Tafsir Makhi — الحج 22:33 – الحج 22:78
المحتويات
- الحج 22:33
- الحج 22:34
- الحج 22:35
- الحج 22:36
- الحج 22:37
- الحج 22:38
- الحج 22:39
- الحج 22:40
- الحج 22:41
- الحج 22:42
- الحج 22:43
- الحج 22:44
- الحج 22:45
- الحج 22:46
- الحج 22:47
- الحج 22:48
- الحج 22:49
- الحج 22:50
- الحج 22:51
- الحج 22:52
- الحج 22:53
- الحج 22:54
- الحج 22:55
- الحج 22:56
- الحج 22:57
- الحج 22:58
- الحج 22:59
- الحج 22:60
- الحج 22:61
- الحج 22:62
- الحج 22:63
- الحج 22:64
- الحج 22:65
- الحج 22:66
- الحج 22:67
- الحج 22:68
- الحج 22:69
- الحج 22:70
- الحج 22:71
- الحج 22:72
- الحج 22:73
- الحج 22:74
- الحج 22:75
- الحج 22:76
- الحج 22:77
- الحج 22:78
الحج 22:33
قوله تعالى ذكره: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُواْ تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُواْ نُذُورَهُمْ﴾. إلى قوله: ﴿مَحِلُّهَآ إِلَىٰ ٱلْبَيْتِ ٱلْعَتِيقِ﴾ .
قال ابن عباس: التفث: الحلق والتقصير والرمي والذبح والأخذ من الشارب واللحية ونتف الإبط وقص الأظفار. وهو الخروج من الإحرام إلى الحل.
وقال ابن عمر: التفث: ما عليهم من الحج.
وعنه أيضاً: التفث: المناسك كلها.
وعن ابن عباس: التفث: حلق الرأس والأخذ من الشارب، ونتف الإبط وحلق العانة وقص الأظفار والأخذ من العارضين، ورمي الجمار، والموقف بعرفة والمزدلفة ومثله عن قتادة وابن جريج.
* *
وقوله: ﴿وَلْيُوفُواْ نُذُورَهُمْ﴾ يعني: ما نذروا من البدن.
وقال مجاهد: هو نذر الحج والهدي وما نذره الإنسان من شيء يكون في الحج.
ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَلْيَطَّوَّفُواْ بِٱلْبَيْتِ ٱلْعَتِيقِ﴾.
يعني: بيت الله الذي هو مكة، سمي عتيقاً لأن الله أعتقه من الجبابرة أن يصلوا إلى تخريبه وهدمه، قاله: قتادة ومجاهد وابن أبي نجيح وهو مروي عن النبي عليه السلام.
وقال ابن جبير: إنما سمي بالعتيق لأنه أعتق من الغرق [في] زمان الطوفان.
وعن مجاهد: أنه إنما سمي عتيقاً لأنه لم يملكه أحد من الناس.
وقال ابن زيد: "سمي بذلك لقدمه، لأنه أول بيت وضع للناس، بناه آدم، وهو أول من بناه، ثم بوأ الله موضعه إبراهيم بعد الغرق، فبناه إبراهيم واسماعيل. ومنه قيل: للسيف القديم سيف عتيق.
وعنى بالطواف هنا طواف الإفاضة يوم النحر وبعده، وهو الذي يقال له طواف الزيارة.
* *
ثم قال تعالى: ﴿ذٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ ٱللَّهِ﴾.
أي: الأمر، ذلك من الفروض.
وقيل: معناه: ذلك الذي أمرتم به من الوفاء بالنذور، والطواف بالبيت العتيق هو الفرض الواجب عليكم في حجكم.
﴿وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ ٱللَّهِ﴾ أي: ومن يجتنب مع ذلك ما أمره الله باجتنابه في حال إحرامه تعظيماً منه لحدود الله أن يواقعها، فهو خير له عند ربه في الآخرة.
قال مجاهد: ﴿حُرُمَاتِ ٱللَّهِ﴾ هي مكة والحج والعمرة، وما نهى الله عنه من المعاصي كلها.
وقال ابن زيد: ﴿حُرُمَاتِ ٱللَّهِ﴾: المسجد الحرام والبيت الحرام والبلد الحرام.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَأُحِلَّتْ لَكُمُ ٱلأَنْعَامُ﴾ أي: أحلها الله لكم أن تأكلوها إذا ذكيتموها، لم يحرم عليكم بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام.
* *
ثم قال: ﴿إِلاَّ مَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ﴾ أي: في كتاب الله، وذلك الميته والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به، والمنخنقة والموقودة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع وما ذبح على النصب، فذلك رجس كله.
وقال قتادة: ﴿إِلاَّ مَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ﴾: الميتة وما لم يذكر اسم الله عليه.
وقيل: هو الصيد المحرم على المحرمين.
فالمعنى: أحل لكم في حال إحرامكم أكل لحم الإبل والبقر والغنم، إلا ما يتلى عليكم من تحريم الصيد عليكم وأنتم محرمون.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَٱجْتَنِبُواْ ٱلرِّجْسَ مِنَ ٱلأَوْثَانِ﴾ أي: النتن، و "من" لبيان الجنس.
وقال الأخفش: هي للتبعيض. أي: فاجتنبوا الرجس الذي هو من الأوثان، أي عبادتها.
وقال ابن عباس: معناه: اجتنبوا طاعة الشيطان في عبادة الأوثان.
وروي عن النبي ﷺ أنه قال: عدلت شهادة الزور بالشرك بالله، ثم قرأ: ﴿فَٱجْتَنِبُواْ ٱلرِّجْسَ مِنَ ٱلأَوْثَانِ وَٱجْتَنِبُواْ قَوْلَ ٱلزُّورِ﴾
وقال ابن جريج: ﴿قَوْلَ ٱلزُّورِ﴾ الكذب، والفرية على الله جلّ ثناؤه. وهو قول ابن عباس ومجاهد وغيرهم.
وقيل: ﴿قَوْلَ ٱلزُّورِ﴾: قولهم: إن الملائكة بنات الله، تعالى الله عن ذلك.
وقيل: معناه: اجتنبوا تعظيم الأوثان والذبح لها.
وسماها رجساً، استقذاراً لها. وكانوا ينحرون عندها، ويصبون عليها الدماء. فيقذرونها، وهم مع ذلك يعظمونها، فنهى الله المسلمين عن ذلك كله.
* *
ثم قال تعالى: ﴿حُنَفَآءَ للَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ﴾.
أي: اجتنبوا ذلك، ما يليق إلى الحق والتوحيد والإخلاص والإيمان بالله.
ثم قال تعالى ذكر: ﴿وَمَن يُشْرِكْ بِٱللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ ٱلسَّمَآءِ﴾.
أي: مثل من يشرك بالله في بعده من الهدى وإصابة الحق وهلاكه، مثل من خرّ من السماء ﴿فَتَخْطَفُهُ ٱلطَّيْرُ﴾ أي: فهلك، أو مثل من ﴿تَهْوِي بِهِ ٱلرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾، أي: بعيد.
وقيل: المعنى: من يشرك بالله يكون يوم القيامة بهذه الصفة، لا يملك لنفسه نفعاً ولا يملك له أحد من الخلق نفعاً، ولا يمكنه امتناع مما يناله من عذاب الله، فكأنه في ذلك بمنزلة من خرّ من السماء، ومن هوى لا يقدر لنفسه على دفع ما هو فيه، فتخطفه الطير وتقطع جسمه بمخالبها ومناقرها، فهو لا يجد سبيلاً إلى دفع ذلك عن نفسه، وهو بمنزلة من تحمله الريح من موضع مرتفع، فترمي به في منحدر بعيد سحيق، فشبه الله المشرك بمنزلة هذا الذي خرّ من السماء، فهوت به الريح وتخطفته الطير، فكما لا يملك هذا لنفسه دفع ضر، وهو في الهُوِي، كذلك المشرك، يوم القيامة لا يقدر على دفع ما نزل له من العذاب.
* *
ثم قال تعالى: ﴿ذٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ ٱللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى ٱلْقُلُوبِ﴾.
أي: ذلك أمر الله، ﴿وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ ٱللَّهِ﴾، يعني: الوقوف بعرفة وتجميع ورمي الجمار والصفا والمروة، فهذه كلها شعائر، وتعظيمها: الوقوف والعمل بها في الأوقات المفروضة والمسنونة.
"والشعائر" جمع شعيرة، وهي ما جعله الله علماً لخلقه. وكذلك الشعائر البدن واحدها شعيرة أيضاً، لأنها قد أشعرت، أي: جعلت فيها علامة تدل على أنها هدي، ولذلك قال بعض العلماء: إن الشعائر هنا البدن.
* *
وقوله: ﴿فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى ٱلْقُلُوبِ﴾ أي: فإن الفعلة من تقوى القلوب. أي: فإن التعظيم واجتناب الرجس من وجل القلوب من خشية الله.
* *
ثم قال تعالى: ﴿لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى﴾.
أي: لكم في البدن منافع قبل تسميتها بدنة وإشعارها. وذلك لبنها وركوب ظهورها، وما يرزقون من نتاجها وشعرها ووبرها، وقوله: ﴿إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى﴾ أي: إلى وقت يوجبها صاحبها فيسميها "بدنة" ويقلدها ويشعرها، فإذا فعل ذلك، بطل ما كان له من النفع منها. هذا معنى قول ابن عباس وعطاء. وهو قول قتادة، قال: "إلى أجل مسمى" أي: إلى أن تقلد فإذا قلدت، فمحلها إلى البيت العتيق.
وعن عطاء أن المعنى: لكم في البدن التي أوجبتم هديها منافع، وذلك ركوب ظهروها إذا احتجتم إلى ذلك، وتشربون ألبانها إذا اضطررتم إلى ذلك، ويحمل عليها المضطر غير منتهك لها.
* *
وقوله: ﴿إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى﴾ يعني إلى أن تنحر.
ويروى أن النبي ﷺ كان يأمر بالبدن إذا احتاج إليها سيدها أن يحمل عليها ويركب غير منهوكة وإن نتجت أن يحمل عليها ولدها، ولا يشرب من لبنها إلا فضلاً عن ولدها. فإن كان في لبنها فضل فيشرب من أهداها ومن لم يهدها.
ومن جعل الشعائر: الأماكن المذكورة، فالمعنى عنده: لكم فيها منافع إلى أجل مسمى، أي: لكم في حضور هذه الأماكن منافع، وذلك تجاراتهم وبيعهم "إلى أجل مسمى" أي: إلى الخروج والانتقال من هذه الشعائر إلى غيرها. هذا معنى قول ابن عباس.
وقال ابن زيد: معناه: ﴿لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ﴾ هو الأجر الذي ربحوا في تلك الأماكن.
ومعنى: ﴿إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى﴾ أي: إلى أيام معلومة، فإذا ذهبت تلك الأيام، لم يأتِ أحد تلك الأماكن يبتغي الأجر، مثل عرفة ورمي الجمار ومزدلفة، فإنما منافعها في تلك الأيام بعينها، وهي الأجل المسمى.
* *
ثم قال: ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَآ إِلَىٰ ٱلْبَيْتِ ٱلْعَتِيقِ﴾.
أي: ثم محل البدن أن يبلغ الحرم، فتنحر بها.
وقيل: المعنى: ثم محلكم أيها الناس من مناسك حجكم إلى البيت العتيق إذا طفتم طواف الإفاضة.
وقال ابن زيد: معناه: ثم محل أيام الحج إلى البيت العتيق. أي: إذا طافوا بالبيت طواف الإفاضة انقضت أيام الحج.
الحج 22:34
قوله تعالى ذكره: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكاً﴾. إلى قوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾.
أي: ولكل جماعة سلفت قبلكم من أهل الإيمان جعلنا ذبحاً يهرقون دمه ليذكروا اسم الله [على ما رزقهم] عند ذبحهم إياه.
* *
وقوله: ﴿مِّن بَهِيمَةِ ٱلأَنْعَامِ﴾.
فخص لأن من البهائم ما ليس من الأنعام، كالخيل والبغال والحمير. وسميت بهائم لأنها لا تتكلم.
وقال مجاهد: منسكاً: هو هراقة الدماء.
وقال ابن عباس: منسكاً، عيداً.
وقال عكرمة: مذبحاً.
والمَنْسِك بالكسر موضع الذبح، كالمجلس موضع الجلوس لأن اسم المكان من فعل يفعل المفعل.
والمَنْسَك بالفتح: المصدر فيكون معنى قراءة من كسر، ولكل أمة جعلنا موضع ذبح.
ومن قرأ بالفتح، فتقديره: ولكل أمة جعلنا أن يتقربوا بذبح الذبائح.
وقيل: ﴿مَنسَكاً﴾ متعبداً، وهو ما يعبد الله به.
"والمنسك": العبادة والناسك: العابد.
وأصل المنسك أن يكون اسم المكان الذي يعبد الله فيه.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَإِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ﴾.
أي: فإلهكم إله واحد فلا تذكروا معبوداً غيره على ذبائحكم.
وقيل: المعنى: فاجتنبوا الرجس من الأوثان واجتنبوا قول الزور.
﴿فَإِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُواْ﴾، أي: اخضعوا بالطاعة.
* *
﴿وَبَشِّرِ ٱلْمُخْبِتِينَ﴾.
أي: الخاشعين المطمئنين إلى الله، قاله مجاهد.
قال ابن عيينة: "المخبتين": المطمئنين.
وقال قتادة: المتواضعين.
وقيل: المخبتون: الذين لا يظلمون الناس، وإذا ظلموا لم ينتصروا.
والخبت في اللغة: المكان المطمئن المنخفض، والزور: الباطل.
وقيل: إنه أريد به في هذا الموضع الكذب.
وقيل: المخبتين: المخلصين.
* *
ثم قال تعالى: ﴿ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾.
أي: خشعت قلوبهم وجلاً من عقابه.
قال ابن زيد: وجلت قلوبهم: لا تقسوا ﴿وَٱلصَّابِرِينَ عَلَىٰ مَآ أَصَابَهُمْ﴾ أي: من شدة في أمر الله. ﴿وَٱلْمُقِيمِي ٱلصَّلاَةِ﴾ "يعني المفروضة" وما رزقناهم ينفقون، أي: يزكون وينفقون على عيالهم.
* *
ثم قال: ﴿وَٱلْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِّن شَعَائِرِ ٱللَّهِ﴾.
أي: هي ما أشعرهم الله به، وأعلمهم إياه من أمر دينه. فبين أن ذبح البدن هو مما أعلمهم الله به من أمور دينه والتقرب إليه به. أي: من إعلام الله، أمركم بنحرها في مناسك حجكم إذا قلدتموها وأشعرتموها.
"والبدن" جمع بدنة، كخشبة وخشب، إلا أن الإسكان في "بدن" أحسن، والضم في "خشب" أحسن، لأن بدناً أصله النعت، لأنه من البدانة وهو السمن وخشبة اسم غير نعت. والنعت أثقل من الاسم، فكان إسكانه وتخفيفه أولى من الاسم.
"والبدن": الإبل. وإنما سميت بدناً لأجل السمانة والعظم. وقوله:
* *
﴿لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ﴾.
أي: أجر في الآخرة بنحرها والصدقة منها وفي الدنيا: الركوب إذا احتيج إلى ركوبها.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَٱذْكُرُواْ ٱسْمَ ٱللَّهِ عَلَيْهَا صَوَآفَّ﴾ أي: انحروها واذكروا اسم الله عليها قائمة على ثلاثة تعقل اليد اليسرى.
وقال ابن عباس: ﴿فَٱذْكُرُواْ ٱسْمَ ٱللَّهِ عَلَيْهَا﴾ قال: الله أكبر، الله أكبر، اللهم منك ولك. ﴿صَوَآفَّ﴾ قياماً على ثلاثة.
وقرأ الحسن والأعرج: صَوَافِي، جمع صافية، ومعناها مخلصين في نحرها لله لا شرك فيها لأحد.
وقرأ ابن مسعود: صَوَافِنَ. جمع صافنة، وهي القائمة على ثلاث.
وروي عن مجاهد أنه قال: "صواف"، قائمة على أربع مصفوفة. و "صوافن": قائمة على ثلاث.
قال قتادة: معقولة اليد اليمنى.
وقال مجاهد: "اليسرى".
ونحر النبي ﷺ بدنة قياماً. ودل على ذلك قوله: ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا﴾.
أي: إذا سقطت على جنوبها. وهو قول: مالك والشافعي وأحمد وأصحاب الرأي. واستحب عطاء أن تنحر باركة معقولة لئلا تؤذي بدمها أحداً. وقد روى جابر أن رسول الله ﷺ وأصحابه، كانوا ينحرون البدنة معقولة اليد اليسرى قائمة على ما بقي من قوائمها.
وكان النبي ﷺ يقول إذا ذبح: بسم الله والله أكبر
وقوله تعالى: ﴿فَكُلُواْ مِنْهَا﴾. إباحة، لأن المشركين كانوا لا يأكلون من ذبائحهم، فرخص الله للمسلمين في ذلك. ثم قال: ﴿وَأَطْعِمُواْ ٱلْقَانِعَ وَٱلْمُعْتَرَّ﴾.
قال ابن عباس: القانع: المستغنى بما أعطيته وهو في بيته، والمعتر: الذي يتعرض لك ويلم [رجاء] أن تعطيه، ولا يسأل.
وقال مجاهد: "القانع" جارك، يقنع بما أعطيته. "والمعتر": الذي يتعرض لك، ولا يسألك.
وعن ابن عباس: "القانع" الذي يقنع بما عنده ولا يسأل، "والمعتر" الذي يعتريك فيسألك.
وقال قتادة: "القانع": المتعفف الجالس في بيته، "والمعتر" الذي يعتريك فيسألك.
وقال الحسن: "القانع" السائل، "والمعتر: الذي يتعرض ولا يسأل.
وكذلك قال زيد بن أسلم وابن جبير أن القانع: السائل.
وعن مجاهد: "القانع" جارك وإن كان غنياً. "والمعتر": الذي يعتريك.
وعن زيد بن أسلم أيضاً: "القانع": المسكين الطواف. "والمعتر": الصديق الضعيف الذي يزور.
وقال محمد بن كعب القرظي: "القانع": الذي يقنع بالشيء اليسير يرضى به، و "المعتر" الذي يمر بجانبك ولا يسأل شيئاً.
وقيل: "القانع" الذي هو فقير لا يسأل. "والمعتر" الفقير الذي يسأل.
وعن مجاهد: "القانع": الطامع. "والمعتر" الذي يعتر من غني أو فقير.
وقال عكرمة: "القانع": الطامع.
وقال ابن زيد: "القانع": المسكين. "والمعتر": الذي يتعرض للحم وليس له ذبيحة، يجيء إلى القوم من أجل لحمهم.
وقال مالك: أحسن ما سمعت أن القانع هو الفقير، وأن "المعتر" هو الزائر.
يقال: قنع الرجل يقنع قنوعاً، إذا سأل، وقنع يقنع قناعة، إذا رضي "فهو قنع".
وقرأ أبو رجاء: ﴿وَأَطْعِمُواْ ٱلْقَانِعَ﴾ على معنى الذي يرضى بما عنده.
وقرأ الحسن: ﴿وَٱلْمُعْتَرَّ﴾ وهي لغة فيه، يقال: اعتره واعتراه إذا تعرض لما عنده، وإن طلبه.
* *
ثم قال: ﴿كَذٰلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾.
أي: هكذا سخرنا لكم البدن لعلكم تشكرون على تسخيرها أيها الناس.
الحج 22:35
قوله تعالى ذكره: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكاً﴾. إلى قوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾.
أي: ولكل جماعة سلفت قبلكم من أهل الإيمان جعلنا ذبحاً يهرقون دمه ليذكروا اسم الله [على ما رزقهم] عند ذبحهم إياه.
* *
وقوله: ﴿مِّن بَهِيمَةِ ٱلأَنْعَامِ﴾.
فخص لأن من البهائم ما ليس من الأنعام، كالخيل والبغال والحمير. وسميت بهائم لأنها لا تتكلم.
وقال مجاهد: منسكاً: هو هراقة الدماء.
وقال ابن عباس: منسكاً، عيداً.
وقال عكرمة: مذبحاً.
والمَنْسِك بالكسر موضع الذبح، كالمجلس موضع الجلوس لأن اسم المكان من فعل يفعل المفعل.
والمَنْسَك بالفتح: المصدر فيكون معنى قراءة من كسر، ولكل أمة جعلنا موضع ذبح.
ومن قرأ بالفتح، فتقديره: ولكل أمة جعلنا أن يتقربوا بذبح الذبائح.
وقيل: ﴿مَنسَكاً﴾ متعبداً، وهو ما يعبد الله به.
"والمنسك": العبادة والناسك: العابد.
وأصل المنسك أن يكون اسم المكان الذي يعبد الله فيه.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَإِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ﴾.
أي: فإلهكم إله واحد فلا تذكروا معبوداً غيره على ذبائحكم.
وقيل: المعنى: فاجتنبوا الرجس من الأوثان واجتنبوا قول الزور.
﴿فَإِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُواْ﴾، أي: اخضعوا بالطاعة.
* *
﴿وَبَشِّرِ ٱلْمُخْبِتِينَ﴾.
أي: الخاشعين المطمئنين إلى الله، قاله مجاهد.
قال ابن عيينة: "المخبتين": المطمئنين.
وقال قتادة: المتواضعين.
وقيل: المخبتون: الذين لا يظلمون الناس، وإذا ظلموا لم ينتصروا.
والخبت في اللغة: المكان المطمئن المنخفض، والزور: الباطل.
وقيل: إنه أريد به في هذا الموضع الكذب.
وقيل: المخبتين: المخلصين.
* *
ثم قال تعالى: ﴿ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾.
أي: خشعت قلوبهم وجلاً من عقابه.
قال ابن زيد: وجلت قلوبهم: لا تقسوا ﴿وَٱلصَّابِرِينَ عَلَىٰ مَآ أَصَابَهُمْ﴾ أي: من شدة في أمر الله. ﴿وَٱلْمُقِيمِي ٱلصَّلاَةِ﴾ "يعني المفروضة" وما رزقناهم ينفقون، أي: يزكون وينفقون على عيالهم.
* *
ثم قال: ﴿وَٱلْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِّن شَعَائِرِ ٱللَّهِ﴾.
أي: هي ما أشعرهم الله به، وأعلمهم إياه من أمر دينه. فبين أن ذبح البدن هو مما أعلمهم الله به من أمور دينه والتقرب إليه به. أي: من إعلام الله، أمركم بنحرها في مناسك حجكم إذا قلدتموها وأشعرتموها.
"والبدن" جمع بدنة، كخشبة وخشب، إلا أن الإسكان في "بدن" أحسن، والضم في "خشب" أحسن، لأن بدناً أصله النعت، لأنه من البدانة وهو السمن وخشبة اسم غير نعت. والنعت أثقل من الاسم، فكان إسكانه وتخفيفه أولى من الاسم.
"والبدن": الإبل. وإنما سميت بدناً لأجل السمانة والعظم. وقوله:
* *
﴿لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ﴾.
أي: أجر في الآخرة بنحرها والصدقة منها وفي الدنيا: الركوب إذا احتيج إلى ركوبها.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَٱذْكُرُواْ ٱسْمَ ٱللَّهِ عَلَيْهَا صَوَآفَّ﴾ أي: انحروها واذكروا اسم الله عليها قائمة على ثلاثة تعقل اليد اليسرى.
وقال ابن عباس: ﴿فَٱذْكُرُواْ ٱسْمَ ٱللَّهِ عَلَيْهَا﴾ قال: الله أكبر، الله أكبر، اللهم منك ولك. ﴿صَوَآفَّ﴾ قياماً على ثلاثة.
وقرأ الحسن والأعرج: صَوَافِي، جمع صافية، ومعناها مخلصين في نحرها لله لا شرك فيها لأحد.
وقرأ ابن مسعود: صَوَافِنَ. جمع صافنة، وهي القائمة على ثلاث.
وروي عن مجاهد أنه قال: "صواف"، قائمة على أربع مصفوفة. و "صوافن": قائمة على ثلاث.
قال قتادة: معقولة اليد اليمنى.
وقال مجاهد: "اليسرى".
ونحر النبي ﷺ بدنة قياماً. ودل على ذلك قوله: ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا﴾.
أي: إذا سقطت على جنوبها. وهو قول: مالك والشافعي وأحمد وأصحاب الرأي. واستحب عطاء أن تنحر باركة معقولة لئلا تؤذي بدمها أحداً. وقد روى جابر أن رسول الله ﷺ وأصحابه، كانوا ينحرون البدنة معقولة اليد اليسرى قائمة على ما بقي من قوائمها.
وكان النبي ﷺ يقول إذا ذبح: بسم الله والله أكبر
وقوله تعالى: ﴿فَكُلُواْ مِنْهَا﴾. إباحة، لأن المشركين كانوا لا يأكلون من ذبائحهم، فرخص الله للمسلمين في ذلك. ثم قال: ﴿وَأَطْعِمُواْ ٱلْقَانِعَ وَٱلْمُعْتَرَّ﴾.
قال ابن عباس: القانع: المستغنى بما أعطيته وهو في بيته، والمعتر: الذي يتعرض لك ويلم [رجاء] أن تعطيه، ولا يسأل.
وقال مجاهد: "القانع" جارك، يقنع بما أعطيته. "والمعتر": الذي يتعرض لك، ولا يسألك.
وعن ابن عباس: "القانع" الذي يقنع بما عنده ولا يسأل، "والمعتر" الذي يعتريك فيسألك.
وقال قتادة: "القانع": المتعفف الجالس في بيته، "والمعتر" الذي يعتريك فيسألك.
وقال الحسن: "القانع" السائل، "والمعتر: الذي يتعرض ولا يسأل.
وكذلك قال زيد بن أسلم وابن جبير أن القانع: السائل.
وعن مجاهد: "القانع" جارك وإن كان غنياً. "والمعتر": الذي يعتريك.
وعن زيد بن أسلم أيضاً: "القانع": المسكين الطواف. "والمعتر": الصديق الضعيف الذي يزور.
وقال محمد بن كعب القرظي: "القانع": الذي يقنع بالشيء اليسير يرضى به، و "المعتر" الذي يمر بجانبك ولا يسأل شيئاً.
وقيل: "القانع" الذي هو فقير لا يسأل. "والمعتر" الفقير الذي يسأل.
وعن مجاهد: "القانع": الطامع. "والمعتر" الذي يعتر من غني أو فقير.
وقال عكرمة: "القانع": الطامع.
وقال ابن زيد: "القانع": المسكين. "والمعتر": الذي يتعرض للحم وليس له ذبيحة، يجيء إلى القوم من أجل لحمهم.
وقال مالك: أحسن ما سمعت أن القانع هو الفقير، وأن "المعتر" هو الزائر.
يقال: قنع الرجل يقنع قنوعاً، إذا سأل، وقنع يقنع قناعة، إذا رضي "فهو قنع".
وقرأ أبو رجاء: ﴿وَأَطْعِمُواْ ٱلْقَانِعَ﴾ على معنى الذي يرضى بما عنده.
وقرأ الحسن: ﴿وَٱلْمُعْتَرَّ﴾ وهي لغة فيه، يقال: اعتره واعتراه إذا تعرض لما عنده، وإن طلبه.
* *
ثم قال: ﴿كَذٰلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾.
أي: هكذا سخرنا لكم البدن لعلكم تشكرون على تسخيرها أيها الناس.
الحج 22:36
قوله تعالى ذكره: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكاً﴾. إلى قوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾.
أي: ولكل جماعة سلفت قبلكم من أهل الإيمان جعلنا ذبحاً يهرقون دمه ليذكروا اسم الله [على ما رزقهم] عند ذبحهم إياه.
* *
وقوله: ﴿مِّن بَهِيمَةِ ٱلأَنْعَامِ﴾.
فخص لأن من البهائم ما ليس من الأنعام، كالخيل والبغال والحمير. وسميت بهائم لأنها لا تتكلم.
وقال مجاهد: منسكاً: هو هراقة الدماء.
وقال ابن عباس: منسكاً، عيداً.
وقال عكرمة: مذبحاً.
والمَنْسِك بالكسر موضع الذبح، كالمجلس موضع الجلوس لأن اسم المكان من فعل يفعل المفعل.
والمَنْسَك بالفتح: المصدر فيكون معنى قراءة من كسر، ولكل أمة جعلنا موضع ذبح.
ومن قرأ بالفتح، فتقديره: ولكل أمة جعلنا أن يتقربوا بذبح الذبائح.
وقيل: ﴿مَنسَكاً﴾ متعبداً، وهو ما يعبد الله به.
"والمنسك": العبادة والناسك: العابد.
وأصل المنسك أن يكون اسم المكان الذي يعبد الله فيه.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَإِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ﴾.
أي: فإلهكم إله واحد فلا تذكروا معبوداً غيره على ذبائحكم.
وقيل: المعنى: فاجتنبوا الرجس من الأوثان واجتنبوا قول الزور.
﴿فَإِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُواْ﴾، أي: اخضعوا بالطاعة.
* *
﴿وَبَشِّرِ ٱلْمُخْبِتِينَ﴾.
أي: الخاشعين المطمئنين إلى الله، قاله مجاهد.
قال ابن عيينة: "المخبتين": المطمئنين.
وقال قتادة: المتواضعين.
وقيل: المخبتون: الذين لا يظلمون الناس، وإذا ظلموا لم ينتصروا.
والخبت في اللغة: المكان المطمئن المنخفض، والزور: الباطل.
وقيل: إنه أريد به في هذا الموضع الكذب.
وقيل: المخبتين: المخلصين.
* *
ثم قال تعالى: ﴿ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾.
أي: خشعت قلوبهم وجلاً من عقابه.
قال ابن زيد: وجلت قلوبهم: لا تقسوا ﴿وَٱلصَّابِرِينَ عَلَىٰ مَآ أَصَابَهُمْ﴾ أي: من شدة في أمر الله. ﴿وَٱلْمُقِيمِي ٱلصَّلاَةِ﴾ "يعني المفروضة" وما رزقناهم ينفقون، أي: يزكون وينفقون على عيالهم.
* *
ثم قال: ﴿وَٱلْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِّن شَعَائِرِ ٱللَّهِ﴾.
أي: هي ما أشعرهم الله به، وأعلمهم إياه من أمر دينه. فبين أن ذبح البدن هو مما أعلمهم الله به من أمور دينه والتقرب إليه به. أي: من إعلام الله، أمركم بنحرها في مناسك حجكم إذا قلدتموها وأشعرتموها.
"والبدن" جمع بدنة، كخشبة وخشب، إلا أن الإسكان في "بدن" أحسن، والضم في "خشب" أحسن، لأن بدناً أصله النعت، لأنه من البدانة وهو السمن وخشبة اسم غير نعت. والنعت أثقل من الاسم، فكان إسكانه وتخفيفه أولى من الاسم.
"والبدن": الإبل. وإنما سميت بدناً لأجل السمانة والعظم. وقوله:
* *
﴿لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ﴾.
أي: أجر في الآخرة بنحرها والصدقة منها وفي الدنيا: الركوب إذا احتيج إلى ركوبها.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَٱذْكُرُواْ ٱسْمَ ٱللَّهِ عَلَيْهَا صَوَآفَّ﴾ أي: انحروها واذكروا اسم الله عليها قائمة على ثلاثة تعقل اليد اليسرى.
وقال ابن عباس: ﴿فَٱذْكُرُواْ ٱسْمَ ٱللَّهِ عَلَيْهَا﴾ قال: الله أكبر، الله أكبر، اللهم منك ولك. ﴿صَوَآفَّ﴾ قياماً على ثلاثة.
وقرأ الحسن والأعرج: صَوَافِي، جمع صافية، ومعناها مخلصين في نحرها لله لا شرك فيها لأحد.
وقرأ ابن مسعود: صَوَافِنَ. جمع صافنة، وهي القائمة على ثلاث.
وروي عن مجاهد أنه قال: "صواف"، قائمة على أربع مصفوفة. و "صوافن": قائمة على ثلاث.
قال قتادة: معقولة اليد اليمنى.
وقال مجاهد: "اليسرى".
ونحر النبي ﷺ بدنة قياماً. ودل على ذلك قوله: ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا﴾.
أي: إذا سقطت على جنوبها. وهو قول: مالك والشافعي وأحمد وأصحاب الرأي. واستحب عطاء أن تنحر باركة معقولة لئلا تؤذي بدمها أحداً. وقد روى جابر أن رسول الله ﷺ وأصحابه، كانوا ينحرون البدنة معقولة اليد اليسرى قائمة على ما بقي من قوائمها.
وكان النبي ﷺ يقول إذا ذبح: بسم الله والله أكبر
وقوله تعالى: ﴿فَكُلُواْ مِنْهَا﴾. إباحة، لأن المشركين كانوا لا يأكلون من ذبائحهم، فرخص الله للمسلمين في ذلك. ثم قال: ﴿وَأَطْعِمُواْ ٱلْقَانِعَ وَٱلْمُعْتَرَّ﴾.
قال ابن عباس: القانع: المستغنى بما أعطيته وهو في بيته، والمعتر: الذي يتعرض لك ويلم [رجاء] أن تعطيه، ولا يسأل.
وقال مجاهد: "القانع" جارك، يقنع بما أعطيته. "والمعتر": الذي يتعرض لك، ولا يسألك.
وعن ابن عباس: "القانع" الذي يقنع بما عنده ولا يسأل، "والمعتر" الذي يعتريك فيسألك.
وقال قتادة: "القانع": المتعفف الجالس في بيته، "والمعتر" الذي يعتريك فيسألك.
وقال الحسن: "القانع" السائل، "والمعتر: الذي يتعرض ولا يسأل.
وكذلك قال زيد بن أسلم وابن جبير أن القانع: السائل.
وعن مجاهد: "القانع" جارك وإن كان غنياً. "والمعتر": الذي يعتريك.
وعن زيد بن أسلم أيضاً: "القانع": المسكين الطواف. "والمعتر": الصديق الضعيف الذي يزور.
وقال محمد بن كعب القرظي: "القانع": الذي يقنع بالشيء اليسير يرضى به، و "المعتر" الذي يمر بجانبك ولا يسأل شيئاً.
وقيل: "القانع" الذي هو فقير لا يسأل. "والمعتر" الفقير الذي يسأل.
وعن مجاهد: "القانع": الطامع. "والمعتر" الذي يعتر من غني أو فقير.
وقال عكرمة: "القانع": الطامع.
وقال ابن زيد: "القانع": المسكين. "والمعتر": الذي يتعرض للحم وليس له ذبيحة، يجيء إلى القوم من أجل لحمهم.
وقال مالك: أحسن ما سمعت أن القانع هو الفقير، وأن "المعتر" هو الزائر.
يقال: قنع الرجل يقنع قنوعاً، إذا سأل، وقنع يقنع قناعة، إذا رضي "فهو قنع".
وقرأ أبو رجاء: ﴿وَأَطْعِمُواْ ٱلْقَانِعَ﴾ على معنى الذي يرضى بما عنده.
وقرأ الحسن: ﴿وَٱلْمُعْتَرَّ﴾ وهي لغة فيه، يقال: اعتره واعتراه إذا تعرض لما عنده، وإن طلبه.
* *
ثم قال: ﴿كَذٰلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾.
أي: هكذا سخرنا لكم البدن لعلكم تشكرون على تسخيرها أيها الناس.
الحج 22:37
قوله تعالى: ﴿لَن يَنَالَ ٱللَّهَ لُحُومُهَا وَلاَ دِمَآؤُهَا﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾.
أي: لن يصل إلى الله لحوم هديكم، ولا دماؤها ولكن يناله اتقاؤكم إياه وإرادتكم بها وجهه وتعظيمكم حرماته. وتقديره: لن يتقبل الله لحوم هديكم ولا دماؤها، وإنما يتقبل إخلاصكم لله وتعظيمكم لحرماته.
وقيل: المعنى: لن يبلغ رضا الله لحومها ولا دماؤها ولا يرضيه ذلك عنكم، ولكن يبلغ رضاه التقوى منكم، ويرضيه ذلك عنكم.
وفي الكلام مجاز وتوسع، إذا أتى "لن ينال الله" في موضع لن يبلغ رضا الله وحَسُنَ ذلك، لأن كل من نال شيئاً فقد بلغه.
وقال ابن عباس: كانوا في الجاهلية ينضحون بدم البدن ما حول البيت، فأراد المسلمون أن يفعلوا ذلك فأنزل الله الآية.
* *
ثم قال: ﴿كَذٰلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُواْ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ﴾.
أي: هكذا سخر لكم البدن لكي تعظموا الله على توفيقه لكم لدينه والنسك في حجكم.
وقيل: معناه: لتكبروا الله على ذبحكم في الأيام المعلومات.
﴿وَبَشِّرِ ٱلْمُحْسِنِينَ﴾ أي: وبشر يا محمد الذين أطاعوا الله فأحسنوا في طاعتهم إياه في الدنيا بالجنة إلى الآخرة.
* *
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ﴾.
أي: يصرف عن المؤمنين مرة بعد مرة غائلة المشركين وما يريدون بالمؤمنين. فيكون "يدافع" على معنى: تكرير الفعل من الله، لا على معنى مدافعة اثنين. وهذا كقوله: فيضاعفه له: فيفاعل للتكرير. أي: يضعف له مرة بعد مرة، لا أن ثم فاعلين مثل: قاتل.
ومن قرأ. يَدْفَعُ: أراد مرة واحدة. وعدل من يفاعل، لأن أكثر باب المفاعلة أن يكون من اثنين، والله تعالى ذكره، لا يمانعه شيء.
وقيل: معناه: أن الله يدفع عن المؤمنين شدائد الآخرة وكثيراً من شدائد الدنيا.
* *
ثم قال: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ﴾.
أي: كل من خان الله فخالف أمره ونهيه، وجحد كتبه ورسله.
ومعنى لا يحب كل كفار أي: لا يحب إكرامه وإعزازه، بمعنى لا يريد ذلك كما يريده بالمؤمنين، فعنى الله بهذه الآية دفعه تعالى ذكره كفار قريش عمن كان بين أظهرهم من المؤمنين قبل هجرتهم.
و "خوان" فعال: من الخيانة وهو من أبنية المبالغة وكذلك كفور.
* *
ثم قال تعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُواْ﴾.
أي: أذن الله للذين يقاتلهم المشركون أن يقاتلوهم. ففي الكلام حذف على قراءة من فتح التاء. ومن كسر التاء، فمعناه: أذن الله للذين يقاتلون المشركين في سبيله بالقتال لظلم المشركين لهم: فثم حذف أيضاً.
وقرأ ابن عباس: ﴿يُقَاتَلُونَ﴾ بكسر التاء. وقال: هي أول آية نزلت في القتال لما خرج رسول الله ﷺ من مكة. وقال: عنى الله بها محمداً وأصحابه إذ أخرجوا من مكة إلى المدينة. يقول الله: ﴿وَإِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾. قال ابن عباس: لما خرج النبي ﷺ من مكة، قال أبو بكر: أخرجوا نبيهم، إنا لله وإنا إليه راجعون، ليهلكن، فأنزل الله: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ...﴾ الآية.
قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه: فعرفت أنه سيكون قتال، وكذلك قال الضحاك.
وقال ابن زيد: أذن لهم في قتالهم بعدما عفا عنهم عشر سنين. وقرأ: ﴿ٱلَّذِينَ أُخْرِجُواْ مِن دِيَارِهِم بِغَيْرِ حَقٍّ﴾. وقال: هؤلاء المؤمنين.
وقيل: إن هذه الآية إذن للنبي ﷺ بالخروج من مكة وقتال المشركين، لأن الآية نزلت بمكة، وبعقبها خرج النبي من مكة إلى المدينة، ثم بعقب ذلك كانت وقعة بدر، وهو النصر الذي وعدهم الله في قوله: ﴿وَإِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾.
ومعنى: بأنهم ظلموا" أي: لأنهم ظلموا. فمن أجل الظلم الذي لحقهم أذن لهم في قتال من ظلمهم، فأخرجهم من ديارهم ووعدهم بالنصر على من ظلمهم بقوله: ﴿وَإِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾.
وقال مجاهد: الآية مخصوصة، نزلت في قوم خرجوا مهاجرين من مكة إلى المدينة ، فكانوا يمنعون، فأذن الله عز وجل للمؤمنين بقتال الكفار فقاتلوهم حين أرادوا ردهم عن الهجرة.
قال مجاهد وقتادة: هي أول آية نزلت في القتال.
وقال الضحاك: "كان أصحاب النبي ﷺ أستأذنوه في قتال الكفار بمكة قبل الهجرة فأنزل الله: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ﴾. فلما هاجر رسول الله وأصحابه إلى المدينة، أطلق الله لهم قتل الكفار وقتالهم فقال: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ...﴾ الآية. فالآية ناسخة عند الجميع لكل ما في القرآن من الأمر بالصفح عنهم، والصبر على أذاهم والمنع من قتالهم.
وقال ابن زيد: هذا ناسخ لقوله: ﴿وَذَرُواْ ٱلَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِيۤ أَسْمَآئِهِ﴾ وخولف في ذلك، لأن هذا تهدد ووعيد، فلا ينسخ.
ومعنى: "بأنهم ظلموا" بسبب ظلمهم.
* *
ثم قال: ﴿وَإِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ هذا وعد من الله للمؤمنين بالنصر، فقد فعل تعالى ذلك بالمؤمنين، أعزهم ونصرهم، وأعلى كلمتهم. وأهلك عدوهم.
* *
ثم قال: ﴿ٱلَّذِينَ أُخْرِجُواْ مِن دِيَارِهِم بِغَيْرِ حَقٍّ﴾.
تقديره: أذن للذين أخرجوا من ديارهم بغير حق.
فالذين: بدل من الذين الأولى ويجوز أن يكون في موضع رفع على إضمار مبتدأ. أو في موضع نصب على إضمار أعني.
وقوله: إلا أن يقولوا."إن": في موضع خفض بدل من حق. هذا قول: الفراء وأبي إسحاق.
وقال سيبويه: هي في موضع نصب استثناء ليس من الأول. فمعنى الآية: أذن للذين يقاتلون الذين أخرجوا من ديارهم. يعني من مكة، أخرجهم كفار قريش بغير حق إلا بتوحيدهم الله، وذلك أن كفار قريش كانوا يسبون المؤمنين، ويعذبونهم ويوعدونهم حتى اضطروهم إلى الخروج عنهم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَلَوْلاَ دَفْعُ ٱللَّهِ ٱلنَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ﴾.
قال ابن جريج: معناه: ولولا دفاع الله المشركين بالمؤمنين.
وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: إنما نزلت هذه الآية في أصحابِ رسول الله ﷺ لولا ما يدفع الله بأصحاب محمد ﷺ عن التابعين لهدمت صوامع وبيع.
وقال ابن زيد: المعنى: لولا الجهاد والقتال في سبيل الله.
وقال علي بن أبي طالب: نزلت الآية في أصحاب رسول الله ﷺ. فالمعنى: لولا دفاع الله المشركين بأصحاب رسول الله، لهدمت صوامع وبيع.
وقيل: معناه: لولا أن الله يدفع أي يأخذ الحقوق والشهادات لمن أوجب قبول شهادته عمن لا يجوز قبول شهادته، فتركوا المظالم من أجل ذلك، لتظالم الناس، فهدمت صوامع، قاله: مجاهد.
وقال أبو الدرداء معنى: لولا أن الله يدفع بمن في المساجد عمن ليس في المساجد، وبمن يغزو عمن ليس يغزو. لأتاهم العذاب ولاختلفوا، فهدمت صوامع.
قال مجاهد والضحاك: هي صوامع الرهبان يبنونها على الطريق.
وقال قتادة: هي صوامع الصابئين. وقال البيع: بيع النصارى.
وقال مجاهد: البِيَع: كنائس اليهود.
وقال ابن زيد: البيع: الكنائس.
وقال ابن عباس: الصلوات: الكنائس، يعني: ومواضع صلوات.
وقال الضحاك: هي كنائس اليهود، يسمون الكنائس صلوات، وقاله: قتادة.
وقال أبو العالية: الصَّلَوَاتُ: مساجد الصابئين.
وقال مجاهد: هي مساجد لأهل الكتاب، ولأهل الإسلام على الطرق.
وقال ابن زيد: هي صلوات أهل الإسلام، تنقطع إذا دخل العدو عليهم. يعني النوافر. قال: وتهدم المساجد كما صنع بختنصر.
وقوله: "وَمَسَاجِدُ" قال قتادة: هي مساجد المسلمين.
* *
وقوله: ﴿يُذْكَرُ فِيهَا ٱسمُ ٱللَّهِ﴾.
يعني: في المساجد، لأنها أقرب إلى الضمير من غيرها. وقيل الضمير في "فيها" يعود على جميع ما ذكره ومعناه: يذكر فيها اسم الله في وقت شرائعهم وإقامتهم للحق.
قال خصيف: أما الصوامع، فصوامع الرهبان وأما "البيع"، فكنائس النصارى، وأما "الصلوات" فكنائس اليهود، وأما "المساجد" فمساجد المسلمين.
ومعنى: "وصلوات" أي: مواضع صلوات، قاله: أبو حاتم.
وقال الحسن: هدمها: تركها.
وقال الأخفش: التقدير: وتركت صلوات.
وقرأ عاصم الجحدري: "وصُلُوب" بالباء المعجمة، واحدة من أسفل من غير ألف بعد الواو، وضم اللام، يريد به الصلبان، كأنه اسم للجمع على فعول.
وقرأه جعفر بن محمد، بإسكان اللام، وبالتاء المعجمة، باثنتين من فوق.
ويروى أن مساجد اليهود تسمى صلوات.
وعن مجاهد أنه قرأ: وَصِلْوِيتاً، بالياء والتاء، وبكسر الصاد والواو وإسكان اللام، وقال: هي القباب على شاطئ الأنهار.
وقرأ الضحاك، بضم اللام من غير ألف بعد الواو على وزن فعول وبالثاء المعجمة، ثلاثة من فوق.
وروي: أن مساجد الصابئين تسمى صُلُوثاً، وبذلك قرأ الكبي أعني بالثاء المعجمة ثلاثاً من فوق.
ومعنى: "لهدمت" لضيعت وتركت.
ومن جعل الضمير في "يذكر فيها" يعود على المساجد خاصة، وقف على صلوات، وهو قول نافع.
* *
ثم قال: ﴿وَلَيَنصُرَنَّ ٱللَّهُ مَن يَنصُرُهُ﴾ أي: وليعينن الله من يقاتل في سبيله فيجعل كلمته العليا، كما أنه إنما يقاتل لتكون كلمة الله هي العليا.
﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ أي: قوي على نصر من جاهد في سبيله، ونصر دينه منيع لا يغلبه غالب.
الحج 22:38
قوله تعالى: ﴿لَن يَنَالَ ٱللَّهَ لُحُومُهَا وَلاَ دِمَآؤُهَا﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾.
أي: لن يصل إلى الله لحوم هديكم، ولا دماؤها ولكن يناله اتقاؤكم إياه وإرادتكم بها وجهه وتعظيمكم حرماته. وتقديره: لن يتقبل الله لحوم هديكم ولا دماؤها، وإنما يتقبل إخلاصكم لله وتعظيمكم لحرماته.
وقيل: المعنى: لن يبلغ رضا الله لحومها ولا دماؤها ولا يرضيه ذلك عنكم، ولكن يبلغ رضاه التقوى منكم، ويرضيه ذلك عنكم.
وفي الكلام مجاز وتوسع، إذا أتى "لن ينال الله" في موضع لن يبلغ رضا الله وحَسُنَ ذلك، لأن كل من نال شيئاً فقد بلغه.
وقال ابن عباس: كانوا في الجاهلية ينضحون بدم البدن ما حول البيت، فأراد المسلمون أن يفعلوا ذلك فأنزل الله الآية.
* *
ثم قال: ﴿كَذٰلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُواْ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ﴾.
أي: هكذا سخر لكم البدن لكي تعظموا الله على توفيقه لكم لدينه والنسك في حجكم.
وقيل: معناه: لتكبروا الله على ذبحكم في الأيام المعلومات.
﴿وَبَشِّرِ ٱلْمُحْسِنِينَ﴾ أي: وبشر يا محمد الذين أطاعوا الله فأحسنوا في طاعتهم إياه في الدنيا بالجنة إلى الآخرة.
* *
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ﴾.
أي: يصرف عن المؤمنين مرة بعد مرة غائلة المشركين وما يريدون بالمؤمنين. فيكون "يدافع" على معنى: تكرير الفعل من الله، لا على معنى مدافعة اثنين. وهذا كقوله: فيضاعفه له: فيفاعل للتكرير. أي: يضعف له مرة بعد مرة، لا أن ثم فاعلين مثل: قاتل.
ومن قرأ. يَدْفَعُ: أراد مرة واحدة. وعدل من يفاعل، لأن أكثر باب المفاعلة أن يكون من اثنين، والله تعالى ذكره، لا يمانعه شيء.
وقيل: معناه: أن الله يدفع عن المؤمنين شدائد الآخرة وكثيراً من شدائد الدنيا.
* *
ثم قال: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ﴾.
أي: كل من خان الله فخالف أمره ونهيه، وجحد كتبه ورسله.
ومعنى لا يحب كل كفار أي: لا يحب إكرامه وإعزازه، بمعنى لا يريد ذلك كما يريده بالمؤمنين، فعنى الله بهذه الآية دفعه تعالى ذكره كفار قريش عمن كان بين أظهرهم من المؤمنين قبل هجرتهم.
و "خوان" فعال: من الخيانة وهو من أبنية المبالغة وكذلك كفور.
* *
ثم قال تعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُواْ﴾.
أي: أذن الله للذين يقاتلهم المشركون أن يقاتلوهم. ففي الكلام حذف على قراءة من فتح التاء. ومن كسر التاء، فمعناه: أذن الله للذين يقاتلون المشركين في سبيله بالقتال لظلم المشركين لهم: فثم حذف أيضاً.
وقرأ ابن عباس: ﴿يُقَاتَلُونَ﴾ بكسر التاء. وقال: هي أول آية نزلت في القتال لما خرج رسول الله ﷺ من مكة. وقال: عنى الله بها محمداً وأصحابه إذ أخرجوا من مكة إلى المدينة. يقول الله: ﴿وَإِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾. قال ابن عباس: لما خرج النبي ﷺ من مكة، قال أبو بكر: أخرجوا نبيهم، إنا لله وإنا إليه راجعون، ليهلكن، فأنزل الله: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ...﴾ الآية.
قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه: فعرفت أنه سيكون قتال، وكذلك قال الضحاك.
وقال ابن زيد: أذن لهم في قتالهم بعدما عفا عنهم عشر سنين. وقرأ: ﴿ٱلَّذِينَ أُخْرِجُواْ مِن دِيَارِهِم بِغَيْرِ حَقٍّ﴾. وقال: هؤلاء المؤمنين.
وقيل: إن هذه الآية إذن للنبي ﷺ بالخروج من مكة وقتال المشركين، لأن الآية نزلت بمكة، وبعقبها خرج النبي من مكة إلى المدينة، ثم بعقب ذلك كانت وقعة بدر، وهو النصر الذي وعدهم الله في قوله: ﴿وَإِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾.
ومعنى: بأنهم ظلموا" أي: لأنهم ظلموا. فمن أجل الظلم الذي لحقهم أذن لهم في قتال من ظلمهم، فأخرجهم من ديارهم ووعدهم بالنصر على من ظلمهم بقوله: ﴿وَإِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾.
وقال مجاهد: الآية مخصوصة، نزلت في قوم خرجوا مهاجرين من مكة إلى المدينة ، فكانوا يمنعون، فأذن الله عز وجل للمؤمنين بقتال الكفار فقاتلوهم حين أرادوا ردهم عن الهجرة.
قال مجاهد وقتادة: هي أول آية نزلت في القتال.
وقال الضحاك: "كان أصحاب النبي ﷺ أستأذنوه في قتال الكفار بمكة قبل الهجرة فأنزل الله: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ﴾. فلما هاجر رسول الله وأصحابه إلى المدينة، أطلق الله لهم قتل الكفار وقتالهم فقال: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ...﴾ الآية. فالآية ناسخة عند الجميع لكل ما في القرآن من الأمر بالصفح عنهم، والصبر على أذاهم والمنع من قتالهم.
وقال ابن زيد: هذا ناسخ لقوله: ﴿وَذَرُواْ ٱلَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِيۤ أَسْمَآئِهِ﴾ وخولف في ذلك، لأن هذا تهدد ووعيد، فلا ينسخ.
ومعنى: "بأنهم ظلموا" بسبب ظلمهم.
* *
ثم قال: ﴿وَإِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ هذا وعد من الله للمؤمنين بالنصر، فقد فعل تعالى ذلك بالمؤمنين، أعزهم ونصرهم، وأعلى كلمتهم. وأهلك عدوهم.
* *
ثم قال: ﴿ٱلَّذِينَ أُخْرِجُواْ مِن دِيَارِهِم بِغَيْرِ حَقٍّ﴾.
تقديره: أذن للذين أخرجوا من ديارهم بغير حق.
فالذين: بدل من الذين الأولى ويجوز أن يكون في موضع رفع على إضمار مبتدأ. أو في موضع نصب على إضمار أعني.
وقوله: إلا أن يقولوا."إن": في موضع خفض بدل من حق. هذا قول: الفراء وأبي إسحاق.
وقال سيبويه: هي في موضع نصب استثناء ليس من الأول. فمعنى الآية: أذن للذين يقاتلون الذين أخرجوا من ديارهم. يعني من مكة، أخرجهم كفار قريش بغير حق إلا بتوحيدهم الله، وذلك أن كفار قريش كانوا يسبون المؤمنين، ويعذبونهم ويوعدونهم حتى اضطروهم إلى الخروج عنهم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَلَوْلاَ دَفْعُ ٱللَّهِ ٱلنَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ﴾.
قال ابن جريج: معناه: ولولا دفاع الله المشركين بالمؤمنين.
وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: إنما نزلت هذه الآية في أصحابِ رسول الله ﷺ لولا ما يدفع الله بأصحاب محمد ﷺ عن التابعين لهدمت صوامع وبيع.
وقال ابن زيد: المعنى: لولا الجهاد والقتال في سبيل الله.
وقال علي بن أبي طالب: نزلت الآية في أصحاب رسول الله ﷺ. فالمعنى: لولا دفاع الله المشركين بأصحاب رسول الله، لهدمت صوامع وبيع.
وقيل: معناه: لولا أن الله يدفع أي يأخذ الحقوق والشهادات لمن أوجب قبول شهادته عمن لا يجوز قبول شهادته، فتركوا المظالم من أجل ذلك، لتظالم الناس، فهدمت صوامع، قاله: مجاهد.
وقال أبو الدرداء معنى: لولا أن الله يدفع بمن في المساجد عمن ليس في المساجد، وبمن يغزو عمن ليس يغزو. لأتاهم العذاب ولاختلفوا، فهدمت صوامع.
قال مجاهد والضحاك: هي صوامع الرهبان يبنونها على الطريق.
وقال قتادة: هي صوامع الصابئين. وقال البيع: بيع النصارى.
وقال مجاهد: البِيَع: كنائس اليهود.
وقال ابن زيد: البيع: الكنائس.
وقال ابن عباس: الصلوات: الكنائس، يعني: ومواضع صلوات.
وقال الضحاك: هي كنائس اليهود، يسمون الكنائس صلوات، وقاله: قتادة.
وقال أبو العالية: الصَّلَوَاتُ: مساجد الصابئين.
وقال مجاهد: هي مساجد لأهل الكتاب، ولأهل الإسلام على الطرق.
وقال ابن زيد: هي صلوات أهل الإسلام، تنقطع إذا دخل العدو عليهم. يعني النوافر. قال: وتهدم المساجد كما صنع بختنصر.
وقوله: "وَمَسَاجِدُ" قال قتادة: هي مساجد المسلمين.
* *
وقوله: ﴿يُذْكَرُ فِيهَا ٱسمُ ٱللَّهِ﴾.
يعني: في المساجد، لأنها أقرب إلى الضمير من غيرها. وقيل الضمير في "فيها" يعود على جميع ما ذكره ومعناه: يذكر فيها اسم الله في وقت شرائعهم وإقامتهم للحق.
قال خصيف: أما الصوامع، فصوامع الرهبان وأما "البيع"، فكنائس النصارى، وأما "الصلوات" فكنائس اليهود، وأما "المساجد" فمساجد المسلمين.
ومعنى: "وصلوات" أي: مواضع صلوات، قاله: أبو حاتم.
وقال الحسن: هدمها: تركها.
وقال الأخفش: التقدير: وتركت صلوات.
وقرأ عاصم الجحدري: "وصُلُوب" بالباء المعجمة، واحدة من أسفل من غير ألف بعد الواو، وضم اللام، يريد به الصلبان، كأنه اسم للجمع على فعول.
وقرأه جعفر بن محمد، بإسكان اللام، وبالتاء المعجمة، باثنتين من فوق.
ويروى أن مساجد اليهود تسمى صلوات.
وعن مجاهد أنه قرأ: وَصِلْوِيتاً، بالياء والتاء، وبكسر الصاد والواو وإسكان اللام، وقال: هي القباب على شاطئ الأنهار.
وقرأ الضحاك، بضم اللام من غير ألف بعد الواو على وزن فعول وبالثاء المعجمة، ثلاثة من فوق.
وروي: أن مساجد الصابئين تسمى صُلُوثاً، وبذلك قرأ الكبي أعني بالثاء المعجمة ثلاثاً من فوق.
ومعنى: "لهدمت" لضيعت وتركت.
ومن جعل الضمير في "يذكر فيها" يعود على المساجد خاصة، وقف على صلوات، وهو قول نافع.
* *
ثم قال: ﴿وَلَيَنصُرَنَّ ٱللَّهُ مَن يَنصُرُهُ﴾ أي: وليعينن الله من يقاتل في سبيله فيجعل كلمته العليا، كما أنه إنما يقاتل لتكون كلمة الله هي العليا.
﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ أي: قوي على نصر من جاهد في سبيله، ونصر دينه منيع لا يغلبه غالب.
الحج 22:39
قوله تعالى: ﴿لَن يَنَالَ ٱللَّهَ لُحُومُهَا وَلاَ دِمَآؤُهَا﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾.
أي: لن يصل إلى الله لحوم هديكم، ولا دماؤها ولكن يناله اتقاؤكم إياه وإرادتكم بها وجهه وتعظيمكم حرماته. وتقديره: لن يتقبل الله لحوم هديكم ولا دماؤها، وإنما يتقبل إخلاصكم لله وتعظيمكم لحرماته.
وقيل: المعنى: لن يبلغ رضا الله لحومها ولا دماؤها ولا يرضيه ذلك عنكم، ولكن يبلغ رضاه التقوى منكم، ويرضيه ذلك عنكم.
وفي الكلام مجاز وتوسع، إذا أتى "لن ينال الله" في موضع لن يبلغ رضا الله وحَسُنَ ذلك، لأن كل من نال شيئاً فقد بلغه.
وقال ابن عباس: كانوا في الجاهلية ينضحون بدم البدن ما حول البيت، فأراد المسلمون أن يفعلوا ذلك فأنزل الله الآية.
* *
ثم قال: ﴿كَذٰلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُواْ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ﴾.
أي: هكذا سخر لكم البدن لكي تعظموا الله على توفيقه لكم لدينه والنسك في حجكم.
وقيل: معناه: لتكبروا الله على ذبحكم في الأيام المعلومات.
﴿وَبَشِّرِ ٱلْمُحْسِنِينَ﴾ أي: وبشر يا محمد الذين أطاعوا الله فأحسنوا في طاعتهم إياه في الدنيا بالجنة إلى الآخرة.
* *
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ﴾.
أي: يصرف عن المؤمنين مرة بعد مرة غائلة المشركين وما يريدون بالمؤمنين. فيكون "يدافع" على معنى: تكرير الفعل من الله، لا على معنى مدافعة اثنين. وهذا كقوله: فيضاعفه له: فيفاعل للتكرير. أي: يضعف له مرة بعد مرة، لا أن ثم فاعلين مثل: قاتل.
ومن قرأ. يَدْفَعُ: أراد مرة واحدة. وعدل من يفاعل، لأن أكثر باب المفاعلة أن يكون من اثنين، والله تعالى ذكره، لا يمانعه شيء.
وقيل: معناه: أن الله يدفع عن المؤمنين شدائد الآخرة وكثيراً من شدائد الدنيا.
* *
ثم قال: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ﴾.
أي: كل من خان الله فخالف أمره ونهيه، وجحد كتبه ورسله.
ومعنى لا يحب كل كفار أي: لا يحب إكرامه وإعزازه، بمعنى لا يريد ذلك كما يريده بالمؤمنين، فعنى الله بهذه الآية دفعه تعالى ذكره كفار قريش عمن كان بين أظهرهم من المؤمنين قبل هجرتهم.
و "خوان" فعال: من الخيانة وهو من أبنية المبالغة وكذلك كفور.
* *
ثم قال تعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُواْ﴾.
أي: أذن الله للذين يقاتلهم المشركون أن يقاتلوهم. ففي الكلام حذف على قراءة من فتح التاء. ومن كسر التاء، فمعناه: أذن الله للذين يقاتلون المشركين في سبيله بالقتال لظلم المشركين لهم: فثم حذف أيضاً.
وقرأ ابن عباس: ﴿يُقَاتَلُونَ﴾ بكسر التاء. وقال: هي أول آية نزلت في القتال لما خرج رسول الله ﷺ من مكة. وقال: عنى الله بها محمداً وأصحابه إذ أخرجوا من مكة إلى المدينة. يقول الله: ﴿وَإِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾. قال ابن عباس: لما خرج النبي ﷺ من مكة، قال أبو بكر: أخرجوا نبيهم، إنا لله وإنا إليه راجعون، ليهلكن، فأنزل الله: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ...﴾ الآية.
قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه: فعرفت أنه سيكون قتال، وكذلك قال الضحاك.
وقال ابن زيد: أذن لهم في قتالهم بعدما عفا عنهم عشر سنين. وقرأ: ﴿ٱلَّذِينَ أُخْرِجُواْ مِن دِيَارِهِم بِغَيْرِ حَقٍّ﴾. وقال: هؤلاء المؤمنين.
وقيل: إن هذه الآية إذن للنبي ﷺ بالخروج من مكة وقتال المشركين، لأن الآية نزلت بمكة، وبعقبها خرج النبي من مكة إلى المدينة، ثم بعقب ذلك كانت وقعة بدر، وهو النصر الذي وعدهم الله في قوله: ﴿وَإِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾.
ومعنى: بأنهم ظلموا" أي: لأنهم ظلموا. فمن أجل الظلم الذي لحقهم أذن لهم في قتال من ظلمهم، فأخرجهم من ديارهم ووعدهم بالنصر على من ظلمهم بقوله: ﴿وَإِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾.
وقال مجاهد: الآية مخصوصة، نزلت في قوم خرجوا مهاجرين من مكة إلى المدينة ، فكانوا يمنعون، فأذن الله عز وجل للمؤمنين بقتال الكفار فقاتلوهم حين أرادوا ردهم عن الهجرة.
قال مجاهد وقتادة: هي أول آية نزلت في القتال.
وقال الضحاك: "كان أصحاب النبي ﷺ أستأذنوه في قتال الكفار بمكة قبل الهجرة فأنزل الله: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ﴾. فلما هاجر رسول الله وأصحابه إلى المدينة، أطلق الله لهم قتل الكفار وقتالهم فقال: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ...﴾ الآية. فالآية ناسخة عند الجميع لكل ما في القرآن من الأمر بالصفح عنهم، والصبر على أذاهم والمنع من قتالهم.
وقال ابن زيد: هذا ناسخ لقوله: ﴿وَذَرُواْ ٱلَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِيۤ أَسْمَآئِهِ﴾ وخولف في ذلك، لأن هذا تهدد ووعيد، فلا ينسخ.
ومعنى: "بأنهم ظلموا" بسبب ظلمهم.
* *
ثم قال: ﴿وَإِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ هذا وعد من الله للمؤمنين بالنصر، فقد فعل تعالى ذلك بالمؤمنين، أعزهم ونصرهم، وأعلى كلمتهم. وأهلك عدوهم.
* *
ثم قال: ﴿ٱلَّذِينَ أُخْرِجُواْ مِن دِيَارِهِم بِغَيْرِ حَقٍّ﴾.
تقديره: أذن للذين أخرجوا من ديارهم بغير حق.
فالذين: بدل من الذين الأولى ويجوز أن يكون في موضع رفع على إضمار مبتدأ. أو في موضع نصب على إضمار أعني.
وقوله: إلا أن يقولوا."إن": في موضع خفض بدل من حق. هذا قول: الفراء وأبي إسحاق.
وقال سيبويه: هي في موضع نصب استثناء ليس من الأول. فمعنى الآية: أذن للذين يقاتلون الذين أخرجوا من ديارهم. يعني من مكة، أخرجهم كفار قريش بغير حق إلا بتوحيدهم الله، وذلك أن كفار قريش كانوا يسبون المؤمنين، ويعذبونهم ويوعدونهم حتى اضطروهم إلى الخروج عنهم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَلَوْلاَ دَفْعُ ٱللَّهِ ٱلنَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ﴾.
قال ابن جريج: معناه: ولولا دفاع الله المشركين بالمؤمنين.
وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: إنما نزلت هذه الآية في أصحابِ رسول الله ﷺ لولا ما يدفع الله بأصحاب محمد ﷺ عن التابعين لهدمت صوامع وبيع.
وقال ابن زيد: المعنى: لولا الجهاد والقتال في سبيل الله.
وقال علي بن أبي طالب: نزلت الآية في أصحاب رسول الله ﷺ. فالمعنى: لولا دفاع الله المشركين بأصحاب رسول الله، لهدمت صوامع وبيع.
وقيل: معناه: لولا أن الله يدفع أي يأخذ الحقوق والشهادات لمن أوجب قبول شهادته عمن لا يجوز قبول شهادته، فتركوا المظالم من أجل ذلك، لتظالم الناس، فهدمت صوامع، قاله: مجاهد.
وقال أبو الدرداء معنى: لولا أن الله يدفع بمن في المساجد عمن ليس في المساجد، وبمن يغزو عمن ليس يغزو. لأتاهم العذاب ولاختلفوا، فهدمت صوامع.
قال مجاهد والضحاك: هي صوامع الرهبان يبنونها على الطريق.
وقال قتادة: هي صوامع الصابئين. وقال البيع: بيع النصارى.
وقال مجاهد: البِيَع: كنائس اليهود.
وقال ابن زيد: البيع: الكنائس.
وقال ابن عباس: الصلوات: الكنائس، يعني: ومواضع صلوات.
وقال الضحاك: هي كنائس اليهود، يسمون الكنائس صلوات، وقاله: قتادة.
وقال أبو العالية: الصَّلَوَاتُ: مساجد الصابئين.
وقال مجاهد: هي مساجد لأهل الكتاب، ولأهل الإسلام على الطرق.
وقال ابن زيد: هي صلوات أهل الإسلام، تنقطع إذا دخل العدو عليهم. يعني النوافر. قال: وتهدم المساجد كما صنع بختنصر.
وقوله: "وَمَسَاجِدُ" قال قتادة: هي مساجد المسلمين.
* *
وقوله: ﴿يُذْكَرُ فِيهَا ٱسمُ ٱللَّهِ﴾.
يعني: في المساجد، لأنها أقرب إلى الضمير من غيرها. وقيل الضمير في "فيها" يعود على جميع ما ذكره ومعناه: يذكر فيها اسم الله في وقت شرائعهم وإقامتهم للحق.
قال خصيف: أما الصوامع، فصوامع الرهبان وأما "البيع"، فكنائس النصارى، وأما "الصلوات" فكنائس اليهود، وأما "المساجد" فمساجد المسلمين.
ومعنى: "وصلوات" أي: مواضع صلوات، قاله: أبو حاتم.
وقال الحسن: هدمها: تركها.
وقال الأخفش: التقدير: وتركت صلوات.
وقرأ عاصم الجحدري: "وصُلُوب" بالباء المعجمة، واحدة من أسفل من غير ألف بعد الواو، وضم اللام، يريد به الصلبان، كأنه اسم للجمع على فعول.
وقرأه جعفر بن محمد، بإسكان اللام، وبالتاء المعجمة، باثنتين من فوق.
ويروى أن مساجد اليهود تسمى صلوات.
وعن مجاهد أنه قرأ: وَصِلْوِيتاً، بالياء والتاء، وبكسر الصاد والواو وإسكان اللام، وقال: هي القباب على شاطئ الأنهار.
وقرأ الضحاك، بضم اللام من غير ألف بعد الواو على وزن فعول وبالثاء المعجمة، ثلاثة من فوق.
وروي: أن مساجد الصابئين تسمى صُلُوثاً، وبذلك قرأ الكبي أعني بالثاء المعجمة ثلاثاً من فوق.
ومعنى: "لهدمت" لضيعت وتركت.
ومن جعل الضمير في "يذكر فيها" يعود على المساجد خاصة، وقف على صلوات، وهو قول نافع.
* *
ثم قال: ﴿وَلَيَنصُرَنَّ ٱللَّهُ مَن يَنصُرُهُ﴾ أي: وليعينن الله من يقاتل في سبيله فيجعل كلمته العليا، كما أنه إنما يقاتل لتكون كلمة الله هي العليا.
﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ أي: قوي على نصر من جاهد في سبيله، ونصر دينه منيع لا يغلبه غالب.
الحج 22:40
قوله تعالى: ﴿لَن يَنَالَ ٱللَّهَ لُحُومُهَا وَلاَ دِمَآؤُهَا﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾.
أي: لن يصل إلى الله لحوم هديكم، ولا دماؤها ولكن يناله اتقاؤكم إياه وإرادتكم بها وجهه وتعظيمكم حرماته. وتقديره: لن يتقبل الله لحوم هديكم ولا دماؤها، وإنما يتقبل إخلاصكم لله وتعظيمكم لحرماته.
وقيل: المعنى: لن يبلغ رضا الله لحومها ولا دماؤها ولا يرضيه ذلك عنكم، ولكن يبلغ رضاه التقوى منكم، ويرضيه ذلك عنكم.
وفي الكلام مجاز وتوسع، إذا أتى "لن ينال الله" في موضع لن يبلغ رضا الله وحَسُنَ ذلك، لأن كل من نال شيئاً فقد بلغه.
وقال ابن عباس: كانوا في الجاهلية ينضحون بدم البدن ما حول البيت، فأراد المسلمون أن يفعلوا ذلك فأنزل الله الآية.
* *
ثم قال: ﴿كَذٰلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُواْ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ﴾.
أي: هكذا سخر لكم البدن لكي تعظموا الله على توفيقه لكم لدينه والنسك في حجكم.
وقيل: معناه: لتكبروا الله على ذبحكم في الأيام المعلومات.
﴿وَبَشِّرِ ٱلْمُحْسِنِينَ﴾ أي: وبشر يا محمد الذين أطاعوا الله فأحسنوا في طاعتهم إياه في الدنيا بالجنة إلى الآخرة.
* *
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ﴾.
أي: يصرف عن المؤمنين مرة بعد مرة غائلة المشركين وما يريدون بالمؤمنين. فيكون "يدافع" على معنى: تكرير الفعل من الله، لا على معنى مدافعة اثنين. وهذا كقوله: فيضاعفه له: فيفاعل للتكرير. أي: يضعف له مرة بعد مرة، لا أن ثم فاعلين مثل: قاتل.
ومن قرأ. يَدْفَعُ: أراد مرة واحدة. وعدل من يفاعل، لأن أكثر باب المفاعلة أن يكون من اثنين، والله تعالى ذكره، لا يمانعه شيء.
وقيل: معناه: أن الله يدفع عن المؤمنين شدائد الآخرة وكثيراً من شدائد الدنيا.
* *
ثم قال: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ﴾.
أي: كل من خان الله فخالف أمره ونهيه، وجحد كتبه ورسله.
ومعنى لا يحب كل كفار أي: لا يحب إكرامه وإعزازه، بمعنى لا يريد ذلك كما يريده بالمؤمنين، فعنى الله بهذه الآية دفعه تعالى ذكره كفار قريش عمن كان بين أظهرهم من المؤمنين قبل هجرتهم.
و "خوان" فعال: من الخيانة وهو من أبنية المبالغة وكذلك كفور.
* *
ثم قال تعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُواْ﴾.
أي: أذن الله للذين يقاتلهم المشركون أن يقاتلوهم. ففي الكلام حذف على قراءة من فتح التاء. ومن كسر التاء، فمعناه: أذن الله للذين يقاتلون المشركين في سبيله بالقتال لظلم المشركين لهم: فثم حذف أيضاً.
وقرأ ابن عباس: ﴿يُقَاتَلُونَ﴾ بكسر التاء. وقال: هي أول آية نزلت في القتال لما خرج رسول الله ﷺ من مكة. وقال: عنى الله بها محمداً وأصحابه إذ أخرجوا من مكة إلى المدينة. يقول الله: ﴿وَإِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾. قال ابن عباس: لما خرج النبي ﷺ من مكة، قال أبو بكر: أخرجوا نبيهم، إنا لله وإنا إليه راجعون، ليهلكن، فأنزل الله: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ...﴾ الآية.
قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه: فعرفت أنه سيكون قتال، وكذلك قال الضحاك.
وقال ابن زيد: أذن لهم في قتالهم بعدما عفا عنهم عشر سنين. وقرأ: ﴿ٱلَّذِينَ أُخْرِجُواْ مِن دِيَارِهِم بِغَيْرِ حَقٍّ﴾. وقال: هؤلاء المؤمنين.
وقيل: إن هذه الآية إذن للنبي ﷺ بالخروج من مكة وقتال المشركين، لأن الآية نزلت بمكة، وبعقبها خرج النبي من مكة إلى المدينة، ثم بعقب ذلك كانت وقعة بدر، وهو النصر الذي وعدهم الله في قوله: ﴿وَإِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾.
ومعنى: بأنهم ظلموا" أي: لأنهم ظلموا. فمن أجل الظلم الذي لحقهم أذن لهم في قتال من ظلمهم، فأخرجهم من ديارهم ووعدهم بالنصر على من ظلمهم بقوله: ﴿وَإِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾.
وقال مجاهد: الآية مخصوصة، نزلت في قوم خرجوا مهاجرين من مكة إلى المدينة ، فكانوا يمنعون، فأذن الله عز وجل للمؤمنين بقتال الكفار فقاتلوهم حين أرادوا ردهم عن الهجرة.
قال مجاهد وقتادة: هي أول آية نزلت في القتال.
وقال الضحاك: "كان أصحاب النبي ﷺ أستأذنوه في قتال الكفار بمكة قبل الهجرة فأنزل الله: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ﴾. فلما هاجر رسول الله وأصحابه إلى المدينة، أطلق الله لهم قتل الكفار وقتالهم فقال: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ...﴾ الآية. فالآية ناسخة عند الجميع لكل ما في القرآن من الأمر بالصفح عنهم، والصبر على أذاهم والمنع من قتالهم.
وقال ابن زيد: هذا ناسخ لقوله: ﴿وَذَرُواْ ٱلَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِيۤ أَسْمَآئِهِ﴾ وخولف في ذلك، لأن هذا تهدد ووعيد، فلا ينسخ.
ومعنى: "بأنهم ظلموا" بسبب ظلمهم.
* *
ثم قال: ﴿وَإِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ هذا وعد من الله للمؤمنين بالنصر، فقد فعل تعالى ذلك بالمؤمنين، أعزهم ونصرهم، وأعلى كلمتهم. وأهلك عدوهم.
* *
ثم قال: ﴿ٱلَّذِينَ أُخْرِجُواْ مِن دِيَارِهِم بِغَيْرِ حَقٍّ﴾.
تقديره: أذن للذين أخرجوا من ديارهم بغير حق.
فالذين: بدل من الذين الأولى ويجوز أن يكون في موضع رفع على إضمار مبتدأ. أو في موضع نصب على إضمار أعني.
وقوله: إلا أن يقولوا."إن": في موضع خفض بدل من حق. هذا قول: الفراء وأبي إسحاق.
وقال سيبويه: هي في موضع نصب استثناء ليس من الأول. فمعنى الآية: أذن للذين يقاتلون الذين أخرجوا من ديارهم. يعني من مكة، أخرجهم كفار قريش بغير حق إلا بتوحيدهم الله، وذلك أن كفار قريش كانوا يسبون المؤمنين، ويعذبونهم ويوعدونهم حتى اضطروهم إلى الخروج عنهم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَلَوْلاَ دَفْعُ ٱللَّهِ ٱلنَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ﴾.
قال ابن جريج: معناه: ولولا دفاع الله المشركين بالمؤمنين.
وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: إنما نزلت هذه الآية في أصحابِ رسول الله ﷺ لولا ما يدفع الله بأصحاب محمد ﷺ عن التابعين لهدمت صوامع وبيع.
وقال ابن زيد: المعنى: لولا الجهاد والقتال في سبيل الله.
وقال علي بن أبي طالب: نزلت الآية في أصحاب رسول الله ﷺ. فالمعنى: لولا دفاع الله المشركين بأصحاب رسول الله، لهدمت صوامع وبيع.
وقيل: معناه: لولا أن الله يدفع أي يأخذ الحقوق والشهادات لمن أوجب قبول شهادته عمن لا يجوز قبول شهادته، فتركوا المظالم من أجل ذلك، لتظالم الناس، فهدمت صوامع، قاله: مجاهد.
وقال أبو الدرداء معنى: لولا أن الله يدفع بمن في المساجد عمن ليس في المساجد، وبمن يغزو عمن ليس يغزو. لأتاهم العذاب ولاختلفوا، فهدمت صوامع.
قال مجاهد والضحاك: هي صوامع الرهبان يبنونها على الطريق.
وقال قتادة: هي صوامع الصابئين. وقال البيع: بيع النصارى.
وقال مجاهد: البِيَع: كنائس اليهود.
وقال ابن زيد: البيع: الكنائس.
وقال ابن عباس: الصلوات: الكنائس، يعني: ومواضع صلوات.
وقال الضحاك: هي كنائس اليهود، يسمون الكنائس صلوات، وقاله: قتادة.
وقال أبو العالية: الصَّلَوَاتُ: مساجد الصابئين.
وقال مجاهد: هي مساجد لأهل الكتاب، ولأهل الإسلام على الطرق.
وقال ابن زيد: هي صلوات أهل الإسلام، تنقطع إذا دخل العدو عليهم. يعني النوافر. قال: وتهدم المساجد كما صنع بختنصر.
وقوله: "وَمَسَاجِدُ" قال قتادة: هي مساجد المسلمين.
* *
وقوله: ﴿يُذْكَرُ فِيهَا ٱسمُ ٱللَّهِ﴾.
يعني: في المساجد، لأنها أقرب إلى الضمير من غيرها. وقيل الضمير في "فيها" يعود على جميع ما ذكره ومعناه: يذكر فيها اسم الله في وقت شرائعهم وإقامتهم للحق.
قال خصيف: أما الصوامع، فصوامع الرهبان وأما "البيع"، فكنائس النصارى، وأما "الصلوات" فكنائس اليهود، وأما "المساجد" فمساجد المسلمين.
ومعنى: "وصلوات" أي: مواضع صلوات، قاله: أبو حاتم.
وقال الحسن: هدمها: تركها.
وقال الأخفش: التقدير: وتركت صلوات.
وقرأ عاصم الجحدري: "وصُلُوب" بالباء المعجمة، واحدة من أسفل من غير ألف بعد الواو، وضم اللام، يريد به الصلبان، كأنه اسم للجمع على فعول.
وقرأه جعفر بن محمد، بإسكان اللام، وبالتاء المعجمة، باثنتين من فوق.
ويروى أن مساجد اليهود تسمى صلوات.
وعن مجاهد أنه قرأ: وَصِلْوِيتاً، بالياء والتاء، وبكسر الصاد والواو وإسكان اللام، وقال: هي القباب على شاطئ الأنهار.
وقرأ الضحاك، بضم اللام من غير ألف بعد الواو على وزن فعول وبالثاء المعجمة، ثلاثة من فوق.
وروي: أن مساجد الصابئين تسمى صُلُوثاً، وبذلك قرأ الكبي أعني بالثاء المعجمة ثلاثاً من فوق.
ومعنى: "لهدمت" لضيعت وتركت.
ومن جعل الضمير في "يذكر فيها" يعود على المساجد خاصة، وقف على صلوات، وهو قول نافع.
* *
ثم قال: ﴿وَلَيَنصُرَنَّ ٱللَّهُ مَن يَنصُرُهُ﴾ أي: وليعينن الله من يقاتل في سبيله فيجعل كلمته العليا، كما أنه إنما يقاتل لتكون كلمة الله هي العليا.
﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ أي: قوي على نصر من جاهد في سبيله، ونصر دينه منيع لا يغلبه غالب.
الحج 22:41
قوله تعالى ذكره: ﴿ٱلَّذِينَ إِنْ مَّكَّنَّاهُمْ فِي ٱلأَرْضِ أَقَامُواْ ٱلصَّلاَةَ﴾ إلى قوله: ﴿وَقَصْرٍ مَّشِيدٍ﴾.
المعنى: الذين إن وطأنا لهم في الأرض، فقهروا المشركين وقتلوهم، أقاموا الصلاة بحدودها، وآتوا الزكاة مما يجب عليهم فيه الزكاة من أموالهم، "وأمروا بالمعروف" أي: دعوا الناس إلى توحيد الله والعمل بطاعته. "ونهوا عن المنكر" أي: عن الشرك والعمل بمعاصيه يعني بذلك: أصحاب النبي ﷺ، الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق، إلا بتوحيدهم لله وقد تقدم ذكرهم.
وقيل: إن هذه الآية مخصوصة في أربعة من أصحاب النبي ﷺ، وهم الذين أذن لهم بقتال المشركين في الآية الأولى وهم: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي رضي الله عنهم.
وقال الحسن: "هم أمة محمد ﷺ".
قال ابن أبي نجيح: "هم الولاة".
وروي: أن عثمان رضي الله عنه قال للذين أرادوا قتله: فينا نزلت هذه الآية.
﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ...﴾ إلى ﴿وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ ٱلأُمُورِ﴾. وقال: نحن الذين قوتلنا وظلمنا وأخرجنا من ديارنا بغير حق إلا أن قلنا ربنا الله، فنصرنا الله عز وجل، فمكننا في الأرض، فأقمنا الصلاة وآتينا الزكاة، وأمرنا بالمعروف، ونهينا عن المنكر، فهذه لي ولأصحابي وليست لكم.
وقال الضحاك: هذا شرط اشترطه الله على من أعطاه الله الملك من هذه الأمة.
* *
ثم قال: ﴿وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ ٱلأُمُورِ﴾.
أي: له آخر أمور الخلق، يثيب على الحسنات مع الإيمان، ويعاقب على السيئات مع الكفر.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَإِن يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ﴾.
هذه الآية تسلية لمحمد ﷺ وتعزية له، ليقوى عزمه على الصبر على ما يناله من المكذبين له، فالمعنى: أن يكذبك يا محمد هؤلاء المشركون فيما جئتهم به من الحق، فالتكذيب سنة أوليائهم من الأمم الخالية، كذبت رسلها فأمهلتهم، ثم أحللت عليهم نقمتي، ﴿فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾ أي: انظر يا محمد: كيف كان تغييري ما كان بهم من نعمة، فكذلك أفعل بقريش الذين كذبوك، وإن أمليت لهم إلى آجالهم، فإني منجزك وعيدي فيهم، كما أنجزت ذلك لغيرك من الرسل في الأمم المكذبة لهم.
* *
وقوله: ﴿وَكُذِّبَ مُوسَىٰ﴾ ولم يقل: وقوم موسى، كما قال في نوح وعاد وثمود وإبراهيم، فإنما ذلك، لأن قوم موسى هم بنو إسرائيل وكانوا مؤمنين به وإنما كذبه فرعون وقومه، وهم من القبط ليسوا من قومه فلذلك قال: وكذب موسى ولم يقل وقوم موسى.
قال أبو إسحاق: ﴿فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾ أي: أخذتهم فأنكرت أبلغ إنكار.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ﴾ أي: وكثير من القرى أهلكنا أهلها وهم ظالمون. فعبر عن إهلاك القرية وهو يريد أهلها، مثل ﴿وَسْئَلِ ٱلْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢].
فالمعنى: فما أهلكنا كثيراً من أهل القرى بظلمهم، كذلك نهلك أهل قريتك يا محمد بظلمهم إذا جاء الأجل. كل هذا تخويف وزجر لقريش و "كأين" هي كاف التشبيه دخلت على "أي" فصارتا بمنزلة "كم" في الخبر، هذا مذهب الخليل وسيبويه، والوقف على قولهما على الياء، لأنه تنوين دخل على "أي" فأما قراءة ابن كثير "وكَائِنْ" يروى عن الخليل أنه قال: من قال كإن فإنه قدم الياء الساكنة قبل الهمزة ثم خلفها بألف، كما قالوا:، إن أصل آية: إيَّة، ثم أبدلوا من الياء الساكنة ألفاً، ثم اعتلت الياء الثانية، لأنها بعد متحرك وهو الهمز فصارت كياء قاض ورام.
وقال ابن كيسان: هي أي: دخلت عليها الكاف وكثر استعمالها في الكلام حتى صار التنوين فيه بمنزلة النون الأصلية، فقالوا: كأين بنون في الوقف. قال: وفيها لغة أخرى، يقولون: كا إن، كفاعل من كنت، قال: وأصلها في المعنى كالعدد، كأنه قال كشيء من العدد لأن "أيا" شيء من الأشياء، فكأنه قال: كعدد كثير فعلنا ذلك بهم، فخرجت في الإبهام إلى باب "كم" وأكثر ما جاءت "كأي" مفسرة بـ "من" نحو: كأين من رجل رأيت فإن حذفت "من" نصبت، فقلت كأي رجلاً، كما تقول: عندي كذا وكذا درهماً فتنصب، وتقول: عندي كذا وكذا من رهم. وتقول: كم لك من درهم، وكم لك درهماً، ولو خفضت فقلت كأين رجل جاز، كما تقول: كم رجل جاءك في الخبر. فتقدير النصب في ذلك أن تجعله بمنزلة عدد فيه نون أو تنوين. وتقدير الخفض أن تجعله بمنزل عدد يضاف إلى ما بعده.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا﴾.
أي: فالقرية خالية من سكانها فخربت وتداعت، فتساقطت حيطانها على سقوفها فصارت القرية عاليه سافلها السقوف تحت الحيطان.
* *
ثم قال: ﴿وَبِئْرٍ مُّعَطَّلَةٍ﴾.
أي: تعطلت البير بهلاك أهلها ولا وارد ولا شارب منها، وخفض "البير" على العطف على العروش، وإن كان غير داخل في معنى العروش، لكنه مثل: ﴿وَحُورٌ عِينٌ﴾ [الواقعة: ٢٢] بالخفض كأنه أراد وثم بير وقصر، فلما لم يكن في الكلام ما يرفعه، عطفه على ما قبله، هذا مذهب الفراء.
وقال أبو إسحاق هو عطف على "قرية". أي: وكم من قرية وكم من بير ومن قصر.
و "البير" مشتق من بأرت الأرض، إذا حفرتها، وابتأرتها، احتفرتها.
* *
وقوله: ﴿وَقَصْرٍ مَّشِيدٍ﴾.
أي: مجصص، قاله عكرمة.
وقال الضحاك: "مشيد" طويل.
وقال أهل اللغة، شاد القصر يشيده، إذا بناه بالشيد وهو الجص. ومشيد: مفعل بمعنى مفعول، كمبيع بمعنى مبيوع. يقال قد شيد القصر: إذا طوله وأشاده أيضاً.
وقال قتادة: "مشيد": رفيع طويل.
وعن ابن عباس: أن المشيد، الحصين.
الحج 22:42
قوله تعالى ذكره: ﴿ٱلَّذِينَ إِنْ مَّكَّنَّاهُمْ فِي ٱلأَرْضِ أَقَامُواْ ٱلصَّلاَةَ﴾ إلى قوله: ﴿وَقَصْرٍ مَّشِيدٍ﴾.
المعنى: الذين إن وطأنا لهم في الأرض، فقهروا المشركين وقتلوهم، أقاموا الصلاة بحدودها، وآتوا الزكاة مما يجب عليهم فيه الزكاة من أموالهم، "وأمروا بالمعروف" أي: دعوا الناس إلى توحيد الله والعمل بطاعته. "ونهوا عن المنكر" أي: عن الشرك والعمل بمعاصيه يعني بذلك: أصحاب النبي ﷺ، الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق، إلا بتوحيدهم لله وقد تقدم ذكرهم.
وقيل: إن هذه الآية مخصوصة في أربعة من أصحاب النبي ﷺ، وهم الذين أذن لهم بقتال المشركين في الآية الأولى وهم: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي رضي الله عنهم.
وقال الحسن: "هم أمة محمد ﷺ".
قال ابن أبي نجيح: "هم الولاة".
وروي: أن عثمان رضي الله عنه قال للذين أرادوا قتله: فينا نزلت هذه الآية.
﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ...﴾ إلى ﴿وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ ٱلأُمُورِ﴾. وقال: نحن الذين قوتلنا وظلمنا وأخرجنا من ديارنا بغير حق إلا أن قلنا ربنا الله، فنصرنا الله عز وجل، فمكننا في الأرض، فأقمنا الصلاة وآتينا الزكاة، وأمرنا بالمعروف، ونهينا عن المنكر، فهذه لي ولأصحابي وليست لكم.
وقال الضحاك: هذا شرط اشترطه الله على من أعطاه الله الملك من هذه الأمة.
* *
ثم قال: ﴿وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ ٱلأُمُورِ﴾.
أي: له آخر أمور الخلق، يثيب على الحسنات مع الإيمان، ويعاقب على السيئات مع الكفر.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَإِن يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ﴾.
هذه الآية تسلية لمحمد ﷺ وتعزية له، ليقوى عزمه على الصبر على ما يناله من المكذبين له، فالمعنى: أن يكذبك يا محمد هؤلاء المشركون فيما جئتهم به من الحق، فالتكذيب سنة أوليائهم من الأمم الخالية، كذبت رسلها فأمهلتهم، ثم أحللت عليهم نقمتي، ﴿فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾ أي: انظر يا محمد: كيف كان تغييري ما كان بهم من نعمة، فكذلك أفعل بقريش الذين كذبوك، وإن أمليت لهم إلى آجالهم، فإني منجزك وعيدي فيهم، كما أنجزت ذلك لغيرك من الرسل في الأمم المكذبة لهم.
* *
وقوله: ﴿وَكُذِّبَ مُوسَىٰ﴾ ولم يقل: وقوم موسى، كما قال في نوح وعاد وثمود وإبراهيم، فإنما ذلك، لأن قوم موسى هم بنو إسرائيل وكانوا مؤمنين به وإنما كذبه فرعون وقومه، وهم من القبط ليسوا من قومه فلذلك قال: وكذب موسى ولم يقل وقوم موسى.
قال أبو إسحاق: ﴿فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾ أي: أخذتهم فأنكرت أبلغ إنكار.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ﴾ أي: وكثير من القرى أهلكنا أهلها وهم ظالمون. فعبر عن إهلاك القرية وهو يريد أهلها، مثل ﴿وَسْئَلِ ٱلْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢].
فالمعنى: فما أهلكنا كثيراً من أهل القرى بظلمهم، كذلك نهلك أهل قريتك يا محمد بظلمهم إذا جاء الأجل. كل هذا تخويف وزجر لقريش و "كأين" هي كاف التشبيه دخلت على "أي" فصارتا بمنزلة "كم" في الخبر، هذا مذهب الخليل وسيبويه، والوقف على قولهما على الياء، لأنه تنوين دخل على "أي" فأما قراءة ابن كثير "وكَائِنْ" يروى عن الخليل أنه قال: من قال كإن فإنه قدم الياء الساكنة قبل الهمزة ثم خلفها بألف، كما قالوا:، إن أصل آية: إيَّة، ثم أبدلوا من الياء الساكنة ألفاً، ثم اعتلت الياء الثانية، لأنها بعد متحرك وهو الهمز فصارت كياء قاض ورام.
وقال ابن كيسان: هي أي: دخلت عليها الكاف وكثر استعمالها في الكلام حتى صار التنوين فيه بمنزلة النون الأصلية، فقالوا: كأين بنون في الوقف. قال: وفيها لغة أخرى، يقولون: كا إن، كفاعل من كنت، قال: وأصلها في المعنى كالعدد، كأنه قال كشيء من العدد لأن "أيا" شيء من الأشياء، فكأنه قال: كعدد كثير فعلنا ذلك بهم، فخرجت في الإبهام إلى باب "كم" وأكثر ما جاءت "كأي" مفسرة بـ "من" نحو: كأين من رجل رأيت فإن حذفت "من" نصبت، فقلت كأي رجلاً، كما تقول: عندي كذا وكذا درهماً فتنصب، وتقول: عندي كذا وكذا من رهم. وتقول: كم لك من درهم، وكم لك درهماً، ولو خفضت فقلت كأين رجل جاز، كما تقول: كم رجل جاءك في الخبر. فتقدير النصب في ذلك أن تجعله بمنزلة عدد فيه نون أو تنوين. وتقدير الخفض أن تجعله بمنزل عدد يضاف إلى ما بعده.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا﴾.
أي: فالقرية خالية من سكانها فخربت وتداعت، فتساقطت حيطانها على سقوفها فصارت القرية عاليه سافلها السقوف تحت الحيطان.
* *
ثم قال: ﴿وَبِئْرٍ مُّعَطَّلَةٍ﴾.
أي: تعطلت البير بهلاك أهلها ولا وارد ولا شارب منها، وخفض "البير" على العطف على العروش، وإن كان غير داخل في معنى العروش، لكنه مثل: ﴿وَحُورٌ عِينٌ﴾ [الواقعة: ٢٢] بالخفض كأنه أراد وثم بير وقصر، فلما لم يكن في الكلام ما يرفعه، عطفه على ما قبله، هذا مذهب الفراء.
وقال أبو إسحاق هو عطف على "قرية". أي: وكم من قرية وكم من بير ومن قصر.
و "البير" مشتق من بأرت الأرض، إذا حفرتها، وابتأرتها، احتفرتها.
* *
وقوله: ﴿وَقَصْرٍ مَّشِيدٍ﴾.
أي: مجصص، قاله عكرمة.
وقال الضحاك: "مشيد" طويل.
وقال أهل اللغة، شاد القصر يشيده، إذا بناه بالشيد وهو الجص. ومشيد: مفعل بمعنى مفعول، كمبيع بمعنى مبيوع. يقال قد شيد القصر: إذا طوله وأشاده أيضاً.
وقال قتادة: "مشيد": رفيع طويل.
وعن ابن عباس: أن المشيد، الحصين.
الحج 22:43
قوله تعالى ذكره: ﴿ٱلَّذِينَ إِنْ مَّكَّنَّاهُمْ فِي ٱلأَرْضِ أَقَامُواْ ٱلصَّلاَةَ﴾ إلى قوله: ﴿وَقَصْرٍ مَّشِيدٍ﴾.
المعنى: الذين إن وطأنا لهم في الأرض، فقهروا المشركين وقتلوهم، أقاموا الصلاة بحدودها، وآتوا الزكاة مما يجب عليهم فيه الزكاة من أموالهم، "وأمروا بالمعروف" أي: دعوا الناس إلى توحيد الله والعمل بطاعته. "ونهوا عن المنكر" أي: عن الشرك والعمل بمعاصيه يعني بذلك: أصحاب النبي ﷺ، الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق، إلا بتوحيدهم لله وقد تقدم ذكرهم.
وقيل: إن هذه الآية مخصوصة في أربعة من أصحاب النبي ﷺ، وهم الذين أذن لهم بقتال المشركين في الآية الأولى وهم: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي رضي الله عنهم.
وقال الحسن: "هم أمة محمد ﷺ".
قال ابن أبي نجيح: "هم الولاة".
وروي: أن عثمان رضي الله عنه قال للذين أرادوا قتله: فينا نزلت هذه الآية.
﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ...﴾ إلى ﴿وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ ٱلأُمُورِ﴾. وقال: نحن الذين قوتلنا وظلمنا وأخرجنا من ديارنا بغير حق إلا أن قلنا ربنا الله، فنصرنا الله عز وجل، فمكننا في الأرض، فأقمنا الصلاة وآتينا الزكاة، وأمرنا بالمعروف، ونهينا عن المنكر، فهذه لي ولأصحابي وليست لكم.
وقال الضحاك: هذا شرط اشترطه الله على من أعطاه الله الملك من هذه الأمة.
* *
ثم قال: ﴿وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ ٱلأُمُورِ﴾.
أي: له آخر أمور الخلق، يثيب على الحسنات مع الإيمان، ويعاقب على السيئات مع الكفر.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَإِن يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ﴾.
هذه الآية تسلية لمحمد ﷺ وتعزية له، ليقوى عزمه على الصبر على ما يناله من المكذبين له، فالمعنى: أن يكذبك يا محمد هؤلاء المشركون فيما جئتهم به من الحق، فالتكذيب سنة أوليائهم من الأمم الخالية، كذبت رسلها فأمهلتهم، ثم أحللت عليهم نقمتي، ﴿فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾ أي: انظر يا محمد: كيف كان تغييري ما كان بهم من نعمة، فكذلك أفعل بقريش الذين كذبوك، وإن أمليت لهم إلى آجالهم، فإني منجزك وعيدي فيهم، كما أنجزت ذلك لغيرك من الرسل في الأمم المكذبة لهم.
* *
وقوله: ﴿وَكُذِّبَ مُوسَىٰ﴾ ولم يقل: وقوم موسى، كما قال في نوح وعاد وثمود وإبراهيم، فإنما ذلك، لأن قوم موسى هم بنو إسرائيل وكانوا مؤمنين به وإنما كذبه فرعون وقومه، وهم من القبط ليسوا من قومه فلذلك قال: وكذب موسى ولم يقل وقوم موسى.
قال أبو إسحاق: ﴿فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾ أي: أخذتهم فأنكرت أبلغ إنكار.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ﴾ أي: وكثير من القرى أهلكنا أهلها وهم ظالمون. فعبر عن إهلاك القرية وهو يريد أهلها، مثل ﴿وَسْئَلِ ٱلْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢].
فالمعنى: فما أهلكنا كثيراً من أهل القرى بظلمهم، كذلك نهلك أهل قريتك يا محمد بظلمهم إذا جاء الأجل. كل هذا تخويف وزجر لقريش و "كأين" هي كاف التشبيه دخلت على "أي" فصارتا بمنزلة "كم" في الخبر، هذا مذهب الخليل وسيبويه، والوقف على قولهما على الياء، لأنه تنوين دخل على "أي" فأما قراءة ابن كثير "وكَائِنْ" يروى عن الخليل أنه قال: من قال كإن فإنه قدم الياء الساكنة قبل الهمزة ثم خلفها بألف، كما قالوا:، إن أصل آية: إيَّة، ثم أبدلوا من الياء الساكنة ألفاً، ثم اعتلت الياء الثانية، لأنها بعد متحرك وهو الهمز فصارت كياء قاض ورام.
وقال ابن كيسان: هي أي: دخلت عليها الكاف وكثر استعمالها في الكلام حتى صار التنوين فيه بمنزلة النون الأصلية، فقالوا: كأين بنون في الوقف. قال: وفيها لغة أخرى، يقولون: كا إن، كفاعل من كنت، قال: وأصلها في المعنى كالعدد، كأنه قال كشيء من العدد لأن "أيا" شيء من الأشياء، فكأنه قال: كعدد كثير فعلنا ذلك بهم، فخرجت في الإبهام إلى باب "كم" وأكثر ما جاءت "كأي" مفسرة بـ "من" نحو: كأين من رجل رأيت فإن حذفت "من" نصبت، فقلت كأي رجلاً، كما تقول: عندي كذا وكذا درهماً فتنصب، وتقول: عندي كذا وكذا من رهم. وتقول: كم لك من درهم، وكم لك درهماً، ولو خفضت فقلت كأين رجل جاز، كما تقول: كم رجل جاءك في الخبر. فتقدير النصب في ذلك أن تجعله بمنزلة عدد فيه نون أو تنوين. وتقدير الخفض أن تجعله بمنزل عدد يضاف إلى ما بعده.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا﴾.
أي: فالقرية خالية من سكانها فخربت وتداعت، فتساقطت حيطانها على سقوفها فصارت القرية عاليه سافلها السقوف تحت الحيطان.
* *
ثم قال: ﴿وَبِئْرٍ مُّعَطَّلَةٍ﴾.
أي: تعطلت البير بهلاك أهلها ولا وارد ولا شارب منها، وخفض "البير" على العطف على العروش، وإن كان غير داخل في معنى العروش، لكنه مثل: ﴿وَحُورٌ عِينٌ﴾ [الواقعة: ٢٢] بالخفض كأنه أراد وثم بير وقصر، فلما لم يكن في الكلام ما يرفعه، عطفه على ما قبله، هذا مذهب الفراء.
وقال أبو إسحاق هو عطف على "قرية". أي: وكم من قرية وكم من بير ومن قصر.
و "البير" مشتق من بأرت الأرض، إذا حفرتها، وابتأرتها، احتفرتها.
* *
وقوله: ﴿وَقَصْرٍ مَّشِيدٍ﴾.
أي: مجصص، قاله عكرمة.
وقال الضحاك: "مشيد" طويل.
وقال أهل اللغة، شاد القصر يشيده، إذا بناه بالشيد وهو الجص. ومشيد: مفعل بمعنى مفعول، كمبيع بمعنى مبيوع. يقال قد شيد القصر: إذا طوله وأشاده أيضاً.
وقال قتادة: "مشيد": رفيع طويل.
وعن ابن عباس: أن المشيد، الحصين.
الحج 22:44
قوله تعالى ذكره: ﴿ٱلَّذِينَ إِنْ مَّكَّنَّاهُمْ فِي ٱلأَرْضِ أَقَامُواْ ٱلصَّلاَةَ﴾ إلى قوله: ﴿وَقَصْرٍ مَّشِيدٍ﴾.
المعنى: الذين إن وطأنا لهم في الأرض، فقهروا المشركين وقتلوهم، أقاموا الصلاة بحدودها، وآتوا الزكاة مما يجب عليهم فيه الزكاة من أموالهم، "وأمروا بالمعروف" أي: دعوا الناس إلى توحيد الله والعمل بطاعته. "ونهوا عن المنكر" أي: عن الشرك والعمل بمعاصيه يعني بذلك: أصحاب النبي ﷺ، الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق، إلا بتوحيدهم لله وقد تقدم ذكرهم.
وقيل: إن هذه الآية مخصوصة في أربعة من أصحاب النبي ﷺ، وهم الذين أذن لهم بقتال المشركين في الآية الأولى وهم: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي رضي الله عنهم.
وقال الحسن: "هم أمة محمد ﷺ".
قال ابن أبي نجيح: "هم الولاة".
وروي: أن عثمان رضي الله عنه قال للذين أرادوا قتله: فينا نزلت هذه الآية.
﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ...﴾ إلى ﴿وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ ٱلأُمُورِ﴾. وقال: نحن الذين قوتلنا وظلمنا وأخرجنا من ديارنا بغير حق إلا أن قلنا ربنا الله، فنصرنا الله عز وجل، فمكننا في الأرض، فأقمنا الصلاة وآتينا الزكاة، وأمرنا بالمعروف، ونهينا عن المنكر، فهذه لي ولأصحابي وليست لكم.
وقال الضحاك: هذا شرط اشترطه الله على من أعطاه الله الملك من هذه الأمة.
* *
ثم قال: ﴿وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ ٱلأُمُورِ﴾.
أي: له آخر أمور الخلق، يثيب على الحسنات مع الإيمان، ويعاقب على السيئات مع الكفر.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَإِن يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ﴾.
هذه الآية تسلية لمحمد ﷺ وتعزية له، ليقوى عزمه على الصبر على ما يناله من المكذبين له، فالمعنى: أن يكذبك يا محمد هؤلاء المشركون فيما جئتهم به من الحق، فالتكذيب سنة أوليائهم من الأمم الخالية، كذبت رسلها فأمهلتهم، ثم أحللت عليهم نقمتي، ﴿فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾ أي: انظر يا محمد: كيف كان تغييري ما كان بهم من نعمة، فكذلك أفعل بقريش الذين كذبوك، وإن أمليت لهم إلى آجالهم، فإني منجزك وعيدي فيهم، كما أنجزت ذلك لغيرك من الرسل في الأمم المكذبة لهم.
* *
وقوله: ﴿وَكُذِّبَ مُوسَىٰ﴾ ولم يقل: وقوم موسى، كما قال في نوح وعاد وثمود وإبراهيم، فإنما ذلك، لأن قوم موسى هم بنو إسرائيل وكانوا مؤمنين به وإنما كذبه فرعون وقومه، وهم من القبط ليسوا من قومه فلذلك قال: وكذب موسى ولم يقل وقوم موسى.
قال أبو إسحاق: ﴿فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾ أي: أخذتهم فأنكرت أبلغ إنكار.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ﴾ أي: وكثير من القرى أهلكنا أهلها وهم ظالمون. فعبر عن إهلاك القرية وهو يريد أهلها، مثل ﴿وَسْئَلِ ٱلْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢].
فالمعنى: فما أهلكنا كثيراً من أهل القرى بظلمهم، كذلك نهلك أهل قريتك يا محمد بظلمهم إذا جاء الأجل. كل هذا تخويف وزجر لقريش و "كأين" هي كاف التشبيه دخلت على "أي" فصارتا بمنزلة "كم" في الخبر، هذا مذهب الخليل وسيبويه، والوقف على قولهما على الياء، لأنه تنوين دخل على "أي" فأما قراءة ابن كثير "وكَائِنْ" يروى عن الخليل أنه قال: من قال كإن فإنه قدم الياء الساكنة قبل الهمزة ثم خلفها بألف، كما قالوا:، إن أصل آية: إيَّة، ثم أبدلوا من الياء الساكنة ألفاً، ثم اعتلت الياء الثانية، لأنها بعد متحرك وهو الهمز فصارت كياء قاض ورام.
وقال ابن كيسان: هي أي: دخلت عليها الكاف وكثر استعمالها في الكلام حتى صار التنوين فيه بمنزلة النون الأصلية، فقالوا: كأين بنون في الوقف. قال: وفيها لغة أخرى، يقولون: كا إن، كفاعل من كنت، قال: وأصلها في المعنى كالعدد، كأنه قال كشيء من العدد لأن "أيا" شيء من الأشياء، فكأنه قال: كعدد كثير فعلنا ذلك بهم، فخرجت في الإبهام إلى باب "كم" وأكثر ما جاءت "كأي" مفسرة بـ "من" نحو: كأين من رجل رأيت فإن حذفت "من" نصبت، فقلت كأي رجلاً، كما تقول: عندي كذا وكذا درهماً فتنصب، وتقول: عندي كذا وكذا من رهم. وتقول: كم لك من درهم، وكم لك درهماً، ولو خفضت فقلت كأين رجل جاز، كما تقول: كم رجل جاءك في الخبر. فتقدير النصب في ذلك أن تجعله بمنزلة عدد فيه نون أو تنوين. وتقدير الخفض أن تجعله بمنزل عدد يضاف إلى ما بعده.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا﴾.
أي: فالقرية خالية من سكانها فخربت وتداعت، فتساقطت حيطانها على سقوفها فصارت القرية عاليه سافلها السقوف تحت الحيطان.
* *
ثم قال: ﴿وَبِئْرٍ مُّعَطَّلَةٍ﴾.
أي: تعطلت البير بهلاك أهلها ولا وارد ولا شارب منها، وخفض "البير" على العطف على العروش، وإن كان غير داخل في معنى العروش، لكنه مثل: ﴿وَحُورٌ عِينٌ﴾ [الواقعة: ٢٢] بالخفض كأنه أراد وثم بير وقصر، فلما لم يكن في الكلام ما يرفعه، عطفه على ما قبله، هذا مذهب الفراء.
وقال أبو إسحاق هو عطف على "قرية". أي: وكم من قرية وكم من بير ومن قصر.
و "البير" مشتق من بأرت الأرض، إذا حفرتها، وابتأرتها، احتفرتها.
* *
وقوله: ﴿وَقَصْرٍ مَّشِيدٍ﴾.
أي: مجصص، قاله عكرمة.
وقال الضحاك: "مشيد" طويل.
وقال أهل اللغة، شاد القصر يشيده، إذا بناه بالشيد وهو الجص. ومشيد: مفعل بمعنى مفعول، كمبيع بمعنى مبيوع. يقال قد شيد القصر: إذا طوله وأشاده أيضاً.
وقال قتادة: "مشيد": رفيع طويل.
وعن ابن عباس: أن المشيد، الحصين.
الحج 22:45
قوله تعالى ذكره: ﴿ٱلَّذِينَ إِنْ مَّكَّنَّاهُمْ فِي ٱلأَرْضِ أَقَامُواْ ٱلصَّلاَةَ﴾ إلى قوله: ﴿وَقَصْرٍ مَّشِيدٍ﴾.
المعنى: الذين إن وطأنا لهم في الأرض، فقهروا المشركين وقتلوهم، أقاموا الصلاة بحدودها، وآتوا الزكاة مما يجب عليهم فيه الزكاة من أموالهم، "وأمروا بالمعروف" أي: دعوا الناس إلى توحيد الله والعمل بطاعته. "ونهوا عن المنكر" أي: عن الشرك والعمل بمعاصيه يعني بذلك: أصحاب النبي ﷺ، الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق، إلا بتوحيدهم لله وقد تقدم ذكرهم.
وقيل: إن هذه الآية مخصوصة في أربعة من أصحاب النبي ﷺ، وهم الذين أذن لهم بقتال المشركين في الآية الأولى وهم: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي رضي الله عنهم.
وقال الحسن: "هم أمة محمد ﷺ".
قال ابن أبي نجيح: "هم الولاة".
وروي: أن عثمان رضي الله عنه قال للذين أرادوا قتله: فينا نزلت هذه الآية.
﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ...﴾ إلى ﴿وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ ٱلأُمُورِ﴾. وقال: نحن الذين قوتلنا وظلمنا وأخرجنا من ديارنا بغير حق إلا أن قلنا ربنا الله، فنصرنا الله عز وجل، فمكننا في الأرض، فأقمنا الصلاة وآتينا الزكاة، وأمرنا بالمعروف، ونهينا عن المنكر، فهذه لي ولأصحابي وليست لكم.
وقال الضحاك: هذا شرط اشترطه الله على من أعطاه الله الملك من هذه الأمة.
* *
ثم قال: ﴿وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ ٱلأُمُورِ﴾.
أي: له آخر أمور الخلق، يثيب على الحسنات مع الإيمان، ويعاقب على السيئات مع الكفر.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَإِن يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ﴾.
هذه الآية تسلية لمحمد ﷺ وتعزية له، ليقوى عزمه على الصبر على ما يناله من المكذبين له، فالمعنى: أن يكذبك يا محمد هؤلاء المشركون فيما جئتهم به من الحق، فالتكذيب سنة أوليائهم من الأمم الخالية، كذبت رسلها فأمهلتهم، ثم أحللت عليهم نقمتي، ﴿فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾ أي: انظر يا محمد: كيف كان تغييري ما كان بهم من نعمة، فكذلك أفعل بقريش الذين كذبوك، وإن أمليت لهم إلى آجالهم، فإني منجزك وعيدي فيهم، كما أنجزت ذلك لغيرك من الرسل في الأمم المكذبة لهم.
* *
وقوله: ﴿وَكُذِّبَ مُوسَىٰ﴾ ولم يقل: وقوم موسى، كما قال في نوح وعاد وثمود وإبراهيم، فإنما ذلك، لأن قوم موسى هم بنو إسرائيل وكانوا مؤمنين به وإنما كذبه فرعون وقومه، وهم من القبط ليسوا من قومه فلذلك قال: وكذب موسى ولم يقل وقوم موسى.
قال أبو إسحاق: ﴿فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾ أي: أخذتهم فأنكرت أبلغ إنكار.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ﴾ أي: وكثير من القرى أهلكنا أهلها وهم ظالمون. فعبر عن إهلاك القرية وهو يريد أهلها، مثل ﴿وَسْئَلِ ٱلْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢].
فالمعنى: فما أهلكنا كثيراً من أهل القرى بظلمهم، كذلك نهلك أهل قريتك يا محمد بظلمهم إذا جاء الأجل. كل هذا تخويف وزجر لقريش و "كأين" هي كاف التشبيه دخلت على "أي" فصارتا بمنزلة "كم" في الخبر، هذا مذهب الخليل وسيبويه، والوقف على قولهما على الياء، لأنه تنوين دخل على "أي" فأما قراءة ابن كثير "وكَائِنْ" يروى عن الخليل أنه قال: من قال كإن فإنه قدم الياء الساكنة قبل الهمزة ثم خلفها بألف، كما قالوا:، إن أصل آية: إيَّة، ثم أبدلوا من الياء الساكنة ألفاً، ثم اعتلت الياء الثانية، لأنها بعد متحرك وهو الهمز فصارت كياء قاض ورام.
وقال ابن كيسان: هي أي: دخلت عليها الكاف وكثر استعمالها في الكلام حتى صار التنوين فيه بمنزلة النون الأصلية، فقالوا: كأين بنون في الوقف. قال: وفيها لغة أخرى، يقولون: كا إن، كفاعل من كنت، قال: وأصلها في المعنى كالعدد، كأنه قال كشيء من العدد لأن "أيا" شيء من الأشياء، فكأنه قال: كعدد كثير فعلنا ذلك بهم، فخرجت في الإبهام إلى باب "كم" وأكثر ما جاءت "كأي" مفسرة بـ "من" نحو: كأين من رجل رأيت فإن حذفت "من" نصبت، فقلت كأي رجلاً، كما تقول: عندي كذا وكذا درهماً فتنصب، وتقول: عندي كذا وكذا من رهم. وتقول: كم لك من درهم، وكم لك درهماً، ولو خفضت فقلت كأين رجل جاز، كما تقول: كم رجل جاءك في الخبر. فتقدير النصب في ذلك أن تجعله بمنزلة عدد فيه نون أو تنوين. وتقدير الخفض أن تجعله بمنزل عدد يضاف إلى ما بعده.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا﴾.
أي: فالقرية خالية من سكانها فخربت وتداعت، فتساقطت حيطانها على سقوفها فصارت القرية عاليه سافلها السقوف تحت الحيطان.
* *
ثم قال: ﴿وَبِئْرٍ مُّعَطَّلَةٍ﴾.
أي: تعطلت البير بهلاك أهلها ولا وارد ولا شارب منها، وخفض "البير" على العطف على العروش، وإن كان غير داخل في معنى العروش، لكنه مثل: ﴿وَحُورٌ عِينٌ﴾ [الواقعة: ٢٢] بالخفض كأنه أراد وثم بير وقصر، فلما لم يكن في الكلام ما يرفعه، عطفه على ما قبله، هذا مذهب الفراء.
وقال أبو إسحاق هو عطف على "قرية". أي: وكم من قرية وكم من بير ومن قصر.
و "البير" مشتق من بأرت الأرض، إذا حفرتها، وابتأرتها، احتفرتها.
* *
وقوله: ﴿وَقَصْرٍ مَّشِيدٍ﴾.
أي: مجصص، قاله عكرمة.
وقال الضحاك: "مشيد" طويل.
وقال أهل اللغة، شاد القصر يشيده، إذا بناه بالشيد وهو الجص. ومشيد: مفعل بمعنى مفعول، كمبيع بمعنى مبيوع. يقال قد شيد القصر: إذا طوله وأشاده أيضاً.
وقال قتادة: "مشيد": رفيع طويل.
وعن ابن عباس: أن المشيد، الحصين.
الحج 22:46
قوله تعالى ذكره: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ﴾ إلى قوله: ﴿وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾.
هذا تقرير وتوبيخ للكفار من قريش وغيرهم. ومعناه: أفلم يسر هؤلاء المكذبون بك يا محمد، فينظروا إلى مصارع أشباههم من الأمم المكذبة للرسل قبلهم، فيخافوا أن يحل عليهم مثل ذلك بتكذيبهم لك، فيرجعوا عن التكذيب إلى الإقرار والتصديق لك، ويفهموا ذلك بقلوبهم، ويسمعوه بآذانهم.
وقوله: "فَتَكُونَ" جواب النفي. وقيل: هو جواب الاستفهام والمعنى: قد ساروا في الأرض فلم تكن لهم قلوب يعقلون بها مصارع من كان قبلهم من الأمم الماضية، يخاطب قريشاً، لأنهم كانوا يسافرون إلى الشام فيرون آثار الأمم الهالكة، فهو في المعنى: خبر فيه تنبيه وتقرير إخبار عن أمر قد كان. كما قال: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح: ١]. أي: قد شرحنا لك صدرك.
ونصب "فَتَكُون" عند الكوفيين على الصرف، إذ معنى الكلام الخبر، فكأنهم صرفوه عن الجزم على العطف على يسيروا، فلما صرف عن الجزم، رد إلى آخر الجزم وهو النصب، فهذا معنى الصرف عندهم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى ٱلأَبْصَارُ﴾.
أي: فإن القصة لا تعمى أبصارهم أن يبصروا بها الأشخاص، ولكن تعمى قلوبهم التي في صدورهم عن إبصار الحق ومعرفته.
قال قتادة: البصر: الناظر بلغة ومنفعة والبصر النافع في القلب.
وقال مجاهد: ليس من أحد إلا له عينان في رأسه وعينان في قلبه فأما اللتان في الرأس فظاهرتان يبصر بهما الظاهر، وأما اللتان في القلب، فباطنتان يبصر بهما الغيب، وذلك قول الله عز وجل: ﴿فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى ٱلأَبْصَارُ وَلَـٰكِن تَعْمَىٰ ٱلْقُلُوبُ ٱلَّتِي فِي ٱلصُّدُورِ﴾.
وقال ابن جبير: نزل في ابن أم مكتوم وكان أعمى ﴿فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى ٱلأَبْصَارُ﴾ الآية. فالمعنى: لا تعمى الأبصار السالمة عن رؤية ما تعتبر به، ولكن تعمى القلوب عن رؤية الدلالات على صحة ما تعاينه الأبصار.
* *
وقوله: ﴿فِي ٱلصُّدُورِ﴾ توكيد، لأنه قد علم أن القلب لا يكون إلا في الصدور، ولكن أكده به كما قال: ﴿يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِم﴾ [آل عمران: ١٦٧] وكما قال: ﴿وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ﴾ [الأنعام: ٣٨].
* *
ثم قال: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِٱلْعَذَابِ وَلَن يُخْلِفَ ٱللَّهُ وَعْدَهُ﴾.
أي: ويستعجلك يا محمد مشركوا قومك بما تعدهم به، من عذاب الله على شركهم به، وليس يخلف الله وعده الذي وعدك فيهم من إحلال عذابه عليهم.
* *
ثم قال: ﴿وَإِنَّ يَوْماً عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ﴾.
يعني: أحد الأيام التي خلق الله فيها السماوات والأرض. قاله ابن عباس، وقاله مجاهد وهي ستة أيام، كل يوم مقداره ألف سنة مما تعدون.
وعن ابن عباس أن ذلك هو اليوم من أيام الآخرة في مقدار الحساب.
وروى أبو هريرة أن فقراء المسلمين يدخلون الجنة قبل الأغنياء بمقدار نصف يوم، فقيل له: وما نصف يوم؟
فقال: أو ما تقرأ القرآن: ﴿وَإِنَّ يَوْماً عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ﴾ فهذا يدل على أن المراد بالآية أيام الآخرة، وهو قول عكرمة. وروي أيضاً عن مجاهد وهو قول ابن زيد.
ومعنى إضافة ذكر اليوم إلى الاستعجال بالعذاب، أنهم استعجلوا العذاب في الدنيا التي أيامها قليلة قصيرة، فاعملوا أن العذاب يحل بهم في وقتٍ اليوم منه كألف سنة من سني الدنيا، فذلك أبقى لعذابهم وأشد.
وقيل: المعنى، أن الله جلّ ذكره أعلمهم أن الأيام التي بقيت لهم ويحل عليهم العذاب قليلة عنده، إذ اليوم عنده كألف سنة مما تعدون فوقت العذاب عندكم بطيء أيها المشركون، وهو قريب عند الله. وقيل معنى ذلك: وأن يوماً في الشدة والخوف في الآخرة كألف سنة من أيام الدنيا فيها شدة وخوف وصعوبة، وهذا قول حسن.
وقيل: المعنى، وإن مقدار يوم واحد من أيام الدنيا يعذب فيه الكافر في الآخرة كمقدار ألف سنة من الدنيا، يعذب فيها الكافر لو عذبه فيها ذلك المقدار. وذلك في كثرة الآلام والغموم، فالشدة على المعذبين، أجارنا الله من ذلك.
قال بعض المفسرين، وكذلك سبيل المنعم عليه في الجنة، ينال فيها من اللذة والنعيم في قدر يوم من أيام الدنيا مثل ما كان ينال في نعيم الدنيا ولذتها في ألف سنة لو نعم فيها منعماً مسروراً.
* *
ثم قال: ﴿وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ﴾: أي: وكم من أهل قرية أمهلتهم وأخرت عذابهم "وهم ظالمون" أي: مشركون بالله، ثم أخذتهم بالعذاب. واستغنى عن ذكر العذاب لتقدم ذكره، فعذبتهم في الدنيا بعد الإمهال وإلى المصير في الآخرة، فيلقون عذاباً لا انقطاع له. وفي الكلام حذف. والتقدير: فكذلك حال مستعجليك بالعذاب يا محمد، فإن أمليت لهم إلى آجالهم، فإني آخذهم بالعذاب في الدنيا بالسيف والمصائب ثم يصيرون إلي في الآخرة فيصل بهم العذاب المقيم. كل هذا تخويف ووعيد وزجر للكفار من قريش وغيرهم.
* *
ثم قال: ﴿قُلْ يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّمَآ أَنَاْ لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ﴾.
أي: قل يا محمد لمشركي قومك إنما أنذركم عذاب الله أن يحل بكم في الدنيا والآخرة "مُبِينٌ" أي: أبين لكم إنذاري وأظهره لتحذروا وتزدجروا وتتوبوا من شرككم لم أملك لكم غير ذلك، فأما استعجالكم بالعذاب، فليس ذلك إلي، إنما هو إلى الله جلّ ذكره.
ثم وصف مَنْ قبل إنذاره وآمن به فقال: ﴿فَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ﴾: أي، منكم ومن غيركم ﴿لَهُمْ مَّغْفِرَةٌ﴾ أي، ستر من الله على ذنوبهم التي سلفت، ﴿وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ أي: الجنة.
ثم وصف من لم يقبل إنذاره وتمادى على كفره فقال: ﴿وَٱلَّذِينَ سَعَوْاْ فِيۤ آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ﴾ أي: عملوا في الصد عن أتباع النبي عليه السلام، وترك الإقرار بما جاء به ورد آيات الله، والتكذيب بهما.
ومعنى: ﴿مُعَاجِزِينَ﴾: معاندين، قاله: الفراء.
وقال ابن عباس: معاجزين: مشاقين.
وقال قتادة: سابقين، قال: ظنوا أنهم يعجزون الله ولن يعجزوه.
وقيل: معناه معاندين للنبي ﷺ مغالبين له، يفعلون من ذلك ما يظنون أن النبي ﷺ يعجز عن رده وإنكاره.
ومن قرأه مُعْجِزِينَ بغير ألف مشدداً، فمعناه مثبطين مبطئين. تأويله يتبطون الناس ويبطئونهم عن اتباع النبي عليه السلام.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلاَ نَبِيٍّ إِلاَّ إِذَا تَمَنَّىٰ أَلْقَى ٱلشَّيْطَانُ فِيۤ أُمْنِيَّتِهِ﴾. قوله: "من رسول ولا نبي": يدل على أن النبي هو المرسل، وأن المرسل نبي، لأنه أوجب في الآية للنبي الرسالة، لأن معنى نبي: أنبأ عن الله، ومعنى أنبأ عن الله: هو أخبر عن الله بما أرسله به، فالنبي رسول والرسول نبي.
وقد قال قوم: كل رسول نبي وليس كل نبي رسول، وهذه الآية تدل على القول الأول.
ومعنى الآية عند أهل القول الثاني: وما أرسلنا من قبلك من رسول إلى أمة ولا نبي محدث ليس بمرسل.
وكان نزول هذه الآية، أن الشيطان ألقى لفظاً من عنده على لسان النبي ﷺ، فيما كان يتلوه من القرآن، فاشتد ذلك على رسول الله فسلّى الله بهذه الآية.
قال محمد بن كعب القرظي ومحمد بن قيس: جلس رسول الله ﷺ في نادٍ من أندية قريش، كثير أهله، يتمنى ألا يأتيه من الله شيء، فينفروا عنه، فأنزل الله تعالى: ﴿وَٱلنَّجْمِ إِذَا هَوَىٰ﴾ [النجم: ١] فقرأها النبي ﷺ، حتى إذا بلغ. "أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى"، ألقى الشيطان في تلاوته كلمتين "تلك الغرانيق العلى وأن شفاعتهم ترجى". فتكلم بها ثم مضى فقرأ إلى آخر السورة كلها فسجد وسجد القوم معه جميعاً ورضوا بما تكلم به وقالوا: قد عرفنا أن الله يحيي ويميت وهو الذي يخلق ويرزق، ولكن آلهتنا تشفع لنا عنده إذا جعلت لها نصيباً فنحن معك. فلما أمسى النبي أتاه جبريل عليه السلام، فعرض عليه السورة، فلما بلغ الكلمتين اللتين ألقى الشيطان عليه قال جبريل ﷺ: ما جئتك بهاتين. فقال رسول الله ﷺ: افتريت على الله، وقلت على الله ما لم يقل، فأوحى الله تعالى إليه ﴿وَإِن كَادُواْ لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ ٱلَّذِي أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ لِتفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذاً لاَّتَّخَذُوكَ خَلِيلاً﴾ [الإسراء: ٧٣] إلى قوله: ﴿ثُمَّ لاَ تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيراً﴾ [الإسراء: ٧٥] فما زال النبي ﷺ مغموماً بذلك حتى نزلت: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ﴾ إلى قوله: ﴿وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ وعلى هذا المعنى ذكره ابن جبير وأبو معاد.
وقال ابن عباس في الآية أن النبي ﷺ بينما هو يصلي إذ نزلت عليه قصة آلهة العرب، فجعل يتلوها، فسمعه المشركون، فقالوا: إنا سمعناه يذكر آلهتنا بخير، فدنوا منه فبينما هو يتلوها وهو يقول: أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى، ألقى الشيطان أن تلك الغرانيق العلى منها الشفاعة ترتجى فجعل يتلوها، فنزل جبريل عليه السلام فنسخها قال له: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلاَ نَبِيٍّ﴾ إلى ﴿عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ وكذلك رواه ابن شهاب على هذا المعنى وان اختلفت الألفاظ.
وقيل: معنى الآية: هو ما يقع للنبي ﷺ من السهو والغلط إذ قرأ فينتبه إلى ذلك أو ينبهه الله عليه، فيرجع عنه كما يعرض له من السهو في الصلاة، فنسخ الله لذلك هو تنبيه نبيه عليه.
* *
وقوله: ﴿ثُمَّ يُحْكِمُ ٱللَّهُ آيَاتِهِ﴾.
هو رجوع النبي ﷺ عن سهوه وغلطه إلى الصواب، كل بلطف الله وتيسيره له.
* *
وقوله: ﴿وَأَلْقَى ٱلشَّيْطَانُ فِيۤ أُمْنِيَّتِهِ﴾ أي: وسوس إليه فغلطه في قراءته. وقوله: ﴿لِّيَجْعَلَ مَا يُلْقِي ٱلشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِّلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ﴾. هو أن المشركين والمنافقين كانوا يطلبون على النبي عليه السلام زلة أو غلطاً يطعنون بذلك عليه. فإذا غلط في قراءته أو سهى، تلقوا ذلك بالقبول، وقالوا: رجع عن بعض ما قرأ، فأنزل الله تعالى هذه الآية يبين فيها أن الغلط والسهو لا حجة فيهما على النبي ﷺ، ولا طعن، لأنه شيء يجوز على جميع الخلق، ولا يمتنع من ذلك أحد إلا رب العالمين، فأخبرهم أن الأنبياء قبل محمد والرسل هكذا كانوا، فلا نقص في ذلك على محمد ﷺ.
وقد استدل بعض الناس على أن كل نبي رسول وكل رسول نبي بهذه الآية، لأنه قال في النبي والرسول: إذا تمنى، أي قرأ ما أرسل به إلى قومه، فكلاهما مرسل ونبي، وقال: إن الأنبياء إنما يصيرون أنبياء إذا أرسلهم الله إلى عباده، ومن لم يرسله الله إلى عباده فليس بنبي، كما لا يكون رسولاً. والذي عليه أكثر الناس، أن كل رسول نبي وليس كل نبي رسولاً. والرسل قليلون، والأنبياء كثيرون. وقد ذكرنا عدة هؤلاء وهؤلاء في غير هذا الموضع، وعلى هذا دلائل كثيرة تدل على صحته يطول ذكرها.
ومعنى: "إذا تمنى" إذا تحدث في نفسه.
وقال ابن عباس: "إذا تمنى" إذا حدث.
وقال الضحاك: إذا قال.
وقال مجاهد: إذا تلا وقرأ.
وقيل: إن قوله: (والغرانيق العلى) عنى بها الملائكة، وكذلك الضمير في وأن شفاعتهم ترتجى، هو للملائكة .
واختار الطبري أن يكون تمنى، بمعنى حدث، إذا حدث ألقى الشيطان في حديثه.
وقيل: معنى الآية، أن النبي ﷺ إذا حدث نفسه، ألقى الشيطان في حديثه على جهة الحيلة فيقول: لو سألت الله أن يغنمك كذا ليتسع المسلمون، ويعلم الله الصلاح في غير ذلك، فيبطل ما يلقى الشيطان.
وحكى الكسائي والفراء "تمنى" بمعنى حدّث نفسه.
* *
وقوله: ﴿فَيَنسَخُ ٱللَّهُ مَا يُلْقِي ٱلشَّيْطَانُ﴾ أي: يبطله، من قولهم: نسخت الشمس الظل.
* *
وقوله: ﴿ثُمَّ يُحْكِمُ ٱللَّهُ آيَاتِهِ﴾ أي يخلصها من الباطل الذي ألقى الشيطان. والله عليم بما يحدث في خلقه من حدث، حكيم في تدبيره إياهم.
الحج 22:47
قوله تعالى ذكره: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ﴾ إلى قوله: ﴿وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾.
هذا تقرير وتوبيخ للكفار من قريش وغيرهم. ومعناه: أفلم يسر هؤلاء المكذبون بك يا محمد، فينظروا إلى مصارع أشباههم من الأمم المكذبة للرسل قبلهم، فيخافوا أن يحل عليهم مثل ذلك بتكذيبهم لك، فيرجعوا عن التكذيب إلى الإقرار والتصديق لك، ويفهموا ذلك بقلوبهم، ويسمعوه بآذانهم.
وقوله: "فَتَكُونَ" جواب النفي. وقيل: هو جواب الاستفهام والمعنى: قد ساروا في الأرض فلم تكن لهم قلوب يعقلون بها مصارع من كان قبلهم من الأمم الماضية، يخاطب قريشاً، لأنهم كانوا يسافرون إلى الشام فيرون آثار الأمم الهالكة، فهو في المعنى: خبر فيه تنبيه وتقرير إخبار عن أمر قد كان. كما قال: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح: ١]. أي: قد شرحنا لك صدرك.
ونصب "فَتَكُون" عند الكوفيين على الصرف، إذ معنى الكلام الخبر، فكأنهم صرفوه عن الجزم على العطف على يسيروا، فلما صرف عن الجزم، رد إلى آخر الجزم وهو النصب، فهذا معنى الصرف عندهم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى ٱلأَبْصَارُ﴾.
أي: فإن القصة لا تعمى أبصارهم أن يبصروا بها الأشخاص، ولكن تعمى قلوبهم التي في صدورهم عن إبصار الحق ومعرفته.
قال قتادة: البصر: الناظر بلغة ومنفعة والبصر النافع في القلب.
وقال مجاهد: ليس من أحد إلا له عينان في رأسه وعينان في قلبه فأما اللتان في الرأس فظاهرتان يبصر بهما الظاهر، وأما اللتان في القلب، فباطنتان يبصر بهما الغيب، وذلك قول الله عز وجل: ﴿فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى ٱلأَبْصَارُ وَلَـٰكِن تَعْمَىٰ ٱلْقُلُوبُ ٱلَّتِي فِي ٱلصُّدُورِ﴾.
وقال ابن جبير: نزل في ابن أم مكتوم وكان أعمى ﴿فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى ٱلأَبْصَارُ﴾ الآية. فالمعنى: لا تعمى الأبصار السالمة عن رؤية ما تعتبر به، ولكن تعمى القلوب عن رؤية الدلالات على صحة ما تعاينه الأبصار.
* *
وقوله: ﴿فِي ٱلصُّدُورِ﴾ توكيد، لأنه قد علم أن القلب لا يكون إلا في الصدور، ولكن أكده به كما قال: ﴿يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِم﴾ [آل عمران: ١٦٧] وكما قال: ﴿وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ﴾ [الأنعام: ٣٨].
* *
ثم قال: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِٱلْعَذَابِ وَلَن يُخْلِفَ ٱللَّهُ وَعْدَهُ﴾.
أي: ويستعجلك يا محمد مشركوا قومك بما تعدهم به، من عذاب الله على شركهم به، وليس يخلف الله وعده الذي وعدك فيهم من إحلال عذابه عليهم.
* *
ثم قال: ﴿وَإِنَّ يَوْماً عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ﴾.
يعني: أحد الأيام التي خلق الله فيها السماوات والأرض. قاله ابن عباس، وقاله مجاهد وهي ستة أيام، كل يوم مقداره ألف سنة مما تعدون.
وعن ابن عباس أن ذلك هو اليوم من أيام الآخرة في مقدار الحساب.
وروى أبو هريرة أن فقراء المسلمين يدخلون الجنة قبل الأغنياء بمقدار نصف يوم، فقيل له: وما نصف يوم؟
فقال: أو ما تقرأ القرآن: ﴿وَإِنَّ يَوْماً عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ﴾ فهذا يدل على أن المراد بالآية أيام الآخرة، وهو قول عكرمة. وروي أيضاً عن مجاهد وهو قول ابن زيد.
ومعنى إضافة ذكر اليوم إلى الاستعجال بالعذاب، أنهم استعجلوا العذاب في الدنيا التي أيامها قليلة قصيرة، فاعملوا أن العذاب يحل بهم في وقتٍ اليوم منه كألف سنة من سني الدنيا، فذلك أبقى لعذابهم وأشد.
وقيل: المعنى، أن الله جلّ ذكره أعلمهم أن الأيام التي بقيت لهم ويحل عليهم العذاب قليلة عنده، إذ اليوم عنده كألف سنة مما تعدون فوقت العذاب عندكم بطيء أيها المشركون، وهو قريب عند الله. وقيل معنى ذلك: وأن يوماً في الشدة والخوف في الآخرة كألف سنة من أيام الدنيا فيها شدة وخوف وصعوبة، وهذا قول حسن.
وقيل: المعنى، وإن مقدار يوم واحد من أيام الدنيا يعذب فيه الكافر في الآخرة كمقدار ألف سنة من الدنيا، يعذب فيها الكافر لو عذبه فيها ذلك المقدار. وذلك في كثرة الآلام والغموم، فالشدة على المعذبين، أجارنا الله من ذلك.
قال بعض المفسرين، وكذلك سبيل المنعم عليه في الجنة، ينال فيها من اللذة والنعيم في قدر يوم من أيام الدنيا مثل ما كان ينال في نعيم الدنيا ولذتها في ألف سنة لو نعم فيها منعماً مسروراً.
* *
ثم قال: ﴿وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ﴾: أي: وكم من أهل قرية أمهلتهم وأخرت عذابهم "وهم ظالمون" أي: مشركون بالله، ثم أخذتهم بالعذاب. واستغنى عن ذكر العذاب لتقدم ذكره، فعذبتهم في الدنيا بعد الإمهال وإلى المصير في الآخرة، فيلقون عذاباً لا انقطاع له. وفي الكلام حذف. والتقدير: فكذلك حال مستعجليك بالعذاب يا محمد، فإن أمليت لهم إلى آجالهم، فإني آخذهم بالعذاب في الدنيا بالسيف والمصائب ثم يصيرون إلي في الآخرة فيصل بهم العذاب المقيم. كل هذا تخويف ووعيد وزجر للكفار من قريش وغيرهم.
* *
ثم قال: ﴿قُلْ يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّمَآ أَنَاْ لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ﴾.
أي: قل يا محمد لمشركي قومك إنما أنذركم عذاب الله أن يحل بكم في الدنيا والآخرة "مُبِينٌ" أي: أبين لكم إنذاري وأظهره لتحذروا وتزدجروا وتتوبوا من شرككم لم أملك لكم غير ذلك، فأما استعجالكم بالعذاب، فليس ذلك إلي، إنما هو إلى الله جلّ ذكره.
ثم وصف مَنْ قبل إنذاره وآمن به فقال: ﴿فَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ﴾: أي، منكم ومن غيركم ﴿لَهُمْ مَّغْفِرَةٌ﴾ أي، ستر من الله على ذنوبهم التي سلفت، ﴿وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ أي: الجنة.
ثم وصف من لم يقبل إنذاره وتمادى على كفره فقال: ﴿وَٱلَّذِينَ سَعَوْاْ فِيۤ آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ﴾ أي: عملوا في الصد عن أتباع النبي عليه السلام، وترك الإقرار بما جاء به ورد آيات الله، والتكذيب بهما.
ومعنى: ﴿مُعَاجِزِينَ﴾: معاندين، قاله: الفراء.
وقال ابن عباس: معاجزين: مشاقين.
وقال قتادة: سابقين، قال: ظنوا أنهم يعجزون الله ولن يعجزوه.
وقيل: معناه معاندين للنبي ﷺ مغالبين له، يفعلون من ذلك ما يظنون أن النبي ﷺ يعجز عن رده وإنكاره.
ومن قرأه مُعْجِزِينَ بغير ألف مشدداً، فمعناه مثبطين مبطئين. تأويله يتبطون الناس ويبطئونهم عن اتباع النبي عليه السلام.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلاَ نَبِيٍّ إِلاَّ إِذَا تَمَنَّىٰ أَلْقَى ٱلشَّيْطَانُ فِيۤ أُمْنِيَّتِهِ﴾. قوله: "من رسول ولا نبي": يدل على أن النبي هو المرسل، وأن المرسل نبي، لأنه أوجب في الآية للنبي الرسالة، لأن معنى نبي: أنبأ عن الله، ومعنى أنبأ عن الله: هو أخبر عن الله بما أرسله به، فالنبي رسول والرسول نبي.
وقد قال قوم: كل رسول نبي وليس كل نبي رسول، وهذه الآية تدل على القول الأول.
ومعنى الآية عند أهل القول الثاني: وما أرسلنا من قبلك من رسول إلى أمة ولا نبي محدث ليس بمرسل.
وكان نزول هذه الآية، أن الشيطان ألقى لفظاً من عنده على لسان النبي ﷺ، فيما كان يتلوه من القرآن، فاشتد ذلك على رسول الله فسلّى الله بهذه الآية.
قال محمد بن كعب القرظي ومحمد بن قيس: جلس رسول الله ﷺ في نادٍ من أندية قريش، كثير أهله، يتمنى ألا يأتيه من الله شيء، فينفروا عنه، فأنزل الله تعالى: ﴿وَٱلنَّجْمِ إِذَا هَوَىٰ﴾ [النجم: ١] فقرأها النبي ﷺ، حتى إذا بلغ. "أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى"، ألقى الشيطان في تلاوته كلمتين "تلك الغرانيق العلى وأن شفاعتهم ترجى". فتكلم بها ثم مضى فقرأ إلى آخر السورة كلها فسجد وسجد القوم معه جميعاً ورضوا بما تكلم به وقالوا: قد عرفنا أن الله يحيي ويميت وهو الذي يخلق ويرزق، ولكن آلهتنا تشفع لنا عنده إذا جعلت لها نصيباً فنحن معك. فلما أمسى النبي أتاه جبريل عليه السلام، فعرض عليه السورة، فلما بلغ الكلمتين اللتين ألقى الشيطان عليه قال جبريل ﷺ: ما جئتك بهاتين. فقال رسول الله ﷺ: افتريت على الله، وقلت على الله ما لم يقل، فأوحى الله تعالى إليه ﴿وَإِن كَادُواْ لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ ٱلَّذِي أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ لِتفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذاً لاَّتَّخَذُوكَ خَلِيلاً﴾ [الإسراء: ٧٣] إلى قوله: ﴿ثُمَّ لاَ تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيراً﴾ [الإسراء: ٧٥] فما زال النبي ﷺ مغموماً بذلك حتى نزلت: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ﴾ إلى قوله: ﴿وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ وعلى هذا المعنى ذكره ابن جبير وأبو معاد.
وقال ابن عباس في الآية أن النبي ﷺ بينما هو يصلي إذ نزلت عليه قصة آلهة العرب، فجعل يتلوها، فسمعه المشركون، فقالوا: إنا سمعناه يذكر آلهتنا بخير، فدنوا منه فبينما هو يتلوها وهو يقول: أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى، ألقى الشيطان أن تلك الغرانيق العلى منها الشفاعة ترتجى فجعل يتلوها، فنزل جبريل عليه السلام فنسخها قال له: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلاَ نَبِيٍّ﴾ إلى ﴿عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ وكذلك رواه ابن شهاب على هذا المعنى وان اختلفت الألفاظ.
وقيل: معنى الآية: هو ما يقع للنبي ﷺ من السهو والغلط إذ قرأ فينتبه إلى ذلك أو ينبهه الله عليه، فيرجع عنه كما يعرض له من السهو في الصلاة، فنسخ الله لذلك هو تنبيه نبيه عليه.
* *
وقوله: ﴿ثُمَّ يُحْكِمُ ٱللَّهُ آيَاتِهِ﴾.
هو رجوع النبي ﷺ عن سهوه وغلطه إلى الصواب، كل بلطف الله وتيسيره له.
* *
وقوله: ﴿وَأَلْقَى ٱلشَّيْطَانُ فِيۤ أُمْنِيَّتِهِ﴾ أي: وسوس إليه فغلطه في قراءته. وقوله: ﴿لِّيَجْعَلَ مَا يُلْقِي ٱلشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِّلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ﴾. هو أن المشركين والمنافقين كانوا يطلبون على النبي عليه السلام زلة أو غلطاً يطعنون بذلك عليه. فإذا غلط في قراءته أو سهى، تلقوا ذلك بالقبول، وقالوا: رجع عن بعض ما قرأ، فأنزل الله تعالى هذه الآية يبين فيها أن الغلط والسهو لا حجة فيهما على النبي ﷺ، ولا طعن، لأنه شيء يجوز على جميع الخلق، ولا يمتنع من ذلك أحد إلا رب العالمين، فأخبرهم أن الأنبياء قبل محمد والرسل هكذا كانوا، فلا نقص في ذلك على محمد ﷺ.
وقد استدل بعض الناس على أن كل نبي رسول وكل رسول نبي بهذه الآية، لأنه قال في النبي والرسول: إذا تمنى، أي قرأ ما أرسل به إلى قومه، فكلاهما مرسل ونبي، وقال: إن الأنبياء إنما يصيرون أنبياء إذا أرسلهم الله إلى عباده، ومن لم يرسله الله إلى عباده فليس بنبي، كما لا يكون رسولاً. والذي عليه أكثر الناس، أن كل رسول نبي وليس كل نبي رسولاً. والرسل قليلون، والأنبياء كثيرون. وقد ذكرنا عدة هؤلاء وهؤلاء في غير هذا الموضع، وعلى هذا دلائل كثيرة تدل على صحته يطول ذكرها.
ومعنى: "إذا تمنى" إذا تحدث في نفسه.
وقال ابن عباس: "إذا تمنى" إذا حدث.
وقال الضحاك: إذا قال.
وقال مجاهد: إذا تلا وقرأ.
وقيل: إن قوله: (والغرانيق العلى) عنى بها الملائكة، وكذلك الضمير في وأن شفاعتهم ترتجى، هو للملائكة .
واختار الطبري أن يكون تمنى، بمعنى حدث، إذا حدث ألقى الشيطان في حديثه.
وقيل: معنى الآية، أن النبي ﷺ إذا حدث نفسه، ألقى الشيطان في حديثه على جهة الحيلة فيقول: لو سألت الله أن يغنمك كذا ليتسع المسلمون، ويعلم الله الصلاح في غير ذلك، فيبطل ما يلقى الشيطان.
وحكى الكسائي والفراء "تمنى" بمعنى حدّث نفسه.
* *
وقوله: ﴿فَيَنسَخُ ٱللَّهُ مَا يُلْقِي ٱلشَّيْطَانُ﴾ أي: يبطله، من قولهم: نسخت الشمس الظل.
* *
وقوله: ﴿ثُمَّ يُحْكِمُ ٱللَّهُ آيَاتِهِ﴾ أي يخلصها من الباطل الذي ألقى الشيطان. والله عليم بما يحدث في خلقه من حدث، حكيم في تدبيره إياهم.
الحج 22:48
قوله تعالى ذكره: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ﴾ إلى قوله: ﴿وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾.
هذا تقرير وتوبيخ للكفار من قريش وغيرهم. ومعناه: أفلم يسر هؤلاء المكذبون بك يا محمد، فينظروا إلى مصارع أشباههم من الأمم المكذبة للرسل قبلهم، فيخافوا أن يحل عليهم مثل ذلك بتكذيبهم لك، فيرجعوا عن التكذيب إلى الإقرار والتصديق لك، ويفهموا ذلك بقلوبهم، ويسمعوه بآذانهم.
وقوله: "فَتَكُونَ" جواب النفي. وقيل: هو جواب الاستفهام والمعنى: قد ساروا في الأرض فلم تكن لهم قلوب يعقلون بها مصارع من كان قبلهم من الأمم الماضية، يخاطب قريشاً، لأنهم كانوا يسافرون إلى الشام فيرون آثار الأمم الهالكة، فهو في المعنى: خبر فيه تنبيه وتقرير إخبار عن أمر قد كان. كما قال: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح: ١]. أي: قد شرحنا لك صدرك.
ونصب "فَتَكُون" عند الكوفيين على الصرف، إذ معنى الكلام الخبر، فكأنهم صرفوه عن الجزم على العطف على يسيروا، فلما صرف عن الجزم، رد إلى آخر الجزم وهو النصب، فهذا معنى الصرف عندهم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى ٱلأَبْصَارُ﴾.
أي: فإن القصة لا تعمى أبصارهم أن يبصروا بها الأشخاص، ولكن تعمى قلوبهم التي في صدورهم عن إبصار الحق ومعرفته.
قال قتادة: البصر: الناظر بلغة ومنفعة والبصر النافع في القلب.
وقال مجاهد: ليس من أحد إلا له عينان في رأسه وعينان في قلبه فأما اللتان في الرأس فظاهرتان يبصر بهما الظاهر، وأما اللتان في القلب، فباطنتان يبصر بهما الغيب، وذلك قول الله عز وجل: ﴿فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى ٱلأَبْصَارُ وَلَـٰكِن تَعْمَىٰ ٱلْقُلُوبُ ٱلَّتِي فِي ٱلصُّدُورِ﴾.
وقال ابن جبير: نزل في ابن أم مكتوم وكان أعمى ﴿فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى ٱلأَبْصَارُ﴾ الآية. فالمعنى: لا تعمى الأبصار السالمة عن رؤية ما تعتبر به، ولكن تعمى القلوب عن رؤية الدلالات على صحة ما تعاينه الأبصار.
* *
وقوله: ﴿فِي ٱلصُّدُورِ﴾ توكيد، لأنه قد علم أن القلب لا يكون إلا في الصدور، ولكن أكده به كما قال: ﴿يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِم﴾ [آل عمران: ١٦٧] وكما قال: ﴿وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ﴾ [الأنعام: ٣٨].
* *
ثم قال: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِٱلْعَذَابِ وَلَن يُخْلِفَ ٱللَّهُ وَعْدَهُ﴾.
أي: ويستعجلك يا محمد مشركوا قومك بما تعدهم به، من عذاب الله على شركهم به، وليس يخلف الله وعده الذي وعدك فيهم من إحلال عذابه عليهم.
* *
ثم قال: ﴿وَإِنَّ يَوْماً عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ﴾.
يعني: أحد الأيام التي خلق الله فيها السماوات والأرض. قاله ابن عباس، وقاله مجاهد وهي ستة أيام، كل يوم مقداره ألف سنة مما تعدون.
وعن ابن عباس أن ذلك هو اليوم من أيام الآخرة في مقدار الحساب.
وروى أبو هريرة أن فقراء المسلمين يدخلون الجنة قبل الأغنياء بمقدار نصف يوم، فقيل له: وما نصف يوم؟
فقال: أو ما تقرأ القرآن: ﴿وَإِنَّ يَوْماً عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ﴾ فهذا يدل على أن المراد بالآية أيام الآخرة، وهو قول عكرمة. وروي أيضاً عن مجاهد وهو قول ابن زيد.
ومعنى إضافة ذكر اليوم إلى الاستعجال بالعذاب، أنهم استعجلوا العذاب في الدنيا التي أيامها قليلة قصيرة، فاعملوا أن العذاب يحل بهم في وقتٍ اليوم منه كألف سنة من سني الدنيا، فذلك أبقى لعذابهم وأشد.
وقيل: المعنى، أن الله جلّ ذكره أعلمهم أن الأيام التي بقيت لهم ويحل عليهم العذاب قليلة عنده، إذ اليوم عنده كألف سنة مما تعدون فوقت العذاب عندكم بطيء أيها المشركون، وهو قريب عند الله. وقيل معنى ذلك: وأن يوماً في الشدة والخوف في الآخرة كألف سنة من أيام الدنيا فيها شدة وخوف وصعوبة، وهذا قول حسن.
وقيل: المعنى، وإن مقدار يوم واحد من أيام الدنيا يعذب فيه الكافر في الآخرة كمقدار ألف سنة من الدنيا، يعذب فيها الكافر لو عذبه فيها ذلك المقدار. وذلك في كثرة الآلام والغموم، فالشدة على المعذبين، أجارنا الله من ذلك.
قال بعض المفسرين، وكذلك سبيل المنعم عليه في الجنة، ينال فيها من اللذة والنعيم في قدر يوم من أيام الدنيا مثل ما كان ينال في نعيم الدنيا ولذتها في ألف سنة لو نعم فيها منعماً مسروراً.
* *
ثم قال: ﴿وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ﴾: أي: وكم من أهل قرية أمهلتهم وأخرت عذابهم "وهم ظالمون" أي: مشركون بالله، ثم أخذتهم بالعذاب. واستغنى عن ذكر العذاب لتقدم ذكره، فعذبتهم في الدنيا بعد الإمهال وإلى المصير في الآخرة، فيلقون عذاباً لا انقطاع له. وفي الكلام حذف. والتقدير: فكذلك حال مستعجليك بالعذاب يا محمد، فإن أمليت لهم إلى آجالهم، فإني آخذهم بالعذاب في الدنيا بالسيف والمصائب ثم يصيرون إلي في الآخرة فيصل بهم العذاب المقيم. كل هذا تخويف ووعيد وزجر للكفار من قريش وغيرهم.
* *
ثم قال: ﴿قُلْ يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّمَآ أَنَاْ لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ﴾.
أي: قل يا محمد لمشركي قومك إنما أنذركم عذاب الله أن يحل بكم في الدنيا والآخرة "مُبِينٌ" أي: أبين لكم إنذاري وأظهره لتحذروا وتزدجروا وتتوبوا من شرككم لم أملك لكم غير ذلك، فأما استعجالكم بالعذاب، فليس ذلك إلي، إنما هو إلى الله جلّ ذكره.
ثم وصف مَنْ قبل إنذاره وآمن به فقال: ﴿فَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ﴾: أي، منكم ومن غيركم ﴿لَهُمْ مَّغْفِرَةٌ﴾ أي، ستر من الله على ذنوبهم التي سلفت، ﴿وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ أي: الجنة.
ثم وصف من لم يقبل إنذاره وتمادى على كفره فقال: ﴿وَٱلَّذِينَ سَعَوْاْ فِيۤ آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ﴾ أي: عملوا في الصد عن أتباع النبي عليه السلام، وترك الإقرار بما جاء به ورد آيات الله، والتكذيب بهما.
ومعنى: ﴿مُعَاجِزِينَ﴾: معاندين، قاله: الفراء.
وقال ابن عباس: معاجزين: مشاقين.
وقال قتادة: سابقين، قال: ظنوا أنهم يعجزون الله ولن يعجزوه.
وقيل: معناه معاندين للنبي ﷺ مغالبين له، يفعلون من ذلك ما يظنون أن النبي ﷺ يعجز عن رده وإنكاره.
ومن قرأه مُعْجِزِينَ بغير ألف مشدداً، فمعناه مثبطين مبطئين. تأويله يتبطون الناس ويبطئونهم عن اتباع النبي عليه السلام.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلاَ نَبِيٍّ إِلاَّ إِذَا تَمَنَّىٰ أَلْقَى ٱلشَّيْطَانُ فِيۤ أُمْنِيَّتِهِ﴾. قوله: "من رسول ولا نبي": يدل على أن النبي هو المرسل، وأن المرسل نبي، لأنه أوجب في الآية للنبي الرسالة، لأن معنى نبي: أنبأ عن الله، ومعنى أنبأ عن الله: هو أخبر عن الله بما أرسله به، فالنبي رسول والرسول نبي.
وقد قال قوم: كل رسول نبي وليس كل نبي رسول، وهذه الآية تدل على القول الأول.
ومعنى الآية عند أهل القول الثاني: وما أرسلنا من قبلك من رسول إلى أمة ولا نبي محدث ليس بمرسل.
وكان نزول هذه الآية، أن الشيطان ألقى لفظاً من عنده على لسان النبي ﷺ، فيما كان يتلوه من القرآن، فاشتد ذلك على رسول الله فسلّى الله بهذه الآية.
قال محمد بن كعب القرظي ومحمد بن قيس: جلس رسول الله ﷺ في نادٍ من أندية قريش، كثير أهله، يتمنى ألا يأتيه من الله شيء، فينفروا عنه، فأنزل الله تعالى: ﴿وَٱلنَّجْمِ إِذَا هَوَىٰ﴾ [النجم: ١] فقرأها النبي ﷺ، حتى إذا بلغ. "أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى"، ألقى الشيطان في تلاوته كلمتين "تلك الغرانيق العلى وأن شفاعتهم ترجى". فتكلم بها ثم مضى فقرأ إلى آخر السورة كلها فسجد وسجد القوم معه جميعاً ورضوا بما تكلم به وقالوا: قد عرفنا أن الله يحيي ويميت وهو الذي يخلق ويرزق، ولكن آلهتنا تشفع لنا عنده إذا جعلت لها نصيباً فنحن معك. فلما أمسى النبي أتاه جبريل عليه السلام، فعرض عليه السورة، فلما بلغ الكلمتين اللتين ألقى الشيطان عليه قال جبريل ﷺ: ما جئتك بهاتين. فقال رسول الله ﷺ: افتريت على الله، وقلت على الله ما لم يقل، فأوحى الله تعالى إليه ﴿وَإِن كَادُواْ لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ ٱلَّذِي أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ لِتفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذاً لاَّتَّخَذُوكَ خَلِيلاً﴾ [الإسراء: ٧٣] إلى قوله: ﴿ثُمَّ لاَ تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيراً﴾ [الإسراء: ٧٥] فما زال النبي ﷺ مغموماً بذلك حتى نزلت: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ﴾ إلى قوله: ﴿وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ وعلى هذا المعنى ذكره ابن جبير وأبو معاد.
وقال ابن عباس في الآية أن النبي ﷺ بينما هو يصلي إذ نزلت عليه قصة آلهة العرب، فجعل يتلوها، فسمعه المشركون، فقالوا: إنا سمعناه يذكر آلهتنا بخير، فدنوا منه فبينما هو يتلوها وهو يقول: أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى، ألقى الشيطان أن تلك الغرانيق العلى منها الشفاعة ترتجى فجعل يتلوها، فنزل جبريل عليه السلام فنسخها قال له: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلاَ نَبِيٍّ﴾ إلى ﴿عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ وكذلك رواه ابن شهاب على هذا المعنى وان اختلفت الألفاظ.
وقيل: معنى الآية: هو ما يقع للنبي ﷺ من السهو والغلط إذ قرأ فينتبه إلى ذلك أو ينبهه الله عليه، فيرجع عنه كما يعرض له من السهو في الصلاة، فنسخ الله لذلك هو تنبيه نبيه عليه.
* *
وقوله: ﴿ثُمَّ يُحْكِمُ ٱللَّهُ آيَاتِهِ﴾.
هو رجوع النبي ﷺ عن سهوه وغلطه إلى الصواب، كل بلطف الله وتيسيره له.
* *
وقوله: ﴿وَأَلْقَى ٱلشَّيْطَانُ فِيۤ أُمْنِيَّتِهِ﴾ أي: وسوس إليه فغلطه في قراءته. وقوله: ﴿لِّيَجْعَلَ مَا يُلْقِي ٱلشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِّلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ﴾. هو أن المشركين والمنافقين كانوا يطلبون على النبي عليه السلام زلة أو غلطاً يطعنون بذلك عليه. فإذا غلط في قراءته أو سهى، تلقوا ذلك بالقبول، وقالوا: رجع عن بعض ما قرأ، فأنزل الله تعالى هذه الآية يبين فيها أن الغلط والسهو لا حجة فيهما على النبي ﷺ، ولا طعن، لأنه شيء يجوز على جميع الخلق، ولا يمتنع من ذلك أحد إلا رب العالمين، فأخبرهم أن الأنبياء قبل محمد والرسل هكذا كانوا، فلا نقص في ذلك على محمد ﷺ.
وقد استدل بعض الناس على أن كل نبي رسول وكل رسول نبي بهذه الآية، لأنه قال في النبي والرسول: إذا تمنى، أي قرأ ما أرسل به إلى قومه، فكلاهما مرسل ونبي، وقال: إن الأنبياء إنما يصيرون أنبياء إذا أرسلهم الله إلى عباده، ومن لم يرسله الله إلى عباده فليس بنبي، كما لا يكون رسولاً. والذي عليه أكثر الناس، أن كل رسول نبي وليس كل نبي رسولاً. والرسل قليلون، والأنبياء كثيرون. وقد ذكرنا عدة هؤلاء وهؤلاء في غير هذا الموضع، وعلى هذا دلائل كثيرة تدل على صحته يطول ذكرها.
ومعنى: "إذا تمنى" إذا تحدث في نفسه.
وقال ابن عباس: "إذا تمنى" إذا حدث.
وقال الضحاك: إذا قال.
وقال مجاهد: إذا تلا وقرأ.
وقيل: إن قوله: (والغرانيق العلى) عنى بها الملائكة، وكذلك الضمير في وأن شفاعتهم ترتجى، هو للملائكة .
واختار الطبري أن يكون تمنى، بمعنى حدث، إذا حدث ألقى الشيطان في حديثه.
وقيل: معنى الآية، أن النبي ﷺ إذا حدث نفسه، ألقى الشيطان في حديثه على جهة الحيلة فيقول: لو سألت الله أن يغنمك كذا ليتسع المسلمون، ويعلم الله الصلاح في غير ذلك، فيبطل ما يلقى الشيطان.
وحكى الكسائي والفراء "تمنى" بمعنى حدّث نفسه.
* *
وقوله: ﴿فَيَنسَخُ ٱللَّهُ مَا يُلْقِي ٱلشَّيْطَانُ﴾ أي: يبطله، من قولهم: نسخت الشمس الظل.
* *
وقوله: ﴿ثُمَّ يُحْكِمُ ٱللَّهُ آيَاتِهِ﴾ أي يخلصها من الباطل الذي ألقى الشيطان. والله عليم بما يحدث في خلقه من حدث، حكيم في تدبيره إياهم.
الحج 22:49
قوله تعالى ذكره: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ﴾ إلى قوله: ﴿وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾.
هذا تقرير وتوبيخ للكفار من قريش وغيرهم. ومعناه: أفلم يسر هؤلاء المكذبون بك يا محمد، فينظروا إلى مصارع أشباههم من الأمم المكذبة للرسل قبلهم، فيخافوا أن يحل عليهم مثل ذلك بتكذيبهم لك، فيرجعوا عن التكذيب إلى الإقرار والتصديق لك، ويفهموا ذلك بقلوبهم، ويسمعوه بآذانهم.
وقوله: "فَتَكُونَ" جواب النفي. وقيل: هو جواب الاستفهام والمعنى: قد ساروا في الأرض فلم تكن لهم قلوب يعقلون بها مصارع من كان قبلهم من الأمم الماضية، يخاطب قريشاً، لأنهم كانوا يسافرون إلى الشام فيرون آثار الأمم الهالكة، فهو في المعنى: خبر فيه تنبيه وتقرير إخبار عن أمر قد كان. كما قال: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح: ١]. أي: قد شرحنا لك صدرك.
ونصب "فَتَكُون" عند الكوفيين على الصرف، إذ معنى الكلام الخبر، فكأنهم صرفوه عن الجزم على العطف على يسيروا، فلما صرف عن الجزم، رد إلى آخر الجزم وهو النصب، فهذا معنى الصرف عندهم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى ٱلأَبْصَارُ﴾.
أي: فإن القصة لا تعمى أبصارهم أن يبصروا بها الأشخاص، ولكن تعمى قلوبهم التي في صدورهم عن إبصار الحق ومعرفته.
قال قتادة: البصر: الناظر بلغة ومنفعة والبصر النافع في القلب.
وقال مجاهد: ليس من أحد إلا له عينان في رأسه وعينان في قلبه فأما اللتان في الرأس فظاهرتان يبصر بهما الظاهر، وأما اللتان في القلب، فباطنتان يبصر بهما الغيب، وذلك قول الله عز وجل: ﴿فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى ٱلأَبْصَارُ وَلَـٰكِن تَعْمَىٰ ٱلْقُلُوبُ ٱلَّتِي فِي ٱلصُّدُورِ﴾.
وقال ابن جبير: نزل في ابن أم مكتوم وكان أعمى ﴿فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى ٱلأَبْصَارُ﴾ الآية. فالمعنى: لا تعمى الأبصار السالمة عن رؤية ما تعتبر به، ولكن تعمى القلوب عن رؤية الدلالات على صحة ما تعاينه الأبصار.
* *
وقوله: ﴿فِي ٱلصُّدُورِ﴾ توكيد، لأنه قد علم أن القلب لا يكون إلا في الصدور، ولكن أكده به كما قال: ﴿يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِم﴾ [آل عمران: ١٦٧] وكما قال: ﴿وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ﴾ [الأنعام: ٣٨].
* *
ثم قال: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِٱلْعَذَابِ وَلَن يُخْلِفَ ٱللَّهُ وَعْدَهُ﴾.
أي: ويستعجلك يا محمد مشركوا قومك بما تعدهم به، من عذاب الله على شركهم به، وليس يخلف الله وعده الذي وعدك فيهم من إحلال عذابه عليهم.
* *
ثم قال: ﴿وَإِنَّ يَوْماً عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ﴾.
يعني: أحد الأيام التي خلق الله فيها السماوات والأرض. قاله ابن عباس، وقاله مجاهد وهي ستة أيام، كل يوم مقداره ألف سنة مما تعدون.
وعن ابن عباس أن ذلك هو اليوم من أيام الآخرة في مقدار الحساب.
وروى أبو هريرة أن فقراء المسلمين يدخلون الجنة قبل الأغنياء بمقدار نصف يوم، فقيل له: وما نصف يوم؟
فقال: أو ما تقرأ القرآن: ﴿وَإِنَّ يَوْماً عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ﴾ فهذا يدل على أن المراد بالآية أيام الآخرة، وهو قول عكرمة. وروي أيضاً عن مجاهد وهو قول ابن زيد.
ومعنى إضافة ذكر اليوم إلى الاستعجال بالعذاب، أنهم استعجلوا العذاب في الدنيا التي أيامها قليلة قصيرة، فاعملوا أن العذاب يحل بهم في وقتٍ اليوم منه كألف سنة من سني الدنيا، فذلك أبقى لعذابهم وأشد.
وقيل: المعنى، أن الله جلّ ذكره أعلمهم أن الأيام التي بقيت لهم ويحل عليهم العذاب قليلة عنده، إذ اليوم عنده كألف سنة مما تعدون فوقت العذاب عندكم بطيء أيها المشركون، وهو قريب عند الله. وقيل معنى ذلك: وأن يوماً في الشدة والخوف في الآخرة كألف سنة من أيام الدنيا فيها شدة وخوف وصعوبة، وهذا قول حسن.
وقيل: المعنى، وإن مقدار يوم واحد من أيام الدنيا يعذب فيه الكافر في الآخرة كمقدار ألف سنة من الدنيا، يعذب فيها الكافر لو عذبه فيها ذلك المقدار. وذلك في كثرة الآلام والغموم، فالشدة على المعذبين، أجارنا الله من ذلك.
قال بعض المفسرين، وكذلك سبيل المنعم عليه في الجنة، ينال فيها من اللذة والنعيم في قدر يوم من أيام الدنيا مثل ما كان ينال في نعيم الدنيا ولذتها في ألف سنة لو نعم فيها منعماً مسروراً.
* *
ثم قال: ﴿وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ﴾: أي: وكم من أهل قرية أمهلتهم وأخرت عذابهم "وهم ظالمون" أي: مشركون بالله، ثم أخذتهم بالعذاب. واستغنى عن ذكر العذاب لتقدم ذكره، فعذبتهم في الدنيا بعد الإمهال وإلى المصير في الآخرة، فيلقون عذاباً لا انقطاع له. وفي الكلام حذف. والتقدير: فكذلك حال مستعجليك بالعذاب يا محمد، فإن أمليت لهم إلى آجالهم، فإني آخذهم بالعذاب في الدنيا بالسيف والمصائب ثم يصيرون إلي في الآخرة فيصل بهم العذاب المقيم. كل هذا تخويف ووعيد وزجر للكفار من قريش وغيرهم.
* *
ثم قال: ﴿قُلْ يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّمَآ أَنَاْ لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ﴾.
أي: قل يا محمد لمشركي قومك إنما أنذركم عذاب الله أن يحل بكم في الدنيا والآخرة "مُبِينٌ" أي: أبين لكم إنذاري وأظهره لتحذروا وتزدجروا وتتوبوا من شرككم لم أملك لكم غير ذلك، فأما استعجالكم بالعذاب، فليس ذلك إلي، إنما هو إلى الله جلّ ذكره.
ثم وصف مَنْ قبل إنذاره وآمن به فقال: ﴿فَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ﴾: أي، منكم ومن غيركم ﴿لَهُمْ مَّغْفِرَةٌ﴾ أي، ستر من الله على ذنوبهم التي سلفت، ﴿وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ أي: الجنة.
ثم وصف من لم يقبل إنذاره وتمادى على كفره فقال: ﴿وَٱلَّذِينَ سَعَوْاْ فِيۤ آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ﴾ أي: عملوا في الصد عن أتباع النبي عليه السلام، وترك الإقرار بما جاء به ورد آيات الله، والتكذيب بهما.
ومعنى: ﴿مُعَاجِزِينَ﴾: معاندين، قاله: الفراء.
وقال ابن عباس: معاجزين: مشاقين.
وقال قتادة: سابقين، قال: ظنوا أنهم يعجزون الله ولن يعجزوه.
وقيل: معناه معاندين للنبي ﷺ مغالبين له، يفعلون من ذلك ما يظنون أن النبي ﷺ يعجز عن رده وإنكاره.
ومن قرأه مُعْجِزِينَ بغير ألف مشدداً، فمعناه مثبطين مبطئين. تأويله يتبطون الناس ويبطئونهم عن اتباع النبي عليه السلام.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلاَ نَبِيٍّ إِلاَّ إِذَا تَمَنَّىٰ أَلْقَى ٱلشَّيْطَانُ فِيۤ أُمْنِيَّتِهِ﴾. قوله: "من رسول ولا نبي": يدل على أن النبي هو المرسل، وأن المرسل نبي، لأنه أوجب في الآية للنبي الرسالة، لأن معنى نبي: أنبأ عن الله، ومعنى أنبأ عن الله: هو أخبر عن الله بما أرسله به، فالنبي رسول والرسول نبي.
وقد قال قوم: كل رسول نبي وليس كل نبي رسول، وهذه الآية تدل على القول الأول.
ومعنى الآية عند أهل القول الثاني: وما أرسلنا من قبلك من رسول إلى أمة ولا نبي محدث ليس بمرسل.
وكان نزول هذه الآية، أن الشيطان ألقى لفظاً من عنده على لسان النبي ﷺ، فيما كان يتلوه من القرآن، فاشتد ذلك على رسول الله فسلّى الله بهذه الآية.
قال محمد بن كعب القرظي ومحمد بن قيس: جلس رسول الله ﷺ في نادٍ من أندية قريش، كثير أهله، يتمنى ألا يأتيه من الله شيء، فينفروا عنه، فأنزل الله تعالى: ﴿وَٱلنَّجْمِ إِذَا هَوَىٰ﴾ [النجم: ١] فقرأها النبي ﷺ، حتى إذا بلغ. "أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى"، ألقى الشيطان في تلاوته كلمتين "تلك الغرانيق العلى وأن شفاعتهم ترجى". فتكلم بها ثم مضى فقرأ إلى آخر السورة كلها فسجد وسجد القوم معه جميعاً ورضوا بما تكلم به وقالوا: قد عرفنا أن الله يحيي ويميت وهو الذي يخلق ويرزق، ولكن آلهتنا تشفع لنا عنده إذا جعلت لها نصيباً فنحن معك. فلما أمسى النبي أتاه جبريل عليه السلام، فعرض عليه السورة، فلما بلغ الكلمتين اللتين ألقى الشيطان عليه قال جبريل ﷺ: ما جئتك بهاتين. فقال رسول الله ﷺ: افتريت على الله، وقلت على الله ما لم يقل، فأوحى الله تعالى إليه ﴿وَإِن كَادُواْ لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ ٱلَّذِي أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ لِتفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذاً لاَّتَّخَذُوكَ خَلِيلاً﴾ [الإسراء: ٧٣] إلى قوله: ﴿ثُمَّ لاَ تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيراً﴾ [الإسراء: ٧٥] فما زال النبي ﷺ مغموماً بذلك حتى نزلت: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ﴾ إلى قوله: ﴿وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ وعلى هذا المعنى ذكره ابن جبير وأبو معاد.
وقال ابن عباس في الآية أن النبي ﷺ بينما هو يصلي إذ نزلت عليه قصة آلهة العرب، فجعل يتلوها، فسمعه المشركون، فقالوا: إنا سمعناه يذكر آلهتنا بخير، فدنوا منه فبينما هو يتلوها وهو يقول: أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى، ألقى الشيطان أن تلك الغرانيق العلى منها الشفاعة ترتجى فجعل يتلوها، فنزل جبريل عليه السلام فنسخها قال له: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلاَ نَبِيٍّ﴾ إلى ﴿عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ وكذلك رواه ابن شهاب على هذا المعنى وان اختلفت الألفاظ.
وقيل: معنى الآية: هو ما يقع للنبي ﷺ من السهو والغلط إذ قرأ فينتبه إلى ذلك أو ينبهه الله عليه، فيرجع عنه كما يعرض له من السهو في الصلاة، فنسخ الله لذلك هو تنبيه نبيه عليه.
* *
وقوله: ﴿ثُمَّ يُحْكِمُ ٱللَّهُ آيَاتِهِ﴾.
هو رجوع النبي ﷺ عن سهوه وغلطه إلى الصواب، كل بلطف الله وتيسيره له.
* *
وقوله: ﴿وَأَلْقَى ٱلشَّيْطَانُ فِيۤ أُمْنِيَّتِهِ﴾ أي: وسوس إليه فغلطه في قراءته. وقوله: ﴿لِّيَجْعَلَ مَا يُلْقِي ٱلشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِّلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ﴾. هو أن المشركين والمنافقين كانوا يطلبون على النبي عليه السلام زلة أو غلطاً يطعنون بذلك عليه. فإذا غلط في قراءته أو سهى، تلقوا ذلك بالقبول، وقالوا: رجع عن بعض ما قرأ، فأنزل الله تعالى هذه الآية يبين فيها أن الغلط والسهو لا حجة فيهما على النبي ﷺ، ولا طعن، لأنه شيء يجوز على جميع الخلق، ولا يمتنع من ذلك أحد إلا رب العالمين، فأخبرهم أن الأنبياء قبل محمد والرسل هكذا كانوا، فلا نقص في ذلك على محمد ﷺ.
وقد استدل بعض الناس على أن كل نبي رسول وكل رسول نبي بهذه الآية، لأنه قال في النبي والرسول: إذا تمنى، أي قرأ ما أرسل به إلى قومه، فكلاهما مرسل ونبي، وقال: إن الأنبياء إنما يصيرون أنبياء إذا أرسلهم الله إلى عباده، ومن لم يرسله الله إلى عباده فليس بنبي، كما لا يكون رسولاً. والذي عليه أكثر الناس، أن كل رسول نبي وليس كل نبي رسولاً. والرسل قليلون، والأنبياء كثيرون. وقد ذكرنا عدة هؤلاء وهؤلاء في غير هذا الموضع، وعلى هذا دلائل كثيرة تدل على صحته يطول ذكرها.
ومعنى: "إذا تمنى" إذا تحدث في نفسه.
وقال ابن عباس: "إذا تمنى" إذا حدث.
وقال الضحاك: إذا قال.
وقال مجاهد: إذا تلا وقرأ.
وقيل: إن قوله: (والغرانيق العلى) عنى بها الملائكة، وكذلك الضمير في وأن شفاعتهم ترتجى، هو للملائكة .
واختار الطبري أن يكون تمنى، بمعنى حدث، إذا حدث ألقى الشيطان في حديثه.
وقيل: معنى الآية، أن النبي ﷺ إذا حدث نفسه، ألقى الشيطان في حديثه على جهة الحيلة فيقول: لو سألت الله أن يغنمك كذا ليتسع المسلمون، ويعلم الله الصلاح في غير ذلك، فيبطل ما يلقى الشيطان.
وحكى الكسائي والفراء "تمنى" بمعنى حدّث نفسه.
* *
وقوله: ﴿فَيَنسَخُ ٱللَّهُ مَا يُلْقِي ٱلشَّيْطَانُ﴾ أي: يبطله، من قولهم: نسخت الشمس الظل.
* *
وقوله: ﴿ثُمَّ يُحْكِمُ ٱللَّهُ آيَاتِهِ﴾ أي يخلصها من الباطل الذي ألقى الشيطان. والله عليم بما يحدث في خلقه من حدث، حكيم في تدبيره إياهم.
الحج 22:50
قوله تعالى ذكره: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ﴾ إلى قوله: ﴿وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾.
هذا تقرير وتوبيخ للكفار من قريش وغيرهم. ومعناه: أفلم يسر هؤلاء المكذبون بك يا محمد، فينظروا إلى مصارع أشباههم من الأمم المكذبة للرسل قبلهم، فيخافوا أن يحل عليهم مثل ذلك بتكذيبهم لك، فيرجعوا عن التكذيب إلى الإقرار والتصديق لك، ويفهموا ذلك بقلوبهم، ويسمعوه بآذانهم.
وقوله: "فَتَكُونَ" جواب النفي. وقيل: هو جواب الاستفهام والمعنى: قد ساروا في الأرض فلم تكن لهم قلوب يعقلون بها مصارع من كان قبلهم من الأمم الماضية، يخاطب قريشاً، لأنهم كانوا يسافرون إلى الشام فيرون آثار الأمم الهالكة، فهو في المعنى: خبر فيه تنبيه وتقرير إخبار عن أمر قد كان. كما قال: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح: ١]. أي: قد شرحنا لك صدرك.
ونصب "فَتَكُون" عند الكوفيين على الصرف، إذ معنى الكلام الخبر، فكأنهم صرفوه عن الجزم على العطف على يسيروا، فلما صرف عن الجزم، رد إلى آخر الجزم وهو النصب، فهذا معنى الصرف عندهم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى ٱلأَبْصَارُ﴾.
أي: فإن القصة لا تعمى أبصارهم أن يبصروا بها الأشخاص، ولكن تعمى قلوبهم التي في صدورهم عن إبصار الحق ومعرفته.
قال قتادة: البصر: الناظر بلغة ومنفعة والبصر النافع في القلب.
وقال مجاهد: ليس من أحد إلا له عينان في رأسه وعينان في قلبه فأما اللتان في الرأس فظاهرتان يبصر بهما الظاهر، وأما اللتان في القلب، فباطنتان يبصر بهما الغيب، وذلك قول الله عز وجل: ﴿فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى ٱلأَبْصَارُ وَلَـٰكِن تَعْمَىٰ ٱلْقُلُوبُ ٱلَّتِي فِي ٱلصُّدُورِ﴾.
وقال ابن جبير: نزل في ابن أم مكتوم وكان أعمى ﴿فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى ٱلأَبْصَارُ﴾ الآية. فالمعنى: لا تعمى الأبصار السالمة عن رؤية ما تعتبر به، ولكن تعمى القلوب عن رؤية الدلالات على صحة ما تعاينه الأبصار.
* *
وقوله: ﴿فِي ٱلصُّدُورِ﴾ توكيد، لأنه قد علم أن القلب لا يكون إلا في الصدور، ولكن أكده به كما قال: ﴿يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِم﴾ [آل عمران: ١٦٧] وكما قال: ﴿وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ﴾ [الأنعام: ٣٨].
* *
ثم قال: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِٱلْعَذَابِ وَلَن يُخْلِفَ ٱللَّهُ وَعْدَهُ﴾.
أي: ويستعجلك يا محمد مشركوا قومك بما تعدهم به، من عذاب الله على شركهم به، وليس يخلف الله وعده الذي وعدك فيهم من إحلال عذابه عليهم.
* *
ثم قال: ﴿وَإِنَّ يَوْماً عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ﴾.
يعني: أحد الأيام التي خلق الله فيها السماوات والأرض. قاله ابن عباس، وقاله مجاهد وهي ستة أيام، كل يوم مقداره ألف سنة مما تعدون.
وعن ابن عباس أن ذلك هو اليوم من أيام الآخرة في مقدار الحساب.
وروى أبو هريرة أن فقراء المسلمين يدخلون الجنة قبل الأغنياء بمقدار نصف يوم، فقيل له: وما نصف يوم؟
فقال: أو ما تقرأ القرآن: ﴿وَإِنَّ يَوْماً عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ﴾ فهذا يدل على أن المراد بالآية أيام الآخرة، وهو قول عكرمة. وروي أيضاً عن مجاهد وهو قول ابن زيد.
ومعنى إضافة ذكر اليوم إلى الاستعجال بالعذاب، أنهم استعجلوا العذاب في الدنيا التي أيامها قليلة قصيرة، فاعملوا أن العذاب يحل بهم في وقتٍ اليوم منه كألف سنة من سني الدنيا، فذلك أبقى لعذابهم وأشد.
وقيل: المعنى، أن الله جلّ ذكره أعلمهم أن الأيام التي بقيت لهم ويحل عليهم العذاب قليلة عنده، إذ اليوم عنده كألف سنة مما تعدون فوقت العذاب عندكم بطيء أيها المشركون، وهو قريب عند الله. وقيل معنى ذلك: وأن يوماً في الشدة والخوف في الآخرة كألف سنة من أيام الدنيا فيها شدة وخوف وصعوبة، وهذا قول حسن.
وقيل: المعنى، وإن مقدار يوم واحد من أيام الدنيا يعذب فيه الكافر في الآخرة كمقدار ألف سنة من الدنيا، يعذب فيها الكافر لو عذبه فيها ذلك المقدار. وذلك في كثرة الآلام والغموم، فالشدة على المعذبين، أجارنا الله من ذلك.
قال بعض المفسرين، وكذلك سبيل المنعم عليه في الجنة، ينال فيها من اللذة والنعيم في قدر يوم من أيام الدنيا مثل ما كان ينال في نعيم الدنيا ولذتها في ألف سنة لو نعم فيها منعماً مسروراً.
* *
ثم قال: ﴿وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ﴾: أي: وكم من أهل قرية أمهلتهم وأخرت عذابهم "وهم ظالمون" أي: مشركون بالله، ثم أخذتهم بالعذاب. واستغنى عن ذكر العذاب لتقدم ذكره، فعذبتهم في الدنيا بعد الإمهال وإلى المصير في الآخرة، فيلقون عذاباً لا انقطاع له. وفي الكلام حذف. والتقدير: فكذلك حال مستعجليك بالعذاب يا محمد، فإن أمليت لهم إلى آجالهم، فإني آخذهم بالعذاب في الدنيا بالسيف والمصائب ثم يصيرون إلي في الآخرة فيصل بهم العذاب المقيم. كل هذا تخويف ووعيد وزجر للكفار من قريش وغيرهم.
* *
ثم قال: ﴿قُلْ يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّمَآ أَنَاْ لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ﴾.
أي: قل يا محمد لمشركي قومك إنما أنذركم عذاب الله أن يحل بكم في الدنيا والآخرة "مُبِينٌ" أي: أبين لكم إنذاري وأظهره لتحذروا وتزدجروا وتتوبوا من شرككم لم أملك لكم غير ذلك، فأما استعجالكم بالعذاب، فليس ذلك إلي، إنما هو إلى الله جلّ ذكره.
ثم وصف مَنْ قبل إنذاره وآمن به فقال: ﴿فَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ﴾: أي، منكم ومن غيركم ﴿لَهُمْ مَّغْفِرَةٌ﴾ أي، ستر من الله على ذنوبهم التي سلفت، ﴿وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ أي: الجنة.
ثم وصف من لم يقبل إنذاره وتمادى على كفره فقال: ﴿وَٱلَّذِينَ سَعَوْاْ فِيۤ آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ﴾ أي: عملوا في الصد عن أتباع النبي عليه السلام، وترك الإقرار بما جاء به ورد آيات الله، والتكذيب بهما.
ومعنى: ﴿مُعَاجِزِينَ﴾: معاندين، قاله: الفراء.
وقال ابن عباس: معاجزين: مشاقين.
وقال قتادة: سابقين، قال: ظنوا أنهم يعجزون الله ولن يعجزوه.
وقيل: معناه معاندين للنبي ﷺ مغالبين له، يفعلون من ذلك ما يظنون أن النبي ﷺ يعجز عن رده وإنكاره.
ومن قرأه مُعْجِزِينَ بغير ألف مشدداً، فمعناه مثبطين مبطئين. تأويله يتبطون الناس ويبطئونهم عن اتباع النبي عليه السلام.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلاَ نَبِيٍّ إِلاَّ إِذَا تَمَنَّىٰ أَلْقَى ٱلشَّيْطَانُ فِيۤ أُمْنِيَّتِهِ﴾. قوله: "من رسول ولا نبي": يدل على أن النبي هو المرسل، وأن المرسل نبي، لأنه أوجب في الآية للنبي الرسالة، لأن معنى نبي: أنبأ عن الله، ومعنى أنبأ عن الله: هو أخبر عن الله بما أرسله به، فالنبي رسول والرسول نبي.
وقد قال قوم: كل رسول نبي وليس كل نبي رسول، وهذه الآية تدل على القول الأول.
ومعنى الآية عند أهل القول الثاني: وما أرسلنا من قبلك من رسول إلى أمة ولا نبي محدث ليس بمرسل.
وكان نزول هذه الآية، أن الشيطان ألقى لفظاً من عنده على لسان النبي ﷺ، فيما كان يتلوه من القرآن، فاشتد ذلك على رسول الله فسلّى الله بهذه الآية.
قال محمد بن كعب القرظي ومحمد بن قيس: جلس رسول الله ﷺ في نادٍ من أندية قريش، كثير أهله، يتمنى ألا يأتيه من الله شيء، فينفروا عنه، فأنزل الله تعالى: ﴿وَٱلنَّجْمِ إِذَا هَوَىٰ﴾ [النجم: ١] فقرأها النبي ﷺ، حتى إذا بلغ. "أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى"، ألقى الشيطان في تلاوته كلمتين "تلك الغرانيق العلى وأن شفاعتهم ترجى". فتكلم بها ثم مضى فقرأ إلى آخر السورة كلها فسجد وسجد القوم معه جميعاً ورضوا بما تكلم به وقالوا: قد عرفنا أن الله يحيي ويميت وهو الذي يخلق ويرزق، ولكن آلهتنا تشفع لنا عنده إذا جعلت لها نصيباً فنحن معك. فلما أمسى النبي أتاه جبريل عليه السلام، فعرض عليه السورة، فلما بلغ الكلمتين اللتين ألقى الشيطان عليه قال جبريل ﷺ: ما جئتك بهاتين. فقال رسول الله ﷺ: افتريت على الله، وقلت على الله ما لم يقل، فأوحى الله تعالى إليه ﴿وَإِن كَادُواْ لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ ٱلَّذِي أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ لِتفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذاً لاَّتَّخَذُوكَ خَلِيلاً﴾ [الإسراء: ٧٣] إلى قوله: ﴿ثُمَّ لاَ تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيراً﴾ [الإسراء: ٧٥] فما زال النبي ﷺ مغموماً بذلك حتى نزلت: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ﴾ إلى قوله: ﴿وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ وعلى هذا المعنى ذكره ابن جبير وأبو معاد.
وقال ابن عباس في الآية أن النبي ﷺ بينما هو يصلي إذ نزلت عليه قصة آلهة العرب، فجعل يتلوها، فسمعه المشركون، فقالوا: إنا سمعناه يذكر آلهتنا بخير، فدنوا منه فبينما هو يتلوها وهو يقول: أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى، ألقى الشيطان أن تلك الغرانيق العلى منها الشفاعة ترتجى فجعل يتلوها، فنزل جبريل عليه السلام فنسخها قال له: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلاَ نَبِيٍّ﴾ إلى ﴿عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ وكذلك رواه ابن شهاب على هذا المعنى وان اختلفت الألفاظ.
وقيل: معنى الآية: هو ما يقع للنبي ﷺ من السهو والغلط إذ قرأ فينتبه إلى ذلك أو ينبهه الله عليه، فيرجع عنه كما يعرض له من السهو في الصلاة، فنسخ الله لذلك هو تنبيه نبيه عليه.
* *
وقوله: ﴿ثُمَّ يُحْكِمُ ٱللَّهُ آيَاتِهِ﴾.
هو رجوع النبي ﷺ عن سهوه وغلطه إلى الصواب، كل بلطف الله وتيسيره له.
* *
وقوله: ﴿وَأَلْقَى ٱلشَّيْطَانُ فِيۤ أُمْنِيَّتِهِ﴾ أي: وسوس إليه فغلطه في قراءته. وقوله: ﴿لِّيَجْعَلَ مَا يُلْقِي ٱلشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِّلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ﴾. هو أن المشركين والمنافقين كانوا يطلبون على النبي عليه السلام زلة أو غلطاً يطعنون بذلك عليه. فإذا غلط في قراءته أو سهى، تلقوا ذلك بالقبول، وقالوا: رجع عن بعض ما قرأ، فأنزل الله تعالى هذه الآية يبين فيها أن الغلط والسهو لا حجة فيهما على النبي ﷺ، ولا طعن، لأنه شيء يجوز على جميع الخلق، ولا يمتنع من ذلك أحد إلا رب العالمين، فأخبرهم أن الأنبياء قبل محمد والرسل هكذا كانوا، فلا نقص في ذلك على محمد ﷺ.
وقد استدل بعض الناس على أن كل نبي رسول وكل رسول نبي بهذه الآية، لأنه قال في النبي والرسول: إذا تمنى، أي قرأ ما أرسل به إلى قومه، فكلاهما مرسل ونبي، وقال: إن الأنبياء إنما يصيرون أنبياء إذا أرسلهم الله إلى عباده، ومن لم يرسله الله إلى عباده فليس بنبي، كما لا يكون رسولاً. والذي عليه أكثر الناس، أن كل رسول نبي وليس كل نبي رسولاً. والرسل قليلون، والأنبياء كثيرون. وقد ذكرنا عدة هؤلاء وهؤلاء في غير هذا الموضع، وعلى هذا دلائل كثيرة تدل على صحته يطول ذكرها.
ومعنى: "إذا تمنى" إذا تحدث في نفسه.
وقال ابن عباس: "إذا تمنى" إذا حدث.
وقال الضحاك: إذا قال.
وقال مجاهد: إذا تلا وقرأ.
وقيل: إن قوله: (والغرانيق العلى) عنى بها الملائكة، وكذلك الضمير في وأن شفاعتهم ترتجى، هو للملائكة .
واختار الطبري أن يكون تمنى، بمعنى حدث، إذا حدث ألقى الشيطان في حديثه.
وقيل: معنى الآية، أن النبي ﷺ إذا حدث نفسه، ألقى الشيطان في حديثه على جهة الحيلة فيقول: لو سألت الله أن يغنمك كذا ليتسع المسلمون، ويعلم الله الصلاح في غير ذلك، فيبطل ما يلقى الشيطان.
وحكى الكسائي والفراء "تمنى" بمعنى حدّث نفسه.
* *
وقوله: ﴿فَيَنسَخُ ٱللَّهُ مَا يُلْقِي ٱلشَّيْطَانُ﴾ أي: يبطله، من قولهم: نسخت الشمس الظل.
* *
وقوله: ﴿ثُمَّ يُحْكِمُ ٱللَّهُ آيَاتِهِ﴾ أي يخلصها من الباطل الذي ألقى الشيطان. والله عليم بما يحدث في خلقه من حدث، حكيم في تدبيره إياهم.
الحج 22:51
قوله تعالى ذكره: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ﴾ إلى قوله: ﴿وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾.
هذا تقرير وتوبيخ للكفار من قريش وغيرهم. ومعناه: أفلم يسر هؤلاء المكذبون بك يا محمد، فينظروا إلى مصارع أشباههم من الأمم المكذبة للرسل قبلهم، فيخافوا أن يحل عليهم مثل ذلك بتكذيبهم لك، فيرجعوا عن التكذيب إلى الإقرار والتصديق لك، ويفهموا ذلك بقلوبهم، ويسمعوه بآذانهم.
وقوله: "فَتَكُونَ" جواب النفي. وقيل: هو جواب الاستفهام والمعنى: قد ساروا في الأرض فلم تكن لهم قلوب يعقلون بها مصارع من كان قبلهم من الأمم الماضية، يخاطب قريشاً، لأنهم كانوا يسافرون إلى الشام فيرون آثار الأمم الهالكة، فهو في المعنى: خبر فيه تنبيه وتقرير إخبار عن أمر قد كان. كما قال: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح: ١]. أي: قد شرحنا لك صدرك.
ونصب "فَتَكُون" عند الكوفيين على الصرف، إذ معنى الكلام الخبر، فكأنهم صرفوه عن الجزم على العطف على يسيروا، فلما صرف عن الجزم، رد إلى آخر الجزم وهو النصب، فهذا معنى الصرف عندهم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى ٱلأَبْصَارُ﴾.
أي: فإن القصة لا تعمى أبصارهم أن يبصروا بها الأشخاص، ولكن تعمى قلوبهم التي في صدورهم عن إبصار الحق ومعرفته.
قال قتادة: البصر: الناظر بلغة ومنفعة والبصر النافع في القلب.
وقال مجاهد: ليس من أحد إلا له عينان في رأسه وعينان في قلبه فأما اللتان في الرأس فظاهرتان يبصر بهما الظاهر، وأما اللتان في القلب، فباطنتان يبصر بهما الغيب، وذلك قول الله عز وجل: ﴿فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى ٱلأَبْصَارُ وَلَـٰكِن تَعْمَىٰ ٱلْقُلُوبُ ٱلَّتِي فِي ٱلصُّدُورِ﴾.
وقال ابن جبير: نزل في ابن أم مكتوم وكان أعمى ﴿فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى ٱلأَبْصَارُ﴾ الآية. فالمعنى: لا تعمى الأبصار السالمة عن رؤية ما تعتبر به، ولكن تعمى القلوب عن رؤية الدلالات على صحة ما تعاينه الأبصار.
* *
وقوله: ﴿فِي ٱلصُّدُورِ﴾ توكيد، لأنه قد علم أن القلب لا يكون إلا في الصدور، ولكن أكده به كما قال: ﴿يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِم﴾ [آل عمران: ١٦٧] وكما قال: ﴿وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ﴾ [الأنعام: ٣٨].
* *
ثم قال: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِٱلْعَذَابِ وَلَن يُخْلِفَ ٱللَّهُ وَعْدَهُ﴾.
أي: ويستعجلك يا محمد مشركوا قومك بما تعدهم به، من عذاب الله على شركهم به، وليس يخلف الله وعده الذي وعدك فيهم من إحلال عذابه عليهم.
* *
ثم قال: ﴿وَإِنَّ يَوْماً عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ﴾.
يعني: أحد الأيام التي خلق الله فيها السماوات والأرض. قاله ابن عباس، وقاله مجاهد وهي ستة أيام، كل يوم مقداره ألف سنة مما تعدون.
وعن ابن عباس أن ذلك هو اليوم من أيام الآخرة في مقدار الحساب.
وروى أبو هريرة أن فقراء المسلمين يدخلون الجنة قبل الأغنياء بمقدار نصف يوم، فقيل له: وما نصف يوم؟
فقال: أو ما تقرأ القرآن: ﴿وَإِنَّ يَوْماً عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ﴾ فهذا يدل على أن المراد بالآية أيام الآخرة، وهو قول عكرمة. وروي أيضاً عن مجاهد وهو قول ابن زيد.
ومعنى إضافة ذكر اليوم إلى الاستعجال بالعذاب، أنهم استعجلوا العذاب في الدنيا التي أيامها قليلة قصيرة، فاعملوا أن العذاب يحل بهم في وقتٍ اليوم منه كألف سنة من سني الدنيا، فذلك أبقى لعذابهم وأشد.
وقيل: المعنى، أن الله جلّ ذكره أعلمهم أن الأيام التي بقيت لهم ويحل عليهم العذاب قليلة عنده، إذ اليوم عنده كألف سنة مما تعدون فوقت العذاب عندكم بطيء أيها المشركون، وهو قريب عند الله. وقيل معنى ذلك: وأن يوماً في الشدة والخوف في الآخرة كألف سنة من أيام الدنيا فيها شدة وخوف وصعوبة، وهذا قول حسن.
وقيل: المعنى، وإن مقدار يوم واحد من أيام الدنيا يعذب فيه الكافر في الآخرة كمقدار ألف سنة من الدنيا، يعذب فيها الكافر لو عذبه فيها ذلك المقدار. وذلك في كثرة الآلام والغموم، فالشدة على المعذبين، أجارنا الله من ذلك.
قال بعض المفسرين، وكذلك سبيل المنعم عليه في الجنة، ينال فيها من اللذة والنعيم في قدر يوم من أيام الدنيا مثل ما كان ينال في نعيم الدنيا ولذتها في ألف سنة لو نعم فيها منعماً مسروراً.
* *
ثم قال: ﴿وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ﴾: أي: وكم من أهل قرية أمهلتهم وأخرت عذابهم "وهم ظالمون" أي: مشركون بالله، ثم أخذتهم بالعذاب. واستغنى عن ذكر العذاب لتقدم ذكره، فعذبتهم في الدنيا بعد الإمهال وإلى المصير في الآخرة، فيلقون عذاباً لا انقطاع له. وفي الكلام حذف. والتقدير: فكذلك حال مستعجليك بالعذاب يا محمد، فإن أمليت لهم إلى آجالهم، فإني آخذهم بالعذاب في الدنيا بالسيف والمصائب ثم يصيرون إلي في الآخرة فيصل بهم العذاب المقيم. كل هذا تخويف ووعيد وزجر للكفار من قريش وغيرهم.
* *
ثم قال: ﴿قُلْ يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّمَآ أَنَاْ لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ﴾.
أي: قل يا محمد لمشركي قومك إنما أنذركم عذاب الله أن يحل بكم في الدنيا والآخرة "مُبِينٌ" أي: أبين لكم إنذاري وأظهره لتحذروا وتزدجروا وتتوبوا من شرككم لم أملك لكم غير ذلك، فأما استعجالكم بالعذاب، فليس ذلك إلي، إنما هو إلى الله جلّ ذكره.
ثم وصف مَنْ قبل إنذاره وآمن به فقال: ﴿فَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ﴾: أي، منكم ومن غيركم ﴿لَهُمْ مَّغْفِرَةٌ﴾ أي، ستر من الله على ذنوبهم التي سلفت، ﴿وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ أي: الجنة.
ثم وصف من لم يقبل إنذاره وتمادى على كفره فقال: ﴿وَٱلَّذِينَ سَعَوْاْ فِيۤ آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ﴾ أي: عملوا في الصد عن أتباع النبي عليه السلام، وترك الإقرار بما جاء به ورد آيات الله، والتكذيب بهما.
ومعنى: ﴿مُعَاجِزِينَ﴾: معاندين، قاله: الفراء.
وقال ابن عباس: معاجزين: مشاقين.
وقال قتادة: سابقين، قال: ظنوا أنهم يعجزون الله ولن يعجزوه.
وقيل: معناه معاندين للنبي ﷺ مغالبين له، يفعلون من ذلك ما يظنون أن النبي ﷺ يعجز عن رده وإنكاره.
ومن قرأه مُعْجِزِينَ بغير ألف مشدداً، فمعناه مثبطين مبطئين. تأويله يتبطون الناس ويبطئونهم عن اتباع النبي عليه السلام.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلاَ نَبِيٍّ إِلاَّ إِذَا تَمَنَّىٰ أَلْقَى ٱلشَّيْطَانُ فِيۤ أُمْنِيَّتِهِ﴾. قوله: "من رسول ولا نبي": يدل على أن النبي هو المرسل، وأن المرسل نبي، لأنه أوجب في الآية للنبي الرسالة، لأن معنى نبي: أنبأ عن الله، ومعنى أنبأ عن الله: هو أخبر عن الله بما أرسله به، فالنبي رسول والرسول نبي.
وقد قال قوم: كل رسول نبي وليس كل نبي رسول، وهذه الآية تدل على القول الأول.
ومعنى الآية عند أهل القول الثاني: وما أرسلنا من قبلك من رسول إلى أمة ولا نبي محدث ليس بمرسل.
وكان نزول هذه الآية، أن الشيطان ألقى لفظاً من عنده على لسان النبي ﷺ، فيما كان يتلوه من القرآن، فاشتد ذلك على رسول الله فسلّى الله بهذه الآية.
قال محمد بن كعب القرظي ومحمد بن قيس: جلس رسول الله ﷺ في نادٍ من أندية قريش، كثير أهله، يتمنى ألا يأتيه من الله شيء، فينفروا عنه، فأنزل الله تعالى: ﴿وَٱلنَّجْمِ إِذَا هَوَىٰ﴾ [النجم: ١] فقرأها النبي ﷺ، حتى إذا بلغ. "أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى"، ألقى الشيطان في تلاوته كلمتين "تلك الغرانيق العلى وأن شفاعتهم ترجى". فتكلم بها ثم مضى فقرأ إلى آخر السورة كلها فسجد وسجد القوم معه جميعاً ورضوا بما تكلم به وقالوا: قد عرفنا أن الله يحيي ويميت وهو الذي يخلق ويرزق، ولكن آلهتنا تشفع لنا عنده إذا جعلت لها نصيباً فنحن معك. فلما أمسى النبي أتاه جبريل عليه السلام، فعرض عليه السورة، فلما بلغ الكلمتين اللتين ألقى الشيطان عليه قال جبريل ﷺ: ما جئتك بهاتين. فقال رسول الله ﷺ: افتريت على الله، وقلت على الله ما لم يقل، فأوحى الله تعالى إليه ﴿وَإِن كَادُواْ لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ ٱلَّذِي أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ لِتفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذاً لاَّتَّخَذُوكَ خَلِيلاً﴾ [الإسراء: ٧٣] إلى قوله: ﴿ثُمَّ لاَ تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيراً﴾ [الإسراء: ٧٥] فما زال النبي ﷺ مغموماً بذلك حتى نزلت: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ﴾ إلى قوله: ﴿وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ وعلى هذا المعنى ذكره ابن جبير وأبو معاد.
وقال ابن عباس في الآية أن النبي ﷺ بينما هو يصلي إذ نزلت عليه قصة آلهة العرب، فجعل يتلوها، فسمعه المشركون، فقالوا: إنا سمعناه يذكر آلهتنا بخير، فدنوا منه فبينما هو يتلوها وهو يقول: أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى، ألقى الشيطان أن تلك الغرانيق العلى منها الشفاعة ترتجى فجعل يتلوها، فنزل جبريل عليه السلام فنسخها قال له: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلاَ نَبِيٍّ﴾ إلى ﴿عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ وكذلك رواه ابن شهاب على هذا المعنى وان اختلفت الألفاظ.
وقيل: معنى الآية: هو ما يقع للنبي ﷺ من السهو والغلط إذ قرأ فينتبه إلى ذلك أو ينبهه الله عليه، فيرجع عنه كما يعرض له من السهو في الصلاة، فنسخ الله لذلك هو تنبيه نبيه عليه.
* *
وقوله: ﴿ثُمَّ يُحْكِمُ ٱللَّهُ آيَاتِهِ﴾.
هو رجوع النبي ﷺ عن سهوه وغلطه إلى الصواب، كل بلطف الله وتيسيره له.
* *
وقوله: ﴿وَأَلْقَى ٱلشَّيْطَانُ فِيۤ أُمْنِيَّتِهِ﴾ أي: وسوس إليه فغلطه في قراءته. وقوله: ﴿لِّيَجْعَلَ مَا يُلْقِي ٱلشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِّلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ﴾. هو أن المشركين والمنافقين كانوا يطلبون على النبي عليه السلام زلة أو غلطاً يطعنون بذلك عليه. فإذا غلط في قراءته أو سهى، تلقوا ذلك بالقبول، وقالوا: رجع عن بعض ما قرأ، فأنزل الله تعالى هذه الآية يبين فيها أن الغلط والسهو لا حجة فيهما على النبي ﷺ، ولا طعن، لأنه شيء يجوز على جميع الخلق، ولا يمتنع من ذلك أحد إلا رب العالمين، فأخبرهم أن الأنبياء قبل محمد والرسل هكذا كانوا، فلا نقص في ذلك على محمد ﷺ.
وقد استدل بعض الناس على أن كل نبي رسول وكل رسول نبي بهذه الآية، لأنه قال في النبي والرسول: إذا تمنى، أي قرأ ما أرسل به إلى قومه، فكلاهما مرسل ونبي، وقال: إن الأنبياء إنما يصيرون أنبياء إذا أرسلهم الله إلى عباده، ومن لم يرسله الله إلى عباده فليس بنبي، كما لا يكون رسولاً. والذي عليه أكثر الناس، أن كل رسول نبي وليس كل نبي رسولاً. والرسل قليلون، والأنبياء كثيرون. وقد ذكرنا عدة هؤلاء وهؤلاء في غير هذا الموضع، وعلى هذا دلائل كثيرة تدل على صحته يطول ذكرها.
ومعنى: "إذا تمنى" إذا تحدث في نفسه.
وقال ابن عباس: "إذا تمنى" إذا حدث.
وقال الضحاك: إذا قال.
وقال مجاهد: إذا تلا وقرأ.
وقيل: إن قوله: (والغرانيق العلى) عنى بها الملائكة، وكذلك الضمير في وأن شفاعتهم ترتجى، هو للملائكة .
واختار الطبري أن يكون تمنى، بمعنى حدث، إذا حدث ألقى الشيطان في حديثه.
وقيل: معنى الآية، أن النبي ﷺ إذا حدث نفسه، ألقى الشيطان في حديثه على جهة الحيلة فيقول: لو سألت الله أن يغنمك كذا ليتسع المسلمون، ويعلم الله الصلاح في غير ذلك، فيبطل ما يلقى الشيطان.
وحكى الكسائي والفراء "تمنى" بمعنى حدّث نفسه.
* *
وقوله: ﴿فَيَنسَخُ ٱللَّهُ مَا يُلْقِي ٱلشَّيْطَانُ﴾ أي: يبطله، من قولهم: نسخت الشمس الظل.
* *
وقوله: ﴿ثُمَّ يُحْكِمُ ٱللَّهُ آيَاتِهِ﴾ أي يخلصها من الباطل الذي ألقى الشيطان. والله عليم بما يحدث في خلقه من حدث، حكيم في تدبيره إياهم.
الحج 22:52
قوله تعالى ذكره: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ﴾ إلى قوله: ﴿وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾.
هذا تقرير وتوبيخ للكفار من قريش وغيرهم. ومعناه: أفلم يسر هؤلاء المكذبون بك يا محمد، فينظروا إلى مصارع أشباههم من الأمم المكذبة للرسل قبلهم، فيخافوا أن يحل عليهم مثل ذلك بتكذيبهم لك، فيرجعوا عن التكذيب إلى الإقرار والتصديق لك، ويفهموا ذلك بقلوبهم، ويسمعوه بآذانهم.
وقوله: "فَتَكُونَ" جواب النفي. وقيل: هو جواب الاستفهام والمعنى: قد ساروا في الأرض فلم تكن لهم قلوب يعقلون بها مصارع من كان قبلهم من الأمم الماضية، يخاطب قريشاً، لأنهم كانوا يسافرون إلى الشام فيرون آثار الأمم الهالكة، فهو في المعنى: خبر فيه تنبيه وتقرير إخبار عن أمر قد كان. كما قال: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح: ١]. أي: قد شرحنا لك صدرك.
ونصب "فَتَكُون" عند الكوفيين على الصرف، إذ معنى الكلام الخبر، فكأنهم صرفوه عن الجزم على العطف على يسيروا، فلما صرف عن الجزم، رد إلى آخر الجزم وهو النصب، فهذا معنى الصرف عندهم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى ٱلأَبْصَارُ﴾.
أي: فإن القصة لا تعمى أبصارهم أن يبصروا بها الأشخاص، ولكن تعمى قلوبهم التي في صدورهم عن إبصار الحق ومعرفته.
قال قتادة: البصر: الناظر بلغة ومنفعة والبصر النافع في القلب.
وقال مجاهد: ليس من أحد إلا له عينان في رأسه وعينان في قلبه فأما اللتان في الرأس فظاهرتان يبصر بهما الظاهر، وأما اللتان في القلب، فباطنتان يبصر بهما الغيب، وذلك قول الله عز وجل: ﴿فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى ٱلأَبْصَارُ وَلَـٰكِن تَعْمَىٰ ٱلْقُلُوبُ ٱلَّتِي فِي ٱلصُّدُورِ﴾.
وقال ابن جبير: نزل في ابن أم مكتوم وكان أعمى ﴿فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى ٱلأَبْصَارُ﴾ الآية. فالمعنى: لا تعمى الأبصار السالمة عن رؤية ما تعتبر به، ولكن تعمى القلوب عن رؤية الدلالات على صحة ما تعاينه الأبصار.
* *
وقوله: ﴿فِي ٱلصُّدُورِ﴾ توكيد، لأنه قد علم أن القلب لا يكون إلا في الصدور، ولكن أكده به كما قال: ﴿يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِم﴾ [آل عمران: ١٦٧] وكما قال: ﴿وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ﴾ [الأنعام: ٣٨].
* *
ثم قال: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِٱلْعَذَابِ وَلَن يُخْلِفَ ٱللَّهُ وَعْدَهُ﴾.
أي: ويستعجلك يا محمد مشركوا قومك بما تعدهم به، من عذاب الله على شركهم به، وليس يخلف الله وعده الذي وعدك فيهم من إحلال عذابه عليهم.
* *
ثم قال: ﴿وَإِنَّ يَوْماً عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ﴾.
يعني: أحد الأيام التي خلق الله فيها السماوات والأرض. قاله ابن عباس، وقاله مجاهد وهي ستة أيام، كل يوم مقداره ألف سنة مما تعدون.
وعن ابن عباس أن ذلك هو اليوم من أيام الآخرة في مقدار الحساب.
وروى أبو هريرة أن فقراء المسلمين يدخلون الجنة قبل الأغنياء بمقدار نصف يوم، فقيل له: وما نصف يوم؟
فقال: أو ما تقرأ القرآن: ﴿وَإِنَّ يَوْماً عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ﴾ فهذا يدل على أن المراد بالآية أيام الآخرة، وهو قول عكرمة. وروي أيضاً عن مجاهد وهو قول ابن زيد.
ومعنى إضافة ذكر اليوم إلى الاستعجال بالعذاب، أنهم استعجلوا العذاب في الدنيا التي أيامها قليلة قصيرة، فاعملوا أن العذاب يحل بهم في وقتٍ اليوم منه كألف سنة من سني الدنيا، فذلك أبقى لعذابهم وأشد.
وقيل: المعنى، أن الله جلّ ذكره أعلمهم أن الأيام التي بقيت لهم ويحل عليهم العذاب قليلة عنده، إذ اليوم عنده كألف سنة مما تعدون فوقت العذاب عندكم بطيء أيها المشركون، وهو قريب عند الله. وقيل معنى ذلك: وأن يوماً في الشدة والخوف في الآخرة كألف سنة من أيام الدنيا فيها شدة وخوف وصعوبة، وهذا قول حسن.
وقيل: المعنى، وإن مقدار يوم واحد من أيام الدنيا يعذب فيه الكافر في الآخرة كمقدار ألف سنة من الدنيا، يعذب فيها الكافر لو عذبه فيها ذلك المقدار. وذلك في كثرة الآلام والغموم، فالشدة على المعذبين، أجارنا الله من ذلك.
قال بعض المفسرين، وكذلك سبيل المنعم عليه في الجنة، ينال فيها من اللذة والنعيم في قدر يوم من أيام الدنيا مثل ما كان ينال في نعيم الدنيا ولذتها في ألف سنة لو نعم فيها منعماً مسروراً.
* *
ثم قال: ﴿وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ﴾: أي: وكم من أهل قرية أمهلتهم وأخرت عذابهم "وهم ظالمون" أي: مشركون بالله، ثم أخذتهم بالعذاب. واستغنى عن ذكر العذاب لتقدم ذكره، فعذبتهم في الدنيا بعد الإمهال وإلى المصير في الآخرة، فيلقون عذاباً لا انقطاع له. وفي الكلام حذف. والتقدير: فكذلك حال مستعجليك بالعذاب يا محمد، فإن أمليت لهم إلى آجالهم، فإني آخذهم بالعذاب في الدنيا بالسيف والمصائب ثم يصيرون إلي في الآخرة فيصل بهم العذاب المقيم. كل هذا تخويف ووعيد وزجر للكفار من قريش وغيرهم.
* *
ثم قال: ﴿قُلْ يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّمَآ أَنَاْ لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ﴾.
أي: قل يا محمد لمشركي قومك إنما أنذركم عذاب الله أن يحل بكم في الدنيا والآخرة "مُبِينٌ" أي: أبين لكم إنذاري وأظهره لتحذروا وتزدجروا وتتوبوا من شرككم لم أملك لكم غير ذلك، فأما استعجالكم بالعذاب، فليس ذلك إلي، إنما هو إلى الله جلّ ذكره.
ثم وصف مَنْ قبل إنذاره وآمن به فقال: ﴿فَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ﴾: أي، منكم ومن غيركم ﴿لَهُمْ مَّغْفِرَةٌ﴾ أي، ستر من الله على ذنوبهم التي سلفت، ﴿وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ أي: الجنة.
ثم وصف من لم يقبل إنذاره وتمادى على كفره فقال: ﴿وَٱلَّذِينَ سَعَوْاْ فِيۤ آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ﴾ أي: عملوا في الصد عن أتباع النبي عليه السلام، وترك الإقرار بما جاء به ورد آيات الله، والتكذيب بهما.
ومعنى: ﴿مُعَاجِزِينَ﴾: معاندين، قاله: الفراء.
وقال ابن عباس: معاجزين: مشاقين.
وقال قتادة: سابقين، قال: ظنوا أنهم يعجزون الله ولن يعجزوه.
وقيل: معناه معاندين للنبي ﷺ مغالبين له، يفعلون من ذلك ما يظنون أن النبي ﷺ يعجز عن رده وإنكاره.
ومن قرأه مُعْجِزِينَ بغير ألف مشدداً، فمعناه مثبطين مبطئين. تأويله يتبطون الناس ويبطئونهم عن اتباع النبي عليه السلام.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلاَ نَبِيٍّ إِلاَّ إِذَا تَمَنَّىٰ أَلْقَى ٱلشَّيْطَانُ فِيۤ أُمْنِيَّتِهِ﴾. قوله: "من رسول ولا نبي": يدل على أن النبي هو المرسل، وأن المرسل نبي، لأنه أوجب في الآية للنبي الرسالة، لأن معنى نبي: أنبأ عن الله، ومعنى أنبأ عن الله: هو أخبر عن الله بما أرسله به، فالنبي رسول والرسول نبي.
وقد قال قوم: كل رسول نبي وليس كل نبي رسول، وهذه الآية تدل على القول الأول.
ومعنى الآية عند أهل القول الثاني: وما أرسلنا من قبلك من رسول إلى أمة ولا نبي محدث ليس بمرسل.
وكان نزول هذه الآية، أن الشيطان ألقى لفظاً من عنده على لسان النبي ﷺ، فيما كان يتلوه من القرآن، فاشتد ذلك على رسول الله فسلّى الله بهذه الآية.
قال محمد بن كعب القرظي ومحمد بن قيس: جلس رسول الله ﷺ في نادٍ من أندية قريش، كثير أهله، يتمنى ألا يأتيه من الله شيء، فينفروا عنه، فأنزل الله تعالى: ﴿وَٱلنَّجْمِ إِذَا هَوَىٰ﴾ [النجم: ١] فقرأها النبي ﷺ، حتى إذا بلغ. "أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى"، ألقى الشيطان في تلاوته كلمتين "تلك الغرانيق العلى وأن شفاعتهم ترجى". فتكلم بها ثم مضى فقرأ إلى آخر السورة كلها فسجد وسجد القوم معه جميعاً ورضوا بما تكلم به وقالوا: قد عرفنا أن الله يحيي ويميت وهو الذي يخلق ويرزق، ولكن آلهتنا تشفع لنا عنده إذا جعلت لها نصيباً فنحن معك. فلما أمسى النبي أتاه جبريل عليه السلام، فعرض عليه السورة، فلما بلغ الكلمتين اللتين ألقى الشيطان عليه قال جبريل ﷺ: ما جئتك بهاتين. فقال رسول الله ﷺ: افتريت على الله، وقلت على الله ما لم يقل، فأوحى الله تعالى إليه ﴿وَإِن كَادُواْ لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ ٱلَّذِي أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ لِتفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذاً لاَّتَّخَذُوكَ خَلِيلاً﴾ [الإسراء: ٧٣] إلى قوله: ﴿ثُمَّ لاَ تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيراً﴾ [الإسراء: ٧٥] فما زال النبي ﷺ مغموماً بذلك حتى نزلت: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ﴾ إلى قوله: ﴿وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ وعلى هذا المعنى ذكره ابن جبير وأبو معاد.
وقال ابن عباس في الآية أن النبي ﷺ بينما هو يصلي إذ نزلت عليه قصة آلهة العرب، فجعل يتلوها، فسمعه المشركون، فقالوا: إنا سمعناه يذكر آلهتنا بخير، فدنوا منه فبينما هو يتلوها وهو يقول: أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى، ألقى الشيطان أن تلك الغرانيق العلى منها الشفاعة ترتجى فجعل يتلوها، فنزل جبريل عليه السلام فنسخها قال له: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلاَ نَبِيٍّ﴾ إلى ﴿عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ وكذلك رواه ابن شهاب على هذا المعنى وان اختلفت الألفاظ.
وقيل: معنى الآية: هو ما يقع للنبي ﷺ من السهو والغلط إذ قرأ فينتبه إلى ذلك أو ينبهه الله عليه، فيرجع عنه كما يعرض له من السهو في الصلاة، فنسخ الله لذلك هو تنبيه نبيه عليه.
* *
وقوله: ﴿ثُمَّ يُحْكِمُ ٱللَّهُ آيَاتِهِ﴾.
هو رجوع النبي ﷺ عن سهوه وغلطه إلى الصواب، كل بلطف الله وتيسيره له.
* *
وقوله: ﴿وَأَلْقَى ٱلشَّيْطَانُ فِيۤ أُمْنِيَّتِهِ﴾ أي: وسوس إليه فغلطه في قراءته. وقوله: ﴿لِّيَجْعَلَ مَا يُلْقِي ٱلشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِّلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ﴾. هو أن المشركين والمنافقين كانوا يطلبون على النبي عليه السلام زلة أو غلطاً يطعنون بذلك عليه. فإذا غلط في قراءته أو سهى، تلقوا ذلك بالقبول، وقالوا: رجع عن بعض ما قرأ، فأنزل الله تعالى هذه الآية يبين فيها أن الغلط والسهو لا حجة فيهما على النبي ﷺ، ولا طعن، لأنه شيء يجوز على جميع الخلق، ولا يمتنع من ذلك أحد إلا رب العالمين، فأخبرهم أن الأنبياء قبل محمد والرسل هكذا كانوا، فلا نقص في ذلك على محمد ﷺ.
وقد استدل بعض الناس على أن كل نبي رسول وكل رسول نبي بهذه الآية، لأنه قال في النبي والرسول: إذا تمنى، أي قرأ ما أرسل به إلى قومه، فكلاهما مرسل ونبي، وقال: إن الأنبياء إنما يصيرون أنبياء إذا أرسلهم الله إلى عباده، ومن لم يرسله الله إلى عباده فليس بنبي، كما لا يكون رسولاً. والذي عليه أكثر الناس، أن كل رسول نبي وليس كل نبي رسولاً. والرسل قليلون، والأنبياء كثيرون. وقد ذكرنا عدة هؤلاء وهؤلاء في غير هذا الموضع، وعلى هذا دلائل كثيرة تدل على صحته يطول ذكرها.
ومعنى: "إذا تمنى" إذا تحدث في نفسه.
وقال ابن عباس: "إذا تمنى" إذا حدث.
وقال الضحاك: إذا قال.
وقال مجاهد: إذا تلا وقرأ.
وقيل: إن قوله: (والغرانيق العلى) عنى بها الملائكة، وكذلك الضمير في وأن شفاعتهم ترتجى، هو للملائكة .
واختار الطبري أن يكون تمنى، بمعنى حدث، إذا حدث ألقى الشيطان في حديثه.
وقيل: معنى الآية، أن النبي ﷺ إذا حدث نفسه، ألقى الشيطان في حديثه على جهة الحيلة فيقول: لو سألت الله أن يغنمك كذا ليتسع المسلمون، ويعلم الله الصلاح في غير ذلك، فيبطل ما يلقى الشيطان.
وحكى الكسائي والفراء "تمنى" بمعنى حدّث نفسه.
* *
وقوله: ﴿فَيَنسَخُ ٱللَّهُ مَا يُلْقِي ٱلشَّيْطَانُ﴾ أي: يبطله، من قولهم: نسخت الشمس الظل.
* *
وقوله: ﴿ثُمَّ يُحْكِمُ ٱللَّهُ آيَاتِهِ﴾ أي يخلصها من الباطل الذي ألقى الشيطان. والله عليم بما يحدث في خلقه من حدث، حكيم في تدبيره إياهم.
الحج 22:53
قوله تعالى ذكره: ﴿لِّيَجْعَلَ مَا يُلْقِي ٱلشَّيْطَانُ فِتْنَةً﴾. إلى قوله: ﴿يَوْمٍ عَقِيمٍ﴾.
المعنى: فعل ذلك من نسخ ما ألقى الشيطان ليجعله فتنة للذين في قلوبهم مرض، أي: اختباراً للذين في قلوبهم نفاق ﴿وَٱلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ﴾ هم المشركون الذين قست قلوبهم عن الإيمان فلا تلين ولا ترعوي.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَإِنَّ ٱلظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾.
أي: وإن مشركي قومك لفي خلاف لله، في أمر بعيد من الحق. والشقاق: أشد العداوة.
* *
ثم قال: ﴿وَلِيَعْلَمَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ﴾.
أي: نسخ ما ألقى الشيطان ليعلم الذين أوتوا العلم بالله أنه الحق من ربك. أي: أن الذي أنزله إليك هو الحق، لا ما نسخ مما ألقى الشيطان ﴿فَيُؤْمِنُواْ بِهِ﴾ أي: فيصدقوا به. ﴿فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ﴾ أي، تخضع للقرآن قلوبهم وتذعن بالتصديق به والإقرار بما فيه.
* *
ثم قال: ﴿وَإِنَّ ٱللَّهَ لَهَادِ ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ﴾.
أي: لمرشد المؤمنين إلى الطريق القاصد والحق الواضح، فينسخ ما ألقى الشيطان في أمنية رسول الله ﷺ، فلا يضرهم كيد الشيطان شيئاً.
وقيل: المعنى: لهاديهم إلى طريق الجنة في الآخرة.
وقيل: المعنى: لهاديهم إلى الثبات على الإيمان في بقية أعمارهم.
وقال ابن جريج: ﴿أَنَّهُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ﴾ يعني: القرآن.
ويروى: أن قوماً من المهاجرين بأرض الحبشة بلغهم أن أهل مكة أسلموا حين تقربوا من النبي عليه السلام لما سمعوا منه ما ألقى الشيطان في تلاوته، فرجعوا إلى عشائرهم، وقالوا هم أحب إلينا، فوجدوا القوم قد ارتكسوا حين نسخ الله ما ألقى الشيطان.
وقوله: "لهاد" حذفت الياء في الوصل لسكونها وسكون اللام بعدها وحذفت من الخط، لأن الكاتب كتبها على لفظ الوصل، ولو كتبها على الوقف لكتبها بالياء كما كتب ﴿بِهَادِي ٱلْعُمْيِ﴾ [النمل: ٨١] في النمل بالياء على الوقف، وكتب "بهاد العمي" في الروم بغير ياء على الوصل، ولا يحسن الوقف عليه، لأنك إن وقفت بالياء خالفت الخط، وإن وقفت بغير ياء، حذفت لام الفعل لغير علة.
وقد قال يعقوب وسلام: الوقف "لهادي" بالياء على الأصل، والأحسن ألا تقف عليه لما ذكرت لك. ولأنه ليس بتمام ولا قطع، ولأنك تفرق بين المضاف والمضاف إليه، وكلاهما كالشيء الواحد.
وقد روى أبو محمد اليزيدي عن أبي عمرو في "لهاد الذين آمنوا" قال: الوصل بالياء، والوقف على الكتب. وروي ذلك عن اليزيدي أبو عبد الرحمان وأبو حمدون. ومعنى هذا أنه ينوي الياء في الوصل وإن كان لا يلفظ بها، فإذا وقف، وقف بغير ياء اتباعاً للخط فكأنه قال: الوصل بنية الياء. وهذا كلام مستقيم. وقد استجهل اليزيدي في هذه الرواية ومجازها ما ذكرنا.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَلاَ يَزَالُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فِي مِرْيَةٍ مِّنْهُ﴾.
أي: لا يزال الكفار في شك من القرآن.
وقيل: من النبي.
وقيل: من سجوده معهم في آخر النجم.
وقيل: "مما ألقى الشيطان في تلاوة النبي ﷺ من قوله: تلك الغرانيف العلى" قال هذا القول الأخير ابن جبير وابن زيد.
قال ابن زيد: لا يخرج ذلك من قلوبهم زادهم ضلالة. وكونها تعود على القرآن أبين، لقوله تعالى: ﴿وَلِيَعْلَمَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ﴾ يعني: القرآن وهو أقرب إليه.
* *
وقوله: ﴿حَتَّىٰ تَأْتِيَهُمُ ٱلسَّاعَةُ بَغْتَةً﴾.
أي: حتى تأتيهم ساعة حشر الناس لموقف الحساب "بغتة" أي: فجأة، وهو مصدر في موضع الحال.
* *
ثم قال تعالى: ﴿أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ﴾.
أي: عذاب يوم القيامة، ومعنى عقيم لا ليلة له شبهت الليلة باليوم، بمنزلة الولد للوالدة، هذا قول الضحاك وعكرمة.
وقيل: عنى به يوم بدر. وسمي عقيماً لأنهم لم ينظروا إلى الليل، قال ذلك: مجاهد وابن جبير وقتادة وأبي بن كعب. وهذا القول: حسن لأنه قد تقدم ذكر يوم القيامة في قوله: ﴿حَتَّىٰ تَأْتِيَهُمُ ٱلسَّاعَةُ بَغْتَةً﴾ فلا يكون يوم القيامة مرة أخرى، وإنما المعنى: لا يزالون في شك من القرآن حتى تقوم الساعة أو يقتلوا يوم بدر.
قال أبي بن كعب: "عذاب يوم عقيم"، يوم بدر، واللزام: القتال في يوم بدر، ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ ٱلْبَطْشَةَ ٱلْكُبْرَىٰ﴾ [الدخان: ١٦] يوم بدر، ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِّنَ ٱلْعَذَابِ ٱلأَدْنَىٰ﴾ [السجدة: ٢١]، يوم بدر، فذلك أربع آيات نزلن في يوم بدر.
وقيل: إنما سمي يوم بدر عقيماً لأنه عقيم فيه الخير والفرج عن الكفار.
وقيل: هو يوم القيامة، عقم أن يكون بعده يوم مثله، أي: منع من ذلك.
الحج 22:54
قوله تعالى ذكره: ﴿لِّيَجْعَلَ مَا يُلْقِي ٱلشَّيْطَانُ فِتْنَةً﴾. إلى قوله: ﴿يَوْمٍ عَقِيمٍ﴾.
المعنى: فعل ذلك من نسخ ما ألقى الشيطان ليجعله فتنة للذين في قلوبهم مرض، أي: اختباراً للذين في قلوبهم نفاق ﴿وَٱلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ﴾ هم المشركون الذين قست قلوبهم عن الإيمان فلا تلين ولا ترعوي.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَإِنَّ ٱلظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾.
أي: وإن مشركي قومك لفي خلاف لله، في أمر بعيد من الحق. والشقاق: أشد العداوة.
* *
ثم قال: ﴿وَلِيَعْلَمَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ﴾.
أي: نسخ ما ألقى الشيطان ليعلم الذين أوتوا العلم بالله أنه الحق من ربك. أي: أن الذي أنزله إليك هو الحق، لا ما نسخ مما ألقى الشيطان ﴿فَيُؤْمِنُواْ بِهِ﴾ أي: فيصدقوا به. ﴿فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ﴾ أي، تخضع للقرآن قلوبهم وتذعن بالتصديق به والإقرار بما فيه.
* *
ثم قال: ﴿وَإِنَّ ٱللَّهَ لَهَادِ ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ﴾.
أي: لمرشد المؤمنين إلى الطريق القاصد والحق الواضح، فينسخ ما ألقى الشيطان في أمنية رسول الله ﷺ، فلا يضرهم كيد الشيطان شيئاً.
وقيل: المعنى: لهاديهم إلى طريق الجنة في الآخرة.
وقيل: المعنى: لهاديهم إلى الثبات على الإيمان في بقية أعمارهم.
وقال ابن جريج: ﴿أَنَّهُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ﴾ يعني: القرآن.
ويروى: أن قوماً من المهاجرين بأرض الحبشة بلغهم أن أهل مكة أسلموا حين تقربوا من النبي عليه السلام لما سمعوا منه ما ألقى الشيطان في تلاوته، فرجعوا إلى عشائرهم، وقالوا هم أحب إلينا، فوجدوا القوم قد ارتكسوا حين نسخ الله ما ألقى الشيطان.
وقوله: "لهاد" حذفت الياء في الوصل لسكونها وسكون اللام بعدها وحذفت من الخط، لأن الكاتب كتبها على لفظ الوصل، ولو كتبها على الوقف لكتبها بالياء كما كتب ﴿بِهَادِي ٱلْعُمْيِ﴾ [النمل: ٨١] في النمل بالياء على الوقف، وكتب "بهاد العمي" في الروم بغير ياء على الوصل، ولا يحسن الوقف عليه، لأنك إن وقفت بالياء خالفت الخط، وإن وقفت بغير ياء، حذفت لام الفعل لغير علة.
وقد قال يعقوب وسلام: الوقف "لهادي" بالياء على الأصل، والأحسن ألا تقف عليه لما ذكرت لك. ولأنه ليس بتمام ولا قطع، ولأنك تفرق بين المضاف والمضاف إليه، وكلاهما كالشيء الواحد.
وقد روى أبو محمد اليزيدي عن أبي عمرو في "لهاد الذين آمنوا" قال: الوصل بالياء، والوقف على الكتب. وروي ذلك عن اليزيدي أبو عبد الرحمان وأبو حمدون. ومعنى هذا أنه ينوي الياء في الوصل وإن كان لا يلفظ بها، فإذا وقف، وقف بغير ياء اتباعاً للخط فكأنه قال: الوصل بنية الياء. وهذا كلام مستقيم. وقد استجهل اليزيدي في هذه الرواية ومجازها ما ذكرنا.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَلاَ يَزَالُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فِي مِرْيَةٍ مِّنْهُ﴾.
أي: لا يزال الكفار في شك من القرآن.
وقيل: من النبي.
وقيل: من سجوده معهم في آخر النجم.
وقيل: "مما ألقى الشيطان في تلاوة النبي ﷺ من قوله: تلك الغرانيف العلى" قال هذا القول الأخير ابن جبير وابن زيد.
قال ابن زيد: لا يخرج ذلك من قلوبهم زادهم ضلالة. وكونها تعود على القرآن أبين، لقوله تعالى: ﴿وَلِيَعْلَمَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ﴾ يعني: القرآن وهو أقرب إليه.
* *
وقوله: ﴿حَتَّىٰ تَأْتِيَهُمُ ٱلسَّاعَةُ بَغْتَةً﴾.
أي: حتى تأتيهم ساعة حشر الناس لموقف الحساب "بغتة" أي: فجأة، وهو مصدر في موضع الحال.
* *
ثم قال تعالى: ﴿أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ﴾.
أي: عذاب يوم القيامة، ومعنى عقيم لا ليلة له شبهت الليلة باليوم، بمنزلة الولد للوالدة، هذا قول الضحاك وعكرمة.
وقيل: عنى به يوم بدر. وسمي عقيماً لأنهم لم ينظروا إلى الليل، قال ذلك: مجاهد وابن جبير وقتادة وأبي بن كعب. وهذا القول: حسن لأنه قد تقدم ذكر يوم القيامة في قوله: ﴿حَتَّىٰ تَأْتِيَهُمُ ٱلسَّاعَةُ بَغْتَةً﴾ فلا يكون يوم القيامة مرة أخرى، وإنما المعنى: لا يزالون في شك من القرآن حتى تقوم الساعة أو يقتلوا يوم بدر.
قال أبي بن كعب: "عذاب يوم عقيم"، يوم بدر، واللزام: القتال في يوم بدر، ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ ٱلْبَطْشَةَ ٱلْكُبْرَىٰ﴾ [الدخان: ١٦] يوم بدر، ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِّنَ ٱلْعَذَابِ ٱلأَدْنَىٰ﴾ [السجدة: ٢١]، يوم بدر، فذلك أربع آيات نزلن في يوم بدر.
وقيل: إنما سمي يوم بدر عقيماً لأنه عقيم فيه الخير والفرج عن الكفار.
وقيل: هو يوم القيامة، عقم أن يكون بعده يوم مثله، أي: منع من ذلك.
الحج 22:55
قوله تعالى ذكره: ﴿لِّيَجْعَلَ مَا يُلْقِي ٱلشَّيْطَانُ فِتْنَةً﴾. إلى قوله: ﴿يَوْمٍ عَقِيمٍ﴾.
المعنى: فعل ذلك من نسخ ما ألقى الشيطان ليجعله فتنة للذين في قلوبهم مرض، أي: اختباراً للذين في قلوبهم نفاق ﴿وَٱلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ﴾ هم المشركون الذين قست قلوبهم عن الإيمان فلا تلين ولا ترعوي.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَإِنَّ ٱلظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾.
أي: وإن مشركي قومك لفي خلاف لله، في أمر بعيد من الحق. والشقاق: أشد العداوة.
* *
ثم قال: ﴿وَلِيَعْلَمَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ﴾.
أي: نسخ ما ألقى الشيطان ليعلم الذين أوتوا العلم بالله أنه الحق من ربك. أي: أن الذي أنزله إليك هو الحق، لا ما نسخ مما ألقى الشيطان ﴿فَيُؤْمِنُواْ بِهِ﴾ أي: فيصدقوا به. ﴿فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ﴾ أي، تخضع للقرآن قلوبهم وتذعن بالتصديق به والإقرار بما فيه.
* *
ثم قال: ﴿وَإِنَّ ٱللَّهَ لَهَادِ ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ﴾.
أي: لمرشد المؤمنين إلى الطريق القاصد والحق الواضح، فينسخ ما ألقى الشيطان في أمنية رسول الله ﷺ، فلا يضرهم كيد الشيطان شيئاً.
وقيل: المعنى: لهاديهم إلى طريق الجنة في الآخرة.
وقيل: المعنى: لهاديهم إلى الثبات على الإيمان في بقية أعمارهم.
وقال ابن جريج: ﴿أَنَّهُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ﴾ يعني: القرآن.
ويروى: أن قوماً من المهاجرين بأرض الحبشة بلغهم أن أهل مكة أسلموا حين تقربوا من النبي عليه السلام لما سمعوا منه ما ألقى الشيطان في تلاوته، فرجعوا إلى عشائرهم، وقالوا هم أحب إلينا، فوجدوا القوم قد ارتكسوا حين نسخ الله ما ألقى الشيطان.
وقوله: "لهاد" حذفت الياء في الوصل لسكونها وسكون اللام بعدها وحذفت من الخط، لأن الكاتب كتبها على لفظ الوصل، ولو كتبها على الوقف لكتبها بالياء كما كتب ﴿بِهَادِي ٱلْعُمْيِ﴾ [النمل: ٨١] في النمل بالياء على الوقف، وكتب "بهاد العمي" في الروم بغير ياء على الوصل، ولا يحسن الوقف عليه، لأنك إن وقفت بالياء خالفت الخط، وإن وقفت بغير ياء، حذفت لام الفعل لغير علة.
وقد قال يعقوب وسلام: الوقف "لهادي" بالياء على الأصل، والأحسن ألا تقف عليه لما ذكرت لك. ولأنه ليس بتمام ولا قطع، ولأنك تفرق بين المضاف والمضاف إليه، وكلاهما كالشيء الواحد.
وقد روى أبو محمد اليزيدي عن أبي عمرو في "لهاد الذين آمنوا" قال: الوصل بالياء، والوقف على الكتب. وروي ذلك عن اليزيدي أبو عبد الرحمان وأبو حمدون. ومعنى هذا أنه ينوي الياء في الوصل وإن كان لا يلفظ بها، فإذا وقف، وقف بغير ياء اتباعاً للخط فكأنه قال: الوصل بنية الياء. وهذا كلام مستقيم. وقد استجهل اليزيدي في هذه الرواية ومجازها ما ذكرنا.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَلاَ يَزَالُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فِي مِرْيَةٍ مِّنْهُ﴾.
أي: لا يزال الكفار في شك من القرآن.
وقيل: من النبي.
وقيل: من سجوده معهم في آخر النجم.
وقيل: "مما ألقى الشيطان في تلاوة النبي ﷺ من قوله: تلك الغرانيف العلى" قال هذا القول الأخير ابن جبير وابن زيد.
قال ابن زيد: لا يخرج ذلك من قلوبهم زادهم ضلالة. وكونها تعود على القرآن أبين، لقوله تعالى: ﴿وَلِيَعْلَمَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ﴾ يعني: القرآن وهو أقرب إليه.
* *
وقوله: ﴿حَتَّىٰ تَأْتِيَهُمُ ٱلسَّاعَةُ بَغْتَةً﴾.
أي: حتى تأتيهم ساعة حشر الناس لموقف الحساب "بغتة" أي: فجأة، وهو مصدر في موضع الحال.
* *
ثم قال تعالى: ﴿أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ﴾.
أي: عذاب يوم القيامة، ومعنى عقيم لا ليلة له شبهت الليلة باليوم، بمنزلة الولد للوالدة، هذا قول الضحاك وعكرمة.
وقيل: عنى به يوم بدر. وسمي عقيماً لأنهم لم ينظروا إلى الليل، قال ذلك: مجاهد وابن جبير وقتادة وأبي بن كعب. وهذا القول: حسن لأنه قد تقدم ذكر يوم القيامة في قوله: ﴿حَتَّىٰ تَأْتِيَهُمُ ٱلسَّاعَةُ بَغْتَةً﴾ فلا يكون يوم القيامة مرة أخرى، وإنما المعنى: لا يزالون في شك من القرآن حتى تقوم الساعة أو يقتلوا يوم بدر.
قال أبي بن كعب: "عذاب يوم عقيم"، يوم بدر، واللزام: القتال في يوم بدر، ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ ٱلْبَطْشَةَ ٱلْكُبْرَىٰ﴾ [الدخان: ١٦] يوم بدر، ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِّنَ ٱلْعَذَابِ ٱلأَدْنَىٰ﴾ [السجدة: ٢١]، يوم بدر، فذلك أربع آيات نزلن في يوم بدر.
وقيل: إنما سمي يوم بدر عقيماً لأنه عقيم فيه الخير والفرج عن الكفار.
وقيل: هو يوم القيامة، عقم أن يكون بعده يوم مثله، أي: منع من ذلك.
الحج 22:56
قوله تعالى ذكره: ﴿ٱلْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ للَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ﴾. إلى قوله: ﴿لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾.
أي: السلطان لله وحده يوم مجيء الساعة لا ينازعه فيه أحد إذ قد كان في الدنيا ملوك يدعون ذلك، قد ملكهم الله أمر عباده، فيوم القيامة لا يملك الله فيه أحداً شيئاً من الأمور، بل هو المتفرد بذلك، والحاكم فيه كله، وقد كان الملك كله لله في الدنيا، إلا أنه تعالى ملك قوماً أمور عباده، وليس يكون ذلك في الآخرة، لا يملك أحد أمر أحد.
﴿يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ﴾ أي: بين خلقه، المؤمن والكافر، ﴿فَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ فِي جَنَّاتِ ٱلنَّعِيمِ﴾ يومئذ ﴿وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِآيٰتِنَا فَأُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾، أي: مذل لهم في جهنم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ هَاجَرُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوۤاْ أَوْ مَاتُواْ﴾.
أي: والذين فارقوا أوطانهم وهجروا بلدهم في رضى الله ثم قتلوا في ذلك أو ماتوا ﴿لَيَرْزُقَنَّهُمُ ٱللَّهُ رِزْقاً حَسَناً﴾ وهو الثواب الجزيل، ﴿وَإِنَّ ٱللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ ٱلرَّازِقِينَ﴾ أي: خير من بسط رزقه على أهل طاعته.
وذكر أن هذه الآية نزلت في قوم من أصحاب النبي ﷺ اختلفوا في حكم من مات في سبيل الله، فقال بعضهم: الميت والمقتول منهم سواء، وقال آخرون: بل المقتول أفضل فأعلمهم الله جلّ ذكره بهذه الآية أن المقتول في سبيل الله والميت فيه سوا عنده في الثواب.
* *
ثم قال: ﴿لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُّدْخَلاً يَرْضَوْنَهُ﴾.
يعني: الجنة. وقال: و ﴿وَإِنَّ ٱللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾ أي: "لعليم بمن هاجر في سبيله ممن خرج لغنيمة أو عرض من أعراض الدنيا". "حليم" عمن عصاه من خلقه لا يعاجله بالعقوبة ثم قال: ﴿ذٰلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ﴾.
أي: الأمر ذلك ومن عاقب.
وقيل: معناه: هذا لهؤلاء الذين هاجروا في سبيل الله ثم قتلوا أو ماتوا ولهم مع ذلك القضاء على المشركين الذين بغوا عليهم، وأخرجوهم من ديارهم.
قال ابن جريج في الآية: هم المشركون، بغوا على النبي ﷺ وأخرجوه، فوعده الله أن ينصره وقال: إن هذه الآية نزلت في قوم من المشركين، لقوا قوماً من المسلمين لليلتين بقيتا من المحرم، فكره المسلمون القتال في الشهر الحرام، وسألوا المشركين أن يكفوا عن القتال، فأبى المشركون ذلك فقاتلوهم وبغوا عليهم، وثبت المسلمون لهم فنصروا عليهم، فأنزل الله الآية فيكون معنى ﴿ثُمَّ بُغِيَ﴾: بدئ بالقتال وهو له كاره لينصرنه الله على من بَغَى عليه. وسمى الجزاء عقوبة لأنه جزاء على عقوبة فسمي باسمه، كما قال: ﴿ٱللَّهُ يَسْتَهْزِىءُ بِهِمْ﴾ [البقرة: ١٥] و﴿مَكَرَ ٱللَّهُ﴾ [آل عمران: ٥٤] وشبهه، ومثل ﴿وَجَزَآءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠] فالأولى: سيئة والثانية حسنة، إلا أنها سميت سيئة، لأنها وقعت إساءة بالمفعول، لأنه فعل به ما يسوء، كذلك سمي الجزاء على العقوبة عقوبة لأنه عقوبة بالمبتدئ بالشر.
* *
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ﴾.
أي: لذو عفو وصفح لمن انتصر به من ظلمه من بعدما ظلمه الظالم، غفور لمن فعل بمن ظلمه.
* *
ثم قال: ﴿ذٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ يُولِجُ ٱللَّيْلَ فِي ٱلنَّهَارِ وَيُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِي ٱللَّيْلِ﴾ أي: يقول الله جلّ ذكره: هذا النصر الذي أنصر من بُغِيَ عليه بأني القادر على ما أشاء، ومن قدرتي أني أولج الليل في النهار وأولج النهار في الليل. ومعناه: يدخل ما انتقص من ساعات الليل في ساعات النهار، وما انتقص من ساعات النهار في ساعات الليل، فما نقص من طول هذا، زاد في طول هذا.
فبالقدرة: التي فعل هذا، ينصر محمداً وأصحابه على الذين بغوا عليهم، وأخرجوهم من ديارهم.
* *
ثم قال: ﴿وَأَنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ أي، وفعل ذلك بهم أيضاً، لأنه ذو سمع لما يقولون من قول خفي وغيره، عليم بكل شيء.
* *
ثم قال: ﴿ذٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْحَقُّ﴾.
أي: ذلك الفعل الذي فعل من إيلاجه الليل في النهار، والنهار في الليل، ونصره أولياءه على من بغى عليهم، لأنه الحق الذي لا مثل له، ولا شريك، وأن الذي يدعوه هؤلاء المشركون آلهة من دونه، هو الباطل الذي لا يقدر على شيء.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْعَلِيُّ ٱلْكَبِيرُ﴾.
أي: هو ذو العلو على كل شيء وهو فوق كل شيء، وكل شيء دونه.
"والكبير:" أي: العظيم الذي لا شيء أعظم منه.
قال ابن جريج: "هو الباطل" يعني: الشيطان.
* *
ثم قال: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَتُصْبِحُ ٱلأَرْضُ مُخْضَرَّةً﴾.
"فتصبح" مرفوع لأن صدر الكلام واجب، وليس استفهام، إنما هو تنبيه، هذا قول الخليل.
وقال الفراء: "ألم تر" خبر، كما تقول في الكلام: أعلم أن الله يفعل كذا فيكون كذا. وخص ذكر الصباح بهذا دون سائر أخواتها، لأن رؤية الخضرة بالنهار أوضح منه بالليل، والمعنى: أن الأرض صارت على هذا بالليل والنهار، فتصبح بمعنى فأصبحت، وهذه أصول من باب صار وأخواتها، وأعلم أن أصل أصبح وأمسى أن تقول: أصبح الرجل وأمسى أي: وافق الصباح ووافق المساء، وكذلك أصبحنا وأمسينا، معناه: دخلنا في الصباح والمساء.
ثم قالوا: أصبح زيد عالماً، وأمسى جاهلاً. أي: تبين ذلك منه في وقت الصباح والمساء ولم يرد أنه يكون في الصباح على حال لا يكون عليها في المساء، وقولهم ظل فلان قائماً، فلا يكون ظل إلا بالنهار، كما أن بات بالليل، واشتقاقه من الظل، والظل إنما يكون بالنهار، فلذلك لم يقع "ظل" إلا بالنهار. وقولهم: صار زيد عالماً. أصلها من صرت إلى موضع كذا، أي: بلغته، فالمصير انقطاع البلوغ. ومنه قوله: "إليه المصير"، أي: غاية البلوغ والانتهاء، ثم اتسع فيها حتى جعلت للخبر، فقيل: صار عبد الله عالماً أي: بلغ هذه الصفة، فلذلك كانت للشيء الذي ينقطع إلى وقتك تقول: صار عبد الله رجلاً. أي: بلغ ذلك هذا الوقت، وليست بمنزل "كان" التي توجب علمه قبل ذلك، فصارت لانقطاع الغاية، وانقطاع الغاية وقت خبرك، فإن أردت أن تخبر بـ "صار" إنما هو كان قبل وقتك، أدخلت "كان" فقلت: كان زيد قد صار عالماً، ورأيته أمسى صار عالماً.
وأما ما زال فأصلها من زال الشيء عن الموضع، إذا فارقه وما زلت عن موضع، أي: ما فارقته. ثم جعل ذلك للخبر فلزمه الجحد، فثبت الخبر عن الاسم بنفي مفارقته، فقلت: ما زال زيد عالماً، فنفيت مفارقته للعلم، ونفي ذلك إيجاب له، فصار المعنى: زيد عالم، ففيه معنى تراخي الزمان، فإذا قلت ما زلت سائراً، فمعناه ما زلت أسير شيئاً بعد شيء. ونظير ما زال، ما برح وما انفك، وما فتئ. فأصل ما برح، من برحت من موضع، أي: فارقته. وأصل ما انفك من انفكاك الشيء من الشيء ومفارقته إياه. وأما ما فتئ، فلم ينفرد باسم كظلت. وأما ما دام، فما فيها غير جحد، إنما هي زمان. وأصل دام، من دمت على الشيء، مكثت فيه، وطاولته، ثم جعلت لديمومة الخبر، وجعل الاسم وخبره صلة "ما" التي هي وقت. ولو قلت دام زيد عالماً، لم يكن كلاماً حتى تأتي الموصول، وهو "ما". ولو قيل: قد دام زيد أميراً، لجاز في القياس، لأن معناه: طالت إمارته، ولكن لم يستعمل وقوله: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾.
أي: لطيف باستخراجه النبات من الأرض بالماء الذي ينزل من السماء. "خبير" بما يحدث عن ذلك النبت من الحب وغيره.
الحج 22:57
قوله تعالى ذكره: ﴿ٱلْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ للَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ﴾. إلى قوله: ﴿لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾.
أي: السلطان لله وحده يوم مجيء الساعة لا ينازعه فيه أحد إذ قد كان في الدنيا ملوك يدعون ذلك، قد ملكهم الله أمر عباده، فيوم القيامة لا يملك الله فيه أحداً شيئاً من الأمور، بل هو المتفرد بذلك، والحاكم فيه كله، وقد كان الملك كله لله في الدنيا، إلا أنه تعالى ملك قوماً أمور عباده، وليس يكون ذلك في الآخرة، لا يملك أحد أمر أحد.
﴿يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ﴾ أي: بين خلقه، المؤمن والكافر، ﴿فَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ فِي جَنَّاتِ ٱلنَّعِيمِ﴾ يومئذ ﴿وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِآيٰتِنَا فَأُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾، أي: مذل لهم في جهنم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ هَاجَرُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوۤاْ أَوْ مَاتُواْ﴾.
أي: والذين فارقوا أوطانهم وهجروا بلدهم في رضى الله ثم قتلوا في ذلك أو ماتوا ﴿لَيَرْزُقَنَّهُمُ ٱللَّهُ رِزْقاً حَسَناً﴾ وهو الثواب الجزيل، ﴿وَإِنَّ ٱللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ ٱلرَّازِقِينَ﴾ أي: خير من بسط رزقه على أهل طاعته.
وذكر أن هذه الآية نزلت في قوم من أصحاب النبي ﷺ اختلفوا في حكم من مات في سبيل الله، فقال بعضهم: الميت والمقتول منهم سواء، وقال آخرون: بل المقتول أفضل فأعلمهم الله جلّ ذكره بهذه الآية أن المقتول في سبيل الله والميت فيه سوا عنده في الثواب.
* *
ثم قال: ﴿لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُّدْخَلاً يَرْضَوْنَهُ﴾.
يعني: الجنة. وقال: و ﴿وَإِنَّ ٱللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾ أي: "لعليم بمن هاجر في سبيله ممن خرج لغنيمة أو عرض من أعراض الدنيا". "حليم" عمن عصاه من خلقه لا يعاجله بالعقوبة ثم قال: ﴿ذٰلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ﴾.
أي: الأمر ذلك ومن عاقب.
وقيل: معناه: هذا لهؤلاء الذين هاجروا في سبيل الله ثم قتلوا أو ماتوا ولهم مع ذلك القضاء على المشركين الذين بغوا عليهم، وأخرجوهم من ديارهم.
قال ابن جريج في الآية: هم المشركون، بغوا على النبي ﷺ وأخرجوه، فوعده الله أن ينصره وقال: إن هذه الآية نزلت في قوم من المشركين، لقوا قوماً من المسلمين لليلتين بقيتا من المحرم، فكره المسلمون القتال في الشهر الحرام، وسألوا المشركين أن يكفوا عن القتال، فأبى المشركون ذلك فقاتلوهم وبغوا عليهم، وثبت المسلمون لهم فنصروا عليهم، فأنزل الله الآية فيكون معنى ﴿ثُمَّ بُغِيَ﴾: بدئ بالقتال وهو له كاره لينصرنه الله على من بَغَى عليه. وسمى الجزاء عقوبة لأنه جزاء على عقوبة فسمي باسمه، كما قال: ﴿ٱللَّهُ يَسْتَهْزِىءُ بِهِمْ﴾ [البقرة: ١٥] و﴿مَكَرَ ٱللَّهُ﴾ [آل عمران: ٥٤] وشبهه، ومثل ﴿وَجَزَآءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠] فالأولى: سيئة والثانية حسنة، إلا أنها سميت سيئة، لأنها وقعت إساءة بالمفعول، لأنه فعل به ما يسوء، كذلك سمي الجزاء على العقوبة عقوبة لأنه عقوبة بالمبتدئ بالشر.
* *
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ﴾.
أي: لذو عفو وصفح لمن انتصر به من ظلمه من بعدما ظلمه الظالم، غفور لمن فعل بمن ظلمه.
* *
ثم قال: ﴿ذٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ يُولِجُ ٱللَّيْلَ فِي ٱلنَّهَارِ وَيُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِي ٱللَّيْلِ﴾ أي: يقول الله جلّ ذكره: هذا النصر الذي أنصر من بُغِيَ عليه بأني القادر على ما أشاء، ومن قدرتي أني أولج الليل في النهار وأولج النهار في الليل. ومعناه: يدخل ما انتقص من ساعات الليل في ساعات النهار، وما انتقص من ساعات النهار في ساعات الليل، فما نقص من طول هذا، زاد في طول هذا.
فبالقدرة: التي فعل هذا، ينصر محمداً وأصحابه على الذين بغوا عليهم، وأخرجوهم من ديارهم.
* *
ثم قال: ﴿وَأَنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ أي، وفعل ذلك بهم أيضاً، لأنه ذو سمع لما يقولون من قول خفي وغيره، عليم بكل شيء.
* *
ثم قال: ﴿ذٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْحَقُّ﴾.
أي: ذلك الفعل الذي فعل من إيلاجه الليل في النهار، والنهار في الليل، ونصره أولياءه على من بغى عليهم، لأنه الحق الذي لا مثل له، ولا شريك، وأن الذي يدعوه هؤلاء المشركون آلهة من دونه، هو الباطل الذي لا يقدر على شيء.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْعَلِيُّ ٱلْكَبِيرُ﴾.
أي: هو ذو العلو على كل شيء وهو فوق كل شيء، وكل شيء دونه.
"والكبير:" أي: العظيم الذي لا شيء أعظم منه.
قال ابن جريج: "هو الباطل" يعني: الشيطان.
* *
ثم قال: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَتُصْبِحُ ٱلأَرْضُ مُخْضَرَّةً﴾.
"فتصبح" مرفوع لأن صدر الكلام واجب، وليس استفهام، إنما هو تنبيه، هذا قول الخليل.
وقال الفراء: "ألم تر" خبر، كما تقول في الكلام: أعلم أن الله يفعل كذا فيكون كذا. وخص ذكر الصباح بهذا دون سائر أخواتها، لأن رؤية الخضرة بالنهار أوضح منه بالليل، والمعنى: أن الأرض صارت على هذا بالليل والنهار، فتصبح بمعنى فأصبحت، وهذه أصول من باب صار وأخواتها، وأعلم أن أصل أصبح وأمسى أن تقول: أصبح الرجل وأمسى أي: وافق الصباح ووافق المساء، وكذلك أصبحنا وأمسينا، معناه: دخلنا في الصباح والمساء.
ثم قالوا: أصبح زيد عالماً، وأمسى جاهلاً. أي: تبين ذلك منه في وقت الصباح والمساء ولم يرد أنه يكون في الصباح على حال لا يكون عليها في المساء، وقولهم ظل فلان قائماً، فلا يكون ظل إلا بالنهار، كما أن بات بالليل، واشتقاقه من الظل، والظل إنما يكون بالنهار، فلذلك لم يقع "ظل" إلا بالنهار. وقولهم: صار زيد عالماً. أصلها من صرت إلى موضع كذا، أي: بلغته، فالمصير انقطاع البلوغ. ومنه قوله: "إليه المصير"، أي: غاية البلوغ والانتهاء، ثم اتسع فيها حتى جعلت للخبر، فقيل: صار عبد الله عالماً أي: بلغ هذه الصفة، فلذلك كانت للشيء الذي ينقطع إلى وقتك تقول: صار عبد الله رجلاً. أي: بلغ ذلك هذا الوقت، وليست بمنزل "كان" التي توجب علمه قبل ذلك، فصارت لانقطاع الغاية، وانقطاع الغاية وقت خبرك، فإن أردت أن تخبر بـ "صار" إنما هو كان قبل وقتك، أدخلت "كان" فقلت: كان زيد قد صار عالماً، ورأيته أمسى صار عالماً.
وأما ما زال فأصلها من زال الشيء عن الموضع، إذا فارقه وما زلت عن موضع، أي: ما فارقته. ثم جعل ذلك للخبر فلزمه الجحد، فثبت الخبر عن الاسم بنفي مفارقته، فقلت: ما زال زيد عالماً، فنفيت مفارقته للعلم، ونفي ذلك إيجاب له، فصار المعنى: زيد عالم، ففيه معنى تراخي الزمان، فإذا قلت ما زلت سائراً، فمعناه ما زلت أسير شيئاً بعد شيء. ونظير ما زال، ما برح وما انفك، وما فتئ. فأصل ما برح، من برحت من موضع، أي: فارقته. وأصل ما انفك من انفكاك الشيء من الشيء ومفارقته إياه. وأما ما فتئ، فلم ينفرد باسم كظلت. وأما ما دام، فما فيها غير جحد، إنما هي زمان. وأصل دام، من دمت على الشيء، مكثت فيه، وطاولته، ثم جعلت لديمومة الخبر، وجعل الاسم وخبره صلة "ما" التي هي وقت. ولو قلت دام زيد عالماً، لم يكن كلاماً حتى تأتي الموصول، وهو "ما". ولو قيل: قد دام زيد أميراً، لجاز في القياس، لأن معناه: طالت إمارته، ولكن لم يستعمل وقوله: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾.
أي: لطيف باستخراجه النبات من الأرض بالماء الذي ينزل من السماء. "خبير" بما يحدث عن ذلك النبت من الحب وغيره.
الحج 22:58
قوله تعالى ذكره: ﴿ٱلْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ للَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ﴾. إلى قوله: ﴿لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾.
أي: السلطان لله وحده يوم مجيء الساعة لا ينازعه فيه أحد إذ قد كان في الدنيا ملوك يدعون ذلك، قد ملكهم الله أمر عباده، فيوم القيامة لا يملك الله فيه أحداً شيئاً من الأمور، بل هو المتفرد بذلك، والحاكم فيه كله، وقد كان الملك كله لله في الدنيا، إلا أنه تعالى ملك قوماً أمور عباده، وليس يكون ذلك في الآخرة، لا يملك أحد أمر أحد.
﴿يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ﴾ أي: بين خلقه، المؤمن والكافر، ﴿فَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ فِي جَنَّاتِ ٱلنَّعِيمِ﴾ يومئذ ﴿وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِآيٰتِنَا فَأُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾، أي: مذل لهم في جهنم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ هَاجَرُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوۤاْ أَوْ مَاتُواْ﴾.
أي: والذين فارقوا أوطانهم وهجروا بلدهم في رضى الله ثم قتلوا في ذلك أو ماتوا ﴿لَيَرْزُقَنَّهُمُ ٱللَّهُ رِزْقاً حَسَناً﴾ وهو الثواب الجزيل، ﴿وَإِنَّ ٱللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ ٱلرَّازِقِينَ﴾ أي: خير من بسط رزقه على أهل طاعته.
وذكر أن هذه الآية نزلت في قوم من أصحاب النبي ﷺ اختلفوا في حكم من مات في سبيل الله، فقال بعضهم: الميت والمقتول منهم سواء، وقال آخرون: بل المقتول أفضل فأعلمهم الله جلّ ذكره بهذه الآية أن المقتول في سبيل الله والميت فيه سوا عنده في الثواب.
* *
ثم قال: ﴿لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُّدْخَلاً يَرْضَوْنَهُ﴾.
يعني: الجنة. وقال: و ﴿وَإِنَّ ٱللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾ أي: "لعليم بمن هاجر في سبيله ممن خرج لغنيمة أو عرض من أعراض الدنيا". "حليم" عمن عصاه من خلقه لا يعاجله بالعقوبة ثم قال: ﴿ذٰلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ﴾.
أي: الأمر ذلك ومن عاقب.
وقيل: معناه: هذا لهؤلاء الذين هاجروا في سبيل الله ثم قتلوا أو ماتوا ولهم مع ذلك القضاء على المشركين الذين بغوا عليهم، وأخرجوهم من ديارهم.
قال ابن جريج في الآية: هم المشركون، بغوا على النبي ﷺ وأخرجوه، فوعده الله أن ينصره وقال: إن هذه الآية نزلت في قوم من المشركين، لقوا قوماً من المسلمين لليلتين بقيتا من المحرم، فكره المسلمون القتال في الشهر الحرام، وسألوا المشركين أن يكفوا عن القتال، فأبى المشركون ذلك فقاتلوهم وبغوا عليهم، وثبت المسلمون لهم فنصروا عليهم، فأنزل الله الآية فيكون معنى ﴿ثُمَّ بُغِيَ﴾: بدئ بالقتال وهو له كاره لينصرنه الله على من بَغَى عليه. وسمى الجزاء عقوبة لأنه جزاء على عقوبة فسمي باسمه، كما قال: ﴿ٱللَّهُ يَسْتَهْزِىءُ بِهِمْ﴾ [البقرة: ١٥] و﴿مَكَرَ ٱللَّهُ﴾ [آل عمران: ٥٤] وشبهه، ومثل ﴿وَجَزَآءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠] فالأولى: سيئة والثانية حسنة، إلا أنها سميت سيئة، لأنها وقعت إساءة بالمفعول، لأنه فعل به ما يسوء، كذلك سمي الجزاء على العقوبة عقوبة لأنه عقوبة بالمبتدئ بالشر.
* *
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ﴾.
أي: لذو عفو وصفح لمن انتصر به من ظلمه من بعدما ظلمه الظالم، غفور لمن فعل بمن ظلمه.
* *
ثم قال: ﴿ذٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ يُولِجُ ٱللَّيْلَ فِي ٱلنَّهَارِ وَيُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِي ٱللَّيْلِ﴾ أي: يقول الله جلّ ذكره: هذا النصر الذي أنصر من بُغِيَ عليه بأني القادر على ما أشاء، ومن قدرتي أني أولج الليل في النهار وأولج النهار في الليل. ومعناه: يدخل ما انتقص من ساعات الليل في ساعات النهار، وما انتقص من ساعات النهار في ساعات الليل، فما نقص من طول هذا، زاد في طول هذا.
فبالقدرة: التي فعل هذا، ينصر محمداً وأصحابه على الذين بغوا عليهم، وأخرجوهم من ديارهم.
* *
ثم قال: ﴿وَأَنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ أي، وفعل ذلك بهم أيضاً، لأنه ذو سمع لما يقولون من قول خفي وغيره، عليم بكل شيء.
* *
ثم قال: ﴿ذٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْحَقُّ﴾.
أي: ذلك الفعل الذي فعل من إيلاجه الليل في النهار، والنهار في الليل، ونصره أولياءه على من بغى عليهم، لأنه الحق الذي لا مثل له، ولا شريك، وأن الذي يدعوه هؤلاء المشركون آلهة من دونه، هو الباطل الذي لا يقدر على شيء.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْعَلِيُّ ٱلْكَبِيرُ﴾.
أي: هو ذو العلو على كل شيء وهو فوق كل شيء، وكل شيء دونه.
"والكبير:" أي: العظيم الذي لا شيء أعظم منه.
قال ابن جريج: "هو الباطل" يعني: الشيطان.
* *
ثم قال: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَتُصْبِحُ ٱلأَرْضُ مُخْضَرَّةً﴾.
"فتصبح" مرفوع لأن صدر الكلام واجب، وليس استفهام، إنما هو تنبيه، هذا قول الخليل.
وقال الفراء: "ألم تر" خبر، كما تقول في الكلام: أعلم أن الله يفعل كذا فيكون كذا. وخص ذكر الصباح بهذا دون سائر أخواتها، لأن رؤية الخضرة بالنهار أوضح منه بالليل، والمعنى: أن الأرض صارت على هذا بالليل والنهار، فتصبح بمعنى فأصبحت، وهذه أصول من باب صار وأخواتها، وأعلم أن أصل أصبح وأمسى أن تقول: أصبح الرجل وأمسى أي: وافق الصباح ووافق المساء، وكذلك أصبحنا وأمسينا، معناه: دخلنا في الصباح والمساء.
ثم قالوا: أصبح زيد عالماً، وأمسى جاهلاً. أي: تبين ذلك منه في وقت الصباح والمساء ولم يرد أنه يكون في الصباح على حال لا يكون عليها في المساء، وقولهم ظل فلان قائماً، فلا يكون ظل إلا بالنهار، كما أن بات بالليل، واشتقاقه من الظل، والظل إنما يكون بالنهار، فلذلك لم يقع "ظل" إلا بالنهار. وقولهم: صار زيد عالماً. أصلها من صرت إلى موضع كذا، أي: بلغته، فالمصير انقطاع البلوغ. ومنه قوله: "إليه المصير"، أي: غاية البلوغ والانتهاء، ثم اتسع فيها حتى جعلت للخبر، فقيل: صار عبد الله عالماً أي: بلغ هذه الصفة، فلذلك كانت للشيء الذي ينقطع إلى وقتك تقول: صار عبد الله رجلاً. أي: بلغ ذلك هذا الوقت، وليست بمنزل "كان" التي توجب علمه قبل ذلك، فصارت لانقطاع الغاية، وانقطاع الغاية وقت خبرك، فإن أردت أن تخبر بـ "صار" إنما هو كان قبل وقتك، أدخلت "كان" فقلت: كان زيد قد صار عالماً، ورأيته أمسى صار عالماً.
وأما ما زال فأصلها من زال الشيء عن الموضع، إذا فارقه وما زلت عن موضع، أي: ما فارقته. ثم جعل ذلك للخبر فلزمه الجحد، فثبت الخبر عن الاسم بنفي مفارقته، فقلت: ما زال زيد عالماً، فنفيت مفارقته للعلم، ونفي ذلك إيجاب له، فصار المعنى: زيد عالم، ففيه معنى تراخي الزمان، فإذا قلت ما زلت سائراً، فمعناه ما زلت أسير شيئاً بعد شيء. ونظير ما زال، ما برح وما انفك، وما فتئ. فأصل ما برح، من برحت من موضع، أي: فارقته. وأصل ما انفك من انفكاك الشيء من الشيء ومفارقته إياه. وأما ما فتئ، فلم ينفرد باسم كظلت. وأما ما دام، فما فيها غير جحد، إنما هي زمان. وأصل دام، من دمت على الشيء، مكثت فيه، وطاولته، ثم جعلت لديمومة الخبر، وجعل الاسم وخبره صلة "ما" التي هي وقت. ولو قلت دام زيد عالماً، لم يكن كلاماً حتى تأتي الموصول، وهو "ما". ولو قيل: قد دام زيد أميراً، لجاز في القياس، لأن معناه: طالت إمارته، ولكن لم يستعمل وقوله: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾.
أي: لطيف باستخراجه النبات من الأرض بالماء الذي ينزل من السماء. "خبير" بما يحدث عن ذلك النبت من الحب وغيره.
الحج 22:59
قوله تعالى ذكره: ﴿ٱلْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ للَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ﴾. إلى قوله: ﴿لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾.
أي: السلطان لله وحده يوم مجيء الساعة لا ينازعه فيه أحد إذ قد كان في الدنيا ملوك يدعون ذلك، قد ملكهم الله أمر عباده، فيوم القيامة لا يملك الله فيه أحداً شيئاً من الأمور، بل هو المتفرد بذلك، والحاكم فيه كله، وقد كان الملك كله لله في الدنيا، إلا أنه تعالى ملك قوماً أمور عباده، وليس يكون ذلك في الآخرة، لا يملك أحد أمر أحد.
﴿يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ﴾ أي: بين خلقه، المؤمن والكافر، ﴿فَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ فِي جَنَّاتِ ٱلنَّعِيمِ﴾ يومئذ ﴿وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِآيٰتِنَا فَأُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾، أي: مذل لهم في جهنم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ هَاجَرُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوۤاْ أَوْ مَاتُواْ﴾.
أي: والذين فارقوا أوطانهم وهجروا بلدهم في رضى الله ثم قتلوا في ذلك أو ماتوا ﴿لَيَرْزُقَنَّهُمُ ٱللَّهُ رِزْقاً حَسَناً﴾ وهو الثواب الجزيل، ﴿وَإِنَّ ٱللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ ٱلرَّازِقِينَ﴾ أي: خير من بسط رزقه على أهل طاعته.
وذكر أن هذه الآية نزلت في قوم من أصحاب النبي ﷺ اختلفوا في حكم من مات في سبيل الله، فقال بعضهم: الميت والمقتول منهم سواء، وقال آخرون: بل المقتول أفضل فأعلمهم الله جلّ ذكره بهذه الآية أن المقتول في سبيل الله والميت فيه سوا عنده في الثواب.
* *
ثم قال: ﴿لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُّدْخَلاً يَرْضَوْنَهُ﴾.
يعني: الجنة. وقال: و ﴿وَإِنَّ ٱللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾ أي: "لعليم بمن هاجر في سبيله ممن خرج لغنيمة أو عرض من أعراض الدنيا". "حليم" عمن عصاه من خلقه لا يعاجله بالعقوبة ثم قال: ﴿ذٰلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ﴾.
أي: الأمر ذلك ومن عاقب.
وقيل: معناه: هذا لهؤلاء الذين هاجروا في سبيل الله ثم قتلوا أو ماتوا ولهم مع ذلك القضاء على المشركين الذين بغوا عليهم، وأخرجوهم من ديارهم.
قال ابن جريج في الآية: هم المشركون، بغوا على النبي ﷺ وأخرجوه، فوعده الله أن ينصره وقال: إن هذه الآية نزلت في قوم من المشركين، لقوا قوماً من المسلمين لليلتين بقيتا من المحرم، فكره المسلمون القتال في الشهر الحرام، وسألوا المشركين أن يكفوا عن القتال، فأبى المشركون ذلك فقاتلوهم وبغوا عليهم، وثبت المسلمون لهم فنصروا عليهم، فأنزل الله الآية فيكون معنى ﴿ثُمَّ بُغِيَ﴾: بدئ بالقتال وهو له كاره لينصرنه الله على من بَغَى عليه. وسمى الجزاء عقوبة لأنه جزاء على عقوبة فسمي باسمه، كما قال: ﴿ٱللَّهُ يَسْتَهْزِىءُ بِهِمْ﴾ [البقرة: ١٥] و﴿مَكَرَ ٱللَّهُ﴾ [آل عمران: ٥٤] وشبهه، ومثل ﴿وَجَزَآءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠] فالأولى: سيئة والثانية حسنة، إلا أنها سميت سيئة، لأنها وقعت إساءة بالمفعول، لأنه فعل به ما يسوء، كذلك سمي الجزاء على العقوبة عقوبة لأنه عقوبة بالمبتدئ بالشر.
* *
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ﴾.
أي: لذو عفو وصفح لمن انتصر به من ظلمه من بعدما ظلمه الظالم، غفور لمن فعل بمن ظلمه.
* *
ثم قال: ﴿ذٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ يُولِجُ ٱللَّيْلَ فِي ٱلنَّهَارِ وَيُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِي ٱللَّيْلِ﴾ أي: يقول الله جلّ ذكره: هذا النصر الذي أنصر من بُغِيَ عليه بأني القادر على ما أشاء، ومن قدرتي أني أولج الليل في النهار وأولج النهار في الليل. ومعناه: يدخل ما انتقص من ساعات الليل في ساعات النهار، وما انتقص من ساعات النهار في ساعات الليل، فما نقص من طول هذا، زاد في طول هذا.
فبالقدرة: التي فعل هذا، ينصر محمداً وأصحابه على الذين بغوا عليهم، وأخرجوهم من ديارهم.
* *
ثم قال: ﴿وَأَنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ أي، وفعل ذلك بهم أيضاً، لأنه ذو سمع لما يقولون من قول خفي وغيره، عليم بكل شيء.
* *
ثم قال: ﴿ذٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْحَقُّ﴾.
أي: ذلك الفعل الذي فعل من إيلاجه الليل في النهار، والنهار في الليل، ونصره أولياءه على من بغى عليهم، لأنه الحق الذي لا مثل له، ولا شريك، وأن الذي يدعوه هؤلاء المشركون آلهة من دونه، هو الباطل الذي لا يقدر على شيء.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْعَلِيُّ ٱلْكَبِيرُ﴾.
أي: هو ذو العلو على كل شيء وهو فوق كل شيء، وكل شيء دونه.
"والكبير:" أي: العظيم الذي لا شيء أعظم منه.
قال ابن جريج: "هو الباطل" يعني: الشيطان.
* *
ثم قال: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَتُصْبِحُ ٱلأَرْضُ مُخْضَرَّةً﴾.
"فتصبح" مرفوع لأن صدر الكلام واجب، وليس استفهام، إنما هو تنبيه، هذا قول الخليل.
وقال الفراء: "ألم تر" خبر، كما تقول في الكلام: أعلم أن الله يفعل كذا فيكون كذا. وخص ذكر الصباح بهذا دون سائر أخواتها، لأن رؤية الخضرة بالنهار أوضح منه بالليل، والمعنى: أن الأرض صارت على هذا بالليل والنهار، فتصبح بمعنى فأصبحت، وهذه أصول من باب صار وأخواتها، وأعلم أن أصل أصبح وأمسى أن تقول: أصبح الرجل وأمسى أي: وافق الصباح ووافق المساء، وكذلك أصبحنا وأمسينا، معناه: دخلنا في الصباح والمساء.
ثم قالوا: أصبح زيد عالماً، وأمسى جاهلاً. أي: تبين ذلك منه في وقت الصباح والمساء ولم يرد أنه يكون في الصباح على حال لا يكون عليها في المساء، وقولهم ظل فلان قائماً، فلا يكون ظل إلا بالنهار، كما أن بات بالليل، واشتقاقه من الظل، والظل إنما يكون بالنهار، فلذلك لم يقع "ظل" إلا بالنهار. وقولهم: صار زيد عالماً. أصلها من صرت إلى موضع كذا، أي: بلغته، فالمصير انقطاع البلوغ. ومنه قوله: "إليه المصير"، أي: غاية البلوغ والانتهاء، ثم اتسع فيها حتى جعلت للخبر، فقيل: صار عبد الله عالماً أي: بلغ هذه الصفة، فلذلك كانت للشيء الذي ينقطع إلى وقتك تقول: صار عبد الله رجلاً. أي: بلغ ذلك هذا الوقت، وليست بمنزل "كان" التي توجب علمه قبل ذلك، فصارت لانقطاع الغاية، وانقطاع الغاية وقت خبرك، فإن أردت أن تخبر بـ "صار" إنما هو كان قبل وقتك، أدخلت "كان" فقلت: كان زيد قد صار عالماً، ورأيته أمسى صار عالماً.
وأما ما زال فأصلها من زال الشيء عن الموضع، إذا فارقه وما زلت عن موضع، أي: ما فارقته. ثم جعل ذلك للخبر فلزمه الجحد، فثبت الخبر عن الاسم بنفي مفارقته، فقلت: ما زال زيد عالماً، فنفيت مفارقته للعلم، ونفي ذلك إيجاب له، فصار المعنى: زيد عالم، ففيه معنى تراخي الزمان، فإذا قلت ما زلت سائراً، فمعناه ما زلت أسير شيئاً بعد شيء. ونظير ما زال، ما برح وما انفك، وما فتئ. فأصل ما برح، من برحت من موضع، أي: فارقته. وأصل ما انفك من انفكاك الشيء من الشيء ومفارقته إياه. وأما ما فتئ، فلم ينفرد باسم كظلت. وأما ما دام، فما فيها غير جحد، إنما هي زمان. وأصل دام، من دمت على الشيء، مكثت فيه، وطاولته، ثم جعلت لديمومة الخبر، وجعل الاسم وخبره صلة "ما" التي هي وقت. ولو قلت دام زيد عالماً، لم يكن كلاماً حتى تأتي الموصول، وهو "ما". ولو قيل: قد دام زيد أميراً، لجاز في القياس، لأن معناه: طالت إمارته، ولكن لم يستعمل وقوله: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾.
أي: لطيف باستخراجه النبات من الأرض بالماء الذي ينزل من السماء. "خبير" بما يحدث عن ذلك النبت من الحب وغيره.
الحج 22:60
قوله تعالى ذكره: ﴿ٱلْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ للَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ﴾. إلى قوله: ﴿لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾.
أي: السلطان لله وحده يوم مجيء الساعة لا ينازعه فيه أحد إذ قد كان في الدنيا ملوك يدعون ذلك، قد ملكهم الله أمر عباده، فيوم القيامة لا يملك الله فيه أحداً شيئاً من الأمور، بل هو المتفرد بذلك، والحاكم فيه كله، وقد كان الملك كله لله في الدنيا، إلا أنه تعالى ملك قوماً أمور عباده، وليس يكون ذلك في الآخرة، لا يملك أحد أمر أحد.
﴿يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ﴾ أي: بين خلقه، المؤمن والكافر، ﴿فَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ فِي جَنَّاتِ ٱلنَّعِيمِ﴾ يومئذ ﴿وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِآيٰتِنَا فَأُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾، أي: مذل لهم في جهنم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ هَاجَرُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوۤاْ أَوْ مَاتُواْ﴾.
أي: والذين فارقوا أوطانهم وهجروا بلدهم في رضى الله ثم قتلوا في ذلك أو ماتوا ﴿لَيَرْزُقَنَّهُمُ ٱللَّهُ رِزْقاً حَسَناً﴾ وهو الثواب الجزيل، ﴿وَإِنَّ ٱللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ ٱلرَّازِقِينَ﴾ أي: خير من بسط رزقه على أهل طاعته.
وذكر أن هذه الآية نزلت في قوم من أصحاب النبي ﷺ اختلفوا في حكم من مات في سبيل الله، فقال بعضهم: الميت والمقتول منهم سواء، وقال آخرون: بل المقتول أفضل فأعلمهم الله جلّ ذكره بهذه الآية أن المقتول في سبيل الله والميت فيه سوا عنده في الثواب.
* *
ثم قال: ﴿لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُّدْخَلاً يَرْضَوْنَهُ﴾.
يعني: الجنة. وقال: و ﴿وَإِنَّ ٱللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾ أي: "لعليم بمن هاجر في سبيله ممن خرج لغنيمة أو عرض من أعراض الدنيا". "حليم" عمن عصاه من خلقه لا يعاجله بالعقوبة ثم قال: ﴿ذٰلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ﴾.
أي: الأمر ذلك ومن عاقب.
وقيل: معناه: هذا لهؤلاء الذين هاجروا في سبيل الله ثم قتلوا أو ماتوا ولهم مع ذلك القضاء على المشركين الذين بغوا عليهم، وأخرجوهم من ديارهم.
قال ابن جريج في الآية: هم المشركون، بغوا على النبي ﷺ وأخرجوه، فوعده الله أن ينصره وقال: إن هذه الآية نزلت في قوم من المشركين، لقوا قوماً من المسلمين لليلتين بقيتا من المحرم، فكره المسلمون القتال في الشهر الحرام، وسألوا المشركين أن يكفوا عن القتال، فأبى المشركون ذلك فقاتلوهم وبغوا عليهم، وثبت المسلمون لهم فنصروا عليهم، فأنزل الله الآية فيكون معنى ﴿ثُمَّ بُغِيَ﴾: بدئ بالقتال وهو له كاره لينصرنه الله على من بَغَى عليه. وسمى الجزاء عقوبة لأنه جزاء على عقوبة فسمي باسمه، كما قال: ﴿ٱللَّهُ يَسْتَهْزِىءُ بِهِمْ﴾ [البقرة: ١٥] و﴿مَكَرَ ٱللَّهُ﴾ [آل عمران: ٥٤] وشبهه، ومثل ﴿وَجَزَآءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠] فالأولى: سيئة والثانية حسنة، إلا أنها سميت سيئة، لأنها وقعت إساءة بالمفعول، لأنه فعل به ما يسوء، كذلك سمي الجزاء على العقوبة عقوبة لأنه عقوبة بالمبتدئ بالشر.
* *
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ﴾.
أي: لذو عفو وصفح لمن انتصر به من ظلمه من بعدما ظلمه الظالم، غفور لمن فعل بمن ظلمه.
* *
ثم قال: ﴿ذٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ يُولِجُ ٱللَّيْلَ فِي ٱلنَّهَارِ وَيُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِي ٱللَّيْلِ﴾ أي: يقول الله جلّ ذكره: هذا النصر الذي أنصر من بُغِيَ عليه بأني القادر على ما أشاء، ومن قدرتي أني أولج الليل في النهار وأولج النهار في الليل. ومعناه: يدخل ما انتقص من ساعات الليل في ساعات النهار، وما انتقص من ساعات النهار في ساعات الليل، فما نقص من طول هذا، زاد في طول هذا.
فبالقدرة: التي فعل هذا، ينصر محمداً وأصحابه على الذين بغوا عليهم، وأخرجوهم من ديارهم.
* *
ثم قال: ﴿وَأَنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ أي، وفعل ذلك بهم أيضاً، لأنه ذو سمع لما يقولون من قول خفي وغيره، عليم بكل شيء.
* *
ثم قال: ﴿ذٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْحَقُّ﴾.
أي: ذلك الفعل الذي فعل من إيلاجه الليل في النهار، والنهار في الليل، ونصره أولياءه على من بغى عليهم، لأنه الحق الذي لا مثل له، ولا شريك، وأن الذي يدعوه هؤلاء المشركون آلهة من دونه، هو الباطل الذي لا يقدر على شيء.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْعَلِيُّ ٱلْكَبِيرُ﴾.
أي: هو ذو العلو على كل شيء وهو فوق كل شيء، وكل شيء دونه.
"والكبير:" أي: العظيم الذي لا شيء أعظم منه.
قال ابن جريج: "هو الباطل" يعني: الشيطان.
* *
ثم قال: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَتُصْبِحُ ٱلأَرْضُ مُخْضَرَّةً﴾.
"فتصبح" مرفوع لأن صدر الكلام واجب، وليس استفهام، إنما هو تنبيه، هذا قول الخليل.
وقال الفراء: "ألم تر" خبر، كما تقول في الكلام: أعلم أن الله يفعل كذا فيكون كذا. وخص ذكر الصباح بهذا دون سائر أخواتها، لأن رؤية الخضرة بالنهار أوضح منه بالليل، والمعنى: أن الأرض صارت على هذا بالليل والنهار، فتصبح بمعنى فأصبحت، وهذه أصول من باب صار وأخواتها، وأعلم أن أصل أصبح وأمسى أن تقول: أصبح الرجل وأمسى أي: وافق الصباح ووافق المساء، وكذلك أصبحنا وأمسينا، معناه: دخلنا في الصباح والمساء.
ثم قالوا: أصبح زيد عالماً، وأمسى جاهلاً. أي: تبين ذلك منه في وقت الصباح والمساء ولم يرد أنه يكون في الصباح على حال لا يكون عليها في المساء، وقولهم ظل فلان قائماً، فلا يكون ظل إلا بالنهار، كما أن بات بالليل، واشتقاقه من الظل، والظل إنما يكون بالنهار، فلذلك لم يقع "ظل" إلا بالنهار. وقولهم: صار زيد عالماً. أصلها من صرت إلى موضع كذا، أي: بلغته، فالمصير انقطاع البلوغ. ومنه قوله: "إليه المصير"، أي: غاية البلوغ والانتهاء، ثم اتسع فيها حتى جعلت للخبر، فقيل: صار عبد الله عالماً أي: بلغ هذه الصفة، فلذلك كانت للشيء الذي ينقطع إلى وقتك تقول: صار عبد الله رجلاً. أي: بلغ ذلك هذا الوقت، وليست بمنزل "كان" التي توجب علمه قبل ذلك، فصارت لانقطاع الغاية، وانقطاع الغاية وقت خبرك، فإن أردت أن تخبر بـ "صار" إنما هو كان قبل وقتك، أدخلت "كان" فقلت: كان زيد قد صار عالماً، ورأيته أمسى صار عالماً.
وأما ما زال فأصلها من زال الشيء عن الموضع، إذا فارقه وما زلت عن موضع، أي: ما فارقته. ثم جعل ذلك للخبر فلزمه الجحد، فثبت الخبر عن الاسم بنفي مفارقته، فقلت: ما زال زيد عالماً، فنفيت مفارقته للعلم، ونفي ذلك إيجاب له، فصار المعنى: زيد عالم، ففيه معنى تراخي الزمان، فإذا قلت ما زلت سائراً، فمعناه ما زلت أسير شيئاً بعد شيء. ونظير ما زال، ما برح وما انفك، وما فتئ. فأصل ما برح، من برحت من موضع، أي: فارقته. وأصل ما انفك من انفكاك الشيء من الشيء ومفارقته إياه. وأما ما فتئ، فلم ينفرد باسم كظلت. وأما ما دام، فما فيها غير جحد، إنما هي زمان. وأصل دام، من دمت على الشيء، مكثت فيه، وطاولته، ثم جعلت لديمومة الخبر، وجعل الاسم وخبره صلة "ما" التي هي وقت. ولو قلت دام زيد عالماً، لم يكن كلاماً حتى تأتي الموصول، وهو "ما". ولو قيل: قد دام زيد أميراً، لجاز في القياس، لأن معناه: طالت إمارته، ولكن لم يستعمل وقوله: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾.
أي: لطيف باستخراجه النبات من الأرض بالماء الذي ينزل من السماء. "خبير" بما يحدث عن ذلك النبت من الحب وغيره.
الحج 22:61
قوله تعالى ذكره: ﴿ٱلْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ للَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ﴾. إلى قوله: ﴿لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾.
أي: السلطان لله وحده يوم مجيء الساعة لا ينازعه فيه أحد إذ قد كان في الدنيا ملوك يدعون ذلك، قد ملكهم الله أمر عباده، فيوم القيامة لا يملك الله فيه أحداً شيئاً من الأمور، بل هو المتفرد بذلك، والحاكم فيه كله، وقد كان الملك كله لله في الدنيا، إلا أنه تعالى ملك قوماً أمور عباده، وليس يكون ذلك في الآخرة، لا يملك أحد أمر أحد.
﴿يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ﴾ أي: بين خلقه، المؤمن والكافر، ﴿فَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ فِي جَنَّاتِ ٱلنَّعِيمِ﴾ يومئذ ﴿وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِآيٰتِنَا فَأُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾، أي: مذل لهم في جهنم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ هَاجَرُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوۤاْ أَوْ مَاتُواْ﴾.
أي: والذين فارقوا أوطانهم وهجروا بلدهم في رضى الله ثم قتلوا في ذلك أو ماتوا ﴿لَيَرْزُقَنَّهُمُ ٱللَّهُ رِزْقاً حَسَناً﴾ وهو الثواب الجزيل، ﴿وَإِنَّ ٱللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ ٱلرَّازِقِينَ﴾ أي: خير من بسط رزقه على أهل طاعته.
وذكر أن هذه الآية نزلت في قوم من أصحاب النبي ﷺ اختلفوا في حكم من مات في سبيل الله، فقال بعضهم: الميت والمقتول منهم سواء، وقال آخرون: بل المقتول أفضل فأعلمهم الله جلّ ذكره بهذه الآية أن المقتول في سبيل الله والميت فيه سوا عنده في الثواب.
* *
ثم قال: ﴿لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُّدْخَلاً يَرْضَوْنَهُ﴾.
يعني: الجنة. وقال: و ﴿وَإِنَّ ٱللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾ أي: "لعليم بمن هاجر في سبيله ممن خرج لغنيمة أو عرض من أعراض الدنيا". "حليم" عمن عصاه من خلقه لا يعاجله بالعقوبة ثم قال: ﴿ذٰلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ﴾.
أي: الأمر ذلك ومن عاقب.
وقيل: معناه: هذا لهؤلاء الذين هاجروا في سبيل الله ثم قتلوا أو ماتوا ولهم مع ذلك القضاء على المشركين الذين بغوا عليهم، وأخرجوهم من ديارهم.
قال ابن جريج في الآية: هم المشركون، بغوا على النبي ﷺ وأخرجوه، فوعده الله أن ينصره وقال: إن هذه الآية نزلت في قوم من المشركين، لقوا قوماً من المسلمين لليلتين بقيتا من المحرم، فكره المسلمون القتال في الشهر الحرام، وسألوا المشركين أن يكفوا عن القتال، فأبى المشركون ذلك فقاتلوهم وبغوا عليهم، وثبت المسلمون لهم فنصروا عليهم، فأنزل الله الآية فيكون معنى ﴿ثُمَّ بُغِيَ﴾: بدئ بالقتال وهو له كاره لينصرنه الله على من بَغَى عليه. وسمى الجزاء عقوبة لأنه جزاء على عقوبة فسمي باسمه، كما قال: ﴿ٱللَّهُ يَسْتَهْزِىءُ بِهِمْ﴾ [البقرة: ١٥] و﴿مَكَرَ ٱللَّهُ﴾ [آل عمران: ٥٤] وشبهه، ومثل ﴿وَجَزَآءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠] فالأولى: سيئة والثانية حسنة، إلا أنها سميت سيئة، لأنها وقعت إساءة بالمفعول، لأنه فعل به ما يسوء، كذلك سمي الجزاء على العقوبة عقوبة لأنه عقوبة بالمبتدئ بالشر.
* *
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ﴾.
أي: لذو عفو وصفح لمن انتصر به من ظلمه من بعدما ظلمه الظالم، غفور لمن فعل بمن ظلمه.
* *
ثم قال: ﴿ذٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ يُولِجُ ٱللَّيْلَ فِي ٱلنَّهَارِ وَيُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِي ٱللَّيْلِ﴾ أي: يقول الله جلّ ذكره: هذا النصر الذي أنصر من بُغِيَ عليه بأني القادر على ما أشاء، ومن قدرتي أني أولج الليل في النهار وأولج النهار في الليل. ومعناه: يدخل ما انتقص من ساعات الليل في ساعات النهار، وما انتقص من ساعات النهار في ساعات الليل، فما نقص من طول هذا، زاد في طول هذا.
فبالقدرة: التي فعل هذا، ينصر محمداً وأصحابه على الذين بغوا عليهم، وأخرجوهم من ديارهم.
* *
ثم قال: ﴿وَأَنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ أي، وفعل ذلك بهم أيضاً، لأنه ذو سمع لما يقولون من قول خفي وغيره، عليم بكل شيء.
* *
ثم قال: ﴿ذٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْحَقُّ﴾.
أي: ذلك الفعل الذي فعل من إيلاجه الليل في النهار، والنهار في الليل، ونصره أولياءه على من بغى عليهم، لأنه الحق الذي لا مثل له، ولا شريك، وأن الذي يدعوه هؤلاء المشركون آلهة من دونه، هو الباطل الذي لا يقدر على شيء.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْعَلِيُّ ٱلْكَبِيرُ﴾.
أي: هو ذو العلو على كل شيء وهو فوق كل شيء، وكل شيء دونه.
"والكبير:" أي: العظيم الذي لا شيء أعظم منه.
قال ابن جريج: "هو الباطل" يعني: الشيطان.
* *
ثم قال: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَتُصْبِحُ ٱلأَرْضُ مُخْضَرَّةً﴾.
"فتصبح" مرفوع لأن صدر الكلام واجب، وليس استفهام، إنما هو تنبيه، هذا قول الخليل.
وقال الفراء: "ألم تر" خبر، كما تقول في الكلام: أعلم أن الله يفعل كذا فيكون كذا. وخص ذكر الصباح بهذا دون سائر أخواتها، لأن رؤية الخضرة بالنهار أوضح منه بالليل، والمعنى: أن الأرض صارت على هذا بالليل والنهار، فتصبح بمعنى فأصبحت، وهذه أصول من باب صار وأخواتها، وأعلم أن أصل أصبح وأمسى أن تقول: أصبح الرجل وأمسى أي: وافق الصباح ووافق المساء، وكذلك أصبحنا وأمسينا، معناه: دخلنا في الصباح والمساء.
ثم قالوا: أصبح زيد عالماً، وأمسى جاهلاً. أي: تبين ذلك منه في وقت الصباح والمساء ولم يرد أنه يكون في الصباح على حال لا يكون عليها في المساء، وقولهم ظل فلان قائماً، فلا يكون ظل إلا بالنهار، كما أن بات بالليل، واشتقاقه من الظل، والظل إنما يكون بالنهار، فلذلك لم يقع "ظل" إلا بالنهار. وقولهم: صار زيد عالماً. أصلها من صرت إلى موضع كذا، أي: بلغته، فالمصير انقطاع البلوغ. ومنه قوله: "إليه المصير"، أي: غاية البلوغ والانتهاء، ثم اتسع فيها حتى جعلت للخبر، فقيل: صار عبد الله عالماً أي: بلغ هذه الصفة، فلذلك كانت للشيء الذي ينقطع إلى وقتك تقول: صار عبد الله رجلاً. أي: بلغ ذلك هذا الوقت، وليست بمنزل "كان" التي توجب علمه قبل ذلك، فصارت لانقطاع الغاية، وانقطاع الغاية وقت خبرك، فإن أردت أن تخبر بـ "صار" إنما هو كان قبل وقتك، أدخلت "كان" فقلت: كان زيد قد صار عالماً، ورأيته أمسى صار عالماً.
وأما ما زال فأصلها من زال الشيء عن الموضع، إذا فارقه وما زلت عن موضع، أي: ما فارقته. ثم جعل ذلك للخبر فلزمه الجحد، فثبت الخبر عن الاسم بنفي مفارقته، فقلت: ما زال زيد عالماً، فنفيت مفارقته للعلم، ونفي ذلك إيجاب له، فصار المعنى: زيد عالم، ففيه معنى تراخي الزمان، فإذا قلت ما زلت سائراً، فمعناه ما زلت أسير شيئاً بعد شيء. ونظير ما زال، ما برح وما انفك، وما فتئ. فأصل ما برح، من برحت من موضع، أي: فارقته. وأصل ما انفك من انفكاك الشيء من الشيء ومفارقته إياه. وأما ما فتئ، فلم ينفرد باسم كظلت. وأما ما دام، فما فيها غير جحد، إنما هي زمان. وأصل دام، من دمت على الشيء، مكثت فيه، وطاولته، ثم جعلت لديمومة الخبر، وجعل الاسم وخبره صلة "ما" التي هي وقت. ولو قلت دام زيد عالماً، لم يكن كلاماً حتى تأتي الموصول، وهو "ما". ولو قيل: قد دام زيد أميراً، لجاز في القياس، لأن معناه: طالت إمارته، ولكن لم يستعمل وقوله: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾.
أي: لطيف باستخراجه النبات من الأرض بالماء الذي ينزل من السماء. "خبير" بما يحدث عن ذلك النبت من الحب وغيره.
الحج 22:62
قوله تعالى ذكره: ﴿ٱلْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ للَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ﴾. إلى قوله: ﴿لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾.
أي: السلطان لله وحده يوم مجيء الساعة لا ينازعه فيه أحد إذ قد كان في الدنيا ملوك يدعون ذلك، قد ملكهم الله أمر عباده، فيوم القيامة لا يملك الله فيه أحداً شيئاً من الأمور، بل هو المتفرد بذلك، والحاكم فيه كله، وقد كان الملك كله لله في الدنيا، إلا أنه تعالى ملك قوماً أمور عباده، وليس يكون ذلك في الآخرة، لا يملك أحد أمر أحد.
﴿يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ﴾ أي: بين خلقه، المؤمن والكافر، ﴿فَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ فِي جَنَّاتِ ٱلنَّعِيمِ﴾ يومئذ ﴿وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِآيٰتِنَا فَأُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾، أي: مذل لهم في جهنم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ هَاجَرُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوۤاْ أَوْ مَاتُواْ﴾.
أي: والذين فارقوا أوطانهم وهجروا بلدهم في رضى الله ثم قتلوا في ذلك أو ماتوا ﴿لَيَرْزُقَنَّهُمُ ٱللَّهُ رِزْقاً حَسَناً﴾ وهو الثواب الجزيل، ﴿وَإِنَّ ٱللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ ٱلرَّازِقِينَ﴾ أي: خير من بسط رزقه على أهل طاعته.
وذكر أن هذه الآية نزلت في قوم من أصحاب النبي ﷺ اختلفوا في حكم من مات في سبيل الله، فقال بعضهم: الميت والمقتول منهم سواء، وقال آخرون: بل المقتول أفضل فأعلمهم الله جلّ ذكره بهذه الآية أن المقتول في سبيل الله والميت فيه سوا عنده في الثواب.
* *
ثم قال: ﴿لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُّدْخَلاً يَرْضَوْنَهُ﴾.
يعني: الجنة. وقال: و ﴿وَإِنَّ ٱللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾ أي: "لعليم بمن هاجر في سبيله ممن خرج لغنيمة أو عرض من أعراض الدنيا". "حليم" عمن عصاه من خلقه لا يعاجله بالعقوبة ثم قال: ﴿ذٰلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ﴾.
أي: الأمر ذلك ومن عاقب.
وقيل: معناه: هذا لهؤلاء الذين هاجروا في سبيل الله ثم قتلوا أو ماتوا ولهم مع ذلك القضاء على المشركين الذين بغوا عليهم، وأخرجوهم من ديارهم.
قال ابن جريج في الآية: هم المشركون، بغوا على النبي ﷺ وأخرجوه، فوعده الله أن ينصره وقال: إن هذه الآية نزلت في قوم من المشركين، لقوا قوماً من المسلمين لليلتين بقيتا من المحرم، فكره المسلمون القتال في الشهر الحرام، وسألوا المشركين أن يكفوا عن القتال، فأبى المشركون ذلك فقاتلوهم وبغوا عليهم، وثبت المسلمون لهم فنصروا عليهم، فأنزل الله الآية فيكون معنى ﴿ثُمَّ بُغِيَ﴾: بدئ بالقتال وهو له كاره لينصرنه الله على من بَغَى عليه. وسمى الجزاء عقوبة لأنه جزاء على عقوبة فسمي باسمه، كما قال: ﴿ٱللَّهُ يَسْتَهْزِىءُ بِهِمْ﴾ [البقرة: ١٥] و﴿مَكَرَ ٱللَّهُ﴾ [آل عمران: ٥٤] وشبهه، ومثل ﴿وَجَزَآءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠] فالأولى: سيئة والثانية حسنة، إلا أنها سميت سيئة، لأنها وقعت إساءة بالمفعول، لأنه فعل به ما يسوء، كذلك سمي الجزاء على العقوبة عقوبة لأنه عقوبة بالمبتدئ بالشر.
* *
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ﴾.
أي: لذو عفو وصفح لمن انتصر به من ظلمه من بعدما ظلمه الظالم، غفور لمن فعل بمن ظلمه.
* *
ثم قال: ﴿ذٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ يُولِجُ ٱللَّيْلَ فِي ٱلنَّهَارِ وَيُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِي ٱللَّيْلِ﴾ أي: يقول الله جلّ ذكره: هذا النصر الذي أنصر من بُغِيَ عليه بأني القادر على ما أشاء، ومن قدرتي أني أولج الليل في النهار وأولج النهار في الليل. ومعناه: يدخل ما انتقص من ساعات الليل في ساعات النهار، وما انتقص من ساعات النهار في ساعات الليل، فما نقص من طول هذا، زاد في طول هذا.
فبالقدرة: التي فعل هذا، ينصر محمداً وأصحابه على الذين بغوا عليهم، وأخرجوهم من ديارهم.
* *
ثم قال: ﴿وَأَنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ أي، وفعل ذلك بهم أيضاً، لأنه ذو سمع لما يقولون من قول خفي وغيره، عليم بكل شيء.
* *
ثم قال: ﴿ذٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْحَقُّ﴾.
أي: ذلك الفعل الذي فعل من إيلاجه الليل في النهار، والنهار في الليل، ونصره أولياءه على من بغى عليهم، لأنه الحق الذي لا مثل له، ولا شريك، وأن الذي يدعوه هؤلاء المشركون آلهة من دونه، هو الباطل الذي لا يقدر على شيء.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْعَلِيُّ ٱلْكَبِيرُ﴾.
أي: هو ذو العلو على كل شيء وهو فوق كل شيء، وكل شيء دونه.
"والكبير:" أي: العظيم الذي لا شيء أعظم منه.
قال ابن جريج: "هو الباطل" يعني: الشيطان.
* *
ثم قال: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَتُصْبِحُ ٱلأَرْضُ مُخْضَرَّةً﴾.
"فتصبح" مرفوع لأن صدر الكلام واجب، وليس استفهام، إنما هو تنبيه، هذا قول الخليل.
وقال الفراء: "ألم تر" خبر، كما تقول في الكلام: أعلم أن الله يفعل كذا فيكون كذا. وخص ذكر الصباح بهذا دون سائر أخواتها، لأن رؤية الخضرة بالنهار أوضح منه بالليل، والمعنى: أن الأرض صارت على هذا بالليل والنهار، فتصبح بمعنى فأصبحت، وهذه أصول من باب صار وأخواتها، وأعلم أن أصل أصبح وأمسى أن تقول: أصبح الرجل وأمسى أي: وافق الصباح ووافق المساء، وكذلك أصبحنا وأمسينا، معناه: دخلنا في الصباح والمساء.
ثم قالوا: أصبح زيد عالماً، وأمسى جاهلاً. أي: تبين ذلك منه في وقت الصباح والمساء ولم يرد أنه يكون في الصباح على حال لا يكون عليها في المساء، وقولهم ظل فلان قائماً، فلا يكون ظل إلا بالنهار، كما أن بات بالليل، واشتقاقه من الظل، والظل إنما يكون بالنهار، فلذلك لم يقع "ظل" إلا بالنهار. وقولهم: صار زيد عالماً. أصلها من صرت إلى موضع كذا، أي: بلغته، فالمصير انقطاع البلوغ. ومنه قوله: "إليه المصير"، أي: غاية البلوغ والانتهاء، ثم اتسع فيها حتى جعلت للخبر، فقيل: صار عبد الله عالماً أي: بلغ هذه الصفة، فلذلك كانت للشيء الذي ينقطع إلى وقتك تقول: صار عبد الله رجلاً. أي: بلغ ذلك هذا الوقت، وليست بمنزل "كان" التي توجب علمه قبل ذلك، فصارت لانقطاع الغاية، وانقطاع الغاية وقت خبرك، فإن أردت أن تخبر بـ "صار" إنما هو كان قبل وقتك، أدخلت "كان" فقلت: كان زيد قد صار عالماً، ورأيته أمسى صار عالماً.
وأما ما زال فأصلها من زال الشيء عن الموضع، إذا فارقه وما زلت عن موضع، أي: ما فارقته. ثم جعل ذلك للخبر فلزمه الجحد، فثبت الخبر عن الاسم بنفي مفارقته، فقلت: ما زال زيد عالماً، فنفيت مفارقته للعلم، ونفي ذلك إيجاب له، فصار المعنى: زيد عالم، ففيه معنى تراخي الزمان، فإذا قلت ما زلت سائراً، فمعناه ما زلت أسير شيئاً بعد شيء. ونظير ما زال، ما برح وما انفك، وما فتئ. فأصل ما برح، من برحت من موضع، أي: فارقته. وأصل ما انفك من انفكاك الشيء من الشيء ومفارقته إياه. وأما ما فتئ، فلم ينفرد باسم كظلت. وأما ما دام، فما فيها غير جحد، إنما هي زمان. وأصل دام، من دمت على الشيء، مكثت فيه، وطاولته، ثم جعلت لديمومة الخبر، وجعل الاسم وخبره صلة "ما" التي هي وقت. ولو قلت دام زيد عالماً، لم يكن كلاماً حتى تأتي الموصول، وهو "ما". ولو قيل: قد دام زيد أميراً، لجاز في القياس، لأن معناه: طالت إمارته، ولكن لم يستعمل وقوله: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾.
أي: لطيف باستخراجه النبات من الأرض بالماء الذي ينزل من السماء. "خبير" بما يحدث عن ذلك النبت من الحب وغيره.
الحج 22:63
قوله تعالى ذكره: ﴿ٱلْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ للَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ﴾. إلى قوله: ﴿لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾.
أي: السلطان لله وحده يوم مجيء الساعة لا ينازعه فيه أحد إذ قد كان في الدنيا ملوك يدعون ذلك، قد ملكهم الله أمر عباده، فيوم القيامة لا يملك الله فيه أحداً شيئاً من الأمور، بل هو المتفرد بذلك، والحاكم فيه كله، وقد كان الملك كله لله في الدنيا، إلا أنه تعالى ملك قوماً أمور عباده، وليس يكون ذلك في الآخرة، لا يملك أحد أمر أحد.
﴿يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ﴾ أي: بين خلقه، المؤمن والكافر، ﴿فَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ فِي جَنَّاتِ ٱلنَّعِيمِ﴾ يومئذ ﴿وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِآيٰتِنَا فَأُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾، أي: مذل لهم في جهنم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ هَاجَرُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوۤاْ أَوْ مَاتُواْ﴾.
أي: والذين فارقوا أوطانهم وهجروا بلدهم في رضى الله ثم قتلوا في ذلك أو ماتوا ﴿لَيَرْزُقَنَّهُمُ ٱللَّهُ رِزْقاً حَسَناً﴾ وهو الثواب الجزيل، ﴿وَإِنَّ ٱللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ ٱلرَّازِقِينَ﴾ أي: خير من بسط رزقه على أهل طاعته.
وذكر أن هذه الآية نزلت في قوم من أصحاب النبي ﷺ اختلفوا في حكم من مات في سبيل الله، فقال بعضهم: الميت والمقتول منهم سواء، وقال آخرون: بل المقتول أفضل فأعلمهم الله جلّ ذكره بهذه الآية أن المقتول في سبيل الله والميت فيه سوا عنده في الثواب.
* *
ثم قال: ﴿لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُّدْخَلاً يَرْضَوْنَهُ﴾.
يعني: الجنة. وقال: و ﴿وَإِنَّ ٱللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾ أي: "لعليم بمن هاجر في سبيله ممن خرج لغنيمة أو عرض من أعراض الدنيا". "حليم" عمن عصاه من خلقه لا يعاجله بالعقوبة ثم قال: ﴿ذٰلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ﴾.
أي: الأمر ذلك ومن عاقب.
وقيل: معناه: هذا لهؤلاء الذين هاجروا في سبيل الله ثم قتلوا أو ماتوا ولهم مع ذلك القضاء على المشركين الذين بغوا عليهم، وأخرجوهم من ديارهم.
قال ابن جريج في الآية: هم المشركون، بغوا على النبي ﷺ وأخرجوه، فوعده الله أن ينصره وقال: إن هذه الآية نزلت في قوم من المشركين، لقوا قوماً من المسلمين لليلتين بقيتا من المحرم، فكره المسلمون القتال في الشهر الحرام، وسألوا المشركين أن يكفوا عن القتال، فأبى المشركون ذلك فقاتلوهم وبغوا عليهم، وثبت المسلمون لهم فنصروا عليهم، فأنزل الله الآية فيكون معنى ﴿ثُمَّ بُغِيَ﴾: بدئ بالقتال وهو له كاره لينصرنه الله على من بَغَى عليه. وسمى الجزاء عقوبة لأنه جزاء على عقوبة فسمي باسمه، كما قال: ﴿ٱللَّهُ يَسْتَهْزِىءُ بِهِمْ﴾ [البقرة: ١٥] و﴿مَكَرَ ٱللَّهُ﴾ [آل عمران: ٥٤] وشبهه، ومثل ﴿وَجَزَآءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠] فالأولى: سيئة والثانية حسنة، إلا أنها سميت سيئة، لأنها وقعت إساءة بالمفعول، لأنه فعل به ما يسوء، كذلك سمي الجزاء على العقوبة عقوبة لأنه عقوبة بالمبتدئ بالشر.
* *
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ﴾.
أي: لذو عفو وصفح لمن انتصر به من ظلمه من بعدما ظلمه الظالم، غفور لمن فعل بمن ظلمه.
* *
ثم قال: ﴿ذٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ يُولِجُ ٱللَّيْلَ فِي ٱلنَّهَارِ وَيُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِي ٱللَّيْلِ﴾ أي: يقول الله جلّ ذكره: هذا النصر الذي أنصر من بُغِيَ عليه بأني القادر على ما أشاء، ومن قدرتي أني أولج الليل في النهار وأولج النهار في الليل. ومعناه: يدخل ما انتقص من ساعات الليل في ساعات النهار، وما انتقص من ساعات النهار في ساعات الليل، فما نقص من طول هذا، زاد في طول هذا.
فبالقدرة: التي فعل هذا، ينصر محمداً وأصحابه على الذين بغوا عليهم، وأخرجوهم من ديارهم.
* *
ثم قال: ﴿وَأَنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ أي، وفعل ذلك بهم أيضاً، لأنه ذو سمع لما يقولون من قول خفي وغيره، عليم بكل شيء.
* *
ثم قال: ﴿ذٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْحَقُّ﴾.
أي: ذلك الفعل الذي فعل من إيلاجه الليل في النهار، والنهار في الليل، ونصره أولياءه على من بغى عليهم، لأنه الحق الذي لا مثل له، ولا شريك، وأن الذي يدعوه هؤلاء المشركون آلهة من دونه، هو الباطل الذي لا يقدر على شيء.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْعَلِيُّ ٱلْكَبِيرُ﴾.
أي: هو ذو العلو على كل شيء وهو فوق كل شيء، وكل شيء دونه.
"والكبير:" أي: العظيم الذي لا شيء أعظم منه.
قال ابن جريج: "هو الباطل" يعني: الشيطان.
* *
ثم قال: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَتُصْبِحُ ٱلأَرْضُ مُخْضَرَّةً﴾.
"فتصبح" مرفوع لأن صدر الكلام واجب، وليس استفهام، إنما هو تنبيه، هذا قول الخليل.
وقال الفراء: "ألم تر" خبر، كما تقول في الكلام: أعلم أن الله يفعل كذا فيكون كذا. وخص ذكر الصباح بهذا دون سائر أخواتها، لأن رؤية الخضرة بالنهار أوضح منه بالليل، والمعنى: أن الأرض صارت على هذا بالليل والنهار، فتصبح بمعنى فأصبحت، وهذه أصول من باب صار وأخواتها، وأعلم أن أصل أصبح وأمسى أن تقول: أصبح الرجل وأمسى أي: وافق الصباح ووافق المساء، وكذلك أصبحنا وأمسينا، معناه: دخلنا في الصباح والمساء.
ثم قالوا: أصبح زيد عالماً، وأمسى جاهلاً. أي: تبين ذلك منه في وقت الصباح والمساء ولم يرد أنه يكون في الصباح على حال لا يكون عليها في المساء، وقولهم ظل فلان قائماً، فلا يكون ظل إلا بالنهار، كما أن بات بالليل، واشتقاقه من الظل، والظل إنما يكون بالنهار، فلذلك لم يقع "ظل" إلا بالنهار. وقولهم: صار زيد عالماً. أصلها من صرت إلى موضع كذا، أي: بلغته، فالمصير انقطاع البلوغ. ومنه قوله: "إليه المصير"، أي: غاية البلوغ والانتهاء، ثم اتسع فيها حتى جعلت للخبر، فقيل: صار عبد الله عالماً أي: بلغ هذه الصفة، فلذلك كانت للشيء الذي ينقطع إلى وقتك تقول: صار عبد الله رجلاً. أي: بلغ ذلك هذا الوقت، وليست بمنزل "كان" التي توجب علمه قبل ذلك، فصارت لانقطاع الغاية، وانقطاع الغاية وقت خبرك، فإن أردت أن تخبر بـ "صار" إنما هو كان قبل وقتك، أدخلت "كان" فقلت: كان زيد قد صار عالماً، ورأيته أمسى صار عالماً.
وأما ما زال فأصلها من زال الشيء عن الموضع، إذا فارقه وما زلت عن موضع، أي: ما فارقته. ثم جعل ذلك للخبر فلزمه الجحد، فثبت الخبر عن الاسم بنفي مفارقته، فقلت: ما زال زيد عالماً، فنفيت مفارقته للعلم، ونفي ذلك إيجاب له، فصار المعنى: زيد عالم، ففيه معنى تراخي الزمان، فإذا قلت ما زلت سائراً، فمعناه ما زلت أسير شيئاً بعد شيء. ونظير ما زال، ما برح وما انفك، وما فتئ. فأصل ما برح، من برحت من موضع، أي: فارقته. وأصل ما انفك من انفكاك الشيء من الشيء ومفارقته إياه. وأما ما فتئ، فلم ينفرد باسم كظلت. وأما ما دام، فما فيها غير جحد، إنما هي زمان. وأصل دام، من دمت على الشيء، مكثت فيه، وطاولته، ثم جعلت لديمومة الخبر، وجعل الاسم وخبره صلة "ما" التي هي وقت. ولو قلت دام زيد عالماً، لم يكن كلاماً حتى تأتي الموصول، وهو "ما". ولو قيل: قد دام زيد أميراً، لجاز في القياس، لأن معناه: طالت إمارته، ولكن لم يستعمل وقوله: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾.
أي: لطيف باستخراجه النبات من الأرض بالماء الذي ينزل من السماء. "خبير" بما يحدث عن ذلك النبت من الحب وغيره.
الحج 22:64
قوله تعالى ذكره: ﴿لَّهُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ﴾ إلى قوله: ﴿وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِن نَّصِيرٍ﴾.
أي: له ملك ما في السماوات وما في الأرض، وأن الله لهو الغني عن خلقه. وهم المحتاجون إليه.
﴿ٱلْحَمِيدُ﴾ أي: المحمود عند عباده في أفضاله ونعمه عندهم.
* *
ثم قال: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي ٱلأَرْضِ﴾.
أي: سخر لكم ما في الأرض من الدواب والأنعام وغير ذلك تنتفعون وتأكلون وتركبون وتلبسون منه، وسخر لكم "الفلك لتجري في البحر بأمره" أي: بقدرته وتذليله إياها لكم.
* *
ثم قال: ﴿وَيُمْسِكُ ٱلسَّمَآءَ أَن تَقَعَ عَلَى ٱلأَرْضِ إِلاَّ بِإِذْنِهِ﴾.
أي: يمسكها بقدرته لئلا تقع على الأرض. ﴿إِنَّ ٱللَّهَ بِٱلنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾. أي: لذو رأفة ورحمة بهم.
* *
ثم قال: ﴿وَهُوَ ٱلَّذِيۤ أَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ﴾.
أي: والذي أنعم عليكم هذه النعم المذكورة، هو الذي خلقكم أجساماً أحياء بحياة أحدثها فيكم ولم تكونوا شيئاً، ثم يميتكم فيفنيكم عند مجيء آجالكم، ثم يحييكم عند بعثكم لقيام الساعة، ﴿إِنَّ ٱلإِنْسَانَ لَكَفُورٌ﴾ أي: إن ابن آدم لجحود لنعم الله عليه، إذ يعبد غير من أنعم عليه بهذه النعم المذكورة وبغيرها.
* *
ثم قال تعالى: ﴿لِّكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكاً هُمْ نَاسِكُوهُ﴾.
أي: لكل جماعة قوم لنبي خلا قلبك يا محمد، جعلنا مألفاً يألفونه، ومكاناً يعتادونه لعبادة الله تعالى، وقضاء فرائضه، وعملاً يلزمونه.
وأصل المنسك: المكان المعتاد الذي يعتاده الرجل ويألفه لخير أو شر، وإنما سميت المناسك مناسك الحج لتردد الناس إليها للعمل الذي فرض عليهم لعمل الحج والعمرة فألفوه.
وكسر "السين" لغة أهل الحجاز، وفتحها لغة أسد.
قال ابن عباس: جعلنا منسكاً. أي: عيداً.
وقال مجاهد: وهو إراقة الدم بمكة.
وقال قتادة: "منسكاً" ذبحاً وحجاً.
وقد رويَ أن المشركين جادلوا النبي ﷺ في إراقة الدم أيام النحر. فهذه الآية في ذلك والله أعلم. دل على هذا التأويل قوله: ﴿فَلاَ يُنَازِعُنَّكَ فِي ٱلأَمْرِ﴾ أي: فلا يجادلنك في ذبحك ونسكك قولهم: أتأكلون ما قتلتم ولا تأكلون ما قتله الله وهو الميتة.
ومعنى: "فلا ينازعنك"، أي: فلا تنازعنهم لأنهم قد نازعوه في ذلك قبل نزول الآية.
* *
ثم قال: ﴿وَٱدْعُ إِلَىٰ رَبِّكَ﴾.
أي: ادع يا محمد منازعيك من المشركين بالله في نسكك وذبحك إلى اتباع أمر ربك بأن يأكلوا ما ذبحوه بعد اتباعك والتصديق بما جئتهم به. ﴿إِنَّكَ لَعَلَىٰ هُدًى مُّسْتَقِيمٍ﴾ أي: طريق غير زائل عن الحق والصواب.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَإِن جَادَلُوكَ فَقُلِ ٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾.
أي: إن جادلك هؤلاء المشركون في نسكك، ﴿فَقُلِ ٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ "لنا أعمالنا ولكم أعمالكم" ﴿ٱللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ﴾ أي: يقضي بينكم يوم القيامة فيما كنتم فيه تختلفون من أمر دينكم. فتعلمون حينئذٍ المحق من المبطل.
* *
ثم قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ﴾.
أي: يعلم ما في السماوات السبع وما في الأرضين السبع، لا يخفى عليه من ذلك شيء، فهو حاكم بين خلقه يوم القيامة على علم منه بجميع ما عملوه في الدنيا، فيجازى المحسن بإحسانه، والمسيء بإساءته. ﴿إِنَّ ذٰلِكَ فِي كِتَابٍ﴾ أي: إن علمه بذلك في كتاب، وهو أم الكتاب الذي كتب فيه ربنا جلّ ذكره قبل أن يخلق الخلق ما هو كائن إلى يوم القيامة. ﴿إِنَّ ذٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٌ﴾ أي: سهل. يعني: حكمه بين المختلفين يوم القيامة.
وقيل: معناه: أن كتاب القلم الذي أمره الله أن يكتب ما هو كائن يسير على الله. أي، هين. فصاحب هذا القول رده على الأقرب، وهو: "أن ذلك في كتاب". وصاحب القول الأول رده على "يحكم بينكم".
قال ضمرة بن حبيب: إن الله جلّ ذكره كان عرشه على الماء، فخلق السماوات والأرض بالحق، وخلق القلم فكتب به ما هو كائن من خلقه، ثم إن ذلك الكتاب سبح الله ومجده ألف عام قبل أن يبتدئ شيئاً من الخلق.
وقال كعب الأحبار: "علم الله تعالى ما هو خالق، وما خلقه عاملون".
وقال ابن جريج: قوله: "إن ذلك في كتاب" يعني: قوله: ﴿ٱللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ فِيمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً﴾.
أي: يعبد هؤلاء المشركون من دون الله ما لم ينزل لهم به حجة من السماء في كتاب من كتبه التي أنزلها على رسله، وما ليس لهم به علم، أي: لا علم لهم أنها آلهة، فيعبدونها بعد علم، ﴿وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِن نَّصِيرٍ﴾ ينصرهم من عذاب الله.
الحج 22:65
قوله تعالى ذكره: ﴿لَّهُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ﴾ إلى قوله: ﴿وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِن نَّصِيرٍ﴾.
أي: له ملك ما في السماوات وما في الأرض، وأن الله لهو الغني عن خلقه. وهم المحتاجون إليه.
﴿ٱلْحَمِيدُ﴾ أي: المحمود عند عباده في أفضاله ونعمه عندهم.
* *
ثم قال: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي ٱلأَرْضِ﴾.
أي: سخر لكم ما في الأرض من الدواب والأنعام وغير ذلك تنتفعون وتأكلون وتركبون وتلبسون منه، وسخر لكم "الفلك لتجري في البحر بأمره" أي: بقدرته وتذليله إياها لكم.
* *
ثم قال: ﴿وَيُمْسِكُ ٱلسَّمَآءَ أَن تَقَعَ عَلَى ٱلأَرْضِ إِلاَّ بِإِذْنِهِ﴾.
أي: يمسكها بقدرته لئلا تقع على الأرض. ﴿إِنَّ ٱللَّهَ بِٱلنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾. أي: لذو رأفة ورحمة بهم.
* *
ثم قال: ﴿وَهُوَ ٱلَّذِيۤ أَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ﴾.
أي: والذي أنعم عليكم هذه النعم المذكورة، هو الذي خلقكم أجساماً أحياء بحياة أحدثها فيكم ولم تكونوا شيئاً، ثم يميتكم فيفنيكم عند مجيء آجالكم، ثم يحييكم عند بعثكم لقيام الساعة، ﴿إِنَّ ٱلإِنْسَانَ لَكَفُورٌ﴾ أي: إن ابن آدم لجحود لنعم الله عليه، إذ يعبد غير من أنعم عليه بهذه النعم المذكورة وبغيرها.
* *
ثم قال تعالى: ﴿لِّكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكاً هُمْ نَاسِكُوهُ﴾.
أي: لكل جماعة قوم لنبي خلا قلبك يا محمد، جعلنا مألفاً يألفونه، ومكاناً يعتادونه لعبادة الله تعالى، وقضاء فرائضه، وعملاً يلزمونه.
وأصل المنسك: المكان المعتاد الذي يعتاده الرجل ويألفه لخير أو شر، وإنما سميت المناسك مناسك الحج لتردد الناس إليها للعمل الذي فرض عليهم لعمل الحج والعمرة فألفوه.
وكسر "السين" لغة أهل الحجاز، وفتحها لغة أسد.
قال ابن عباس: جعلنا منسكاً. أي: عيداً.
وقال مجاهد: وهو إراقة الدم بمكة.
وقال قتادة: "منسكاً" ذبحاً وحجاً.
وقد رويَ أن المشركين جادلوا النبي ﷺ في إراقة الدم أيام النحر. فهذه الآية في ذلك والله أعلم. دل على هذا التأويل قوله: ﴿فَلاَ يُنَازِعُنَّكَ فِي ٱلأَمْرِ﴾ أي: فلا يجادلنك في ذبحك ونسكك قولهم: أتأكلون ما قتلتم ولا تأكلون ما قتله الله وهو الميتة.
ومعنى: "فلا ينازعنك"، أي: فلا تنازعنهم لأنهم قد نازعوه في ذلك قبل نزول الآية.
* *
ثم قال: ﴿وَٱدْعُ إِلَىٰ رَبِّكَ﴾.
أي: ادع يا محمد منازعيك من المشركين بالله في نسكك وذبحك إلى اتباع أمر ربك بأن يأكلوا ما ذبحوه بعد اتباعك والتصديق بما جئتهم به. ﴿إِنَّكَ لَعَلَىٰ هُدًى مُّسْتَقِيمٍ﴾ أي: طريق غير زائل عن الحق والصواب.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَإِن جَادَلُوكَ فَقُلِ ٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾.
أي: إن جادلك هؤلاء المشركون في نسكك، ﴿فَقُلِ ٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ "لنا أعمالنا ولكم أعمالكم" ﴿ٱللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ﴾ أي: يقضي بينكم يوم القيامة فيما كنتم فيه تختلفون من أمر دينكم. فتعلمون حينئذٍ المحق من المبطل.
* *
ثم قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ﴾.
أي: يعلم ما في السماوات السبع وما في الأرضين السبع، لا يخفى عليه من ذلك شيء، فهو حاكم بين خلقه يوم القيامة على علم منه بجميع ما عملوه في الدنيا، فيجازى المحسن بإحسانه، والمسيء بإساءته. ﴿إِنَّ ذٰلِكَ فِي كِتَابٍ﴾ أي: إن علمه بذلك في كتاب، وهو أم الكتاب الذي كتب فيه ربنا جلّ ذكره قبل أن يخلق الخلق ما هو كائن إلى يوم القيامة. ﴿إِنَّ ذٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٌ﴾ أي: سهل. يعني: حكمه بين المختلفين يوم القيامة.
وقيل: معناه: أن كتاب القلم الذي أمره الله أن يكتب ما هو كائن يسير على الله. أي، هين. فصاحب هذا القول رده على الأقرب، وهو: "أن ذلك في كتاب". وصاحب القول الأول رده على "يحكم بينكم".
قال ضمرة بن حبيب: إن الله جلّ ذكره كان عرشه على الماء، فخلق السماوات والأرض بالحق، وخلق القلم فكتب به ما هو كائن من خلقه، ثم إن ذلك الكتاب سبح الله ومجده ألف عام قبل أن يبتدئ شيئاً من الخلق.
وقال كعب الأحبار: "علم الله تعالى ما هو خالق، وما خلقه عاملون".
وقال ابن جريج: قوله: "إن ذلك في كتاب" يعني: قوله: ﴿ٱللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ فِيمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً﴾.
أي: يعبد هؤلاء المشركون من دون الله ما لم ينزل لهم به حجة من السماء في كتاب من كتبه التي أنزلها على رسله، وما ليس لهم به علم، أي: لا علم لهم أنها آلهة، فيعبدونها بعد علم، ﴿وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِن نَّصِيرٍ﴾ ينصرهم من عذاب الله.
الحج 22:66
قوله تعالى ذكره: ﴿لَّهُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ﴾ إلى قوله: ﴿وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِن نَّصِيرٍ﴾.
أي: له ملك ما في السماوات وما في الأرض، وأن الله لهو الغني عن خلقه. وهم المحتاجون إليه.
﴿ٱلْحَمِيدُ﴾ أي: المحمود عند عباده في أفضاله ونعمه عندهم.
* *
ثم قال: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي ٱلأَرْضِ﴾.
أي: سخر لكم ما في الأرض من الدواب والأنعام وغير ذلك تنتفعون وتأكلون وتركبون وتلبسون منه، وسخر لكم "الفلك لتجري في البحر بأمره" أي: بقدرته وتذليله إياها لكم.
* *
ثم قال: ﴿وَيُمْسِكُ ٱلسَّمَآءَ أَن تَقَعَ عَلَى ٱلأَرْضِ إِلاَّ بِإِذْنِهِ﴾.
أي: يمسكها بقدرته لئلا تقع على الأرض. ﴿إِنَّ ٱللَّهَ بِٱلنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾. أي: لذو رأفة ورحمة بهم.
* *
ثم قال: ﴿وَهُوَ ٱلَّذِيۤ أَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ﴾.
أي: والذي أنعم عليكم هذه النعم المذكورة، هو الذي خلقكم أجساماً أحياء بحياة أحدثها فيكم ولم تكونوا شيئاً، ثم يميتكم فيفنيكم عند مجيء آجالكم، ثم يحييكم عند بعثكم لقيام الساعة، ﴿إِنَّ ٱلإِنْسَانَ لَكَفُورٌ﴾ أي: إن ابن آدم لجحود لنعم الله عليه، إذ يعبد غير من أنعم عليه بهذه النعم المذكورة وبغيرها.
* *
ثم قال تعالى: ﴿لِّكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكاً هُمْ نَاسِكُوهُ﴾.
أي: لكل جماعة قوم لنبي خلا قلبك يا محمد، جعلنا مألفاً يألفونه، ومكاناً يعتادونه لعبادة الله تعالى، وقضاء فرائضه، وعملاً يلزمونه.
وأصل المنسك: المكان المعتاد الذي يعتاده الرجل ويألفه لخير أو شر، وإنما سميت المناسك مناسك الحج لتردد الناس إليها للعمل الذي فرض عليهم لعمل الحج والعمرة فألفوه.
وكسر "السين" لغة أهل الحجاز، وفتحها لغة أسد.
قال ابن عباس: جعلنا منسكاً. أي: عيداً.
وقال مجاهد: وهو إراقة الدم بمكة.
وقال قتادة: "منسكاً" ذبحاً وحجاً.
وقد رويَ أن المشركين جادلوا النبي ﷺ في إراقة الدم أيام النحر. فهذه الآية في ذلك والله أعلم. دل على هذا التأويل قوله: ﴿فَلاَ يُنَازِعُنَّكَ فِي ٱلأَمْرِ﴾ أي: فلا يجادلنك في ذبحك ونسكك قولهم: أتأكلون ما قتلتم ولا تأكلون ما قتله الله وهو الميتة.
ومعنى: "فلا ينازعنك"، أي: فلا تنازعنهم لأنهم قد نازعوه في ذلك قبل نزول الآية.
* *
ثم قال: ﴿وَٱدْعُ إِلَىٰ رَبِّكَ﴾.
أي: ادع يا محمد منازعيك من المشركين بالله في نسكك وذبحك إلى اتباع أمر ربك بأن يأكلوا ما ذبحوه بعد اتباعك والتصديق بما جئتهم به. ﴿إِنَّكَ لَعَلَىٰ هُدًى مُّسْتَقِيمٍ﴾ أي: طريق غير زائل عن الحق والصواب.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَإِن جَادَلُوكَ فَقُلِ ٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾.
أي: إن جادلك هؤلاء المشركون في نسكك، ﴿فَقُلِ ٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ "لنا أعمالنا ولكم أعمالكم" ﴿ٱللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ﴾ أي: يقضي بينكم يوم القيامة فيما كنتم فيه تختلفون من أمر دينكم. فتعلمون حينئذٍ المحق من المبطل.
* *
ثم قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ﴾.
أي: يعلم ما في السماوات السبع وما في الأرضين السبع، لا يخفى عليه من ذلك شيء، فهو حاكم بين خلقه يوم القيامة على علم منه بجميع ما عملوه في الدنيا، فيجازى المحسن بإحسانه، والمسيء بإساءته. ﴿إِنَّ ذٰلِكَ فِي كِتَابٍ﴾ أي: إن علمه بذلك في كتاب، وهو أم الكتاب الذي كتب فيه ربنا جلّ ذكره قبل أن يخلق الخلق ما هو كائن إلى يوم القيامة. ﴿إِنَّ ذٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٌ﴾ أي: سهل. يعني: حكمه بين المختلفين يوم القيامة.
وقيل: معناه: أن كتاب القلم الذي أمره الله أن يكتب ما هو كائن يسير على الله. أي، هين. فصاحب هذا القول رده على الأقرب، وهو: "أن ذلك في كتاب". وصاحب القول الأول رده على "يحكم بينكم".
قال ضمرة بن حبيب: إن الله جلّ ذكره كان عرشه على الماء، فخلق السماوات والأرض بالحق، وخلق القلم فكتب به ما هو كائن من خلقه، ثم إن ذلك الكتاب سبح الله ومجده ألف عام قبل أن يبتدئ شيئاً من الخلق.
وقال كعب الأحبار: "علم الله تعالى ما هو خالق، وما خلقه عاملون".
وقال ابن جريج: قوله: "إن ذلك في كتاب" يعني: قوله: ﴿ٱللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ فِيمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً﴾.
أي: يعبد هؤلاء المشركون من دون الله ما لم ينزل لهم به حجة من السماء في كتاب من كتبه التي أنزلها على رسله، وما ليس لهم به علم، أي: لا علم لهم أنها آلهة، فيعبدونها بعد علم، ﴿وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِن نَّصِيرٍ﴾ ينصرهم من عذاب الله.
الحج 22:67
قوله تعالى ذكره: ﴿لَّهُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ﴾ إلى قوله: ﴿وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِن نَّصِيرٍ﴾.
أي: له ملك ما في السماوات وما في الأرض، وأن الله لهو الغني عن خلقه. وهم المحتاجون إليه.
﴿ٱلْحَمِيدُ﴾ أي: المحمود عند عباده في أفضاله ونعمه عندهم.
* *
ثم قال: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي ٱلأَرْضِ﴾.
أي: سخر لكم ما في الأرض من الدواب والأنعام وغير ذلك تنتفعون وتأكلون وتركبون وتلبسون منه، وسخر لكم "الفلك لتجري في البحر بأمره" أي: بقدرته وتذليله إياها لكم.
* *
ثم قال: ﴿وَيُمْسِكُ ٱلسَّمَآءَ أَن تَقَعَ عَلَى ٱلأَرْضِ إِلاَّ بِإِذْنِهِ﴾.
أي: يمسكها بقدرته لئلا تقع على الأرض. ﴿إِنَّ ٱللَّهَ بِٱلنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾. أي: لذو رأفة ورحمة بهم.
* *
ثم قال: ﴿وَهُوَ ٱلَّذِيۤ أَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ﴾.
أي: والذي أنعم عليكم هذه النعم المذكورة، هو الذي خلقكم أجساماً أحياء بحياة أحدثها فيكم ولم تكونوا شيئاً، ثم يميتكم فيفنيكم عند مجيء آجالكم، ثم يحييكم عند بعثكم لقيام الساعة، ﴿إِنَّ ٱلإِنْسَانَ لَكَفُورٌ﴾ أي: إن ابن آدم لجحود لنعم الله عليه، إذ يعبد غير من أنعم عليه بهذه النعم المذكورة وبغيرها.
* *
ثم قال تعالى: ﴿لِّكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكاً هُمْ نَاسِكُوهُ﴾.
أي: لكل جماعة قوم لنبي خلا قلبك يا محمد، جعلنا مألفاً يألفونه، ومكاناً يعتادونه لعبادة الله تعالى، وقضاء فرائضه، وعملاً يلزمونه.
وأصل المنسك: المكان المعتاد الذي يعتاده الرجل ويألفه لخير أو شر، وإنما سميت المناسك مناسك الحج لتردد الناس إليها للعمل الذي فرض عليهم لعمل الحج والعمرة فألفوه.
وكسر "السين" لغة أهل الحجاز، وفتحها لغة أسد.
قال ابن عباس: جعلنا منسكاً. أي: عيداً.
وقال مجاهد: وهو إراقة الدم بمكة.
وقال قتادة: "منسكاً" ذبحاً وحجاً.
وقد رويَ أن المشركين جادلوا النبي ﷺ في إراقة الدم أيام النحر. فهذه الآية في ذلك والله أعلم. دل على هذا التأويل قوله: ﴿فَلاَ يُنَازِعُنَّكَ فِي ٱلأَمْرِ﴾ أي: فلا يجادلنك في ذبحك ونسكك قولهم: أتأكلون ما قتلتم ولا تأكلون ما قتله الله وهو الميتة.
ومعنى: "فلا ينازعنك"، أي: فلا تنازعنهم لأنهم قد نازعوه في ذلك قبل نزول الآية.
* *
ثم قال: ﴿وَٱدْعُ إِلَىٰ رَبِّكَ﴾.
أي: ادع يا محمد منازعيك من المشركين بالله في نسكك وذبحك إلى اتباع أمر ربك بأن يأكلوا ما ذبحوه بعد اتباعك والتصديق بما جئتهم به. ﴿إِنَّكَ لَعَلَىٰ هُدًى مُّسْتَقِيمٍ﴾ أي: طريق غير زائل عن الحق والصواب.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَإِن جَادَلُوكَ فَقُلِ ٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾.
أي: إن جادلك هؤلاء المشركون في نسكك، ﴿فَقُلِ ٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ "لنا أعمالنا ولكم أعمالكم" ﴿ٱللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ﴾ أي: يقضي بينكم يوم القيامة فيما كنتم فيه تختلفون من أمر دينكم. فتعلمون حينئذٍ المحق من المبطل.
* *
ثم قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ﴾.
أي: يعلم ما في السماوات السبع وما في الأرضين السبع، لا يخفى عليه من ذلك شيء، فهو حاكم بين خلقه يوم القيامة على علم منه بجميع ما عملوه في الدنيا، فيجازى المحسن بإحسانه، والمسيء بإساءته. ﴿إِنَّ ذٰلِكَ فِي كِتَابٍ﴾ أي: إن علمه بذلك في كتاب، وهو أم الكتاب الذي كتب فيه ربنا جلّ ذكره قبل أن يخلق الخلق ما هو كائن إلى يوم القيامة. ﴿إِنَّ ذٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٌ﴾ أي: سهل. يعني: حكمه بين المختلفين يوم القيامة.
وقيل: معناه: أن كتاب القلم الذي أمره الله أن يكتب ما هو كائن يسير على الله. أي، هين. فصاحب هذا القول رده على الأقرب، وهو: "أن ذلك في كتاب". وصاحب القول الأول رده على "يحكم بينكم".
قال ضمرة بن حبيب: إن الله جلّ ذكره كان عرشه على الماء، فخلق السماوات والأرض بالحق، وخلق القلم فكتب به ما هو كائن من خلقه، ثم إن ذلك الكتاب سبح الله ومجده ألف عام قبل أن يبتدئ شيئاً من الخلق.
وقال كعب الأحبار: "علم الله تعالى ما هو خالق، وما خلقه عاملون".
وقال ابن جريج: قوله: "إن ذلك في كتاب" يعني: قوله: ﴿ٱللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ فِيمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً﴾.
أي: يعبد هؤلاء المشركون من دون الله ما لم ينزل لهم به حجة من السماء في كتاب من كتبه التي أنزلها على رسله، وما ليس لهم به علم، أي: لا علم لهم أنها آلهة، فيعبدونها بعد علم، ﴿وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِن نَّصِيرٍ﴾ ينصرهم من عذاب الله.
الحج 22:68
قوله تعالى ذكره: ﴿لَّهُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ﴾ إلى قوله: ﴿وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِن نَّصِيرٍ﴾.
أي: له ملك ما في السماوات وما في الأرض، وأن الله لهو الغني عن خلقه. وهم المحتاجون إليه.
﴿ٱلْحَمِيدُ﴾ أي: المحمود عند عباده في أفضاله ونعمه عندهم.
* *
ثم قال: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي ٱلأَرْضِ﴾.
أي: سخر لكم ما في الأرض من الدواب والأنعام وغير ذلك تنتفعون وتأكلون وتركبون وتلبسون منه، وسخر لكم "الفلك لتجري في البحر بأمره" أي: بقدرته وتذليله إياها لكم.
* *
ثم قال: ﴿وَيُمْسِكُ ٱلسَّمَآءَ أَن تَقَعَ عَلَى ٱلأَرْضِ إِلاَّ بِإِذْنِهِ﴾.
أي: يمسكها بقدرته لئلا تقع على الأرض. ﴿إِنَّ ٱللَّهَ بِٱلنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾. أي: لذو رأفة ورحمة بهم.
* *
ثم قال: ﴿وَهُوَ ٱلَّذِيۤ أَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ﴾.
أي: والذي أنعم عليكم هذه النعم المذكورة، هو الذي خلقكم أجساماً أحياء بحياة أحدثها فيكم ولم تكونوا شيئاً، ثم يميتكم فيفنيكم عند مجيء آجالكم، ثم يحييكم عند بعثكم لقيام الساعة، ﴿إِنَّ ٱلإِنْسَانَ لَكَفُورٌ﴾ أي: إن ابن آدم لجحود لنعم الله عليه، إذ يعبد غير من أنعم عليه بهذه النعم المذكورة وبغيرها.
* *
ثم قال تعالى: ﴿لِّكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكاً هُمْ نَاسِكُوهُ﴾.
أي: لكل جماعة قوم لنبي خلا قلبك يا محمد، جعلنا مألفاً يألفونه، ومكاناً يعتادونه لعبادة الله تعالى، وقضاء فرائضه، وعملاً يلزمونه.
وأصل المنسك: المكان المعتاد الذي يعتاده الرجل ويألفه لخير أو شر، وإنما سميت المناسك مناسك الحج لتردد الناس إليها للعمل الذي فرض عليهم لعمل الحج والعمرة فألفوه.
وكسر "السين" لغة أهل الحجاز، وفتحها لغة أسد.
قال ابن عباس: جعلنا منسكاً. أي: عيداً.
وقال مجاهد: وهو إراقة الدم بمكة.
وقال قتادة: "منسكاً" ذبحاً وحجاً.
وقد رويَ أن المشركين جادلوا النبي ﷺ في إراقة الدم أيام النحر. فهذه الآية في ذلك والله أعلم. دل على هذا التأويل قوله: ﴿فَلاَ يُنَازِعُنَّكَ فِي ٱلأَمْرِ﴾ أي: فلا يجادلنك في ذبحك ونسكك قولهم: أتأكلون ما قتلتم ولا تأكلون ما قتله الله وهو الميتة.
ومعنى: "فلا ينازعنك"، أي: فلا تنازعنهم لأنهم قد نازعوه في ذلك قبل نزول الآية.
* *
ثم قال: ﴿وَٱدْعُ إِلَىٰ رَبِّكَ﴾.
أي: ادع يا محمد منازعيك من المشركين بالله في نسكك وذبحك إلى اتباع أمر ربك بأن يأكلوا ما ذبحوه بعد اتباعك والتصديق بما جئتهم به. ﴿إِنَّكَ لَعَلَىٰ هُدًى مُّسْتَقِيمٍ﴾ أي: طريق غير زائل عن الحق والصواب.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَإِن جَادَلُوكَ فَقُلِ ٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾.
أي: إن جادلك هؤلاء المشركون في نسكك، ﴿فَقُلِ ٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ "لنا أعمالنا ولكم أعمالكم" ﴿ٱللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ﴾ أي: يقضي بينكم يوم القيامة فيما كنتم فيه تختلفون من أمر دينكم. فتعلمون حينئذٍ المحق من المبطل.
* *
ثم قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ﴾.
أي: يعلم ما في السماوات السبع وما في الأرضين السبع، لا يخفى عليه من ذلك شيء، فهو حاكم بين خلقه يوم القيامة على علم منه بجميع ما عملوه في الدنيا، فيجازى المحسن بإحسانه، والمسيء بإساءته. ﴿إِنَّ ذٰلِكَ فِي كِتَابٍ﴾ أي: إن علمه بذلك في كتاب، وهو أم الكتاب الذي كتب فيه ربنا جلّ ذكره قبل أن يخلق الخلق ما هو كائن إلى يوم القيامة. ﴿إِنَّ ذٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٌ﴾ أي: سهل. يعني: حكمه بين المختلفين يوم القيامة.
وقيل: معناه: أن كتاب القلم الذي أمره الله أن يكتب ما هو كائن يسير على الله. أي، هين. فصاحب هذا القول رده على الأقرب، وهو: "أن ذلك في كتاب". وصاحب القول الأول رده على "يحكم بينكم".
قال ضمرة بن حبيب: إن الله جلّ ذكره كان عرشه على الماء، فخلق السماوات والأرض بالحق، وخلق القلم فكتب به ما هو كائن من خلقه، ثم إن ذلك الكتاب سبح الله ومجده ألف عام قبل أن يبتدئ شيئاً من الخلق.
وقال كعب الأحبار: "علم الله تعالى ما هو خالق، وما خلقه عاملون".
وقال ابن جريج: قوله: "إن ذلك في كتاب" يعني: قوله: ﴿ٱللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ فِيمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً﴾.
أي: يعبد هؤلاء المشركون من دون الله ما لم ينزل لهم به حجة من السماء في كتاب من كتبه التي أنزلها على رسله، وما ليس لهم به علم، أي: لا علم لهم أنها آلهة، فيعبدونها بعد علم، ﴿وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِن نَّصِيرٍ﴾ ينصرهم من عذاب الله.
الحج 22:69
قوله تعالى ذكره: ﴿لَّهُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ﴾ إلى قوله: ﴿وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِن نَّصِيرٍ﴾.
أي: له ملك ما في السماوات وما في الأرض، وأن الله لهو الغني عن خلقه. وهم المحتاجون إليه.
﴿ٱلْحَمِيدُ﴾ أي: المحمود عند عباده في أفضاله ونعمه عندهم.
* *
ثم قال: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي ٱلأَرْضِ﴾.
أي: سخر لكم ما في الأرض من الدواب والأنعام وغير ذلك تنتفعون وتأكلون وتركبون وتلبسون منه، وسخر لكم "الفلك لتجري في البحر بأمره" أي: بقدرته وتذليله إياها لكم.
* *
ثم قال: ﴿وَيُمْسِكُ ٱلسَّمَآءَ أَن تَقَعَ عَلَى ٱلأَرْضِ إِلاَّ بِإِذْنِهِ﴾.
أي: يمسكها بقدرته لئلا تقع على الأرض. ﴿إِنَّ ٱللَّهَ بِٱلنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾. أي: لذو رأفة ورحمة بهم.
* *
ثم قال: ﴿وَهُوَ ٱلَّذِيۤ أَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ﴾.
أي: والذي أنعم عليكم هذه النعم المذكورة، هو الذي خلقكم أجساماً أحياء بحياة أحدثها فيكم ولم تكونوا شيئاً، ثم يميتكم فيفنيكم عند مجيء آجالكم، ثم يحييكم عند بعثكم لقيام الساعة، ﴿إِنَّ ٱلإِنْسَانَ لَكَفُورٌ﴾ أي: إن ابن آدم لجحود لنعم الله عليه، إذ يعبد غير من أنعم عليه بهذه النعم المذكورة وبغيرها.
* *
ثم قال تعالى: ﴿لِّكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكاً هُمْ نَاسِكُوهُ﴾.
أي: لكل جماعة قوم لنبي خلا قلبك يا محمد، جعلنا مألفاً يألفونه، ومكاناً يعتادونه لعبادة الله تعالى، وقضاء فرائضه، وعملاً يلزمونه.
وأصل المنسك: المكان المعتاد الذي يعتاده الرجل ويألفه لخير أو شر، وإنما سميت المناسك مناسك الحج لتردد الناس إليها للعمل الذي فرض عليهم لعمل الحج والعمرة فألفوه.
وكسر "السين" لغة أهل الحجاز، وفتحها لغة أسد.
قال ابن عباس: جعلنا منسكاً. أي: عيداً.
وقال مجاهد: وهو إراقة الدم بمكة.
وقال قتادة: "منسكاً" ذبحاً وحجاً.
وقد رويَ أن المشركين جادلوا النبي ﷺ في إراقة الدم أيام النحر. فهذه الآية في ذلك والله أعلم. دل على هذا التأويل قوله: ﴿فَلاَ يُنَازِعُنَّكَ فِي ٱلأَمْرِ﴾ أي: فلا يجادلنك في ذبحك ونسكك قولهم: أتأكلون ما قتلتم ولا تأكلون ما قتله الله وهو الميتة.
ومعنى: "فلا ينازعنك"، أي: فلا تنازعنهم لأنهم قد نازعوه في ذلك قبل نزول الآية.
* *
ثم قال: ﴿وَٱدْعُ إِلَىٰ رَبِّكَ﴾.
أي: ادع يا محمد منازعيك من المشركين بالله في نسكك وذبحك إلى اتباع أمر ربك بأن يأكلوا ما ذبحوه بعد اتباعك والتصديق بما جئتهم به. ﴿إِنَّكَ لَعَلَىٰ هُدًى مُّسْتَقِيمٍ﴾ أي: طريق غير زائل عن الحق والصواب.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَإِن جَادَلُوكَ فَقُلِ ٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾.
أي: إن جادلك هؤلاء المشركون في نسكك، ﴿فَقُلِ ٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ "لنا أعمالنا ولكم أعمالكم" ﴿ٱللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ﴾ أي: يقضي بينكم يوم القيامة فيما كنتم فيه تختلفون من أمر دينكم. فتعلمون حينئذٍ المحق من المبطل.
* *
ثم قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ﴾.
أي: يعلم ما في السماوات السبع وما في الأرضين السبع، لا يخفى عليه من ذلك شيء، فهو حاكم بين خلقه يوم القيامة على علم منه بجميع ما عملوه في الدنيا، فيجازى المحسن بإحسانه، والمسيء بإساءته. ﴿إِنَّ ذٰلِكَ فِي كِتَابٍ﴾ أي: إن علمه بذلك في كتاب، وهو أم الكتاب الذي كتب فيه ربنا جلّ ذكره قبل أن يخلق الخلق ما هو كائن إلى يوم القيامة. ﴿إِنَّ ذٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٌ﴾ أي: سهل. يعني: حكمه بين المختلفين يوم القيامة.
وقيل: معناه: أن كتاب القلم الذي أمره الله أن يكتب ما هو كائن يسير على الله. أي، هين. فصاحب هذا القول رده على الأقرب، وهو: "أن ذلك في كتاب". وصاحب القول الأول رده على "يحكم بينكم".
قال ضمرة بن حبيب: إن الله جلّ ذكره كان عرشه على الماء، فخلق السماوات والأرض بالحق، وخلق القلم فكتب به ما هو كائن من خلقه، ثم إن ذلك الكتاب سبح الله ومجده ألف عام قبل أن يبتدئ شيئاً من الخلق.
وقال كعب الأحبار: "علم الله تعالى ما هو خالق، وما خلقه عاملون".
وقال ابن جريج: قوله: "إن ذلك في كتاب" يعني: قوله: ﴿ٱللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ فِيمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً﴾.
أي: يعبد هؤلاء المشركون من دون الله ما لم ينزل لهم به حجة من السماء في كتاب من كتبه التي أنزلها على رسله، وما ليس لهم به علم، أي: لا علم لهم أنها آلهة، فيعبدونها بعد علم، ﴿وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِن نَّصِيرٍ﴾ ينصرهم من عذاب الله.
الحج 22:70
قوله تعالى ذكره: ﴿لَّهُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ﴾ إلى قوله: ﴿وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِن نَّصِيرٍ﴾.
أي: له ملك ما في السماوات وما في الأرض، وأن الله لهو الغني عن خلقه. وهم المحتاجون إليه.
﴿ٱلْحَمِيدُ﴾ أي: المحمود عند عباده في أفضاله ونعمه عندهم.
* *
ثم قال: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي ٱلأَرْضِ﴾.
أي: سخر لكم ما في الأرض من الدواب والأنعام وغير ذلك تنتفعون وتأكلون وتركبون وتلبسون منه، وسخر لكم "الفلك لتجري في البحر بأمره" أي: بقدرته وتذليله إياها لكم.
* *
ثم قال: ﴿وَيُمْسِكُ ٱلسَّمَآءَ أَن تَقَعَ عَلَى ٱلأَرْضِ إِلاَّ بِإِذْنِهِ﴾.
أي: يمسكها بقدرته لئلا تقع على الأرض. ﴿إِنَّ ٱللَّهَ بِٱلنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾. أي: لذو رأفة ورحمة بهم.
* *
ثم قال: ﴿وَهُوَ ٱلَّذِيۤ أَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ﴾.
أي: والذي أنعم عليكم هذه النعم المذكورة، هو الذي خلقكم أجساماً أحياء بحياة أحدثها فيكم ولم تكونوا شيئاً، ثم يميتكم فيفنيكم عند مجيء آجالكم، ثم يحييكم عند بعثكم لقيام الساعة، ﴿إِنَّ ٱلإِنْسَانَ لَكَفُورٌ﴾ أي: إن ابن آدم لجحود لنعم الله عليه، إذ يعبد غير من أنعم عليه بهذه النعم المذكورة وبغيرها.
* *
ثم قال تعالى: ﴿لِّكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكاً هُمْ نَاسِكُوهُ﴾.
أي: لكل جماعة قوم لنبي خلا قلبك يا محمد، جعلنا مألفاً يألفونه، ومكاناً يعتادونه لعبادة الله تعالى، وقضاء فرائضه، وعملاً يلزمونه.
وأصل المنسك: المكان المعتاد الذي يعتاده الرجل ويألفه لخير أو شر، وإنما سميت المناسك مناسك الحج لتردد الناس إليها للعمل الذي فرض عليهم لعمل الحج والعمرة فألفوه.
وكسر "السين" لغة أهل الحجاز، وفتحها لغة أسد.
قال ابن عباس: جعلنا منسكاً. أي: عيداً.
وقال مجاهد: وهو إراقة الدم بمكة.
وقال قتادة: "منسكاً" ذبحاً وحجاً.
وقد رويَ أن المشركين جادلوا النبي ﷺ في إراقة الدم أيام النحر. فهذه الآية في ذلك والله أعلم. دل على هذا التأويل قوله: ﴿فَلاَ يُنَازِعُنَّكَ فِي ٱلأَمْرِ﴾ أي: فلا يجادلنك في ذبحك ونسكك قولهم: أتأكلون ما قتلتم ولا تأكلون ما قتله الله وهو الميتة.
ومعنى: "فلا ينازعنك"، أي: فلا تنازعنهم لأنهم قد نازعوه في ذلك قبل نزول الآية.
* *
ثم قال: ﴿وَٱدْعُ إِلَىٰ رَبِّكَ﴾.
أي: ادع يا محمد منازعيك من المشركين بالله في نسكك وذبحك إلى اتباع أمر ربك بأن يأكلوا ما ذبحوه بعد اتباعك والتصديق بما جئتهم به. ﴿إِنَّكَ لَعَلَىٰ هُدًى مُّسْتَقِيمٍ﴾ أي: طريق غير زائل عن الحق والصواب.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَإِن جَادَلُوكَ فَقُلِ ٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾.
أي: إن جادلك هؤلاء المشركون في نسكك، ﴿فَقُلِ ٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ "لنا أعمالنا ولكم أعمالكم" ﴿ٱللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ﴾ أي: يقضي بينكم يوم القيامة فيما كنتم فيه تختلفون من أمر دينكم. فتعلمون حينئذٍ المحق من المبطل.
* *
ثم قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ﴾.
أي: يعلم ما في السماوات السبع وما في الأرضين السبع، لا يخفى عليه من ذلك شيء، فهو حاكم بين خلقه يوم القيامة على علم منه بجميع ما عملوه في الدنيا، فيجازى المحسن بإحسانه، والمسيء بإساءته. ﴿إِنَّ ذٰلِكَ فِي كِتَابٍ﴾ أي: إن علمه بذلك في كتاب، وهو أم الكتاب الذي كتب فيه ربنا جلّ ذكره قبل أن يخلق الخلق ما هو كائن إلى يوم القيامة. ﴿إِنَّ ذٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٌ﴾ أي: سهل. يعني: حكمه بين المختلفين يوم القيامة.
وقيل: معناه: أن كتاب القلم الذي أمره الله أن يكتب ما هو كائن يسير على الله. أي، هين. فصاحب هذا القول رده على الأقرب، وهو: "أن ذلك في كتاب". وصاحب القول الأول رده على "يحكم بينكم".
قال ضمرة بن حبيب: إن الله جلّ ذكره كان عرشه على الماء، فخلق السماوات والأرض بالحق، وخلق القلم فكتب به ما هو كائن من خلقه، ثم إن ذلك الكتاب سبح الله ومجده ألف عام قبل أن يبتدئ شيئاً من الخلق.
وقال كعب الأحبار: "علم الله تعالى ما هو خالق، وما خلقه عاملون".
وقال ابن جريج: قوله: "إن ذلك في كتاب" يعني: قوله: ﴿ٱللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ فِيمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً﴾.
أي: يعبد هؤلاء المشركون من دون الله ما لم ينزل لهم به حجة من السماء في كتاب من كتبه التي أنزلها على رسله، وما ليس لهم به علم، أي: لا علم لهم أنها آلهة، فيعبدونها بعد علم، ﴿وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِن نَّصِيرٍ﴾ ينصرهم من عذاب الله.
الحج 22:71
قوله تعالى ذكره: ﴿لَّهُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ﴾ إلى قوله: ﴿وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِن نَّصِيرٍ﴾.
أي: له ملك ما في السماوات وما في الأرض، وأن الله لهو الغني عن خلقه. وهم المحتاجون إليه.
﴿ٱلْحَمِيدُ﴾ أي: المحمود عند عباده في أفضاله ونعمه عندهم.
* *
ثم قال: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي ٱلأَرْضِ﴾.
أي: سخر لكم ما في الأرض من الدواب والأنعام وغير ذلك تنتفعون وتأكلون وتركبون وتلبسون منه، وسخر لكم "الفلك لتجري في البحر بأمره" أي: بقدرته وتذليله إياها لكم.
* *
ثم قال: ﴿وَيُمْسِكُ ٱلسَّمَآءَ أَن تَقَعَ عَلَى ٱلأَرْضِ إِلاَّ بِإِذْنِهِ﴾.
أي: يمسكها بقدرته لئلا تقع على الأرض. ﴿إِنَّ ٱللَّهَ بِٱلنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾. أي: لذو رأفة ورحمة بهم.
* *
ثم قال: ﴿وَهُوَ ٱلَّذِيۤ أَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ﴾.
أي: والذي أنعم عليكم هذه النعم المذكورة، هو الذي خلقكم أجساماً أحياء بحياة أحدثها فيكم ولم تكونوا شيئاً، ثم يميتكم فيفنيكم عند مجيء آجالكم، ثم يحييكم عند بعثكم لقيام الساعة، ﴿إِنَّ ٱلإِنْسَانَ لَكَفُورٌ﴾ أي: إن ابن آدم لجحود لنعم الله عليه، إذ يعبد غير من أنعم عليه بهذه النعم المذكورة وبغيرها.
* *
ثم قال تعالى: ﴿لِّكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكاً هُمْ نَاسِكُوهُ﴾.
أي: لكل جماعة قوم لنبي خلا قلبك يا محمد، جعلنا مألفاً يألفونه، ومكاناً يعتادونه لعبادة الله تعالى، وقضاء فرائضه، وعملاً يلزمونه.
وأصل المنسك: المكان المعتاد الذي يعتاده الرجل ويألفه لخير أو شر، وإنما سميت المناسك مناسك الحج لتردد الناس إليها للعمل الذي فرض عليهم لعمل الحج والعمرة فألفوه.
وكسر "السين" لغة أهل الحجاز، وفتحها لغة أسد.
قال ابن عباس: جعلنا منسكاً. أي: عيداً.
وقال مجاهد: وهو إراقة الدم بمكة.
وقال قتادة: "منسكاً" ذبحاً وحجاً.
وقد رويَ أن المشركين جادلوا النبي ﷺ في إراقة الدم أيام النحر. فهذه الآية في ذلك والله أعلم. دل على هذا التأويل قوله: ﴿فَلاَ يُنَازِعُنَّكَ فِي ٱلأَمْرِ﴾ أي: فلا يجادلنك في ذبحك ونسكك قولهم: أتأكلون ما قتلتم ولا تأكلون ما قتله الله وهو الميتة.
ومعنى: "فلا ينازعنك"، أي: فلا تنازعنهم لأنهم قد نازعوه في ذلك قبل نزول الآية.
* *
ثم قال: ﴿وَٱدْعُ إِلَىٰ رَبِّكَ﴾.
أي: ادع يا محمد منازعيك من المشركين بالله في نسكك وذبحك إلى اتباع أمر ربك بأن يأكلوا ما ذبحوه بعد اتباعك والتصديق بما جئتهم به. ﴿إِنَّكَ لَعَلَىٰ هُدًى مُّسْتَقِيمٍ﴾ أي: طريق غير زائل عن الحق والصواب.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَإِن جَادَلُوكَ فَقُلِ ٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾.
أي: إن جادلك هؤلاء المشركون في نسكك، ﴿فَقُلِ ٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ "لنا أعمالنا ولكم أعمالكم" ﴿ٱللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ﴾ أي: يقضي بينكم يوم القيامة فيما كنتم فيه تختلفون من أمر دينكم. فتعلمون حينئذٍ المحق من المبطل.
* *
ثم قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ﴾.
أي: يعلم ما في السماوات السبع وما في الأرضين السبع، لا يخفى عليه من ذلك شيء، فهو حاكم بين خلقه يوم القيامة على علم منه بجميع ما عملوه في الدنيا، فيجازى المحسن بإحسانه، والمسيء بإساءته. ﴿إِنَّ ذٰلِكَ فِي كِتَابٍ﴾ أي: إن علمه بذلك في كتاب، وهو أم الكتاب الذي كتب فيه ربنا جلّ ذكره قبل أن يخلق الخلق ما هو كائن إلى يوم القيامة. ﴿إِنَّ ذٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٌ﴾ أي: سهل. يعني: حكمه بين المختلفين يوم القيامة.
وقيل: معناه: أن كتاب القلم الذي أمره الله أن يكتب ما هو كائن يسير على الله. أي، هين. فصاحب هذا القول رده على الأقرب، وهو: "أن ذلك في كتاب". وصاحب القول الأول رده على "يحكم بينكم".
قال ضمرة بن حبيب: إن الله جلّ ذكره كان عرشه على الماء، فخلق السماوات والأرض بالحق، وخلق القلم فكتب به ما هو كائن من خلقه، ثم إن ذلك الكتاب سبح الله ومجده ألف عام قبل أن يبتدئ شيئاً من الخلق.
وقال كعب الأحبار: "علم الله تعالى ما هو خالق، وما خلقه عاملون".
وقال ابن جريج: قوله: "إن ذلك في كتاب" يعني: قوله: ﴿ٱللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ فِيمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً﴾.
أي: يعبد هؤلاء المشركون من دون الله ما لم ينزل لهم به حجة من السماء في كتاب من كتبه التي أنزلها على رسله، وما ليس لهم به علم، أي: لا علم لهم أنها آلهة، فيعبدونها بعد علم، ﴿وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِن نَّصِيرٍ﴾ ينصرهم من عذاب الله.
الحج 22:72
قوله تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ﴾ إلى قوله: ﴿حَقَّ جِهَادِهِ﴾.
أي: وإذا تتلى على المشركين آيات القرآن واضحات حججها وأدلتها، ﴿تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلْمُنْكَرَ﴾، أي: تتبين في وجوههم ما ينكره أهل الإيمان بالله من تغيرها بسماعهم القرآن.
* *
﴿يَكَادُونَ يَسْطُونَ﴾.
أي: يبطشون بالذين يتلون عليهم كتاب الله من أصحاب النبي ﷺ، وذلك لشدة كراهيتهم أن يسمعوا القرآن ويتلى عليهم.
قال الضحاك: ﴿يَكَادُونَ يَسْطُونَ﴾ أي: يأخذون المؤمنين بأيديهم أخذاً.
والسطو في اللغة: البطش.
وروى أحمد عن قالون والأعشى عن أبي بكر "يصطون" بالصاد من أجل الطاء.
* *
ثم قال: ﴿قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُم بِشَرٍّ مِّن ذٰلِكُمُ ٱلنَّارُ﴾.
أي: قل يا محمد للمشركين أفأنبئكم بشر مما تكرهونه من قراءة القرآن عليكم؟ فقالوا: ما هو فقيل لهم: النار، أي هي النار، وعدها الله الذين كفروا، أي: وعدكم وأمثالكم من الكفار إياها.
وروي: أن المشركين قالوا محمد وأصحابه شر خلق، فقال الله تعالى: قل لهم يا محمد أفأنبئكم بشر من محمد وأصحابه على قولكم وزعمكم، أهل النار فهم أنتم شرار خلق الله تعالى لا محمد وأصحابه.
* *
وقوله: ﴿وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ﴾ أي: وبيس المكان الذي يصير إليه هؤلاء المشركون يوم القيامة.
ثم قال تعالى ذكره: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَٱسْتَمِعُواْ لَهُ إِنَّ ٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ لَن يَخْلُقُواْ ذُبَاباً وَلَوِ ٱجْتَمَعُواْ لَهُ﴾.
﴿ضُرِبَ﴾ هنا بمعنى: جعل: من قولهم: ضربت الجزية على النصارى، أي: جعلت. وضرب السلطان الخراج على الناس.
أي: جعل، "والمثل" الشبه الذي جعلوه لله من الأصنام.
فالمعنى: يا أيها الناس جعل شبه لي في عبادتي، يعني: الأصنام التي جعلوها شبهاً لله فعبدوها.
ثم قال: فاستمعوا الخبر هذا الذي جعل شبهاً لي. ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ﴾ من الأصنام والأوثان، لن يخلقوا ذباباً، على صغر الذباب ولطفه، ولو أن الأصنام اجتمعت كلها لم تخلق ذلك ولا استطاعته، على أن الذباب واحد وهي كثيرة. وأن يسلبهم هذا الذباب على ضعفه وكثرتها شيئاً مما عليها من طيب وغيره، لا يقدرون بجماعتهم على استنقاذ ذلك الشيء من الذباب الضعيف.
روي أنهم كانوا يطلون آلهتهم بالزعفران، فكانت الذباب تختلس الزعفران، فلا تقدر الأصنام - وهي آلهة لهم - على استنقاذ ما تأخذ الذباب منها.
* *
ثم قال: ﴿ضَعُفَ ٱلطَّالِبُ وَٱلْمَطْلُوبُ﴾.
أي: ضعفت الآلهة عن طلب ما أخذ الذباب منها، وضعف الذباب، قاله: ابن عباس.
وقيل: المعنى: ضعف الطالب من بني آدم إلى الصنم حاجته، والمطلوب إليه أن يعطي سائله من بني آدم ما سأله - فهذا توبيخ من الله لقريش وتنبيه، ومعناه: كيف تجعلون الله في العبادة مثل ما لا يقدر على خلق ذباب. ﴿وَإِن يَسْلُبْهُمُ ٱلذُّبَابُ شَيْئاً﴾ لم يمتنع ولا انتصر، والله خالق من في السماوات والأرض. ومالك جميع ذلك، والمحيي جميع ذلك والمفني لهم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿مَا قَدَرُواْ ٱللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾.
أي: ما عظموه في العبادة حق عظمته حين عدلوا به من يضعف عن الامتناع من أذى الذباب. هذا معنى قول ابن زيد.
وقد قال قوم: قوله تعالى: ضرب مثل، فأين المثل، ليس في الآية مثل والمعنى فيه على ما قدمنا أن معناه، ضربتم لي مثلاً، أي جعلتم لي شبهاً ونداً. كما قال:
﴿وَجَعَلُواْ للَّهِ أَندَاداً﴾ [إبراهيم: ٣٠] ﴿فَٱسْتَمِعُواْ لَهُ﴾ أي: فاستمعوا جواب ما ضربتموه شبهاً لله ونداً، فالضرب إنما هو للمشركين الذين عدلوا الله بالأصنام، فخبرنا الله تعالى عن ضعف الشبه والند الذي جعلوه له.
قال الكلبي: كانوا يعمدون إلى المسك والزعفران، فيسحقونهما جميعاً، وهو عطر العرب ويطلون بهما الأصنام، فإذا يبس تشقق فربما وقع عليه الذباب فيأخذ منه، فكان يشتد عليهم.
* *
ثم قال: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾.
أي: قوي على خلق ما يشاء من صغير وكبير، "عزيز" أي: منيع في ملكه، لا يقدر أحد أن يسلبه من ملكه شيئاً، وليس كآلهتهم التي يدعون من دون الله التي لا تقدر على خلق ذباب، ولا على الامتناع عن الذباب.
* *
ثم قال: ﴿ٱللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ ٱلْمَلاَئِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ ٱلنَّاسِ﴾.
أي: الله يختار من الملائكة رسلاً يرسلهم إلى من يشاء من خلقه، كجبريل وميكائيل صلى الله عليهما وسلم. ومن الناس، أي: يختار من شاء من الناس رسلاً يرسلهم إلى خلقه.
ويقال: إن هذه الآية جواب لقول المشركين، ﴿أَءُنزِلَ عَلَيْهِ ٱلذِّكْرُ مِن بَيْنِنَا﴾ [ص: ٨] فأنزل الله تعالى: ﴿ٱللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ ٱلْمَلاَئِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ ٱلنَّاسِ﴾ أي: ذلك إليه، يفعل ما يشاء، لا معقب لحكمه.
* *
ثم قال: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ﴾ أي: يسمع ما يقول المشركون في محمد ﷺ، وما جاء به وغير ذلك من كلامهم وسرهم، ﴿بَصِيرٌ﴾ بمن يختاره لرسالته.
* *
ثم قال تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾.
أي: ما بين أيدي ملائكته ورسله من قبل أن يخلقهم ﴿وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ أي: وما هو كائن بعد فنائهم. ﴿وَإِلَى ٱللَّهِ تُرْجَعُ ٱلأُمُورُ﴾ أي: إلى الله ترد أمور الدنيا والآخرة.
* *
ثم قال: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱرْكَعُواْ وَٱسْجُدُواْ وَاعْبُدُواْ رَبَّكُمْ﴾.
أي: يا أيها الذين صدقوا الله ورسله وكتبه، اركعوا واسجدوا في صلاتكم، ﴿وَاعْبُدُواْ رَبَّكُمْ﴾، أي: ذلوا له واخضعوا بالطاعة ﴿وَٱفْعَلُواْ ٱلْخَيْرَ﴾ الذي أمركم بفعله ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ أي: تدركون طلباتكم عند ربكم.
وقال الطبري: لعل هنا بمعنى كي، وهي عند غيره على معنى، الرجاء و "لعل" من الله واجبة. ومذهب أهل المدينة، مالك وغيره أن لا يسجد في آخر هذه السورة، وإنما فيها سجدة واحدة عند قوله يفعل ما يشاء.
ورأي جماعة من الفقهاء، السجود في آخر السورة.
وروي عن ابن عباس أنه قال: فضلت سورة الحج بسجدتين على سائر القرآن.
وعن عمر أنه سجد في آخرها.
وعن ابن عباس وابن عمر أنهما لم يعدا الثانية في سجود القرآن.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَجَاهِدُوا فِي ٱللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ﴾.
أي: جاهدوا المشركين حق الجهاد. قاله: ابن عباس.
وعن ابن عباس: أن المعنى: لا تخافوا في الله لومة لائم، فذلك حق جهاده.
وعن النبي ﷺ أنه قال: "المجاهد من جاهد نفسه لله عز وجل
وعنه أنه قال: أفضل الجهاد، كلمة عدل عند سلطان جائر، ومعنى: "حق جهاده" هو استفراغ الطاقة. يقول الله تعالى: ﴿فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ مَا ٱسْتَطَعْتُمْ﴾ . وأكثر الناس على أنه غير منسوخ وواجب على كل مسلم أن يجاهد في الله حق جهاده على قدر استطاعته ويكون قوله: ﴿فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ مَا ٱسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦] بياناً لهذا وليس بناسخ له.
قوله تعالى ذكره: ﴿هُوَ ٱجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي ٱلدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ إلى آخر السورة.
أي: هو اختاركم لدينه، واصطفاكم لحرب أعدائه.
وقال ابن زيد: "هو اجتباكم" أي: هَدَاكم. ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي ٱلدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ أي: من ضيق لا مخرج لكم منه، بل وسع عليكم، فجعل التوبة من بعض مخرجاً، والكفارة من بعض، والقصاص من بعض. فلا ذنب يذنبه المؤمن إلا وله في دين الإسلام منه مخرج، هذا معنى قول ابن عباس.
وقد سألت عائشة رضي الله عنها النبي ﷺ عن ذلك فقال: هو الضيق. يعني أن الحرج: الضيق.
وقيل: معناه، أن الله جعل للمؤمنين مكان كل شي يثقل في وقت ما هو أخف منه، فجعل للصائم الإفطار في السفر، وتقصير الصلاة وللمصلي إذا لم يطق القيام أن يصلي قاعداً، أو أن يتزوج أربعاً وما شاء من ملك اليمين.
وعن ابن عباس أنه قال: هذا في شهر رمضان إذا شك فيه الناس، وفي الحج إذا شك في الهلال، وفي الفطر والأضحى إذا التبس عليكم استهلاله.
وعن ابن عباس أيضاً أن معناه: وما جعل عليكم في الإسلام من ضيق بل وسعه عليكم، وهو قول الضحاك.
وقال ابن عباس: وسع الله في الدين ولم يضيقه فبسط التوبة، وجعل الكفارات مخرجاً.
* *
ثم قال تعالى: ﴿مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ ٱلْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ﴾ اختلف في "هو" فقيل: ضمير الله جلّ ذكره. وقيل ضمير إبراهيم ﷺ أي: الله سماكم المسلمين، هذا قول: قتادة والضحاك ومجاهد.
وقيل: المعنى: إبراهيم سماكم المسلمين، وهو قول الحسن وابن زيد لأن إبراهيم عليه السلام قال: ﴿رَبَّنَا وَٱجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَآ أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ﴾. وهذا القول يضعفه قوله من قبل. وفي هذا، فيكون إبراهيم سمانا مسلمين من قبل القرآن وفي القرآن، والقرآن إنما نزل بعد إبراهيم، فهذا بعيد، وإنما يجوز قول ابن زيد والحسن على معنى، إبراهيم سماكم المسلمين فيما تقدم وفي هذا، أي: وفي حكمه أن من اتبع محمداً موحد. والأحسن أن يكون الله سمانا بذلك، من قبل القرآن، وفي الكتب المتقدمة وفي القرآن.
قال مجاهد سماكم الله مسلمين في الكتب كلها، وفي الذكر، وفي هذا القرآن. وكل من آمن بنبيه من الأمم الماضية، فإنما سميت بالإيمان ولم يسم بالإيمان والإسلام غير هذه الأمة.
* *
ثم قال: ﴿لِيَكُونَ ٱلرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ﴾. أي: اجتباكم وسماكم مسلمين ليكون محمد شهيداً عليكم يوم القيامة، لأنه قد بلغكم ما أرسل به إليكم، وتكونوا أنتم حينئذٍ شهداء على الرسل أجمعين أنهم قد بلغوا أمتهم ما أرسلوا به إليهم.
قال قتادة: أعطيت هذه الأمة ما لم يعطه إلا نبي كان. يقال للنبي: اذهب فليس عليك حرج، وكان يقال للنبي: إنك شهيد على قومك. وقال الله: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي ٱلدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾، وقال: "لتكونوا شهداء على الناس" وكان يقال للنبي: سل تعطه، وقال الله جلّ ذكره: ادعوني أستجب لكم.
* *
ثم قال: ﴿فَأَقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ وَآتُواْ ٱلزَّكَـاةَ﴾. أي: أقيموها بحدودها في أوقاتها، وآتوا الزكاة الواجبة عليكم.
* *
ثم قال: ﴿وَٱعْتَصِمُواْ بِٱللَّهِ هُوَ مَوْلاَكُمْ﴾ أي: ثقوا بالله وامتنعوا به من عدوكم، وتوكلوا عليه في أموركم، ﴿فَنِعْمَ ٱلْمَوْلَىٰ﴾ هو لمن فعل ذلك منكم ﴿وَنِعْمَ ٱلنَّصِيرُ﴾، أي: نعم الناصر هو على من بغاه بسوء.
* *
وقوله: ﴿مِنْ حَرَجٍ﴾ وقف، إن نصبت ملة، بمعنى اتبعوا ملة فإن نصبته على قول الفراء على معنى كَـ "مِلّةِ" إبراهيم لم تقف على "حرج" ويلزم الفراء في النصب عند عدم الكاف أن يقول زيد الأسد، فينصب الأسد، لأن المعنى، زيد كالأسد، وهذا لا يجوز عند أحد. "إبراهيم" وقف، إن جعلت "هو" من ذكر الله جلّ ثناؤه، وهو مذهب نافع ويعقوب وغيرهما. وإن جعلت "هو" من ذكر إبراهيم لم تقف على "إبراهيم"، وكان التمام "وفي هذا" إن جعلت اللام من لتكون متعلقة بفعل مضمر، فإن جعلتها متعلقة بـ: "اجتباكم" و "سماكم" لم يكن التمام إلا على الناس.
الحج 22:73
قوله تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ﴾ إلى قوله: ﴿حَقَّ جِهَادِهِ﴾.
أي: وإذا تتلى على المشركين آيات القرآن واضحات حججها وأدلتها، ﴿تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلْمُنْكَرَ﴾، أي: تتبين في وجوههم ما ينكره أهل الإيمان بالله من تغيرها بسماعهم القرآن.
* *
﴿يَكَادُونَ يَسْطُونَ﴾.
أي: يبطشون بالذين يتلون عليهم كتاب الله من أصحاب النبي ﷺ، وذلك لشدة كراهيتهم أن يسمعوا القرآن ويتلى عليهم.
قال الضحاك: ﴿يَكَادُونَ يَسْطُونَ﴾ أي: يأخذون المؤمنين بأيديهم أخذاً.
والسطو في اللغة: البطش.
وروى أحمد عن قالون والأعشى عن أبي بكر "يصطون" بالصاد من أجل الطاء.
* *
ثم قال: ﴿قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُم بِشَرٍّ مِّن ذٰلِكُمُ ٱلنَّارُ﴾.
أي: قل يا محمد للمشركين أفأنبئكم بشر مما تكرهونه من قراءة القرآن عليكم؟ فقالوا: ما هو فقيل لهم: النار، أي هي النار، وعدها الله الذين كفروا، أي: وعدكم وأمثالكم من الكفار إياها.
وروي: أن المشركين قالوا محمد وأصحابه شر خلق، فقال الله تعالى: قل لهم يا محمد أفأنبئكم بشر من محمد وأصحابه على قولكم وزعمكم، أهل النار فهم أنتم شرار خلق الله تعالى لا محمد وأصحابه.
* *
وقوله: ﴿وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ﴾ أي: وبيس المكان الذي يصير إليه هؤلاء المشركون يوم القيامة.
ثم قال تعالى ذكره: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَٱسْتَمِعُواْ لَهُ إِنَّ ٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ لَن يَخْلُقُواْ ذُبَاباً وَلَوِ ٱجْتَمَعُواْ لَهُ﴾.
﴿ضُرِبَ﴾ هنا بمعنى: جعل: من قولهم: ضربت الجزية على النصارى، أي: جعلت. وضرب السلطان الخراج على الناس.
أي: جعل، "والمثل" الشبه الذي جعلوه لله من الأصنام.
فالمعنى: يا أيها الناس جعل شبه لي في عبادتي، يعني: الأصنام التي جعلوها شبهاً لله فعبدوها.
ثم قال: فاستمعوا الخبر هذا الذي جعل شبهاً لي. ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ﴾ من الأصنام والأوثان، لن يخلقوا ذباباً، على صغر الذباب ولطفه، ولو أن الأصنام اجتمعت كلها لم تخلق ذلك ولا استطاعته، على أن الذباب واحد وهي كثيرة. وأن يسلبهم هذا الذباب على ضعفه وكثرتها شيئاً مما عليها من طيب وغيره، لا يقدرون بجماعتهم على استنقاذ ذلك الشيء من الذباب الضعيف.
روي أنهم كانوا يطلون آلهتهم بالزعفران، فكانت الذباب تختلس الزعفران، فلا تقدر الأصنام - وهي آلهة لهم - على استنقاذ ما تأخذ الذباب منها.
* *
ثم قال: ﴿ضَعُفَ ٱلطَّالِبُ وَٱلْمَطْلُوبُ﴾.
أي: ضعفت الآلهة عن طلب ما أخذ الذباب منها، وضعف الذباب، قاله: ابن عباس.
وقيل: المعنى: ضعف الطالب من بني آدم إلى الصنم حاجته، والمطلوب إليه أن يعطي سائله من بني آدم ما سأله - فهذا توبيخ من الله لقريش وتنبيه، ومعناه: كيف تجعلون الله في العبادة مثل ما لا يقدر على خلق ذباب. ﴿وَإِن يَسْلُبْهُمُ ٱلذُّبَابُ شَيْئاً﴾ لم يمتنع ولا انتصر، والله خالق من في السماوات والأرض. ومالك جميع ذلك، والمحيي جميع ذلك والمفني لهم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿مَا قَدَرُواْ ٱللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾.
أي: ما عظموه في العبادة حق عظمته حين عدلوا به من يضعف عن الامتناع من أذى الذباب. هذا معنى قول ابن زيد.
وقد قال قوم: قوله تعالى: ضرب مثل، فأين المثل، ليس في الآية مثل والمعنى فيه على ما قدمنا أن معناه، ضربتم لي مثلاً، أي جعلتم لي شبهاً ونداً. كما قال:
﴿وَجَعَلُواْ للَّهِ أَندَاداً﴾ [إبراهيم: ٣٠] ﴿فَٱسْتَمِعُواْ لَهُ﴾ أي: فاستمعوا جواب ما ضربتموه شبهاً لله ونداً، فالضرب إنما هو للمشركين الذين عدلوا الله بالأصنام، فخبرنا الله تعالى عن ضعف الشبه والند الذي جعلوه له.
قال الكلبي: كانوا يعمدون إلى المسك والزعفران، فيسحقونهما جميعاً، وهو عطر العرب ويطلون بهما الأصنام، فإذا يبس تشقق فربما وقع عليه الذباب فيأخذ منه، فكان يشتد عليهم.
* *
ثم قال: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾.
أي: قوي على خلق ما يشاء من صغير وكبير، "عزيز" أي: منيع في ملكه، لا يقدر أحد أن يسلبه من ملكه شيئاً، وليس كآلهتهم التي يدعون من دون الله التي لا تقدر على خلق ذباب، ولا على الامتناع عن الذباب.
* *
ثم قال: ﴿ٱللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ ٱلْمَلاَئِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ ٱلنَّاسِ﴾.
أي: الله يختار من الملائكة رسلاً يرسلهم إلى من يشاء من خلقه، كجبريل وميكائيل صلى الله عليهما وسلم. ومن الناس، أي: يختار من شاء من الناس رسلاً يرسلهم إلى خلقه.
ويقال: إن هذه الآية جواب لقول المشركين، ﴿أَءُنزِلَ عَلَيْهِ ٱلذِّكْرُ مِن بَيْنِنَا﴾ [ص: ٨] فأنزل الله تعالى: ﴿ٱللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ ٱلْمَلاَئِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ ٱلنَّاسِ﴾ أي: ذلك إليه، يفعل ما يشاء، لا معقب لحكمه.
* *
ثم قال: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ﴾ أي: يسمع ما يقول المشركون في محمد ﷺ، وما جاء به وغير ذلك من كلامهم وسرهم، ﴿بَصِيرٌ﴾ بمن يختاره لرسالته.
* *
ثم قال تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾.
أي: ما بين أيدي ملائكته ورسله من قبل أن يخلقهم ﴿وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ أي: وما هو كائن بعد فنائهم. ﴿وَإِلَى ٱللَّهِ تُرْجَعُ ٱلأُمُورُ﴾ أي: إلى الله ترد أمور الدنيا والآخرة.
* *
ثم قال: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱرْكَعُواْ وَٱسْجُدُواْ وَاعْبُدُواْ رَبَّكُمْ﴾.
أي: يا أيها الذين صدقوا الله ورسله وكتبه، اركعوا واسجدوا في صلاتكم، ﴿وَاعْبُدُواْ رَبَّكُمْ﴾، أي: ذلوا له واخضعوا بالطاعة ﴿وَٱفْعَلُواْ ٱلْخَيْرَ﴾ الذي أمركم بفعله ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ أي: تدركون طلباتكم عند ربكم.
وقال الطبري: لعل هنا بمعنى كي، وهي عند غيره على معنى، الرجاء و "لعل" من الله واجبة. ومذهب أهل المدينة، مالك وغيره أن لا يسجد في آخر هذه السورة، وإنما فيها سجدة واحدة عند قوله يفعل ما يشاء.
ورأي جماعة من الفقهاء، السجود في آخر السورة.
وروي عن ابن عباس أنه قال: فضلت سورة الحج بسجدتين على سائر القرآن.
وعن عمر أنه سجد في آخرها.
وعن ابن عباس وابن عمر أنهما لم يعدا الثانية في سجود القرآن.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَجَاهِدُوا فِي ٱللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ﴾.
أي: جاهدوا المشركين حق الجهاد. قاله: ابن عباس.
وعن ابن عباس: أن المعنى: لا تخافوا في الله لومة لائم، فذلك حق جهاده.
وعن النبي ﷺ أنه قال: "المجاهد من جاهد نفسه لله عز وجل
وعنه أنه قال: أفضل الجهاد، كلمة عدل عند سلطان جائر، ومعنى: "حق جهاده" هو استفراغ الطاقة. يقول الله تعالى: ﴿فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ مَا ٱسْتَطَعْتُمْ﴾ . وأكثر الناس على أنه غير منسوخ وواجب على كل مسلم أن يجاهد في الله حق جهاده على قدر استطاعته ويكون قوله: ﴿فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ مَا ٱسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦] بياناً لهذا وليس بناسخ له.
قوله تعالى ذكره: ﴿هُوَ ٱجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي ٱلدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ إلى آخر السورة.
أي: هو اختاركم لدينه، واصطفاكم لحرب أعدائه.
وقال ابن زيد: "هو اجتباكم" أي: هَدَاكم. ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي ٱلدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ أي: من ضيق لا مخرج لكم منه، بل وسع عليكم، فجعل التوبة من بعض مخرجاً، والكفارة من بعض، والقصاص من بعض. فلا ذنب يذنبه المؤمن إلا وله في دين الإسلام منه مخرج، هذا معنى قول ابن عباس.
وقد سألت عائشة رضي الله عنها النبي ﷺ عن ذلك فقال: هو الضيق. يعني أن الحرج: الضيق.
وقيل: معناه، أن الله جعل للمؤمنين مكان كل شي يثقل في وقت ما هو أخف منه، فجعل للصائم الإفطار في السفر، وتقصير الصلاة وللمصلي إذا لم يطق القيام أن يصلي قاعداً، أو أن يتزوج أربعاً وما شاء من ملك اليمين.
وعن ابن عباس أنه قال: هذا في شهر رمضان إذا شك فيه الناس، وفي الحج إذا شك في الهلال، وفي الفطر والأضحى إذا التبس عليكم استهلاله.
وعن ابن عباس أيضاً أن معناه: وما جعل عليكم في الإسلام من ضيق بل وسعه عليكم، وهو قول الضحاك.
وقال ابن عباس: وسع الله في الدين ولم يضيقه فبسط التوبة، وجعل الكفارات مخرجاً.
* *
ثم قال تعالى: ﴿مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ ٱلْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ﴾ اختلف في "هو" فقيل: ضمير الله جلّ ذكره. وقيل ضمير إبراهيم ﷺ أي: الله سماكم المسلمين، هذا قول: قتادة والضحاك ومجاهد.
وقيل: المعنى: إبراهيم سماكم المسلمين، وهو قول الحسن وابن زيد لأن إبراهيم عليه السلام قال: ﴿رَبَّنَا وَٱجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَآ أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ﴾. وهذا القول يضعفه قوله من قبل. وفي هذا، فيكون إبراهيم سمانا مسلمين من قبل القرآن وفي القرآن، والقرآن إنما نزل بعد إبراهيم، فهذا بعيد، وإنما يجوز قول ابن زيد والحسن على معنى، إبراهيم سماكم المسلمين فيما تقدم وفي هذا، أي: وفي حكمه أن من اتبع محمداً موحد. والأحسن أن يكون الله سمانا بذلك، من قبل القرآن، وفي الكتب المتقدمة وفي القرآن.
قال مجاهد سماكم الله مسلمين في الكتب كلها، وفي الذكر، وفي هذا القرآن. وكل من آمن بنبيه من الأمم الماضية، فإنما سميت بالإيمان ولم يسم بالإيمان والإسلام غير هذه الأمة.
* *
ثم قال: ﴿لِيَكُونَ ٱلرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ﴾. أي: اجتباكم وسماكم مسلمين ليكون محمد شهيداً عليكم يوم القيامة، لأنه قد بلغكم ما أرسل به إليكم، وتكونوا أنتم حينئذٍ شهداء على الرسل أجمعين أنهم قد بلغوا أمتهم ما أرسلوا به إليهم.
قال قتادة: أعطيت هذه الأمة ما لم يعطه إلا نبي كان. يقال للنبي: اذهب فليس عليك حرج، وكان يقال للنبي: إنك شهيد على قومك. وقال الله: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي ٱلدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾، وقال: "لتكونوا شهداء على الناس" وكان يقال للنبي: سل تعطه، وقال الله جلّ ذكره: ادعوني أستجب لكم.
* *
ثم قال: ﴿فَأَقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ وَآتُواْ ٱلزَّكَـاةَ﴾. أي: أقيموها بحدودها في أوقاتها، وآتوا الزكاة الواجبة عليكم.
* *
ثم قال: ﴿وَٱعْتَصِمُواْ بِٱللَّهِ هُوَ مَوْلاَكُمْ﴾ أي: ثقوا بالله وامتنعوا به من عدوكم، وتوكلوا عليه في أموركم، ﴿فَنِعْمَ ٱلْمَوْلَىٰ﴾ هو لمن فعل ذلك منكم ﴿وَنِعْمَ ٱلنَّصِيرُ﴾، أي: نعم الناصر هو على من بغاه بسوء.
* *
وقوله: ﴿مِنْ حَرَجٍ﴾ وقف، إن نصبت ملة، بمعنى اتبعوا ملة فإن نصبته على قول الفراء على معنى كَـ "مِلّةِ" إبراهيم لم تقف على "حرج" ويلزم الفراء في النصب عند عدم الكاف أن يقول زيد الأسد، فينصب الأسد، لأن المعنى، زيد كالأسد، وهذا لا يجوز عند أحد. "إبراهيم" وقف، إن جعلت "هو" من ذكر الله جلّ ثناؤه، وهو مذهب نافع ويعقوب وغيرهما. وإن جعلت "هو" من ذكر إبراهيم لم تقف على "إبراهيم"، وكان التمام "وفي هذا" إن جعلت اللام من لتكون متعلقة بفعل مضمر، فإن جعلتها متعلقة بـ: "اجتباكم" و "سماكم" لم يكن التمام إلا على الناس.
الحج 22:74
قوله تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ﴾ إلى قوله: ﴿حَقَّ جِهَادِهِ﴾.
أي: وإذا تتلى على المشركين آيات القرآن واضحات حججها وأدلتها، ﴿تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلْمُنْكَرَ﴾، أي: تتبين في وجوههم ما ينكره أهل الإيمان بالله من تغيرها بسماعهم القرآن.
* *
﴿يَكَادُونَ يَسْطُونَ﴾.
أي: يبطشون بالذين يتلون عليهم كتاب الله من أصحاب النبي ﷺ، وذلك لشدة كراهيتهم أن يسمعوا القرآن ويتلى عليهم.
قال الضحاك: ﴿يَكَادُونَ يَسْطُونَ﴾ أي: يأخذون المؤمنين بأيديهم أخذاً.
والسطو في اللغة: البطش.
وروى أحمد عن قالون والأعشى عن أبي بكر "يصطون" بالصاد من أجل الطاء.
* *
ثم قال: ﴿قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُم بِشَرٍّ مِّن ذٰلِكُمُ ٱلنَّارُ﴾.
أي: قل يا محمد للمشركين أفأنبئكم بشر مما تكرهونه من قراءة القرآن عليكم؟ فقالوا: ما هو فقيل لهم: النار، أي هي النار، وعدها الله الذين كفروا، أي: وعدكم وأمثالكم من الكفار إياها.
وروي: أن المشركين قالوا محمد وأصحابه شر خلق، فقال الله تعالى: قل لهم يا محمد أفأنبئكم بشر من محمد وأصحابه على قولكم وزعمكم، أهل النار فهم أنتم شرار خلق الله تعالى لا محمد وأصحابه.
* *
وقوله: ﴿وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ﴾ أي: وبيس المكان الذي يصير إليه هؤلاء المشركون يوم القيامة.
ثم قال تعالى ذكره: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَٱسْتَمِعُواْ لَهُ إِنَّ ٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ لَن يَخْلُقُواْ ذُبَاباً وَلَوِ ٱجْتَمَعُواْ لَهُ﴾.
﴿ضُرِبَ﴾ هنا بمعنى: جعل: من قولهم: ضربت الجزية على النصارى، أي: جعلت. وضرب السلطان الخراج على الناس.
أي: جعل، "والمثل" الشبه الذي جعلوه لله من الأصنام.
فالمعنى: يا أيها الناس جعل شبه لي في عبادتي، يعني: الأصنام التي جعلوها شبهاً لله فعبدوها.
ثم قال: فاستمعوا الخبر هذا الذي جعل شبهاً لي. ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ﴾ من الأصنام والأوثان، لن يخلقوا ذباباً، على صغر الذباب ولطفه، ولو أن الأصنام اجتمعت كلها لم تخلق ذلك ولا استطاعته، على أن الذباب واحد وهي كثيرة. وأن يسلبهم هذا الذباب على ضعفه وكثرتها شيئاً مما عليها من طيب وغيره، لا يقدرون بجماعتهم على استنقاذ ذلك الشيء من الذباب الضعيف.
روي أنهم كانوا يطلون آلهتهم بالزعفران، فكانت الذباب تختلس الزعفران، فلا تقدر الأصنام - وهي آلهة لهم - على استنقاذ ما تأخذ الذباب منها.
* *
ثم قال: ﴿ضَعُفَ ٱلطَّالِبُ وَٱلْمَطْلُوبُ﴾.
أي: ضعفت الآلهة عن طلب ما أخذ الذباب منها، وضعف الذباب، قاله: ابن عباس.
وقيل: المعنى: ضعف الطالب من بني آدم إلى الصنم حاجته، والمطلوب إليه أن يعطي سائله من بني آدم ما سأله - فهذا توبيخ من الله لقريش وتنبيه، ومعناه: كيف تجعلون الله في العبادة مثل ما لا يقدر على خلق ذباب. ﴿وَإِن يَسْلُبْهُمُ ٱلذُّبَابُ شَيْئاً﴾ لم يمتنع ولا انتصر، والله خالق من في السماوات والأرض. ومالك جميع ذلك، والمحيي جميع ذلك والمفني لهم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿مَا قَدَرُواْ ٱللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾.
أي: ما عظموه في العبادة حق عظمته حين عدلوا به من يضعف عن الامتناع من أذى الذباب. هذا معنى قول ابن زيد.
وقد قال قوم: قوله تعالى: ضرب مثل، فأين المثل، ليس في الآية مثل والمعنى فيه على ما قدمنا أن معناه، ضربتم لي مثلاً، أي جعلتم لي شبهاً ونداً. كما قال:
﴿وَجَعَلُواْ للَّهِ أَندَاداً﴾ [إبراهيم: ٣٠] ﴿فَٱسْتَمِعُواْ لَهُ﴾ أي: فاستمعوا جواب ما ضربتموه شبهاً لله ونداً، فالضرب إنما هو للمشركين الذين عدلوا الله بالأصنام، فخبرنا الله تعالى عن ضعف الشبه والند الذي جعلوه له.
قال الكلبي: كانوا يعمدون إلى المسك والزعفران، فيسحقونهما جميعاً، وهو عطر العرب ويطلون بهما الأصنام، فإذا يبس تشقق فربما وقع عليه الذباب فيأخذ منه، فكان يشتد عليهم.
* *
ثم قال: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾.
أي: قوي على خلق ما يشاء من صغير وكبير، "عزيز" أي: منيع في ملكه، لا يقدر أحد أن يسلبه من ملكه شيئاً، وليس كآلهتهم التي يدعون من دون الله التي لا تقدر على خلق ذباب، ولا على الامتناع عن الذباب.
* *
ثم قال: ﴿ٱللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ ٱلْمَلاَئِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ ٱلنَّاسِ﴾.
أي: الله يختار من الملائكة رسلاً يرسلهم إلى من يشاء من خلقه، كجبريل وميكائيل صلى الله عليهما وسلم. ومن الناس، أي: يختار من شاء من الناس رسلاً يرسلهم إلى خلقه.
ويقال: إن هذه الآية جواب لقول المشركين، ﴿أَءُنزِلَ عَلَيْهِ ٱلذِّكْرُ مِن بَيْنِنَا﴾ [ص: ٨] فأنزل الله تعالى: ﴿ٱللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ ٱلْمَلاَئِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ ٱلنَّاسِ﴾ أي: ذلك إليه، يفعل ما يشاء، لا معقب لحكمه.
* *
ثم قال: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ﴾ أي: يسمع ما يقول المشركون في محمد ﷺ، وما جاء به وغير ذلك من كلامهم وسرهم، ﴿بَصِيرٌ﴾ بمن يختاره لرسالته.
* *
ثم قال تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾.
أي: ما بين أيدي ملائكته ورسله من قبل أن يخلقهم ﴿وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ أي: وما هو كائن بعد فنائهم. ﴿وَإِلَى ٱللَّهِ تُرْجَعُ ٱلأُمُورُ﴾ أي: إلى الله ترد أمور الدنيا والآخرة.
* *
ثم قال: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱرْكَعُواْ وَٱسْجُدُواْ وَاعْبُدُواْ رَبَّكُمْ﴾.
أي: يا أيها الذين صدقوا الله ورسله وكتبه، اركعوا واسجدوا في صلاتكم، ﴿وَاعْبُدُواْ رَبَّكُمْ﴾، أي: ذلوا له واخضعوا بالطاعة ﴿وَٱفْعَلُواْ ٱلْخَيْرَ﴾ الذي أمركم بفعله ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ أي: تدركون طلباتكم عند ربكم.
وقال الطبري: لعل هنا بمعنى كي، وهي عند غيره على معنى، الرجاء و "لعل" من الله واجبة. ومذهب أهل المدينة، مالك وغيره أن لا يسجد في آخر هذه السورة، وإنما فيها سجدة واحدة عند قوله يفعل ما يشاء.
ورأي جماعة من الفقهاء، السجود في آخر السورة.
وروي عن ابن عباس أنه قال: فضلت سورة الحج بسجدتين على سائر القرآن.
وعن عمر أنه سجد في آخرها.
وعن ابن عباس وابن عمر أنهما لم يعدا الثانية في سجود القرآن.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَجَاهِدُوا فِي ٱللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ﴾.
أي: جاهدوا المشركين حق الجهاد. قاله: ابن عباس.
وعن ابن عباس: أن المعنى: لا تخافوا في الله لومة لائم، فذلك حق جهاده.
وعن النبي ﷺ أنه قال: "المجاهد من جاهد نفسه لله عز وجل
وعنه أنه قال: أفضل الجهاد، كلمة عدل عند سلطان جائر، ومعنى: "حق جهاده" هو استفراغ الطاقة. يقول الله تعالى: ﴿فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ مَا ٱسْتَطَعْتُمْ﴾ . وأكثر الناس على أنه غير منسوخ وواجب على كل مسلم أن يجاهد في الله حق جهاده على قدر استطاعته ويكون قوله: ﴿فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ مَا ٱسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦] بياناً لهذا وليس بناسخ له.
قوله تعالى ذكره: ﴿هُوَ ٱجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي ٱلدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ إلى آخر السورة.
أي: هو اختاركم لدينه، واصطفاكم لحرب أعدائه.
وقال ابن زيد: "هو اجتباكم" أي: هَدَاكم. ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي ٱلدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ أي: من ضيق لا مخرج لكم منه، بل وسع عليكم، فجعل التوبة من بعض مخرجاً، والكفارة من بعض، والقصاص من بعض. فلا ذنب يذنبه المؤمن إلا وله في دين الإسلام منه مخرج، هذا معنى قول ابن عباس.
وقد سألت عائشة رضي الله عنها النبي ﷺ عن ذلك فقال: هو الضيق. يعني أن الحرج: الضيق.
وقيل: معناه، أن الله جعل للمؤمنين مكان كل شي يثقل في وقت ما هو أخف منه، فجعل للصائم الإفطار في السفر، وتقصير الصلاة وللمصلي إذا لم يطق القيام أن يصلي قاعداً، أو أن يتزوج أربعاً وما شاء من ملك اليمين.
وعن ابن عباس أنه قال: هذا في شهر رمضان إذا شك فيه الناس، وفي الحج إذا شك في الهلال، وفي الفطر والأضحى إذا التبس عليكم استهلاله.
وعن ابن عباس أيضاً أن معناه: وما جعل عليكم في الإسلام من ضيق بل وسعه عليكم، وهو قول الضحاك.
وقال ابن عباس: وسع الله في الدين ولم يضيقه فبسط التوبة، وجعل الكفارات مخرجاً.
* *
ثم قال تعالى: ﴿مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ ٱلْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ﴾ اختلف في "هو" فقيل: ضمير الله جلّ ذكره. وقيل ضمير إبراهيم ﷺ أي: الله سماكم المسلمين، هذا قول: قتادة والضحاك ومجاهد.
وقيل: المعنى: إبراهيم سماكم المسلمين، وهو قول الحسن وابن زيد لأن إبراهيم عليه السلام قال: ﴿رَبَّنَا وَٱجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَآ أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ﴾. وهذا القول يضعفه قوله من قبل. وفي هذا، فيكون إبراهيم سمانا مسلمين من قبل القرآن وفي القرآن، والقرآن إنما نزل بعد إبراهيم، فهذا بعيد، وإنما يجوز قول ابن زيد والحسن على معنى، إبراهيم سماكم المسلمين فيما تقدم وفي هذا، أي: وفي حكمه أن من اتبع محمداً موحد. والأحسن أن يكون الله سمانا بذلك، من قبل القرآن، وفي الكتب المتقدمة وفي القرآن.
قال مجاهد سماكم الله مسلمين في الكتب كلها، وفي الذكر، وفي هذا القرآن. وكل من آمن بنبيه من الأمم الماضية، فإنما سميت بالإيمان ولم يسم بالإيمان والإسلام غير هذه الأمة.
* *
ثم قال: ﴿لِيَكُونَ ٱلرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ﴾. أي: اجتباكم وسماكم مسلمين ليكون محمد شهيداً عليكم يوم القيامة، لأنه قد بلغكم ما أرسل به إليكم، وتكونوا أنتم حينئذٍ شهداء على الرسل أجمعين أنهم قد بلغوا أمتهم ما أرسلوا به إليهم.
قال قتادة: أعطيت هذه الأمة ما لم يعطه إلا نبي كان. يقال للنبي: اذهب فليس عليك حرج، وكان يقال للنبي: إنك شهيد على قومك. وقال الله: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي ٱلدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾، وقال: "لتكونوا شهداء على الناس" وكان يقال للنبي: سل تعطه، وقال الله جلّ ذكره: ادعوني أستجب لكم.
* *
ثم قال: ﴿فَأَقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ وَآتُواْ ٱلزَّكَـاةَ﴾. أي: أقيموها بحدودها في أوقاتها، وآتوا الزكاة الواجبة عليكم.
* *
ثم قال: ﴿وَٱعْتَصِمُواْ بِٱللَّهِ هُوَ مَوْلاَكُمْ﴾ أي: ثقوا بالله وامتنعوا به من عدوكم، وتوكلوا عليه في أموركم، ﴿فَنِعْمَ ٱلْمَوْلَىٰ﴾ هو لمن فعل ذلك منكم ﴿وَنِعْمَ ٱلنَّصِيرُ﴾، أي: نعم الناصر هو على من بغاه بسوء.
* *
وقوله: ﴿مِنْ حَرَجٍ﴾ وقف، إن نصبت ملة، بمعنى اتبعوا ملة فإن نصبته على قول الفراء على معنى كَـ "مِلّةِ" إبراهيم لم تقف على "حرج" ويلزم الفراء في النصب عند عدم الكاف أن يقول زيد الأسد، فينصب الأسد، لأن المعنى، زيد كالأسد، وهذا لا يجوز عند أحد. "إبراهيم" وقف، إن جعلت "هو" من ذكر الله جلّ ثناؤه، وهو مذهب نافع ويعقوب وغيرهما. وإن جعلت "هو" من ذكر إبراهيم لم تقف على "إبراهيم"، وكان التمام "وفي هذا" إن جعلت اللام من لتكون متعلقة بفعل مضمر، فإن جعلتها متعلقة بـ: "اجتباكم" و "سماكم" لم يكن التمام إلا على الناس.
الحج 22:75
قوله تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ﴾ إلى قوله: ﴿حَقَّ جِهَادِهِ﴾.
أي: وإذا تتلى على المشركين آيات القرآن واضحات حججها وأدلتها، ﴿تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلْمُنْكَرَ﴾، أي: تتبين في وجوههم ما ينكره أهل الإيمان بالله من تغيرها بسماعهم القرآن.
* *
﴿يَكَادُونَ يَسْطُونَ﴾.
أي: يبطشون بالذين يتلون عليهم كتاب الله من أصحاب النبي ﷺ، وذلك لشدة كراهيتهم أن يسمعوا القرآن ويتلى عليهم.
قال الضحاك: ﴿يَكَادُونَ يَسْطُونَ﴾ أي: يأخذون المؤمنين بأيديهم أخذاً.
والسطو في اللغة: البطش.
وروى أحمد عن قالون والأعشى عن أبي بكر "يصطون" بالصاد من أجل الطاء.
* *
ثم قال: ﴿قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُم بِشَرٍّ مِّن ذٰلِكُمُ ٱلنَّارُ﴾.
أي: قل يا محمد للمشركين أفأنبئكم بشر مما تكرهونه من قراءة القرآن عليكم؟ فقالوا: ما هو فقيل لهم: النار، أي هي النار، وعدها الله الذين كفروا، أي: وعدكم وأمثالكم من الكفار إياها.
وروي: أن المشركين قالوا محمد وأصحابه شر خلق، فقال الله تعالى: قل لهم يا محمد أفأنبئكم بشر من محمد وأصحابه على قولكم وزعمكم، أهل النار فهم أنتم شرار خلق الله تعالى لا محمد وأصحابه.
* *
وقوله: ﴿وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ﴾ أي: وبيس المكان الذي يصير إليه هؤلاء المشركون يوم القيامة.
ثم قال تعالى ذكره: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَٱسْتَمِعُواْ لَهُ إِنَّ ٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ لَن يَخْلُقُواْ ذُبَاباً وَلَوِ ٱجْتَمَعُواْ لَهُ﴾.
﴿ضُرِبَ﴾ هنا بمعنى: جعل: من قولهم: ضربت الجزية على النصارى، أي: جعلت. وضرب السلطان الخراج على الناس.
أي: جعل، "والمثل" الشبه الذي جعلوه لله من الأصنام.
فالمعنى: يا أيها الناس جعل شبه لي في عبادتي، يعني: الأصنام التي جعلوها شبهاً لله فعبدوها.
ثم قال: فاستمعوا الخبر هذا الذي جعل شبهاً لي. ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ﴾ من الأصنام والأوثان، لن يخلقوا ذباباً، على صغر الذباب ولطفه، ولو أن الأصنام اجتمعت كلها لم تخلق ذلك ولا استطاعته، على أن الذباب واحد وهي كثيرة. وأن يسلبهم هذا الذباب على ضعفه وكثرتها شيئاً مما عليها من طيب وغيره، لا يقدرون بجماعتهم على استنقاذ ذلك الشيء من الذباب الضعيف.
روي أنهم كانوا يطلون آلهتهم بالزعفران، فكانت الذباب تختلس الزعفران، فلا تقدر الأصنام - وهي آلهة لهم - على استنقاذ ما تأخذ الذباب منها.
* *
ثم قال: ﴿ضَعُفَ ٱلطَّالِبُ وَٱلْمَطْلُوبُ﴾.
أي: ضعفت الآلهة عن طلب ما أخذ الذباب منها، وضعف الذباب، قاله: ابن عباس.
وقيل: المعنى: ضعف الطالب من بني آدم إلى الصنم حاجته، والمطلوب إليه أن يعطي سائله من بني آدم ما سأله - فهذا توبيخ من الله لقريش وتنبيه، ومعناه: كيف تجعلون الله في العبادة مثل ما لا يقدر على خلق ذباب. ﴿وَإِن يَسْلُبْهُمُ ٱلذُّبَابُ شَيْئاً﴾ لم يمتنع ولا انتصر، والله خالق من في السماوات والأرض. ومالك جميع ذلك، والمحيي جميع ذلك والمفني لهم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿مَا قَدَرُواْ ٱللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾.
أي: ما عظموه في العبادة حق عظمته حين عدلوا به من يضعف عن الامتناع من أذى الذباب. هذا معنى قول ابن زيد.
وقد قال قوم: قوله تعالى: ضرب مثل، فأين المثل، ليس في الآية مثل والمعنى فيه على ما قدمنا أن معناه، ضربتم لي مثلاً، أي جعلتم لي شبهاً ونداً. كما قال:
﴿وَجَعَلُواْ للَّهِ أَندَاداً﴾ [إبراهيم: ٣٠] ﴿فَٱسْتَمِعُواْ لَهُ﴾ أي: فاستمعوا جواب ما ضربتموه شبهاً لله ونداً، فالضرب إنما هو للمشركين الذين عدلوا الله بالأصنام، فخبرنا الله تعالى عن ضعف الشبه والند الذي جعلوه له.
قال الكلبي: كانوا يعمدون إلى المسك والزعفران، فيسحقونهما جميعاً، وهو عطر العرب ويطلون بهما الأصنام، فإذا يبس تشقق فربما وقع عليه الذباب فيأخذ منه، فكان يشتد عليهم.
* *
ثم قال: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾.
أي: قوي على خلق ما يشاء من صغير وكبير، "عزيز" أي: منيع في ملكه، لا يقدر أحد أن يسلبه من ملكه شيئاً، وليس كآلهتهم التي يدعون من دون الله التي لا تقدر على خلق ذباب، ولا على الامتناع عن الذباب.
* *
ثم قال: ﴿ٱللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ ٱلْمَلاَئِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ ٱلنَّاسِ﴾.
أي: الله يختار من الملائكة رسلاً يرسلهم إلى من يشاء من خلقه، كجبريل وميكائيل صلى الله عليهما وسلم. ومن الناس، أي: يختار من شاء من الناس رسلاً يرسلهم إلى خلقه.
ويقال: إن هذه الآية جواب لقول المشركين، ﴿أَءُنزِلَ عَلَيْهِ ٱلذِّكْرُ مِن بَيْنِنَا﴾ [ص: ٨] فأنزل الله تعالى: ﴿ٱللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ ٱلْمَلاَئِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ ٱلنَّاسِ﴾ أي: ذلك إليه، يفعل ما يشاء، لا معقب لحكمه.
* *
ثم قال: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ﴾ أي: يسمع ما يقول المشركون في محمد ﷺ، وما جاء به وغير ذلك من كلامهم وسرهم، ﴿بَصِيرٌ﴾ بمن يختاره لرسالته.
* *
ثم قال تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾.
أي: ما بين أيدي ملائكته ورسله من قبل أن يخلقهم ﴿وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ أي: وما هو كائن بعد فنائهم. ﴿وَإِلَى ٱللَّهِ تُرْجَعُ ٱلأُمُورُ﴾ أي: إلى الله ترد أمور الدنيا والآخرة.
* *
ثم قال: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱرْكَعُواْ وَٱسْجُدُواْ وَاعْبُدُواْ رَبَّكُمْ﴾.
أي: يا أيها الذين صدقوا الله ورسله وكتبه، اركعوا واسجدوا في صلاتكم، ﴿وَاعْبُدُواْ رَبَّكُمْ﴾، أي: ذلوا له واخضعوا بالطاعة ﴿وَٱفْعَلُواْ ٱلْخَيْرَ﴾ الذي أمركم بفعله ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ أي: تدركون طلباتكم عند ربكم.
وقال الطبري: لعل هنا بمعنى كي، وهي عند غيره على معنى، الرجاء و "لعل" من الله واجبة. ومذهب أهل المدينة، مالك وغيره أن لا يسجد في آخر هذه السورة، وإنما فيها سجدة واحدة عند قوله يفعل ما يشاء.
ورأي جماعة من الفقهاء، السجود في آخر السورة.
وروي عن ابن عباس أنه قال: فضلت سورة الحج بسجدتين على سائر القرآن.
وعن عمر أنه سجد في آخرها.
وعن ابن عباس وابن عمر أنهما لم يعدا الثانية في سجود القرآن.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَجَاهِدُوا فِي ٱللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ﴾.
أي: جاهدوا المشركين حق الجهاد. قاله: ابن عباس.
وعن ابن عباس: أن المعنى: لا تخافوا في الله لومة لائم، فذلك حق جهاده.
وعن النبي ﷺ أنه قال: "المجاهد من جاهد نفسه لله عز وجل
وعنه أنه قال: أفضل الجهاد، كلمة عدل عند سلطان جائر، ومعنى: "حق جهاده" هو استفراغ الطاقة. يقول الله تعالى: ﴿فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ مَا ٱسْتَطَعْتُمْ﴾ . وأكثر الناس على أنه غير منسوخ وواجب على كل مسلم أن يجاهد في الله حق جهاده على قدر استطاعته ويكون قوله: ﴿فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ مَا ٱسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦] بياناً لهذا وليس بناسخ له.
قوله تعالى ذكره: ﴿هُوَ ٱجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي ٱلدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ إلى آخر السورة.
أي: هو اختاركم لدينه، واصطفاكم لحرب أعدائه.
وقال ابن زيد: "هو اجتباكم" أي: هَدَاكم. ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي ٱلدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ أي: من ضيق لا مخرج لكم منه، بل وسع عليكم، فجعل التوبة من بعض مخرجاً، والكفارة من بعض، والقصاص من بعض. فلا ذنب يذنبه المؤمن إلا وله في دين الإسلام منه مخرج، هذا معنى قول ابن عباس.
وقد سألت عائشة رضي الله عنها النبي ﷺ عن ذلك فقال: هو الضيق. يعني أن الحرج: الضيق.
وقيل: معناه، أن الله جعل للمؤمنين مكان كل شي يثقل في وقت ما هو أخف منه، فجعل للصائم الإفطار في السفر، وتقصير الصلاة وللمصلي إذا لم يطق القيام أن يصلي قاعداً، أو أن يتزوج أربعاً وما شاء من ملك اليمين.
وعن ابن عباس أنه قال: هذا في شهر رمضان إذا شك فيه الناس، وفي الحج إذا شك في الهلال، وفي الفطر والأضحى إذا التبس عليكم استهلاله.
وعن ابن عباس أيضاً أن معناه: وما جعل عليكم في الإسلام من ضيق بل وسعه عليكم، وهو قول الضحاك.
وقال ابن عباس: وسع الله في الدين ولم يضيقه فبسط التوبة، وجعل الكفارات مخرجاً.
* *
ثم قال تعالى: ﴿مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ ٱلْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ﴾ اختلف في "هو" فقيل: ضمير الله جلّ ذكره. وقيل ضمير إبراهيم ﷺ أي: الله سماكم المسلمين، هذا قول: قتادة والضحاك ومجاهد.
وقيل: المعنى: إبراهيم سماكم المسلمين، وهو قول الحسن وابن زيد لأن إبراهيم عليه السلام قال: ﴿رَبَّنَا وَٱجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَآ أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ﴾. وهذا القول يضعفه قوله من قبل. وفي هذا، فيكون إبراهيم سمانا مسلمين من قبل القرآن وفي القرآن، والقرآن إنما نزل بعد إبراهيم، فهذا بعيد، وإنما يجوز قول ابن زيد والحسن على معنى، إبراهيم سماكم المسلمين فيما تقدم وفي هذا، أي: وفي حكمه أن من اتبع محمداً موحد. والأحسن أن يكون الله سمانا بذلك، من قبل القرآن، وفي الكتب المتقدمة وفي القرآن.
قال مجاهد سماكم الله مسلمين في الكتب كلها، وفي الذكر، وفي هذا القرآن. وكل من آمن بنبيه من الأمم الماضية، فإنما سميت بالإيمان ولم يسم بالإيمان والإسلام غير هذه الأمة.
* *
ثم قال: ﴿لِيَكُونَ ٱلرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ﴾. أي: اجتباكم وسماكم مسلمين ليكون محمد شهيداً عليكم يوم القيامة، لأنه قد بلغكم ما أرسل به إليكم، وتكونوا أنتم حينئذٍ شهداء على الرسل أجمعين أنهم قد بلغوا أمتهم ما أرسلوا به إليهم.
قال قتادة: أعطيت هذه الأمة ما لم يعطه إلا نبي كان. يقال للنبي: اذهب فليس عليك حرج، وكان يقال للنبي: إنك شهيد على قومك. وقال الله: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي ٱلدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾، وقال: "لتكونوا شهداء على الناس" وكان يقال للنبي: سل تعطه، وقال الله جلّ ذكره: ادعوني أستجب لكم.
* *
ثم قال: ﴿فَأَقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ وَآتُواْ ٱلزَّكَـاةَ﴾. أي: أقيموها بحدودها في أوقاتها، وآتوا الزكاة الواجبة عليكم.
* *
ثم قال: ﴿وَٱعْتَصِمُواْ بِٱللَّهِ هُوَ مَوْلاَكُمْ﴾ أي: ثقوا بالله وامتنعوا به من عدوكم، وتوكلوا عليه في أموركم، ﴿فَنِعْمَ ٱلْمَوْلَىٰ﴾ هو لمن فعل ذلك منكم ﴿وَنِعْمَ ٱلنَّصِيرُ﴾، أي: نعم الناصر هو على من بغاه بسوء.
* *
وقوله: ﴿مِنْ حَرَجٍ﴾ وقف، إن نصبت ملة، بمعنى اتبعوا ملة فإن نصبته على قول الفراء على معنى كَـ "مِلّةِ" إبراهيم لم تقف على "حرج" ويلزم الفراء في النصب عند عدم الكاف أن يقول زيد الأسد، فينصب الأسد، لأن المعنى، زيد كالأسد، وهذا لا يجوز عند أحد. "إبراهيم" وقف، إن جعلت "هو" من ذكر الله جلّ ثناؤه، وهو مذهب نافع ويعقوب وغيرهما. وإن جعلت "هو" من ذكر إبراهيم لم تقف على "إبراهيم"، وكان التمام "وفي هذا" إن جعلت اللام من لتكون متعلقة بفعل مضمر، فإن جعلتها متعلقة بـ: "اجتباكم" و "سماكم" لم يكن التمام إلا على الناس.
الحج 22:76
قوله تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ﴾ إلى قوله: ﴿حَقَّ جِهَادِهِ﴾.
أي: وإذا تتلى على المشركين آيات القرآن واضحات حججها وأدلتها، ﴿تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلْمُنْكَرَ﴾، أي: تتبين في وجوههم ما ينكره أهل الإيمان بالله من تغيرها بسماعهم القرآن.
* *
﴿يَكَادُونَ يَسْطُونَ﴾.
أي: يبطشون بالذين يتلون عليهم كتاب الله من أصحاب النبي ﷺ، وذلك لشدة كراهيتهم أن يسمعوا القرآن ويتلى عليهم.
قال الضحاك: ﴿يَكَادُونَ يَسْطُونَ﴾ أي: يأخذون المؤمنين بأيديهم أخذاً.
والسطو في اللغة: البطش.
وروى أحمد عن قالون والأعشى عن أبي بكر "يصطون" بالصاد من أجل الطاء.
* *
ثم قال: ﴿قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُم بِشَرٍّ مِّن ذٰلِكُمُ ٱلنَّارُ﴾.
أي: قل يا محمد للمشركين أفأنبئكم بشر مما تكرهونه من قراءة القرآن عليكم؟ فقالوا: ما هو فقيل لهم: النار، أي هي النار، وعدها الله الذين كفروا، أي: وعدكم وأمثالكم من الكفار إياها.
وروي: أن المشركين قالوا محمد وأصحابه شر خلق، فقال الله تعالى: قل لهم يا محمد أفأنبئكم بشر من محمد وأصحابه على قولكم وزعمكم، أهل النار فهم أنتم شرار خلق الله تعالى لا محمد وأصحابه.
* *
وقوله: ﴿وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ﴾ أي: وبيس المكان الذي يصير إليه هؤلاء المشركون يوم القيامة.
ثم قال تعالى ذكره: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَٱسْتَمِعُواْ لَهُ إِنَّ ٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ لَن يَخْلُقُواْ ذُبَاباً وَلَوِ ٱجْتَمَعُواْ لَهُ﴾.
﴿ضُرِبَ﴾ هنا بمعنى: جعل: من قولهم: ضربت الجزية على النصارى، أي: جعلت. وضرب السلطان الخراج على الناس.
أي: جعل، "والمثل" الشبه الذي جعلوه لله من الأصنام.
فالمعنى: يا أيها الناس جعل شبه لي في عبادتي، يعني: الأصنام التي جعلوها شبهاً لله فعبدوها.
ثم قال: فاستمعوا الخبر هذا الذي جعل شبهاً لي. ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ﴾ من الأصنام والأوثان، لن يخلقوا ذباباً، على صغر الذباب ولطفه، ولو أن الأصنام اجتمعت كلها لم تخلق ذلك ولا استطاعته، على أن الذباب واحد وهي كثيرة. وأن يسلبهم هذا الذباب على ضعفه وكثرتها شيئاً مما عليها من طيب وغيره، لا يقدرون بجماعتهم على استنقاذ ذلك الشيء من الذباب الضعيف.
روي أنهم كانوا يطلون آلهتهم بالزعفران، فكانت الذباب تختلس الزعفران، فلا تقدر الأصنام - وهي آلهة لهم - على استنقاذ ما تأخذ الذباب منها.
* *
ثم قال: ﴿ضَعُفَ ٱلطَّالِبُ وَٱلْمَطْلُوبُ﴾.
أي: ضعفت الآلهة عن طلب ما أخذ الذباب منها، وضعف الذباب، قاله: ابن عباس.
وقيل: المعنى: ضعف الطالب من بني آدم إلى الصنم حاجته، والمطلوب إليه أن يعطي سائله من بني آدم ما سأله - فهذا توبيخ من الله لقريش وتنبيه، ومعناه: كيف تجعلون الله في العبادة مثل ما لا يقدر على خلق ذباب. ﴿وَإِن يَسْلُبْهُمُ ٱلذُّبَابُ شَيْئاً﴾ لم يمتنع ولا انتصر، والله خالق من في السماوات والأرض. ومالك جميع ذلك، والمحيي جميع ذلك والمفني لهم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿مَا قَدَرُواْ ٱللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾.
أي: ما عظموه في العبادة حق عظمته حين عدلوا به من يضعف عن الامتناع من أذى الذباب. هذا معنى قول ابن زيد.
وقد قال قوم: قوله تعالى: ضرب مثل، فأين المثل، ليس في الآية مثل والمعنى فيه على ما قدمنا أن معناه، ضربتم لي مثلاً، أي جعلتم لي شبهاً ونداً. كما قال:
﴿وَجَعَلُواْ للَّهِ أَندَاداً﴾ [إبراهيم: ٣٠] ﴿فَٱسْتَمِعُواْ لَهُ﴾ أي: فاستمعوا جواب ما ضربتموه شبهاً لله ونداً، فالضرب إنما هو للمشركين الذين عدلوا الله بالأصنام، فخبرنا الله تعالى عن ضعف الشبه والند الذي جعلوه له.
قال الكلبي: كانوا يعمدون إلى المسك والزعفران، فيسحقونهما جميعاً، وهو عطر العرب ويطلون بهما الأصنام، فإذا يبس تشقق فربما وقع عليه الذباب فيأخذ منه، فكان يشتد عليهم.
* *
ثم قال: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾.
أي: قوي على خلق ما يشاء من صغير وكبير، "عزيز" أي: منيع في ملكه، لا يقدر أحد أن يسلبه من ملكه شيئاً، وليس كآلهتهم التي يدعون من دون الله التي لا تقدر على خلق ذباب، ولا على الامتناع عن الذباب.
* *
ثم قال: ﴿ٱللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ ٱلْمَلاَئِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ ٱلنَّاسِ﴾.
أي: الله يختار من الملائكة رسلاً يرسلهم إلى من يشاء من خلقه، كجبريل وميكائيل صلى الله عليهما وسلم. ومن الناس، أي: يختار من شاء من الناس رسلاً يرسلهم إلى خلقه.
ويقال: إن هذه الآية جواب لقول المشركين، ﴿أَءُنزِلَ عَلَيْهِ ٱلذِّكْرُ مِن بَيْنِنَا﴾ [ص: ٨] فأنزل الله تعالى: ﴿ٱللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ ٱلْمَلاَئِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ ٱلنَّاسِ﴾ أي: ذلك إليه، يفعل ما يشاء، لا معقب لحكمه.
* *
ثم قال: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ﴾ أي: يسمع ما يقول المشركون في محمد ﷺ، وما جاء به وغير ذلك من كلامهم وسرهم، ﴿بَصِيرٌ﴾ بمن يختاره لرسالته.
* *
ثم قال تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾.
أي: ما بين أيدي ملائكته ورسله من قبل أن يخلقهم ﴿وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ أي: وما هو كائن بعد فنائهم. ﴿وَإِلَى ٱللَّهِ تُرْجَعُ ٱلأُمُورُ﴾ أي: إلى الله ترد أمور الدنيا والآخرة.
* *
ثم قال: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱرْكَعُواْ وَٱسْجُدُواْ وَاعْبُدُواْ رَبَّكُمْ﴾.
أي: يا أيها الذين صدقوا الله ورسله وكتبه، اركعوا واسجدوا في صلاتكم، ﴿وَاعْبُدُواْ رَبَّكُمْ﴾، أي: ذلوا له واخضعوا بالطاعة ﴿وَٱفْعَلُواْ ٱلْخَيْرَ﴾ الذي أمركم بفعله ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ أي: تدركون طلباتكم عند ربكم.
وقال الطبري: لعل هنا بمعنى كي، وهي عند غيره على معنى، الرجاء و "لعل" من الله واجبة. ومذهب أهل المدينة، مالك وغيره أن لا يسجد في آخر هذه السورة، وإنما فيها سجدة واحدة عند قوله يفعل ما يشاء.
ورأي جماعة من الفقهاء، السجود في آخر السورة.
وروي عن ابن عباس أنه قال: فضلت سورة الحج بسجدتين على سائر القرآن.
وعن عمر أنه سجد في آخرها.
وعن ابن عباس وابن عمر أنهما لم يعدا الثانية في سجود القرآن.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَجَاهِدُوا فِي ٱللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ﴾.
أي: جاهدوا المشركين حق الجهاد. قاله: ابن عباس.
وعن ابن عباس: أن المعنى: لا تخافوا في الله لومة لائم، فذلك حق جهاده.
وعن النبي ﷺ أنه قال: "المجاهد من جاهد نفسه لله عز وجل
وعنه أنه قال: أفضل الجهاد، كلمة عدل عند سلطان جائر، ومعنى: "حق جهاده" هو استفراغ الطاقة. يقول الله تعالى: ﴿فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ مَا ٱسْتَطَعْتُمْ﴾ . وأكثر الناس على أنه غير منسوخ وواجب على كل مسلم أن يجاهد في الله حق جهاده على قدر استطاعته ويكون قوله: ﴿فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ مَا ٱسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦] بياناً لهذا وليس بناسخ له.
قوله تعالى ذكره: ﴿هُوَ ٱجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي ٱلدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ إلى آخر السورة.
أي: هو اختاركم لدينه، واصطفاكم لحرب أعدائه.
وقال ابن زيد: "هو اجتباكم" أي: هَدَاكم. ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي ٱلدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ أي: من ضيق لا مخرج لكم منه، بل وسع عليكم، فجعل التوبة من بعض مخرجاً، والكفارة من بعض، والقصاص من بعض. فلا ذنب يذنبه المؤمن إلا وله في دين الإسلام منه مخرج، هذا معنى قول ابن عباس.
وقد سألت عائشة رضي الله عنها النبي ﷺ عن ذلك فقال: هو الضيق. يعني أن الحرج: الضيق.
وقيل: معناه، أن الله جعل للمؤمنين مكان كل شي يثقل في وقت ما هو أخف منه، فجعل للصائم الإفطار في السفر، وتقصير الصلاة وللمصلي إذا لم يطق القيام أن يصلي قاعداً، أو أن يتزوج أربعاً وما شاء من ملك اليمين.
وعن ابن عباس أنه قال: هذا في شهر رمضان إذا شك فيه الناس، وفي الحج إذا شك في الهلال، وفي الفطر والأضحى إذا التبس عليكم استهلاله.
وعن ابن عباس أيضاً أن معناه: وما جعل عليكم في الإسلام من ضيق بل وسعه عليكم، وهو قول الضحاك.
وقال ابن عباس: وسع الله في الدين ولم يضيقه فبسط التوبة، وجعل الكفارات مخرجاً.
* *
ثم قال تعالى: ﴿مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ ٱلْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ﴾ اختلف في "هو" فقيل: ضمير الله جلّ ذكره. وقيل ضمير إبراهيم ﷺ أي: الله سماكم المسلمين، هذا قول: قتادة والضحاك ومجاهد.
وقيل: المعنى: إبراهيم سماكم المسلمين، وهو قول الحسن وابن زيد لأن إبراهيم عليه السلام قال: ﴿رَبَّنَا وَٱجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَآ أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ﴾. وهذا القول يضعفه قوله من قبل. وفي هذا، فيكون إبراهيم سمانا مسلمين من قبل القرآن وفي القرآن، والقرآن إنما نزل بعد إبراهيم، فهذا بعيد، وإنما يجوز قول ابن زيد والحسن على معنى، إبراهيم سماكم المسلمين فيما تقدم وفي هذا، أي: وفي حكمه أن من اتبع محمداً موحد. والأحسن أن يكون الله سمانا بذلك، من قبل القرآن، وفي الكتب المتقدمة وفي القرآن.
قال مجاهد سماكم الله مسلمين في الكتب كلها، وفي الذكر، وفي هذا القرآن. وكل من آمن بنبيه من الأمم الماضية، فإنما سميت بالإيمان ولم يسم بالإيمان والإسلام غير هذه الأمة.
* *
ثم قال: ﴿لِيَكُونَ ٱلرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ﴾. أي: اجتباكم وسماكم مسلمين ليكون محمد شهيداً عليكم يوم القيامة، لأنه قد بلغكم ما أرسل به إليكم، وتكونوا أنتم حينئذٍ شهداء على الرسل أجمعين أنهم قد بلغوا أمتهم ما أرسلوا به إليهم.
قال قتادة: أعطيت هذه الأمة ما لم يعطه إلا نبي كان. يقال للنبي: اذهب فليس عليك حرج، وكان يقال للنبي: إنك شهيد على قومك. وقال الله: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي ٱلدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾، وقال: "لتكونوا شهداء على الناس" وكان يقال للنبي: سل تعطه، وقال الله جلّ ذكره: ادعوني أستجب لكم.
* *
ثم قال: ﴿فَأَقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ وَآتُواْ ٱلزَّكَـاةَ﴾. أي: أقيموها بحدودها في أوقاتها، وآتوا الزكاة الواجبة عليكم.
* *
ثم قال: ﴿وَٱعْتَصِمُواْ بِٱللَّهِ هُوَ مَوْلاَكُمْ﴾ أي: ثقوا بالله وامتنعوا به من عدوكم، وتوكلوا عليه في أموركم، ﴿فَنِعْمَ ٱلْمَوْلَىٰ﴾ هو لمن فعل ذلك منكم ﴿وَنِعْمَ ٱلنَّصِيرُ﴾، أي: نعم الناصر هو على من بغاه بسوء.
* *
وقوله: ﴿مِنْ حَرَجٍ﴾ وقف، إن نصبت ملة، بمعنى اتبعوا ملة فإن نصبته على قول الفراء على معنى كَـ "مِلّةِ" إبراهيم لم تقف على "حرج" ويلزم الفراء في النصب عند عدم الكاف أن يقول زيد الأسد، فينصب الأسد، لأن المعنى، زيد كالأسد، وهذا لا يجوز عند أحد. "إبراهيم" وقف، إن جعلت "هو" من ذكر الله جلّ ثناؤه، وهو مذهب نافع ويعقوب وغيرهما. وإن جعلت "هو" من ذكر إبراهيم لم تقف على "إبراهيم"، وكان التمام "وفي هذا" إن جعلت اللام من لتكون متعلقة بفعل مضمر، فإن جعلتها متعلقة بـ: "اجتباكم" و "سماكم" لم يكن التمام إلا على الناس.
الحج 22:77
قوله تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ﴾ إلى قوله: ﴿حَقَّ جِهَادِهِ﴾.
أي: وإذا تتلى على المشركين آيات القرآن واضحات حججها وأدلتها، ﴿تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلْمُنْكَرَ﴾، أي: تتبين في وجوههم ما ينكره أهل الإيمان بالله من تغيرها بسماعهم القرآن.
* *
﴿يَكَادُونَ يَسْطُونَ﴾.
أي: يبطشون بالذين يتلون عليهم كتاب الله من أصحاب النبي ﷺ، وذلك لشدة كراهيتهم أن يسمعوا القرآن ويتلى عليهم.
قال الضحاك: ﴿يَكَادُونَ يَسْطُونَ﴾ أي: يأخذون المؤمنين بأيديهم أخذاً.
والسطو في اللغة: البطش.
وروى أحمد عن قالون والأعشى عن أبي بكر "يصطون" بالصاد من أجل الطاء.
* *
ثم قال: ﴿قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُم بِشَرٍّ مِّن ذٰلِكُمُ ٱلنَّارُ﴾.
أي: قل يا محمد للمشركين أفأنبئكم بشر مما تكرهونه من قراءة القرآن عليكم؟ فقالوا: ما هو فقيل لهم: النار، أي هي النار، وعدها الله الذين كفروا، أي: وعدكم وأمثالكم من الكفار إياها.
وروي: أن المشركين قالوا محمد وأصحابه شر خلق، فقال الله تعالى: قل لهم يا محمد أفأنبئكم بشر من محمد وأصحابه على قولكم وزعمكم، أهل النار فهم أنتم شرار خلق الله تعالى لا محمد وأصحابه.
* *
وقوله: ﴿وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ﴾ أي: وبيس المكان الذي يصير إليه هؤلاء المشركون يوم القيامة.
ثم قال تعالى ذكره: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَٱسْتَمِعُواْ لَهُ إِنَّ ٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ لَن يَخْلُقُواْ ذُبَاباً وَلَوِ ٱجْتَمَعُواْ لَهُ﴾.
﴿ضُرِبَ﴾ هنا بمعنى: جعل: من قولهم: ضربت الجزية على النصارى، أي: جعلت. وضرب السلطان الخراج على الناس.
أي: جعل، "والمثل" الشبه الذي جعلوه لله من الأصنام.
فالمعنى: يا أيها الناس جعل شبه لي في عبادتي، يعني: الأصنام التي جعلوها شبهاً لله فعبدوها.
ثم قال: فاستمعوا الخبر هذا الذي جعل شبهاً لي. ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ﴾ من الأصنام والأوثان، لن يخلقوا ذباباً، على صغر الذباب ولطفه، ولو أن الأصنام اجتمعت كلها لم تخلق ذلك ولا استطاعته، على أن الذباب واحد وهي كثيرة. وأن يسلبهم هذا الذباب على ضعفه وكثرتها شيئاً مما عليها من طيب وغيره، لا يقدرون بجماعتهم على استنقاذ ذلك الشيء من الذباب الضعيف.
روي أنهم كانوا يطلون آلهتهم بالزعفران، فكانت الذباب تختلس الزعفران، فلا تقدر الأصنام - وهي آلهة لهم - على استنقاذ ما تأخذ الذباب منها.
* *
ثم قال: ﴿ضَعُفَ ٱلطَّالِبُ وَٱلْمَطْلُوبُ﴾.
أي: ضعفت الآلهة عن طلب ما أخذ الذباب منها، وضعف الذباب، قاله: ابن عباس.
وقيل: المعنى: ضعف الطالب من بني آدم إلى الصنم حاجته، والمطلوب إليه أن يعطي سائله من بني آدم ما سأله - فهذا توبيخ من الله لقريش وتنبيه، ومعناه: كيف تجعلون الله في العبادة مثل ما لا يقدر على خلق ذباب. ﴿وَإِن يَسْلُبْهُمُ ٱلذُّبَابُ شَيْئاً﴾ لم يمتنع ولا انتصر، والله خالق من في السماوات والأرض. ومالك جميع ذلك، والمحيي جميع ذلك والمفني لهم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿مَا قَدَرُواْ ٱللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾.
أي: ما عظموه في العبادة حق عظمته حين عدلوا به من يضعف عن الامتناع من أذى الذباب. هذا معنى قول ابن زيد.
وقد قال قوم: قوله تعالى: ضرب مثل، فأين المثل، ليس في الآية مثل والمعنى فيه على ما قدمنا أن معناه، ضربتم لي مثلاً، أي جعلتم لي شبهاً ونداً. كما قال:
﴿وَجَعَلُواْ للَّهِ أَندَاداً﴾ [إبراهيم: ٣٠] ﴿فَٱسْتَمِعُواْ لَهُ﴾ أي: فاستمعوا جواب ما ضربتموه شبهاً لله ونداً، فالضرب إنما هو للمشركين الذين عدلوا الله بالأصنام، فخبرنا الله تعالى عن ضعف الشبه والند الذي جعلوه له.
قال الكلبي: كانوا يعمدون إلى المسك والزعفران، فيسحقونهما جميعاً، وهو عطر العرب ويطلون بهما الأصنام، فإذا يبس تشقق فربما وقع عليه الذباب فيأخذ منه، فكان يشتد عليهم.
* *
ثم قال: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾.
أي: قوي على خلق ما يشاء من صغير وكبير، "عزيز" أي: منيع في ملكه، لا يقدر أحد أن يسلبه من ملكه شيئاً، وليس كآلهتهم التي يدعون من دون الله التي لا تقدر على خلق ذباب، ولا على الامتناع عن الذباب.
* *
ثم قال: ﴿ٱللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ ٱلْمَلاَئِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ ٱلنَّاسِ﴾.
أي: الله يختار من الملائكة رسلاً يرسلهم إلى من يشاء من خلقه، كجبريل وميكائيل صلى الله عليهما وسلم. ومن الناس، أي: يختار من شاء من الناس رسلاً يرسلهم إلى خلقه.
ويقال: إن هذه الآية جواب لقول المشركين، ﴿أَءُنزِلَ عَلَيْهِ ٱلذِّكْرُ مِن بَيْنِنَا﴾ [ص: ٨] فأنزل الله تعالى: ﴿ٱللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ ٱلْمَلاَئِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ ٱلنَّاسِ﴾ أي: ذلك إليه، يفعل ما يشاء، لا معقب لحكمه.
* *
ثم قال: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ﴾ أي: يسمع ما يقول المشركون في محمد ﷺ، وما جاء به وغير ذلك من كلامهم وسرهم، ﴿بَصِيرٌ﴾ بمن يختاره لرسالته.
* *
ثم قال تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾.
أي: ما بين أيدي ملائكته ورسله من قبل أن يخلقهم ﴿وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ أي: وما هو كائن بعد فنائهم. ﴿وَإِلَى ٱللَّهِ تُرْجَعُ ٱلأُمُورُ﴾ أي: إلى الله ترد أمور الدنيا والآخرة.
* *
ثم قال: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱرْكَعُواْ وَٱسْجُدُواْ وَاعْبُدُواْ رَبَّكُمْ﴾.
أي: يا أيها الذين صدقوا الله ورسله وكتبه، اركعوا واسجدوا في صلاتكم، ﴿وَاعْبُدُواْ رَبَّكُمْ﴾، أي: ذلوا له واخضعوا بالطاعة ﴿وَٱفْعَلُواْ ٱلْخَيْرَ﴾ الذي أمركم بفعله ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ أي: تدركون طلباتكم عند ربكم.
وقال الطبري: لعل هنا بمعنى كي، وهي عند غيره على معنى، الرجاء و "لعل" من الله واجبة. ومذهب أهل المدينة، مالك وغيره أن لا يسجد في آخر هذه السورة، وإنما فيها سجدة واحدة عند قوله يفعل ما يشاء.
ورأي جماعة من الفقهاء، السجود في آخر السورة.
وروي عن ابن عباس أنه قال: فضلت سورة الحج بسجدتين على سائر القرآن.
وعن عمر أنه سجد في آخرها.
وعن ابن عباس وابن عمر أنهما لم يعدا الثانية في سجود القرآن.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَجَاهِدُوا فِي ٱللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ﴾.
أي: جاهدوا المشركين حق الجهاد. قاله: ابن عباس.
وعن ابن عباس: أن المعنى: لا تخافوا في الله لومة لائم، فذلك حق جهاده.
وعن النبي ﷺ أنه قال: "المجاهد من جاهد نفسه لله عز وجل
وعنه أنه قال: أفضل الجهاد، كلمة عدل عند سلطان جائر، ومعنى: "حق جهاده" هو استفراغ الطاقة. يقول الله تعالى: ﴿فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ مَا ٱسْتَطَعْتُمْ﴾ . وأكثر الناس على أنه غير منسوخ وواجب على كل مسلم أن يجاهد في الله حق جهاده على قدر استطاعته ويكون قوله: ﴿فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ مَا ٱسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦] بياناً لهذا وليس بناسخ له.
قوله تعالى ذكره: ﴿هُوَ ٱجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي ٱلدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ إلى آخر السورة.
أي: هو اختاركم لدينه، واصطفاكم لحرب أعدائه.
وقال ابن زيد: "هو اجتباكم" أي: هَدَاكم. ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي ٱلدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ أي: من ضيق لا مخرج لكم منه، بل وسع عليكم، فجعل التوبة من بعض مخرجاً، والكفارة من بعض، والقصاص من بعض. فلا ذنب يذنبه المؤمن إلا وله في دين الإسلام منه مخرج، هذا معنى قول ابن عباس.
وقد سألت عائشة رضي الله عنها النبي ﷺ عن ذلك فقال: هو الضيق. يعني أن الحرج: الضيق.
وقيل: معناه، أن الله جعل للمؤمنين مكان كل شي يثقل في وقت ما هو أخف منه، فجعل للصائم الإفطار في السفر، وتقصير الصلاة وللمصلي إذا لم يطق القيام أن يصلي قاعداً، أو أن يتزوج أربعاً وما شاء من ملك اليمين.
وعن ابن عباس أنه قال: هذا في شهر رمضان إذا شك فيه الناس، وفي الحج إذا شك في الهلال، وفي الفطر والأضحى إذا التبس عليكم استهلاله.
وعن ابن عباس أيضاً أن معناه: وما جعل عليكم في الإسلام من ضيق بل وسعه عليكم، وهو قول الضحاك.
وقال ابن عباس: وسع الله في الدين ولم يضيقه فبسط التوبة، وجعل الكفارات مخرجاً.
* *
ثم قال تعالى: ﴿مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ ٱلْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ﴾ اختلف في "هو" فقيل: ضمير الله جلّ ذكره. وقيل ضمير إبراهيم ﷺ أي: الله سماكم المسلمين، هذا قول: قتادة والضحاك ومجاهد.
وقيل: المعنى: إبراهيم سماكم المسلمين، وهو قول الحسن وابن زيد لأن إبراهيم عليه السلام قال: ﴿رَبَّنَا وَٱجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَآ أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ﴾. وهذا القول يضعفه قوله من قبل. وفي هذا، فيكون إبراهيم سمانا مسلمين من قبل القرآن وفي القرآن، والقرآن إنما نزل بعد إبراهيم، فهذا بعيد، وإنما يجوز قول ابن زيد والحسن على معنى، إبراهيم سماكم المسلمين فيما تقدم وفي هذا، أي: وفي حكمه أن من اتبع محمداً موحد. والأحسن أن يكون الله سمانا بذلك، من قبل القرآن، وفي الكتب المتقدمة وفي القرآن.
قال مجاهد سماكم الله مسلمين في الكتب كلها، وفي الذكر، وفي هذا القرآن. وكل من آمن بنبيه من الأمم الماضية، فإنما سميت بالإيمان ولم يسم بالإيمان والإسلام غير هذه الأمة.
* *
ثم قال: ﴿لِيَكُونَ ٱلرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ﴾. أي: اجتباكم وسماكم مسلمين ليكون محمد شهيداً عليكم يوم القيامة، لأنه قد بلغكم ما أرسل به إليكم، وتكونوا أنتم حينئذٍ شهداء على الرسل أجمعين أنهم قد بلغوا أمتهم ما أرسلوا به إليهم.
قال قتادة: أعطيت هذه الأمة ما لم يعطه إلا نبي كان. يقال للنبي: اذهب فليس عليك حرج، وكان يقال للنبي: إنك شهيد على قومك. وقال الله: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي ٱلدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾، وقال: "لتكونوا شهداء على الناس" وكان يقال للنبي: سل تعطه، وقال الله جلّ ذكره: ادعوني أستجب لكم.
* *
ثم قال: ﴿فَأَقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ وَآتُواْ ٱلزَّكَـاةَ﴾. أي: أقيموها بحدودها في أوقاتها، وآتوا الزكاة الواجبة عليكم.
* *
ثم قال: ﴿وَٱعْتَصِمُواْ بِٱللَّهِ هُوَ مَوْلاَكُمْ﴾ أي: ثقوا بالله وامتنعوا به من عدوكم، وتوكلوا عليه في أموركم، ﴿فَنِعْمَ ٱلْمَوْلَىٰ﴾ هو لمن فعل ذلك منكم ﴿وَنِعْمَ ٱلنَّصِيرُ﴾، أي: نعم الناصر هو على من بغاه بسوء.
* *
وقوله: ﴿مِنْ حَرَجٍ﴾ وقف، إن نصبت ملة، بمعنى اتبعوا ملة فإن نصبته على قول الفراء على معنى كَـ "مِلّةِ" إبراهيم لم تقف على "حرج" ويلزم الفراء في النصب عند عدم الكاف أن يقول زيد الأسد، فينصب الأسد، لأن المعنى، زيد كالأسد، وهذا لا يجوز عند أحد. "إبراهيم" وقف، إن جعلت "هو" من ذكر الله جلّ ثناؤه، وهو مذهب نافع ويعقوب وغيرهما. وإن جعلت "هو" من ذكر إبراهيم لم تقف على "إبراهيم"، وكان التمام "وفي هذا" إن جعلت اللام من لتكون متعلقة بفعل مضمر، فإن جعلتها متعلقة بـ: "اجتباكم" و "سماكم" لم يكن التمام إلا على الناس.
الحج 22:78
قوله تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ﴾ إلى قوله: ﴿حَقَّ جِهَادِهِ﴾.
أي: وإذا تتلى على المشركين آيات القرآن واضحات حججها وأدلتها، ﴿تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلْمُنْكَرَ﴾، أي: تتبين في وجوههم ما ينكره أهل الإيمان بالله من تغيرها بسماعهم القرآن.
* *
﴿يَكَادُونَ يَسْطُونَ﴾.
أي: يبطشون بالذين يتلون عليهم كتاب الله من أصحاب النبي ﷺ، وذلك لشدة كراهيتهم أن يسمعوا القرآن ويتلى عليهم.
قال الضحاك: ﴿يَكَادُونَ يَسْطُونَ﴾ أي: يأخذون المؤمنين بأيديهم أخذاً.
والسطو في اللغة: البطش.
وروى أحمد عن قالون والأعشى عن أبي بكر "يصطون" بالصاد من أجل الطاء.
* *
ثم قال: ﴿قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُم بِشَرٍّ مِّن ذٰلِكُمُ ٱلنَّارُ﴾.
أي: قل يا محمد للمشركين أفأنبئكم بشر مما تكرهونه من قراءة القرآن عليكم؟ فقالوا: ما هو فقيل لهم: النار، أي هي النار، وعدها الله الذين كفروا، أي: وعدكم وأمثالكم من الكفار إياها.
وروي: أن المشركين قالوا محمد وأصحابه شر خلق، فقال الله تعالى: قل لهم يا محمد أفأنبئكم بشر من محمد وأصحابه على قولكم وزعمكم، أهل النار فهم أنتم شرار خلق الله تعالى لا محمد وأصحابه.
* *
وقوله: ﴿وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ﴾ أي: وبيس المكان الذي يصير إليه هؤلاء المشركون يوم القيامة.
ثم قال تعالى ذكره: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَٱسْتَمِعُواْ لَهُ إِنَّ ٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ لَن يَخْلُقُواْ ذُبَاباً وَلَوِ ٱجْتَمَعُواْ لَهُ﴾.
﴿ضُرِبَ﴾ هنا بمعنى: جعل: من قولهم: ضربت الجزية على النصارى، أي: جعلت. وضرب السلطان الخراج على الناس.
أي: جعل، "والمثل" الشبه الذي جعلوه لله من الأصنام.
فالمعنى: يا أيها الناس جعل شبه لي في عبادتي، يعني: الأصنام التي جعلوها شبهاً لله فعبدوها.
ثم قال: فاستمعوا الخبر هذا الذي جعل شبهاً لي. ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ﴾ من الأصنام والأوثان، لن يخلقوا ذباباً، على صغر الذباب ولطفه، ولو أن الأصنام اجتمعت كلها لم تخلق ذلك ولا استطاعته، على أن الذباب واحد وهي كثيرة. وأن يسلبهم هذا الذباب على ضعفه وكثرتها شيئاً مما عليها من طيب وغيره، لا يقدرون بجماعتهم على استنقاذ ذلك الشيء من الذباب الضعيف.
روي أنهم كانوا يطلون آلهتهم بالزعفران، فكانت الذباب تختلس الزعفران، فلا تقدر الأصنام - وهي آلهة لهم - على استنقاذ ما تأخذ الذباب منها.
* *
ثم قال: ﴿ضَعُفَ ٱلطَّالِبُ وَٱلْمَطْلُوبُ﴾.
أي: ضعفت الآلهة عن طلب ما أخذ الذباب منها، وضعف الذباب، قاله: ابن عباس.
وقيل: المعنى: ضعف الطالب من بني آدم إلى الصنم حاجته، والمطلوب إليه أن يعطي سائله من بني آدم ما سأله - فهذا توبيخ من الله لقريش وتنبيه، ومعناه: كيف تجعلون الله في العبادة مثل ما لا يقدر على خلق ذباب. ﴿وَإِن يَسْلُبْهُمُ ٱلذُّبَابُ شَيْئاً﴾ لم يمتنع ولا انتصر، والله خالق من في السماوات والأرض. ومالك جميع ذلك، والمحيي جميع ذلك والمفني لهم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿مَا قَدَرُواْ ٱللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾.
أي: ما عظموه في العبادة حق عظمته حين عدلوا به من يضعف عن الامتناع من أذى الذباب. هذا معنى قول ابن زيد.
وقد قال قوم: قوله تعالى: ضرب مثل، فأين المثل، ليس في الآية مثل والمعنى فيه على ما قدمنا أن معناه، ضربتم لي مثلاً، أي جعلتم لي شبهاً ونداً. كما قال:
﴿وَجَعَلُواْ للَّهِ أَندَاداً﴾ [إبراهيم: ٣٠] ﴿فَٱسْتَمِعُواْ لَهُ﴾ أي: فاستمعوا جواب ما ضربتموه شبهاً لله ونداً، فالضرب إنما هو للمشركين الذين عدلوا الله بالأصنام، فخبرنا الله تعالى عن ضعف الشبه والند الذي جعلوه له.
قال الكلبي: كانوا يعمدون إلى المسك والزعفران، فيسحقونهما جميعاً، وهو عطر العرب ويطلون بهما الأصنام، فإذا يبس تشقق فربما وقع عليه الذباب فيأخذ منه، فكان يشتد عليهم.
* *
ثم قال: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾.
أي: قوي على خلق ما يشاء من صغير وكبير، "عزيز" أي: منيع في ملكه، لا يقدر أحد أن يسلبه من ملكه شيئاً، وليس كآلهتهم التي يدعون من دون الله التي لا تقدر على خلق ذباب، ولا على الامتناع عن الذباب.
* *
ثم قال: ﴿ٱللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ ٱلْمَلاَئِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ ٱلنَّاسِ﴾.
أي: الله يختار من الملائكة رسلاً يرسلهم إلى من يشاء من خلقه، كجبريل وميكائيل صلى الله عليهما وسلم. ومن الناس، أي: يختار من شاء من الناس رسلاً يرسلهم إلى خلقه.
ويقال: إن هذه الآية جواب لقول المشركين، ﴿أَءُنزِلَ عَلَيْهِ ٱلذِّكْرُ مِن بَيْنِنَا﴾ [ص: ٨] فأنزل الله تعالى: ﴿ٱللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ ٱلْمَلاَئِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ ٱلنَّاسِ﴾ أي: ذلك إليه، يفعل ما يشاء، لا معقب لحكمه.
* *
ثم قال: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ﴾ أي: يسمع ما يقول المشركون في محمد ﷺ، وما جاء به وغير ذلك من كلامهم وسرهم، ﴿بَصِيرٌ﴾ بمن يختاره لرسالته.
* *
ثم قال تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾.
أي: ما بين أيدي ملائكته ورسله من قبل أن يخلقهم ﴿وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ أي: وما هو كائن بعد فنائهم. ﴿وَإِلَى ٱللَّهِ تُرْجَعُ ٱلأُمُورُ﴾ أي: إلى الله ترد أمور الدنيا والآخرة.
* *
ثم قال: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱرْكَعُواْ وَٱسْجُدُواْ وَاعْبُدُواْ رَبَّكُمْ﴾.
أي: يا أيها الذين صدقوا الله ورسله وكتبه، اركعوا واسجدوا في صلاتكم، ﴿وَاعْبُدُواْ رَبَّكُمْ﴾، أي: ذلوا له واخضعوا بالطاعة ﴿وَٱفْعَلُواْ ٱلْخَيْرَ﴾ الذي أمركم بفعله ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ أي: تدركون طلباتكم عند ربكم.
وقال الطبري: لعل هنا بمعنى كي، وهي عند غيره على معنى، الرجاء و "لعل" من الله واجبة. ومذهب أهل المدينة، مالك وغيره أن لا يسجد في آخر هذه السورة، وإنما فيها سجدة واحدة عند قوله يفعل ما يشاء.
ورأي جماعة من الفقهاء، السجود في آخر السورة.
وروي عن ابن عباس أنه قال: فضلت سورة الحج بسجدتين على سائر القرآن.
وعن عمر أنه سجد في آخرها.
وعن ابن عباس وابن عمر أنهما لم يعدا الثانية في سجود القرآن.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَجَاهِدُوا فِي ٱللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ﴾.
أي: جاهدوا المشركين حق الجهاد. قاله: ابن عباس.
وعن ابن عباس: أن المعنى: لا تخافوا في الله لومة لائم، فذلك حق جهاده.
وعن النبي ﷺ أنه قال: "المجاهد من جاهد نفسه لله عز وجل
وعنه أنه قال: أفضل الجهاد، كلمة عدل عند سلطان جائر، ومعنى: "حق جهاده" هو استفراغ الطاقة. يقول الله تعالى: ﴿فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ مَا ٱسْتَطَعْتُمْ﴾ . وأكثر الناس على أنه غير منسوخ وواجب على كل مسلم أن يجاهد في الله حق جهاده على قدر استطاعته ويكون قوله: ﴿فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ مَا ٱسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦] بياناً لهذا وليس بناسخ له.
قوله تعالى ذكره: ﴿هُوَ ٱجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي ٱلدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ إلى آخر السورة.
أي: هو اختاركم لدينه، واصطفاكم لحرب أعدائه.
وقال ابن زيد: "هو اجتباكم" أي: هَدَاكم. ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي ٱلدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ أي: من ضيق لا مخرج لكم منه، بل وسع عليكم، فجعل التوبة من بعض مخرجاً، والكفارة من بعض، والقصاص من بعض. فلا ذنب يذنبه المؤمن إلا وله في دين الإسلام منه مخرج، هذا معنى قول ابن عباس.
وقد سألت عائشة رضي الله عنها النبي ﷺ عن ذلك فقال: هو الضيق. يعني أن الحرج: الضيق.
وقيل: معناه، أن الله جعل للمؤمنين مكان كل شي يثقل في وقت ما هو أخف منه، فجعل للصائم الإفطار في السفر، وتقصير الصلاة وللمصلي إذا لم يطق القيام أن يصلي قاعداً، أو أن يتزوج أربعاً وما شاء من ملك اليمين.
وعن ابن عباس أنه قال: هذا في شهر رمضان إذا شك فيه الناس، وفي الحج إذا شك في الهلال، وفي الفطر والأضحى إذا التبس عليكم استهلاله.
وعن ابن عباس أيضاً أن معناه: وما جعل عليكم في الإسلام من ضيق بل وسعه عليكم، وهو قول الضحاك.
وقال ابن عباس: وسع الله في الدين ولم يضيقه فبسط التوبة، وجعل الكفارات مخرجاً.
* *
ثم قال تعالى: ﴿مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ ٱلْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ﴾ اختلف في "هو" فقيل: ضمير الله جلّ ذكره. وقيل ضمير إبراهيم ﷺ أي: الله سماكم المسلمين، هذا قول: قتادة والضحاك ومجاهد.
وقيل: المعنى: إبراهيم سماكم المسلمين، وهو قول الحسن وابن زيد لأن إبراهيم عليه السلام قال: ﴿رَبَّنَا وَٱجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَآ أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ﴾. وهذا القول يضعفه قوله من قبل. وفي هذا، فيكون إبراهيم سمانا مسلمين من قبل القرآن وفي القرآن، والقرآن إنما نزل بعد إبراهيم، فهذا بعيد، وإنما يجوز قول ابن زيد والحسن على معنى، إبراهيم سماكم المسلمين فيما تقدم وفي هذا، أي: وفي حكمه أن من اتبع محمداً موحد. والأحسن أن يكون الله سمانا بذلك، من قبل القرآن، وفي الكتب المتقدمة وفي القرآن.
قال مجاهد سماكم الله مسلمين في الكتب كلها، وفي الذكر، وفي هذا القرآن. وكل من آمن بنبيه من الأمم الماضية، فإنما سميت بالإيمان ولم يسم بالإيمان والإسلام غير هذه الأمة.
* *
ثم قال: ﴿لِيَكُونَ ٱلرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ﴾. أي: اجتباكم وسماكم مسلمين ليكون محمد شهيداً عليكم يوم القيامة، لأنه قد بلغكم ما أرسل به إليكم، وتكونوا أنتم حينئذٍ شهداء على الرسل أجمعين أنهم قد بلغوا أمتهم ما أرسلوا به إليهم.
قال قتادة: أعطيت هذه الأمة ما لم يعطه إلا نبي كان. يقال للنبي: اذهب فليس عليك حرج، وكان يقال للنبي: إنك شهيد على قومك. وقال الله: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي ٱلدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾، وقال: "لتكونوا شهداء على الناس" وكان يقال للنبي: سل تعطه، وقال الله جلّ ذكره: ادعوني أستجب لكم.
* *
ثم قال: ﴿فَأَقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ وَآتُواْ ٱلزَّكَـاةَ﴾. أي: أقيموها بحدودها في أوقاتها، وآتوا الزكاة الواجبة عليكم.
* *
ثم قال: ﴿وَٱعْتَصِمُواْ بِٱللَّهِ هُوَ مَوْلاَكُمْ﴾ أي: ثقوا بالله وامتنعوا به من عدوكم، وتوكلوا عليه في أموركم، ﴿فَنِعْمَ ٱلْمَوْلَىٰ﴾ هو لمن فعل ذلك منكم ﴿وَنِعْمَ ٱلنَّصِيرُ﴾، أي: نعم الناصر هو على من بغاه بسوء.
* *
وقوله: ﴿مِنْ حَرَجٍ﴾ وقف، إن نصبت ملة، بمعنى اتبعوا ملة فإن نصبته على قول الفراء على معنى كَـ "مِلّةِ" إبراهيم لم تقف على "حرج" ويلزم الفراء في النصب عند عدم الكاف أن يقول زيد الأسد، فينصب الأسد، لأن المعنى، زيد كالأسد، وهذا لا يجوز عند أحد. "إبراهيم" وقف، إن جعلت "هو" من ذكر الله جلّ ثناؤه، وهو مذهب نافع ويعقوب وغيرهما. وإن جعلت "هو" من ذكر إبراهيم لم تقف على "إبراهيم"، وكان التمام "وفي هذا" إن جعلت اللام من لتكون متعلقة بفعل مضمر، فإن جعلتها متعلقة بـ: "اجتباكم" و "سماكم" لم يكن التمام إلا على الناس.