Lafzullah

Tafsir Makhi — السجدة 32:1 – الأحزاب 33:38

المؤلف / المصدر: Tafsir Makhi

المحتويات
  1. السجدة 32:1
  2. السجدة 32:2
  3. السجدة 32:3
  4. السجدة 32:4
  5. السجدة 32:5
  6. السجدة 32:6
  7. السجدة 32:7
  8. السجدة 32:8
  9. السجدة 32:9
  10. السجدة 32:10
  11. السجدة 32:11
  12. السجدة 32:12
  13. السجدة 32:13
  14. السجدة 32:14
  15. السجدة 32:15
  16. السجدة 32:16
  17. السجدة 32:17
  18. السجدة 32:18
  19. السجدة 32:19
  20. السجدة 32:20
  21. السجدة 32:21
  22. السجدة 32:22
  23. السجدة 32:23
  24. السجدة 32:24
  25. السجدة 32:25
  26. السجدة 32:26
  27. السجدة 32:27
  28. السجدة 32:28
  29. السجدة 32:29
  30. السجدة 32:30
  31. الأحزاب 33:1
  32. الأحزاب 33:2
  33. الأحزاب 33:3
  34. الأحزاب 33:4
  35. الأحزاب 33:5
  36. الأحزاب 33:6
  37. الأحزاب 33:7
  38. الأحزاب 33:8
  39. الأحزاب 33:9
  40. الأحزاب 33:10
  41. الأحزاب 33:11
  42. الأحزاب 33:12
  43. الأحزاب 33:13
  44. الأحزاب 33:14
  45. الأحزاب 33:15
  46. الأحزاب 33:16
  47. الأحزاب 33:17
  48. الأحزاب 33:18
  49. الأحزاب 33:19
  50. الأحزاب 33:20
  51. الأحزاب 33:21
  52. الأحزاب 33:22
  53. الأحزاب 33:23
  54. الأحزاب 33:24
  55. الأحزاب 33:25
  56. الأحزاب 33:26
  57. الأحزاب 33:27
  58. الأحزاب 33:28
  59. الأحزاب 33:29
  60. الأحزاب 33:30
  61. الأحزاب 33:31
  62. الأحزاب 33:32
  63. الأحزاب 33:33
  64. الأحزاب 33:34
  65. الأحزاب 33:35
  66. الأحزاب 33:36
  67. الأحزاب 33:37
  68. الأحزاب 33:38

السجدة 32:1

قوله تعالى ذكره: ﴿الۤـمۤ * تَنزِيلُ ٱلْكِتَابِ﴾ إلى قوله: ﴿بَلْ هُم بِلَقَآءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ﴾. من رواية أبن وهب: أن النبي ﷺ قال: "مَنْ قَرَأَ آلم تَنْزِيلُ السَّجْدَةِ، وَتَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ المُلْكُ فَكَأَنَّمَا وَافَقَ لَيْلَةَ القَدْرِ وعنه أنه قال: "آلم تنْزِيلُ السَّجْدَةِ وَتَبَارَكَ يَفْضُلانِ عَلَى السُّوَرِ بِسِتِّينَ حَسَنَة وقال جابر بن عبد الله: "مَا كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يَنَامُ حَتَّى يَقْرَأ آلم تَنْزِيلُ السَّجْدَةِ وَتَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ المُلْكِ". قد تقدم ذكر ﴿الۤـمۤ﴾. * * وقوله: ﴿تَنزِيلُ﴾ رُفِعَ بالابتداء، و ﴿لاَ رَيْبَ فِيهِ﴾ الخبر. ويجوز أن يكون خبر الابتداء محذوف، أي: هذا المتلو تنزيل الكتاب. ويجوز أن يكون [التقدير]: هذه الحروف تنزيل الكتاب، و ﴿الۤـمۤ﴾ بدل من الحروف دالة عليها فهي موضع الابتداء، و ﴿تَنزِيلُ﴾ الخبر. ويجوز: "تنزيل" بالنصب على المصدر. والمعنى: تنزيل الكتاب المنزل على محمد لا شك فيه أنه من رب العالمين، وليس بسحر ولا سجع ولا كهانة ولا كذب. وهذا تكذيب لمن قال ذلك في القرآن من المشركين. * * ثم قال: ﴿أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَاهُ﴾. قال أبو عبيدة: معناه: بل يقولون. وهو خروج من حديث إلى حديث. وقال الزجاج: التقدير: أيقولون. والتقدير عند الطبري: أيقولون، يعني المشركين أيقولون اختلق محمد ﷺ هذا القرآن من قبل نفسه، وأم عنده تقرير كالألف. ثم أكذبهم الله في قولهم فقال: ﴿بَلْ هُوَ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ﴾ أي: هو الصدق من عند ربك أنزله عليك، لتنذر قوماً بأس الله أن يحل بهم على كفرهم لم يأتهم نذير من قبلك. * * ﴿لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾ أي: يهتدون إلى طريق النجاة من عذاب الله. أجاز بعض النحويين الوقف على ﴿رَّبِّكَ﴾، على أن تكون اللام متعلقة بفعل محذوف، والتقدير: وأنزله عليك لتندر. وأجاز أبو حاتم الوقف على ﴿ٱفْتَرَاهُ﴾. ثم قال تعالى ذكره: ﴿ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ الآية. أي: المعبود الذي لا تصلح العبادة إلا له هو الله الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام، ثم استوى على العرش في اليوم السابع، قاله قتادة. ثم قال [تعالى]: ﴿مَا لَكُمْ مِّن دُونِهِ مِن وَلِيٍّ﴾. [أي]: يلي أمركم [فينصركم] منه إذا أراد بكم ضراً، ﴿وَلاَ شَفِيعٍ﴾ أي: يشفع لكم إن عاقبكم على كفركم، فاتخذوه أيها الناس ولياً واستعينوا بطاعته على أموركم. ﴿أَفَلاَ تَتَذَكَّرُونَ﴾ أي: تتذكرون هذه الموعظة فتعلموا أنه لا معبود لكم غيره فتفردوا له العبادة وتخلصوا له العمل. (في) ستة أيام تمام عند نافع، وعلى العرش أتم منه. ثم قال تعالى [ذكره]: ﴿يُدَبِّرُ ٱلأَمْرَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ إِلَى ٱلأَرْضِ﴾. أي: هو يدبر الأمر من السماء إلى الأرض. * * ﴿ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾. قال مجاهد: يعني نزول الأمر من السماء إلى الأرض ومن الأرض إلى السماء في يوم واحد، وذلك اليوم مقداره ألف سنة لأن ما بين السماء إلى الأرض مسيرة خمس مائة عام. وهو معنى قول قتادة والضحاك وعكرمة، وقاله ابن عباس. وهو اختيار الطبري. وقال ابن عباس: إن المعنى أن هذا اليوم من الأيام الستة التي خلق الله فيها السماوات والأرض وما بينهما كألف سنة من سني الدنيا. وعن ابن عباس: أن المعنى ثم تعرج إليه الملائكة بالأمر في يوم مقدار ذلك اليوم ألف سنة من سني الدنيا. وعن مجاهد: أن المعنى: كان مقدار ذلك التدبير ألف سنة من أيام الدنيا. وقيل: التقدير: كان مقدار ذلك العروج ألف سنة من أيام الدنيا. وقيل: المعنى: يدبر الله أمر الدنيا وما حدث فيها مما يجازي عليه الناس وغيرهم من أهل السماء إلى أن تقوم الساعة ويبعث الناس إلى الحساب، ثم يعرج إليه ذلك الأمر فيحكم فيه في يوم كان مقداره ألف سنة، وهو يوم القيامة. وقيل: معناه يدبر الشمس في طلوعها من المشرق وغروبها في المغرب ومدارها في العالم من السماء إلى الأرض لأنها على أهل الأرض تطلع، وفوق الأرض تطلع إلى أن تغرب وترجع إلى موضعها من الطلوع في يوم [كان] مقداره في المسافة ألف سنة. والهاء في يَعْرُجُ إليه: قيل تعود على السماء لأنها تذكر. وقيل: تعود على الله جل ذكره. فأما قوله في "المعارج". ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [المعارج: ٤]. فمعناه على قول ابن عباس: أنه يوم القيامة يراد [به] قال: جعله الله على الكفار مقدار خمسين ألف سنة . وقال وهب بن منبه: [ما] بين أسفل الأرض إلى العرش مقدار خمسين ألف سنة من أيام الدنيا. وقيل عنه: الدنيا من أولها إلى آخرها خمسون ألف سنة لا يدري أحدكم [كم] مضى منها ولا كم بقي. وقيل: يوم القيامة أيام، فمنه ما مقداره ألف سنة، ومنه ما مقداره خمسون ألف سنة. واليوم في اللغة بمعنى الوقت. فالمعنى تعرج الملائكة والروح إليه [في وقت مقداره ألف سنة و] في وقت آخر مقداره خمسون ألف سنة. "إلى الأرض" تمام عند الأخفش. * * ثم قال تعالى: ﴿ذٰلِكَ عَالِمُ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَادَةِ﴾. أي: الذي تقدمت صفته في قدرته وسلطانه هو علم الظاهر والباطن والسر والجهر، وهو الله (الذي) لا إله إلا هو. ﴿ٱلْعَزِيزُ﴾ أي: الشديد في انتقامه ممن كفر به، ﴿ٱلرَّحِيمُ﴾ بمن تاب من كفره. * * ثم قال تعالى: ﴿ٱلَّذِيۤ أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾. أي: وهو الذي أعطى كل شيء خلقه، الإنسان للإنسان، والفرس للفرس، فقرن كل جنس بشكله. قاله مجاهد. "وأحسن" على هذا القول بمعنى أعلم، تقول [العرب] فلان يحسن كذا إذا كان يعلمه. هذا على قراءة من أسكن اللام من "خلقه" فيكون "خلقه" مفعولاً به. ويجوز عند سيبويه أن ينتصب على المصدر المؤكد. مثل ﴿صُنْعَ ٱللَّهِ ٱلَّذِيۤ أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ٨٨] وقيل: هو منصوب، على التفسير، كقولك: زيد أوسعكم داراً، والتقدير: أحسن كل شيء خلقاً. وقيل: أحسن على هذه القراءة بمعنى أعلم وألهم. فيكون خلقه مفعولاً به. وهو القول الذي ذكرنا عن مجاهد أولاً. ومن فتح اللام جعله فعلاً ماضياً. والمعنى الذي أتقن كل شيء خلقه وأحكمه. والهاء في موضع نصب، والفعل في موضع خفض على النعت لشيء. فالمعنى على قول ابن عباس: الذي أحكم كل شيء خلقه. أي: جاء به على ما أراد لم يتغير عن إرادته. وروي عنه أنه كان يقرأ بفتح اللام، ويقول: أما إن أَسْتَ القرد ليست بحسنة ولكنه أحكمها. وعن مجاهد في الفتح: أحسن بكل شيء خلقه. وعن ابن عباس: في معنى الإسكان أحسن كل شيء في خلقه، أي: جعل كل شيء في خلقه حسناً. وأجاز الزجاج "خَلقُه" بالرفع على معنى: ذلك، خلقه، ولم يقرأ به أحد. * * ثم قال تعالى: ﴿وَبَدَأَ خَلْقَ ٱلإِنْسَانِ مِن طِينٍ﴾ يعني: آدم ﷺ. ﴿ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلاَلَةٍ مِّن مَّآءٍ مَّهِينٍ﴾ أي: جعل ذريته من سلالة، والسلالة ما ينسل من الشيء. فالمعنى جعل ذريته من الماء الذي ينسل منه ومعنى ﴿مَّهِينٍ﴾ حقير ضعيف. * * ثم قال تعالى: ﴿ثُمَّ سَوَّاهُ﴾ يعني آدم، أي سوَّى خلقه معتدلاً سوياً. ﴿وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِ﴾ أي: من روحه الذي يحيى به [الموتى] فصار حياً ناطقاً. ثم قال [تعالى]: ﴿وَجَعَلَ لَكُمُ ٱلسَّمْعَ وَٱلأَبْصَارَ وَٱلأَفْئِدَةَ﴾ أي أنعم عليكم بسمعكم وأبصاركم وقلوبكم تنتفعون بها وتسمعون وتبصرون وتفهمون. ووحد السمع لأنه مصدر. ثم قال [تعالى]: ﴿قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ﴾ أي: أنعم عليكم بهذه النعم، وشكركم قليل عليها. ثم قال [تعالى]: ﴿وَقَالُوۤاْ أَءِذَا ضَلَلْنَا فِي ٱلأَرْضِ﴾ أي: وقال المشركون: أئذا صارت لحومنا وعظامنا تراباً في الأرض أَنُبْعَثُ؟ إنكاراً للبعث. وقال مجاهد: "ضللنا": هلكنا، لأن كل شيء غلب عليه غيره حتى تلف وخفي فقد هلك. وقرأ أبو رجاء وطلحة: "ضلِلْنا" بكسر اللام، وهي لغة شاذة. وقرأ الحسن: "صَلَلْنا" بالصاد غير معجمة وفتح اللام. وروي عنه بكسر اللام. والمعنى أنتنا، وكسر اللام شاذ، يقال صلَّ اللحم وأصَلَّ إذا أَنْتَنَ وَتَغَيَّر، وكذلك. خَمَّ وَأَخَمَّ. ثم قال الله تعالى ﴿بَلْ هُم بِلَقَآءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ﴾ أي: جاحدون للبعث بعد الموت والرجوع إلى الله (جلّ وعزَّ).

السجدة 32:2

قوله تعالى ذكره: ﴿الۤـمۤ * تَنزِيلُ ٱلْكِتَابِ﴾ إلى قوله: ﴿بَلْ هُم بِلَقَآءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ﴾. من رواية أبن وهب: أن النبي ﷺ قال: "مَنْ قَرَأَ آلم تَنْزِيلُ السَّجْدَةِ، وَتَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ المُلْكُ فَكَأَنَّمَا وَافَقَ لَيْلَةَ القَدْرِ وعنه أنه قال: "آلم تنْزِيلُ السَّجْدَةِ وَتَبَارَكَ يَفْضُلانِ عَلَى السُّوَرِ بِسِتِّينَ حَسَنَة وقال جابر بن عبد الله: "مَا كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يَنَامُ حَتَّى يَقْرَأ آلم تَنْزِيلُ السَّجْدَةِ وَتَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ المُلْكِ". قد تقدم ذكر ﴿الۤـمۤ﴾. * * وقوله: ﴿تَنزِيلُ﴾ رُفِعَ بالابتداء، و ﴿لاَ رَيْبَ فِيهِ﴾ الخبر. ويجوز أن يكون خبر الابتداء محذوف، أي: هذا المتلو تنزيل الكتاب. ويجوز أن يكون [التقدير]: هذه الحروف تنزيل الكتاب، و ﴿الۤـمۤ﴾ بدل من الحروف دالة عليها فهي موضع الابتداء، و ﴿تَنزِيلُ﴾ الخبر. ويجوز: "تنزيل" بالنصب على المصدر. والمعنى: تنزيل الكتاب المنزل على محمد لا شك فيه أنه من رب العالمين، وليس بسحر ولا سجع ولا كهانة ولا كذب. وهذا تكذيب لمن قال ذلك في القرآن من المشركين. * * ثم قال: ﴿أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَاهُ﴾. قال أبو عبيدة: معناه: بل يقولون. وهو خروج من حديث إلى حديث. وقال الزجاج: التقدير: أيقولون. والتقدير عند الطبري: أيقولون، يعني المشركين أيقولون اختلق محمد ﷺ هذا القرآن من قبل نفسه، وأم عنده تقرير كالألف. ثم أكذبهم الله في قولهم فقال: ﴿بَلْ هُوَ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ﴾ أي: هو الصدق من عند ربك أنزله عليك، لتنذر قوماً بأس الله أن يحل بهم على كفرهم لم يأتهم نذير من قبلك. * * ﴿لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾ أي: يهتدون إلى طريق النجاة من عذاب الله. أجاز بعض النحويين الوقف على ﴿رَّبِّكَ﴾، على أن تكون اللام متعلقة بفعل محذوف، والتقدير: وأنزله عليك لتندر. وأجاز أبو حاتم الوقف على ﴿ٱفْتَرَاهُ﴾. ثم قال تعالى ذكره: ﴿ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ الآية. أي: المعبود الذي لا تصلح العبادة إلا له هو الله الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام، ثم استوى على العرش في اليوم السابع، قاله قتادة. ثم قال [تعالى]: ﴿مَا لَكُمْ مِّن دُونِهِ مِن وَلِيٍّ﴾. [أي]: يلي أمركم [فينصركم] منه إذا أراد بكم ضراً، ﴿وَلاَ شَفِيعٍ﴾ أي: يشفع لكم إن عاقبكم على كفركم، فاتخذوه أيها الناس ولياً واستعينوا بطاعته على أموركم. ﴿أَفَلاَ تَتَذَكَّرُونَ﴾ أي: تتذكرون هذه الموعظة فتعلموا أنه لا معبود لكم غيره فتفردوا له العبادة وتخلصوا له العمل. (في) ستة أيام تمام عند نافع، وعلى العرش أتم منه. ثم قال تعالى [ذكره]: ﴿يُدَبِّرُ ٱلأَمْرَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ إِلَى ٱلأَرْضِ﴾. أي: هو يدبر الأمر من السماء إلى الأرض. * * ﴿ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾. قال مجاهد: يعني نزول الأمر من السماء إلى الأرض ومن الأرض إلى السماء في يوم واحد، وذلك اليوم مقداره ألف سنة لأن ما بين السماء إلى الأرض مسيرة خمس مائة عام. وهو معنى قول قتادة والضحاك وعكرمة، وقاله ابن عباس. وهو اختيار الطبري. وقال ابن عباس: إن المعنى أن هذا اليوم من الأيام الستة التي خلق الله فيها السماوات والأرض وما بينهما كألف سنة من سني الدنيا. وعن ابن عباس: أن المعنى ثم تعرج إليه الملائكة بالأمر في يوم مقدار ذلك اليوم ألف سنة من سني الدنيا. وعن مجاهد: أن المعنى: كان مقدار ذلك التدبير ألف سنة من أيام الدنيا. وقيل: التقدير: كان مقدار ذلك العروج ألف سنة من أيام الدنيا. وقيل: المعنى: يدبر الله أمر الدنيا وما حدث فيها مما يجازي عليه الناس وغيرهم من أهل السماء إلى أن تقوم الساعة ويبعث الناس إلى الحساب، ثم يعرج إليه ذلك الأمر فيحكم فيه في يوم كان مقداره ألف سنة، وهو يوم القيامة. وقيل: معناه يدبر الشمس في طلوعها من المشرق وغروبها في المغرب ومدارها في العالم من السماء إلى الأرض لأنها على أهل الأرض تطلع، وفوق الأرض تطلع إلى أن تغرب وترجع إلى موضعها من الطلوع في يوم [كان] مقداره في المسافة ألف سنة. والهاء في يَعْرُجُ إليه: قيل تعود على السماء لأنها تذكر. وقيل: تعود على الله جل ذكره. فأما قوله في "المعارج". ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [المعارج: ٤]. فمعناه على قول ابن عباس: أنه يوم القيامة يراد [به] قال: جعله الله على الكفار مقدار خمسين ألف سنة . وقال وهب بن منبه: [ما] بين أسفل الأرض إلى العرش مقدار خمسين ألف سنة من أيام الدنيا. وقيل عنه: الدنيا من أولها إلى آخرها خمسون ألف سنة لا يدري أحدكم [كم] مضى منها ولا كم بقي. وقيل: يوم القيامة أيام، فمنه ما مقداره ألف سنة، ومنه ما مقداره خمسون ألف سنة. واليوم في اللغة بمعنى الوقت. فالمعنى تعرج الملائكة والروح إليه [في وقت مقداره ألف سنة و] في وقت آخر مقداره خمسون ألف سنة. "إلى الأرض" تمام عند الأخفش. * * ثم قال تعالى: ﴿ذٰلِكَ عَالِمُ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَادَةِ﴾. أي: الذي تقدمت صفته في قدرته وسلطانه هو علم الظاهر والباطن والسر والجهر، وهو الله (الذي) لا إله إلا هو. ﴿ٱلْعَزِيزُ﴾ أي: الشديد في انتقامه ممن كفر به، ﴿ٱلرَّحِيمُ﴾ بمن تاب من كفره. * * ثم قال تعالى: ﴿ٱلَّذِيۤ أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾. أي: وهو الذي أعطى كل شيء خلقه، الإنسان للإنسان، والفرس للفرس، فقرن كل جنس بشكله. قاله مجاهد. "وأحسن" على هذا القول بمعنى أعلم، تقول [العرب] فلان يحسن كذا إذا كان يعلمه. هذا على قراءة من أسكن اللام من "خلقه" فيكون "خلقه" مفعولاً به. ويجوز عند سيبويه أن ينتصب على المصدر المؤكد. مثل ﴿صُنْعَ ٱللَّهِ ٱلَّذِيۤ أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ٨٨] وقيل: هو منصوب، على التفسير، كقولك: زيد أوسعكم داراً، والتقدير: أحسن كل شيء خلقاً. وقيل: أحسن على هذه القراءة بمعنى أعلم وألهم. فيكون خلقه مفعولاً به. وهو القول الذي ذكرنا عن مجاهد أولاً. ومن فتح اللام جعله فعلاً ماضياً. والمعنى الذي أتقن كل شيء خلقه وأحكمه. والهاء في موضع نصب، والفعل في موضع خفض على النعت لشيء. فالمعنى على قول ابن عباس: الذي أحكم كل شيء خلقه. أي: جاء به على ما أراد لم يتغير عن إرادته. وروي عنه أنه كان يقرأ بفتح اللام، ويقول: أما إن أَسْتَ القرد ليست بحسنة ولكنه أحكمها. وعن مجاهد في الفتح: أحسن بكل شيء خلقه. وعن ابن عباس: في معنى الإسكان أحسن كل شيء في خلقه، أي: جعل كل شيء في خلقه حسناً. وأجاز الزجاج "خَلقُه" بالرفع على معنى: ذلك، خلقه، ولم يقرأ به أحد. * * ثم قال تعالى: ﴿وَبَدَأَ خَلْقَ ٱلإِنْسَانِ مِن طِينٍ﴾ يعني: آدم ﷺ. ﴿ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلاَلَةٍ مِّن مَّآءٍ مَّهِينٍ﴾ أي: جعل ذريته من سلالة، والسلالة ما ينسل من الشيء. فالمعنى جعل ذريته من الماء الذي ينسل منه ومعنى ﴿مَّهِينٍ﴾ حقير ضعيف. * * ثم قال تعالى: ﴿ثُمَّ سَوَّاهُ﴾ يعني آدم، أي سوَّى خلقه معتدلاً سوياً. ﴿وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِ﴾ أي: من روحه الذي يحيى به [الموتى] فصار حياً ناطقاً. ثم قال [تعالى]: ﴿وَجَعَلَ لَكُمُ ٱلسَّمْعَ وَٱلأَبْصَارَ وَٱلأَفْئِدَةَ﴾ أي أنعم عليكم بسمعكم وأبصاركم وقلوبكم تنتفعون بها وتسمعون وتبصرون وتفهمون. ووحد السمع لأنه مصدر. ثم قال [تعالى]: ﴿قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ﴾ أي: أنعم عليكم بهذه النعم، وشكركم قليل عليها. ثم قال [تعالى]: ﴿وَقَالُوۤاْ أَءِذَا ضَلَلْنَا فِي ٱلأَرْضِ﴾ أي: وقال المشركون: أئذا صارت لحومنا وعظامنا تراباً في الأرض أَنُبْعَثُ؟ إنكاراً للبعث. وقال مجاهد: "ضللنا": هلكنا، لأن كل شيء غلب عليه غيره حتى تلف وخفي فقد هلك. وقرأ أبو رجاء وطلحة: "ضلِلْنا" بكسر اللام، وهي لغة شاذة. وقرأ الحسن: "صَلَلْنا" بالصاد غير معجمة وفتح اللام. وروي عنه بكسر اللام. والمعنى أنتنا، وكسر اللام شاذ، يقال صلَّ اللحم وأصَلَّ إذا أَنْتَنَ وَتَغَيَّر، وكذلك. خَمَّ وَأَخَمَّ. ثم قال الله تعالى ﴿بَلْ هُم بِلَقَآءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ﴾ أي: جاحدون للبعث بعد الموت والرجوع إلى الله (جلّ وعزَّ).

السجدة 32:3

قوله تعالى ذكره: ﴿الۤـمۤ * تَنزِيلُ ٱلْكِتَابِ﴾ إلى قوله: ﴿بَلْ هُم بِلَقَآءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ﴾. من رواية أبن وهب: أن النبي ﷺ قال: "مَنْ قَرَأَ آلم تَنْزِيلُ السَّجْدَةِ، وَتَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ المُلْكُ فَكَأَنَّمَا وَافَقَ لَيْلَةَ القَدْرِ وعنه أنه قال: "آلم تنْزِيلُ السَّجْدَةِ وَتَبَارَكَ يَفْضُلانِ عَلَى السُّوَرِ بِسِتِّينَ حَسَنَة وقال جابر بن عبد الله: "مَا كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يَنَامُ حَتَّى يَقْرَأ آلم تَنْزِيلُ السَّجْدَةِ وَتَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ المُلْكِ". قد تقدم ذكر ﴿الۤـمۤ﴾. * * وقوله: ﴿تَنزِيلُ﴾ رُفِعَ بالابتداء، و ﴿لاَ رَيْبَ فِيهِ﴾ الخبر. ويجوز أن يكون خبر الابتداء محذوف، أي: هذا المتلو تنزيل الكتاب. ويجوز أن يكون [التقدير]: هذه الحروف تنزيل الكتاب، و ﴿الۤـمۤ﴾ بدل من الحروف دالة عليها فهي موضع الابتداء، و ﴿تَنزِيلُ﴾ الخبر. ويجوز: "تنزيل" بالنصب على المصدر. والمعنى: تنزيل الكتاب المنزل على محمد لا شك فيه أنه من رب العالمين، وليس بسحر ولا سجع ولا كهانة ولا كذب. وهذا تكذيب لمن قال ذلك في القرآن من المشركين. * * ثم قال: ﴿أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَاهُ﴾. قال أبو عبيدة: معناه: بل يقولون. وهو خروج من حديث إلى حديث. وقال الزجاج: التقدير: أيقولون. والتقدير عند الطبري: أيقولون، يعني المشركين أيقولون اختلق محمد ﷺ هذا القرآن من قبل نفسه، وأم عنده تقرير كالألف. ثم أكذبهم الله في قولهم فقال: ﴿بَلْ هُوَ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ﴾ أي: هو الصدق من عند ربك أنزله عليك، لتنذر قوماً بأس الله أن يحل بهم على كفرهم لم يأتهم نذير من قبلك. * * ﴿لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾ أي: يهتدون إلى طريق النجاة من عذاب الله. أجاز بعض النحويين الوقف على ﴿رَّبِّكَ﴾، على أن تكون اللام متعلقة بفعل محذوف، والتقدير: وأنزله عليك لتندر. وأجاز أبو حاتم الوقف على ﴿ٱفْتَرَاهُ﴾. ثم قال تعالى ذكره: ﴿ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ الآية. أي: المعبود الذي لا تصلح العبادة إلا له هو الله الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام، ثم استوى على العرش في اليوم السابع، قاله قتادة. ثم قال [تعالى]: ﴿مَا لَكُمْ مِّن دُونِهِ مِن وَلِيٍّ﴾. [أي]: يلي أمركم [فينصركم] منه إذا أراد بكم ضراً، ﴿وَلاَ شَفِيعٍ﴾ أي: يشفع لكم إن عاقبكم على كفركم، فاتخذوه أيها الناس ولياً واستعينوا بطاعته على أموركم. ﴿أَفَلاَ تَتَذَكَّرُونَ﴾ أي: تتذكرون هذه الموعظة فتعلموا أنه لا معبود لكم غيره فتفردوا له العبادة وتخلصوا له العمل. (في) ستة أيام تمام عند نافع، وعلى العرش أتم منه. ثم قال تعالى [ذكره]: ﴿يُدَبِّرُ ٱلأَمْرَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ إِلَى ٱلأَرْضِ﴾. أي: هو يدبر الأمر من السماء إلى الأرض. * * ﴿ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾. قال مجاهد: يعني نزول الأمر من السماء إلى الأرض ومن الأرض إلى السماء في يوم واحد، وذلك اليوم مقداره ألف سنة لأن ما بين السماء إلى الأرض مسيرة خمس مائة عام. وهو معنى قول قتادة والضحاك وعكرمة، وقاله ابن عباس. وهو اختيار الطبري. وقال ابن عباس: إن المعنى أن هذا اليوم من الأيام الستة التي خلق الله فيها السماوات والأرض وما بينهما كألف سنة من سني الدنيا. وعن ابن عباس: أن المعنى ثم تعرج إليه الملائكة بالأمر في يوم مقدار ذلك اليوم ألف سنة من سني الدنيا. وعن مجاهد: أن المعنى: كان مقدار ذلك التدبير ألف سنة من أيام الدنيا. وقيل: التقدير: كان مقدار ذلك العروج ألف سنة من أيام الدنيا. وقيل: المعنى: يدبر الله أمر الدنيا وما حدث فيها مما يجازي عليه الناس وغيرهم من أهل السماء إلى أن تقوم الساعة ويبعث الناس إلى الحساب، ثم يعرج إليه ذلك الأمر فيحكم فيه في يوم كان مقداره ألف سنة، وهو يوم القيامة. وقيل: معناه يدبر الشمس في طلوعها من المشرق وغروبها في المغرب ومدارها في العالم من السماء إلى الأرض لأنها على أهل الأرض تطلع، وفوق الأرض تطلع إلى أن تغرب وترجع إلى موضعها من الطلوع في يوم [كان] مقداره في المسافة ألف سنة. والهاء في يَعْرُجُ إليه: قيل تعود على السماء لأنها تذكر. وقيل: تعود على الله جل ذكره. فأما قوله في "المعارج". ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [المعارج: ٤]. فمعناه على قول ابن عباس: أنه يوم القيامة يراد [به] قال: جعله الله على الكفار مقدار خمسين ألف سنة . وقال وهب بن منبه: [ما] بين أسفل الأرض إلى العرش مقدار خمسين ألف سنة من أيام الدنيا. وقيل عنه: الدنيا من أولها إلى آخرها خمسون ألف سنة لا يدري أحدكم [كم] مضى منها ولا كم بقي. وقيل: يوم القيامة أيام، فمنه ما مقداره ألف سنة، ومنه ما مقداره خمسون ألف سنة. واليوم في اللغة بمعنى الوقت. فالمعنى تعرج الملائكة والروح إليه [في وقت مقداره ألف سنة و] في وقت آخر مقداره خمسون ألف سنة. "إلى الأرض" تمام عند الأخفش. * * ثم قال تعالى: ﴿ذٰلِكَ عَالِمُ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَادَةِ﴾. أي: الذي تقدمت صفته في قدرته وسلطانه هو علم الظاهر والباطن والسر والجهر، وهو الله (الذي) لا إله إلا هو. ﴿ٱلْعَزِيزُ﴾ أي: الشديد في انتقامه ممن كفر به، ﴿ٱلرَّحِيمُ﴾ بمن تاب من كفره. * * ثم قال تعالى: ﴿ٱلَّذِيۤ أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾. أي: وهو الذي أعطى كل شيء خلقه، الإنسان للإنسان، والفرس للفرس، فقرن كل جنس بشكله. قاله مجاهد. "وأحسن" على هذا القول بمعنى أعلم، تقول [العرب] فلان يحسن كذا إذا كان يعلمه. هذا على قراءة من أسكن اللام من "خلقه" فيكون "خلقه" مفعولاً به. ويجوز عند سيبويه أن ينتصب على المصدر المؤكد. مثل ﴿صُنْعَ ٱللَّهِ ٱلَّذِيۤ أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ٨٨] وقيل: هو منصوب، على التفسير، كقولك: زيد أوسعكم داراً، والتقدير: أحسن كل شيء خلقاً. وقيل: أحسن على هذه القراءة بمعنى أعلم وألهم. فيكون خلقه مفعولاً به. وهو القول الذي ذكرنا عن مجاهد أولاً. ومن فتح اللام جعله فعلاً ماضياً. والمعنى الذي أتقن كل شيء خلقه وأحكمه. والهاء في موضع نصب، والفعل في موضع خفض على النعت لشيء. فالمعنى على قول ابن عباس: الذي أحكم كل شيء خلقه. أي: جاء به على ما أراد لم يتغير عن إرادته. وروي عنه أنه كان يقرأ بفتح اللام، ويقول: أما إن أَسْتَ القرد ليست بحسنة ولكنه أحكمها. وعن مجاهد في الفتح: أحسن بكل شيء خلقه. وعن ابن عباس: في معنى الإسكان أحسن كل شيء في خلقه، أي: جعل كل شيء في خلقه حسناً. وأجاز الزجاج "خَلقُه" بالرفع على معنى: ذلك، خلقه، ولم يقرأ به أحد. * * ثم قال تعالى: ﴿وَبَدَأَ خَلْقَ ٱلإِنْسَانِ مِن طِينٍ﴾ يعني: آدم ﷺ. ﴿ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلاَلَةٍ مِّن مَّآءٍ مَّهِينٍ﴾ أي: جعل ذريته من سلالة، والسلالة ما ينسل من الشيء. فالمعنى جعل ذريته من الماء الذي ينسل منه ومعنى ﴿مَّهِينٍ﴾ حقير ضعيف. * * ثم قال تعالى: ﴿ثُمَّ سَوَّاهُ﴾ يعني آدم، أي سوَّى خلقه معتدلاً سوياً. ﴿وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِ﴾ أي: من روحه الذي يحيى به [الموتى] فصار حياً ناطقاً. ثم قال [تعالى]: ﴿وَجَعَلَ لَكُمُ ٱلسَّمْعَ وَٱلأَبْصَارَ وَٱلأَفْئِدَةَ﴾ أي أنعم عليكم بسمعكم وأبصاركم وقلوبكم تنتفعون بها وتسمعون وتبصرون وتفهمون. ووحد السمع لأنه مصدر. ثم قال [تعالى]: ﴿قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ﴾ أي: أنعم عليكم بهذه النعم، وشكركم قليل عليها. ثم قال [تعالى]: ﴿وَقَالُوۤاْ أَءِذَا ضَلَلْنَا فِي ٱلأَرْضِ﴾ أي: وقال المشركون: أئذا صارت لحومنا وعظامنا تراباً في الأرض أَنُبْعَثُ؟ إنكاراً للبعث. وقال مجاهد: "ضللنا": هلكنا، لأن كل شيء غلب عليه غيره حتى تلف وخفي فقد هلك. وقرأ أبو رجاء وطلحة: "ضلِلْنا" بكسر اللام، وهي لغة شاذة. وقرأ الحسن: "صَلَلْنا" بالصاد غير معجمة وفتح اللام. وروي عنه بكسر اللام. والمعنى أنتنا، وكسر اللام شاذ، يقال صلَّ اللحم وأصَلَّ إذا أَنْتَنَ وَتَغَيَّر، وكذلك. خَمَّ وَأَخَمَّ. ثم قال الله تعالى ﴿بَلْ هُم بِلَقَآءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ﴾ أي: جاحدون للبعث بعد الموت والرجوع إلى الله (جلّ وعزَّ).

السجدة 32:4

قوله تعالى ذكره: ﴿الۤـمۤ * تَنزِيلُ ٱلْكِتَابِ﴾ إلى قوله: ﴿بَلْ هُم بِلَقَآءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ﴾. من رواية أبن وهب: أن النبي ﷺ قال: "مَنْ قَرَأَ آلم تَنْزِيلُ السَّجْدَةِ، وَتَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ المُلْكُ فَكَأَنَّمَا وَافَقَ لَيْلَةَ القَدْرِ وعنه أنه قال: "آلم تنْزِيلُ السَّجْدَةِ وَتَبَارَكَ يَفْضُلانِ عَلَى السُّوَرِ بِسِتِّينَ حَسَنَة وقال جابر بن عبد الله: "مَا كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يَنَامُ حَتَّى يَقْرَأ آلم تَنْزِيلُ السَّجْدَةِ وَتَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ المُلْكِ". قد تقدم ذكر ﴿الۤـمۤ﴾. * * وقوله: ﴿تَنزِيلُ﴾ رُفِعَ بالابتداء، و ﴿لاَ رَيْبَ فِيهِ﴾ الخبر. ويجوز أن يكون خبر الابتداء محذوف، أي: هذا المتلو تنزيل الكتاب. ويجوز أن يكون [التقدير]: هذه الحروف تنزيل الكتاب، و ﴿الۤـمۤ﴾ بدل من الحروف دالة عليها فهي موضع الابتداء، و ﴿تَنزِيلُ﴾ الخبر. ويجوز: "تنزيل" بالنصب على المصدر. والمعنى: تنزيل الكتاب المنزل على محمد لا شك فيه أنه من رب العالمين، وليس بسحر ولا سجع ولا كهانة ولا كذب. وهذا تكذيب لمن قال ذلك في القرآن من المشركين. * * ثم قال: ﴿أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَاهُ﴾. قال أبو عبيدة: معناه: بل يقولون. وهو خروج من حديث إلى حديث. وقال الزجاج: التقدير: أيقولون. والتقدير عند الطبري: أيقولون، يعني المشركين أيقولون اختلق محمد ﷺ هذا القرآن من قبل نفسه، وأم عنده تقرير كالألف. ثم أكذبهم الله في قولهم فقال: ﴿بَلْ هُوَ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ﴾ أي: هو الصدق من عند ربك أنزله عليك، لتنذر قوماً بأس الله أن يحل بهم على كفرهم لم يأتهم نذير من قبلك. * * ﴿لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾ أي: يهتدون إلى طريق النجاة من عذاب الله. أجاز بعض النحويين الوقف على ﴿رَّبِّكَ﴾، على أن تكون اللام متعلقة بفعل محذوف، والتقدير: وأنزله عليك لتندر. وأجاز أبو حاتم الوقف على ﴿ٱفْتَرَاهُ﴾. ثم قال تعالى ذكره: ﴿ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ الآية. أي: المعبود الذي لا تصلح العبادة إلا له هو الله الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام، ثم استوى على العرش في اليوم السابع، قاله قتادة. ثم قال [تعالى]: ﴿مَا لَكُمْ مِّن دُونِهِ مِن وَلِيٍّ﴾. [أي]: يلي أمركم [فينصركم] منه إذا أراد بكم ضراً، ﴿وَلاَ شَفِيعٍ﴾ أي: يشفع لكم إن عاقبكم على كفركم، فاتخذوه أيها الناس ولياً واستعينوا بطاعته على أموركم. ﴿أَفَلاَ تَتَذَكَّرُونَ﴾ أي: تتذكرون هذه الموعظة فتعلموا أنه لا معبود لكم غيره فتفردوا له العبادة وتخلصوا له العمل. (في) ستة أيام تمام عند نافع، وعلى العرش أتم منه. ثم قال تعالى [ذكره]: ﴿يُدَبِّرُ ٱلأَمْرَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ إِلَى ٱلأَرْضِ﴾. أي: هو يدبر الأمر من السماء إلى الأرض. * * ﴿ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾. قال مجاهد: يعني نزول الأمر من السماء إلى الأرض ومن الأرض إلى السماء في يوم واحد، وذلك اليوم مقداره ألف سنة لأن ما بين السماء إلى الأرض مسيرة خمس مائة عام. وهو معنى قول قتادة والضحاك وعكرمة، وقاله ابن عباس. وهو اختيار الطبري. وقال ابن عباس: إن المعنى أن هذا اليوم من الأيام الستة التي خلق الله فيها السماوات والأرض وما بينهما كألف سنة من سني الدنيا. وعن ابن عباس: أن المعنى ثم تعرج إليه الملائكة بالأمر في يوم مقدار ذلك اليوم ألف سنة من سني الدنيا. وعن مجاهد: أن المعنى: كان مقدار ذلك التدبير ألف سنة من أيام الدنيا. وقيل: التقدير: كان مقدار ذلك العروج ألف سنة من أيام الدنيا. وقيل: المعنى: يدبر الله أمر الدنيا وما حدث فيها مما يجازي عليه الناس وغيرهم من أهل السماء إلى أن تقوم الساعة ويبعث الناس إلى الحساب، ثم يعرج إليه ذلك الأمر فيحكم فيه في يوم كان مقداره ألف سنة، وهو يوم القيامة. وقيل: معناه يدبر الشمس في طلوعها من المشرق وغروبها في المغرب ومدارها في العالم من السماء إلى الأرض لأنها على أهل الأرض تطلع، وفوق الأرض تطلع إلى أن تغرب وترجع إلى موضعها من الطلوع في يوم [كان] مقداره في المسافة ألف سنة. والهاء في يَعْرُجُ إليه: قيل تعود على السماء لأنها تذكر. وقيل: تعود على الله جل ذكره. فأما قوله في "المعارج". ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [المعارج: ٤]. فمعناه على قول ابن عباس: أنه يوم القيامة يراد [به] قال: جعله الله على الكفار مقدار خمسين ألف سنة . وقال وهب بن منبه: [ما] بين أسفل الأرض إلى العرش مقدار خمسين ألف سنة من أيام الدنيا. وقيل عنه: الدنيا من أولها إلى آخرها خمسون ألف سنة لا يدري أحدكم [كم] مضى منها ولا كم بقي. وقيل: يوم القيامة أيام، فمنه ما مقداره ألف سنة، ومنه ما مقداره خمسون ألف سنة. واليوم في اللغة بمعنى الوقت. فالمعنى تعرج الملائكة والروح إليه [في وقت مقداره ألف سنة و] في وقت آخر مقداره خمسون ألف سنة. "إلى الأرض" تمام عند الأخفش. * * ثم قال تعالى: ﴿ذٰلِكَ عَالِمُ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَادَةِ﴾. أي: الذي تقدمت صفته في قدرته وسلطانه هو علم الظاهر والباطن والسر والجهر، وهو الله (الذي) لا إله إلا هو. ﴿ٱلْعَزِيزُ﴾ أي: الشديد في انتقامه ممن كفر به، ﴿ٱلرَّحِيمُ﴾ بمن تاب من كفره. * * ثم قال تعالى: ﴿ٱلَّذِيۤ أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾. أي: وهو الذي أعطى كل شيء خلقه، الإنسان للإنسان، والفرس للفرس، فقرن كل جنس بشكله. قاله مجاهد. "وأحسن" على هذا القول بمعنى أعلم، تقول [العرب] فلان يحسن كذا إذا كان يعلمه. هذا على قراءة من أسكن اللام من "خلقه" فيكون "خلقه" مفعولاً به. ويجوز عند سيبويه أن ينتصب على المصدر المؤكد. مثل ﴿صُنْعَ ٱللَّهِ ٱلَّذِيۤ أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ٨٨] وقيل: هو منصوب، على التفسير، كقولك: زيد أوسعكم داراً، والتقدير: أحسن كل شيء خلقاً. وقيل: أحسن على هذه القراءة بمعنى أعلم وألهم. فيكون خلقه مفعولاً به. وهو القول الذي ذكرنا عن مجاهد أولاً. ومن فتح اللام جعله فعلاً ماضياً. والمعنى الذي أتقن كل شيء خلقه وأحكمه. والهاء في موضع نصب، والفعل في موضع خفض على النعت لشيء. فالمعنى على قول ابن عباس: الذي أحكم كل شيء خلقه. أي: جاء به على ما أراد لم يتغير عن إرادته. وروي عنه أنه كان يقرأ بفتح اللام، ويقول: أما إن أَسْتَ القرد ليست بحسنة ولكنه أحكمها. وعن مجاهد في الفتح: أحسن بكل شيء خلقه. وعن ابن عباس: في معنى الإسكان أحسن كل شيء في خلقه، أي: جعل كل شيء في خلقه حسناً. وأجاز الزجاج "خَلقُه" بالرفع على معنى: ذلك، خلقه، ولم يقرأ به أحد. * * ثم قال تعالى: ﴿وَبَدَأَ خَلْقَ ٱلإِنْسَانِ مِن طِينٍ﴾ يعني: آدم ﷺ. ﴿ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلاَلَةٍ مِّن مَّآءٍ مَّهِينٍ﴾ أي: جعل ذريته من سلالة، والسلالة ما ينسل من الشيء. فالمعنى جعل ذريته من الماء الذي ينسل منه ومعنى ﴿مَّهِينٍ﴾ حقير ضعيف. * * ثم قال تعالى: ﴿ثُمَّ سَوَّاهُ﴾ يعني آدم، أي سوَّى خلقه معتدلاً سوياً. ﴿وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِ﴾ أي: من روحه الذي يحيى به [الموتى] فصار حياً ناطقاً. ثم قال [تعالى]: ﴿وَجَعَلَ لَكُمُ ٱلسَّمْعَ وَٱلأَبْصَارَ وَٱلأَفْئِدَةَ﴾ أي أنعم عليكم بسمعكم وأبصاركم وقلوبكم تنتفعون بها وتسمعون وتبصرون وتفهمون. ووحد السمع لأنه مصدر. ثم قال [تعالى]: ﴿قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ﴾ أي: أنعم عليكم بهذه النعم، وشكركم قليل عليها. ثم قال [تعالى]: ﴿وَقَالُوۤاْ أَءِذَا ضَلَلْنَا فِي ٱلأَرْضِ﴾ أي: وقال المشركون: أئذا صارت لحومنا وعظامنا تراباً في الأرض أَنُبْعَثُ؟ إنكاراً للبعث. وقال مجاهد: "ضللنا": هلكنا، لأن كل شيء غلب عليه غيره حتى تلف وخفي فقد هلك. وقرأ أبو رجاء وطلحة: "ضلِلْنا" بكسر اللام، وهي لغة شاذة. وقرأ الحسن: "صَلَلْنا" بالصاد غير معجمة وفتح اللام. وروي عنه بكسر اللام. والمعنى أنتنا، وكسر اللام شاذ، يقال صلَّ اللحم وأصَلَّ إذا أَنْتَنَ وَتَغَيَّر، وكذلك. خَمَّ وَأَخَمَّ. ثم قال الله تعالى ﴿بَلْ هُم بِلَقَآءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ﴾ أي: جاحدون للبعث بعد الموت والرجوع إلى الله (جلّ وعزَّ).

السجدة 32:5

قوله تعالى ذكره: ﴿الۤـمۤ * تَنزِيلُ ٱلْكِتَابِ﴾ إلى قوله: ﴿بَلْ هُم بِلَقَآءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ﴾. من رواية أبن وهب: أن النبي ﷺ قال: "مَنْ قَرَأَ آلم تَنْزِيلُ السَّجْدَةِ، وَتَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ المُلْكُ فَكَأَنَّمَا وَافَقَ لَيْلَةَ القَدْرِ وعنه أنه قال: "آلم تنْزِيلُ السَّجْدَةِ وَتَبَارَكَ يَفْضُلانِ عَلَى السُّوَرِ بِسِتِّينَ حَسَنَة وقال جابر بن عبد الله: "مَا كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يَنَامُ حَتَّى يَقْرَأ آلم تَنْزِيلُ السَّجْدَةِ وَتَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ المُلْكِ". قد تقدم ذكر ﴿الۤـمۤ﴾. * * وقوله: ﴿تَنزِيلُ﴾ رُفِعَ بالابتداء، و ﴿لاَ رَيْبَ فِيهِ﴾ الخبر. ويجوز أن يكون خبر الابتداء محذوف، أي: هذا المتلو تنزيل الكتاب. ويجوز أن يكون [التقدير]: هذه الحروف تنزيل الكتاب، و ﴿الۤـمۤ﴾ بدل من الحروف دالة عليها فهي موضع الابتداء، و ﴿تَنزِيلُ﴾ الخبر. ويجوز: "تنزيل" بالنصب على المصدر. والمعنى: تنزيل الكتاب المنزل على محمد لا شك فيه أنه من رب العالمين، وليس بسحر ولا سجع ولا كهانة ولا كذب. وهذا تكذيب لمن قال ذلك في القرآن من المشركين. * * ثم قال: ﴿أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَاهُ﴾. قال أبو عبيدة: معناه: بل يقولون. وهو خروج من حديث إلى حديث. وقال الزجاج: التقدير: أيقولون. والتقدير عند الطبري: أيقولون، يعني المشركين أيقولون اختلق محمد ﷺ هذا القرآن من قبل نفسه، وأم عنده تقرير كالألف. ثم أكذبهم الله في قولهم فقال: ﴿بَلْ هُوَ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ﴾ أي: هو الصدق من عند ربك أنزله عليك، لتنذر قوماً بأس الله أن يحل بهم على كفرهم لم يأتهم نذير من قبلك. * * ﴿لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾ أي: يهتدون إلى طريق النجاة من عذاب الله. أجاز بعض النحويين الوقف على ﴿رَّبِّكَ﴾، على أن تكون اللام متعلقة بفعل محذوف، والتقدير: وأنزله عليك لتندر. وأجاز أبو حاتم الوقف على ﴿ٱفْتَرَاهُ﴾. ثم قال تعالى ذكره: ﴿ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ الآية. أي: المعبود الذي لا تصلح العبادة إلا له هو الله الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام، ثم استوى على العرش في اليوم السابع، قاله قتادة. ثم قال [تعالى]: ﴿مَا لَكُمْ مِّن دُونِهِ مِن وَلِيٍّ﴾. [أي]: يلي أمركم [فينصركم] منه إذا أراد بكم ضراً، ﴿وَلاَ شَفِيعٍ﴾ أي: يشفع لكم إن عاقبكم على كفركم، فاتخذوه أيها الناس ولياً واستعينوا بطاعته على أموركم. ﴿أَفَلاَ تَتَذَكَّرُونَ﴾ أي: تتذكرون هذه الموعظة فتعلموا أنه لا معبود لكم غيره فتفردوا له العبادة وتخلصوا له العمل. (في) ستة أيام تمام عند نافع، وعلى العرش أتم منه. ثم قال تعالى [ذكره]: ﴿يُدَبِّرُ ٱلأَمْرَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ إِلَى ٱلأَرْضِ﴾. أي: هو يدبر الأمر من السماء إلى الأرض. * * ﴿ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾. قال مجاهد: يعني نزول الأمر من السماء إلى الأرض ومن الأرض إلى السماء في يوم واحد، وذلك اليوم مقداره ألف سنة لأن ما بين السماء إلى الأرض مسيرة خمس مائة عام. وهو معنى قول قتادة والضحاك وعكرمة، وقاله ابن عباس. وهو اختيار الطبري. وقال ابن عباس: إن المعنى أن هذا اليوم من الأيام الستة التي خلق الله فيها السماوات والأرض وما بينهما كألف سنة من سني الدنيا. وعن ابن عباس: أن المعنى ثم تعرج إليه الملائكة بالأمر في يوم مقدار ذلك اليوم ألف سنة من سني الدنيا. وعن مجاهد: أن المعنى: كان مقدار ذلك التدبير ألف سنة من أيام الدنيا. وقيل: التقدير: كان مقدار ذلك العروج ألف سنة من أيام الدنيا. وقيل: المعنى: يدبر الله أمر الدنيا وما حدث فيها مما يجازي عليه الناس وغيرهم من أهل السماء إلى أن تقوم الساعة ويبعث الناس إلى الحساب، ثم يعرج إليه ذلك الأمر فيحكم فيه في يوم كان مقداره ألف سنة، وهو يوم القيامة. وقيل: معناه يدبر الشمس في طلوعها من المشرق وغروبها في المغرب ومدارها في العالم من السماء إلى الأرض لأنها على أهل الأرض تطلع، وفوق الأرض تطلع إلى أن تغرب وترجع إلى موضعها من الطلوع في يوم [كان] مقداره في المسافة ألف سنة. والهاء في يَعْرُجُ إليه: قيل تعود على السماء لأنها تذكر. وقيل: تعود على الله جل ذكره. فأما قوله في "المعارج". ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [المعارج: ٤]. فمعناه على قول ابن عباس: أنه يوم القيامة يراد [به] قال: جعله الله على الكفار مقدار خمسين ألف سنة . وقال وهب بن منبه: [ما] بين أسفل الأرض إلى العرش مقدار خمسين ألف سنة من أيام الدنيا. وقيل عنه: الدنيا من أولها إلى آخرها خمسون ألف سنة لا يدري أحدكم [كم] مضى منها ولا كم بقي. وقيل: يوم القيامة أيام، فمنه ما مقداره ألف سنة، ومنه ما مقداره خمسون ألف سنة. واليوم في اللغة بمعنى الوقت. فالمعنى تعرج الملائكة والروح إليه [في وقت مقداره ألف سنة و] في وقت آخر مقداره خمسون ألف سنة. "إلى الأرض" تمام عند الأخفش. * * ثم قال تعالى: ﴿ذٰلِكَ عَالِمُ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَادَةِ﴾. أي: الذي تقدمت صفته في قدرته وسلطانه هو علم الظاهر والباطن والسر والجهر، وهو الله (الذي) لا إله إلا هو. ﴿ٱلْعَزِيزُ﴾ أي: الشديد في انتقامه ممن كفر به، ﴿ٱلرَّحِيمُ﴾ بمن تاب من كفره. * * ثم قال تعالى: ﴿ٱلَّذِيۤ أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾. أي: وهو الذي أعطى كل شيء خلقه، الإنسان للإنسان، والفرس للفرس، فقرن كل جنس بشكله. قاله مجاهد. "وأحسن" على هذا القول بمعنى أعلم، تقول [العرب] فلان يحسن كذا إذا كان يعلمه. هذا على قراءة من أسكن اللام من "خلقه" فيكون "خلقه" مفعولاً به. ويجوز عند سيبويه أن ينتصب على المصدر المؤكد. مثل ﴿صُنْعَ ٱللَّهِ ٱلَّذِيۤ أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ٨٨] وقيل: هو منصوب، على التفسير، كقولك: زيد أوسعكم داراً، والتقدير: أحسن كل شيء خلقاً. وقيل: أحسن على هذه القراءة بمعنى أعلم وألهم. فيكون خلقه مفعولاً به. وهو القول الذي ذكرنا عن مجاهد أولاً. ومن فتح اللام جعله فعلاً ماضياً. والمعنى الذي أتقن كل شيء خلقه وأحكمه. والهاء في موضع نصب، والفعل في موضع خفض على النعت لشيء. فالمعنى على قول ابن عباس: الذي أحكم كل شيء خلقه. أي: جاء به على ما أراد لم يتغير عن إرادته. وروي عنه أنه كان يقرأ بفتح اللام، ويقول: أما إن أَسْتَ القرد ليست بحسنة ولكنه أحكمها. وعن مجاهد في الفتح: أحسن بكل شيء خلقه. وعن ابن عباس: في معنى الإسكان أحسن كل شيء في خلقه، أي: جعل كل شيء في خلقه حسناً. وأجاز الزجاج "خَلقُه" بالرفع على معنى: ذلك، خلقه، ولم يقرأ به أحد. * * ثم قال تعالى: ﴿وَبَدَأَ خَلْقَ ٱلإِنْسَانِ مِن طِينٍ﴾ يعني: آدم ﷺ. ﴿ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلاَلَةٍ مِّن مَّآءٍ مَّهِينٍ﴾ أي: جعل ذريته من سلالة، والسلالة ما ينسل من الشيء. فالمعنى جعل ذريته من الماء الذي ينسل منه ومعنى ﴿مَّهِينٍ﴾ حقير ضعيف. * * ثم قال تعالى: ﴿ثُمَّ سَوَّاهُ﴾ يعني آدم، أي سوَّى خلقه معتدلاً سوياً. ﴿وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِ﴾ أي: من روحه الذي يحيى به [الموتى] فصار حياً ناطقاً. ثم قال [تعالى]: ﴿وَجَعَلَ لَكُمُ ٱلسَّمْعَ وَٱلأَبْصَارَ وَٱلأَفْئِدَةَ﴾ أي أنعم عليكم بسمعكم وأبصاركم وقلوبكم تنتفعون بها وتسمعون وتبصرون وتفهمون. ووحد السمع لأنه مصدر. ثم قال [تعالى]: ﴿قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ﴾ أي: أنعم عليكم بهذه النعم، وشكركم قليل عليها. ثم قال [تعالى]: ﴿وَقَالُوۤاْ أَءِذَا ضَلَلْنَا فِي ٱلأَرْضِ﴾ أي: وقال المشركون: أئذا صارت لحومنا وعظامنا تراباً في الأرض أَنُبْعَثُ؟ إنكاراً للبعث. وقال مجاهد: "ضللنا": هلكنا، لأن كل شيء غلب عليه غيره حتى تلف وخفي فقد هلك. وقرأ أبو رجاء وطلحة: "ضلِلْنا" بكسر اللام، وهي لغة شاذة. وقرأ الحسن: "صَلَلْنا" بالصاد غير معجمة وفتح اللام. وروي عنه بكسر اللام. والمعنى أنتنا، وكسر اللام شاذ، يقال صلَّ اللحم وأصَلَّ إذا أَنْتَنَ وَتَغَيَّر، وكذلك. خَمَّ وَأَخَمَّ. ثم قال الله تعالى ﴿بَلْ هُم بِلَقَآءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ﴾ أي: جاحدون للبعث بعد الموت والرجوع إلى الله (جلّ وعزَّ).

السجدة 32:6

قوله تعالى ذكره: ﴿الۤـمۤ * تَنزِيلُ ٱلْكِتَابِ﴾ إلى قوله: ﴿بَلْ هُم بِلَقَآءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ﴾. من رواية أبن وهب: أن النبي ﷺ قال: "مَنْ قَرَأَ آلم تَنْزِيلُ السَّجْدَةِ، وَتَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ المُلْكُ فَكَأَنَّمَا وَافَقَ لَيْلَةَ القَدْرِ وعنه أنه قال: "آلم تنْزِيلُ السَّجْدَةِ وَتَبَارَكَ يَفْضُلانِ عَلَى السُّوَرِ بِسِتِّينَ حَسَنَة وقال جابر بن عبد الله: "مَا كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يَنَامُ حَتَّى يَقْرَأ آلم تَنْزِيلُ السَّجْدَةِ وَتَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ المُلْكِ". قد تقدم ذكر ﴿الۤـمۤ﴾. * * وقوله: ﴿تَنزِيلُ﴾ رُفِعَ بالابتداء، و ﴿لاَ رَيْبَ فِيهِ﴾ الخبر. ويجوز أن يكون خبر الابتداء محذوف، أي: هذا المتلو تنزيل الكتاب. ويجوز أن يكون [التقدير]: هذه الحروف تنزيل الكتاب، و ﴿الۤـمۤ﴾ بدل من الحروف دالة عليها فهي موضع الابتداء، و ﴿تَنزِيلُ﴾ الخبر. ويجوز: "تنزيل" بالنصب على المصدر. والمعنى: تنزيل الكتاب المنزل على محمد لا شك فيه أنه من رب العالمين، وليس بسحر ولا سجع ولا كهانة ولا كذب. وهذا تكذيب لمن قال ذلك في القرآن من المشركين. * * ثم قال: ﴿أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَاهُ﴾. قال أبو عبيدة: معناه: بل يقولون. وهو خروج من حديث إلى حديث. وقال الزجاج: التقدير: أيقولون. والتقدير عند الطبري: أيقولون، يعني المشركين أيقولون اختلق محمد ﷺ هذا القرآن من قبل نفسه، وأم عنده تقرير كالألف. ثم أكذبهم الله في قولهم فقال: ﴿بَلْ هُوَ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ﴾ أي: هو الصدق من عند ربك أنزله عليك، لتنذر قوماً بأس الله أن يحل بهم على كفرهم لم يأتهم نذير من قبلك. * * ﴿لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾ أي: يهتدون إلى طريق النجاة من عذاب الله. أجاز بعض النحويين الوقف على ﴿رَّبِّكَ﴾، على أن تكون اللام متعلقة بفعل محذوف، والتقدير: وأنزله عليك لتندر. وأجاز أبو حاتم الوقف على ﴿ٱفْتَرَاهُ﴾. ثم قال تعالى ذكره: ﴿ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ الآية. أي: المعبود الذي لا تصلح العبادة إلا له هو الله الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام، ثم استوى على العرش في اليوم السابع، قاله قتادة. ثم قال [تعالى]: ﴿مَا لَكُمْ مِّن دُونِهِ مِن وَلِيٍّ﴾. [أي]: يلي أمركم [فينصركم] منه إذا أراد بكم ضراً، ﴿وَلاَ شَفِيعٍ﴾ أي: يشفع لكم إن عاقبكم على كفركم، فاتخذوه أيها الناس ولياً واستعينوا بطاعته على أموركم. ﴿أَفَلاَ تَتَذَكَّرُونَ﴾ أي: تتذكرون هذه الموعظة فتعلموا أنه لا معبود لكم غيره فتفردوا له العبادة وتخلصوا له العمل. (في) ستة أيام تمام عند نافع، وعلى العرش أتم منه. ثم قال تعالى [ذكره]: ﴿يُدَبِّرُ ٱلأَمْرَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ إِلَى ٱلأَرْضِ﴾. أي: هو يدبر الأمر من السماء إلى الأرض. * * ﴿ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾. قال مجاهد: يعني نزول الأمر من السماء إلى الأرض ومن الأرض إلى السماء في يوم واحد، وذلك اليوم مقداره ألف سنة لأن ما بين السماء إلى الأرض مسيرة خمس مائة عام. وهو معنى قول قتادة والضحاك وعكرمة، وقاله ابن عباس. وهو اختيار الطبري. وقال ابن عباس: إن المعنى أن هذا اليوم من الأيام الستة التي خلق الله فيها السماوات والأرض وما بينهما كألف سنة من سني الدنيا. وعن ابن عباس: أن المعنى ثم تعرج إليه الملائكة بالأمر في يوم مقدار ذلك اليوم ألف سنة من سني الدنيا. وعن مجاهد: أن المعنى: كان مقدار ذلك التدبير ألف سنة من أيام الدنيا. وقيل: التقدير: كان مقدار ذلك العروج ألف سنة من أيام الدنيا. وقيل: المعنى: يدبر الله أمر الدنيا وما حدث فيها مما يجازي عليه الناس وغيرهم من أهل السماء إلى أن تقوم الساعة ويبعث الناس إلى الحساب، ثم يعرج إليه ذلك الأمر فيحكم فيه في يوم كان مقداره ألف سنة، وهو يوم القيامة. وقيل: معناه يدبر الشمس في طلوعها من المشرق وغروبها في المغرب ومدارها في العالم من السماء إلى الأرض لأنها على أهل الأرض تطلع، وفوق الأرض تطلع إلى أن تغرب وترجع إلى موضعها من الطلوع في يوم [كان] مقداره في المسافة ألف سنة. والهاء في يَعْرُجُ إليه: قيل تعود على السماء لأنها تذكر. وقيل: تعود على الله جل ذكره. فأما قوله في "المعارج". ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [المعارج: ٤]. فمعناه على قول ابن عباس: أنه يوم القيامة يراد [به] قال: جعله الله على الكفار مقدار خمسين ألف سنة . وقال وهب بن منبه: [ما] بين أسفل الأرض إلى العرش مقدار خمسين ألف سنة من أيام الدنيا. وقيل عنه: الدنيا من أولها إلى آخرها خمسون ألف سنة لا يدري أحدكم [كم] مضى منها ولا كم بقي. وقيل: يوم القيامة أيام، فمنه ما مقداره ألف سنة، ومنه ما مقداره خمسون ألف سنة. واليوم في اللغة بمعنى الوقت. فالمعنى تعرج الملائكة والروح إليه [في وقت مقداره ألف سنة و] في وقت آخر مقداره خمسون ألف سنة. "إلى الأرض" تمام عند الأخفش. * * ثم قال تعالى: ﴿ذٰلِكَ عَالِمُ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَادَةِ﴾. أي: الذي تقدمت صفته في قدرته وسلطانه هو علم الظاهر والباطن والسر والجهر، وهو الله (الذي) لا إله إلا هو. ﴿ٱلْعَزِيزُ﴾ أي: الشديد في انتقامه ممن كفر به، ﴿ٱلرَّحِيمُ﴾ بمن تاب من كفره. * * ثم قال تعالى: ﴿ٱلَّذِيۤ أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾. أي: وهو الذي أعطى كل شيء خلقه، الإنسان للإنسان، والفرس للفرس، فقرن كل جنس بشكله. قاله مجاهد. "وأحسن" على هذا القول بمعنى أعلم، تقول [العرب] فلان يحسن كذا إذا كان يعلمه. هذا على قراءة من أسكن اللام من "خلقه" فيكون "خلقه" مفعولاً به. ويجوز عند سيبويه أن ينتصب على المصدر المؤكد. مثل ﴿صُنْعَ ٱللَّهِ ٱلَّذِيۤ أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ٨٨] وقيل: هو منصوب، على التفسير، كقولك: زيد أوسعكم داراً، والتقدير: أحسن كل شيء خلقاً. وقيل: أحسن على هذه القراءة بمعنى أعلم وألهم. فيكون خلقه مفعولاً به. وهو القول الذي ذكرنا عن مجاهد أولاً. ومن فتح اللام جعله فعلاً ماضياً. والمعنى الذي أتقن كل شيء خلقه وأحكمه. والهاء في موضع نصب، والفعل في موضع خفض على النعت لشيء. فالمعنى على قول ابن عباس: الذي أحكم كل شيء خلقه. أي: جاء به على ما أراد لم يتغير عن إرادته. وروي عنه أنه كان يقرأ بفتح اللام، ويقول: أما إن أَسْتَ القرد ليست بحسنة ولكنه أحكمها. وعن مجاهد في الفتح: أحسن بكل شيء خلقه. وعن ابن عباس: في معنى الإسكان أحسن كل شيء في خلقه، أي: جعل كل شيء في خلقه حسناً. وأجاز الزجاج "خَلقُه" بالرفع على معنى: ذلك، خلقه، ولم يقرأ به أحد. * * ثم قال تعالى: ﴿وَبَدَأَ خَلْقَ ٱلإِنْسَانِ مِن طِينٍ﴾ يعني: آدم ﷺ. ﴿ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلاَلَةٍ مِّن مَّآءٍ مَّهِينٍ﴾ أي: جعل ذريته من سلالة، والسلالة ما ينسل من الشيء. فالمعنى جعل ذريته من الماء الذي ينسل منه ومعنى ﴿مَّهِينٍ﴾ حقير ضعيف. * * ثم قال تعالى: ﴿ثُمَّ سَوَّاهُ﴾ يعني آدم، أي سوَّى خلقه معتدلاً سوياً. ﴿وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِ﴾ أي: من روحه الذي يحيى به [الموتى] فصار حياً ناطقاً. ثم قال [تعالى]: ﴿وَجَعَلَ لَكُمُ ٱلسَّمْعَ وَٱلأَبْصَارَ وَٱلأَفْئِدَةَ﴾ أي أنعم عليكم بسمعكم وأبصاركم وقلوبكم تنتفعون بها وتسمعون وتبصرون وتفهمون. ووحد السمع لأنه مصدر. ثم قال [تعالى]: ﴿قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ﴾ أي: أنعم عليكم بهذه النعم، وشكركم قليل عليها. ثم قال [تعالى]: ﴿وَقَالُوۤاْ أَءِذَا ضَلَلْنَا فِي ٱلأَرْضِ﴾ أي: وقال المشركون: أئذا صارت لحومنا وعظامنا تراباً في الأرض أَنُبْعَثُ؟ إنكاراً للبعث. وقال مجاهد: "ضللنا": هلكنا، لأن كل شيء غلب عليه غيره حتى تلف وخفي فقد هلك. وقرأ أبو رجاء وطلحة: "ضلِلْنا" بكسر اللام، وهي لغة شاذة. وقرأ الحسن: "صَلَلْنا" بالصاد غير معجمة وفتح اللام. وروي عنه بكسر اللام. والمعنى أنتنا، وكسر اللام شاذ، يقال صلَّ اللحم وأصَلَّ إذا أَنْتَنَ وَتَغَيَّر، وكذلك. خَمَّ وَأَخَمَّ. ثم قال الله تعالى ﴿بَلْ هُم بِلَقَآءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ﴾ أي: جاحدون للبعث بعد الموت والرجوع إلى الله (جلّ وعزَّ).

السجدة 32:7

قوله تعالى ذكره: ﴿الۤـمۤ * تَنزِيلُ ٱلْكِتَابِ﴾ إلى قوله: ﴿بَلْ هُم بِلَقَآءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ﴾. من رواية أبن وهب: أن النبي ﷺ قال: "مَنْ قَرَأَ آلم تَنْزِيلُ السَّجْدَةِ، وَتَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ المُلْكُ فَكَأَنَّمَا وَافَقَ لَيْلَةَ القَدْرِ وعنه أنه قال: "آلم تنْزِيلُ السَّجْدَةِ وَتَبَارَكَ يَفْضُلانِ عَلَى السُّوَرِ بِسِتِّينَ حَسَنَة وقال جابر بن عبد الله: "مَا كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يَنَامُ حَتَّى يَقْرَأ آلم تَنْزِيلُ السَّجْدَةِ وَتَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ المُلْكِ". قد تقدم ذكر ﴿الۤـمۤ﴾. * * وقوله: ﴿تَنزِيلُ﴾ رُفِعَ بالابتداء، و ﴿لاَ رَيْبَ فِيهِ﴾ الخبر. ويجوز أن يكون خبر الابتداء محذوف، أي: هذا المتلو تنزيل الكتاب. ويجوز أن يكون [التقدير]: هذه الحروف تنزيل الكتاب، و ﴿الۤـمۤ﴾ بدل من الحروف دالة عليها فهي موضع الابتداء، و ﴿تَنزِيلُ﴾ الخبر. ويجوز: "تنزيل" بالنصب على المصدر. والمعنى: تنزيل الكتاب المنزل على محمد لا شك فيه أنه من رب العالمين، وليس بسحر ولا سجع ولا كهانة ولا كذب. وهذا تكذيب لمن قال ذلك في القرآن من المشركين. * * ثم قال: ﴿أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَاهُ﴾. قال أبو عبيدة: معناه: بل يقولون. وهو خروج من حديث إلى حديث. وقال الزجاج: التقدير: أيقولون. والتقدير عند الطبري: أيقولون، يعني المشركين أيقولون اختلق محمد ﷺ هذا القرآن من قبل نفسه، وأم عنده تقرير كالألف. ثم أكذبهم الله في قولهم فقال: ﴿بَلْ هُوَ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ﴾ أي: هو الصدق من عند ربك أنزله عليك، لتنذر قوماً بأس الله أن يحل بهم على كفرهم لم يأتهم نذير من قبلك. * * ﴿لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾ أي: يهتدون إلى طريق النجاة من عذاب الله. أجاز بعض النحويين الوقف على ﴿رَّبِّكَ﴾، على أن تكون اللام متعلقة بفعل محذوف، والتقدير: وأنزله عليك لتندر. وأجاز أبو حاتم الوقف على ﴿ٱفْتَرَاهُ﴾. ثم قال تعالى ذكره: ﴿ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ الآية. أي: المعبود الذي لا تصلح العبادة إلا له هو الله الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام، ثم استوى على العرش في اليوم السابع، قاله قتادة. ثم قال [تعالى]: ﴿مَا لَكُمْ مِّن دُونِهِ مِن وَلِيٍّ﴾. [أي]: يلي أمركم [فينصركم] منه إذا أراد بكم ضراً، ﴿وَلاَ شَفِيعٍ﴾ أي: يشفع لكم إن عاقبكم على كفركم، فاتخذوه أيها الناس ولياً واستعينوا بطاعته على أموركم. ﴿أَفَلاَ تَتَذَكَّرُونَ﴾ أي: تتذكرون هذه الموعظة فتعلموا أنه لا معبود لكم غيره فتفردوا له العبادة وتخلصوا له العمل. (في) ستة أيام تمام عند نافع، وعلى العرش أتم منه. ثم قال تعالى [ذكره]: ﴿يُدَبِّرُ ٱلأَمْرَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ إِلَى ٱلأَرْضِ﴾. أي: هو يدبر الأمر من السماء إلى الأرض. * * ﴿ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾. قال مجاهد: يعني نزول الأمر من السماء إلى الأرض ومن الأرض إلى السماء في يوم واحد، وذلك اليوم مقداره ألف سنة لأن ما بين السماء إلى الأرض مسيرة خمس مائة عام. وهو معنى قول قتادة والضحاك وعكرمة، وقاله ابن عباس. وهو اختيار الطبري. وقال ابن عباس: إن المعنى أن هذا اليوم من الأيام الستة التي خلق الله فيها السماوات والأرض وما بينهما كألف سنة من سني الدنيا. وعن ابن عباس: أن المعنى ثم تعرج إليه الملائكة بالأمر في يوم مقدار ذلك اليوم ألف سنة من سني الدنيا. وعن مجاهد: أن المعنى: كان مقدار ذلك التدبير ألف سنة من أيام الدنيا. وقيل: التقدير: كان مقدار ذلك العروج ألف سنة من أيام الدنيا. وقيل: المعنى: يدبر الله أمر الدنيا وما حدث فيها مما يجازي عليه الناس وغيرهم من أهل السماء إلى أن تقوم الساعة ويبعث الناس إلى الحساب، ثم يعرج إليه ذلك الأمر فيحكم فيه في يوم كان مقداره ألف سنة، وهو يوم القيامة. وقيل: معناه يدبر الشمس في طلوعها من المشرق وغروبها في المغرب ومدارها في العالم من السماء إلى الأرض لأنها على أهل الأرض تطلع، وفوق الأرض تطلع إلى أن تغرب وترجع إلى موضعها من الطلوع في يوم [كان] مقداره في المسافة ألف سنة. والهاء في يَعْرُجُ إليه: قيل تعود على السماء لأنها تذكر. وقيل: تعود على الله جل ذكره. فأما قوله في "المعارج". ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [المعارج: ٤]. فمعناه على قول ابن عباس: أنه يوم القيامة يراد [به] قال: جعله الله على الكفار مقدار خمسين ألف سنة . وقال وهب بن منبه: [ما] بين أسفل الأرض إلى العرش مقدار خمسين ألف سنة من أيام الدنيا. وقيل عنه: الدنيا من أولها إلى آخرها خمسون ألف سنة لا يدري أحدكم [كم] مضى منها ولا كم بقي. وقيل: يوم القيامة أيام، فمنه ما مقداره ألف سنة، ومنه ما مقداره خمسون ألف سنة. واليوم في اللغة بمعنى الوقت. فالمعنى تعرج الملائكة والروح إليه [في وقت مقداره ألف سنة و] في وقت آخر مقداره خمسون ألف سنة. "إلى الأرض" تمام عند الأخفش. * * ثم قال تعالى: ﴿ذٰلِكَ عَالِمُ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَادَةِ﴾. أي: الذي تقدمت صفته في قدرته وسلطانه هو علم الظاهر والباطن والسر والجهر، وهو الله (الذي) لا إله إلا هو. ﴿ٱلْعَزِيزُ﴾ أي: الشديد في انتقامه ممن كفر به، ﴿ٱلرَّحِيمُ﴾ بمن تاب من كفره. * * ثم قال تعالى: ﴿ٱلَّذِيۤ أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾. أي: وهو الذي أعطى كل شيء خلقه، الإنسان للإنسان، والفرس للفرس، فقرن كل جنس بشكله. قاله مجاهد. "وأحسن" على هذا القول بمعنى أعلم، تقول [العرب] فلان يحسن كذا إذا كان يعلمه. هذا على قراءة من أسكن اللام من "خلقه" فيكون "خلقه" مفعولاً به. ويجوز عند سيبويه أن ينتصب على المصدر المؤكد. مثل ﴿صُنْعَ ٱللَّهِ ٱلَّذِيۤ أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ٨٨] وقيل: هو منصوب، على التفسير، كقولك: زيد أوسعكم داراً، والتقدير: أحسن كل شيء خلقاً. وقيل: أحسن على هذه القراءة بمعنى أعلم وألهم. فيكون خلقه مفعولاً به. وهو القول الذي ذكرنا عن مجاهد أولاً. ومن فتح اللام جعله فعلاً ماضياً. والمعنى الذي أتقن كل شيء خلقه وأحكمه. والهاء في موضع نصب، والفعل في موضع خفض على النعت لشيء. فالمعنى على قول ابن عباس: الذي أحكم كل شيء خلقه. أي: جاء به على ما أراد لم يتغير عن إرادته. وروي عنه أنه كان يقرأ بفتح اللام، ويقول: أما إن أَسْتَ القرد ليست بحسنة ولكنه أحكمها. وعن مجاهد في الفتح: أحسن بكل شيء خلقه. وعن ابن عباس: في معنى الإسكان أحسن كل شيء في خلقه، أي: جعل كل شيء في خلقه حسناً. وأجاز الزجاج "خَلقُه" بالرفع على معنى: ذلك، خلقه، ولم يقرأ به أحد. * * ثم قال تعالى: ﴿وَبَدَأَ خَلْقَ ٱلإِنْسَانِ مِن طِينٍ﴾ يعني: آدم ﷺ. ﴿ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلاَلَةٍ مِّن مَّآءٍ مَّهِينٍ﴾ أي: جعل ذريته من سلالة، والسلالة ما ينسل من الشيء. فالمعنى جعل ذريته من الماء الذي ينسل منه ومعنى ﴿مَّهِينٍ﴾ حقير ضعيف. * * ثم قال تعالى: ﴿ثُمَّ سَوَّاهُ﴾ يعني آدم، أي سوَّى خلقه معتدلاً سوياً. ﴿وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِ﴾ أي: من روحه الذي يحيى به [الموتى] فصار حياً ناطقاً. ثم قال [تعالى]: ﴿وَجَعَلَ لَكُمُ ٱلسَّمْعَ وَٱلأَبْصَارَ وَٱلأَفْئِدَةَ﴾ أي أنعم عليكم بسمعكم وأبصاركم وقلوبكم تنتفعون بها وتسمعون وتبصرون وتفهمون. ووحد السمع لأنه مصدر. ثم قال [تعالى]: ﴿قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ﴾ أي: أنعم عليكم بهذه النعم، وشكركم قليل عليها. ثم قال [تعالى]: ﴿وَقَالُوۤاْ أَءِذَا ضَلَلْنَا فِي ٱلأَرْضِ﴾ أي: وقال المشركون: أئذا صارت لحومنا وعظامنا تراباً في الأرض أَنُبْعَثُ؟ إنكاراً للبعث. وقال مجاهد: "ضللنا": هلكنا، لأن كل شيء غلب عليه غيره حتى تلف وخفي فقد هلك. وقرأ أبو رجاء وطلحة: "ضلِلْنا" بكسر اللام، وهي لغة شاذة. وقرأ الحسن: "صَلَلْنا" بالصاد غير معجمة وفتح اللام. وروي عنه بكسر اللام. والمعنى أنتنا، وكسر اللام شاذ، يقال صلَّ اللحم وأصَلَّ إذا أَنْتَنَ وَتَغَيَّر، وكذلك. خَمَّ وَأَخَمَّ. ثم قال الله تعالى ﴿بَلْ هُم بِلَقَآءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ﴾ أي: جاحدون للبعث بعد الموت والرجوع إلى الله (جلّ وعزَّ).

السجدة 32:8

قوله تعالى ذكره: ﴿الۤـمۤ * تَنزِيلُ ٱلْكِتَابِ﴾ إلى قوله: ﴿بَلْ هُم بِلَقَآءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ﴾. من رواية أبن وهب: أن النبي ﷺ قال: "مَنْ قَرَأَ آلم تَنْزِيلُ السَّجْدَةِ، وَتَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ المُلْكُ فَكَأَنَّمَا وَافَقَ لَيْلَةَ القَدْرِ وعنه أنه قال: "آلم تنْزِيلُ السَّجْدَةِ وَتَبَارَكَ يَفْضُلانِ عَلَى السُّوَرِ بِسِتِّينَ حَسَنَة وقال جابر بن عبد الله: "مَا كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يَنَامُ حَتَّى يَقْرَأ آلم تَنْزِيلُ السَّجْدَةِ وَتَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ المُلْكِ". قد تقدم ذكر ﴿الۤـمۤ﴾. * * وقوله: ﴿تَنزِيلُ﴾ رُفِعَ بالابتداء، و ﴿لاَ رَيْبَ فِيهِ﴾ الخبر. ويجوز أن يكون خبر الابتداء محذوف، أي: هذا المتلو تنزيل الكتاب. ويجوز أن يكون [التقدير]: هذه الحروف تنزيل الكتاب، و ﴿الۤـمۤ﴾ بدل من الحروف دالة عليها فهي موضع الابتداء، و ﴿تَنزِيلُ﴾ الخبر. ويجوز: "تنزيل" بالنصب على المصدر. والمعنى: تنزيل الكتاب المنزل على محمد لا شك فيه أنه من رب العالمين، وليس بسحر ولا سجع ولا كهانة ولا كذب. وهذا تكذيب لمن قال ذلك في القرآن من المشركين. * * ثم قال: ﴿أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَاهُ﴾. قال أبو عبيدة: معناه: بل يقولون. وهو خروج من حديث إلى حديث. وقال الزجاج: التقدير: أيقولون. والتقدير عند الطبري: أيقولون، يعني المشركين أيقولون اختلق محمد ﷺ هذا القرآن من قبل نفسه، وأم عنده تقرير كالألف. ثم أكذبهم الله في قولهم فقال: ﴿بَلْ هُوَ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ﴾ أي: هو الصدق من عند ربك أنزله عليك، لتنذر قوماً بأس الله أن يحل بهم على كفرهم لم يأتهم نذير من قبلك. * * ﴿لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾ أي: يهتدون إلى طريق النجاة من عذاب الله. أجاز بعض النحويين الوقف على ﴿رَّبِّكَ﴾، على أن تكون اللام متعلقة بفعل محذوف، والتقدير: وأنزله عليك لتندر. وأجاز أبو حاتم الوقف على ﴿ٱفْتَرَاهُ﴾. ثم قال تعالى ذكره: ﴿ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ الآية. أي: المعبود الذي لا تصلح العبادة إلا له هو الله الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام، ثم استوى على العرش في اليوم السابع، قاله قتادة. ثم قال [تعالى]: ﴿مَا لَكُمْ مِّن دُونِهِ مِن وَلِيٍّ﴾. [أي]: يلي أمركم [فينصركم] منه إذا أراد بكم ضراً، ﴿وَلاَ شَفِيعٍ﴾ أي: يشفع لكم إن عاقبكم على كفركم، فاتخذوه أيها الناس ولياً واستعينوا بطاعته على أموركم. ﴿أَفَلاَ تَتَذَكَّرُونَ﴾ أي: تتذكرون هذه الموعظة فتعلموا أنه لا معبود لكم غيره فتفردوا له العبادة وتخلصوا له العمل. (في) ستة أيام تمام عند نافع، وعلى العرش أتم منه. ثم قال تعالى [ذكره]: ﴿يُدَبِّرُ ٱلأَمْرَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ إِلَى ٱلأَرْضِ﴾. أي: هو يدبر الأمر من السماء إلى الأرض. * * ﴿ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾. قال مجاهد: يعني نزول الأمر من السماء إلى الأرض ومن الأرض إلى السماء في يوم واحد، وذلك اليوم مقداره ألف سنة لأن ما بين السماء إلى الأرض مسيرة خمس مائة عام. وهو معنى قول قتادة والضحاك وعكرمة، وقاله ابن عباس. وهو اختيار الطبري. وقال ابن عباس: إن المعنى أن هذا اليوم من الأيام الستة التي خلق الله فيها السماوات والأرض وما بينهما كألف سنة من سني الدنيا. وعن ابن عباس: أن المعنى ثم تعرج إليه الملائكة بالأمر في يوم مقدار ذلك اليوم ألف سنة من سني الدنيا. وعن مجاهد: أن المعنى: كان مقدار ذلك التدبير ألف سنة من أيام الدنيا. وقيل: التقدير: كان مقدار ذلك العروج ألف سنة من أيام الدنيا. وقيل: المعنى: يدبر الله أمر الدنيا وما حدث فيها مما يجازي عليه الناس وغيرهم من أهل السماء إلى أن تقوم الساعة ويبعث الناس إلى الحساب، ثم يعرج إليه ذلك الأمر فيحكم فيه في يوم كان مقداره ألف سنة، وهو يوم القيامة. وقيل: معناه يدبر الشمس في طلوعها من المشرق وغروبها في المغرب ومدارها في العالم من السماء إلى الأرض لأنها على أهل الأرض تطلع، وفوق الأرض تطلع إلى أن تغرب وترجع إلى موضعها من الطلوع في يوم [كان] مقداره في المسافة ألف سنة. والهاء في يَعْرُجُ إليه: قيل تعود على السماء لأنها تذكر. وقيل: تعود على الله جل ذكره. فأما قوله في "المعارج". ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [المعارج: ٤]. فمعناه على قول ابن عباس: أنه يوم القيامة يراد [به] قال: جعله الله على الكفار مقدار خمسين ألف سنة . وقال وهب بن منبه: [ما] بين أسفل الأرض إلى العرش مقدار خمسين ألف سنة من أيام الدنيا. وقيل عنه: الدنيا من أولها إلى آخرها خمسون ألف سنة لا يدري أحدكم [كم] مضى منها ولا كم بقي. وقيل: يوم القيامة أيام، فمنه ما مقداره ألف سنة، ومنه ما مقداره خمسون ألف سنة. واليوم في اللغة بمعنى الوقت. فالمعنى تعرج الملائكة والروح إليه [في وقت مقداره ألف سنة و] في وقت آخر مقداره خمسون ألف سنة. "إلى الأرض" تمام عند الأخفش. * * ثم قال تعالى: ﴿ذٰلِكَ عَالِمُ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَادَةِ﴾. أي: الذي تقدمت صفته في قدرته وسلطانه هو علم الظاهر والباطن والسر والجهر، وهو الله (الذي) لا إله إلا هو. ﴿ٱلْعَزِيزُ﴾ أي: الشديد في انتقامه ممن كفر به، ﴿ٱلرَّحِيمُ﴾ بمن تاب من كفره. * * ثم قال تعالى: ﴿ٱلَّذِيۤ أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾. أي: وهو الذي أعطى كل شيء خلقه، الإنسان للإنسان، والفرس للفرس، فقرن كل جنس بشكله. قاله مجاهد. "وأحسن" على هذا القول بمعنى أعلم، تقول [العرب] فلان يحسن كذا إذا كان يعلمه. هذا على قراءة من أسكن اللام من "خلقه" فيكون "خلقه" مفعولاً به. ويجوز عند سيبويه أن ينتصب على المصدر المؤكد. مثل ﴿صُنْعَ ٱللَّهِ ٱلَّذِيۤ أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ٨٨] وقيل: هو منصوب، على التفسير، كقولك: زيد أوسعكم داراً، والتقدير: أحسن كل شيء خلقاً. وقيل: أحسن على هذه القراءة بمعنى أعلم وألهم. فيكون خلقه مفعولاً به. وهو القول الذي ذكرنا عن مجاهد أولاً. ومن فتح اللام جعله فعلاً ماضياً. والمعنى الذي أتقن كل شيء خلقه وأحكمه. والهاء في موضع نصب، والفعل في موضع خفض على النعت لشيء. فالمعنى على قول ابن عباس: الذي أحكم كل شيء خلقه. أي: جاء به على ما أراد لم يتغير عن إرادته. وروي عنه أنه كان يقرأ بفتح اللام، ويقول: أما إن أَسْتَ القرد ليست بحسنة ولكنه أحكمها. وعن مجاهد في الفتح: أحسن بكل شيء خلقه. وعن ابن عباس: في معنى الإسكان أحسن كل شيء في خلقه، أي: جعل كل شيء في خلقه حسناً. وأجاز الزجاج "خَلقُه" بالرفع على معنى: ذلك، خلقه، ولم يقرأ به أحد. * * ثم قال تعالى: ﴿وَبَدَأَ خَلْقَ ٱلإِنْسَانِ مِن طِينٍ﴾ يعني: آدم ﷺ. ﴿ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلاَلَةٍ مِّن مَّآءٍ مَّهِينٍ﴾ أي: جعل ذريته من سلالة، والسلالة ما ينسل من الشيء. فالمعنى جعل ذريته من الماء الذي ينسل منه ومعنى ﴿مَّهِينٍ﴾ حقير ضعيف. * * ثم قال تعالى: ﴿ثُمَّ سَوَّاهُ﴾ يعني آدم، أي سوَّى خلقه معتدلاً سوياً. ﴿وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِ﴾ أي: من روحه الذي يحيى به [الموتى] فصار حياً ناطقاً. ثم قال [تعالى]: ﴿وَجَعَلَ لَكُمُ ٱلسَّمْعَ وَٱلأَبْصَارَ وَٱلأَفْئِدَةَ﴾ أي أنعم عليكم بسمعكم وأبصاركم وقلوبكم تنتفعون بها وتسمعون وتبصرون وتفهمون. ووحد السمع لأنه مصدر. ثم قال [تعالى]: ﴿قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ﴾ أي: أنعم عليكم بهذه النعم، وشكركم قليل عليها. ثم قال [تعالى]: ﴿وَقَالُوۤاْ أَءِذَا ضَلَلْنَا فِي ٱلأَرْضِ﴾ أي: وقال المشركون: أئذا صارت لحومنا وعظامنا تراباً في الأرض أَنُبْعَثُ؟ إنكاراً للبعث. وقال مجاهد: "ضللنا": هلكنا، لأن كل شيء غلب عليه غيره حتى تلف وخفي فقد هلك. وقرأ أبو رجاء وطلحة: "ضلِلْنا" بكسر اللام، وهي لغة شاذة. وقرأ الحسن: "صَلَلْنا" بالصاد غير معجمة وفتح اللام. وروي عنه بكسر اللام. والمعنى أنتنا، وكسر اللام شاذ، يقال صلَّ اللحم وأصَلَّ إذا أَنْتَنَ وَتَغَيَّر، وكذلك. خَمَّ وَأَخَمَّ. ثم قال الله تعالى ﴿بَلْ هُم بِلَقَآءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ﴾ أي: جاحدون للبعث بعد الموت والرجوع إلى الله (جلّ وعزَّ).

السجدة 32:9

قوله تعالى ذكره: ﴿الۤـمۤ * تَنزِيلُ ٱلْكِتَابِ﴾ إلى قوله: ﴿بَلْ هُم بِلَقَآءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ﴾. من رواية أبن وهب: أن النبي ﷺ قال: "مَنْ قَرَأَ آلم تَنْزِيلُ السَّجْدَةِ، وَتَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ المُلْكُ فَكَأَنَّمَا وَافَقَ لَيْلَةَ القَدْرِ وعنه أنه قال: "آلم تنْزِيلُ السَّجْدَةِ وَتَبَارَكَ يَفْضُلانِ عَلَى السُّوَرِ بِسِتِّينَ حَسَنَة وقال جابر بن عبد الله: "مَا كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يَنَامُ حَتَّى يَقْرَأ آلم تَنْزِيلُ السَّجْدَةِ وَتَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ المُلْكِ". قد تقدم ذكر ﴿الۤـمۤ﴾. * * وقوله: ﴿تَنزِيلُ﴾ رُفِعَ بالابتداء، و ﴿لاَ رَيْبَ فِيهِ﴾ الخبر. ويجوز أن يكون خبر الابتداء محذوف، أي: هذا المتلو تنزيل الكتاب. ويجوز أن يكون [التقدير]: هذه الحروف تنزيل الكتاب، و ﴿الۤـمۤ﴾ بدل من الحروف دالة عليها فهي موضع الابتداء، و ﴿تَنزِيلُ﴾ الخبر. ويجوز: "تنزيل" بالنصب على المصدر. والمعنى: تنزيل الكتاب المنزل على محمد لا شك فيه أنه من رب العالمين، وليس بسحر ولا سجع ولا كهانة ولا كذب. وهذا تكذيب لمن قال ذلك في القرآن من المشركين. * * ثم قال: ﴿أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَاهُ﴾. قال أبو عبيدة: معناه: بل يقولون. وهو خروج من حديث إلى حديث. وقال الزجاج: التقدير: أيقولون. والتقدير عند الطبري: أيقولون، يعني المشركين أيقولون اختلق محمد ﷺ هذا القرآن من قبل نفسه، وأم عنده تقرير كالألف. ثم أكذبهم الله في قولهم فقال: ﴿بَلْ هُوَ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ﴾ أي: هو الصدق من عند ربك أنزله عليك، لتنذر قوماً بأس الله أن يحل بهم على كفرهم لم يأتهم نذير من قبلك. * * ﴿لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾ أي: يهتدون إلى طريق النجاة من عذاب الله. أجاز بعض النحويين الوقف على ﴿رَّبِّكَ﴾، على أن تكون اللام متعلقة بفعل محذوف، والتقدير: وأنزله عليك لتندر. وأجاز أبو حاتم الوقف على ﴿ٱفْتَرَاهُ﴾. ثم قال تعالى ذكره: ﴿ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ الآية. أي: المعبود الذي لا تصلح العبادة إلا له هو الله الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام، ثم استوى على العرش في اليوم السابع، قاله قتادة. ثم قال [تعالى]: ﴿مَا لَكُمْ مِّن دُونِهِ مِن وَلِيٍّ﴾. [أي]: يلي أمركم [فينصركم] منه إذا أراد بكم ضراً، ﴿وَلاَ شَفِيعٍ﴾ أي: يشفع لكم إن عاقبكم على كفركم، فاتخذوه أيها الناس ولياً واستعينوا بطاعته على أموركم. ﴿أَفَلاَ تَتَذَكَّرُونَ﴾ أي: تتذكرون هذه الموعظة فتعلموا أنه لا معبود لكم غيره فتفردوا له العبادة وتخلصوا له العمل. (في) ستة أيام تمام عند نافع، وعلى العرش أتم منه. ثم قال تعالى [ذكره]: ﴿يُدَبِّرُ ٱلأَمْرَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ إِلَى ٱلأَرْضِ﴾. أي: هو يدبر الأمر من السماء إلى الأرض. * * ﴿ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾. قال مجاهد: يعني نزول الأمر من السماء إلى الأرض ومن الأرض إلى السماء في يوم واحد، وذلك اليوم مقداره ألف سنة لأن ما بين السماء إلى الأرض مسيرة خمس مائة عام. وهو معنى قول قتادة والضحاك وعكرمة، وقاله ابن عباس. وهو اختيار الطبري. وقال ابن عباس: إن المعنى أن هذا اليوم من الأيام الستة التي خلق الله فيها السماوات والأرض وما بينهما كألف سنة من سني الدنيا. وعن ابن عباس: أن المعنى ثم تعرج إليه الملائكة بالأمر في يوم مقدار ذلك اليوم ألف سنة من سني الدنيا. وعن مجاهد: أن المعنى: كان مقدار ذلك التدبير ألف سنة من أيام الدنيا. وقيل: التقدير: كان مقدار ذلك العروج ألف سنة من أيام الدنيا. وقيل: المعنى: يدبر الله أمر الدنيا وما حدث فيها مما يجازي عليه الناس وغيرهم من أهل السماء إلى أن تقوم الساعة ويبعث الناس إلى الحساب، ثم يعرج إليه ذلك الأمر فيحكم فيه في يوم كان مقداره ألف سنة، وهو يوم القيامة. وقيل: معناه يدبر الشمس في طلوعها من المشرق وغروبها في المغرب ومدارها في العالم من السماء إلى الأرض لأنها على أهل الأرض تطلع، وفوق الأرض تطلع إلى أن تغرب وترجع إلى موضعها من الطلوع في يوم [كان] مقداره في المسافة ألف سنة. والهاء في يَعْرُجُ إليه: قيل تعود على السماء لأنها تذكر. وقيل: تعود على الله جل ذكره. فأما قوله في "المعارج". ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [المعارج: ٤]. فمعناه على قول ابن عباس: أنه يوم القيامة يراد [به] قال: جعله الله على الكفار مقدار خمسين ألف سنة . وقال وهب بن منبه: [ما] بين أسفل الأرض إلى العرش مقدار خمسين ألف سنة من أيام الدنيا. وقيل عنه: الدنيا من أولها إلى آخرها خمسون ألف سنة لا يدري أحدكم [كم] مضى منها ولا كم بقي. وقيل: يوم القيامة أيام، فمنه ما مقداره ألف سنة، ومنه ما مقداره خمسون ألف سنة. واليوم في اللغة بمعنى الوقت. فالمعنى تعرج الملائكة والروح إليه [في وقت مقداره ألف سنة و] في وقت آخر مقداره خمسون ألف سنة. "إلى الأرض" تمام عند الأخفش. * * ثم قال تعالى: ﴿ذٰلِكَ عَالِمُ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَادَةِ﴾. أي: الذي تقدمت صفته في قدرته وسلطانه هو علم الظاهر والباطن والسر والجهر، وهو الله (الذي) لا إله إلا هو. ﴿ٱلْعَزِيزُ﴾ أي: الشديد في انتقامه ممن كفر به، ﴿ٱلرَّحِيمُ﴾ بمن تاب من كفره. * * ثم قال تعالى: ﴿ٱلَّذِيۤ أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾. أي: وهو الذي أعطى كل شيء خلقه، الإنسان للإنسان، والفرس للفرس، فقرن كل جنس بشكله. قاله مجاهد. "وأحسن" على هذا القول بمعنى أعلم، تقول [العرب] فلان يحسن كذا إذا كان يعلمه. هذا على قراءة من أسكن اللام من "خلقه" فيكون "خلقه" مفعولاً به. ويجوز عند سيبويه أن ينتصب على المصدر المؤكد. مثل ﴿صُنْعَ ٱللَّهِ ٱلَّذِيۤ أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ٨٨] وقيل: هو منصوب، على التفسير، كقولك: زيد أوسعكم داراً، والتقدير: أحسن كل شيء خلقاً. وقيل: أحسن على هذه القراءة بمعنى أعلم وألهم. فيكون خلقه مفعولاً به. وهو القول الذي ذكرنا عن مجاهد أولاً. ومن فتح اللام جعله فعلاً ماضياً. والمعنى الذي أتقن كل شيء خلقه وأحكمه. والهاء في موضع نصب، والفعل في موضع خفض على النعت لشيء. فالمعنى على قول ابن عباس: الذي أحكم كل شيء خلقه. أي: جاء به على ما أراد لم يتغير عن إرادته. وروي عنه أنه كان يقرأ بفتح اللام، ويقول: أما إن أَسْتَ القرد ليست بحسنة ولكنه أحكمها. وعن مجاهد في الفتح: أحسن بكل شيء خلقه. وعن ابن عباس: في معنى الإسكان أحسن كل شيء في خلقه، أي: جعل كل شيء في خلقه حسناً. وأجاز الزجاج "خَلقُه" بالرفع على معنى: ذلك، خلقه، ولم يقرأ به أحد. * * ثم قال تعالى: ﴿وَبَدَأَ خَلْقَ ٱلإِنْسَانِ مِن طِينٍ﴾ يعني: آدم ﷺ. ﴿ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلاَلَةٍ مِّن مَّآءٍ مَّهِينٍ﴾ أي: جعل ذريته من سلالة، والسلالة ما ينسل من الشيء. فالمعنى جعل ذريته من الماء الذي ينسل منه ومعنى ﴿مَّهِينٍ﴾ حقير ضعيف. * * ثم قال تعالى: ﴿ثُمَّ سَوَّاهُ﴾ يعني آدم، أي سوَّى خلقه معتدلاً سوياً. ﴿وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِ﴾ أي: من روحه الذي يحيى به [الموتى] فصار حياً ناطقاً. ثم قال [تعالى]: ﴿وَجَعَلَ لَكُمُ ٱلسَّمْعَ وَٱلأَبْصَارَ وَٱلأَفْئِدَةَ﴾ أي أنعم عليكم بسمعكم وأبصاركم وقلوبكم تنتفعون بها وتسمعون وتبصرون وتفهمون. ووحد السمع لأنه مصدر. ثم قال [تعالى]: ﴿قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ﴾ أي: أنعم عليكم بهذه النعم، وشكركم قليل عليها. ثم قال [تعالى]: ﴿وَقَالُوۤاْ أَءِذَا ضَلَلْنَا فِي ٱلأَرْضِ﴾ أي: وقال المشركون: أئذا صارت لحومنا وعظامنا تراباً في الأرض أَنُبْعَثُ؟ إنكاراً للبعث. وقال مجاهد: "ضللنا": هلكنا، لأن كل شيء غلب عليه غيره حتى تلف وخفي فقد هلك. وقرأ أبو رجاء وطلحة: "ضلِلْنا" بكسر اللام، وهي لغة شاذة. وقرأ الحسن: "صَلَلْنا" بالصاد غير معجمة وفتح اللام. وروي عنه بكسر اللام. والمعنى أنتنا، وكسر اللام شاذ، يقال صلَّ اللحم وأصَلَّ إذا أَنْتَنَ وَتَغَيَّر، وكذلك. خَمَّ وَأَخَمَّ. ثم قال الله تعالى ﴿بَلْ هُم بِلَقَآءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ﴾ أي: جاحدون للبعث بعد الموت والرجوع إلى الله (جلّ وعزَّ).

السجدة 32:10

قوله تعالى ذكره: ﴿الۤـمۤ * تَنزِيلُ ٱلْكِتَابِ﴾ إلى قوله: ﴿بَلْ هُم بِلَقَآءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ﴾. من رواية أبن وهب: أن النبي ﷺ قال: "مَنْ قَرَأَ آلم تَنْزِيلُ السَّجْدَةِ، وَتَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ المُلْكُ فَكَأَنَّمَا وَافَقَ لَيْلَةَ القَدْرِ وعنه أنه قال: "آلم تنْزِيلُ السَّجْدَةِ وَتَبَارَكَ يَفْضُلانِ عَلَى السُّوَرِ بِسِتِّينَ حَسَنَة وقال جابر بن عبد الله: "مَا كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يَنَامُ حَتَّى يَقْرَأ آلم تَنْزِيلُ السَّجْدَةِ وَتَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ المُلْكِ". قد تقدم ذكر ﴿الۤـمۤ﴾. * * وقوله: ﴿تَنزِيلُ﴾ رُفِعَ بالابتداء، و ﴿لاَ رَيْبَ فِيهِ﴾ الخبر. ويجوز أن يكون خبر الابتداء محذوف، أي: هذا المتلو تنزيل الكتاب. ويجوز أن يكون [التقدير]: هذه الحروف تنزيل الكتاب، و ﴿الۤـمۤ﴾ بدل من الحروف دالة عليها فهي موضع الابتداء، و ﴿تَنزِيلُ﴾ الخبر. ويجوز: "تنزيل" بالنصب على المصدر. والمعنى: تنزيل الكتاب المنزل على محمد لا شك فيه أنه من رب العالمين، وليس بسحر ولا سجع ولا كهانة ولا كذب. وهذا تكذيب لمن قال ذلك في القرآن من المشركين. * * ثم قال: ﴿أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَاهُ﴾. قال أبو عبيدة: معناه: بل يقولون. وهو خروج من حديث إلى حديث. وقال الزجاج: التقدير: أيقولون. والتقدير عند الطبري: أيقولون، يعني المشركين أيقولون اختلق محمد ﷺ هذا القرآن من قبل نفسه، وأم عنده تقرير كالألف. ثم أكذبهم الله في قولهم فقال: ﴿بَلْ هُوَ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ﴾ أي: هو الصدق من عند ربك أنزله عليك، لتنذر قوماً بأس الله أن يحل بهم على كفرهم لم يأتهم نذير من قبلك. * * ﴿لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾ أي: يهتدون إلى طريق النجاة من عذاب الله. أجاز بعض النحويين الوقف على ﴿رَّبِّكَ﴾، على أن تكون اللام متعلقة بفعل محذوف، والتقدير: وأنزله عليك لتندر. وأجاز أبو حاتم الوقف على ﴿ٱفْتَرَاهُ﴾. ثم قال تعالى ذكره: ﴿ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ الآية. أي: المعبود الذي لا تصلح العبادة إلا له هو الله الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام، ثم استوى على العرش في اليوم السابع، قاله قتادة. ثم قال [تعالى]: ﴿مَا لَكُمْ مِّن دُونِهِ مِن وَلِيٍّ﴾. [أي]: يلي أمركم [فينصركم] منه إذا أراد بكم ضراً، ﴿وَلاَ شَفِيعٍ﴾ أي: يشفع لكم إن عاقبكم على كفركم، فاتخذوه أيها الناس ولياً واستعينوا بطاعته على أموركم. ﴿أَفَلاَ تَتَذَكَّرُونَ﴾ أي: تتذكرون هذه الموعظة فتعلموا أنه لا معبود لكم غيره فتفردوا له العبادة وتخلصوا له العمل. (في) ستة أيام تمام عند نافع، وعلى العرش أتم منه. ثم قال تعالى [ذكره]: ﴿يُدَبِّرُ ٱلأَمْرَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ إِلَى ٱلأَرْضِ﴾. أي: هو يدبر الأمر من السماء إلى الأرض. * * ﴿ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾. قال مجاهد: يعني نزول الأمر من السماء إلى الأرض ومن الأرض إلى السماء في يوم واحد، وذلك اليوم مقداره ألف سنة لأن ما بين السماء إلى الأرض مسيرة خمس مائة عام. وهو معنى قول قتادة والضحاك وعكرمة، وقاله ابن عباس. وهو اختيار الطبري. وقال ابن عباس: إن المعنى أن هذا اليوم من الأيام الستة التي خلق الله فيها السماوات والأرض وما بينهما كألف سنة من سني الدنيا. وعن ابن عباس: أن المعنى ثم تعرج إليه الملائكة بالأمر في يوم مقدار ذلك اليوم ألف سنة من سني الدنيا. وعن مجاهد: أن المعنى: كان مقدار ذلك التدبير ألف سنة من أيام الدنيا. وقيل: التقدير: كان مقدار ذلك العروج ألف سنة من أيام الدنيا. وقيل: المعنى: يدبر الله أمر الدنيا وما حدث فيها مما يجازي عليه الناس وغيرهم من أهل السماء إلى أن تقوم الساعة ويبعث الناس إلى الحساب، ثم يعرج إليه ذلك الأمر فيحكم فيه في يوم كان مقداره ألف سنة، وهو يوم القيامة. وقيل: معناه يدبر الشمس في طلوعها من المشرق وغروبها في المغرب ومدارها في العالم من السماء إلى الأرض لأنها على أهل الأرض تطلع، وفوق الأرض تطلع إلى أن تغرب وترجع إلى موضعها من الطلوع في يوم [كان] مقداره في المسافة ألف سنة. والهاء في يَعْرُجُ إليه: قيل تعود على السماء لأنها تذكر. وقيل: تعود على الله جل ذكره. فأما قوله في "المعارج". ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [المعارج: ٤]. فمعناه على قول ابن عباس: أنه يوم القيامة يراد [به] قال: جعله الله على الكفار مقدار خمسين ألف سنة . وقال وهب بن منبه: [ما] بين أسفل الأرض إلى العرش مقدار خمسين ألف سنة من أيام الدنيا. وقيل عنه: الدنيا من أولها إلى آخرها خمسون ألف سنة لا يدري أحدكم [كم] مضى منها ولا كم بقي. وقيل: يوم القيامة أيام، فمنه ما مقداره ألف سنة، ومنه ما مقداره خمسون ألف سنة. واليوم في اللغة بمعنى الوقت. فالمعنى تعرج الملائكة والروح إليه [في وقت مقداره ألف سنة و] في وقت آخر مقداره خمسون ألف سنة. "إلى الأرض" تمام عند الأخفش. * * ثم قال تعالى: ﴿ذٰلِكَ عَالِمُ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَادَةِ﴾. أي: الذي تقدمت صفته في قدرته وسلطانه هو علم الظاهر والباطن والسر والجهر، وهو الله (الذي) لا إله إلا هو. ﴿ٱلْعَزِيزُ﴾ أي: الشديد في انتقامه ممن كفر به، ﴿ٱلرَّحِيمُ﴾ بمن تاب من كفره. * * ثم قال تعالى: ﴿ٱلَّذِيۤ أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾. أي: وهو الذي أعطى كل شيء خلقه، الإنسان للإنسان، والفرس للفرس، فقرن كل جنس بشكله. قاله مجاهد. "وأحسن" على هذا القول بمعنى أعلم، تقول [العرب] فلان يحسن كذا إذا كان يعلمه. هذا على قراءة من أسكن اللام من "خلقه" فيكون "خلقه" مفعولاً به. ويجوز عند سيبويه أن ينتصب على المصدر المؤكد. مثل ﴿صُنْعَ ٱللَّهِ ٱلَّذِيۤ أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ٨٨] وقيل: هو منصوب، على التفسير، كقولك: زيد أوسعكم داراً، والتقدير: أحسن كل شيء خلقاً. وقيل: أحسن على هذه القراءة بمعنى أعلم وألهم. فيكون خلقه مفعولاً به. وهو القول الذي ذكرنا عن مجاهد أولاً. ومن فتح اللام جعله فعلاً ماضياً. والمعنى الذي أتقن كل شيء خلقه وأحكمه. والهاء في موضع نصب، والفعل في موضع خفض على النعت لشيء. فالمعنى على قول ابن عباس: الذي أحكم كل شيء خلقه. أي: جاء به على ما أراد لم يتغير عن إرادته. وروي عنه أنه كان يقرأ بفتح اللام، ويقول: أما إن أَسْتَ القرد ليست بحسنة ولكنه أحكمها. وعن مجاهد في الفتح: أحسن بكل شيء خلقه. وعن ابن عباس: في معنى الإسكان أحسن كل شيء في خلقه، أي: جعل كل شيء في خلقه حسناً. وأجاز الزجاج "خَلقُه" بالرفع على معنى: ذلك، خلقه، ولم يقرأ به أحد. * * ثم قال تعالى: ﴿وَبَدَأَ خَلْقَ ٱلإِنْسَانِ مِن طِينٍ﴾ يعني: آدم ﷺ. ﴿ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلاَلَةٍ مِّن مَّآءٍ مَّهِينٍ﴾ أي: جعل ذريته من سلالة، والسلالة ما ينسل من الشيء. فالمعنى جعل ذريته من الماء الذي ينسل منه ومعنى ﴿مَّهِينٍ﴾ حقير ضعيف. * * ثم قال تعالى: ﴿ثُمَّ سَوَّاهُ﴾ يعني آدم، أي سوَّى خلقه معتدلاً سوياً. ﴿وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِ﴾ أي: من روحه الذي يحيى به [الموتى] فصار حياً ناطقاً. ثم قال [تعالى]: ﴿وَجَعَلَ لَكُمُ ٱلسَّمْعَ وَٱلأَبْصَارَ وَٱلأَفْئِدَةَ﴾ أي أنعم عليكم بسمعكم وأبصاركم وقلوبكم تنتفعون بها وتسمعون وتبصرون وتفهمون. ووحد السمع لأنه مصدر. ثم قال [تعالى]: ﴿قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ﴾ أي: أنعم عليكم بهذه النعم، وشكركم قليل عليها. ثم قال [تعالى]: ﴿وَقَالُوۤاْ أَءِذَا ضَلَلْنَا فِي ٱلأَرْضِ﴾ أي: وقال المشركون: أئذا صارت لحومنا وعظامنا تراباً في الأرض أَنُبْعَثُ؟ إنكاراً للبعث. وقال مجاهد: "ضللنا": هلكنا، لأن كل شيء غلب عليه غيره حتى تلف وخفي فقد هلك. وقرأ أبو رجاء وطلحة: "ضلِلْنا" بكسر اللام، وهي لغة شاذة. وقرأ الحسن: "صَلَلْنا" بالصاد غير معجمة وفتح اللام. وروي عنه بكسر اللام. والمعنى أنتنا، وكسر اللام شاذ، يقال صلَّ اللحم وأصَلَّ إذا أَنْتَنَ وَتَغَيَّر، وكذلك. خَمَّ وَأَخَمَّ. ثم قال الله تعالى ﴿بَلْ هُم بِلَقَآءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ﴾ أي: جاحدون للبعث بعد الموت والرجوع إلى الله (جلّ وعزَّ).

السجدة 32:11

قوله تعالى ذكره: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ ٱلْمَوْتِ﴾ إلى قوله: ﴿جَزَآءً بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾. أي: قل يا محمد لهؤلاء المنكرين للبعث: يتوفاكم ملك الموت. أي: يستوفي عددكم بقبض أرواحكم، ثم إلى ربكم بعد قبض أرواحكم تردون يوم القيامة فيجازيكم بأعمالكم. قال قتادة: ملك الموت يتوفاكم ومعه أعوان من الملائكة. ودليله قوله تعالى: ﴿تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لاَ يُفَرِّطُونَ﴾ [الأنعام: ٦١]. وملك الموت اسمه: عزرائيل، وهو بالعربية عبد الجبار ﷺ، وعلى جميع الملائكة والنبيئين والمرسلين. قال مجاهد: جوبت لملك الموت الأرض، فجعلت له مثل الطست يتناول منها حيث يشاء. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَىٰ إِذِ ٱلْمُجْرِمُونَ نَاكِسُواْ رُءُوسِهِمْ عِندَ رَبِّهِمْ﴾. أي: لو رأيت يا محمد هؤلاء المنكرين للبعث ناكسوا رؤوسهم عند ربهم حياء منه للذي سلف من كفرهم وإنكارهم للبعث يقولون: ﴿رَبَّنَآ أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا﴾. أي: أبصرنا ما كنا نكذب به من عذابك، ومعادنا إليك، وسمعنا منك، وتصديق ما كانت الرسل تأتنا به وتأمرنا به. ﴿فَٱرْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً﴾ أي: أرددنا إلى الدنيا نعمل فيها بطاعتك. ﴿إِنَّا مُوقِنُونَ﴾ أي: قد أيقنا الآن ما كنا به في الدنيا جهالاً من توحيدك وإفرادك بالعبادة. وقيل: المخاطبة هنا للمجرمين. والمعنى: قل يا محمد للمجرم: لو ترى إذ المجرمون ناكسوا رؤوسهم عند ربهم لندمت على ما كان منك. وجواب لو محذوف، والتقدير: لرأيت ما تعتبر به اعتباراً شديداً. ومعنى: ﴿رَبَّنَآ أَبْصَرْنَا﴾ أي: يقولون يا ربنا أبصرنا ما كنا نكذب به. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾ أي: رشدها وتوفيقها إلى الإيمان، وهذا مثل قوله: ﴿لَهَدَى ٱلنَّاسَ جَمِيعاً﴾ [الرعد: ٣١]. و﴿لَجَعَلَ ٱلنَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [هود: ١١٨]. ﴿وَلَـٰكِنْ حَقَّ ٱلْقَوْلُ مِنِّي﴾ أي: وجب العذاب مني. ﴿لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ﴾ يعني: من أهل الكفر والمعاصي. وروى ابن وهب وابن القاسم عن مالك أنه قال: سألني رجل أمس عن القدر؟ فقلت له: نعم قال الله عز وجل في كتابه ﴿وَلَوْ شِئْنَا لآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾ إلى (قوله): ﴿أَجْمَعِينَ﴾ حقت كلمة ربك لأملأن جهنم منهم، فلا بد أن يكون ما قال: قال قتادة: لو شاء الله لهدى الناس جميعاً، لو شاء لأنزل عليهم آية من السماء تضطرهم إلى الإيمان. فالمعنى: لو شئنا لأعطينا كل إنسان توفيقاً يهتدي إلى الإيمان في الدنيا. وقيل المعنى: لو شئنا لرددناهم إلى الدنيا كما سألوا فيعملوا بالطاعة. ولكن حقَّ القول مني لأعذبنَّ من عصاني، وقد علم الله أنهم لو ردوا لعادوا إلى كفرهم كما قال في "الأنعام". ثم قال تعالى (ذكره): ﴿فَذُوقُواْ بِمَا نَسِيتُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَـٰذَآ﴾ أي ذوقوا عذاب الله بترككم العمل للقاء يومكم. ﴿إِنَّا نَسِينَاكُمْ﴾ أي: تركناكم في النار. وقيل: إن الأول من النسيان لأنهم لما لم يعملوا ليوم القيامة كانوا بمنزلة الناسي له. ثم قال [تعالى]: ﴿وَذُوقُـواْ عَذَابَ ٱلْخُلْدِ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾. أي: ويقال لهم: ذوقوا عذاباً تخلدون فيه إلى مَا لاَ نِهَايَة له بما كنتم تعملون في الدنيا من المعاصي. ثم قال [تعالى ذكره]: ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُواْ بِهَا خَرُّواْ سُجَّداً﴾ أي: إذا ذكروا ووعظوا خروا لله سجداً تذللاً واستكانة لعظمته وإقراراً له بالعبودية. ﴿وَسَبَّحُواْ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ أي: سبحوا لله في سجودهم بحمده وبَرَؤَّوه مما وصفه به الكافرون. ﴿وَهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ﴾: أي: عن السجود له والتسبيح. وروي أن هذه الآية نزلت على النبي ﷺ لأن قوماً من المنافقين كانوا يخرجون من المسجد إذا أقيمت الصلاة. * * ثم قال تعالى: ﴿تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمْ عَنِ ٱلْمَضَاجِعِ﴾ أي: ترتفع وتنبوا جنوب هؤلاء الذين تقدم ذكرهم من المؤمنين عن مضاجعهم. ﴿يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً﴾ أي: خوفاً من عذابه وطمعاً في رحمته. قاله قتادة. و ﴿تَتَجَافَىٰ﴾: تتفاعل من الجفاء [وهو] النَّبْؤ. ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾ أي: يزكون ما يجب عليهم في أموالهم. قال أنس في قوله: ﴿كَانُواْ قَلِيلاً مِّن ٱللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾ [الذاريات: ١٧]. قال: كانوا يصلون بين المغرب والعشاء. وكذلك ﴿تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمْ عَنِ ٱلْمَضَاجِعِ﴾. وقال عطاء بن أبي سلمة: عني بذلك صلاة العتمة. وقال الحسن: عني بذلك قيام الليل. وقاله الأوزاعي. وهو قول مالك بن أنس. وعن أنس: أنه عني بذلك أيضاً صلاة العتمة. وقال ابن عباس: عني بذلك ملازمة ذكر الله، فكلما انتبهوا ذكروا الله، إما في صلاة، وإما في قيام، وإما في قعود، أو على جنوبهم لا يزالون يذكرون الله. وهو قول الضحاك. وروى معاذ بن جبل أن النبي ﷺ قال له: ألاَ أدُلُّكَ عَلَى أبْوَابَ الْخيرِ؟ [قال]: الصَّوْمُ جنَّةٌ، والصَّدَقَةُ تُكَفِّرُ الخَطِيئَةَ، وَقِيَّامُ العَبْدِ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ، وتَلاَ هذِهِ الآية: ﴿تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمْ﴾ ثم قال تعالى: ﴿فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّآ أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾. أي: ما خبئ لهؤلاء الذين تقدمت صفتهم في الآيتين مما تَقِرُّ به أعينهم في الجنة جزاء بأعمالهم. وقرأ ابن مسعود: "ما نُخْفِيَ لَهُمْ" بالنون. فهذا شاهد لقراءة حمزة بإسكان الياء، فالقراءتان جرتا على الإخبار عن الله جلَّ ذكره، و "ما" في موضع نصب بـ "تعلم" إن جعلتها بمعنى الذي في جميع القراءات وإن جعلتها استفهاماً كانت في موضع رفع على قراءة الجماعة، وفي موضع نصب على قراءة حمزة وابن مسعود بأخفي. وروى أبو هريرة: أن النبي صلى الله عليه [وسلّم] "قرأ" (مِنْ قرَّاتِ أعيْنٍ) بالجمع". وروى أيضاً عن النبي عليه السلام أنه قال: "قَالَ رَبُّكُمْ: أَعْدَدْتُ لِعِبَادِي الصَّالحِينَ مَا لاَ عَينٌ رَأَتْ وَلاَ أُذُنٌ سَمِعَتْ وَلاَ خَطَرَ عَلَى قَلْبِ. بَشَرٍ، فاقرؤوا إِنْ شِئْتُمْ: فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أخْفِيَ (لَهُمْ) الآية وقال ابن مسعود: "مَكْتُوبٌ فِي التَّورَاةِ: لَقَدْ أعدَّ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لِلذِينَ تَتَجَافَى جُنُوبُهُمُ عَنِ المَضَاجِع مَا لَمْ تَرَ عَيْنٌ، وَلَم يَخْطُر عَلَى قَلْبِ بَشرٍ، وَلَمْ تَسْمعْ أٌُذُنُ وَمَا لاَ يُعْلَمُه ملَكٌ مُقَرَّبٌ. قَالَ: وَنَحْنُ نَقْرَؤهَا: ﴿فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّآ أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾. وروى الشعبي عن المغيرة بن شعبة: أن النبي ﷺ قال: "سَأَلَ موسَى ربَّه فَقالَ: أيّ ربِّ أخبِرْنِي بِأدْنَى أهل الجنة مَنْزِلةً فَقَالَ: رجُلٌ أَتى بَعدمَا أُنْزِلَ، أهل الجَنَّةِ مَنَازِلَهُم وأخَذُوا أخَذَاتِهِم، فَقِيلَ له: ادخل الجنة، فقال: أيْ رَبّ، وقد نَزَل النَّاسُ مَنَازِلَهُم وأخَذُوا أخَذَاتِهُم، فقيل له: أترضى مثل مُلْكِ مَلِكٍ من مُلُوك الدنيا؟ قال: رَضِيتُ أيْ رَبِّ، فَقَالَ: فَإِنَّ لَكَ ما اشْتَهَتْ نَفْسُكَ، وَمِثْلُه [معه]، ومِثْلُهُ وَمِثْلُهُ إنْ رَضيتَ، فقال: رَضيتُ أيْ ربِّ، قال: فإن لَكَ ما اشتهت نفسك وَلَذَّت عينك، قال: أي رب، فأخْبِرنِي بأعْلَى أهل الجنة مَنزِلَةً، فقال: أولئك الذِينَ أَرَدْتُ وَسَوفَ أخْبِرُكَ عَنْهُم، إنّي غَرَسْتُ كَرَامَتَهُم بِيَدي وَخَتَمْتُ عليها، وَلَمْ تَدْرِ نفسٌ وَلَمْ تَرَ عَينٌ وَلَمْ تَسْمَعْ أذْنٌ وَلَم يَخْطُر عَلَى قَلْب بَشَرٍ وَمِصْداقُ ذَلِكَ فِي كِتَابِ اللهِ عز وجل ﴿فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّآ أُخْفِيَ لَهُم﴾ الآية وقيل: إن معنى الآية في ثواب الجهاد، أي: لا تعلم نفس ما أخفي لها من ثواب الجهاد في سبيل الله، ذكره ابن وهب عن رجاله. قال سليمان بن عامر: الجنة مائة درجة فأولها درجة من فضة، أرضها فضة ومساكنها فضة، وآنيتُها فضة، وترابها مسك، والثانية ذهب، وأرضها ذهب، ومساكنها ذهب وآنيَّتُها ذهب وترابها مسك، والثالثة لؤلؤ (و) أرضها لؤلؤ ومساكنها لؤلؤ وآنيَّتُها لؤلؤ وترابها مسك، وسبعة وتسعون درجة بعد ذلك ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، قال الله تعالى: ﴿فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّآ أُخْفِيَ لَهُم﴾ الآية. وعن ابن سيرين أنه قال في الآية: إنه النظر إلى الله عز وجل.

السجدة 32:12

قوله تعالى ذكره: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ ٱلْمَوْتِ﴾ إلى قوله: ﴿جَزَآءً بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾. أي: قل يا محمد لهؤلاء المنكرين للبعث: يتوفاكم ملك الموت. أي: يستوفي عددكم بقبض أرواحكم، ثم إلى ربكم بعد قبض أرواحكم تردون يوم القيامة فيجازيكم بأعمالكم. قال قتادة: ملك الموت يتوفاكم ومعه أعوان من الملائكة. ودليله قوله تعالى: ﴿تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لاَ يُفَرِّطُونَ﴾ [الأنعام: ٦١]. وملك الموت اسمه: عزرائيل، وهو بالعربية عبد الجبار ﷺ، وعلى جميع الملائكة والنبيئين والمرسلين. قال مجاهد: جوبت لملك الموت الأرض، فجعلت له مثل الطست يتناول منها حيث يشاء. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَىٰ إِذِ ٱلْمُجْرِمُونَ نَاكِسُواْ رُءُوسِهِمْ عِندَ رَبِّهِمْ﴾. أي: لو رأيت يا محمد هؤلاء المنكرين للبعث ناكسوا رؤوسهم عند ربهم حياء منه للذي سلف من كفرهم وإنكارهم للبعث يقولون: ﴿رَبَّنَآ أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا﴾. أي: أبصرنا ما كنا نكذب به من عذابك، ومعادنا إليك، وسمعنا منك، وتصديق ما كانت الرسل تأتنا به وتأمرنا به. ﴿فَٱرْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً﴾ أي: أرددنا إلى الدنيا نعمل فيها بطاعتك. ﴿إِنَّا مُوقِنُونَ﴾ أي: قد أيقنا الآن ما كنا به في الدنيا جهالاً من توحيدك وإفرادك بالعبادة. وقيل: المخاطبة هنا للمجرمين. والمعنى: قل يا محمد للمجرم: لو ترى إذ المجرمون ناكسوا رؤوسهم عند ربهم لندمت على ما كان منك. وجواب لو محذوف، والتقدير: لرأيت ما تعتبر به اعتباراً شديداً. ومعنى: ﴿رَبَّنَآ أَبْصَرْنَا﴾ أي: يقولون يا ربنا أبصرنا ما كنا نكذب به. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾ أي: رشدها وتوفيقها إلى الإيمان، وهذا مثل قوله: ﴿لَهَدَى ٱلنَّاسَ جَمِيعاً﴾ [الرعد: ٣١]. و﴿لَجَعَلَ ٱلنَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [هود: ١١٨]. ﴿وَلَـٰكِنْ حَقَّ ٱلْقَوْلُ مِنِّي﴾ أي: وجب العذاب مني. ﴿لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ﴾ يعني: من أهل الكفر والمعاصي. وروى ابن وهب وابن القاسم عن مالك أنه قال: سألني رجل أمس عن القدر؟ فقلت له: نعم قال الله عز وجل في كتابه ﴿وَلَوْ شِئْنَا لآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾ إلى (قوله): ﴿أَجْمَعِينَ﴾ حقت كلمة ربك لأملأن جهنم منهم، فلا بد أن يكون ما قال: قال قتادة: لو شاء الله لهدى الناس جميعاً، لو شاء لأنزل عليهم آية من السماء تضطرهم إلى الإيمان. فالمعنى: لو شئنا لأعطينا كل إنسان توفيقاً يهتدي إلى الإيمان في الدنيا. وقيل المعنى: لو شئنا لرددناهم إلى الدنيا كما سألوا فيعملوا بالطاعة. ولكن حقَّ القول مني لأعذبنَّ من عصاني، وقد علم الله أنهم لو ردوا لعادوا إلى كفرهم كما قال في "الأنعام". ثم قال تعالى (ذكره): ﴿فَذُوقُواْ بِمَا نَسِيتُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَـٰذَآ﴾ أي ذوقوا عذاب الله بترككم العمل للقاء يومكم. ﴿إِنَّا نَسِينَاكُمْ﴾ أي: تركناكم في النار. وقيل: إن الأول من النسيان لأنهم لما لم يعملوا ليوم القيامة كانوا بمنزلة الناسي له. ثم قال [تعالى]: ﴿وَذُوقُـواْ عَذَابَ ٱلْخُلْدِ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾. أي: ويقال لهم: ذوقوا عذاباً تخلدون فيه إلى مَا لاَ نِهَايَة له بما كنتم تعملون في الدنيا من المعاصي. ثم قال [تعالى ذكره]: ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُواْ بِهَا خَرُّواْ سُجَّداً﴾ أي: إذا ذكروا ووعظوا خروا لله سجداً تذللاً واستكانة لعظمته وإقراراً له بالعبودية. ﴿وَسَبَّحُواْ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ أي: سبحوا لله في سجودهم بحمده وبَرَؤَّوه مما وصفه به الكافرون. ﴿وَهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ﴾: أي: عن السجود له والتسبيح. وروي أن هذه الآية نزلت على النبي ﷺ لأن قوماً من المنافقين كانوا يخرجون من المسجد إذا أقيمت الصلاة. * * ثم قال تعالى: ﴿تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمْ عَنِ ٱلْمَضَاجِعِ﴾ أي: ترتفع وتنبوا جنوب هؤلاء الذين تقدم ذكرهم من المؤمنين عن مضاجعهم. ﴿يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً﴾ أي: خوفاً من عذابه وطمعاً في رحمته. قاله قتادة. و ﴿تَتَجَافَىٰ﴾: تتفاعل من الجفاء [وهو] النَّبْؤ. ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾ أي: يزكون ما يجب عليهم في أموالهم. قال أنس في قوله: ﴿كَانُواْ قَلِيلاً مِّن ٱللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾ [الذاريات: ١٧]. قال: كانوا يصلون بين المغرب والعشاء. وكذلك ﴿تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمْ عَنِ ٱلْمَضَاجِعِ﴾. وقال عطاء بن أبي سلمة: عني بذلك صلاة العتمة. وقال الحسن: عني بذلك قيام الليل. وقاله الأوزاعي. وهو قول مالك بن أنس. وعن أنس: أنه عني بذلك أيضاً صلاة العتمة. وقال ابن عباس: عني بذلك ملازمة ذكر الله، فكلما انتبهوا ذكروا الله، إما في صلاة، وإما في قيام، وإما في قعود، أو على جنوبهم لا يزالون يذكرون الله. وهو قول الضحاك. وروى معاذ بن جبل أن النبي ﷺ قال له: ألاَ أدُلُّكَ عَلَى أبْوَابَ الْخيرِ؟ [قال]: الصَّوْمُ جنَّةٌ، والصَّدَقَةُ تُكَفِّرُ الخَطِيئَةَ، وَقِيَّامُ العَبْدِ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ، وتَلاَ هذِهِ الآية: ﴿تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمْ﴾ ثم قال تعالى: ﴿فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّآ أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾. أي: ما خبئ لهؤلاء الذين تقدمت صفتهم في الآيتين مما تَقِرُّ به أعينهم في الجنة جزاء بأعمالهم. وقرأ ابن مسعود: "ما نُخْفِيَ لَهُمْ" بالنون. فهذا شاهد لقراءة حمزة بإسكان الياء، فالقراءتان جرتا على الإخبار عن الله جلَّ ذكره، و "ما" في موضع نصب بـ "تعلم" إن جعلتها بمعنى الذي في جميع القراءات وإن جعلتها استفهاماً كانت في موضع رفع على قراءة الجماعة، وفي موضع نصب على قراءة حمزة وابن مسعود بأخفي. وروى أبو هريرة: أن النبي صلى الله عليه [وسلّم] "قرأ" (مِنْ قرَّاتِ أعيْنٍ) بالجمع". وروى أيضاً عن النبي عليه السلام أنه قال: "قَالَ رَبُّكُمْ: أَعْدَدْتُ لِعِبَادِي الصَّالحِينَ مَا لاَ عَينٌ رَأَتْ وَلاَ أُذُنٌ سَمِعَتْ وَلاَ خَطَرَ عَلَى قَلْبِ. بَشَرٍ، فاقرؤوا إِنْ شِئْتُمْ: فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أخْفِيَ (لَهُمْ) الآية وقال ابن مسعود: "مَكْتُوبٌ فِي التَّورَاةِ: لَقَدْ أعدَّ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لِلذِينَ تَتَجَافَى جُنُوبُهُمُ عَنِ المَضَاجِع مَا لَمْ تَرَ عَيْنٌ، وَلَم يَخْطُر عَلَى قَلْبِ بَشرٍ، وَلَمْ تَسْمعْ أٌُذُنُ وَمَا لاَ يُعْلَمُه ملَكٌ مُقَرَّبٌ. قَالَ: وَنَحْنُ نَقْرَؤهَا: ﴿فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّآ أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾. وروى الشعبي عن المغيرة بن شعبة: أن النبي ﷺ قال: "سَأَلَ موسَى ربَّه فَقالَ: أيّ ربِّ أخبِرْنِي بِأدْنَى أهل الجنة مَنْزِلةً فَقَالَ: رجُلٌ أَتى بَعدمَا أُنْزِلَ، أهل الجَنَّةِ مَنَازِلَهُم وأخَذُوا أخَذَاتِهِم، فَقِيلَ له: ادخل الجنة، فقال: أيْ رَبّ، وقد نَزَل النَّاسُ مَنَازِلَهُم وأخَذُوا أخَذَاتِهُم، فقيل له: أترضى مثل مُلْكِ مَلِكٍ من مُلُوك الدنيا؟ قال: رَضِيتُ أيْ رَبِّ، فَقَالَ: فَإِنَّ لَكَ ما اشْتَهَتْ نَفْسُكَ، وَمِثْلُه [معه]، ومِثْلُهُ وَمِثْلُهُ إنْ رَضيتَ، فقال: رَضيتُ أيْ ربِّ، قال: فإن لَكَ ما اشتهت نفسك وَلَذَّت عينك، قال: أي رب، فأخْبِرنِي بأعْلَى أهل الجنة مَنزِلَةً، فقال: أولئك الذِينَ أَرَدْتُ وَسَوفَ أخْبِرُكَ عَنْهُم، إنّي غَرَسْتُ كَرَامَتَهُم بِيَدي وَخَتَمْتُ عليها، وَلَمْ تَدْرِ نفسٌ وَلَمْ تَرَ عَينٌ وَلَمْ تَسْمَعْ أذْنٌ وَلَم يَخْطُر عَلَى قَلْب بَشَرٍ وَمِصْداقُ ذَلِكَ فِي كِتَابِ اللهِ عز وجل ﴿فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّآ أُخْفِيَ لَهُم﴾ الآية وقيل: إن معنى الآية في ثواب الجهاد، أي: لا تعلم نفس ما أخفي لها من ثواب الجهاد في سبيل الله، ذكره ابن وهب عن رجاله. قال سليمان بن عامر: الجنة مائة درجة فأولها درجة من فضة، أرضها فضة ومساكنها فضة، وآنيتُها فضة، وترابها مسك، والثانية ذهب، وأرضها ذهب، ومساكنها ذهب وآنيَّتُها ذهب وترابها مسك، والثالثة لؤلؤ (و) أرضها لؤلؤ ومساكنها لؤلؤ وآنيَّتُها لؤلؤ وترابها مسك، وسبعة وتسعون درجة بعد ذلك ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، قال الله تعالى: ﴿فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّآ أُخْفِيَ لَهُم﴾ الآية. وعن ابن سيرين أنه قال في الآية: إنه النظر إلى الله عز وجل.

السجدة 32:13

قوله تعالى ذكره: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ ٱلْمَوْتِ﴾ إلى قوله: ﴿جَزَآءً بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾. أي: قل يا محمد لهؤلاء المنكرين للبعث: يتوفاكم ملك الموت. أي: يستوفي عددكم بقبض أرواحكم، ثم إلى ربكم بعد قبض أرواحكم تردون يوم القيامة فيجازيكم بأعمالكم. قال قتادة: ملك الموت يتوفاكم ومعه أعوان من الملائكة. ودليله قوله تعالى: ﴿تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لاَ يُفَرِّطُونَ﴾ [الأنعام: ٦١]. وملك الموت اسمه: عزرائيل، وهو بالعربية عبد الجبار ﷺ، وعلى جميع الملائكة والنبيئين والمرسلين. قال مجاهد: جوبت لملك الموت الأرض، فجعلت له مثل الطست يتناول منها حيث يشاء. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَىٰ إِذِ ٱلْمُجْرِمُونَ نَاكِسُواْ رُءُوسِهِمْ عِندَ رَبِّهِمْ﴾. أي: لو رأيت يا محمد هؤلاء المنكرين للبعث ناكسوا رؤوسهم عند ربهم حياء منه للذي سلف من كفرهم وإنكارهم للبعث يقولون: ﴿رَبَّنَآ أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا﴾. أي: أبصرنا ما كنا نكذب به من عذابك، ومعادنا إليك، وسمعنا منك، وتصديق ما كانت الرسل تأتنا به وتأمرنا به. ﴿فَٱرْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً﴾ أي: أرددنا إلى الدنيا نعمل فيها بطاعتك. ﴿إِنَّا مُوقِنُونَ﴾ أي: قد أيقنا الآن ما كنا به في الدنيا جهالاً من توحيدك وإفرادك بالعبادة. وقيل: المخاطبة هنا للمجرمين. والمعنى: قل يا محمد للمجرم: لو ترى إذ المجرمون ناكسوا رؤوسهم عند ربهم لندمت على ما كان منك. وجواب لو محذوف، والتقدير: لرأيت ما تعتبر به اعتباراً شديداً. ومعنى: ﴿رَبَّنَآ أَبْصَرْنَا﴾ أي: يقولون يا ربنا أبصرنا ما كنا نكذب به. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾ أي: رشدها وتوفيقها إلى الإيمان، وهذا مثل قوله: ﴿لَهَدَى ٱلنَّاسَ جَمِيعاً﴾ [الرعد: ٣١]. و﴿لَجَعَلَ ٱلنَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [هود: ١١٨]. ﴿وَلَـٰكِنْ حَقَّ ٱلْقَوْلُ مِنِّي﴾ أي: وجب العذاب مني. ﴿لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ﴾ يعني: من أهل الكفر والمعاصي. وروى ابن وهب وابن القاسم عن مالك أنه قال: سألني رجل أمس عن القدر؟ فقلت له: نعم قال الله عز وجل في كتابه ﴿وَلَوْ شِئْنَا لآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾ إلى (قوله): ﴿أَجْمَعِينَ﴾ حقت كلمة ربك لأملأن جهنم منهم، فلا بد أن يكون ما قال: قال قتادة: لو شاء الله لهدى الناس جميعاً، لو شاء لأنزل عليهم آية من السماء تضطرهم إلى الإيمان. فالمعنى: لو شئنا لأعطينا كل إنسان توفيقاً يهتدي إلى الإيمان في الدنيا. وقيل المعنى: لو شئنا لرددناهم إلى الدنيا كما سألوا فيعملوا بالطاعة. ولكن حقَّ القول مني لأعذبنَّ من عصاني، وقد علم الله أنهم لو ردوا لعادوا إلى كفرهم كما قال في "الأنعام". ثم قال تعالى (ذكره): ﴿فَذُوقُواْ بِمَا نَسِيتُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَـٰذَآ﴾ أي ذوقوا عذاب الله بترككم العمل للقاء يومكم. ﴿إِنَّا نَسِينَاكُمْ﴾ أي: تركناكم في النار. وقيل: إن الأول من النسيان لأنهم لما لم يعملوا ليوم القيامة كانوا بمنزلة الناسي له. ثم قال [تعالى]: ﴿وَذُوقُـواْ عَذَابَ ٱلْخُلْدِ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾. أي: ويقال لهم: ذوقوا عذاباً تخلدون فيه إلى مَا لاَ نِهَايَة له بما كنتم تعملون في الدنيا من المعاصي. ثم قال [تعالى ذكره]: ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُواْ بِهَا خَرُّواْ سُجَّداً﴾ أي: إذا ذكروا ووعظوا خروا لله سجداً تذللاً واستكانة لعظمته وإقراراً له بالعبودية. ﴿وَسَبَّحُواْ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ أي: سبحوا لله في سجودهم بحمده وبَرَؤَّوه مما وصفه به الكافرون. ﴿وَهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ﴾: أي: عن السجود له والتسبيح. وروي أن هذه الآية نزلت على النبي ﷺ لأن قوماً من المنافقين كانوا يخرجون من المسجد إذا أقيمت الصلاة. * * ثم قال تعالى: ﴿تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمْ عَنِ ٱلْمَضَاجِعِ﴾ أي: ترتفع وتنبوا جنوب هؤلاء الذين تقدم ذكرهم من المؤمنين عن مضاجعهم. ﴿يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً﴾ أي: خوفاً من عذابه وطمعاً في رحمته. قاله قتادة. و ﴿تَتَجَافَىٰ﴾: تتفاعل من الجفاء [وهو] النَّبْؤ. ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾ أي: يزكون ما يجب عليهم في أموالهم. قال أنس في قوله: ﴿كَانُواْ قَلِيلاً مِّن ٱللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾ [الذاريات: ١٧]. قال: كانوا يصلون بين المغرب والعشاء. وكذلك ﴿تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمْ عَنِ ٱلْمَضَاجِعِ﴾. وقال عطاء بن أبي سلمة: عني بذلك صلاة العتمة. وقال الحسن: عني بذلك قيام الليل. وقاله الأوزاعي. وهو قول مالك بن أنس. وعن أنس: أنه عني بذلك أيضاً صلاة العتمة. وقال ابن عباس: عني بذلك ملازمة ذكر الله، فكلما انتبهوا ذكروا الله، إما في صلاة، وإما في قيام، وإما في قعود، أو على جنوبهم لا يزالون يذكرون الله. وهو قول الضحاك. وروى معاذ بن جبل أن النبي ﷺ قال له: ألاَ أدُلُّكَ عَلَى أبْوَابَ الْخيرِ؟ [قال]: الصَّوْمُ جنَّةٌ، والصَّدَقَةُ تُكَفِّرُ الخَطِيئَةَ، وَقِيَّامُ العَبْدِ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ، وتَلاَ هذِهِ الآية: ﴿تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمْ﴾ ثم قال تعالى: ﴿فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّآ أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾. أي: ما خبئ لهؤلاء الذين تقدمت صفتهم في الآيتين مما تَقِرُّ به أعينهم في الجنة جزاء بأعمالهم. وقرأ ابن مسعود: "ما نُخْفِيَ لَهُمْ" بالنون. فهذا شاهد لقراءة حمزة بإسكان الياء، فالقراءتان جرتا على الإخبار عن الله جلَّ ذكره، و "ما" في موضع نصب بـ "تعلم" إن جعلتها بمعنى الذي في جميع القراءات وإن جعلتها استفهاماً كانت في موضع رفع على قراءة الجماعة، وفي موضع نصب على قراءة حمزة وابن مسعود بأخفي. وروى أبو هريرة: أن النبي صلى الله عليه [وسلّم] "قرأ" (مِنْ قرَّاتِ أعيْنٍ) بالجمع". وروى أيضاً عن النبي عليه السلام أنه قال: "قَالَ رَبُّكُمْ: أَعْدَدْتُ لِعِبَادِي الصَّالحِينَ مَا لاَ عَينٌ رَأَتْ وَلاَ أُذُنٌ سَمِعَتْ وَلاَ خَطَرَ عَلَى قَلْبِ. بَشَرٍ، فاقرؤوا إِنْ شِئْتُمْ: فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أخْفِيَ (لَهُمْ) الآية وقال ابن مسعود: "مَكْتُوبٌ فِي التَّورَاةِ: لَقَدْ أعدَّ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لِلذِينَ تَتَجَافَى جُنُوبُهُمُ عَنِ المَضَاجِع مَا لَمْ تَرَ عَيْنٌ، وَلَم يَخْطُر عَلَى قَلْبِ بَشرٍ، وَلَمْ تَسْمعْ أٌُذُنُ وَمَا لاَ يُعْلَمُه ملَكٌ مُقَرَّبٌ. قَالَ: وَنَحْنُ نَقْرَؤهَا: ﴿فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّآ أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾. وروى الشعبي عن المغيرة بن شعبة: أن النبي ﷺ قال: "سَأَلَ موسَى ربَّه فَقالَ: أيّ ربِّ أخبِرْنِي بِأدْنَى أهل الجنة مَنْزِلةً فَقَالَ: رجُلٌ أَتى بَعدمَا أُنْزِلَ، أهل الجَنَّةِ مَنَازِلَهُم وأخَذُوا أخَذَاتِهِم، فَقِيلَ له: ادخل الجنة، فقال: أيْ رَبّ، وقد نَزَل النَّاسُ مَنَازِلَهُم وأخَذُوا أخَذَاتِهُم، فقيل له: أترضى مثل مُلْكِ مَلِكٍ من مُلُوك الدنيا؟ قال: رَضِيتُ أيْ رَبِّ، فَقَالَ: فَإِنَّ لَكَ ما اشْتَهَتْ نَفْسُكَ، وَمِثْلُه [معه]، ومِثْلُهُ وَمِثْلُهُ إنْ رَضيتَ، فقال: رَضيتُ أيْ ربِّ، قال: فإن لَكَ ما اشتهت نفسك وَلَذَّت عينك، قال: أي رب، فأخْبِرنِي بأعْلَى أهل الجنة مَنزِلَةً، فقال: أولئك الذِينَ أَرَدْتُ وَسَوفَ أخْبِرُكَ عَنْهُم، إنّي غَرَسْتُ كَرَامَتَهُم بِيَدي وَخَتَمْتُ عليها، وَلَمْ تَدْرِ نفسٌ وَلَمْ تَرَ عَينٌ وَلَمْ تَسْمَعْ أذْنٌ وَلَم يَخْطُر عَلَى قَلْب بَشَرٍ وَمِصْداقُ ذَلِكَ فِي كِتَابِ اللهِ عز وجل ﴿فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّآ أُخْفِيَ لَهُم﴾ الآية وقيل: إن معنى الآية في ثواب الجهاد، أي: لا تعلم نفس ما أخفي لها من ثواب الجهاد في سبيل الله، ذكره ابن وهب عن رجاله. قال سليمان بن عامر: الجنة مائة درجة فأولها درجة من فضة، أرضها فضة ومساكنها فضة، وآنيتُها فضة، وترابها مسك، والثانية ذهب، وأرضها ذهب، ومساكنها ذهب وآنيَّتُها ذهب وترابها مسك، والثالثة لؤلؤ (و) أرضها لؤلؤ ومساكنها لؤلؤ وآنيَّتُها لؤلؤ وترابها مسك، وسبعة وتسعون درجة بعد ذلك ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، قال الله تعالى: ﴿فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّآ أُخْفِيَ لَهُم﴾ الآية. وعن ابن سيرين أنه قال في الآية: إنه النظر إلى الله عز وجل.

السجدة 32:14

قوله تعالى ذكره: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ ٱلْمَوْتِ﴾ إلى قوله: ﴿جَزَآءً بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾. أي: قل يا محمد لهؤلاء المنكرين للبعث: يتوفاكم ملك الموت. أي: يستوفي عددكم بقبض أرواحكم، ثم إلى ربكم بعد قبض أرواحكم تردون يوم القيامة فيجازيكم بأعمالكم. قال قتادة: ملك الموت يتوفاكم ومعه أعوان من الملائكة. ودليله قوله تعالى: ﴿تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لاَ يُفَرِّطُونَ﴾ [الأنعام: ٦١]. وملك الموت اسمه: عزرائيل، وهو بالعربية عبد الجبار ﷺ، وعلى جميع الملائكة والنبيئين والمرسلين. قال مجاهد: جوبت لملك الموت الأرض، فجعلت له مثل الطست يتناول منها حيث يشاء. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَىٰ إِذِ ٱلْمُجْرِمُونَ نَاكِسُواْ رُءُوسِهِمْ عِندَ رَبِّهِمْ﴾. أي: لو رأيت يا محمد هؤلاء المنكرين للبعث ناكسوا رؤوسهم عند ربهم حياء منه للذي سلف من كفرهم وإنكارهم للبعث يقولون: ﴿رَبَّنَآ أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا﴾. أي: أبصرنا ما كنا نكذب به من عذابك، ومعادنا إليك، وسمعنا منك، وتصديق ما كانت الرسل تأتنا به وتأمرنا به. ﴿فَٱرْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً﴾ أي: أرددنا إلى الدنيا نعمل فيها بطاعتك. ﴿إِنَّا مُوقِنُونَ﴾ أي: قد أيقنا الآن ما كنا به في الدنيا جهالاً من توحيدك وإفرادك بالعبادة. وقيل: المخاطبة هنا للمجرمين. والمعنى: قل يا محمد للمجرم: لو ترى إذ المجرمون ناكسوا رؤوسهم عند ربهم لندمت على ما كان منك. وجواب لو محذوف، والتقدير: لرأيت ما تعتبر به اعتباراً شديداً. ومعنى: ﴿رَبَّنَآ أَبْصَرْنَا﴾ أي: يقولون يا ربنا أبصرنا ما كنا نكذب به. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾ أي: رشدها وتوفيقها إلى الإيمان، وهذا مثل قوله: ﴿لَهَدَى ٱلنَّاسَ جَمِيعاً﴾ [الرعد: ٣١]. و﴿لَجَعَلَ ٱلنَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [هود: ١١٨]. ﴿وَلَـٰكِنْ حَقَّ ٱلْقَوْلُ مِنِّي﴾ أي: وجب العذاب مني. ﴿لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ﴾ يعني: من أهل الكفر والمعاصي. وروى ابن وهب وابن القاسم عن مالك أنه قال: سألني رجل أمس عن القدر؟ فقلت له: نعم قال الله عز وجل في كتابه ﴿وَلَوْ شِئْنَا لآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾ إلى (قوله): ﴿أَجْمَعِينَ﴾ حقت كلمة ربك لأملأن جهنم منهم، فلا بد أن يكون ما قال: قال قتادة: لو شاء الله لهدى الناس جميعاً، لو شاء لأنزل عليهم آية من السماء تضطرهم إلى الإيمان. فالمعنى: لو شئنا لأعطينا كل إنسان توفيقاً يهتدي إلى الإيمان في الدنيا. وقيل المعنى: لو شئنا لرددناهم إلى الدنيا كما سألوا فيعملوا بالطاعة. ولكن حقَّ القول مني لأعذبنَّ من عصاني، وقد علم الله أنهم لو ردوا لعادوا إلى كفرهم كما قال في "الأنعام". ثم قال تعالى (ذكره): ﴿فَذُوقُواْ بِمَا نَسِيتُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَـٰذَآ﴾ أي ذوقوا عذاب الله بترككم العمل للقاء يومكم. ﴿إِنَّا نَسِينَاكُمْ﴾ أي: تركناكم في النار. وقيل: إن الأول من النسيان لأنهم لما لم يعملوا ليوم القيامة كانوا بمنزلة الناسي له. ثم قال [تعالى]: ﴿وَذُوقُـواْ عَذَابَ ٱلْخُلْدِ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾. أي: ويقال لهم: ذوقوا عذاباً تخلدون فيه إلى مَا لاَ نِهَايَة له بما كنتم تعملون في الدنيا من المعاصي. ثم قال [تعالى ذكره]: ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُواْ بِهَا خَرُّواْ سُجَّداً﴾ أي: إذا ذكروا ووعظوا خروا لله سجداً تذللاً واستكانة لعظمته وإقراراً له بالعبودية. ﴿وَسَبَّحُواْ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ أي: سبحوا لله في سجودهم بحمده وبَرَؤَّوه مما وصفه به الكافرون. ﴿وَهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ﴾: أي: عن السجود له والتسبيح. وروي أن هذه الآية نزلت على النبي ﷺ لأن قوماً من المنافقين كانوا يخرجون من المسجد إذا أقيمت الصلاة. * * ثم قال تعالى: ﴿تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمْ عَنِ ٱلْمَضَاجِعِ﴾ أي: ترتفع وتنبوا جنوب هؤلاء الذين تقدم ذكرهم من المؤمنين عن مضاجعهم. ﴿يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً﴾ أي: خوفاً من عذابه وطمعاً في رحمته. قاله قتادة. و ﴿تَتَجَافَىٰ﴾: تتفاعل من الجفاء [وهو] النَّبْؤ. ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾ أي: يزكون ما يجب عليهم في أموالهم. قال أنس في قوله: ﴿كَانُواْ قَلِيلاً مِّن ٱللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾ [الذاريات: ١٧]. قال: كانوا يصلون بين المغرب والعشاء. وكذلك ﴿تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمْ عَنِ ٱلْمَضَاجِعِ﴾. وقال عطاء بن أبي سلمة: عني بذلك صلاة العتمة. وقال الحسن: عني بذلك قيام الليل. وقاله الأوزاعي. وهو قول مالك بن أنس. وعن أنس: أنه عني بذلك أيضاً صلاة العتمة. وقال ابن عباس: عني بذلك ملازمة ذكر الله، فكلما انتبهوا ذكروا الله، إما في صلاة، وإما في قيام، وإما في قعود، أو على جنوبهم لا يزالون يذكرون الله. وهو قول الضحاك. وروى معاذ بن جبل أن النبي ﷺ قال له: ألاَ أدُلُّكَ عَلَى أبْوَابَ الْخيرِ؟ [قال]: الصَّوْمُ جنَّةٌ، والصَّدَقَةُ تُكَفِّرُ الخَطِيئَةَ، وَقِيَّامُ العَبْدِ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ، وتَلاَ هذِهِ الآية: ﴿تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمْ﴾ ثم قال تعالى: ﴿فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّآ أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾. أي: ما خبئ لهؤلاء الذين تقدمت صفتهم في الآيتين مما تَقِرُّ به أعينهم في الجنة جزاء بأعمالهم. وقرأ ابن مسعود: "ما نُخْفِيَ لَهُمْ" بالنون. فهذا شاهد لقراءة حمزة بإسكان الياء، فالقراءتان جرتا على الإخبار عن الله جلَّ ذكره، و "ما" في موضع نصب بـ "تعلم" إن جعلتها بمعنى الذي في جميع القراءات وإن جعلتها استفهاماً كانت في موضع رفع على قراءة الجماعة، وفي موضع نصب على قراءة حمزة وابن مسعود بأخفي. وروى أبو هريرة: أن النبي صلى الله عليه [وسلّم] "قرأ" (مِنْ قرَّاتِ أعيْنٍ) بالجمع". وروى أيضاً عن النبي عليه السلام أنه قال: "قَالَ رَبُّكُمْ: أَعْدَدْتُ لِعِبَادِي الصَّالحِينَ مَا لاَ عَينٌ رَأَتْ وَلاَ أُذُنٌ سَمِعَتْ وَلاَ خَطَرَ عَلَى قَلْبِ. بَشَرٍ، فاقرؤوا إِنْ شِئْتُمْ: فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أخْفِيَ (لَهُمْ) الآية وقال ابن مسعود: "مَكْتُوبٌ فِي التَّورَاةِ: لَقَدْ أعدَّ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لِلذِينَ تَتَجَافَى جُنُوبُهُمُ عَنِ المَضَاجِع مَا لَمْ تَرَ عَيْنٌ، وَلَم يَخْطُر عَلَى قَلْبِ بَشرٍ، وَلَمْ تَسْمعْ أٌُذُنُ وَمَا لاَ يُعْلَمُه ملَكٌ مُقَرَّبٌ. قَالَ: وَنَحْنُ نَقْرَؤهَا: ﴿فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّآ أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾. وروى الشعبي عن المغيرة بن شعبة: أن النبي ﷺ قال: "سَأَلَ موسَى ربَّه فَقالَ: أيّ ربِّ أخبِرْنِي بِأدْنَى أهل الجنة مَنْزِلةً فَقَالَ: رجُلٌ أَتى بَعدمَا أُنْزِلَ، أهل الجَنَّةِ مَنَازِلَهُم وأخَذُوا أخَذَاتِهِم، فَقِيلَ له: ادخل الجنة، فقال: أيْ رَبّ، وقد نَزَل النَّاسُ مَنَازِلَهُم وأخَذُوا أخَذَاتِهُم، فقيل له: أترضى مثل مُلْكِ مَلِكٍ من مُلُوك الدنيا؟ قال: رَضِيتُ أيْ رَبِّ، فَقَالَ: فَإِنَّ لَكَ ما اشْتَهَتْ نَفْسُكَ، وَمِثْلُه [معه]، ومِثْلُهُ وَمِثْلُهُ إنْ رَضيتَ، فقال: رَضيتُ أيْ ربِّ، قال: فإن لَكَ ما اشتهت نفسك وَلَذَّت عينك، قال: أي رب، فأخْبِرنِي بأعْلَى أهل الجنة مَنزِلَةً، فقال: أولئك الذِينَ أَرَدْتُ وَسَوفَ أخْبِرُكَ عَنْهُم، إنّي غَرَسْتُ كَرَامَتَهُم بِيَدي وَخَتَمْتُ عليها، وَلَمْ تَدْرِ نفسٌ وَلَمْ تَرَ عَينٌ وَلَمْ تَسْمَعْ أذْنٌ وَلَم يَخْطُر عَلَى قَلْب بَشَرٍ وَمِصْداقُ ذَلِكَ فِي كِتَابِ اللهِ عز وجل ﴿فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّآ أُخْفِيَ لَهُم﴾ الآية وقيل: إن معنى الآية في ثواب الجهاد، أي: لا تعلم نفس ما أخفي لها من ثواب الجهاد في سبيل الله، ذكره ابن وهب عن رجاله. قال سليمان بن عامر: الجنة مائة درجة فأولها درجة من فضة، أرضها فضة ومساكنها فضة، وآنيتُها فضة، وترابها مسك، والثانية ذهب، وأرضها ذهب، ومساكنها ذهب وآنيَّتُها ذهب وترابها مسك، والثالثة لؤلؤ (و) أرضها لؤلؤ ومساكنها لؤلؤ وآنيَّتُها لؤلؤ وترابها مسك، وسبعة وتسعون درجة بعد ذلك ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، قال الله تعالى: ﴿فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّآ أُخْفِيَ لَهُم﴾ الآية. وعن ابن سيرين أنه قال في الآية: إنه النظر إلى الله عز وجل.

السجدة 32:15

قوله تعالى ذكره: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ ٱلْمَوْتِ﴾ إلى قوله: ﴿جَزَآءً بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾. أي: قل يا محمد لهؤلاء المنكرين للبعث: يتوفاكم ملك الموت. أي: يستوفي عددكم بقبض أرواحكم، ثم إلى ربكم بعد قبض أرواحكم تردون يوم القيامة فيجازيكم بأعمالكم. قال قتادة: ملك الموت يتوفاكم ومعه أعوان من الملائكة. ودليله قوله تعالى: ﴿تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لاَ يُفَرِّطُونَ﴾ [الأنعام: ٦١]. وملك الموت اسمه: عزرائيل، وهو بالعربية عبد الجبار ﷺ، وعلى جميع الملائكة والنبيئين والمرسلين. قال مجاهد: جوبت لملك الموت الأرض، فجعلت له مثل الطست يتناول منها حيث يشاء. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَىٰ إِذِ ٱلْمُجْرِمُونَ نَاكِسُواْ رُءُوسِهِمْ عِندَ رَبِّهِمْ﴾. أي: لو رأيت يا محمد هؤلاء المنكرين للبعث ناكسوا رؤوسهم عند ربهم حياء منه للذي سلف من كفرهم وإنكارهم للبعث يقولون: ﴿رَبَّنَآ أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا﴾. أي: أبصرنا ما كنا نكذب به من عذابك، ومعادنا إليك، وسمعنا منك، وتصديق ما كانت الرسل تأتنا به وتأمرنا به. ﴿فَٱرْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً﴾ أي: أرددنا إلى الدنيا نعمل فيها بطاعتك. ﴿إِنَّا مُوقِنُونَ﴾ أي: قد أيقنا الآن ما كنا به في الدنيا جهالاً من توحيدك وإفرادك بالعبادة. وقيل: المخاطبة هنا للمجرمين. والمعنى: قل يا محمد للمجرم: لو ترى إذ المجرمون ناكسوا رؤوسهم عند ربهم لندمت على ما كان منك. وجواب لو محذوف، والتقدير: لرأيت ما تعتبر به اعتباراً شديداً. ومعنى: ﴿رَبَّنَآ أَبْصَرْنَا﴾ أي: يقولون يا ربنا أبصرنا ما كنا نكذب به. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾ أي: رشدها وتوفيقها إلى الإيمان، وهذا مثل قوله: ﴿لَهَدَى ٱلنَّاسَ جَمِيعاً﴾ [الرعد: ٣١]. و﴿لَجَعَلَ ٱلنَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [هود: ١١٨]. ﴿وَلَـٰكِنْ حَقَّ ٱلْقَوْلُ مِنِّي﴾ أي: وجب العذاب مني. ﴿لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ﴾ يعني: من أهل الكفر والمعاصي. وروى ابن وهب وابن القاسم عن مالك أنه قال: سألني رجل أمس عن القدر؟ فقلت له: نعم قال الله عز وجل في كتابه ﴿وَلَوْ شِئْنَا لآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾ إلى (قوله): ﴿أَجْمَعِينَ﴾ حقت كلمة ربك لأملأن جهنم منهم، فلا بد أن يكون ما قال: قال قتادة: لو شاء الله لهدى الناس جميعاً، لو شاء لأنزل عليهم آية من السماء تضطرهم إلى الإيمان. فالمعنى: لو شئنا لأعطينا كل إنسان توفيقاً يهتدي إلى الإيمان في الدنيا. وقيل المعنى: لو شئنا لرددناهم إلى الدنيا كما سألوا فيعملوا بالطاعة. ولكن حقَّ القول مني لأعذبنَّ من عصاني، وقد علم الله أنهم لو ردوا لعادوا إلى كفرهم كما قال في "الأنعام". ثم قال تعالى (ذكره): ﴿فَذُوقُواْ بِمَا نَسِيتُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَـٰذَآ﴾ أي ذوقوا عذاب الله بترككم العمل للقاء يومكم. ﴿إِنَّا نَسِينَاكُمْ﴾ أي: تركناكم في النار. وقيل: إن الأول من النسيان لأنهم لما لم يعملوا ليوم القيامة كانوا بمنزلة الناسي له. ثم قال [تعالى]: ﴿وَذُوقُـواْ عَذَابَ ٱلْخُلْدِ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾. أي: ويقال لهم: ذوقوا عذاباً تخلدون فيه إلى مَا لاَ نِهَايَة له بما كنتم تعملون في الدنيا من المعاصي. ثم قال [تعالى ذكره]: ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُواْ بِهَا خَرُّواْ سُجَّداً﴾ أي: إذا ذكروا ووعظوا خروا لله سجداً تذللاً واستكانة لعظمته وإقراراً له بالعبودية. ﴿وَسَبَّحُواْ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ أي: سبحوا لله في سجودهم بحمده وبَرَؤَّوه مما وصفه به الكافرون. ﴿وَهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ﴾: أي: عن السجود له والتسبيح. وروي أن هذه الآية نزلت على النبي ﷺ لأن قوماً من المنافقين كانوا يخرجون من المسجد إذا أقيمت الصلاة. * * ثم قال تعالى: ﴿تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمْ عَنِ ٱلْمَضَاجِعِ﴾ أي: ترتفع وتنبوا جنوب هؤلاء الذين تقدم ذكرهم من المؤمنين عن مضاجعهم. ﴿يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً﴾ أي: خوفاً من عذابه وطمعاً في رحمته. قاله قتادة. و ﴿تَتَجَافَىٰ﴾: تتفاعل من الجفاء [وهو] النَّبْؤ. ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾ أي: يزكون ما يجب عليهم في أموالهم. قال أنس في قوله: ﴿كَانُواْ قَلِيلاً مِّن ٱللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾ [الذاريات: ١٧]. قال: كانوا يصلون بين المغرب والعشاء. وكذلك ﴿تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمْ عَنِ ٱلْمَضَاجِعِ﴾. وقال عطاء بن أبي سلمة: عني بذلك صلاة العتمة. وقال الحسن: عني بذلك قيام الليل. وقاله الأوزاعي. وهو قول مالك بن أنس. وعن أنس: أنه عني بذلك أيضاً صلاة العتمة. وقال ابن عباس: عني بذلك ملازمة ذكر الله، فكلما انتبهوا ذكروا الله، إما في صلاة، وإما في قيام، وإما في قعود، أو على جنوبهم لا يزالون يذكرون الله. وهو قول الضحاك. وروى معاذ بن جبل أن النبي ﷺ قال له: ألاَ أدُلُّكَ عَلَى أبْوَابَ الْخيرِ؟ [قال]: الصَّوْمُ جنَّةٌ، والصَّدَقَةُ تُكَفِّرُ الخَطِيئَةَ، وَقِيَّامُ العَبْدِ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ، وتَلاَ هذِهِ الآية: ﴿تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمْ﴾ ثم قال تعالى: ﴿فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّآ أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾. أي: ما خبئ لهؤلاء الذين تقدمت صفتهم في الآيتين مما تَقِرُّ به أعينهم في الجنة جزاء بأعمالهم. وقرأ ابن مسعود: "ما نُخْفِيَ لَهُمْ" بالنون. فهذا شاهد لقراءة حمزة بإسكان الياء، فالقراءتان جرتا على الإخبار عن الله جلَّ ذكره، و "ما" في موضع نصب بـ "تعلم" إن جعلتها بمعنى الذي في جميع القراءات وإن جعلتها استفهاماً كانت في موضع رفع على قراءة الجماعة، وفي موضع نصب على قراءة حمزة وابن مسعود بأخفي. وروى أبو هريرة: أن النبي صلى الله عليه [وسلّم] "قرأ" (مِنْ قرَّاتِ أعيْنٍ) بالجمع". وروى أيضاً عن النبي عليه السلام أنه قال: "قَالَ رَبُّكُمْ: أَعْدَدْتُ لِعِبَادِي الصَّالحِينَ مَا لاَ عَينٌ رَأَتْ وَلاَ أُذُنٌ سَمِعَتْ وَلاَ خَطَرَ عَلَى قَلْبِ. بَشَرٍ، فاقرؤوا إِنْ شِئْتُمْ: فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أخْفِيَ (لَهُمْ) الآية وقال ابن مسعود: "مَكْتُوبٌ فِي التَّورَاةِ: لَقَدْ أعدَّ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لِلذِينَ تَتَجَافَى جُنُوبُهُمُ عَنِ المَضَاجِع مَا لَمْ تَرَ عَيْنٌ، وَلَم يَخْطُر عَلَى قَلْبِ بَشرٍ، وَلَمْ تَسْمعْ أٌُذُنُ وَمَا لاَ يُعْلَمُه ملَكٌ مُقَرَّبٌ. قَالَ: وَنَحْنُ نَقْرَؤهَا: ﴿فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّآ أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾. وروى الشعبي عن المغيرة بن شعبة: أن النبي ﷺ قال: "سَأَلَ موسَى ربَّه فَقالَ: أيّ ربِّ أخبِرْنِي بِأدْنَى أهل الجنة مَنْزِلةً فَقَالَ: رجُلٌ أَتى بَعدمَا أُنْزِلَ، أهل الجَنَّةِ مَنَازِلَهُم وأخَذُوا أخَذَاتِهِم، فَقِيلَ له: ادخل الجنة، فقال: أيْ رَبّ، وقد نَزَل النَّاسُ مَنَازِلَهُم وأخَذُوا أخَذَاتِهُم، فقيل له: أترضى مثل مُلْكِ مَلِكٍ من مُلُوك الدنيا؟ قال: رَضِيتُ أيْ رَبِّ، فَقَالَ: فَإِنَّ لَكَ ما اشْتَهَتْ نَفْسُكَ، وَمِثْلُه [معه]، ومِثْلُهُ وَمِثْلُهُ إنْ رَضيتَ، فقال: رَضيتُ أيْ ربِّ، قال: فإن لَكَ ما اشتهت نفسك وَلَذَّت عينك، قال: أي رب، فأخْبِرنِي بأعْلَى أهل الجنة مَنزِلَةً، فقال: أولئك الذِينَ أَرَدْتُ وَسَوفَ أخْبِرُكَ عَنْهُم، إنّي غَرَسْتُ كَرَامَتَهُم بِيَدي وَخَتَمْتُ عليها، وَلَمْ تَدْرِ نفسٌ وَلَمْ تَرَ عَينٌ وَلَمْ تَسْمَعْ أذْنٌ وَلَم يَخْطُر عَلَى قَلْب بَشَرٍ وَمِصْداقُ ذَلِكَ فِي كِتَابِ اللهِ عز وجل ﴿فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّآ أُخْفِيَ لَهُم﴾ الآية وقيل: إن معنى الآية في ثواب الجهاد، أي: لا تعلم نفس ما أخفي لها من ثواب الجهاد في سبيل الله، ذكره ابن وهب عن رجاله. قال سليمان بن عامر: الجنة مائة درجة فأولها درجة من فضة، أرضها فضة ومساكنها فضة، وآنيتُها فضة، وترابها مسك، والثانية ذهب، وأرضها ذهب، ومساكنها ذهب وآنيَّتُها ذهب وترابها مسك، والثالثة لؤلؤ (و) أرضها لؤلؤ ومساكنها لؤلؤ وآنيَّتُها لؤلؤ وترابها مسك، وسبعة وتسعون درجة بعد ذلك ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، قال الله تعالى: ﴿فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّآ أُخْفِيَ لَهُم﴾ الآية. وعن ابن سيرين أنه قال في الآية: إنه النظر إلى الله عز وجل.

السجدة 32:16

قوله تعالى ذكره: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ ٱلْمَوْتِ﴾ إلى قوله: ﴿جَزَآءً بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾. أي: قل يا محمد لهؤلاء المنكرين للبعث: يتوفاكم ملك الموت. أي: يستوفي عددكم بقبض أرواحكم، ثم إلى ربكم بعد قبض أرواحكم تردون يوم القيامة فيجازيكم بأعمالكم. قال قتادة: ملك الموت يتوفاكم ومعه أعوان من الملائكة. ودليله قوله تعالى: ﴿تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لاَ يُفَرِّطُونَ﴾ [الأنعام: ٦١]. وملك الموت اسمه: عزرائيل، وهو بالعربية عبد الجبار ﷺ، وعلى جميع الملائكة والنبيئين والمرسلين. قال مجاهد: جوبت لملك الموت الأرض، فجعلت له مثل الطست يتناول منها حيث يشاء. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَىٰ إِذِ ٱلْمُجْرِمُونَ نَاكِسُواْ رُءُوسِهِمْ عِندَ رَبِّهِمْ﴾. أي: لو رأيت يا محمد هؤلاء المنكرين للبعث ناكسوا رؤوسهم عند ربهم حياء منه للذي سلف من كفرهم وإنكارهم للبعث يقولون: ﴿رَبَّنَآ أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا﴾. أي: أبصرنا ما كنا نكذب به من عذابك، ومعادنا إليك، وسمعنا منك، وتصديق ما كانت الرسل تأتنا به وتأمرنا به. ﴿فَٱرْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً﴾ أي: أرددنا إلى الدنيا نعمل فيها بطاعتك. ﴿إِنَّا مُوقِنُونَ﴾ أي: قد أيقنا الآن ما كنا به في الدنيا جهالاً من توحيدك وإفرادك بالعبادة. وقيل: المخاطبة هنا للمجرمين. والمعنى: قل يا محمد للمجرم: لو ترى إذ المجرمون ناكسوا رؤوسهم عند ربهم لندمت على ما كان منك. وجواب لو محذوف، والتقدير: لرأيت ما تعتبر به اعتباراً شديداً. ومعنى: ﴿رَبَّنَآ أَبْصَرْنَا﴾ أي: يقولون يا ربنا أبصرنا ما كنا نكذب به. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾ أي: رشدها وتوفيقها إلى الإيمان، وهذا مثل قوله: ﴿لَهَدَى ٱلنَّاسَ جَمِيعاً﴾ [الرعد: ٣١]. و﴿لَجَعَلَ ٱلنَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [هود: ١١٨]. ﴿وَلَـٰكِنْ حَقَّ ٱلْقَوْلُ مِنِّي﴾ أي: وجب العذاب مني. ﴿لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ﴾ يعني: من أهل الكفر والمعاصي. وروى ابن وهب وابن القاسم عن مالك أنه قال: سألني رجل أمس عن القدر؟ فقلت له: نعم قال الله عز وجل في كتابه ﴿وَلَوْ شِئْنَا لآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾ إلى (قوله): ﴿أَجْمَعِينَ﴾ حقت كلمة ربك لأملأن جهنم منهم، فلا بد أن يكون ما قال: قال قتادة: لو شاء الله لهدى الناس جميعاً، لو شاء لأنزل عليهم آية من السماء تضطرهم إلى الإيمان. فالمعنى: لو شئنا لأعطينا كل إنسان توفيقاً يهتدي إلى الإيمان في الدنيا. وقيل المعنى: لو شئنا لرددناهم إلى الدنيا كما سألوا فيعملوا بالطاعة. ولكن حقَّ القول مني لأعذبنَّ من عصاني، وقد علم الله أنهم لو ردوا لعادوا إلى كفرهم كما قال في "الأنعام". ثم قال تعالى (ذكره): ﴿فَذُوقُواْ بِمَا نَسِيتُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَـٰذَآ﴾ أي ذوقوا عذاب الله بترككم العمل للقاء يومكم. ﴿إِنَّا نَسِينَاكُمْ﴾ أي: تركناكم في النار. وقيل: إن الأول من النسيان لأنهم لما لم يعملوا ليوم القيامة كانوا بمنزلة الناسي له. ثم قال [تعالى]: ﴿وَذُوقُـواْ عَذَابَ ٱلْخُلْدِ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾. أي: ويقال لهم: ذوقوا عذاباً تخلدون فيه إلى مَا لاَ نِهَايَة له بما كنتم تعملون في الدنيا من المعاصي. ثم قال [تعالى ذكره]: ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُواْ بِهَا خَرُّواْ سُجَّداً﴾ أي: إذا ذكروا ووعظوا خروا لله سجداً تذللاً واستكانة لعظمته وإقراراً له بالعبودية. ﴿وَسَبَّحُواْ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ أي: سبحوا لله في سجودهم بحمده وبَرَؤَّوه مما وصفه به الكافرون. ﴿وَهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ﴾: أي: عن السجود له والتسبيح. وروي أن هذه الآية نزلت على النبي ﷺ لأن قوماً من المنافقين كانوا يخرجون من المسجد إذا أقيمت الصلاة. * * ثم قال تعالى: ﴿تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمْ عَنِ ٱلْمَضَاجِعِ﴾ أي: ترتفع وتنبوا جنوب هؤلاء الذين تقدم ذكرهم من المؤمنين عن مضاجعهم. ﴿يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً﴾ أي: خوفاً من عذابه وطمعاً في رحمته. قاله قتادة. و ﴿تَتَجَافَىٰ﴾: تتفاعل من الجفاء [وهو] النَّبْؤ. ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾ أي: يزكون ما يجب عليهم في أموالهم. قال أنس في قوله: ﴿كَانُواْ قَلِيلاً مِّن ٱللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾ [الذاريات: ١٧]. قال: كانوا يصلون بين المغرب والعشاء. وكذلك ﴿تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمْ عَنِ ٱلْمَضَاجِعِ﴾. وقال عطاء بن أبي سلمة: عني بذلك صلاة العتمة. وقال الحسن: عني بذلك قيام الليل. وقاله الأوزاعي. وهو قول مالك بن أنس. وعن أنس: أنه عني بذلك أيضاً صلاة العتمة. وقال ابن عباس: عني بذلك ملازمة ذكر الله، فكلما انتبهوا ذكروا الله، إما في صلاة، وإما في قيام، وإما في قعود، أو على جنوبهم لا يزالون يذكرون الله. وهو قول الضحاك. وروى معاذ بن جبل أن النبي ﷺ قال له: ألاَ أدُلُّكَ عَلَى أبْوَابَ الْخيرِ؟ [قال]: الصَّوْمُ جنَّةٌ، والصَّدَقَةُ تُكَفِّرُ الخَطِيئَةَ، وَقِيَّامُ العَبْدِ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ، وتَلاَ هذِهِ الآية: ﴿تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمْ﴾ ثم قال تعالى: ﴿فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّآ أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾. أي: ما خبئ لهؤلاء الذين تقدمت صفتهم في الآيتين مما تَقِرُّ به أعينهم في الجنة جزاء بأعمالهم. وقرأ ابن مسعود: "ما نُخْفِيَ لَهُمْ" بالنون. فهذا شاهد لقراءة حمزة بإسكان الياء، فالقراءتان جرتا على الإخبار عن الله جلَّ ذكره، و "ما" في موضع نصب بـ "تعلم" إن جعلتها بمعنى الذي في جميع القراءات وإن جعلتها استفهاماً كانت في موضع رفع على قراءة الجماعة، وفي موضع نصب على قراءة حمزة وابن مسعود بأخفي. وروى أبو هريرة: أن النبي صلى الله عليه [وسلّم] "قرأ" (مِنْ قرَّاتِ أعيْنٍ) بالجمع". وروى أيضاً عن النبي عليه السلام أنه قال: "قَالَ رَبُّكُمْ: أَعْدَدْتُ لِعِبَادِي الصَّالحِينَ مَا لاَ عَينٌ رَأَتْ وَلاَ أُذُنٌ سَمِعَتْ وَلاَ خَطَرَ عَلَى قَلْبِ. بَشَرٍ، فاقرؤوا إِنْ شِئْتُمْ: فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أخْفِيَ (لَهُمْ) الآية وقال ابن مسعود: "مَكْتُوبٌ فِي التَّورَاةِ: لَقَدْ أعدَّ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لِلذِينَ تَتَجَافَى جُنُوبُهُمُ عَنِ المَضَاجِع مَا لَمْ تَرَ عَيْنٌ، وَلَم يَخْطُر عَلَى قَلْبِ بَشرٍ، وَلَمْ تَسْمعْ أٌُذُنُ وَمَا لاَ يُعْلَمُه ملَكٌ مُقَرَّبٌ. قَالَ: وَنَحْنُ نَقْرَؤهَا: ﴿فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّآ أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾. وروى الشعبي عن المغيرة بن شعبة: أن النبي ﷺ قال: "سَأَلَ موسَى ربَّه فَقالَ: أيّ ربِّ أخبِرْنِي بِأدْنَى أهل الجنة مَنْزِلةً فَقَالَ: رجُلٌ أَتى بَعدمَا أُنْزِلَ، أهل الجَنَّةِ مَنَازِلَهُم وأخَذُوا أخَذَاتِهِم، فَقِيلَ له: ادخل الجنة، فقال: أيْ رَبّ، وقد نَزَل النَّاسُ مَنَازِلَهُم وأخَذُوا أخَذَاتِهُم، فقيل له: أترضى مثل مُلْكِ مَلِكٍ من مُلُوك الدنيا؟ قال: رَضِيتُ أيْ رَبِّ، فَقَالَ: فَإِنَّ لَكَ ما اشْتَهَتْ نَفْسُكَ، وَمِثْلُه [معه]، ومِثْلُهُ وَمِثْلُهُ إنْ رَضيتَ، فقال: رَضيتُ أيْ ربِّ، قال: فإن لَكَ ما اشتهت نفسك وَلَذَّت عينك، قال: أي رب، فأخْبِرنِي بأعْلَى أهل الجنة مَنزِلَةً، فقال: أولئك الذِينَ أَرَدْتُ وَسَوفَ أخْبِرُكَ عَنْهُم، إنّي غَرَسْتُ كَرَامَتَهُم بِيَدي وَخَتَمْتُ عليها، وَلَمْ تَدْرِ نفسٌ وَلَمْ تَرَ عَينٌ وَلَمْ تَسْمَعْ أذْنٌ وَلَم يَخْطُر عَلَى قَلْب بَشَرٍ وَمِصْداقُ ذَلِكَ فِي كِتَابِ اللهِ عز وجل ﴿فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّآ أُخْفِيَ لَهُم﴾ الآية وقيل: إن معنى الآية في ثواب الجهاد، أي: لا تعلم نفس ما أخفي لها من ثواب الجهاد في سبيل الله، ذكره ابن وهب عن رجاله. قال سليمان بن عامر: الجنة مائة درجة فأولها درجة من فضة، أرضها فضة ومساكنها فضة، وآنيتُها فضة، وترابها مسك، والثانية ذهب، وأرضها ذهب، ومساكنها ذهب وآنيَّتُها ذهب وترابها مسك، والثالثة لؤلؤ (و) أرضها لؤلؤ ومساكنها لؤلؤ وآنيَّتُها لؤلؤ وترابها مسك، وسبعة وتسعون درجة بعد ذلك ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، قال الله تعالى: ﴿فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّآ أُخْفِيَ لَهُم﴾ الآية. وعن ابن سيرين أنه قال في الآية: إنه النظر إلى الله عز وجل.

السجدة 32:17

قوله تعالى ذكره: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ ٱلْمَوْتِ﴾ إلى قوله: ﴿جَزَآءً بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾. أي: قل يا محمد لهؤلاء المنكرين للبعث: يتوفاكم ملك الموت. أي: يستوفي عددكم بقبض أرواحكم، ثم إلى ربكم بعد قبض أرواحكم تردون يوم القيامة فيجازيكم بأعمالكم. قال قتادة: ملك الموت يتوفاكم ومعه أعوان من الملائكة. ودليله قوله تعالى: ﴿تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لاَ يُفَرِّطُونَ﴾ [الأنعام: ٦١]. وملك الموت اسمه: عزرائيل، وهو بالعربية عبد الجبار ﷺ، وعلى جميع الملائكة والنبيئين والمرسلين. قال مجاهد: جوبت لملك الموت الأرض، فجعلت له مثل الطست يتناول منها حيث يشاء. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَىٰ إِذِ ٱلْمُجْرِمُونَ نَاكِسُواْ رُءُوسِهِمْ عِندَ رَبِّهِمْ﴾. أي: لو رأيت يا محمد هؤلاء المنكرين للبعث ناكسوا رؤوسهم عند ربهم حياء منه للذي سلف من كفرهم وإنكارهم للبعث يقولون: ﴿رَبَّنَآ أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا﴾. أي: أبصرنا ما كنا نكذب به من عذابك، ومعادنا إليك، وسمعنا منك، وتصديق ما كانت الرسل تأتنا به وتأمرنا به. ﴿فَٱرْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً﴾ أي: أرددنا إلى الدنيا نعمل فيها بطاعتك. ﴿إِنَّا مُوقِنُونَ﴾ أي: قد أيقنا الآن ما كنا به في الدنيا جهالاً من توحيدك وإفرادك بالعبادة. وقيل: المخاطبة هنا للمجرمين. والمعنى: قل يا محمد للمجرم: لو ترى إذ المجرمون ناكسوا رؤوسهم عند ربهم لندمت على ما كان منك. وجواب لو محذوف، والتقدير: لرأيت ما تعتبر به اعتباراً شديداً. ومعنى: ﴿رَبَّنَآ أَبْصَرْنَا﴾ أي: يقولون يا ربنا أبصرنا ما كنا نكذب به. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾ أي: رشدها وتوفيقها إلى الإيمان، وهذا مثل قوله: ﴿لَهَدَى ٱلنَّاسَ جَمِيعاً﴾ [الرعد: ٣١]. و﴿لَجَعَلَ ٱلنَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [هود: ١١٨]. ﴿وَلَـٰكِنْ حَقَّ ٱلْقَوْلُ مِنِّي﴾ أي: وجب العذاب مني. ﴿لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ﴾ يعني: من أهل الكفر والمعاصي. وروى ابن وهب وابن القاسم عن مالك أنه قال: سألني رجل أمس عن القدر؟ فقلت له: نعم قال الله عز وجل في كتابه ﴿وَلَوْ شِئْنَا لآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾ إلى (قوله): ﴿أَجْمَعِينَ﴾ حقت كلمة ربك لأملأن جهنم منهم، فلا بد أن يكون ما قال: قال قتادة: لو شاء الله لهدى الناس جميعاً، لو شاء لأنزل عليهم آية من السماء تضطرهم إلى الإيمان. فالمعنى: لو شئنا لأعطينا كل إنسان توفيقاً يهتدي إلى الإيمان في الدنيا. وقيل المعنى: لو شئنا لرددناهم إلى الدنيا كما سألوا فيعملوا بالطاعة. ولكن حقَّ القول مني لأعذبنَّ من عصاني، وقد علم الله أنهم لو ردوا لعادوا إلى كفرهم كما قال في "الأنعام". ثم قال تعالى (ذكره): ﴿فَذُوقُواْ بِمَا نَسِيتُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَـٰذَآ﴾ أي ذوقوا عذاب الله بترككم العمل للقاء يومكم. ﴿إِنَّا نَسِينَاكُمْ﴾ أي: تركناكم في النار. وقيل: إن الأول من النسيان لأنهم لما لم يعملوا ليوم القيامة كانوا بمنزلة الناسي له. ثم قال [تعالى]: ﴿وَذُوقُـواْ عَذَابَ ٱلْخُلْدِ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾. أي: ويقال لهم: ذوقوا عذاباً تخلدون فيه إلى مَا لاَ نِهَايَة له بما كنتم تعملون في الدنيا من المعاصي. ثم قال [تعالى ذكره]: ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُواْ بِهَا خَرُّواْ سُجَّداً﴾ أي: إذا ذكروا ووعظوا خروا لله سجداً تذللاً واستكانة لعظمته وإقراراً له بالعبودية. ﴿وَسَبَّحُواْ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ أي: سبحوا لله في سجودهم بحمده وبَرَؤَّوه مما وصفه به الكافرون. ﴿وَهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ﴾: أي: عن السجود له والتسبيح. وروي أن هذه الآية نزلت على النبي ﷺ لأن قوماً من المنافقين كانوا يخرجون من المسجد إذا أقيمت الصلاة. * * ثم قال تعالى: ﴿تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمْ عَنِ ٱلْمَضَاجِعِ﴾ أي: ترتفع وتنبوا جنوب هؤلاء الذين تقدم ذكرهم من المؤمنين عن مضاجعهم. ﴿يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً﴾ أي: خوفاً من عذابه وطمعاً في رحمته. قاله قتادة. و ﴿تَتَجَافَىٰ﴾: تتفاعل من الجفاء [وهو] النَّبْؤ. ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾ أي: يزكون ما يجب عليهم في أموالهم. قال أنس في قوله: ﴿كَانُواْ قَلِيلاً مِّن ٱللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾ [الذاريات: ١٧]. قال: كانوا يصلون بين المغرب والعشاء. وكذلك ﴿تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمْ عَنِ ٱلْمَضَاجِعِ﴾. وقال عطاء بن أبي سلمة: عني بذلك صلاة العتمة. وقال الحسن: عني بذلك قيام الليل. وقاله الأوزاعي. وهو قول مالك بن أنس. وعن أنس: أنه عني بذلك أيضاً صلاة العتمة. وقال ابن عباس: عني بذلك ملازمة ذكر الله، فكلما انتبهوا ذكروا الله، إما في صلاة، وإما في قيام، وإما في قعود، أو على جنوبهم لا يزالون يذكرون الله. وهو قول الضحاك. وروى معاذ بن جبل أن النبي ﷺ قال له: ألاَ أدُلُّكَ عَلَى أبْوَابَ الْخيرِ؟ [قال]: الصَّوْمُ جنَّةٌ، والصَّدَقَةُ تُكَفِّرُ الخَطِيئَةَ، وَقِيَّامُ العَبْدِ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ، وتَلاَ هذِهِ الآية: ﴿تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمْ﴾ ثم قال تعالى: ﴿فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّآ أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾. أي: ما خبئ لهؤلاء الذين تقدمت صفتهم في الآيتين مما تَقِرُّ به أعينهم في الجنة جزاء بأعمالهم. وقرأ ابن مسعود: "ما نُخْفِيَ لَهُمْ" بالنون. فهذا شاهد لقراءة حمزة بإسكان الياء، فالقراءتان جرتا على الإخبار عن الله جلَّ ذكره، و "ما" في موضع نصب بـ "تعلم" إن جعلتها بمعنى الذي في جميع القراءات وإن جعلتها استفهاماً كانت في موضع رفع على قراءة الجماعة، وفي موضع نصب على قراءة حمزة وابن مسعود بأخفي. وروى أبو هريرة: أن النبي صلى الله عليه [وسلّم] "قرأ" (مِنْ قرَّاتِ أعيْنٍ) بالجمع". وروى أيضاً عن النبي عليه السلام أنه قال: "قَالَ رَبُّكُمْ: أَعْدَدْتُ لِعِبَادِي الصَّالحِينَ مَا لاَ عَينٌ رَأَتْ وَلاَ أُذُنٌ سَمِعَتْ وَلاَ خَطَرَ عَلَى قَلْبِ. بَشَرٍ، فاقرؤوا إِنْ شِئْتُمْ: فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أخْفِيَ (لَهُمْ) الآية وقال ابن مسعود: "مَكْتُوبٌ فِي التَّورَاةِ: لَقَدْ أعدَّ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لِلذِينَ تَتَجَافَى جُنُوبُهُمُ عَنِ المَضَاجِع مَا لَمْ تَرَ عَيْنٌ، وَلَم يَخْطُر عَلَى قَلْبِ بَشرٍ، وَلَمْ تَسْمعْ أٌُذُنُ وَمَا لاَ يُعْلَمُه ملَكٌ مُقَرَّبٌ. قَالَ: وَنَحْنُ نَقْرَؤهَا: ﴿فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّآ أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾. وروى الشعبي عن المغيرة بن شعبة: أن النبي ﷺ قال: "سَأَلَ موسَى ربَّه فَقالَ: أيّ ربِّ أخبِرْنِي بِأدْنَى أهل الجنة مَنْزِلةً فَقَالَ: رجُلٌ أَتى بَعدمَا أُنْزِلَ، أهل الجَنَّةِ مَنَازِلَهُم وأخَذُوا أخَذَاتِهِم، فَقِيلَ له: ادخل الجنة، فقال: أيْ رَبّ، وقد نَزَل النَّاسُ مَنَازِلَهُم وأخَذُوا أخَذَاتِهُم، فقيل له: أترضى مثل مُلْكِ مَلِكٍ من مُلُوك الدنيا؟ قال: رَضِيتُ أيْ رَبِّ، فَقَالَ: فَإِنَّ لَكَ ما اشْتَهَتْ نَفْسُكَ، وَمِثْلُه [معه]، ومِثْلُهُ وَمِثْلُهُ إنْ رَضيتَ، فقال: رَضيتُ أيْ ربِّ، قال: فإن لَكَ ما اشتهت نفسك وَلَذَّت عينك، قال: أي رب، فأخْبِرنِي بأعْلَى أهل الجنة مَنزِلَةً، فقال: أولئك الذِينَ أَرَدْتُ وَسَوفَ أخْبِرُكَ عَنْهُم، إنّي غَرَسْتُ كَرَامَتَهُم بِيَدي وَخَتَمْتُ عليها، وَلَمْ تَدْرِ نفسٌ وَلَمْ تَرَ عَينٌ وَلَمْ تَسْمَعْ أذْنٌ وَلَم يَخْطُر عَلَى قَلْب بَشَرٍ وَمِصْداقُ ذَلِكَ فِي كِتَابِ اللهِ عز وجل ﴿فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّآ أُخْفِيَ لَهُم﴾ الآية وقيل: إن معنى الآية في ثواب الجهاد، أي: لا تعلم نفس ما أخفي لها من ثواب الجهاد في سبيل الله، ذكره ابن وهب عن رجاله. قال سليمان بن عامر: الجنة مائة درجة فأولها درجة من فضة، أرضها فضة ومساكنها فضة، وآنيتُها فضة، وترابها مسك، والثانية ذهب، وأرضها ذهب، ومساكنها ذهب وآنيَّتُها ذهب وترابها مسك، والثالثة لؤلؤ (و) أرضها لؤلؤ ومساكنها لؤلؤ وآنيَّتُها لؤلؤ وترابها مسك، وسبعة وتسعون درجة بعد ذلك ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، قال الله تعالى: ﴿فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّآ أُخْفِيَ لَهُم﴾ الآية. وعن ابن سيرين أنه قال في الآية: إنه النظر إلى الله عز وجل.

السجدة 32:18

قوله تعالى ذكره: ﴿أَفَمَن كَانَ مُؤْمِناً كَمَن كَانَ فَاسِقاً﴾ إلى قوله: ﴿أَفَلاَ يَسْمَعُونَ﴾. أي: أيكون الكافر المكذب كالمؤمن المصدق، لا يستوون عند الله. قال قتادة: لا والله ما يستوون في الدنيا ولا في الآخرة ولا عند الموت. وإنما جمع يستوون لأن "مَنْ" تؤدي عن جمع فحمله على المعنى. وقيل: إن المراد به اثنان بأعيانهما، وذلك أن الآية نزلت في قول ابن عباس وعطاء وغيرها في المدينة في علي بن أبي طالب رضي الله عنه، والوليد بن عقبة بن أبي معيط قال عطاء: كان بين الوليد وعلي كلام، فقال [الوليد] "أنا أبْسطُ منك لساناً وأحَدُّ منك سِنَاناً، فقال له علي [اسكت] فإنك فاسق، فنزلت ﴿أَفَمَن كَانَ مُؤْمِناً﴾ الآية فيهما. فيكون يستوون على هذا قد جمع في موضع التثنية، لأن التثنية جمع في الأصل. ويجوز أن تكون لما نزلت في اثنين بأعيانهما، ثم هي عامة في جميع الكفار والمؤمنين حمل الكلام على معنى العموم، فجمع يستوون لذلك. ثم قال تعالى [ذكره] ﴿أَمَّا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ ٱلْمَأْوَىٰ﴾ أي: الذين صدقوا الله ورسوله وعملوا ما أمرهم الله ورسوله فلهم بساتين المساكن التي يسكنونها في الجنة ويأوون إليها. ويجوز أن يكون التقدير: فلهم بساتين جنة المأوى. ﴿نُزُلاً بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ أي: أنزلهم الله فيها نزلاً بعملهم. * * ثم قال: ﴿وَأَمَّا ٱلَّذِينَ فَسَقُواْ﴾ أي: كفروا بالله. ﴿فَمَأْوَاهُمُ ٱلنَّارُ﴾ أي: مساكنهم في النار في الآخرة. * * ثم قال: ﴿كُلَّمَآ أَرَادُوۤاْ أَن يَخْرُجُواُ مِنْهَآ أُعِيدُواْ فِيهَا﴾. قد تقدم هذا في "الحج". * * ثم قال: ﴿وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُواْ عَذَابَ ٱلنَّارِ ٱلَّذِي كُنتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ أي: في الدنيا. ثم قال [تعالى]: ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِّنَ ٱلْعَذَابِ ٱلأَدْنَىٰ﴾ أي: لنذيقن هؤلاء الفسقة من مصائب الدنيا في الأنفس والأموال في الدنيا دون عذاب النار في الآخرة. قاله ابن عباس وأُبي بن كعب والضحاك. وقال ابن مسعود: "العذاب الأدنى" يوم بدر. وقال مجاهد: هو الجوع والقتل لقريش في الدنيا. روي أنهم جاعوا حتى أكلوا العِلْهِزَ، وهو القُرَدُ يفقأ دمها في الوبر ويحمل على النار فيؤكل. وعن ابن عباس أيضاً: أنه الحدود. وعن مجاهد أيضاً: أنه عذاب القبر وعذاب الدنيا. وأكثرهم على أن العذاب الأكبر عذاب يوم القيامة في النار. وقيل: هو القتل يوم بدر. * * ثم قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَآ﴾. أي: لا أحد أظلم لنفسه ممن وعظ بحجج الله وآي كتابه فأعرض عن ذلك وكذب به. * * ثم قال: ﴿إِنَّا مِنَ ٱلْمُجْرِمِينَ مُنتَقِمُونَ﴾ أي: من الذين اكتسبوا السيئات منتقمون في الآخرة. وقيل: عني بالمجرمين [هنا] أهل القدر، وكذلك قوله: ﴿إِنَّ ٱلْمُجْرِمِينَ فِي ضَلاَلٍ وَسُعُرٍ﴾ [القمر: ٤٧] الآيات في أهل القدر أيضاً. [وقال] معاذ بن جبل: سمعت النبي صلى الله عليه [وسلّم] يقول "ثَلاَثٌ مَنْ فَعَلَهنَّ فقَدْ أجْرَمَ: مَنِ اعْتَقَدَ لِواءً في غير حقٍّ، أوْ عَقَّ وَالِِدَيْه، أو مَشَى مَعَ ظَالِم يَنْصُرُهُ فَقَدْ أجْرَمَ، يقولُ اللهُ جلَّ ذِكرُهُ ﴿إِنَّا مِنَ ٱلْمُجْرِمِينَ مُنتَقِمُونَ﴾ ثم قال تعالى [ذكره]: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَابَ﴾ أي التوراة. ﴿فَلاَ تَكُن فِي مِرْيَةٍ مِّن لِّقَآئِهِ﴾ أي: في شك من أنك لقيته أو تلقاه ليلة الإسراء، قاله قتادة. وبذلك أتى الخبر عن النبي ﷺ أنه لقيه ليلة الإسراء، روى ابن عباس: أن النبي ﷺقال: "أرِيتُ لَيْلَةَ أسْرِي [بي] موسى بن عِمْرِان رَجلاً آدَمَ طوَّالاً جَعْداً، كَأنَّهُ مِنْ رِجَال شَنوءةَ، وَرَأيت عِيسَى رَجُلاً مَربُوعَ الخَلْق، إلى الحُمْرَةِ وَالبَيَاضِ سَبْطَ الرَّأْسِ، وَرَأيتُ مَالِكاً [خَازِنَ] النَّار والدَّجَّال. فالهاء لموسى، وقيل: الهاء عائدة على الكتاب. والتقدير: فلا تكن في شك من تلقي موسى الكتاب بالقبول، وتكون المخاطبة على القول الأول للنبي خاصة، وعلى القول الثاني لجميع الناس. وعن الحسن أنه قال في معناه: ولقد آتينا موسى الكتاب، فأوذي وكذب فلا تكن في شك يا محمد من أنه سيلقاك مثل ما لقيه موسى من التكذيب والأذى. فالهاء عائدة على معنى محذوف كأنه قال: من لقاء ما لاقى، والمخاطبة على هذا للنبي عليه السلام خاصة. ويجوز أن يكون هذا خطاباً للشاك في إتيان الله موسى الكتاب، وقيل: في الكلام تقديم وتأخير، والهاء في ﴿لِّقَآئِهِ﴾ تعود على الرجوع إلى الآخرة والبعث، والتقدير: قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم ثم إلى ربكم ترجعون، ﴿فَلاَ تَكُن فِي مِرْيَةٍ مِّن لِّقَآئِهِ﴾ أي: من لقاء البعث والرجوع إلى الحياة بعد الموت فهو خطاب للنبي عليه السلام، والمراد به من ينكر البعث. * * وقوله: ﴿فَلاَ تَكُن فِي مِرْيَةٍ مِّن لِّقَآئِهِ﴾ كلام اعترض بين كلامين. ثم قال بعد ذلك: ﴿وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِّبَنِيۤ إِسْرَائِيلَ﴾. أي: الكتاب جعله الله هادياً لهم من الضلالة إلى الهدى. وقال قتادة: ﴿وَجَعَلْنَاهُ﴾ أي: جعلنا موسى هدى لهم. ثم قال (تعالى ذكره) ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا﴾. أي: وجعلنا من بني إسرائيل قادة في الخير يؤتم بهم. قال قتادة: ﴿أَئِمَّةً﴾ رؤساء الخير. ﴿يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا﴾: أي يرشدون أتباعهم بإذننا هم وتقويتنا إياهم على ذلك. ﴿لَمَّا صَبَرُواْ﴾ أي: حين صبروا على طاعة الله وعلى أذاء فرعون لهم، فيكون المعنى: إنهم إنما جعلوا أئمة حين وُجِدَ منهم الصبر. ومن قرأ "لِمَا" بكسر اللام فمعناه فعلنا بهم ذلك لصبرهم على طاعة الله. فيكون المعنى: فهل بهم ذلك جزاء لهم لصبرهم المتقدم في الله. ثم قال (تعالى): ﴿وَكَانُواْ بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ أي: بحججنا وكتابنا يصدقون. وفي قراءة أُبي: "كَمَا صَبَروا". وفي قراءة أبن مسعود: "بِمَا صَبَروا". فهذا شاهد لمن كسر اللام، وهو حمزة والكسائي. * * ثم قال: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ ٱلْقَيَامَةِ﴾. أي: يحكم بين جميع خلقه فيما اختلفوا فيه في الدنيا من أمور الدين، فيوجب للمحسن الجنة وللمسيء النار. ثم قال تعالى [ذكره]: ﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِمْ مِّنَ ٱلْقُرُونِ﴾. قال الفراء: كم في موضع رفع فاعل ليهدي. ولا يجيزه البصريون لأن الاستفهام لا يعمل فيه ما قبله. وقال المبرد: الفَاعِل المَصَدر مَحْذُوف لأِن يَهْدِي يَدُلُّ عَلَى مَصْدرِهِ، تقديره: أَوَ لَمْ يَهْدِ الهُدَى لَهُم. وقيل التقدير: أولم يهد الله لهم. وهذا إن شاء الله أحسنها. ويقوي ذلك أن أبا عبد الرحمن السلمي وقتادة قرأ: أو لم نهدِ بالنون. وكم في موضع نصب "أهلكنا". ومعنى الآية على قول ابن عباس: أَوَلَمْ يتبين لهم، أي لقريش كم أهلكنا من قبلهم من القرون فيتعظوا ويزدجروا. وقدر بعض النحويين الآية على قول الفراء فقال: التقدير: أو لم يتبين لهم كثرة من أهلكنا من قبلهم من الأمم فيتعظوا. * * ثم قال تعالى: ﴿يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ﴾ أي: تمشي قريش في مساكن الأمم الخالية، فكيف لا تتعظ وتزدجر وتعلم أن مصيرها إن كفرت إلى ما صارت إليه هذه الأمم. * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ أَفَلاَ يَسْمَعُونَ﴾ أي: إن في خلاء مساكن من مضى، وإهلاك الله إياهم لعبرا وحججاً لقريش، أفلا يسمعون عظات الله وتذكيره إياهم وتعريفه مواضع حججه عليهم. وقيل: ﴿أَفَلاَ يَسْمَعُونَ﴾، معناه: أفلا يعقلون، مثل "سَمِع اللهُ لِمَنْ حَمِدَه".

السجدة 32:19

قوله تعالى ذكره: ﴿أَفَمَن كَانَ مُؤْمِناً كَمَن كَانَ فَاسِقاً﴾ إلى قوله: ﴿أَفَلاَ يَسْمَعُونَ﴾. أي: أيكون الكافر المكذب كالمؤمن المصدق، لا يستوون عند الله. قال قتادة: لا والله ما يستوون في الدنيا ولا في الآخرة ولا عند الموت. وإنما جمع يستوون لأن "مَنْ" تؤدي عن جمع فحمله على المعنى. وقيل: إن المراد به اثنان بأعيانهما، وذلك أن الآية نزلت في قول ابن عباس وعطاء وغيرها في المدينة في علي بن أبي طالب رضي الله عنه، والوليد بن عقبة بن أبي معيط قال عطاء: كان بين الوليد وعلي كلام، فقال [الوليد] "أنا أبْسطُ منك لساناً وأحَدُّ منك سِنَاناً، فقال له علي [اسكت] فإنك فاسق، فنزلت ﴿أَفَمَن كَانَ مُؤْمِناً﴾ الآية فيهما. فيكون يستوون على هذا قد جمع في موضع التثنية، لأن التثنية جمع في الأصل. ويجوز أن تكون لما نزلت في اثنين بأعيانهما، ثم هي عامة في جميع الكفار والمؤمنين حمل الكلام على معنى العموم، فجمع يستوون لذلك. ثم قال تعالى [ذكره] ﴿أَمَّا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ ٱلْمَأْوَىٰ﴾ أي: الذين صدقوا الله ورسوله وعملوا ما أمرهم الله ورسوله فلهم بساتين المساكن التي يسكنونها في الجنة ويأوون إليها. ويجوز أن يكون التقدير: فلهم بساتين جنة المأوى. ﴿نُزُلاً بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ أي: أنزلهم الله فيها نزلاً بعملهم. * * ثم قال: ﴿وَأَمَّا ٱلَّذِينَ فَسَقُواْ﴾ أي: كفروا بالله. ﴿فَمَأْوَاهُمُ ٱلنَّارُ﴾ أي: مساكنهم في النار في الآخرة. * * ثم قال: ﴿كُلَّمَآ أَرَادُوۤاْ أَن يَخْرُجُواُ مِنْهَآ أُعِيدُواْ فِيهَا﴾. قد تقدم هذا في "الحج". * * ثم قال: ﴿وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُواْ عَذَابَ ٱلنَّارِ ٱلَّذِي كُنتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ أي: في الدنيا. ثم قال [تعالى]: ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِّنَ ٱلْعَذَابِ ٱلأَدْنَىٰ﴾ أي: لنذيقن هؤلاء الفسقة من مصائب الدنيا في الأنفس والأموال في الدنيا دون عذاب النار في الآخرة. قاله ابن عباس وأُبي بن كعب والضحاك. وقال ابن مسعود: "العذاب الأدنى" يوم بدر. وقال مجاهد: هو الجوع والقتل لقريش في الدنيا. روي أنهم جاعوا حتى أكلوا العِلْهِزَ، وهو القُرَدُ يفقأ دمها في الوبر ويحمل على النار فيؤكل. وعن ابن عباس أيضاً: أنه الحدود. وعن مجاهد أيضاً: أنه عذاب القبر وعذاب الدنيا. وأكثرهم على أن العذاب الأكبر عذاب يوم القيامة في النار. وقيل: هو القتل يوم بدر. * * ثم قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَآ﴾. أي: لا أحد أظلم لنفسه ممن وعظ بحجج الله وآي كتابه فأعرض عن ذلك وكذب به. * * ثم قال: ﴿إِنَّا مِنَ ٱلْمُجْرِمِينَ مُنتَقِمُونَ﴾ أي: من الذين اكتسبوا السيئات منتقمون في الآخرة. وقيل: عني بالمجرمين [هنا] أهل القدر، وكذلك قوله: ﴿إِنَّ ٱلْمُجْرِمِينَ فِي ضَلاَلٍ وَسُعُرٍ﴾ [القمر: ٤٧] الآيات في أهل القدر أيضاً. [وقال] معاذ بن جبل: سمعت النبي صلى الله عليه [وسلّم] يقول "ثَلاَثٌ مَنْ فَعَلَهنَّ فقَدْ أجْرَمَ: مَنِ اعْتَقَدَ لِواءً في غير حقٍّ، أوْ عَقَّ وَالِِدَيْه، أو مَشَى مَعَ ظَالِم يَنْصُرُهُ فَقَدْ أجْرَمَ، يقولُ اللهُ جلَّ ذِكرُهُ ﴿إِنَّا مِنَ ٱلْمُجْرِمِينَ مُنتَقِمُونَ﴾ ثم قال تعالى [ذكره]: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَابَ﴾ أي التوراة. ﴿فَلاَ تَكُن فِي مِرْيَةٍ مِّن لِّقَآئِهِ﴾ أي: في شك من أنك لقيته أو تلقاه ليلة الإسراء، قاله قتادة. وبذلك أتى الخبر عن النبي ﷺ أنه لقيه ليلة الإسراء، روى ابن عباس: أن النبي ﷺقال: "أرِيتُ لَيْلَةَ أسْرِي [بي] موسى بن عِمْرِان رَجلاً آدَمَ طوَّالاً جَعْداً، كَأنَّهُ مِنْ رِجَال شَنوءةَ، وَرَأيت عِيسَى رَجُلاً مَربُوعَ الخَلْق، إلى الحُمْرَةِ وَالبَيَاضِ سَبْطَ الرَّأْسِ، وَرَأيتُ مَالِكاً [خَازِنَ] النَّار والدَّجَّال. فالهاء لموسى، وقيل: الهاء عائدة على الكتاب. والتقدير: فلا تكن في شك من تلقي موسى الكتاب بالقبول، وتكون المخاطبة على القول الأول للنبي خاصة، وعلى القول الثاني لجميع الناس. وعن الحسن أنه قال في معناه: ولقد آتينا موسى الكتاب، فأوذي وكذب فلا تكن في شك يا محمد من أنه سيلقاك مثل ما لقيه موسى من التكذيب والأذى. فالهاء عائدة على معنى محذوف كأنه قال: من لقاء ما لاقى، والمخاطبة على هذا للنبي عليه السلام خاصة. ويجوز أن يكون هذا خطاباً للشاك في إتيان الله موسى الكتاب، وقيل: في الكلام تقديم وتأخير، والهاء في ﴿لِّقَآئِهِ﴾ تعود على الرجوع إلى الآخرة والبعث، والتقدير: قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم ثم إلى ربكم ترجعون، ﴿فَلاَ تَكُن فِي مِرْيَةٍ مِّن لِّقَآئِهِ﴾ أي: من لقاء البعث والرجوع إلى الحياة بعد الموت فهو خطاب للنبي عليه السلام، والمراد به من ينكر البعث. * * وقوله: ﴿فَلاَ تَكُن فِي مِرْيَةٍ مِّن لِّقَآئِهِ﴾ كلام اعترض بين كلامين. ثم قال بعد ذلك: ﴿وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِّبَنِيۤ إِسْرَائِيلَ﴾. أي: الكتاب جعله الله هادياً لهم من الضلالة إلى الهدى. وقال قتادة: ﴿وَجَعَلْنَاهُ﴾ أي: جعلنا موسى هدى لهم. ثم قال (تعالى ذكره) ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا﴾. أي: وجعلنا من بني إسرائيل قادة في الخير يؤتم بهم. قال قتادة: ﴿أَئِمَّةً﴾ رؤساء الخير. ﴿يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا﴾: أي يرشدون أتباعهم بإذننا هم وتقويتنا إياهم على ذلك. ﴿لَمَّا صَبَرُواْ﴾ أي: حين صبروا على طاعة الله وعلى أذاء فرعون لهم، فيكون المعنى: إنهم إنما جعلوا أئمة حين وُجِدَ منهم الصبر. ومن قرأ "لِمَا" بكسر اللام فمعناه فعلنا بهم ذلك لصبرهم على طاعة الله. فيكون المعنى: فهل بهم ذلك جزاء لهم لصبرهم المتقدم في الله. ثم قال (تعالى): ﴿وَكَانُواْ بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ أي: بحججنا وكتابنا يصدقون. وفي قراءة أُبي: "كَمَا صَبَروا". وفي قراءة أبن مسعود: "بِمَا صَبَروا". فهذا شاهد لمن كسر اللام، وهو حمزة والكسائي. * * ثم قال: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ ٱلْقَيَامَةِ﴾. أي: يحكم بين جميع خلقه فيما اختلفوا فيه في الدنيا من أمور الدين، فيوجب للمحسن الجنة وللمسيء النار. ثم قال تعالى [ذكره]: ﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِمْ مِّنَ ٱلْقُرُونِ﴾. قال الفراء: كم في موضع رفع فاعل ليهدي. ولا يجيزه البصريون لأن الاستفهام لا يعمل فيه ما قبله. وقال المبرد: الفَاعِل المَصَدر مَحْذُوف لأِن يَهْدِي يَدُلُّ عَلَى مَصْدرِهِ، تقديره: أَوَ لَمْ يَهْدِ الهُدَى لَهُم. وقيل التقدير: أولم يهد الله لهم. وهذا إن شاء الله أحسنها. ويقوي ذلك أن أبا عبد الرحمن السلمي وقتادة قرأ: أو لم نهدِ بالنون. وكم في موضع نصب "أهلكنا". ومعنى الآية على قول ابن عباس: أَوَلَمْ يتبين لهم، أي لقريش كم أهلكنا من قبلهم من القرون فيتعظوا ويزدجروا. وقدر بعض النحويين الآية على قول الفراء فقال: التقدير: أو لم يتبين لهم كثرة من أهلكنا من قبلهم من الأمم فيتعظوا. * * ثم قال تعالى: ﴿يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ﴾ أي: تمشي قريش في مساكن الأمم الخالية، فكيف لا تتعظ وتزدجر وتعلم أن مصيرها إن كفرت إلى ما صارت إليه هذه الأمم. * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ أَفَلاَ يَسْمَعُونَ﴾ أي: إن في خلاء مساكن من مضى، وإهلاك الله إياهم لعبرا وحججاً لقريش، أفلا يسمعون عظات الله وتذكيره إياهم وتعريفه مواضع حججه عليهم. وقيل: ﴿أَفَلاَ يَسْمَعُونَ﴾، معناه: أفلا يعقلون، مثل "سَمِع اللهُ لِمَنْ حَمِدَه".

السجدة 32:20

قوله تعالى ذكره: ﴿أَفَمَن كَانَ مُؤْمِناً كَمَن كَانَ فَاسِقاً﴾ إلى قوله: ﴿أَفَلاَ يَسْمَعُونَ﴾. أي: أيكون الكافر المكذب كالمؤمن المصدق، لا يستوون عند الله. قال قتادة: لا والله ما يستوون في الدنيا ولا في الآخرة ولا عند الموت. وإنما جمع يستوون لأن "مَنْ" تؤدي عن جمع فحمله على المعنى. وقيل: إن المراد به اثنان بأعيانهما، وذلك أن الآية نزلت في قول ابن عباس وعطاء وغيرها في المدينة في علي بن أبي طالب رضي الله عنه، والوليد بن عقبة بن أبي معيط قال عطاء: كان بين الوليد وعلي كلام، فقال [الوليد] "أنا أبْسطُ منك لساناً وأحَدُّ منك سِنَاناً، فقال له علي [اسكت] فإنك فاسق، فنزلت ﴿أَفَمَن كَانَ مُؤْمِناً﴾ الآية فيهما. فيكون يستوون على هذا قد جمع في موضع التثنية، لأن التثنية جمع في الأصل. ويجوز أن تكون لما نزلت في اثنين بأعيانهما، ثم هي عامة في جميع الكفار والمؤمنين حمل الكلام على معنى العموم، فجمع يستوون لذلك. ثم قال تعالى [ذكره] ﴿أَمَّا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ ٱلْمَأْوَىٰ﴾ أي: الذين صدقوا الله ورسوله وعملوا ما أمرهم الله ورسوله فلهم بساتين المساكن التي يسكنونها في الجنة ويأوون إليها. ويجوز أن يكون التقدير: فلهم بساتين جنة المأوى. ﴿نُزُلاً بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ أي: أنزلهم الله فيها نزلاً بعملهم. * * ثم قال: ﴿وَأَمَّا ٱلَّذِينَ فَسَقُواْ﴾ أي: كفروا بالله. ﴿فَمَأْوَاهُمُ ٱلنَّارُ﴾ أي: مساكنهم في النار في الآخرة. * * ثم قال: ﴿كُلَّمَآ أَرَادُوۤاْ أَن يَخْرُجُواُ مِنْهَآ أُعِيدُواْ فِيهَا﴾. قد تقدم هذا في "الحج". * * ثم قال: ﴿وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُواْ عَذَابَ ٱلنَّارِ ٱلَّذِي كُنتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ أي: في الدنيا. ثم قال [تعالى]: ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِّنَ ٱلْعَذَابِ ٱلأَدْنَىٰ﴾ أي: لنذيقن هؤلاء الفسقة من مصائب الدنيا في الأنفس والأموال في الدنيا دون عذاب النار في الآخرة. قاله ابن عباس وأُبي بن كعب والضحاك. وقال ابن مسعود: "العذاب الأدنى" يوم بدر. وقال مجاهد: هو الجوع والقتل لقريش في الدنيا. روي أنهم جاعوا حتى أكلوا العِلْهِزَ، وهو القُرَدُ يفقأ دمها في الوبر ويحمل على النار فيؤكل. وعن ابن عباس أيضاً: أنه الحدود. وعن مجاهد أيضاً: أنه عذاب القبر وعذاب الدنيا. وأكثرهم على أن العذاب الأكبر عذاب يوم القيامة في النار. وقيل: هو القتل يوم بدر. * * ثم قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَآ﴾. أي: لا أحد أظلم لنفسه ممن وعظ بحجج الله وآي كتابه فأعرض عن ذلك وكذب به. * * ثم قال: ﴿إِنَّا مِنَ ٱلْمُجْرِمِينَ مُنتَقِمُونَ﴾ أي: من الذين اكتسبوا السيئات منتقمون في الآخرة. وقيل: عني بالمجرمين [هنا] أهل القدر، وكذلك قوله: ﴿إِنَّ ٱلْمُجْرِمِينَ فِي ضَلاَلٍ وَسُعُرٍ﴾ [القمر: ٤٧] الآيات في أهل القدر أيضاً. [وقال] معاذ بن جبل: سمعت النبي صلى الله عليه [وسلّم] يقول "ثَلاَثٌ مَنْ فَعَلَهنَّ فقَدْ أجْرَمَ: مَنِ اعْتَقَدَ لِواءً في غير حقٍّ، أوْ عَقَّ وَالِِدَيْه، أو مَشَى مَعَ ظَالِم يَنْصُرُهُ فَقَدْ أجْرَمَ، يقولُ اللهُ جلَّ ذِكرُهُ ﴿إِنَّا مِنَ ٱلْمُجْرِمِينَ مُنتَقِمُونَ﴾ ثم قال تعالى [ذكره]: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَابَ﴾ أي التوراة. ﴿فَلاَ تَكُن فِي مِرْيَةٍ مِّن لِّقَآئِهِ﴾ أي: في شك من أنك لقيته أو تلقاه ليلة الإسراء، قاله قتادة. وبذلك أتى الخبر عن النبي ﷺ أنه لقيه ليلة الإسراء، روى ابن عباس: أن النبي ﷺقال: "أرِيتُ لَيْلَةَ أسْرِي [بي] موسى بن عِمْرِان رَجلاً آدَمَ طوَّالاً جَعْداً، كَأنَّهُ مِنْ رِجَال شَنوءةَ، وَرَأيت عِيسَى رَجُلاً مَربُوعَ الخَلْق، إلى الحُمْرَةِ وَالبَيَاضِ سَبْطَ الرَّأْسِ، وَرَأيتُ مَالِكاً [خَازِنَ] النَّار والدَّجَّال. فالهاء لموسى، وقيل: الهاء عائدة على الكتاب. والتقدير: فلا تكن في شك من تلقي موسى الكتاب بالقبول، وتكون المخاطبة على القول الأول للنبي خاصة، وعلى القول الثاني لجميع الناس. وعن الحسن أنه قال في معناه: ولقد آتينا موسى الكتاب، فأوذي وكذب فلا تكن في شك يا محمد من أنه سيلقاك مثل ما لقيه موسى من التكذيب والأذى. فالهاء عائدة على معنى محذوف كأنه قال: من لقاء ما لاقى، والمخاطبة على هذا للنبي عليه السلام خاصة. ويجوز أن يكون هذا خطاباً للشاك في إتيان الله موسى الكتاب، وقيل: في الكلام تقديم وتأخير، والهاء في ﴿لِّقَآئِهِ﴾ تعود على الرجوع إلى الآخرة والبعث، والتقدير: قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم ثم إلى ربكم ترجعون، ﴿فَلاَ تَكُن فِي مِرْيَةٍ مِّن لِّقَآئِهِ﴾ أي: من لقاء البعث والرجوع إلى الحياة بعد الموت فهو خطاب للنبي عليه السلام، والمراد به من ينكر البعث. * * وقوله: ﴿فَلاَ تَكُن فِي مِرْيَةٍ مِّن لِّقَآئِهِ﴾ كلام اعترض بين كلامين. ثم قال بعد ذلك: ﴿وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِّبَنِيۤ إِسْرَائِيلَ﴾. أي: الكتاب جعله الله هادياً لهم من الضلالة إلى الهدى. وقال قتادة: ﴿وَجَعَلْنَاهُ﴾ أي: جعلنا موسى هدى لهم. ثم قال (تعالى ذكره) ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا﴾. أي: وجعلنا من بني إسرائيل قادة في الخير يؤتم بهم. قال قتادة: ﴿أَئِمَّةً﴾ رؤساء الخير. ﴿يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا﴾: أي يرشدون أتباعهم بإذننا هم وتقويتنا إياهم على ذلك. ﴿لَمَّا صَبَرُواْ﴾ أي: حين صبروا على طاعة الله وعلى أذاء فرعون لهم، فيكون المعنى: إنهم إنما جعلوا أئمة حين وُجِدَ منهم الصبر. ومن قرأ "لِمَا" بكسر اللام فمعناه فعلنا بهم ذلك لصبرهم على طاعة الله. فيكون المعنى: فهل بهم ذلك جزاء لهم لصبرهم المتقدم في الله. ثم قال (تعالى): ﴿وَكَانُواْ بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ أي: بحججنا وكتابنا يصدقون. وفي قراءة أُبي: "كَمَا صَبَروا". وفي قراءة أبن مسعود: "بِمَا صَبَروا". فهذا شاهد لمن كسر اللام، وهو حمزة والكسائي. * * ثم قال: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ ٱلْقَيَامَةِ﴾. أي: يحكم بين جميع خلقه فيما اختلفوا فيه في الدنيا من أمور الدين، فيوجب للمحسن الجنة وللمسيء النار. ثم قال تعالى [ذكره]: ﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِمْ مِّنَ ٱلْقُرُونِ﴾. قال الفراء: كم في موضع رفع فاعل ليهدي. ولا يجيزه البصريون لأن الاستفهام لا يعمل فيه ما قبله. وقال المبرد: الفَاعِل المَصَدر مَحْذُوف لأِن يَهْدِي يَدُلُّ عَلَى مَصْدرِهِ، تقديره: أَوَ لَمْ يَهْدِ الهُدَى لَهُم. وقيل التقدير: أولم يهد الله لهم. وهذا إن شاء الله أحسنها. ويقوي ذلك أن أبا عبد الرحمن السلمي وقتادة قرأ: أو لم نهدِ بالنون. وكم في موضع نصب "أهلكنا". ومعنى الآية على قول ابن عباس: أَوَلَمْ يتبين لهم، أي لقريش كم أهلكنا من قبلهم من القرون فيتعظوا ويزدجروا. وقدر بعض النحويين الآية على قول الفراء فقال: التقدير: أو لم يتبين لهم كثرة من أهلكنا من قبلهم من الأمم فيتعظوا. * * ثم قال تعالى: ﴿يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ﴾ أي: تمشي قريش في مساكن الأمم الخالية، فكيف لا تتعظ وتزدجر وتعلم أن مصيرها إن كفرت إلى ما صارت إليه هذه الأمم. * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ أَفَلاَ يَسْمَعُونَ﴾ أي: إن في خلاء مساكن من مضى، وإهلاك الله إياهم لعبرا وحججاً لقريش، أفلا يسمعون عظات الله وتذكيره إياهم وتعريفه مواضع حججه عليهم. وقيل: ﴿أَفَلاَ يَسْمَعُونَ﴾، معناه: أفلا يعقلون، مثل "سَمِع اللهُ لِمَنْ حَمِدَه".

السجدة 32:21

قوله تعالى ذكره: ﴿أَفَمَن كَانَ مُؤْمِناً كَمَن كَانَ فَاسِقاً﴾ إلى قوله: ﴿أَفَلاَ يَسْمَعُونَ﴾. أي: أيكون الكافر المكذب كالمؤمن المصدق، لا يستوون عند الله. قال قتادة: لا والله ما يستوون في الدنيا ولا في الآخرة ولا عند الموت. وإنما جمع يستوون لأن "مَنْ" تؤدي عن جمع فحمله على المعنى. وقيل: إن المراد به اثنان بأعيانهما، وذلك أن الآية نزلت في قول ابن عباس وعطاء وغيرها في المدينة في علي بن أبي طالب رضي الله عنه، والوليد بن عقبة بن أبي معيط قال عطاء: كان بين الوليد وعلي كلام، فقال [الوليد] "أنا أبْسطُ منك لساناً وأحَدُّ منك سِنَاناً، فقال له علي [اسكت] فإنك فاسق، فنزلت ﴿أَفَمَن كَانَ مُؤْمِناً﴾ الآية فيهما. فيكون يستوون على هذا قد جمع في موضع التثنية، لأن التثنية جمع في الأصل. ويجوز أن تكون لما نزلت في اثنين بأعيانهما، ثم هي عامة في جميع الكفار والمؤمنين حمل الكلام على معنى العموم، فجمع يستوون لذلك. ثم قال تعالى [ذكره] ﴿أَمَّا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ ٱلْمَأْوَىٰ﴾ أي: الذين صدقوا الله ورسوله وعملوا ما أمرهم الله ورسوله فلهم بساتين المساكن التي يسكنونها في الجنة ويأوون إليها. ويجوز أن يكون التقدير: فلهم بساتين جنة المأوى. ﴿نُزُلاً بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ أي: أنزلهم الله فيها نزلاً بعملهم. * * ثم قال: ﴿وَأَمَّا ٱلَّذِينَ فَسَقُواْ﴾ أي: كفروا بالله. ﴿فَمَأْوَاهُمُ ٱلنَّارُ﴾ أي: مساكنهم في النار في الآخرة. * * ثم قال: ﴿كُلَّمَآ أَرَادُوۤاْ أَن يَخْرُجُواُ مِنْهَآ أُعِيدُواْ فِيهَا﴾. قد تقدم هذا في "الحج". * * ثم قال: ﴿وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُواْ عَذَابَ ٱلنَّارِ ٱلَّذِي كُنتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ أي: في الدنيا. ثم قال [تعالى]: ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِّنَ ٱلْعَذَابِ ٱلأَدْنَىٰ﴾ أي: لنذيقن هؤلاء الفسقة من مصائب الدنيا في الأنفس والأموال في الدنيا دون عذاب النار في الآخرة. قاله ابن عباس وأُبي بن كعب والضحاك. وقال ابن مسعود: "العذاب الأدنى" يوم بدر. وقال مجاهد: هو الجوع والقتل لقريش في الدنيا. روي أنهم جاعوا حتى أكلوا العِلْهِزَ، وهو القُرَدُ يفقأ دمها في الوبر ويحمل على النار فيؤكل. وعن ابن عباس أيضاً: أنه الحدود. وعن مجاهد أيضاً: أنه عذاب القبر وعذاب الدنيا. وأكثرهم على أن العذاب الأكبر عذاب يوم القيامة في النار. وقيل: هو القتل يوم بدر. * * ثم قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَآ﴾. أي: لا أحد أظلم لنفسه ممن وعظ بحجج الله وآي كتابه فأعرض عن ذلك وكذب به. * * ثم قال: ﴿إِنَّا مِنَ ٱلْمُجْرِمِينَ مُنتَقِمُونَ﴾ أي: من الذين اكتسبوا السيئات منتقمون في الآخرة. وقيل: عني بالمجرمين [هنا] أهل القدر، وكذلك قوله: ﴿إِنَّ ٱلْمُجْرِمِينَ فِي ضَلاَلٍ وَسُعُرٍ﴾ [القمر: ٤٧] الآيات في أهل القدر أيضاً. [وقال] معاذ بن جبل: سمعت النبي صلى الله عليه [وسلّم] يقول "ثَلاَثٌ مَنْ فَعَلَهنَّ فقَدْ أجْرَمَ: مَنِ اعْتَقَدَ لِواءً في غير حقٍّ، أوْ عَقَّ وَالِِدَيْه، أو مَشَى مَعَ ظَالِم يَنْصُرُهُ فَقَدْ أجْرَمَ، يقولُ اللهُ جلَّ ذِكرُهُ ﴿إِنَّا مِنَ ٱلْمُجْرِمِينَ مُنتَقِمُونَ﴾ ثم قال تعالى [ذكره]: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَابَ﴾ أي التوراة. ﴿فَلاَ تَكُن فِي مِرْيَةٍ مِّن لِّقَآئِهِ﴾ أي: في شك من أنك لقيته أو تلقاه ليلة الإسراء، قاله قتادة. وبذلك أتى الخبر عن النبي ﷺ أنه لقيه ليلة الإسراء، روى ابن عباس: أن النبي ﷺقال: "أرِيتُ لَيْلَةَ أسْرِي [بي] موسى بن عِمْرِان رَجلاً آدَمَ طوَّالاً جَعْداً، كَأنَّهُ مِنْ رِجَال شَنوءةَ، وَرَأيت عِيسَى رَجُلاً مَربُوعَ الخَلْق، إلى الحُمْرَةِ وَالبَيَاضِ سَبْطَ الرَّأْسِ، وَرَأيتُ مَالِكاً [خَازِنَ] النَّار والدَّجَّال. فالهاء لموسى، وقيل: الهاء عائدة على الكتاب. والتقدير: فلا تكن في شك من تلقي موسى الكتاب بالقبول، وتكون المخاطبة على القول الأول للنبي خاصة، وعلى القول الثاني لجميع الناس. وعن الحسن أنه قال في معناه: ولقد آتينا موسى الكتاب، فأوذي وكذب فلا تكن في شك يا محمد من أنه سيلقاك مثل ما لقيه موسى من التكذيب والأذى. فالهاء عائدة على معنى محذوف كأنه قال: من لقاء ما لاقى، والمخاطبة على هذا للنبي عليه السلام خاصة. ويجوز أن يكون هذا خطاباً للشاك في إتيان الله موسى الكتاب، وقيل: في الكلام تقديم وتأخير، والهاء في ﴿لِّقَآئِهِ﴾ تعود على الرجوع إلى الآخرة والبعث، والتقدير: قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم ثم إلى ربكم ترجعون، ﴿فَلاَ تَكُن فِي مِرْيَةٍ مِّن لِّقَآئِهِ﴾ أي: من لقاء البعث والرجوع إلى الحياة بعد الموت فهو خطاب للنبي عليه السلام، والمراد به من ينكر البعث. * * وقوله: ﴿فَلاَ تَكُن فِي مِرْيَةٍ مِّن لِّقَآئِهِ﴾ كلام اعترض بين كلامين. ثم قال بعد ذلك: ﴿وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِّبَنِيۤ إِسْرَائِيلَ﴾. أي: الكتاب جعله الله هادياً لهم من الضلالة إلى الهدى. وقال قتادة: ﴿وَجَعَلْنَاهُ﴾ أي: جعلنا موسى هدى لهم. ثم قال (تعالى ذكره) ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا﴾. أي: وجعلنا من بني إسرائيل قادة في الخير يؤتم بهم. قال قتادة: ﴿أَئِمَّةً﴾ رؤساء الخير. ﴿يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا﴾: أي يرشدون أتباعهم بإذننا هم وتقويتنا إياهم على ذلك. ﴿لَمَّا صَبَرُواْ﴾ أي: حين صبروا على طاعة الله وعلى أذاء فرعون لهم، فيكون المعنى: إنهم إنما جعلوا أئمة حين وُجِدَ منهم الصبر. ومن قرأ "لِمَا" بكسر اللام فمعناه فعلنا بهم ذلك لصبرهم على طاعة الله. فيكون المعنى: فهل بهم ذلك جزاء لهم لصبرهم المتقدم في الله. ثم قال (تعالى): ﴿وَكَانُواْ بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ أي: بحججنا وكتابنا يصدقون. وفي قراءة أُبي: "كَمَا صَبَروا". وفي قراءة أبن مسعود: "بِمَا صَبَروا". فهذا شاهد لمن كسر اللام، وهو حمزة والكسائي. * * ثم قال: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ ٱلْقَيَامَةِ﴾. أي: يحكم بين جميع خلقه فيما اختلفوا فيه في الدنيا من أمور الدين، فيوجب للمحسن الجنة وللمسيء النار. ثم قال تعالى [ذكره]: ﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِمْ مِّنَ ٱلْقُرُونِ﴾. قال الفراء: كم في موضع رفع فاعل ليهدي. ولا يجيزه البصريون لأن الاستفهام لا يعمل فيه ما قبله. وقال المبرد: الفَاعِل المَصَدر مَحْذُوف لأِن يَهْدِي يَدُلُّ عَلَى مَصْدرِهِ، تقديره: أَوَ لَمْ يَهْدِ الهُدَى لَهُم. وقيل التقدير: أولم يهد الله لهم. وهذا إن شاء الله أحسنها. ويقوي ذلك أن أبا عبد الرحمن السلمي وقتادة قرأ: أو لم نهدِ بالنون. وكم في موضع نصب "أهلكنا". ومعنى الآية على قول ابن عباس: أَوَلَمْ يتبين لهم، أي لقريش كم أهلكنا من قبلهم من القرون فيتعظوا ويزدجروا. وقدر بعض النحويين الآية على قول الفراء فقال: التقدير: أو لم يتبين لهم كثرة من أهلكنا من قبلهم من الأمم فيتعظوا. * * ثم قال تعالى: ﴿يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ﴾ أي: تمشي قريش في مساكن الأمم الخالية، فكيف لا تتعظ وتزدجر وتعلم أن مصيرها إن كفرت إلى ما صارت إليه هذه الأمم. * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ أَفَلاَ يَسْمَعُونَ﴾ أي: إن في خلاء مساكن من مضى، وإهلاك الله إياهم لعبرا وحججاً لقريش، أفلا يسمعون عظات الله وتذكيره إياهم وتعريفه مواضع حججه عليهم. وقيل: ﴿أَفَلاَ يَسْمَعُونَ﴾، معناه: أفلا يعقلون، مثل "سَمِع اللهُ لِمَنْ حَمِدَه".

السجدة 32:22

قوله تعالى ذكره: ﴿أَفَمَن كَانَ مُؤْمِناً كَمَن كَانَ فَاسِقاً﴾ إلى قوله: ﴿أَفَلاَ يَسْمَعُونَ﴾. أي: أيكون الكافر المكذب كالمؤمن المصدق، لا يستوون عند الله. قال قتادة: لا والله ما يستوون في الدنيا ولا في الآخرة ولا عند الموت. وإنما جمع يستوون لأن "مَنْ" تؤدي عن جمع فحمله على المعنى. وقيل: إن المراد به اثنان بأعيانهما، وذلك أن الآية نزلت في قول ابن عباس وعطاء وغيرها في المدينة في علي بن أبي طالب رضي الله عنه، والوليد بن عقبة بن أبي معيط قال عطاء: كان بين الوليد وعلي كلام، فقال [الوليد] "أنا أبْسطُ منك لساناً وأحَدُّ منك سِنَاناً، فقال له علي [اسكت] فإنك فاسق، فنزلت ﴿أَفَمَن كَانَ مُؤْمِناً﴾ الآية فيهما. فيكون يستوون على هذا قد جمع في موضع التثنية، لأن التثنية جمع في الأصل. ويجوز أن تكون لما نزلت في اثنين بأعيانهما، ثم هي عامة في جميع الكفار والمؤمنين حمل الكلام على معنى العموم، فجمع يستوون لذلك. ثم قال تعالى [ذكره] ﴿أَمَّا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ ٱلْمَأْوَىٰ﴾ أي: الذين صدقوا الله ورسوله وعملوا ما أمرهم الله ورسوله فلهم بساتين المساكن التي يسكنونها في الجنة ويأوون إليها. ويجوز أن يكون التقدير: فلهم بساتين جنة المأوى. ﴿نُزُلاً بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ أي: أنزلهم الله فيها نزلاً بعملهم. * * ثم قال: ﴿وَأَمَّا ٱلَّذِينَ فَسَقُواْ﴾ أي: كفروا بالله. ﴿فَمَأْوَاهُمُ ٱلنَّارُ﴾ أي: مساكنهم في النار في الآخرة. * * ثم قال: ﴿كُلَّمَآ أَرَادُوۤاْ أَن يَخْرُجُواُ مِنْهَآ أُعِيدُواْ فِيهَا﴾. قد تقدم هذا في "الحج". * * ثم قال: ﴿وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُواْ عَذَابَ ٱلنَّارِ ٱلَّذِي كُنتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ أي: في الدنيا. ثم قال [تعالى]: ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِّنَ ٱلْعَذَابِ ٱلأَدْنَىٰ﴾ أي: لنذيقن هؤلاء الفسقة من مصائب الدنيا في الأنفس والأموال في الدنيا دون عذاب النار في الآخرة. قاله ابن عباس وأُبي بن كعب والضحاك. وقال ابن مسعود: "العذاب الأدنى" يوم بدر. وقال مجاهد: هو الجوع والقتل لقريش في الدنيا. روي أنهم جاعوا حتى أكلوا العِلْهِزَ، وهو القُرَدُ يفقأ دمها في الوبر ويحمل على النار فيؤكل. وعن ابن عباس أيضاً: أنه الحدود. وعن مجاهد أيضاً: أنه عذاب القبر وعذاب الدنيا. وأكثرهم على أن العذاب الأكبر عذاب يوم القيامة في النار. وقيل: هو القتل يوم بدر. * * ثم قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَآ﴾. أي: لا أحد أظلم لنفسه ممن وعظ بحجج الله وآي كتابه فأعرض عن ذلك وكذب به. * * ثم قال: ﴿إِنَّا مِنَ ٱلْمُجْرِمِينَ مُنتَقِمُونَ﴾ أي: من الذين اكتسبوا السيئات منتقمون في الآخرة. وقيل: عني بالمجرمين [هنا] أهل القدر، وكذلك قوله: ﴿إِنَّ ٱلْمُجْرِمِينَ فِي ضَلاَلٍ وَسُعُرٍ﴾ [القمر: ٤٧] الآيات في أهل القدر أيضاً. [وقال] معاذ بن جبل: سمعت النبي صلى الله عليه [وسلّم] يقول "ثَلاَثٌ مَنْ فَعَلَهنَّ فقَدْ أجْرَمَ: مَنِ اعْتَقَدَ لِواءً في غير حقٍّ، أوْ عَقَّ وَالِِدَيْه، أو مَشَى مَعَ ظَالِم يَنْصُرُهُ فَقَدْ أجْرَمَ، يقولُ اللهُ جلَّ ذِكرُهُ ﴿إِنَّا مِنَ ٱلْمُجْرِمِينَ مُنتَقِمُونَ﴾ ثم قال تعالى [ذكره]: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَابَ﴾ أي التوراة. ﴿فَلاَ تَكُن فِي مِرْيَةٍ مِّن لِّقَآئِهِ﴾ أي: في شك من أنك لقيته أو تلقاه ليلة الإسراء، قاله قتادة. وبذلك أتى الخبر عن النبي ﷺ أنه لقيه ليلة الإسراء، روى ابن عباس: أن النبي ﷺقال: "أرِيتُ لَيْلَةَ أسْرِي [بي] موسى بن عِمْرِان رَجلاً آدَمَ طوَّالاً جَعْداً، كَأنَّهُ مِنْ رِجَال شَنوءةَ، وَرَأيت عِيسَى رَجُلاً مَربُوعَ الخَلْق، إلى الحُمْرَةِ وَالبَيَاضِ سَبْطَ الرَّأْسِ، وَرَأيتُ مَالِكاً [خَازِنَ] النَّار والدَّجَّال. فالهاء لموسى، وقيل: الهاء عائدة على الكتاب. والتقدير: فلا تكن في شك من تلقي موسى الكتاب بالقبول، وتكون المخاطبة على القول الأول للنبي خاصة، وعلى القول الثاني لجميع الناس. وعن الحسن أنه قال في معناه: ولقد آتينا موسى الكتاب، فأوذي وكذب فلا تكن في شك يا محمد من أنه سيلقاك مثل ما لقيه موسى من التكذيب والأذى. فالهاء عائدة على معنى محذوف كأنه قال: من لقاء ما لاقى، والمخاطبة على هذا للنبي عليه السلام خاصة. ويجوز أن يكون هذا خطاباً للشاك في إتيان الله موسى الكتاب، وقيل: في الكلام تقديم وتأخير، والهاء في ﴿لِّقَآئِهِ﴾ تعود على الرجوع إلى الآخرة والبعث، والتقدير: قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم ثم إلى ربكم ترجعون، ﴿فَلاَ تَكُن فِي مِرْيَةٍ مِّن لِّقَآئِهِ﴾ أي: من لقاء البعث والرجوع إلى الحياة بعد الموت فهو خطاب للنبي عليه السلام، والمراد به من ينكر البعث. * * وقوله: ﴿فَلاَ تَكُن فِي مِرْيَةٍ مِّن لِّقَآئِهِ﴾ كلام اعترض بين كلامين. ثم قال بعد ذلك: ﴿وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِّبَنِيۤ إِسْرَائِيلَ﴾. أي: الكتاب جعله الله هادياً لهم من الضلالة إلى الهدى. وقال قتادة: ﴿وَجَعَلْنَاهُ﴾ أي: جعلنا موسى هدى لهم. ثم قال (تعالى ذكره) ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا﴾. أي: وجعلنا من بني إسرائيل قادة في الخير يؤتم بهم. قال قتادة: ﴿أَئِمَّةً﴾ رؤساء الخير. ﴿يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا﴾: أي يرشدون أتباعهم بإذننا هم وتقويتنا إياهم على ذلك. ﴿لَمَّا صَبَرُواْ﴾ أي: حين صبروا على طاعة الله وعلى أذاء فرعون لهم، فيكون المعنى: إنهم إنما جعلوا أئمة حين وُجِدَ منهم الصبر. ومن قرأ "لِمَا" بكسر اللام فمعناه فعلنا بهم ذلك لصبرهم على طاعة الله. فيكون المعنى: فهل بهم ذلك جزاء لهم لصبرهم المتقدم في الله. ثم قال (تعالى): ﴿وَكَانُواْ بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ أي: بحججنا وكتابنا يصدقون. وفي قراءة أُبي: "كَمَا صَبَروا". وفي قراءة أبن مسعود: "بِمَا صَبَروا". فهذا شاهد لمن كسر اللام، وهو حمزة والكسائي. * * ثم قال: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ ٱلْقَيَامَةِ﴾. أي: يحكم بين جميع خلقه فيما اختلفوا فيه في الدنيا من أمور الدين، فيوجب للمحسن الجنة وللمسيء النار. ثم قال تعالى [ذكره]: ﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِمْ مِّنَ ٱلْقُرُونِ﴾. قال الفراء: كم في موضع رفع فاعل ليهدي. ولا يجيزه البصريون لأن الاستفهام لا يعمل فيه ما قبله. وقال المبرد: الفَاعِل المَصَدر مَحْذُوف لأِن يَهْدِي يَدُلُّ عَلَى مَصْدرِهِ، تقديره: أَوَ لَمْ يَهْدِ الهُدَى لَهُم. وقيل التقدير: أولم يهد الله لهم. وهذا إن شاء الله أحسنها. ويقوي ذلك أن أبا عبد الرحمن السلمي وقتادة قرأ: أو لم نهدِ بالنون. وكم في موضع نصب "أهلكنا". ومعنى الآية على قول ابن عباس: أَوَلَمْ يتبين لهم، أي لقريش كم أهلكنا من قبلهم من القرون فيتعظوا ويزدجروا. وقدر بعض النحويين الآية على قول الفراء فقال: التقدير: أو لم يتبين لهم كثرة من أهلكنا من قبلهم من الأمم فيتعظوا. * * ثم قال تعالى: ﴿يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ﴾ أي: تمشي قريش في مساكن الأمم الخالية، فكيف لا تتعظ وتزدجر وتعلم أن مصيرها إن كفرت إلى ما صارت إليه هذه الأمم. * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ أَفَلاَ يَسْمَعُونَ﴾ أي: إن في خلاء مساكن من مضى، وإهلاك الله إياهم لعبرا وحججاً لقريش، أفلا يسمعون عظات الله وتذكيره إياهم وتعريفه مواضع حججه عليهم. وقيل: ﴿أَفَلاَ يَسْمَعُونَ﴾، معناه: أفلا يعقلون، مثل "سَمِع اللهُ لِمَنْ حَمِدَه".

السجدة 32:23

قوله تعالى ذكره: ﴿أَفَمَن كَانَ مُؤْمِناً كَمَن كَانَ فَاسِقاً﴾ إلى قوله: ﴿أَفَلاَ يَسْمَعُونَ﴾. أي: أيكون الكافر المكذب كالمؤمن المصدق، لا يستوون عند الله. قال قتادة: لا والله ما يستوون في الدنيا ولا في الآخرة ولا عند الموت. وإنما جمع يستوون لأن "مَنْ" تؤدي عن جمع فحمله على المعنى. وقيل: إن المراد به اثنان بأعيانهما، وذلك أن الآية نزلت في قول ابن عباس وعطاء وغيرها في المدينة في علي بن أبي طالب رضي الله عنه، والوليد بن عقبة بن أبي معيط قال عطاء: كان بين الوليد وعلي كلام، فقال [الوليد] "أنا أبْسطُ منك لساناً وأحَدُّ منك سِنَاناً، فقال له علي [اسكت] فإنك فاسق، فنزلت ﴿أَفَمَن كَانَ مُؤْمِناً﴾ الآية فيهما. فيكون يستوون على هذا قد جمع في موضع التثنية، لأن التثنية جمع في الأصل. ويجوز أن تكون لما نزلت في اثنين بأعيانهما، ثم هي عامة في جميع الكفار والمؤمنين حمل الكلام على معنى العموم، فجمع يستوون لذلك. ثم قال تعالى [ذكره] ﴿أَمَّا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ ٱلْمَأْوَىٰ﴾ أي: الذين صدقوا الله ورسوله وعملوا ما أمرهم الله ورسوله فلهم بساتين المساكن التي يسكنونها في الجنة ويأوون إليها. ويجوز أن يكون التقدير: فلهم بساتين جنة المأوى. ﴿نُزُلاً بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ أي: أنزلهم الله فيها نزلاً بعملهم. * * ثم قال: ﴿وَأَمَّا ٱلَّذِينَ فَسَقُواْ﴾ أي: كفروا بالله. ﴿فَمَأْوَاهُمُ ٱلنَّارُ﴾ أي: مساكنهم في النار في الآخرة. * * ثم قال: ﴿كُلَّمَآ أَرَادُوۤاْ أَن يَخْرُجُواُ مِنْهَآ أُعِيدُواْ فِيهَا﴾. قد تقدم هذا في "الحج". * * ثم قال: ﴿وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُواْ عَذَابَ ٱلنَّارِ ٱلَّذِي كُنتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ أي: في الدنيا. ثم قال [تعالى]: ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِّنَ ٱلْعَذَابِ ٱلأَدْنَىٰ﴾ أي: لنذيقن هؤلاء الفسقة من مصائب الدنيا في الأنفس والأموال في الدنيا دون عذاب النار في الآخرة. قاله ابن عباس وأُبي بن كعب والضحاك. وقال ابن مسعود: "العذاب الأدنى" يوم بدر. وقال مجاهد: هو الجوع والقتل لقريش في الدنيا. روي أنهم جاعوا حتى أكلوا العِلْهِزَ، وهو القُرَدُ يفقأ دمها في الوبر ويحمل على النار فيؤكل. وعن ابن عباس أيضاً: أنه الحدود. وعن مجاهد أيضاً: أنه عذاب القبر وعذاب الدنيا. وأكثرهم على أن العذاب الأكبر عذاب يوم القيامة في النار. وقيل: هو القتل يوم بدر. * * ثم قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَآ﴾. أي: لا أحد أظلم لنفسه ممن وعظ بحجج الله وآي كتابه فأعرض عن ذلك وكذب به. * * ثم قال: ﴿إِنَّا مِنَ ٱلْمُجْرِمِينَ مُنتَقِمُونَ﴾ أي: من الذين اكتسبوا السيئات منتقمون في الآخرة. وقيل: عني بالمجرمين [هنا] أهل القدر، وكذلك قوله: ﴿إِنَّ ٱلْمُجْرِمِينَ فِي ضَلاَلٍ وَسُعُرٍ﴾ [القمر: ٤٧] الآيات في أهل القدر أيضاً. [وقال] معاذ بن جبل: سمعت النبي صلى الله عليه [وسلّم] يقول "ثَلاَثٌ مَنْ فَعَلَهنَّ فقَدْ أجْرَمَ: مَنِ اعْتَقَدَ لِواءً في غير حقٍّ، أوْ عَقَّ وَالِِدَيْه، أو مَشَى مَعَ ظَالِم يَنْصُرُهُ فَقَدْ أجْرَمَ، يقولُ اللهُ جلَّ ذِكرُهُ ﴿إِنَّا مِنَ ٱلْمُجْرِمِينَ مُنتَقِمُونَ﴾ ثم قال تعالى [ذكره]: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَابَ﴾ أي التوراة. ﴿فَلاَ تَكُن فِي مِرْيَةٍ مِّن لِّقَآئِهِ﴾ أي: في شك من أنك لقيته أو تلقاه ليلة الإسراء، قاله قتادة. وبذلك أتى الخبر عن النبي ﷺ أنه لقيه ليلة الإسراء، روى ابن عباس: أن النبي ﷺقال: "أرِيتُ لَيْلَةَ أسْرِي [بي] موسى بن عِمْرِان رَجلاً آدَمَ طوَّالاً جَعْداً، كَأنَّهُ مِنْ رِجَال شَنوءةَ، وَرَأيت عِيسَى رَجُلاً مَربُوعَ الخَلْق، إلى الحُمْرَةِ وَالبَيَاضِ سَبْطَ الرَّأْسِ، وَرَأيتُ مَالِكاً [خَازِنَ] النَّار والدَّجَّال. فالهاء لموسى، وقيل: الهاء عائدة على الكتاب. والتقدير: فلا تكن في شك من تلقي موسى الكتاب بالقبول، وتكون المخاطبة على القول الأول للنبي خاصة، وعلى القول الثاني لجميع الناس. وعن الحسن أنه قال في معناه: ولقد آتينا موسى الكتاب، فأوذي وكذب فلا تكن في شك يا محمد من أنه سيلقاك مثل ما لقيه موسى من التكذيب والأذى. فالهاء عائدة على معنى محذوف كأنه قال: من لقاء ما لاقى، والمخاطبة على هذا للنبي عليه السلام خاصة. ويجوز أن يكون هذا خطاباً للشاك في إتيان الله موسى الكتاب، وقيل: في الكلام تقديم وتأخير، والهاء في ﴿لِّقَآئِهِ﴾ تعود على الرجوع إلى الآخرة والبعث، والتقدير: قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم ثم إلى ربكم ترجعون، ﴿فَلاَ تَكُن فِي مِرْيَةٍ مِّن لِّقَآئِهِ﴾ أي: من لقاء البعث والرجوع إلى الحياة بعد الموت فهو خطاب للنبي عليه السلام، والمراد به من ينكر البعث. * * وقوله: ﴿فَلاَ تَكُن فِي مِرْيَةٍ مِّن لِّقَآئِهِ﴾ كلام اعترض بين كلامين. ثم قال بعد ذلك: ﴿وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِّبَنِيۤ إِسْرَائِيلَ﴾. أي: الكتاب جعله الله هادياً لهم من الضلالة إلى الهدى. وقال قتادة: ﴿وَجَعَلْنَاهُ﴾ أي: جعلنا موسى هدى لهم. ثم قال (تعالى ذكره) ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا﴾. أي: وجعلنا من بني إسرائيل قادة في الخير يؤتم بهم. قال قتادة: ﴿أَئِمَّةً﴾ رؤساء الخير. ﴿يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا﴾: أي يرشدون أتباعهم بإذننا هم وتقويتنا إياهم على ذلك. ﴿لَمَّا صَبَرُواْ﴾ أي: حين صبروا على طاعة الله وعلى أذاء فرعون لهم، فيكون المعنى: إنهم إنما جعلوا أئمة حين وُجِدَ منهم الصبر. ومن قرأ "لِمَا" بكسر اللام فمعناه فعلنا بهم ذلك لصبرهم على طاعة الله. فيكون المعنى: فهل بهم ذلك جزاء لهم لصبرهم المتقدم في الله. ثم قال (تعالى): ﴿وَكَانُواْ بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ أي: بحججنا وكتابنا يصدقون. وفي قراءة أُبي: "كَمَا صَبَروا". وفي قراءة أبن مسعود: "بِمَا صَبَروا". فهذا شاهد لمن كسر اللام، وهو حمزة والكسائي. * * ثم قال: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ ٱلْقَيَامَةِ﴾. أي: يحكم بين جميع خلقه فيما اختلفوا فيه في الدنيا من أمور الدين، فيوجب للمحسن الجنة وللمسيء النار. ثم قال تعالى [ذكره]: ﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِمْ مِّنَ ٱلْقُرُونِ﴾. قال الفراء: كم في موضع رفع فاعل ليهدي. ولا يجيزه البصريون لأن الاستفهام لا يعمل فيه ما قبله. وقال المبرد: الفَاعِل المَصَدر مَحْذُوف لأِن يَهْدِي يَدُلُّ عَلَى مَصْدرِهِ، تقديره: أَوَ لَمْ يَهْدِ الهُدَى لَهُم. وقيل التقدير: أولم يهد الله لهم. وهذا إن شاء الله أحسنها. ويقوي ذلك أن أبا عبد الرحمن السلمي وقتادة قرأ: أو لم نهدِ بالنون. وكم في موضع نصب "أهلكنا". ومعنى الآية على قول ابن عباس: أَوَلَمْ يتبين لهم، أي لقريش كم أهلكنا من قبلهم من القرون فيتعظوا ويزدجروا. وقدر بعض النحويين الآية على قول الفراء فقال: التقدير: أو لم يتبين لهم كثرة من أهلكنا من قبلهم من الأمم فيتعظوا. * * ثم قال تعالى: ﴿يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ﴾ أي: تمشي قريش في مساكن الأمم الخالية، فكيف لا تتعظ وتزدجر وتعلم أن مصيرها إن كفرت إلى ما صارت إليه هذه الأمم. * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ أَفَلاَ يَسْمَعُونَ﴾ أي: إن في خلاء مساكن من مضى، وإهلاك الله إياهم لعبرا وحججاً لقريش، أفلا يسمعون عظات الله وتذكيره إياهم وتعريفه مواضع حججه عليهم. وقيل: ﴿أَفَلاَ يَسْمَعُونَ﴾، معناه: أفلا يعقلون، مثل "سَمِع اللهُ لِمَنْ حَمِدَه".

السجدة 32:24

قوله تعالى ذكره: ﴿أَفَمَن كَانَ مُؤْمِناً كَمَن كَانَ فَاسِقاً﴾ إلى قوله: ﴿أَفَلاَ يَسْمَعُونَ﴾. أي: أيكون الكافر المكذب كالمؤمن المصدق، لا يستوون عند الله. قال قتادة: لا والله ما يستوون في الدنيا ولا في الآخرة ولا عند الموت. وإنما جمع يستوون لأن "مَنْ" تؤدي عن جمع فحمله على المعنى. وقيل: إن المراد به اثنان بأعيانهما، وذلك أن الآية نزلت في قول ابن عباس وعطاء وغيرها في المدينة في علي بن أبي طالب رضي الله عنه، والوليد بن عقبة بن أبي معيط قال عطاء: كان بين الوليد وعلي كلام، فقال [الوليد] "أنا أبْسطُ منك لساناً وأحَدُّ منك سِنَاناً، فقال له علي [اسكت] فإنك فاسق، فنزلت ﴿أَفَمَن كَانَ مُؤْمِناً﴾ الآية فيهما. فيكون يستوون على هذا قد جمع في موضع التثنية، لأن التثنية جمع في الأصل. ويجوز أن تكون لما نزلت في اثنين بأعيانهما، ثم هي عامة في جميع الكفار والمؤمنين حمل الكلام على معنى العموم، فجمع يستوون لذلك. ثم قال تعالى [ذكره] ﴿أَمَّا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ ٱلْمَأْوَىٰ﴾ أي: الذين صدقوا الله ورسوله وعملوا ما أمرهم الله ورسوله فلهم بساتين المساكن التي يسكنونها في الجنة ويأوون إليها. ويجوز أن يكون التقدير: فلهم بساتين جنة المأوى. ﴿نُزُلاً بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ أي: أنزلهم الله فيها نزلاً بعملهم. * * ثم قال: ﴿وَأَمَّا ٱلَّذِينَ فَسَقُواْ﴾ أي: كفروا بالله. ﴿فَمَأْوَاهُمُ ٱلنَّارُ﴾ أي: مساكنهم في النار في الآخرة. * * ثم قال: ﴿كُلَّمَآ أَرَادُوۤاْ أَن يَخْرُجُواُ مِنْهَآ أُعِيدُواْ فِيهَا﴾. قد تقدم هذا في "الحج". * * ثم قال: ﴿وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُواْ عَذَابَ ٱلنَّارِ ٱلَّذِي كُنتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ أي: في الدنيا. ثم قال [تعالى]: ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِّنَ ٱلْعَذَابِ ٱلأَدْنَىٰ﴾ أي: لنذيقن هؤلاء الفسقة من مصائب الدنيا في الأنفس والأموال في الدنيا دون عذاب النار في الآخرة. قاله ابن عباس وأُبي بن كعب والضحاك. وقال ابن مسعود: "العذاب الأدنى" يوم بدر. وقال مجاهد: هو الجوع والقتل لقريش في الدنيا. روي أنهم جاعوا حتى أكلوا العِلْهِزَ، وهو القُرَدُ يفقأ دمها في الوبر ويحمل على النار فيؤكل. وعن ابن عباس أيضاً: أنه الحدود. وعن مجاهد أيضاً: أنه عذاب القبر وعذاب الدنيا. وأكثرهم على أن العذاب الأكبر عذاب يوم القيامة في النار. وقيل: هو القتل يوم بدر. * * ثم قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَآ﴾. أي: لا أحد أظلم لنفسه ممن وعظ بحجج الله وآي كتابه فأعرض عن ذلك وكذب به. * * ثم قال: ﴿إِنَّا مِنَ ٱلْمُجْرِمِينَ مُنتَقِمُونَ﴾ أي: من الذين اكتسبوا السيئات منتقمون في الآخرة. وقيل: عني بالمجرمين [هنا] أهل القدر، وكذلك قوله: ﴿إِنَّ ٱلْمُجْرِمِينَ فِي ضَلاَلٍ وَسُعُرٍ﴾ [القمر: ٤٧] الآيات في أهل القدر أيضاً. [وقال] معاذ بن جبل: سمعت النبي صلى الله عليه [وسلّم] يقول "ثَلاَثٌ مَنْ فَعَلَهنَّ فقَدْ أجْرَمَ: مَنِ اعْتَقَدَ لِواءً في غير حقٍّ، أوْ عَقَّ وَالِِدَيْه، أو مَشَى مَعَ ظَالِم يَنْصُرُهُ فَقَدْ أجْرَمَ، يقولُ اللهُ جلَّ ذِكرُهُ ﴿إِنَّا مِنَ ٱلْمُجْرِمِينَ مُنتَقِمُونَ﴾ ثم قال تعالى [ذكره]: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَابَ﴾ أي التوراة. ﴿فَلاَ تَكُن فِي مِرْيَةٍ مِّن لِّقَآئِهِ﴾ أي: في شك من أنك لقيته أو تلقاه ليلة الإسراء، قاله قتادة. وبذلك أتى الخبر عن النبي ﷺ أنه لقيه ليلة الإسراء، روى ابن عباس: أن النبي ﷺقال: "أرِيتُ لَيْلَةَ أسْرِي [بي] موسى بن عِمْرِان رَجلاً آدَمَ طوَّالاً جَعْداً، كَأنَّهُ مِنْ رِجَال شَنوءةَ، وَرَأيت عِيسَى رَجُلاً مَربُوعَ الخَلْق، إلى الحُمْرَةِ وَالبَيَاضِ سَبْطَ الرَّأْسِ، وَرَأيتُ مَالِكاً [خَازِنَ] النَّار والدَّجَّال. فالهاء لموسى، وقيل: الهاء عائدة على الكتاب. والتقدير: فلا تكن في شك من تلقي موسى الكتاب بالقبول، وتكون المخاطبة على القول الأول للنبي خاصة، وعلى القول الثاني لجميع الناس. وعن الحسن أنه قال في معناه: ولقد آتينا موسى الكتاب، فأوذي وكذب فلا تكن في شك يا محمد من أنه سيلقاك مثل ما لقيه موسى من التكذيب والأذى. فالهاء عائدة على معنى محذوف كأنه قال: من لقاء ما لاقى، والمخاطبة على هذا للنبي عليه السلام خاصة. ويجوز أن يكون هذا خطاباً للشاك في إتيان الله موسى الكتاب، وقيل: في الكلام تقديم وتأخير، والهاء في ﴿لِّقَآئِهِ﴾ تعود على الرجوع إلى الآخرة والبعث، والتقدير: قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم ثم إلى ربكم ترجعون، ﴿فَلاَ تَكُن فِي مِرْيَةٍ مِّن لِّقَآئِهِ﴾ أي: من لقاء البعث والرجوع إلى الحياة بعد الموت فهو خطاب للنبي عليه السلام، والمراد به من ينكر البعث. * * وقوله: ﴿فَلاَ تَكُن فِي مِرْيَةٍ مِّن لِّقَآئِهِ﴾ كلام اعترض بين كلامين. ثم قال بعد ذلك: ﴿وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِّبَنِيۤ إِسْرَائِيلَ﴾. أي: الكتاب جعله الله هادياً لهم من الضلالة إلى الهدى. وقال قتادة: ﴿وَجَعَلْنَاهُ﴾ أي: جعلنا موسى هدى لهم. ثم قال (تعالى ذكره) ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا﴾. أي: وجعلنا من بني إسرائيل قادة في الخير يؤتم بهم. قال قتادة: ﴿أَئِمَّةً﴾ رؤساء الخير. ﴿يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا﴾: أي يرشدون أتباعهم بإذننا هم وتقويتنا إياهم على ذلك. ﴿لَمَّا صَبَرُواْ﴾ أي: حين صبروا على طاعة الله وعلى أذاء فرعون لهم، فيكون المعنى: إنهم إنما جعلوا أئمة حين وُجِدَ منهم الصبر. ومن قرأ "لِمَا" بكسر اللام فمعناه فعلنا بهم ذلك لصبرهم على طاعة الله. فيكون المعنى: فهل بهم ذلك جزاء لهم لصبرهم المتقدم في الله. ثم قال (تعالى): ﴿وَكَانُواْ بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ أي: بحججنا وكتابنا يصدقون. وفي قراءة أُبي: "كَمَا صَبَروا". وفي قراءة أبن مسعود: "بِمَا صَبَروا". فهذا شاهد لمن كسر اللام، وهو حمزة والكسائي. * * ثم قال: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ ٱلْقَيَامَةِ﴾. أي: يحكم بين جميع خلقه فيما اختلفوا فيه في الدنيا من أمور الدين، فيوجب للمحسن الجنة وللمسيء النار. ثم قال تعالى [ذكره]: ﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِمْ مِّنَ ٱلْقُرُونِ﴾. قال الفراء: كم في موضع رفع فاعل ليهدي. ولا يجيزه البصريون لأن الاستفهام لا يعمل فيه ما قبله. وقال المبرد: الفَاعِل المَصَدر مَحْذُوف لأِن يَهْدِي يَدُلُّ عَلَى مَصْدرِهِ، تقديره: أَوَ لَمْ يَهْدِ الهُدَى لَهُم. وقيل التقدير: أولم يهد الله لهم. وهذا إن شاء الله أحسنها. ويقوي ذلك أن أبا عبد الرحمن السلمي وقتادة قرأ: أو لم نهدِ بالنون. وكم في موضع نصب "أهلكنا". ومعنى الآية على قول ابن عباس: أَوَلَمْ يتبين لهم، أي لقريش كم أهلكنا من قبلهم من القرون فيتعظوا ويزدجروا. وقدر بعض النحويين الآية على قول الفراء فقال: التقدير: أو لم يتبين لهم كثرة من أهلكنا من قبلهم من الأمم فيتعظوا. * * ثم قال تعالى: ﴿يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ﴾ أي: تمشي قريش في مساكن الأمم الخالية، فكيف لا تتعظ وتزدجر وتعلم أن مصيرها إن كفرت إلى ما صارت إليه هذه الأمم. * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ أَفَلاَ يَسْمَعُونَ﴾ أي: إن في خلاء مساكن من مضى، وإهلاك الله إياهم لعبرا وحججاً لقريش، أفلا يسمعون عظات الله وتذكيره إياهم وتعريفه مواضع حججه عليهم. وقيل: ﴿أَفَلاَ يَسْمَعُونَ﴾، معناه: أفلا يعقلون، مثل "سَمِع اللهُ لِمَنْ حَمِدَه".

السجدة 32:25

قوله تعالى ذكره: ﴿أَفَمَن كَانَ مُؤْمِناً كَمَن كَانَ فَاسِقاً﴾ إلى قوله: ﴿أَفَلاَ يَسْمَعُونَ﴾. أي: أيكون الكافر المكذب كالمؤمن المصدق، لا يستوون عند الله. قال قتادة: لا والله ما يستوون في الدنيا ولا في الآخرة ولا عند الموت. وإنما جمع يستوون لأن "مَنْ" تؤدي عن جمع فحمله على المعنى. وقيل: إن المراد به اثنان بأعيانهما، وذلك أن الآية نزلت في قول ابن عباس وعطاء وغيرها في المدينة في علي بن أبي طالب رضي الله عنه، والوليد بن عقبة بن أبي معيط قال عطاء: كان بين الوليد وعلي كلام، فقال [الوليد] "أنا أبْسطُ منك لساناً وأحَدُّ منك سِنَاناً، فقال له علي [اسكت] فإنك فاسق، فنزلت ﴿أَفَمَن كَانَ مُؤْمِناً﴾ الآية فيهما. فيكون يستوون على هذا قد جمع في موضع التثنية، لأن التثنية جمع في الأصل. ويجوز أن تكون لما نزلت في اثنين بأعيانهما، ثم هي عامة في جميع الكفار والمؤمنين حمل الكلام على معنى العموم، فجمع يستوون لذلك. ثم قال تعالى [ذكره] ﴿أَمَّا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ ٱلْمَأْوَىٰ﴾ أي: الذين صدقوا الله ورسوله وعملوا ما أمرهم الله ورسوله فلهم بساتين المساكن التي يسكنونها في الجنة ويأوون إليها. ويجوز أن يكون التقدير: فلهم بساتين جنة المأوى. ﴿نُزُلاً بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ أي: أنزلهم الله فيها نزلاً بعملهم. * * ثم قال: ﴿وَأَمَّا ٱلَّذِينَ فَسَقُواْ﴾ أي: كفروا بالله. ﴿فَمَأْوَاهُمُ ٱلنَّارُ﴾ أي: مساكنهم في النار في الآخرة. * * ثم قال: ﴿كُلَّمَآ أَرَادُوۤاْ أَن يَخْرُجُواُ مِنْهَآ أُعِيدُواْ فِيهَا﴾. قد تقدم هذا في "الحج". * * ثم قال: ﴿وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُواْ عَذَابَ ٱلنَّارِ ٱلَّذِي كُنتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ أي: في الدنيا. ثم قال [تعالى]: ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِّنَ ٱلْعَذَابِ ٱلأَدْنَىٰ﴾ أي: لنذيقن هؤلاء الفسقة من مصائب الدنيا في الأنفس والأموال في الدنيا دون عذاب النار في الآخرة. قاله ابن عباس وأُبي بن كعب والضحاك. وقال ابن مسعود: "العذاب الأدنى" يوم بدر. وقال مجاهد: هو الجوع والقتل لقريش في الدنيا. روي أنهم جاعوا حتى أكلوا العِلْهِزَ، وهو القُرَدُ يفقأ دمها في الوبر ويحمل على النار فيؤكل. وعن ابن عباس أيضاً: أنه الحدود. وعن مجاهد أيضاً: أنه عذاب القبر وعذاب الدنيا. وأكثرهم على أن العذاب الأكبر عذاب يوم القيامة في النار. وقيل: هو القتل يوم بدر. * * ثم قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَآ﴾. أي: لا أحد أظلم لنفسه ممن وعظ بحجج الله وآي كتابه فأعرض عن ذلك وكذب به. * * ثم قال: ﴿إِنَّا مِنَ ٱلْمُجْرِمِينَ مُنتَقِمُونَ﴾ أي: من الذين اكتسبوا السيئات منتقمون في الآخرة. وقيل: عني بالمجرمين [هنا] أهل القدر، وكذلك قوله: ﴿إِنَّ ٱلْمُجْرِمِينَ فِي ضَلاَلٍ وَسُعُرٍ﴾ [القمر: ٤٧] الآيات في أهل القدر أيضاً. [وقال] معاذ بن جبل: سمعت النبي صلى الله عليه [وسلّم] يقول "ثَلاَثٌ مَنْ فَعَلَهنَّ فقَدْ أجْرَمَ: مَنِ اعْتَقَدَ لِواءً في غير حقٍّ، أوْ عَقَّ وَالِِدَيْه، أو مَشَى مَعَ ظَالِم يَنْصُرُهُ فَقَدْ أجْرَمَ، يقولُ اللهُ جلَّ ذِكرُهُ ﴿إِنَّا مِنَ ٱلْمُجْرِمِينَ مُنتَقِمُونَ﴾ ثم قال تعالى [ذكره]: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَابَ﴾ أي التوراة. ﴿فَلاَ تَكُن فِي مِرْيَةٍ مِّن لِّقَآئِهِ﴾ أي: في شك من أنك لقيته أو تلقاه ليلة الإسراء، قاله قتادة. وبذلك أتى الخبر عن النبي ﷺ أنه لقيه ليلة الإسراء، روى ابن عباس: أن النبي ﷺقال: "أرِيتُ لَيْلَةَ أسْرِي [بي] موسى بن عِمْرِان رَجلاً آدَمَ طوَّالاً جَعْداً، كَأنَّهُ مِنْ رِجَال شَنوءةَ، وَرَأيت عِيسَى رَجُلاً مَربُوعَ الخَلْق، إلى الحُمْرَةِ وَالبَيَاضِ سَبْطَ الرَّأْسِ، وَرَأيتُ مَالِكاً [خَازِنَ] النَّار والدَّجَّال. فالهاء لموسى، وقيل: الهاء عائدة على الكتاب. والتقدير: فلا تكن في شك من تلقي موسى الكتاب بالقبول، وتكون المخاطبة على القول الأول للنبي خاصة، وعلى القول الثاني لجميع الناس. وعن الحسن أنه قال في معناه: ولقد آتينا موسى الكتاب، فأوذي وكذب فلا تكن في شك يا محمد من أنه سيلقاك مثل ما لقيه موسى من التكذيب والأذى. فالهاء عائدة على معنى محذوف كأنه قال: من لقاء ما لاقى، والمخاطبة على هذا للنبي عليه السلام خاصة. ويجوز أن يكون هذا خطاباً للشاك في إتيان الله موسى الكتاب، وقيل: في الكلام تقديم وتأخير، والهاء في ﴿لِّقَآئِهِ﴾ تعود على الرجوع إلى الآخرة والبعث، والتقدير: قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم ثم إلى ربكم ترجعون، ﴿فَلاَ تَكُن فِي مِرْيَةٍ مِّن لِّقَآئِهِ﴾ أي: من لقاء البعث والرجوع إلى الحياة بعد الموت فهو خطاب للنبي عليه السلام، والمراد به من ينكر البعث. * * وقوله: ﴿فَلاَ تَكُن فِي مِرْيَةٍ مِّن لِّقَآئِهِ﴾ كلام اعترض بين كلامين. ثم قال بعد ذلك: ﴿وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِّبَنِيۤ إِسْرَائِيلَ﴾. أي: الكتاب جعله الله هادياً لهم من الضلالة إلى الهدى. وقال قتادة: ﴿وَجَعَلْنَاهُ﴾ أي: جعلنا موسى هدى لهم. ثم قال (تعالى ذكره) ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا﴾. أي: وجعلنا من بني إسرائيل قادة في الخير يؤتم بهم. قال قتادة: ﴿أَئِمَّةً﴾ رؤساء الخير. ﴿يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا﴾: أي يرشدون أتباعهم بإذننا هم وتقويتنا إياهم على ذلك. ﴿لَمَّا صَبَرُواْ﴾ أي: حين صبروا على طاعة الله وعلى أذاء فرعون لهم، فيكون المعنى: إنهم إنما جعلوا أئمة حين وُجِدَ منهم الصبر. ومن قرأ "لِمَا" بكسر اللام فمعناه فعلنا بهم ذلك لصبرهم على طاعة الله. فيكون المعنى: فهل بهم ذلك جزاء لهم لصبرهم المتقدم في الله. ثم قال (تعالى): ﴿وَكَانُواْ بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ أي: بحججنا وكتابنا يصدقون. وفي قراءة أُبي: "كَمَا صَبَروا". وفي قراءة أبن مسعود: "بِمَا صَبَروا". فهذا شاهد لمن كسر اللام، وهو حمزة والكسائي. * * ثم قال: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ ٱلْقَيَامَةِ﴾. أي: يحكم بين جميع خلقه فيما اختلفوا فيه في الدنيا من أمور الدين، فيوجب للمحسن الجنة وللمسيء النار. ثم قال تعالى [ذكره]: ﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِمْ مِّنَ ٱلْقُرُونِ﴾. قال الفراء: كم في موضع رفع فاعل ليهدي. ولا يجيزه البصريون لأن الاستفهام لا يعمل فيه ما قبله. وقال المبرد: الفَاعِل المَصَدر مَحْذُوف لأِن يَهْدِي يَدُلُّ عَلَى مَصْدرِهِ، تقديره: أَوَ لَمْ يَهْدِ الهُدَى لَهُم. وقيل التقدير: أولم يهد الله لهم. وهذا إن شاء الله أحسنها. ويقوي ذلك أن أبا عبد الرحمن السلمي وقتادة قرأ: أو لم نهدِ بالنون. وكم في موضع نصب "أهلكنا". ومعنى الآية على قول ابن عباس: أَوَلَمْ يتبين لهم، أي لقريش كم أهلكنا من قبلهم من القرون فيتعظوا ويزدجروا. وقدر بعض النحويين الآية على قول الفراء فقال: التقدير: أو لم يتبين لهم كثرة من أهلكنا من قبلهم من الأمم فيتعظوا. * * ثم قال تعالى: ﴿يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ﴾ أي: تمشي قريش في مساكن الأمم الخالية، فكيف لا تتعظ وتزدجر وتعلم أن مصيرها إن كفرت إلى ما صارت إليه هذه الأمم. * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ أَفَلاَ يَسْمَعُونَ﴾ أي: إن في خلاء مساكن من مضى، وإهلاك الله إياهم لعبرا وحججاً لقريش، أفلا يسمعون عظات الله وتذكيره إياهم وتعريفه مواضع حججه عليهم. وقيل: ﴿أَفَلاَ يَسْمَعُونَ﴾، معناه: أفلا يعقلون، مثل "سَمِع اللهُ لِمَنْ حَمِدَه".

السجدة 32:26

قوله تعالى ذكره: ﴿أَفَمَن كَانَ مُؤْمِناً كَمَن كَانَ فَاسِقاً﴾ إلى قوله: ﴿أَفَلاَ يَسْمَعُونَ﴾. أي: أيكون الكافر المكذب كالمؤمن المصدق، لا يستوون عند الله. قال قتادة: لا والله ما يستوون في الدنيا ولا في الآخرة ولا عند الموت. وإنما جمع يستوون لأن "مَنْ" تؤدي عن جمع فحمله على المعنى. وقيل: إن المراد به اثنان بأعيانهما، وذلك أن الآية نزلت في قول ابن عباس وعطاء وغيرها في المدينة في علي بن أبي طالب رضي الله عنه، والوليد بن عقبة بن أبي معيط قال عطاء: كان بين الوليد وعلي كلام، فقال [الوليد] "أنا أبْسطُ منك لساناً وأحَدُّ منك سِنَاناً، فقال له علي [اسكت] فإنك فاسق، فنزلت ﴿أَفَمَن كَانَ مُؤْمِناً﴾ الآية فيهما. فيكون يستوون على هذا قد جمع في موضع التثنية، لأن التثنية جمع في الأصل. ويجوز أن تكون لما نزلت في اثنين بأعيانهما، ثم هي عامة في جميع الكفار والمؤمنين حمل الكلام على معنى العموم، فجمع يستوون لذلك. ثم قال تعالى [ذكره] ﴿أَمَّا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ ٱلْمَأْوَىٰ﴾ أي: الذين صدقوا الله ورسوله وعملوا ما أمرهم الله ورسوله فلهم بساتين المساكن التي يسكنونها في الجنة ويأوون إليها. ويجوز أن يكون التقدير: فلهم بساتين جنة المأوى. ﴿نُزُلاً بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ أي: أنزلهم الله فيها نزلاً بعملهم. * * ثم قال: ﴿وَأَمَّا ٱلَّذِينَ فَسَقُواْ﴾ أي: كفروا بالله. ﴿فَمَأْوَاهُمُ ٱلنَّارُ﴾ أي: مساكنهم في النار في الآخرة. * * ثم قال: ﴿كُلَّمَآ أَرَادُوۤاْ أَن يَخْرُجُواُ مِنْهَآ أُعِيدُواْ فِيهَا﴾. قد تقدم هذا في "الحج". * * ثم قال: ﴿وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُواْ عَذَابَ ٱلنَّارِ ٱلَّذِي كُنتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ أي: في الدنيا. ثم قال [تعالى]: ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِّنَ ٱلْعَذَابِ ٱلأَدْنَىٰ﴾ أي: لنذيقن هؤلاء الفسقة من مصائب الدنيا في الأنفس والأموال في الدنيا دون عذاب النار في الآخرة. قاله ابن عباس وأُبي بن كعب والضحاك. وقال ابن مسعود: "العذاب الأدنى" يوم بدر. وقال مجاهد: هو الجوع والقتل لقريش في الدنيا. روي أنهم جاعوا حتى أكلوا العِلْهِزَ، وهو القُرَدُ يفقأ دمها في الوبر ويحمل على النار فيؤكل. وعن ابن عباس أيضاً: أنه الحدود. وعن مجاهد أيضاً: أنه عذاب القبر وعذاب الدنيا. وأكثرهم على أن العذاب الأكبر عذاب يوم القيامة في النار. وقيل: هو القتل يوم بدر. * * ثم قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَآ﴾. أي: لا أحد أظلم لنفسه ممن وعظ بحجج الله وآي كتابه فأعرض عن ذلك وكذب به. * * ثم قال: ﴿إِنَّا مِنَ ٱلْمُجْرِمِينَ مُنتَقِمُونَ﴾ أي: من الذين اكتسبوا السيئات منتقمون في الآخرة. وقيل: عني بالمجرمين [هنا] أهل القدر، وكذلك قوله: ﴿إِنَّ ٱلْمُجْرِمِينَ فِي ضَلاَلٍ وَسُعُرٍ﴾ [القمر: ٤٧] الآيات في أهل القدر أيضاً. [وقال] معاذ بن جبل: سمعت النبي صلى الله عليه [وسلّم] يقول "ثَلاَثٌ مَنْ فَعَلَهنَّ فقَدْ أجْرَمَ: مَنِ اعْتَقَدَ لِواءً في غير حقٍّ، أوْ عَقَّ وَالِِدَيْه، أو مَشَى مَعَ ظَالِم يَنْصُرُهُ فَقَدْ أجْرَمَ، يقولُ اللهُ جلَّ ذِكرُهُ ﴿إِنَّا مِنَ ٱلْمُجْرِمِينَ مُنتَقِمُونَ﴾ ثم قال تعالى [ذكره]: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَابَ﴾ أي التوراة. ﴿فَلاَ تَكُن فِي مِرْيَةٍ مِّن لِّقَآئِهِ﴾ أي: في شك من أنك لقيته أو تلقاه ليلة الإسراء، قاله قتادة. وبذلك أتى الخبر عن النبي ﷺ أنه لقيه ليلة الإسراء، روى ابن عباس: أن النبي ﷺقال: "أرِيتُ لَيْلَةَ أسْرِي [بي] موسى بن عِمْرِان رَجلاً آدَمَ طوَّالاً جَعْداً، كَأنَّهُ مِنْ رِجَال شَنوءةَ، وَرَأيت عِيسَى رَجُلاً مَربُوعَ الخَلْق، إلى الحُمْرَةِ وَالبَيَاضِ سَبْطَ الرَّأْسِ، وَرَأيتُ مَالِكاً [خَازِنَ] النَّار والدَّجَّال. فالهاء لموسى، وقيل: الهاء عائدة على الكتاب. والتقدير: فلا تكن في شك من تلقي موسى الكتاب بالقبول، وتكون المخاطبة على القول الأول للنبي خاصة، وعلى القول الثاني لجميع الناس. وعن الحسن أنه قال في معناه: ولقد آتينا موسى الكتاب، فأوذي وكذب فلا تكن في شك يا محمد من أنه سيلقاك مثل ما لقيه موسى من التكذيب والأذى. فالهاء عائدة على معنى محذوف كأنه قال: من لقاء ما لاقى، والمخاطبة على هذا للنبي عليه السلام خاصة. ويجوز أن يكون هذا خطاباً للشاك في إتيان الله موسى الكتاب، وقيل: في الكلام تقديم وتأخير، والهاء في ﴿لِّقَآئِهِ﴾ تعود على الرجوع إلى الآخرة والبعث، والتقدير: قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم ثم إلى ربكم ترجعون، ﴿فَلاَ تَكُن فِي مِرْيَةٍ مِّن لِّقَآئِهِ﴾ أي: من لقاء البعث والرجوع إلى الحياة بعد الموت فهو خطاب للنبي عليه السلام، والمراد به من ينكر البعث. * * وقوله: ﴿فَلاَ تَكُن فِي مِرْيَةٍ مِّن لِّقَآئِهِ﴾ كلام اعترض بين كلامين. ثم قال بعد ذلك: ﴿وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِّبَنِيۤ إِسْرَائِيلَ﴾. أي: الكتاب جعله الله هادياً لهم من الضلالة إلى الهدى. وقال قتادة: ﴿وَجَعَلْنَاهُ﴾ أي: جعلنا موسى هدى لهم. ثم قال (تعالى ذكره) ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا﴾. أي: وجعلنا من بني إسرائيل قادة في الخير يؤتم بهم. قال قتادة: ﴿أَئِمَّةً﴾ رؤساء الخير. ﴿يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا﴾: أي يرشدون أتباعهم بإذننا هم وتقويتنا إياهم على ذلك. ﴿لَمَّا صَبَرُواْ﴾ أي: حين صبروا على طاعة الله وعلى أذاء فرعون لهم، فيكون المعنى: إنهم إنما جعلوا أئمة حين وُجِدَ منهم الصبر. ومن قرأ "لِمَا" بكسر اللام فمعناه فعلنا بهم ذلك لصبرهم على طاعة الله. فيكون المعنى: فهل بهم ذلك جزاء لهم لصبرهم المتقدم في الله. ثم قال (تعالى): ﴿وَكَانُواْ بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ أي: بحججنا وكتابنا يصدقون. وفي قراءة أُبي: "كَمَا صَبَروا". وفي قراءة أبن مسعود: "بِمَا صَبَروا". فهذا شاهد لمن كسر اللام، وهو حمزة والكسائي. * * ثم قال: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ ٱلْقَيَامَةِ﴾. أي: يحكم بين جميع خلقه فيما اختلفوا فيه في الدنيا من أمور الدين، فيوجب للمحسن الجنة وللمسيء النار. ثم قال تعالى [ذكره]: ﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِمْ مِّنَ ٱلْقُرُونِ﴾. قال الفراء: كم في موضع رفع فاعل ليهدي. ولا يجيزه البصريون لأن الاستفهام لا يعمل فيه ما قبله. وقال المبرد: الفَاعِل المَصَدر مَحْذُوف لأِن يَهْدِي يَدُلُّ عَلَى مَصْدرِهِ، تقديره: أَوَ لَمْ يَهْدِ الهُدَى لَهُم. وقيل التقدير: أولم يهد الله لهم. وهذا إن شاء الله أحسنها. ويقوي ذلك أن أبا عبد الرحمن السلمي وقتادة قرأ: أو لم نهدِ بالنون. وكم في موضع نصب "أهلكنا". ومعنى الآية على قول ابن عباس: أَوَلَمْ يتبين لهم، أي لقريش كم أهلكنا من قبلهم من القرون فيتعظوا ويزدجروا. وقدر بعض النحويين الآية على قول الفراء فقال: التقدير: أو لم يتبين لهم كثرة من أهلكنا من قبلهم من الأمم فيتعظوا. * * ثم قال تعالى: ﴿يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ﴾ أي: تمشي قريش في مساكن الأمم الخالية، فكيف لا تتعظ وتزدجر وتعلم أن مصيرها إن كفرت إلى ما صارت إليه هذه الأمم. * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ أَفَلاَ يَسْمَعُونَ﴾ أي: إن في خلاء مساكن من مضى، وإهلاك الله إياهم لعبرا وحججاً لقريش، أفلا يسمعون عظات الله وتذكيره إياهم وتعريفه مواضع حججه عليهم. وقيل: ﴿أَفَلاَ يَسْمَعُونَ﴾، معناه: أفلا يعقلون، مثل "سَمِع اللهُ لِمَنْ حَمِدَه".

السجدة 32:27

قوله تعالى [ذكره]: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا نَسُوقُ ٱلْمَآءَ إِلَى ٱلأَرْضِ ٱلْجُرُزِ﴾ إلى آخر السورة. أَلَم يرَ هؤلاء المكذبون بالبعث [بعد الموت] أنا بقدرتنا نسوق الماء إلى الأرض اليابسة الغليظة التي لا نبات فيها . وأصل الجِّرزِ من قولهم: رجل جَرُوزٌ، إذا كان لا يُبقي شيئاً إلا أكله. وحكى الفراء وغيره فيه أربع لغات: أرض جُرْزٌ، وَجُرْزٌ وَجَرَزٌ وَجَرْزٌ، وكذلك حكوا في البُخل والرُّعب والرُّهب، هذه الأربع على أربع لغات، قال ابن عباس: هي أرض باليمن. يروى أنه ليس فيها أنهار وأنها بعيدة من البحر يأتها كل عام واديان عظيمان بسيل عظيم من حيث لا يعلمون فيزرعون عليه ثلاث مرات في السنة. وقال مجاهد: هي أَبْين. وقال عكرمة: هي الظَّمأى. وقال ابن عباس: الجرز: التي لا تمطر إلا مطراً لا يغني عنها شيئاً. وقال الضحاك: هي الميتة العطشى. وقال أهل اللغة: هي التي لا نبات فيها. ثم قال [تعالى] ﴿فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً﴾ أي: بالماء. ﴿تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ﴾ أي: ترعاه مواشيهم، ويأكلون منه هم. * * وقوله: ﴿وَأَنفُسُهُمْ﴾ أي: وهم يأكلون منه. والنفس يراد بها جملة الشيء وحقيقته، ومنه قوله تعالى ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ [المائدة: ١١٦]، أي: تعلم ما أعلم ولا أعلم ما تعلم. وتكون النفس الجزء من الإنسان كقولك [خرجت] نفسه. * * ثم قال: ﴿أَفَلاَ يُبْصِرُونَ﴾ أي: أفلا يرون ذلك بأعينهم فيعلمون أن من قدر على ذلك هو قادر على إحيائهم بعد موتهم. ثم قال [تعالى]: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْفَتْحُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾. أي: يقول لك يا محمد هؤلاء المشركون: متى يجيئ هذا الحكم بيننا وبينك، أي: متى يكون هذا الثواب والعقاب. قال قتادة: قال أصحاب النبي ﷺ: إن لنا يوماً يوشك أن نستريح فيه ونتنعم، فقال المشركون: ﴿مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْفَتْحُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾. وقال القتبي: يعني بذلك فتح مكة. وقال مجاهد وغيره: هو يوم القيامة. وقوله تعالى [ذكره]: ﴿قُلْ يَوْمَ ٱلْفَتْحِ لاَ يَنفَعُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ إِيَمَانُهُمْ﴾ يدل على أنه يوم القيامة لأنه قد نفع من آمن من الكفار إيمانهم يوم فتح مكة. وروي أن المؤمنين قالوا: سيحكم الله بيننا يوم القيامة فيثيب المحسن ويعاقب المسيء، فقال الكفار على التهزي: متى هذا الفتح؟، أي: هذا الحكم. يقال للحاكم فاتح وفتاح لأن الأحكام تنفتح على يديه. وفي القرآن: ﴿رَبَّنَا ٱفْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِٱلْحَقِّ﴾ [الأعراف: ٨٩] أي احكم. * * ثم قال تعالى: ﴿قُلْ يَوْمَ ٱلْفَتْحِ﴾ أي: قل لهم يا محمد: يوم الفتح لا ينفع من كفر بالله وآياته إيمانه في ذلك الوقت، وذلك يوم القيامة. قال ابن زيد "يوم الفتح"، أي: إذا جاء العذاب. * * وقوله: ﴿وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ﴾ أي: يؤخرون للتوبة والرجوع إلى الدنيا. * * ثم قال تعالى: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ أي: عن هؤلاء المشركين. وهذا منسوخ نسخة آية السيف قوله جل ذكره ﴿فَٱقْتُلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] الآية، قاله ابن عباس وغيره. * * ثم قال: ﴿وَٱنتَظِرْ إِنَّهُمْ مُّنتَظِرُونَ﴾ أي: انتظر ما الله صانع بهم. إنهم منتظرون ما تعدهم من العذاب ومجيئ الساعة.

السجدة 32:28

قوله تعالى [ذكره]: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا نَسُوقُ ٱلْمَآءَ إِلَى ٱلأَرْضِ ٱلْجُرُزِ﴾ إلى آخر السورة. أَلَم يرَ هؤلاء المكذبون بالبعث [بعد الموت] أنا بقدرتنا نسوق الماء إلى الأرض اليابسة الغليظة التي لا نبات فيها . وأصل الجِّرزِ من قولهم: رجل جَرُوزٌ، إذا كان لا يُبقي شيئاً إلا أكله. وحكى الفراء وغيره فيه أربع لغات: أرض جُرْزٌ، وَجُرْزٌ وَجَرَزٌ وَجَرْزٌ، وكذلك حكوا في البُخل والرُّعب والرُّهب، هذه الأربع على أربع لغات، قال ابن عباس: هي أرض باليمن. يروى أنه ليس فيها أنهار وأنها بعيدة من البحر يأتها كل عام واديان عظيمان بسيل عظيم من حيث لا يعلمون فيزرعون عليه ثلاث مرات في السنة. وقال مجاهد: هي أَبْين. وقال عكرمة: هي الظَّمأى. وقال ابن عباس: الجرز: التي لا تمطر إلا مطراً لا يغني عنها شيئاً. وقال الضحاك: هي الميتة العطشى. وقال أهل اللغة: هي التي لا نبات فيها. ثم قال [تعالى] ﴿فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً﴾ أي: بالماء. ﴿تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ﴾ أي: ترعاه مواشيهم، ويأكلون منه هم. * * وقوله: ﴿وَأَنفُسُهُمْ﴾ أي: وهم يأكلون منه. والنفس يراد بها جملة الشيء وحقيقته، ومنه قوله تعالى ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ [المائدة: ١١٦]، أي: تعلم ما أعلم ولا أعلم ما تعلم. وتكون النفس الجزء من الإنسان كقولك [خرجت] نفسه. * * ثم قال: ﴿أَفَلاَ يُبْصِرُونَ﴾ أي: أفلا يرون ذلك بأعينهم فيعلمون أن من قدر على ذلك هو قادر على إحيائهم بعد موتهم. ثم قال [تعالى]: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْفَتْحُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾. أي: يقول لك يا محمد هؤلاء المشركون: متى يجيئ هذا الحكم بيننا وبينك، أي: متى يكون هذا الثواب والعقاب. قال قتادة: قال أصحاب النبي ﷺ: إن لنا يوماً يوشك أن نستريح فيه ونتنعم، فقال المشركون: ﴿مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْفَتْحُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾. وقال القتبي: يعني بذلك فتح مكة. وقال مجاهد وغيره: هو يوم القيامة. وقوله تعالى [ذكره]: ﴿قُلْ يَوْمَ ٱلْفَتْحِ لاَ يَنفَعُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ إِيَمَانُهُمْ﴾ يدل على أنه يوم القيامة لأنه قد نفع من آمن من الكفار إيمانهم يوم فتح مكة. وروي أن المؤمنين قالوا: سيحكم الله بيننا يوم القيامة فيثيب المحسن ويعاقب المسيء، فقال الكفار على التهزي: متى هذا الفتح؟، أي: هذا الحكم. يقال للحاكم فاتح وفتاح لأن الأحكام تنفتح على يديه. وفي القرآن: ﴿رَبَّنَا ٱفْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِٱلْحَقِّ﴾ [الأعراف: ٨٩] أي احكم. * * ثم قال تعالى: ﴿قُلْ يَوْمَ ٱلْفَتْحِ﴾ أي: قل لهم يا محمد: يوم الفتح لا ينفع من كفر بالله وآياته إيمانه في ذلك الوقت، وذلك يوم القيامة. قال ابن زيد "يوم الفتح"، أي: إذا جاء العذاب. * * وقوله: ﴿وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ﴾ أي: يؤخرون للتوبة والرجوع إلى الدنيا. * * ثم قال تعالى: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ أي: عن هؤلاء المشركين. وهذا منسوخ نسخة آية السيف قوله جل ذكره ﴿فَٱقْتُلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] الآية، قاله ابن عباس وغيره. * * ثم قال: ﴿وَٱنتَظِرْ إِنَّهُمْ مُّنتَظِرُونَ﴾ أي: انتظر ما الله صانع بهم. إنهم منتظرون ما تعدهم من العذاب ومجيئ الساعة.

السجدة 32:29

قوله تعالى [ذكره]: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا نَسُوقُ ٱلْمَآءَ إِلَى ٱلأَرْضِ ٱلْجُرُزِ﴾ إلى آخر السورة. أَلَم يرَ هؤلاء المكذبون بالبعث [بعد الموت] أنا بقدرتنا نسوق الماء إلى الأرض اليابسة الغليظة التي لا نبات فيها . وأصل الجِّرزِ من قولهم: رجل جَرُوزٌ، إذا كان لا يُبقي شيئاً إلا أكله. وحكى الفراء وغيره فيه أربع لغات: أرض جُرْزٌ، وَجُرْزٌ وَجَرَزٌ وَجَرْزٌ، وكذلك حكوا في البُخل والرُّعب والرُّهب، هذه الأربع على أربع لغات، قال ابن عباس: هي أرض باليمن. يروى أنه ليس فيها أنهار وأنها بعيدة من البحر يأتها كل عام واديان عظيمان بسيل عظيم من حيث لا يعلمون فيزرعون عليه ثلاث مرات في السنة. وقال مجاهد: هي أَبْين. وقال عكرمة: هي الظَّمأى. وقال ابن عباس: الجرز: التي لا تمطر إلا مطراً لا يغني عنها شيئاً. وقال الضحاك: هي الميتة العطشى. وقال أهل اللغة: هي التي لا نبات فيها. ثم قال [تعالى] ﴿فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً﴾ أي: بالماء. ﴿تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ﴾ أي: ترعاه مواشيهم، ويأكلون منه هم. * * وقوله: ﴿وَأَنفُسُهُمْ﴾ أي: وهم يأكلون منه. والنفس يراد بها جملة الشيء وحقيقته، ومنه قوله تعالى ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ [المائدة: ١١٦]، أي: تعلم ما أعلم ولا أعلم ما تعلم. وتكون النفس الجزء من الإنسان كقولك [خرجت] نفسه. * * ثم قال: ﴿أَفَلاَ يُبْصِرُونَ﴾ أي: أفلا يرون ذلك بأعينهم فيعلمون أن من قدر على ذلك هو قادر على إحيائهم بعد موتهم. ثم قال [تعالى]: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْفَتْحُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾. أي: يقول لك يا محمد هؤلاء المشركون: متى يجيئ هذا الحكم بيننا وبينك، أي: متى يكون هذا الثواب والعقاب. قال قتادة: قال أصحاب النبي ﷺ: إن لنا يوماً يوشك أن نستريح فيه ونتنعم، فقال المشركون: ﴿مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْفَتْحُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾. وقال القتبي: يعني بذلك فتح مكة. وقال مجاهد وغيره: هو يوم القيامة. وقوله تعالى [ذكره]: ﴿قُلْ يَوْمَ ٱلْفَتْحِ لاَ يَنفَعُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ إِيَمَانُهُمْ﴾ يدل على أنه يوم القيامة لأنه قد نفع من آمن من الكفار إيمانهم يوم فتح مكة. وروي أن المؤمنين قالوا: سيحكم الله بيننا يوم القيامة فيثيب المحسن ويعاقب المسيء، فقال الكفار على التهزي: متى هذا الفتح؟، أي: هذا الحكم. يقال للحاكم فاتح وفتاح لأن الأحكام تنفتح على يديه. وفي القرآن: ﴿رَبَّنَا ٱفْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِٱلْحَقِّ﴾ [الأعراف: ٨٩] أي احكم. * * ثم قال تعالى: ﴿قُلْ يَوْمَ ٱلْفَتْحِ﴾ أي: قل لهم يا محمد: يوم الفتح لا ينفع من كفر بالله وآياته إيمانه في ذلك الوقت، وذلك يوم القيامة. قال ابن زيد "يوم الفتح"، أي: إذا جاء العذاب. * * وقوله: ﴿وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ﴾ أي: يؤخرون للتوبة والرجوع إلى الدنيا. * * ثم قال تعالى: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ أي: عن هؤلاء المشركين. وهذا منسوخ نسخة آية السيف قوله جل ذكره ﴿فَٱقْتُلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] الآية، قاله ابن عباس وغيره. * * ثم قال: ﴿وَٱنتَظِرْ إِنَّهُمْ مُّنتَظِرُونَ﴾ أي: انتظر ما الله صانع بهم. إنهم منتظرون ما تعدهم من العذاب ومجيئ الساعة.

السجدة 32:30

قوله تعالى [ذكره]: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا نَسُوقُ ٱلْمَآءَ إِلَى ٱلأَرْضِ ٱلْجُرُزِ﴾ إلى آخر السورة. أَلَم يرَ هؤلاء المكذبون بالبعث [بعد الموت] أنا بقدرتنا نسوق الماء إلى الأرض اليابسة الغليظة التي لا نبات فيها . وأصل الجِّرزِ من قولهم: رجل جَرُوزٌ، إذا كان لا يُبقي شيئاً إلا أكله. وحكى الفراء وغيره فيه أربع لغات: أرض جُرْزٌ، وَجُرْزٌ وَجَرَزٌ وَجَرْزٌ، وكذلك حكوا في البُخل والرُّعب والرُّهب، هذه الأربع على أربع لغات، قال ابن عباس: هي أرض باليمن. يروى أنه ليس فيها أنهار وأنها بعيدة من البحر يأتها كل عام واديان عظيمان بسيل عظيم من حيث لا يعلمون فيزرعون عليه ثلاث مرات في السنة. وقال مجاهد: هي أَبْين. وقال عكرمة: هي الظَّمأى. وقال ابن عباس: الجرز: التي لا تمطر إلا مطراً لا يغني عنها شيئاً. وقال الضحاك: هي الميتة العطشى. وقال أهل اللغة: هي التي لا نبات فيها. ثم قال [تعالى] ﴿فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً﴾ أي: بالماء. ﴿تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ﴾ أي: ترعاه مواشيهم، ويأكلون منه هم. * * وقوله: ﴿وَأَنفُسُهُمْ﴾ أي: وهم يأكلون منه. والنفس يراد بها جملة الشيء وحقيقته، ومنه قوله تعالى ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ [المائدة: ١١٦]، أي: تعلم ما أعلم ولا أعلم ما تعلم. وتكون النفس الجزء من الإنسان كقولك [خرجت] نفسه. * * ثم قال: ﴿أَفَلاَ يُبْصِرُونَ﴾ أي: أفلا يرون ذلك بأعينهم فيعلمون أن من قدر على ذلك هو قادر على إحيائهم بعد موتهم. ثم قال [تعالى]: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْفَتْحُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾. أي: يقول لك يا محمد هؤلاء المشركون: متى يجيئ هذا الحكم بيننا وبينك، أي: متى يكون هذا الثواب والعقاب. قال قتادة: قال أصحاب النبي ﷺ: إن لنا يوماً يوشك أن نستريح فيه ونتنعم، فقال المشركون: ﴿مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْفَتْحُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾. وقال القتبي: يعني بذلك فتح مكة. وقال مجاهد وغيره: هو يوم القيامة. وقوله تعالى [ذكره]: ﴿قُلْ يَوْمَ ٱلْفَتْحِ لاَ يَنفَعُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ إِيَمَانُهُمْ﴾ يدل على أنه يوم القيامة لأنه قد نفع من آمن من الكفار إيمانهم يوم فتح مكة. وروي أن المؤمنين قالوا: سيحكم الله بيننا يوم القيامة فيثيب المحسن ويعاقب المسيء، فقال الكفار على التهزي: متى هذا الفتح؟، أي: هذا الحكم. يقال للحاكم فاتح وفتاح لأن الأحكام تنفتح على يديه. وفي القرآن: ﴿رَبَّنَا ٱفْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِٱلْحَقِّ﴾ [الأعراف: ٨٩] أي احكم. * * ثم قال تعالى: ﴿قُلْ يَوْمَ ٱلْفَتْحِ﴾ أي: قل لهم يا محمد: يوم الفتح لا ينفع من كفر بالله وآياته إيمانه في ذلك الوقت، وذلك يوم القيامة. قال ابن زيد "يوم الفتح"، أي: إذا جاء العذاب. * * وقوله: ﴿وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ﴾ أي: يؤخرون للتوبة والرجوع إلى الدنيا. * * ثم قال تعالى: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ أي: عن هؤلاء المشركين. وهذا منسوخ نسخة آية السيف قوله جل ذكره ﴿فَٱقْتُلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] الآية، قاله ابن عباس وغيره. * * ثم قال: ﴿وَٱنتَظِرْ إِنَّهُمْ مُّنتَظِرُونَ﴾ أي: انتظر ما الله صانع بهم. إنهم منتظرون ما تعدهم من العذاب ومجيئ الساعة.

الأحزاب 33:1

قوله تعالى ذكره: ﴿يَٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ ٱتَّقِ ٱللَّهَ﴾ إلى قوله: ﴿وَهُوَ يَهْدِي ٱلسَّبِيلَ﴾. النبي عند جميع النحويين نعت لأي، إلا الأخفش فإنه جعله صلة لأي. وهو غلط لأن الصلة لا تكون إلا في جملة. وأكثر النحويين على منع جواز النصب في ﴿ٱلنَّبِيُّ﴾ لأنه نعت لا بد منه، فهو المقصود بالنداء. وأجاز بعضهم النصب على الموضع، وهذا في الكلام لا في القرآن. والمعنى: يا أيها النبي اثبت على تقوى الله، لأنه كان متقياً. وقيل: هو مخاطبة للنبي والمراد به أمته. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلاَ تُطِعِ ٱلْكَافِرِينَ وَٱلْمُنَافِقِينَ﴾. إن جعلته خطاباً للنبي ﷺ خاصة فمعناه: لا تطعهم في قولهم لك: اصرف عنا أتباعك من فقراء المؤمنين حتى نجالسك، ولا تطع المنافقين الذين يظهرون لك الإيمان والنصيحة وهم لا يسألونك وأصحابك خبالاً فلا تقبل لهم رأياً. ومن جعله خطاباً للنبي ﷺ والمراد به أمته فمعناه: لا تطيعوهم فيما نهيتم عنه فتفعلوه ولا فيما أمرتم به فتتركوه. ﴿إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيماً﴾ أي: بخلقه وما في نفوسهم واعتقادهم. ﴿حَكِيماً﴾ في تدبيره إياهم. * * ثم قال: ﴿وَٱتَّبِعْ مَا يُوحَىٰ إِلَـيْكَ مِن رَبِّكَ﴾ أي: اعمل بما ينزل إليك من وحي الله. ﴿إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً﴾ أي: ذو خبر وعلم بأعمالكم في هذا القرآن وفي غيره. ومن قرأه بالياء رده على المنافقين والكافرين، أي بما يعمل هؤلاء خبيراً. ثم قال تعالى ذكره ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَىٰ ٱللَّهِ﴾ أي: فوض أمرك إلى الله. ﴿وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَكِيلاً﴾ أي: وحسبك بالله في أمرك حفيظاً. * * ثم قال تعالى: ﴿مَّا جَعَلَ ٱللَّهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِه﴾. هذا تكذيب لقوم من المنافقين زعموا أن النبي ﷺ ذو قلبين. قاله ابن عباس. وعن ابن عباس أيضاً أنه نزلت في رجل من قريش يسمى من حدة ذهنه ذا القلبين فنفى الله ذلك عنه. وقال مجاهد: قال رجل من بني فهر: إن في جوفي قلبين، أعقل بكل واحد منهما أفضل من عقل محمد، فكذبه الله. وقال الحسن: كان رجل يقول: لي نفس تأمرني ونفس تنهاني، فأنزل الله فيه ما تسمعون. وقال قتادة وعكرمة: كان رجل يمسى ذا القلبين، فأنزل الله فيه هذه الآية. وعن قتادة أنه قال: كان رجل لا يسمع شيئاً إلا وعاه، فقال الناس: ما يعي هذا إلا أن له قلبين، فكان يسمى ذا القلبين فأنزل الله ذلك ونفاه. وقال الزهري: نزلت في زيد بن حارثة. ضرب الله له مثلاً يقول: ليس ابن رجل هو ابنك يا محمد. وقيل: المعنى: ما جعل الله لرجل قلباً يحب به، وقلباً يبغض به، وقلباً يكفر به، وقلباً يؤمن به. * * ثم قال: ﴿وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ ٱللاَّئِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ﴾. أي: ولم نجعل أزواجكم بقولكم: هي علي كظهر أمي أمهاتكم، بل جعل ذلك من قولكم كذباً، فألزمكم الكفارة عليه عقوبة على كذبكم. * * ثم قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَآءَكُمْ أَبْنَآءَكُمْ﴾. أي: ولم يجعل ابن غيرك هو ابنك بدعواك ذلك وقولك. ونزل هذا على النبي ﷺ لأجل تبنيه لزيد بن حارثة، قاله مجاهد وغيره. * * ثم قال: ﴿ذَٰلِكُمْ قَوْلُكُم بِأَفْوَاهِكُمْ﴾ أي: دعواكم يا بُنَيَّ لمن ليس هو ابن لكم قول منكم لا حقيقة له. ﴿وَٱللَّهُ يَقُولُ ٱلْحَقَّ﴾ أي: الصدق. وقيل: المعنى قولكم لأزواجكم: هي علي كظهر أمي، قول منكم لا حقيقة له لأنها ليست بأم لكم. * * ثم قال: ﴿وَهُوَ يَهْدِي ٱلسَّبِيلَ﴾ أي: يبين لعباده طريق الحق والرشاد.

الأحزاب 33:2

قوله تعالى ذكره: ﴿يَٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ ٱتَّقِ ٱللَّهَ﴾ إلى قوله: ﴿وَهُوَ يَهْدِي ٱلسَّبِيلَ﴾. النبي عند جميع النحويين نعت لأي، إلا الأخفش فإنه جعله صلة لأي. وهو غلط لأن الصلة لا تكون إلا في جملة. وأكثر النحويين على منع جواز النصب في ﴿ٱلنَّبِيُّ﴾ لأنه نعت لا بد منه، فهو المقصود بالنداء. وأجاز بعضهم النصب على الموضع، وهذا في الكلام لا في القرآن. والمعنى: يا أيها النبي اثبت على تقوى الله، لأنه كان متقياً. وقيل: هو مخاطبة للنبي والمراد به أمته. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلاَ تُطِعِ ٱلْكَافِرِينَ وَٱلْمُنَافِقِينَ﴾. إن جعلته خطاباً للنبي ﷺ خاصة فمعناه: لا تطعهم في قولهم لك: اصرف عنا أتباعك من فقراء المؤمنين حتى نجالسك، ولا تطع المنافقين الذين يظهرون لك الإيمان والنصيحة وهم لا يسألونك وأصحابك خبالاً فلا تقبل لهم رأياً. ومن جعله خطاباً للنبي ﷺ والمراد به أمته فمعناه: لا تطيعوهم فيما نهيتم عنه فتفعلوه ولا فيما أمرتم به فتتركوه. ﴿إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيماً﴾ أي: بخلقه وما في نفوسهم واعتقادهم. ﴿حَكِيماً﴾ في تدبيره إياهم. * * ثم قال: ﴿وَٱتَّبِعْ مَا يُوحَىٰ إِلَـيْكَ مِن رَبِّكَ﴾ أي: اعمل بما ينزل إليك من وحي الله. ﴿إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً﴾ أي: ذو خبر وعلم بأعمالكم في هذا القرآن وفي غيره. ومن قرأه بالياء رده على المنافقين والكافرين، أي بما يعمل هؤلاء خبيراً. ثم قال تعالى ذكره ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَىٰ ٱللَّهِ﴾ أي: فوض أمرك إلى الله. ﴿وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَكِيلاً﴾ أي: وحسبك بالله في أمرك حفيظاً. * * ثم قال تعالى: ﴿مَّا جَعَلَ ٱللَّهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِه﴾. هذا تكذيب لقوم من المنافقين زعموا أن النبي ﷺ ذو قلبين. قاله ابن عباس. وعن ابن عباس أيضاً أنه نزلت في رجل من قريش يسمى من حدة ذهنه ذا القلبين فنفى الله ذلك عنه. وقال مجاهد: قال رجل من بني فهر: إن في جوفي قلبين، أعقل بكل واحد منهما أفضل من عقل محمد، فكذبه الله. وقال الحسن: كان رجل يقول: لي نفس تأمرني ونفس تنهاني، فأنزل الله فيه ما تسمعون. وقال قتادة وعكرمة: كان رجل يمسى ذا القلبين، فأنزل الله فيه هذه الآية. وعن قتادة أنه قال: كان رجل لا يسمع شيئاً إلا وعاه، فقال الناس: ما يعي هذا إلا أن له قلبين، فكان يسمى ذا القلبين فأنزل الله ذلك ونفاه. وقال الزهري: نزلت في زيد بن حارثة. ضرب الله له مثلاً يقول: ليس ابن رجل هو ابنك يا محمد. وقيل: المعنى: ما جعل الله لرجل قلباً يحب به، وقلباً يبغض به، وقلباً يكفر به، وقلباً يؤمن به. * * ثم قال: ﴿وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ ٱللاَّئِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ﴾. أي: ولم نجعل أزواجكم بقولكم: هي علي كظهر أمي أمهاتكم، بل جعل ذلك من قولكم كذباً، فألزمكم الكفارة عليه عقوبة على كذبكم. * * ثم قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَآءَكُمْ أَبْنَآءَكُمْ﴾. أي: ولم يجعل ابن غيرك هو ابنك بدعواك ذلك وقولك. ونزل هذا على النبي ﷺ لأجل تبنيه لزيد بن حارثة، قاله مجاهد وغيره. * * ثم قال: ﴿ذَٰلِكُمْ قَوْلُكُم بِأَفْوَاهِكُمْ﴾ أي: دعواكم يا بُنَيَّ لمن ليس هو ابن لكم قول منكم لا حقيقة له. ﴿وَٱللَّهُ يَقُولُ ٱلْحَقَّ﴾ أي: الصدق. وقيل: المعنى قولكم لأزواجكم: هي علي كظهر أمي، قول منكم لا حقيقة له لأنها ليست بأم لكم. * * ثم قال: ﴿وَهُوَ يَهْدِي ٱلسَّبِيلَ﴾ أي: يبين لعباده طريق الحق والرشاد.

الأحزاب 33:3

قوله تعالى ذكره: ﴿يَٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ ٱتَّقِ ٱللَّهَ﴾ إلى قوله: ﴿وَهُوَ يَهْدِي ٱلسَّبِيلَ﴾. النبي عند جميع النحويين نعت لأي، إلا الأخفش فإنه جعله صلة لأي. وهو غلط لأن الصلة لا تكون إلا في جملة. وأكثر النحويين على منع جواز النصب في ﴿ٱلنَّبِيُّ﴾ لأنه نعت لا بد منه، فهو المقصود بالنداء. وأجاز بعضهم النصب على الموضع، وهذا في الكلام لا في القرآن. والمعنى: يا أيها النبي اثبت على تقوى الله، لأنه كان متقياً. وقيل: هو مخاطبة للنبي والمراد به أمته. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلاَ تُطِعِ ٱلْكَافِرِينَ وَٱلْمُنَافِقِينَ﴾. إن جعلته خطاباً للنبي ﷺ خاصة فمعناه: لا تطعهم في قولهم لك: اصرف عنا أتباعك من فقراء المؤمنين حتى نجالسك، ولا تطع المنافقين الذين يظهرون لك الإيمان والنصيحة وهم لا يسألونك وأصحابك خبالاً فلا تقبل لهم رأياً. ومن جعله خطاباً للنبي ﷺ والمراد به أمته فمعناه: لا تطيعوهم فيما نهيتم عنه فتفعلوه ولا فيما أمرتم به فتتركوه. ﴿إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيماً﴾ أي: بخلقه وما في نفوسهم واعتقادهم. ﴿حَكِيماً﴾ في تدبيره إياهم. * * ثم قال: ﴿وَٱتَّبِعْ مَا يُوحَىٰ إِلَـيْكَ مِن رَبِّكَ﴾ أي: اعمل بما ينزل إليك من وحي الله. ﴿إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً﴾ أي: ذو خبر وعلم بأعمالكم في هذا القرآن وفي غيره. ومن قرأه بالياء رده على المنافقين والكافرين، أي بما يعمل هؤلاء خبيراً. ثم قال تعالى ذكره ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَىٰ ٱللَّهِ﴾ أي: فوض أمرك إلى الله. ﴿وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَكِيلاً﴾ أي: وحسبك بالله في أمرك حفيظاً. * * ثم قال تعالى: ﴿مَّا جَعَلَ ٱللَّهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِه﴾. هذا تكذيب لقوم من المنافقين زعموا أن النبي ﷺ ذو قلبين. قاله ابن عباس. وعن ابن عباس أيضاً أنه نزلت في رجل من قريش يسمى من حدة ذهنه ذا القلبين فنفى الله ذلك عنه. وقال مجاهد: قال رجل من بني فهر: إن في جوفي قلبين، أعقل بكل واحد منهما أفضل من عقل محمد، فكذبه الله. وقال الحسن: كان رجل يقول: لي نفس تأمرني ونفس تنهاني، فأنزل الله فيه ما تسمعون. وقال قتادة وعكرمة: كان رجل يمسى ذا القلبين، فأنزل الله فيه هذه الآية. وعن قتادة أنه قال: كان رجل لا يسمع شيئاً إلا وعاه، فقال الناس: ما يعي هذا إلا أن له قلبين، فكان يسمى ذا القلبين فأنزل الله ذلك ونفاه. وقال الزهري: نزلت في زيد بن حارثة. ضرب الله له مثلاً يقول: ليس ابن رجل هو ابنك يا محمد. وقيل: المعنى: ما جعل الله لرجل قلباً يحب به، وقلباً يبغض به، وقلباً يكفر به، وقلباً يؤمن به. * * ثم قال: ﴿وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ ٱللاَّئِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ﴾. أي: ولم نجعل أزواجكم بقولكم: هي علي كظهر أمي أمهاتكم، بل جعل ذلك من قولكم كذباً، فألزمكم الكفارة عليه عقوبة على كذبكم. * * ثم قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَآءَكُمْ أَبْنَآءَكُمْ﴾. أي: ولم يجعل ابن غيرك هو ابنك بدعواك ذلك وقولك. ونزل هذا على النبي ﷺ لأجل تبنيه لزيد بن حارثة، قاله مجاهد وغيره. * * ثم قال: ﴿ذَٰلِكُمْ قَوْلُكُم بِأَفْوَاهِكُمْ﴾ أي: دعواكم يا بُنَيَّ لمن ليس هو ابن لكم قول منكم لا حقيقة له. ﴿وَٱللَّهُ يَقُولُ ٱلْحَقَّ﴾ أي: الصدق. وقيل: المعنى قولكم لأزواجكم: هي علي كظهر أمي، قول منكم لا حقيقة له لأنها ليست بأم لكم. * * ثم قال: ﴿وَهُوَ يَهْدِي ٱلسَّبِيلَ﴾ أي: يبين لعباده طريق الحق والرشاد.

الأحزاب 33:4

قوله تعالى ذكره: ﴿يَٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ ٱتَّقِ ٱللَّهَ﴾ إلى قوله: ﴿وَهُوَ يَهْدِي ٱلسَّبِيلَ﴾. النبي عند جميع النحويين نعت لأي، إلا الأخفش فإنه جعله صلة لأي. وهو غلط لأن الصلة لا تكون إلا في جملة. وأكثر النحويين على منع جواز النصب في ﴿ٱلنَّبِيُّ﴾ لأنه نعت لا بد منه، فهو المقصود بالنداء. وأجاز بعضهم النصب على الموضع، وهذا في الكلام لا في القرآن. والمعنى: يا أيها النبي اثبت على تقوى الله، لأنه كان متقياً. وقيل: هو مخاطبة للنبي والمراد به أمته. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلاَ تُطِعِ ٱلْكَافِرِينَ وَٱلْمُنَافِقِينَ﴾. إن جعلته خطاباً للنبي ﷺ خاصة فمعناه: لا تطعهم في قولهم لك: اصرف عنا أتباعك من فقراء المؤمنين حتى نجالسك، ولا تطع المنافقين الذين يظهرون لك الإيمان والنصيحة وهم لا يسألونك وأصحابك خبالاً فلا تقبل لهم رأياً. ومن جعله خطاباً للنبي ﷺ والمراد به أمته فمعناه: لا تطيعوهم فيما نهيتم عنه فتفعلوه ولا فيما أمرتم به فتتركوه. ﴿إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيماً﴾ أي: بخلقه وما في نفوسهم واعتقادهم. ﴿حَكِيماً﴾ في تدبيره إياهم. * * ثم قال: ﴿وَٱتَّبِعْ مَا يُوحَىٰ إِلَـيْكَ مِن رَبِّكَ﴾ أي: اعمل بما ينزل إليك من وحي الله. ﴿إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً﴾ أي: ذو خبر وعلم بأعمالكم في هذا القرآن وفي غيره. ومن قرأه بالياء رده على المنافقين والكافرين، أي بما يعمل هؤلاء خبيراً. ثم قال تعالى ذكره ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَىٰ ٱللَّهِ﴾ أي: فوض أمرك إلى الله. ﴿وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَكِيلاً﴾ أي: وحسبك بالله في أمرك حفيظاً. * * ثم قال تعالى: ﴿مَّا جَعَلَ ٱللَّهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِه﴾. هذا تكذيب لقوم من المنافقين زعموا أن النبي ﷺ ذو قلبين. قاله ابن عباس. وعن ابن عباس أيضاً أنه نزلت في رجل من قريش يسمى من حدة ذهنه ذا القلبين فنفى الله ذلك عنه. وقال مجاهد: قال رجل من بني فهر: إن في جوفي قلبين، أعقل بكل واحد منهما أفضل من عقل محمد، فكذبه الله. وقال الحسن: كان رجل يقول: لي نفس تأمرني ونفس تنهاني، فأنزل الله فيه ما تسمعون. وقال قتادة وعكرمة: كان رجل يمسى ذا القلبين، فأنزل الله فيه هذه الآية. وعن قتادة أنه قال: كان رجل لا يسمع شيئاً إلا وعاه، فقال الناس: ما يعي هذا إلا أن له قلبين، فكان يسمى ذا القلبين فأنزل الله ذلك ونفاه. وقال الزهري: نزلت في زيد بن حارثة. ضرب الله له مثلاً يقول: ليس ابن رجل هو ابنك يا محمد. وقيل: المعنى: ما جعل الله لرجل قلباً يحب به، وقلباً يبغض به، وقلباً يكفر به، وقلباً يؤمن به. * * ثم قال: ﴿وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ ٱللاَّئِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ﴾. أي: ولم نجعل أزواجكم بقولكم: هي علي كظهر أمي أمهاتكم، بل جعل ذلك من قولكم كذباً، فألزمكم الكفارة عليه عقوبة على كذبكم. * * ثم قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَآءَكُمْ أَبْنَآءَكُمْ﴾. أي: ولم يجعل ابن غيرك هو ابنك بدعواك ذلك وقولك. ونزل هذا على النبي ﷺ لأجل تبنيه لزيد بن حارثة، قاله مجاهد وغيره. * * ثم قال: ﴿ذَٰلِكُمْ قَوْلُكُم بِأَفْوَاهِكُمْ﴾ أي: دعواكم يا بُنَيَّ لمن ليس هو ابن لكم قول منكم لا حقيقة له. ﴿وَٱللَّهُ يَقُولُ ٱلْحَقَّ﴾ أي: الصدق. وقيل: المعنى قولكم لأزواجكم: هي علي كظهر أمي، قول منكم لا حقيقة له لأنها ليست بأم لكم. * * ثم قال: ﴿وَهُوَ يَهْدِي ٱلسَّبِيلَ﴾ أي: يبين لعباده طريق الحق والرشاد.

الأحزاب 33:5

قوله تعالى ذكره: ﴿ٱدْعُوهُمْ لآبَآئِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ ٱللَّهِ﴾ إلى قوله: ﴿مِّيثَاقاً غَلِيظاً﴾. أي: انسبوا أدعياءكم إلى آبائهم فهو أعدل عند الله. ﴿فَإِن لَّمْ تَعْلَمُوۤاْ آبَاءَهُمْ﴾ أي: تعرفوا أسماء آبائهم فتنسبوهم إليهم. ﴿فَإِخوَانُكُمْ فِي ٱلدِّينِ﴾ أي: فهم إخوانكم في الدين إذا كانوا أهل ملتكم. ﴿وَمَوَالِيكُمْ﴾ أي: وهم مواليكم أي: أوليائهم، أي بنو عمكم. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَآ أَخْطَأْتُمْ بِهِ﴾ أي: لا إثم عليكم في الخطإ يكون منكم في نسب من تنسبونه إلى غير أبيه إن كنتم ترون أنه أبوه، وليس بأبيه. ﴿وَلَـٰكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾. أي: ولكن الإثم عليكم فيما تعمدتم من ذلك فنسبتم الرجل إلى غير أبيه متعمدين ذلك، هذا معنى قول قتادة ومجاهد وغيرهما. و "ما" في موضع جر عطف على "ما" الأولى. ويجوز أن تكون في موضع رفع على خبر ابتداءٍ محذوف، والتقدير: ولكن الذي تأثمون فيه ما تعمدت قلوبكم. وقد أجرى بعض الفقهاء الفتيا في غير التعمد على ظاهرة هذه الآية، فجعلها عامة في كل شيء لم يتعمده فاعله. قال عطاء: إذا حلف رجل أنه لا يفارق غريمه حتى يستوفي حقه، فأخذ منه ما يرى أنه حقه فوجدها زائدة أو ناقصة، إنه لا شيء عليه لأنه لم يتعمد. وكذا إذا حلف أنه لا يسلم على فلان فسلم عليه وهو لا يعلم، إنه لا حنث عليه لأنه لم يتعمد ذلك. وأكثر الفقهاء على خلافه، فالآية عندهم مخصوصة في هذا بعينه. إنما كان هذا قبل النهي عندهم، أو في دعاء الرجل الرجل لغير أبيه مخطئاً. فهي مخصوصة في أحد الحكمين لا عامة في كل ما لم يتعمد الإنسان، دليله ما أوجبه الله جل ذكره على القاتل خطأ. * * ثم قال: ﴿وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُوراً﴾ أي ذا ستر على ذنب من دعا إنساناً بغير اسم أبيه وهو لا يعلم. ومن قال: إن الآية مخصوصة فيما كان قبل النهي، أو هي مخصوصة في أن يدعو الإنسان الرجل إلى أب وهو عنده أبوه، وليس هو كذلك، لم يقف على "ومواليكم" لأن ما بعده متصل به، ومن جعل ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَآ أَخْطَأْتُمْ بِهِ﴾ عاماً في هذا وغيره جعله مستأنفاً، حسن الوقف على ﴿وَمَوَالِيكُمْ﴾، ثم استأنف ما بعده لأنه عام. فإذا جعلت (ما) في موضع خفض لم تقف على ﴿فِيمَآ أَخْطَأْتُمْ بِهِ﴾ [لأن ما بعده معطوف عليه. فإن جعلت (ما) في موضع رفع على ما تقدم وقفت على "أخطأتم به"]. ثم تستأنف: ﴿وَلَـٰكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾. ثم قال تعالى ذكره: ﴿ٱلنَّبِيُّ أَوْلَىٰ بِٱلْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾. أي: أولى بهم من بعضهم لبعض، مثل: ﴿فَٱقْتُلُوۤاْ أَنفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ٥٤] ﴿تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ٨٥] وقيل: المعنى: أمر النبي أولى بالاتباع مما تأمر به النفس. وقال ابن زيد: المعنى: ما قضى فيهم النبي من أمر جاز، كما كلما قضيت على عبدي جاز. وروى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: "مَا مِنْ مُؤْمِنٍ إِلاَّ وَأَنَا أَوْلَى النَّاس بِه فِي الدُّنيَا وَالآخِرَةِ، اقْرَؤْوا إِنْ شِئْتُمْ: "النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم"، فَأَيُّمَا مُؤْمِنٍ تَرَكَ مَالاً فَلِوَرَثَتِهِ وَلِعَصَبَتِهِ مَنْ كَانُوا، وَمَنْ تَرَكَ دَيْناً أَو ضِيَاعاً فَلْيَأْتِنِي فَأَنَا مَوْلاَهُ وحكى قتادة والحسن: بأنه كان يقرأ في بعض القراءات: "مِنْ أنفُسِهِمْ وَهُوَ أَبٌ لَهُمْ"، ولا ينبغي أن يقرأ بذلك الآن لمخالفته المصحف والإجماع. * * ثم قال تعالى: ﴿وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ أي: في الحرمة كالأم، فلا يحل تزوجهن من بعد وفاة النبي ﷺ كما لا يحل تزويج الابن الأم، وهن في الحق والتعظيم والبِرِّ كالأم. ويروى أنه إنما فعل ذلك بهم لأنهن أزواجه في الجنة. * * ثم قال تعالى: ﴿وَأُوْلُو ٱلأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ ٱللَّهِ﴾ أي: وأولوا الأرحام الذين ورثت يا محمد بعضهم من بعض أولى بالميراث من أن يرثهم المؤمنون والمهاجرون بالهجرة دون الرحم. هذا قول الطبري. قال قتادة: لم يزل المؤمنون زماناً يتوارثون بالهجرة، والأعرابي المسلم لا يرث من المهاجر شيئاً، فأنزل الله تعالى هذه الآية، فخلط المسلمون بعضهم ببعض فصارت المواريث بالملل. وقيل: التقدير: وأولوا الأرحام من المؤمنين والمهاجرين أولى بالميراث من غيرهم ممن لا رحم بينهم من المؤمنين المهاجرين. وقال ابن زيد: كان النبي ﷺ قد آخى بين المهاجرين والأنصار أول ما كانت الهجرة، فكانوا يتوارثون على ذلك. قال فلما ظهر الفتح انقطعت الهجرة وكثر الإسلام وتوارث الناس على الأرحام، فنسخ التوارث بالهجرة، قال ذلك في كلام طويل تركته إذ الفائدة فيما ذكرت منه. فمعنى الآية على هذا التأويل: وأولوا الأرحام من المهاجرين والأنصار بعضهم أولى ببعض بالميراث من أن يتوارثوا بالهجرة. * * ثم قال تعالى: ﴿إِلاَّ أَن تَفْعَلُوۤاْ إِلَىٰ أَوْلِيَآئِكُمْ مَّعْرُوفاً﴾. أي: إلا أن توصوا لقرابتكم من غير أهل الإيمان والهجرة، قاله قتادة والحسن وعطاء وابن الحنفية. وقال مجاهد: معناه إلا أن تمسكوا بالمعروف والإحسان بينكم وبين حلفائكم من المهاجرين والأنصار. وقيل: المعنى: إلا أن توصوا لمن حالفتموه وواخيتموه من المهاجرين والأنصار، قاله ابن زيد. وقوله تعالى: ﴿كَانَ ذَلِكَ فِي ٱلْكِتَابِ مَسْطُوراً﴾. أي: كان أولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في اللوح المحفوظ مكتوباً، قاله ابن زيد وغيره. وقيل: المعنى: كان منع أن يرث المشرك المسلم مكتوباً في الكتاب، قاله قتادة. * * ثم قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ ٱلنَّبِيِّيْنَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِن نُّوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَى ٱبْنِ مَرْيَمَ﴾. المعنى عند الطبري: ﴿كَانَ ذَلِكَ فِي ٱلْكِتَابِ مَسْطُوراً﴾، أي كتبنا ما هو كائن في اللوح المحفوظ، ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ ٱلنَّبِيِّيْنَ مِيثَاقَهُمْ﴾، كان ذلك أيضاً، في الكتاب مسطوراً، يعني العهد والميثاق. فالعامل في "إذ" على هذا: "كان". والعامل فيها عند أبي إسحاق "اذكر" مضمرة، أي: واذكر إذ أخذنا. قال ابن عباس: أخذ منهم الميثاق على قومهم. وقال ابن أبي بن كعب: هو مثل: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِيۤ ءَادَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ [الأعراف: ١٧٢] الآية فأخذ ميثاقهم على الأنبياء منهم الذين كانوا كالسراج، ثم أخذ ميثاق النبيئين خاصة على الرسالة. روى قتادة أن النبي ﷺ قال: "كُنْتُ أَوَّلَ الأَنْبِياءِ فِي الخَلْقِ وآخِرَهُمْ فِي البَعْثِ فلذلك وقع ذكره هنا مقدماً قبل نوح وغيره لأنه أولهم في الخلق. وقيل: المعنى: إن الله جل ذكره أخذ الميثاق على النبيئين أن يصدق بعضهم بعضاً. قال مجاهد: ﴿وَمِنْكَ وَمِن نُّوحٍ﴾: في ظهر آدم، فالمعنى أخذ الله عليهم الميثاق إذ أخرجهم من ظهر آدم عليه السلام كالذَّرّ.

الأحزاب 33:6

قوله تعالى ذكره: ﴿ٱدْعُوهُمْ لآبَآئِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ ٱللَّهِ﴾ إلى قوله: ﴿مِّيثَاقاً غَلِيظاً﴾. أي: انسبوا أدعياءكم إلى آبائهم فهو أعدل عند الله. ﴿فَإِن لَّمْ تَعْلَمُوۤاْ آبَاءَهُمْ﴾ أي: تعرفوا أسماء آبائهم فتنسبوهم إليهم. ﴿فَإِخوَانُكُمْ فِي ٱلدِّينِ﴾ أي: فهم إخوانكم في الدين إذا كانوا أهل ملتكم. ﴿وَمَوَالِيكُمْ﴾ أي: وهم مواليكم أي: أوليائهم، أي بنو عمكم. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَآ أَخْطَأْتُمْ بِهِ﴾ أي: لا إثم عليكم في الخطإ يكون منكم في نسب من تنسبونه إلى غير أبيه إن كنتم ترون أنه أبوه، وليس بأبيه. ﴿وَلَـٰكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾. أي: ولكن الإثم عليكم فيما تعمدتم من ذلك فنسبتم الرجل إلى غير أبيه متعمدين ذلك، هذا معنى قول قتادة ومجاهد وغيرهما. و "ما" في موضع جر عطف على "ما" الأولى. ويجوز أن تكون في موضع رفع على خبر ابتداءٍ محذوف، والتقدير: ولكن الذي تأثمون فيه ما تعمدت قلوبكم. وقد أجرى بعض الفقهاء الفتيا في غير التعمد على ظاهرة هذه الآية، فجعلها عامة في كل شيء لم يتعمده فاعله. قال عطاء: إذا حلف رجل أنه لا يفارق غريمه حتى يستوفي حقه، فأخذ منه ما يرى أنه حقه فوجدها زائدة أو ناقصة، إنه لا شيء عليه لأنه لم يتعمد. وكذا إذا حلف أنه لا يسلم على فلان فسلم عليه وهو لا يعلم، إنه لا حنث عليه لأنه لم يتعمد ذلك. وأكثر الفقهاء على خلافه، فالآية عندهم مخصوصة في هذا بعينه. إنما كان هذا قبل النهي عندهم، أو في دعاء الرجل الرجل لغير أبيه مخطئاً. فهي مخصوصة في أحد الحكمين لا عامة في كل ما لم يتعمد الإنسان، دليله ما أوجبه الله جل ذكره على القاتل خطأ. * * ثم قال: ﴿وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُوراً﴾ أي ذا ستر على ذنب من دعا إنساناً بغير اسم أبيه وهو لا يعلم. ومن قال: إن الآية مخصوصة فيما كان قبل النهي، أو هي مخصوصة في أن يدعو الإنسان الرجل إلى أب وهو عنده أبوه، وليس هو كذلك، لم يقف على "ومواليكم" لأن ما بعده متصل به، ومن جعل ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَآ أَخْطَأْتُمْ بِهِ﴾ عاماً في هذا وغيره جعله مستأنفاً، حسن الوقف على ﴿وَمَوَالِيكُمْ﴾، ثم استأنف ما بعده لأنه عام. فإذا جعلت (ما) في موضع خفض لم تقف على ﴿فِيمَآ أَخْطَأْتُمْ بِهِ﴾ [لأن ما بعده معطوف عليه. فإن جعلت (ما) في موضع رفع على ما تقدم وقفت على "أخطأتم به"]. ثم تستأنف: ﴿وَلَـٰكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾. ثم قال تعالى ذكره: ﴿ٱلنَّبِيُّ أَوْلَىٰ بِٱلْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾. أي: أولى بهم من بعضهم لبعض، مثل: ﴿فَٱقْتُلُوۤاْ أَنفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ٥٤] ﴿تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ٨٥] وقيل: المعنى: أمر النبي أولى بالاتباع مما تأمر به النفس. وقال ابن زيد: المعنى: ما قضى فيهم النبي من أمر جاز، كما كلما قضيت على عبدي جاز. وروى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: "مَا مِنْ مُؤْمِنٍ إِلاَّ وَأَنَا أَوْلَى النَّاس بِه فِي الدُّنيَا وَالآخِرَةِ، اقْرَؤْوا إِنْ شِئْتُمْ: "النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم"، فَأَيُّمَا مُؤْمِنٍ تَرَكَ مَالاً فَلِوَرَثَتِهِ وَلِعَصَبَتِهِ مَنْ كَانُوا، وَمَنْ تَرَكَ دَيْناً أَو ضِيَاعاً فَلْيَأْتِنِي فَأَنَا مَوْلاَهُ وحكى قتادة والحسن: بأنه كان يقرأ في بعض القراءات: "مِنْ أنفُسِهِمْ وَهُوَ أَبٌ لَهُمْ"، ولا ينبغي أن يقرأ بذلك الآن لمخالفته المصحف والإجماع. * * ثم قال تعالى: ﴿وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ أي: في الحرمة كالأم، فلا يحل تزوجهن من بعد وفاة النبي ﷺ كما لا يحل تزويج الابن الأم، وهن في الحق والتعظيم والبِرِّ كالأم. ويروى أنه إنما فعل ذلك بهم لأنهن أزواجه في الجنة. * * ثم قال تعالى: ﴿وَأُوْلُو ٱلأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ ٱللَّهِ﴾ أي: وأولوا الأرحام الذين ورثت يا محمد بعضهم من بعض أولى بالميراث من أن يرثهم المؤمنون والمهاجرون بالهجرة دون الرحم. هذا قول الطبري. قال قتادة: لم يزل المؤمنون زماناً يتوارثون بالهجرة، والأعرابي المسلم لا يرث من المهاجر شيئاً، فأنزل الله تعالى هذه الآية، فخلط المسلمون بعضهم ببعض فصارت المواريث بالملل. وقيل: التقدير: وأولوا الأرحام من المؤمنين والمهاجرين أولى بالميراث من غيرهم ممن لا رحم بينهم من المؤمنين المهاجرين. وقال ابن زيد: كان النبي ﷺ قد آخى بين المهاجرين والأنصار أول ما كانت الهجرة، فكانوا يتوارثون على ذلك. قال فلما ظهر الفتح انقطعت الهجرة وكثر الإسلام وتوارث الناس على الأرحام، فنسخ التوارث بالهجرة، قال ذلك في كلام طويل تركته إذ الفائدة فيما ذكرت منه. فمعنى الآية على هذا التأويل: وأولوا الأرحام من المهاجرين والأنصار بعضهم أولى ببعض بالميراث من أن يتوارثوا بالهجرة. * * ثم قال تعالى: ﴿إِلاَّ أَن تَفْعَلُوۤاْ إِلَىٰ أَوْلِيَآئِكُمْ مَّعْرُوفاً﴾. أي: إلا أن توصوا لقرابتكم من غير أهل الإيمان والهجرة، قاله قتادة والحسن وعطاء وابن الحنفية. وقال مجاهد: معناه إلا أن تمسكوا بالمعروف والإحسان بينكم وبين حلفائكم من المهاجرين والأنصار. وقيل: المعنى: إلا أن توصوا لمن حالفتموه وواخيتموه من المهاجرين والأنصار، قاله ابن زيد. وقوله تعالى: ﴿كَانَ ذَلِكَ فِي ٱلْكِتَابِ مَسْطُوراً﴾. أي: كان أولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في اللوح المحفوظ مكتوباً، قاله ابن زيد وغيره. وقيل: المعنى: كان منع أن يرث المشرك المسلم مكتوباً في الكتاب، قاله قتادة. * * ثم قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ ٱلنَّبِيِّيْنَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِن نُّوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَى ٱبْنِ مَرْيَمَ﴾. المعنى عند الطبري: ﴿كَانَ ذَلِكَ فِي ٱلْكِتَابِ مَسْطُوراً﴾، أي كتبنا ما هو كائن في اللوح المحفوظ، ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ ٱلنَّبِيِّيْنَ مِيثَاقَهُمْ﴾، كان ذلك أيضاً، في الكتاب مسطوراً، يعني العهد والميثاق. فالعامل في "إذ" على هذا: "كان". والعامل فيها عند أبي إسحاق "اذكر" مضمرة، أي: واذكر إذ أخذنا. قال ابن عباس: أخذ منهم الميثاق على قومهم. وقال ابن أبي بن كعب: هو مثل: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِيۤ ءَادَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ [الأعراف: ١٧٢] الآية فأخذ ميثاقهم على الأنبياء منهم الذين كانوا كالسراج، ثم أخذ ميثاق النبيئين خاصة على الرسالة. روى قتادة أن النبي ﷺ قال: "كُنْتُ أَوَّلَ الأَنْبِياءِ فِي الخَلْقِ وآخِرَهُمْ فِي البَعْثِ فلذلك وقع ذكره هنا مقدماً قبل نوح وغيره لأنه أولهم في الخلق. وقيل: المعنى: إن الله جل ذكره أخذ الميثاق على النبيئين أن يصدق بعضهم بعضاً. قال مجاهد: ﴿وَمِنْكَ وَمِن نُّوحٍ﴾: في ظهر آدم، فالمعنى أخذ الله عليهم الميثاق إذ أخرجهم من ظهر آدم عليه السلام كالذَّرّ.

الأحزاب 33:7

قوله تعالى ذكره: ﴿ٱدْعُوهُمْ لآبَآئِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ ٱللَّهِ﴾ إلى قوله: ﴿مِّيثَاقاً غَلِيظاً﴾. أي: انسبوا أدعياءكم إلى آبائهم فهو أعدل عند الله. ﴿فَإِن لَّمْ تَعْلَمُوۤاْ آبَاءَهُمْ﴾ أي: تعرفوا أسماء آبائهم فتنسبوهم إليهم. ﴿فَإِخوَانُكُمْ فِي ٱلدِّينِ﴾ أي: فهم إخوانكم في الدين إذا كانوا أهل ملتكم. ﴿وَمَوَالِيكُمْ﴾ أي: وهم مواليكم أي: أوليائهم، أي بنو عمكم. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَآ أَخْطَأْتُمْ بِهِ﴾ أي: لا إثم عليكم في الخطإ يكون منكم في نسب من تنسبونه إلى غير أبيه إن كنتم ترون أنه أبوه، وليس بأبيه. ﴿وَلَـٰكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾. أي: ولكن الإثم عليكم فيما تعمدتم من ذلك فنسبتم الرجل إلى غير أبيه متعمدين ذلك، هذا معنى قول قتادة ومجاهد وغيرهما. و "ما" في موضع جر عطف على "ما" الأولى. ويجوز أن تكون في موضع رفع على خبر ابتداءٍ محذوف، والتقدير: ولكن الذي تأثمون فيه ما تعمدت قلوبكم. وقد أجرى بعض الفقهاء الفتيا في غير التعمد على ظاهرة هذه الآية، فجعلها عامة في كل شيء لم يتعمده فاعله. قال عطاء: إذا حلف رجل أنه لا يفارق غريمه حتى يستوفي حقه، فأخذ منه ما يرى أنه حقه فوجدها زائدة أو ناقصة، إنه لا شيء عليه لأنه لم يتعمد. وكذا إذا حلف أنه لا يسلم على فلان فسلم عليه وهو لا يعلم، إنه لا حنث عليه لأنه لم يتعمد ذلك. وأكثر الفقهاء على خلافه، فالآية عندهم مخصوصة في هذا بعينه. إنما كان هذا قبل النهي عندهم، أو في دعاء الرجل الرجل لغير أبيه مخطئاً. فهي مخصوصة في أحد الحكمين لا عامة في كل ما لم يتعمد الإنسان، دليله ما أوجبه الله جل ذكره على القاتل خطأ. * * ثم قال: ﴿وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُوراً﴾ أي ذا ستر على ذنب من دعا إنساناً بغير اسم أبيه وهو لا يعلم. ومن قال: إن الآية مخصوصة فيما كان قبل النهي، أو هي مخصوصة في أن يدعو الإنسان الرجل إلى أب وهو عنده أبوه، وليس هو كذلك، لم يقف على "ومواليكم" لأن ما بعده متصل به، ومن جعل ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَآ أَخْطَأْتُمْ بِهِ﴾ عاماً في هذا وغيره جعله مستأنفاً، حسن الوقف على ﴿وَمَوَالِيكُمْ﴾، ثم استأنف ما بعده لأنه عام. فإذا جعلت (ما) في موضع خفض لم تقف على ﴿فِيمَآ أَخْطَأْتُمْ بِهِ﴾ [لأن ما بعده معطوف عليه. فإن جعلت (ما) في موضع رفع على ما تقدم وقفت على "أخطأتم به"]. ثم تستأنف: ﴿وَلَـٰكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾. ثم قال تعالى ذكره: ﴿ٱلنَّبِيُّ أَوْلَىٰ بِٱلْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾. أي: أولى بهم من بعضهم لبعض، مثل: ﴿فَٱقْتُلُوۤاْ أَنفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ٥٤] ﴿تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ٨٥] وقيل: المعنى: أمر النبي أولى بالاتباع مما تأمر به النفس. وقال ابن زيد: المعنى: ما قضى فيهم النبي من أمر جاز، كما كلما قضيت على عبدي جاز. وروى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: "مَا مِنْ مُؤْمِنٍ إِلاَّ وَأَنَا أَوْلَى النَّاس بِه فِي الدُّنيَا وَالآخِرَةِ، اقْرَؤْوا إِنْ شِئْتُمْ: "النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم"، فَأَيُّمَا مُؤْمِنٍ تَرَكَ مَالاً فَلِوَرَثَتِهِ وَلِعَصَبَتِهِ مَنْ كَانُوا، وَمَنْ تَرَكَ دَيْناً أَو ضِيَاعاً فَلْيَأْتِنِي فَأَنَا مَوْلاَهُ وحكى قتادة والحسن: بأنه كان يقرأ في بعض القراءات: "مِنْ أنفُسِهِمْ وَهُوَ أَبٌ لَهُمْ"، ولا ينبغي أن يقرأ بذلك الآن لمخالفته المصحف والإجماع. * * ثم قال تعالى: ﴿وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ أي: في الحرمة كالأم، فلا يحل تزوجهن من بعد وفاة النبي ﷺ كما لا يحل تزويج الابن الأم، وهن في الحق والتعظيم والبِرِّ كالأم. ويروى أنه إنما فعل ذلك بهم لأنهن أزواجه في الجنة. * * ثم قال تعالى: ﴿وَأُوْلُو ٱلأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ ٱللَّهِ﴾ أي: وأولوا الأرحام الذين ورثت يا محمد بعضهم من بعض أولى بالميراث من أن يرثهم المؤمنون والمهاجرون بالهجرة دون الرحم. هذا قول الطبري. قال قتادة: لم يزل المؤمنون زماناً يتوارثون بالهجرة، والأعرابي المسلم لا يرث من المهاجر شيئاً، فأنزل الله تعالى هذه الآية، فخلط المسلمون بعضهم ببعض فصارت المواريث بالملل. وقيل: التقدير: وأولوا الأرحام من المؤمنين والمهاجرين أولى بالميراث من غيرهم ممن لا رحم بينهم من المؤمنين المهاجرين. وقال ابن زيد: كان النبي ﷺ قد آخى بين المهاجرين والأنصار أول ما كانت الهجرة، فكانوا يتوارثون على ذلك. قال فلما ظهر الفتح انقطعت الهجرة وكثر الإسلام وتوارث الناس على الأرحام، فنسخ التوارث بالهجرة، قال ذلك في كلام طويل تركته إذ الفائدة فيما ذكرت منه. فمعنى الآية على هذا التأويل: وأولوا الأرحام من المهاجرين والأنصار بعضهم أولى ببعض بالميراث من أن يتوارثوا بالهجرة. * * ثم قال تعالى: ﴿إِلاَّ أَن تَفْعَلُوۤاْ إِلَىٰ أَوْلِيَآئِكُمْ مَّعْرُوفاً﴾. أي: إلا أن توصوا لقرابتكم من غير أهل الإيمان والهجرة، قاله قتادة والحسن وعطاء وابن الحنفية. وقال مجاهد: معناه إلا أن تمسكوا بالمعروف والإحسان بينكم وبين حلفائكم من المهاجرين والأنصار. وقيل: المعنى: إلا أن توصوا لمن حالفتموه وواخيتموه من المهاجرين والأنصار، قاله ابن زيد. وقوله تعالى: ﴿كَانَ ذَلِكَ فِي ٱلْكِتَابِ مَسْطُوراً﴾. أي: كان أولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في اللوح المحفوظ مكتوباً، قاله ابن زيد وغيره. وقيل: المعنى: كان منع أن يرث المشرك المسلم مكتوباً في الكتاب، قاله قتادة. * * ثم قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ ٱلنَّبِيِّيْنَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِن نُّوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَى ٱبْنِ مَرْيَمَ﴾. المعنى عند الطبري: ﴿كَانَ ذَلِكَ فِي ٱلْكِتَابِ مَسْطُوراً﴾، أي كتبنا ما هو كائن في اللوح المحفوظ، ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ ٱلنَّبِيِّيْنَ مِيثَاقَهُمْ﴾، كان ذلك أيضاً، في الكتاب مسطوراً، يعني العهد والميثاق. فالعامل في "إذ" على هذا: "كان". والعامل فيها عند أبي إسحاق "اذكر" مضمرة، أي: واذكر إذ أخذنا. قال ابن عباس: أخذ منهم الميثاق على قومهم. وقال ابن أبي بن كعب: هو مثل: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِيۤ ءَادَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ [الأعراف: ١٧٢] الآية فأخذ ميثاقهم على الأنبياء منهم الذين كانوا كالسراج، ثم أخذ ميثاق النبيئين خاصة على الرسالة. روى قتادة أن النبي ﷺ قال: "كُنْتُ أَوَّلَ الأَنْبِياءِ فِي الخَلْقِ وآخِرَهُمْ فِي البَعْثِ فلذلك وقع ذكره هنا مقدماً قبل نوح وغيره لأنه أولهم في الخلق. وقيل: المعنى: إن الله جل ذكره أخذ الميثاق على النبيئين أن يصدق بعضهم بعضاً. قال مجاهد: ﴿وَمِنْكَ وَمِن نُّوحٍ﴾: في ظهر آدم، فالمعنى أخذ الله عليهم الميثاق إذ أخرجهم من ظهر آدم عليه السلام كالذَّرّ.

الأحزاب 33:8

قوله تعالى ذكره: ﴿لِّيَسْأَلَ ٱلصَّادِقِينَ عَن صِدْقِهِمْ﴾ إلى قوله: ﴿بِٱللَّهِ ٱلظُّنُونَاْ﴾. أي: أخذنا من النبيئين ميثاقهم ليسأل الله المؤمنين منهم عما أجابتهم به أمهاتهم. ومعنى سؤال الله جل ذكره عن ذلك الرسل، وهو عالم به، أنه على التبكيت والتوبيخ للذين كفروا كقوله لعيسى: ﴿أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ ٱتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ﴾ [المائدة: ١١٦] الآية. * * ثم قال: ﴿وَأَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً أَلِيماً﴾ أي: أعد للمكذبين الرسل عذاباً مؤلماً، أي موجعاً. * * ثم قال تعالى: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱذْكُرُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ أي: اذكروا تفضل الله عليكم فاشكروه على ما فعل بكم. ﴿إِذْ جَآءَتْكُمْ جُنُودٌ﴾ يعني جنود الأحزاب من قريش وغطفان. ويهود بني قريظة وغيرهم. ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَّمْ تَرَوْهَا﴾ كانت الريح التي نُصِِرَ بها النبي ﷺ: الصبا. قال عكرمة: قالت الجنوب للشمال ليلة الأحزاب: انطلقي تنصري رسول الله ﷺ، فقالت الشمال: إن الحرة لا تسري بالليل. قال: فكانت الريح التي أرسلت عليهم الصبا. قال أبو سعيد الخدري: "قُلْنَا يَوْمَ الخَنْدَقِ يَا رَسُولَ اللهِ بَلَغَتِ القُلُوبُ الحَنَاجِرَ فَهَلْ مِنْ شَيْءٍ نَقُولُهُ، قَال: قُولُوا اللهُمَّ اسْتُر عَوْرَاتِنَا وَآمِنْ رَوْعَاتِنَا. قَال: فَضَرَبَ اللهُ وُجُوهَ أَعْدَائِهِ بِالرّيحِ، وَهَزَمَهُمُ اللهُ بِالرّيح قال ابن عمر: كانت معي يوم الخندق تُرْسٌ وكان فيها حديد فضربتها الريح حتى وقع بعض ذلك الحديد. قال مجاهد: أُرْسِلَتْ على الأحزاب يوم الخندق ريح حتى كفأت قدورهم على أفواهها ونزعت فساطيطهم حتى أظعنتهم. قال قتادة: ﴿وَجُنُوداً لَّمْ تَرَوْهَا﴾ يعني: الملائكة، قال: نزلت هذه الآية يوم الأحزاب وقد حصر رسول الله ﷺ شهراً، فخندق رسول الله حوله وحول أصحابه خارج المدينة، وأقبل أبو سفيان بقريش ومن تبعه من الناس حتى نزلوا بِعُصْرَةِ رسول الله. [وأقبل عيينة بن حصن أحد بني بدر ومن تبعه من الناس حتى نزل بعصرة رسول الله ﷺ]. وكاتبت اليهود أبا سفيان وظاهروه بذلك، حيث يقول تعالى ذكره: ﴿إِذْ جَآءُوكُمْ مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ﴾ فبعث الله عليهم الرعب والريح فذكر لنا أنهم كل ما بنوا بناء قطع الله أطنابه، وكلما ربطوا دابة قطع الله رباطها، وكلما أوقدوا ناراً. أطفأها الله حتى لقد ذُكِرَ لنا أن سيد كل حي يقول: يا بني فلان هَلُّم إِلَيَّ، حتى إذا اجتمعوا عنده قال: النَّجَاءُ أتيتم، لِمَا بعث الله عليهم من الرعب. قال ابن إسحاق: كانت الجنود قريشاً وغطفان وبني قريظة، وكانت الجنود التي أرسل الله عليهم مع الريح: الملائكة، وكانت الريح مع قوتها شديدة البرد، وكان في ذلك أعظم آية النبي ﷺ. وكان سبب الأحزاب: أن النبي ﷺ لما أجلى بني النضير إلى خيبر، وكانوا قد سادوا العرب وعرفوا بكثرة المال، وهم من بني هارون النبي عليه السلام، فلما انتقلوا إلى خيبر، وحول خيبر من العرب أسد وغطفان حزبت اليهود على النبي العَرَبُ من أسد وغطفان وغيرهم. وخرجوا في ستة آلاف، ثم تدرج كبراء اليهود إلى مكة فحزبوا قريشاً على النبي عليه السلام، وأتبعتهم كنانة واجتمعوا في نحو عشرة آلاف وأتوا المدينة، فنزلوا عليها، فخندق النبي ﷺ على المدينة، وكان إخوة بني النضير من قريظة وَادَعُوا النبي عليه السلام فلم يزل بهم بنو النضير حتى نقضوا العهد وعاونوهم على النبي عليه السلام، وفيهم نزل: ﴿وَأَنزَلَ ٱلَّذِينَ ظَاهَرُوهُم مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ مِن صَيَاصِيهِمْ﴾ [الأحزاب: ٢٦]، أي من حصونهم فأرسل الله على جميعهم الريح فزعزعتهم وانقلبوا خائبين، ثم نهض النبي ﷺ إلى محاصرة قريظة الذين أعانوا عليه ونقضوا عهده فحاصرهم ونزلوا على حكم سعد، وكانوا ست مائة، فقتل مقاتلهم وسبى ذراريهم وقسم عقارهم بين المهاجرين دون الأنصار. قال مالك: كانت وقعة الخندق سنة أربع. وقال ابن إسحاق: فكانت وقعة الخندق وهي الأحزاب في شوال سنة خمس. قال مالك: كان الخندق وقريظة في يوم واحد، انصرف النبي ﷺ من وقعة الخندق، وقد انصرف المشركون، فاغتسل فأتاه جبريل ﷺ، فقال له: أَوَضَعْتَ الَّلأْمَةَ ولم تضعها الملائكة، إن الله يأمرك أن تخرج إلى بني قريظة، فخرج إليهم، فحكموا سعداً فيهم، فحكم بسبي الذراري وقتل الرجال ففعل بهم ذلك. وروى ابن وهب عن مالك أنه قال: كانت وقعة أحد على رأس أحد وثلاثين شهراً من الهجرة، وعند منصرف النبي عليه السلام من أحد خرج إلى بني النضير وأجلاهم إلى خيبر وإلى الشام على صلح وقع بينهم قد ذكر في غير هذا الموضع. * * ثم قال: ﴿وَكَانَ ٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيراً﴾ أي: بأعمالكم في ذلك اليوم وغيره، بصير لا يخفى عليه شيء. * * ثم قال تعالى: ﴿إِذْ جَآءُوكُمْ مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ﴾. العامل في إذ عند الطبري ﴿تَعْمَلُونَ﴾، أي: وكان الله بصيراً بعملكم إذ جاؤوكم. وقيل: التقدير: اذكر إذ جاؤوكم. وقيل: هي بدل من إذ الأولى. والاختيار لمن قرأ "الظنونا" و "الرسولا" و "السبيلا" بألف أن يقف عليها لأنها إنما جيئ بالألف في هذا على التشبيه بالقوافي والفواصل التي يوقف عليها بالألف فيجب أن تجري مجرى ما شبهت به. وهي مع ذلك تمام ووقف حسن. وقيل: إن هذه الألِفَات إنما جيئ بها لبيان حركة ما قبلها كهاء السكت، فهذا مؤكد الوقف عليها لمن أثبتها في الوصل والوقف. ويدل على قوة الوقف عليها لمن أثبتها، قراءة الكسائي وابن كثير وحفص بألف فيهن في الوقف دون الوصل. ومعنى الآية: واذكروا إذ جاءتكم جنود الأحزاب من فوقكم ومن أسفل منكم. قال يزيد بن رومان: الذين جاؤوهم من فوقهم بنو قريظة، والذين جاؤوهم من أسفل منهم قريش وغطفان. ومعنى ﴿وَمِنْ أَسْفَلَ﴾ من ناحية مكة. وكان النبي ﷺ قد أقر بني قريظة ولم يؤذهم وكتب لهم عهوداً، وكتبوا له في الموادعة والصلح، فنقضوا العهود وجمعوا عليه الجموع ونافقوا [عليه] مع قريش، وكان المتولي لذلك حُيي بن أخطب، استمد على النبي ﷺ بقريش ومن اتبعه من العرب، واستمدت قريش بعيينة بن بدر فأقبل بمن أطاعه من غطفان. واستمدت غطفان بحلفائهم من بني أسد، واستمدوا الرجال من بني سليم فخرجوا في جمع عظيم، فهم الذين سمّاهم الله الأحزاب، فلما بلغ النبي ﷺ خروجهم أخذ في حفر الخندق، فوضع النبي ﷺ يده في العمل فعملوه مستعجلين يبادرون قدوم العدو، ورأى المسلمون أن النبي ﷺ بطش معهم في العمل ليكون أجد لهم وأقوى بإذن الله. فذكر أنه عرض لهم حجر في محفرهم، فأخذ رسول الله ﷺ معولاً من أحدهم فضرب به ثلاثاً، فكسر الحجر في الثالثة، فذُكِر أن سلمان الفارسي أبصر عن كل ضربة بُرْقَةً ذَهَبَتْ ثَلاَثَةَ وُجُوهٍ، كل مرة يتبعها سلمان بصره، فذكر ذلك سلمان لرسول الله ﷺ، فقال: قد رأيتُ كهيئة البرق وموج الماء عند كل ضربة ضربتها يا رسول الله، ذهبت إحداهن نحو المشرق، والأخرى نحو اليَمَن، والأخرى نحو الشام، فقال النبي ﷺ: "أَوَقَدْ رَأَيْتَ ذَلِكَ يَا سَلمَان؟ قَالَ: نَعَمْ رَأَيْتُ ذَلِكَ قَالَ: فَإِنَّهُ ابْيَضَّ إِحْدَاهُنَّ مَدَائِنُ كِسْرَى وَمَدَائِنُ تِلْكَ البِلادِ، وَفِي الأُخرى مَدِينَةُ الرُّومِ والشَّامِ، والأخْرَى مَدَائِنُ اليَمَنِ وقُصُورُهَا، والتِي رَأَيْتُ [بِالبَصَرِ] تَبْلُغُهُنَّ الدَّعْوةُ إِنْ شَاءَ اللهُ". وكان حفر الخندق في شوال في سنة أربع من الهجرة، فلما تم الحفر أقبل أبو سفيان ومن معه من المشركين فنزلوا بأعلى وادي [فينا] من تلقاء الغابة فحاصروهم قريباً من عشرين يوماً. وقيل أكثر من ذلك. فلما اشتد البلاء على المسلمين نافق كثير من الناس وتكلموا بكلام قبيح، فلما رأى النبي ﷺ ما الناس فيه من البلاء جعل يبشرهم ويقول: "والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَيُفَرِّجَنَّ عَنْكُمُ مَا تَرَوْنَ مِنَ الشِّدَّةِ، وَإنِي لأَرْجُو أَنْ أَطُوفَ بِالبَيْتِ العَتِيق آمِناً، وَأَنْ تُدْفَعَ إِلَيَّ مَفَاتِيحُ الكَعْبَةِ، وَلَيُهْلِكَنَّ اللهُ قَيْصَراً وَلَنُنْفِقَنَّ أمْوَالَهُمْ فِي سَبيلِ اللهِ". فقال رجل من المنافقين: ألا تعجبون من محمد يعدنا أن نطوف بالبيت العتيق، وأن نقسم كنوز فارس والروم ونحن هاهنا لا يأمن أحدنا أن يذهب لغائط، ما يعدنا إلا غروراً. وقال آخرون منهم: يا أهل يثرب لا مقام لكم فارجعوا، وقال آخرون: إئذن لنا فإن بيوتنا عورة، فوجه النبي ﷺ إلى بني قريظة ليذكرهم حلفهم ويناشدهم، فسبوا الرسل وعندوا عن الحق وأبوا إلا نقض العهد والخلاف عليه فشقَّ ذلك على النبي عليه السلام والمسلمين، فلما اشتدّ الأمر على المسلمين قال النبي عليه السلام: "اللهُمَّ إِنّي أَسْأَلُكَ عَهْدكَ وَوَعْدَكَ، اللهُمَّ إِنْ تَشَاء لاَ تُعْبَد". وأقبل نوفل بن عبد الله المخزومي، من المشركين على فرس له ليقحمه على الخندق، فوقع في الخندق فقتله الله وَكَبتَ به المشركين، وعظم في صدورهم، فأرسلوا إلى النبي ﷺ يسألونه أن يعطوه الدية على أن يدفعه إليهم ليدفنوه فأبى أن يأخذ منهم شيئاً، ولم يمنعهم من دفنه. ورمي يومئذ سعد بن معاذ رمية قطعت الأَكْحَلَ من عضده، فقال: اللهم اشْفِنِي من بني قريظة قبل الممات، فرقاً الدم بعدما انفجر. وكان هو الذي وجهه النبي عليه السلام إلى بني قريظة يذكرهم العهد ويناشدهم الله فيما عقدوا مع النبي، فسبوه وأبلغوا فيه، فرجع إلى النبي مغضباً عليهم، فلما فرج الله تعالى عن المسلمين وتفرقت الأحزاب عنهم، أمر الله نبيه بقتال بني قريظة، فخرج النبي عليه السلام إليهم فقاتلهم، فتحصنوا في حصونهم، فحاصرهم بضع عشر ليلة فعظم عليهم البلاء، فسألوا رسول الله ﷺ أن يحكم فيهم رجلاً، وأن يختاروا من شاؤوا من أصحابه، فاختاروا سعداً فنزلوا على حكمه، فحكم فيهم سعد بأن يقتل مقاتلهم وتسبى نساؤهم وذراريهم وتقسم أموالهم، فروي أن النبي ﷺ قال لسعد: "حَكَمْتَ فِيهِمْ بِحُكْمِ اللهِ". فقتل رسول الله مقاتلهم - وكانوا ست مائة مقاتل -، وسبى ذراريهم، ثم أعقب الدم على سعد فلم يَرْقأ حتى مات رضي الله عنه، فروي أن النبي ﷺ قال: "أَتَانِي جِبْرِيلُ عليه السلام حَيْثُ قُبِضَ سَعْدٌ مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ مُعْتَجِراً بِعِمَامَةٍ مِنِ اسْتَبْرَقٍ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدَ مَنْ هَذَا الحَبِيبُ الذِي فُتِحَتْ لَهُ أَبْوابُ السَّمَاءِ واهْتَزَّ لَهُ العَرْشُ، فَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ سَرِيعاً يَجُرُّ ثَوْبَهُ إِلى سَعْدِ فَوَجَدَهُ قَدْ مَاتَ، وقَالَ حَمَلَةُ نَعْشِ سَعْدٍ: إِنْ كَانَ لَبَادِناً وَمَا حُمِلَتْ جَنَازَةٌ أَخَفَّ مِنْهُ، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: إِنَّ لَهُ حَمَلَةً غَيْرُكُمْ وَالذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَدِ اسْتَبْشَرَتِ المَلاَئِكَةُ بِرُوحِ سَعْدٍ واهْتَزَّ لَهُ العَرْشُ". ابن القاسم عن مالك قال: حدثني يحيى بن سعيد: لقد نزل لموت سعد سبعون ألف ملك ما نزلوا إلى الأرض قبلها. ثم قسم رسول الله أموالهم بين من حفر من المسلمين المهاجرين خاصة، وكان جميع الخيل التي مع النبي ﷺ ستة وثلاثين فرساً، فقسم لكل فرس سهمين، وأخرج حيي بن أخطب فقال له النبي عليه السلام : "هَلْ أَخْزَاكَ اللهُ؟ فَقَالَ: قَدْ ظَهَرْتَ عَلَيَّ، وَمَا لمتُ نَفْسِي فِي جِهَادِكَ وَالشِّدَّةِ عَلَيْكَ، فَأَمَرَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ فَضُرِبَتْ عُنُقُهُ، كُلُّ ذَلِكَ بِعَيْنِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ" وروي أن النبي ﷺ كاتبهم، وذلك أنه دس على الأحزاب من قال لهم: إن بني قريظة أرسلوا إلى النبي يدعونه إلى الصلح على أن يرد بني النضير إلى دورهم وأموالهم ويدفعون إليه الرهن الذي عندهم من رجال قريش، وذلك أن بني النضير قالت لقريش: لا نقاتل معكم حتى تعطونا سبعين رجلاً منكم رهناً عندنا، فلما بلغ ذلك قريشاً عظم عليهم الأمر ووجهوا إلى بني النضير أن يقاتلوا معهم، فقالت بنو النضير: وجهوا إلينا الرهن، ونقاتل، فتحقق الأمر عند قريش، فعملوا على الانصراف [عن] النبي عليه السلام مع ما حلَّ بهم من الريح، وما دخل قلوبهم من الرعب، فكان ذلك كله من سبب تفرقهم عن النبي لطفاً من الله بالمؤمنين. وروي أن الرجل الذي مضى بذلك إلى قريش هو نعيم بن مسعود، فلما قضى الله قضاءه في بني قريظة وصرف المشركين عن النبي نزل القرآن يعرف الله المؤمنين نعمته التي أنعم عليهم من الريح والجنود التي أرسل على عدوهم. * * وقوله: ﴿وَتَظُنُّونَ بِٱللَّهِ ٱلظُّنُونَاْ﴾ هو ما كان المنافقون يخوضون فيه في أمر النبي ﷺ وأصحابه، وقولهم: ما وعدنا الله ورسوله إلاَّ غروراً، وقولهم: لا مقام لكم، فأمر بعضهم بعضاً بالانصراف عن نصرة رسول الله ﷺ، ثم ذكر الله تعالى المسلمين وصبرهم على البلاء، وأن منهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر، ولم يبدلوا ديناً ولا نية على ما كانوا عليه. وروي أن قوله: ﴿مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ﴾، نزلت في قوم من المؤمنين تخلَّفوا عن بدر لعذر منعهم، فعاهدوا الله لئن جاءهم مثل يوم بدر ليرين مكانهم، فلما كان يوم أحد قاتل بعضهم حتى مات، ووفى بعهده، فهو قوله جل ذكره: ﴿فَمِنْهُمْ مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ﴾، وبقي بعضهم سالماً، وهو قوله: ﴿وَمِنْهُمْ مَّن يَنتَظِرُ﴾، ثم أخبر عنهم أنهم ما بدلوا، يعني: عهدهم بم ينقضوه. ثم ذكر أنه تعالى رد الكافرين بغيظهم لم ينالوا خيراً، وأنه كفى الله المؤمنين قتالهم، ثم ذكر بني قريظة ونصره للمؤمنين عليهم، فقال: ﴿وَأَنزَلَ ٱلَّذِينَ ظَاهَرُوهُم مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ﴾ أي: عاونوا قريشاً ومشركي العرب على حرب النبي ﷺ، وأصحابه. ﴿مِن صَيَاصِيهِمْ﴾ أي: من حصونهم، يعني بني قريظة، وأنه قذف في قلوبهم الرعب. * * ﴿فَرِيقاً تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقاً﴾ أي تقتلون المقاتلة، وتسبون النساء والأطفال، وأنه أورث المؤمنين أرضهم وديارهم وأموالهم وأنزل الله في ذلك تسعاً وعشرين آية أولها: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱذْكُرُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾. ومعنى: ﴿زَاغَتِ ٱلأَبْصَارُ﴾: شخصت من الخوف. والبصر الناظر، وجملة العين المقلة وهي شحمة العين: البياض والسواد، وفي المقلة الحدقة، وهي السواد الذي في وسط المقلة، وفي الحدقة الناظر، وهو موضع البصر يسمى الإنسان، والعين كالمرآة يرى فيها الوجه وفيها الناظر، وهما عرقان على حرفي الأنف يسيلان من المؤقين إلى الوجه، وفيها أشياء كثيرة قد ذكرت في خلق الإنسان. * * وقوله: ﴿وَبَلَغَتِ ٱلْقُلُوبُ ٱلْحَنَاجِرَ﴾ أي نَبَتْ عن أماكنها من الرعب. قال قتادة: لولا أن الحلوق ضاقت عنها لخرجت. والمعنى كادت تبلغ الحناجر. وقيل: المعنى بلغ وجفهَا من شدة الفزع الحلوق، فهي بالغة الحلوق بالوجيف. * * ثم قال تعالى: ﴿وَتَظُنُّونَ بِٱللَّهِ ٱلظُّنُونَاْ﴾ أي: ظننتم أن رسول الله ﷺ يغلب. هذا خطاب للمنافقين، ظنوا ظنوناً كاذبة فأخلف الله ظنهم بنصره للمؤمنين.

الأحزاب 33:9

قوله تعالى ذكره: ﴿لِّيَسْأَلَ ٱلصَّادِقِينَ عَن صِدْقِهِمْ﴾ إلى قوله: ﴿بِٱللَّهِ ٱلظُّنُونَاْ﴾. أي: أخذنا من النبيئين ميثاقهم ليسأل الله المؤمنين منهم عما أجابتهم به أمهاتهم. ومعنى سؤال الله جل ذكره عن ذلك الرسل، وهو عالم به، أنه على التبكيت والتوبيخ للذين كفروا كقوله لعيسى: ﴿أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ ٱتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ﴾ [المائدة: ١١٦] الآية. * * ثم قال: ﴿وَأَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً أَلِيماً﴾ أي: أعد للمكذبين الرسل عذاباً مؤلماً، أي موجعاً. * * ثم قال تعالى: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱذْكُرُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ أي: اذكروا تفضل الله عليكم فاشكروه على ما فعل بكم. ﴿إِذْ جَآءَتْكُمْ جُنُودٌ﴾ يعني جنود الأحزاب من قريش وغطفان. ويهود بني قريظة وغيرهم. ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَّمْ تَرَوْهَا﴾ كانت الريح التي نُصِِرَ بها النبي ﷺ: الصبا. قال عكرمة: قالت الجنوب للشمال ليلة الأحزاب: انطلقي تنصري رسول الله ﷺ، فقالت الشمال: إن الحرة لا تسري بالليل. قال: فكانت الريح التي أرسلت عليهم الصبا. قال أبو سعيد الخدري: "قُلْنَا يَوْمَ الخَنْدَقِ يَا رَسُولَ اللهِ بَلَغَتِ القُلُوبُ الحَنَاجِرَ فَهَلْ مِنْ شَيْءٍ نَقُولُهُ، قَال: قُولُوا اللهُمَّ اسْتُر عَوْرَاتِنَا وَآمِنْ رَوْعَاتِنَا. قَال: فَضَرَبَ اللهُ وُجُوهَ أَعْدَائِهِ بِالرّيحِ، وَهَزَمَهُمُ اللهُ بِالرّيح قال ابن عمر: كانت معي يوم الخندق تُرْسٌ وكان فيها حديد فضربتها الريح حتى وقع بعض ذلك الحديد. قال مجاهد: أُرْسِلَتْ على الأحزاب يوم الخندق ريح حتى كفأت قدورهم على أفواهها ونزعت فساطيطهم حتى أظعنتهم. قال قتادة: ﴿وَجُنُوداً لَّمْ تَرَوْهَا﴾ يعني: الملائكة، قال: نزلت هذه الآية يوم الأحزاب وقد حصر رسول الله ﷺ شهراً، فخندق رسول الله حوله وحول أصحابه خارج المدينة، وأقبل أبو سفيان بقريش ومن تبعه من الناس حتى نزلوا بِعُصْرَةِ رسول الله. [وأقبل عيينة بن حصن أحد بني بدر ومن تبعه من الناس حتى نزل بعصرة رسول الله ﷺ]. وكاتبت اليهود أبا سفيان وظاهروه بذلك، حيث يقول تعالى ذكره: ﴿إِذْ جَآءُوكُمْ مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ﴾ فبعث الله عليهم الرعب والريح فذكر لنا أنهم كل ما بنوا بناء قطع الله أطنابه، وكلما ربطوا دابة قطع الله رباطها، وكلما أوقدوا ناراً. أطفأها الله حتى لقد ذُكِرَ لنا أن سيد كل حي يقول: يا بني فلان هَلُّم إِلَيَّ، حتى إذا اجتمعوا عنده قال: النَّجَاءُ أتيتم، لِمَا بعث الله عليهم من الرعب. قال ابن إسحاق: كانت الجنود قريشاً وغطفان وبني قريظة، وكانت الجنود التي أرسل الله عليهم مع الريح: الملائكة، وكانت الريح مع قوتها شديدة البرد، وكان في ذلك أعظم آية النبي ﷺ. وكان سبب الأحزاب: أن النبي ﷺ لما أجلى بني النضير إلى خيبر، وكانوا قد سادوا العرب وعرفوا بكثرة المال، وهم من بني هارون النبي عليه السلام، فلما انتقلوا إلى خيبر، وحول خيبر من العرب أسد وغطفان حزبت اليهود على النبي العَرَبُ من أسد وغطفان وغيرهم. وخرجوا في ستة آلاف، ثم تدرج كبراء اليهود إلى مكة فحزبوا قريشاً على النبي عليه السلام، وأتبعتهم كنانة واجتمعوا في نحو عشرة آلاف وأتوا المدينة، فنزلوا عليها، فخندق النبي ﷺ على المدينة، وكان إخوة بني النضير من قريظة وَادَعُوا النبي عليه السلام فلم يزل بهم بنو النضير حتى نقضوا العهد وعاونوهم على النبي عليه السلام، وفيهم نزل: ﴿وَأَنزَلَ ٱلَّذِينَ ظَاهَرُوهُم مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ مِن صَيَاصِيهِمْ﴾ [الأحزاب: ٢٦]، أي من حصونهم فأرسل الله على جميعهم الريح فزعزعتهم وانقلبوا خائبين، ثم نهض النبي ﷺ إلى محاصرة قريظة الذين أعانوا عليه ونقضوا عهده فحاصرهم ونزلوا على حكم سعد، وكانوا ست مائة، فقتل مقاتلهم وسبى ذراريهم وقسم عقارهم بين المهاجرين دون الأنصار. قال مالك: كانت وقعة الخندق سنة أربع. وقال ابن إسحاق: فكانت وقعة الخندق وهي الأحزاب في شوال سنة خمس. قال مالك: كان الخندق وقريظة في يوم واحد، انصرف النبي ﷺ من وقعة الخندق، وقد انصرف المشركون، فاغتسل فأتاه جبريل ﷺ، فقال له: أَوَضَعْتَ الَّلأْمَةَ ولم تضعها الملائكة، إن الله يأمرك أن تخرج إلى بني قريظة، فخرج إليهم، فحكموا سعداً فيهم، فحكم بسبي الذراري وقتل الرجال ففعل بهم ذلك. وروى ابن وهب عن مالك أنه قال: كانت وقعة أحد على رأس أحد وثلاثين شهراً من الهجرة، وعند منصرف النبي عليه السلام من أحد خرج إلى بني النضير وأجلاهم إلى خيبر وإلى الشام على صلح وقع بينهم قد ذكر في غير هذا الموضع. * * ثم قال: ﴿وَكَانَ ٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيراً﴾ أي: بأعمالكم في ذلك اليوم وغيره، بصير لا يخفى عليه شيء. * * ثم قال تعالى: ﴿إِذْ جَآءُوكُمْ مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ﴾. العامل في إذ عند الطبري ﴿تَعْمَلُونَ﴾، أي: وكان الله بصيراً بعملكم إذ جاؤوكم. وقيل: التقدير: اذكر إذ جاؤوكم. وقيل: هي بدل من إذ الأولى. والاختيار لمن قرأ "الظنونا" و "الرسولا" و "السبيلا" بألف أن يقف عليها لأنها إنما جيئ بالألف في هذا على التشبيه بالقوافي والفواصل التي يوقف عليها بالألف فيجب أن تجري مجرى ما شبهت به. وهي مع ذلك تمام ووقف حسن. وقيل: إن هذه الألِفَات إنما جيئ بها لبيان حركة ما قبلها كهاء السكت، فهذا مؤكد الوقف عليها لمن أثبتها في الوصل والوقف. ويدل على قوة الوقف عليها لمن أثبتها، قراءة الكسائي وابن كثير وحفص بألف فيهن في الوقف دون الوصل. ومعنى الآية: واذكروا إذ جاءتكم جنود الأحزاب من فوقكم ومن أسفل منكم. قال يزيد بن رومان: الذين جاؤوهم من فوقهم بنو قريظة، والذين جاؤوهم من أسفل منهم قريش وغطفان. ومعنى ﴿وَمِنْ أَسْفَلَ﴾ من ناحية مكة. وكان النبي ﷺ قد أقر بني قريظة ولم يؤذهم وكتب لهم عهوداً، وكتبوا له في الموادعة والصلح، فنقضوا العهود وجمعوا عليه الجموع ونافقوا [عليه] مع قريش، وكان المتولي لذلك حُيي بن أخطب، استمد على النبي ﷺ بقريش ومن اتبعه من العرب، واستمدت قريش بعيينة بن بدر فأقبل بمن أطاعه من غطفان. واستمدت غطفان بحلفائهم من بني أسد، واستمدوا الرجال من بني سليم فخرجوا في جمع عظيم، فهم الذين سمّاهم الله الأحزاب، فلما بلغ النبي ﷺ خروجهم أخذ في حفر الخندق، فوضع النبي ﷺ يده في العمل فعملوه مستعجلين يبادرون قدوم العدو، ورأى المسلمون أن النبي ﷺ بطش معهم في العمل ليكون أجد لهم وأقوى بإذن الله. فذكر أنه عرض لهم حجر في محفرهم، فأخذ رسول الله ﷺ معولاً من أحدهم فضرب به ثلاثاً، فكسر الحجر في الثالثة، فذُكِر أن سلمان الفارسي أبصر عن كل ضربة بُرْقَةً ذَهَبَتْ ثَلاَثَةَ وُجُوهٍ، كل مرة يتبعها سلمان بصره، فذكر ذلك سلمان لرسول الله ﷺ، فقال: قد رأيتُ كهيئة البرق وموج الماء عند كل ضربة ضربتها يا رسول الله، ذهبت إحداهن نحو المشرق، والأخرى نحو اليَمَن، والأخرى نحو الشام، فقال النبي ﷺ: "أَوَقَدْ رَأَيْتَ ذَلِكَ يَا سَلمَان؟ قَالَ: نَعَمْ رَأَيْتُ ذَلِكَ قَالَ: فَإِنَّهُ ابْيَضَّ إِحْدَاهُنَّ مَدَائِنُ كِسْرَى وَمَدَائِنُ تِلْكَ البِلادِ، وَفِي الأُخرى مَدِينَةُ الرُّومِ والشَّامِ، والأخْرَى مَدَائِنُ اليَمَنِ وقُصُورُهَا، والتِي رَأَيْتُ [بِالبَصَرِ] تَبْلُغُهُنَّ الدَّعْوةُ إِنْ شَاءَ اللهُ". وكان حفر الخندق في شوال في سنة أربع من الهجرة، فلما تم الحفر أقبل أبو سفيان ومن معه من المشركين فنزلوا بأعلى وادي [فينا] من تلقاء الغابة فحاصروهم قريباً من عشرين يوماً. وقيل أكثر من ذلك. فلما اشتد البلاء على المسلمين نافق كثير من الناس وتكلموا بكلام قبيح، فلما رأى النبي ﷺ ما الناس فيه من البلاء جعل يبشرهم ويقول: "والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَيُفَرِّجَنَّ عَنْكُمُ مَا تَرَوْنَ مِنَ الشِّدَّةِ، وَإنِي لأَرْجُو أَنْ أَطُوفَ بِالبَيْتِ العَتِيق آمِناً، وَأَنْ تُدْفَعَ إِلَيَّ مَفَاتِيحُ الكَعْبَةِ، وَلَيُهْلِكَنَّ اللهُ قَيْصَراً وَلَنُنْفِقَنَّ أمْوَالَهُمْ فِي سَبيلِ اللهِ". فقال رجل من المنافقين: ألا تعجبون من محمد يعدنا أن نطوف بالبيت العتيق، وأن نقسم كنوز فارس والروم ونحن هاهنا لا يأمن أحدنا أن يذهب لغائط، ما يعدنا إلا غروراً. وقال آخرون منهم: يا أهل يثرب لا مقام لكم فارجعوا، وقال آخرون: إئذن لنا فإن بيوتنا عورة، فوجه النبي ﷺ إلى بني قريظة ليذكرهم حلفهم ويناشدهم، فسبوا الرسل وعندوا عن الحق وأبوا إلا نقض العهد والخلاف عليه فشقَّ ذلك على النبي عليه السلام والمسلمين، فلما اشتدّ الأمر على المسلمين قال النبي عليه السلام: "اللهُمَّ إِنّي أَسْأَلُكَ عَهْدكَ وَوَعْدَكَ، اللهُمَّ إِنْ تَشَاء لاَ تُعْبَد". وأقبل نوفل بن عبد الله المخزومي، من المشركين على فرس له ليقحمه على الخندق، فوقع في الخندق فقتله الله وَكَبتَ به المشركين، وعظم في صدورهم، فأرسلوا إلى النبي ﷺ يسألونه أن يعطوه الدية على أن يدفعه إليهم ليدفنوه فأبى أن يأخذ منهم شيئاً، ولم يمنعهم من دفنه. ورمي يومئذ سعد بن معاذ رمية قطعت الأَكْحَلَ من عضده، فقال: اللهم اشْفِنِي من بني قريظة قبل الممات، فرقاً الدم بعدما انفجر. وكان هو الذي وجهه النبي عليه السلام إلى بني قريظة يذكرهم العهد ويناشدهم الله فيما عقدوا مع النبي، فسبوه وأبلغوا فيه، فرجع إلى النبي مغضباً عليهم، فلما فرج الله تعالى عن المسلمين وتفرقت الأحزاب عنهم، أمر الله نبيه بقتال بني قريظة، فخرج النبي عليه السلام إليهم فقاتلهم، فتحصنوا في حصونهم، فحاصرهم بضع عشر ليلة فعظم عليهم البلاء، فسألوا رسول الله ﷺ أن يحكم فيهم رجلاً، وأن يختاروا من شاؤوا من أصحابه، فاختاروا سعداً فنزلوا على حكمه، فحكم فيهم سعد بأن يقتل مقاتلهم وتسبى نساؤهم وذراريهم وتقسم أموالهم، فروي أن النبي ﷺ قال لسعد: "حَكَمْتَ فِيهِمْ بِحُكْمِ اللهِ". فقتل رسول الله مقاتلهم - وكانوا ست مائة مقاتل -، وسبى ذراريهم، ثم أعقب الدم على سعد فلم يَرْقأ حتى مات رضي الله عنه، فروي أن النبي ﷺ قال: "أَتَانِي جِبْرِيلُ عليه السلام حَيْثُ قُبِضَ سَعْدٌ مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ مُعْتَجِراً بِعِمَامَةٍ مِنِ اسْتَبْرَقٍ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدَ مَنْ هَذَا الحَبِيبُ الذِي فُتِحَتْ لَهُ أَبْوابُ السَّمَاءِ واهْتَزَّ لَهُ العَرْشُ، فَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ سَرِيعاً يَجُرُّ ثَوْبَهُ إِلى سَعْدِ فَوَجَدَهُ قَدْ مَاتَ، وقَالَ حَمَلَةُ نَعْشِ سَعْدٍ: إِنْ كَانَ لَبَادِناً وَمَا حُمِلَتْ جَنَازَةٌ أَخَفَّ مِنْهُ، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: إِنَّ لَهُ حَمَلَةً غَيْرُكُمْ وَالذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَدِ اسْتَبْشَرَتِ المَلاَئِكَةُ بِرُوحِ سَعْدٍ واهْتَزَّ لَهُ العَرْشُ". ابن القاسم عن مالك قال: حدثني يحيى بن سعيد: لقد نزل لموت سعد سبعون ألف ملك ما نزلوا إلى الأرض قبلها. ثم قسم رسول الله أموالهم بين من حفر من المسلمين المهاجرين خاصة، وكان جميع الخيل التي مع النبي ﷺ ستة وثلاثين فرساً، فقسم لكل فرس سهمين، وأخرج حيي بن أخطب فقال له النبي عليه السلام : "هَلْ أَخْزَاكَ اللهُ؟ فَقَالَ: قَدْ ظَهَرْتَ عَلَيَّ، وَمَا لمتُ نَفْسِي فِي جِهَادِكَ وَالشِّدَّةِ عَلَيْكَ، فَأَمَرَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ فَضُرِبَتْ عُنُقُهُ، كُلُّ ذَلِكَ بِعَيْنِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ" وروي أن النبي ﷺ كاتبهم، وذلك أنه دس على الأحزاب من قال لهم: إن بني قريظة أرسلوا إلى النبي يدعونه إلى الصلح على أن يرد بني النضير إلى دورهم وأموالهم ويدفعون إليه الرهن الذي عندهم من رجال قريش، وذلك أن بني النضير قالت لقريش: لا نقاتل معكم حتى تعطونا سبعين رجلاً منكم رهناً عندنا، فلما بلغ ذلك قريشاً عظم عليهم الأمر ووجهوا إلى بني النضير أن يقاتلوا معهم، فقالت بنو النضير: وجهوا إلينا الرهن، ونقاتل، فتحقق الأمر عند قريش، فعملوا على الانصراف [عن] النبي عليه السلام مع ما حلَّ بهم من الريح، وما دخل قلوبهم من الرعب، فكان ذلك كله من سبب تفرقهم عن النبي لطفاً من الله بالمؤمنين. وروي أن الرجل الذي مضى بذلك إلى قريش هو نعيم بن مسعود، فلما قضى الله قضاءه في بني قريظة وصرف المشركين عن النبي نزل القرآن يعرف الله المؤمنين نعمته التي أنعم عليهم من الريح والجنود التي أرسل على عدوهم. * * وقوله: ﴿وَتَظُنُّونَ بِٱللَّهِ ٱلظُّنُونَاْ﴾ هو ما كان المنافقون يخوضون فيه في أمر النبي ﷺ وأصحابه، وقولهم: ما وعدنا الله ورسوله إلاَّ غروراً، وقولهم: لا مقام لكم، فأمر بعضهم بعضاً بالانصراف عن نصرة رسول الله ﷺ، ثم ذكر الله تعالى المسلمين وصبرهم على البلاء، وأن منهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر، ولم يبدلوا ديناً ولا نية على ما كانوا عليه. وروي أن قوله: ﴿مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ﴾، نزلت في قوم من المؤمنين تخلَّفوا عن بدر لعذر منعهم، فعاهدوا الله لئن جاءهم مثل يوم بدر ليرين مكانهم، فلما كان يوم أحد قاتل بعضهم حتى مات، ووفى بعهده، فهو قوله جل ذكره: ﴿فَمِنْهُمْ مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ﴾، وبقي بعضهم سالماً، وهو قوله: ﴿وَمِنْهُمْ مَّن يَنتَظِرُ﴾، ثم أخبر عنهم أنهم ما بدلوا، يعني: عهدهم بم ينقضوه. ثم ذكر أنه تعالى رد الكافرين بغيظهم لم ينالوا خيراً، وأنه كفى الله المؤمنين قتالهم، ثم ذكر بني قريظة ونصره للمؤمنين عليهم، فقال: ﴿وَأَنزَلَ ٱلَّذِينَ ظَاهَرُوهُم مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ﴾ أي: عاونوا قريشاً ومشركي العرب على حرب النبي ﷺ، وأصحابه. ﴿مِن صَيَاصِيهِمْ﴾ أي: من حصونهم، يعني بني قريظة، وأنه قذف في قلوبهم الرعب. * * ﴿فَرِيقاً تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقاً﴾ أي تقتلون المقاتلة، وتسبون النساء والأطفال، وأنه أورث المؤمنين أرضهم وديارهم وأموالهم وأنزل الله في ذلك تسعاً وعشرين آية أولها: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱذْكُرُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾. ومعنى: ﴿زَاغَتِ ٱلأَبْصَارُ﴾: شخصت من الخوف. والبصر الناظر، وجملة العين المقلة وهي شحمة العين: البياض والسواد، وفي المقلة الحدقة، وهي السواد الذي في وسط المقلة، وفي الحدقة الناظر، وهو موضع البصر يسمى الإنسان، والعين كالمرآة يرى فيها الوجه وفيها الناظر، وهما عرقان على حرفي الأنف يسيلان من المؤقين إلى الوجه، وفيها أشياء كثيرة قد ذكرت في خلق الإنسان. * * وقوله: ﴿وَبَلَغَتِ ٱلْقُلُوبُ ٱلْحَنَاجِرَ﴾ أي نَبَتْ عن أماكنها من الرعب. قال قتادة: لولا أن الحلوق ضاقت عنها لخرجت. والمعنى كادت تبلغ الحناجر. وقيل: المعنى بلغ وجفهَا من شدة الفزع الحلوق، فهي بالغة الحلوق بالوجيف. * * ثم قال تعالى: ﴿وَتَظُنُّونَ بِٱللَّهِ ٱلظُّنُونَاْ﴾ أي: ظننتم أن رسول الله ﷺ يغلب. هذا خطاب للمنافقين، ظنوا ظنوناً كاذبة فأخلف الله ظنهم بنصره للمؤمنين.

الأحزاب 33:10

قوله تعالى ذكره: ﴿لِّيَسْأَلَ ٱلصَّادِقِينَ عَن صِدْقِهِمْ﴾ إلى قوله: ﴿بِٱللَّهِ ٱلظُّنُونَاْ﴾. أي: أخذنا من النبيئين ميثاقهم ليسأل الله المؤمنين منهم عما أجابتهم به أمهاتهم. ومعنى سؤال الله جل ذكره عن ذلك الرسل، وهو عالم به، أنه على التبكيت والتوبيخ للذين كفروا كقوله لعيسى: ﴿أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ ٱتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ﴾ [المائدة: ١١٦] الآية. * * ثم قال: ﴿وَأَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً أَلِيماً﴾ أي: أعد للمكذبين الرسل عذاباً مؤلماً، أي موجعاً. * * ثم قال تعالى: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱذْكُرُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ أي: اذكروا تفضل الله عليكم فاشكروه على ما فعل بكم. ﴿إِذْ جَآءَتْكُمْ جُنُودٌ﴾ يعني جنود الأحزاب من قريش وغطفان. ويهود بني قريظة وغيرهم. ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَّمْ تَرَوْهَا﴾ كانت الريح التي نُصِِرَ بها النبي ﷺ: الصبا. قال عكرمة: قالت الجنوب للشمال ليلة الأحزاب: انطلقي تنصري رسول الله ﷺ، فقالت الشمال: إن الحرة لا تسري بالليل. قال: فكانت الريح التي أرسلت عليهم الصبا. قال أبو سعيد الخدري: "قُلْنَا يَوْمَ الخَنْدَقِ يَا رَسُولَ اللهِ بَلَغَتِ القُلُوبُ الحَنَاجِرَ فَهَلْ مِنْ شَيْءٍ نَقُولُهُ، قَال: قُولُوا اللهُمَّ اسْتُر عَوْرَاتِنَا وَآمِنْ رَوْعَاتِنَا. قَال: فَضَرَبَ اللهُ وُجُوهَ أَعْدَائِهِ بِالرّيحِ، وَهَزَمَهُمُ اللهُ بِالرّيح قال ابن عمر: كانت معي يوم الخندق تُرْسٌ وكان فيها حديد فضربتها الريح حتى وقع بعض ذلك الحديد. قال مجاهد: أُرْسِلَتْ على الأحزاب يوم الخندق ريح حتى كفأت قدورهم على أفواهها ونزعت فساطيطهم حتى أظعنتهم. قال قتادة: ﴿وَجُنُوداً لَّمْ تَرَوْهَا﴾ يعني: الملائكة، قال: نزلت هذه الآية يوم الأحزاب وقد حصر رسول الله ﷺ شهراً، فخندق رسول الله حوله وحول أصحابه خارج المدينة، وأقبل أبو سفيان بقريش ومن تبعه من الناس حتى نزلوا بِعُصْرَةِ رسول الله. [وأقبل عيينة بن حصن أحد بني بدر ومن تبعه من الناس حتى نزل بعصرة رسول الله ﷺ]. وكاتبت اليهود أبا سفيان وظاهروه بذلك، حيث يقول تعالى ذكره: ﴿إِذْ جَآءُوكُمْ مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ﴾ فبعث الله عليهم الرعب والريح فذكر لنا أنهم كل ما بنوا بناء قطع الله أطنابه، وكلما ربطوا دابة قطع الله رباطها، وكلما أوقدوا ناراً. أطفأها الله حتى لقد ذُكِرَ لنا أن سيد كل حي يقول: يا بني فلان هَلُّم إِلَيَّ، حتى إذا اجتمعوا عنده قال: النَّجَاءُ أتيتم، لِمَا بعث الله عليهم من الرعب. قال ابن إسحاق: كانت الجنود قريشاً وغطفان وبني قريظة، وكانت الجنود التي أرسل الله عليهم مع الريح: الملائكة، وكانت الريح مع قوتها شديدة البرد، وكان في ذلك أعظم آية النبي ﷺ. وكان سبب الأحزاب: أن النبي ﷺ لما أجلى بني النضير إلى خيبر، وكانوا قد سادوا العرب وعرفوا بكثرة المال، وهم من بني هارون النبي عليه السلام، فلما انتقلوا إلى خيبر، وحول خيبر من العرب أسد وغطفان حزبت اليهود على النبي العَرَبُ من أسد وغطفان وغيرهم. وخرجوا في ستة آلاف، ثم تدرج كبراء اليهود إلى مكة فحزبوا قريشاً على النبي عليه السلام، وأتبعتهم كنانة واجتمعوا في نحو عشرة آلاف وأتوا المدينة، فنزلوا عليها، فخندق النبي ﷺ على المدينة، وكان إخوة بني النضير من قريظة وَادَعُوا النبي عليه السلام فلم يزل بهم بنو النضير حتى نقضوا العهد وعاونوهم على النبي عليه السلام، وفيهم نزل: ﴿وَأَنزَلَ ٱلَّذِينَ ظَاهَرُوهُم مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ مِن صَيَاصِيهِمْ﴾ [الأحزاب: ٢٦]، أي من حصونهم فأرسل الله على جميعهم الريح فزعزعتهم وانقلبوا خائبين، ثم نهض النبي ﷺ إلى محاصرة قريظة الذين أعانوا عليه ونقضوا عهده فحاصرهم ونزلوا على حكم سعد، وكانوا ست مائة، فقتل مقاتلهم وسبى ذراريهم وقسم عقارهم بين المهاجرين دون الأنصار. قال مالك: كانت وقعة الخندق سنة أربع. وقال ابن إسحاق: فكانت وقعة الخندق وهي الأحزاب في شوال سنة خمس. قال مالك: كان الخندق وقريظة في يوم واحد، انصرف النبي ﷺ من وقعة الخندق، وقد انصرف المشركون، فاغتسل فأتاه جبريل ﷺ، فقال له: أَوَضَعْتَ الَّلأْمَةَ ولم تضعها الملائكة، إن الله يأمرك أن تخرج إلى بني قريظة، فخرج إليهم، فحكموا سعداً فيهم، فحكم بسبي الذراري وقتل الرجال ففعل بهم ذلك. وروى ابن وهب عن مالك أنه قال: كانت وقعة أحد على رأس أحد وثلاثين شهراً من الهجرة، وعند منصرف النبي عليه السلام من أحد خرج إلى بني النضير وأجلاهم إلى خيبر وإلى الشام على صلح وقع بينهم قد ذكر في غير هذا الموضع. * * ثم قال: ﴿وَكَانَ ٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيراً﴾ أي: بأعمالكم في ذلك اليوم وغيره، بصير لا يخفى عليه شيء. * * ثم قال تعالى: ﴿إِذْ جَآءُوكُمْ مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ﴾. العامل في إذ عند الطبري ﴿تَعْمَلُونَ﴾، أي: وكان الله بصيراً بعملكم إذ جاؤوكم. وقيل: التقدير: اذكر إذ جاؤوكم. وقيل: هي بدل من إذ الأولى. والاختيار لمن قرأ "الظنونا" و "الرسولا" و "السبيلا" بألف أن يقف عليها لأنها إنما جيئ بالألف في هذا على التشبيه بالقوافي والفواصل التي يوقف عليها بالألف فيجب أن تجري مجرى ما شبهت به. وهي مع ذلك تمام ووقف حسن. وقيل: إن هذه الألِفَات إنما جيئ بها لبيان حركة ما قبلها كهاء السكت، فهذا مؤكد الوقف عليها لمن أثبتها في الوصل والوقف. ويدل على قوة الوقف عليها لمن أثبتها، قراءة الكسائي وابن كثير وحفص بألف فيهن في الوقف دون الوصل. ومعنى الآية: واذكروا إذ جاءتكم جنود الأحزاب من فوقكم ومن أسفل منكم. قال يزيد بن رومان: الذين جاؤوهم من فوقهم بنو قريظة، والذين جاؤوهم من أسفل منهم قريش وغطفان. ومعنى ﴿وَمِنْ أَسْفَلَ﴾ من ناحية مكة. وكان النبي ﷺ قد أقر بني قريظة ولم يؤذهم وكتب لهم عهوداً، وكتبوا له في الموادعة والصلح، فنقضوا العهود وجمعوا عليه الجموع ونافقوا [عليه] مع قريش، وكان المتولي لذلك حُيي بن أخطب، استمد على النبي ﷺ بقريش ومن اتبعه من العرب، واستمدت قريش بعيينة بن بدر فأقبل بمن أطاعه من غطفان. واستمدت غطفان بحلفائهم من بني أسد، واستمدوا الرجال من بني سليم فخرجوا في جمع عظيم، فهم الذين سمّاهم الله الأحزاب، فلما بلغ النبي ﷺ خروجهم أخذ في حفر الخندق، فوضع النبي ﷺ يده في العمل فعملوه مستعجلين يبادرون قدوم العدو، ورأى المسلمون أن النبي ﷺ بطش معهم في العمل ليكون أجد لهم وأقوى بإذن الله. فذكر أنه عرض لهم حجر في محفرهم، فأخذ رسول الله ﷺ معولاً من أحدهم فضرب به ثلاثاً، فكسر الحجر في الثالثة، فذُكِر أن سلمان الفارسي أبصر عن كل ضربة بُرْقَةً ذَهَبَتْ ثَلاَثَةَ وُجُوهٍ، كل مرة يتبعها سلمان بصره، فذكر ذلك سلمان لرسول الله ﷺ، فقال: قد رأيتُ كهيئة البرق وموج الماء عند كل ضربة ضربتها يا رسول الله، ذهبت إحداهن نحو المشرق، والأخرى نحو اليَمَن، والأخرى نحو الشام، فقال النبي ﷺ: "أَوَقَدْ رَأَيْتَ ذَلِكَ يَا سَلمَان؟ قَالَ: نَعَمْ رَأَيْتُ ذَلِكَ قَالَ: فَإِنَّهُ ابْيَضَّ إِحْدَاهُنَّ مَدَائِنُ كِسْرَى وَمَدَائِنُ تِلْكَ البِلادِ، وَفِي الأُخرى مَدِينَةُ الرُّومِ والشَّامِ، والأخْرَى مَدَائِنُ اليَمَنِ وقُصُورُهَا، والتِي رَأَيْتُ [بِالبَصَرِ] تَبْلُغُهُنَّ الدَّعْوةُ إِنْ شَاءَ اللهُ". وكان حفر الخندق في شوال في سنة أربع من الهجرة، فلما تم الحفر أقبل أبو سفيان ومن معه من المشركين فنزلوا بأعلى وادي [فينا] من تلقاء الغابة فحاصروهم قريباً من عشرين يوماً. وقيل أكثر من ذلك. فلما اشتد البلاء على المسلمين نافق كثير من الناس وتكلموا بكلام قبيح، فلما رأى النبي ﷺ ما الناس فيه من البلاء جعل يبشرهم ويقول: "والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَيُفَرِّجَنَّ عَنْكُمُ مَا تَرَوْنَ مِنَ الشِّدَّةِ، وَإنِي لأَرْجُو أَنْ أَطُوفَ بِالبَيْتِ العَتِيق آمِناً، وَأَنْ تُدْفَعَ إِلَيَّ مَفَاتِيحُ الكَعْبَةِ، وَلَيُهْلِكَنَّ اللهُ قَيْصَراً وَلَنُنْفِقَنَّ أمْوَالَهُمْ فِي سَبيلِ اللهِ". فقال رجل من المنافقين: ألا تعجبون من محمد يعدنا أن نطوف بالبيت العتيق، وأن نقسم كنوز فارس والروم ونحن هاهنا لا يأمن أحدنا أن يذهب لغائط، ما يعدنا إلا غروراً. وقال آخرون منهم: يا أهل يثرب لا مقام لكم فارجعوا، وقال آخرون: إئذن لنا فإن بيوتنا عورة، فوجه النبي ﷺ إلى بني قريظة ليذكرهم حلفهم ويناشدهم، فسبوا الرسل وعندوا عن الحق وأبوا إلا نقض العهد والخلاف عليه فشقَّ ذلك على النبي عليه السلام والمسلمين، فلما اشتدّ الأمر على المسلمين قال النبي عليه السلام: "اللهُمَّ إِنّي أَسْأَلُكَ عَهْدكَ وَوَعْدَكَ، اللهُمَّ إِنْ تَشَاء لاَ تُعْبَد". وأقبل نوفل بن عبد الله المخزومي، من المشركين على فرس له ليقحمه على الخندق، فوقع في الخندق فقتله الله وَكَبتَ به المشركين، وعظم في صدورهم، فأرسلوا إلى النبي ﷺ يسألونه أن يعطوه الدية على أن يدفعه إليهم ليدفنوه فأبى أن يأخذ منهم شيئاً، ولم يمنعهم من دفنه. ورمي يومئذ سعد بن معاذ رمية قطعت الأَكْحَلَ من عضده، فقال: اللهم اشْفِنِي من بني قريظة قبل الممات، فرقاً الدم بعدما انفجر. وكان هو الذي وجهه النبي عليه السلام إلى بني قريظة يذكرهم العهد ويناشدهم الله فيما عقدوا مع النبي، فسبوه وأبلغوا فيه، فرجع إلى النبي مغضباً عليهم، فلما فرج الله تعالى عن المسلمين وتفرقت الأحزاب عنهم، أمر الله نبيه بقتال بني قريظة، فخرج النبي عليه السلام إليهم فقاتلهم، فتحصنوا في حصونهم، فحاصرهم بضع عشر ليلة فعظم عليهم البلاء، فسألوا رسول الله ﷺ أن يحكم فيهم رجلاً، وأن يختاروا من شاؤوا من أصحابه، فاختاروا سعداً فنزلوا على حكمه، فحكم فيهم سعد بأن يقتل مقاتلهم وتسبى نساؤهم وذراريهم وتقسم أموالهم، فروي أن النبي ﷺ قال لسعد: "حَكَمْتَ فِيهِمْ بِحُكْمِ اللهِ". فقتل رسول الله مقاتلهم - وكانوا ست مائة مقاتل -، وسبى ذراريهم، ثم أعقب الدم على سعد فلم يَرْقأ حتى مات رضي الله عنه، فروي أن النبي ﷺ قال: "أَتَانِي جِبْرِيلُ عليه السلام حَيْثُ قُبِضَ سَعْدٌ مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ مُعْتَجِراً بِعِمَامَةٍ مِنِ اسْتَبْرَقٍ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدَ مَنْ هَذَا الحَبِيبُ الذِي فُتِحَتْ لَهُ أَبْوابُ السَّمَاءِ واهْتَزَّ لَهُ العَرْشُ، فَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ سَرِيعاً يَجُرُّ ثَوْبَهُ إِلى سَعْدِ فَوَجَدَهُ قَدْ مَاتَ، وقَالَ حَمَلَةُ نَعْشِ سَعْدٍ: إِنْ كَانَ لَبَادِناً وَمَا حُمِلَتْ جَنَازَةٌ أَخَفَّ مِنْهُ، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: إِنَّ لَهُ حَمَلَةً غَيْرُكُمْ وَالذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَدِ اسْتَبْشَرَتِ المَلاَئِكَةُ بِرُوحِ سَعْدٍ واهْتَزَّ لَهُ العَرْشُ". ابن القاسم عن مالك قال: حدثني يحيى بن سعيد: لقد نزل لموت سعد سبعون ألف ملك ما نزلوا إلى الأرض قبلها. ثم قسم رسول الله أموالهم بين من حفر من المسلمين المهاجرين خاصة، وكان جميع الخيل التي مع النبي ﷺ ستة وثلاثين فرساً، فقسم لكل فرس سهمين، وأخرج حيي بن أخطب فقال له النبي عليه السلام : "هَلْ أَخْزَاكَ اللهُ؟ فَقَالَ: قَدْ ظَهَرْتَ عَلَيَّ، وَمَا لمتُ نَفْسِي فِي جِهَادِكَ وَالشِّدَّةِ عَلَيْكَ، فَأَمَرَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ فَضُرِبَتْ عُنُقُهُ، كُلُّ ذَلِكَ بِعَيْنِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ" وروي أن النبي ﷺ كاتبهم، وذلك أنه دس على الأحزاب من قال لهم: إن بني قريظة أرسلوا إلى النبي يدعونه إلى الصلح على أن يرد بني النضير إلى دورهم وأموالهم ويدفعون إليه الرهن الذي عندهم من رجال قريش، وذلك أن بني النضير قالت لقريش: لا نقاتل معكم حتى تعطونا سبعين رجلاً منكم رهناً عندنا، فلما بلغ ذلك قريشاً عظم عليهم الأمر ووجهوا إلى بني النضير أن يقاتلوا معهم، فقالت بنو النضير: وجهوا إلينا الرهن، ونقاتل، فتحقق الأمر عند قريش، فعملوا على الانصراف [عن] النبي عليه السلام مع ما حلَّ بهم من الريح، وما دخل قلوبهم من الرعب، فكان ذلك كله من سبب تفرقهم عن النبي لطفاً من الله بالمؤمنين. وروي أن الرجل الذي مضى بذلك إلى قريش هو نعيم بن مسعود، فلما قضى الله قضاءه في بني قريظة وصرف المشركين عن النبي نزل القرآن يعرف الله المؤمنين نعمته التي أنعم عليهم من الريح والجنود التي أرسل على عدوهم. * * وقوله: ﴿وَتَظُنُّونَ بِٱللَّهِ ٱلظُّنُونَاْ﴾ هو ما كان المنافقون يخوضون فيه في أمر النبي ﷺ وأصحابه، وقولهم: ما وعدنا الله ورسوله إلاَّ غروراً، وقولهم: لا مقام لكم، فأمر بعضهم بعضاً بالانصراف عن نصرة رسول الله ﷺ، ثم ذكر الله تعالى المسلمين وصبرهم على البلاء، وأن منهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر، ولم يبدلوا ديناً ولا نية على ما كانوا عليه. وروي أن قوله: ﴿مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ﴾، نزلت في قوم من المؤمنين تخلَّفوا عن بدر لعذر منعهم، فعاهدوا الله لئن جاءهم مثل يوم بدر ليرين مكانهم، فلما كان يوم أحد قاتل بعضهم حتى مات، ووفى بعهده، فهو قوله جل ذكره: ﴿فَمِنْهُمْ مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ﴾، وبقي بعضهم سالماً، وهو قوله: ﴿وَمِنْهُمْ مَّن يَنتَظِرُ﴾، ثم أخبر عنهم أنهم ما بدلوا، يعني: عهدهم بم ينقضوه. ثم ذكر أنه تعالى رد الكافرين بغيظهم لم ينالوا خيراً، وأنه كفى الله المؤمنين قتالهم، ثم ذكر بني قريظة ونصره للمؤمنين عليهم، فقال: ﴿وَأَنزَلَ ٱلَّذِينَ ظَاهَرُوهُم مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ﴾ أي: عاونوا قريشاً ومشركي العرب على حرب النبي ﷺ، وأصحابه. ﴿مِن صَيَاصِيهِمْ﴾ أي: من حصونهم، يعني بني قريظة، وأنه قذف في قلوبهم الرعب. * * ﴿فَرِيقاً تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقاً﴾ أي تقتلون المقاتلة، وتسبون النساء والأطفال، وأنه أورث المؤمنين أرضهم وديارهم وأموالهم وأنزل الله في ذلك تسعاً وعشرين آية أولها: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱذْكُرُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾. ومعنى: ﴿زَاغَتِ ٱلأَبْصَارُ﴾: شخصت من الخوف. والبصر الناظر، وجملة العين المقلة وهي شحمة العين: البياض والسواد، وفي المقلة الحدقة، وهي السواد الذي في وسط المقلة، وفي الحدقة الناظر، وهو موضع البصر يسمى الإنسان، والعين كالمرآة يرى فيها الوجه وفيها الناظر، وهما عرقان على حرفي الأنف يسيلان من المؤقين إلى الوجه، وفيها أشياء كثيرة قد ذكرت في خلق الإنسان. * * وقوله: ﴿وَبَلَغَتِ ٱلْقُلُوبُ ٱلْحَنَاجِرَ﴾ أي نَبَتْ عن أماكنها من الرعب. قال قتادة: لولا أن الحلوق ضاقت عنها لخرجت. والمعنى كادت تبلغ الحناجر. وقيل: المعنى بلغ وجفهَا من شدة الفزع الحلوق، فهي بالغة الحلوق بالوجيف. * * ثم قال تعالى: ﴿وَتَظُنُّونَ بِٱللَّهِ ٱلظُّنُونَاْ﴾ أي: ظننتم أن رسول الله ﷺ يغلب. هذا خطاب للمنافقين، ظنوا ظنوناً كاذبة فأخلف الله ظنهم بنصره للمؤمنين.

الأحزاب 33:11

قوله تعالى ذكره: ﴿هُنَالِكَ ٱبْتُلِيَ ٱلْمُؤْمِنُونَ﴾ إلى قوله ﴿وَذَكَرَ ٱللَّهَ كَثِيراً﴾. هنالك ظرف زمان، والعامل فيه "ابتلي". والتقدير: وقت ذلك اختبر المؤمنون فعرف المؤمن من المنافق، والابتداء به حسن على هذا. وقيل: إن العامل فيه "﴿وَتَظُنُّونَ﴾" أي: وتظنون بالله الظنون الكاذبة هنالك ، والابتداء به على هذا التقدير. * * ثم قال تعالى: ﴿وَزُلْزِلُواْ زِلْزَالاً شَدِيداً﴾ أي: حركوا وأزعجوا بالفتنة إزعاجاً شديداً. * * ثم قال: ﴿وَإِذْ يَقُولُ ٱلْمُنَافِقُونَ وَٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ﴾ أي: شك في الإيمان وضعف في الاعتقاد. * * ﴿مَّا وَعَدَنَا ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلاَّ غُرُوراً﴾. يروى أن قائل ذلك معتب بن قشير، قاله يزيد بن رومان، وقد تقدم ذكر هذا. * * ثم قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَت طَّآئِفَةٌ مِّنْهُمْ يٰأَهْلَ يَثْرِبَ لاَ مُقَامَ لَكُمْ﴾ أي: قال طائفة من المنافقين: يا أهل يثرب لا تقيموا مع النبي وارجعوا إلى منازلكم، ويثرب اسم أرض ومدينة النبي ﷺ في ناحية من يثرب. * * ثم قال: ﴿وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِّنْهُمُ ٱلنَّبِيَّ﴾ أي: يستأذن طائفة من المنافقين النبي في الانصراف إلى منزلهم اعتلالاً بالخوف على منزله من السرق، وليس به إلا الفرار والهرب. قال ابن عباس: هم بنو حارثة قالوا: بيوتنا مخلاة نخاف عليها السرق. قال قتادة: يقولون بيوتنا مما يلي العدو وإنا نخاف عليها السرق. ففضحهم الله، وقال: ﴿وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِن يُرِيدُونَ إِلاَّ فِرَاراً﴾ أي: ما يريدون إلا الهرب. يقال: أعور المنزل إذا ضاع ولم يكن له ما يستره أو سقط جداره. وقرأ يحيى بن يعمر وأبو رجاء "عَوِرَةٌ" بكسر الواو، فمعنى عورة: ضائعة. وقيل: معنى قراءة الإسكان: إن بيوتنا ذات عورة، يقال للمرأة: عورة، فالمعنى ذات نساء نخاف عليهن العدو. ويجوز أن تكون عورة مسكنة من "عَوِرَة". ويجوز أن تكون مصدراً. ويجوز أن تكون اسم فاعل على السعة، كما يقال: رجل عَدْلٌ أي عَادِلٌ. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِّنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُواْ ٱلْفِتْنَةَ لآتَوْهَا﴾. [أي: لو دخلت المدينة على هؤلاء القائلين: إن بيوتنا عورة من جوانبها قاله قتادة. ﴿ثُمَّ سُئِلُواْ ٱلْفِتْنَةَ لآتَوْهَا﴾] أي: لو سئلوا الشرك لأعطوه من أنفسهم طائعين، ومن قطر لأتوه، فمعناه: لجاؤوا الكفر طوعاً. وقيل: المعنى: ولو دخلت عليهم البيوت من نواحيها ثم سئلوا الشرك لقبلوه وأتوه طائعين. * * ثم قال تعالى: ﴿وَمَا تَلَبَّثُواْ بِهَآ﴾ أي بالمدينة. قاله القتبي. وقيل: المعنى: وما تلبثوا بالفتنة. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَانُواْ عَاهَدُواْ ٱللَّهَ مِن قَبْلُ لاَ يُوَلُّونَ ٱلأَدْبَارَ﴾ أي: ولقد كان هؤلاء الذين يستأذنون رسول الله في الانصراف عنه عاهدوا الله من قبل لا يولون عدوهم الأدبار فما أوفوا بعهدهم. ﴿وَكَانَ عَهْدُ ٱللَّهِ مَسْئُولاً﴾ أي: يسأل الله ذلك من أعطاه إياه من نفسه. وذكر أن ذلك نزل في بني حارثة لما كان من فعلهم، وهم الذين هموا أن يفشلوا يوم أحد مع بني سلمة، وهو قوله جل ذكره: ﴿إِذْ هَمَّتْ طَّآئِفَتَانِ مِنكُمْ أَن تَفْشَلاَ﴾ [آل عمران: ١٢٢]، ثم عاهدوا الله لا يولون العدو الأدبار ولا يعودون لمثلها فذكر الله لهم ما قد أعطوا من أنفسهم ولم يفوا به. قال قتادة: كان ناس غابوا عن وقعة بدر ورأوا ما أعطى الله أصحاب بدر من الكرامة والفضل فقالوا: لئن أشهدنا الله قتالاً لنقاتلن، فساق الله إليهم ذلك حتى كان ناحية المدينة. * * ثم قال تعالى: ﴿قُل لَّن يَنفَعَكُمُ ٱلْفِرَارُ إِن فَرَرْتُمْ مِّنَ ٱلْمَوْتِ أَوِ ٱلْقَتْلِ﴾ أي: قل لهم يا محمد لا ينفعكم هروبكم إن هربتم من الموت أو القتل لأن ذلك إن كان كتب عليكم فلا ينفعكم فراركم شيئاً، لا بد لكم مما كتب عليكم. ﴿وَإِذاً لاَّ تُمَتَّعُونَ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ أي: لا يزيد لكم فراركم في أعماركم شيئاً بل إنما تمتعون في هذه الدنيا إلى الوقت الذي كتب لكم، لا تجاوزوه، هو قليل لأن الدنيا كلها متاع قليل، فما بقي من أعماركم أقل من القليل. * * ثم قال تعالى: ﴿قُلْ مَن ذَا ٱلَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِّنَ ٱللَّهِ﴾ أي: يمنعكم من الله إن أراد بكم سوءاً في أنفسكم أو عاقبة وسلامة، فليس الأمر إلا ما قدر الله. * * ثم قال: ﴿وَلاَ يَجِدُونَ لَهُمْ مِّن دُونِ ٱللَّهِ وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً﴾ أي: لا يجدون لأنفسهم من يليهم بالكفالة مما قدر الله عليهم من سوء، ولا نصيراً ينصرهم مما أراد بهم. * * ثم قال تعالى: ﴿قَدْ يَعْلَمُ ٱللَّهُ ٱلْمُعَوِّقِينَ مِنكُمْ﴾ أي: قد يعلم الله الذين يعوقون الناس فيصدونهم عن رسول الله في حضور الحرب. وهو مُشتق من عاقني عن كذا، أي: صرفني عنه ومنعني، وعوق على التكثير لعاق فهو مُعَوِّقٌ. * * ثم قال: ﴿وَٱلْقَآئِلِينَ لإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا﴾ أي تعالوا إلينا ودعوا محمداً فإنا نخاف عليكم الهلاك. ﴿وَلاَ يَأْتُونَ ٱلْبَأْسَ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ أي: الحرب والقتال، لا يشهدون ذلك إلا تعذيراً، ودفعاً للمسلمين عن أنفسهم ورياءً، وهذا كله في المنافقين. قال قتادة: هؤلاء ناس من المنافقين كانوا يقولون لإخوانهم ما محمد وأصحابه إلا أُكْلَةُ رأسٍ ولو كانوا لَحْماً لالتهمهم أبو سفيان وأصحابه دعوا هذا الرجل فإنه هالك. وقال ابن زيد: نزلت في أخوين أحدهما مؤمن والآخر منافق، جرى بينهما كلام في أمر رسول الله ﷺ، فقال المنافق للمؤمن: هلمَّ إلى الطعام فقد نعق بك وبصاحبك والذي يحلف به، لاستقبلها محمد أبداً، فقال له المؤمن: كذبت والذي يحلف به، ثم أخبر النبي ﷺ بذلك، فنزلت: ﴿وَٱلْقَآئِلِينَ لإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا﴾. * * ثم قال تعالى: ﴿أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ﴾. قال الفراء: هو منصوب على الذم، وأجاز نصبه على الحال، وقدره: يعوقون أشحة. وقيل: هو حال، والتقدير: والقائلين لإخوانهم أشحة. وقيل: التقدير: ولا يأتون البأس إلا قليلاً، يأتونه أشحة، أي أشحة على الفقراء بالغنيمة جبناء. وقال الطبري: التقدير هلمَّ إلينا أشحة. وقال السدي بنصبه على الحال، والتقدير: ولا يأتون البأس إلا قليلاً بخلاً عليهم بالظفر والغنيمة. ومن جعل العامل في أشحة "المُعَوِّقِينَ" أو "القائلين" فقد غلط لأنه تفريق بين الصلة والموصول. قال قتادة: معنا أشحة عليكم في الغنيمة. وقال مجاهد: أشحة عليكم في الخير. وقيل: التقدير: أشحة عليكم بالنفقة على الضعفاء منكم. والتأويل: جبناء عند الناس أشحاء عند قسم الغنيمة. وقال يزيد بن رومان: أشحة عليكم للضغن الذي في أنفسهم. * * ثم قال تعالى: ﴿فَإِذَا جَآءَ ٱلْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ﴾ أي: فإذا جاء يا محمد القتال وخافوا (الهلاك) رأيتهم ينظرون إليك لواذاً عن القتال تدور أعينهم خوفاً من القتال. ﴿كَٱلَّذِي يُغْشَىٰ عَلَيْهِ مِنَ ٱلْمَوْتِ﴾ أي: تدور أعينهم كدوران عين الذي يُغشى عليه من الموت النازل به. * * ثم قال تعالى: ﴿فَإِذَا ذَهَبَ ٱلْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ﴾ أي: فإذا زال القتال عفوكم بألسنة ذربة. يقال للرجل الخطيب: مِسْلَقٌ وَمِسْلاقَ وَسَلاقٌ بالسين والصاد فيهن، أي: بليغ. والمعنى: أنهم عند قسم الغنيمة يتطاولون بألسنتهم لشحهم على ما يأخذ المسلمون، يقولون: أعطونا أعطونا، فإنا شهدنا معكم، وهم عند البأس أجبن قوم، هذا معنى قول قتادة. ويدل على صحة هذا التأويل قوله بعد ذلك: ﴿أَشِحَّةً عَلَى ٱلْخَيْرِ﴾ أي: على الغنيمة إذا ظفر المسلمون. وقيل: بل ذلك أذى المنافقين للمسلمين بألسنتهم عند الأمان. قاله ابن عباس ويزيد بن رومان. ثم قال تعالى ذكره: ﴿أوْلَـٰئِكَ لَمْ يُؤْمِنُواْ فَأَحْبَطَ ٱللَّهُ أَعْمَالَهُمْ﴾ أي: هؤلاء المنافقون الذين تقدمت صفتهم لم يصدقوا بالله ورسوله بقلوبهم فأحبط الله أعمالهم، أي: أذهبها وأبطلها. ويروى أن الذي وُصِفَ بها كان بدرياً فأحبط الله عمله، قاله ابن زيد. ﴿وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيراً﴾ أي: وكان إحباط أعمالهم على الله هيناً حقيراً. وتقف على "﴿إِلاَّ قَلِيلاً﴾" إذا نصبت "أشحة" على الذم، ولا تقف عليه على غير هذا التقدير. قال تعالى: ﴿يَحْسَبُونَ ٱلأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُواْ﴾ أي: يحسب هؤلاء المنافقون من جبنهم وخوفهم أن الأحزاب لم ينصرفوا وأنهم باقون قريباً منهم. * * ثم قال تعالى: ﴿وَإِن يَأْتِ ٱلأَحْزَابُ يَوَدُّواْ لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِي ٱلأَعْرَابِ﴾ أي: وإن يأتكم الأحزاب لحربكم ودّ هؤلاء المنافقون لو أنهم في البادية غيب عنكم يسألون عن أخباركم من بعيد جبناً منهم وهلعاً من القتل، يقولون: هل هلك محمد وأصحابه؟ يتمنون أن يسمعوا هلاكهم. وقرأ طلحة: "لَو أَنَّهُم بُدًّى" فِي الأَعْرَابِ مثل: غُزىًّ. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَوْ كَانُواْ فِيكُمْ مَّا قَاتَلُوۤاْ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ أي: لو كانوا معكم لم يقاتلوا معكم إلا تعذيراً لكم لأنهم لا يحتسبون في ذلك ثواباً ولا جزاءً. * * ثم قال تعالى: ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ ٱللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ هذا عتاب من الله للمستخفين عن رسول الله ﷺ بالمدينة من المؤمنين، أي: كان لكم أن تتأسوا به، وتكونوا معه حيث كان ولا تتخلفوا عنه. * * ثم قال: ﴿لِّمَن كَانَ يَرْجُواْ ٱللَّهَ﴾ أي: ثواب الله في الآخرة. ﴿وَٱلْيَوْمَ ٱلآخِرَ﴾ أي: ويرجو عاقبة اليوم الآخر. ﴿وَذَكَرَ ٱللَّهَ كَثِيراً﴾ أي: وأكثر ذكر الله في الخوف والشدة والرخاء.

الأحزاب 33:12

قوله تعالى ذكره: ﴿هُنَالِكَ ٱبْتُلِيَ ٱلْمُؤْمِنُونَ﴾ إلى قوله ﴿وَذَكَرَ ٱللَّهَ كَثِيراً﴾. هنالك ظرف زمان، والعامل فيه "ابتلي". والتقدير: وقت ذلك اختبر المؤمنون فعرف المؤمن من المنافق، والابتداء به حسن على هذا. وقيل: إن العامل فيه "﴿وَتَظُنُّونَ﴾" أي: وتظنون بالله الظنون الكاذبة هنالك ، والابتداء به على هذا التقدير. * * ثم قال تعالى: ﴿وَزُلْزِلُواْ زِلْزَالاً شَدِيداً﴾ أي: حركوا وأزعجوا بالفتنة إزعاجاً شديداً. * * ثم قال: ﴿وَإِذْ يَقُولُ ٱلْمُنَافِقُونَ وَٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ﴾ أي: شك في الإيمان وضعف في الاعتقاد. * * ﴿مَّا وَعَدَنَا ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلاَّ غُرُوراً﴾. يروى أن قائل ذلك معتب بن قشير، قاله يزيد بن رومان، وقد تقدم ذكر هذا. * * ثم قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَت طَّآئِفَةٌ مِّنْهُمْ يٰأَهْلَ يَثْرِبَ لاَ مُقَامَ لَكُمْ﴾ أي: قال طائفة من المنافقين: يا أهل يثرب لا تقيموا مع النبي وارجعوا إلى منازلكم، ويثرب اسم أرض ومدينة النبي ﷺ في ناحية من يثرب. * * ثم قال: ﴿وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِّنْهُمُ ٱلنَّبِيَّ﴾ أي: يستأذن طائفة من المنافقين النبي في الانصراف إلى منزلهم اعتلالاً بالخوف على منزله من السرق، وليس به إلا الفرار والهرب. قال ابن عباس: هم بنو حارثة قالوا: بيوتنا مخلاة نخاف عليها السرق. قال قتادة: يقولون بيوتنا مما يلي العدو وإنا نخاف عليها السرق. ففضحهم الله، وقال: ﴿وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِن يُرِيدُونَ إِلاَّ فِرَاراً﴾ أي: ما يريدون إلا الهرب. يقال: أعور المنزل إذا ضاع ولم يكن له ما يستره أو سقط جداره. وقرأ يحيى بن يعمر وأبو رجاء "عَوِرَةٌ" بكسر الواو، فمعنى عورة: ضائعة. وقيل: معنى قراءة الإسكان: إن بيوتنا ذات عورة، يقال للمرأة: عورة، فالمعنى ذات نساء نخاف عليهن العدو. ويجوز أن تكون عورة مسكنة من "عَوِرَة". ويجوز أن تكون مصدراً. ويجوز أن تكون اسم فاعل على السعة، كما يقال: رجل عَدْلٌ أي عَادِلٌ. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِّنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُواْ ٱلْفِتْنَةَ لآتَوْهَا﴾. [أي: لو دخلت المدينة على هؤلاء القائلين: إن بيوتنا عورة من جوانبها قاله قتادة. ﴿ثُمَّ سُئِلُواْ ٱلْفِتْنَةَ لآتَوْهَا﴾] أي: لو سئلوا الشرك لأعطوه من أنفسهم طائعين، ومن قطر لأتوه، فمعناه: لجاؤوا الكفر طوعاً. وقيل: المعنى: ولو دخلت عليهم البيوت من نواحيها ثم سئلوا الشرك لقبلوه وأتوه طائعين. * * ثم قال تعالى: ﴿وَمَا تَلَبَّثُواْ بِهَآ﴾ أي بالمدينة. قاله القتبي. وقيل: المعنى: وما تلبثوا بالفتنة. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَانُواْ عَاهَدُواْ ٱللَّهَ مِن قَبْلُ لاَ يُوَلُّونَ ٱلأَدْبَارَ﴾ أي: ولقد كان هؤلاء الذين يستأذنون رسول الله في الانصراف عنه عاهدوا الله من قبل لا يولون عدوهم الأدبار فما أوفوا بعهدهم. ﴿وَكَانَ عَهْدُ ٱللَّهِ مَسْئُولاً﴾ أي: يسأل الله ذلك من أعطاه إياه من نفسه. وذكر أن ذلك نزل في بني حارثة لما كان من فعلهم، وهم الذين هموا أن يفشلوا يوم أحد مع بني سلمة، وهو قوله جل ذكره: ﴿إِذْ هَمَّتْ طَّآئِفَتَانِ مِنكُمْ أَن تَفْشَلاَ﴾ [آل عمران: ١٢٢]، ثم عاهدوا الله لا يولون العدو الأدبار ولا يعودون لمثلها فذكر الله لهم ما قد أعطوا من أنفسهم ولم يفوا به. قال قتادة: كان ناس غابوا عن وقعة بدر ورأوا ما أعطى الله أصحاب بدر من الكرامة والفضل فقالوا: لئن أشهدنا الله قتالاً لنقاتلن، فساق الله إليهم ذلك حتى كان ناحية المدينة. * * ثم قال تعالى: ﴿قُل لَّن يَنفَعَكُمُ ٱلْفِرَارُ إِن فَرَرْتُمْ مِّنَ ٱلْمَوْتِ أَوِ ٱلْقَتْلِ﴾ أي: قل لهم يا محمد لا ينفعكم هروبكم إن هربتم من الموت أو القتل لأن ذلك إن كان كتب عليكم فلا ينفعكم فراركم شيئاً، لا بد لكم مما كتب عليكم. ﴿وَإِذاً لاَّ تُمَتَّعُونَ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ أي: لا يزيد لكم فراركم في أعماركم شيئاً بل إنما تمتعون في هذه الدنيا إلى الوقت الذي كتب لكم، لا تجاوزوه، هو قليل لأن الدنيا كلها متاع قليل، فما بقي من أعماركم أقل من القليل. * * ثم قال تعالى: ﴿قُلْ مَن ذَا ٱلَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِّنَ ٱللَّهِ﴾ أي: يمنعكم من الله إن أراد بكم سوءاً في أنفسكم أو عاقبة وسلامة، فليس الأمر إلا ما قدر الله. * * ثم قال: ﴿وَلاَ يَجِدُونَ لَهُمْ مِّن دُونِ ٱللَّهِ وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً﴾ أي: لا يجدون لأنفسهم من يليهم بالكفالة مما قدر الله عليهم من سوء، ولا نصيراً ينصرهم مما أراد بهم. * * ثم قال تعالى: ﴿قَدْ يَعْلَمُ ٱللَّهُ ٱلْمُعَوِّقِينَ مِنكُمْ﴾ أي: قد يعلم الله الذين يعوقون الناس فيصدونهم عن رسول الله في حضور الحرب. وهو مُشتق من عاقني عن كذا، أي: صرفني عنه ومنعني، وعوق على التكثير لعاق فهو مُعَوِّقٌ. * * ثم قال: ﴿وَٱلْقَآئِلِينَ لإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا﴾ أي تعالوا إلينا ودعوا محمداً فإنا نخاف عليكم الهلاك. ﴿وَلاَ يَأْتُونَ ٱلْبَأْسَ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ أي: الحرب والقتال، لا يشهدون ذلك إلا تعذيراً، ودفعاً للمسلمين عن أنفسهم ورياءً، وهذا كله في المنافقين. قال قتادة: هؤلاء ناس من المنافقين كانوا يقولون لإخوانهم ما محمد وأصحابه إلا أُكْلَةُ رأسٍ ولو كانوا لَحْماً لالتهمهم أبو سفيان وأصحابه دعوا هذا الرجل فإنه هالك. وقال ابن زيد: نزلت في أخوين أحدهما مؤمن والآخر منافق، جرى بينهما كلام في أمر رسول الله ﷺ، فقال المنافق للمؤمن: هلمَّ إلى الطعام فقد نعق بك وبصاحبك والذي يحلف به، لاستقبلها محمد أبداً، فقال له المؤمن: كذبت والذي يحلف به، ثم أخبر النبي ﷺ بذلك، فنزلت: ﴿وَٱلْقَآئِلِينَ لإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا﴾. * * ثم قال تعالى: ﴿أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ﴾. قال الفراء: هو منصوب على الذم، وأجاز نصبه على الحال، وقدره: يعوقون أشحة. وقيل: هو حال، والتقدير: والقائلين لإخوانهم أشحة. وقيل: التقدير: ولا يأتون البأس إلا قليلاً، يأتونه أشحة، أي أشحة على الفقراء بالغنيمة جبناء. وقال الطبري: التقدير هلمَّ إلينا أشحة. وقال السدي بنصبه على الحال، والتقدير: ولا يأتون البأس إلا قليلاً بخلاً عليهم بالظفر والغنيمة. ومن جعل العامل في أشحة "المُعَوِّقِينَ" أو "القائلين" فقد غلط لأنه تفريق بين الصلة والموصول. قال قتادة: معنا أشحة عليكم في الغنيمة. وقال مجاهد: أشحة عليكم في الخير. وقيل: التقدير: أشحة عليكم بالنفقة على الضعفاء منكم. والتأويل: جبناء عند الناس أشحاء عند قسم الغنيمة. وقال يزيد بن رومان: أشحة عليكم للضغن الذي في أنفسهم. * * ثم قال تعالى: ﴿فَإِذَا جَآءَ ٱلْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ﴾ أي: فإذا جاء يا محمد القتال وخافوا (الهلاك) رأيتهم ينظرون إليك لواذاً عن القتال تدور أعينهم خوفاً من القتال. ﴿كَٱلَّذِي يُغْشَىٰ عَلَيْهِ مِنَ ٱلْمَوْتِ﴾ أي: تدور أعينهم كدوران عين الذي يُغشى عليه من الموت النازل به. * * ثم قال تعالى: ﴿فَإِذَا ذَهَبَ ٱلْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ﴾ أي: فإذا زال القتال عفوكم بألسنة ذربة. يقال للرجل الخطيب: مِسْلَقٌ وَمِسْلاقَ وَسَلاقٌ بالسين والصاد فيهن، أي: بليغ. والمعنى: أنهم عند قسم الغنيمة يتطاولون بألسنتهم لشحهم على ما يأخذ المسلمون، يقولون: أعطونا أعطونا، فإنا شهدنا معكم، وهم عند البأس أجبن قوم، هذا معنى قول قتادة. ويدل على صحة هذا التأويل قوله بعد ذلك: ﴿أَشِحَّةً عَلَى ٱلْخَيْرِ﴾ أي: على الغنيمة إذا ظفر المسلمون. وقيل: بل ذلك أذى المنافقين للمسلمين بألسنتهم عند الأمان. قاله ابن عباس ويزيد بن رومان. ثم قال تعالى ذكره: ﴿أوْلَـٰئِكَ لَمْ يُؤْمِنُواْ فَأَحْبَطَ ٱللَّهُ أَعْمَالَهُمْ﴾ أي: هؤلاء المنافقون الذين تقدمت صفتهم لم يصدقوا بالله ورسوله بقلوبهم فأحبط الله أعمالهم، أي: أذهبها وأبطلها. ويروى أن الذي وُصِفَ بها كان بدرياً فأحبط الله عمله، قاله ابن زيد. ﴿وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيراً﴾ أي: وكان إحباط أعمالهم على الله هيناً حقيراً. وتقف على "﴿إِلاَّ قَلِيلاً﴾" إذا نصبت "أشحة" على الذم، ولا تقف عليه على غير هذا التقدير. قال تعالى: ﴿يَحْسَبُونَ ٱلأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُواْ﴾ أي: يحسب هؤلاء المنافقون من جبنهم وخوفهم أن الأحزاب لم ينصرفوا وأنهم باقون قريباً منهم. * * ثم قال تعالى: ﴿وَإِن يَأْتِ ٱلأَحْزَابُ يَوَدُّواْ لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِي ٱلأَعْرَابِ﴾ أي: وإن يأتكم الأحزاب لحربكم ودّ هؤلاء المنافقون لو أنهم في البادية غيب عنكم يسألون عن أخباركم من بعيد جبناً منهم وهلعاً من القتل، يقولون: هل هلك محمد وأصحابه؟ يتمنون أن يسمعوا هلاكهم. وقرأ طلحة: "لَو أَنَّهُم بُدًّى" فِي الأَعْرَابِ مثل: غُزىًّ. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَوْ كَانُواْ فِيكُمْ مَّا قَاتَلُوۤاْ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ أي: لو كانوا معكم لم يقاتلوا معكم إلا تعذيراً لكم لأنهم لا يحتسبون في ذلك ثواباً ولا جزاءً. * * ثم قال تعالى: ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ ٱللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ هذا عتاب من الله للمستخفين عن رسول الله ﷺ بالمدينة من المؤمنين، أي: كان لكم أن تتأسوا به، وتكونوا معه حيث كان ولا تتخلفوا عنه. * * ثم قال: ﴿لِّمَن كَانَ يَرْجُواْ ٱللَّهَ﴾ أي: ثواب الله في الآخرة. ﴿وَٱلْيَوْمَ ٱلآخِرَ﴾ أي: ويرجو عاقبة اليوم الآخر. ﴿وَذَكَرَ ٱللَّهَ كَثِيراً﴾ أي: وأكثر ذكر الله في الخوف والشدة والرخاء.

الأحزاب 33:13

قوله تعالى ذكره: ﴿هُنَالِكَ ٱبْتُلِيَ ٱلْمُؤْمِنُونَ﴾ إلى قوله ﴿وَذَكَرَ ٱللَّهَ كَثِيراً﴾. هنالك ظرف زمان، والعامل فيه "ابتلي". والتقدير: وقت ذلك اختبر المؤمنون فعرف المؤمن من المنافق، والابتداء به حسن على هذا. وقيل: إن العامل فيه "﴿وَتَظُنُّونَ﴾" أي: وتظنون بالله الظنون الكاذبة هنالك ، والابتداء به على هذا التقدير. * * ثم قال تعالى: ﴿وَزُلْزِلُواْ زِلْزَالاً شَدِيداً﴾ أي: حركوا وأزعجوا بالفتنة إزعاجاً شديداً. * * ثم قال: ﴿وَإِذْ يَقُولُ ٱلْمُنَافِقُونَ وَٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ﴾ أي: شك في الإيمان وضعف في الاعتقاد. * * ﴿مَّا وَعَدَنَا ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلاَّ غُرُوراً﴾. يروى أن قائل ذلك معتب بن قشير، قاله يزيد بن رومان، وقد تقدم ذكر هذا. * * ثم قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَت طَّآئِفَةٌ مِّنْهُمْ يٰأَهْلَ يَثْرِبَ لاَ مُقَامَ لَكُمْ﴾ أي: قال طائفة من المنافقين: يا أهل يثرب لا تقيموا مع النبي وارجعوا إلى منازلكم، ويثرب اسم أرض ومدينة النبي ﷺ في ناحية من يثرب. * * ثم قال: ﴿وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِّنْهُمُ ٱلنَّبِيَّ﴾ أي: يستأذن طائفة من المنافقين النبي في الانصراف إلى منزلهم اعتلالاً بالخوف على منزله من السرق، وليس به إلا الفرار والهرب. قال ابن عباس: هم بنو حارثة قالوا: بيوتنا مخلاة نخاف عليها السرق. قال قتادة: يقولون بيوتنا مما يلي العدو وإنا نخاف عليها السرق. ففضحهم الله، وقال: ﴿وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِن يُرِيدُونَ إِلاَّ فِرَاراً﴾ أي: ما يريدون إلا الهرب. يقال: أعور المنزل إذا ضاع ولم يكن له ما يستره أو سقط جداره. وقرأ يحيى بن يعمر وأبو رجاء "عَوِرَةٌ" بكسر الواو، فمعنى عورة: ضائعة. وقيل: معنى قراءة الإسكان: إن بيوتنا ذات عورة، يقال للمرأة: عورة، فالمعنى ذات نساء نخاف عليهن العدو. ويجوز أن تكون عورة مسكنة من "عَوِرَة". ويجوز أن تكون مصدراً. ويجوز أن تكون اسم فاعل على السعة، كما يقال: رجل عَدْلٌ أي عَادِلٌ. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِّنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُواْ ٱلْفِتْنَةَ لآتَوْهَا﴾. [أي: لو دخلت المدينة على هؤلاء القائلين: إن بيوتنا عورة من جوانبها قاله قتادة. ﴿ثُمَّ سُئِلُواْ ٱلْفِتْنَةَ لآتَوْهَا﴾] أي: لو سئلوا الشرك لأعطوه من أنفسهم طائعين، ومن قطر لأتوه، فمعناه: لجاؤوا الكفر طوعاً. وقيل: المعنى: ولو دخلت عليهم البيوت من نواحيها ثم سئلوا الشرك لقبلوه وأتوه طائعين. * * ثم قال تعالى: ﴿وَمَا تَلَبَّثُواْ بِهَآ﴾ أي بالمدينة. قاله القتبي. وقيل: المعنى: وما تلبثوا بالفتنة. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَانُواْ عَاهَدُواْ ٱللَّهَ مِن قَبْلُ لاَ يُوَلُّونَ ٱلأَدْبَارَ﴾ أي: ولقد كان هؤلاء الذين يستأذنون رسول الله في الانصراف عنه عاهدوا الله من قبل لا يولون عدوهم الأدبار فما أوفوا بعهدهم. ﴿وَكَانَ عَهْدُ ٱللَّهِ مَسْئُولاً﴾ أي: يسأل الله ذلك من أعطاه إياه من نفسه. وذكر أن ذلك نزل في بني حارثة لما كان من فعلهم، وهم الذين هموا أن يفشلوا يوم أحد مع بني سلمة، وهو قوله جل ذكره: ﴿إِذْ هَمَّتْ طَّآئِفَتَانِ مِنكُمْ أَن تَفْشَلاَ﴾ [آل عمران: ١٢٢]، ثم عاهدوا الله لا يولون العدو الأدبار ولا يعودون لمثلها فذكر الله لهم ما قد أعطوا من أنفسهم ولم يفوا به. قال قتادة: كان ناس غابوا عن وقعة بدر ورأوا ما أعطى الله أصحاب بدر من الكرامة والفضل فقالوا: لئن أشهدنا الله قتالاً لنقاتلن، فساق الله إليهم ذلك حتى كان ناحية المدينة. * * ثم قال تعالى: ﴿قُل لَّن يَنفَعَكُمُ ٱلْفِرَارُ إِن فَرَرْتُمْ مِّنَ ٱلْمَوْتِ أَوِ ٱلْقَتْلِ﴾ أي: قل لهم يا محمد لا ينفعكم هروبكم إن هربتم من الموت أو القتل لأن ذلك إن كان كتب عليكم فلا ينفعكم فراركم شيئاً، لا بد لكم مما كتب عليكم. ﴿وَإِذاً لاَّ تُمَتَّعُونَ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ أي: لا يزيد لكم فراركم في أعماركم شيئاً بل إنما تمتعون في هذه الدنيا إلى الوقت الذي كتب لكم، لا تجاوزوه، هو قليل لأن الدنيا كلها متاع قليل، فما بقي من أعماركم أقل من القليل. * * ثم قال تعالى: ﴿قُلْ مَن ذَا ٱلَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِّنَ ٱللَّهِ﴾ أي: يمنعكم من الله إن أراد بكم سوءاً في أنفسكم أو عاقبة وسلامة، فليس الأمر إلا ما قدر الله. * * ثم قال: ﴿وَلاَ يَجِدُونَ لَهُمْ مِّن دُونِ ٱللَّهِ وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً﴾ أي: لا يجدون لأنفسهم من يليهم بالكفالة مما قدر الله عليهم من سوء، ولا نصيراً ينصرهم مما أراد بهم. * * ثم قال تعالى: ﴿قَدْ يَعْلَمُ ٱللَّهُ ٱلْمُعَوِّقِينَ مِنكُمْ﴾ أي: قد يعلم الله الذين يعوقون الناس فيصدونهم عن رسول الله في حضور الحرب. وهو مُشتق من عاقني عن كذا، أي: صرفني عنه ومنعني، وعوق على التكثير لعاق فهو مُعَوِّقٌ. * * ثم قال: ﴿وَٱلْقَآئِلِينَ لإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا﴾ أي تعالوا إلينا ودعوا محمداً فإنا نخاف عليكم الهلاك. ﴿وَلاَ يَأْتُونَ ٱلْبَأْسَ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ أي: الحرب والقتال، لا يشهدون ذلك إلا تعذيراً، ودفعاً للمسلمين عن أنفسهم ورياءً، وهذا كله في المنافقين. قال قتادة: هؤلاء ناس من المنافقين كانوا يقولون لإخوانهم ما محمد وأصحابه إلا أُكْلَةُ رأسٍ ولو كانوا لَحْماً لالتهمهم أبو سفيان وأصحابه دعوا هذا الرجل فإنه هالك. وقال ابن زيد: نزلت في أخوين أحدهما مؤمن والآخر منافق، جرى بينهما كلام في أمر رسول الله ﷺ، فقال المنافق للمؤمن: هلمَّ إلى الطعام فقد نعق بك وبصاحبك والذي يحلف به، لاستقبلها محمد أبداً، فقال له المؤمن: كذبت والذي يحلف به، ثم أخبر النبي ﷺ بذلك، فنزلت: ﴿وَٱلْقَآئِلِينَ لإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا﴾. * * ثم قال تعالى: ﴿أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ﴾. قال الفراء: هو منصوب على الذم، وأجاز نصبه على الحال، وقدره: يعوقون أشحة. وقيل: هو حال، والتقدير: والقائلين لإخوانهم أشحة. وقيل: التقدير: ولا يأتون البأس إلا قليلاً، يأتونه أشحة، أي أشحة على الفقراء بالغنيمة جبناء. وقال الطبري: التقدير هلمَّ إلينا أشحة. وقال السدي بنصبه على الحال، والتقدير: ولا يأتون البأس إلا قليلاً بخلاً عليهم بالظفر والغنيمة. ومن جعل العامل في أشحة "المُعَوِّقِينَ" أو "القائلين" فقد غلط لأنه تفريق بين الصلة والموصول. قال قتادة: معنا أشحة عليكم في الغنيمة. وقال مجاهد: أشحة عليكم في الخير. وقيل: التقدير: أشحة عليكم بالنفقة على الضعفاء منكم. والتأويل: جبناء عند الناس أشحاء عند قسم الغنيمة. وقال يزيد بن رومان: أشحة عليكم للضغن الذي في أنفسهم. * * ثم قال تعالى: ﴿فَإِذَا جَآءَ ٱلْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ﴾ أي: فإذا جاء يا محمد القتال وخافوا (الهلاك) رأيتهم ينظرون إليك لواذاً عن القتال تدور أعينهم خوفاً من القتال. ﴿كَٱلَّذِي يُغْشَىٰ عَلَيْهِ مِنَ ٱلْمَوْتِ﴾ أي: تدور أعينهم كدوران عين الذي يُغشى عليه من الموت النازل به. * * ثم قال تعالى: ﴿فَإِذَا ذَهَبَ ٱلْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ﴾ أي: فإذا زال القتال عفوكم بألسنة ذربة. يقال للرجل الخطيب: مِسْلَقٌ وَمِسْلاقَ وَسَلاقٌ بالسين والصاد فيهن، أي: بليغ. والمعنى: أنهم عند قسم الغنيمة يتطاولون بألسنتهم لشحهم على ما يأخذ المسلمون، يقولون: أعطونا أعطونا، فإنا شهدنا معكم، وهم عند البأس أجبن قوم، هذا معنى قول قتادة. ويدل على صحة هذا التأويل قوله بعد ذلك: ﴿أَشِحَّةً عَلَى ٱلْخَيْرِ﴾ أي: على الغنيمة إذا ظفر المسلمون. وقيل: بل ذلك أذى المنافقين للمسلمين بألسنتهم عند الأمان. قاله ابن عباس ويزيد بن رومان. ثم قال تعالى ذكره: ﴿أوْلَـٰئِكَ لَمْ يُؤْمِنُواْ فَأَحْبَطَ ٱللَّهُ أَعْمَالَهُمْ﴾ أي: هؤلاء المنافقون الذين تقدمت صفتهم لم يصدقوا بالله ورسوله بقلوبهم فأحبط الله أعمالهم، أي: أذهبها وأبطلها. ويروى أن الذي وُصِفَ بها كان بدرياً فأحبط الله عمله، قاله ابن زيد. ﴿وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيراً﴾ أي: وكان إحباط أعمالهم على الله هيناً حقيراً. وتقف على "﴿إِلاَّ قَلِيلاً﴾" إذا نصبت "أشحة" على الذم، ولا تقف عليه على غير هذا التقدير. قال تعالى: ﴿يَحْسَبُونَ ٱلأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُواْ﴾ أي: يحسب هؤلاء المنافقون من جبنهم وخوفهم أن الأحزاب لم ينصرفوا وأنهم باقون قريباً منهم. * * ثم قال تعالى: ﴿وَإِن يَأْتِ ٱلأَحْزَابُ يَوَدُّواْ لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِي ٱلأَعْرَابِ﴾ أي: وإن يأتكم الأحزاب لحربكم ودّ هؤلاء المنافقون لو أنهم في البادية غيب عنكم يسألون عن أخباركم من بعيد جبناً منهم وهلعاً من القتل، يقولون: هل هلك محمد وأصحابه؟ يتمنون أن يسمعوا هلاكهم. وقرأ طلحة: "لَو أَنَّهُم بُدًّى" فِي الأَعْرَابِ مثل: غُزىًّ. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَوْ كَانُواْ فِيكُمْ مَّا قَاتَلُوۤاْ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ أي: لو كانوا معكم لم يقاتلوا معكم إلا تعذيراً لكم لأنهم لا يحتسبون في ذلك ثواباً ولا جزاءً. * * ثم قال تعالى: ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ ٱللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ هذا عتاب من الله للمستخفين عن رسول الله ﷺ بالمدينة من المؤمنين، أي: كان لكم أن تتأسوا به، وتكونوا معه حيث كان ولا تتخلفوا عنه. * * ثم قال: ﴿لِّمَن كَانَ يَرْجُواْ ٱللَّهَ﴾ أي: ثواب الله في الآخرة. ﴿وَٱلْيَوْمَ ٱلآخِرَ﴾ أي: ويرجو عاقبة اليوم الآخر. ﴿وَذَكَرَ ٱللَّهَ كَثِيراً﴾ أي: وأكثر ذكر الله في الخوف والشدة والرخاء.

الأحزاب 33:14

قوله تعالى ذكره: ﴿هُنَالِكَ ٱبْتُلِيَ ٱلْمُؤْمِنُونَ﴾ إلى قوله ﴿وَذَكَرَ ٱللَّهَ كَثِيراً﴾. هنالك ظرف زمان، والعامل فيه "ابتلي". والتقدير: وقت ذلك اختبر المؤمنون فعرف المؤمن من المنافق، والابتداء به حسن على هذا. وقيل: إن العامل فيه "﴿وَتَظُنُّونَ﴾" أي: وتظنون بالله الظنون الكاذبة هنالك ، والابتداء به على هذا التقدير. * * ثم قال تعالى: ﴿وَزُلْزِلُواْ زِلْزَالاً شَدِيداً﴾ أي: حركوا وأزعجوا بالفتنة إزعاجاً شديداً. * * ثم قال: ﴿وَإِذْ يَقُولُ ٱلْمُنَافِقُونَ وَٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ﴾ أي: شك في الإيمان وضعف في الاعتقاد. * * ﴿مَّا وَعَدَنَا ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلاَّ غُرُوراً﴾. يروى أن قائل ذلك معتب بن قشير، قاله يزيد بن رومان، وقد تقدم ذكر هذا. * * ثم قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَت طَّآئِفَةٌ مِّنْهُمْ يٰأَهْلَ يَثْرِبَ لاَ مُقَامَ لَكُمْ﴾ أي: قال طائفة من المنافقين: يا أهل يثرب لا تقيموا مع النبي وارجعوا إلى منازلكم، ويثرب اسم أرض ومدينة النبي ﷺ في ناحية من يثرب. * * ثم قال: ﴿وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِّنْهُمُ ٱلنَّبِيَّ﴾ أي: يستأذن طائفة من المنافقين النبي في الانصراف إلى منزلهم اعتلالاً بالخوف على منزله من السرق، وليس به إلا الفرار والهرب. قال ابن عباس: هم بنو حارثة قالوا: بيوتنا مخلاة نخاف عليها السرق. قال قتادة: يقولون بيوتنا مما يلي العدو وإنا نخاف عليها السرق. ففضحهم الله، وقال: ﴿وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِن يُرِيدُونَ إِلاَّ فِرَاراً﴾ أي: ما يريدون إلا الهرب. يقال: أعور المنزل إذا ضاع ولم يكن له ما يستره أو سقط جداره. وقرأ يحيى بن يعمر وأبو رجاء "عَوِرَةٌ" بكسر الواو، فمعنى عورة: ضائعة. وقيل: معنى قراءة الإسكان: إن بيوتنا ذات عورة، يقال للمرأة: عورة، فالمعنى ذات نساء نخاف عليهن العدو. ويجوز أن تكون عورة مسكنة من "عَوِرَة". ويجوز أن تكون مصدراً. ويجوز أن تكون اسم فاعل على السعة، كما يقال: رجل عَدْلٌ أي عَادِلٌ. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِّنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُواْ ٱلْفِتْنَةَ لآتَوْهَا﴾. [أي: لو دخلت المدينة على هؤلاء القائلين: إن بيوتنا عورة من جوانبها قاله قتادة. ﴿ثُمَّ سُئِلُواْ ٱلْفِتْنَةَ لآتَوْهَا﴾] أي: لو سئلوا الشرك لأعطوه من أنفسهم طائعين، ومن قطر لأتوه، فمعناه: لجاؤوا الكفر طوعاً. وقيل: المعنى: ولو دخلت عليهم البيوت من نواحيها ثم سئلوا الشرك لقبلوه وأتوه طائعين. * * ثم قال تعالى: ﴿وَمَا تَلَبَّثُواْ بِهَآ﴾ أي بالمدينة. قاله القتبي. وقيل: المعنى: وما تلبثوا بالفتنة. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَانُواْ عَاهَدُواْ ٱللَّهَ مِن قَبْلُ لاَ يُوَلُّونَ ٱلأَدْبَارَ﴾ أي: ولقد كان هؤلاء الذين يستأذنون رسول الله في الانصراف عنه عاهدوا الله من قبل لا يولون عدوهم الأدبار فما أوفوا بعهدهم. ﴿وَكَانَ عَهْدُ ٱللَّهِ مَسْئُولاً﴾ أي: يسأل الله ذلك من أعطاه إياه من نفسه. وذكر أن ذلك نزل في بني حارثة لما كان من فعلهم، وهم الذين هموا أن يفشلوا يوم أحد مع بني سلمة، وهو قوله جل ذكره: ﴿إِذْ هَمَّتْ طَّآئِفَتَانِ مِنكُمْ أَن تَفْشَلاَ﴾ [آل عمران: ١٢٢]، ثم عاهدوا الله لا يولون العدو الأدبار ولا يعودون لمثلها فذكر الله لهم ما قد أعطوا من أنفسهم ولم يفوا به. قال قتادة: كان ناس غابوا عن وقعة بدر ورأوا ما أعطى الله أصحاب بدر من الكرامة والفضل فقالوا: لئن أشهدنا الله قتالاً لنقاتلن، فساق الله إليهم ذلك حتى كان ناحية المدينة. * * ثم قال تعالى: ﴿قُل لَّن يَنفَعَكُمُ ٱلْفِرَارُ إِن فَرَرْتُمْ مِّنَ ٱلْمَوْتِ أَوِ ٱلْقَتْلِ﴾ أي: قل لهم يا محمد لا ينفعكم هروبكم إن هربتم من الموت أو القتل لأن ذلك إن كان كتب عليكم فلا ينفعكم فراركم شيئاً، لا بد لكم مما كتب عليكم. ﴿وَإِذاً لاَّ تُمَتَّعُونَ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ أي: لا يزيد لكم فراركم في أعماركم شيئاً بل إنما تمتعون في هذه الدنيا إلى الوقت الذي كتب لكم، لا تجاوزوه، هو قليل لأن الدنيا كلها متاع قليل، فما بقي من أعماركم أقل من القليل. * * ثم قال تعالى: ﴿قُلْ مَن ذَا ٱلَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِّنَ ٱللَّهِ﴾ أي: يمنعكم من الله إن أراد بكم سوءاً في أنفسكم أو عاقبة وسلامة، فليس الأمر إلا ما قدر الله. * * ثم قال: ﴿وَلاَ يَجِدُونَ لَهُمْ مِّن دُونِ ٱللَّهِ وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً﴾ أي: لا يجدون لأنفسهم من يليهم بالكفالة مما قدر الله عليهم من سوء، ولا نصيراً ينصرهم مما أراد بهم. * * ثم قال تعالى: ﴿قَدْ يَعْلَمُ ٱللَّهُ ٱلْمُعَوِّقِينَ مِنكُمْ﴾ أي: قد يعلم الله الذين يعوقون الناس فيصدونهم عن رسول الله في حضور الحرب. وهو مُشتق من عاقني عن كذا، أي: صرفني عنه ومنعني، وعوق على التكثير لعاق فهو مُعَوِّقٌ. * * ثم قال: ﴿وَٱلْقَآئِلِينَ لإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا﴾ أي تعالوا إلينا ودعوا محمداً فإنا نخاف عليكم الهلاك. ﴿وَلاَ يَأْتُونَ ٱلْبَأْسَ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ أي: الحرب والقتال، لا يشهدون ذلك إلا تعذيراً، ودفعاً للمسلمين عن أنفسهم ورياءً، وهذا كله في المنافقين. قال قتادة: هؤلاء ناس من المنافقين كانوا يقولون لإخوانهم ما محمد وأصحابه إلا أُكْلَةُ رأسٍ ولو كانوا لَحْماً لالتهمهم أبو سفيان وأصحابه دعوا هذا الرجل فإنه هالك. وقال ابن زيد: نزلت في أخوين أحدهما مؤمن والآخر منافق، جرى بينهما كلام في أمر رسول الله ﷺ، فقال المنافق للمؤمن: هلمَّ إلى الطعام فقد نعق بك وبصاحبك والذي يحلف به، لاستقبلها محمد أبداً، فقال له المؤمن: كذبت والذي يحلف به، ثم أخبر النبي ﷺ بذلك، فنزلت: ﴿وَٱلْقَآئِلِينَ لإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا﴾. * * ثم قال تعالى: ﴿أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ﴾. قال الفراء: هو منصوب على الذم، وأجاز نصبه على الحال، وقدره: يعوقون أشحة. وقيل: هو حال، والتقدير: والقائلين لإخوانهم أشحة. وقيل: التقدير: ولا يأتون البأس إلا قليلاً، يأتونه أشحة، أي أشحة على الفقراء بالغنيمة جبناء. وقال الطبري: التقدير هلمَّ إلينا أشحة. وقال السدي بنصبه على الحال، والتقدير: ولا يأتون البأس إلا قليلاً بخلاً عليهم بالظفر والغنيمة. ومن جعل العامل في أشحة "المُعَوِّقِينَ" أو "القائلين" فقد غلط لأنه تفريق بين الصلة والموصول. قال قتادة: معنا أشحة عليكم في الغنيمة. وقال مجاهد: أشحة عليكم في الخير. وقيل: التقدير: أشحة عليكم بالنفقة على الضعفاء منكم. والتأويل: جبناء عند الناس أشحاء عند قسم الغنيمة. وقال يزيد بن رومان: أشحة عليكم للضغن الذي في أنفسهم. * * ثم قال تعالى: ﴿فَإِذَا جَآءَ ٱلْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ﴾ أي: فإذا جاء يا محمد القتال وخافوا (الهلاك) رأيتهم ينظرون إليك لواذاً عن القتال تدور أعينهم خوفاً من القتال. ﴿كَٱلَّذِي يُغْشَىٰ عَلَيْهِ مِنَ ٱلْمَوْتِ﴾ أي: تدور أعينهم كدوران عين الذي يُغشى عليه من الموت النازل به. * * ثم قال تعالى: ﴿فَإِذَا ذَهَبَ ٱلْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ﴾ أي: فإذا زال القتال عفوكم بألسنة ذربة. يقال للرجل الخطيب: مِسْلَقٌ وَمِسْلاقَ وَسَلاقٌ بالسين والصاد فيهن، أي: بليغ. والمعنى: أنهم عند قسم الغنيمة يتطاولون بألسنتهم لشحهم على ما يأخذ المسلمون، يقولون: أعطونا أعطونا، فإنا شهدنا معكم، وهم عند البأس أجبن قوم، هذا معنى قول قتادة. ويدل على صحة هذا التأويل قوله بعد ذلك: ﴿أَشِحَّةً عَلَى ٱلْخَيْرِ﴾ أي: على الغنيمة إذا ظفر المسلمون. وقيل: بل ذلك أذى المنافقين للمسلمين بألسنتهم عند الأمان. قاله ابن عباس ويزيد بن رومان. ثم قال تعالى ذكره: ﴿أوْلَـٰئِكَ لَمْ يُؤْمِنُواْ فَأَحْبَطَ ٱللَّهُ أَعْمَالَهُمْ﴾ أي: هؤلاء المنافقون الذين تقدمت صفتهم لم يصدقوا بالله ورسوله بقلوبهم فأحبط الله أعمالهم، أي: أذهبها وأبطلها. ويروى أن الذي وُصِفَ بها كان بدرياً فأحبط الله عمله، قاله ابن زيد. ﴿وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيراً﴾ أي: وكان إحباط أعمالهم على الله هيناً حقيراً. وتقف على "﴿إِلاَّ قَلِيلاً﴾" إذا نصبت "أشحة" على الذم، ولا تقف عليه على غير هذا التقدير. قال تعالى: ﴿يَحْسَبُونَ ٱلأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُواْ﴾ أي: يحسب هؤلاء المنافقون من جبنهم وخوفهم أن الأحزاب لم ينصرفوا وأنهم باقون قريباً منهم. * * ثم قال تعالى: ﴿وَإِن يَأْتِ ٱلأَحْزَابُ يَوَدُّواْ لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِي ٱلأَعْرَابِ﴾ أي: وإن يأتكم الأحزاب لحربكم ودّ هؤلاء المنافقون لو أنهم في البادية غيب عنكم يسألون عن أخباركم من بعيد جبناً منهم وهلعاً من القتل، يقولون: هل هلك محمد وأصحابه؟ يتمنون أن يسمعوا هلاكهم. وقرأ طلحة: "لَو أَنَّهُم بُدًّى" فِي الأَعْرَابِ مثل: غُزىًّ. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَوْ كَانُواْ فِيكُمْ مَّا قَاتَلُوۤاْ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ أي: لو كانوا معكم لم يقاتلوا معكم إلا تعذيراً لكم لأنهم لا يحتسبون في ذلك ثواباً ولا جزاءً. * * ثم قال تعالى: ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ ٱللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ هذا عتاب من الله للمستخفين عن رسول الله ﷺ بالمدينة من المؤمنين، أي: كان لكم أن تتأسوا به، وتكونوا معه حيث كان ولا تتخلفوا عنه. * * ثم قال: ﴿لِّمَن كَانَ يَرْجُواْ ٱللَّهَ﴾ أي: ثواب الله في الآخرة. ﴿وَٱلْيَوْمَ ٱلآخِرَ﴾ أي: ويرجو عاقبة اليوم الآخر. ﴿وَذَكَرَ ٱللَّهَ كَثِيراً﴾ أي: وأكثر ذكر الله في الخوف والشدة والرخاء.

الأحزاب 33:15

قوله تعالى ذكره: ﴿هُنَالِكَ ٱبْتُلِيَ ٱلْمُؤْمِنُونَ﴾ إلى قوله ﴿وَذَكَرَ ٱللَّهَ كَثِيراً﴾. هنالك ظرف زمان، والعامل فيه "ابتلي". والتقدير: وقت ذلك اختبر المؤمنون فعرف المؤمن من المنافق، والابتداء به حسن على هذا. وقيل: إن العامل فيه "﴿وَتَظُنُّونَ﴾" أي: وتظنون بالله الظنون الكاذبة هنالك ، والابتداء به على هذا التقدير. * * ثم قال تعالى: ﴿وَزُلْزِلُواْ زِلْزَالاً شَدِيداً﴾ أي: حركوا وأزعجوا بالفتنة إزعاجاً شديداً. * * ثم قال: ﴿وَإِذْ يَقُولُ ٱلْمُنَافِقُونَ وَٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ﴾ أي: شك في الإيمان وضعف في الاعتقاد. * * ﴿مَّا وَعَدَنَا ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلاَّ غُرُوراً﴾. يروى أن قائل ذلك معتب بن قشير، قاله يزيد بن رومان، وقد تقدم ذكر هذا. * * ثم قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَت طَّآئِفَةٌ مِّنْهُمْ يٰأَهْلَ يَثْرِبَ لاَ مُقَامَ لَكُمْ﴾ أي: قال طائفة من المنافقين: يا أهل يثرب لا تقيموا مع النبي وارجعوا إلى منازلكم، ويثرب اسم أرض ومدينة النبي ﷺ في ناحية من يثرب. * * ثم قال: ﴿وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِّنْهُمُ ٱلنَّبِيَّ﴾ أي: يستأذن طائفة من المنافقين النبي في الانصراف إلى منزلهم اعتلالاً بالخوف على منزله من السرق، وليس به إلا الفرار والهرب. قال ابن عباس: هم بنو حارثة قالوا: بيوتنا مخلاة نخاف عليها السرق. قال قتادة: يقولون بيوتنا مما يلي العدو وإنا نخاف عليها السرق. ففضحهم الله، وقال: ﴿وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِن يُرِيدُونَ إِلاَّ فِرَاراً﴾ أي: ما يريدون إلا الهرب. يقال: أعور المنزل إذا ضاع ولم يكن له ما يستره أو سقط جداره. وقرأ يحيى بن يعمر وأبو رجاء "عَوِرَةٌ" بكسر الواو، فمعنى عورة: ضائعة. وقيل: معنى قراءة الإسكان: إن بيوتنا ذات عورة، يقال للمرأة: عورة، فالمعنى ذات نساء نخاف عليهن العدو. ويجوز أن تكون عورة مسكنة من "عَوِرَة". ويجوز أن تكون مصدراً. ويجوز أن تكون اسم فاعل على السعة، كما يقال: رجل عَدْلٌ أي عَادِلٌ. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِّنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُواْ ٱلْفِتْنَةَ لآتَوْهَا﴾. [أي: لو دخلت المدينة على هؤلاء القائلين: إن بيوتنا عورة من جوانبها قاله قتادة. ﴿ثُمَّ سُئِلُواْ ٱلْفِتْنَةَ لآتَوْهَا﴾] أي: لو سئلوا الشرك لأعطوه من أنفسهم طائعين، ومن قطر لأتوه، فمعناه: لجاؤوا الكفر طوعاً. وقيل: المعنى: ولو دخلت عليهم البيوت من نواحيها ثم سئلوا الشرك لقبلوه وأتوه طائعين. * * ثم قال تعالى: ﴿وَمَا تَلَبَّثُواْ بِهَآ﴾ أي بالمدينة. قاله القتبي. وقيل: المعنى: وما تلبثوا بالفتنة. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَانُواْ عَاهَدُواْ ٱللَّهَ مِن قَبْلُ لاَ يُوَلُّونَ ٱلأَدْبَارَ﴾ أي: ولقد كان هؤلاء الذين يستأذنون رسول الله في الانصراف عنه عاهدوا الله من قبل لا يولون عدوهم الأدبار فما أوفوا بعهدهم. ﴿وَكَانَ عَهْدُ ٱللَّهِ مَسْئُولاً﴾ أي: يسأل الله ذلك من أعطاه إياه من نفسه. وذكر أن ذلك نزل في بني حارثة لما كان من فعلهم، وهم الذين هموا أن يفشلوا يوم أحد مع بني سلمة، وهو قوله جل ذكره: ﴿إِذْ هَمَّتْ طَّآئِفَتَانِ مِنكُمْ أَن تَفْشَلاَ﴾ [آل عمران: ١٢٢]، ثم عاهدوا الله لا يولون العدو الأدبار ولا يعودون لمثلها فذكر الله لهم ما قد أعطوا من أنفسهم ولم يفوا به. قال قتادة: كان ناس غابوا عن وقعة بدر ورأوا ما أعطى الله أصحاب بدر من الكرامة والفضل فقالوا: لئن أشهدنا الله قتالاً لنقاتلن، فساق الله إليهم ذلك حتى كان ناحية المدينة. * * ثم قال تعالى: ﴿قُل لَّن يَنفَعَكُمُ ٱلْفِرَارُ إِن فَرَرْتُمْ مِّنَ ٱلْمَوْتِ أَوِ ٱلْقَتْلِ﴾ أي: قل لهم يا محمد لا ينفعكم هروبكم إن هربتم من الموت أو القتل لأن ذلك إن كان كتب عليكم فلا ينفعكم فراركم شيئاً، لا بد لكم مما كتب عليكم. ﴿وَإِذاً لاَّ تُمَتَّعُونَ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ أي: لا يزيد لكم فراركم في أعماركم شيئاً بل إنما تمتعون في هذه الدنيا إلى الوقت الذي كتب لكم، لا تجاوزوه، هو قليل لأن الدنيا كلها متاع قليل، فما بقي من أعماركم أقل من القليل. * * ثم قال تعالى: ﴿قُلْ مَن ذَا ٱلَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِّنَ ٱللَّهِ﴾ أي: يمنعكم من الله إن أراد بكم سوءاً في أنفسكم أو عاقبة وسلامة، فليس الأمر إلا ما قدر الله. * * ثم قال: ﴿وَلاَ يَجِدُونَ لَهُمْ مِّن دُونِ ٱللَّهِ وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً﴾ أي: لا يجدون لأنفسهم من يليهم بالكفالة مما قدر الله عليهم من سوء، ولا نصيراً ينصرهم مما أراد بهم. * * ثم قال تعالى: ﴿قَدْ يَعْلَمُ ٱللَّهُ ٱلْمُعَوِّقِينَ مِنكُمْ﴾ أي: قد يعلم الله الذين يعوقون الناس فيصدونهم عن رسول الله في حضور الحرب. وهو مُشتق من عاقني عن كذا، أي: صرفني عنه ومنعني، وعوق على التكثير لعاق فهو مُعَوِّقٌ. * * ثم قال: ﴿وَٱلْقَآئِلِينَ لإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا﴾ أي تعالوا إلينا ودعوا محمداً فإنا نخاف عليكم الهلاك. ﴿وَلاَ يَأْتُونَ ٱلْبَأْسَ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ أي: الحرب والقتال، لا يشهدون ذلك إلا تعذيراً، ودفعاً للمسلمين عن أنفسهم ورياءً، وهذا كله في المنافقين. قال قتادة: هؤلاء ناس من المنافقين كانوا يقولون لإخوانهم ما محمد وأصحابه إلا أُكْلَةُ رأسٍ ولو كانوا لَحْماً لالتهمهم أبو سفيان وأصحابه دعوا هذا الرجل فإنه هالك. وقال ابن زيد: نزلت في أخوين أحدهما مؤمن والآخر منافق، جرى بينهما كلام في أمر رسول الله ﷺ، فقال المنافق للمؤمن: هلمَّ إلى الطعام فقد نعق بك وبصاحبك والذي يحلف به، لاستقبلها محمد أبداً، فقال له المؤمن: كذبت والذي يحلف به، ثم أخبر النبي ﷺ بذلك، فنزلت: ﴿وَٱلْقَآئِلِينَ لإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا﴾. * * ثم قال تعالى: ﴿أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ﴾. قال الفراء: هو منصوب على الذم، وأجاز نصبه على الحال، وقدره: يعوقون أشحة. وقيل: هو حال، والتقدير: والقائلين لإخوانهم أشحة. وقيل: التقدير: ولا يأتون البأس إلا قليلاً، يأتونه أشحة، أي أشحة على الفقراء بالغنيمة جبناء. وقال الطبري: التقدير هلمَّ إلينا أشحة. وقال السدي بنصبه على الحال، والتقدير: ولا يأتون البأس إلا قليلاً بخلاً عليهم بالظفر والغنيمة. ومن جعل العامل في أشحة "المُعَوِّقِينَ" أو "القائلين" فقد غلط لأنه تفريق بين الصلة والموصول. قال قتادة: معنا أشحة عليكم في الغنيمة. وقال مجاهد: أشحة عليكم في الخير. وقيل: التقدير: أشحة عليكم بالنفقة على الضعفاء منكم. والتأويل: جبناء عند الناس أشحاء عند قسم الغنيمة. وقال يزيد بن رومان: أشحة عليكم للضغن الذي في أنفسهم. * * ثم قال تعالى: ﴿فَإِذَا جَآءَ ٱلْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ﴾ أي: فإذا جاء يا محمد القتال وخافوا (الهلاك) رأيتهم ينظرون إليك لواذاً عن القتال تدور أعينهم خوفاً من القتال. ﴿كَٱلَّذِي يُغْشَىٰ عَلَيْهِ مِنَ ٱلْمَوْتِ﴾ أي: تدور أعينهم كدوران عين الذي يُغشى عليه من الموت النازل به. * * ثم قال تعالى: ﴿فَإِذَا ذَهَبَ ٱلْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ﴾ أي: فإذا زال القتال عفوكم بألسنة ذربة. يقال للرجل الخطيب: مِسْلَقٌ وَمِسْلاقَ وَسَلاقٌ بالسين والصاد فيهن، أي: بليغ. والمعنى: أنهم عند قسم الغنيمة يتطاولون بألسنتهم لشحهم على ما يأخذ المسلمون، يقولون: أعطونا أعطونا، فإنا شهدنا معكم، وهم عند البأس أجبن قوم، هذا معنى قول قتادة. ويدل على صحة هذا التأويل قوله بعد ذلك: ﴿أَشِحَّةً عَلَى ٱلْخَيْرِ﴾ أي: على الغنيمة إذا ظفر المسلمون. وقيل: بل ذلك أذى المنافقين للمسلمين بألسنتهم عند الأمان. قاله ابن عباس ويزيد بن رومان. ثم قال تعالى ذكره: ﴿أوْلَـٰئِكَ لَمْ يُؤْمِنُواْ فَأَحْبَطَ ٱللَّهُ أَعْمَالَهُمْ﴾ أي: هؤلاء المنافقون الذين تقدمت صفتهم لم يصدقوا بالله ورسوله بقلوبهم فأحبط الله أعمالهم، أي: أذهبها وأبطلها. ويروى أن الذي وُصِفَ بها كان بدرياً فأحبط الله عمله، قاله ابن زيد. ﴿وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيراً﴾ أي: وكان إحباط أعمالهم على الله هيناً حقيراً. وتقف على "﴿إِلاَّ قَلِيلاً﴾" إذا نصبت "أشحة" على الذم، ولا تقف عليه على غير هذا التقدير. قال تعالى: ﴿يَحْسَبُونَ ٱلأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُواْ﴾ أي: يحسب هؤلاء المنافقون من جبنهم وخوفهم أن الأحزاب لم ينصرفوا وأنهم باقون قريباً منهم. * * ثم قال تعالى: ﴿وَإِن يَأْتِ ٱلأَحْزَابُ يَوَدُّواْ لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِي ٱلأَعْرَابِ﴾ أي: وإن يأتكم الأحزاب لحربكم ودّ هؤلاء المنافقون لو أنهم في البادية غيب عنكم يسألون عن أخباركم من بعيد جبناً منهم وهلعاً من القتل، يقولون: هل هلك محمد وأصحابه؟ يتمنون أن يسمعوا هلاكهم. وقرأ طلحة: "لَو أَنَّهُم بُدًّى" فِي الأَعْرَابِ مثل: غُزىًّ. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَوْ كَانُواْ فِيكُمْ مَّا قَاتَلُوۤاْ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ أي: لو كانوا معكم لم يقاتلوا معكم إلا تعذيراً لكم لأنهم لا يحتسبون في ذلك ثواباً ولا جزاءً. * * ثم قال تعالى: ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ ٱللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ هذا عتاب من الله للمستخفين عن رسول الله ﷺ بالمدينة من المؤمنين، أي: كان لكم أن تتأسوا به، وتكونوا معه حيث كان ولا تتخلفوا عنه. * * ثم قال: ﴿لِّمَن كَانَ يَرْجُواْ ٱللَّهَ﴾ أي: ثواب الله في الآخرة. ﴿وَٱلْيَوْمَ ٱلآخِرَ﴾ أي: ويرجو عاقبة اليوم الآخر. ﴿وَذَكَرَ ٱللَّهَ كَثِيراً﴾ أي: وأكثر ذكر الله في الخوف والشدة والرخاء.

الأحزاب 33:16

قوله تعالى ذكره: ﴿هُنَالِكَ ٱبْتُلِيَ ٱلْمُؤْمِنُونَ﴾ إلى قوله ﴿وَذَكَرَ ٱللَّهَ كَثِيراً﴾. هنالك ظرف زمان، والعامل فيه "ابتلي". والتقدير: وقت ذلك اختبر المؤمنون فعرف المؤمن من المنافق، والابتداء به حسن على هذا. وقيل: إن العامل فيه "﴿وَتَظُنُّونَ﴾" أي: وتظنون بالله الظنون الكاذبة هنالك ، والابتداء به على هذا التقدير. * * ثم قال تعالى: ﴿وَزُلْزِلُواْ زِلْزَالاً شَدِيداً﴾ أي: حركوا وأزعجوا بالفتنة إزعاجاً شديداً. * * ثم قال: ﴿وَإِذْ يَقُولُ ٱلْمُنَافِقُونَ وَٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ﴾ أي: شك في الإيمان وضعف في الاعتقاد. * * ﴿مَّا وَعَدَنَا ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلاَّ غُرُوراً﴾. يروى أن قائل ذلك معتب بن قشير، قاله يزيد بن رومان، وقد تقدم ذكر هذا. * * ثم قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَت طَّآئِفَةٌ مِّنْهُمْ يٰأَهْلَ يَثْرِبَ لاَ مُقَامَ لَكُمْ﴾ أي: قال طائفة من المنافقين: يا أهل يثرب لا تقيموا مع النبي وارجعوا إلى منازلكم، ويثرب اسم أرض ومدينة النبي ﷺ في ناحية من يثرب. * * ثم قال: ﴿وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِّنْهُمُ ٱلنَّبِيَّ﴾ أي: يستأذن طائفة من المنافقين النبي في الانصراف إلى منزلهم اعتلالاً بالخوف على منزله من السرق، وليس به إلا الفرار والهرب. قال ابن عباس: هم بنو حارثة قالوا: بيوتنا مخلاة نخاف عليها السرق. قال قتادة: يقولون بيوتنا مما يلي العدو وإنا نخاف عليها السرق. ففضحهم الله، وقال: ﴿وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِن يُرِيدُونَ إِلاَّ فِرَاراً﴾ أي: ما يريدون إلا الهرب. يقال: أعور المنزل إذا ضاع ولم يكن له ما يستره أو سقط جداره. وقرأ يحيى بن يعمر وأبو رجاء "عَوِرَةٌ" بكسر الواو، فمعنى عورة: ضائعة. وقيل: معنى قراءة الإسكان: إن بيوتنا ذات عورة، يقال للمرأة: عورة، فالمعنى ذات نساء نخاف عليهن العدو. ويجوز أن تكون عورة مسكنة من "عَوِرَة". ويجوز أن تكون مصدراً. ويجوز أن تكون اسم فاعل على السعة، كما يقال: رجل عَدْلٌ أي عَادِلٌ. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِّنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُواْ ٱلْفِتْنَةَ لآتَوْهَا﴾. [أي: لو دخلت المدينة على هؤلاء القائلين: إن بيوتنا عورة من جوانبها قاله قتادة. ﴿ثُمَّ سُئِلُواْ ٱلْفِتْنَةَ لآتَوْهَا﴾] أي: لو سئلوا الشرك لأعطوه من أنفسهم طائعين، ومن قطر لأتوه، فمعناه: لجاؤوا الكفر طوعاً. وقيل: المعنى: ولو دخلت عليهم البيوت من نواحيها ثم سئلوا الشرك لقبلوه وأتوه طائعين. * * ثم قال تعالى: ﴿وَمَا تَلَبَّثُواْ بِهَآ﴾ أي بالمدينة. قاله القتبي. وقيل: المعنى: وما تلبثوا بالفتنة. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَانُواْ عَاهَدُواْ ٱللَّهَ مِن قَبْلُ لاَ يُوَلُّونَ ٱلأَدْبَارَ﴾ أي: ولقد كان هؤلاء الذين يستأذنون رسول الله في الانصراف عنه عاهدوا الله من قبل لا يولون عدوهم الأدبار فما أوفوا بعهدهم. ﴿وَكَانَ عَهْدُ ٱللَّهِ مَسْئُولاً﴾ أي: يسأل الله ذلك من أعطاه إياه من نفسه. وذكر أن ذلك نزل في بني حارثة لما كان من فعلهم، وهم الذين هموا أن يفشلوا يوم أحد مع بني سلمة، وهو قوله جل ذكره: ﴿إِذْ هَمَّتْ طَّآئِفَتَانِ مِنكُمْ أَن تَفْشَلاَ﴾ [آل عمران: ١٢٢]، ثم عاهدوا الله لا يولون العدو الأدبار ولا يعودون لمثلها فذكر الله لهم ما قد أعطوا من أنفسهم ولم يفوا به. قال قتادة: كان ناس غابوا عن وقعة بدر ورأوا ما أعطى الله أصحاب بدر من الكرامة والفضل فقالوا: لئن أشهدنا الله قتالاً لنقاتلن، فساق الله إليهم ذلك حتى كان ناحية المدينة. * * ثم قال تعالى: ﴿قُل لَّن يَنفَعَكُمُ ٱلْفِرَارُ إِن فَرَرْتُمْ مِّنَ ٱلْمَوْتِ أَوِ ٱلْقَتْلِ﴾ أي: قل لهم يا محمد لا ينفعكم هروبكم إن هربتم من الموت أو القتل لأن ذلك إن كان كتب عليكم فلا ينفعكم فراركم شيئاً، لا بد لكم مما كتب عليكم. ﴿وَإِذاً لاَّ تُمَتَّعُونَ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ أي: لا يزيد لكم فراركم في أعماركم شيئاً بل إنما تمتعون في هذه الدنيا إلى الوقت الذي كتب لكم، لا تجاوزوه، هو قليل لأن الدنيا كلها متاع قليل، فما بقي من أعماركم أقل من القليل. * * ثم قال تعالى: ﴿قُلْ مَن ذَا ٱلَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِّنَ ٱللَّهِ﴾ أي: يمنعكم من الله إن أراد بكم سوءاً في أنفسكم أو عاقبة وسلامة، فليس الأمر إلا ما قدر الله. * * ثم قال: ﴿وَلاَ يَجِدُونَ لَهُمْ مِّن دُونِ ٱللَّهِ وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً﴾ أي: لا يجدون لأنفسهم من يليهم بالكفالة مما قدر الله عليهم من سوء، ولا نصيراً ينصرهم مما أراد بهم. * * ثم قال تعالى: ﴿قَدْ يَعْلَمُ ٱللَّهُ ٱلْمُعَوِّقِينَ مِنكُمْ﴾ أي: قد يعلم الله الذين يعوقون الناس فيصدونهم عن رسول الله في حضور الحرب. وهو مُشتق من عاقني عن كذا، أي: صرفني عنه ومنعني، وعوق على التكثير لعاق فهو مُعَوِّقٌ. * * ثم قال: ﴿وَٱلْقَآئِلِينَ لإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا﴾ أي تعالوا إلينا ودعوا محمداً فإنا نخاف عليكم الهلاك. ﴿وَلاَ يَأْتُونَ ٱلْبَأْسَ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ أي: الحرب والقتال، لا يشهدون ذلك إلا تعذيراً، ودفعاً للمسلمين عن أنفسهم ورياءً، وهذا كله في المنافقين. قال قتادة: هؤلاء ناس من المنافقين كانوا يقولون لإخوانهم ما محمد وأصحابه إلا أُكْلَةُ رأسٍ ولو كانوا لَحْماً لالتهمهم أبو سفيان وأصحابه دعوا هذا الرجل فإنه هالك. وقال ابن زيد: نزلت في أخوين أحدهما مؤمن والآخر منافق، جرى بينهما كلام في أمر رسول الله ﷺ، فقال المنافق للمؤمن: هلمَّ إلى الطعام فقد نعق بك وبصاحبك والذي يحلف به، لاستقبلها محمد أبداً، فقال له المؤمن: كذبت والذي يحلف به، ثم أخبر النبي ﷺ بذلك، فنزلت: ﴿وَٱلْقَآئِلِينَ لإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا﴾. * * ثم قال تعالى: ﴿أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ﴾. قال الفراء: هو منصوب على الذم، وأجاز نصبه على الحال، وقدره: يعوقون أشحة. وقيل: هو حال، والتقدير: والقائلين لإخوانهم أشحة. وقيل: التقدير: ولا يأتون البأس إلا قليلاً، يأتونه أشحة، أي أشحة على الفقراء بالغنيمة جبناء. وقال الطبري: التقدير هلمَّ إلينا أشحة. وقال السدي بنصبه على الحال، والتقدير: ولا يأتون البأس إلا قليلاً بخلاً عليهم بالظفر والغنيمة. ومن جعل العامل في أشحة "المُعَوِّقِينَ" أو "القائلين" فقد غلط لأنه تفريق بين الصلة والموصول. قال قتادة: معنا أشحة عليكم في الغنيمة. وقال مجاهد: أشحة عليكم في الخير. وقيل: التقدير: أشحة عليكم بالنفقة على الضعفاء منكم. والتأويل: جبناء عند الناس أشحاء عند قسم الغنيمة. وقال يزيد بن رومان: أشحة عليكم للضغن الذي في أنفسهم. * * ثم قال تعالى: ﴿فَإِذَا جَآءَ ٱلْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ﴾ أي: فإذا جاء يا محمد القتال وخافوا (الهلاك) رأيتهم ينظرون إليك لواذاً عن القتال تدور أعينهم خوفاً من القتال. ﴿كَٱلَّذِي يُغْشَىٰ عَلَيْهِ مِنَ ٱلْمَوْتِ﴾ أي: تدور أعينهم كدوران عين الذي يُغشى عليه من الموت النازل به. * * ثم قال تعالى: ﴿فَإِذَا ذَهَبَ ٱلْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ﴾ أي: فإذا زال القتال عفوكم بألسنة ذربة. يقال للرجل الخطيب: مِسْلَقٌ وَمِسْلاقَ وَسَلاقٌ بالسين والصاد فيهن، أي: بليغ. والمعنى: أنهم عند قسم الغنيمة يتطاولون بألسنتهم لشحهم على ما يأخذ المسلمون، يقولون: أعطونا أعطونا، فإنا شهدنا معكم، وهم عند البأس أجبن قوم، هذا معنى قول قتادة. ويدل على صحة هذا التأويل قوله بعد ذلك: ﴿أَشِحَّةً عَلَى ٱلْخَيْرِ﴾ أي: على الغنيمة إذا ظفر المسلمون. وقيل: بل ذلك أذى المنافقين للمسلمين بألسنتهم عند الأمان. قاله ابن عباس ويزيد بن رومان. ثم قال تعالى ذكره: ﴿أوْلَـٰئِكَ لَمْ يُؤْمِنُواْ فَأَحْبَطَ ٱللَّهُ أَعْمَالَهُمْ﴾ أي: هؤلاء المنافقون الذين تقدمت صفتهم لم يصدقوا بالله ورسوله بقلوبهم فأحبط الله أعمالهم، أي: أذهبها وأبطلها. ويروى أن الذي وُصِفَ بها كان بدرياً فأحبط الله عمله، قاله ابن زيد. ﴿وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيراً﴾ أي: وكان إحباط أعمالهم على الله هيناً حقيراً. وتقف على "﴿إِلاَّ قَلِيلاً﴾" إذا نصبت "أشحة" على الذم، ولا تقف عليه على غير هذا التقدير. قال تعالى: ﴿يَحْسَبُونَ ٱلأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُواْ﴾ أي: يحسب هؤلاء المنافقون من جبنهم وخوفهم أن الأحزاب لم ينصرفوا وأنهم باقون قريباً منهم. * * ثم قال تعالى: ﴿وَإِن يَأْتِ ٱلأَحْزَابُ يَوَدُّواْ لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِي ٱلأَعْرَابِ﴾ أي: وإن يأتكم الأحزاب لحربكم ودّ هؤلاء المنافقون لو أنهم في البادية غيب عنكم يسألون عن أخباركم من بعيد جبناً منهم وهلعاً من القتل، يقولون: هل هلك محمد وأصحابه؟ يتمنون أن يسمعوا هلاكهم. وقرأ طلحة: "لَو أَنَّهُم بُدًّى" فِي الأَعْرَابِ مثل: غُزىًّ. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَوْ كَانُواْ فِيكُمْ مَّا قَاتَلُوۤاْ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ أي: لو كانوا معكم لم يقاتلوا معكم إلا تعذيراً لكم لأنهم لا يحتسبون في ذلك ثواباً ولا جزاءً. * * ثم قال تعالى: ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ ٱللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ هذا عتاب من الله للمستخفين عن رسول الله ﷺ بالمدينة من المؤمنين، أي: كان لكم أن تتأسوا به، وتكونوا معه حيث كان ولا تتخلفوا عنه. * * ثم قال: ﴿لِّمَن كَانَ يَرْجُواْ ٱللَّهَ﴾ أي: ثواب الله في الآخرة. ﴿وَٱلْيَوْمَ ٱلآخِرَ﴾ أي: ويرجو عاقبة اليوم الآخر. ﴿وَذَكَرَ ٱللَّهَ كَثِيراً﴾ أي: وأكثر ذكر الله في الخوف والشدة والرخاء.

الأحزاب 33:17

قوله تعالى ذكره: ﴿هُنَالِكَ ٱبْتُلِيَ ٱلْمُؤْمِنُونَ﴾ إلى قوله ﴿وَذَكَرَ ٱللَّهَ كَثِيراً﴾. هنالك ظرف زمان، والعامل فيه "ابتلي". والتقدير: وقت ذلك اختبر المؤمنون فعرف المؤمن من المنافق، والابتداء به حسن على هذا. وقيل: إن العامل فيه "﴿وَتَظُنُّونَ﴾" أي: وتظنون بالله الظنون الكاذبة هنالك ، والابتداء به على هذا التقدير. * * ثم قال تعالى: ﴿وَزُلْزِلُواْ زِلْزَالاً شَدِيداً﴾ أي: حركوا وأزعجوا بالفتنة إزعاجاً شديداً. * * ثم قال: ﴿وَإِذْ يَقُولُ ٱلْمُنَافِقُونَ وَٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ﴾ أي: شك في الإيمان وضعف في الاعتقاد. * * ﴿مَّا وَعَدَنَا ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلاَّ غُرُوراً﴾. يروى أن قائل ذلك معتب بن قشير، قاله يزيد بن رومان، وقد تقدم ذكر هذا. * * ثم قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَت طَّآئِفَةٌ مِّنْهُمْ يٰأَهْلَ يَثْرِبَ لاَ مُقَامَ لَكُمْ﴾ أي: قال طائفة من المنافقين: يا أهل يثرب لا تقيموا مع النبي وارجعوا إلى منازلكم، ويثرب اسم أرض ومدينة النبي ﷺ في ناحية من يثرب. * * ثم قال: ﴿وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِّنْهُمُ ٱلنَّبِيَّ﴾ أي: يستأذن طائفة من المنافقين النبي في الانصراف إلى منزلهم اعتلالاً بالخوف على منزله من السرق، وليس به إلا الفرار والهرب. قال ابن عباس: هم بنو حارثة قالوا: بيوتنا مخلاة نخاف عليها السرق. قال قتادة: يقولون بيوتنا مما يلي العدو وإنا نخاف عليها السرق. ففضحهم الله، وقال: ﴿وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِن يُرِيدُونَ إِلاَّ فِرَاراً﴾ أي: ما يريدون إلا الهرب. يقال: أعور المنزل إذا ضاع ولم يكن له ما يستره أو سقط جداره. وقرأ يحيى بن يعمر وأبو رجاء "عَوِرَةٌ" بكسر الواو، فمعنى عورة: ضائعة. وقيل: معنى قراءة الإسكان: إن بيوتنا ذات عورة، يقال للمرأة: عورة، فالمعنى ذات نساء نخاف عليهن العدو. ويجوز أن تكون عورة مسكنة من "عَوِرَة". ويجوز أن تكون مصدراً. ويجوز أن تكون اسم فاعل على السعة، كما يقال: رجل عَدْلٌ أي عَادِلٌ. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِّنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُواْ ٱلْفِتْنَةَ لآتَوْهَا﴾. [أي: لو دخلت المدينة على هؤلاء القائلين: إن بيوتنا عورة من جوانبها قاله قتادة. ﴿ثُمَّ سُئِلُواْ ٱلْفِتْنَةَ لآتَوْهَا﴾] أي: لو سئلوا الشرك لأعطوه من أنفسهم طائعين، ومن قطر لأتوه، فمعناه: لجاؤوا الكفر طوعاً. وقيل: المعنى: ولو دخلت عليهم البيوت من نواحيها ثم سئلوا الشرك لقبلوه وأتوه طائعين. * * ثم قال تعالى: ﴿وَمَا تَلَبَّثُواْ بِهَآ﴾ أي بالمدينة. قاله القتبي. وقيل: المعنى: وما تلبثوا بالفتنة. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَانُواْ عَاهَدُواْ ٱللَّهَ مِن قَبْلُ لاَ يُوَلُّونَ ٱلأَدْبَارَ﴾ أي: ولقد كان هؤلاء الذين يستأذنون رسول الله في الانصراف عنه عاهدوا الله من قبل لا يولون عدوهم الأدبار فما أوفوا بعهدهم. ﴿وَكَانَ عَهْدُ ٱللَّهِ مَسْئُولاً﴾ أي: يسأل الله ذلك من أعطاه إياه من نفسه. وذكر أن ذلك نزل في بني حارثة لما كان من فعلهم، وهم الذين هموا أن يفشلوا يوم أحد مع بني سلمة، وهو قوله جل ذكره: ﴿إِذْ هَمَّتْ طَّآئِفَتَانِ مِنكُمْ أَن تَفْشَلاَ﴾ [آل عمران: ١٢٢]، ثم عاهدوا الله لا يولون العدو الأدبار ولا يعودون لمثلها فذكر الله لهم ما قد أعطوا من أنفسهم ولم يفوا به. قال قتادة: كان ناس غابوا عن وقعة بدر ورأوا ما أعطى الله أصحاب بدر من الكرامة والفضل فقالوا: لئن أشهدنا الله قتالاً لنقاتلن، فساق الله إليهم ذلك حتى كان ناحية المدينة. * * ثم قال تعالى: ﴿قُل لَّن يَنفَعَكُمُ ٱلْفِرَارُ إِن فَرَرْتُمْ مِّنَ ٱلْمَوْتِ أَوِ ٱلْقَتْلِ﴾ أي: قل لهم يا محمد لا ينفعكم هروبكم إن هربتم من الموت أو القتل لأن ذلك إن كان كتب عليكم فلا ينفعكم فراركم شيئاً، لا بد لكم مما كتب عليكم. ﴿وَإِذاً لاَّ تُمَتَّعُونَ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ أي: لا يزيد لكم فراركم في أعماركم شيئاً بل إنما تمتعون في هذه الدنيا إلى الوقت الذي كتب لكم، لا تجاوزوه، هو قليل لأن الدنيا كلها متاع قليل، فما بقي من أعماركم أقل من القليل. * * ثم قال تعالى: ﴿قُلْ مَن ذَا ٱلَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِّنَ ٱللَّهِ﴾ أي: يمنعكم من الله إن أراد بكم سوءاً في أنفسكم أو عاقبة وسلامة، فليس الأمر إلا ما قدر الله. * * ثم قال: ﴿وَلاَ يَجِدُونَ لَهُمْ مِّن دُونِ ٱللَّهِ وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً﴾ أي: لا يجدون لأنفسهم من يليهم بالكفالة مما قدر الله عليهم من سوء، ولا نصيراً ينصرهم مما أراد بهم. * * ثم قال تعالى: ﴿قَدْ يَعْلَمُ ٱللَّهُ ٱلْمُعَوِّقِينَ مِنكُمْ﴾ أي: قد يعلم الله الذين يعوقون الناس فيصدونهم عن رسول الله في حضور الحرب. وهو مُشتق من عاقني عن كذا، أي: صرفني عنه ومنعني، وعوق على التكثير لعاق فهو مُعَوِّقٌ. * * ثم قال: ﴿وَٱلْقَآئِلِينَ لإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا﴾ أي تعالوا إلينا ودعوا محمداً فإنا نخاف عليكم الهلاك. ﴿وَلاَ يَأْتُونَ ٱلْبَأْسَ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ أي: الحرب والقتال، لا يشهدون ذلك إلا تعذيراً، ودفعاً للمسلمين عن أنفسهم ورياءً، وهذا كله في المنافقين. قال قتادة: هؤلاء ناس من المنافقين كانوا يقولون لإخوانهم ما محمد وأصحابه إلا أُكْلَةُ رأسٍ ولو كانوا لَحْماً لالتهمهم أبو سفيان وأصحابه دعوا هذا الرجل فإنه هالك. وقال ابن زيد: نزلت في أخوين أحدهما مؤمن والآخر منافق، جرى بينهما كلام في أمر رسول الله ﷺ، فقال المنافق للمؤمن: هلمَّ إلى الطعام فقد نعق بك وبصاحبك والذي يحلف به، لاستقبلها محمد أبداً، فقال له المؤمن: كذبت والذي يحلف به، ثم أخبر النبي ﷺ بذلك، فنزلت: ﴿وَٱلْقَآئِلِينَ لإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا﴾. * * ثم قال تعالى: ﴿أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ﴾. قال الفراء: هو منصوب على الذم، وأجاز نصبه على الحال، وقدره: يعوقون أشحة. وقيل: هو حال، والتقدير: والقائلين لإخوانهم أشحة. وقيل: التقدير: ولا يأتون البأس إلا قليلاً، يأتونه أشحة، أي أشحة على الفقراء بالغنيمة جبناء. وقال الطبري: التقدير هلمَّ إلينا أشحة. وقال السدي بنصبه على الحال، والتقدير: ولا يأتون البأس إلا قليلاً بخلاً عليهم بالظفر والغنيمة. ومن جعل العامل في أشحة "المُعَوِّقِينَ" أو "القائلين" فقد غلط لأنه تفريق بين الصلة والموصول. قال قتادة: معنا أشحة عليكم في الغنيمة. وقال مجاهد: أشحة عليكم في الخير. وقيل: التقدير: أشحة عليكم بالنفقة على الضعفاء منكم. والتأويل: جبناء عند الناس أشحاء عند قسم الغنيمة. وقال يزيد بن رومان: أشحة عليكم للضغن الذي في أنفسهم. * * ثم قال تعالى: ﴿فَإِذَا جَآءَ ٱلْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ﴾ أي: فإذا جاء يا محمد القتال وخافوا (الهلاك) رأيتهم ينظرون إليك لواذاً عن القتال تدور أعينهم خوفاً من القتال. ﴿كَٱلَّذِي يُغْشَىٰ عَلَيْهِ مِنَ ٱلْمَوْتِ﴾ أي: تدور أعينهم كدوران عين الذي يُغشى عليه من الموت النازل به. * * ثم قال تعالى: ﴿فَإِذَا ذَهَبَ ٱلْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ﴾ أي: فإذا زال القتال عفوكم بألسنة ذربة. يقال للرجل الخطيب: مِسْلَقٌ وَمِسْلاقَ وَسَلاقٌ بالسين والصاد فيهن، أي: بليغ. والمعنى: أنهم عند قسم الغنيمة يتطاولون بألسنتهم لشحهم على ما يأخذ المسلمون، يقولون: أعطونا أعطونا، فإنا شهدنا معكم، وهم عند البأس أجبن قوم، هذا معنى قول قتادة. ويدل على صحة هذا التأويل قوله بعد ذلك: ﴿أَشِحَّةً عَلَى ٱلْخَيْرِ﴾ أي: على الغنيمة إذا ظفر المسلمون. وقيل: بل ذلك أذى المنافقين للمسلمين بألسنتهم عند الأمان. قاله ابن عباس ويزيد بن رومان. ثم قال تعالى ذكره: ﴿أوْلَـٰئِكَ لَمْ يُؤْمِنُواْ فَأَحْبَطَ ٱللَّهُ أَعْمَالَهُمْ﴾ أي: هؤلاء المنافقون الذين تقدمت صفتهم لم يصدقوا بالله ورسوله بقلوبهم فأحبط الله أعمالهم، أي: أذهبها وأبطلها. ويروى أن الذي وُصِفَ بها كان بدرياً فأحبط الله عمله، قاله ابن زيد. ﴿وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيراً﴾ أي: وكان إحباط أعمالهم على الله هيناً حقيراً. وتقف على "﴿إِلاَّ قَلِيلاً﴾" إذا نصبت "أشحة" على الذم، ولا تقف عليه على غير هذا التقدير. قال تعالى: ﴿يَحْسَبُونَ ٱلأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُواْ﴾ أي: يحسب هؤلاء المنافقون من جبنهم وخوفهم أن الأحزاب لم ينصرفوا وأنهم باقون قريباً منهم. * * ثم قال تعالى: ﴿وَإِن يَأْتِ ٱلأَحْزَابُ يَوَدُّواْ لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِي ٱلأَعْرَابِ﴾ أي: وإن يأتكم الأحزاب لحربكم ودّ هؤلاء المنافقون لو أنهم في البادية غيب عنكم يسألون عن أخباركم من بعيد جبناً منهم وهلعاً من القتل، يقولون: هل هلك محمد وأصحابه؟ يتمنون أن يسمعوا هلاكهم. وقرأ طلحة: "لَو أَنَّهُم بُدًّى" فِي الأَعْرَابِ مثل: غُزىًّ. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَوْ كَانُواْ فِيكُمْ مَّا قَاتَلُوۤاْ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ أي: لو كانوا معكم لم يقاتلوا معكم إلا تعذيراً لكم لأنهم لا يحتسبون في ذلك ثواباً ولا جزاءً. * * ثم قال تعالى: ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ ٱللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ هذا عتاب من الله للمستخفين عن رسول الله ﷺ بالمدينة من المؤمنين، أي: كان لكم أن تتأسوا به، وتكونوا معه حيث كان ولا تتخلفوا عنه. * * ثم قال: ﴿لِّمَن كَانَ يَرْجُواْ ٱللَّهَ﴾ أي: ثواب الله في الآخرة. ﴿وَٱلْيَوْمَ ٱلآخِرَ﴾ أي: ويرجو عاقبة اليوم الآخر. ﴿وَذَكَرَ ٱللَّهَ كَثِيراً﴾ أي: وأكثر ذكر الله في الخوف والشدة والرخاء.

الأحزاب 33:18

قوله تعالى ذكره: ﴿هُنَالِكَ ٱبْتُلِيَ ٱلْمُؤْمِنُونَ﴾ إلى قوله ﴿وَذَكَرَ ٱللَّهَ كَثِيراً﴾. هنالك ظرف زمان، والعامل فيه "ابتلي". والتقدير: وقت ذلك اختبر المؤمنون فعرف المؤمن من المنافق، والابتداء به حسن على هذا. وقيل: إن العامل فيه "﴿وَتَظُنُّونَ﴾" أي: وتظنون بالله الظنون الكاذبة هنالك ، والابتداء به على هذا التقدير. * * ثم قال تعالى: ﴿وَزُلْزِلُواْ زِلْزَالاً شَدِيداً﴾ أي: حركوا وأزعجوا بالفتنة إزعاجاً شديداً. * * ثم قال: ﴿وَإِذْ يَقُولُ ٱلْمُنَافِقُونَ وَٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ﴾ أي: شك في الإيمان وضعف في الاعتقاد. * * ﴿مَّا وَعَدَنَا ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلاَّ غُرُوراً﴾. يروى أن قائل ذلك معتب بن قشير، قاله يزيد بن رومان، وقد تقدم ذكر هذا. * * ثم قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَت طَّآئِفَةٌ مِّنْهُمْ يٰأَهْلَ يَثْرِبَ لاَ مُقَامَ لَكُمْ﴾ أي: قال طائفة من المنافقين: يا أهل يثرب لا تقيموا مع النبي وارجعوا إلى منازلكم، ويثرب اسم أرض ومدينة النبي ﷺ في ناحية من يثرب. * * ثم قال: ﴿وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِّنْهُمُ ٱلنَّبِيَّ﴾ أي: يستأذن طائفة من المنافقين النبي في الانصراف إلى منزلهم اعتلالاً بالخوف على منزله من السرق، وليس به إلا الفرار والهرب. قال ابن عباس: هم بنو حارثة قالوا: بيوتنا مخلاة نخاف عليها السرق. قال قتادة: يقولون بيوتنا مما يلي العدو وإنا نخاف عليها السرق. ففضحهم الله، وقال: ﴿وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِن يُرِيدُونَ إِلاَّ فِرَاراً﴾ أي: ما يريدون إلا الهرب. يقال: أعور المنزل إذا ضاع ولم يكن له ما يستره أو سقط جداره. وقرأ يحيى بن يعمر وأبو رجاء "عَوِرَةٌ" بكسر الواو، فمعنى عورة: ضائعة. وقيل: معنى قراءة الإسكان: إن بيوتنا ذات عورة، يقال للمرأة: عورة، فالمعنى ذات نساء نخاف عليهن العدو. ويجوز أن تكون عورة مسكنة من "عَوِرَة". ويجوز أن تكون مصدراً. ويجوز أن تكون اسم فاعل على السعة، كما يقال: رجل عَدْلٌ أي عَادِلٌ. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِّنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُواْ ٱلْفِتْنَةَ لآتَوْهَا﴾. [أي: لو دخلت المدينة على هؤلاء القائلين: إن بيوتنا عورة من جوانبها قاله قتادة. ﴿ثُمَّ سُئِلُواْ ٱلْفِتْنَةَ لآتَوْهَا﴾] أي: لو سئلوا الشرك لأعطوه من أنفسهم طائعين، ومن قطر لأتوه، فمعناه: لجاؤوا الكفر طوعاً. وقيل: المعنى: ولو دخلت عليهم البيوت من نواحيها ثم سئلوا الشرك لقبلوه وأتوه طائعين. * * ثم قال تعالى: ﴿وَمَا تَلَبَّثُواْ بِهَآ﴾ أي بالمدينة. قاله القتبي. وقيل: المعنى: وما تلبثوا بالفتنة. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَانُواْ عَاهَدُواْ ٱللَّهَ مِن قَبْلُ لاَ يُوَلُّونَ ٱلأَدْبَارَ﴾ أي: ولقد كان هؤلاء الذين يستأذنون رسول الله في الانصراف عنه عاهدوا الله من قبل لا يولون عدوهم الأدبار فما أوفوا بعهدهم. ﴿وَكَانَ عَهْدُ ٱللَّهِ مَسْئُولاً﴾ أي: يسأل الله ذلك من أعطاه إياه من نفسه. وذكر أن ذلك نزل في بني حارثة لما كان من فعلهم، وهم الذين هموا أن يفشلوا يوم أحد مع بني سلمة، وهو قوله جل ذكره: ﴿إِذْ هَمَّتْ طَّآئِفَتَانِ مِنكُمْ أَن تَفْشَلاَ﴾ [آل عمران: ١٢٢]، ثم عاهدوا الله لا يولون العدو الأدبار ولا يعودون لمثلها فذكر الله لهم ما قد أعطوا من أنفسهم ولم يفوا به. قال قتادة: كان ناس غابوا عن وقعة بدر ورأوا ما أعطى الله أصحاب بدر من الكرامة والفضل فقالوا: لئن أشهدنا الله قتالاً لنقاتلن، فساق الله إليهم ذلك حتى كان ناحية المدينة. * * ثم قال تعالى: ﴿قُل لَّن يَنفَعَكُمُ ٱلْفِرَارُ إِن فَرَرْتُمْ مِّنَ ٱلْمَوْتِ أَوِ ٱلْقَتْلِ﴾ أي: قل لهم يا محمد لا ينفعكم هروبكم إن هربتم من الموت أو القتل لأن ذلك إن كان كتب عليكم فلا ينفعكم فراركم شيئاً، لا بد لكم مما كتب عليكم. ﴿وَإِذاً لاَّ تُمَتَّعُونَ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ أي: لا يزيد لكم فراركم في أعماركم شيئاً بل إنما تمتعون في هذه الدنيا إلى الوقت الذي كتب لكم، لا تجاوزوه، هو قليل لأن الدنيا كلها متاع قليل، فما بقي من أعماركم أقل من القليل. * * ثم قال تعالى: ﴿قُلْ مَن ذَا ٱلَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِّنَ ٱللَّهِ﴾ أي: يمنعكم من الله إن أراد بكم سوءاً في أنفسكم أو عاقبة وسلامة، فليس الأمر إلا ما قدر الله. * * ثم قال: ﴿وَلاَ يَجِدُونَ لَهُمْ مِّن دُونِ ٱللَّهِ وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً﴾ أي: لا يجدون لأنفسهم من يليهم بالكفالة مما قدر الله عليهم من سوء، ولا نصيراً ينصرهم مما أراد بهم. * * ثم قال تعالى: ﴿قَدْ يَعْلَمُ ٱللَّهُ ٱلْمُعَوِّقِينَ مِنكُمْ﴾ أي: قد يعلم الله الذين يعوقون الناس فيصدونهم عن رسول الله في حضور الحرب. وهو مُشتق من عاقني عن كذا، أي: صرفني عنه ومنعني، وعوق على التكثير لعاق فهو مُعَوِّقٌ. * * ثم قال: ﴿وَٱلْقَآئِلِينَ لإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا﴾ أي تعالوا إلينا ودعوا محمداً فإنا نخاف عليكم الهلاك. ﴿وَلاَ يَأْتُونَ ٱلْبَأْسَ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ أي: الحرب والقتال، لا يشهدون ذلك إلا تعذيراً، ودفعاً للمسلمين عن أنفسهم ورياءً، وهذا كله في المنافقين. قال قتادة: هؤلاء ناس من المنافقين كانوا يقولون لإخوانهم ما محمد وأصحابه إلا أُكْلَةُ رأسٍ ولو كانوا لَحْماً لالتهمهم أبو سفيان وأصحابه دعوا هذا الرجل فإنه هالك. وقال ابن زيد: نزلت في أخوين أحدهما مؤمن والآخر منافق، جرى بينهما كلام في أمر رسول الله ﷺ، فقال المنافق للمؤمن: هلمَّ إلى الطعام فقد نعق بك وبصاحبك والذي يحلف به، لاستقبلها محمد أبداً، فقال له المؤمن: كذبت والذي يحلف به، ثم أخبر النبي ﷺ بذلك، فنزلت: ﴿وَٱلْقَآئِلِينَ لإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا﴾. * * ثم قال تعالى: ﴿أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ﴾. قال الفراء: هو منصوب على الذم، وأجاز نصبه على الحال، وقدره: يعوقون أشحة. وقيل: هو حال، والتقدير: والقائلين لإخوانهم أشحة. وقيل: التقدير: ولا يأتون البأس إلا قليلاً، يأتونه أشحة، أي أشحة على الفقراء بالغنيمة جبناء. وقال الطبري: التقدير هلمَّ إلينا أشحة. وقال السدي بنصبه على الحال، والتقدير: ولا يأتون البأس إلا قليلاً بخلاً عليهم بالظفر والغنيمة. ومن جعل العامل في أشحة "المُعَوِّقِينَ" أو "القائلين" فقد غلط لأنه تفريق بين الصلة والموصول. قال قتادة: معنا أشحة عليكم في الغنيمة. وقال مجاهد: أشحة عليكم في الخير. وقيل: التقدير: أشحة عليكم بالنفقة على الضعفاء منكم. والتأويل: جبناء عند الناس أشحاء عند قسم الغنيمة. وقال يزيد بن رومان: أشحة عليكم للضغن الذي في أنفسهم. * * ثم قال تعالى: ﴿فَإِذَا جَآءَ ٱلْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ﴾ أي: فإذا جاء يا محمد القتال وخافوا (الهلاك) رأيتهم ينظرون إليك لواذاً عن القتال تدور أعينهم خوفاً من القتال. ﴿كَٱلَّذِي يُغْشَىٰ عَلَيْهِ مِنَ ٱلْمَوْتِ﴾ أي: تدور أعينهم كدوران عين الذي يُغشى عليه من الموت النازل به. * * ثم قال تعالى: ﴿فَإِذَا ذَهَبَ ٱلْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ﴾ أي: فإذا زال القتال عفوكم بألسنة ذربة. يقال للرجل الخطيب: مِسْلَقٌ وَمِسْلاقَ وَسَلاقٌ بالسين والصاد فيهن، أي: بليغ. والمعنى: أنهم عند قسم الغنيمة يتطاولون بألسنتهم لشحهم على ما يأخذ المسلمون، يقولون: أعطونا أعطونا، فإنا شهدنا معكم، وهم عند البأس أجبن قوم، هذا معنى قول قتادة. ويدل على صحة هذا التأويل قوله بعد ذلك: ﴿أَشِحَّةً عَلَى ٱلْخَيْرِ﴾ أي: على الغنيمة إذا ظفر المسلمون. وقيل: بل ذلك أذى المنافقين للمسلمين بألسنتهم عند الأمان. قاله ابن عباس ويزيد بن رومان. ثم قال تعالى ذكره: ﴿أوْلَـٰئِكَ لَمْ يُؤْمِنُواْ فَأَحْبَطَ ٱللَّهُ أَعْمَالَهُمْ﴾ أي: هؤلاء المنافقون الذين تقدمت صفتهم لم يصدقوا بالله ورسوله بقلوبهم فأحبط الله أعمالهم، أي: أذهبها وأبطلها. ويروى أن الذي وُصِفَ بها كان بدرياً فأحبط الله عمله، قاله ابن زيد. ﴿وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيراً﴾ أي: وكان إحباط أعمالهم على الله هيناً حقيراً. وتقف على "﴿إِلاَّ قَلِيلاً﴾" إذا نصبت "أشحة" على الذم، ولا تقف عليه على غير هذا التقدير. قال تعالى: ﴿يَحْسَبُونَ ٱلأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُواْ﴾ أي: يحسب هؤلاء المنافقون من جبنهم وخوفهم أن الأحزاب لم ينصرفوا وأنهم باقون قريباً منهم. * * ثم قال تعالى: ﴿وَإِن يَأْتِ ٱلأَحْزَابُ يَوَدُّواْ لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِي ٱلأَعْرَابِ﴾ أي: وإن يأتكم الأحزاب لحربكم ودّ هؤلاء المنافقون لو أنهم في البادية غيب عنكم يسألون عن أخباركم من بعيد جبناً منهم وهلعاً من القتل، يقولون: هل هلك محمد وأصحابه؟ يتمنون أن يسمعوا هلاكهم. وقرأ طلحة: "لَو أَنَّهُم بُدًّى" فِي الأَعْرَابِ مثل: غُزىًّ. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَوْ كَانُواْ فِيكُمْ مَّا قَاتَلُوۤاْ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ أي: لو كانوا معكم لم يقاتلوا معكم إلا تعذيراً لكم لأنهم لا يحتسبون في ذلك ثواباً ولا جزاءً. * * ثم قال تعالى: ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ ٱللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ هذا عتاب من الله للمستخفين عن رسول الله ﷺ بالمدينة من المؤمنين، أي: كان لكم أن تتأسوا به، وتكونوا معه حيث كان ولا تتخلفوا عنه. * * ثم قال: ﴿لِّمَن كَانَ يَرْجُواْ ٱللَّهَ﴾ أي: ثواب الله في الآخرة. ﴿وَٱلْيَوْمَ ٱلآخِرَ﴾ أي: ويرجو عاقبة اليوم الآخر. ﴿وَذَكَرَ ٱللَّهَ كَثِيراً﴾ أي: وأكثر ذكر الله في الخوف والشدة والرخاء.

الأحزاب 33:19

قوله تعالى ذكره: ﴿هُنَالِكَ ٱبْتُلِيَ ٱلْمُؤْمِنُونَ﴾ إلى قوله ﴿وَذَكَرَ ٱللَّهَ كَثِيراً﴾. هنالك ظرف زمان، والعامل فيه "ابتلي". والتقدير: وقت ذلك اختبر المؤمنون فعرف المؤمن من المنافق، والابتداء به حسن على هذا. وقيل: إن العامل فيه "﴿وَتَظُنُّونَ﴾" أي: وتظنون بالله الظنون الكاذبة هنالك ، والابتداء به على هذا التقدير. * * ثم قال تعالى: ﴿وَزُلْزِلُواْ زِلْزَالاً شَدِيداً﴾ أي: حركوا وأزعجوا بالفتنة إزعاجاً شديداً. * * ثم قال: ﴿وَإِذْ يَقُولُ ٱلْمُنَافِقُونَ وَٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ﴾ أي: شك في الإيمان وضعف في الاعتقاد. * * ﴿مَّا وَعَدَنَا ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلاَّ غُرُوراً﴾. يروى أن قائل ذلك معتب بن قشير، قاله يزيد بن رومان، وقد تقدم ذكر هذا. * * ثم قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَت طَّآئِفَةٌ مِّنْهُمْ يٰأَهْلَ يَثْرِبَ لاَ مُقَامَ لَكُمْ﴾ أي: قال طائفة من المنافقين: يا أهل يثرب لا تقيموا مع النبي وارجعوا إلى منازلكم، ويثرب اسم أرض ومدينة النبي ﷺ في ناحية من يثرب. * * ثم قال: ﴿وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِّنْهُمُ ٱلنَّبِيَّ﴾ أي: يستأذن طائفة من المنافقين النبي في الانصراف إلى منزلهم اعتلالاً بالخوف على منزله من السرق، وليس به إلا الفرار والهرب. قال ابن عباس: هم بنو حارثة قالوا: بيوتنا مخلاة نخاف عليها السرق. قال قتادة: يقولون بيوتنا مما يلي العدو وإنا نخاف عليها السرق. ففضحهم الله، وقال: ﴿وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِن يُرِيدُونَ إِلاَّ فِرَاراً﴾ أي: ما يريدون إلا الهرب. يقال: أعور المنزل إذا ضاع ولم يكن له ما يستره أو سقط جداره. وقرأ يحيى بن يعمر وأبو رجاء "عَوِرَةٌ" بكسر الواو، فمعنى عورة: ضائعة. وقيل: معنى قراءة الإسكان: إن بيوتنا ذات عورة، يقال للمرأة: عورة، فالمعنى ذات نساء نخاف عليهن العدو. ويجوز أن تكون عورة مسكنة من "عَوِرَة". ويجوز أن تكون مصدراً. ويجوز أن تكون اسم فاعل على السعة، كما يقال: رجل عَدْلٌ أي عَادِلٌ. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِّنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُواْ ٱلْفِتْنَةَ لآتَوْهَا﴾. [أي: لو دخلت المدينة على هؤلاء القائلين: إن بيوتنا عورة من جوانبها قاله قتادة. ﴿ثُمَّ سُئِلُواْ ٱلْفِتْنَةَ لآتَوْهَا﴾] أي: لو سئلوا الشرك لأعطوه من أنفسهم طائعين، ومن قطر لأتوه، فمعناه: لجاؤوا الكفر طوعاً. وقيل: المعنى: ولو دخلت عليهم البيوت من نواحيها ثم سئلوا الشرك لقبلوه وأتوه طائعين. * * ثم قال تعالى: ﴿وَمَا تَلَبَّثُواْ بِهَآ﴾ أي بالمدينة. قاله القتبي. وقيل: المعنى: وما تلبثوا بالفتنة. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَانُواْ عَاهَدُواْ ٱللَّهَ مِن قَبْلُ لاَ يُوَلُّونَ ٱلأَدْبَارَ﴾ أي: ولقد كان هؤلاء الذين يستأذنون رسول الله في الانصراف عنه عاهدوا الله من قبل لا يولون عدوهم الأدبار فما أوفوا بعهدهم. ﴿وَكَانَ عَهْدُ ٱللَّهِ مَسْئُولاً﴾ أي: يسأل الله ذلك من أعطاه إياه من نفسه. وذكر أن ذلك نزل في بني حارثة لما كان من فعلهم، وهم الذين هموا أن يفشلوا يوم أحد مع بني سلمة، وهو قوله جل ذكره: ﴿إِذْ هَمَّتْ طَّآئِفَتَانِ مِنكُمْ أَن تَفْشَلاَ﴾ [آل عمران: ١٢٢]، ثم عاهدوا الله لا يولون العدو الأدبار ولا يعودون لمثلها فذكر الله لهم ما قد أعطوا من أنفسهم ولم يفوا به. قال قتادة: كان ناس غابوا عن وقعة بدر ورأوا ما أعطى الله أصحاب بدر من الكرامة والفضل فقالوا: لئن أشهدنا الله قتالاً لنقاتلن، فساق الله إليهم ذلك حتى كان ناحية المدينة. * * ثم قال تعالى: ﴿قُل لَّن يَنفَعَكُمُ ٱلْفِرَارُ إِن فَرَرْتُمْ مِّنَ ٱلْمَوْتِ أَوِ ٱلْقَتْلِ﴾ أي: قل لهم يا محمد لا ينفعكم هروبكم إن هربتم من الموت أو القتل لأن ذلك إن كان كتب عليكم فلا ينفعكم فراركم شيئاً، لا بد لكم مما كتب عليكم. ﴿وَإِذاً لاَّ تُمَتَّعُونَ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ أي: لا يزيد لكم فراركم في أعماركم شيئاً بل إنما تمتعون في هذه الدنيا إلى الوقت الذي كتب لكم، لا تجاوزوه، هو قليل لأن الدنيا كلها متاع قليل، فما بقي من أعماركم أقل من القليل. * * ثم قال تعالى: ﴿قُلْ مَن ذَا ٱلَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِّنَ ٱللَّهِ﴾ أي: يمنعكم من الله إن أراد بكم سوءاً في أنفسكم أو عاقبة وسلامة، فليس الأمر إلا ما قدر الله. * * ثم قال: ﴿وَلاَ يَجِدُونَ لَهُمْ مِّن دُونِ ٱللَّهِ وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً﴾ أي: لا يجدون لأنفسهم من يليهم بالكفالة مما قدر الله عليهم من سوء، ولا نصيراً ينصرهم مما أراد بهم. * * ثم قال تعالى: ﴿قَدْ يَعْلَمُ ٱللَّهُ ٱلْمُعَوِّقِينَ مِنكُمْ﴾ أي: قد يعلم الله الذين يعوقون الناس فيصدونهم عن رسول الله في حضور الحرب. وهو مُشتق من عاقني عن كذا، أي: صرفني عنه ومنعني، وعوق على التكثير لعاق فهو مُعَوِّقٌ. * * ثم قال: ﴿وَٱلْقَآئِلِينَ لإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا﴾ أي تعالوا إلينا ودعوا محمداً فإنا نخاف عليكم الهلاك. ﴿وَلاَ يَأْتُونَ ٱلْبَأْسَ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ أي: الحرب والقتال، لا يشهدون ذلك إلا تعذيراً، ودفعاً للمسلمين عن أنفسهم ورياءً، وهذا كله في المنافقين. قال قتادة: هؤلاء ناس من المنافقين كانوا يقولون لإخوانهم ما محمد وأصحابه إلا أُكْلَةُ رأسٍ ولو كانوا لَحْماً لالتهمهم أبو سفيان وأصحابه دعوا هذا الرجل فإنه هالك. وقال ابن زيد: نزلت في أخوين أحدهما مؤمن والآخر منافق، جرى بينهما كلام في أمر رسول الله ﷺ، فقال المنافق للمؤمن: هلمَّ إلى الطعام فقد نعق بك وبصاحبك والذي يحلف به، لاستقبلها محمد أبداً، فقال له المؤمن: كذبت والذي يحلف به، ثم أخبر النبي ﷺ بذلك، فنزلت: ﴿وَٱلْقَآئِلِينَ لإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا﴾. * * ثم قال تعالى: ﴿أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ﴾. قال الفراء: هو منصوب على الذم، وأجاز نصبه على الحال، وقدره: يعوقون أشحة. وقيل: هو حال، والتقدير: والقائلين لإخوانهم أشحة. وقيل: التقدير: ولا يأتون البأس إلا قليلاً، يأتونه أشحة، أي أشحة على الفقراء بالغنيمة جبناء. وقال الطبري: التقدير هلمَّ إلينا أشحة. وقال السدي بنصبه على الحال، والتقدير: ولا يأتون البأس إلا قليلاً بخلاً عليهم بالظفر والغنيمة. ومن جعل العامل في أشحة "المُعَوِّقِينَ" أو "القائلين" فقد غلط لأنه تفريق بين الصلة والموصول. قال قتادة: معنا أشحة عليكم في الغنيمة. وقال مجاهد: أشحة عليكم في الخير. وقيل: التقدير: أشحة عليكم بالنفقة على الضعفاء منكم. والتأويل: جبناء عند الناس أشحاء عند قسم الغنيمة. وقال يزيد بن رومان: أشحة عليكم للضغن الذي في أنفسهم. * * ثم قال تعالى: ﴿فَإِذَا جَآءَ ٱلْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ﴾ أي: فإذا جاء يا محمد القتال وخافوا (الهلاك) رأيتهم ينظرون إليك لواذاً عن القتال تدور أعينهم خوفاً من القتال. ﴿كَٱلَّذِي يُغْشَىٰ عَلَيْهِ مِنَ ٱلْمَوْتِ﴾ أي: تدور أعينهم كدوران عين الذي يُغشى عليه من الموت النازل به. * * ثم قال تعالى: ﴿فَإِذَا ذَهَبَ ٱلْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ﴾ أي: فإذا زال القتال عفوكم بألسنة ذربة. يقال للرجل الخطيب: مِسْلَقٌ وَمِسْلاقَ وَسَلاقٌ بالسين والصاد فيهن، أي: بليغ. والمعنى: أنهم عند قسم الغنيمة يتطاولون بألسنتهم لشحهم على ما يأخذ المسلمون، يقولون: أعطونا أعطونا، فإنا شهدنا معكم، وهم عند البأس أجبن قوم، هذا معنى قول قتادة. ويدل على صحة هذا التأويل قوله بعد ذلك: ﴿أَشِحَّةً عَلَى ٱلْخَيْرِ﴾ أي: على الغنيمة إذا ظفر المسلمون. وقيل: بل ذلك أذى المنافقين للمسلمين بألسنتهم عند الأمان. قاله ابن عباس ويزيد بن رومان. ثم قال تعالى ذكره: ﴿أوْلَـٰئِكَ لَمْ يُؤْمِنُواْ فَأَحْبَطَ ٱللَّهُ أَعْمَالَهُمْ﴾ أي: هؤلاء المنافقون الذين تقدمت صفتهم لم يصدقوا بالله ورسوله بقلوبهم فأحبط الله أعمالهم، أي: أذهبها وأبطلها. ويروى أن الذي وُصِفَ بها كان بدرياً فأحبط الله عمله، قاله ابن زيد. ﴿وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيراً﴾ أي: وكان إحباط أعمالهم على الله هيناً حقيراً. وتقف على "﴿إِلاَّ قَلِيلاً﴾" إذا نصبت "أشحة" على الذم، ولا تقف عليه على غير هذا التقدير. قال تعالى: ﴿يَحْسَبُونَ ٱلأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُواْ﴾ أي: يحسب هؤلاء المنافقون من جبنهم وخوفهم أن الأحزاب لم ينصرفوا وأنهم باقون قريباً منهم. * * ثم قال تعالى: ﴿وَإِن يَأْتِ ٱلأَحْزَابُ يَوَدُّواْ لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِي ٱلأَعْرَابِ﴾ أي: وإن يأتكم الأحزاب لحربكم ودّ هؤلاء المنافقون لو أنهم في البادية غيب عنكم يسألون عن أخباركم من بعيد جبناً منهم وهلعاً من القتل، يقولون: هل هلك محمد وأصحابه؟ يتمنون أن يسمعوا هلاكهم. وقرأ طلحة: "لَو أَنَّهُم بُدًّى" فِي الأَعْرَابِ مثل: غُزىًّ. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَوْ كَانُواْ فِيكُمْ مَّا قَاتَلُوۤاْ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ أي: لو كانوا معكم لم يقاتلوا معكم إلا تعذيراً لكم لأنهم لا يحتسبون في ذلك ثواباً ولا جزاءً. * * ثم قال تعالى: ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ ٱللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ هذا عتاب من الله للمستخفين عن رسول الله ﷺ بالمدينة من المؤمنين، أي: كان لكم أن تتأسوا به، وتكونوا معه حيث كان ولا تتخلفوا عنه. * * ثم قال: ﴿لِّمَن كَانَ يَرْجُواْ ٱللَّهَ﴾ أي: ثواب الله في الآخرة. ﴿وَٱلْيَوْمَ ٱلآخِرَ﴾ أي: ويرجو عاقبة اليوم الآخر. ﴿وَذَكَرَ ٱللَّهَ كَثِيراً﴾ أي: وأكثر ذكر الله في الخوف والشدة والرخاء.

الأحزاب 33:20

قوله تعالى ذكره: ﴿هُنَالِكَ ٱبْتُلِيَ ٱلْمُؤْمِنُونَ﴾ إلى قوله ﴿وَذَكَرَ ٱللَّهَ كَثِيراً﴾. هنالك ظرف زمان، والعامل فيه "ابتلي". والتقدير: وقت ذلك اختبر المؤمنون فعرف المؤمن من المنافق، والابتداء به حسن على هذا. وقيل: إن العامل فيه "﴿وَتَظُنُّونَ﴾" أي: وتظنون بالله الظنون الكاذبة هنالك ، والابتداء به على هذا التقدير. * * ثم قال تعالى: ﴿وَزُلْزِلُواْ زِلْزَالاً شَدِيداً﴾ أي: حركوا وأزعجوا بالفتنة إزعاجاً شديداً. * * ثم قال: ﴿وَإِذْ يَقُولُ ٱلْمُنَافِقُونَ وَٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ﴾ أي: شك في الإيمان وضعف في الاعتقاد. * * ﴿مَّا وَعَدَنَا ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلاَّ غُرُوراً﴾. يروى أن قائل ذلك معتب بن قشير، قاله يزيد بن رومان، وقد تقدم ذكر هذا. * * ثم قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَت طَّآئِفَةٌ مِّنْهُمْ يٰأَهْلَ يَثْرِبَ لاَ مُقَامَ لَكُمْ﴾ أي: قال طائفة من المنافقين: يا أهل يثرب لا تقيموا مع النبي وارجعوا إلى منازلكم، ويثرب اسم أرض ومدينة النبي ﷺ في ناحية من يثرب. * * ثم قال: ﴿وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِّنْهُمُ ٱلنَّبِيَّ﴾ أي: يستأذن طائفة من المنافقين النبي في الانصراف إلى منزلهم اعتلالاً بالخوف على منزله من السرق، وليس به إلا الفرار والهرب. قال ابن عباس: هم بنو حارثة قالوا: بيوتنا مخلاة نخاف عليها السرق. قال قتادة: يقولون بيوتنا مما يلي العدو وإنا نخاف عليها السرق. ففضحهم الله، وقال: ﴿وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِن يُرِيدُونَ إِلاَّ فِرَاراً﴾ أي: ما يريدون إلا الهرب. يقال: أعور المنزل إذا ضاع ولم يكن له ما يستره أو سقط جداره. وقرأ يحيى بن يعمر وأبو رجاء "عَوِرَةٌ" بكسر الواو، فمعنى عورة: ضائعة. وقيل: معنى قراءة الإسكان: إن بيوتنا ذات عورة، يقال للمرأة: عورة، فالمعنى ذات نساء نخاف عليهن العدو. ويجوز أن تكون عورة مسكنة من "عَوِرَة". ويجوز أن تكون مصدراً. ويجوز أن تكون اسم فاعل على السعة، كما يقال: رجل عَدْلٌ أي عَادِلٌ. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِّنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُواْ ٱلْفِتْنَةَ لآتَوْهَا﴾. [أي: لو دخلت المدينة على هؤلاء القائلين: إن بيوتنا عورة من جوانبها قاله قتادة. ﴿ثُمَّ سُئِلُواْ ٱلْفِتْنَةَ لآتَوْهَا﴾] أي: لو سئلوا الشرك لأعطوه من أنفسهم طائعين، ومن قطر لأتوه، فمعناه: لجاؤوا الكفر طوعاً. وقيل: المعنى: ولو دخلت عليهم البيوت من نواحيها ثم سئلوا الشرك لقبلوه وأتوه طائعين. * * ثم قال تعالى: ﴿وَمَا تَلَبَّثُواْ بِهَآ﴾ أي بالمدينة. قاله القتبي. وقيل: المعنى: وما تلبثوا بالفتنة. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَانُواْ عَاهَدُواْ ٱللَّهَ مِن قَبْلُ لاَ يُوَلُّونَ ٱلأَدْبَارَ﴾ أي: ولقد كان هؤلاء الذين يستأذنون رسول الله في الانصراف عنه عاهدوا الله من قبل لا يولون عدوهم الأدبار فما أوفوا بعهدهم. ﴿وَكَانَ عَهْدُ ٱللَّهِ مَسْئُولاً﴾ أي: يسأل الله ذلك من أعطاه إياه من نفسه. وذكر أن ذلك نزل في بني حارثة لما كان من فعلهم، وهم الذين هموا أن يفشلوا يوم أحد مع بني سلمة، وهو قوله جل ذكره: ﴿إِذْ هَمَّتْ طَّآئِفَتَانِ مِنكُمْ أَن تَفْشَلاَ﴾ [آل عمران: ١٢٢]، ثم عاهدوا الله لا يولون العدو الأدبار ولا يعودون لمثلها فذكر الله لهم ما قد أعطوا من أنفسهم ولم يفوا به. قال قتادة: كان ناس غابوا عن وقعة بدر ورأوا ما أعطى الله أصحاب بدر من الكرامة والفضل فقالوا: لئن أشهدنا الله قتالاً لنقاتلن، فساق الله إليهم ذلك حتى كان ناحية المدينة. * * ثم قال تعالى: ﴿قُل لَّن يَنفَعَكُمُ ٱلْفِرَارُ إِن فَرَرْتُمْ مِّنَ ٱلْمَوْتِ أَوِ ٱلْقَتْلِ﴾ أي: قل لهم يا محمد لا ينفعكم هروبكم إن هربتم من الموت أو القتل لأن ذلك إن كان كتب عليكم فلا ينفعكم فراركم شيئاً، لا بد لكم مما كتب عليكم. ﴿وَإِذاً لاَّ تُمَتَّعُونَ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ أي: لا يزيد لكم فراركم في أعماركم شيئاً بل إنما تمتعون في هذه الدنيا إلى الوقت الذي كتب لكم، لا تجاوزوه، هو قليل لأن الدنيا كلها متاع قليل، فما بقي من أعماركم أقل من القليل. * * ثم قال تعالى: ﴿قُلْ مَن ذَا ٱلَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِّنَ ٱللَّهِ﴾ أي: يمنعكم من الله إن أراد بكم سوءاً في أنفسكم أو عاقبة وسلامة، فليس الأمر إلا ما قدر الله. * * ثم قال: ﴿وَلاَ يَجِدُونَ لَهُمْ مِّن دُونِ ٱللَّهِ وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً﴾ أي: لا يجدون لأنفسهم من يليهم بالكفالة مما قدر الله عليهم من سوء، ولا نصيراً ينصرهم مما أراد بهم. * * ثم قال تعالى: ﴿قَدْ يَعْلَمُ ٱللَّهُ ٱلْمُعَوِّقِينَ مِنكُمْ﴾ أي: قد يعلم الله الذين يعوقون الناس فيصدونهم عن رسول الله في حضور الحرب. وهو مُشتق من عاقني عن كذا، أي: صرفني عنه ومنعني، وعوق على التكثير لعاق فهو مُعَوِّقٌ. * * ثم قال: ﴿وَٱلْقَآئِلِينَ لإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا﴾ أي تعالوا إلينا ودعوا محمداً فإنا نخاف عليكم الهلاك. ﴿وَلاَ يَأْتُونَ ٱلْبَأْسَ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ أي: الحرب والقتال، لا يشهدون ذلك إلا تعذيراً، ودفعاً للمسلمين عن أنفسهم ورياءً، وهذا كله في المنافقين. قال قتادة: هؤلاء ناس من المنافقين كانوا يقولون لإخوانهم ما محمد وأصحابه إلا أُكْلَةُ رأسٍ ولو كانوا لَحْماً لالتهمهم أبو سفيان وأصحابه دعوا هذا الرجل فإنه هالك. وقال ابن زيد: نزلت في أخوين أحدهما مؤمن والآخر منافق، جرى بينهما كلام في أمر رسول الله ﷺ، فقال المنافق للمؤمن: هلمَّ إلى الطعام فقد نعق بك وبصاحبك والذي يحلف به، لاستقبلها محمد أبداً، فقال له المؤمن: كذبت والذي يحلف به، ثم أخبر النبي ﷺ بذلك، فنزلت: ﴿وَٱلْقَآئِلِينَ لإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا﴾. * * ثم قال تعالى: ﴿أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ﴾. قال الفراء: هو منصوب على الذم، وأجاز نصبه على الحال، وقدره: يعوقون أشحة. وقيل: هو حال، والتقدير: والقائلين لإخوانهم أشحة. وقيل: التقدير: ولا يأتون البأس إلا قليلاً، يأتونه أشحة، أي أشحة على الفقراء بالغنيمة جبناء. وقال الطبري: التقدير هلمَّ إلينا أشحة. وقال السدي بنصبه على الحال، والتقدير: ولا يأتون البأس إلا قليلاً بخلاً عليهم بالظفر والغنيمة. ومن جعل العامل في أشحة "المُعَوِّقِينَ" أو "القائلين" فقد غلط لأنه تفريق بين الصلة والموصول. قال قتادة: معنا أشحة عليكم في الغنيمة. وقال مجاهد: أشحة عليكم في الخير. وقيل: التقدير: أشحة عليكم بالنفقة على الضعفاء منكم. والتأويل: جبناء عند الناس أشحاء عند قسم الغنيمة. وقال يزيد بن رومان: أشحة عليكم للضغن الذي في أنفسهم. * * ثم قال تعالى: ﴿فَإِذَا جَآءَ ٱلْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ﴾ أي: فإذا جاء يا محمد القتال وخافوا (الهلاك) رأيتهم ينظرون إليك لواذاً عن القتال تدور أعينهم خوفاً من القتال. ﴿كَٱلَّذِي يُغْشَىٰ عَلَيْهِ مِنَ ٱلْمَوْتِ﴾ أي: تدور أعينهم كدوران عين الذي يُغشى عليه من الموت النازل به. * * ثم قال تعالى: ﴿فَإِذَا ذَهَبَ ٱلْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ﴾ أي: فإذا زال القتال عفوكم بألسنة ذربة. يقال للرجل الخطيب: مِسْلَقٌ وَمِسْلاقَ وَسَلاقٌ بالسين والصاد فيهن، أي: بليغ. والمعنى: أنهم عند قسم الغنيمة يتطاولون بألسنتهم لشحهم على ما يأخذ المسلمون، يقولون: أعطونا أعطونا، فإنا شهدنا معكم، وهم عند البأس أجبن قوم، هذا معنى قول قتادة. ويدل على صحة هذا التأويل قوله بعد ذلك: ﴿أَشِحَّةً عَلَى ٱلْخَيْرِ﴾ أي: على الغنيمة إذا ظفر المسلمون. وقيل: بل ذلك أذى المنافقين للمسلمين بألسنتهم عند الأمان. قاله ابن عباس ويزيد بن رومان. ثم قال تعالى ذكره: ﴿أوْلَـٰئِكَ لَمْ يُؤْمِنُواْ فَأَحْبَطَ ٱللَّهُ أَعْمَالَهُمْ﴾ أي: هؤلاء المنافقون الذين تقدمت صفتهم لم يصدقوا بالله ورسوله بقلوبهم فأحبط الله أعمالهم، أي: أذهبها وأبطلها. ويروى أن الذي وُصِفَ بها كان بدرياً فأحبط الله عمله، قاله ابن زيد. ﴿وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيراً﴾ أي: وكان إحباط أعمالهم على الله هيناً حقيراً. وتقف على "﴿إِلاَّ قَلِيلاً﴾" إذا نصبت "أشحة" على الذم، ولا تقف عليه على غير هذا التقدير. قال تعالى: ﴿يَحْسَبُونَ ٱلأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُواْ﴾ أي: يحسب هؤلاء المنافقون من جبنهم وخوفهم أن الأحزاب لم ينصرفوا وأنهم باقون قريباً منهم. * * ثم قال تعالى: ﴿وَإِن يَأْتِ ٱلأَحْزَابُ يَوَدُّواْ لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِي ٱلأَعْرَابِ﴾ أي: وإن يأتكم الأحزاب لحربكم ودّ هؤلاء المنافقون لو أنهم في البادية غيب عنكم يسألون عن أخباركم من بعيد جبناً منهم وهلعاً من القتل، يقولون: هل هلك محمد وأصحابه؟ يتمنون أن يسمعوا هلاكهم. وقرأ طلحة: "لَو أَنَّهُم بُدًّى" فِي الأَعْرَابِ مثل: غُزىًّ. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَوْ كَانُواْ فِيكُمْ مَّا قَاتَلُوۤاْ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ أي: لو كانوا معكم لم يقاتلوا معكم إلا تعذيراً لكم لأنهم لا يحتسبون في ذلك ثواباً ولا جزاءً. * * ثم قال تعالى: ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ ٱللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ هذا عتاب من الله للمستخفين عن رسول الله ﷺ بالمدينة من المؤمنين، أي: كان لكم أن تتأسوا به، وتكونوا معه حيث كان ولا تتخلفوا عنه. * * ثم قال: ﴿لِّمَن كَانَ يَرْجُواْ ٱللَّهَ﴾ أي: ثواب الله في الآخرة. ﴿وَٱلْيَوْمَ ٱلآخِرَ﴾ أي: ويرجو عاقبة اليوم الآخر. ﴿وَذَكَرَ ٱللَّهَ كَثِيراً﴾ أي: وأكثر ذكر الله في الخوف والشدة والرخاء.

الأحزاب 33:21

قوله تعالى ذكره: ﴿هُنَالِكَ ٱبْتُلِيَ ٱلْمُؤْمِنُونَ﴾ إلى قوله ﴿وَذَكَرَ ٱللَّهَ كَثِيراً﴾. هنالك ظرف زمان، والعامل فيه "ابتلي". والتقدير: وقت ذلك اختبر المؤمنون فعرف المؤمن من المنافق، والابتداء به حسن على هذا. وقيل: إن العامل فيه "﴿وَتَظُنُّونَ﴾" أي: وتظنون بالله الظنون الكاذبة هنالك ، والابتداء به على هذا التقدير. * * ثم قال تعالى: ﴿وَزُلْزِلُواْ زِلْزَالاً شَدِيداً﴾ أي: حركوا وأزعجوا بالفتنة إزعاجاً شديداً. * * ثم قال: ﴿وَإِذْ يَقُولُ ٱلْمُنَافِقُونَ وَٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ﴾ أي: شك في الإيمان وضعف في الاعتقاد. * * ﴿مَّا وَعَدَنَا ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلاَّ غُرُوراً﴾. يروى أن قائل ذلك معتب بن قشير، قاله يزيد بن رومان، وقد تقدم ذكر هذا. * * ثم قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَت طَّآئِفَةٌ مِّنْهُمْ يٰأَهْلَ يَثْرِبَ لاَ مُقَامَ لَكُمْ﴾ أي: قال طائفة من المنافقين: يا أهل يثرب لا تقيموا مع النبي وارجعوا إلى منازلكم، ويثرب اسم أرض ومدينة النبي ﷺ في ناحية من يثرب. * * ثم قال: ﴿وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِّنْهُمُ ٱلنَّبِيَّ﴾ أي: يستأذن طائفة من المنافقين النبي في الانصراف إلى منزلهم اعتلالاً بالخوف على منزله من السرق، وليس به إلا الفرار والهرب. قال ابن عباس: هم بنو حارثة قالوا: بيوتنا مخلاة نخاف عليها السرق. قال قتادة: يقولون بيوتنا مما يلي العدو وإنا نخاف عليها السرق. ففضحهم الله، وقال: ﴿وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِن يُرِيدُونَ إِلاَّ فِرَاراً﴾ أي: ما يريدون إلا الهرب. يقال: أعور المنزل إذا ضاع ولم يكن له ما يستره أو سقط جداره. وقرأ يحيى بن يعمر وأبو رجاء "عَوِرَةٌ" بكسر الواو، فمعنى عورة: ضائعة. وقيل: معنى قراءة الإسكان: إن بيوتنا ذات عورة، يقال للمرأة: عورة، فالمعنى ذات نساء نخاف عليهن العدو. ويجوز أن تكون عورة مسكنة من "عَوِرَة". ويجوز أن تكون مصدراً. ويجوز أن تكون اسم فاعل على السعة، كما يقال: رجل عَدْلٌ أي عَادِلٌ. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِّنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُواْ ٱلْفِتْنَةَ لآتَوْهَا﴾. [أي: لو دخلت المدينة على هؤلاء القائلين: إن بيوتنا عورة من جوانبها قاله قتادة. ﴿ثُمَّ سُئِلُواْ ٱلْفِتْنَةَ لآتَوْهَا﴾] أي: لو سئلوا الشرك لأعطوه من أنفسهم طائعين، ومن قطر لأتوه، فمعناه: لجاؤوا الكفر طوعاً. وقيل: المعنى: ولو دخلت عليهم البيوت من نواحيها ثم سئلوا الشرك لقبلوه وأتوه طائعين. * * ثم قال تعالى: ﴿وَمَا تَلَبَّثُواْ بِهَآ﴾ أي بالمدينة. قاله القتبي. وقيل: المعنى: وما تلبثوا بالفتنة. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَانُواْ عَاهَدُواْ ٱللَّهَ مِن قَبْلُ لاَ يُوَلُّونَ ٱلأَدْبَارَ﴾ أي: ولقد كان هؤلاء الذين يستأذنون رسول الله في الانصراف عنه عاهدوا الله من قبل لا يولون عدوهم الأدبار فما أوفوا بعهدهم. ﴿وَكَانَ عَهْدُ ٱللَّهِ مَسْئُولاً﴾ أي: يسأل الله ذلك من أعطاه إياه من نفسه. وذكر أن ذلك نزل في بني حارثة لما كان من فعلهم، وهم الذين هموا أن يفشلوا يوم أحد مع بني سلمة، وهو قوله جل ذكره: ﴿إِذْ هَمَّتْ طَّآئِفَتَانِ مِنكُمْ أَن تَفْشَلاَ﴾ [آل عمران: ١٢٢]، ثم عاهدوا الله لا يولون العدو الأدبار ولا يعودون لمثلها فذكر الله لهم ما قد أعطوا من أنفسهم ولم يفوا به. قال قتادة: كان ناس غابوا عن وقعة بدر ورأوا ما أعطى الله أصحاب بدر من الكرامة والفضل فقالوا: لئن أشهدنا الله قتالاً لنقاتلن، فساق الله إليهم ذلك حتى كان ناحية المدينة. * * ثم قال تعالى: ﴿قُل لَّن يَنفَعَكُمُ ٱلْفِرَارُ إِن فَرَرْتُمْ مِّنَ ٱلْمَوْتِ أَوِ ٱلْقَتْلِ﴾ أي: قل لهم يا محمد لا ينفعكم هروبكم إن هربتم من الموت أو القتل لأن ذلك إن كان كتب عليكم فلا ينفعكم فراركم شيئاً، لا بد لكم مما كتب عليكم. ﴿وَإِذاً لاَّ تُمَتَّعُونَ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ أي: لا يزيد لكم فراركم في أعماركم شيئاً بل إنما تمتعون في هذه الدنيا إلى الوقت الذي كتب لكم، لا تجاوزوه، هو قليل لأن الدنيا كلها متاع قليل، فما بقي من أعماركم أقل من القليل. * * ثم قال تعالى: ﴿قُلْ مَن ذَا ٱلَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِّنَ ٱللَّهِ﴾ أي: يمنعكم من الله إن أراد بكم سوءاً في أنفسكم أو عاقبة وسلامة، فليس الأمر إلا ما قدر الله. * * ثم قال: ﴿وَلاَ يَجِدُونَ لَهُمْ مِّن دُونِ ٱللَّهِ وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً﴾ أي: لا يجدون لأنفسهم من يليهم بالكفالة مما قدر الله عليهم من سوء، ولا نصيراً ينصرهم مما أراد بهم. * * ثم قال تعالى: ﴿قَدْ يَعْلَمُ ٱللَّهُ ٱلْمُعَوِّقِينَ مِنكُمْ﴾ أي: قد يعلم الله الذين يعوقون الناس فيصدونهم عن رسول الله في حضور الحرب. وهو مُشتق من عاقني عن كذا، أي: صرفني عنه ومنعني، وعوق على التكثير لعاق فهو مُعَوِّقٌ. * * ثم قال: ﴿وَٱلْقَآئِلِينَ لإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا﴾ أي تعالوا إلينا ودعوا محمداً فإنا نخاف عليكم الهلاك. ﴿وَلاَ يَأْتُونَ ٱلْبَأْسَ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ أي: الحرب والقتال، لا يشهدون ذلك إلا تعذيراً، ودفعاً للمسلمين عن أنفسهم ورياءً، وهذا كله في المنافقين. قال قتادة: هؤلاء ناس من المنافقين كانوا يقولون لإخوانهم ما محمد وأصحابه إلا أُكْلَةُ رأسٍ ولو كانوا لَحْماً لالتهمهم أبو سفيان وأصحابه دعوا هذا الرجل فإنه هالك. وقال ابن زيد: نزلت في أخوين أحدهما مؤمن والآخر منافق، جرى بينهما كلام في أمر رسول الله ﷺ، فقال المنافق للمؤمن: هلمَّ إلى الطعام فقد نعق بك وبصاحبك والذي يحلف به، لاستقبلها محمد أبداً، فقال له المؤمن: كذبت والذي يحلف به، ثم أخبر النبي ﷺ بذلك، فنزلت: ﴿وَٱلْقَآئِلِينَ لإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا﴾. * * ثم قال تعالى: ﴿أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ﴾. قال الفراء: هو منصوب على الذم، وأجاز نصبه على الحال، وقدره: يعوقون أشحة. وقيل: هو حال، والتقدير: والقائلين لإخوانهم أشحة. وقيل: التقدير: ولا يأتون البأس إلا قليلاً، يأتونه أشحة، أي أشحة على الفقراء بالغنيمة جبناء. وقال الطبري: التقدير هلمَّ إلينا أشحة. وقال السدي بنصبه على الحال، والتقدير: ولا يأتون البأس إلا قليلاً بخلاً عليهم بالظفر والغنيمة. ومن جعل العامل في أشحة "المُعَوِّقِينَ" أو "القائلين" فقد غلط لأنه تفريق بين الصلة والموصول. قال قتادة: معنا أشحة عليكم في الغنيمة. وقال مجاهد: أشحة عليكم في الخير. وقيل: التقدير: أشحة عليكم بالنفقة على الضعفاء منكم. والتأويل: جبناء عند الناس أشحاء عند قسم الغنيمة. وقال يزيد بن رومان: أشحة عليكم للضغن الذي في أنفسهم. * * ثم قال تعالى: ﴿فَإِذَا جَآءَ ٱلْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ﴾ أي: فإذا جاء يا محمد القتال وخافوا (الهلاك) رأيتهم ينظرون إليك لواذاً عن القتال تدور أعينهم خوفاً من القتال. ﴿كَٱلَّذِي يُغْشَىٰ عَلَيْهِ مِنَ ٱلْمَوْتِ﴾ أي: تدور أعينهم كدوران عين الذي يُغشى عليه من الموت النازل به. * * ثم قال تعالى: ﴿فَإِذَا ذَهَبَ ٱلْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ﴾ أي: فإذا زال القتال عفوكم بألسنة ذربة. يقال للرجل الخطيب: مِسْلَقٌ وَمِسْلاقَ وَسَلاقٌ بالسين والصاد فيهن، أي: بليغ. والمعنى: أنهم عند قسم الغنيمة يتطاولون بألسنتهم لشحهم على ما يأخذ المسلمون، يقولون: أعطونا أعطونا، فإنا شهدنا معكم، وهم عند البأس أجبن قوم، هذا معنى قول قتادة. ويدل على صحة هذا التأويل قوله بعد ذلك: ﴿أَشِحَّةً عَلَى ٱلْخَيْرِ﴾ أي: على الغنيمة إذا ظفر المسلمون. وقيل: بل ذلك أذى المنافقين للمسلمين بألسنتهم عند الأمان. قاله ابن عباس ويزيد بن رومان. ثم قال تعالى ذكره: ﴿أوْلَـٰئِكَ لَمْ يُؤْمِنُواْ فَأَحْبَطَ ٱللَّهُ أَعْمَالَهُمْ﴾ أي: هؤلاء المنافقون الذين تقدمت صفتهم لم يصدقوا بالله ورسوله بقلوبهم فأحبط الله أعمالهم، أي: أذهبها وأبطلها. ويروى أن الذي وُصِفَ بها كان بدرياً فأحبط الله عمله، قاله ابن زيد. ﴿وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيراً﴾ أي: وكان إحباط أعمالهم على الله هيناً حقيراً. وتقف على "﴿إِلاَّ قَلِيلاً﴾" إذا نصبت "أشحة" على الذم، ولا تقف عليه على غير هذا التقدير. قال تعالى: ﴿يَحْسَبُونَ ٱلأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُواْ﴾ أي: يحسب هؤلاء المنافقون من جبنهم وخوفهم أن الأحزاب لم ينصرفوا وأنهم باقون قريباً منهم. * * ثم قال تعالى: ﴿وَإِن يَأْتِ ٱلأَحْزَابُ يَوَدُّواْ لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِي ٱلأَعْرَابِ﴾ أي: وإن يأتكم الأحزاب لحربكم ودّ هؤلاء المنافقون لو أنهم في البادية غيب عنكم يسألون عن أخباركم من بعيد جبناً منهم وهلعاً من القتل، يقولون: هل هلك محمد وأصحابه؟ يتمنون أن يسمعوا هلاكهم. وقرأ طلحة: "لَو أَنَّهُم بُدًّى" فِي الأَعْرَابِ مثل: غُزىًّ. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَوْ كَانُواْ فِيكُمْ مَّا قَاتَلُوۤاْ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ أي: لو كانوا معكم لم يقاتلوا معكم إلا تعذيراً لكم لأنهم لا يحتسبون في ذلك ثواباً ولا جزاءً. * * ثم قال تعالى: ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ ٱللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ هذا عتاب من الله للمستخفين عن رسول الله ﷺ بالمدينة من المؤمنين، أي: كان لكم أن تتأسوا به، وتكونوا معه حيث كان ولا تتخلفوا عنه. * * ثم قال: ﴿لِّمَن كَانَ يَرْجُواْ ٱللَّهَ﴾ أي: ثواب الله في الآخرة. ﴿وَٱلْيَوْمَ ٱلآخِرَ﴾ أي: ويرجو عاقبة اليوم الآخر. ﴿وَذَكَرَ ٱللَّهَ كَثِيراً﴾ أي: وأكثر ذكر الله في الخوف والشدة والرخاء.

الأحزاب 33:22

قوله تعالى ذكره: ﴿وَلَمَّا رَأَى ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلأَحْزَابَ﴾ إلى قوله: ﴿غَفُوراً رَّحِيماً﴾. أي: ولما عاين المؤمنون جماعة من الكفار، وقالوا تسليماً منهم لأمر الله وتصديقاً بكتابه: ﴿هَـٰذَا مَا وَعَدَنَا ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ يعنون قوله تعالى ذكره: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ ٱلْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ ٱلَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم﴾ [البقرة: ٢١٤]. * * ثم قال: ﴿وَمَا زَادَهُمْ إِلاَّ إِيمَاناً وَتَسْلِيماً﴾ أي: ما زادتهم الرؤية لذلك إلا إيماناً بالله وتسليماً لأمره، وإنما ذُكِّرَ "زادهم" لأن تأنيث الرؤية غير حقيقي. ودل "رأي" على الرؤية، هذا قول الفراء وعلي بن سليمان. وقال غيرهم: التقدير: وما زادهم اجتماع المشركين عليهم إلا إيماناً، هذا كله مأخوذ من قول ابن عباس وقتادة وغيرهما. قال الحسن: معناه ما زادهم البلاء إلا إيماناً بالرب وتسليماً إلى القضاء. * * ثم قال تعالى: ﴿مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عَاهَدُواْ ٱللَّهَ عَلَيْهِ﴾ أي: أوفوا بالصبر على البأساء والضراء إذ قد عاهدوا الله أن يصبروا إذا امتحنوا. * * ثم قال: ﴿فَمِنْهُمْ مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ﴾ أي: فرغ من العمل الذي قدره الله وأوجبه له على نفسه، فاستشهد بعض يوم بَدْر وبعض يوم أُحُد وبعض في غير ذلك من المواطن. ﴿وَمِنْهُمْ مَّن يَنتَظِرُ﴾ قضاءه والفراغ منه على الوفاء لله بعهده. وأصل النحب في كلام العرب النذر، ثم يستعمل في الموت والخطر العظيم، وقيل: النحب: العهد. قال الحسن: ﴿فَمِنْهُمْ مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ﴾ موته على الصدق. وقال قتادة: على الصدق والوفاء. قال ابن عباس: نحبه هو الموت على ما عاهد الله، ومنهم من ينتظر الموت على ما عاهد الله عليه. ويروى أن هذه الآية نزلت في قوم لم يشهدوا بدراً، فعاهدوا الله إن لقوا قتالاً للمشركين مع رسول الله أن يبلوا من أنفسهم، فشهدوا ذلك مع رسول الله، فمنهم من وفى فقضى نحبه، ومنهم من بدّل وهم الذين قال الله عز وجل فيهم: ﴿وَلَقَدْ كَانُواْ عَاهَدُواْ ٱللَّهَ مِن قَبْلُ﴾ [الأحزاب: ١٥] الآية، ومنهم من وفى ولم يقض نحبه فهو منتظر للموت. قال أنس: تغيَّب أنس بن النضر عن قتال بدر فقال: تغيَّبت عن أول مشهد شهده رسول الله ﷺ، لئن رأيت قتالاً ليرين الله ما أصنع، فلما كان يوم أحد وهزم الناس لقي سعد بن معاذ فقال: والله إني لأجد ريح الجنة فتقدم فقَاتَل حتى قُتِلَ، فنزلت هذه الآية: ﴿مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾، وقال أنس: فوجدناه بين القتلى به بضعاً وثمانين جراحة من ضربة بسيف وطعنة برمح ورمية بسهم، فما عرفناه حتى عرفته أخته. وقيل: معنى ﴿صَدَقُواْ مَا عَاهَدُواْ ٱللَّهَ عَلَيْهِ﴾ الإسلام. * * وقوله: ﴿وَمَا بَدَّلُواْ تَبْدِيلاً﴾ أي: ما غيّروا العهد ولا الدين كما غيره المعوقون القائلون لإخوانهم هلم إلينا. قال قتادة: معناه ما شكوا ولا ترددوا في دينهم ولا استبدلوا به غيره. * * ثم قال تعالى: ﴿لِّيَجْزِيَ ٱللَّهُ ٱلصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ﴾ أي: صدقوا ليثبت أهل الصدق منهم بصدقهم الله على ما عاهدوا عليه. ﴿وَيُعَذِّبَ ٱلْمُنَافِقِينَ إِن شَآءَ﴾ بكفرهم ونقضهم ما عاهدوا الله عليه، أو يتوب عليهم، أي يخرجهم من النفاق إلى الإيمان به. ومعنى الاستثناء في هذا أن المعنى: ويعذب المنافقين بأن لا يتوب عليهم، ولا يوفقهم للتوبة، فيموتوا على نفاقهم إن شاء، فيجب عليهم العذاب، فعذاب المنافق لا بد منه لأنه كافر، والاستثناء إنما هو من أجل التوفيق لا من أجل العذاب، ويبين ذلك قوله: ﴿أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ فالمعنى ويعذب المنافقين إن لم يهدهم للتوبة، أو يتوب عليهم فلا يعذبهم. * * ثم قال: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً﴾ أي: أن الله لم يزل ذا ستر على ذنوب التائبين، رحيماً بهم أن يعذبهم بعد توبتهم.

الأحزاب 33:23

قوله تعالى ذكره: ﴿وَلَمَّا رَأَى ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلأَحْزَابَ﴾ إلى قوله: ﴿غَفُوراً رَّحِيماً﴾. أي: ولما عاين المؤمنون جماعة من الكفار، وقالوا تسليماً منهم لأمر الله وتصديقاً بكتابه: ﴿هَـٰذَا مَا وَعَدَنَا ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ يعنون قوله تعالى ذكره: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ ٱلْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ ٱلَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم﴾ [البقرة: ٢١٤]. * * ثم قال: ﴿وَمَا زَادَهُمْ إِلاَّ إِيمَاناً وَتَسْلِيماً﴾ أي: ما زادتهم الرؤية لذلك إلا إيماناً بالله وتسليماً لأمره، وإنما ذُكِّرَ "زادهم" لأن تأنيث الرؤية غير حقيقي. ودل "رأي" على الرؤية، هذا قول الفراء وعلي بن سليمان. وقال غيرهم: التقدير: وما زادهم اجتماع المشركين عليهم إلا إيماناً، هذا كله مأخوذ من قول ابن عباس وقتادة وغيرهما. قال الحسن: معناه ما زادهم البلاء إلا إيماناً بالرب وتسليماً إلى القضاء. * * ثم قال تعالى: ﴿مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عَاهَدُواْ ٱللَّهَ عَلَيْهِ﴾ أي: أوفوا بالصبر على البأساء والضراء إذ قد عاهدوا الله أن يصبروا إذا امتحنوا. * * ثم قال: ﴿فَمِنْهُمْ مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ﴾ أي: فرغ من العمل الذي قدره الله وأوجبه له على نفسه، فاستشهد بعض يوم بَدْر وبعض يوم أُحُد وبعض في غير ذلك من المواطن. ﴿وَمِنْهُمْ مَّن يَنتَظِرُ﴾ قضاءه والفراغ منه على الوفاء لله بعهده. وأصل النحب في كلام العرب النذر، ثم يستعمل في الموت والخطر العظيم، وقيل: النحب: العهد. قال الحسن: ﴿فَمِنْهُمْ مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ﴾ موته على الصدق. وقال قتادة: على الصدق والوفاء. قال ابن عباس: نحبه هو الموت على ما عاهد الله، ومنهم من ينتظر الموت على ما عاهد الله عليه. ويروى أن هذه الآية نزلت في قوم لم يشهدوا بدراً، فعاهدوا الله إن لقوا قتالاً للمشركين مع رسول الله أن يبلوا من أنفسهم، فشهدوا ذلك مع رسول الله، فمنهم من وفى فقضى نحبه، ومنهم من بدّل وهم الذين قال الله عز وجل فيهم: ﴿وَلَقَدْ كَانُواْ عَاهَدُواْ ٱللَّهَ مِن قَبْلُ﴾ [الأحزاب: ١٥] الآية، ومنهم من وفى ولم يقض نحبه فهو منتظر للموت. قال أنس: تغيَّب أنس بن النضر عن قتال بدر فقال: تغيَّبت عن أول مشهد شهده رسول الله ﷺ، لئن رأيت قتالاً ليرين الله ما أصنع، فلما كان يوم أحد وهزم الناس لقي سعد بن معاذ فقال: والله إني لأجد ريح الجنة فتقدم فقَاتَل حتى قُتِلَ، فنزلت هذه الآية: ﴿مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾، وقال أنس: فوجدناه بين القتلى به بضعاً وثمانين جراحة من ضربة بسيف وطعنة برمح ورمية بسهم، فما عرفناه حتى عرفته أخته. وقيل: معنى ﴿صَدَقُواْ مَا عَاهَدُواْ ٱللَّهَ عَلَيْهِ﴾ الإسلام. * * وقوله: ﴿وَمَا بَدَّلُواْ تَبْدِيلاً﴾ أي: ما غيّروا العهد ولا الدين كما غيره المعوقون القائلون لإخوانهم هلم إلينا. قال قتادة: معناه ما شكوا ولا ترددوا في دينهم ولا استبدلوا به غيره. * * ثم قال تعالى: ﴿لِّيَجْزِيَ ٱللَّهُ ٱلصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ﴾ أي: صدقوا ليثبت أهل الصدق منهم بصدقهم الله على ما عاهدوا عليه. ﴿وَيُعَذِّبَ ٱلْمُنَافِقِينَ إِن شَآءَ﴾ بكفرهم ونقضهم ما عاهدوا الله عليه، أو يتوب عليهم، أي يخرجهم من النفاق إلى الإيمان به. ومعنى الاستثناء في هذا أن المعنى: ويعذب المنافقين بأن لا يتوب عليهم، ولا يوفقهم للتوبة، فيموتوا على نفاقهم إن شاء، فيجب عليهم العذاب، فعذاب المنافق لا بد منه لأنه كافر، والاستثناء إنما هو من أجل التوفيق لا من أجل العذاب، ويبين ذلك قوله: ﴿أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ فالمعنى ويعذب المنافقين إن لم يهدهم للتوبة، أو يتوب عليهم فلا يعذبهم. * * ثم قال: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً﴾ أي: أن الله لم يزل ذا ستر على ذنوب التائبين، رحيماً بهم أن يعذبهم بعد توبتهم.

الأحزاب 33:24

قوله تعالى ذكره: ﴿وَلَمَّا رَأَى ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلأَحْزَابَ﴾ إلى قوله: ﴿غَفُوراً رَّحِيماً﴾. أي: ولما عاين المؤمنون جماعة من الكفار، وقالوا تسليماً منهم لأمر الله وتصديقاً بكتابه: ﴿هَـٰذَا مَا وَعَدَنَا ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ يعنون قوله تعالى ذكره: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ ٱلْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ ٱلَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم﴾ [البقرة: ٢١٤]. * * ثم قال: ﴿وَمَا زَادَهُمْ إِلاَّ إِيمَاناً وَتَسْلِيماً﴾ أي: ما زادتهم الرؤية لذلك إلا إيماناً بالله وتسليماً لأمره، وإنما ذُكِّرَ "زادهم" لأن تأنيث الرؤية غير حقيقي. ودل "رأي" على الرؤية، هذا قول الفراء وعلي بن سليمان. وقال غيرهم: التقدير: وما زادهم اجتماع المشركين عليهم إلا إيماناً، هذا كله مأخوذ من قول ابن عباس وقتادة وغيرهما. قال الحسن: معناه ما زادهم البلاء إلا إيماناً بالرب وتسليماً إلى القضاء. * * ثم قال تعالى: ﴿مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عَاهَدُواْ ٱللَّهَ عَلَيْهِ﴾ أي: أوفوا بالصبر على البأساء والضراء إذ قد عاهدوا الله أن يصبروا إذا امتحنوا. * * ثم قال: ﴿فَمِنْهُمْ مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ﴾ أي: فرغ من العمل الذي قدره الله وأوجبه له على نفسه، فاستشهد بعض يوم بَدْر وبعض يوم أُحُد وبعض في غير ذلك من المواطن. ﴿وَمِنْهُمْ مَّن يَنتَظِرُ﴾ قضاءه والفراغ منه على الوفاء لله بعهده. وأصل النحب في كلام العرب النذر، ثم يستعمل في الموت والخطر العظيم، وقيل: النحب: العهد. قال الحسن: ﴿فَمِنْهُمْ مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ﴾ موته على الصدق. وقال قتادة: على الصدق والوفاء. قال ابن عباس: نحبه هو الموت على ما عاهد الله، ومنهم من ينتظر الموت على ما عاهد الله عليه. ويروى أن هذه الآية نزلت في قوم لم يشهدوا بدراً، فعاهدوا الله إن لقوا قتالاً للمشركين مع رسول الله أن يبلوا من أنفسهم، فشهدوا ذلك مع رسول الله، فمنهم من وفى فقضى نحبه، ومنهم من بدّل وهم الذين قال الله عز وجل فيهم: ﴿وَلَقَدْ كَانُواْ عَاهَدُواْ ٱللَّهَ مِن قَبْلُ﴾ [الأحزاب: ١٥] الآية، ومنهم من وفى ولم يقض نحبه فهو منتظر للموت. قال أنس: تغيَّب أنس بن النضر عن قتال بدر فقال: تغيَّبت عن أول مشهد شهده رسول الله ﷺ، لئن رأيت قتالاً ليرين الله ما أصنع، فلما كان يوم أحد وهزم الناس لقي سعد بن معاذ فقال: والله إني لأجد ريح الجنة فتقدم فقَاتَل حتى قُتِلَ، فنزلت هذه الآية: ﴿مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾، وقال أنس: فوجدناه بين القتلى به بضعاً وثمانين جراحة من ضربة بسيف وطعنة برمح ورمية بسهم، فما عرفناه حتى عرفته أخته. وقيل: معنى ﴿صَدَقُواْ مَا عَاهَدُواْ ٱللَّهَ عَلَيْهِ﴾ الإسلام. * * وقوله: ﴿وَمَا بَدَّلُواْ تَبْدِيلاً﴾ أي: ما غيّروا العهد ولا الدين كما غيره المعوقون القائلون لإخوانهم هلم إلينا. قال قتادة: معناه ما شكوا ولا ترددوا في دينهم ولا استبدلوا به غيره. * * ثم قال تعالى: ﴿لِّيَجْزِيَ ٱللَّهُ ٱلصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ﴾ أي: صدقوا ليثبت أهل الصدق منهم بصدقهم الله على ما عاهدوا عليه. ﴿وَيُعَذِّبَ ٱلْمُنَافِقِينَ إِن شَآءَ﴾ بكفرهم ونقضهم ما عاهدوا الله عليه، أو يتوب عليهم، أي يخرجهم من النفاق إلى الإيمان به. ومعنى الاستثناء في هذا أن المعنى: ويعذب المنافقين بأن لا يتوب عليهم، ولا يوفقهم للتوبة، فيموتوا على نفاقهم إن شاء، فيجب عليهم العذاب، فعذاب المنافق لا بد منه لأنه كافر، والاستثناء إنما هو من أجل التوفيق لا من أجل العذاب، ويبين ذلك قوله: ﴿أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ فالمعنى ويعذب المنافقين إن لم يهدهم للتوبة، أو يتوب عليهم فلا يعذبهم. * * ثم قال: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً﴾ أي: أن الله لم يزل ذا ستر على ذنوب التائبين، رحيماً بهم أن يعذبهم بعد توبتهم.

الأحزاب 33:25

قوله تعالى ذكره: ﴿وَرَدَّ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِغَيْظِهِمْ﴾ إلى قوله: ﴿أَجْراً عَظِيماً﴾. أي: ورد الله الأحزاب بغيظهم أي بِكَرْبِهِم وعمهم لفوتهم ما أملوا من الظفر لم ينالوا من المسلمين مالاً ولا غيره. ﴿وَكَفَى ٱللَّهُ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱلْقِتَالَ﴾ بالريح والجنود التي أنزل الله من الملائكة. روى عبد الرحمن بن أبي سعدي الخدري عن أبيه أنه قال: حُبِسْنَا يَوْمَ الخَنْدَقِ عَنِ الصَّلاةِ فَلَمْ نُصَلِّ الظُّهْرَ وَلاَ العَصْرَ وَلاَ المَغْرِبَ وَلاَ العِشَاءَ حَتَّى كَانَ بَعْدَ العِشَاءِ بِهَويٍّ فَكَفَيْنَا فَأنْزَلَ اللهُ تَعالى: ﴿وَكَفَى ٱللَّهُ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱلْقِتَالَ﴾ الآية "فَأَمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِلالاً فَأَقَامَ الصَّلاَةَ وَصلَّى الظُّهْرَ فَأَحْسَنَ صَلاتَهَا كَمَا كَانَ يُصَلِّيهَا فِي وَقْتِهَا، ثُمَّ صَلَّى العَصْرَ كَذَلِكَ، ثُمَّ صَلَّى المَغْرِبَ كَذَلِكَ، ثُمَّ صَلَّى العِشَاءَ كَذَلِكَ، لِكُلِّ صَلاَةٍ إِقَامَةٌ وقوله: ﴿وَكَانَ ٱللَّهُ قَوِيّاً عَزِيزاً﴾ أي: قوياً في أمره عزيزاً في نقمته. * * ثم قال تعالى: ﴿وَأَنزَلَ ٱلَّذِينَ ظَاهَرُوهُم مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ مِن صَيَاصِيهِمْ﴾ يعني بني النضير وبني قريظة عاونوا المشركين على النبي وأصحابه، فأنزلهم الله من حصونهم ﴿وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلرُّعْبَ فَرِيقاً تَقْتُلُونَ﴾ يعني المُقَاتِلَةَ. ﴿وَتَأْسِرُونَ فَرِيقاً﴾ يعني النساء والصبيان كما حكم فيهم سعد، لأنهم حكموه في أنفسهم لحلف كان بينهم وبين قوم سعد فطمعوا أن يميل معهم، فلم تأخذه في الله لومة لائم، وحكم بقتل مقاتلهم وسبي ذراريهم، وقد مضى ذكر ذلك. وأصل الصَّيْصَّةِ ما تمتنع به، فلذلك قيل للحصن صيصية لأنه يمتنع به، ولذلك يقال لقرون البقر صياصي لأنها يمتنع بها. وذكر قتادة وغيره: "أن النبي ﷺ بعد ذهاب الأحزاب عنه دخل بيت زينت بنت جحش يغسل رأسه، فبينما هو يغسله إذ أتاه جبريل ﷺ، فقال: عفا الله عنك، ما وضعت الملائكة سلاحها منذ أربعين ليلة، فانهض إلى بني قريظة فإني قد قطعت أوتادهم وفتحت أبوابهم وتركتهم في زلزال وبَلْبَالِ فاسْتَلأَمَ ﷺ، ثم سلك شق بني غنم، فاتَّبَعَهُ الناس، فأتاهم رسول الله فحاصرهم، وناداهم يا إخوة القرود، فقالوا: يا أبا القاسم ما كنت فاحشاً، فنزلوا على حكم سعد فحكم بقتل مقاتلهم - وكانوا ست مائة -، وسبي ذراريهم، وقسم عقارهم بين المهاجرين دون الأنصار، فقال قومه: أَأَثَرْتَ المهاجرين بالعقار علينا، قال: فإنكم كنتم ذوي عقار وأن المهاجرين لا عقار لهم". * * ثم قال تعالى: ﴿وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ﴾ أي: ملككم ذلك بعد مهلكهم. * * ثم قال: ﴿وَأَرْضاً لَّمْ تَطَئُوهَا﴾. قال الحسن: هي أرض فارس والروم ونحوهما من البلاد. وقال قتادة: هي مكة. وقال يزيد بن رومان: هي خيبر. وكذلك قال ابن زيد. * * ثم قال: ﴿وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً﴾ أي: لا يتعذر عليه ما أراد. * * ثم قال: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ قُل لأَزْوَاجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَا﴾ الآية أي: إن كنتن تَخْتَرنَ الحياة الدنيا على الآخرة. ﴿فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ﴾ بما أوجب الله على الرجال لنسائهم من المتعة عند مفارقتهن بالطلاق. * * ومعنى ﴿وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً﴾: أطلقكن طلاقاً جميلاً، أي: على ما أذن الله به وأدب به عباده، وهو قوله ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١]. * * ثم قال: ﴿وَإِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ رضى الله ورسوله، ﴿فَإِنَّ ٱللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنكُنَّ أَجْراً عَظِيماً﴾ أي: للعاملات منكن بأمر الله ورسوله أجراً عظيماً. روي أن هذه الآية نزلت من أجل عائشة سألت رسول الله شيئاً من عرض الدنيا، واعتزل رسول الله لذلك نساءه شهراً، ثم أمره الله أن يخيرهن بين الصبر والرضى بما قسم لهن والعمل بطاعة الله، وبين أن يمتعهن ويفارقهن. وروي أن النبي ﷺ "لم يخرج لصلوات فقالوا: ما شأنه؟ فقال عمر: إن شئتم لأَْعْلَمَنَّ لكم ما شأنه، فأتى النَّبِيَّ فجعل يتكلم ويرفع صوته، حتى أذن له، قال: فجعلت أقول في نفسي: أيَّ شيء أكلم به رسول الله لعله يَنْبَسِطُ؟ قال: فقلت يا رسول الله لو رَأَيْتَ فُلانَةَ وسألتني النفقة فصككتها صكة، فقال: ذَلِكَ حَبَسَنِي عَنكُمْ، فأتى عمر حفصة فقال لها: لا تسألي رسول الله ﷺ شيئاً، ما كانت لك من حاجة فإليّ، ثمَّ تتبع نساء النبي فجعل يكلمهن، فقال لعائشة: أَيَغُرُّكِ أنك امرأة حسناء وأن زوجك يحبك، لتنتهين أو لينزلن الله فيكن القرآن، فقالت له أم سلمة: يا ابن الخطاب أو ما بقي لك إلا أن تدخل بين رسول الله ﷺ وبين نسائه، من يسأل المرأة إلا زوجها، ونزل القرآن: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ قُل لأَزْوَاجِكَ﴾ إلى قوله ﴿أَجْراً عَظِيماً﴾، فبدأ بعائشة وخيرها، وقرأ عليها القرآن، فقالت: هل بدَأْتَ بأحد من نسائك قبلي؟ قال: لا، قالت: فإني أختار الله ورسوله والدار الآخرة، ولا تخبرهن بذلك، ثم تتبعهن فجعل يخبرهن ويقرأ عليهن القرآن ويخبرهن بما صنعته عائشة فتتابعن على ذلك". قال قتادة والحسن: خيَّرهن بين الدنيا والآخرة والجنة والنار في شيء كُنَّ أَرَدْنَهُ من الدنيا. وقال عكرمة: في غَيْرَةٍ كانت غارتها عائشة، وكان تحته يومئذ تسع نسوة، خمس من قريش: عائشة، وحفصة، وأم حبيبة ابنة أبي سفيان، وسودة بنت زمعة، وأم سلمة بنت أبي أمية، وكانت تحته صفية بن حيي الخيبرية، وميمونة بنت الحارث الهلالية، وزينب بنت جحش الأسدية، وجويرية بنت الحارث من بني المُصْطَلِق، فبدأ بعائشة فاختارت الله ورسوله، فرُئِيَ الفرح في وجه رسول الله ﷺ فتتابعن كلهن على ذلك. قال الحسن وقتادة: فلما اخترن الله ورسوله شكرهن الله على ذلك فقال: "لاَ يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ" الآية، فقصره الله عليهن. وقال ابن زيد: كان سبب ذلك الغيرة. وقد روي في ذلك أخبار كثيرة يختلف لفظها والمعنى يرجع إلى ما ذكرنا في جميعها. قال ابن شهاب: امرأة واحدة اختارت نفسها فذهبت وكانت بدوية. قال ربيعة: فكانت البتة. قيل كان اسمها عمرة بنت يزيد الكلابية، اختارت الفراق وذهبت، فابتلاها الله تعالى بالجنون. ويقال: إن أباها تركها ترعى غنماً له فصارت إحداهن، فلم يعلم ما كان من أمرها وخبرها إلى اليوم. ويقال: إنها كِنْدِية، ويقال: إنها لم تختر، وإنما استعاذت من رسول الله ﷺ فردَّها، وقال: "لَقَدْ اسْتَعَذْتِ بِمُعَاذٍ". ويقال إنه دعاها، فقالت: إنا قوم نُؤتى ولا نأتي. وإذا خيّر الرجل امرأته فاختارت نفسها فهي البتة، وإن اختارت واحدة أو اثنتين أو لم تختر شيئاً، أو قالت: اخترت زوجي، فلا شيء في ذلك كله بالمدخول بها، وهي زوجة على حالها. قال ابن عبد الحكم: معنى خيّرهن: قرأ عليهن الآية. ولا يجوز أن يخيّرهن بلفظ التخيير لأن التخيير إذا قُبِلَ ثلاثاً، والله أمره أن يطلق النساء لعدتهن، وقد قال: سَرَاحاً جَمِيلاً، والثلاث ليس مما يَجْمُلُ مِنه، فالسراح الجميل هو واحدة لا الثلاث التي يوجبهن قبول التخيير.

الأحزاب 33:26

قوله تعالى ذكره: ﴿وَرَدَّ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِغَيْظِهِمْ﴾ إلى قوله: ﴿أَجْراً عَظِيماً﴾. أي: ورد الله الأحزاب بغيظهم أي بِكَرْبِهِم وعمهم لفوتهم ما أملوا من الظفر لم ينالوا من المسلمين مالاً ولا غيره. ﴿وَكَفَى ٱللَّهُ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱلْقِتَالَ﴾ بالريح والجنود التي أنزل الله من الملائكة. روى عبد الرحمن بن أبي سعدي الخدري عن أبيه أنه قال: حُبِسْنَا يَوْمَ الخَنْدَقِ عَنِ الصَّلاةِ فَلَمْ نُصَلِّ الظُّهْرَ وَلاَ العَصْرَ وَلاَ المَغْرِبَ وَلاَ العِشَاءَ حَتَّى كَانَ بَعْدَ العِشَاءِ بِهَويٍّ فَكَفَيْنَا فَأنْزَلَ اللهُ تَعالى: ﴿وَكَفَى ٱللَّهُ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱلْقِتَالَ﴾ الآية "فَأَمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِلالاً فَأَقَامَ الصَّلاَةَ وَصلَّى الظُّهْرَ فَأَحْسَنَ صَلاتَهَا كَمَا كَانَ يُصَلِّيهَا فِي وَقْتِهَا، ثُمَّ صَلَّى العَصْرَ كَذَلِكَ، ثُمَّ صَلَّى المَغْرِبَ كَذَلِكَ، ثُمَّ صَلَّى العِشَاءَ كَذَلِكَ، لِكُلِّ صَلاَةٍ إِقَامَةٌ وقوله: ﴿وَكَانَ ٱللَّهُ قَوِيّاً عَزِيزاً﴾ أي: قوياً في أمره عزيزاً في نقمته. * * ثم قال تعالى: ﴿وَأَنزَلَ ٱلَّذِينَ ظَاهَرُوهُم مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ مِن صَيَاصِيهِمْ﴾ يعني بني النضير وبني قريظة عاونوا المشركين على النبي وأصحابه، فأنزلهم الله من حصونهم ﴿وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلرُّعْبَ فَرِيقاً تَقْتُلُونَ﴾ يعني المُقَاتِلَةَ. ﴿وَتَأْسِرُونَ فَرِيقاً﴾ يعني النساء والصبيان كما حكم فيهم سعد، لأنهم حكموه في أنفسهم لحلف كان بينهم وبين قوم سعد فطمعوا أن يميل معهم، فلم تأخذه في الله لومة لائم، وحكم بقتل مقاتلهم وسبي ذراريهم، وقد مضى ذكر ذلك. وأصل الصَّيْصَّةِ ما تمتنع به، فلذلك قيل للحصن صيصية لأنه يمتنع به، ولذلك يقال لقرون البقر صياصي لأنها يمتنع بها. وذكر قتادة وغيره: "أن النبي ﷺ بعد ذهاب الأحزاب عنه دخل بيت زينت بنت جحش يغسل رأسه، فبينما هو يغسله إذ أتاه جبريل ﷺ، فقال: عفا الله عنك، ما وضعت الملائكة سلاحها منذ أربعين ليلة، فانهض إلى بني قريظة فإني قد قطعت أوتادهم وفتحت أبوابهم وتركتهم في زلزال وبَلْبَالِ فاسْتَلأَمَ ﷺ، ثم سلك شق بني غنم، فاتَّبَعَهُ الناس، فأتاهم رسول الله فحاصرهم، وناداهم يا إخوة القرود، فقالوا: يا أبا القاسم ما كنت فاحشاً، فنزلوا على حكم سعد فحكم بقتل مقاتلهم - وكانوا ست مائة -، وسبي ذراريهم، وقسم عقارهم بين المهاجرين دون الأنصار، فقال قومه: أَأَثَرْتَ المهاجرين بالعقار علينا، قال: فإنكم كنتم ذوي عقار وأن المهاجرين لا عقار لهم". * * ثم قال تعالى: ﴿وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ﴾ أي: ملككم ذلك بعد مهلكهم. * * ثم قال: ﴿وَأَرْضاً لَّمْ تَطَئُوهَا﴾. قال الحسن: هي أرض فارس والروم ونحوهما من البلاد. وقال قتادة: هي مكة. وقال يزيد بن رومان: هي خيبر. وكذلك قال ابن زيد. * * ثم قال: ﴿وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً﴾ أي: لا يتعذر عليه ما أراد. * * ثم قال: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ قُل لأَزْوَاجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَا﴾ الآية أي: إن كنتن تَخْتَرنَ الحياة الدنيا على الآخرة. ﴿فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ﴾ بما أوجب الله على الرجال لنسائهم من المتعة عند مفارقتهن بالطلاق. * * ومعنى ﴿وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً﴾: أطلقكن طلاقاً جميلاً، أي: على ما أذن الله به وأدب به عباده، وهو قوله ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١]. * * ثم قال: ﴿وَإِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ رضى الله ورسوله، ﴿فَإِنَّ ٱللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنكُنَّ أَجْراً عَظِيماً﴾ أي: للعاملات منكن بأمر الله ورسوله أجراً عظيماً. روي أن هذه الآية نزلت من أجل عائشة سألت رسول الله شيئاً من عرض الدنيا، واعتزل رسول الله لذلك نساءه شهراً، ثم أمره الله أن يخيرهن بين الصبر والرضى بما قسم لهن والعمل بطاعة الله، وبين أن يمتعهن ويفارقهن. وروي أن النبي ﷺ "لم يخرج لصلوات فقالوا: ما شأنه؟ فقال عمر: إن شئتم لأَْعْلَمَنَّ لكم ما شأنه، فأتى النَّبِيَّ فجعل يتكلم ويرفع صوته، حتى أذن له، قال: فجعلت أقول في نفسي: أيَّ شيء أكلم به رسول الله لعله يَنْبَسِطُ؟ قال: فقلت يا رسول الله لو رَأَيْتَ فُلانَةَ وسألتني النفقة فصككتها صكة، فقال: ذَلِكَ حَبَسَنِي عَنكُمْ، فأتى عمر حفصة فقال لها: لا تسألي رسول الله ﷺ شيئاً، ما كانت لك من حاجة فإليّ، ثمَّ تتبع نساء النبي فجعل يكلمهن، فقال لعائشة: أَيَغُرُّكِ أنك امرأة حسناء وأن زوجك يحبك، لتنتهين أو لينزلن الله فيكن القرآن، فقالت له أم سلمة: يا ابن الخطاب أو ما بقي لك إلا أن تدخل بين رسول الله ﷺ وبين نسائه، من يسأل المرأة إلا زوجها، ونزل القرآن: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ قُل لأَزْوَاجِكَ﴾ إلى قوله ﴿أَجْراً عَظِيماً﴾، فبدأ بعائشة وخيرها، وقرأ عليها القرآن، فقالت: هل بدَأْتَ بأحد من نسائك قبلي؟ قال: لا، قالت: فإني أختار الله ورسوله والدار الآخرة، ولا تخبرهن بذلك، ثم تتبعهن فجعل يخبرهن ويقرأ عليهن القرآن ويخبرهن بما صنعته عائشة فتتابعن على ذلك". قال قتادة والحسن: خيَّرهن بين الدنيا والآخرة والجنة والنار في شيء كُنَّ أَرَدْنَهُ من الدنيا. وقال عكرمة: في غَيْرَةٍ كانت غارتها عائشة، وكان تحته يومئذ تسع نسوة، خمس من قريش: عائشة، وحفصة، وأم حبيبة ابنة أبي سفيان، وسودة بنت زمعة، وأم سلمة بنت أبي أمية، وكانت تحته صفية بن حيي الخيبرية، وميمونة بنت الحارث الهلالية، وزينب بنت جحش الأسدية، وجويرية بنت الحارث من بني المُصْطَلِق، فبدأ بعائشة فاختارت الله ورسوله، فرُئِيَ الفرح في وجه رسول الله ﷺ فتتابعن كلهن على ذلك. قال الحسن وقتادة: فلما اخترن الله ورسوله شكرهن الله على ذلك فقال: "لاَ يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ" الآية، فقصره الله عليهن. وقال ابن زيد: كان سبب ذلك الغيرة. وقد روي في ذلك أخبار كثيرة يختلف لفظها والمعنى يرجع إلى ما ذكرنا في جميعها. قال ابن شهاب: امرأة واحدة اختارت نفسها فذهبت وكانت بدوية. قال ربيعة: فكانت البتة. قيل كان اسمها عمرة بنت يزيد الكلابية، اختارت الفراق وذهبت، فابتلاها الله تعالى بالجنون. ويقال: إن أباها تركها ترعى غنماً له فصارت إحداهن، فلم يعلم ما كان من أمرها وخبرها إلى اليوم. ويقال: إنها كِنْدِية، ويقال: إنها لم تختر، وإنما استعاذت من رسول الله ﷺ فردَّها، وقال: "لَقَدْ اسْتَعَذْتِ بِمُعَاذٍ". ويقال إنه دعاها، فقالت: إنا قوم نُؤتى ولا نأتي. وإذا خيّر الرجل امرأته فاختارت نفسها فهي البتة، وإن اختارت واحدة أو اثنتين أو لم تختر شيئاً، أو قالت: اخترت زوجي، فلا شيء في ذلك كله بالمدخول بها، وهي زوجة على حالها. قال ابن عبد الحكم: معنى خيّرهن: قرأ عليهن الآية. ولا يجوز أن يخيّرهن بلفظ التخيير لأن التخيير إذا قُبِلَ ثلاثاً، والله أمره أن يطلق النساء لعدتهن، وقد قال: سَرَاحاً جَمِيلاً، والثلاث ليس مما يَجْمُلُ مِنه، فالسراح الجميل هو واحدة لا الثلاث التي يوجبهن قبول التخيير.

الأحزاب 33:27

قوله تعالى ذكره: ﴿وَرَدَّ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِغَيْظِهِمْ﴾ إلى قوله: ﴿أَجْراً عَظِيماً﴾. أي: ورد الله الأحزاب بغيظهم أي بِكَرْبِهِم وعمهم لفوتهم ما أملوا من الظفر لم ينالوا من المسلمين مالاً ولا غيره. ﴿وَكَفَى ٱللَّهُ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱلْقِتَالَ﴾ بالريح والجنود التي أنزل الله من الملائكة. روى عبد الرحمن بن أبي سعدي الخدري عن أبيه أنه قال: حُبِسْنَا يَوْمَ الخَنْدَقِ عَنِ الصَّلاةِ فَلَمْ نُصَلِّ الظُّهْرَ وَلاَ العَصْرَ وَلاَ المَغْرِبَ وَلاَ العِشَاءَ حَتَّى كَانَ بَعْدَ العِشَاءِ بِهَويٍّ فَكَفَيْنَا فَأنْزَلَ اللهُ تَعالى: ﴿وَكَفَى ٱللَّهُ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱلْقِتَالَ﴾ الآية "فَأَمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِلالاً فَأَقَامَ الصَّلاَةَ وَصلَّى الظُّهْرَ فَأَحْسَنَ صَلاتَهَا كَمَا كَانَ يُصَلِّيهَا فِي وَقْتِهَا، ثُمَّ صَلَّى العَصْرَ كَذَلِكَ، ثُمَّ صَلَّى المَغْرِبَ كَذَلِكَ، ثُمَّ صَلَّى العِشَاءَ كَذَلِكَ، لِكُلِّ صَلاَةٍ إِقَامَةٌ وقوله: ﴿وَكَانَ ٱللَّهُ قَوِيّاً عَزِيزاً﴾ أي: قوياً في أمره عزيزاً في نقمته. * * ثم قال تعالى: ﴿وَأَنزَلَ ٱلَّذِينَ ظَاهَرُوهُم مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ مِن صَيَاصِيهِمْ﴾ يعني بني النضير وبني قريظة عاونوا المشركين على النبي وأصحابه، فأنزلهم الله من حصونهم ﴿وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلرُّعْبَ فَرِيقاً تَقْتُلُونَ﴾ يعني المُقَاتِلَةَ. ﴿وَتَأْسِرُونَ فَرِيقاً﴾ يعني النساء والصبيان كما حكم فيهم سعد، لأنهم حكموه في أنفسهم لحلف كان بينهم وبين قوم سعد فطمعوا أن يميل معهم، فلم تأخذه في الله لومة لائم، وحكم بقتل مقاتلهم وسبي ذراريهم، وقد مضى ذكر ذلك. وأصل الصَّيْصَّةِ ما تمتنع به، فلذلك قيل للحصن صيصية لأنه يمتنع به، ولذلك يقال لقرون البقر صياصي لأنها يمتنع بها. وذكر قتادة وغيره: "أن النبي ﷺ بعد ذهاب الأحزاب عنه دخل بيت زينت بنت جحش يغسل رأسه، فبينما هو يغسله إذ أتاه جبريل ﷺ، فقال: عفا الله عنك، ما وضعت الملائكة سلاحها منذ أربعين ليلة، فانهض إلى بني قريظة فإني قد قطعت أوتادهم وفتحت أبوابهم وتركتهم في زلزال وبَلْبَالِ فاسْتَلأَمَ ﷺ، ثم سلك شق بني غنم، فاتَّبَعَهُ الناس، فأتاهم رسول الله فحاصرهم، وناداهم يا إخوة القرود، فقالوا: يا أبا القاسم ما كنت فاحشاً، فنزلوا على حكم سعد فحكم بقتل مقاتلهم - وكانوا ست مائة -، وسبي ذراريهم، وقسم عقارهم بين المهاجرين دون الأنصار، فقال قومه: أَأَثَرْتَ المهاجرين بالعقار علينا، قال: فإنكم كنتم ذوي عقار وأن المهاجرين لا عقار لهم". * * ثم قال تعالى: ﴿وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ﴾ أي: ملككم ذلك بعد مهلكهم. * * ثم قال: ﴿وَأَرْضاً لَّمْ تَطَئُوهَا﴾. قال الحسن: هي أرض فارس والروم ونحوهما من البلاد. وقال قتادة: هي مكة. وقال يزيد بن رومان: هي خيبر. وكذلك قال ابن زيد. * * ثم قال: ﴿وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً﴾ أي: لا يتعذر عليه ما أراد. * * ثم قال: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ قُل لأَزْوَاجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَا﴾ الآية أي: إن كنتن تَخْتَرنَ الحياة الدنيا على الآخرة. ﴿فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ﴾ بما أوجب الله على الرجال لنسائهم من المتعة عند مفارقتهن بالطلاق. * * ومعنى ﴿وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً﴾: أطلقكن طلاقاً جميلاً، أي: على ما أذن الله به وأدب به عباده، وهو قوله ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١]. * * ثم قال: ﴿وَإِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ رضى الله ورسوله، ﴿فَإِنَّ ٱللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنكُنَّ أَجْراً عَظِيماً﴾ أي: للعاملات منكن بأمر الله ورسوله أجراً عظيماً. روي أن هذه الآية نزلت من أجل عائشة سألت رسول الله شيئاً من عرض الدنيا، واعتزل رسول الله لذلك نساءه شهراً، ثم أمره الله أن يخيرهن بين الصبر والرضى بما قسم لهن والعمل بطاعة الله، وبين أن يمتعهن ويفارقهن. وروي أن النبي ﷺ "لم يخرج لصلوات فقالوا: ما شأنه؟ فقال عمر: إن شئتم لأَْعْلَمَنَّ لكم ما شأنه، فأتى النَّبِيَّ فجعل يتكلم ويرفع صوته، حتى أذن له، قال: فجعلت أقول في نفسي: أيَّ شيء أكلم به رسول الله لعله يَنْبَسِطُ؟ قال: فقلت يا رسول الله لو رَأَيْتَ فُلانَةَ وسألتني النفقة فصككتها صكة، فقال: ذَلِكَ حَبَسَنِي عَنكُمْ، فأتى عمر حفصة فقال لها: لا تسألي رسول الله ﷺ شيئاً، ما كانت لك من حاجة فإليّ، ثمَّ تتبع نساء النبي فجعل يكلمهن، فقال لعائشة: أَيَغُرُّكِ أنك امرأة حسناء وأن زوجك يحبك، لتنتهين أو لينزلن الله فيكن القرآن، فقالت له أم سلمة: يا ابن الخطاب أو ما بقي لك إلا أن تدخل بين رسول الله ﷺ وبين نسائه، من يسأل المرأة إلا زوجها، ونزل القرآن: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ قُل لأَزْوَاجِكَ﴾ إلى قوله ﴿أَجْراً عَظِيماً﴾، فبدأ بعائشة وخيرها، وقرأ عليها القرآن، فقالت: هل بدَأْتَ بأحد من نسائك قبلي؟ قال: لا، قالت: فإني أختار الله ورسوله والدار الآخرة، ولا تخبرهن بذلك، ثم تتبعهن فجعل يخبرهن ويقرأ عليهن القرآن ويخبرهن بما صنعته عائشة فتتابعن على ذلك". قال قتادة والحسن: خيَّرهن بين الدنيا والآخرة والجنة والنار في شيء كُنَّ أَرَدْنَهُ من الدنيا. وقال عكرمة: في غَيْرَةٍ كانت غارتها عائشة، وكان تحته يومئذ تسع نسوة، خمس من قريش: عائشة، وحفصة، وأم حبيبة ابنة أبي سفيان، وسودة بنت زمعة، وأم سلمة بنت أبي أمية، وكانت تحته صفية بن حيي الخيبرية، وميمونة بنت الحارث الهلالية، وزينب بنت جحش الأسدية، وجويرية بنت الحارث من بني المُصْطَلِق، فبدأ بعائشة فاختارت الله ورسوله، فرُئِيَ الفرح في وجه رسول الله ﷺ فتتابعن كلهن على ذلك. قال الحسن وقتادة: فلما اخترن الله ورسوله شكرهن الله على ذلك فقال: "لاَ يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ" الآية، فقصره الله عليهن. وقال ابن زيد: كان سبب ذلك الغيرة. وقد روي في ذلك أخبار كثيرة يختلف لفظها والمعنى يرجع إلى ما ذكرنا في جميعها. قال ابن شهاب: امرأة واحدة اختارت نفسها فذهبت وكانت بدوية. قال ربيعة: فكانت البتة. قيل كان اسمها عمرة بنت يزيد الكلابية، اختارت الفراق وذهبت، فابتلاها الله تعالى بالجنون. ويقال: إن أباها تركها ترعى غنماً له فصارت إحداهن، فلم يعلم ما كان من أمرها وخبرها إلى اليوم. ويقال: إنها كِنْدِية، ويقال: إنها لم تختر، وإنما استعاذت من رسول الله ﷺ فردَّها، وقال: "لَقَدْ اسْتَعَذْتِ بِمُعَاذٍ". ويقال إنه دعاها، فقالت: إنا قوم نُؤتى ولا نأتي. وإذا خيّر الرجل امرأته فاختارت نفسها فهي البتة، وإن اختارت واحدة أو اثنتين أو لم تختر شيئاً، أو قالت: اخترت زوجي، فلا شيء في ذلك كله بالمدخول بها، وهي زوجة على حالها. قال ابن عبد الحكم: معنى خيّرهن: قرأ عليهن الآية. ولا يجوز أن يخيّرهن بلفظ التخيير لأن التخيير إذا قُبِلَ ثلاثاً، والله أمره أن يطلق النساء لعدتهن، وقد قال: سَرَاحاً جَمِيلاً، والثلاث ليس مما يَجْمُلُ مِنه، فالسراح الجميل هو واحدة لا الثلاث التي يوجبهن قبول التخيير.

الأحزاب 33:28

قوله تعالى ذكره: ﴿وَرَدَّ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِغَيْظِهِمْ﴾ إلى قوله: ﴿أَجْراً عَظِيماً﴾. أي: ورد الله الأحزاب بغيظهم أي بِكَرْبِهِم وعمهم لفوتهم ما أملوا من الظفر لم ينالوا من المسلمين مالاً ولا غيره. ﴿وَكَفَى ٱللَّهُ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱلْقِتَالَ﴾ بالريح والجنود التي أنزل الله من الملائكة. روى عبد الرحمن بن أبي سعدي الخدري عن أبيه أنه قال: حُبِسْنَا يَوْمَ الخَنْدَقِ عَنِ الصَّلاةِ فَلَمْ نُصَلِّ الظُّهْرَ وَلاَ العَصْرَ وَلاَ المَغْرِبَ وَلاَ العِشَاءَ حَتَّى كَانَ بَعْدَ العِشَاءِ بِهَويٍّ فَكَفَيْنَا فَأنْزَلَ اللهُ تَعالى: ﴿وَكَفَى ٱللَّهُ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱلْقِتَالَ﴾ الآية "فَأَمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِلالاً فَأَقَامَ الصَّلاَةَ وَصلَّى الظُّهْرَ فَأَحْسَنَ صَلاتَهَا كَمَا كَانَ يُصَلِّيهَا فِي وَقْتِهَا، ثُمَّ صَلَّى العَصْرَ كَذَلِكَ، ثُمَّ صَلَّى المَغْرِبَ كَذَلِكَ، ثُمَّ صَلَّى العِشَاءَ كَذَلِكَ، لِكُلِّ صَلاَةٍ إِقَامَةٌ وقوله: ﴿وَكَانَ ٱللَّهُ قَوِيّاً عَزِيزاً﴾ أي: قوياً في أمره عزيزاً في نقمته. * * ثم قال تعالى: ﴿وَأَنزَلَ ٱلَّذِينَ ظَاهَرُوهُم مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ مِن صَيَاصِيهِمْ﴾ يعني بني النضير وبني قريظة عاونوا المشركين على النبي وأصحابه، فأنزلهم الله من حصونهم ﴿وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلرُّعْبَ فَرِيقاً تَقْتُلُونَ﴾ يعني المُقَاتِلَةَ. ﴿وَتَأْسِرُونَ فَرِيقاً﴾ يعني النساء والصبيان كما حكم فيهم سعد، لأنهم حكموه في أنفسهم لحلف كان بينهم وبين قوم سعد فطمعوا أن يميل معهم، فلم تأخذه في الله لومة لائم، وحكم بقتل مقاتلهم وسبي ذراريهم، وقد مضى ذكر ذلك. وأصل الصَّيْصَّةِ ما تمتنع به، فلذلك قيل للحصن صيصية لأنه يمتنع به، ولذلك يقال لقرون البقر صياصي لأنها يمتنع بها. وذكر قتادة وغيره: "أن النبي ﷺ بعد ذهاب الأحزاب عنه دخل بيت زينت بنت جحش يغسل رأسه، فبينما هو يغسله إذ أتاه جبريل ﷺ، فقال: عفا الله عنك، ما وضعت الملائكة سلاحها منذ أربعين ليلة، فانهض إلى بني قريظة فإني قد قطعت أوتادهم وفتحت أبوابهم وتركتهم في زلزال وبَلْبَالِ فاسْتَلأَمَ ﷺ، ثم سلك شق بني غنم، فاتَّبَعَهُ الناس، فأتاهم رسول الله فحاصرهم، وناداهم يا إخوة القرود، فقالوا: يا أبا القاسم ما كنت فاحشاً، فنزلوا على حكم سعد فحكم بقتل مقاتلهم - وكانوا ست مائة -، وسبي ذراريهم، وقسم عقارهم بين المهاجرين دون الأنصار، فقال قومه: أَأَثَرْتَ المهاجرين بالعقار علينا، قال: فإنكم كنتم ذوي عقار وأن المهاجرين لا عقار لهم". * * ثم قال تعالى: ﴿وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ﴾ أي: ملككم ذلك بعد مهلكهم. * * ثم قال: ﴿وَأَرْضاً لَّمْ تَطَئُوهَا﴾. قال الحسن: هي أرض فارس والروم ونحوهما من البلاد. وقال قتادة: هي مكة. وقال يزيد بن رومان: هي خيبر. وكذلك قال ابن زيد. * * ثم قال: ﴿وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً﴾ أي: لا يتعذر عليه ما أراد. * * ثم قال: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ قُل لأَزْوَاجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَا﴾ الآية أي: إن كنتن تَخْتَرنَ الحياة الدنيا على الآخرة. ﴿فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ﴾ بما أوجب الله على الرجال لنسائهم من المتعة عند مفارقتهن بالطلاق. * * ومعنى ﴿وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً﴾: أطلقكن طلاقاً جميلاً، أي: على ما أذن الله به وأدب به عباده، وهو قوله ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١]. * * ثم قال: ﴿وَإِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ رضى الله ورسوله، ﴿فَإِنَّ ٱللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنكُنَّ أَجْراً عَظِيماً﴾ أي: للعاملات منكن بأمر الله ورسوله أجراً عظيماً. روي أن هذه الآية نزلت من أجل عائشة سألت رسول الله شيئاً من عرض الدنيا، واعتزل رسول الله لذلك نساءه شهراً، ثم أمره الله أن يخيرهن بين الصبر والرضى بما قسم لهن والعمل بطاعة الله، وبين أن يمتعهن ويفارقهن. وروي أن النبي ﷺ "لم يخرج لصلوات فقالوا: ما شأنه؟ فقال عمر: إن شئتم لأَْعْلَمَنَّ لكم ما شأنه، فأتى النَّبِيَّ فجعل يتكلم ويرفع صوته، حتى أذن له، قال: فجعلت أقول في نفسي: أيَّ شيء أكلم به رسول الله لعله يَنْبَسِطُ؟ قال: فقلت يا رسول الله لو رَأَيْتَ فُلانَةَ وسألتني النفقة فصككتها صكة، فقال: ذَلِكَ حَبَسَنِي عَنكُمْ، فأتى عمر حفصة فقال لها: لا تسألي رسول الله ﷺ شيئاً، ما كانت لك من حاجة فإليّ، ثمَّ تتبع نساء النبي فجعل يكلمهن، فقال لعائشة: أَيَغُرُّكِ أنك امرأة حسناء وأن زوجك يحبك، لتنتهين أو لينزلن الله فيكن القرآن، فقالت له أم سلمة: يا ابن الخطاب أو ما بقي لك إلا أن تدخل بين رسول الله ﷺ وبين نسائه، من يسأل المرأة إلا زوجها، ونزل القرآن: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ قُل لأَزْوَاجِكَ﴾ إلى قوله ﴿أَجْراً عَظِيماً﴾، فبدأ بعائشة وخيرها، وقرأ عليها القرآن، فقالت: هل بدَأْتَ بأحد من نسائك قبلي؟ قال: لا، قالت: فإني أختار الله ورسوله والدار الآخرة، ولا تخبرهن بذلك، ثم تتبعهن فجعل يخبرهن ويقرأ عليهن القرآن ويخبرهن بما صنعته عائشة فتتابعن على ذلك". قال قتادة والحسن: خيَّرهن بين الدنيا والآخرة والجنة والنار في شيء كُنَّ أَرَدْنَهُ من الدنيا. وقال عكرمة: في غَيْرَةٍ كانت غارتها عائشة، وكان تحته يومئذ تسع نسوة، خمس من قريش: عائشة، وحفصة، وأم حبيبة ابنة أبي سفيان، وسودة بنت زمعة، وأم سلمة بنت أبي أمية، وكانت تحته صفية بن حيي الخيبرية، وميمونة بنت الحارث الهلالية، وزينب بنت جحش الأسدية، وجويرية بنت الحارث من بني المُصْطَلِق، فبدأ بعائشة فاختارت الله ورسوله، فرُئِيَ الفرح في وجه رسول الله ﷺ فتتابعن كلهن على ذلك. قال الحسن وقتادة: فلما اخترن الله ورسوله شكرهن الله على ذلك فقال: "لاَ يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ" الآية، فقصره الله عليهن. وقال ابن زيد: كان سبب ذلك الغيرة. وقد روي في ذلك أخبار كثيرة يختلف لفظها والمعنى يرجع إلى ما ذكرنا في جميعها. قال ابن شهاب: امرأة واحدة اختارت نفسها فذهبت وكانت بدوية. قال ربيعة: فكانت البتة. قيل كان اسمها عمرة بنت يزيد الكلابية، اختارت الفراق وذهبت، فابتلاها الله تعالى بالجنون. ويقال: إن أباها تركها ترعى غنماً له فصارت إحداهن، فلم يعلم ما كان من أمرها وخبرها إلى اليوم. ويقال: إنها كِنْدِية، ويقال: إنها لم تختر، وإنما استعاذت من رسول الله ﷺ فردَّها، وقال: "لَقَدْ اسْتَعَذْتِ بِمُعَاذٍ". ويقال إنه دعاها، فقالت: إنا قوم نُؤتى ولا نأتي. وإذا خيّر الرجل امرأته فاختارت نفسها فهي البتة، وإن اختارت واحدة أو اثنتين أو لم تختر شيئاً، أو قالت: اخترت زوجي، فلا شيء في ذلك كله بالمدخول بها، وهي زوجة على حالها. قال ابن عبد الحكم: معنى خيّرهن: قرأ عليهن الآية. ولا يجوز أن يخيّرهن بلفظ التخيير لأن التخيير إذا قُبِلَ ثلاثاً، والله أمره أن يطلق النساء لعدتهن، وقد قال: سَرَاحاً جَمِيلاً، والثلاث ليس مما يَجْمُلُ مِنه، فالسراح الجميل هو واحدة لا الثلاث التي يوجبهن قبول التخيير.

الأحزاب 33:29

قوله تعالى ذكره: ﴿وَرَدَّ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِغَيْظِهِمْ﴾ إلى قوله: ﴿أَجْراً عَظِيماً﴾. أي: ورد الله الأحزاب بغيظهم أي بِكَرْبِهِم وعمهم لفوتهم ما أملوا من الظفر لم ينالوا من المسلمين مالاً ولا غيره. ﴿وَكَفَى ٱللَّهُ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱلْقِتَالَ﴾ بالريح والجنود التي أنزل الله من الملائكة. روى عبد الرحمن بن أبي سعدي الخدري عن أبيه أنه قال: حُبِسْنَا يَوْمَ الخَنْدَقِ عَنِ الصَّلاةِ فَلَمْ نُصَلِّ الظُّهْرَ وَلاَ العَصْرَ وَلاَ المَغْرِبَ وَلاَ العِشَاءَ حَتَّى كَانَ بَعْدَ العِشَاءِ بِهَويٍّ فَكَفَيْنَا فَأنْزَلَ اللهُ تَعالى: ﴿وَكَفَى ٱللَّهُ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱلْقِتَالَ﴾ الآية "فَأَمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِلالاً فَأَقَامَ الصَّلاَةَ وَصلَّى الظُّهْرَ فَأَحْسَنَ صَلاتَهَا كَمَا كَانَ يُصَلِّيهَا فِي وَقْتِهَا، ثُمَّ صَلَّى العَصْرَ كَذَلِكَ، ثُمَّ صَلَّى المَغْرِبَ كَذَلِكَ، ثُمَّ صَلَّى العِشَاءَ كَذَلِكَ، لِكُلِّ صَلاَةٍ إِقَامَةٌ وقوله: ﴿وَكَانَ ٱللَّهُ قَوِيّاً عَزِيزاً﴾ أي: قوياً في أمره عزيزاً في نقمته. * * ثم قال تعالى: ﴿وَأَنزَلَ ٱلَّذِينَ ظَاهَرُوهُم مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ مِن صَيَاصِيهِمْ﴾ يعني بني النضير وبني قريظة عاونوا المشركين على النبي وأصحابه، فأنزلهم الله من حصونهم ﴿وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلرُّعْبَ فَرِيقاً تَقْتُلُونَ﴾ يعني المُقَاتِلَةَ. ﴿وَتَأْسِرُونَ فَرِيقاً﴾ يعني النساء والصبيان كما حكم فيهم سعد، لأنهم حكموه في أنفسهم لحلف كان بينهم وبين قوم سعد فطمعوا أن يميل معهم، فلم تأخذه في الله لومة لائم، وحكم بقتل مقاتلهم وسبي ذراريهم، وقد مضى ذكر ذلك. وأصل الصَّيْصَّةِ ما تمتنع به، فلذلك قيل للحصن صيصية لأنه يمتنع به، ولذلك يقال لقرون البقر صياصي لأنها يمتنع بها. وذكر قتادة وغيره: "أن النبي ﷺ بعد ذهاب الأحزاب عنه دخل بيت زينت بنت جحش يغسل رأسه، فبينما هو يغسله إذ أتاه جبريل ﷺ، فقال: عفا الله عنك، ما وضعت الملائكة سلاحها منذ أربعين ليلة، فانهض إلى بني قريظة فإني قد قطعت أوتادهم وفتحت أبوابهم وتركتهم في زلزال وبَلْبَالِ فاسْتَلأَمَ ﷺ، ثم سلك شق بني غنم، فاتَّبَعَهُ الناس، فأتاهم رسول الله فحاصرهم، وناداهم يا إخوة القرود، فقالوا: يا أبا القاسم ما كنت فاحشاً، فنزلوا على حكم سعد فحكم بقتل مقاتلهم - وكانوا ست مائة -، وسبي ذراريهم، وقسم عقارهم بين المهاجرين دون الأنصار، فقال قومه: أَأَثَرْتَ المهاجرين بالعقار علينا، قال: فإنكم كنتم ذوي عقار وأن المهاجرين لا عقار لهم". * * ثم قال تعالى: ﴿وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ﴾ أي: ملككم ذلك بعد مهلكهم. * * ثم قال: ﴿وَأَرْضاً لَّمْ تَطَئُوهَا﴾. قال الحسن: هي أرض فارس والروم ونحوهما من البلاد. وقال قتادة: هي مكة. وقال يزيد بن رومان: هي خيبر. وكذلك قال ابن زيد. * * ثم قال: ﴿وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً﴾ أي: لا يتعذر عليه ما أراد. * * ثم قال: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ قُل لأَزْوَاجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَا﴾ الآية أي: إن كنتن تَخْتَرنَ الحياة الدنيا على الآخرة. ﴿فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ﴾ بما أوجب الله على الرجال لنسائهم من المتعة عند مفارقتهن بالطلاق. * * ومعنى ﴿وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً﴾: أطلقكن طلاقاً جميلاً، أي: على ما أذن الله به وأدب به عباده، وهو قوله ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١]. * * ثم قال: ﴿وَإِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ رضى الله ورسوله، ﴿فَإِنَّ ٱللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنكُنَّ أَجْراً عَظِيماً﴾ أي: للعاملات منكن بأمر الله ورسوله أجراً عظيماً. روي أن هذه الآية نزلت من أجل عائشة سألت رسول الله شيئاً من عرض الدنيا، واعتزل رسول الله لذلك نساءه شهراً، ثم أمره الله أن يخيرهن بين الصبر والرضى بما قسم لهن والعمل بطاعة الله، وبين أن يمتعهن ويفارقهن. وروي أن النبي ﷺ "لم يخرج لصلوات فقالوا: ما شأنه؟ فقال عمر: إن شئتم لأَْعْلَمَنَّ لكم ما شأنه، فأتى النَّبِيَّ فجعل يتكلم ويرفع صوته، حتى أذن له، قال: فجعلت أقول في نفسي: أيَّ شيء أكلم به رسول الله لعله يَنْبَسِطُ؟ قال: فقلت يا رسول الله لو رَأَيْتَ فُلانَةَ وسألتني النفقة فصككتها صكة، فقال: ذَلِكَ حَبَسَنِي عَنكُمْ، فأتى عمر حفصة فقال لها: لا تسألي رسول الله ﷺ شيئاً، ما كانت لك من حاجة فإليّ، ثمَّ تتبع نساء النبي فجعل يكلمهن، فقال لعائشة: أَيَغُرُّكِ أنك امرأة حسناء وأن زوجك يحبك، لتنتهين أو لينزلن الله فيكن القرآن، فقالت له أم سلمة: يا ابن الخطاب أو ما بقي لك إلا أن تدخل بين رسول الله ﷺ وبين نسائه، من يسأل المرأة إلا زوجها، ونزل القرآن: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ قُل لأَزْوَاجِكَ﴾ إلى قوله ﴿أَجْراً عَظِيماً﴾، فبدأ بعائشة وخيرها، وقرأ عليها القرآن، فقالت: هل بدَأْتَ بأحد من نسائك قبلي؟ قال: لا، قالت: فإني أختار الله ورسوله والدار الآخرة، ولا تخبرهن بذلك، ثم تتبعهن فجعل يخبرهن ويقرأ عليهن القرآن ويخبرهن بما صنعته عائشة فتتابعن على ذلك". قال قتادة والحسن: خيَّرهن بين الدنيا والآخرة والجنة والنار في شيء كُنَّ أَرَدْنَهُ من الدنيا. وقال عكرمة: في غَيْرَةٍ كانت غارتها عائشة، وكان تحته يومئذ تسع نسوة، خمس من قريش: عائشة، وحفصة، وأم حبيبة ابنة أبي سفيان، وسودة بنت زمعة، وأم سلمة بنت أبي أمية، وكانت تحته صفية بن حيي الخيبرية، وميمونة بنت الحارث الهلالية، وزينب بنت جحش الأسدية، وجويرية بنت الحارث من بني المُصْطَلِق، فبدأ بعائشة فاختارت الله ورسوله، فرُئِيَ الفرح في وجه رسول الله ﷺ فتتابعن كلهن على ذلك. قال الحسن وقتادة: فلما اخترن الله ورسوله شكرهن الله على ذلك فقال: "لاَ يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ" الآية، فقصره الله عليهن. وقال ابن زيد: كان سبب ذلك الغيرة. وقد روي في ذلك أخبار كثيرة يختلف لفظها والمعنى يرجع إلى ما ذكرنا في جميعها. قال ابن شهاب: امرأة واحدة اختارت نفسها فذهبت وكانت بدوية. قال ربيعة: فكانت البتة. قيل كان اسمها عمرة بنت يزيد الكلابية، اختارت الفراق وذهبت، فابتلاها الله تعالى بالجنون. ويقال: إن أباها تركها ترعى غنماً له فصارت إحداهن، فلم يعلم ما كان من أمرها وخبرها إلى اليوم. ويقال: إنها كِنْدِية، ويقال: إنها لم تختر، وإنما استعاذت من رسول الله ﷺ فردَّها، وقال: "لَقَدْ اسْتَعَذْتِ بِمُعَاذٍ". ويقال إنه دعاها، فقالت: إنا قوم نُؤتى ولا نأتي. وإذا خيّر الرجل امرأته فاختارت نفسها فهي البتة، وإن اختارت واحدة أو اثنتين أو لم تختر شيئاً، أو قالت: اخترت زوجي، فلا شيء في ذلك كله بالمدخول بها، وهي زوجة على حالها. قال ابن عبد الحكم: معنى خيّرهن: قرأ عليهن الآية. ولا يجوز أن يخيّرهن بلفظ التخيير لأن التخيير إذا قُبِلَ ثلاثاً، والله أمره أن يطلق النساء لعدتهن، وقد قال: سَرَاحاً جَمِيلاً، والثلاث ليس مما يَجْمُلُ مِنه، فالسراح الجميل هو واحدة لا الثلاث التي يوجبهن قبول التخيير.

الأحزاب 33:30

قوله تعالى ذكره: ﴿يٰنِسَآءَ ٱلنَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ﴾ إلى قوله: ﴿وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيـراً﴾. قال الطبري: الفاحشة هنا الزنا. ﴿يُضَاعَفْ لَهَا ٱلْعَذَابُ﴾ أي: على فعلها، وذلك في الآخرة. ﴿ضِعْفَيْنِ﴾ أي: على عذاب أزواج غير النبي عليه السلام إذا أتين بفاحشة. وقيل: إذا أتت الفاحشة المبينة فهي عصيان الزوج ومخالفته، وكذلك معناها في هذه الآية لا الزنى. فإذا أتت الفاحشة بالألف واللام فهي الزنى واللواط. وإذا أتت نكرة غير منعوتة ببينة فهي تصلح للزنا وغيره من الذنوب. قال قتادة: يعني عذاب الدنيا وعذاب الآخرة. وقال ابن عباس: يعني به عذاب الآخرة. وقال أبو عبيدة: ﴿يُضَاعَفْ لَهَا ٱلْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ﴾ يجعل ثلاثة أضعاف، أي: ثلاثة أعذبة. وقال أبو عمرو: ﴿يُضَاعَفْ﴾ للمرار الكثيرة ويَضَعَّفُ مرتين. ولذلك قرأ "يُضَعَّفُ". وأكثر أهل اللغة على خلافها لأن يضاعف ضعفين ويضعف ضعفين واحد، بمعنى مثلين كما تقول: إن دفعت إلي درهماً دفعت إليك ضعفيه، أي مثليه يعني درهمين، ويدل على صحة هذا قوله: ﴿نُؤْتِهَـآ أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ﴾ فلا يكون العذاب أكثر من الأجر، وقد قال تعالى: ﴿[رَبَّنَآ] آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ ٱلْعَذَابِ﴾ [الأحزاب: ٦٨] أي مثلين. * * ثم قال تعالى: ﴿وَمَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ للَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ أي: ومن يطع منكن الله ورسوله وتعمل بما أمرها الله به، ﴿نُؤْتِهَـآ أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ﴾ أي ثواب عملها مثلي ثواب غيرها من نساء المؤمنين. ﴿وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقاً كَرِيماً﴾ أي في الآخرة، يعني به: في الجنة. * * ثم قال تعالى: ﴿يٰنِسَآءَ ٱلنَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ ٱلنِّسَآءِ إِنِ ٱتَّقَيْتُنَّ﴾ أي: لستن في الفضل والمجازاة كأحد من نساء هذه الأمة، إن اتقيتن الله بالطاعة له ولرسوله. ووقع أحد في موضع واحدة لأنه أعم إذ يقع على المؤنث والمذكر الواحد والجمع بلفظ واحد. فقوله: ﴿فَلاَ تَخْضَعْنَ بِٱلْقَوْلِ﴾ أي: لا تُلِنَّ القول للرجال. ﴿فَيَطْمَعَ ٱلَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾ أي: شك ونفاق، أي يطمع في الفاحشة استخفافاً بحدود الله. قال عكرمة ﴿فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾ أي شهوة الزنا. قال قتادة: ﴿مَرَضٌ﴾ نفاق. * * ثم قال تعالى: ﴿وَقُلْنَ قَوْلاً مَّعْرُوفاً﴾ أي: قولاً أَذِنَ الله لكن فيه وأباحه لكن. قال ابن زيد: معناه: قولاً جميلاً معروفاً في الخير. * * ثم قال: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ أي: اثبتن في بيوتكن. هذا على مذهب من قرأ بكسر القاف، يكون عند الفراء وأبي عبيد من الوقار، يقال وَقَرَ يَقِرُّ وُقُوراً إذا ثبت في منزله. وقيل: هو من قَرَّ في المكان إذا ثبت أيضاً، فيكون الأصل: واقْرِرْنَ فحذفت الراء الثانية استثقالاً للتضعيف، وألقيت حركة الأولى الباقية على القاف فاستغني عن ألف الوصل، فصار وَقِرْنَ كما تقول ظِلْتُ أفعل بكسر الظاء. فأما قراءة من فتح القاف، وهي قراءة نافع وعاصم، فهي لغة لأهل الحجاز، يقولون: قَرَرْتُ بالمكان أَقَرَّ، بمنزلة قَرِرْتُ به عيناً أَقَرُّ، حكاه أبو عبيد في "المصنف" عن الكسائي. فيكون التقدير: واقْرِرْنَ [في بيوتكن]، ثم أُعِلَّ في الأولى فيصير: وَقَرْنَ. ويجوز أن يكون من قرة العين هذا على الحذف، والاعتلال أيضاً، وشاهده قوله: ﴿ذَلِكَ أَدْنَىٰ أَن تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ﴾ [الأحزاب: ٥١] فيكون التقدير: واقررن عيناً في بيوتكن. وروي أن عماراً قال لعائشة رضي الله عنها: إن الله قد أمركِ أن تَقَرّي في منزلك، فقالت: يا أبا اليقظان، ما زلت قَوَّالاً بالحق، فقال: الحمد لله الذي جعلني كذلك على لسانك. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلاَ تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ ٱلْجَاهِلِيَّةِ ٱلأُولَىٰ﴾ أي: إذا خرجتن من بيوتكن. قال قتادة: التبرج في هذا الموضع التبختر والتكسر، وكانت الجاهلية الأولى مشية فيها تكسير وتغنج فنهاهن الله عن ذلك. وقيل التبرج إظهار الزينة للرجال. وحقيقتها إظهار ما ستر الله، وهو مأخوذ من السعة. يقال في أسنانه بَرَجٌ إذا كانت متفرقة. والجاهلية الأولى ما بين عيسى ومحمد عليهما السلام. وروي أن هذه الفاحشة كانت ظاهرة في هذا الوقت، وكانت ثم بغايا يقصدن للفاحشة. وقيل: ما بين نوح وآدم عليهما السلام كان بينهما ثمان مائة سنة، وكان نساؤهم أقبح ما يكون، ورجالهم أحسن ما يكون، فكانت المرأة تريد الرجل على نفسه. وقال ابن عباس هو ما بين إدريس ونوح عليهما السلام، وكان ذلك ألف سنة، وأن بطنين من وُلْدِ آدم أحدهما يسكن السهل والآخر يسكن الجبل، وكان رجال الجبال صِبَاحاً والنساء قباحاً، وكان نساء السهل صِباحاً والرجال قباحاً، وأن إبليس أتى رجلا من أهل السهل في صورة غلام فأجر نفسه منه فكان يخدمه، واتخذ إبليس شيئاً من الذي يزمر فيه الرِّعَاء فجاء فيه بصوت لم يسمع الناس مثله، فبلغ ذلك من حولهم فانتابوهم يستمعون إليه، واتخذوا عيداً يجتمعون له في السنة، فتبرج الرجال حسناً، وتبرج النساء للرجال وإن رجلاً من أهل الجبل هجم عليهم، وهم في عيدهم فرأى النساء وصباحتهن فأتى أصحابه فأخبرهم بذلك فتحولوا إليهن، فنزلوا معهن، فظهرت الفاحشة فيهم فهو قوله جل ذكره: ﴿وَلاَ تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ ٱلْجَاهِلِيَّةِ ٱلأُولَىٰ﴾. * * وقوله: ﴿ٱلْجَاهِلِيَّةِ ٱلأُولَىٰ﴾ يدل على أن ثم جاهلية أخرى في الإسلام، دل على ذلك قول النبي ﷺ "ثَلاثَ مِنْ عَمَلِ أهلِ الجَاهِلِيَّة لا يَدَعْهُنَّ النَّاسُ: الطَّعْنُ بِالأنْسابِ، والاسْتِمْطارُ بالكَواكِبِ وَالنِياحَةُ". (وقال ابن عباس لعمر لما سأله عن الآية، فقال له: وهل كانت الجاهلية إلا واحدة؟)، فقال ابن عباس: وهل كانت أولى إلا ولها آخرة؟ فقال له عمر: لله دَرُّكَ يا ابن عباس ، كيف قلت؟ فأعاد ابن عباس الجواب. وقال النبي صلى الله عليه سلم لأبي الدرداء وقد عيّر رجلاً فوعاه يا ابن فلانة، فقال له: "يَا أَبَا الدَّرْدَاءِ إِنَّ فِيكَ جَاهِليَّةٌ، فَقَالَ أَجَاهِليَّةُ كُفْرٍ أَوْ إِسْلامٍ؟ قَالَ: بَلْ جَاهِليَّةُ كُفْرٍ"، قَالَ أَبُو الدَّردَاء: "فَتَمَنَّيْتُ لَوْ كُنْتُ ابْتَدَأْتُ إِسْلامِي يَوْمَئِذٍ" ثم قال [تعالى]: ﴿وَأَقِمْنَ ٱلصَّلاَةَ﴾ أي: المفروضة. ﴿وَآتِينَ ٱلزَّكَـاةَ﴾ يعني الواجبة في الأموال. ﴿وَأَطِعْنَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ أي: فيما أمركن به ونهاكن عنه. ثم قال (تعالى): ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُـمُ ٱلرِّجْسَ أَهْلَ ٱلْبَيْتِ﴾ أي: الشر والفحشاء يا أهل بيت محمد. ﴿وَيُطَهِّرَكُمْ﴾ أي من الدنس والمعاصي تطهيراً. قال ابن زيد: الرجس هنا الشيطان. وقيل: عُنِيَ بأهل البيت هنا النبي ﷺ وعلي وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام، رواه الخدري. عن النبي ﷺ أنه قال "نَزَلَتِ الآيَة فِي خَمْسٍ: فِيَّ وَفِي علي وحَسَنٍ وحُسَينٍ وَفَاطِمَةَ". وهو قول جماعة من الصحابة. وقال عكرمة: عني بذلك أزواج النبي ﷺ. ويلزم عكرمة أن يقرأ عنكن. وقيل عني بذلك: نساؤه وأهله.

الأحزاب 33:31

قوله تعالى ذكره: ﴿يٰنِسَآءَ ٱلنَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ﴾ إلى قوله: ﴿وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيـراً﴾. قال الطبري: الفاحشة هنا الزنا. ﴿يُضَاعَفْ لَهَا ٱلْعَذَابُ﴾ أي: على فعلها، وذلك في الآخرة. ﴿ضِعْفَيْنِ﴾ أي: على عذاب أزواج غير النبي عليه السلام إذا أتين بفاحشة. وقيل: إذا أتت الفاحشة المبينة فهي عصيان الزوج ومخالفته، وكذلك معناها في هذه الآية لا الزنى. فإذا أتت الفاحشة بالألف واللام فهي الزنى واللواط. وإذا أتت نكرة غير منعوتة ببينة فهي تصلح للزنا وغيره من الذنوب. قال قتادة: يعني عذاب الدنيا وعذاب الآخرة. وقال ابن عباس: يعني به عذاب الآخرة. وقال أبو عبيدة: ﴿يُضَاعَفْ لَهَا ٱلْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ﴾ يجعل ثلاثة أضعاف، أي: ثلاثة أعذبة. وقال أبو عمرو: ﴿يُضَاعَفْ﴾ للمرار الكثيرة ويَضَعَّفُ مرتين. ولذلك قرأ "يُضَعَّفُ". وأكثر أهل اللغة على خلافها لأن يضاعف ضعفين ويضعف ضعفين واحد، بمعنى مثلين كما تقول: إن دفعت إلي درهماً دفعت إليك ضعفيه، أي مثليه يعني درهمين، ويدل على صحة هذا قوله: ﴿نُؤْتِهَـآ أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ﴾ فلا يكون العذاب أكثر من الأجر، وقد قال تعالى: ﴿[رَبَّنَآ] آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ ٱلْعَذَابِ﴾ [الأحزاب: ٦٨] أي مثلين. * * ثم قال تعالى: ﴿وَمَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ للَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ أي: ومن يطع منكن الله ورسوله وتعمل بما أمرها الله به، ﴿نُؤْتِهَـآ أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ﴾ أي ثواب عملها مثلي ثواب غيرها من نساء المؤمنين. ﴿وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقاً كَرِيماً﴾ أي في الآخرة، يعني به: في الجنة. * * ثم قال تعالى: ﴿يٰنِسَآءَ ٱلنَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ ٱلنِّسَآءِ إِنِ ٱتَّقَيْتُنَّ﴾ أي: لستن في الفضل والمجازاة كأحد من نساء هذه الأمة، إن اتقيتن الله بالطاعة له ولرسوله. ووقع أحد في موضع واحدة لأنه أعم إذ يقع على المؤنث والمذكر الواحد والجمع بلفظ واحد. فقوله: ﴿فَلاَ تَخْضَعْنَ بِٱلْقَوْلِ﴾ أي: لا تُلِنَّ القول للرجال. ﴿فَيَطْمَعَ ٱلَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾ أي: شك ونفاق، أي يطمع في الفاحشة استخفافاً بحدود الله. قال عكرمة ﴿فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾ أي شهوة الزنا. قال قتادة: ﴿مَرَضٌ﴾ نفاق. * * ثم قال تعالى: ﴿وَقُلْنَ قَوْلاً مَّعْرُوفاً﴾ أي: قولاً أَذِنَ الله لكن فيه وأباحه لكن. قال ابن زيد: معناه: قولاً جميلاً معروفاً في الخير. * * ثم قال: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ أي: اثبتن في بيوتكن. هذا على مذهب من قرأ بكسر القاف، يكون عند الفراء وأبي عبيد من الوقار، يقال وَقَرَ يَقِرُّ وُقُوراً إذا ثبت في منزله. وقيل: هو من قَرَّ في المكان إذا ثبت أيضاً، فيكون الأصل: واقْرِرْنَ فحذفت الراء الثانية استثقالاً للتضعيف، وألقيت حركة الأولى الباقية على القاف فاستغني عن ألف الوصل، فصار وَقِرْنَ كما تقول ظِلْتُ أفعل بكسر الظاء. فأما قراءة من فتح القاف، وهي قراءة نافع وعاصم، فهي لغة لأهل الحجاز، يقولون: قَرَرْتُ بالمكان أَقَرَّ، بمنزلة قَرِرْتُ به عيناً أَقَرُّ، حكاه أبو عبيد في "المصنف" عن الكسائي. فيكون التقدير: واقْرِرْنَ [في بيوتكن]، ثم أُعِلَّ في الأولى فيصير: وَقَرْنَ. ويجوز أن يكون من قرة العين هذا على الحذف، والاعتلال أيضاً، وشاهده قوله: ﴿ذَلِكَ أَدْنَىٰ أَن تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ﴾ [الأحزاب: ٥١] فيكون التقدير: واقررن عيناً في بيوتكن. وروي أن عماراً قال لعائشة رضي الله عنها: إن الله قد أمركِ أن تَقَرّي في منزلك، فقالت: يا أبا اليقظان، ما زلت قَوَّالاً بالحق، فقال: الحمد لله الذي جعلني كذلك على لسانك. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلاَ تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ ٱلْجَاهِلِيَّةِ ٱلأُولَىٰ﴾ أي: إذا خرجتن من بيوتكن. قال قتادة: التبرج في هذا الموضع التبختر والتكسر، وكانت الجاهلية الأولى مشية فيها تكسير وتغنج فنهاهن الله عن ذلك. وقيل التبرج إظهار الزينة للرجال. وحقيقتها إظهار ما ستر الله، وهو مأخوذ من السعة. يقال في أسنانه بَرَجٌ إذا كانت متفرقة. والجاهلية الأولى ما بين عيسى ومحمد عليهما السلام. وروي أن هذه الفاحشة كانت ظاهرة في هذا الوقت، وكانت ثم بغايا يقصدن للفاحشة. وقيل: ما بين نوح وآدم عليهما السلام كان بينهما ثمان مائة سنة، وكان نساؤهم أقبح ما يكون، ورجالهم أحسن ما يكون، فكانت المرأة تريد الرجل على نفسه. وقال ابن عباس هو ما بين إدريس ونوح عليهما السلام، وكان ذلك ألف سنة، وأن بطنين من وُلْدِ آدم أحدهما يسكن السهل والآخر يسكن الجبل، وكان رجال الجبال صِبَاحاً والنساء قباحاً، وكان نساء السهل صِباحاً والرجال قباحاً، وأن إبليس أتى رجلا من أهل السهل في صورة غلام فأجر نفسه منه فكان يخدمه، واتخذ إبليس شيئاً من الذي يزمر فيه الرِّعَاء فجاء فيه بصوت لم يسمع الناس مثله، فبلغ ذلك من حولهم فانتابوهم يستمعون إليه، واتخذوا عيداً يجتمعون له في السنة، فتبرج الرجال حسناً، وتبرج النساء للرجال وإن رجلاً من أهل الجبل هجم عليهم، وهم في عيدهم فرأى النساء وصباحتهن فأتى أصحابه فأخبرهم بذلك فتحولوا إليهن، فنزلوا معهن، فظهرت الفاحشة فيهم فهو قوله جل ذكره: ﴿وَلاَ تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ ٱلْجَاهِلِيَّةِ ٱلأُولَىٰ﴾. * * وقوله: ﴿ٱلْجَاهِلِيَّةِ ٱلأُولَىٰ﴾ يدل على أن ثم جاهلية أخرى في الإسلام، دل على ذلك قول النبي ﷺ "ثَلاثَ مِنْ عَمَلِ أهلِ الجَاهِلِيَّة لا يَدَعْهُنَّ النَّاسُ: الطَّعْنُ بِالأنْسابِ، والاسْتِمْطارُ بالكَواكِبِ وَالنِياحَةُ". (وقال ابن عباس لعمر لما سأله عن الآية، فقال له: وهل كانت الجاهلية إلا واحدة؟)، فقال ابن عباس: وهل كانت أولى إلا ولها آخرة؟ فقال له عمر: لله دَرُّكَ يا ابن عباس ، كيف قلت؟ فأعاد ابن عباس الجواب. وقال النبي صلى الله عليه سلم لأبي الدرداء وقد عيّر رجلاً فوعاه يا ابن فلانة، فقال له: "يَا أَبَا الدَّرْدَاءِ إِنَّ فِيكَ جَاهِليَّةٌ، فَقَالَ أَجَاهِليَّةُ كُفْرٍ أَوْ إِسْلامٍ؟ قَالَ: بَلْ جَاهِليَّةُ كُفْرٍ"، قَالَ أَبُو الدَّردَاء: "فَتَمَنَّيْتُ لَوْ كُنْتُ ابْتَدَأْتُ إِسْلامِي يَوْمَئِذٍ" ثم قال [تعالى]: ﴿وَأَقِمْنَ ٱلصَّلاَةَ﴾ أي: المفروضة. ﴿وَآتِينَ ٱلزَّكَـاةَ﴾ يعني الواجبة في الأموال. ﴿وَأَطِعْنَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ أي: فيما أمركن به ونهاكن عنه. ثم قال (تعالى): ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُـمُ ٱلرِّجْسَ أَهْلَ ٱلْبَيْتِ﴾ أي: الشر والفحشاء يا أهل بيت محمد. ﴿وَيُطَهِّرَكُمْ﴾ أي من الدنس والمعاصي تطهيراً. قال ابن زيد: الرجس هنا الشيطان. وقيل: عُنِيَ بأهل البيت هنا النبي ﷺ وعلي وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام، رواه الخدري. عن النبي ﷺ أنه قال "نَزَلَتِ الآيَة فِي خَمْسٍ: فِيَّ وَفِي علي وحَسَنٍ وحُسَينٍ وَفَاطِمَةَ". وهو قول جماعة من الصحابة. وقال عكرمة: عني بذلك أزواج النبي ﷺ. ويلزم عكرمة أن يقرأ عنكن. وقيل عني بذلك: نساؤه وأهله.

الأحزاب 33:32

قوله تعالى ذكره: ﴿يٰنِسَآءَ ٱلنَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ﴾ إلى قوله: ﴿وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيـراً﴾. قال الطبري: الفاحشة هنا الزنا. ﴿يُضَاعَفْ لَهَا ٱلْعَذَابُ﴾ أي: على فعلها، وذلك في الآخرة. ﴿ضِعْفَيْنِ﴾ أي: على عذاب أزواج غير النبي عليه السلام إذا أتين بفاحشة. وقيل: إذا أتت الفاحشة المبينة فهي عصيان الزوج ومخالفته، وكذلك معناها في هذه الآية لا الزنى. فإذا أتت الفاحشة بالألف واللام فهي الزنى واللواط. وإذا أتت نكرة غير منعوتة ببينة فهي تصلح للزنا وغيره من الذنوب. قال قتادة: يعني عذاب الدنيا وعذاب الآخرة. وقال ابن عباس: يعني به عذاب الآخرة. وقال أبو عبيدة: ﴿يُضَاعَفْ لَهَا ٱلْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ﴾ يجعل ثلاثة أضعاف، أي: ثلاثة أعذبة. وقال أبو عمرو: ﴿يُضَاعَفْ﴾ للمرار الكثيرة ويَضَعَّفُ مرتين. ولذلك قرأ "يُضَعَّفُ". وأكثر أهل اللغة على خلافها لأن يضاعف ضعفين ويضعف ضعفين واحد، بمعنى مثلين كما تقول: إن دفعت إلي درهماً دفعت إليك ضعفيه، أي مثليه يعني درهمين، ويدل على صحة هذا قوله: ﴿نُؤْتِهَـآ أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ﴾ فلا يكون العذاب أكثر من الأجر، وقد قال تعالى: ﴿[رَبَّنَآ] آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ ٱلْعَذَابِ﴾ [الأحزاب: ٦٨] أي مثلين. * * ثم قال تعالى: ﴿وَمَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ للَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ أي: ومن يطع منكن الله ورسوله وتعمل بما أمرها الله به، ﴿نُؤْتِهَـآ أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ﴾ أي ثواب عملها مثلي ثواب غيرها من نساء المؤمنين. ﴿وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقاً كَرِيماً﴾ أي في الآخرة، يعني به: في الجنة. * * ثم قال تعالى: ﴿يٰنِسَآءَ ٱلنَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ ٱلنِّسَآءِ إِنِ ٱتَّقَيْتُنَّ﴾ أي: لستن في الفضل والمجازاة كأحد من نساء هذه الأمة، إن اتقيتن الله بالطاعة له ولرسوله. ووقع أحد في موضع واحدة لأنه أعم إذ يقع على المؤنث والمذكر الواحد والجمع بلفظ واحد. فقوله: ﴿فَلاَ تَخْضَعْنَ بِٱلْقَوْلِ﴾ أي: لا تُلِنَّ القول للرجال. ﴿فَيَطْمَعَ ٱلَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾ أي: شك ونفاق، أي يطمع في الفاحشة استخفافاً بحدود الله. قال عكرمة ﴿فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾ أي شهوة الزنا. قال قتادة: ﴿مَرَضٌ﴾ نفاق. * * ثم قال تعالى: ﴿وَقُلْنَ قَوْلاً مَّعْرُوفاً﴾ أي: قولاً أَذِنَ الله لكن فيه وأباحه لكن. قال ابن زيد: معناه: قولاً جميلاً معروفاً في الخير. * * ثم قال: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ أي: اثبتن في بيوتكن. هذا على مذهب من قرأ بكسر القاف، يكون عند الفراء وأبي عبيد من الوقار، يقال وَقَرَ يَقِرُّ وُقُوراً إذا ثبت في منزله. وقيل: هو من قَرَّ في المكان إذا ثبت أيضاً، فيكون الأصل: واقْرِرْنَ فحذفت الراء الثانية استثقالاً للتضعيف، وألقيت حركة الأولى الباقية على القاف فاستغني عن ألف الوصل، فصار وَقِرْنَ كما تقول ظِلْتُ أفعل بكسر الظاء. فأما قراءة من فتح القاف، وهي قراءة نافع وعاصم، فهي لغة لأهل الحجاز، يقولون: قَرَرْتُ بالمكان أَقَرَّ، بمنزلة قَرِرْتُ به عيناً أَقَرُّ، حكاه أبو عبيد في "المصنف" عن الكسائي. فيكون التقدير: واقْرِرْنَ [في بيوتكن]، ثم أُعِلَّ في الأولى فيصير: وَقَرْنَ. ويجوز أن يكون من قرة العين هذا على الحذف، والاعتلال أيضاً، وشاهده قوله: ﴿ذَلِكَ أَدْنَىٰ أَن تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ﴾ [الأحزاب: ٥١] فيكون التقدير: واقررن عيناً في بيوتكن. وروي أن عماراً قال لعائشة رضي الله عنها: إن الله قد أمركِ أن تَقَرّي في منزلك، فقالت: يا أبا اليقظان، ما زلت قَوَّالاً بالحق، فقال: الحمد لله الذي جعلني كذلك على لسانك. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلاَ تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ ٱلْجَاهِلِيَّةِ ٱلأُولَىٰ﴾ أي: إذا خرجتن من بيوتكن. قال قتادة: التبرج في هذا الموضع التبختر والتكسر، وكانت الجاهلية الأولى مشية فيها تكسير وتغنج فنهاهن الله عن ذلك. وقيل التبرج إظهار الزينة للرجال. وحقيقتها إظهار ما ستر الله، وهو مأخوذ من السعة. يقال في أسنانه بَرَجٌ إذا كانت متفرقة. والجاهلية الأولى ما بين عيسى ومحمد عليهما السلام. وروي أن هذه الفاحشة كانت ظاهرة في هذا الوقت، وكانت ثم بغايا يقصدن للفاحشة. وقيل: ما بين نوح وآدم عليهما السلام كان بينهما ثمان مائة سنة، وكان نساؤهم أقبح ما يكون، ورجالهم أحسن ما يكون، فكانت المرأة تريد الرجل على نفسه. وقال ابن عباس هو ما بين إدريس ونوح عليهما السلام، وكان ذلك ألف سنة، وأن بطنين من وُلْدِ آدم أحدهما يسكن السهل والآخر يسكن الجبل، وكان رجال الجبال صِبَاحاً والنساء قباحاً، وكان نساء السهل صِباحاً والرجال قباحاً، وأن إبليس أتى رجلا من أهل السهل في صورة غلام فأجر نفسه منه فكان يخدمه، واتخذ إبليس شيئاً من الذي يزمر فيه الرِّعَاء فجاء فيه بصوت لم يسمع الناس مثله، فبلغ ذلك من حولهم فانتابوهم يستمعون إليه، واتخذوا عيداً يجتمعون له في السنة، فتبرج الرجال حسناً، وتبرج النساء للرجال وإن رجلاً من أهل الجبل هجم عليهم، وهم في عيدهم فرأى النساء وصباحتهن فأتى أصحابه فأخبرهم بذلك فتحولوا إليهن، فنزلوا معهن، فظهرت الفاحشة فيهم فهو قوله جل ذكره: ﴿وَلاَ تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ ٱلْجَاهِلِيَّةِ ٱلأُولَىٰ﴾. * * وقوله: ﴿ٱلْجَاهِلِيَّةِ ٱلأُولَىٰ﴾ يدل على أن ثم جاهلية أخرى في الإسلام، دل على ذلك قول النبي ﷺ "ثَلاثَ مِنْ عَمَلِ أهلِ الجَاهِلِيَّة لا يَدَعْهُنَّ النَّاسُ: الطَّعْنُ بِالأنْسابِ، والاسْتِمْطارُ بالكَواكِبِ وَالنِياحَةُ". (وقال ابن عباس لعمر لما سأله عن الآية، فقال له: وهل كانت الجاهلية إلا واحدة؟)، فقال ابن عباس: وهل كانت أولى إلا ولها آخرة؟ فقال له عمر: لله دَرُّكَ يا ابن عباس ، كيف قلت؟ فأعاد ابن عباس الجواب. وقال النبي صلى الله عليه سلم لأبي الدرداء وقد عيّر رجلاً فوعاه يا ابن فلانة، فقال له: "يَا أَبَا الدَّرْدَاءِ إِنَّ فِيكَ جَاهِليَّةٌ، فَقَالَ أَجَاهِليَّةُ كُفْرٍ أَوْ إِسْلامٍ؟ قَالَ: بَلْ جَاهِليَّةُ كُفْرٍ"، قَالَ أَبُو الدَّردَاء: "فَتَمَنَّيْتُ لَوْ كُنْتُ ابْتَدَأْتُ إِسْلامِي يَوْمَئِذٍ" ثم قال [تعالى]: ﴿وَأَقِمْنَ ٱلصَّلاَةَ﴾ أي: المفروضة. ﴿وَآتِينَ ٱلزَّكَـاةَ﴾ يعني الواجبة في الأموال. ﴿وَأَطِعْنَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ أي: فيما أمركن به ونهاكن عنه. ثم قال (تعالى): ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُـمُ ٱلرِّجْسَ أَهْلَ ٱلْبَيْتِ﴾ أي: الشر والفحشاء يا أهل بيت محمد. ﴿وَيُطَهِّرَكُمْ﴾ أي من الدنس والمعاصي تطهيراً. قال ابن زيد: الرجس هنا الشيطان. وقيل: عُنِيَ بأهل البيت هنا النبي ﷺ وعلي وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام، رواه الخدري. عن النبي ﷺ أنه قال "نَزَلَتِ الآيَة فِي خَمْسٍ: فِيَّ وَفِي علي وحَسَنٍ وحُسَينٍ وَفَاطِمَةَ". وهو قول جماعة من الصحابة. وقال عكرمة: عني بذلك أزواج النبي ﷺ. ويلزم عكرمة أن يقرأ عنكن. وقيل عني بذلك: نساؤه وأهله.

الأحزاب 33:33

قوله تعالى ذكره: ﴿يٰنِسَآءَ ٱلنَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ﴾ إلى قوله: ﴿وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيـراً﴾. قال الطبري: الفاحشة هنا الزنا. ﴿يُضَاعَفْ لَهَا ٱلْعَذَابُ﴾ أي: على فعلها، وذلك في الآخرة. ﴿ضِعْفَيْنِ﴾ أي: على عذاب أزواج غير النبي عليه السلام إذا أتين بفاحشة. وقيل: إذا أتت الفاحشة المبينة فهي عصيان الزوج ومخالفته، وكذلك معناها في هذه الآية لا الزنى. فإذا أتت الفاحشة بالألف واللام فهي الزنى واللواط. وإذا أتت نكرة غير منعوتة ببينة فهي تصلح للزنا وغيره من الذنوب. قال قتادة: يعني عذاب الدنيا وعذاب الآخرة. وقال ابن عباس: يعني به عذاب الآخرة. وقال أبو عبيدة: ﴿يُضَاعَفْ لَهَا ٱلْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ﴾ يجعل ثلاثة أضعاف، أي: ثلاثة أعذبة. وقال أبو عمرو: ﴿يُضَاعَفْ﴾ للمرار الكثيرة ويَضَعَّفُ مرتين. ولذلك قرأ "يُضَعَّفُ". وأكثر أهل اللغة على خلافها لأن يضاعف ضعفين ويضعف ضعفين واحد، بمعنى مثلين كما تقول: إن دفعت إلي درهماً دفعت إليك ضعفيه، أي مثليه يعني درهمين، ويدل على صحة هذا قوله: ﴿نُؤْتِهَـآ أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ﴾ فلا يكون العذاب أكثر من الأجر، وقد قال تعالى: ﴿[رَبَّنَآ] آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ ٱلْعَذَابِ﴾ [الأحزاب: ٦٨] أي مثلين. * * ثم قال تعالى: ﴿وَمَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ للَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ أي: ومن يطع منكن الله ورسوله وتعمل بما أمرها الله به، ﴿نُؤْتِهَـآ أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ﴾ أي ثواب عملها مثلي ثواب غيرها من نساء المؤمنين. ﴿وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقاً كَرِيماً﴾ أي في الآخرة، يعني به: في الجنة. * * ثم قال تعالى: ﴿يٰنِسَآءَ ٱلنَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ ٱلنِّسَآءِ إِنِ ٱتَّقَيْتُنَّ﴾ أي: لستن في الفضل والمجازاة كأحد من نساء هذه الأمة، إن اتقيتن الله بالطاعة له ولرسوله. ووقع أحد في موضع واحدة لأنه أعم إذ يقع على المؤنث والمذكر الواحد والجمع بلفظ واحد. فقوله: ﴿فَلاَ تَخْضَعْنَ بِٱلْقَوْلِ﴾ أي: لا تُلِنَّ القول للرجال. ﴿فَيَطْمَعَ ٱلَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾ أي: شك ونفاق، أي يطمع في الفاحشة استخفافاً بحدود الله. قال عكرمة ﴿فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾ أي شهوة الزنا. قال قتادة: ﴿مَرَضٌ﴾ نفاق. * * ثم قال تعالى: ﴿وَقُلْنَ قَوْلاً مَّعْرُوفاً﴾ أي: قولاً أَذِنَ الله لكن فيه وأباحه لكن. قال ابن زيد: معناه: قولاً جميلاً معروفاً في الخير. * * ثم قال: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ أي: اثبتن في بيوتكن. هذا على مذهب من قرأ بكسر القاف، يكون عند الفراء وأبي عبيد من الوقار، يقال وَقَرَ يَقِرُّ وُقُوراً إذا ثبت في منزله. وقيل: هو من قَرَّ في المكان إذا ثبت أيضاً، فيكون الأصل: واقْرِرْنَ فحذفت الراء الثانية استثقالاً للتضعيف، وألقيت حركة الأولى الباقية على القاف فاستغني عن ألف الوصل، فصار وَقِرْنَ كما تقول ظِلْتُ أفعل بكسر الظاء. فأما قراءة من فتح القاف، وهي قراءة نافع وعاصم، فهي لغة لأهل الحجاز، يقولون: قَرَرْتُ بالمكان أَقَرَّ، بمنزلة قَرِرْتُ به عيناً أَقَرُّ، حكاه أبو عبيد في "المصنف" عن الكسائي. فيكون التقدير: واقْرِرْنَ [في بيوتكن]، ثم أُعِلَّ في الأولى فيصير: وَقَرْنَ. ويجوز أن يكون من قرة العين هذا على الحذف، والاعتلال أيضاً، وشاهده قوله: ﴿ذَلِكَ أَدْنَىٰ أَن تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ﴾ [الأحزاب: ٥١] فيكون التقدير: واقررن عيناً في بيوتكن. وروي أن عماراً قال لعائشة رضي الله عنها: إن الله قد أمركِ أن تَقَرّي في منزلك، فقالت: يا أبا اليقظان، ما زلت قَوَّالاً بالحق، فقال: الحمد لله الذي جعلني كذلك على لسانك. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلاَ تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ ٱلْجَاهِلِيَّةِ ٱلأُولَىٰ﴾ أي: إذا خرجتن من بيوتكن. قال قتادة: التبرج في هذا الموضع التبختر والتكسر، وكانت الجاهلية الأولى مشية فيها تكسير وتغنج فنهاهن الله عن ذلك. وقيل التبرج إظهار الزينة للرجال. وحقيقتها إظهار ما ستر الله، وهو مأخوذ من السعة. يقال في أسنانه بَرَجٌ إذا كانت متفرقة. والجاهلية الأولى ما بين عيسى ومحمد عليهما السلام. وروي أن هذه الفاحشة كانت ظاهرة في هذا الوقت، وكانت ثم بغايا يقصدن للفاحشة. وقيل: ما بين نوح وآدم عليهما السلام كان بينهما ثمان مائة سنة، وكان نساؤهم أقبح ما يكون، ورجالهم أحسن ما يكون، فكانت المرأة تريد الرجل على نفسه. وقال ابن عباس هو ما بين إدريس ونوح عليهما السلام، وكان ذلك ألف سنة، وأن بطنين من وُلْدِ آدم أحدهما يسكن السهل والآخر يسكن الجبل، وكان رجال الجبال صِبَاحاً والنساء قباحاً، وكان نساء السهل صِباحاً والرجال قباحاً، وأن إبليس أتى رجلا من أهل السهل في صورة غلام فأجر نفسه منه فكان يخدمه، واتخذ إبليس شيئاً من الذي يزمر فيه الرِّعَاء فجاء فيه بصوت لم يسمع الناس مثله، فبلغ ذلك من حولهم فانتابوهم يستمعون إليه، واتخذوا عيداً يجتمعون له في السنة، فتبرج الرجال حسناً، وتبرج النساء للرجال وإن رجلاً من أهل الجبل هجم عليهم، وهم في عيدهم فرأى النساء وصباحتهن فأتى أصحابه فأخبرهم بذلك فتحولوا إليهن، فنزلوا معهن، فظهرت الفاحشة فيهم فهو قوله جل ذكره: ﴿وَلاَ تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ ٱلْجَاهِلِيَّةِ ٱلأُولَىٰ﴾. * * وقوله: ﴿ٱلْجَاهِلِيَّةِ ٱلأُولَىٰ﴾ يدل على أن ثم جاهلية أخرى في الإسلام، دل على ذلك قول النبي ﷺ "ثَلاثَ مِنْ عَمَلِ أهلِ الجَاهِلِيَّة لا يَدَعْهُنَّ النَّاسُ: الطَّعْنُ بِالأنْسابِ، والاسْتِمْطارُ بالكَواكِبِ وَالنِياحَةُ". (وقال ابن عباس لعمر لما سأله عن الآية، فقال له: وهل كانت الجاهلية إلا واحدة؟)، فقال ابن عباس: وهل كانت أولى إلا ولها آخرة؟ فقال له عمر: لله دَرُّكَ يا ابن عباس ، كيف قلت؟ فأعاد ابن عباس الجواب. وقال النبي صلى الله عليه سلم لأبي الدرداء وقد عيّر رجلاً فوعاه يا ابن فلانة، فقال له: "يَا أَبَا الدَّرْدَاءِ إِنَّ فِيكَ جَاهِليَّةٌ، فَقَالَ أَجَاهِليَّةُ كُفْرٍ أَوْ إِسْلامٍ؟ قَالَ: بَلْ جَاهِليَّةُ كُفْرٍ"، قَالَ أَبُو الدَّردَاء: "فَتَمَنَّيْتُ لَوْ كُنْتُ ابْتَدَأْتُ إِسْلامِي يَوْمَئِذٍ" ثم قال [تعالى]: ﴿وَأَقِمْنَ ٱلصَّلاَةَ﴾ أي: المفروضة. ﴿وَآتِينَ ٱلزَّكَـاةَ﴾ يعني الواجبة في الأموال. ﴿وَأَطِعْنَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ أي: فيما أمركن به ونهاكن عنه. ثم قال (تعالى): ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُـمُ ٱلرِّجْسَ أَهْلَ ٱلْبَيْتِ﴾ أي: الشر والفحشاء يا أهل بيت محمد. ﴿وَيُطَهِّرَكُمْ﴾ أي من الدنس والمعاصي تطهيراً. قال ابن زيد: الرجس هنا الشيطان. وقيل: عُنِيَ بأهل البيت هنا النبي ﷺ وعلي وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام، رواه الخدري. عن النبي ﷺ أنه قال "نَزَلَتِ الآيَة فِي خَمْسٍ: فِيَّ وَفِي علي وحَسَنٍ وحُسَينٍ وَفَاطِمَةَ". وهو قول جماعة من الصحابة. وقال عكرمة: عني بذلك أزواج النبي ﷺ. ويلزم عكرمة أن يقرأ عنكن. وقيل عني بذلك: نساؤه وأهله.

الأحزاب 33:34

قوله تعالى (ذكره): ﴿وَٱذْكُـرْنَ مَا يُتْـلَىٰ فِي بُيُوتِكُـنَّ مِنْ آيَاتِ ٱللَّهِ وَٱلْحِكْـمَةِ﴾ إلى قوله: ﴿وَكَانَ أَمْرُ ٱللَّهِ مَفْعُولاً﴾. أي: واذكرن نعمة الله عليكن إذ جعلكن في بيوت تتلى فيهما (آيات) الله والحكمة، أي: اشكرن الله على ذلك. والحكمة هنا: ما أوحي إلى النبي ﷺ من أمر دينه مما لم ينزل به قرآن، وذلك السنة. قال قتادة: الحكمة السنة امتَنَّ (الله) عليهن بذلك. وقيل: معناه الحكمة من الآيات. * * ثم قال: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ لَطِيفاً﴾ أي (ذا) لطف بكن إذ جعلكن في البيوت التي يتلى فيها القرآن والسنة. ﴿خَبِيراً﴾ بكن إذ اختاركن لرسوله أزواجاً. ثم قال تعالى (ذكره) بعقب (ذِكِرُ) ما أَمَرَ به أزواج نبيه ﷺ. ﴿إِنَّ ٱلْمُسْلِمِينَ وَٱلْمُسْلِمَاتِ﴾ الآية، أي: (المتذللين) بالطاعة والمتذللات. وأصل الإسلام التذلل والانقياد والخضوع. ﴿وَٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ﴾ أي: المصدقين الله ورسوله والمصدقات. وأصل الإيمان التصديق. ﴿وَٱلْقَانِتِينَ وَٱلْقَانِتَاتِ﴾ أي: والمطيعين والمطيعات الله ورسوله، فيما أمروا به ونهوا عنه. وأصل القنوت الطاعة. ﴿وَٱلصَّادِقِينَ وَٱلصَّادِقَاتِ﴾ أي صدقوه فيما عاهدوه عليه. ﴿وَٱلصَّابِرِينَ وَٱلصَّابِرَاتِ﴾ أي: صبروا لله في البأساء والضراء على الثبات على دينه. ﴿وَٱلْخَاشِعِينَ وَٱلْخَاشِعَاتِ﴾ أي خشعوا لله وجلاً من عقابه وتعظيماً له. ﴿وَٱلْمُتَصَدِّقِينَ وَٱلْمُتَصَدِّقَاتِ﴾ أي: تصدقوا بما افترض الله عليهم في أموالهم. ﴿وٱلصَّائِمِينَ وٱلصَّائِمَاتِ﴾ أي: صاموا شهر رمضان الذي افترضه الله عليهم. ﴿وَٱلْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَٱلْحَافِـظَاتِ﴾ أي: حفظوها إلا عن الأزواج أو ما ملكت أيمانهم. ﴿وَٱلذَّاكِـرِينَ ٱللَّهَ كَثِيراً وَٱلذَّاكِرَاتِ﴾ أي: ذكروه بألسنتهم وقلوبهم. ﴿أَعَدَّ ٱللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً﴾ أي: ستراً لذنوبهم وثواباً في الآخرة من أعمالهم وهو الجنة. قال مجاهد: لا يكون ذاكراً لله حتى يذكره قائماً وجالساً ومضطجعاً. وقال أبو سعيد الخدري: من أيقظ أهله وصَلَّياّ أربع ركعات كُتِباَ من الذاكرين الله كثيراً والذاكرات. قال قتادة: دخل نساء على نساء النبي ﷺ، فقلن قد ذكركن الله في القرآن ولم نذكر بشيء، أما فينا من يذكر؟ فأنزل الله جل ذكره: ﴿إِنَّ ٱلْمُسْلِمِينَ﴾ الآية. وقال مجاهد: قالت أم سلمة: يا رسول الله، يذكر الرجال ولا يذكر النساء؟ فنزلت الآية: "إن المسلمين" الآية. * * ثم قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ ٱلْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ أي: أن يتخيروا من (أمرهم غير) الذي قضى الله ورسوله، ويخالفوا (ذلك) فيعصونهما، ﴿وَمَن يَعْصِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ أي: فيما أُمِرَ أو نُهِيَّ. ﴿فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً مُّبِيناً﴾ أي: جار عن قصد السبيل، وسلك غير طريق الهدى. ويروى أن هذه الآية نزلت في زينب بنت جحش حين خطبها رسول الله على فتاه زيد بن حارثة فامتنعت من إنكاحه (نفسها). قال ابن عباس: خطبها رسول الله على فتاه زيد بن حارثة فقالت: لسْتُ بِناكِحَتِهِ، فقال رسول الله ﷺ: "بَلَى فانْكَحِيهِ، فقالت يا رسول الله أؤامِرُ نفسي؟ فبينما هما يتحدثان أنزل الله هذه الآية على رسوله فقالت رَضِيتَهُ لي يا رسول الله منكحاً، قال: نعم، قالت: إذاً لا أعْصِي رسول الله ﷺ، قد أَنْكَحْتُه نفسي". قال قتادة: لما خطب رسول الله زينب بنت جحش، وهي بنت عمته، ظنت أنه يريدها لنفسه، فلما علمت أنه يريدها لزيد امتنعت، فأنزل الله: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ﴾ الآية، فأطاعت وسلمت. وقيل: نزلت في [أم كلثوم] بنت عقبة بن أبي معيط وذلك أنها وهبت نفسها للنبي فزوجها زيد بن حارثة، قاله ابن زيد. قال: وكانت أول من هاجر من النساء، فوهبت نفسها للنبي ﷺ، فقال: قد قبلت، فزوجها زيد بن حارثة، فسخطت هي وأخوها وقالا: إنما أردنا رسول الله فزوجنا عبده، فنزلت الآية. وروي أن النبي ﷺ لما خطبها لزيد قالت: لا أرضى به، وأن أَيِّمُ نساء قريش، فقال لها النبي عليه السلام: قد رضيته لك، فأبت عليه فنزلت الآية، فرضيت به وجعلت أمرها لرسول الله ﷺ، فأنكحها من زيد بن حارثة، فمكثت عند زيد ما شاء الله، ثم أتاه رسول الله زائراً له فأبصرها قائمة فأعجبته، فقال: سبحان الله مقلب القلوب، فرأى زيد أن رسول الله قد هويها، فقال: يا رسول الله ائذن لي في طلاقها، فإن بها كبرة وأنها تؤذيني بلسانها، فقال له رسول الله ﷺ: "اتق الله وأمسك عليك زوجك"، وفي قلبه ما في قلبه، ثم إن زيداً طلّقها بعد ذلك، فلما انقضت عدتها أنزل الله نكاحها من السماء على رسوله وأنزل عليه الآيات: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِيۤ أَنعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِ﴾ إلى: ﴿مَّقْدُوراً﴾. وعن عائشة أنها قالت: "لو كتم رسول الله ﷺ شيئاً مما أنزل عليه لكتم هذه الآية. قال أنس: "لما انْقَضَتْ عِدَّةُ زَيْنَبَ مِنْ زَيدٍ قال رسول الله ﷺ لزيد: اذكُرْنِي لَهَا، فَانْطَلَقَ زَيْدَ إِلى زَيْنَب فقال لها: أَبْشِرِي أَرْسَلَ رسول الله يَذْكُرُكِ، فَقَالَتْ: مَا أَنَا بِصَانِعَةٍ شَيْئاً حَتَّى أُؤامِرَ رَبِّي فَقَامَتْ إلى مَسْجِدِهَا وَصَلَّتْ، وَنَزلَ القُرآنُ عَلَى رَسُولِهِ: ﴿فَلَمَّا قَضَىٰ زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَراً زَوَّجْنَاكَهَا﴾ الآيتان. فجاء إليها رسول الله ﷺ حتى دخل عليها بغير إذنها وروي أنها كانت تقول لرسول الله: لست كأحد من النساء لأن الله زوجنيك. * * ثم قال تعالى: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِيۤ أَنعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَٱتَّقِ ٱللَّهَ﴾، هذا عتاب من الله للنبي ﷺ، أي: واذكر يا محمد إذ تقول للذي أنعم الله عليه بالإسلام، وأنعمت عليه بالعتق - وهو زيد بن حارثة مولى رسول الله ﷺ - أمسك عليك زوجك واتق الله في مفارقتها للفرار. روي أن النبي ﷺ رأى زينب بنت جحش وهي ابنة عمته بعد أن تزوجها زيد فأعجبته، فألقى الله في نفس زيد كراهتها لما علم ما وقع في نفس النبي منها، فأراد زيد فراقها فذكر ذلك للنبي ﷺ، فقال له النبي: "﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَٱتَّقِ ٱللَّهَ﴾ فيما عليك لها" وهو يحب لو قد بانت منه لينكحها، وهو الذي أخفى غي نفسه، فقد أبداه الله كما ذكره. * * ثم قال تعالى: ﴿وَتَخْشَى ٱلنَّاسَ وَٱللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ﴾ أي: وتخاف أن يقول الناس أمَرَ رجلاً بطلاق امرأته ثم نَكَحَها حين طَلَّقها، والله أحق أن تخشاه مِنَ الناس، هذا كله معنى قول قتادة وابن زيد. قال الحسن: ما أنزلت عليه آية أشد منها، ولو كان رسول الله ﷺ كاتماً شيئاً من الوحي لكتمها. وقال علي بن الحسين: كان الله جل ذكره أَعْلَمَ نبيه عليه السلام أن زينب ستكون من أزواجه، فلما أتاه زيد يشكوها، قال: ﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَٱتَّقِ ٱللَّهَ﴾، وهو يخفي في نفسه ما قد أعلمه الله من تزويج زينب، والله مبديه، أي مظهره بتمام التزويج، وطلاق زيد لزينب. * * ثم قال تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَىٰ زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَراً﴾ أي حاجته وإربه. ﴿زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لاَ يَكُونَ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِيۤ أَزْوَاجِ أَدْعِيَآئِهِمْ إِذَا قَضَوْاْ مِنْهُنَّ وَطَراً﴾ أي لِئَلاَّ يكون على المؤمنين ضيق وإثم في نكاح أزواج من تبنوا بعد طلاقهم إياهن، إذا قضوا منهن حاجتهم، وهو قوله جل ذكره: ﴿وَحَلَٰئِلُ أَبْنَائِكُمُ ٱلَّذِينَ مِنْ أَصْلَٰبِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]، فدل على أن اللاتي من الأبناء من غير الأصلاب حلال نكاحهن. وفي قوله: ﴿فَلَمَّا قَضَىٰ زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَراً﴾ إشارة إلى إيقاع الطلاق، وكذلك في قوله: ﴿إِذَا قَضَوْاْ مِنْهُنَّ وَطَراً﴾. * * ثم قال: ﴿وَكَانَ أَمْرُ ٱللَّهِ مَفْعُولاً﴾ أي: ما قضى الله من قضاء كائناً لا محالة، ذلك ما قضى الله من تزويج النبي ﷺ من زينب بنت عمته. وقال الشعبي: كانت زينب تقول للنبي عليه السلام: إني لأَدِلُّ عليك بثلاث ما من نسائك امرأة تَدِلُّ بهن: إن جَدِّي وَجَدُّكَ وَاحِدٌ، وإنّي أنْكَحَنِكَ الله مِنَ السَّماءِ، وإنَّ السَّفِيرَ جِبْرِيلُ ﷺ. وروى أنس بن مالك أن زيداً كان مسبباً من الشام ابتاعه حكيم بن حزام بن خويلد، فوهبه لعمته خديجة زوج النبي، فوهبته خديجة للنبي ﷺ فتبناه النبي.

الأحزاب 33:35

قوله تعالى (ذكره): ﴿وَٱذْكُـرْنَ مَا يُتْـلَىٰ فِي بُيُوتِكُـنَّ مِنْ آيَاتِ ٱللَّهِ وَٱلْحِكْـمَةِ﴾ إلى قوله: ﴿وَكَانَ أَمْرُ ٱللَّهِ مَفْعُولاً﴾. أي: واذكرن نعمة الله عليكن إذ جعلكن في بيوت تتلى فيهما (آيات) الله والحكمة، أي: اشكرن الله على ذلك. والحكمة هنا: ما أوحي إلى النبي ﷺ من أمر دينه مما لم ينزل به قرآن، وذلك السنة. قال قتادة: الحكمة السنة امتَنَّ (الله) عليهن بذلك. وقيل: معناه الحكمة من الآيات. * * ثم قال: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ لَطِيفاً﴾ أي (ذا) لطف بكن إذ جعلكن في البيوت التي يتلى فيها القرآن والسنة. ﴿خَبِيراً﴾ بكن إذ اختاركن لرسوله أزواجاً. ثم قال تعالى (ذكره) بعقب (ذِكِرُ) ما أَمَرَ به أزواج نبيه ﷺ. ﴿إِنَّ ٱلْمُسْلِمِينَ وَٱلْمُسْلِمَاتِ﴾ الآية، أي: (المتذللين) بالطاعة والمتذللات. وأصل الإسلام التذلل والانقياد والخضوع. ﴿وَٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ﴾ أي: المصدقين الله ورسوله والمصدقات. وأصل الإيمان التصديق. ﴿وَٱلْقَانِتِينَ وَٱلْقَانِتَاتِ﴾ أي: والمطيعين والمطيعات الله ورسوله، فيما أمروا به ونهوا عنه. وأصل القنوت الطاعة. ﴿وَٱلصَّادِقِينَ وَٱلصَّادِقَاتِ﴾ أي صدقوه فيما عاهدوه عليه. ﴿وَٱلصَّابِرِينَ وَٱلصَّابِرَاتِ﴾ أي: صبروا لله في البأساء والضراء على الثبات على دينه. ﴿وَٱلْخَاشِعِينَ وَٱلْخَاشِعَاتِ﴾ أي خشعوا لله وجلاً من عقابه وتعظيماً له. ﴿وَٱلْمُتَصَدِّقِينَ وَٱلْمُتَصَدِّقَاتِ﴾ أي: تصدقوا بما افترض الله عليهم في أموالهم. ﴿وٱلصَّائِمِينَ وٱلصَّائِمَاتِ﴾ أي: صاموا شهر رمضان الذي افترضه الله عليهم. ﴿وَٱلْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَٱلْحَافِـظَاتِ﴾ أي: حفظوها إلا عن الأزواج أو ما ملكت أيمانهم. ﴿وَٱلذَّاكِـرِينَ ٱللَّهَ كَثِيراً وَٱلذَّاكِرَاتِ﴾ أي: ذكروه بألسنتهم وقلوبهم. ﴿أَعَدَّ ٱللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً﴾ أي: ستراً لذنوبهم وثواباً في الآخرة من أعمالهم وهو الجنة. قال مجاهد: لا يكون ذاكراً لله حتى يذكره قائماً وجالساً ومضطجعاً. وقال أبو سعيد الخدري: من أيقظ أهله وصَلَّياّ أربع ركعات كُتِباَ من الذاكرين الله كثيراً والذاكرات. قال قتادة: دخل نساء على نساء النبي ﷺ، فقلن قد ذكركن الله في القرآن ولم نذكر بشيء، أما فينا من يذكر؟ فأنزل الله جل ذكره: ﴿إِنَّ ٱلْمُسْلِمِينَ﴾ الآية. وقال مجاهد: قالت أم سلمة: يا رسول الله، يذكر الرجال ولا يذكر النساء؟ فنزلت الآية: "إن المسلمين" الآية. * * ثم قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ ٱلْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ أي: أن يتخيروا من (أمرهم غير) الذي قضى الله ورسوله، ويخالفوا (ذلك) فيعصونهما، ﴿وَمَن يَعْصِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ أي: فيما أُمِرَ أو نُهِيَّ. ﴿فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً مُّبِيناً﴾ أي: جار عن قصد السبيل، وسلك غير طريق الهدى. ويروى أن هذه الآية نزلت في زينب بنت جحش حين خطبها رسول الله على فتاه زيد بن حارثة فامتنعت من إنكاحه (نفسها). قال ابن عباس: خطبها رسول الله على فتاه زيد بن حارثة فقالت: لسْتُ بِناكِحَتِهِ، فقال رسول الله ﷺ: "بَلَى فانْكَحِيهِ، فقالت يا رسول الله أؤامِرُ نفسي؟ فبينما هما يتحدثان أنزل الله هذه الآية على رسوله فقالت رَضِيتَهُ لي يا رسول الله منكحاً، قال: نعم، قالت: إذاً لا أعْصِي رسول الله ﷺ، قد أَنْكَحْتُه نفسي". قال قتادة: لما خطب رسول الله زينب بنت جحش، وهي بنت عمته، ظنت أنه يريدها لنفسه، فلما علمت أنه يريدها لزيد امتنعت، فأنزل الله: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ﴾ الآية، فأطاعت وسلمت. وقيل: نزلت في [أم كلثوم] بنت عقبة بن أبي معيط وذلك أنها وهبت نفسها للنبي فزوجها زيد بن حارثة، قاله ابن زيد. قال: وكانت أول من هاجر من النساء، فوهبت نفسها للنبي ﷺ، فقال: قد قبلت، فزوجها زيد بن حارثة، فسخطت هي وأخوها وقالا: إنما أردنا رسول الله فزوجنا عبده، فنزلت الآية. وروي أن النبي ﷺ لما خطبها لزيد قالت: لا أرضى به، وأن أَيِّمُ نساء قريش، فقال لها النبي عليه السلام: قد رضيته لك، فأبت عليه فنزلت الآية، فرضيت به وجعلت أمرها لرسول الله ﷺ، فأنكحها من زيد بن حارثة، فمكثت عند زيد ما شاء الله، ثم أتاه رسول الله زائراً له فأبصرها قائمة فأعجبته، فقال: سبحان الله مقلب القلوب، فرأى زيد أن رسول الله قد هويها، فقال: يا رسول الله ائذن لي في طلاقها، فإن بها كبرة وأنها تؤذيني بلسانها، فقال له رسول الله ﷺ: "اتق الله وأمسك عليك زوجك"، وفي قلبه ما في قلبه، ثم إن زيداً طلّقها بعد ذلك، فلما انقضت عدتها أنزل الله نكاحها من السماء على رسوله وأنزل عليه الآيات: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِيۤ أَنعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِ﴾ إلى: ﴿مَّقْدُوراً﴾. وعن عائشة أنها قالت: "لو كتم رسول الله ﷺ شيئاً مما أنزل عليه لكتم هذه الآية. قال أنس: "لما انْقَضَتْ عِدَّةُ زَيْنَبَ مِنْ زَيدٍ قال رسول الله ﷺ لزيد: اذكُرْنِي لَهَا، فَانْطَلَقَ زَيْدَ إِلى زَيْنَب فقال لها: أَبْشِرِي أَرْسَلَ رسول الله يَذْكُرُكِ، فَقَالَتْ: مَا أَنَا بِصَانِعَةٍ شَيْئاً حَتَّى أُؤامِرَ رَبِّي فَقَامَتْ إلى مَسْجِدِهَا وَصَلَّتْ، وَنَزلَ القُرآنُ عَلَى رَسُولِهِ: ﴿فَلَمَّا قَضَىٰ زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَراً زَوَّجْنَاكَهَا﴾ الآيتان. فجاء إليها رسول الله ﷺ حتى دخل عليها بغير إذنها وروي أنها كانت تقول لرسول الله: لست كأحد من النساء لأن الله زوجنيك. * * ثم قال تعالى: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِيۤ أَنعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَٱتَّقِ ٱللَّهَ﴾، هذا عتاب من الله للنبي ﷺ، أي: واذكر يا محمد إذ تقول للذي أنعم الله عليه بالإسلام، وأنعمت عليه بالعتق - وهو زيد بن حارثة مولى رسول الله ﷺ - أمسك عليك زوجك واتق الله في مفارقتها للفرار. روي أن النبي ﷺ رأى زينب بنت جحش وهي ابنة عمته بعد أن تزوجها زيد فأعجبته، فألقى الله في نفس زيد كراهتها لما علم ما وقع في نفس النبي منها، فأراد زيد فراقها فذكر ذلك للنبي ﷺ، فقال له النبي: "﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَٱتَّقِ ٱللَّهَ﴾ فيما عليك لها" وهو يحب لو قد بانت منه لينكحها، وهو الذي أخفى غي نفسه، فقد أبداه الله كما ذكره. * * ثم قال تعالى: ﴿وَتَخْشَى ٱلنَّاسَ وَٱللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ﴾ أي: وتخاف أن يقول الناس أمَرَ رجلاً بطلاق امرأته ثم نَكَحَها حين طَلَّقها، والله أحق أن تخشاه مِنَ الناس، هذا كله معنى قول قتادة وابن زيد. قال الحسن: ما أنزلت عليه آية أشد منها، ولو كان رسول الله ﷺ كاتماً شيئاً من الوحي لكتمها. وقال علي بن الحسين: كان الله جل ذكره أَعْلَمَ نبيه عليه السلام أن زينب ستكون من أزواجه، فلما أتاه زيد يشكوها، قال: ﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَٱتَّقِ ٱللَّهَ﴾، وهو يخفي في نفسه ما قد أعلمه الله من تزويج زينب، والله مبديه، أي مظهره بتمام التزويج، وطلاق زيد لزينب. * * ثم قال تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَىٰ زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَراً﴾ أي حاجته وإربه. ﴿زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لاَ يَكُونَ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِيۤ أَزْوَاجِ أَدْعِيَآئِهِمْ إِذَا قَضَوْاْ مِنْهُنَّ وَطَراً﴾ أي لِئَلاَّ يكون على المؤمنين ضيق وإثم في نكاح أزواج من تبنوا بعد طلاقهم إياهن، إذا قضوا منهن حاجتهم، وهو قوله جل ذكره: ﴿وَحَلَٰئِلُ أَبْنَائِكُمُ ٱلَّذِينَ مِنْ أَصْلَٰبِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]، فدل على أن اللاتي من الأبناء من غير الأصلاب حلال نكاحهن. وفي قوله: ﴿فَلَمَّا قَضَىٰ زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَراً﴾ إشارة إلى إيقاع الطلاق، وكذلك في قوله: ﴿إِذَا قَضَوْاْ مِنْهُنَّ وَطَراً﴾. * * ثم قال: ﴿وَكَانَ أَمْرُ ٱللَّهِ مَفْعُولاً﴾ أي: ما قضى الله من قضاء كائناً لا محالة، ذلك ما قضى الله من تزويج النبي ﷺ من زينب بنت عمته. وقال الشعبي: كانت زينب تقول للنبي عليه السلام: إني لأَدِلُّ عليك بثلاث ما من نسائك امرأة تَدِلُّ بهن: إن جَدِّي وَجَدُّكَ وَاحِدٌ، وإنّي أنْكَحَنِكَ الله مِنَ السَّماءِ، وإنَّ السَّفِيرَ جِبْرِيلُ ﷺ. وروى أنس بن مالك أن زيداً كان مسبباً من الشام ابتاعه حكيم بن حزام بن خويلد، فوهبه لعمته خديجة زوج النبي، فوهبته خديجة للنبي ﷺ فتبناه النبي.

الأحزاب 33:36

قوله تعالى (ذكره): ﴿وَٱذْكُـرْنَ مَا يُتْـلَىٰ فِي بُيُوتِكُـنَّ مِنْ آيَاتِ ٱللَّهِ وَٱلْحِكْـمَةِ﴾ إلى قوله: ﴿وَكَانَ أَمْرُ ٱللَّهِ مَفْعُولاً﴾. أي: واذكرن نعمة الله عليكن إذ جعلكن في بيوت تتلى فيهما (آيات) الله والحكمة، أي: اشكرن الله على ذلك. والحكمة هنا: ما أوحي إلى النبي ﷺ من أمر دينه مما لم ينزل به قرآن، وذلك السنة. قال قتادة: الحكمة السنة امتَنَّ (الله) عليهن بذلك. وقيل: معناه الحكمة من الآيات. * * ثم قال: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ لَطِيفاً﴾ أي (ذا) لطف بكن إذ جعلكن في البيوت التي يتلى فيها القرآن والسنة. ﴿خَبِيراً﴾ بكن إذ اختاركن لرسوله أزواجاً. ثم قال تعالى (ذكره) بعقب (ذِكِرُ) ما أَمَرَ به أزواج نبيه ﷺ. ﴿إِنَّ ٱلْمُسْلِمِينَ وَٱلْمُسْلِمَاتِ﴾ الآية، أي: (المتذللين) بالطاعة والمتذللات. وأصل الإسلام التذلل والانقياد والخضوع. ﴿وَٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ﴾ أي: المصدقين الله ورسوله والمصدقات. وأصل الإيمان التصديق. ﴿وَٱلْقَانِتِينَ وَٱلْقَانِتَاتِ﴾ أي: والمطيعين والمطيعات الله ورسوله، فيما أمروا به ونهوا عنه. وأصل القنوت الطاعة. ﴿وَٱلصَّادِقِينَ وَٱلصَّادِقَاتِ﴾ أي صدقوه فيما عاهدوه عليه. ﴿وَٱلصَّابِرِينَ وَٱلصَّابِرَاتِ﴾ أي: صبروا لله في البأساء والضراء على الثبات على دينه. ﴿وَٱلْخَاشِعِينَ وَٱلْخَاشِعَاتِ﴾ أي خشعوا لله وجلاً من عقابه وتعظيماً له. ﴿وَٱلْمُتَصَدِّقِينَ وَٱلْمُتَصَدِّقَاتِ﴾ أي: تصدقوا بما افترض الله عليهم في أموالهم. ﴿وٱلصَّائِمِينَ وٱلصَّائِمَاتِ﴾ أي: صاموا شهر رمضان الذي افترضه الله عليهم. ﴿وَٱلْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَٱلْحَافِـظَاتِ﴾ أي: حفظوها إلا عن الأزواج أو ما ملكت أيمانهم. ﴿وَٱلذَّاكِـرِينَ ٱللَّهَ كَثِيراً وَٱلذَّاكِرَاتِ﴾ أي: ذكروه بألسنتهم وقلوبهم. ﴿أَعَدَّ ٱللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً﴾ أي: ستراً لذنوبهم وثواباً في الآخرة من أعمالهم وهو الجنة. قال مجاهد: لا يكون ذاكراً لله حتى يذكره قائماً وجالساً ومضطجعاً. وقال أبو سعيد الخدري: من أيقظ أهله وصَلَّياّ أربع ركعات كُتِباَ من الذاكرين الله كثيراً والذاكرات. قال قتادة: دخل نساء على نساء النبي ﷺ، فقلن قد ذكركن الله في القرآن ولم نذكر بشيء، أما فينا من يذكر؟ فأنزل الله جل ذكره: ﴿إِنَّ ٱلْمُسْلِمِينَ﴾ الآية. وقال مجاهد: قالت أم سلمة: يا رسول الله، يذكر الرجال ولا يذكر النساء؟ فنزلت الآية: "إن المسلمين" الآية. * * ثم قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ ٱلْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ أي: أن يتخيروا من (أمرهم غير) الذي قضى الله ورسوله، ويخالفوا (ذلك) فيعصونهما، ﴿وَمَن يَعْصِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ أي: فيما أُمِرَ أو نُهِيَّ. ﴿فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً مُّبِيناً﴾ أي: جار عن قصد السبيل، وسلك غير طريق الهدى. ويروى أن هذه الآية نزلت في زينب بنت جحش حين خطبها رسول الله على فتاه زيد بن حارثة فامتنعت من إنكاحه (نفسها). قال ابن عباس: خطبها رسول الله على فتاه زيد بن حارثة فقالت: لسْتُ بِناكِحَتِهِ، فقال رسول الله ﷺ: "بَلَى فانْكَحِيهِ، فقالت يا رسول الله أؤامِرُ نفسي؟ فبينما هما يتحدثان أنزل الله هذه الآية على رسوله فقالت رَضِيتَهُ لي يا رسول الله منكحاً، قال: نعم، قالت: إذاً لا أعْصِي رسول الله ﷺ، قد أَنْكَحْتُه نفسي". قال قتادة: لما خطب رسول الله زينب بنت جحش، وهي بنت عمته، ظنت أنه يريدها لنفسه، فلما علمت أنه يريدها لزيد امتنعت، فأنزل الله: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ﴾ الآية، فأطاعت وسلمت. وقيل: نزلت في [أم كلثوم] بنت عقبة بن أبي معيط وذلك أنها وهبت نفسها للنبي فزوجها زيد بن حارثة، قاله ابن زيد. قال: وكانت أول من هاجر من النساء، فوهبت نفسها للنبي ﷺ، فقال: قد قبلت، فزوجها زيد بن حارثة، فسخطت هي وأخوها وقالا: إنما أردنا رسول الله فزوجنا عبده، فنزلت الآية. وروي أن النبي ﷺ لما خطبها لزيد قالت: لا أرضى به، وأن أَيِّمُ نساء قريش، فقال لها النبي عليه السلام: قد رضيته لك، فأبت عليه فنزلت الآية، فرضيت به وجعلت أمرها لرسول الله ﷺ، فأنكحها من زيد بن حارثة، فمكثت عند زيد ما شاء الله، ثم أتاه رسول الله زائراً له فأبصرها قائمة فأعجبته، فقال: سبحان الله مقلب القلوب، فرأى زيد أن رسول الله قد هويها، فقال: يا رسول الله ائذن لي في طلاقها، فإن بها كبرة وأنها تؤذيني بلسانها، فقال له رسول الله ﷺ: "اتق الله وأمسك عليك زوجك"، وفي قلبه ما في قلبه، ثم إن زيداً طلّقها بعد ذلك، فلما انقضت عدتها أنزل الله نكاحها من السماء على رسوله وأنزل عليه الآيات: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِيۤ أَنعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِ﴾ إلى: ﴿مَّقْدُوراً﴾. وعن عائشة أنها قالت: "لو كتم رسول الله ﷺ شيئاً مما أنزل عليه لكتم هذه الآية. قال أنس: "لما انْقَضَتْ عِدَّةُ زَيْنَبَ مِنْ زَيدٍ قال رسول الله ﷺ لزيد: اذكُرْنِي لَهَا، فَانْطَلَقَ زَيْدَ إِلى زَيْنَب فقال لها: أَبْشِرِي أَرْسَلَ رسول الله يَذْكُرُكِ، فَقَالَتْ: مَا أَنَا بِصَانِعَةٍ شَيْئاً حَتَّى أُؤامِرَ رَبِّي فَقَامَتْ إلى مَسْجِدِهَا وَصَلَّتْ، وَنَزلَ القُرآنُ عَلَى رَسُولِهِ: ﴿فَلَمَّا قَضَىٰ زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَراً زَوَّجْنَاكَهَا﴾ الآيتان. فجاء إليها رسول الله ﷺ حتى دخل عليها بغير إذنها وروي أنها كانت تقول لرسول الله: لست كأحد من النساء لأن الله زوجنيك. * * ثم قال تعالى: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِيۤ أَنعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَٱتَّقِ ٱللَّهَ﴾، هذا عتاب من الله للنبي ﷺ، أي: واذكر يا محمد إذ تقول للذي أنعم الله عليه بالإسلام، وأنعمت عليه بالعتق - وهو زيد بن حارثة مولى رسول الله ﷺ - أمسك عليك زوجك واتق الله في مفارقتها للفرار. روي أن النبي ﷺ رأى زينب بنت جحش وهي ابنة عمته بعد أن تزوجها زيد فأعجبته، فألقى الله في نفس زيد كراهتها لما علم ما وقع في نفس النبي منها، فأراد زيد فراقها فذكر ذلك للنبي ﷺ، فقال له النبي: "﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَٱتَّقِ ٱللَّهَ﴾ فيما عليك لها" وهو يحب لو قد بانت منه لينكحها، وهو الذي أخفى غي نفسه، فقد أبداه الله كما ذكره. * * ثم قال تعالى: ﴿وَتَخْشَى ٱلنَّاسَ وَٱللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ﴾ أي: وتخاف أن يقول الناس أمَرَ رجلاً بطلاق امرأته ثم نَكَحَها حين طَلَّقها، والله أحق أن تخشاه مِنَ الناس، هذا كله معنى قول قتادة وابن زيد. قال الحسن: ما أنزلت عليه آية أشد منها، ولو كان رسول الله ﷺ كاتماً شيئاً من الوحي لكتمها. وقال علي بن الحسين: كان الله جل ذكره أَعْلَمَ نبيه عليه السلام أن زينب ستكون من أزواجه، فلما أتاه زيد يشكوها، قال: ﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَٱتَّقِ ٱللَّهَ﴾، وهو يخفي في نفسه ما قد أعلمه الله من تزويج زينب، والله مبديه، أي مظهره بتمام التزويج، وطلاق زيد لزينب. * * ثم قال تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَىٰ زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَراً﴾ أي حاجته وإربه. ﴿زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لاَ يَكُونَ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِيۤ أَزْوَاجِ أَدْعِيَآئِهِمْ إِذَا قَضَوْاْ مِنْهُنَّ وَطَراً﴾ أي لِئَلاَّ يكون على المؤمنين ضيق وإثم في نكاح أزواج من تبنوا بعد طلاقهم إياهن، إذا قضوا منهن حاجتهم، وهو قوله جل ذكره: ﴿وَحَلَٰئِلُ أَبْنَائِكُمُ ٱلَّذِينَ مِنْ أَصْلَٰبِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]، فدل على أن اللاتي من الأبناء من غير الأصلاب حلال نكاحهن. وفي قوله: ﴿فَلَمَّا قَضَىٰ زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَراً﴾ إشارة إلى إيقاع الطلاق، وكذلك في قوله: ﴿إِذَا قَضَوْاْ مِنْهُنَّ وَطَراً﴾. * * ثم قال: ﴿وَكَانَ أَمْرُ ٱللَّهِ مَفْعُولاً﴾ أي: ما قضى الله من قضاء كائناً لا محالة، ذلك ما قضى الله من تزويج النبي ﷺ من زينب بنت عمته. وقال الشعبي: كانت زينب تقول للنبي عليه السلام: إني لأَدِلُّ عليك بثلاث ما من نسائك امرأة تَدِلُّ بهن: إن جَدِّي وَجَدُّكَ وَاحِدٌ، وإنّي أنْكَحَنِكَ الله مِنَ السَّماءِ، وإنَّ السَّفِيرَ جِبْرِيلُ ﷺ. وروى أنس بن مالك أن زيداً كان مسبباً من الشام ابتاعه حكيم بن حزام بن خويلد، فوهبه لعمته خديجة زوج النبي، فوهبته خديجة للنبي ﷺ فتبناه النبي.

الأحزاب 33:37

قوله تعالى (ذكره): ﴿وَٱذْكُـرْنَ مَا يُتْـلَىٰ فِي بُيُوتِكُـنَّ مِنْ آيَاتِ ٱللَّهِ وَٱلْحِكْـمَةِ﴾ إلى قوله: ﴿وَكَانَ أَمْرُ ٱللَّهِ مَفْعُولاً﴾. أي: واذكرن نعمة الله عليكن إذ جعلكن في بيوت تتلى فيهما (آيات) الله والحكمة، أي: اشكرن الله على ذلك. والحكمة هنا: ما أوحي إلى النبي ﷺ من أمر دينه مما لم ينزل به قرآن، وذلك السنة. قال قتادة: الحكمة السنة امتَنَّ (الله) عليهن بذلك. وقيل: معناه الحكمة من الآيات. * * ثم قال: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ لَطِيفاً﴾ أي (ذا) لطف بكن إذ جعلكن في البيوت التي يتلى فيها القرآن والسنة. ﴿خَبِيراً﴾ بكن إذ اختاركن لرسوله أزواجاً. ثم قال تعالى (ذكره) بعقب (ذِكِرُ) ما أَمَرَ به أزواج نبيه ﷺ. ﴿إِنَّ ٱلْمُسْلِمِينَ وَٱلْمُسْلِمَاتِ﴾ الآية، أي: (المتذللين) بالطاعة والمتذللات. وأصل الإسلام التذلل والانقياد والخضوع. ﴿وَٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ﴾ أي: المصدقين الله ورسوله والمصدقات. وأصل الإيمان التصديق. ﴿وَٱلْقَانِتِينَ وَٱلْقَانِتَاتِ﴾ أي: والمطيعين والمطيعات الله ورسوله، فيما أمروا به ونهوا عنه. وأصل القنوت الطاعة. ﴿وَٱلصَّادِقِينَ وَٱلصَّادِقَاتِ﴾ أي صدقوه فيما عاهدوه عليه. ﴿وَٱلصَّابِرِينَ وَٱلصَّابِرَاتِ﴾ أي: صبروا لله في البأساء والضراء على الثبات على دينه. ﴿وَٱلْخَاشِعِينَ وَٱلْخَاشِعَاتِ﴾ أي خشعوا لله وجلاً من عقابه وتعظيماً له. ﴿وَٱلْمُتَصَدِّقِينَ وَٱلْمُتَصَدِّقَاتِ﴾ أي: تصدقوا بما افترض الله عليهم في أموالهم. ﴿وٱلصَّائِمِينَ وٱلصَّائِمَاتِ﴾ أي: صاموا شهر رمضان الذي افترضه الله عليهم. ﴿وَٱلْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَٱلْحَافِـظَاتِ﴾ أي: حفظوها إلا عن الأزواج أو ما ملكت أيمانهم. ﴿وَٱلذَّاكِـرِينَ ٱللَّهَ كَثِيراً وَٱلذَّاكِرَاتِ﴾ أي: ذكروه بألسنتهم وقلوبهم. ﴿أَعَدَّ ٱللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً﴾ أي: ستراً لذنوبهم وثواباً في الآخرة من أعمالهم وهو الجنة. قال مجاهد: لا يكون ذاكراً لله حتى يذكره قائماً وجالساً ومضطجعاً. وقال أبو سعيد الخدري: من أيقظ أهله وصَلَّياّ أربع ركعات كُتِباَ من الذاكرين الله كثيراً والذاكرات. قال قتادة: دخل نساء على نساء النبي ﷺ، فقلن قد ذكركن الله في القرآن ولم نذكر بشيء، أما فينا من يذكر؟ فأنزل الله جل ذكره: ﴿إِنَّ ٱلْمُسْلِمِينَ﴾ الآية. وقال مجاهد: قالت أم سلمة: يا رسول الله، يذكر الرجال ولا يذكر النساء؟ فنزلت الآية: "إن المسلمين" الآية. * * ثم قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ ٱلْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ أي: أن يتخيروا من (أمرهم غير) الذي قضى الله ورسوله، ويخالفوا (ذلك) فيعصونهما، ﴿وَمَن يَعْصِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ أي: فيما أُمِرَ أو نُهِيَّ. ﴿فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً مُّبِيناً﴾ أي: جار عن قصد السبيل، وسلك غير طريق الهدى. ويروى أن هذه الآية نزلت في زينب بنت جحش حين خطبها رسول الله على فتاه زيد بن حارثة فامتنعت من إنكاحه (نفسها). قال ابن عباس: خطبها رسول الله على فتاه زيد بن حارثة فقالت: لسْتُ بِناكِحَتِهِ، فقال رسول الله ﷺ: "بَلَى فانْكَحِيهِ، فقالت يا رسول الله أؤامِرُ نفسي؟ فبينما هما يتحدثان أنزل الله هذه الآية على رسوله فقالت رَضِيتَهُ لي يا رسول الله منكحاً، قال: نعم، قالت: إذاً لا أعْصِي رسول الله ﷺ، قد أَنْكَحْتُه نفسي". قال قتادة: لما خطب رسول الله زينب بنت جحش، وهي بنت عمته، ظنت أنه يريدها لنفسه، فلما علمت أنه يريدها لزيد امتنعت، فأنزل الله: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ﴾ الآية، فأطاعت وسلمت. وقيل: نزلت في [أم كلثوم] بنت عقبة بن أبي معيط وذلك أنها وهبت نفسها للنبي فزوجها زيد بن حارثة، قاله ابن زيد. قال: وكانت أول من هاجر من النساء، فوهبت نفسها للنبي ﷺ، فقال: قد قبلت، فزوجها زيد بن حارثة، فسخطت هي وأخوها وقالا: إنما أردنا رسول الله فزوجنا عبده، فنزلت الآية. وروي أن النبي ﷺ لما خطبها لزيد قالت: لا أرضى به، وأن أَيِّمُ نساء قريش، فقال لها النبي عليه السلام: قد رضيته لك، فأبت عليه فنزلت الآية، فرضيت به وجعلت أمرها لرسول الله ﷺ، فأنكحها من زيد بن حارثة، فمكثت عند زيد ما شاء الله، ثم أتاه رسول الله زائراً له فأبصرها قائمة فأعجبته، فقال: سبحان الله مقلب القلوب، فرأى زيد أن رسول الله قد هويها، فقال: يا رسول الله ائذن لي في طلاقها، فإن بها كبرة وأنها تؤذيني بلسانها، فقال له رسول الله ﷺ: "اتق الله وأمسك عليك زوجك"، وفي قلبه ما في قلبه، ثم إن زيداً طلّقها بعد ذلك، فلما انقضت عدتها أنزل الله نكاحها من السماء على رسوله وأنزل عليه الآيات: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِيۤ أَنعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِ﴾ إلى: ﴿مَّقْدُوراً﴾. وعن عائشة أنها قالت: "لو كتم رسول الله ﷺ شيئاً مما أنزل عليه لكتم هذه الآية. قال أنس: "لما انْقَضَتْ عِدَّةُ زَيْنَبَ مِنْ زَيدٍ قال رسول الله ﷺ لزيد: اذكُرْنِي لَهَا، فَانْطَلَقَ زَيْدَ إِلى زَيْنَب فقال لها: أَبْشِرِي أَرْسَلَ رسول الله يَذْكُرُكِ، فَقَالَتْ: مَا أَنَا بِصَانِعَةٍ شَيْئاً حَتَّى أُؤامِرَ رَبِّي فَقَامَتْ إلى مَسْجِدِهَا وَصَلَّتْ، وَنَزلَ القُرآنُ عَلَى رَسُولِهِ: ﴿فَلَمَّا قَضَىٰ زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَراً زَوَّجْنَاكَهَا﴾ الآيتان. فجاء إليها رسول الله ﷺ حتى دخل عليها بغير إذنها وروي أنها كانت تقول لرسول الله: لست كأحد من النساء لأن الله زوجنيك. * * ثم قال تعالى: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِيۤ أَنعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَٱتَّقِ ٱللَّهَ﴾، هذا عتاب من الله للنبي ﷺ، أي: واذكر يا محمد إذ تقول للذي أنعم الله عليه بالإسلام، وأنعمت عليه بالعتق - وهو زيد بن حارثة مولى رسول الله ﷺ - أمسك عليك زوجك واتق الله في مفارقتها للفرار. روي أن النبي ﷺ رأى زينب بنت جحش وهي ابنة عمته بعد أن تزوجها زيد فأعجبته، فألقى الله في نفس زيد كراهتها لما علم ما وقع في نفس النبي منها، فأراد زيد فراقها فذكر ذلك للنبي ﷺ، فقال له النبي: "﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَٱتَّقِ ٱللَّهَ﴾ فيما عليك لها" وهو يحب لو قد بانت منه لينكحها، وهو الذي أخفى غي نفسه، فقد أبداه الله كما ذكره. * * ثم قال تعالى: ﴿وَتَخْشَى ٱلنَّاسَ وَٱللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ﴾ أي: وتخاف أن يقول الناس أمَرَ رجلاً بطلاق امرأته ثم نَكَحَها حين طَلَّقها، والله أحق أن تخشاه مِنَ الناس، هذا كله معنى قول قتادة وابن زيد. قال الحسن: ما أنزلت عليه آية أشد منها، ولو كان رسول الله ﷺ كاتماً شيئاً من الوحي لكتمها. وقال علي بن الحسين: كان الله جل ذكره أَعْلَمَ نبيه عليه السلام أن زينب ستكون من أزواجه، فلما أتاه زيد يشكوها، قال: ﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَٱتَّقِ ٱللَّهَ﴾، وهو يخفي في نفسه ما قد أعلمه الله من تزويج زينب، والله مبديه، أي مظهره بتمام التزويج، وطلاق زيد لزينب. * * ثم قال تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَىٰ زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَراً﴾ أي حاجته وإربه. ﴿زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لاَ يَكُونَ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِيۤ أَزْوَاجِ أَدْعِيَآئِهِمْ إِذَا قَضَوْاْ مِنْهُنَّ وَطَراً﴾ أي لِئَلاَّ يكون على المؤمنين ضيق وإثم في نكاح أزواج من تبنوا بعد طلاقهم إياهن، إذا قضوا منهن حاجتهم، وهو قوله جل ذكره: ﴿وَحَلَٰئِلُ أَبْنَائِكُمُ ٱلَّذِينَ مِنْ أَصْلَٰبِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]، فدل على أن اللاتي من الأبناء من غير الأصلاب حلال نكاحهن. وفي قوله: ﴿فَلَمَّا قَضَىٰ زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَراً﴾ إشارة إلى إيقاع الطلاق، وكذلك في قوله: ﴿إِذَا قَضَوْاْ مِنْهُنَّ وَطَراً﴾. * * ثم قال: ﴿وَكَانَ أَمْرُ ٱللَّهِ مَفْعُولاً﴾ أي: ما قضى الله من قضاء كائناً لا محالة، ذلك ما قضى الله من تزويج النبي ﷺ من زينب بنت عمته. وقال الشعبي: كانت زينب تقول للنبي عليه السلام: إني لأَدِلُّ عليك بثلاث ما من نسائك امرأة تَدِلُّ بهن: إن جَدِّي وَجَدُّكَ وَاحِدٌ، وإنّي أنْكَحَنِكَ الله مِنَ السَّماءِ، وإنَّ السَّفِيرَ جِبْرِيلُ ﷺ. وروى أنس بن مالك أن زيداً كان مسبباً من الشام ابتاعه حكيم بن حزام بن خويلد، فوهبه لعمته خديجة زوج النبي، فوهبته خديجة للنبي ﷺ فتبناه النبي.

الأحزاب 33:38

قوله تعالى: ذكره ﴿مَّا كَانَ عَلَى ٱلنَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ﴾ إلى قوله: ﴿سَرَاحاً جَمِيلاً﴾. أي ليس على محمد ﷺ إثم في نكاح امرأة من تبناه بعد فراقه إياها. قال قتادة: ما فرض الله له، أي ما أحل الله. وفي الكلام معنى المدح كقوله: ﴿مَا عَلَى ٱلْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ﴾ [التوبة: ٩١] ثم قال: ﴿سُنَّةَ ٱللَّهِ فِي ٱلَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلُ﴾. انتصبت "سُنَّة" على المصدر، والفاعل فيه ما قبله لأنه بمعنى سن الله له ذلك سنَّة، والمعنى لا إثم عليه في ذلك كما لا إثم فيه على من خلا قبله من النبيئين فيما أحل الله لهم. قال الطبري في معناه: لم يكن الله لِيُؤُثِمَ نبيه فيما أحل الله له مثالَ فِعْلِه بمن قَبْلَهُ مِنَ الرسل. ثم قال: ﴿وَكَانَ أَمْرُ ٱللَّهِ قَدَراً مَّقْدُوراً﴾ أي: قضاء مقضياً. [وقيل: قَدَرُ أحَدٍ قَدَّرَهُ وَكَتَبَهُ قبل خلق الأشياء كلها مقدوراً] أي أنه ستكون الأشياء على ما تقدّم في علمه. ولا تقف على: ﴿فَرَضَ ٱللَّهُ لَهُ﴾ لأن "سنة" انتصبت على عامل قام ما قبلها مقامه. * * ثم قال تعالى: ﴿ٱلَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالاَتِ ٱللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ﴾ أي: سنة الله في الذين خلوا من قبل محمد من الرسل الذين يبلغون رسالات الله إلى من أُرْسِلوا إليه. ﴿وَيَخْشَوْنَهُ﴾: أي: يخافون الله. ﴿وَلاَ يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلاَّ ٱللَّهَ﴾ أي: لا يخافون غيره، فَمِن هؤلاء فَكُن يا محمد، فإن الله يمنع منك وينصرك كما فعل بمن قبلك من الرسل. "الذين" بدل من "الدين" في قوله: ﴿سُنَّةَ ٱللَّهِ فِي ٱلَّذِينَ﴾ أو نعت لهم أو عطف بيان. * * ثم قال: ﴿وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ حَسِيباً﴾ أي: وكفاك يا محمد حافظاً لأعمال خلقه ومحاسباً لهم عليها. ويجوز أن يكون (حسيب) بمعنى محاسب، كما تقول آكِيلٌ وشَرِيب، معنى مُواكِل وُمَشَارِب. ويجوز أن يكون بمعنى محسب، أي مكف كما قالوا السميع بمعنى المسمع وأليم بمعنى مؤلم. يقال: أحسبني الشيء بمعنى كفاني. * * ثم قال تعالى: ﴿مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَآ أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ﴾ أي: لم يكن محمد أبا زيد ابن حارثة، ولا أباً لغيره لأنه لم يكن له ابن وقت نزول هذه الآية. قال قتادة: نزلت في زيد بن حارثة أنه لم يكن بابنه، ولعمري لقد ولد له ذكور وإنه لأبو القاسم وإبراهيم والمطهر. فالمعنى على هذا: لم يكن محمد أباً لِمَنْ تَبَنَّى من رجالكم، ولكنه أبو أمته في التبجيل والتعظيم. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَـٰكِن رَّسُولَ ٱللَّهِ﴾ أي: ولكن كان رسول الله. ﴿وَخَاتَمَ ٱلنَّبِيِّينَ﴾ أي: آخرهم. هذا على قراءة من فتح التاء. ومن كسرها فمعناها: أي طبع على النبوة فلا تفتح لأحد بعده. روى جابر أن النبي ﷺ قال: "أَنَا خَاتِمُ أَلْفِ نَبِيٍّ أَوْ أَكْثَرَ". والخاتم الذي يلبس، فيه أربع لغات: خَاتَمٌ وخَاتِمٌ وخَاتَامٌ وخَيْتَامٌ. ثم قال تعالى ذكره: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً﴾ أي: اذكروه بقلوبكم وجوارحكم ولا تخلوا أنفسكم من ذكره في حال من أحوال طاقتكم. * * ثم قال: ﴿وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً﴾ أي: صلوا له غدوة وعشياً، يعني صلاة الصبح وصلاة العصر، والأصيل العَشِيُّ وجمعه أصائل. والأصيل بمعنى الأُصُل وجمعه آصال، هذا لفظ المبرد. وقال غيره: أُصُل عنده جمع أَصِيل كرغيف ورغف. * * ثم قال تعالى: ﴿هُوَ ٱلَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلاَئِكَتُهُ﴾ أي: ربكم الذي أمرتم بذكره كثيراً هو الذي يرحمكم ويثني عليكم فيشيع عنكم الذكر الجميل وملائكته تدعو لكم. روي أنه لما نزل : ﴿إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلاَئِكَـتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِيِّ﴾ [الأحزاب: ٥٦] أتاه المؤمنون يهنؤونه بذلك، فقال أبو بكر يا رسول الله: هذا لك خاصة فَمَا لَنا؟ فأنزل الله جل ذكره: ﴿هُوَ ٱلَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلاَئِكَتُهُ﴾، أي: يدعون لكم بالرحمة. وروى الحسن أن النبي ﷺ قال في حديث طويل: "إِنَّ الله قَالَ لمُوسَى: أَخْبِرْ بَنِي إِسْرائِيلَ أَنَّ صَلاَتِي عَلى عِبَادِي لَتَسْبِقُ رَحْمَتِي غَضَبِي وَلَوْلاَ ذَلِكَ لأَهْلَكْتُهُمْ وقال عطاء بن أبي رباح: "صلاته على عباده: سُبُّوحٌ قُدُّوسٌ لَتَسْبِقُ رَحْمَتِي غَضَبِي". وفي حديث آخر عن النبي ﷺ: "سُبُّوحٌ قُدُّوسٌ، رَحْمَتِي تَغْلِبُ غَضَبِي ثم قال: ﴿لِيُخْرِجَكُمْ مِّنَ ٱلظُّلُمَاتِ إِلَى ٱلنُّورِ﴾ أي: تدعو ملائكة الله ليخرجكم الله من الكفر إلى الإيمان. وأصل الصلاة في اللغة: الدعاء. وسمي الركوع والسجود صلاة للدعاء الذي يكون في ذلك. وقال المبرد: أصل الصلاة الترحم، فالصلاة من الله رحمة لعباده، ومن الملائكة رقة لهم واستدعاء للرحمة من الله لهم، والصلاة من الناس سميت صلاة لطلب الرحمة بها. قال أبو عبيدة: الأصِيلُ ما بين العصر إلى الليل: وقال: ﴿يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلاَئِكَتُهُ﴾ أي: يبارك عليكم. قال ابن عباس: لا يقضي الله على عباده فريضة إلا جعل لها حداً معلوماً، ثم عذر أهلها في حال العذر، غَيرَ الذِّكر، فإن الله لم يجعل له حداً ينتهي إليه، ولم يعذر أحداً في تركه إلا مغلوباً على عقله. * * ثم قال: ﴿وَكَانَ بِٱلْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً﴾ أي: ذا رحمة أن يعذبهم وهم له مطيعون. ﴿تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلاَمٌ﴾ أي: تحية بعض هؤلاء المؤمنين في الجنة سلام، أي أمنة لنا ولكم من عذاب الله. قال البراء بن عازب: معناه يوم يلقون ملك الموت يسلم عليهم لا يقبض روح مؤمن حتى يسلم عليه. قال قتادة: تحية أهل الجنة السلام. وقال البراء بن عازب في معناه: إن (ملك) الموت لا يقبض روح المؤمن حتى يسلم عليه. قال الزجاج: هذا في الجنة، واستشهد عليه بقوله تعالى: وَ﴿تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلاَمٌ﴾ [إبراهيم: ٢٣] ودليله أيضاً قوله جل ذكره: ﴿يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِّن كُلِّ بَابٍ * سَلاَمٌ عَلَيْكُم﴾ [الرعد: ٢٣-٢٤]. وفرق المبرد بين التحية والسلام، فقال: التحية تكون لكل دعاء، والسلام مخصوص، ومنه ﴿وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلاَماً﴾ [الفرقان: ٧٥]. ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْراً كَرِيماً﴾ أي: أعد لهم الجنة على طاعتهم له في الدنيا. ثم قال تعالى ذكره: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ إِنَّآ أَرْسَلْنَٰكَ شَٰهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً﴾ أي: أرسلناك يا محمد شاهداً على أمتك بإبلاغك إياهم ما أرسلت به، ومبشراً لمن أطاعك بالجنة، ونذيراً لمن عصاك بالنار، قاله قتادة وغيره. * * ثم قال: ﴿وَدَاعِياً إِلَى ٱللَّهِ بِإِذْنِهِ﴾ أي: إلى توحيد الله، وطاعته. قال قتادة: "ودَاعِياً اِلَى الله" إلى شهادة أن لا إله إلا الله. ﴿بِإِذْنِهِ﴾ أي: بأمره إياك بذلك. ﴿وَسِرَاجاً مُّنِيراً﴾ أي: مضيئاً للخلق يبين لهم أمر دينهم ويهتدون به كما يُهْتَدَى بالسرج المضيء. * * ثم قال تعالى: ﴿وَبَشِّرِ ٱلْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِّنَ ٱللَّهِ فَضْلاً كَبِيراً﴾ أي: من ثواب الله أضعافاً كثيرة. وقيل: المعنى: وذا سراج: أي ذا كتاب بين مضيء. قال ابن عباس: لما نزلت هذه الآية: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ إِنَّآ أَرْسَلْنَٰكَ شَٰهِداً﴾ الآية، دعا النبي ﷺ علياً ومُعاذاً فقال: "انْطلِقَا فَيَسِّرا وَلاَ تُعَسِّرَا فَإِنَّهُ قَدْ نَزَلَ عَلَيَّ: ﴿إِنَّآ أَرْسَلْنَٰكَ شَٰهِداً﴾ الآية وقرأ الآية ثم قال: ﴿وَلاَ تُطِعِ ٱلْكَافِرِينَ وَٱلْمُنَافِقِينَ﴾ أي: لا تسمع دعاءهما إليك على التقصير في تبليغ رسالات الله. ﴿وَدَعْ أَذَاهُمْ﴾. قال مجاهد أعرض عنهم. وقال مجاهد: دع الأذى لا تجازهم عليه حتى تؤمر فيه بشيء. وقيل: المعنى لا تؤذيهم، وكان هذا قبل أن يؤمر بالقتال، ثم نسخ ذلك بالقتال. قال قتادة: معناه: اصبر على أذاهم. * * ثم قال تعالى: ﴿وَتَوَكَّـلْ عَلَى ٱللَّهِ﴾ أي: فوِّض إلى الله أمرك وثق به، فإن الله كافيك. ﴿وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَكِـيلاً﴾ أي: وحسبك بالله فيما يأمرك به حافظاً لك وكَالِئاً. ثم قال تعالى ذكره: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِذَا نَكَحْتُمُ ٱلْمُؤْمِنَاتِ﴾ الآية، أي إذا تزوجتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل الدخول بهن والمجامعة - والنكاح هنا العقد - فلا عدة لكم عليهن ﴿فَمَتِّعُوهُنَّ﴾ أي: أعطوهن ما يستمتعن به من عرض أو عين. ﴿وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً﴾ أي: خلوا سبيلهن تخلية بمعروف. قال ابن عباس: إذا طلق التي لم يدخل بها واحدة بانت منه ولا عدة عليها، تتزوج من شاءت، فإن كان سمى لها صداقاً فلها نصفه، وإن كان لم يسم متعها على قدر عسره ويسره. وقيل: المتعة منسوخة بقوله جل ذكره: ﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧]، قاله ابن المسيب وقتادة: وهذه الآية خصصت آية البقرة وبينتها وهي قوله تعالى: ﴿وَٱلْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوۤءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨] فظاهر الآية أن ذلك في كل مطلقة. فبينت آية الأحزاب أن آية البقرة في المدخول بها. وكذلك آية الأحزاب خصصت وبينت آية الطلاق، وهي قوله: ﴿وَٱللاَّئِي يَئِسْنَ مِنَ ٱلْمَحِيضِ مِن نِّسَآئِكُمْ إِنِ ٱرْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاَثَةُ أَشْهُرٍ وَٱللاَّئِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ [الطلاق: ٤] فبينت آية الأحزاب أن الثلاثة الأشهر لهذين الصنفين، إنما ذلك للمدخول بها، كذلك أيضاً آية الطلاق خصصت وبينت أن آية البقرة في غير الصنفين المذكورين في سورة الطلاق فصار في آية البقرة تخصيصان وبيانان من سورتين. وصارت آية الأحزاب مخصصة ومبينة لآيتين من سورتين فآية الأحزاب أحكم إذ لا تخصيص فيها. فالإعتداد للرجال، أي: هم يستوفون من النساء ما عليهن من العدة. فالعدة على النساء، والاعتداد للرجال لأن العدة التي على النساء حق للأزواج ليستبْرِءوا أرحامهن لئلا يلحق أولادهم بغيرهم، أو يلحق بهم غير أولادهم.