Lafzullah

Tafsir Makhi — العنكبوت 29:31 – الروم 30:34

المؤلف / المصدر: Tafsir Makhi

المحتويات
  1. العنكبوت 29:31
  2. العنكبوت 29:32
  3. العنكبوت 29:33
  4. العنكبوت 29:34
  5. العنكبوت 29:35
  6. العنكبوت 29:36
  7. العنكبوت 29:37
  8. العنكبوت 29:38
  9. العنكبوت 29:39
  10. العنكبوت 29:40
  11. العنكبوت 29:41
  12. العنكبوت 29:42
  13. العنكبوت 29:43
  14. العنكبوت 29:44
  15. العنكبوت 29:45
  16. العنكبوت 29:46
  17. العنكبوت 29:47
  18. العنكبوت 29:48
  19. العنكبوت 29:49
  20. العنكبوت 29:50
  21. العنكبوت 29:51
  22. العنكبوت 29:52
  23. العنكبوت 29:53
  24. العنكبوت 29:54
  25. العنكبوت 29:55
  26. العنكبوت 29:56
  27. العنكبوت 29:57
  28. العنكبوت 29:58
  29. العنكبوت 29:59
  30. العنكبوت 29:60
  31. العنكبوت 29:61
  32. العنكبوت 29:62
  33. العنكبوت 29:63
  34. العنكبوت 29:64
  35. العنكبوت 29:65
  36. العنكبوت 29:66
  37. العنكبوت 29:67
  38. العنكبوت 29:68
  39. العنكبوت 29:69
  40. الروم 30:1
  41. الروم 30:2
  42. الروم 30:3
  43. الروم 30:4
  44. الروم 30:5
  45. الروم 30:6
  46. الروم 30:7
  47. الروم 30:8
  48. الروم 30:9
  49. الروم 30:10
  50. الروم 30:11
  51. الروم 30:12
  52. الروم 30:13
  53. الروم 30:14
  54. الروم 30:15
  55. الروم 30:16
  56. الروم 30:17
  57. الروم 30:18
  58. الروم 30:19
  59. الروم 30:20
  60. الروم 30:21
  61. الروم 30:22
  62. الروم 30:23
  63. الروم 30:24
  64. الروم 30:25
  65. الروم 30:26
  66. الروم 30:27
  67. الروم 30:28
  68. الروم 30:29
  69. الروم 30:30
  70. الروم 30:31
  71. الروم 30:32
  72. الروم 30:33
  73. الروم 30:34

العنكبوت 29:31

قوله تعالى ذكره: ﴿أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ ٱلرِّجَالَ وَتَقْطَعُونَ ٱلسَّبِيلَ﴾ إلى قوله: ﴿لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ﴾. أي: تأتون الرجال في أدبارهم، وتقطعون الطريق على المسافرين. روي أنهم كانوا يفعلون ذلك بمن يمر بهم من المسافرين، ومن يرِدُ ديارهم من الغرباء، قاله ابن زيد. روي أنهم كانوا - مع فسقهم - يقطعون الطريق ويقتلون ويأخذون الأموال حتى انقطعت الطريق فلا يسلكها أحد. * * وقوله: ﴿وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ ٱلْمُنْكَرَ﴾. روي عن عائشة أنه الفراط، يعني أنهم كانوا يتفارطون في مجالسهم. وروت أم هانئ أنها سألت النبي ﷺ عن قوله تعالى ذكره: ﴿وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ ٱلْمُنْكَرَ﴾ قال: "كانوا يَخْذِفون أهلَ الطريقِ ويَسْخَرُونَ منهم، فهوَ المنكر الذي كانوا يأتون"، وقاله عكرمة والسدي. وقال مجاهد: المنكر هنا أنهم كانوا يجامع بعضهم بعضاً في المجالس. وهو قول قتادة وابن زيد. والحديث المروي عن النبي ﷺ أولى بالاتباع. وروي ذلك عن ابن شهاب: "إنّ على مَنْ عمِلَ عمَلَ قومِ لوطٍ الرجم أُحْصِنَ أو لم يُحْصَن قال مالك: إذا شهدَ على الفاعل والمفعول به أربعة شهداء عدول رُجما، ولا يرجمان حتى يُرى كما يرى المِرْوَد في المِكحلة أُحْصِنَا أو لم يُحْصَنَا إذا كانا قد بلغا الحُلمَ. وقد روى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: "اقتلوا الفاعلَ والمفعولَ بهِ وقال عليّ بن أبي طالب: يحرق الفاعل والمفعول به في النار. وروي أن أبا بكر شاور علياً في هذا فأمر بحرقهما. وفعل ابن الزبير مثل ذلك في أيامه، وفعله هشام ابن عبد الملك. وقيل إنما فعلوا الحرق بعد القتل. وروى أبو هريرة أن النبي ﷺ "أمر برجمِهما" وأكثر الروايات عن النبي ﷺ في ذلك "القتل لهما جميعاً" وفي بعض الحديث: "ومن وقَعَ على ذاتِ مَحْرَمٍ فاقتلوهُ وروى أنس أن النبي ﷺ قال: "إذا علا الذّكرَ الذّكَرُ اهتزّ العرشُ وقالت السماوات: يا ربّ مُرْنا أن نَحْصِبَهُ، وقالتِ الأرضُ: يا ربِّ مُرْنَا نَبْتَلِعَهُ، فيقولُ: دعوهُ فإنّ ممرَّهُ بي ووقوفَهُ بينَ يديَّ ثم قال تعالى ذكره: ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَن قَالُواْ ٱئْتِنَا بِعَذَابِ ٱللَّهِ﴾ أي: ما جاوب لوطاً قومه لما نهاهم عن المنكر، وخوفهم من عذاب الله إلاّ أن قالوا: جئنا بعذاب الله الذي توعدنا به إن كنت صادقاً في قولك. ﴿قَالَ رَبِّ ٱنصُرْنِي عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْمُفْسِدِينَ﴾ أي: قال لوط مستغيثاً لما استعجله قومه بالعذاب: يا ربّ انصرني على القوم المفسدين . * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَمَّا جَآءَتْ رُسُلُنَآ إِبْرَاهِيمَ بِٱلْبُشْرَىٰ﴾ أي: جاءته الملائكة من الله بالبشرى بإسحاق ومن ولده بيعقوب. ﴿قَالُوۤاْ إِنَّا مُهْلِكُوۤ أَهْلِ هَـٰذِهِ ٱلْقَرْيَةِ﴾ وهي: سدوم قرية قوم لوط. ﴿إِنَّ أَهْلَهَا كَانُواْ ظَالِمِينَ﴾ أي: ظالمين أنفسهم بمعصيتهم الله. * * ثم قال تعالى: ﴿قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطاً﴾ أي: قال ذلك إبراهيم عليه السلام. قال ابن عباس: فجادل إبراهيمُ الملائكة في قوم لوط عليه السلام أن يتركوا، فقال أرأيتم إن كان فيها عشرة أبيات من المسلمين أتتركونهم؟ فقالت الملائكة: ليس فيها عشرة أبيات ولا خمسة ولا أربعة ولا ثلاثة ولا اثنان، فقال إبراهيم: إن فيها لوطاً. ﴿فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلاَّ ٱمْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ ٱلْغَابِرِينَ﴾ أي: من الباقين في العذاب. وقيل: المعنى كانت من الذين أبقتهم الدهور والأيام وتطاولت أعمارهم، فإنها هالكة مع قوم لوط. وحسن وصفها بلفظ المذكر، فقال من الغابرين ولم يقل من الغابرات لما كانت مع الرجال، فجعل صفتها كصفتهم. وروي أن إبراهيم ﷺ قال للملائكة: إن كان فيهم مائة يكرهون هذا أتهلكونهم؟ قالوا: لا قال: فإن كان فيهم تسعون قالوا: لا، إلى أن بلغ إلى عشرين. قال: إن فيها لوطاً. قالت الملائكة: نحن أعلم بمن فيها. روي أنه كان في المدينة أربع مائة ألف. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَمَّآ أَن جَآءَتْ رُسُلُنَا لُوطاً سِيءَ بِهِمْ﴾ أي: ساءته الملائكة بمجيئهم إليه، وذلك أنهم تضيفوه فرأى جمالهم وحسنهم فخاف عليهم من قومه، إذ قد علم أنهم كانوا يظلمون مثلهم في حسنهم وجمالهم فساؤوه بذلك. قال قتادة: ساء ظنّه بقومه وضاق بضيفه ذرعاً لما علم من حيث فعل قومه. قال ابن أبي عروبة: كان قوم لوط أربعة آلاف ألف، فلما رأت الرّسل غمّه وخوفه عليهم من قومه، قالت الرسل للوط: لا تخف علينا أن يصل إلينا قومك ولا تحزن مما أخبرناك من أنا مهلكوهم، فإنا ننجيك وأهلك إلاّ امرأتك. * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّا مُنزِلُونَ عَلَىٰ أَهْلِ هَـٰذِهِ ٱلْقَرْيَةِ رِجْزاً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ﴾ أي: عذاباً بفسقهم. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَد تَّرَكْنَا مِنْهَآ آيَةً بَيِّنَةً﴾ أي: أبقينا فعلتنا بهم عبرة وعظة ظاهرة لقوم يعقلون عن الله حججه وتلك الآية: اندراس آثارهم ومعالمهم. ونتبع الحجارة إياهم حيث كانوا. * * ثم قال تعالى: ﴿وَإِلَىٰ مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْباً﴾ أي: وأرسلنا إلى مديَن أخاهم شعيْباً. فقال لهم يا قوم اعبدوا الله وحده وارجوا بعبادتكم إياه اليوم الآخر، أي: جزاء اليوم الآخر وهو يوم القيامة. ﴿وَلاَ تَعْثَوْاْ فِي ٱلأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ أي: لا تكثروا الفساد في الأرض بمعصية الله تعالى وإقامتكم عليها. ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَتْهُمُ ٱلرَّجْفَةُ﴾ أي: فكذب أهل مدين شعيباً فيما جاءهم به عن الله جلّ ذكره، فأخذهم العذاب، فأصبح بعضهم على بعض جثوماً موتاً في ديارهم. قال قتادة: أرسل شعيب مرتين إلى أمتين، إلى أهل مدين، وإلى أصحاب الأيكة، وكان شعيب من ولد مدين، وأهل مدين من ولده أيضاً، فلذلك قال: أخاهم، ولم يكن بين شعيب وأصحاب الأيكة نسب فلذلك لم يقل أخاهم. قال قتادة: جاثمين: ميتين. وأصله المد والسكون وقطع الحركة. * * ثم قال تعالى: ﴿وَعَاداً وَثَمُودَاْ وَقَد تَّبَيَّنَ لَكُم مِّن مَّسَاكِنِهِمْ﴾ نصب عاد وثمود عند الكسائي على العطف على قوله: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ [العنكبوت: ٣] وفتنا عاداً وثموداً. وقال الزجاج: التقدير: وأهلكنا عاداً وثموداً. وقال الطبري: التقدير: واذكر عاداً وثموداً، وقد تبيّن لكم من مساكنهم، يعني خرابها وخلاءها منهم. ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ﴾ أي: حسّنها لهم فتمادوا على كفرهم وتكذيبهم. ﴿فَصَدَّهُمْ عَنِ ٱلسَّبِيلِ﴾ أي: عن سبيل الله. ﴿وَكَانُواْ مُسْتَبْصِرِينَ﴾ أي: في ضلالتهم، أي: معجبين بها، يحسبون أنهم على هدى وصواب، قاله ابن عباس والضحاك وقتادة. وقيل: المعنى: كانوا قد عرفوا الحق من الباطل. فهو مثل قوله تعالى ذكره: ﴿وَجَحَدُواْ بِهَا وَٱسْتَيْقَنَتْهَآ أَنفُسُهُمْ﴾ [النمل: ١٤]. قال تعالى: ﴿وَقَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ﴾. هذا معطوف على عاد على الاختلاف المتقدم. ﴿وَلَقَدْ جَآءَهُمْ مُّوسَىٰ بِٱلْبَيِّنَاتِ﴾ أي: الآيات الواضحات. ﴿فَٱسْتَكْبَرُواْ فِي ٱلأَرْضِ﴾ أي: عن التصديق بالآيات. ﴿وَمَا كَانُواْ سَابِقِينَ﴾ أي: فائتين بأنفسهم، بل القدرة عليهم غالبة من الله. * * ثم قال تعالى: ﴿فَكُلاًّ أَخَذْنَا بِذَنبِهِ﴾ أي: فأخذنا جميع هذه الأمم المذكورة بذنوبهم وأهلكناهم. ﴿فَمِنْهُم مَّن أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِباً﴾ أي: حجارة من سجيل والعرب تسمي الريح التي تحمل الحصى حاصباً. وهم قوم لوط. ﴿وَمِنْهُمْ مَّنْ أَخَذَتْهُ ٱلصَّيْحَةُ﴾ قال ابن عباس: هم ثمود. وقال قتادة هم قوم شعيب. ﴿وَمِنْهُمْ مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ ٱلأَرْضَ﴾ قال ابن عباس وقتادة: هو قارون. ﴿وَمِنْهُمْ مَّنْ أَغْرَقْنَا﴾ قال ابن عباس: هم قوم نوح. وقال قتادة هم قوم فرعون. ﴿وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ﴾ أي: وما كان الله ليهلك هذه الأمم بغير ذنب. ﴿وَلَـٰكِن كَانُوۤاْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ أي: بعبادتهم غير من ينعم عليهم ويرزقهم. * * ثم قال تعالى: ﴿مَثَلُ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَوْلِيَآءَ كَمَثَلِ ٱلْعَنكَبُوتِ ٱتَّخَذَتْ بَيْتاً﴾ أي مثل من اتخذ من دون الله آلهة في ضعف ما يرجون منها كمثل العنكبوت في ضعفها وقلة حيلتها اتخذت بيتاً ليُكِنّها، فلم يغن عنها شيئاً عند حاجتها، فكذلك هؤلاء الذين عبدوا الأوثان لتنفعهم عند حاجتهم إليها. قال ابن عباس: هو مثلٌ ضربه الله لمن عبد غيره. ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَإِنَّ أَوْهَنَ ٱلْبُيُوتِ لَبَيْتُ ٱلْعَنكَبُوتِ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ﴾ أي: إن أضعف البيوت لبيت العنكبوت لو علموا ذلك يقيناً.

العنكبوت 29:32

قوله تعالى ذكره: ﴿أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ ٱلرِّجَالَ وَتَقْطَعُونَ ٱلسَّبِيلَ﴾ إلى قوله: ﴿لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ﴾. أي: تأتون الرجال في أدبارهم، وتقطعون الطريق على المسافرين. روي أنهم كانوا يفعلون ذلك بمن يمر بهم من المسافرين، ومن يرِدُ ديارهم من الغرباء، قاله ابن زيد. روي أنهم كانوا - مع فسقهم - يقطعون الطريق ويقتلون ويأخذون الأموال حتى انقطعت الطريق فلا يسلكها أحد. * * وقوله: ﴿وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ ٱلْمُنْكَرَ﴾. روي عن عائشة أنه الفراط، يعني أنهم كانوا يتفارطون في مجالسهم. وروت أم هانئ أنها سألت النبي ﷺ عن قوله تعالى ذكره: ﴿وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ ٱلْمُنْكَرَ﴾ قال: "كانوا يَخْذِفون أهلَ الطريقِ ويَسْخَرُونَ منهم، فهوَ المنكر الذي كانوا يأتون"، وقاله عكرمة والسدي. وقال مجاهد: المنكر هنا أنهم كانوا يجامع بعضهم بعضاً في المجالس. وهو قول قتادة وابن زيد. والحديث المروي عن النبي ﷺ أولى بالاتباع. وروي ذلك عن ابن شهاب: "إنّ على مَنْ عمِلَ عمَلَ قومِ لوطٍ الرجم أُحْصِنَ أو لم يُحْصَن قال مالك: إذا شهدَ على الفاعل والمفعول به أربعة شهداء عدول رُجما، ولا يرجمان حتى يُرى كما يرى المِرْوَد في المِكحلة أُحْصِنَا أو لم يُحْصَنَا إذا كانا قد بلغا الحُلمَ. وقد روى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: "اقتلوا الفاعلَ والمفعولَ بهِ وقال عليّ بن أبي طالب: يحرق الفاعل والمفعول به في النار. وروي أن أبا بكر شاور علياً في هذا فأمر بحرقهما. وفعل ابن الزبير مثل ذلك في أيامه، وفعله هشام ابن عبد الملك. وقيل إنما فعلوا الحرق بعد القتل. وروى أبو هريرة أن النبي ﷺ "أمر برجمِهما" وأكثر الروايات عن النبي ﷺ في ذلك "القتل لهما جميعاً" وفي بعض الحديث: "ومن وقَعَ على ذاتِ مَحْرَمٍ فاقتلوهُ وروى أنس أن النبي ﷺ قال: "إذا علا الذّكرَ الذّكَرُ اهتزّ العرشُ وقالت السماوات: يا ربّ مُرْنا أن نَحْصِبَهُ، وقالتِ الأرضُ: يا ربِّ مُرْنَا نَبْتَلِعَهُ، فيقولُ: دعوهُ فإنّ ممرَّهُ بي ووقوفَهُ بينَ يديَّ ثم قال تعالى ذكره: ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَن قَالُواْ ٱئْتِنَا بِعَذَابِ ٱللَّهِ﴾ أي: ما جاوب لوطاً قومه لما نهاهم عن المنكر، وخوفهم من عذاب الله إلاّ أن قالوا: جئنا بعذاب الله الذي توعدنا به إن كنت صادقاً في قولك. ﴿قَالَ رَبِّ ٱنصُرْنِي عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْمُفْسِدِينَ﴾ أي: قال لوط مستغيثاً لما استعجله قومه بالعذاب: يا ربّ انصرني على القوم المفسدين . * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَمَّا جَآءَتْ رُسُلُنَآ إِبْرَاهِيمَ بِٱلْبُشْرَىٰ﴾ أي: جاءته الملائكة من الله بالبشرى بإسحاق ومن ولده بيعقوب. ﴿قَالُوۤاْ إِنَّا مُهْلِكُوۤ أَهْلِ هَـٰذِهِ ٱلْقَرْيَةِ﴾ وهي: سدوم قرية قوم لوط. ﴿إِنَّ أَهْلَهَا كَانُواْ ظَالِمِينَ﴾ أي: ظالمين أنفسهم بمعصيتهم الله. * * ثم قال تعالى: ﴿قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطاً﴾ أي: قال ذلك إبراهيم عليه السلام. قال ابن عباس: فجادل إبراهيمُ الملائكة في قوم لوط عليه السلام أن يتركوا، فقال أرأيتم إن كان فيها عشرة أبيات من المسلمين أتتركونهم؟ فقالت الملائكة: ليس فيها عشرة أبيات ولا خمسة ولا أربعة ولا ثلاثة ولا اثنان، فقال إبراهيم: إن فيها لوطاً. ﴿فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلاَّ ٱمْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ ٱلْغَابِرِينَ﴾ أي: من الباقين في العذاب. وقيل: المعنى كانت من الذين أبقتهم الدهور والأيام وتطاولت أعمارهم، فإنها هالكة مع قوم لوط. وحسن وصفها بلفظ المذكر، فقال من الغابرين ولم يقل من الغابرات لما كانت مع الرجال، فجعل صفتها كصفتهم. وروي أن إبراهيم ﷺ قال للملائكة: إن كان فيهم مائة يكرهون هذا أتهلكونهم؟ قالوا: لا قال: فإن كان فيهم تسعون قالوا: لا، إلى أن بلغ إلى عشرين. قال: إن فيها لوطاً. قالت الملائكة: نحن أعلم بمن فيها. روي أنه كان في المدينة أربع مائة ألف. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَمَّآ أَن جَآءَتْ رُسُلُنَا لُوطاً سِيءَ بِهِمْ﴾ أي: ساءته الملائكة بمجيئهم إليه، وذلك أنهم تضيفوه فرأى جمالهم وحسنهم فخاف عليهم من قومه، إذ قد علم أنهم كانوا يظلمون مثلهم في حسنهم وجمالهم فساؤوه بذلك. قال قتادة: ساء ظنّه بقومه وضاق بضيفه ذرعاً لما علم من حيث فعل قومه. قال ابن أبي عروبة: كان قوم لوط أربعة آلاف ألف، فلما رأت الرّسل غمّه وخوفه عليهم من قومه، قالت الرسل للوط: لا تخف علينا أن يصل إلينا قومك ولا تحزن مما أخبرناك من أنا مهلكوهم، فإنا ننجيك وأهلك إلاّ امرأتك. * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّا مُنزِلُونَ عَلَىٰ أَهْلِ هَـٰذِهِ ٱلْقَرْيَةِ رِجْزاً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ﴾ أي: عذاباً بفسقهم. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَد تَّرَكْنَا مِنْهَآ آيَةً بَيِّنَةً﴾ أي: أبقينا فعلتنا بهم عبرة وعظة ظاهرة لقوم يعقلون عن الله حججه وتلك الآية: اندراس آثارهم ومعالمهم. ونتبع الحجارة إياهم حيث كانوا. * * ثم قال تعالى: ﴿وَإِلَىٰ مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْباً﴾ أي: وأرسلنا إلى مديَن أخاهم شعيْباً. فقال لهم يا قوم اعبدوا الله وحده وارجوا بعبادتكم إياه اليوم الآخر، أي: جزاء اليوم الآخر وهو يوم القيامة. ﴿وَلاَ تَعْثَوْاْ فِي ٱلأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ أي: لا تكثروا الفساد في الأرض بمعصية الله تعالى وإقامتكم عليها. ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَتْهُمُ ٱلرَّجْفَةُ﴾ أي: فكذب أهل مدين شعيباً فيما جاءهم به عن الله جلّ ذكره، فأخذهم العذاب، فأصبح بعضهم على بعض جثوماً موتاً في ديارهم. قال قتادة: أرسل شعيب مرتين إلى أمتين، إلى أهل مدين، وإلى أصحاب الأيكة، وكان شعيب من ولد مدين، وأهل مدين من ولده أيضاً، فلذلك قال: أخاهم، ولم يكن بين شعيب وأصحاب الأيكة نسب فلذلك لم يقل أخاهم. قال قتادة: جاثمين: ميتين. وأصله المد والسكون وقطع الحركة. * * ثم قال تعالى: ﴿وَعَاداً وَثَمُودَاْ وَقَد تَّبَيَّنَ لَكُم مِّن مَّسَاكِنِهِمْ﴾ نصب عاد وثمود عند الكسائي على العطف على قوله: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ [العنكبوت: ٣] وفتنا عاداً وثموداً. وقال الزجاج: التقدير: وأهلكنا عاداً وثموداً. وقال الطبري: التقدير: واذكر عاداً وثموداً، وقد تبيّن لكم من مساكنهم، يعني خرابها وخلاءها منهم. ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ﴾ أي: حسّنها لهم فتمادوا على كفرهم وتكذيبهم. ﴿فَصَدَّهُمْ عَنِ ٱلسَّبِيلِ﴾ أي: عن سبيل الله. ﴿وَكَانُواْ مُسْتَبْصِرِينَ﴾ أي: في ضلالتهم، أي: معجبين بها، يحسبون أنهم على هدى وصواب، قاله ابن عباس والضحاك وقتادة. وقيل: المعنى: كانوا قد عرفوا الحق من الباطل. فهو مثل قوله تعالى ذكره: ﴿وَجَحَدُواْ بِهَا وَٱسْتَيْقَنَتْهَآ أَنفُسُهُمْ﴾ [النمل: ١٤]. قال تعالى: ﴿وَقَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ﴾. هذا معطوف على عاد على الاختلاف المتقدم. ﴿وَلَقَدْ جَآءَهُمْ مُّوسَىٰ بِٱلْبَيِّنَاتِ﴾ أي: الآيات الواضحات. ﴿فَٱسْتَكْبَرُواْ فِي ٱلأَرْضِ﴾ أي: عن التصديق بالآيات. ﴿وَمَا كَانُواْ سَابِقِينَ﴾ أي: فائتين بأنفسهم، بل القدرة عليهم غالبة من الله. * * ثم قال تعالى: ﴿فَكُلاًّ أَخَذْنَا بِذَنبِهِ﴾ أي: فأخذنا جميع هذه الأمم المذكورة بذنوبهم وأهلكناهم. ﴿فَمِنْهُم مَّن أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِباً﴾ أي: حجارة من سجيل والعرب تسمي الريح التي تحمل الحصى حاصباً. وهم قوم لوط. ﴿وَمِنْهُمْ مَّنْ أَخَذَتْهُ ٱلصَّيْحَةُ﴾ قال ابن عباس: هم ثمود. وقال قتادة هم قوم شعيب. ﴿وَمِنْهُمْ مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ ٱلأَرْضَ﴾ قال ابن عباس وقتادة: هو قارون. ﴿وَمِنْهُمْ مَّنْ أَغْرَقْنَا﴾ قال ابن عباس: هم قوم نوح. وقال قتادة هم قوم فرعون. ﴿وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ﴾ أي: وما كان الله ليهلك هذه الأمم بغير ذنب. ﴿وَلَـٰكِن كَانُوۤاْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ أي: بعبادتهم غير من ينعم عليهم ويرزقهم. * * ثم قال تعالى: ﴿مَثَلُ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَوْلِيَآءَ كَمَثَلِ ٱلْعَنكَبُوتِ ٱتَّخَذَتْ بَيْتاً﴾ أي مثل من اتخذ من دون الله آلهة في ضعف ما يرجون منها كمثل العنكبوت في ضعفها وقلة حيلتها اتخذت بيتاً ليُكِنّها، فلم يغن عنها شيئاً عند حاجتها، فكذلك هؤلاء الذين عبدوا الأوثان لتنفعهم عند حاجتهم إليها. قال ابن عباس: هو مثلٌ ضربه الله لمن عبد غيره. ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَإِنَّ أَوْهَنَ ٱلْبُيُوتِ لَبَيْتُ ٱلْعَنكَبُوتِ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ﴾ أي: إن أضعف البيوت لبيت العنكبوت لو علموا ذلك يقيناً.

العنكبوت 29:33

قوله تعالى ذكره: ﴿أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ ٱلرِّجَالَ وَتَقْطَعُونَ ٱلسَّبِيلَ﴾ إلى قوله: ﴿لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ﴾. أي: تأتون الرجال في أدبارهم، وتقطعون الطريق على المسافرين. روي أنهم كانوا يفعلون ذلك بمن يمر بهم من المسافرين، ومن يرِدُ ديارهم من الغرباء، قاله ابن زيد. روي أنهم كانوا - مع فسقهم - يقطعون الطريق ويقتلون ويأخذون الأموال حتى انقطعت الطريق فلا يسلكها أحد. * * وقوله: ﴿وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ ٱلْمُنْكَرَ﴾. روي عن عائشة أنه الفراط، يعني أنهم كانوا يتفارطون في مجالسهم. وروت أم هانئ أنها سألت النبي ﷺ عن قوله تعالى ذكره: ﴿وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ ٱلْمُنْكَرَ﴾ قال: "كانوا يَخْذِفون أهلَ الطريقِ ويَسْخَرُونَ منهم، فهوَ المنكر الذي كانوا يأتون"، وقاله عكرمة والسدي. وقال مجاهد: المنكر هنا أنهم كانوا يجامع بعضهم بعضاً في المجالس. وهو قول قتادة وابن زيد. والحديث المروي عن النبي ﷺ أولى بالاتباع. وروي ذلك عن ابن شهاب: "إنّ على مَنْ عمِلَ عمَلَ قومِ لوطٍ الرجم أُحْصِنَ أو لم يُحْصَن قال مالك: إذا شهدَ على الفاعل والمفعول به أربعة شهداء عدول رُجما، ولا يرجمان حتى يُرى كما يرى المِرْوَد في المِكحلة أُحْصِنَا أو لم يُحْصَنَا إذا كانا قد بلغا الحُلمَ. وقد روى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: "اقتلوا الفاعلَ والمفعولَ بهِ وقال عليّ بن أبي طالب: يحرق الفاعل والمفعول به في النار. وروي أن أبا بكر شاور علياً في هذا فأمر بحرقهما. وفعل ابن الزبير مثل ذلك في أيامه، وفعله هشام ابن عبد الملك. وقيل إنما فعلوا الحرق بعد القتل. وروى أبو هريرة أن النبي ﷺ "أمر برجمِهما" وأكثر الروايات عن النبي ﷺ في ذلك "القتل لهما جميعاً" وفي بعض الحديث: "ومن وقَعَ على ذاتِ مَحْرَمٍ فاقتلوهُ وروى أنس أن النبي ﷺ قال: "إذا علا الذّكرَ الذّكَرُ اهتزّ العرشُ وقالت السماوات: يا ربّ مُرْنا أن نَحْصِبَهُ، وقالتِ الأرضُ: يا ربِّ مُرْنَا نَبْتَلِعَهُ، فيقولُ: دعوهُ فإنّ ممرَّهُ بي ووقوفَهُ بينَ يديَّ ثم قال تعالى ذكره: ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَن قَالُواْ ٱئْتِنَا بِعَذَابِ ٱللَّهِ﴾ أي: ما جاوب لوطاً قومه لما نهاهم عن المنكر، وخوفهم من عذاب الله إلاّ أن قالوا: جئنا بعذاب الله الذي توعدنا به إن كنت صادقاً في قولك. ﴿قَالَ رَبِّ ٱنصُرْنِي عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْمُفْسِدِينَ﴾ أي: قال لوط مستغيثاً لما استعجله قومه بالعذاب: يا ربّ انصرني على القوم المفسدين . * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَمَّا جَآءَتْ رُسُلُنَآ إِبْرَاهِيمَ بِٱلْبُشْرَىٰ﴾ أي: جاءته الملائكة من الله بالبشرى بإسحاق ومن ولده بيعقوب. ﴿قَالُوۤاْ إِنَّا مُهْلِكُوۤ أَهْلِ هَـٰذِهِ ٱلْقَرْيَةِ﴾ وهي: سدوم قرية قوم لوط. ﴿إِنَّ أَهْلَهَا كَانُواْ ظَالِمِينَ﴾ أي: ظالمين أنفسهم بمعصيتهم الله. * * ثم قال تعالى: ﴿قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطاً﴾ أي: قال ذلك إبراهيم عليه السلام. قال ابن عباس: فجادل إبراهيمُ الملائكة في قوم لوط عليه السلام أن يتركوا، فقال أرأيتم إن كان فيها عشرة أبيات من المسلمين أتتركونهم؟ فقالت الملائكة: ليس فيها عشرة أبيات ولا خمسة ولا أربعة ولا ثلاثة ولا اثنان، فقال إبراهيم: إن فيها لوطاً. ﴿فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلاَّ ٱمْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ ٱلْغَابِرِينَ﴾ أي: من الباقين في العذاب. وقيل: المعنى كانت من الذين أبقتهم الدهور والأيام وتطاولت أعمارهم، فإنها هالكة مع قوم لوط. وحسن وصفها بلفظ المذكر، فقال من الغابرين ولم يقل من الغابرات لما كانت مع الرجال، فجعل صفتها كصفتهم. وروي أن إبراهيم ﷺ قال للملائكة: إن كان فيهم مائة يكرهون هذا أتهلكونهم؟ قالوا: لا قال: فإن كان فيهم تسعون قالوا: لا، إلى أن بلغ إلى عشرين. قال: إن فيها لوطاً. قالت الملائكة: نحن أعلم بمن فيها. روي أنه كان في المدينة أربع مائة ألف. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَمَّآ أَن جَآءَتْ رُسُلُنَا لُوطاً سِيءَ بِهِمْ﴾ أي: ساءته الملائكة بمجيئهم إليه، وذلك أنهم تضيفوه فرأى جمالهم وحسنهم فخاف عليهم من قومه، إذ قد علم أنهم كانوا يظلمون مثلهم في حسنهم وجمالهم فساؤوه بذلك. قال قتادة: ساء ظنّه بقومه وضاق بضيفه ذرعاً لما علم من حيث فعل قومه. قال ابن أبي عروبة: كان قوم لوط أربعة آلاف ألف، فلما رأت الرّسل غمّه وخوفه عليهم من قومه، قالت الرسل للوط: لا تخف علينا أن يصل إلينا قومك ولا تحزن مما أخبرناك من أنا مهلكوهم، فإنا ننجيك وأهلك إلاّ امرأتك. * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّا مُنزِلُونَ عَلَىٰ أَهْلِ هَـٰذِهِ ٱلْقَرْيَةِ رِجْزاً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ﴾ أي: عذاباً بفسقهم. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَد تَّرَكْنَا مِنْهَآ آيَةً بَيِّنَةً﴾ أي: أبقينا فعلتنا بهم عبرة وعظة ظاهرة لقوم يعقلون عن الله حججه وتلك الآية: اندراس آثارهم ومعالمهم. ونتبع الحجارة إياهم حيث كانوا. * * ثم قال تعالى: ﴿وَإِلَىٰ مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْباً﴾ أي: وأرسلنا إلى مديَن أخاهم شعيْباً. فقال لهم يا قوم اعبدوا الله وحده وارجوا بعبادتكم إياه اليوم الآخر، أي: جزاء اليوم الآخر وهو يوم القيامة. ﴿وَلاَ تَعْثَوْاْ فِي ٱلأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ أي: لا تكثروا الفساد في الأرض بمعصية الله تعالى وإقامتكم عليها. ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَتْهُمُ ٱلرَّجْفَةُ﴾ أي: فكذب أهل مدين شعيباً فيما جاءهم به عن الله جلّ ذكره، فأخذهم العذاب، فأصبح بعضهم على بعض جثوماً موتاً في ديارهم. قال قتادة: أرسل شعيب مرتين إلى أمتين، إلى أهل مدين، وإلى أصحاب الأيكة، وكان شعيب من ولد مدين، وأهل مدين من ولده أيضاً، فلذلك قال: أخاهم، ولم يكن بين شعيب وأصحاب الأيكة نسب فلذلك لم يقل أخاهم. قال قتادة: جاثمين: ميتين. وأصله المد والسكون وقطع الحركة. * * ثم قال تعالى: ﴿وَعَاداً وَثَمُودَاْ وَقَد تَّبَيَّنَ لَكُم مِّن مَّسَاكِنِهِمْ﴾ نصب عاد وثمود عند الكسائي على العطف على قوله: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ [العنكبوت: ٣] وفتنا عاداً وثموداً. وقال الزجاج: التقدير: وأهلكنا عاداً وثموداً. وقال الطبري: التقدير: واذكر عاداً وثموداً، وقد تبيّن لكم من مساكنهم، يعني خرابها وخلاءها منهم. ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ﴾ أي: حسّنها لهم فتمادوا على كفرهم وتكذيبهم. ﴿فَصَدَّهُمْ عَنِ ٱلسَّبِيلِ﴾ أي: عن سبيل الله. ﴿وَكَانُواْ مُسْتَبْصِرِينَ﴾ أي: في ضلالتهم، أي: معجبين بها، يحسبون أنهم على هدى وصواب، قاله ابن عباس والضحاك وقتادة. وقيل: المعنى: كانوا قد عرفوا الحق من الباطل. فهو مثل قوله تعالى ذكره: ﴿وَجَحَدُواْ بِهَا وَٱسْتَيْقَنَتْهَآ أَنفُسُهُمْ﴾ [النمل: ١٤]. قال تعالى: ﴿وَقَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ﴾. هذا معطوف على عاد على الاختلاف المتقدم. ﴿وَلَقَدْ جَآءَهُمْ مُّوسَىٰ بِٱلْبَيِّنَاتِ﴾ أي: الآيات الواضحات. ﴿فَٱسْتَكْبَرُواْ فِي ٱلأَرْضِ﴾ أي: عن التصديق بالآيات. ﴿وَمَا كَانُواْ سَابِقِينَ﴾ أي: فائتين بأنفسهم، بل القدرة عليهم غالبة من الله. * * ثم قال تعالى: ﴿فَكُلاًّ أَخَذْنَا بِذَنبِهِ﴾ أي: فأخذنا جميع هذه الأمم المذكورة بذنوبهم وأهلكناهم. ﴿فَمِنْهُم مَّن أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِباً﴾ أي: حجارة من سجيل والعرب تسمي الريح التي تحمل الحصى حاصباً. وهم قوم لوط. ﴿وَمِنْهُمْ مَّنْ أَخَذَتْهُ ٱلصَّيْحَةُ﴾ قال ابن عباس: هم ثمود. وقال قتادة هم قوم شعيب. ﴿وَمِنْهُمْ مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ ٱلأَرْضَ﴾ قال ابن عباس وقتادة: هو قارون. ﴿وَمِنْهُمْ مَّنْ أَغْرَقْنَا﴾ قال ابن عباس: هم قوم نوح. وقال قتادة هم قوم فرعون. ﴿وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ﴾ أي: وما كان الله ليهلك هذه الأمم بغير ذنب. ﴿وَلَـٰكِن كَانُوۤاْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ أي: بعبادتهم غير من ينعم عليهم ويرزقهم. * * ثم قال تعالى: ﴿مَثَلُ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَوْلِيَآءَ كَمَثَلِ ٱلْعَنكَبُوتِ ٱتَّخَذَتْ بَيْتاً﴾ أي مثل من اتخذ من دون الله آلهة في ضعف ما يرجون منها كمثل العنكبوت في ضعفها وقلة حيلتها اتخذت بيتاً ليُكِنّها، فلم يغن عنها شيئاً عند حاجتها، فكذلك هؤلاء الذين عبدوا الأوثان لتنفعهم عند حاجتهم إليها. قال ابن عباس: هو مثلٌ ضربه الله لمن عبد غيره. ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَإِنَّ أَوْهَنَ ٱلْبُيُوتِ لَبَيْتُ ٱلْعَنكَبُوتِ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ﴾ أي: إن أضعف البيوت لبيت العنكبوت لو علموا ذلك يقيناً.

العنكبوت 29:34

قوله تعالى ذكره: ﴿أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ ٱلرِّجَالَ وَتَقْطَعُونَ ٱلسَّبِيلَ﴾ إلى قوله: ﴿لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ﴾. أي: تأتون الرجال في أدبارهم، وتقطعون الطريق على المسافرين. روي أنهم كانوا يفعلون ذلك بمن يمر بهم من المسافرين، ومن يرِدُ ديارهم من الغرباء، قاله ابن زيد. روي أنهم كانوا - مع فسقهم - يقطعون الطريق ويقتلون ويأخذون الأموال حتى انقطعت الطريق فلا يسلكها أحد. * * وقوله: ﴿وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ ٱلْمُنْكَرَ﴾. روي عن عائشة أنه الفراط، يعني أنهم كانوا يتفارطون في مجالسهم. وروت أم هانئ أنها سألت النبي ﷺ عن قوله تعالى ذكره: ﴿وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ ٱلْمُنْكَرَ﴾ قال: "كانوا يَخْذِفون أهلَ الطريقِ ويَسْخَرُونَ منهم، فهوَ المنكر الذي كانوا يأتون"، وقاله عكرمة والسدي. وقال مجاهد: المنكر هنا أنهم كانوا يجامع بعضهم بعضاً في المجالس. وهو قول قتادة وابن زيد. والحديث المروي عن النبي ﷺ أولى بالاتباع. وروي ذلك عن ابن شهاب: "إنّ على مَنْ عمِلَ عمَلَ قومِ لوطٍ الرجم أُحْصِنَ أو لم يُحْصَن قال مالك: إذا شهدَ على الفاعل والمفعول به أربعة شهداء عدول رُجما، ولا يرجمان حتى يُرى كما يرى المِرْوَد في المِكحلة أُحْصِنَا أو لم يُحْصَنَا إذا كانا قد بلغا الحُلمَ. وقد روى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: "اقتلوا الفاعلَ والمفعولَ بهِ وقال عليّ بن أبي طالب: يحرق الفاعل والمفعول به في النار. وروي أن أبا بكر شاور علياً في هذا فأمر بحرقهما. وفعل ابن الزبير مثل ذلك في أيامه، وفعله هشام ابن عبد الملك. وقيل إنما فعلوا الحرق بعد القتل. وروى أبو هريرة أن النبي ﷺ "أمر برجمِهما" وأكثر الروايات عن النبي ﷺ في ذلك "القتل لهما جميعاً" وفي بعض الحديث: "ومن وقَعَ على ذاتِ مَحْرَمٍ فاقتلوهُ وروى أنس أن النبي ﷺ قال: "إذا علا الذّكرَ الذّكَرُ اهتزّ العرشُ وقالت السماوات: يا ربّ مُرْنا أن نَحْصِبَهُ، وقالتِ الأرضُ: يا ربِّ مُرْنَا نَبْتَلِعَهُ، فيقولُ: دعوهُ فإنّ ممرَّهُ بي ووقوفَهُ بينَ يديَّ ثم قال تعالى ذكره: ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَن قَالُواْ ٱئْتِنَا بِعَذَابِ ٱللَّهِ﴾ أي: ما جاوب لوطاً قومه لما نهاهم عن المنكر، وخوفهم من عذاب الله إلاّ أن قالوا: جئنا بعذاب الله الذي توعدنا به إن كنت صادقاً في قولك. ﴿قَالَ رَبِّ ٱنصُرْنِي عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْمُفْسِدِينَ﴾ أي: قال لوط مستغيثاً لما استعجله قومه بالعذاب: يا ربّ انصرني على القوم المفسدين . * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَمَّا جَآءَتْ رُسُلُنَآ إِبْرَاهِيمَ بِٱلْبُشْرَىٰ﴾ أي: جاءته الملائكة من الله بالبشرى بإسحاق ومن ولده بيعقوب. ﴿قَالُوۤاْ إِنَّا مُهْلِكُوۤ أَهْلِ هَـٰذِهِ ٱلْقَرْيَةِ﴾ وهي: سدوم قرية قوم لوط. ﴿إِنَّ أَهْلَهَا كَانُواْ ظَالِمِينَ﴾ أي: ظالمين أنفسهم بمعصيتهم الله. * * ثم قال تعالى: ﴿قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطاً﴾ أي: قال ذلك إبراهيم عليه السلام. قال ابن عباس: فجادل إبراهيمُ الملائكة في قوم لوط عليه السلام أن يتركوا، فقال أرأيتم إن كان فيها عشرة أبيات من المسلمين أتتركونهم؟ فقالت الملائكة: ليس فيها عشرة أبيات ولا خمسة ولا أربعة ولا ثلاثة ولا اثنان، فقال إبراهيم: إن فيها لوطاً. ﴿فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلاَّ ٱمْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ ٱلْغَابِرِينَ﴾ أي: من الباقين في العذاب. وقيل: المعنى كانت من الذين أبقتهم الدهور والأيام وتطاولت أعمارهم، فإنها هالكة مع قوم لوط. وحسن وصفها بلفظ المذكر، فقال من الغابرين ولم يقل من الغابرات لما كانت مع الرجال، فجعل صفتها كصفتهم. وروي أن إبراهيم ﷺ قال للملائكة: إن كان فيهم مائة يكرهون هذا أتهلكونهم؟ قالوا: لا قال: فإن كان فيهم تسعون قالوا: لا، إلى أن بلغ إلى عشرين. قال: إن فيها لوطاً. قالت الملائكة: نحن أعلم بمن فيها. روي أنه كان في المدينة أربع مائة ألف. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَمَّآ أَن جَآءَتْ رُسُلُنَا لُوطاً سِيءَ بِهِمْ﴾ أي: ساءته الملائكة بمجيئهم إليه، وذلك أنهم تضيفوه فرأى جمالهم وحسنهم فخاف عليهم من قومه، إذ قد علم أنهم كانوا يظلمون مثلهم في حسنهم وجمالهم فساؤوه بذلك. قال قتادة: ساء ظنّه بقومه وضاق بضيفه ذرعاً لما علم من حيث فعل قومه. قال ابن أبي عروبة: كان قوم لوط أربعة آلاف ألف، فلما رأت الرّسل غمّه وخوفه عليهم من قومه، قالت الرسل للوط: لا تخف علينا أن يصل إلينا قومك ولا تحزن مما أخبرناك من أنا مهلكوهم، فإنا ننجيك وأهلك إلاّ امرأتك. * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّا مُنزِلُونَ عَلَىٰ أَهْلِ هَـٰذِهِ ٱلْقَرْيَةِ رِجْزاً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ﴾ أي: عذاباً بفسقهم. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَد تَّرَكْنَا مِنْهَآ آيَةً بَيِّنَةً﴾ أي: أبقينا فعلتنا بهم عبرة وعظة ظاهرة لقوم يعقلون عن الله حججه وتلك الآية: اندراس آثارهم ومعالمهم. ونتبع الحجارة إياهم حيث كانوا. * * ثم قال تعالى: ﴿وَإِلَىٰ مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْباً﴾ أي: وأرسلنا إلى مديَن أخاهم شعيْباً. فقال لهم يا قوم اعبدوا الله وحده وارجوا بعبادتكم إياه اليوم الآخر، أي: جزاء اليوم الآخر وهو يوم القيامة. ﴿وَلاَ تَعْثَوْاْ فِي ٱلأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ أي: لا تكثروا الفساد في الأرض بمعصية الله تعالى وإقامتكم عليها. ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَتْهُمُ ٱلرَّجْفَةُ﴾ أي: فكذب أهل مدين شعيباً فيما جاءهم به عن الله جلّ ذكره، فأخذهم العذاب، فأصبح بعضهم على بعض جثوماً موتاً في ديارهم. قال قتادة: أرسل شعيب مرتين إلى أمتين، إلى أهل مدين، وإلى أصحاب الأيكة، وكان شعيب من ولد مدين، وأهل مدين من ولده أيضاً، فلذلك قال: أخاهم، ولم يكن بين شعيب وأصحاب الأيكة نسب فلذلك لم يقل أخاهم. قال قتادة: جاثمين: ميتين. وأصله المد والسكون وقطع الحركة. * * ثم قال تعالى: ﴿وَعَاداً وَثَمُودَاْ وَقَد تَّبَيَّنَ لَكُم مِّن مَّسَاكِنِهِمْ﴾ نصب عاد وثمود عند الكسائي على العطف على قوله: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ [العنكبوت: ٣] وفتنا عاداً وثموداً. وقال الزجاج: التقدير: وأهلكنا عاداً وثموداً. وقال الطبري: التقدير: واذكر عاداً وثموداً، وقد تبيّن لكم من مساكنهم، يعني خرابها وخلاءها منهم. ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ﴾ أي: حسّنها لهم فتمادوا على كفرهم وتكذيبهم. ﴿فَصَدَّهُمْ عَنِ ٱلسَّبِيلِ﴾ أي: عن سبيل الله. ﴿وَكَانُواْ مُسْتَبْصِرِينَ﴾ أي: في ضلالتهم، أي: معجبين بها، يحسبون أنهم على هدى وصواب، قاله ابن عباس والضحاك وقتادة. وقيل: المعنى: كانوا قد عرفوا الحق من الباطل. فهو مثل قوله تعالى ذكره: ﴿وَجَحَدُواْ بِهَا وَٱسْتَيْقَنَتْهَآ أَنفُسُهُمْ﴾ [النمل: ١٤]. قال تعالى: ﴿وَقَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ﴾. هذا معطوف على عاد على الاختلاف المتقدم. ﴿وَلَقَدْ جَآءَهُمْ مُّوسَىٰ بِٱلْبَيِّنَاتِ﴾ أي: الآيات الواضحات. ﴿فَٱسْتَكْبَرُواْ فِي ٱلأَرْضِ﴾ أي: عن التصديق بالآيات. ﴿وَمَا كَانُواْ سَابِقِينَ﴾ أي: فائتين بأنفسهم، بل القدرة عليهم غالبة من الله. * * ثم قال تعالى: ﴿فَكُلاًّ أَخَذْنَا بِذَنبِهِ﴾ أي: فأخذنا جميع هذه الأمم المذكورة بذنوبهم وأهلكناهم. ﴿فَمِنْهُم مَّن أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِباً﴾ أي: حجارة من سجيل والعرب تسمي الريح التي تحمل الحصى حاصباً. وهم قوم لوط. ﴿وَمِنْهُمْ مَّنْ أَخَذَتْهُ ٱلصَّيْحَةُ﴾ قال ابن عباس: هم ثمود. وقال قتادة هم قوم شعيب. ﴿وَمِنْهُمْ مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ ٱلأَرْضَ﴾ قال ابن عباس وقتادة: هو قارون. ﴿وَمِنْهُمْ مَّنْ أَغْرَقْنَا﴾ قال ابن عباس: هم قوم نوح. وقال قتادة هم قوم فرعون. ﴿وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ﴾ أي: وما كان الله ليهلك هذه الأمم بغير ذنب. ﴿وَلَـٰكِن كَانُوۤاْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ أي: بعبادتهم غير من ينعم عليهم ويرزقهم. * * ثم قال تعالى: ﴿مَثَلُ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَوْلِيَآءَ كَمَثَلِ ٱلْعَنكَبُوتِ ٱتَّخَذَتْ بَيْتاً﴾ أي مثل من اتخذ من دون الله آلهة في ضعف ما يرجون منها كمثل العنكبوت في ضعفها وقلة حيلتها اتخذت بيتاً ليُكِنّها، فلم يغن عنها شيئاً عند حاجتها، فكذلك هؤلاء الذين عبدوا الأوثان لتنفعهم عند حاجتهم إليها. قال ابن عباس: هو مثلٌ ضربه الله لمن عبد غيره. ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَإِنَّ أَوْهَنَ ٱلْبُيُوتِ لَبَيْتُ ٱلْعَنكَبُوتِ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ﴾ أي: إن أضعف البيوت لبيت العنكبوت لو علموا ذلك يقيناً.

العنكبوت 29:35

قوله تعالى ذكره: ﴿أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ ٱلرِّجَالَ وَتَقْطَعُونَ ٱلسَّبِيلَ﴾ إلى قوله: ﴿لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ﴾. أي: تأتون الرجال في أدبارهم، وتقطعون الطريق على المسافرين. روي أنهم كانوا يفعلون ذلك بمن يمر بهم من المسافرين، ومن يرِدُ ديارهم من الغرباء، قاله ابن زيد. روي أنهم كانوا - مع فسقهم - يقطعون الطريق ويقتلون ويأخذون الأموال حتى انقطعت الطريق فلا يسلكها أحد. * * وقوله: ﴿وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ ٱلْمُنْكَرَ﴾. روي عن عائشة أنه الفراط، يعني أنهم كانوا يتفارطون في مجالسهم. وروت أم هانئ أنها سألت النبي ﷺ عن قوله تعالى ذكره: ﴿وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ ٱلْمُنْكَرَ﴾ قال: "كانوا يَخْذِفون أهلَ الطريقِ ويَسْخَرُونَ منهم، فهوَ المنكر الذي كانوا يأتون"، وقاله عكرمة والسدي. وقال مجاهد: المنكر هنا أنهم كانوا يجامع بعضهم بعضاً في المجالس. وهو قول قتادة وابن زيد. والحديث المروي عن النبي ﷺ أولى بالاتباع. وروي ذلك عن ابن شهاب: "إنّ على مَنْ عمِلَ عمَلَ قومِ لوطٍ الرجم أُحْصِنَ أو لم يُحْصَن قال مالك: إذا شهدَ على الفاعل والمفعول به أربعة شهداء عدول رُجما، ولا يرجمان حتى يُرى كما يرى المِرْوَد في المِكحلة أُحْصِنَا أو لم يُحْصَنَا إذا كانا قد بلغا الحُلمَ. وقد روى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: "اقتلوا الفاعلَ والمفعولَ بهِ وقال عليّ بن أبي طالب: يحرق الفاعل والمفعول به في النار. وروي أن أبا بكر شاور علياً في هذا فأمر بحرقهما. وفعل ابن الزبير مثل ذلك في أيامه، وفعله هشام ابن عبد الملك. وقيل إنما فعلوا الحرق بعد القتل. وروى أبو هريرة أن النبي ﷺ "أمر برجمِهما" وأكثر الروايات عن النبي ﷺ في ذلك "القتل لهما جميعاً" وفي بعض الحديث: "ومن وقَعَ على ذاتِ مَحْرَمٍ فاقتلوهُ وروى أنس أن النبي ﷺ قال: "إذا علا الذّكرَ الذّكَرُ اهتزّ العرشُ وقالت السماوات: يا ربّ مُرْنا أن نَحْصِبَهُ، وقالتِ الأرضُ: يا ربِّ مُرْنَا نَبْتَلِعَهُ، فيقولُ: دعوهُ فإنّ ممرَّهُ بي ووقوفَهُ بينَ يديَّ ثم قال تعالى ذكره: ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَن قَالُواْ ٱئْتِنَا بِعَذَابِ ٱللَّهِ﴾ أي: ما جاوب لوطاً قومه لما نهاهم عن المنكر، وخوفهم من عذاب الله إلاّ أن قالوا: جئنا بعذاب الله الذي توعدنا به إن كنت صادقاً في قولك. ﴿قَالَ رَبِّ ٱنصُرْنِي عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْمُفْسِدِينَ﴾ أي: قال لوط مستغيثاً لما استعجله قومه بالعذاب: يا ربّ انصرني على القوم المفسدين . * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَمَّا جَآءَتْ رُسُلُنَآ إِبْرَاهِيمَ بِٱلْبُشْرَىٰ﴾ أي: جاءته الملائكة من الله بالبشرى بإسحاق ومن ولده بيعقوب. ﴿قَالُوۤاْ إِنَّا مُهْلِكُوۤ أَهْلِ هَـٰذِهِ ٱلْقَرْيَةِ﴾ وهي: سدوم قرية قوم لوط. ﴿إِنَّ أَهْلَهَا كَانُواْ ظَالِمِينَ﴾ أي: ظالمين أنفسهم بمعصيتهم الله. * * ثم قال تعالى: ﴿قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطاً﴾ أي: قال ذلك إبراهيم عليه السلام. قال ابن عباس: فجادل إبراهيمُ الملائكة في قوم لوط عليه السلام أن يتركوا، فقال أرأيتم إن كان فيها عشرة أبيات من المسلمين أتتركونهم؟ فقالت الملائكة: ليس فيها عشرة أبيات ولا خمسة ولا أربعة ولا ثلاثة ولا اثنان، فقال إبراهيم: إن فيها لوطاً. ﴿فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلاَّ ٱمْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ ٱلْغَابِرِينَ﴾ أي: من الباقين في العذاب. وقيل: المعنى كانت من الذين أبقتهم الدهور والأيام وتطاولت أعمارهم، فإنها هالكة مع قوم لوط. وحسن وصفها بلفظ المذكر، فقال من الغابرين ولم يقل من الغابرات لما كانت مع الرجال، فجعل صفتها كصفتهم. وروي أن إبراهيم ﷺ قال للملائكة: إن كان فيهم مائة يكرهون هذا أتهلكونهم؟ قالوا: لا قال: فإن كان فيهم تسعون قالوا: لا، إلى أن بلغ إلى عشرين. قال: إن فيها لوطاً. قالت الملائكة: نحن أعلم بمن فيها. روي أنه كان في المدينة أربع مائة ألف. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَمَّآ أَن جَآءَتْ رُسُلُنَا لُوطاً سِيءَ بِهِمْ﴾ أي: ساءته الملائكة بمجيئهم إليه، وذلك أنهم تضيفوه فرأى جمالهم وحسنهم فخاف عليهم من قومه، إذ قد علم أنهم كانوا يظلمون مثلهم في حسنهم وجمالهم فساؤوه بذلك. قال قتادة: ساء ظنّه بقومه وضاق بضيفه ذرعاً لما علم من حيث فعل قومه. قال ابن أبي عروبة: كان قوم لوط أربعة آلاف ألف، فلما رأت الرّسل غمّه وخوفه عليهم من قومه، قالت الرسل للوط: لا تخف علينا أن يصل إلينا قومك ولا تحزن مما أخبرناك من أنا مهلكوهم، فإنا ننجيك وأهلك إلاّ امرأتك. * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّا مُنزِلُونَ عَلَىٰ أَهْلِ هَـٰذِهِ ٱلْقَرْيَةِ رِجْزاً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ﴾ أي: عذاباً بفسقهم. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَد تَّرَكْنَا مِنْهَآ آيَةً بَيِّنَةً﴾ أي: أبقينا فعلتنا بهم عبرة وعظة ظاهرة لقوم يعقلون عن الله حججه وتلك الآية: اندراس آثارهم ومعالمهم. ونتبع الحجارة إياهم حيث كانوا. * * ثم قال تعالى: ﴿وَإِلَىٰ مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْباً﴾ أي: وأرسلنا إلى مديَن أخاهم شعيْباً. فقال لهم يا قوم اعبدوا الله وحده وارجوا بعبادتكم إياه اليوم الآخر، أي: جزاء اليوم الآخر وهو يوم القيامة. ﴿وَلاَ تَعْثَوْاْ فِي ٱلأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ أي: لا تكثروا الفساد في الأرض بمعصية الله تعالى وإقامتكم عليها. ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَتْهُمُ ٱلرَّجْفَةُ﴾ أي: فكذب أهل مدين شعيباً فيما جاءهم به عن الله جلّ ذكره، فأخذهم العذاب، فأصبح بعضهم على بعض جثوماً موتاً في ديارهم. قال قتادة: أرسل شعيب مرتين إلى أمتين، إلى أهل مدين، وإلى أصحاب الأيكة، وكان شعيب من ولد مدين، وأهل مدين من ولده أيضاً، فلذلك قال: أخاهم، ولم يكن بين شعيب وأصحاب الأيكة نسب فلذلك لم يقل أخاهم. قال قتادة: جاثمين: ميتين. وأصله المد والسكون وقطع الحركة. * * ثم قال تعالى: ﴿وَعَاداً وَثَمُودَاْ وَقَد تَّبَيَّنَ لَكُم مِّن مَّسَاكِنِهِمْ﴾ نصب عاد وثمود عند الكسائي على العطف على قوله: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ [العنكبوت: ٣] وفتنا عاداً وثموداً. وقال الزجاج: التقدير: وأهلكنا عاداً وثموداً. وقال الطبري: التقدير: واذكر عاداً وثموداً، وقد تبيّن لكم من مساكنهم، يعني خرابها وخلاءها منهم. ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ﴾ أي: حسّنها لهم فتمادوا على كفرهم وتكذيبهم. ﴿فَصَدَّهُمْ عَنِ ٱلسَّبِيلِ﴾ أي: عن سبيل الله. ﴿وَكَانُواْ مُسْتَبْصِرِينَ﴾ أي: في ضلالتهم، أي: معجبين بها، يحسبون أنهم على هدى وصواب، قاله ابن عباس والضحاك وقتادة. وقيل: المعنى: كانوا قد عرفوا الحق من الباطل. فهو مثل قوله تعالى ذكره: ﴿وَجَحَدُواْ بِهَا وَٱسْتَيْقَنَتْهَآ أَنفُسُهُمْ﴾ [النمل: ١٤]. قال تعالى: ﴿وَقَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ﴾. هذا معطوف على عاد على الاختلاف المتقدم. ﴿وَلَقَدْ جَآءَهُمْ مُّوسَىٰ بِٱلْبَيِّنَاتِ﴾ أي: الآيات الواضحات. ﴿فَٱسْتَكْبَرُواْ فِي ٱلأَرْضِ﴾ أي: عن التصديق بالآيات. ﴿وَمَا كَانُواْ سَابِقِينَ﴾ أي: فائتين بأنفسهم، بل القدرة عليهم غالبة من الله. * * ثم قال تعالى: ﴿فَكُلاًّ أَخَذْنَا بِذَنبِهِ﴾ أي: فأخذنا جميع هذه الأمم المذكورة بذنوبهم وأهلكناهم. ﴿فَمِنْهُم مَّن أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِباً﴾ أي: حجارة من سجيل والعرب تسمي الريح التي تحمل الحصى حاصباً. وهم قوم لوط. ﴿وَمِنْهُمْ مَّنْ أَخَذَتْهُ ٱلصَّيْحَةُ﴾ قال ابن عباس: هم ثمود. وقال قتادة هم قوم شعيب. ﴿وَمِنْهُمْ مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ ٱلأَرْضَ﴾ قال ابن عباس وقتادة: هو قارون. ﴿وَمِنْهُمْ مَّنْ أَغْرَقْنَا﴾ قال ابن عباس: هم قوم نوح. وقال قتادة هم قوم فرعون. ﴿وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ﴾ أي: وما كان الله ليهلك هذه الأمم بغير ذنب. ﴿وَلَـٰكِن كَانُوۤاْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ أي: بعبادتهم غير من ينعم عليهم ويرزقهم. * * ثم قال تعالى: ﴿مَثَلُ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَوْلِيَآءَ كَمَثَلِ ٱلْعَنكَبُوتِ ٱتَّخَذَتْ بَيْتاً﴾ أي مثل من اتخذ من دون الله آلهة في ضعف ما يرجون منها كمثل العنكبوت في ضعفها وقلة حيلتها اتخذت بيتاً ليُكِنّها، فلم يغن عنها شيئاً عند حاجتها، فكذلك هؤلاء الذين عبدوا الأوثان لتنفعهم عند حاجتهم إليها. قال ابن عباس: هو مثلٌ ضربه الله لمن عبد غيره. ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَإِنَّ أَوْهَنَ ٱلْبُيُوتِ لَبَيْتُ ٱلْعَنكَبُوتِ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ﴾ أي: إن أضعف البيوت لبيت العنكبوت لو علموا ذلك يقيناً.

العنكبوت 29:36

قوله تعالى ذكره: ﴿أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ ٱلرِّجَالَ وَتَقْطَعُونَ ٱلسَّبِيلَ﴾ إلى قوله: ﴿لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ﴾. أي: تأتون الرجال في أدبارهم، وتقطعون الطريق على المسافرين. روي أنهم كانوا يفعلون ذلك بمن يمر بهم من المسافرين، ومن يرِدُ ديارهم من الغرباء، قاله ابن زيد. روي أنهم كانوا - مع فسقهم - يقطعون الطريق ويقتلون ويأخذون الأموال حتى انقطعت الطريق فلا يسلكها أحد. * * وقوله: ﴿وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ ٱلْمُنْكَرَ﴾. روي عن عائشة أنه الفراط، يعني أنهم كانوا يتفارطون في مجالسهم. وروت أم هانئ أنها سألت النبي ﷺ عن قوله تعالى ذكره: ﴿وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ ٱلْمُنْكَرَ﴾ قال: "كانوا يَخْذِفون أهلَ الطريقِ ويَسْخَرُونَ منهم، فهوَ المنكر الذي كانوا يأتون"، وقاله عكرمة والسدي. وقال مجاهد: المنكر هنا أنهم كانوا يجامع بعضهم بعضاً في المجالس. وهو قول قتادة وابن زيد. والحديث المروي عن النبي ﷺ أولى بالاتباع. وروي ذلك عن ابن شهاب: "إنّ على مَنْ عمِلَ عمَلَ قومِ لوطٍ الرجم أُحْصِنَ أو لم يُحْصَن قال مالك: إذا شهدَ على الفاعل والمفعول به أربعة شهداء عدول رُجما، ولا يرجمان حتى يُرى كما يرى المِرْوَد في المِكحلة أُحْصِنَا أو لم يُحْصَنَا إذا كانا قد بلغا الحُلمَ. وقد روى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: "اقتلوا الفاعلَ والمفعولَ بهِ وقال عليّ بن أبي طالب: يحرق الفاعل والمفعول به في النار. وروي أن أبا بكر شاور علياً في هذا فأمر بحرقهما. وفعل ابن الزبير مثل ذلك في أيامه، وفعله هشام ابن عبد الملك. وقيل إنما فعلوا الحرق بعد القتل. وروى أبو هريرة أن النبي ﷺ "أمر برجمِهما" وأكثر الروايات عن النبي ﷺ في ذلك "القتل لهما جميعاً" وفي بعض الحديث: "ومن وقَعَ على ذاتِ مَحْرَمٍ فاقتلوهُ وروى أنس أن النبي ﷺ قال: "إذا علا الذّكرَ الذّكَرُ اهتزّ العرشُ وقالت السماوات: يا ربّ مُرْنا أن نَحْصِبَهُ، وقالتِ الأرضُ: يا ربِّ مُرْنَا نَبْتَلِعَهُ، فيقولُ: دعوهُ فإنّ ممرَّهُ بي ووقوفَهُ بينَ يديَّ ثم قال تعالى ذكره: ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَن قَالُواْ ٱئْتِنَا بِعَذَابِ ٱللَّهِ﴾ أي: ما جاوب لوطاً قومه لما نهاهم عن المنكر، وخوفهم من عذاب الله إلاّ أن قالوا: جئنا بعذاب الله الذي توعدنا به إن كنت صادقاً في قولك. ﴿قَالَ رَبِّ ٱنصُرْنِي عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْمُفْسِدِينَ﴾ أي: قال لوط مستغيثاً لما استعجله قومه بالعذاب: يا ربّ انصرني على القوم المفسدين . * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَمَّا جَآءَتْ رُسُلُنَآ إِبْرَاهِيمَ بِٱلْبُشْرَىٰ﴾ أي: جاءته الملائكة من الله بالبشرى بإسحاق ومن ولده بيعقوب. ﴿قَالُوۤاْ إِنَّا مُهْلِكُوۤ أَهْلِ هَـٰذِهِ ٱلْقَرْيَةِ﴾ وهي: سدوم قرية قوم لوط. ﴿إِنَّ أَهْلَهَا كَانُواْ ظَالِمِينَ﴾ أي: ظالمين أنفسهم بمعصيتهم الله. * * ثم قال تعالى: ﴿قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطاً﴾ أي: قال ذلك إبراهيم عليه السلام. قال ابن عباس: فجادل إبراهيمُ الملائكة في قوم لوط عليه السلام أن يتركوا، فقال أرأيتم إن كان فيها عشرة أبيات من المسلمين أتتركونهم؟ فقالت الملائكة: ليس فيها عشرة أبيات ولا خمسة ولا أربعة ولا ثلاثة ولا اثنان، فقال إبراهيم: إن فيها لوطاً. ﴿فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلاَّ ٱمْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ ٱلْغَابِرِينَ﴾ أي: من الباقين في العذاب. وقيل: المعنى كانت من الذين أبقتهم الدهور والأيام وتطاولت أعمارهم، فإنها هالكة مع قوم لوط. وحسن وصفها بلفظ المذكر، فقال من الغابرين ولم يقل من الغابرات لما كانت مع الرجال، فجعل صفتها كصفتهم. وروي أن إبراهيم ﷺ قال للملائكة: إن كان فيهم مائة يكرهون هذا أتهلكونهم؟ قالوا: لا قال: فإن كان فيهم تسعون قالوا: لا، إلى أن بلغ إلى عشرين. قال: إن فيها لوطاً. قالت الملائكة: نحن أعلم بمن فيها. روي أنه كان في المدينة أربع مائة ألف. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَمَّآ أَن جَآءَتْ رُسُلُنَا لُوطاً سِيءَ بِهِمْ﴾ أي: ساءته الملائكة بمجيئهم إليه، وذلك أنهم تضيفوه فرأى جمالهم وحسنهم فخاف عليهم من قومه، إذ قد علم أنهم كانوا يظلمون مثلهم في حسنهم وجمالهم فساؤوه بذلك. قال قتادة: ساء ظنّه بقومه وضاق بضيفه ذرعاً لما علم من حيث فعل قومه. قال ابن أبي عروبة: كان قوم لوط أربعة آلاف ألف، فلما رأت الرّسل غمّه وخوفه عليهم من قومه، قالت الرسل للوط: لا تخف علينا أن يصل إلينا قومك ولا تحزن مما أخبرناك من أنا مهلكوهم، فإنا ننجيك وأهلك إلاّ امرأتك. * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّا مُنزِلُونَ عَلَىٰ أَهْلِ هَـٰذِهِ ٱلْقَرْيَةِ رِجْزاً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ﴾ أي: عذاباً بفسقهم. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَد تَّرَكْنَا مِنْهَآ آيَةً بَيِّنَةً﴾ أي: أبقينا فعلتنا بهم عبرة وعظة ظاهرة لقوم يعقلون عن الله حججه وتلك الآية: اندراس آثارهم ومعالمهم. ونتبع الحجارة إياهم حيث كانوا. * * ثم قال تعالى: ﴿وَإِلَىٰ مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْباً﴾ أي: وأرسلنا إلى مديَن أخاهم شعيْباً. فقال لهم يا قوم اعبدوا الله وحده وارجوا بعبادتكم إياه اليوم الآخر، أي: جزاء اليوم الآخر وهو يوم القيامة. ﴿وَلاَ تَعْثَوْاْ فِي ٱلأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ أي: لا تكثروا الفساد في الأرض بمعصية الله تعالى وإقامتكم عليها. ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَتْهُمُ ٱلرَّجْفَةُ﴾ أي: فكذب أهل مدين شعيباً فيما جاءهم به عن الله جلّ ذكره، فأخذهم العذاب، فأصبح بعضهم على بعض جثوماً موتاً في ديارهم. قال قتادة: أرسل شعيب مرتين إلى أمتين، إلى أهل مدين، وإلى أصحاب الأيكة، وكان شعيب من ولد مدين، وأهل مدين من ولده أيضاً، فلذلك قال: أخاهم، ولم يكن بين شعيب وأصحاب الأيكة نسب فلذلك لم يقل أخاهم. قال قتادة: جاثمين: ميتين. وأصله المد والسكون وقطع الحركة. * * ثم قال تعالى: ﴿وَعَاداً وَثَمُودَاْ وَقَد تَّبَيَّنَ لَكُم مِّن مَّسَاكِنِهِمْ﴾ نصب عاد وثمود عند الكسائي على العطف على قوله: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ [العنكبوت: ٣] وفتنا عاداً وثموداً. وقال الزجاج: التقدير: وأهلكنا عاداً وثموداً. وقال الطبري: التقدير: واذكر عاداً وثموداً، وقد تبيّن لكم من مساكنهم، يعني خرابها وخلاءها منهم. ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ﴾ أي: حسّنها لهم فتمادوا على كفرهم وتكذيبهم. ﴿فَصَدَّهُمْ عَنِ ٱلسَّبِيلِ﴾ أي: عن سبيل الله. ﴿وَكَانُواْ مُسْتَبْصِرِينَ﴾ أي: في ضلالتهم، أي: معجبين بها، يحسبون أنهم على هدى وصواب، قاله ابن عباس والضحاك وقتادة. وقيل: المعنى: كانوا قد عرفوا الحق من الباطل. فهو مثل قوله تعالى ذكره: ﴿وَجَحَدُواْ بِهَا وَٱسْتَيْقَنَتْهَآ أَنفُسُهُمْ﴾ [النمل: ١٤]. قال تعالى: ﴿وَقَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ﴾. هذا معطوف على عاد على الاختلاف المتقدم. ﴿وَلَقَدْ جَآءَهُمْ مُّوسَىٰ بِٱلْبَيِّنَاتِ﴾ أي: الآيات الواضحات. ﴿فَٱسْتَكْبَرُواْ فِي ٱلأَرْضِ﴾ أي: عن التصديق بالآيات. ﴿وَمَا كَانُواْ سَابِقِينَ﴾ أي: فائتين بأنفسهم، بل القدرة عليهم غالبة من الله. * * ثم قال تعالى: ﴿فَكُلاًّ أَخَذْنَا بِذَنبِهِ﴾ أي: فأخذنا جميع هذه الأمم المذكورة بذنوبهم وأهلكناهم. ﴿فَمِنْهُم مَّن أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِباً﴾ أي: حجارة من سجيل والعرب تسمي الريح التي تحمل الحصى حاصباً. وهم قوم لوط. ﴿وَمِنْهُمْ مَّنْ أَخَذَتْهُ ٱلصَّيْحَةُ﴾ قال ابن عباس: هم ثمود. وقال قتادة هم قوم شعيب. ﴿وَمِنْهُمْ مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ ٱلأَرْضَ﴾ قال ابن عباس وقتادة: هو قارون. ﴿وَمِنْهُمْ مَّنْ أَغْرَقْنَا﴾ قال ابن عباس: هم قوم نوح. وقال قتادة هم قوم فرعون. ﴿وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ﴾ أي: وما كان الله ليهلك هذه الأمم بغير ذنب. ﴿وَلَـٰكِن كَانُوۤاْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ أي: بعبادتهم غير من ينعم عليهم ويرزقهم. * * ثم قال تعالى: ﴿مَثَلُ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَوْلِيَآءَ كَمَثَلِ ٱلْعَنكَبُوتِ ٱتَّخَذَتْ بَيْتاً﴾ أي مثل من اتخذ من دون الله آلهة في ضعف ما يرجون منها كمثل العنكبوت في ضعفها وقلة حيلتها اتخذت بيتاً ليُكِنّها، فلم يغن عنها شيئاً عند حاجتها، فكذلك هؤلاء الذين عبدوا الأوثان لتنفعهم عند حاجتهم إليها. قال ابن عباس: هو مثلٌ ضربه الله لمن عبد غيره. ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَإِنَّ أَوْهَنَ ٱلْبُيُوتِ لَبَيْتُ ٱلْعَنكَبُوتِ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ﴾ أي: إن أضعف البيوت لبيت العنكبوت لو علموا ذلك يقيناً.

العنكبوت 29:37

قوله تعالى ذكره: ﴿أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ ٱلرِّجَالَ وَتَقْطَعُونَ ٱلسَّبِيلَ﴾ إلى قوله: ﴿لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ﴾. أي: تأتون الرجال في أدبارهم، وتقطعون الطريق على المسافرين. روي أنهم كانوا يفعلون ذلك بمن يمر بهم من المسافرين، ومن يرِدُ ديارهم من الغرباء، قاله ابن زيد. روي أنهم كانوا - مع فسقهم - يقطعون الطريق ويقتلون ويأخذون الأموال حتى انقطعت الطريق فلا يسلكها أحد. * * وقوله: ﴿وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ ٱلْمُنْكَرَ﴾. روي عن عائشة أنه الفراط، يعني أنهم كانوا يتفارطون في مجالسهم. وروت أم هانئ أنها سألت النبي ﷺ عن قوله تعالى ذكره: ﴿وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ ٱلْمُنْكَرَ﴾ قال: "كانوا يَخْذِفون أهلَ الطريقِ ويَسْخَرُونَ منهم، فهوَ المنكر الذي كانوا يأتون"، وقاله عكرمة والسدي. وقال مجاهد: المنكر هنا أنهم كانوا يجامع بعضهم بعضاً في المجالس. وهو قول قتادة وابن زيد. والحديث المروي عن النبي ﷺ أولى بالاتباع. وروي ذلك عن ابن شهاب: "إنّ على مَنْ عمِلَ عمَلَ قومِ لوطٍ الرجم أُحْصِنَ أو لم يُحْصَن قال مالك: إذا شهدَ على الفاعل والمفعول به أربعة شهداء عدول رُجما، ولا يرجمان حتى يُرى كما يرى المِرْوَد في المِكحلة أُحْصِنَا أو لم يُحْصَنَا إذا كانا قد بلغا الحُلمَ. وقد روى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: "اقتلوا الفاعلَ والمفعولَ بهِ وقال عليّ بن أبي طالب: يحرق الفاعل والمفعول به في النار. وروي أن أبا بكر شاور علياً في هذا فأمر بحرقهما. وفعل ابن الزبير مثل ذلك في أيامه، وفعله هشام ابن عبد الملك. وقيل إنما فعلوا الحرق بعد القتل. وروى أبو هريرة أن النبي ﷺ "أمر برجمِهما" وأكثر الروايات عن النبي ﷺ في ذلك "القتل لهما جميعاً" وفي بعض الحديث: "ومن وقَعَ على ذاتِ مَحْرَمٍ فاقتلوهُ وروى أنس أن النبي ﷺ قال: "إذا علا الذّكرَ الذّكَرُ اهتزّ العرشُ وقالت السماوات: يا ربّ مُرْنا أن نَحْصِبَهُ، وقالتِ الأرضُ: يا ربِّ مُرْنَا نَبْتَلِعَهُ، فيقولُ: دعوهُ فإنّ ممرَّهُ بي ووقوفَهُ بينَ يديَّ ثم قال تعالى ذكره: ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَن قَالُواْ ٱئْتِنَا بِعَذَابِ ٱللَّهِ﴾ أي: ما جاوب لوطاً قومه لما نهاهم عن المنكر، وخوفهم من عذاب الله إلاّ أن قالوا: جئنا بعذاب الله الذي توعدنا به إن كنت صادقاً في قولك. ﴿قَالَ رَبِّ ٱنصُرْنِي عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْمُفْسِدِينَ﴾ أي: قال لوط مستغيثاً لما استعجله قومه بالعذاب: يا ربّ انصرني على القوم المفسدين . * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَمَّا جَآءَتْ رُسُلُنَآ إِبْرَاهِيمَ بِٱلْبُشْرَىٰ﴾ أي: جاءته الملائكة من الله بالبشرى بإسحاق ومن ولده بيعقوب. ﴿قَالُوۤاْ إِنَّا مُهْلِكُوۤ أَهْلِ هَـٰذِهِ ٱلْقَرْيَةِ﴾ وهي: سدوم قرية قوم لوط. ﴿إِنَّ أَهْلَهَا كَانُواْ ظَالِمِينَ﴾ أي: ظالمين أنفسهم بمعصيتهم الله. * * ثم قال تعالى: ﴿قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطاً﴾ أي: قال ذلك إبراهيم عليه السلام. قال ابن عباس: فجادل إبراهيمُ الملائكة في قوم لوط عليه السلام أن يتركوا، فقال أرأيتم إن كان فيها عشرة أبيات من المسلمين أتتركونهم؟ فقالت الملائكة: ليس فيها عشرة أبيات ولا خمسة ولا أربعة ولا ثلاثة ولا اثنان، فقال إبراهيم: إن فيها لوطاً. ﴿فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلاَّ ٱمْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ ٱلْغَابِرِينَ﴾ أي: من الباقين في العذاب. وقيل: المعنى كانت من الذين أبقتهم الدهور والأيام وتطاولت أعمارهم، فإنها هالكة مع قوم لوط. وحسن وصفها بلفظ المذكر، فقال من الغابرين ولم يقل من الغابرات لما كانت مع الرجال، فجعل صفتها كصفتهم. وروي أن إبراهيم ﷺ قال للملائكة: إن كان فيهم مائة يكرهون هذا أتهلكونهم؟ قالوا: لا قال: فإن كان فيهم تسعون قالوا: لا، إلى أن بلغ إلى عشرين. قال: إن فيها لوطاً. قالت الملائكة: نحن أعلم بمن فيها. روي أنه كان في المدينة أربع مائة ألف. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَمَّآ أَن جَآءَتْ رُسُلُنَا لُوطاً سِيءَ بِهِمْ﴾ أي: ساءته الملائكة بمجيئهم إليه، وذلك أنهم تضيفوه فرأى جمالهم وحسنهم فخاف عليهم من قومه، إذ قد علم أنهم كانوا يظلمون مثلهم في حسنهم وجمالهم فساؤوه بذلك. قال قتادة: ساء ظنّه بقومه وضاق بضيفه ذرعاً لما علم من حيث فعل قومه. قال ابن أبي عروبة: كان قوم لوط أربعة آلاف ألف، فلما رأت الرّسل غمّه وخوفه عليهم من قومه، قالت الرسل للوط: لا تخف علينا أن يصل إلينا قومك ولا تحزن مما أخبرناك من أنا مهلكوهم، فإنا ننجيك وأهلك إلاّ امرأتك. * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّا مُنزِلُونَ عَلَىٰ أَهْلِ هَـٰذِهِ ٱلْقَرْيَةِ رِجْزاً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ﴾ أي: عذاباً بفسقهم. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَد تَّرَكْنَا مِنْهَآ آيَةً بَيِّنَةً﴾ أي: أبقينا فعلتنا بهم عبرة وعظة ظاهرة لقوم يعقلون عن الله حججه وتلك الآية: اندراس آثارهم ومعالمهم. ونتبع الحجارة إياهم حيث كانوا. * * ثم قال تعالى: ﴿وَإِلَىٰ مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْباً﴾ أي: وأرسلنا إلى مديَن أخاهم شعيْباً. فقال لهم يا قوم اعبدوا الله وحده وارجوا بعبادتكم إياه اليوم الآخر، أي: جزاء اليوم الآخر وهو يوم القيامة. ﴿وَلاَ تَعْثَوْاْ فِي ٱلأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ أي: لا تكثروا الفساد في الأرض بمعصية الله تعالى وإقامتكم عليها. ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَتْهُمُ ٱلرَّجْفَةُ﴾ أي: فكذب أهل مدين شعيباً فيما جاءهم به عن الله جلّ ذكره، فأخذهم العذاب، فأصبح بعضهم على بعض جثوماً موتاً في ديارهم. قال قتادة: أرسل شعيب مرتين إلى أمتين، إلى أهل مدين، وإلى أصحاب الأيكة، وكان شعيب من ولد مدين، وأهل مدين من ولده أيضاً، فلذلك قال: أخاهم، ولم يكن بين شعيب وأصحاب الأيكة نسب فلذلك لم يقل أخاهم. قال قتادة: جاثمين: ميتين. وأصله المد والسكون وقطع الحركة. * * ثم قال تعالى: ﴿وَعَاداً وَثَمُودَاْ وَقَد تَّبَيَّنَ لَكُم مِّن مَّسَاكِنِهِمْ﴾ نصب عاد وثمود عند الكسائي على العطف على قوله: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ [العنكبوت: ٣] وفتنا عاداً وثموداً. وقال الزجاج: التقدير: وأهلكنا عاداً وثموداً. وقال الطبري: التقدير: واذكر عاداً وثموداً، وقد تبيّن لكم من مساكنهم، يعني خرابها وخلاءها منهم. ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ﴾ أي: حسّنها لهم فتمادوا على كفرهم وتكذيبهم. ﴿فَصَدَّهُمْ عَنِ ٱلسَّبِيلِ﴾ أي: عن سبيل الله. ﴿وَكَانُواْ مُسْتَبْصِرِينَ﴾ أي: في ضلالتهم، أي: معجبين بها، يحسبون أنهم على هدى وصواب، قاله ابن عباس والضحاك وقتادة. وقيل: المعنى: كانوا قد عرفوا الحق من الباطل. فهو مثل قوله تعالى ذكره: ﴿وَجَحَدُواْ بِهَا وَٱسْتَيْقَنَتْهَآ أَنفُسُهُمْ﴾ [النمل: ١٤]. قال تعالى: ﴿وَقَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ﴾. هذا معطوف على عاد على الاختلاف المتقدم. ﴿وَلَقَدْ جَآءَهُمْ مُّوسَىٰ بِٱلْبَيِّنَاتِ﴾ أي: الآيات الواضحات. ﴿فَٱسْتَكْبَرُواْ فِي ٱلأَرْضِ﴾ أي: عن التصديق بالآيات. ﴿وَمَا كَانُواْ سَابِقِينَ﴾ أي: فائتين بأنفسهم، بل القدرة عليهم غالبة من الله. * * ثم قال تعالى: ﴿فَكُلاًّ أَخَذْنَا بِذَنبِهِ﴾ أي: فأخذنا جميع هذه الأمم المذكورة بذنوبهم وأهلكناهم. ﴿فَمِنْهُم مَّن أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِباً﴾ أي: حجارة من سجيل والعرب تسمي الريح التي تحمل الحصى حاصباً. وهم قوم لوط. ﴿وَمِنْهُمْ مَّنْ أَخَذَتْهُ ٱلصَّيْحَةُ﴾ قال ابن عباس: هم ثمود. وقال قتادة هم قوم شعيب. ﴿وَمِنْهُمْ مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ ٱلأَرْضَ﴾ قال ابن عباس وقتادة: هو قارون. ﴿وَمِنْهُمْ مَّنْ أَغْرَقْنَا﴾ قال ابن عباس: هم قوم نوح. وقال قتادة هم قوم فرعون. ﴿وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ﴾ أي: وما كان الله ليهلك هذه الأمم بغير ذنب. ﴿وَلَـٰكِن كَانُوۤاْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ أي: بعبادتهم غير من ينعم عليهم ويرزقهم. * * ثم قال تعالى: ﴿مَثَلُ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَوْلِيَآءَ كَمَثَلِ ٱلْعَنكَبُوتِ ٱتَّخَذَتْ بَيْتاً﴾ أي مثل من اتخذ من دون الله آلهة في ضعف ما يرجون منها كمثل العنكبوت في ضعفها وقلة حيلتها اتخذت بيتاً ليُكِنّها، فلم يغن عنها شيئاً عند حاجتها، فكذلك هؤلاء الذين عبدوا الأوثان لتنفعهم عند حاجتهم إليها. قال ابن عباس: هو مثلٌ ضربه الله لمن عبد غيره. ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَإِنَّ أَوْهَنَ ٱلْبُيُوتِ لَبَيْتُ ٱلْعَنكَبُوتِ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ﴾ أي: إن أضعف البيوت لبيت العنكبوت لو علموا ذلك يقيناً.

العنكبوت 29:38

قوله تعالى ذكره: ﴿أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ ٱلرِّجَالَ وَتَقْطَعُونَ ٱلسَّبِيلَ﴾ إلى قوله: ﴿لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ﴾. أي: تأتون الرجال في أدبارهم، وتقطعون الطريق على المسافرين. روي أنهم كانوا يفعلون ذلك بمن يمر بهم من المسافرين، ومن يرِدُ ديارهم من الغرباء، قاله ابن زيد. روي أنهم كانوا - مع فسقهم - يقطعون الطريق ويقتلون ويأخذون الأموال حتى انقطعت الطريق فلا يسلكها أحد. * * وقوله: ﴿وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ ٱلْمُنْكَرَ﴾. روي عن عائشة أنه الفراط، يعني أنهم كانوا يتفارطون في مجالسهم. وروت أم هانئ أنها سألت النبي ﷺ عن قوله تعالى ذكره: ﴿وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ ٱلْمُنْكَرَ﴾ قال: "كانوا يَخْذِفون أهلَ الطريقِ ويَسْخَرُونَ منهم، فهوَ المنكر الذي كانوا يأتون"، وقاله عكرمة والسدي. وقال مجاهد: المنكر هنا أنهم كانوا يجامع بعضهم بعضاً في المجالس. وهو قول قتادة وابن زيد. والحديث المروي عن النبي ﷺ أولى بالاتباع. وروي ذلك عن ابن شهاب: "إنّ على مَنْ عمِلَ عمَلَ قومِ لوطٍ الرجم أُحْصِنَ أو لم يُحْصَن قال مالك: إذا شهدَ على الفاعل والمفعول به أربعة شهداء عدول رُجما، ولا يرجمان حتى يُرى كما يرى المِرْوَد في المِكحلة أُحْصِنَا أو لم يُحْصَنَا إذا كانا قد بلغا الحُلمَ. وقد روى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: "اقتلوا الفاعلَ والمفعولَ بهِ وقال عليّ بن أبي طالب: يحرق الفاعل والمفعول به في النار. وروي أن أبا بكر شاور علياً في هذا فأمر بحرقهما. وفعل ابن الزبير مثل ذلك في أيامه، وفعله هشام ابن عبد الملك. وقيل إنما فعلوا الحرق بعد القتل. وروى أبو هريرة أن النبي ﷺ "أمر برجمِهما" وأكثر الروايات عن النبي ﷺ في ذلك "القتل لهما جميعاً" وفي بعض الحديث: "ومن وقَعَ على ذاتِ مَحْرَمٍ فاقتلوهُ وروى أنس أن النبي ﷺ قال: "إذا علا الذّكرَ الذّكَرُ اهتزّ العرشُ وقالت السماوات: يا ربّ مُرْنا أن نَحْصِبَهُ، وقالتِ الأرضُ: يا ربِّ مُرْنَا نَبْتَلِعَهُ، فيقولُ: دعوهُ فإنّ ممرَّهُ بي ووقوفَهُ بينَ يديَّ ثم قال تعالى ذكره: ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَن قَالُواْ ٱئْتِنَا بِعَذَابِ ٱللَّهِ﴾ أي: ما جاوب لوطاً قومه لما نهاهم عن المنكر، وخوفهم من عذاب الله إلاّ أن قالوا: جئنا بعذاب الله الذي توعدنا به إن كنت صادقاً في قولك. ﴿قَالَ رَبِّ ٱنصُرْنِي عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْمُفْسِدِينَ﴾ أي: قال لوط مستغيثاً لما استعجله قومه بالعذاب: يا ربّ انصرني على القوم المفسدين . * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَمَّا جَآءَتْ رُسُلُنَآ إِبْرَاهِيمَ بِٱلْبُشْرَىٰ﴾ أي: جاءته الملائكة من الله بالبشرى بإسحاق ومن ولده بيعقوب. ﴿قَالُوۤاْ إِنَّا مُهْلِكُوۤ أَهْلِ هَـٰذِهِ ٱلْقَرْيَةِ﴾ وهي: سدوم قرية قوم لوط. ﴿إِنَّ أَهْلَهَا كَانُواْ ظَالِمِينَ﴾ أي: ظالمين أنفسهم بمعصيتهم الله. * * ثم قال تعالى: ﴿قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطاً﴾ أي: قال ذلك إبراهيم عليه السلام. قال ابن عباس: فجادل إبراهيمُ الملائكة في قوم لوط عليه السلام أن يتركوا، فقال أرأيتم إن كان فيها عشرة أبيات من المسلمين أتتركونهم؟ فقالت الملائكة: ليس فيها عشرة أبيات ولا خمسة ولا أربعة ولا ثلاثة ولا اثنان، فقال إبراهيم: إن فيها لوطاً. ﴿فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلاَّ ٱمْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ ٱلْغَابِرِينَ﴾ أي: من الباقين في العذاب. وقيل: المعنى كانت من الذين أبقتهم الدهور والأيام وتطاولت أعمارهم، فإنها هالكة مع قوم لوط. وحسن وصفها بلفظ المذكر، فقال من الغابرين ولم يقل من الغابرات لما كانت مع الرجال، فجعل صفتها كصفتهم. وروي أن إبراهيم ﷺ قال للملائكة: إن كان فيهم مائة يكرهون هذا أتهلكونهم؟ قالوا: لا قال: فإن كان فيهم تسعون قالوا: لا، إلى أن بلغ إلى عشرين. قال: إن فيها لوطاً. قالت الملائكة: نحن أعلم بمن فيها. روي أنه كان في المدينة أربع مائة ألف. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَمَّآ أَن جَآءَتْ رُسُلُنَا لُوطاً سِيءَ بِهِمْ﴾ أي: ساءته الملائكة بمجيئهم إليه، وذلك أنهم تضيفوه فرأى جمالهم وحسنهم فخاف عليهم من قومه، إذ قد علم أنهم كانوا يظلمون مثلهم في حسنهم وجمالهم فساؤوه بذلك. قال قتادة: ساء ظنّه بقومه وضاق بضيفه ذرعاً لما علم من حيث فعل قومه. قال ابن أبي عروبة: كان قوم لوط أربعة آلاف ألف، فلما رأت الرّسل غمّه وخوفه عليهم من قومه، قالت الرسل للوط: لا تخف علينا أن يصل إلينا قومك ولا تحزن مما أخبرناك من أنا مهلكوهم، فإنا ننجيك وأهلك إلاّ امرأتك. * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّا مُنزِلُونَ عَلَىٰ أَهْلِ هَـٰذِهِ ٱلْقَرْيَةِ رِجْزاً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ﴾ أي: عذاباً بفسقهم. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَد تَّرَكْنَا مِنْهَآ آيَةً بَيِّنَةً﴾ أي: أبقينا فعلتنا بهم عبرة وعظة ظاهرة لقوم يعقلون عن الله حججه وتلك الآية: اندراس آثارهم ومعالمهم. ونتبع الحجارة إياهم حيث كانوا. * * ثم قال تعالى: ﴿وَإِلَىٰ مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْباً﴾ أي: وأرسلنا إلى مديَن أخاهم شعيْباً. فقال لهم يا قوم اعبدوا الله وحده وارجوا بعبادتكم إياه اليوم الآخر، أي: جزاء اليوم الآخر وهو يوم القيامة. ﴿وَلاَ تَعْثَوْاْ فِي ٱلأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ أي: لا تكثروا الفساد في الأرض بمعصية الله تعالى وإقامتكم عليها. ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَتْهُمُ ٱلرَّجْفَةُ﴾ أي: فكذب أهل مدين شعيباً فيما جاءهم به عن الله جلّ ذكره، فأخذهم العذاب، فأصبح بعضهم على بعض جثوماً موتاً في ديارهم. قال قتادة: أرسل شعيب مرتين إلى أمتين، إلى أهل مدين، وإلى أصحاب الأيكة، وكان شعيب من ولد مدين، وأهل مدين من ولده أيضاً، فلذلك قال: أخاهم، ولم يكن بين شعيب وأصحاب الأيكة نسب فلذلك لم يقل أخاهم. قال قتادة: جاثمين: ميتين. وأصله المد والسكون وقطع الحركة. * * ثم قال تعالى: ﴿وَعَاداً وَثَمُودَاْ وَقَد تَّبَيَّنَ لَكُم مِّن مَّسَاكِنِهِمْ﴾ نصب عاد وثمود عند الكسائي على العطف على قوله: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ [العنكبوت: ٣] وفتنا عاداً وثموداً. وقال الزجاج: التقدير: وأهلكنا عاداً وثموداً. وقال الطبري: التقدير: واذكر عاداً وثموداً، وقد تبيّن لكم من مساكنهم، يعني خرابها وخلاءها منهم. ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ﴾ أي: حسّنها لهم فتمادوا على كفرهم وتكذيبهم. ﴿فَصَدَّهُمْ عَنِ ٱلسَّبِيلِ﴾ أي: عن سبيل الله. ﴿وَكَانُواْ مُسْتَبْصِرِينَ﴾ أي: في ضلالتهم، أي: معجبين بها، يحسبون أنهم على هدى وصواب، قاله ابن عباس والضحاك وقتادة. وقيل: المعنى: كانوا قد عرفوا الحق من الباطل. فهو مثل قوله تعالى ذكره: ﴿وَجَحَدُواْ بِهَا وَٱسْتَيْقَنَتْهَآ أَنفُسُهُمْ﴾ [النمل: ١٤]. قال تعالى: ﴿وَقَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ﴾. هذا معطوف على عاد على الاختلاف المتقدم. ﴿وَلَقَدْ جَآءَهُمْ مُّوسَىٰ بِٱلْبَيِّنَاتِ﴾ أي: الآيات الواضحات. ﴿فَٱسْتَكْبَرُواْ فِي ٱلأَرْضِ﴾ أي: عن التصديق بالآيات. ﴿وَمَا كَانُواْ سَابِقِينَ﴾ أي: فائتين بأنفسهم، بل القدرة عليهم غالبة من الله. * * ثم قال تعالى: ﴿فَكُلاًّ أَخَذْنَا بِذَنبِهِ﴾ أي: فأخذنا جميع هذه الأمم المذكورة بذنوبهم وأهلكناهم. ﴿فَمِنْهُم مَّن أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِباً﴾ أي: حجارة من سجيل والعرب تسمي الريح التي تحمل الحصى حاصباً. وهم قوم لوط. ﴿وَمِنْهُمْ مَّنْ أَخَذَتْهُ ٱلصَّيْحَةُ﴾ قال ابن عباس: هم ثمود. وقال قتادة هم قوم شعيب. ﴿وَمِنْهُمْ مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ ٱلأَرْضَ﴾ قال ابن عباس وقتادة: هو قارون. ﴿وَمِنْهُمْ مَّنْ أَغْرَقْنَا﴾ قال ابن عباس: هم قوم نوح. وقال قتادة هم قوم فرعون. ﴿وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ﴾ أي: وما كان الله ليهلك هذه الأمم بغير ذنب. ﴿وَلَـٰكِن كَانُوۤاْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ أي: بعبادتهم غير من ينعم عليهم ويرزقهم. * * ثم قال تعالى: ﴿مَثَلُ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَوْلِيَآءَ كَمَثَلِ ٱلْعَنكَبُوتِ ٱتَّخَذَتْ بَيْتاً﴾ أي مثل من اتخذ من دون الله آلهة في ضعف ما يرجون منها كمثل العنكبوت في ضعفها وقلة حيلتها اتخذت بيتاً ليُكِنّها، فلم يغن عنها شيئاً عند حاجتها، فكذلك هؤلاء الذين عبدوا الأوثان لتنفعهم عند حاجتهم إليها. قال ابن عباس: هو مثلٌ ضربه الله لمن عبد غيره. ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَإِنَّ أَوْهَنَ ٱلْبُيُوتِ لَبَيْتُ ٱلْعَنكَبُوتِ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ﴾ أي: إن أضعف البيوت لبيت العنكبوت لو علموا ذلك يقيناً.

العنكبوت 29:39

قوله تعالى ذكره: ﴿أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ ٱلرِّجَالَ وَتَقْطَعُونَ ٱلسَّبِيلَ﴾ إلى قوله: ﴿لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ﴾. أي: تأتون الرجال في أدبارهم، وتقطعون الطريق على المسافرين. روي أنهم كانوا يفعلون ذلك بمن يمر بهم من المسافرين، ومن يرِدُ ديارهم من الغرباء، قاله ابن زيد. روي أنهم كانوا - مع فسقهم - يقطعون الطريق ويقتلون ويأخذون الأموال حتى انقطعت الطريق فلا يسلكها أحد. * * وقوله: ﴿وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ ٱلْمُنْكَرَ﴾. روي عن عائشة أنه الفراط، يعني أنهم كانوا يتفارطون في مجالسهم. وروت أم هانئ أنها سألت النبي ﷺ عن قوله تعالى ذكره: ﴿وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ ٱلْمُنْكَرَ﴾ قال: "كانوا يَخْذِفون أهلَ الطريقِ ويَسْخَرُونَ منهم، فهوَ المنكر الذي كانوا يأتون"، وقاله عكرمة والسدي. وقال مجاهد: المنكر هنا أنهم كانوا يجامع بعضهم بعضاً في المجالس. وهو قول قتادة وابن زيد. والحديث المروي عن النبي ﷺ أولى بالاتباع. وروي ذلك عن ابن شهاب: "إنّ على مَنْ عمِلَ عمَلَ قومِ لوطٍ الرجم أُحْصِنَ أو لم يُحْصَن قال مالك: إذا شهدَ على الفاعل والمفعول به أربعة شهداء عدول رُجما، ولا يرجمان حتى يُرى كما يرى المِرْوَد في المِكحلة أُحْصِنَا أو لم يُحْصَنَا إذا كانا قد بلغا الحُلمَ. وقد روى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: "اقتلوا الفاعلَ والمفعولَ بهِ وقال عليّ بن أبي طالب: يحرق الفاعل والمفعول به في النار. وروي أن أبا بكر شاور علياً في هذا فأمر بحرقهما. وفعل ابن الزبير مثل ذلك في أيامه، وفعله هشام ابن عبد الملك. وقيل إنما فعلوا الحرق بعد القتل. وروى أبو هريرة أن النبي ﷺ "أمر برجمِهما" وأكثر الروايات عن النبي ﷺ في ذلك "القتل لهما جميعاً" وفي بعض الحديث: "ومن وقَعَ على ذاتِ مَحْرَمٍ فاقتلوهُ وروى أنس أن النبي ﷺ قال: "إذا علا الذّكرَ الذّكَرُ اهتزّ العرشُ وقالت السماوات: يا ربّ مُرْنا أن نَحْصِبَهُ، وقالتِ الأرضُ: يا ربِّ مُرْنَا نَبْتَلِعَهُ، فيقولُ: دعوهُ فإنّ ممرَّهُ بي ووقوفَهُ بينَ يديَّ ثم قال تعالى ذكره: ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَن قَالُواْ ٱئْتِنَا بِعَذَابِ ٱللَّهِ﴾ أي: ما جاوب لوطاً قومه لما نهاهم عن المنكر، وخوفهم من عذاب الله إلاّ أن قالوا: جئنا بعذاب الله الذي توعدنا به إن كنت صادقاً في قولك. ﴿قَالَ رَبِّ ٱنصُرْنِي عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْمُفْسِدِينَ﴾ أي: قال لوط مستغيثاً لما استعجله قومه بالعذاب: يا ربّ انصرني على القوم المفسدين . * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَمَّا جَآءَتْ رُسُلُنَآ إِبْرَاهِيمَ بِٱلْبُشْرَىٰ﴾ أي: جاءته الملائكة من الله بالبشرى بإسحاق ومن ولده بيعقوب. ﴿قَالُوۤاْ إِنَّا مُهْلِكُوۤ أَهْلِ هَـٰذِهِ ٱلْقَرْيَةِ﴾ وهي: سدوم قرية قوم لوط. ﴿إِنَّ أَهْلَهَا كَانُواْ ظَالِمِينَ﴾ أي: ظالمين أنفسهم بمعصيتهم الله. * * ثم قال تعالى: ﴿قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطاً﴾ أي: قال ذلك إبراهيم عليه السلام. قال ابن عباس: فجادل إبراهيمُ الملائكة في قوم لوط عليه السلام أن يتركوا، فقال أرأيتم إن كان فيها عشرة أبيات من المسلمين أتتركونهم؟ فقالت الملائكة: ليس فيها عشرة أبيات ولا خمسة ولا أربعة ولا ثلاثة ولا اثنان، فقال إبراهيم: إن فيها لوطاً. ﴿فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلاَّ ٱمْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ ٱلْغَابِرِينَ﴾ أي: من الباقين في العذاب. وقيل: المعنى كانت من الذين أبقتهم الدهور والأيام وتطاولت أعمارهم، فإنها هالكة مع قوم لوط. وحسن وصفها بلفظ المذكر، فقال من الغابرين ولم يقل من الغابرات لما كانت مع الرجال، فجعل صفتها كصفتهم. وروي أن إبراهيم ﷺ قال للملائكة: إن كان فيهم مائة يكرهون هذا أتهلكونهم؟ قالوا: لا قال: فإن كان فيهم تسعون قالوا: لا، إلى أن بلغ إلى عشرين. قال: إن فيها لوطاً. قالت الملائكة: نحن أعلم بمن فيها. روي أنه كان في المدينة أربع مائة ألف. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَمَّآ أَن جَآءَتْ رُسُلُنَا لُوطاً سِيءَ بِهِمْ﴾ أي: ساءته الملائكة بمجيئهم إليه، وذلك أنهم تضيفوه فرأى جمالهم وحسنهم فخاف عليهم من قومه، إذ قد علم أنهم كانوا يظلمون مثلهم في حسنهم وجمالهم فساؤوه بذلك. قال قتادة: ساء ظنّه بقومه وضاق بضيفه ذرعاً لما علم من حيث فعل قومه. قال ابن أبي عروبة: كان قوم لوط أربعة آلاف ألف، فلما رأت الرّسل غمّه وخوفه عليهم من قومه، قالت الرسل للوط: لا تخف علينا أن يصل إلينا قومك ولا تحزن مما أخبرناك من أنا مهلكوهم، فإنا ننجيك وأهلك إلاّ امرأتك. * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّا مُنزِلُونَ عَلَىٰ أَهْلِ هَـٰذِهِ ٱلْقَرْيَةِ رِجْزاً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ﴾ أي: عذاباً بفسقهم. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَد تَّرَكْنَا مِنْهَآ آيَةً بَيِّنَةً﴾ أي: أبقينا فعلتنا بهم عبرة وعظة ظاهرة لقوم يعقلون عن الله حججه وتلك الآية: اندراس آثارهم ومعالمهم. ونتبع الحجارة إياهم حيث كانوا. * * ثم قال تعالى: ﴿وَإِلَىٰ مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْباً﴾ أي: وأرسلنا إلى مديَن أخاهم شعيْباً. فقال لهم يا قوم اعبدوا الله وحده وارجوا بعبادتكم إياه اليوم الآخر، أي: جزاء اليوم الآخر وهو يوم القيامة. ﴿وَلاَ تَعْثَوْاْ فِي ٱلأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ أي: لا تكثروا الفساد في الأرض بمعصية الله تعالى وإقامتكم عليها. ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَتْهُمُ ٱلرَّجْفَةُ﴾ أي: فكذب أهل مدين شعيباً فيما جاءهم به عن الله جلّ ذكره، فأخذهم العذاب، فأصبح بعضهم على بعض جثوماً موتاً في ديارهم. قال قتادة: أرسل شعيب مرتين إلى أمتين، إلى أهل مدين، وإلى أصحاب الأيكة، وكان شعيب من ولد مدين، وأهل مدين من ولده أيضاً، فلذلك قال: أخاهم، ولم يكن بين شعيب وأصحاب الأيكة نسب فلذلك لم يقل أخاهم. قال قتادة: جاثمين: ميتين. وأصله المد والسكون وقطع الحركة. * * ثم قال تعالى: ﴿وَعَاداً وَثَمُودَاْ وَقَد تَّبَيَّنَ لَكُم مِّن مَّسَاكِنِهِمْ﴾ نصب عاد وثمود عند الكسائي على العطف على قوله: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ [العنكبوت: ٣] وفتنا عاداً وثموداً. وقال الزجاج: التقدير: وأهلكنا عاداً وثموداً. وقال الطبري: التقدير: واذكر عاداً وثموداً، وقد تبيّن لكم من مساكنهم، يعني خرابها وخلاءها منهم. ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ﴾ أي: حسّنها لهم فتمادوا على كفرهم وتكذيبهم. ﴿فَصَدَّهُمْ عَنِ ٱلسَّبِيلِ﴾ أي: عن سبيل الله. ﴿وَكَانُواْ مُسْتَبْصِرِينَ﴾ أي: في ضلالتهم، أي: معجبين بها، يحسبون أنهم على هدى وصواب، قاله ابن عباس والضحاك وقتادة. وقيل: المعنى: كانوا قد عرفوا الحق من الباطل. فهو مثل قوله تعالى ذكره: ﴿وَجَحَدُواْ بِهَا وَٱسْتَيْقَنَتْهَآ أَنفُسُهُمْ﴾ [النمل: ١٤]. قال تعالى: ﴿وَقَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ﴾. هذا معطوف على عاد على الاختلاف المتقدم. ﴿وَلَقَدْ جَآءَهُمْ مُّوسَىٰ بِٱلْبَيِّنَاتِ﴾ أي: الآيات الواضحات. ﴿فَٱسْتَكْبَرُواْ فِي ٱلأَرْضِ﴾ أي: عن التصديق بالآيات. ﴿وَمَا كَانُواْ سَابِقِينَ﴾ أي: فائتين بأنفسهم، بل القدرة عليهم غالبة من الله. * * ثم قال تعالى: ﴿فَكُلاًّ أَخَذْنَا بِذَنبِهِ﴾ أي: فأخذنا جميع هذه الأمم المذكورة بذنوبهم وأهلكناهم. ﴿فَمِنْهُم مَّن أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِباً﴾ أي: حجارة من سجيل والعرب تسمي الريح التي تحمل الحصى حاصباً. وهم قوم لوط. ﴿وَمِنْهُمْ مَّنْ أَخَذَتْهُ ٱلصَّيْحَةُ﴾ قال ابن عباس: هم ثمود. وقال قتادة هم قوم شعيب. ﴿وَمِنْهُمْ مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ ٱلأَرْضَ﴾ قال ابن عباس وقتادة: هو قارون. ﴿وَمِنْهُمْ مَّنْ أَغْرَقْنَا﴾ قال ابن عباس: هم قوم نوح. وقال قتادة هم قوم فرعون. ﴿وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ﴾ أي: وما كان الله ليهلك هذه الأمم بغير ذنب. ﴿وَلَـٰكِن كَانُوۤاْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ أي: بعبادتهم غير من ينعم عليهم ويرزقهم. * * ثم قال تعالى: ﴿مَثَلُ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَوْلِيَآءَ كَمَثَلِ ٱلْعَنكَبُوتِ ٱتَّخَذَتْ بَيْتاً﴾ أي مثل من اتخذ من دون الله آلهة في ضعف ما يرجون منها كمثل العنكبوت في ضعفها وقلة حيلتها اتخذت بيتاً ليُكِنّها، فلم يغن عنها شيئاً عند حاجتها، فكذلك هؤلاء الذين عبدوا الأوثان لتنفعهم عند حاجتهم إليها. قال ابن عباس: هو مثلٌ ضربه الله لمن عبد غيره. ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَإِنَّ أَوْهَنَ ٱلْبُيُوتِ لَبَيْتُ ٱلْعَنكَبُوتِ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ﴾ أي: إن أضعف البيوت لبيت العنكبوت لو علموا ذلك يقيناً.

العنكبوت 29:40

قوله تعالى ذكره: ﴿أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ ٱلرِّجَالَ وَتَقْطَعُونَ ٱلسَّبِيلَ﴾ إلى قوله: ﴿لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ﴾. أي: تأتون الرجال في أدبارهم، وتقطعون الطريق على المسافرين. روي أنهم كانوا يفعلون ذلك بمن يمر بهم من المسافرين، ومن يرِدُ ديارهم من الغرباء، قاله ابن زيد. روي أنهم كانوا - مع فسقهم - يقطعون الطريق ويقتلون ويأخذون الأموال حتى انقطعت الطريق فلا يسلكها أحد. * * وقوله: ﴿وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ ٱلْمُنْكَرَ﴾. روي عن عائشة أنه الفراط، يعني أنهم كانوا يتفارطون في مجالسهم. وروت أم هانئ أنها سألت النبي ﷺ عن قوله تعالى ذكره: ﴿وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ ٱلْمُنْكَرَ﴾ قال: "كانوا يَخْذِفون أهلَ الطريقِ ويَسْخَرُونَ منهم، فهوَ المنكر الذي كانوا يأتون"، وقاله عكرمة والسدي. وقال مجاهد: المنكر هنا أنهم كانوا يجامع بعضهم بعضاً في المجالس. وهو قول قتادة وابن زيد. والحديث المروي عن النبي ﷺ أولى بالاتباع. وروي ذلك عن ابن شهاب: "إنّ على مَنْ عمِلَ عمَلَ قومِ لوطٍ الرجم أُحْصِنَ أو لم يُحْصَن قال مالك: إذا شهدَ على الفاعل والمفعول به أربعة شهداء عدول رُجما، ولا يرجمان حتى يُرى كما يرى المِرْوَد في المِكحلة أُحْصِنَا أو لم يُحْصَنَا إذا كانا قد بلغا الحُلمَ. وقد روى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: "اقتلوا الفاعلَ والمفعولَ بهِ وقال عليّ بن أبي طالب: يحرق الفاعل والمفعول به في النار. وروي أن أبا بكر شاور علياً في هذا فأمر بحرقهما. وفعل ابن الزبير مثل ذلك في أيامه، وفعله هشام ابن عبد الملك. وقيل إنما فعلوا الحرق بعد القتل. وروى أبو هريرة أن النبي ﷺ "أمر برجمِهما" وأكثر الروايات عن النبي ﷺ في ذلك "القتل لهما جميعاً" وفي بعض الحديث: "ومن وقَعَ على ذاتِ مَحْرَمٍ فاقتلوهُ وروى أنس أن النبي ﷺ قال: "إذا علا الذّكرَ الذّكَرُ اهتزّ العرشُ وقالت السماوات: يا ربّ مُرْنا أن نَحْصِبَهُ، وقالتِ الأرضُ: يا ربِّ مُرْنَا نَبْتَلِعَهُ، فيقولُ: دعوهُ فإنّ ممرَّهُ بي ووقوفَهُ بينَ يديَّ ثم قال تعالى ذكره: ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَن قَالُواْ ٱئْتِنَا بِعَذَابِ ٱللَّهِ﴾ أي: ما جاوب لوطاً قومه لما نهاهم عن المنكر، وخوفهم من عذاب الله إلاّ أن قالوا: جئنا بعذاب الله الذي توعدنا به إن كنت صادقاً في قولك. ﴿قَالَ رَبِّ ٱنصُرْنِي عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْمُفْسِدِينَ﴾ أي: قال لوط مستغيثاً لما استعجله قومه بالعذاب: يا ربّ انصرني على القوم المفسدين . * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَمَّا جَآءَتْ رُسُلُنَآ إِبْرَاهِيمَ بِٱلْبُشْرَىٰ﴾ أي: جاءته الملائكة من الله بالبشرى بإسحاق ومن ولده بيعقوب. ﴿قَالُوۤاْ إِنَّا مُهْلِكُوۤ أَهْلِ هَـٰذِهِ ٱلْقَرْيَةِ﴾ وهي: سدوم قرية قوم لوط. ﴿إِنَّ أَهْلَهَا كَانُواْ ظَالِمِينَ﴾ أي: ظالمين أنفسهم بمعصيتهم الله. * * ثم قال تعالى: ﴿قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطاً﴾ أي: قال ذلك إبراهيم عليه السلام. قال ابن عباس: فجادل إبراهيمُ الملائكة في قوم لوط عليه السلام أن يتركوا، فقال أرأيتم إن كان فيها عشرة أبيات من المسلمين أتتركونهم؟ فقالت الملائكة: ليس فيها عشرة أبيات ولا خمسة ولا أربعة ولا ثلاثة ولا اثنان، فقال إبراهيم: إن فيها لوطاً. ﴿فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلاَّ ٱمْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ ٱلْغَابِرِينَ﴾ أي: من الباقين في العذاب. وقيل: المعنى كانت من الذين أبقتهم الدهور والأيام وتطاولت أعمارهم، فإنها هالكة مع قوم لوط. وحسن وصفها بلفظ المذكر، فقال من الغابرين ولم يقل من الغابرات لما كانت مع الرجال، فجعل صفتها كصفتهم. وروي أن إبراهيم ﷺ قال للملائكة: إن كان فيهم مائة يكرهون هذا أتهلكونهم؟ قالوا: لا قال: فإن كان فيهم تسعون قالوا: لا، إلى أن بلغ إلى عشرين. قال: إن فيها لوطاً. قالت الملائكة: نحن أعلم بمن فيها. روي أنه كان في المدينة أربع مائة ألف. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَمَّآ أَن جَآءَتْ رُسُلُنَا لُوطاً سِيءَ بِهِمْ﴾ أي: ساءته الملائكة بمجيئهم إليه، وذلك أنهم تضيفوه فرأى جمالهم وحسنهم فخاف عليهم من قومه، إذ قد علم أنهم كانوا يظلمون مثلهم في حسنهم وجمالهم فساؤوه بذلك. قال قتادة: ساء ظنّه بقومه وضاق بضيفه ذرعاً لما علم من حيث فعل قومه. قال ابن أبي عروبة: كان قوم لوط أربعة آلاف ألف، فلما رأت الرّسل غمّه وخوفه عليهم من قومه، قالت الرسل للوط: لا تخف علينا أن يصل إلينا قومك ولا تحزن مما أخبرناك من أنا مهلكوهم، فإنا ننجيك وأهلك إلاّ امرأتك. * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّا مُنزِلُونَ عَلَىٰ أَهْلِ هَـٰذِهِ ٱلْقَرْيَةِ رِجْزاً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ﴾ أي: عذاباً بفسقهم. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَد تَّرَكْنَا مِنْهَآ آيَةً بَيِّنَةً﴾ أي: أبقينا فعلتنا بهم عبرة وعظة ظاهرة لقوم يعقلون عن الله حججه وتلك الآية: اندراس آثارهم ومعالمهم. ونتبع الحجارة إياهم حيث كانوا. * * ثم قال تعالى: ﴿وَإِلَىٰ مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْباً﴾ أي: وأرسلنا إلى مديَن أخاهم شعيْباً. فقال لهم يا قوم اعبدوا الله وحده وارجوا بعبادتكم إياه اليوم الآخر، أي: جزاء اليوم الآخر وهو يوم القيامة. ﴿وَلاَ تَعْثَوْاْ فِي ٱلأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ أي: لا تكثروا الفساد في الأرض بمعصية الله تعالى وإقامتكم عليها. ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَتْهُمُ ٱلرَّجْفَةُ﴾ أي: فكذب أهل مدين شعيباً فيما جاءهم به عن الله جلّ ذكره، فأخذهم العذاب، فأصبح بعضهم على بعض جثوماً موتاً في ديارهم. قال قتادة: أرسل شعيب مرتين إلى أمتين، إلى أهل مدين، وإلى أصحاب الأيكة، وكان شعيب من ولد مدين، وأهل مدين من ولده أيضاً، فلذلك قال: أخاهم، ولم يكن بين شعيب وأصحاب الأيكة نسب فلذلك لم يقل أخاهم. قال قتادة: جاثمين: ميتين. وأصله المد والسكون وقطع الحركة. * * ثم قال تعالى: ﴿وَعَاداً وَثَمُودَاْ وَقَد تَّبَيَّنَ لَكُم مِّن مَّسَاكِنِهِمْ﴾ نصب عاد وثمود عند الكسائي على العطف على قوله: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ [العنكبوت: ٣] وفتنا عاداً وثموداً. وقال الزجاج: التقدير: وأهلكنا عاداً وثموداً. وقال الطبري: التقدير: واذكر عاداً وثموداً، وقد تبيّن لكم من مساكنهم، يعني خرابها وخلاءها منهم. ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ﴾ أي: حسّنها لهم فتمادوا على كفرهم وتكذيبهم. ﴿فَصَدَّهُمْ عَنِ ٱلسَّبِيلِ﴾ أي: عن سبيل الله. ﴿وَكَانُواْ مُسْتَبْصِرِينَ﴾ أي: في ضلالتهم، أي: معجبين بها، يحسبون أنهم على هدى وصواب، قاله ابن عباس والضحاك وقتادة. وقيل: المعنى: كانوا قد عرفوا الحق من الباطل. فهو مثل قوله تعالى ذكره: ﴿وَجَحَدُواْ بِهَا وَٱسْتَيْقَنَتْهَآ أَنفُسُهُمْ﴾ [النمل: ١٤]. قال تعالى: ﴿وَقَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ﴾. هذا معطوف على عاد على الاختلاف المتقدم. ﴿وَلَقَدْ جَآءَهُمْ مُّوسَىٰ بِٱلْبَيِّنَاتِ﴾ أي: الآيات الواضحات. ﴿فَٱسْتَكْبَرُواْ فِي ٱلأَرْضِ﴾ أي: عن التصديق بالآيات. ﴿وَمَا كَانُواْ سَابِقِينَ﴾ أي: فائتين بأنفسهم، بل القدرة عليهم غالبة من الله. * * ثم قال تعالى: ﴿فَكُلاًّ أَخَذْنَا بِذَنبِهِ﴾ أي: فأخذنا جميع هذه الأمم المذكورة بذنوبهم وأهلكناهم. ﴿فَمِنْهُم مَّن أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِباً﴾ أي: حجارة من سجيل والعرب تسمي الريح التي تحمل الحصى حاصباً. وهم قوم لوط. ﴿وَمِنْهُمْ مَّنْ أَخَذَتْهُ ٱلصَّيْحَةُ﴾ قال ابن عباس: هم ثمود. وقال قتادة هم قوم شعيب. ﴿وَمِنْهُمْ مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ ٱلأَرْضَ﴾ قال ابن عباس وقتادة: هو قارون. ﴿وَمِنْهُمْ مَّنْ أَغْرَقْنَا﴾ قال ابن عباس: هم قوم نوح. وقال قتادة هم قوم فرعون. ﴿وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ﴾ أي: وما كان الله ليهلك هذه الأمم بغير ذنب. ﴿وَلَـٰكِن كَانُوۤاْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ أي: بعبادتهم غير من ينعم عليهم ويرزقهم. * * ثم قال تعالى: ﴿مَثَلُ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَوْلِيَآءَ كَمَثَلِ ٱلْعَنكَبُوتِ ٱتَّخَذَتْ بَيْتاً﴾ أي مثل من اتخذ من دون الله آلهة في ضعف ما يرجون منها كمثل العنكبوت في ضعفها وقلة حيلتها اتخذت بيتاً ليُكِنّها، فلم يغن عنها شيئاً عند حاجتها، فكذلك هؤلاء الذين عبدوا الأوثان لتنفعهم عند حاجتهم إليها. قال ابن عباس: هو مثلٌ ضربه الله لمن عبد غيره. ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَإِنَّ أَوْهَنَ ٱلْبُيُوتِ لَبَيْتُ ٱلْعَنكَبُوتِ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ﴾ أي: إن أضعف البيوت لبيت العنكبوت لو علموا ذلك يقيناً.

العنكبوت 29:41

قوله تعالى ذكره: ﴿أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ ٱلرِّجَالَ وَتَقْطَعُونَ ٱلسَّبِيلَ﴾ إلى قوله: ﴿لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ﴾. أي: تأتون الرجال في أدبارهم، وتقطعون الطريق على المسافرين. روي أنهم كانوا يفعلون ذلك بمن يمر بهم من المسافرين، ومن يرِدُ ديارهم من الغرباء، قاله ابن زيد. روي أنهم كانوا - مع فسقهم - يقطعون الطريق ويقتلون ويأخذون الأموال حتى انقطعت الطريق فلا يسلكها أحد. * * وقوله: ﴿وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ ٱلْمُنْكَرَ﴾. روي عن عائشة أنه الفراط، يعني أنهم كانوا يتفارطون في مجالسهم. وروت أم هانئ أنها سألت النبي ﷺ عن قوله تعالى ذكره: ﴿وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ ٱلْمُنْكَرَ﴾ قال: "كانوا يَخْذِفون أهلَ الطريقِ ويَسْخَرُونَ منهم، فهوَ المنكر الذي كانوا يأتون"، وقاله عكرمة والسدي. وقال مجاهد: المنكر هنا أنهم كانوا يجامع بعضهم بعضاً في المجالس. وهو قول قتادة وابن زيد. والحديث المروي عن النبي ﷺ أولى بالاتباع. وروي ذلك عن ابن شهاب: "إنّ على مَنْ عمِلَ عمَلَ قومِ لوطٍ الرجم أُحْصِنَ أو لم يُحْصَن قال مالك: إذا شهدَ على الفاعل والمفعول به أربعة شهداء عدول رُجما، ولا يرجمان حتى يُرى كما يرى المِرْوَد في المِكحلة أُحْصِنَا أو لم يُحْصَنَا إذا كانا قد بلغا الحُلمَ. وقد روى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: "اقتلوا الفاعلَ والمفعولَ بهِ وقال عليّ بن أبي طالب: يحرق الفاعل والمفعول به في النار. وروي أن أبا بكر شاور علياً في هذا فأمر بحرقهما. وفعل ابن الزبير مثل ذلك في أيامه، وفعله هشام ابن عبد الملك. وقيل إنما فعلوا الحرق بعد القتل. وروى أبو هريرة أن النبي ﷺ "أمر برجمِهما" وأكثر الروايات عن النبي ﷺ في ذلك "القتل لهما جميعاً" وفي بعض الحديث: "ومن وقَعَ على ذاتِ مَحْرَمٍ فاقتلوهُ وروى أنس أن النبي ﷺ قال: "إذا علا الذّكرَ الذّكَرُ اهتزّ العرشُ وقالت السماوات: يا ربّ مُرْنا أن نَحْصِبَهُ، وقالتِ الأرضُ: يا ربِّ مُرْنَا نَبْتَلِعَهُ، فيقولُ: دعوهُ فإنّ ممرَّهُ بي ووقوفَهُ بينَ يديَّ ثم قال تعالى ذكره: ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَن قَالُواْ ٱئْتِنَا بِعَذَابِ ٱللَّهِ﴾ أي: ما جاوب لوطاً قومه لما نهاهم عن المنكر، وخوفهم من عذاب الله إلاّ أن قالوا: جئنا بعذاب الله الذي توعدنا به إن كنت صادقاً في قولك. ﴿قَالَ رَبِّ ٱنصُرْنِي عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْمُفْسِدِينَ﴾ أي: قال لوط مستغيثاً لما استعجله قومه بالعذاب: يا ربّ انصرني على القوم المفسدين . * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَمَّا جَآءَتْ رُسُلُنَآ إِبْرَاهِيمَ بِٱلْبُشْرَىٰ﴾ أي: جاءته الملائكة من الله بالبشرى بإسحاق ومن ولده بيعقوب. ﴿قَالُوۤاْ إِنَّا مُهْلِكُوۤ أَهْلِ هَـٰذِهِ ٱلْقَرْيَةِ﴾ وهي: سدوم قرية قوم لوط. ﴿إِنَّ أَهْلَهَا كَانُواْ ظَالِمِينَ﴾ أي: ظالمين أنفسهم بمعصيتهم الله. * * ثم قال تعالى: ﴿قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطاً﴾ أي: قال ذلك إبراهيم عليه السلام. قال ابن عباس: فجادل إبراهيمُ الملائكة في قوم لوط عليه السلام أن يتركوا، فقال أرأيتم إن كان فيها عشرة أبيات من المسلمين أتتركونهم؟ فقالت الملائكة: ليس فيها عشرة أبيات ولا خمسة ولا أربعة ولا ثلاثة ولا اثنان، فقال إبراهيم: إن فيها لوطاً. ﴿فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلاَّ ٱمْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ ٱلْغَابِرِينَ﴾ أي: من الباقين في العذاب. وقيل: المعنى كانت من الذين أبقتهم الدهور والأيام وتطاولت أعمارهم، فإنها هالكة مع قوم لوط. وحسن وصفها بلفظ المذكر، فقال من الغابرين ولم يقل من الغابرات لما كانت مع الرجال، فجعل صفتها كصفتهم. وروي أن إبراهيم ﷺ قال للملائكة: إن كان فيهم مائة يكرهون هذا أتهلكونهم؟ قالوا: لا قال: فإن كان فيهم تسعون قالوا: لا، إلى أن بلغ إلى عشرين. قال: إن فيها لوطاً. قالت الملائكة: نحن أعلم بمن فيها. روي أنه كان في المدينة أربع مائة ألف. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَمَّآ أَن جَآءَتْ رُسُلُنَا لُوطاً سِيءَ بِهِمْ﴾ أي: ساءته الملائكة بمجيئهم إليه، وذلك أنهم تضيفوه فرأى جمالهم وحسنهم فخاف عليهم من قومه، إذ قد علم أنهم كانوا يظلمون مثلهم في حسنهم وجمالهم فساؤوه بذلك. قال قتادة: ساء ظنّه بقومه وضاق بضيفه ذرعاً لما علم من حيث فعل قومه. قال ابن أبي عروبة: كان قوم لوط أربعة آلاف ألف، فلما رأت الرّسل غمّه وخوفه عليهم من قومه، قالت الرسل للوط: لا تخف علينا أن يصل إلينا قومك ولا تحزن مما أخبرناك من أنا مهلكوهم، فإنا ننجيك وأهلك إلاّ امرأتك. * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّا مُنزِلُونَ عَلَىٰ أَهْلِ هَـٰذِهِ ٱلْقَرْيَةِ رِجْزاً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ﴾ أي: عذاباً بفسقهم. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَد تَّرَكْنَا مِنْهَآ آيَةً بَيِّنَةً﴾ أي: أبقينا فعلتنا بهم عبرة وعظة ظاهرة لقوم يعقلون عن الله حججه وتلك الآية: اندراس آثارهم ومعالمهم. ونتبع الحجارة إياهم حيث كانوا. * * ثم قال تعالى: ﴿وَإِلَىٰ مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْباً﴾ أي: وأرسلنا إلى مديَن أخاهم شعيْباً. فقال لهم يا قوم اعبدوا الله وحده وارجوا بعبادتكم إياه اليوم الآخر، أي: جزاء اليوم الآخر وهو يوم القيامة. ﴿وَلاَ تَعْثَوْاْ فِي ٱلأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ أي: لا تكثروا الفساد في الأرض بمعصية الله تعالى وإقامتكم عليها. ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَتْهُمُ ٱلرَّجْفَةُ﴾ أي: فكذب أهل مدين شعيباً فيما جاءهم به عن الله جلّ ذكره، فأخذهم العذاب، فأصبح بعضهم على بعض جثوماً موتاً في ديارهم. قال قتادة: أرسل شعيب مرتين إلى أمتين، إلى أهل مدين، وإلى أصحاب الأيكة، وكان شعيب من ولد مدين، وأهل مدين من ولده أيضاً، فلذلك قال: أخاهم، ولم يكن بين شعيب وأصحاب الأيكة نسب فلذلك لم يقل أخاهم. قال قتادة: جاثمين: ميتين. وأصله المد والسكون وقطع الحركة. * * ثم قال تعالى: ﴿وَعَاداً وَثَمُودَاْ وَقَد تَّبَيَّنَ لَكُم مِّن مَّسَاكِنِهِمْ﴾ نصب عاد وثمود عند الكسائي على العطف على قوله: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ [العنكبوت: ٣] وفتنا عاداً وثموداً. وقال الزجاج: التقدير: وأهلكنا عاداً وثموداً. وقال الطبري: التقدير: واذكر عاداً وثموداً، وقد تبيّن لكم من مساكنهم، يعني خرابها وخلاءها منهم. ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ﴾ أي: حسّنها لهم فتمادوا على كفرهم وتكذيبهم. ﴿فَصَدَّهُمْ عَنِ ٱلسَّبِيلِ﴾ أي: عن سبيل الله. ﴿وَكَانُواْ مُسْتَبْصِرِينَ﴾ أي: في ضلالتهم، أي: معجبين بها، يحسبون أنهم على هدى وصواب، قاله ابن عباس والضحاك وقتادة. وقيل: المعنى: كانوا قد عرفوا الحق من الباطل. فهو مثل قوله تعالى ذكره: ﴿وَجَحَدُواْ بِهَا وَٱسْتَيْقَنَتْهَآ أَنفُسُهُمْ﴾ [النمل: ١٤]. قال تعالى: ﴿وَقَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ﴾. هذا معطوف على عاد على الاختلاف المتقدم. ﴿وَلَقَدْ جَآءَهُمْ مُّوسَىٰ بِٱلْبَيِّنَاتِ﴾ أي: الآيات الواضحات. ﴿فَٱسْتَكْبَرُواْ فِي ٱلأَرْضِ﴾ أي: عن التصديق بالآيات. ﴿وَمَا كَانُواْ سَابِقِينَ﴾ أي: فائتين بأنفسهم، بل القدرة عليهم غالبة من الله. * * ثم قال تعالى: ﴿فَكُلاًّ أَخَذْنَا بِذَنبِهِ﴾ أي: فأخذنا جميع هذه الأمم المذكورة بذنوبهم وأهلكناهم. ﴿فَمِنْهُم مَّن أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِباً﴾ أي: حجارة من سجيل والعرب تسمي الريح التي تحمل الحصى حاصباً. وهم قوم لوط. ﴿وَمِنْهُمْ مَّنْ أَخَذَتْهُ ٱلصَّيْحَةُ﴾ قال ابن عباس: هم ثمود. وقال قتادة هم قوم شعيب. ﴿وَمِنْهُمْ مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ ٱلأَرْضَ﴾ قال ابن عباس وقتادة: هو قارون. ﴿وَمِنْهُمْ مَّنْ أَغْرَقْنَا﴾ قال ابن عباس: هم قوم نوح. وقال قتادة هم قوم فرعون. ﴿وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ﴾ أي: وما كان الله ليهلك هذه الأمم بغير ذنب. ﴿وَلَـٰكِن كَانُوۤاْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ أي: بعبادتهم غير من ينعم عليهم ويرزقهم. * * ثم قال تعالى: ﴿مَثَلُ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَوْلِيَآءَ كَمَثَلِ ٱلْعَنكَبُوتِ ٱتَّخَذَتْ بَيْتاً﴾ أي مثل من اتخذ من دون الله آلهة في ضعف ما يرجون منها كمثل العنكبوت في ضعفها وقلة حيلتها اتخذت بيتاً ليُكِنّها، فلم يغن عنها شيئاً عند حاجتها، فكذلك هؤلاء الذين عبدوا الأوثان لتنفعهم عند حاجتهم إليها. قال ابن عباس: هو مثلٌ ضربه الله لمن عبد غيره. ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَإِنَّ أَوْهَنَ ٱلْبُيُوتِ لَبَيْتُ ٱلْعَنكَبُوتِ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ﴾ أي: إن أضعف البيوت لبيت العنكبوت لو علموا ذلك يقيناً.

العنكبوت 29:42

قوله تعالى ذكره: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ﴾ إلى قوله ﴿إِذاً لاَّرْتَابَ ٱلْمُبْطِلُونَ﴾. أي: يعلم حال ما تعبدون من دون الله أنه لا ينفعكم ولا يضركم، وأن مثله في قلة غنائه عنكم مثل بيت العنكبوت في قلة غنائه عنها. ﴿وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ﴾ أي: في انتقامه ممن كفر به. ﴿ٱلْحَكِيمُ﴾ في تدبيره. و "من" في قوله: "من شيء" للتبعيض، ولو كانت زائدة للتوكيد بعد النفي لانقلب المعنى. فما ليست نفياً، وهي بمعنى الذي. * * ثم قال: ﴿وَتِلْكَ ٱلأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ﴾ أي: وتلك الأشباه والنظائر نضربها للناس، أي: نمثلها للناس ونحتج بها عليها. ﴿وَمَا يَعْقِلُهَآ إِلاَّ ٱلْعَالِمُونَ﴾ أي: وما يعقل الصواب لما ضرب له من الأمثال إلاّ العالمون بالله وآياته. ثم قال تعالى: {خَلَقَ ٱللَّهُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ بِٱلْحَقِّ} أي: انفرد بخلق ذلك للحق. * * ﴿إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَةً لِّلْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: لعلامة وحجة على خلقه في توحيده وعبادته لمن آمن به. ثم قال تعالى: ﴿ٱتْلُ مَا أُوْحِيَ إِلَيْكَ مِنَ ٱلْكِتَابِ﴾ أي: اقرأ يا محمد ما أنزل عليك من القرآن. ﴿وَأَقِمِ ٱلصَّلاَةَ﴾ أي: أدّها بفروضها وفي وقتها. ﴿إِنَّ ٱلصَّلاَةَ تَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَآءِ وَٱلْمُنْكَرِ﴾. قال ابن عباس: في الصلاة منتهى ومزدجر عن معاصي الله جلّ ذكره . وقال ابن مسعود: من لم تأمره صلاته بالمعروف وتنهه عن المنكر لم يزدد بها إلاّ بعداً من الله جلّ ذكره. وروى الحسن عن النبي ﷺ مثل قول ابن مسعود. وهو قول قتادة وغيره. وقيل: المعنى: إن الصلاة تنهى من كان فيها عن الفحشاء والمنكر فتحول بينه وبين ذلك لشغله بها. وروي عن ابن عمر أنه قال: الصلاة هنا: القرآن. قال: القرآن الذي يقرأ في المساجد ينهى عن الفحشاء والمنكر. والفحشاء الزنى، والمنكر المعاصي. * * ثم قال: ﴿وَلَذِكْرُ ٱللَّهِ أَكْبَرُ﴾ قال ابن عباس في معناه: ولذكر الله أكبر إذا ذكرتموه عندما أمركم به، ونهى عنه أكبر من ذكركم إياه. وهو قول مجاهد وعكرمة وغيرهما. وروي ذلك عن أبي الدرداء. وقيل: المعنى: ولذكر الله إياكم أفضل من ذكركم إياه. وهو اختيار الطبري. وقيل: المعنى: ولذكركم الله أفضل من كل شيء. أي: ذكركم الله في الصلاة والدعاء وغير ذلك أفضل من الصلاة وسائر العبادات بلا ذكر. وروي عن النبي ﷺ أنه قال: "ليس يتحسَّرُ أهلُ الجنّة على شيءٍ إلاّ على ساعاتٍ مرّت بهم لم يذكُروا الله عز وجل فيها ". وقال ثابت البُناني: "بلغني أن أهل ذكر الله يجلسون إلى ذكر الله وإن عليهم من الآثام مثل الجبال، وإنهم ليقومون منها عطلاً ما عليهم منها شيء". وسئل سلمان عن أيّ الأعمال أفضل؟ فقال: أما تقرأ القرآن، ﴿وَلَذِكْرُ ٱللَّهِ أَكْبَرُ﴾ لا شيءَ أفضل من ذكرِ الله. وقالت أم الدرداء: إن صليت فهو من ذكر الله، وإن صمتَ فهو من ذكر الله، وكل خير فعلته فهو من ذكر الله، وكل شيء تجنبته لله فهو من ذكر الله، وأفضل من ذلك تسبيح الله جلّ وعزّ. وقال قتادة: ولذكر الله أكبر، لا شيء أكبر من ذكر الله. وقيل: المعنى: ولذكر الله العبد في الصلاة أفضل من الصلاة. قاله السدي. وقيل: المعنى: والصلاة التي أنت فيها، وذكرى الله فيها أكبر مما نهتك الصلاة عنه من الفحشاء والمنكر. وقيل: المعنى: ولذكر الله الفحشاء والمنكر كبير. ﴿وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾ أي: ما تفعلون في صلاتكم من إقامة حدودها وغير ذلك من ترككم الفحشاء والمنكر. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلاَ تُجَادِلُوۤاْ أَهْلَ ٱلْكِتَابِ إِلاَّ بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ أي: لا تجادلوا أيها المؤمنون اليهود والنصارى إلاّ بالجميل من القول، وهو الدعاء إلى الله والتنبيه على حججه. ﴿إِلاَّ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ﴾ هذا بدل من "أهل"، ويجوز أن يكون استثناء. والمعنى: إلاّ الذين امتنعوا من إعطاء الجزية ونصبوا دونها الحرب فلكم قتالهم حتى يسلموا أو يعطوا الجزية. قاله مجاهد وغيره، وهو اختيار الطبري. وقال ابن جبير: هم أهل الحرب ومن لا عهد له، فلك أن تجادله بالسيف. وقيل المعنى: لا تجادلوا من كفر منهم بمحمد ﷺ فيما يخبرونكم به من نص كتابهم إلاّ بالقول الجميل، وأن تقولوا آمنا بما أنزل إلينا وأنزل إليكم، إلاّ الذين ظلموا منهم. يعني الذين لم يؤمنوا بمحمد ﷺ، وأقاموا على كفرهم. فالآية محكمة على هذا القول. روي هذا القول عن ابن زيد. وقال قتادة: هي منسوخة بالأمر بالقتال لأنها مكية. وقال أبو هريرة: كان أهل الكتاب يقرؤون التوراة بالعبرانية ويفسرونها بالعربية لأهل الإسلام، فقال النبي ﷺ: "لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذّبوهم، وقولوا آمنّا بالَّذي أنزل إلينا وأنزل إليكم وإلهنا.." الآية. ومعنى: ﴿إِلاَّ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ﴾ أي: ظلموكم في منعهم الجزية ومحاربتكم. والكل ظالمون لأنفسهم بكفرهم من أدى الجزية ومن لم يؤد. ﴿وَإِلَـٰهُنَا وَإِلَـٰهُكُمْ وَاحِدٌ﴾ أي: معبودنا ومعبودكم واحد. ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ أي: خاضعون ومتذللون بالطاعة له. * * ثم قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ ٱلْكِتَابَ﴾ أي: وكما أنزلنا الكتاب على من قبلك يا محمد، كذلك أنزلنا إليك الكتاب. ﴿فَٱلَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ ٱلْكِتَابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ يعني: من كان من بني إسرائيل قبل محمد ﷺ. ﴿وَمِنْ هَـٰؤُلاۤءِ مَن يُؤْمِنُ بِهِ﴾ يعني: الذين كانوا من أهل الكتاب على عهد النبي عليه السلام، منهم من لم يؤمن بما أنزل على محمد. ﴿وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَآ﴾ أي: بأدلتنا وحججنا، ﴿إِلاَّ ٱلْكَافِرونَ﴾ أي: إلاّ الذين جحدوا نعمتنا بعد معرفتهم بها. قال قتادة: إنما الجحود بعد المعرفة. * * ثم قال تعالى: ﴿وَمَا كُنتَ تَتْلُواْ مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ﴾ أي: ما كنت يا محمد تقرأ قبل هذا الكتاب كتاباً آخر. ﴿وَلاَ تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ﴾ أي: تكتبه، بل كنت أمياً لا علم عندك من ذلك حتى أنزل الله عليك الكتاب وعلمك ما لم تكن تعلم، ولو كنت تقرأ قبل ذلك كتاباً وتخطّه بيمينك. ﴿إِذاً لاَّرْتَابَ ٱلْمُبْطِلُون﴾ أي: لشكّ فيك من أجل ذلك القائلون إنه سجع وإنه كهانة وأساطير الأولين، هذا معنى قول ابن عباس وقتادة وغيرهما. وقال مجاهد: كان أهل الكتاب يجدون في كتبهم أن النبي عليه السلام لا يخطّ بيمينه ولا يقرأ كتاباً، فنزلت هذه الآية. قال مجاهد: ﴿إِذاً لاَّرْتَابَ ٱلْمُبْطِلُون﴾ أي: إذاً لقالوا إنما هذا شيء تعلمه محمد ﷺ وكتبه، ويعني بالمبطلين: كفار قريش. فكأنّ كونه لا يقرأ ولا يكتب، ثم أتاهم بأخبار الأنبياء، والأمم دليل على نبوته وأن ذلك من عند الله جل ذكره.

العنكبوت 29:43

قوله تعالى ذكره: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ﴾ إلى قوله ﴿إِذاً لاَّرْتَابَ ٱلْمُبْطِلُونَ﴾. أي: يعلم حال ما تعبدون من دون الله أنه لا ينفعكم ولا يضركم، وأن مثله في قلة غنائه عنكم مثل بيت العنكبوت في قلة غنائه عنها. ﴿وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ﴾ أي: في انتقامه ممن كفر به. ﴿ٱلْحَكِيمُ﴾ في تدبيره. و "من" في قوله: "من شيء" للتبعيض، ولو كانت زائدة للتوكيد بعد النفي لانقلب المعنى. فما ليست نفياً، وهي بمعنى الذي. * * ثم قال: ﴿وَتِلْكَ ٱلأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ﴾ أي: وتلك الأشباه والنظائر نضربها للناس، أي: نمثلها للناس ونحتج بها عليها. ﴿وَمَا يَعْقِلُهَآ إِلاَّ ٱلْعَالِمُونَ﴾ أي: وما يعقل الصواب لما ضرب له من الأمثال إلاّ العالمون بالله وآياته. ثم قال تعالى: {خَلَقَ ٱللَّهُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ بِٱلْحَقِّ} أي: انفرد بخلق ذلك للحق. * * ﴿إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَةً لِّلْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: لعلامة وحجة على خلقه في توحيده وعبادته لمن آمن به. ثم قال تعالى: ﴿ٱتْلُ مَا أُوْحِيَ إِلَيْكَ مِنَ ٱلْكِتَابِ﴾ أي: اقرأ يا محمد ما أنزل عليك من القرآن. ﴿وَأَقِمِ ٱلصَّلاَةَ﴾ أي: أدّها بفروضها وفي وقتها. ﴿إِنَّ ٱلصَّلاَةَ تَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَآءِ وَٱلْمُنْكَرِ﴾. قال ابن عباس: في الصلاة منتهى ومزدجر عن معاصي الله جلّ ذكره . وقال ابن مسعود: من لم تأمره صلاته بالمعروف وتنهه عن المنكر لم يزدد بها إلاّ بعداً من الله جلّ ذكره. وروى الحسن عن النبي ﷺ مثل قول ابن مسعود. وهو قول قتادة وغيره. وقيل: المعنى: إن الصلاة تنهى من كان فيها عن الفحشاء والمنكر فتحول بينه وبين ذلك لشغله بها. وروي عن ابن عمر أنه قال: الصلاة هنا: القرآن. قال: القرآن الذي يقرأ في المساجد ينهى عن الفحشاء والمنكر. والفحشاء الزنى، والمنكر المعاصي. * * ثم قال: ﴿وَلَذِكْرُ ٱللَّهِ أَكْبَرُ﴾ قال ابن عباس في معناه: ولذكر الله أكبر إذا ذكرتموه عندما أمركم به، ونهى عنه أكبر من ذكركم إياه. وهو قول مجاهد وعكرمة وغيرهما. وروي ذلك عن أبي الدرداء. وقيل: المعنى: ولذكر الله إياكم أفضل من ذكركم إياه. وهو اختيار الطبري. وقيل: المعنى: ولذكركم الله أفضل من كل شيء. أي: ذكركم الله في الصلاة والدعاء وغير ذلك أفضل من الصلاة وسائر العبادات بلا ذكر. وروي عن النبي ﷺ أنه قال: "ليس يتحسَّرُ أهلُ الجنّة على شيءٍ إلاّ على ساعاتٍ مرّت بهم لم يذكُروا الله عز وجل فيها ". وقال ثابت البُناني: "بلغني أن أهل ذكر الله يجلسون إلى ذكر الله وإن عليهم من الآثام مثل الجبال، وإنهم ليقومون منها عطلاً ما عليهم منها شيء". وسئل سلمان عن أيّ الأعمال أفضل؟ فقال: أما تقرأ القرآن، ﴿وَلَذِكْرُ ٱللَّهِ أَكْبَرُ﴾ لا شيءَ أفضل من ذكرِ الله. وقالت أم الدرداء: إن صليت فهو من ذكر الله، وإن صمتَ فهو من ذكر الله، وكل خير فعلته فهو من ذكر الله، وكل شيء تجنبته لله فهو من ذكر الله، وأفضل من ذلك تسبيح الله جلّ وعزّ. وقال قتادة: ولذكر الله أكبر، لا شيء أكبر من ذكر الله. وقيل: المعنى: ولذكر الله العبد في الصلاة أفضل من الصلاة. قاله السدي. وقيل: المعنى: والصلاة التي أنت فيها، وذكرى الله فيها أكبر مما نهتك الصلاة عنه من الفحشاء والمنكر. وقيل: المعنى: ولذكر الله الفحشاء والمنكر كبير. ﴿وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾ أي: ما تفعلون في صلاتكم من إقامة حدودها وغير ذلك من ترككم الفحشاء والمنكر. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلاَ تُجَادِلُوۤاْ أَهْلَ ٱلْكِتَابِ إِلاَّ بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ أي: لا تجادلوا أيها المؤمنون اليهود والنصارى إلاّ بالجميل من القول، وهو الدعاء إلى الله والتنبيه على حججه. ﴿إِلاَّ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ﴾ هذا بدل من "أهل"، ويجوز أن يكون استثناء. والمعنى: إلاّ الذين امتنعوا من إعطاء الجزية ونصبوا دونها الحرب فلكم قتالهم حتى يسلموا أو يعطوا الجزية. قاله مجاهد وغيره، وهو اختيار الطبري. وقال ابن جبير: هم أهل الحرب ومن لا عهد له، فلك أن تجادله بالسيف. وقيل المعنى: لا تجادلوا من كفر منهم بمحمد ﷺ فيما يخبرونكم به من نص كتابهم إلاّ بالقول الجميل، وأن تقولوا آمنا بما أنزل إلينا وأنزل إليكم، إلاّ الذين ظلموا منهم. يعني الذين لم يؤمنوا بمحمد ﷺ، وأقاموا على كفرهم. فالآية محكمة على هذا القول. روي هذا القول عن ابن زيد. وقال قتادة: هي منسوخة بالأمر بالقتال لأنها مكية. وقال أبو هريرة: كان أهل الكتاب يقرؤون التوراة بالعبرانية ويفسرونها بالعربية لأهل الإسلام، فقال النبي ﷺ: "لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذّبوهم، وقولوا آمنّا بالَّذي أنزل إلينا وأنزل إليكم وإلهنا.." الآية. ومعنى: ﴿إِلاَّ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ﴾ أي: ظلموكم في منعهم الجزية ومحاربتكم. والكل ظالمون لأنفسهم بكفرهم من أدى الجزية ومن لم يؤد. ﴿وَإِلَـٰهُنَا وَإِلَـٰهُكُمْ وَاحِدٌ﴾ أي: معبودنا ومعبودكم واحد. ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ أي: خاضعون ومتذللون بالطاعة له. * * ثم قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ ٱلْكِتَابَ﴾ أي: وكما أنزلنا الكتاب على من قبلك يا محمد، كذلك أنزلنا إليك الكتاب. ﴿فَٱلَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ ٱلْكِتَابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ يعني: من كان من بني إسرائيل قبل محمد ﷺ. ﴿وَمِنْ هَـٰؤُلاۤءِ مَن يُؤْمِنُ بِهِ﴾ يعني: الذين كانوا من أهل الكتاب على عهد النبي عليه السلام، منهم من لم يؤمن بما أنزل على محمد. ﴿وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَآ﴾ أي: بأدلتنا وحججنا، ﴿إِلاَّ ٱلْكَافِرونَ﴾ أي: إلاّ الذين جحدوا نعمتنا بعد معرفتهم بها. قال قتادة: إنما الجحود بعد المعرفة. * * ثم قال تعالى: ﴿وَمَا كُنتَ تَتْلُواْ مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ﴾ أي: ما كنت يا محمد تقرأ قبل هذا الكتاب كتاباً آخر. ﴿وَلاَ تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ﴾ أي: تكتبه، بل كنت أمياً لا علم عندك من ذلك حتى أنزل الله عليك الكتاب وعلمك ما لم تكن تعلم، ولو كنت تقرأ قبل ذلك كتاباً وتخطّه بيمينك. ﴿إِذاً لاَّرْتَابَ ٱلْمُبْطِلُون﴾ أي: لشكّ فيك من أجل ذلك القائلون إنه سجع وإنه كهانة وأساطير الأولين، هذا معنى قول ابن عباس وقتادة وغيرهما. وقال مجاهد: كان أهل الكتاب يجدون في كتبهم أن النبي عليه السلام لا يخطّ بيمينه ولا يقرأ كتاباً، فنزلت هذه الآية. قال مجاهد: ﴿إِذاً لاَّرْتَابَ ٱلْمُبْطِلُون﴾ أي: إذاً لقالوا إنما هذا شيء تعلمه محمد ﷺ وكتبه، ويعني بالمبطلين: كفار قريش. فكأنّ كونه لا يقرأ ولا يكتب، ثم أتاهم بأخبار الأنبياء، والأمم دليل على نبوته وأن ذلك من عند الله جل ذكره.

العنكبوت 29:44

قوله تعالى ذكره: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ﴾ إلى قوله ﴿إِذاً لاَّرْتَابَ ٱلْمُبْطِلُونَ﴾. أي: يعلم حال ما تعبدون من دون الله أنه لا ينفعكم ولا يضركم، وأن مثله في قلة غنائه عنكم مثل بيت العنكبوت في قلة غنائه عنها. ﴿وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ﴾ أي: في انتقامه ممن كفر به. ﴿ٱلْحَكِيمُ﴾ في تدبيره. و "من" في قوله: "من شيء" للتبعيض، ولو كانت زائدة للتوكيد بعد النفي لانقلب المعنى. فما ليست نفياً، وهي بمعنى الذي. * * ثم قال: ﴿وَتِلْكَ ٱلأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ﴾ أي: وتلك الأشباه والنظائر نضربها للناس، أي: نمثلها للناس ونحتج بها عليها. ﴿وَمَا يَعْقِلُهَآ إِلاَّ ٱلْعَالِمُونَ﴾ أي: وما يعقل الصواب لما ضرب له من الأمثال إلاّ العالمون بالله وآياته. ثم قال تعالى: {خَلَقَ ٱللَّهُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ بِٱلْحَقِّ} أي: انفرد بخلق ذلك للحق. * * ﴿إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَةً لِّلْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: لعلامة وحجة على خلقه في توحيده وعبادته لمن آمن به. ثم قال تعالى: ﴿ٱتْلُ مَا أُوْحِيَ إِلَيْكَ مِنَ ٱلْكِتَابِ﴾ أي: اقرأ يا محمد ما أنزل عليك من القرآن. ﴿وَأَقِمِ ٱلصَّلاَةَ﴾ أي: أدّها بفروضها وفي وقتها. ﴿إِنَّ ٱلصَّلاَةَ تَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَآءِ وَٱلْمُنْكَرِ﴾. قال ابن عباس: في الصلاة منتهى ومزدجر عن معاصي الله جلّ ذكره . وقال ابن مسعود: من لم تأمره صلاته بالمعروف وتنهه عن المنكر لم يزدد بها إلاّ بعداً من الله جلّ ذكره. وروى الحسن عن النبي ﷺ مثل قول ابن مسعود. وهو قول قتادة وغيره. وقيل: المعنى: إن الصلاة تنهى من كان فيها عن الفحشاء والمنكر فتحول بينه وبين ذلك لشغله بها. وروي عن ابن عمر أنه قال: الصلاة هنا: القرآن. قال: القرآن الذي يقرأ في المساجد ينهى عن الفحشاء والمنكر. والفحشاء الزنى، والمنكر المعاصي. * * ثم قال: ﴿وَلَذِكْرُ ٱللَّهِ أَكْبَرُ﴾ قال ابن عباس في معناه: ولذكر الله أكبر إذا ذكرتموه عندما أمركم به، ونهى عنه أكبر من ذكركم إياه. وهو قول مجاهد وعكرمة وغيرهما. وروي ذلك عن أبي الدرداء. وقيل: المعنى: ولذكر الله إياكم أفضل من ذكركم إياه. وهو اختيار الطبري. وقيل: المعنى: ولذكركم الله أفضل من كل شيء. أي: ذكركم الله في الصلاة والدعاء وغير ذلك أفضل من الصلاة وسائر العبادات بلا ذكر. وروي عن النبي ﷺ أنه قال: "ليس يتحسَّرُ أهلُ الجنّة على شيءٍ إلاّ على ساعاتٍ مرّت بهم لم يذكُروا الله عز وجل فيها ". وقال ثابت البُناني: "بلغني أن أهل ذكر الله يجلسون إلى ذكر الله وإن عليهم من الآثام مثل الجبال، وإنهم ليقومون منها عطلاً ما عليهم منها شيء". وسئل سلمان عن أيّ الأعمال أفضل؟ فقال: أما تقرأ القرآن، ﴿وَلَذِكْرُ ٱللَّهِ أَكْبَرُ﴾ لا شيءَ أفضل من ذكرِ الله. وقالت أم الدرداء: إن صليت فهو من ذكر الله، وإن صمتَ فهو من ذكر الله، وكل خير فعلته فهو من ذكر الله، وكل شيء تجنبته لله فهو من ذكر الله، وأفضل من ذلك تسبيح الله جلّ وعزّ. وقال قتادة: ولذكر الله أكبر، لا شيء أكبر من ذكر الله. وقيل: المعنى: ولذكر الله العبد في الصلاة أفضل من الصلاة. قاله السدي. وقيل: المعنى: والصلاة التي أنت فيها، وذكرى الله فيها أكبر مما نهتك الصلاة عنه من الفحشاء والمنكر. وقيل: المعنى: ولذكر الله الفحشاء والمنكر كبير. ﴿وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾ أي: ما تفعلون في صلاتكم من إقامة حدودها وغير ذلك من ترككم الفحشاء والمنكر. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلاَ تُجَادِلُوۤاْ أَهْلَ ٱلْكِتَابِ إِلاَّ بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ أي: لا تجادلوا أيها المؤمنون اليهود والنصارى إلاّ بالجميل من القول، وهو الدعاء إلى الله والتنبيه على حججه. ﴿إِلاَّ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ﴾ هذا بدل من "أهل"، ويجوز أن يكون استثناء. والمعنى: إلاّ الذين امتنعوا من إعطاء الجزية ونصبوا دونها الحرب فلكم قتالهم حتى يسلموا أو يعطوا الجزية. قاله مجاهد وغيره، وهو اختيار الطبري. وقال ابن جبير: هم أهل الحرب ومن لا عهد له، فلك أن تجادله بالسيف. وقيل المعنى: لا تجادلوا من كفر منهم بمحمد ﷺ فيما يخبرونكم به من نص كتابهم إلاّ بالقول الجميل، وأن تقولوا آمنا بما أنزل إلينا وأنزل إليكم، إلاّ الذين ظلموا منهم. يعني الذين لم يؤمنوا بمحمد ﷺ، وأقاموا على كفرهم. فالآية محكمة على هذا القول. روي هذا القول عن ابن زيد. وقال قتادة: هي منسوخة بالأمر بالقتال لأنها مكية. وقال أبو هريرة: كان أهل الكتاب يقرؤون التوراة بالعبرانية ويفسرونها بالعربية لأهل الإسلام، فقال النبي ﷺ: "لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذّبوهم، وقولوا آمنّا بالَّذي أنزل إلينا وأنزل إليكم وإلهنا.." الآية. ومعنى: ﴿إِلاَّ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ﴾ أي: ظلموكم في منعهم الجزية ومحاربتكم. والكل ظالمون لأنفسهم بكفرهم من أدى الجزية ومن لم يؤد. ﴿وَإِلَـٰهُنَا وَإِلَـٰهُكُمْ وَاحِدٌ﴾ أي: معبودنا ومعبودكم واحد. ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ أي: خاضعون ومتذللون بالطاعة له. * * ثم قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ ٱلْكِتَابَ﴾ أي: وكما أنزلنا الكتاب على من قبلك يا محمد، كذلك أنزلنا إليك الكتاب. ﴿فَٱلَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ ٱلْكِتَابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ يعني: من كان من بني إسرائيل قبل محمد ﷺ. ﴿وَمِنْ هَـٰؤُلاۤءِ مَن يُؤْمِنُ بِهِ﴾ يعني: الذين كانوا من أهل الكتاب على عهد النبي عليه السلام، منهم من لم يؤمن بما أنزل على محمد. ﴿وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَآ﴾ أي: بأدلتنا وحججنا، ﴿إِلاَّ ٱلْكَافِرونَ﴾ أي: إلاّ الذين جحدوا نعمتنا بعد معرفتهم بها. قال قتادة: إنما الجحود بعد المعرفة. * * ثم قال تعالى: ﴿وَمَا كُنتَ تَتْلُواْ مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ﴾ أي: ما كنت يا محمد تقرأ قبل هذا الكتاب كتاباً آخر. ﴿وَلاَ تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ﴾ أي: تكتبه، بل كنت أمياً لا علم عندك من ذلك حتى أنزل الله عليك الكتاب وعلمك ما لم تكن تعلم، ولو كنت تقرأ قبل ذلك كتاباً وتخطّه بيمينك. ﴿إِذاً لاَّرْتَابَ ٱلْمُبْطِلُون﴾ أي: لشكّ فيك من أجل ذلك القائلون إنه سجع وإنه كهانة وأساطير الأولين، هذا معنى قول ابن عباس وقتادة وغيرهما. وقال مجاهد: كان أهل الكتاب يجدون في كتبهم أن النبي عليه السلام لا يخطّ بيمينه ولا يقرأ كتاباً، فنزلت هذه الآية. قال مجاهد: ﴿إِذاً لاَّرْتَابَ ٱلْمُبْطِلُون﴾ أي: إذاً لقالوا إنما هذا شيء تعلمه محمد ﷺ وكتبه، ويعني بالمبطلين: كفار قريش. فكأنّ كونه لا يقرأ ولا يكتب، ثم أتاهم بأخبار الأنبياء، والأمم دليل على نبوته وأن ذلك من عند الله جل ذكره.

العنكبوت 29:45

قوله تعالى ذكره: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ﴾ إلى قوله ﴿إِذاً لاَّرْتَابَ ٱلْمُبْطِلُونَ﴾. أي: يعلم حال ما تعبدون من دون الله أنه لا ينفعكم ولا يضركم، وأن مثله في قلة غنائه عنكم مثل بيت العنكبوت في قلة غنائه عنها. ﴿وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ﴾ أي: في انتقامه ممن كفر به. ﴿ٱلْحَكِيمُ﴾ في تدبيره. و "من" في قوله: "من شيء" للتبعيض، ولو كانت زائدة للتوكيد بعد النفي لانقلب المعنى. فما ليست نفياً، وهي بمعنى الذي. * * ثم قال: ﴿وَتِلْكَ ٱلأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ﴾ أي: وتلك الأشباه والنظائر نضربها للناس، أي: نمثلها للناس ونحتج بها عليها. ﴿وَمَا يَعْقِلُهَآ إِلاَّ ٱلْعَالِمُونَ﴾ أي: وما يعقل الصواب لما ضرب له من الأمثال إلاّ العالمون بالله وآياته. ثم قال تعالى: {خَلَقَ ٱللَّهُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ بِٱلْحَقِّ} أي: انفرد بخلق ذلك للحق. * * ﴿إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَةً لِّلْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: لعلامة وحجة على خلقه في توحيده وعبادته لمن آمن به. ثم قال تعالى: ﴿ٱتْلُ مَا أُوْحِيَ إِلَيْكَ مِنَ ٱلْكِتَابِ﴾ أي: اقرأ يا محمد ما أنزل عليك من القرآن. ﴿وَأَقِمِ ٱلصَّلاَةَ﴾ أي: أدّها بفروضها وفي وقتها. ﴿إِنَّ ٱلصَّلاَةَ تَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَآءِ وَٱلْمُنْكَرِ﴾. قال ابن عباس: في الصلاة منتهى ومزدجر عن معاصي الله جلّ ذكره . وقال ابن مسعود: من لم تأمره صلاته بالمعروف وتنهه عن المنكر لم يزدد بها إلاّ بعداً من الله جلّ ذكره. وروى الحسن عن النبي ﷺ مثل قول ابن مسعود. وهو قول قتادة وغيره. وقيل: المعنى: إن الصلاة تنهى من كان فيها عن الفحشاء والمنكر فتحول بينه وبين ذلك لشغله بها. وروي عن ابن عمر أنه قال: الصلاة هنا: القرآن. قال: القرآن الذي يقرأ في المساجد ينهى عن الفحشاء والمنكر. والفحشاء الزنى، والمنكر المعاصي. * * ثم قال: ﴿وَلَذِكْرُ ٱللَّهِ أَكْبَرُ﴾ قال ابن عباس في معناه: ولذكر الله أكبر إذا ذكرتموه عندما أمركم به، ونهى عنه أكبر من ذكركم إياه. وهو قول مجاهد وعكرمة وغيرهما. وروي ذلك عن أبي الدرداء. وقيل: المعنى: ولذكر الله إياكم أفضل من ذكركم إياه. وهو اختيار الطبري. وقيل: المعنى: ولذكركم الله أفضل من كل شيء. أي: ذكركم الله في الصلاة والدعاء وغير ذلك أفضل من الصلاة وسائر العبادات بلا ذكر. وروي عن النبي ﷺ أنه قال: "ليس يتحسَّرُ أهلُ الجنّة على شيءٍ إلاّ على ساعاتٍ مرّت بهم لم يذكُروا الله عز وجل فيها ". وقال ثابت البُناني: "بلغني أن أهل ذكر الله يجلسون إلى ذكر الله وإن عليهم من الآثام مثل الجبال، وإنهم ليقومون منها عطلاً ما عليهم منها شيء". وسئل سلمان عن أيّ الأعمال أفضل؟ فقال: أما تقرأ القرآن، ﴿وَلَذِكْرُ ٱللَّهِ أَكْبَرُ﴾ لا شيءَ أفضل من ذكرِ الله. وقالت أم الدرداء: إن صليت فهو من ذكر الله، وإن صمتَ فهو من ذكر الله، وكل خير فعلته فهو من ذكر الله، وكل شيء تجنبته لله فهو من ذكر الله، وأفضل من ذلك تسبيح الله جلّ وعزّ. وقال قتادة: ولذكر الله أكبر، لا شيء أكبر من ذكر الله. وقيل: المعنى: ولذكر الله العبد في الصلاة أفضل من الصلاة. قاله السدي. وقيل: المعنى: والصلاة التي أنت فيها، وذكرى الله فيها أكبر مما نهتك الصلاة عنه من الفحشاء والمنكر. وقيل: المعنى: ولذكر الله الفحشاء والمنكر كبير. ﴿وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾ أي: ما تفعلون في صلاتكم من إقامة حدودها وغير ذلك من ترككم الفحشاء والمنكر. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلاَ تُجَادِلُوۤاْ أَهْلَ ٱلْكِتَابِ إِلاَّ بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ أي: لا تجادلوا أيها المؤمنون اليهود والنصارى إلاّ بالجميل من القول، وهو الدعاء إلى الله والتنبيه على حججه. ﴿إِلاَّ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ﴾ هذا بدل من "أهل"، ويجوز أن يكون استثناء. والمعنى: إلاّ الذين امتنعوا من إعطاء الجزية ونصبوا دونها الحرب فلكم قتالهم حتى يسلموا أو يعطوا الجزية. قاله مجاهد وغيره، وهو اختيار الطبري. وقال ابن جبير: هم أهل الحرب ومن لا عهد له، فلك أن تجادله بالسيف. وقيل المعنى: لا تجادلوا من كفر منهم بمحمد ﷺ فيما يخبرونكم به من نص كتابهم إلاّ بالقول الجميل، وأن تقولوا آمنا بما أنزل إلينا وأنزل إليكم، إلاّ الذين ظلموا منهم. يعني الذين لم يؤمنوا بمحمد ﷺ، وأقاموا على كفرهم. فالآية محكمة على هذا القول. روي هذا القول عن ابن زيد. وقال قتادة: هي منسوخة بالأمر بالقتال لأنها مكية. وقال أبو هريرة: كان أهل الكتاب يقرؤون التوراة بالعبرانية ويفسرونها بالعربية لأهل الإسلام، فقال النبي ﷺ: "لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذّبوهم، وقولوا آمنّا بالَّذي أنزل إلينا وأنزل إليكم وإلهنا.." الآية. ومعنى: ﴿إِلاَّ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ﴾ أي: ظلموكم في منعهم الجزية ومحاربتكم. والكل ظالمون لأنفسهم بكفرهم من أدى الجزية ومن لم يؤد. ﴿وَإِلَـٰهُنَا وَإِلَـٰهُكُمْ وَاحِدٌ﴾ أي: معبودنا ومعبودكم واحد. ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ أي: خاضعون ومتذللون بالطاعة له. * * ثم قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ ٱلْكِتَابَ﴾ أي: وكما أنزلنا الكتاب على من قبلك يا محمد، كذلك أنزلنا إليك الكتاب. ﴿فَٱلَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ ٱلْكِتَابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ يعني: من كان من بني إسرائيل قبل محمد ﷺ. ﴿وَمِنْ هَـٰؤُلاۤءِ مَن يُؤْمِنُ بِهِ﴾ يعني: الذين كانوا من أهل الكتاب على عهد النبي عليه السلام، منهم من لم يؤمن بما أنزل على محمد. ﴿وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَآ﴾ أي: بأدلتنا وحججنا، ﴿إِلاَّ ٱلْكَافِرونَ﴾ أي: إلاّ الذين جحدوا نعمتنا بعد معرفتهم بها. قال قتادة: إنما الجحود بعد المعرفة. * * ثم قال تعالى: ﴿وَمَا كُنتَ تَتْلُواْ مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ﴾ أي: ما كنت يا محمد تقرأ قبل هذا الكتاب كتاباً آخر. ﴿وَلاَ تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ﴾ أي: تكتبه، بل كنت أمياً لا علم عندك من ذلك حتى أنزل الله عليك الكتاب وعلمك ما لم تكن تعلم، ولو كنت تقرأ قبل ذلك كتاباً وتخطّه بيمينك. ﴿إِذاً لاَّرْتَابَ ٱلْمُبْطِلُون﴾ أي: لشكّ فيك من أجل ذلك القائلون إنه سجع وإنه كهانة وأساطير الأولين، هذا معنى قول ابن عباس وقتادة وغيرهما. وقال مجاهد: كان أهل الكتاب يجدون في كتبهم أن النبي عليه السلام لا يخطّ بيمينه ولا يقرأ كتاباً، فنزلت هذه الآية. قال مجاهد: ﴿إِذاً لاَّرْتَابَ ٱلْمُبْطِلُون﴾ أي: إذاً لقالوا إنما هذا شيء تعلمه محمد ﷺ وكتبه، ويعني بالمبطلين: كفار قريش. فكأنّ كونه لا يقرأ ولا يكتب، ثم أتاهم بأخبار الأنبياء، والأمم دليل على نبوته وأن ذلك من عند الله جل ذكره.

العنكبوت 29:46

قوله تعالى ذكره: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ﴾ إلى قوله ﴿إِذاً لاَّرْتَابَ ٱلْمُبْطِلُونَ﴾. أي: يعلم حال ما تعبدون من دون الله أنه لا ينفعكم ولا يضركم، وأن مثله في قلة غنائه عنكم مثل بيت العنكبوت في قلة غنائه عنها. ﴿وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ﴾ أي: في انتقامه ممن كفر به. ﴿ٱلْحَكِيمُ﴾ في تدبيره. و "من" في قوله: "من شيء" للتبعيض، ولو كانت زائدة للتوكيد بعد النفي لانقلب المعنى. فما ليست نفياً، وهي بمعنى الذي. * * ثم قال: ﴿وَتِلْكَ ٱلأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ﴾ أي: وتلك الأشباه والنظائر نضربها للناس، أي: نمثلها للناس ونحتج بها عليها. ﴿وَمَا يَعْقِلُهَآ إِلاَّ ٱلْعَالِمُونَ﴾ أي: وما يعقل الصواب لما ضرب له من الأمثال إلاّ العالمون بالله وآياته. ثم قال تعالى: {خَلَقَ ٱللَّهُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ بِٱلْحَقِّ} أي: انفرد بخلق ذلك للحق. * * ﴿إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَةً لِّلْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: لعلامة وحجة على خلقه في توحيده وعبادته لمن آمن به. ثم قال تعالى: ﴿ٱتْلُ مَا أُوْحِيَ إِلَيْكَ مِنَ ٱلْكِتَابِ﴾ أي: اقرأ يا محمد ما أنزل عليك من القرآن. ﴿وَأَقِمِ ٱلصَّلاَةَ﴾ أي: أدّها بفروضها وفي وقتها. ﴿إِنَّ ٱلصَّلاَةَ تَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَآءِ وَٱلْمُنْكَرِ﴾. قال ابن عباس: في الصلاة منتهى ومزدجر عن معاصي الله جلّ ذكره . وقال ابن مسعود: من لم تأمره صلاته بالمعروف وتنهه عن المنكر لم يزدد بها إلاّ بعداً من الله جلّ ذكره. وروى الحسن عن النبي ﷺ مثل قول ابن مسعود. وهو قول قتادة وغيره. وقيل: المعنى: إن الصلاة تنهى من كان فيها عن الفحشاء والمنكر فتحول بينه وبين ذلك لشغله بها. وروي عن ابن عمر أنه قال: الصلاة هنا: القرآن. قال: القرآن الذي يقرأ في المساجد ينهى عن الفحشاء والمنكر. والفحشاء الزنى، والمنكر المعاصي. * * ثم قال: ﴿وَلَذِكْرُ ٱللَّهِ أَكْبَرُ﴾ قال ابن عباس في معناه: ولذكر الله أكبر إذا ذكرتموه عندما أمركم به، ونهى عنه أكبر من ذكركم إياه. وهو قول مجاهد وعكرمة وغيرهما. وروي ذلك عن أبي الدرداء. وقيل: المعنى: ولذكر الله إياكم أفضل من ذكركم إياه. وهو اختيار الطبري. وقيل: المعنى: ولذكركم الله أفضل من كل شيء. أي: ذكركم الله في الصلاة والدعاء وغير ذلك أفضل من الصلاة وسائر العبادات بلا ذكر. وروي عن النبي ﷺ أنه قال: "ليس يتحسَّرُ أهلُ الجنّة على شيءٍ إلاّ على ساعاتٍ مرّت بهم لم يذكُروا الله عز وجل فيها ". وقال ثابت البُناني: "بلغني أن أهل ذكر الله يجلسون إلى ذكر الله وإن عليهم من الآثام مثل الجبال، وإنهم ليقومون منها عطلاً ما عليهم منها شيء". وسئل سلمان عن أيّ الأعمال أفضل؟ فقال: أما تقرأ القرآن، ﴿وَلَذِكْرُ ٱللَّهِ أَكْبَرُ﴾ لا شيءَ أفضل من ذكرِ الله. وقالت أم الدرداء: إن صليت فهو من ذكر الله، وإن صمتَ فهو من ذكر الله، وكل خير فعلته فهو من ذكر الله، وكل شيء تجنبته لله فهو من ذكر الله، وأفضل من ذلك تسبيح الله جلّ وعزّ. وقال قتادة: ولذكر الله أكبر، لا شيء أكبر من ذكر الله. وقيل: المعنى: ولذكر الله العبد في الصلاة أفضل من الصلاة. قاله السدي. وقيل: المعنى: والصلاة التي أنت فيها، وذكرى الله فيها أكبر مما نهتك الصلاة عنه من الفحشاء والمنكر. وقيل: المعنى: ولذكر الله الفحشاء والمنكر كبير. ﴿وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾ أي: ما تفعلون في صلاتكم من إقامة حدودها وغير ذلك من ترككم الفحشاء والمنكر. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلاَ تُجَادِلُوۤاْ أَهْلَ ٱلْكِتَابِ إِلاَّ بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ أي: لا تجادلوا أيها المؤمنون اليهود والنصارى إلاّ بالجميل من القول، وهو الدعاء إلى الله والتنبيه على حججه. ﴿إِلاَّ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ﴾ هذا بدل من "أهل"، ويجوز أن يكون استثناء. والمعنى: إلاّ الذين امتنعوا من إعطاء الجزية ونصبوا دونها الحرب فلكم قتالهم حتى يسلموا أو يعطوا الجزية. قاله مجاهد وغيره، وهو اختيار الطبري. وقال ابن جبير: هم أهل الحرب ومن لا عهد له، فلك أن تجادله بالسيف. وقيل المعنى: لا تجادلوا من كفر منهم بمحمد ﷺ فيما يخبرونكم به من نص كتابهم إلاّ بالقول الجميل، وأن تقولوا آمنا بما أنزل إلينا وأنزل إليكم، إلاّ الذين ظلموا منهم. يعني الذين لم يؤمنوا بمحمد ﷺ، وأقاموا على كفرهم. فالآية محكمة على هذا القول. روي هذا القول عن ابن زيد. وقال قتادة: هي منسوخة بالأمر بالقتال لأنها مكية. وقال أبو هريرة: كان أهل الكتاب يقرؤون التوراة بالعبرانية ويفسرونها بالعربية لأهل الإسلام، فقال النبي ﷺ: "لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذّبوهم، وقولوا آمنّا بالَّذي أنزل إلينا وأنزل إليكم وإلهنا.." الآية. ومعنى: ﴿إِلاَّ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ﴾ أي: ظلموكم في منعهم الجزية ومحاربتكم. والكل ظالمون لأنفسهم بكفرهم من أدى الجزية ومن لم يؤد. ﴿وَإِلَـٰهُنَا وَإِلَـٰهُكُمْ وَاحِدٌ﴾ أي: معبودنا ومعبودكم واحد. ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ أي: خاضعون ومتذللون بالطاعة له. * * ثم قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ ٱلْكِتَابَ﴾ أي: وكما أنزلنا الكتاب على من قبلك يا محمد، كذلك أنزلنا إليك الكتاب. ﴿فَٱلَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ ٱلْكِتَابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ يعني: من كان من بني إسرائيل قبل محمد ﷺ. ﴿وَمِنْ هَـٰؤُلاۤءِ مَن يُؤْمِنُ بِهِ﴾ يعني: الذين كانوا من أهل الكتاب على عهد النبي عليه السلام، منهم من لم يؤمن بما أنزل على محمد. ﴿وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَآ﴾ أي: بأدلتنا وحججنا، ﴿إِلاَّ ٱلْكَافِرونَ﴾ أي: إلاّ الذين جحدوا نعمتنا بعد معرفتهم بها. قال قتادة: إنما الجحود بعد المعرفة. * * ثم قال تعالى: ﴿وَمَا كُنتَ تَتْلُواْ مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ﴾ أي: ما كنت يا محمد تقرأ قبل هذا الكتاب كتاباً آخر. ﴿وَلاَ تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ﴾ أي: تكتبه، بل كنت أمياً لا علم عندك من ذلك حتى أنزل الله عليك الكتاب وعلمك ما لم تكن تعلم، ولو كنت تقرأ قبل ذلك كتاباً وتخطّه بيمينك. ﴿إِذاً لاَّرْتَابَ ٱلْمُبْطِلُون﴾ أي: لشكّ فيك من أجل ذلك القائلون إنه سجع وإنه كهانة وأساطير الأولين، هذا معنى قول ابن عباس وقتادة وغيرهما. وقال مجاهد: كان أهل الكتاب يجدون في كتبهم أن النبي عليه السلام لا يخطّ بيمينه ولا يقرأ كتاباً، فنزلت هذه الآية. قال مجاهد: ﴿إِذاً لاَّرْتَابَ ٱلْمُبْطِلُون﴾ أي: إذاً لقالوا إنما هذا شيء تعلمه محمد ﷺ وكتبه، ويعني بالمبطلين: كفار قريش. فكأنّ كونه لا يقرأ ولا يكتب، ثم أتاهم بأخبار الأنبياء، والأمم دليل على نبوته وأن ذلك من عند الله جل ذكره.

العنكبوت 29:47

قوله تعالى ذكره: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ﴾ إلى قوله ﴿إِذاً لاَّرْتَابَ ٱلْمُبْطِلُونَ﴾. أي: يعلم حال ما تعبدون من دون الله أنه لا ينفعكم ولا يضركم، وأن مثله في قلة غنائه عنكم مثل بيت العنكبوت في قلة غنائه عنها. ﴿وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ﴾ أي: في انتقامه ممن كفر به. ﴿ٱلْحَكِيمُ﴾ في تدبيره. و "من" في قوله: "من شيء" للتبعيض، ولو كانت زائدة للتوكيد بعد النفي لانقلب المعنى. فما ليست نفياً، وهي بمعنى الذي. * * ثم قال: ﴿وَتِلْكَ ٱلأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ﴾ أي: وتلك الأشباه والنظائر نضربها للناس، أي: نمثلها للناس ونحتج بها عليها. ﴿وَمَا يَعْقِلُهَآ إِلاَّ ٱلْعَالِمُونَ﴾ أي: وما يعقل الصواب لما ضرب له من الأمثال إلاّ العالمون بالله وآياته. ثم قال تعالى: {خَلَقَ ٱللَّهُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ بِٱلْحَقِّ} أي: انفرد بخلق ذلك للحق. * * ﴿إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَةً لِّلْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: لعلامة وحجة على خلقه في توحيده وعبادته لمن آمن به. ثم قال تعالى: ﴿ٱتْلُ مَا أُوْحِيَ إِلَيْكَ مِنَ ٱلْكِتَابِ﴾ أي: اقرأ يا محمد ما أنزل عليك من القرآن. ﴿وَأَقِمِ ٱلصَّلاَةَ﴾ أي: أدّها بفروضها وفي وقتها. ﴿إِنَّ ٱلصَّلاَةَ تَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَآءِ وَٱلْمُنْكَرِ﴾. قال ابن عباس: في الصلاة منتهى ومزدجر عن معاصي الله جلّ ذكره . وقال ابن مسعود: من لم تأمره صلاته بالمعروف وتنهه عن المنكر لم يزدد بها إلاّ بعداً من الله جلّ ذكره. وروى الحسن عن النبي ﷺ مثل قول ابن مسعود. وهو قول قتادة وغيره. وقيل: المعنى: إن الصلاة تنهى من كان فيها عن الفحشاء والمنكر فتحول بينه وبين ذلك لشغله بها. وروي عن ابن عمر أنه قال: الصلاة هنا: القرآن. قال: القرآن الذي يقرأ في المساجد ينهى عن الفحشاء والمنكر. والفحشاء الزنى، والمنكر المعاصي. * * ثم قال: ﴿وَلَذِكْرُ ٱللَّهِ أَكْبَرُ﴾ قال ابن عباس في معناه: ولذكر الله أكبر إذا ذكرتموه عندما أمركم به، ونهى عنه أكبر من ذكركم إياه. وهو قول مجاهد وعكرمة وغيرهما. وروي ذلك عن أبي الدرداء. وقيل: المعنى: ولذكر الله إياكم أفضل من ذكركم إياه. وهو اختيار الطبري. وقيل: المعنى: ولذكركم الله أفضل من كل شيء. أي: ذكركم الله في الصلاة والدعاء وغير ذلك أفضل من الصلاة وسائر العبادات بلا ذكر. وروي عن النبي ﷺ أنه قال: "ليس يتحسَّرُ أهلُ الجنّة على شيءٍ إلاّ على ساعاتٍ مرّت بهم لم يذكُروا الله عز وجل فيها ". وقال ثابت البُناني: "بلغني أن أهل ذكر الله يجلسون إلى ذكر الله وإن عليهم من الآثام مثل الجبال، وإنهم ليقومون منها عطلاً ما عليهم منها شيء". وسئل سلمان عن أيّ الأعمال أفضل؟ فقال: أما تقرأ القرآن، ﴿وَلَذِكْرُ ٱللَّهِ أَكْبَرُ﴾ لا شيءَ أفضل من ذكرِ الله. وقالت أم الدرداء: إن صليت فهو من ذكر الله، وإن صمتَ فهو من ذكر الله، وكل خير فعلته فهو من ذكر الله، وكل شيء تجنبته لله فهو من ذكر الله، وأفضل من ذلك تسبيح الله جلّ وعزّ. وقال قتادة: ولذكر الله أكبر، لا شيء أكبر من ذكر الله. وقيل: المعنى: ولذكر الله العبد في الصلاة أفضل من الصلاة. قاله السدي. وقيل: المعنى: والصلاة التي أنت فيها، وذكرى الله فيها أكبر مما نهتك الصلاة عنه من الفحشاء والمنكر. وقيل: المعنى: ولذكر الله الفحشاء والمنكر كبير. ﴿وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾ أي: ما تفعلون في صلاتكم من إقامة حدودها وغير ذلك من ترككم الفحشاء والمنكر. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلاَ تُجَادِلُوۤاْ أَهْلَ ٱلْكِتَابِ إِلاَّ بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ أي: لا تجادلوا أيها المؤمنون اليهود والنصارى إلاّ بالجميل من القول، وهو الدعاء إلى الله والتنبيه على حججه. ﴿إِلاَّ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ﴾ هذا بدل من "أهل"، ويجوز أن يكون استثناء. والمعنى: إلاّ الذين امتنعوا من إعطاء الجزية ونصبوا دونها الحرب فلكم قتالهم حتى يسلموا أو يعطوا الجزية. قاله مجاهد وغيره، وهو اختيار الطبري. وقال ابن جبير: هم أهل الحرب ومن لا عهد له، فلك أن تجادله بالسيف. وقيل المعنى: لا تجادلوا من كفر منهم بمحمد ﷺ فيما يخبرونكم به من نص كتابهم إلاّ بالقول الجميل، وأن تقولوا آمنا بما أنزل إلينا وأنزل إليكم، إلاّ الذين ظلموا منهم. يعني الذين لم يؤمنوا بمحمد ﷺ، وأقاموا على كفرهم. فالآية محكمة على هذا القول. روي هذا القول عن ابن زيد. وقال قتادة: هي منسوخة بالأمر بالقتال لأنها مكية. وقال أبو هريرة: كان أهل الكتاب يقرؤون التوراة بالعبرانية ويفسرونها بالعربية لأهل الإسلام، فقال النبي ﷺ: "لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذّبوهم، وقولوا آمنّا بالَّذي أنزل إلينا وأنزل إليكم وإلهنا.." الآية. ومعنى: ﴿إِلاَّ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ﴾ أي: ظلموكم في منعهم الجزية ومحاربتكم. والكل ظالمون لأنفسهم بكفرهم من أدى الجزية ومن لم يؤد. ﴿وَإِلَـٰهُنَا وَإِلَـٰهُكُمْ وَاحِدٌ﴾ أي: معبودنا ومعبودكم واحد. ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ أي: خاضعون ومتذللون بالطاعة له. * * ثم قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ ٱلْكِتَابَ﴾ أي: وكما أنزلنا الكتاب على من قبلك يا محمد، كذلك أنزلنا إليك الكتاب. ﴿فَٱلَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ ٱلْكِتَابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ يعني: من كان من بني إسرائيل قبل محمد ﷺ. ﴿وَمِنْ هَـٰؤُلاۤءِ مَن يُؤْمِنُ بِهِ﴾ يعني: الذين كانوا من أهل الكتاب على عهد النبي عليه السلام، منهم من لم يؤمن بما أنزل على محمد. ﴿وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَآ﴾ أي: بأدلتنا وحججنا، ﴿إِلاَّ ٱلْكَافِرونَ﴾ أي: إلاّ الذين جحدوا نعمتنا بعد معرفتهم بها. قال قتادة: إنما الجحود بعد المعرفة. * * ثم قال تعالى: ﴿وَمَا كُنتَ تَتْلُواْ مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ﴾ أي: ما كنت يا محمد تقرأ قبل هذا الكتاب كتاباً آخر. ﴿وَلاَ تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ﴾ أي: تكتبه، بل كنت أمياً لا علم عندك من ذلك حتى أنزل الله عليك الكتاب وعلمك ما لم تكن تعلم، ولو كنت تقرأ قبل ذلك كتاباً وتخطّه بيمينك. ﴿إِذاً لاَّرْتَابَ ٱلْمُبْطِلُون﴾ أي: لشكّ فيك من أجل ذلك القائلون إنه سجع وإنه كهانة وأساطير الأولين، هذا معنى قول ابن عباس وقتادة وغيرهما. وقال مجاهد: كان أهل الكتاب يجدون في كتبهم أن النبي عليه السلام لا يخطّ بيمينه ولا يقرأ كتاباً، فنزلت هذه الآية. قال مجاهد: ﴿إِذاً لاَّرْتَابَ ٱلْمُبْطِلُون﴾ أي: إذاً لقالوا إنما هذا شيء تعلمه محمد ﷺ وكتبه، ويعني بالمبطلين: كفار قريش. فكأنّ كونه لا يقرأ ولا يكتب، ثم أتاهم بأخبار الأنبياء، والأمم دليل على نبوته وأن ذلك من عند الله جل ذكره.

العنكبوت 29:48

قوله تعالى ذكره: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ﴾ إلى قوله ﴿إِذاً لاَّرْتَابَ ٱلْمُبْطِلُونَ﴾. أي: يعلم حال ما تعبدون من دون الله أنه لا ينفعكم ولا يضركم، وأن مثله في قلة غنائه عنكم مثل بيت العنكبوت في قلة غنائه عنها. ﴿وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ﴾ أي: في انتقامه ممن كفر به. ﴿ٱلْحَكِيمُ﴾ في تدبيره. و "من" في قوله: "من شيء" للتبعيض، ولو كانت زائدة للتوكيد بعد النفي لانقلب المعنى. فما ليست نفياً، وهي بمعنى الذي. * * ثم قال: ﴿وَتِلْكَ ٱلأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ﴾ أي: وتلك الأشباه والنظائر نضربها للناس، أي: نمثلها للناس ونحتج بها عليها. ﴿وَمَا يَعْقِلُهَآ إِلاَّ ٱلْعَالِمُونَ﴾ أي: وما يعقل الصواب لما ضرب له من الأمثال إلاّ العالمون بالله وآياته. ثم قال تعالى: {خَلَقَ ٱللَّهُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ بِٱلْحَقِّ} أي: انفرد بخلق ذلك للحق. * * ﴿إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَةً لِّلْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: لعلامة وحجة على خلقه في توحيده وعبادته لمن آمن به. ثم قال تعالى: ﴿ٱتْلُ مَا أُوْحِيَ إِلَيْكَ مِنَ ٱلْكِتَابِ﴾ أي: اقرأ يا محمد ما أنزل عليك من القرآن. ﴿وَأَقِمِ ٱلصَّلاَةَ﴾ أي: أدّها بفروضها وفي وقتها. ﴿إِنَّ ٱلصَّلاَةَ تَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَآءِ وَٱلْمُنْكَرِ﴾. قال ابن عباس: في الصلاة منتهى ومزدجر عن معاصي الله جلّ ذكره . وقال ابن مسعود: من لم تأمره صلاته بالمعروف وتنهه عن المنكر لم يزدد بها إلاّ بعداً من الله جلّ ذكره. وروى الحسن عن النبي ﷺ مثل قول ابن مسعود. وهو قول قتادة وغيره. وقيل: المعنى: إن الصلاة تنهى من كان فيها عن الفحشاء والمنكر فتحول بينه وبين ذلك لشغله بها. وروي عن ابن عمر أنه قال: الصلاة هنا: القرآن. قال: القرآن الذي يقرأ في المساجد ينهى عن الفحشاء والمنكر. والفحشاء الزنى، والمنكر المعاصي. * * ثم قال: ﴿وَلَذِكْرُ ٱللَّهِ أَكْبَرُ﴾ قال ابن عباس في معناه: ولذكر الله أكبر إذا ذكرتموه عندما أمركم به، ونهى عنه أكبر من ذكركم إياه. وهو قول مجاهد وعكرمة وغيرهما. وروي ذلك عن أبي الدرداء. وقيل: المعنى: ولذكر الله إياكم أفضل من ذكركم إياه. وهو اختيار الطبري. وقيل: المعنى: ولذكركم الله أفضل من كل شيء. أي: ذكركم الله في الصلاة والدعاء وغير ذلك أفضل من الصلاة وسائر العبادات بلا ذكر. وروي عن النبي ﷺ أنه قال: "ليس يتحسَّرُ أهلُ الجنّة على شيءٍ إلاّ على ساعاتٍ مرّت بهم لم يذكُروا الله عز وجل فيها ". وقال ثابت البُناني: "بلغني أن أهل ذكر الله يجلسون إلى ذكر الله وإن عليهم من الآثام مثل الجبال، وإنهم ليقومون منها عطلاً ما عليهم منها شيء". وسئل سلمان عن أيّ الأعمال أفضل؟ فقال: أما تقرأ القرآن، ﴿وَلَذِكْرُ ٱللَّهِ أَكْبَرُ﴾ لا شيءَ أفضل من ذكرِ الله. وقالت أم الدرداء: إن صليت فهو من ذكر الله، وإن صمتَ فهو من ذكر الله، وكل خير فعلته فهو من ذكر الله، وكل شيء تجنبته لله فهو من ذكر الله، وأفضل من ذلك تسبيح الله جلّ وعزّ. وقال قتادة: ولذكر الله أكبر، لا شيء أكبر من ذكر الله. وقيل: المعنى: ولذكر الله العبد في الصلاة أفضل من الصلاة. قاله السدي. وقيل: المعنى: والصلاة التي أنت فيها، وذكرى الله فيها أكبر مما نهتك الصلاة عنه من الفحشاء والمنكر. وقيل: المعنى: ولذكر الله الفحشاء والمنكر كبير. ﴿وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾ أي: ما تفعلون في صلاتكم من إقامة حدودها وغير ذلك من ترككم الفحشاء والمنكر. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلاَ تُجَادِلُوۤاْ أَهْلَ ٱلْكِتَابِ إِلاَّ بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ أي: لا تجادلوا أيها المؤمنون اليهود والنصارى إلاّ بالجميل من القول، وهو الدعاء إلى الله والتنبيه على حججه. ﴿إِلاَّ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ﴾ هذا بدل من "أهل"، ويجوز أن يكون استثناء. والمعنى: إلاّ الذين امتنعوا من إعطاء الجزية ونصبوا دونها الحرب فلكم قتالهم حتى يسلموا أو يعطوا الجزية. قاله مجاهد وغيره، وهو اختيار الطبري. وقال ابن جبير: هم أهل الحرب ومن لا عهد له، فلك أن تجادله بالسيف. وقيل المعنى: لا تجادلوا من كفر منهم بمحمد ﷺ فيما يخبرونكم به من نص كتابهم إلاّ بالقول الجميل، وأن تقولوا آمنا بما أنزل إلينا وأنزل إليكم، إلاّ الذين ظلموا منهم. يعني الذين لم يؤمنوا بمحمد ﷺ، وأقاموا على كفرهم. فالآية محكمة على هذا القول. روي هذا القول عن ابن زيد. وقال قتادة: هي منسوخة بالأمر بالقتال لأنها مكية. وقال أبو هريرة: كان أهل الكتاب يقرؤون التوراة بالعبرانية ويفسرونها بالعربية لأهل الإسلام، فقال النبي ﷺ: "لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذّبوهم، وقولوا آمنّا بالَّذي أنزل إلينا وأنزل إليكم وإلهنا.." الآية. ومعنى: ﴿إِلاَّ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ﴾ أي: ظلموكم في منعهم الجزية ومحاربتكم. والكل ظالمون لأنفسهم بكفرهم من أدى الجزية ومن لم يؤد. ﴿وَإِلَـٰهُنَا وَإِلَـٰهُكُمْ وَاحِدٌ﴾ أي: معبودنا ومعبودكم واحد. ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ أي: خاضعون ومتذللون بالطاعة له. * * ثم قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ ٱلْكِتَابَ﴾ أي: وكما أنزلنا الكتاب على من قبلك يا محمد، كذلك أنزلنا إليك الكتاب. ﴿فَٱلَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ ٱلْكِتَابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ يعني: من كان من بني إسرائيل قبل محمد ﷺ. ﴿وَمِنْ هَـٰؤُلاۤءِ مَن يُؤْمِنُ بِهِ﴾ يعني: الذين كانوا من أهل الكتاب على عهد النبي عليه السلام، منهم من لم يؤمن بما أنزل على محمد. ﴿وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَآ﴾ أي: بأدلتنا وحججنا، ﴿إِلاَّ ٱلْكَافِرونَ﴾ أي: إلاّ الذين جحدوا نعمتنا بعد معرفتهم بها. قال قتادة: إنما الجحود بعد المعرفة. * * ثم قال تعالى: ﴿وَمَا كُنتَ تَتْلُواْ مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ﴾ أي: ما كنت يا محمد تقرأ قبل هذا الكتاب كتاباً آخر. ﴿وَلاَ تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ﴾ أي: تكتبه، بل كنت أمياً لا علم عندك من ذلك حتى أنزل الله عليك الكتاب وعلمك ما لم تكن تعلم، ولو كنت تقرأ قبل ذلك كتاباً وتخطّه بيمينك. ﴿إِذاً لاَّرْتَابَ ٱلْمُبْطِلُون﴾ أي: لشكّ فيك من أجل ذلك القائلون إنه سجع وإنه كهانة وأساطير الأولين، هذا معنى قول ابن عباس وقتادة وغيرهما. وقال مجاهد: كان أهل الكتاب يجدون في كتبهم أن النبي عليه السلام لا يخطّ بيمينه ولا يقرأ كتاباً، فنزلت هذه الآية. قال مجاهد: ﴿إِذاً لاَّرْتَابَ ٱلْمُبْطِلُون﴾ أي: إذاً لقالوا إنما هذا شيء تعلمه محمد ﷺ وكتبه، ويعني بالمبطلين: كفار قريش. فكأنّ كونه لا يقرأ ولا يكتب، ثم أتاهم بأخبار الأنبياء، والأمم دليل على نبوته وأن ذلك من عند الله جل ذكره.

العنكبوت 29:49

قوله تعالى ذكره: ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ﴾ إلى قوله جلّ ذكره وثناؤه: ﴿وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ﴾. قال الحسن: معناه بل القرآن آيات ظاهرات في صدور المؤمنين بمحمد ﷺ. وقرأ قتادة: "آية بيّنة" بالتوحيد على معنى بل النبي آية بينة في صدور الذين أوتوا العلم من أهل الكتاب. وفي حرف عبد الله "بل هي آيات" أي: بل آيات القرآن آيات بينات. وقال ابن عباس والضحاك وابن جريج: كان الله جلّ ذكره أنزل بشأن محمد ﷺ في التوراة والإنجيل لأهل العلم وعلمه لهم وجعل لهم آية فقال: إن آية نبؤته أن يخرج حين يخرج لا يعلم كتاباً ولا يخطه بيمينه. والمعنى: بل العلم بأنه لا يقرأ ولا يكتب آيات بينات في صدور العالمين من أهل الكتاب. وروي ذلك أيضاً عن قتادة. وهو اختيار الطبري. * * ثم قال تعالى: ﴿وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَآ إِلاَّ ٱلظَّالِمُونَ﴾ أي: ما يجحد نبوة محمد وينكر العلم به إلاّ الذين ظلموا أنفسهم بكفرهم بالله ونبيه. * * ثم قال تعالى: ﴿وَقَالُواْ لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِّن رَّبِّهِ قُلْ إِنَّمَا ٱلآيَاتُ عِندَ ٱللَّهِ﴾. أي: وقال المشركون من قريش: هلاّ أنزل على محمد ﷺ آيات من ربّه. وهو قولهم: ﴿لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ تَفْجُرَ لَنَا مِنَ ٱلأَرْضِ يَنْبُوعاً﴾ [الإسراء: ٩٠] إلى قوله: ﴿كِتَاباً نَّقْرَؤُهُ﴾ [الإسراء: ٩٣]. هذا على قراءة من جمع، ويؤكد الجمع أن بعده: ﴿قُلْ إِنَّمَا ٱلآيَاتُ عِندَ ٱللَّهِ﴾ فوجب أن يكون السؤال مثل الجواب، ويؤكده أيضاً أن الخط بالتاء. فأما من قرأ آية، معناه: هلاّ أنزل على محمد آية تكون حجة علينا كالناقة لصالح، والمائدة لعيسى، ويؤكد التوحيد إجماعهم على التوحيد في يونس: ﴿لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِّن رَّبِّهِ﴾. وفي الرعد: ﴿آيَاتٌ مِّن رَّبِّهِ﴾. * * ثم قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا ٱلآيَاتُ عِندَ ٱللَّهِ﴾ أي: لا يقدر على الإتيان بها إلاّ الله. ﴿وَإِنَّمَآ أَنَاْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ﴾ أي: أنذركم بأس الله وعذابه مبين لكم إنذاره. ثم قال تعالى ذكره: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّآ أَنزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْكِتَابَ يُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ﴾ أي: أوَ لم يكفِ هؤلاء القائلين لولا أنزل عليه آيات من ربه من الآيات والحجج. أنّا أنزلنا عليك الكتاب يقرأ عليهم. ﴿إِنَّ فِي ذٰلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَىٰ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ أي: إن في هذا الكتاب لرحمة للمؤمنين وذكرى يتذكرون به ويتعظون. ويروى أن هذه الآية نزلت في قوم من المؤمنين استحسنوا أشياء من بعض كتاب أهل الكتاب. ثم قال تعالى ذكره: ﴿قُلْ كَفَىٰ بِٱللَّهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيداً يَعْلَمُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ﴾ أي: قل يا محمد لهم: كفى الله بيننا شهيداً لأنه يعلم المحق من المبطل، ويعلم ما في السماوات والأرض ولا يخفى عليه فيهما شيء. * * ثم قال تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ بِٱلْبَاطِلِ﴾ أي: بالشرك. ﴿وَكَفَرُواْ بِٱللَّهِ﴾ أي: جحدوا توحيد الله فعبدوا معه غيره. ﴿أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْخَاسِرُونَ﴾ أي: المغبونون في صفقتهم. ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِٱلْعَذَابِ﴾ أي: يستعجلك يا محمد هؤلاء المشركون بالعذاب، وهو قولهم: ﴿ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ﴾ [الأنفال: ٣٢] إلى قوله "﴿أَلِيمٍ﴾ [الأنفال: ٣٢]. ﴿وَلَوْلاَ أَجَلٌ مُّسَمًّى لَّجَآءَهُمُ ٱلْعَذَابُ﴾ أي: لولا أن لهم وقتاً يستوفونه لجاءهم العذاب عاجلاً. ﴿وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً﴾ أي: فجأة وهم لا يشعرون بوقت مجيئه. هذا كله معنى قوله قتادة. * * ثم قال تعالى: ﴿يَسْتَعْجِلُونَكَ بِٱلْعَذَابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِٱلْكَافِرِينَ﴾ أي: محدقة بالكافرين ولم يبق لهم إلا دخولها. قال عكرمة: هو البحر محيط بهم. * * ثم قال: ﴿يَوْمَ يَغْشَاهُمُ ٱلْعَذَابُ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ قال قتادة: في النار أي: جهنم محيطة بالكافرين في هذا اليوم. فلا يوقف على "بالكافرين" على هذا التأويل. ويجوز أن يتنصب على واذكر يوم يغشاهم فيبتدئ به على هذا القول. ﴿وَيِقُولُ ذُوقُواْ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أي: جزاء عملكم. وأصل الذوق باللسان ولكن اتسع فيه فاستعمل في كل شيء يصل إلى البدن منه ألم أو لذة. * * ثم قال تعالى: ﴿يٰعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ﴾ أي: أنها لم تضق عليكم، فغيروا الموضع الذي لا يحل لكم فيه المقام، ولكن إذا عمل في مكان منها بمعاصي الله فلم تقدروا على تغييره فأهربوا منها قاله ابن جبير. وقال عطاء: إذا أمرتم بالمعاصي فاهربوا إن أرضي واسعة. وقال مجاهد: إن أرضي واسعة فهاجروا وجاهدوا. وقال ابن زيد: يريد بهذا من كان بمكة من المؤمنين. وقال مُطَرِّف بن الشِّخِّير: معناه إن رزقي لكم واسع، أي: فابتغوه في الأرض. وقيل: المعنى: ما خرج لكم من أرضي من الرزق واسع لكم. وقيل: المعنى: إن أرض الجنة واسعة فأعبدوني حتى أعطيكموها. * * وقوله: ﴿فَإِيَّايَ فَٱعْبُدُونِ﴾ أي: أخلصوا لي عبادتكم. * * ثم قال تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ ٱلْمَوْتِ﴾ أي: أخلصوا لي العبادة فإنكم لا بد لكم من الموت والرجوع إليّ فأجازيكم على أعمالكم وإخلاصكم. * * ثم قال تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِّنَ ٱلْجَنَّةِ غُرَفَاً﴾. أي: والذين صدقوا بكتبي ورسلي وعملوا الأعمال الصالحة لنسكننهم غرفاً جارية من تحتها الأنهار في الجنة. ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ أي: دائمين فيها. ﴿نِعْمَ أَجْرُ ٱلْعَامِلِينَ﴾ أي: نعم الجزاء جزاء العاملين بطاعة الله الجنة. ومن قرأ "لَنثوِيّنهم" فمعناه: لنعطينهم ولننزلنهم. حكى الفراء: بوأته منزلاً وأثويته منزلاً بمعنى: وأصل الثواء الإقامة. ومعنى: ﴿مِن تَحْتِهَا﴾ أي من تحت أشجارها. * * ثم قال تعالى: ﴿ٱلَّذِينَ صَبَرُواْ﴾ أي: على أذى المشركين في الدنيا. ﴿وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ أي: في أرزاقهم وجهاد عدوهم. * * ثم قال تعالى: ﴿وَكَأَيِّن مِّن دَآبَّةٍ لاَّ تَحْمِلُ رِزْقَهَا ٱللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ﴾ هذا تعزية للمؤمنين المهاجرين الذين فارقوا أموالهم في الله، فقيل لهم: وكم من دابة لا تحمل رزقها ولا تدخره من اليوم إلى غد؟ الله يرزقها، فلا تخافوا أنتم عيلة ولا فقراً، فإن الله رازقكم. ﴿وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ﴾ لأقوالكم: نخشى بفراقنا أَوْطَانَنَا الفقر والعيلة. ﴿ٱلْعَلِيمُ﴾ بما في أنفسكم وتصير إليه أموركم. وليس يدخر من جميع الحيوان إلا الإنسان والنملة والفأرة. وهو من الحمالة، أي: لا تحمل لنفسها رزقها، وليس هو من الحمل على الظهر ونحوه.

العنكبوت 29:50

قوله تعالى ذكره: ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ﴾ إلى قوله جلّ ذكره وثناؤه: ﴿وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ﴾. قال الحسن: معناه بل القرآن آيات ظاهرات في صدور المؤمنين بمحمد ﷺ. وقرأ قتادة: "آية بيّنة" بالتوحيد على معنى بل النبي آية بينة في صدور الذين أوتوا العلم من أهل الكتاب. وفي حرف عبد الله "بل هي آيات" أي: بل آيات القرآن آيات بينات. وقال ابن عباس والضحاك وابن جريج: كان الله جلّ ذكره أنزل بشأن محمد ﷺ في التوراة والإنجيل لأهل العلم وعلمه لهم وجعل لهم آية فقال: إن آية نبؤته أن يخرج حين يخرج لا يعلم كتاباً ولا يخطه بيمينه. والمعنى: بل العلم بأنه لا يقرأ ولا يكتب آيات بينات في صدور العالمين من أهل الكتاب. وروي ذلك أيضاً عن قتادة. وهو اختيار الطبري. * * ثم قال تعالى: ﴿وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَآ إِلاَّ ٱلظَّالِمُونَ﴾ أي: ما يجحد نبوة محمد وينكر العلم به إلاّ الذين ظلموا أنفسهم بكفرهم بالله ونبيه. * * ثم قال تعالى: ﴿وَقَالُواْ لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِّن رَّبِّهِ قُلْ إِنَّمَا ٱلآيَاتُ عِندَ ٱللَّهِ﴾. أي: وقال المشركون من قريش: هلاّ أنزل على محمد ﷺ آيات من ربّه. وهو قولهم: ﴿لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ تَفْجُرَ لَنَا مِنَ ٱلأَرْضِ يَنْبُوعاً﴾ [الإسراء: ٩٠] إلى قوله: ﴿كِتَاباً نَّقْرَؤُهُ﴾ [الإسراء: ٩٣]. هذا على قراءة من جمع، ويؤكد الجمع أن بعده: ﴿قُلْ إِنَّمَا ٱلآيَاتُ عِندَ ٱللَّهِ﴾ فوجب أن يكون السؤال مثل الجواب، ويؤكده أيضاً أن الخط بالتاء. فأما من قرأ آية، معناه: هلاّ أنزل على محمد آية تكون حجة علينا كالناقة لصالح، والمائدة لعيسى، ويؤكد التوحيد إجماعهم على التوحيد في يونس: ﴿لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِّن رَّبِّهِ﴾. وفي الرعد: ﴿آيَاتٌ مِّن رَّبِّهِ﴾. * * ثم قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا ٱلآيَاتُ عِندَ ٱللَّهِ﴾ أي: لا يقدر على الإتيان بها إلاّ الله. ﴿وَإِنَّمَآ أَنَاْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ﴾ أي: أنذركم بأس الله وعذابه مبين لكم إنذاره. ثم قال تعالى ذكره: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّآ أَنزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْكِتَابَ يُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ﴾ أي: أوَ لم يكفِ هؤلاء القائلين لولا أنزل عليه آيات من ربه من الآيات والحجج. أنّا أنزلنا عليك الكتاب يقرأ عليهم. ﴿إِنَّ فِي ذٰلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَىٰ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ أي: إن في هذا الكتاب لرحمة للمؤمنين وذكرى يتذكرون به ويتعظون. ويروى أن هذه الآية نزلت في قوم من المؤمنين استحسنوا أشياء من بعض كتاب أهل الكتاب. ثم قال تعالى ذكره: ﴿قُلْ كَفَىٰ بِٱللَّهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيداً يَعْلَمُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ﴾ أي: قل يا محمد لهم: كفى الله بيننا شهيداً لأنه يعلم المحق من المبطل، ويعلم ما في السماوات والأرض ولا يخفى عليه فيهما شيء. * * ثم قال تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ بِٱلْبَاطِلِ﴾ أي: بالشرك. ﴿وَكَفَرُواْ بِٱللَّهِ﴾ أي: جحدوا توحيد الله فعبدوا معه غيره. ﴿أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْخَاسِرُونَ﴾ أي: المغبونون في صفقتهم. ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِٱلْعَذَابِ﴾ أي: يستعجلك يا محمد هؤلاء المشركون بالعذاب، وهو قولهم: ﴿ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ﴾ [الأنفال: ٣٢] إلى قوله "﴿أَلِيمٍ﴾ [الأنفال: ٣٢]. ﴿وَلَوْلاَ أَجَلٌ مُّسَمًّى لَّجَآءَهُمُ ٱلْعَذَابُ﴾ أي: لولا أن لهم وقتاً يستوفونه لجاءهم العذاب عاجلاً. ﴿وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً﴾ أي: فجأة وهم لا يشعرون بوقت مجيئه. هذا كله معنى قوله قتادة. * * ثم قال تعالى: ﴿يَسْتَعْجِلُونَكَ بِٱلْعَذَابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِٱلْكَافِرِينَ﴾ أي: محدقة بالكافرين ولم يبق لهم إلا دخولها. قال عكرمة: هو البحر محيط بهم. * * ثم قال: ﴿يَوْمَ يَغْشَاهُمُ ٱلْعَذَابُ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ قال قتادة: في النار أي: جهنم محيطة بالكافرين في هذا اليوم. فلا يوقف على "بالكافرين" على هذا التأويل. ويجوز أن يتنصب على واذكر يوم يغشاهم فيبتدئ به على هذا القول. ﴿وَيِقُولُ ذُوقُواْ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أي: جزاء عملكم. وأصل الذوق باللسان ولكن اتسع فيه فاستعمل في كل شيء يصل إلى البدن منه ألم أو لذة. * * ثم قال تعالى: ﴿يٰعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ﴾ أي: أنها لم تضق عليكم، فغيروا الموضع الذي لا يحل لكم فيه المقام، ولكن إذا عمل في مكان منها بمعاصي الله فلم تقدروا على تغييره فأهربوا منها قاله ابن جبير. وقال عطاء: إذا أمرتم بالمعاصي فاهربوا إن أرضي واسعة. وقال مجاهد: إن أرضي واسعة فهاجروا وجاهدوا. وقال ابن زيد: يريد بهذا من كان بمكة من المؤمنين. وقال مُطَرِّف بن الشِّخِّير: معناه إن رزقي لكم واسع، أي: فابتغوه في الأرض. وقيل: المعنى: ما خرج لكم من أرضي من الرزق واسع لكم. وقيل: المعنى: إن أرض الجنة واسعة فأعبدوني حتى أعطيكموها. * * وقوله: ﴿فَإِيَّايَ فَٱعْبُدُونِ﴾ أي: أخلصوا لي عبادتكم. * * ثم قال تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ ٱلْمَوْتِ﴾ أي: أخلصوا لي العبادة فإنكم لا بد لكم من الموت والرجوع إليّ فأجازيكم على أعمالكم وإخلاصكم. * * ثم قال تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِّنَ ٱلْجَنَّةِ غُرَفَاً﴾. أي: والذين صدقوا بكتبي ورسلي وعملوا الأعمال الصالحة لنسكننهم غرفاً جارية من تحتها الأنهار في الجنة. ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ أي: دائمين فيها. ﴿نِعْمَ أَجْرُ ٱلْعَامِلِينَ﴾ أي: نعم الجزاء جزاء العاملين بطاعة الله الجنة. ومن قرأ "لَنثوِيّنهم" فمعناه: لنعطينهم ولننزلنهم. حكى الفراء: بوأته منزلاً وأثويته منزلاً بمعنى: وأصل الثواء الإقامة. ومعنى: ﴿مِن تَحْتِهَا﴾ أي من تحت أشجارها. * * ثم قال تعالى: ﴿ٱلَّذِينَ صَبَرُواْ﴾ أي: على أذى المشركين في الدنيا. ﴿وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ أي: في أرزاقهم وجهاد عدوهم. * * ثم قال تعالى: ﴿وَكَأَيِّن مِّن دَآبَّةٍ لاَّ تَحْمِلُ رِزْقَهَا ٱللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ﴾ هذا تعزية للمؤمنين المهاجرين الذين فارقوا أموالهم في الله، فقيل لهم: وكم من دابة لا تحمل رزقها ولا تدخره من اليوم إلى غد؟ الله يرزقها، فلا تخافوا أنتم عيلة ولا فقراً، فإن الله رازقكم. ﴿وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ﴾ لأقوالكم: نخشى بفراقنا أَوْطَانَنَا الفقر والعيلة. ﴿ٱلْعَلِيمُ﴾ بما في أنفسكم وتصير إليه أموركم. وليس يدخر من جميع الحيوان إلا الإنسان والنملة والفأرة. وهو من الحمالة، أي: لا تحمل لنفسها رزقها، وليس هو من الحمل على الظهر ونحوه.

العنكبوت 29:51

قوله تعالى ذكره: ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ﴾ إلى قوله جلّ ذكره وثناؤه: ﴿وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ﴾. قال الحسن: معناه بل القرآن آيات ظاهرات في صدور المؤمنين بمحمد ﷺ. وقرأ قتادة: "آية بيّنة" بالتوحيد على معنى بل النبي آية بينة في صدور الذين أوتوا العلم من أهل الكتاب. وفي حرف عبد الله "بل هي آيات" أي: بل آيات القرآن آيات بينات. وقال ابن عباس والضحاك وابن جريج: كان الله جلّ ذكره أنزل بشأن محمد ﷺ في التوراة والإنجيل لأهل العلم وعلمه لهم وجعل لهم آية فقال: إن آية نبؤته أن يخرج حين يخرج لا يعلم كتاباً ولا يخطه بيمينه. والمعنى: بل العلم بأنه لا يقرأ ولا يكتب آيات بينات في صدور العالمين من أهل الكتاب. وروي ذلك أيضاً عن قتادة. وهو اختيار الطبري. * * ثم قال تعالى: ﴿وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَآ إِلاَّ ٱلظَّالِمُونَ﴾ أي: ما يجحد نبوة محمد وينكر العلم به إلاّ الذين ظلموا أنفسهم بكفرهم بالله ونبيه. * * ثم قال تعالى: ﴿وَقَالُواْ لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِّن رَّبِّهِ قُلْ إِنَّمَا ٱلآيَاتُ عِندَ ٱللَّهِ﴾. أي: وقال المشركون من قريش: هلاّ أنزل على محمد ﷺ آيات من ربّه. وهو قولهم: ﴿لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ تَفْجُرَ لَنَا مِنَ ٱلأَرْضِ يَنْبُوعاً﴾ [الإسراء: ٩٠] إلى قوله: ﴿كِتَاباً نَّقْرَؤُهُ﴾ [الإسراء: ٩٣]. هذا على قراءة من جمع، ويؤكد الجمع أن بعده: ﴿قُلْ إِنَّمَا ٱلآيَاتُ عِندَ ٱللَّهِ﴾ فوجب أن يكون السؤال مثل الجواب، ويؤكده أيضاً أن الخط بالتاء. فأما من قرأ آية، معناه: هلاّ أنزل على محمد آية تكون حجة علينا كالناقة لصالح، والمائدة لعيسى، ويؤكد التوحيد إجماعهم على التوحيد في يونس: ﴿لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِّن رَّبِّهِ﴾. وفي الرعد: ﴿آيَاتٌ مِّن رَّبِّهِ﴾. * * ثم قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا ٱلآيَاتُ عِندَ ٱللَّهِ﴾ أي: لا يقدر على الإتيان بها إلاّ الله. ﴿وَإِنَّمَآ أَنَاْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ﴾ أي: أنذركم بأس الله وعذابه مبين لكم إنذاره. ثم قال تعالى ذكره: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّآ أَنزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْكِتَابَ يُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ﴾ أي: أوَ لم يكفِ هؤلاء القائلين لولا أنزل عليه آيات من ربه من الآيات والحجج. أنّا أنزلنا عليك الكتاب يقرأ عليهم. ﴿إِنَّ فِي ذٰلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَىٰ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ أي: إن في هذا الكتاب لرحمة للمؤمنين وذكرى يتذكرون به ويتعظون. ويروى أن هذه الآية نزلت في قوم من المؤمنين استحسنوا أشياء من بعض كتاب أهل الكتاب. ثم قال تعالى ذكره: ﴿قُلْ كَفَىٰ بِٱللَّهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيداً يَعْلَمُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ﴾ أي: قل يا محمد لهم: كفى الله بيننا شهيداً لأنه يعلم المحق من المبطل، ويعلم ما في السماوات والأرض ولا يخفى عليه فيهما شيء. * * ثم قال تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ بِٱلْبَاطِلِ﴾ أي: بالشرك. ﴿وَكَفَرُواْ بِٱللَّهِ﴾ أي: جحدوا توحيد الله فعبدوا معه غيره. ﴿أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْخَاسِرُونَ﴾ أي: المغبونون في صفقتهم. ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِٱلْعَذَابِ﴾ أي: يستعجلك يا محمد هؤلاء المشركون بالعذاب، وهو قولهم: ﴿ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ﴾ [الأنفال: ٣٢] إلى قوله "﴿أَلِيمٍ﴾ [الأنفال: ٣٢]. ﴿وَلَوْلاَ أَجَلٌ مُّسَمًّى لَّجَآءَهُمُ ٱلْعَذَابُ﴾ أي: لولا أن لهم وقتاً يستوفونه لجاءهم العذاب عاجلاً. ﴿وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً﴾ أي: فجأة وهم لا يشعرون بوقت مجيئه. هذا كله معنى قوله قتادة. * * ثم قال تعالى: ﴿يَسْتَعْجِلُونَكَ بِٱلْعَذَابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِٱلْكَافِرِينَ﴾ أي: محدقة بالكافرين ولم يبق لهم إلا دخولها. قال عكرمة: هو البحر محيط بهم. * * ثم قال: ﴿يَوْمَ يَغْشَاهُمُ ٱلْعَذَابُ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ قال قتادة: في النار أي: جهنم محيطة بالكافرين في هذا اليوم. فلا يوقف على "بالكافرين" على هذا التأويل. ويجوز أن يتنصب على واذكر يوم يغشاهم فيبتدئ به على هذا القول. ﴿وَيِقُولُ ذُوقُواْ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أي: جزاء عملكم. وأصل الذوق باللسان ولكن اتسع فيه فاستعمل في كل شيء يصل إلى البدن منه ألم أو لذة. * * ثم قال تعالى: ﴿يٰعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ﴾ أي: أنها لم تضق عليكم، فغيروا الموضع الذي لا يحل لكم فيه المقام، ولكن إذا عمل في مكان منها بمعاصي الله فلم تقدروا على تغييره فأهربوا منها قاله ابن جبير. وقال عطاء: إذا أمرتم بالمعاصي فاهربوا إن أرضي واسعة. وقال مجاهد: إن أرضي واسعة فهاجروا وجاهدوا. وقال ابن زيد: يريد بهذا من كان بمكة من المؤمنين. وقال مُطَرِّف بن الشِّخِّير: معناه إن رزقي لكم واسع، أي: فابتغوه في الأرض. وقيل: المعنى: ما خرج لكم من أرضي من الرزق واسع لكم. وقيل: المعنى: إن أرض الجنة واسعة فأعبدوني حتى أعطيكموها. * * وقوله: ﴿فَإِيَّايَ فَٱعْبُدُونِ﴾ أي: أخلصوا لي عبادتكم. * * ثم قال تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ ٱلْمَوْتِ﴾ أي: أخلصوا لي العبادة فإنكم لا بد لكم من الموت والرجوع إليّ فأجازيكم على أعمالكم وإخلاصكم. * * ثم قال تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِّنَ ٱلْجَنَّةِ غُرَفَاً﴾. أي: والذين صدقوا بكتبي ورسلي وعملوا الأعمال الصالحة لنسكننهم غرفاً جارية من تحتها الأنهار في الجنة. ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ أي: دائمين فيها. ﴿نِعْمَ أَجْرُ ٱلْعَامِلِينَ﴾ أي: نعم الجزاء جزاء العاملين بطاعة الله الجنة. ومن قرأ "لَنثوِيّنهم" فمعناه: لنعطينهم ولننزلنهم. حكى الفراء: بوأته منزلاً وأثويته منزلاً بمعنى: وأصل الثواء الإقامة. ومعنى: ﴿مِن تَحْتِهَا﴾ أي من تحت أشجارها. * * ثم قال تعالى: ﴿ٱلَّذِينَ صَبَرُواْ﴾ أي: على أذى المشركين في الدنيا. ﴿وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ أي: في أرزاقهم وجهاد عدوهم. * * ثم قال تعالى: ﴿وَكَأَيِّن مِّن دَآبَّةٍ لاَّ تَحْمِلُ رِزْقَهَا ٱللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ﴾ هذا تعزية للمؤمنين المهاجرين الذين فارقوا أموالهم في الله، فقيل لهم: وكم من دابة لا تحمل رزقها ولا تدخره من اليوم إلى غد؟ الله يرزقها، فلا تخافوا أنتم عيلة ولا فقراً، فإن الله رازقكم. ﴿وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ﴾ لأقوالكم: نخشى بفراقنا أَوْطَانَنَا الفقر والعيلة. ﴿ٱلْعَلِيمُ﴾ بما في أنفسكم وتصير إليه أموركم. وليس يدخر من جميع الحيوان إلا الإنسان والنملة والفأرة. وهو من الحمالة، أي: لا تحمل لنفسها رزقها، وليس هو من الحمل على الظهر ونحوه.

العنكبوت 29:52

قوله تعالى ذكره: ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ﴾ إلى قوله جلّ ذكره وثناؤه: ﴿وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ﴾. قال الحسن: معناه بل القرآن آيات ظاهرات في صدور المؤمنين بمحمد ﷺ. وقرأ قتادة: "آية بيّنة" بالتوحيد على معنى بل النبي آية بينة في صدور الذين أوتوا العلم من أهل الكتاب. وفي حرف عبد الله "بل هي آيات" أي: بل آيات القرآن آيات بينات. وقال ابن عباس والضحاك وابن جريج: كان الله جلّ ذكره أنزل بشأن محمد ﷺ في التوراة والإنجيل لأهل العلم وعلمه لهم وجعل لهم آية فقال: إن آية نبؤته أن يخرج حين يخرج لا يعلم كتاباً ولا يخطه بيمينه. والمعنى: بل العلم بأنه لا يقرأ ولا يكتب آيات بينات في صدور العالمين من أهل الكتاب. وروي ذلك أيضاً عن قتادة. وهو اختيار الطبري. * * ثم قال تعالى: ﴿وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَآ إِلاَّ ٱلظَّالِمُونَ﴾ أي: ما يجحد نبوة محمد وينكر العلم به إلاّ الذين ظلموا أنفسهم بكفرهم بالله ونبيه. * * ثم قال تعالى: ﴿وَقَالُواْ لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِّن رَّبِّهِ قُلْ إِنَّمَا ٱلآيَاتُ عِندَ ٱللَّهِ﴾. أي: وقال المشركون من قريش: هلاّ أنزل على محمد ﷺ آيات من ربّه. وهو قولهم: ﴿لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ تَفْجُرَ لَنَا مِنَ ٱلأَرْضِ يَنْبُوعاً﴾ [الإسراء: ٩٠] إلى قوله: ﴿كِتَاباً نَّقْرَؤُهُ﴾ [الإسراء: ٩٣]. هذا على قراءة من جمع، ويؤكد الجمع أن بعده: ﴿قُلْ إِنَّمَا ٱلآيَاتُ عِندَ ٱللَّهِ﴾ فوجب أن يكون السؤال مثل الجواب، ويؤكده أيضاً أن الخط بالتاء. فأما من قرأ آية، معناه: هلاّ أنزل على محمد آية تكون حجة علينا كالناقة لصالح، والمائدة لعيسى، ويؤكد التوحيد إجماعهم على التوحيد في يونس: ﴿لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِّن رَّبِّهِ﴾. وفي الرعد: ﴿آيَاتٌ مِّن رَّبِّهِ﴾. * * ثم قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا ٱلآيَاتُ عِندَ ٱللَّهِ﴾ أي: لا يقدر على الإتيان بها إلاّ الله. ﴿وَإِنَّمَآ أَنَاْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ﴾ أي: أنذركم بأس الله وعذابه مبين لكم إنذاره. ثم قال تعالى ذكره: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّآ أَنزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْكِتَابَ يُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ﴾ أي: أوَ لم يكفِ هؤلاء القائلين لولا أنزل عليه آيات من ربه من الآيات والحجج. أنّا أنزلنا عليك الكتاب يقرأ عليهم. ﴿إِنَّ فِي ذٰلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَىٰ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ أي: إن في هذا الكتاب لرحمة للمؤمنين وذكرى يتذكرون به ويتعظون. ويروى أن هذه الآية نزلت في قوم من المؤمنين استحسنوا أشياء من بعض كتاب أهل الكتاب. ثم قال تعالى ذكره: ﴿قُلْ كَفَىٰ بِٱللَّهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيداً يَعْلَمُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ﴾ أي: قل يا محمد لهم: كفى الله بيننا شهيداً لأنه يعلم المحق من المبطل، ويعلم ما في السماوات والأرض ولا يخفى عليه فيهما شيء. * * ثم قال تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ بِٱلْبَاطِلِ﴾ أي: بالشرك. ﴿وَكَفَرُواْ بِٱللَّهِ﴾ أي: جحدوا توحيد الله فعبدوا معه غيره. ﴿أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْخَاسِرُونَ﴾ أي: المغبونون في صفقتهم. ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِٱلْعَذَابِ﴾ أي: يستعجلك يا محمد هؤلاء المشركون بالعذاب، وهو قولهم: ﴿ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ﴾ [الأنفال: ٣٢] إلى قوله "﴿أَلِيمٍ﴾ [الأنفال: ٣٢]. ﴿وَلَوْلاَ أَجَلٌ مُّسَمًّى لَّجَآءَهُمُ ٱلْعَذَابُ﴾ أي: لولا أن لهم وقتاً يستوفونه لجاءهم العذاب عاجلاً. ﴿وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً﴾ أي: فجأة وهم لا يشعرون بوقت مجيئه. هذا كله معنى قوله قتادة. * * ثم قال تعالى: ﴿يَسْتَعْجِلُونَكَ بِٱلْعَذَابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِٱلْكَافِرِينَ﴾ أي: محدقة بالكافرين ولم يبق لهم إلا دخولها. قال عكرمة: هو البحر محيط بهم. * * ثم قال: ﴿يَوْمَ يَغْشَاهُمُ ٱلْعَذَابُ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ قال قتادة: في النار أي: جهنم محيطة بالكافرين في هذا اليوم. فلا يوقف على "بالكافرين" على هذا التأويل. ويجوز أن يتنصب على واذكر يوم يغشاهم فيبتدئ به على هذا القول. ﴿وَيِقُولُ ذُوقُواْ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أي: جزاء عملكم. وأصل الذوق باللسان ولكن اتسع فيه فاستعمل في كل شيء يصل إلى البدن منه ألم أو لذة. * * ثم قال تعالى: ﴿يٰعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ﴾ أي: أنها لم تضق عليكم، فغيروا الموضع الذي لا يحل لكم فيه المقام، ولكن إذا عمل في مكان منها بمعاصي الله فلم تقدروا على تغييره فأهربوا منها قاله ابن جبير. وقال عطاء: إذا أمرتم بالمعاصي فاهربوا إن أرضي واسعة. وقال مجاهد: إن أرضي واسعة فهاجروا وجاهدوا. وقال ابن زيد: يريد بهذا من كان بمكة من المؤمنين. وقال مُطَرِّف بن الشِّخِّير: معناه إن رزقي لكم واسع، أي: فابتغوه في الأرض. وقيل: المعنى: ما خرج لكم من أرضي من الرزق واسع لكم. وقيل: المعنى: إن أرض الجنة واسعة فأعبدوني حتى أعطيكموها. * * وقوله: ﴿فَإِيَّايَ فَٱعْبُدُونِ﴾ أي: أخلصوا لي عبادتكم. * * ثم قال تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ ٱلْمَوْتِ﴾ أي: أخلصوا لي العبادة فإنكم لا بد لكم من الموت والرجوع إليّ فأجازيكم على أعمالكم وإخلاصكم. * * ثم قال تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِّنَ ٱلْجَنَّةِ غُرَفَاً﴾. أي: والذين صدقوا بكتبي ورسلي وعملوا الأعمال الصالحة لنسكننهم غرفاً جارية من تحتها الأنهار في الجنة. ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ أي: دائمين فيها. ﴿نِعْمَ أَجْرُ ٱلْعَامِلِينَ﴾ أي: نعم الجزاء جزاء العاملين بطاعة الله الجنة. ومن قرأ "لَنثوِيّنهم" فمعناه: لنعطينهم ولننزلنهم. حكى الفراء: بوأته منزلاً وأثويته منزلاً بمعنى: وأصل الثواء الإقامة. ومعنى: ﴿مِن تَحْتِهَا﴾ أي من تحت أشجارها. * * ثم قال تعالى: ﴿ٱلَّذِينَ صَبَرُواْ﴾ أي: على أذى المشركين في الدنيا. ﴿وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ أي: في أرزاقهم وجهاد عدوهم. * * ثم قال تعالى: ﴿وَكَأَيِّن مِّن دَآبَّةٍ لاَّ تَحْمِلُ رِزْقَهَا ٱللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ﴾ هذا تعزية للمؤمنين المهاجرين الذين فارقوا أموالهم في الله، فقيل لهم: وكم من دابة لا تحمل رزقها ولا تدخره من اليوم إلى غد؟ الله يرزقها، فلا تخافوا أنتم عيلة ولا فقراً، فإن الله رازقكم. ﴿وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ﴾ لأقوالكم: نخشى بفراقنا أَوْطَانَنَا الفقر والعيلة. ﴿ٱلْعَلِيمُ﴾ بما في أنفسكم وتصير إليه أموركم. وليس يدخر من جميع الحيوان إلا الإنسان والنملة والفأرة. وهو من الحمالة، أي: لا تحمل لنفسها رزقها، وليس هو من الحمل على الظهر ونحوه.

العنكبوت 29:53

قوله تعالى ذكره: ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ﴾ إلى قوله جلّ ذكره وثناؤه: ﴿وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ﴾. قال الحسن: معناه بل القرآن آيات ظاهرات في صدور المؤمنين بمحمد ﷺ. وقرأ قتادة: "آية بيّنة" بالتوحيد على معنى بل النبي آية بينة في صدور الذين أوتوا العلم من أهل الكتاب. وفي حرف عبد الله "بل هي آيات" أي: بل آيات القرآن آيات بينات. وقال ابن عباس والضحاك وابن جريج: كان الله جلّ ذكره أنزل بشأن محمد ﷺ في التوراة والإنجيل لأهل العلم وعلمه لهم وجعل لهم آية فقال: إن آية نبؤته أن يخرج حين يخرج لا يعلم كتاباً ولا يخطه بيمينه. والمعنى: بل العلم بأنه لا يقرأ ولا يكتب آيات بينات في صدور العالمين من أهل الكتاب. وروي ذلك أيضاً عن قتادة. وهو اختيار الطبري. * * ثم قال تعالى: ﴿وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَآ إِلاَّ ٱلظَّالِمُونَ﴾ أي: ما يجحد نبوة محمد وينكر العلم به إلاّ الذين ظلموا أنفسهم بكفرهم بالله ونبيه. * * ثم قال تعالى: ﴿وَقَالُواْ لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِّن رَّبِّهِ قُلْ إِنَّمَا ٱلآيَاتُ عِندَ ٱللَّهِ﴾. أي: وقال المشركون من قريش: هلاّ أنزل على محمد ﷺ آيات من ربّه. وهو قولهم: ﴿لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ تَفْجُرَ لَنَا مِنَ ٱلأَرْضِ يَنْبُوعاً﴾ [الإسراء: ٩٠] إلى قوله: ﴿كِتَاباً نَّقْرَؤُهُ﴾ [الإسراء: ٩٣]. هذا على قراءة من جمع، ويؤكد الجمع أن بعده: ﴿قُلْ إِنَّمَا ٱلآيَاتُ عِندَ ٱللَّهِ﴾ فوجب أن يكون السؤال مثل الجواب، ويؤكده أيضاً أن الخط بالتاء. فأما من قرأ آية، معناه: هلاّ أنزل على محمد آية تكون حجة علينا كالناقة لصالح، والمائدة لعيسى، ويؤكد التوحيد إجماعهم على التوحيد في يونس: ﴿لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِّن رَّبِّهِ﴾. وفي الرعد: ﴿آيَاتٌ مِّن رَّبِّهِ﴾. * * ثم قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا ٱلآيَاتُ عِندَ ٱللَّهِ﴾ أي: لا يقدر على الإتيان بها إلاّ الله. ﴿وَإِنَّمَآ أَنَاْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ﴾ أي: أنذركم بأس الله وعذابه مبين لكم إنذاره. ثم قال تعالى ذكره: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّآ أَنزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْكِتَابَ يُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ﴾ أي: أوَ لم يكفِ هؤلاء القائلين لولا أنزل عليه آيات من ربه من الآيات والحجج. أنّا أنزلنا عليك الكتاب يقرأ عليهم. ﴿إِنَّ فِي ذٰلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَىٰ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ أي: إن في هذا الكتاب لرحمة للمؤمنين وذكرى يتذكرون به ويتعظون. ويروى أن هذه الآية نزلت في قوم من المؤمنين استحسنوا أشياء من بعض كتاب أهل الكتاب. ثم قال تعالى ذكره: ﴿قُلْ كَفَىٰ بِٱللَّهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيداً يَعْلَمُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ﴾ أي: قل يا محمد لهم: كفى الله بيننا شهيداً لأنه يعلم المحق من المبطل، ويعلم ما في السماوات والأرض ولا يخفى عليه فيهما شيء. * * ثم قال تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ بِٱلْبَاطِلِ﴾ أي: بالشرك. ﴿وَكَفَرُواْ بِٱللَّهِ﴾ أي: جحدوا توحيد الله فعبدوا معه غيره. ﴿أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْخَاسِرُونَ﴾ أي: المغبونون في صفقتهم. ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِٱلْعَذَابِ﴾ أي: يستعجلك يا محمد هؤلاء المشركون بالعذاب، وهو قولهم: ﴿ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ﴾ [الأنفال: ٣٢] إلى قوله "﴿أَلِيمٍ﴾ [الأنفال: ٣٢]. ﴿وَلَوْلاَ أَجَلٌ مُّسَمًّى لَّجَآءَهُمُ ٱلْعَذَابُ﴾ أي: لولا أن لهم وقتاً يستوفونه لجاءهم العذاب عاجلاً. ﴿وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً﴾ أي: فجأة وهم لا يشعرون بوقت مجيئه. هذا كله معنى قوله قتادة. * * ثم قال تعالى: ﴿يَسْتَعْجِلُونَكَ بِٱلْعَذَابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِٱلْكَافِرِينَ﴾ أي: محدقة بالكافرين ولم يبق لهم إلا دخولها. قال عكرمة: هو البحر محيط بهم. * * ثم قال: ﴿يَوْمَ يَغْشَاهُمُ ٱلْعَذَابُ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ قال قتادة: في النار أي: جهنم محيطة بالكافرين في هذا اليوم. فلا يوقف على "بالكافرين" على هذا التأويل. ويجوز أن يتنصب على واذكر يوم يغشاهم فيبتدئ به على هذا القول. ﴿وَيِقُولُ ذُوقُواْ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أي: جزاء عملكم. وأصل الذوق باللسان ولكن اتسع فيه فاستعمل في كل شيء يصل إلى البدن منه ألم أو لذة. * * ثم قال تعالى: ﴿يٰعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ﴾ أي: أنها لم تضق عليكم، فغيروا الموضع الذي لا يحل لكم فيه المقام، ولكن إذا عمل في مكان منها بمعاصي الله فلم تقدروا على تغييره فأهربوا منها قاله ابن جبير. وقال عطاء: إذا أمرتم بالمعاصي فاهربوا إن أرضي واسعة. وقال مجاهد: إن أرضي واسعة فهاجروا وجاهدوا. وقال ابن زيد: يريد بهذا من كان بمكة من المؤمنين. وقال مُطَرِّف بن الشِّخِّير: معناه إن رزقي لكم واسع، أي: فابتغوه في الأرض. وقيل: المعنى: ما خرج لكم من أرضي من الرزق واسع لكم. وقيل: المعنى: إن أرض الجنة واسعة فأعبدوني حتى أعطيكموها. * * وقوله: ﴿فَإِيَّايَ فَٱعْبُدُونِ﴾ أي: أخلصوا لي عبادتكم. * * ثم قال تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ ٱلْمَوْتِ﴾ أي: أخلصوا لي العبادة فإنكم لا بد لكم من الموت والرجوع إليّ فأجازيكم على أعمالكم وإخلاصكم. * * ثم قال تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِّنَ ٱلْجَنَّةِ غُرَفَاً﴾. أي: والذين صدقوا بكتبي ورسلي وعملوا الأعمال الصالحة لنسكننهم غرفاً جارية من تحتها الأنهار في الجنة. ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ أي: دائمين فيها. ﴿نِعْمَ أَجْرُ ٱلْعَامِلِينَ﴾ أي: نعم الجزاء جزاء العاملين بطاعة الله الجنة. ومن قرأ "لَنثوِيّنهم" فمعناه: لنعطينهم ولننزلنهم. حكى الفراء: بوأته منزلاً وأثويته منزلاً بمعنى: وأصل الثواء الإقامة. ومعنى: ﴿مِن تَحْتِهَا﴾ أي من تحت أشجارها. * * ثم قال تعالى: ﴿ٱلَّذِينَ صَبَرُواْ﴾ أي: على أذى المشركين في الدنيا. ﴿وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ أي: في أرزاقهم وجهاد عدوهم. * * ثم قال تعالى: ﴿وَكَأَيِّن مِّن دَآبَّةٍ لاَّ تَحْمِلُ رِزْقَهَا ٱللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ﴾ هذا تعزية للمؤمنين المهاجرين الذين فارقوا أموالهم في الله، فقيل لهم: وكم من دابة لا تحمل رزقها ولا تدخره من اليوم إلى غد؟ الله يرزقها، فلا تخافوا أنتم عيلة ولا فقراً، فإن الله رازقكم. ﴿وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ﴾ لأقوالكم: نخشى بفراقنا أَوْطَانَنَا الفقر والعيلة. ﴿ٱلْعَلِيمُ﴾ بما في أنفسكم وتصير إليه أموركم. وليس يدخر من جميع الحيوان إلا الإنسان والنملة والفأرة. وهو من الحمالة، أي: لا تحمل لنفسها رزقها، وليس هو من الحمل على الظهر ونحوه.

العنكبوت 29:54

قوله تعالى ذكره: ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ﴾ إلى قوله جلّ ذكره وثناؤه: ﴿وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ﴾. قال الحسن: معناه بل القرآن آيات ظاهرات في صدور المؤمنين بمحمد ﷺ. وقرأ قتادة: "آية بيّنة" بالتوحيد على معنى بل النبي آية بينة في صدور الذين أوتوا العلم من أهل الكتاب. وفي حرف عبد الله "بل هي آيات" أي: بل آيات القرآن آيات بينات. وقال ابن عباس والضحاك وابن جريج: كان الله جلّ ذكره أنزل بشأن محمد ﷺ في التوراة والإنجيل لأهل العلم وعلمه لهم وجعل لهم آية فقال: إن آية نبؤته أن يخرج حين يخرج لا يعلم كتاباً ولا يخطه بيمينه. والمعنى: بل العلم بأنه لا يقرأ ولا يكتب آيات بينات في صدور العالمين من أهل الكتاب. وروي ذلك أيضاً عن قتادة. وهو اختيار الطبري. * * ثم قال تعالى: ﴿وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَآ إِلاَّ ٱلظَّالِمُونَ﴾ أي: ما يجحد نبوة محمد وينكر العلم به إلاّ الذين ظلموا أنفسهم بكفرهم بالله ونبيه. * * ثم قال تعالى: ﴿وَقَالُواْ لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِّن رَّبِّهِ قُلْ إِنَّمَا ٱلآيَاتُ عِندَ ٱللَّهِ﴾. أي: وقال المشركون من قريش: هلاّ أنزل على محمد ﷺ آيات من ربّه. وهو قولهم: ﴿لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ تَفْجُرَ لَنَا مِنَ ٱلأَرْضِ يَنْبُوعاً﴾ [الإسراء: ٩٠] إلى قوله: ﴿كِتَاباً نَّقْرَؤُهُ﴾ [الإسراء: ٩٣]. هذا على قراءة من جمع، ويؤكد الجمع أن بعده: ﴿قُلْ إِنَّمَا ٱلآيَاتُ عِندَ ٱللَّهِ﴾ فوجب أن يكون السؤال مثل الجواب، ويؤكده أيضاً أن الخط بالتاء. فأما من قرأ آية، معناه: هلاّ أنزل على محمد آية تكون حجة علينا كالناقة لصالح، والمائدة لعيسى، ويؤكد التوحيد إجماعهم على التوحيد في يونس: ﴿لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِّن رَّبِّهِ﴾. وفي الرعد: ﴿آيَاتٌ مِّن رَّبِّهِ﴾. * * ثم قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا ٱلآيَاتُ عِندَ ٱللَّهِ﴾ أي: لا يقدر على الإتيان بها إلاّ الله. ﴿وَإِنَّمَآ أَنَاْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ﴾ أي: أنذركم بأس الله وعذابه مبين لكم إنذاره. ثم قال تعالى ذكره: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّآ أَنزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْكِتَابَ يُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ﴾ أي: أوَ لم يكفِ هؤلاء القائلين لولا أنزل عليه آيات من ربه من الآيات والحجج. أنّا أنزلنا عليك الكتاب يقرأ عليهم. ﴿إِنَّ فِي ذٰلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَىٰ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ أي: إن في هذا الكتاب لرحمة للمؤمنين وذكرى يتذكرون به ويتعظون. ويروى أن هذه الآية نزلت في قوم من المؤمنين استحسنوا أشياء من بعض كتاب أهل الكتاب. ثم قال تعالى ذكره: ﴿قُلْ كَفَىٰ بِٱللَّهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيداً يَعْلَمُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ﴾ أي: قل يا محمد لهم: كفى الله بيننا شهيداً لأنه يعلم المحق من المبطل، ويعلم ما في السماوات والأرض ولا يخفى عليه فيهما شيء. * * ثم قال تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ بِٱلْبَاطِلِ﴾ أي: بالشرك. ﴿وَكَفَرُواْ بِٱللَّهِ﴾ أي: جحدوا توحيد الله فعبدوا معه غيره. ﴿أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْخَاسِرُونَ﴾ أي: المغبونون في صفقتهم. ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِٱلْعَذَابِ﴾ أي: يستعجلك يا محمد هؤلاء المشركون بالعذاب، وهو قولهم: ﴿ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ﴾ [الأنفال: ٣٢] إلى قوله "﴿أَلِيمٍ﴾ [الأنفال: ٣٢]. ﴿وَلَوْلاَ أَجَلٌ مُّسَمًّى لَّجَآءَهُمُ ٱلْعَذَابُ﴾ أي: لولا أن لهم وقتاً يستوفونه لجاءهم العذاب عاجلاً. ﴿وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً﴾ أي: فجأة وهم لا يشعرون بوقت مجيئه. هذا كله معنى قوله قتادة. * * ثم قال تعالى: ﴿يَسْتَعْجِلُونَكَ بِٱلْعَذَابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِٱلْكَافِرِينَ﴾ أي: محدقة بالكافرين ولم يبق لهم إلا دخولها. قال عكرمة: هو البحر محيط بهم. * * ثم قال: ﴿يَوْمَ يَغْشَاهُمُ ٱلْعَذَابُ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ قال قتادة: في النار أي: جهنم محيطة بالكافرين في هذا اليوم. فلا يوقف على "بالكافرين" على هذا التأويل. ويجوز أن يتنصب على واذكر يوم يغشاهم فيبتدئ به على هذا القول. ﴿وَيِقُولُ ذُوقُواْ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أي: جزاء عملكم. وأصل الذوق باللسان ولكن اتسع فيه فاستعمل في كل شيء يصل إلى البدن منه ألم أو لذة. * * ثم قال تعالى: ﴿يٰعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ﴾ أي: أنها لم تضق عليكم، فغيروا الموضع الذي لا يحل لكم فيه المقام، ولكن إذا عمل في مكان منها بمعاصي الله فلم تقدروا على تغييره فأهربوا منها قاله ابن جبير. وقال عطاء: إذا أمرتم بالمعاصي فاهربوا إن أرضي واسعة. وقال مجاهد: إن أرضي واسعة فهاجروا وجاهدوا. وقال ابن زيد: يريد بهذا من كان بمكة من المؤمنين. وقال مُطَرِّف بن الشِّخِّير: معناه إن رزقي لكم واسع، أي: فابتغوه في الأرض. وقيل: المعنى: ما خرج لكم من أرضي من الرزق واسع لكم. وقيل: المعنى: إن أرض الجنة واسعة فأعبدوني حتى أعطيكموها. * * وقوله: ﴿فَإِيَّايَ فَٱعْبُدُونِ﴾ أي: أخلصوا لي عبادتكم. * * ثم قال تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ ٱلْمَوْتِ﴾ أي: أخلصوا لي العبادة فإنكم لا بد لكم من الموت والرجوع إليّ فأجازيكم على أعمالكم وإخلاصكم. * * ثم قال تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِّنَ ٱلْجَنَّةِ غُرَفَاً﴾. أي: والذين صدقوا بكتبي ورسلي وعملوا الأعمال الصالحة لنسكننهم غرفاً جارية من تحتها الأنهار في الجنة. ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ أي: دائمين فيها. ﴿نِعْمَ أَجْرُ ٱلْعَامِلِينَ﴾ أي: نعم الجزاء جزاء العاملين بطاعة الله الجنة. ومن قرأ "لَنثوِيّنهم" فمعناه: لنعطينهم ولننزلنهم. حكى الفراء: بوأته منزلاً وأثويته منزلاً بمعنى: وأصل الثواء الإقامة. ومعنى: ﴿مِن تَحْتِهَا﴾ أي من تحت أشجارها. * * ثم قال تعالى: ﴿ٱلَّذِينَ صَبَرُواْ﴾ أي: على أذى المشركين في الدنيا. ﴿وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ أي: في أرزاقهم وجهاد عدوهم. * * ثم قال تعالى: ﴿وَكَأَيِّن مِّن دَآبَّةٍ لاَّ تَحْمِلُ رِزْقَهَا ٱللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ﴾ هذا تعزية للمؤمنين المهاجرين الذين فارقوا أموالهم في الله، فقيل لهم: وكم من دابة لا تحمل رزقها ولا تدخره من اليوم إلى غد؟ الله يرزقها، فلا تخافوا أنتم عيلة ولا فقراً، فإن الله رازقكم. ﴿وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ﴾ لأقوالكم: نخشى بفراقنا أَوْطَانَنَا الفقر والعيلة. ﴿ٱلْعَلِيمُ﴾ بما في أنفسكم وتصير إليه أموركم. وليس يدخر من جميع الحيوان إلا الإنسان والنملة والفأرة. وهو من الحمالة، أي: لا تحمل لنفسها رزقها، وليس هو من الحمل على الظهر ونحوه.

العنكبوت 29:55

قوله تعالى ذكره: ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ﴾ إلى قوله جلّ ذكره وثناؤه: ﴿وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ﴾. قال الحسن: معناه بل القرآن آيات ظاهرات في صدور المؤمنين بمحمد ﷺ. وقرأ قتادة: "آية بيّنة" بالتوحيد على معنى بل النبي آية بينة في صدور الذين أوتوا العلم من أهل الكتاب. وفي حرف عبد الله "بل هي آيات" أي: بل آيات القرآن آيات بينات. وقال ابن عباس والضحاك وابن جريج: كان الله جلّ ذكره أنزل بشأن محمد ﷺ في التوراة والإنجيل لأهل العلم وعلمه لهم وجعل لهم آية فقال: إن آية نبؤته أن يخرج حين يخرج لا يعلم كتاباً ولا يخطه بيمينه. والمعنى: بل العلم بأنه لا يقرأ ولا يكتب آيات بينات في صدور العالمين من أهل الكتاب. وروي ذلك أيضاً عن قتادة. وهو اختيار الطبري. * * ثم قال تعالى: ﴿وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَآ إِلاَّ ٱلظَّالِمُونَ﴾ أي: ما يجحد نبوة محمد وينكر العلم به إلاّ الذين ظلموا أنفسهم بكفرهم بالله ونبيه. * * ثم قال تعالى: ﴿وَقَالُواْ لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِّن رَّبِّهِ قُلْ إِنَّمَا ٱلآيَاتُ عِندَ ٱللَّهِ﴾. أي: وقال المشركون من قريش: هلاّ أنزل على محمد ﷺ آيات من ربّه. وهو قولهم: ﴿لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ تَفْجُرَ لَنَا مِنَ ٱلأَرْضِ يَنْبُوعاً﴾ [الإسراء: ٩٠] إلى قوله: ﴿كِتَاباً نَّقْرَؤُهُ﴾ [الإسراء: ٩٣]. هذا على قراءة من جمع، ويؤكد الجمع أن بعده: ﴿قُلْ إِنَّمَا ٱلآيَاتُ عِندَ ٱللَّهِ﴾ فوجب أن يكون السؤال مثل الجواب، ويؤكده أيضاً أن الخط بالتاء. فأما من قرأ آية، معناه: هلاّ أنزل على محمد آية تكون حجة علينا كالناقة لصالح، والمائدة لعيسى، ويؤكد التوحيد إجماعهم على التوحيد في يونس: ﴿لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِّن رَّبِّهِ﴾. وفي الرعد: ﴿آيَاتٌ مِّن رَّبِّهِ﴾. * * ثم قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا ٱلآيَاتُ عِندَ ٱللَّهِ﴾ أي: لا يقدر على الإتيان بها إلاّ الله. ﴿وَإِنَّمَآ أَنَاْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ﴾ أي: أنذركم بأس الله وعذابه مبين لكم إنذاره. ثم قال تعالى ذكره: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّآ أَنزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْكِتَابَ يُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ﴾ أي: أوَ لم يكفِ هؤلاء القائلين لولا أنزل عليه آيات من ربه من الآيات والحجج. أنّا أنزلنا عليك الكتاب يقرأ عليهم. ﴿إِنَّ فِي ذٰلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَىٰ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ أي: إن في هذا الكتاب لرحمة للمؤمنين وذكرى يتذكرون به ويتعظون. ويروى أن هذه الآية نزلت في قوم من المؤمنين استحسنوا أشياء من بعض كتاب أهل الكتاب. ثم قال تعالى ذكره: ﴿قُلْ كَفَىٰ بِٱللَّهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيداً يَعْلَمُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ﴾ أي: قل يا محمد لهم: كفى الله بيننا شهيداً لأنه يعلم المحق من المبطل، ويعلم ما في السماوات والأرض ولا يخفى عليه فيهما شيء. * * ثم قال تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ بِٱلْبَاطِلِ﴾ أي: بالشرك. ﴿وَكَفَرُواْ بِٱللَّهِ﴾ أي: جحدوا توحيد الله فعبدوا معه غيره. ﴿أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْخَاسِرُونَ﴾ أي: المغبونون في صفقتهم. ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِٱلْعَذَابِ﴾ أي: يستعجلك يا محمد هؤلاء المشركون بالعذاب، وهو قولهم: ﴿ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ﴾ [الأنفال: ٣٢] إلى قوله "﴿أَلِيمٍ﴾ [الأنفال: ٣٢]. ﴿وَلَوْلاَ أَجَلٌ مُّسَمًّى لَّجَآءَهُمُ ٱلْعَذَابُ﴾ أي: لولا أن لهم وقتاً يستوفونه لجاءهم العذاب عاجلاً. ﴿وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً﴾ أي: فجأة وهم لا يشعرون بوقت مجيئه. هذا كله معنى قوله قتادة. * * ثم قال تعالى: ﴿يَسْتَعْجِلُونَكَ بِٱلْعَذَابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِٱلْكَافِرِينَ﴾ أي: محدقة بالكافرين ولم يبق لهم إلا دخولها. قال عكرمة: هو البحر محيط بهم. * * ثم قال: ﴿يَوْمَ يَغْشَاهُمُ ٱلْعَذَابُ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ قال قتادة: في النار أي: جهنم محيطة بالكافرين في هذا اليوم. فلا يوقف على "بالكافرين" على هذا التأويل. ويجوز أن يتنصب على واذكر يوم يغشاهم فيبتدئ به على هذا القول. ﴿وَيِقُولُ ذُوقُواْ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أي: جزاء عملكم. وأصل الذوق باللسان ولكن اتسع فيه فاستعمل في كل شيء يصل إلى البدن منه ألم أو لذة. * * ثم قال تعالى: ﴿يٰعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ﴾ أي: أنها لم تضق عليكم، فغيروا الموضع الذي لا يحل لكم فيه المقام، ولكن إذا عمل في مكان منها بمعاصي الله فلم تقدروا على تغييره فأهربوا منها قاله ابن جبير. وقال عطاء: إذا أمرتم بالمعاصي فاهربوا إن أرضي واسعة. وقال مجاهد: إن أرضي واسعة فهاجروا وجاهدوا. وقال ابن زيد: يريد بهذا من كان بمكة من المؤمنين. وقال مُطَرِّف بن الشِّخِّير: معناه إن رزقي لكم واسع، أي: فابتغوه في الأرض. وقيل: المعنى: ما خرج لكم من أرضي من الرزق واسع لكم. وقيل: المعنى: إن أرض الجنة واسعة فأعبدوني حتى أعطيكموها. * * وقوله: ﴿فَإِيَّايَ فَٱعْبُدُونِ﴾ أي: أخلصوا لي عبادتكم. * * ثم قال تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ ٱلْمَوْتِ﴾ أي: أخلصوا لي العبادة فإنكم لا بد لكم من الموت والرجوع إليّ فأجازيكم على أعمالكم وإخلاصكم. * * ثم قال تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِّنَ ٱلْجَنَّةِ غُرَفَاً﴾. أي: والذين صدقوا بكتبي ورسلي وعملوا الأعمال الصالحة لنسكننهم غرفاً جارية من تحتها الأنهار في الجنة. ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ أي: دائمين فيها. ﴿نِعْمَ أَجْرُ ٱلْعَامِلِينَ﴾ أي: نعم الجزاء جزاء العاملين بطاعة الله الجنة. ومن قرأ "لَنثوِيّنهم" فمعناه: لنعطينهم ولننزلنهم. حكى الفراء: بوأته منزلاً وأثويته منزلاً بمعنى: وأصل الثواء الإقامة. ومعنى: ﴿مِن تَحْتِهَا﴾ أي من تحت أشجارها. * * ثم قال تعالى: ﴿ٱلَّذِينَ صَبَرُواْ﴾ أي: على أذى المشركين في الدنيا. ﴿وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ أي: في أرزاقهم وجهاد عدوهم. * * ثم قال تعالى: ﴿وَكَأَيِّن مِّن دَآبَّةٍ لاَّ تَحْمِلُ رِزْقَهَا ٱللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ﴾ هذا تعزية للمؤمنين المهاجرين الذين فارقوا أموالهم في الله، فقيل لهم: وكم من دابة لا تحمل رزقها ولا تدخره من اليوم إلى غد؟ الله يرزقها، فلا تخافوا أنتم عيلة ولا فقراً، فإن الله رازقكم. ﴿وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ﴾ لأقوالكم: نخشى بفراقنا أَوْطَانَنَا الفقر والعيلة. ﴿ٱلْعَلِيمُ﴾ بما في أنفسكم وتصير إليه أموركم. وليس يدخر من جميع الحيوان إلا الإنسان والنملة والفأرة. وهو من الحمالة، أي: لا تحمل لنفسها رزقها، وليس هو من الحمل على الظهر ونحوه.

العنكبوت 29:56

قوله تعالى ذكره: ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ﴾ إلى قوله جلّ ذكره وثناؤه: ﴿وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ﴾. قال الحسن: معناه بل القرآن آيات ظاهرات في صدور المؤمنين بمحمد ﷺ. وقرأ قتادة: "آية بيّنة" بالتوحيد على معنى بل النبي آية بينة في صدور الذين أوتوا العلم من أهل الكتاب. وفي حرف عبد الله "بل هي آيات" أي: بل آيات القرآن آيات بينات. وقال ابن عباس والضحاك وابن جريج: كان الله جلّ ذكره أنزل بشأن محمد ﷺ في التوراة والإنجيل لأهل العلم وعلمه لهم وجعل لهم آية فقال: إن آية نبؤته أن يخرج حين يخرج لا يعلم كتاباً ولا يخطه بيمينه. والمعنى: بل العلم بأنه لا يقرأ ولا يكتب آيات بينات في صدور العالمين من أهل الكتاب. وروي ذلك أيضاً عن قتادة. وهو اختيار الطبري. * * ثم قال تعالى: ﴿وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَآ إِلاَّ ٱلظَّالِمُونَ﴾ أي: ما يجحد نبوة محمد وينكر العلم به إلاّ الذين ظلموا أنفسهم بكفرهم بالله ونبيه. * * ثم قال تعالى: ﴿وَقَالُواْ لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِّن رَّبِّهِ قُلْ إِنَّمَا ٱلآيَاتُ عِندَ ٱللَّهِ﴾. أي: وقال المشركون من قريش: هلاّ أنزل على محمد ﷺ آيات من ربّه. وهو قولهم: ﴿لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ تَفْجُرَ لَنَا مِنَ ٱلأَرْضِ يَنْبُوعاً﴾ [الإسراء: ٩٠] إلى قوله: ﴿كِتَاباً نَّقْرَؤُهُ﴾ [الإسراء: ٩٣]. هذا على قراءة من جمع، ويؤكد الجمع أن بعده: ﴿قُلْ إِنَّمَا ٱلآيَاتُ عِندَ ٱللَّهِ﴾ فوجب أن يكون السؤال مثل الجواب، ويؤكده أيضاً أن الخط بالتاء. فأما من قرأ آية، معناه: هلاّ أنزل على محمد آية تكون حجة علينا كالناقة لصالح، والمائدة لعيسى، ويؤكد التوحيد إجماعهم على التوحيد في يونس: ﴿لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِّن رَّبِّهِ﴾. وفي الرعد: ﴿آيَاتٌ مِّن رَّبِّهِ﴾. * * ثم قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا ٱلآيَاتُ عِندَ ٱللَّهِ﴾ أي: لا يقدر على الإتيان بها إلاّ الله. ﴿وَإِنَّمَآ أَنَاْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ﴾ أي: أنذركم بأس الله وعذابه مبين لكم إنذاره. ثم قال تعالى ذكره: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّآ أَنزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْكِتَابَ يُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ﴾ أي: أوَ لم يكفِ هؤلاء القائلين لولا أنزل عليه آيات من ربه من الآيات والحجج. أنّا أنزلنا عليك الكتاب يقرأ عليهم. ﴿إِنَّ فِي ذٰلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَىٰ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ أي: إن في هذا الكتاب لرحمة للمؤمنين وذكرى يتذكرون به ويتعظون. ويروى أن هذه الآية نزلت في قوم من المؤمنين استحسنوا أشياء من بعض كتاب أهل الكتاب. ثم قال تعالى ذكره: ﴿قُلْ كَفَىٰ بِٱللَّهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيداً يَعْلَمُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ﴾ أي: قل يا محمد لهم: كفى الله بيننا شهيداً لأنه يعلم المحق من المبطل، ويعلم ما في السماوات والأرض ولا يخفى عليه فيهما شيء. * * ثم قال تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ بِٱلْبَاطِلِ﴾ أي: بالشرك. ﴿وَكَفَرُواْ بِٱللَّهِ﴾ أي: جحدوا توحيد الله فعبدوا معه غيره. ﴿أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْخَاسِرُونَ﴾ أي: المغبونون في صفقتهم. ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِٱلْعَذَابِ﴾ أي: يستعجلك يا محمد هؤلاء المشركون بالعذاب، وهو قولهم: ﴿ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ﴾ [الأنفال: ٣٢] إلى قوله "﴿أَلِيمٍ﴾ [الأنفال: ٣٢]. ﴿وَلَوْلاَ أَجَلٌ مُّسَمًّى لَّجَآءَهُمُ ٱلْعَذَابُ﴾ أي: لولا أن لهم وقتاً يستوفونه لجاءهم العذاب عاجلاً. ﴿وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً﴾ أي: فجأة وهم لا يشعرون بوقت مجيئه. هذا كله معنى قوله قتادة. * * ثم قال تعالى: ﴿يَسْتَعْجِلُونَكَ بِٱلْعَذَابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِٱلْكَافِرِينَ﴾ أي: محدقة بالكافرين ولم يبق لهم إلا دخولها. قال عكرمة: هو البحر محيط بهم. * * ثم قال: ﴿يَوْمَ يَغْشَاهُمُ ٱلْعَذَابُ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ قال قتادة: في النار أي: جهنم محيطة بالكافرين في هذا اليوم. فلا يوقف على "بالكافرين" على هذا التأويل. ويجوز أن يتنصب على واذكر يوم يغشاهم فيبتدئ به على هذا القول. ﴿وَيِقُولُ ذُوقُواْ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أي: جزاء عملكم. وأصل الذوق باللسان ولكن اتسع فيه فاستعمل في كل شيء يصل إلى البدن منه ألم أو لذة. * * ثم قال تعالى: ﴿يٰعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ﴾ أي: أنها لم تضق عليكم، فغيروا الموضع الذي لا يحل لكم فيه المقام، ولكن إذا عمل في مكان منها بمعاصي الله فلم تقدروا على تغييره فأهربوا منها قاله ابن جبير. وقال عطاء: إذا أمرتم بالمعاصي فاهربوا إن أرضي واسعة. وقال مجاهد: إن أرضي واسعة فهاجروا وجاهدوا. وقال ابن زيد: يريد بهذا من كان بمكة من المؤمنين. وقال مُطَرِّف بن الشِّخِّير: معناه إن رزقي لكم واسع، أي: فابتغوه في الأرض. وقيل: المعنى: ما خرج لكم من أرضي من الرزق واسع لكم. وقيل: المعنى: إن أرض الجنة واسعة فأعبدوني حتى أعطيكموها. * * وقوله: ﴿فَإِيَّايَ فَٱعْبُدُونِ﴾ أي: أخلصوا لي عبادتكم. * * ثم قال تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ ٱلْمَوْتِ﴾ أي: أخلصوا لي العبادة فإنكم لا بد لكم من الموت والرجوع إليّ فأجازيكم على أعمالكم وإخلاصكم. * * ثم قال تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِّنَ ٱلْجَنَّةِ غُرَفَاً﴾. أي: والذين صدقوا بكتبي ورسلي وعملوا الأعمال الصالحة لنسكننهم غرفاً جارية من تحتها الأنهار في الجنة. ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ أي: دائمين فيها. ﴿نِعْمَ أَجْرُ ٱلْعَامِلِينَ﴾ أي: نعم الجزاء جزاء العاملين بطاعة الله الجنة. ومن قرأ "لَنثوِيّنهم" فمعناه: لنعطينهم ولننزلنهم. حكى الفراء: بوأته منزلاً وأثويته منزلاً بمعنى: وأصل الثواء الإقامة. ومعنى: ﴿مِن تَحْتِهَا﴾ أي من تحت أشجارها. * * ثم قال تعالى: ﴿ٱلَّذِينَ صَبَرُواْ﴾ أي: على أذى المشركين في الدنيا. ﴿وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ أي: في أرزاقهم وجهاد عدوهم. * * ثم قال تعالى: ﴿وَكَأَيِّن مِّن دَآبَّةٍ لاَّ تَحْمِلُ رِزْقَهَا ٱللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ﴾ هذا تعزية للمؤمنين المهاجرين الذين فارقوا أموالهم في الله، فقيل لهم: وكم من دابة لا تحمل رزقها ولا تدخره من اليوم إلى غد؟ الله يرزقها، فلا تخافوا أنتم عيلة ولا فقراً، فإن الله رازقكم. ﴿وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ﴾ لأقوالكم: نخشى بفراقنا أَوْطَانَنَا الفقر والعيلة. ﴿ٱلْعَلِيمُ﴾ بما في أنفسكم وتصير إليه أموركم. وليس يدخر من جميع الحيوان إلا الإنسان والنملة والفأرة. وهو من الحمالة، أي: لا تحمل لنفسها رزقها، وليس هو من الحمل على الظهر ونحوه.

العنكبوت 29:57

قوله تعالى ذكره: ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ﴾ إلى قوله جلّ ذكره وثناؤه: ﴿وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ﴾. قال الحسن: معناه بل القرآن آيات ظاهرات في صدور المؤمنين بمحمد ﷺ. وقرأ قتادة: "آية بيّنة" بالتوحيد على معنى بل النبي آية بينة في صدور الذين أوتوا العلم من أهل الكتاب. وفي حرف عبد الله "بل هي آيات" أي: بل آيات القرآن آيات بينات. وقال ابن عباس والضحاك وابن جريج: كان الله جلّ ذكره أنزل بشأن محمد ﷺ في التوراة والإنجيل لأهل العلم وعلمه لهم وجعل لهم آية فقال: إن آية نبؤته أن يخرج حين يخرج لا يعلم كتاباً ولا يخطه بيمينه. والمعنى: بل العلم بأنه لا يقرأ ولا يكتب آيات بينات في صدور العالمين من أهل الكتاب. وروي ذلك أيضاً عن قتادة. وهو اختيار الطبري. * * ثم قال تعالى: ﴿وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَآ إِلاَّ ٱلظَّالِمُونَ﴾ أي: ما يجحد نبوة محمد وينكر العلم به إلاّ الذين ظلموا أنفسهم بكفرهم بالله ونبيه. * * ثم قال تعالى: ﴿وَقَالُواْ لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِّن رَّبِّهِ قُلْ إِنَّمَا ٱلآيَاتُ عِندَ ٱللَّهِ﴾. أي: وقال المشركون من قريش: هلاّ أنزل على محمد ﷺ آيات من ربّه. وهو قولهم: ﴿لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ تَفْجُرَ لَنَا مِنَ ٱلأَرْضِ يَنْبُوعاً﴾ [الإسراء: ٩٠] إلى قوله: ﴿كِتَاباً نَّقْرَؤُهُ﴾ [الإسراء: ٩٣]. هذا على قراءة من جمع، ويؤكد الجمع أن بعده: ﴿قُلْ إِنَّمَا ٱلآيَاتُ عِندَ ٱللَّهِ﴾ فوجب أن يكون السؤال مثل الجواب، ويؤكده أيضاً أن الخط بالتاء. فأما من قرأ آية، معناه: هلاّ أنزل على محمد آية تكون حجة علينا كالناقة لصالح، والمائدة لعيسى، ويؤكد التوحيد إجماعهم على التوحيد في يونس: ﴿لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِّن رَّبِّهِ﴾. وفي الرعد: ﴿آيَاتٌ مِّن رَّبِّهِ﴾. * * ثم قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا ٱلآيَاتُ عِندَ ٱللَّهِ﴾ أي: لا يقدر على الإتيان بها إلاّ الله. ﴿وَإِنَّمَآ أَنَاْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ﴾ أي: أنذركم بأس الله وعذابه مبين لكم إنذاره. ثم قال تعالى ذكره: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّآ أَنزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْكِتَابَ يُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ﴾ أي: أوَ لم يكفِ هؤلاء القائلين لولا أنزل عليه آيات من ربه من الآيات والحجج. أنّا أنزلنا عليك الكتاب يقرأ عليهم. ﴿إِنَّ فِي ذٰلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَىٰ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ أي: إن في هذا الكتاب لرحمة للمؤمنين وذكرى يتذكرون به ويتعظون. ويروى أن هذه الآية نزلت في قوم من المؤمنين استحسنوا أشياء من بعض كتاب أهل الكتاب. ثم قال تعالى ذكره: ﴿قُلْ كَفَىٰ بِٱللَّهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيداً يَعْلَمُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ﴾ أي: قل يا محمد لهم: كفى الله بيننا شهيداً لأنه يعلم المحق من المبطل، ويعلم ما في السماوات والأرض ولا يخفى عليه فيهما شيء. * * ثم قال تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ بِٱلْبَاطِلِ﴾ أي: بالشرك. ﴿وَكَفَرُواْ بِٱللَّهِ﴾ أي: جحدوا توحيد الله فعبدوا معه غيره. ﴿أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْخَاسِرُونَ﴾ أي: المغبونون في صفقتهم. ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِٱلْعَذَابِ﴾ أي: يستعجلك يا محمد هؤلاء المشركون بالعذاب، وهو قولهم: ﴿ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ﴾ [الأنفال: ٣٢] إلى قوله "﴿أَلِيمٍ﴾ [الأنفال: ٣٢]. ﴿وَلَوْلاَ أَجَلٌ مُّسَمًّى لَّجَآءَهُمُ ٱلْعَذَابُ﴾ أي: لولا أن لهم وقتاً يستوفونه لجاءهم العذاب عاجلاً. ﴿وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً﴾ أي: فجأة وهم لا يشعرون بوقت مجيئه. هذا كله معنى قوله قتادة. * * ثم قال تعالى: ﴿يَسْتَعْجِلُونَكَ بِٱلْعَذَابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِٱلْكَافِرِينَ﴾ أي: محدقة بالكافرين ولم يبق لهم إلا دخولها. قال عكرمة: هو البحر محيط بهم. * * ثم قال: ﴿يَوْمَ يَغْشَاهُمُ ٱلْعَذَابُ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ قال قتادة: في النار أي: جهنم محيطة بالكافرين في هذا اليوم. فلا يوقف على "بالكافرين" على هذا التأويل. ويجوز أن يتنصب على واذكر يوم يغشاهم فيبتدئ به على هذا القول. ﴿وَيِقُولُ ذُوقُواْ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أي: جزاء عملكم. وأصل الذوق باللسان ولكن اتسع فيه فاستعمل في كل شيء يصل إلى البدن منه ألم أو لذة. * * ثم قال تعالى: ﴿يٰعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ﴾ أي: أنها لم تضق عليكم، فغيروا الموضع الذي لا يحل لكم فيه المقام، ولكن إذا عمل في مكان منها بمعاصي الله فلم تقدروا على تغييره فأهربوا منها قاله ابن جبير. وقال عطاء: إذا أمرتم بالمعاصي فاهربوا إن أرضي واسعة. وقال مجاهد: إن أرضي واسعة فهاجروا وجاهدوا. وقال ابن زيد: يريد بهذا من كان بمكة من المؤمنين. وقال مُطَرِّف بن الشِّخِّير: معناه إن رزقي لكم واسع، أي: فابتغوه في الأرض. وقيل: المعنى: ما خرج لكم من أرضي من الرزق واسع لكم. وقيل: المعنى: إن أرض الجنة واسعة فأعبدوني حتى أعطيكموها. * * وقوله: ﴿فَإِيَّايَ فَٱعْبُدُونِ﴾ أي: أخلصوا لي عبادتكم. * * ثم قال تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ ٱلْمَوْتِ﴾ أي: أخلصوا لي العبادة فإنكم لا بد لكم من الموت والرجوع إليّ فأجازيكم على أعمالكم وإخلاصكم. * * ثم قال تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِّنَ ٱلْجَنَّةِ غُرَفَاً﴾. أي: والذين صدقوا بكتبي ورسلي وعملوا الأعمال الصالحة لنسكننهم غرفاً جارية من تحتها الأنهار في الجنة. ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ أي: دائمين فيها. ﴿نِعْمَ أَجْرُ ٱلْعَامِلِينَ﴾ أي: نعم الجزاء جزاء العاملين بطاعة الله الجنة. ومن قرأ "لَنثوِيّنهم" فمعناه: لنعطينهم ولننزلنهم. حكى الفراء: بوأته منزلاً وأثويته منزلاً بمعنى: وأصل الثواء الإقامة. ومعنى: ﴿مِن تَحْتِهَا﴾ أي من تحت أشجارها. * * ثم قال تعالى: ﴿ٱلَّذِينَ صَبَرُواْ﴾ أي: على أذى المشركين في الدنيا. ﴿وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ أي: في أرزاقهم وجهاد عدوهم. * * ثم قال تعالى: ﴿وَكَأَيِّن مِّن دَآبَّةٍ لاَّ تَحْمِلُ رِزْقَهَا ٱللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ﴾ هذا تعزية للمؤمنين المهاجرين الذين فارقوا أموالهم في الله، فقيل لهم: وكم من دابة لا تحمل رزقها ولا تدخره من اليوم إلى غد؟ الله يرزقها، فلا تخافوا أنتم عيلة ولا فقراً، فإن الله رازقكم. ﴿وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ﴾ لأقوالكم: نخشى بفراقنا أَوْطَانَنَا الفقر والعيلة. ﴿ٱلْعَلِيمُ﴾ بما في أنفسكم وتصير إليه أموركم. وليس يدخر من جميع الحيوان إلا الإنسان والنملة والفأرة. وهو من الحمالة، أي: لا تحمل لنفسها رزقها، وليس هو من الحمل على الظهر ونحوه.

العنكبوت 29:58

قوله تعالى ذكره: ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ﴾ إلى قوله جلّ ذكره وثناؤه: ﴿وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ﴾. قال الحسن: معناه بل القرآن آيات ظاهرات في صدور المؤمنين بمحمد ﷺ. وقرأ قتادة: "آية بيّنة" بالتوحيد على معنى بل النبي آية بينة في صدور الذين أوتوا العلم من أهل الكتاب. وفي حرف عبد الله "بل هي آيات" أي: بل آيات القرآن آيات بينات. وقال ابن عباس والضحاك وابن جريج: كان الله جلّ ذكره أنزل بشأن محمد ﷺ في التوراة والإنجيل لأهل العلم وعلمه لهم وجعل لهم آية فقال: إن آية نبؤته أن يخرج حين يخرج لا يعلم كتاباً ولا يخطه بيمينه. والمعنى: بل العلم بأنه لا يقرأ ولا يكتب آيات بينات في صدور العالمين من أهل الكتاب. وروي ذلك أيضاً عن قتادة. وهو اختيار الطبري. * * ثم قال تعالى: ﴿وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَآ إِلاَّ ٱلظَّالِمُونَ﴾ أي: ما يجحد نبوة محمد وينكر العلم به إلاّ الذين ظلموا أنفسهم بكفرهم بالله ونبيه. * * ثم قال تعالى: ﴿وَقَالُواْ لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِّن رَّبِّهِ قُلْ إِنَّمَا ٱلآيَاتُ عِندَ ٱللَّهِ﴾. أي: وقال المشركون من قريش: هلاّ أنزل على محمد ﷺ آيات من ربّه. وهو قولهم: ﴿لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ تَفْجُرَ لَنَا مِنَ ٱلأَرْضِ يَنْبُوعاً﴾ [الإسراء: ٩٠] إلى قوله: ﴿كِتَاباً نَّقْرَؤُهُ﴾ [الإسراء: ٩٣]. هذا على قراءة من جمع، ويؤكد الجمع أن بعده: ﴿قُلْ إِنَّمَا ٱلآيَاتُ عِندَ ٱللَّهِ﴾ فوجب أن يكون السؤال مثل الجواب، ويؤكده أيضاً أن الخط بالتاء. فأما من قرأ آية، معناه: هلاّ أنزل على محمد آية تكون حجة علينا كالناقة لصالح، والمائدة لعيسى، ويؤكد التوحيد إجماعهم على التوحيد في يونس: ﴿لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِّن رَّبِّهِ﴾. وفي الرعد: ﴿آيَاتٌ مِّن رَّبِّهِ﴾. * * ثم قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا ٱلآيَاتُ عِندَ ٱللَّهِ﴾ أي: لا يقدر على الإتيان بها إلاّ الله. ﴿وَإِنَّمَآ أَنَاْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ﴾ أي: أنذركم بأس الله وعذابه مبين لكم إنذاره. ثم قال تعالى ذكره: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّآ أَنزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْكِتَابَ يُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ﴾ أي: أوَ لم يكفِ هؤلاء القائلين لولا أنزل عليه آيات من ربه من الآيات والحجج. أنّا أنزلنا عليك الكتاب يقرأ عليهم. ﴿إِنَّ فِي ذٰلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَىٰ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ أي: إن في هذا الكتاب لرحمة للمؤمنين وذكرى يتذكرون به ويتعظون. ويروى أن هذه الآية نزلت في قوم من المؤمنين استحسنوا أشياء من بعض كتاب أهل الكتاب. ثم قال تعالى ذكره: ﴿قُلْ كَفَىٰ بِٱللَّهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيداً يَعْلَمُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ﴾ أي: قل يا محمد لهم: كفى الله بيننا شهيداً لأنه يعلم المحق من المبطل، ويعلم ما في السماوات والأرض ولا يخفى عليه فيهما شيء. * * ثم قال تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ بِٱلْبَاطِلِ﴾ أي: بالشرك. ﴿وَكَفَرُواْ بِٱللَّهِ﴾ أي: جحدوا توحيد الله فعبدوا معه غيره. ﴿أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْخَاسِرُونَ﴾ أي: المغبونون في صفقتهم. ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِٱلْعَذَابِ﴾ أي: يستعجلك يا محمد هؤلاء المشركون بالعذاب، وهو قولهم: ﴿ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ﴾ [الأنفال: ٣٢] إلى قوله "﴿أَلِيمٍ﴾ [الأنفال: ٣٢]. ﴿وَلَوْلاَ أَجَلٌ مُّسَمًّى لَّجَآءَهُمُ ٱلْعَذَابُ﴾ أي: لولا أن لهم وقتاً يستوفونه لجاءهم العذاب عاجلاً. ﴿وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً﴾ أي: فجأة وهم لا يشعرون بوقت مجيئه. هذا كله معنى قوله قتادة. * * ثم قال تعالى: ﴿يَسْتَعْجِلُونَكَ بِٱلْعَذَابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِٱلْكَافِرِينَ﴾ أي: محدقة بالكافرين ولم يبق لهم إلا دخولها. قال عكرمة: هو البحر محيط بهم. * * ثم قال: ﴿يَوْمَ يَغْشَاهُمُ ٱلْعَذَابُ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ قال قتادة: في النار أي: جهنم محيطة بالكافرين في هذا اليوم. فلا يوقف على "بالكافرين" على هذا التأويل. ويجوز أن يتنصب على واذكر يوم يغشاهم فيبتدئ به على هذا القول. ﴿وَيِقُولُ ذُوقُواْ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أي: جزاء عملكم. وأصل الذوق باللسان ولكن اتسع فيه فاستعمل في كل شيء يصل إلى البدن منه ألم أو لذة. * * ثم قال تعالى: ﴿يٰعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ﴾ أي: أنها لم تضق عليكم، فغيروا الموضع الذي لا يحل لكم فيه المقام، ولكن إذا عمل في مكان منها بمعاصي الله فلم تقدروا على تغييره فأهربوا منها قاله ابن جبير. وقال عطاء: إذا أمرتم بالمعاصي فاهربوا إن أرضي واسعة. وقال مجاهد: إن أرضي واسعة فهاجروا وجاهدوا. وقال ابن زيد: يريد بهذا من كان بمكة من المؤمنين. وقال مُطَرِّف بن الشِّخِّير: معناه إن رزقي لكم واسع، أي: فابتغوه في الأرض. وقيل: المعنى: ما خرج لكم من أرضي من الرزق واسع لكم. وقيل: المعنى: إن أرض الجنة واسعة فأعبدوني حتى أعطيكموها. * * وقوله: ﴿فَإِيَّايَ فَٱعْبُدُونِ﴾ أي: أخلصوا لي عبادتكم. * * ثم قال تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ ٱلْمَوْتِ﴾ أي: أخلصوا لي العبادة فإنكم لا بد لكم من الموت والرجوع إليّ فأجازيكم على أعمالكم وإخلاصكم. * * ثم قال تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِّنَ ٱلْجَنَّةِ غُرَفَاً﴾. أي: والذين صدقوا بكتبي ورسلي وعملوا الأعمال الصالحة لنسكننهم غرفاً جارية من تحتها الأنهار في الجنة. ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ أي: دائمين فيها. ﴿نِعْمَ أَجْرُ ٱلْعَامِلِينَ﴾ أي: نعم الجزاء جزاء العاملين بطاعة الله الجنة. ومن قرأ "لَنثوِيّنهم" فمعناه: لنعطينهم ولننزلنهم. حكى الفراء: بوأته منزلاً وأثويته منزلاً بمعنى: وأصل الثواء الإقامة. ومعنى: ﴿مِن تَحْتِهَا﴾ أي من تحت أشجارها. * * ثم قال تعالى: ﴿ٱلَّذِينَ صَبَرُواْ﴾ أي: على أذى المشركين في الدنيا. ﴿وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ أي: في أرزاقهم وجهاد عدوهم. * * ثم قال تعالى: ﴿وَكَأَيِّن مِّن دَآبَّةٍ لاَّ تَحْمِلُ رِزْقَهَا ٱللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ﴾ هذا تعزية للمؤمنين المهاجرين الذين فارقوا أموالهم في الله، فقيل لهم: وكم من دابة لا تحمل رزقها ولا تدخره من اليوم إلى غد؟ الله يرزقها، فلا تخافوا أنتم عيلة ولا فقراً، فإن الله رازقكم. ﴿وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ﴾ لأقوالكم: نخشى بفراقنا أَوْطَانَنَا الفقر والعيلة. ﴿ٱلْعَلِيمُ﴾ بما في أنفسكم وتصير إليه أموركم. وليس يدخر من جميع الحيوان إلا الإنسان والنملة والفأرة. وهو من الحمالة، أي: لا تحمل لنفسها رزقها، وليس هو من الحمل على الظهر ونحوه.

العنكبوت 29:59

قوله تعالى ذكره: ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ﴾ إلى قوله جلّ ذكره وثناؤه: ﴿وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ﴾. قال الحسن: معناه بل القرآن آيات ظاهرات في صدور المؤمنين بمحمد ﷺ. وقرأ قتادة: "آية بيّنة" بالتوحيد على معنى بل النبي آية بينة في صدور الذين أوتوا العلم من أهل الكتاب. وفي حرف عبد الله "بل هي آيات" أي: بل آيات القرآن آيات بينات. وقال ابن عباس والضحاك وابن جريج: كان الله جلّ ذكره أنزل بشأن محمد ﷺ في التوراة والإنجيل لأهل العلم وعلمه لهم وجعل لهم آية فقال: إن آية نبؤته أن يخرج حين يخرج لا يعلم كتاباً ولا يخطه بيمينه. والمعنى: بل العلم بأنه لا يقرأ ولا يكتب آيات بينات في صدور العالمين من أهل الكتاب. وروي ذلك أيضاً عن قتادة. وهو اختيار الطبري. * * ثم قال تعالى: ﴿وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَآ إِلاَّ ٱلظَّالِمُونَ﴾ أي: ما يجحد نبوة محمد وينكر العلم به إلاّ الذين ظلموا أنفسهم بكفرهم بالله ونبيه. * * ثم قال تعالى: ﴿وَقَالُواْ لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِّن رَّبِّهِ قُلْ إِنَّمَا ٱلآيَاتُ عِندَ ٱللَّهِ﴾. أي: وقال المشركون من قريش: هلاّ أنزل على محمد ﷺ آيات من ربّه. وهو قولهم: ﴿لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ تَفْجُرَ لَنَا مِنَ ٱلأَرْضِ يَنْبُوعاً﴾ [الإسراء: ٩٠] إلى قوله: ﴿كِتَاباً نَّقْرَؤُهُ﴾ [الإسراء: ٩٣]. هذا على قراءة من جمع، ويؤكد الجمع أن بعده: ﴿قُلْ إِنَّمَا ٱلآيَاتُ عِندَ ٱللَّهِ﴾ فوجب أن يكون السؤال مثل الجواب، ويؤكده أيضاً أن الخط بالتاء. فأما من قرأ آية، معناه: هلاّ أنزل على محمد آية تكون حجة علينا كالناقة لصالح، والمائدة لعيسى، ويؤكد التوحيد إجماعهم على التوحيد في يونس: ﴿لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِّن رَّبِّهِ﴾. وفي الرعد: ﴿آيَاتٌ مِّن رَّبِّهِ﴾. * * ثم قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا ٱلآيَاتُ عِندَ ٱللَّهِ﴾ أي: لا يقدر على الإتيان بها إلاّ الله. ﴿وَإِنَّمَآ أَنَاْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ﴾ أي: أنذركم بأس الله وعذابه مبين لكم إنذاره. ثم قال تعالى ذكره: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّآ أَنزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْكِتَابَ يُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ﴾ أي: أوَ لم يكفِ هؤلاء القائلين لولا أنزل عليه آيات من ربه من الآيات والحجج. أنّا أنزلنا عليك الكتاب يقرأ عليهم. ﴿إِنَّ فِي ذٰلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَىٰ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ أي: إن في هذا الكتاب لرحمة للمؤمنين وذكرى يتذكرون به ويتعظون. ويروى أن هذه الآية نزلت في قوم من المؤمنين استحسنوا أشياء من بعض كتاب أهل الكتاب. ثم قال تعالى ذكره: ﴿قُلْ كَفَىٰ بِٱللَّهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيداً يَعْلَمُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ﴾ أي: قل يا محمد لهم: كفى الله بيننا شهيداً لأنه يعلم المحق من المبطل، ويعلم ما في السماوات والأرض ولا يخفى عليه فيهما شيء. * * ثم قال تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ بِٱلْبَاطِلِ﴾ أي: بالشرك. ﴿وَكَفَرُواْ بِٱللَّهِ﴾ أي: جحدوا توحيد الله فعبدوا معه غيره. ﴿أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْخَاسِرُونَ﴾ أي: المغبونون في صفقتهم. ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِٱلْعَذَابِ﴾ أي: يستعجلك يا محمد هؤلاء المشركون بالعذاب، وهو قولهم: ﴿ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ﴾ [الأنفال: ٣٢] إلى قوله "﴿أَلِيمٍ﴾ [الأنفال: ٣٢]. ﴿وَلَوْلاَ أَجَلٌ مُّسَمًّى لَّجَآءَهُمُ ٱلْعَذَابُ﴾ أي: لولا أن لهم وقتاً يستوفونه لجاءهم العذاب عاجلاً. ﴿وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً﴾ أي: فجأة وهم لا يشعرون بوقت مجيئه. هذا كله معنى قوله قتادة. * * ثم قال تعالى: ﴿يَسْتَعْجِلُونَكَ بِٱلْعَذَابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِٱلْكَافِرِينَ﴾ أي: محدقة بالكافرين ولم يبق لهم إلا دخولها. قال عكرمة: هو البحر محيط بهم. * * ثم قال: ﴿يَوْمَ يَغْشَاهُمُ ٱلْعَذَابُ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ قال قتادة: في النار أي: جهنم محيطة بالكافرين في هذا اليوم. فلا يوقف على "بالكافرين" على هذا التأويل. ويجوز أن يتنصب على واذكر يوم يغشاهم فيبتدئ به على هذا القول. ﴿وَيِقُولُ ذُوقُواْ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أي: جزاء عملكم. وأصل الذوق باللسان ولكن اتسع فيه فاستعمل في كل شيء يصل إلى البدن منه ألم أو لذة. * * ثم قال تعالى: ﴿يٰعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ﴾ أي: أنها لم تضق عليكم، فغيروا الموضع الذي لا يحل لكم فيه المقام، ولكن إذا عمل في مكان منها بمعاصي الله فلم تقدروا على تغييره فأهربوا منها قاله ابن جبير. وقال عطاء: إذا أمرتم بالمعاصي فاهربوا إن أرضي واسعة. وقال مجاهد: إن أرضي واسعة فهاجروا وجاهدوا. وقال ابن زيد: يريد بهذا من كان بمكة من المؤمنين. وقال مُطَرِّف بن الشِّخِّير: معناه إن رزقي لكم واسع، أي: فابتغوه في الأرض. وقيل: المعنى: ما خرج لكم من أرضي من الرزق واسع لكم. وقيل: المعنى: إن أرض الجنة واسعة فأعبدوني حتى أعطيكموها. * * وقوله: ﴿فَإِيَّايَ فَٱعْبُدُونِ﴾ أي: أخلصوا لي عبادتكم. * * ثم قال تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ ٱلْمَوْتِ﴾ أي: أخلصوا لي العبادة فإنكم لا بد لكم من الموت والرجوع إليّ فأجازيكم على أعمالكم وإخلاصكم. * * ثم قال تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِّنَ ٱلْجَنَّةِ غُرَفَاً﴾. أي: والذين صدقوا بكتبي ورسلي وعملوا الأعمال الصالحة لنسكننهم غرفاً جارية من تحتها الأنهار في الجنة. ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ أي: دائمين فيها. ﴿نِعْمَ أَجْرُ ٱلْعَامِلِينَ﴾ أي: نعم الجزاء جزاء العاملين بطاعة الله الجنة. ومن قرأ "لَنثوِيّنهم" فمعناه: لنعطينهم ولننزلنهم. حكى الفراء: بوأته منزلاً وأثويته منزلاً بمعنى: وأصل الثواء الإقامة. ومعنى: ﴿مِن تَحْتِهَا﴾ أي من تحت أشجارها. * * ثم قال تعالى: ﴿ٱلَّذِينَ صَبَرُواْ﴾ أي: على أذى المشركين في الدنيا. ﴿وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ أي: في أرزاقهم وجهاد عدوهم. * * ثم قال تعالى: ﴿وَكَأَيِّن مِّن دَآبَّةٍ لاَّ تَحْمِلُ رِزْقَهَا ٱللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ﴾ هذا تعزية للمؤمنين المهاجرين الذين فارقوا أموالهم في الله، فقيل لهم: وكم من دابة لا تحمل رزقها ولا تدخره من اليوم إلى غد؟ الله يرزقها، فلا تخافوا أنتم عيلة ولا فقراً، فإن الله رازقكم. ﴿وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ﴾ لأقوالكم: نخشى بفراقنا أَوْطَانَنَا الفقر والعيلة. ﴿ٱلْعَلِيمُ﴾ بما في أنفسكم وتصير إليه أموركم. وليس يدخر من جميع الحيوان إلا الإنسان والنملة والفأرة. وهو من الحمالة، أي: لا تحمل لنفسها رزقها، وليس هو من الحمل على الظهر ونحوه.

العنكبوت 29:60

قوله تعالى ذكره: ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ﴾ إلى قوله جلّ ذكره وثناؤه: ﴿وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ﴾. قال الحسن: معناه بل القرآن آيات ظاهرات في صدور المؤمنين بمحمد ﷺ. وقرأ قتادة: "آية بيّنة" بالتوحيد على معنى بل النبي آية بينة في صدور الذين أوتوا العلم من أهل الكتاب. وفي حرف عبد الله "بل هي آيات" أي: بل آيات القرآن آيات بينات. وقال ابن عباس والضحاك وابن جريج: كان الله جلّ ذكره أنزل بشأن محمد ﷺ في التوراة والإنجيل لأهل العلم وعلمه لهم وجعل لهم آية فقال: إن آية نبؤته أن يخرج حين يخرج لا يعلم كتاباً ولا يخطه بيمينه. والمعنى: بل العلم بأنه لا يقرأ ولا يكتب آيات بينات في صدور العالمين من أهل الكتاب. وروي ذلك أيضاً عن قتادة. وهو اختيار الطبري. * * ثم قال تعالى: ﴿وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَآ إِلاَّ ٱلظَّالِمُونَ﴾ أي: ما يجحد نبوة محمد وينكر العلم به إلاّ الذين ظلموا أنفسهم بكفرهم بالله ونبيه. * * ثم قال تعالى: ﴿وَقَالُواْ لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِّن رَّبِّهِ قُلْ إِنَّمَا ٱلآيَاتُ عِندَ ٱللَّهِ﴾. أي: وقال المشركون من قريش: هلاّ أنزل على محمد ﷺ آيات من ربّه. وهو قولهم: ﴿لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ تَفْجُرَ لَنَا مِنَ ٱلأَرْضِ يَنْبُوعاً﴾ [الإسراء: ٩٠] إلى قوله: ﴿كِتَاباً نَّقْرَؤُهُ﴾ [الإسراء: ٩٣]. هذا على قراءة من جمع، ويؤكد الجمع أن بعده: ﴿قُلْ إِنَّمَا ٱلآيَاتُ عِندَ ٱللَّهِ﴾ فوجب أن يكون السؤال مثل الجواب، ويؤكده أيضاً أن الخط بالتاء. فأما من قرأ آية، معناه: هلاّ أنزل على محمد آية تكون حجة علينا كالناقة لصالح، والمائدة لعيسى، ويؤكد التوحيد إجماعهم على التوحيد في يونس: ﴿لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِّن رَّبِّهِ﴾. وفي الرعد: ﴿آيَاتٌ مِّن رَّبِّهِ﴾. * * ثم قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا ٱلآيَاتُ عِندَ ٱللَّهِ﴾ أي: لا يقدر على الإتيان بها إلاّ الله. ﴿وَإِنَّمَآ أَنَاْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ﴾ أي: أنذركم بأس الله وعذابه مبين لكم إنذاره. ثم قال تعالى ذكره: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّآ أَنزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْكِتَابَ يُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ﴾ أي: أوَ لم يكفِ هؤلاء القائلين لولا أنزل عليه آيات من ربه من الآيات والحجج. أنّا أنزلنا عليك الكتاب يقرأ عليهم. ﴿إِنَّ فِي ذٰلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَىٰ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ أي: إن في هذا الكتاب لرحمة للمؤمنين وذكرى يتذكرون به ويتعظون. ويروى أن هذه الآية نزلت في قوم من المؤمنين استحسنوا أشياء من بعض كتاب أهل الكتاب. ثم قال تعالى ذكره: ﴿قُلْ كَفَىٰ بِٱللَّهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيداً يَعْلَمُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ﴾ أي: قل يا محمد لهم: كفى الله بيننا شهيداً لأنه يعلم المحق من المبطل، ويعلم ما في السماوات والأرض ولا يخفى عليه فيهما شيء. * * ثم قال تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ بِٱلْبَاطِلِ﴾ أي: بالشرك. ﴿وَكَفَرُواْ بِٱللَّهِ﴾ أي: جحدوا توحيد الله فعبدوا معه غيره. ﴿أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْخَاسِرُونَ﴾ أي: المغبونون في صفقتهم. ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِٱلْعَذَابِ﴾ أي: يستعجلك يا محمد هؤلاء المشركون بالعذاب، وهو قولهم: ﴿ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ﴾ [الأنفال: ٣٢] إلى قوله "﴿أَلِيمٍ﴾ [الأنفال: ٣٢]. ﴿وَلَوْلاَ أَجَلٌ مُّسَمًّى لَّجَآءَهُمُ ٱلْعَذَابُ﴾ أي: لولا أن لهم وقتاً يستوفونه لجاءهم العذاب عاجلاً. ﴿وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً﴾ أي: فجأة وهم لا يشعرون بوقت مجيئه. هذا كله معنى قوله قتادة. * * ثم قال تعالى: ﴿يَسْتَعْجِلُونَكَ بِٱلْعَذَابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِٱلْكَافِرِينَ﴾ أي: محدقة بالكافرين ولم يبق لهم إلا دخولها. قال عكرمة: هو البحر محيط بهم. * * ثم قال: ﴿يَوْمَ يَغْشَاهُمُ ٱلْعَذَابُ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ قال قتادة: في النار أي: جهنم محيطة بالكافرين في هذا اليوم. فلا يوقف على "بالكافرين" على هذا التأويل. ويجوز أن يتنصب على واذكر يوم يغشاهم فيبتدئ به على هذا القول. ﴿وَيِقُولُ ذُوقُواْ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أي: جزاء عملكم. وأصل الذوق باللسان ولكن اتسع فيه فاستعمل في كل شيء يصل إلى البدن منه ألم أو لذة. * * ثم قال تعالى: ﴿يٰعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ﴾ أي: أنها لم تضق عليكم، فغيروا الموضع الذي لا يحل لكم فيه المقام، ولكن إذا عمل في مكان منها بمعاصي الله فلم تقدروا على تغييره فأهربوا منها قاله ابن جبير. وقال عطاء: إذا أمرتم بالمعاصي فاهربوا إن أرضي واسعة. وقال مجاهد: إن أرضي واسعة فهاجروا وجاهدوا. وقال ابن زيد: يريد بهذا من كان بمكة من المؤمنين. وقال مُطَرِّف بن الشِّخِّير: معناه إن رزقي لكم واسع، أي: فابتغوه في الأرض. وقيل: المعنى: ما خرج لكم من أرضي من الرزق واسع لكم. وقيل: المعنى: إن أرض الجنة واسعة فأعبدوني حتى أعطيكموها. * * وقوله: ﴿فَإِيَّايَ فَٱعْبُدُونِ﴾ أي: أخلصوا لي عبادتكم. * * ثم قال تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ ٱلْمَوْتِ﴾ أي: أخلصوا لي العبادة فإنكم لا بد لكم من الموت والرجوع إليّ فأجازيكم على أعمالكم وإخلاصكم. * * ثم قال تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِّنَ ٱلْجَنَّةِ غُرَفَاً﴾. أي: والذين صدقوا بكتبي ورسلي وعملوا الأعمال الصالحة لنسكننهم غرفاً جارية من تحتها الأنهار في الجنة. ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ أي: دائمين فيها. ﴿نِعْمَ أَجْرُ ٱلْعَامِلِينَ﴾ أي: نعم الجزاء جزاء العاملين بطاعة الله الجنة. ومن قرأ "لَنثوِيّنهم" فمعناه: لنعطينهم ولننزلنهم. حكى الفراء: بوأته منزلاً وأثويته منزلاً بمعنى: وأصل الثواء الإقامة. ومعنى: ﴿مِن تَحْتِهَا﴾ أي من تحت أشجارها. * * ثم قال تعالى: ﴿ٱلَّذِينَ صَبَرُواْ﴾ أي: على أذى المشركين في الدنيا. ﴿وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ أي: في أرزاقهم وجهاد عدوهم. * * ثم قال تعالى: ﴿وَكَأَيِّن مِّن دَآبَّةٍ لاَّ تَحْمِلُ رِزْقَهَا ٱللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ﴾ هذا تعزية للمؤمنين المهاجرين الذين فارقوا أموالهم في الله، فقيل لهم: وكم من دابة لا تحمل رزقها ولا تدخره من اليوم إلى غد؟ الله يرزقها، فلا تخافوا أنتم عيلة ولا فقراً، فإن الله رازقكم. ﴿وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ﴾ لأقوالكم: نخشى بفراقنا أَوْطَانَنَا الفقر والعيلة. ﴿ٱلْعَلِيمُ﴾ بما في أنفسكم وتصير إليه أموركم. وليس يدخر من جميع الحيوان إلا الإنسان والنملة والفأرة. وهو من الحمالة، أي: لا تحمل لنفسها رزقها، وليس هو من الحمل على الظهر ونحوه.

العنكبوت 29:61

قوله تعالى ذكره: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ وَسَخَّرَ ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ فَأَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ﴾ إلى آخر السورة أي: ولئن سألت يا محمد هؤلاء المشركين من قريش، من ابتدع السماوات والأرض وسخر الشمس والقمر لعباده يجريان دائبين لمصالح الخلق؟ ليقولن الله. ﴿فَأَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ﴾ أي: فمن أين يصرفون عن عبادة من فعل ذلك بإقرارهم، فيعبدون معه من لم يخلق شيئاً ولا يملك ضراً ولا نفعاً. * * ثم قال تعالى: ﴿ٱللَّهُ يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ﴾ أي: يوسع على من يشاء من عباده في الرزق، ويضيق على من يشاء منهم فلا تتخلفوا عن هجرة وجهاد عدوكم بخوفكم العيلة والفقر. ﴿إِنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ أي: عليم بمصالحكم فيوسع على من لا يصلحه إلا التوسع في الرزق، ويضيق على من لا يصلحه إلا الضيق في الرزق. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّن نَّزَّلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَأَحْيَا بِهِ ٱلأَرْضَ مِن بَعْدِ مَوْتِهَا﴾. أي: ولئن: سألت يا محمد هؤلاء المشركين من قريش عَنْ مَنْ نزّل من السماء مطراً فأحيا بذلك المطر الأرض بعد جدوبها وقحطها ﴿لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ﴾، فقل يا محمد: ﴿ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ﴾، أي: على نعمه. ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ﴾ أي: لا يعقلون ما لهم فيه النفع من أمر دينهم وما لهم فيه الضرر. * * ثم قال تعالى: ﴿وَمَا هَـٰذِهِ ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَآ إِلاَّ لَهْوٌ وَلَعِبٌ﴾ أي: ما يتمتع به هؤلاء المشركون في الدنيا إلا تعليل النفوس بما تلتذ به، ثم ينقضي ويضمحل عن قليل، فهو اللهو واللعب الزائل من ساعته. * * ثم قال تعالى: ﴿وَإِنَّ ٱلدَّارَ ٱلآخِرَةَ لَهِيَ ٱلْحَيَوَانُ﴾ أي: لفيها الحياة الدائمة والنعيم المقيم الذي لا أنقطاع له. والحياة والحيوان واحد، يقال نهر الحيوان ونهر الحياة، وأصل الحيوان: الحييان ثم أبدلوا من إحدى الياءين واواً ومثله حيوة أصله حيية. ثم أبدل. ويقال حييت حياً كعييت عياً. فالحي المصدر، والحيوان والحياة اسمان. قال العجاج : "وقد نَرَى إذِ الحياةُ حييّ". يريد: إذِ الحياة حياة". وقد قيل: إن الحيي جمع على فِعُول كعِصي. * * ثم قال تعالى: ﴿فَإِذَا رَكِبُواْ فِي ٱلْفُلْكِ دَعَوُاْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ﴾ أي: فإذا ركب هؤلاء المشركون في السفينة في البحر فخافوا الغرق والهلاك أخلصوا لله الدعاء، وتركوا آلهتهم التي يعبدون. ﴿فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى ٱلْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ أي: يعبدون مع الله غيره. * * ثم قال تعالى: ﴿لِيَكْفُرُواْ بِمَآ آتَيْنَاهُمْ﴾. أي: لما نجاهم الله من الغرق إلى البَرِّ عبدوا غيره ليجحدوا نعمه عليهم. فاللام لام كي لأنها شرط لقوله ﴿إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾. * * ثم قال: ﴿وَلِيَتَمَتَّعُواْ فَسَوْفَ يَعلَمُونَ﴾. هذه اللام لام الأمر، فمن كسر لم يعتد بالواو وجعلها كالمبتدأ بها. ومن أسكن أعتد بالواو. ويحسن أن تكون عند من كسر، لام كي عطف على ﴿لِيَكْفُرُواْ﴾ والأحسن أن تكون لام أمر لأن الكلام فيه معنى التهديد، فالأمر به أولى ليكون وعيد وتهدد يعقبه وعيد وتهدد. وأيضاً فإن تمتعهم بدنياهم ليس من شرط قوله: ﴿إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ إذا لم يشركوا ليتمتعوا، إنما أشركوا ليكفروا. فأما من أسكن اللام، فلا يجوز إلا أن تكون لام أمر لأن لام كي لا تسكن، إذ قد حذف معها أن، فلا يحسن حذف حركتها، فيجتمع في الكلمة حذفان وفي حرف أبي: ﴿وَلِيَتَمَتَّعُواْ﴾، بغير لام، فهذا يدل على التهدد والوعيد. * * ثم قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا جَعَلْنَا حَرَماً آمِناً﴾ أي: ألم ير هؤلاء المشركون من قريش، ما خصصناهم به من النعم عليهم دون سائر الخلق إذ جعلنا بلدهم محرماً على الناس أن يدخلوه بغارة أو حرب، يأمن فيه من سكنه وآوى إليه من السِّبَاءِ والخوف والجذام. ﴿وَيُتَخَطَّفُ ٱلنَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾ أي: ويستلب الناس من حولهم قتلاً وسبياً. ﴿أَفَبِٱلْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ﴾ أي: بالشرك بالله يقرون، وبنعمة الله التي خصهم بها يكفرون، أي: يجحدون. * * ثم قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً﴾ أي: لا أحد أظلم ممن أختلف الكذب على الله، فقال إذا فعل فاحشة: الله أمرنا بها. ﴿أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْكَافِرِينَ﴾ أي: منزلاً ومسكناً لمن كفر بالله وجحد نعمه عليه. وهو تقرير وتوبيخ ووعيد. * * ثم قال تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ جَاهَدُواْ فِينَا﴾ أي: والذين قاتلوا المشركين في نصر دين الله، ﴿لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ أي: لنوفقهم لاصابة الحق والطريق المستقيم، وهو الاسلام. ﴿وَإِنَّ ٱللَّهَ لَمَعَ ٱلْمُحْسِنِينَ﴾ أي: من أحسن فجاهد أعداء الله. ومع هنا حرف، ويجوز أن تكون اسماً، وهي إذا فتحت حسن أن تكون اسماً وحرفاً وإذا سكنت لم تكن إلا حرفاً.

العنكبوت 29:62

قوله تعالى ذكره: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ وَسَخَّرَ ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ فَأَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ﴾ إلى آخر السورة أي: ولئن سألت يا محمد هؤلاء المشركين من قريش، من ابتدع السماوات والأرض وسخر الشمس والقمر لعباده يجريان دائبين لمصالح الخلق؟ ليقولن الله. ﴿فَأَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ﴾ أي: فمن أين يصرفون عن عبادة من فعل ذلك بإقرارهم، فيعبدون معه من لم يخلق شيئاً ولا يملك ضراً ولا نفعاً. * * ثم قال تعالى: ﴿ٱللَّهُ يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ﴾ أي: يوسع على من يشاء من عباده في الرزق، ويضيق على من يشاء منهم فلا تتخلفوا عن هجرة وجهاد عدوكم بخوفكم العيلة والفقر. ﴿إِنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ أي: عليم بمصالحكم فيوسع على من لا يصلحه إلا التوسع في الرزق، ويضيق على من لا يصلحه إلا الضيق في الرزق. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّن نَّزَّلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَأَحْيَا بِهِ ٱلأَرْضَ مِن بَعْدِ مَوْتِهَا﴾. أي: ولئن: سألت يا محمد هؤلاء المشركين من قريش عَنْ مَنْ نزّل من السماء مطراً فأحيا بذلك المطر الأرض بعد جدوبها وقحطها ﴿لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ﴾، فقل يا محمد: ﴿ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ﴾، أي: على نعمه. ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ﴾ أي: لا يعقلون ما لهم فيه النفع من أمر دينهم وما لهم فيه الضرر. * * ثم قال تعالى: ﴿وَمَا هَـٰذِهِ ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَآ إِلاَّ لَهْوٌ وَلَعِبٌ﴾ أي: ما يتمتع به هؤلاء المشركون في الدنيا إلا تعليل النفوس بما تلتذ به، ثم ينقضي ويضمحل عن قليل، فهو اللهو واللعب الزائل من ساعته. * * ثم قال تعالى: ﴿وَإِنَّ ٱلدَّارَ ٱلآخِرَةَ لَهِيَ ٱلْحَيَوَانُ﴾ أي: لفيها الحياة الدائمة والنعيم المقيم الذي لا أنقطاع له. والحياة والحيوان واحد، يقال نهر الحيوان ونهر الحياة، وأصل الحيوان: الحييان ثم أبدلوا من إحدى الياءين واواً ومثله حيوة أصله حيية. ثم أبدل. ويقال حييت حياً كعييت عياً. فالحي المصدر، والحيوان والحياة اسمان. قال العجاج : "وقد نَرَى إذِ الحياةُ حييّ". يريد: إذِ الحياة حياة". وقد قيل: إن الحيي جمع على فِعُول كعِصي. * * ثم قال تعالى: ﴿فَإِذَا رَكِبُواْ فِي ٱلْفُلْكِ دَعَوُاْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ﴾ أي: فإذا ركب هؤلاء المشركون في السفينة في البحر فخافوا الغرق والهلاك أخلصوا لله الدعاء، وتركوا آلهتهم التي يعبدون. ﴿فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى ٱلْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ أي: يعبدون مع الله غيره. * * ثم قال تعالى: ﴿لِيَكْفُرُواْ بِمَآ آتَيْنَاهُمْ﴾. أي: لما نجاهم الله من الغرق إلى البَرِّ عبدوا غيره ليجحدوا نعمه عليهم. فاللام لام كي لأنها شرط لقوله ﴿إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾. * * ثم قال: ﴿وَلِيَتَمَتَّعُواْ فَسَوْفَ يَعلَمُونَ﴾. هذه اللام لام الأمر، فمن كسر لم يعتد بالواو وجعلها كالمبتدأ بها. ومن أسكن أعتد بالواو. ويحسن أن تكون عند من كسر، لام كي عطف على ﴿لِيَكْفُرُواْ﴾ والأحسن أن تكون لام أمر لأن الكلام فيه معنى التهديد، فالأمر به أولى ليكون وعيد وتهدد يعقبه وعيد وتهدد. وأيضاً فإن تمتعهم بدنياهم ليس من شرط قوله: ﴿إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ إذا لم يشركوا ليتمتعوا، إنما أشركوا ليكفروا. فأما من أسكن اللام، فلا يجوز إلا أن تكون لام أمر لأن لام كي لا تسكن، إذ قد حذف معها أن، فلا يحسن حذف حركتها، فيجتمع في الكلمة حذفان وفي حرف أبي: ﴿وَلِيَتَمَتَّعُواْ﴾، بغير لام، فهذا يدل على التهدد والوعيد. * * ثم قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا جَعَلْنَا حَرَماً آمِناً﴾ أي: ألم ير هؤلاء المشركون من قريش، ما خصصناهم به من النعم عليهم دون سائر الخلق إذ جعلنا بلدهم محرماً على الناس أن يدخلوه بغارة أو حرب، يأمن فيه من سكنه وآوى إليه من السِّبَاءِ والخوف والجذام. ﴿وَيُتَخَطَّفُ ٱلنَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾ أي: ويستلب الناس من حولهم قتلاً وسبياً. ﴿أَفَبِٱلْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ﴾ أي: بالشرك بالله يقرون، وبنعمة الله التي خصهم بها يكفرون، أي: يجحدون. * * ثم قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً﴾ أي: لا أحد أظلم ممن أختلف الكذب على الله، فقال إذا فعل فاحشة: الله أمرنا بها. ﴿أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْكَافِرِينَ﴾ أي: منزلاً ومسكناً لمن كفر بالله وجحد نعمه عليه. وهو تقرير وتوبيخ ووعيد. * * ثم قال تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ جَاهَدُواْ فِينَا﴾ أي: والذين قاتلوا المشركين في نصر دين الله، ﴿لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ أي: لنوفقهم لاصابة الحق والطريق المستقيم، وهو الاسلام. ﴿وَإِنَّ ٱللَّهَ لَمَعَ ٱلْمُحْسِنِينَ﴾ أي: من أحسن فجاهد أعداء الله. ومع هنا حرف، ويجوز أن تكون اسماً، وهي إذا فتحت حسن أن تكون اسماً وحرفاً وإذا سكنت لم تكن إلا حرفاً.

العنكبوت 29:63

قوله تعالى ذكره: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ وَسَخَّرَ ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ فَأَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ﴾ إلى آخر السورة أي: ولئن سألت يا محمد هؤلاء المشركين من قريش، من ابتدع السماوات والأرض وسخر الشمس والقمر لعباده يجريان دائبين لمصالح الخلق؟ ليقولن الله. ﴿فَأَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ﴾ أي: فمن أين يصرفون عن عبادة من فعل ذلك بإقرارهم، فيعبدون معه من لم يخلق شيئاً ولا يملك ضراً ولا نفعاً. * * ثم قال تعالى: ﴿ٱللَّهُ يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ﴾ أي: يوسع على من يشاء من عباده في الرزق، ويضيق على من يشاء منهم فلا تتخلفوا عن هجرة وجهاد عدوكم بخوفكم العيلة والفقر. ﴿إِنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ أي: عليم بمصالحكم فيوسع على من لا يصلحه إلا التوسع في الرزق، ويضيق على من لا يصلحه إلا الضيق في الرزق. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّن نَّزَّلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَأَحْيَا بِهِ ٱلأَرْضَ مِن بَعْدِ مَوْتِهَا﴾. أي: ولئن: سألت يا محمد هؤلاء المشركين من قريش عَنْ مَنْ نزّل من السماء مطراً فأحيا بذلك المطر الأرض بعد جدوبها وقحطها ﴿لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ﴾، فقل يا محمد: ﴿ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ﴾، أي: على نعمه. ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ﴾ أي: لا يعقلون ما لهم فيه النفع من أمر دينهم وما لهم فيه الضرر. * * ثم قال تعالى: ﴿وَمَا هَـٰذِهِ ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَآ إِلاَّ لَهْوٌ وَلَعِبٌ﴾ أي: ما يتمتع به هؤلاء المشركون في الدنيا إلا تعليل النفوس بما تلتذ به، ثم ينقضي ويضمحل عن قليل، فهو اللهو واللعب الزائل من ساعته. * * ثم قال تعالى: ﴿وَإِنَّ ٱلدَّارَ ٱلآخِرَةَ لَهِيَ ٱلْحَيَوَانُ﴾ أي: لفيها الحياة الدائمة والنعيم المقيم الذي لا أنقطاع له. والحياة والحيوان واحد، يقال نهر الحيوان ونهر الحياة، وأصل الحيوان: الحييان ثم أبدلوا من إحدى الياءين واواً ومثله حيوة أصله حيية. ثم أبدل. ويقال حييت حياً كعييت عياً. فالحي المصدر، والحيوان والحياة اسمان. قال العجاج : "وقد نَرَى إذِ الحياةُ حييّ". يريد: إذِ الحياة حياة". وقد قيل: إن الحيي جمع على فِعُول كعِصي. * * ثم قال تعالى: ﴿فَإِذَا رَكِبُواْ فِي ٱلْفُلْكِ دَعَوُاْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ﴾ أي: فإذا ركب هؤلاء المشركون في السفينة في البحر فخافوا الغرق والهلاك أخلصوا لله الدعاء، وتركوا آلهتهم التي يعبدون. ﴿فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى ٱلْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ أي: يعبدون مع الله غيره. * * ثم قال تعالى: ﴿لِيَكْفُرُواْ بِمَآ آتَيْنَاهُمْ﴾. أي: لما نجاهم الله من الغرق إلى البَرِّ عبدوا غيره ليجحدوا نعمه عليهم. فاللام لام كي لأنها شرط لقوله ﴿إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾. * * ثم قال: ﴿وَلِيَتَمَتَّعُواْ فَسَوْفَ يَعلَمُونَ﴾. هذه اللام لام الأمر، فمن كسر لم يعتد بالواو وجعلها كالمبتدأ بها. ومن أسكن أعتد بالواو. ويحسن أن تكون عند من كسر، لام كي عطف على ﴿لِيَكْفُرُواْ﴾ والأحسن أن تكون لام أمر لأن الكلام فيه معنى التهديد، فالأمر به أولى ليكون وعيد وتهدد يعقبه وعيد وتهدد. وأيضاً فإن تمتعهم بدنياهم ليس من شرط قوله: ﴿إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ إذا لم يشركوا ليتمتعوا، إنما أشركوا ليكفروا. فأما من أسكن اللام، فلا يجوز إلا أن تكون لام أمر لأن لام كي لا تسكن، إذ قد حذف معها أن، فلا يحسن حذف حركتها، فيجتمع في الكلمة حذفان وفي حرف أبي: ﴿وَلِيَتَمَتَّعُواْ﴾، بغير لام، فهذا يدل على التهدد والوعيد. * * ثم قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا جَعَلْنَا حَرَماً آمِناً﴾ أي: ألم ير هؤلاء المشركون من قريش، ما خصصناهم به من النعم عليهم دون سائر الخلق إذ جعلنا بلدهم محرماً على الناس أن يدخلوه بغارة أو حرب، يأمن فيه من سكنه وآوى إليه من السِّبَاءِ والخوف والجذام. ﴿وَيُتَخَطَّفُ ٱلنَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾ أي: ويستلب الناس من حولهم قتلاً وسبياً. ﴿أَفَبِٱلْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ﴾ أي: بالشرك بالله يقرون، وبنعمة الله التي خصهم بها يكفرون، أي: يجحدون. * * ثم قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً﴾ أي: لا أحد أظلم ممن أختلف الكذب على الله، فقال إذا فعل فاحشة: الله أمرنا بها. ﴿أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْكَافِرِينَ﴾ أي: منزلاً ومسكناً لمن كفر بالله وجحد نعمه عليه. وهو تقرير وتوبيخ ووعيد. * * ثم قال تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ جَاهَدُواْ فِينَا﴾ أي: والذين قاتلوا المشركين في نصر دين الله، ﴿لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ أي: لنوفقهم لاصابة الحق والطريق المستقيم، وهو الاسلام. ﴿وَإِنَّ ٱللَّهَ لَمَعَ ٱلْمُحْسِنِينَ﴾ أي: من أحسن فجاهد أعداء الله. ومع هنا حرف، ويجوز أن تكون اسماً، وهي إذا فتحت حسن أن تكون اسماً وحرفاً وإذا سكنت لم تكن إلا حرفاً.

العنكبوت 29:64

قوله تعالى ذكره: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ وَسَخَّرَ ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ فَأَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ﴾ إلى آخر السورة أي: ولئن سألت يا محمد هؤلاء المشركين من قريش، من ابتدع السماوات والأرض وسخر الشمس والقمر لعباده يجريان دائبين لمصالح الخلق؟ ليقولن الله. ﴿فَأَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ﴾ أي: فمن أين يصرفون عن عبادة من فعل ذلك بإقرارهم، فيعبدون معه من لم يخلق شيئاً ولا يملك ضراً ولا نفعاً. * * ثم قال تعالى: ﴿ٱللَّهُ يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ﴾ أي: يوسع على من يشاء من عباده في الرزق، ويضيق على من يشاء منهم فلا تتخلفوا عن هجرة وجهاد عدوكم بخوفكم العيلة والفقر. ﴿إِنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ أي: عليم بمصالحكم فيوسع على من لا يصلحه إلا التوسع في الرزق، ويضيق على من لا يصلحه إلا الضيق في الرزق. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّن نَّزَّلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَأَحْيَا بِهِ ٱلأَرْضَ مِن بَعْدِ مَوْتِهَا﴾. أي: ولئن: سألت يا محمد هؤلاء المشركين من قريش عَنْ مَنْ نزّل من السماء مطراً فأحيا بذلك المطر الأرض بعد جدوبها وقحطها ﴿لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ﴾، فقل يا محمد: ﴿ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ﴾، أي: على نعمه. ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ﴾ أي: لا يعقلون ما لهم فيه النفع من أمر دينهم وما لهم فيه الضرر. * * ثم قال تعالى: ﴿وَمَا هَـٰذِهِ ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَآ إِلاَّ لَهْوٌ وَلَعِبٌ﴾ أي: ما يتمتع به هؤلاء المشركون في الدنيا إلا تعليل النفوس بما تلتذ به، ثم ينقضي ويضمحل عن قليل، فهو اللهو واللعب الزائل من ساعته. * * ثم قال تعالى: ﴿وَإِنَّ ٱلدَّارَ ٱلآخِرَةَ لَهِيَ ٱلْحَيَوَانُ﴾ أي: لفيها الحياة الدائمة والنعيم المقيم الذي لا أنقطاع له. والحياة والحيوان واحد، يقال نهر الحيوان ونهر الحياة، وأصل الحيوان: الحييان ثم أبدلوا من إحدى الياءين واواً ومثله حيوة أصله حيية. ثم أبدل. ويقال حييت حياً كعييت عياً. فالحي المصدر، والحيوان والحياة اسمان. قال العجاج : "وقد نَرَى إذِ الحياةُ حييّ". يريد: إذِ الحياة حياة". وقد قيل: إن الحيي جمع على فِعُول كعِصي. * * ثم قال تعالى: ﴿فَإِذَا رَكِبُواْ فِي ٱلْفُلْكِ دَعَوُاْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ﴾ أي: فإذا ركب هؤلاء المشركون في السفينة في البحر فخافوا الغرق والهلاك أخلصوا لله الدعاء، وتركوا آلهتهم التي يعبدون. ﴿فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى ٱلْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ أي: يعبدون مع الله غيره. * * ثم قال تعالى: ﴿لِيَكْفُرُواْ بِمَآ آتَيْنَاهُمْ﴾. أي: لما نجاهم الله من الغرق إلى البَرِّ عبدوا غيره ليجحدوا نعمه عليهم. فاللام لام كي لأنها شرط لقوله ﴿إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾. * * ثم قال: ﴿وَلِيَتَمَتَّعُواْ فَسَوْفَ يَعلَمُونَ﴾. هذه اللام لام الأمر، فمن كسر لم يعتد بالواو وجعلها كالمبتدأ بها. ومن أسكن أعتد بالواو. ويحسن أن تكون عند من كسر، لام كي عطف على ﴿لِيَكْفُرُواْ﴾ والأحسن أن تكون لام أمر لأن الكلام فيه معنى التهديد، فالأمر به أولى ليكون وعيد وتهدد يعقبه وعيد وتهدد. وأيضاً فإن تمتعهم بدنياهم ليس من شرط قوله: ﴿إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ إذا لم يشركوا ليتمتعوا، إنما أشركوا ليكفروا. فأما من أسكن اللام، فلا يجوز إلا أن تكون لام أمر لأن لام كي لا تسكن، إذ قد حذف معها أن، فلا يحسن حذف حركتها، فيجتمع في الكلمة حذفان وفي حرف أبي: ﴿وَلِيَتَمَتَّعُواْ﴾، بغير لام، فهذا يدل على التهدد والوعيد. * * ثم قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا جَعَلْنَا حَرَماً آمِناً﴾ أي: ألم ير هؤلاء المشركون من قريش، ما خصصناهم به من النعم عليهم دون سائر الخلق إذ جعلنا بلدهم محرماً على الناس أن يدخلوه بغارة أو حرب، يأمن فيه من سكنه وآوى إليه من السِّبَاءِ والخوف والجذام. ﴿وَيُتَخَطَّفُ ٱلنَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾ أي: ويستلب الناس من حولهم قتلاً وسبياً. ﴿أَفَبِٱلْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ﴾ أي: بالشرك بالله يقرون، وبنعمة الله التي خصهم بها يكفرون، أي: يجحدون. * * ثم قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً﴾ أي: لا أحد أظلم ممن أختلف الكذب على الله، فقال إذا فعل فاحشة: الله أمرنا بها. ﴿أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْكَافِرِينَ﴾ أي: منزلاً ومسكناً لمن كفر بالله وجحد نعمه عليه. وهو تقرير وتوبيخ ووعيد. * * ثم قال تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ جَاهَدُواْ فِينَا﴾ أي: والذين قاتلوا المشركين في نصر دين الله، ﴿لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ أي: لنوفقهم لاصابة الحق والطريق المستقيم، وهو الاسلام. ﴿وَإِنَّ ٱللَّهَ لَمَعَ ٱلْمُحْسِنِينَ﴾ أي: من أحسن فجاهد أعداء الله. ومع هنا حرف، ويجوز أن تكون اسماً، وهي إذا فتحت حسن أن تكون اسماً وحرفاً وإذا سكنت لم تكن إلا حرفاً.

العنكبوت 29:65

قوله تعالى ذكره: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ وَسَخَّرَ ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ فَأَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ﴾ إلى آخر السورة أي: ولئن سألت يا محمد هؤلاء المشركين من قريش، من ابتدع السماوات والأرض وسخر الشمس والقمر لعباده يجريان دائبين لمصالح الخلق؟ ليقولن الله. ﴿فَأَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ﴾ أي: فمن أين يصرفون عن عبادة من فعل ذلك بإقرارهم، فيعبدون معه من لم يخلق شيئاً ولا يملك ضراً ولا نفعاً. * * ثم قال تعالى: ﴿ٱللَّهُ يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ﴾ أي: يوسع على من يشاء من عباده في الرزق، ويضيق على من يشاء منهم فلا تتخلفوا عن هجرة وجهاد عدوكم بخوفكم العيلة والفقر. ﴿إِنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ أي: عليم بمصالحكم فيوسع على من لا يصلحه إلا التوسع في الرزق، ويضيق على من لا يصلحه إلا الضيق في الرزق. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّن نَّزَّلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَأَحْيَا بِهِ ٱلأَرْضَ مِن بَعْدِ مَوْتِهَا﴾. أي: ولئن: سألت يا محمد هؤلاء المشركين من قريش عَنْ مَنْ نزّل من السماء مطراً فأحيا بذلك المطر الأرض بعد جدوبها وقحطها ﴿لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ﴾، فقل يا محمد: ﴿ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ﴾، أي: على نعمه. ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ﴾ أي: لا يعقلون ما لهم فيه النفع من أمر دينهم وما لهم فيه الضرر. * * ثم قال تعالى: ﴿وَمَا هَـٰذِهِ ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَآ إِلاَّ لَهْوٌ وَلَعِبٌ﴾ أي: ما يتمتع به هؤلاء المشركون في الدنيا إلا تعليل النفوس بما تلتذ به، ثم ينقضي ويضمحل عن قليل، فهو اللهو واللعب الزائل من ساعته. * * ثم قال تعالى: ﴿وَإِنَّ ٱلدَّارَ ٱلآخِرَةَ لَهِيَ ٱلْحَيَوَانُ﴾ أي: لفيها الحياة الدائمة والنعيم المقيم الذي لا أنقطاع له. والحياة والحيوان واحد، يقال نهر الحيوان ونهر الحياة، وأصل الحيوان: الحييان ثم أبدلوا من إحدى الياءين واواً ومثله حيوة أصله حيية. ثم أبدل. ويقال حييت حياً كعييت عياً. فالحي المصدر، والحيوان والحياة اسمان. قال العجاج : "وقد نَرَى إذِ الحياةُ حييّ". يريد: إذِ الحياة حياة". وقد قيل: إن الحيي جمع على فِعُول كعِصي. * * ثم قال تعالى: ﴿فَإِذَا رَكِبُواْ فِي ٱلْفُلْكِ دَعَوُاْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ﴾ أي: فإذا ركب هؤلاء المشركون في السفينة في البحر فخافوا الغرق والهلاك أخلصوا لله الدعاء، وتركوا آلهتهم التي يعبدون. ﴿فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى ٱلْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ أي: يعبدون مع الله غيره. * * ثم قال تعالى: ﴿لِيَكْفُرُواْ بِمَآ آتَيْنَاهُمْ﴾. أي: لما نجاهم الله من الغرق إلى البَرِّ عبدوا غيره ليجحدوا نعمه عليهم. فاللام لام كي لأنها شرط لقوله ﴿إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾. * * ثم قال: ﴿وَلِيَتَمَتَّعُواْ فَسَوْفَ يَعلَمُونَ﴾. هذه اللام لام الأمر، فمن كسر لم يعتد بالواو وجعلها كالمبتدأ بها. ومن أسكن أعتد بالواو. ويحسن أن تكون عند من كسر، لام كي عطف على ﴿لِيَكْفُرُواْ﴾ والأحسن أن تكون لام أمر لأن الكلام فيه معنى التهديد، فالأمر به أولى ليكون وعيد وتهدد يعقبه وعيد وتهدد. وأيضاً فإن تمتعهم بدنياهم ليس من شرط قوله: ﴿إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ إذا لم يشركوا ليتمتعوا، إنما أشركوا ليكفروا. فأما من أسكن اللام، فلا يجوز إلا أن تكون لام أمر لأن لام كي لا تسكن، إذ قد حذف معها أن، فلا يحسن حذف حركتها، فيجتمع في الكلمة حذفان وفي حرف أبي: ﴿وَلِيَتَمَتَّعُواْ﴾، بغير لام، فهذا يدل على التهدد والوعيد. * * ثم قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا جَعَلْنَا حَرَماً آمِناً﴾ أي: ألم ير هؤلاء المشركون من قريش، ما خصصناهم به من النعم عليهم دون سائر الخلق إذ جعلنا بلدهم محرماً على الناس أن يدخلوه بغارة أو حرب، يأمن فيه من سكنه وآوى إليه من السِّبَاءِ والخوف والجذام. ﴿وَيُتَخَطَّفُ ٱلنَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾ أي: ويستلب الناس من حولهم قتلاً وسبياً. ﴿أَفَبِٱلْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ﴾ أي: بالشرك بالله يقرون، وبنعمة الله التي خصهم بها يكفرون، أي: يجحدون. * * ثم قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً﴾ أي: لا أحد أظلم ممن أختلف الكذب على الله، فقال إذا فعل فاحشة: الله أمرنا بها. ﴿أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْكَافِرِينَ﴾ أي: منزلاً ومسكناً لمن كفر بالله وجحد نعمه عليه. وهو تقرير وتوبيخ ووعيد. * * ثم قال تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ جَاهَدُواْ فِينَا﴾ أي: والذين قاتلوا المشركين في نصر دين الله، ﴿لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ أي: لنوفقهم لاصابة الحق والطريق المستقيم، وهو الاسلام. ﴿وَإِنَّ ٱللَّهَ لَمَعَ ٱلْمُحْسِنِينَ﴾ أي: من أحسن فجاهد أعداء الله. ومع هنا حرف، ويجوز أن تكون اسماً، وهي إذا فتحت حسن أن تكون اسماً وحرفاً وإذا سكنت لم تكن إلا حرفاً.

العنكبوت 29:66

قوله تعالى ذكره: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ وَسَخَّرَ ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ فَأَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ﴾ إلى آخر السورة أي: ولئن سألت يا محمد هؤلاء المشركين من قريش، من ابتدع السماوات والأرض وسخر الشمس والقمر لعباده يجريان دائبين لمصالح الخلق؟ ليقولن الله. ﴿فَأَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ﴾ أي: فمن أين يصرفون عن عبادة من فعل ذلك بإقرارهم، فيعبدون معه من لم يخلق شيئاً ولا يملك ضراً ولا نفعاً. * * ثم قال تعالى: ﴿ٱللَّهُ يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ﴾ أي: يوسع على من يشاء من عباده في الرزق، ويضيق على من يشاء منهم فلا تتخلفوا عن هجرة وجهاد عدوكم بخوفكم العيلة والفقر. ﴿إِنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ أي: عليم بمصالحكم فيوسع على من لا يصلحه إلا التوسع في الرزق، ويضيق على من لا يصلحه إلا الضيق في الرزق. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّن نَّزَّلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَأَحْيَا بِهِ ٱلأَرْضَ مِن بَعْدِ مَوْتِهَا﴾. أي: ولئن: سألت يا محمد هؤلاء المشركين من قريش عَنْ مَنْ نزّل من السماء مطراً فأحيا بذلك المطر الأرض بعد جدوبها وقحطها ﴿لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ﴾، فقل يا محمد: ﴿ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ﴾، أي: على نعمه. ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ﴾ أي: لا يعقلون ما لهم فيه النفع من أمر دينهم وما لهم فيه الضرر. * * ثم قال تعالى: ﴿وَمَا هَـٰذِهِ ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَآ إِلاَّ لَهْوٌ وَلَعِبٌ﴾ أي: ما يتمتع به هؤلاء المشركون في الدنيا إلا تعليل النفوس بما تلتذ به، ثم ينقضي ويضمحل عن قليل، فهو اللهو واللعب الزائل من ساعته. * * ثم قال تعالى: ﴿وَإِنَّ ٱلدَّارَ ٱلآخِرَةَ لَهِيَ ٱلْحَيَوَانُ﴾ أي: لفيها الحياة الدائمة والنعيم المقيم الذي لا أنقطاع له. والحياة والحيوان واحد، يقال نهر الحيوان ونهر الحياة، وأصل الحيوان: الحييان ثم أبدلوا من إحدى الياءين واواً ومثله حيوة أصله حيية. ثم أبدل. ويقال حييت حياً كعييت عياً. فالحي المصدر، والحيوان والحياة اسمان. قال العجاج : "وقد نَرَى إذِ الحياةُ حييّ". يريد: إذِ الحياة حياة". وقد قيل: إن الحيي جمع على فِعُول كعِصي. * * ثم قال تعالى: ﴿فَإِذَا رَكِبُواْ فِي ٱلْفُلْكِ دَعَوُاْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ﴾ أي: فإذا ركب هؤلاء المشركون في السفينة في البحر فخافوا الغرق والهلاك أخلصوا لله الدعاء، وتركوا آلهتهم التي يعبدون. ﴿فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى ٱلْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ أي: يعبدون مع الله غيره. * * ثم قال تعالى: ﴿لِيَكْفُرُواْ بِمَآ آتَيْنَاهُمْ﴾. أي: لما نجاهم الله من الغرق إلى البَرِّ عبدوا غيره ليجحدوا نعمه عليهم. فاللام لام كي لأنها شرط لقوله ﴿إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾. * * ثم قال: ﴿وَلِيَتَمَتَّعُواْ فَسَوْفَ يَعلَمُونَ﴾. هذه اللام لام الأمر، فمن كسر لم يعتد بالواو وجعلها كالمبتدأ بها. ومن أسكن أعتد بالواو. ويحسن أن تكون عند من كسر، لام كي عطف على ﴿لِيَكْفُرُواْ﴾ والأحسن أن تكون لام أمر لأن الكلام فيه معنى التهديد، فالأمر به أولى ليكون وعيد وتهدد يعقبه وعيد وتهدد. وأيضاً فإن تمتعهم بدنياهم ليس من شرط قوله: ﴿إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ إذا لم يشركوا ليتمتعوا، إنما أشركوا ليكفروا. فأما من أسكن اللام، فلا يجوز إلا أن تكون لام أمر لأن لام كي لا تسكن، إذ قد حذف معها أن، فلا يحسن حذف حركتها، فيجتمع في الكلمة حذفان وفي حرف أبي: ﴿وَلِيَتَمَتَّعُواْ﴾، بغير لام، فهذا يدل على التهدد والوعيد. * * ثم قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا جَعَلْنَا حَرَماً آمِناً﴾ أي: ألم ير هؤلاء المشركون من قريش، ما خصصناهم به من النعم عليهم دون سائر الخلق إذ جعلنا بلدهم محرماً على الناس أن يدخلوه بغارة أو حرب، يأمن فيه من سكنه وآوى إليه من السِّبَاءِ والخوف والجذام. ﴿وَيُتَخَطَّفُ ٱلنَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾ أي: ويستلب الناس من حولهم قتلاً وسبياً. ﴿أَفَبِٱلْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ﴾ أي: بالشرك بالله يقرون، وبنعمة الله التي خصهم بها يكفرون، أي: يجحدون. * * ثم قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً﴾ أي: لا أحد أظلم ممن أختلف الكذب على الله، فقال إذا فعل فاحشة: الله أمرنا بها. ﴿أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْكَافِرِينَ﴾ أي: منزلاً ومسكناً لمن كفر بالله وجحد نعمه عليه. وهو تقرير وتوبيخ ووعيد. * * ثم قال تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ جَاهَدُواْ فِينَا﴾ أي: والذين قاتلوا المشركين في نصر دين الله، ﴿لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ أي: لنوفقهم لاصابة الحق والطريق المستقيم، وهو الاسلام. ﴿وَإِنَّ ٱللَّهَ لَمَعَ ٱلْمُحْسِنِينَ﴾ أي: من أحسن فجاهد أعداء الله. ومع هنا حرف، ويجوز أن تكون اسماً، وهي إذا فتحت حسن أن تكون اسماً وحرفاً وإذا سكنت لم تكن إلا حرفاً.

العنكبوت 29:67

قوله تعالى ذكره: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ وَسَخَّرَ ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ فَأَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ﴾ إلى آخر السورة أي: ولئن سألت يا محمد هؤلاء المشركين من قريش، من ابتدع السماوات والأرض وسخر الشمس والقمر لعباده يجريان دائبين لمصالح الخلق؟ ليقولن الله. ﴿فَأَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ﴾ أي: فمن أين يصرفون عن عبادة من فعل ذلك بإقرارهم، فيعبدون معه من لم يخلق شيئاً ولا يملك ضراً ولا نفعاً. * * ثم قال تعالى: ﴿ٱللَّهُ يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ﴾ أي: يوسع على من يشاء من عباده في الرزق، ويضيق على من يشاء منهم فلا تتخلفوا عن هجرة وجهاد عدوكم بخوفكم العيلة والفقر. ﴿إِنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ أي: عليم بمصالحكم فيوسع على من لا يصلحه إلا التوسع في الرزق، ويضيق على من لا يصلحه إلا الضيق في الرزق. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّن نَّزَّلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَأَحْيَا بِهِ ٱلأَرْضَ مِن بَعْدِ مَوْتِهَا﴾. أي: ولئن: سألت يا محمد هؤلاء المشركين من قريش عَنْ مَنْ نزّل من السماء مطراً فأحيا بذلك المطر الأرض بعد جدوبها وقحطها ﴿لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ﴾، فقل يا محمد: ﴿ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ﴾، أي: على نعمه. ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ﴾ أي: لا يعقلون ما لهم فيه النفع من أمر دينهم وما لهم فيه الضرر. * * ثم قال تعالى: ﴿وَمَا هَـٰذِهِ ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَآ إِلاَّ لَهْوٌ وَلَعِبٌ﴾ أي: ما يتمتع به هؤلاء المشركون في الدنيا إلا تعليل النفوس بما تلتذ به، ثم ينقضي ويضمحل عن قليل، فهو اللهو واللعب الزائل من ساعته. * * ثم قال تعالى: ﴿وَإِنَّ ٱلدَّارَ ٱلآخِرَةَ لَهِيَ ٱلْحَيَوَانُ﴾ أي: لفيها الحياة الدائمة والنعيم المقيم الذي لا أنقطاع له. والحياة والحيوان واحد، يقال نهر الحيوان ونهر الحياة، وأصل الحيوان: الحييان ثم أبدلوا من إحدى الياءين واواً ومثله حيوة أصله حيية. ثم أبدل. ويقال حييت حياً كعييت عياً. فالحي المصدر، والحيوان والحياة اسمان. قال العجاج : "وقد نَرَى إذِ الحياةُ حييّ". يريد: إذِ الحياة حياة". وقد قيل: إن الحيي جمع على فِعُول كعِصي. * * ثم قال تعالى: ﴿فَإِذَا رَكِبُواْ فِي ٱلْفُلْكِ دَعَوُاْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ﴾ أي: فإذا ركب هؤلاء المشركون في السفينة في البحر فخافوا الغرق والهلاك أخلصوا لله الدعاء، وتركوا آلهتهم التي يعبدون. ﴿فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى ٱلْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ أي: يعبدون مع الله غيره. * * ثم قال تعالى: ﴿لِيَكْفُرُواْ بِمَآ آتَيْنَاهُمْ﴾. أي: لما نجاهم الله من الغرق إلى البَرِّ عبدوا غيره ليجحدوا نعمه عليهم. فاللام لام كي لأنها شرط لقوله ﴿إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾. * * ثم قال: ﴿وَلِيَتَمَتَّعُواْ فَسَوْفَ يَعلَمُونَ﴾. هذه اللام لام الأمر، فمن كسر لم يعتد بالواو وجعلها كالمبتدأ بها. ومن أسكن أعتد بالواو. ويحسن أن تكون عند من كسر، لام كي عطف على ﴿لِيَكْفُرُواْ﴾ والأحسن أن تكون لام أمر لأن الكلام فيه معنى التهديد، فالأمر به أولى ليكون وعيد وتهدد يعقبه وعيد وتهدد. وأيضاً فإن تمتعهم بدنياهم ليس من شرط قوله: ﴿إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ إذا لم يشركوا ليتمتعوا، إنما أشركوا ليكفروا. فأما من أسكن اللام، فلا يجوز إلا أن تكون لام أمر لأن لام كي لا تسكن، إذ قد حذف معها أن، فلا يحسن حذف حركتها، فيجتمع في الكلمة حذفان وفي حرف أبي: ﴿وَلِيَتَمَتَّعُواْ﴾، بغير لام، فهذا يدل على التهدد والوعيد. * * ثم قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا جَعَلْنَا حَرَماً آمِناً﴾ أي: ألم ير هؤلاء المشركون من قريش، ما خصصناهم به من النعم عليهم دون سائر الخلق إذ جعلنا بلدهم محرماً على الناس أن يدخلوه بغارة أو حرب، يأمن فيه من سكنه وآوى إليه من السِّبَاءِ والخوف والجذام. ﴿وَيُتَخَطَّفُ ٱلنَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾ أي: ويستلب الناس من حولهم قتلاً وسبياً. ﴿أَفَبِٱلْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ﴾ أي: بالشرك بالله يقرون، وبنعمة الله التي خصهم بها يكفرون، أي: يجحدون. * * ثم قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً﴾ أي: لا أحد أظلم ممن أختلف الكذب على الله، فقال إذا فعل فاحشة: الله أمرنا بها. ﴿أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْكَافِرِينَ﴾ أي: منزلاً ومسكناً لمن كفر بالله وجحد نعمه عليه. وهو تقرير وتوبيخ ووعيد. * * ثم قال تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ جَاهَدُواْ فِينَا﴾ أي: والذين قاتلوا المشركين في نصر دين الله، ﴿لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ أي: لنوفقهم لاصابة الحق والطريق المستقيم، وهو الاسلام. ﴿وَإِنَّ ٱللَّهَ لَمَعَ ٱلْمُحْسِنِينَ﴾ أي: من أحسن فجاهد أعداء الله. ومع هنا حرف، ويجوز أن تكون اسماً، وهي إذا فتحت حسن أن تكون اسماً وحرفاً وإذا سكنت لم تكن إلا حرفاً.

العنكبوت 29:68

قوله تعالى ذكره: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ وَسَخَّرَ ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ فَأَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ﴾ إلى آخر السورة أي: ولئن سألت يا محمد هؤلاء المشركين من قريش، من ابتدع السماوات والأرض وسخر الشمس والقمر لعباده يجريان دائبين لمصالح الخلق؟ ليقولن الله. ﴿فَأَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ﴾ أي: فمن أين يصرفون عن عبادة من فعل ذلك بإقرارهم، فيعبدون معه من لم يخلق شيئاً ولا يملك ضراً ولا نفعاً. * * ثم قال تعالى: ﴿ٱللَّهُ يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ﴾ أي: يوسع على من يشاء من عباده في الرزق، ويضيق على من يشاء منهم فلا تتخلفوا عن هجرة وجهاد عدوكم بخوفكم العيلة والفقر. ﴿إِنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ أي: عليم بمصالحكم فيوسع على من لا يصلحه إلا التوسع في الرزق، ويضيق على من لا يصلحه إلا الضيق في الرزق. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّن نَّزَّلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَأَحْيَا بِهِ ٱلأَرْضَ مِن بَعْدِ مَوْتِهَا﴾. أي: ولئن: سألت يا محمد هؤلاء المشركين من قريش عَنْ مَنْ نزّل من السماء مطراً فأحيا بذلك المطر الأرض بعد جدوبها وقحطها ﴿لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ﴾، فقل يا محمد: ﴿ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ﴾، أي: على نعمه. ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ﴾ أي: لا يعقلون ما لهم فيه النفع من أمر دينهم وما لهم فيه الضرر. * * ثم قال تعالى: ﴿وَمَا هَـٰذِهِ ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَآ إِلاَّ لَهْوٌ وَلَعِبٌ﴾ أي: ما يتمتع به هؤلاء المشركون في الدنيا إلا تعليل النفوس بما تلتذ به، ثم ينقضي ويضمحل عن قليل، فهو اللهو واللعب الزائل من ساعته. * * ثم قال تعالى: ﴿وَإِنَّ ٱلدَّارَ ٱلآخِرَةَ لَهِيَ ٱلْحَيَوَانُ﴾ أي: لفيها الحياة الدائمة والنعيم المقيم الذي لا أنقطاع له. والحياة والحيوان واحد، يقال نهر الحيوان ونهر الحياة، وأصل الحيوان: الحييان ثم أبدلوا من إحدى الياءين واواً ومثله حيوة أصله حيية. ثم أبدل. ويقال حييت حياً كعييت عياً. فالحي المصدر، والحيوان والحياة اسمان. قال العجاج : "وقد نَرَى إذِ الحياةُ حييّ". يريد: إذِ الحياة حياة". وقد قيل: إن الحيي جمع على فِعُول كعِصي. * * ثم قال تعالى: ﴿فَإِذَا رَكِبُواْ فِي ٱلْفُلْكِ دَعَوُاْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ﴾ أي: فإذا ركب هؤلاء المشركون في السفينة في البحر فخافوا الغرق والهلاك أخلصوا لله الدعاء، وتركوا آلهتهم التي يعبدون. ﴿فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى ٱلْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ أي: يعبدون مع الله غيره. * * ثم قال تعالى: ﴿لِيَكْفُرُواْ بِمَآ آتَيْنَاهُمْ﴾. أي: لما نجاهم الله من الغرق إلى البَرِّ عبدوا غيره ليجحدوا نعمه عليهم. فاللام لام كي لأنها شرط لقوله ﴿إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾. * * ثم قال: ﴿وَلِيَتَمَتَّعُواْ فَسَوْفَ يَعلَمُونَ﴾. هذه اللام لام الأمر، فمن كسر لم يعتد بالواو وجعلها كالمبتدأ بها. ومن أسكن أعتد بالواو. ويحسن أن تكون عند من كسر، لام كي عطف على ﴿لِيَكْفُرُواْ﴾ والأحسن أن تكون لام أمر لأن الكلام فيه معنى التهديد، فالأمر به أولى ليكون وعيد وتهدد يعقبه وعيد وتهدد. وأيضاً فإن تمتعهم بدنياهم ليس من شرط قوله: ﴿إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ إذا لم يشركوا ليتمتعوا، إنما أشركوا ليكفروا. فأما من أسكن اللام، فلا يجوز إلا أن تكون لام أمر لأن لام كي لا تسكن، إذ قد حذف معها أن، فلا يحسن حذف حركتها، فيجتمع في الكلمة حذفان وفي حرف أبي: ﴿وَلِيَتَمَتَّعُواْ﴾، بغير لام، فهذا يدل على التهدد والوعيد. * * ثم قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا جَعَلْنَا حَرَماً آمِناً﴾ أي: ألم ير هؤلاء المشركون من قريش، ما خصصناهم به من النعم عليهم دون سائر الخلق إذ جعلنا بلدهم محرماً على الناس أن يدخلوه بغارة أو حرب، يأمن فيه من سكنه وآوى إليه من السِّبَاءِ والخوف والجذام. ﴿وَيُتَخَطَّفُ ٱلنَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾ أي: ويستلب الناس من حولهم قتلاً وسبياً. ﴿أَفَبِٱلْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ﴾ أي: بالشرك بالله يقرون، وبنعمة الله التي خصهم بها يكفرون، أي: يجحدون. * * ثم قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً﴾ أي: لا أحد أظلم ممن أختلف الكذب على الله، فقال إذا فعل فاحشة: الله أمرنا بها. ﴿أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْكَافِرِينَ﴾ أي: منزلاً ومسكناً لمن كفر بالله وجحد نعمه عليه. وهو تقرير وتوبيخ ووعيد. * * ثم قال تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ جَاهَدُواْ فِينَا﴾ أي: والذين قاتلوا المشركين في نصر دين الله، ﴿لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ أي: لنوفقهم لاصابة الحق والطريق المستقيم، وهو الاسلام. ﴿وَإِنَّ ٱللَّهَ لَمَعَ ٱلْمُحْسِنِينَ﴾ أي: من أحسن فجاهد أعداء الله. ومع هنا حرف، ويجوز أن تكون اسماً، وهي إذا فتحت حسن أن تكون اسماً وحرفاً وإذا سكنت لم تكن إلا حرفاً.

العنكبوت 29:69

قوله تعالى ذكره: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ وَسَخَّرَ ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ فَأَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ﴾ إلى آخر السورة أي: ولئن سألت يا محمد هؤلاء المشركين من قريش، من ابتدع السماوات والأرض وسخر الشمس والقمر لعباده يجريان دائبين لمصالح الخلق؟ ليقولن الله. ﴿فَأَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ﴾ أي: فمن أين يصرفون عن عبادة من فعل ذلك بإقرارهم، فيعبدون معه من لم يخلق شيئاً ولا يملك ضراً ولا نفعاً. * * ثم قال تعالى: ﴿ٱللَّهُ يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ﴾ أي: يوسع على من يشاء من عباده في الرزق، ويضيق على من يشاء منهم فلا تتخلفوا عن هجرة وجهاد عدوكم بخوفكم العيلة والفقر. ﴿إِنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ أي: عليم بمصالحكم فيوسع على من لا يصلحه إلا التوسع في الرزق، ويضيق على من لا يصلحه إلا الضيق في الرزق. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّن نَّزَّلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَأَحْيَا بِهِ ٱلأَرْضَ مِن بَعْدِ مَوْتِهَا﴾. أي: ولئن: سألت يا محمد هؤلاء المشركين من قريش عَنْ مَنْ نزّل من السماء مطراً فأحيا بذلك المطر الأرض بعد جدوبها وقحطها ﴿لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ﴾، فقل يا محمد: ﴿ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ﴾، أي: على نعمه. ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ﴾ أي: لا يعقلون ما لهم فيه النفع من أمر دينهم وما لهم فيه الضرر. * * ثم قال تعالى: ﴿وَمَا هَـٰذِهِ ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَآ إِلاَّ لَهْوٌ وَلَعِبٌ﴾ أي: ما يتمتع به هؤلاء المشركون في الدنيا إلا تعليل النفوس بما تلتذ به، ثم ينقضي ويضمحل عن قليل، فهو اللهو واللعب الزائل من ساعته. * * ثم قال تعالى: ﴿وَإِنَّ ٱلدَّارَ ٱلآخِرَةَ لَهِيَ ٱلْحَيَوَانُ﴾ أي: لفيها الحياة الدائمة والنعيم المقيم الذي لا أنقطاع له. والحياة والحيوان واحد، يقال نهر الحيوان ونهر الحياة، وأصل الحيوان: الحييان ثم أبدلوا من إحدى الياءين واواً ومثله حيوة أصله حيية. ثم أبدل. ويقال حييت حياً كعييت عياً. فالحي المصدر، والحيوان والحياة اسمان. قال العجاج : "وقد نَرَى إذِ الحياةُ حييّ". يريد: إذِ الحياة حياة". وقد قيل: إن الحيي جمع على فِعُول كعِصي. * * ثم قال تعالى: ﴿فَإِذَا رَكِبُواْ فِي ٱلْفُلْكِ دَعَوُاْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ﴾ أي: فإذا ركب هؤلاء المشركون في السفينة في البحر فخافوا الغرق والهلاك أخلصوا لله الدعاء، وتركوا آلهتهم التي يعبدون. ﴿فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى ٱلْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ أي: يعبدون مع الله غيره. * * ثم قال تعالى: ﴿لِيَكْفُرُواْ بِمَآ آتَيْنَاهُمْ﴾. أي: لما نجاهم الله من الغرق إلى البَرِّ عبدوا غيره ليجحدوا نعمه عليهم. فاللام لام كي لأنها شرط لقوله ﴿إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾. * * ثم قال: ﴿وَلِيَتَمَتَّعُواْ فَسَوْفَ يَعلَمُونَ﴾. هذه اللام لام الأمر، فمن كسر لم يعتد بالواو وجعلها كالمبتدأ بها. ومن أسكن أعتد بالواو. ويحسن أن تكون عند من كسر، لام كي عطف على ﴿لِيَكْفُرُواْ﴾ والأحسن أن تكون لام أمر لأن الكلام فيه معنى التهديد، فالأمر به أولى ليكون وعيد وتهدد يعقبه وعيد وتهدد. وأيضاً فإن تمتعهم بدنياهم ليس من شرط قوله: ﴿إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ إذا لم يشركوا ليتمتعوا، إنما أشركوا ليكفروا. فأما من أسكن اللام، فلا يجوز إلا أن تكون لام أمر لأن لام كي لا تسكن، إذ قد حذف معها أن، فلا يحسن حذف حركتها، فيجتمع في الكلمة حذفان وفي حرف أبي: ﴿وَلِيَتَمَتَّعُواْ﴾، بغير لام، فهذا يدل على التهدد والوعيد. * * ثم قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا جَعَلْنَا حَرَماً آمِناً﴾ أي: ألم ير هؤلاء المشركون من قريش، ما خصصناهم به من النعم عليهم دون سائر الخلق إذ جعلنا بلدهم محرماً على الناس أن يدخلوه بغارة أو حرب، يأمن فيه من سكنه وآوى إليه من السِّبَاءِ والخوف والجذام. ﴿وَيُتَخَطَّفُ ٱلنَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾ أي: ويستلب الناس من حولهم قتلاً وسبياً. ﴿أَفَبِٱلْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ﴾ أي: بالشرك بالله يقرون، وبنعمة الله التي خصهم بها يكفرون، أي: يجحدون. * * ثم قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً﴾ أي: لا أحد أظلم ممن أختلف الكذب على الله، فقال إذا فعل فاحشة: الله أمرنا بها. ﴿أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْكَافِرِينَ﴾ أي: منزلاً ومسكناً لمن كفر بالله وجحد نعمه عليه. وهو تقرير وتوبيخ ووعيد. * * ثم قال تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ جَاهَدُواْ فِينَا﴾ أي: والذين قاتلوا المشركين في نصر دين الله، ﴿لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ أي: لنوفقهم لاصابة الحق والطريق المستقيم، وهو الاسلام. ﴿وَإِنَّ ٱللَّهَ لَمَعَ ٱلْمُحْسِنِينَ﴾ أي: من أحسن فجاهد أعداء الله. ومع هنا حرف، ويجوز أن تكون اسماً، وهي إذا فتحت حسن أن تكون اسماً وحرفاً وإذا سكنت لم تكن إلا حرفاً.

الروم 30:1

قوله تعالى ذكره: ﴿الۤـمۤ * غُلِبَتِ ٱلرُّومُ * فِيۤ أَدْنَى ٱلأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ﴾ إلى قوله ﴿بِلِقَآءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ﴾ قد تقدم ذكر "ألَمَ". قال الفراء: في قوله "غَلَبِهِمْ": الأصل غَلَبَتِهِم ثم حذفت التاء كما حذفت من "وإِقَامِ الصّلوَةِ" والأصل وإقامة الصلاة وهذا غلط عند البصريين لأن التاء في وإقامة عوض من الحذف الذي وقع في المصدر لأن أصله إِقْوَام مثل إكرام ثم أُعِلَّ وحذف، فدخلت التاء عوضاً من المحذوف. وليس في غلبهم حذف فيجب أن يكون أصله التاء، يقال غلبته غَلَباً حكاه الأصمعي وغيره. وسنين جَمعٌ مُسَلّم أتى فيما لا يعقل على الشذوذ. وقيل: جعل له الجمع المسلم عوضاً مما حذف منه. ويجوز أن يجعل الإعراب في النون كالمُكَسَّر. والأول أكثر، وكسرت السين لتدل على أنه جمع على غير بابه وأصله. والمحذوف من سنة واو، وقيل: المحذوف هاء. والمعنى غلبت فارس الروم على بيت المقدس، والروم من بعد غلب فارس لهم سيغلبون فارساً على بيت المقدس في بضع سنين. وأدنى الأرض، أي في أدنى الأرض من أرض الشام إلى فارس. وقرأ ابن عمر وأبو سعيد الخدري "غلبت" الروم بفتح الغين. وسئل ابن عمر على أي: شيء غلبت؟ فقال: على ريف الشام. والبِضْعُ عند قتادة أكثر من الثلاث ودون العشر. وعند الأخفش والفراء من دون العشرة. وعند أبي عبيد ما بين ثلاث إلى خمس. وحكى أبو زيد فتح الباء فيه. وهو مشتق من بَضَعه إذا قطعه، ومنه بَضْعةٌ من لحم. وهو يملك بُضعَ المرأة يريد أنه يملك قطع فرجها. وقال ابن عباس: "كان المسلمون يحبون أن تغلِبَ الروم لأنهم أهل كتاب، وكان المشركون يحبون أن يغلب أهل فارس لأنهم أهل أوثانكَهُمْ، فذكر المشركون ذلك لأبي بكر رضي الله عنه، فذكره أبو بكر للنبي ﷺ، فقال النبي عليه السلام: أما إنهم سَيُهْزَمُون - يعني فارساً -، فذكر ذلك أبو بكر للمشركين فقالوا أفتجعل بيننا وبينك أجلاً فإن غلبوا كان لك كذا وكذا، وإن لم يغلبوا كان لك كذا وكذا، فجعلوا بينهم وبينه أجلاً خمس سنين، فمضت ولم يغلبوا، فذكر ذلك أبو بكر للنبي عليه السلام فقال له: أفلا جعلته دون العشرة"قال أبو سعد الخدري: التقينا مع مشركي العرب يوم بدر، والتقت اليوم الروم فارساً فنصرنا الله على مشركي العرب ونصر الروم على فارس، فذلك قوله جل ذكره: * * ﴿يَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ ٱلْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ ٱللَّهِ﴾. قال ابن عباس: لقي النبي ﷺ مشركي العرب يوم التقت الروم فارساً فنصر الله أهل الكتاب على العجم. وروي أنه جرى بين أبي بكر وبين أمية بن خلف في ذلك كلام حتى وقع بينهما رهان على ثلاث قلائص إلى أجل ثلاث سنين. قال أبو بكر: إن الروم ستغلب فارساً إلى ثلاث سنين، وأنكر ذلك ابن خلف، فأتى أبو بكر النبي عليه السلام فأعلمه بما جرى بينهما فقال له النبي ﷺ: "ارجع واسْتَزِدْ في القَلائِصِ والسّنِين فَصَيّرِ الرّهَانَ إلى سَبع قلائِص وإلى سبع سنين". فكان أول رهان في الإسلام وآخره ثم حرم الله الرهان، فأخرج أبو بكر رضي الله عنه في حين عقد الرهان ثمن القلائص، وأخرج أمية بن خلف ثمن القلائص فاشتروا قلائص بنصف المال فنحروها وقسموها جزرواً وأخروا نصف المال حتى غلبت الروم فارساً فرجع ذلك إلى أبي بكر. وروي: "أنهم جعلوا الأجل ست سنين، فمضت الستُّ، والفُرسُ ظَاهِرُونَ عَلَى الرُّوم، فأخذ المشركون رهان أبي بكر وارتاب ناس كثير وفَرِحَ بذلك المشركون. فلما دخلت السنة السابعة ظهرت الروم على فارس فكَبَّرَ المسلمون تكبيرة واحدة بمكة فآمن عند ذلك خلقٌ كثيرٌ من المشركين وإنما تعلق قريش بالفرس لأنهم مثلهم في التكذيب بالبعث، وتعلق المسلمون بالروم لأنهم مثلهم في الإيمان بالبعث. وقيل: كان ذلك لأن الفرس لا كتاب لهم كالمشركين، والروم لهم كتاب كالمسلمين. وروي: أن النبي ﷺ أخبر أن الروم ستغلب فارساً، وأنكر ذلك المشركون فخاطرهم أبو بكر على ذلك، وكان الذي خاطره على ذلك أمية بن خلف الجمحي فأعلم النبي بذلك فقال النبي ﷺ لأبي بكر "ارجع فَزِد في الخَطِر وَالأَجَلِ"ففعل. وضمن أبا بكر عن الخطر ولده عبد الرحمن وضمن أمية بن خلف صفوان ابن أمية، فغلبت الروم فارساً على بيت المقدس، وأخذ الخطر من قريش. قال ابن مسعود "خَمس" قَد مَضَينَ: الدخان واللّزَام والبطشة والقمرُ والرومُ". قال عكرمة: اقتتل الروم وفارس في أدنى الأرض، وأدنى الأرض يومئذ أذْرِعَات بها التقوا، فهزمت الروم فبلغ ذلك النبي ﷺ وأصحابه وهم بمكة فشق ذلك عليهم وكان النبي ﷺ يكره أن يظهر الأميون من المجوس على أهل الكتاب من الروم. وفرح الكفار بمكة فلقوا المؤمنين من أصحاب النبي فقالوا لهم: إنكم أهل كتاب والنصارى أهل كتاب، ونحن أميون وقد ظهر إخواننا من أهل فارس على إخوانكم من أهل الكتاب، وإنكم إن واثبتمونا لنظهرن عليكم، فأنزل الله جل ذكره: ﴿الۤـمۤ * غُلِبَتِ ٱلرُّومُ﴾ الآيات، فخرج أبو بكر إلى الكفار فقال: أفرحتم بظهور إخوانكم الكفار على إخواننا، فلا تفرحوا ولا يقرن الله أعينكم، فوالله لتظهرن الروم على فارس، أخبرنا به نبينا ﷺ، فقال أبي بن خلف: كذبت يا أبا فصيل. فقال أبو بكر: أنت أكذب يا عدو الله، فقال: أناحِبُكَ عشر قلائص مني وعشر قلائص منك، فإن ظهرت الروم على فارس غرمتُ، وإن ظهرت فارس على الروم غرمتَ إلى ثلاث سنين، فجاء أبو بكر إلى النبي ﷺ فأخبره فقال: ما هكذا ذَكَرتُ إِنَّما البِضعُ مَا بَينَ الثَّلاثِ إلى التِّسعِ فَزَايِدْهُ فِي الخَطَرِ وَمَادَّهُ فِي الأَجَلِ "فخرج أبو بكر فلقي أُبَيَّا فقال: لعلك ندمت فقال: لا تعال - أزايدك في الخطر وأمادك في الأجل فأجعلها مائة قلوص بمائة قلوص إلى تسع سنين، قال: قد فعلت قال قتادة وذلك قبل أن ينهي عن القمار. وقال قتادة: فغلبت الروم فارساً عند رأس التسع سنين. وكان قد تم الأجل وطلب المشركون قمارهم فزايدهم المسلمون في القمار ومادوهم في الأجل، فغلبت الروم. وكان ذلك من دلائل نبوة محمد ﷺ لأنه أخبرهم عما يكون قبل أن يكون بسنين على ما أوحى الله إليه وأعلمه. فكان في ذلك دلالة على صدقه فيما يأتي به وما يقول من أمور الغيب وغيرها، وهذا إنما كان قبل أن تُحَرَّمَ المخاطرة، فأما الآن فقد حَرَّمَ ذلك النبي ﷺ فلا تجوز المخاطرة لأنها من أكل الأموال بالباطل. وقوله تعالى: ﴿لِلَّهِ ٱلأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ﴾. أي: من قبل غلبة الروم فارس ومن بعد غلبة فارس الروم، يقضي ما شاء في خلقه. * * وقوله: ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ ٱلْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ ٱللَّهِ﴾ أي: يوم ستغلب الروم فارساً يفرح المؤمنون بنصر الله، لأن في ذلك، دليلاً على صحة نبوة من أخبرهم بغلبة الروم فارساً في بضع سنين، ولأن فيه ظفراً بالمشركين إذ كانوا يكرهون أن تغلب الروم فارساً. * * ثم قال: ﴿وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ﴾ أي: الشديد في انتقامه من أعدائه. ﴿ٱلرَّحِيمُ﴾ بمن ناب من خلقه وراجع طاعته. ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَعْدَ ٱللَّهِ لاَ يُخْلِفُ ٱللَّهُ وَعْدَهُ﴾ أي: وعد الله المؤمنين وعداً أن تغلب الروم فارساً، فلا يخلف الله وعده. ﴿وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ أي: أكثر قريش لا يعلمون أن الله سينجز المؤمنين ما وعدهم من غلبة الروم فارساً وأنه لا خلف في وعده. * * ثم قال تعالى: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِّنَ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا﴾ أي: يعلم هؤلاء المشركون أمر معاشهم وما يصلحهم في الدنيا وتدبير ذلك، وهم في غفلة عن أمر آخرتهم وما فيه النجاة من عذاب الله. قال ابن عباس: المعنى يعلمون متى يحصدون، ومتى يدرسون، ومتى يزرعون. وقال الحسن. وقال عكرمة: هم الخرازون والسراجون. وقيل: ما يزيدهم من الكذب على ما تأتيهم به الشياطين من استراق السمع. وقيل الظاهر هنا الباطل كما قال تعالى ﴿أَم بِظَاهِرٍ مِّنَ ٱلْقَوْلِ﴾ [الرعد: ٣٣] أي: باطل وقيل: الظاهر البادي. * * ثم قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُواْ فِيۤ أَنفُسِهِمْ مَّا خَلَقَ ٱللَّهُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَآ إِلاَّ بِٱلْحَقِّ﴾. أي: أولم يتفكر هؤلاء المكذبون بالبعث في (خلق) أنفسهم وأنهم لم يكونوا شيئاً، ثم صاروا رجالاً، وينظروا في لطف الصنع وإحكام تدبير خلقهم فيدل ذلك على توحيد الله، وعلى أنه ما خلق السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق، فيعلموا أن الذي فعل ذلك يقدر على أن يعيدهم بعد إفنائهم خلقاً جديداً، فيجازيهم بأعمالهم. وقوله ﴿إِلاَّ بِٱلْحَقِّ﴾ أي: بالعدل وإقامة الحق. ﴿وَأَجَلٍ مُّسَمًّى﴾ أي: مؤقت معلوم عنده، فإذا بلغ آخره أفنى ما أراد منه، وبدل الأرض غير الأرض والسماوات، وبعث الأموات فبرزوا لله جميعاً. ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَإِنَّ كَثِيراً مِّنَ ٱلنَّاسِ بِلِقَآءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ﴾. أي: لجاحدون منكرون البعث بعد الموت والجزاء على الأعمال، غفلة منهم وتفريطاً في أمر معادهم. قوله تعالى ذكره: ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُواْ فِيۤ أَنفُسِهِمْ﴾. "في أنفسهم" ظرف للتفكر، وليس بمفعول به للتفكر تعدى إليه بحرف جر. فالمعنى: أولم يتفكروا في أنفسهم فيعلموا أن ما تقدم ذكره حق. أي: يُسِرُّوا التَّفَكُّرَ وينصفوا من أنفسهم. لم يؤمروا أن يتفكروا في خلق أنفسهم إنما أمروا أن يُسِرّوا التفكر في أنفسهم فهما معنيان. وفي أنفسهم: تمام الكلام. وقيل: بل ما بعده متصل به أي: يُسِرُّوا التفكر في أنفسهم أن ما خلق الله السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق. فأن مضمرة كما قال: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ ٱلْبَرْقَ﴾ [الروم: ٢٤] أي: أن يريكم، وكما قال: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ﴾ [الروم: ٢٢] أي: أن خلق السماوات.

الروم 30:2

قوله تعالى ذكره: ﴿الۤـمۤ * غُلِبَتِ ٱلرُّومُ * فِيۤ أَدْنَى ٱلأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ﴾ إلى قوله ﴿بِلِقَآءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ﴾ قد تقدم ذكر "ألَمَ". قال الفراء: في قوله "غَلَبِهِمْ": الأصل غَلَبَتِهِم ثم حذفت التاء كما حذفت من "وإِقَامِ الصّلوَةِ" والأصل وإقامة الصلاة وهذا غلط عند البصريين لأن التاء في وإقامة عوض من الحذف الذي وقع في المصدر لأن أصله إِقْوَام مثل إكرام ثم أُعِلَّ وحذف، فدخلت التاء عوضاً من المحذوف. وليس في غلبهم حذف فيجب أن يكون أصله التاء، يقال غلبته غَلَباً حكاه الأصمعي وغيره. وسنين جَمعٌ مُسَلّم أتى فيما لا يعقل على الشذوذ. وقيل: جعل له الجمع المسلم عوضاً مما حذف منه. ويجوز أن يجعل الإعراب في النون كالمُكَسَّر. والأول أكثر، وكسرت السين لتدل على أنه جمع على غير بابه وأصله. والمحذوف من سنة واو، وقيل: المحذوف هاء. والمعنى غلبت فارس الروم على بيت المقدس، والروم من بعد غلب فارس لهم سيغلبون فارساً على بيت المقدس في بضع سنين. وأدنى الأرض، أي في أدنى الأرض من أرض الشام إلى فارس. وقرأ ابن عمر وأبو سعيد الخدري "غلبت" الروم بفتح الغين. وسئل ابن عمر على أي: شيء غلبت؟ فقال: على ريف الشام. والبِضْعُ عند قتادة أكثر من الثلاث ودون العشر. وعند الأخفش والفراء من دون العشرة. وعند أبي عبيد ما بين ثلاث إلى خمس. وحكى أبو زيد فتح الباء فيه. وهو مشتق من بَضَعه إذا قطعه، ومنه بَضْعةٌ من لحم. وهو يملك بُضعَ المرأة يريد أنه يملك قطع فرجها. وقال ابن عباس: "كان المسلمون يحبون أن تغلِبَ الروم لأنهم أهل كتاب، وكان المشركون يحبون أن يغلب أهل فارس لأنهم أهل أوثانكَهُمْ، فذكر المشركون ذلك لأبي بكر رضي الله عنه، فذكره أبو بكر للنبي ﷺ، فقال النبي عليه السلام: أما إنهم سَيُهْزَمُون - يعني فارساً -، فذكر ذلك أبو بكر للمشركين فقالوا أفتجعل بيننا وبينك أجلاً فإن غلبوا كان لك كذا وكذا، وإن لم يغلبوا كان لك كذا وكذا، فجعلوا بينهم وبينه أجلاً خمس سنين، فمضت ولم يغلبوا، فذكر ذلك أبو بكر للنبي عليه السلام فقال له: أفلا جعلته دون العشرة"قال أبو سعد الخدري: التقينا مع مشركي العرب يوم بدر، والتقت اليوم الروم فارساً فنصرنا الله على مشركي العرب ونصر الروم على فارس، فذلك قوله جل ذكره: * * ﴿يَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ ٱلْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ ٱللَّهِ﴾. قال ابن عباس: لقي النبي ﷺ مشركي العرب يوم التقت الروم فارساً فنصر الله أهل الكتاب على العجم. وروي أنه جرى بين أبي بكر وبين أمية بن خلف في ذلك كلام حتى وقع بينهما رهان على ثلاث قلائص إلى أجل ثلاث سنين. قال أبو بكر: إن الروم ستغلب فارساً إلى ثلاث سنين، وأنكر ذلك ابن خلف، فأتى أبو بكر النبي عليه السلام فأعلمه بما جرى بينهما فقال له النبي ﷺ: "ارجع واسْتَزِدْ في القَلائِصِ والسّنِين فَصَيّرِ الرّهَانَ إلى سَبع قلائِص وإلى سبع سنين". فكان أول رهان في الإسلام وآخره ثم حرم الله الرهان، فأخرج أبو بكر رضي الله عنه في حين عقد الرهان ثمن القلائص، وأخرج أمية بن خلف ثمن القلائص فاشتروا قلائص بنصف المال فنحروها وقسموها جزرواً وأخروا نصف المال حتى غلبت الروم فارساً فرجع ذلك إلى أبي بكر. وروي: "أنهم جعلوا الأجل ست سنين، فمضت الستُّ، والفُرسُ ظَاهِرُونَ عَلَى الرُّوم، فأخذ المشركون رهان أبي بكر وارتاب ناس كثير وفَرِحَ بذلك المشركون. فلما دخلت السنة السابعة ظهرت الروم على فارس فكَبَّرَ المسلمون تكبيرة واحدة بمكة فآمن عند ذلك خلقٌ كثيرٌ من المشركين وإنما تعلق قريش بالفرس لأنهم مثلهم في التكذيب بالبعث، وتعلق المسلمون بالروم لأنهم مثلهم في الإيمان بالبعث. وقيل: كان ذلك لأن الفرس لا كتاب لهم كالمشركين، والروم لهم كتاب كالمسلمين. وروي: أن النبي ﷺ أخبر أن الروم ستغلب فارساً، وأنكر ذلك المشركون فخاطرهم أبو بكر على ذلك، وكان الذي خاطره على ذلك أمية بن خلف الجمحي فأعلم النبي بذلك فقال النبي ﷺ لأبي بكر "ارجع فَزِد في الخَطِر وَالأَجَلِ"ففعل. وضمن أبا بكر عن الخطر ولده عبد الرحمن وضمن أمية بن خلف صفوان ابن أمية، فغلبت الروم فارساً على بيت المقدس، وأخذ الخطر من قريش. قال ابن مسعود "خَمس" قَد مَضَينَ: الدخان واللّزَام والبطشة والقمرُ والرومُ". قال عكرمة: اقتتل الروم وفارس في أدنى الأرض، وأدنى الأرض يومئذ أذْرِعَات بها التقوا، فهزمت الروم فبلغ ذلك النبي ﷺ وأصحابه وهم بمكة فشق ذلك عليهم وكان النبي ﷺ يكره أن يظهر الأميون من المجوس على أهل الكتاب من الروم. وفرح الكفار بمكة فلقوا المؤمنين من أصحاب النبي فقالوا لهم: إنكم أهل كتاب والنصارى أهل كتاب، ونحن أميون وقد ظهر إخواننا من أهل فارس على إخوانكم من أهل الكتاب، وإنكم إن واثبتمونا لنظهرن عليكم، فأنزل الله جل ذكره: ﴿الۤـمۤ * غُلِبَتِ ٱلرُّومُ﴾ الآيات، فخرج أبو بكر إلى الكفار فقال: أفرحتم بظهور إخوانكم الكفار على إخواننا، فلا تفرحوا ولا يقرن الله أعينكم، فوالله لتظهرن الروم على فارس، أخبرنا به نبينا ﷺ، فقال أبي بن خلف: كذبت يا أبا فصيل. فقال أبو بكر: أنت أكذب يا عدو الله، فقال: أناحِبُكَ عشر قلائص مني وعشر قلائص منك، فإن ظهرت الروم على فارس غرمتُ، وإن ظهرت فارس على الروم غرمتَ إلى ثلاث سنين، فجاء أبو بكر إلى النبي ﷺ فأخبره فقال: ما هكذا ذَكَرتُ إِنَّما البِضعُ مَا بَينَ الثَّلاثِ إلى التِّسعِ فَزَايِدْهُ فِي الخَطَرِ وَمَادَّهُ فِي الأَجَلِ "فخرج أبو بكر فلقي أُبَيَّا فقال: لعلك ندمت فقال: لا تعال - أزايدك في الخطر وأمادك في الأجل فأجعلها مائة قلوص بمائة قلوص إلى تسع سنين، قال: قد فعلت قال قتادة وذلك قبل أن ينهي عن القمار. وقال قتادة: فغلبت الروم فارساً عند رأس التسع سنين. وكان قد تم الأجل وطلب المشركون قمارهم فزايدهم المسلمون في القمار ومادوهم في الأجل، فغلبت الروم. وكان ذلك من دلائل نبوة محمد ﷺ لأنه أخبرهم عما يكون قبل أن يكون بسنين على ما أوحى الله إليه وأعلمه. فكان في ذلك دلالة على صدقه فيما يأتي به وما يقول من أمور الغيب وغيرها، وهذا إنما كان قبل أن تُحَرَّمَ المخاطرة، فأما الآن فقد حَرَّمَ ذلك النبي ﷺ فلا تجوز المخاطرة لأنها من أكل الأموال بالباطل. وقوله تعالى: ﴿لِلَّهِ ٱلأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ﴾. أي: من قبل غلبة الروم فارس ومن بعد غلبة فارس الروم، يقضي ما شاء في خلقه. * * وقوله: ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ ٱلْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ ٱللَّهِ﴾ أي: يوم ستغلب الروم فارساً يفرح المؤمنون بنصر الله، لأن في ذلك، دليلاً على صحة نبوة من أخبرهم بغلبة الروم فارساً في بضع سنين، ولأن فيه ظفراً بالمشركين إذ كانوا يكرهون أن تغلب الروم فارساً. * * ثم قال: ﴿وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ﴾ أي: الشديد في انتقامه من أعدائه. ﴿ٱلرَّحِيمُ﴾ بمن ناب من خلقه وراجع طاعته. ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَعْدَ ٱللَّهِ لاَ يُخْلِفُ ٱللَّهُ وَعْدَهُ﴾ أي: وعد الله المؤمنين وعداً أن تغلب الروم فارساً، فلا يخلف الله وعده. ﴿وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ أي: أكثر قريش لا يعلمون أن الله سينجز المؤمنين ما وعدهم من غلبة الروم فارساً وأنه لا خلف في وعده. * * ثم قال تعالى: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِّنَ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا﴾ أي: يعلم هؤلاء المشركون أمر معاشهم وما يصلحهم في الدنيا وتدبير ذلك، وهم في غفلة عن أمر آخرتهم وما فيه النجاة من عذاب الله. قال ابن عباس: المعنى يعلمون متى يحصدون، ومتى يدرسون، ومتى يزرعون. وقال الحسن. وقال عكرمة: هم الخرازون والسراجون. وقيل: ما يزيدهم من الكذب على ما تأتيهم به الشياطين من استراق السمع. وقيل الظاهر هنا الباطل كما قال تعالى ﴿أَم بِظَاهِرٍ مِّنَ ٱلْقَوْلِ﴾ [الرعد: ٣٣] أي: باطل وقيل: الظاهر البادي. * * ثم قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُواْ فِيۤ أَنفُسِهِمْ مَّا خَلَقَ ٱللَّهُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَآ إِلاَّ بِٱلْحَقِّ﴾. أي: أولم يتفكر هؤلاء المكذبون بالبعث في (خلق) أنفسهم وأنهم لم يكونوا شيئاً، ثم صاروا رجالاً، وينظروا في لطف الصنع وإحكام تدبير خلقهم فيدل ذلك على توحيد الله، وعلى أنه ما خلق السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق، فيعلموا أن الذي فعل ذلك يقدر على أن يعيدهم بعد إفنائهم خلقاً جديداً، فيجازيهم بأعمالهم. وقوله ﴿إِلاَّ بِٱلْحَقِّ﴾ أي: بالعدل وإقامة الحق. ﴿وَأَجَلٍ مُّسَمًّى﴾ أي: مؤقت معلوم عنده، فإذا بلغ آخره أفنى ما أراد منه، وبدل الأرض غير الأرض والسماوات، وبعث الأموات فبرزوا لله جميعاً. ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَإِنَّ كَثِيراً مِّنَ ٱلنَّاسِ بِلِقَآءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ﴾. أي: لجاحدون منكرون البعث بعد الموت والجزاء على الأعمال، غفلة منهم وتفريطاً في أمر معادهم. قوله تعالى ذكره: ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُواْ فِيۤ أَنفُسِهِمْ﴾. "في أنفسهم" ظرف للتفكر، وليس بمفعول به للتفكر تعدى إليه بحرف جر. فالمعنى: أولم يتفكروا في أنفسهم فيعلموا أن ما تقدم ذكره حق. أي: يُسِرُّوا التَّفَكُّرَ وينصفوا من أنفسهم. لم يؤمروا أن يتفكروا في خلق أنفسهم إنما أمروا أن يُسِرّوا التفكر في أنفسهم فهما معنيان. وفي أنفسهم: تمام الكلام. وقيل: بل ما بعده متصل به أي: يُسِرُّوا التفكر في أنفسهم أن ما خلق الله السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق. فأن مضمرة كما قال: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ ٱلْبَرْقَ﴾ [الروم: ٢٤] أي: أن يريكم، وكما قال: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ﴾ [الروم: ٢٢] أي: أن خلق السماوات.

الروم 30:3

قوله تعالى ذكره: ﴿الۤـمۤ * غُلِبَتِ ٱلرُّومُ * فِيۤ أَدْنَى ٱلأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ﴾ إلى قوله ﴿بِلِقَآءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ﴾ قد تقدم ذكر "ألَمَ". قال الفراء: في قوله "غَلَبِهِمْ": الأصل غَلَبَتِهِم ثم حذفت التاء كما حذفت من "وإِقَامِ الصّلوَةِ" والأصل وإقامة الصلاة وهذا غلط عند البصريين لأن التاء في وإقامة عوض من الحذف الذي وقع في المصدر لأن أصله إِقْوَام مثل إكرام ثم أُعِلَّ وحذف، فدخلت التاء عوضاً من المحذوف. وليس في غلبهم حذف فيجب أن يكون أصله التاء، يقال غلبته غَلَباً حكاه الأصمعي وغيره. وسنين جَمعٌ مُسَلّم أتى فيما لا يعقل على الشذوذ. وقيل: جعل له الجمع المسلم عوضاً مما حذف منه. ويجوز أن يجعل الإعراب في النون كالمُكَسَّر. والأول أكثر، وكسرت السين لتدل على أنه جمع على غير بابه وأصله. والمحذوف من سنة واو، وقيل: المحذوف هاء. والمعنى غلبت فارس الروم على بيت المقدس، والروم من بعد غلب فارس لهم سيغلبون فارساً على بيت المقدس في بضع سنين. وأدنى الأرض، أي في أدنى الأرض من أرض الشام إلى فارس. وقرأ ابن عمر وأبو سعيد الخدري "غلبت" الروم بفتح الغين. وسئل ابن عمر على أي: شيء غلبت؟ فقال: على ريف الشام. والبِضْعُ عند قتادة أكثر من الثلاث ودون العشر. وعند الأخفش والفراء من دون العشرة. وعند أبي عبيد ما بين ثلاث إلى خمس. وحكى أبو زيد فتح الباء فيه. وهو مشتق من بَضَعه إذا قطعه، ومنه بَضْعةٌ من لحم. وهو يملك بُضعَ المرأة يريد أنه يملك قطع فرجها. وقال ابن عباس: "كان المسلمون يحبون أن تغلِبَ الروم لأنهم أهل كتاب، وكان المشركون يحبون أن يغلب أهل فارس لأنهم أهل أوثانكَهُمْ، فذكر المشركون ذلك لأبي بكر رضي الله عنه، فذكره أبو بكر للنبي ﷺ، فقال النبي عليه السلام: أما إنهم سَيُهْزَمُون - يعني فارساً -، فذكر ذلك أبو بكر للمشركين فقالوا أفتجعل بيننا وبينك أجلاً فإن غلبوا كان لك كذا وكذا، وإن لم يغلبوا كان لك كذا وكذا، فجعلوا بينهم وبينه أجلاً خمس سنين، فمضت ولم يغلبوا، فذكر ذلك أبو بكر للنبي عليه السلام فقال له: أفلا جعلته دون العشرة"قال أبو سعد الخدري: التقينا مع مشركي العرب يوم بدر، والتقت اليوم الروم فارساً فنصرنا الله على مشركي العرب ونصر الروم على فارس، فذلك قوله جل ذكره: * * ﴿يَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ ٱلْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ ٱللَّهِ﴾. قال ابن عباس: لقي النبي ﷺ مشركي العرب يوم التقت الروم فارساً فنصر الله أهل الكتاب على العجم. وروي أنه جرى بين أبي بكر وبين أمية بن خلف في ذلك كلام حتى وقع بينهما رهان على ثلاث قلائص إلى أجل ثلاث سنين. قال أبو بكر: إن الروم ستغلب فارساً إلى ثلاث سنين، وأنكر ذلك ابن خلف، فأتى أبو بكر النبي عليه السلام فأعلمه بما جرى بينهما فقال له النبي ﷺ: "ارجع واسْتَزِدْ في القَلائِصِ والسّنِين فَصَيّرِ الرّهَانَ إلى سَبع قلائِص وإلى سبع سنين". فكان أول رهان في الإسلام وآخره ثم حرم الله الرهان، فأخرج أبو بكر رضي الله عنه في حين عقد الرهان ثمن القلائص، وأخرج أمية بن خلف ثمن القلائص فاشتروا قلائص بنصف المال فنحروها وقسموها جزرواً وأخروا نصف المال حتى غلبت الروم فارساً فرجع ذلك إلى أبي بكر. وروي: "أنهم جعلوا الأجل ست سنين، فمضت الستُّ، والفُرسُ ظَاهِرُونَ عَلَى الرُّوم، فأخذ المشركون رهان أبي بكر وارتاب ناس كثير وفَرِحَ بذلك المشركون. فلما دخلت السنة السابعة ظهرت الروم على فارس فكَبَّرَ المسلمون تكبيرة واحدة بمكة فآمن عند ذلك خلقٌ كثيرٌ من المشركين وإنما تعلق قريش بالفرس لأنهم مثلهم في التكذيب بالبعث، وتعلق المسلمون بالروم لأنهم مثلهم في الإيمان بالبعث. وقيل: كان ذلك لأن الفرس لا كتاب لهم كالمشركين، والروم لهم كتاب كالمسلمين. وروي: أن النبي ﷺ أخبر أن الروم ستغلب فارساً، وأنكر ذلك المشركون فخاطرهم أبو بكر على ذلك، وكان الذي خاطره على ذلك أمية بن خلف الجمحي فأعلم النبي بذلك فقال النبي ﷺ لأبي بكر "ارجع فَزِد في الخَطِر وَالأَجَلِ"ففعل. وضمن أبا بكر عن الخطر ولده عبد الرحمن وضمن أمية بن خلف صفوان ابن أمية، فغلبت الروم فارساً على بيت المقدس، وأخذ الخطر من قريش. قال ابن مسعود "خَمس" قَد مَضَينَ: الدخان واللّزَام والبطشة والقمرُ والرومُ". قال عكرمة: اقتتل الروم وفارس في أدنى الأرض، وأدنى الأرض يومئذ أذْرِعَات بها التقوا، فهزمت الروم فبلغ ذلك النبي ﷺ وأصحابه وهم بمكة فشق ذلك عليهم وكان النبي ﷺ يكره أن يظهر الأميون من المجوس على أهل الكتاب من الروم. وفرح الكفار بمكة فلقوا المؤمنين من أصحاب النبي فقالوا لهم: إنكم أهل كتاب والنصارى أهل كتاب، ونحن أميون وقد ظهر إخواننا من أهل فارس على إخوانكم من أهل الكتاب، وإنكم إن واثبتمونا لنظهرن عليكم، فأنزل الله جل ذكره: ﴿الۤـمۤ * غُلِبَتِ ٱلرُّومُ﴾ الآيات، فخرج أبو بكر إلى الكفار فقال: أفرحتم بظهور إخوانكم الكفار على إخواننا، فلا تفرحوا ولا يقرن الله أعينكم، فوالله لتظهرن الروم على فارس، أخبرنا به نبينا ﷺ، فقال أبي بن خلف: كذبت يا أبا فصيل. فقال أبو بكر: أنت أكذب يا عدو الله، فقال: أناحِبُكَ عشر قلائص مني وعشر قلائص منك، فإن ظهرت الروم على فارس غرمتُ، وإن ظهرت فارس على الروم غرمتَ إلى ثلاث سنين، فجاء أبو بكر إلى النبي ﷺ فأخبره فقال: ما هكذا ذَكَرتُ إِنَّما البِضعُ مَا بَينَ الثَّلاثِ إلى التِّسعِ فَزَايِدْهُ فِي الخَطَرِ وَمَادَّهُ فِي الأَجَلِ "فخرج أبو بكر فلقي أُبَيَّا فقال: لعلك ندمت فقال: لا تعال - أزايدك في الخطر وأمادك في الأجل فأجعلها مائة قلوص بمائة قلوص إلى تسع سنين، قال: قد فعلت قال قتادة وذلك قبل أن ينهي عن القمار. وقال قتادة: فغلبت الروم فارساً عند رأس التسع سنين. وكان قد تم الأجل وطلب المشركون قمارهم فزايدهم المسلمون في القمار ومادوهم في الأجل، فغلبت الروم. وكان ذلك من دلائل نبوة محمد ﷺ لأنه أخبرهم عما يكون قبل أن يكون بسنين على ما أوحى الله إليه وأعلمه. فكان في ذلك دلالة على صدقه فيما يأتي به وما يقول من أمور الغيب وغيرها، وهذا إنما كان قبل أن تُحَرَّمَ المخاطرة، فأما الآن فقد حَرَّمَ ذلك النبي ﷺ فلا تجوز المخاطرة لأنها من أكل الأموال بالباطل. وقوله تعالى: ﴿لِلَّهِ ٱلأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ﴾. أي: من قبل غلبة الروم فارس ومن بعد غلبة فارس الروم، يقضي ما شاء في خلقه. * * وقوله: ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ ٱلْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ ٱللَّهِ﴾ أي: يوم ستغلب الروم فارساً يفرح المؤمنون بنصر الله، لأن في ذلك، دليلاً على صحة نبوة من أخبرهم بغلبة الروم فارساً في بضع سنين، ولأن فيه ظفراً بالمشركين إذ كانوا يكرهون أن تغلب الروم فارساً. * * ثم قال: ﴿وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ﴾ أي: الشديد في انتقامه من أعدائه. ﴿ٱلرَّحِيمُ﴾ بمن ناب من خلقه وراجع طاعته. ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَعْدَ ٱللَّهِ لاَ يُخْلِفُ ٱللَّهُ وَعْدَهُ﴾ أي: وعد الله المؤمنين وعداً أن تغلب الروم فارساً، فلا يخلف الله وعده. ﴿وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ أي: أكثر قريش لا يعلمون أن الله سينجز المؤمنين ما وعدهم من غلبة الروم فارساً وأنه لا خلف في وعده. * * ثم قال تعالى: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِّنَ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا﴾ أي: يعلم هؤلاء المشركون أمر معاشهم وما يصلحهم في الدنيا وتدبير ذلك، وهم في غفلة عن أمر آخرتهم وما فيه النجاة من عذاب الله. قال ابن عباس: المعنى يعلمون متى يحصدون، ومتى يدرسون، ومتى يزرعون. وقال الحسن. وقال عكرمة: هم الخرازون والسراجون. وقيل: ما يزيدهم من الكذب على ما تأتيهم به الشياطين من استراق السمع. وقيل الظاهر هنا الباطل كما قال تعالى ﴿أَم بِظَاهِرٍ مِّنَ ٱلْقَوْلِ﴾ [الرعد: ٣٣] أي: باطل وقيل: الظاهر البادي. * * ثم قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُواْ فِيۤ أَنفُسِهِمْ مَّا خَلَقَ ٱللَّهُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَآ إِلاَّ بِٱلْحَقِّ﴾. أي: أولم يتفكر هؤلاء المكذبون بالبعث في (خلق) أنفسهم وأنهم لم يكونوا شيئاً، ثم صاروا رجالاً، وينظروا في لطف الصنع وإحكام تدبير خلقهم فيدل ذلك على توحيد الله، وعلى أنه ما خلق السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق، فيعلموا أن الذي فعل ذلك يقدر على أن يعيدهم بعد إفنائهم خلقاً جديداً، فيجازيهم بأعمالهم. وقوله ﴿إِلاَّ بِٱلْحَقِّ﴾ أي: بالعدل وإقامة الحق. ﴿وَأَجَلٍ مُّسَمًّى﴾ أي: مؤقت معلوم عنده، فإذا بلغ آخره أفنى ما أراد منه، وبدل الأرض غير الأرض والسماوات، وبعث الأموات فبرزوا لله جميعاً. ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَإِنَّ كَثِيراً مِّنَ ٱلنَّاسِ بِلِقَآءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ﴾. أي: لجاحدون منكرون البعث بعد الموت والجزاء على الأعمال، غفلة منهم وتفريطاً في أمر معادهم. قوله تعالى ذكره: ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُواْ فِيۤ أَنفُسِهِمْ﴾. "في أنفسهم" ظرف للتفكر، وليس بمفعول به للتفكر تعدى إليه بحرف جر. فالمعنى: أولم يتفكروا في أنفسهم فيعلموا أن ما تقدم ذكره حق. أي: يُسِرُّوا التَّفَكُّرَ وينصفوا من أنفسهم. لم يؤمروا أن يتفكروا في خلق أنفسهم إنما أمروا أن يُسِرّوا التفكر في أنفسهم فهما معنيان. وفي أنفسهم: تمام الكلام. وقيل: بل ما بعده متصل به أي: يُسِرُّوا التفكر في أنفسهم أن ما خلق الله السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق. فأن مضمرة كما قال: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ ٱلْبَرْقَ﴾ [الروم: ٢٤] أي: أن يريكم، وكما قال: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ﴾ [الروم: ٢٢] أي: أن خلق السماوات.

الروم 30:4

قوله تعالى ذكره: ﴿الۤـمۤ * غُلِبَتِ ٱلرُّومُ * فِيۤ أَدْنَى ٱلأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ﴾ إلى قوله ﴿بِلِقَآءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ﴾ قد تقدم ذكر "ألَمَ". قال الفراء: في قوله "غَلَبِهِمْ": الأصل غَلَبَتِهِم ثم حذفت التاء كما حذفت من "وإِقَامِ الصّلوَةِ" والأصل وإقامة الصلاة وهذا غلط عند البصريين لأن التاء في وإقامة عوض من الحذف الذي وقع في المصدر لأن أصله إِقْوَام مثل إكرام ثم أُعِلَّ وحذف، فدخلت التاء عوضاً من المحذوف. وليس في غلبهم حذف فيجب أن يكون أصله التاء، يقال غلبته غَلَباً حكاه الأصمعي وغيره. وسنين جَمعٌ مُسَلّم أتى فيما لا يعقل على الشذوذ. وقيل: جعل له الجمع المسلم عوضاً مما حذف منه. ويجوز أن يجعل الإعراب في النون كالمُكَسَّر. والأول أكثر، وكسرت السين لتدل على أنه جمع على غير بابه وأصله. والمحذوف من سنة واو، وقيل: المحذوف هاء. والمعنى غلبت فارس الروم على بيت المقدس، والروم من بعد غلب فارس لهم سيغلبون فارساً على بيت المقدس في بضع سنين. وأدنى الأرض، أي في أدنى الأرض من أرض الشام إلى فارس. وقرأ ابن عمر وأبو سعيد الخدري "غلبت" الروم بفتح الغين. وسئل ابن عمر على أي: شيء غلبت؟ فقال: على ريف الشام. والبِضْعُ عند قتادة أكثر من الثلاث ودون العشر. وعند الأخفش والفراء من دون العشرة. وعند أبي عبيد ما بين ثلاث إلى خمس. وحكى أبو زيد فتح الباء فيه. وهو مشتق من بَضَعه إذا قطعه، ومنه بَضْعةٌ من لحم. وهو يملك بُضعَ المرأة يريد أنه يملك قطع فرجها. وقال ابن عباس: "كان المسلمون يحبون أن تغلِبَ الروم لأنهم أهل كتاب، وكان المشركون يحبون أن يغلب أهل فارس لأنهم أهل أوثانكَهُمْ، فذكر المشركون ذلك لأبي بكر رضي الله عنه، فذكره أبو بكر للنبي ﷺ، فقال النبي عليه السلام: أما إنهم سَيُهْزَمُون - يعني فارساً -، فذكر ذلك أبو بكر للمشركين فقالوا أفتجعل بيننا وبينك أجلاً فإن غلبوا كان لك كذا وكذا، وإن لم يغلبوا كان لك كذا وكذا، فجعلوا بينهم وبينه أجلاً خمس سنين، فمضت ولم يغلبوا، فذكر ذلك أبو بكر للنبي عليه السلام فقال له: أفلا جعلته دون العشرة"قال أبو سعد الخدري: التقينا مع مشركي العرب يوم بدر، والتقت اليوم الروم فارساً فنصرنا الله على مشركي العرب ونصر الروم على فارس، فذلك قوله جل ذكره: * * ﴿يَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ ٱلْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ ٱللَّهِ﴾. قال ابن عباس: لقي النبي ﷺ مشركي العرب يوم التقت الروم فارساً فنصر الله أهل الكتاب على العجم. وروي أنه جرى بين أبي بكر وبين أمية بن خلف في ذلك كلام حتى وقع بينهما رهان على ثلاث قلائص إلى أجل ثلاث سنين. قال أبو بكر: إن الروم ستغلب فارساً إلى ثلاث سنين، وأنكر ذلك ابن خلف، فأتى أبو بكر النبي عليه السلام فأعلمه بما جرى بينهما فقال له النبي ﷺ: "ارجع واسْتَزِدْ في القَلائِصِ والسّنِين فَصَيّرِ الرّهَانَ إلى سَبع قلائِص وإلى سبع سنين". فكان أول رهان في الإسلام وآخره ثم حرم الله الرهان، فأخرج أبو بكر رضي الله عنه في حين عقد الرهان ثمن القلائص، وأخرج أمية بن خلف ثمن القلائص فاشتروا قلائص بنصف المال فنحروها وقسموها جزرواً وأخروا نصف المال حتى غلبت الروم فارساً فرجع ذلك إلى أبي بكر. وروي: "أنهم جعلوا الأجل ست سنين، فمضت الستُّ، والفُرسُ ظَاهِرُونَ عَلَى الرُّوم، فأخذ المشركون رهان أبي بكر وارتاب ناس كثير وفَرِحَ بذلك المشركون. فلما دخلت السنة السابعة ظهرت الروم على فارس فكَبَّرَ المسلمون تكبيرة واحدة بمكة فآمن عند ذلك خلقٌ كثيرٌ من المشركين وإنما تعلق قريش بالفرس لأنهم مثلهم في التكذيب بالبعث، وتعلق المسلمون بالروم لأنهم مثلهم في الإيمان بالبعث. وقيل: كان ذلك لأن الفرس لا كتاب لهم كالمشركين، والروم لهم كتاب كالمسلمين. وروي: أن النبي ﷺ أخبر أن الروم ستغلب فارساً، وأنكر ذلك المشركون فخاطرهم أبو بكر على ذلك، وكان الذي خاطره على ذلك أمية بن خلف الجمحي فأعلم النبي بذلك فقال النبي ﷺ لأبي بكر "ارجع فَزِد في الخَطِر وَالأَجَلِ"ففعل. وضمن أبا بكر عن الخطر ولده عبد الرحمن وضمن أمية بن خلف صفوان ابن أمية، فغلبت الروم فارساً على بيت المقدس، وأخذ الخطر من قريش. قال ابن مسعود "خَمس" قَد مَضَينَ: الدخان واللّزَام والبطشة والقمرُ والرومُ". قال عكرمة: اقتتل الروم وفارس في أدنى الأرض، وأدنى الأرض يومئذ أذْرِعَات بها التقوا، فهزمت الروم فبلغ ذلك النبي ﷺ وأصحابه وهم بمكة فشق ذلك عليهم وكان النبي ﷺ يكره أن يظهر الأميون من المجوس على أهل الكتاب من الروم. وفرح الكفار بمكة فلقوا المؤمنين من أصحاب النبي فقالوا لهم: إنكم أهل كتاب والنصارى أهل كتاب، ونحن أميون وقد ظهر إخواننا من أهل فارس على إخوانكم من أهل الكتاب، وإنكم إن واثبتمونا لنظهرن عليكم، فأنزل الله جل ذكره: ﴿الۤـمۤ * غُلِبَتِ ٱلرُّومُ﴾ الآيات، فخرج أبو بكر إلى الكفار فقال: أفرحتم بظهور إخوانكم الكفار على إخواننا، فلا تفرحوا ولا يقرن الله أعينكم، فوالله لتظهرن الروم على فارس، أخبرنا به نبينا ﷺ، فقال أبي بن خلف: كذبت يا أبا فصيل. فقال أبو بكر: أنت أكذب يا عدو الله، فقال: أناحِبُكَ عشر قلائص مني وعشر قلائص منك، فإن ظهرت الروم على فارس غرمتُ، وإن ظهرت فارس على الروم غرمتَ إلى ثلاث سنين، فجاء أبو بكر إلى النبي ﷺ فأخبره فقال: ما هكذا ذَكَرتُ إِنَّما البِضعُ مَا بَينَ الثَّلاثِ إلى التِّسعِ فَزَايِدْهُ فِي الخَطَرِ وَمَادَّهُ فِي الأَجَلِ "فخرج أبو بكر فلقي أُبَيَّا فقال: لعلك ندمت فقال: لا تعال - أزايدك في الخطر وأمادك في الأجل فأجعلها مائة قلوص بمائة قلوص إلى تسع سنين، قال: قد فعلت قال قتادة وذلك قبل أن ينهي عن القمار. وقال قتادة: فغلبت الروم فارساً عند رأس التسع سنين. وكان قد تم الأجل وطلب المشركون قمارهم فزايدهم المسلمون في القمار ومادوهم في الأجل، فغلبت الروم. وكان ذلك من دلائل نبوة محمد ﷺ لأنه أخبرهم عما يكون قبل أن يكون بسنين على ما أوحى الله إليه وأعلمه. فكان في ذلك دلالة على صدقه فيما يأتي به وما يقول من أمور الغيب وغيرها، وهذا إنما كان قبل أن تُحَرَّمَ المخاطرة، فأما الآن فقد حَرَّمَ ذلك النبي ﷺ فلا تجوز المخاطرة لأنها من أكل الأموال بالباطل. وقوله تعالى: ﴿لِلَّهِ ٱلأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ﴾. أي: من قبل غلبة الروم فارس ومن بعد غلبة فارس الروم، يقضي ما شاء في خلقه. * * وقوله: ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ ٱلْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ ٱللَّهِ﴾ أي: يوم ستغلب الروم فارساً يفرح المؤمنون بنصر الله، لأن في ذلك، دليلاً على صحة نبوة من أخبرهم بغلبة الروم فارساً في بضع سنين، ولأن فيه ظفراً بالمشركين إذ كانوا يكرهون أن تغلب الروم فارساً. * * ثم قال: ﴿وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ﴾ أي: الشديد في انتقامه من أعدائه. ﴿ٱلرَّحِيمُ﴾ بمن ناب من خلقه وراجع طاعته. ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَعْدَ ٱللَّهِ لاَ يُخْلِفُ ٱللَّهُ وَعْدَهُ﴾ أي: وعد الله المؤمنين وعداً أن تغلب الروم فارساً، فلا يخلف الله وعده. ﴿وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ أي: أكثر قريش لا يعلمون أن الله سينجز المؤمنين ما وعدهم من غلبة الروم فارساً وأنه لا خلف في وعده. * * ثم قال تعالى: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِّنَ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا﴾ أي: يعلم هؤلاء المشركون أمر معاشهم وما يصلحهم في الدنيا وتدبير ذلك، وهم في غفلة عن أمر آخرتهم وما فيه النجاة من عذاب الله. قال ابن عباس: المعنى يعلمون متى يحصدون، ومتى يدرسون، ومتى يزرعون. وقال الحسن. وقال عكرمة: هم الخرازون والسراجون. وقيل: ما يزيدهم من الكذب على ما تأتيهم به الشياطين من استراق السمع. وقيل الظاهر هنا الباطل كما قال تعالى ﴿أَم بِظَاهِرٍ مِّنَ ٱلْقَوْلِ﴾ [الرعد: ٣٣] أي: باطل وقيل: الظاهر البادي. * * ثم قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُواْ فِيۤ أَنفُسِهِمْ مَّا خَلَقَ ٱللَّهُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَآ إِلاَّ بِٱلْحَقِّ﴾. أي: أولم يتفكر هؤلاء المكذبون بالبعث في (خلق) أنفسهم وأنهم لم يكونوا شيئاً، ثم صاروا رجالاً، وينظروا في لطف الصنع وإحكام تدبير خلقهم فيدل ذلك على توحيد الله، وعلى أنه ما خلق السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق، فيعلموا أن الذي فعل ذلك يقدر على أن يعيدهم بعد إفنائهم خلقاً جديداً، فيجازيهم بأعمالهم. وقوله ﴿إِلاَّ بِٱلْحَقِّ﴾ أي: بالعدل وإقامة الحق. ﴿وَأَجَلٍ مُّسَمًّى﴾ أي: مؤقت معلوم عنده، فإذا بلغ آخره أفنى ما أراد منه، وبدل الأرض غير الأرض والسماوات، وبعث الأموات فبرزوا لله جميعاً. ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَإِنَّ كَثِيراً مِّنَ ٱلنَّاسِ بِلِقَآءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ﴾. أي: لجاحدون منكرون البعث بعد الموت والجزاء على الأعمال، غفلة منهم وتفريطاً في أمر معادهم. قوله تعالى ذكره: ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُواْ فِيۤ أَنفُسِهِمْ﴾. "في أنفسهم" ظرف للتفكر، وليس بمفعول به للتفكر تعدى إليه بحرف جر. فالمعنى: أولم يتفكروا في أنفسهم فيعلموا أن ما تقدم ذكره حق. أي: يُسِرُّوا التَّفَكُّرَ وينصفوا من أنفسهم. لم يؤمروا أن يتفكروا في خلق أنفسهم إنما أمروا أن يُسِرّوا التفكر في أنفسهم فهما معنيان. وفي أنفسهم: تمام الكلام. وقيل: بل ما بعده متصل به أي: يُسِرُّوا التفكر في أنفسهم أن ما خلق الله السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق. فأن مضمرة كما قال: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ ٱلْبَرْقَ﴾ [الروم: ٢٤] أي: أن يريكم، وكما قال: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ﴾ [الروم: ٢٢] أي: أن خلق السماوات.

الروم 30:5

قوله تعالى ذكره: ﴿الۤـمۤ * غُلِبَتِ ٱلرُّومُ * فِيۤ أَدْنَى ٱلأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ﴾ إلى قوله ﴿بِلِقَآءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ﴾ قد تقدم ذكر "ألَمَ". قال الفراء: في قوله "غَلَبِهِمْ": الأصل غَلَبَتِهِم ثم حذفت التاء كما حذفت من "وإِقَامِ الصّلوَةِ" والأصل وإقامة الصلاة وهذا غلط عند البصريين لأن التاء في وإقامة عوض من الحذف الذي وقع في المصدر لأن أصله إِقْوَام مثل إكرام ثم أُعِلَّ وحذف، فدخلت التاء عوضاً من المحذوف. وليس في غلبهم حذف فيجب أن يكون أصله التاء، يقال غلبته غَلَباً حكاه الأصمعي وغيره. وسنين جَمعٌ مُسَلّم أتى فيما لا يعقل على الشذوذ. وقيل: جعل له الجمع المسلم عوضاً مما حذف منه. ويجوز أن يجعل الإعراب في النون كالمُكَسَّر. والأول أكثر، وكسرت السين لتدل على أنه جمع على غير بابه وأصله. والمحذوف من سنة واو، وقيل: المحذوف هاء. والمعنى غلبت فارس الروم على بيت المقدس، والروم من بعد غلب فارس لهم سيغلبون فارساً على بيت المقدس في بضع سنين. وأدنى الأرض، أي في أدنى الأرض من أرض الشام إلى فارس. وقرأ ابن عمر وأبو سعيد الخدري "غلبت" الروم بفتح الغين. وسئل ابن عمر على أي: شيء غلبت؟ فقال: على ريف الشام. والبِضْعُ عند قتادة أكثر من الثلاث ودون العشر. وعند الأخفش والفراء من دون العشرة. وعند أبي عبيد ما بين ثلاث إلى خمس. وحكى أبو زيد فتح الباء فيه. وهو مشتق من بَضَعه إذا قطعه، ومنه بَضْعةٌ من لحم. وهو يملك بُضعَ المرأة يريد أنه يملك قطع فرجها. وقال ابن عباس: "كان المسلمون يحبون أن تغلِبَ الروم لأنهم أهل كتاب، وكان المشركون يحبون أن يغلب أهل فارس لأنهم أهل أوثانكَهُمْ، فذكر المشركون ذلك لأبي بكر رضي الله عنه، فذكره أبو بكر للنبي ﷺ، فقال النبي عليه السلام: أما إنهم سَيُهْزَمُون - يعني فارساً -، فذكر ذلك أبو بكر للمشركين فقالوا أفتجعل بيننا وبينك أجلاً فإن غلبوا كان لك كذا وكذا، وإن لم يغلبوا كان لك كذا وكذا، فجعلوا بينهم وبينه أجلاً خمس سنين، فمضت ولم يغلبوا، فذكر ذلك أبو بكر للنبي عليه السلام فقال له: أفلا جعلته دون العشرة"قال أبو سعد الخدري: التقينا مع مشركي العرب يوم بدر، والتقت اليوم الروم فارساً فنصرنا الله على مشركي العرب ونصر الروم على فارس، فذلك قوله جل ذكره: * * ﴿يَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ ٱلْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ ٱللَّهِ﴾. قال ابن عباس: لقي النبي ﷺ مشركي العرب يوم التقت الروم فارساً فنصر الله أهل الكتاب على العجم. وروي أنه جرى بين أبي بكر وبين أمية بن خلف في ذلك كلام حتى وقع بينهما رهان على ثلاث قلائص إلى أجل ثلاث سنين. قال أبو بكر: إن الروم ستغلب فارساً إلى ثلاث سنين، وأنكر ذلك ابن خلف، فأتى أبو بكر النبي عليه السلام فأعلمه بما جرى بينهما فقال له النبي ﷺ: "ارجع واسْتَزِدْ في القَلائِصِ والسّنِين فَصَيّرِ الرّهَانَ إلى سَبع قلائِص وإلى سبع سنين". فكان أول رهان في الإسلام وآخره ثم حرم الله الرهان، فأخرج أبو بكر رضي الله عنه في حين عقد الرهان ثمن القلائص، وأخرج أمية بن خلف ثمن القلائص فاشتروا قلائص بنصف المال فنحروها وقسموها جزرواً وأخروا نصف المال حتى غلبت الروم فارساً فرجع ذلك إلى أبي بكر. وروي: "أنهم جعلوا الأجل ست سنين، فمضت الستُّ، والفُرسُ ظَاهِرُونَ عَلَى الرُّوم، فأخذ المشركون رهان أبي بكر وارتاب ناس كثير وفَرِحَ بذلك المشركون. فلما دخلت السنة السابعة ظهرت الروم على فارس فكَبَّرَ المسلمون تكبيرة واحدة بمكة فآمن عند ذلك خلقٌ كثيرٌ من المشركين وإنما تعلق قريش بالفرس لأنهم مثلهم في التكذيب بالبعث، وتعلق المسلمون بالروم لأنهم مثلهم في الإيمان بالبعث. وقيل: كان ذلك لأن الفرس لا كتاب لهم كالمشركين، والروم لهم كتاب كالمسلمين. وروي: أن النبي ﷺ أخبر أن الروم ستغلب فارساً، وأنكر ذلك المشركون فخاطرهم أبو بكر على ذلك، وكان الذي خاطره على ذلك أمية بن خلف الجمحي فأعلم النبي بذلك فقال النبي ﷺ لأبي بكر "ارجع فَزِد في الخَطِر وَالأَجَلِ"ففعل. وضمن أبا بكر عن الخطر ولده عبد الرحمن وضمن أمية بن خلف صفوان ابن أمية، فغلبت الروم فارساً على بيت المقدس، وأخذ الخطر من قريش. قال ابن مسعود "خَمس" قَد مَضَينَ: الدخان واللّزَام والبطشة والقمرُ والرومُ". قال عكرمة: اقتتل الروم وفارس في أدنى الأرض، وأدنى الأرض يومئذ أذْرِعَات بها التقوا، فهزمت الروم فبلغ ذلك النبي ﷺ وأصحابه وهم بمكة فشق ذلك عليهم وكان النبي ﷺ يكره أن يظهر الأميون من المجوس على أهل الكتاب من الروم. وفرح الكفار بمكة فلقوا المؤمنين من أصحاب النبي فقالوا لهم: إنكم أهل كتاب والنصارى أهل كتاب، ونحن أميون وقد ظهر إخواننا من أهل فارس على إخوانكم من أهل الكتاب، وإنكم إن واثبتمونا لنظهرن عليكم، فأنزل الله جل ذكره: ﴿الۤـمۤ * غُلِبَتِ ٱلرُّومُ﴾ الآيات، فخرج أبو بكر إلى الكفار فقال: أفرحتم بظهور إخوانكم الكفار على إخواننا، فلا تفرحوا ولا يقرن الله أعينكم، فوالله لتظهرن الروم على فارس، أخبرنا به نبينا ﷺ، فقال أبي بن خلف: كذبت يا أبا فصيل. فقال أبو بكر: أنت أكذب يا عدو الله، فقال: أناحِبُكَ عشر قلائص مني وعشر قلائص منك، فإن ظهرت الروم على فارس غرمتُ، وإن ظهرت فارس على الروم غرمتَ إلى ثلاث سنين، فجاء أبو بكر إلى النبي ﷺ فأخبره فقال: ما هكذا ذَكَرتُ إِنَّما البِضعُ مَا بَينَ الثَّلاثِ إلى التِّسعِ فَزَايِدْهُ فِي الخَطَرِ وَمَادَّهُ فِي الأَجَلِ "فخرج أبو بكر فلقي أُبَيَّا فقال: لعلك ندمت فقال: لا تعال - أزايدك في الخطر وأمادك في الأجل فأجعلها مائة قلوص بمائة قلوص إلى تسع سنين، قال: قد فعلت قال قتادة وذلك قبل أن ينهي عن القمار. وقال قتادة: فغلبت الروم فارساً عند رأس التسع سنين. وكان قد تم الأجل وطلب المشركون قمارهم فزايدهم المسلمون في القمار ومادوهم في الأجل، فغلبت الروم. وكان ذلك من دلائل نبوة محمد ﷺ لأنه أخبرهم عما يكون قبل أن يكون بسنين على ما أوحى الله إليه وأعلمه. فكان في ذلك دلالة على صدقه فيما يأتي به وما يقول من أمور الغيب وغيرها، وهذا إنما كان قبل أن تُحَرَّمَ المخاطرة، فأما الآن فقد حَرَّمَ ذلك النبي ﷺ فلا تجوز المخاطرة لأنها من أكل الأموال بالباطل. وقوله تعالى: ﴿لِلَّهِ ٱلأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ﴾. أي: من قبل غلبة الروم فارس ومن بعد غلبة فارس الروم، يقضي ما شاء في خلقه. * * وقوله: ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ ٱلْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ ٱللَّهِ﴾ أي: يوم ستغلب الروم فارساً يفرح المؤمنون بنصر الله، لأن في ذلك، دليلاً على صحة نبوة من أخبرهم بغلبة الروم فارساً في بضع سنين، ولأن فيه ظفراً بالمشركين إذ كانوا يكرهون أن تغلب الروم فارساً. * * ثم قال: ﴿وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ﴾ أي: الشديد في انتقامه من أعدائه. ﴿ٱلرَّحِيمُ﴾ بمن ناب من خلقه وراجع طاعته. ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَعْدَ ٱللَّهِ لاَ يُخْلِفُ ٱللَّهُ وَعْدَهُ﴾ أي: وعد الله المؤمنين وعداً أن تغلب الروم فارساً، فلا يخلف الله وعده. ﴿وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ أي: أكثر قريش لا يعلمون أن الله سينجز المؤمنين ما وعدهم من غلبة الروم فارساً وأنه لا خلف في وعده. * * ثم قال تعالى: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِّنَ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا﴾ أي: يعلم هؤلاء المشركون أمر معاشهم وما يصلحهم في الدنيا وتدبير ذلك، وهم في غفلة عن أمر آخرتهم وما فيه النجاة من عذاب الله. قال ابن عباس: المعنى يعلمون متى يحصدون، ومتى يدرسون، ومتى يزرعون. وقال الحسن. وقال عكرمة: هم الخرازون والسراجون. وقيل: ما يزيدهم من الكذب على ما تأتيهم به الشياطين من استراق السمع. وقيل الظاهر هنا الباطل كما قال تعالى ﴿أَم بِظَاهِرٍ مِّنَ ٱلْقَوْلِ﴾ [الرعد: ٣٣] أي: باطل وقيل: الظاهر البادي. * * ثم قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُواْ فِيۤ أَنفُسِهِمْ مَّا خَلَقَ ٱللَّهُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَآ إِلاَّ بِٱلْحَقِّ﴾. أي: أولم يتفكر هؤلاء المكذبون بالبعث في (خلق) أنفسهم وأنهم لم يكونوا شيئاً، ثم صاروا رجالاً، وينظروا في لطف الصنع وإحكام تدبير خلقهم فيدل ذلك على توحيد الله، وعلى أنه ما خلق السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق، فيعلموا أن الذي فعل ذلك يقدر على أن يعيدهم بعد إفنائهم خلقاً جديداً، فيجازيهم بأعمالهم. وقوله ﴿إِلاَّ بِٱلْحَقِّ﴾ أي: بالعدل وإقامة الحق. ﴿وَأَجَلٍ مُّسَمًّى﴾ أي: مؤقت معلوم عنده، فإذا بلغ آخره أفنى ما أراد منه، وبدل الأرض غير الأرض والسماوات، وبعث الأموات فبرزوا لله جميعاً. ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَإِنَّ كَثِيراً مِّنَ ٱلنَّاسِ بِلِقَآءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ﴾. أي: لجاحدون منكرون البعث بعد الموت والجزاء على الأعمال، غفلة منهم وتفريطاً في أمر معادهم. قوله تعالى ذكره: ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُواْ فِيۤ أَنفُسِهِمْ﴾. "في أنفسهم" ظرف للتفكر، وليس بمفعول به للتفكر تعدى إليه بحرف جر. فالمعنى: أولم يتفكروا في أنفسهم فيعلموا أن ما تقدم ذكره حق. أي: يُسِرُّوا التَّفَكُّرَ وينصفوا من أنفسهم. لم يؤمروا أن يتفكروا في خلق أنفسهم إنما أمروا أن يُسِرّوا التفكر في أنفسهم فهما معنيان. وفي أنفسهم: تمام الكلام. وقيل: بل ما بعده متصل به أي: يُسِرُّوا التفكر في أنفسهم أن ما خلق الله السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق. فأن مضمرة كما قال: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ ٱلْبَرْقَ﴾ [الروم: ٢٤] أي: أن يريكم، وكما قال: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ﴾ [الروم: ٢٢] أي: أن خلق السماوات.

الروم 30:6

قوله تعالى ذكره: ﴿الۤـمۤ * غُلِبَتِ ٱلرُّومُ * فِيۤ أَدْنَى ٱلأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ﴾ إلى قوله ﴿بِلِقَآءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ﴾ قد تقدم ذكر "ألَمَ". قال الفراء: في قوله "غَلَبِهِمْ": الأصل غَلَبَتِهِم ثم حذفت التاء كما حذفت من "وإِقَامِ الصّلوَةِ" والأصل وإقامة الصلاة وهذا غلط عند البصريين لأن التاء في وإقامة عوض من الحذف الذي وقع في المصدر لأن أصله إِقْوَام مثل إكرام ثم أُعِلَّ وحذف، فدخلت التاء عوضاً من المحذوف. وليس في غلبهم حذف فيجب أن يكون أصله التاء، يقال غلبته غَلَباً حكاه الأصمعي وغيره. وسنين جَمعٌ مُسَلّم أتى فيما لا يعقل على الشذوذ. وقيل: جعل له الجمع المسلم عوضاً مما حذف منه. ويجوز أن يجعل الإعراب في النون كالمُكَسَّر. والأول أكثر، وكسرت السين لتدل على أنه جمع على غير بابه وأصله. والمحذوف من سنة واو، وقيل: المحذوف هاء. والمعنى غلبت فارس الروم على بيت المقدس، والروم من بعد غلب فارس لهم سيغلبون فارساً على بيت المقدس في بضع سنين. وأدنى الأرض، أي في أدنى الأرض من أرض الشام إلى فارس. وقرأ ابن عمر وأبو سعيد الخدري "غلبت" الروم بفتح الغين. وسئل ابن عمر على أي: شيء غلبت؟ فقال: على ريف الشام. والبِضْعُ عند قتادة أكثر من الثلاث ودون العشر. وعند الأخفش والفراء من دون العشرة. وعند أبي عبيد ما بين ثلاث إلى خمس. وحكى أبو زيد فتح الباء فيه. وهو مشتق من بَضَعه إذا قطعه، ومنه بَضْعةٌ من لحم. وهو يملك بُضعَ المرأة يريد أنه يملك قطع فرجها. وقال ابن عباس: "كان المسلمون يحبون أن تغلِبَ الروم لأنهم أهل كتاب، وكان المشركون يحبون أن يغلب أهل فارس لأنهم أهل أوثانكَهُمْ، فذكر المشركون ذلك لأبي بكر رضي الله عنه، فذكره أبو بكر للنبي ﷺ، فقال النبي عليه السلام: أما إنهم سَيُهْزَمُون - يعني فارساً -، فذكر ذلك أبو بكر للمشركين فقالوا أفتجعل بيننا وبينك أجلاً فإن غلبوا كان لك كذا وكذا، وإن لم يغلبوا كان لك كذا وكذا، فجعلوا بينهم وبينه أجلاً خمس سنين، فمضت ولم يغلبوا، فذكر ذلك أبو بكر للنبي عليه السلام فقال له: أفلا جعلته دون العشرة"قال أبو سعد الخدري: التقينا مع مشركي العرب يوم بدر، والتقت اليوم الروم فارساً فنصرنا الله على مشركي العرب ونصر الروم على فارس، فذلك قوله جل ذكره: * * ﴿يَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ ٱلْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ ٱللَّهِ﴾. قال ابن عباس: لقي النبي ﷺ مشركي العرب يوم التقت الروم فارساً فنصر الله أهل الكتاب على العجم. وروي أنه جرى بين أبي بكر وبين أمية بن خلف في ذلك كلام حتى وقع بينهما رهان على ثلاث قلائص إلى أجل ثلاث سنين. قال أبو بكر: إن الروم ستغلب فارساً إلى ثلاث سنين، وأنكر ذلك ابن خلف، فأتى أبو بكر النبي عليه السلام فأعلمه بما جرى بينهما فقال له النبي ﷺ: "ارجع واسْتَزِدْ في القَلائِصِ والسّنِين فَصَيّرِ الرّهَانَ إلى سَبع قلائِص وإلى سبع سنين". فكان أول رهان في الإسلام وآخره ثم حرم الله الرهان، فأخرج أبو بكر رضي الله عنه في حين عقد الرهان ثمن القلائص، وأخرج أمية بن خلف ثمن القلائص فاشتروا قلائص بنصف المال فنحروها وقسموها جزرواً وأخروا نصف المال حتى غلبت الروم فارساً فرجع ذلك إلى أبي بكر. وروي: "أنهم جعلوا الأجل ست سنين، فمضت الستُّ، والفُرسُ ظَاهِرُونَ عَلَى الرُّوم، فأخذ المشركون رهان أبي بكر وارتاب ناس كثير وفَرِحَ بذلك المشركون. فلما دخلت السنة السابعة ظهرت الروم على فارس فكَبَّرَ المسلمون تكبيرة واحدة بمكة فآمن عند ذلك خلقٌ كثيرٌ من المشركين وإنما تعلق قريش بالفرس لأنهم مثلهم في التكذيب بالبعث، وتعلق المسلمون بالروم لأنهم مثلهم في الإيمان بالبعث. وقيل: كان ذلك لأن الفرس لا كتاب لهم كالمشركين، والروم لهم كتاب كالمسلمين. وروي: أن النبي ﷺ أخبر أن الروم ستغلب فارساً، وأنكر ذلك المشركون فخاطرهم أبو بكر على ذلك، وكان الذي خاطره على ذلك أمية بن خلف الجمحي فأعلم النبي بذلك فقال النبي ﷺ لأبي بكر "ارجع فَزِد في الخَطِر وَالأَجَلِ"ففعل. وضمن أبا بكر عن الخطر ولده عبد الرحمن وضمن أمية بن خلف صفوان ابن أمية، فغلبت الروم فارساً على بيت المقدس، وأخذ الخطر من قريش. قال ابن مسعود "خَمس" قَد مَضَينَ: الدخان واللّزَام والبطشة والقمرُ والرومُ". قال عكرمة: اقتتل الروم وفارس في أدنى الأرض، وأدنى الأرض يومئذ أذْرِعَات بها التقوا، فهزمت الروم فبلغ ذلك النبي ﷺ وأصحابه وهم بمكة فشق ذلك عليهم وكان النبي ﷺ يكره أن يظهر الأميون من المجوس على أهل الكتاب من الروم. وفرح الكفار بمكة فلقوا المؤمنين من أصحاب النبي فقالوا لهم: إنكم أهل كتاب والنصارى أهل كتاب، ونحن أميون وقد ظهر إخواننا من أهل فارس على إخوانكم من أهل الكتاب، وإنكم إن واثبتمونا لنظهرن عليكم، فأنزل الله جل ذكره: ﴿الۤـمۤ * غُلِبَتِ ٱلرُّومُ﴾ الآيات، فخرج أبو بكر إلى الكفار فقال: أفرحتم بظهور إخوانكم الكفار على إخواننا، فلا تفرحوا ولا يقرن الله أعينكم، فوالله لتظهرن الروم على فارس، أخبرنا به نبينا ﷺ، فقال أبي بن خلف: كذبت يا أبا فصيل. فقال أبو بكر: أنت أكذب يا عدو الله، فقال: أناحِبُكَ عشر قلائص مني وعشر قلائص منك، فإن ظهرت الروم على فارس غرمتُ، وإن ظهرت فارس على الروم غرمتَ إلى ثلاث سنين، فجاء أبو بكر إلى النبي ﷺ فأخبره فقال: ما هكذا ذَكَرتُ إِنَّما البِضعُ مَا بَينَ الثَّلاثِ إلى التِّسعِ فَزَايِدْهُ فِي الخَطَرِ وَمَادَّهُ فِي الأَجَلِ "فخرج أبو بكر فلقي أُبَيَّا فقال: لعلك ندمت فقال: لا تعال - أزايدك في الخطر وأمادك في الأجل فأجعلها مائة قلوص بمائة قلوص إلى تسع سنين، قال: قد فعلت قال قتادة وذلك قبل أن ينهي عن القمار. وقال قتادة: فغلبت الروم فارساً عند رأس التسع سنين. وكان قد تم الأجل وطلب المشركون قمارهم فزايدهم المسلمون في القمار ومادوهم في الأجل، فغلبت الروم. وكان ذلك من دلائل نبوة محمد ﷺ لأنه أخبرهم عما يكون قبل أن يكون بسنين على ما أوحى الله إليه وأعلمه. فكان في ذلك دلالة على صدقه فيما يأتي به وما يقول من أمور الغيب وغيرها، وهذا إنما كان قبل أن تُحَرَّمَ المخاطرة، فأما الآن فقد حَرَّمَ ذلك النبي ﷺ فلا تجوز المخاطرة لأنها من أكل الأموال بالباطل. وقوله تعالى: ﴿لِلَّهِ ٱلأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ﴾. أي: من قبل غلبة الروم فارس ومن بعد غلبة فارس الروم، يقضي ما شاء في خلقه. * * وقوله: ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ ٱلْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ ٱللَّهِ﴾ أي: يوم ستغلب الروم فارساً يفرح المؤمنون بنصر الله، لأن في ذلك، دليلاً على صحة نبوة من أخبرهم بغلبة الروم فارساً في بضع سنين، ولأن فيه ظفراً بالمشركين إذ كانوا يكرهون أن تغلب الروم فارساً. * * ثم قال: ﴿وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ﴾ أي: الشديد في انتقامه من أعدائه. ﴿ٱلرَّحِيمُ﴾ بمن ناب من خلقه وراجع طاعته. ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَعْدَ ٱللَّهِ لاَ يُخْلِفُ ٱللَّهُ وَعْدَهُ﴾ أي: وعد الله المؤمنين وعداً أن تغلب الروم فارساً، فلا يخلف الله وعده. ﴿وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ أي: أكثر قريش لا يعلمون أن الله سينجز المؤمنين ما وعدهم من غلبة الروم فارساً وأنه لا خلف في وعده. * * ثم قال تعالى: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِّنَ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا﴾ أي: يعلم هؤلاء المشركون أمر معاشهم وما يصلحهم في الدنيا وتدبير ذلك، وهم في غفلة عن أمر آخرتهم وما فيه النجاة من عذاب الله. قال ابن عباس: المعنى يعلمون متى يحصدون، ومتى يدرسون، ومتى يزرعون. وقال الحسن. وقال عكرمة: هم الخرازون والسراجون. وقيل: ما يزيدهم من الكذب على ما تأتيهم به الشياطين من استراق السمع. وقيل الظاهر هنا الباطل كما قال تعالى ﴿أَم بِظَاهِرٍ مِّنَ ٱلْقَوْلِ﴾ [الرعد: ٣٣] أي: باطل وقيل: الظاهر البادي. * * ثم قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُواْ فِيۤ أَنفُسِهِمْ مَّا خَلَقَ ٱللَّهُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَآ إِلاَّ بِٱلْحَقِّ﴾. أي: أولم يتفكر هؤلاء المكذبون بالبعث في (خلق) أنفسهم وأنهم لم يكونوا شيئاً، ثم صاروا رجالاً، وينظروا في لطف الصنع وإحكام تدبير خلقهم فيدل ذلك على توحيد الله، وعلى أنه ما خلق السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق، فيعلموا أن الذي فعل ذلك يقدر على أن يعيدهم بعد إفنائهم خلقاً جديداً، فيجازيهم بأعمالهم. وقوله ﴿إِلاَّ بِٱلْحَقِّ﴾ أي: بالعدل وإقامة الحق. ﴿وَأَجَلٍ مُّسَمًّى﴾ أي: مؤقت معلوم عنده، فإذا بلغ آخره أفنى ما أراد منه، وبدل الأرض غير الأرض والسماوات، وبعث الأموات فبرزوا لله جميعاً. ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَإِنَّ كَثِيراً مِّنَ ٱلنَّاسِ بِلِقَآءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ﴾. أي: لجاحدون منكرون البعث بعد الموت والجزاء على الأعمال، غفلة منهم وتفريطاً في أمر معادهم. قوله تعالى ذكره: ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُواْ فِيۤ أَنفُسِهِمْ﴾. "في أنفسهم" ظرف للتفكر، وليس بمفعول به للتفكر تعدى إليه بحرف جر. فالمعنى: أولم يتفكروا في أنفسهم فيعلموا أن ما تقدم ذكره حق. أي: يُسِرُّوا التَّفَكُّرَ وينصفوا من أنفسهم. لم يؤمروا أن يتفكروا في خلق أنفسهم إنما أمروا أن يُسِرّوا التفكر في أنفسهم فهما معنيان. وفي أنفسهم: تمام الكلام. وقيل: بل ما بعده متصل به أي: يُسِرُّوا التفكر في أنفسهم أن ما خلق الله السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق. فأن مضمرة كما قال: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ ٱلْبَرْقَ﴾ [الروم: ٢٤] أي: أن يريكم، وكما قال: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ﴾ [الروم: ٢٢] أي: أن خلق السماوات.

الروم 30:7

قوله تعالى ذكره: ﴿الۤـمۤ * غُلِبَتِ ٱلرُّومُ * فِيۤ أَدْنَى ٱلأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ﴾ إلى قوله ﴿بِلِقَآءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ﴾ قد تقدم ذكر "ألَمَ". قال الفراء: في قوله "غَلَبِهِمْ": الأصل غَلَبَتِهِم ثم حذفت التاء كما حذفت من "وإِقَامِ الصّلوَةِ" والأصل وإقامة الصلاة وهذا غلط عند البصريين لأن التاء في وإقامة عوض من الحذف الذي وقع في المصدر لأن أصله إِقْوَام مثل إكرام ثم أُعِلَّ وحذف، فدخلت التاء عوضاً من المحذوف. وليس في غلبهم حذف فيجب أن يكون أصله التاء، يقال غلبته غَلَباً حكاه الأصمعي وغيره. وسنين جَمعٌ مُسَلّم أتى فيما لا يعقل على الشذوذ. وقيل: جعل له الجمع المسلم عوضاً مما حذف منه. ويجوز أن يجعل الإعراب في النون كالمُكَسَّر. والأول أكثر، وكسرت السين لتدل على أنه جمع على غير بابه وأصله. والمحذوف من سنة واو، وقيل: المحذوف هاء. والمعنى غلبت فارس الروم على بيت المقدس، والروم من بعد غلب فارس لهم سيغلبون فارساً على بيت المقدس في بضع سنين. وأدنى الأرض، أي في أدنى الأرض من أرض الشام إلى فارس. وقرأ ابن عمر وأبو سعيد الخدري "غلبت" الروم بفتح الغين. وسئل ابن عمر على أي: شيء غلبت؟ فقال: على ريف الشام. والبِضْعُ عند قتادة أكثر من الثلاث ودون العشر. وعند الأخفش والفراء من دون العشرة. وعند أبي عبيد ما بين ثلاث إلى خمس. وحكى أبو زيد فتح الباء فيه. وهو مشتق من بَضَعه إذا قطعه، ومنه بَضْعةٌ من لحم. وهو يملك بُضعَ المرأة يريد أنه يملك قطع فرجها. وقال ابن عباس: "كان المسلمون يحبون أن تغلِبَ الروم لأنهم أهل كتاب، وكان المشركون يحبون أن يغلب أهل فارس لأنهم أهل أوثانكَهُمْ، فذكر المشركون ذلك لأبي بكر رضي الله عنه، فذكره أبو بكر للنبي ﷺ، فقال النبي عليه السلام: أما إنهم سَيُهْزَمُون - يعني فارساً -، فذكر ذلك أبو بكر للمشركين فقالوا أفتجعل بيننا وبينك أجلاً فإن غلبوا كان لك كذا وكذا، وإن لم يغلبوا كان لك كذا وكذا، فجعلوا بينهم وبينه أجلاً خمس سنين، فمضت ولم يغلبوا، فذكر ذلك أبو بكر للنبي عليه السلام فقال له: أفلا جعلته دون العشرة"قال أبو سعد الخدري: التقينا مع مشركي العرب يوم بدر، والتقت اليوم الروم فارساً فنصرنا الله على مشركي العرب ونصر الروم على فارس، فذلك قوله جل ذكره: * * ﴿يَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ ٱلْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ ٱللَّهِ﴾. قال ابن عباس: لقي النبي ﷺ مشركي العرب يوم التقت الروم فارساً فنصر الله أهل الكتاب على العجم. وروي أنه جرى بين أبي بكر وبين أمية بن خلف في ذلك كلام حتى وقع بينهما رهان على ثلاث قلائص إلى أجل ثلاث سنين. قال أبو بكر: إن الروم ستغلب فارساً إلى ثلاث سنين، وأنكر ذلك ابن خلف، فأتى أبو بكر النبي عليه السلام فأعلمه بما جرى بينهما فقال له النبي ﷺ: "ارجع واسْتَزِدْ في القَلائِصِ والسّنِين فَصَيّرِ الرّهَانَ إلى سَبع قلائِص وإلى سبع سنين". فكان أول رهان في الإسلام وآخره ثم حرم الله الرهان، فأخرج أبو بكر رضي الله عنه في حين عقد الرهان ثمن القلائص، وأخرج أمية بن خلف ثمن القلائص فاشتروا قلائص بنصف المال فنحروها وقسموها جزرواً وأخروا نصف المال حتى غلبت الروم فارساً فرجع ذلك إلى أبي بكر. وروي: "أنهم جعلوا الأجل ست سنين، فمضت الستُّ، والفُرسُ ظَاهِرُونَ عَلَى الرُّوم، فأخذ المشركون رهان أبي بكر وارتاب ناس كثير وفَرِحَ بذلك المشركون. فلما دخلت السنة السابعة ظهرت الروم على فارس فكَبَّرَ المسلمون تكبيرة واحدة بمكة فآمن عند ذلك خلقٌ كثيرٌ من المشركين وإنما تعلق قريش بالفرس لأنهم مثلهم في التكذيب بالبعث، وتعلق المسلمون بالروم لأنهم مثلهم في الإيمان بالبعث. وقيل: كان ذلك لأن الفرس لا كتاب لهم كالمشركين، والروم لهم كتاب كالمسلمين. وروي: أن النبي ﷺ أخبر أن الروم ستغلب فارساً، وأنكر ذلك المشركون فخاطرهم أبو بكر على ذلك، وكان الذي خاطره على ذلك أمية بن خلف الجمحي فأعلم النبي بذلك فقال النبي ﷺ لأبي بكر "ارجع فَزِد في الخَطِر وَالأَجَلِ"ففعل. وضمن أبا بكر عن الخطر ولده عبد الرحمن وضمن أمية بن خلف صفوان ابن أمية، فغلبت الروم فارساً على بيت المقدس، وأخذ الخطر من قريش. قال ابن مسعود "خَمس" قَد مَضَينَ: الدخان واللّزَام والبطشة والقمرُ والرومُ". قال عكرمة: اقتتل الروم وفارس في أدنى الأرض، وأدنى الأرض يومئذ أذْرِعَات بها التقوا، فهزمت الروم فبلغ ذلك النبي ﷺ وأصحابه وهم بمكة فشق ذلك عليهم وكان النبي ﷺ يكره أن يظهر الأميون من المجوس على أهل الكتاب من الروم. وفرح الكفار بمكة فلقوا المؤمنين من أصحاب النبي فقالوا لهم: إنكم أهل كتاب والنصارى أهل كتاب، ونحن أميون وقد ظهر إخواننا من أهل فارس على إخوانكم من أهل الكتاب، وإنكم إن واثبتمونا لنظهرن عليكم، فأنزل الله جل ذكره: ﴿الۤـمۤ * غُلِبَتِ ٱلرُّومُ﴾ الآيات، فخرج أبو بكر إلى الكفار فقال: أفرحتم بظهور إخوانكم الكفار على إخواننا، فلا تفرحوا ولا يقرن الله أعينكم، فوالله لتظهرن الروم على فارس، أخبرنا به نبينا ﷺ، فقال أبي بن خلف: كذبت يا أبا فصيل. فقال أبو بكر: أنت أكذب يا عدو الله، فقال: أناحِبُكَ عشر قلائص مني وعشر قلائص منك، فإن ظهرت الروم على فارس غرمتُ، وإن ظهرت فارس على الروم غرمتَ إلى ثلاث سنين، فجاء أبو بكر إلى النبي ﷺ فأخبره فقال: ما هكذا ذَكَرتُ إِنَّما البِضعُ مَا بَينَ الثَّلاثِ إلى التِّسعِ فَزَايِدْهُ فِي الخَطَرِ وَمَادَّهُ فِي الأَجَلِ "فخرج أبو بكر فلقي أُبَيَّا فقال: لعلك ندمت فقال: لا تعال - أزايدك في الخطر وأمادك في الأجل فأجعلها مائة قلوص بمائة قلوص إلى تسع سنين، قال: قد فعلت قال قتادة وذلك قبل أن ينهي عن القمار. وقال قتادة: فغلبت الروم فارساً عند رأس التسع سنين. وكان قد تم الأجل وطلب المشركون قمارهم فزايدهم المسلمون في القمار ومادوهم في الأجل، فغلبت الروم. وكان ذلك من دلائل نبوة محمد ﷺ لأنه أخبرهم عما يكون قبل أن يكون بسنين على ما أوحى الله إليه وأعلمه. فكان في ذلك دلالة على صدقه فيما يأتي به وما يقول من أمور الغيب وغيرها، وهذا إنما كان قبل أن تُحَرَّمَ المخاطرة، فأما الآن فقد حَرَّمَ ذلك النبي ﷺ فلا تجوز المخاطرة لأنها من أكل الأموال بالباطل. وقوله تعالى: ﴿لِلَّهِ ٱلأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ﴾. أي: من قبل غلبة الروم فارس ومن بعد غلبة فارس الروم، يقضي ما شاء في خلقه. * * وقوله: ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ ٱلْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ ٱللَّهِ﴾ أي: يوم ستغلب الروم فارساً يفرح المؤمنون بنصر الله، لأن في ذلك، دليلاً على صحة نبوة من أخبرهم بغلبة الروم فارساً في بضع سنين، ولأن فيه ظفراً بالمشركين إذ كانوا يكرهون أن تغلب الروم فارساً. * * ثم قال: ﴿وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ﴾ أي: الشديد في انتقامه من أعدائه. ﴿ٱلرَّحِيمُ﴾ بمن ناب من خلقه وراجع طاعته. ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَعْدَ ٱللَّهِ لاَ يُخْلِفُ ٱللَّهُ وَعْدَهُ﴾ أي: وعد الله المؤمنين وعداً أن تغلب الروم فارساً، فلا يخلف الله وعده. ﴿وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ أي: أكثر قريش لا يعلمون أن الله سينجز المؤمنين ما وعدهم من غلبة الروم فارساً وأنه لا خلف في وعده. * * ثم قال تعالى: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِّنَ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا﴾ أي: يعلم هؤلاء المشركون أمر معاشهم وما يصلحهم في الدنيا وتدبير ذلك، وهم في غفلة عن أمر آخرتهم وما فيه النجاة من عذاب الله. قال ابن عباس: المعنى يعلمون متى يحصدون، ومتى يدرسون، ومتى يزرعون. وقال الحسن. وقال عكرمة: هم الخرازون والسراجون. وقيل: ما يزيدهم من الكذب على ما تأتيهم به الشياطين من استراق السمع. وقيل الظاهر هنا الباطل كما قال تعالى ﴿أَم بِظَاهِرٍ مِّنَ ٱلْقَوْلِ﴾ [الرعد: ٣٣] أي: باطل وقيل: الظاهر البادي. * * ثم قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُواْ فِيۤ أَنفُسِهِمْ مَّا خَلَقَ ٱللَّهُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَآ إِلاَّ بِٱلْحَقِّ﴾. أي: أولم يتفكر هؤلاء المكذبون بالبعث في (خلق) أنفسهم وأنهم لم يكونوا شيئاً، ثم صاروا رجالاً، وينظروا في لطف الصنع وإحكام تدبير خلقهم فيدل ذلك على توحيد الله، وعلى أنه ما خلق السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق، فيعلموا أن الذي فعل ذلك يقدر على أن يعيدهم بعد إفنائهم خلقاً جديداً، فيجازيهم بأعمالهم. وقوله ﴿إِلاَّ بِٱلْحَقِّ﴾ أي: بالعدل وإقامة الحق. ﴿وَأَجَلٍ مُّسَمًّى﴾ أي: مؤقت معلوم عنده، فإذا بلغ آخره أفنى ما أراد منه، وبدل الأرض غير الأرض والسماوات، وبعث الأموات فبرزوا لله جميعاً. ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَإِنَّ كَثِيراً مِّنَ ٱلنَّاسِ بِلِقَآءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ﴾. أي: لجاحدون منكرون البعث بعد الموت والجزاء على الأعمال، غفلة منهم وتفريطاً في أمر معادهم. قوله تعالى ذكره: ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُواْ فِيۤ أَنفُسِهِمْ﴾. "في أنفسهم" ظرف للتفكر، وليس بمفعول به للتفكر تعدى إليه بحرف جر. فالمعنى: أولم يتفكروا في أنفسهم فيعلموا أن ما تقدم ذكره حق. أي: يُسِرُّوا التَّفَكُّرَ وينصفوا من أنفسهم. لم يؤمروا أن يتفكروا في خلق أنفسهم إنما أمروا أن يُسِرّوا التفكر في أنفسهم فهما معنيان. وفي أنفسهم: تمام الكلام. وقيل: بل ما بعده متصل به أي: يُسِرُّوا التفكر في أنفسهم أن ما خلق الله السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق. فأن مضمرة كما قال: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ ٱلْبَرْقَ﴾ [الروم: ٢٤] أي: أن يريكم، وكما قال: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ﴾ [الروم: ٢٢] أي: أن خلق السماوات.

الروم 30:8

قوله تعالى ذكره: ﴿الۤـمۤ * غُلِبَتِ ٱلرُّومُ * فِيۤ أَدْنَى ٱلأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ﴾ إلى قوله ﴿بِلِقَآءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ﴾ قد تقدم ذكر "ألَمَ". قال الفراء: في قوله "غَلَبِهِمْ": الأصل غَلَبَتِهِم ثم حذفت التاء كما حذفت من "وإِقَامِ الصّلوَةِ" والأصل وإقامة الصلاة وهذا غلط عند البصريين لأن التاء في وإقامة عوض من الحذف الذي وقع في المصدر لأن أصله إِقْوَام مثل إكرام ثم أُعِلَّ وحذف، فدخلت التاء عوضاً من المحذوف. وليس في غلبهم حذف فيجب أن يكون أصله التاء، يقال غلبته غَلَباً حكاه الأصمعي وغيره. وسنين جَمعٌ مُسَلّم أتى فيما لا يعقل على الشذوذ. وقيل: جعل له الجمع المسلم عوضاً مما حذف منه. ويجوز أن يجعل الإعراب في النون كالمُكَسَّر. والأول أكثر، وكسرت السين لتدل على أنه جمع على غير بابه وأصله. والمحذوف من سنة واو، وقيل: المحذوف هاء. والمعنى غلبت فارس الروم على بيت المقدس، والروم من بعد غلب فارس لهم سيغلبون فارساً على بيت المقدس في بضع سنين. وأدنى الأرض، أي في أدنى الأرض من أرض الشام إلى فارس. وقرأ ابن عمر وأبو سعيد الخدري "غلبت" الروم بفتح الغين. وسئل ابن عمر على أي: شيء غلبت؟ فقال: على ريف الشام. والبِضْعُ عند قتادة أكثر من الثلاث ودون العشر. وعند الأخفش والفراء من دون العشرة. وعند أبي عبيد ما بين ثلاث إلى خمس. وحكى أبو زيد فتح الباء فيه. وهو مشتق من بَضَعه إذا قطعه، ومنه بَضْعةٌ من لحم. وهو يملك بُضعَ المرأة يريد أنه يملك قطع فرجها. وقال ابن عباس: "كان المسلمون يحبون أن تغلِبَ الروم لأنهم أهل كتاب، وكان المشركون يحبون أن يغلب أهل فارس لأنهم أهل أوثانكَهُمْ، فذكر المشركون ذلك لأبي بكر رضي الله عنه، فذكره أبو بكر للنبي ﷺ، فقال النبي عليه السلام: أما إنهم سَيُهْزَمُون - يعني فارساً -، فذكر ذلك أبو بكر للمشركين فقالوا أفتجعل بيننا وبينك أجلاً فإن غلبوا كان لك كذا وكذا، وإن لم يغلبوا كان لك كذا وكذا، فجعلوا بينهم وبينه أجلاً خمس سنين، فمضت ولم يغلبوا، فذكر ذلك أبو بكر للنبي عليه السلام فقال له: أفلا جعلته دون العشرة"قال أبو سعد الخدري: التقينا مع مشركي العرب يوم بدر، والتقت اليوم الروم فارساً فنصرنا الله على مشركي العرب ونصر الروم على فارس، فذلك قوله جل ذكره: * * ﴿يَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ ٱلْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ ٱللَّهِ﴾. قال ابن عباس: لقي النبي ﷺ مشركي العرب يوم التقت الروم فارساً فنصر الله أهل الكتاب على العجم. وروي أنه جرى بين أبي بكر وبين أمية بن خلف في ذلك كلام حتى وقع بينهما رهان على ثلاث قلائص إلى أجل ثلاث سنين. قال أبو بكر: إن الروم ستغلب فارساً إلى ثلاث سنين، وأنكر ذلك ابن خلف، فأتى أبو بكر النبي عليه السلام فأعلمه بما جرى بينهما فقال له النبي ﷺ: "ارجع واسْتَزِدْ في القَلائِصِ والسّنِين فَصَيّرِ الرّهَانَ إلى سَبع قلائِص وإلى سبع سنين". فكان أول رهان في الإسلام وآخره ثم حرم الله الرهان، فأخرج أبو بكر رضي الله عنه في حين عقد الرهان ثمن القلائص، وأخرج أمية بن خلف ثمن القلائص فاشتروا قلائص بنصف المال فنحروها وقسموها جزرواً وأخروا نصف المال حتى غلبت الروم فارساً فرجع ذلك إلى أبي بكر. وروي: "أنهم جعلوا الأجل ست سنين، فمضت الستُّ، والفُرسُ ظَاهِرُونَ عَلَى الرُّوم، فأخذ المشركون رهان أبي بكر وارتاب ناس كثير وفَرِحَ بذلك المشركون. فلما دخلت السنة السابعة ظهرت الروم على فارس فكَبَّرَ المسلمون تكبيرة واحدة بمكة فآمن عند ذلك خلقٌ كثيرٌ من المشركين وإنما تعلق قريش بالفرس لأنهم مثلهم في التكذيب بالبعث، وتعلق المسلمون بالروم لأنهم مثلهم في الإيمان بالبعث. وقيل: كان ذلك لأن الفرس لا كتاب لهم كالمشركين، والروم لهم كتاب كالمسلمين. وروي: أن النبي ﷺ أخبر أن الروم ستغلب فارساً، وأنكر ذلك المشركون فخاطرهم أبو بكر على ذلك، وكان الذي خاطره على ذلك أمية بن خلف الجمحي فأعلم النبي بذلك فقال النبي ﷺ لأبي بكر "ارجع فَزِد في الخَطِر وَالأَجَلِ"ففعل. وضمن أبا بكر عن الخطر ولده عبد الرحمن وضمن أمية بن خلف صفوان ابن أمية، فغلبت الروم فارساً على بيت المقدس، وأخذ الخطر من قريش. قال ابن مسعود "خَمس" قَد مَضَينَ: الدخان واللّزَام والبطشة والقمرُ والرومُ". قال عكرمة: اقتتل الروم وفارس في أدنى الأرض، وأدنى الأرض يومئذ أذْرِعَات بها التقوا، فهزمت الروم فبلغ ذلك النبي ﷺ وأصحابه وهم بمكة فشق ذلك عليهم وكان النبي ﷺ يكره أن يظهر الأميون من المجوس على أهل الكتاب من الروم. وفرح الكفار بمكة فلقوا المؤمنين من أصحاب النبي فقالوا لهم: إنكم أهل كتاب والنصارى أهل كتاب، ونحن أميون وقد ظهر إخواننا من أهل فارس على إخوانكم من أهل الكتاب، وإنكم إن واثبتمونا لنظهرن عليكم، فأنزل الله جل ذكره: ﴿الۤـمۤ * غُلِبَتِ ٱلرُّومُ﴾ الآيات، فخرج أبو بكر إلى الكفار فقال: أفرحتم بظهور إخوانكم الكفار على إخواننا، فلا تفرحوا ولا يقرن الله أعينكم، فوالله لتظهرن الروم على فارس، أخبرنا به نبينا ﷺ، فقال أبي بن خلف: كذبت يا أبا فصيل. فقال أبو بكر: أنت أكذب يا عدو الله، فقال: أناحِبُكَ عشر قلائص مني وعشر قلائص منك، فإن ظهرت الروم على فارس غرمتُ، وإن ظهرت فارس على الروم غرمتَ إلى ثلاث سنين، فجاء أبو بكر إلى النبي ﷺ فأخبره فقال: ما هكذا ذَكَرتُ إِنَّما البِضعُ مَا بَينَ الثَّلاثِ إلى التِّسعِ فَزَايِدْهُ فِي الخَطَرِ وَمَادَّهُ فِي الأَجَلِ "فخرج أبو بكر فلقي أُبَيَّا فقال: لعلك ندمت فقال: لا تعال - أزايدك في الخطر وأمادك في الأجل فأجعلها مائة قلوص بمائة قلوص إلى تسع سنين، قال: قد فعلت قال قتادة وذلك قبل أن ينهي عن القمار. وقال قتادة: فغلبت الروم فارساً عند رأس التسع سنين. وكان قد تم الأجل وطلب المشركون قمارهم فزايدهم المسلمون في القمار ومادوهم في الأجل، فغلبت الروم. وكان ذلك من دلائل نبوة محمد ﷺ لأنه أخبرهم عما يكون قبل أن يكون بسنين على ما أوحى الله إليه وأعلمه. فكان في ذلك دلالة على صدقه فيما يأتي به وما يقول من أمور الغيب وغيرها، وهذا إنما كان قبل أن تُحَرَّمَ المخاطرة، فأما الآن فقد حَرَّمَ ذلك النبي ﷺ فلا تجوز المخاطرة لأنها من أكل الأموال بالباطل. وقوله تعالى: ﴿لِلَّهِ ٱلأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ﴾. أي: من قبل غلبة الروم فارس ومن بعد غلبة فارس الروم، يقضي ما شاء في خلقه. * * وقوله: ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ ٱلْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ ٱللَّهِ﴾ أي: يوم ستغلب الروم فارساً يفرح المؤمنون بنصر الله، لأن في ذلك، دليلاً على صحة نبوة من أخبرهم بغلبة الروم فارساً في بضع سنين، ولأن فيه ظفراً بالمشركين إذ كانوا يكرهون أن تغلب الروم فارساً. * * ثم قال: ﴿وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ﴾ أي: الشديد في انتقامه من أعدائه. ﴿ٱلرَّحِيمُ﴾ بمن ناب من خلقه وراجع طاعته. ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَعْدَ ٱللَّهِ لاَ يُخْلِفُ ٱللَّهُ وَعْدَهُ﴾ أي: وعد الله المؤمنين وعداً أن تغلب الروم فارساً، فلا يخلف الله وعده. ﴿وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ أي: أكثر قريش لا يعلمون أن الله سينجز المؤمنين ما وعدهم من غلبة الروم فارساً وأنه لا خلف في وعده. * * ثم قال تعالى: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِّنَ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا﴾ أي: يعلم هؤلاء المشركون أمر معاشهم وما يصلحهم في الدنيا وتدبير ذلك، وهم في غفلة عن أمر آخرتهم وما فيه النجاة من عذاب الله. قال ابن عباس: المعنى يعلمون متى يحصدون، ومتى يدرسون، ومتى يزرعون. وقال الحسن. وقال عكرمة: هم الخرازون والسراجون. وقيل: ما يزيدهم من الكذب على ما تأتيهم به الشياطين من استراق السمع. وقيل الظاهر هنا الباطل كما قال تعالى ﴿أَم بِظَاهِرٍ مِّنَ ٱلْقَوْلِ﴾ [الرعد: ٣٣] أي: باطل وقيل: الظاهر البادي. * * ثم قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُواْ فِيۤ أَنفُسِهِمْ مَّا خَلَقَ ٱللَّهُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَآ إِلاَّ بِٱلْحَقِّ﴾. أي: أولم يتفكر هؤلاء المكذبون بالبعث في (خلق) أنفسهم وأنهم لم يكونوا شيئاً، ثم صاروا رجالاً، وينظروا في لطف الصنع وإحكام تدبير خلقهم فيدل ذلك على توحيد الله، وعلى أنه ما خلق السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق، فيعلموا أن الذي فعل ذلك يقدر على أن يعيدهم بعد إفنائهم خلقاً جديداً، فيجازيهم بأعمالهم. وقوله ﴿إِلاَّ بِٱلْحَقِّ﴾ أي: بالعدل وإقامة الحق. ﴿وَأَجَلٍ مُّسَمًّى﴾ أي: مؤقت معلوم عنده، فإذا بلغ آخره أفنى ما أراد منه، وبدل الأرض غير الأرض والسماوات، وبعث الأموات فبرزوا لله جميعاً. ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَإِنَّ كَثِيراً مِّنَ ٱلنَّاسِ بِلِقَآءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ﴾. أي: لجاحدون منكرون البعث بعد الموت والجزاء على الأعمال، غفلة منهم وتفريطاً في أمر معادهم. قوله تعالى ذكره: ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُواْ فِيۤ أَنفُسِهِمْ﴾. "في أنفسهم" ظرف للتفكر، وليس بمفعول به للتفكر تعدى إليه بحرف جر. فالمعنى: أولم يتفكروا في أنفسهم فيعلموا أن ما تقدم ذكره حق. أي: يُسِرُّوا التَّفَكُّرَ وينصفوا من أنفسهم. لم يؤمروا أن يتفكروا في خلق أنفسهم إنما أمروا أن يُسِرّوا التفكر في أنفسهم فهما معنيان. وفي أنفسهم: تمام الكلام. وقيل: بل ما بعده متصل به أي: يُسِرُّوا التفكر في أنفسهم أن ما خلق الله السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق. فأن مضمرة كما قال: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ ٱلْبَرْقَ﴾ [الروم: ٢٤] أي: أن يريكم، وكما قال: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ﴾ [الروم: ٢٢] أي: أن خلق السماوات.

الروم 30:9

قوله تعالى ذكره: ﴿أَوَلَمْ يَسيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ فَيَنظُرُواْ﴾ إلى قوله: ﴿وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾. أي: أولم يسير هؤلاء المكذبون بالبعث في الأرض فينظروا إلى آثار الله فيمن كان قبلهم من الأمم المكذبة رسلها، كيف كان عاقبة أمرها، فقد كانوا أشد من هؤلاء قوة، ﴿وَأَثَارُواْ ٱلأَرْضَ﴾ أي: استخرجوها وحدثوها وعمروها أكثر مدة مما عمر هؤلاء الأرض، ﴿وَجَآءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيِّنَاتِ﴾ فكذبوهم، فأهلكهم الله وما كان الله ليظلمهم بعقابه إياهم على تكذيبهم رسله، ﴿وَلَـٰكِن كَانُوۤاْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ بمعصيتهم ربهم. * * ثم قال تعالى: ﴿ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ ٱلَّذِينَ أَسَاءُواْ ٱلسُّوۤءَىٰ أَن كَذَّبُواْ بِآيَاتِ ٱللَّهِ﴾. أي: ثم كان آخر من كفر من هؤلاء الذين أثاروا الأرض السوأى: أي الخلة التي هي أسوأ من فعلهم: البوار والهلاك في الدنيا، والنار في الآخرة خالدين فيها. قال ابن عباس: السوأى جهنم والحسنى الجنة. قال قتادة: كان عاقبة الذين أشركوا النار. والسوآى اسم. وقيل مصدر كالتقوى. قال مجاهد: السوآى: الإساءة. * * ثم قال: ﴿أَن كَذَّبُواْ بِآيَاتِ ٱللَّهِ﴾ أي: عاقبتهم النار لأن كذبوا ومن أجل أن كذبوا بحجج الله ورسله. ﴿وَكَانُواْ بِهَا يَسْتَهْزِئُونَ﴾ أي: بحجج الله وأنبيائه يسخرون. * * ثم قال تعالى: ﴿ٱللَّهُ يَبْدَأُ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ أي: ينفرد بإنشاء جميع خلقه من قدرته، ثم يعيده بعد إفنائه له خلقاً جديداً. ﴿ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ أي: يردون فيجازيهم بأعمالهم. * * ثم قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ يُبْلِسُ ٱلْمُجْرِمُونَ﴾ أي: واذكر يا محمد يوم تقوم الساعة ييأس الكافرون من كل خير. وأصل الإبلاس: انقطاع الحجة والسكوت والحيرة. قال قتادة: "يبلس المجرمون" أي: في النار. وقال ابن زيد: المبلس الذي قد نزل به الشر. وقال مجاهد: الإبلاس الفضيحة. * * ﴿وَلَمْ يَكُن لَّهُمْ مِّن شُرَكَآئِهِمْ شُفَعَاءُ﴾. أي: ولم يكن للمجرمين من شركائهم في الكفر والمعصية وأذى الرسل شُفَعَاء ينقذونهم من عذاب الله. وقيل: شركاؤهم هنا الأصنام والأوثان التي عبدوها من دون الله، أضيفت إليهم لأنهم هم اخترعوها وابتدعوا عبادتها. * * ﴿وَكَانُواْ بِشُرَكَآئِهِمْ كَافِرِينَ﴾. أي: جاحدون ولا يتهم متبرئين منهم وهو معنى قوله ﴿إِذْ تَبَرَّأَ ٱلَّذِينَ ٱتُّبِعُواْ مِنَ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُواْ﴾ [البقرة: ١٦٦] الآية. * * ثم قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ﴾ أي: يتفرق المؤمنون من الكافرين. قال قتادة: فرقة والله لا اجتماع بعدها. ثم بين تعالى ما يؤول إليه الافتراق. فقال: ﴿فَأَمَّا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ﴾. أي: هم في الرياض والنبات الملتف بين أنواع الزهر في الجنات يسرون ويلذذون بطيب العيش والسماع. وذكر الله جل ذكره الروضة لأنهم لم يكن عند العرب شيء أحسن منظراً ولا أطيب نشراً من الرياض وعبقها. "أما" عند سيبويه: مهما يكن من شيء فالذين آمنوا. وقال أبو إسحاق: معناها دع ما كنا (فيه) وخذ في غيره. وقال أبو عبيدة: الروضة ما كان في سفل، وإن كان مرتفعاً فهي ترعة. وقال الضحاك: "في روضة" في جنة، والرياض الجنان. والحبرة في اللغة كل نعمة حسنة، والتحبير التحسين وقال ابن عباس: يحبرون: يكرمون. وقال مجاهد: ينعمون. قال الكسائي: حبرته: أكرمته ونعمته. * * ثم قال تعالى: ﴿وَأَمَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ أي: جحدوا توحيد الله وكذبوا رسله، وأنكروا البعث. ﴿فَأُوْلَـٰئِكَ فِي ٱلْعَذَابِ مُحْضَرُونَ﴾ أي: في عذاب الله مجموعون، قد أحضرهم الله إياه. ثم قال تعالى ذكره: ﴿فَسُبْحَانَ ٱللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ سبحان مصدر يؤدي عن معنى سبحوا الله تسبيحاً في هذه الأوقات الأربعة، أي: نزهوه من السوء. وقيل: سبحان مأخوذ من السبحة، والسبحة الصلاة، وسبحة الضحى: صلاة الضحى. وقرأ عكرمة: "حيناً تُمسُونَ وَحِيناً تُصْبِحُونَ"، بتنوين حين ونصبه في الوجهين على الظرف. والتسبيح هنا الصلاة، فالمعنى صلوا أيها المؤمنون حين تمسون صلاة المغرب والعشاء الآخرة، وحين تصبحون صلاة الصبح، وعشياً صلاة العصر، وحين تظهرون صلاة الظهر. * * وقوله: ﴿وَلَهُ ٱلْحَمْدُ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ﴾. أي: له الحمد من جميع خلقه دون غيره من سكان السماوات والأرض. قال ابن عباس: هذه الآية في الصلوات الأربع: الظهر والعصر والصبح والمغرب، وصلاة العشاء في قوله تعالى ﴿وَمِن بَعْدِ صَلَٰوةِ ٱلْعِشَآءِ ثَلاَثُ عَوْرَاتٍ﴾ [النور: ٥٨] هذا معنى قوله. روي عنه: وعشياً: المغرب والعشاء. وقال زِرٌّ: "خاصم نافع بن الأزرق ابن عباس في شيء، ثم قال نافع لابن عباس: هل تجد الصلوات الخمس في كتاب الله؟ قال ابن عباس: نعم ثم قرأ عليه: ﴿فَسُبْحَانَ ٱللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ﴾: المغرب، ﴿وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ الفجر، ﴿وَعَشِيّاً﴾: العصر. ﴿وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾: الظهر، "ومن بعد صلاة العشاء": العشاء. وعن ابن عباس قال: جمعت هذه الآية الصلوات الخمس وقال "حين تمسون": المغرب والعشاء. وقال مجاهد: "حين تمسون": المغرب والعشاء،" وحين تصبحون": الفجر، "وعشياً": العصر، "وحين تظهرون": الظهر. وروي عن النبي ﷺ أنه قرأ هذه الآية وقال: "هذا حين افترض وقت الصلاة". وأول وقت الظهر زوال الشمس إجماعاً. وآخر وقتها عند مالك: إذا كان ظل كل شيء مثله بعد الزوال وهو قول الثوري والشافعي وأبي ثور. وقال يعقوب ومحمد بن الحسن: آخر وقتها أن يكون الظل قامة. وقال عطاء: آخر وقتها إلى أن تصفر الشمس. وقال طاوس: لا يفوت الظهر والعصر حتى الليل. وقال النعمان: آخر وقتها ما لم يصر الظل قامتين. وأول وقت العصر: إذا كان ظل كل شيء مثله. هذا قول مالك والثوري والشافعي وإسحاق وأبي ثور. وقال النعمان: أول وقتها أن يصير الظل قامتين بعد الزوال. وآخر وقتها أن يصير [ظل] كل شيء مثليه على الاختيار، فإن صلى بعد ذلك فقد فاته الاختيار ولم يفته وقت الصلاة، قاله الثوري والشافعي وقال أحمد وأبو ثور: آخر وقتها ما لم تصفر الشمس. وقال إسحاق بن راهويه: آخر وقتها غروب الشمس قبل أن يصلي المرء منها ركعة. وعن ابن عباس وعكرمة: أن آخر وقتها غروب الشمس على الإطلاق. ووقت المغرب غروب الشمس وقتاً واحداً، هذا مذهب مالك والأوزاعي. والشافعي. وقال الثوري وأصحاب الرأي: وأحمد وإسحاق: آخر وقتها الشفق. وأول وقت العشاء إذا غاب الشفق إجماعاً. والشفق الحمرة في قول مالك والثوري وابن أبي ليلى والشافعي وأحمد وأبي ثور ويعقوب ومحمد. وهو قول أهل اللغة، يقال ثوب مشفق أي: محمر. وروي عن أنس وابن عباس وأبي هريرة أن الشفق: البياض وهو قول النعمان وزفر. وقال النخعي: آخر وقتها إلى ربع الليل. وعن عمر وأبي هريرة وعمر بن عبد العزيز: أن آخر وقتها ثلث الليل. وبه قال الشافعي وقد كان يقول آخر وقتها نصف الليل ولا يفوت إلى الفجر. وعن عمر أيضاً أن آخر وقتها نصف الليل، وبه قال الثوري وابن المبارك وإسحاق وأبو ثور وأصحاب الرأي:. وعن ابن عباس وعطاء وعكرمة وطاوس: أن آخر وقتها إلى طلوع الفجر. وأول وقت صلاة الصبح طلوع الفجر إجماعاً. وأجمعوا على أن من صلى بعد الفجر وقبل طلوع الشمس أنه قد صلى الصبح في وقتها. * * ثم قال تعالى: ﴿يُخْرِجُ ٱلْحَيَّ مِنَ ٱلْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ ٱلْمَيِّتَ مِنَ ٱلْحَيِّ﴾ أي: صلوا ما أمرتم به لله الذي يفعل هذا لا يقدر على فعله أحد غيره، يخرج الإنسان الحي من الماء الميت، ويخرج الماء الميت من الإنسان الحي، ويحيي الأرض بالماء فينبتها ويخرج زرعها بعد موتها. ﴿وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ أيها الناس من قبوركم للبعث والمجازاة. وقال الحسن: معناه يخرج المؤمن من الكافر والكافر من المؤمن. وذكر أبو عبيد أن سهل بن معاذ بن أنس روي عن أبيه رفعه إلى النبي ﷺ أنه قال: "ألاَ أُخْبِرُكُمْ لِمَ سَمَّى الله تَعَالَى إِبْرَاهِيمَ خَلِيلَهُ الذِي وَفَّى؟ قَالَ: لأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ إِذَا أَصْبَحَ: "فسُبْحَانَ اللهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ" حتى ختم الآية

الروم 30:10

قوله تعالى ذكره: ﴿أَوَلَمْ يَسيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ فَيَنظُرُواْ﴾ إلى قوله: ﴿وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾. أي: أولم يسير هؤلاء المكذبون بالبعث في الأرض فينظروا إلى آثار الله فيمن كان قبلهم من الأمم المكذبة رسلها، كيف كان عاقبة أمرها، فقد كانوا أشد من هؤلاء قوة، ﴿وَأَثَارُواْ ٱلأَرْضَ﴾ أي: استخرجوها وحدثوها وعمروها أكثر مدة مما عمر هؤلاء الأرض، ﴿وَجَآءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيِّنَاتِ﴾ فكذبوهم، فأهلكهم الله وما كان الله ليظلمهم بعقابه إياهم على تكذيبهم رسله، ﴿وَلَـٰكِن كَانُوۤاْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ بمعصيتهم ربهم. * * ثم قال تعالى: ﴿ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ ٱلَّذِينَ أَسَاءُواْ ٱلسُّوۤءَىٰ أَن كَذَّبُواْ بِآيَاتِ ٱللَّهِ﴾. أي: ثم كان آخر من كفر من هؤلاء الذين أثاروا الأرض السوأى: أي الخلة التي هي أسوأ من فعلهم: البوار والهلاك في الدنيا، والنار في الآخرة خالدين فيها. قال ابن عباس: السوأى جهنم والحسنى الجنة. قال قتادة: كان عاقبة الذين أشركوا النار. والسوآى اسم. وقيل مصدر كالتقوى. قال مجاهد: السوآى: الإساءة. * * ثم قال: ﴿أَن كَذَّبُواْ بِآيَاتِ ٱللَّهِ﴾ أي: عاقبتهم النار لأن كذبوا ومن أجل أن كذبوا بحجج الله ورسله. ﴿وَكَانُواْ بِهَا يَسْتَهْزِئُونَ﴾ أي: بحجج الله وأنبيائه يسخرون. * * ثم قال تعالى: ﴿ٱللَّهُ يَبْدَأُ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ أي: ينفرد بإنشاء جميع خلقه من قدرته، ثم يعيده بعد إفنائه له خلقاً جديداً. ﴿ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ أي: يردون فيجازيهم بأعمالهم. * * ثم قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ يُبْلِسُ ٱلْمُجْرِمُونَ﴾ أي: واذكر يا محمد يوم تقوم الساعة ييأس الكافرون من كل خير. وأصل الإبلاس: انقطاع الحجة والسكوت والحيرة. قال قتادة: "يبلس المجرمون" أي: في النار. وقال ابن زيد: المبلس الذي قد نزل به الشر. وقال مجاهد: الإبلاس الفضيحة. * * ﴿وَلَمْ يَكُن لَّهُمْ مِّن شُرَكَآئِهِمْ شُفَعَاءُ﴾. أي: ولم يكن للمجرمين من شركائهم في الكفر والمعصية وأذى الرسل شُفَعَاء ينقذونهم من عذاب الله. وقيل: شركاؤهم هنا الأصنام والأوثان التي عبدوها من دون الله، أضيفت إليهم لأنهم هم اخترعوها وابتدعوا عبادتها. * * ﴿وَكَانُواْ بِشُرَكَآئِهِمْ كَافِرِينَ﴾. أي: جاحدون ولا يتهم متبرئين منهم وهو معنى قوله ﴿إِذْ تَبَرَّأَ ٱلَّذِينَ ٱتُّبِعُواْ مِنَ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُواْ﴾ [البقرة: ١٦٦] الآية. * * ثم قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ﴾ أي: يتفرق المؤمنون من الكافرين. قال قتادة: فرقة والله لا اجتماع بعدها. ثم بين تعالى ما يؤول إليه الافتراق. فقال: ﴿فَأَمَّا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ﴾. أي: هم في الرياض والنبات الملتف بين أنواع الزهر في الجنات يسرون ويلذذون بطيب العيش والسماع. وذكر الله جل ذكره الروضة لأنهم لم يكن عند العرب شيء أحسن منظراً ولا أطيب نشراً من الرياض وعبقها. "أما" عند سيبويه: مهما يكن من شيء فالذين آمنوا. وقال أبو إسحاق: معناها دع ما كنا (فيه) وخذ في غيره. وقال أبو عبيدة: الروضة ما كان في سفل، وإن كان مرتفعاً فهي ترعة. وقال الضحاك: "في روضة" في جنة، والرياض الجنان. والحبرة في اللغة كل نعمة حسنة، والتحبير التحسين وقال ابن عباس: يحبرون: يكرمون. وقال مجاهد: ينعمون. قال الكسائي: حبرته: أكرمته ونعمته. * * ثم قال تعالى: ﴿وَأَمَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ أي: جحدوا توحيد الله وكذبوا رسله، وأنكروا البعث. ﴿فَأُوْلَـٰئِكَ فِي ٱلْعَذَابِ مُحْضَرُونَ﴾ أي: في عذاب الله مجموعون، قد أحضرهم الله إياه. ثم قال تعالى ذكره: ﴿فَسُبْحَانَ ٱللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ سبحان مصدر يؤدي عن معنى سبحوا الله تسبيحاً في هذه الأوقات الأربعة، أي: نزهوه من السوء. وقيل: سبحان مأخوذ من السبحة، والسبحة الصلاة، وسبحة الضحى: صلاة الضحى. وقرأ عكرمة: "حيناً تُمسُونَ وَحِيناً تُصْبِحُونَ"، بتنوين حين ونصبه في الوجهين على الظرف. والتسبيح هنا الصلاة، فالمعنى صلوا أيها المؤمنون حين تمسون صلاة المغرب والعشاء الآخرة، وحين تصبحون صلاة الصبح، وعشياً صلاة العصر، وحين تظهرون صلاة الظهر. * * وقوله: ﴿وَلَهُ ٱلْحَمْدُ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ﴾. أي: له الحمد من جميع خلقه دون غيره من سكان السماوات والأرض. قال ابن عباس: هذه الآية في الصلوات الأربع: الظهر والعصر والصبح والمغرب، وصلاة العشاء في قوله تعالى ﴿وَمِن بَعْدِ صَلَٰوةِ ٱلْعِشَآءِ ثَلاَثُ عَوْرَاتٍ﴾ [النور: ٥٨] هذا معنى قوله. روي عنه: وعشياً: المغرب والعشاء. وقال زِرٌّ: "خاصم نافع بن الأزرق ابن عباس في شيء، ثم قال نافع لابن عباس: هل تجد الصلوات الخمس في كتاب الله؟ قال ابن عباس: نعم ثم قرأ عليه: ﴿فَسُبْحَانَ ٱللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ﴾: المغرب، ﴿وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ الفجر، ﴿وَعَشِيّاً﴾: العصر. ﴿وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾: الظهر، "ومن بعد صلاة العشاء": العشاء. وعن ابن عباس قال: جمعت هذه الآية الصلوات الخمس وقال "حين تمسون": المغرب والعشاء. وقال مجاهد: "حين تمسون": المغرب والعشاء،" وحين تصبحون": الفجر، "وعشياً": العصر، "وحين تظهرون": الظهر. وروي عن النبي ﷺ أنه قرأ هذه الآية وقال: "هذا حين افترض وقت الصلاة". وأول وقت الظهر زوال الشمس إجماعاً. وآخر وقتها عند مالك: إذا كان ظل كل شيء مثله بعد الزوال وهو قول الثوري والشافعي وأبي ثور. وقال يعقوب ومحمد بن الحسن: آخر وقتها أن يكون الظل قامة. وقال عطاء: آخر وقتها إلى أن تصفر الشمس. وقال طاوس: لا يفوت الظهر والعصر حتى الليل. وقال النعمان: آخر وقتها ما لم يصر الظل قامتين. وأول وقت العصر: إذا كان ظل كل شيء مثله. هذا قول مالك والثوري والشافعي وإسحاق وأبي ثور. وقال النعمان: أول وقتها أن يصير الظل قامتين بعد الزوال. وآخر وقتها أن يصير [ظل] كل شيء مثليه على الاختيار، فإن صلى بعد ذلك فقد فاته الاختيار ولم يفته وقت الصلاة، قاله الثوري والشافعي وقال أحمد وأبو ثور: آخر وقتها ما لم تصفر الشمس. وقال إسحاق بن راهويه: آخر وقتها غروب الشمس قبل أن يصلي المرء منها ركعة. وعن ابن عباس وعكرمة: أن آخر وقتها غروب الشمس على الإطلاق. ووقت المغرب غروب الشمس وقتاً واحداً، هذا مذهب مالك والأوزاعي. والشافعي. وقال الثوري وأصحاب الرأي: وأحمد وإسحاق: آخر وقتها الشفق. وأول وقت العشاء إذا غاب الشفق إجماعاً. والشفق الحمرة في قول مالك والثوري وابن أبي ليلى والشافعي وأحمد وأبي ثور ويعقوب ومحمد. وهو قول أهل اللغة، يقال ثوب مشفق أي: محمر. وروي عن أنس وابن عباس وأبي هريرة أن الشفق: البياض وهو قول النعمان وزفر. وقال النخعي: آخر وقتها إلى ربع الليل. وعن عمر وأبي هريرة وعمر بن عبد العزيز: أن آخر وقتها ثلث الليل. وبه قال الشافعي وقد كان يقول آخر وقتها نصف الليل ولا يفوت إلى الفجر. وعن عمر أيضاً أن آخر وقتها نصف الليل، وبه قال الثوري وابن المبارك وإسحاق وأبو ثور وأصحاب الرأي:. وعن ابن عباس وعطاء وعكرمة وطاوس: أن آخر وقتها إلى طلوع الفجر. وأول وقت صلاة الصبح طلوع الفجر إجماعاً. وأجمعوا على أن من صلى بعد الفجر وقبل طلوع الشمس أنه قد صلى الصبح في وقتها. * * ثم قال تعالى: ﴿يُخْرِجُ ٱلْحَيَّ مِنَ ٱلْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ ٱلْمَيِّتَ مِنَ ٱلْحَيِّ﴾ أي: صلوا ما أمرتم به لله الذي يفعل هذا لا يقدر على فعله أحد غيره، يخرج الإنسان الحي من الماء الميت، ويخرج الماء الميت من الإنسان الحي، ويحيي الأرض بالماء فينبتها ويخرج زرعها بعد موتها. ﴿وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ أيها الناس من قبوركم للبعث والمجازاة. وقال الحسن: معناه يخرج المؤمن من الكافر والكافر من المؤمن. وذكر أبو عبيد أن سهل بن معاذ بن أنس روي عن أبيه رفعه إلى النبي ﷺ أنه قال: "ألاَ أُخْبِرُكُمْ لِمَ سَمَّى الله تَعَالَى إِبْرَاهِيمَ خَلِيلَهُ الذِي وَفَّى؟ قَالَ: لأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ إِذَا أَصْبَحَ: "فسُبْحَانَ اللهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ" حتى ختم الآية

الروم 30:11

قوله تعالى ذكره: ﴿أَوَلَمْ يَسيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ فَيَنظُرُواْ﴾ إلى قوله: ﴿وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾. أي: أولم يسير هؤلاء المكذبون بالبعث في الأرض فينظروا إلى آثار الله فيمن كان قبلهم من الأمم المكذبة رسلها، كيف كان عاقبة أمرها، فقد كانوا أشد من هؤلاء قوة، ﴿وَأَثَارُواْ ٱلأَرْضَ﴾ أي: استخرجوها وحدثوها وعمروها أكثر مدة مما عمر هؤلاء الأرض، ﴿وَجَآءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيِّنَاتِ﴾ فكذبوهم، فأهلكهم الله وما كان الله ليظلمهم بعقابه إياهم على تكذيبهم رسله، ﴿وَلَـٰكِن كَانُوۤاْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ بمعصيتهم ربهم. * * ثم قال تعالى: ﴿ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ ٱلَّذِينَ أَسَاءُواْ ٱلسُّوۤءَىٰ أَن كَذَّبُواْ بِآيَاتِ ٱللَّهِ﴾. أي: ثم كان آخر من كفر من هؤلاء الذين أثاروا الأرض السوأى: أي الخلة التي هي أسوأ من فعلهم: البوار والهلاك في الدنيا، والنار في الآخرة خالدين فيها. قال ابن عباس: السوأى جهنم والحسنى الجنة. قال قتادة: كان عاقبة الذين أشركوا النار. والسوآى اسم. وقيل مصدر كالتقوى. قال مجاهد: السوآى: الإساءة. * * ثم قال: ﴿أَن كَذَّبُواْ بِآيَاتِ ٱللَّهِ﴾ أي: عاقبتهم النار لأن كذبوا ومن أجل أن كذبوا بحجج الله ورسله. ﴿وَكَانُواْ بِهَا يَسْتَهْزِئُونَ﴾ أي: بحجج الله وأنبيائه يسخرون. * * ثم قال تعالى: ﴿ٱللَّهُ يَبْدَأُ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ أي: ينفرد بإنشاء جميع خلقه من قدرته، ثم يعيده بعد إفنائه له خلقاً جديداً. ﴿ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ أي: يردون فيجازيهم بأعمالهم. * * ثم قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ يُبْلِسُ ٱلْمُجْرِمُونَ﴾ أي: واذكر يا محمد يوم تقوم الساعة ييأس الكافرون من كل خير. وأصل الإبلاس: انقطاع الحجة والسكوت والحيرة. قال قتادة: "يبلس المجرمون" أي: في النار. وقال ابن زيد: المبلس الذي قد نزل به الشر. وقال مجاهد: الإبلاس الفضيحة. * * ﴿وَلَمْ يَكُن لَّهُمْ مِّن شُرَكَآئِهِمْ شُفَعَاءُ﴾. أي: ولم يكن للمجرمين من شركائهم في الكفر والمعصية وأذى الرسل شُفَعَاء ينقذونهم من عذاب الله. وقيل: شركاؤهم هنا الأصنام والأوثان التي عبدوها من دون الله، أضيفت إليهم لأنهم هم اخترعوها وابتدعوا عبادتها. * * ﴿وَكَانُواْ بِشُرَكَآئِهِمْ كَافِرِينَ﴾. أي: جاحدون ولا يتهم متبرئين منهم وهو معنى قوله ﴿إِذْ تَبَرَّأَ ٱلَّذِينَ ٱتُّبِعُواْ مِنَ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُواْ﴾ [البقرة: ١٦٦] الآية. * * ثم قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ﴾ أي: يتفرق المؤمنون من الكافرين. قال قتادة: فرقة والله لا اجتماع بعدها. ثم بين تعالى ما يؤول إليه الافتراق. فقال: ﴿فَأَمَّا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ﴾. أي: هم في الرياض والنبات الملتف بين أنواع الزهر في الجنات يسرون ويلذذون بطيب العيش والسماع. وذكر الله جل ذكره الروضة لأنهم لم يكن عند العرب شيء أحسن منظراً ولا أطيب نشراً من الرياض وعبقها. "أما" عند سيبويه: مهما يكن من شيء فالذين آمنوا. وقال أبو إسحاق: معناها دع ما كنا (فيه) وخذ في غيره. وقال أبو عبيدة: الروضة ما كان في سفل، وإن كان مرتفعاً فهي ترعة. وقال الضحاك: "في روضة" في جنة، والرياض الجنان. والحبرة في اللغة كل نعمة حسنة، والتحبير التحسين وقال ابن عباس: يحبرون: يكرمون. وقال مجاهد: ينعمون. قال الكسائي: حبرته: أكرمته ونعمته. * * ثم قال تعالى: ﴿وَأَمَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ أي: جحدوا توحيد الله وكذبوا رسله، وأنكروا البعث. ﴿فَأُوْلَـٰئِكَ فِي ٱلْعَذَابِ مُحْضَرُونَ﴾ أي: في عذاب الله مجموعون، قد أحضرهم الله إياه. ثم قال تعالى ذكره: ﴿فَسُبْحَانَ ٱللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ سبحان مصدر يؤدي عن معنى سبحوا الله تسبيحاً في هذه الأوقات الأربعة، أي: نزهوه من السوء. وقيل: سبحان مأخوذ من السبحة، والسبحة الصلاة، وسبحة الضحى: صلاة الضحى. وقرأ عكرمة: "حيناً تُمسُونَ وَحِيناً تُصْبِحُونَ"، بتنوين حين ونصبه في الوجهين على الظرف. والتسبيح هنا الصلاة، فالمعنى صلوا أيها المؤمنون حين تمسون صلاة المغرب والعشاء الآخرة، وحين تصبحون صلاة الصبح، وعشياً صلاة العصر، وحين تظهرون صلاة الظهر. * * وقوله: ﴿وَلَهُ ٱلْحَمْدُ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ﴾. أي: له الحمد من جميع خلقه دون غيره من سكان السماوات والأرض. قال ابن عباس: هذه الآية في الصلوات الأربع: الظهر والعصر والصبح والمغرب، وصلاة العشاء في قوله تعالى ﴿وَمِن بَعْدِ صَلَٰوةِ ٱلْعِشَآءِ ثَلاَثُ عَوْرَاتٍ﴾ [النور: ٥٨] هذا معنى قوله. روي عنه: وعشياً: المغرب والعشاء. وقال زِرٌّ: "خاصم نافع بن الأزرق ابن عباس في شيء، ثم قال نافع لابن عباس: هل تجد الصلوات الخمس في كتاب الله؟ قال ابن عباس: نعم ثم قرأ عليه: ﴿فَسُبْحَانَ ٱللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ﴾: المغرب، ﴿وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ الفجر، ﴿وَعَشِيّاً﴾: العصر. ﴿وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾: الظهر، "ومن بعد صلاة العشاء": العشاء. وعن ابن عباس قال: جمعت هذه الآية الصلوات الخمس وقال "حين تمسون": المغرب والعشاء. وقال مجاهد: "حين تمسون": المغرب والعشاء،" وحين تصبحون": الفجر، "وعشياً": العصر، "وحين تظهرون": الظهر. وروي عن النبي ﷺ أنه قرأ هذه الآية وقال: "هذا حين افترض وقت الصلاة". وأول وقت الظهر زوال الشمس إجماعاً. وآخر وقتها عند مالك: إذا كان ظل كل شيء مثله بعد الزوال وهو قول الثوري والشافعي وأبي ثور. وقال يعقوب ومحمد بن الحسن: آخر وقتها أن يكون الظل قامة. وقال عطاء: آخر وقتها إلى أن تصفر الشمس. وقال طاوس: لا يفوت الظهر والعصر حتى الليل. وقال النعمان: آخر وقتها ما لم يصر الظل قامتين. وأول وقت العصر: إذا كان ظل كل شيء مثله. هذا قول مالك والثوري والشافعي وإسحاق وأبي ثور. وقال النعمان: أول وقتها أن يصير الظل قامتين بعد الزوال. وآخر وقتها أن يصير [ظل] كل شيء مثليه على الاختيار، فإن صلى بعد ذلك فقد فاته الاختيار ولم يفته وقت الصلاة، قاله الثوري والشافعي وقال أحمد وأبو ثور: آخر وقتها ما لم تصفر الشمس. وقال إسحاق بن راهويه: آخر وقتها غروب الشمس قبل أن يصلي المرء منها ركعة. وعن ابن عباس وعكرمة: أن آخر وقتها غروب الشمس على الإطلاق. ووقت المغرب غروب الشمس وقتاً واحداً، هذا مذهب مالك والأوزاعي. والشافعي. وقال الثوري وأصحاب الرأي: وأحمد وإسحاق: آخر وقتها الشفق. وأول وقت العشاء إذا غاب الشفق إجماعاً. والشفق الحمرة في قول مالك والثوري وابن أبي ليلى والشافعي وأحمد وأبي ثور ويعقوب ومحمد. وهو قول أهل اللغة، يقال ثوب مشفق أي: محمر. وروي عن أنس وابن عباس وأبي هريرة أن الشفق: البياض وهو قول النعمان وزفر. وقال النخعي: آخر وقتها إلى ربع الليل. وعن عمر وأبي هريرة وعمر بن عبد العزيز: أن آخر وقتها ثلث الليل. وبه قال الشافعي وقد كان يقول آخر وقتها نصف الليل ولا يفوت إلى الفجر. وعن عمر أيضاً أن آخر وقتها نصف الليل، وبه قال الثوري وابن المبارك وإسحاق وأبو ثور وأصحاب الرأي:. وعن ابن عباس وعطاء وعكرمة وطاوس: أن آخر وقتها إلى طلوع الفجر. وأول وقت صلاة الصبح طلوع الفجر إجماعاً. وأجمعوا على أن من صلى بعد الفجر وقبل طلوع الشمس أنه قد صلى الصبح في وقتها. * * ثم قال تعالى: ﴿يُخْرِجُ ٱلْحَيَّ مِنَ ٱلْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ ٱلْمَيِّتَ مِنَ ٱلْحَيِّ﴾ أي: صلوا ما أمرتم به لله الذي يفعل هذا لا يقدر على فعله أحد غيره، يخرج الإنسان الحي من الماء الميت، ويخرج الماء الميت من الإنسان الحي، ويحيي الأرض بالماء فينبتها ويخرج زرعها بعد موتها. ﴿وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ أيها الناس من قبوركم للبعث والمجازاة. وقال الحسن: معناه يخرج المؤمن من الكافر والكافر من المؤمن. وذكر أبو عبيد أن سهل بن معاذ بن أنس روي عن أبيه رفعه إلى النبي ﷺ أنه قال: "ألاَ أُخْبِرُكُمْ لِمَ سَمَّى الله تَعَالَى إِبْرَاهِيمَ خَلِيلَهُ الذِي وَفَّى؟ قَالَ: لأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ إِذَا أَصْبَحَ: "فسُبْحَانَ اللهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ" حتى ختم الآية

الروم 30:12

قوله تعالى ذكره: ﴿أَوَلَمْ يَسيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ فَيَنظُرُواْ﴾ إلى قوله: ﴿وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾. أي: أولم يسير هؤلاء المكذبون بالبعث في الأرض فينظروا إلى آثار الله فيمن كان قبلهم من الأمم المكذبة رسلها، كيف كان عاقبة أمرها، فقد كانوا أشد من هؤلاء قوة، ﴿وَأَثَارُواْ ٱلأَرْضَ﴾ أي: استخرجوها وحدثوها وعمروها أكثر مدة مما عمر هؤلاء الأرض، ﴿وَجَآءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيِّنَاتِ﴾ فكذبوهم، فأهلكهم الله وما كان الله ليظلمهم بعقابه إياهم على تكذيبهم رسله، ﴿وَلَـٰكِن كَانُوۤاْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ بمعصيتهم ربهم. * * ثم قال تعالى: ﴿ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ ٱلَّذِينَ أَسَاءُواْ ٱلسُّوۤءَىٰ أَن كَذَّبُواْ بِآيَاتِ ٱللَّهِ﴾. أي: ثم كان آخر من كفر من هؤلاء الذين أثاروا الأرض السوأى: أي الخلة التي هي أسوأ من فعلهم: البوار والهلاك في الدنيا، والنار في الآخرة خالدين فيها. قال ابن عباس: السوأى جهنم والحسنى الجنة. قال قتادة: كان عاقبة الذين أشركوا النار. والسوآى اسم. وقيل مصدر كالتقوى. قال مجاهد: السوآى: الإساءة. * * ثم قال: ﴿أَن كَذَّبُواْ بِآيَاتِ ٱللَّهِ﴾ أي: عاقبتهم النار لأن كذبوا ومن أجل أن كذبوا بحجج الله ورسله. ﴿وَكَانُواْ بِهَا يَسْتَهْزِئُونَ﴾ أي: بحجج الله وأنبيائه يسخرون. * * ثم قال تعالى: ﴿ٱللَّهُ يَبْدَأُ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ أي: ينفرد بإنشاء جميع خلقه من قدرته، ثم يعيده بعد إفنائه له خلقاً جديداً. ﴿ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ أي: يردون فيجازيهم بأعمالهم. * * ثم قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ يُبْلِسُ ٱلْمُجْرِمُونَ﴾ أي: واذكر يا محمد يوم تقوم الساعة ييأس الكافرون من كل خير. وأصل الإبلاس: انقطاع الحجة والسكوت والحيرة. قال قتادة: "يبلس المجرمون" أي: في النار. وقال ابن زيد: المبلس الذي قد نزل به الشر. وقال مجاهد: الإبلاس الفضيحة. * * ﴿وَلَمْ يَكُن لَّهُمْ مِّن شُرَكَآئِهِمْ شُفَعَاءُ﴾. أي: ولم يكن للمجرمين من شركائهم في الكفر والمعصية وأذى الرسل شُفَعَاء ينقذونهم من عذاب الله. وقيل: شركاؤهم هنا الأصنام والأوثان التي عبدوها من دون الله، أضيفت إليهم لأنهم هم اخترعوها وابتدعوا عبادتها. * * ﴿وَكَانُواْ بِشُرَكَآئِهِمْ كَافِرِينَ﴾. أي: جاحدون ولا يتهم متبرئين منهم وهو معنى قوله ﴿إِذْ تَبَرَّأَ ٱلَّذِينَ ٱتُّبِعُواْ مِنَ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُواْ﴾ [البقرة: ١٦٦] الآية. * * ثم قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ﴾ أي: يتفرق المؤمنون من الكافرين. قال قتادة: فرقة والله لا اجتماع بعدها. ثم بين تعالى ما يؤول إليه الافتراق. فقال: ﴿فَأَمَّا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ﴾. أي: هم في الرياض والنبات الملتف بين أنواع الزهر في الجنات يسرون ويلذذون بطيب العيش والسماع. وذكر الله جل ذكره الروضة لأنهم لم يكن عند العرب شيء أحسن منظراً ولا أطيب نشراً من الرياض وعبقها. "أما" عند سيبويه: مهما يكن من شيء فالذين آمنوا. وقال أبو إسحاق: معناها دع ما كنا (فيه) وخذ في غيره. وقال أبو عبيدة: الروضة ما كان في سفل، وإن كان مرتفعاً فهي ترعة. وقال الضحاك: "في روضة" في جنة، والرياض الجنان. والحبرة في اللغة كل نعمة حسنة، والتحبير التحسين وقال ابن عباس: يحبرون: يكرمون. وقال مجاهد: ينعمون. قال الكسائي: حبرته: أكرمته ونعمته. * * ثم قال تعالى: ﴿وَأَمَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ أي: جحدوا توحيد الله وكذبوا رسله، وأنكروا البعث. ﴿فَأُوْلَـٰئِكَ فِي ٱلْعَذَابِ مُحْضَرُونَ﴾ أي: في عذاب الله مجموعون، قد أحضرهم الله إياه. ثم قال تعالى ذكره: ﴿فَسُبْحَانَ ٱللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ سبحان مصدر يؤدي عن معنى سبحوا الله تسبيحاً في هذه الأوقات الأربعة، أي: نزهوه من السوء. وقيل: سبحان مأخوذ من السبحة، والسبحة الصلاة، وسبحة الضحى: صلاة الضحى. وقرأ عكرمة: "حيناً تُمسُونَ وَحِيناً تُصْبِحُونَ"، بتنوين حين ونصبه في الوجهين على الظرف. والتسبيح هنا الصلاة، فالمعنى صلوا أيها المؤمنون حين تمسون صلاة المغرب والعشاء الآخرة، وحين تصبحون صلاة الصبح، وعشياً صلاة العصر، وحين تظهرون صلاة الظهر. * * وقوله: ﴿وَلَهُ ٱلْحَمْدُ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ﴾. أي: له الحمد من جميع خلقه دون غيره من سكان السماوات والأرض. قال ابن عباس: هذه الآية في الصلوات الأربع: الظهر والعصر والصبح والمغرب، وصلاة العشاء في قوله تعالى ﴿وَمِن بَعْدِ صَلَٰوةِ ٱلْعِشَآءِ ثَلاَثُ عَوْرَاتٍ﴾ [النور: ٥٨] هذا معنى قوله. روي عنه: وعشياً: المغرب والعشاء. وقال زِرٌّ: "خاصم نافع بن الأزرق ابن عباس في شيء، ثم قال نافع لابن عباس: هل تجد الصلوات الخمس في كتاب الله؟ قال ابن عباس: نعم ثم قرأ عليه: ﴿فَسُبْحَانَ ٱللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ﴾: المغرب، ﴿وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ الفجر، ﴿وَعَشِيّاً﴾: العصر. ﴿وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾: الظهر، "ومن بعد صلاة العشاء": العشاء. وعن ابن عباس قال: جمعت هذه الآية الصلوات الخمس وقال "حين تمسون": المغرب والعشاء. وقال مجاهد: "حين تمسون": المغرب والعشاء،" وحين تصبحون": الفجر، "وعشياً": العصر، "وحين تظهرون": الظهر. وروي عن النبي ﷺ أنه قرأ هذه الآية وقال: "هذا حين افترض وقت الصلاة". وأول وقت الظهر زوال الشمس إجماعاً. وآخر وقتها عند مالك: إذا كان ظل كل شيء مثله بعد الزوال وهو قول الثوري والشافعي وأبي ثور. وقال يعقوب ومحمد بن الحسن: آخر وقتها أن يكون الظل قامة. وقال عطاء: آخر وقتها إلى أن تصفر الشمس. وقال طاوس: لا يفوت الظهر والعصر حتى الليل. وقال النعمان: آخر وقتها ما لم يصر الظل قامتين. وأول وقت العصر: إذا كان ظل كل شيء مثله. هذا قول مالك والثوري والشافعي وإسحاق وأبي ثور. وقال النعمان: أول وقتها أن يصير الظل قامتين بعد الزوال. وآخر وقتها أن يصير [ظل] كل شيء مثليه على الاختيار، فإن صلى بعد ذلك فقد فاته الاختيار ولم يفته وقت الصلاة، قاله الثوري والشافعي وقال أحمد وأبو ثور: آخر وقتها ما لم تصفر الشمس. وقال إسحاق بن راهويه: آخر وقتها غروب الشمس قبل أن يصلي المرء منها ركعة. وعن ابن عباس وعكرمة: أن آخر وقتها غروب الشمس على الإطلاق. ووقت المغرب غروب الشمس وقتاً واحداً، هذا مذهب مالك والأوزاعي. والشافعي. وقال الثوري وأصحاب الرأي: وأحمد وإسحاق: آخر وقتها الشفق. وأول وقت العشاء إذا غاب الشفق إجماعاً. والشفق الحمرة في قول مالك والثوري وابن أبي ليلى والشافعي وأحمد وأبي ثور ويعقوب ومحمد. وهو قول أهل اللغة، يقال ثوب مشفق أي: محمر. وروي عن أنس وابن عباس وأبي هريرة أن الشفق: البياض وهو قول النعمان وزفر. وقال النخعي: آخر وقتها إلى ربع الليل. وعن عمر وأبي هريرة وعمر بن عبد العزيز: أن آخر وقتها ثلث الليل. وبه قال الشافعي وقد كان يقول آخر وقتها نصف الليل ولا يفوت إلى الفجر. وعن عمر أيضاً أن آخر وقتها نصف الليل، وبه قال الثوري وابن المبارك وإسحاق وأبو ثور وأصحاب الرأي:. وعن ابن عباس وعطاء وعكرمة وطاوس: أن آخر وقتها إلى طلوع الفجر. وأول وقت صلاة الصبح طلوع الفجر إجماعاً. وأجمعوا على أن من صلى بعد الفجر وقبل طلوع الشمس أنه قد صلى الصبح في وقتها. * * ثم قال تعالى: ﴿يُخْرِجُ ٱلْحَيَّ مِنَ ٱلْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ ٱلْمَيِّتَ مِنَ ٱلْحَيِّ﴾ أي: صلوا ما أمرتم به لله الذي يفعل هذا لا يقدر على فعله أحد غيره، يخرج الإنسان الحي من الماء الميت، ويخرج الماء الميت من الإنسان الحي، ويحيي الأرض بالماء فينبتها ويخرج زرعها بعد موتها. ﴿وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ أيها الناس من قبوركم للبعث والمجازاة. وقال الحسن: معناه يخرج المؤمن من الكافر والكافر من المؤمن. وذكر أبو عبيد أن سهل بن معاذ بن أنس روي عن أبيه رفعه إلى النبي ﷺ أنه قال: "ألاَ أُخْبِرُكُمْ لِمَ سَمَّى الله تَعَالَى إِبْرَاهِيمَ خَلِيلَهُ الذِي وَفَّى؟ قَالَ: لأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ إِذَا أَصْبَحَ: "فسُبْحَانَ اللهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ" حتى ختم الآية

الروم 30:13

قوله تعالى ذكره: ﴿أَوَلَمْ يَسيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ فَيَنظُرُواْ﴾ إلى قوله: ﴿وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾. أي: أولم يسير هؤلاء المكذبون بالبعث في الأرض فينظروا إلى آثار الله فيمن كان قبلهم من الأمم المكذبة رسلها، كيف كان عاقبة أمرها، فقد كانوا أشد من هؤلاء قوة، ﴿وَأَثَارُواْ ٱلأَرْضَ﴾ أي: استخرجوها وحدثوها وعمروها أكثر مدة مما عمر هؤلاء الأرض، ﴿وَجَآءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيِّنَاتِ﴾ فكذبوهم، فأهلكهم الله وما كان الله ليظلمهم بعقابه إياهم على تكذيبهم رسله، ﴿وَلَـٰكِن كَانُوۤاْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ بمعصيتهم ربهم. * * ثم قال تعالى: ﴿ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ ٱلَّذِينَ أَسَاءُواْ ٱلسُّوۤءَىٰ أَن كَذَّبُواْ بِآيَاتِ ٱللَّهِ﴾. أي: ثم كان آخر من كفر من هؤلاء الذين أثاروا الأرض السوأى: أي الخلة التي هي أسوأ من فعلهم: البوار والهلاك في الدنيا، والنار في الآخرة خالدين فيها. قال ابن عباس: السوأى جهنم والحسنى الجنة. قال قتادة: كان عاقبة الذين أشركوا النار. والسوآى اسم. وقيل مصدر كالتقوى. قال مجاهد: السوآى: الإساءة. * * ثم قال: ﴿أَن كَذَّبُواْ بِآيَاتِ ٱللَّهِ﴾ أي: عاقبتهم النار لأن كذبوا ومن أجل أن كذبوا بحجج الله ورسله. ﴿وَكَانُواْ بِهَا يَسْتَهْزِئُونَ﴾ أي: بحجج الله وأنبيائه يسخرون. * * ثم قال تعالى: ﴿ٱللَّهُ يَبْدَأُ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ أي: ينفرد بإنشاء جميع خلقه من قدرته، ثم يعيده بعد إفنائه له خلقاً جديداً. ﴿ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ أي: يردون فيجازيهم بأعمالهم. * * ثم قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ يُبْلِسُ ٱلْمُجْرِمُونَ﴾ أي: واذكر يا محمد يوم تقوم الساعة ييأس الكافرون من كل خير. وأصل الإبلاس: انقطاع الحجة والسكوت والحيرة. قال قتادة: "يبلس المجرمون" أي: في النار. وقال ابن زيد: المبلس الذي قد نزل به الشر. وقال مجاهد: الإبلاس الفضيحة. * * ﴿وَلَمْ يَكُن لَّهُمْ مِّن شُرَكَآئِهِمْ شُفَعَاءُ﴾. أي: ولم يكن للمجرمين من شركائهم في الكفر والمعصية وأذى الرسل شُفَعَاء ينقذونهم من عذاب الله. وقيل: شركاؤهم هنا الأصنام والأوثان التي عبدوها من دون الله، أضيفت إليهم لأنهم هم اخترعوها وابتدعوا عبادتها. * * ﴿وَكَانُواْ بِشُرَكَآئِهِمْ كَافِرِينَ﴾. أي: جاحدون ولا يتهم متبرئين منهم وهو معنى قوله ﴿إِذْ تَبَرَّأَ ٱلَّذِينَ ٱتُّبِعُواْ مِنَ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُواْ﴾ [البقرة: ١٦٦] الآية. * * ثم قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ﴾ أي: يتفرق المؤمنون من الكافرين. قال قتادة: فرقة والله لا اجتماع بعدها. ثم بين تعالى ما يؤول إليه الافتراق. فقال: ﴿فَأَمَّا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ﴾. أي: هم في الرياض والنبات الملتف بين أنواع الزهر في الجنات يسرون ويلذذون بطيب العيش والسماع. وذكر الله جل ذكره الروضة لأنهم لم يكن عند العرب شيء أحسن منظراً ولا أطيب نشراً من الرياض وعبقها. "أما" عند سيبويه: مهما يكن من شيء فالذين آمنوا. وقال أبو إسحاق: معناها دع ما كنا (فيه) وخذ في غيره. وقال أبو عبيدة: الروضة ما كان في سفل، وإن كان مرتفعاً فهي ترعة. وقال الضحاك: "في روضة" في جنة، والرياض الجنان. والحبرة في اللغة كل نعمة حسنة، والتحبير التحسين وقال ابن عباس: يحبرون: يكرمون. وقال مجاهد: ينعمون. قال الكسائي: حبرته: أكرمته ونعمته. * * ثم قال تعالى: ﴿وَأَمَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ أي: جحدوا توحيد الله وكذبوا رسله، وأنكروا البعث. ﴿فَأُوْلَـٰئِكَ فِي ٱلْعَذَابِ مُحْضَرُونَ﴾ أي: في عذاب الله مجموعون، قد أحضرهم الله إياه. ثم قال تعالى ذكره: ﴿فَسُبْحَانَ ٱللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ سبحان مصدر يؤدي عن معنى سبحوا الله تسبيحاً في هذه الأوقات الأربعة، أي: نزهوه من السوء. وقيل: سبحان مأخوذ من السبحة، والسبحة الصلاة، وسبحة الضحى: صلاة الضحى. وقرأ عكرمة: "حيناً تُمسُونَ وَحِيناً تُصْبِحُونَ"، بتنوين حين ونصبه في الوجهين على الظرف. والتسبيح هنا الصلاة، فالمعنى صلوا أيها المؤمنون حين تمسون صلاة المغرب والعشاء الآخرة، وحين تصبحون صلاة الصبح، وعشياً صلاة العصر، وحين تظهرون صلاة الظهر. * * وقوله: ﴿وَلَهُ ٱلْحَمْدُ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ﴾. أي: له الحمد من جميع خلقه دون غيره من سكان السماوات والأرض. قال ابن عباس: هذه الآية في الصلوات الأربع: الظهر والعصر والصبح والمغرب، وصلاة العشاء في قوله تعالى ﴿وَمِن بَعْدِ صَلَٰوةِ ٱلْعِشَآءِ ثَلاَثُ عَوْرَاتٍ﴾ [النور: ٥٨] هذا معنى قوله. روي عنه: وعشياً: المغرب والعشاء. وقال زِرٌّ: "خاصم نافع بن الأزرق ابن عباس في شيء، ثم قال نافع لابن عباس: هل تجد الصلوات الخمس في كتاب الله؟ قال ابن عباس: نعم ثم قرأ عليه: ﴿فَسُبْحَانَ ٱللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ﴾: المغرب، ﴿وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ الفجر، ﴿وَعَشِيّاً﴾: العصر. ﴿وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾: الظهر، "ومن بعد صلاة العشاء": العشاء. وعن ابن عباس قال: جمعت هذه الآية الصلوات الخمس وقال "حين تمسون": المغرب والعشاء. وقال مجاهد: "حين تمسون": المغرب والعشاء،" وحين تصبحون": الفجر، "وعشياً": العصر، "وحين تظهرون": الظهر. وروي عن النبي ﷺ أنه قرأ هذه الآية وقال: "هذا حين افترض وقت الصلاة". وأول وقت الظهر زوال الشمس إجماعاً. وآخر وقتها عند مالك: إذا كان ظل كل شيء مثله بعد الزوال وهو قول الثوري والشافعي وأبي ثور. وقال يعقوب ومحمد بن الحسن: آخر وقتها أن يكون الظل قامة. وقال عطاء: آخر وقتها إلى أن تصفر الشمس. وقال طاوس: لا يفوت الظهر والعصر حتى الليل. وقال النعمان: آخر وقتها ما لم يصر الظل قامتين. وأول وقت العصر: إذا كان ظل كل شيء مثله. هذا قول مالك والثوري والشافعي وإسحاق وأبي ثور. وقال النعمان: أول وقتها أن يصير الظل قامتين بعد الزوال. وآخر وقتها أن يصير [ظل] كل شيء مثليه على الاختيار، فإن صلى بعد ذلك فقد فاته الاختيار ولم يفته وقت الصلاة، قاله الثوري والشافعي وقال أحمد وأبو ثور: آخر وقتها ما لم تصفر الشمس. وقال إسحاق بن راهويه: آخر وقتها غروب الشمس قبل أن يصلي المرء منها ركعة. وعن ابن عباس وعكرمة: أن آخر وقتها غروب الشمس على الإطلاق. ووقت المغرب غروب الشمس وقتاً واحداً، هذا مذهب مالك والأوزاعي. والشافعي. وقال الثوري وأصحاب الرأي: وأحمد وإسحاق: آخر وقتها الشفق. وأول وقت العشاء إذا غاب الشفق إجماعاً. والشفق الحمرة في قول مالك والثوري وابن أبي ليلى والشافعي وأحمد وأبي ثور ويعقوب ومحمد. وهو قول أهل اللغة، يقال ثوب مشفق أي: محمر. وروي عن أنس وابن عباس وأبي هريرة أن الشفق: البياض وهو قول النعمان وزفر. وقال النخعي: آخر وقتها إلى ربع الليل. وعن عمر وأبي هريرة وعمر بن عبد العزيز: أن آخر وقتها ثلث الليل. وبه قال الشافعي وقد كان يقول آخر وقتها نصف الليل ولا يفوت إلى الفجر. وعن عمر أيضاً أن آخر وقتها نصف الليل، وبه قال الثوري وابن المبارك وإسحاق وأبو ثور وأصحاب الرأي:. وعن ابن عباس وعطاء وعكرمة وطاوس: أن آخر وقتها إلى طلوع الفجر. وأول وقت صلاة الصبح طلوع الفجر إجماعاً. وأجمعوا على أن من صلى بعد الفجر وقبل طلوع الشمس أنه قد صلى الصبح في وقتها. * * ثم قال تعالى: ﴿يُخْرِجُ ٱلْحَيَّ مِنَ ٱلْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ ٱلْمَيِّتَ مِنَ ٱلْحَيِّ﴾ أي: صلوا ما أمرتم به لله الذي يفعل هذا لا يقدر على فعله أحد غيره، يخرج الإنسان الحي من الماء الميت، ويخرج الماء الميت من الإنسان الحي، ويحيي الأرض بالماء فينبتها ويخرج زرعها بعد موتها. ﴿وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ أيها الناس من قبوركم للبعث والمجازاة. وقال الحسن: معناه يخرج المؤمن من الكافر والكافر من المؤمن. وذكر أبو عبيد أن سهل بن معاذ بن أنس روي عن أبيه رفعه إلى النبي ﷺ أنه قال: "ألاَ أُخْبِرُكُمْ لِمَ سَمَّى الله تَعَالَى إِبْرَاهِيمَ خَلِيلَهُ الذِي وَفَّى؟ قَالَ: لأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ إِذَا أَصْبَحَ: "فسُبْحَانَ اللهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ" حتى ختم الآية

الروم 30:14

قوله تعالى ذكره: ﴿أَوَلَمْ يَسيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ فَيَنظُرُواْ﴾ إلى قوله: ﴿وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾. أي: أولم يسير هؤلاء المكذبون بالبعث في الأرض فينظروا إلى آثار الله فيمن كان قبلهم من الأمم المكذبة رسلها، كيف كان عاقبة أمرها، فقد كانوا أشد من هؤلاء قوة، ﴿وَأَثَارُواْ ٱلأَرْضَ﴾ أي: استخرجوها وحدثوها وعمروها أكثر مدة مما عمر هؤلاء الأرض، ﴿وَجَآءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيِّنَاتِ﴾ فكذبوهم، فأهلكهم الله وما كان الله ليظلمهم بعقابه إياهم على تكذيبهم رسله، ﴿وَلَـٰكِن كَانُوۤاْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ بمعصيتهم ربهم. * * ثم قال تعالى: ﴿ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ ٱلَّذِينَ أَسَاءُواْ ٱلسُّوۤءَىٰ أَن كَذَّبُواْ بِآيَاتِ ٱللَّهِ﴾. أي: ثم كان آخر من كفر من هؤلاء الذين أثاروا الأرض السوأى: أي الخلة التي هي أسوأ من فعلهم: البوار والهلاك في الدنيا، والنار في الآخرة خالدين فيها. قال ابن عباس: السوأى جهنم والحسنى الجنة. قال قتادة: كان عاقبة الذين أشركوا النار. والسوآى اسم. وقيل مصدر كالتقوى. قال مجاهد: السوآى: الإساءة. * * ثم قال: ﴿أَن كَذَّبُواْ بِآيَاتِ ٱللَّهِ﴾ أي: عاقبتهم النار لأن كذبوا ومن أجل أن كذبوا بحجج الله ورسله. ﴿وَكَانُواْ بِهَا يَسْتَهْزِئُونَ﴾ أي: بحجج الله وأنبيائه يسخرون. * * ثم قال تعالى: ﴿ٱللَّهُ يَبْدَأُ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ أي: ينفرد بإنشاء جميع خلقه من قدرته، ثم يعيده بعد إفنائه له خلقاً جديداً. ﴿ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ أي: يردون فيجازيهم بأعمالهم. * * ثم قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ يُبْلِسُ ٱلْمُجْرِمُونَ﴾ أي: واذكر يا محمد يوم تقوم الساعة ييأس الكافرون من كل خير. وأصل الإبلاس: انقطاع الحجة والسكوت والحيرة. قال قتادة: "يبلس المجرمون" أي: في النار. وقال ابن زيد: المبلس الذي قد نزل به الشر. وقال مجاهد: الإبلاس الفضيحة. * * ﴿وَلَمْ يَكُن لَّهُمْ مِّن شُرَكَآئِهِمْ شُفَعَاءُ﴾. أي: ولم يكن للمجرمين من شركائهم في الكفر والمعصية وأذى الرسل شُفَعَاء ينقذونهم من عذاب الله. وقيل: شركاؤهم هنا الأصنام والأوثان التي عبدوها من دون الله، أضيفت إليهم لأنهم هم اخترعوها وابتدعوا عبادتها. * * ﴿وَكَانُواْ بِشُرَكَآئِهِمْ كَافِرِينَ﴾. أي: جاحدون ولا يتهم متبرئين منهم وهو معنى قوله ﴿إِذْ تَبَرَّأَ ٱلَّذِينَ ٱتُّبِعُواْ مِنَ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُواْ﴾ [البقرة: ١٦٦] الآية. * * ثم قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ﴾ أي: يتفرق المؤمنون من الكافرين. قال قتادة: فرقة والله لا اجتماع بعدها. ثم بين تعالى ما يؤول إليه الافتراق. فقال: ﴿فَأَمَّا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ﴾. أي: هم في الرياض والنبات الملتف بين أنواع الزهر في الجنات يسرون ويلذذون بطيب العيش والسماع. وذكر الله جل ذكره الروضة لأنهم لم يكن عند العرب شيء أحسن منظراً ولا أطيب نشراً من الرياض وعبقها. "أما" عند سيبويه: مهما يكن من شيء فالذين آمنوا. وقال أبو إسحاق: معناها دع ما كنا (فيه) وخذ في غيره. وقال أبو عبيدة: الروضة ما كان في سفل، وإن كان مرتفعاً فهي ترعة. وقال الضحاك: "في روضة" في جنة، والرياض الجنان. والحبرة في اللغة كل نعمة حسنة، والتحبير التحسين وقال ابن عباس: يحبرون: يكرمون. وقال مجاهد: ينعمون. قال الكسائي: حبرته: أكرمته ونعمته. * * ثم قال تعالى: ﴿وَأَمَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ أي: جحدوا توحيد الله وكذبوا رسله، وأنكروا البعث. ﴿فَأُوْلَـٰئِكَ فِي ٱلْعَذَابِ مُحْضَرُونَ﴾ أي: في عذاب الله مجموعون، قد أحضرهم الله إياه. ثم قال تعالى ذكره: ﴿فَسُبْحَانَ ٱللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ سبحان مصدر يؤدي عن معنى سبحوا الله تسبيحاً في هذه الأوقات الأربعة، أي: نزهوه من السوء. وقيل: سبحان مأخوذ من السبحة، والسبحة الصلاة، وسبحة الضحى: صلاة الضحى. وقرأ عكرمة: "حيناً تُمسُونَ وَحِيناً تُصْبِحُونَ"، بتنوين حين ونصبه في الوجهين على الظرف. والتسبيح هنا الصلاة، فالمعنى صلوا أيها المؤمنون حين تمسون صلاة المغرب والعشاء الآخرة، وحين تصبحون صلاة الصبح، وعشياً صلاة العصر، وحين تظهرون صلاة الظهر. * * وقوله: ﴿وَلَهُ ٱلْحَمْدُ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ﴾. أي: له الحمد من جميع خلقه دون غيره من سكان السماوات والأرض. قال ابن عباس: هذه الآية في الصلوات الأربع: الظهر والعصر والصبح والمغرب، وصلاة العشاء في قوله تعالى ﴿وَمِن بَعْدِ صَلَٰوةِ ٱلْعِشَآءِ ثَلاَثُ عَوْرَاتٍ﴾ [النور: ٥٨] هذا معنى قوله. روي عنه: وعشياً: المغرب والعشاء. وقال زِرٌّ: "خاصم نافع بن الأزرق ابن عباس في شيء، ثم قال نافع لابن عباس: هل تجد الصلوات الخمس في كتاب الله؟ قال ابن عباس: نعم ثم قرأ عليه: ﴿فَسُبْحَانَ ٱللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ﴾: المغرب، ﴿وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ الفجر، ﴿وَعَشِيّاً﴾: العصر. ﴿وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾: الظهر، "ومن بعد صلاة العشاء": العشاء. وعن ابن عباس قال: جمعت هذه الآية الصلوات الخمس وقال "حين تمسون": المغرب والعشاء. وقال مجاهد: "حين تمسون": المغرب والعشاء،" وحين تصبحون": الفجر، "وعشياً": العصر، "وحين تظهرون": الظهر. وروي عن النبي ﷺ أنه قرأ هذه الآية وقال: "هذا حين افترض وقت الصلاة". وأول وقت الظهر زوال الشمس إجماعاً. وآخر وقتها عند مالك: إذا كان ظل كل شيء مثله بعد الزوال وهو قول الثوري والشافعي وأبي ثور. وقال يعقوب ومحمد بن الحسن: آخر وقتها أن يكون الظل قامة. وقال عطاء: آخر وقتها إلى أن تصفر الشمس. وقال طاوس: لا يفوت الظهر والعصر حتى الليل. وقال النعمان: آخر وقتها ما لم يصر الظل قامتين. وأول وقت العصر: إذا كان ظل كل شيء مثله. هذا قول مالك والثوري والشافعي وإسحاق وأبي ثور. وقال النعمان: أول وقتها أن يصير الظل قامتين بعد الزوال. وآخر وقتها أن يصير [ظل] كل شيء مثليه على الاختيار، فإن صلى بعد ذلك فقد فاته الاختيار ولم يفته وقت الصلاة، قاله الثوري والشافعي وقال أحمد وأبو ثور: آخر وقتها ما لم تصفر الشمس. وقال إسحاق بن راهويه: آخر وقتها غروب الشمس قبل أن يصلي المرء منها ركعة. وعن ابن عباس وعكرمة: أن آخر وقتها غروب الشمس على الإطلاق. ووقت المغرب غروب الشمس وقتاً واحداً، هذا مذهب مالك والأوزاعي. والشافعي. وقال الثوري وأصحاب الرأي: وأحمد وإسحاق: آخر وقتها الشفق. وأول وقت العشاء إذا غاب الشفق إجماعاً. والشفق الحمرة في قول مالك والثوري وابن أبي ليلى والشافعي وأحمد وأبي ثور ويعقوب ومحمد. وهو قول أهل اللغة، يقال ثوب مشفق أي: محمر. وروي عن أنس وابن عباس وأبي هريرة أن الشفق: البياض وهو قول النعمان وزفر. وقال النخعي: آخر وقتها إلى ربع الليل. وعن عمر وأبي هريرة وعمر بن عبد العزيز: أن آخر وقتها ثلث الليل. وبه قال الشافعي وقد كان يقول آخر وقتها نصف الليل ولا يفوت إلى الفجر. وعن عمر أيضاً أن آخر وقتها نصف الليل، وبه قال الثوري وابن المبارك وإسحاق وأبو ثور وأصحاب الرأي:. وعن ابن عباس وعطاء وعكرمة وطاوس: أن آخر وقتها إلى طلوع الفجر. وأول وقت صلاة الصبح طلوع الفجر إجماعاً. وأجمعوا على أن من صلى بعد الفجر وقبل طلوع الشمس أنه قد صلى الصبح في وقتها. * * ثم قال تعالى: ﴿يُخْرِجُ ٱلْحَيَّ مِنَ ٱلْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ ٱلْمَيِّتَ مِنَ ٱلْحَيِّ﴾ أي: صلوا ما أمرتم به لله الذي يفعل هذا لا يقدر على فعله أحد غيره، يخرج الإنسان الحي من الماء الميت، ويخرج الماء الميت من الإنسان الحي، ويحيي الأرض بالماء فينبتها ويخرج زرعها بعد موتها. ﴿وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ أيها الناس من قبوركم للبعث والمجازاة. وقال الحسن: معناه يخرج المؤمن من الكافر والكافر من المؤمن. وذكر أبو عبيد أن سهل بن معاذ بن أنس روي عن أبيه رفعه إلى النبي ﷺ أنه قال: "ألاَ أُخْبِرُكُمْ لِمَ سَمَّى الله تَعَالَى إِبْرَاهِيمَ خَلِيلَهُ الذِي وَفَّى؟ قَالَ: لأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ إِذَا أَصْبَحَ: "فسُبْحَانَ اللهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ" حتى ختم الآية

الروم 30:15

قوله تعالى ذكره: ﴿أَوَلَمْ يَسيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ فَيَنظُرُواْ﴾ إلى قوله: ﴿وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾. أي: أولم يسير هؤلاء المكذبون بالبعث في الأرض فينظروا إلى آثار الله فيمن كان قبلهم من الأمم المكذبة رسلها، كيف كان عاقبة أمرها، فقد كانوا أشد من هؤلاء قوة، ﴿وَأَثَارُواْ ٱلأَرْضَ﴾ أي: استخرجوها وحدثوها وعمروها أكثر مدة مما عمر هؤلاء الأرض، ﴿وَجَآءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيِّنَاتِ﴾ فكذبوهم، فأهلكهم الله وما كان الله ليظلمهم بعقابه إياهم على تكذيبهم رسله، ﴿وَلَـٰكِن كَانُوۤاْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ بمعصيتهم ربهم. * * ثم قال تعالى: ﴿ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ ٱلَّذِينَ أَسَاءُواْ ٱلسُّوۤءَىٰ أَن كَذَّبُواْ بِآيَاتِ ٱللَّهِ﴾. أي: ثم كان آخر من كفر من هؤلاء الذين أثاروا الأرض السوأى: أي الخلة التي هي أسوأ من فعلهم: البوار والهلاك في الدنيا، والنار في الآخرة خالدين فيها. قال ابن عباس: السوأى جهنم والحسنى الجنة. قال قتادة: كان عاقبة الذين أشركوا النار. والسوآى اسم. وقيل مصدر كالتقوى. قال مجاهد: السوآى: الإساءة. * * ثم قال: ﴿أَن كَذَّبُواْ بِآيَاتِ ٱللَّهِ﴾ أي: عاقبتهم النار لأن كذبوا ومن أجل أن كذبوا بحجج الله ورسله. ﴿وَكَانُواْ بِهَا يَسْتَهْزِئُونَ﴾ أي: بحجج الله وأنبيائه يسخرون. * * ثم قال تعالى: ﴿ٱللَّهُ يَبْدَأُ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ أي: ينفرد بإنشاء جميع خلقه من قدرته، ثم يعيده بعد إفنائه له خلقاً جديداً. ﴿ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ أي: يردون فيجازيهم بأعمالهم. * * ثم قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ يُبْلِسُ ٱلْمُجْرِمُونَ﴾ أي: واذكر يا محمد يوم تقوم الساعة ييأس الكافرون من كل خير. وأصل الإبلاس: انقطاع الحجة والسكوت والحيرة. قال قتادة: "يبلس المجرمون" أي: في النار. وقال ابن زيد: المبلس الذي قد نزل به الشر. وقال مجاهد: الإبلاس الفضيحة. * * ﴿وَلَمْ يَكُن لَّهُمْ مِّن شُرَكَآئِهِمْ شُفَعَاءُ﴾. أي: ولم يكن للمجرمين من شركائهم في الكفر والمعصية وأذى الرسل شُفَعَاء ينقذونهم من عذاب الله. وقيل: شركاؤهم هنا الأصنام والأوثان التي عبدوها من دون الله، أضيفت إليهم لأنهم هم اخترعوها وابتدعوا عبادتها. * * ﴿وَكَانُواْ بِشُرَكَآئِهِمْ كَافِرِينَ﴾. أي: جاحدون ولا يتهم متبرئين منهم وهو معنى قوله ﴿إِذْ تَبَرَّأَ ٱلَّذِينَ ٱتُّبِعُواْ مِنَ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُواْ﴾ [البقرة: ١٦٦] الآية. * * ثم قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ﴾ أي: يتفرق المؤمنون من الكافرين. قال قتادة: فرقة والله لا اجتماع بعدها. ثم بين تعالى ما يؤول إليه الافتراق. فقال: ﴿فَأَمَّا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ﴾. أي: هم في الرياض والنبات الملتف بين أنواع الزهر في الجنات يسرون ويلذذون بطيب العيش والسماع. وذكر الله جل ذكره الروضة لأنهم لم يكن عند العرب شيء أحسن منظراً ولا أطيب نشراً من الرياض وعبقها. "أما" عند سيبويه: مهما يكن من شيء فالذين آمنوا. وقال أبو إسحاق: معناها دع ما كنا (فيه) وخذ في غيره. وقال أبو عبيدة: الروضة ما كان في سفل، وإن كان مرتفعاً فهي ترعة. وقال الضحاك: "في روضة" في جنة، والرياض الجنان. والحبرة في اللغة كل نعمة حسنة، والتحبير التحسين وقال ابن عباس: يحبرون: يكرمون. وقال مجاهد: ينعمون. قال الكسائي: حبرته: أكرمته ونعمته. * * ثم قال تعالى: ﴿وَأَمَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ أي: جحدوا توحيد الله وكذبوا رسله، وأنكروا البعث. ﴿فَأُوْلَـٰئِكَ فِي ٱلْعَذَابِ مُحْضَرُونَ﴾ أي: في عذاب الله مجموعون، قد أحضرهم الله إياه. ثم قال تعالى ذكره: ﴿فَسُبْحَانَ ٱللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ سبحان مصدر يؤدي عن معنى سبحوا الله تسبيحاً في هذه الأوقات الأربعة، أي: نزهوه من السوء. وقيل: سبحان مأخوذ من السبحة، والسبحة الصلاة، وسبحة الضحى: صلاة الضحى. وقرأ عكرمة: "حيناً تُمسُونَ وَحِيناً تُصْبِحُونَ"، بتنوين حين ونصبه في الوجهين على الظرف. والتسبيح هنا الصلاة، فالمعنى صلوا أيها المؤمنون حين تمسون صلاة المغرب والعشاء الآخرة، وحين تصبحون صلاة الصبح، وعشياً صلاة العصر، وحين تظهرون صلاة الظهر. * * وقوله: ﴿وَلَهُ ٱلْحَمْدُ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ﴾. أي: له الحمد من جميع خلقه دون غيره من سكان السماوات والأرض. قال ابن عباس: هذه الآية في الصلوات الأربع: الظهر والعصر والصبح والمغرب، وصلاة العشاء في قوله تعالى ﴿وَمِن بَعْدِ صَلَٰوةِ ٱلْعِشَآءِ ثَلاَثُ عَوْرَاتٍ﴾ [النور: ٥٨] هذا معنى قوله. روي عنه: وعشياً: المغرب والعشاء. وقال زِرٌّ: "خاصم نافع بن الأزرق ابن عباس في شيء، ثم قال نافع لابن عباس: هل تجد الصلوات الخمس في كتاب الله؟ قال ابن عباس: نعم ثم قرأ عليه: ﴿فَسُبْحَانَ ٱللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ﴾: المغرب، ﴿وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ الفجر، ﴿وَعَشِيّاً﴾: العصر. ﴿وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾: الظهر، "ومن بعد صلاة العشاء": العشاء. وعن ابن عباس قال: جمعت هذه الآية الصلوات الخمس وقال "حين تمسون": المغرب والعشاء. وقال مجاهد: "حين تمسون": المغرب والعشاء،" وحين تصبحون": الفجر، "وعشياً": العصر، "وحين تظهرون": الظهر. وروي عن النبي ﷺ أنه قرأ هذه الآية وقال: "هذا حين افترض وقت الصلاة". وأول وقت الظهر زوال الشمس إجماعاً. وآخر وقتها عند مالك: إذا كان ظل كل شيء مثله بعد الزوال وهو قول الثوري والشافعي وأبي ثور. وقال يعقوب ومحمد بن الحسن: آخر وقتها أن يكون الظل قامة. وقال عطاء: آخر وقتها إلى أن تصفر الشمس. وقال طاوس: لا يفوت الظهر والعصر حتى الليل. وقال النعمان: آخر وقتها ما لم يصر الظل قامتين. وأول وقت العصر: إذا كان ظل كل شيء مثله. هذا قول مالك والثوري والشافعي وإسحاق وأبي ثور. وقال النعمان: أول وقتها أن يصير الظل قامتين بعد الزوال. وآخر وقتها أن يصير [ظل] كل شيء مثليه على الاختيار، فإن صلى بعد ذلك فقد فاته الاختيار ولم يفته وقت الصلاة، قاله الثوري والشافعي وقال أحمد وأبو ثور: آخر وقتها ما لم تصفر الشمس. وقال إسحاق بن راهويه: آخر وقتها غروب الشمس قبل أن يصلي المرء منها ركعة. وعن ابن عباس وعكرمة: أن آخر وقتها غروب الشمس على الإطلاق. ووقت المغرب غروب الشمس وقتاً واحداً، هذا مذهب مالك والأوزاعي. والشافعي. وقال الثوري وأصحاب الرأي: وأحمد وإسحاق: آخر وقتها الشفق. وأول وقت العشاء إذا غاب الشفق إجماعاً. والشفق الحمرة في قول مالك والثوري وابن أبي ليلى والشافعي وأحمد وأبي ثور ويعقوب ومحمد. وهو قول أهل اللغة، يقال ثوب مشفق أي: محمر. وروي عن أنس وابن عباس وأبي هريرة أن الشفق: البياض وهو قول النعمان وزفر. وقال النخعي: آخر وقتها إلى ربع الليل. وعن عمر وأبي هريرة وعمر بن عبد العزيز: أن آخر وقتها ثلث الليل. وبه قال الشافعي وقد كان يقول آخر وقتها نصف الليل ولا يفوت إلى الفجر. وعن عمر أيضاً أن آخر وقتها نصف الليل، وبه قال الثوري وابن المبارك وإسحاق وأبو ثور وأصحاب الرأي:. وعن ابن عباس وعطاء وعكرمة وطاوس: أن آخر وقتها إلى طلوع الفجر. وأول وقت صلاة الصبح طلوع الفجر إجماعاً. وأجمعوا على أن من صلى بعد الفجر وقبل طلوع الشمس أنه قد صلى الصبح في وقتها. * * ثم قال تعالى: ﴿يُخْرِجُ ٱلْحَيَّ مِنَ ٱلْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ ٱلْمَيِّتَ مِنَ ٱلْحَيِّ﴾ أي: صلوا ما أمرتم به لله الذي يفعل هذا لا يقدر على فعله أحد غيره، يخرج الإنسان الحي من الماء الميت، ويخرج الماء الميت من الإنسان الحي، ويحيي الأرض بالماء فينبتها ويخرج زرعها بعد موتها. ﴿وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ أيها الناس من قبوركم للبعث والمجازاة. وقال الحسن: معناه يخرج المؤمن من الكافر والكافر من المؤمن. وذكر أبو عبيد أن سهل بن معاذ بن أنس روي عن أبيه رفعه إلى النبي ﷺ أنه قال: "ألاَ أُخْبِرُكُمْ لِمَ سَمَّى الله تَعَالَى إِبْرَاهِيمَ خَلِيلَهُ الذِي وَفَّى؟ قَالَ: لأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ إِذَا أَصْبَحَ: "فسُبْحَانَ اللهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ" حتى ختم الآية

الروم 30:16

قوله تعالى ذكره: ﴿أَوَلَمْ يَسيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ فَيَنظُرُواْ﴾ إلى قوله: ﴿وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾. أي: أولم يسير هؤلاء المكذبون بالبعث في الأرض فينظروا إلى آثار الله فيمن كان قبلهم من الأمم المكذبة رسلها، كيف كان عاقبة أمرها، فقد كانوا أشد من هؤلاء قوة، ﴿وَأَثَارُواْ ٱلأَرْضَ﴾ أي: استخرجوها وحدثوها وعمروها أكثر مدة مما عمر هؤلاء الأرض، ﴿وَجَآءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيِّنَاتِ﴾ فكذبوهم، فأهلكهم الله وما كان الله ليظلمهم بعقابه إياهم على تكذيبهم رسله، ﴿وَلَـٰكِن كَانُوۤاْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ بمعصيتهم ربهم. * * ثم قال تعالى: ﴿ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ ٱلَّذِينَ أَسَاءُواْ ٱلسُّوۤءَىٰ أَن كَذَّبُواْ بِآيَاتِ ٱللَّهِ﴾. أي: ثم كان آخر من كفر من هؤلاء الذين أثاروا الأرض السوأى: أي الخلة التي هي أسوأ من فعلهم: البوار والهلاك في الدنيا، والنار في الآخرة خالدين فيها. قال ابن عباس: السوأى جهنم والحسنى الجنة. قال قتادة: كان عاقبة الذين أشركوا النار. والسوآى اسم. وقيل مصدر كالتقوى. قال مجاهد: السوآى: الإساءة. * * ثم قال: ﴿أَن كَذَّبُواْ بِآيَاتِ ٱللَّهِ﴾ أي: عاقبتهم النار لأن كذبوا ومن أجل أن كذبوا بحجج الله ورسله. ﴿وَكَانُواْ بِهَا يَسْتَهْزِئُونَ﴾ أي: بحجج الله وأنبيائه يسخرون. * * ثم قال تعالى: ﴿ٱللَّهُ يَبْدَأُ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ أي: ينفرد بإنشاء جميع خلقه من قدرته، ثم يعيده بعد إفنائه له خلقاً جديداً. ﴿ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ أي: يردون فيجازيهم بأعمالهم. * * ثم قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ يُبْلِسُ ٱلْمُجْرِمُونَ﴾ أي: واذكر يا محمد يوم تقوم الساعة ييأس الكافرون من كل خير. وأصل الإبلاس: انقطاع الحجة والسكوت والحيرة. قال قتادة: "يبلس المجرمون" أي: في النار. وقال ابن زيد: المبلس الذي قد نزل به الشر. وقال مجاهد: الإبلاس الفضيحة. * * ﴿وَلَمْ يَكُن لَّهُمْ مِّن شُرَكَآئِهِمْ شُفَعَاءُ﴾. أي: ولم يكن للمجرمين من شركائهم في الكفر والمعصية وأذى الرسل شُفَعَاء ينقذونهم من عذاب الله. وقيل: شركاؤهم هنا الأصنام والأوثان التي عبدوها من دون الله، أضيفت إليهم لأنهم هم اخترعوها وابتدعوا عبادتها. * * ﴿وَكَانُواْ بِشُرَكَآئِهِمْ كَافِرِينَ﴾. أي: جاحدون ولا يتهم متبرئين منهم وهو معنى قوله ﴿إِذْ تَبَرَّأَ ٱلَّذِينَ ٱتُّبِعُواْ مِنَ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُواْ﴾ [البقرة: ١٦٦] الآية. * * ثم قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ﴾ أي: يتفرق المؤمنون من الكافرين. قال قتادة: فرقة والله لا اجتماع بعدها. ثم بين تعالى ما يؤول إليه الافتراق. فقال: ﴿فَأَمَّا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ﴾. أي: هم في الرياض والنبات الملتف بين أنواع الزهر في الجنات يسرون ويلذذون بطيب العيش والسماع. وذكر الله جل ذكره الروضة لأنهم لم يكن عند العرب شيء أحسن منظراً ولا أطيب نشراً من الرياض وعبقها. "أما" عند سيبويه: مهما يكن من شيء فالذين آمنوا. وقال أبو إسحاق: معناها دع ما كنا (فيه) وخذ في غيره. وقال أبو عبيدة: الروضة ما كان في سفل، وإن كان مرتفعاً فهي ترعة. وقال الضحاك: "في روضة" في جنة، والرياض الجنان. والحبرة في اللغة كل نعمة حسنة، والتحبير التحسين وقال ابن عباس: يحبرون: يكرمون. وقال مجاهد: ينعمون. قال الكسائي: حبرته: أكرمته ونعمته. * * ثم قال تعالى: ﴿وَأَمَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ أي: جحدوا توحيد الله وكذبوا رسله، وأنكروا البعث. ﴿فَأُوْلَـٰئِكَ فِي ٱلْعَذَابِ مُحْضَرُونَ﴾ أي: في عذاب الله مجموعون، قد أحضرهم الله إياه. ثم قال تعالى ذكره: ﴿فَسُبْحَانَ ٱللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ سبحان مصدر يؤدي عن معنى سبحوا الله تسبيحاً في هذه الأوقات الأربعة، أي: نزهوه من السوء. وقيل: سبحان مأخوذ من السبحة، والسبحة الصلاة، وسبحة الضحى: صلاة الضحى. وقرأ عكرمة: "حيناً تُمسُونَ وَحِيناً تُصْبِحُونَ"، بتنوين حين ونصبه في الوجهين على الظرف. والتسبيح هنا الصلاة، فالمعنى صلوا أيها المؤمنون حين تمسون صلاة المغرب والعشاء الآخرة، وحين تصبحون صلاة الصبح، وعشياً صلاة العصر، وحين تظهرون صلاة الظهر. * * وقوله: ﴿وَلَهُ ٱلْحَمْدُ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ﴾. أي: له الحمد من جميع خلقه دون غيره من سكان السماوات والأرض. قال ابن عباس: هذه الآية في الصلوات الأربع: الظهر والعصر والصبح والمغرب، وصلاة العشاء في قوله تعالى ﴿وَمِن بَعْدِ صَلَٰوةِ ٱلْعِشَآءِ ثَلاَثُ عَوْرَاتٍ﴾ [النور: ٥٨] هذا معنى قوله. روي عنه: وعشياً: المغرب والعشاء. وقال زِرٌّ: "خاصم نافع بن الأزرق ابن عباس في شيء، ثم قال نافع لابن عباس: هل تجد الصلوات الخمس في كتاب الله؟ قال ابن عباس: نعم ثم قرأ عليه: ﴿فَسُبْحَانَ ٱللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ﴾: المغرب، ﴿وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ الفجر، ﴿وَعَشِيّاً﴾: العصر. ﴿وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾: الظهر، "ومن بعد صلاة العشاء": العشاء. وعن ابن عباس قال: جمعت هذه الآية الصلوات الخمس وقال "حين تمسون": المغرب والعشاء. وقال مجاهد: "حين تمسون": المغرب والعشاء،" وحين تصبحون": الفجر، "وعشياً": العصر، "وحين تظهرون": الظهر. وروي عن النبي ﷺ أنه قرأ هذه الآية وقال: "هذا حين افترض وقت الصلاة". وأول وقت الظهر زوال الشمس إجماعاً. وآخر وقتها عند مالك: إذا كان ظل كل شيء مثله بعد الزوال وهو قول الثوري والشافعي وأبي ثور. وقال يعقوب ومحمد بن الحسن: آخر وقتها أن يكون الظل قامة. وقال عطاء: آخر وقتها إلى أن تصفر الشمس. وقال طاوس: لا يفوت الظهر والعصر حتى الليل. وقال النعمان: آخر وقتها ما لم يصر الظل قامتين. وأول وقت العصر: إذا كان ظل كل شيء مثله. هذا قول مالك والثوري والشافعي وإسحاق وأبي ثور. وقال النعمان: أول وقتها أن يصير الظل قامتين بعد الزوال. وآخر وقتها أن يصير [ظل] كل شيء مثليه على الاختيار، فإن صلى بعد ذلك فقد فاته الاختيار ولم يفته وقت الصلاة، قاله الثوري والشافعي وقال أحمد وأبو ثور: آخر وقتها ما لم تصفر الشمس. وقال إسحاق بن راهويه: آخر وقتها غروب الشمس قبل أن يصلي المرء منها ركعة. وعن ابن عباس وعكرمة: أن آخر وقتها غروب الشمس على الإطلاق. ووقت المغرب غروب الشمس وقتاً واحداً، هذا مذهب مالك والأوزاعي. والشافعي. وقال الثوري وأصحاب الرأي: وأحمد وإسحاق: آخر وقتها الشفق. وأول وقت العشاء إذا غاب الشفق إجماعاً. والشفق الحمرة في قول مالك والثوري وابن أبي ليلى والشافعي وأحمد وأبي ثور ويعقوب ومحمد. وهو قول أهل اللغة، يقال ثوب مشفق أي: محمر. وروي عن أنس وابن عباس وأبي هريرة أن الشفق: البياض وهو قول النعمان وزفر. وقال النخعي: آخر وقتها إلى ربع الليل. وعن عمر وأبي هريرة وعمر بن عبد العزيز: أن آخر وقتها ثلث الليل. وبه قال الشافعي وقد كان يقول آخر وقتها نصف الليل ولا يفوت إلى الفجر. وعن عمر أيضاً أن آخر وقتها نصف الليل، وبه قال الثوري وابن المبارك وإسحاق وأبو ثور وأصحاب الرأي:. وعن ابن عباس وعطاء وعكرمة وطاوس: أن آخر وقتها إلى طلوع الفجر. وأول وقت صلاة الصبح طلوع الفجر إجماعاً. وأجمعوا على أن من صلى بعد الفجر وقبل طلوع الشمس أنه قد صلى الصبح في وقتها. * * ثم قال تعالى: ﴿يُخْرِجُ ٱلْحَيَّ مِنَ ٱلْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ ٱلْمَيِّتَ مِنَ ٱلْحَيِّ﴾ أي: صلوا ما أمرتم به لله الذي يفعل هذا لا يقدر على فعله أحد غيره، يخرج الإنسان الحي من الماء الميت، ويخرج الماء الميت من الإنسان الحي، ويحيي الأرض بالماء فينبتها ويخرج زرعها بعد موتها. ﴿وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ أيها الناس من قبوركم للبعث والمجازاة. وقال الحسن: معناه يخرج المؤمن من الكافر والكافر من المؤمن. وذكر أبو عبيد أن سهل بن معاذ بن أنس روي عن أبيه رفعه إلى النبي ﷺ أنه قال: "ألاَ أُخْبِرُكُمْ لِمَ سَمَّى الله تَعَالَى إِبْرَاهِيمَ خَلِيلَهُ الذِي وَفَّى؟ قَالَ: لأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ إِذَا أَصْبَحَ: "فسُبْحَانَ اللهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ" حتى ختم الآية

الروم 30:17

قوله تعالى ذكره: ﴿أَوَلَمْ يَسيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ فَيَنظُرُواْ﴾ إلى قوله: ﴿وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾. أي: أولم يسير هؤلاء المكذبون بالبعث في الأرض فينظروا إلى آثار الله فيمن كان قبلهم من الأمم المكذبة رسلها، كيف كان عاقبة أمرها، فقد كانوا أشد من هؤلاء قوة، ﴿وَأَثَارُواْ ٱلأَرْضَ﴾ أي: استخرجوها وحدثوها وعمروها أكثر مدة مما عمر هؤلاء الأرض، ﴿وَجَآءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيِّنَاتِ﴾ فكذبوهم، فأهلكهم الله وما كان الله ليظلمهم بعقابه إياهم على تكذيبهم رسله، ﴿وَلَـٰكِن كَانُوۤاْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ بمعصيتهم ربهم. * * ثم قال تعالى: ﴿ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ ٱلَّذِينَ أَسَاءُواْ ٱلسُّوۤءَىٰ أَن كَذَّبُواْ بِآيَاتِ ٱللَّهِ﴾. أي: ثم كان آخر من كفر من هؤلاء الذين أثاروا الأرض السوأى: أي الخلة التي هي أسوأ من فعلهم: البوار والهلاك في الدنيا، والنار في الآخرة خالدين فيها. قال ابن عباس: السوأى جهنم والحسنى الجنة. قال قتادة: كان عاقبة الذين أشركوا النار. والسوآى اسم. وقيل مصدر كالتقوى. قال مجاهد: السوآى: الإساءة. * * ثم قال: ﴿أَن كَذَّبُواْ بِآيَاتِ ٱللَّهِ﴾ أي: عاقبتهم النار لأن كذبوا ومن أجل أن كذبوا بحجج الله ورسله. ﴿وَكَانُواْ بِهَا يَسْتَهْزِئُونَ﴾ أي: بحجج الله وأنبيائه يسخرون. * * ثم قال تعالى: ﴿ٱللَّهُ يَبْدَأُ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ أي: ينفرد بإنشاء جميع خلقه من قدرته، ثم يعيده بعد إفنائه له خلقاً جديداً. ﴿ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ أي: يردون فيجازيهم بأعمالهم. * * ثم قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ يُبْلِسُ ٱلْمُجْرِمُونَ﴾ أي: واذكر يا محمد يوم تقوم الساعة ييأس الكافرون من كل خير. وأصل الإبلاس: انقطاع الحجة والسكوت والحيرة. قال قتادة: "يبلس المجرمون" أي: في النار. وقال ابن زيد: المبلس الذي قد نزل به الشر. وقال مجاهد: الإبلاس الفضيحة. * * ﴿وَلَمْ يَكُن لَّهُمْ مِّن شُرَكَآئِهِمْ شُفَعَاءُ﴾. أي: ولم يكن للمجرمين من شركائهم في الكفر والمعصية وأذى الرسل شُفَعَاء ينقذونهم من عذاب الله. وقيل: شركاؤهم هنا الأصنام والأوثان التي عبدوها من دون الله، أضيفت إليهم لأنهم هم اخترعوها وابتدعوا عبادتها. * * ﴿وَكَانُواْ بِشُرَكَآئِهِمْ كَافِرِينَ﴾. أي: جاحدون ولا يتهم متبرئين منهم وهو معنى قوله ﴿إِذْ تَبَرَّأَ ٱلَّذِينَ ٱتُّبِعُواْ مِنَ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُواْ﴾ [البقرة: ١٦٦] الآية. * * ثم قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ﴾ أي: يتفرق المؤمنون من الكافرين. قال قتادة: فرقة والله لا اجتماع بعدها. ثم بين تعالى ما يؤول إليه الافتراق. فقال: ﴿فَأَمَّا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ﴾. أي: هم في الرياض والنبات الملتف بين أنواع الزهر في الجنات يسرون ويلذذون بطيب العيش والسماع. وذكر الله جل ذكره الروضة لأنهم لم يكن عند العرب شيء أحسن منظراً ولا أطيب نشراً من الرياض وعبقها. "أما" عند سيبويه: مهما يكن من شيء فالذين آمنوا. وقال أبو إسحاق: معناها دع ما كنا (فيه) وخذ في غيره. وقال أبو عبيدة: الروضة ما كان في سفل، وإن كان مرتفعاً فهي ترعة. وقال الضحاك: "في روضة" في جنة، والرياض الجنان. والحبرة في اللغة كل نعمة حسنة، والتحبير التحسين وقال ابن عباس: يحبرون: يكرمون. وقال مجاهد: ينعمون. قال الكسائي: حبرته: أكرمته ونعمته. * * ثم قال تعالى: ﴿وَأَمَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ أي: جحدوا توحيد الله وكذبوا رسله، وأنكروا البعث. ﴿فَأُوْلَـٰئِكَ فِي ٱلْعَذَابِ مُحْضَرُونَ﴾ أي: في عذاب الله مجموعون، قد أحضرهم الله إياه. ثم قال تعالى ذكره: ﴿فَسُبْحَانَ ٱللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ سبحان مصدر يؤدي عن معنى سبحوا الله تسبيحاً في هذه الأوقات الأربعة، أي: نزهوه من السوء. وقيل: سبحان مأخوذ من السبحة، والسبحة الصلاة، وسبحة الضحى: صلاة الضحى. وقرأ عكرمة: "حيناً تُمسُونَ وَحِيناً تُصْبِحُونَ"، بتنوين حين ونصبه في الوجهين على الظرف. والتسبيح هنا الصلاة، فالمعنى صلوا أيها المؤمنون حين تمسون صلاة المغرب والعشاء الآخرة، وحين تصبحون صلاة الصبح، وعشياً صلاة العصر، وحين تظهرون صلاة الظهر. * * وقوله: ﴿وَلَهُ ٱلْحَمْدُ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ﴾. أي: له الحمد من جميع خلقه دون غيره من سكان السماوات والأرض. قال ابن عباس: هذه الآية في الصلوات الأربع: الظهر والعصر والصبح والمغرب، وصلاة العشاء في قوله تعالى ﴿وَمِن بَعْدِ صَلَٰوةِ ٱلْعِشَآءِ ثَلاَثُ عَوْرَاتٍ﴾ [النور: ٥٨] هذا معنى قوله. روي عنه: وعشياً: المغرب والعشاء. وقال زِرٌّ: "خاصم نافع بن الأزرق ابن عباس في شيء، ثم قال نافع لابن عباس: هل تجد الصلوات الخمس في كتاب الله؟ قال ابن عباس: نعم ثم قرأ عليه: ﴿فَسُبْحَانَ ٱللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ﴾: المغرب، ﴿وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ الفجر، ﴿وَعَشِيّاً﴾: العصر. ﴿وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾: الظهر، "ومن بعد صلاة العشاء": العشاء. وعن ابن عباس قال: جمعت هذه الآية الصلوات الخمس وقال "حين تمسون": المغرب والعشاء. وقال مجاهد: "حين تمسون": المغرب والعشاء،" وحين تصبحون": الفجر، "وعشياً": العصر، "وحين تظهرون": الظهر. وروي عن النبي ﷺ أنه قرأ هذه الآية وقال: "هذا حين افترض وقت الصلاة". وأول وقت الظهر زوال الشمس إجماعاً. وآخر وقتها عند مالك: إذا كان ظل كل شيء مثله بعد الزوال وهو قول الثوري والشافعي وأبي ثور. وقال يعقوب ومحمد بن الحسن: آخر وقتها أن يكون الظل قامة. وقال عطاء: آخر وقتها إلى أن تصفر الشمس. وقال طاوس: لا يفوت الظهر والعصر حتى الليل. وقال النعمان: آخر وقتها ما لم يصر الظل قامتين. وأول وقت العصر: إذا كان ظل كل شيء مثله. هذا قول مالك والثوري والشافعي وإسحاق وأبي ثور. وقال النعمان: أول وقتها أن يصير الظل قامتين بعد الزوال. وآخر وقتها أن يصير [ظل] كل شيء مثليه على الاختيار، فإن صلى بعد ذلك فقد فاته الاختيار ولم يفته وقت الصلاة، قاله الثوري والشافعي وقال أحمد وأبو ثور: آخر وقتها ما لم تصفر الشمس. وقال إسحاق بن راهويه: آخر وقتها غروب الشمس قبل أن يصلي المرء منها ركعة. وعن ابن عباس وعكرمة: أن آخر وقتها غروب الشمس على الإطلاق. ووقت المغرب غروب الشمس وقتاً واحداً، هذا مذهب مالك والأوزاعي. والشافعي. وقال الثوري وأصحاب الرأي: وأحمد وإسحاق: آخر وقتها الشفق. وأول وقت العشاء إذا غاب الشفق إجماعاً. والشفق الحمرة في قول مالك والثوري وابن أبي ليلى والشافعي وأحمد وأبي ثور ويعقوب ومحمد. وهو قول أهل اللغة، يقال ثوب مشفق أي: محمر. وروي عن أنس وابن عباس وأبي هريرة أن الشفق: البياض وهو قول النعمان وزفر. وقال النخعي: آخر وقتها إلى ربع الليل. وعن عمر وأبي هريرة وعمر بن عبد العزيز: أن آخر وقتها ثلث الليل. وبه قال الشافعي وقد كان يقول آخر وقتها نصف الليل ولا يفوت إلى الفجر. وعن عمر أيضاً أن آخر وقتها نصف الليل، وبه قال الثوري وابن المبارك وإسحاق وأبو ثور وأصحاب الرأي:. وعن ابن عباس وعطاء وعكرمة وطاوس: أن آخر وقتها إلى طلوع الفجر. وأول وقت صلاة الصبح طلوع الفجر إجماعاً. وأجمعوا على أن من صلى بعد الفجر وقبل طلوع الشمس أنه قد صلى الصبح في وقتها. * * ثم قال تعالى: ﴿يُخْرِجُ ٱلْحَيَّ مِنَ ٱلْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ ٱلْمَيِّتَ مِنَ ٱلْحَيِّ﴾ أي: صلوا ما أمرتم به لله الذي يفعل هذا لا يقدر على فعله أحد غيره، يخرج الإنسان الحي من الماء الميت، ويخرج الماء الميت من الإنسان الحي، ويحيي الأرض بالماء فينبتها ويخرج زرعها بعد موتها. ﴿وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ أيها الناس من قبوركم للبعث والمجازاة. وقال الحسن: معناه يخرج المؤمن من الكافر والكافر من المؤمن. وذكر أبو عبيد أن سهل بن معاذ بن أنس روي عن أبيه رفعه إلى النبي ﷺ أنه قال: "ألاَ أُخْبِرُكُمْ لِمَ سَمَّى الله تَعَالَى إِبْرَاهِيمَ خَلِيلَهُ الذِي وَفَّى؟ قَالَ: لأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ إِذَا أَصْبَحَ: "فسُبْحَانَ اللهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ" حتى ختم الآية

الروم 30:18

قوله تعالى ذكره: ﴿أَوَلَمْ يَسيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ فَيَنظُرُواْ﴾ إلى قوله: ﴿وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾. أي: أولم يسير هؤلاء المكذبون بالبعث في الأرض فينظروا إلى آثار الله فيمن كان قبلهم من الأمم المكذبة رسلها، كيف كان عاقبة أمرها، فقد كانوا أشد من هؤلاء قوة، ﴿وَأَثَارُواْ ٱلأَرْضَ﴾ أي: استخرجوها وحدثوها وعمروها أكثر مدة مما عمر هؤلاء الأرض، ﴿وَجَآءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيِّنَاتِ﴾ فكذبوهم، فأهلكهم الله وما كان الله ليظلمهم بعقابه إياهم على تكذيبهم رسله، ﴿وَلَـٰكِن كَانُوۤاْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ بمعصيتهم ربهم. * * ثم قال تعالى: ﴿ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ ٱلَّذِينَ أَسَاءُواْ ٱلسُّوۤءَىٰ أَن كَذَّبُواْ بِآيَاتِ ٱللَّهِ﴾. أي: ثم كان آخر من كفر من هؤلاء الذين أثاروا الأرض السوأى: أي الخلة التي هي أسوأ من فعلهم: البوار والهلاك في الدنيا، والنار في الآخرة خالدين فيها. قال ابن عباس: السوأى جهنم والحسنى الجنة. قال قتادة: كان عاقبة الذين أشركوا النار. والسوآى اسم. وقيل مصدر كالتقوى. قال مجاهد: السوآى: الإساءة. * * ثم قال: ﴿أَن كَذَّبُواْ بِآيَاتِ ٱللَّهِ﴾ أي: عاقبتهم النار لأن كذبوا ومن أجل أن كذبوا بحجج الله ورسله. ﴿وَكَانُواْ بِهَا يَسْتَهْزِئُونَ﴾ أي: بحجج الله وأنبيائه يسخرون. * * ثم قال تعالى: ﴿ٱللَّهُ يَبْدَأُ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ أي: ينفرد بإنشاء جميع خلقه من قدرته، ثم يعيده بعد إفنائه له خلقاً جديداً. ﴿ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ أي: يردون فيجازيهم بأعمالهم. * * ثم قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ يُبْلِسُ ٱلْمُجْرِمُونَ﴾ أي: واذكر يا محمد يوم تقوم الساعة ييأس الكافرون من كل خير. وأصل الإبلاس: انقطاع الحجة والسكوت والحيرة. قال قتادة: "يبلس المجرمون" أي: في النار. وقال ابن زيد: المبلس الذي قد نزل به الشر. وقال مجاهد: الإبلاس الفضيحة. * * ﴿وَلَمْ يَكُن لَّهُمْ مِّن شُرَكَآئِهِمْ شُفَعَاءُ﴾. أي: ولم يكن للمجرمين من شركائهم في الكفر والمعصية وأذى الرسل شُفَعَاء ينقذونهم من عذاب الله. وقيل: شركاؤهم هنا الأصنام والأوثان التي عبدوها من دون الله، أضيفت إليهم لأنهم هم اخترعوها وابتدعوا عبادتها. * * ﴿وَكَانُواْ بِشُرَكَآئِهِمْ كَافِرِينَ﴾. أي: جاحدون ولا يتهم متبرئين منهم وهو معنى قوله ﴿إِذْ تَبَرَّأَ ٱلَّذِينَ ٱتُّبِعُواْ مِنَ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُواْ﴾ [البقرة: ١٦٦] الآية. * * ثم قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ﴾ أي: يتفرق المؤمنون من الكافرين. قال قتادة: فرقة والله لا اجتماع بعدها. ثم بين تعالى ما يؤول إليه الافتراق. فقال: ﴿فَأَمَّا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ﴾. أي: هم في الرياض والنبات الملتف بين أنواع الزهر في الجنات يسرون ويلذذون بطيب العيش والسماع. وذكر الله جل ذكره الروضة لأنهم لم يكن عند العرب شيء أحسن منظراً ولا أطيب نشراً من الرياض وعبقها. "أما" عند سيبويه: مهما يكن من شيء فالذين آمنوا. وقال أبو إسحاق: معناها دع ما كنا (فيه) وخذ في غيره. وقال أبو عبيدة: الروضة ما كان في سفل، وإن كان مرتفعاً فهي ترعة. وقال الضحاك: "في روضة" في جنة، والرياض الجنان. والحبرة في اللغة كل نعمة حسنة، والتحبير التحسين وقال ابن عباس: يحبرون: يكرمون. وقال مجاهد: ينعمون. قال الكسائي: حبرته: أكرمته ونعمته. * * ثم قال تعالى: ﴿وَأَمَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ أي: جحدوا توحيد الله وكذبوا رسله، وأنكروا البعث. ﴿فَأُوْلَـٰئِكَ فِي ٱلْعَذَابِ مُحْضَرُونَ﴾ أي: في عذاب الله مجموعون، قد أحضرهم الله إياه. ثم قال تعالى ذكره: ﴿فَسُبْحَانَ ٱللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ سبحان مصدر يؤدي عن معنى سبحوا الله تسبيحاً في هذه الأوقات الأربعة، أي: نزهوه من السوء. وقيل: سبحان مأخوذ من السبحة، والسبحة الصلاة، وسبحة الضحى: صلاة الضحى. وقرأ عكرمة: "حيناً تُمسُونَ وَحِيناً تُصْبِحُونَ"، بتنوين حين ونصبه في الوجهين على الظرف. والتسبيح هنا الصلاة، فالمعنى صلوا أيها المؤمنون حين تمسون صلاة المغرب والعشاء الآخرة، وحين تصبحون صلاة الصبح، وعشياً صلاة العصر، وحين تظهرون صلاة الظهر. * * وقوله: ﴿وَلَهُ ٱلْحَمْدُ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ﴾. أي: له الحمد من جميع خلقه دون غيره من سكان السماوات والأرض. قال ابن عباس: هذه الآية في الصلوات الأربع: الظهر والعصر والصبح والمغرب، وصلاة العشاء في قوله تعالى ﴿وَمِن بَعْدِ صَلَٰوةِ ٱلْعِشَآءِ ثَلاَثُ عَوْرَاتٍ﴾ [النور: ٥٨] هذا معنى قوله. روي عنه: وعشياً: المغرب والعشاء. وقال زِرٌّ: "خاصم نافع بن الأزرق ابن عباس في شيء، ثم قال نافع لابن عباس: هل تجد الصلوات الخمس في كتاب الله؟ قال ابن عباس: نعم ثم قرأ عليه: ﴿فَسُبْحَانَ ٱللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ﴾: المغرب، ﴿وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ الفجر، ﴿وَعَشِيّاً﴾: العصر. ﴿وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾: الظهر، "ومن بعد صلاة العشاء": العشاء. وعن ابن عباس قال: جمعت هذه الآية الصلوات الخمس وقال "حين تمسون": المغرب والعشاء. وقال مجاهد: "حين تمسون": المغرب والعشاء،" وحين تصبحون": الفجر، "وعشياً": العصر، "وحين تظهرون": الظهر. وروي عن النبي ﷺ أنه قرأ هذه الآية وقال: "هذا حين افترض وقت الصلاة". وأول وقت الظهر زوال الشمس إجماعاً. وآخر وقتها عند مالك: إذا كان ظل كل شيء مثله بعد الزوال وهو قول الثوري والشافعي وأبي ثور. وقال يعقوب ومحمد بن الحسن: آخر وقتها أن يكون الظل قامة. وقال عطاء: آخر وقتها إلى أن تصفر الشمس. وقال طاوس: لا يفوت الظهر والعصر حتى الليل. وقال النعمان: آخر وقتها ما لم يصر الظل قامتين. وأول وقت العصر: إذا كان ظل كل شيء مثله. هذا قول مالك والثوري والشافعي وإسحاق وأبي ثور. وقال النعمان: أول وقتها أن يصير الظل قامتين بعد الزوال. وآخر وقتها أن يصير [ظل] كل شيء مثليه على الاختيار، فإن صلى بعد ذلك فقد فاته الاختيار ولم يفته وقت الصلاة، قاله الثوري والشافعي وقال أحمد وأبو ثور: آخر وقتها ما لم تصفر الشمس. وقال إسحاق بن راهويه: آخر وقتها غروب الشمس قبل أن يصلي المرء منها ركعة. وعن ابن عباس وعكرمة: أن آخر وقتها غروب الشمس على الإطلاق. ووقت المغرب غروب الشمس وقتاً واحداً، هذا مذهب مالك والأوزاعي. والشافعي. وقال الثوري وأصحاب الرأي: وأحمد وإسحاق: آخر وقتها الشفق. وأول وقت العشاء إذا غاب الشفق إجماعاً. والشفق الحمرة في قول مالك والثوري وابن أبي ليلى والشافعي وأحمد وأبي ثور ويعقوب ومحمد. وهو قول أهل اللغة، يقال ثوب مشفق أي: محمر. وروي عن أنس وابن عباس وأبي هريرة أن الشفق: البياض وهو قول النعمان وزفر. وقال النخعي: آخر وقتها إلى ربع الليل. وعن عمر وأبي هريرة وعمر بن عبد العزيز: أن آخر وقتها ثلث الليل. وبه قال الشافعي وقد كان يقول آخر وقتها نصف الليل ولا يفوت إلى الفجر. وعن عمر أيضاً أن آخر وقتها نصف الليل، وبه قال الثوري وابن المبارك وإسحاق وأبو ثور وأصحاب الرأي:. وعن ابن عباس وعطاء وعكرمة وطاوس: أن آخر وقتها إلى طلوع الفجر. وأول وقت صلاة الصبح طلوع الفجر إجماعاً. وأجمعوا على أن من صلى بعد الفجر وقبل طلوع الشمس أنه قد صلى الصبح في وقتها. * * ثم قال تعالى: ﴿يُخْرِجُ ٱلْحَيَّ مِنَ ٱلْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ ٱلْمَيِّتَ مِنَ ٱلْحَيِّ﴾ أي: صلوا ما أمرتم به لله الذي يفعل هذا لا يقدر على فعله أحد غيره، يخرج الإنسان الحي من الماء الميت، ويخرج الماء الميت من الإنسان الحي، ويحيي الأرض بالماء فينبتها ويخرج زرعها بعد موتها. ﴿وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ أيها الناس من قبوركم للبعث والمجازاة. وقال الحسن: معناه يخرج المؤمن من الكافر والكافر من المؤمن. وذكر أبو عبيد أن سهل بن معاذ بن أنس روي عن أبيه رفعه إلى النبي ﷺ أنه قال: "ألاَ أُخْبِرُكُمْ لِمَ سَمَّى الله تَعَالَى إِبْرَاهِيمَ خَلِيلَهُ الذِي وَفَّى؟ قَالَ: لأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ إِذَا أَصْبَحَ: "فسُبْحَانَ اللهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ" حتى ختم الآية

الروم 30:19

قوله تعالى ذكره: ﴿أَوَلَمْ يَسيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ فَيَنظُرُواْ﴾ إلى قوله: ﴿وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾. أي: أولم يسير هؤلاء المكذبون بالبعث في الأرض فينظروا إلى آثار الله فيمن كان قبلهم من الأمم المكذبة رسلها، كيف كان عاقبة أمرها، فقد كانوا أشد من هؤلاء قوة، ﴿وَأَثَارُواْ ٱلأَرْضَ﴾ أي: استخرجوها وحدثوها وعمروها أكثر مدة مما عمر هؤلاء الأرض، ﴿وَجَآءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيِّنَاتِ﴾ فكذبوهم، فأهلكهم الله وما كان الله ليظلمهم بعقابه إياهم على تكذيبهم رسله، ﴿وَلَـٰكِن كَانُوۤاْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ بمعصيتهم ربهم. * * ثم قال تعالى: ﴿ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ ٱلَّذِينَ أَسَاءُواْ ٱلسُّوۤءَىٰ أَن كَذَّبُواْ بِآيَاتِ ٱللَّهِ﴾. أي: ثم كان آخر من كفر من هؤلاء الذين أثاروا الأرض السوأى: أي الخلة التي هي أسوأ من فعلهم: البوار والهلاك في الدنيا، والنار في الآخرة خالدين فيها. قال ابن عباس: السوأى جهنم والحسنى الجنة. قال قتادة: كان عاقبة الذين أشركوا النار. والسوآى اسم. وقيل مصدر كالتقوى. قال مجاهد: السوآى: الإساءة. * * ثم قال: ﴿أَن كَذَّبُواْ بِآيَاتِ ٱللَّهِ﴾ أي: عاقبتهم النار لأن كذبوا ومن أجل أن كذبوا بحجج الله ورسله. ﴿وَكَانُواْ بِهَا يَسْتَهْزِئُونَ﴾ أي: بحجج الله وأنبيائه يسخرون. * * ثم قال تعالى: ﴿ٱللَّهُ يَبْدَأُ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ أي: ينفرد بإنشاء جميع خلقه من قدرته، ثم يعيده بعد إفنائه له خلقاً جديداً. ﴿ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ أي: يردون فيجازيهم بأعمالهم. * * ثم قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ يُبْلِسُ ٱلْمُجْرِمُونَ﴾ أي: واذكر يا محمد يوم تقوم الساعة ييأس الكافرون من كل خير. وأصل الإبلاس: انقطاع الحجة والسكوت والحيرة. قال قتادة: "يبلس المجرمون" أي: في النار. وقال ابن زيد: المبلس الذي قد نزل به الشر. وقال مجاهد: الإبلاس الفضيحة. * * ﴿وَلَمْ يَكُن لَّهُمْ مِّن شُرَكَآئِهِمْ شُفَعَاءُ﴾. أي: ولم يكن للمجرمين من شركائهم في الكفر والمعصية وأذى الرسل شُفَعَاء ينقذونهم من عذاب الله. وقيل: شركاؤهم هنا الأصنام والأوثان التي عبدوها من دون الله، أضيفت إليهم لأنهم هم اخترعوها وابتدعوا عبادتها. * * ﴿وَكَانُواْ بِشُرَكَآئِهِمْ كَافِرِينَ﴾. أي: جاحدون ولا يتهم متبرئين منهم وهو معنى قوله ﴿إِذْ تَبَرَّأَ ٱلَّذِينَ ٱتُّبِعُواْ مِنَ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُواْ﴾ [البقرة: ١٦٦] الآية. * * ثم قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ﴾ أي: يتفرق المؤمنون من الكافرين. قال قتادة: فرقة والله لا اجتماع بعدها. ثم بين تعالى ما يؤول إليه الافتراق. فقال: ﴿فَأَمَّا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ﴾. أي: هم في الرياض والنبات الملتف بين أنواع الزهر في الجنات يسرون ويلذذون بطيب العيش والسماع. وذكر الله جل ذكره الروضة لأنهم لم يكن عند العرب شيء أحسن منظراً ولا أطيب نشراً من الرياض وعبقها. "أما" عند سيبويه: مهما يكن من شيء فالذين آمنوا. وقال أبو إسحاق: معناها دع ما كنا (فيه) وخذ في غيره. وقال أبو عبيدة: الروضة ما كان في سفل، وإن كان مرتفعاً فهي ترعة. وقال الضحاك: "في روضة" في جنة، والرياض الجنان. والحبرة في اللغة كل نعمة حسنة، والتحبير التحسين وقال ابن عباس: يحبرون: يكرمون. وقال مجاهد: ينعمون. قال الكسائي: حبرته: أكرمته ونعمته. * * ثم قال تعالى: ﴿وَأَمَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ أي: جحدوا توحيد الله وكذبوا رسله، وأنكروا البعث. ﴿فَأُوْلَـٰئِكَ فِي ٱلْعَذَابِ مُحْضَرُونَ﴾ أي: في عذاب الله مجموعون، قد أحضرهم الله إياه. ثم قال تعالى ذكره: ﴿فَسُبْحَانَ ٱللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ سبحان مصدر يؤدي عن معنى سبحوا الله تسبيحاً في هذه الأوقات الأربعة، أي: نزهوه من السوء. وقيل: سبحان مأخوذ من السبحة، والسبحة الصلاة، وسبحة الضحى: صلاة الضحى. وقرأ عكرمة: "حيناً تُمسُونَ وَحِيناً تُصْبِحُونَ"، بتنوين حين ونصبه في الوجهين على الظرف. والتسبيح هنا الصلاة، فالمعنى صلوا أيها المؤمنون حين تمسون صلاة المغرب والعشاء الآخرة، وحين تصبحون صلاة الصبح، وعشياً صلاة العصر، وحين تظهرون صلاة الظهر. * * وقوله: ﴿وَلَهُ ٱلْحَمْدُ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ﴾. أي: له الحمد من جميع خلقه دون غيره من سكان السماوات والأرض. قال ابن عباس: هذه الآية في الصلوات الأربع: الظهر والعصر والصبح والمغرب، وصلاة العشاء في قوله تعالى ﴿وَمِن بَعْدِ صَلَٰوةِ ٱلْعِشَآءِ ثَلاَثُ عَوْرَاتٍ﴾ [النور: ٥٨] هذا معنى قوله. روي عنه: وعشياً: المغرب والعشاء. وقال زِرٌّ: "خاصم نافع بن الأزرق ابن عباس في شيء، ثم قال نافع لابن عباس: هل تجد الصلوات الخمس في كتاب الله؟ قال ابن عباس: نعم ثم قرأ عليه: ﴿فَسُبْحَانَ ٱللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ﴾: المغرب، ﴿وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ الفجر، ﴿وَعَشِيّاً﴾: العصر. ﴿وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾: الظهر، "ومن بعد صلاة العشاء": العشاء. وعن ابن عباس قال: جمعت هذه الآية الصلوات الخمس وقال "حين تمسون": المغرب والعشاء. وقال مجاهد: "حين تمسون": المغرب والعشاء،" وحين تصبحون": الفجر، "وعشياً": العصر، "وحين تظهرون": الظهر. وروي عن النبي ﷺ أنه قرأ هذه الآية وقال: "هذا حين افترض وقت الصلاة". وأول وقت الظهر زوال الشمس إجماعاً. وآخر وقتها عند مالك: إذا كان ظل كل شيء مثله بعد الزوال وهو قول الثوري والشافعي وأبي ثور. وقال يعقوب ومحمد بن الحسن: آخر وقتها أن يكون الظل قامة. وقال عطاء: آخر وقتها إلى أن تصفر الشمس. وقال طاوس: لا يفوت الظهر والعصر حتى الليل. وقال النعمان: آخر وقتها ما لم يصر الظل قامتين. وأول وقت العصر: إذا كان ظل كل شيء مثله. هذا قول مالك والثوري والشافعي وإسحاق وأبي ثور. وقال النعمان: أول وقتها أن يصير الظل قامتين بعد الزوال. وآخر وقتها أن يصير [ظل] كل شيء مثليه على الاختيار، فإن صلى بعد ذلك فقد فاته الاختيار ولم يفته وقت الصلاة، قاله الثوري والشافعي وقال أحمد وأبو ثور: آخر وقتها ما لم تصفر الشمس. وقال إسحاق بن راهويه: آخر وقتها غروب الشمس قبل أن يصلي المرء منها ركعة. وعن ابن عباس وعكرمة: أن آخر وقتها غروب الشمس على الإطلاق. ووقت المغرب غروب الشمس وقتاً واحداً، هذا مذهب مالك والأوزاعي. والشافعي. وقال الثوري وأصحاب الرأي: وأحمد وإسحاق: آخر وقتها الشفق. وأول وقت العشاء إذا غاب الشفق إجماعاً. والشفق الحمرة في قول مالك والثوري وابن أبي ليلى والشافعي وأحمد وأبي ثور ويعقوب ومحمد. وهو قول أهل اللغة، يقال ثوب مشفق أي: محمر. وروي عن أنس وابن عباس وأبي هريرة أن الشفق: البياض وهو قول النعمان وزفر. وقال النخعي: آخر وقتها إلى ربع الليل. وعن عمر وأبي هريرة وعمر بن عبد العزيز: أن آخر وقتها ثلث الليل. وبه قال الشافعي وقد كان يقول آخر وقتها نصف الليل ولا يفوت إلى الفجر. وعن عمر أيضاً أن آخر وقتها نصف الليل، وبه قال الثوري وابن المبارك وإسحاق وأبو ثور وأصحاب الرأي:. وعن ابن عباس وعطاء وعكرمة وطاوس: أن آخر وقتها إلى طلوع الفجر. وأول وقت صلاة الصبح طلوع الفجر إجماعاً. وأجمعوا على أن من صلى بعد الفجر وقبل طلوع الشمس أنه قد صلى الصبح في وقتها. * * ثم قال تعالى: ﴿يُخْرِجُ ٱلْحَيَّ مِنَ ٱلْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ ٱلْمَيِّتَ مِنَ ٱلْحَيِّ﴾ أي: صلوا ما أمرتم به لله الذي يفعل هذا لا يقدر على فعله أحد غيره، يخرج الإنسان الحي من الماء الميت، ويخرج الماء الميت من الإنسان الحي، ويحيي الأرض بالماء فينبتها ويخرج زرعها بعد موتها. ﴿وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ أيها الناس من قبوركم للبعث والمجازاة. وقال الحسن: معناه يخرج المؤمن من الكافر والكافر من المؤمن. وذكر أبو عبيد أن سهل بن معاذ بن أنس روي عن أبيه رفعه إلى النبي ﷺ أنه قال: "ألاَ أُخْبِرُكُمْ لِمَ سَمَّى الله تَعَالَى إِبْرَاهِيمَ خَلِيلَهُ الذِي وَفَّى؟ قَالَ: لأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ إِذَا أَصْبَحَ: "فسُبْحَانَ اللهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ" حتى ختم الآية

الروم 30:20

قوله تعالى ذكره: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِّن تُرَابٍ﴾ إلى قوله: ﴿كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ﴾. أي: ومن علاماته وحججه على وحدانيته وأنه لا شريك له وأنه يحييكم بعد موتكم، أنه خلقكم من تراب، أي: خلق أصلكم وهو آدم من تراب. ﴿إِذَآ أَنتُمْ بَشَرٌ﴾ أي: من ذرية من خلق من تراب. ﴿تَنتَشِرُونَ﴾ أي: تنصرفون وتنبسطون في الدنيا. ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ﴾. أي: ومن أدلته وحجته في قدرته على إحيائكم بعد موتكم أنه خلق السماوات والأرض، وهن أعظم خلقاً منكم فاخترعها وأنشأها، وجعل ألسنتكم مختلفة في الأصوات واللغات، وجعل ألوانكم مختلفة على كثرتكم، وهذا ألطف خلقا من خلق أجسامكم، فأتى تعالى ذكره بتمثيل الخلق العظيم واللطيف. ﴿إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَاتٍ لِّلْعَالَمِينَ﴾ أي: لعلامات وأدلة في قدرة الله تعالى ووحدانيته، يعني: الجن والإنس. وهذا على قراءة من فتح اللام. ومن كسرها فمعناه لمن علم قدرة الله وأيقن بها. وقوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِّتَسْكُنُوۤاْ إِلَيْهَا﴾. أي: خلق لأبيكم آدم من ضلعه زوجة ليسكن إليها. وقيل: خلق الزوجة من نطفة الرجل. ﴿وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ أي: بالمصاهرة والختونة يعطف بعضهم على بعض. قال ابن عباس: المودة حب الرجل امرأته، والرحمة رحمته إياها أن لا يمسها بسوء. وقال مجاهد: المودة الجماع، والرحمة الولد. ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ أي: لمن تفكر في الله ووحدانيته، أي: من قدر على هذا فهو قادر على إحياء الموتى، وأنه واحد لا شريك له. * * ثم قال: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُم بِٱلَّيلِ وَٱلنَّهَارِ وَٱبْتِغَآؤُكُمْ مِّن فَضْلِهِ﴾ أي: ومن حججه وأدلته على توحيده وقدرته على إحياء الموتى، أنه يقدر الساعات والأوقات، ويخالف بين الليل والنهار، فجعل النهار تبتغون فيه الرزق والمعاش، وجعل الليل سكناً لتسكنوا فيه وتناموا. وقيل: في الآية تقديم وتأخير، والتقدير: ومن آياته منامكم بالليل والنهار وابتغاؤكم من فضله بالنهار، وحذف حرف الجر من النهار لاتصاله بالليل وعطفه عليه. والواو تقوم مقام حرف الجر إذا اتصلت بالمعطوف عليه في الاسم الظاهر خاصة. ومثله في التقديم والتأخير قوله: ﴿وَمِن رَّحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ ٱلَّيلَ وَٱلنَّهَارَ لِتَسْكُنُواْ فِيهِ وَلِتَبتَغُواْ مِن فَضْلِهِ﴾ [القصص: ٧٣]. ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾ أي: فيما نص من قدرته لدلالة وحججاً وعبرة وعظة لمن سمع مواعظ الله فيتعظ بها ويعتبر. * * ثم قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ ٱلْبَرْقَ خَوْفاً وَطَمَعاً﴾ أي: ومن آياته أنه يريكم البرق. "وخوفاً وطمعاً" مفعولان من أجلهما. وقيل التقدير: ويريكم البرق خوفاً وطمعاً من آياته. والمعنى: من حججه وأدلته على توحيده وإحياء الموتى أنه يريكم البرق خوفاً للمسافر أن يؤذيه المطر، وطمعاً للمقيم أن يسقي زرعه وتخصب أرضه. ﴿وَيُنَزِّلُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَيُحْيِي بِهِ ٱلأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ أي: وينزل من السحاب مطراً فيحيي بذلك الماء الأرض الميتة التي قد يبست ولم تنبت نبتاً، فتنبت بعد جدوبها. ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ أي: يعقلونَ عن الله حججه وأدلته. * * ثم قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَن تَقُومَ ٱلسَّمَآءُ وَٱلأَرْضُ بِأَمْرِهِ﴾ أي: ومن حججه وأدلته على توحيده وقدرته قيام السماوات والأرض بأمره خضوعاً له بالطاعة بغير عمد. ﴿ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِّنَ ٱلأَرْضِ إِذَآ أَنتُمْ تَخْرُجُونَ﴾ أي: إذا دعاكم للبعث خرجتم من بطن الأرض مستجيبين لدعائه إياكم. روي عن نافع أنه وقف "دعاكم دعوة". وكذلك قال يعقوب. ثم يتبدئ "من الأرض". ﴿إِذَآ أَنتُمْ تَخْرُجُونَ﴾ أي: إذا أنتم تخرجون من الأرض. والوقف عند أبي حاتم: من الأرض". أي: دعاكم وأنتم في الأرض، كما تقول دعوت فلاناً من بيته. أي: وهو في بيته. والأحسن عند أهل النظر أن تقف على "تخرجون"، لأن إذا الثانية جواب للأولى على قول الخليل وسيبويه، كأنه قال: إذا دعاكم خرجتم. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَهُ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ﴾ أي: هم عبيد له ومُلك له، لا إله إلا هو. ﴿كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ﴾ أي: مطيعون. وطاعة الكفار منهم انقيادهم على ما شاء من صحة وسقم وفقر وغنى، روى الخدري عن النبي ﷺ قال: "كُلُّ قُنُوتٍ فِي الْقُرآنِ فَهُوَ طَاعَة قال ابن عباس: ﴿كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ﴾ أي: مطيعون في الحياة والنشوز من الموت وإن كانوا عاصين له في غير ذلك. وهو اختيار الطبري وقيل: معناه أنهم كانوا مقرين كلهم بأنه ربهم وخالقهم، دليله قوله تعالى: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ﴾ [الزخرف: ٨٧]. وقيل: معنى الآية الخصوص: يريد بها المؤمنين بالله خاصة. قال ابن زيد: ﴿قَانِتُونَ﴾ مطيعون وليس شيء إلا وهو قانت مطيع لله إلا ابن آدم، وكان أحقهم أن يكون أطوعهم لله. قال: والقنوات في القرآن الطاعة إلا في قوله جل ذكره: ﴿وَقُومُواْ للَّهِ قَٰنِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨] معناه: ساكتين لا يتكلمون كما يفعل أهل الكتاب.

الروم 30:21

قوله تعالى ذكره: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِّن تُرَابٍ﴾ إلى قوله: ﴿كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ﴾. أي: ومن علاماته وحججه على وحدانيته وأنه لا شريك له وأنه يحييكم بعد موتكم، أنه خلقكم من تراب، أي: خلق أصلكم وهو آدم من تراب. ﴿إِذَآ أَنتُمْ بَشَرٌ﴾ أي: من ذرية من خلق من تراب. ﴿تَنتَشِرُونَ﴾ أي: تنصرفون وتنبسطون في الدنيا. ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ﴾. أي: ومن أدلته وحجته في قدرته على إحيائكم بعد موتكم أنه خلق السماوات والأرض، وهن أعظم خلقاً منكم فاخترعها وأنشأها، وجعل ألسنتكم مختلفة في الأصوات واللغات، وجعل ألوانكم مختلفة على كثرتكم، وهذا ألطف خلقا من خلق أجسامكم، فأتى تعالى ذكره بتمثيل الخلق العظيم واللطيف. ﴿إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَاتٍ لِّلْعَالَمِينَ﴾ أي: لعلامات وأدلة في قدرة الله تعالى ووحدانيته، يعني: الجن والإنس. وهذا على قراءة من فتح اللام. ومن كسرها فمعناه لمن علم قدرة الله وأيقن بها. وقوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِّتَسْكُنُوۤاْ إِلَيْهَا﴾. أي: خلق لأبيكم آدم من ضلعه زوجة ليسكن إليها. وقيل: خلق الزوجة من نطفة الرجل. ﴿وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ أي: بالمصاهرة والختونة يعطف بعضهم على بعض. قال ابن عباس: المودة حب الرجل امرأته، والرحمة رحمته إياها أن لا يمسها بسوء. وقال مجاهد: المودة الجماع، والرحمة الولد. ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ أي: لمن تفكر في الله ووحدانيته، أي: من قدر على هذا فهو قادر على إحياء الموتى، وأنه واحد لا شريك له. * * ثم قال: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُم بِٱلَّيلِ وَٱلنَّهَارِ وَٱبْتِغَآؤُكُمْ مِّن فَضْلِهِ﴾ أي: ومن حججه وأدلته على توحيده وقدرته على إحياء الموتى، أنه يقدر الساعات والأوقات، ويخالف بين الليل والنهار، فجعل النهار تبتغون فيه الرزق والمعاش، وجعل الليل سكناً لتسكنوا فيه وتناموا. وقيل: في الآية تقديم وتأخير، والتقدير: ومن آياته منامكم بالليل والنهار وابتغاؤكم من فضله بالنهار، وحذف حرف الجر من النهار لاتصاله بالليل وعطفه عليه. والواو تقوم مقام حرف الجر إذا اتصلت بالمعطوف عليه في الاسم الظاهر خاصة. ومثله في التقديم والتأخير قوله: ﴿وَمِن رَّحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ ٱلَّيلَ وَٱلنَّهَارَ لِتَسْكُنُواْ فِيهِ وَلِتَبتَغُواْ مِن فَضْلِهِ﴾ [القصص: ٧٣]. ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾ أي: فيما نص من قدرته لدلالة وحججاً وعبرة وعظة لمن سمع مواعظ الله فيتعظ بها ويعتبر. * * ثم قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ ٱلْبَرْقَ خَوْفاً وَطَمَعاً﴾ أي: ومن آياته أنه يريكم البرق. "وخوفاً وطمعاً" مفعولان من أجلهما. وقيل التقدير: ويريكم البرق خوفاً وطمعاً من آياته. والمعنى: من حججه وأدلته على توحيده وإحياء الموتى أنه يريكم البرق خوفاً للمسافر أن يؤذيه المطر، وطمعاً للمقيم أن يسقي زرعه وتخصب أرضه. ﴿وَيُنَزِّلُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَيُحْيِي بِهِ ٱلأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ أي: وينزل من السحاب مطراً فيحيي بذلك الماء الأرض الميتة التي قد يبست ولم تنبت نبتاً، فتنبت بعد جدوبها. ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ أي: يعقلونَ عن الله حججه وأدلته. * * ثم قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَن تَقُومَ ٱلسَّمَآءُ وَٱلأَرْضُ بِأَمْرِهِ﴾ أي: ومن حججه وأدلته على توحيده وقدرته قيام السماوات والأرض بأمره خضوعاً له بالطاعة بغير عمد. ﴿ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِّنَ ٱلأَرْضِ إِذَآ أَنتُمْ تَخْرُجُونَ﴾ أي: إذا دعاكم للبعث خرجتم من بطن الأرض مستجيبين لدعائه إياكم. روي عن نافع أنه وقف "دعاكم دعوة". وكذلك قال يعقوب. ثم يتبدئ "من الأرض". ﴿إِذَآ أَنتُمْ تَخْرُجُونَ﴾ أي: إذا أنتم تخرجون من الأرض. والوقف عند أبي حاتم: من الأرض". أي: دعاكم وأنتم في الأرض، كما تقول دعوت فلاناً من بيته. أي: وهو في بيته. والأحسن عند أهل النظر أن تقف على "تخرجون"، لأن إذا الثانية جواب للأولى على قول الخليل وسيبويه، كأنه قال: إذا دعاكم خرجتم. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَهُ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ﴾ أي: هم عبيد له ومُلك له، لا إله إلا هو. ﴿كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ﴾ أي: مطيعون. وطاعة الكفار منهم انقيادهم على ما شاء من صحة وسقم وفقر وغنى، روى الخدري عن النبي ﷺ قال: "كُلُّ قُنُوتٍ فِي الْقُرآنِ فَهُوَ طَاعَة قال ابن عباس: ﴿كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ﴾ أي: مطيعون في الحياة والنشوز من الموت وإن كانوا عاصين له في غير ذلك. وهو اختيار الطبري وقيل: معناه أنهم كانوا مقرين كلهم بأنه ربهم وخالقهم، دليله قوله تعالى: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ﴾ [الزخرف: ٨٧]. وقيل: معنى الآية الخصوص: يريد بها المؤمنين بالله خاصة. قال ابن زيد: ﴿قَانِتُونَ﴾ مطيعون وليس شيء إلا وهو قانت مطيع لله إلا ابن آدم، وكان أحقهم أن يكون أطوعهم لله. قال: والقنوات في القرآن الطاعة إلا في قوله جل ذكره: ﴿وَقُومُواْ للَّهِ قَٰنِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨] معناه: ساكتين لا يتكلمون كما يفعل أهل الكتاب.

الروم 30:22

قوله تعالى ذكره: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِّن تُرَابٍ﴾ إلى قوله: ﴿كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ﴾. أي: ومن علاماته وحججه على وحدانيته وأنه لا شريك له وأنه يحييكم بعد موتكم، أنه خلقكم من تراب، أي: خلق أصلكم وهو آدم من تراب. ﴿إِذَآ أَنتُمْ بَشَرٌ﴾ أي: من ذرية من خلق من تراب. ﴿تَنتَشِرُونَ﴾ أي: تنصرفون وتنبسطون في الدنيا. ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ﴾. أي: ومن أدلته وحجته في قدرته على إحيائكم بعد موتكم أنه خلق السماوات والأرض، وهن أعظم خلقاً منكم فاخترعها وأنشأها، وجعل ألسنتكم مختلفة في الأصوات واللغات، وجعل ألوانكم مختلفة على كثرتكم، وهذا ألطف خلقا من خلق أجسامكم، فأتى تعالى ذكره بتمثيل الخلق العظيم واللطيف. ﴿إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَاتٍ لِّلْعَالَمِينَ﴾ أي: لعلامات وأدلة في قدرة الله تعالى ووحدانيته، يعني: الجن والإنس. وهذا على قراءة من فتح اللام. ومن كسرها فمعناه لمن علم قدرة الله وأيقن بها. وقوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِّتَسْكُنُوۤاْ إِلَيْهَا﴾. أي: خلق لأبيكم آدم من ضلعه زوجة ليسكن إليها. وقيل: خلق الزوجة من نطفة الرجل. ﴿وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ أي: بالمصاهرة والختونة يعطف بعضهم على بعض. قال ابن عباس: المودة حب الرجل امرأته، والرحمة رحمته إياها أن لا يمسها بسوء. وقال مجاهد: المودة الجماع، والرحمة الولد. ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ أي: لمن تفكر في الله ووحدانيته، أي: من قدر على هذا فهو قادر على إحياء الموتى، وأنه واحد لا شريك له. * * ثم قال: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُم بِٱلَّيلِ وَٱلنَّهَارِ وَٱبْتِغَآؤُكُمْ مِّن فَضْلِهِ﴾ أي: ومن حججه وأدلته على توحيده وقدرته على إحياء الموتى، أنه يقدر الساعات والأوقات، ويخالف بين الليل والنهار، فجعل النهار تبتغون فيه الرزق والمعاش، وجعل الليل سكناً لتسكنوا فيه وتناموا. وقيل: في الآية تقديم وتأخير، والتقدير: ومن آياته منامكم بالليل والنهار وابتغاؤكم من فضله بالنهار، وحذف حرف الجر من النهار لاتصاله بالليل وعطفه عليه. والواو تقوم مقام حرف الجر إذا اتصلت بالمعطوف عليه في الاسم الظاهر خاصة. ومثله في التقديم والتأخير قوله: ﴿وَمِن رَّحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ ٱلَّيلَ وَٱلنَّهَارَ لِتَسْكُنُواْ فِيهِ وَلِتَبتَغُواْ مِن فَضْلِهِ﴾ [القصص: ٧٣]. ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾ أي: فيما نص من قدرته لدلالة وحججاً وعبرة وعظة لمن سمع مواعظ الله فيتعظ بها ويعتبر. * * ثم قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ ٱلْبَرْقَ خَوْفاً وَطَمَعاً﴾ أي: ومن آياته أنه يريكم البرق. "وخوفاً وطمعاً" مفعولان من أجلهما. وقيل التقدير: ويريكم البرق خوفاً وطمعاً من آياته. والمعنى: من حججه وأدلته على توحيده وإحياء الموتى أنه يريكم البرق خوفاً للمسافر أن يؤذيه المطر، وطمعاً للمقيم أن يسقي زرعه وتخصب أرضه. ﴿وَيُنَزِّلُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَيُحْيِي بِهِ ٱلأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ أي: وينزل من السحاب مطراً فيحيي بذلك الماء الأرض الميتة التي قد يبست ولم تنبت نبتاً، فتنبت بعد جدوبها. ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ أي: يعقلونَ عن الله حججه وأدلته. * * ثم قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَن تَقُومَ ٱلسَّمَآءُ وَٱلأَرْضُ بِأَمْرِهِ﴾ أي: ومن حججه وأدلته على توحيده وقدرته قيام السماوات والأرض بأمره خضوعاً له بالطاعة بغير عمد. ﴿ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِّنَ ٱلأَرْضِ إِذَآ أَنتُمْ تَخْرُجُونَ﴾ أي: إذا دعاكم للبعث خرجتم من بطن الأرض مستجيبين لدعائه إياكم. روي عن نافع أنه وقف "دعاكم دعوة". وكذلك قال يعقوب. ثم يتبدئ "من الأرض". ﴿إِذَآ أَنتُمْ تَخْرُجُونَ﴾ أي: إذا أنتم تخرجون من الأرض. والوقف عند أبي حاتم: من الأرض". أي: دعاكم وأنتم في الأرض، كما تقول دعوت فلاناً من بيته. أي: وهو في بيته. والأحسن عند أهل النظر أن تقف على "تخرجون"، لأن إذا الثانية جواب للأولى على قول الخليل وسيبويه، كأنه قال: إذا دعاكم خرجتم. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَهُ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ﴾ أي: هم عبيد له ومُلك له، لا إله إلا هو. ﴿كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ﴾ أي: مطيعون. وطاعة الكفار منهم انقيادهم على ما شاء من صحة وسقم وفقر وغنى، روى الخدري عن النبي ﷺ قال: "كُلُّ قُنُوتٍ فِي الْقُرآنِ فَهُوَ طَاعَة قال ابن عباس: ﴿كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ﴾ أي: مطيعون في الحياة والنشوز من الموت وإن كانوا عاصين له في غير ذلك. وهو اختيار الطبري وقيل: معناه أنهم كانوا مقرين كلهم بأنه ربهم وخالقهم، دليله قوله تعالى: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ﴾ [الزخرف: ٨٧]. وقيل: معنى الآية الخصوص: يريد بها المؤمنين بالله خاصة. قال ابن زيد: ﴿قَانِتُونَ﴾ مطيعون وليس شيء إلا وهو قانت مطيع لله إلا ابن آدم، وكان أحقهم أن يكون أطوعهم لله. قال: والقنوات في القرآن الطاعة إلا في قوله جل ذكره: ﴿وَقُومُواْ للَّهِ قَٰنِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨] معناه: ساكتين لا يتكلمون كما يفعل أهل الكتاب.

الروم 30:23

قوله تعالى ذكره: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِّن تُرَابٍ﴾ إلى قوله: ﴿كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ﴾. أي: ومن علاماته وحججه على وحدانيته وأنه لا شريك له وأنه يحييكم بعد موتكم، أنه خلقكم من تراب، أي: خلق أصلكم وهو آدم من تراب. ﴿إِذَآ أَنتُمْ بَشَرٌ﴾ أي: من ذرية من خلق من تراب. ﴿تَنتَشِرُونَ﴾ أي: تنصرفون وتنبسطون في الدنيا. ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ﴾. أي: ومن أدلته وحجته في قدرته على إحيائكم بعد موتكم أنه خلق السماوات والأرض، وهن أعظم خلقاً منكم فاخترعها وأنشأها، وجعل ألسنتكم مختلفة في الأصوات واللغات، وجعل ألوانكم مختلفة على كثرتكم، وهذا ألطف خلقا من خلق أجسامكم، فأتى تعالى ذكره بتمثيل الخلق العظيم واللطيف. ﴿إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَاتٍ لِّلْعَالَمِينَ﴾ أي: لعلامات وأدلة في قدرة الله تعالى ووحدانيته، يعني: الجن والإنس. وهذا على قراءة من فتح اللام. ومن كسرها فمعناه لمن علم قدرة الله وأيقن بها. وقوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِّتَسْكُنُوۤاْ إِلَيْهَا﴾. أي: خلق لأبيكم آدم من ضلعه زوجة ليسكن إليها. وقيل: خلق الزوجة من نطفة الرجل. ﴿وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ أي: بالمصاهرة والختونة يعطف بعضهم على بعض. قال ابن عباس: المودة حب الرجل امرأته، والرحمة رحمته إياها أن لا يمسها بسوء. وقال مجاهد: المودة الجماع، والرحمة الولد. ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ أي: لمن تفكر في الله ووحدانيته، أي: من قدر على هذا فهو قادر على إحياء الموتى، وأنه واحد لا شريك له. * * ثم قال: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُم بِٱلَّيلِ وَٱلنَّهَارِ وَٱبْتِغَآؤُكُمْ مِّن فَضْلِهِ﴾ أي: ومن حججه وأدلته على توحيده وقدرته على إحياء الموتى، أنه يقدر الساعات والأوقات، ويخالف بين الليل والنهار، فجعل النهار تبتغون فيه الرزق والمعاش، وجعل الليل سكناً لتسكنوا فيه وتناموا. وقيل: في الآية تقديم وتأخير، والتقدير: ومن آياته منامكم بالليل والنهار وابتغاؤكم من فضله بالنهار، وحذف حرف الجر من النهار لاتصاله بالليل وعطفه عليه. والواو تقوم مقام حرف الجر إذا اتصلت بالمعطوف عليه في الاسم الظاهر خاصة. ومثله في التقديم والتأخير قوله: ﴿وَمِن رَّحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ ٱلَّيلَ وَٱلنَّهَارَ لِتَسْكُنُواْ فِيهِ وَلِتَبتَغُواْ مِن فَضْلِهِ﴾ [القصص: ٧٣]. ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾ أي: فيما نص من قدرته لدلالة وحججاً وعبرة وعظة لمن سمع مواعظ الله فيتعظ بها ويعتبر. * * ثم قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ ٱلْبَرْقَ خَوْفاً وَطَمَعاً﴾ أي: ومن آياته أنه يريكم البرق. "وخوفاً وطمعاً" مفعولان من أجلهما. وقيل التقدير: ويريكم البرق خوفاً وطمعاً من آياته. والمعنى: من حججه وأدلته على توحيده وإحياء الموتى أنه يريكم البرق خوفاً للمسافر أن يؤذيه المطر، وطمعاً للمقيم أن يسقي زرعه وتخصب أرضه. ﴿وَيُنَزِّلُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَيُحْيِي بِهِ ٱلأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ أي: وينزل من السحاب مطراً فيحيي بذلك الماء الأرض الميتة التي قد يبست ولم تنبت نبتاً، فتنبت بعد جدوبها. ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ أي: يعقلونَ عن الله حججه وأدلته. * * ثم قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَن تَقُومَ ٱلسَّمَآءُ وَٱلأَرْضُ بِأَمْرِهِ﴾ أي: ومن حججه وأدلته على توحيده وقدرته قيام السماوات والأرض بأمره خضوعاً له بالطاعة بغير عمد. ﴿ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِّنَ ٱلأَرْضِ إِذَآ أَنتُمْ تَخْرُجُونَ﴾ أي: إذا دعاكم للبعث خرجتم من بطن الأرض مستجيبين لدعائه إياكم. روي عن نافع أنه وقف "دعاكم دعوة". وكذلك قال يعقوب. ثم يتبدئ "من الأرض". ﴿إِذَآ أَنتُمْ تَخْرُجُونَ﴾ أي: إذا أنتم تخرجون من الأرض. والوقف عند أبي حاتم: من الأرض". أي: دعاكم وأنتم في الأرض، كما تقول دعوت فلاناً من بيته. أي: وهو في بيته. والأحسن عند أهل النظر أن تقف على "تخرجون"، لأن إذا الثانية جواب للأولى على قول الخليل وسيبويه، كأنه قال: إذا دعاكم خرجتم. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَهُ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ﴾ أي: هم عبيد له ومُلك له، لا إله إلا هو. ﴿كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ﴾ أي: مطيعون. وطاعة الكفار منهم انقيادهم على ما شاء من صحة وسقم وفقر وغنى، روى الخدري عن النبي ﷺ قال: "كُلُّ قُنُوتٍ فِي الْقُرآنِ فَهُوَ طَاعَة قال ابن عباس: ﴿كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ﴾ أي: مطيعون في الحياة والنشوز من الموت وإن كانوا عاصين له في غير ذلك. وهو اختيار الطبري وقيل: معناه أنهم كانوا مقرين كلهم بأنه ربهم وخالقهم، دليله قوله تعالى: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ﴾ [الزخرف: ٨٧]. وقيل: معنى الآية الخصوص: يريد بها المؤمنين بالله خاصة. قال ابن زيد: ﴿قَانِتُونَ﴾ مطيعون وليس شيء إلا وهو قانت مطيع لله إلا ابن آدم، وكان أحقهم أن يكون أطوعهم لله. قال: والقنوات في القرآن الطاعة إلا في قوله جل ذكره: ﴿وَقُومُواْ للَّهِ قَٰنِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨] معناه: ساكتين لا يتكلمون كما يفعل أهل الكتاب.

الروم 30:24

قوله تعالى ذكره: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِّن تُرَابٍ﴾ إلى قوله: ﴿كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ﴾. أي: ومن علاماته وحججه على وحدانيته وأنه لا شريك له وأنه يحييكم بعد موتكم، أنه خلقكم من تراب، أي: خلق أصلكم وهو آدم من تراب. ﴿إِذَآ أَنتُمْ بَشَرٌ﴾ أي: من ذرية من خلق من تراب. ﴿تَنتَشِرُونَ﴾ أي: تنصرفون وتنبسطون في الدنيا. ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ﴾. أي: ومن أدلته وحجته في قدرته على إحيائكم بعد موتكم أنه خلق السماوات والأرض، وهن أعظم خلقاً منكم فاخترعها وأنشأها، وجعل ألسنتكم مختلفة في الأصوات واللغات، وجعل ألوانكم مختلفة على كثرتكم، وهذا ألطف خلقا من خلق أجسامكم، فأتى تعالى ذكره بتمثيل الخلق العظيم واللطيف. ﴿إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَاتٍ لِّلْعَالَمِينَ﴾ أي: لعلامات وأدلة في قدرة الله تعالى ووحدانيته، يعني: الجن والإنس. وهذا على قراءة من فتح اللام. ومن كسرها فمعناه لمن علم قدرة الله وأيقن بها. وقوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِّتَسْكُنُوۤاْ إِلَيْهَا﴾. أي: خلق لأبيكم آدم من ضلعه زوجة ليسكن إليها. وقيل: خلق الزوجة من نطفة الرجل. ﴿وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ أي: بالمصاهرة والختونة يعطف بعضهم على بعض. قال ابن عباس: المودة حب الرجل امرأته، والرحمة رحمته إياها أن لا يمسها بسوء. وقال مجاهد: المودة الجماع، والرحمة الولد. ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ أي: لمن تفكر في الله ووحدانيته، أي: من قدر على هذا فهو قادر على إحياء الموتى، وأنه واحد لا شريك له. * * ثم قال: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُم بِٱلَّيلِ وَٱلنَّهَارِ وَٱبْتِغَآؤُكُمْ مِّن فَضْلِهِ﴾ أي: ومن حججه وأدلته على توحيده وقدرته على إحياء الموتى، أنه يقدر الساعات والأوقات، ويخالف بين الليل والنهار، فجعل النهار تبتغون فيه الرزق والمعاش، وجعل الليل سكناً لتسكنوا فيه وتناموا. وقيل: في الآية تقديم وتأخير، والتقدير: ومن آياته منامكم بالليل والنهار وابتغاؤكم من فضله بالنهار، وحذف حرف الجر من النهار لاتصاله بالليل وعطفه عليه. والواو تقوم مقام حرف الجر إذا اتصلت بالمعطوف عليه في الاسم الظاهر خاصة. ومثله في التقديم والتأخير قوله: ﴿وَمِن رَّحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ ٱلَّيلَ وَٱلنَّهَارَ لِتَسْكُنُواْ فِيهِ وَلِتَبتَغُواْ مِن فَضْلِهِ﴾ [القصص: ٧٣]. ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾ أي: فيما نص من قدرته لدلالة وحججاً وعبرة وعظة لمن سمع مواعظ الله فيتعظ بها ويعتبر. * * ثم قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ ٱلْبَرْقَ خَوْفاً وَطَمَعاً﴾ أي: ومن آياته أنه يريكم البرق. "وخوفاً وطمعاً" مفعولان من أجلهما. وقيل التقدير: ويريكم البرق خوفاً وطمعاً من آياته. والمعنى: من حججه وأدلته على توحيده وإحياء الموتى أنه يريكم البرق خوفاً للمسافر أن يؤذيه المطر، وطمعاً للمقيم أن يسقي زرعه وتخصب أرضه. ﴿وَيُنَزِّلُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَيُحْيِي بِهِ ٱلأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ أي: وينزل من السحاب مطراً فيحيي بذلك الماء الأرض الميتة التي قد يبست ولم تنبت نبتاً، فتنبت بعد جدوبها. ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ أي: يعقلونَ عن الله حججه وأدلته. * * ثم قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَن تَقُومَ ٱلسَّمَآءُ وَٱلأَرْضُ بِأَمْرِهِ﴾ أي: ومن حججه وأدلته على توحيده وقدرته قيام السماوات والأرض بأمره خضوعاً له بالطاعة بغير عمد. ﴿ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِّنَ ٱلأَرْضِ إِذَآ أَنتُمْ تَخْرُجُونَ﴾ أي: إذا دعاكم للبعث خرجتم من بطن الأرض مستجيبين لدعائه إياكم. روي عن نافع أنه وقف "دعاكم دعوة". وكذلك قال يعقوب. ثم يتبدئ "من الأرض". ﴿إِذَآ أَنتُمْ تَخْرُجُونَ﴾ أي: إذا أنتم تخرجون من الأرض. والوقف عند أبي حاتم: من الأرض". أي: دعاكم وأنتم في الأرض، كما تقول دعوت فلاناً من بيته. أي: وهو في بيته. والأحسن عند أهل النظر أن تقف على "تخرجون"، لأن إذا الثانية جواب للأولى على قول الخليل وسيبويه، كأنه قال: إذا دعاكم خرجتم. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَهُ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ﴾ أي: هم عبيد له ومُلك له، لا إله إلا هو. ﴿كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ﴾ أي: مطيعون. وطاعة الكفار منهم انقيادهم على ما شاء من صحة وسقم وفقر وغنى، روى الخدري عن النبي ﷺ قال: "كُلُّ قُنُوتٍ فِي الْقُرآنِ فَهُوَ طَاعَة قال ابن عباس: ﴿كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ﴾ أي: مطيعون في الحياة والنشوز من الموت وإن كانوا عاصين له في غير ذلك. وهو اختيار الطبري وقيل: معناه أنهم كانوا مقرين كلهم بأنه ربهم وخالقهم، دليله قوله تعالى: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ﴾ [الزخرف: ٨٧]. وقيل: معنى الآية الخصوص: يريد بها المؤمنين بالله خاصة. قال ابن زيد: ﴿قَانِتُونَ﴾ مطيعون وليس شيء إلا وهو قانت مطيع لله إلا ابن آدم، وكان أحقهم أن يكون أطوعهم لله. قال: والقنوات في القرآن الطاعة إلا في قوله جل ذكره: ﴿وَقُومُواْ للَّهِ قَٰنِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨] معناه: ساكتين لا يتكلمون كما يفعل أهل الكتاب.

الروم 30:25

قوله تعالى ذكره: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِّن تُرَابٍ﴾ إلى قوله: ﴿كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ﴾. أي: ومن علاماته وحججه على وحدانيته وأنه لا شريك له وأنه يحييكم بعد موتكم، أنه خلقكم من تراب، أي: خلق أصلكم وهو آدم من تراب. ﴿إِذَآ أَنتُمْ بَشَرٌ﴾ أي: من ذرية من خلق من تراب. ﴿تَنتَشِرُونَ﴾ أي: تنصرفون وتنبسطون في الدنيا. ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ﴾. أي: ومن أدلته وحجته في قدرته على إحيائكم بعد موتكم أنه خلق السماوات والأرض، وهن أعظم خلقاً منكم فاخترعها وأنشأها، وجعل ألسنتكم مختلفة في الأصوات واللغات، وجعل ألوانكم مختلفة على كثرتكم، وهذا ألطف خلقا من خلق أجسامكم، فأتى تعالى ذكره بتمثيل الخلق العظيم واللطيف. ﴿إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَاتٍ لِّلْعَالَمِينَ﴾ أي: لعلامات وأدلة في قدرة الله تعالى ووحدانيته، يعني: الجن والإنس. وهذا على قراءة من فتح اللام. ومن كسرها فمعناه لمن علم قدرة الله وأيقن بها. وقوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِّتَسْكُنُوۤاْ إِلَيْهَا﴾. أي: خلق لأبيكم آدم من ضلعه زوجة ليسكن إليها. وقيل: خلق الزوجة من نطفة الرجل. ﴿وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ أي: بالمصاهرة والختونة يعطف بعضهم على بعض. قال ابن عباس: المودة حب الرجل امرأته، والرحمة رحمته إياها أن لا يمسها بسوء. وقال مجاهد: المودة الجماع، والرحمة الولد. ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ أي: لمن تفكر في الله ووحدانيته، أي: من قدر على هذا فهو قادر على إحياء الموتى، وأنه واحد لا شريك له. * * ثم قال: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُم بِٱلَّيلِ وَٱلنَّهَارِ وَٱبْتِغَآؤُكُمْ مِّن فَضْلِهِ﴾ أي: ومن حججه وأدلته على توحيده وقدرته على إحياء الموتى، أنه يقدر الساعات والأوقات، ويخالف بين الليل والنهار، فجعل النهار تبتغون فيه الرزق والمعاش، وجعل الليل سكناً لتسكنوا فيه وتناموا. وقيل: في الآية تقديم وتأخير، والتقدير: ومن آياته منامكم بالليل والنهار وابتغاؤكم من فضله بالنهار، وحذف حرف الجر من النهار لاتصاله بالليل وعطفه عليه. والواو تقوم مقام حرف الجر إذا اتصلت بالمعطوف عليه في الاسم الظاهر خاصة. ومثله في التقديم والتأخير قوله: ﴿وَمِن رَّحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ ٱلَّيلَ وَٱلنَّهَارَ لِتَسْكُنُواْ فِيهِ وَلِتَبتَغُواْ مِن فَضْلِهِ﴾ [القصص: ٧٣]. ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾ أي: فيما نص من قدرته لدلالة وحججاً وعبرة وعظة لمن سمع مواعظ الله فيتعظ بها ويعتبر. * * ثم قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ ٱلْبَرْقَ خَوْفاً وَطَمَعاً﴾ أي: ومن آياته أنه يريكم البرق. "وخوفاً وطمعاً" مفعولان من أجلهما. وقيل التقدير: ويريكم البرق خوفاً وطمعاً من آياته. والمعنى: من حججه وأدلته على توحيده وإحياء الموتى أنه يريكم البرق خوفاً للمسافر أن يؤذيه المطر، وطمعاً للمقيم أن يسقي زرعه وتخصب أرضه. ﴿وَيُنَزِّلُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَيُحْيِي بِهِ ٱلأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ أي: وينزل من السحاب مطراً فيحيي بذلك الماء الأرض الميتة التي قد يبست ولم تنبت نبتاً، فتنبت بعد جدوبها. ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ أي: يعقلونَ عن الله حججه وأدلته. * * ثم قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَن تَقُومَ ٱلسَّمَآءُ وَٱلأَرْضُ بِأَمْرِهِ﴾ أي: ومن حججه وأدلته على توحيده وقدرته قيام السماوات والأرض بأمره خضوعاً له بالطاعة بغير عمد. ﴿ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِّنَ ٱلأَرْضِ إِذَآ أَنتُمْ تَخْرُجُونَ﴾ أي: إذا دعاكم للبعث خرجتم من بطن الأرض مستجيبين لدعائه إياكم. روي عن نافع أنه وقف "دعاكم دعوة". وكذلك قال يعقوب. ثم يتبدئ "من الأرض". ﴿إِذَآ أَنتُمْ تَخْرُجُونَ﴾ أي: إذا أنتم تخرجون من الأرض. والوقف عند أبي حاتم: من الأرض". أي: دعاكم وأنتم في الأرض، كما تقول دعوت فلاناً من بيته. أي: وهو في بيته. والأحسن عند أهل النظر أن تقف على "تخرجون"، لأن إذا الثانية جواب للأولى على قول الخليل وسيبويه، كأنه قال: إذا دعاكم خرجتم. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَهُ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ﴾ أي: هم عبيد له ومُلك له، لا إله إلا هو. ﴿كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ﴾ أي: مطيعون. وطاعة الكفار منهم انقيادهم على ما شاء من صحة وسقم وفقر وغنى، روى الخدري عن النبي ﷺ قال: "كُلُّ قُنُوتٍ فِي الْقُرآنِ فَهُوَ طَاعَة قال ابن عباس: ﴿كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ﴾ أي: مطيعون في الحياة والنشوز من الموت وإن كانوا عاصين له في غير ذلك. وهو اختيار الطبري وقيل: معناه أنهم كانوا مقرين كلهم بأنه ربهم وخالقهم، دليله قوله تعالى: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ﴾ [الزخرف: ٨٧]. وقيل: معنى الآية الخصوص: يريد بها المؤمنين بالله خاصة. قال ابن زيد: ﴿قَانِتُونَ﴾ مطيعون وليس شيء إلا وهو قانت مطيع لله إلا ابن آدم، وكان أحقهم أن يكون أطوعهم لله. قال: والقنوات في القرآن الطاعة إلا في قوله جل ذكره: ﴿وَقُومُواْ للَّهِ قَٰنِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨] معناه: ساكتين لا يتكلمون كما يفعل أهل الكتاب.

الروم 30:26

قوله تعالى ذكره: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِّن تُرَابٍ﴾ إلى قوله: ﴿كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ﴾. أي: ومن علاماته وحججه على وحدانيته وأنه لا شريك له وأنه يحييكم بعد موتكم، أنه خلقكم من تراب، أي: خلق أصلكم وهو آدم من تراب. ﴿إِذَآ أَنتُمْ بَشَرٌ﴾ أي: من ذرية من خلق من تراب. ﴿تَنتَشِرُونَ﴾ أي: تنصرفون وتنبسطون في الدنيا. ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ﴾. أي: ومن أدلته وحجته في قدرته على إحيائكم بعد موتكم أنه خلق السماوات والأرض، وهن أعظم خلقاً منكم فاخترعها وأنشأها، وجعل ألسنتكم مختلفة في الأصوات واللغات، وجعل ألوانكم مختلفة على كثرتكم، وهذا ألطف خلقا من خلق أجسامكم، فأتى تعالى ذكره بتمثيل الخلق العظيم واللطيف. ﴿إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَاتٍ لِّلْعَالَمِينَ﴾ أي: لعلامات وأدلة في قدرة الله تعالى ووحدانيته، يعني: الجن والإنس. وهذا على قراءة من فتح اللام. ومن كسرها فمعناه لمن علم قدرة الله وأيقن بها. وقوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِّتَسْكُنُوۤاْ إِلَيْهَا﴾. أي: خلق لأبيكم آدم من ضلعه زوجة ليسكن إليها. وقيل: خلق الزوجة من نطفة الرجل. ﴿وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ أي: بالمصاهرة والختونة يعطف بعضهم على بعض. قال ابن عباس: المودة حب الرجل امرأته، والرحمة رحمته إياها أن لا يمسها بسوء. وقال مجاهد: المودة الجماع، والرحمة الولد. ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ أي: لمن تفكر في الله ووحدانيته، أي: من قدر على هذا فهو قادر على إحياء الموتى، وأنه واحد لا شريك له. * * ثم قال: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُم بِٱلَّيلِ وَٱلنَّهَارِ وَٱبْتِغَآؤُكُمْ مِّن فَضْلِهِ﴾ أي: ومن حججه وأدلته على توحيده وقدرته على إحياء الموتى، أنه يقدر الساعات والأوقات، ويخالف بين الليل والنهار، فجعل النهار تبتغون فيه الرزق والمعاش، وجعل الليل سكناً لتسكنوا فيه وتناموا. وقيل: في الآية تقديم وتأخير، والتقدير: ومن آياته منامكم بالليل والنهار وابتغاؤكم من فضله بالنهار، وحذف حرف الجر من النهار لاتصاله بالليل وعطفه عليه. والواو تقوم مقام حرف الجر إذا اتصلت بالمعطوف عليه في الاسم الظاهر خاصة. ومثله في التقديم والتأخير قوله: ﴿وَمِن رَّحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ ٱلَّيلَ وَٱلنَّهَارَ لِتَسْكُنُواْ فِيهِ وَلِتَبتَغُواْ مِن فَضْلِهِ﴾ [القصص: ٧٣]. ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾ أي: فيما نص من قدرته لدلالة وحججاً وعبرة وعظة لمن سمع مواعظ الله فيتعظ بها ويعتبر. * * ثم قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ ٱلْبَرْقَ خَوْفاً وَطَمَعاً﴾ أي: ومن آياته أنه يريكم البرق. "وخوفاً وطمعاً" مفعولان من أجلهما. وقيل التقدير: ويريكم البرق خوفاً وطمعاً من آياته. والمعنى: من حججه وأدلته على توحيده وإحياء الموتى أنه يريكم البرق خوفاً للمسافر أن يؤذيه المطر، وطمعاً للمقيم أن يسقي زرعه وتخصب أرضه. ﴿وَيُنَزِّلُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَيُحْيِي بِهِ ٱلأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ أي: وينزل من السحاب مطراً فيحيي بذلك الماء الأرض الميتة التي قد يبست ولم تنبت نبتاً، فتنبت بعد جدوبها. ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ أي: يعقلونَ عن الله حججه وأدلته. * * ثم قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَن تَقُومَ ٱلسَّمَآءُ وَٱلأَرْضُ بِأَمْرِهِ﴾ أي: ومن حججه وأدلته على توحيده وقدرته قيام السماوات والأرض بأمره خضوعاً له بالطاعة بغير عمد. ﴿ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِّنَ ٱلأَرْضِ إِذَآ أَنتُمْ تَخْرُجُونَ﴾ أي: إذا دعاكم للبعث خرجتم من بطن الأرض مستجيبين لدعائه إياكم. روي عن نافع أنه وقف "دعاكم دعوة". وكذلك قال يعقوب. ثم يتبدئ "من الأرض". ﴿إِذَآ أَنتُمْ تَخْرُجُونَ﴾ أي: إذا أنتم تخرجون من الأرض. والوقف عند أبي حاتم: من الأرض". أي: دعاكم وأنتم في الأرض، كما تقول دعوت فلاناً من بيته. أي: وهو في بيته. والأحسن عند أهل النظر أن تقف على "تخرجون"، لأن إذا الثانية جواب للأولى على قول الخليل وسيبويه، كأنه قال: إذا دعاكم خرجتم. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَهُ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ﴾ أي: هم عبيد له ومُلك له، لا إله إلا هو. ﴿كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ﴾ أي: مطيعون. وطاعة الكفار منهم انقيادهم على ما شاء من صحة وسقم وفقر وغنى، روى الخدري عن النبي ﷺ قال: "كُلُّ قُنُوتٍ فِي الْقُرآنِ فَهُوَ طَاعَة قال ابن عباس: ﴿كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ﴾ أي: مطيعون في الحياة والنشوز من الموت وإن كانوا عاصين له في غير ذلك. وهو اختيار الطبري وقيل: معناه أنهم كانوا مقرين كلهم بأنه ربهم وخالقهم، دليله قوله تعالى: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ﴾ [الزخرف: ٨٧]. وقيل: معنى الآية الخصوص: يريد بها المؤمنين بالله خاصة. قال ابن زيد: ﴿قَانِتُونَ﴾ مطيعون وليس شيء إلا وهو قانت مطيع لله إلا ابن آدم، وكان أحقهم أن يكون أطوعهم لله. قال: والقنوات في القرآن الطاعة إلا في قوله جل ذكره: ﴿وَقُومُواْ للَّهِ قَٰنِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨] معناه: ساكتين لا يتكلمون كما يفعل أهل الكتاب.

الروم 30:27

قوله تعالى ذكره: ﴿وَهُوَ ٱلَّذِي يَبْدَؤُاْ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ إلى قوله: ﴿بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾. أي: والذي له هذه الصفات هو الذي يبدؤ الخلق من غير أصل وأمثال ثم يفنيه ثم يعيده بعد إفنائه كما بدأ. ﴿وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ أي: وإعادته هين عليه، قال ابن عباس. وقيل: المعنى: الإعادة أهون على المخلوق لأنه يقوم بشراً سوياً، وقد كان في الابتداء ينقل من حال إلى حال. روي ذلك أيضاً عن ابن عباس. وعن ابن عباس: أن معناه: وهو أيسر عليه. وقاله مجاهد. فيكون هذا بمنزلة قوله: ﴿وَكَانَ ذٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيراً﴾ [النساء: ٣٠]. وقال عكرمة: تعجب الكفار من إحياء الله الموتى فنزلت هذه الآية. فالمعنى عنده: إعادة الخلق أهون عليه من ابتدائه. وقال قتادة: إعادته أهون عليه من بدايته، وكل شيء عليه هين. وفي حرف ابن مسعود: "وَهُوَ عَلَيَّ هَيّن". وقيل أهون على بابها، على معنى أسهل عليه من الابتداء. وجاز ذلك في صفات الله كما قال: ﴿وَكَانَ ذٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيراً﴾ [النساء: ٣٠]. وحسن ذلك كله لأن الله خاطب العباد بما يعقلون، فأعلمهم أنه يجب عندهم أن يكون البعث أسهل من الابتداء، فجعله مثلاً لهم لأنهم كذلك يعرفون في عادتهم أن إعادة الشيء مع تقدم مثال أسهل من اختراع الشيء بغير مثال تقدم، فهو مثل لهم على ما يفهمون، ألا ترى أن بعده: ﴿وَلَهُ ٱلْمَثَلُ ٱلأَعْلَىٰ﴾، معناه: أنه لا إله إلا هو لا مثال له. قال ابن عباس: ﴿وَلَهُ ٱلْمَثَلُ ٱلأَعْلَىٰ﴾ ليس كمثله شيء. وقال قتادة: مثله أنه لا إله إلا هو ولا رب غيره. وقيل: المعنى ما أراد كان. وحقيقته في اللغة أن المثل الوصف. فمعناه وله الوصف الأعلى من كل وصف. ﴿وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ﴾ في انتقامه من أعدائه ﴿ٱلْحَكِيمُ﴾ في تدبيره خلقه على ما يشاء. ثم قال تعالى ذكره: ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَّثَلاً مِّنْ أَنفُسِكُمْ﴾ أي: مثل الله لكم أيها القوم مثلاً من أنفسكم. ثم بيّن ذلك المثل فقال: ﴿هَلْ لَّكُمْ مِّن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِّن شُرَكَآءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ أي: هل من مماليككم شركاء في أموالكم أنتم وهم في المال سواء. ﴿تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنفُسَكُمْ﴾ أي: تخافون من عبيدكم في أموالكم أن يرثوكم بعد وفاتكم كما يرث بعضكم بعضاً. وقيل: المعنى تخافونهم كما يخاف الشريك شريكه إذا تعدى في المال بغيره - أي: شريكه -. وقيل: المعنى تخافونهم أن يقاسموكم كما يقاسم الشريك شريكه فإذا لم ترضوا بذلك لأنفسهم فكيف رضيتم أن تكون آلهتكم شركاء لله في العبادة، وأنتم وهم عبيد الله وخلقه، وهو تعالى ذِكْرُهُ مالك الجميع، فجعلتم له شركاء من مماليكه وخلقه، ولا ترضون أنتم أن يكون لكم شركاء من مماليككم. هذا معنى قول قتادة. * * ثم قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ نُفَصِّلُ ٱلآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ أي: نفصل الآيات تفصيلاً، كذلك، أي: نفصلها في كل سورة ونبينها كما فصلنا هذه الآيات في هذه السورة لمن يعقل عن الله حججه. * * ثم قال تعالى: ﴿بَلِ ٱتَّبَعَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوۤاْ أَهْوَآءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ أي: عبدوا الأصنام وأحدثوا لله شركاء اتباعاً منهم لما تهوى أنفسهم جهلاً منهم بطريق الحق. ﴿فَمَن يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ ٱللَّهُ﴾ أي: من يسدد للصواب ويوفق للإسلام من أضله الله عن الاستقامة والرشاد. ﴿وَمَا لَهُمْ مِّن نَّاصِرِينَ﴾ أي: وما لمن أضل الله من ناصر ينصره من الضلالة. * * ثم قال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً﴾. أي: اتبع الذي أمرك الله به حنيفاً أي: مستقيماً. ﴿فِطْرَتَ ٱللَّهِ ٱلَّتِي فَطَرَ ٱلنَّاسَ عَلَيْهَا﴾ انتصبت "فطرت" على معنى اتبع فطرة الله وقيل: هو مصدر عمل فيه الجملة التي قبله. والمعنى فطر الله الناس على ذلك فطرة. فالحَنَفُ: الاستقامة، ولذلك قيل للمعوج الرِّجل: (أحنف) على التفاؤل، كما قيل للمهلكة مفازة، والمفازة: النجاة، وقيل للأعمى بصير على التفاؤل في ذلك. قيل معنى حنيفاً: مائلاً عن كل الأديان إلى الإسلام. فيكون الحَنَف على هذا: الميل، كما قيل للمائل الرِّجل: أحنف وقيل: على بمعنى اللام، والتقدير: التي فطر الناس لها، أي: لاتباعها، أي: دين الله الذي خلق الناس لاتباعه. كما قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦]. فالمعنى دين الله المفطور له الناس، أي: المخلوق الناس له أي: خلقوا لاتباع الدين. قال ابن زيد "فطرت الله" الإسلام، منذ خلقهم يقرون بذلك، وقرأ ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ﴾ [الأعراف: ١٧٢] الآية. وهو قوله: ﴿كَانَ ٱلنَّاسُ أُمَّةً وَٰحِدَةً﴾ [البقرة: ٢١٣] وقاله مجاهد أيضاً. وفي الحديث: "كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ حَتَى يَكُونَ أبَواهُ هُمَا اللَّذَانَ يُهَوِّدَانِه أَوْ يُنَصّرَانِهِ قال الأوزاعي وحماد بن سلمة: هذا الحديث مثل قوله: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِيۤ ءَادَمَ﴾ الآية فالمعنى: كل مولود يولد على العهد الذي أخذ عليه. وفي الحديث: "أَخْرَجَهُمْ جَلَّ ذِكْرُهُ أَمْثَالَ الذَّرِّ فَأَخَذَ عَلَيْهِمُ العَهْدَ، فَكُلُّ مَوْلُودٍ عَلَى ذَلِكَ العَهْدِ يُولَدُ". وقيل: معنى الآية: خلقة الله التي لا يعرفونها لا تميز شيئاً. وقال ابن المبارك: هذا لمن يكون مسلماً، يذهب إلى أنه مخصوص. وقال محمد بن الحسن: هذا قبل أن تنزل الفرائض ويؤمر بالجهاد. وقوله جلّ ذكره: ﴿لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ ٱللَّهِ﴾. معناه: لا تبديل لدين الله، أي: لا ينبغي لك أن تفعل ذلك، قاله مجاهد وعكرمة وقتادة والضحاك والنخعي وابن زيد. وقال ابن عباس: معناه لا تغيير لما خلق الله من البهائم، لا تخصى، وكره خصاء البهائم وقرأ الآية. * * ثم قال تعالى: ﴿ذَلِكَ ٱلدِّينُ ٱلْقَيِّمُ﴾ أي: هذا الذي تقدم ذكره هو الدين المستقيم، ولكن أكثر الناس لا يعلمون ذلك. ثم قال تعالى ذكره: ﴿مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَٱتَّقُوهُ﴾ أي: أقيموا وجوهكم للدين حنفاء منيبين إليه، أي: راجعين إلى طاعته. * * وقوله: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ﴾ هو خطاب للنبي ﷺ والمراد به أمته فلذلك جاء الحال بلفظ الجمع. فلا تقف على يعلمون. وقيل: المعنى فأقم وجهك ومن معك منيبين إليه. قال ابن عباس: "منيبين إليه": مقبلين بكل قلوبكم. قال ابن زيد: المنيب: المطيع. وأصله في اللغة الراجع عن الشيء. ﴿وَٱتَّقُوهُ﴾ أي: وخافوه أن تفرطوا في طاعته. ﴿وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ﴾ أي: بحدودها في أوقاتها. ﴿وَلاَ تَكُونُواْ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ﴾ أي: ممن عبد مع الله غيره وضيع فرائضه. ثم بينهم فقال تعالى ذكره: ﴿مِنَ ٱلَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعاً﴾ يعني اليهود والنصارى، قاله قتادة. وقال ابن زيد: هم اليهود. وقالت عائشة رضي الله عنها وأبو هريرة: هي في أهل القبلة. * * ومعنى ﴿وَكَانُواْ شِيَعاً﴾ أي: أحزاباً. ﴿كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ أي: كل طائفة تفرح بما هم عليه من الدين وتظن أن الصواب معها. وهذا أمر من الله جل ذكره بلزوم الجماعة وترك تفريق الكلمة وتنبيه منه أن الفرقة معها الضلالة.

الروم 30:28

قوله تعالى ذكره: ﴿وَهُوَ ٱلَّذِي يَبْدَؤُاْ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ إلى قوله: ﴿بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾. أي: والذي له هذه الصفات هو الذي يبدؤ الخلق من غير أصل وأمثال ثم يفنيه ثم يعيده بعد إفنائه كما بدأ. ﴿وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ أي: وإعادته هين عليه، قال ابن عباس. وقيل: المعنى: الإعادة أهون على المخلوق لأنه يقوم بشراً سوياً، وقد كان في الابتداء ينقل من حال إلى حال. روي ذلك أيضاً عن ابن عباس. وعن ابن عباس: أن معناه: وهو أيسر عليه. وقاله مجاهد. فيكون هذا بمنزلة قوله: ﴿وَكَانَ ذٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيراً﴾ [النساء: ٣٠]. وقال عكرمة: تعجب الكفار من إحياء الله الموتى فنزلت هذه الآية. فالمعنى عنده: إعادة الخلق أهون عليه من ابتدائه. وقال قتادة: إعادته أهون عليه من بدايته، وكل شيء عليه هين. وفي حرف ابن مسعود: "وَهُوَ عَلَيَّ هَيّن". وقيل أهون على بابها، على معنى أسهل عليه من الابتداء. وجاز ذلك في صفات الله كما قال: ﴿وَكَانَ ذٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيراً﴾ [النساء: ٣٠]. وحسن ذلك كله لأن الله خاطب العباد بما يعقلون، فأعلمهم أنه يجب عندهم أن يكون البعث أسهل من الابتداء، فجعله مثلاً لهم لأنهم كذلك يعرفون في عادتهم أن إعادة الشيء مع تقدم مثال أسهل من اختراع الشيء بغير مثال تقدم، فهو مثل لهم على ما يفهمون، ألا ترى أن بعده: ﴿وَلَهُ ٱلْمَثَلُ ٱلأَعْلَىٰ﴾، معناه: أنه لا إله إلا هو لا مثال له. قال ابن عباس: ﴿وَلَهُ ٱلْمَثَلُ ٱلأَعْلَىٰ﴾ ليس كمثله شيء. وقال قتادة: مثله أنه لا إله إلا هو ولا رب غيره. وقيل: المعنى ما أراد كان. وحقيقته في اللغة أن المثل الوصف. فمعناه وله الوصف الأعلى من كل وصف. ﴿وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ﴾ في انتقامه من أعدائه ﴿ٱلْحَكِيمُ﴾ في تدبيره خلقه على ما يشاء. ثم قال تعالى ذكره: ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَّثَلاً مِّنْ أَنفُسِكُمْ﴾ أي: مثل الله لكم أيها القوم مثلاً من أنفسكم. ثم بيّن ذلك المثل فقال: ﴿هَلْ لَّكُمْ مِّن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِّن شُرَكَآءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ أي: هل من مماليككم شركاء في أموالكم أنتم وهم في المال سواء. ﴿تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنفُسَكُمْ﴾ أي: تخافون من عبيدكم في أموالكم أن يرثوكم بعد وفاتكم كما يرث بعضكم بعضاً. وقيل: المعنى تخافونهم كما يخاف الشريك شريكه إذا تعدى في المال بغيره - أي: شريكه -. وقيل: المعنى تخافونهم أن يقاسموكم كما يقاسم الشريك شريكه فإذا لم ترضوا بذلك لأنفسهم فكيف رضيتم أن تكون آلهتكم شركاء لله في العبادة، وأنتم وهم عبيد الله وخلقه، وهو تعالى ذِكْرُهُ مالك الجميع، فجعلتم له شركاء من مماليكه وخلقه، ولا ترضون أنتم أن يكون لكم شركاء من مماليككم. هذا معنى قول قتادة. * * ثم قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ نُفَصِّلُ ٱلآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ أي: نفصل الآيات تفصيلاً، كذلك، أي: نفصلها في كل سورة ونبينها كما فصلنا هذه الآيات في هذه السورة لمن يعقل عن الله حججه. * * ثم قال تعالى: ﴿بَلِ ٱتَّبَعَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوۤاْ أَهْوَآءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ أي: عبدوا الأصنام وأحدثوا لله شركاء اتباعاً منهم لما تهوى أنفسهم جهلاً منهم بطريق الحق. ﴿فَمَن يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ ٱللَّهُ﴾ أي: من يسدد للصواب ويوفق للإسلام من أضله الله عن الاستقامة والرشاد. ﴿وَمَا لَهُمْ مِّن نَّاصِرِينَ﴾ أي: وما لمن أضل الله من ناصر ينصره من الضلالة. * * ثم قال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً﴾. أي: اتبع الذي أمرك الله به حنيفاً أي: مستقيماً. ﴿فِطْرَتَ ٱللَّهِ ٱلَّتِي فَطَرَ ٱلنَّاسَ عَلَيْهَا﴾ انتصبت "فطرت" على معنى اتبع فطرة الله وقيل: هو مصدر عمل فيه الجملة التي قبله. والمعنى فطر الله الناس على ذلك فطرة. فالحَنَفُ: الاستقامة، ولذلك قيل للمعوج الرِّجل: (أحنف) على التفاؤل، كما قيل للمهلكة مفازة، والمفازة: النجاة، وقيل للأعمى بصير على التفاؤل في ذلك. قيل معنى حنيفاً: مائلاً عن كل الأديان إلى الإسلام. فيكون الحَنَف على هذا: الميل، كما قيل للمائل الرِّجل: أحنف وقيل: على بمعنى اللام، والتقدير: التي فطر الناس لها، أي: لاتباعها، أي: دين الله الذي خلق الناس لاتباعه. كما قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦]. فالمعنى دين الله المفطور له الناس، أي: المخلوق الناس له أي: خلقوا لاتباع الدين. قال ابن زيد "فطرت الله" الإسلام، منذ خلقهم يقرون بذلك، وقرأ ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ﴾ [الأعراف: ١٧٢] الآية. وهو قوله: ﴿كَانَ ٱلنَّاسُ أُمَّةً وَٰحِدَةً﴾ [البقرة: ٢١٣] وقاله مجاهد أيضاً. وفي الحديث: "كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ حَتَى يَكُونَ أبَواهُ هُمَا اللَّذَانَ يُهَوِّدَانِه أَوْ يُنَصّرَانِهِ قال الأوزاعي وحماد بن سلمة: هذا الحديث مثل قوله: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِيۤ ءَادَمَ﴾ الآية فالمعنى: كل مولود يولد على العهد الذي أخذ عليه. وفي الحديث: "أَخْرَجَهُمْ جَلَّ ذِكْرُهُ أَمْثَالَ الذَّرِّ فَأَخَذَ عَلَيْهِمُ العَهْدَ، فَكُلُّ مَوْلُودٍ عَلَى ذَلِكَ العَهْدِ يُولَدُ". وقيل: معنى الآية: خلقة الله التي لا يعرفونها لا تميز شيئاً. وقال ابن المبارك: هذا لمن يكون مسلماً، يذهب إلى أنه مخصوص. وقال محمد بن الحسن: هذا قبل أن تنزل الفرائض ويؤمر بالجهاد. وقوله جلّ ذكره: ﴿لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ ٱللَّهِ﴾. معناه: لا تبديل لدين الله، أي: لا ينبغي لك أن تفعل ذلك، قاله مجاهد وعكرمة وقتادة والضحاك والنخعي وابن زيد. وقال ابن عباس: معناه لا تغيير لما خلق الله من البهائم، لا تخصى، وكره خصاء البهائم وقرأ الآية. * * ثم قال تعالى: ﴿ذَلِكَ ٱلدِّينُ ٱلْقَيِّمُ﴾ أي: هذا الذي تقدم ذكره هو الدين المستقيم، ولكن أكثر الناس لا يعلمون ذلك. ثم قال تعالى ذكره: ﴿مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَٱتَّقُوهُ﴾ أي: أقيموا وجوهكم للدين حنفاء منيبين إليه، أي: راجعين إلى طاعته. * * وقوله: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ﴾ هو خطاب للنبي ﷺ والمراد به أمته فلذلك جاء الحال بلفظ الجمع. فلا تقف على يعلمون. وقيل: المعنى فأقم وجهك ومن معك منيبين إليه. قال ابن عباس: "منيبين إليه": مقبلين بكل قلوبكم. قال ابن زيد: المنيب: المطيع. وأصله في اللغة الراجع عن الشيء. ﴿وَٱتَّقُوهُ﴾ أي: وخافوه أن تفرطوا في طاعته. ﴿وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ﴾ أي: بحدودها في أوقاتها. ﴿وَلاَ تَكُونُواْ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ﴾ أي: ممن عبد مع الله غيره وضيع فرائضه. ثم بينهم فقال تعالى ذكره: ﴿مِنَ ٱلَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعاً﴾ يعني اليهود والنصارى، قاله قتادة. وقال ابن زيد: هم اليهود. وقالت عائشة رضي الله عنها وأبو هريرة: هي في أهل القبلة. * * ومعنى ﴿وَكَانُواْ شِيَعاً﴾ أي: أحزاباً. ﴿كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ أي: كل طائفة تفرح بما هم عليه من الدين وتظن أن الصواب معها. وهذا أمر من الله جل ذكره بلزوم الجماعة وترك تفريق الكلمة وتنبيه منه أن الفرقة معها الضلالة.

الروم 30:29

قوله تعالى ذكره: ﴿وَهُوَ ٱلَّذِي يَبْدَؤُاْ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ إلى قوله: ﴿بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾. أي: والذي له هذه الصفات هو الذي يبدؤ الخلق من غير أصل وأمثال ثم يفنيه ثم يعيده بعد إفنائه كما بدأ. ﴿وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ أي: وإعادته هين عليه، قال ابن عباس. وقيل: المعنى: الإعادة أهون على المخلوق لأنه يقوم بشراً سوياً، وقد كان في الابتداء ينقل من حال إلى حال. روي ذلك أيضاً عن ابن عباس. وعن ابن عباس: أن معناه: وهو أيسر عليه. وقاله مجاهد. فيكون هذا بمنزلة قوله: ﴿وَكَانَ ذٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيراً﴾ [النساء: ٣٠]. وقال عكرمة: تعجب الكفار من إحياء الله الموتى فنزلت هذه الآية. فالمعنى عنده: إعادة الخلق أهون عليه من ابتدائه. وقال قتادة: إعادته أهون عليه من بدايته، وكل شيء عليه هين. وفي حرف ابن مسعود: "وَهُوَ عَلَيَّ هَيّن". وقيل أهون على بابها، على معنى أسهل عليه من الابتداء. وجاز ذلك في صفات الله كما قال: ﴿وَكَانَ ذٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيراً﴾ [النساء: ٣٠]. وحسن ذلك كله لأن الله خاطب العباد بما يعقلون، فأعلمهم أنه يجب عندهم أن يكون البعث أسهل من الابتداء، فجعله مثلاً لهم لأنهم كذلك يعرفون في عادتهم أن إعادة الشيء مع تقدم مثال أسهل من اختراع الشيء بغير مثال تقدم، فهو مثل لهم على ما يفهمون، ألا ترى أن بعده: ﴿وَلَهُ ٱلْمَثَلُ ٱلأَعْلَىٰ﴾، معناه: أنه لا إله إلا هو لا مثال له. قال ابن عباس: ﴿وَلَهُ ٱلْمَثَلُ ٱلأَعْلَىٰ﴾ ليس كمثله شيء. وقال قتادة: مثله أنه لا إله إلا هو ولا رب غيره. وقيل: المعنى ما أراد كان. وحقيقته في اللغة أن المثل الوصف. فمعناه وله الوصف الأعلى من كل وصف. ﴿وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ﴾ في انتقامه من أعدائه ﴿ٱلْحَكِيمُ﴾ في تدبيره خلقه على ما يشاء. ثم قال تعالى ذكره: ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَّثَلاً مِّنْ أَنفُسِكُمْ﴾ أي: مثل الله لكم أيها القوم مثلاً من أنفسكم. ثم بيّن ذلك المثل فقال: ﴿هَلْ لَّكُمْ مِّن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِّن شُرَكَآءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ أي: هل من مماليككم شركاء في أموالكم أنتم وهم في المال سواء. ﴿تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنفُسَكُمْ﴾ أي: تخافون من عبيدكم في أموالكم أن يرثوكم بعد وفاتكم كما يرث بعضكم بعضاً. وقيل: المعنى تخافونهم كما يخاف الشريك شريكه إذا تعدى في المال بغيره - أي: شريكه -. وقيل: المعنى تخافونهم أن يقاسموكم كما يقاسم الشريك شريكه فإذا لم ترضوا بذلك لأنفسهم فكيف رضيتم أن تكون آلهتكم شركاء لله في العبادة، وأنتم وهم عبيد الله وخلقه، وهو تعالى ذِكْرُهُ مالك الجميع، فجعلتم له شركاء من مماليكه وخلقه، ولا ترضون أنتم أن يكون لكم شركاء من مماليككم. هذا معنى قول قتادة. * * ثم قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ نُفَصِّلُ ٱلآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ أي: نفصل الآيات تفصيلاً، كذلك، أي: نفصلها في كل سورة ونبينها كما فصلنا هذه الآيات في هذه السورة لمن يعقل عن الله حججه. * * ثم قال تعالى: ﴿بَلِ ٱتَّبَعَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوۤاْ أَهْوَآءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ أي: عبدوا الأصنام وأحدثوا لله شركاء اتباعاً منهم لما تهوى أنفسهم جهلاً منهم بطريق الحق. ﴿فَمَن يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ ٱللَّهُ﴾ أي: من يسدد للصواب ويوفق للإسلام من أضله الله عن الاستقامة والرشاد. ﴿وَمَا لَهُمْ مِّن نَّاصِرِينَ﴾ أي: وما لمن أضل الله من ناصر ينصره من الضلالة. * * ثم قال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً﴾. أي: اتبع الذي أمرك الله به حنيفاً أي: مستقيماً. ﴿فِطْرَتَ ٱللَّهِ ٱلَّتِي فَطَرَ ٱلنَّاسَ عَلَيْهَا﴾ انتصبت "فطرت" على معنى اتبع فطرة الله وقيل: هو مصدر عمل فيه الجملة التي قبله. والمعنى فطر الله الناس على ذلك فطرة. فالحَنَفُ: الاستقامة، ولذلك قيل للمعوج الرِّجل: (أحنف) على التفاؤل، كما قيل للمهلكة مفازة، والمفازة: النجاة، وقيل للأعمى بصير على التفاؤل في ذلك. قيل معنى حنيفاً: مائلاً عن كل الأديان إلى الإسلام. فيكون الحَنَف على هذا: الميل، كما قيل للمائل الرِّجل: أحنف وقيل: على بمعنى اللام، والتقدير: التي فطر الناس لها، أي: لاتباعها، أي: دين الله الذي خلق الناس لاتباعه. كما قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦]. فالمعنى دين الله المفطور له الناس، أي: المخلوق الناس له أي: خلقوا لاتباع الدين. قال ابن زيد "فطرت الله" الإسلام، منذ خلقهم يقرون بذلك، وقرأ ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ﴾ [الأعراف: ١٧٢] الآية. وهو قوله: ﴿كَانَ ٱلنَّاسُ أُمَّةً وَٰحِدَةً﴾ [البقرة: ٢١٣] وقاله مجاهد أيضاً. وفي الحديث: "كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ حَتَى يَكُونَ أبَواهُ هُمَا اللَّذَانَ يُهَوِّدَانِه أَوْ يُنَصّرَانِهِ قال الأوزاعي وحماد بن سلمة: هذا الحديث مثل قوله: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِيۤ ءَادَمَ﴾ الآية فالمعنى: كل مولود يولد على العهد الذي أخذ عليه. وفي الحديث: "أَخْرَجَهُمْ جَلَّ ذِكْرُهُ أَمْثَالَ الذَّرِّ فَأَخَذَ عَلَيْهِمُ العَهْدَ، فَكُلُّ مَوْلُودٍ عَلَى ذَلِكَ العَهْدِ يُولَدُ". وقيل: معنى الآية: خلقة الله التي لا يعرفونها لا تميز شيئاً. وقال ابن المبارك: هذا لمن يكون مسلماً، يذهب إلى أنه مخصوص. وقال محمد بن الحسن: هذا قبل أن تنزل الفرائض ويؤمر بالجهاد. وقوله جلّ ذكره: ﴿لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ ٱللَّهِ﴾. معناه: لا تبديل لدين الله، أي: لا ينبغي لك أن تفعل ذلك، قاله مجاهد وعكرمة وقتادة والضحاك والنخعي وابن زيد. وقال ابن عباس: معناه لا تغيير لما خلق الله من البهائم، لا تخصى، وكره خصاء البهائم وقرأ الآية. * * ثم قال تعالى: ﴿ذَلِكَ ٱلدِّينُ ٱلْقَيِّمُ﴾ أي: هذا الذي تقدم ذكره هو الدين المستقيم، ولكن أكثر الناس لا يعلمون ذلك. ثم قال تعالى ذكره: ﴿مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَٱتَّقُوهُ﴾ أي: أقيموا وجوهكم للدين حنفاء منيبين إليه، أي: راجعين إلى طاعته. * * وقوله: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ﴾ هو خطاب للنبي ﷺ والمراد به أمته فلذلك جاء الحال بلفظ الجمع. فلا تقف على يعلمون. وقيل: المعنى فأقم وجهك ومن معك منيبين إليه. قال ابن عباس: "منيبين إليه": مقبلين بكل قلوبكم. قال ابن زيد: المنيب: المطيع. وأصله في اللغة الراجع عن الشيء. ﴿وَٱتَّقُوهُ﴾ أي: وخافوه أن تفرطوا في طاعته. ﴿وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ﴾ أي: بحدودها في أوقاتها. ﴿وَلاَ تَكُونُواْ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ﴾ أي: ممن عبد مع الله غيره وضيع فرائضه. ثم بينهم فقال تعالى ذكره: ﴿مِنَ ٱلَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعاً﴾ يعني اليهود والنصارى، قاله قتادة. وقال ابن زيد: هم اليهود. وقالت عائشة رضي الله عنها وأبو هريرة: هي في أهل القبلة. * * ومعنى ﴿وَكَانُواْ شِيَعاً﴾ أي: أحزاباً. ﴿كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ أي: كل طائفة تفرح بما هم عليه من الدين وتظن أن الصواب معها. وهذا أمر من الله جل ذكره بلزوم الجماعة وترك تفريق الكلمة وتنبيه منه أن الفرقة معها الضلالة.

الروم 30:30

قوله تعالى ذكره: ﴿وَهُوَ ٱلَّذِي يَبْدَؤُاْ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ إلى قوله: ﴿بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾. أي: والذي له هذه الصفات هو الذي يبدؤ الخلق من غير أصل وأمثال ثم يفنيه ثم يعيده بعد إفنائه كما بدأ. ﴿وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ أي: وإعادته هين عليه، قال ابن عباس. وقيل: المعنى: الإعادة أهون على المخلوق لأنه يقوم بشراً سوياً، وقد كان في الابتداء ينقل من حال إلى حال. روي ذلك أيضاً عن ابن عباس. وعن ابن عباس: أن معناه: وهو أيسر عليه. وقاله مجاهد. فيكون هذا بمنزلة قوله: ﴿وَكَانَ ذٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيراً﴾ [النساء: ٣٠]. وقال عكرمة: تعجب الكفار من إحياء الله الموتى فنزلت هذه الآية. فالمعنى عنده: إعادة الخلق أهون عليه من ابتدائه. وقال قتادة: إعادته أهون عليه من بدايته، وكل شيء عليه هين. وفي حرف ابن مسعود: "وَهُوَ عَلَيَّ هَيّن". وقيل أهون على بابها، على معنى أسهل عليه من الابتداء. وجاز ذلك في صفات الله كما قال: ﴿وَكَانَ ذٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيراً﴾ [النساء: ٣٠]. وحسن ذلك كله لأن الله خاطب العباد بما يعقلون، فأعلمهم أنه يجب عندهم أن يكون البعث أسهل من الابتداء، فجعله مثلاً لهم لأنهم كذلك يعرفون في عادتهم أن إعادة الشيء مع تقدم مثال أسهل من اختراع الشيء بغير مثال تقدم، فهو مثل لهم على ما يفهمون، ألا ترى أن بعده: ﴿وَلَهُ ٱلْمَثَلُ ٱلأَعْلَىٰ﴾، معناه: أنه لا إله إلا هو لا مثال له. قال ابن عباس: ﴿وَلَهُ ٱلْمَثَلُ ٱلأَعْلَىٰ﴾ ليس كمثله شيء. وقال قتادة: مثله أنه لا إله إلا هو ولا رب غيره. وقيل: المعنى ما أراد كان. وحقيقته في اللغة أن المثل الوصف. فمعناه وله الوصف الأعلى من كل وصف. ﴿وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ﴾ في انتقامه من أعدائه ﴿ٱلْحَكِيمُ﴾ في تدبيره خلقه على ما يشاء. ثم قال تعالى ذكره: ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَّثَلاً مِّنْ أَنفُسِكُمْ﴾ أي: مثل الله لكم أيها القوم مثلاً من أنفسكم. ثم بيّن ذلك المثل فقال: ﴿هَلْ لَّكُمْ مِّن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِّن شُرَكَآءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ أي: هل من مماليككم شركاء في أموالكم أنتم وهم في المال سواء. ﴿تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنفُسَكُمْ﴾ أي: تخافون من عبيدكم في أموالكم أن يرثوكم بعد وفاتكم كما يرث بعضكم بعضاً. وقيل: المعنى تخافونهم كما يخاف الشريك شريكه إذا تعدى في المال بغيره - أي: شريكه -. وقيل: المعنى تخافونهم أن يقاسموكم كما يقاسم الشريك شريكه فإذا لم ترضوا بذلك لأنفسهم فكيف رضيتم أن تكون آلهتكم شركاء لله في العبادة، وأنتم وهم عبيد الله وخلقه، وهو تعالى ذِكْرُهُ مالك الجميع، فجعلتم له شركاء من مماليكه وخلقه، ولا ترضون أنتم أن يكون لكم شركاء من مماليككم. هذا معنى قول قتادة. * * ثم قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ نُفَصِّلُ ٱلآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ أي: نفصل الآيات تفصيلاً، كذلك، أي: نفصلها في كل سورة ونبينها كما فصلنا هذه الآيات في هذه السورة لمن يعقل عن الله حججه. * * ثم قال تعالى: ﴿بَلِ ٱتَّبَعَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوۤاْ أَهْوَآءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ أي: عبدوا الأصنام وأحدثوا لله شركاء اتباعاً منهم لما تهوى أنفسهم جهلاً منهم بطريق الحق. ﴿فَمَن يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ ٱللَّهُ﴾ أي: من يسدد للصواب ويوفق للإسلام من أضله الله عن الاستقامة والرشاد. ﴿وَمَا لَهُمْ مِّن نَّاصِرِينَ﴾ أي: وما لمن أضل الله من ناصر ينصره من الضلالة. * * ثم قال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً﴾. أي: اتبع الذي أمرك الله به حنيفاً أي: مستقيماً. ﴿فِطْرَتَ ٱللَّهِ ٱلَّتِي فَطَرَ ٱلنَّاسَ عَلَيْهَا﴾ انتصبت "فطرت" على معنى اتبع فطرة الله وقيل: هو مصدر عمل فيه الجملة التي قبله. والمعنى فطر الله الناس على ذلك فطرة. فالحَنَفُ: الاستقامة، ولذلك قيل للمعوج الرِّجل: (أحنف) على التفاؤل، كما قيل للمهلكة مفازة، والمفازة: النجاة، وقيل للأعمى بصير على التفاؤل في ذلك. قيل معنى حنيفاً: مائلاً عن كل الأديان إلى الإسلام. فيكون الحَنَف على هذا: الميل، كما قيل للمائل الرِّجل: أحنف وقيل: على بمعنى اللام، والتقدير: التي فطر الناس لها، أي: لاتباعها، أي: دين الله الذي خلق الناس لاتباعه. كما قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦]. فالمعنى دين الله المفطور له الناس، أي: المخلوق الناس له أي: خلقوا لاتباع الدين. قال ابن زيد "فطرت الله" الإسلام، منذ خلقهم يقرون بذلك، وقرأ ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ﴾ [الأعراف: ١٧٢] الآية. وهو قوله: ﴿كَانَ ٱلنَّاسُ أُمَّةً وَٰحِدَةً﴾ [البقرة: ٢١٣] وقاله مجاهد أيضاً. وفي الحديث: "كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ حَتَى يَكُونَ أبَواهُ هُمَا اللَّذَانَ يُهَوِّدَانِه أَوْ يُنَصّرَانِهِ قال الأوزاعي وحماد بن سلمة: هذا الحديث مثل قوله: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِيۤ ءَادَمَ﴾ الآية فالمعنى: كل مولود يولد على العهد الذي أخذ عليه. وفي الحديث: "أَخْرَجَهُمْ جَلَّ ذِكْرُهُ أَمْثَالَ الذَّرِّ فَأَخَذَ عَلَيْهِمُ العَهْدَ، فَكُلُّ مَوْلُودٍ عَلَى ذَلِكَ العَهْدِ يُولَدُ". وقيل: معنى الآية: خلقة الله التي لا يعرفونها لا تميز شيئاً. وقال ابن المبارك: هذا لمن يكون مسلماً، يذهب إلى أنه مخصوص. وقال محمد بن الحسن: هذا قبل أن تنزل الفرائض ويؤمر بالجهاد. وقوله جلّ ذكره: ﴿لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ ٱللَّهِ﴾. معناه: لا تبديل لدين الله، أي: لا ينبغي لك أن تفعل ذلك، قاله مجاهد وعكرمة وقتادة والضحاك والنخعي وابن زيد. وقال ابن عباس: معناه لا تغيير لما خلق الله من البهائم، لا تخصى، وكره خصاء البهائم وقرأ الآية. * * ثم قال تعالى: ﴿ذَلِكَ ٱلدِّينُ ٱلْقَيِّمُ﴾ أي: هذا الذي تقدم ذكره هو الدين المستقيم، ولكن أكثر الناس لا يعلمون ذلك. ثم قال تعالى ذكره: ﴿مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَٱتَّقُوهُ﴾ أي: أقيموا وجوهكم للدين حنفاء منيبين إليه، أي: راجعين إلى طاعته. * * وقوله: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ﴾ هو خطاب للنبي ﷺ والمراد به أمته فلذلك جاء الحال بلفظ الجمع. فلا تقف على يعلمون. وقيل: المعنى فأقم وجهك ومن معك منيبين إليه. قال ابن عباس: "منيبين إليه": مقبلين بكل قلوبكم. قال ابن زيد: المنيب: المطيع. وأصله في اللغة الراجع عن الشيء. ﴿وَٱتَّقُوهُ﴾ أي: وخافوه أن تفرطوا في طاعته. ﴿وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ﴾ أي: بحدودها في أوقاتها. ﴿وَلاَ تَكُونُواْ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ﴾ أي: ممن عبد مع الله غيره وضيع فرائضه. ثم بينهم فقال تعالى ذكره: ﴿مِنَ ٱلَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعاً﴾ يعني اليهود والنصارى، قاله قتادة. وقال ابن زيد: هم اليهود. وقالت عائشة رضي الله عنها وأبو هريرة: هي في أهل القبلة. * * ومعنى ﴿وَكَانُواْ شِيَعاً﴾ أي: أحزاباً. ﴿كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ أي: كل طائفة تفرح بما هم عليه من الدين وتظن أن الصواب معها. وهذا أمر من الله جل ذكره بلزوم الجماعة وترك تفريق الكلمة وتنبيه منه أن الفرقة معها الضلالة.

الروم 30:31

قوله تعالى ذكره: ﴿وَهُوَ ٱلَّذِي يَبْدَؤُاْ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ إلى قوله: ﴿بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾. أي: والذي له هذه الصفات هو الذي يبدؤ الخلق من غير أصل وأمثال ثم يفنيه ثم يعيده بعد إفنائه كما بدأ. ﴿وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ أي: وإعادته هين عليه، قال ابن عباس. وقيل: المعنى: الإعادة أهون على المخلوق لأنه يقوم بشراً سوياً، وقد كان في الابتداء ينقل من حال إلى حال. روي ذلك أيضاً عن ابن عباس. وعن ابن عباس: أن معناه: وهو أيسر عليه. وقاله مجاهد. فيكون هذا بمنزلة قوله: ﴿وَكَانَ ذٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيراً﴾ [النساء: ٣٠]. وقال عكرمة: تعجب الكفار من إحياء الله الموتى فنزلت هذه الآية. فالمعنى عنده: إعادة الخلق أهون عليه من ابتدائه. وقال قتادة: إعادته أهون عليه من بدايته، وكل شيء عليه هين. وفي حرف ابن مسعود: "وَهُوَ عَلَيَّ هَيّن". وقيل أهون على بابها، على معنى أسهل عليه من الابتداء. وجاز ذلك في صفات الله كما قال: ﴿وَكَانَ ذٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيراً﴾ [النساء: ٣٠]. وحسن ذلك كله لأن الله خاطب العباد بما يعقلون، فأعلمهم أنه يجب عندهم أن يكون البعث أسهل من الابتداء، فجعله مثلاً لهم لأنهم كذلك يعرفون في عادتهم أن إعادة الشيء مع تقدم مثال أسهل من اختراع الشيء بغير مثال تقدم، فهو مثل لهم على ما يفهمون، ألا ترى أن بعده: ﴿وَلَهُ ٱلْمَثَلُ ٱلأَعْلَىٰ﴾، معناه: أنه لا إله إلا هو لا مثال له. قال ابن عباس: ﴿وَلَهُ ٱلْمَثَلُ ٱلأَعْلَىٰ﴾ ليس كمثله شيء. وقال قتادة: مثله أنه لا إله إلا هو ولا رب غيره. وقيل: المعنى ما أراد كان. وحقيقته في اللغة أن المثل الوصف. فمعناه وله الوصف الأعلى من كل وصف. ﴿وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ﴾ في انتقامه من أعدائه ﴿ٱلْحَكِيمُ﴾ في تدبيره خلقه على ما يشاء. ثم قال تعالى ذكره: ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَّثَلاً مِّنْ أَنفُسِكُمْ﴾ أي: مثل الله لكم أيها القوم مثلاً من أنفسكم. ثم بيّن ذلك المثل فقال: ﴿هَلْ لَّكُمْ مِّن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِّن شُرَكَآءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ أي: هل من مماليككم شركاء في أموالكم أنتم وهم في المال سواء. ﴿تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنفُسَكُمْ﴾ أي: تخافون من عبيدكم في أموالكم أن يرثوكم بعد وفاتكم كما يرث بعضكم بعضاً. وقيل: المعنى تخافونهم كما يخاف الشريك شريكه إذا تعدى في المال بغيره - أي: شريكه -. وقيل: المعنى تخافونهم أن يقاسموكم كما يقاسم الشريك شريكه فإذا لم ترضوا بذلك لأنفسهم فكيف رضيتم أن تكون آلهتكم شركاء لله في العبادة، وأنتم وهم عبيد الله وخلقه، وهو تعالى ذِكْرُهُ مالك الجميع، فجعلتم له شركاء من مماليكه وخلقه، ولا ترضون أنتم أن يكون لكم شركاء من مماليككم. هذا معنى قول قتادة. * * ثم قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ نُفَصِّلُ ٱلآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ أي: نفصل الآيات تفصيلاً، كذلك، أي: نفصلها في كل سورة ونبينها كما فصلنا هذه الآيات في هذه السورة لمن يعقل عن الله حججه. * * ثم قال تعالى: ﴿بَلِ ٱتَّبَعَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوۤاْ أَهْوَآءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ أي: عبدوا الأصنام وأحدثوا لله شركاء اتباعاً منهم لما تهوى أنفسهم جهلاً منهم بطريق الحق. ﴿فَمَن يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ ٱللَّهُ﴾ أي: من يسدد للصواب ويوفق للإسلام من أضله الله عن الاستقامة والرشاد. ﴿وَمَا لَهُمْ مِّن نَّاصِرِينَ﴾ أي: وما لمن أضل الله من ناصر ينصره من الضلالة. * * ثم قال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً﴾. أي: اتبع الذي أمرك الله به حنيفاً أي: مستقيماً. ﴿فِطْرَتَ ٱللَّهِ ٱلَّتِي فَطَرَ ٱلنَّاسَ عَلَيْهَا﴾ انتصبت "فطرت" على معنى اتبع فطرة الله وقيل: هو مصدر عمل فيه الجملة التي قبله. والمعنى فطر الله الناس على ذلك فطرة. فالحَنَفُ: الاستقامة، ولذلك قيل للمعوج الرِّجل: (أحنف) على التفاؤل، كما قيل للمهلكة مفازة، والمفازة: النجاة، وقيل للأعمى بصير على التفاؤل في ذلك. قيل معنى حنيفاً: مائلاً عن كل الأديان إلى الإسلام. فيكون الحَنَف على هذا: الميل، كما قيل للمائل الرِّجل: أحنف وقيل: على بمعنى اللام، والتقدير: التي فطر الناس لها، أي: لاتباعها، أي: دين الله الذي خلق الناس لاتباعه. كما قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦]. فالمعنى دين الله المفطور له الناس، أي: المخلوق الناس له أي: خلقوا لاتباع الدين. قال ابن زيد "فطرت الله" الإسلام، منذ خلقهم يقرون بذلك، وقرأ ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ﴾ [الأعراف: ١٧٢] الآية. وهو قوله: ﴿كَانَ ٱلنَّاسُ أُمَّةً وَٰحِدَةً﴾ [البقرة: ٢١٣] وقاله مجاهد أيضاً. وفي الحديث: "كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ حَتَى يَكُونَ أبَواهُ هُمَا اللَّذَانَ يُهَوِّدَانِه أَوْ يُنَصّرَانِهِ قال الأوزاعي وحماد بن سلمة: هذا الحديث مثل قوله: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِيۤ ءَادَمَ﴾ الآية فالمعنى: كل مولود يولد على العهد الذي أخذ عليه. وفي الحديث: "أَخْرَجَهُمْ جَلَّ ذِكْرُهُ أَمْثَالَ الذَّرِّ فَأَخَذَ عَلَيْهِمُ العَهْدَ، فَكُلُّ مَوْلُودٍ عَلَى ذَلِكَ العَهْدِ يُولَدُ". وقيل: معنى الآية: خلقة الله التي لا يعرفونها لا تميز شيئاً. وقال ابن المبارك: هذا لمن يكون مسلماً، يذهب إلى أنه مخصوص. وقال محمد بن الحسن: هذا قبل أن تنزل الفرائض ويؤمر بالجهاد. وقوله جلّ ذكره: ﴿لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ ٱللَّهِ﴾. معناه: لا تبديل لدين الله، أي: لا ينبغي لك أن تفعل ذلك، قاله مجاهد وعكرمة وقتادة والضحاك والنخعي وابن زيد. وقال ابن عباس: معناه لا تغيير لما خلق الله من البهائم، لا تخصى، وكره خصاء البهائم وقرأ الآية. * * ثم قال تعالى: ﴿ذَلِكَ ٱلدِّينُ ٱلْقَيِّمُ﴾ أي: هذا الذي تقدم ذكره هو الدين المستقيم، ولكن أكثر الناس لا يعلمون ذلك. ثم قال تعالى ذكره: ﴿مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَٱتَّقُوهُ﴾ أي: أقيموا وجوهكم للدين حنفاء منيبين إليه، أي: راجعين إلى طاعته. * * وقوله: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ﴾ هو خطاب للنبي ﷺ والمراد به أمته فلذلك جاء الحال بلفظ الجمع. فلا تقف على يعلمون. وقيل: المعنى فأقم وجهك ومن معك منيبين إليه. قال ابن عباس: "منيبين إليه": مقبلين بكل قلوبكم. قال ابن زيد: المنيب: المطيع. وأصله في اللغة الراجع عن الشيء. ﴿وَٱتَّقُوهُ﴾ أي: وخافوه أن تفرطوا في طاعته. ﴿وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ﴾ أي: بحدودها في أوقاتها. ﴿وَلاَ تَكُونُواْ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ﴾ أي: ممن عبد مع الله غيره وضيع فرائضه. ثم بينهم فقال تعالى ذكره: ﴿مِنَ ٱلَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعاً﴾ يعني اليهود والنصارى، قاله قتادة. وقال ابن زيد: هم اليهود. وقالت عائشة رضي الله عنها وأبو هريرة: هي في أهل القبلة. * * ومعنى ﴿وَكَانُواْ شِيَعاً﴾ أي: أحزاباً. ﴿كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ أي: كل طائفة تفرح بما هم عليه من الدين وتظن أن الصواب معها. وهذا أمر من الله جل ذكره بلزوم الجماعة وترك تفريق الكلمة وتنبيه منه أن الفرقة معها الضلالة.

الروم 30:32

قوله تعالى ذكره: ﴿وَهُوَ ٱلَّذِي يَبْدَؤُاْ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ إلى قوله: ﴿بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾. أي: والذي له هذه الصفات هو الذي يبدؤ الخلق من غير أصل وأمثال ثم يفنيه ثم يعيده بعد إفنائه كما بدأ. ﴿وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ أي: وإعادته هين عليه، قال ابن عباس. وقيل: المعنى: الإعادة أهون على المخلوق لأنه يقوم بشراً سوياً، وقد كان في الابتداء ينقل من حال إلى حال. روي ذلك أيضاً عن ابن عباس. وعن ابن عباس: أن معناه: وهو أيسر عليه. وقاله مجاهد. فيكون هذا بمنزلة قوله: ﴿وَكَانَ ذٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيراً﴾ [النساء: ٣٠]. وقال عكرمة: تعجب الكفار من إحياء الله الموتى فنزلت هذه الآية. فالمعنى عنده: إعادة الخلق أهون عليه من ابتدائه. وقال قتادة: إعادته أهون عليه من بدايته، وكل شيء عليه هين. وفي حرف ابن مسعود: "وَهُوَ عَلَيَّ هَيّن". وقيل أهون على بابها، على معنى أسهل عليه من الابتداء. وجاز ذلك في صفات الله كما قال: ﴿وَكَانَ ذٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيراً﴾ [النساء: ٣٠]. وحسن ذلك كله لأن الله خاطب العباد بما يعقلون، فأعلمهم أنه يجب عندهم أن يكون البعث أسهل من الابتداء، فجعله مثلاً لهم لأنهم كذلك يعرفون في عادتهم أن إعادة الشيء مع تقدم مثال أسهل من اختراع الشيء بغير مثال تقدم، فهو مثل لهم على ما يفهمون، ألا ترى أن بعده: ﴿وَلَهُ ٱلْمَثَلُ ٱلأَعْلَىٰ﴾، معناه: أنه لا إله إلا هو لا مثال له. قال ابن عباس: ﴿وَلَهُ ٱلْمَثَلُ ٱلأَعْلَىٰ﴾ ليس كمثله شيء. وقال قتادة: مثله أنه لا إله إلا هو ولا رب غيره. وقيل: المعنى ما أراد كان. وحقيقته في اللغة أن المثل الوصف. فمعناه وله الوصف الأعلى من كل وصف. ﴿وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ﴾ في انتقامه من أعدائه ﴿ٱلْحَكِيمُ﴾ في تدبيره خلقه على ما يشاء. ثم قال تعالى ذكره: ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَّثَلاً مِّنْ أَنفُسِكُمْ﴾ أي: مثل الله لكم أيها القوم مثلاً من أنفسكم. ثم بيّن ذلك المثل فقال: ﴿هَلْ لَّكُمْ مِّن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِّن شُرَكَآءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ أي: هل من مماليككم شركاء في أموالكم أنتم وهم في المال سواء. ﴿تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنفُسَكُمْ﴾ أي: تخافون من عبيدكم في أموالكم أن يرثوكم بعد وفاتكم كما يرث بعضكم بعضاً. وقيل: المعنى تخافونهم كما يخاف الشريك شريكه إذا تعدى في المال بغيره - أي: شريكه -. وقيل: المعنى تخافونهم أن يقاسموكم كما يقاسم الشريك شريكه فإذا لم ترضوا بذلك لأنفسهم فكيف رضيتم أن تكون آلهتكم شركاء لله في العبادة، وأنتم وهم عبيد الله وخلقه، وهو تعالى ذِكْرُهُ مالك الجميع، فجعلتم له شركاء من مماليكه وخلقه، ولا ترضون أنتم أن يكون لكم شركاء من مماليككم. هذا معنى قول قتادة. * * ثم قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ نُفَصِّلُ ٱلآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ أي: نفصل الآيات تفصيلاً، كذلك، أي: نفصلها في كل سورة ونبينها كما فصلنا هذه الآيات في هذه السورة لمن يعقل عن الله حججه. * * ثم قال تعالى: ﴿بَلِ ٱتَّبَعَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوۤاْ أَهْوَآءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ أي: عبدوا الأصنام وأحدثوا لله شركاء اتباعاً منهم لما تهوى أنفسهم جهلاً منهم بطريق الحق. ﴿فَمَن يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ ٱللَّهُ﴾ أي: من يسدد للصواب ويوفق للإسلام من أضله الله عن الاستقامة والرشاد. ﴿وَمَا لَهُمْ مِّن نَّاصِرِينَ﴾ أي: وما لمن أضل الله من ناصر ينصره من الضلالة. * * ثم قال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً﴾. أي: اتبع الذي أمرك الله به حنيفاً أي: مستقيماً. ﴿فِطْرَتَ ٱللَّهِ ٱلَّتِي فَطَرَ ٱلنَّاسَ عَلَيْهَا﴾ انتصبت "فطرت" على معنى اتبع فطرة الله وقيل: هو مصدر عمل فيه الجملة التي قبله. والمعنى فطر الله الناس على ذلك فطرة. فالحَنَفُ: الاستقامة، ولذلك قيل للمعوج الرِّجل: (أحنف) على التفاؤل، كما قيل للمهلكة مفازة، والمفازة: النجاة، وقيل للأعمى بصير على التفاؤل في ذلك. قيل معنى حنيفاً: مائلاً عن كل الأديان إلى الإسلام. فيكون الحَنَف على هذا: الميل، كما قيل للمائل الرِّجل: أحنف وقيل: على بمعنى اللام، والتقدير: التي فطر الناس لها، أي: لاتباعها، أي: دين الله الذي خلق الناس لاتباعه. كما قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦]. فالمعنى دين الله المفطور له الناس، أي: المخلوق الناس له أي: خلقوا لاتباع الدين. قال ابن زيد "فطرت الله" الإسلام، منذ خلقهم يقرون بذلك، وقرأ ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ﴾ [الأعراف: ١٧٢] الآية. وهو قوله: ﴿كَانَ ٱلنَّاسُ أُمَّةً وَٰحِدَةً﴾ [البقرة: ٢١٣] وقاله مجاهد أيضاً. وفي الحديث: "كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ حَتَى يَكُونَ أبَواهُ هُمَا اللَّذَانَ يُهَوِّدَانِه أَوْ يُنَصّرَانِهِ قال الأوزاعي وحماد بن سلمة: هذا الحديث مثل قوله: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِيۤ ءَادَمَ﴾ الآية فالمعنى: كل مولود يولد على العهد الذي أخذ عليه. وفي الحديث: "أَخْرَجَهُمْ جَلَّ ذِكْرُهُ أَمْثَالَ الذَّرِّ فَأَخَذَ عَلَيْهِمُ العَهْدَ، فَكُلُّ مَوْلُودٍ عَلَى ذَلِكَ العَهْدِ يُولَدُ". وقيل: معنى الآية: خلقة الله التي لا يعرفونها لا تميز شيئاً. وقال ابن المبارك: هذا لمن يكون مسلماً، يذهب إلى أنه مخصوص. وقال محمد بن الحسن: هذا قبل أن تنزل الفرائض ويؤمر بالجهاد. وقوله جلّ ذكره: ﴿لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ ٱللَّهِ﴾. معناه: لا تبديل لدين الله، أي: لا ينبغي لك أن تفعل ذلك، قاله مجاهد وعكرمة وقتادة والضحاك والنخعي وابن زيد. وقال ابن عباس: معناه لا تغيير لما خلق الله من البهائم، لا تخصى، وكره خصاء البهائم وقرأ الآية. * * ثم قال تعالى: ﴿ذَلِكَ ٱلدِّينُ ٱلْقَيِّمُ﴾ أي: هذا الذي تقدم ذكره هو الدين المستقيم، ولكن أكثر الناس لا يعلمون ذلك. ثم قال تعالى ذكره: ﴿مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَٱتَّقُوهُ﴾ أي: أقيموا وجوهكم للدين حنفاء منيبين إليه، أي: راجعين إلى طاعته. * * وقوله: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ﴾ هو خطاب للنبي ﷺ والمراد به أمته فلذلك جاء الحال بلفظ الجمع. فلا تقف على يعلمون. وقيل: المعنى فأقم وجهك ومن معك منيبين إليه. قال ابن عباس: "منيبين إليه": مقبلين بكل قلوبكم. قال ابن زيد: المنيب: المطيع. وأصله في اللغة الراجع عن الشيء. ﴿وَٱتَّقُوهُ﴾ أي: وخافوه أن تفرطوا في طاعته. ﴿وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ﴾ أي: بحدودها في أوقاتها. ﴿وَلاَ تَكُونُواْ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ﴾ أي: ممن عبد مع الله غيره وضيع فرائضه. ثم بينهم فقال تعالى ذكره: ﴿مِنَ ٱلَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعاً﴾ يعني اليهود والنصارى، قاله قتادة. وقال ابن زيد: هم اليهود. وقالت عائشة رضي الله عنها وأبو هريرة: هي في أهل القبلة. * * ومعنى ﴿وَكَانُواْ شِيَعاً﴾ أي: أحزاباً. ﴿كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ أي: كل طائفة تفرح بما هم عليه من الدين وتظن أن الصواب معها. وهذا أمر من الله جل ذكره بلزوم الجماعة وترك تفريق الكلمة وتنبيه منه أن الفرقة معها الضلالة.

الروم 30:33

قوله تعالى ذكره: ﴿وَإِذَا مَسَّ ٱلنَّاسَ ضُرٌّ﴾ إلى قوله ﴿أَكْثَرُهُمْ مُّشْرِكِينَ﴾. أي: وإذا مس هؤلاء المشركين وغيرهم ضر من مرض أو جدب ونحوه ﴿دَعَوْاْ رَبَّهُمْ مُّنِيبِينَ إِلَيْهِ﴾ أي: أخلصوا له الدعاء والتضرع، ﴿ثُمَّ إِذَآ أَذَاقَهُمْ مِّنْهُ رَحْمَةً﴾، أي: فرج عنهم الضر ﴿إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ﴾ يعني المشركين. * * ثم قال تعالى: ﴿لِيَكْفُرُواْ بِمَآ آتَيْنَاهُمْ﴾. إن جعلت اللام لام كي لم تقف على "يشركون"، ولكن تقف على ﴿آتَيْنَاهُمْ﴾، وإن جعلتها لام أمر لأن الكلام فيه معنى التهديد ابتدأت بها إن شئت، ووقفت على ﴿يُشْرِكُونَ﴾، ولم تقف على ﴿آتَيْنَاهُمْ﴾. * * وقوله: ﴿فَتَمَتَّعُواْ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ يدل على أنها لام أمر لأن هذا وعيد وتهديد لا شك فيه، فحمل الكلام على معنى واحد أحسن. والمعنى على الأمر: اكفروا وتمتعوا بالصحة والرخاء فسوف تعلمون عاقبتكم إذا أوردتم على ربكم. * * ثم قال تعالى: ﴿أَمْ أَنزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَاناً﴾ أي: كتاباً وحجة في عبادتهم الأوثان. ﴿فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِمَا كَانُواْ بِهِ يُشْرِكُونَ﴾ أي: فذلك الكتاب ينطق بصحة شركهم. فالمعنى: لم ننزل عليهم شيئاً من ذلك إنما اختلفوا من عند أنفسهم اتباعاً لأهوائهم. قال ابن عباس: كل سلطان في القرآن فهو عذر وحجة . * * ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَآ أَذَقْنَا ٱلنَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُواْ بِهَا﴾ أي: وإذا مس الناس خصب ورخاء وصحة فرحوا بذلك. ﴿وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ أي: وإن تصبهم شدة جدب أو مرض أو إتلاف مال بذنوبهم المتقدمة ﴿إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ﴾ أي: يئسون من الفرح، والقنوط: اليأس. * * ثم قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّ ٱللَّهَ يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ﴾ أي: ألم ير هؤلاء الذين ييأسوا عند الشدة ويفرحون عند الرخاء أن الله يوسع على من يشاء في رزقه، ﴿وَيَقْدِرُ﴾ أي: ويضيق على من يشاء في رزقه. ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ أي: إن في توسيعه الرزق على بعض خلقه وتضييقه على بعض، لدلالات وحججاً على قدرة الله لمن آمن بالله. * * ثم قال تعالى: ﴿فَآتِ ذَا ٱلْقُرْبَىٰ حَقَّهُ﴾ قال مجاهد وقتادة: هو قريب الرجل، صلة الرحم له فرض من الله جل ذكره. وقال مجاهد: لا تقبل صدقة من أحد ورحمه محتاجة. وقال قتادة: إذا لم تعط ذا قرابتك وتمش إليه برجليك فقد قطعته. وقيل: القربى هنا قرابة رسول الله ﷺ. مُنَزَّلة مَنْزِلة قوله تعالى ذكره: ﴿وَٱعْلَمُوۤا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ للَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي ٱلْقُرْبَىٰ﴾ [الأنفال: ٤١] فيكون المعنى: فأعط يا محمد ذا القربى منك حقه عليك. * * وقوله: ﴿وَٱلْمِسْكِينَ وَٱبْنَ ٱلسَّبِيلِ﴾ أي: وَفِّيهم حقهم إن كان يُسْر، وإن لم يكن عندك شيء فقل لهم قولاً معروفاً. وابن السبيل: الضيف. * * ثم قال تعالى: ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ ٱللَّهِ﴾ أي: إتيان هؤلاء حقوقهم التي ألزمها الله جل ذكره عباده خير للذين يريدون بما يعطون ثواب الله. ﴿وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ﴾ أي: الباقون في النعيم الفائزون. * * ثم قال تعالى: ﴿وَمَآ آتَيْتُمْ مِّن رِّباً لِّيَرْبُوَاْ فِي أَمْوَالِ ٱلنَّاسِ فَلاَ يَرْبُواْ عِندَ ٱللَّهِ﴾ أي: وما أعطى بعضهم بعضاً ليرد الآخذ على المعطي أكثر مما أخذ منه فلا أجر فيه للمعطي لأنه لم يبتغِ في إعطائه ثواب الله، إنما ابتغى الازدياد من مال الآخذ، فذلك حلال لكم ولا أجر لكم فيه. وهو محرم على النبي عليه السلام خاصة بقوله تعالى ﴿وَلاَ تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ﴾ [المدثر: ٦] أي: لا تعط عطية لتأخذ أكثر منها. قال ابن عباس: هو الرجل يهدي الهدية فيطلب ما هو أفضل منها. فليس له أجر ولا عليه إثم، وهو معنى قول مجاهد والضحاك وقتادة. وقيل: هو الرجل يعطي الرجل العطية ليخدمه ويعينه لا لطلب أجر. وقيل: هو الرجل يعطي الرجل ماله ليكثر مال الآخذ لا للثواب. وقيل: هو الربا المحرم. ومعنى: ﴿فَلاَ يَرْبُواْ عِندَ ٱللَّهِ﴾ عند من قال: هو المحرم، لا يحكم به لأحد، بل هو للمأخوذ منه. قال تعالى: ﴿وَمَآ آتَيْتُمْ مِّن زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ ٱللَّهِ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُضْعِفُونَ﴾ أي: وما أعطيتم من صدقة تريدون بها ثواب الله لا الازدياد من مال الآخذ ولا الثناء عليها، فأولئك الذين يكون لهم الأضعاف من الأجر، يضاعف لهم الحسنات. وقيل: المعنى يضاعف لهم الخير والنعيم. ويلزم من قال هذا التفسير أن يكون اللفظ: ﴿ٱلْمُضْعِفُونَ﴾ بفتح العين لأنهم مفعول بهم. لكن تحقيق المعنى مع كسر العين: فأولئك هم الذين أضعفوا لأنفسهم حسناتهم، أي: هم المضعفون لأنفسهم الحسنات، لأن من اختار عمل الحسنة فقد اختار عمل عشر حسنات لنفسه، ويضاعف الله لمن يشاء أكثر من عشر على الحسنة الواحدة. * * ثم قال تعالى: ﴿ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ أي: اخترعكم ولم تكونوا شيئاً، ثم رزقكم وخولكم ولم تكونوا تملكون شيئاً، ثم هو يميتكم ثم هو يحييكم ليوم القيامة، فالعبادة لا تصلح إلا لمن هو هكذا. ﴿هَلْ مِن شُرَكَآئِكُمْ مَّن يَفْعَلُ مِن ذَٰلِكُمْ مِّن شَيْءٍ﴾ أي: هل يفعل شيئاً من خلق أو موت أو بعث أو رزق أو ضر أو نفع، آلهتكم التي تعبدون، فلا بُدَّ لهم أن يقروا أنها لا تفعل شيئاً من ذلك فيعلمون أنهم على باطل. * * ثم قال: ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ أي: تنزيهاً لله وبراءة له عما يشركون به. * * ثم قال تعالى: ﴿ظَهَرَ ٱلْفَسَادُ فِي ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي ٱلنَّاسِ﴾ أي: ظهرت المعاصي لله في الأرض وبحرها بذنوب الناس. قال مجاهد وعكرمة: البحر هنا الأمصار، والبر: الفلوات، ظهرت فيها معاصي ابن آدم. وقال قتادة: هذا قبل مَبْعَثِ النبي ﷺ، امتلأت الدنيا ضلالة وظلمة، فلما بُعِثَ النبي عليه السلام رجع راجعون من الناس، قال أما البر فأهل العَمُود وأما البحر فأهل القرى والريف. والتقدير على هذه الأقاويل: ظهر الفساد في مواضع البر والبحر. وقيل: المعنى ظهر الفساد في مدن البر ومدن البحر. والفساد: الجدب بذنوب بني آدم. وقيل: الفساد ظهور المعاصي فيها وقطع السبيل والظلم. وعن مجاهد: أن البر القرى والأمصار، والبحر بحر الماء المعروف قال: في البر: ابن آدم الذي قتل أخاه، وفي البحر: الذي كان يأخذ كل سفينة غصباً. وهو قول ابن أبي نجيح. وقال قتادة: الفساد الشرك. وعن ابن عباس أنه قال: الفساد نقصان البركة بأعمال العباد حتى يتوبوا. فالمعنى على هذا: ظهر الجدب في البر والبحر، وظهور الفساد في البحر انقطاع مادة صيده وذلك بذنوب بني آدم. وقال الحسن: أفسد الله بذنوبهم بَرَّ الأرض وبحرها بأعمالهم الخبيثة لعلهم يرجعون، أي: يرجع من يأتي بعدهم. * * ثم قال تعالى: ﴿لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ ٱلَّذِي عَمِلُواْ﴾ أي: ليصيبهم بعقوبة بعض ذنوبهم. ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ أي: ينيبون إلى ترك المعاصي ويتوبون. ثم قال تعالى ذكره: ﴿قُلْ سِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ فَٱنْظُرُواْ﴾ الآية. هي مثل "أَوَلَمْ يَسِيرُواْ فِي الأَرْضِ" في أول السورة. وقد تم تفسيرها. * * ومعنى ﴿كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُّشْرِكِينَ﴾ أي: مثلكم يا قريش.

الروم 30:34

قوله تعالى ذكره: ﴿وَإِذَا مَسَّ ٱلنَّاسَ ضُرٌّ﴾ إلى قوله ﴿أَكْثَرُهُمْ مُّشْرِكِينَ﴾. أي: وإذا مس هؤلاء المشركين وغيرهم ضر من مرض أو جدب ونحوه ﴿دَعَوْاْ رَبَّهُمْ مُّنِيبِينَ إِلَيْهِ﴾ أي: أخلصوا له الدعاء والتضرع، ﴿ثُمَّ إِذَآ أَذَاقَهُمْ مِّنْهُ رَحْمَةً﴾، أي: فرج عنهم الضر ﴿إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ﴾ يعني المشركين. * * ثم قال تعالى: ﴿لِيَكْفُرُواْ بِمَآ آتَيْنَاهُمْ﴾. إن جعلت اللام لام كي لم تقف على "يشركون"، ولكن تقف على ﴿آتَيْنَاهُمْ﴾، وإن جعلتها لام أمر لأن الكلام فيه معنى التهديد ابتدأت بها إن شئت، ووقفت على ﴿يُشْرِكُونَ﴾، ولم تقف على ﴿آتَيْنَاهُمْ﴾. * * وقوله: ﴿فَتَمَتَّعُواْ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ يدل على أنها لام أمر لأن هذا وعيد وتهديد لا شك فيه، فحمل الكلام على معنى واحد أحسن. والمعنى على الأمر: اكفروا وتمتعوا بالصحة والرخاء فسوف تعلمون عاقبتكم إذا أوردتم على ربكم. * * ثم قال تعالى: ﴿أَمْ أَنزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَاناً﴾ أي: كتاباً وحجة في عبادتهم الأوثان. ﴿فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِمَا كَانُواْ بِهِ يُشْرِكُونَ﴾ أي: فذلك الكتاب ينطق بصحة شركهم. فالمعنى: لم ننزل عليهم شيئاً من ذلك إنما اختلفوا من عند أنفسهم اتباعاً لأهوائهم. قال ابن عباس: كل سلطان في القرآن فهو عذر وحجة . * * ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَآ أَذَقْنَا ٱلنَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُواْ بِهَا﴾ أي: وإذا مس الناس خصب ورخاء وصحة فرحوا بذلك. ﴿وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ أي: وإن تصبهم شدة جدب أو مرض أو إتلاف مال بذنوبهم المتقدمة ﴿إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ﴾ أي: يئسون من الفرح، والقنوط: اليأس. * * ثم قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّ ٱللَّهَ يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ﴾ أي: ألم ير هؤلاء الذين ييأسوا عند الشدة ويفرحون عند الرخاء أن الله يوسع على من يشاء في رزقه، ﴿وَيَقْدِرُ﴾ أي: ويضيق على من يشاء في رزقه. ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ أي: إن في توسيعه الرزق على بعض خلقه وتضييقه على بعض، لدلالات وحججاً على قدرة الله لمن آمن بالله. * * ثم قال تعالى: ﴿فَآتِ ذَا ٱلْقُرْبَىٰ حَقَّهُ﴾ قال مجاهد وقتادة: هو قريب الرجل، صلة الرحم له فرض من الله جل ذكره. وقال مجاهد: لا تقبل صدقة من أحد ورحمه محتاجة. وقال قتادة: إذا لم تعط ذا قرابتك وتمش إليه برجليك فقد قطعته. وقيل: القربى هنا قرابة رسول الله ﷺ. مُنَزَّلة مَنْزِلة قوله تعالى ذكره: ﴿وَٱعْلَمُوۤا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ للَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي ٱلْقُرْبَىٰ﴾ [الأنفال: ٤١] فيكون المعنى: فأعط يا محمد ذا القربى منك حقه عليك. * * وقوله: ﴿وَٱلْمِسْكِينَ وَٱبْنَ ٱلسَّبِيلِ﴾ أي: وَفِّيهم حقهم إن كان يُسْر، وإن لم يكن عندك شيء فقل لهم قولاً معروفاً. وابن السبيل: الضيف. * * ثم قال تعالى: ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ ٱللَّهِ﴾ أي: إتيان هؤلاء حقوقهم التي ألزمها الله جل ذكره عباده خير للذين يريدون بما يعطون ثواب الله. ﴿وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ﴾ أي: الباقون في النعيم الفائزون. * * ثم قال تعالى: ﴿وَمَآ آتَيْتُمْ مِّن رِّباً لِّيَرْبُوَاْ فِي أَمْوَالِ ٱلنَّاسِ فَلاَ يَرْبُواْ عِندَ ٱللَّهِ﴾ أي: وما أعطى بعضهم بعضاً ليرد الآخذ على المعطي أكثر مما أخذ منه فلا أجر فيه للمعطي لأنه لم يبتغِ في إعطائه ثواب الله، إنما ابتغى الازدياد من مال الآخذ، فذلك حلال لكم ولا أجر لكم فيه. وهو محرم على النبي عليه السلام خاصة بقوله تعالى ﴿وَلاَ تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ﴾ [المدثر: ٦] أي: لا تعط عطية لتأخذ أكثر منها. قال ابن عباس: هو الرجل يهدي الهدية فيطلب ما هو أفضل منها. فليس له أجر ولا عليه إثم، وهو معنى قول مجاهد والضحاك وقتادة. وقيل: هو الرجل يعطي الرجل العطية ليخدمه ويعينه لا لطلب أجر. وقيل: هو الرجل يعطي الرجل ماله ليكثر مال الآخذ لا للثواب. وقيل: هو الربا المحرم. ومعنى: ﴿فَلاَ يَرْبُواْ عِندَ ٱللَّهِ﴾ عند من قال: هو المحرم، لا يحكم به لأحد، بل هو للمأخوذ منه. قال تعالى: ﴿وَمَآ آتَيْتُمْ مِّن زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ ٱللَّهِ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُضْعِفُونَ﴾ أي: وما أعطيتم من صدقة تريدون بها ثواب الله لا الازدياد من مال الآخذ ولا الثناء عليها، فأولئك الذين يكون لهم الأضعاف من الأجر، يضاعف لهم الحسنات. وقيل: المعنى يضاعف لهم الخير والنعيم. ويلزم من قال هذا التفسير أن يكون اللفظ: ﴿ٱلْمُضْعِفُونَ﴾ بفتح العين لأنهم مفعول بهم. لكن تحقيق المعنى مع كسر العين: فأولئك هم الذين أضعفوا لأنفسهم حسناتهم، أي: هم المضعفون لأنفسهم الحسنات، لأن من اختار عمل الحسنة فقد اختار عمل عشر حسنات لنفسه، ويضاعف الله لمن يشاء أكثر من عشر على الحسنة الواحدة. * * ثم قال تعالى: ﴿ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ أي: اخترعكم ولم تكونوا شيئاً، ثم رزقكم وخولكم ولم تكونوا تملكون شيئاً، ثم هو يميتكم ثم هو يحييكم ليوم القيامة، فالعبادة لا تصلح إلا لمن هو هكذا. ﴿هَلْ مِن شُرَكَآئِكُمْ مَّن يَفْعَلُ مِن ذَٰلِكُمْ مِّن شَيْءٍ﴾ أي: هل يفعل شيئاً من خلق أو موت أو بعث أو رزق أو ضر أو نفع، آلهتكم التي تعبدون، فلا بُدَّ لهم أن يقروا أنها لا تفعل شيئاً من ذلك فيعلمون أنهم على باطل. * * ثم قال: ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ أي: تنزيهاً لله وبراءة له عما يشركون به. * * ثم قال تعالى: ﴿ظَهَرَ ٱلْفَسَادُ فِي ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي ٱلنَّاسِ﴾ أي: ظهرت المعاصي لله في الأرض وبحرها بذنوب الناس. قال مجاهد وعكرمة: البحر هنا الأمصار، والبر: الفلوات، ظهرت فيها معاصي ابن آدم. وقال قتادة: هذا قبل مَبْعَثِ النبي ﷺ، امتلأت الدنيا ضلالة وظلمة، فلما بُعِثَ النبي عليه السلام رجع راجعون من الناس، قال أما البر فأهل العَمُود وأما البحر فأهل القرى والريف. والتقدير على هذه الأقاويل: ظهر الفساد في مواضع البر والبحر. وقيل: المعنى ظهر الفساد في مدن البر ومدن البحر. والفساد: الجدب بذنوب بني آدم. وقيل: الفساد ظهور المعاصي فيها وقطع السبيل والظلم. وعن مجاهد: أن البر القرى والأمصار، والبحر بحر الماء المعروف قال: في البر: ابن آدم الذي قتل أخاه، وفي البحر: الذي كان يأخذ كل سفينة غصباً. وهو قول ابن أبي نجيح. وقال قتادة: الفساد الشرك. وعن ابن عباس أنه قال: الفساد نقصان البركة بأعمال العباد حتى يتوبوا. فالمعنى على هذا: ظهر الجدب في البر والبحر، وظهور الفساد في البحر انقطاع مادة صيده وذلك بذنوب بني آدم. وقال الحسن: أفسد الله بذنوبهم بَرَّ الأرض وبحرها بأعمالهم الخبيثة لعلهم يرجعون، أي: يرجع من يأتي بعدهم. * * ثم قال تعالى: ﴿لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ ٱلَّذِي عَمِلُواْ﴾ أي: ليصيبهم بعقوبة بعض ذنوبهم. ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ أي: ينيبون إلى ترك المعاصي ويتوبون. ثم قال تعالى ذكره: ﴿قُلْ سِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ فَٱنْظُرُواْ﴾ الآية. هي مثل "أَوَلَمْ يَسِيرُواْ فِي الأَرْضِ" في أول السورة. وقد تم تفسيرها. * * ومعنى ﴿كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُّشْرِكِينَ﴾ أي: مثلكم يا قريش.