثير من الناس يسجدون لله، وهم المؤمنون.
[ثم قال] ﴿وَمَن يُهِنِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ﴾.
أي: ومن يشقه الله فيهينه، فما له من مكرم يكرمه بالسعادة.
﴿إِنَّ ٱللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَآءُ﴾ يوفق من يشاء لطاعته، ويخذل من يشاء فيكفر.
* *
ثم قال تعالى: ﴿هَـٰذَانِ خَصْمَانِ ٱخْتَصَمُواْ فِي رَبِّهِمْ﴾.
يعني: الذين تبارزوا يوم بدر. وقد ذكر ذلك في أول السورة.
وقال ابن عباس: هم أهل إيمان، وأهل كتاب. اختصموا. قال أهل الكتاب للمؤمنين: نحن أولى بالله، وأقدم منكم كتاباً ونبينا قبل نبيكم. وقال المؤمنون: نحن أحق بالله، آمنا بمحمد ﷺ وبنبيكم وبما أنزل الله من كتاب، وأنتم تعرفون كتابنا ونبينا ثم تركتموه وكفرتم به حسداً. فكان ذلك خصومتهم في ربهم.
وقال الحسن: هم الكفار والمؤمنون، اختصموا في ربهم. وكذا قال مجاهد.
وقال عكرمة: "هذان" إشارة إلى الجنة والنار. اختصما في ربهما، فقالت النار: خلقني الله لعقوبته. وقالت الجنة: خلقني الله لرحمته. فقد قص عليك من خبرهما ما تسمع.
ثم قال تعالى ذكره: ﴿فَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِّن نَّارٍ﴾.
أي: قمصاً من نحاس ونار.
وقال ابن جبير: ليس في الآنية أشد حراً من النحاس.
قال مجاهد: الكافر قطعت له ثياب من نار. والمؤمن يدخله الله جنات تجري من تحتها الأنهار.
* *
ثم قال: ﴿يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُءُوسِهِمُ ٱلْحَمِيمُ﴾ أي: ماء يغلي.
وروى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: إن الحميم ليصب على رؤوسهم فينفذ الجمجمة حتى يخلص إلى جوفه، فيسلت ما في جوفه حتى يبلغ قدميه. وهو قوله: "يصهر به ما في بطونهم". ثم يعاد كما كان. ومعنى يصهر: يذاب ما في بطونهم من الشحوم، وتشوى جلودهم فتتساقط.
قال مجاهد وقتادة: يصهر: يذاب.
قال ابن عباس: يسقون ماء إذا دخل في بطونهم أذابها والجلود مع البطون.
وقال ابن جبير: إذا جاع أهل النار، يعني إذا جاعوا واستغاثوا بشجر الزقوم، فيأكلون منها، فاختلعت جلود وجوههم. فلو أن ماراً مر بهم يعرفهم، لعرف جلود وجوههم فيها. ثم يصب عليهم العطش، فيستغيثون فيغاثون بماء كالمهل، وهو الذي انتهى حره، فإذا أدنوه من أفواههم انشوى من حره لحوم وجوههم التي قد سقطت عنها الجلود، "ويصهر به ما في بطونهم"، أي: يذاب. يمشون في أمعائهم، وتسقط جلودهم ثم يضربون بمقامع من حديد، يسقط كل عضو على حياله، يدعون بالويل والثبور، نعوذ بالله من ذلك.
وقال عبد الله بن السري: يأتيه الملك بالإناء يحمله بكلبتين، فإذا أدناه إليه يكرهه، فيرفع الملك بقمعة، فيضرب بها رأسه، فيفلق بها دماغه، فيكفي الإناء في دماغه، فيصير إلى جوفه. فذلك قوله: ﴿يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَٱلْجُلُودُ * وَلَهُمْ مَّقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ﴾.
* *
وقوله: ﴿وَلَهُمْ مَّقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ﴾.
أي: عذاب مقامع أو ضرب مقامع تضربهم بها الخزنة إذا أرادوا الخروج من النار، حتى يرجعوا إليها.
* *
وقوله: ﴿كُلَّمَآ أَرَادُوۤاْ أَن يَخْرُجُواْ مِنْهَا﴾ أي: من العذاب، وغم الظلمة.
قال الفضيل بن عياض: والله ما طمعوا في الخروج. إن الأيدي والأرجل لموثقة، ولكن يرفعهم لهبها، وتردهم مقامعها.
قال سلمان الفارسي: النار سواد مظلمة، لا يضيء لهبها ولا جمرها.
قال مالك بن دينار: بلغني أنه إذا أحس أهل النار في النار، بضرب مقامع الحديد، انغمسوا في حياض الحميم، فيذهبون سفالاً سفالاً مقدار أربعين سنة، كما يغرق الرجل فيذهب في الماء سفالاً سفالاً.
وروي أن جهنم تجيش فتلقي من فيها إلى أعلى أبوابها، فيريدون الخروج، فتعيدهم الخزان بالمقامع، ويقولون لهم: ذوقوا عذاب الحريق، بمعنى المحروق، كالأليم بمعنى المؤلم. فهو فعيل بمعنى مفعول.
الحج 22:22
قوله تعالى ذكره: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يُدْخِلُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ﴾ إلى قوله: ﴿وَذُوقُواْ عَذَابَ ٱلْحَرِيقِ﴾.
أي: إن الله يدخل المصدقين به وبكتبه ورسله العاملين الطاعات بساتين. "تجري من تحتها الأنهار". أي: من تحت أشجارها.
﴿إِنَّ ٱللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾. فيعطي ما شاء من كرامته أهل طاعته.
* *
ثم قال: ﴿مَن كَانَ يَظُنُّ أَن لَّن يَنصُرَهُ ٱللَّهُ فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ﴾.
أي: من كان يظن أن لن ينصر الله محمداً عليه السلام في الدنيا والآخرة، "فليمدد بسبب" وهو الحبل "إلى السماء" يعني سماء البيت، وهو سقفه. "ثم ليقطع" السبب. يعني: الاختناق به. "فلينظر هل يذهبن" اختناقه، ذلك ما يغيظ. أي: ما يجد من في صدره من الغيظ. هذا معنى قول قتادة وهو مروي عن ابن عباس أيضاً.
وقال ابن زيد معناه: من كان يظن أن لن ينصر الله محمداً ﷺ، فليقطع ذلك من أصله، من حيث يأتيه النصر، فإن أصله في السماء، فليمدد سببه إلى السماء ثم ليقطع الوحي عن النبي ﷺ ﴿فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ﴾.
أي: هل يذهب فعله ما يجد في نفسه من غيظ. في نصر الله تعالى محمداً.
وقيل: النصر هنا معناه: الرزق. وحكي عن العرب، من ينصرني نصره الله. أي: من يعطني أعطاه الله. فالتقدير على هذا: من كان يظن أن لن يرزق الله محمداً عليه السلام، فليختنق في حبل في سقف بيته ثم لينظر هل يذهب فعله غيظه.
وقيل: معناه: من كان يظن أن لن يرزق الله تعالى محمداً فليمدد بسبب إلى السماء، فليقطع رزقه إن كان يقدر، فلينظر هل يذهب كيده غيظه.
وكونها عائدة على "من" - وهو قول أبي عبيدة مع طائفة من أهل اللغة - ويكون ينصره بمعنى "ينفعه".
وقد قيل: إن "الهاء" تعود على الدين. أي: من كان يظن أن لن ينصر الله دينه، فليفعل ما ذكر.
قال ابن عباس: معناه: إن لن ينصر الله محمداً. فالهاء لمحمد عليه السلام.
وقال مجاهد: معناه: من كان يظن أن لن يرزقه الله، فليمدد بحبل إلى سارية البيت فليخنق نفسه. فالهاء على هذا لـ "ظن" كأنه قال: من ظن أن الله لا يرزقه، فليقتل نفسه، إذ لا حياة له مع عدم رزق الله له.
وقيل: معناه: من كان يظن أن لن ينصر الله نبيه في الدنيا والآخرة وأنه يتهيأ له أن يغلب نبيه أو يزيل عنه النصر الذي يريده الله به. فليطلب سبباً يصل به إلى السماء، فليقطع نصر الله عن نبيه، فلينظر هل يتهيأ له الوصول إلى السماء بكيد وبسبب يحتاله. وهل يتهيأ له أن يقطع النصر عن نبي الله، أو يزيل بكيده وحيلته ما يغيظه من نصر الله لنبيه، فإنما هذا دلالة على ما لا يتهيأ لهم، ولا يقدرون عليه، وفيه إعلام أن النصر لمحمد من عند الله، وتنبيه على أن محمداً منصور لا يغلب.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَكَذٰلِكَ أَنزَلْنَاهُ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَأَنَّ ٱللَّهَ يَهْدِي مَن يُرِيدُ﴾ أي: وكما بينت لكم الحجة على من تقدم ذكره، كذلك أنزلت على محمد آيات واضحات يهتدي بها من وفقه الله للحق.
* *
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَٱلَّذِينَ هَادُواْ وَٱلصَّابِئِينَ وَٱلنَّصَارَىٰ﴾.
أي: إن هؤلاء على اختلاف أديانهم يفصل بينهم الله يوم القيامة، فيدخل المؤمنين الجنة، ويدخل غيرهم النار، فهذا هو الفصل.
قال قتادة: "والصابون" قوم يعبدون الملائكة، ويصلون إلى القبلة، ويقرأون الزبور. والمجوس، يعبدون الشمس والقمر والنيران "والذين أشركوا" يعبدون الأوثان. والأديان ستة، خمسة للشيطان وواحد للرحمن.
* *
وقوله: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾.
أي: شاهد على أعمالهم على اختلاف أديانهم، فإن الثانية تخبر عن الأولى. أي: سدت مسد خبرها، إذ هي داخلة على ابتداء وخبر. والابتداء والخبر يسدان مسد خبر أن في كثير من الكلام.
وقيل: لما طال الكلام، صارت الأولى كأنها ملغاة، فأعيدت تأكيداً وتكريراً. والأول أحسن .
* *
ثم قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَن فِي ٱلأَرْضِ﴾.
أي: يخضعون وينقادون لله.
وقيل: السجود هنا مما لا يعقل، ومن الموات والكفار إنما هو ظهور أثر الصنعة عليها، والخضوع الذي يدل على أنها مخلوقه. وانقيادها لله وتصريف الله لها فيما شاء.
أن يصرفها فهو مجاز وتوسع. وهذا القول لا يصح، لأنه تعالى قد أخبرنا بأن من الحجارة ما يخشى، وأنه سخر مع داود الجبال والطير يسبحن. وهذا لا يمتنع حمله على الحقيقة، ولا يحسن حمله على معنى ظهور الصنعة فيها، لأن ذلك مع غير داود مثل ما هو مع داود. وإذا لم يكن بد من حمله على الحقيقة، حسن حمل السجود في الموات وما لا يعقل على الحقيقة أيضاً.
وقيل: سجودها، هو تحول ظلها حين تطلع الشمس وحين تزول، فإذا تحول ظل كل شيء، فهو سجوده.
وقال مجاهد: ظلال هذا كله يسجد.
وقال أبو العالية: ما في السماء نجم ولا شمس ولا قمر إلا يقع لله ساجداً حين يغيب، ثم لا ينصرف حتى يؤذن له، فيأخذ ذات اليمين.
* *
وقوله: ﴿وَكَثِيرٌ مِّنَ ٱلنَّاسِ﴾ يعني: المؤمنين. ﴿وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ ٱلْعَذَابُ﴾ يعني ظل الكافر يسجد لله. قاله مجاهد، وهو عنده مع هذا منقاد لله، خاضع وهو ساجد مع ظله، إلا أن سجود ظله ميلانه مع الشمس وسجوده هو انقياده وخضوعه على صحته وسقمه ورزقه ومنعه.
وقوله: "وكثير من الناس". قيل: معناه: وكثير من الناس في الجنة بدليل قوله: "وكثير حق عليه العذاب" لأن الجنة ضد النار. ولو قال: "وكثير لا يسجد" لكان المعنى. وكثير من الناس. أي: وكثير من الناس يسجد.
وقيل: معنى: "وكثير حق عليه العذاب": وكثير أبى السجود فحق عليه العذاب فيكون الوقف على هذا القول. "وكثير من الناس" ثم يبتدئ: "وكثير حق عليه العذاب" ولهذا المعنى رفع "كثير". وقد عطف على ما عمل فيه الفعل. ولولا هذا المعنى، لكان النصب الاختيار. كما قال: ﴿وَٱلظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً﴾ [الإنسان: ٣١] "فكثير" الثاني: مبتدأ، وليس بمعطوف على الأول، فإنما هو إخبار عن خلق كثير [وجب عليه] العذاب بكفره. وما قبله إخبار عن كثير من الناس يسجدون لله، وهم المؤمنون.
[ثم قال] ﴿وَمَن يُهِنِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ﴾.
أي: ومن يشقه الله فيهينه، فما له من مكرم يكرمه بالسعادة.
﴿إِنَّ ٱللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَآءُ﴾ يوفق من يشاء لطاعته، ويخذل من يشاء فيكفر.
* *
ثم قال تعالى: ﴿هَـٰذَانِ خَصْمَانِ ٱخْتَصَمُواْ فِي رَبِّهِمْ﴾.
يعني: الذين تبارزوا يوم بدر. وقد ذكر ذلك في أول السورة.
وقال ابن عباس: هم أهل إيمان، وأهل كتاب. اختصموا. قال أهل الكتاب للمؤمنين: نحن أولى بالله، وأقدم منكم كتاباً ونبينا قبل نبيكم. وقال المؤمنون: نحن أحق بالله، آمنا بمحمد ﷺ وبنبيكم وبما أنزل الله من كتاب، وأنتم تعرفون كتابنا ونبينا ثم تركتموه وكفرتم به حسداً. فكان ذلك خصومتهم في ربهم.
وقال الحسن: هم الكفار والمؤمنون، اختصموا في ربهم. وكذا قال مجاهد.
وقال عكرمة: "هذان" إشارة إلى الجنة والنار. اختصما في ربهما، فقالت النار: خلقني الله لعقوبته. وقالت الجنة: خلقني الله لرحمته. فقد قص عليك من خبرهما ما تسمع.
ثم قال تعالى ذكره: ﴿فَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِّن نَّارٍ﴾.
أي: قمصاً من نحاس ونار.
وقال ابن جبير: ليس في الآنية أشد حراً من النحاس.
قال مجاهد: الكافر قطعت له ثياب من نار. والمؤمن يدخله الله جنات تجري من تحتها الأنهار.
* *
ثم قال: ﴿يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُءُوسِهِمُ ٱلْحَمِيمُ﴾ أي: ماء يغلي.
وروى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: إن الحميم ليصب على رؤوسهم فينفذ الجمجمة حتى يخلص إلى جوفه، فيسلت ما في جوفه حتى يبلغ قدميه. وهو قوله: "يصهر به ما في بطونهم". ثم يعاد كما كان. ومعنى يصهر: يذاب ما في بطونهم من الشحوم، وتشوى جلودهم فتتساقط.
قال مجاهد وقتادة: يصهر: يذاب.
قال ابن عباس: يسقون ماء إذا دخل في بطونهم أذابها والجلود مع البطون.
وقال ابن جبير: إذا جاع أهل النار، يعني إذا جاعوا واستغاثوا بشجر الزقوم، فيأكلون منها، فاختلعت جلود وجوههم. فلو أن ماراً مر بهم يعرفهم، لعرف جلود وجوههم فيها. ثم يصب عليهم العطش، فيستغيثون فيغاثون بماء كالمهل، وهو الذي انتهى حره، فإذا أدنوه من أفواههم انشوى من حره لحوم وجوههم التي قد سقطت عنها الجلود، "ويصهر به ما في بطونهم"، أي: يذاب. يمشون في أمعائهم، وتسقط جلودهم ثم يضربون بمقامع من حديد، يسقط كل عضو على حياله، يدعون بالويل والثبور، نعوذ بالله من ذلك.
وقال عبد الله بن السري: يأتيه الملك بالإناء يحمله بكلبتين، فإذا أدناه إليه يكرهه، فيرفع الملك بقمعة، فيضرب بها رأسه، فيفلق بها دماغه، فيكفي الإناء في دماغه، فيصير إلى جوفه. فذلك قوله: ﴿يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَٱلْجُلُودُ * وَلَهُمْ مَّقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ﴾.
* *
وقوله: ﴿وَلَهُمْ مَّقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ﴾.
أي: عذاب مقامع أو ضرب مقامع تضربهم بها الخزنة إذا أرادوا الخروج من النار، حتى يرجعوا إليها.
* *
وقوله: ﴿كُلَّمَآ أَرَادُوۤاْ أَن يَخْرُجُواْ مِنْهَا﴾ أي: من العذاب، وغم الظلمة.
قال الفضيل بن عياض: والله ما طمعوا في الخروج. إن الأيدي والأرجل لموثقة، ولكن يرفعهم لهبها، وتردهم مقامعها.
قال سلمان الفارسي: النار سواد مظلمة، لا يضيء لهبها ولا جمرها.
قال مالك بن دينار: بلغني أنه إذا أحس أهل النار في النار، بضرب مقامع الحديد، انغمسوا في حياض الحميم، فيذهبون سفالاً سفالاً مقدار أربعين سنة، كما يغرق الرجل فيذهب في الماء سفالاً سفالاً.
وروي أن جهنم تجيش فتلقي من فيها إلى أعلى أبوابها، فيريدون الخروج، فتعيدهم الخزان بالمقامع، ويقولون لهم: ذوقوا عذاب الحريق، بمعنى المحروق، كالأليم بمعنى المؤلم. فهو فعيل بمعنى مفعول.
الحج 22:23
قوله: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يُدْخِلُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ﴾ إلى قوله: ﴿مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾.
أي: "يدخلهم بساتين تجري من تحت أشجارها الأنهار".
* *
﴿يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً﴾.
ومن قرأ بالنصب، فمعناه: ويحلون لؤلؤاً. ﴿وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ﴾ أي: ثياب من حرير.
* *
ثم قال: ﴿وَهُدُوۤاْ إِلَى ٱلطَّيِّبِ مِنَ ٱلْقَوْلِ وَهُدُوۤاْ إِلَىٰ صِرَاطِ﴾.
أي: هداهم ربهم في الدنيا إلى شهادة أن لا إله إلا الله.
وقال ابن زيد: هدوا إلى الكلام الطيب: لا إله إلا الله، والله أكبر، والحمد لله. وهو الذي قال جل ذكره: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ ٱلْكَلِمُ ٱلطَّيِّبُ وَٱلْعَمَلُ ٱلصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠].
وقال ابن عباس: هدوا: ألهموا.
وقيل: هدوا إلى قوله: الحمد لله الذي صدقنا وعده.
وقيل: معناه: هدوا إلى البشارات التي تأتيهم من عند الله، بما لهم من دوام النعم وبالسلام والتحية التي يبعثها الله إليهم مع الملائكة. كما قال: ﴿وَالمَلاَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِّن كُلِّ بَابٍ * سَلاَمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَىٰ ٱلدَّارِ﴾.
ومعنى: ﴿وَهُدُوۤاْ إِلَىٰ صِرَاطِ ٱلْحَمِيدِ﴾. أي: إذا صاروا إلى الآخرة، وهدوا إلى صراط الجنة وطريقها، فهو صراط الله عز وجل، يسلكه المؤمنون إلى الجنة ويعدل عنه الكافرون والمنافقون إلى طريق النار.
والحميد هو الله. بمعنى المحمود. أي: أن يحمد على نعمه، على عباده.
وقيل: معناه: وهدوا إلى صراط الحميد، أي: وهداهم ربهم في الدنيا إلى طريق الرب الحميد، وهو دين الإسلام. والحميد بمعنى المحمود عند أوليائه وخلقه. فحميد: فعيل بمعنى: مفعول. وصراط العزيز الحميد: الإسلام.
وقيل: "إن قوله: لا إله إلا هو" هدوا إلى ذلك في الدنيا.
* *
ثم قال: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ﴾.
أي: إن الذين جحدوا توحيد الله، وكذبوا رسله ومنعوا الناس الدخول في دين الله وصدوهم عن المسجد الحرام الذي جعله الله للناس المؤمنين كافة لم يخصص به بعض دون بعض، هلكوا. وهذا خبر أن، محذوف من الكلام.
وقيل: الخبر: يصدون. فالواو زائدة.
قال أبو إسحاق: الخبر: نذقه من عذاب أليم. وهذا غلط، لأنه جواب الشرط.
* *
ثم قال: ﴿سَوَآءً ٱلْعَاكِفُ فِيهِ وَٱلْبَادِ﴾.
أي: معتدل في النزول فيه، المقيم والبادي. فالبادي [المنتاب إليه من غيره]. والعاكف أهله. أي: ليس أحدهم أحق بالمنزل يكون فيه من الآخر، إلا أن يكون أحد سبق إلى منزل.
قال ابن زيد ومجاهد: ذلك مباح في بيوت مكة.
وروي أن الأبواب إنما عملت على بيوت مكة من السَّرَق، لأن الناس كانوا ينزلون أينما وجدوا. فعمل رجل باباً، فأرسل إليه عمر: اتخذت باباً من حجاج بيت الله؟ فقال: لا، إنما جعلته متحرز متاعهم. واختلف في الآية. فقيل: عُني بها المسجد الحرام خاصة. ليس أحد أولى به من غيره.
وقيل: عني بها مكة، ليس أحد أولى بمسكن فيها من غيره.
والمعنى: والمسجد الحرام. أي: ويصدون الناس عن دخول المسجد الحرام والصلاة فيه، والطواف بالبيت، وهو موضع يستوي فيه المقيم والطارئ، حقهم فيه واحد. وهذا يدل على أن المراد المسجد الحرام، دون بيت مكة، وهو ظاهر اللفظ. وقد ملك الناس دور مكة وتبايعوا من أول الإسلام إلى الآن وهم يتوارثونها من أول الإسلام. فظاهر لفظ الآية إنما يدل على أن العاكف والطارئ حقهما في المسجد سواء، لا فضل لأحدهما على الآخر.
وقد قال ابن عباس: ذلك في المسجد الحرام خاصة.
وعن مجاهد وعطاء: أن المعنى: أن أهل مكة والغريب بها، هما في حرمة الإسلام سواء، لا يمنع أحد من دخوله من المؤمنين، ولا يُضر أحد منه. وهذا القول يؤيده صدر الآية، لأنه تعالى إنما ذكر [صد] الكافرين المؤمنين عن المسجد الحرام ومنعهم منه. ثم أعلمنا آخر الآية أن أهله والغريب في حرمته سواء، لا يُمنع أحد منهم.
ومن قرأ "سواءُ" بالرفع، جعله مبتدأ. والعاكف فيه خبره. وإن شئت جعلت العاكف مبتدأ وسواء خبر مقدم. فتقف على "للناس"، على تقدير الوجهين. ويكون: "للناس"، في موضع المفعول الثاني، تقف على "للناس". ومن قرأ بالنصب، جعله مفعولاً ثانياً لـ "جعلنا" ويرتفع العاكف. والأحسن عند سيبويه في مثل هذا: الرفع، لأنه غير جار على الفعل. وقد قرئ "سواءً" بالنصب "العاكف" بالخفض، على أن يكون "سواء" مفعولاً ثانياً لـ "جعلناه" والعاكف والبادي بدلاً من الناس، أو نعتاً لهم.
* *
ثم قال: ﴿وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُّذِقْهُ﴾ فالباء في "بإلحاد" زائدة. قاله: الأخفش وأبو عبيدة. وقال الكوفيون: إنما دخلت الباء هنا، لأن معناه: ومن يرد فيه بأن يلحد. والباء تدخل وتحذف مع "أن" كثيراً ومنع المبرد، الزيادة في كتاب الله، والقول عنده: إن يرد. يدل على الإرادة. فيدخل الباء مع الفعل. على تقدير دخولها مع المصدر. فالتقدير عنده. ومن أراد به بأن يلحد، وهو ظالم. كما قال: أريد لأنْسَى ذِكْرَه. فكأنما تخيل لي ليلاً بكل سبيل. فأدخل اللام، على تقدير دخولها مع المصدر. أي: إرادتي لكذا.
قال ابن عباس: ﴿بِظُلْمٍ﴾ بشرك.
وقال مجاهد: "من يرد فيه غير الله" وقاله الحسن.
وقال قتادة: من أشرك في بيت الله، عذبه الله.
وعن ابن عباس: أن المعنى: من استحل من الحرام ما حرم الله، أذاقه الله العذاب المؤلم، مثل القتل ونحوه.
وقال مجاهد: معناه: من يعمل فيه عملاً [سيئاً].
وهذه الآية تدل على أن الإنسان يجب عليه العقاب بنيته لفعل الشر في الحرم. ألا ترى إلى قوله: ﴿وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُّذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ ولم يقل: من يفعل ذلك. وإنما ذكر العقوبة على الإرادة فقط، فهو ظاهر الآية، وذلك لعظيم حرمة الحرم وجلالة قدره، وكذلك يضاعف فيه الحسنات أكثر مما يضاعف في غيره.
وقال ابن عمر: ما من رجل يهم بسيئة فتكتب عليه، يعني: في غير الحرم وفي غير أهل الحرم، قال: ولو أن رجلاً بِعَدَن أبينَ همَّ بقتل رجل بهذا البيت إلا أذاقه الله من العذاب الأليم.
وقال الضحاك: إن الرجل ليهم بالخطيئة بمكة وهو في بلد آخر ولم يعملها فتكتب عليه.
وعن ابن عباس أيضاً أن المعنى: من يرد استحلاله متعمداً.
وقال حبيب بن أبي ثابت: "ومن يرد فيه بإلحاد بظلم"، هم: المحتكرون الطعام بمكة.
وروي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: احتكار الطعام بمكة إلحاد.
وقال مجاهد: بيع الطعام بمكة إلحاد، وليس الجالب كالمقيم.
وقال الضحاك: الإلحاد في هذا الموضع: الشرك.
وقال عطاء: هو عبادة غير الله.
وقيل: إنه كل ما كان منهياً عنه حتى قول الرجل: "لا والله وبلى والله".
وروى مجاهد أن ابن عمر كان له فسطاطان، أحدهما في الحل والآخر في الحرم فإذا أراد أن يعاتب أهله، عاتبهم في الحل. فسئل عن ذلك فقال: كنا نحدث أن من الإلحاد فيه أن يقول الرجل بمكة بلى والله، وكلا والله. وأصل الإلحاد، الميل عن القصد، ومنه سمي اللحد، ولو كان مستوياً لقيل ضريح.
ومنه قوله: ﴿وَذَرُواْ ٱلَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِيۤ أَسْمَآئِهِ﴾ [الأعراف: ١٨٠].
يقال: لحد وألحد بمعنى واحد.
وحكى الأحمر: ألحد إذا جادل ولحد إذا عدل ومال.
الحج 22:24
قوله: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يُدْخِلُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ﴾ إلى قوله: ﴿مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾.
أي: "يدخلهم بساتين تجري من تحت أشجارها الأنهار".
* *
﴿يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً﴾.
ومن قرأ بالنصب، فمعناه: ويحلون لؤلؤاً. ﴿وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ﴾ أي: ثياب من حرير.
* *
ثم قال: ﴿وَهُدُوۤاْ إِلَى ٱلطَّيِّبِ مِنَ ٱلْقَوْلِ وَهُدُوۤاْ إِلَىٰ صِرَاطِ﴾.
أي: هداهم ربهم في الدنيا إلى شهادة أن لا إله إلا الله.
وقال ابن زيد: هدوا إلى الكلام الطيب: لا إله إلا الله، والله أكبر، والحمد لله. وهو الذي قال جل ذكره: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ ٱلْكَلِمُ ٱلطَّيِّبُ وَٱلْعَمَلُ ٱلصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠].
وقال ابن عباس: هدوا: ألهموا.
وقيل: هدوا إلى قوله: الحمد لله الذي صدقنا وعده.
وقيل: معناه: هدوا إلى البشارات التي تأتيهم من عند الله، بما لهم من دوام النعم وبالسلام والتحية التي يبعثها الله إليهم مع الملائكة. كما قال: ﴿وَالمَلاَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِّن كُلِّ بَابٍ * سَلاَمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَىٰ ٱلدَّارِ﴾.
ومعنى: ﴿وَهُدُوۤاْ إِلَىٰ صِرَاطِ ٱلْحَمِيدِ﴾. أي: إذا صاروا إلى الآخرة، وهدوا إلى صراط الجنة وطريقها، فهو صراط الله عز وجل، يسلكه المؤمنون إلى الجنة ويعدل عنه الكافرون والمنافقون إلى طريق النار.
والحميد هو الله. بمعنى المحمود. أي: أن يحمد على نعمه، على عباده.
وقيل: معناه: وهدوا إلى صراط الحميد، أي: وهداهم ربهم في الدنيا إلى طريق الرب الحميد، وهو دين الإسلام. والحميد بمعنى المحمود عند أوليائه وخلقه. فحميد: فعيل بمعنى: مفعول. وصراط العزيز الحميد: الإسلام.
وقيل: "إن قوله: لا إله إلا هو" هدوا إلى ذلك في الدنيا.
* *
ثم قال: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ﴾.
أي: إن الذين جحدوا توحيد الله، وكذبوا رسله ومنعوا الناس الدخول في دين الله وصدوهم عن المسجد الحرام الذي جعله الله للناس المؤمنين كافة لم يخصص به بعض دون بعض، هلكوا. وهذا خبر أن، محذوف من الكلام.
وقيل: الخبر: يصدون. فالواو زائدة.
قال أبو إسحاق: الخبر: نذقه من عذاب أليم. وهذا غلط، لأنه جواب الشرط.
* *
ثم قال: ﴿سَوَآءً ٱلْعَاكِفُ فِيهِ وَٱلْبَادِ﴾.
أي: معتدل في النزول فيه، المقيم والبادي. فالبادي [المنتاب إليه من غيره]. والعاكف أهله. أي: ليس أحدهم أحق بالمنزل يكون فيه من الآخر، إلا أن يكون أحد سبق إلى منزل.
قال ابن زيد ومجاهد: ذلك مباح في بيوت مكة.
وروي أن الأبواب إنما عملت على بيوت مكة من السَّرَق، لأن الناس كانوا ينزلون أينما وجدوا. فعمل رجل باباً، فأرسل إليه عمر: اتخذت باباً من حجاج بيت الله؟ فقال: لا، إنما جعلته متحرز متاعهم. واختلف في الآية. فقيل: عُني بها المسجد الحرام خاصة. ليس أحد أولى به من غيره.
وقيل: عني بها مكة، ليس أحد أولى بمسكن فيها من غيره.
والمعنى: والمسجد الحرام. أي: ويصدون الناس عن دخول المسجد الحرام والصلاة فيه، والطواف بالبيت، وهو موضع يستوي فيه المقيم والطارئ، حقهم فيه واحد. وهذا يدل على أن المراد المسجد الحرام، دون بيت مكة، وهو ظاهر اللفظ. وقد ملك الناس دور مكة وتبايعوا من أول الإسلام إلى الآن وهم يتوارثونها من أول الإسلام. فظاهر لفظ الآية إنما يدل على أن العاكف والطارئ حقهما في المسجد سواء، لا فضل لأحدهما على الآخر.
وقد قال ابن عباس: ذلك في المسجد الحرام خاصة.
وعن مجاهد وعطاء: أن المعنى: أن أهل مكة والغريب بها، هما في حرمة الإسلام سواء، لا يمنع أحد من دخوله من المؤمنين، ولا يُضر أحد منه. وهذا القول يؤيده صدر الآية، لأنه تعالى إنما ذكر [صد] الكافرين المؤمنين عن المسجد الحرام ومنعهم منه. ثم أعلمنا آخر الآية أن أهله والغريب في حرمته سواء، لا يُمنع أحد منهم.
ومن قرأ "سواءُ" بالرفع، جعله مبتدأ. والعاكف فيه خبره. وإن شئت جعلت العاكف مبتدأ وسواء خبر مقدم. فتقف على "للناس"، على تقدير الوجهين. ويكون: "للناس"، في موضع المفعول الثاني، تقف على "للناس". ومن قرأ بالنصب، جعله مفعولاً ثانياً لـ "جعلنا" ويرتفع العاكف. والأحسن عند سيبويه في مثل هذا: الرفع، لأنه غير جار على الفعل. وقد قرئ "سواءً" بالنصب "العاكف" بالخفض، على أن يكون "سواء" مفعولاً ثانياً لـ "جعلناه" والعاكف والبادي بدلاً من الناس، أو نعتاً لهم.
* *
ثم قال: ﴿وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُّذِقْهُ﴾ فالباء في "بإلحاد" زائدة. قاله: الأخفش وأبو عبيدة. وقال الكوفيون: إنما دخلت الباء هنا، لأن معناه: ومن يرد فيه بأن يلحد. والباء تدخل وتحذف مع "أن" كثيراً ومنع المبرد، الزيادة في كتاب الله، والقول عنده: إن يرد. يدل على الإرادة. فيدخل الباء مع الفعل. على تقدير دخولها مع المصدر. فالتقدير عنده. ومن أراد به بأن يلحد، وهو ظالم. كما قال: أريد لأنْسَى ذِكْرَه. فكأنما تخيل لي ليلاً بكل سبيل. فأدخل اللام، على تقدير دخولها مع المصدر. أي: إرادتي لكذا.
قال ابن عباس: ﴿بِظُلْمٍ﴾ بشرك.
وقال مجاهد: "من يرد فيه غير الله" وقاله الحسن.
وقال قتادة: من أشرك في بيت الله، عذبه الله.
وعن ابن عباس: أن المعنى: من استحل من الحرام ما حرم الله، أذاقه الله العذاب المؤلم، مثل القتل ونحوه.
وقال مجاهد: معناه: من يعمل فيه عملاً [سيئاً].
وهذه الآية تدل على أن الإنسان يجب عليه العقاب بنيته لفعل الشر في الحرم. ألا ترى إلى قوله: ﴿وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُّذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ ولم يقل: من يفعل ذلك. وإنما ذكر العقوبة على الإرادة فقط، فهو ظاهر الآية، وذلك لعظيم حرمة الحرم وجلالة قدره، وكذلك يضاعف فيه الحسنات أكثر مما يضاعف في غيره.
وقال ابن عمر: ما من رجل يهم بسيئة فتكتب عليه، يعني: في غير الحرم وفي غير أهل الحرم، قال: ولو أن رجلاً بِعَدَن أبينَ همَّ بقتل رجل بهذا البيت إلا أذاقه الله من العذاب الأليم.
وقال الضحاك: إن الرجل ليهم بالخطيئة بمكة وهو في بلد آخر ولم يعملها فتكتب عليه.
وعن ابن عباس أيضاً أن المعنى: من يرد استحلاله متعمداً.
وقال حبيب بن أبي ثابت: "ومن يرد فيه بإلحاد بظلم"، هم: المحتكرون الطعام بمكة.
وروي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: احتكار الطعام بمكة إلحاد.
وقال مجاهد: بيع الطعام بمكة إلحاد، وليس الجالب كالمقيم.
وقال الضحاك: الإلحاد في هذا الموضع: الشرك.
وقال عطاء: هو عبادة غير الله.
وقيل: إنه كل ما كان منهياً عنه حتى قول الرجل: "لا والله وبلى والله".
وروى مجاهد أن ابن عمر كان له فسطاطان، أحدهما في الحل والآخر في الحرم فإذا أراد أن يعاتب أهله، عاتبهم في الحل. فسئل عن ذلك فقال: كنا نحدث أن من الإلحاد فيه أن يقول الرجل بمكة بلى والله، وكلا والله. وأصل الإلحاد، الميل عن القصد، ومنه سمي اللحد، ولو كان مستوياً لقيل ضريح.
ومنه قوله: ﴿وَذَرُواْ ٱلَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِيۤ أَسْمَآئِهِ﴾ [الأعراف: ١٨٠].
يقال: لحد وألحد بمعنى واحد.
وحكى الأحمر: ألحد إذا جادل ولحد إذا عدل ومال.
الحج 22:25
قوله: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يُدْخِلُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ﴾ إلى قوله: ﴿مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾.
أي: "يدخلهم بساتين تجري من تحت أشجارها الأنهار".
* *
﴿يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً﴾.
ومن قرأ بالنصب، فمعناه: ويحلون لؤلؤاً. ﴿وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ﴾ أي: ثياب من حرير.
* *
ثم قال: ﴿وَهُدُوۤاْ إِلَى ٱلطَّيِّبِ مِنَ ٱلْقَوْلِ وَهُدُوۤاْ إِلَىٰ صِرَاطِ﴾.
أي: هداهم ربهم في الدنيا إلى شهادة أن لا إله إلا الله.
وقال ابن زيد: هدوا إلى الكلام الطيب: لا إله إلا الله، والله أكبر، والحمد لله. وهو الذي قال جل ذكره: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ ٱلْكَلِمُ ٱلطَّيِّبُ وَٱلْعَمَلُ ٱلصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠].
وقال ابن عباس: هدوا: ألهموا.
وقيل: هدوا إلى قوله: الحمد لله الذي صدقنا وعده.
وقيل: معناه: هدوا إلى البشارات التي تأتيهم من عند الله، بما لهم من دوام النعم وبالسلام والتحية التي يبعثها الله إليهم مع الملائكة. كما قال: ﴿وَالمَلاَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِّن كُلِّ بَابٍ * سَلاَمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَىٰ ٱلدَّارِ﴾.
ومعنى: ﴿وَهُدُوۤاْ إِلَىٰ صِرَاطِ ٱلْحَمِيدِ﴾. أي: إذا صاروا إلى الآخرة، وهدوا إلى صراط الجنة وطريقها، فهو صراط الله عز وجل، يسلكه المؤمنون إلى الجنة ويعدل عنه الكافرون والمنافقون إلى طريق النار.
والحميد هو الله. بمعنى المحمود. أي: أن يحمد على نعمه، على عباده.
وقيل: معناه: وهدوا إلى صراط الحميد، أي: وهداهم ربهم في الدنيا إلى طريق الرب الحميد، وهو دين الإسلام. والحميد بمعنى المحمود عند أوليائه وخلقه. فحميد: فعيل بمعنى: مفعول. وصراط العزيز الحميد: الإسلام.
وقيل: "إن قوله: لا إله إلا هو" هدوا إلى ذلك في الدنيا.
* *
ثم قال: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ﴾.
أي: إن الذين جحدوا توحيد الله، وكذبوا رسله ومنعوا الناس الدخول في دين الله وصدوهم عن المسجد الحرام الذي جعله الله للناس المؤمنين كافة لم يخصص به بعض دون بعض، هلكوا. وهذا خبر أن، محذوف من الكلام.
وقيل: الخبر: يصدون. فالواو زائدة.
قال أبو إسحاق: الخبر: نذقه من عذاب أليم. وهذا غلط، لأنه جواب الشرط.
* *
ثم قال: ﴿سَوَآءً ٱلْعَاكِفُ فِيهِ وَٱلْبَادِ﴾.
أي: معتدل في النزول فيه، المقيم والبادي. فالبادي [المنتاب إليه من غيره]. والعاكف أهله. أي: ليس أحدهم أحق بالمنزل يكون فيه من الآخر، إلا أن يكون أحد سبق إلى منزل.
قال ابن زيد ومجاهد: ذلك مباح في بيوت مكة.
وروي أن الأبواب إنما عملت على بيوت مكة من السَّرَق، لأن الناس كانوا ينزلون أينما وجدوا. فعمل رجل باباً، فأرسل إليه عمر: اتخذت باباً من حجاج بيت الله؟ فقال: لا، إنما جعلته متحرز متاعهم. واختلف في الآية. فقيل: عُني بها المسجد الحرام خاصة. ليس أحد أولى به من غيره.
وقيل: عني بها مكة، ليس أحد أولى بمسكن فيها من غيره.
والمعنى: والمسجد الحرام. أي: ويصدون الناس عن دخول المسجد الحرام والصلاة فيه، والطواف بالبيت، وهو موضع يستوي فيه المقيم والطارئ، حقهم فيه واحد. وهذا يدل على أن المراد المسجد الحرام، دون بيت مكة، وهو ظاهر اللفظ. وقد ملك الناس دور مكة وتبايعوا من أول الإسلام إلى الآن وهم يتوارثونها من أول الإسلام. فظاهر لفظ الآية إنما يدل على أن العاكف والطارئ حقهما في المسجد سواء، لا فضل لأحدهما على الآخر.
وقد قال ابن عباس: ذلك في المسجد الحرام خاصة.
وعن مجاهد وعطاء: أن المعنى: أن أهل مكة والغريب بها، هما في حرمة الإسلام سواء، لا يمنع أحد من دخوله من المؤمنين، ولا يُضر أحد منه. وهذا القول يؤيده صدر الآية، لأنه تعالى إنما ذكر [صد] الكافرين المؤمنين عن المسجد الحرام ومنعهم منه. ثم أعلمنا آخر الآية أن أهله والغريب في حرمته سواء، لا يُمنع أحد منهم.
ومن قرأ "سواءُ" بالرفع، جعله مبتدأ. والعاكف فيه خبره. وإن شئت جعلت العاكف مبتدأ وسواء خبر مقدم. فتقف على "للناس"، على تقدير الوجهين. ويكون: "للناس"، في موضع المفعول الثاني، تقف على "للناس". ومن قرأ بالنصب، جعله مفعولاً ثانياً لـ "جعلنا" ويرتفع العاكف. والأحسن عند سيبويه في مثل هذا: الرفع، لأنه غير جار على الفعل. وقد قرئ "سواءً" بالنصب "العاكف" بالخفض، على أن يكون "سواء" مفعولاً ثانياً لـ "جعلناه" والعاكف والبادي بدلاً من الناس، أو نعتاً لهم.
* *
ثم قال: ﴿وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُّذِقْهُ﴾ فالباء في "بإلحاد" زائدة. قاله: الأخفش وأبو عبيدة. وقال الكوفيون: إنما دخلت الباء هنا، لأن معناه: ومن يرد فيه بأن يلحد. والباء تدخل وتحذف مع "أن" كثيراً ومنع المبرد، الزيادة في كتاب الله، والقول عنده: إن يرد. يدل على الإرادة. فيدخل الباء مع الفعل. على تقدير دخولها مع المصدر. فالتقدير عنده. ومن أراد به بأن يلحد، وهو ظالم. كما قال: أريد لأنْسَى ذِكْرَه. فكأنما تخيل لي ليلاً بكل سبيل. فأدخل اللام، على تقدير دخولها مع المصدر. أي: إرادتي لكذا.
قال ابن عباس: ﴿بِظُلْمٍ﴾ بشرك.
وقال مجاهد: "من يرد فيه غير الله" وقاله الحسن.
وقال قتادة: من أشرك في بيت الله، عذبه الله.
وعن ابن عباس: أن المعنى: من استحل من الحرام ما حرم الله، أذاقه الله العذاب المؤلم، مثل القتل ونحوه.
وقال مجاهد: معناه: من يعمل فيه عملاً [سيئاً].
وهذه الآية تدل على أن الإنسان يجب عليه العقاب بنيته لفعل الشر في الحرم. ألا ترى إلى قوله: ﴿وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُّذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ ولم يقل: من يفعل ذلك. وإنما ذكر العقوبة على الإرادة فقط، فهو ظاهر الآية، وذلك لعظيم حرمة الحرم وجلالة قدره، وكذلك يضاعف فيه الحسنات أكثر مما يضاعف في غيره.
وقال ابن عمر: ما من رجل يهم بسيئة فتكتب عليه، يعني: في غير الحرم وفي غير أهل الحرم، قال: ولو أن رجلاً بِعَدَن أبينَ همَّ بقتل رجل بهذا البيت إلا أذاقه الله من العذاب الأليم.
وقال الضحاك: إن الرجل ليهم بالخطيئة بمكة وهو في بلد آخر ولم يعملها فتكتب عليه.
وعن ابن عباس أيضاً أن المعنى: من يرد استحلاله متعمداً.
وقال حبيب بن أبي ثابت: "ومن يرد فيه بإلحاد بظلم"، هم: المحتكرون الطعام بمكة.
وروي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: احتكار الطعام بمكة إلحاد.
وقال مجاهد: بيع الطعام بمكة إلحاد، وليس الجالب كالمقيم.
وقال الضحاك: الإلحاد في هذا الموضع: الشرك.
وقال عطاء: هو عبادة غير الله.
وقيل: إنه كل ما كان منهياً عنه حتى قول الرجل: "لا والله وبلى والله".
وروى مجاهد أن ابن عمر كان له فسطاطان، أحدهما في الحل والآخر في الحرم فإذا أراد أن يعاتب أهله، عاتبهم في الحل. فسئل عن ذلك فقال: كنا نحدث أن من الإلحاد فيه أن يقول الرجل بمكة بلى والله، وكلا والله. وأصل الإلحاد، الميل عن القصد، ومنه سمي اللحد، ولو كان مستوياً لقيل ضريح.
ومنه قوله: ﴿وَذَرُواْ ٱلَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِيۤ أَسْمَآئِهِ﴾ [الأعراف: ١٨٠].
يقال: لحد وألحد بمعنى واحد.
وحكى الأحمر: ألحد إذا جادل ولحد إذا عدل ومال.
الحج 22:26
قوله تعالى ذكره: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ ٱلْبَيْتِ﴾. إلى قوله: ﴿مِن كُلِّ فَجٍّ عَميِقٍ﴾.
أي: واذكر يا محمد إذ وطأنا لإبراهيم ومكنا له مكان البيت. وبوأ تتعدى إلى مفعولين، ولكن دخلت اللام في إبراهيم حملاً على معنى: جعلنا لإبراهيم.
وقيل: اللام متعلقة بالمصدر، أي: واذكر تبويئنا لإبراهيم.
وقال الفراء: اللام زائدة مثل ﴿رَدِفَ لَكُم﴾ [النمل: ٧٢].
* *
وقوله: ﴿أَن لاَّ تُشْرِكْ بِي﴾ "أن" بمعنى: أي.
وقيل: التقدير: بأن لا تشرك.
وقيل: أن زائدة. مثل ﴿فَلَمَّآ أَن جَآءَ ٱلْبَشِيرُ﴾ [يوسف: ٩٦].
فالتقدير: واذكر يا محمد نعم الله على قومك وحسن بلائه عندهم، وهم يعبدون غيره، فمما يجب أن يذكر إذ مكنا لأبيك إبراهيم مكان البيت.
قال قتادة: وضع الله البيت مع آدم حين اهبط إلى الأرض، وكان مهبطه بأرض الهند، وكان رأسه في السماء، ورجلاه في الأرض، فكانت الملائكة تهابه فنقض إلى ستين ذراعاً. وإن آدم إذ فقد أصوات الملائكة وتسبيحهم، شكا ذلك إلى الله فقال الله عز وجل: يا آدم، إني قد أهبطت لك بيتاً يطاف به كما يطاف حول عرشي ويصلى عنده كما يصلى عند العرش فانطلق إليه. فخرج آدم ومد له في خطوه فكان بين كل خطوتين مفازة، فلم تزل تلك المفاوز على ذلك، فأتى آدم البيت، فطاف به ومن بعده من الأنبياء.
وقال السدي: لما عهد الله إلى إبراهيم وإسماعيل "أن طهرا بيتي للطائفين" انطلق إبراهيم حتى أتى مكة، فقام هو وإسماعيل، فأخذا المعاول لا يدريان أين البيت، فبعث الله ريحاً يقال لها الخجوج، لها جناحان ورأس في صورة حية، فكنست لهما ما حول الكعبة عن أساس البيت الأول، واتبعاها بالمعاول يحفران حتى وضعا الأساس، فذلك حين يقول: "وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت".
وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: أقبل إبراهيم من أرمينية ومعه السكينة تدله على البيت حتى تبوأ البيت كما تبوأ العنكبوت بيتاً وكان يحمل الحجر من الحجارة يطيقه ولا يطيقه ثلاثون رجلاً.
وقال كعب الأحبار: كان البيت غثاءة على الماء قبل أن يخلق الله الأرض بأربعين سنة. ومنه دحيت الأرض.
وقوله تعالى: ﴿أَن لاَّ تُشْرِكْ بِي شَيْئاً﴾ أي: عهدنا إليه ألا يشرك في عبادة الله .
﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّآئِفِينَ﴾ أي: طهره من عبادة الأوثان.
قال مجاهد: طهره من الشرك.
وقال عبيد بن عمير: من الآفات والريب.
وقال قتادة: من الشرك وعبادة الأوثان.
وقيل: طهراه من ذبائح المشركين، وما كانوا يطرحون حوله من الدماء والفرث والأقذار، وكانوا يطرحون ذلك حول البيت.
وقيل: معناه: طهراه من دخول المشركين إياه، ومن إظهار شركهم فيه. فأمرهما بتطهير البيت من جميع ذلك لمن يطوف ويقوم بأمره من المؤمنين، ولمن يصلي بحضرته "والطائفون" الذين يطوفون به، "والقائمون" المصلون قياماً. "والركع السجود"، يعني في صلاتهم حول البيت.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَأَذِّن فِي ٱلنَّاسِ بِٱلْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً﴾.
أي: وناد يا إبراهيم في الناس بالحج يأتوك رجالاً وركباناً. ورجال: جمع راجل، كقائم وقيام.
* *
وقوله: ﴿وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٍ﴾.
أي: ويأتوك على كل بعير ضامر قد أضمره بعد المسافة من كل فج عميق. والضامر: المهزول.
وقال: "يأتين" يريد به النوق. ولو قلت في الكلام: مررت بكل رجل قائمين، حسن. فكان "ضامراً" في موضع ضوامر ولكن وحد، لأن "كل" تدل على العموم. والعموم والجمع متقاربان.
وروي أن إبراهيم ﷺ لما أمره الله تعالى بالتأذين بالحج، قام على مقامه، فنادى: يا أيها الناس، إن الله كتب عليكم الحج فحجوا بيته العتيق.
وقال ابن عباس: لما فرغ إبراهيم من بناء البيت، قيل له: أذن في الناس بالحج. قال: يا رب، وما.
وعن ابن عباس أيضاً ومجاهد: أن إبراهيم لما نادى: أيها الناس، كتب عليكم الحج أسمع من في أصلاب الرجال، وأرحام النساء، فأجابه من آمن ممن سبق في علم الله أن يحج إلى يوم القيامة: لبيك اللهم لبيك.
وعن ابن عباس أيضاً أنه قال: إن إبراهيم لما أمر أن يؤذن في الناس بالحج، خفضت له الجبال رؤوسها ورفعت القرى فأذن في الناس. قال ابن عباس عنى بالناس هنا أهل القبلة ألم تسمعه قال: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً وَهُدًى﴾ [آل عمران: ٩٦].
* *
ثم قال: ﴿وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً﴾ [آل عمران: ٩٧] يقول: ومن دخله من الناس الذين أمر إبراهيم أن يؤذن فيهم فكتب عليهم الحج.
قال ابن عباس: ﴿يَأْتُوكَ رِجَالاً﴾ أي: مشاة. قال: وما آسى على شيء، فإني آسى ألا أكون حججت ماشياً، سمعت الله تعالى يقول: يأتوك رجالاً.
وقال مجاهد: حج إبراهيم وإسماعيل ماشيين.
وقال ابن عباس: ﴿وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٍ﴾: الإبل.
قال مجاهد: كانوا لا يركبون، فأنزل الله تعالى ذكره: "وعلى كل ضامر" فأمرهم بالزاد ورخص لهم في الركوب.
* *
وقوله: ﴿مِن كُلِّ فَجٍّ عَميِقٍ﴾.
قال ابن عباس وقتادة: من كل مكان بعيد.
والظاهر في هذه الآية والخطاب - عليه أكثر المفسرين - أن هذا كله خطاب لإبراهيم، كان ومضى، أخبرنا الله به.
وقيل: إن قوله تعالى: ﴿أَن لاَّ تُشْرِكْ بِي شَيْئاً﴾ ... - إلى - ﴿وَٱلرُّكَّعِ ٱلسُّجُودِ﴾ مخاطبة لإبراهيم، وقوله: "وأذن في الناس وما بعده، خطاب للنبي ﷺ. أي أعلمهم أن الحج فرض عليهم، فيقف القاري على هذا القول، على "السجود" ويبتدئ "وأذن".
وقيل: إن قوله: ﴿أَن لاَّ تُشْرِكْ بِي شَيْئاً﴾ وما بعده، خطاب للنبي عليه السلام كله، لأن القرآن عليه نزل، وهو المخاطب به، ولا يخرج عن مخاطبته إلى مخاطبة غيره إلا بتوقيف أو دليل قاطع. وأيضاً فِإن "أن لا تشرك بي" خطاب لشاهد، وإبراهيم غائب، ومحمد ﷺ، هو الشاهد الحاضر في وقت نزول القرآن، فيكون المعنى: وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت، فجعلنا ذلك من الدلائل على توحيد الله، وعلى أن إبراهيم كان يعبد الله وحده، فلا تشرك بي شيئاً، وطهر بيتي للطائفين والقائمين والركع السجود، وأذن في الناس بالحج: أي: أعلمهم أنه فرض عليهم.
وقيل: أعلمهم أنك تحج حجة الوداع ليحجوا معك فيكون الوقف على هذا التأويل "مكان البيت" ويبتدئ في مخاطبة النبي عليه السلام "أن لا تشرك" أي وعهدنا إليك ألا تشرك بي شيئاً.
ومن جعله كله خطاباً لإبراهيم، وقف على ﴿كُلِّ ضَامِرٍ﴾ على أن يقطع "يأتين" مما قبله. قاله: نافع والأخفش ويعقوب، وغيرهم.
والعمق: "في اللغة: البعد. ومنه بنو عميقة أي: بعيدة.
وقرأ عكرمة: يأتوك رجالاً، جعله جمع راجل، أيضاً مثل راكب وركاب. ويقال أيضاً: راجل، ورجله، وراجل، ورجالة.
الحج 22:27
قوله تعالى ذكره: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ ٱلْبَيْتِ﴾. إلى قوله: ﴿مِن كُلِّ فَجٍّ عَميِقٍ﴾.
أي: واذكر يا محمد إذ وطأنا لإبراهيم ومكنا له مكان البيت. وبوأ تتعدى إلى مفعولين، ولكن دخلت اللام في إبراهيم حملاً على معنى: جعلنا لإبراهيم.
وقيل: اللام متعلقة بالمصدر، أي: واذكر تبويئنا لإبراهيم.
وقال الفراء: اللام زائدة مثل ﴿رَدِفَ لَكُم﴾ [النمل: ٧٢].
* *
وقوله: ﴿أَن لاَّ تُشْرِكْ بِي﴾ "أن" بمعنى: أي.
وقيل: التقدير: بأن لا تشرك.
وقيل: أن زائدة. مثل ﴿فَلَمَّآ أَن جَآءَ ٱلْبَشِيرُ﴾ [يوسف: ٩٦].
فالتقدير: واذكر يا محمد نعم الله على قومك وحسن بلائه عندهم، وهم يعبدون غيره، فمما يجب أن يذكر إذ مكنا لأبيك إبراهيم مكان البيت.
قال قتادة: وضع الله البيت مع آدم حين اهبط إلى الأرض، وكان مهبطه بأرض الهند، وكان رأسه في السماء، ورجلاه في الأرض، فكانت الملائكة تهابه فنقض إلى ستين ذراعاً. وإن آدم إذ فقد أصوات الملائكة وتسبيحهم، شكا ذلك إلى الله فقال الله عز وجل: يا آدم، إني قد أهبطت لك بيتاً يطاف به كما يطاف حول عرشي ويصلى عنده كما يصلى عند العرش فانطلق إليه. فخرج آدم ومد له في خطوه فكان بين كل خطوتين مفازة، فلم تزل تلك المفاوز على ذلك، فأتى آدم البيت، فطاف به ومن بعده من الأنبياء.
وقال السدي: لما عهد الله إلى إبراهيم وإسماعيل "أن طهرا بيتي للطائفين" انطلق إبراهيم حتى أتى مكة، فقام هو وإسماعيل، فأخذا المعاول لا يدريان أين البيت، فبعث الله ريحاً يقال لها الخجوج، لها جناحان ورأس في صورة حية، فكنست لهما ما حول الكعبة عن أساس البيت الأول، واتبعاها بالمعاول يحفران حتى وضعا الأساس، فذلك حين يقول: "وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت".
وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: أقبل إبراهيم من أرمينية ومعه السكينة تدله على البيت حتى تبوأ البيت كما تبوأ العنكبوت بيتاً وكان يحمل الحجر من الحجارة يطيقه ولا يطيقه ثلاثون رجلاً.
وقال كعب الأحبار: كان البيت غثاءة على الماء قبل أن يخلق الله الأرض بأربعين سنة. ومنه دحيت الأرض.
وقوله تعالى: ﴿أَن لاَّ تُشْرِكْ بِي شَيْئاً﴾ أي: عهدنا إليه ألا يشرك في عبادة الله .
﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّآئِفِينَ﴾ أي: طهره من عبادة الأوثان.
قال مجاهد: طهره من الشرك.
وقال عبيد بن عمير: من الآفات والريب.
وقال قتادة: من الشرك وعبادة الأوثان.
وقيل: طهراه من ذبائح المشركين، وما كانوا يطرحون حوله من الدماء والفرث والأقذار، وكانوا يطرحون ذلك حول البيت.
وقيل: معناه: طهراه من دخول المشركين إياه، ومن إظهار شركهم فيه. فأمرهما بتطهير البيت من جميع ذلك لمن يطوف ويقوم بأمره من المؤمنين، ولمن يصلي بحضرته "والطائفون" الذين يطوفون به، "والقائمون" المصلون قياماً. "والركع السجود"، يعني في صلاتهم حول البيت.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَأَذِّن فِي ٱلنَّاسِ بِٱلْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً﴾.
أي: وناد يا إبراهيم في الناس بالحج يأتوك رجالاً وركباناً. ورجال: جمع راجل، كقائم وقيام.
* *
وقوله: ﴿وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٍ﴾.
أي: ويأتوك على كل بعير ضامر قد أضمره بعد المسافة من كل فج عميق. والضامر: المهزول.
وقال: "يأتين" يريد به النوق. ولو قلت في الكلام: مررت بكل رجل قائمين، حسن. فكان "ضامراً" في موضع ضوامر ولكن وحد، لأن "كل" تدل على العموم. والعموم والجمع متقاربان.
وروي أن إبراهيم ﷺ لما أمره الله تعالى بالتأذين بالحج، قام على مقامه، فنادى: يا أيها الناس، إن الله كتب عليكم الحج فحجوا بيته العتيق.
وقال ابن عباس: لما فرغ إبراهيم من بناء البيت، قيل له: أذن في الناس بالحج. قال: يا رب، وما.
وعن ابن عباس أيضاً ومجاهد: أن إبراهيم لما نادى: أيها الناس، كتب عليكم الحج أسمع من في أصلاب الرجال، وأرحام النساء، فأجابه من آمن ممن سبق في علم الله أن يحج إلى يوم القيامة: لبيك اللهم لبيك.
وعن ابن عباس أيضاً أنه قال: إن إبراهيم لما أمر أن يؤذن في الناس بالحج، خفضت له الجبال رؤوسها ورفعت القرى فأذن في الناس. قال ابن عباس عنى بالناس هنا أهل القبلة ألم تسمعه قال: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً وَهُدًى﴾ [آل عمران: ٩٦].
* *
ثم قال: ﴿وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً﴾ [آل عمران: ٩٧] يقول: ومن دخله من الناس الذين أمر إبراهيم أن يؤذن فيهم فكتب عليهم الحج.
قال ابن عباس: ﴿يَأْتُوكَ رِجَالاً﴾ أي: مشاة. قال: وما آسى على شيء، فإني آسى ألا أكون حججت ماشياً، سمعت الله تعالى يقول: يأتوك رجالاً.
وقال مجاهد: حج إبراهيم وإسماعيل ماشيين.
وقال ابن عباس: ﴿وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٍ﴾: الإبل.
قال مجاهد: كانوا لا يركبون، فأنزل الله تعالى ذكره: "وعلى كل ضامر" فأمرهم بالزاد ورخص لهم في الركوب.
* *
وقوله: ﴿مِن كُلِّ فَجٍّ عَميِقٍ﴾.
قال ابن عباس وقتادة: من كل مكان بعيد.
والظاهر في هذه الآية والخطاب - عليه أكثر المفسرين - أن هذا كله خطاب لإبراهيم، كان ومضى، أخبرنا الله به.
وقيل: إن قوله تعالى: ﴿أَن لاَّ تُشْرِكْ بِي شَيْئاً﴾ ... - إلى - ﴿وَٱلرُّكَّعِ ٱلسُّجُودِ﴾ مخاطبة لإبراهيم، وقوله: "وأذن في الناس وما بعده، خطاب للنبي ﷺ. أي أعلمهم أن الحج فرض عليهم، فيقف القاري على هذا القول، على "السجود" ويبتدئ "وأذن".
وقيل: إن قوله: ﴿أَن لاَّ تُشْرِكْ بِي شَيْئاً﴾ وما بعده، خطاب للنبي عليه السلام كله، لأن القرآن عليه نزل، وهو المخاطب به، ولا يخرج عن مخاطبته إلى مخاطبة غيره إلا بتوقيف أو دليل قاطع. وأيضاً فِإن "أن لا تشرك بي" خطاب لشاهد، وإبراهيم غائب، ومحمد ﷺ، هو الشاهد الحاضر في وقت نزول القرآن، فيكون المعنى: وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت، فجعلنا ذلك من الدلائل على توحيد الله، وعلى أن إبراهيم كان يعبد الله وحده، فلا تشرك بي شيئاً، وطهر بيتي للطائفين والقائمين والركع السجود، وأذن في الناس بالحج: أي: أعلمهم أنه فرض عليهم.
وقيل: أعلمهم أنك تحج حجة الوداع ليحجوا معك فيكون الوقف على هذا التأويل "مكان البيت" ويبتدئ في مخاطبة النبي عليه السلام "أن لا تشرك" أي وعهدنا إليك ألا تشرك بي شيئاً.
ومن جعله كله خطاباً لإبراهيم، وقف على ﴿كُلِّ ضَامِرٍ﴾ على أن يقطع "يأتين" مما قبله. قاله: نافع والأخفش ويعقوب، وغيرهم.
والعمق: "في اللغة: البعد. ومنه بنو عميقة أي: بعيدة.
وقرأ عكرمة: يأتوك رجالاً، جعله جمع راجل، أيضاً مثل راكب وركاب. ويقال أيضاً: راجل، ورجله، وراجل، ورجالة.
الحج 22:28
قوله تعالى: ﴿لِّيَشْهَدُواْ مَنَافِعَ لَهُمْ﴾ إلى قوله: ﴿ٱلْبَآئِسَ ٱلْفَقِيرَ﴾.
أي: يأتون ليشهدوا منافع لهم: وهي التجارات في الأسواق والمواسم، قاله: ابن عباس وابن جبير.
وقال مجاهد: هي منافع في الآخرة، ومنافع في الدنيا، الأجر والربح.
وقيل: هو المغفرة فقط.
* *
ثم قال: ﴿وَيَذْكُرُواْ ٱسْمَ ٱللَّهِ فِيۤ أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَىٰ مَا رَزَقَهُمْ مِّن بَهِيمَةِ ٱلأَنْعَامِ﴾ يعني: الهدايا التي أهدوا من الإبل والبقر والغنم.
قال علي بن أبي طالب: الأيام المعلومات: يوم النحر، ويومان بعده، إذبح في أيها شئت، وأفضلها أولها، وهو قول: ابن عمر، وأهل المدينة.
وقال ابن عباس: المعلومات: العشر، يوم النحر منها، والأيام المعدودات: أيام التشريق إلى آخر النفر. وهو قول: عطاء ومجاهد والنجعي والضحاك، وهو قول: الكوفيين.
وقال القتبي: المعلومات: عشر ذي الحجة. والمعدودات يوم التروية ويوم عرفة ويوم الزينة.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَكُلُواْ مِنْهَا﴾ أي: فكلوا من بهائم الأنعام التي ذكر اسم الله عليها هنالك. وهذه إباحة لا إيجاب. واستحب مالك والليث أن يأكل الرجل من أضحيته لقوله: ﴿فَكُلُواْ مِنْهَا﴾.
وقال الزهري: من السنة أن يأكل أولاً من الكبد.
قال بعض العلماء: ذبح الضحايا ناسخ لكل ذبح كان قبله.
وقيل: قوله: "فكلوا منها" ناسخ لفعل المشركين، لأنهم كانوا يحرمون لحوم الضحايا على أنفسهم.
واختار جماعة من الصحابة، وغيرهم من التابعين أن يتصدق الرجل بالثلث ويطعم الثلث، ويأكل هو وأهله الثلث.
ومذهب علي بن أبي طالب وابن عمر أن لا يذخر من الضحايا شيئاً من بعد ثلاث، وروي ذلك عن النبي ﷺ.
وقال جماعة من العلماء والصحابة: يذخر منها بعد ثلاث، ورووا: أن الحديث منسوخ بالإذخار، وأن النبي عليه السلام قال: إنما أمرتكم ألا تذخروا من أجل الدافة التي دفت عليكم روته عائشة رضي الله عنها. والدافة: الجماعة.
وقال الحسن البصري: العقيقة واجبة، وهي عند مالك وأكثر العلماء مثل الضحية، منذوب إليها.
وقال أبو حنيفة: الضحية واجبة على كل من وجد إليها سبيلاً، وعلى الرجل أن يضحي عن ولده، والجماعة على خلافه لأن الله تعالى لم يوجبها في كتابه، ولا أوجبها رسوله، ولا اجتمعت الأمة على ذلك.
* *
وقوله: ﴿وَأَطْعِمُواْ ٱلْبَآئِسَ ٱلْفَقِيرَ﴾ يعني: الزمن المقتر.
وقال مجاهد: هو الذي يمد إليك يده.
وقال عكرمة: البائس: المضطر الذي عليه البؤس، والفقير: المتعفف.
والبائس عند أهل اللغة: الذي عليه البؤس من شدة الفقر.
وقيل: البائس الذي يتبين عليه اثر البؤس والضر.
الحج 22:29
قوله تعالى ذكره: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُواْ تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُواْ نُذُورَهُمْ﴾. إلى قوله: ﴿مَحِلُّهَآ إِلَىٰ ٱلْبَيْتِ ٱلْعَتِيقِ﴾ .
قال ابن عباس: التفث: الحلق والتقصير والرمي والذبح والأخذ من الشارب واللحية ونتف الإبط وقص الأظفار. وهو الخروج من الإحرام إلى الحل.
وقال ابن عمر: التفث: ما عليهم من الحج.
وعنه أيضاً: التفث: المناسك كلها.
وعن ابن عباس: التفث: حلق الرأس والأخذ من الشارب، ونتف الإبط وحلق العانة وقص الأظفار والأخذ من العارضين، ورمي الجمار، والموقف بعرفة والمزدلفة ومثله عن قتادة وابن جريج.
* *
وقوله: ﴿وَلْيُوفُواْ نُذُورَهُمْ﴾ يعني: ما نذروا من البدن.
وقال مجاهد: هو نذر الحج والهدي وما نذره الإنسان من شيء يكون في الحج.
ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَلْيَطَّوَّفُواْ بِٱلْبَيْتِ ٱلْعَتِيقِ﴾.
يعني: بيت الله الذي هو مكة، سمي عتيقاً لأن الله أعتقه من الجبابرة أن يصلوا إلى تخريبه وهدمه، قاله: قتادة ومجاهد وابن أبي نجيح وهو مروي عن النبي عليه السلام.
وقال ابن جبير: إنما سمي بالعتيق لأنه أعتق من الغرق [في] زمان الطوفان.
وعن مجاهد: أنه إنما سمي عتيقاً لأنه لم يملكه أحد من الناس.
وقال ابن زيد: "سمي بذلك لقدمه، لأنه أول بيت وضع للناس، بناه آدم، وهو أول من بناه، ثم بوأ الله موضعه إبراهيم بعد الغرق، فبناه إبراهيم واسماعيل. ومنه قيل: للسيف القديم سيف عتيق.
وعنى بالطواف هنا طواف الإفاضة يوم النحر وبعده، وهو الذي يقال له طواف الزيارة.
* *
ثم قال تعالى: ﴿ذٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ ٱللَّهِ﴾.
أي: الأمر، ذلك من الفروض.
وقيل: معناه: ذلك الذي أمرتم به من الوفاء بالنذور، والطواف بالبيت العتيق هو الفرض الواجب عليكم في حجكم.
﴿وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ ٱللَّهِ﴾ أي: ومن يجتنب مع ذلك ما أمره الله باجتنابه في حال إحرامه تعظيماً منه لحدود الله أن يواقعها، فهو خير له عند ربه في الآخرة.
قال مجاهد: ﴿حُرُمَاتِ ٱللَّهِ﴾ هي مكة والحج والعمرة، وما نهى الله عنه من المعاصي كلها.
وقال ابن زيد: ﴿حُرُمَاتِ ٱللَّهِ﴾: المسجد الحرام والبيت الحرام والبلد الحرام.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَأُحِلَّتْ لَكُمُ ٱلأَنْعَامُ﴾ أي: أحلها الله لكم أن تأكلوها إذا ذكيتموها، لم يحرم عليكم بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام.
* *
ثم قال: ﴿إِلاَّ مَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ﴾ أي: في كتاب الله، وذلك الميته والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به، والمنخنقة والموقودة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع وما ذبح على النصب، فذلك رجس كله.
وقال قتادة: ﴿إِلاَّ مَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ﴾: الميتة وما لم يذكر اسم الله عليه.
وقيل: هو الصيد المحرم على المحرمين.
فالمعنى: أحل لكم في حال إحرامكم أكل لحم الإبل والبقر والغنم، إلا ما يتلى عليكم من تحريم الصيد عليكم وأنتم محرمون.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَٱجْتَنِبُواْ ٱلرِّجْسَ مِنَ ٱلأَوْثَانِ﴾ أي: النتن، و "من" لبيان الجنس.
وقال الأخفش: هي للتبعيض. أي: فاجتنبوا الرجس الذي هو من الأوثان، أي عبادتها.
وقال ابن عباس: معناه: اجتنبوا طاعة الشيطان في عبادة الأوثان.
وروي عن النبي ﷺ أنه قال: عدلت شهادة الزور بالشرك بالله، ثم قرأ: ﴿فَٱجْتَنِبُواْ ٱلرِّجْسَ مِنَ ٱلأَوْثَانِ وَٱجْتَنِبُواْ قَوْلَ ٱلزُّورِ﴾
وقال ابن جريج: ﴿قَوْلَ ٱلزُّورِ﴾ الكذب، والفرية على الله جلّ ثناؤه. وهو قول ابن عباس ومجاهد وغيرهم.
وقيل: ﴿قَوْلَ ٱلزُّورِ﴾: قولهم: إن الملائكة بنات الله، تعالى الله عن ذلك.
وقيل: معناه: اجتنبوا تعظيم الأوثان والذبح لها.
وسماها رجساً، استقذاراً لها. وكانوا ينحرون عندها، ويصبون عليها الدماء. فيقذرونها، وهم مع ذلك يعظمونها، فنهى الله المسلمين عن ذلك كله.
* *
ثم قال تعالى: ﴿حُنَفَآءَ للَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ﴾.
أي: اجتنبوا ذلك، ما يليق إلى الحق والتوحيد والإخلاص والإيمان بالله.
ثم قال تعالى ذكر: ﴿وَمَن يُشْرِكْ بِٱللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ ٱلسَّمَآءِ﴾.
أي: مثل من يشرك بالله في بعده من الهدى وإصابة الحق وهلاكه، مثل من خرّ من السماء ﴿فَتَخْطَفُهُ ٱلطَّيْرُ﴾ أي: فهلك، أو مثل من ﴿تَهْوِي بِهِ ٱلرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾، أي: بعيد.
وقيل: المعنى: من يشرك بالله يكون يوم القيامة بهذه الصفة، لا يملك لنفسه نفعاً ولا يملك له أحد من الخلق نفعاً، ولا يمكنه امتناع مما يناله من عذاب الله، فكأنه في ذلك بمنزلة من خرّ من السماء، ومن هوى لا يقدر لنفسه على دفع ما هو فيه، فتخطفه الطير وتقطع جسمه بمخالبها ومناقرها، فهو لا يجد سبيلاً إلى دفع ذلك عن نفسه، وهو بمنزلة من تحمله الريح من موضع مرتفع، فترمي به في منحدر بعيد سحيق، فشبه الله المشرك بمنزلة هذا الذي خرّ من السماء، فهوت به الريح وتخطفته الطير، فكما لا يملك هذا لنفسه دفع ضر، وهو في الهُوِي، كذلك المشرك، يوم القيامة لا يقدر على دفع ما نزل له من العذاب.
* *
ثم قال تعالى: ﴿ذٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ ٱللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى ٱلْقُلُوبِ﴾.
أي: ذلك أمر الله، ﴿وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ ٱللَّهِ﴾، يعني: الوقوف بعرفة وتجميع ورمي الجمار والصفا والمروة، فهذه كلها شعائر، وتعظيمها: الوقوف والعمل بها في الأوقات المفروضة والمسنونة.
"والشعائر" جمع شعيرة، وهي ما جعله الله علماً لخلقه. وكذلك الشعائر البدن واحدها شعيرة أيضاً، لأنها قد أشعرت، أي: جعلت فيها علامة تدل على أنها هدي، ولذلك قال بعض العلماء: إن الشعائر هنا البدن.
* *
وقوله: ﴿فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى ٱلْقُلُوبِ﴾ أي: فإن الفعلة من تقوى القلوب. أي: فإن التعظيم واجتناب الرجس من وجل القلوب من خشية الله.
* *
ثم قال تعالى: ﴿لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى﴾.
أي: لكم في البدن منافع قبل تسميتها بدنة وإشعارها. وذلك لبنها وركوب ظهورها، وما يرزقون من نتاجها وشعرها ووبرها، وقوله: ﴿إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى﴾ أي: إلى وقت يوجبها صاحبها فيسميها "بدنة" ويقلدها ويشعرها، فإذا فعل ذلك، بطل ما كان له من النفع منها. هذا معنى قول ابن عباس وعطاء. وهو قول قتادة، قال: "إلى أجل مسمى" أي: إلى أن تقلد فإذا قلدت، فمحلها إلى البيت العتيق.
وعن عطاء أن المعنى: لكم في البدن التي أوجبتم هديها منافع، وذلك ركوب ظهروها إذا احتجتم إلى ذلك، وتشربون ألبانها إذا اضطررتم إلى ذلك، ويحمل عليها المضطر غير منتهك لها.
* *
وقوله: ﴿إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى﴾ يعني إلى أن تنحر.
ويروى أن النبي ﷺ كان يأمر بالبدن إذا احتاج إليها سيدها أن يحمل عليها ويركب غير منهوكة وإن نتجت أن يحمل عليها ولدها، ولا يشرب من لبنها إلا فضلاً عن ولدها. فإن كان في لبنها فضل فيشرب من أهداها ومن لم يهدها.
ومن جعل الشعائر: الأماكن المذكورة، فالمعنى عنده: لكم فيها منافع إلى أجل مسمى، أي: لكم في حضور هذه الأماكن منافع، وذلك تجاراتهم وبيعهم "إلى أجل مسمى" أي: إلى الخروج والانتقال من هذه الشعائر إلى غيرها. هذا معنى قول ابن عباس.
وقال ابن زيد: معناه: ﴿لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ﴾ هو الأجر الذي ربحوا في تلك الأماكن.
ومعنى: ﴿إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى﴾ أي: إلى أيام معلومة، فإذا ذهبت تلك الأيام، لم يأتِ أحد تلك الأماكن يبتغي الأجر، مثل عرفة ورمي الجمار ومزدلفة، فإنما منافعها في تلك الأيام بعينها، وهي الأجل المسمى.
* *
ثم قال: ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَآ إِلَىٰ ٱلْبَيْتِ ٱلْعَتِيقِ﴾.
أي: ثم محل البدن أن يبلغ الحرم، فتنحر بها.
وقيل: المعنى: ثم محلكم أيها الناس من مناسك حجكم إلى البيت العتيق إذا طفتم طواف الإفاضة.
وقال ابن زيد: معناه: ثم محل أيام الحج إلى البيت العتيق. أي: إذا طافوا بالبيت طواف الإفاضة انقضت أيام الحج.
الحج 22:30
قوله تعالى ذكره: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُواْ تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُواْ نُذُورَهُمْ﴾. إلى قوله: ﴿مَحِلُّهَآ إِلَىٰ ٱلْبَيْتِ ٱلْعَتِيقِ﴾ .
قال ابن عباس: التفث: الحلق والتقصير والرمي والذبح والأخذ من الشارب واللحية ونتف الإبط وقص الأظفار. وهو الخروج من الإحرام إلى الحل.
وقال ابن عمر: التفث: ما عليهم من الحج.
وعنه أيضاً: التفث: المناسك كلها.
وعن ابن عباس: التفث: حلق الرأس والأخذ من الشارب، ونتف الإبط وحلق العانة وقص الأظفار والأخذ من العارضين، ورمي الجمار، والموقف بعرفة والمزدلفة ومثله عن قتادة وابن جريج.
* *
وقوله: ﴿وَلْيُوفُواْ نُذُورَهُمْ﴾ يعني: ما نذروا من البدن.
وقال مجاهد: هو نذر الحج والهدي وما نذره الإنسان من شيء يكون في الحج.
ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَلْيَطَّوَّفُواْ بِٱلْبَيْتِ ٱلْعَتِيقِ﴾.
يعني: بيت الله الذي هو مكة، سمي عتيقاً لأن الله أعتقه من الجبابرة أن يصلوا إلى تخريبه وهدمه، قاله: قتادة ومجاهد وابن أبي نجيح وهو مروي عن النبي عليه السلام.
وقال ابن جبير: إنما سمي بالعتيق لأنه أعتق من الغرق [في] زمان الطوفان.
وعن مجاهد: أنه إنما سمي عتيقاً لأنه لم يملكه أحد من الناس.
وقال ابن زيد: "سمي بذلك لقدمه، لأنه أول بيت وضع للناس، بناه آدم، وهو أول من بناه، ثم بوأ الله موضعه إبراهيم بعد الغرق، فبناه إبراهيم واسماعيل. ومنه قيل: للسيف القديم سيف عتيق.
وعنى بالطواف هنا طواف الإفاضة يوم النحر وبعده، وهو الذي يقال له طواف الزيارة.
* *
ثم قال تعالى: ﴿ذٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ ٱللَّهِ﴾.
أي: الأمر، ذلك من الفروض.
وقيل: معناه: ذلك الذي أمرتم به من الوفاء بالنذور، والطواف بالبيت العتيق هو الفرض الواجب عليكم في حجكم.
﴿وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ ٱللَّهِ﴾ أي: ومن يجتنب مع ذلك ما أمره الله باجتنابه في حال إحرامه تعظيماً منه لحدود الله أن يواقعها، فهو خير له عند ربه في الآخرة.
قال مجاهد: ﴿حُرُمَاتِ ٱللَّهِ﴾ هي مكة والحج والعمرة، وما نهى الله عنه من المعاصي كلها.
وقال ابن زيد: ﴿حُرُمَاتِ ٱللَّهِ﴾: المسجد الحرام والبيت الحرام والبلد الحرام.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَأُحِلَّتْ لَكُمُ ٱلأَنْعَامُ﴾ أي: أحلها الله لكم أن تأكلوها إذا ذكيتموها، لم يحرم عليكم بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام.
* *
ثم قال: ﴿إِلاَّ مَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ﴾ أي: في كتاب الله، وذلك الميته والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به، والمنخنقة والموقودة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع وما ذبح على النصب، فذلك رجس كله.
وقال قتادة: ﴿إِلاَّ مَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ﴾: الميتة وما لم يذكر اسم الله عليه.
وقيل: هو الصيد المحرم على المحرمين.
فالمعنى: أحل لكم في حال إحرامكم أكل لحم الإبل والبقر والغنم، إلا ما يتلى عليكم من تحريم الصيد عليكم وأنتم محرمون.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَٱجْتَنِبُواْ ٱلرِّجْسَ مِنَ ٱلأَوْثَانِ﴾ أي: النتن، و "من" لبيان الجنس.
وقال الأخفش: هي للتبعيض. أي: فاجتنبوا الرجس الذي هو من الأوثان، أي عبادتها.
وقال ابن عباس: معناه: اجتنبوا طاعة الشيطان في عبادة الأوثان.
وروي عن النبي ﷺ أنه قال: عدلت شهادة الزور بالشرك بالله، ثم قرأ: ﴿فَٱجْتَنِبُواْ ٱلرِّجْسَ مِنَ ٱلأَوْثَانِ وَٱجْتَنِبُواْ قَوْلَ ٱلزُّورِ﴾
وقال ابن جريج: ﴿قَوْلَ ٱلزُّورِ﴾ الكذب، والفرية على الله جلّ ثناؤه. وهو قول ابن عباس ومجاهد وغيرهم.
وقيل: ﴿قَوْلَ ٱلزُّورِ﴾: قولهم: إن الملائكة بنات الله، تعالى الله عن ذلك.
وقيل: معناه: اجتنبوا تعظيم الأوثان والذبح لها.
وسماها رجساً، استقذاراً لها. وكانوا ينحرون عندها، ويصبون عليها الدماء. فيقذرونها، وهم مع ذلك يعظمونها، فنهى الله المسلمين عن ذلك كله.
* *
ثم قال تعالى: ﴿حُنَفَآءَ للَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ﴾.
أي: اجتنبوا ذلك، ما يليق إلى الحق والتوحيد والإخلاص والإيمان بالله.
ثم قال تعالى ذكر: ﴿وَمَن يُشْرِكْ بِٱللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ ٱلسَّمَآءِ﴾.
أي: مثل من يشرك بالله في بعده من الهدى وإصابة الحق وهلاكه، مثل من خرّ من السماء ﴿فَتَخْطَفُهُ ٱلطَّيْرُ﴾ أي: فهلك، أو مثل من ﴿تَهْوِي بِهِ ٱلرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾، أي: بعيد.
وقيل: المعنى: من يشرك بالله يكون يوم القيامة بهذه الصفة، لا يملك لنفسه نفعاً ولا يملك له أحد من الخلق نفعاً، ولا يمكنه امتناع مما يناله من عذاب الله، فكأنه في ذلك بمنزلة من خرّ من السماء، ومن هوى لا يقدر لنفسه على دفع ما هو فيه، فتخطفه الطير وتقطع جسمه بمخالبها ومناقرها، فهو لا يجد سبيلاً إلى دفع ذلك عن نفسه، وهو بمنزلة من تحمله الريح من موضع مرتفع، فترمي به في منحدر بعيد سحيق، فشبه الله المشرك بمنزلة هذا الذي خرّ من السماء، فهوت به الريح وتخطفته الطير، فكما لا يملك هذا لنفسه دفع ضر، وهو في الهُوِي، كذلك المشرك، يوم القيامة لا يقدر على دفع ما نزل له من العذاب.
* *
ثم قال تعالى: ﴿ذٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ ٱللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى ٱلْقُلُوبِ﴾.
أي: ذلك أمر الله، ﴿وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ ٱللَّهِ﴾، يعني: الوقوف بعرفة وتجميع ورمي الجمار والصفا والمروة، فهذه كلها شعائر، وتعظيمها: الوقوف والعمل بها في الأوقات المفروضة والمسنونة.
"والشعائر" جمع شعيرة، وهي ما جعله الله علماً لخلقه. وكذلك الشعائر البدن واحدها شعيرة أيضاً، لأنها قد أشعرت، أي: جعلت فيها علامة تدل على أنها هدي، ولذلك قال بعض العلماء: إن الشعائر هنا البدن.
* *
وقوله: ﴿فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى ٱلْقُلُوبِ﴾ أي: فإن الفعلة من تقوى القلوب. أي: فإن التعظيم واجتناب الرجس من وجل القلوب من خشية الله.
* *
ثم قال تعالى: ﴿لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى﴾.
أي: لكم في البدن منافع قبل تسميتها بدنة وإشعارها. وذلك لبنها وركوب ظهورها، وما يرزقون من نتاجها وشعرها ووبرها، وقوله: ﴿إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى﴾ أي: إلى وقت يوجبها صاحبها فيسميها "بدنة" ويقلدها ويشعرها، فإذا فعل ذلك، بطل ما كان له من النفع منها. هذا معنى قول ابن عباس وعطاء. وهو قول قتادة، قال: "إلى أجل مسمى" أي: إلى أن تقلد فإذا قلدت، فمحلها إلى البيت العتيق.
وعن عطاء أن المعنى: لكم في البدن التي أوجبتم هديها منافع، وذلك ركوب ظهروها إذا احتجتم إلى ذلك، وتشربون ألبانها إذا اضطررتم إلى ذلك، ويحمل عليها المضطر غير منتهك لها.
* *
وقوله: ﴿إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى﴾ يعني إلى أن تنحر.
ويروى أن النبي ﷺ كان يأمر بالبدن إذا احتاج إليها سيدها أن يحمل عليها ويركب غير منهوكة وإن نتجت أن يحمل عليها ولدها، ولا يشرب من لبنها إلا فضلاً عن ولدها. فإن كان في لبنها فضل فيشرب من أهداها ومن لم يهدها.
ومن جعل الشعائر: الأماكن المذكورة، فالمعنى عنده: لكم فيها منافع إلى أجل مسمى، أي: لكم في حضور هذه الأماكن منافع، وذلك تجاراتهم وبيعهم "إلى أجل مسمى" أي: إلى الخروج والانتقال من هذه الشعائر إلى غيرها. هذا معنى قول ابن عباس.
وقال ابن زيد: معناه: ﴿لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ﴾ هو الأجر الذي ربحوا في تلك الأماكن.
ومعنى: ﴿إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى﴾ أي: إلى أيام معلومة، فإذا ذهبت تلك الأيام، لم يأتِ أحد تلك الأماكن يبتغي الأجر، مثل عرفة ورمي الجمار ومزدلفة، فإنما منافعها في تلك الأيام بعينها، وهي الأجل المسمى.
* *
ثم قال: ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَآ إِلَىٰ ٱلْبَيْتِ ٱلْعَتِيقِ﴾.
أي: ثم محل البدن أن يبلغ الحرم، فتنحر بها.
وقيل: المعنى: ثم محلكم أيها الناس من مناسك حجكم إلى البيت العتيق إذا طفتم طواف الإفاضة.
وقال ابن زيد: معناه: ثم محل أيام الحج إلى البيت العتيق. أي: إذا طافوا بالبيت طواف الإفاضة انقضت أيام الحج.
الحج 22:31
قوله تعالى ذكره: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُواْ تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُواْ نُذُورَهُمْ﴾. إلى قوله: ﴿مَحِلُّهَآ إِلَىٰ ٱلْبَيْتِ ٱلْعَتِيقِ﴾ .
قال ابن عباس: التفث: الحلق والتقصير والرمي والذبح والأخذ من الشارب واللحية ونتف الإبط وقص الأظفار. وهو الخروج من الإحرام إلى الحل.
وقال ابن عمر: التفث: ما عليهم من الحج.
وعنه أيضاً: التفث: المناسك كلها.
وعن ابن عباس: التفث: حلق الرأس والأخذ من الشارب، ونتف الإبط وحلق العانة وقص الأظفار والأخذ من العارضين، ورمي الجمار، والموقف بعرفة والمزدلفة ومثله عن قتادة وابن جريج.
* *
وقوله: ﴿وَلْيُوفُواْ نُذُورَهُمْ﴾ يعني: ما نذروا من البدن.
وقال مجاهد: هو نذر الحج والهدي وما نذره الإنسان من شيء يكون في الحج.
ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَلْيَطَّوَّفُواْ بِٱلْبَيْتِ ٱلْعَتِيقِ﴾.
يعني: بيت الله الذي هو مكة، سمي عتيقاً لأن الله أعتقه من الجبابرة أن يصلوا إلى تخريبه وهدمه، قاله: قتادة ومجاهد وابن أبي نجيح وهو مروي عن النبي عليه السلام.
وقال ابن جبير: إنما سمي بالعتيق لأنه أعتق من الغرق [في] زمان الطوفان.
وعن مجاهد: أنه إنما سمي عتيقاً لأنه لم يملكه أحد من الناس.
وقال ابن زيد: "سمي بذلك لقدمه، لأنه أول بيت وضع للناس، بناه آدم، وهو أول من بناه، ثم بوأ الله موضعه إبراهيم بعد الغرق، فبناه إبراهيم واسماعيل. ومنه قيل: للسيف القديم سيف عتيق.
وعنى بالطواف هنا طواف الإفاضة يوم النحر وبعده، وهو الذي يقال له طواف الزيارة.
* *
ثم قال تعالى: ﴿ذٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ ٱللَّهِ﴾.
أي: الأمر، ذلك من الفروض.
وقيل: معناه: ذلك الذي أمرتم به من الوفاء بالنذور، والطواف بالبيت العتيق هو الفرض الواجب عليكم في حجكم.
﴿وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ ٱللَّهِ﴾ أي: ومن يجتنب مع ذلك ما أمره الله باجتنابه في حال إحرامه تعظيماً منه لحدود الله أن يواقعها، فهو خير له عند ربه في الآخرة.
قال مجاهد: ﴿حُرُمَاتِ ٱللَّهِ﴾ هي مكة والحج والعمرة، وما نهى الله عنه من المعاصي كلها.
وقال ابن زيد: ﴿حُرُمَاتِ ٱللَّهِ﴾: المسجد الحرام والبيت الحرام والبلد الحرام.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَأُحِلَّتْ لَكُمُ ٱلأَنْعَامُ﴾ أي: أحلها الله لكم أن تأكلوها إذا ذكيتموها، لم يحرم عليكم بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام.
* *
ثم قال: ﴿إِلاَّ مَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ﴾ أي: في كتاب الله، وذلك الميته والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به، والمنخنقة والموقودة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع وما ذبح على النصب، فذلك رجس كله.
وقال قتادة: ﴿إِلاَّ مَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ﴾: الميتة وما لم يذكر اسم الله عليه.
وقيل: هو الصيد المحرم على المحرمين.
فالمعنى: أحل لكم في حال إحرامكم أكل لحم الإبل والبقر والغنم، إلا ما يتلى عليكم من تحريم الصيد عليكم وأنتم محرمون.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَٱجْتَنِبُواْ ٱلرِّجْسَ مِنَ ٱلأَوْثَانِ﴾ أي: النتن، و "من" لبيان الجنس.
وقال الأخفش: هي للتبعيض. أي: فاجتنبوا الرجس الذي هو من الأوثان، أي عبادتها.
وقال ابن عباس: معناه: اجتنبوا طاعة الشيطان في عبادة الأوثان.
وروي عن النبي ﷺ أنه قال: عدلت شهادة الزور بالشرك بالله، ثم قرأ: ﴿فَٱجْتَنِبُواْ ٱلرِّجْسَ مِنَ ٱلأَوْثَانِ وَٱجْتَنِبُواْ قَوْلَ ٱلزُّورِ﴾
وقال ابن جريج: ﴿قَوْلَ ٱلزُّورِ﴾ الكذب، والفرية على الله جلّ ثناؤه. وهو قول ابن عباس ومجاهد وغيرهم.
وقيل: ﴿قَوْلَ ٱلزُّورِ﴾: قولهم: إن الملائكة بنات الله، تعالى الله عن ذلك.
وقيل: معناه: اجتنبوا تعظيم الأوثان والذبح لها.
وسماها رجساً، استقذاراً لها. وكانوا ينحرون عندها، ويصبون عليها الدماء. فيقذرونها، وهم مع ذلك يعظمونها، فنهى الله المسلمين عن ذلك كله.
* *
ثم قال تعالى: ﴿حُنَفَآءَ للَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ﴾.
أي: اجتنبوا ذلك، ما يليق إلى الحق والتوحيد والإخلاص والإيمان بالله.
ثم قال تعالى ذكر: ﴿وَمَن يُشْرِكْ بِٱللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ ٱلسَّمَآءِ﴾.
أي: مثل من يشرك بالله في بعده من الهدى وإصابة الحق وهلاكه، مثل من خرّ من السماء ﴿فَتَخْطَفُهُ ٱلطَّيْرُ﴾ أي: فهلك، أو مثل من ﴿تَهْوِي بِهِ ٱلرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾، أي: بعيد.
وقيل: المعنى: من يشرك بالله يكون يوم القيامة بهذه الصفة، لا يملك لنفسه نفعاً ولا يملك له أحد من الخلق نفعاً، ولا يمكنه امتناع مما يناله من عذاب الله، فكأنه في ذلك بمنزلة من خرّ من السماء، ومن هوى لا يقدر لنفسه على دفع ما هو فيه، فتخطفه الطير وتقطع جسمه بمخالبها ومناقرها، فهو لا يجد سبيلاً إلى دفع ذلك عن نفسه، وهو بمنزلة من تحمله الريح من موضع مرتفع، فترمي به في منحدر بعيد سحيق، فشبه الله المشرك بمنزلة هذا الذي خرّ من السماء، فهوت به الريح وتخطفته الطير، فكما لا يملك هذا لنفسه دفع ضر، وهو في الهُوِي، كذلك المشرك، يوم القيامة لا يقدر على دفع ما نزل له من العذاب.
* *
ثم قال تعالى: ﴿ذٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ ٱللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى ٱلْقُلُوبِ﴾.
أي: ذلك أمر الله، ﴿وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ ٱللَّهِ﴾، يعني: الوقوف بعرفة وتجميع ورمي الجمار والصفا والمروة، فهذه كلها شعائر، وتعظيمها: الوقوف والعمل بها في الأوقات المفروضة والمسنونة.
"والشعائر" جمع شعيرة، وهي ما جعله الله علماً لخلقه. وكذلك الشعائر البدن واحدها شعيرة أيضاً، لأنها قد أشعرت، أي: جعلت فيها علامة تدل على أنها هدي، ولذلك قال بعض العلماء: إن الشعائر هنا البدن.
* *
وقوله: ﴿فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى ٱلْقُلُوبِ﴾ أي: فإن الفعلة من تقوى القلوب. أي: فإن التعظيم واجتناب الرجس من وجل القلوب من خشية الله.
* *
ثم قال تعالى: ﴿لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى﴾.
أي: لكم في البدن منافع قبل تسميتها بدنة وإشعارها. وذلك لبنها وركوب ظهورها، وما يرزقون من نتاجها وشعرها ووبرها، وقوله: ﴿إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى﴾ أي: إلى وقت يوجبها صاحبها فيسميها "بدنة" ويقلدها ويشعرها، فإذا فعل ذلك، بطل ما كان له من النفع منها. هذا معنى قول ابن عباس وعطاء. وهو قول قتادة، قال: "إلى أجل مسمى" أي: إلى أن تقلد فإذا قلدت، فمحلها إلى البيت العتيق.
وعن عطاء أن المعنى: لكم في البدن التي أوجبتم هديها منافع، وذلك ركوب ظهروها إذا احتجتم إلى ذلك، وتشربون ألبانها إذا اضطررتم إلى ذلك، ويحمل عليها المضطر غير منتهك لها.
* *
وقوله: ﴿إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى﴾ يعني إلى أن تنحر.
ويروى أن النبي ﷺ كان يأمر بالبدن إذا احتاج إليها سيدها أن يحمل عليها ويركب غير منهوكة وإن نتجت أن يحمل عليها ولدها، ولا يشرب من لبنها إلا فضلاً عن ولدها. فإن كان في لبنها فضل فيشرب من أهداها ومن لم يهدها.
ومن جعل الشعائر: الأماكن المذكورة، فالمعنى عنده: لكم فيها منافع إلى أجل مسمى، أي: لكم في حضور هذه الأماكن منافع، وذلك تجاراتهم وبيعهم "إلى أجل مسمى" أي: إلى الخروج والانتقال من هذه الشعائر إلى غيرها. هذا معنى قول ابن عباس.
وقال ابن زيد: معناه: ﴿لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ﴾ هو الأجر الذي ربحوا في تلك الأماكن.
ومعنى: ﴿إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى﴾ أي: إلى أيام معلومة، فإذا ذهبت تلك الأيام، لم يأتِ أحد تلك الأماكن يبتغي الأجر، مثل عرفة ورمي الجمار ومزدلفة، فإنما منافعها في تلك الأيام بعينها، وهي الأجل المسمى.
* *
ثم قال: ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَآ إِلَىٰ ٱلْبَيْتِ ٱلْعَتِيقِ﴾.
أي: ثم محل البدن أن يبلغ الحرم، فتنحر بها.
وقيل: المعنى: ثم محلكم أيها الناس من مناسك حجكم إلى البيت العتيق إذا طفتم طواف الإفاضة.
وقال ابن زيد: معناه: ثم محل أيام الحج إلى البيت العتيق. أي: إذا طافوا بالبيت طواف الإفاضة انقضت أيام الحج.
الحج 22:32
قوله تعالى ذكره: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُواْ تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُواْ نُذُورَهُمْ﴾. إلى قوله: ﴿مَحِلُّهَآ إِلَىٰ ٱلْبَيْتِ ٱلْعَتِيقِ﴾ .
قال ابن عباس: التفث: الحلق والتقصير والرمي والذبح والأخذ من الشارب واللحية ونتف الإبط وقص الأظفار. وهو الخروج من الإحرام إلى الحل.
وقال ابن عمر: التفث: ما عليهم من الحج.
وعنه أيضاً: التفث: المناسك كلها.
وعن ابن عباس: التفث: حلق الرأس والأخذ من الشارب، ونتف الإبط وحلق العانة وقص الأظفار والأخذ من العارضين، ورمي الجمار، والموقف بعرفة والمزدلفة ومثله عن قتادة وابن جريج.
* *
وقوله: ﴿وَلْيُوفُواْ نُذُورَهُمْ﴾ يعني: ما نذروا من البدن.
وقال مجاهد: هو نذر الحج والهدي وما نذره الإنسان من شيء يكون في الحج.
ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَلْيَطَّوَّفُواْ بِٱلْبَيْتِ ٱلْعَتِيقِ﴾.
يعني: بيت الله الذي هو مكة، سمي عتيقاً لأن الله أعتقه من الجبابرة أن يصلوا إلى تخريبه وهدمه، قاله: قتادة ومجاهد وابن أبي نجيح وهو مروي عن النبي عليه السلام.
وقال ابن جبير: إنما سمي بالعتيق لأنه أعتق من الغرق [في] زمان الطوفان.
وعن مجاهد: أنه إنما سمي عتيقاً لأنه لم يملكه أحد من الناس.
وقال ابن زيد: "سمي بذلك لقدمه، لأنه أول بيت وضع للناس، بناه آدم، وهو أول من بناه، ثم بوأ الله موضعه إبراهيم بعد الغرق، فبناه إبراهيم واسماعيل. ومنه قيل: للسيف القديم سيف عتيق.
وعنى بالطواف هنا طواف الإفاضة يوم النحر وبعده، وهو الذي يقال له طواف الزيارة.
* *
ثم قال تعالى: ﴿ذٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ ٱللَّهِ﴾.
أي: الأمر، ذلك من الفروض.
وقيل: معناه: ذلك الذي أمرتم به من الوفاء بالنذور، والطواف بالبيت العتيق هو الفرض الواجب عليكم في حجكم.
﴿وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ ٱللَّهِ﴾ أي: ومن يجتنب مع ذلك ما أمره الله باجتنابه في حال إحرامه تعظيماً منه لحدود الله أن يواقعها، فهو خير له عند ربه في الآخرة.
قال مجاهد: ﴿حُرُمَاتِ ٱللَّهِ﴾ هي مكة والحج والعمرة، وما نهى الله عنه من المعاصي كلها.
وقال ابن زيد: ﴿حُرُمَاتِ ٱللَّهِ﴾: المسجد الحرام والبيت الحرام والبلد الحرام.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَأُحِلَّتْ لَكُمُ ٱلأَنْعَامُ﴾ أي: أحلها الله لكم أن تأكلوها إذا ذكيتموها، لم يحرم عليكم بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام.
* *
ثم قال: ﴿إِلاَّ مَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ﴾ أي: في كتاب الله، وذلك الميته والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به، والمنخنقة والموقودة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع وما ذبح على النصب، فذلك رجس كله.
وقال قتادة: ﴿إِلاَّ مَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ﴾: الميتة وما لم يذكر اسم الله عليه.
وقيل: هو الصيد المحرم على المحرمين.
فالمعنى: أحل لكم في حال إحرامكم أكل لحم الإبل والبقر والغنم، إلا ما يتلى عليكم من تحريم الصيد عليكم وأنتم محرمون.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَٱجْتَنِبُواْ ٱلرِّجْسَ مِنَ ٱلأَوْثَانِ﴾ أي: النتن، و "من" لبيان الجنس.
وقال الأخفش: هي للتبعيض. أي: فاجتنبوا الرجس الذي هو من الأوثان، أي عبادتها.
وقال ابن عباس: معناه: اجتنبوا طاعة الشيطان في عبادة الأوثان.
وروي عن النبي ﷺ أنه قال: عدلت شهادة الزور بالشرك بالله، ثم قرأ: ﴿فَٱجْتَنِبُواْ ٱلرِّجْسَ مِنَ ٱلأَوْثَانِ وَٱجْتَنِبُواْ قَوْلَ ٱلزُّورِ﴾
وقال ابن جريج: ﴿قَوْلَ ٱلزُّورِ﴾ الكذب، والفرية على الله جلّ ثناؤه. وهو قول ابن عباس ومجاهد وغيرهم.
وقيل: ﴿قَوْلَ ٱلزُّورِ﴾: قولهم: إن الملائكة بنات الله، تعالى الله عن ذلك.
وقيل: معناه: اجتنبوا تعظيم الأوثان والذبح لها.
وسماها رجساً، استقذاراً لها. وكانوا ينحرون عندها، ويصبون عليها الدماء. فيقذرونها، وهم مع ذلك يعظمونها، فنهى الله المسلمين عن ذلك كله.
* *
ثم قال تعالى: ﴿حُنَفَآءَ للَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ﴾.
أي: اجتنبوا ذلك، ما يليق إلى الحق والتوحيد والإخلاص والإيمان بالله.
ثم قال تعالى ذكر: ﴿وَمَن يُشْرِكْ بِٱللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ ٱلسَّمَآءِ﴾.
أي: مثل من يشرك بالله في بعده من الهدى وإصابة الحق وهلاكه، مثل من خرّ من السماء ﴿فَتَخْطَفُهُ ٱلطَّيْرُ﴾ أي: فهلك، أو مثل من ﴿تَهْوِي بِهِ ٱلرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾، أي: بعيد.
وقيل: المعنى: من يشرك بالله يكون يوم القيامة بهذه الصفة، لا يملك لنفسه نفعاً ولا يملك له أحد من الخلق نفعاً، ولا يمكنه امتناع مما يناله من عذاب الله، فكأنه في ذلك بمنزلة من خرّ من السماء، ومن هوى لا يقدر لنفسه على دفع ما هو فيه، فتخطفه الطير وتقطع جسمه بمخالبها ومناقرها، فهو لا يجد سبيلاً إلى دفع ذلك عن نفسه، وهو بمنزلة من تحمله الريح من موضع مرتفع، فترمي به في منحدر بعيد سحيق، فشبه الله المشرك بمنزلة هذا الذي خرّ من السماء، فهوت به الريح وتخطفته الطير، فكما لا يملك هذا لنفسه دفع ضر، وهو في الهُوِي، كذلك المشرك، يوم القيامة لا يقدر على دفع ما نزل له من العذاب.
* *
ثم قال تعالى: ﴿ذٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ ٱللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى ٱلْقُلُوبِ﴾.
أي: ذلك أمر الله، ﴿وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ ٱللَّهِ﴾، يعني: الوقوف بعرفة وتجميع ورمي الجمار والصفا والمروة، فهذه كلها شعائر، وتعظيمها: الوقوف والعمل بها في الأوقات المفروضة والمسنونة.
"والشعائر" جمع شعيرة، وهي ما جعله الله علماً لخلقه. وكذلك الشعائر البدن واحدها شعيرة أيضاً، لأنها قد أشعرت، أي: جعلت فيها علامة تدل على أنها هدي، ولذلك قال بعض العلماء: إن الشعائر هنا البدن.
* *
وقوله: ﴿فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى ٱلْقُلُوبِ﴾ أي: فإن الفعلة من تقوى القلوب. أي: فإن التعظيم واجتناب الرجس من وجل القلوب من خشية الله.
* *
ثم قال تعالى: ﴿لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى﴾.
أي: لكم في البدن منافع قبل تسميتها بدنة وإشعارها. وذلك لبنها وركوب ظهورها، وما يرزقون من نتاجها وشعرها ووبرها، وقوله: ﴿إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى﴾ أي: إلى وقت يوجبها صاحبها فيسميها "بدنة" ويقلدها ويشعرها، فإذا فعل ذلك، بطل ما كان له من النفع منها. هذا معنى قول ابن عباس وعطاء. وهو قول قتادة، قال: "إلى أجل مسمى" أي: إلى أن تقلد فإذا قلدت، فمحلها إلى البيت العتيق.
وعن عطاء أن المعنى: لكم في البدن التي أوجبتم هديها منافع، وذلك ركوب ظهروها إذا احتجتم إلى ذلك، وتشربون ألبانها إذا اضطررتم إلى ذلك، ويحمل عليها المضطر غير منتهك لها.
* *
وقوله: ﴿إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى﴾ يعني إلى أن تنحر.
ويروى أن النبي ﷺ كان يأمر بالبدن إذا احتاج إليها سيدها أن يحمل عليها ويركب غير منهوكة وإن نتجت أن يحمل عليها ولدها، ولا يشرب من لبنها إلا فضلاً عن ولدها. فإن كان في لبنها فضل فيشرب من أهداها ومن لم يهدها.
ومن جعل الشعائر: الأماكن المذكورة، فالمعنى عنده: لكم فيها منافع إلى أجل مسمى، أي: لكم في حضور هذه الأماكن منافع، وذلك تجاراتهم وبيعهم "إلى أجل مسمى" أي: إلى الخروج والانتقال من هذه الشعائر إلى غيرها. هذا معنى قول ابن عباس.
وقال ابن زيد: معناه: ﴿لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ﴾ هو الأجر الذي ربحوا في تلك الأماكن.
ومعنى: ﴿إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى﴾ أي: إلى أيام معلومة، فإذا ذهبت تلك الأيام، لم يأتِ أحد تلك الأماكن يبتغي الأجر، مثل عرفة ورمي الجمار ومزدلفة، فإنما منافعها في تلك الأيام بعينها، وهي الأجل المسمى.
* *
ثم قال: ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَآ إِلَىٰ ٱلْبَيْتِ ٱلْعَتِيقِ﴾.
أي: ثم محل البدن أن يبلغ الحرم، فتنحر بها.
وقيل: المعنى: ثم محلكم أيها الناس من مناسك حجكم إلى البيت العتيق إذا طفتم طواف الإفاضة.
وقال ابن زيد: معناه: ثم محل أيام الحج إلى البيت العتيق. أي: إذا طافوا بالبيت طواف الإفاضة انقضت أيام الحج.