Lafzullah

Tafsir Makhi — الروم 30:35 – لقمان 31:34

المؤلف / المصدر: Tafsir Makhi

المحتويات
  1. الروم 30:35
  2. الروم 30:36
  3. الروم 30:37
  4. الروم 30:38
  5. الروم 30:39
  6. الروم 30:40
  7. الروم 30:41
  8. الروم 30:42
  9. الروم 30:43
  10. الروم 30:44
  11. الروم 30:45
  12. الروم 30:46
  13. الروم 30:47
  14. الروم 30:48
  15. الروم 30:49
  16. الروم 30:50
  17. الروم 30:51
  18. الروم 30:52
  19. الروم 30:53
  20. الروم 30:54
  21. الروم 30:55
  22. الروم 30:56
  23. الروم 30:57
  24. الروم 30:58
  25. الروم 30:59
  26. الروم 30:60
  27. لقمان 31:1
  28. لقمان 31:2
  29. لقمان 31:3
  30. لقمان 31:4
  31. لقمان 31:5
  32. لقمان 31:6
  33. لقمان 31:7
  34. لقمان 31:8
  35. لقمان 31:9
  36. لقمان 31:10
  37. لقمان 31:11
  38. لقمان 31:12
  39. لقمان 31:13
  40. لقمان 31:14
  41. لقمان 31:15
  42. لقمان 31:16
  43. لقمان 31:17
  44. لقمان 31:18
  45. لقمان 31:19
  46. لقمان 31:20
  47. لقمان 31:21
  48. لقمان 31:22
  49. لقمان 31:23
  50. لقمان 31:24
  51. لقمان 31:25
  52. لقمان 31:26
  53. لقمان 31:27
  54. لقمان 31:28
  55. لقمان 31:29
  56. لقمان 31:30
  57. لقمان 31:31
  58. لقمان 31:32
  59. لقمان 31:33
  60. لقمان 31:34

الروم 30:35

قوله تعالى ذكره: ﴿وَإِذَا مَسَّ ٱلنَّاسَ ضُرٌّ﴾ إلى قوله ﴿أَكْثَرُهُمْ مُّشْرِكِينَ﴾. أي: وإذا مس هؤلاء المشركين وغيرهم ضر من مرض أو جدب ونحوه ﴿دَعَوْاْ رَبَّهُمْ مُّنِيبِينَ إِلَيْهِ﴾ أي: أخلصوا له الدعاء والتضرع، ﴿ثُمَّ إِذَآ أَذَاقَهُمْ مِّنْهُ رَحْمَةً﴾، أي: فرج عنهم الضر ﴿إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ﴾ يعني المشركين. * * ثم قال تعالى: ﴿لِيَكْفُرُواْ بِمَآ آتَيْنَاهُمْ﴾. إن جعلت اللام لام كي لم تقف على "يشركون"، ولكن تقف على ﴿آتَيْنَاهُمْ﴾، وإن جعلتها لام أمر لأن الكلام فيه معنى التهديد ابتدأت بها إن شئت، ووقفت على ﴿يُشْرِكُونَ﴾، ولم تقف على ﴿آتَيْنَاهُمْ﴾. * * وقوله: ﴿فَتَمَتَّعُواْ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ يدل على أنها لام أمر لأن هذا وعيد وتهديد لا شك فيه، فحمل الكلام على معنى واحد أحسن. والمعنى على الأمر: اكفروا وتمتعوا بالصحة والرخاء فسوف تعلمون عاقبتكم إذا أوردتم على ربكم. * * ثم قال تعالى: ﴿أَمْ أَنزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَاناً﴾ أي: كتاباً وحجة في عبادتهم الأوثان. ﴿فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِمَا كَانُواْ بِهِ يُشْرِكُونَ﴾ أي: فذلك الكتاب ينطق بصحة شركهم. فالمعنى: لم ننزل عليهم شيئاً من ذلك إنما اختلفوا من عند أنفسهم اتباعاً لأهوائهم. قال ابن عباس: كل سلطان في القرآن فهو عذر وحجة . * * ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَآ أَذَقْنَا ٱلنَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُواْ بِهَا﴾ أي: وإذا مس الناس خصب ورخاء وصحة فرحوا بذلك. ﴿وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ أي: وإن تصبهم شدة جدب أو مرض أو إتلاف مال بذنوبهم المتقدمة ﴿إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ﴾ أي: يئسون من الفرح، والقنوط: اليأس. * * ثم قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّ ٱللَّهَ يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ﴾ أي: ألم ير هؤلاء الذين ييأسوا عند الشدة ويفرحون عند الرخاء أن الله يوسع على من يشاء في رزقه، ﴿وَيَقْدِرُ﴾ أي: ويضيق على من يشاء في رزقه. ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ أي: إن في توسيعه الرزق على بعض خلقه وتضييقه على بعض، لدلالات وحججاً على قدرة الله لمن آمن بالله. * * ثم قال تعالى: ﴿فَآتِ ذَا ٱلْقُرْبَىٰ حَقَّهُ﴾ قال مجاهد وقتادة: هو قريب الرجل، صلة الرحم له فرض من الله جل ذكره. وقال مجاهد: لا تقبل صدقة من أحد ورحمه محتاجة. وقال قتادة: إذا لم تعط ذا قرابتك وتمش إليه برجليك فقد قطعته. وقيل: القربى هنا قرابة رسول الله ﷺ. مُنَزَّلة مَنْزِلة قوله تعالى ذكره: ﴿وَٱعْلَمُوۤا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ للَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي ٱلْقُرْبَىٰ﴾ [الأنفال: ٤١] فيكون المعنى: فأعط يا محمد ذا القربى منك حقه عليك. * * وقوله: ﴿وَٱلْمِسْكِينَ وَٱبْنَ ٱلسَّبِيلِ﴾ أي: وَفِّيهم حقهم إن كان يُسْر، وإن لم يكن عندك شيء فقل لهم قولاً معروفاً. وابن السبيل: الضيف. * * ثم قال تعالى: ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ ٱللَّهِ﴾ أي: إتيان هؤلاء حقوقهم التي ألزمها الله جل ذكره عباده خير للذين يريدون بما يعطون ثواب الله. ﴿وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ﴾ أي: الباقون في النعيم الفائزون. * * ثم قال تعالى: ﴿وَمَآ آتَيْتُمْ مِّن رِّباً لِّيَرْبُوَاْ فِي أَمْوَالِ ٱلنَّاسِ فَلاَ يَرْبُواْ عِندَ ٱللَّهِ﴾ أي: وما أعطى بعضهم بعضاً ليرد الآخذ على المعطي أكثر مما أخذ منه فلا أجر فيه للمعطي لأنه لم يبتغِ في إعطائه ثواب الله، إنما ابتغى الازدياد من مال الآخذ، فذلك حلال لكم ولا أجر لكم فيه. وهو محرم على النبي عليه السلام خاصة بقوله تعالى ﴿وَلاَ تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ﴾ [المدثر: ٦] أي: لا تعط عطية لتأخذ أكثر منها. قال ابن عباس: هو الرجل يهدي الهدية فيطلب ما هو أفضل منها. فليس له أجر ولا عليه إثم، وهو معنى قول مجاهد والضحاك وقتادة. وقيل: هو الرجل يعطي الرجل العطية ليخدمه ويعينه لا لطلب أجر. وقيل: هو الرجل يعطي الرجل ماله ليكثر مال الآخذ لا للثواب. وقيل: هو الربا المحرم. ومعنى: ﴿فَلاَ يَرْبُواْ عِندَ ٱللَّهِ﴾ عند من قال: هو المحرم، لا يحكم به لأحد، بل هو للمأخوذ منه. قال تعالى: ﴿وَمَآ آتَيْتُمْ مِّن زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ ٱللَّهِ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُضْعِفُونَ﴾ أي: وما أعطيتم من صدقة تريدون بها ثواب الله لا الازدياد من مال الآخذ ولا الثناء عليها، فأولئك الذين يكون لهم الأضعاف من الأجر، يضاعف لهم الحسنات. وقيل: المعنى يضاعف لهم الخير والنعيم. ويلزم من قال هذا التفسير أن يكون اللفظ: ﴿ٱلْمُضْعِفُونَ﴾ بفتح العين لأنهم مفعول بهم. لكن تحقيق المعنى مع كسر العين: فأولئك هم الذين أضعفوا لأنفسهم حسناتهم، أي: هم المضعفون لأنفسهم الحسنات، لأن من اختار عمل الحسنة فقد اختار عمل عشر حسنات لنفسه، ويضاعف الله لمن يشاء أكثر من عشر على الحسنة الواحدة. * * ثم قال تعالى: ﴿ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ أي: اخترعكم ولم تكونوا شيئاً، ثم رزقكم وخولكم ولم تكونوا تملكون شيئاً، ثم هو يميتكم ثم هو يحييكم ليوم القيامة، فالعبادة لا تصلح إلا لمن هو هكذا. ﴿هَلْ مِن شُرَكَآئِكُمْ مَّن يَفْعَلُ مِن ذَٰلِكُمْ مِّن شَيْءٍ﴾ أي: هل يفعل شيئاً من خلق أو موت أو بعث أو رزق أو ضر أو نفع، آلهتكم التي تعبدون، فلا بُدَّ لهم أن يقروا أنها لا تفعل شيئاً من ذلك فيعلمون أنهم على باطل. * * ثم قال: ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ أي: تنزيهاً لله وبراءة له عما يشركون به. * * ثم قال تعالى: ﴿ظَهَرَ ٱلْفَسَادُ فِي ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي ٱلنَّاسِ﴾ أي: ظهرت المعاصي لله في الأرض وبحرها بذنوب الناس. قال مجاهد وعكرمة: البحر هنا الأمصار، والبر: الفلوات، ظهرت فيها معاصي ابن آدم. وقال قتادة: هذا قبل مَبْعَثِ النبي ﷺ، امتلأت الدنيا ضلالة وظلمة، فلما بُعِثَ النبي عليه السلام رجع راجعون من الناس، قال أما البر فأهل العَمُود وأما البحر فأهل القرى والريف. والتقدير على هذه الأقاويل: ظهر الفساد في مواضع البر والبحر. وقيل: المعنى ظهر الفساد في مدن البر ومدن البحر. والفساد: الجدب بذنوب بني آدم. وقيل: الفساد ظهور المعاصي فيها وقطع السبيل والظلم. وعن مجاهد: أن البر القرى والأمصار، والبحر بحر الماء المعروف قال: في البر: ابن آدم الذي قتل أخاه، وفي البحر: الذي كان يأخذ كل سفينة غصباً. وهو قول ابن أبي نجيح. وقال قتادة: الفساد الشرك. وعن ابن عباس أنه قال: الفساد نقصان البركة بأعمال العباد حتى يتوبوا. فالمعنى على هذا: ظهر الجدب في البر والبحر، وظهور الفساد في البحر انقطاع مادة صيده وذلك بذنوب بني آدم. وقال الحسن: أفسد الله بذنوبهم بَرَّ الأرض وبحرها بأعمالهم الخبيثة لعلهم يرجعون، أي: يرجع من يأتي بعدهم. * * ثم قال تعالى: ﴿لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ ٱلَّذِي عَمِلُواْ﴾ أي: ليصيبهم بعقوبة بعض ذنوبهم. ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ أي: ينيبون إلى ترك المعاصي ويتوبون. ثم قال تعالى ذكره: ﴿قُلْ سِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ فَٱنْظُرُواْ﴾ الآية. هي مثل "أَوَلَمْ يَسِيرُواْ فِي الأَرْضِ" في أول السورة. وقد تم تفسيرها. * * ومعنى ﴿كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُّشْرِكِينَ﴾ أي: مثلكم يا قريش.

الروم 30:36

قوله تعالى ذكره: ﴿وَإِذَا مَسَّ ٱلنَّاسَ ضُرٌّ﴾ إلى قوله ﴿أَكْثَرُهُمْ مُّشْرِكِينَ﴾. أي: وإذا مس هؤلاء المشركين وغيرهم ضر من مرض أو جدب ونحوه ﴿دَعَوْاْ رَبَّهُمْ مُّنِيبِينَ إِلَيْهِ﴾ أي: أخلصوا له الدعاء والتضرع، ﴿ثُمَّ إِذَآ أَذَاقَهُمْ مِّنْهُ رَحْمَةً﴾، أي: فرج عنهم الضر ﴿إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ﴾ يعني المشركين. * * ثم قال تعالى: ﴿لِيَكْفُرُواْ بِمَآ آتَيْنَاهُمْ﴾. إن جعلت اللام لام كي لم تقف على "يشركون"، ولكن تقف على ﴿آتَيْنَاهُمْ﴾، وإن جعلتها لام أمر لأن الكلام فيه معنى التهديد ابتدأت بها إن شئت، ووقفت على ﴿يُشْرِكُونَ﴾، ولم تقف على ﴿آتَيْنَاهُمْ﴾. * * وقوله: ﴿فَتَمَتَّعُواْ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ يدل على أنها لام أمر لأن هذا وعيد وتهديد لا شك فيه، فحمل الكلام على معنى واحد أحسن. والمعنى على الأمر: اكفروا وتمتعوا بالصحة والرخاء فسوف تعلمون عاقبتكم إذا أوردتم على ربكم. * * ثم قال تعالى: ﴿أَمْ أَنزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَاناً﴾ أي: كتاباً وحجة في عبادتهم الأوثان. ﴿فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِمَا كَانُواْ بِهِ يُشْرِكُونَ﴾ أي: فذلك الكتاب ينطق بصحة شركهم. فالمعنى: لم ننزل عليهم شيئاً من ذلك إنما اختلفوا من عند أنفسهم اتباعاً لأهوائهم. قال ابن عباس: كل سلطان في القرآن فهو عذر وحجة . * * ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَآ أَذَقْنَا ٱلنَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُواْ بِهَا﴾ أي: وإذا مس الناس خصب ورخاء وصحة فرحوا بذلك. ﴿وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ أي: وإن تصبهم شدة جدب أو مرض أو إتلاف مال بذنوبهم المتقدمة ﴿إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ﴾ أي: يئسون من الفرح، والقنوط: اليأس. * * ثم قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّ ٱللَّهَ يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ﴾ أي: ألم ير هؤلاء الذين ييأسوا عند الشدة ويفرحون عند الرخاء أن الله يوسع على من يشاء في رزقه، ﴿وَيَقْدِرُ﴾ أي: ويضيق على من يشاء في رزقه. ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ أي: إن في توسيعه الرزق على بعض خلقه وتضييقه على بعض، لدلالات وحججاً على قدرة الله لمن آمن بالله. * * ثم قال تعالى: ﴿فَآتِ ذَا ٱلْقُرْبَىٰ حَقَّهُ﴾ قال مجاهد وقتادة: هو قريب الرجل، صلة الرحم له فرض من الله جل ذكره. وقال مجاهد: لا تقبل صدقة من أحد ورحمه محتاجة. وقال قتادة: إذا لم تعط ذا قرابتك وتمش إليه برجليك فقد قطعته. وقيل: القربى هنا قرابة رسول الله ﷺ. مُنَزَّلة مَنْزِلة قوله تعالى ذكره: ﴿وَٱعْلَمُوۤا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ للَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي ٱلْقُرْبَىٰ﴾ [الأنفال: ٤١] فيكون المعنى: فأعط يا محمد ذا القربى منك حقه عليك. * * وقوله: ﴿وَٱلْمِسْكِينَ وَٱبْنَ ٱلسَّبِيلِ﴾ أي: وَفِّيهم حقهم إن كان يُسْر، وإن لم يكن عندك شيء فقل لهم قولاً معروفاً. وابن السبيل: الضيف. * * ثم قال تعالى: ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ ٱللَّهِ﴾ أي: إتيان هؤلاء حقوقهم التي ألزمها الله جل ذكره عباده خير للذين يريدون بما يعطون ثواب الله. ﴿وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ﴾ أي: الباقون في النعيم الفائزون. * * ثم قال تعالى: ﴿وَمَآ آتَيْتُمْ مِّن رِّباً لِّيَرْبُوَاْ فِي أَمْوَالِ ٱلنَّاسِ فَلاَ يَرْبُواْ عِندَ ٱللَّهِ﴾ أي: وما أعطى بعضهم بعضاً ليرد الآخذ على المعطي أكثر مما أخذ منه فلا أجر فيه للمعطي لأنه لم يبتغِ في إعطائه ثواب الله، إنما ابتغى الازدياد من مال الآخذ، فذلك حلال لكم ولا أجر لكم فيه. وهو محرم على النبي عليه السلام خاصة بقوله تعالى ﴿وَلاَ تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ﴾ [المدثر: ٦] أي: لا تعط عطية لتأخذ أكثر منها. قال ابن عباس: هو الرجل يهدي الهدية فيطلب ما هو أفضل منها. فليس له أجر ولا عليه إثم، وهو معنى قول مجاهد والضحاك وقتادة. وقيل: هو الرجل يعطي الرجل العطية ليخدمه ويعينه لا لطلب أجر. وقيل: هو الرجل يعطي الرجل ماله ليكثر مال الآخذ لا للثواب. وقيل: هو الربا المحرم. ومعنى: ﴿فَلاَ يَرْبُواْ عِندَ ٱللَّهِ﴾ عند من قال: هو المحرم، لا يحكم به لأحد، بل هو للمأخوذ منه. قال تعالى: ﴿وَمَآ آتَيْتُمْ مِّن زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ ٱللَّهِ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُضْعِفُونَ﴾ أي: وما أعطيتم من صدقة تريدون بها ثواب الله لا الازدياد من مال الآخذ ولا الثناء عليها، فأولئك الذين يكون لهم الأضعاف من الأجر، يضاعف لهم الحسنات. وقيل: المعنى يضاعف لهم الخير والنعيم. ويلزم من قال هذا التفسير أن يكون اللفظ: ﴿ٱلْمُضْعِفُونَ﴾ بفتح العين لأنهم مفعول بهم. لكن تحقيق المعنى مع كسر العين: فأولئك هم الذين أضعفوا لأنفسهم حسناتهم، أي: هم المضعفون لأنفسهم الحسنات، لأن من اختار عمل الحسنة فقد اختار عمل عشر حسنات لنفسه، ويضاعف الله لمن يشاء أكثر من عشر على الحسنة الواحدة. * * ثم قال تعالى: ﴿ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ أي: اخترعكم ولم تكونوا شيئاً، ثم رزقكم وخولكم ولم تكونوا تملكون شيئاً، ثم هو يميتكم ثم هو يحييكم ليوم القيامة، فالعبادة لا تصلح إلا لمن هو هكذا. ﴿هَلْ مِن شُرَكَآئِكُمْ مَّن يَفْعَلُ مِن ذَٰلِكُمْ مِّن شَيْءٍ﴾ أي: هل يفعل شيئاً من خلق أو موت أو بعث أو رزق أو ضر أو نفع، آلهتكم التي تعبدون، فلا بُدَّ لهم أن يقروا أنها لا تفعل شيئاً من ذلك فيعلمون أنهم على باطل. * * ثم قال: ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ أي: تنزيهاً لله وبراءة له عما يشركون به. * * ثم قال تعالى: ﴿ظَهَرَ ٱلْفَسَادُ فِي ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي ٱلنَّاسِ﴾ أي: ظهرت المعاصي لله في الأرض وبحرها بذنوب الناس. قال مجاهد وعكرمة: البحر هنا الأمصار، والبر: الفلوات، ظهرت فيها معاصي ابن آدم. وقال قتادة: هذا قبل مَبْعَثِ النبي ﷺ، امتلأت الدنيا ضلالة وظلمة، فلما بُعِثَ النبي عليه السلام رجع راجعون من الناس، قال أما البر فأهل العَمُود وأما البحر فأهل القرى والريف. والتقدير على هذه الأقاويل: ظهر الفساد في مواضع البر والبحر. وقيل: المعنى ظهر الفساد في مدن البر ومدن البحر. والفساد: الجدب بذنوب بني آدم. وقيل: الفساد ظهور المعاصي فيها وقطع السبيل والظلم. وعن مجاهد: أن البر القرى والأمصار، والبحر بحر الماء المعروف قال: في البر: ابن آدم الذي قتل أخاه، وفي البحر: الذي كان يأخذ كل سفينة غصباً. وهو قول ابن أبي نجيح. وقال قتادة: الفساد الشرك. وعن ابن عباس أنه قال: الفساد نقصان البركة بأعمال العباد حتى يتوبوا. فالمعنى على هذا: ظهر الجدب في البر والبحر، وظهور الفساد في البحر انقطاع مادة صيده وذلك بذنوب بني آدم. وقال الحسن: أفسد الله بذنوبهم بَرَّ الأرض وبحرها بأعمالهم الخبيثة لعلهم يرجعون، أي: يرجع من يأتي بعدهم. * * ثم قال تعالى: ﴿لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ ٱلَّذِي عَمِلُواْ﴾ أي: ليصيبهم بعقوبة بعض ذنوبهم. ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ أي: ينيبون إلى ترك المعاصي ويتوبون. ثم قال تعالى ذكره: ﴿قُلْ سِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ فَٱنْظُرُواْ﴾ الآية. هي مثل "أَوَلَمْ يَسِيرُواْ فِي الأَرْضِ" في أول السورة. وقد تم تفسيرها. * * ومعنى ﴿كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُّشْرِكِينَ﴾ أي: مثلكم يا قريش.

الروم 30:37

قوله تعالى ذكره: ﴿وَإِذَا مَسَّ ٱلنَّاسَ ضُرٌّ﴾ إلى قوله ﴿أَكْثَرُهُمْ مُّشْرِكِينَ﴾. أي: وإذا مس هؤلاء المشركين وغيرهم ضر من مرض أو جدب ونحوه ﴿دَعَوْاْ رَبَّهُمْ مُّنِيبِينَ إِلَيْهِ﴾ أي: أخلصوا له الدعاء والتضرع، ﴿ثُمَّ إِذَآ أَذَاقَهُمْ مِّنْهُ رَحْمَةً﴾، أي: فرج عنهم الضر ﴿إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ﴾ يعني المشركين. * * ثم قال تعالى: ﴿لِيَكْفُرُواْ بِمَآ آتَيْنَاهُمْ﴾. إن جعلت اللام لام كي لم تقف على "يشركون"، ولكن تقف على ﴿آتَيْنَاهُمْ﴾، وإن جعلتها لام أمر لأن الكلام فيه معنى التهديد ابتدأت بها إن شئت، ووقفت على ﴿يُشْرِكُونَ﴾، ولم تقف على ﴿آتَيْنَاهُمْ﴾. * * وقوله: ﴿فَتَمَتَّعُواْ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ يدل على أنها لام أمر لأن هذا وعيد وتهديد لا شك فيه، فحمل الكلام على معنى واحد أحسن. والمعنى على الأمر: اكفروا وتمتعوا بالصحة والرخاء فسوف تعلمون عاقبتكم إذا أوردتم على ربكم. * * ثم قال تعالى: ﴿أَمْ أَنزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَاناً﴾ أي: كتاباً وحجة في عبادتهم الأوثان. ﴿فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِمَا كَانُواْ بِهِ يُشْرِكُونَ﴾ أي: فذلك الكتاب ينطق بصحة شركهم. فالمعنى: لم ننزل عليهم شيئاً من ذلك إنما اختلفوا من عند أنفسهم اتباعاً لأهوائهم. قال ابن عباس: كل سلطان في القرآن فهو عذر وحجة . * * ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَآ أَذَقْنَا ٱلنَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُواْ بِهَا﴾ أي: وإذا مس الناس خصب ورخاء وصحة فرحوا بذلك. ﴿وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ أي: وإن تصبهم شدة جدب أو مرض أو إتلاف مال بذنوبهم المتقدمة ﴿إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ﴾ أي: يئسون من الفرح، والقنوط: اليأس. * * ثم قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّ ٱللَّهَ يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ﴾ أي: ألم ير هؤلاء الذين ييأسوا عند الشدة ويفرحون عند الرخاء أن الله يوسع على من يشاء في رزقه، ﴿وَيَقْدِرُ﴾ أي: ويضيق على من يشاء في رزقه. ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ أي: إن في توسيعه الرزق على بعض خلقه وتضييقه على بعض، لدلالات وحججاً على قدرة الله لمن آمن بالله. * * ثم قال تعالى: ﴿فَآتِ ذَا ٱلْقُرْبَىٰ حَقَّهُ﴾ قال مجاهد وقتادة: هو قريب الرجل، صلة الرحم له فرض من الله جل ذكره. وقال مجاهد: لا تقبل صدقة من أحد ورحمه محتاجة. وقال قتادة: إذا لم تعط ذا قرابتك وتمش إليه برجليك فقد قطعته. وقيل: القربى هنا قرابة رسول الله ﷺ. مُنَزَّلة مَنْزِلة قوله تعالى ذكره: ﴿وَٱعْلَمُوۤا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ للَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي ٱلْقُرْبَىٰ﴾ [الأنفال: ٤١] فيكون المعنى: فأعط يا محمد ذا القربى منك حقه عليك. * * وقوله: ﴿وَٱلْمِسْكِينَ وَٱبْنَ ٱلسَّبِيلِ﴾ أي: وَفِّيهم حقهم إن كان يُسْر، وإن لم يكن عندك شيء فقل لهم قولاً معروفاً. وابن السبيل: الضيف. * * ثم قال تعالى: ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ ٱللَّهِ﴾ أي: إتيان هؤلاء حقوقهم التي ألزمها الله جل ذكره عباده خير للذين يريدون بما يعطون ثواب الله. ﴿وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ﴾ أي: الباقون في النعيم الفائزون. * * ثم قال تعالى: ﴿وَمَآ آتَيْتُمْ مِّن رِّباً لِّيَرْبُوَاْ فِي أَمْوَالِ ٱلنَّاسِ فَلاَ يَرْبُواْ عِندَ ٱللَّهِ﴾ أي: وما أعطى بعضهم بعضاً ليرد الآخذ على المعطي أكثر مما أخذ منه فلا أجر فيه للمعطي لأنه لم يبتغِ في إعطائه ثواب الله، إنما ابتغى الازدياد من مال الآخذ، فذلك حلال لكم ولا أجر لكم فيه. وهو محرم على النبي عليه السلام خاصة بقوله تعالى ﴿وَلاَ تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ﴾ [المدثر: ٦] أي: لا تعط عطية لتأخذ أكثر منها. قال ابن عباس: هو الرجل يهدي الهدية فيطلب ما هو أفضل منها. فليس له أجر ولا عليه إثم، وهو معنى قول مجاهد والضحاك وقتادة. وقيل: هو الرجل يعطي الرجل العطية ليخدمه ويعينه لا لطلب أجر. وقيل: هو الرجل يعطي الرجل ماله ليكثر مال الآخذ لا للثواب. وقيل: هو الربا المحرم. ومعنى: ﴿فَلاَ يَرْبُواْ عِندَ ٱللَّهِ﴾ عند من قال: هو المحرم، لا يحكم به لأحد، بل هو للمأخوذ منه. قال تعالى: ﴿وَمَآ آتَيْتُمْ مِّن زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ ٱللَّهِ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُضْعِفُونَ﴾ أي: وما أعطيتم من صدقة تريدون بها ثواب الله لا الازدياد من مال الآخذ ولا الثناء عليها، فأولئك الذين يكون لهم الأضعاف من الأجر، يضاعف لهم الحسنات. وقيل: المعنى يضاعف لهم الخير والنعيم. ويلزم من قال هذا التفسير أن يكون اللفظ: ﴿ٱلْمُضْعِفُونَ﴾ بفتح العين لأنهم مفعول بهم. لكن تحقيق المعنى مع كسر العين: فأولئك هم الذين أضعفوا لأنفسهم حسناتهم، أي: هم المضعفون لأنفسهم الحسنات، لأن من اختار عمل الحسنة فقد اختار عمل عشر حسنات لنفسه، ويضاعف الله لمن يشاء أكثر من عشر على الحسنة الواحدة. * * ثم قال تعالى: ﴿ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ أي: اخترعكم ولم تكونوا شيئاً، ثم رزقكم وخولكم ولم تكونوا تملكون شيئاً، ثم هو يميتكم ثم هو يحييكم ليوم القيامة، فالعبادة لا تصلح إلا لمن هو هكذا. ﴿هَلْ مِن شُرَكَآئِكُمْ مَّن يَفْعَلُ مِن ذَٰلِكُمْ مِّن شَيْءٍ﴾ أي: هل يفعل شيئاً من خلق أو موت أو بعث أو رزق أو ضر أو نفع، آلهتكم التي تعبدون، فلا بُدَّ لهم أن يقروا أنها لا تفعل شيئاً من ذلك فيعلمون أنهم على باطل. * * ثم قال: ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ أي: تنزيهاً لله وبراءة له عما يشركون به. * * ثم قال تعالى: ﴿ظَهَرَ ٱلْفَسَادُ فِي ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي ٱلنَّاسِ﴾ أي: ظهرت المعاصي لله في الأرض وبحرها بذنوب الناس. قال مجاهد وعكرمة: البحر هنا الأمصار، والبر: الفلوات، ظهرت فيها معاصي ابن آدم. وقال قتادة: هذا قبل مَبْعَثِ النبي ﷺ، امتلأت الدنيا ضلالة وظلمة، فلما بُعِثَ النبي عليه السلام رجع راجعون من الناس، قال أما البر فأهل العَمُود وأما البحر فأهل القرى والريف. والتقدير على هذه الأقاويل: ظهر الفساد في مواضع البر والبحر. وقيل: المعنى ظهر الفساد في مدن البر ومدن البحر. والفساد: الجدب بذنوب بني آدم. وقيل: الفساد ظهور المعاصي فيها وقطع السبيل والظلم. وعن مجاهد: أن البر القرى والأمصار، والبحر بحر الماء المعروف قال: في البر: ابن آدم الذي قتل أخاه، وفي البحر: الذي كان يأخذ كل سفينة غصباً. وهو قول ابن أبي نجيح. وقال قتادة: الفساد الشرك. وعن ابن عباس أنه قال: الفساد نقصان البركة بأعمال العباد حتى يتوبوا. فالمعنى على هذا: ظهر الجدب في البر والبحر، وظهور الفساد في البحر انقطاع مادة صيده وذلك بذنوب بني آدم. وقال الحسن: أفسد الله بذنوبهم بَرَّ الأرض وبحرها بأعمالهم الخبيثة لعلهم يرجعون، أي: يرجع من يأتي بعدهم. * * ثم قال تعالى: ﴿لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ ٱلَّذِي عَمِلُواْ﴾ أي: ليصيبهم بعقوبة بعض ذنوبهم. ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ أي: ينيبون إلى ترك المعاصي ويتوبون. ثم قال تعالى ذكره: ﴿قُلْ سِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ فَٱنْظُرُواْ﴾ الآية. هي مثل "أَوَلَمْ يَسِيرُواْ فِي الأَرْضِ" في أول السورة. وقد تم تفسيرها. * * ومعنى ﴿كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُّشْرِكِينَ﴾ أي: مثلكم يا قريش.

الروم 30:38

قوله تعالى ذكره: ﴿وَإِذَا مَسَّ ٱلنَّاسَ ضُرٌّ﴾ إلى قوله ﴿أَكْثَرُهُمْ مُّشْرِكِينَ﴾. أي: وإذا مس هؤلاء المشركين وغيرهم ضر من مرض أو جدب ونحوه ﴿دَعَوْاْ رَبَّهُمْ مُّنِيبِينَ إِلَيْهِ﴾ أي: أخلصوا له الدعاء والتضرع، ﴿ثُمَّ إِذَآ أَذَاقَهُمْ مِّنْهُ رَحْمَةً﴾، أي: فرج عنهم الضر ﴿إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ﴾ يعني المشركين. * * ثم قال تعالى: ﴿لِيَكْفُرُواْ بِمَآ آتَيْنَاهُمْ﴾. إن جعلت اللام لام كي لم تقف على "يشركون"، ولكن تقف على ﴿آتَيْنَاهُمْ﴾، وإن جعلتها لام أمر لأن الكلام فيه معنى التهديد ابتدأت بها إن شئت، ووقفت على ﴿يُشْرِكُونَ﴾، ولم تقف على ﴿آتَيْنَاهُمْ﴾. * * وقوله: ﴿فَتَمَتَّعُواْ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ يدل على أنها لام أمر لأن هذا وعيد وتهديد لا شك فيه، فحمل الكلام على معنى واحد أحسن. والمعنى على الأمر: اكفروا وتمتعوا بالصحة والرخاء فسوف تعلمون عاقبتكم إذا أوردتم على ربكم. * * ثم قال تعالى: ﴿أَمْ أَنزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَاناً﴾ أي: كتاباً وحجة في عبادتهم الأوثان. ﴿فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِمَا كَانُواْ بِهِ يُشْرِكُونَ﴾ أي: فذلك الكتاب ينطق بصحة شركهم. فالمعنى: لم ننزل عليهم شيئاً من ذلك إنما اختلفوا من عند أنفسهم اتباعاً لأهوائهم. قال ابن عباس: كل سلطان في القرآن فهو عذر وحجة . * * ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَآ أَذَقْنَا ٱلنَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُواْ بِهَا﴾ أي: وإذا مس الناس خصب ورخاء وصحة فرحوا بذلك. ﴿وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ أي: وإن تصبهم شدة جدب أو مرض أو إتلاف مال بذنوبهم المتقدمة ﴿إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ﴾ أي: يئسون من الفرح، والقنوط: اليأس. * * ثم قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّ ٱللَّهَ يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ﴾ أي: ألم ير هؤلاء الذين ييأسوا عند الشدة ويفرحون عند الرخاء أن الله يوسع على من يشاء في رزقه، ﴿وَيَقْدِرُ﴾ أي: ويضيق على من يشاء في رزقه. ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ أي: إن في توسيعه الرزق على بعض خلقه وتضييقه على بعض، لدلالات وحججاً على قدرة الله لمن آمن بالله. * * ثم قال تعالى: ﴿فَآتِ ذَا ٱلْقُرْبَىٰ حَقَّهُ﴾ قال مجاهد وقتادة: هو قريب الرجل، صلة الرحم له فرض من الله جل ذكره. وقال مجاهد: لا تقبل صدقة من أحد ورحمه محتاجة. وقال قتادة: إذا لم تعط ذا قرابتك وتمش إليه برجليك فقد قطعته. وقيل: القربى هنا قرابة رسول الله ﷺ. مُنَزَّلة مَنْزِلة قوله تعالى ذكره: ﴿وَٱعْلَمُوۤا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ للَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي ٱلْقُرْبَىٰ﴾ [الأنفال: ٤١] فيكون المعنى: فأعط يا محمد ذا القربى منك حقه عليك. * * وقوله: ﴿وَٱلْمِسْكِينَ وَٱبْنَ ٱلسَّبِيلِ﴾ أي: وَفِّيهم حقهم إن كان يُسْر، وإن لم يكن عندك شيء فقل لهم قولاً معروفاً. وابن السبيل: الضيف. * * ثم قال تعالى: ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ ٱللَّهِ﴾ أي: إتيان هؤلاء حقوقهم التي ألزمها الله جل ذكره عباده خير للذين يريدون بما يعطون ثواب الله. ﴿وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ﴾ أي: الباقون في النعيم الفائزون. * * ثم قال تعالى: ﴿وَمَآ آتَيْتُمْ مِّن رِّباً لِّيَرْبُوَاْ فِي أَمْوَالِ ٱلنَّاسِ فَلاَ يَرْبُواْ عِندَ ٱللَّهِ﴾ أي: وما أعطى بعضهم بعضاً ليرد الآخذ على المعطي أكثر مما أخذ منه فلا أجر فيه للمعطي لأنه لم يبتغِ في إعطائه ثواب الله، إنما ابتغى الازدياد من مال الآخذ، فذلك حلال لكم ولا أجر لكم فيه. وهو محرم على النبي عليه السلام خاصة بقوله تعالى ﴿وَلاَ تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ﴾ [المدثر: ٦] أي: لا تعط عطية لتأخذ أكثر منها. قال ابن عباس: هو الرجل يهدي الهدية فيطلب ما هو أفضل منها. فليس له أجر ولا عليه إثم، وهو معنى قول مجاهد والضحاك وقتادة. وقيل: هو الرجل يعطي الرجل العطية ليخدمه ويعينه لا لطلب أجر. وقيل: هو الرجل يعطي الرجل ماله ليكثر مال الآخذ لا للثواب. وقيل: هو الربا المحرم. ومعنى: ﴿فَلاَ يَرْبُواْ عِندَ ٱللَّهِ﴾ عند من قال: هو المحرم، لا يحكم به لأحد، بل هو للمأخوذ منه. قال تعالى: ﴿وَمَآ آتَيْتُمْ مِّن زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ ٱللَّهِ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُضْعِفُونَ﴾ أي: وما أعطيتم من صدقة تريدون بها ثواب الله لا الازدياد من مال الآخذ ولا الثناء عليها، فأولئك الذين يكون لهم الأضعاف من الأجر، يضاعف لهم الحسنات. وقيل: المعنى يضاعف لهم الخير والنعيم. ويلزم من قال هذا التفسير أن يكون اللفظ: ﴿ٱلْمُضْعِفُونَ﴾ بفتح العين لأنهم مفعول بهم. لكن تحقيق المعنى مع كسر العين: فأولئك هم الذين أضعفوا لأنفسهم حسناتهم، أي: هم المضعفون لأنفسهم الحسنات، لأن من اختار عمل الحسنة فقد اختار عمل عشر حسنات لنفسه، ويضاعف الله لمن يشاء أكثر من عشر على الحسنة الواحدة. * * ثم قال تعالى: ﴿ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ أي: اخترعكم ولم تكونوا شيئاً، ثم رزقكم وخولكم ولم تكونوا تملكون شيئاً، ثم هو يميتكم ثم هو يحييكم ليوم القيامة، فالعبادة لا تصلح إلا لمن هو هكذا. ﴿هَلْ مِن شُرَكَآئِكُمْ مَّن يَفْعَلُ مِن ذَٰلِكُمْ مِّن شَيْءٍ﴾ أي: هل يفعل شيئاً من خلق أو موت أو بعث أو رزق أو ضر أو نفع، آلهتكم التي تعبدون، فلا بُدَّ لهم أن يقروا أنها لا تفعل شيئاً من ذلك فيعلمون أنهم على باطل. * * ثم قال: ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ أي: تنزيهاً لله وبراءة له عما يشركون به. * * ثم قال تعالى: ﴿ظَهَرَ ٱلْفَسَادُ فِي ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي ٱلنَّاسِ﴾ أي: ظهرت المعاصي لله في الأرض وبحرها بذنوب الناس. قال مجاهد وعكرمة: البحر هنا الأمصار، والبر: الفلوات، ظهرت فيها معاصي ابن آدم. وقال قتادة: هذا قبل مَبْعَثِ النبي ﷺ، امتلأت الدنيا ضلالة وظلمة، فلما بُعِثَ النبي عليه السلام رجع راجعون من الناس، قال أما البر فأهل العَمُود وأما البحر فأهل القرى والريف. والتقدير على هذه الأقاويل: ظهر الفساد في مواضع البر والبحر. وقيل: المعنى ظهر الفساد في مدن البر ومدن البحر. والفساد: الجدب بذنوب بني آدم. وقيل: الفساد ظهور المعاصي فيها وقطع السبيل والظلم. وعن مجاهد: أن البر القرى والأمصار، والبحر بحر الماء المعروف قال: في البر: ابن آدم الذي قتل أخاه، وفي البحر: الذي كان يأخذ كل سفينة غصباً. وهو قول ابن أبي نجيح. وقال قتادة: الفساد الشرك. وعن ابن عباس أنه قال: الفساد نقصان البركة بأعمال العباد حتى يتوبوا. فالمعنى على هذا: ظهر الجدب في البر والبحر، وظهور الفساد في البحر انقطاع مادة صيده وذلك بذنوب بني آدم. وقال الحسن: أفسد الله بذنوبهم بَرَّ الأرض وبحرها بأعمالهم الخبيثة لعلهم يرجعون، أي: يرجع من يأتي بعدهم. * * ثم قال تعالى: ﴿لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ ٱلَّذِي عَمِلُواْ﴾ أي: ليصيبهم بعقوبة بعض ذنوبهم. ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ أي: ينيبون إلى ترك المعاصي ويتوبون. ثم قال تعالى ذكره: ﴿قُلْ سِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ فَٱنْظُرُواْ﴾ الآية. هي مثل "أَوَلَمْ يَسِيرُواْ فِي الأَرْضِ" في أول السورة. وقد تم تفسيرها. * * ومعنى ﴿كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُّشْرِكِينَ﴾ أي: مثلكم يا قريش.

الروم 30:39

قوله تعالى ذكره: ﴿وَإِذَا مَسَّ ٱلنَّاسَ ضُرٌّ﴾ إلى قوله ﴿أَكْثَرُهُمْ مُّشْرِكِينَ﴾. أي: وإذا مس هؤلاء المشركين وغيرهم ضر من مرض أو جدب ونحوه ﴿دَعَوْاْ رَبَّهُمْ مُّنِيبِينَ إِلَيْهِ﴾ أي: أخلصوا له الدعاء والتضرع، ﴿ثُمَّ إِذَآ أَذَاقَهُمْ مِّنْهُ رَحْمَةً﴾، أي: فرج عنهم الضر ﴿إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ﴾ يعني المشركين. * * ثم قال تعالى: ﴿لِيَكْفُرُواْ بِمَآ آتَيْنَاهُمْ﴾. إن جعلت اللام لام كي لم تقف على "يشركون"، ولكن تقف على ﴿آتَيْنَاهُمْ﴾، وإن جعلتها لام أمر لأن الكلام فيه معنى التهديد ابتدأت بها إن شئت، ووقفت على ﴿يُشْرِكُونَ﴾، ولم تقف على ﴿آتَيْنَاهُمْ﴾. * * وقوله: ﴿فَتَمَتَّعُواْ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ يدل على أنها لام أمر لأن هذا وعيد وتهديد لا شك فيه، فحمل الكلام على معنى واحد أحسن. والمعنى على الأمر: اكفروا وتمتعوا بالصحة والرخاء فسوف تعلمون عاقبتكم إذا أوردتم على ربكم. * * ثم قال تعالى: ﴿أَمْ أَنزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَاناً﴾ أي: كتاباً وحجة في عبادتهم الأوثان. ﴿فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِمَا كَانُواْ بِهِ يُشْرِكُونَ﴾ أي: فذلك الكتاب ينطق بصحة شركهم. فالمعنى: لم ننزل عليهم شيئاً من ذلك إنما اختلفوا من عند أنفسهم اتباعاً لأهوائهم. قال ابن عباس: كل سلطان في القرآن فهو عذر وحجة . * * ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَآ أَذَقْنَا ٱلنَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُواْ بِهَا﴾ أي: وإذا مس الناس خصب ورخاء وصحة فرحوا بذلك. ﴿وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ أي: وإن تصبهم شدة جدب أو مرض أو إتلاف مال بذنوبهم المتقدمة ﴿إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ﴾ أي: يئسون من الفرح، والقنوط: اليأس. * * ثم قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّ ٱللَّهَ يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ﴾ أي: ألم ير هؤلاء الذين ييأسوا عند الشدة ويفرحون عند الرخاء أن الله يوسع على من يشاء في رزقه، ﴿وَيَقْدِرُ﴾ أي: ويضيق على من يشاء في رزقه. ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ أي: إن في توسيعه الرزق على بعض خلقه وتضييقه على بعض، لدلالات وحججاً على قدرة الله لمن آمن بالله. * * ثم قال تعالى: ﴿فَآتِ ذَا ٱلْقُرْبَىٰ حَقَّهُ﴾ قال مجاهد وقتادة: هو قريب الرجل، صلة الرحم له فرض من الله جل ذكره. وقال مجاهد: لا تقبل صدقة من أحد ورحمه محتاجة. وقال قتادة: إذا لم تعط ذا قرابتك وتمش إليه برجليك فقد قطعته. وقيل: القربى هنا قرابة رسول الله ﷺ. مُنَزَّلة مَنْزِلة قوله تعالى ذكره: ﴿وَٱعْلَمُوۤا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ للَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي ٱلْقُرْبَىٰ﴾ [الأنفال: ٤١] فيكون المعنى: فأعط يا محمد ذا القربى منك حقه عليك. * * وقوله: ﴿وَٱلْمِسْكِينَ وَٱبْنَ ٱلسَّبِيلِ﴾ أي: وَفِّيهم حقهم إن كان يُسْر، وإن لم يكن عندك شيء فقل لهم قولاً معروفاً. وابن السبيل: الضيف. * * ثم قال تعالى: ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ ٱللَّهِ﴾ أي: إتيان هؤلاء حقوقهم التي ألزمها الله جل ذكره عباده خير للذين يريدون بما يعطون ثواب الله. ﴿وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ﴾ أي: الباقون في النعيم الفائزون. * * ثم قال تعالى: ﴿وَمَآ آتَيْتُمْ مِّن رِّباً لِّيَرْبُوَاْ فِي أَمْوَالِ ٱلنَّاسِ فَلاَ يَرْبُواْ عِندَ ٱللَّهِ﴾ أي: وما أعطى بعضهم بعضاً ليرد الآخذ على المعطي أكثر مما أخذ منه فلا أجر فيه للمعطي لأنه لم يبتغِ في إعطائه ثواب الله، إنما ابتغى الازدياد من مال الآخذ، فذلك حلال لكم ولا أجر لكم فيه. وهو محرم على النبي عليه السلام خاصة بقوله تعالى ﴿وَلاَ تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ﴾ [المدثر: ٦] أي: لا تعط عطية لتأخذ أكثر منها. قال ابن عباس: هو الرجل يهدي الهدية فيطلب ما هو أفضل منها. فليس له أجر ولا عليه إثم، وهو معنى قول مجاهد والضحاك وقتادة. وقيل: هو الرجل يعطي الرجل العطية ليخدمه ويعينه لا لطلب أجر. وقيل: هو الرجل يعطي الرجل ماله ليكثر مال الآخذ لا للثواب. وقيل: هو الربا المحرم. ومعنى: ﴿فَلاَ يَرْبُواْ عِندَ ٱللَّهِ﴾ عند من قال: هو المحرم، لا يحكم به لأحد، بل هو للمأخوذ منه. قال تعالى: ﴿وَمَآ آتَيْتُمْ مِّن زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ ٱللَّهِ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُضْعِفُونَ﴾ أي: وما أعطيتم من صدقة تريدون بها ثواب الله لا الازدياد من مال الآخذ ولا الثناء عليها، فأولئك الذين يكون لهم الأضعاف من الأجر، يضاعف لهم الحسنات. وقيل: المعنى يضاعف لهم الخير والنعيم. ويلزم من قال هذا التفسير أن يكون اللفظ: ﴿ٱلْمُضْعِفُونَ﴾ بفتح العين لأنهم مفعول بهم. لكن تحقيق المعنى مع كسر العين: فأولئك هم الذين أضعفوا لأنفسهم حسناتهم، أي: هم المضعفون لأنفسهم الحسنات، لأن من اختار عمل الحسنة فقد اختار عمل عشر حسنات لنفسه، ويضاعف الله لمن يشاء أكثر من عشر على الحسنة الواحدة. * * ثم قال تعالى: ﴿ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ أي: اخترعكم ولم تكونوا شيئاً، ثم رزقكم وخولكم ولم تكونوا تملكون شيئاً، ثم هو يميتكم ثم هو يحييكم ليوم القيامة، فالعبادة لا تصلح إلا لمن هو هكذا. ﴿هَلْ مِن شُرَكَآئِكُمْ مَّن يَفْعَلُ مِن ذَٰلِكُمْ مِّن شَيْءٍ﴾ أي: هل يفعل شيئاً من خلق أو موت أو بعث أو رزق أو ضر أو نفع، آلهتكم التي تعبدون، فلا بُدَّ لهم أن يقروا أنها لا تفعل شيئاً من ذلك فيعلمون أنهم على باطل. * * ثم قال: ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ أي: تنزيهاً لله وبراءة له عما يشركون به. * * ثم قال تعالى: ﴿ظَهَرَ ٱلْفَسَادُ فِي ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي ٱلنَّاسِ﴾ أي: ظهرت المعاصي لله في الأرض وبحرها بذنوب الناس. قال مجاهد وعكرمة: البحر هنا الأمصار، والبر: الفلوات، ظهرت فيها معاصي ابن آدم. وقال قتادة: هذا قبل مَبْعَثِ النبي ﷺ، امتلأت الدنيا ضلالة وظلمة، فلما بُعِثَ النبي عليه السلام رجع راجعون من الناس، قال أما البر فأهل العَمُود وأما البحر فأهل القرى والريف. والتقدير على هذه الأقاويل: ظهر الفساد في مواضع البر والبحر. وقيل: المعنى ظهر الفساد في مدن البر ومدن البحر. والفساد: الجدب بذنوب بني آدم. وقيل: الفساد ظهور المعاصي فيها وقطع السبيل والظلم. وعن مجاهد: أن البر القرى والأمصار، والبحر بحر الماء المعروف قال: في البر: ابن آدم الذي قتل أخاه، وفي البحر: الذي كان يأخذ كل سفينة غصباً. وهو قول ابن أبي نجيح. وقال قتادة: الفساد الشرك. وعن ابن عباس أنه قال: الفساد نقصان البركة بأعمال العباد حتى يتوبوا. فالمعنى على هذا: ظهر الجدب في البر والبحر، وظهور الفساد في البحر انقطاع مادة صيده وذلك بذنوب بني آدم. وقال الحسن: أفسد الله بذنوبهم بَرَّ الأرض وبحرها بأعمالهم الخبيثة لعلهم يرجعون، أي: يرجع من يأتي بعدهم. * * ثم قال تعالى: ﴿لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ ٱلَّذِي عَمِلُواْ﴾ أي: ليصيبهم بعقوبة بعض ذنوبهم. ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ أي: ينيبون إلى ترك المعاصي ويتوبون. ثم قال تعالى ذكره: ﴿قُلْ سِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ فَٱنْظُرُواْ﴾ الآية. هي مثل "أَوَلَمْ يَسِيرُواْ فِي الأَرْضِ" في أول السورة. وقد تم تفسيرها. * * ومعنى ﴿كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُّشْرِكِينَ﴾ أي: مثلكم يا قريش.

الروم 30:40

قوله تعالى ذكره: ﴿وَإِذَا مَسَّ ٱلنَّاسَ ضُرٌّ﴾ إلى قوله ﴿أَكْثَرُهُمْ مُّشْرِكِينَ﴾. أي: وإذا مس هؤلاء المشركين وغيرهم ضر من مرض أو جدب ونحوه ﴿دَعَوْاْ رَبَّهُمْ مُّنِيبِينَ إِلَيْهِ﴾ أي: أخلصوا له الدعاء والتضرع، ﴿ثُمَّ إِذَآ أَذَاقَهُمْ مِّنْهُ رَحْمَةً﴾، أي: فرج عنهم الضر ﴿إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ﴾ يعني المشركين. * * ثم قال تعالى: ﴿لِيَكْفُرُواْ بِمَآ آتَيْنَاهُمْ﴾. إن جعلت اللام لام كي لم تقف على "يشركون"، ولكن تقف على ﴿آتَيْنَاهُمْ﴾، وإن جعلتها لام أمر لأن الكلام فيه معنى التهديد ابتدأت بها إن شئت، ووقفت على ﴿يُشْرِكُونَ﴾، ولم تقف على ﴿آتَيْنَاهُمْ﴾. * * وقوله: ﴿فَتَمَتَّعُواْ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ يدل على أنها لام أمر لأن هذا وعيد وتهديد لا شك فيه، فحمل الكلام على معنى واحد أحسن. والمعنى على الأمر: اكفروا وتمتعوا بالصحة والرخاء فسوف تعلمون عاقبتكم إذا أوردتم على ربكم. * * ثم قال تعالى: ﴿أَمْ أَنزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَاناً﴾ أي: كتاباً وحجة في عبادتهم الأوثان. ﴿فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِمَا كَانُواْ بِهِ يُشْرِكُونَ﴾ أي: فذلك الكتاب ينطق بصحة شركهم. فالمعنى: لم ننزل عليهم شيئاً من ذلك إنما اختلفوا من عند أنفسهم اتباعاً لأهوائهم. قال ابن عباس: كل سلطان في القرآن فهو عذر وحجة . * * ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَآ أَذَقْنَا ٱلنَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُواْ بِهَا﴾ أي: وإذا مس الناس خصب ورخاء وصحة فرحوا بذلك. ﴿وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ أي: وإن تصبهم شدة جدب أو مرض أو إتلاف مال بذنوبهم المتقدمة ﴿إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ﴾ أي: يئسون من الفرح، والقنوط: اليأس. * * ثم قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّ ٱللَّهَ يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ﴾ أي: ألم ير هؤلاء الذين ييأسوا عند الشدة ويفرحون عند الرخاء أن الله يوسع على من يشاء في رزقه، ﴿وَيَقْدِرُ﴾ أي: ويضيق على من يشاء في رزقه. ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ أي: إن في توسيعه الرزق على بعض خلقه وتضييقه على بعض، لدلالات وحججاً على قدرة الله لمن آمن بالله. * * ثم قال تعالى: ﴿فَآتِ ذَا ٱلْقُرْبَىٰ حَقَّهُ﴾ قال مجاهد وقتادة: هو قريب الرجل، صلة الرحم له فرض من الله جل ذكره. وقال مجاهد: لا تقبل صدقة من أحد ورحمه محتاجة. وقال قتادة: إذا لم تعط ذا قرابتك وتمش إليه برجليك فقد قطعته. وقيل: القربى هنا قرابة رسول الله ﷺ. مُنَزَّلة مَنْزِلة قوله تعالى ذكره: ﴿وَٱعْلَمُوۤا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ للَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي ٱلْقُرْبَىٰ﴾ [الأنفال: ٤١] فيكون المعنى: فأعط يا محمد ذا القربى منك حقه عليك. * * وقوله: ﴿وَٱلْمِسْكِينَ وَٱبْنَ ٱلسَّبِيلِ﴾ أي: وَفِّيهم حقهم إن كان يُسْر، وإن لم يكن عندك شيء فقل لهم قولاً معروفاً. وابن السبيل: الضيف. * * ثم قال تعالى: ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ ٱللَّهِ﴾ أي: إتيان هؤلاء حقوقهم التي ألزمها الله جل ذكره عباده خير للذين يريدون بما يعطون ثواب الله. ﴿وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ﴾ أي: الباقون في النعيم الفائزون. * * ثم قال تعالى: ﴿وَمَآ آتَيْتُمْ مِّن رِّباً لِّيَرْبُوَاْ فِي أَمْوَالِ ٱلنَّاسِ فَلاَ يَرْبُواْ عِندَ ٱللَّهِ﴾ أي: وما أعطى بعضهم بعضاً ليرد الآخذ على المعطي أكثر مما أخذ منه فلا أجر فيه للمعطي لأنه لم يبتغِ في إعطائه ثواب الله، إنما ابتغى الازدياد من مال الآخذ، فذلك حلال لكم ولا أجر لكم فيه. وهو محرم على النبي عليه السلام خاصة بقوله تعالى ﴿وَلاَ تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ﴾ [المدثر: ٦] أي: لا تعط عطية لتأخذ أكثر منها. قال ابن عباس: هو الرجل يهدي الهدية فيطلب ما هو أفضل منها. فليس له أجر ولا عليه إثم، وهو معنى قول مجاهد والضحاك وقتادة. وقيل: هو الرجل يعطي الرجل العطية ليخدمه ويعينه لا لطلب أجر. وقيل: هو الرجل يعطي الرجل ماله ليكثر مال الآخذ لا للثواب. وقيل: هو الربا المحرم. ومعنى: ﴿فَلاَ يَرْبُواْ عِندَ ٱللَّهِ﴾ عند من قال: هو المحرم، لا يحكم به لأحد، بل هو للمأخوذ منه. قال تعالى: ﴿وَمَآ آتَيْتُمْ مِّن زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ ٱللَّهِ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُضْعِفُونَ﴾ أي: وما أعطيتم من صدقة تريدون بها ثواب الله لا الازدياد من مال الآخذ ولا الثناء عليها، فأولئك الذين يكون لهم الأضعاف من الأجر، يضاعف لهم الحسنات. وقيل: المعنى يضاعف لهم الخير والنعيم. ويلزم من قال هذا التفسير أن يكون اللفظ: ﴿ٱلْمُضْعِفُونَ﴾ بفتح العين لأنهم مفعول بهم. لكن تحقيق المعنى مع كسر العين: فأولئك هم الذين أضعفوا لأنفسهم حسناتهم، أي: هم المضعفون لأنفسهم الحسنات، لأن من اختار عمل الحسنة فقد اختار عمل عشر حسنات لنفسه، ويضاعف الله لمن يشاء أكثر من عشر على الحسنة الواحدة. * * ثم قال تعالى: ﴿ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ أي: اخترعكم ولم تكونوا شيئاً، ثم رزقكم وخولكم ولم تكونوا تملكون شيئاً، ثم هو يميتكم ثم هو يحييكم ليوم القيامة، فالعبادة لا تصلح إلا لمن هو هكذا. ﴿هَلْ مِن شُرَكَآئِكُمْ مَّن يَفْعَلُ مِن ذَٰلِكُمْ مِّن شَيْءٍ﴾ أي: هل يفعل شيئاً من خلق أو موت أو بعث أو رزق أو ضر أو نفع، آلهتكم التي تعبدون، فلا بُدَّ لهم أن يقروا أنها لا تفعل شيئاً من ذلك فيعلمون أنهم على باطل. * * ثم قال: ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ أي: تنزيهاً لله وبراءة له عما يشركون به. * * ثم قال تعالى: ﴿ظَهَرَ ٱلْفَسَادُ فِي ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي ٱلنَّاسِ﴾ أي: ظهرت المعاصي لله في الأرض وبحرها بذنوب الناس. قال مجاهد وعكرمة: البحر هنا الأمصار، والبر: الفلوات، ظهرت فيها معاصي ابن آدم. وقال قتادة: هذا قبل مَبْعَثِ النبي ﷺ، امتلأت الدنيا ضلالة وظلمة، فلما بُعِثَ النبي عليه السلام رجع راجعون من الناس، قال أما البر فأهل العَمُود وأما البحر فأهل القرى والريف. والتقدير على هذه الأقاويل: ظهر الفساد في مواضع البر والبحر. وقيل: المعنى ظهر الفساد في مدن البر ومدن البحر. والفساد: الجدب بذنوب بني آدم. وقيل: الفساد ظهور المعاصي فيها وقطع السبيل والظلم. وعن مجاهد: أن البر القرى والأمصار، والبحر بحر الماء المعروف قال: في البر: ابن آدم الذي قتل أخاه، وفي البحر: الذي كان يأخذ كل سفينة غصباً. وهو قول ابن أبي نجيح. وقال قتادة: الفساد الشرك. وعن ابن عباس أنه قال: الفساد نقصان البركة بأعمال العباد حتى يتوبوا. فالمعنى على هذا: ظهر الجدب في البر والبحر، وظهور الفساد في البحر انقطاع مادة صيده وذلك بذنوب بني آدم. وقال الحسن: أفسد الله بذنوبهم بَرَّ الأرض وبحرها بأعمالهم الخبيثة لعلهم يرجعون، أي: يرجع من يأتي بعدهم. * * ثم قال تعالى: ﴿لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ ٱلَّذِي عَمِلُواْ﴾ أي: ليصيبهم بعقوبة بعض ذنوبهم. ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ أي: ينيبون إلى ترك المعاصي ويتوبون. ثم قال تعالى ذكره: ﴿قُلْ سِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ فَٱنْظُرُواْ﴾ الآية. هي مثل "أَوَلَمْ يَسِيرُواْ فِي الأَرْضِ" في أول السورة. وقد تم تفسيرها. * * ومعنى ﴿كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُّشْرِكِينَ﴾ أي: مثلكم يا قريش.

الروم 30:41

قوله تعالى ذكره: ﴿وَإِذَا مَسَّ ٱلنَّاسَ ضُرٌّ﴾ إلى قوله ﴿أَكْثَرُهُمْ مُّشْرِكِينَ﴾. أي: وإذا مس هؤلاء المشركين وغيرهم ضر من مرض أو جدب ونحوه ﴿دَعَوْاْ رَبَّهُمْ مُّنِيبِينَ إِلَيْهِ﴾ أي: أخلصوا له الدعاء والتضرع، ﴿ثُمَّ إِذَآ أَذَاقَهُمْ مِّنْهُ رَحْمَةً﴾، أي: فرج عنهم الضر ﴿إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ﴾ يعني المشركين. * * ثم قال تعالى: ﴿لِيَكْفُرُواْ بِمَآ آتَيْنَاهُمْ﴾. إن جعلت اللام لام كي لم تقف على "يشركون"، ولكن تقف على ﴿آتَيْنَاهُمْ﴾، وإن جعلتها لام أمر لأن الكلام فيه معنى التهديد ابتدأت بها إن شئت، ووقفت على ﴿يُشْرِكُونَ﴾، ولم تقف على ﴿آتَيْنَاهُمْ﴾. * * وقوله: ﴿فَتَمَتَّعُواْ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ يدل على أنها لام أمر لأن هذا وعيد وتهديد لا شك فيه، فحمل الكلام على معنى واحد أحسن. والمعنى على الأمر: اكفروا وتمتعوا بالصحة والرخاء فسوف تعلمون عاقبتكم إذا أوردتم على ربكم. * * ثم قال تعالى: ﴿أَمْ أَنزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَاناً﴾ أي: كتاباً وحجة في عبادتهم الأوثان. ﴿فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِمَا كَانُواْ بِهِ يُشْرِكُونَ﴾ أي: فذلك الكتاب ينطق بصحة شركهم. فالمعنى: لم ننزل عليهم شيئاً من ذلك إنما اختلفوا من عند أنفسهم اتباعاً لأهوائهم. قال ابن عباس: كل سلطان في القرآن فهو عذر وحجة . * * ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَآ أَذَقْنَا ٱلنَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُواْ بِهَا﴾ أي: وإذا مس الناس خصب ورخاء وصحة فرحوا بذلك. ﴿وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ أي: وإن تصبهم شدة جدب أو مرض أو إتلاف مال بذنوبهم المتقدمة ﴿إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ﴾ أي: يئسون من الفرح، والقنوط: اليأس. * * ثم قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّ ٱللَّهَ يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ﴾ أي: ألم ير هؤلاء الذين ييأسوا عند الشدة ويفرحون عند الرخاء أن الله يوسع على من يشاء في رزقه، ﴿وَيَقْدِرُ﴾ أي: ويضيق على من يشاء في رزقه. ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ أي: إن في توسيعه الرزق على بعض خلقه وتضييقه على بعض، لدلالات وحججاً على قدرة الله لمن آمن بالله. * * ثم قال تعالى: ﴿فَآتِ ذَا ٱلْقُرْبَىٰ حَقَّهُ﴾ قال مجاهد وقتادة: هو قريب الرجل، صلة الرحم له فرض من الله جل ذكره. وقال مجاهد: لا تقبل صدقة من أحد ورحمه محتاجة. وقال قتادة: إذا لم تعط ذا قرابتك وتمش إليه برجليك فقد قطعته. وقيل: القربى هنا قرابة رسول الله ﷺ. مُنَزَّلة مَنْزِلة قوله تعالى ذكره: ﴿وَٱعْلَمُوۤا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ للَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي ٱلْقُرْبَىٰ﴾ [الأنفال: ٤١] فيكون المعنى: فأعط يا محمد ذا القربى منك حقه عليك. * * وقوله: ﴿وَٱلْمِسْكِينَ وَٱبْنَ ٱلسَّبِيلِ﴾ أي: وَفِّيهم حقهم إن كان يُسْر، وإن لم يكن عندك شيء فقل لهم قولاً معروفاً. وابن السبيل: الضيف. * * ثم قال تعالى: ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ ٱللَّهِ﴾ أي: إتيان هؤلاء حقوقهم التي ألزمها الله جل ذكره عباده خير للذين يريدون بما يعطون ثواب الله. ﴿وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ﴾ أي: الباقون في النعيم الفائزون. * * ثم قال تعالى: ﴿وَمَآ آتَيْتُمْ مِّن رِّباً لِّيَرْبُوَاْ فِي أَمْوَالِ ٱلنَّاسِ فَلاَ يَرْبُواْ عِندَ ٱللَّهِ﴾ أي: وما أعطى بعضهم بعضاً ليرد الآخذ على المعطي أكثر مما أخذ منه فلا أجر فيه للمعطي لأنه لم يبتغِ في إعطائه ثواب الله، إنما ابتغى الازدياد من مال الآخذ، فذلك حلال لكم ولا أجر لكم فيه. وهو محرم على النبي عليه السلام خاصة بقوله تعالى ﴿وَلاَ تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ﴾ [المدثر: ٦] أي: لا تعط عطية لتأخذ أكثر منها. قال ابن عباس: هو الرجل يهدي الهدية فيطلب ما هو أفضل منها. فليس له أجر ولا عليه إثم، وهو معنى قول مجاهد والضحاك وقتادة. وقيل: هو الرجل يعطي الرجل العطية ليخدمه ويعينه لا لطلب أجر. وقيل: هو الرجل يعطي الرجل ماله ليكثر مال الآخذ لا للثواب. وقيل: هو الربا المحرم. ومعنى: ﴿فَلاَ يَرْبُواْ عِندَ ٱللَّهِ﴾ عند من قال: هو المحرم، لا يحكم به لأحد، بل هو للمأخوذ منه. قال تعالى: ﴿وَمَآ آتَيْتُمْ مِّن زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ ٱللَّهِ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُضْعِفُونَ﴾ أي: وما أعطيتم من صدقة تريدون بها ثواب الله لا الازدياد من مال الآخذ ولا الثناء عليها، فأولئك الذين يكون لهم الأضعاف من الأجر، يضاعف لهم الحسنات. وقيل: المعنى يضاعف لهم الخير والنعيم. ويلزم من قال هذا التفسير أن يكون اللفظ: ﴿ٱلْمُضْعِفُونَ﴾ بفتح العين لأنهم مفعول بهم. لكن تحقيق المعنى مع كسر العين: فأولئك هم الذين أضعفوا لأنفسهم حسناتهم، أي: هم المضعفون لأنفسهم الحسنات، لأن من اختار عمل الحسنة فقد اختار عمل عشر حسنات لنفسه، ويضاعف الله لمن يشاء أكثر من عشر على الحسنة الواحدة. * * ثم قال تعالى: ﴿ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ أي: اخترعكم ولم تكونوا شيئاً، ثم رزقكم وخولكم ولم تكونوا تملكون شيئاً، ثم هو يميتكم ثم هو يحييكم ليوم القيامة، فالعبادة لا تصلح إلا لمن هو هكذا. ﴿هَلْ مِن شُرَكَآئِكُمْ مَّن يَفْعَلُ مِن ذَٰلِكُمْ مِّن شَيْءٍ﴾ أي: هل يفعل شيئاً من خلق أو موت أو بعث أو رزق أو ضر أو نفع، آلهتكم التي تعبدون، فلا بُدَّ لهم أن يقروا أنها لا تفعل شيئاً من ذلك فيعلمون أنهم على باطل. * * ثم قال: ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ أي: تنزيهاً لله وبراءة له عما يشركون به. * * ثم قال تعالى: ﴿ظَهَرَ ٱلْفَسَادُ فِي ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي ٱلنَّاسِ﴾ أي: ظهرت المعاصي لله في الأرض وبحرها بذنوب الناس. قال مجاهد وعكرمة: البحر هنا الأمصار، والبر: الفلوات، ظهرت فيها معاصي ابن آدم. وقال قتادة: هذا قبل مَبْعَثِ النبي ﷺ، امتلأت الدنيا ضلالة وظلمة، فلما بُعِثَ النبي عليه السلام رجع راجعون من الناس، قال أما البر فأهل العَمُود وأما البحر فأهل القرى والريف. والتقدير على هذه الأقاويل: ظهر الفساد في مواضع البر والبحر. وقيل: المعنى ظهر الفساد في مدن البر ومدن البحر. والفساد: الجدب بذنوب بني آدم. وقيل: الفساد ظهور المعاصي فيها وقطع السبيل والظلم. وعن مجاهد: أن البر القرى والأمصار، والبحر بحر الماء المعروف قال: في البر: ابن آدم الذي قتل أخاه، وفي البحر: الذي كان يأخذ كل سفينة غصباً. وهو قول ابن أبي نجيح. وقال قتادة: الفساد الشرك. وعن ابن عباس أنه قال: الفساد نقصان البركة بأعمال العباد حتى يتوبوا. فالمعنى على هذا: ظهر الجدب في البر والبحر، وظهور الفساد في البحر انقطاع مادة صيده وذلك بذنوب بني آدم. وقال الحسن: أفسد الله بذنوبهم بَرَّ الأرض وبحرها بأعمالهم الخبيثة لعلهم يرجعون، أي: يرجع من يأتي بعدهم. * * ثم قال تعالى: ﴿لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ ٱلَّذِي عَمِلُواْ﴾ أي: ليصيبهم بعقوبة بعض ذنوبهم. ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ أي: ينيبون إلى ترك المعاصي ويتوبون. ثم قال تعالى ذكره: ﴿قُلْ سِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ فَٱنْظُرُواْ﴾ الآية. هي مثل "أَوَلَمْ يَسِيرُواْ فِي الأَرْضِ" في أول السورة. وقد تم تفسيرها. * * ومعنى ﴿كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُّشْرِكِينَ﴾ أي: مثلكم يا قريش.

الروم 30:42

قوله تعالى ذكره: ﴿وَإِذَا مَسَّ ٱلنَّاسَ ضُرٌّ﴾ إلى قوله ﴿أَكْثَرُهُمْ مُّشْرِكِينَ﴾. أي: وإذا مس هؤلاء المشركين وغيرهم ضر من مرض أو جدب ونحوه ﴿دَعَوْاْ رَبَّهُمْ مُّنِيبِينَ إِلَيْهِ﴾ أي: أخلصوا له الدعاء والتضرع، ﴿ثُمَّ إِذَآ أَذَاقَهُمْ مِّنْهُ رَحْمَةً﴾، أي: فرج عنهم الضر ﴿إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ﴾ يعني المشركين. * * ثم قال تعالى: ﴿لِيَكْفُرُواْ بِمَآ آتَيْنَاهُمْ﴾. إن جعلت اللام لام كي لم تقف على "يشركون"، ولكن تقف على ﴿آتَيْنَاهُمْ﴾، وإن جعلتها لام أمر لأن الكلام فيه معنى التهديد ابتدأت بها إن شئت، ووقفت على ﴿يُشْرِكُونَ﴾، ولم تقف على ﴿آتَيْنَاهُمْ﴾. * * وقوله: ﴿فَتَمَتَّعُواْ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ يدل على أنها لام أمر لأن هذا وعيد وتهديد لا شك فيه، فحمل الكلام على معنى واحد أحسن. والمعنى على الأمر: اكفروا وتمتعوا بالصحة والرخاء فسوف تعلمون عاقبتكم إذا أوردتم على ربكم. * * ثم قال تعالى: ﴿أَمْ أَنزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَاناً﴾ أي: كتاباً وحجة في عبادتهم الأوثان. ﴿فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِمَا كَانُواْ بِهِ يُشْرِكُونَ﴾ أي: فذلك الكتاب ينطق بصحة شركهم. فالمعنى: لم ننزل عليهم شيئاً من ذلك إنما اختلفوا من عند أنفسهم اتباعاً لأهوائهم. قال ابن عباس: كل سلطان في القرآن فهو عذر وحجة . * * ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَآ أَذَقْنَا ٱلنَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُواْ بِهَا﴾ أي: وإذا مس الناس خصب ورخاء وصحة فرحوا بذلك. ﴿وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ أي: وإن تصبهم شدة جدب أو مرض أو إتلاف مال بذنوبهم المتقدمة ﴿إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ﴾ أي: يئسون من الفرح، والقنوط: اليأس. * * ثم قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّ ٱللَّهَ يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ﴾ أي: ألم ير هؤلاء الذين ييأسوا عند الشدة ويفرحون عند الرخاء أن الله يوسع على من يشاء في رزقه، ﴿وَيَقْدِرُ﴾ أي: ويضيق على من يشاء في رزقه. ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ أي: إن في توسيعه الرزق على بعض خلقه وتضييقه على بعض، لدلالات وحججاً على قدرة الله لمن آمن بالله. * * ثم قال تعالى: ﴿فَآتِ ذَا ٱلْقُرْبَىٰ حَقَّهُ﴾ قال مجاهد وقتادة: هو قريب الرجل، صلة الرحم له فرض من الله جل ذكره. وقال مجاهد: لا تقبل صدقة من أحد ورحمه محتاجة. وقال قتادة: إذا لم تعط ذا قرابتك وتمش إليه برجليك فقد قطعته. وقيل: القربى هنا قرابة رسول الله ﷺ. مُنَزَّلة مَنْزِلة قوله تعالى ذكره: ﴿وَٱعْلَمُوۤا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ للَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي ٱلْقُرْبَىٰ﴾ [الأنفال: ٤١] فيكون المعنى: فأعط يا محمد ذا القربى منك حقه عليك. * * وقوله: ﴿وَٱلْمِسْكِينَ وَٱبْنَ ٱلسَّبِيلِ﴾ أي: وَفِّيهم حقهم إن كان يُسْر، وإن لم يكن عندك شيء فقل لهم قولاً معروفاً. وابن السبيل: الضيف. * * ثم قال تعالى: ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ ٱللَّهِ﴾ أي: إتيان هؤلاء حقوقهم التي ألزمها الله جل ذكره عباده خير للذين يريدون بما يعطون ثواب الله. ﴿وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ﴾ أي: الباقون في النعيم الفائزون. * * ثم قال تعالى: ﴿وَمَآ آتَيْتُمْ مِّن رِّباً لِّيَرْبُوَاْ فِي أَمْوَالِ ٱلنَّاسِ فَلاَ يَرْبُواْ عِندَ ٱللَّهِ﴾ أي: وما أعطى بعضهم بعضاً ليرد الآخذ على المعطي أكثر مما أخذ منه فلا أجر فيه للمعطي لأنه لم يبتغِ في إعطائه ثواب الله، إنما ابتغى الازدياد من مال الآخذ، فذلك حلال لكم ولا أجر لكم فيه. وهو محرم على النبي عليه السلام خاصة بقوله تعالى ﴿وَلاَ تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ﴾ [المدثر: ٦] أي: لا تعط عطية لتأخذ أكثر منها. قال ابن عباس: هو الرجل يهدي الهدية فيطلب ما هو أفضل منها. فليس له أجر ولا عليه إثم، وهو معنى قول مجاهد والضحاك وقتادة. وقيل: هو الرجل يعطي الرجل العطية ليخدمه ويعينه لا لطلب أجر. وقيل: هو الرجل يعطي الرجل ماله ليكثر مال الآخذ لا للثواب. وقيل: هو الربا المحرم. ومعنى: ﴿فَلاَ يَرْبُواْ عِندَ ٱللَّهِ﴾ عند من قال: هو المحرم، لا يحكم به لأحد، بل هو للمأخوذ منه. قال تعالى: ﴿وَمَآ آتَيْتُمْ مِّن زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ ٱللَّهِ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُضْعِفُونَ﴾ أي: وما أعطيتم من صدقة تريدون بها ثواب الله لا الازدياد من مال الآخذ ولا الثناء عليها، فأولئك الذين يكون لهم الأضعاف من الأجر، يضاعف لهم الحسنات. وقيل: المعنى يضاعف لهم الخير والنعيم. ويلزم من قال هذا التفسير أن يكون اللفظ: ﴿ٱلْمُضْعِفُونَ﴾ بفتح العين لأنهم مفعول بهم. لكن تحقيق المعنى مع كسر العين: فأولئك هم الذين أضعفوا لأنفسهم حسناتهم، أي: هم المضعفون لأنفسهم الحسنات، لأن من اختار عمل الحسنة فقد اختار عمل عشر حسنات لنفسه، ويضاعف الله لمن يشاء أكثر من عشر على الحسنة الواحدة. * * ثم قال تعالى: ﴿ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ أي: اخترعكم ولم تكونوا شيئاً، ثم رزقكم وخولكم ولم تكونوا تملكون شيئاً، ثم هو يميتكم ثم هو يحييكم ليوم القيامة، فالعبادة لا تصلح إلا لمن هو هكذا. ﴿هَلْ مِن شُرَكَآئِكُمْ مَّن يَفْعَلُ مِن ذَٰلِكُمْ مِّن شَيْءٍ﴾ أي: هل يفعل شيئاً من خلق أو موت أو بعث أو رزق أو ضر أو نفع، آلهتكم التي تعبدون، فلا بُدَّ لهم أن يقروا أنها لا تفعل شيئاً من ذلك فيعلمون أنهم على باطل. * * ثم قال: ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ أي: تنزيهاً لله وبراءة له عما يشركون به. * * ثم قال تعالى: ﴿ظَهَرَ ٱلْفَسَادُ فِي ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي ٱلنَّاسِ﴾ أي: ظهرت المعاصي لله في الأرض وبحرها بذنوب الناس. قال مجاهد وعكرمة: البحر هنا الأمصار، والبر: الفلوات، ظهرت فيها معاصي ابن آدم. وقال قتادة: هذا قبل مَبْعَثِ النبي ﷺ، امتلأت الدنيا ضلالة وظلمة، فلما بُعِثَ النبي عليه السلام رجع راجعون من الناس، قال أما البر فأهل العَمُود وأما البحر فأهل القرى والريف. والتقدير على هذه الأقاويل: ظهر الفساد في مواضع البر والبحر. وقيل: المعنى ظهر الفساد في مدن البر ومدن البحر. والفساد: الجدب بذنوب بني آدم. وقيل: الفساد ظهور المعاصي فيها وقطع السبيل والظلم. وعن مجاهد: أن البر القرى والأمصار، والبحر بحر الماء المعروف قال: في البر: ابن آدم الذي قتل أخاه، وفي البحر: الذي كان يأخذ كل سفينة غصباً. وهو قول ابن أبي نجيح. وقال قتادة: الفساد الشرك. وعن ابن عباس أنه قال: الفساد نقصان البركة بأعمال العباد حتى يتوبوا. فالمعنى على هذا: ظهر الجدب في البر والبحر، وظهور الفساد في البحر انقطاع مادة صيده وذلك بذنوب بني آدم. وقال الحسن: أفسد الله بذنوبهم بَرَّ الأرض وبحرها بأعمالهم الخبيثة لعلهم يرجعون، أي: يرجع من يأتي بعدهم. * * ثم قال تعالى: ﴿لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ ٱلَّذِي عَمِلُواْ﴾ أي: ليصيبهم بعقوبة بعض ذنوبهم. ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ أي: ينيبون إلى ترك المعاصي ويتوبون. ثم قال تعالى ذكره: ﴿قُلْ سِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ فَٱنْظُرُواْ﴾ الآية. هي مثل "أَوَلَمْ يَسِيرُواْ فِي الأَرْضِ" في أول السورة. وقد تم تفسيرها. * * ومعنى ﴿كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُّشْرِكِينَ﴾ أي: مثلكم يا قريش.

الروم 30:43

قوله تعالى ذكره: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ ٱلْقِيِّمِ﴾ إلى قوله: ﴿فَهُمْ مُّسْلِمُونَ﴾. أي: اتبع يا محمد الدين الذي أمرك الله به فهو المستقيم. فالمعنى: أسلم على الدين القيم واعمل به أنت ومن اتبعك من قبل أن ينقطع وقت العمل بالموت وقيام الساعة. والخطاب للنبي ﷺ والمراد أمته. ﴿مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ مَرَدَّ لَهُ مِنَ ٱللَّهِ﴾ أي: لا بد من إتيانه وهو يوم القيامة. ﴿يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ﴾ أي: يتفرقون في ذلك اليوم، فريق في الجنة وفريق في السعير. يقال: تصدع القوم إذا تفرقوا، ومنه الصداع لأنه تفرق شعب الرأس. ثم قال تعالى ذكره: ﴿مَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ﴾ أي: إثم وزره. ﴿وَمَنْ عَمِلَ صَالِحاً﴾ أي: من آمن وأدى ما افترض الله عليه. ﴿فَلأَنفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ﴾ أي: فلأنفسهم يستعدون ويوطئون. قال مجاهد: يمهدون في القبر. * * ثم قال: ﴿لِيَجْزِيَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ مِن فَضْلِهِ﴾ أي: يومئذ يتفرقون ليجزي المؤمنين من فضله، أي: يتفرقون لهذا الأمر، فيخص بالجزاء المؤمنين خاصة لأنه لا يحب الكافرين. ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَن يُرْسِلَ ٱلرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ﴾ بالغيث. ﴿وَلِيُذِيقَكُمْ مِّن رَّحْمَتِهِ﴾ أي: ولينزل عليكم من رحمته، وهي الغيث الذي يحيي به البلاد. ﴿وَلِتَجْرِيَ ٱلْفُلْكُ بِأَمْرِهِ﴾ أي: السفن في البحر بأمره إياها. ﴿وَلِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ﴾ أي: تلتمسوا من رزقه الذي قسمه لكم في سفركم في البحر. ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ أي: تشكرون على هذه النعم. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ رُسُلاً إِلَىٰ قَوْمِهِمْ فَجَآءُوهُم بِٱلْبَيِّنَاتِ﴾ هذه الآية تسلية للنبي ﷺ إذ كذبه قريش، فأعلمه الله أنه قد أَرْسَل من قبله رسلاً إلى قومهم كما أرسله إلى قومه، وأن أولئك الرسل أَتَوْا أقوامهم بالبينات، أي: بالحجج الظاهرة كما جئت أنت يا محمد قومك بذلك. ﴿فَٱنتَقَمْنَا مِنَ ٱلَّذِينَ أَجْرَمُواْ﴾ في الكلام حذف والتقدير فكذبوا الرسل فانتقمنا من المكذبين، فكذلك نفعل بقومك يا محمد في تكذيبهم إياك. ﴿وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ ٱلْمُؤْمِنينَ﴾ أي: ونجينا المؤمنين إذ جاء بأسنا، وكذلك نفعل بك يا محمد ومن آمن بك. وقيل: المعنى: وكان حقاً علينا نصر المؤمنين على الكافرين، فكذلك ننصرك ومن آمن بك على الكافرين من قومك. وفي الحديث: "مَنْ رَدَّ عَلَى عِرْضِ صَاحِبِهِ رَدَّ الله عَنْهُ نَارَ جَهَنَّمَ ثُمَّ تَلَى رَسُولُ الله: "وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ المُؤمِنِينَ". والتمام عند نافع آخر واو. وقف بعض الكوفيين، "وَكَانَ حَقًّا" أي: فكان انتقامنا حقاً، ثم يبتدئ "عَلَيْنَا نَصْرُ المُؤمِنِينَ". نصر ابتداء، وخبره علينا. والوقف عند أبي حاتم: "نَصْرُ المُؤمِنِينَ". * * ثم قال تعالى: ﴿ٱللَّهُ ٱلَّذِي يُرْسِلُ ٱلرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَاباً﴾ أي: ينشئ الرياح سحاباً، ﴿فَيَبْسُطُهُ فِي ٱلسَّمَآءِ كَيْفَ يَشَآءُ﴾ ويجمعه. قال قتادة: يبسطه: يجمعه. * * ثم قال تعالى: ﴿وَيَجْعَلُهُ كِسَفاً﴾ أي: ويجعل الله السحاب في السماء قطعاً متفرقة، وهو جمع كسفة، وهي القطعة منه. ومن أسكن السين فمعناه: أنه يجعل السحاب قطعة واحدة ملتئمة. ويجوز أن يكون معناه كالأول على التخفيف. * * ثم قال تعالى: ﴿فَتَرَى ٱلْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلاَلِهِ﴾ أي: المطر يخرج من بين السحاب. قال عبيد بن عمير: الرياح أربع: يبعث الله جل ذكره ريحاً فتعم الأرض قماً، ثم يبعث الريح الثانية فتثير سحاباً فتجعله كسفاً، أي: قطعاً متفرقة، ثم يبعث الريح الثالثة فتؤلف بينه فتجعله ركاماً، ثم يبعث الرابعة فتمطر. * * ومعنى ﴿مِنْ خِلاَلِهِ﴾: من خلال الكسفة، لأن كل جمع بينه وبين واحده الهاء فالتذكير فيه حسن. وخلال جمع خلل. وقد قرأ الضحاك: "يَخْرُجُ مِنْ خَلَلِهِ". * * ثم قال تعالى: ﴿فَإِذَآ أَصَابَ بِهِ﴾ أي: بالمطر ﴿مَن يَشَآءُ﴾ أي: أرض من يشاء من عباده استبشروا وفرحوا. * * ثم قال تعالى: ﴿وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلِ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ﴾ أي: وإن هؤلاء الذين أصاب بالغيث أرضهم كانوا يئيسين من الخير قبل أن ينزل عليهم الغيث. * * وقوله: ﴿مِّن قَبْلِهِ﴾ تأكيد للأول عند الأخفش. وقال قطرب: التقدير: وإن كانوا من قبل التنزيل من قبل المطر. وقيل: التقدير من قبل تنزيل الغيث [من قبل رؤية السحاب. وقيل: المعنى وإن كانوا من قبل تنزيل الغيث] عليهم من قبل أن يزرعوا لمبلسين، ودل المطر على الرزع لأنه خرج بسبب المطر، ودل على ذلك أيضاً ﴿فَرَأَوْهُ مُصْفَرّاً﴾ يعني الزرع. * * ثم قال تعالى: ﴿فَٱنظُرْ إِلَىٰ آثَارِ رَحْمَتِ ٱللَّهِ﴾ أي: انظر يا محمد إلى أثر المطر في الأرض كيف حييت بعد موتها، وأنبتت بعد قحطها، واهتزت بعد جدبها، فكذلك يحيي الله الموتى بعد فنائهم. ومن قرأ "أَثَرِ رَحْمَةِ اللهِ" بالتوحيد رده على التوحيد في: "فَيُبْسِطُهُ"، و "يَجْعَلُهُ"، و "مِنْ خِلاَلِهِ"، "وَأَصَابَ بِهِ"، "وَمِنْ قَبْلِهِ". ومن قرأ بالجمع رده على الأسباب المتقدمة وهي: إرسال الله الريح، وإثارتها السحاب، وبسطه آياه في السماء، وجعله إياه كسفاً، وإخراجه الودق، فهذا كله آثار جليلة وليست بأثر واحد فجمع على ذلك. * * ثم قال: ﴿إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِ ٱلْمَوْتَىٰ﴾ أي: إن الذي يحيي هذه الأرض بعد موتها لمحيي الموتى بعد موتهم. ﴿وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ أي: لا يمتنع عليه فعل شيء أراده. والمضمر في "يحيي الأرض" يجوز أن يكون للمطر، ولله جل ذكره، وللأثر. وقرأ محمد اليماني "كَيْفَ تُحْيِي" بالتاء رده على الرحمة، أو على الآثار. ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحاً﴾ أي: ولئن أرسلنا ريحاً مفسدة لما أنبت الغيث فرأوا ما أنبت الغيث مصفراً قد فسد بتلك الريح. ﴿لَّظَلُّواْ مِن بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ﴾ أي: لصاروا من بعده فرحهم واستبشارهم بالغيث يكفرون، أي: يجحدون نعم الله، فالهاء في "رَأَوْهُ" للنبات من زرع وغيره. وقيل: الهاء للسحاب. وقيل: للريح. * * ثم قال تعالى: ﴿فَإِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ ٱلْمَوْتَىٰ﴾ الآية. أي: إنك يا محمد لا تقدر أن تسمع من مات قلبه، ولا من أصم الله أذنه عن سماع الإيمان وهو الكافر لأنه كالميت الأصم. وهذا مَثَلٌ [ضربه] الله للكفار. * * ثم قال تعالى: ﴿وَمَآ أَنتَ بِهَادِ ٱلْعُمْيِ عَن ضَلاَلَتِهِمْ﴾ الآية. أي: لست يا محمد تقدر أن تهدي من أعماه الله تعالى عن الهدى. ﴿إِن تُسْمِعُ إِلاَّ مَن يُؤْمِنُ﴾ أي: تسمع إلا من وفقه الله للإيمان، وقد تقدم تفسير الآيتين بأشبع من هذا في "الأنبياء".

الروم 30:44

قوله تعالى ذكره: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ ٱلْقِيِّمِ﴾ إلى قوله: ﴿فَهُمْ مُّسْلِمُونَ﴾. أي: اتبع يا محمد الدين الذي أمرك الله به فهو المستقيم. فالمعنى: أسلم على الدين القيم واعمل به أنت ومن اتبعك من قبل أن ينقطع وقت العمل بالموت وقيام الساعة. والخطاب للنبي ﷺ والمراد أمته. ﴿مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ مَرَدَّ لَهُ مِنَ ٱللَّهِ﴾ أي: لا بد من إتيانه وهو يوم القيامة. ﴿يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ﴾ أي: يتفرقون في ذلك اليوم، فريق في الجنة وفريق في السعير. يقال: تصدع القوم إذا تفرقوا، ومنه الصداع لأنه تفرق شعب الرأس. ثم قال تعالى ذكره: ﴿مَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ﴾ أي: إثم وزره. ﴿وَمَنْ عَمِلَ صَالِحاً﴾ أي: من آمن وأدى ما افترض الله عليه. ﴿فَلأَنفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ﴾ أي: فلأنفسهم يستعدون ويوطئون. قال مجاهد: يمهدون في القبر. * * ثم قال: ﴿لِيَجْزِيَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ مِن فَضْلِهِ﴾ أي: يومئذ يتفرقون ليجزي المؤمنين من فضله، أي: يتفرقون لهذا الأمر، فيخص بالجزاء المؤمنين خاصة لأنه لا يحب الكافرين. ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَن يُرْسِلَ ٱلرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ﴾ بالغيث. ﴿وَلِيُذِيقَكُمْ مِّن رَّحْمَتِهِ﴾ أي: ولينزل عليكم من رحمته، وهي الغيث الذي يحيي به البلاد. ﴿وَلِتَجْرِيَ ٱلْفُلْكُ بِأَمْرِهِ﴾ أي: السفن في البحر بأمره إياها. ﴿وَلِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ﴾ أي: تلتمسوا من رزقه الذي قسمه لكم في سفركم في البحر. ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ أي: تشكرون على هذه النعم. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ رُسُلاً إِلَىٰ قَوْمِهِمْ فَجَآءُوهُم بِٱلْبَيِّنَاتِ﴾ هذه الآية تسلية للنبي ﷺ إذ كذبه قريش، فأعلمه الله أنه قد أَرْسَل من قبله رسلاً إلى قومهم كما أرسله إلى قومه، وأن أولئك الرسل أَتَوْا أقوامهم بالبينات، أي: بالحجج الظاهرة كما جئت أنت يا محمد قومك بذلك. ﴿فَٱنتَقَمْنَا مِنَ ٱلَّذِينَ أَجْرَمُواْ﴾ في الكلام حذف والتقدير فكذبوا الرسل فانتقمنا من المكذبين، فكذلك نفعل بقومك يا محمد في تكذيبهم إياك. ﴿وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ ٱلْمُؤْمِنينَ﴾ أي: ونجينا المؤمنين إذ جاء بأسنا، وكذلك نفعل بك يا محمد ومن آمن بك. وقيل: المعنى: وكان حقاً علينا نصر المؤمنين على الكافرين، فكذلك ننصرك ومن آمن بك على الكافرين من قومك. وفي الحديث: "مَنْ رَدَّ عَلَى عِرْضِ صَاحِبِهِ رَدَّ الله عَنْهُ نَارَ جَهَنَّمَ ثُمَّ تَلَى رَسُولُ الله: "وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ المُؤمِنِينَ". والتمام عند نافع آخر واو. وقف بعض الكوفيين، "وَكَانَ حَقًّا" أي: فكان انتقامنا حقاً، ثم يبتدئ "عَلَيْنَا نَصْرُ المُؤمِنِينَ". نصر ابتداء، وخبره علينا. والوقف عند أبي حاتم: "نَصْرُ المُؤمِنِينَ". * * ثم قال تعالى: ﴿ٱللَّهُ ٱلَّذِي يُرْسِلُ ٱلرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَاباً﴾ أي: ينشئ الرياح سحاباً، ﴿فَيَبْسُطُهُ فِي ٱلسَّمَآءِ كَيْفَ يَشَآءُ﴾ ويجمعه. قال قتادة: يبسطه: يجمعه. * * ثم قال تعالى: ﴿وَيَجْعَلُهُ كِسَفاً﴾ أي: ويجعل الله السحاب في السماء قطعاً متفرقة، وهو جمع كسفة، وهي القطعة منه. ومن أسكن السين فمعناه: أنه يجعل السحاب قطعة واحدة ملتئمة. ويجوز أن يكون معناه كالأول على التخفيف. * * ثم قال تعالى: ﴿فَتَرَى ٱلْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلاَلِهِ﴾ أي: المطر يخرج من بين السحاب. قال عبيد بن عمير: الرياح أربع: يبعث الله جل ذكره ريحاً فتعم الأرض قماً، ثم يبعث الريح الثانية فتثير سحاباً فتجعله كسفاً، أي: قطعاً متفرقة، ثم يبعث الريح الثالثة فتؤلف بينه فتجعله ركاماً، ثم يبعث الرابعة فتمطر. * * ومعنى ﴿مِنْ خِلاَلِهِ﴾: من خلال الكسفة، لأن كل جمع بينه وبين واحده الهاء فالتذكير فيه حسن. وخلال جمع خلل. وقد قرأ الضحاك: "يَخْرُجُ مِنْ خَلَلِهِ". * * ثم قال تعالى: ﴿فَإِذَآ أَصَابَ بِهِ﴾ أي: بالمطر ﴿مَن يَشَآءُ﴾ أي: أرض من يشاء من عباده استبشروا وفرحوا. * * ثم قال تعالى: ﴿وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلِ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ﴾ أي: وإن هؤلاء الذين أصاب بالغيث أرضهم كانوا يئيسين من الخير قبل أن ينزل عليهم الغيث. * * وقوله: ﴿مِّن قَبْلِهِ﴾ تأكيد للأول عند الأخفش. وقال قطرب: التقدير: وإن كانوا من قبل التنزيل من قبل المطر. وقيل: التقدير من قبل تنزيل الغيث [من قبل رؤية السحاب. وقيل: المعنى وإن كانوا من قبل تنزيل الغيث] عليهم من قبل أن يزرعوا لمبلسين، ودل المطر على الرزع لأنه خرج بسبب المطر، ودل على ذلك أيضاً ﴿فَرَأَوْهُ مُصْفَرّاً﴾ يعني الزرع. * * ثم قال تعالى: ﴿فَٱنظُرْ إِلَىٰ آثَارِ رَحْمَتِ ٱللَّهِ﴾ أي: انظر يا محمد إلى أثر المطر في الأرض كيف حييت بعد موتها، وأنبتت بعد قحطها، واهتزت بعد جدبها، فكذلك يحيي الله الموتى بعد فنائهم. ومن قرأ "أَثَرِ رَحْمَةِ اللهِ" بالتوحيد رده على التوحيد في: "فَيُبْسِطُهُ"، و "يَجْعَلُهُ"، و "مِنْ خِلاَلِهِ"، "وَأَصَابَ بِهِ"، "وَمِنْ قَبْلِهِ". ومن قرأ بالجمع رده على الأسباب المتقدمة وهي: إرسال الله الريح، وإثارتها السحاب، وبسطه آياه في السماء، وجعله إياه كسفاً، وإخراجه الودق، فهذا كله آثار جليلة وليست بأثر واحد فجمع على ذلك. * * ثم قال: ﴿إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِ ٱلْمَوْتَىٰ﴾ أي: إن الذي يحيي هذه الأرض بعد موتها لمحيي الموتى بعد موتهم. ﴿وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ أي: لا يمتنع عليه فعل شيء أراده. والمضمر في "يحيي الأرض" يجوز أن يكون للمطر، ولله جل ذكره، وللأثر. وقرأ محمد اليماني "كَيْفَ تُحْيِي" بالتاء رده على الرحمة، أو على الآثار. ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحاً﴾ أي: ولئن أرسلنا ريحاً مفسدة لما أنبت الغيث فرأوا ما أنبت الغيث مصفراً قد فسد بتلك الريح. ﴿لَّظَلُّواْ مِن بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ﴾ أي: لصاروا من بعده فرحهم واستبشارهم بالغيث يكفرون، أي: يجحدون نعم الله، فالهاء في "رَأَوْهُ" للنبات من زرع وغيره. وقيل: الهاء للسحاب. وقيل: للريح. * * ثم قال تعالى: ﴿فَإِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ ٱلْمَوْتَىٰ﴾ الآية. أي: إنك يا محمد لا تقدر أن تسمع من مات قلبه، ولا من أصم الله أذنه عن سماع الإيمان وهو الكافر لأنه كالميت الأصم. وهذا مَثَلٌ [ضربه] الله للكفار. * * ثم قال تعالى: ﴿وَمَآ أَنتَ بِهَادِ ٱلْعُمْيِ عَن ضَلاَلَتِهِمْ﴾ الآية. أي: لست يا محمد تقدر أن تهدي من أعماه الله تعالى عن الهدى. ﴿إِن تُسْمِعُ إِلاَّ مَن يُؤْمِنُ﴾ أي: تسمع إلا من وفقه الله للإيمان، وقد تقدم تفسير الآيتين بأشبع من هذا في "الأنبياء".

الروم 30:45

قوله تعالى ذكره: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ ٱلْقِيِّمِ﴾ إلى قوله: ﴿فَهُمْ مُّسْلِمُونَ﴾. أي: اتبع يا محمد الدين الذي أمرك الله به فهو المستقيم. فالمعنى: أسلم على الدين القيم واعمل به أنت ومن اتبعك من قبل أن ينقطع وقت العمل بالموت وقيام الساعة. والخطاب للنبي ﷺ والمراد أمته. ﴿مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ مَرَدَّ لَهُ مِنَ ٱللَّهِ﴾ أي: لا بد من إتيانه وهو يوم القيامة. ﴿يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ﴾ أي: يتفرقون في ذلك اليوم، فريق في الجنة وفريق في السعير. يقال: تصدع القوم إذا تفرقوا، ومنه الصداع لأنه تفرق شعب الرأس. ثم قال تعالى ذكره: ﴿مَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ﴾ أي: إثم وزره. ﴿وَمَنْ عَمِلَ صَالِحاً﴾ أي: من آمن وأدى ما افترض الله عليه. ﴿فَلأَنفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ﴾ أي: فلأنفسهم يستعدون ويوطئون. قال مجاهد: يمهدون في القبر. * * ثم قال: ﴿لِيَجْزِيَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ مِن فَضْلِهِ﴾ أي: يومئذ يتفرقون ليجزي المؤمنين من فضله، أي: يتفرقون لهذا الأمر، فيخص بالجزاء المؤمنين خاصة لأنه لا يحب الكافرين. ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَن يُرْسِلَ ٱلرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ﴾ بالغيث. ﴿وَلِيُذِيقَكُمْ مِّن رَّحْمَتِهِ﴾ أي: ولينزل عليكم من رحمته، وهي الغيث الذي يحيي به البلاد. ﴿وَلِتَجْرِيَ ٱلْفُلْكُ بِأَمْرِهِ﴾ أي: السفن في البحر بأمره إياها. ﴿وَلِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ﴾ أي: تلتمسوا من رزقه الذي قسمه لكم في سفركم في البحر. ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ أي: تشكرون على هذه النعم. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ رُسُلاً إِلَىٰ قَوْمِهِمْ فَجَآءُوهُم بِٱلْبَيِّنَاتِ﴾ هذه الآية تسلية للنبي ﷺ إذ كذبه قريش، فأعلمه الله أنه قد أَرْسَل من قبله رسلاً إلى قومهم كما أرسله إلى قومه، وأن أولئك الرسل أَتَوْا أقوامهم بالبينات، أي: بالحجج الظاهرة كما جئت أنت يا محمد قومك بذلك. ﴿فَٱنتَقَمْنَا مِنَ ٱلَّذِينَ أَجْرَمُواْ﴾ في الكلام حذف والتقدير فكذبوا الرسل فانتقمنا من المكذبين، فكذلك نفعل بقومك يا محمد في تكذيبهم إياك. ﴿وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ ٱلْمُؤْمِنينَ﴾ أي: ونجينا المؤمنين إذ جاء بأسنا، وكذلك نفعل بك يا محمد ومن آمن بك. وقيل: المعنى: وكان حقاً علينا نصر المؤمنين على الكافرين، فكذلك ننصرك ومن آمن بك على الكافرين من قومك. وفي الحديث: "مَنْ رَدَّ عَلَى عِرْضِ صَاحِبِهِ رَدَّ الله عَنْهُ نَارَ جَهَنَّمَ ثُمَّ تَلَى رَسُولُ الله: "وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ المُؤمِنِينَ". والتمام عند نافع آخر واو. وقف بعض الكوفيين، "وَكَانَ حَقًّا" أي: فكان انتقامنا حقاً، ثم يبتدئ "عَلَيْنَا نَصْرُ المُؤمِنِينَ". نصر ابتداء، وخبره علينا. والوقف عند أبي حاتم: "نَصْرُ المُؤمِنِينَ". * * ثم قال تعالى: ﴿ٱللَّهُ ٱلَّذِي يُرْسِلُ ٱلرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَاباً﴾ أي: ينشئ الرياح سحاباً، ﴿فَيَبْسُطُهُ فِي ٱلسَّمَآءِ كَيْفَ يَشَآءُ﴾ ويجمعه. قال قتادة: يبسطه: يجمعه. * * ثم قال تعالى: ﴿وَيَجْعَلُهُ كِسَفاً﴾ أي: ويجعل الله السحاب في السماء قطعاً متفرقة، وهو جمع كسفة، وهي القطعة منه. ومن أسكن السين فمعناه: أنه يجعل السحاب قطعة واحدة ملتئمة. ويجوز أن يكون معناه كالأول على التخفيف. * * ثم قال تعالى: ﴿فَتَرَى ٱلْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلاَلِهِ﴾ أي: المطر يخرج من بين السحاب. قال عبيد بن عمير: الرياح أربع: يبعث الله جل ذكره ريحاً فتعم الأرض قماً، ثم يبعث الريح الثانية فتثير سحاباً فتجعله كسفاً، أي: قطعاً متفرقة، ثم يبعث الريح الثالثة فتؤلف بينه فتجعله ركاماً، ثم يبعث الرابعة فتمطر. * * ومعنى ﴿مِنْ خِلاَلِهِ﴾: من خلال الكسفة، لأن كل جمع بينه وبين واحده الهاء فالتذكير فيه حسن. وخلال جمع خلل. وقد قرأ الضحاك: "يَخْرُجُ مِنْ خَلَلِهِ". * * ثم قال تعالى: ﴿فَإِذَآ أَصَابَ بِهِ﴾ أي: بالمطر ﴿مَن يَشَآءُ﴾ أي: أرض من يشاء من عباده استبشروا وفرحوا. * * ثم قال تعالى: ﴿وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلِ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ﴾ أي: وإن هؤلاء الذين أصاب بالغيث أرضهم كانوا يئيسين من الخير قبل أن ينزل عليهم الغيث. * * وقوله: ﴿مِّن قَبْلِهِ﴾ تأكيد للأول عند الأخفش. وقال قطرب: التقدير: وإن كانوا من قبل التنزيل من قبل المطر. وقيل: التقدير من قبل تنزيل الغيث [من قبل رؤية السحاب. وقيل: المعنى وإن كانوا من قبل تنزيل الغيث] عليهم من قبل أن يزرعوا لمبلسين، ودل المطر على الرزع لأنه خرج بسبب المطر، ودل على ذلك أيضاً ﴿فَرَأَوْهُ مُصْفَرّاً﴾ يعني الزرع. * * ثم قال تعالى: ﴿فَٱنظُرْ إِلَىٰ آثَارِ رَحْمَتِ ٱللَّهِ﴾ أي: انظر يا محمد إلى أثر المطر في الأرض كيف حييت بعد موتها، وأنبتت بعد قحطها، واهتزت بعد جدبها، فكذلك يحيي الله الموتى بعد فنائهم. ومن قرأ "أَثَرِ رَحْمَةِ اللهِ" بالتوحيد رده على التوحيد في: "فَيُبْسِطُهُ"، و "يَجْعَلُهُ"، و "مِنْ خِلاَلِهِ"، "وَأَصَابَ بِهِ"، "وَمِنْ قَبْلِهِ". ومن قرأ بالجمع رده على الأسباب المتقدمة وهي: إرسال الله الريح، وإثارتها السحاب، وبسطه آياه في السماء، وجعله إياه كسفاً، وإخراجه الودق، فهذا كله آثار جليلة وليست بأثر واحد فجمع على ذلك. * * ثم قال: ﴿إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِ ٱلْمَوْتَىٰ﴾ أي: إن الذي يحيي هذه الأرض بعد موتها لمحيي الموتى بعد موتهم. ﴿وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ أي: لا يمتنع عليه فعل شيء أراده. والمضمر في "يحيي الأرض" يجوز أن يكون للمطر، ولله جل ذكره، وللأثر. وقرأ محمد اليماني "كَيْفَ تُحْيِي" بالتاء رده على الرحمة، أو على الآثار. ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحاً﴾ أي: ولئن أرسلنا ريحاً مفسدة لما أنبت الغيث فرأوا ما أنبت الغيث مصفراً قد فسد بتلك الريح. ﴿لَّظَلُّواْ مِن بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ﴾ أي: لصاروا من بعده فرحهم واستبشارهم بالغيث يكفرون، أي: يجحدون نعم الله، فالهاء في "رَأَوْهُ" للنبات من زرع وغيره. وقيل: الهاء للسحاب. وقيل: للريح. * * ثم قال تعالى: ﴿فَإِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ ٱلْمَوْتَىٰ﴾ الآية. أي: إنك يا محمد لا تقدر أن تسمع من مات قلبه، ولا من أصم الله أذنه عن سماع الإيمان وهو الكافر لأنه كالميت الأصم. وهذا مَثَلٌ [ضربه] الله للكفار. * * ثم قال تعالى: ﴿وَمَآ أَنتَ بِهَادِ ٱلْعُمْيِ عَن ضَلاَلَتِهِمْ﴾ الآية. أي: لست يا محمد تقدر أن تهدي من أعماه الله تعالى عن الهدى. ﴿إِن تُسْمِعُ إِلاَّ مَن يُؤْمِنُ﴾ أي: تسمع إلا من وفقه الله للإيمان، وقد تقدم تفسير الآيتين بأشبع من هذا في "الأنبياء".

الروم 30:46

قوله تعالى ذكره: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ ٱلْقِيِّمِ﴾ إلى قوله: ﴿فَهُمْ مُّسْلِمُونَ﴾. أي: اتبع يا محمد الدين الذي أمرك الله به فهو المستقيم. فالمعنى: أسلم على الدين القيم واعمل به أنت ومن اتبعك من قبل أن ينقطع وقت العمل بالموت وقيام الساعة. والخطاب للنبي ﷺ والمراد أمته. ﴿مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ مَرَدَّ لَهُ مِنَ ٱللَّهِ﴾ أي: لا بد من إتيانه وهو يوم القيامة. ﴿يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ﴾ أي: يتفرقون في ذلك اليوم، فريق في الجنة وفريق في السعير. يقال: تصدع القوم إذا تفرقوا، ومنه الصداع لأنه تفرق شعب الرأس. ثم قال تعالى ذكره: ﴿مَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ﴾ أي: إثم وزره. ﴿وَمَنْ عَمِلَ صَالِحاً﴾ أي: من آمن وأدى ما افترض الله عليه. ﴿فَلأَنفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ﴾ أي: فلأنفسهم يستعدون ويوطئون. قال مجاهد: يمهدون في القبر. * * ثم قال: ﴿لِيَجْزِيَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ مِن فَضْلِهِ﴾ أي: يومئذ يتفرقون ليجزي المؤمنين من فضله، أي: يتفرقون لهذا الأمر، فيخص بالجزاء المؤمنين خاصة لأنه لا يحب الكافرين. ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَن يُرْسِلَ ٱلرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ﴾ بالغيث. ﴿وَلِيُذِيقَكُمْ مِّن رَّحْمَتِهِ﴾ أي: ولينزل عليكم من رحمته، وهي الغيث الذي يحيي به البلاد. ﴿وَلِتَجْرِيَ ٱلْفُلْكُ بِأَمْرِهِ﴾ أي: السفن في البحر بأمره إياها. ﴿وَلِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ﴾ أي: تلتمسوا من رزقه الذي قسمه لكم في سفركم في البحر. ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ أي: تشكرون على هذه النعم. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ رُسُلاً إِلَىٰ قَوْمِهِمْ فَجَآءُوهُم بِٱلْبَيِّنَاتِ﴾ هذه الآية تسلية للنبي ﷺ إذ كذبه قريش، فأعلمه الله أنه قد أَرْسَل من قبله رسلاً إلى قومهم كما أرسله إلى قومه، وأن أولئك الرسل أَتَوْا أقوامهم بالبينات، أي: بالحجج الظاهرة كما جئت أنت يا محمد قومك بذلك. ﴿فَٱنتَقَمْنَا مِنَ ٱلَّذِينَ أَجْرَمُواْ﴾ في الكلام حذف والتقدير فكذبوا الرسل فانتقمنا من المكذبين، فكذلك نفعل بقومك يا محمد في تكذيبهم إياك. ﴿وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ ٱلْمُؤْمِنينَ﴾ أي: ونجينا المؤمنين إذ جاء بأسنا، وكذلك نفعل بك يا محمد ومن آمن بك. وقيل: المعنى: وكان حقاً علينا نصر المؤمنين على الكافرين، فكذلك ننصرك ومن آمن بك على الكافرين من قومك. وفي الحديث: "مَنْ رَدَّ عَلَى عِرْضِ صَاحِبِهِ رَدَّ الله عَنْهُ نَارَ جَهَنَّمَ ثُمَّ تَلَى رَسُولُ الله: "وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ المُؤمِنِينَ". والتمام عند نافع آخر واو. وقف بعض الكوفيين، "وَكَانَ حَقًّا" أي: فكان انتقامنا حقاً، ثم يبتدئ "عَلَيْنَا نَصْرُ المُؤمِنِينَ". نصر ابتداء، وخبره علينا. والوقف عند أبي حاتم: "نَصْرُ المُؤمِنِينَ". * * ثم قال تعالى: ﴿ٱللَّهُ ٱلَّذِي يُرْسِلُ ٱلرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَاباً﴾ أي: ينشئ الرياح سحاباً، ﴿فَيَبْسُطُهُ فِي ٱلسَّمَآءِ كَيْفَ يَشَآءُ﴾ ويجمعه. قال قتادة: يبسطه: يجمعه. * * ثم قال تعالى: ﴿وَيَجْعَلُهُ كِسَفاً﴾ أي: ويجعل الله السحاب في السماء قطعاً متفرقة، وهو جمع كسفة، وهي القطعة منه. ومن أسكن السين فمعناه: أنه يجعل السحاب قطعة واحدة ملتئمة. ويجوز أن يكون معناه كالأول على التخفيف. * * ثم قال تعالى: ﴿فَتَرَى ٱلْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلاَلِهِ﴾ أي: المطر يخرج من بين السحاب. قال عبيد بن عمير: الرياح أربع: يبعث الله جل ذكره ريحاً فتعم الأرض قماً، ثم يبعث الريح الثانية فتثير سحاباً فتجعله كسفاً، أي: قطعاً متفرقة، ثم يبعث الريح الثالثة فتؤلف بينه فتجعله ركاماً، ثم يبعث الرابعة فتمطر. * * ومعنى ﴿مِنْ خِلاَلِهِ﴾: من خلال الكسفة، لأن كل جمع بينه وبين واحده الهاء فالتذكير فيه حسن. وخلال جمع خلل. وقد قرأ الضحاك: "يَخْرُجُ مِنْ خَلَلِهِ". * * ثم قال تعالى: ﴿فَإِذَآ أَصَابَ بِهِ﴾ أي: بالمطر ﴿مَن يَشَآءُ﴾ أي: أرض من يشاء من عباده استبشروا وفرحوا. * * ثم قال تعالى: ﴿وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلِ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ﴾ أي: وإن هؤلاء الذين أصاب بالغيث أرضهم كانوا يئيسين من الخير قبل أن ينزل عليهم الغيث. * * وقوله: ﴿مِّن قَبْلِهِ﴾ تأكيد للأول عند الأخفش. وقال قطرب: التقدير: وإن كانوا من قبل التنزيل من قبل المطر. وقيل: التقدير من قبل تنزيل الغيث [من قبل رؤية السحاب. وقيل: المعنى وإن كانوا من قبل تنزيل الغيث] عليهم من قبل أن يزرعوا لمبلسين، ودل المطر على الرزع لأنه خرج بسبب المطر، ودل على ذلك أيضاً ﴿فَرَأَوْهُ مُصْفَرّاً﴾ يعني الزرع. * * ثم قال تعالى: ﴿فَٱنظُرْ إِلَىٰ آثَارِ رَحْمَتِ ٱللَّهِ﴾ أي: انظر يا محمد إلى أثر المطر في الأرض كيف حييت بعد موتها، وأنبتت بعد قحطها، واهتزت بعد جدبها، فكذلك يحيي الله الموتى بعد فنائهم. ومن قرأ "أَثَرِ رَحْمَةِ اللهِ" بالتوحيد رده على التوحيد في: "فَيُبْسِطُهُ"، و "يَجْعَلُهُ"، و "مِنْ خِلاَلِهِ"، "وَأَصَابَ بِهِ"، "وَمِنْ قَبْلِهِ". ومن قرأ بالجمع رده على الأسباب المتقدمة وهي: إرسال الله الريح، وإثارتها السحاب، وبسطه آياه في السماء، وجعله إياه كسفاً، وإخراجه الودق، فهذا كله آثار جليلة وليست بأثر واحد فجمع على ذلك. * * ثم قال: ﴿إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِ ٱلْمَوْتَىٰ﴾ أي: إن الذي يحيي هذه الأرض بعد موتها لمحيي الموتى بعد موتهم. ﴿وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ أي: لا يمتنع عليه فعل شيء أراده. والمضمر في "يحيي الأرض" يجوز أن يكون للمطر، ولله جل ذكره، وللأثر. وقرأ محمد اليماني "كَيْفَ تُحْيِي" بالتاء رده على الرحمة، أو على الآثار. ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحاً﴾ أي: ولئن أرسلنا ريحاً مفسدة لما أنبت الغيث فرأوا ما أنبت الغيث مصفراً قد فسد بتلك الريح. ﴿لَّظَلُّواْ مِن بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ﴾ أي: لصاروا من بعده فرحهم واستبشارهم بالغيث يكفرون، أي: يجحدون نعم الله، فالهاء في "رَأَوْهُ" للنبات من زرع وغيره. وقيل: الهاء للسحاب. وقيل: للريح. * * ثم قال تعالى: ﴿فَإِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ ٱلْمَوْتَىٰ﴾ الآية. أي: إنك يا محمد لا تقدر أن تسمع من مات قلبه، ولا من أصم الله أذنه عن سماع الإيمان وهو الكافر لأنه كالميت الأصم. وهذا مَثَلٌ [ضربه] الله للكفار. * * ثم قال تعالى: ﴿وَمَآ أَنتَ بِهَادِ ٱلْعُمْيِ عَن ضَلاَلَتِهِمْ﴾ الآية. أي: لست يا محمد تقدر أن تهدي من أعماه الله تعالى عن الهدى. ﴿إِن تُسْمِعُ إِلاَّ مَن يُؤْمِنُ﴾ أي: تسمع إلا من وفقه الله للإيمان، وقد تقدم تفسير الآيتين بأشبع من هذا في "الأنبياء".

الروم 30:47

قوله تعالى ذكره: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ ٱلْقِيِّمِ﴾ إلى قوله: ﴿فَهُمْ مُّسْلِمُونَ﴾. أي: اتبع يا محمد الدين الذي أمرك الله به فهو المستقيم. فالمعنى: أسلم على الدين القيم واعمل به أنت ومن اتبعك من قبل أن ينقطع وقت العمل بالموت وقيام الساعة. والخطاب للنبي ﷺ والمراد أمته. ﴿مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ مَرَدَّ لَهُ مِنَ ٱللَّهِ﴾ أي: لا بد من إتيانه وهو يوم القيامة. ﴿يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ﴾ أي: يتفرقون في ذلك اليوم، فريق في الجنة وفريق في السعير. يقال: تصدع القوم إذا تفرقوا، ومنه الصداع لأنه تفرق شعب الرأس. ثم قال تعالى ذكره: ﴿مَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ﴾ أي: إثم وزره. ﴿وَمَنْ عَمِلَ صَالِحاً﴾ أي: من آمن وأدى ما افترض الله عليه. ﴿فَلأَنفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ﴾ أي: فلأنفسهم يستعدون ويوطئون. قال مجاهد: يمهدون في القبر. * * ثم قال: ﴿لِيَجْزِيَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ مِن فَضْلِهِ﴾ أي: يومئذ يتفرقون ليجزي المؤمنين من فضله، أي: يتفرقون لهذا الأمر، فيخص بالجزاء المؤمنين خاصة لأنه لا يحب الكافرين. ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَن يُرْسِلَ ٱلرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ﴾ بالغيث. ﴿وَلِيُذِيقَكُمْ مِّن رَّحْمَتِهِ﴾ أي: ولينزل عليكم من رحمته، وهي الغيث الذي يحيي به البلاد. ﴿وَلِتَجْرِيَ ٱلْفُلْكُ بِأَمْرِهِ﴾ أي: السفن في البحر بأمره إياها. ﴿وَلِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ﴾ أي: تلتمسوا من رزقه الذي قسمه لكم في سفركم في البحر. ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ أي: تشكرون على هذه النعم. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ رُسُلاً إِلَىٰ قَوْمِهِمْ فَجَآءُوهُم بِٱلْبَيِّنَاتِ﴾ هذه الآية تسلية للنبي ﷺ إذ كذبه قريش، فأعلمه الله أنه قد أَرْسَل من قبله رسلاً إلى قومهم كما أرسله إلى قومه، وأن أولئك الرسل أَتَوْا أقوامهم بالبينات، أي: بالحجج الظاهرة كما جئت أنت يا محمد قومك بذلك. ﴿فَٱنتَقَمْنَا مِنَ ٱلَّذِينَ أَجْرَمُواْ﴾ في الكلام حذف والتقدير فكذبوا الرسل فانتقمنا من المكذبين، فكذلك نفعل بقومك يا محمد في تكذيبهم إياك. ﴿وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ ٱلْمُؤْمِنينَ﴾ أي: ونجينا المؤمنين إذ جاء بأسنا، وكذلك نفعل بك يا محمد ومن آمن بك. وقيل: المعنى: وكان حقاً علينا نصر المؤمنين على الكافرين، فكذلك ننصرك ومن آمن بك على الكافرين من قومك. وفي الحديث: "مَنْ رَدَّ عَلَى عِرْضِ صَاحِبِهِ رَدَّ الله عَنْهُ نَارَ جَهَنَّمَ ثُمَّ تَلَى رَسُولُ الله: "وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ المُؤمِنِينَ". والتمام عند نافع آخر واو. وقف بعض الكوفيين، "وَكَانَ حَقًّا" أي: فكان انتقامنا حقاً، ثم يبتدئ "عَلَيْنَا نَصْرُ المُؤمِنِينَ". نصر ابتداء، وخبره علينا. والوقف عند أبي حاتم: "نَصْرُ المُؤمِنِينَ". * * ثم قال تعالى: ﴿ٱللَّهُ ٱلَّذِي يُرْسِلُ ٱلرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَاباً﴾ أي: ينشئ الرياح سحاباً، ﴿فَيَبْسُطُهُ فِي ٱلسَّمَآءِ كَيْفَ يَشَآءُ﴾ ويجمعه. قال قتادة: يبسطه: يجمعه. * * ثم قال تعالى: ﴿وَيَجْعَلُهُ كِسَفاً﴾ أي: ويجعل الله السحاب في السماء قطعاً متفرقة، وهو جمع كسفة، وهي القطعة منه. ومن أسكن السين فمعناه: أنه يجعل السحاب قطعة واحدة ملتئمة. ويجوز أن يكون معناه كالأول على التخفيف. * * ثم قال تعالى: ﴿فَتَرَى ٱلْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلاَلِهِ﴾ أي: المطر يخرج من بين السحاب. قال عبيد بن عمير: الرياح أربع: يبعث الله جل ذكره ريحاً فتعم الأرض قماً، ثم يبعث الريح الثانية فتثير سحاباً فتجعله كسفاً، أي: قطعاً متفرقة، ثم يبعث الريح الثالثة فتؤلف بينه فتجعله ركاماً، ثم يبعث الرابعة فتمطر. * * ومعنى ﴿مِنْ خِلاَلِهِ﴾: من خلال الكسفة، لأن كل جمع بينه وبين واحده الهاء فالتذكير فيه حسن. وخلال جمع خلل. وقد قرأ الضحاك: "يَخْرُجُ مِنْ خَلَلِهِ". * * ثم قال تعالى: ﴿فَإِذَآ أَصَابَ بِهِ﴾ أي: بالمطر ﴿مَن يَشَآءُ﴾ أي: أرض من يشاء من عباده استبشروا وفرحوا. * * ثم قال تعالى: ﴿وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلِ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ﴾ أي: وإن هؤلاء الذين أصاب بالغيث أرضهم كانوا يئيسين من الخير قبل أن ينزل عليهم الغيث. * * وقوله: ﴿مِّن قَبْلِهِ﴾ تأكيد للأول عند الأخفش. وقال قطرب: التقدير: وإن كانوا من قبل التنزيل من قبل المطر. وقيل: التقدير من قبل تنزيل الغيث [من قبل رؤية السحاب. وقيل: المعنى وإن كانوا من قبل تنزيل الغيث] عليهم من قبل أن يزرعوا لمبلسين، ودل المطر على الرزع لأنه خرج بسبب المطر، ودل على ذلك أيضاً ﴿فَرَأَوْهُ مُصْفَرّاً﴾ يعني الزرع. * * ثم قال تعالى: ﴿فَٱنظُرْ إِلَىٰ آثَارِ رَحْمَتِ ٱللَّهِ﴾ أي: انظر يا محمد إلى أثر المطر في الأرض كيف حييت بعد موتها، وأنبتت بعد قحطها، واهتزت بعد جدبها، فكذلك يحيي الله الموتى بعد فنائهم. ومن قرأ "أَثَرِ رَحْمَةِ اللهِ" بالتوحيد رده على التوحيد في: "فَيُبْسِطُهُ"، و "يَجْعَلُهُ"، و "مِنْ خِلاَلِهِ"، "وَأَصَابَ بِهِ"، "وَمِنْ قَبْلِهِ". ومن قرأ بالجمع رده على الأسباب المتقدمة وهي: إرسال الله الريح، وإثارتها السحاب، وبسطه آياه في السماء، وجعله إياه كسفاً، وإخراجه الودق، فهذا كله آثار جليلة وليست بأثر واحد فجمع على ذلك. * * ثم قال: ﴿إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِ ٱلْمَوْتَىٰ﴾ أي: إن الذي يحيي هذه الأرض بعد موتها لمحيي الموتى بعد موتهم. ﴿وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ أي: لا يمتنع عليه فعل شيء أراده. والمضمر في "يحيي الأرض" يجوز أن يكون للمطر، ولله جل ذكره، وللأثر. وقرأ محمد اليماني "كَيْفَ تُحْيِي" بالتاء رده على الرحمة، أو على الآثار. ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحاً﴾ أي: ولئن أرسلنا ريحاً مفسدة لما أنبت الغيث فرأوا ما أنبت الغيث مصفراً قد فسد بتلك الريح. ﴿لَّظَلُّواْ مِن بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ﴾ أي: لصاروا من بعده فرحهم واستبشارهم بالغيث يكفرون، أي: يجحدون نعم الله، فالهاء في "رَأَوْهُ" للنبات من زرع وغيره. وقيل: الهاء للسحاب. وقيل: للريح. * * ثم قال تعالى: ﴿فَإِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ ٱلْمَوْتَىٰ﴾ الآية. أي: إنك يا محمد لا تقدر أن تسمع من مات قلبه، ولا من أصم الله أذنه عن سماع الإيمان وهو الكافر لأنه كالميت الأصم. وهذا مَثَلٌ [ضربه] الله للكفار. * * ثم قال تعالى: ﴿وَمَآ أَنتَ بِهَادِ ٱلْعُمْيِ عَن ضَلاَلَتِهِمْ﴾ الآية. أي: لست يا محمد تقدر أن تهدي من أعماه الله تعالى عن الهدى. ﴿إِن تُسْمِعُ إِلاَّ مَن يُؤْمِنُ﴾ أي: تسمع إلا من وفقه الله للإيمان، وقد تقدم تفسير الآيتين بأشبع من هذا في "الأنبياء".

الروم 30:48

قوله تعالى ذكره: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ ٱلْقِيِّمِ﴾ إلى قوله: ﴿فَهُمْ مُّسْلِمُونَ﴾. أي: اتبع يا محمد الدين الذي أمرك الله به فهو المستقيم. فالمعنى: أسلم على الدين القيم واعمل به أنت ومن اتبعك من قبل أن ينقطع وقت العمل بالموت وقيام الساعة. والخطاب للنبي ﷺ والمراد أمته. ﴿مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ مَرَدَّ لَهُ مِنَ ٱللَّهِ﴾ أي: لا بد من إتيانه وهو يوم القيامة. ﴿يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ﴾ أي: يتفرقون في ذلك اليوم، فريق في الجنة وفريق في السعير. يقال: تصدع القوم إذا تفرقوا، ومنه الصداع لأنه تفرق شعب الرأس. ثم قال تعالى ذكره: ﴿مَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ﴾ أي: إثم وزره. ﴿وَمَنْ عَمِلَ صَالِحاً﴾ أي: من آمن وأدى ما افترض الله عليه. ﴿فَلأَنفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ﴾ أي: فلأنفسهم يستعدون ويوطئون. قال مجاهد: يمهدون في القبر. * * ثم قال: ﴿لِيَجْزِيَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ مِن فَضْلِهِ﴾ أي: يومئذ يتفرقون ليجزي المؤمنين من فضله، أي: يتفرقون لهذا الأمر، فيخص بالجزاء المؤمنين خاصة لأنه لا يحب الكافرين. ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَن يُرْسِلَ ٱلرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ﴾ بالغيث. ﴿وَلِيُذِيقَكُمْ مِّن رَّحْمَتِهِ﴾ أي: ولينزل عليكم من رحمته، وهي الغيث الذي يحيي به البلاد. ﴿وَلِتَجْرِيَ ٱلْفُلْكُ بِأَمْرِهِ﴾ أي: السفن في البحر بأمره إياها. ﴿وَلِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ﴾ أي: تلتمسوا من رزقه الذي قسمه لكم في سفركم في البحر. ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ أي: تشكرون على هذه النعم. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ رُسُلاً إِلَىٰ قَوْمِهِمْ فَجَآءُوهُم بِٱلْبَيِّنَاتِ﴾ هذه الآية تسلية للنبي ﷺ إذ كذبه قريش، فأعلمه الله أنه قد أَرْسَل من قبله رسلاً إلى قومهم كما أرسله إلى قومه، وأن أولئك الرسل أَتَوْا أقوامهم بالبينات، أي: بالحجج الظاهرة كما جئت أنت يا محمد قومك بذلك. ﴿فَٱنتَقَمْنَا مِنَ ٱلَّذِينَ أَجْرَمُواْ﴾ في الكلام حذف والتقدير فكذبوا الرسل فانتقمنا من المكذبين، فكذلك نفعل بقومك يا محمد في تكذيبهم إياك. ﴿وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ ٱلْمُؤْمِنينَ﴾ أي: ونجينا المؤمنين إذ جاء بأسنا، وكذلك نفعل بك يا محمد ومن آمن بك. وقيل: المعنى: وكان حقاً علينا نصر المؤمنين على الكافرين، فكذلك ننصرك ومن آمن بك على الكافرين من قومك. وفي الحديث: "مَنْ رَدَّ عَلَى عِرْضِ صَاحِبِهِ رَدَّ الله عَنْهُ نَارَ جَهَنَّمَ ثُمَّ تَلَى رَسُولُ الله: "وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ المُؤمِنِينَ". والتمام عند نافع آخر واو. وقف بعض الكوفيين، "وَكَانَ حَقًّا" أي: فكان انتقامنا حقاً، ثم يبتدئ "عَلَيْنَا نَصْرُ المُؤمِنِينَ". نصر ابتداء، وخبره علينا. والوقف عند أبي حاتم: "نَصْرُ المُؤمِنِينَ". * * ثم قال تعالى: ﴿ٱللَّهُ ٱلَّذِي يُرْسِلُ ٱلرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَاباً﴾ أي: ينشئ الرياح سحاباً، ﴿فَيَبْسُطُهُ فِي ٱلسَّمَآءِ كَيْفَ يَشَآءُ﴾ ويجمعه. قال قتادة: يبسطه: يجمعه. * * ثم قال تعالى: ﴿وَيَجْعَلُهُ كِسَفاً﴾ أي: ويجعل الله السحاب في السماء قطعاً متفرقة، وهو جمع كسفة، وهي القطعة منه. ومن أسكن السين فمعناه: أنه يجعل السحاب قطعة واحدة ملتئمة. ويجوز أن يكون معناه كالأول على التخفيف. * * ثم قال تعالى: ﴿فَتَرَى ٱلْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلاَلِهِ﴾ أي: المطر يخرج من بين السحاب. قال عبيد بن عمير: الرياح أربع: يبعث الله جل ذكره ريحاً فتعم الأرض قماً، ثم يبعث الريح الثانية فتثير سحاباً فتجعله كسفاً، أي: قطعاً متفرقة، ثم يبعث الريح الثالثة فتؤلف بينه فتجعله ركاماً، ثم يبعث الرابعة فتمطر. * * ومعنى ﴿مِنْ خِلاَلِهِ﴾: من خلال الكسفة، لأن كل جمع بينه وبين واحده الهاء فالتذكير فيه حسن. وخلال جمع خلل. وقد قرأ الضحاك: "يَخْرُجُ مِنْ خَلَلِهِ". * * ثم قال تعالى: ﴿فَإِذَآ أَصَابَ بِهِ﴾ أي: بالمطر ﴿مَن يَشَآءُ﴾ أي: أرض من يشاء من عباده استبشروا وفرحوا. * * ثم قال تعالى: ﴿وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلِ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ﴾ أي: وإن هؤلاء الذين أصاب بالغيث أرضهم كانوا يئيسين من الخير قبل أن ينزل عليهم الغيث. * * وقوله: ﴿مِّن قَبْلِهِ﴾ تأكيد للأول عند الأخفش. وقال قطرب: التقدير: وإن كانوا من قبل التنزيل من قبل المطر. وقيل: التقدير من قبل تنزيل الغيث [من قبل رؤية السحاب. وقيل: المعنى وإن كانوا من قبل تنزيل الغيث] عليهم من قبل أن يزرعوا لمبلسين، ودل المطر على الرزع لأنه خرج بسبب المطر، ودل على ذلك أيضاً ﴿فَرَأَوْهُ مُصْفَرّاً﴾ يعني الزرع. * * ثم قال تعالى: ﴿فَٱنظُرْ إِلَىٰ آثَارِ رَحْمَتِ ٱللَّهِ﴾ أي: انظر يا محمد إلى أثر المطر في الأرض كيف حييت بعد موتها، وأنبتت بعد قحطها، واهتزت بعد جدبها، فكذلك يحيي الله الموتى بعد فنائهم. ومن قرأ "أَثَرِ رَحْمَةِ اللهِ" بالتوحيد رده على التوحيد في: "فَيُبْسِطُهُ"، و "يَجْعَلُهُ"، و "مِنْ خِلاَلِهِ"، "وَأَصَابَ بِهِ"، "وَمِنْ قَبْلِهِ". ومن قرأ بالجمع رده على الأسباب المتقدمة وهي: إرسال الله الريح، وإثارتها السحاب، وبسطه آياه في السماء، وجعله إياه كسفاً، وإخراجه الودق، فهذا كله آثار جليلة وليست بأثر واحد فجمع على ذلك. * * ثم قال: ﴿إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِ ٱلْمَوْتَىٰ﴾ أي: إن الذي يحيي هذه الأرض بعد موتها لمحيي الموتى بعد موتهم. ﴿وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ أي: لا يمتنع عليه فعل شيء أراده. والمضمر في "يحيي الأرض" يجوز أن يكون للمطر، ولله جل ذكره، وللأثر. وقرأ محمد اليماني "كَيْفَ تُحْيِي" بالتاء رده على الرحمة، أو على الآثار. ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحاً﴾ أي: ولئن أرسلنا ريحاً مفسدة لما أنبت الغيث فرأوا ما أنبت الغيث مصفراً قد فسد بتلك الريح. ﴿لَّظَلُّواْ مِن بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ﴾ أي: لصاروا من بعده فرحهم واستبشارهم بالغيث يكفرون، أي: يجحدون نعم الله، فالهاء في "رَأَوْهُ" للنبات من زرع وغيره. وقيل: الهاء للسحاب. وقيل: للريح. * * ثم قال تعالى: ﴿فَإِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ ٱلْمَوْتَىٰ﴾ الآية. أي: إنك يا محمد لا تقدر أن تسمع من مات قلبه، ولا من أصم الله أذنه عن سماع الإيمان وهو الكافر لأنه كالميت الأصم. وهذا مَثَلٌ [ضربه] الله للكفار. * * ثم قال تعالى: ﴿وَمَآ أَنتَ بِهَادِ ٱلْعُمْيِ عَن ضَلاَلَتِهِمْ﴾ الآية. أي: لست يا محمد تقدر أن تهدي من أعماه الله تعالى عن الهدى. ﴿إِن تُسْمِعُ إِلاَّ مَن يُؤْمِنُ﴾ أي: تسمع إلا من وفقه الله للإيمان، وقد تقدم تفسير الآيتين بأشبع من هذا في "الأنبياء".

الروم 30:49

قوله تعالى ذكره: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ ٱلْقِيِّمِ﴾ إلى قوله: ﴿فَهُمْ مُّسْلِمُونَ﴾. أي: اتبع يا محمد الدين الذي أمرك الله به فهو المستقيم. فالمعنى: أسلم على الدين القيم واعمل به أنت ومن اتبعك من قبل أن ينقطع وقت العمل بالموت وقيام الساعة. والخطاب للنبي ﷺ والمراد أمته. ﴿مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ مَرَدَّ لَهُ مِنَ ٱللَّهِ﴾ أي: لا بد من إتيانه وهو يوم القيامة. ﴿يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ﴾ أي: يتفرقون في ذلك اليوم، فريق في الجنة وفريق في السعير. يقال: تصدع القوم إذا تفرقوا، ومنه الصداع لأنه تفرق شعب الرأس. ثم قال تعالى ذكره: ﴿مَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ﴾ أي: إثم وزره. ﴿وَمَنْ عَمِلَ صَالِحاً﴾ أي: من آمن وأدى ما افترض الله عليه. ﴿فَلأَنفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ﴾ أي: فلأنفسهم يستعدون ويوطئون. قال مجاهد: يمهدون في القبر. * * ثم قال: ﴿لِيَجْزِيَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ مِن فَضْلِهِ﴾ أي: يومئذ يتفرقون ليجزي المؤمنين من فضله، أي: يتفرقون لهذا الأمر، فيخص بالجزاء المؤمنين خاصة لأنه لا يحب الكافرين. ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَن يُرْسِلَ ٱلرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ﴾ بالغيث. ﴿وَلِيُذِيقَكُمْ مِّن رَّحْمَتِهِ﴾ أي: ولينزل عليكم من رحمته، وهي الغيث الذي يحيي به البلاد. ﴿وَلِتَجْرِيَ ٱلْفُلْكُ بِأَمْرِهِ﴾ أي: السفن في البحر بأمره إياها. ﴿وَلِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ﴾ أي: تلتمسوا من رزقه الذي قسمه لكم في سفركم في البحر. ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ أي: تشكرون على هذه النعم. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ رُسُلاً إِلَىٰ قَوْمِهِمْ فَجَآءُوهُم بِٱلْبَيِّنَاتِ﴾ هذه الآية تسلية للنبي ﷺ إذ كذبه قريش، فأعلمه الله أنه قد أَرْسَل من قبله رسلاً إلى قومهم كما أرسله إلى قومه، وأن أولئك الرسل أَتَوْا أقوامهم بالبينات، أي: بالحجج الظاهرة كما جئت أنت يا محمد قومك بذلك. ﴿فَٱنتَقَمْنَا مِنَ ٱلَّذِينَ أَجْرَمُواْ﴾ في الكلام حذف والتقدير فكذبوا الرسل فانتقمنا من المكذبين، فكذلك نفعل بقومك يا محمد في تكذيبهم إياك. ﴿وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ ٱلْمُؤْمِنينَ﴾ أي: ونجينا المؤمنين إذ جاء بأسنا، وكذلك نفعل بك يا محمد ومن آمن بك. وقيل: المعنى: وكان حقاً علينا نصر المؤمنين على الكافرين، فكذلك ننصرك ومن آمن بك على الكافرين من قومك. وفي الحديث: "مَنْ رَدَّ عَلَى عِرْضِ صَاحِبِهِ رَدَّ الله عَنْهُ نَارَ جَهَنَّمَ ثُمَّ تَلَى رَسُولُ الله: "وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ المُؤمِنِينَ". والتمام عند نافع آخر واو. وقف بعض الكوفيين، "وَكَانَ حَقًّا" أي: فكان انتقامنا حقاً، ثم يبتدئ "عَلَيْنَا نَصْرُ المُؤمِنِينَ". نصر ابتداء، وخبره علينا. والوقف عند أبي حاتم: "نَصْرُ المُؤمِنِينَ". * * ثم قال تعالى: ﴿ٱللَّهُ ٱلَّذِي يُرْسِلُ ٱلرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَاباً﴾ أي: ينشئ الرياح سحاباً، ﴿فَيَبْسُطُهُ فِي ٱلسَّمَآءِ كَيْفَ يَشَآءُ﴾ ويجمعه. قال قتادة: يبسطه: يجمعه. * * ثم قال تعالى: ﴿وَيَجْعَلُهُ كِسَفاً﴾ أي: ويجعل الله السحاب في السماء قطعاً متفرقة، وهو جمع كسفة، وهي القطعة منه. ومن أسكن السين فمعناه: أنه يجعل السحاب قطعة واحدة ملتئمة. ويجوز أن يكون معناه كالأول على التخفيف. * * ثم قال تعالى: ﴿فَتَرَى ٱلْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلاَلِهِ﴾ أي: المطر يخرج من بين السحاب. قال عبيد بن عمير: الرياح أربع: يبعث الله جل ذكره ريحاً فتعم الأرض قماً، ثم يبعث الريح الثانية فتثير سحاباً فتجعله كسفاً، أي: قطعاً متفرقة، ثم يبعث الريح الثالثة فتؤلف بينه فتجعله ركاماً، ثم يبعث الرابعة فتمطر. * * ومعنى ﴿مِنْ خِلاَلِهِ﴾: من خلال الكسفة، لأن كل جمع بينه وبين واحده الهاء فالتذكير فيه حسن. وخلال جمع خلل. وقد قرأ الضحاك: "يَخْرُجُ مِنْ خَلَلِهِ". * * ثم قال تعالى: ﴿فَإِذَآ أَصَابَ بِهِ﴾ أي: بالمطر ﴿مَن يَشَآءُ﴾ أي: أرض من يشاء من عباده استبشروا وفرحوا. * * ثم قال تعالى: ﴿وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلِ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ﴾ أي: وإن هؤلاء الذين أصاب بالغيث أرضهم كانوا يئيسين من الخير قبل أن ينزل عليهم الغيث. * * وقوله: ﴿مِّن قَبْلِهِ﴾ تأكيد للأول عند الأخفش. وقال قطرب: التقدير: وإن كانوا من قبل التنزيل من قبل المطر. وقيل: التقدير من قبل تنزيل الغيث [من قبل رؤية السحاب. وقيل: المعنى وإن كانوا من قبل تنزيل الغيث] عليهم من قبل أن يزرعوا لمبلسين، ودل المطر على الرزع لأنه خرج بسبب المطر، ودل على ذلك أيضاً ﴿فَرَأَوْهُ مُصْفَرّاً﴾ يعني الزرع. * * ثم قال تعالى: ﴿فَٱنظُرْ إِلَىٰ آثَارِ رَحْمَتِ ٱللَّهِ﴾ أي: انظر يا محمد إلى أثر المطر في الأرض كيف حييت بعد موتها، وأنبتت بعد قحطها، واهتزت بعد جدبها، فكذلك يحيي الله الموتى بعد فنائهم. ومن قرأ "أَثَرِ رَحْمَةِ اللهِ" بالتوحيد رده على التوحيد في: "فَيُبْسِطُهُ"، و "يَجْعَلُهُ"، و "مِنْ خِلاَلِهِ"، "وَأَصَابَ بِهِ"، "وَمِنْ قَبْلِهِ". ومن قرأ بالجمع رده على الأسباب المتقدمة وهي: إرسال الله الريح، وإثارتها السحاب، وبسطه آياه في السماء، وجعله إياه كسفاً، وإخراجه الودق، فهذا كله آثار جليلة وليست بأثر واحد فجمع على ذلك. * * ثم قال: ﴿إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِ ٱلْمَوْتَىٰ﴾ أي: إن الذي يحيي هذه الأرض بعد موتها لمحيي الموتى بعد موتهم. ﴿وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ أي: لا يمتنع عليه فعل شيء أراده. والمضمر في "يحيي الأرض" يجوز أن يكون للمطر، ولله جل ذكره، وللأثر. وقرأ محمد اليماني "كَيْفَ تُحْيِي" بالتاء رده على الرحمة، أو على الآثار. ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحاً﴾ أي: ولئن أرسلنا ريحاً مفسدة لما أنبت الغيث فرأوا ما أنبت الغيث مصفراً قد فسد بتلك الريح. ﴿لَّظَلُّواْ مِن بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ﴾ أي: لصاروا من بعده فرحهم واستبشارهم بالغيث يكفرون، أي: يجحدون نعم الله، فالهاء في "رَأَوْهُ" للنبات من زرع وغيره. وقيل: الهاء للسحاب. وقيل: للريح. * * ثم قال تعالى: ﴿فَإِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ ٱلْمَوْتَىٰ﴾ الآية. أي: إنك يا محمد لا تقدر أن تسمع من مات قلبه، ولا من أصم الله أذنه عن سماع الإيمان وهو الكافر لأنه كالميت الأصم. وهذا مَثَلٌ [ضربه] الله للكفار. * * ثم قال تعالى: ﴿وَمَآ أَنتَ بِهَادِ ٱلْعُمْيِ عَن ضَلاَلَتِهِمْ﴾ الآية. أي: لست يا محمد تقدر أن تهدي من أعماه الله تعالى عن الهدى. ﴿إِن تُسْمِعُ إِلاَّ مَن يُؤْمِنُ﴾ أي: تسمع إلا من وفقه الله للإيمان، وقد تقدم تفسير الآيتين بأشبع من هذا في "الأنبياء".

الروم 30:50

قوله تعالى ذكره: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ ٱلْقِيِّمِ﴾ إلى قوله: ﴿فَهُمْ مُّسْلِمُونَ﴾. أي: اتبع يا محمد الدين الذي أمرك الله به فهو المستقيم. فالمعنى: أسلم على الدين القيم واعمل به أنت ومن اتبعك من قبل أن ينقطع وقت العمل بالموت وقيام الساعة. والخطاب للنبي ﷺ والمراد أمته. ﴿مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ مَرَدَّ لَهُ مِنَ ٱللَّهِ﴾ أي: لا بد من إتيانه وهو يوم القيامة. ﴿يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ﴾ أي: يتفرقون في ذلك اليوم، فريق في الجنة وفريق في السعير. يقال: تصدع القوم إذا تفرقوا، ومنه الصداع لأنه تفرق شعب الرأس. ثم قال تعالى ذكره: ﴿مَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ﴾ أي: إثم وزره. ﴿وَمَنْ عَمِلَ صَالِحاً﴾ أي: من آمن وأدى ما افترض الله عليه. ﴿فَلأَنفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ﴾ أي: فلأنفسهم يستعدون ويوطئون. قال مجاهد: يمهدون في القبر. * * ثم قال: ﴿لِيَجْزِيَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ مِن فَضْلِهِ﴾ أي: يومئذ يتفرقون ليجزي المؤمنين من فضله، أي: يتفرقون لهذا الأمر، فيخص بالجزاء المؤمنين خاصة لأنه لا يحب الكافرين. ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَن يُرْسِلَ ٱلرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ﴾ بالغيث. ﴿وَلِيُذِيقَكُمْ مِّن رَّحْمَتِهِ﴾ أي: ولينزل عليكم من رحمته، وهي الغيث الذي يحيي به البلاد. ﴿وَلِتَجْرِيَ ٱلْفُلْكُ بِأَمْرِهِ﴾ أي: السفن في البحر بأمره إياها. ﴿وَلِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ﴾ أي: تلتمسوا من رزقه الذي قسمه لكم في سفركم في البحر. ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ أي: تشكرون على هذه النعم. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ رُسُلاً إِلَىٰ قَوْمِهِمْ فَجَآءُوهُم بِٱلْبَيِّنَاتِ﴾ هذه الآية تسلية للنبي ﷺ إذ كذبه قريش، فأعلمه الله أنه قد أَرْسَل من قبله رسلاً إلى قومهم كما أرسله إلى قومه، وأن أولئك الرسل أَتَوْا أقوامهم بالبينات، أي: بالحجج الظاهرة كما جئت أنت يا محمد قومك بذلك. ﴿فَٱنتَقَمْنَا مِنَ ٱلَّذِينَ أَجْرَمُواْ﴾ في الكلام حذف والتقدير فكذبوا الرسل فانتقمنا من المكذبين، فكذلك نفعل بقومك يا محمد في تكذيبهم إياك. ﴿وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ ٱلْمُؤْمِنينَ﴾ أي: ونجينا المؤمنين إذ جاء بأسنا، وكذلك نفعل بك يا محمد ومن آمن بك. وقيل: المعنى: وكان حقاً علينا نصر المؤمنين على الكافرين، فكذلك ننصرك ومن آمن بك على الكافرين من قومك. وفي الحديث: "مَنْ رَدَّ عَلَى عِرْضِ صَاحِبِهِ رَدَّ الله عَنْهُ نَارَ جَهَنَّمَ ثُمَّ تَلَى رَسُولُ الله: "وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ المُؤمِنِينَ". والتمام عند نافع آخر واو. وقف بعض الكوفيين، "وَكَانَ حَقًّا" أي: فكان انتقامنا حقاً، ثم يبتدئ "عَلَيْنَا نَصْرُ المُؤمِنِينَ". نصر ابتداء، وخبره علينا. والوقف عند أبي حاتم: "نَصْرُ المُؤمِنِينَ". * * ثم قال تعالى: ﴿ٱللَّهُ ٱلَّذِي يُرْسِلُ ٱلرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَاباً﴾ أي: ينشئ الرياح سحاباً، ﴿فَيَبْسُطُهُ فِي ٱلسَّمَآءِ كَيْفَ يَشَآءُ﴾ ويجمعه. قال قتادة: يبسطه: يجمعه. * * ثم قال تعالى: ﴿وَيَجْعَلُهُ كِسَفاً﴾ أي: ويجعل الله السحاب في السماء قطعاً متفرقة، وهو جمع كسفة، وهي القطعة منه. ومن أسكن السين فمعناه: أنه يجعل السحاب قطعة واحدة ملتئمة. ويجوز أن يكون معناه كالأول على التخفيف. * * ثم قال تعالى: ﴿فَتَرَى ٱلْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلاَلِهِ﴾ أي: المطر يخرج من بين السحاب. قال عبيد بن عمير: الرياح أربع: يبعث الله جل ذكره ريحاً فتعم الأرض قماً، ثم يبعث الريح الثانية فتثير سحاباً فتجعله كسفاً، أي: قطعاً متفرقة، ثم يبعث الريح الثالثة فتؤلف بينه فتجعله ركاماً، ثم يبعث الرابعة فتمطر. * * ومعنى ﴿مِنْ خِلاَلِهِ﴾: من خلال الكسفة، لأن كل جمع بينه وبين واحده الهاء فالتذكير فيه حسن. وخلال جمع خلل. وقد قرأ الضحاك: "يَخْرُجُ مِنْ خَلَلِهِ". * * ثم قال تعالى: ﴿فَإِذَآ أَصَابَ بِهِ﴾ أي: بالمطر ﴿مَن يَشَآءُ﴾ أي: أرض من يشاء من عباده استبشروا وفرحوا. * * ثم قال تعالى: ﴿وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلِ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ﴾ أي: وإن هؤلاء الذين أصاب بالغيث أرضهم كانوا يئيسين من الخير قبل أن ينزل عليهم الغيث. * * وقوله: ﴿مِّن قَبْلِهِ﴾ تأكيد للأول عند الأخفش. وقال قطرب: التقدير: وإن كانوا من قبل التنزيل من قبل المطر. وقيل: التقدير من قبل تنزيل الغيث [من قبل رؤية السحاب. وقيل: المعنى وإن كانوا من قبل تنزيل الغيث] عليهم من قبل أن يزرعوا لمبلسين، ودل المطر على الرزع لأنه خرج بسبب المطر، ودل على ذلك أيضاً ﴿فَرَأَوْهُ مُصْفَرّاً﴾ يعني الزرع. * * ثم قال تعالى: ﴿فَٱنظُرْ إِلَىٰ آثَارِ رَحْمَتِ ٱللَّهِ﴾ أي: انظر يا محمد إلى أثر المطر في الأرض كيف حييت بعد موتها، وأنبتت بعد قحطها، واهتزت بعد جدبها، فكذلك يحيي الله الموتى بعد فنائهم. ومن قرأ "أَثَرِ رَحْمَةِ اللهِ" بالتوحيد رده على التوحيد في: "فَيُبْسِطُهُ"، و "يَجْعَلُهُ"، و "مِنْ خِلاَلِهِ"، "وَأَصَابَ بِهِ"، "وَمِنْ قَبْلِهِ". ومن قرأ بالجمع رده على الأسباب المتقدمة وهي: إرسال الله الريح، وإثارتها السحاب، وبسطه آياه في السماء، وجعله إياه كسفاً، وإخراجه الودق، فهذا كله آثار جليلة وليست بأثر واحد فجمع على ذلك. * * ثم قال: ﴿إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِ ٱلْمَوْتَىٰ﴾ أي: إن الذي يحيي هذه الأرض بعد موتها لمحيي الموتى بعد موتهم. ﴿وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ أي: لا يمتنع عليه فعل شيء أراده. والمضمر في "يحيي الأرض" يجوز أن يكون للمطر، ولله جل ذكره، وللأثر. وقرأ محمد اليماني "كَيْفَ تُحْيِي" بالتاء رده على الرحمة، أو على الآثار. ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحاً﴾ أي: ولئن أرسلنا ريحاً مفسدة لما أنبت الغيث فرأوا ما أنبت الغيث مصفراً قد فسد بتلك الريح. ﴿لَّظَلُّواْ مِن بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ﴾ أي: لصاروا من بعده فرحهم واستبشارهم بالغيث يكفرون، أي: يجحدون نعم الله، فالهاء في "رَأَوْهُ" للنبات من زرع وغيره. وقيل: الهاء للسحاب. وقيل: للريح. * * ثم قال تعالى: ﴿فَإِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ ٱلْمَوْتَىٰ﴾ الآية. أي: إنك يا محمد لا تقدر أن تسمع من مات قلبه، ولا من أصم الله أذنه عن سماع الإيمان وهو الكافر لأنه كالميت الأصم. وهذا مَثَلٌ [ضربه] الله للكفار. * * ثم قال تعالى: ﴿وَمَآ أَنتَ بِهَادِ ٱلْعُمْيِ عَن ضَلاَلَتِهِمْ﴾ الآية. أي: لست يا محمد تقدر أن تهدي من أعماه الله تعالى عن الهدى. ﴿إِن تُسْمِعُ إِلاَّ مَن يُؤْمِنُ﴾ أي: تسمع إلا من وفقه الله للإيمان، وقد تقدم تفسير الآيتين بأشبع من هذا في "الأنبياء".

الروم 30:51

قوله تعالى ذكره: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ ٱلْقِيِّمِ﴾ إلى قوله: ﴿فَهُمْ مُّسْلِمُونَ﴾. أي: اتبع يا محمد الدين الذي أمرك الله به فهو المستقيم. فالمعنى: أسلم على الدين القيم واعمل به أنت ومن اتبعك من قبل أن ينقطع وقت العمل بالموت وقيام الساعة. والخطاب للنبي ﷺ والمراد أمته. ﴿مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ مَرَدَّ لَهُ مِنَ ٱللَّهِ﴾ أي: لا بد من إتيانه وهو يوم القيامة. ﴿يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ﴾ أي: يتفرقون في ذلك اليوم، فريق في الجنة وفريق في السعير. يقال: تصدع القوم إذا تفرقوا، ومنه الصداع لأنه تفرق شعب الرأس. ثم قال تعالى ذكره: ﴿مَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ﴾ أي: إثم وزره. ﴿وَمَنْ عَمِلَ صَالِحاً﴾ أي: من آمن وأدى ما افترض الله عليه. ﴿فَلأَنفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ﴾ أي: فلأنفسهم يستعدون ويوطئون. قال مجاهد: يمهدون في القبر. * * ثم قال: ﴿لِيَجْزِيَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ مِن فَضْلِهِ﴾ أي: يومئذ يتفرقون ليجزي المؤمنين من فضله، أي: يتفرقون لهذا الأمر، فيخص بالجزاء المؤمنين خاصة لأنه لا يحب الكافرين. ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَن يُرْسِلَ ٱلرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ﴾ بالغيث. ﴿وَلِيُذِيقَكُمْ مِّن رَّحْمَتِهِ﴾ أي: ولينزل عليكم من رحمته، وهي الغيث الذي يحيي به البلاد. ﴿وَلِتَجْرِيَ ٱلْفُلْكُ بِأَمْرِهِ﴾ أي: السفن في البحر بأمره إياها. ﴿وَلِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ﴾ أي: تلتمسوا من رزقه الذي قسمه لكم في سفركم في البحر. ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ أي: تشكرون على هذه النعم. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ رُسُلاً إِلَىٰ قَوْمِهِمْ فَجَآءُوهُم بِٱلْبَيِّنَاتِ﴾ هذه الآية تسلية للنبي ﷺ إذ كذبه قريش، فأعلمه الله أنه قد أَرْسَل من قبله رسلاً إلى قومهم كما أرسله إلى قومه، وأن أولئك الرسل أَتَوْا أقوامهم بالبينات، أي: بالحجج الظاهرة كما جئت أنت يا محمد قومك بذلك. ﴿فَٱنتَقَمْنَا مِنَ ٱلَّذِينَ أَجْرَمُواْ﴾ في الكلام حذف والتقدير فكذبوا الرسل فانتقمنا من المكذبين، فكذلك نفعل بقومك يا محمد في تكذيبهم إياك. ﴿وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ ٱلْمُؤْمِنينَ﴾ أي: ونجينا المؤمنين إذ جاء بأسنا، وكذلك نفعل بك يا محمد ومن آمن بك. وقيل: المعنى: وكان حقاً علينا نصر المؤمنين على الكافرين، فكذلك ننصرك ومن آمن بك على الكافرين من قومك. وفي الحديث: "مَنْ رَدَّ عَلَى عِرْضِ صَاحِبِهِ رَدَّ الله عَنْهُ نَارَ جَهَنَّمَ ثُمَّ تَلَى رَسُولُ الله: "وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ المُؤمِنِينَ". والتمام عند نافع آخر واو. وقف بعض الكوفيين، "وَكَانَ حَقًّا" أي: فكان انتقامنا حقاً، ثم يبتدئ "عَلَيْنَا نَصْرُ المُؤمِنِينَ". نصر ابتداء، وخبره علينا. والوقف عند أبي حاتم: "نَصْرُ المُؤمِنِينَ". * * ثم قال تعالى: ﴿ٱللَّهُ ٱلَّذِي يُرْسِلُ ٱلرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَاباً﴾ أي: ينشئ الرياح سحاباً، ﴿فَيَبْسُطُهُ فِي ٱلسَّمَآءِ كَيْفَ يَشَآءُ﴾ ويجمعه. قال قتادة: يبسطه: يجمعه. * * ثم قال تعالى: ﴿وَيَجْعَلُهُ كِسَفاً﴾ أي: ويجعل الله السحاب في السماء قطعاً متفرقة، وهو جمع كسفة، وهي القطعة منه. ومن أسكن السين فمعناه: أنه يجعل السحاب قطعة واحدة ملتئمة. ويجوز أن يكون معناه كالأول على التخفيف. * * ثم قال تعالى: ﴿فَتَرَى ٱلْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلاَلِهِ﴾ أي: المطر يخرج من بين السحاب. قال عبيد بن عمير: الرياح أربع: يبعث الله جل ذكره ريحاً فتعم الأرض قماً، ثم يبعث الريح الثانية فتثير سحاباً فتجعله كسفاً، أي: قطعاً متفرقة، ثم يبعث الريح الثالثة فتؤلف بينه فتجعله ركاماً، ثم يبعث الرابعة فتمطر. * * ومعنى ﴿مِنْ خِلاَلِهِ﴾: من خلال الكسفة، لأن كل جمع بينه وبين واحده الهاء فالتذكير فيه حسن. وخلال جمع خلل. وقد قرأ الضحاك: "يَخْرُجُ مِنْ خَلَلِهِ". * * ثم قال تعالى: ﴿فَإِذَآ أَصَابَ بِهِ﴾ أي: بالمطر ﴿مَن يَشَآءُ﴾ أي: أرض من يشاء من عباده استبشروا وفرحوا. * * ثم قال تعالى: ﴿وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلِ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ﴾ أي: وإن هؤلاء الذين أصاب بالغيث أرضهم كانوا يئيسين من الخير قبل أن ينزل عليهم الغيث. * * وقوله: ﴿مِّن قَبْلِهِ﴾ تأكيد للأول عند الأخفش. وقال قطرب: التقدير: وإن كانوا من قبل التنزيل من قبل المطر. وقيل: التقدير من قبل تنزيل الغيث [من قبل رؤية السحاب. وقيل: المعنى وإن كانوا من قبل تنزيل الغيث] عليهم من قبل أن يزرعوا لمبلسين، ودل المطر على الرزع لأنه خرج بسبب المطر، ودل على ذلك أيضاً ﴿فَرَأَوْهُ مُصْفَرّاً﴾ يعني الزرع. * * ثم قال تعالى: ﴿فَٱنظُرْ إِلَىٰ آثَارِ رَحْمَتِ ٱللَّهِ﴾ أي: انظر يا محمد إلى أثر المطر في الأرض كيف حييت بعد موتها، وأنبتت بعد قحطها، واهتزت بعد جدبها، فكذلك يحيي الله الموتى بعد فنائهم. ومن قرأ "أَثَرِ رَحْمَةِ اللهِ" بالتوحيد رده على التوحيد في: "فَيُبْسِطُهُ"، و "يَجْعَلُهُ"، و "مِنْ خِلاَلِهِ"، "وَأَصَابَ بِهِ"، "وَمِنْ قَبْلِهِ". ومن قرأ بالجمع رده على الأسباب المتقدمة وهي: إرسال الله الريح، وإثارتها السحاب، وبسطه آياه في السماء، وجعله إياه كسفاً، وإخراجه الودق، فهذا كله آثار جليلة وليست بأثر واحد فجمع على ذلك. * * ثم قال: ﴿إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِ ٱلْمَوْتَىٰ﴾ أي: إن الذي يحيي هذه الأرض بعد موتها لمحيي الموتى بعد موتهم. ﴿وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ أي: لا يمتنع عليه فعل شيء أراده. والمضمر في "يحيي الأرض" يجوز أن يكون للمطر، ولله جل ذكره، وللأثر. وقرأ محمد اليماني "كَيْفَ تُحْيِي" بالتاء رده على الرحمة، أو على الآثار. ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحاً﴾ أي: ولئن أرسلنا ريحاً مفسدة لما أنبت الغيث فرأوا ما أنبت الغيث مصفراً قد فسد بتلك الريح. ﴿لَّظَلُّواْ مِن بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ﴾ أي: لصاروا من بعده فرحهم واستبشارهم بالغيث يكفرون، أي: يجحدون نعم الله، فالهاء في "رَأَوْهُ" للنبات من زرع وغيره. وقيل: الهاء للسحاب. وقيل: للريح. * * ثم قال تعالى: ﴿فَإِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ ٱلْمَوْتَىٰ﴾ الآية. أي: إنك يا محمد لا تقدر أن تسمع من مات قلبه، ولا من أصم الله أذنه عن سماع الإيمان وهو الكافر لأنه كالميت الأصم. وهذا مَثَلٌ [ضربه] الله للكفار. * * ثم قال تعالى: ﴿وَمَآ أَنتَ بِهَادِ ٱلْعُمْيِ عَن ضَلاَلَتِهِمْ﴾ الآية. أي: لست يا محمد تقدر أن تهدي من أعماه الله تعالى عن الهدى. ﴿إِن تُسْمِعُ إِلاَّ مَن يُؤْمِنُ﴾ أي: تسمع إلا من وفقه الله للإيمان، وقد تقدم تفسير الآيتين بأشبع من هذا في "الأنبياء".

الروم 30:52

قوله تعالى ذكره: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ ٱلْقِيِّمِ﴾ إلى قوله: ﴿فَهُمْ مُّسْلِمُونَ﴾. أي: اتبع يا محمد الدين الذي أمرك الله به فهو المستقيم. فالمعنى: أسلم على الدين القيم واعمل به أنت ومن اتبعك من قبل أن ينقطع وقت العمل بالموت وقيام الساعة. والخطاب للنبي ﷺ والمراد أمته. ﴿مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ مَرَدَّ لَهُ مِنَ ٱللَّهِ﴾ أي: لا بد من إتيانه وهو يوم القيامة. ﴿يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ﴾ أي: يتفرقون في ذلك اليوم، فريق في الجنة وفريق في السعير. يقال: تصدع القوم إذا تفرقوا، ومنه الصداع لأنه تفرق شعب الرأس. ثم قال تعالى ذكره: ﴿مَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ﴾ أي: إثم وزره. ﴿وَمَنْ عَمِلَ صَالِحاً﴾ أي: من آمن وأدى ما افترض الله عليه. ﴿فَلأَنفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ﴾ أي: فلأنفسهم يستعدون ويوطئون. قال مجاهد: يمهدون في القبر. * * ثم قال: ﴿لِيَجْزِيَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ مِن فَضْلِهِ﴾ أي: يومئذ يتفرقون ليجزي المؤمنين من فضله، أي: يتفرقون لهذا الأمر، فيخص بالجزاء المؤمنين خاصة لأنه لا يحب الكافرين. ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَن يُرْسِلَ ٱلرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ﴾ بالغيث. ﴿وَلِيُذِيقَكُمْ مِّن رَّحْمَتِهِ﴾ أي: ولينزل عليكم من رحمته، وهي الغيث الذي يحيي به البلاد. ﴿وَلِتَجْرِيَ ٱلْفُلْكُ بِأَمْرِهِ﴾ أي: السفن في البحر بأمره إياها. ﴿وَلِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ﴾ أي: تلتمسوا من رزقه الذي قسمه لكم في سفركم في البحر. ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ أي: تشكرون على هذه النعم. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ رُسُلاً إِلَىٰ قَوْمِهِمْ فَجَآءُوهُم بِٱلْبَيِّنَاتِ﴾ هذه الآية تسلية للنبي ﷺ إذ كذبه قريش، فأعلمه الله أنه قد أَرْسَل من قبله رسلاً إلى قومهم كما أرسله إلى قومه، وأن أولئك الرسل أَتَوْا أقوامهم بالبينات، أي: بالحجج الظاهرة كما جئت أنت يا محمد قومك بذلك. ﴿فَٱنتَقَمْنَا مِنَ ٱلَّذِينَ أَجْرَمُواْ﴾ في الكلام حذف والتقدير فكذبوا الرسل فانتقمنا من المكذبين، فكذلك نفعل بقومك يا محمد في تكذيبهم إياك. ﴿وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ ٱلْمُؤْمِنينَ﴾ أي: ونجينا المؤمنين إذ جاء بأسنا، وكذلك نفعل بك يا محمد ومن آمن بك. وقيل: المعنى: وكان حقاً علينا نصر المؤمنين على الكافرين، فكذلك ننصرك ومن آمن بك على الكافرين من قومك. وفي الحديث: "مَنْ رَدَّ عَلَى عِرْضِ صَاحِبِهِ رَدَّ الله عَنْهُ نَارَ جَهَنَّمَ ثُمَّ تَلَى رَسُولُ الله: "وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ المُؤمِنِينَ". والتمام عند نافع آخر واو. وقف بعض الكوفيين، "وَكَانَ حَقًّا" أي: فكان انتقامنا حقاً، ثم يبتدئ "عَلَيْنَا نَصْرُ المُؤمِنِينَ". نصر ابتداء، وخبره علينا. والوقف عند أبي حاتم: "نَصْرُ المُؤمِنِينَ". * * ثم قال تعالى: ﴿ٱللَّهُ ٱلَّذِي يُرْسِلُ ٱلرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَاباً﴾ أي: ينشئ الرياح سحاباً، ﴿فَيَبْسُطُهُ فِي ٱلسَّمَآءِ كَيْفَ يَشَآءُ﴾ ويجمعه. قال قتادة: يبسطه: يجمعه. * * ثم قال تعالى: ﴿وَيَجْعَلُهُ كِسَفاً﴾ أي: ويجعل الله السحاب في السماء قطعاً متفرقة، وهو جمع كسفة، وهي القطعة منه. ومن أسكن السين فمعناه: أنه يجعل السحاب قطعة واحدة ملتئمة. ويجوز أن يكون معناه كالأول على التخفيف. * * ثم قال تعالى: ﴿فَتَرَى ٱلْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلاَلِهِ﴾ أي: المطر يخرج من بين السحاب. قال عبيد بن عمير: الرياح أربع: يبعث الله جل ذكره ريحاً فتعم الأرض قماً، ثم يبعث الريح الثانية فتثير سحاباً فتجعله كسفاً، أي: قطعاً متفرقة، ثم يبعث الريح الثالثة فتؤلف بينه فتجعله ركاماً، ثم يبعث الرابعة فتمطر. * * ومعنى ﴿مِنْ خِلاَلِهِ﴾: من خلال الكسفة، لأن كل جمع بينه وبين واحده الهاء فالتذكير فيه حسن. وخلال جمع خلل. وقد قرأ الضحاك: "يَخْرُجُ مِنْ خَلَلِهِ". * * ثم قال تعالى: ﴿فَإِذَآ أَصَابَ بِهِ﴾ أي: بالمطر ﴿مَن يَشَآءُ﴾ أي: أرض من يشاء من عباده استبشروا وفرحوا. * * ثم قال تعالى: ﴿وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلِ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ﴾ أي: وإن هؤلاء الذين أصاب بالغيث أرضهم كانوا يئيسين من الخير قبل أن ينزل عليهم الغيث. * * وقوله: ﴿مِّن قَبْلِهِ﴾ تأكيد للأول عند الأخفش. وقال قطرب: التقدير: وإن كانوا من قبل التنزيل من قبل المطر. وقيل: التقدير من قبل تنزيل الغيث [من قبل رؤية السحاب. وقيل: المعنى وإن كانوا من قبل تنزيل الغيث] عليهم من قبل أن يزرعوا لمبلسين، ودل المطر على الرزع لأنه خرج بسبب المطر، ودل على ذلك أيضاً ﴿فَرَأَوْهُ مُصْفَرّاً﴾ يعني الزرع. * * ثم قال تعالى: ﴿فَٱنظُرْ إِلَىٰ آثَارِ رَحْمَتِ ٱللَّهِ﴾ أي: انظر يا محمد إلى أثر المطر في الأرض كيف حييت بعد موتها، وأنبتت بعد قحطها، واهتزت بعد جدبها، فكذلك يحيي الله الموتى بعد فنائهم. ومن قرأ "أَثَرِ رَحْمَةِ اللهِ" بالتوحيد رده على التوحيد في: "فَيُبْسِطُهُ"، و "يَجْعَلُهُ"، و "مِنْ خِلاَلِهِ"، "وَأَصَابَ بِهِ"، "وَمِنْ قَبْلِهِ". ومن قرأ بالجمع رده على الأسباب المتقدمة وهي: إرسال الله الريح، وإثارتها السحاب، وبسطه آياه في السماء، وجعله إياه كسفاً، وإخراجه الودق، فهذا كله آثار جليلة وليست بأثر واحد فجمع على ذلك. * * ثم قال: ﴿إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِ ٱلْمَوْتَىٰ﴾ أي: إن الذي يحيي هذه الأرض بعد موتها لمحيي الموتى بعد موتهم. ﴿وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ أي: لا يمتنع عليه فعل شيء أراده. والمضمر في "يحيي الأرض" يجوز أن يكون للمطر، ولله جل ذكره، وللأثر. وقرأ محمد اليماني "كَيْفَ تُحْيِي" بالتاء رده على الرحمة، أو على الآثار. ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحاً﴾ أي: ولئن أرسلنا ريحاً مفسدة لما أنبت الغيث فرأوا ما أنبت الغيث مصفراً قد فسد بتلك الريح. ﴿لَّظَلُّواْ مِن بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ﴾ أي: لصاروا من بعده فرحهم واستبشارهم بالغيث يكفرون، أي: يجحدون نعم الله، فالهاء في "رَأَوْهُ" للنبات من زرع وغيره. وقيل: الهاء للسحاب. وقيل: للريح. * * ثم قال تعالى: ﴿فَإِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ ٱلْمَوْتَىٰ﴾ الآية. أي: إنك يا محمد لا تقدر أن تسمع من مات قلبه، ولا من أصم الله أذنه عن سماع الإيمان وهو الكافر لأنه كالميت الأصم. وهذا مَثَلٌ [ضربه] الله للكفار. * * ثم قال تعالى: ﴿وَمَآ أَنتَ بِهَادِ ٱلْعُمْيِ عَن ضَلاَلَتِهِمْ﴾ الآية. أي: لست يا محمد تقدر أن تهدي من أعماه الله تعالى عن الهدى. ﴿إِن تُسْمِعُ إِلاَّ مَن يُؤْمِنُ﴾ أي: تسمع إلا من وفقه الله للإيمان، وقد تقدم تفسير الآيتين بأشبع من هذا في "الأنبياء".

الروم 30:53

قوله تعالى ذكره: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ ٱلْقِيِّمِ﴾ إلى قوله: ﴿فَهُمْ مُّسْلِمُونَ﴾. أي: اتبع يا محمد الدين الذي أمرك الله به فهو المستقيم. فالمعنى: أسلم على الدين القيم واعمل به أنت ومن اتبعك من قبل أن ينقطع وقت العمل بالموت وقيام الساعة. والخطاب للنبي ﷺ والمراد أمته. ﴿مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ مَرَدَّ لَهُ مِنَ ٱللَّهِ﴾ أي: لا بد من إتيانه وهو يوم القيامة. ﴿يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ﴾ أي: يتفرقون في ذلك اليوم، فريق في الجنة وفريق في السعير. يقال: تصدع القوم إذا تفرقوا، ومنه الصداع لأنه تفرق شعب الرأس. ثم قال تعالى ذكره: ﴿مَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ﴾ أي: إثم وزره. ﴿وَمَنْ عَمِلَ صَالِحاً﴾ أي: من آمن وأدى ما افترض الله عليه. ﴿فَلأَنفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ﴾ أي: فلأنفسهم يستعدون ويوطئون. قال مجاهد: يمهدون في القبر. * * ثم قال: ﴿لِيَجْزِيَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ مِن فَضْلِهِ﴾ أي: يومئذ يتفرقون ليجزي المؤمنين من فضله، أي: يتفرقون لهذا الأمر، فيخص بالجزاء المؤمنين خاصة لأنه لا يحب الكافرين. ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَن يُرْسِلَ ٱلرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ﴾ بالغيث. ﴿وَلِيُذِيقَكُمْ مِّن رَّحْمَتِهِ﴾ أي: ولينزل عليكم من رحمته، وهي الغيث الذي يحيي به البلاد. ﴿وَلِتَجْرِيَ ٱلْفُلْكُ بِأَمْرِهِ﴾ أي: السفن في البحر بأمره إياها. ﴿وَلِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ﴾ أي: تلتمسوا من رزقه الذي قسمه لكم في سفركم في البحر. ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ أي: تشكرون على هذه النعم. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ رُسُلاً إِلَىٰ قَوْمِهِمْ فَجَآءُوهُم بِٱلْبَيِّنَاتِ﴾ هذه الآية تسلية للنبي ﷺ إذ كذبه قريش، فأعلمه الله أنه قد أَرْسَل من قبله رسلاً إلى قومهم كما أرسله إلى قومه، وأن أولئك الرسل أَتَوْا أقوامهم بالبينات، أي: بالحجج الظاهرة كما جئت أنت يا محمد قومك بذلك. ﴿فَٱنتَقَمْنَا مِنَ ٱلَّذِينَ أَجْرَمُواْ﴾ في الكلام حذف والتقدير فكذبوا الرسل فانتقمنا من المكذبين، فكذلك نفعل بقومك يا محمد في تكذيبهم إياك. ﴿وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ ٱلْمُؤْمِنينَ﴾ أي: ونجينا المؤمنين إذ جاء بأسنا، وكذلك نفعل بك يا محمد ومن آمن بك. وقيل: المعنى: وكان حقاً علينا نصر المؤمنين على الكافرين، فكذلك ننصرك ومن آمن بك على الكافرين من قومك. وفي الحديث: "مَنْ رَدَّ عَلَى عِرْضِ صَاحِبِهِ رَدَّ الله عَنْهُ نَارَ جَهَنَّمَ ثُمَّ تَلَى رَسُولُ الله: "وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ المُؤمِنِينَ". والتمام عند نافع آخر واو. وقف بعض الكوفيين، "وَكَانَ حَقًّا" أي: فكان انتقامنا حقاً، ثم يبتدئ "عَلَيْنَا نَصْرُ المُؤمِنِينَ". نصر ابتداء، وخبره علينا. والوقف عند أبي حاتم: "نَصْرُ المُؤمِنِينَ". * * ثم قال تعالى: ﴿ٱللَّهُ ٱلَّذِي يُرْسِلُ ٱلرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَاباً﴾ أي: ينشئ الرياح سحاباً، ﴿فَيَبْسُطُهُ فِي ٱلسَّمَآءِ كَيْفَ يَشَآءُ﴾ ويجمعه. قال قتادة: يبسطه: يجمعه. * * ثم قال تعالى: ﴿وَيَجْعَلُهُ كِسَفاً﴾ أي: ويجعل الله السحاب في السماء قطعاً متفرقة، وهو جمع كسفة، وهي القطعة منه. ومن أسكن السين فمعناه: أنه يجعل السحاب قطعة واحدة ملتئمة. ويجوز أن يكون معناه كالأول على التخفيف. * * ثم قال تعالى: ﴿فَتَرَى ٱلْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلاَلِهِ﴾ أي: المطر يخرج من بين السحاب. قال عبيد بن عمير: الرياح أربع: يبعث الله جل ذكره ريحاً فتعم الأرض قماً، ثم يبعث الريح الثانية فتثير سحاباً فتجعله كسفاً، أي: قطعاً متفرقة، ثم يبعث الريح الثالثة فتؤلف بينه فتجعله ركاماً، ثم يبعث الرابعة فتمطر. * * ومعنى ﴿مِنْ خِلاَلِهِ﴾: من خلال الكسفة، لأن كل جمع بينه وبين واحده الهاء فالتذكير فيه حسن. وخلال جمع خلل. وقد قرأ الضحاك: "يَخْرُجُ مِنْ خَلَلِهِ". * * ثم قال تعالى: ﴿فَإِذَآ أَصَابَ بِهِ﴾ أي: بالمطر ﴿مَن يَشَآءُ﴾ أي: أرض من يشاء من عباده استبشروا وفرحوا. * * ثم قال تعالى: ﴿وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلِ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ﴾ أي: وإن هؤلاء الذين أصاب بالغيث أرضهم كانوا يئيسين من الخير قبل أن ينزل عليهم الغيث. * * وقوله: ﴿مِّن قَبْلِهِ﴾ تأكيد للأول عند الأخفش. وقال قطرب: التقدير: وإن كانوا من قبل التنزيل من قبل المطر. وقيل: التقدير من قبل تنزيل الغيث [من قبل رؤية السحاب. وقيل: المعنى وإن كانوا من قبل تنزيل الغيث] عليهم من قبل أن يزرعوا لمبلسين، ودل المطر على الرزع لأنه خرج بسبب المطر، ودل على ذلك أيضاً ﴿فَرَأَوْهُ مُصْفَرّاً﴾ يعني الزرع. * * ثم قال تعالى: ﴿فَٱنظُرْ إِلَىٰ آثَارِ رَحْمَتِ ٱللَّهِ﴾ أي: انظر يا محمد إلى أثر المطر في الأرض كيف حييت بعد موتها، وأنبتت بعد قحطها، واهتزت بعد جدبها، فكذلك يحيي الله الموتى بعد فنائهم. ومن قرأ "أَثَرِ رَحْمَةِ اللهِ" بالتوحيد رده على التوحيد في: "فَيُبْسِطُهُ"، و "يَجْعَلُهُ"، و "مِنْ خِلاَلِهِ"، "وَأَصَابَ بِهِ"، "وَمِنْ قَبْلِهِ". ومن قرأ بالجمع رده على الأسباب المتقدمة وهي: إرسال الله الريح، وإثارتها السحاب، وبسطه آياه في السماء، وجعله إياه كسفاً، وإخراجه الودق، فهذا كله آثار جليلة وليست بأثر واحد فجمع على ذلك. * * ثم قال: ﴿إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِ ٱلْمَوْتَىٰ﴾ أي: إن الذي يحيي هذه الأرض بعد موتها لمحيي الموتى بعد موتهم. ﴿وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ أي: لا يمتنع عليه فعل شيء أراده. والمضمر في "يحيي الأرض" يجوز أن يكون للمطر، ولله جل ذكره، وللأثر. وقرأ محمد اليماني "كَيْفَ تُحْيِي" بالتاء رده على الرحمة، أو على الآثار. ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحاً﴾ أي: ولئن أرسلنا ريحاً مفسدة لما أنبت الغيث فرأوا ما أنبت الغيث مصفراً قد فسد بتلك الريح. ﴿لَّظَلُّواْ مِن بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ﴾ أي: لصاروا من بعده فرحهم واستبشارهم بالغيث يكفرون، أي: يجحدون نعم الله، فالهاء في "رَأَوْهُ" للنبات من زرع وغيره. وقيل: الهاء للسحاب. وقيل: للريح. * * ثم قال تعالى: ﴿فَإِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ ٱلْمَوْتَىٰ﴾ الآية. أي: إنك يا محمد لا تقدر أن تسمع من مات قلبه، ولا من أصم الله أذنه عن سماع الإيمان وهو الكافر لأنه كالميت الأصم. وهذا مَثَلٌ [ضربه] الله للكفار. * * ثم قال تعالى: ﴿وَمَآ أَنتَ بِهَادِ ٱلْعُمْيِ عَن ضَلاَلَتِهِمْ﴾ الآية. أي: لست يا محمد تقدر أن تهدي من أعماه الله تعالى عن الهدى. ﴿إِن تُسْمِعُ إِلاَّ مَن يُؤْمِنُ﴾ أي: تسمع إلا من وفقه الله للإيمان، وقد تقدم تفسير الآيتين بأشبع من هذا في "الأنبياء".

الروم 30:54

قوله تعالى ذكره: ﴿ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ مِّن ضَعْفٍ﴾ إلى آخر السورة. هذه الآية احتجاج على من أنكر البعث، فتقرر عندهم أنه تعالى خلقهم من ضعف وهو النطفة، فجعلهم بشراً قوياً، ثم رد القوي إلى الضعف وهو الهرم والشيب، فمن فعل هذا يقدر على إحيائكم بعد موتكم. والضعف بالفتح: المصدر، والضعف بالضم الاسم. وروى عطية عن ابن عمر أنه قال: "قَرَأْتُ عَلَى النَّبِيّ ﷺ الَّذِي خَلَقَكُم مِنْ ضَعْفٍ" فقال لي: "مِنْ ضُعْفِ" وقرأ عيسى بن عمر "مِنْ ضُعُف" بضمتين . وأجاز الكوفيون ضَعَفٍ بفتح الضاد والعين لأجل حرف الحلق. * * ثم قال: ﴿يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ﴾. أي: يخترع ويحدث ما يشاء. ﴿وَهُوَ ٱلْعَلِيمُ﴾ أي: بخلقه، ﴿ٱلْقَدِيرُ﴾ أي: القادر عليهم. * * ثم قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ يُقْسِمُ ٱلْمُجْرِمُونَ﴾ أي: ويوم تجيئ ساعة البعث فيبعث الله الخلق، يحلف الكفار ما لبثوا في قبورهم غير ساعة واحدة. قال قتادة: لما عاينوا الآخرة هان عندهم ما لبثوا. ﴿كَذَلِكَ كَانُواْ يُؤْفَكُونَ﴾ أي: كما كذبوا في قولهم في الآخرة ما لبثنا في قبورنا غير ساعة، كذلك كانوا في الدنيا يكذبون، أي: يصرفون الصدق إلى الكذب. وقيل معنى ذلك: أن الكفار لا بد لهم من خمدة بين النفختين فلم يدروا مقدار ذلك فقالوا: ما لبثنا غير ساعة. وقيل معناه: ما لبثنا في الدنيا غير ساعة، هان عليهم مكثهم في الدنيا لانقطاعه وزواله، فادعوا أنهم ما لبثوا فيها غير ساعة. * * ثم قال تعالى: ﴿وَقَالَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ وَٱلإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ ٱللَّهِ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْبَعْثِ﴾. هذا رد من المؤمنين على الكفار يوم القيامة دعواهم أنهم ما لبثوا غير ساعة، تقديره عند قتادة: وقال الذين أوتوا العلم والإيمان في كتاب الله لقد لبثتم إلى يوم البعث. وقال ابن جريج: تقديره: وقال الذين أوتوا العلم بكتاب الله والإيمان بالله وبكتابه لقد لبثتم إلى يوم البعث. وقيل: المعنى على غير تقدير ولا تأخير، والتقدير: وقال الذين أعطاهم الله العلم به والإيمان لقد لبثتم في اللوح المحفوظ إلى يوم البعث، فهذا يوم البعث، أي: يوم يبعث الناس من قبورهم، ولكنكم كنتم لا تعلمون في الدنيا أنه يكون وأنكم تبعثون بعد الموت، ولذلك كذبتم به. وقيل: التقدير: لقد لبثتم في حكم الله وتقديره إلى يوم البعث. * * ثم قال تعالى: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لاَّ ينفَعُ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مَعْذِرَتُهُمْ﴾. أي: لا ينتفعون بعذر يعتذرون به من كفرهم وجحودهم ونفيهم للبعث. ﴿وَلاَ هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ﴾ أي: لا يقيمون في أنفسهم ولا يسترجعون. روي أنه لما رد المؤمنون عليهم سألوا الرجوع إلى الدنيا واعتذروا فلم يعذروا ولا استعتبوا. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ﴾ أي: مَثَّلْنَا للناس في القرآن من كل مثل يدلهم على الهدى احتجاجاً عليهم وتنبيهاً لهم. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَئِن جِئْتَهُمْ بِآيَةٍ﴾ أي: وإن جئتم يا محمد بدلالة على صدق ما تقول لهم. ﴿لَّيَقُولَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ﴾ أي: الذين جحدوا آيات الله ورسله. ﴿إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ مُبْطِلُونَ﴾ فيما جئتم به. * * ثم قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِ ٱلَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ﴾. أي: كتم الله على قلوب الذين لا يعلمون حقيقة ما تأتيهم به يا محمد من عند الله. ثم قال جل ذكره لنبيه ﷺ: ﴿فَٱصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ﴾. أي: اصبر على أذاهم وتكذيبهم إياك، إن وعد الله الذي وعدك من النصر عليهم والظفر بهم حق لا بد منه. ﴿وَلاَ يَسْتَخِفَّنَّكَ ٱلَّذِينَ لاَ يُوقِنُونَ﴾ أي: لا يستخفن حلمك هؤلاء المشركون بالله الذين لا يوقنون بالمَعَاد، ولا يصدقون بالبعث.

الروم 30:55

قوله تعالى ذكره: ﴿ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ مِّن ضَعْفٍ﴾ إلى آخر السورة. هذه الآية احتجاج على من أنكر البعث، فتقرر عندهم أنه تعالى خلقهم من ضعف وهو النطفة، فجعلهم بشراً قوياً، ثم رد القوي إلى الضعف وهو الهرم والشيب، فمن فعل هذا يقدر على إحيائكم بعد موتكم. والضعف بالفتح: المصدر، والضعف بالضم الاسم. وروى عطية عن ابن عمر أنه قال: "قَرَأْتُ عَلَى النَّبِيّ ﷺ الَّذِي خَلَقَكُم مِنْ ضَعْفٍ" فقال لي: "مِنْ ضُعْفِ" وقرأ عيسى بن عمر "مِنْ ضُعُف" بضمتين . وأجاز الكوفيون ضَعَفٍ بفتح الضاد والعين لأجل حرف الحلق. * * ثم قال: ﴿يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ﴾. أي: يخترع ويحدث ما يشاء. ﴿وَهُوَ ٱلْعَلِيمُ﴾ أي: بخلقه، ﴿ٱلْقَدِيرُ﴾ أي: القادر عليهم. * * ثم قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ يُقْسِمُ ٱلْمُجْرِمُونَ﴾ أي: ويوم تجيئ ساعة البعث فيبعث الله الخلق، يحلف الكفار ما لبثوا في قبورهم غير ساعة واحدة. قال قتادة: لما عاينوا الآخرة هان عندهم ما لبثوا. ﴿كَذَلِكَ كَانُواْ يُؤْفَكُونَ﴾ أي: كما كذبوا في قولهم في الآخرة ما لبثنا في قبورنا غير ساعة، كذلك كانوا في الدنيا يكذبون، أي: يصرفون الصدق إلى الكذب. وقيل معنى ذلك: أن الكفار لا بد لهم من خمدة بين النفختين فلم يدروا مقدار ذلك فقالوا: ما لبثنا غير ساعة. وقيل معناه: ما لبثنا في الدنيا غير ساعة، هان عليهم مكثهم في الدنيا لانقطاعه وزواله، فادعوا أنهم ما لبثوا فيها غير ساعة. * * ثم قال تعالى: ﴿وَقَالَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ وَٱلإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ ٱللَّهِ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْبَعْثِ﴾. هذا رد من المؤمنين على الكفار يوم القيامة دعواهم أنهم ما لبثوا غير ساعة، تقديره عند قتادة: وقال الذين أوتوا العلم والإيمان في كتاب الله لقد لبثتم إلى يوم البعث. وقال ابن جريج: تقديره: وقال الذين أوتوا العلم بكتاب الله والإيمان بالله وبكتابه لقد لبثتم إلى يوم البعث. وقيل: المعنى على غير تقدير ولا تأخير، والتقدير: وقال الذين أعطاهم الله العلم به والإيمان لقد لبثتم في اللوح المحفوظ إلى يوم البعث، فهذا يوم البعث، أي: يوم يبعث الناس من قبورهم، ولكنكم كنتم لا تعلمون في الدنيا أنه يكون وأنكم تبعثون بعد الموت، ولذلك كذبتم به. وقيل: التقدير: لقد لبثتم في حكم الله وتقديره إلى يوم البعث. * * ثم قال تعالى: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لاَّ ينفَعُ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مَعْذِرَتُهُمْ﴾. أي: لا ينتفعون بعذر يعتذرون به من كفرهم وجحودهم ونفيهم للبعث. ﴿وَلاَ هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ﴾ أي: لا يقيمون في أنفسهم ولا يسترجعون. روي أنه لما رد المؤمنون عليهم سألوا الرجوع إلى الدنيا واعتذروا فلم يعذروا ولا استعتبوا. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ﴾ أي: مَثَّلْنَا للناس في القرآن من كل مثل يدلهم على الهدى احتجاجاً عليهم وتنبيهاً لهم. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَئِن جِئْتَهُمْ بِآيَةٍ﴾ أي: وإن جئتم يا محمد بدلالة على صدق ما تقول لهم. ﴿لَّيَقُولَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ﴾ أي: الذين جحدوا آيات الله ورسله. ﴿إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ مُبْطِلُونَ﴾ فيما جئتم به. * * ثم قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِ ٱلَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ﴾. أي: كتم الله على قلوب الذين لا يعلمون حقيقة ما تأتيهم به يا محمد من عند الله. ثم قال جل ذكره لنبيه ﷺ: ﴿فَٱصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ﴾. أي: اصبر على أذاهم وتكذيبهم إياك، إن وعد الله الذي وعدك من النصر عليهم والظفر بهم حق لا بد منه. ﴿وَلاَ يَسْتَخِفَّنَّكَ ٱلَّذِينَ لاَ يُوقِنُونَ﴾ أي: لا يستخفن حلمك هؤلاء المشركون بالله الذين لا يوقنون بالمَعَاد، ولا يصدقون بالبعث.

الروم 30:56

قوله تعالى ذكره: ﴿ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ مِّن ضَعْفٍ﴾ إلى آخر السورة. هذه الآية احتجاج على من أنكر البعث، فتقرر عندهم أنه تعالى خلقهم من ضعف وهو النطفة، فجعلهم بشراً قوياً، ثم رد القوي إلى الضعف وهو الهرم والشيب، فمن فعل هذا يقدر على إحيائكم بعد موتكم. والضعف بالفتح: المصدر، والضعف بالضم الاسم. وروى عطية عن ابن عمر أنه قال: "قَرَأْتُ عَلَى النَّبِيّ ﷺ الَّذِي خَلَقَكُم مِنْ ضَعْفٍ" فقال لي: "مِنْ ضُعْفِ" وقرأ عيسى بن عمر "مِنْ ضُعُف" بضمتين . وأجاز الكوفيون ضَعَفٍ بفتح الضاد والعين لأجل حرف الحلق. * * ثم قال: ﴿يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ﴾. أي: يخترع ويحدث ما يشاء. ﴿وَهُوَ ٱلْعَلِيمُ﴾ أي: بخلقه، ﴿ٱلْقَدِيرُ﴾ أي: القادر عليهم. * * ثم قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ يُقْسِمُ ٱلْمُجْرِمُونَ﴾ أي: ويوم تجيئ ساعة البعث فيبعث الله الخلق، يحلف الكفار ما لبثوا في قبورهم غير ساعة واحدة. قال قتادة: لما عاينوا الآخرة هان عندهم ما لبثوا. ﴿كَذَلِكَ كَانُواْ يُؤْفَكُونَ﴾ أي: كما كذبوا في قولهم في الآخرة ما لبثنا في قبورنا غير ساعة، كذلك كانوا في الدنيا يكذبون، أي: يصرفون الصدق إلى الكذب. وقيل معنى ذلك: أن الكفار لا بد لهم من خمدة بين النفختين فلم يدروا مقدار ذلك فقالوا: ما لبثنا غير ساعة. وقيل معناه: ما لبثنا في الدنيا غير ساعة، هان عليهم مكثهم في الدنيا لانقطاعه وزواله، فادعوا أنهم ما لبثوا فيها غير ساعة. * * ثم قال تعالى: ﴿وَقَالَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ وَٱلإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ ٱللَّهِ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْبَعْثِ﴾. هذا رد من المؤمنين على الكفار يوم القيامة دعواهم أنهم ما لبثوا غير ساعة، تقديره عند قتادة: وقال الذين أوتوا العلم والإيمان في كتاب الله لقد لبثتم إلى يوم البعث. وقال ابن جريج: تقديره: وقال الذين أوتوا العلم بكتاب الله والإيمان بالله وبكتابه لقد لبثتم إلى يوم البعث. وقيل: المعنى على غير تقدير ولا تأخير، والتقدير: وقال الذين أعطاهم الله العلم به والإيمان لقد لبثتم في اللوح المحفوظ إلى يوم البعث، فهذا يوم البعث، أي: يوم يبعث الناس من قبورهم، ولكنكم كنتم لا تعلمون في الدنيا أنه يكون وأنكم تبعثون بعد الموت، ولذلك كذبتم به. وقيل: التقدير: لقد لبثتم في حكم الله وتقديره إلى يوم البعث. * * ثم قال تعالى: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لاَّ ينفَعُ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مَعْذِرَتُهُمْ﴾. أي: لا ينتفعون بعذر يعتذرون به من كفرهم وجحودهم ونفيهم للبعث. ﴿وَلاَ هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ﴾ أي: لا يقيمون في أنفسهم ولا يسترجعون. روي أنه لما رد المؤمنون عليهم سألوا الرجوع إلى الدنيا واعتذروا فلم يعذروا ولا استعتبوا. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ﴾ أي: مَثَّلْنَا للناس في القرآن من كل مثل يدلهم على الهدى احتجاجاً عليهم وتنبيهاً لهم. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَئِن جِئْتَهُمْ بِآيَةٍ﴾ أي: وإن جئتم يا محمد بدلالة على صدق ما تقول لهم. ﴿لَّيَقُولَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ﴾ أي: الذين جحدوا آيات الله ورسله. ﴿إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ مُبْطِلُونَ﴾ فيما جئتم به. * * ثم قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِ ٱلَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ﴾. أي: كتم الله على قلوب الذين لا يعلمون حقيقة ما تأتيهم به يا محمد من عند الله. ثم قال جل ذكره لنبيه ﷺ: ﴿فَٱصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ﴾. أي: اصبر على أذاهم وتكذيبهم إياك، إن وعد الله الذي وعدك من النصر عليهم والظفر بهم حق لا بد منه. ﴿وَلاَ يَسْتَخِفَّنَّكَ ٱلَّذِينَ لاَ يُوقِنُونَ﴾ أي: لا يستخفن حلمك هؤلاء المشركون بالله الذين لا يوقنون بالمَعَاد، ولا يصدقون بالبعث.

الروم 30:57

قوله تعالى ذكره: ﴿ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ مِّن ضَعْفٍ﴾ إلى آخر السورة. هذه الآية احتجاج على من أنكر البعث، فتقرر عندهم أنه تعالى خلقهم من ضعف وهو النطفة، فجعلهم بشراً قوياً، ثم رد القوي إلى الضعف وهو الهرم والشيب، فمن فعل هذا يقدر على إحيائكم بعد موتكم. والضعف بالفتح: المصدر، والضعف بالضم الاسم. وروى عطية عن ابن عمر أنه قال: "قَرَأْتُ عَلَى النَّبِيّ ﷺ الَّذِي خَلَقَكُم مِنْ ضَعْفٍ" فقال لي: "مِنْ ضُعْفِ" وقرأ عيسى بن عمر "مِنْ ضُعُف" بضمتين . وأجاز الكوفيون ضَعَفٍ بفتح الضاد والعين لأجل حرف الحلق. * * ثم قال: ﴿يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ﴾. أي: يخترع ويحدث ما يشاء. ﴿وَهُوَ ٱلْعَلِيمُ﴾ أي: بخلقه، ﴿ٱلْقَدِيرُ﴾ أي: القادر عليهم. * * ثم قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ يُقْسِمُ ٱلْمُجْرِمُونَ﴾ أي: ويوم تجيئ ساعة البعث فيبعث الله الخلق، يحلف الكفار ما لبثوا في قبورهم غير ساعة واحدة. قال قتادة: لما عاينوا الآخرة هان عندهم ما لبثوا. ﴿كَذَلِكَ كَانُواْ يُؤْفَكُونَ﴾ أي: كما كذبوا في قولهم في الآخرة ما لبثنا في قبورنا غير ساعة، كذلك كانوا في الدنيا يكذبون، أي: يصرفون الصدق إلى الكذب. وقيل معنى ذلك: أن الكفار لا بد لهم من خمدة بين النفختين فلم يدروا مقدار ذلك فقالوا: ما لبثنا غير ساعة. وقيل معناه: ما لبثنا في الدنيا غير ساعة، هان عليهم مكثهم في الدنيا لانقطاعه وزواله، فادعوا أنهم ما لبثوا فيها غير ساعة. * * ثم قال تعالى: ﴿وَقَالَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ وَٱلإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ ٱللَّهِ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْبَعْثِ﴾. هذا رد من المؤمنين على الكفار يوم القيامة دعواهم أنهم ما لبثوا غير ساعة، تقديره عند قتادة: وقال الذين أوتوا العلم والإيمان في كتاب الله لقد لبثتم إلى يوم البعث. وقال ابن جريج: تقديره: وقال الذين أوتوا العلم بكتاب الله والإيمان بالله وبكتابه لقد لبثتم إلى يوم البعث. وقيل: المعنى على غير تقدير ولا تأخير، والتقدير: وقال الذين أعطاهم الله العلم به والإيمان لقد لبثتم في اللوح المحفوظ إلى يوم البعث، فهذا يوم البعث، أي: يوم يبعث الناس من قبورهم، ولكنكم كنتم لا تعلمون في الدنيا أنه يكون وأنكم تبعثون بعد الموت، ولذلك كذبتم به. وقيل: التقدير: لقد لبثتم في حكم الله وتقديره إلى يوم البعث. * * ثم قال تعالى: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لاَّ ينفَعُ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مَعْذِرَتُهُمْ﴾. أي: لا ينتفعون بعذر يعتذرون به من كفرهم وجحودهم ونفيهم للبعث. ﴿وَلاَ هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ﴾ أي: لا يقيمون في أنفسهم ولا يسترجعون. روي أنه لما رد المؤمنون عليهم سألوا الرجوع إلى الدنيا واعتذروا فلم يعذروا ولا استعتبوا. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ﴾ أي: مَثَّلْنَا للناس في القرآن من كل مثل يدلهم على الهدى احتجاجاً عليهم وتنبيهاً لهم. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَئِن جِئْتَهُمْ بِآيَةٍ﴾ أي: وإن جئتم يا محمد بدلالة على صدق ما تقول لهم. ﴿لَّيَقُولَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ﴾ أي: الذين جحدوا آيات الله ورسله. ﴿إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ مُبْطِلُونَ﴾ فيما جئتم به. * * ثم قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِ ٱلَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ﴾. أي: كتم الله على قلوب الذين لا يعلمون حقيقة ما تأتيهم به يا محمد من عند الله. ثم قال جل ذكره لنبيه ﷺ: ﴿فَٱصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ﴾. أي: اصبر على أذاهم وتكذيبهم إياك، إن وعد الله الذي وعدك من النصر عليهم والظفر بهم حق لا بد منه. ﴿وَلاَ يَسْتَخِفَّنَّكَ ٱلَّذِينَ لاَ يُوقِنُونَ﴾ أي: لا يستخفن حلمك هؤلاء المشركون بالله الذين لا يوقنون بالمَعَاد، ولا يصدقون بالبعث.

الروم 30:58

قوله تعالى ذكره: ﴿ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ مِّن ضَعْفٍ﴾ إلى آخر السورة. هذه الآية احتجاج على من أنكر البعث، فتقرر عندهم أنه تعالى خلقهم من ضعف وهو النطفة، فجعلهم بشراً قوياً، ثم رد القوي إلى الضعف وهو الهرم والشيب، فمن فعل هذا يقدر على إحيائكم بعد موتكم. والضعف بالفتح: المصدر، والضعف بالضم الاسم. وروى عطية عن ابن عمر أنه قال: "قَرَأْتُ عَلَى النَّبِيّ ﷺ الَّذِي خَلَقَكُم مِنْ ضَعْفٍ" فقال لي: "مِنْ ضُعْفِ" وقرأ عيسى بن عمر "مِنْ ضُعُف" بضمتين . وأجاز الكوفيون ضَعَفٍ بفتح الضاد والعين لأجل حرف الحلق. * * ثم قال: ﴿يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ﴾. أي: يخترع ويحدث ما يشاء. ﴿وَهُوَ ٱلْعَلِيمُ﴾ أي: بخلقه، ﴿ٱلْقَدِيرُ﴾ أي: القادر عليهم. * * ثم قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ يُقْسِمُ ٱلْمُجْرِمُونَ﴾ أي: ويوم تجيئ ساعة البعث فيبعث الله الخلق، يحلف الكفار ما لبثوا في قبورهم غير ساعة واحدة. قال قتادة: لما عاينوا الآخرة هان عندهم ما لبثوا. ﴿كَذَلِكَ كَانُواْ يُؤْفَكُونَ﴾ أي: كما كذبوا في قولهم في الآخرة ما لبثنا في قبورنا غير ساعة، كذلك كانوا في الدنيا يكذبون، أي: يصرفون الصدق إلى الكذب. وقيل معنى ذلك: أن الكفار لا بد لهم من خمدة بين النفختين فلم يدروا مقدار ذلك فقالوا: ما لبثنا غير ساعة. وقيل معناه: ما لبثنا في الدنيا غير ساعة، هان عليهم مكثهم في الدنيا لانقطاعه وزواله، فادعوا أنهم ما لبثوا فيها غير ساعة. * * ثم قال تعالى: ﴿وَقَالَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ وَٱلإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ ٱللَّهِ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْبَعْثِ﴾. هذا رد من المؤمنين على الكفار يوم القيامة دعواهم أنهم ما لبثوا غير ساعة، تقديره عند قتادة: وقال الذين أوتوا العلم والإيمان في كتاب الله لقد لبثتم إلى يوم البعث. وقال ابن جريج: تقديره: وقال الذين أوتوا العلم بكتاب الله والإيمان بالله وبكتابه لقد لبثتم إلى يوم البعث. وقيل: المعنى على غير تقدير ولا تأخير، والتقدير: وقال الذين أعطاهم الله العلم به والإيمان لقد لبثتم في اللوح المحفوظ إلى يوم البعث، فهذا يوم البعث، أي: يوم يبعث الناس من قبورهم، ولكنكم كنتم لا تعلمون في الدنيا أنه يكون وأنكم تبعثون بعد الموت، ولذلك كذبتم به. وقيل: التقدير: لقد لبثتم في حكم الله وتقديره إلى يوم البعث. * * ثم قال تعالى: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لاَّ ينفَعُ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مَعْذِرَتُهُمْ﴾. أي: لا ينتفعون بعذر يعتذرون به من كفرهم وجحودهم ونفيهم للبعث. ﴿وَلاَ هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ﴾ أي: لا يقيمون في أنفسهم ولا يسترجعون. روي أنه لما رد المؤمنون عليهم سألوا الرجوع إلى الدنيا واعتذروا فلم يعذروا ولا استعتبوا. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ﴾ أي: مَثَّلْنَا للناس في القرآن من كل مثل يدلهم على الهدى احتجاجاً عليهم وتنبيهاً لهم. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَئِن جِئْتَهُمْ بِآيَةٍ﴾ أي: وإن جئتم يا محمد بدلالة على صدق ما تقول لهم. ﴿لَّيَقُولَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ﴾ أي: الذين جحدوا آيات الله ورسله. ﴿إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ مُبْطِلُونَ﴾ فيما جئتم به. * * ثم قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِ ٱلَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ﴾. أي: كتم الله على قلوب الذين لا يعلمون حقيقة ما تأتيهم به يا محمد من عند الله. ثم قال جل ذكره لنبيه ﷺ: ﴿فَٱصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ﴾. أي: اصبر على أذاهم وتكذيبهم إياك، إن وعد الله الذي وعدك من النصر عليهم والظفر بهم حق لا بد منه. ﴿وَلاَ يَسْتَخِفَّنَّكَ ٱلَّذِينَ لاَ يُوقِنُونَ﴾ أي: لا يستخفن حلمك هؤلاء المشركون بالله الذين لا يوقنون بالمَعَاد، ولا يصدقون بالبعث.

الروم 30:59

قوله تعالى ذكره: ﴿ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ مِّن ضَعْفٍ﴾ إلى آخر السورة. هذه الآية احتجاج على من أنكر البعث، فتقرر عندهم أنه تعالى خلقهم من ضعف وهو النطفة، فجعلهم بشراً قوياً، ثم رد القوي إلى الضعف وهو الهرم والشيب، فمن فعل هذا يقدر على إحيائكم بعد موتكم. والضعف بالفتح: المصدر، والضعف بالضم الاسم. وروى عطية عن ابن عمر أنه قال: "قَرَأْتُ عَلَى النَّبِيّ ﷺ الَّذِي خَلَقَكُم مِنْ ضَعْفٍ" فقال لي: "مِنْ ضُعْفِ" وقرأ عيسى بن عمر "مِنْ ضُعُف" بضمتين . وأجاز الكوفيون ضَعَفٍ بفتح الضاد والعين لأجل حرف الحلق. * * ثم قال: ﴿يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ﴾. أي: يخترع ويحدث ما يشاء. ﴿وَهُوَ ٱلْعَلِيمُ﴾ أي: بخلقه، ﴿ٱلْقَدِيرُ﴾ أي: القادر عليهم. * * ثم قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ يُقْسِمُ ٱلْمُجْرِمُونَ﴾ أي: ويوم تجيئ ساعة البعث فيبعث الله الخلق، يحلف الكفار ما لبثوا في قبورهم غير ساعة واحدة. قال قتادة: لما عاينوا الآخرة هان عندهم ما لبثوا. ﴿كَذَلِكَ كَانُواْ يُؤْفَكُونَ﴾ أي: كما كذبوا في قولهم في الآخرة ما لبثنا في قبورنا غير ساعة، كذلك كانوا في الدنيا يكذبون، أي: يصرفون الصدق إلى الكذب. وقيل معنى ذلك: أن الكفار لا بد لهم من خمدة بين النفختين فلم يدروا مقدار ذلك فقالوا: ما لبثنا غير ساعة. وقيل معناه: ما لبثنا في الدنيا غير ساعة، هان عليهم مكثهم في الدنيا لانقطاعه وزواله، فادعوا أنهم ما لبثوا فيها غير ساعة. * * ثم قال تعالى: ﴿وَقَالَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ وَٱلإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ ٱللَّهِ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْبَعْثِ﴾. هذا رد من المؤمنين على الكفار يوم القيامة دعواهم أنهم ما لبثوا غير ساعة، تقديره عند قتادة: وقال الذين أوتوا العلم والإيمان في كتاب الله لقد لبثتم إلى يوم البعث. وقال ابن جريج: تقديره: وقال الذين أوتوا العلم بكتاب الله والإيمان بالله وبكتابه لقد لبثتم إلى يوم البعث. وقيل: المعنى على غير تقدير ولا تأخير، والتقدير: وقال الذين أعطاهم الله العلم به والإيمان لقد لبثتم في اللوح المحفوظ إلى يوم البعث، فهذا يوم البعث، أي: يوم يبعث الناس من قبورهم، ولكنكم كنتم لا تعلمون في الدنيا أنه يكون وأنكم تبعثون بعد الموت، ولذلك كذبتم به. وقيل: التقدير: لقد لبثتم في حكم الله وتقديره إلى يوم البعث. * * ثم قال تعالى: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لاَّ ينفَعُ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مَعْذِرَتُهُمْ﴾. أي: لا ينتفعون بعذر يعتذرون به من كفرهم وجحودهم ونفيهم للبعث. ﴿وَلاَ هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ﴾ أي: لا يقيمون في أنفسهم ولا يسترجعون. روي أنه لما رد المؤمنون عليهم سألوا الرجوع إلى الدنيا واعتذروا فلم يعذروا ولا استعتبوا. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ﴾ أي: مَثَّلْنَا للناس في القرآن من كل مثل يدلهم على الهدى احتجاجاً عليهم وتنبيهاً لهم. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَئِن جِئْتَهُمْ بِآيَةٍ﴾ أي: وإن جئتم يا محمد بدلالة على صدق ما تقول لهم. ﴿لَّيَقُولَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ﴾ أي: الذين جحدوا آيات الله ورسله. ﴿إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ مُبْطِلُونَ﴾ فيما جئتم به. * * ثم قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِ ٱلَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ﴾. أي: كتم الله على قلوب الذين لا يعلمون حقيقة ما تأتيهم به يا محمد من عند الله. ثم قال جل ذكره لنبيه ﷺ: ﴿فَٱصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ﴾. أي: اصبر على أذاهم وتكذيبهم إياك، إن وعد الله الذي وعدك من النصر عليهم والظفر بهم حق لا بد منه. ﴿وَلاَ يَسْتَخِفَّنَّكَ ٱلَّذِينَ لاَ يُوقِنُونَ﴾ أي: لا يستخفن حلمك هؤلاء المشركون بالله الذين لا يوقنون بالمَعَاد، ولا يصدقون بالبعث.

الروم 30:60

قوله تعالى ذكره: ﴿ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ مِّن ضَعْفٍ﴾ إلى آخر السورة. هذه الآية احتجاج على من أنكر البعث، فتقرر عندهم أنه تعالى خلقهم من ضعف وهو النطفة، فجعلهم بشراً قوياً، ثم رد القوي إلى الضعف وهو الهرم والشيب، فمن فعل هذا يقدر على إحيائكم بعد موتكم. والضعف بالفتح: المصدر، والضعف بالضم الاسم. وروى عطية عن ابن عمر أنه قال: "قَرَأْتُ عَلَى النَّبِيّ ﷺ الَّذِي خَلَقَكُم مِنْ ضَعْفٍ" فقال لي: "مِنْ ضُعْفِ" وقرأ عيسى بن عمر "مِنْ ضُعُف" بضمتين . وأجاز الكوفيون ضَعَفٍ بفتح الضاد والعين لأجل حرف الحلق. * * ثم قال: ﴿يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ﴾. أي: يخترع ويحدث ما يشاء. ﴿وَهُوَ ٱلْعَلِيمُ﴾ أي: بخلقه، ﴿ٱلْقَدِيرُ﴾ أي: القادر عليهم. * * ثم قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ يُقْسِمُ ٱلْمُجْرِمُونَ﴾ أي: ويوم تجيئ ساعة البعث فيبعث الله الخلق، يحلف الكفار ما لبثوا في قبورهم غير ساعة واحدة. قال قتادة: لما عاينوا الآخرة هان عندهم ما لبثوا. ﴿كَذَلِكَ كَانُواْ يُؤْفَكُونَ﴾ أي: كما كذبوا في قولهم في الآخرة ما لبثنا في قبورنا غير ساعة، كذلك كانوا في الدنيا يكذبون، أي: يصرفون الصدق إلى الكذب. وقيل معنى ذلك: أن الكفار لا بد لهم من خمدة بين النفختين فلم يدروا مقدار ذلك فقالوا: ما لبثنا غير ساعة. وقيل معناه: ما لبثنا في الدنيا غير ساعة، هان عليهم مكثهم في الدنيا لانقطاعه وزواله، فادعوا أنهم ما لبثوا فيها غير ساعة. * * ثم قال تعالى: ﴿وَقَالَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ وَٱلإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ ٱللَّهِ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْبَعْثِ﴾. هذا رد من المؤمنين على الكفار يوم القيامة دعواهم أنهم ما لبثوا غير ساعة، تقديره عند قتادة: وقال الذين أوتوا العلم والإيمان في كتاب الله لقد لبثتم إلى يوم البعث. وقال ابن جريج: تقديره: وقال الذين أوتوا العلم بكتاب الله والإيمان بالله وبكتابه لقد لبثتم إلى يوم البعث. وقيل: المعنى على غير تقدير ولا تأخير، والتقدير: وقال الذين أعطاهم الله العلم به والإيمان لقد لبثتم في اللوح المحفوظ إلى يوم البعث، فهذا يوم البعث، أي: يوم يبعث الناس من قبورهم، ولكنكم كنتم لا تعلمون في الدنيا أنه يكون وأنكم تبعثون بعد الموت، ولذلك كذبتم به. وقيل: التقدير: لقد لبثتم في حكم الله وتقديره إلى يوم البعث. * * ثم قال تعالى: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لاَّ ينفَعُ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مَعْذِرَتُهُمْ﴾. أي: لا ينتفعون بعذر يعتذرون به من كفرهم وجحودهم ونفيهم للبعث. ﴿وَلاَ هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ﴾ أي: لا يقيمون في أنفسهم ولا يسترجعون. روي أنه لما رد المؤمنون عليهم سألوا الرجوع إلى الدنيا واعتذروا فلم يعذروا ولا استعتبوا. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ﴾ أي: مَثَّلْنَا للناس في القرآن من كل مثل يدلهم على الهدى احتجاجاً عليهم وتنبيهاً لهم. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَئِن جِئْتَهُمْ بِآيَةٍ﴾ أي: وإن جئتم يا محمد بدلالة على صدق ما تقول لهم. ﴿لَّيَقُولَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ﴾ أي: الذين جحدوا آيات الله ورسله. ﴿إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ مُبْطِلُونَ﴾ فيما جئتم به. * * ثم قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِ ٱلَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ﴾. أي: كتم الله على قلوب الذين لا يعلمون حقيقة ما تأتيهم به يا محمد من عند الله. ثم قال جل ذكره لنبيه ﷺ: ﴿فَٱصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ﴾. أي: اصبر على أذاهم وتكذيبهم إياك، إن وعد الله الذي وعدك من النصر عليهم والظفر بهم حق لا بد منه. ﴿وَلاَ يَسْتَخِفَّنَّكَ ٱلَّذِينَ لاَ يُوقِنُونَ﴾ أي: لا يستخفن حلمك هؤلاء المشركون بالله الذين لا يوقنون بالمَعَاد، ولا يصدقون بالبعث.

لقمان 31:1

قوله تعالى ذكره: ﴿الۤـمۤ * تِلْكَ آيَاتُ ٱلْكِتَابِ ٱلْحَكِيمِ﴾ إلى قوله: ﴿عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾. أي: هذه الآيات آيات الكتاب المحكم هادياً وراحماً الله به من آمن بالله وكتبه ورسله. وإن رفعت "رحمة". فالتقدير هو هدى ورحمة لمن أحسن لنفسه فآمن بالله وكتبه ورسله. * * ثم قال: ﴿ٱلَّذِينَ يُقِيمُونَ ٱلصَّلاَةَ﴾ أي: يقيمونها بحدودها في أوقاتها. ﴿وَيُؤْتُونَ ٱلزَّكَاةَ﴾ أي: التي افترض الله عليهم. ﴿وَهُمْ بِٱلآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ أي: يصدقون بالبعث بعد الموت والجزاء. * * ثم قال تعالى: ﴿أُوْلَـٰئِكَ عَلَىٰ هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ﴾ أي: على إيمان. ﴿وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ﴾ أي: الباقون في النعيم الفائزون. ثم قال جل ذكره: ﴿وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ ٱلْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾. قال قتادة: معناه: من يختاره ويستحسنه يعني الغناء. وروي عنه أنه قال: لعله لا ينفق فيه مالاً ولكن اشتراؤه استحبابه. وكذلك قال مطرف. وقال ابن مسعود في الآية: "الغِنَاءُ والله الذِي لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ، يُرَدِّدُهَا ثَلاَثَ مَرَّاتٍ". "والغِنَاءُ يُنْبِتُ فِي الْقَلْبِ النِّفَاق". وقال ابن عباس: "هُوَ الرَّجُلُ يَشْتَرِي الجَارِيَّةَ المُغَنِّيَة تُغَنِّيهِ لَيْلاً وَنَهاراً". وروى أبو أمامة عن النبي ﷺ أنه قال: "لاَ يَحِلُّ بَيْعُ المُغَنِّيَاتِ وَلاَ شِرَاؤُهُنَّ وَلاَ التِّجَارَةُ بِِهِنَّ وَلاَ أَثْمَانُهُنَّ، وَفِيهِنَّ نَزَلَتْ هَذِهِ الآية "وَمِنَ النَّاسِ..." روى أنس بن مالك أن النبي ﷺ قال: "مَنْ جَلَسَ إِلَى قَيْنَةٍ يَسْتَمِعُ مِنْهَا صُبَّ فِي أُذُنَيْهِ الآنُكُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وروى مالك عن ابن المنكدر أنه قال: "إِنَّ اللهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَقُولُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: "أَيْنَ الذِينَ كَانُوا يُنَزِّهُونَ أَسْمَاعُهُمْ وَأَنْفُسَهُمْ عَنِ اللَّهْوِ وَمَزَامِيرِ الشَّيْطَانِ، أَدْخِلُوهُمْ فِي رِيَّاضِ المِسْكِ. ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلاَئِكَةِ: أَسْمِعُوهُمْ حَمْدِي وَثَنَاءً عَلَي وَأَخْبِرُوهُمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ" روت عائشة رضي الله عنها أن النبي ﷺ قال: "مَنْ مَاتَ وَعِنْدَهُ جَارِيَةٌ مُغَنِّيَةٌ فَلاَ تُصَلُّوا عَلَيْهِ"رواه مكحول عنها. وقال ابن عمر: هو الغناء، وكذلك قال عكرمة ومكحول وغيرهم. والتقدير على هذا: ومن الناس من يشتري ذات لهو أو ذا لهو. وعن الضحاك: إن لهو الحديث: الشرك. ورواه عنه جويبر أنه قال: الغناءُ مَهْلَكَةٌ للمال مَسْخَطَةٌ للرب مَعْمَاة للقلب. وسئل القاسم بن محمد عنه فقال: الغناء باطل، والباطل في النار. وقال معمر: هذه الآية نزلت في النضر بن الحارث كان يشتري الكتب التي فيها أخبار فارس والروم، ويقول: محمد يحدثكم عن عاد وثمود وأنا أحدثكم عن فارس والروم، ويستهزئ بالقرآن إذا سمعه. وروى ابن جريج عن مجاهد في لهو الحديث: أنه الطبل. * * ثم قال: ﴿لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ﴾ أي: عن دين الله، وما يقرب إليه. وقال ابن عباس: عن القرآن وَذِكْرِ الله، وهو رجل من قريش اشترى جارية مغنية. * * وقوله: ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ أي: جعلا منه بأمر الله فعل ذلك. * * ثم قال: ﴿وَيَتَّخِذَهَا هُزُواً﴾ أي: ويتخذ سبيل الله هزؤاً. قاله مجاهد. وقال قتادة: ويتخذ الآيات هُزُؤاً. ﴿أُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾ أي: في الآخرة.

لقمان 31:2

قوله تعالى ذكره: ﴿الۤـمۤ * تِلْكَ آيَاتُ ٱلْكِتَابِ ٱلْحَكِيمِ﴾ إلى قوله: ﴿عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾. أي: هذه الآيات آيات الكتاب المحكم هادياً وراحماً الله به من آمن بالله وكتبه ورسله. وإن رفعت "رحمة". فالتقدير هو هدى ورحمة لمن أحسن لنفسه فآمن بالله وكتبه ورسله. * * ثم قال: ﴿ٱلَّذِينَ يُقِيمُونَ ٱلصَّلاَةَ﴾ أي: يقيمونها بحدودها في أوقاتها. ﴿وَيُؤْتُونَ ٱلزَّكَاةَ﴾ أي: التي افترض الله عليهم. ﴿وَهُمْ بِٱلآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ أي: يصدقون بالبعث بعد الموت والجزاء. * * ثم قال تعالى: ﴿أُوْلَـٰئِكَ عَلَىٰ هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ﴾ أي: على إيمان. ﴿وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ﴾ أي: الباقون في النعيم الفائزون. ثم قال جل ذكره: ﴿وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ ٱلْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾. قال قتادة: معناه: من يختاره ويستحسنه يعني الغناء. وروي عنه أنه قال: لعله لا ينفق فيه مالاً ولكن اشتراؤه استحبابه. وكذلك قال مطرف. وقال ابن مسعود في الآية: "الغِنَاءُ والله الذِي لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ، يُرَدِّدُهَا ثَلاَثَ مَرَّاتٍ". "والغِنَاءُ يُنْبِتُ فِي الْقَلْبِ النِّفَاق". وقال ابن عباس: "هُوَ الرَّجُلُ يَشْتَرِي الجَارِيَّةَ المُغَنِّيَة تُغَنِّيهِ لَيْلاً وَنَهاراً". وروى أبو أمامة عن النبي ﷺ أنه قال: "لاَ يَحِلُّ بَيْعُ المُغَنِّيَاتِ وَلاَ شِرَاؤُهُنَّ وَلاَ التِّجَارَةُ بِِهِنَّ وَلاَ أَثْمَانُهُنَّ، وَفِيهِنَّ نَزَلَتْ هَذِهِ الآية "وَمِنَ النَّاسِ..." روى أنس بن مالك أن النبي ﷺ قال: "مَنْ جَلَسَ إِلَى قَيْنَةٍ يَسْتَمِعُ مِنْهَا صُبَّ فِي أُذُنَيْهِ الآنُكُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وروى مالك عن ابن المنكدر أنه قال: "إِنَّ اللهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَقُولُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: "أَيْنَ الذِينَ كَانُوا يُنَزِّهُونَ أَسْمَاعُهُمْ وَأَنْفُسَهُمْ عَنِ اللَّهْوِ وَمَزَامِيرِ الشَّيْطَانِ، أَدْخِلُوهُمْ فِي رِيَّاضِ المِسْكِ. ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلاَئِكَةِ: أَسْمِعُوهُمْ حَمْدِي وَثَنَاءً عَلَي وَأَخْبِرُوهُمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ" روت عائشة رضي الله عنها أن النبي ﷺ قال: "مَنْ مَاتَ وَعِنْدَهُ جَارِيَةٌ مُغَنِّيَةٌ فَلاَ تُصَلُّوا عَلَيْهِ"رواه مكحول عنها. وقال ابن عمر: هو الغناء، وكذلك قال عكرمة ومكحول وغيرهم. والتقدير على هذا: ومن الناس من يشتري ذات لهو أو ذا لهو. وعن الضحاك: إن لهو الحديث: الشرك. ورواه عنه جويبر أنه قال: الغناءُ مَهْلَكَةٌ للمال مَسْخَطَةٌ للرب مَعْمَاة للقلب. وسئل القاسم بن محمد عنه فقال: الغناء باطل، والباطل في النار. وقال معمر: هذه الآية نزلت في النضر بن الحارث كان يشتري الكتب التي فيها أخبار فارس والروم، ويقول: محمد يحدثكم عن عاد وثمود وأنا أحدثكم عن فارس والروم، ويستهزئ بالقرآن إذا سمعه. وروى ابن جريج عن مجاهد في لهو الحديث: أنه الطبل. * * ثم قال: ﴿لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ﴾ أي: عن دين الله، وما يقرب إليه. وقال ابن عباس: عن القرآن وَذِكْرِ الله، وهو رجل من قريش اشترى جارية مغنية. * * وقوله: ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ أي: جعلا منه بأمر الله فعل ذلك. * * ثم قال: ﴿وَيَتَّخِذَهَا هُزُواً﴾ أي: ويتخذ سبيل الله هزؤاً. قاله مجاهد. وقال قتادة: ويتخذ الآيات هُزُؤاً. ﴿أُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾ أي: في الآخرة.

لقمان 31:3

قوله تعالى ذكره: ﴿الۤـمۤ * تِلْكَ آيَاتُ ٱلْكِتَابِ ٱلْحَكِيمِ﴾ إلى قوله: ﴿عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾. أي: هذه الآيات آيات الكتاب المحكم هادياً وراحماً الله به من آمن بالله وكتبه ورسله. وإن رفعت "رحمة". فالتقدير هو هدى ورحمة لمن أحسن لنفسه فآمن بالله وكتبه ورسله. * * ثم قال: ﴿ٱلَّذِينَ يُقِيمُونَ ٱلصَّلاَةَ﴾ أي: يقيمونها بحدودها في أوقاتها. ﴿وَيُؤْتُونَ ٱلزَّكَاةَ﴾ أي: التي افترض الله عليهم. ﴿وَهُمْ بِٱلآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ أي: يصدقون بالبعث بعد الموت والجزاء. * * ثم قال تعالى: ﴿أُوْلَـٰئِكَ عَلَىٰ هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ﴾ أي: على إيمان. ﴿وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ﴾ أي: الباقون في النعيم الفائزون. ثم قال جل ذكره: ﴿وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ ٱلْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾. قال قتادة: معناه: من يختاره ويستحسنه يعني الغناء. وروي عنه أنه قال: لعله لا ينفق فيه مالاً ولكن اشتراؤه استحبابه. وكذلك قال مطرف. وقال ابن مسعود في الآية: "الغِنَاءُ والله الذِي لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ، يُرَدِّدُهَا ثَلاَثَ مَرَّاتٍ". "والغِنَاءُ يُنْبِتُ فِي الْقَلْبِ النِّفَاق". وقال ابن عباس: "هُوَ الرَّجُلُ يَشْتَرِي الجَارِيَّةَ المُغَنِّيَة تُغَنِّيهِ لَيْلاً وَنَهاراً". وروى أبو أمامة عن النبي ﷺ أنه قال: "لاَ يَحِلُّ بَيْعُ المُغَنِّيَاتِ وَلاَ شِرَاؤُهُنَّ وَلاَ التِّجَارَةُ بِِهِنَّ وَلاَ أَثْمَانُهُنَّ، وَفِيهِنَّ نَزَلَتْ هَذِهِ الآية "وَمِنَ النَّاسِ..." روى أنس بن مالك أن النبي ﷺ قال: "مَنْ جَلَسَ إِلَى قَيْنَةٍ يَسْتَمِعُ مِنْهَا صُبَّ فِي أُذُنَيْهِ الآنُكُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وروى مالك عن ابن المنكدر أنه قال: "إِنَّ اللهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَقُولُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: "أَيْنَ الذِينَ كَانُوا يُنَزِّهُونَ أَسْمَاعُهُمْ وَأَنْفُسَهُمْ عَنِ اللَّهْوِ وَمَزَامِيرِ الشَّيْطَانِ، أَدْخِلُوهُمْ فِي رِيَّاضِ المِسْكِ. ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلاَئِكَةِ: أَسْمِعُوهُمْ حَمْدِي وَثَنَاءً عَلَي وَأَخْبِرُوهُمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ" روت عائشة رضي الله عنها أن النبي ﷺ قال: "مَنْ مَاتَ وَعِنْدَهُ جَارِيَةٌ مُغَنِّيَةٌ فَلاَ تُصَلُّوا عَلَيْهِ"رواه مكحول عنها. وقال ابن عمر: هو الغناء، وكذلك قال عكرمة ومكحول وغيرهم. والتقدير على هذا: ومن الناس من يشتري ذات لهو أو ذا لهو. وعن الضحاك: إن لهو الحديث: الشرك. ورواه عنه جويبر أنه قال: الغناءُ مَهْلَكَةٌ للمال مَسْخَطَةٌ للرب مَعْمَاة للقلب. وسئل القاسم بن محمد عنه فقال: الغناء باطل، والباطل في النار. وقال معمر: هذه الآية نزلت في النضر بن الحارث كان يشتري الكتب التي فيها أخبار فارس والروم، ويقول: محمد يحدثكم عن عاد وثمود وأنا أحدثكم عن فارس والروم، ويستهزئ بالقرآن إذا سمعه. وروى ابن جريج عن مجاهد في لهو الحديث: أنه الطبل. * * ثم قال: ﴿لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ﴾ أي: عن دين الله، وما يقرب إليه. وقال ابن عباس: عن القرآن وَذِكْرِ الله، وهو رجل من قريش اشترى جارية مغنية. * * وقوله: ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ أي: جعلا منه بأمر الله فعل ذلك. * * ثم قال: ﴿وَيَتَّخِذَهَا هُزُواً﴾ أي: ويتخذ سبيل الله هزؤاً. قاله مجاهد. وقال قتادة: ويتخذ الآيات هُزُؤاً. ﴿أُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾ أي: في الآخرة.

لقمان 31:4

قوله تعالى ذكره: ﴿الۤـمۤ * تِلْكَ آيَاتُ ٱلْكِتَابِ ٱلْحَكِيمِ﴾ إلى قوله: ﴿عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾. أي: هذه الآيات آيات الكتاب المحكم هادياً وراحماً الله به من آمن بالله وكتبه ورسله. وإن رفعت "رحمة". فالتقدير هو هدى ورحمة لمن أحسن لنفسه فآمن بالله وكتبه ورسله. * * ثم قال: ﴿ٱلَّذِينَ يُقِيمُونَ ٱلصَّلاَةَ﴾ أي: يقيمونها بحدودها في أوقاتها. ﴿وَيُؤْتُونَ ٱلزَّكَاةَ﴾ أي: التي افترض الله عليهم. ﴿وَهُمْ بِٱلآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ أي: يصدقون بالبعث بعد الموت والجزاء. * * ثم قال تعالى: ﴿أُوْلَـٰئِكَ عَلَىٰ هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ﴾ أي: على إيمان. ﴿وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ﴾ أي: الباقون في النعيم الفائزون. ثم قال جل ذكره: ﴿وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ ٱلْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾. قال قتادة: معناه: من يختاره ويستحسنه يعني الغناء. وروي عنه أنه قال: لعله لا ينفق فيه مالاً ولكن اشتراؤه استحبابه. وكذلك قال مطرف. وقال ابن مسعود في الآية: "الغِنَاءُ والله الذِي لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ، يُرَدِّدُهَا ثَلاَثَ مَرَّاتٍ". "والغِنَاءُ يُنْبِتُ فِي الْقَلْبِ النِّفَاق". وقال ابن عباس: "هُوَ الرَّجُلُ يَشْتَرِي الجَارِيَّةَ المُغَنِّيَة تُغَنِّيهِ لَيْلاً وَنَهاراً". وروى أبو أمامة عن النبي ﷺ أنه قال: "لاَ يَحِلُّ بَيْعُ المُغَنِّيَاتِ وَلاَ شِرَاؤُهُنَّ وَلاَ التِّجَارَةُ بِِهِنَّ وَلاَ أَثْمَانُهُنَّ، وَفِيهِنَّ نَزَلَتْ هَذِهِ الآية "وَمِنَ النَّاسِ..." روى أنس بن مالك أن النبي ﷺ قال: "مَنْ جَلَسَ إِلَى قَيْنَةٍ يَسْتَمِعُ مِنْهَا صُبَّ فِي أُذُنَيْهِ الآنُكُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وروى مالك عن ابن المنكدر أنه قال: "إِنَّ اللهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَقُولُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: "أَيْنَ الذِينَ كَانُوا يُنَزِّهُونَ أَسْمَاعُهُمْ وَأَنْفُسَهُمْ عَنِ اللَّهْوِ وَمَزَامِيرِ الشَّيْطَانِ، أَدْخِلُوهُمْ فِي رِيَّاضِ المِسْكِ. ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلاَئِكَةِ: أَسْمِعُوهُمْ حَمْدِي وَثَنَاءً عَلَي وَأَخْبِرُوهُمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ" روت عائشة رضي الله عنها أن النبي ﷺ قال: "مَنْ مَاتَ وَعِنْدَهُ جَارِيَةٌ مُغَنِّيَةٌ فَلاَ تُصَلُّوا عَلَيْهِ"رواه مكحول عنها. وقال ابن عمر: هو الغناء، وكذلك قال عكرمة ومكحول وغيرهم. والتقدير على هذا: ومن الناس من يشتري ذات لهو أو ذا لهو. وعن الضحاك: إن لهو الحديث: الشرك. ورواه عنه جويبر أنه قال: الغناءُ مَهْلَكَةٌ للمال مَسْخَطَةٌ للرب مَعْمَاة للقلب. وسئل القاسم بن محمد عنه فقال: الغناء باطل، والباطل في النار. وقال معمر: هذه الآية نزلت في النضر بن الحارث كان يشتري الكتب التي فيها أخبار فارس والروم، ويقول: محمد يحدثكم عن عاد وثمود وأنا أحدثكم عن فارس والروم، ويستهزئ بالقرآن إذا سمعه. وروى ابن جريج عن مجاهد في لهو الحديث: أنه الطبل. * * ثم قال: ﴿لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ﴾ أي: عن دين الله، وما يقرب إليه. وقال ابن عباس: عن القرآن وَذِكْرِ الله، وهو رجل من قريش اشترى جارية مغنية. * * وقوله: ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ أي: جعلا منه بأمر الله فعل ذلك. * * ثم قال: ﴿وَيَتَّخِذَهَا هُزُواً﴾ أي: ويتخذ سبيل الله هزؤاً. قاله مجاهد. وقال قتادة: ويتخذ الآيات هُزُؤاً. ﴿أُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾ أي: في الآخرة.

لقمان 31:5

قوله تعالى ذكره: ﴿الۤـمۤ * تِلْكَ آيَاتُ ٱلْكِتَابِ ٱلْحَكِيمِ﴾ إلى قوله: ﴿عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾. أي: هذه الآيات آيات الكتاب المحكم هادياً وراحماً الله به من آمن بالله وكتبه ورسله. وإن رفعت "رحمة". فالتقدير هو هدى ورحمة لمن أحسن لنفسه فآمن بالله وكتبه ورسله. * * ثم قال: ﴿ٱلَّذِينَ يُقِيمُونَ ٱلصَّلاَةَ﴾ أي: يقيمونها بحدودها في أوقاتها. ﴿وَيُؤْتُونَ ٱلزَّكَاةَ﴾ أي: التي افترض الله عليهم. ﴿وَهُمْ بِٱلآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ أي: يصدقون بالبعث بعد الموت والجزاء. * * ثم قال تعالى: ﴿أُوْلَـٰئِكَ عَلَىٰ هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ﴾ أي: على إيمان. ﴿وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ﴾ أي: الباقون في النعيم الفائزون. ثم قال جل ذكره: ﴿وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ ٱلْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾. قال قتادة: معناه: من يختاره ويستحسنه يعني الغناء. وروي عنه أنه قال: لعله لا ينفق فيه مالاً ولكن اشتراؤه استحبابه. وكذلك قال مطرف. وقال ابن مسعود في الآية: "الغِنَاءُ والله الذِي لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ، يُرَدِّدُهَا ثَلاَثَ مَرَّاتٍ". "والغِنَاءُ يُنْبِتُ فِي الْقَلْبِ النِّفَاق". وقال ابن عباس: "هُوَ الرَّجُلُ يَشْتَرِي الجَارِيَّةَ المُغَنِّيَة تُغَنِّيهِ لَيْلاً وَنَهاراً". وروى أبو أمامة عن النبي ﷺ أنه قال: "لاَ يَحِلُّ بَيْعُ المُغَنِّيَاتِ وَلاَ شِرَاؤُهُنَّ وَلاَ التِّجَارَةُ بِِهِنَّ وَلاَ أَثْمَانُهُنَّ، وَفِيهِنَّ نَزَلَتْ هَذِهِ الآية "وَمِنَ النَّاسِ..." روى أنس بن مالك أن النبي ﷺ قال: "مَنْ جَلَسَ إِلَى قَيْنَةٍ يَسْتَمِعُ مِنْهَا صُبَّ فِي أُذُنَيْهِ الآنُكُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وروى مالك عن ابن المنكدر أنه قال: "إِنَّ اللهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَقُولُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: "أَيْنَ الذِينَ كَانُوا يُنَزِّهُونَ أَسْمَاعُهُمْ وَأَنْفُسَهُمْ عَنِ اللَّهْوِ وَمَزَامِيرِ الشَّيْطَانِ، أَدْخِلُوهُمْ فِي رِيَّاضِ المِسْكِ. ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلاَئِكَةِ: أَسْمِعُوهُمْ حَمْدِي وَثَنَاءً عَلَي وَأَخْبِرُوهُمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ" روت عائشة رضي الله عنها أن النبي ﷺ قال: "مَنْ مَاتَ وَعِنْدَهُ جَارِيَةٌ مُغَنِّيَةٌ فَلاَ تُصَلُّوا عَلَيْهِ"رواه مكحول عنها. وقال ابن عمر: هو الغناء، وكذلك قال عكرمة ومكحول وغيرهم. والتقدير على هذا: ومن الناس من يشتري ذات لهو أو ذا لهو. وعن الضحاك: إن لهو الحديث: الشرك. ورواه عنه جويبر أنه قال: الغناءُ مَهْلَكَةٌ للمال مَسْخَطَةٌ للرب مَعْمَاة للقلب. وسئل القاسم بن محمد عنه فقال: الغناء باطل، والباطل في النار. وقال معمر: هذه الآية نزلت في النضر بن الحارث كان يشتري الكتب التي فيها أخبار فارس والروم، ويقول: محمد يحدثكم عن عاد وثمود وأنا أحدثكم عن فارس والروم، ويستهزئ بالقرآن إذا سمعه. وروى ابن جريج عن مجاهد في لهو الحديث: أنه الطبل. * * ثم قال: ﴿لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ﴾ أي: عن دين الله، وما يقرب إليه. وقال ابن عباس: عن القرآن وَذِكْرِ الله، وهو رجل من قريش اشترى جارية مغنية. * * وقوله: ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ أي: جعلا منه بأمر الله فعل ذلك. * * ثم قال: ﴿وَيَتَّخِذَهَا هُزُواً﴾ أي: ويتخذ سبيل الله هزؤاً. قاله مجاهد. وقال قتادة: ويتخذ الآيات هُزُؤاً. ﴿أُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾ أي: في الآخرة.

لقمان 31:6

قوله تعالى ذكره: ﴿الۤـمۤ * تِلْكَ آيَاتُ ٱلْكِتَابِ ٱلْحَكِيمِ﴾ إلى قوله: ﴿عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾. أي: هذه الآيات آيات الكتاب المحكم هادياً وراحماً الله به من آمن بالله وكتبه ورسله. وإن رفعت "رحمة". فالتقدير هو هدى ورحمة لمن أحسن لنفسه فآمن بالله وكتبه ورسله. * * ثم قال: ﴿ٱلَّذِينَ يُقِيمُونَ ٱلصَّلاَةَ﴾ أي: يقيمونها بحدودها في أوقاتها. ﴿وَيُؤْتُونَ ٱلزَّكَاةَ﴾ أي: التي افترض الله عليهم. ﴿وَهُمْ بِٱلآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ أي: يصدقون بالبعث بعد الموت والجزاء. * * ثم قال تعالى: ﴿أُوْلَـٰئِكَ عَلَىٰ هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ﴾ أي: على إيمان. ﴿وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ﴾ أي: الباقون في النعيم الفائزون. ثم قال جل ذكره: ﴿وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ ٱلْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾. قال قتادة: معناه: من يختاره ويستحسنه يعني الغناء. وروي عنه أنه قال: لعله لا ينفق فيه مالاً ولكن اشتراؤه استحبابه. وكذلك قال مطرف. وقال ابن مسعود في الآية: "الغِنَاءُ والله الذِي لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ، يُرَدِّدُهَا ثَلاَثَ مَرَّاتٍ". "والغِنَاءُ يُنْبِتُ فِي الْقَلْبِ النِّفَاق". وقال ابن عباس: "هُوَ الرَّجُلُ يَشْتَرِي الجَارِيَّةَ المُغَنِّيَة تُغَنِّيهِ لَيْلاً وَنَهاراً". وروى أبو أمامة عن النبي ﷺ أنه قال: "لاَ يَحِلُّ بَيْعُ المُغَنِّيَاتِ وَلاَ شِرَاؤُهُنَّ وَلاَ التِّجَارَةُ بِِهِنَّ وَلاَ أَثْمَانُهُنَّ، وَفِيهِنَّ نَزَلَتْ هَذِهِ الآية "وَمِنَ النَّاسِ..." روى أنس بن مالك أن النبي ﷺ قال: "مَنْ جَلَسَ إِلَى قَيْنَةٍ يَسْتَمِعُ مِنْهَا صُبَّ فِي أُذُنَيْهِ الآنُكُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وروى مالك عن ابن المنكدر أنه قال: "إِنَّ اللهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَقُولُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: "أَيْنَ الذِينَ كَانُوا يُنَزِّهُونَ أَسْمَاعُهُمْ وَأَنْفُسَهُمْ عَنِ اللَّهْوِ وَمَزَامِيرِ الشَّيْطَانِ، أَدْخِلُوهُمْ فِي رِيَّاضِ المِسْكِ. ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلاَئِكَةِ: أَسْمِعُوهُمْ حَمْدِي وَثَنَاءً عَلَي وَأَخْبِرُوهُمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ" روت عائشة رضي الله عنها أن النبي ﷺ قال: "مَنْ مَاتَ وَعِنْدَهُ جَارِيَةٌ مُغَنِّيَةٌ فَلاَ تُصَلُّوا عَلَيْهِ"رواه مكحول عنها. وقال ابن عمر: هو الغناء، وكذلك قال عكرمة ومكحول وغيرهم. والتقدير على هذا: ومن الناس من يشتري ذات لهو أو ذا لهو. وعن الضحاك: إن لهو الحديث: الشرك. ورواه عنه جويبر أنه قال: الغناءُ مَهْلَكَةٌ للمال مَسْخَطَةٌ للرب مَعْمَاة للقلب. وسئل القاسم بن محمد عنه فقال: الغناء باطل، والباطل في النار. وقال معمر: هذه الآية نزلت في النضر بن الحارث كان يشتري الكتب التي فيها أخبار فارس والروم، ويقول: محمد يحدثكم عن عاد وثمود وأنا أحدثكم عن فارس والروم، ويستهزئ بالقرآن إذا سمعه. وروى ابن جريج عن مجاهد في لهو الحديث: أنه الطبل. * * ثم قال: ﴿لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ﴾ أي: عن دين الله، وما يقرب إليه. وقال ابن عباس: عن القرآن وَذِكْرِ الله، وهو رجل من قريش اشترى جارية مغنية. * * وقوله: ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ أي: جعلا منه بأمر الله فعل ذلك. * * ثم قال: ﴿وَيَتَّخِذَهَا هُزُواً﴾ أي: ويتخذ سبيل الله هزؤاً. قاله مجاهد. وقال قتادة: ويتخذ الآيات هُزُؤاً. ﴿أُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾ أي: في الآخرة.

لقمان 31:7

قوله تعالى ذكره: ﴿وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِ ءَايَاتُنَا وَلَّىٰ مُسْتَكْبِراً﴾ إلى قوله: ﴿إِلَيَّ ٱلْمَصِيرُ﴾. أي: وإذا يتلى على الذي يشتري لهو الحديث القرآن أدبر يستكبر عن سماع الحق، ﴿كَأَنَّ فِيۤ أُذُنَيْهِ وَقْراً﴾ أي صمماً وثقلاً فهو لا يستطيع أن يسمع ما يتلى عليه. ﴿فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ أي: مؤلم، يعني في يوم القيامة، وذلك عذاب النار. * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتُ ٱلنَّعِيمِ﴾. أي: إن الذين صَدَّقُوا محمداً وما جاء به وعملوا الأعمال الصالحة، لهم بساتين النعيم ماكثين فيها إلى غير نهاية. ﴿وَعْدَ ٱللَّهِ حَقّاً﴾ أي: وعدهم الله ذلك [وعداً] حقاً لا خلف فيه. ﴿وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ﴾ أي: الصنيع الشديد في انتقامه من أهل الشرك. ﴿ٱلْحَكِيمُ﴾ في تدبيره لخلقه. ولا يحسن الوقف على: "خالدين فيها" عند سيبويه، لأن الجملة عاملة في: "وَعْدَ الله" إذ هو عنده مصدر مؤكد. وأجازه أبو حاتم لأنه يضمر فعلاً ينصب به "وعداً الله"، وتقديره: وعدهم الله بذلك وعداً حقاً. ثم قال تعالى ذكره: ﴿خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾. قال ابن عباس: عمدها قاف، وهو الجبل المحيط بالدنيا، وهو من زبرجدة خضراء. من زبرجد الجنة، وخضرة السماء منه، وخضرة البحار من السماء، والسماء مقبة على الجبل الذي اسمه قاف، ولكنكم لا ترونه. وروي عنه أنه قال: لعلها بعمد لا ترونها. وقاله عكرمة. فيكون ترونها على هذا القول في موضع خفض نعتاً للعمد، والتاء متعلقة بخلق. وقال الحسن: لا عمد لها البتة. فيكون "ترونها" على هذا القول في موضع نصب على الحال من السماوات، والباء متعلقة بِتَرَوْنها. ويجوز أن يكون "ترونها" مستأنفاً، أي أنتم ترونها فتقف على: "بغير عمد" ولا تقف على القولين الأولين إلا على: "ترونها"، فإذا كان الضمير في ترونها للعمد، فترونها نعت للعمد، وليس ثم عمد، والمعنى فلا عمد مرئية البتة ويحتمل على هذا الوجه، فلا عمد مرئية لكم، أي ثم عمد ولكن لا ترونها. [فإذا جعلت الضمير في ترونها يعود على السماوات، كان ترونها] حالاً من السماوات. والمعنى ترون السماوات بغير عمد تمسكها، فلا عمد ثم البتة، كالتأويل الأول. * * ثم قال تعالى: ﴿وَأَلْقَىٰ فِي ٱلأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ﴾ أي: أن تحرك بكم يميناً وشمالاً، أي: حمل على ظهر الأرض جبالاً ثوابت لئلا تميد بكم. قال قتادة: لولا ذلك ما أقرت عليها خلقاً. ﴿وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍ﴾ أي فرق في الأرض من كل أنواع الدواب، ثم قال تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً﴾ أي مطراً. ﴿فَأَنْبَتْنَا فِيهَا﴾ أي في الأرض بذلك الماء. ﴿مِن كُلِّ زَوْجٍ﴾ أي: نوع من النبات. ﴿كَرِيمٍ﴾ قال قتادة: حسن. وقال ابن عباس: من كل لون حسن. وتأوله الشعبي على الناس لأنهم مخلوقون من الأرض، فمن كان منهم إلى الجنة فهو الكريم، ومن يصير إلى النار فهو اللئيم. وتأوله غيره في النطفة لأنها مخلوقة من تراب في الأصل. ثم قال تعالى ذكره: ﴿هَـٰذَا خَلْقُ ٱللَّهِ﴾ أي: هذا الذي تقدم ذكره خلق الله الذي لا تصلح العبادة والألوهية إلاّ له، فأروني أيها المشركون أي شيء خلق الذين عبدتم من دونه. * * ثم قال تعالى: ﴿بَلِ ٱلظَّالِمُونَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ﴾ أي: هؤلاء المشركون في عبادتهم الأصنام في جور عن الحق وذهاب عن الاستقامة ظاهر لمن تأمله. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ ٱلْحِكْمَةَ أَنِ ٱشْكُرْ للَّهِ﴾. قال مجاهد: كان لقمان رجلاً صالحاً ولم يكن نبياً. وروي عنه أنه كان لقمان الحكيم عبداً حبشياً غليظ الشفتين مصفح القدمين قاضياً على بني إسرائيل. وقال سعيد بن المسيب: كان لقمان أسوداً من سودان مصر. وقال ابن عباس: كان عبداً حبشياً. وروي أنه كان في وقت داود. وعن عكرمة أنه قال: كان نبياً. قال مجاهد: الحكمة التي أوتي لقمان: الفقه والعقل، والإصابة في القول في غير نبوة. وقال قتادة: الحكمة التي أوتي: الفقه في الإسلام. قال قتادة: لم يكن نبياً ولم يوح إليه. وعن مجاهد: أن الحكمة التي أوتي: القرآن. وروى ابن وهب عن مالك أنه قال: قال لقمان لابنه: إن الناس قد تطاول عليهم ما يوعدون، وهم إلى الآخرة سراعاً يذهبون، وإنك قد استدبرت الدنيا منذ كنت، واستقبلت الآخرة، وإن داراً تصير إليها أقرب إليك من دار تخرج عنها، يا بني ليس غنى كصحة ولا نعيم كطيب نفس. وروى أشهب عن مالك: أن لقمان كان يقول لابنه: اتق الله جهد نفسك. قال: وكان يقول له: يا بني لا تجالس الفجار ولا تماشهم، (اتق لا ينزل) عليهم عذاب من السماء فيصيبك معهم، يا بني جالس العلماء وماشهم عسى أن تنزل عليهم رحمة فتصيبك معهم. وروي عنه: أنه كان عبداً حبشياً نجاراً. وقيل: كان خياطاً. وقيل: كان راعياً، فقال له مولاه: اذبح لنا هذه الشاة فذبحها، فقال له: أخرج أطيب مضغتين فيها، فأخرج اللسان والقلب، ثم مكث ما شاء الله، ثم قال له: اذبح لنا هذه الشاة فذبحها، فقال له: أخرج أخبث مضغتين فيها فأخرج اللسان والقلب، فقال له مولاه في ذلك منكراً عليه وممتحناً له: [أمرتك أن تخرج أطيب مضغتين فأخرجتهما وأمرتك أن تخرج أخبث مضغتين فيها فأخرجتهما]، فقال لقمان : ليس شيء أطيب منهما إذا طابا، ولا أخبث منهما إذا خبثا. وروي أنه أتاه رجل وهو في مجلس أناس يحدثهم فقال: ألست الذي كنت ترعى معي الغنم في موضع كذا؟ قال: نعم. [قال]: فما بلغ بك ما أرى؟ قال: صدق الحديث، والصمت عما لا يعنيني. قال وهب بن منبه: قرأت من حكمته أرجح من عشرة آلاف باب. * * وقوله: ﴿أَنِ ٱشْكُرْ للَّهِ﴾ أن بمعنى أي: لا موضع لها. وأجاز سيبويه أن تكون في موضع نصب على معنى بأن أشكر، كما تقول كتبت إليه أن قم، أي: بأن قم. والمعنى: أن أحمد الله على ما آتاك من الحكمة، فقوله: "أَنْ أشْكُرْ" بيان عن الحكمة، لأن من الحكمة التي أوتيها شكر الله على ما آتاه. * * ثم قال: ﴿وَمَن يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ﴾ أي: من شكر نعم الله عليه فإنما يشكر لنفسه لأنه يتزيد لنفسه من النعم بالشكر، ويؤدي ما على نفسه من الشكر، ويكتب له الأجر والذخر، بالشكر فلنفسه يعمل وإياها ينفع. * * ثم قال: ﴿وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَنِيٌّ﴾ أي: ومن كفر نعمة الله فلنفسه أساء، إذ الله تعالى معاقبه على ذلك، وهو غني عن شكره، ولا يزيده شكر العبد في سلطانه ولا ينقص تركه منه. ﴿حَمِيدٌ﴾ أي: محمود على كل حال. * * ثم قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يٰبُنَيَّ لاَ تُشْرِكْ بِٱللَّهِ﴾ أي: واذكر يا محمد إذ قال لقمان لابنه وهو يعظه يا بني لا تشرك، أي: لا تعبد معه غيره. ﴿إِنَّ ٱلشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ أي: لخطأ كبير. وروي أن اسم ابنه ثاران. * * ثم قال: ﴿وَوَصَّيْنَا ٱلإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ﴾ أي: ببرهما. ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَىٰ وَهْنٍ﴾ أي: ضعفاً على ضعف وشدة على شدة، ومنه: "وَهَنَ العَظْمُ مِنِّي". قال ابن عباس: شدة بعد شدة وخلقاً بعد خلق. وقال الضحاك: ضعفاً على ضعف. وقال قتادة: جهداً على جهد. فهذا كله يعني به الحمل، يعني: ضعف الحمل، وضعف الطلق، وضعف النفاس. وعن ابن عباس أنه قال: مشقة وهن الولد على وهن الوالدة وضعفها. والوهن في اللغة الضعف: يقال: وَهَنَ يَهِنُ وَوَهُنَ يُوْهَنُ، وَوَهِنَ يَهِنُ مثل وَرِمَ يَرِمُ. * * ثم قال تعالى: ﴿وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾ أي: وفطامه من الرضاع في انقضاء عامين مثل وسئل القرية. ﴿أَنِ ٱشْكُرْ لِي﴾ أن بمعنى أي: أو في موضع نصب على ما تقدم. وكونها بمعنى (أي) أحسن. والمعنى: وعهدنا إليه أن أشكر نعمتي عليك، وأشكر لوالديك تربيتهما لك، ومحنتهما فيك. ﴿إِلَيَّ ٱلْمَصِيرُ﴾ أي: مصيرك فسائلك عن شكرك لي ولهما وعن غير ذلك. وروي أن هذه الآية نزلت في شأن سعد بن أبي وقاص وأمه، وذلك أن أمه حلفت أن لا تأكل ولا تشرب حتى يتحول عن دينه، فأبى عليها، فلم تزل كذلك حتى غشي عليها فلما أفاقت دعت عليه، فنزلت الآية.

لقمان 31:8

قوله تعالى ذكره: ﴿وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِ ءَايَاتُنَا وَلَّىٰ مُسْتَكْبِراً﴾ إلى قوله: ﴿إِلَيَّ ٱلْمَصِيرُ﴾. أي: وإذا يتلى على الذي يشتري لهو الحديث القرآن أدبر يستكبر عن سماع الحق، ﴿كَأَنَّ فِيۤ أُذُنَيْهِ وَقْراً﴾ أي صمماً وثقلاً فهو لا يستطيع أن يسمع ما يتلى عليه. ﴿فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ أي: مؤلم، يعني في يوم القيامة، وذلك عذاب النار. * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتُ ٱلنَّعِيمِ﴾. أي: إن الذين صَدَّقُوا محمداً وما جاء به وعملوا الأعمال الصالحة، لهم بساتين النعيم ماكثين فيها إلى غير نهاية. ﴿وَعْدَ ٱللَّهِ حَقّاً﴾ أي: وعدهم الله ذلك [وعداً] حقاً لا خلف فيه. ﴿وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ﴾ أي: الصنيع الشديد في انتقامه من أهل الشرك. ﴿ٱلْحَكِيمُ﴾ في تدبيره لخلقه. ولا يحسن الوقف على: "خالدين فيها" عند سيبويه، لأن الجملة عاملة في: "وَعْدَ الله" إذ هو عنده مصدر مؤكد. وأجازه أبو حاتم لأنه يضمر فعلاً ينصب به "وعداً الله"، وتقديره: وعدهم الله بذلك وعداً حقاً. ثم قال تعالى ذكره: ﴿خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾. قال ابن عباس: عمدها قاف، وهو الجبل المحيط بالدنيا، وهو من زبرجدة خضراء. من زبرجد الجنة، وخضرة السماء منه، وخضرة البحار من السماء، والسماء مقبة على الجبل الذي اسمه قاف، ولكنكم لا ترونه. وروي عنه أنه قال: لعلها بعمد لا ترونها. وقاله عكرمة. فيكون ترونها على هذا القول في موضع خفض نعتاً للعمد، والتاء متعلقة بخلق. وقال الحسن: لا عمد لها البتة. فيكون "ترونها" على هذا القول في موضع نصب على الحال من السماوات، والباء متعلقة بِتَرَوْنها. ويجوز أن يكون "ترونها" مستأنفاً، أي أنتم ترونها فتقف على: "بغير عمد" ولا تقف على القولين الأولين إلا على: "ترونها"، فإذا كان الضمير في ترونها للعمد، فترونها نعت للعمد، وليس ثم عمد، والمعنى فلا عمد مرئية البتة ويحتمل على هذا الوجه، فلا عمد مرئية لكم، أي ثم عمد ولكن لا ترونها. [فإذا جعلت الضمير في ترونها يعود على السماوات، كان ترونها] حالاً من السماوات. والمعنى ترون السماوات بغير عمد تمسكها، فلا عمد ثم البتة، كالتأويل الأول. * * ثم قال تعالى: ﴿وَأَلْقَىٰ فِي ٱلأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ﴾ أي: أن تحرك بكم يميناً وشمالاً، أي: حمل على ظهر الأرض جبالاً ثوابت لئلا تميد بكم. قال قتادة: لولا ذلك ما أقرت عليها خلقاً. ﴿وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍ﴾ أي فرق في الأرض من كل أنواع الدواب، ثم قال تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً﴾ أي مطراً. ﴿فَأَنْبَتْنَا فِيهَا﴾ أي في الأرض بذلك الماء. ﴿مِن كُلِّ زَوْجٍ﴾ أي: نوع من النبات. ﴿كَرِيمٍ﴾ قال قتادة: حسن. وقال ابن عباس: من كل لون حسن. وتأوله الشعبي على الناس لأنهم مخلوقون من الأرض، فمن كان منهم إلى الجنة فهو الكريم، ومن يصير إلى النار فهو اللئيم. وتأوله غيره في النطفة لأنها مخلوقة من تراب في الأصل. ثم قال تعالى ذكره: ﴿هَـٰذَا خَلْقُ ٱللَّهِ﴾ أي: هذا الذي تقدم ذكره خلق الله الذي لا تصلح العبادة والألوهية إلاّ له، فأروني أيها المشركون أي شيء خلق الذين عبدتم من دونه. * * ثم قال تعالى: ﴿بَلِ ٱلظَّالِمُونَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ﴾ أي: هؤلاء المشركون في عبادتهم الأصنام في جور عن الحق وذهاب عن الاستقامة ظاهر لمن تأمله. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ ٱلْحِكْمَةَ أَنِ ٱشْكُرْ للَّهِ﴾. قال مجاهد: كان لقمان رجلاً صالحاً ولم يكن نبياً. وروي عنه أنه كان لقمان الحكيم عبداً حبشياً غليظ الشفتين مصفح القدمين قاضياً على بني إسرائيل. وقال سعيد بن المسيب: كان لقمان أسوداً من سودان مصر. وقال ابن عباس: كان عبداً حبشياً. وروي أنه كان في وقت داود. وعن عكرمة أنه قال: كان نبياً. قال مجاهد: الحكمة التي أوتي لقمان: الفقه والعقل، والإصابة في القول في غير نبوة. وقال قتادة: الحكمة التي أوتي: الفقه في الإسلام. قال قتادة: لم يكن نبياً ولم يوح إليه. وعن مجاهد: أن الحكمة التي أوتي: القرآن. وروى ابن وهب عن مالك أنه قال: قال لقمان لابنه: إن الناس قد تطاول عليهم ما يوعدون، وهم إلى الآخرة سراعاً يذهبون، وإنك قد استدبرت الدنيا منذ كنت، واستقبلت الآخرة، وإن داراً تصير إليها أقرب إليك من دار تخرج عنها، يا بني ليس غنى كصحة ولا نعيم كطيب نفس. وروى أشهب عن مالك: أن لقمان كان يقول لابنه: اتق الله جهد نفسك. قال: وكان يقول له: يا بني لا تجالس الفجار ولا تماشهم، (اتق لا ينزل) عليهم عذاب من السماء فيصيبك معهم، يا بني جالس العلماء وماشهم عسى أن تنزل عليهم رحمة فتصيبك معهم. وروي عنه: أنه كان عبداً حبشياً نجاراً. وقيل: كان خياطاً. وقيل: كان راعياً، فقال له مولاه: اذبح لنا هذه الشاة فذبحها، فقال له: أخرج أطيب مضغتين فيها، فأخرج اللسان والقلب، ثم مكث ما شاء الله، ثم قال له: اذبح لنا هذه الشاة فذبحها، فقال له: أخرج أخبث مضغتين فيها فأخرج اللسان والقلب، فقال له مولاه في ذلك منكراً عليه وممتحناً له: [أمرتك أن تخرج أطيب مضغتين فأخرجتهما وأمرتك أن تخرج أخبث مضغتين فيها فأخرجتهما]، فقال لقمان : ليس شيء أطيب منهما إذا طابا، ولا أخبث منهما إذا خبثا. وروي أنه أتاه رجل وهو في مجلس أناس يحدثهم فقال: ألست الذي كنت ترعى معي الغنم في موضع كذا؟ قال: نعم. [قال]: فما بلغ بك ما أرى؟ قال: صدق الحديث، والصمت عما لا يعنيني. قال وهب بن منبه: قرأت من حكمته أرجح من عشرة آلاف باب. * * وقوله: ﴿أَنِ ٱشْكُرْ للَّهِ﴾ أن بمعنى أي: لا موضع لها. وأجاز سيبويه أن تكون في موضع نصب على معنى بأن أشكر، كما تقول كتبت إليه أن قم، أي: بأن قم. والمعنى: أن أحمد الله على ما آتاك من الحكمة، فقوله: "أَنْ أشْكُرْ" بيان عن الحكمة، لأن من الحكمة التي أوتيها شكر الله على ما آتاه. * * ثم قال: ﴿وَمَن يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ﴾ أي: من شكر نعم الله عليه فإنما يشكر لنفسه لأنه يتزيد لنفسه من النعم بالشكر، ويؤدي ما على نفسه من الشكر، ويكتب له الأجر والذخر، بالشكر فلنفسه يعمل وإياها ينفع. * * ثم قال: ﴿وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَنِيٌّ﴾ أي: ومن كفر نعمة الله فلنفسه أساء، إذ الله تعالى معاقبه على ذلك، وهو غني عن شكره، ولا يزيده شكر العبد في سلطانه ولا ينقص تركه منه. ﴿حَمِيدٌ﴾ أي: محمود على كل حال. * * ثم قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يٰبُنَيَّ لاَ تُشْرِكْ بِٱللَّهِ﴾ أي: واذكر يا محمد إذ قال لقمان لابنه وهو يعظه يا بني لا تشرك، أي: لا تعبد معه غيره. ﴿إِنَّ ٱلشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ أي: لخطأ كبير. وروي أن اسم ابنه ثاران. * * ثم قال: ﴿وَوَصَّيْنَا ٱلإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ﴾ أي: ببرهما. ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَىٰ وَهْنٍ﴾ أي: ضعفاً على ضعف وشدة على شدة، ومنه: "وَهَنَ العَظْمُ مِنِّي". قال ابن عباس: شدة بعد شدة وخلقاً بعد خلق. وقال الضحاك: ضعفاً على ضعف. وقال قتادة: جهداً على جهد. فهذا كله يعني به الحمل، يعني: ضعف الحمل، وضعف الطلق، وضعف النفاس. وعن ابن عباس أنه قال: مشقة وهن الولد على وهن الوالدة وضعفها. والوهن في اللغة الضعف: يقال: وَهَنَ يَهِنُ وَوَهُنَ يُوْهَنُ، وَوَهِنَ يَهِنُ مثل وَرِمَ يَرِمُ. * * ثم قال تعالى: ﴿وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾ أي: وفطامه من الرضاع في انقضاء عامين مثل وسئل القرية. ﴿أَنِ ٱشْكُرْ لِي﴾ أن بمعنى أي: أو في موضع نصب على ما تقدم. وكونها بمعنى (أي) أحسن. والمعنى: وعهدنا إليه أن أشكر نعمتي عليك، وأشكر لوالديك تربيتهما لك، ومحنتهما فيك. ﴿إِلَيَّ ٱلْمَصِيرُ﴾ أي: مصيرك فسائلك عن شكرك لي ولهما وعن غير ذلك. وروي أن هذه الآية نزلت في شأن سعد بن أبي وقاص وأمه، وذلك أن أمه حلفت أن لا تأكل ولا تشرب حتى يتحول عن دينه، فأبى عليها، فلم تزل كذلك حتى غشي عليها فلما أفاقت دعت عليه، فنزلت الآية.

لقمان 31:9

قوله تعالى ذكره: ﴿وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِ ءَايَاتُنَا وَلَّىٰ مُسْتَكْبِراً﴾ إلى قوله: ﴿إِلَيَّ ٱلْمَصِيرُ﴾. أي: وإذا يتلى على الذي يشتري لهو الحديث القرآن أدبر يستكبر عن سماع الحق، ﴿كَأَنَّ فِيۤ أُذُنَيْهِ وَقْراً﴾ أي صمماً وثقلاً فهو لا يستطيع أن يسمع ما يتلى عليه. ﴿فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ أي: مؤلم، يعني في يوم القيامة، وذلك عذاب النار. * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتُ ٱلنَّعِيمِ﴾. أي: إن الذين صَدَّقُوا محمداً وما جاء به وعملوا الأعمال الصالحة، لهم بساتين النعيم ماكثين فيها إلى غير نهاية. ﴿وَعْدَ ٱللَّهِ حَقّاً﴾ أي: وعدهم الله ذلك [وعداً] حقاً لا خلف فيه. ﴿وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ﴾ أي: الصنيع الشديد في انتقامه من أهل الشرك. ﴿ٱلْحَكِيمُ﴾ في تدبيره لخلقه. ولا يحسن الوقف على: "خالدين فيها" عند سيبويه، لأن الجملة عاملة في: "وَعْدَ الله" إذ هو عنده مصدر مؤكد. وأجازه أبو حاتم لأنه يضمر فعلاً ينصب به "وعداً الله"، وتقديره: وعدهم الله بذلك وعداً حقاً. ثم قال تعالى ذكره: ﴿خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾. قال ابن عباس: عمدها قاف، وهو الجبل المحيط بالدنيا، وهو من زبرجدة خضراء. من زبرجد الجنة، وخضرة السماء منه، وخضرة البحار من السماء، والسماء مقبة على الجبل الذي اسمه قاف، ولكنكم لا ترونه. وروي عنه أنه قال: لعلها بعمد لا ترونها. وقاله عكرمة. فيكون ترونها على هذا القول في موضع خفض نعتاً للعمد، والتاء متعلقة بخلق. وقال الحسن: لا عمد لها البتة. فيكون "ترونها" على هذا القول في موضع نصب على الحال من السماوات، والباء متعلقة بِتَرَوْنها. ويجوز أن يكون "ترونها" مستأنفاً، أي أنتم ترونها فتقف على: "بغير عمد" ولا تقف على القولين الأولين إلا على: "ترونها"، فإذا كان الضمير في ترونها للعمد، فترونها نعت للعمد، وليس ثم عمد، والمعنى فلا عمد مرئية البتة ويحتمل على هذا الوجه، فلا عمد مرئية لكم، أي ثم عمد ولكن لا ترونها. [فإذا جعلت الضمير في ترونها يعود على السماوات، كان ترونها] حالاً من السماوات. والمعنى ترون السماوات بغير عمد تمسكها، فلا عمد ثم البتة، كالتأويل الأول. * * ثم قال تعالى: ﴿وَأَلْقَىٰ فِي ٱلأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ﴾ أي: أن تحرك بكم يميناً وشمالاً، أي: حمل على ظهر الأرض جبالاً ثوابت لئلا تميد بكم. قال قتادة: لولا ذلك ما أقرت عليها خلقاً. ﴿وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍ﴾ أي فرق في الأرض من كل أنواع الدواب، ثم قال تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً﴾ أي مطراً. ﴿فَأَنْبَتْنَا فِيهَا﴾ أي في الأرض بذلك الماء. ﴿مِن كُلِّ زَوْجٍ﴾ أي: نوع من النبات. ﴿كَرِيمٍ﴾ قال قتادة: حسن. وقال ابن عباس: من كل لون حسن. وتأوله الشعبي على الناس لأنهم مخلوقون من الأرض، فمن كان منهم إلى الجنة فهو الكريم، ومن يصير إلى النار فهو اللئيم. وتأوله غيره في النطفة لأنها مخلوقة من تراب في الأصل. ثم قال تعالى ذكره: ﴿هَـٰذَا خَلْقُ ٱللَّهِ﴾ أي: هذا الذي تقدم ذكره خلق الله الذي لا تصلح العبادة والألوهية إلاّ له، فأروني أيها المشركون أي شيء خلق الذين عبدتم من دونه. * * ثم قال تعالى: ﴿بَلِ ٱلظَّالِمُونَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ﴾ أي: هؤلاء المشركون في عبادتهم الأصنام في جور عن الحق وذهاب عن الاستقامة ظاهر لمن تأمله. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ ٱلْحِكْمَةَ أَنِ ٱشْكُرْ للَّهِ﴾. قال مجاهد: كان لقمان رجلاً صالحاً ولم يكن نبياً. وروي عنه أنه كان لقمان الحكيم عبداً حبشياً غليظ الشفتين مصفح القدمين قاضياً على بني إسرائيل. وقال سعيد بن المسيب: كان لقمان أسوداً من سودان مصر. وقال ابن عباس: كان عبداً حبشياً. وروي أنه كان في وقت داود. وعن عكرمة أنه قال: كان نبياً. قال مجاهد: الحكمة التي أوتي لقمان: الفقه والعقل، والإصابة في القول في غير نبوة. وقال قتادة: الحكمة التي أوتي: الفقه في الإسلام. قال قتادة: لم يكن نبياً ولم يوح إليه. وعن مجاهد: أن الحكمة التي أوتي: القرآن. وروى ابن وهب عن مالك أنه قال: قال لقمان لابنه: إن الناس قد تطاول عليهم ما يوعدون، وهم إلى الآخرة سراعاً يذهبون، وإنك قد استدبرت الدنيا منذ كنت، واستقبلت الآخرة، وإن داراً تصير إليها أقرب إليك من دار تخرج عنها، يا بني ليس غنى كصحة ولا نعيم كطيب نفس. وروى أشهب عن مالك: أن لقمان كان يقول لابنه: اتق الله جهد نفسك. قال: وكان يقول له: يا بني لا تجالس الفجار ولا تماشهم، (اتق لا ينزل) عليهم عذاب من السماء فيصيبك معهم، يا بني جالس العلماء وماشهم عسى أن تنزل عليهم رحمة فتصيبك معهم. وروي عنه: أنه كان عبداً حبشياً نجاراً. وقيل: كان خياطاً. وقيل: كان راعياً، فقال له مولاه: اذبح لنا هذه الشاة فذبحها، فقال له: أخرج أطيب مضغتين فيها، فأخرج اللسان والقلب، ثم مكث ما شاء الله، ثم قال له: اذبح لنا هذه الشاة فذبحها، فقال له: أخرج أخبث مضغتين فيها فأخرج اللسان والقلب، فقال له مولاه في ذلك منكراً عليه وممتحناً له: [أمرتك أن تخرج أطيب مضغتين فأخرجتهما وأمرتك أن تخرج أخبث مضغتين فيها فأخرجتهما]، فقال لقمان : ليس شيء أطيب منهما إذا طابا، ولا أخبث منهما إذا خبثا. وروي أنه أتاه رجل وهو في مجلس أناس يحدثهم فقال: ألست الذي كنت ترعى معي الغنم في موضع كذا؟ قال: نعم. [قال]: فما بلغ بك ما أرى؟ قال: صدق الحديث، والصمت عما لا يعنيني. قال وهب بن منبه: قرأت من حكمته أرجح من عشرة آلاف باب. * * وقوله: ﴿أَنِ ٱشْكُرْ للَّهِ﴾ أن بمعنى أي: لا موضع لها. وأجاز سيبويه أن تكون في موضع نصب على معنى بأن أشكر، كما تقول كتبت إليه أن قم، أي: بأن قم. والمعنى: أن أحمد الله على ما آتاك من الحكمة، فقوله: "أَنْ أشْكُرْ" بيان عن الحكمة، لأن من الحكمة التي أوتيها شكر الله على ما آتاه. * * ثم قال: ﴿وَمَن يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ﴾ أي: من شكر نعم الله عليه فإنما يشكر لنفسه لأنه يتزيد لنفسه من النعم بالشكر، ويؤدي ما على نفسه من الشكر، ويكتب له الأجر والذخر، بالشكر فلنفسه يعمل وإياها ينفع. * * ثم قال: ﴿وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَنِيٌّ﴾ أي: ومن كفر نعمة الله فلنفسه أساء، إذ الله تعالى معاقبه على ذلك، وهو غني عن شكره، ولا يزيده شكر العبد في سلطانه ولا ينقص تركه منه. ﴿حَمِيدٌ﴾ أي: محمود على كل حال. * * ثم قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يٰبُنَيَّ لاَ تُشْرِكْ بِٱللَّهِ﴾ أي: واذكر يا محمد إذ قال لقمان لابنه وهو يعظه يا بني لا تشرك، أي: لا تعبد معه غيره. ﴿إِنَّ ٱلشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ أي: لخطأ كبير. وروي أن اسم ابنه ثاران. * * ثم قال: ﴿وَوَصَّيْنَا ٱلإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ﴾ أي: ببرهما. ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَىٰ وَهْنٍ﴾ أي: ضعفاً على ضعف وشدة على شدة، ومنه: "وَهَنَ العَظْمُ مِنِّي". قال ابن عباس: شدة بعد شدة وخلقاً بعد خلق. وقال الضحاك: ضعفاً على ضعف. وقال قتادة: جهداً على جهد. فهذا كله يعني به الحمل، يعني: ضعف الحمل، وضعف الطلق، وضعف النفاس. وعن ابن عباس أنه قال: مشقة وهن الولد على وهن الوالدة وضعفها. والوهن في اللغة الضعف: يقال: وَهَنَ يَهِنُ وَوَهُنَ يُوْهَنُ، وَوَهِنَ يَهِنُ مثل وَرِمَ يَرِمُ. * * ثم قال تعالى: ﴿وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾ أي: وفطامه من الرضاع في انقضاء عامين مثل وسئل القرية. ﴿أَنِ ٱشْكُرْ لِي﴾ أن بمعنى أي: أو في موضع نصب على ما تقدم. وكونها بمعنى (أي) أحسن. والمعنى: وعهدنا إليه أن أشكر نعمتي عليك، وأشكر لوالديك تربيتهما لك، ومحنتهما فيك. ﴿إِلَيَّ ٱلْمَصِيرُ﴾ أي: مصيرك فسائلك عن شكرك لي ولهما وعن غير ذلك. وروي أن هذه الآية نزلت في شأن سعد بن أبي وقاص وأمه، وذلك أن أمه حلفت أن لا تأكل ولا تشرب حتى يتحول عن دينه، فأبى عليها، فلم تزل كذلك حتى غشي عليها فلما أفاقت دعت عليه، فنزلت الآية.

لقمان 31:10

قوله تعالى ذكره: ﴿وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِ ءَايَاتُنَا وَلَّىٰ مُسْتَكْبِراً﴾ إلى قوله: ﴿إِلَيَّ ٱلْمَصِيرُ﴾. أي: وإذا يتلى على الذي يشتري لهو الحديث القرآن أدبر يستكبر عن سماع الحق، ﴿كَأَنَّ فِيۤ أُذُنَيْهِ وَقْراً﴾ أي صمماً وثقلاً فهو لا يستطيع أن يسمع ما يتلى عليه. ﴿فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ أي: مؤلم، يعني في يوم القيامة، وذلك عذاب النار. * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتُ ٱلنَّعِيمِ﴾. أي: إن الذين صَدَّقُوا محمداً وما جاء به وعملوا الأعمال الصالحة، لهم بساتين النعيم ماكثين فيها إلى غير نهاية. ﴿وَعْدَ ٱللَّهِ حَقّاً﴾ أي: وعدهم الله ذلك [وعداً] حقاً لا خلف فيه. ﴿وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ﴾ أي: الصنيع الشديد في انتقامه من أهل الشرك. ﴿ٱلْحَكِيمُ﴾ في تدبيره لخلقه. ولا يحسن الوقف على: "خالدين فيها" عند سيبويه، لأن الجملة عاملة في: "وَعْدَ الله" إذ هو عنده مصدر مؤكد. وأجازه أبو حاتم لأنه يضمر فعلاً ينصب به "وعداً الله"، وتقديره: وعدهم الله بذلك وعداً حقاً. ثم قال تعالى ذكره: ﴿خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾. قال ابن عباس: عمدها قاف، وهو الجبل المحيط بالدنيا، وهو من زبرجدة خضراء. من زبرجد الجنة، وخضرة السماء منه، وخضرة البحار من السماء، والسماء مقبة على الجبل الذي اسمه قاف، ولكنكم لا ترونه. وروي عنه أنه قال: لعلها بعمد لا ترونها. وقاله عكرمة. فيكون ترونها على هذا القول في موضع خفض نعتاً للعمد، والتاء متعلقة بخلق. وقال الحسن: لا عمد لها البتة. فيكون "ترونها" على هذا القول في موضع نصب على الحال من السماوات، والباء متعلقة بِتَرَوْنها. ويجوز أن يكون "ترونها" مستأنفاً، أي أنتم ترونها فتقف على: "بغير عمد" ولا تقف على القولين الأولين إلا على: "ترونها"، فإذا كان الضمير في ترونها للعمد، فترونها نعت للعمد، وليس ثم عمد، والمعنى فلا عمد مرئية البتة ويحتمل على هذا الوجه، فلا عمد مرئية لكم، أي ثم عمد ولكن لا ترونها. [فإذا جعلت الضمير في ترونها يعود على السماوات، كان ترونها] حالاً من السماوات. والمعنى ترون السماوات بغير عمد تمسكها، فلا عمد ثم البتة، كالتأويل الأول. * * ثم قال تعالى: ﴿وَأَلْقَىٰ فِي ٱلأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ﴾ أي: أن تحرك بكم يميناً وشمالاً، أي: حمل على ظهر الأرض جبالاً ثوابت لئلا تميد بكم. قال قتادة: لولا ذلك ما أقرت عليها خلقاً. ﴿وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍ﴾ أي فرق في الأرض من كل أنواع الدواب، ثم قال تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً﴾ أي مطراً. ﴿فَأَنْبَتْنَا فِيهَا﴾ أي في الأرض بذلك الماء. ﴿مِن كُلِّ زَوْجٍ﴾ أي: نوع من النبات. ﴿كَرِيمٍ﴾ قال قتادة: حسن. وقال ابن عباس: من كل لون حسن. وتأوله الشعبي على الناس لأنهم مخلوقون من الأرض، فمن كان منهم إلى الجنة فهو الكريم، ومن يصير إلى النار فهو اللئيم. وتأوله غيره في النطفة لأنها مخلوقة من تراب في الأصل. ثم قال تعالى ذكره: ﴿هَـٰذَا خَلْقُ ٱللَّهِ﴾ أي: هذا الذي تقدم ذكره خلق الله الذي لا تصلح العبادة والألوهية إلاّ له، فأروني أيها المشركون أي شيء خلق الذين عبدتم من دونه. * * ثم قال تعالى: ﴿بَلِ ٱلظَّالِمُونَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ﴾ أي: هؤلاء المشركون في عبادتهم الأصنام في جور عن الحق وذهاب عن الاستقامة ظاهر لمن تأمله. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ ٱلْحِكْمَةَ أَنِ ٱشْكُرْ للَّهِ﴾. قال مجاهد: كان لقمان رجلاً صالحاً ولم يكن نبياً. وروي عنه أنه كان لقمان الحكيم عبداً حبشياً غليظ الشفتين مصفح القدمين قاضياً على بني إسرائيل. وقال سعيد بن المسيب: كان لقمان أسوداً من سودان مصر. وقال ابن عباس: كان عبداً حبشياً. وروي أنه كان في وقت داود. وعن عكرمة أنه قال: كان نبياً. قال مجاهد: الحكمة التي أوتي لقمان: الفقه والعقل، والإصابة في القول في غير نبوة. وقال قتادة: الحكمة التي أوتي: الفقه في الإسلام. قال قتادة: لم يكن نبياً ولم يوح إليه. وعن مجاهد: أن الحكمة التي أوتي: القرآن. وروى ابن وهب عن مالك أنه قال: قال لقمان لابنه: إن الناس قد تطاول عليهم ما يوعدون، وهم إلى الآخرة سراعاً يذهبون، وإنك قد استدبرت الدنيا منذ كنت، واستقبلت الآخرة، وإن داراً تصير إليها أقرب إليك من دار تخرج عنها، يا بني ليس غنى كصحة ولا نعيم كطيب نفس. وروى أشهب عن مالك: أن لقمان كان يقول لابنه: اتق الله جهد نفسك. قال: وكان يقول له: يا بني لا تجالس الفجار ولا تماشهم، (اتق لا ينزل) عليهم عذاب من السماء فيصيبك معهم، يا بني جالس العلماء وماشهم عسى أن تنزل عليهم رحمة فتصيبك معهم. وروي عنه: أنه كان عبداً حبشياً نجاراً. وقيل: كان خياطاً. وقيل: كان راعياً، فقال له مولاه: اذبح لنا هذه الشاة فذبحها، فقال له: أخرج أطيب مضغتين فيها، فأخرج اللسان والقلب، ثم مكث ما شاء الله، ثم قال له: اذبح لنا هذه الشاة فذبحها، فقال له: أخرج أخبث مضغتين فيها فأخرج اللسان والقلب، فقال له مولاه في ذلك منكراً عليه وممتحناً له: [أمرتك أن تخرج أطيب مضغتين فأخرجتهما وأمرتك أن تخرج أخبث مضغتين فيها فأخرجتهما]، فقال لقمان : ليس شيء أطيب منهما إذا طابا، ولا أخبث منهما إذا خبثا. وروي أنه أتاه رجل وهو في مجلس أناس يحدثهم فقال: ألست الذي كنت ترعى معي الغنم في موضع كذا؟ قال: نعم. [قال]: فما بلغ بك ما أرى؟ قال: صدق الحديث، والصمت عما لا يعنيني. قال وهب بن منبه: قرأت من حكمته أرجح من عشرة آلاف باب. * * وقوله: ﴿أَنِ ٱشْكُرْ للَّهِ﴾ أن بمعنى أي: لا موضع لها. وأجاز سيبويه أن تكون في موضع نصب على معنى بأن أشكر، كما تقول كتبت إليه أن قم، أي: بأن قم. والمعنى: أن أحمد الله على ما آتاك من الحكمة، فقوله: "أَنْ أشْكُرْ" بيان عن الحكمة، لأن من الحكمة التي أوتيها شكر الله على ما آتاه. * * ثم قال: ﴿وَمَن يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ﴾ أي: من شكر نعم الله عليه فإنما يشكر لنفسه لأنه يتزيد لنفسه من النعم بالشكر، ويؤدي ما على نفسه من الشكر، ويكتب له الأجر والذخر، بالشكر فلنفسه يعمل وإياها ينفع. * * ثم قال: ﴿وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَنِيٌّ﴾ أي: ومن كفر نعمة الله فلنفسه أساء، إذ الله تعالى معاقبه على ذلك، وهو غني عن شكره، ولا يزيده شكر العبد في سلطانه ولا ينقص تركه منه. ﴿حَمِيدٌ﴾ أي: محمود على كل حال. * * ثم قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يٰبُنَيَّ لاَ تُشْرِكْ بِٱللَّهِ﴾ أي: واذكر يا محمد إذ قال لقمان لابنه وهو يعظه يا بني لا تشرك، أي: لا تعبد معه غيره. ﴿إِنَّ ٱلشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ أي: لخطأ كبير. وروي أن اسم ابنه ثاران. * * ثم قال: ﴿وَوَصَّيْنَا ٱلإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ﴾ أي: ببرهما. ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَىٰ وَهْنٍ﴾ أي: ضعفاً على ضعف وشدة على شدة، ومنه: "وَهَنَ العَظْمُ مِنِّي". قال ابن عباس: شدة بعد شدة وخلقاً بعد خلق. وقال الضحاك: ضعفاً على ضعف. وقال قتادة: جهداً على جهد. فهذا كله يعني به الحمل، يعني: ضعف الحمل، وضعف الطلق، وضعف النفاس. وعن ابن عباس أنه قال: مشقة وهن الولد على وهن الوالدة وضعفها. والوهن في اللغة الضعف: يقال: وَهَنَ يَهِنُ وَوَهُنَ يُوْهَنُ، وَوَهِنَ يَهِنُ مثل وَرِمَ يَرِمُ. * * ثم قال تعالى: ﴿وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾ أي: وفطامه من الرضاع في انقضاء عامين مثل وسئل القرية. ﴿أَنِ ٱشْكُرْ لِي﴾ أن بمعنى أي: أو في موضع نصب على ما تقدم. وكونها بمعنى (أي) أحسن. والمعنى: وعهدنا إليه أن أشكر نعمتي عليك، وأشكر لوالديك تربيتهما لك، ومحنتهما فيك. ﴿إِلَيَّ ٱلْمَصِيرُ﴾ أي: مصيرك فسائلك عن شكرك لي ولهما وعن غير ذلك. وروي أن هذه الآية نزلت في شأن سعد بن أبي وقاص وأمه، وذلك أن أمه حلفت أن لا تأكل ولا تشرب حتى يتحول عن دينه، فأبى عليها، فلم تزل كذلك حتى غشي عليها فلما أفاقت دعت عليه، فنزلت الآية.

لقمان 31:11

قوله تعالى ذكره: ﴿وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِ ءَايَاتُنَا وَلَّىٰ مُسْتَكْبِراً﴾ إلى قوله: ﴿إِلَيَّ ٱلْمَصِيرُ﴾. أي: وإذا يتلى على الذي يشتري لهو الحديث القرآن أدبر يستكبر عن سماع الحق، ﴿كَأَنَّ فِيۤ أُذُنَيْهِ وَقْراً﴾ أي صمماً وثقلاً فهو لا يستطيع أن يسمع ما يتلى عليه. ﴿فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ أي: مؤلم، يعني في يوم القيامة، وذلك عذاب النار. * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتُ ٱلنَّعِيمِ﴾. أي: إن الذين صَدَّقُوا محمداً وما جاء به وعملوا الأعمال الصالحة، لهم بساتين النعيم ماكثين فيها إلى غير نهاية. ﴿وَعْدَ ٱللَّهِ حَقّاً﴾ أي: وعدهم الله ذلك [وعداً] حقاً لا خلف فيه. ﴿وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ﴾ أي: الصنيع الشديد في انتقامه من أهل الشرك. ﴿ٱلْحَكِيمُ﴾ في تدبيره لخلقه. ولا يحسن الوقف على: "خالدين فيها" عند سيبويه، لأن الجملة عاملة في: "وَعْدَ الله" إذ هو عنده مصدر مؤكد. وأجازه أبو حاتم لأنه يضمر فعلاً ينصب به "وعداً الله"، وتقديره: وعدهم الله بذلك وعداً حقاً. ثم قال تعالى ذكره: ﴿خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾. قال ابن عباس: عمدها قاف، وهو الجبل المحيط بالدنيا، وهو من زبرجدة خضراء. من زبرجد الجنة، وخضرة السماء منه، وخضرة البحار من السماء، والسماء مقبة على الجبل الذي اسمه قاف، ولكنكم لا ترونه. وروي عنه أنه قال: لعلها بعمد لا ترونها. وقاله عكرمة. فيكون ترونها على هذا القول في موضع خفض نعتاً للعمد، والتاء متعلقة بخلق. وقال الحسن: لا عمد لها البتة. فيكون "ترونها" على هذا القول في موضع نصب على الحال من السماوات، والباء متعلقة بِتَرَوْنها. ويجوز أن يكون "ترونها" مستأنفاً، أي أنتم ترونها فتقف على: "بغير عمد" ولا تقف على القولين الأولين إلا على: "ترونها"، فإذا كان الضمير في ترونها للعمد، فترونها نعت للعمد، وليس ثم عمد، والمعنى فلا عمد مرئية البتة ويحتمل على هذا الوجه، فلا عمد مرئية لكم، أي ثم عمد ولكن لا ترونها. [فإذا جعلت الضمير في ترونها يعود على السماوات، كان ترونها] حالاً من السماوات. والمعنى ترون السماوات بغير عمد تمسكها، فلا عمد ثم البتة، كالتأويل الأول. * * ثم قال تعالى: ﴿وَأَلْقَىٰ فِي ٱلأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ﴾ أي: أن تحرك بكم يميناً وشمالاً، أي: حمل على ظهر الأرض جبالاً ثوابت لئلا تميد بكم. قال قتادة: لولا ذلك ما أقرت عليها خلقاً. ﴿وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍ﴾ أي فرق في الأرض من كل أنواع الدواب، ثم قال تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً﴾ أي مطراً. ﴿فَأَنْبَتْنَا فِيهَا﴾ أي في الأرض بذلك الماء. ﴿مِن كُلِّ زَوْجٍ﴾ أي: نوع من النبات. ﴿كَرِيمٍ﴾ قال قتادة: حسن. وقال ابن عباس: من كل لون حسن. وتأوله الشعبي على الناس لأنهم مخلوقون من الأرض، فمن كان منهم إلى الجنة فهو الكريم، ومن يصير إلى النار فهو اللئيم. وتأوله غيره في النطفة لأنها مخلوقة من تراب في الأصل. ثم قال تعالى ذكره: ﴿هَـٰذَا خَلْقُ ٱللَّهِ﴾ أي: هذا الذي تقدم ذكره خلق الله الذي لا تصلح العبادة والألوهية إلاّ له، فأروني أيها المشركون أي شيء خلق الذين عبدتم من دونه. * * ثم قال تعالى: ﴿بَلِ ٱلظَّالِمُونَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ﴾ أي: هؤلاء المشركون في عبادتهم الأصنام في جور عن الحق وذهاب عن الاستقامة ظاهر لمن تأمله. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ ٱلْحِكْمَةَ أَنِ ٱشْكُرْ للَّهِ﴾. قال مجاهد: كان لقمان رجلاً صالحاً ولم يكن نبياً. وروي عنه أنه كان لقمان الحكيم عبداً حبشياً غليظ الشفتين مصفح القدمين قاضياً على بني إسرائيل. وقال سعيد بن المسيب: كان لقمان أسوداً من سودان مصر. وقال ابن عباس: كان عبداً حبشياً. وروي أنه كان في وقت داود. وعن عكرمة أنه قال: كان نبياً. قال مجاهد: الحكمة التي أوتي لقمان: الفقه والعقل، والإصابة في القول في غير نبوة. وقال قتادة: الحكمة التي أوتي: الفقه في الإسلام. قال قتادة: لم يكن نبياً ولم يوح إليه. وعن مجاهد: أن الحكمة التي أوتي: القرآن. وروى ابن وهب عن مالك أنه قال: قال لقمان لابنه: إن الناس قد تطاول عليهم ما يوعدون، وهم إلى الآخرة سراعاً يذهبون، وإنك قد استدبرت الدنيا منذ كنت، واستقبلت الآخرة، وإن داراً تصير إليها أقرب إليك من دار تخرج عنها، يا بني ليس غنى كصحة ولا نعيم كطيب نفس. وروى أشهب عن مالك: أن لقمان كان يقول لابنه: اتق الله جهد نفسك. قال: وكان يقول له: يا بني لا تجالس الفجار ولا تماشهم، (اتق لا ينزل) عليهم عذاب من السماء فيصيبك معهم، يا بني جالس العلماء وماشهم عسى أن تنزل عليهم رحمة فتصيبك معهم. وروي عنه: أنه كان عبداً حبشياً نجاراً. وقيل: كان خياطاً. وقيل: كان راعياً، فقال له مولاه: اذبح لنا هذه الشاة فذبحها، فقال له: أخرج أطيب مضغتين فيها، فأخرج اللسان والقلب، ثم مكث ما شاء الله، ثم قال له: اذبح لنا هذه الشاة فذبحها، فقال له: أخرج أخبث مضغتين فيها فأخرج اللسان والقلب، فقال له مولاه في ذلك منكراً عليه وممتحناً له: [أمرتك أن تخرج أطيب مضغتين فأخرجتهما وأمرتك أن تخرج أخبث مضغتين فيها فأخرجتهما]، فقال لقمان : ليس شيء أطيب منهما إذا طابا، ولا أخبث منهما إذا خبثا. وروي أنه أتاه رجل وهو في مجلس أناس يحدثهم فقال: ألست الذي كنت ترعى معي الغنم في موضع كذا؟ قال: نعم. [قال]: فما بلغ بك ما أرى؟ قال: صدق الحديث، والصمت عما لا يعنيني. قال وهب بن منبه: قرأت من حكمته أرجح من عشرة آلاف باب. * * وقوله: ﴿أَنِ ٱشْكُرْ للَّهِ﴾ أن بمعنى أي: لا موضع لها. وأجاز سيبويه أن تكون في موضع نصب على معنى بأن أشكر، كما تقول كتبت إليه أن قم، أي: بأن قم. والمعنى: أن أحمد الله على ما آتاك من الحكمة، فقوله: "أَنْ أشْكُرْ" بيان عن الحكمة، لأن من الحكمة التي أوتيها شكر الله على ما آتاه. * * ثم قال: ﴿وَمَن يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ﴾ أي: من شكر نعم الله عليه فإنما يشكر لنفسه لأنه يتزيد لنفسه من النعم بالشكر، ويؤدي ما على نفسه من الشكر، ويكتب له الأجر والذخر، بالشكر فلنفسه يعمل وإياها ينفع. * * ثم قال: ﴿وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَنِيٌّ﴾ أي: ومن كفر نعمة الله فلنفسه أساء، إذ الله تعالى معاقبه على ذلك، وهو غني عن شكره، ولا يزيده شكر العبد في سلطانه ولا ينقص تركه منه. ﴿حَمِيدٌ﴾ أي: محمود على كل حال. * * ثم قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يٰبُنَيَّ لاَ تُشْرِكْ بِٱللَّهِ﴾ أي: واذكر يا محمد إذ قال لقمان لابنه وهو يعظه يا بني لا تشرك، أي: لا تعبد معه غيره. ﴿إِنَّ ٱلشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ أي: لخطأ كبير. وروي أن اسم ابنه ثاران. * * ثم قال: ﴿وَوَصَّيْنَا ٱلإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ﴾ أي: ببرهما. ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَىٰ وَهْنٍ﴾ أي: ضعفاً على ضعف وشدة على شدة، ومنه: "وَهَنَ العَظْمُ مِنِّي". قال ابن عباس: شدة بعد شدة وخلقاً بعد خلق. وقال الضحاك: ضعفاً على ضعف. وقال قتادة: جهداً على جهد. فهذا كله يعني به الحمل، يعني: ضعف الحمل، وضعف الطلق، وضعف النفاس. وعن ابن عباس أنه قال: مشقة وهن الولد على وهن الوالدة وضعفها. والوهن في اللغة الضعف: يقال: وَهَنَ يَهِنُ وَوَهُنَ يُوْهَنُ، وَوَهِنَ يَهِنُ مثل وَرِمَ يَرِمُ. * * ثم قال تعالى: ﴿وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾ أي: وفطامه من الرضاع في انقضاء عامين مثل وسئل القرية. ﴿أَنِ ٱشْكُرْ لِي﴾ أن بمعنى أي: أو في موضع نصب على ما تقدم. وكونها بمعنى (أي) أحسن. والمعنى: وعهدنا إليه أن أشكر نعمتي عليك، وأشكر لوالديك تربيتهما لك، ومحنتهما فيك. ﴿إِلَيَّ ٱلْمَصِيرُ﴾ أي: مصيرك فسائلك عن شكرك لي ولهما وعن غير ذلك. وروي أن هذه الآية نزلت في شأن سعد بن أبي وقاص وأمه، وذلك أن أمه حلفت أن لا تأكل ولا تشرب حتى يتحول عن دينه، فأبى عليها، فلم تزل كذلك حتى غشي عليها فلما أفاقت دعت عليه، فنزلت الآية.

لقمان 31:12

قوله تعالى ذكره: ﴿وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِ ءَايَاتُنَا وَلَّىٰ مُسْتَكْبِراً﴾ إلى قوله: ﴿إِلَيَّ ٱلْمَصِيرُ﴾. أي: وإذا يتلى على الذي يشتري لهو الحديث القرآن أدبر يستكبر عن سماع الحق، ﴿كَأَنَّ فِيۤ أُذُنَيْهِ وَقْراً﴾ أي صمماً وثقلاً فهو لا يستطيع أن يسمع ما يتلى عليه. ﴿فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ أي: مؤلم، يعني في يوم القيامة، وذلك عذاب النار. * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتُ ٱلنَّعِيمِ﴾. أي: إن الذين صَدَّقُوا محمداً وما جاء به وعملوا الأعمال الصالحة، لهم بساتين النعيم ماكثين فيها إلى غير نهاية. ﴿وَعْدَ ٱللَّهِ حَقّاً﴾ أي: وعدهم الله ذلك [وعداً] حقاً لا خلف فيه. ﴿وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ﴾ أي: الصنيع الشديد في انتقامه من أهل الشرك. ﴿ٱلْحَكِيمُ﴾ في تدبيره لخلقه. ولا يحسن الوقف على: "خالدين فيها" عند سيبويه، لأن الجملة عاملة في: "وَعْدَ الله" إذ هو عنده مصدر مؤكد. وأجازه أبو حاتم لأنه يضمر فعلاً ينصب به "وعداً الله"، وتقديره: وعدهم الله بذلك وعداً حقاً. ثم قال تعالى ذكره: ﴿خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾. قال ابن عباس: عمدها قاف، وهو الجبل المحيط بالدنيا، وهو من زبرجدة خضراء. من زبرجد الجنة، وخضرة السماء منه، وخضرة البحار من السماء، والسماء مقبة على الجبل الذي اسمه قاف، ولكنكم لا ترونه. وروي عنه أنه قال: لعلها بعمد لا ترونها. وقاله عكرمة. فيكون ترونها على هذا القول في موضع خفض نعتاً للعمد، والتاء متعلقة بخلق. وقال الحسن: لا عمد لها البتة. فيكون "ترونها" على هذا القول في موضع نصب على الحال من السماوات، والباء متعلقة بِتَرَوْنها. ويجوز أن يكون "ترونها" مستأنفاً، أي أنتم ترونها فتقف على: "بغير عمد" ولا تقف على القولين الأولين إلا على: "ترونها"، فإذا كان الضمير في ترونها للعمد، فترونها نعت للعمد، وليس ثم عمد، والمعنى فلا عمد مرئية البتة ويحتمل على هذا الوجه، فلا عمد مرئية لكم، أي ثم عمد ولكن لا ترونها. [فإذا جعلت الضمير في ترونها يعود على السماوات، كان ترونها] حالاً من السماوات. والمعنى ترون السماوات بغير عمد تمسكها، فلا عمد ثم البتة، كالتأويل الأول. * * ثم قال تعالى: ﴿وَأَلْقَىٰ فِي ٱلأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ﴾ أي: أن تحرك بكم يميناً وشمالاً، أي: حمل على ظهر الأرض جبالاً ثوابت لئلا تميد بكم. قال قتادة: لولا ذلك ما أقرت عليها خلقاً. ﴿وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍ﴾ أي فرق في الأرض من كل أنواع الدواب، ثم قال تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً﴾ أي مطراً. ﴿فَأَنْبَتْنَا فِيهَا﴾ أي في الأرض بذلك الماء. ﴿مِن كُلِّ زَوْجٍ﴾ أي: نوع من النبات. ﴿كَرِيمٍ﴾ قال قتادة: حسن. وقال ابن عباس: من كل لون حسن. وتأوله الشعبي على الناس لأنهم مخلوقون من الأرض، فمن كان منهم إلى الجنة فهو الكريم، ومن يصير إلى النار فهو اللئيم. وتأوله غيره في النطفة لأنها مخلوقة من تراب في الأصل. ثم قال تعالى ذكره: ﴿هَـٰذَا خَلْقُ ٱللَّهِ﴾ أي: هذا الذي تقدم ذكره خلق الله الذي لا تصلح العبادة والألوهية إلاّ له، فأروني أيها المشركون أي شيء خلق الذين عبدتم من دونه. * * ثم قال تعالى: ﴿بَلِ ٱلظَّالِمُونَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ﴾ أي: هؤلاء المشركون في عبادتهم الأصنام في جور عن الحق وذهاب عن الاستقامة ظاهر لمن تأمله. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ ٱلْحِكْمَةَ أَنِ ٱشْكُرْ للَّهِ﴾. قال مجاهد: كان لقمان رجلاً صالحاً ولم يكن نبياً. وروي عنه أنه كان لقمان الحكيم عبداً حبشياً غليظ الشفتين مصفح القدمين قاضياً على بني إسرائيل. وقال سعيد بن المسيب: كان لقمان أسوداً من سودان مصر. وقال ابن عباس: كان عبداً حبشياً. وروي أنه كان في وقت داود. وعن عكرمة أنه قال: كان نبياً. قال مجاهد: الحكمة التي أوتي لقمان: الفقه والعقل، والإصابة في القول في غير نبوة. وقال قتادة: الحكمة التي أوتي: الفقه في الإسلام. قال قتادة: لم يكن نبياً ولم يوح إليه. وعن مجاهد: أن الحكمة التي أوتي: القرآن. وروى ابن وهب عن مالك أنه قال: قال لقمان لابنه: إن الناس قد تطاول عليهم ما يوعدون، وهم إلى الآخرة سراعاً يذهبون، وإنك قد استدبرت الدنيا منذ كنت، واستقبلت الآخرة، وإن داراً تصير إليها أقرب إليك من دار تخرج عنها، يا بني ليس غنى كصحة ولا نعيم كطيب نفس. وروى أشهب عن مالك: أن لقمان كان يقول لابنه: اتق الله جهد نفسك. قال: وكان يقول له: يا بني لا تجالس الفجار ولا تماشهم، (اتق لا ينزل) عليهم عذاب من السماء فيصيبك معهم، يا بني جالس العلماء وماشهم عسى أن تنزل عليهم رحمة فتصيبك معهم. وروي عنه: أنه كان عبداً حبشياً نجاراً. وقيل: كان خياطاً. وقيل: كان راعياً، فقال له مولاه: اذبح لنا هذه الشاة فذبحها، فقال له: أخرج أطيب مضغتين فيها، فأخرج اللسان والقلب، ثم مكث ما شاء الله، ثم قال له: اذبح لنا هذه الشاة فذبحها، فقال له: أخرج أخبث مضغتين فيها فأخرج اللسان والقلب، فقال له مولاه في ذلك منكراً عليه وممتحناً له: [أمرتك أن تخرج أطيب مضغتين فأخرجتهما وأمرتك أن تخرج أخبث مضغتين فيها فأخرجتهما]، فقال لقمان : ليس شيء أطيب منهما إذا طابا، ولا أخبث منهما إذا خبثا. وروي أنه أتاه رجل وهو في مجلس أناس يحدثهم فقال: ألست الذي كنت ترعى معي الغنم في موضع كذا؟ قال: نعم. [قال]: فما بلغ بك ما أرى؟ قال: صدق الحديث، والصمت عما لا يعنيني. قال وهب بن منبه: قرأت من حكمته أرجح من عشرة آلاف باب. * * وقوله: ﴿أَنِ ٱشْكُرْ للَّهِ﴾ أن بمعنى أي: لا موضع لها. وأجاز سيبويه أن تكون في موضع نصب على معنى بأن أشكر، كما تقول كتبت إليه أن قم، أي: بأن قم. والمعنى: أن أحمد الله على ما آتاك من الحكمة، فقوله: "أَنْ أشْكُرْ" بيان عن الحكمة، لأن من الحكمة التي أوتيها شكر الله على ما آتاه. * * ثم قال: ﴿وَمَن يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ﴾ أي: من شكر نعم الله عليه فإنما يشكر لنفسه لأنه يتزيد لنفسه من النعم بالشكر، ويؤدي ما على نفسه من الشكر، ويكتب له الأجر والذخر، بالشكر فلنفسه يعمل وإياها ينفع. * * ثم قال: ﴿وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَنِيٌّ﴾ أي: ومن كفر نعمة الله فلنفسه أساء، إذ الله تعالى معاقبه على ذلك، وهو غني عن شكره، ولا يزيده شكر العبد في سلطانه ولا ينقص تركه منه. ﴿حَمِيدٌ﴾ أي: محمود على كل حال. * * ثم قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يٰبُنَيَّ لاَ تُشْرِكْ بِٱللَّهِ﴾ أي: واذكر يا محمد إذ قال لقمان لابنه وهو يعظه يا بني لا تشرك، أي: لا تعبد معه غيره. ﴿إِنَّ ٱلشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ أي: لخطأ كبير. وروي أن اسم ابنه ثاران. * * ثم قال: ﴿وَوَصَّيْنَا ٱلإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ﴾ أي: ببرهما. ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَىٰ وَهْنٍ﴾ أي: ضعفاً على ضعف وشدة على شدة، ومنه: "وَهَنَ العَظْمُ مِنِّي". قال ابن عباس: شدة بعد شدة وخلقاً بعد خلق. وقال الضحاك: ضعفاً على ضعف. وقال قتادة: جهداً على جهد. فهذا كله يعني به الحمل، يعني: ضعف الحمل، وضعف الطلق، وضعف النفاس. وعن ابن عباس أنه قال: مشقة وهن الولد على وهن الوالدة وضعفها. والوهن في اللغة الضعف: يقال: وَهَنَ يَهِنُ وَوَهُنَ يُوْهَنُ، وَوَهِنَ يَهِنُ مثل وَرِمَ يَرِمُ. * * ثم قال تعالى: ﴿وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾ أي: وفطامه من الرضاع في انقضاء عامين مثل وسئل القرية. ﴿أَنِ ٱشْكُرْ لِي﴾ أن بمعنى أي: أو في موضع نصب على ما تقدم. وكونها بمعنى (أي) أحسن. والمعنى: وعهدنا إليه أن أشكر نعمتي عليك، وأشكر لوالديك تربيتهما لك، ومحنتهما فيك. ﴿إِلَيَّ ٱلْمَصِيرُ﴾ أي: مصيرك فسائلك عن شكرك لي ولهما وعن غير ذلك. وروي أن هذه الآية نزلت في شأن سعد بن أبي وقاص وأمه، وذلك أن أمه حلفت أن لا تأكل ولا تشرب حتى يتحول عن دينه، فأبى عليها، فلم تزل كذلك حتى غشي عليها فلما أفاقت دعت عليه، فنزلت الآية.

لقمان 31:13

قوله تعالى ذكره: ﴿وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِ ءَايَاتُنَا وَلَّىٰ مُسْتَكْبِراً﴾ إلى قوله: ﴿إِلَيَّ ٱلْمَصِيرُ﴾. أي: وإذا يتلى على الذي يشتري لهو الحديث القرآن أدبر يستكبر عن سماع الحق، ﴿كَأَنَّ فِيۤ أُذُنَيْهِ وَقْراً﴾ أي صمماً وثقلاً فهو لا يستطيع أن يسمع ما يتلى عليه. ﴿فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ أي: مؤلم، يعني في يوم القيامة، وذلك عذاب النار. * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتُ ٱلنَّعِيمِ﴾. أي: إن الذين صَدَّقُوا محمداً وما جاء به وعملوا الأعمال الصالحة، لهم بساتين النعيم ماكثين فيها إلى غير نهاية. ﴿وَعْدَ ٱللَّهِ حَقّاً﴾ أي: وعدهم الله ذلك [وعداً] حقاً لا خلف فيه. ﴿وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ﴾ أي: الصنيع الشديد في انتقامه من أهل الشرك. ﴿ٱلْحَكِيمُ﴾ في تدبيره لخلقه. ولا يحسن الوقف على: "خالدين فيها" عند سيبويه، لأن الجملة عاملة في: "وَعْدَ الله" إذ هو عنده مصدر مؤكد. وأجازه أبو حاتم لأنه يضمر فعلاً ينصب به "وعداً الله"، وتقديره: وعدهم الله بذلك وعداً حقاً. ثم قال تعالى ذكره: ﴿خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾. قال ابن عباس: عمدها قاف، وهو الجبل المحيط بالدنيا، وهو من زبرجدة خضراء. من زبرجد الجنة، وخضرة السماء منه، وخضرة البحار من السماء، والسماء مقبة على الجبل الذي اسمه قاف، ولكنكم لا ترونه. وروي عنه أنه قال: لعلها بعمد لا ترونها. وقاله عكرمة. فيكون ترونها على هذا القول في موضع خفض نعتاً للعمد، والتاء متعلقة بخلق. وقال الحسن: لا عمد لها البتة. فيكون "ترونها" على هذا القول في موضع نصب على الحال من السماوات، والباء متعلقة بِتَرَوْنها. ويجوز أن يكون "ترونها" مستأنفاً، أي أنتم ترونها فتقف على: "بغير عمد" ولا تقف على القولين الأولين إلا على: "ترونها"، فإذا كان الضمير في ترونها للعمد، فترونها نعت للعمد، وليس ثم عمد، والمعنى فلا عمد مرئية البتة ويحتمل على هذا الوجه، فلا عمد مرئية لكم، أي ثم عمد ولكن لا ترونها. [فإذا جعلت الضمير في ترونها يعود على السماوات، كان ترونها] حالاً من السماوات. والمعنى ترون السماوات بغير عمد تمسكها، فلا عمد ثم البتة، كالتأويل الأول. * * ثم قال تعالى: ﴿وَأَلْقَىٰ فِي ٱلأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ﴾ أي: أن تحرك بكم يميناً وشمالاً، أي: حمل على ظهر الأرض جبالاً ثوابت لئلا تميد بكم. قال قتادة: لولا ذلك ما أقرت عليها خلقاً. ﴿وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍ﴾ أي فرق في الأرض من كل أنواع الدواب، ثم قال تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً﴾ أي مطراً. ﴿فَأَنْبَتْنَا فِيهَا﴾ أي في الأرض بذلك الماء. ﴿مِن كُلِّ زَوْجٍ﴾ أي: نوع من النبات. ﴿كَرِيمٍ﴾ قال قتادة: حسن. وقال ابن عباس: من كل لون حسن. وتأوله الشعبي على الناس لأنهم مخلوقون من الأرض، فمن كان منهم إلى الجنة فهو الكريم، ومن يصير إلى النار فهو اللئيم. وتأوله غيره في النطفة لأنها مخلوقة من تراب في الأصل. ثم قال تعالى ذكره: ﴿هَـٰذَا خَلْقُ ٱللَّهِ﴾ أي: هذا الذي تقدم ذكره خلق الله الذي لا تصلح العبادة والألوهية إلاّ له، فأروني أيها المشركون أي شيء خلق الذين عبدتم من دونه. * * ثم قال تعالى: ﴿بَلِ ٱلظَّالِمُونَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ﴾ أي: هؤلاء المشركون في عبادتهم الأصنام في جور عن الحق وذهاب عن الاستقامة ظاهر لمن تأمله. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ ٱلْحِكْمَةَ أَنِ ٱشْكُرْ للَّهِ﴾. قال مجاهد: كان لقمان رجلاً صالحاً ولم يكن نبياً. وروي عنه أنه كان لقمان الحكيم عبداً حبشياً غليظ الشفتين مصفح القدمين قاضياً على بني إسرائيل. وقال سعيد بن المسيب: كان لقمان أسوداً من سودان مصر. وقال ابن عباس: كان عبداً حبشياً. وروي أنه كان في وقت داود. وعن عكرمة أنه قال: كان نبياً. قال مجاهد: الحكمة التي أوتي لقمان: الفقه والعقل، والإصابة في القول في غير نبوة. وقال قتادة: الحكمة التي أوتي: الفقه في الإسلام. قال قتادة: لم يكن نبياً ولم يوح إليه. وعن مجاهد: أن الحكمة التي أوتي: القرآن. وروى ابن وهب عن مالك أنه قال: قال لقمان لابنه: إن الناس قد تطاول عليهم ما يوعدون، وهم إلى الآخرة سراعاً يذهبون، وإنك قد استدبرت الدنيا منذ كنت، واستقبلت الآخرة، وإن داراً تصير إليها أقرب إليك من دار تخرج عنها، يا بني ليس غنى كصحة ولا نعيم كطيب نفس. وروى أشهب عن مالك: أن لقمان كان يقول لابنه: اتق الله جهد نفسك. قال: وكان يقول له: يا بني لا تجالس الفجار ولا تماشهم، (اتق لا ينزل) عليهم عذاب من السماء فيصيبك معهم، يا بني جالس العلماء وماشهم عسى أن تنزل عليهم رحمة فتصيبك معهم. وروي عنه: أنه كان عبداً حبشياً نجاراً. وقيل: كان خياطاً. وقيل: كان راعياً، فقال له مولاه: اذبح لنا هذه الشاة فذبحها، فقال له: أخرج أطيب مضغتين فيها، فأخرج اللسان والقلب، ثم مكث ما شاء الله، ثم قال له: اذبح لنا هذه الشاة فذبحها، فقال له: أخرج أخبث مضغتين فيها فأخرج اللسان والقلب، فقال له مولاه في ذلك منكراً عليه وممتحناً له: [أمرتك أن تخرج أطيب مضغتين فأخرجتهما وأمرتك أن تخرج أخبث مضغتين فيها فأخرجتهما]، فقال لقمان : ليس شيء أطيب منهما إذا طابا، ولا أخبث منهما إذا خبثا. وروي أنه أتاه رجل وهو في مجلس أناس يحدثهم فقال: ألست الذي كنت ترعى معي الغنم في موضع كذا؟ قال: نعم. [قال]: فما بلغ بك ما أرى؟ قال: صدق الحديث، والصمت عما لا يعنيني. قال وهب بن منبه: قرأت من حكمته أرجح من عشرة آلاف باب. * * وقوله: ﴿أَنِ ٱشْكُرْ للَّهِ﴾ أن بمعنى أي: لا موضع لها. وأجاز سيبويه أن تكون في موضع نصب على معنى بأن أشكر، كما تقول كتبت إليه أن قم، أي: بأن قم. والمعنى: أن أحمد الله على ما آتاك من الحكمة، فقوله: "أَنْ أشْكُرْ" بيان عن الحكمة، لأن من الحكمة التي أوتيها شكر الله على ما آتاه. * * ثم قال: ﴿وَمَن يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ﴾ أي: من شكر نعم الله عليه فإنما يشكر لنفسه لأنه يتزيد لنفسه من النعم بالشكر، ويؤدي ما على نفسه من الشكر، ويكتب له الأجر والذخر، بالشكر فلنفسه يعمل وإياها ينفع. * * ثم قال: ﴿وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَنِيٌّ﴾ أي: ومن كفر نعمة الله فلنفسه أساء، إذ الله تعالى معاقبه على ذلك، وهو غني عن شكره، ولا يزيده شكر العبد في سلطانه ولا ينقص تركه منه. ﴿حَمِيدٌ﴾ أي: محمود على كل حال. * * ثم قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يٰبُنَيَّ لاَ تُشْرِكْ بِٱللَّهِ﴾ أي: واذكر يا محمد إذ قال لقمان لابنه وهو يعظه يا بني لا تشرك، أي: لا تعبد معه غيره. ﴿إِنَّ ٱلشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ أي: لخطأ كبير. وروي أن اسم ابنه ثاران. * * ثم قال: ﴿وَوَصَّيْنَا ٱلإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ﴾ أي: ببرهما. ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَىٰ وَهْنٍ﴾ أي: ضعفاً على ضعف وشدة على شدة، ومنه: "وَهَنَ العَظْمُ مِنِّي". قال ابن عباس: شدة بعد شدة وخلقاً بعد خلق. وقال الضحاك: ضعفاً على ضعف. وقال قتادة: جهداً على جهد. فهذا كله يعني به الحمل، يعني: ضعف الحمل، وضعف الطلق، وضعف النفاس. وعن ابن عباس أنه قال: مشقة وهن الولد على وهن الوالدة وضعفها. والوهن في اللغة الضعف: يقال: وَهَنَ يَهِنُ وَوَهُنَ يُوْهَنُ، وَوَهِنَ يَهِنُ مثل وَرِمَ يَرِمُ. * * ثم قال تعالى: ﴿وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾ أي: وفطامه من الرضاع في انقضاء عامين مثل وسئل القرية. ﴿أَنِ ٱشْكُرْ لِي﴾ أن بمعنى أي: أو في موضع نصب على ما تقدم. وكونها بمعنى (أي) أحسن. والمعنى: وعهدنا إليه أن أشكر نعمتي عليك، وأشكر لوالديك تربيتهما لك، ومحنتهما فيك. ﴿إِلَيَّ ٱلْمَصِيرُ﴾ أي: مصيرك فسائلك عن شكرك لي ولهما وعن غير ذلك. وروي أن هذه الآية نزلت في شأن سعد بن أبي وقاص وأمه، وذلك أن أمه حلفت أن لا تأكل ولا تشرب حتى يتحول عن دينه، فأبى عليها، فلم تزل كذلك حتى غشي عليها فلما أفاقت دعت عليه، فنزلت الآية.

لقمان 31:14

قوله تعالى ذكره: ﴿وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِ ءَايَاتُنَا وَلَّىٰ مُسْتَكْبِراً﴾ إلى قوله: ﴿إِلَيَّ ٱلْمَصِيرُ﴾. أي: وإذا يتلى على الذي يشتري لهو الحديث القرآن أدبر يستكبر عن سماع الحق، ﴿كَأَنَّ فِيۤ أُذُنَيْهِ وَقْراً﴾ أي صمماً وثقلاً فهو لا يستطيع أن يسمع ما يتلى عليه. ﴿فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ أي: مؤلم، يعني في يوم القيامة، وذلك عذاب النار. * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتُ ٱلنَّعِيمِ﴾. أي: إن الذين صَدَّقُوا محمداً وما جاء به وعملوا الأعمال الصالحة، لهم بساتين النعيم ماكثين فيها إلى غير نهاية. ﴿وَعْدَ ٱللَّهِ حَقّاً﴾ أي: وعدهم الله ذلك [وعداً] حقاً لا خلف فيه. ﴿وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ﴾ أي: الصنيع الشديد في انتقامه من أهل الشرك. ﴿ٱلْحَكِيمُ﴾ في تدبيره لخلقه. ولا يحسن الوقف على: "خالدين فيها" عند سيبويه، لأن الجملة عاملة في: "وَعْدَ الله" إذ هو عنده مصدر مؤكد. وأجازه أبو حاتم لأنه يضمر فعلاً ينصب به "وعداً الله"، وتقديره: وعدهم الله بذلك وعداً حقاً. ثم قال تعالى ذكره: ﴿خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾. قال ابن عباس: عمدها قاف، وهو الجبل المحيط بالدنيا، وهو من زبرجدة خضراء. من زبرجد الجنة، وخضرة السماء منه، وخضرة البحار من السماء، والسماء مقبة على الجبل الذي اسمه قاف، ولكنكم لا ترونه. وروي عنه أنه قال: لعلها بعمد لا ترونها. وقاله عكرمة. فيكون ترونها على هذا القول في موضع خفض نعتاً للعمد، والتاء متعلقة بخلق. وقال الحسن: لا عمد لها البتة. فيكون "ترونها" على هذا القول في موضع نصب على الحال من السماوات، والباء متعلقة بِتَرَوْنها. ويجوز أن يكون "ترونها" مستأنفاً، أي أنتم ترونها فتقف على: "بغير عمد" ولا تقف على القولين الأولين إلا على: "ترونها"، فإذا كان الضمير في ترونها للعمد، فترونها نعت للعمد، وليس ثم عمد، والمعنى فلا عمد مرئية البتة ويحتمل على هذا الوجه، فلا عمد مرئية لكم، أي ثم عمد ولكن لا ترونها. [فإذا جعلت الضمير في ترونها يعود على السماوات، كان ترونها] حالاً من السماوات. والمعنى ترون السماوات بغير عمد تمسكها، فلا عمد ثم البتة، كالتأويل الأول. * * ثم قال تعالى: ﴿وَأَلْقَىٰ فِي ٱلأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ﴾ أي: أن تحرك بكم يميناً وشمالاً، أي: حمل على ظهر الأرض جبالاً ثوابت لئلا تميد بكم. قال قتادة: لولا ذلك ما أقرت عليها خلقاً. ﴿وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍ﴾ أي فرق في الأرض من كل أنواع الدواب، ثم قال تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً﴾ أي مطراً. ﴿فَأَنْبَتْنَا فِيهَا﴾ أي في الأرض بذلك الماء. ﴿مِن كُلِّ زَوْجٍ﴾ أي: نوع من النبات. ﴿كَرِيمٍ﴾ قال قتادة: حسن. وقال ابن عباس: من كل لون حسن. وتأوله الشعبي على الناس لأنهم مخلوقون من الأرض، فمن كان منهم إلى الجنة فهو الكريم، ومن يصير إلى النار فهو اللئيم. وتأوله غيره في النطفة لأنها مخلوقة من تراب في الأصل. ثم قال تعالى ذكره: ﴿هَـٰذَا خَلْقُ ٱللَّهِ﴾ أي: هذا الذي تقدم ذكره خلق الله الذي لا تصلح العبادة والألوهية إلاّ له، فأروني أيها المشركون أي شيء خلق الذين عبدتم من دونه. * * ثم قال تعالى: ﴿بَلِ ٱلظَّالِمُونَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ﴾ أي: هؤلاء المشركون في عبادتهم الأصنام في جور عن الحق وذهاب عن الاستقامة ظاهر لمن تأمله. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ ٱلْحِكْمَةَ أَنِ ٱشْكُرْ للَّهِ﴾. قال مجاهد: كان لقمان رجلاً صالحاً ولم يكن نبياً. وروي عنه أنه كان لقمان الحكيم عبداً حبشياً غليظ الشفتين مصفح القدمين قاضياً على بني إسرائيل. وقال سعيد بن المسيب: كان لقمان أسوداً من سودان مصر. وقال ابن عباس: كان عبداً حبشياً. وروي أنه كان في وقت داود. وعن عكرمة أنه قال: كان نبياً. قال مجاهد: الحكمة التي أوتي لقمان: الفقه والعقل، والإصابة في القول في غير نبوة. وقال قتادة: الحكمة التي أوتي: الفقه في الإسلام. قال قتادة: لم يكن نبياً ولم يوح إليه. وعن مجاهد: أن الحكمة التي أوتي: القرآن. وروى ابن وهب عن مالك أنه قال: قال لقمان لابنه: إن الناس قد تطاول عليهم ما يوعدون، وهم إلى الآخرة سراعاً يذهبون، وإنك قد استدبرت الدنيا منذ كنت، واستقبلت الآخرة، وإن داراً تصير إليها أقرب إليك من دار تخرج عنها، يا بني ليس غنى كصحة ولا نعيم كطيب نفس. وروى أشهب عن مالك: أن لقمان كان يقول لابنه: اتق الله جهد نفسك. قال: وكان يقول له: يا بني لا تجالس الفجار ولا تماشهم، (اتق لا ينزل) عليهم عذاب من السماء فيصيبك معهم، يا بني جالس العلماء وماشهم عسى أن تنزل عليهم رحمة فتصيبك معهم. وروي عنه: أنه كان عبداً حبشياً نجاراً. وقيل: كان خياطاً. وقيل: كان راعياً، فقال له مولاه: اذبح لنا هذه الشاة فذبحها، فقال له: أخرج أطيب مضغتين فيها، فأخرج اللسان والقلب، ثم مكث ما شاء الله، ثم قال له: اذبح لنا هذه الشاة فذبحها، فقال له: أخرج أخبث مضغتين فيها فأخرج اللسان والقلب، فقال له مولاه في ذلك منكراً عليه وممتحناً له: [أمرتك أن تخرج أطيب مضغتين فأخرجتهما وأمرتك أن تخرج أخبث مضغتين فيها فأخرجتهما]، فقال لقمان : ليس شيء أطيب منهما إذا طابا، ولا أخبث منهما إذا خبثا. وروي أنه أتاه رجل وهو في مجلس أناس يحدثهم فقال: ألست الذي كنت ترعى معي الغنم في موضع كذا؟ قال: نعم. [قال]: فما بلغ بك ما أرى؟ قال: صدق الحديث، والصمت عما لا يعنيني. قال وهب بن منبه: قرأت من حكمته أرجح من عشرة آلاف باب. * * وقوله: ﴿أَنِ ٱشْكُرْ للَّهِ﴾ أن بمعنى أي: لا موضع لها. وأجاز سيبويه أن تكون في موضع نصب على معنى بأن أشكر، كما تقول كتبت إليه أن قم، أي: بأن قم. والمعنى: أن أحمد الله على ما آتاك من الحكمة، فقوله: "أَنْ أشْكُرْ" بيان عن الحكمة، لأن من الحكمة التي أوتيها شكر الله على ما آتاه. * * ثم قال: ﴿وَمَن يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ﴾ أي: من شكر نعم الله عليه فإنما يشكر لنفسه لأنه يتزيد لنفسه من النعم بالشكر، ويؤدي ما على نفسه من الشكر، ويكتب له الأجر والذخر، بالشكر فلنفسه يعمل وإياها ينفع. * * ثم قال: ﴿وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَنِيٌّ﴾ أي: ومن كفر نعمة الله فلنفسه أساء، إذ الله تعالى معاقبه على ذلك، وهو غني عن شكره، ولا يزيده شكر العبد في سلطانه ولا ينقص تركه منه. ﴿حَمِيدٌ﴾ أي: محمود على كل حال. * * ثم قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يٰبُنَيَّ لاَ تُشْرِكْ بِٱللَّهِ﴾ أي: واذكر يا محمد إذ قال لقمان لابنه وهو يعظه يا بني لا تشرك، أي: لا تعبد معه غيره. ﴿إِنَّ ٱلشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ أي: لخطأ كبير. وروي أن اسم ابنه ثاران. * * ثم قال: ﴿وَوَصَّيْنَا ٱلإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ﴾ أي: ببرهما. ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَىٰ وَهْنٍ﴾ أي: ضعفاً على ضعف وشدة على شدة، ومنه: "وَهَنَ العَظْمُ مِنِّي". قال ابن عباس: شدة بعد شدة وخلقاً بعد خلق. وقال الضحاك: ضعفاً على ضعف. وقال قتادة: جهداً على جهد. فهذا كله يعني به الحمل، يعني: ضعف الحمل، وضعف الطلق، وضعف النفاس. وعن ابن عباس أنه قال: مشقة وهن الولد على وهن الوالدة وضعفها. والوهن في اللغة الضعف: يقال: وَهَنَ يَهِنُ وَوَهُنَ يُوْهَنُ، وَوَهِنَ يَهِنُ مثل وَرِمَ يَرِمُ. * * ثم قال تعالى: ﴿وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾ أي: وفطامه من الرضاع في انقضاء عامين مثل وسئل القرية. ﴿أَنِ ٱشْكُرْ لِي﴾ أن بمعنى أي: أو في موضع نصب على ما تقدم. وكونها بمعنى (أي) أحسن. والمعنى: وعهدنا إليه أن أشكر نعمتي عليك، وأشكر لوالديك تربيتهما لك، ومحنتهما فيك. ﴿إِلَيَّ ٱلْمَصِيرُ﴾ أي: مصيرك فسائلك عن شكرك لي ولهما وعن غير ذلك. وروي أن هذه الآية نزلت في شأن سعد بن أبي وقاص وأمه، وذلك أن أمه حلفت أن لا تأكل ولا تشرب حتى يتحول عن دينه، فأبى عليها، فلم تزل كذلك حتى غشي عليها فلما أفاقت دعت عليه، فنزلت الآية.

لقمان 31:15

قوله تعالى ذكره: ﴿وَإِن جَاهَدَاكَ عَلَىٰ أَن تُشْرِكَ بِي﴾ إلى قوله: ﴿وَإِلَىٰ ٱللَّهِ عَاقِبَةُ ٱلأَمُورِ﴾. أي: وإن جاهداك أيها الإنسان والداك على أن تشرك بي في العبادة ما لا تعلم أنه لي شريك، فلا تطعهما فيما أراداك عليه من الشرك. ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي ٱلدُّنْيَا مَعْرُوفاً﴾ أي: بالطاعة لهما فيما لا إثم عليك فيه. ﴿وَٱتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ﴾ أي: واسلك طريق من تاب ورجع عن شركه إلى الإسلام. قال قتادة: "مَنَ أَنَابَ إِلَيّ" أقبل إلي. قال الليث: نزلت هذه الآية في سعد بن أبي وقاص، كان بَرّاً بأمه، فلما أسلم كلمها بعض قومها أن تكلمه أن يرجع إلى دينه، فقالت: أنا أكفيكموه، فكلمته في ذلك، فقال: أما في هذا فلا أطيعك ولكن أطيعك فيما سوى ذلك. قال الليث: فصارت له ولغيره وأن لا يطاع أحد في شرك ولا في معصية لله. وروي أنها نزلت في أبي بكر رضي الله عنه فهو الذي أناب إلى الله، وأمر الله أن يتبع سبيله، وذلك أن أبا بكر حين أسلم أتاه عبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، وسعيد بن زيد، وأتاه قبل ذلك عثمان وطلحة والزبير رضي الله عنهم، فسألوه هل أسلم؟ فقال: نعم، فنزلت ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَآءَ ٱلَّيلِ سَاجِداً وَقَآئِماً يَحْذَرُ ٱلآخِرَةَ﴾ [الزمر: ١٠] الآية إلى قوله: ﴿أُوْلُواْ ٱلأَلْبَابِ﴾ [الزمر: ١٠]. فلما سمعوا ما نزل الله في أبي بكر أتوا رسول الله ﷺ فآمنوا وصدقوا فنزلت فيهم: ﴿وَٱلَّذِينَ ٱجْتَنَبُواْ ٱلطَّاغُوتَ أَن يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوۤاْ إِلَى ٱللَّهِ لَهُمُ ٱلْبُشْرَىٰ﴾ [الزمر: ١٧] إلى قوله: ﴿أُوْلُواْ ٱلأَلْبَابِ﴾ [الزمر: ١٨]. * * قوله: ﴿ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ﴾ أي: مصيركم بعد مماتكم. ﴿فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أي: فأخبركم بجميع ما كنتم تعملون في الدنيا من خير وشر، ثم أجازيكم عليه. وهذه القصة كلها معترضة فيما بين كلام لقمان لابنه، وإنما جاز الاعتراض هنا لأنها أيضاً مما كان وصى به لقمان ولده، فجعلها الله جل ذكره خبراً من عنده لنا لنتبعها ونعمل بها، مما دل على ذلك قوله تعالى عن لقمان أنه قال لولده: ﴿يٰبُنَيَّ إِنَّهَآ إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ﴾ أي: إن القصة التي سألتني عنها أو المسألة. روي أنه كان يسأل والده عن ذلك، فجرى الإضمار عن سؤال ولده له. وقيل: التقدير: إن الخطيئة أو المعصية إن تكن مثقال حبة. هذا على قراءة من نصب "مثقال حبة" فأما من رفع. فلا إضمار في "كان" عنده، ورفع إلقاء ثبت في "تك" حملاً على المعنى لأن المقصود الحبة، فكأنه قال: إنها إن تك حبة. يقال: عندي حبة فضة ومثقال حبة فضة بمعنى واحد، وقد قالوا: اجتمعت أهل اليمامة. فالمعنى على الرفع: إن الخطيئة إن تك حبة، أي إن وقعت حبة من خرذل. ويجوز أن يكون الخبر محذوفاً -، والتقدير: إن تك حبة خرذل في موضع يأت بها الله. والتقدير في هذا كله: زنة حبة من خير أو شر. * * ثم قال: ﴿فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ أَوْ فِي ٱلأَرْضِ﴾. روي أن ابن لقمان سأل لقمان فقال: أرأيت الحبة تكون في مثل البحر أمن يعلمها الله فأعلمه أنه يعلمها في أخفى المواضع لأن الحبة في الصخرة أخفى منها في السماء. وهذا مثل لأعمال العباد، أن الله يأتي بأعمالهم يوم القيامة. روي أن لقمان لما وعظ ابنه هذه الموعظة أتى بحبة خرذل فألقاها في اليرموك - في عرضه -، ثم مكث ما شاء الله ثم ذكرها وبسط يده فأقبل بها ذباب حتى وضعها في راحته. من رواية ابن وهب وروي عن ابن عباس [أنه] وزن رطل لحم وجعله للذَّرِّ حتى اسود من كثرة الذر عليه، ثم أخذه بما عليه من الذر ووزنه فلم يزد شيئاً، فقال: أيها الناس إن الله جل ذكره أراد أن يرغبكم وأن يحضكم على ثواب الآخرة، وأما الذر والخرذل. فلا مثاقيل لها، ولكن في عظمة الله وقدرته وعلمه ما يعلم به مثاقيل الذر والخرذل. ويروي أن عائشة رضي الله عنها: "تصَّدقَتْ بحبة عنب فقالت لها مولاتها بُرَيْرَةُ يا أمَّ المؤمنين: أي شيء حبة عنب؟ فقالت لها عائشة: كم ترين فيها من مثقال ذرة". ويقال: إن الصخرة هنا هي الصخرة الخضراء التي على ظهر الحوت وهو النون الذي ذكره الله عز وجل في قوله: نون والقلم والحوت في السماء والسماء على ظهر صفاة، والصفاة على ظهر ملك والملك على صخرة، والصخرة في الريح، وهي الصخرة التي ذكر لقمان ليست في السماء ولا في الأرض. وقال قتادة: "فتكن في صخرة" أي: في جبل من الجبال. وقيل: معنى ﴿يَأْتِ بِهَا ٱللَّهُ﴾ بعلمها الله. ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَطِيفٌ﴾ أي: باستخراجها. ﴿خَبِيرٌ﴾ أي: بمكانها ومستقرها لا يخفى عليه شيء. * * ثم قال تعالى: ﴿يٰبُنَيَّ أَقِمِ ٱلصَّلاَةَ﴾ أي: بحدودها في أوقاتها. ﴿وَأْمُرْ بِٱلْمَعْرُوفِ﴾ أي: آمر الناس بطاعة الله. ﴿وَٱنْهَ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ﴾ أي: إنه الناس عن معصية الله. ﴿وَٱصْبِرْ عَلَىٰ مَآ أَصَابَكَ﴾ أي: من أذى الناس ومحن الدنيا في ذات الله إذا أنت أمرتهم بالطاعة ونهيتهم عن المعصية. ﴿إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ ٱلأُمُورِ﴾ أي: إن الصبر على ذلك مما أمر الله له من الأمور عزماً. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلاَ تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ﴾ أي: لا تعرض بوجهك، على من كلمك تكبراً واستخفافاً. وأصله من الصعر وهو داء يأخذ الإبل في أعناقها. ورؤوسها، تلتوي منه أعناقها فقيل هذا للمتكبر لأنه تكبر لوى عنقه على من تكبر عليه. قال ابن عباس: معناه لا تتكبر فتحقر عباد الله وتعرض عنهم بوجهك، إذا كلموك وهو معنى قول مجاهد والضحاك. وعن مجاهد أنه قال: هو الرجل يكون بينه وبين أخيه إحْنَةٌ فيراه فيعرض عنه فنهاه عن ذلك. وقال النخعي: هو التشدق. * * ثم قال: ﴿وَلاَ تَمْشِ فِي ٱلأَرْضِ مَرَحاً﴾. قال الضحاك: لا تمش بالخيلاء. وقال قتادة: نهاه عن التكبر. ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ أي: كل متكبر مفتخر بما أعطي وهو لا يشكر الله. ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَٱقْصِدْ فِي مَشْيِكَ﴾ أي: تواضع في مشيك إذا مشيت، ولا تستكبر ولا تستعجل ولكن اتئد. قال مجاهد: واقصد في مشيك التواضع. وقال قتادة: نهاه عن الخيلاء. وقال يزيد بن أبي حبيب: نهاه عن السرعة. * * ثم قال: ﴿وَٱغْضُضْ مِن صَوْتِكَ﴾ أي: اخفض منه واجعله قصداً إذا تكلمت. وقيل: معناه إذا ناجيت ربك لا تصح، وبالخفاء دعا زكرياء ربه. قال قتادة: أمره بالاقتصاد في صوته. * * ثم قال: ﴿إِنَّ أَنكَرَ ٱلأَصْوَاتِ لَصَوْتُ ٱلْحَمِيرِ﴾. قال مجاهد والضحاك والأعمش وقتادة: معناه إن أقبح الأصوات. قال قتادة: أوله زفير وآخره شهيق. قال عكرمة: معناه إن شر الأصوات. وقال الحسن: معناه إن أشد الأصوات. قال ابن زيد: لو كان رفع الصوت خيراً ما جعله للحمير. ووحد الصوت لأنه مصدر. وفي الحديث: "ما صاح حِمَارٌ ولا نَبَحَ كَلْبٌ إلا أن يرى شَيْطَاناً ثم قال: ﴿أَلَمْ تَرَوْاْ أَنَّ ٱللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَّا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ﴾ يعني: شمسها وقمرها ونجومها وجبالها وعيونها وبحرها وجميع منافعها التي هي صلاح للعباد في أنفسهم وفي معاشهم وتصرفهم. * * ثم قال تعالى: ﴿وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً﴾. [من جمع النعم جعل ظاهرة وباطنة حالاً]. ومن وحد جعلها نعتاً. وقال ابن عباس في توحيد النعمة: هي الإسلام. وقال مجاهد: هي لا إله إلا الله. وروي ذلك أيضاً عن ابن عباس. فيكون المعنى: ظاهرة على الألسن وعلى الأبدان والجوارح عملاً، وباطنة في القلوب اعتقاداً ومعرفة. وروى الضحاك، عن ابن عباس أنه سأل النبي ﷺ عن ذلك فقال: "الظاهرة الإسلام وما أحسن من خَلْقِكَ، والباطِنَةُ ما سَتَرَ عليك من سيئ عَمَلِكَ ثم قال تعالى: ﴿وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي ٱللَّهِ﴾. أي: يخاصم في توحيد الله وإخلاصه العبادة له بغير علم عنده لما يخاصم به ﴿وَلاَ هُدًى﴾ أي: ولا إيمان يبين به صحة ما يقول ﴿وَلاَ كِتَابٍ مُّنِيرٍ﴾ أي: ولا تنزيل من الله عنده بما يدعي يبين به صحة دعواه. قال ابن عباس: هو النضر بن الحارث. * * ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ٱتَّبِعُواْ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ﴾ أي: وإذا قيل لهؤلاء المجادلين في الله بغير علم: اتبعوا ما أنزل الله على رسوله من القرآن. ﴿قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَآءَنَا﴾ من عبادة الأوثان. قال الله جل ذكره: ﴿أَوَلَوْ كَانَ ٱلشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَىٰ عَذَابِ ٱلسَّعِيرِ﴾. هذا على التوبيخ لهم: أي: أَوَلَوْ كان الأمر هكذا أكان يجب لهم أن يتبعوه. * * ثم قال تعالى: ﴿وَمَن يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى ٱللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ أي: من يتذلل إلى الله بالعبادة وهو مطيع لما أمره الله به فقد استمسك بالأمر الأوثق الذي لا يخاف معه، أي: يمسك من رضى الله تعالى بما لا يخاف معه غداً عذاباً. قال ابن عباس: العروة الوثقى: لا إله إلا الله. ﴿وَإِلَىٰ ٱللَّهِ عَاقِبَةُ ٱلأَمُورِ﴾ أي: إليه ترجع أمور الخلق فيجازيهم بأعمالهم.

لقمان 31:16

قوله تعالى ذكره: ﴿وَإِن جَاهَدَاكَ عَلَىٰ أَن تُشْرِكَ بِي﴾ إلى قوله: ﴿وَإِلَىٰ ٱللَّهِ عَاقِبَةُ ٱلأَمُورِ﴾. أي: وإن جاهداك أيها الإنسان والداك على أن تشرك بي في العبادة ما لا تعلم أنه لي شريك، فلا تطعهما فيما أراداك عليه من الشرك. ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي ٱلدُّنْيَا مَعْرُوفاً﴾ أي: بالطاعة لهما فيما لا إثم عليك فيه. ﴿وَٱتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ﴾ أي: واسلك طريق من تاب ورجع عن شركه إلى الإسلام. قال قتادة: "مَنَ أَنَابَ إِلَيّ" أقبل إلي. قال الليث: نزلت هذه الآية في سعد بن أبي وقاص، كان بَرّاً بأمه، فلما أسلم كلمها بعض قومها أن تكلمه أن يرجع إلى دينه، فقالت: أنا أكفيكموه، فكلمته في ذلك، فقال: أما في هذا فلا أطيعك ولكن أطيعك فيما سوى ذلك. قال الليث: فصارت له ولغيره وأن لا يطاع أحد في شرك ولا في معصية لله. وروي أنها نزلت في أبي بكر رضي الله عنه فهو الذي أناب إلى الله، وأمر الله أن يتبع سبيله، وذلك أن أبا بكر حين أسلم أتاه عبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، وسعيد بن زيد، وأتاه قبل ذلك عثمان وطلحة والزبير رضي الله عنهم، فسألوه هل أسلم؟ فقال: نعم، فنزلت ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَآءَ ٱلَّيلِ سَاجِداً وَقَآئِماً يَحْذَرُ ٱلآخِرَةَ﴾ [الزمر: ١٠] الآية إلى قوله: ﴿أُوْلُواْ ٱلأَلْبَابِ﴾ [الزمر: ١٠]. فلما سمعوا ما نزل الله في أبي بكر أتوا رسول الله ﷺ فآمنوا وصدقوا فنزلت فيهم: ﴿وَٱلَّذِينَ ٱجْتَنَبُواْ ٱلطَّاغُوتَ أَن يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوۤاْ إِلَى ٱللَّهِ لَهُمُ ٱلْبُشْرَىٰ﴾ [الزمر: ١٧] إلى قوله: ﴿أُوْلُواْ ٱلأَلْبَابِ﴾ [الزمر: ١٨]. * * قوله: ﴿ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ﴾ أي: مصيركم بعد مماتكم. ﴿فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أي: فأخبركم بجميع ما كنتم تعملون في الدنيا من خير وشر، ثم أجازيكم عليه. وهذه القصة كلها معترضة فيما بين كلام لقمان لابنه، وإنما جاز الاعتراض هنا لأنها أيضاً مما كان وصى به لقمان ولده، فجعلها الله جل ذكره خبراً من عنده لنا لنتبعها ونعمل بها، مما دل على ذلك قوله تعالى عن لقمان أنه قال لولده: ﴿يٰبُنَيَّ إِنَّهَآ إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ﴾ أي: إن القصة التي سألتني عنها أو المسألة. روي أنه كان يسأل والده عن ذلك، فجرى الإضمار عن سؤال ولده له. وقيل: التقدير: إن الخطيئة أو المعصية إن تكن مثقال حبة. هذا على قراءة من نصب "مثقال حبة" فأما من رفع. فلا إضمار في "كان" عنده، ورفع إلقاء ثبت في "تك" حملاً على المعنى لأن المقصود الحبة، فكأنه قال: إنها إن تك حبة. يقال: عندي حبة فضة ومثقال حبة فضة بمعنى واحد، وقد قالوا: اجتمعت أهل اليمامة. فالمعنى على الرفع: إن الخطيئة إن تك حبة، أي إن وقعت حبة من خرذل. ويجوز أن يكون الخبر محذوفاً -، والتقدير: إن تك حبة خرذل في موضع يأت بها الله. والتقدير في هذا كله: زنة حبة من خير أو شر. * * ثم قال: ﴿فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ أَوْ فِي ٱلأَرْضِ﴾. روي أن ابن لقمان سأل لقمان فقال: أرأيت الحبة تكون في مثل البحر أمن يعلمها الله فأعلمه أنه يعلمها في أخفى المواضع لأن الحبة في الصخرة أخفى منها في السماء. وهذا مثل لأعمال العباد، أن الله يأتي بأعمالهم يوم القيامة. روي أن لقمان لما وعظ ابنه هذه الموعظة أتى بحبة خرذل فألقاها في اليرموك - في عرضه -، ثم مكث ما شاء الله ثم ذكرها وبسط يده فأقبل بها ذباب حتى وضعها في راحته. من رواية ابن وهب وروي عن ابن عباس [أنه] وزن رطل لحم وجعله للذَّرِّ حتى اسود من كثرة الذر عليه، ثم أخذه بما عليه من الذر ووزنه فلم يزد شيئاً، فقال: أيها الناس إن الله جل ذكره أراد أن يرغبكم وأن يحضكم على ثواب الآخرة، وأما الذر والخرذل. فلا مثاقيل لها، ولكن في عظمة الله وقدرته وعلمه ما يعلم به مثاقيل الذر والخرذل. ويروي أن عائشة رضي الله عنها: "تصَّدقَتْ بحبة عنب فقالت لها مولاتها بُرَيْرَةُ يا أمَّ المؤمنين: أي شيء حبة عنب؟ فقالت لها عائشة: كم ترين فيها من مثقال ذرة". ويقال: إن الصخرة هنا هي الصخرة الخضراء التي على ظهر الحوت وهو النون الذي ذكره الله عز وجل في قوله: نون والقلم والحوت في السماء والسماء على ظهر صفاة، والصفاة على ظهر ملك والملك على صخرة، والصخرة في الريح، وهي الصخرة التي ذكر لقمان ليست في السماء ولا في الأرض. وقال قتادة: "فتكن في صخرة" أي: في جبل من الجبال. وقيل: معنى ﴿يَأْتِ بِهَا ٱللَّهُ﴾ بعلمها الله. ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَطِيفٌ﴾ أي: باستخراجها. ﴿خَبِيرٌ﴾ أي: بمكانها ومستقرها لا يخفى عليه شيء. * * ثم قال تعالى: ﴿يٰبُنَيَّ أَقِمِ ٱلصَّلاَةَ﴾ أي: بحدودها في أوقاتها. ﴿وَأْمُرْ بِٱلْمَعْرُوفِ﴾ أي: آمر الناس بطاعة الله. ﴿وَٱنْهَ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ﴾ أي: إنه الناس عن معصية الله. ﴿وَٱصْبِرْ عَلَىٰ مَآ أَصَابَكَ﴾ أي: من أذى الناس ومحن الدنيا في ذات الله إذا أنت أمرتهم بالطاعة ونهيتهم عن المعصية. ﴿إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ ٱلأُمُورِ﴾ أي: إن الصبر على ذلك مما أمر الله له من الأمور عزماً. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلاَ تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ﴾ أي: لا تعرض بوجهك، على من كلمك تكبراً واستخفافاً. وأصله من الصعر وهو داء يأخذ الإبل في أعناقها. ورؤوسها، تلتوي منه أعناقها فقيل هذا للمتكبر لأنه تكبر لوى عنقه على من تكبر عليه. قال ابن عباس: معناه لا تتكبر فتحقر عباد الله وتعرض عنهم بوجهك، إذا كلموك وهو معنى قول مجاهد والضحاك. وعن مجاهد أنه قال: هو الرجل يكون بينه وبين أخيه إحْنَةٌ فيراه فيعرض عنه فنهاه عن ذلك. وقال النخعي: هو التشدق. * * ثم قال: ﴿وَلاَ تَمْشِ فِي ٱلأَرْضِ مَرَحاً﴾. قال الضحاك: لا تمش بالخيلاء. وقال قتادة: نهاه عن التكبر. ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ أي: كل متكبر مفتخر بما أعطي وهو لا يشكر الله. ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَٱقْصِدْ فِي مَشْيِكَ﴾ أي: تواضع في مشيك إذا مشيت، ولا تستكبر ولا تستعجل ولكن اتئد. قال مجاهد: واقصد في مشيك التواضع. وقال قتادة: نهاه عن الخيلاء. وقال يزيد بن أبي حبيب: نهاه عن السرعة. * * ثم قال: ﴿وَٱغْضُضْ مِن صَوْتِكَ﴾ أي: اخفض منه واجعله قصداً إذا تكلمت. وقيل: معناه إذا ناجيت ربك لا تصح، وبالخفاء دعا زكرياء ربه. قال قتادة: أمره بالاقتصاد في صوته. * * ثم قال: ﴿إِنَّ أَنكَرَ ٱلأَصْوَاتِ لَصَوْتُ ٱلْحَمِيرِ﴾. قال مجاهد والضحاك والأعمش وقتادة: معناه إن أقبح الأصوات. قال قتادة: أوله زفير وآخره شهيق. قال عكرمة: معناه إن شر الأصوات. وقال الحسن: معناه إن أشد الأصوات. قال ابن زيد: لو كان رفع الصوت خيراً ما جعله للحمير. ووحد الصوت لأنه مصدر. وفي الحديث: "ما صاح حِمَارٌ ولا نَبَحَ كَلْبٌ إلا أن يرى شَيْطَاناً ثم قال: ﴿أَلَمْ تَرَوْاْ أَنَّ ٱللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَّا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ﴾ يعني: شمسها وقمرها ونجومها وجبالها وعيونها وبحرها وجميع منافعها التي هي صلاح للعباد في أنفسهم وفي معاشهم وتصرفهم. * * ثم قال تعالى: ﴿وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً﴾. [من جمع النعم جعل ظاهرة وباطنة حالاً]. ومن وحد جعلها نعتاً. وقال ابن عباس في توحيد النعمة: هي الإسلام. وقال مجاهد: هي لا إله إلا الله. وروي ذلك أيضاً عن ابن عباس. فيكون المعنى: ظاهرة على الألسن وعلى الأبدان والجوارح عملاً، وباطنة في القلوب اعتقاداً ومعرفة. وروى الضحاك، عن ابن عباس أنه سأل النبي ﷺ عن ذلك فقال: "الظاهرة الإسلام وما أحسن من خَلْقِكَ، والباطِنَةُ ما سَتَرَ عليك من سيئ عَمَلِكَ ثم قال تعالى: ﴿وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي ٱللَّهِ﴾. أي: يخاصم في توحيد الله وإخلاصه العبادة له بغير علم عنده لما يخاصم به ﴿وَلاَ هُدًى﴾ أي: ولا إيمان يبين به صحة ما يقول ﴿وَلاَ كِتَابٍ مُّنِيرٍ﴾ أي: ولا تنزيل من الله عنده بما يدعي يبين به صحة دعواه. قال ابن عباس: هو النضر بن الحارث. * * ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ٱتَّبِعُواْ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ﴾ أي: وإذا قيل لهؤلاء المجادلين في الله بغير علم: اتبعوا ما أنزل الله على رسوله من القرآن. ﴿قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَآءَنَا﴾ من عبادة الأوثان. قال الله جل ذكره: ﴿أَوَلَوْ كَانَ ٱلشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَىٰ عَذَابِ ٱلسَّعِيرِ﴾. هذا على التوبيخ لهم: أي: أَوَلَوْ كان الأمر هكذا أكان يجب لهم أن يتبعوه. * * ثم قال تعالى: ﴿وَمَن يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى ٱللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ أي: من يتذلل إلى الله بالعبادة وهو مطيع لما أمره الله به فقد استمسك بالأمر الأوثق الذي لا يخاف معه، أي: يمسك من رضى الله تعالى بما لا يخاف معه غداً عذاباً. قال ابن عباس: العروة الوثقى: لا إله إلا الله. ﴿وَإِلَىٰ ٱللَّهِ عَاقِبَةُ ٱلأَمُورِ﴾ أي: إليه ترجع أمور الخلق فيجازيهم بأعمالهم.

لقمان 31:17

قوله تعالى ذكره: ﴿وَإِن جَاهَدَاكَ عَلَىٰ أَن تُشْرِكَ بِي﴾ إلى قوله: ﴿وَإِلَىٰ ٱللَّهِ عَاقِبَةُ ٱلأَمُورِ﴾. أي: وإن جاهداك أيها الإنسان والداك على أن تشرك بي في العبادة ما لا تعلم أنه لي شريك، فلا تطعهما فيما أراداك عليه من الشرك. ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي ٱلدُّنْيَا مَعْرُوفاً﴾ أي: بالطاعة لهما فيما لا إثم عليك فيه. ﴿وَٱتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ﴾ أي: واسلك طريق من تاب ورجع عن شركه إلى الإسلام. قال قتادة: "مَنَ أَنَابَ إِلَيّ" أقبل إلي. قال الليث: نزلت هذه الآية في سعد بن أبي وقاص، كان بَرّاً بأمه، فلما أسلم كلمها بعض قومها أن تكلمه أن يرجع إلى دينه، فقالت: أنا أكفيكموه، فكلمته في ذلك، فقال: أما في هذا فلا أطيعك ولكن أطيعك فيما سوى ذلك. قال الليث: فصارت له ولغيره وأن لا يطاع أحد في شرك ولا في معصية لله. وروي أنها نزلت في أبي بكر رضي الله عنه فهو الذي أناب إلى الله، وأمر الله أن يتبع سبيله، وذلك أن أبا بكر حين أسلم أتاه عبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، وسعيد بن زيد، وأتاه قبل ذلك عثمان وطلحة والزبير رضي الله عنهم، فسألوه هل أسلم؟ فقال: نعم، فنزلت ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَآءَ ٱلَّيلِ سَاجِداً وَقَآئِماً يَحْذَرُ ٱلآخِرَةَ﴾ [الزمر: ١٠] الآية إلى قوله: ﴿أُوْلُواْ ٱلأَلْبَابِ﴾ [الزمر: ١٠]. فلما سمعوا ما نزل الله في أبي بكر أتوا رسول الله ﷺ فآمنوا وصدقوا فنزلت فيهم: ﴿وَٱلَّذِينَ ٱجْتَنَبُواْ ٱلطَّاغُوتَ أَن يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوۤاْ إِلَى ٱللَّهِ لَهُمُ ٱلْبُشْرَىٰ﴾ [الزمر: ١٧] إلى قوله: ﴿أُوْلُواْ ٱلأَلْبَابِ﴾ [الزمر: ١٨]. * * قوله: ﴿ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ﴾ أي: مصيركم بعد مماتكم. ﴿فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أي: فأخبركم بجميع ما كنتم تعملون في الدنيا من خير وشر، ثم أجازيكم عليه. وهذه القصة كلها معترضة فيما بين كلام لقمان لابنه، وإنما جاز الاعتراض هنا لأنها أيضاً مما كان وصى به لقمان ولده، فجعلها الله جل ذكره خبراً من عنده لنا لنتبعها ونعمل بها، مما دل على ذلك قوله تعالى عن لقمان أنه قال لولده: ﴿يٰبُنَيَّ إِنَّهَآ إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ﴾ أي: إن القصة التي سألتني عنها أو المسألة. روي أنه كان يسأل والده عن ذلك، فجرى الإضمار عن سؤال ولده له. وقيل: التقدير: إن الخطيئة أو المعصية إن تكن مثقال حبة. هذا على قراءة من نصب "مثقال حبة" فأما من رفع. فلا إضمار في "كان" عنده، ورفع إلقاء ثبت في "تك" حملاً على المعنى لأن المقصود الحبة، فكأنه قال: إنها إن تك حبة. يقال: عندي حبة فضة ومثقال حبة فضة بمعنى واحد، وقد قالوا: اجتمعت أهل اليمامة. فالمعنى على الرفع: إن الخطيئة إن تك حبة، أي إن وقعت حبة من خرذل. ويجوز أن يكون الخبر محذوفاً -، والتقدير: إن تك حبة خرذل في موضع يأت بها الله. والتقدير في هذا كله: زنة حبة من خير أو شر. * * ثم قال: ﴿فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ أَوْ فِي ٱلأَرْضِ﴾. روي أن ابن لقمان سأل لقمان فقال: أرأيت الحبة تكون في مثل البحر أمن يعلمها الله فأعلمه أنه يعلمها في أخفى المواضع لأن الحبة في الصخرة أخفى منها في السماء. وهذا مثل لأعمال العباد، أن الله يأتي بأعمالهم يوم القيامة. روي أن لقمان لما وعظ ابنه هذه الموعظة أتى بحبة خرذل فألقاها في اليرموك - في عرضه -، ثم مكث ما شاء الله ثم ذكرها وبسط يده فأقبل بها ذباب حتى وضعها في راحته. من رواية ابن وهب وروي عن ابن عباس [أنه] وزن رطل لحم وجعله للذَّرِّ حتى اسود من كثرة الذر عليه، ثم أخذه بما عليه من الذر ووزنه فلم يزد شيئاً، فقال: أيها الناس إن الله جل ذكره أراد أن يرغبكم وأن يحضكم على ثواب الآخرة، وأما الذر والخرذل. فلا مثاقيل لها، ولكن في عظمة الله وقدرته وعلمه ما يعلم به مثاقيل الذر والخرذل. ويروي أن عائشة رضي الله عنها: "تصَّدقَتْ بحبة عنب فقالت لها مولاتها بُرَيْرَةُ يا أمَّ المؤمنين: أي شيء حبة عنب؟ فقالت لها عائشة: كم ترين فيها من مثقال ذرة". ويقال: إن الصخرة هنا هي الصخرة الخضراء التي على ظهر الحوت وهو النون الذي ذكره الله عز وجل في قوله: نون والقلم والحوت في السماء والسماء على ظهر صفاة، والصفاة على ظهر ملك والملك على صخرة، والصخرة في الريح، وهي الصخرة التي ذكر لقمان ليست في السماء ولا في الأرض. وقال قتادة: "فتكن في صخرة" أي: في جبل من الجبال. وقيل: معنى ﴿يَأْتِ بِهَا ٱللَّهُ﴾ بعلمها الله. ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَطِيفٌ﴾ أي: باستخراجها. ﴿خَبِيرٌ﴾ أي: بمكانها ومستقرها لا يخفى عليه شيء. * * ثم قال تعالى: ﴿يٰبُنَيَّ أَقِمِ ٱلصَّلاَةَ﴾ أي: بحدودها في أوقاتها. ﴿وَأْمُرْ بِٱلْمَعْرُوفِ﴾ أي: آمر الناس بطاعة الله. ﴿وَٱنْهَ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ﴾ أي: إنه الناس عن معصية الله. ﴿وَٱصْبِرْ عَلَىٰ مَآ أَصَابَكَ﴾ أي: من أذى الناس ومحن الدنيا في ذات الله إذا أنت أمرتهم بالطاعة ونهيتهم عن المعصية. ﴿إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ ٱلأُمُورِ﴾ أي: إن الصبر على ذلك مما أمر الله له من الأمور عزماً. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلاَ تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ﴾ أي: لا تعرض بوجهك، على من كلمك تكبراً واستخفافاً. وأصله من الصعر وهو داء يأخذ الإبل في أعناقها. ورؤوسها، تلتوي منه أعناقها فقيل هذا للمتكبر لأنه تكبر لوى عنقه على من تكبر عليه. قال ابن عباس: معناه لا تتكبر فتحقر عباد الله وتعرض عنهم بوجهك، إذا كلموك وهو معنى قول مجاهد والضحاك. وعن مجاهد أنه قال: هو الرجل يكون بينه وبين أخيه إحْنَةٌ فيراه فيعرض عنه فنهاه عن ذلك. وقال النخعي: هو التشدق. * * ثم قال: ﴿وَلاَ تَمْشِ فِي ٱلأَرْضِ مَرَحاً﴾. قال الضحاك: لا تمش بالخيلاء. وقال قتادة: نهاه عن التكبر. ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ أي: كل متكبر مفتخر بما أعطي وهو لا يشكر الله. ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَٱقْصِدْ فِي مَشْيِكَ﴾ أي: تواضع في مشيك إذا مشيت، ولا تستكبر ولا تستعجل ولكن اتئد. قال مجاهد: واقصد في مشيك التواضع. وقال قتادة: نهاه عن الخيلاء. وقال يزيد بن أبي حبيب: نهاه عن السرعة. * * ثم قال: ﴿وَٱغْضُضْ مِن صَوْتِكَ﴾ أي: اخفض منه واجعله قصداً إذا تكلمت. وقيل: معناه إذا ناجيت ربك لا تصح، وبالخفاء دعا زكرياء ربه. قال قتادة: أمره بالاقتصاد في صوته. * * ثم قال: ﴿إِنَّ أَنكَرَ ٱلأَصْوَاتِ لَصَوْتُ ٱلْحَمِيرِ﴾. قال مجاهد والضحاك والأعمش وقتادة: معناه إن أقبح الأصوات. قال قتادة: أوله زفير وآخره شهيق. قال عكرمة: معناه إن شر الأصوات. وقال الحسن: معناه إن أشد الأصوات. قال ابن زيد: لو كان رفع الصوت خيراً ما جعله للحمير. ووحد الصوت لأنه مصدر. وفي الحديث: "ما صاح حِمَارٌ ولا نَبَحَ كَلْبٌ إلا أن يرى شَيْطَاناً ثم قال: ﴿أَلَمْ تَرَوْاْ أَنَّ ٱللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَّا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ﴾ يعني: شمسها وقمرها ونجومها وجبالها وعيونها وبحرها وجميع منافعها التي هي صلاح للعباد في أنفسهم وفي معاشهم وتصرفهم. * * ثم قال تعالى: ﴿وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً﴾. [من جمع النعم جعل ظاهرة وباطنة حالاً]. ومن وحد جعلها نعتاً. وقال ابن عباس في توحيد النعمة: هي الإسلام. وقال مجاهد: هي لا إله إلا الله. وروي ذلك أيضاً عن ابن عباس. فيكون المعنى: ظاهرة على الألسن وعلى الأبدان والجوارح عملاً، وباطنة في القلوب اعتقاداً ومعرفة. وروى الضحاك، عن ابن عباس أنه سأل النبي ﷺ عن ذلك فقال: "الظاهرة الإسلام وما أحسن من خَلْقِكَ، والباطِنَةُ ما سَتَرَ عليك من سيئ عَمَلِكَ ثم قال تعالى: ﴿وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي ٱللَّهِ﴾. أي: يخاصم في توحيد الله وإخلاصه العبادة له بغير علم عنده لما يخاصم به ﴿وَلاَ هُدًى﴾ أي: ولا إيمان يبين به صحة ما يقول ﴿وَلاَ كِتَابٍ مُّنِيرٍ﴾ أي: ولا تنزيل من الله عنده بما يدعي يبين به صحة دعواه. قال ابن عباس: هو النضر بن الحارث. * * ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ٱتَّبِعُواْ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ﴾ أي: وإذا قيل لهؤلاء المجادلين في الله بغير علم: اتبعوا ما أنزل الله على رسوله من القرآن. ﴿قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَآءَنَا﴾ من عبادة الأوثان. قال الله جل ذكره: ﴿أَوَلَوْ كَانَ ٱلشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَىٰ عَذَابِ ٱلسَّعِيرِ﴾. هذا على التوبيخ لهم: أي: أَوَلَوْ كان الأمر هكذا أكان يجب لهم أن يتبعوه. * * ثم قال تعالى: ﴿وَمَن يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى ٱللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ أي: من يتذلل إلى الله بالعبادة وهو مطيع لما أمره الله به فقد استمسك بالأمر الأوثق الذي لا يخاف معه، أي: يمسك من رضى الله تعالى بما لا يخاف معه غداً عذاباً. قال ابن عباس: العروة الوثقى: لا إله إلا الله. ﴿وَإِلَىٰ ٱللَّهِ عَاقِبَةُ ٱلأَمُورِ﴾ أي: إليه ترجع أمور الخلق فيجازيهم بأعمالهم.

لقمان 31:18

قوله تعالى ذكره: ﴿وَإِن جَاهَدَاكَ عَلَىٰ أَن تُشْرِكَ بِي﴾ إلى قوله: ﴿وَإِلَىٰ ٱللَّهِ عَاقِبَةُ ٱلأَمُورِ﴾. أي: وإن جاهداك أيها الإنسان والداك على أن تشرك بي في العبادة ما لا تعلم أنه لي شريك، فلا تطعهما فيما أراداك عليه من الشرك. ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي ٱلدُّنْيَا مَعْرُوفاً﴾ أي: بالطاعة لهما فيما لا إثم عليك فيه. ﴿وَٱتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ﴾ أي: واسلك طريق من تاب ورجع عن شركه إلى الإسلام. قال قتادة: "مَنَ أَنَابَ إِلَيّ" أقبل إلي. قال الليث: نزلت هذه الآية في سعد بن أبي وقاص، كان بَرّاً بأمه، فلما أسلم كلمها بعض قومها أن تكلمه أن يرجع إلى دينه، فقالت: أنا أكفيكموه، فكلمته في ذلك، فقال: أما في هذا فلا أطيعك ولكن أطيعك فيما سوى ذلك. قال الليث: فصارت له ولغيره وأن لا يطاع أحد في شرك ولا في معصية لله. وروي أنها نزلت في أبي بكر رضي الله عنه فهو الذي أناب إلى الله، وأمر الله أن يتبع سبيله، وذلك أن أبا بكر حين أسلم أتاه عبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، وسعيد بن زيد، وأتاه قبل ذلك عثمان وطلحة والزبير رضي الله عنهم، فسألوه هل أسلم؟ فقال: نعم، فنزلت ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَآءَ ٱلَّيلِ سَاجِداً وَقَآئِماً يَحْذَرُ ٱلآخِرَةَ﴾ [الزمر: ١٠] الآية إلى قوله: ﴿أُوْلُواْ ٱلأَلْبَابِ﴾ [الزمر: ١٠]. فلما سمعوا ما نزل الله في أبي بكر أتوا رسول الله ﷺ فآمنوا وصدقوا فنزلت فيهم: ﴿وَٱلَّذِينَ ٱجْتَنَبُواْ ٱلطَّاغُوتَ أَن يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوۤاْ إِلَى ٱللَّهِ لَهُمُ ٱلْبُشْرَىٰ﴾ [الزمر: ١٧] إلى قوله: ﴿أُوْلُواْ ٱلأَلْبَابِ﴾ [الزمر: ١٨]. * * قوله: ﴿ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ﴾ أي: مصيركم بعد مماتكم. ﴿فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أي: فأخبركم بجميع ما كنتم تعملون في الدنيا من خير وشر، ثم أجازيكم عليه. وهذه القصة كلها معترضة فيما بين كلام لقمان لابنه، وإنما جاز الاعتراض هنا لأنها أيضاً مما كان وصى به لقمان ولده، فجعلها الله جل ذكره خبراً من عنده لنا لنتبعها ونعمل بها، مما دل على ذلك قوله تعالى عن لقمان أنه قال لولده: ﴿يٰبُنَيَّ إِنَّهَآ إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ﴾ أي: إن القصة التي سألتني عنها أو المسألة. روي أنه كان يسأل والده عن ذلك، فجرى الإضمار عن سؤال ولده له. وقيل: التقدير: إن الخطيئة أو المعصية إن تكن مثقال حبة. هذا على قراءة من نصب "مثقال حبة" فأما من رفع. فلا إضمار في "كان" عنده، ورفع إلقاء ثبت في "تك" حملاً على المعنى لأن المقصود الحبة، فكأنه قال: إنها إن تك حبة. يقال: عندي حبة فضة ومثقال حبة فضة بمعنى واحد، وقد قالوا: اجتمعت أهل اليمامة. فالمعنى على الرفع: إن الخطيئة إن تك حبة، أي إن وقعت حبة من خرذل. ويجوز أن يكون الخبر محذوفاً -، والتقدير: إن تك حبة خرذل في موضع يأت بها الله. والتقدير في هذا كله: زنة حبة من خير أو شر. * * ثم قال: ﴿فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ أَوْ فِي ٱلأَرْضِ﴾. روي أن ابن لقمان سأل لقمان فقال: أرأيت الحبة تكون في مثل البحر أمن يعلمها الله فأعلمه أنه يعلمها في أخفى المواضع لأن الحبة في الصخرة أخفى منها في السماء. وهذا مثل لأعمال العباد، أن الله يأتي بأعمالهم يوم القيامة. روي أن لقمان لما وعظ ابنه هذه الموعظة أتى بحبة خرذل فألقاها في اليرموك - في عرضه -، ثم مكث ما شاء الله ثم ذكرها وبسط يده فأقبل بها ذباب حتى وضعها في راحته. من رواية ابن وهب وروي عن ابن عباس [أنه] وزن رطل لحم وجعله للذَّرِّ حتى اسود من كثرة الذر عليه، ثم أخذه بما عليه من الذر ووزنه فلم يزد شيئاً، فقال: أيها الناس إن الله جل ذكره أراد أن يرغبكم وأن يحضكم على ثواب الآخرة، وأما الذر والخرذل. فلا مثاقيل لها، ولكن في عظمة الله وقدرته وعلمه ما يعلم به مثاقيل الذر والخرذل. ويروي أن عائشة رضي الله عنها: "تصَّدقَتْ بحبة عنب فقالت لها مولاتها بُرَيْرَةُ يا أمَّ المؤمنين: أي شيء حبة عنب؟ فقالت لها عائشة: كم ترين فيها من مثقال ذرة". ويقال: إن الصخرة هنا هي الصخرة الخضراء التي على ظهر الحوت وهو النون الذي ذكره الله عز وجل في قوله: نون والقلم والحوت في السماء والسماء على ظهر صفاة، والصفاة على ظهر ملك والملك على صخرة، والصخرة في الريح، وهي الصخرة التي ذكر لقمان ليست في السماء ولا في الأرض. وقال قتادة: "فتكن في صخرة" أي: في جبل من الجبال. وقيل: معنى ﴿يَأْتِ بِهَا ٱللَّهُ﴾ بعلمها الله. ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَطِيفٌ﴾ أي: باستخراجها. ﴿خَبِيرٌ﴾ أي: بمكانها ومستقرها لا يخفى عليه شيء. * * ثم قال تعالى: ﴿يٰبُنَيَّ أَقِمِ ٱلصَّلاَةَ﴾ أي: بحدودها في أوقاتها. ﴿وَأْمُرْ بِٱلْمَعْرُوفِ﴾ أي: آمر الناس بطاعة الله. ﴿وَٱنْهَ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ﴾ أي: إنه الناس عن معصية الله. ﴿وَٱصْبِرْ عَلَىٰ مَآ أَصَابَكَ﴾ أي: من أذى الناس ومحن الدنيا في ذات الله إذا أنت أمرتهم بالطاعة ونهيتهم عن المعصية. ﴿إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ ٱلأُمُورِ﴾ أي: إن الصبر على ذلك مما أمر الله له من الأمور عزماً. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلاَ تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ﴾ أي: لا تعرض بوجهك، على من كلمك تكبراً واستخفافاً. وأصله من الصعر وهو داء يأخذ الإبل في أعناقها. ورؤوسها، تلتوي منه أعناقها فقيل هذا للمتكبر لأنه تكبر لوى عنقه على من تكبر عليه. قال ابن عباس: معناه لا تتكبر فتحقر عباد الله وتعرض عنهم بوجهك، إذا كلموك وهو معنى قول مجاهد والضحاك. وعن مجاهد أنه قال: هو الرجل يكون بينه وبين أخيه إحْنَةٌ فيراه فيعرض عنه فنهاه عن ذلك. وقال النخعي: هو التشدق. * * ثم قال: ﴿وَلاَ تَمْشِ فِي ٱلأَرْضِ مَرَحاً﴾. قال الضحاك: لا تمش بالخيلاء. وقال قتادة: نهاه عن التكبر. ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ أي: كل متكبر مفتخر بما أعطي وهو لا يشكر الله. ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَٱقْصِدْ فِي مَشْيِكَ﴾ أي: تواضع في مشيك إذا مشيت، ولا تستكبر ولا تستعجل ولكن اتئد. قال مجاهد: واقصد في مشيك التواضع. وقال قتادة: نهاه عن الخيلاء. وقال يزيد بن أبي حبيب: نهاه عن السرعة. * * ثم قال: ﴿وَٱغْضُضْ مِن صَوْتِكَ﴾ أي: اخفض منه واجعله قصداً إذا تكلمت. وقيل: معناه إذا ناجيت ربك لا تصح، وبالخفاء دعا زكرياء ربه. قال قتادة: أمره بالاقتصاد في صوته. * * ثم قال: ﴿إِنَّ أَنكَرَ ٱلأَصْوَاتِ لَصَوْتُ ٱلْحَمِيرِ﴾. قال مجاهد والضحاك والأعمش وقتادة: معناه إن أقبح الأصوات. قال قتادة: أوله زفير وآخره شهيق. قال عكرمة: معناه إن شر الأصوات. وقال الحسن: معناه إن أشد الأصوات. قال ابن زيد: لو كان رفع الصوت خيراً ما جعله للحمير. ووحد الصوت لأنه مصدر. وفي الحديث: "ما صاح حِمَارٌ ولا نَبَحَ كَلْبٌ إلا أن يرى شَيْطَاناً ثم قال: ﴿أَلَمْ تَرَوْاْ أَنَّ ٱللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَّا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ﴾ يعني: شمسها وقمرها ونجومها وجبالها وعيونها وبحرها وجميع منافعها التي هي صلاح للعباد في أنفسهم وفي معاشهم وتصرفهم. * * ثم قال تعالى: ﴿وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً﴾. [من جمع النعم جعل ظاهرة وباطنة حالاً]. ومن وحد جعلها نعتاً. وقال ابن عباس في توحيد النعمة: هي الإسلام. وقال مجاهد: هي لا إله إلا الله. وروي ذلك أيضاً عن ابن عباس. فيكون المعنى: ظاهرة على الألسن وعلى الأبدان والجوارح عملاً، وباطنة في القلوب اعتقاداً ومعرفة. وروى الضحاك، عن ابن عباس أنه سأل النبي ﷺ عن ذلك فقال: "الظاهرة الإسلام وما أحسن من خَلْقِكَ، والباطِنَةُ ما سَتَرَ عليك من سيئ عَمَلِكَ ثم قال تعالى: ﴿وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي ٱللَّهِ﴾. أي: يخاصم في توحيد الله وإخلاصه العبادة له بغير علم عنده لما يخاصم به ﴿وَلاَ هُدًى﴾ أي: ولا إيمان يبين به صحة ما يقول ﴿وَلاَ كِتَابٍ مُّنِيرٍ﴾ أي: ولا تنزيل من الله عنده بما يدعي يبين به صحة دعواه. قال ابن عباس: هو النضر بن الحارث. * * ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ٱتَّبِعُواْ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ﴾ أي: وإذا قيل لهؤلاء المجادلين في الله بغير علم: اتبعوا ما أنزل الله على رسوله من القرآن. ﴿قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَآءَنَا﴾ من عبادة الأوثان. قال الله جل ذكره: ﴿أَوَلَوْ كَانَ ٱلشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَىٰ عَذَابِ ٱلسَّعِيرِ﴾. هذا على التوبيخ لهم: أي: أَوَلَوْ كان الأمر هكذا أكان يجب لهم أن يتبعوه. * * ثم قال تعالى: ﴿وَمَن يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى ٱللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ أي: من يتذلل إلى الله بالعبادة وهو مطيع لما أمره الله به فقد استمسك بالأمر الأوثق الذي لا يخاف معه، أي: يمسك من رضى الله تعالى بما لا يخاف معه غداً عذاباً. قال ابن عباس: العروة الوثقى: لا إله إلا الله. ﴿وَإِلَىٰ ٱللَّهِ عَاقِبَةُ ٱلأَمُورِ﴾ أي: إليه ترجع أمور الخلق فيجازيهم بأعمالهم.

لقمان 31:19

قوله تعالى ذكره: ﴿وَإِن جَاهَدَاكَ عَلَىٰ أَن تُشْرِكَ بِي﴾ إلى قوله: ﴿وَإِلَىٰ ٱللَّهِ عَاقِبَةُ ٱلأَمُورِ﴾. أي: وإن جاهداك أيها الإنسان والداك على أن تشرك بي في العبادة ما لا تعلم أنه لي شريك، فلا تطعهما فيما أراداك عليه من الشرك. ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي ٱلدُّنْيَا مَعْرُوفاً﴾ أي: بالطاعة لهما فيما لا إثم عليك فيه. ﴿وَٱتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ﴾ أي: واسلك طريق من تاب ورجع عن شركه إلى الإسلام. قال قتادة: "مَنَ أَنَابَ إِلَيّ" أقبل إلي. قال الليث: نزلت هذه الآية في سعد بن أبي وقاص، كان بَرّاً بأمه، فلما أسلم كلمها بعض قومها أن تكلمه أن يرجع إلى دينه، فقالت: أنا أكفيكموه، فكلمته في ذلك، فقال: أما في هذا فلا أطيعك ولكن أطيعك فيما سوى ذلك. قال الليث: فصارت له ولغيره وأن لا يطاع أحد في شرك ولا في معصية لله. وروي أنها نزلت في أبي بكر رضي الله عنه فهو الذي أناب إلى الله، وأمر الله أن يتبع سبيله، وذلك أن أبا بكر حين أسلم أتاه عبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، وسعيد بن زيد، وأتاه قبل ذلك عثمان وطلحة والزبير رضي الله عنهم، فسألوه هل أسلم؟ فقال: نعم، فنزلت ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَآءَ ٱلَّيلِ سَاجِداً وَقَآئِماً يَحْذَرُ ٱلآخِرَةَ﴾ [الزمر: ١٠] الآية إلى قوله: ﴿أُوْلُواْ ٱلأَلْبَابِ﴾ [الزمر: ١٠]. فلما سمعوا ما نزل الله في أبي بكر أتوا رسول الله ﷺ فآمنوا وصدقوا فنزلت فيهم: ﴿وَٱلَّذِينَ ٱجْتَنَبُواْ ٱلطَّاغُوتَ أَن يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوۤاْ إِلَى ٱللَّهِ لَهُمُ ٱلْبُشْرَىٰ﴾ [الزمر: ١٧] إلى قوله: ﴿أُوْلُواْ ٱلأَلْبَابِ﴾ [الزمر: ١٨]. * * قوله: ﴿ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ﴾ أي: مصيركم بعد مماتكم. ﴿فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أي: فأخبركم بجميع ما كنتم تعملون في الدنيا من خير وشر، ثم أجازيكم عليه. وهذه القصة كلها معترضة فيما بين كلام لقمان لابنه، وإنما جاز الاعتراض هنا لأنها أيضاً مما كان وصى به لقمان ولده، فجعلها الله جل ذكره خبراً من عنده لنا لنتبعها ونعمل بها، مما دل على ذلك قوله تعالى عن لقمان أنه قال لولده: ﴿يٰبُنَيَّ إِنَّهَآ إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ﴾ أي: إن القصة التي سألتني عنها أو المسألة. روي أنه كان يسأل والده عن ذلك، فجرى الإضمار عن سؤال ولده له. وقيل: التقدير: إن الخطيئة أو المعصية إن تكن مثقال حبة. هذا على قراءة من نصب "مثقال حبة" فأما من رفع. فلا إضمار في "كان" عنده، ورفع إلقاء ثبت في "تك" حملاً على المعنى لأن المقصود الحبة، فكأنه قال: إنها إن تك حبة. يقال: عندي حبة فضة ومثقال حبة فضة بمعنى واحد، وقد قالوا: اجتمعت أهل اليمامة. فالمعنى على الرفع: إن الخطيئة إن تك حبة، أي إن وقعت حبة من خرذل. ويجوز أن يكون الخبر محذوفاً -، والتقدير: إن تك حبة خرذل في موضع يأت بها الله. والتقدير في هذا كله: زنة حبة من خير أو شر. * * ثم قال: ﴿فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ أَوْ فِي ٱلأَرْضِ﴾. روي أن ابن لقمان سأل لقمان فقال: أرأيت الحبة تكون في مثل البحر أمن يعلمها الله فأعلمه أنه يعلمها في أخفى المواضع لأن الحبة في الصخرة أخفى منها في السماء. وهذا مثل لأعمال العباد، أن الله يأتي بأعمالهم يوم القيامة. روي أن لقمان لما وعظ ابنه هذه الموعظة أتى بحبة خرذل فألقاها في اليرموك - في عرضه -، ثم مكث ما شاء الله ثم ذكرها وبسط يده فأقبل بها ذباب حتى وضعها في راحته. من رواية ابن وهب وروي عن ابن عباس [أنه] وزن رطل لحم وجعله للذَّرِّ حتى اسود من كثرة الذر عليه، ثم أخذه بما عليه من الذر ووزنه فلم يزد شيئاً، فقال: أيها الناس إن الله جل ذكره أراد أن يرغبكم وأن يحضكم على ثواب الآخرة، وأما الذر والخرذل. فلا مثاقيل لها، ولكن في عظمة الله وقدرته وعلمه ما يعلم به مثاقيل الذر والخرذل. ويروي أن عائشة رضي الله عنها: "تصَّدقَتْ بحبة عنب فقالت لها مولاتها بُرَيْرَةُ يا أمَّ المؤمنين: أي شيء حبة عنب؟ فقالت لها عائشة: كم ترين فيها من مثقال ذرة". ويقال: إن الصخرة هنا هي الصخرة الخضراء التي على ظهر الحوت وهو النون الذي ذكره الله عز وجل في قوله: نون والقلم والحوت في السماء والسماء على ظهر صفاة، والصفاة على ظهر ملك والملك على صخرة، والصخرة في الريح، وهي الصخرة التي ذكر لقمان ليست في السماء ولا في الأرض. وقال قتادة: "فتكن في صخرة" أي: في جبل من الجبال. وقيل: معنى ﴿يَأْتِ بِهَا ٱللَّهُ﴾ بعلمها الله. ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَطِيفٌ﴾ أي: باستخراجها. ﴿خَبِيرٌ﴾ أي: بمكانها ومستقرها لا يخفى عليه شيء. * * ثم قال تعالى: ﴿يٰبُنَيَّ أَقِمِ ٱلصَّلاَةَ﴾ أي: بحدودها في أوقاتها. ﴿وَأْمُرْ بِٱلْمَعْرُوفِ﴾ أي: آمر الناس بطاعة الله. ﴿وَٱنْهَ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ﴾ أي: إنه الناس عن معصية الله. ﴿وَٱصْبِرْ عَلَىٰ مَآ أَصَابَكَ﴾ أي: من أذى الناس ومحن الدنيا في ذات الله إذا أنت أمرتهم بالطاعة ونهيتهم عن المعصية. ﴿إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ ٱلأُمُورِ﴾ أي: إن الصبر على ذلك مما أمر الله له من الأمور عزماً. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلاَ تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ﴾ أي: لا تعرض بوجهك، على من كلمك تكبراً واستخفافاً. وأصله من الصعر وهو داء يأخذ الإبل في أعناقها. ورؤوسها، تلتوي منه أعناقها فقيل هذا للمتكبر لأنه تكبر لوى عنقه على من تكبر عليه. قال ابن عباس: معناه لا تتكبر فتحقر عباد الله وتعرض عنهم بوجهك، إذا كلموك وهو معنى قول مجاهد والضحاك. وعن مجاهد أنه قال: هو الرجل يكون بينه وبين أخيه إحْنَةٌ فيراه فيعرض عنه فنهاه عن ذلك. وقال النخعي: هو التشدق. * * ثم قال: ﴿وَلاَ تَمْشِ فِي ٱلأَرْضِ مَرَحاً﴾. قال الضحاك: لا تمش بالخيلاء. وقال قتادة: نهاه عن التكبر. ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ أي: كل متكبر مفتخر بما أعطي وهو لا يشكر الله. ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَٱقْصِدْ فِي مَشْيِكَ﴾ أي: تواضع في مشيك إذا مشيت، ولا تستكبر ولا تستعجل ولكن اتئد. قال مجاهد: واقصد في مشيك التواضع. وقال قتادة: نهاه عن الخيلاء. وقال يزيد بن أبي حبيب: نهاه عن السرعة. * * ثم قال: ﴿وَٱغْضُضْ مِن صَوْتِكَ﴾ أي: اخفض منه واجعله قصداً إذا تكلمت. وقيل: معناه إذا ناجيت ربك لا تصح، وبالخفاء دعا زكرياء ربه. قال قتادة: أمره بالاقتصاد في صوته. * * ثم قال: ﴿إِنَّ أَنكَرَ ٱلأَصْوَاتِ لَصَوْتُ ٱلْحَمِيرِ﴾. قال مجاهد والضحاك والأعمش وقتادة: معناه إن أقبح الأصوات. قال قتادة: أوله زفير وآخره شهيق. قال عكرمة: معناه إن شر الأصوات. وقال الحسن: معناه إن أشد الأصوات. قال ابن زيد: لو كان رفع الصوت خيراً ما جعله للحمير. ووحد الصوت لأنه مصدر. وفي الحديث: "ما صاح حِمَارٌ ولا نَبَحَ كَلْبٌ إلا أن يرى شَيْطَاناً ثم قال: ﴿أَلَمْ تَرَوْاْ أَنَّ ٱللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَّا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ﴾ يعني: شمسها وقمرها ونجومها وجبالها وعيونها وبحرها وجميع منافعها التي هي صلاح للعباد في أنفسهم وفي معاشهم وتصرفهم. * * ثم قال تعالى: ﴿وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً﴾. [من جمع النعم جعل ظاهرة وباطنة حالاً]. ومن وحد جعلها نعتاً. وقال ابن عباس في توحيد النعمة: هي الإسلام. وقال مجاهد: هي لا إله إلا الله. وروي ذلك أيضاً عن ابن عباس. فيكون المعنى: ظاهرة على الألسن وعلى الأبدان والجوارح عملاً، وباطنة في القلوب اعتقاداً ومعرفة. وروى الضحاك، عن ابن عباس أنه سأل النبي ﷺ عن ذلك فقال: "الظاهرة الإسلام وما أحسن من خَلْقِكَ، والباطِنَةُ ما سَتَرَ عليك من سيئ عَمَلِكَ ثم قال تعالى: ﴿وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي ٱللَّهِ﴾. أي: يخاصم في توحيد الله وإخلاصه العبادة له بغير علم عنده لما يخاصم به ﴿وَلاَ هُدًى﴾ أي: ولا إيمان يبين به صحة ما يقول ﴿وَلاَ كِتَابٍ مُّنِيرٍ﴾ أي: ولا تنزيل من الله عنده بما يدعي يبين به صحة دعواه. قال ابن عباس: هو النضر بن الحارث. * * ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ٱتَّبِعُواْ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ﴾ أي: وإذا قيل لهؤلاء المجادلين في الله بغير علم: اتبعوا ما أنزل الله على رسوله من القرآن. ﴿قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَآءَنَا﴾ من عبادة الأوثان. قال الله جل ذكره: ﴿أَوَلَوْ كَانَ ٱلشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَىٰ عَذَابِ ٱلسَّعِيرِ﴾. هذا على التوبيخ لهم: أي: أَوَلَوْ كان الأمر هكذا أكان يجب لهم أن يتبعوه. * * ثم قال تعالى: ﴿وَمَن يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى ٱللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ أي: من يتذلل إلى الله بالعبادة وهو مطيع لما أمره الله به فقد استمسك بالأمر الأوثق الذي لا يخاف معه، أي: يمسك من رضى الله تعالى بما لا يخاف معه غداً عذاباً. قال ابن عباس: العروة الوثقى: لا إله إلا الله. ﴿وَإِلَىٰ ٱللَّهِ عَاقِبَةُ ٱلأَمُورِ﴾ أي: إليه ترجع أمور الخلق فيجازيهم بأعمالهم.

لقمان 31:20

قوله تعالى ذكره: ﴿وَإِن جَاهَدَاكَ عَلَىٰ أَن تُشْرِكَ بِي﴾ إلى قوله: ﴿وَإِلَىٰ ٱللَّهِ عَاقِبَةُ ٱلأَمُورِ﴾. أي: وإن جاهداك أيها الإنسان والداك على أن تشرك بي في العبادة ما لا تعلم أنه لي شريك، فلا تطعهما فيما أراداك عليه من الشرك. ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي ٱلدُّنْيَا مَعْرُوفاً﴾ أي: بالطاعة لهما فيما لا إثم عليك فيه. ﴿وَٱتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ﴾ أي: واسلك طريق من تاب ورجع عن شركه إلى الإسلام. قال قتادة: "مَنَ أَنَابَ إِلَيّ" أقبل إلي. قال الليث: نزلت هذه الآية في سعد بن أبي وقاص، كان بَرّاً بأمه، فلما أسلم كلمها بعض قومها أن تكلمه أن يرجع إلى دينه، فقالت: أنا أكفيكموه، فكلمته في ذلك، فقال: أما في هذا فلا أطيعك ولكن أطيعك فيما سوى ذلك. قال الليث: فصارت له ولغيره وأن لا يطاع أحد في شرك ولا في معصية لله. وروي أنها نزلت في أبي بكر رضي الله عنه فهو الذي أناب إلى الله، وأمر الله أن يتبع سبيله، وذلك أن أبا بكر حين أسلم أتاه عبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، وسعيد بن زيد، وأتاه قبل ذلك عثمان وطلحة والزبير رضي الله عنهم، فسألوه هل أسلم؟ فقال: نعم، فنزلت ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَآءَ ٱلَّيلِ سَاجِداً وَقَآئِماً يَحْذَرُ ٱلآخِرَةَ﴾ [الزمر: ١٠] الآية إلى قوله: ﴿أُوْلُواْ ٱلأَلْبَابِ﴾ [الزمر: ١٠]. فلما سمعوا ما نزل الله في أبي بكر أتوا رسول الله ﷺ فآمنوا وصدقوا فنزلت فيهم: ﴿وَٱلَّذِينَ ٱجْتَنَبُواْ ٱلطَّاغُوتَ أَن يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوۤاْ إِلَى ٱللَّهِ لَهُمُ ٱلْبُشْرَىٰ﴾ [الزمر: ١٧] إلى قوله: ﴿أُوْلُواْ ٱلأَلْبَابِ﴾ [الزمر: ١٨]. * * قوله: ﴿ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ﴾ أي: مصيركم بعد مماتكم. ﴿فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أي: فأخبركم بجميع ما كنتم تعملون في الدنيا من خير وشر، ثم أجازيكم عليه. وهذه القصة كلها معترضة فيما بين كلام لقمان لابنه، وإنما جاز الاعتراض هنا لأنها أيضاً مما كان وصى به لقمان ولده، فجعلها الله جل ذكره خبراً من عنده لنا لنتبعها ونعمل بها، مما دل على ذلك قوله تعالى عن لقمان أنه قال لولده: ﴿يٰبُنَيَّ إِنَّهَآ إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ﴾ أي: إن القصة التي سألتني عنها أو المسألة. روي أنه كان يسأل والده عن ذلك، فجرى الإضمار عن سؤال ولده له. وقيل: التقدير: إن الخطيئة أو المعصية إن تكن مثقال حبة. هذا على قراءة من نصب "مثقال حبة" فأما من رفع. فلا إضمار في "كان" عنده، ورفع إلقاء ثبت في "تك" حملاً على المعنى لأن المقصود الحبة، فكأنه قال: إنها إن تك حبة. يقال: عندي حبة فضة ومثقال حبة فضة بمعنى واحد، وقد قالوا: اجتمعت أهل اليمامة. فالمعنى على الرفع: إن الخطيئة إن تك حبة، أي إن وقعت حبة من خرذل. ويجوز أن يكون الخبر محذوفاً -، والتقدير: إن تك حبة خرذل في موضع يأت بها الله. والتقدير في هذا كله: زنة حبة من خير أو شر. * * ثم قال: ﴿فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ أَوْ فِي ٱلأَرْضِ﴾. روي أن ابن لقمان سأل لقمان فقال: أرأيت الحبة تكون في مثل البحر أمن يعلمها الله فأعلمه أنه يعلمها في أخفى المواضع لأن الحبة في الصخرة أخفى منها في السماء. وهذا مثل لأعمال العباد، أن الله يأتي بأعمالهم يوم القيامة. روي أن لقمان لما وعظ ابنه هذه الموعظة أتى بحبة خرذل فألقاها في اليرموك - في عرضه -، ثم مكث ما شاء الله ثم ذكرها وبسط يده فأقبل بها ذباب حتى وضعها في راحته. من رواية ابن وهب وروي عن ابن عباس [أنه] وزن رطل لحم وجعله للذَّرِّ حتى اسود من كثرة الذر عليه، ثم أخذه بما عليه من الذر ووزنه فلم يزد شيئاً، فقال: أيها الناس إن الله جل ذكره أراد أن يرغبكم وأن يحضكم على ثواب الآخرة، وأما الذر والخرذل. فلا مثاقيل لها، ولكن في عظمة الله وقدرته وعلمه ما يعلم به مثاقيل الذر والخرذل. ويروي أن عائشة رضي الله عنها: "تصَّدقَتْ بحبة عنب فقالت لها مولاتها بُرَيْرَةُ يا أمَّ المؤمنين: أي شيء حبة عنب؟ فقالت لها عائشة: كم ترين فيها من مثقال ذرة". ويقال: إن الصخرة هنا هي الصخرة الخضراء التي على ظهر الحوت وهو النون الذي ذكره الله عز وجل في قوله: نون والقلم والحوت في السماء والسماء على ظهر صفاة، والصفاة على ظهر ملك والملك على صخرة، والصخرة في الريح، وهي الصخرة التي ذكر لقمان ليست في السماء ولا في الأرض. وقال قتادة: "فتكن في صخرة" أي: في جبل من الجبال. وقيل: معنى ﴿يَأْتِ بِهَا ٱللَّهُ﴾ بعلمها الله. ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَطِيفٌ﴾ أي: باستخراجها. ﴿خَبِيرٌ﴾ أي: بمكانها ومستقرها لا يخفى عليه شيء. * * ثم قال تعالى: ﴿يٰبُنَيَّ أَقِمِ ٱلصَّلاَةَ﴾ أي: بحدودها في أوقاتها. ﴿وَأْمُرْ بِٱلْمَعْرُوفِ﴾ أي: آمر الناس بطاعة الله. ﴿وَٱنْهَ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ﴾ أي: إنه الناس عن معصية الله. ﴿وَٱصْبِرْ عَلَىٰ مَآ أَصَابَكَ﴾ أي: من أذى الناس ومحن الدنيا في ذات الله إذا أنت أمرتهم بالطاعة ونهيتهم عن المعصية. ﴿إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ ٱلأُمُورِ﴾ أي: إن الصبر على ذلك مما أمر الله له من الأمور عزماً. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلاَ تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ﴾ أي: لا تعرض بوجهك، على من كلمك تكبراً واستخفافاً. وأصله من الصعر وهو داء يأخذ الإبل في أعناقها. ورؤوسها، تلتوي منه أعناقها فقيل هذا للمتكبر لأنه تكبر لوى عنقه على من تكبر عليه. قال ابن عباس: معناه لا تتكبر فتحقر عباد الله وتعرض عنهم بوجهك، إذا كلموك وهو معنى قول مجاهد والضحاك. وعن مجاهد أنه قال: هو الرجل يكون بينه وبين أخيه إحْنَةٌ فيراه فيعرض عنه فنهاه عن ذلك. وقال النخعي: هو التشدق. * * ثم قال: ﴿وَلاَ تَمْشِ فِي ٱلأَرْضِ مَرَحاً﴾. قال الضحاك: لا تمش بالخيلاء. وقال قتادة: نهاه عن التكبر. ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ أي: كل متكبر مفتخر بما أعطي وهو لا يشكر الله. ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَٱقْصِدْ فِي مَشْيِكَ﴾ أي: تواضع في مشيك إذا مشيت، ولا تستكبر ولا تستعجل ولكن اتئد. قال مجاهد: واقصد في مشيك التواضع. وقال قتادة: نهاه عن الخيلاء. وقال يزيد بن أبي حبيب: نهاه عن السرعة. * * ثم قال: ﴿وَٱغْضُضْ مِن صَوْتِكَ﴾ أي: اخفض منه واجعله قصداً إذا تكلمت. وقيل: معناه إذا ناجيت ربك لا تصح، وبالخفاء دعا زكرياء ربه. قال قتادة: أمره بالاقتصاد في صوته. * * ثم قال: ﴿إِنَّ أَنكَرَ ٱلأَصْوَاتِ لَصَوْتُ ٱلْحَمِيرِ﴾. قال مجاهد والضحاك والأعمش وقتادة: معناه إن أقبح الأصوات. قال قتادة: أوله زفير وآخره شهيق. قال عكرمة: معناه إن شر الأصوات. وقال الحسن: معناه إن أشد الأصوات. قال ابن زيد: لو كان رفع الصوت خيراً ما جعله للحمير. ووحد الصوت لأنه مصدر. وفي الحديث: "ما صاح حِمَارٌ ولا نَبَحَ كَلْبٌ إلا أن يرى شَيْطَاناً ثم قال: ﴿أَلَمْ تَرَوْاْ أَنَّ ٱللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَّا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ﴾ يعني: شمسها وقمرها ونجومها وجبالها وعيونها وبحرها وجميع منافعها التي هي صلاح للعباد في أنفسهم وفي معاشهم وتصرفهم. * * ثم قال تعالى: ﴿وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً﴾. [من جمع النعم جعل ظاهرة وباطنة حالاً]. ومن وحد جعلها نعتاً. وقال ابن عباس في توحيد النعمة: هي الإسلام. وقال مجاهد: هي لا إله إلا الله. وروي ذلك أيضاً عن ابن عباس. فيكون المعنى: ظاهرة على الألسن وعلى الأبدان والجوارح عملاً، وباطنة في القلوب اعتقاداً ومعرفة. وروى الضحاك، عن ابن عباس أنه سأل النبي ﷺ عن ذلك فقال: "الظاهرة الإسلام وما أحسن من خَلْقِكَ، والباطِنَةُ ما سَتَرَ عليك من سيئ عَمَلِكَ ثم قال تعالى: ﴿وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي ٱللَّهِ﴾. أي: يخاصم في توحيد الله وإخلاصه العبادة له بغير علم عنده لما يخاصم به ﴿وَلاَ هُدًى﴾ أي: ولا إيمان يبين به صحة ما يقول ﴿وَلاَ كِتَابٍ مُّنِيرٍ﴾ أي: ولا تنزيل من الله عنده بما يدعي يبين به صحة دعواه. قال ابن عباس: هو النضر بن الحارث. * * ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ٱتَّبِعُواْ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ﴾ أي: وإذا قيل لهؤلاء المجادلين في الله بغير علم: اتبعوا ما أنزل الله على رسوله من القرآن. ﴿قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَآءَنَا﴾ من عبادة الأوثان. قال الله جل ذكره: ﴿أَوَلَوْ كَانَ ٱلشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَىٰ عَذَابِ ٱلسَّعِيرِ﴾. هذا على التوبيخ لهم: أي: أَوَلَوْ كان الأمر هكذا أكان يجب لهم أن يتبعوه. * * ثم قال تعالى: ﴿وَمَن يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى ٱللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ أي: من يتذلل إلى الله بالعبادة وهو مطيع لما أمره الله به فقد استمسك بالأمر الأوثق الذي لا يخاف معه، أي: يمسك من رضى الله تعالى بما لا يخاف معه غداً عذاباً. قال ابن عباس: العروة الوثقى: لا إله إلا الله. ﴿وَإِلَىٰ ٱللَّهِ عَاقِبَةُ ٱلأَمُورِ﴾ أي: إليه ترجع أمور الخلق فيجازيهم بأعمالهم.

لقمان 31:21

قوله تعالى ذكره: ﴿وَإِن جَاهَدَاكَ عَلَىٰ أَن تُشْرِكَ بِي﴾ إلى قوله: ﴿وَإِلَىٰ ٱللَّهِ عَاقِبَةُ ٱلأَمُورِ﴾. أي: وإن جاهداك أيها الإنسان والداك على أن تشرك بي في العبادة ما لا تعلم أنه لي شريك، فلا تطعهما فيما أراداك عليه من الشرك. ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي ٱلدُّنْيَا مَعْرُوفاً﴾ أي: بالطاعة لهما فيما لا إثم عليك فيه. ﴿وَٱتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ﴾ أي: واسلك طريق من تاب ورجع عن شركه إلى الإسلام. قال قتادة: "مَنَ أَنَابَ إِلَيّ" أقبل إلي. قال الليث: نزلت هذه الآية في سعد بن أبي وقاص، كان بَرّاً بأمه، فلما أسلم كلمها بعض قومها أن تكلمه أن يرجع إلى دينه، فقالت: أنا أكفيكموه، فكلمته في ذلك، فقال: أما في هذا فلا أطيعك ولكن أطيعك فيما سوى ذلك. قال الليث: فصارت له ولغيره وأن لا يطاع أحد في شرك ولا في معصية لله. وروي أنها نزلت في أبي بكر رضي الله عنه فهو الذي أناب إلى الله، وأمر الله أن يتبع سبيله، وذلك أن أبا بكر حين أسلم أتاه عبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، وسعيد بن زيد، وأتاه قبل ذلك عثمان وطلحة والزبير رضي الله عنهم، فسألوه هل أسلم؟ فقال: نعم، فنزلت ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَآءَ ٱلَّيلِ سَاجِداً وَقَآئِماً يَحْذَرُ ٱلآخِرَةَ﴾ [الزمر: ١٠] الآية إلى قوله: ﴿أُوْلُواْ ٱلأَلْبَابِ﴾ [الزمر: ١٠]. فلما سمعوا ما نزل الله في أبي بكر أتوا رسول الله ﷺ فآمنوا وصدقوا فنزلت فيهم: ﴿وَٱلَّذِينَ ٱجْتَنَبُواْ ٱلطَّاغُوتَ أَن يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوۤاْ إِلَى ٱللَّهِ لَهُمُ ٱلْبُشْرَىٰ﴾ [الزمر: ١٧] إلى قوله: ﴿أُوْلُواْ ٱلأَلْبَابِ﴾ [الزمر: ١٨]. * * قوله: ﴿ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ﴾ أي: مصيركم بعد مماتكم. ﴿فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أي: فأخبركم بجميع ما كنتم تعملون في الدنيا من خير وشر، ثم أجازيكم عليه. وهذه القصة كلها معترضة فيما بين كلام لقمان لابنه، وإنما جاز الاعتراض هنا لأنها أيضاً مما كان وصى به لقمان ولده، فجعلها الله جل ذكره خبراً من عنده لنا لنتبعها ونعمل بها، مما دل على ذلك قوله تعالى عن لقمان أنه قال لولده: ﴿يٰبُنَيَّ إِنَّهَآ إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ﴾ أي: إن القصة التي سألتني عنها أو المسألة. روي أنه كان يسأل والده عن ذلك، فجرى الإضمار عن سؤال ولده له. وقيل: التقدير: إن الخطيئة أو المعصية إن تكن مثقال حبة. هذا على قراءة من نصب "مثقال حبة" فأما من رفع. فلا إضمار في "كان" عنده، ورفع إلقاء ثبت في "تك" حملاً على المعنى لأن المقصود الحبة، فكأنه قال: إنها إن تك حبة. يقال: عندي حبة فضة ومثقال حبة فضة بمعنى واحد، وقد قالوا: اجتمعت أهل اليمامة. فالمعنى على الرفع: إن الخطيئة إن تك حبة، أي إن وقعت حبة من خرذل. ويجوز أن يكون الخبر محذوفاً -، والتقدير: إن تك حبة خرذل في موضع يأت بها الله. والتقدير في هذا كله: زنة حبة من خير أو شر. * * ثم قال: ﴿فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ أَوْ فِي ٱلأَرْضِ﴾. روي أن ابن لقمان سأل لقمان فقال: أرأيت الحبة تكون في مثل البحر أمن يعلمها الله فأعلمه أنه يعلمها في أخفى المواضع لأن الحبة في الصخرة أخفى منها في السماء. وهذا مثل لأعمال العباد، أن الله يأتي بأعمالهم يوم القيامة. روي أن لقمان لما وعظ ابنه هذه الموعظة أتى بحبة خرذل فألقاها في اليرموك - في عرضه -، ثم مكث ما شاء الله ثم ذكرها وبسط يده فأقبل بها ذباب حتى وضعها في راحته. من رواية ابن وهب وروي عن ابن عباس [أنه] وزن رطل لحم وجعله للذَّرِّ حتى اسود من كثرة الذر عليه، ثم أخذه بما عليه من الذر ووزنه فلم يزد شيئاً، فقال: أيها الناس إن الله جل ذكره أراد أن يرغبكم وأن يحضكم على ثواب الآخرة، وأما الذر والخرذل. فلا مثاقيل لها، ولكن في عظمة الله وقدرته وعلمه ما يعلم به مثاقيل الذر والخرذل. ويروي أن عائشة رضي الله عنها: "تصَّدقَتْ بحبة عنب فقالت لها مولاتها بُرَيْرَةُ يا أمَّ المؤمنين: أي شيء حبة عنب؟ فقالت لها عائشة: كم ترين فيها من مثقال ذرة". ويقال: إن الصخرة هنا هي الصخرة الخضراء التي على ظهر الحوت وهو النون الذي ذكره الله عز وجل في قوله: نون والقلم والحوت في السماء والسماء على ظهر صفاة، والصفاة على ظهر ملك والملك على صخرة، والصخرة في الريح، وهي الصخرة التي ذكر لقمان ليست في السماء ولا في الأرض. وقال قتادة: "فتكن في صخرة" أي: في جبل من الجبال. وقيل: معنى ﴿يَأْتِ بِهَا ٱللَّهُ﴾ بعلمها الله. ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَطِيفٌ﴾ أي: باستخراجها. ﴿خَبِيرٌ﴾ أي: بمكانها ومستقرها لا يخفى عليه شيء. * * ثم قال تعالى: ﴿يٰبُنَيَّ أَقِمِ ٱلصَّلاَةَ﴾ أي: بحدودها في أوقاتها. ﴿وَأْمُرْ بِٱلْمَعْرُوفِ﴾ أي: آمر الناس بطاعة الله. ﴿وَٱنْهَ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ﴾ أي: إنه الناس عن معصية الله. ﴿وَٱصْبِرْ عَلَىٰ مَآ أَصَابَكَ﴾ أي: من أذى الناس ومحن الدنيا في ذات الله إذا أنت أمرتهم بالطاعة ونهيتهم عن المعصية. ﴿إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ ٱلأُمُورِ﴾ أي: إن الصبر على ذلك مما أمر الله له من الأمور عزماً. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلاَ تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ﴾ أي: لا تعرض بوجهك، على من كلمك تكبراً واستخفافاً. وأصله من الصعر وهو داء يأخذ الإبل في أعناقها. ورؤوسها، تلتوي منه أعناقها فقيل هذا للمتكبر لأنه تكبر لوى عنقه على من تكبر عليه. قال ابن عباس: معناه لا تتكبر فتحقر عباد الله وتعرض عنهم بوجهك، إذا كلموك وهو معنى قول مجاهد والضحاك. وعن مجاهد أنه قال: هو الرجل يكون بينه وبين أخيه إحْنَةٌ فيراه فيعرض عنه فنهاه عن ذلك. وقال النخعي: هو التشدق. * * ثم قال: ﴿وَلاَ تَمْشِ فِي ٱلأَرْضِ مَرَحاً﴾. قال الضحاك: لا تمش بالخيلاء. وقال قتادة: نهاه عن التكبر. ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ أي: كل متكبر مفتخر بما أعطي وهو لا يشكر الله. ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَٱقْصِدْ فِي مَشْيِكَ﴾ أي: تواضع في مشيك إذا مشيت، ولا تستكبر ولا تستعجل ولكن اتئد. قال مجاهد: واقصد في مشيك التواضع. وقال قتادة: نهاه عن الخيلاء. وقال يزيد بن أبي حبيب: نهاه عن السرعة. * * ثم قال: ﴿وَٱغْضُضْ مِن صَوْتِكَ﴾ أي: اخفض منه واجعله قصداً إذا تكلمت. وقيل: معناه إذا ناجيت ربك لا تصح، وبالخفاء دعا زكرياء ربه. قال قتادة: أمره بالاقتصاد في صوته. * * ثم قال: ﴿إِنَّ أَنكَرَ ٱلأَصْوَاتِ لَصَوْتُ ٱلْحَمِيرِ﴾. قال مجاهد والضحاك والأعمش وقتادة: معناه إن أقبح الأصوات. قال قتادة: أوله زفير وآخره شهيق. قال عكرمة: معناه إن شر الأصوات. وقال الحسن: معناه إن أشد الأصوات. قال ابن زيد: لو كان رفع الصوت خيراً ما جعله للحمير. ووحد الصوت لأنه مصدر. وفي الحديث: "ما صاح حِمَارٌ ولا نَبَحَ كَلْبٌ إلا أن يرى شَيْطَاناً ثم قال: ﴿أَلَمْ تَرَوْاْ أَنَّ ٱللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَّا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ﴾ يعني: شمسها وقمرها ونجومها وجبالها وعيونها وبحرها وجميع منافعها التي هي صلاح للعباد في أنفسهم وفي معاشهم وتصرفهم. * * ثم قال تعالى: ﴿وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً﴾. [من جمع النعم جعل ظاهرة وباطنة حالاً]. ومن وحد جعلها نعتاً. وقال ابن عباس في توحيد النعمة: هي الإسلام. وقال مجاهد: هي لا إله إلا الله. وروي ذلك أيضاً عن ابن عباس. فيكون المعنى: ظاهرة على الألسن وعلى الأبدان والجوارح عملاً، وباطنة في القلوب اعتقاداً ومعرفة. وروى الضحاك، عن ابن عباس أنه سأل النبي ﷺ عن ذلك فقال: "الظاهرة الإسلام وما أحسن من خَلْقِكَ، والباطِنَةُ ما سَتَرَ عليك من سيئ عَمَلِكَ ثم قال تعالى: ﴿وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي ٱللَّهِ﴾. أي: يخاصم في توحيد الله وإخلاصه العبادة له بغير علم عنده لما يخاصم به ﴿وَلاَ هُدًى﴾ أي: ولا إيمان يبين به صحة ما يقول ﴿وَلاَ كِتَابٍ مُّنِيرٍ﴾ أي: ولا تنزيل من الله عنده بما يدعي يبين به صحة دعواه. قال ابن عباس: هو النضر بن الحارث. * * ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ٱتَّبِعُواْ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ﴾ أي: وإذا قيل لهؤلاء المجادلين في الله بغير علم: اتبعوا ما أنزل الله على رسوله من القرآن. ﴿قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَآءَنَا﴾ من عبادة الأوثان. قال الله جل ذكره: ﴿أَوَلَوْ كَانَ ٱلشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَىٰ عَذَابِ ٱلسَّعِيرِ﴾. هذا على التوبيخ لهم: أي: أَوَلَوْ كان الأمر هكذا أكان يجب لهم أن يتبعوه. * * ثم قال تعالى: ﴿وَمَن يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى ٱللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ أي: من يتذلل إلى الله بالعبادة وهو مطيع لما أمره الله به فقد استمسك بالأمر الأوثق الذي لا يخاف معه، أي: يمسك من رضى الله تعالى بما لا يخاف معه غداً عذاباً. قال ابن عباس: العروة الوثقى: لا إله إلا الله. ﴿وَإِلَىٰ ٱللَّهِ عَاقِبَةُ ٱلأَمُورِ﴾ أي: إليه ترجع أمور الخلق فيجازيهم بأعمالهم.

لقمان 31:22

قوله تعالى ذكره: ﴿وَإِن جَاهَدَاكَ عَلَىٰ أَن تُشْرِكَ بِي﴾ إلى قوله: ﴿وَإِلَىٰ ٱللَّهِ عَاقِبَةُ ٱلأَمُورِ﴾. أي: وإن جاهداك أيها الإنسان والداك على أن تشرك بي في العبادة ما لا تعلم أنه لي شريك، فلا تطعهما فيما أراداك عليه من الشرك. ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي ٱلدُّنْيَا مَعْرُوفاً﴾ أي: بالطاعة لهما فيما لا إثم عليك فيه. ﴿وَٱتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ﴾ أي: واسلك طريق من تاب ورجع عن شركه إلى الإسلام. قال قتادة: "مَنَ أَنَابَ إِلَيّ" أقبل إلي. قال الليث: نزلت هذه الآية في سعد بن أبي وقاص، كان بَرّاً بأمه، فلما أسلم كلمها بعض قومها أن تكلمه أن يرجع إلى دينه، فقالت: أنا أكفيكموه، فكلمته في ذلك، فقال: أما في هذا فلا أطيعك ولكن أطيعك فيما سوى ذلك. قال الليث: فصارت له ولغيره وأن لا يطاع أحد في شرك ولا في معصية لله. وروي أنها نزلت في أبي بكر رضي الله عنه فهو الذي أناب إلى الله، وأمر الله أن يتبع سبيله، وذلك أن أبا بكر حين أسلم أتاه عبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، وسعيد بن زيد، وأتاه قبل ذلك عثمان وطلحة والزبير رضي الله عنهم، فسألوه هل أسلم؟ فقال: نعم، فنزلت ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَآءَ ٱلَّيلِ سَاجِداً وَقَآئِماً يَحْذَرُ ٱلآخِرَةَ﴾ [الزمر: ١٠] الآية إلى قوله: ﴿أُوْلُواْ ٱلأَلْبَابِ﴾ [الزمر: ١٠]. فلما سمعوا ما نزل الله في أبي بكر أتوا رسول الله ﷺ فآمنوا وصدقوا فنزلت فيهم: ﴿وَٱلَّذِينَ ٱجْتَنَبُواْ ٱلطَّاغُوتَ أَن يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوۤاْ إِلَى ٱللَّهِ لَهُمُ ٱلْبُشْرَىٰ﴾ [الزمر: ١٧] إلى قوله: ﴿أُوْلُواْ ٱلأَلْبَابِ﴾ [الزمر: ١٨]. * * قوله: ﴿ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ﴾ أي: مصيركم بعد مماتكم. ﴿فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أي: فأخبركم بجميع ما كنتم تعملون في الدنيا من خير وشر، ثم أجازيكم عليه. وهذه القصة كلها معترضة فيما بين كلام لقمان لابنه، وإنما جاز الاعتراض هنا لأنها أيضاً مما كان وصى به لقمان ولده، فجعلها الله جل ذكره خبراً من عنده لنا لنتبعها ونعمل بها، مما دل على ذلك قوله تعالى عن لقمان أنه قال لولده: ﴿يٰبُنَيَّ إِنَّهَآ إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ﴾ أي: إن القصة التي سألتني عنها أو المسألة. روي أنه كان يسأل والده عن ذلك، فجرى الإضمار عن سؤال ولده له. وقيل: التقدير: إن الخطيئة أو المعصية إن تكن مثقال حبة. هذا على قراءة من نصب "مثقال حبة" فأما من رفع. فلا إضمار في "كان" عنده، ورفع إلقاء ثبت في "تك" حملاً على المعنى لأن المقصود الحبة، فكأنه قال: إنها إن تك حبة. يقال: عندي حبة فضة ومثقال حبة فضة بمعنى واحد، وقد قالوا: اجتمعت أهل اليمامة. فالمعنى على الرفع: إن الخطيئة إن تك حبة، أي إن وقعت حبة من خرذل. ويجوز أن يكون الخبر محذوفاً -، والتقدير: إن تك حبة خرذل في موضع يأت بها الله. والتقدير في هذا كله: زنة حبة من خير أو شر. * * ثم قال: ﴿فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ أَوْ فِي ٱلأَرْضِ﴾. روي أن ابن لقمان سأل لقمان فقال: أرأيت الحبة تكون في مثل البحر أمن يعلمها الله فأعلمه أنه يعلمها في أخفى المواضع لأن الحبة في الصخرة أخفى منها في السماء. وهذا مثل لأعمال العباد، أن الله يأتي بأعمالهم يوم القيامة. روي أن لقمان لما وعظ ابنه هذه الموعظة أتى بحبة خرذل فألقاها في اليرموك - في عرضه -، ثم مكث ما شاء الله ثم ذكرها وبسط يده فأقبل بها ذباب حتى وضعها في راحته. من رواية ابن وهب وروي عن ابن عباس [أنه] وزن رطل لحم وجعله للذَّرِّ حتى اسود من كثرة الذر عليه، ثم أخذه بما عليه من الذر ووزنه فلم يزد شيئاً، فقال: أيها الناس إن الله جل ذكره أراد أن يرغبكم وأن يحضكم على ثواب الآخرة، وأما الذر والخرذل. فلا مثاقيل لها، ولكن في عظمة الله وقدرته وعلمه ما يعلم به مثاقيل الذر والخرذل. ويروي أن عائشة رضي الله عنها: "تصَّدقَتْ بحبة عنب فقالت لها مولاتها بُرَيْرَةُ يا أمَّ المؤمنين: أي شيء حبة عنب؟ فقالت لها عائشة: كم ترين فيها من مثقال ذرة". ويقال: إن الصخرة هنا هي الصخرة الخضراء التي على ظهر الحوت وهو النون الذي ذكره الله عز وجل في قوله: نون والقلم والحوت في السماء والسماء على ظهر صفاة، والصفاة على ظهر ملك والملك على صخرة، والصخرة في الريح، وهي الصخرة التي ذكر لقمان ليست في السماء ولا في الأرض. وقال قتادة: "فتكن في صخرة" أي: في جبل من الجبال. وقيل: معنى ﴿يَأْتِ بِهَا ٱللَّهُ﴾ بعلمها الله. ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَطِيفٌ﴾ أي: باستخراجها. ﴿خَبِيرٌ﴾ أي: بمكانها ومستقرها لا يخفى عليه شيء. * * ثم قال تعالى: ﴿يٰبُنَيَّ أَقِمِ ٱلصَّلاَةَ﴾ أي: بحدودها في أوقاتها. ﴿وَأْمُرْ بِٱلْمَعْرُوفِ﴾ أي: آمر الناس بطاعة الله. ﴿وَٱنْهَ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ﴾ أي: إنه الناس عن معصية الله. ﴿وَٱصْبِرْ عَلَىٰ مَآ أَصَابَكَ﴾ أي: من أذى الناس ومحن الدنيا في ذات الله إذا أنت أمرتهم بالطاعة ونهيتهم عن المعصية. ﴿إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ ٱلأُمُورِ﴾ أي: إن الصبر على ذلك مما أمر الله له من الأمور عزماً. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلاَ تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ﴾ أي: لا تعرض بوجهك، على من كلمك تكبراً واستخفافاً. وأصله من الصعر وهو داء يأخذ الإبل في أعناقها. ورؤوسها، تلتوي منه أعناقها فقيل هذا للمتكبر لأنه تكبر لوى عنقه على من تكبر عليه. قال ابن عباس: معناه لا تتكبر فتحقر عباد الله وتعرض عنهم بوجهك، إذا كلموك وهو معنى قول مجاهد والضحاك. وعن مجاهد أنه قال: هو الرجل يكون بينه وبين أخيه إحْنَةٌ فيراه فيعرض عنه فنهاه عن ذلك. وقال النخعي: هو التشدق. * * ثم قال: ﴿وَلاَ تَمْشِ فِي ٱلأَرْضِ مَرَحاً﴾. قال الضحاك: لا تمش بالخيلاء. وقال قتادة: نهاه عن التكبر. ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ أي: كل متكبر مفتخر بما أعطي وهو لا يشكر الله. ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَٱقْصِدْ فِي مَشْيِكَ﴾ أي: تواضع في مشيك إذا مشيت، ولا تستكبر ولا تستعجل ولكن اتئد. قال مجاهد: واقصد في مشيك التواضع. وقال قتادة: نهاه عن الخيلاء. وقال يزيد بن أبي حبيب: نهاه عن السرعة. * * ثم قال: ﴿وَٱغْضُضْ مِن صَوْتِكَ﴾ أي: اخفض منه واجعله قصداً إذا تكلمت. وقيل: معناه إذا ناجيت ربك لا تصح، وبالخفاء دعا زكرياء ربه. قال قتادة: أمره بالاقتصاد في صوته. * * ثم قال: ﴿إِنَّ أَنكَرَ ٱلأَصْوَاتِ لَصَوْتُ ٱلْحَمِيرِ﴾. قال مجاهد والضحاك والأعمش وقتادة: معناه إن أقبح الأصوات. قال قتادة: أوله زفير وآخره شهيق. قال عكرمة: معناه إن شر الأصوات. وقال الحسن: معناه إن أشد الأصوات. قال ابن زيد: لو كان رفع الصوت خيراً ما جعله للحمير. ووحد الصوت لأنه مصدر. وفي الحديث: "ما صاح حِمَارٌ ولا نَبَحَ كَلْبٌ إلا أن يرى شَيْطَاناً ثم قال: ﴿أَلَمْ تَرَوْاْ أَنَّ ٱللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَّا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ﴾ يعني: شمسها وقمرها ونجومها وجبالها وعيونها وبحرها وجميع منافعها التي هي صلاح للعباد في أنفسهم وفي معاشهم وتصرفهم. * * ثم قال تعالى: ﴿وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً﴾. [من جمع النعم جعل ظاهرة وباطنة حالاً]. ومن وحد جعلها نعتاً. وقال ابن عباس في توحيد النعمة: هي الإسلام. وقال مجاهد: هي لا إله إلا الله. وروي ذلك أيضاً عن ابن عباس. فيكون المعنى: ظاهرة على الألسن وعلى الأبدان والجوارح عملاً، وباطنة في القلوب اعتقاداً ومعرفة. وروى الضحاك، عن ابن عباس أنه سأل النبي ﷺ عن ذلك فقال: "الظاهرة الإسلام وما أحسن من خَلْقِكَ، والباطِنَةُ ما سَتَرَ عليك من سيئ عَمَلِكَ ثم قال تعالى: ﴿وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي ٱللَّهِ﴾. أي: يخاصم في توحيد الله وإخلاصه العبادة له بغير علم عنده لما يخاصم به ﴿وَلاَ هُدًى﴾ أي: ولا إيمان يبين به صحة ما يقول ﴿وَلاَ كِتَابٍ مُّنِيرٍ﴾ أي: ولا تنزيل من الله عنده بما يدعي يبين به صحة دعواه. قال ابن عباس: هو النضر بن الحارث. * * ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ٱتَّبِعُواْ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ﴾ أي: وإذا قيل لهؤلاء المجادلين في الله بغير علم: اتبعوا ما أنزل الله على رسوله من القرآن. ﴿قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَآءَنَا﴾ من عبادة الأوثان. قال الله جل ذكره: ﴿أَوَلَوْ كَانَ ٱلشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَىٰ عَذَابِ ٱلسَّعِيرِ﴾. هذا على التوبيخ لهم: أي: أَوَلَوْ كان الأمر هكذا أكان يجب لهم أن يتبعوه. * * ثم قال تعالى: ﴿وَمَن يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى ٱللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ أي: من يتذلل إلى الله بالعبادة وهو مطيع لما أمره الله به فقد استمسك بالأمر الأوثق الذي لا يخاف معه، أي: يمسك من رضى الله تعالى بما لا يخاف معه غداً عذاباً. قال ابن عباس: العروة الوثقى: لا إله إلا الله. ﴿وَإِلَىٰ ٱللَّهِ عَاقِبَةُ ٱلأَمُورِ﴾ أي: إليه ترجع أمور الخلق فيجازيهم بأعمالهم.

لقمان 31:23

قوله تعالى ذكره: ﴿وَمَن كَفَرَ فَلاَ يَحْزُنكَ كُفْرُهُ﴾ إلى آخر السورة. أي: لا يغمك يا محمد كفر من كفر ولم يؤمن، فإن رجوعه إلى الله فيخبره بسوء عمله ويجازيه عليه، وهذا مثل قوله "﴿فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ﴾ [فاطر: ٨]". * * ثم قال: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ﴾ أي: يعلم ما تكنه صدورهم من الكفر بالله. * * ثم قال تعالى: ﴿نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلاً﴾ أي: يمهلهم في الدنيا إمهالاً قليلاً ووقتاً قليلاً. ﴿ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَىٰ عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾ أي: يلجئهم إلى الدخول في عذاب النار - نعوذ بالله منها -. ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ﴾ أي: إن سألت يا محمد هؤلاء المشركين من قومك من خلق السماوات والأرض؟ أقروا بأنه الله، فقل يا محمد عند إقرارهم بذلك: الحمد لله: أي الذي خلق ذلك وتفرد به لأنهم لم يخلقوا شيئاً. ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ أي: لا يعلمون من يجب له الحمد والشكر. * * ثم قال تعالى: ﴿لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ﴾ أي يملكها. ﴿إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْغَنِيُّ﴾: أي: عن خلقه. ﴿ٱلْحَمِيدُ﴾ أي المحمود على نعمه. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي ٱلأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلاَمٌ﴾. أي: ولو أن شجرة الأرض كلها بريت أقلاماً، والبحر لها مداد، ويمدها سبعة أبحر مداداً - أي الأقلام - ﴿مَّا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ ٱللَّهِ﴾. وفي الكلام حذف، والتقدير: يكتب بذلك كلام الله لتكسرت الأقلام وجفت وفرغ المداد ولم تنفذ كلمات الله. ومن رفع "البحر" فعلى الابتداء، أو على موضع أن. "وما" عملت فيه، أو على موضع "ما"، إذ لم يظهر فيه الإعراب. قال قتادة: قال المشركون: هذا الكلام يوشك أن ينفد فنزلت هذه الآية. وروي أن هذه الآية نزلت على النبي ﷺ في سبب مجادلة كانت من اليهود له. قال ابن عباس: "قالت أحبار يهود للنبي ﷺ بالمدينة: يا محمد أرأَيْتَ قَوْلُكَ "وَمَا أُوتِيتُم مِنَ العِلْمِ إلاَّ قَلِيلاً إِيَّانَا تُرِيدُ أَمْ قَوْمُكَ؟ فقالَ النبي ﷺ: "كَلاَّ"، قالوا: ألسْتَ تَتْلُو فِيما جَاءَك أَنَّا قَد أوتِينَا التَّوراة فيها بيان كل شيء؟ فقال النبي عليه السلام: "فإنَّها في علم الله قليل، وعندكم من ذلك ما تكفيكم" فأنزل الله في ذلك: "ولو إنما في الأرض من شجرة"إلى تمام الثلاث الآيات. وهذا معنى قول عكرمة. ويروى أن النبي ﷺ قال لهم: "وَقَدْ أَتَاكُم اللهُ ما أن عَمِلْتُم بِهِ انْتَفَعْتُم وهو في عِلْمِ الله قَلِيلٌ ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ﴾ أي: ذو عزة في انتقامه ممن أشرك به وادعى معه إلهاً غيره، ﴿حَكِيمٌ﴾ في تدبيره خلقه. * * ثم قال تعالى: ﴿مَّا خَلْقُكُمْ وَلاَ بَعْثُكُمْ إِلاَّ كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ أي: ما خلقكم إلا كخلق نفس واحدة ولا بعثكم إلا كبعث نفس واحدة، لأنه إنما يقول للشيء كن فيكون قليلاً كان أو كثيراً. هذا معنى قول مجاهد. * * ثم قال: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ﴾ أي: سامع لما يقوله المشركون وغيرهم، ﴿بَصِيرٌ﴾ بأعمال الخلق كلهم. * * ثم قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يُولِجُ ٱلْلَّيْلَ فِي ٱلنَّهَارِ وَيُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِي ٱلْلَّيْلِ﴾. أي يزيد من كل واحد في الآخر، فينقص من أحدهما بمقدار ما زاد في الآخر. * * ثم قال تعالى: ﴿وَسَخَّرَ ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ﴾ أي: سخرهما لمصالح العباد. ﴿كُلٌّ يَجْرِيۤ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى﴾ أي: يجري بإذن الله إلى وقت معلوم، إذا بلغاه كورت الشمس والقمر. ﴿وَأَنَّ ٱللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ أي: ذو خبر بأعمالكم لا يخفى عليه شيء منها. والمراد بهذا الخطاب المشركون. * * ثم قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْحَقُّ﴾. أي: هو الخالق الحق لا ما تعبدون. ﴿وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ ٱلْبَاطِلُ﴾ أي: ما تعبدون من الأصنام والأوثان هو الباطل الذي يضمحل ويفنى. * * ثم قال تعالى: ﴿وَأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْعَلِيُّ﴾ أي: ذو العلو على كل شيء، وكل من دونه متذلل منقاد له، ﴿ٱلْكَبِيرُ﴾ أي: الذي كل شيء يتصاغر له. * * ثم قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱلْفُلْكَ تَجْرِي فِي ٱلْبَحْرِ بِنِعْمَةِ ٱللَّهِ﴾ أي: السفن تجري في البحر بنعمة الله على خلقه. ﴿لِيُرِيَكُمْ مِّنْ آيَاتِهِ﴾ أي: من حججه وقدرته فتتعظوا. وقد قيل: نعمة الله ها هنا الريح التي تجري السفن بها. ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ﴾ أي: إن في جري الفلك في البحر لعلامات وحججاً على قدرة الله وضعف ما تدعون من دونه. ﴿لِّكُلِّ صَبَّارٍ﴾ أي: لكم من صبر نفسه عن محارم الله وشكر على نعمه. قال مطرف: إن من أحب عباد الله إليه الصبور الشكور. وقال الشعبي: الصبر نصف الإيمان والشكر نصف الإيمان، واليقين الإيمان كله. وقال قتادة: إن من أحب عباد الله إليه من إذا أعطي شكر، وإذا ابتلي صبر. * * ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَّوْجٌ كَٱلظُّلَلِ﴾. أي: وإذا غشي هؤلاء الذين يشركون بالله غيرهم في حال ركوبهم البحر موج كالظلم، شبه سواد كثرة الماء وتراكب بعضه على بعض بالظلم، وهي الظل جمع ظلة. وقال الفراء: الظل هنا: السحاب. ﴿دَعَوُاْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ﴾ أي: إذا غشيهم الموج فخافوا الغرق فزعوا إلى الله بالدعاء مخلصين له لا يشركون به هنا لك شيئاً، ولا يستغيثون بغيره. ﴿فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى ٱلْبَرِّ﴾ أي: نجاهم من ذلك الموج والغرق فصاروا في البر. ﴿فَمِنْهُمْ مُّقْتَصِدٌ﴾ أي: في قوله وإقراره بربه، وهو مضمر للكفر بعد ذلك، وقال أبن زيد: المقتصد على صلاح من الأمر. وفي الكلام حذف، كأنه قال: ومنهم كافر بربه الذي نجاه من الغرق. ودل على ذلك قوله: ﴿وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَآ إِلاَّ كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ﴾ أي: وما يكفر بأدلتنا وحججنا إلا كل غدار عنيد. فدل الجحود المذكور على الكفر المحذوف. وقيل: التقدير: ومنهم جائر لأن الاقتصاد ضده الجور، فدل على ضده، قال معنى ذلك مجاهد والحسن وقتادة والضحاك . والختر عند العرب أشد. * * ثم قال ﴿يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمْ﴾. أي: اتقوه في قبول طاعته والعمل بمرضاته، ﴿وَٱخْشَوْاْ يَوْماً لاَّ يَجْزِي وَالِدٌ عَن وَلَدِهِ وَلاَ مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِ شَيْئاً﴾ يعني: وخافوا يوم القيامة فإنه يوم لا يشفع فيه أحد لأحد إلا بالإيمان والأعمال الصالحة. ﴿إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ﴾ أي: إن مجيء هذا اليوم الذي يجازي الناس فيه بأعمالهم حق. ﴿فَلاَ تَغُرَّنَّكُمُ ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا﴾ أي: لا يخدعنّكم نُزهَتُها ولذاتها فتميلوا إليها، وتدعوا الاستعداد لما فيه خلاصكم من عذاب الله تعالى ونعيمكم أبداً. ﴿وَلاَ يَغُرَّنَّكُم بِٱللَّهِ ٱلْغَرُورُ﴾. أي: ولا يخدعكم بالله خادع، فالغرور هو كل ما غر من إنسان أو شيطان. ومن ضم الغين جعله مصدراً. وقيل: هو أن تعمل المعصية وتتمنى المغفرة، قاله أبن جبير. ثم قال تعالى ذكره: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ ٱلسَّاعَةِ﴾. أي: يعلم متى تكون، فاتقوا أن تأتيكم بغتة. ﴿وَيُنَزِّلُ ٱلْغَيْثَ﴾: أي: لا يعلم متى ينزله. ﴿وَيَعْلَمُ مَا فِي ٱلأَرْحَامِ﴾ أي: لا يُعْلَمُ ذلك غيره. ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَداً﴾ أي: ما تعمل من خير وشر. ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾ أي: في أي مكان يلحقها أجلها فتموت فيه، كل ذلك لا يعلمه إلا الله. ﴿إِنَّ ٱللَّهَ عَلَيمٌ﴾ أي: ذو علم بكل الأشياء، ﴿خَبِيرٌ﴾ بما هو كائن وما كان. وقال النبي ﷺ "مفاتح الغَيب خَمسَة. ثم قرأ هذه الآية..

لقمان 31:24

قوله تعالى ذكره: ﴿وَمَن كَفَرَ فَلاَ يَحْزُنكَ كُفْرُهُ﴾ إلى آخر السورة. أي: لا يغمك يا محمد كفر من كفر ولم يؤمن، فإن رجوعه إلى الله فيخبره بسوء عمله ويجازيه عليه، وهذا مثل قوله "﴿فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ﴾ [فاطر: ٨]". * * ثم قال: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ﴾ أي: يعلم ما تكنه صدورهم من الكفر بالله. * * ثم قال تعالى: ﴿نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلاً﴾ أي: يمهلهم في الدنيا إمهالاً قليلاً ووقتاً قليلاً. ﴿ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَىٰ عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾ أي: يلجئهم إلى الدخول في عذاب النار - نعوذ بالله منها -. ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ﴾ أي: إن سألت يا محمد هؤلاء المشركين من قومك من خلق السماوات والأرض؟ أقروا بأنه الله، فقل يا محمد عند إقرارهم بذلك: الحمد لله: أي الذي خلق ذلك وتفرد به لأنهم لم يخلقوا شيئاً. ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ أي: لا يعلمون من يجب له الحمد والشكر. * * ثم قال تعالى: ﴿لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ﴾ أي يملكها. ﴿إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْغَنِيُّ﴾: أي: عن خلقه. ﴿ٱلْحَمِيدُ﴾ أي المحمود على نعمه. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي ٱلأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلاَمٌ﴾. أي: ولو أن شجرة الأرض كلها بريت أقلاماً، والبحر لها مداد، ويمدها سبعة أبحر مداداً - أي الأقلام - ﴿مَّا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ ٱللَّهِ﴾. وفي الكلام حذف، والتقدير: يكتب بذلك كلام الله لتكسرت الأقلام وجفت وفرغ المداد ولم تنفذ كلمات الله. ومن رفع "البحر" فعلى الابتداء، أو على موضع أن. "وما" عملت فيه، أو على موضع "ما"، إذ لم يظهر فيه الإعراب. قال قتادة: قال المشركون: هذا الكلام يوشك أن ينفد فنزلت هذه الآية. وروي أن هذه الآية نزلت على النبي ﷺ في سبب مجادلة كانت من اليهود له. قال ابن عباس: "قالت أحبار يهود للنبي ﷺ بالمدينة: يا محمد أرأَيْتَ قَوْلُكَ "وَمَا أُوتِيتُم مِنَ العِلْمِ إلاَّ قَلِيلاً إِيَّانَا تُرِيدُ أَمْ قَوْمُكَ؟ فقالَ النبي ﷺ: "كَلاَّ"، قالوا: ألسْتَ تَتْلُو فِيما جَاءَك أَنَّا قَد أوتِينَا التَّوراة فيها بيان كل شيء؟ فقال النبي عليه السلام: "فإنَّها في علم الله قليل، وعندكم من ذلك ما تكفيكم" فأنزل الله في ذلك: "ولو إنما في الأرض من شجرة"إلى تمام الثلاث الآيات. وهذا معنى قول عكرمة. ويروى أن النبي ﷺ قال لهم: "وَقَدْ أَتَاكُم اللهُ ما أن عَمِلْتُم بِهِ انْتَفَعْتُم وهو في عِلْمِ الله قَلِيلٌ ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ﴾ أي: ذو عزة في انتقامه ممن أشرك به وادعى معه إلهاً غيره، ﴿حَكِيمٌ﴾ في تدبيره خلقه. * * ثم قال تعالى: ﴿مَّا خَلْقُكُمْ وَلاَ بَعْثُكُمْ إِلاَّ كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ أي: ما خلقكم إلا كخلق نفس واحدة ولا بعثكم إلا كبعث نفس واحدة، لأنه إنما يقول للشيء كن فيكون قليلاً كان أو كثيراً. هذا معنى قول مجاهد. * * ثم قال: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ﴾ أي: سامع لما يقوله المشركون وغيرهم، ﴿بَصِيرٌ﴾ بأعمال الخلق كلهم. * * ثم قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يُولِجُ ٱلْلَّيْلَ فِي ٱلنَّهَارِ وَيُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِي ٱلْلَّيْلِ﴾. أي يزيد من كل واحد في الآخر، فينقص من أحدهما بمقدار ما زاد في الآخر. * * ثم قال تعالى: ﴿وَسَخَّرَ ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ﴾ أي: سخرهما لمصالح العباد. ﴿كُلٌّ يَجْرِيۤ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى﴾ أي: يجري بإذن الله إلى وقت معلوم، إذا بلغاه كورت الشمس والقمر. ﴿وَأَنَّ ٱللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ أي: ذو خبر بأعمالكم لا يخفى عليه شيء منها. والمراد بهذا الخطاب المشركون. * * ثم قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْحَقُّ﴾. أي: هو الخالق الحق لا ما تعبدون. ﴿وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ ٱلْبَاطِلُ﴾ أي: ما تعبدون من الأصنام والأوثان هو الباطل الذي يضمحل ويفنى. * * ثم قال تعالى: ﴿وَأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْعَلِيُّ﴾ أي: ذو العلو على كل شيء، وكل من دونه متذلل منقاد له، ﴿ٱلْكَبِيرُ﴾ أي: الذي كل شيء يتصاغر له. * * ثم قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱلْفُلْكَ تَجْرِي فِي ٱلْبَحْرِ بِنِعْمَةِ ٱللَّهِ﴾ أي: السفن تجري في البحر بنعمة الله على خلقه. ﴿لِيُرِيَكُمْ مِّنْ آيَاتِهِ﴾ أي: من حججه وقدرته فتتعظوا. وقد قيل: نعمة الله ها هنا الريح التي تجري السفن بها. ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ﴾ أي: إن في جري الفلك في البحر لعلامات وحججاً على قدرة الله وضعف ما تدعون من دونه. ﴿لِّكُلِّ صَبَّارٍ﴾ أي: لكم من صبر نفسه عن محارم الله وشكر على نعمه. قال مطرف: إن من أحب عباد الله إليه الصبور الشكور. وقال الشعبي: الصبر نصف الإيمان والشكر نصف الإيمان، واليقين الإيمان كله. وقال قتادة: إن من أحب عباد الله إليه من إذا أعطي شكر، وإذا ابتلي صبر. * * ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَّوْجٌ كَٱلظُّلَلِ﴾. أي: وإذا غشي هؤلاء الذين يشركون بالله غيرهم في حال ركوبهم البحر موج كالظلم، شبه سواد كثرة الماء وتراكب بعضه على بعض بالظلم، وهي الظل جمع ظلة. وقال الفراء: الظل هنا: السحاب. ﴿دَعَوُاْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ﴾ أي: إذا غشيهم الموج فخافوا الغرق فزعوا إلى الله بالدعاء مخلصين له لا يشركون به هنا لك شيئاً، ولا يستغيثون بغيره. ﴿فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى ٱلْبَرِّ﴾ أي: نجاهم من ذلك الموج والغرق فصاروا في البر. ﴿فَمِنْهُمْ مُّقْتَصِدٌ﴾ أي: في قوله وإقراره بربه، وهو مضمر للكفر بعد ذلك، وقال أبن زيد: المقتصد على صلاح من الأمر. وفي الكلام حذف، كأنه قال: ومنهم كافر بربه الذي نجاه من الغرق. ودل على ذلك قوله: ﴿وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَآ إِلاَّ كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ﴾ أي: وما يكفر بأدلتنا وحججنا إلا كل غدار عنيد. فدل الجحود المذكور على الكفر المحذوف. وقيل: التقدير: ومنهم جائر لأن الاقتصاد ضده الجور، فدل على ضده، قال معنى ذلك مجاهد والحسن وقتادة والضحاك . والختر عند العرب أشد. * * ثم قال ﴿يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمْ﴾. أي: اتقوه في قبول طاعته والعمل بمرضاته، ﴿وَٱخْشَوْاْ يَوْماً لاَّ يَجْزِي وَالِدٌ عَن وَلَدِهِ وَلاَ مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِ شَيْئاً﴾ يعني: وخافوا يوم القيامة فإنه يوم لا يشفع فيه أحد لأحد إلا بالإيمان والأعمال الصالحة. ﴿إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ﴾ أي: إن مجيء هذا اليوم الذي يجازي الناس فيه بأعمالهم حق. ﴿فَلاَ تَغُرَّنَّكُمُ ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا﴾ أي: لا يخدعنّكم نُزهَتُها ولذاتها فتميلوا إليها، وتدعوا الاستعداد لما فيه خلاصكم من عذاب الله تعالى ونعيمكم أبداً. ﴿وَلاَ يَغُرَّنَّكُم بِٱللَّهِ ٱلْغَرُورُ﴾. أي: ولا يخدعكم بالله خادع، فالغرور هو كل ما غر من إنسان أو شيطان. ومن ضم الغين جعله مصدراً. وقيل: هو أن تعمل المعصية وتتمنى المغفرة، قاله أبن جبير. ثم قال تعالى ذكره: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ ٱلسَّاعَةِ﴾. أي: يعلم متى تكون، فاتقوا أن تأتيكم بغتة. ﴿وَيُنَزِّلُ ٱلْغَيْثَ﴾: أي: لا يعلم متى ينزله. ﴿وَيَعْلَمُ مَا فِي ٱلأَرْحَامِ﴾ أي: لا يُعْلَمُ ذلك غيره. ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَداً﴾ أي: ما تعمل من خير وشر. ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾ أي: في أي مكان يلحقها أجلها فتموت فيه، كل ذلك لا يعلمه إلا الله. ﴿إِنَّ ٱللَّهَ عَلَيمٌ﴾ أي: ذو علم بكل الأشياء، ﴿خَبِيرٌ﴾ بما هو كائن وما كان. وقال النبي ﷺ "مفاتح الغَيب خَمسَة. ثم قرأ هذه الآية..

لقمان 31:25

قوله تعالى ذكره: ﴿وَمَن كَفَرَ فَلاَ يَحْزُنكَ كُفْرُهُ﴾ إلى آخر السورة. أي: لا يغمك يا محمد كفر من كفر ولم يؤمن، فإن رجوعه إلى الله فيخبره بسوء عمله ويجازيه عليه، وهذا مثل قوله "﴿فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ﴾ [فاطر: ٨]". * * ثم قال: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ﴾ أي: يعلم ما تكنه صدورهم من الكفر بالله. * * ثم قال تعالى: ﴿نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلاً﴾ أي: يمهلهم في الدنيا إمهالاً قليلاً ووقتاً قليلاً. ﴿ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَىٰ عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾ أي: يلجئهم إلى الدخول في عذاب النار - نعوذ بالله منها -. ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ﴾ أي: إن سألت يا محمد هؤلاء المشركين من قومك من خلق السماوات والأرض؟ أقروا بأنه الله، فقل يا محمد عند إقرارهم بذلك: الحمد لله: أي الذي خلق ذلك وتفرد به لأنهم لم يخلقوا شيئاً. ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ أي: لا يعلمون من يجب له الحمد والشكر. * * ثم قال تعالى: ﴿لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ﴾ أي يملكها. ﴿إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْغَنِيُّ﴾: أي: عن خلقه. ﴿ٱلْحَمِيدُ﴾ أي المحمود على نعمه. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي ٱلأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلاَمٌ﴾. أي: ولو أن شجرة الأرض كلها بريت أقلاماً، والبحر لها مداد، ويمدها سبعة أبحر مداداً - أي الأقلام - ﴿مَّا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ ٱللَّهِ﴾. وفي الكلام حذف، والتقدير: يكتب بذلك كلام الله لتكسرت الأقلام وجفت وفرغ المداد ولم تنفذ كلمات الله. ومن رفع "البحر" فعلى الابتداء، أو على موضع أن. "وما" عملت فيه، أو على موضع "ما"، إذ لم يظهر فيه الإعراب. قال قتادة: قال المشركون: هذا الكلام يوشك أن ينفد فنزلت هذه الآية. وروي أن هذه الآية نزلت على النبي ﷺ في سبب مجادلة كانت من اليهود له. قال ابن عباس: "قالت أحبار يهود للنبي ﷺ بالمدينة: يا محمد أرأَيْتَ قَوْلُكَ "وَمَا أُوتِيتُم مِنَ العِلْمِ إلاَّ قَلِيلاً إِيَّانَا تُرِيدُ أَمْ قَوْمُكَ؟ فقالَ النبي ﷺ: "كَلاَّ"، قالوا: ألسْتَ تَتْلُو فِيما جَاءَك أَنَّا قَد أوتِينَا التَّوراة فيها بيان كل شيء؟ فقال النبي عليه السلام: "فإنَّها في علم الله قليل، وعندكم من ذلك ما تكفيكم" فأنزل الله في ذلك: "ولو إنما في الأرض من شجرة"إلى تمام الثلاث الآيات. وهذا معنى قول عكرمة. ويروى أن النبي ﷺ قال لهم: "وَقَدْ أَتَاكُم اللهُ ما أن عَمِلْتُم بِهِ انْتَفَعْتُم وهو في عِلْمِ الله قَلِيلٌ ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ﴾ أي: ذو عزة في انتقامه ممن أشرك به وادعى معه إلهاً غيره، ﴿حَكِيمٌ﴾ في تدبيره خلقه. * * ثم قال تعالى: ﴿مَّا خَلْقُكُمْ وَلاَ بَعْثُكُمْ إِلاَّ كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ أي: ما خلقكم إلا كخلق نفس واحدة ولا بعثكم إلا كبعث نفس واحدة، لأنه إنما يقول للشيء كن فيكون قليلاً كان أو كثيراً. هذا معنى قول مجاهد. * * ثم قال: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ﴾ أي: سامع لما يقوله المشركون وغيرهم، ﴿بَصِيرٌ﴾ بأعمال الخلق كلهم. * * ثم قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يُولِجُ ٱلْلَّيْلَ فِي ٱلنَّهَارِ وَيُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِي ٱلْلَّيْلِ﴾. أي يزيد من كل واحد في الآخر، فينقص من أحدهما بمقدار ما زاد في الآخر. * * ثم قال تعالى: ﴿وَسَخَّرَ ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ﴾ أي: سخرهما لمصالح العباد. ﴿كُلٌّ يَجْرِيۤ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى﴾ أي: يجري بإذن الله إلى وقت معلوم، إذا بلغاه كورت الشمس والقمر. ﴿وَأَنَّ ٱللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ أي: ذو خبر بأعمالكم لا يخفى عليه شيء منها. والمراد بهذا الخطاب المشركون. * * ثم قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْحَقُّ﴾. أي: هو الخالق الحق لا ما تعبدون. ﴿وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ ٱلْبَاطِلُ﴾ أي: ما تعبدون من الأصنام والأوثان هو الباطل الذي يضمحل ويفنى. * * ثم قال تعالى: ﴿وَأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْعَلِيُّ﴾ أي: ذو العلو على كل شيء، وكل من دونه متذلل منقاد له، ﴿ٱلْكَبِيرُ﴾ أي: الذي كل شيء يتصاغر له. * * ثم قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱلْفُلْكَ تَجْرِي فِي ٱلْبَحْرِ بِنِعْمَةِ ٱللَّهِ﴾ أي: السفن تجري في البحر بنعمة الله على خلقه. ﴿لِيُرِيَكُمْ مِّنْ آيَاتِهِ﴾ أي: من حججه وقدرته فتتعظوا. وقد قيل: نعمة الله ها هنا الريح التي تجري السفن بها. ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ﴾ أي: إن في جري الفلك في البحر لعلامات وحججاً على قدرة الله وضعف ما تدعون من دونه. ﴿لِّكُلِّ صَبَّارٍ﴾ أي: لكم من صبر نفسه عن محارم الله وشكر على نعمه. قال مطرف: إن من أحب عباد الله إليه الصبور الشكور. وقال الشعبي: الصبر نصف الإيمان والشكر نصف الإيمان، واليقين الإيمان كله. وقال قتادة: إن من أحب عباد الله إليه من إذا أعطي شكر، وإذا ابتلي صبر. * * ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَّوْجٌ كَٱلظُّلَلِ﴾. أي: وإذا غشي هؤلاء الذين يشركون بالله غيرهم في حال ركوبهم البحر موج كالظلم، شبه سواد كثرة الماء وتراكب بعضه على بعض بالظلم، وهي الظل جمع ظلة. وقال الفراء: الظل هنا: السحاب. ﴿دَعَوُاْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ﴾ أي: إذا غشيهم الموج فخافوا الغرق فزعوا إلى الله بالدعاء مخلصين له لا يشركون به هنا لك شيئاً، ولا يستغيثون بغيره. ﴿فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى ٱلْبَرِّ﴾ أي: نجاهم من ذلك الموج والغرق فصاروا في البر. ﴿فَمِنْهُمْ مُّقْتَصِدٌ﴾ أي: في قوله وإقراره بربه، وهو مضمر للكفر بعد ذلك، وقال أبن زيد: المقتصد على صلاح من الأمر. وفي الكلام حذف، كأنه قال: ومنهم كافر بربه الذي نجاه من الغرق. ودل على ذلك قوله: ﴿وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَآ إِلاَّ كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ﴾ أي: وما يكفر بأدلتنا وحججنا إلا كل غدار عنيد. فدل الجحود المذكور على الكفر المحذوف. وقيل: التقدير: ومنهم جائر لأن الاقتصاد ضده الجور، فدل على ضده، قال معنى ذلك مجاهد والحسن وقتادة والضحاك . والختر عند العرب أشد. * * ثم قال ﴿يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمْ﴾. أي: اتقوه في قبول طاعته والعمل بمرضاته، ﴿وَٱخْشَوْاْ يَوْماً لاَّ يَجْزِي وَالِدٌ عَن وَلَدِهِ وَلاَ مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِ شَيْئاً﴾ يعني: وخافوا يوم القيامة فإنه يوم لا يشفع فيه أحد لأحد إلا بالإيمان والأعمال الصالحة. ﴿إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ﴾ أي: إن مجيء هذا اليوم الذي يجازي الناس فيه بأعمالهم حق. ﴿فَلاَ تَغُرَّنَّكُمُ ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا﴾ أي: لا يخدعنّكم نُزهَتُها ولذاتها فتميلوا إليها، وتدعوا الاستعداد لما فيه خلاصكم من عذاب الله تعالى ونعيمكم أبداً. ﴿وَلاَ يَغُرَّنَّكُم بِٱللَّهِ ٱلْغَرُورُ﴾. أي: ولا يخدعكم بالله خادع، فالغرور هو كل ما غر من إنسان أو شيطان. ومن ضم الغين جعله مصدراً. وقيل: هو أن تعمل المعصية وتتمنى المغفرة، قاله أبن جبير. ثم قال تعالى ذكره: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ ٱلسَّاعَةِ﴾. أي: يعلم متى تكون، فاتقوا أن تأتيكم بغتة. ﴿وَيُنَزِّلُ ٱلْغَيْثَ﴾: أي: لا يعلم متى ينزله. ﴿وَيَعْلَمُ مَا فِي ٱلأَرْحَامِ﴾ أي: لا يُعْلَمُ ذلك غيره. ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَداً﴾ أي: ما تعمل من خير وشر. ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾ أي: في أي مكان يلحقها أجلها فتموت فيه، كل ذلك لا يعلمه إلا الله. ﴿إِنَّ ٱللَّهَ عَلَيمٌ﴾ أي: ذو علم بكل الأشياء، ﴿خَبِيرٌ﴾ بما هو كائن وما كان. وقال النبي ﷺ "مفاتح الغَيب خَمسَة. ثم قرأ هذه الآية..

لقمان 31:26

قوله تعالى ذكره: ﴿وَمَن كَفَرَ فَلاَ يَحْزُنكَ كُفْرُهُ﴾ إلى آخر السورة. أي: لا يغمك يا محمد كفر من كفر ولم يؤمن، فإن رجوعه إلى الله فيخبره بسوء عمله ويجازيه عليه، وهذا مثل قوله "﴿فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ﴾ [فاطر: ٨]". * * ثم قال: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ﴾ أي: يعلم ما تكنه صدورهم من الكفر بالله. * * ثم قال تعالى: ﴿نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلاً﴾ أي: يمهلهم في الدنيا إمهالاً قليلاً ووقتاً قليلاً. ﴿ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَىٰ عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾ أي: يلجئهم إلى الدخول في عذاب النار - نعوذ بالله منها -. ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ﴾ أي: إن سألت يا محمد هؤلاء المشركين من قومك من خلق السماوات والأرض؟ أقروا بأنه الله، فقل يا محمد عند إقرارهم بذلك: الحمد لله: أي الذي خلق ذلك وتفرد به لأنهم لم يخلقوا شيئاً. ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ أي: لا يعلمون من يجب له الحمد والشكر. * * ثم قال تعالى: ﴿لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ﴾ أي يملكها. ﴿إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْغَنِيُّ﴾: أي: عن خلقه. ﴿ٱلْحَمِيدُ﴾ أي المحمود على نعمه. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي ٱلأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلاَمٌ﴾. أي: ولو أن شجرة الأرض كلها بريت أقلاماً، والبحر لها مداد، ويمدها سبعة أبحر مداداً - أي الأقلام - ﴿مَّا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ ٱللَّهِ﴾. وفي الكلام حذف، والتقدير: يكتب بذلك كلام الله لتكسرت الأقلام وجفت وفرغ المداد ولم تنفذ كلمات الله. ومن رفع "البحر" فعلى الابتداء، أو على موضع أن. "وما" عملت فيه، أو على موضع "ما"، إذ لم يظهر فيه الإعراب. قال قتادة: قال المشركون: هذا الكلام يوشك أن ينفد فنزلت هذه الآية. وروي أن هذه الآية نزلت على النبي ﷺ في سبب مجادلة كانت من اليهود له. قال ابن عباس: "قالت أحبار يهود للنبي ﷺ بالمدينة: يا محمد أرأَيْتَ قَوْلُكَ "وَمَا أُوتِيتُم مِنَ العِلْمِ إلاَّ قَلِيلاً إِيَّانَا تُرِيدُ أَمْ قَوْمُكَ؟ فقالَ النبي ﷺ: "كَلاَّ"، قالوا: ألسْتَ تَتْلُو فِيما جَاءَك أَنَّا قَد أوتِينَا التَّوراة فيها بيان كل شيء؟ فقال النبي عليه السلام: "فإنَّها في علم الله قليل، وعندكم من ذلك ما تكفيكم" فأنزل الله في ذلك: "ولو إنما في الأرض من شجرة"إلى تمام الثلاث الآيات. وهذا معنى قول عكرمة. ويروى أن النبي ﷺ قال لهم: "وَقَدْ أَتَاكُم اللهُ ما أن عَمِلْتُم بِهِ انْتَفَعْتُم وهو في عِلْمِ الله قَلِيلٌ ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ﴾ أي: ذو عزة في انتقامه ممن أشرك به وادعى معه إلهاً غيره، ﴿حَكِيمٌ﴾ في تدبيره خلقه. * * ثم قال تعالى: ﴿مَّا خَلْقُكُمْ وَلاَ بَعْثُكُمْ إِلاَّ كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ أي: ما خلقكم إلا كخلق نفس واحدة ولا بعثكم إلا كبعث نفس واحدة، لأنه إنما يقول للشيء كن فيكون قليلاً كان أو كثيراً. هذا معنى قول مجاهد. * * ثم قال: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ﴾ أي: سامع لما يقوله المشركون وغيرهم، ﴿بَصِيرٌ﴾ بأعمال الخلق كلهم. * * ثم قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يُولِجُ ٱلْلَّيْلَ فِي ٱلنَّهَارِ وَيُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِي ٱلْلَّيْلِ﴾. أي يزيد من كل واحد في الآخر، فينقص من أحدهما بمقدار ما زاد في الآخر. * * ثم قال تعالى: ﴿وَسَخَّرَ ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ﴾ أي: سخرهما لمصالح العباد. ﴿كُلٌّ يَجْرِيۤ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى﴾ أي: يجري بإذن الله إلى وقت معلوم، إذا بلغاه كورت الشمس والقمر. ﴿وَأَنَّ ٱللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ أي: ذو خبر بأعمالكم لا يخفى عليه شيء منها. والمراد بهذا الخطاب المشركون. * * ثم قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْحَقُّ﴾. أي: هو الخالق الحق لا ما تعبدون. ﴿وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ ٱلْبَاطِلُ﴾ أي: ما تعبدون من الأصنام والأوثان هو الباطل الذي يضمحل ويفنى. * * ثم قال تعالى: ﴿وَأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْعَلِيُّ﴾ أي: ذو العلو على كل شيء، وكل من دونه متذلل منقاد له، ﴿ٱلْكَبِيرُ﴾ أي: الذي كل شيء يتصاغر له. * * ثم قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱلْفُلْكَ تَجْرِي فِي ٱلْبَحْرِ بِنِعْمَةِ ٱللَّهِ﴾ أي: السفن تجري في البحر بنعمة الله على خلقه. ﴿لِيُرِيَكُمْ مِّنْ آيَاتِهِ﴾ أي: من حججه وقدرته فتتعظوا. وقد قيل: نعمة الله ها هنا الريح التي تجري السفن بها. ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ﴾ أي: إن في جري الفلك في البحر لعلامات وحججاً على قدرة الله وضعف ما تدعون من دونه. ﴿لِّكُلِّ صَبَّارٍ﴾ أي: لكم من صبر نفسه عن محارم الله وشكر على نعمه. قال مطرف: إن من أحب عباد الله إليه الصبور الشكور. وقال الشعبي: الصبر نصف الإيمان والشكر نصف الإيمان، واليقين الإيمان كله. وقال قتادة: إن من أحب عباد الله إليه من إذا أعطي شكر، وإذا ابتلي صبر. * * ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَّوْجٌ كَٱلظُّلَلِ﴾. أي: وإذا غشي هؤلاء الذين يشركون بالله غيرهم في حال ركوبهم البحر موج كالظلم، شبه سواد كثرة الماء وتراكب بعضه على بعض بالظلم، وهي الظل جمع ظلة. وقال الفراء: الظل هنا: السحاب. ﴿دَعَوُاْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ﴾ أي: إذا غشيهم الموج فخافوا الغرق فزعوا إلى الله بالدعاء مخلصين له لا يشركون به هنا لك شيئاً، ولا يستغيثون بغيره. ﴿فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى ٱلْبَرِّ﴾ أي: نجاهم من ذلك الموج والغرق فصاروا في البر. ﴿فَمِنْهُمْ مُّقْتَصِدٌ﴾ أي: في قوله وإقراره بربه، وهو مضمر للكفر بعد ذلك، وقال أبن زيد: المقتصد على صلاح من الأمر. وفي الكلام حذف، كأنه قال: ومنهم كافر بربه الذي نجاه من الغرق. ودل على ذلك قوله: ﴿وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَآ إِلاَّ كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ﴾ أي: وما يكفر بأدلتنا وحججنا إلا كل غدار عنيد. فدل الجحود المذكور على الكفر المحذوف. وقيل: التقدير: ومنهم جائر لأن الاقتصاد ضده الجور، فدل على ضده، قال معنى ذلك مجاهد والحسن وقتادة والضحاك . والختر عند العرب أشد. * * ثم قال ﴿يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمْ﴾. أي: اتقوه في قبول طاعته والعمل بمرضاته، ﴿وَٱخْشَوْاْ يَوْماً لاَّ يَجْزِي وَالِدٌ عَن وَلَدِهِ وَلاَ مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِ شَيْئاً﴾ يعني: وخافوا يوم القيامة فإنه يوم لا يشفع فيه أحد لأحد إلا بالإيمان والأعمال الصالحة. ﴿إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ﴾ أي: إن مجيء هذا اليوم الذي يجازي الناس فيه بأعمالهم حق. ﴿فَلاَ تَغُرَّنَّكُمُ ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا﴾ أي: لا يخدعنّكم نُزهَتُها ولذاتها فتميلوا إليها، وتدعوا الاستعداد لما فيه خلاصكم من عذاب الله تعالى ونعيمكم أبداً. ﴿وَلاَ يَغُرَّنَّكُم بِٱللَّهِ ٱلْغَرُورُ﴾. أي: ولا يخدعكم بالله خادع، فالغرور هو كل ما غر من إنسان أو شيطان. ومن ضم الغين جعله مصدراً. وقيل: هو أن تعمل المعصية وتتمنى المغفرة، قاله أبن جبير. ثم قال تعالى ذكره: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ ٱلسَّاعَةِ﴾. أي: يعلم متى تكون، فاتقوا أن تأتيكم بغتة. ﴿وَيُنَزِّلُ ٱلْغَيْثَ﴾: أي: لا يعلم متى ينزله. ﴿وَيَعْلَمُ مَا فِي ٱلأَرْحَامِ﴾ أي: لا يُعْلَمُ ذلك غيره. ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَداً﴾ أي: ما تعمل من خير وشر. ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾ أي: في أي مكان يلحقها أجلها فتموت فيه، كل ذلك لا يعلمه إلا الله. ﴿إِنَّ ٱللَّهَ عَلَيمٌ﴾ أي: ذو علم بكل الأشياء، ﴿خَبِيرٌ﴾ بما هو كائن وما كان. وقال النبي ﷺ "مفاتح الغَيب خَمسَة. ثم قرأ هذه الآية..

لقمان 31:27

قوله تعالى ذكره: ﴿وَمَن كَفَرَ فَلاَ يَحْزُنكَ كُفْرُهُ﴾ إلى آخر السورة. أي: لا يغمك يا محمد كفر من كفر ولم يؤمن، فإن رجوعه إلى الله فيخبره بسوء عمله ويجازيه عليه، وهذا مثل قوله "﴿فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ﴾ [فاطر: ٨]". * * ثم قال: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ﴾ أي: يعلم ما تكنه صدورهم من الكفر بالله. * * ثم قال تعالى: ﴿نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلاً﴾ أي: يمهلهم في الدنيا إمهالاً قليلاً ووقتاً قليلاً. ﴿ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَىٰ عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾ أي: يلجئهم إلى الدخول في عذاب النار - نعوذ بالله منها -. ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ﴾ أي: إن سألت يا محمد هؤلاء المشركين من قومك من خلق السماوات والأرض؟ أقروا بأنه الله، فقل يا محمد عند إقرارهم بذلك: الحمد لله: أي الذي خلق ذلك وتفرد به لأنهم لم يخلقوا شيئاً. ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ أي: لا يعلمون من يجب له الحمد والشكر. * * ثم قال تعالى: ﴿لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ﴾ أي يملكها. ﴿إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْغَنِيُّ﴾: أي: عن خلقه. ﴿ٱلْحَمِيدُ﴾ أي المحمود على نعمه. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي ٱلأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلاَمٌ﴾. أي: ولو أن شجرة الأرض كلها بريت أقلاماً، والبحر لها مداد، ويمدها سبعة أبحر مداداً - أي الأقلام - ﴿مَّا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ ٱللَّهِ﴾. وفي الكلام حذف، والتقدير: يكتب بذلك كلام الله لتكسرت الأقلام وجفت وفرغ المداد ولم تنفذ كلمات الله. ومن رفع "البحر" فعلى الابتداء، أو على موضع أن. "وما" عملت فيه، أو على موضع "ما"، إذ لم يظهر فيه الإعراب. قال قتادة: قال المشركون: هذا الكلام يوشك أن ينفد فنزلت هذه الآية. وروي أن هذه الآية نزلت على النبي ﷺ في سبب مجادلة كانت من اليهود له. قال ابن عباس: "قالت أحبار يهود للنبي ﷺ بالمدينة: يا محمد أرأَيْتَ قَوْلُكَ "وَمَا أُوتِيتُم مِنَ العِلْمِ إلاَّ قَلِيلاً إِيَّانَا تُرِيدُ أَمْ قَوْمُكَ؟ فقالَ النبي ﷺ: "كَلاَّ"، قالوا: ألسْتَ تَتْلُو فِيما جَاءَك أَنَّا قَد أوتِينَا التَّوراة فيها بيان كل شيء؟ فقال النبي عليه السلام: "فإنَّها في علم الله قليل، وعندكم من ذلك ما تكفيكم" فأنزل الله في ذلك: "ولو إنما في الأرض من شجرة"إلى تمام الثلاث الآيات. وهذا معنى قول عكرمة. ويروى أن النبي ﷺ قال لهم: "وَقَدْ أَتَاكُم اللهُ ما أن عَمِلْتُم بِهِ انْتَفَعْتُم وهو في عِلْمِ الله قَلِيلٌ ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ﴾ أي: ذو عزة في انتقامه ممن أشرك به وادعى معه إلهاً غيره، ﴿حَكِيمٌ﴾ في تدبيره خلقه. * * ثم قال تعالى: ﴿مَّا خَلْقُكُمْ وَلاَ بَعْثُكُمْ إِلاَّ كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ أي: ما خلقكم إلا كخلق نفس واحدة ولا بعثكم إلا كبعث نفس واحدة، لأنه إنما يقول للشيء كن فيكون قليلاً كان أو كثيراً. هذا معنى قول مجاهد. * * ثم قال: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ﴾ أي: سامع لما يقوله المشركون وغيرهم، ﴿بَصِيرٌ﴾ بأعمال الخلق كلهم. * * ثم قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يُولِجُ ٱلْلَّيْلَ فِي ٱلنَّهَارِ وَيُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِي ٱلْلَّيْلِ﴾. أي يزيد من كل واحد في الآخر، فينقص من أحدهما بمقدار ما زاد في الآخر. * * ثم قال تعالى: ﴿وَسَخَّرَ ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ﴾ أي: سخرهما لمصالح العباد. ﴿كُلٌّ يَجْرِيۤ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى﴾ أي: يجري بإذن الله إلى وقت معلوم، إذا بلغاه كورت الشمس والقمر. ﴿وَأَنَّ ٱللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ أي: ذو خبر بأعمالكم لا يخفى عليه شيء منها. والمراد بهذا الخطاب المشركون. * * ثم قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْحَقُّ﴾. أي: هو الخالق الحق لا ما تعبدون. ﴿وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ ٱلْبَاطِلُ﴾ أي: ما تعبدون من الأصنام والأوثان هو الباطل الذي يضمحل ويفنى. * * ثم قال تعالى: ﴿وَأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْعَلِيُّ﴾ أي: ذو العلو على كل شيء، وكل من دونه متذلل منقاد له، ﴿ٱلْكَبِيرُ﴾ أي: الذي كل شيء يتصاغر له. * * ثم قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱلْفُلْكَ تَجْرِي فِي ٱلْبَحْرِ بِنِعْمَةِ ٱللَّهِ﴾ أي: السفن تجري في البحر بنعمة الله على خلقه. ﴿لِيُرِيَكُمْ مِّنْ آيَاتِهِ﴾ أي: من حججه وقدرته فتتعظوا. وقد قيل: نعمة الله ها هنا الريح التي تجري السفن بها. ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ﴾ أي: إن في جري الفلك في البحر لعلامات وحججاً على قدرة الله وضعف ما تدعون من دونه. ﴿لِّكُلِّ صَبَّارٍ﴾ أي: لكم من صبر نفسه عن محارم الله وشكر على نعمه. قال مطرف: إن من أحب عباد الله إليه الصبور الشكور. وقال الشعبي: الصبر نصف الإيمان والشكر نصف الإيمان، واليقين الإيمان كله. وقال قتادة: إن من أحب عباد الله إليه من إذا أعطي شكر، وإذا ابتلي صبر. * * ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَّوْجٌ كَٱلظُّلَلِ﴾. أي: وإذا غشي هؤلاء الذين يشركون بالله غيرهم في حال ركوبهم البحر موج كالظلم، شبه سواد كثرة الماء وتراكب بعضه على بعض بالظلم، وهي الظل جمع ظلة. وقال الفراء: الظل هنا: السحاب. ﴿دَعَوُاْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ﴾ أي: إذا غشيهم الموج فخافوا الغرق فزعوا إلى الله بالدعاء مخلصين له لا يشركون به هنا لك شيئاً، ولا يستغيثون بغيره. ﴿فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى ٱلْبَرِّ﴾ أي: نجاهم من ذلك الموج والغرق فصاروا في البر. ﴿فَمِنْهُمْ مُّقْتَصِدٌ﴾ أي: في قوله وإقراره بربه، وهو مضمر للكفر بعد ذلك، وقال أبن زيد: المقتصد على صلاح من الأمر. وفي الكلام حذف، كأنه قال: ومنهم كافر بربه الذي نجاه من الغرق. ودل على ذلك قوله: ﴿وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَآ إِلاَّ كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ﴾ أي: وما يكفر بأدلتنا وحججنا إلا كل غدار عنيد. فدل الجحود المذكور على الكفر المحذوف. وقيل: التقدير: ومنهم جائر لأن الاقتصاد ضده الجور، فدل على ضده، قال معنى ذلك مجاهد والحسن وقتادة والضحاك . والختر عند العرب أشد. * * ثم قال ﴿يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمْ﴾. أي: اتقوه في قبول طاعته والعمل بمرضاته، ﴿وَٱخْشَوْاْ يَوْماً لاَّ يَجْزِي وَالِدٌ عَن وَلَدِهِ وَلاَ مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِ شَيْئاً﴾ يعني: وخافوا يوم القيامة فإنه يوم لا يشفع فيه أحد لأحد إلا بالإيمان والأعمال الصالحة. ﴿إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ﴾ أي: إن مجيء هذا اليوم الذي يجازي الناس فيه بأعمالهم حق. ﴿فَلاَ تَغُرَّنَّكُمُ ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا﴾ أي: لا يخدعنّكم نُزهَتُها ولذاتها فتميلوا إليها، وتدعوا الاستعداد لما فيه خلاصكم من عذاب الله تعالى ونعيمكم أبداً. ﴿وَلاَ يَغُرَّنَّكُم بِٱللَّهِ ٱلْغَرُورُ﴾. أي: ولا يخدعكم بالله خادع، فالغرور هو كل ما غر من إنسان أو شيطان. ومن ضم الغين جعله مصدراً. وقيل: هو أن تعمل المعصية وتتمنى المغفرة، قاله أبن جبير. ثم قال تعالى ذكره: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ ٱلسَّاعَةِ﴾. أي: يعلم متى تكون، فاتقوا أن تأتيكم بغتة. ﴿وَيُنَزِّلُ ٱلْغَيْثَ﴾: أي: لا يعلم متى ينزله. ﴿وَيَعْلَمُ مَا فِي ٱلأَرْحَامِ﴾ أي: لا يُعْلَمُ ذلك غيره. ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَداً﴾ أي: ما تعمل من خير وشر. ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾ أي: في أي مكان يلحقها أجلها فتموت فيه، كل ذلك لا يعلمه إلا الله. ﴿إِنَّ ٱللَّهَ عَلَيمٌ﴾ أي: ذو علم بكل الأشياء، ﴿خَبِيرٌ﴾ بما هو كائن وما كان. وقال النبي ﷺ "مفاتح الغَيب خَمسَة. ثم قرأ هذه الآية..

لقمان 31:28

قوله تعالى ذكره: ﴿وَمَن كَفَرَ فَلاَ يَحْزُنكَ كُفْرُهُ﴾ إلى آخر السورة. أي: لا يغمك يا محمد كفر من كفر ولم يؤمن، فإن رجوعه إلى الله فيخبره بسوء عمله ويجازيه عليه، وهذا مثل قوله "﴿فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ﴾ [فاطر: ٨]". * * ثم قال: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ﴾ أي: يعلم ما تكنه صدورهم من الكفر بالله. * * ثم قال تعالى: ﴿نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلاً﴾ أي: يمهلهم في الدنيا إمهالاً قليلاً ووقتاً قليلاً. ﴿ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَىٰ عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾ أي: يلجئهم إلى الدخول في عذاب النار - نعوذ بالله منها -. ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ﴾ أي: إن سألت يا محمد هؤلاء المشركين من قومك من خلق السماوات والأرض؟ أقروا بأنه الله، فقل يا محمد عند إقرارهم بذلك: الحمد لله: أي الذي خلق ذلك وتفرد به لأنهم لم يخلقوا شيئاً. ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ أي: لا يعلمون من يجب له الحمد والشكر. * * ثم قال تعالى: ﴿لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ﴾ أي يملكها. ﴿إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْغَنِيُّ﴾: أي: عن خلقه. ﴿ٱلْحَمِيدُ﴾ أي المحمود على نعمه. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي ٱلأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلاَمٌ﴾. أي: ولو أن شجرة الأرض كلها بريت أقلاماً، والبحر لها مداد، ويمدها سبعة أبحر مداداً - أي الأقلام - ﴿مَّا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ ٱللَّهِ﴾. وفي الكلام حذف، والتقدير: يكتب بذلك كلام الله لتكسرت الأقلام وجفت وفرغ المداد ولم تنفذ كلمات الله. ومن رفع "البحر" فعلى الابتداء، أو على موضع أن. "وما" عملت فيه، أو على موضع "ما"، إذ لم يظهر فيه الإعراب. قال قتادة: قال المشركون: هذا الكلام يوشك أن ينفد فنزلت هذه الآية. وروي أن هذه الآية نزلت على النبي ﷺ في سبب مجادلة كانت من اليهود له. قال ابن عباس: "قالت أحبار يهود للنبي ﷺ بالمدينة: يا محمد أرأَيْتَ قَوْلُكَ "وَمَا أُوتِيتُم مِنَ العِلْمِ إلاَّ قَلِيلاً إِيَّانَا تُرِيدُ أَمْ قَوْمُكَ؟ فقالَ النبي ﷺ: "كَلاَّ"، قالوا: ألسْتَ تَتْلُو فِيما جَاءَك أَنَّا قَد أوتِينَا التَّوراة فيها بيان كل شيء؟ فقال النبي عليه السلام: "فإنَّها في علم الله قليل، وعندكم من ذلك ما تكفيكم" فأنزل الله في ذلك: "ولو إنما في الأرض من شجرة"إلى تمام الثلاث الآيات. وهذا معنى قول عكرمة. ويروى أن النبي ﷺ قال لهم: "وَقَدْ أَتَاكُم اللهُ ما أن عَمِلْتُم بِهِ انْتَفَعْتُم وهو في عِلْمِ الله قَلِيلٌ ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ﴾ أي: ذو عزة في انتقامه ممن أشرك به وادعى معه إلهاً غيره، ﴿حَكِيمٌ﴾ في تدبيره خلقه. * * ثم قال تعالى: ﴿مَّا خَلْقُكُمْ وَلاَ بَعْثُكُمْ إِلاَّ كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ أي: ما خلقكم إلا كخلق نفس واحدة ولا بعثكم إلا كبعث نفس واحدة، لأنه إنما يقول للشيء كن فيكون قليلاً كان أو كثيراً. هذا معنى قول مجاهد. * * ثم قال: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ﴾ أي: سامع لما يقوله المشركون وغيرهم، ﴿بَصِيرٌ﴾ بأعمال الخلق كلهم. * * ثم قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يُولِجُ ٱلْلَّيْلَ فِي ٱلنَّهَارِ وَيُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِي ٱلْلَّيْلِ﴾. أي يزيد من كل واحد في الآخر، فينقص من أحدهما بمقدار ما زاد في الآخر. * * ثم قال تعالى: ﴿وَسَخَّرَ ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ﴾ أي: سخرهما لمصالح العباد. ﴿كُلٌّ يَجْرِيۤ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى﴾ أي: يجري بإذن الله إلى وقت معلوم، إذا بلغاه كورت الشمس والقمر. ﴿وَأَنَّ ٱللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ أي: ذو خبر بأعمالكم لا يخفى عليه شيء منها. والمراد بهذا الخطاب المشركون. * * ثم قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْحَقُّ﴾. أي: هو الخالق الحق لا ما تعبدون. ﴿وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ ٱلْبَاطِلُ﴾ أي: ما تعبدون من الأصنام والأوثان هو الباطل الذي يضمحل ويفنى. * * ثم قال تعالى: ﴿وَأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْعَلِيُّ﴾ أي: ذو العلو على كل شيء، وكل من دونه متذلل منقاد له، ﴿ٱلْكَبِيرُ﴾ أي: الذي كل شيء يتصاغر له. * * ثم قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱلْفُلْكَ تَجْرِي فِي ٱلْبَحْرِ بِنِعْمَةِ ٱللَّهِ﴾ أي: السفن تجري في البحر بنعمة الله على خلقه. ﴿لِيُرِيَكُمْ مِّنْ آيَاتِهِ﴾ أي: من حججه وقدرته فتتعظوا. وقد قيل: نعمة الله ها هنا الريح التي تجري السفن بها. ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ﴾ أي: إن في جري الفلك في البحر لعلامات وحججاً على قدرة الله وضعف ما تدعون من دونه. ﴿لِّكُلِّ صَبَّارٍ﴾ أي: لكم من صبر نفسه عن محارم الله وشكر على نعمه. قال مطرف: إن من أحب عباد الله إليه الصبور الشكور. وقال الشعبي: الصبر نصف الإيمان والشكر نصف الإيمان، واليقين الإيمان كله. وقال قتادة: إن من أحب عباد الله إليه من إذا أعطي شكر، وإذا ابتلي صبر. * * ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَّوْجٌ كَٱلظُّلَلِ﴾. أي: وإذا غشي هؤلاء الذين يشركون بالله غيرهم في حال ركوبهم البحر موج كالظلم، شبه سواد كثرة الماء وتراكب بعضه على بعض بالظلم، وهي الظل جمع ظلة. وقال الفراء: الظل هنا: السحاب. ﴿دَعَوُاْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ﴾ أي: إذا غشيهم الموج فخافوا الغرق فزعوا إلى الله بالدعاء مخلصين له لا يشركون به هنا لك شيئاً، ولا يستغيثون بغيره. ﴿فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى ٱلْبَرِّ﴾ أي: نجاهم من ذلك الموج والغرق فصاروا في البر. ﴿فَمِنْهُمْ مُّقْتَصِدٌ﴾ أي: في قوله وإقراره بربه، وهو مضمر للكفر بعد ذلك، وقال أبن زيد: المقتصد على صلاح من الأمر. وفي الكلام حذف، كأنه قال: ومنهم كافر بربه الذي نجاه من الغرق. ودل على ذلك قوله: ﴿وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَآ إِلاَّ كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ﴾ أي: وما يكفر بأدلتنا وحججنا إلا كل غدار عنيد. فدل الجحود المذكور على الكفر المحذوف. وقيل: التقدير: ومنهم جائر لأن الاقتصاد ضده الجور، فدل على ضده، قال معنى ذلك مجاهد والحسن وقتادة والضحاك . والختر عند العرب أشد. * * ثم قال ﴿يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمْ﴾. أي: اتقوه في قبول طاعته والعمل بمرضاته، ﴿وَٱخْشَوْاْ يَوْماً لاَّ يَجْزِي وَالِدٌ عَن وَلَدِهِ وَلاَ مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِ شَيْئاً﴾ يعني: وخافوا يوم القيامة فإنه يوم لا يشفع فيه أحد لأحد إلا بالإيمان والأعمال الصالحة. ﴿إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ﴾ أي: إن مجيء هذا اليوم الذي يجازي الناس فيه بأعمالهم حق. ﴿فَلاَ تَغُرَّنَّكُمُ ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا﴾ أي: لا يخدعنّكم نُزهَتُها ولذاتها فتميلوا إليها، وتدعوا الاستعداد لما فيه خلاصكم من عذاب الله تعالى ونعيمكم أبداً. ﴿وَلاَ يَغُرَّنَّكُم بِٱللَّهِ ٱلْغَرُورُ﴾. أي: ولا يخدعكم بالله خادع، فالغرور هو كل ما غر من إنسان أو شيطان. ومن ضم الغين جعله مصدراً. وقيل: هو أن تعمل المعصية وتتمنى المغفرة، قاله أبن جبير. ثم قال تعالى ذكره: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ ٱلسَّاعَةِ﴾. أي: يعلم متى تكون، فاتقوا أن تأتيكم بغتة. ﴿وَيُنَزِّلُ ٱلْغَيْثَ﴾: أي: لا يعلم متى ينزله. ﴿وَيَعْلَمُ مَا فِي ٱلأَرْحَامِ﴾ أي: لا يُعْلَمُ ذلك غيره. ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَداً﴾ أي: ما تعمل من خير وشر. ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾ أي: في أي مكان يلحقها أجلها فتموت فيه، كل ذلك لا يعلمه إلا الله. ﴿إِنَّ ٱللَّهَ عَلَيمٌ﴾ أي: ذو علم بكل الأشياء، ﴿خَبِيرٌ﴾ بما هو كائن وما كان. وقال النبي ﷺ "مفاتح الغَيب خَمسَة. ثم قرأ هذه الآية..

لقمان 31:29

قوله تعالى ذكره: ﴿وَمَن كَفَرَ فَلاَ يَحْزُنكَ كُفْرُهُ﴾ إلى آخر السورة. أي: لا يغمك يا محمد كفر من كفر ولم يؤمن، فإن رجوعه إلى الله فيخبره بسوء عمله ويجازيه عليه، وهذا مثل قوله "﴿فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ﴾ [فاطر: ٨]". * * ثم قال: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ﴾ أي: يعلم ما تكنه صدورهم من الكفر بالله. * * ثم قال تعالى: ﴿نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلاً﴾ أي: يمهلهم في الدنيا إمهالاً قليلاً ووقتاً قليلاً. ﴿ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَىٰ عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾ أي: يلجئهم إلى الدخول في عذاب النار - نعوذ بالله منها -. ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ﴾ أي: إن سألت يا محمد هؤلاء المشركين من قومك من خلق السماوات والأرض؟ أقروا بأنه الله، فقل يا محمد عند إقرارهم بذلك: الحمد لله: أي الذي خلق ذلك وتفرد به لأنهم لم يخلقوا شيئاً. ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ أي: لا يعلمون من يجب له الحمد والشكر. * * ثم قال تعالى: ﴿لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ﴾ أي يملكها. ﴿إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْغَنِيُّ﴾: أي: عن خلقه. ﴿ٱلْحَمِيدُ﴾ أي المحمود على نعمه. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي ٱلأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلاَمٌ﴾. أي: ولو أن شجرة الأرض كلها بريت أقلاماً، والبحر لها مداد، ويمدها سبعة أبحر مداداً - أي الأقلام - ﴿مَّا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ ٱللَّهِ﴾. وفي الكلام حذف، والتقدير: يكتب بذلك كلام الله لتكسرت الأقلام وجفت وفرغ المداد ولم تنفذ كلمات الله. ومن رفع "البحر" فعلى الابتداء، أو على موضع أن. "وما" عملت فيه، أو على موضع "ما"، إذ لم يظهر فيه الإعراب. قال قتادة: قال المشركون: هذا الكلام يوشك أن ينفد فنزلت هذه الآية. وروي أن هذه الآية نزلت على النبي ﷺ في سبب مجادلة كانت من اليهود له. قال ابن عباس: "قالت أحبار يهود للنبي ﷺ بالمدينة: يا محمد أرأَيْتَ قَوْلُكَ "وَمَا أُوتِيتُم مِنَ العِلْمِ إلاَّ قَلِيلاً إِيَّانَا تُرِيدُ أَمْ قَوْمُكَ؟ فقالَ النبي ﷺ: "كَلاَّ"، قالوا: ألسْتَ تَتْلُو فِيما جَاءَك أَنَّا قَد أوتِينَا التَّوراة فيها بيان كل شيء؟ فقال النبي عليه السلام: "فإنَّها في علم الله قليل، وعندكم من ذلك ما تكفيكم" فأنزل الله في ذلك: "ولو إنما في الأرض من شجرة"إلى تمام الثلاث الآيات. وهذا معنى قول عكرمة. ويروى أن النبي ﷺ قال لهم: "وَقَدْ أَتَاكُم اللهُ ما أن عَمِلْتُم بِهِ انْتَفَعْتُم وهو في عِلْمِ الله قَلِيلٌ ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ﴾ أي: ذو عزة في انتقامه ممن أشرك به وادعى معه إلهاً غيره، ﴿حَكِيمٌ﴾ في تدبيره خلقه. * * ثم قال تعالى: ﴿مَّا خَلْقُكُمْ وَلاَ بَعْثُكُمْ إِلاَّ كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ أي: ما خلقكم إلا كخلق نفس واحدة ولا بعثكم إلا كبعث نفس واحدة، لأنه إنما يقول للشيء كن فيكون قليلاً كان أو كثيراً. هذا معنى قول مجاهد. * * ثم قال: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ﴾ أي: سامع لما يقوله المشركون وغيرهم، ﴿بَصِيرٌ﴾ بأعمال الخلق كلهم. * * ثم قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يُولِجُ ٱلْلَّيْلَ فِي ٱلنَّهَارِ وَيُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِي ٱلْلَّيْلِ﴾. أي يزيد من كل واحد في الآخر، فينقص من أحدهما بمقدار ما زاد في الآخر. * * ثم قال تعالى: ﴿وَسَخَّرَ ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ﴾ أي: سخرهما لمصالح العباد. ﴿كُلٌّ يَجْرِيۤ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى﴾ أي: يجري بإذن الله إلى وقت معلوم، إذا بلغاه كورت الشمس والقمر. ﴿وَأَنَّ ٱللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ أي: ذو خبر بأعمالكم لا يخفى عليه شيء منها. والمراد بهذا الخطاب المشركون. * * ثم قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْحَقُّ﴾. أي: هو الخالق الحق لا ما تعبدون. ﴿وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ ٱلْبَاطِلُ﴾ أي: ما تعبدون من الأصنام والأوثان هو الباطل الذي يضمحل ويفنى. * * ثم قال تعالى: ﴿وَأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْعَلِيُّ﴾ أي: ذو العلو على كل شيء، وكل من دونه متذلل منقاد له، ﴿ٱلْكَبِيرُ﴾ أي: الذي كل شيء يتصاغر له. * * ثم قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱلْفُلْكَ تَجْرِي فِي ٱلْبَحْرِ بِنِعْمَةِ ٱللَّهِ﴾ أي: السفن تجري في البحر بنعمة الله على خلقه. ﴿لِيُرِيَكُمْ مِّنْ آيَاتِهِ﴾ أي: من حججه وقدرته فتتعظوا. وقد قيل: نعمة الله ها هنا الريح التي تجري السفن بها. ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ﴾ أي: إن في جري الفلك في البحر لعلامات وحججاً على قدرة الله وضعف ما تدعون من دونه. ﴿لِّكُلِّ صَبَّارٍ﴾ أي: لكم من صبر نفسه عن محارم الله وشكر على نعمه. قال مطرف: إن من أحب عباد الله إليه الصبور الشكور. وقال الشعبي: الصبر نصف الإيمان والشكر نصف الإيمان، واليقين الإيمان كله. وقال قتادة: إن من أحب عباد الله إليه من إذا أعطي شكر، وإذا ابتلي صبر. * * ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَّوْجٌ كَٱلظُّلَلِ﴾. أي: وإذا غشي هؤلاء الذين يشركون بالله غيرهم في حال ركوبهم البحر موج كالظلم، شبه سواد كثرة الماء وتراكب بعضه على بعض بالظلم، وهي الظل جمع ظلة. وقال الفراء: الظل هنا: السحاب. ﴿دَعَوُاْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ﴾ أي: إذا غشيهم الموج فخافوا الغرق فزعوا إلى الله بالدعاء مخلصين له لا يشركون به هنا لك شيئاً، ولا يستغيثون بغيره. ﴿فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى ٱلْبَرِّ﴾ أي: نجاهم من ذلك الموج والغرق فصاروا في البر. ﴿فَمِنْهُمْ مُّقْتَصِدٌ﴾ أي: في قوله وإقراره بربه، وهو مضمر للكفر بعد ذلك، وقال أبن زيد: المقتصد على صلاح من الأمر. وفي الكلام حذف، كأنه قال: ومنهم كافر بربه الذي نجاه من الغرق. ودل على ذلك قوله: ﴿وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَآ إِلاَّ كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ﴾ أي: وما يكفر بأدلتنا وحججنا إلا كل غدار عنيد. فدل الجحود المذكور على الكفر المحذوف. وقيل: التقدير: ومنهم جائر لأن الاقتصاد ضده الجور، فدل على ضده، قال معنى ذلك مجاهد والحسن وقتادة والضحاك . والختر عند العرب أشد. * * ثم قال ﴿يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمْ﴾. أي: اتقوه في قبول طاعته والعمل بمرضاته، ﴿وَٱخْشَوْاْ يَوْماً لاَّ يَجْزِي وَالِدٌ عَن وَلَدِهِ وَلاَ مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِ شَيْئاً﴾ يعني: وخافوا يوم القيامة فإنه يوم لا يشفع فيه أحد لأحد إلا بالإيمان والأعمال الصالحة. ﴿إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ﴾ أي: إن مجيء هذا اليوم الذي يجازي الناس فيه بأعمالهم حق. ﴿فَلاَ تَغُرَّنَّكُمُ ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا﴾ أي: لا يخدعنّكم نُزهَتُها ولذاتها فتميلوا إليها، وتدعوا الاستعداد لما فيه خلاصكم من عذاب الله تعالى ونعيمكم أبداً. ﴿وَلاَ يَغُرَّنَّكُم بِٱللَّهِ ٱلْغَرُورُ﴾. أي: ولا يخدعكم بالله خادع، فالغرور هو كل ما غر من إنسان أو شيطان. ومن ضم الغين جعله مصدراً. وقيل: هو أن تعمل المعصية وتتمنى المغفرة، قاله أبن جبير. ثم قال تعالى ذكره: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ ٱلسَّاعَةِ﴾. أي: يعلم متى تكون، فاتقوا أن تأتيكم بغتة. ﴿وَيُنَزِّلُ ٱلْغَيْثَ﴾: أي: لا يعلم متى ينزله. ﴿وَيَعْلَمُ مَا فِي ٱلأَرْحَامِ﴾ أي: لا يُعْلَمُ ذلك غيره. ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَداً﴾ أي: ما تعمل من خير وشر. ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾ أي: في أي مكان يلحقها أجلها فتموت فيه، كل ذلك لا يعلمه إلا الله. ﴿إِنَّ ٱللَّهَ عَلَيمٌ﴾ أي: ذو علم بكل الأشياء، ﴿خَبِيرٌ﴾ بما هو كائن وما كان. وقال النبي ﷺ "مفاتح الغَيب خَمسَة. ثم قرأ هذه الآية..

لقمان 31:30

قوله تعالى ذكره: ﴿وَمَن كَفَرَ فَلاَ يَحْزُنكَ كُفْرُهُ﴾ إلى آخر السورة. أي: لا يغمك يا محمد كفر من كفر ولم يؤمن، فإن رجوعه إلى الله فيخبره بسوء عمله ويجازيه عليه، وهذا مثل قوله "﴿فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ﴾ [فاطر: ٨]". * * ثم قال: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ﴾ أي: يعلم ما تكنه صدورهم من الكفر بالله. * * ثم قال تعالى: ﴿نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلاً﴾ أي: يمهلهم في الدنيا إمهالاً قليلاً ووقتاً قليلاً. ﴿ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَىٰ عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾ أي: يلجئهم إلى الدخول في عذاب النار - نعوذ بالله منها -. ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ﴾ أي: إن سألت يا محمد هؤلاء المشركين من قومك من خلق السماوات والأرض؟ أقروا بأنه الله، فقل يا محمد عند إقرارهم بذلك: الحمد لله: أي الذي خلق ذلك وتفرد به لأنهم لم يخلقوا شيئاً. ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ أي: لا يعلمون من يجب له الحمد والشكر. * * ثم قال تعالى: ﴿لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ﴾ أي يملكها. ﴿إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْغَنِيُّ﴾: أي: عن خلقه. ﴿ٱلْحَمِيدُ﴾ أي المحمود على نعمه. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي ٱلأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلاَمٌ﴾. أي: ولو أن شجرة الأرض كلها بريت أقلاماً، والبحر لها مداد، ويمدها سبعة أبحر مداداً - أي الأقلام - ﴿مَّا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ ٱللَّهِ﴾. وفي الكلام حذف، والتقدير: يكتب بذلك كلام الله لتكسرت الأقلام وجفت وفرغ المداد ولم تنفذ كلمات الله. ومن رفع "البحر" فعلى الابتداء، أو على موضع أن. "وما" عملت فيه، أو على موضع "ما"، إذ لم يظهر فيه الإعراب. قال قتادة: قال المشركون: هذا الكلام يوشك أن ينفد فنزلت هذه الآية. وروي أن هذه الآية نزلت على النبي ﷺ في سبب مجادلة كانت من اليهود له. قال ابن عباس: "قالت أحبار يهود للنبي ﷺ بالمدينة: يا محمد أرأَيْتَ قَوْلُكَ "وَمَا أُوتِيتُم مِنَ العِلْمِ إلاَّ قَلِيلاً إِيَّانَا تُرِيدُ أَمْ قَوْمُكَ؟ فقالَ النبي ﷺ: "كَلاَّ"، قالوا: ألسْتَ تَتْلُو فِيما جَاءَك أَنَّا قَد أوتِينَا التَّوراة فيها بيان كل شيء؟ فقال النبي عليه السلام: "فإنَّها في علم الله قليل، وعندكم من ذلك ما تكفيكم" فأنزل الله في ذلك: "ولو إنما في الأرض من شجرة"إلى تمام الثلاث الآيات. وهذا معنى قول عكرمة. ويروى أن النبي ﷺ قال لهم: "وَقَدْ أَتَاكُم اللهُ ما أن عَمِلْتُم بِهِ انْتَفَعْتُم وهو في عِلْمِ الله قَلِيلٌ ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ﴾ أي: ذو عزة في انتقامه ممن أشرك به وادعى معه إلهاً غيره، ﴿حَكِيمٌ﴾ في تدبيره خلقه. * * ثم قال تعالى: ﴿مَّا خَلْقُكُمْ وَلاَ بَعْثُكُمْ إِلاَّ كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ أي: ما خلقكم إلا كخلق نفس واحدة ولا بعثكم إلا كبعث نفس واحدة، لأنه إنما يقول للشيء كن فيكون قليلاً كان أو كثيراً. هذا معنى قول مجاهد. * * ثم قال: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ﴾ أي: سامع لما يقوله المشركون وغيرهم، ﴿بَصِيرٌ﴾ بأعمال الخلق كلهم. * * ثم قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يُولِجُ ٱلْلَّيْلَ فِي ٱلنَّهَارِ وَيُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِي ٱلْلَّيْلِ﴾. أي يزيد من كل واحد في الآخر، فينقص من أحدهما بمقدار ما زاد في الآخر. * * ثم قال تعالى: ﴿وَسَخَّرَ ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ﴾ أي: سخرهما لمصالح العباد. ﴿كُلٌّ يَجْرِيۤ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى﴾ أي: يجري بإذن الله إلى وقت معلوم، إذا بلغاه كورت الشمس والقمر. ﴿وَأَنَّ ٱللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ أي: ذو خبر بأعمالكم لا يخفى عليه شيء منها. والمراد بهذا الخطاب المشركون. * * ثم قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْحَقُّ﴾. أي: هو الخالق الحق لا ما تعبدون. ﴿وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ ٱلْبَاطِلُ﴾ أي: ما تعبدون من الأصنام والأوثان هو الباطل الذي يضمحل ويفنى. * * ثم قال تعالى: ﴿وَأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْعَلِيُّ﴾ أي: ذو العلو على كل شيء، وكل من دونه متذلل منقاد له، ﴿ٱلْكَبِيرُ﴾ أي: الذي كل شيء يتصاغر له. * * ثم قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱلْفُلْكَ تَجْرِي فِي ٱلْبَحْرِ بِنِعْمَةِ ٱللَّهِ﴾ أي: السفن تجري في البحر بنعمة الله على خلقه. ﴿لِيُرِيَكُمْ مِّنْ آيَاتِهِ﴾ أي: من حججه وقدرته فتتعظوا. وقد قيل: نعمة الله ها هنا الريح التي تجري السفن بها. ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ﴾ أي: إن في جري الفلك في البحر لعلامات وحججاً على قدرة الله وضعف ما تدعون من دونه. ﴿لِّكُلِّ صَبَّارٍ﴾ أي: لكم من صبر نفسه عن محارم الله وشكر على نعمه. قال مطرف: إن من أحب عباد الله إليه الصبور الشكور. وقال الشعبي: الصبر نصف الإيمان والشكر نصف الإيمان، واليقين الإيمان كله. وقال قتادة: إن من أحب عباد الله إليه من إذا أعطي شكر، وإذا ابتلي صبر. * * ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَّوْجٌ كَٱلظُّلَلِ﴾. أي: وإذا غشي هؤلاء الذين يشركون بالله غيرهم في حال ركوبهم البحر موج كالظلم، شبه سواد كثرة الماء وتراكب بعضه على بعض بالظلم، وهي الظل جمع ظلة. وقال الفراء: الظل هنا: السحاب. ﴿دَعَوُاْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ﴾ أي: إذا غشيهم الموج فخافوا الغرق فزعوا إلى الله بالدعاء مخلصين له لا يشركون به هنا لك شيئاً، ولا يستغيثون بغيره. ﴿فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى ٱلْبَرِّ﴾ أي: نجاهم من ذلك الموج والغرق فصاروا في البر. ﴿فَمِنْهُمْ مُّقْتَصِدٌ﴾ أي: في قوله وإقراره بربه، وهو مضمر للكفر بعد ذلك، وقال أبن زيد: المقتصد على صلاح من الأمر. وفي الكلام حذف، كأنه قال: ومنهم كافر بربه الذي نجاه من الغرق. ودل على ذلك قوله: ﴿وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَآ إِلاَّ كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ﴾ أي: وما يكفر بأدلتنا وحججنا إلا كل غدار عنيد. فدل الجحود المذكور على الكفر المحذوف. وقيل: التقدير: ومنهم جائر لأن الاقتصاد ضده الجور، فدل على ضده، قال معنى ذلك مجاهد والحسن وقتادة والضحاك . والختر عند العرب أشد. * * ثم قال ﴿يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمْ﴾. أي: اتقوه في قبول طاعته والعمل بمرضاته، ﴿وَٱخْشَوْاْ يَوْماً لاَّ يَجْزِي وَالِدٌ عَن وَلَدِهِ وَلاَ مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِ شَيْئاً﴾ يعني: وخافوا يوم القيامة فإنه يوم لا يشفع فيه أحد لأحد إلا بالإيمان والأعمال الصالحة. ﴿إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ﴾ أي: إن مجيء هذا اليوم الذي يجازي الناس فيه بأعمالهم حق. ﴿فَلاَ تَغُرَّنَّكُمُ ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا﴾ أي: لا يخدعنّكم نُزهَتُها ولذاتها فتميلوا إليها، وتدعوا الاستعداد لما فيه خلاصكم من عذاب الله تعالى ونعيمكم أبداً. ﴿وَلاَ يَغُرَّنَّكُم بِٱللَّهِ ٱلْغَرُورُ﴾. أي: ولا يخدعكم بالله خادع، فالغرور هو كل ما غر من إنسان أو شيطان. ومن ضم الغين جعله مصدراً. وقيل: هو أن تعمل المعصية وتتمنى المغفرة، قاله أبن جبير. ثم قال تعالى ذكره: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ ٱلسَّاعَةِ﴾. أي: يعلم متى تكون، فاتقوا أن تأتيكم بغتة. ﴿وَيُنَزِّلُ ٱلْغَيْثَ﴾: أي: لا يعلم متى ينزله. ﴿وَيَعْلَمُ مَا فِي ٱلأَرْحَامِ﴾ أي: لا يُعْلَمُ ذلك غيره. ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَداً﴾ أي: ما تعمل من خير وشر. ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾ أي: في أي مكان يلحقها أجلها فتموت فيه، كل ذلك لا يعلمه إلا الله. ﴿إِنَّ ٱللَّهَ عَلَيمٌ﴾ أي: ذو علم بكل الأشياء، ﴿خَبِيرٌ﴾ بما هو كائن وما كان. وقال النبي ﷺ "مفاتح الغَيب خَمسَة. ثم قرأ هذه الآية..

لقمان 31:31

قوله تعالى ذكره: ﴿وَمَن كَفَرَ فَلاَ يَحْزُنكَ كُفْرُهُ﴾ إلى آخر السورة. أي: لا يغمك يا محمد كفر من كفر ولم يؤمن، فإن رجوعه إلى الله فيخبره بسوء عمله ويجازيه عليه، وهذا مثل قوله "﴿فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ﴾ [فاطر: ٨]". * * ثم قال: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ﴾ أي: يعلم ما تكنه صدورهم من الكفر بالله. * * ثم قال تعالى: ﴿نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلاً﴾ أي: يمهلهم في الدنيا إمهالاً قليلاً ووقتاً قليلاً. ﴿ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَىٰ عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾ أي: يلجئهم إلى الدخول في عذاب النار - نعوذ بالله منها -. ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ﴾ أي: إن سألت يا محمد هؤلاء المشركين من قومك من خلق السماوات والأرض؟ أقروا بأنه الله، فقل يا محمد عند إقرارهم بذلك: الحمد لله: أي الذي خلق ذلك وتفرد به لأنهم لم يخلقوا شيئاً. ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ أي: لا يعلمون من يجب له الحمد والشكر. * * ثم قال تعالى: ﴿لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ﴾ أي يملكها. ﴿إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْغَنِيُّ﴾: أي: عن خلقه. ﴿ٱلْحَمِيدُ﴾ أي المحمود على نعمه. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي ٱلأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلاَمٌ﴾. أي: ولو أن شجرة الأرض كلها بريت أقلاماً، والبحر لها مداد، ويمدها سبعة أبحر مداداً - أي الأقلام - ﴿مَّا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ ٱللَّهِ﴾. وفي الكلام حذف، والتقدير: يكتب بذلك كلام الله لتكسرت الأقلام وجفت وفرغ المداد ولم تنفذ كلمات الله. ومن رفع "البحر" فعلى الابتداء، أو على موضع أن. "وما" عملت فيه، أو على موضع "ما"، إذ لم يظهر فيه الإعراب. قال قتادة: قال المشركون: هذا الكلام يوشك أن ينفد فنزلت هذه الآية. وروي أن هذه الآية نزلت على النبي ﷺ في سبب مجادلة كانت من اليهود له. قال ابن عباس: "قالت أحبار يهود للنبي ﷺ بالمدينة: يا محمد أرأَيْتَ قَوْلُكَ "وَمَا أُوتِيتُم مِنَ العِلْمِ إلاَّ قَلِيلاً إِيَّانَا تُرِيدُ أَمْ قَوْمُكَ؟ فقالَ النبي ﷺ: "كَلاَّ"، قالوا: ألسْتَ تَتْلُو فِيما جَاءَك أَنَّا قَد أوتِينَا التَّوراة فيها بيان كل شيء؟ فقال النبي عليه السلام: "فإنَّها في علم الله قليل، وعندكم من ذلك ما تكفيكم" فأنزل الله في ذلك: "ولو إنما في الأرض من شجرة"إلى تمام الثلاث الآيات. وهذا معنى قول عكرمة. ويروى أن النبي ﷺ قال لهم: "وَقَدْ أَتَاكُم اللهُ ما أن عَمِلْتُم بِهِ انْتَفَعْتُم وهو في عِلْمِ الله قَلِيلٌ ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ﴾ أي: ذو عزة في انتقامه ممن أشرك به وادعى معه إلهاً غيره، ﴿حَكِيمٌ﴾ في تدبيره خلقه. * * ثم قال تعالى: ﴿مَّا خَلْقُكُمْ وَلاَ بَعْثُكُمْ إِلاَّ كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ أي: ما خلقكم إلا كخلق نفس واحدة ولا بعثكم إلا كبعث نفس واحدة، لأنه إنما يقول للشيء كن فيكون قليلاً كان أو كثيراً. هذا معنى قول مجاهد. * * ثم قال: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ﴾ أي: سامع لما يقوله المشركون وغيرهم، ﴿بَصِيرٌ﴾ بأعمال الخلق كلهم. * * ثم قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يُولِجُ ٱلْلَّيْلَ فِي ٱلنَّهَارِ وَيُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِي ٱلْلَّيْلِ﴾. أي يزيد من كل واحد في الآخر، فينقص من أحدهما بمقدار ما زاد في الآخر. * * ثم قال تعالى: ﴿وَسَخَّرَ ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ﴾ أي: سخرهما لمصالح العباد. ﴿كُلٌّ يَجْرِيۤ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى﴾ أي: يجري بإذن الله إلى وقت معلوم، إذا بلغاه كورت الشمس والقمر. ﴿وَأَنَّ ٱللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ أي: ذو خبر بأعمالكم لا يخفى عليه شيء منها. والمراد بهذا الخطاب المشركون. * * ثم قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْحَقُّ﴾. أي: هو الخالق الحق لا ما تعبدون. ﴿وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ ٱلْبَاطِلُ﴾ أي: ما تعبدون من الأصنام والأوثان هو الباطل الذي يضمحل ويفنى. * * ثم قال تعالى: ﴿وَأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْعَلِيُّ﴾ أي: ذو العلو على كل شيء، وكل من دونه متذلل منقاد له، ﴿ٱلْكَبِيرُ﴾ أي: الذي كل شيء يتصاغر له. * * ثم قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱلْفُلْكَ تَجْرِي فِي ٱلْبَحْرِ بِنِعْمَةِ ٱللَّهِ﴾ أي: السفن تجري في البحر بنعمة الله على خلقه. ﴿لِيُرِيَكُمْ مِّنْ آيَاتِهِ﴾ أي: من حججه وقدرته فتتعظوا. وقد قيل: نعمة الله ها هنا الريح التي تجري السفن بها. ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ﴾ أي: إن في جري الفلك في البحر لعلامات وحججاً على قدرة الله وضعف ما تدعون من دونه. ﴿لِّكُلِّ صَبَّارٍ﴾ أي: لكم من صبر نفسه عن محارم الله وشكر على نعمه. قال مطرف: إن من أحب عباد الله إليه الصبور الشكور. وقال الشعبي: الصبر نصف الإيمان والشكر نصف الإيمان، واليقين الإيمان كله. وقال قتادة: إن من أحب عباد الله إليه من إذا أعطي شكر، وإذا ابتلي صبر. * * ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَّوْجٌ كَٱلظُّلَلِ﴾. أي: وإذا غشي هؤلاء الذين يشركون بالله غيرهم في حال ركوبهم البحر موج كالظلم، شبه سواد كثرة الماء وتراكب بعضه على بعض بالظلم، وهي الظل جمع ظلة. وقال الفراء: الظل هنا: السحاب. ﴿دَعَوُاْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ﴾ أي: إذا غشيهم الموج فخافوا الغرق فزعوا إلى الله بالدعاء مخلصين له لا يشركون به هنا لك شيئاً، ولا يستغيثون بغيره. ﴿فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى ٱلْبَرِّ﴾ أي: نجاهم من ذلك الموج والغرق فصاروا في البر. ﴿فَمِنْهُمْ مُّقْتَصِدٌ﴾ أي: في قوله وإقراره بربه، وهو مضمر للكفر بعد ذلك، وقال أبن زيد: المقتصد على صلاح من الأمر. وفي الكلام حذف، كأنه قال: ومنهم كافر بربه الذي نجاه من الغرق. ودل على ذلك قوله: ﴿وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَآ إِلاَّ كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ﴾ أي: وما يكفر بأدلتنا وحججنا إلا كل غدار عنيد. فدل الجحود المذكور على الكفر المحذوف. وقيل: التقدير: ومنهم جائر لأن الاقتصاد ضده الجور، فدل على ضده، قال معنى ذلك مجاهد والحسن وقتادة والضحاك . والختر عند العرب أشد. * * ثم قال ﴿يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمْ﴾. أي: اتقوه في قبول طاعته والعمل بمرضاته، ﴿وَٱخْشَوْاْ يَوْماً لاَّ يَجْزِي وَالِدٌ عَن وَلَدِهِ وَلاَ مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِ شَيْئاً﴾ يعني: وخافوا يوم القيامة فإنه يوم لا يشفع فيه أحد لأحد إلا بالإيمان والأعمال الصالحة. ﴿إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ﴾ أي: إن مجيء هذا اليوم الذي يجازي الناس فيه بأعمالهم حق. ﴿فَلاَ تَغُرَّنَّكُمُ ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا﴾ أي: لا يخدعنّكم نُزهَتُها ولذاتها فتميلوا إليها، وتدعوا الاستعداد لما فيه خلاصكم من عذاب الله تعالى ونعيمكم أبداً. ﴿وَلاَ يَغُرَّنَّكُم بِٱللَّهِ ٱلْغَرُورُ﴾. أي: ولا يخدعكم بالله خادع، فالغرور هو كل ما غر من إنسان أو شيطان. ومن ضم الغين جعله مصدراً. وقيل: هو أن تعمل المعصية وتتمنى المغفرة، قاله أبن جبير. ثم قال تعالى ذكره: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ ٱلسَّاعَةِ﴾. أي: يعلم متى تكون، فاتقوا أن تأتيكم بغتة. ﴿وَيُنَزِّلُ ٱلْغَيْثَ﴾: أي: لا يعلم متى ينزله. ﴿وَيَعْلَمُ مَا فِي ٱلأَرْحَامِ﴾ أي: لا يُعْلَمُ ذلك غيره. ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَداً﴾ أي: ما تعمل من خير وشر. ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾ أي: في أي مكان يلحقها أجلها فتموت فيه، كل ذلك لا يعلمه إلا الله. ﴿إِنَّ ٱللَّهَ عَلَيمٌ﴾ أي: ذو علم بكل الأشياء، ﴿خَبِيرٌ﴾ بما هو كائن وما كان. وقال النبي ﷺ "مفاتح الغَيب خَمسَة. ثم قرأ هذه الآية..

لقمان 31:32

قوله تعالى ذكره: ﴿وَمَن كَفَرَ فَلاَ يَحْزُنكَ كُفْرُهُ﴾ إلى آخر السورة. أي: لا يغمك يا محمد كفر من كفر ولم يؤمن، فإن رجوعه إلى الله فيخبره بسوء عمله ويجازيه عليه، وهذا مثل قوله "﴿فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ﴾ [فاطر: ٨]". * * ثم قال: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ﴾ أي: يعلم ما تكنه صدورهم من الكفر بالله. * * ثم قال تعالى: ﴿نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلاً﴾ أي: يمهلهم في الدنيا إمهالاً قليلاً ووقتاً قليلاً. ﴿ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَىٰ عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾ أي: يلجئهم إلى الدخول في عذاب النار - نعوذ بالله منها -. ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ﴾ أي: إن سألت يا محمد هؤلاء المشركين من قومك من خلق السماوات والأرض؟ أقروا بأنه الله، فقل يا محمد عند إقرارهم بذلك: الحمد لله: أي الذي خلق ذلك وتفرد به لأنهم لم يخلقوا شيئاً. ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ أي: لا يعلمون من يجب له الحمد والشكر. * * ثم قال تعالى: ﴿لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ﴾ أي يملكها. ﴿إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْغَنِيُّ﴾: أي: عن خلقه. ﴿ٱلْحَمِيدُ﴾ أي المحمود على نعمه. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي ٱلأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلاَمٌ﴾. أي: ولو أن شجرة الأرض كلها بريت أقلاماً، والبحر لها مداد، ويمدها سبعة أبحر مداداً - أي الأقلام - ﴿مَّا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ ٱللَّهِ﴾. وفي الكلام حذف، والتقدير: يكتب بذلك كلام الله لتكسرت الأقلام وجفت وفرغ المداد ولم تنفذ كلمات الله. ومن رفع "البحر" فعلى الابتداء، أو على موضع أن. "وما" عملت فيه، أو على موضع "ما"، إذ لم يظهر فيه الإعراب. قال قتادة: قال المشركون: هذا الكلام يوشك أن ينفد فنزلت هذه الآية. وروي أن هذه الآية نزلت على النبي ﷺ في سبب مجادلة كانت من اليهود له. قال ابن عباس: "قالت أحبار يهود للنبي ﷺ بالمدينة: يا محمد أرأَيْتَ قَوْلُكَ "وَمَا أُوتِيتُم مِنَ العِلْمِ إلاَّ قَلِيلاً إِيَّانَا تُرِيدُ أَمْ قَوْمُكَ؟ فقالَ النبي ﷺ: "كَلاَّ"، قالوا: ألسْتَ تَتْلُو فِيما جَاءَك أَنَّا قَد أوتِينَا التَّوراة فيها بيان كل شيء؟ فقال النبي عليه السلام: "فإنَّها في علم الله قليل، وعندكم من ذلك ما تكفيكم" فأنزل الله في ذلك: "ولو إنما في الأرض من شجرة"إلى تمام الثلاث الآيات. وهذا معنى قول عكرمة. ويروى أن النبي ﷺ قال لهم: "وَقَدْ أَتَاكُم اللهُ ما أن عَمِلْتُم بِهِ انْتَفَعْتُم وهو في عِلْمِ الله قَلِيلٌ ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ﴾ أي: ذو عزة في انتقامه ممن أشرك به وادعى معه إلهاً غيره، ﴿حَكِيمٌ﴾ في تدبيره خلقه. * * ثم قال تعالى: ﴿مَّا خَلْقُكُمْ وَلاَ بَعْثُكُمْ إِلاَّ كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ أي: ما خلقكم إلا كخلق نفس واحدة ولا بعثكم إلا كبعث نفس واحدة، لأنه إنما يقول للشيء كن فيكون قليلاً كان أو كثيراً. هذا معنى قول مجاهد. * * ثم قال: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ﴾ أي: سامع لما يقوله المشركون وغيرهم، ﴿بَصِيرٌ﴾ بأعمال الخلق كلهم. * * ثم قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يُولِجُ ٱلْلَّيْلَ فِي ٱلنَّهَارِ وَيُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِي ٱلْلَّيْلِ﴾. أي يزيد من كل واحد في الآخر، فينقص من أحدهما بمقدار ما زاد في الآخر. * * ثم قال تعالى: ﴿وَسَخَّرَ ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ﴾ أي: سخرهما لمصالح العباد. ﴿كُلٌّ يَجْرِيۤ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى﴾ أي: يجري بإذن الله إلى وقت معلوم، إذا بلغاه كورت الشمس والقمر. ﴿وَأَنَّ ٱللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ أي: ذو خبر بأعمالكم لا يخفى عليه شيء منها. والمراد بهذا الخطاب المشركون. * * ثم قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْحَقُّ﴾. أي: هو الخالق الحق لا ما تعبدون. ﴿وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ ٱلْبَاطِلُ﴾ أي: ما تعبدون من الأصنام والأوثان هو الباطل الذي يضمحل ويفنى. * * ثم قال تعالى: ﴿وَأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْعَلِيُّ﴾ أي: ذو العلو على كل شيء، وكل من دونه متذلل منقاد له، ﴿ٱلْكَبِيرُ﴾ أي: الذي كل شيء يتصاغر له. * * ثم قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱلْفُلْكَ تَجْرِي فِي ٱلْبَحْرِ بِنِعْمَةِ ٱللَّهِ﴾ أي: السفن تجري في البحر بنعمة الله على خلقه. ﴿لِيُرِيَكُمْ مِّنْ آيَاتِهِ﴾ أي: من حججه وقدرته فتتعظوا. وقد قيل: نعمة الله ها هنا الريح التي تجري السفن بها. ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ﴾ أي: إن في جري الفلك في البحر لعلامات وحججاً على قدرة الله وضعف ما تدعون من دونه. ﴿لِّكُلِّ صَبَّارٍ﴾ أي: لكم من صبر نفسه عن محارم الله وشكر على نعمه. قال مطرف: إن من أحب عباد الله إليه الصبور الشكور. وقال الشعبي: الصبر نصف الإيمان والشكر نصف الإيمان، واليقين الإيمان كله. وقال قتادة: إن من أحب عباد الله إليه من إذا أعطي شكر، وإذا ابتلي صبر. * * ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَّوْجٌ كَٱلظُّلَلِ﴾. أي: وإذا غشي هؤلاء الذين يشركون بالله غيرهم في حال ركوبهم البحر موج كالظلم، شبه سواد كثرة الماء وتراكب بعضه على بعض بالظلم، وهي الظل جمع ظلة. وقال الفراء: الظل هنا: السحاب. ﴿دَعَوُاْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ﴾ أي: إذا غشيهم الموج فخافوا الغرق فزعوا إلى الله بالدعاء مخلصين له لا يشركون به هنا لك شيئاً، ولا يستغيثون بغيره. ﴿فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى ٱلْبَرِّ﴾ أي: نجاهم من ذلك الموج والغرق فصاروا في البر. ﴿فَمِنْهُمْ مُّقْتَصِدٌ﴾ أي: في قوله وإقراره بربه، وهو مضمر للكفر بعد ذلك، وقال أبن زيد: المقتصد على صلاح من الأمر. وفي الكلام حذف، كأنه قال: ومنهم كافر بربه الذي نجاه من الغرق. ودل على ذلك قوله: ﴿وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَآ إِلاَّ كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ﴾ أي: وما يكفر بأدلتنا وحججنا إلا كل غدار عنيد. فدل الجحود المذكور على الكفر المحذوف. وقيل: التقدير: ومنهم جائر لأن الاقتصاد ضده الجور، فدل على ضده، قال معنى ذلك مجاهد والحسن وقتادة والضحاك . والختر عند العرب أشد. * * ثم قال ﴿يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمْ﴾. أي: اتقوه في قبول طاعته والعمل بمرضاته، ﴿وَٱخْشَوْاْ يَوْماً لاَّ يَجْزِي وَالِدٌ عَن وَلَدِهِ وَلاَ مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِ شَيْئاً﴾ يعني: وخافوا يوم القيامة فإنه يوم لا يشفع فيه أحد لأحد إلا بالإيمان والأعمال الصالحة. ﴿إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ﴾ أي: إن مجيء هذا اليوم الذي يجازي الناس فيه بأعمالهم حق. ﴿فَلاَ تَغُرَّنَّكُمُ ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا﴾ أي: لا يخدعنّكم نُزهَتُها ولذاتها فتميلوا إليها، وتدعوا الاستعداد لما فيه خلاصكم من عذاب الله تعالى ونعيمكم أبداً. ﴿وَلاَ يَغُرَّنَّكُم بِٱللَّهِ ٱلْغَرُورُ﴾. أي: ولا يخدعكم بالله خادع، فالغرور هو كل ما غر من إنسان أو شيطان. ومن ضم الغين جعله مصدراً. وقيل: هو أن تعمل المعصية وتتمنى المغفرة، قاله أبن جبير. ثم قال تعالى ذكره: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ ٱلسَّاعَةِ﴾. أي: يعلم متى تكون، فاتقوا أن تأتيكم بغتة. ﴿وَيُنَزِّلُ ٱلْغَيْثَ﴾: أي: لا يعلم متى ينزله. ﴿وَيَعْلَمُ مَا فِي ٱلأَرْحَامِ﴾ أي: لا يُعْلَمُ ذلك غيره. ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَداً﴾ أي: ما تعمل من خير وشر. ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾ أي: في أي مكان يلحقها أجلها فتموت فيه، كل ذلك لا يعلمه إلا الله. ﴿إِنَّ ٱللَّهَ عَلَيمٌ﴾ أي: ذو علم بكل الأشياء، ﴿خَبِيرٌ﴾ بما هو كائن وما كان. وقال النبي ﷺ "مفاتح الغَيب خَمسَة. ثم قرأ هذه الآية..

لقمان 31:33

قوله تعالى ذكره: ﴿وَمَن كَفَرَ فَلاَ يَحْزُنكَ كُفْرُهُ﴾ إلى آخر السورة. أي: لا يغمك يا محمد كفر من كفر ولم يؤمن، فإن رجوعه إلى الله فيخبره بسوء عمله ويجازيه عليه، وهذا مثل قوله "﴿فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ﴾ [فاطر: ٨]". * * ثم قال: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ﴾ أي: يعلم ما تكنه صدورهم من الكفر بالله. * * ثم قال تعالى: ﴿نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلاً﴾ أي: يمهلهم في الدنيا إمهالاً قليلاً ووقتاً قليلاً. ﴿ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَىٰ عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾ أي: يلجئهم إلى الدخول في عذاب النار - نعوذ بالله منها -. ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ﴾ أي: إن سألت يا محمد هؤلاء المشركين من قومك من خلق السماوات والأرض؟ أقروا بأنه الله، فقل يا محمد عند إقرارهم بذلك: الحمد لله: أي الذي خلق ذلك وتفرد به لأنهم لم يخلقوا شيئاً. ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ أي: لا يعلمون من يجب له الحمد والشكر. * * ثم قال تعالى: ﴿لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ﴾ أي يملكها. ﴿إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْغَنِيُّ﴾: أي: عن خلقه. ﴿ٱلْحَمِيدُ﴾ أي المحمود على نعمه. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي ٱلأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلاَمٌ﴾. أي: ولو أن شجرة الأرض كلها بريت أقلاماً، والبحر لها مداد، ويمدها سبعة أبحر مداداً - أي الأقلام - ﴿مَّا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ ٱللَّهِ﴾. وفي الكلام حذف، والتقدير: يكتب بذلك كلام الله لتكسرت الأقلام وجفت وفرغ المداد ولم تنفذ كلمات الله. ومن رفع "البحر" فعلى الابتداء، أو على موضع أن. "وما" عملت فيه، أو على موضع "ما"، إذ لم يظهر فيه الإعراب. قال قتادة: قال المشركون: هذا الكلام يوشك أن ينفد فنزلت هذه الآية. وروي أن هذه الآية نزلت على النبي ﷺ في سبب مجادلة كانت من اليهود له. قال ابن عباس: "قالت أحبار يهود للنبي ﷺ بالمدينة: يا محمد أرأَيْتَ قَوْلُكَ "وَمَا أُوتِيتُم مِنَ العِلْمِ إلاَّ قَلِيلاً إِيَّانَا تُرِيدُ أَمْ قَوْمُكَ؟ فقالَ النبي ﷺ: "كَلاَّ"، قالوا: ألسْتَ تَتْلُو فِيما جَاءَك أَنَّا قَد أوتِينَا التَّوراة فيها بيان كل شيء؟ فقال النبي عليه السلام: "فإنَّها في علم الله قليل، وعندكم من ذلك ما تكفيكم" فأنزل الله في ذلك: "ولو إنما في الأرض من شجرة"إلى تمام الثلاث الآيات. وهذا معنى قول عكرمة. ويروى أن النبي ﷺ قال لهم: "وَقَدْ أَتَاكُم اللهُ ما أن عَمِلْتُم بِهِ انْتَفَعْتُم وهو في عِلْمِ الله قَلِيلٌ ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ﴾ أي: ذو عزة في انتقامه ممن أشرك به وادعى معه إلهاً غيره، ﴿حَكِيمٌ﴾ في تدبيره خلقه. * * ثم قال تعالى: ﴿مَّا خَلْقُكُمْ وَلاَ بَعْثُكُمْ إِلاَّ كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ أي: ما خلقكم إلا كخلق نفس واحدة ولا بعثكم إلا كبعث نفس واحدة، لأنه إنما يقول للشيء كن فيكون قليلاً كان أو كثيراً. هذا معنى قول مجاهد. * * ثم قال: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ﴾ أي: سامع لما يقوله المشركون وغيرهم، ﴿بَصِيرٌ﴾ بأعمال الخلق كلهم. * * ثم قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يُولِجُ ٱلْلَّيْلَ فِي ٱلنَّهَارِ وَيُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِي ٱلْلَّيْلِ﴾. أي يزيد من كل واحد في الآخر، فينقص من أحدهما بمقدار ما زاد في الآخر. * * ثم قال تعالى: ﴿وَسَخَّرَ ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ﴾ أي: سخرهما لمصالح العباد. ﴿كُلٌّ يَجْرِيۤ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى﴾ أي: يجري بإذن الله إلى وقت معلوم، إذا بلغاه كورت الشمس والقمر. ﴿وَأَنَّ ٱللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ أي: ذو خبر بأعمالكم لا يخفى عليه شيء منها. والمراد بهذا الخطاب المشركون. * * ثم قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْحَقُّ﴾. أي: هو الخالق الحق لا ما تعبدون. ﴿وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ ٱلْبَاطِلُ﴾ أي: ما تعبدون من الأصنام والأوثان هو الباطل الذي يضمحل ويفنى. * * ثم قال تعالى: ﴿وَأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْعَلِيُّ﴾ أي: ذو العلو على كل شيء، وكل من دونه متذلل منقاد له، ﴿ٱلْكَبِيرُ﴾ أي: الذي كل شيء يتصاغر له. * * ثم قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱلْفُلْكَ تَجْرِي فِي ٱلْبَحْرِ بِنِعْمَةِ ٱللَّهِ﴾ أي: السفن تجري في البحر بنعمة الله على خلقه. ﴿لِيُرِيَكُمْ مِّنْ آيَاتِهِ﴾ أي: من حججه وقدرته فتتعظوا. وقد قيل: نعمة الله ها هنا الريح التي تجري السفن بها. ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ﴾ أي: إن في جري الفلك في البحر لعلامات وحججاً على قدرة الله وضعف ما تدعون من دونه. ﴿لِّكُلِّ صَبَّارٍ﴾ أي: لكم من صبر نفسه عن محارم الله وشكر على نعمه. قال مطرف: إن من أحب عباد الله إليه الصبور الشكور. وقال الشعبي: الصبر نصف الإيمان والشكر نصف الإيمان، واليقين الإيمان كله. وقال قتادة: إن من أحب عباد الله إليه من إذا أعطي شكر، وإذا ابتلي صبر. * * ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَّوْجٌ كَٱلظُّلَلِ﴾. أي: وإذا غشي هؤلاء الذين يشركون بالله غيرهم في حال ركوبهم البحر موج كالظلم، شبه سواد كثرة الماء وتراكب بعضه على بعض بالظلم، وهي الظل جمع ظلة. وقال الفراء: الظل هنا: السحاب. ﴿دَعَوُاْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ﴾ أي: إذا غشيهم الموج فخافوا الغرق فزعوا إلى الله بالدعاء مخلصين له لا يشركون به هنا لك شيئاً، ولا يستغيثون بغيره. ﴿فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى ٱلْبَرِّ﴾ أي: نجاهم من ذلك الموج والغرق فصاروا في البر. ﴿فَمِنْهُمْ مُّقْتَصِدٌ﴾ أي: في قوله وإقراره بربه، وهو مضمر للكفر بعد ذلك، وقال أبن زيد: المقتصد على صلاح من الأمر. وفي الكلام حذف، كأنه قال: ومنهم كافر بربه الذي نجاه من الغرق. ودل على ذلك قوله: ﴿وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَآ إِلاَّ كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ﴾ أي: وما يكفر بأدلتنا وحججنا إلا كل غدار عنيد. فدل الجحود المذكور على الكفر المحذوف. وقيل: التقدير: ومنهم جائر لأن الاقتصاد ضده الجور، فدل على ضده، قال معنى ذلك مجاهد والحسن وقتادة والضحاك . والختر عند العرب أشد. * * ثم قال ﴿يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمْ﴾. أي: اتقوه في قبول طاعته والعمل بمرضاته، ﴿وَٱخْشَوْاْ يَوْماً لاَّ يَجْزِي وَالِدٌ عَن وَلَدِهِ وَلاَ مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِ شَيْئاً﴾ يعني: وخافوا يوم القيامة فإنه يوم لا يشفع فيه أحد لأحد إلا بالإيمان والأعمال الصالحة. ﴿إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ﴾ أي: إن مجيء هذا اليوم الذي يجازي الناس فيه بأعمالهم حق. ﴿فَلاَ تَغُرَّنَّكُمُ ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا﴾ أي: لا يخدعنّكم نُزهَتُها ولذاتها فتميلوا إليها، وتدعوا الاستعداد لما فيه خلاصكم من عذاب الله تعالى ونعيمكم أبداً. ﴿وَلاَ يَغُرَّنَّكُم بِٱللَّهِ ٱلْغَرُورُ﴾. أي: ولا يخدعكم بالله خادع، فالغرور هو كل ما غر من إنسان أو شيطان. ومن ضم الغين جعله مصدراً. وقيل: هو أن تعمل المعصية وتتمنى المغفرة، قاله أبن جبير. ثم قال تعالى ذكره: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ ٱلسَّاعَةِ﴾. أي: يعلم متى تكون، فاتقوا أن تأتيكم بغتة. ﴿وَيُنَزِّلُ ٱلْغَيْثَ﴾: أي: لا يعلم متى ينزله. ﴿وَيَعْلَمُ مَا فِي ٱلأَرْحَامِ﴾ أي: لا يُعْلَمُ ذلك غيره. ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَداً﴾ أي: ما تعمل من خير وشر. ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾ أي: في أي مكان يلحقها أجلها فتموت فيه، كل ذلك لا يعلمه إلا الله. ﴿إِنَّ ٱللَّهَ عَلَيمٌ﴾ أي: ذو علم بكل الأشياء، ﴿خَبِيرٌ﴾ بما هو كائن وما كان. وقال النبي ﷺ "مفاتح الغَيب خَمسَة. ثم قرأ هذه الآية..

لقمان 31:34

قوله تعالى ذكره: ﴿وَمَن كَفَرَ فَلاَ يَحْزُنكَ كُفْرُهُ﴾ إلى آخر السورة. أي: لا يغمك يا محمد كفر من كفر ولم يؤمن، فإن رجوعه إلى الله فيخبره بسوء عمله ويجازيه عليه، وهذا مثل قوله "﴿فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ﴾ [فاطر: ٨]". * * ثم قال: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ﴾ أي: يعلم ما تكنه صدورهم من الكفر بالله. * * ثم قال تعالى: ﴿نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلاً﴾ أي: يمهلهم في الدنيا إمهالاً قليلاً ووقتاً قليلاً. ﴿ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَىٰ عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾ أي: يلجئهم إلى الدخول في عذاب النار - نعوذ بالله منها -. ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ﴾ أي: إن سألت يا محمد هؤلاء المشركين من قومك من خلق السماوات والأرض؟ أقروا بأنه الله، فقل يا محمد عند إقرارهم بذلك: الحمد لله: أي الذي خلق ذلك وتفرد به لأنهم لم يخلقوا شيئاً. ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ أي: لا يعلمون من يجب له الحمد والشكر. * * ثم قال تعالى: ﴿لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ﴾ أي يملكها. ﴿إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْغَنِيُّ﴾: أي: عن خلقه. ﴿ٱلْحَمِيدُ﴾ أي المحمود على نعمه. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي ٱلأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلاَمٌ﴾. أي: ولو أن شجرة الأرض كلها بريت أقلاماً، والبحر لها مداد، ويمدها سبعة أبحر مداداً - أي الأقلام - ﴿مَّا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ ٱللَّهِ﴾. وفي الكلام حذف، والتقدير: يكتب بذلك كلام الله لتكسرت الأقلام وجفت وفرغ المداد ولم تنفذ كلمات الله. ومن رفع "البحر" فعلى الابتداء، أو على موضع أن. "وما" عملت فيه، أو على موضع "ما"، إذ لم يظهر فيه الإعراب. قال قتادة: قال المشركون: هذا الكلام يوشك أن ينفد فنزلت هذه الآية. وروي أن هذه الآية نزلت على النبي ﷺ في سبب مجادلة كانت من اليهود له. قال ابن عباس: "قالت أحبار يهود للنبي ﷺ بالمدينة: يا محمد أرأَيْتَ قَوْلُكَ "وَمَا أُوتِيتُم مِنَ العِلْمِ إلاَّ قَلِيلاً إِيَّانَا تُرِيدُ أَمْ قَوْمُكَ؟ فقالَ النبي ﷺ: "كَلاَّ"، قالوا: ألسْتَ تَتْلُو فِيما جَاءَك أَنَّا قَد أوتِينَا التَّوراة فيها بيان كل شيء؟ فقال النبي عليه السلام: "فإنَّها في علم الله قليل، وعندكم من ذلك ما تكفيكم" فأنزل الله في ذلك: "ولو إنما في الأرض من شجرة"إلى تمام الثلاث الآيات. وهذا معنى قول عكرمة. ويروى أن النبي ﷺ قال لهم: "وَقَدْ أَتَاكُم اللهُ ما أن عَمِلْتُم بِهِ انْتَفَعْتُم وهو في عِلْمِ الله قَلِيلٌ ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ﴾ أي: ذو عزة في انتقامه ممن أشرك به وادعى معه إلهاً غيره، ﴿حَكِيمٌ﴾ في تدبيره خلقه. * * ثم قال تعالى: ﴿مَّا خَلْقُكُمْ وَلاَ بَعْثُكُمْ إِلاَّ كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ أي: ما خلقكم إلا كخلق نفس واحدة ولا بعثكم إلا كبعث نفس واحدة، لأنه إنما يقول للشيء كن فيكون قليلاً كان أو كثيراً. هذا معنى قول مجاهد. * * ثم قال: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ﴾ أي: سامع لما يقوله المشركون وغيرهم، ﴿بَصِيرٌ﴾ بأعمال الخلق كلهم. * * ثم قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يُولِجُ ٱلْلَّيْلَ فِي ٱلنَّهَارِ وَيُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِي ٱلْلَّيْلِ﴾. أي يزيد من كل واحد في الآخر، فينقص من أحدهما بمقدار ما زاد في الآخر. * * ثم قال تعالى: ﴿وَسَخَّرَ ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ﴾ أي: سخرهما لمصالح العباد. ﴿كُلٌّ يَجْرِيۤ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى﴾ أي: يجري بإذن الله إلى وقت معلوم، إذا بلغاه كورت الشمس والقمر. ﴿وَأَنَّ ٱللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ أي: ذو خبر بأعمالكم لا يخفى عليه شيء منها. والمراد بهذا الخطاب المشركون. * * ثم قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْحَقُّ﴾. أي: هو الخالق الحق لا ما تعبدون. ﴿وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ ٱلْبَاطِلُ﴾ أي: ما تعبدون من الأصنام والأوثان هو الباطل الذي يضمحل ويفنى. * * ثم قال تعالى: ﴿وَأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْعَلِيُّ﴾ أي: ذو العلو على كل شيء، وكل من دونه متذلل منقاد له، ﴿ٱلْكَبِيرُ﴾ أي: الذي كل شيء يتصاغر له. * * ثم قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱلْفُلْكَ تَجْرِي فِي ٱلْبَحْرِ بِنِعْمَةِ ٱللَّهِ﴾ أي: السفن تجري في البحر بنعمة الله على خلقه. ﴿لِيُرِيَكُمْ مِّنْ آيَاتِهِ﴾ أي: من حججه وقدرته فتتعظوا. وقد قيل: نعمة الله ها هنا الريح التي تجري السفن بها. ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ﴾ أي: إن في جري الفلك في البحر لعلامات وحججاً على قدرة الله وضعف ما تدعون من دونه. ﴿لِّكُلِّ صَبَّارٍ﴾ أي: لكم من صبر نفسه عن محارم الله وشكر على نعمه. قال مطرف: إن من أحب عباد الله إليه الصبور الشكور. وقال الشعبي: الصبر نصف الإيمان والشكر نصف الإيمان، واليقين الإيمان كله. وقال قتادة: إن من أحب عباد الله إليه من إذا أعطي شكر، وإذا ابتلي صبر. * * ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَّوْجٌ كَٱلظُّلَلِ﴾. أي: وإذا غشي هؤلاء الذين يشركون بالله غيرهم في حال ركوبهم البحر موج كالظلم، شبه سواد كثرة الماء وتراكب بعضه على بعض بالظلم، وهي الظل جمع ظلة. وقال الفراء: الظل هنا: السحاب. ﴿دَعَوُاْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ﴾ أي: إذا غشيهم الموج فخافوا الغرق فزعوا إلى الله بالدعاء مخلصين له لا يشركون به هنا لك شيئاً، ولا يستغيثون بغيره. ﴿فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى ٱلْبَرِّ﴾ أي: نجاهم من ذلك الموج والغرق فصاروا في البر. ﴿فَمِنْهُمْ مُّقْتَصِدٌ﴾ أي: في قوله وإقراره بربه، وهو مضمر للكفر بعد ذلك، وقال أبن زيد: المقتصد على صلاح من الأمر. وفي الكلام حذف، كأنه قال: ومنهم كافر بربه الذي نجاه من الغرق. ودل على ذلك قوله: ﴿وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَآ إِلاَّ كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ﴾ أي: وما يكفر بأدلتنا وحججنا إلا كل غدار عنيد. فدل الجحود المذكور على الكفر المحذوف. وقيل: التقدير: ومنهم جائر لأن الاقتصاد ضده الجور، فدل على ضده، قال معنى ذلك مجاهد والحسن وقتادة والضحاك . والختر عند العرب أشد. * * ثم قال ﴿يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمْ﴾. أي: اتقوه في قبول طاعته والعمل بمرضاته، ﴿وَٱخْشَوْاْ يَوْماً لاَّ يَجْزِي وَالِدٌ عَن وَلَدِهِ وَلاَ مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِ شَيْئاً﴾ يعني: وخافوا يوم القيامة فإنه يوم لا يشفع فيه أحد لأحد إلا بالإيمان والأعمال الصالحة. ﴿إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ﴾ أي: إن مجيء هذا اليوم الذي يجازي الناس فيه بأعمالهم حق. ﴿فَلاَ تَغُرَّنَّكُمُ ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا﴾ أي: لا يخدعنّكم نُزهَتُها ولذاتها فتميلوا إليها، وتدعوا الاستعداد لما فيه خلاصكم من عذاب الله تعالى ونعيمكم أبداً. ﴿وَلاَ يَغُرَّنَّكُم بِٱللَّهِ ٱلْغَرُورُ﴾. أي: ولا يخدعكم بالله خادع، فالغرور هو كل ما غر من إنسان أو شيطان. ومن ضم الغين جعله مصدراً. وقيل: هو أن تعمل المعصية وتتمنى المغفرة، قاله أبن جبير. ثم قال تعالى ذكره: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ ٱلسَّاعَةِ﴾. أي: يعلم متى تكون، فاتقوا أن تأتيكم بغتة. ﴿وَيُنَزِّلُ ٱلْغَيْثَ﴾: أي: لا يعلم متى ينزله. ﴿وَيَعْلَمُ مَا فِي ٱلأَرْحَامِ﴾ أي: لا يُعْلَمُ ذلك غيره. ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَداً﴾ أي: ما تعمل من خير وشر. ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾ أي: في أي مكان يلحقها أجلها فتموت فيه، كل ذلك لا يعلمه إلا الله. ﴿إِنَّ ٱللَّهَ عَلَيمٌ﴾ أي: ذو علم بكل الأشياء، ﴿خَبِيرٌ﴾ بما هو كائن وما كان. وقال النبي ﷺ "مفاتح الغَيب خَمسَة. ثم قرأ هذه الآية..