Lafzullah

Tafsir Makhi — الصافات 37:110 – الصافات 37:152

المؤلف / المصدر: Tafsir Makhi

المحتويات
  1. الصافات 37:110
  2. الصافات 37:111
  3. الصافات 37:112
  4. الصافات 37:113
  5. الصافات 37:114
  6. الصافات 37:115
  7. الصافات 37:116
  8. الصافات 37:117
  9. الصافات 37:118
  10. الصافات 37:119
  11. الصافات 37:120
  12. الصافات 37:121
  13. الصافات 37:122
  14. الصافات 37:123
  15. الصافات 37:124
  16. الصافات 37:125
  17. الصافات 37:126
  18. الصافات 37:127
  19. الصافات 37:128
  20. الصافات 37:129
  21. الصافات 37:130
  22. الصافات 37:131
  23. الصافات 37:132
  24. الصافات 37:133
  25. الصافات 37:134
  26. الصافات 37:135
  27. الصافات 37:136
  28. الصافات 37:137
  29. الصافات 37:138
  30. الصافات 37:139
  31. الصافات 37:140
  32. الصافات 37:141
  33. الصافات 37:142
  34. الصافات 37:143
  35. الصافات 37:144
  36. الصافات 37:145
  37. الصافات 37:146
  38. الصافات 37:147
  39. الصافات 37:148
  40. الصافات 37:149
  41. الصافات 37:150
  42. الصافات 37:151
  43. الصافات 37:152

الصافات 37:110

قوله تعالى (ذكره): ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي ٱلآخِرِينَ﴾ إلى قوله: ﴿وَهُوَ مُلِيمٌ﴾. أي: وأبقينا على إبراهيم ثناء حسناً في الآخرين من الأمم، قاله قتادة. وقال ابن زيد: سأل إبراهيم عليه السلام ربه فقال: ﴿وَٱجْعَل لِّي لِسَانَ صِدْقٍ فِي ٱلآخِرِينَ﴾ [الشعراء: ٨٤]، أي الثناء الحسن، فأبقى الله عليه أن يقال: ﴿سَلاَمٌ عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ﴾ أي: أمنة من الله أن يذكر الإنجيل. * * ثم قال: ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي ٱلْمُحْسِنِينَ﴾ أي: كما جزينا إبراهيم على طاعته، كذلك نجزي من أطاع الله وأحسن عبادته. * * ثم قال: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيّاً مِّنَ ٱلصَّالِحِينَ﴾ أي: بشرناه - بعد أن فدينا إسماعيل بالذبح - بإسحاق مقدراً له النبوة والصلاح. ومن قال: إن الذبيح إسحاق فمعناه عنده: (وبشرنا إبراهيم) بعد الفداء بنبوة إسحاق نبياً. وفيه بُعْدٌ لأنك (لو) قلت: بشرتك بقدوم زيد قادماً، لم يكن للحال فائدة، ولم يوضع لغير فائدة. قال قتادة: بشر بنبوته بعدما جاد لله بنفسه. * * ثم قال: ﴿وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَىٰ إِسْحَاقَ﴾ أي: ثبتنا عليهما النعمة. ﴿وَمِن ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ﴾ وهو المطيع. ﴿وَظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ﴾ وهو الكافر. وذكر الطبري عن السدي أنه قال: كان إبراهيم كثير الطعام يطعم الناس ويضيفهم، فبينما هو يطعم الناس إذ رأى شيخاً كبيراُ يمشي في الحرة، فبعث إليه بحمار فركبه حتى أتاه فأطعمه فجعل الشيخ يأخذ اللقمة يريد أن يدخلها في فيه فيدخلها في أذنه مرة وفي عينه مرة ثم يدخلها في فيه، فإذا أدخلها في فيه، خرجت من دبره. وكان إبراهيم ﷺ قد سأل ربه ألا يقبض روحه حتى يكون هو الذي يسأله الموت. فقال إبراهيم للشيخ حين رأى حاله: ما بالك يا شيخ تصنع هذا؟ قال يا إبراهيم الكبر، قال له: ابن كم أنت؟ فزاد على عمر إبراهيم بسنتين، فقال إبراهيم: إنما بيني وبينك سنتين، فإذا بلغت ذلك صرت مثله، قال نعم، فقال إبراهيم: اللهم اقبضني إليك قبل ذلك، فقام الشيخ فقبض روح إبراهيم. وكان ملك الموت قد تمثل في صورة شيخ لإبراهيم، ومات إبراهيم وهو ابن مائتي سنة. وقيل: ابن مائة وسبع وتسعين سنة. ثم قال (تعالى): ﴿وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَىٰ مُوسَىٰ وَهَارُونَ﴾ أي: تفضلنا عليهما بالنبوة والرسالة. ﴿وَنَجَّيْنَاهُمَا وَقَوْمَهُمَا﴾ أي: ومن آمن معهما، يعني بني إسرائيل. ﴿مِنَ ٱلْكَرْبِ ٱلْعَظِيمِ﴾ أي: من الغرق. ثم قال (تعالى): ﴿وَنَصَرْنَاهُمْ فَكَانُواْ هُمُ ٱلْغَٰلِبِينَ﴾ أي: ونصرنا موسى وهارون وقومهما على فرعون وآله بتغريقنا إياهم فكانوا هم الغالبين. وقال الفراء: الضمير في ﴿وَنَصَرْنَاهُمْ﴾ و ﴿فَكَانُواْ﴾ ﴿هُمُ ٱلْغَٰلِبِينَ﴾ يعود على موسى وهارون وأن التثنية ردت إلى الجمع. ودل على ذلك قوله (جل ذكره). * * ﴿وَآتَيْنَاهُمَا ٱلْكِتَابَ ٱلْمُسْتَبِينَ * وَهَدَيْنَاهُمَا ٱلصِّرَاطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ * وَتَرَكْنَا عَلَيْهِمَا فِي ٱلآخِرِينَ * سَلاَمٌ عَلَىٰ مُوسَىٰ وَهَارُونَ﴾. وقال قوم: إنما جمع في موضع التثنية لأنهما عظيما الشأن جليلا القدر. والعرب تخبر عن الواحد من هذا النوع بلفظ الجمع، فالإخبار عن اثنين منهما بلفظ (الجمع) آكد وأحسن. * * ومعنى ﴿ٱلْمُسْتَبِينَ﴾: المتبين هداه وفضله وأحكامه، يعني التوراة، والصراط المستقيم: الإسلام. ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِمَا فِي ٱلآخِرِينَ﴾ أي: أبقينا عليهما الذكر الجميل والثناء الحسن، فكذلك نفعل بمن أحسن في طاعتي وأدى فرائضي. وفيه من الاختلاف ما تقدم في قصة نوح، وهو يقتضي قوله: ﴿وَٱجْعَل لِّي لِسَانَ صِدْقٍ فِي ٱلآخِرِينَ﴾ [الشعراء: ٨٤]. (ثم قال): ﴿إِنَّهُمَا مِنْ عِبَادِنَا ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: الذين أخلصناهم واخترناهم للطاعة وهديناهم للإيمان. ومن كسر اللام فمعناه: إنهما من عبادنا الذين أخلصوا العمل ولم يشركوا فيه غيري. قال (تعالى): ﴿وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ﴾. قال ابن إسحاق: (وهو إلياس) (بن) ياسين بن فنحاص بن العزار بن هارون بن عمران. وكان إلياس من سبط يوشع بن نون، بعثه الله تعالى إلى أهل بعلبك، (وكانوا يعبدون صنماً) يقال له بعل. وقيل هو إدريس. قاله قتادة. والمعنى: (إنه) لَمِنَ الذين أرسلهم الله إلى الخلق، فقال لقومه: ألا تتقون الله فتخافون عقابه على عبادتكم رباً غيره. (و) هو قوله: ﴿أَتَدْعُونَ بَعْلاً وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ ٱلْخَالِقِينَ﴾. والبعل: الرب لغة أهل اليمن مشهورة، قاله عكرمة ومجاهد وقتادة والسدي. وروي ذلك عن ابن عباس. وقال الضحاك: هو صنم لهم يسمى بعلاً. وقال ابن زيد: هو صنم كانوا يعبدونه ببعلبك مدينة وراء دمشق. وقيل: إن بعلاً تيس كانوا يعبدون. وقال ابن إسحاق: بلغني أن بعلاً امرأة كانوا يعبدونها من دون الله جل ذكره. قال وهب بن منبه: بعث الله إلياس إلى بني إسرائيل حين نسوا ما عهد الله إليهم، حتى (نصبوا) الأوثان وعبدوها من دون الله، فجعل إلياس يدعوهم إلى الله عز وجل، وجعلوا لا يسمعون منه شيئاً. وكان (له مَلِكٌ) من ملوك بني إسرائيل يطيعونه يقال له: جاب. وكان إلياس يقرب من الملك، وكان الملك يطيع إلياس (فيما) يقول له، ويراه الناس على هدى. وكانت ملوك بني إسرائيل قد افترقت في البلاد وأخذ كل واحد ناحية يأكلها، ويعبدون الأصنام، فقال الملك يوماً لإلياس: والله ما أرى ما تدعو إليه إلا باطلاً، والله ما أرى (فلاناً) وفلاناً - يذكر ملوكاً من ملوك بني إسرائيل - إلا قد عبدوا الأوثان من دون الله، وهم (على) نحو ما نحن عليه (من النعيم)، يأكلون ويشربون ويتنعمون مملكين، ما تنقص دنياهم عبادتهم الأوثان التي تزعم أنها باطل وما نرى لنا عليهم من فضل، فعظم الأمر على إلياس، واقشعر جلده وخرج عنه، ففعل ذلك الملك فعل أصحابه وعبد الأوثان، فقال إلياس: اللهم إن بني إسرائيل قد أبوا إلا الكفر بك والعبادة لغيرك فغير ما بهم من نعمة! أو كما قال: (قال) ابن إسحاق: فذكر لنا أنه أوحي إليه أنا قد جعلنا أمر أرزاقهم بيدك وإليك حتى تكون أنت الذي تأذن في ذلك. فقال إلياس: اللهم أمسك عنهم القطر، فحبس عنهم ثلاث سنين حتى هلكت الماشية والدواب والشجر، وجهد الناس جهداً شديداً، وكان إلياس حين دعا عليهم قد استخفى شفقاً على نفسه منهم. وكان حيث ما كان وضع له رزق، وكانوا إذا وجدوا ريح الخبز في دار أو بيت قالوا: قد دخل إلياس هذا المكان فطلبوه ولقي أهل ذلك المنزل شراً. ثم إنه أوى ليلة إلى امرأة من بني إسرائيل لها ابن يقال له: اليسع بن أخطوب به ضر، فآوته وأخفت أمره فدعا إلياس لابنها فعوفي من الضر الذي كان به واتبع اليسع إلياس. فآمن به وصدقه ولزمه، وكان يذهب معه حيث ما ذهب، وكان إلياس قد أسن وكبر، وكان اليسع غلاماً شاباً، فَذُكِر أن الله جل ذكره أوحى إلى إلياس: إنك قد أهلكت خلقاً كثيراً بخطايا بني إسرائيل من البهائم والدواب والطير والهوام والشجر. فذكر - والله أعلم - أن إلياس قال: أي رب، دعني أكن أنا الذي أدعوا لهم به، وأكن أنا الذي آتيهم بالفرج مما هم فيه من البلاء الذي أصابهم لعلهم يرجعون عن عبادة غيرك، فقيل له: نعم، فأتى إلياس إلى بني إسرائيل، فقال لهم: إنكم قد هلكتم جهداً وهلكت البهائم والدواب والطير والشجر بخطاياكم، وإنكم على باطل وغرور، أو كما قال لهم، فإن كنتم تحبون (علم) ذلك، وتعلمون أن الله عليكم ساخط فيما أنتم عليه، والذي أدعوكم إليه الحق، فاخرجوا بأصنامكم هذه التي تبعدونها وتزعمون أنها خير مما أدعوكم إليه، فإن استجابت لكم فذلك كما تقولون. فإن هي لم تفعل علمتم أنكم على باطل فنزعتم ودعوت الله يفرج عنكم ما أنتم فيه من البلاء، قالوا: أنْصَفت، فخرجوا بأوثانهم وما يتقربون به إلى الله من أحداثهم، فدعوها فلم تستجب لهم ولم تفرج عنهم ما كانوا فيه من البلاء، فعرفوا ما هم فيه من الضلال والباطل، فقالوا لإلياس: يا إلياس إنا قد هلكنا، فادع الله لنا، فدعا إلياس لهم بالفرج مما هم فيه، وأن يسقوا، فخرجت سحابة مثل الترس بإذن الله على ظهر البحر وهم ينظرون، ثم ترامى إليهما السحاب ثم أُدْحِيت، ثم أرسل الله المطر فأغاثهم، فحييث بلادهم وفرج عنهم ما كانوا فيه من البلاء. فلم يرجعوا ولا نزعوا، وأقاموا على ما كانوا عليه، فلما رأى ذلك إلياس من كفرهم، دعا ربه يقبضه إليه فيريحه منهم، فذكر أن الله عز وجل أوحى إليه: أخرج إلى بلد كذا وكذا فما جاءك من شيء فاركبه ولا تهبه، فخرج إلياس وخرج معه اليسع حتى إذا كانا بالبلد الذي ذكر له في المكان الذي أمر به أقبل فرس من نار حتى وقف بين يديه، فوثب عليه فانطلق به (فناداه) اليسع يا إلياس (يا إلياس) ما تأمرني به؟ فكان آخر عهدهم به، فكساه الله الريش، وألبسه النور، (وقطع) عنه لذة المطعم والمشرب، وكان في الملائكة إنيساً ملكياً أرضياً سماوياً. قال أبو محمد رضي الله عنه: وهذا الخبر إذا صح فإنما يصح على قول من قال: إنه إدريس ﷺ لقوله تعالى ذكره في إدريس ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَاناً عَلِيّاً﴾ [مريم: ٥٧]. * * وقوله: ﴿وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ ٱلْخَالِقِينَ﴾ أي: خالقكم الذي هو أحسن المقدرين للأشياء. ﴿ٱللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبَآئِكُمُ ٱلأَوَّلِينَ﴾ أي الماضين. [ثم قال: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ﴾ أي: محضرون في عذاب الله]. * * ثم قال: ﴿إِلاَّ عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلْمُخْلَصِينَ﴾ أي: الذين اختارهم (الله) فأنجاهم من العذاب بتوفيقه إياهم. * * ثم قال: ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي ٱلآخِرِينَ * سَلاَمٌ عَلَىٰ إِلْ يَاسِينَ﴾ أي: وأبقينا عليه الثناء الحسن بعده، فيقال: "سلام على آل ياسين"، أي: سلام على أهل دينه، فيسلم على أهله من أجله، فهو داخل في أفضل الثناء. ومن قرأ "اليَاسِينَ" غير مقطوع. فقال ابن أبي إسحاق: هو اسمه مثل ابراهيم. وذهب أبو عبيد إلى أنه جُمِعَ جَمْعَ السلامة على معنى أنه وأهل مذهبه يسلم عليهم. وقال علي بن سليمان: العرب تُسمي قوم الرجل باسم الرجل الجليل منهم، فيقولون: المهالبة لأصحاب المهلب، كأنهم سموا كل واحد بالمهلب فعلى هذا قيل الياسين، يريد قومه المؤمنين كأنه سمَّى كل واحد منهم بإلياس. وذكر سيبويه أن هذا المعنى إنما يجيء على معنى النسبة، حكى الأشعرون، يريد به النسب. واحتج أبو عمرو وأبو عبيد على تركه لقراءة آل ياسين، أنه ليس في السور سلام على آل فلان من الأنبياء، فكما سمي الأنبياء في هذا المعنى سمي هو. ولا حجة في هذا لأنه إذا أثني على قومه المؤمنين من أجله فهو داخل في ذلك وله منه أوفر الحظ، وهو أبلغ في المدح ممن أثني عليه باسمه، وأيضاً فإن الخط مثبت بالانفصال. وقال الفراء: هو مثل ﴿طُورِ سَيْنَآءَ﴾ [المؤمنون: ٢٠] و ﴿وَطُورِ سِينِينَ﴾ [التين: ٢]، والمعنى واحد. ومعنى ذلك: أن إلياس اسم أعجمي، [والعرب إذا استعملت الأسماء الأعجمية في كلامها غيرتها بضروب من] التعبير، فيقولون: إبراهيم وإبراهام وإبرهام، وميكائيل ومْيكائيل وميكاين وميكال، وإسماعيل وإسمعيل، وإسرائيل وإسرائين، وشبهه. فكذلك إلياس وإلياسين هو واحد. قال السدي: "سلام على الياسين" هو: إلياس. قال الفراء: إن أخذته من الأَلْيَسِ صرفته، فيكون وزنه على هذا إفعال مثل إخراج. وقرأ الحسن بوصل الألف (بجعله الألف) واللام اللتين للتعريف دخلتا على ياسين. * * ثم قال: ﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي ٱلْمُحْسِنِينَ﴾ أي: كما فعلنا بإلياس كذلك نفعل بأهل الطاعة والإحسان. * * ثم قال: ﴿إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: من الذين آمنوا وأطاعوا ولم يشركوا. ثم قال (تعالى): ﴿وَإِنَّ لُوطاً لَّمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ﴾ أي: لمن الذين أرسلهم الله بالإنذار والإعذار. ثم قال (تعالى): ﴿إِذْ نَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ﴾ أي: من العذاب الذي أحللنا بقومه على كفرهم. وفي الكلام حذف، والتقدير: وإن لوطاً لمن المرسلين إلى قومه بالإنذار فكذبوه فنجيناه وأهله. * * ثم قال: ﴿إِلاَّ عَجُوزاً فِي ٱلْغَابِرِينَ﴾ أي: في الباقين، يعني امرأة لوط. قال الضحاك: يعني امرأته تخلفت فمسخت حجراً. وقال السدي: "في الغابرين" في الهالكين. وقيل: في "الغابرين": في الذين بلغوا العمر الطويل، وقد تقدم هذا بأشبع شرحاً. * * ثم قال: ﴿ثُمَّ دَمَّرْنَا ٱلآخَرِينَ﴾ أي: أهلكناهم بالحجارة. * * ثم قال: ﴿وَإِنَّكُمْ لَّتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُّصْبِحِينَ﴾ هذا خطاب لقريش، أي: إنكم لتمرون في أسفاركم على آثارهم وديارهم وموضع هلاكهم في النهار وفي الليل، فلا تتعظون، لا تزدجرون وتخافون أن يصيبكم مثل ما أصابهم، ولا تعقلون ما يراد بكم، وأنه من سلك مثل ما سلكوا من الكفر والتكذيب أنه صائر إلى مثل ما صاروا إليه. "وبالليل" وقف كاف، و "تعقلون" التمام. ثم قال (تعالى): ﴿وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ﴾ أي: لمن الذين أُرْسِلَ إلى قومه بالإنذار والإعذار. ﴿إِلَى ٱلْفُلْكِ ٱلْمَشْحُونِ﴾ (أي): هرب. وقال المبرد: أصله تباعد. وقيل له : آبق لأنه خرج بغير أمر الله عز وجل مستتراً من الناس إلى الفلك وهي السفينة. والمشحون: المملوء الموقر. "فَسَاهَمَ" أي: فقارع. قال السدي: فاحتبست بهم السفينة فعلموا أنها إنما احتبست من حدث أحدثوه، فتساهموا فقُرع يونس فرمى بنفسه، فالتقمه الحوت. * * وقوله: ﴿فَكَانَ مِنَ ٱلْمُدْحَضِينَ﴾ أي: من المقروعين. قال طاوس، لما ركب السفينة ركدت فقالوا: إن فيها رجلاً مشؤوماً، فقارعوا فوقعت القرعة عليه ثلاث مرات فرموا به، فالتقمه الحوت، وأصل دحضت من الزلق في الماء والطين. يقال: أدحض الله حجته ودحضت، وحكي: دحض الله حجته، وهي قليلة وقوله: ﴿فَٱلْتَقَمَهُ ٱلْحُوتُ﴾ أي: ابتلعه. ﴿وَهُوَ مُلِيمٌ﴾ أي: وهو قد أتى ما يلام عليه (من) خروجه بغير أمر (من) الله. يقال: ألاَمَ الرجل إذَا أتى ما يلام عليه. والمَلُوم: الذي يلام باللسان (إن) استحق ذلك أو لم يستحقه. قال مجاهد: ﴿مُلِيمٌ﴾: مذنب.

الصافات 37:111

قوله تعالى (ذكره): ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي ٱلآخِرِينَ﴾ إلى قوله: ﴿وَهُوَ مُلِيمٌ﴾. أي: وأبقينا على إبراهيم ثناء حسناً في الآخرين من الأمم، قاله قتادة. وقال ابن زيد: سأل إبراهيم عليه السلام ربه فقال: ﴿وَٱجْعَل لِّي لِسَانَ صِدْقٍ فِي ٱلآخِرِينَ﴾ [الشعراء: ٨٤]، أي الثناء الحسن، فأبقى الله عليه أن يقال: ﴿سَلاَمٌ عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ﴾ أي: أمنة من الله أن يذكر الإنجيل. * * ثم قال: ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي ٱلْمُحْسِنِينَ﴾ أي: كما جزينا إبراهيم على طاعته، كذلك نجزي من أطاع الله وأحسن عبادته. * * ثم قال: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيّاً مِّنَ ٱلصَّالِحِينَ﴾ أي: بشرناه - بعد أن فدينا إسماعيل بالذبح - بإسحاق مقدراً له النبوة والصلاح. ومن قال: إن الذبيح إسحاق فمعناه عنده: (وبشرنا إبراهيم) بعد الفداء بنبوة إسحاق نبياً. وفيه بُعْدٌ لأنك (لو) قلت: بشرتك بقدوم زيد قادماً، لم يكن للحال فائدة، ولم يوضع لغير فائدة. قال قتادة: بشر بنبوته بعدما جاد لله بنفسه. * * ثم قال: ﴿وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَىٰ إِسْحَاقَ﴾ أي: ثبتنا عليهما النعمة. ﴿وَمِن ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ﴾ وهو المطيع. ﴿وَظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ﴾ وهو الكافر. وذكر الطبري عن السدي أنه قال: كان إبراهيم كثير الطعام يطعم الناس ويضيفهم، فبينما هو يطعم الناس إذ رأى شيخاً كبيراُ يمشي في الحرة، فبعث إليه بحمار فركبه حتى أتاه فأطعمه فجعل الشيخ يأخذ اللقمة يريد أن يدخلها في فيه فيدخلها في أذنه مرة وفي عينه مرة ثم يدخلها في فيه، فإذا أدخلها في فيه، خرجت من دبره. وكان إبراهيم ﷺ قد سأل ربه ألا يقبض روحه حتى يكون هو الذي يسأله الموت. فقال إبراهيم للشيخ حين رأى حاله: ما بالك يا شيخ تصنع هذا؟ قال يا إبراهيم الكبر، قال له: ابن كم أنت؟ فزاد على عمر إبراهيم بسنتين، فقال إبراهيم: إنما بيني وبينك سنتين، فإذا بلغت ذلك صرت مثله، قال نعم، فقال إبراهيم: اللهم اقبضني إليك قبل ذلك، فقام الشيخ فقبض روح إبراهيم. وكان ملك الموت قد تمثل في صورة شيخ لإبراهيم، ومات إبراهيم وهو ابن مائتي سنة. وقيل: ابن مائة وسبع وتسعين سنة. ثم قال (تعالى): ﴿وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَىٰ مُوسَىٰ وَهَارُونَ﴾ أي: تفضلنا عليهما بالنبوة والرسالة. ﴿وَنَجَّيْنَاهُمَا وَقَوْمَهُمَا﴾ أي: ومن آمن معهما، يعني بني إسرائيل. ﴿مِنَ ٱلْكَرْبِ ٱلْعَظِيمِ﴾ أي: من الغرق. ثم قال (تعالى): ﴿وَنَصَرْنَاهُمْ فَكَانُواْ هُمُ ٱلْغَٰلِبِينَ﴾ أي: ونصرنا موسى وهارون وقومهما على فرعون وآله بتغريقنا إياهم فكانوا هم الغالبين. وقال الفراء: الضمير في ﴿وَنَصَرْنَاهُمْ﴾ و ﴿فَكَانُواْ﴾ ﴿هُمُ ٱلْغَٰلِبِينَ﴾ يعود على موسى وهارون وأن التثنية ردت إلى الجمع. ودل على ذلك قوله (جل ذكره). * * ﴿وَآتَيْنَاهُمَا ٱلْكِتَابَ ٱلْمُسْتَبِينَ * وَهَدَيْنَاهُمَا ٱلصِّرَاطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ * وَتَرَكْنَا عَلَيْهِمَا فِي ٱلآخِرِينَ * سَلاَمٌ عَلَىٰ مُوسَىٰ وَهَارُونَ﴾. وقال قوم: إنما جمع في موضع التثنية لأنهما عظيما الشأن جليلا القدر. والعرب تخبر عن الواحد من هذا النوع بلفظ الجمع، فالإخبار عن اثنين منهما بلفظ (الجمع) آكد وأحسن. * * ومعنى ﴿ٱلْمُسْتَبِينَ﴾: المتبين هداه وفضله وأحكامه، يعني التوراة، والصراط المستقيم: الإسلام. ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِمَا فِي ٱلآخِرِينَ﴾ أي: أبقينا عليهما الذكر الجميل والثناء الحسن، فكذلك نفعل بمن أحسن في طاعتي وأدى فرائضي. وفيه من الاختلاف ما تقدم في قصة نوح، وهو يقتضي قوله: ﴿وَٱجْعَل لِّي لِسَانَ صِدْقٍ فِي ٱلآخِرِينَ﴾ [الشعراء: ٨٤]. (ثم قال): ﴿إِنَّهُمَا مِنْ عِبَادِنَا ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: الذين أخلصناهم واخترناهم للطاعة وهديناهم للإيمان. ومن كسر اللام فمعناه: إنهما من عبادنا الذين أخلصوا العمل ولم يشركوا فيه غيري. قال (تعالى): ﴿وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ﴾. قال ابن إسحاق: (وهو إلياس) (بن) ياسين بن فنحاص بن العزار بن هارون بن عمران. وكان إلياس من سبط يوشع بن نون، بعثه الله تعالى إلى أهل بعلبك، (وكانوا يعبدون صنماً) يقال له بعل. وقيل هو إدريس. قاله قتادة. والمعنى: (إنه) لَمِنَ الذين أرسلهم الله إلى الخلق، فقال لقومه: ألا تتقون الله فتخافون عقابه على عبادتكم رباً غيره. (و) هو قوله: ﴿أَتَدْعُونَ بَعْلاً وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ ٱلْخَالِقِينَ﴾. والبعل: الرب لغة أهل اليمن مشهورة، قاله عكرمة ومجاهد وقتادة والسدي. وروي ذلك عن ابن عباس. وقال الضحاك: هو صنم لهم يسمى بعلاً. وقال ابن زيد: هو صنم كانوا يعبدونه ببعلبك مدينة وراء دمشق. وقيل: إن بعلاً تيس كانوا يعبدون. وقال ابن إسحاق: بلغني أن بعلاً امرأة كانوا يعبدونها من دون الله جل ذكره. قال وهب بن منبه: بعث الله إلياس إلى بني إسرائيل حين نسوا ما عهد الله إليهم، حتى (نصبوا) الأوثان وعبدوها من دون الله، فجعل إلياس يدعوهم إلى الله عز وجل، وجعلوا لا يسمعون منه شيئاً. وكان (له مَلِكٌ) من ملوك بني إسرائيل يطيعونه يقال له: جاب. وكان إلياس يقرب من الملك، وكان الملك يطيع إلياس (فيما) يقول له، ويراه الناس على هدى. وكانت ملوك بني إسرائيل قد افترقت في البلاد وأخذ كل واحد ناحية يأكلها، ويعبدون الأصنام، فقال الملك يوماً لإلياس: والله ما أرى ما تدعو إليه إلا باطلاً، والله ما أرى (فلاناً) وفلاناً - يذكر ملوكاً من ملوك بني إسرائيل - إلا قد عبدوا الأوثان من دون الله، وهم (على) نحو ما نحن عليه (من النعيم)، يأكلون ويشربون ويتنعمون مملكين، ما تنقص دنياهم عبادتهم الأوثان التي تزعم أنها باطل وما نرى لنا عليهم من فضل، فعظم الأمر على إلياس، واقشعر جلده وخرج عنه، ففعل ذلك الملك فعل أصحابه وعبد الأوثان، فقال إلياس: اللهم إن بني إسرائيل قد أبوا إلا الكفر بك والعبادة لغيرك فغير ما بهم من نعمة! أو كما قال: (قال) ابن إسحاق: فذكر لنا أنه أوحي إليه أنا قد جعلنا أمر أرزاقهم بيدك وإليك حتى تكون أنت الذي تأذن في ذلك. فقال إلياس: اللهم أمسك عنهم القطر، فحبس عنهم ثلاث سنين حتى هلكت الماشية والدواب والشجر، وجهد الناس جهداً شديداً، وكان إلياس حين دعا عليهم قد استخفى شفقاً على نفسه منهم. وكان حيث ما كان وضع له رزق، وكانوا إذا وجدوا ريح الخبز في دار أو بيت قالوا: قد دخل إلياس هذا المكان فطلبوه ولقي أهل ذلك المنزل شراً. ثم إنه أوى ليلة إلى امرأة من بني إسرائيل لها ابن يقال له: اليسع بن أخطوب به ضر، فآوته وأخفت أمره فدعا إلياس لابنها فعوفي من الضر الذي كان به واتبع اليسع إلياس. فآمن به وصدقه ولزمه، وكان يذهب معه حيث ما ذهب، وكان إلياس قد أسن وكبر، وكان اليسع غلاماً شاباً، فَذُكِر أن الله جل ذكره أوحى إلى إلياس: إنك قد أهلكت خلقاً كثيراً بخطايا بني إسرائيل من البهائم والدواب والطير والهوام والشجر. فذكر - والله أعلم - أن إلياس قال: أي رب، دعني أكن أنا الذي أدعوا لهم به، وأكن أنا الذي آتيهم بالفرج مما هم فيه من البلاء الذي أصابهم لعلهم يرجعون عن عبادة غيرك، فقيل له: نعم، فأتى إلياس إلى بني إسرائيل، فقال لهم: إنكم قد هلكتم جهداً وهلكت البهائم والدواب والطير والشجر بخطاياكم، وإنكم على باطل وغرور، أو كما قال لهم، فإن كنتم تحبون (علم) ذلك، وتعلمون أن الله عليكم ساخط فيما أنتم عليه، والذي أدعوكم إليه الحق، فاخرجوا بأصنامكم هذه التي تبعدونها وتزعمون أنها خير مما أدعوكم إليه، فإن استجابت لكم فذلك كما تقولون. فإن هي لم تفعل علمتم أنكم على باطل فنزعتم ودعوت الله يفرج عنكم ما أنتم فيه من البلاء، قالوا: أنْصَفت، فخرجوا بأوثانهم وما يتقربون به إلى الله من أحداثهم، فدعوها فلم تستجب لهم ولم تفرج عنهم ما كانوا فيه من البلاء، فعرفوا ما هم فيه من الضلال والباطل، فقالوا لإلياس: يا إلياس إنا قد هلكنا، فادع الله لنا، فدعا إلياس لهم بالفرج مما هم فيه، وأن يسقوا، فخرجت سحابة مثل الترس بإذن الله على ظهر البحر وهم ينظرون، ثم ترامى إليهما السحاب ثم أُدْحِيت، ثم أرسل الله المطر فأغاثهم، فحييث بلادهم وفرج عنهم ما كانوا فيه من البلاء. فلم يرجعوا ولا نزعوا، وأقاموا على ما كانوا عليه، فلما رأى ذلك إلياس من كفرهم، دعا ربه يقبضه إليه فيريحه منهم، فذكر أن الله عز وجل أوحى إليه: أخرج إلى بلد كذا وكذا فما جاءك من شيء فاركبه ولا تهبه، فخرج إلياس وخرج معه اليسع حتى إذا كانا بالبلد الذي ذكر له في المكان الذي أمر به أقبل فرس من نار حتى وقف بين يديه، فوثب عليه فانطلق به (فناداه) اليسع يا إلياس (يا إلياس) ما تأمرني به؟ فكان آخر عهدهم به، فكساه الله الريش، وألبسه النور، (وقطع) عنه لذة المطعم والمشرب، وكان في الملائكة إنيساً ملكياً أرضياً سماوياً. قال أبو محمد رضي الله عنه: وهذا الخبر إذا صح فإنما يصح على قول من قال: إنه إدريس ﷺ لقوله تعالى ذكره في إدريس ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَاناً عَلِيّاً﴾ [مريم: ٥٧]. * * وقوله: ﴿وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ ٱلْخَالِقِينَ﴾ أي: خالقكم الذي هو أحسن المقدرين للأشياء. ﴿ٱللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبَآئِكُمُ ٱلأَوَّلِينَ﴾ أي الماضين. [ثم قال: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ﴾ أي: محضرون في عذاب الله]. * * ثم قال: ﴿إِلاَّ عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلْمُخْلَصِينَ﴾ أي: الذين اختارهم (الله) فأنجاهم من العذاب بتوفيقه إياهم. * * ثم قال: ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي ٱلآخِرِينَ * سَلاَمٌ عَلَىٰ إِلْ يَاسِينَ﴾ أي: وأبقينا عليه الثناء الحسن بعده، فيقال: "سلام على آل ياسين"، أي: سلام على أهل دينه، فيسلم على أهله من أجله، فهو داخل في أفضل الثناء. ومن قرأ "اليَاسِينَ" غير مقطوع. فقال ابن أبي إسحاق: هو اسمه مثل ابراهيم. وذهب أبو عبيد إلى أنه جُمِعَ جَمْعَ السلامة على معنى أنه وأهل مذهبه يسلم عليهم. وقال علي بن سليمان: العرب تُسمي قوم الرجل باسم الرجل الجليل منهم، فيقولون: المهالبة لأصحاب المهلب، كأنهم سموا كل واحد بالمهلب فعلى هذا قيل الياسين، يريد قومه المؤمنين كأنه سمَّى كل واحد منهم بإلياس. وذكر سيبويه أن هذا المعنى إنما يجيء على معنى النسبة، حكى الأشعرون، يريد به النسب. واحتج أبو عمرو وأبو عبيد على تركه لقراءة آل ياسين، أنه ليس في السور سلام على آل فلان من الأنبياء، فكما سمي الأنبياء في هذا المعنى سمي هو. ولا حجة في هذا لأنه إذا أثني على قومه المؤمنين من أجله فهو داخل في ذلك وله منه أوفر الحظ، وهو أبلغ في المدح ممن أثني عليه باسمه، وأيضاً فإن الخط مثبت بالانفصال. وقال الفراء: هو مثل ﴿طُورِ سَيْنَآءَ﴾ [المؤمنون: ٢٠] و ﴿وَطُورِ سِينِينَ﴾ [التين: ٢]، والمعنى واحد. ومعنى ذلك: أن إلياس اسم أعجمي، [والعرب إذا استعملت الأسماء الأعجمية في كلامها غيرتها بضروب من] التعبير، فيقولون: إبراهيم وإبراهام وإبرهام، وميكائيل ومْيكائيل وميكاين وميكال، وإسماعيل وإسمعيل، وإسرائيل وإسرائين، وشبهه. فكذلك إلياس وإلياسين هو واحد. قال السدي: "سلام على الياسين" هو: إلياس. قال الفراء: إن أخذته من الأَلْيَسِ صرفته، فيكون وزنه على هذا إفعال مثل إخراج. وقرأ الحسن بوصل الألف (بجعله الألف) واللام اللتين للتعريف دخلتا على ياسين. * * ثم قال: ﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي ٱلْمُحْسِنِينَ﴾ أي: كما فعلنا بإلياس كذلك نفعل بأهل الطاعة والإحسان. * * ثم قال: ﴿إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: من الذين آمنوا وأطاعوا ولم يشركوا. ثم قال (تعالى): ﴿وَإِنَّ لُوطاً لَّمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ﴾ أي: لمن الذين أرسلهم الله بالإنذار والإعذار. ثم قال (تعالى): ﴿إِذْ نَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ﴾ أي: من العذاب الذي أحللنا بقومه على كفرهم. وفي الكلام حذف، والتقدير: وإن لوطاً لمن المرسلين إلى قومه بالإنذار فكذبوه فنجيناه وأهله. * * ثم قال: ﴿إِلاَّ عَجُوزاً فِي ٱلْغَابِرِينَ﴾ أي: في الباقين، يعني امرأة لوط. قال الضحاك: يعني امرأته تخلفت فمسخت حجراً. وقال السدي: "في الغابرين" في الهالكين. وقيل: في "الغابرين": في الذين بلغوا العمر الطويل، وقد تقدم هذا بأشبع شرحاً. * * ثم قال: ﴿ثُمَّ دَمَّرْنَا ٱلآخَرِينَ﴾ أي: أهلكناهم بالحجارة. * * ثم قال: ﴿وَإِنَّكُمْ لَّتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُّصْبِحِينَ﴾ هذا خطاب لقريش، أي: إنكم لتمرون في أسفاركم على آثارهم وديارهم وموضع هلاكهم في النهار وفي الليل، فلا تتعظون، لا تزدجرون وتخافون أن يصيبكم مثل ما أصابهم، ولا تعقلون ما يراد بكم، وأنه من سلك مثل ما سلكوا من الكفر والتكذيب أنه صائر إلى مثل ما صاروا إليه. "وبالليل" وقف كاف، و "تعقلون" التمام. ثم قال (تعالى): ﴿وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ﴾ أي: لمن الذين أُرْسِلَ إلى قومه بالإنذار والإعذار. ﴿إِلَى ٱلْفُلْكِ ٱلْمَشْحُونِ﴾ (أي): هرب. وقال المبرد: أصله تباعد. وقيل له : آبق لأنه خرج بغير أمر الله عز وجل مستتراً من الناس إلى الفلك وهي السفينة. والمشحون: المملوء الموقر. "فَسَاهَمَ" أي: فقارع. قال السدي: فاحتبست بهم السفينة فعلموا أنها إنما احتبست من حدث أحدثوه، فتساهموا فقُرع يونس فرمى بنفسه، فالتقمه الحوت. * * وقوله: ﴿فَكَانَ مِنَ ٱلْمُدْحَضِينَ﴾ أي: من المقروعين. قال طاوس، لما ركب السفينة ركدت فقالوا: إن فيها رجلاً مشؤوماً، فقارعوا فوقعت القرعة عليه ثلاث مرات فرموا به، فالتقمه الحوت، وأصل دحضت من الزلق في الماء والطين. يقال: أدحض الله حجته ودحضت، وحكي: دحض الله حجته، وهي قليلة وقوله: ﴿فَٱلْتَقَمَهُ ٱلْحُوتُ﴾ أي: ابتلعه. ﴿وَهُوَ مُلِيمٌ﴾ أي: وهو قد أتى ما يلام عليه (من) خروجه بغير أمر (من) الله. يقال: ألاَمَ الرجل إذَا أتى ما يلام عليه. والمَلُوم: الذي يلام باللسان (إن) استحق ذلك أو لم يستحقه. قال مجاهد: ﴿مُلِيمٌ﴾: مذنب.

الصافات 37:112

قوله تعالى (ذكره): ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي ٱلآخِرِينَ﴾ إلى قوله: ﴿وَهُوَ مُلِيمٌ﴾. أي: وأبقينا على إبراهيم ثناء حسناً في الآخرين من الأمم، قاله قتادة. وقال ابن زيد: سأل إبراهيم عليه السلام ربه فقال: ﴿وَٱجْعَل لِّي لِسَانَ صِدْقٍ فِي ٱلآخِرِينَ﴾ [الشعراء: ٨٤]، أي الثناء الحسن، فأبقى الله عليه أن يقال: ﴿سَلاَمٌ عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ﴾ أي: أمنة من الله أن يذكر الإنجيل. * * ثم قال: ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي ٱلْمُحْسِنِينَ﴾ أي: كما جزينا إبراهيم على طاعته، كذلك نجزي من أطاع الله وأحسن عبادته. * * ثم قال: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيّاً مِّنَ ٱلصَّالِحِينَ﴾ أي: بشرناه - بعد أن فدينا إسماعيل بالذبح - بإسحاق مقدراً له النبوة والصلاح. ومن قال: إن الذبيح إسحاق فمعناه عنده: (وبشرنا إبراهيم) بعد الفداء بنبوة إسحاق نبياً. وفيه بُعْدٌ لأنك (لو) قلت: بشرتك بقدوم زيد قادماً، لم يكن للحال فائدة، ولم يوضع لغير فائدة. قال قتادة: بشر بنبوته بعدما جاد لله بنفسه. * * ثم قال: ﴿وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَىٰ إِسْحَاقَ﴾ أي: ثبتنا عليهما النعمة. ﴿وَمِن ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ﴾ وهو المطيع. ﴿وَظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ﴾ وهو الكافر. وذكر الطبري عن السدي أنه قال: كان إبراهيم كثير الطعام يطعم الناس ويضيفهم، فبينما هو يطعم الناس إذ رأى شيخاً كبيراُ يمشي في الحرة، فبعث إليه بحمار فركبه حتى أتاه فأطعمه فجعل الشيخ يأخذ اللقمة يريد أن يدخلها في فيه فيدخلها في أذنه مرة وفي عينه مرة ثم يدخلها في فيه، فإذا أدخلها في فيه، خرجت من دبره. وكان إبراهيم ﷺ قد سأل ربه ألا يقبض روحه حتى يكون هو الذي يسأله الموت. فقال إبراهيم للشيخ حين رأى حاله: ما بالك يا شيخ تصنع هذا؟ قال يا إبراهيم الكبر، قال له: ابن كم أنت؟ فزاد على عمر إبراهيم بسنتين، فقال إبراهيم: إنما بيني وبينك سنتين، فإذا بلغت ذلك صرت مثله، قال نعم، فقال إبراهيم: اللهم اقبضني إليك قبل ذلك، فقام الشيخ فقبض روح إبراهيم. وكان ملك الموت قد تمثل في صورة شيخ لإبراهيم، ومات إبراهيم وهو ابن مائتي سنة. وقيل: ابن مائة وسبع وتسعين سنة. ثم قال (تعالى): ﴿وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَىٰ مُوسَىٰ وَهَارُونَ﴾ أي: تفضلنا عليهما بالنبوة والرسالة. ﴿وَنَجَّيْنَاهُمَا وَقَوْمَهُمَا﴾ أي: ومن آمن معهما، يعني بني إسرائيل. ﴿مِنَ ٱلْكَرْبِ ٱلْعَظِيمِ﴾ أي: من الغرق. ثم قال (تعالى): ﴿وَنَصَرْنَاهُمْ فَكَانُواْ هُمُ ٱلْغَٰلِبِينَ﴾ أي: ونصرنا موسى وهارون وقومهما على فرعون وآله بتغريقنا إياهم فكانوا هم الغالبين. وقال الفراء: الضمير في ﴿وَنَصَرْنَاهُمْ﴾ و ﴿فَكَانُواْ﴾ ﴿هُمُ ٱلْغَٰلِبِينَ﴾ يعود على موسى وهارون وأن التثنية ردت إلى الجمع. ودل على ذلك قوله (جل ذكره). * * ﴿وَآتَيْنَاهُمَا ٱلْكِتَابَ ٱلْمُسْتَبِينَ * وَهَدَيْنَاهُمَا ٱلصِّرَاطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ * وَتَرَكْنَا عَلَيْهِمَا فِي ٱلآخِرِينَ * سَلاَمٌ عَلَىٰ مُوسَىٰ وَهَارُونَ﴾. وقال قوم: إنما جمع في موضع التثنية لأنهما عظيما الشأن جليلا القدر. والعرب تخبر عن الواحد من هذا النوع بلفظ الجمع، فالإخبار عن اثنين منهما بلفظ (الجمع) آكد وأحسن. * * ومعنى ﴿ٱلْمُسْتَبِينَ﴾: المتبين هداه وفضله وأحكامه، يعني التوراة، والصراط المستقيم: الإسلام. ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِمَا فِي ٱلآخِرِينَ﴾ أي: أبقينا عليهما الذكر الجميل والثناء الحسن، فكذلك نفعل بمن أحسن في طاعتي وأدى فرائضي. وفيه من الاختلاف ما تقدم في قصة نوح، وهو يقتضي قوله: ﴿وَٱجْعَل لِّي لِسَانَ صِدْقٍ فِي ٱلآخِرِينَ﴾ [الشعراء: ٨٤]. (ثم قال): ﴿إِنَّهُمَا مِنْ عِبَادِنَا ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: الذين أخلصناهم واخترناهم للطاعة وهديناهم للإيمان. ومن كسر اللام فمعناه: إنهما من عبادنا الذين أخلصوا العمل ولم يشركوا فيه غيري. قال (تعالى): ﴿وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ﴾. قال ابن إسحاق: (وهو إلياس) (بن) ياسين بن فنحاص بن العزار بن هارون بن عمران. وكان إلياس من سبط يوشع بن نون، بعثه الله تعالى إلى أهل بعلبك، (وكانوا يعبدون صنماً) يقال له بعل. وقيل هو إدريس. قاله قتادة. والمعنى: (إنه) لَمِنَ الذين أرسلهم الله إلى الخلق، فقال لقومه: ألا تتقون الله فتخافون عقابه على عبادتكم رباً غيره. (و) هو قوله: ﴿أَتَدْعُونَ بَعْلاً وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ ٱلْخَالِقِينَ﴾. والبعل: الرب لغة أهل اليمن مشهورة، قاله عكرمة ومجاهد وقتادة والسدي. وروي ذلك عن ابن عباس. وقال الضحاك: هو صنم لهم يسمى بعلاً. وقال ابن زيد: هو صنم كانوا يعبدونه ببعلبك مدينة وراء دمشق. وقيل: إن بعلاً تيس كانوا يعبدون. وقال ابن إسحاق: بلغني أن بعلاً امرأة كانوا يعبدونها من دون الله جل ذكره. قال وهب بن منبه: بعث الله إلياس إلى بني إسرائيل حين نسوا ما عهد الله إليهم، حتى (نصبوا) الأوثان وعبدوها من دون الله، فجعل إلياس يدعوهم إلى الله عز وجل، وجعلوا لا يسمعون منه شيئاً. وكان (له مَلِكٌ) من ملوك بني إسرائيل يطيعونه يقال له: جاب. وكان إلياس يقرب من الملك، وكان الملك يطيع إلياس (فيما) يقول له، ويراه الناس على هدى. وكانت ملوك بني إسرائيل قد افترقت في البلاد وأخذ كل واحد ناحية يأكلها، ويعبدون الأصنام، فقال الملك يوماً لإلياس: والله ما أرى ما تدعو إليه إلا باطلاً، والله ما أرى (فلاناً) وفلاناً - يذكر ملوكاً من ملوك بني إسرائيل - إلا قد عبدوا الأوثان من دون الله، وهم (على) نحو ما نحن عليه (من النعيم)، يأكلون ويشربون ويتنعمون مملكين، ما تنقص دنياهم عبادتهم الأوثان التي تزعم أنها باطل وما نرى لنا عليهم من فضل، فعظم الأمر على إلياس، واقشعر جلده وخرج عنه، ففعل ذلك الملك فعل أصحابه وعبد الأوثان، فقال إلياس: اللهم إن بني إسرائيل قد أبوا إلا الكفر بك والعبادة لغيرك فغير ما بهم من نعمة! أو كما قال: (قال) ابن إسحاق: فذكر لنا أنه أوحي إليه أنا قد جعلنا أمر أرزاقهم بيدك وإليك حتى تكون أنت الذي تأذن في ذلك. فقال إلياس: اللهم أمسك عنهم القطر، فحبس عنهم ثلاث سنين حتى هلكت الماشية والدواب والشجر، وجهد الناس جهداً شديداً، وكان إلياس حين دعا عليهم قد استخفى شفقاً على نفسه منهم. وكان حيث ما كان وضع له رزق، وكانوا إذا وجدوا ريح الخبز في دار أو بيت قالوا: قد دخل إلياس هذا المكان فطلبوه ولقي أهل ذلك المنزل شراً. ثم إنه أوى ليلة إلى امرأة من بني إسرائيل لها ابن يقال له: اليسع بن أخطوب به ضر، فآوته وأخفت أمره فدعا إلياس لابنها فعوفي من الضر الذي كان به واتبع اليسع إلياس. فآمن به وصدقه ولزمه، وكان يذهب معه حيث ما ذهب، وكان إلياس قد أسن وكبر، وكان اليسع غلاماً شاباً، فَذُكِر أن الله جل ذكره أوحى إلى إلياس: إنك قد أهلكت خلقاً كثيراً بخطايا بني إسرائيل من البهائم والدواب والطير والهوام والشجر. فذكر - والله أعلم - أن إلياس قال: أي رب، دعني أكن أنا الذي أدعوا لهم به، وأكن أنا الذي آتيهم بالفرج مما هم فيه من البلاء الذي أصابهم لعلهم يرجعون عن عبادة غيرك، فقيل له: نعم، فأتى إلياس إلى بني إسرائيل، فقال لهم: إنكم قد هلكتم جهداً وهلكت البهائم والدواب والطير والشجر بخطاياكم، وإنكم على باطل وغرور، أو كما قال لهم، فإن كنتم تحبون (علم) ذلك، وتعلمون أن الله عليكم ساخط فيما أنتم عليه، والذي أدعوكم إليه الحق، فاخرجوا بأصنامكم هذه التي تبعدونها وتزعمون أنها خير مما أدعوكم إليه، فإن استجابت لكم فذلك كما تقولون. فإن هي لم تفعل علمتم أنكم على باطل فنزعتم ودعوت الله يفرج عنكم ما أنتم فيه من البلاء، قالوا: أنْصَفت، فخرجوا بأوثانهم وما يتقربون به إلى الله من أحداثهم، فدعوها فلم تستجب لهم ولم تفرج عنهم ما كانوا فيه من البلاء، فعرفوا ما هم فيه من الضلال والباطل، فقالوا لإلياس: يا إلياس إنا قد هلكنا، فادع الله لنا، فدعا إلياس لهم بالفرج مما هم فيه، وأن يسقوا، فخرجت سحابة مثل الترس بإذن الله على ظهر البحر وهم ينظرون، ثم ترامى إليهما السحاب ثم أُدْحِيت، ثم أرسل الله المطر فأغاثهم، فحييث بلادهم وفرج عنهم ما كانوا فيه من البلاء. فلم يرجعوا ولا نزعوا، وأقاموا على ما كانوا عليه، فلما رأى ذلك إلياس من كفرهم، دعا ربه يقبضه إليه فيريحه منهم، فذكر أن الله عز وجل أوحى إليه: أخرج إلى بلد كذا وكذا فما جاءك من شيء فاركبه ولا تهبه، فخرج إلياس وخرج معه اليسع حتى إذا كانا بالبلد الذي ذكر له في المكان الذي أمر به أقبل فرس من نار حتى وقف بين يديه، فوثب عليه فانطلق به (فناداه) اليسع يا إلياس (يا إلياس) ما تأمرني به؟ فكان آخر عهدهم به، فكساه الله الريش، وألبسه النور، (وقطع) عنه لذة المطعم والمشرب، وكان في الملائكة إنيساً ملكياً أرضياً سماوياً. قال أبو محمد رضي الله عنه: وهذا الخبر إذا صح فإنما يصح على قول من قال: إنه إدريس ﷺ لقوله تعالى ذكره في إدريس ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَاناً عَلِيّاً﴾ [مريم: ٥٧]. * * وقوله: ﴿وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ ٱلْخَالِقِينَ﴾ أي: خالقكم الذي هو أحسن المقدرين للأشياء. ﴿ٱللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبَآئِكُمُ ٱلأَوَّلِينَ﴾ أي الماضين. [ثم قال: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ﴾ أي: محضرون في عذاب الله]. * * ثم قال: ﴿إِلاَّ عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلْمُخْلَصِينَ﴾ أي: الذين اختارهم (الله) فأنجاهم من العذاب بتوفيقه إياهم. * * ثم قال: ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي ٱلآخِرِينَ * سَلاَمٌ عَلَىٰ إِلْ يَاسِينَ﴾ أي: وأبقينا عليه الثناء الحسن بعده، فيقال: "سلام على آل ياسين"، أي: سلام على أهل دينه، فيسلم على أهله من أجله، فهو داخل في أفضل الثناء. ومن قرأ "اليَاسِينَ" غير مقطوع. فقال ابن أبي إسحاق: هو اسمه مثل ابراهيم. وذهب أبو عبيد إلى أنه جُمِعَ جَمْعَ السلامة على معنى أنه وأهل مذهبه يسلم عليهم. وقال علي بن سليمان: العرب تُسمي قوم الرجل باسم الرجل الجليل منهم، فيقولون: المهالبة لأصحاب المهلب، كأنهم سموا كل واحد بالمهلب فعلى هذا قيل الياسين، يريد قومه المؤمنين كأنه سمَّى كل واحد منهم بإلياس. وذكر سيبويه أن هذا المعنى إنما يجيء على معنى النسبة، حكى الأشعرون، يريد به النسب. واحتج أبو عمرو وأبو عبيد على تركه لقراءة آل ياسين، أنه ليس في السور سلام على آل فلان من الأنبياء، فكما سمي الأنبياء في هذا المعنى سمي هو. ولا حجة في هذا لأنه إذا أثني على قومه المؤمنين من أجله فهو داخل في ذلك وله منه أوفر الحظ، وهو أبلغ في المدح ممن أثني عليه باسمه، وأيضاً فإن الخط مثبت بالانفصال. وقال الفراء: هو مثل ﴿طُورِ سَيْنَآءَ﴾ [المؤمنون: ٢٠] و ﴿وَطُورِ سِينِينَ﴾ [التين: ٢]، والمعنى واحد. ومعنى ذلك: أن إلياس اسم أعجمي، [والعرب إذا استعملت الأسماء الأعجمية في كلامها غيرتها بضروب من] التعبير، فيقولون: إبراهيم وإبراهام وإبرهام، وميكائيل ومْيكائيل وميكاين وميكال، وإسماعيل وإسمعيل، وإسرائيل وإسرائين، وشبهه. فكذلك إلياس وإلياسين هو واحد. قال السدي: "سلام على الياسين" هو: إلياس. قال الفراء: إن أخذته من الأَلْيَسِ صرفته، فيكون وزنه على هذا إفعال مثل إخراج. وقرأ الحسن بوصل الألف (بجعله الألف) واللام اللتين للتعريف دخلتا على ياسين. * * ثم قال: ﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي ٱلْمُحْسِنِينَ﴾ أي: كما فعلنا بإلياس كذلك نفعل بأهل الطاعة والإحسان. * * ثم قال: ﴿إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: من الذين آمنوا وأطاعوا ولم يشركوا. ثم قال (تعالى): ﴿وَإِنَّ لُوطاً لَّمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ﴾ أي: لمن الذين أرسلهم الله بالإنذار والإعذار. ثم قال (تعالى): ﴿إِذْ نَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ﴾ أي: من العذاب الذي أحللنا بقومه على كفرهم. وفي الكلام حذف، والتقدير: وإن لوطاً لمن المرسلين إلى قومه بالإنذار فكذبوه فنجيناه وأهله. * * ثم قال: ﴿إِلاَّ عَجُوزاً فِي ٱلْغَابِرِينَ﴾ أي: في الباقين، يعني امرأة لوط. قال الضحاك: يعني امرأته تخلفت فمسخت حجراً. وقال السدي: "في الغابرين" في الهالكين. وقيل: في "الغابرين": في الذين بلغوا العمر الطويل، وقد تقدم هذا بأشبع شرحاً. * * ثم قال: ﴿ثُمَّ دَمَّرْنَا ٱلآخَرِينَ﴾ أي: أهلكناهم بالحجارة. * * ثم قال: ﴿وَإِنَّكُمْ لَّتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُّصْبِحِينَ﴾ هذا خطاب لقريش، أي: إنكم لتمرون في أسفاركم على آثارهم وديارهم وموضع هلاكهم في النهار وفي الليل، فلا تتعظون، لا تزدجرون وتخافون أن يصيبكم مثل ما أصابهم، ولا تعقلون ما يراد بكم، وأنه من سلك مثل ما سلكوا من الكفر والتكذيب أنه صائر إلى مثل ما صاروا إليه. "وبالليل" وقف كاف، و "تعقلون" التمام. ثم قال (تعالى): ﴿وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ﴾ أي: لمن الذين أُرْسِلَ إلى قومه بالإنذار والإعذار. ﴿إِلَى ٱلْفُلْكِ ٱلْمَشْحُونِ﴾ (أي): هرب. وقال المبرد: أصله تباعد. وقيل له : آبق لأنه خرج بغير أمر الله عز وجل مستتراً من الناس إلى الفلك وهي السفينة. والمشحون: المملوء الموقر. "فَسَاهَمَ" أي: فقارع. قال السدي: فاحتبست بهم السفينة فعلموا أنها إنما احتبست من حدث أحدثوه، فتساهموا فقُرع يونس فرمى بنفسه، فالتقمه الحوت. * * وقوله: ﴿فَكَانَ مِنَ ٱلْمُدْحَضِينَ﴾ أي: من المقروعين. قال طاوس، لما ركب السفينة ركدت فقالوا: إن فيها رجلاً مشؤوماً، فقارعوا فوقعت القرعة عليه ثلاث مرات فرموا به، فالتقمه الحوت، وأصل دحضت من الزلق في الماء والطين. يقال: أدحض الله حجته ودحضت، وحكي: دحض الله حجته، وهي قليلة وقوله: ﴿فَٱلْتَقَمَهُ ٱلْحُوتُ﴾ أي: ابتلعه. ﴿وَهُوَ مُلِيمٌ﴾ أي: وهو قد أتى ما يلام عليه (من) خروجه بغير أمر (من) الله. يقال: ألاَمَ الرجل إذَا أتى ما يلام عليه. والمَلُوم: الذي يلام باللسان (إن) استحق ذلك أو لم يستحقه. قال مجاهد: ﴿مُلِيمٌ﴾: مذنب.

الصافات 37:113

قوله تعالى (ذكره): ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي ٱلآخِرِينَ﴾ إلى قوله: ﴿وَهُوَ مُلِيمٌ﴾. أي: وأبقينا على إبراهيم ثناء حسناً في الآخرين من الأمم، قاله قتادة. وقال ابن زيد: سأل إبراهيم عليه السلام ربه فقال: ﴿وَٱجْعَل لِّي لِسَانَ صِدْقٍ فِي ٱلآخِرِينَ﴾ [الشعراء: ٨٤]، أي الثناء الحسن، فأبقى الله عليه أن يقال: ﴿سَلاَمٌ عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ﴾ أي: أمنة من الله أن يذكر الإنجيل. * * ثم قال: ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي ٱلْمُحْسِنِينَ﴾ أي: كما جزينا إبراهيم على طاعته، كذلك نجزي من أطاع الله وأحسن عبادته. * * ثم قال: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيّاً مِّنَ ٱلصَّالِحِينَ﴾ أي: بشرناه - بعد أن فدينا إسماعيل بالذبح - بإسحاق مقدراً له النبوة والصلاح. ومن قال: إن الذبيح إسحاق فمعناه عنده: (وبشرنا إبراهيم) بعد الفداء بنبوة إسحاق نبياً. وفيه بُعْدٌ لأنك (لو) قلت: بشرتك بقدوم زيد قادماً، لم يكن للحال فائدة، ولم يوضع لغير فائدة. قال قتادة: بشر بنبوته بعدما جاد لله بنفسه. * * ثم قال: ﴿وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَىٰ إِسْحَاقَ﴾ أي: ثبتنا عليهما النعمة. ﴿وَمِن ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ﴾ وهو المطيع. ﴿وَظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ﴾ وهو الكافر. وذكر الطبري عن السدي أنه قال: كان إبراهيم كثير الطعام يطعم الناس ويضيفهم، فبينما هو يطعم الناس إذ رأى شيخاً كبيراُ يمشي في الحرة، فبعث إليه بحمار فركبه حتى أتاه فأطعمه فجعل الشيخ يأخذ اللقمة يريد أن يدخلها في فيه فيدخلها في أذنه مرة وفي عينه مرة ثم يدخلها في فيه، فإذا أدخلها في فيه، خرجت من دبره. وكان إبراهيم ﷺ قد سأل ربه ألا يقبض روحه حتى يكون هو الذي يسأله الموت. فقال إبراهيم للشيخ حين رأى حاله: ما بالك يا شيخ تصنع هذا؟ قال يا إبراهيم الكبر، قال له: ابن كم أنت؟ فزاد على عمر إبراهيم بسنتين، فقال إبراهيم: إنما بيني وبينك سنتين، فإذا بلغت ذلك صرت مثله، قال نعم، فقال إبراهيم: اللهم اقبضني إليك قبل ذلك، فقام الشيخ فقبض روح إبراهيم. وكان ملك الموت قد تمثل في صورة شيخ لإبراهيم، ومات إبراهيم وهو ابن مائتي سنة. وقيل: ابن مائة وسبع وتسعين سنة. ثم قال (تعالى): ﴿وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَىٰ مُوسَىٰ وَهَارُونَ﴾ أي: تفضلنا عليهما بالنبوة والرسالة. ﴿وَنَجَّيْنَاهُمَا وَقَوْمَهُمَا﴾ أي: ومن آمن معهما، يعني بني إسرائيل. ﴿مِنَ ٱلْكَرْبِ ٱلْعَظِيمِ﴾ أي: من الغرق. ثم قال (تعالى): ﴿وَنَصَرْنَاهُمْ فَكَانُواْ هُمُ ٱلْغَٰلِبِينَ﴾ أي: ونصرنا موسى وهارون وقومهما على فرعون وآله بتغريقنا إياهم فكانوا هم الغالبين. وقال الفراء: الضمير في ﴿وَنَصَرْنَاهُمْ﴾ و ﴿فَكَانُواْ﴾ ﴿هُمُ ٱلْغَٰلِبِينَ﴾ يعود على موسى وهارون وأن التثنية ردت إلى الجمع. ودل على ذلك قوله (جل ذكره). * * ﴿وَآتَيْنَاهُمَا ٱلْكِتَابَ ٱلْمُسْتَبِينَ * وَهَدَيْنَاهُمَا ٱلصِّرَاطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ * وَتَرَكْنَا عَلَيْهِمَا فِي ٱلآخِرِينَ * سَلاَمٌ عَلَىٰ مُوسَىٰ وَهَارُونَ﴾. وقال قوم: إنما جمع في موضع التثنية لأنهما عظيما الشأن جليلا القدر. والعرب تخبر عن الواحد من هذا النوع بلفظ الجمع، فالإخبار عن اثنين منهما بلفظ (الجمع) آكد وأحسن. * * ومعنى ﴿ٱلْمُسْتَبِينَ﴾: المتبين هداه وفضله وأحكامه، يعني التوراة، والصراط المستقيم: الإسلام. ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِمَا فِي ٱلآخِرِينَ﴾ أي: أبقينا عليهما الذكر الجميل والثناء الحسن، فكذلك نفعل بمن أحسن في طاعتي وأدى فرائضي. وفيه من الاختلاف ما تقدم في قصة نوح، وهو يقتضي قوله: ﴿وَٱجْعَل لِّي لِسَانَ صِدْقٍ فِي ٱلآخِرِينَ﴾ [الشعراء: ٨٤]. (ثم قال): ﴿إِنَّهُمَا مِنْ عِبَادِنَا ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: الذين أخلصناهم واخترناهم للطاعة وهديناهم للإيمان. ومن كسر اللام فمعناه: إنهما من عبادنا الذين أخلصوا العمل ولم يشركوا فيه غيري. قال (تعالى): ﴿وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ﴾. قال ابن إسحاق: (وهو إلياس) (بن) ياسين بن فنحاص بن العزار بن هارون بن عمران. وكان إلياس من سبط يوشع بن نون، بعثه الله تعالى إلى أهل بعلبك، (وكانوا يعبدون صنماً) يقال له بعل. وقيل هو إدريس. قاله قتادة. والمعنى: (إنه) لَمِنَ الذين أرسلهم الله إلى الخلق، فقال لقومه: ألا تتقون الله فتخافون عقابه على عبادتكم رباً غيره. (و) هو قوله: ﴿أَتَدْعُونَ بَعْلاً وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ ٱلْخَالِقِينَ﴾. والبعل: الرب لغة أهل اليمن مشهورة، قاله عكرمة ومجاهد وقتادة والسدي. وروي ذلك عن ابن عباس. وقال الضحاك: هو صنم لهم يسمى بعلاً. وقال ابن زيد: هو صنم كانوا يعبدونه ببعلبك مدينة وراء دمشق. وقيل: إن بعلاً تيس كانوا يعبدون. وقال ابن إسحاق: بلغني أن بعلاً امرأة كانوا يعبدونها من دون الله جل ذكره. قال وهب بن منبه: بعث الله إلياس إلى بني إسرائيل حين نسوا ما عهد الله إليهم، حتى (نصبوا) الأوثان وعبدوها من دون الله، فجعل إلياس يدعوهم إلى الله عز وجل، وجعلوا لا يسمعون منه شيئاً. وكان (له مَلِكٌ) من ملوك بني إسرائيل يطيعونه يقال له: جاب. وكان إلياس يقرب من الملك، وكان الملك يطيع إلياس (فيما) يقول له، ويراه الناس على هدى. وكانت ملوك بني إسرائيل قد افترقت في البلاد وأخذ كل واحد ناحية يأكلها، ويعبدون الأصنام، فقال الملك يوماً لإلياس: والله ما أرى ما تدعو إليه إلا باطلاً، والله ما أرى (فلاناً) وفلاناً - يذكر ملوكاً من ملوك بني إسرائيل - إلا قد عبدوا الأوثان من دون الله، وهم (على) نحو ما نحن عليه (من النعيم)، يأكلون ويشربون ويتنعمون مملكين، ما تنقص دنياهم عبادتهم الأوثان التي تزعم أنها باطل وما نرى لنا عليهم من فضل، فعظم الأمر على إلياس، واقشعر جلده وخرج عنه، ففعل ذلك الملك فعل أصحابه وعبد الأوثان، فقال إلياس: اللهم إن بني إسرائيل قد أبوا إلا الكفر بك والعبادة لغيرك فغير ما بهم من نعمة! أو كما قال: (قال) ابن إسحاق: فذكر لنا أنه أوحي إليه أنا قد جعلنا أمر أرزاقهم بيدك وإليك حتى تكون أنت الذي تأذن في ذلك. فقال إلياس: اللهم أمسك عنهم القطر، فحبس عنهم ثلاث سنين حتى هلكت الماشية والدواب والشجر، وجهد الناس جهداً شديداً، وكان إلياس حين دعا عليهم قد استخفى شفقاً على نفسه منهم. وكان حيث ما كان وضع له رزق، وكانوا إذا وجدوا ريح الخبز في دار أو بيت قالوا: قد دخل إلياس هذا المكان فطلبوه ولقي أهل ذلك المنزل شراً. ثم إنه أوى ليلة إلى امرأة من بني إسرائيل لها ابن يقال له: اليسع بن أخطوب به ضر، فآوته وأخفت أمره فدعا إلياس لابنها فعوفي من الضر الذي كان به واتبع اليسع إلياس. فآمن به وصدقه ولزمه، وكان يذهب معه حيث ما ذهب، وكان إلياس قد أسن وكبر، وكان اليسع غلاماً شاباً، فَذُكِر أن الله جل ذكره أوحى إلى إلياس: إنك قد أهلكت خلقاً كثيراً بخطايا بني إسرائيل من البهائم والدواب والطير والهوام والشجر. فذكر - والله أعلم - أن إلياس قال: أي رب، دعني أكن أنا الذي أدعوا لهم به، وأكن أنا الذي آتيهم بالفرج مما هم فيه من البلاء الذي أصابهم لعلهم يرجعون عن عبادة غيرك، فقيل له: نعم، فأتى إلياس إلى بني إسرائيل، فقال لهم: إنكم قد هلكتم جهداً وهلكت البهائم والدواب والطير والشجر بخطاياكم، وإنكم على باطل وغرور، أو كما قال لهم، فإن كنتم تحبون (علم) ذلك، وتعلمون أن الله عليكم ساخط فيما أنتم عليه، والذي أدعوكم إليه الحق، فاخرجوا بأصنامكم هذه التي تبعدونها وتزعمون أنها خير مما أدعوكم إليه، فإن استجابت لكم فذلك كما تقولون. فإن هي لم تفعل علمتم أنكم على باطل فنزعتم ودعوت الله يفرج عنكم ما أنتم فيه من البلاء، قالوا: أنْصَفت، فخرجوا بأوثانهم وما يتقربون به إلى الله من أحداثهم، فدعوها فلم تستجب لهم ولم تفرج عنهم ما كانوا فيه من البلاء، فعرفوا ما هم فيه من الضلال والباطل، فقالوا لإلياس: يا إلياس إنا قد هلكنا، فادع الله لنا، فدعا إلياس لهم بالفرج مما هم فيه، وأن يسقوا، فخرجت سحابة مثل الترس بإذن الله على ظهر البحر وهم ينظرون، ثم ترامى إليهما السحاب ثم أُدْحِيت، ثم أرسل الله المطر فأغاثهم، فحييث بلادهم وفرج عنهم ما كانوا فيه من البلاء. فلم يرجعوا ولا نزعوا، وأقاموا على ما كانوا عليه، فلما رأى ذلك إلياس من كفرهم، دعا ربه يقبضه إليه فيريحه منهم، فذكر أن الله عز وجل أوحى إليه: أخرج إلى بلد كذا وكذا فما جاءك من شيء فاركبه ولا تهبه، فخرج إلياس وخرج معه اليسع حتى إذا كانا بالبلد الذي ذكر له في المكان الذي أمر به أقبل فرس من نار حتى وقف بين يديه، فوثب عليه فانطلق به (فناداه) اليسع يا إلياس (يا إلياس) ما تأمرني به؟ فكان آخر عهدهم به، فكساه الله الريش، وألبسه النور، (وقطع) عنه لذة المطعم والمشرب، وكان في الملائكة إنيساً ملكياً أرضياً سماوياً. قال أبو محمد رضي الله عنه: وهذا الخبر إذا صح فإنما يصح على قول من قال: إنه إدريس ﷺ لقوله تعالى ذكره في إدريس ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَاناً عَلِيّاً﴾ [مريم: ٥٧]. * * وقوله: ﴿وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ ٱلْخَالِقِينَ﴾ أي: خالقكم الذي هو أحسن المقدرين للأشياء. ﴿ٱللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبَآئِكُمُ ٱلأَوَّلِينَ﴾ أي الماضين. [ثم قال: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ﴾ أي: محضرون في عذاب الله]. * * ثم قال: ﴿إِلاَّ عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلْمُخْلَصِينَ﴾ أي: الذين اختارهم (الله) فأنجاهم من العذاب بتوفيقه إياهم. * * ثم قال: ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي ٱلآخِرِينَ * سَلاَمٌ عَلَىٰ إِلْ يَاسِينَ﴾ أي: وأبقينا عليه الثناء الحسن بعده، فيقال: "سلام على آل ياسين"، أي: سلام على أهل دينه، فيسلم على أهله من أجله، فهو داخل في أفضل الثناء. ومن قرأ "اليَاسِينَ" غير مقطوع. فقال ابن أبي إسحاق: هو اسمه مثل ابراهيم. وذهب أبو عبيد إلى أنه جُمِعَ جَمْعَ السلامة على معنى أنه وأهل مذهبه يسلم عليهم. وقال علي بن سليمان: العرب تُسمي قوم الرجل باسم الرجل الجليل منهم، فيقولون: المهالبة لأصحاب المهلب، كأنهم سموا كل واحد بالمهلب فعلى هذا قيل الياسين، يريد قومه المؤمنين كأنه سمَّى كل واحد منهم بإلياس. وذكر سيبويه أن هذا المعنى إنما يجيء على معنى النسبة، حكى الأشعرون، يريد به النسب. واحتج أبو عمرو وأبو عبيد على تركه لقراءة آل ياسين، أنه ليس في السور سلام على آل فلان من الأنبياء، فكما سمي الأنبياء في هذا المعنى سمي هو. ولا حجة في هذا لأنه إذا أثني على قومه المؤمنين من أجله فهو داخل في ذلك وله منه أوفر الحظ، وهو أبلغ في المدح ممن أثني عليه باسمه، وأيضاً فإن الخط مثبت بالانفصال. وقال الفراء: هو مثل ﴿طُورِ سَيْنَآءَ﴾ [المؤمنون: ٢٠] و ﴿وَطُورِ سِينِينَ﴾ [التين: ٢]، والمعنى واحد. ومعنى ذلك: أن إلياس اسم أعجمي، [والعرب إذا استعملت الأسماء الأعجمية في كلامها غيرتها بضروب من] التعبير، فيقولون: إبراهيم وإبراهام وإبرهام، وميكائيل ومْيكائيل وميكاين وميكال، وإسماعيل وإسمعيل، وإسرائيل وإسرائين، وشبهه. فكذلك إلياس وإلياسين هو واحد. قال السدي: "سلام على الياسين" هو: إلياس. قال الفراء: إن أخذته من الأَلْيَسِ صرفته، فيكون وزنه على هذا إفعال مثل إخراج. وقرأ الحسن بوصل الألف (بجعله الألف) واللام اللتين للتعريف دخلتا على ياسين. * * ثم قال: ﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي ٱلْمُحْسِنِينَ﴾ أي: كما فعلنا بإلياس كذلك نفعل بأهل الطاعة والإحسان. * * ثم قال: ﴿إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: من الذين آمنوا وأطاعوا ولم يشركوا. ثم قال (تعالى): ﴿وَإِنَّ لُوطاً لَّمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ﴾ أي: لمن الذين أرسلهم الله بالإنذار والإعذار. ثم قال (تعالى): ﴿إِذْ نَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ﴾ أي: من العذاب الذي أحللنا بقومه على كفرهم. وفي الكلام حذف، والتقدير: وإن لوطاً لمن المرسلين إلى قومه بالإنذار فكذبوه فنجيناه وأهله. * * ثم قال: ﴿إِلاَّ عَجُوزاً فِي ٱلْغَابِرِينَ﴾ أي: في الباقين، يعني امرأة لوط. قال الضحاك: يعني امرأته تخلفت فمسخت حجراً. وقال السدي: "في الغابرين" في الهالكين. وقيل: في "الغابرين": في الذين بلغوا العمر الطويل، وقد تقدم هذا بأشبع شرحاً. * * ثم قال: ﴿ثُمَّ دَمَّرْنَا ٱلآخَرِينَ﴾ أي: أهلكناهم بالحجارة. * * ثم قال: ﴿وَإِنَّكُمْ لَّتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُّصْبِحِينَ﴾ هذا خطاب لقريش، أي: إنكم لتمرون في أسفاركم على آثارهم وديارهم وموضع هلاكهم في النهار وفي الليل، فلا تتعظون، لا تزدجرون وتخافون أن يصيبكم مثل ما أصابهم، ولا تعقلون ما يراد بكم، وأنه من سلك مثل ما سلكوا من الكفر والتكذيب أنه صائر إلى مثل ما صاروا إليه. "وبالليل" وقف كاف، و "تعقلون" التمام. ثم قال (تعالى): ﴿وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ﴾ أي: لمن الذين أُرْسِلَ إلى قومه بالإنذار والإعذار. ﴿إِلَى ٱلْفُلْكِ ٱلْمَشْحُونِ﴾ (أي): هرب. وقال المبرد: أصله تباعد. وقيل له : آبق لأنه خرج بغير أمر الله عز وجل مستتراً من الناس إلى الفلك وهي السفينة. والمشحون: المملوء الموقر. "فَسَاهَمَ" أي: فقارع. قال السدي: فاحتبست بهم السفينة فعلموا أنها إنما احتبست من حدث أحدثوه، فتساهموا فقُرع يونس فرمى بنفسه، فالتقمه الحوت. * * وقوله: ﴿فَكَانَ مِنَ ٱلْمُدْحَضِينَ﴾ أي: من المقروعين. قال طاوس، لما ركب السفينة ركدت فقالوا: إن فيها رجلاً مشؤوماً، فقارعوا فوقعت القرعة عليه ثلاث مرات فرموا به، فالتقمه الحوت، وأصل دحضت من الزلق في الماء والطين. يقال: أدحض الله حجته ودحضت، وحكي: دحض الله حجته، وهي قليلة وقوله: ﴿فَٱلْتَقَمَهُ ٱلْحُوتُ﴾ أي: ابتلعه. ﴿وَهُوَ مُلِيمٌ﴾ أي: وهو قد أتى ما يلام عليه (من) خروجه بغير أمر (من) الله. يقال: ألاَمَ الرجل إذَا أتى ما يلام عليه. والمَلُوم: الذي يلام باللسان (إن) استحق ذلك أو لم يستحقه. قال مجاهد: ﴿مُلِيمٌ﴾: مذنب.

الصافات 37:114

قوله تعالى (ذكره): ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي ٱلآخِرِينَ﴾ إلى قوله: ﴿وَهُوَ مُلِيمٌ﴾. أي: وأبقينا على إبراهيم ثناء حسناً في الآخرين من الأمم، قاله قتادة. وقال ابن زيد: سأل إبراهيم عليه السلام ربه فقال: ﴿وَٱجْعَل لِّي لِسَانَ صِدْقٍ فِي ٱلآخِرِينَ﴾ [الشعراء: ٨٤]، أي الثناء الحسن، فأبقى الله عليه أن يقال: ﴿سَلاَمٌ عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ﴾ أي: أمنة من الله أن يذكر الإنجيل. * * ثم قال: ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي ٱلْمُحْسِنِينَ﴾ أي: كما جزينا إبراهيم على طاعته، كذلك نجزي من أطاع الله وأحسن عبادته. * * ثم قال: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيّاً مِّنَ ٱلصَّالِحِينَ﴾ أي: بشرناه - بعد أن فدينا إسماعيل بالذبح - بإسحاق مقدراً له النبوة والصلاح. ومن قال: إن الذبيح إسحاق فمعناه عنده: (وبشرنا إبراهيم) بعد الفداء بنبوة إسحاق نبياً. وفيه بُعْدٌ لأنك (لو) قلت: بشرتك بقدوم زيد قادماً، لم يكن للحال فائدة، ولم يوضع لغير فائدة. قال قتادة: بشر بنبوته بعدما جاد لله بنفسه. * * ثم قال: ﴿وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَىٰ إِسْحَاقَ﴾ أي: ثبتنا عليهما النعمة. ﴿وَمِن ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ﴾ وهو المطيع. ﴿وَظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ﴾ وهو الكافر. وذكر الطبري عن السدي أنه قال: كان إبراهيم كثير الطعام يطعم الناس ويضيفهم، فبينما هو يطعم الناس إذ رأى شيخاً كبيراُ يمشي في الحرة، فبعث إليه بحمار فركبه حتى أتاه فأطعمه فجعل الشيخ يأخذ اللقمة يريد أن يدخلها في فيه فيدخلها في أذنه مرة وفي عينه مرة ثم يدخلها في فيه، فإذا أدخلها في فيه، خرجت من دبره. وكان إبراهيم ﷺ قد سأل ربه ألا يقبض روحه حتى يكون هو الذي يسأله الموت. فقال إبراهيم للشيخ حين رأى حاله: ما بالك يا شيخ تصنع هذا؟ قال يا إبراهيم الكبر، قال له: ابن كم أنت؟ فزاد على عمر إبراهيم بسنتين، فقال إبراهيم: إنما بيني وبينك سنتين، فإذا بلغت ذلك صرت مثله، قال نعم، فقال إبراهيم: اللهم اقبضني إليك قبل ذلك، فقام الشيخ فقبض روح إبراهيم. وكان ملك الموت قد تمثل في صورة شيخ لإبراهيم، ومات إبراهيم وهو ابن مائتي سنة. وقيل: ابن مائة وسبع وتسعين سنة. ثم قال (تعالى): ﴿وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَىٰ مُوسَىٰ وَهَارُونَ﴾ أي: تفضلنا عليهما بالنبوة والرسالة. ﴿وَنَجَّيْنَاهُمَا وَقَوْمَهُمَا﴾ أي: ومن آمن معهما، يعني بني إسرائيل. ﴿مِنَ ٱلْكَرْبِ ٱلْعَظِيمِ﴾ أي: من الغرق. ثم قال (تعالى): ﴿وَنَصَرْنَاهُمْ فَكَانُواْ هُمُ ٱلْغَٰلِبِينَ﴾ أي: ونصرنا موسى وهارون وقومهما على فرعون وآله بتغريقنا إياهم فكانوا هم الغالبين. وقال الفراء: الضمير في ﴿وَنَصَرْنَاهُمْ﴾ و ﴿فَكَانُواْ﴾ ﴿هُمُ ٱلْغَٰلِبِينَ﴾ يعود على موسى وهارون وأن التثنية ردت إلى الجمع. ودل على ذلك قوله (جل ذكره). * * ﴿وَآتَيْنَاهُمَا ٱلْكِتَابَ ٱلْمُسْتَبِينَ * وَهَدَيْنَاهُمَا ٱلصِّرَاطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ * وَتَرَكْنَا عَلَيْهِمَا فِي ٱلآخِرِينَ * سَلاَمٌ عَلَىٰ مُوسَىٰ وَهَارُونَ﴾. وقال قوم: إنما جمع في موضع التثنية لأنهما عظيما الشأن جليلا القدر. والعرب تخبر عن الواحد من هذا النوع بلفظ الجمع، فالإخبار عن اثنين منهما بلفظ (الجمع) آكد وأحسن. * * ومعنى ﴿ٱلْمُسْتَبِينَ﴾: المتبين هداه وفضله وأحكامه، يعني التوراة، والصراط المستقيم: الإسلام. ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِمَا فِي ٱلآخِرِينَ﴾ أي: أبقينا عليهما الذكر الجميل والثناء الحسن، فكذلك نفعل بمن أحسن في طاعتي وأدى فرائضي. وفيه من الاختلاف ما تقدم في قصة نوح، وهو يقتضي قوله: ﴿وَٱجْعَل لِّي لِسَانَ صِدْقٍ فِي ٱلآخِرِينَ﴾ [الشعراء: ٨٤]. (ثم قال): ﴿إِنَّهُمَا مِنْ عِبَادِنَا ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: الذين أخلصناهم واخترناهم للطاعة وهديناهم للإيمان. ومن كسر اللام فمعناه: إنهما من عبادنا الذين أخلصوا العمل ولم يشركوا فيه غيري. قال (تعالى): ﴿وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ﴾. قال ابن إسحاق: (وهو إلياس) (بن) ياسين بن فنحاص بن العزار بن هارون بن عمران. وكان إلياس من سبط يوشع بن نون، بعثه الله تعالى إلى أهل بعلبك، (وكانوا يعبدون صنماً) يقال له بعل. وقيل هو إدريس. قاله قتادة. والمعنى: (إنه) لَمِنَ الذين أرسلهم الله إلى الخلق، فقال لقومه: ألا تتقون الله فتخافون عقابه على عبادتكم رباً غيره. (و) هو قوله: ﴿أَتَدْعُونَ بَعْلاً وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ ٱلْخَالِقِينَ﴾. والبعل: الرب لغة أهل اليمن مشهورة، قاله عكرمة ومجاهد وقتادة والسدي. وروي ذلك عن ابن عباس. وقال الضحاك: هو صنم لهم يسمى بعلاً. وقال ابن زيد: هو صنم كانوا يعبدونه ببعلبك مدينة وراء دمشق. وقيل: إن بعلاً تيس كانوا يعبدون. وقال ابن إسحاق: بلغني أن بعلاً امرأة كانوا يعبدونها من دون الله جل ذكره. قال وهب بن منبه: بعث الله إلياس إلى بني إسرائيل حين نسوا ما عهد الله إليهم، حتى (نصبوا) الأوثان وعبدوها من دون الله، فجعل إلياس يدعوهم إلى الله عز وجل، وجعلوا لا يسمعون منه شيئاً. وكان (له مَلِكٌ) من ملوك بني إسرائيل يطيعونه يقال له: جاب. وكان إلياس يقرب من الملك، وكان الملك يطيع إلياس (فيما) يقول له، ويراه الناس على هدى. وكانت ملوك بني إسرائيل قد افترقت في البلاد وأخذ كل واحد ناحية يأكلها، ويعبدون الأصنام، فقال الملك يوماً لإلياس: والله ما أرى ما تدعو إليه إلا باطلاً، والله ما أرى (فلاناً) وفلاناً - يذكر ملوكاً من ملوك بني إسرائيل - إلا قد عبدوا الأوثان من دون الله، وهم (على) نحو ما نحن عليه (من النعيم)، يأكلون ويشربون ويتنعمون مملكين، ما تنقص دنياهم عبادتهم الأوثان التي تزعم أنها باطل وما نرى لنا عليهم من فضل، فعظم الأمر على إلياس، واقشعر جلده وخرج عنه، ففعل ذلك الملك فعل أصحابه وعبد الأوثان، فقال إلياس: اللهم إن بني إسرائيل قد أبوا إلا الكفر بك والعبادة لغيرك فغير ما بهم من نعمة! أو كما قال: (قال) ابن إسحاق: فذكر لنا أنه أوحي إليه أنا قد جعلنا أمر أرزاقهم بيدك وإليك حتى تكون أنت الذي تأذن في ذلك. فقال إلياس: اللهم أمسك عنهم القطر، فحبس عنهم ثلاث سنين حتى هلكت الماشية والدواب والشجر، وجهد الناس جهداً شديداً، وكان إلياس حين دعا عليهم قد استخفى شفقاً على نفسه منهم. وكان حيث ما كان وضع له رزق، وكانوا إذا وجدوا ريح الخبز في دار أو بيت قالوا: قد دخل إلياس هذا المكان فطلبوه ولقي أهل ذلك المنزل شراً. ثم إنه أوى ليلة إلى امرأة من بني إسرائيل لها ابن يقال له: اليسع بن أخطوب به ضر، فآوته وأخفت أمره فدعا إلياس لابنها فعوفي من الضر الذي كان به واتبع اليسع إلياس. فآمن به وصدقه ولزمه، وكان يذهب معه حيث ما ذهب، وكان إلياس قد أسن وكبر، وكان اليسع غلاماً شاباً، فَذُكِر أن الله جل ذكره أوحى إلى إلياس: إنك قد أهلكت خلقاً كثيراً بخطايا بني إسرائيل من البهائم والدواب والطير والهوام والشجر. فذكر - والله أعلم - أن إلياس قال: أي رب، دعني أكن أنا الذي أدعوا لهم به، وأكن أنا الذي آتيهم بالفرج مما هم فيه من البلاء الذي أصابهم لعلهم يرجعون عن عبادة غيرك، فقيل له: نعم، فأتى إلياس إلى بني إسرائيل، فقال لهم: إنكم قد هلكتم جهداً وهلكت البهائم والدواب والطير والشجر بخطاياكم، وإنكم على باطل وغرور، أو كما قال لهم، فإن كنتم تحبون (علم) ذلك، وتعلمون أن الله عليكم ساخط فيما أنتم عليه، والذي أدعوكم إليه الحق، فاخرجوا بأصنامكم هذه التي تبعدونها وتزعمون أنها خير مما أدعوكم إليه، فإن استجابت لكم فذلك كما تقولون. فإن هي لم تفعل علمتم أنكم على باطل فنزعتم ودعوت الله يفرج عنكم ما أنتم فيه من البلاء، قالوا: أنْصَفت، فخرجوا بأوثانهم وما يتقربون به إلى الله من أحداثهم، فدعوها فلم تستجب لهم ولم تفرج عنهم ما كانوا فيه من البلاء، فعرفوا ما هم فيه من الضلال والباطل، فقالوا لإلياس: يا إلياس إنا قد هلكنا، فادع الله لنا، فدعا إلياس لهم بالفرج مما هم فيه، وأن يسقوا، فخرجت سحابة مثل الترس بإذن الله على ظهر البحر وهم ينظرون، ثم ترامى إليهما السحاب ثم أُدْحِيت، ثم أرسل الله المطر فأغاثهم، فحييث بلادهم وفرج عنهم ما كانوا فيه من البلاء. فلم يرجعوا ولا نزعوا، وأقاموا على ما كانوا عليه، فلما رأى ذلك إلياس من كفرهم، دعا ربه يقبضه إليه فيريحه منهم، فذكر أن الله عز وجل أوحى إليه: أخرج إلى بلد كذا وكذا فما جاءك من شيء فاركبه ولا تهبه، فخرج إلياس وخرج معه اليسع حتى إذا كانا بالبلد الذي ذكر له في المكان الذي أمر به أقبل فرس من نار حتى وقف بين يديه، فوثب عليه فانطلق به (فناداه) اليسع يا إلياس (يا إلياس) ما تأمرني به؟ فكان آخر عهدهم به، فكساه الله الريش، وألبسه النور، (وقطع) عنه لذة المطعم والمشرب، وكان في الملائكة إنيساً ملكياً أرضياً سماوياً. قال أبو محمد رضي الله عنه: وهذا الخبر إذا صح فإنما يصح على قول من قال: إنه إدريس ﷺ لقوله تعالى ذكره في إدريس ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَاناً عَلِيّاً﴾ [مريم: ٥٧]. * * وقوله: ﴿وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ ٱلْخَالِقِينَ﴾ أي: خالقكم الذي هو أحسن المقدرين للأشياء. ﴿ٱللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبَآئِكُمُ ٱلأَوَّلِينَ﴾ أي الماضين. [ثم قال: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ﴾ أي: محضرون في عذاب الله]. * * ثم قال: ﴿إِلاَّ عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلْمُخْلَصِينَ﴾ أي: الذين اختارهم (الله) فأنجاهم من العذاب بتوفيقه إياهم. * * ثم قال: ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي ٱلآخِرِينَ * سَلاَمٌ عَلَىٰ إِلْ يَاسِينَ﴾ أي: وأبقينا عليه الثناء الحسن بعده، فيقال: "سلام على آل ياسين"، أي: سلام على أهل دينه، فيسلم على أهله من أجله، فهو داخل في أفضل الثناء. ومن قرأ "اليَاسِينَ" غير مقطوع. فقال ابن أبي إسحاق: هو اسمه مثل ابراهيم. وذهب أبو عبيد إلى أنه جُمِعَ جَمْعَ السلامة على معنى أنه وأهل مذهبه يسلم عليهم. وقال علي بن سليمان: العرب تُسمي قوم الرجل باسم الرجل الجليل منهم، فيقولون: المهالبة لأصحاب المهلب، كأنهم سموا كل واحد بالمهلب فعلى هذا قيل الياسين، يريد قومه المؤمنين كأنه سمَّى كل واحد منهم بإلياس. وذكر سيبويه أن هذا المعنى إنما يجيء على معنى النسبة، حكى الأشعرون، يريد به النسب. واحتج أبو عمرو وأبو عبيد على تركه لقراءة آل ياسين، أنه ليس في السور سلام على آل فلان من الأنبياء، فكما سمي الأنبياء في هذا المعنى سمي هو. ولا حجة في هذا لأنه إذا أثني على قومه المؤمنين من أجله فهو داخل في ذلك وله منه أوفر الحظ، وهو أبلغ في المدح ممن أثني عليه باسمه، وأيضاً فإن الخط مثبت بالانفصال. وقال الفراء: هو مثل ﴿طُورِ سَيْنَآءَ﴾ [المؤمنون: ٢٠] و ﴿وَطُورِ سِينِينَ﴾ [التين: ٢]، والمعنى واحد. ومعنى ذلك: أن إلياس اسم أعجمي، [والعرب إذا استعملت الأسماء الأعجمية في كلامها غيرتها بضروب من] التعبير، فيقولون: إبراهيم وإبراهام وإبرهام، وميكائيل ومْيكائيل وميكاين وميكال، وإسماعيل وإسمعيل، وإسرائيل وإسرائين، وشبهه. فكذلك إلياس وإلياسين هو واحد. قال السدي: "سلام على الياسين" هو: إلياس. قال الفراء: إن أخذته من الأَلْيَسِ صرفته، فيكون وزنه على هذا إفعال مثل إخراج. وقرأ الحسن بوصل الألف (بجعله الألف) واللام اللتين للتعريف دخلتا على ياسين. * * ثم قال: ﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي ٱلْمُحْسِنِينَ﴾ أي: كما فعلنا بإلياس كذلك نفعل بأهل الطاعة والإحسان. * * ثم قال: ﴿إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: من الذين آمنوا وأطاعوا ولم يشركوا. ثم قال (تعالى): ﴿وَإِنَّ لُوطاً لَّمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ﴾ أي: لمن الذين أرسلهم الله بالإنذار والإعذار. ثم قال (تعالى): ﴿إِذْ نَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ﴾ أي: من العذاب الذي أحللنا بقومه على كفرهم. وفي الكلام حذف، والتقدير: وإن لوطاً لمن المرسلين إلى قومه بالإنذار فكذبوه فنجيناه وأهله. * * ثم قال: ﴿إِلاَّ عَجُوزاً فِي ٱلْغَابِرِينَ﴾ أي: في الباقين، يعني امرأة لوط. قال الضحاك: يعني امرأته تخلفت فمسخت حجراً. وقال السدي: "في الغابرين" في الهالكين. وقيل: في "الغابرين": في الذين بلغوا العمر الطويل، وقد تقدم هذا بأشبع شرحاً. * * ثم قال: ﴿ثُمَّ دَمَّرْنَا ٱلآخَرِينَ﴾ أي: أهلكناهم بالحجارة. * * ثم قال: ﴿وَإِنَّكُمْ لَّتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُّصْبِحِينَ﴾ هذا خطاب لقريش، أي: إنكم لتمرون في أسفاركم على آثارهم وديارهم وموضع هلاكهم في النهار وفي الليل، فلا تتعظون، لا تزدجرون وتخافون أن يصيبكم مثل ما أصابهم، ولا تعقلون ما يراد بكم، وأنه من سلك مثل ما سلكوا من الكفر والتكذيب أنه صائر إلى مثل ما صاروا إليه. "وبالليل" وقف كاف، و "تعقلون" التمام. ثم قال (تعالى): ﴿وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ﴾ أي: لمن الذين أُرْسِلَ إلى قومه بالإنذار والإعذار. ﴿إِلَى ٱلْفُلْكِ ٱلْمَشْحُونِ﴾ (أي): هرب. وقال المبرد: أصله تباعد. وقيل له : آبق لأنه خرج بغير أمر الله عز وجل مستتراً من الناس إلى الفلك وهي السفينة. والمشحون: المملوء الموقر. "فَسَاهَمَ" أي: فقارع. قال السدي: فاحتبست بهم السفينة فعلموا أنها إنما احتبست من حدث أحدثوه، فتساهموا فقُرع يونس فرمى بنفسه، فالتقمه الحوت. * * وقوله: ﴿فَكَانَ مِنَ ٱلْمُدْحَضِينَ﴾ أي: من المقروعين. قال طاوس، لما ركب السفينة ركدت فقالوا: إن فيها رجلاً مشؤوماً، فقارعوا فوقعت القرعة عليه ثلاث مرات فرموا به، فالتقمه الحوت، وأصل دحضت من الزلق في الماء والطين. يقال: أدحض الله حجته ودحضت، وحكي: دحض الله حجته، وهي قليلة وقوله: ﴿فَٱلْتَقَمَهُ ٱلْحُوتُ﴾ أي: ابتلعه. ﴿وَهُوَ مُلِيمٌ﴾ أي: وهو قد أتى ما يلام عليه (من) خروجه بغير أمر (من) الله. يقال: ألاَمَ الرجل إذَا أتى ما يلام عليه. والمَلُوم: الذي يلام باللسان (إن) استحق ذلك أو لم يستحقه. قال مجاهد: ﴿مُلِيمٌ﴾: مذنب.

الصافات 37:115

قوله تعالى (ذكره): ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي ٱلآخِرِينَ﴾ إلى قوله: ﴿وَهُوَ مُلِيمٌ﴾. أي: وأبقينا على إبراهيم ثناء حسناً في الآخرين من الأمم، قاله قتادة. وقال ابن زيد: سأل إبراهيم عليه السلام ربه فقال: ﴿وَٱجْعَل لِّي لِسَانَ صِدْقٍ فِي ٱلآخِرِينَ﴾ [الشعراء: ٨٤]، أي الثناء الحسن، فأبقى الله عليه أن يقال: ﴿سَلاَمٌ عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ﴾ أي: أمنة من الله أن يذكر الإنجيل. * * ثم قال: ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي ٱلْمُحْسِنِينَ﴾ أي: كما جزينا إبراهيم على طاعته، كذلك نجزي من أطاع الله وأحسن عبادته. * * ثم قال: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيّاً مِّنَ ٱلصَّالِحِينَ﴾ أي: بشرناه - بعد أن فدينا إسماعيل بالذبح - بإسحاق مقدراً له النبوة والصلاح. ومن قال: إن الذبيح إسحاق فمعناه عنده: (وبشرنا إبراهيم) بعد الفداء بنبوة إسحاق نبياً. وفيه بُعْدٌ لأنك (لو) قلت: بشرتك بقدوم زيد قادماً، لم يكن للحال فائدة، ولم يوضع لغير فائدة. قال قتادة: بشر بنبوته بعدما جاد لله بنفسه. * * ثم قال: ﴿وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَىٰ إِسْحَاقَ﴾ أي: ثبتنا عليهما النعمة. ﴿وَمِن ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ﴾ وهو المطيع. ﴿وَظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ﴾ وهو الكافر. وذكر الطبري عن السدي أنه قال: كان إبراهيم كثير الطعام يطعم الناس ويضيفهم، فبينما هو يطعم الناس إذ رأى شيخاً كبيراُ يمشي في الحرة، فبعث إليه بحمار فركبه حتى أتاه فأطعمه فجعل الشيخ يأخذ اللقمة يريد أن يدخلها في فيه فيدخلها في أذنه مرة وفي عينه مرة ثم يدخلها في فيه، فإذا أدخلها في فيه، خرجت من دبره. وكان إبراهيم ﷺ قد سأل ربه ألا يقبض روحه حتى يكون هو الذي يسأله الموت. فقال إبراهيم للشيخ حين رأى حاله: ما بالك يا شيخ تصنع هذا؟ قال يا إبراهيم الكبر، قال له: ابن كم أنت؟ فزاد على عمر إبراهيم بسنتين، فقال إبراهيم: إنما بيني وبينك سنتين، فإذا بلغت ذلك صرت مثله، قال نعم، فقال إبراهيم: اللهم اقبضني إليك قبل ذلك، فقام الشيخ فقبض روح إبراهيم. وكان ملك الموت قد تمثل في صورة شيخ لإبراهيم، ومات إبراهيم وهو ابن مائتي سنة. وقيل: ابن مائة وسبع وتسعين سنة. ثم قال (تعالى): ﴿وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَىٰ مُوسَىٰ وَهَارُونَ﴾ أي: تفضلنا عليهما بالنبوة والرسالة. ﴿وَنَجَّيْنَاهُمَا وَقَوْمَهُمَا﴾ أي: ومن آمن معهما، يعني بني إسرائيل. ﴿مِنَ ٱلْكَرْبِ ٱلْعَظِيمِ﴾ أي: من الغرق. ثم قال (تعالى): ﴿وَنَصَرْنَاهُمْ فَكَانُواْ هُمُ ٱلْغَٰلِبِينَ﴾ أي: ونصرنا موسى وهارون وقومهما على فرعون وآله بتغريقنا إياهم فكانوا هم الغالبين. وقال الفراء: الضمير في ﴿وَنَصَرْنَاهُمْ﴾ و ﴿فَكَانُواْ﴾ ﴿هُمُ ٱلْغَٰلِبِينَ﴾ يعود على موسى وهارون وأن التثنية ردت إلى الجمع. ودل على ذلك قوله (جل ذكره). * * ﴿وَآتَيْنَاهُمَا ٱلْكِتَابَ ٱلْمُسْتَبِينَ * وَهَدَيْنَاهُمَا ٱلصِّرَاطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ * وَتَرَكْنَا عَلَيْهِمَا فِي ٱلآخِرِينَ * سَلاَمٌ عَلَىٰ مُوسَىٰ وَهَارُونَ﴾. وقال قوم: إنما جمع في موضع التثنية لأنهما عظيما الشأن جليلا القدر. والعرب تخبر عن الواحد من هذا النوع بلفظ الجمع، فالإخبار عن اثنين منهما بلفظ (الجمع) آكد وأحسن. * * ومعنى ﴿ٱلْمُسْتَبِينَ﴾: المتبين هداه وفضله وأحكامه، يعني التوراة، والصراط المستقيم: الإسلام. ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِمَا فِي ٱلآخِرِينَ﴾ أي: أبقينا عليهما الذكر الجميل والثناء الحسن، فكذلك نفعل بمن أحسن في طاعتي وأدى فرائضي. وفيه من الاختلاف ما تقدم في قصة نوح، وهو يقتضي قوله: ﴿وَٱجْعَل لِّي لِسَانَ صِدْقٍ فِي ٱلآخِرِينَ﴾ [الشعراء: ٨٤]. (ثم قال): ﴿إِنَّهُمَا مِنْ عِبَادِنَا ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: الذين أخلصناهم واخترناهم للطاعة وهديناهم للإيمان. ومن كسر اللام فمعناه: إنهما من عبادنا الذين أخلصوا العمل ولم يشركوا فيه غيري. قال (تعالى): ﴿وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ﴾. قال ابن إسحاق: (وهو إلياس) (بن) ياسين بن فنحاص بن العزار بن هارون بن عمران. وكان إلياس من سبط يوشع بن نون، بعثه الله تعالى إلى أهل بعلبك، (وكانوا يعبدون صنماً) يقال له بعل. وقيل هو إدريس. قاله قتادة. والمعنى: (إنه) لَمِنَ الذين أرسلهم الله إلى الخلق، فقال لقومه: ألا تتقون الله فتخافون عقابه على عبادتكم رباً غيره. (و) هو قوله: ﴿أَتَدْعُونَ بَعْلاً وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ ٱلْخَالِقِينَ﴾. والبعل: الرب لغة أهل اليمن مشهورة، قاله عكرمة ومجاهد وقتادة والسدي. وروي ذلك عن ابن عباس. وقال الضحاك: هو صنم لهم يسمى بعلاً. وقال ابن زيد: هو صنم كانوا يعبدونه ببعلبك مدينة وراء دمشق. وقيل: إن بعلاً تيس كانوا يعبدون. وقال ابن إسحاق: بلغني أن بعلاً امرأة كانوا يعبدونها من دون الله جل ذكره. قال وهب بن منبه: بعث الله إلياس إلى بني إسرائيل حين نسوا ما عهد الله إليهم، حتى (نصبوا) الأوثان وعبدوها من دون الله، فجعل إلياس يدعوهم إلى الله عز وجل، وجعلوا لا يسمعون منه شيئاً. وكان (له مَلِكٌ) من ملوك بني إسرائيل يطيعونه يقال له: جاب. وكان إلياس يقرب من الملك، وكان الملك يطيع إلياس (فيما) يقول له، ويراه الناس على هدى. وكانت ملوك بني إسرائيل قد افترقت في البلاد وأخذ كل واحد ناحية يأكلها، ويعبدون الأصنام، فقال الملك يوماً لإلياس: والله ما أرى ما تدعو إليه إلا باطلاً، والله ما أرى (فلاناً) وفلاناً - يذكر ملوكاً من ملوك بني إسرائيل - إلا قد عبدوا الأوثان من دون الله، وهم (على) نحو ما نحن عليه (من النعيم)، يأكلون ويشربون ويتنعمون مملكين، ما تنقص دنياهم عبادتهم الأوثان التي تزعم أنها باطل وما نرى لنا عليهم من فضل، فعظم الأمر على إلياس، واقشعر جلده وخرج عنه، ففعل ذلك الملك فعل أصحابه وعبد الأوثان، فقال إلياس: اللهم إن بني إسرائيل قد أبوا إلا الكفر بك والعبادة لغيرك فغير ما بهم من نعمة! أو كما قال: (قال) ابن إسحاق: فذكر لنا أنه أوحي إليه أنا قد جعلنا أمر أرزاقهم بيدك وإليك حتى تكون أنت الذي تأذن في ذلك. فقال إلياس: اللهم أمسك عنهم القطر، فحبس عنهم ثلاث سنين حتى هلكت الماشية والدواب والشجر، وجهد الناس جهداً شديداً، وكان إلياس حين دعا عليهم قد استخفى شفقاً على نفسه منهم. وكان حيث ما كان وضع له رزق، وكانوا إذا وجدوا ريح الخبز في دار أو بيت قالوا: قد دخل إلياس هذا المكان فطلبوه ولقي أهل ذلك المنزل شراً. ثم إنه أوى ليلة إلى امرأة من بني إسرائيل لها ابن يقال له: اليسع بن أخطوب به ضر، فآوته وأخفت أمره فدعا إلياس لابنها فعوفي من الضر الذي كان به واتبع اليسع إلياس. فآمن به وصدقه ولزمه، وكان يذهب معه حيث ما ذهب، وكان إلياس قد أسن وكبر، وكان اليسع غلاماً شاباً، فَذُكِر أن الله جل ذكره أوحى إلى إلياس: إنك قد أهلكت خلقاً كثيراً بخطايا بني إسرائيل من البهائم والدواب والطير والهوام والشجر. فذكر - والله أعلم - أن إلياس قال: أي رب، دعني أكن أنا الذي أدعوا لهم به، وأكن أنا الذي آتيهم بالفرج مما هم فيه من البلاء الذي أصابهم لعلهم يرجعون عن عبادة غيرك، فقيل له: نعم، فأتى إلياس إلى بني إسرائيل، فقال لهم: إنكم قد هلكتم جهداً وهلكت البهائم والدواب والطير والشجر بخطاياكم، وإنكم على باطل وغرور، أو كما قال لهم، فإن كنتم تحبون (علم) ذلك، وتعلمون أن الله عليكم ساخط فيما أنتم عليه، والذي أدعوكم إليه الحق، فاخرجوا بأصنامكم هذه التي تبعدونها وتزعمون أنها خير مما أدعوكم إليه، فإن استجابت لكم فذلك كما تقولون. فإن هي لم تفعل علمتم أنكم على باطل فنزعتم ودعوت الله يفرج عنكم ما أنتم فيه من البلاء، قالوا: أنْصَفت، فخرجوا بأوثانهم وما يتقربون به إلى الله من أحداثهم، فدعوها فلم تستجب لهم ولم تفرج عنهم ما كانوا فيه من البلاء، فعرفوا ما هم فيه من الضلال والباطل، فقالوا لإلياس: يا إلياس إنا قد هلكنا، فادع الله لنا، فدعا إلياس لهم بالفرج مما هم فيه، وأن يسقوا، فخرجت سحابة مثل الترس بإذن الله على ظهر البحر وهم ينظرون، ثم ترامى إليهما السحاب ثم أُدْحِيت، ثم أرسل الله المطر فأغاثهم، فحييث بلادهم وفرج عنهم ما كانوا فيه من البلاء. فلم يرجعوا ولا نزعوا، وأقاموا على ما كانوا عليه، فلما رأى ذلك إلياس من كفرهم، دعا ربه يقبضه إليه فيريحه منهم، فذكر أن الله عز وجل أوحى إليه: أخرج إلى بلد كذا وكذا فما جاءك من شيء فاركبه ولا تهبه، فخرج إلياس وخرج معه اليسع حتى إذا كانا بالبلد الذي ذكر له في المكان الذي أمر به أقبل فرس من نار حتى وقف بين يديه، فوثب عليه فانطلق به (فناداه) اليسع يا إلياس (يا إلياس) ما تأمرني به؟ فكان آخر عهدهم به، فكساه الله الريش، وألبسه النور، (وقطع) عنه لذة المطعم والمشرب، وكان في الملائكة إنيساً ملكياً أرضياً سماوياً. قال أبو محمد رضي الله عنه: وهذا الخبر إذا صح فإنما يصح على قول من قال: إنه إدريس ﷺ لقوله تعالى ذكره في إدريس ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَاناً عَلِيّاً﴾ [مريم: ٥٧]. * * وقوله: ﴿وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ ٱلْخَالِقِينَ﴾ أي: خالقكم الذي هو أحسن المقدرين للأشياء. ﴿ٱللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبَآئِكُمُ ٱلأَوَّلِينَ﴾ أي الماضين. [ثم قال: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ﴾ أي: محضرون في عذاب الله]. * * ثم قال: ﴿إِلاَّ عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلْمُخْلَصِينَ﴾ أي: الذين اختارهم (الله) فأنجاهم من العذاب بتوفيقه إياهم. * * ثم قال: ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي ٱلآخِرِينَ * سَلاَمٌ عَلَىٰ إِلْ يَاسِينَ﴾ أي: وأبقينا عليه الثناء الحسن بعده، فيقال: "سلام على آل ياسين"، أي: سلام على أهل دينه، فيسلم على أهله من أجله، فهو داخل في أفضل الثناء. ومن قرأ "اليَاسِينَ" غير مقطوع. فقال ابن أبي إسحاق: هو اسمه مثل ابراهيم. وذهب أبو عبيد إلى أنه جُمِعَ جَمْعَ السلامة على معنى أنه وأهل مذهبه يسلم عليهم. وقال علي بن سليمان: العرب تُسمي قوم الرجل باسم الرجل الجليل منهم، فيقولون: المهالبة لأصحاب المهلب، كأنهم سموا كل واحد بالمهلب فعلى هذا قيل الياسين، يريد قومه المؤمنين كأنه سمَّى كل واحد منهم بإلياس. وذكر سيبويه أن هذا المعنى إنما يجيء على معنى النسبة، حكى الأشعرون، يريد به النسب. واحتج أبو عمرو وأبو عبيد على تركه لقراءة آل ياسين، أنه ليس في السور سلام على آل فلان من الأنبياء، فكما سمي الأنبياء في هذا المعنى سمي هو. ولا حجة في هذا لأنه إذا أثني على قومه المؤمنين من أجله فهو داخل في ذلك وله منه أوفر الحظ، وهو أبلغ في المدح ممن أثني عليه باسمه، وأيضاً فإن الخط مثبت بالانفصال. وقال الفراء: هو مثل ﴿طُورِ سَيْنَآءَ﴾ [المؤمنون: ٢٠] و ﴿وَطُورِ سِينِينَ﴾ [التين: ٢]، والمعنى واحد. ومعنى ذلك: أن إلياس اسم أعجمي، [والعرب إذا استعملت الأسماء الأعجمية في كلامها غيرتها بضروب من] التعبير، فيقولون: إبراهيم وإبراهام وإبرهام، وميكائيل ومْيكائيل وميكاين وميكال، وإسماعيل وإسمعيل، وإسرائيل وإسرائين، وشبهه. فكذلك إلياس وإلياسين هو واحد. قال السدي: "سلام على الياسين" هو: إلياس. قال الفراء: إن أخذته من الأَلْيَسِ صرفته، فيكون وزنه على هذا إفعال مثل إخراج. وقرأ الحسن بوصل الألف (بجعله الألف) واللام اللتين للتعريف دخلتا على ياسين. * * ثم قال: ﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي ٱلْمُحْسِنِينَ﴾ أي: كما فعلنا بإلياس كذلك نفعل بأهل الطاعة والإحسان. * * ثم قال: ﴿إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: من الذين آمنوا وأطاعوا ولم يشركوا. ثم قال (تعالى): ﴿وَإِنَّ لُوطاً لَّمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ﴾ أي: لمن الذين أرسلهم الله بالإنذار والإعذار. ثم قال (تعالى): ﴿إِذْ نَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ﴾ أي: من العذاب الذي أحللنا بقومه على كفرهم. وفي الكلام حذف، والتقدير: وإن لوطاً لمن المرسلين إلى قومه بالإنذار فكذبوه فنجيناه وأهله. * * ثم قال: ﴿إِلاَّ عَجُوزاً فِي ٱلْغَابِرِينَ﴾ أي: في الباقين، يعني امرأة لوط. قال الضحاك: يعني امرأته تخلفت فمسخت حجراً. وقال السدي: "في الغابرين" في الهالكين. وقيل: في "الغابرين": في الذين بلغوا العمر الطويل، وقد تقدم هذا بأشبع شرحاً. * * ثم قال: ﴿ثُمَّ دَمَّرْنَا ٱلآخَرِينَ﴾ أي: أهلكناهم بالحجارة. * * ثم قال: ﴿وَإِنَّكُمْ لَّتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُّصْبِحِينَ﴾ هذا خطاب لقريش، أي: إنكم لتمرون في أسفاركم على آثارهم وديارهم وموضع هلاكهم في النهار وفي الليل، فلا تتعظون، لا تزدجرون وتخافون أن يصيبكم مثل ما أصابهم، ولا تعقلون ما يراد بكم، وأنه من سلك مثل ما سلكوا من الكفر والتكذيب أنه صائر إلى مثل ما صاروا إليه. "وبالليل" وقف كاف، و "تعقلون" التمام. ثم قال (تعالى): ﴿وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ﴾ أي: لمن الذين أُرْسِلَ إلى قومه بالإنذار والإعذار. ﴿إِلَى ٱلْفُلْكِ ٱلْمَشْحُونِ﴾ (أي): هرب. وقال المبرد: أصله تباعد. وقيل له : آبق لأنه خرج بغير أمر الله عز وجل مستتراً من الناس إلى الفلك وهي السفينة. والمشحون: المملوء الموقر. "فَسَاهَمَ" أي: فقارع. قال السدي: فاحتبست بهم السفينة فعلموا أنها إنما احتبست من حدث أحدثوه، فتساهموا فقُرع يونس فرمى بنفسه، فالتقمه الحوت. * * وقوله: ﴿فَكَانَ مِنَ ٱلْمُدْحَضِينَ﴾ أي: من المقروعين. قال طاوس، لما ركب السفينة ركدت فقالوا: إن فيها رجلاً مشؤوماً، فقارعوا فوقعت القرعة عليه ثلاث مرات فرموا به، فالتقمه الحوت، وأصل دحضت من الزلق في الماء والطين. يقال: أدحض الله حجته ودحضت، وحكي: دحض الله حجته، وهي قليلة وقوله: ﴿فَٱلْتَقَمَهُ ٱلْحُوتُ﴾ أي: ابتلعه. ﴿وَهُوَ مُلِيمٌ﴾ أي: وهو قد أتى ما يلام عليه (من) خروجه بغير أمر (من) الله. يقال: ألاَمَ الرجل إذَا أتى ما يلام عليه. والمَلُوم: الذي يلام باللسان (إن) استحق ذلك أو لم يستحقه. قال مجاهد: ﴿مُلِيمٌ﴾: مذنب.

الصافات 37:116

قوله تعالى (ذكره): ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي ٱلآخِرِينَ﴾ إلى قوله: ﴿وَهُوَ مُلِيمٌ﴾. أي: وأبقينا على إبراهيم ثناء حسناً في الآخرين من الأمم، قاله قتادة. وقال ابن زيد: سأل إبراهيم عليه السلام ربه فقال: ﴿وَٱجْعَل لِّي لِسَانَ صِدْقٍ فِي ٱلآخِرِينَ﴾ [الشعراء: ٨٤]، أي الثناء الحسن، فأبقى الله عليه أن يقال: ﴿سَلاَمٌ عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ﴾ أي: أمنة من الله أن يذكر الإنجيل. * * ثم قال: ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي ٱلْمُحْسِنِينَ﴾ أي: كما جزينا إبراهيم على طاعته، كذلك نجزي من أطاع الله وأحسن عبادته. * * ثم قال: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيّاً مِّنَ ٱلصَّالِحِينَ﴾ أي: بشرناه - بعد أن فدينا إسماعيل بالذبح - بإسحاق مقدراً له النبوة والصلاح. ومن قال: إن الذبيح إسحاق فمعناه عنده: (وبشرنا إبراهيم) بعد الفداء بنبوة إسحاق نبياً. وفيه بُعْدٌ لأنك (لو) قلت: بشرتك بقدوم زيد قادماً، لم يكن للحال فائدة، ولم يوضع لغير فائدة. قال قتادة: بشر بنبوته بعدما جاد لله بنفسه. * * ثم قال: ﴿وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَىٰ إِسْحَاقَ﴾ أي: ثبتنا عليهما النعمة. ﴿وَمِن ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ﴾ وهو المطيع. ﴿وَظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ﴾ وهو الكافر. وذكر الطبري عن السدي أنه قال: كان إبراهيم كثير الطعام يطعم الناس ويضيفهم، فبينما هو يطعم الناس إذ رأى شيخاً كبيراُ يمشي في الحرة، فبعث إليه بحمار فركبه حتى أتاه فأطعمه فجعل الشيخ يأخذ اللقمة يريد أن يدخلها في فيه فيدخلها في أذنه مرة وفي عينه مرة ثم يدخلها في فيه، فإذا أدخلها في فيه، خرجت من دبره. وكان إبراهيم ﷺ قد سأل ربه ألا يقبض روحه حتى يكون هو الذي يسأله الموت. فقال إبراهيم للشيخ حين رأى حاله: ما بالك يا شيخ تصنع هذا؟ قال يا إبراهيم الكبر، قال له: ابن كم أنت؟ فزاد على عمر إبراهيم بسنتين، فقال إبراهيم: إنما بيني وبينك سنتين، فإذا بلغت ذلك صرت مثله، قال نعم، فقال إبراهيم: اللهم اقبضني إليك قبل ذلك، فقام الشيخ فقبض روح إبراهيم. وكان ملك الموت قد تمثل في صورة شيخ لإبراهيم، ومات إبراهيم وهو ابن مائتي سنة. وقيل: ابن مائة وسبع وتسعين سنة. ثم قال (تعالى): ﴿وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَىٰ مُوسَىٰ وَهَارُونَ﴾ أي: تفضلنا عليهما بالنبوة والرسالة. ﴿وَنَجَّيْنَاهُمَا وَقَوْمَهُمَا﴾ أي: ومن آمن معهما، يعني بني إسرائيل. ﴿مِنَ ٱلْكَرْبِ ٱلْعَظِيمِ﴾ أي: من الغرق. ثم قال (تعالى): ﴿وَنَصَرْنَاهُمْ فَكَانُواْ هُمُ ٱلْغَٰلِبِينَ﴾ أي: ونصرنا موسى وهارون وقومهما على فرعون وآله بتغريقنا إياهم فكانوا هم الغالبين. وقال الفراء: الضمير في ﴿وَنَصَرْنَاهُمْ﴾ و ﴿فَكَانُواْ﴾ ﴿هُمُ ٱلْغَٰلِبِينَ﴾ يعود على موسى وهارون وأن التثنية ردت إلى الجمع. ودل على ذلك قوله (جل ذكره). * * ﴿وَآتَيْنَاهُمَا ٱلْكِتَابَ ٱلْمُسْتَبِينَ * وَهَدَيْنَاهُمَا ٱلصِّرَاطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ * وَتَرَكْنَا عَلَيْهِمَا فِي ٱلآخِرِينَ * سَلاَمٌ عَلَىٰ مُوسَىٰ وَهَارُونَ﴾. وقال قوم: إنما جمع في موضع التثنية لأنهما عظيما الشأن جليلا القدر. والعرب تخبر عن الواحد من هذا النوع بلفظ الجمع، فالإخبار عن اثنين منهما بلفظ (الجمع) آكد وأحسن. * * ومعنى ﴿ٱلْمُسْتَبِينَ﴾: المتبين هداه وفضله وأحكامه، يعني التوراة، والصراط المستقيم: الإسلام. ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِمَا فِي ٱلآخِرِينَ﴾ أي: أبقينا عليهما الذكر الجميل والثناء الحسن، فكذلك نفعل بمن أحسن في طاعتي وأدى فرائضي. وفيه من الاختلاف ما تقدم في قصة نوح، وهو يقتضي قوله: ﴿وَٱجْعَل لِّي لِسَانَ صِدْقٍ فِي ٱلآخِرِينَ﴾ [الشعراء: ٨٤]. (ثم قال): ﴿إِنَّهُمَا مِنْ عِبَادِنَا ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: الذين أخلصناهم واخترناهم للطاعة وهديناهم للإيمان. ومن كسر اللام فمعناه: إنهما من عبادنا الذين أخلصوا العمل ولم يشركوا فيه غيري. قال (تعالى): ﴿وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ﴾. قال ابن إسحاق: (وهو إلياس) (بن) ياسين بن فنحاص بن العزار بن هارون بن عمران. وكان إلياس من سبط يوشع بن نون، بعثه الله تعالى إلى أهل بعلبك، (وكانوا يعبدون صنماً) يقال له بعل. وقيل هو إدريس. قاله قتادة. والمعنى: (إنه) لَمِنَ الذين أرسلهم الله إلى الخلق، فقال لقومه: ألا تتقون الله فتخافون عقابه على عبادتكم رباً غيره. (و) هو قوله: ﴿أَتَدْعُونَ بَعْلاً وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ ٱلْخَالِقِينَ﴾. والبعل: الرب لغة أهل اليمن مشهورة، قاله عكرمة ومجاهد وقتادة والسدي. وروي ذلك عن ابن عباس. وقال الضحاك: هو صنم لهم يسمى بعلاً. وقال ابن زيد: هو صنم كانوا يعبدونه ببعلبك مدينة وراء دمشق. وقيل: إن بعلاً تيس كانوا يعبدون. وقال ابن إسحاق: بلغني أن بعلاً امرأة كانوا يعبدونها من دون الله جل ذكره. قال وهب بن منبه: بعث الله إلياس إلى بني إسرائيل حين نسوا ما عهد الله إليهم، حتى (نصبوا) الأوثان وعبدوها من دون الله، فجعل إلياس يدعوهم إلى الله عز وجل، وجعلوا لا يسمعون منه شيئاً. وكان (له مَلِكٌ) من ملوك بني إسرائيل يطيعونه يقال له: جاب. وكان إلياس يقرب من الملك، وكان الملك يطيع إلياس (فيما) يقول له، ويراه الناس على هدى. وكانت ملوك بني إسرائيل قد افترقت في البلاد وأخذ كل واحد ناحية يأكلها، ويعبدون الأصنام، فقال الملك يوماً لإلياس: والله ما أرى ما تدعو إليه إلا باطلاً، والله ما أرى (فلاناً) وفلاناً - يذكر ملوكاً من ملوك بني إسرائيل - إلا قد عبدوا الأوثان من دون الله، وهم (على) نحو ما نحن عليه (من النعيم)، يأكلون ويشربون ويتنعمون مملكين، ما تنقص دنياهم عبادتهم الأوثان التي تزعم أنها باطل وما نرى لنا عليهم من فضل، فعظم الأمر على إلياس، واقشعر جلده وخرج عنه، ففعل ذلك الملك فعل أصحابه وعبد الأوثان، فقال إلياس: اللهم إن بني إسرائيل قد أبوا إلا الكفر بك والعبادة لغيرك فغير ما بهم من نعمة! أو كما قال: (قال) ابن إسحاق: فذكر لنا أنه أوحي إليه أنا قد جعلنا أمر أرزاقهم بيدك وإليك حتى تكون أنت الذي تأذن في ذلك. فقال إلياس: اللهم أمسك عنهم القطر، فحبس عنهم ثلاث سنين حتى هلكت الماشية والدواب والشجر، وجهد الناس جهداً شديداً، وكان إلياس حين دعا عليهم قد استخفى شفقاً على نفسه منهم. وكان حيث ما كان وضع له رزق، وكانوا إذا وجدوا ريح الخبز في دار أو بيت قالوا: قد دخل إلياس هذا المكان فطلبوه ولقي أهل ذلك المنزل شراً. ثم إنه أوى ليلة إلى امرأة من بني إسرائيل لها ابن يقال له: اليسع بن أخطوب به ضر، فآوته وأخفت أمره فدعا إلياس لابنها فعوفي من الضر الذي كان به واتبع اليسع إلياس. فآمن به وصدقه ولزمه، وكان يذهب معه حيث ما ذهب، وكان إلياس قد أسن وكبر، وكان اليسع غلاماً شاباً، فَذُكِر أن الله جل ذكره أوحى إلى إلياس: إنك قد أهلكت خلقاً كثيراً بخطايا بني إسرائيل من البهائم والدواب والطير والهوام والشجر. فذكر - والله أعلم - أن إلياس قال: أي رب، دعني أكن أنا الذي أدعوا لهم به، وأكن أنا الذي آتيهم بالفرج مما هم فيه من البلاء الذي أصابهم لعلهم يرجعون عن عبادة غيرك، فقيل له: نعم، فأتى إلياس إلى بني إسرائيل، فقال لهم: إنكم قد هلكتم جهداً وهلكت البهائم والدواب والطير والشجر بخطاياكم، وإنكم على باطل وغرور، أو كما قال لهم، فإن كنتم تحبون (علم) ذلك، وتعلمون أن الله عليكم ساخط فيما أنتم عليه، والذي أدعوكم إليه الحق، فاخرجوا بأصنامكم هذه التي تبعدونها وتزعمون أنها خير مما أدعوكم إليه، فإن استجابت لكم فذلك كما تقولون. فإن هي لم تفعل علمتم أنكم على باطل فنزعتم ودعوت الله يفرج عنكم ما أنتم فيه من البلاء، قالوا: أنْصَفت، فخرجوا بأوثانهم وما يتقربون به إلى الله من أحداثهم، فدعوها فلم تستجب لهم ولم تفرج عنهم ما كانوا فيه من البلاء، فعرفوا ما هم فيه من الضلال والباطل، فقالوا لإلياس: يا إلياس إنا قد هلكنا، فادع الله لنا، فدعا إلياس لهم بالفرج مما هم فيه، وأن يسقوا، فخرجت سحابة مثل الترس بإذن الله على ظهر البحر وهم ينظرون، ثم ترامى إليهما السحاب ثم أُدْحِيت، ثم أرسل الله المطر فأغاثهم، فحييث بلادهم وفرج عنهم ما كانوا فيه من البلاء. فلم يرجعوا ولا نزعوا، وأقاموا على ما كانوا عليه، فلما رأى ذلك إلياس من كفرهم، دعا ربه يقبضه إليه فيريحه منهم، فذكر أن الله عز وجل أوحى إليه: أخرج إلى بلد كذا وكذا فما جاءك من شيء فاركبه ولا تهبه، فخرج إلياس وخرج معه اليسع حتى إذا كانا بالبلد الذي ذكر له في المكان الذي أمر به أقبل فرس من نار حتى وقف بين يديه، فوثب عليه فانطلق به (فناداه) اليسع يا إلياس (يا إلياس) ما تأمرني به؟ فكان آخر عهدهم به، فكساه الله الريش، وألبسه النور، (وقطع) عنه لذة المطعم والمشرب، وكان في الملائكة إنيساً ملكياً أرضياً سماوياً. قال أبو محمد رضي الله عنه: وهذا الخبر إذا صح فإنما يصح على قول من قال: إنه إدريس ﷺ لقوله تعالى ذكره في إدريس ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَاناً عَلِيّاً﴾ [مريم: ٥٧]. * * وقوله: ﴿وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ ٱلْخَالِقِينَ﴾ أي: خالقكم الذي هو أحسن المقدرين للأشياء. ﴿ٱللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبَآئِكُمُ ٱلأَوَّلِينَ﴾ أي الماضين. [ثم قال: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ﴾ أي: محضرون في عذاب الله]. * * ثم قال: ﴿إِلاَّ عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلْمُخْلَصِينَ﴾ أي: الذين اختارهم (الله) فأنجاهم من العذاب بتوفيقه إياهم. * * ثم قال: ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي ٱلآخِرِينَ * سَلاَمٌ عَلَىٰ إِلْ يَاسِينَ﴾ أي: وأبقينا عليه الثناء الحسن بعده، فيقال: "سلام على آل ياسين"، أي: سلام على أهل دينه، فيسلم على أهله من أجله، فهو داخل في أفضل الثناء. ومن قرأ "اليَاسِينَ" غير مقطوع. فقال ابن أبي إسحاق: هو اسمه مثل ابراهيم. وذهب أبو عبيد إلى أنه جُمِعَ جَمْعَ السلامة على معنى أنه وأهل مذهبه يسلم عليهم. وقال علي بن سليمان: العرب تُسمي قوم الرجل باسم الرجل الجليل منهم، فيقولون: المهالبة لأصحاب المهلب، كأنهم سموا كل واحد بالمهلب فعلى هذا قيل الياسين، يريد قومه المؤمنين كأنه سمَّى كل واحد منهم بإلياس. وذكر سيبويه أن هذا المعنى إنما يجيء على معنى النسبة، حكى الأشعرون، يريد به النسب. واحتج أبو عمرو وأبو عبيد على تركه لقراءة آل ياسين، أنه ليس في السور سلام على آل فلان من الأنبياء، فكما سمي الأنبياء في هذا المعنى سمي هو. ولا حجة في هذا لأنه إذا أثني على قومه المؤمنين من أجله فهو داخل في ذلك وله منه أوفر الحظ، وهو أبلغ في المدح ممن أثني عليه باسمه، وأيضاً فإن الخط مثبت بالانفصال. وقال الفراء: هو مثل ﴿طُورِ سَيْنَآءَ﴾ [المؤمنون: ٢٠] و ﴿وَطُورِ سِينِينَ﴾ [التين: ٢]، والمعنى واحد. ومعنى ذلك: أن إلياس اسم أعجمي، [والعرب إذا استعملت الأسماء الأعجمية في كلامها غيرتها بضروب من] التعبير، فيقولون: إبراهيم وإبراهام وإبرهام، وميكائيل ومْيكائيل وميكاين وميكال، وإسماعيل وإسمعيل، وإسرائيل وإسرائين، وشبهه. فكذلك إلياس وإلياسين هو واحد. قال السدي: "سلام على الياسين" هو: إلياس. قال الفراء: إن أخذته من الأَلْيَسِ صرفته، فيكون وزنه على هذا إفعال مثل إخراج. وقرأ الحسن بوصل الألف (بجعله الألف) واللام اللتين للتعريف دخلتا على ياسين. * * ثم قال: ﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي ٱلْمُحْسِنِينَ﴾ أي: كما فعلنا بإلياس كذلك نفعل بأهل الطاعة والإحسان. * * ثم قال: ﴿إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: من الذين آمنوا وأطاعوا ولم يشركوا. ثم قال (تعالى): ﴿وَإِنَّ لُوطاً لَّمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ﴾ أي: لمن الذين أرسلهم الله بالإنذار والإعذار. ثم قال (تعالى): ﴿إِذْ نَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ﴾ أي: من العذاب الذي أحللنا بقومه على كفرهم. وفي الكلام حذف، والتقدير: وإن لوطاً لمن المرسلين إلى قومه بالإنذار فكذبوه فنجيناه وأهله. * * ثم قال: ﴿إِلاَّ عَجُوزاً فِي ٱلْغَابِرِينَ﴾ أي: في الباقين، يعني امرأة لوط. قال الضحاك: يعني امرأته تخلفت فمسخت حجراً. وقال السدي: "في الغابرين" في الهالكين. وقيل: في "الغابرين": في الذين بلغوا العمر الطويل، وقد تقدم هذا بأشبع شرحاً. * * ثم قال: ﴿ثُمَّ دَمَّرْنَا ٱلآخَرِينَ﴾ أي: أهلكناهم بالحجارة. * * ثم قال: ﴿وَإِنَّكُمْ لَّتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُّصْبِحِينَ﴾ هذا خطاب لقريش، أي: إنكم لتمرون في أسفاركم على آثارهم وديارهم وموضع هلاكهم في النهار وفي الليل، فلا تتعظون، لا تزدجرون وتخافون أن يصيبكم مثل ما أصابهم، ولا تعقلون ما يراد بكم، وأنه من سلك مثل ما سلكوا من الكفر والتكذيب أنه صائر إلى مثل ما صاروا إليه. "وبالليل" وقف كاف، و "تعقلون" التمام. ثم قال (تعالى): ﴿وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ﴾ أي: لمن الذين أُرْسِلَ إلى قومه بالإنذار والإعذار. ﴿إِلَى ٱلْفُلْكِ ٱلْمَشْحُونِ﴾ (أي): هرب. وقال المبرد: أصله تباعد. وقيل له : آبق لأنه خرج بغير أمر الله عز وجل مستتراً من الناس إلى الفلك وهي السفينة. والمشحون: المملوء الموقر. "فَسَاهَمَ" أي: فقارع. قال السدي: فاحتبست بهم السفينة فعلموا أنها إنما احتبست من حدث أحدثوه، فتساهموا فقُرع يونس فرمى بنفسه، فالتقمه الحوت. * * وقوله: ﴿فَكَانَ مِنَ ٱلْمُدْحَضِينَ﴾ أي: من المقروعين. قال طاوس، لما ركب السفينة ركدت فقالوا: إن فيها رجلاً مشؤوماً، فقارعوا فوقعت القرعة عليه ثلاث مرات فرموا به، فالتقمه الحوت، وأصل دحضت من الزلق في الماء والطين. يقال: أدحض الله حجته ودحضت، وحكي: دحض الله حجته، وهي قليلة وقوله: ﴿فَٱلْتَقَمَهُ ٱلْحُوتُ﴾ أي: ابتلعه. ﴿وَهُوَ مُلِيمٌ﴾ أي: وهو قد أتى ما يلام عليه (من) خروجه بغير أمر (من) الله. يقال: ألاَمَ الرجل إذَا أتى ما يلام عليه. والمَلُوم: الذي يلام باللسان (إن) استحق ذلك أو لم يستحقه. قال مجاهد: ﴿مُلِيمٌ﴾: مذنب.

الصافات 37:117

قوله تعالى (ذكره): ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي ٱلآخِرِينَ﴾ إلى قوله: ﴿وَهُوَ مُلِيمٌ﴾. أي: وأبقينا على إبراهيم ثناء حسناً في الآخرين من الأمم، قاله قتادة. وقال ابن زيد: سأل إبراهيم عليه السلام ربه فقال: ﴿وَٱجْعَل لِّي لِسَانَ صِدْقٍ فِي ٱلآخِرِينَ﴾ [الشعراء: ٨٤]، أي الثناء الحسن، فأبقى الله عليه أن يقال: ﴿سَلاَمٌ عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ﴾ أي: أمنة من الله أن يذكر الإنجيل. * * ثم قال: ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي ٱلْمُحْسِنِينَ﴾ أي: كما جزينا إبراهيم على طاعته، كذلك نجزي من أطاع الله وأحسن عبادته. * * ثم قال: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيّاً مِّنَ ٱلصَّالِحِينَ﴾ أي: بشرناه - بعد أن فدينا إسماعيل بالذبح - بإسحاق مقدراً له النبوة والصلاح. ومن قال: إن الذبيح إسحاق فمعناه عنده: (وبشرنا إبراهيم) بعد الفداء بنبوة إسحاق نبياً. وفيه بُعْدٌ لأنك (لو) قلت: بشرتك بقدوم زيد قادماً، لم يكن للحال فائدة، ولم يوضع لغير فائدة. قال قتادة: بشر بنبوته بعدما جاد لله بنفسه. * * ثم قال: ﴿وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَىٰ إِسْحَاقَ﴾ أي: ثبتنا عليهما النعمة. ﴿وَمِن ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ﴾ وهو المطيع. ﴿وَظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ﴾ وهو الكافر. وذكر الطبري عن السدي أنه قال: كان إبراهيم كثير الطعام يطعم الناس ويضيفهم، فبينما هو يطعم الناس إذ رأى شيخاً كبيراُ يمشي في الحرة، فبعث إليه بحمار فركبه حتى أتاه فأطعمه فجعل الشيخ يأخذ اللقمة يريد أن يدخلها في فيه فيدخلها في أذنه مرة وفي عينه مرة ثم يدخلها في فيه، فإذا أدخلها في فيه، خرجت من دبره. وكان إبراهيم ﷺ قد سأل ربه ألا يقبض روحه حتى يكون هو الذي يسأله الموت. فقال إبراهيم للشيخ حين رأى حاله: ما بالك يا شيخ تصنع هذا؟ قال يا إبراهيم الكبر، قال له: ابن كم أنت؟ فزاد على عمر إبراهيم بسنتين، فقال إبراهيم: إنما بيني وبينك سنتين، فإذا بلغت ذلك صرت مثله، قال نعم، فقال إبراهيم: اللهم اقبضني إليك قبل ذلك، فقام الشيخ فقبض روح إبراهيم. وكان ملك الموت قد تمثل في صورة شيخ لإبراهيم، ومات إبراهيم وهو ابن مائتي سنة. وقيل: ابن مائة وسبع وتسعين سنة. ثم قال (تعالى): ﴿وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَىٰ مُوسَىٰ وَهَارُونَ﴾ أي: تفضلنا عليهما بالنبوة والرسالة. ﴿وَنَجَّيْنَاهُمَا وَقَوْمَهُمَا﴾ أي: ومن آمن معهما، يعني بني إسرائيل. ﴿مِنَ ٱلْكَرْبِ ٱلْعَظِيمِ﴾ أي: من الغرق. ثم قال (تعالى): ﴿وَنَصَرْنَاهُمْ فَكَانُواْ هُمُ ٱلْغَٰلِبِينَ﴾ أي: ونصرنا موسى وهارون وقومهما على فرعون وآله بتغريقنا إياهم فكانوا هم الغالبين. وقال الفراء: الضمير في ﴿وَنَصَرْنَاهُمْ﴾ و ﴿فَكَانُواْ﴾ ﴿هُمُ ٱلْغَٰلِبِينَ﴾ يعود على موسى وهارون وأن التثنية ردت إلى الجمع. ودل على ذلك قوله (جل ذكره). * * ﴿وَآتَيْنَاهُمَا ٱلْكِتَابَ ٱلْمُسْتَبِينَ * وَهَدَيْنَاهُمَا ٱلصِّرَاطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ * وَتَرَكْنَا عَلَيْهِمَا فِي ٱلآخِرِينَ * سَلاَمٌ عَلَىٰ مُوسَىٰ وَهَارُونَ﴾. وقال قوم: إنما جمع في موضع التثنية لأنهما عظيما الشأن جليلا القدر. والعرب تخبر عن الواحد من هذا النوع بلفظ الجمع، فالإخبار عن اثنين منهما بلفظ (الجمع) آكد وأحسن. * * ومعنى ﴿ٱلْمُسْتَبِينَ﴾: المتبين هداه وفضله وأحكامه، يعني التوراة، والصراط المستقيم: الإسلام. ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِمَا فِي ٱلآخِرِينَ﴾ أي: أبقينا عليهما الذكر الجميل والثناء الحسن، فكذلك نفعل بمن أحسن في طاعتي وأدى فرائضي. وفيه من الاختلاف ما تقدم في قصة نوح، وهو يقتضي قوله: ﴿وَٱجْعَل لِّي لِسَانَ صِدْقٍ فِي ٱلآخِرِينَ﴾ [الشعراء: ٨٤]. (ثم قال): ﴿إِنَّهُمَا مِنْ عِبَادِنَا ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: الذين أخلصناهم واخترناهم للطاعة وهديناهم للإيمان. ومن كسر اللام فمعناه: إنهما من عبادنا الذين أخلصوا العمل ولم يشركوا فيه غيري. قال (تعالى): ﴿وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ﴾. قال ابن إسحاق: (وهو إلياس) (بن) ياسين بن فنحاص بن العزار بن هارون بن عمران. وكان إلياس من سبط يوشع بن نون، بعثه الله تعالى إلى أهل بعلبك، (وكانوا يعبدون صنماً) يقال له بعل. وقيل هو إدريس. قاله قتادة. والمعنى: (إنه) لَمِنَ الذين أرسلهم الله إلى الخلق، فقال لقومه: ألا تتقون الله فتخافون عقابه على عبادتكم رباً غيره. (و) هو قوله: ﴿أَتَدْعُونَ بَعْلاً وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ ٱلْخَالِقِينَ﴾. والبعل: الرب لغة أهل اليمن مشهورة، قاله عكرمة ومجاهد وقتادة والسدي. وروي ذلك عن ابن عباس. وقال الضحاك: هو صنم لهم يسمى بعلاً. وقال ابن زيد: هو صنم كانوا يعبدونه ببعلبك مدينة وراء دمشق. وقيل: إن بعلاً تيس كانوا يعبدون. وقال ابن إسحاق: بلغني أن بعلاً امرأة كانوا يعبدونها من دون الله جل ذكره. قال وهب بن منبه: بعث الله إلياس إلى بني إسرائيل حين نسوا ما عهد الله إليهم، حتى (نصبوا) الأوثان وعبدوها من دون الله، فجعل إلياس يدعوهم إلى الله عز وجل، وجعلوا لا يسمعون منه شيئاً. وكان (له مَلِكٌ) من ملوك بني إسرائيل يطيعونه يقال له: جاب. وكان إلياس يقرب من الملك، وكان الملك يطيع إلياس (فيما) يقول له، ويراه الناس على هدى. وكانت ملوك بني إسرائيل قد افترقت في البلاد وأخذ كل واحد ناحية يأكلها، ويعبدون الأصنام، فقال الملك يوماً لإلياس: والله ما أرى ما تدعو إليه إلا باطلاً، والله ما أرى (فلاناً) وفلاناً - يذكر ملوكاً من ملوك بني إسرائيل - إلا قد عبدوا الأوثان من دون الله، وهم (على) نحو ما نحن عليه (من النعيم)، يأكلون ويشربون ويتنعمون مملكين، ما تنقص دنياهم عبادتهم الأوثان التي تزعم أنها باطل وما نرى لنا عليهم من فضل، فعظم الأمر على إلياس، واقشعر جلده وخرج عنه، ففعل ذلك الملك فعل أصحابه وعبد الأوثان، فقال إلياس: اللهم إن بني إسرائيل قد أبوا إلا الكفر بك والعبادة لغيرك فغير ما بهم من نعمة! أو كما قال: (قال) ابن إسحاق: فذكر لنا أنه أوحي إليه أنا قد جعلنا أمر أرزاقهم بيدك وإليك حتى تكون أنت الذي تأذن في ذلك. فقال إلياس: اللهم أمسك عنهم القطر، فحبس عنهم ثلاث سنين حتى هلكت الماشية والدواب والشجر، وجهد الناس جهداً شديداً، وكان إلياس حين دعا عليهم قد استخفى شفقاً على نفسه منهم. وكان حيث ما كان وضع له رزق، وكانوا إذا وجدوا ريح الخبز في دار أو بيت قالوا: قد دخل إلياس هذا المكان فطلبوه ولقي أهل ذلك المنزل شراً. ثم إنه أوى ليلة إلى امرأة من بني إسرائيل لها ابن يقال له: اليسع بن أخطوب به ضر، فآوته وأخفت أمره فدعا إلياس لابنها فعوفي من الضر الذي كان به واتبع اليسع إلياس. فآمن به وصدقه ولزمه، وكان يذهب معه حيث ما ذهب، وكان إلياس قد أسن وكبر، وكان اليسع غلاماً شاباً، فَذُكِر أن الله جل ذكره أوحى إلى إلياس: إنك قد أهلكت خلقاً كثيراً بخطايا بني إسرائيل من البهائم والدواب والطير والهوام والشجر. فذكر - والله أعلم - أن إلياس قال: أي رب، دعني أكن أنا الذي أدعوا لهم به، وأكن أنا الذي آتيهم بالفرج مما هم فيه من البلاء الذي أصابهم لعلهم يرجعون عن عبادة غيرك، فقيل له: نعم، فأتى إلياس إلى بني إسرائيل، فقال لهم: إنكم قد هلكتم جهداً وهلكت البهائم والدواب والطير والشجر بخطاياكم، وإنكم على باطل وغرور، أو كما قال لهم، فإن كنتم تحبون (علم) ذلك، وتعلمون أن الله عليكم ساخط فيما أنتم عليه، والذي أدعوكم إليه الحق، فاخرجوا بأصنامكم هذه التي تبعدونها وتزعمون أنها خير مما أدعوكم إليه، فإن استجابت لكم فذلك كما تقولون. فإن هي لم تفعل علمتم أنكم على باطل فنزعتم ودعوت الله يفرج عنكم ما أنتم فيه من البلاء، قالوا: أنْصَفت، فخرجوا بأوثانهم وما يتقربون به إلى الله من أحداثهم، فدعوها فلم تستجب لهم ولم تفرج عنهم ما كانوا فيه من البلاء، فعرفوا ما هم فيه من الضلال والباطل، فقالوا لإلياس: يا إلياس إنا قد هلكنا، فادع الله لنا، فدعا إلياس لهم بالفرج مما هم فيه، وأن يسقوا، فخرجت سحابة مثل الترس بإذن الله على ظهر البحر وهم ينظرون، ثم ترامى إليهما السحاب ثم أُدْحِيت، ثم أرسل الله المطر فأغاثهم، فحييث بلادهم وفرج عنهم ما كانوا فيه من البلاء. فلم يرجعوا ولا نزعوا، وأقاموا على ما كانوا عليه، فلما رأى ذلك إلياس من كفرهم، دعا ربه يقبضه إليه فيريحه منهم، فذكر أن الله عز وجل أوحى إليه: أخرج إلى بلد كذا وكذا فما جاءك من شيء فاركبه ولا تهبه، فخرج إلياس وخرج معه اليسع حتى إذا كانا بالبلد الذي ذكر له في المكان الذي أمر به أقبل فرس من نار حتى وقف بين يديه، فوثب عليه فانطلق به (فناداه) اليسع يا إلياس (يا إلياس) ما تأمرني به؟ فكان آخر عهدهم به، فكساه الله الريش، وألبسه النور، (وقطع) عنه لذة المطعم والمشرب، وكان في الملائكة إنيساً ملكياً أرضياً سماوياً. قال أبو محمد رضي الله عنه: وهذا الخبر إذا صح فإنما يصح على قول من قال: إنه إدريس ﷺ لقوله تعالى ذكره في إدريس ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَاناً عَلِيّاً﴾ [مريم: ٥٧]. * * وقوله: ﴿وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ ٱلْخَالِقِينَ﴾ أي: خالقكم الذي هو أحسن المقدرين للأشياء. ﴿ٱللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبَآئِكُمُ ٱلأَوَّلِينَ﴾ أي الماضين. [ثم قال: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ﴾ أي: محضرون في عذاب الله]. * * ثم قال: ﴿إِلاَّ عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلْمُخْلَصِينَ﴾ أي: الذين اختارهم (الله) فأنجاهم من العذاب بتوفيقه إياهم. * * ثم قال: ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي ٱلآخِرِينَ * سَلاَمٌ عَلَىٰ إِلْ يَاسِينَ﴾ أي: وأبقينا عليه الثناء الحسن بعده، فيقال: "سلام على آل ياسين"، أي: سلام على أهل دينه، فيسلم على أهله من أجله، فهو داخل في أفضل الثناء. ومن قرأ "اليَاسِينَ" غير مقطوع. فقال ابن أبي إسحاق: هو اسمه مثل ابراهيم. وذهب أبو عبيد إلى أنه جُمِعَ جَمْعَ السلامة على معنى أنه وأهل مذهبه يسلم عليهم. وقال علي بن سليمان: العرب تُسمي قوم الرجل باسم الرجل الجليل منهم، فيقولون: المهالبة لأصحاب المهلب، كأنهم سموا كل واحد بالمهلب فعلى هذا قيل الياسين، يريد قومه المؤمنين كأنه سمَّى كل واحد منهم بإلياس. وذكر سيبويه أن هذا المعنى إنما يجيء على معنى النسبة، حكى الأشعرون، يريد به النسب. واحتج أبو عمرو وأبو عبيد على تركه لقراءة آل ياسين، أنه ليس في السور سلام على آل فلان من الأنبياء، فكما سمي الأنبياء في هذا المعنى سمي هو. ولا حجة في هذا لأنه إذا أثني على قومه المؤمنين من أجله فهو داخل في ذلك وله منه أوفر الحظ، وهو أبلغ في المدح ممن أثني عليه باسمه، وأيضاً فإن الخط مثبت بالانفصال. وقال الفراء: هو مثل ﴿طُورِ سَيْنَآءَ﴾ [المؤمنون: ٢٠] و ﴿وَطُورِ سِينِينَ﴾ [التين: ٢]، والمعنى واحد. ومعنى ذلك: أن إلياس اسم أعجمي، [والعرب إذا استعملت الأسماء الأعجمية في كلامها غيرتها بضروب من] التعبير، فيقولون: إبراهيم وإبراهام وإبرهام، وميكائيل ومْيكائيل وميكاين وميكال، وإسماعيل وإسمعيل، وإسرائيل وإسرائين، وشبهه. فكذلك إلياس وإلياسين هو واحد. قال السدي: "سلام على الياسين" هو: إلياس. قال الفراء: إن أخذته من الأَلْيَسِ صرفته، فيكون وزنه على هذا إفعال مثل إخراج. وقرأ الحسن بوصل الألف (بجعله الألف) واللام اللتين للتعريف دخلتا على ياسين. * * ثم قال: ﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي ٱلْمُحْسِنِينَ﴾ أي: كما فعلنا بإلياس كذلك نفعل بأهل الطاعة والإحسان. * * ثم قال: ﴿إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: من الذين آمنوا وأطاعوا ولم يشركوا. ثم قال (تعالى): ﴿وَإِنَّ لُوطاً لَّمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ﴾ أي: لمن الذين أرسلهم الله بالإنذار والإعذار. ثم قال (تعالى): ﴿إِذْ نَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ﴾ أي: من العذاب الذي أحللنا بقومه على كفرهم. وفي الكلام حذف، والتقدير: وإن لوطاً لمن المرسلين إلى قومه بالإنذار فكذبوه فنجيناه وأهله. * * ثم قال: ﴿إِلاَّ عَجُوزاً فِي ٱلْغَابِرِينَ﴾ أي: في الباقين، يعني امرأة لوط. قال الضحاك: يعني امرأته تخلفت فمسخت حجراً. وقال السدي: "في الغابرين" في الهالكين. وقيل: في "الغابرين": في الذين بلغوا العمر الطويل، وقد تقدم هذا بأشبع شرحاً. * * ثم قال: ﴿ثُمَّ دَمَّرْنَا ٱلآخَرِينَ﴾ أي: أهلكناهم بالحجارة. * * ثم قال: ﴿وَإِنَّكُمْ لَّتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُّصْبِحِينَ﴾ هذا خطاب لقريش، أي: إنكم لتمرون في أسفاركم على آثارهم وديارهم وموضع هلاكهم في النهار وفي الليل، فلا تتعظون، لا تزدجرون وتخافون أن يصيبكم مثل ما أصابهم، ولا تعقلون ما يراد بكم، وأنه من سلك مثل ما سلكوا من الكفر والتكذيب أنه صائر إلى مثل ما صاروا إليه. "وبالليل" وقف كاف، و "تعقلون" التمام. ثم قال (تعالى): ﴿وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ﴾ أي: لمن الذين أُرْسِلَ إلى قومه بالإنذار والإعذار. ﴿إِلَى ٱلْفُلْكِ ٱلْمَشْحُونِ﴾ (أي): هرب. وقال المبرد: أصله تباعد. وقيل له : آبق لأنه خرج بغير أمر الله عز وجل مستتراً من الناس إلى الفلك وهي السفينة. والمشحون: المملوء الموقر. "فَسَاهَمَ" أي: فقارع. قال السدي: فاحتبست بهم السفينة فعلموا أنها إنما احتبست من حدث أحدثوه، فتساهموا فقُرع يونس فرمى بنفسه، فالتقمه الحوت. * * وقوله: ﴿فَكَانَ مِنَ ٱلْمُدْحَضِينَ﴾ أي: من المقروعين. قال طاوس، لما ركب السفينة ركدت فقالوا: إن فيها رجلاً مشؤوماً، فقارعوا فوقعت القرعة عليه ثلاث مرات فرموا به، فالتقمه الحوت، وأصل دحضت من الزلق في الماء والطين. يقال: أدحض الله حجته ودحضت، وحكي: دحض الله حجته، وهي قليلة وقوله: ﴿فَٱلْتَقَمَهُ ٱلْحُوتُ﴾ أي: ابتلعه. ﴿وَهُوَ مُلِيمٌ﴾ أي: وهو قد أتى ما يلام عليه (من) خروجه بغير أمر (من) الله. يقال: ألاَمَ الرجل إذَا أتى ما يلام عليه. والمَلُوم: الذي يلام باللسان (إن) استحق ذلك أو لم يستحقه. قال مجاهد: ﴿مُلِيمٌ﴾: مذنب.

الصافات 37:118

قوله تعالى (ذكره): ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي ٱلآخِرِينَ﴾ إلى قوله: ﴿وَهُوَ مُلِيمٌ﴾. أي: وأبقينا على إبراهيم ثناء حسناً في الآخرين من الأمم، قاله قتادة. وقال ابن زيد: سأل إبراهيم عليه السلام ربه فقال: ﴿وَٱجْعَل لِّي لِسَانَ صِدْقٍ فِي ٱلآخِرِينَ﴾ [الشعراء: ٨٤]، أي الثناء الحسن، فأبقى الله عليه أن يقال: ﴿سَلاَمٌ عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ﴾ أي: أمنة من الله أن يذكر الإنجيل. * * ثم قال: ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي ٱلْمُحْسِنِينَ﴾ أي: كما جزينا إبراهيم على طاعته، كذلك نجزي من أطاع الله وأحسن عبادته. * * ثم قال: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيّاً مِّنَ ٱلصَّالِحِينَ﴾ أي: بشرناه - بعد أن فدينا إسماعيل بالذبح - بإسحاق مقدراً له النبوة والصلاح. ومن قال: إن الذبيح إسحاق فمعناه عنده: (وبشرنا إبراهيم) بعد الفداء بنبوة إسحاق نبياً. وفيه بُعْدٌ لأنك (لو) قلت: بشرتك بقدوم زيد قادماً، لم يكن للحال فائدة، ولم يوضع لغير فائدة. قال قتادة: بشر بنبوته بعدما جاد لله بنفسه. * * ثم قال: ﴿وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَىٰ إِسْحَاقَ﴾ أي: ثبتنا عليهما النعمة. ﴿وَمِن ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ﴾ وهو المطيع. ﴿وَظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ﴾ وهو الكافر. وذكر الطبري عن السدي أنه قال: كان إبراهيم كثير الطعام يطعم الناس ويضيفهم، فبينما هو يطعم الناس إذ رأى شيخاً كبيراُ يمشي في الحرة، فبعث إليه بحمار فركبه حتى أتاه فأطعمه فجعل الشيخ يأخذ اللقمة يريد أن يدخلها في فيه فيدخلها في أذنه مرة وفي عينه مرة ثم يدخلها في فيه، فإذا أدخلها في فيه، خرجت من دبره. وكان إبراهيم ﷺ قد سأل ربه ألا يقبض روحه حتى يكون هو الذي يسأله الموت. فقال إبراهيم للشيخ حين رأى حاله: ما بالك يا شيخ تصنع هذا؟ قال يا إبراهيم الكبر، قال له: ابن كم أنت؟ فزاد على عمر إبراهيم بسنتين، فقال إبراهيم: إنما بيني وبينك سنتين، فإذا بلغت ذلك صرت مثله، قال نعم، فقال إبراهيم: اللهم اقبضني إليك قبل ذلك، فقام الشيخ فقبض روح إبراهيم. وكان ملك الموت قد تمثل في صورة شيخ لإبراهيم، ومات إبراهيم وهو ابن مائتي سنة. وقيل: ابن مائة وسبع وتسعين سنة. ثم قال (تعالى): ﴿وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَىٰ مُوسَىٰ وَهَارُونَ﴾ أي: تفضلنا عليهما بالنبوة والرسالة. ﴿وَنَجَّيْنَاهُمَا وَقَوْمَهُمَا﴾ أي: ومن آمن معهما، يعني بني إسرائيل. ﴿مِنَ ٱلْكَرْبِ ٱلْعَظِيمِ﴾ أي: من الغرق. ثم قال (تعالى): ﴿وَنَصَرْنَاهُمْ فَكَانُواْ هُمُ ٱلْغَٰلِبِينَ﴾ أي: ونصرنا موسى وهارون وقومهما على فرعون وآله بتغريقنا إياهم فكانوا هم الغالبين. وقال الفراء: الضمير في ﴿وَنَصَرْنَاهُمْ﴾ و ﴿فَكَانُواْ﴾ ﴿هُمُ ٱلْغَٰلِبِينَ﴾ يعود على موسى وهارون وأن التثنية ردت إلى الجمع. ودل على ذلك قوله (جل ذكره). * * ﴿وَآتَيْنَاهُمَا ٱلْكِتَابَ ٱلْمُسْتَبِينَ * وَهَدَيْنَاهُمَا ٱلصِّرَاطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ * وَتَرَكْنَا عَلَيْهِمَا فِي ٱلآخِرِينَ * سَلاَمٌ عَلَىٰ مُوسَىٰ وَهَارُونَ﴾. وقال قوم: إنما جمع في موضع التثنية لأنهما عظيما الشأن جليلا القدر. والعرب تخبر عن الواحد من هذا النوع بلفظ الجمع، فالإخبار عن اثنين منهما بلفظ (الجمع) آكد وأحسن. * * ومعنى ﴿ٱلْمُسْتَبِينَ﴾: المتبين هداه وفضله وأحكامه، يعني التوراة، والصراط المستقيم: الإسلام. ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِمَا فِي ٱلآخِرِينَ﴾ أي: أبقينا عليهما الذكر الجميل والثناء الحسن، فكذلك نفعل بمن أحسن في طاعتي وأدى فرائضي. وفيه من الاختلاف ما تقدم في قصة نوح، وهو يقتضي قوله: ﴿وَٱجْعَل لِّي لِسَانَ صِدْقٍ فِي ٱلآخِرِينَ﴾ [الشعراء: ٨٤]. (ثم قال): ﴿إِنَّهُمَا مِنْ عِبَادِنَا ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: الذين أخلصناهم واخترناهم للطاعة وهديناهم للإيمان. ومن كسر اللام فمعناه: إنهما من عبادنا الذين أخلصوا العمل ولم يشركوا فيه غيري. قال (تعالى): ﴿وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ﴾. قال ابن إسحاق: (وهو إلياس) (بن) ياسين بن فنحاص بن العزار بن هارون بن عمران. وكان إلياس من سبط يوشع بن نون، بعثه الله تعالى إلى أهل بعلبك، (وكانوا يعبدون صنماً) يقال له بعل. وقيل هو إدريس. قاله قتادة. والمعنى: (إنه) لَمِنَ الذين أرسلهم الله إلى الخلق، فقال لقومه: ألا تتقون الله فتخافون عقابه على عبادتكم رباً غيره. (و) هو قوله: ﴿أَتَدْعُونَ بَعْلاً وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ ٱلْخَالِقِينَ﴾. والبعل: الرب لغة أهل اليمن مشهورة، قاله عكرمة ومجاهد وقتادة والسدي. وروي ذلك عن ابن عباس. وقال الضحاك: هو صنم لهم يسمى بعلاً. وقال ابن زيد: هو صنم كانوا يعبدونه ببعلبك مدينة وراء دمشق. وقيل: إن بعلاً تيس كانوا يعبدون. وقال ابن إسحاق: بلغني أن بعلاً امرأة كانوا يعبدونها من دون الله جل ذكره. قال وهب بن منبه: بعث الله إلياس إلى بني إسرائيل حين نسوا ما عهد الله إليهم، حتى (نصبوا) الأوثان وعبدوها من دون الله، فجعل إلياس يدعوهم إلى الله عز وجل، وجعلوا لا يسمعون منه شيئاً. وكان (له مَلِكٌ) من ملوك بني إسرائيل يطيعونه يقال له: جاب. وكان إلياس يقرب من الملك، وكان الملك يطيع إلياس (فيما) يقول له، ويراه الناس على هدى. وكانت ملوك بني إسرائيل قد افترقت في البلاد وأخذ كل واحد ناحية يأكلها، ويعبدون الأصنام، فقال الملك يوماً لإلياس: والله ما أرى ما تدعو إليه إلا باطلاً، والله ما أرى (فلاناً) وفلاناً - يذكر ملوكاً من ملوك بني إسرائيل - إلا قد عبدوا الأوثان من دون الله، وهم (على) نحو ما نحن عليه (من النعيم)، يأكلون ويشربون ويتنعمون مملكين، ما تنقص دنياهم عبادتهم الأوثان التي تزعم أنها باطل وما نرى لنا عليهم من فضل، فعظم الأمر على إلياس، واقشعر جلده وخرج عنه، ففعل ذلك الملك فعل أصحابه وعبد الأوثان، فقال إلياس: اللهم إن بني إسرائيل قد أبوا إلا الكفر بك والعبادة لغيرك فغير ما بهم من نعمة! أو كما قال: (قال) ابن إسحاق: فذكر لنا أنه أوحي إليه أنا قد جعلنا أمر أرزاقهم بيدك وإليك حتى تكون أنت الذي تأذن في ذلك. فقال إلياس: اللهم أمسك عنهم القطر، فحبس عنهم ثلاث سنين حتى هلكت الماشية والدواب والشجر، وجهد الناس جهداً شديداً، وكان إلياس حين دعا عليهم قد استخفى شفقاً على نفسه منهم. وكان حيث ما كان وضع له رزق، وكانوا إذا وجدوا ريح الخبز في دار أو بيت قالوا: قد دخل إلياس هذا المكان فطلبوه ولقي أهل ذلك المنزل شراً. ثم إنه أوى ليلة إلى امرأة من بني إسرائيل لها ابن يقال له: اليسع بن أخطوب به ضر، فآوته وأخفت أمره فدعا إلياس لابنها فعوفي من الضر الذي كان به واتبع اليسع إلياس. فآمن به وصدقه ولزمه، وكان يذهب معه حيث ما ذهب، وكان إلياس قد أسن وكبر، وكان اليسع غلاماً شاباً، فَذُكِر أن الله جل ذكره أوحى إلى إلياس: إنك قد أهلكت خلقاً كثيراً بخطايا بني إسرائيل من البهائم والدواب والطير والهوام والشجر. فذكر - والله أعلم - أن إلياس قال: أي رب، دعني أكن أنا الذي أدعوا لهم به، وأكن أنا الذي آتيهم بالفرج مما هم فيه من البلاء الذي أصابهم لعلهم يرجعون عن عبادة غيرك، فقيل له: نعم، فأتى إلياس إلى بني إسرائيل، فقال لهم: إنكم قد هلكتم جهداً وهلكت البهائم والدواب والطير والشجر بخطاياكم، وإنكم على باطل وغرور، أو كما قال لهم، فإن كنتم تحبون (علم) ذلك، وتعلمون أن الله عليكم ساخط فيما أنتم عليه، والذي أدعوكم إليه الحق، فاخرجوا بأصنامكم هذه التي تبعدونها وتزعمون أنها خير مما أدعوكم إليه، فإن استجابت لكم فذلك كما تقولون. فإن هي لم تفعل علمتم أنكم على باطل فنزعتم ودعوت الله يفرج عنكم ما أنتم فيه من البلاء، قالوا: أنْصَفت، فخرجوا بأوثانهم وما يتقربون به إلى الله من أحداثهم، فدعوها فلم تستجب لهم ولم تفرج عنهم ما كانوا فيه من البلاء، فعرفوا ما هم فيه من الضلال والباطل، فقالوا لإلياس: يا إلياس إنا قد هلكنا، فادع الله لنا، فدعا إلياس لهم بالفرج مما هم فيه، وأن يسقوا، فخرجت سحابة مثل الترس بإذن الله على ظهر البحر وهم ينظرون، ثم ترامى إليهما السحاب ثم أُدْحِيت، ثم أرسل الله المطر فأغاثهم، فحييث بلادهم وفرج عنهم ما كانوا فيه من البلاء. فلم يرجعوا ولا نزعوا، وأقاموا على ما كانوا عليه، فلما رأى ذلك إلياس من كفرهم، دعا ربه يقبضه إليه فيريحه منهم، فذكر أن الله عز وجل أوحى إليه: أخرج إلى بلد كذا وكذا فما جاءك من شيء فاركبه ولا تهبه، فخرج إلياس وخرج معه اليسع حتى إذا كانا بالبلد الذي ذكر له في المكان الذي أمر به أقبل فرس من نار حتى وقف بين يديه، فوثب عليه فانطلق به (فناداه) اليسع يا إلياس (يا إلياس) ما تأمرني به؟ فكان آخر عهدهم به، فكساه الله الريش، وألبسه النور، (وقطع) عنه لذة المطعم والمشرب، وكان في الملائكة إنيساً ملكياً أرضياً سماوياً. قال أبو محمد رضي الله عنه: وهذا الخبر إذا صح فإنما يصح على قول من قال: إنه إدريس ﷺ لقوله تعالى ذكره في إدريس ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَاناً عَلِيّاً﴾ [مريم: ٥٧]. * * وقوله: ﴿وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ ٱلْخَالِقِينَ﴾ أي: خالقكم الذي هو أحسن المقدرين للأشياء. ﴿ٱللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبَآئِكُمُ ٱلأَوَّلِينَ﴾ أي الماضين. [ثم قال: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ﴾ أي: محضرون في عذاب الله]. * * ثم قال: ﴿إِلاَّ عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلْمُخْلَصِينَ﴾ أي: الذين اختارهم (الله) فأنجاهم من العذاب بتوفيقه إياهم. * * ثم قال: ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي ٱلآخِرِينَ * سَلاَمٌ عَلَىٰ إِلْ يَاسِينَ﴾ أي: وأبقينا عليه الثناء الحسن بعده، فيقال: "سلام على آل ياسين"، أي: سلام على أهل دينه، فيسلم على أهله من أجله، فهو داخل في أفضل الثناء. ومن قرأ "اليَاسِينَ" غير مقطوع. فقال ابن أبي إسحاق: هو اسمه مثل ابراهيم. وذهب أبو عبيد إلى أنه جُمِعَ جَمْعَ السلامة على معنى أنه وأهل مذهبه يسلم عليهم. وقال علي بن سليمان: العرب تُسمي قوم الرجل باسم الرجل الجليل منهم، فيقولون: المهالبة لأصحاب المهلب، كأنهم سموا كل واحد بالمهلب فعلى هذا قيل الياسين، يريد قومه المؤمنين كأنه سمَّى كل واحد منهم بإلياس. وذكر سيبويه أن هذا المعنى إنما يجيء على معنى النسبة، حكى الأشعرون، يريد به النسب. واحتج أبو عمرو وأبو عبيد على تركه لقراءة آل ياسين، أنه ليس في السور سلام على آل فلان من الأنبياء، فكما سمي الأنبياء في هذا المعنى سمي هو. ولا حجة في هذا لأنه إذا أثني على قومه المؤمنين من أجله فهو داخل في ذلك وله منه أوفر الحظ، وهو أبلغ في المدح ممن أثني عليه باسمه، وأيضاً فإن الخط مثبت بالانفصال. وقال الفراء: هو مثل ﴿طُورِ سَيْنَآءَ﴾ [المؤمنون: ٢٠] و ﴿وَطُورِ سِينِينَ﴾ [التين: ٢]، والمعنى واحد. ومعنى ذلك: أن إلياس اسم أعجمي، [والعرب إذا استعملت الأسماء الأعجمية في كلامها غيرتها بضروب من] التعبير، فيقولون: إبراهيم وإبراهام وإبرهام، وميكائيل ومْيكائيل وميكاين وميكال، وإسماعيل وإسمعيل، وإسرائيل وإسرائين، وشبهه. فكذلك إلياس وإلياسين هو واحد. قال السدي: "سلام على الياسين" هو: إلياس. قال الفراء: إن أخذته من الأَلْيَسِ صرفته، فيكون وزنه على هذا إفعال مثل إخراج. وقرأ الحسن بوصل الألف (بجعله الألف) واللام اللتين للتعريف دخلتا على ياسين. * * ثم قال: ﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي ٱلْمُحْسِنِينَ﴾ أي: كما فعلنا بإلياس كذلك نفعل بأهل الطاعة والإحسان. * * ثم قال: ﴿إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: من الذين آمنوا وأطاعوا ولم يشركوا. ثم قال (تعالى): ﴿وَإِنَّ لُوطاً لَّمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ﴾ أي: لمن الذين أرسلهم الله بالإنذار والإعذار. ثم قال (تعالى): ﴿إِذْ نَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ﴾ أي: من العذاب الذي أحللنا بقومه على كفرهم. وفي الكلام حذف، والتقدير: وإن لوطاً لمن المرسلين إلى قومه بالإنذار فكذبوه فنجيناه وأهله. * * ثم قال: ﴿إِلاَّ عَجُوزاً فِي ٱلْغَابِرِينَ﴾ أي: في الباقين، يعني امرأة لوط. قال الضحاك: يعني امرأته تخلفت فمسخت حجراً. وقال السدي: "في الغابرين" في الهالكين. وقيل: في "الغابرين": في الذين بلغوا العمر الطويل، وقد تقدم هذا بأشبع شرحاً. * * ثم قال: ﴿ثُمَّ دَمَّرْنَا ٱلآخَرِينَ﴾ أي: أهلكناهم بالحجارة. * * ثم قال: ﴿وَإِنَّكُمْ لَّتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُّصْبِحِينَ﴾ هذا خطاب لقريش، أي: إنكم لتمرون في أسفاركم على آثارهم وديارهم وموضع هلاكهم في النهار وفي الليل، فلا تتعظون، لا تزدجرون وتخافون أن يصيبكم مثل ما أصابهم، ولا تعقلون ما يراد بكم، وأنه من سلك مثل ما سلكوا من الكفر والتكذيب أنه صائر إلى مثل ما صاروا إليه. "وبالليل" وقف كاف، و "تعقلون" التمام. ثم قال (تعالى): ﴿وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ﴾ أي: لمن الذين أُرْسِلَ إلى قومه بالإنذار والإعذار. ﴿إِلَى ٱلْفُلْكِ ٱلْمَشْحُونِ﴾ (أي): هرب. وقال المبرد: أصله تباعد. وقيل له : آبق لأنه خرج بغير أمر الله عز وجل مستتراً من الناس إلى الفلك وهي السفينة. والمشحون: المملوء الموقر. "فَسَاهَمَ" أي: فقارع. قال السدي: فاحتبست بهم السفينة فعلموا أنها إنما احتبست من حدث أحدثوه، فتساهموا فقُرع يونس فرمى بنفسه، فالتقمه الحوت. * * وقوله: ﴿فَكَانَ مِنَ ٱلْمُدْحَضِينَ﴾ أي: من المقروعين. قال طاوس، لما ركب السفينة ركدت فقالوا: إن فيها رجلاً مشؤوماً، فقارعوا فوقعت القرعة عليه ثلاث مرات فرموا به، فالتقمه الحوت، وأصل دحضت من الزلق في الماء والطين. يقال: أدحض الله حجته ودحضت، وحكي: دحض الله حجته، وهي قليلة وقوله: ﴿فَٱلْتَقَمَهُ ٱلْحُوتُ﴾ أي: ابتلعه. ﴿وَهُوَ مُلِيمٌ﴾ أي: وهو قد أتى ما يلام عليه (من) خروجه بغير أمر (من) الله. يقال: ألاَمَ الرجل إذَا أتى ما يلام عليه. والمَلُوم: الذي يلام باللسان (إن) استحق ذلك أو لم يستحقه. قال مجاهد: ﴿مُلِيمٌ﴾: مذنب.

الصافات 37:119

قوله تعالى (ذكره): ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي ٱلآخِرِينَ﴾ إلى قوله: ﴿وَهُوَ مُلِيمٌ﴾. أي: وأبقينا على إبراهيم ثناء حسناً في الآخرين من الأمم، قاله قتادة. وقال ابن زيد: سأل إبراهيم عليه السلام ربه فقال: ﴿وَٱجْعَل لِّي لِسَانَ صِدْقٍ فِي ٱلآخِرِينَ﴾ [الشعراء: ٨٤]، أي الثناء الحسن، فأبقى الله عليه أن يقال: ﴿سَلاَمٌ عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ﴾ أي: أمنة من الله أن يذكر الإنجيل. * * ثم قال: ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي ٱلْمُحْسِنِينَ﴾ أي: كما جزينا إبراهيم على طاعته، كذلك نجزي من أطاع الله وأحسن عبادته. * * ثم قال: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيّاً مِّنَ ٱلصَّالِحِينَ﴾ أي: بشرناه - بعد أن فدينا إسماعيل بالذبح - بإسحاق مقدراً له النبوة والصلاح. ومن قال: إن الذبيح إسحاق فمعناه عنده: (وبشرنا إبراهيم) بعد الفداء بنبوة إسحاق نبياً. وفيه بُعْدٌ لأنك (لو) قلت: بشرتك بقدوم زيد قادماً، لم يكن للحال فائدة، ولم يوضع لغير فائدة. قال قتادة: بشر بنبوته بعدما جاد لله بنفسه. * * ثم قال: ﴿وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَىٰ إِسْحَاقَ﴾ أي: ثبتنا عليهما النعمة. ﴿وَمِن ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ﴾ وهو المطيع. ﴿وَظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ﴾ وهو الكافر. وذكر الطبري عن السدي أنه قال: كان إبراهيم كثير الطعام يطعم الناس ويضيفهم، فبينما هو يطعم الناس إذ رأى شيخاً كبيراُ يمشي في الحرة، فبعث إليه بحمار فركبه حتى أتاه فأطعمه فجعل الشيخ يأخذ اللقمة يريد أن يدخلها في فيه فيدخلها في أذنه مرة وفي عينه مرة ثم يدخلها في فيه، فإذا أدخلها في فيه، خرجت من دبره. وكان إبراهيم ﷺ قد سأل ربه ألا يقبض روحه حتى يكون هو الذي يسأله الموت. فقال إبراهيم للشيخ حين رأى حاله: ما بالك يا شيخ تصنع هذا؟ قال يا إبراهيم الكبر، قال له: ابن كم أنت؟ فزاد على عمر إبراهيم بسنتين، فقال إبراهيم: إنما بيني وبينك سنتين، فإذا بلغت ذلك صرت مثله، قال نعم، فقال إبراهيم: اللهم اقبضني إليك قبل ذلك، فقام الشيخ فقبض روح إبراهيم. وكان ملك الموت قد تمثل في صورة شيخ لإبراهيم، ومات إبراهيم وهو ابن مائتي سنة. وقيل: ابن مائة وسبع وتسعين سنة. ثم قال (تعالى): ﴿وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَىٰ مُوسَىٰ وَهَارُونَ﴾ أي: تفضلنا عليهما بالنبوة والرسالة. ﴿وَنَجَّيْنَاهُمَا وَقَوْمَهُمَا﴾ أي: ومن آمن معهما، يعني بني إسرائيل. ﴿مِنَ ٱلْكَرْبِ ٱلْعَظِيمِ﴾ أي: من الغرق. ثم قال (تعالى): ﴿وَنَصَرْنَاهُمْ فَكَانُواْ هُمُ ٱلْغَٰلِبِينَ﴾ أي: ونصرنا موسى وهارون وقومهما على فرعون وآله بتغريقنا إياهم فكانوا هم الغالبين. وقال الفراء: الضمير في ﴿وَنَصَرْنَاهُمْ﴾ و ﴿فَكَانُواْ﴾ ﴿هُمُ ٱلْغَٰلِبِينَ﴾ يعود على موسى وهارون وأن التثنية ردت إلى الجمع. ودل على ذلك قوله (جل ذكره). * * ﴿وَآتَيْنَاهُمَا ٱلْكِتَابَ ٱلْمُسْتَبِينَ * وَهَدَيْنَاهُمَا ٱلصِّرَاطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ * وَتَرَكْنَا عَلَيْهِمَا فِي ٱلآخِرِينَ * سَلاَمٌ عَلَىٰ مُوسَىٰ وَهَارُونَ﴾. وقال قوم: إنما جمع في موضع التثنية لأنهما عظيما الشأن جليلا القدر. والعرب تخبر عن الواحد من هذا النوع بلفظ الجمع، فالإخبار عن اثنين منهما بلفظ (الجمع) آكد وأحسن. * * ومعنى ﴿ٱلْمُسْتَبِينَ﴾: المتبين هداه وفضله وأحكامه، يعني التوراة، والصراط المستقيم: الإسلام. ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِمَا فِي ٱلآخِرِينَ﴾ أي: أبقينا عليهما الذكر الجميل والثناء الحسن، فكذلك نفعل بمن أحسن في طاعتي وأدى فرائضي. وفيه من الاختلاف ما تقدم في قصة نوح، وهو يقتضي قوله: ﴿وَٱجْعَل لِّي لِسَانَ صِدْقٍ فِي ٱلآخِرِينَ﴾ [الشعراء: ٨٤]. (ثم قال): ﴿إِنَّهُمَا مِنْ عِبَادِنَا ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: الذين أخلصناهم واخترناهم للطاعة وهديناهم للإيمان. ومن كسر اللام فمعناه: إنهما من عبادنا الذين أخلصوا العمل ولم يشركوا فيه غيري. قال (تعالى): ﴿وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ﴾. قال ابن إسحاق: (وهو إلياس) (بن) ياسين بن فنحاص بن العزار بن هارون بن عمران. وكان إلياس من سبط يوشع بن نون، بعثه الله تعالى إلى أهل بعلبك، (وكانوا يعبدون صنماً) يقال له بعل. وقيل هو إدريس. قاله قتادة. والمعنى: (إنه) لَمِنَ الذين أرسلهم الله إلى الخلق، فقال لقومه: ألا تتقون الله فتخافون عقابه على عبادتكم رباً غيره. (و) هو قوله: ﴿أَتَدْعُونَ بَعْلاً وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ ٱلْخَالِقِينَ﴾. والبعل: الرب لغة أهل اليمن مشهورة، قاله عكرمة ومجاهد وقتادة والسدي. وروي ذلك عن ابن عباس. وقال الضحاك: هو صنم لهم يسمى بعلاً. وقال ابن زيد: هو صنم كانوا يعبدونه ببعلبك مدينة وراء دمشق. وقيل: إن بعلاً تيس كانوا يعبدون. وقال ابن إسحاق: بلغني أن بعلاً امرأة كانوا يعبدونها من دون الله جل ذكره. قال وهب بن منبه: بعث الله إلياس إلى بني إسرائيل حين نسوا ما عهد الله إليهم، حتى (نصبوا) الأوثان وعبدوها من دون الله، فجعل إلياس يدعوهم إلى الله عز وجل، وجعلوا لا يسمعون منه شيئاً. وكان (له مَلِكٌ) من ملوك بني إسرائيل يطيعونه يقال له: جاب. وكان إلياس يقرب من الملك، وكان الملك يطيع إلياس (فيما) يقول له، ويراه الناس على هدى. وكانت ملوك بني إسرائيل قد افترقت في البلاد وأخذ كل واحد ناحية يأكلها، ويعبدون الأصنام، فقال الملك يوماً لإلياس: والله ما أرى ما تدعو إليه إلا باطلاً، والله ما أرى (فلاناً) وفلاناً - يذكر ملوكاً من ملوك بني إسرائيل - إلا قد عبدوا الأوثان من دون الله، وهم (على) نحو ما نحن عليه (من النعيم)، يأكلون ويشربون ويتنعمون مملكين، ما تنقص دنياهم عبادتهم الأوثان التي تزعم أنها باطل وما نرى لنا عليهم من فضل، فعظم الأمر على إلياس، واقشعر جلده وخرج عنه، ففعل ذلك الملك فعل أصحابه وعبد الأوثان، فقال إلياس: اللهم إن بني إسرائيل قد أبوا إلا الكفر بك والعبادة لغيرك فغير ما بهم من نعمة! أو كما قال: (قال) ابن إسحاق: فذكر لنا أنه أوحي إليه أنا قد جعلنا أمر أرزاقهم بيدك وإليك حتى تكون أنت الذي تأذن في ذلك. فقال إلياس: اللهم أمسك عنهم القطر، فحبس عنهم ثلاث سنين حتى هلكت الماشية والدواب والشجر، وجهد الناس جهداً شديداً، وكان إلياس حين دعا عليهم قد استخفى شفقاً على نفسه منهم. وكان حيث ما كان وضع له رزق، وكانوا إذا وجدوا ريح الخبز في دار أو بيت قالوا: قد دخل إلياس هذا المكان فطلبوه ولقي أهل ذلك المنزل شراً. ثم إنه أوى ليلة إلى امرأة من بني إسرائيل لها ابن يقال له: اليسع بن أخطوب به ضر، فآوته وأخفت أمره فدعا إلياس لابنها فعوفي من الضر الذي كان به واتبع اليسع إلياس. فآمن به وصدقه ولزمه، وكان يذهب معه حيث ما ذهب، وكان إلياس قد أسن وكبر، وكان اليسع غلاماً شاباً، فَذُكِر أن الله جل ذكره أوحى إلى إلياس: إنك قد أهلكت خلقاً كثيراً بخطايا بني إسرائيل من البهائم والدواب والطير والهوام والشجر. فذكر - والله أعلم - أن إلياس قال: أي رب، دعني أكن أنا الذي أدعوا لهم به، وأكن أنا الذي آتيهم بالفرج مما هم فيه من البلاء الذي أصابهم لعلهم يرجعون عن عبادة غيرك، فقيل له: نعم، فأتى إلياس إلى بني إسرائيل، فقال لهم: إنكم قد هلكتم جهداً وهلكت البهائم والدواب والطير والشجر بخطاياكم، وإنكم على باطل وغرور، أو كما قال لهم، فإن كنتم تحبون (علم) ذلك، وتعلمون أن الله عليكم ساخط فيما أنتم عليه، والذي أدعوكم إليه الحق، فاخرجوا بأصنامكم هذه التي تبعدونها وتزعمون أنها خير مما أدعوكم إليه، فإن استجابت لكم فذلك كما تقولون. فإن هي لم تفعل علمتم أنكم على باطل فنزعتم ودعوت الله يفرج عنكم ما أنتم فيه من البلاء، قالوا: أنْصَفت، فخرجوا بأوثانهم وما يتقربون به إلى الله من أحداثهم، فدعوها فلم تستجب لهم ولم تفرج عنهم ما كانوا فيه من البلاء، فعرفوا ما هم فيه من الضلال والباطل، فقالوا لإلياس: يا إلياس إنا قد هلكنا، فادع الله لنا، فدعا إلياس لهم بالفرج مما هم فيه، وأن يسقوا، فخرجت سحابة مثل الترس بإذن الله على ظهر البحر وهم ينظرون، ثم ترامى إليهما السحاب ثم أُدْحِيت، ثم أرسل الله المطر فأغاثهم، فحييث بلادهم وفرج عنهم ما كانوا فيه من البلاء. فلم يرجعوا ولا نزعوا، وأقاموا على ما كانوا عليه، فلما رأى ذلك إلياس من كفرهم، دعا ربه يقبضه إليه فيريحه منهم، فذكر أن الله عز وجل أوحى إليه: أخرج إلى بلد كذا وكذا فما جاءك من شيء فاركبه ولا تهبه، فخرج إلياس وخرج معه اليسع حتى إذا كانا بالبلد الذي ذكر له في المكان الذي أمر به أقبل فرس من نار حتى وقف بين يديه، فوثب عليه فانطلق به (فناداه) اليسع يا إلياس (يا إلياس) ما تأمرني به؟ فكان آخر عهدهم به، فكساه الله الريش، وألبسه النور، (وقطع) عنه لذة المطعم والمشرب، وكان في الملائكة إنيساً ملكياً أرضياً سماوياً. قال أبو محمد رضي الله عنه: وهذا الخبر إذا صح فإنما يصح على قول من قال: إنه إدريس ﷺ لقوله تعالى ذكره في إدريس ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَاناً عَلِيّاً﴾ [مريم: ٥٧]. * * وقوله: ﴿وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ ٱلْخَالِقِينَ﴾ أي: خالقكم الذي هو أحسن المقدرين للأشياء. ﴿ٱللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبَآئِكُمُ ٱلأَوَّلِينَ﴾ أي الماضين. [ثم قال: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ﴾ أي: محضرون في عذاب الله]. * * ثم قال: ﴿إِلاَّ عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلْمُخْلَصِينَ﴾ أي: الذين اختارهم (الله) فأنجاهم من العذاب بتوفيقه إياهم. * * ثم قال: ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي ٱلآخِرِينَ * سَلاَمٌ عَلَىٰ إِلْ يَاسِينَ﴾ أي: وأبقينا عليه الثناء الحسن بعده، فيقال: "سلام على آل ياسين"، أي: سلام على أهل دينه، فيسلم على أهله من أجله، فهو داخل في أفضل الثناء. ومن قرأ "اليَاسِينَ" غير مقطوع. فقال ابن أبي إسحاق: هو اسمه مثل ابراهيم. وذهب أبو عبيد إلى أنه جُمِعَ جَمْعَ السلامة على معنى أنه وأهل مذهبه يسلم عليهم. وقال علي بن سليمان: العرب تُسمي قوم الرجل باسم الرجل الجليل منهم، فيقولون: المهالبة لأصحاب المهلب، كأنهم سموا كل واحد بالمهلب فعلى هذا قيل الياسين، يريد قومه المؤمنين كأنه سمَّى كل واحد منهم بإلياس. وذكر سيبويه أن هذا المعنى إنما يجيء على معنى النسبة، حكى الأشعرون، يريد به النسب. واحتج أبو عمرو وأبو عبيد على تركه لقراءة آل ياسين، أنه ليس في السور سلام على آل فلان من الأنبياء، فكما سمي الأنبياء في هذا المعنى سمي هو. ولا حجة في هذا لأنه إذا أثني على قومه المؤمنين من أجله فهو داخل في ذلك وله منه أوفر الحظ، وهو أبلغ في المدح ممن أثني عليه باسمه، وأيضاً فإن الخط مثبت بالانفصال. وقال الفراء: هو مثل ﴿طُورِ سَيْنَآءَ﴾ [المؤمنون: ٢٠] و ﴿وَطُورِ سِينِينَ﴾ [التين: ٢]، والمعنى واحد. ومعنى ذلك: أن إلياس اسم أعجمي، [والعرب إذا استعملت الأسماء الأعجمية في كلامها غيرتها بضروب من] التعبير، فيقولون: إبراهيم وإبراهام وإبرهام، وميكائيل ومْيكائيل وميكاين وميكال، وإسماعيل وإسمعيل، وإسرائيل وإسرائين، وشبهه. فكذلك إلياس وإلياسين هو واحد. قال السدي: "سلام على الياسين" هو: إلياس. قال الفراء: إن أخذته من الأَلْيَسِ صرفته، فيكون وزنه على هذا إفعال مثل إخراج. وقرأ الحسن بوصل الألف (بجعله الألف) واللام اللتين للتعريف دخلتا على ياسين. * * ثم قال: ﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي ٱلْمُحْسِنِينَ﴾ أي: كما فعلنا بإلياس كذلك نفعل بأهل الطاعة والإحسان. * * ثم قال: ﴿إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: من الذين آمنوا وأطاعوا ولم يشركوا. ثم قال (تعالى): ﴿وَإِنَّ لُوطاً لَّمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ﴾ أي: لمن الذين أرسلهم الله بالإنذار والإعذار. ثم قال (تعالى): ﴿إِذْ نَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ﴾ أي: من العذاب الذي أحللنا بقومه على كفرهم. وفي الكلام حذف، والتقدير: وإن لوطاً لمن المرسلين إلى قومه بالإنذار فكذبوه فنجيناه وأهله. * * ثم قال: ﴿إِلاَّ عَجُوزاً فِي ٱلْغَابِرِينَ﴾ أي: في الباقين، يعني امرأة لوط. قال الضحاك: يعني امرأته تخلفت فمسخت حجراً. وقال السدي: "في الغابرين" في الهالكين. وقيل: في "الغابرين": في الذين بلغوا العمر الطويل، وقد تقدم هذا بأشبع شرحاً. * * ثم قال: ﴿ثُمَّ دَمَّرْنَا ٱلآخَرِينَ﴾ أي: أهلكناهم بالحجارة. * * ثم قال: ﴿وَإِنَّكُمْ لَّتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُّصْبِحِينَ﴾ هذا خطاب لقريش، أي: إنكم لتمرون في أسفاركم على آثارهم وديارهم وموضع هلاكهم في النهار وفي الليل، فلا تتعظون، لا تزدجرون وتخافون أن يصيبكم مثل ما أصابهم، ولا تعقلون ما يراد بكم، وأنه من سلك مثل ما سلكوا من الكفر والتكذيب أنه صائر إلى مثل ما صاروا إليه. "وبالليل" وقف كاف، و "تعقلون" التمام. ثم قال (تعالى): ﴿وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ﴾ أي: لمن الذين أُرْسِلَ إلى قومه بالإنذار والإعذار. ﴿إِلَى ٱلْفُلْكِ ٱلْمَشْحُونِ﴾ (أي): هرب. وقال المبرد: أصله تباعد. وقيل له : آبق لأنه خرج بغير أمر الله عز وجل مستتراً من الناس إلى الفلك وهي السفينة. والمشحون: المملوء الموقر. "فَسَاهَمَ" أي: فقارع. قال السدي: فاحتبست بهم السفينة فعلموا أنها إنما احتبست من حدث أحدثوه، فتساهموا فقُرع يونس فرمى بنفسه، فالتقمه الحوت. * * وقوله: ﴿فَكَانَ مِنَ ٱلْمُدْحَضِينَ﴾ أي: من المقروعين. قال طاوس، لما ركب السفينة ركدت فقالوا: إن فيها رجلاً مشؤوماً، فقارعوا فوقعت القرعة عليه ثلاث مرات فرموا به، فالتقمه الحوت، وأصل دحضت من الزلق في الماء والطين. يقال: أدحض الله حجته ودحضت، وحكي: دحض الله حجته، وهي قليلة وقوله: ﴿فَٱلْتَقَمَهُ ٱلْحُوتُ﴾ أي: ابتلعه. ﴿وَهُوَ مُلِيمٌ﴾ أي: وهو قد أتى ما يلام عليه (من) خروجه بغير أمر (من) الله. يقال: ألاَمَ الرجل إذَا أتى ما يلام عليه. والمَلُوم: الذي يلام باللسان (إن) استحق ذلك أو لم يستحقه. قال مجاهد: ﴿مُلِيمٌ﴾: مذنب.

الصافات 37:120

قوله تعالى (ذكره): ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي ٱلآخِرِينَ﴾ إلى قوله: ﴿وَهُوَ مُلِيمٌ﴾. أي: وأبقينا على إبراهيم ثناء حسناً في الآخرين من الأمم، قاله قتادة. وقال ابن زيد: سأل إبراهيم عليه السلام ربه فقال: ﴿وَٱجْعَل لِّي لِسَانَ صِدْقٍ فِي ٱلآخِرِينَ﴾ [الشعراء: ٨٤]، أي الثناء الحسن، فأبقى الله عليه أن يقال: ﴿سَلاَمٌ عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ﴾ أي: أمنة من الله أن يذكر الإنجيل. * * ثم قال: ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي ٱلْمُحْسِنِينَ﴾ أي: كما جزينا إبراهيم على طاعته، كذلك نجزي من أطاع الله وأحسن عبادته. * * ثم قال: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيّاً مِّنَ ٱلصَّالِحِينَ﴾ أي: بشرناه - بعد أن فدينا إسماعيل بالذبح - بإسحاق مقدراً له النبوة والصلاح. ومن قال: إن الذبيح إسحاق فمعناه عنده: (وبشرنا إبراهيم) بعد الفداء بنبوة إسحاق نبياً. وفيه بُعْدٌ لأنك (لو) قلت: بشرتك بقدوم زيد قادماً، لم يكن للحال فائدة، ولم يوضع لغير فائدة. قال قتادة: بشر بنبوته بعدما جاد لله بنفسه. * * ثم قال: ﴿وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَىٰ إِسْحَاقَ﴾ أي: ثبتنا عليهما النعمة. ﴿وَمِن ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ﴾ وهو المطيع. ﴿وَظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ﴾ وهو الكافر. وذكر الطبري عن السدي أنه قال: كان إبراهيم كثير الطعام يطعم الناس ويضيفهم، فبينما هو يطعم الناس إذ رأى شيخاً كبيراُ يمشي في الحرة، فبعث إليه بحمار فركبه حتى أتاه فأطعمه فجعل الشيخ يأخذ اللقمة يريد أن يدخلها في فيه فيدخلها في أذنه مرة وفي عينه مرة ثم يدخلها في فيه، فإذا أدخلها في فيه، خرجت من دبره. وكان إبراهيم ﷺ قد سأل ربه ألا يقبض روحه حتى يكون هو الذي يسأله الموت. فقال إبراهيم للشيخ حين رأى حاله: ما بالك يا شيخ تصنع هذا؟ قال يا إبراهيم الكبر، قال له: ابن كم أنت؟ فزاد على عمر إبراهيم بسنتين، فقال إبراهيم: إنما بيني وبينك سنتين، فإذا بلغت ذلك صرت مثله، قال نعم، فقال إبراهيم: اللهم اقبضني إليك قبل ذلك، فقام الشيخ فقبض روح إبراهيم. وكان ملك الموت قد تمثل في صورة شيخ لإبراهيم، ومات إبراهيم وهو ابن مائتي سنة. وقيل: ابن مائة وسبع وتسعين سنة. ثم قال (تعالى): ﴿وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَىٰ مُوسَىٰ وَهَارُونَ﴾ أي: تفضلنا عليهما بالنبوة والرسالة. ﴿وَنَجَّيْنَاهُمَا وَقَوْمَهُمَا﴾ أي: ومن آمن معهما، يعني بني إسرائيل. ﴿مِنَ ٱلْكَرْبِ ٱلْعَظِيمِ﴾ أي: من الغرق. ثم قال (تعالى): ﴿وَنَصَرْنَاهُمْ فَكَانُواْ هُمُ ٱلْغَٰلِبِينَ﴾ أي: ونصرنا موسى وهارون وقومهما على فرعون وآله بتغريقنا إياهم فكانوا هم الغالبين. وقال الفراء: الضمير في ﴿وَنَصَرْنَاهُمْ﴾ و ﴿فَكَانُواْ﴾ ﴿هُمُ ٱلْغَٰلِبِينَ﴾ يعود على موسى وهارون وأن التثنية ردت إلى الجمع. ودل على ذلك قوله (جل ذكره). * * ﴿وَآتَيْنَاهُمَا ٱلْكِتَابَ ٱلْمُسْتَبِينَ * وَهَدَيْنَاهُمَا ٱلصِّرَاطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ * وَتَرَكْنَا عَلَيْهِمَا فِي ٱلآخِرِينَ * سَلاَمٌ عَلَىٰ مُوسَىٰ وَهَارُونَ﴾. وقال قوم: إنما جمع في موضع التثنية لأنهما عظيما الشأن جليلا القدر. والعرب تخبر عن الواحد من هذا النوع بلفظ الجمع، فالإخبار عن اثنين منهما بلفظ (الجمع) آكد وأحسن. * * ومعنى ﴿ٱلْمُسْتَبِينَ﴾: المتبين هداه وفضله وأحكامه، يعني التوراة، والصراط المستقيم: الإسلام. ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِمَا فِي ٱلآخِرِينَ﴾ أي: أبقينا عليهما الذكر الجميل والثناء الحسن، فكذلك نفعل بمن أحسن في طاعتي وأدى فرائضي. وفيه من الاختلاف ما تقدم في قصة نوح، وهو يقتضي قوله: ﴿وَٱجْعَل لِّي لِسَانَ صِدْقٍ فِي ٱلآخِرِينَ﴾ [الشعراء: ٨٤]. (ثم قال): ﴿إِنَّهُمَا مِنْ عِبَادِنَا ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: الذين أخلصناهم واخترناهم للطاعة وهديناهم للإيمان. ومن كسر اللام فمعناه: إنهما من عبادنا الذين أخلصوا العمل ولم يشركوا فيه غيري. قال (تعالى): ﴿وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ﴾. قال ابن إسحاق: (وهو إلياس) (بن) ياسين بن فنحاص بن العزار بن هارون بن عمران. وكان إلياس من سبط يوشع بن نون، بعثه الله تعالى إلى أهل بعلبك، (وكانوا يعبدون صنماً) يقال له بعل. وقيل هو إدريس. قاله قتادة. والمعنى: (إنه) لَمِنَ الذين أرسلهم الله إلى الخلق، فقال لقومه: ألا تتقون الله فتخافون عقابه على عبادتكم رباً غيره. (و) هو قوله: ﴿أَتَدْعُونَ بَعْلاً وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ ٱلْخَالِقِينَ﴾. والبعل: الرب لغة أهل اليمن مشهورة، قاله عكرمة ومجاهد وقتادة والسدي. وروي ذلك عن ابن عباس. وقال الضحاك: هو صنم لهم يسمى بعلاً. وقال ابن زيد: هو صنم كانوا يعبدونه ببعلبك مدينة وراء دمشق. وقيل: إن بعلاً تيس كانوا يعبدون. وقال ابن إسحاق: بلغني أن بعلاً امرأة كانوا يعبدونها من دون الله جل ذكره. قال وهب بن منبه: بعث الله إلياس إلى بني إسرائيل حين نسوا ما عهد الله إليهم، حتى (نصبوا) الأوثان وعبدوها من دون الله، فجعل إلياس يدعوهم إلى الله عز وجل، وجعلوا لا يسمعون منه شيئاً. وكان (له مَلِكٌ) من ملوك بني إسرائيل يطيعونه يقال له: جاب. وكان إلياس يقرب من الملك، وكان الملك يطيع إلياس (فيما) يقول له، ويراه الناس على هدى. وكانت ملوك بني إسرائيل قد افترقت في البلاد وأخذ كل واحد ناحية يأكلها، ويعبدون الأصنام، فقال الملك يوماً لإلياس: والله ما أرى ما تدعو إليه إلا باطلاً، والله ما أرى (فلاناً) وفلاناً - يذكر ملوكاً من ملوك بني إسرائيل - إلا قد عبدوا الأوثان من دون الله، وهم (على) نحو ما نحن عليه (من النعيم)، يأكلون ويشربون ويتنعمون مملكين، ما تنقص دنياهم عبادتهم الأوثان التي تزعم أنها باطل وما نرى لنا عليهم من فضل، فعظم الأمر على إلياس، واقشعر جلده وخرج عنه، ففعل ذلك الملك فعل أصحابه وعبد الأوثان، فقال إلياس: اللهم إن بني إسرائيل قد أبوا إلا الكفر بك والعبادة لغيرك فغير ما بهم من نعمة! أو كما قال: (قال) ابن إسحاق: فذكر لنا أنه أوحي إليه أنا قد جعلنا أمر أرزاقهم بيدك وإليك حتى تكون أنت الذي تأذن في ذلك. فقال إلياس: اللهم أمسك عنهم القطر، فحبس عنهم ثلاث سنين حتى هلكت الماشية والدواب والشجر، وجهد الناس جهداً شديداً، وكان إلياس حين دعا عليهم قد استخفى شفقاً على نفسه منهم. وكان حيث ما كان وضع له رزق، وكانوا إذا وجدوا ريح الخبز في دار أو بيت قالوا: قد دخل إلياس هذا المكان فطلبوه ولقي أهل ذلك المنزل شراً. ثم إنه أوى ليلة إلى امرأة من بني إسرائيل لها ابن يقال له: اليسع بن أخطوب به ضر، فآوته وأخفت أمره فدعا إلياس لابنها فعوفي من الضر الذي كان به واتبع اليسع إلياس. فآمن به وصدقه ولزمه، وكان يذهب معه حيث ما ذهب، وكان إلياس قد أسن وكبر، وكان اليسع غلاماً شاباً، فَذُكِر أن الله جل ذكره أوحى إلى إلياس: إنك قد أهلكت خلقاً كثيراً بخطايا بني إسرائيل من البهائم والدواب والطير والهوام والشجر. فذكر - والله أعلم - أن إلياس قال: أي رب، دعني أكن أنا الذي أدعوا لهم به، وأكن أنا الذي آتيهم بالفرج مما هم فيه من البلاء الذي أصابهم لعلهم يرجعون عن عبادة غيرك، فقيل له: نعم، فأتى إلياس إلى بني إسرائيل، فقال لهم: إنكم قد هلكتم جهداً وهلكت البهائم والدواب والطير والشجر بخطاياكم، وإنكم على باطل وغرور، أو كما قال لهم، فإن كنتم تحبون (علم) ذلك، وتعلمون أن الله عليكم ساخط فيما أنتم عليه، والذي أدعوكم إليه الحق، فاخرجوا بأصنامكم هذه التي تبعدونها وتزعمون أنها خير مما أدعوكم إليه، فإن استجابت لكم فذلك كما تقولون. فإن هي لم تفعل علمتم أنكم على باطل فنزعتم ودعوت الله يفرج عنكم ما أنتم فيه من البلاء، قالوا: أنْصَفت، فخرجوا بأوثانهم وما يتقربون به إلى الله من أحداثهم، فدعوها فلم تستجب لهم ولم تفرج عنهم ما كانوا فيه من البلاء، فعرفوا ما هم فيه من الضلال والباطل، فقالوا لإلياس: يا إلياس إنا قد هلكنا، فادع الله لنا، فدعا إلياس لهم بالفرج مما هم فيه، وأن يسقوا، فخرجت سحابة مثل الترس بإذن الله على ظهر البحر وهم ينظرون، ثم ترامى إليهما السحاب ثم أُدْحِيت، ثم أرسل الله المطر فأغاثهم، فحييث بلادهم وفرج عنهم ما كانوا فيه من البلاء. فلم يرجعوا ولا نزعوا، وأقاموا على ما كانوا عليه، فلما رأى ذلك إلياس من كفرهم، دعا ربه يقبضه إليه فيريحه منهم، فذكر أن الله عز وجل أوحى إليه: أخرج إلى بلد كذا وكذا فما جاءك من شيء فاركبه ولا تهبه، فخرج إلياس وخرج معه اليسع حتى إذا كانا بالبلد الذي ذكر له في المكان الذي أمر به أقبل فرس من نار حتى وقف بين يديه، فوثب عليه فانطلق به (فناداه) اليسع يا إلياس (يا إلياس) ما تأمرني به؟ فكان آخر عهدهم به، فكساه الله الريش، وألبسه النور، (وقطع) عنه لذة المطعم والمشرب، وكان في الملائكة إنيساً ملكياً أرضياً سماوياً. قال أبو محمد رضي الله عنه: وهذا الخبر إذا صح فإنما يصح على قول من قال: إنه إدريس ﷺ لقوله تعالى ذكره في إدريس ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَاناً عَلِيّاً﴾ [مريم: ٥٧]. * * وقوله: ﴿وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ ٱلْخَالِقِينَ﴾ أي: خالقكم الذي هو أحسن المقدرين للأشياء. ﴿ٱللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبَآئِكُمُ ٱلأَوَّلِينَ﴾ أي الماضين. [ثم قال: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ﴾ أي: محضرون في عذاب الله]. * * ثم قال: ﴿إِلاَّ عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلْمُخْلَصِينَ﴾ أي: الذين اختارهم (الله) فأنجاهم من العذاب بتوفيقه إياهم. * * ثم قال: ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي ٱلآخِرِينَ * سَلاَمٌ عَلَىٰ إِلْ يَاسِينَ﴾ أي: وأبقينا عليه الثناء الحسن بعده، فيقال: "سلام على آل ياسين"، أي: سلام على أهل دينه، فيسلم على أهله من أجله، فهو داخل في أفضل الثناء. ومن قرأ "اليَاسِينَ" غير مقطوع. فقال ابن أبي إسحاق: هو اسمه مثل ابراهيم. وذهب أبو عبيد إلى أنه جُمِعَ جَمْعَ السلامة على معنى أنه وأهل مذهبه يسلم عليهم. وقال علي بن سليمان: العرب تُسمي قوم الرجل باسم الرجل الجليل منهم، فيقولون: المهالبة لأصحاب المهلب، كأنهم سموا كل واحد بالمهلب فعلى هذا قيل الياسين، يريد قومه المؤمنين كأنه سمَّى كل واحد منهم بإلياس. وذكر سيبويه أن هذا المعنى إنما يجيء على معنى النسبة، حكى الأشعرون، يريد به النسب. واحتج أبو عمرو وأبو عبيد على تركه لقراءة آل ياسين، أنه ليس في السور سلام على آل فلان من الأنبياء، فكما سمي الأنبياء في هذا المعنى سمي هو. ولا حجة في هذا لأنه إذا أثني على قومه المؤمنين من أجله فهو داخل في ذلك وله منه أوفر الحظ، وهو أبلغ في المدح ممن أثني عليه باسمه، وأيضاً فإن الخط مثبت بالانفصال. وقال الفراء: هو مثل ﴿طُورِ سَيْنَآءَ﴾ [المؤمنون: ٢٠] و ﴿وَطُورِ سِينِينَ﴾ [التين: ٢]، والمعنى واحد. ومعنى ذلك: أن إلياس اسم أعجمي، [والعرب إذا استعملت الأسماء الأعجمية في كلامها غيرتها بضروب من] التعبير، فيقولون: إبراهيم وإبراهام وإبرهام، وميكائيل ومْيكائيل وميكاين وميكال، وإسماعيل وإسمعيل، وإسرائيل وإسرائين، وشبهه. فكذلك إلياس وإلياسين هو واحد. قال السدي: "سلام على الياسين" هو: إلياس. قال الفراء: إن أخذته من الأَلْيَسِ صرفته، فيكون وزنه على هذا إفعال مثل إخراج. وقرأ الحسن بوصل الألف (بجعله الألف) واللام اللتين للتعريف دخلتا على ياسين. * * ثم قال: ﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي ٱلْمُحْسِنِينَ﴾ أي: كما فعلنا بإلياس كذلك نفعل بأهل الطاعة والإحسان. * * ثم قال: ﴿إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: من الذين آمنوا وأطاعوا ولم يشركوا. ثم قال (تعالى): ﴿وَإِنَّ لُوطاً لَّمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ﴾ أي: لمن الذين أرسلهم الله بالإنذار والإعذار. ثم قال (تعالى): ﴿إِذْ نَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ﴾ أي: من العذاب الذي أحللنا بقومه على كفرهم. وفي الكلام حذف، والتقدير: وإن لوطاً لمن المرسلين إلى قومه بالإنذار فكذبوه فنجيناه وأهله. * * ثم قال: ﴿إِلاَّ عَجُوزاً فِي ٱلْغَابِرِينَ﴾ أي: في الباقين، يعني امرأة لوط. قال الضحاك: يعني امرأته تخلفت فمسخت حجراً. وقال السدي: "في الغابرين" في الهالكين. وقيل: في "الغابرين": في الذين بلغوا العمر الطويل، وقد تقدم هذا بأشبع شرحاً. * * ثم قال: ﴿ثُمَّ دَمَّرْنَا ٱلآخَرِينَ﴾ أي: أهلكناهم بالحجارة. * * ثم قال: ﴿وَإِنَّكُمْ لَّتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُّصْبِحِينَ﴾ هذا خطاب لقريش، أي: إنكم لتمرون في أسفاركم على آثارهم وديارهم وموضع هلاكهم في النهار وفي الليل، فلا تتعظون، لا تزدجرون وتخافون أن يصيبكم مثل ما أصابهم، ولا تعقلون ما يراد بكم، وأنه من سلك مثل ما سلكوا من الكفر والتكذيب أنه صائر إلى مثل ما صاروا إليه. "وبالليل" وقف كاف، و "تعقلون" التمام. ثم قال (تعالى): ﴿وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ﴾ أي: لمن الذين أُرْسِلَ إلى قومه بالإنذار والإعذار. ﴿إِلَى ٱلْفُلْكِ ٱلْمَشْحُونِ﴾ (أي): هرب. وقال المبرد: أصله تباعد. وقيل له : آبق لأنه خرج بغير أمر الله عز وجل مستتراً من الناس إلى الفلك وهي السفينة. والمشحون: المملوء الموقر. "فَسَاهَمَ" أي: فقارع. قال السدي: فاحتبست بهم السفينة فعلموا أنها إنما احتبست من حدث أحدثوه، فتساهموا فقُرع يونس فرمى بنفسه، فالتقمه الحوت. * * وقوله: ﴿فَكَانَ مِنَ ٱلْمُدْحَضِينَ﴾ أي: من المقروعين. قال طاوس، لما ركب السفينة ركدت فقالوا: إن فيها رجلاً مشؤوماً، فقارعوا فوقعت القرعة عليه ثلاث مرات فرموا به، فالتقمه الحوت، وأصل دحضت من الزلق في الماء والطين. يقال: أدحض الله حجته ودحضت، وحكي: دحض الله حجته، وهي قليلة وقوله: ﴿فَٱلْتَقَمَهُ ٱلْحُوتُ﴾ أي: ابتلعه. ﴿وَهُوَ مُلِيمٌ﴾ أي: وهو قد أتى ما يلام عليه (من) خروجه بغير أمر (من) الله. يقال: ألاَمَ الرجل إذَا أتى ما يلام عليه. والمَلُوم: الذي يلام باللسان (إن) استحق ذلك أو لم يستحقه. قال مجاهد: ﴿مُلِيمٌ﴾: مذنب.

الصافات 37:121

قوله تعالى (ذكره): ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي ٱلآخِرِينَ﴾ إلى قوله: ﴿وَهُوَ مُلِيمٌ﴾. أي: وأبقينا على إبراهيم ثناء حسناً في الآخرين من الأمم، قاله قتادة. وقال ابن زيد: سأل إبراهيم عليه السلام ربه فقال: ﴿وَٱجْعَل لِّي لِسَانَ صِدْقٍ فِي ٱلآخِرِينَ﴾ [الشعراء: ٨٤]، أي الثناء الحسن، فأبقى الله عليه أن يقال: ﴿سَلاَمٌ عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ﴾ أي: أمنة من الله أن يذكر الإنجيل. * * ثم قال: ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي ٱلْمُحْسِنِينَ﴾ أي: كما جزينا إبراهيم على طاعته، كذلك نجزي من أطاع الله وأحسن عبادته. * * ثم قال: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيّاً مِّنَ ٱلصَّالِحِينَ﴾ أي: بشرناه - بعد أن فدينا إسماعيل بالذبح - بإسحاق مقدراً له النبوة والصلاح. ومن قال: إن الذبيح إسحاق فمعناه عنده: (وبشرنا إبراهيم) بعد الفداء بنبوة إسحاق نبياً. وفيه بُعْدٌ لأنك (لو) قلت: بشرتك بقدوم زيد قادماً، لم يكن للحال فائدة، ولم يوضع لغير فائدة. قال قتادة: بشر بنبوته بعدما جاد لله بنفسه. * * ثم قال: ﴿وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَىٰ إِسْحَاقَ﴾ أي: ثبتنا عليهما النعمة. ﴿وَمِن ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ﴾ وهو المطيع. ﴿وَظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ﴾ وهو الكافر. وذكر الطبري عن السدي أنه قال: كان إبراهيم كثير الطعام يطعم الناس ويضيفهم، فبينما هو يطعم الناس إذ رأى شيخاً كبيراُ يمشي في الحرة، فبعث إليه بحمار فركبه حتى أتاه فأطعمه فجعل الشيخ يأخذ اللقمة يريد أن يدخلها في فيه فيدخلها في أذنه مرة وفي عينه مرة ثم يدخلها في فيه، فإذا أدخلها في فيه، خرجت من دبره. وكان إبراهيم ﷺ قد سأل ربه ألا يقبض روحه حتى يكون هو الذي يسأله الموت. فقال إبراهيم للشيخ حين رأى حاله: ما بالك يا شيخ تصنع هذا؟ قال يا إبراهيم الكبر، قال له: ابن كم أنت؟ فزاد على عمر إبراهيم بسنتين، فقال إبراهيم: إنما بيني وبينك سنتين، فإذا بلغت ذلك صرت مثله، قال نعم، فقال إبراهيم: اللهم اقبضني إليك قبل ذلك، فقام الشيخ فقبض روح إبراهيم. وكان ملك الموت قد تمثل في صورة شيخ لإبراهيم، ومات إبراهيم وهو ابن مائتي سنة. وقيل: ابن مائة وسبع وتسعين سنة. ثم قال (تعالى): ﴿وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَىٰ مُوسَىٰ وَهَارُونَ﴾ أي: تفضلنا عليهما بالنبوة والرسالة. ﴿وَنَجَّيْنَاهُمَا وَقَوْمَهُمَا﴾ أي: ومن آمن معهما، يعني بني إسرائيل. ﴿مِنَ ٱلْكَرْبِ ٱلْعَظِيمِ﴾ أي: من الغرق. ثم قال (تعالى): ﴿وَنَصَرْنَاهُمْ فَكَانُواْ هُمُ ٱلْغَٰلِبِينَ﴾ أي: ونصرنا موسى وهارون وقومهما على فرعون وآله بتغريقنا إياهم فكانوا هم الغالبين. وقال الفراء: الضمير في ﴿وَنَصَرْنَاهُمْ﴾ و ﴿فَكَانُواْ﴾ ﴿هُمُ ٱلْغَٰلِبِينَ﴾ يعود على موسى وهارون وأن التثنية ردت إلى الجمع. ودل على ذلك قوله (جل ذكره). * * ﴿وَآتَيْنَاهُمَا ٱلْكِتَابَ ٱلْمُسْتَبِينَ * وَهَدَيْنَاهُمَا ٱلصِّرَاطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ * وَتَرَكْنَا عَلَيْهِمَا فِي ٱلآخِرِينَ * سَلاَمٌ عَلَىٰ مُوسَىٰ وَهَارُونَ﴾. وقال قوم: إنما جمع في موضع التثنية لأنهما عظيما الشأن جليلا القدر. والعرب تخبر عن الواحد من هذا النوع بلفظ الجمع، فالإخبار عن اثنين منهما بلفظ (الجمع) آكد وأحسن. * * ومعنى ﴿ٱلْمُسْتَبِينَ﴾: المتبين هداه وفضله وأحكامه، يعني التوراة، والصراط المستقيم: الإسلام. ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِمَا فِي ٱلآخِرِينَ﴾ أي: أبقينا عليهما الذكر الجميل والثناء الحسن، فكذلك نفعل بمن أحسن في طاعتي وأدى فرائضي. وفيه من الاختلاف ما تقدم في قصة نوح، وهو يقتضي قوله: ﴿وَٱجْعَل لِّي لِسَانَ صِدْقٍ فِي ٱلآخِرِينَ﴾ [الشعراء: ٨٤]. (ثم قال): ﴿إِنَّهُمَا مِنْ عِبَادِنَا ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: الذين أخلصناهم واخترناهم للطاعة وهديناهم للإيمان. ومن كسر اللام فمعناه: إنهما من عبادنا الذين أخلصوا العمل ولم يشركوا فيه غيري. قال (تعالى): ﴿وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ﴾. قال ابن إسحاق: (وهو إلياس) (بن) ياسين بن فنحاص بن العزار بن هارون بن عمران. وكان إلياس من سبط يوشع بن نون، بعثه الله تعالى إلى أهل بعلبك، (وكانوا يعبدون صنماً) يقال له بعل. وقيل هو إدريس. قاله قتادة. والمعنى: (إنه) لَمِنَ الذين أرسلهم الله إلى الخلق، فقال لقومه: ألا تتقون الله فتخافون عقابه على عبادتكم رباً غيره. (و) هو قوله: ﴿أَتَدْعُونَ بَعْلاً وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ ٱلْخَالِقِينَ﴾. والبعل: الرب لغة أهل اليمن مشهورة، قاله عكرمة ومجاهد وقتادة والسدي. وروي ذلك عن ابن عباس. وقال الضحاك: هو صنم لهم يسمى بعلاً. وقال ابن زيد: هو صنم كانوا يعبدونه ببعلبك مدينة وراء دمشق. وقيل: إن بعلاً تيس كانوا يعبدون. وقال ابن إسحاق: بلغني أن بعلاً امرأة كانوا يعبدونها من دون الله جل ذكره. قال وهب بن منبه: بعث الله إلياس إلى بني إسرائيل حين نسوا ما عهد الله إليهم، حتى (نصبوا) الأوثان وعبدوها من دون الله، فجعل إلياس يدعوهم إلى الله عز وجل، وجعلوا لا يسمعون منه شيئاً. وكان (له مَلِكٌ) من ملوك بني إسرائيل يطيعونه يقال له: جاب. وكان إلياس يقرب من الملك، وكان الملك يطيع إلياس (فيما) يقول له، ويراه الناس على هدى. وكانت ملوك بني إسرائيل قد افترقت في البلاد وأخذ كل واحد ناحية يأكلها، ويعبدون الأصنام، فقال الملك يوماً لإلياس: والله ما أرى ما تدعو إليه إلا باطلاً، والله ما أرى (فلاناً) وفلاناً - يذكر ملوكاً من ملوك بني إسرائيل - إلا قد عبدوا الأوثان من دون الله، وهم (على) نحو ما نحن عليه (من النعيم)، يأكلون ويشربون ويتنعمون مملكين، ما تنقص دنياهم عبادتهم الأوثان التي تزعم أنها باطل وما نرى لنا عليهم من فضل، فعظم الأمر على إلياس، واقشعر جلده وخرج عنه، ففعل ذلك الملك فعل أصحابه وعبد الأوثان، فقال إلياس: اللهم إن بني إسرائيل قد أبوا إلا الكفر بك والعبادة لغيرك فغير ما بهم من نعمة! أو كما قال: (قال) ابن إسحاق: فذكر لنا أنه أوحي إليه أنا قد جعلنا أمر أرزاقهم بيدك وإليك حتى تكون أنت الذي تأذن في ذلك. فقال إلياس: اللهم أمسك عنهم القطر، فحبس عنهم ثلاث سنين حتى هلكت الماشية والدواب والشجر، وجهد الناس جهداً شديداً، وكان إلياس حين دعا عليهم قد استخفى شفقاً على نفسه منهم. وكان حيث ما كان وضع له رزق، وكانوا إذا وجدوا ريح الخبز في دار أو بيت قالوا: قد دخل إلياس هذا المكان فطلبوه ولقي أهل ذلك المنزل شراً. ثم إنه أوى ليلة إلى امرأة من بني إسرائيل لها ابن يقال له: اليسع بن أخطوب به ضر، فآوته وأخفت أمره فدعا إلياس لابنها فعوفي من الضر الذي كان به واتبع اليسع إلياس. فآمن به وصدقه ولزمه، وكان يذهب معه حيث ما ذهب، وكان إلياس قد أسن وكبر، وكان اليسع غلاماً شاباً، فَذُكِر أن الله جل ذكره أوحى إلى إلياس: إنك قد أهلكت خلقاً كثيراً بخطايا بني إسرائيل من البهائم والدواب والطير والهوام والشجر. فذكر - والله أعلم - أن إلياس قال: أي رب، دعني أكن أنا الذي أدعوا لهم به، وأكن أنا الذي آتيهم بالفرج مما هم فيه من البلاء الذي أصابهم لعلهم يرجعون عن عبادة غيرك، فقيل له: نعم، فأتى إلياس إلى بني إسرائيل، فقال لهم: إنكم قد هلكتم جهداً وهلكت البهائم والدواب والطير والشجر بخطاياكم، وإنكم على باطل وغرور، أو كما قال لهم، فإن كنتم تحبون (علم) ذلك، وتعلمون أن الله عليكم ساخط فيما أنتم عليه، والذي أدعوكم إليه الحق، فاخرجوا بأصنامكم هذه التي تبعدونها وتزعمون أنها خير مما أدعوكم إليه، فإن استجابت لكم فذلك كما تقولون. فإن هي لم تفعل علمتم أنكم على باطل فنزعتم ودعوت الله يفرج عنكم ما أنتم فيه من البلاء، قالوا: أنْصَفت، فخرجوا بأوثانهم وما يتقربون به إلى الله من أحداثهم، فدعوها فلم تستجب لهم ولم تفرج عنهم ما كانوا فيه من البلاء، فعرفوا ما هم فيه من الضلال والباطل، فقالوا لإلياس: يا إلياس إنا قد هلكنا، فادع الله لنا، فدعا إلياس لهم بالفرج مما هم فيه، وأن يسقوا، فخرجت سحابة مثل الترس بإذن الله على ظهر البحر وهم ينظرون، ثم ترامى إليهما السحاب ثم أُدْحِيت، ثم أرسل الله المطر فأغاثهم، فحييث بلادهم وفرج عنهم ما كانوا فيه من البلاء. فلم يرجعوا ولا نزعوا، وأقاموا على ما كانوا عليه، فلما رأى ذلك إلياس من كفرهم، دعا ربه يقبضه إليه فيريحه منهم، فذكر أن الله عز وجل أوحى إليه: أخرج إلى بلد كذا وكذا فما جاءك من شيء فاركبه ولا تهبه، فخرج إلياس وخرج معه اليسع حتى إذا كانا بالبلد الذي ذكر له في المكان الذي أمر به أقبل فرس من نار حتى وقف بين يديه، فوثب عليه فانطلق به (فناداه) اليسع يا إلياس (يا إلياس) ما تأمرني به؟ فكان آخر عهدهم به، فكساه الله الريش، وألبسه النور، (وقطع) عنه لذة المطعم والمشرب، وكان في الملائكة إنيساً ملكياً أرضياً سماوياً. قال أبو محمد رضي الله عنه: وهذا الخبر إذا صح فإنما يصح على قول من قال: إنه إدريس ﷺ لقوله تعالى ذكره في إدريس ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَاناً عَلِيّاً﴾ [مريم: ٥٧]. * * وقوله: ﴿وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ ٱلْخَالِقِينَ﴾ أي: خالقكم الذي هو أحسن المقدرين للأشياء. ﴿ٱللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبَآئِكُمُ ٱلأَوَّلِينَ﴾ أي الماضين. [ثم قال: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ﴾ أي: محضرون في عذاب الله]. * * ثم قال: ﴿إِلاَّ عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلْمُخْلَصِينَ﴾ أي: الذين اختارهم (الله) فأنجاهم من العذاب بتوفيقه إياهم. * * ثم قال: ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي ٱلآخِرِينَ * سَلاَمٌ عَلَىٰ إِلْ يَاسِينَ﴾ أي: وأبقينا عليه الثناء الحسن بعده، فيقال: "سلام على آل ياسين"، أي: سلام على أهل دينه، فيسلم على أهله من أجله، فهو داخل في أفضل الثناء. ومن قرأ "اليَاسِينَ" غير مقطوع. فقال ابن أبي إسحاق: هو اسمه مثل ابراهيم. وذهب أبو عبيد إلى أنه جُمِعَ جَمْعَ السلامة على معنى أنه وأهل مذهبه يسلم عليهم. وقال علي بن سليمان: العرب تُسمي قوم الرجل باسم الرجل الجليل منهم، فيقولون: المهالبة لأصحاب المهلب، كأنهم سموا كل واحد بالمهلب فعلى هذا قيل الياسين، يريد قومه المؤمنين كأنه سمَّى كل واحد منهم بإلياس. وذكر سيبويه أن هذا المعنى إنما يجيء على معنى النسبة، حكى الأشعرون، يريد به النسب. واحتج أبو عمرو وأبو عبيد على تركه لقراءة آل ياسين، أنه ليس في السور سلام على آل فلان من الأنبياء، فكما سمي الأنبياء في هذا المعنى سمي هو. ولا حجة في هذا لأنه إذا أثني على قومه المؤمنين من أجله فهو داخل في ذلك وله منه أوفر الحظ، وهو أبلغ في المدح ممن أثني عليه باسمه، وأيضاً فإن الخط مثبت بالانفصال. وقال الفراء: هو مثل ﴿طُورِ سَيْنَآءَ﴾ [المؤمنون: ٢٠] و ﴿وَطُورِ سِينِينَ﴾ [التين: ٢]، والمعنى واحد. ومعنى ذلك: أن إلياس اسم أعجمي، [والعرب إذا استعملت الأسماء الأعجمية في كلامها غيرتها بضروب من] التعبير، فيقولون: إبراهيم وإبراهام وإبرهام، وميكائيل ومْيكائيل وميكاين وميكال، وإسماعيل وإسمعيل، وإسرائيل وإسرائين، وشبهه. فكذلك إلياس وإلياسين هو واحد. قال السدي: "سلام على الياسين" هو: إلياس. قال الفراء: إن أخذته من الأَلْيَسِ صرفته، فيكون وزنه على هذا إفعال مثل إخراج. وقرأ الحسن بوصل الألف (بجعله الألف) واللام اللتين للتعريف دخلتا على ياسين. * * ثم قال: ﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي ٱلْمُحْسِنِينَ﴾ أي: كما فعلنا بإلياس كذلك نفعل بأهل الطاعة والإحسان. * * ثم قال: ﴿إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: من الذين آمنوا وأطاعوا ولم يشركوا. ثم قال (تعالى): ﴿وَإِنَّ لُوطاً لَّمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ﴾ أي: لمن الذين أرسلهم الله بالإنذار والإعذار. ثم قال (تعالى): ﴿إِذْ نَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ﴾ أي: من العذاب الذي أحللنا بقومه على كفرهم. وفي الكلام حذف، والتقدير: وإن لوطاً لمن المرسلين إلى قومه بالإنذار فكذبوه فنجيناه وأهله. * * ثم قال: ﴿إِلاَّ عَجُوزاً فِي ٱلْغَابِرِينَ﴾ أي: في الباقين، يعني امرأة لوط. قال الضحاك: يعني امرأته تخلفت فمسخت حجراً. وقال السدي: "في الغابرين" في الهالكين. وقيل: في "الغابرين": في الذين بلغوا العمر الطويل، وقد تقدم هذا بأشبع شرحاً. * * ثم قال: ﴿ثُمَّ دَمَّرْنَا ٱلآخَرِينَ﴾ أي: أهلكناهم بالحجارة. * * ثم قال: ﴿وَإِنَّكُمْ لَّتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُّصْبِحِينَ﴾ هذا خطاب لقريش، أي: إنكم لتمرون في أسفاركم على آثارهم وديارهم وموضع هلاكهم في النهار وفي الليل، فلا تتعظون، لا تزدجرون وتخافون أن يصيبكم مثل ما أصابهم، ولا تعقلون ما يراد بكم، وأنه من سلك مثل ما سلكوا من الكفر والتكذيب أنه صائر إلى مثل ما صاروا إليه. "وبالليل" وقف كاف، و "تعقلون" التمام. ثم قال (تعالى): ﴿وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ﴾ أي: لمن الذين أُرْسِلَ إلى قومه بالإنذار والإعذار. ﴿إِلَى ٱلْفُلْكِ ٱلْمَشْحُونِ﴾ (أي): هرب. وقال المبرد: أصله تباعد. وقيل له : آبق لأنه خرج بغير أمر الله عز وجل مستتراً من الناس إلى الفلك وهي السفينة. والمشحون: المملوء الموقر. "فَسَاهَمَ" أي: فقارع. قال السدي: فاحتبست بهم السفينة فعلموا أنها إنما احتبست من حدث أحدثوه، فتساهموا فقُرع يونس فرمى بنفسه، فالتقمه الحوت. * * وقوله: ﴿فَكَانَ مِنَ ٱلْمُدْحَضِينَ﴾ أي: من المقروعين. قال طاوس، لما ركب السفينة ركدت فقالوا: إن فيها رجلاً مشؤوماً، فقارعوا فوقعت القرعة عليه ثلاث مرات فرموا به، فالتقمه الحوت، وأصل دحضت من الزلق في الماء والطين. يقال: أدحض الله حجته ودحضت، وحكي: دحض الله حجته، وهي قليلة وقوله: ﴿فَٱلْتَقَمَهُ ٱلْحُوتُ﴾ أي: ابتلعه. ﴿وَهُوَ مُلِيمٌ﴾ أي: وهو قد أتى ما يلام عليه (من) خروجه بغير أمر (من) الله. يقال: ألاَمَ الرجل إذَا أتى ما يلام عليه. والمَلُوم: الذي يلام باللسان (إن) استحق ذلك أو لم يستحقه. قال مجاهد: ﴿مُلِيمٌ﴾: مذنب.

الصافات 37:122

قوله تعالى (ذكره): ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي ٱلآخِرِينَ﴾ إلى قوله: ﴿وَهُوَ مُلِيمٌ﴾. أي: وأبقينا على إبراهيم ثناء حسناً في الآخرين من الأمم، قاله قتادة. وقال ابن زيد: سأل إبراهيم عليه السلام ربه فقال: ﴿وَٱجْعَل لِّي لِسَانَ صِدْقٍ فِي ٱلآخِرِينَ﴾ [الشعراء: ٨٤]، أي الثناء الحسن، فأبقى الله عليه أن يقال: ﴿سَلاَمٌ عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ﴾ أي: أمنة من الله أن يذكر الإنجيل. * * ثم قال: ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي ٱلْمُحْسِنِينَ﴾ أي: كما جزينا إبراهيم على طاعته، كذلك نجزي من أطاع الله وأحسن عبادته. * * ثم قال: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيّاً مِّنَ ٱلصَّالِحِينَ﴾ أي: بشرناه - بعد أن فدينا إسماعيل بالذبح - بإسحاق مقدراً له النبوة والصلاح. ومن قال: إن الذبيح إسحاق فمعناه عنده: (وبشرنا إبراهيم) بعد الفداء بنبوة إسحاق نبياً. وفيه بُعْدٌ لأنك (لو) قلت: بشرتك بقدوم زيد قادماً، لم يكن للحال فائدة، ولم يوضع لغير فائدة. قال قتادة: بشر بنبوته بعدما جاد لله بنفسه. * * ثم قال: ﴿وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَىٰ إِسْحَاقَ﴾ أي: ثبتنا عليهما النعمة. ﴿وَمِن ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ﴾ وهو المطيع. ﴿وَظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ﴾ وهو الكافر. وذكر الطبري عن السدي أنه قال: كان إبراهيم كثير الطعام يطعم الناس ويضيفهم، فبينما هو يطعم الناس إذ رأى شيخاً كبيراُ يمشي في الحرة، فبعث إليه بحمار فركبه حتى أتاه فأطعمه فجعل الشيخ يأخذ اللقمة يريد أن يدخلها في فيه فيدخلها في أذنه مرة وفي عينه مرة ثم يدخلها في فيه، فإذا أدخلها في فيه، خرجت من دبره. وكان إبراهيم ﷺ قد سأل ربه ألا يقبض روحه حتى يكون هو الذي يسأله الموت. فقال إبراهيم للشيخ حين رأى حاله: ما بالك يا شيخ تصنع هذا؟ قال يا إبراهيم الكبر، قال له: ابن كم أنت؟ فزاد على عمر إبراهيم بسنتين، فقال إبراهيم: إنما بيني وبينك سنتين، فإذا بلغت ذلك صرت مثله، قال نعم، فقال إبراهيم: اللهم اقبضني إليك قبل ذلك، فقام الشيخ فقبض روح إبراهيم. وكان ملك الموت قد تمثل في صورة شيخ لإبراهيم، ومات إبراهيم وهو ابن مائتي سنة. وقيل: ابن مائة وسبع وتسعين سنة. ثم قال (تعالى): ﴿وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَىٰ مُوسَىٰ وَهَارُونَ﴾ أي: تفضلنا عليهما بالنبوة والرسالة. ﴿وَنَجَّيْنَاهُمَا وَقَوْمَهُمَا﴾ أي: ومن آمن معهما، يعني بني إسرائيل. ﴿مِنَ ٱلْكَرْبِ ٱلْعَظِيمِ﴾ أي: من الغرق. ثم قال (تعالى): ﴿وَنَصَرْنَاهُمْ فَكَانُواْ هُمُ ٱلْغَٰلِبِينَ﴾ أي: ونصرنا موسى وهارون وقومهما على فرعون وآله بتغريقنا إياهم فكانوا هم الغالبين. وقال الفراء: الضمير في ﴿وَنَصَرْنَاهُمْ﴾ و ﴿فَكَانُواْ﴾ ﴿هُمُ ٱلْغَٰلِبِينَ﴾ يعود على موسى وهارون وأن التثنية ردت إلى الجمع. ودل على ذلك قوله (جل ذكره). * * ﴿وَآتَيْنَاهُمَا ٱلْكِتَابَ ٱلْمُسْتَبِينَ * وَهَدَيْنَاهُمَا ٱلصِّرَاطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ * وَتَرَكْنَا عَلَيْهِمَا فِي ٱلآخِرِينَ * سَلاَمٌ عَلَىٰ مُوسَىٰ وَهَارُونَ﴾. وقال قوم: إنما جمع في موضع التثنية لأنهما عظيما الشأن جليلا القدر. والعرب تخبر عن الواحد من هذا النوع بلفظ الجمع، فالإخبار عن اثنين منهما بلفظ (الجمع) آكد وأحسن. * * ومعنى ﴿ٱلْمُسْتَبِينَ﴾: المتبين هداه وفضله وأحكامه، يعني التوراة، والصراط المستقيم: الإسلام. ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِمَا فِي ٱلآخِرِينَ﴾ أي: أبقينا عليهما الذكر الجميل والثناء الحسن، فكذلك نفعل بمن أحسن في طاعتي وأدى فرائضي. وفيه من الاختلاف ما تقدم في قصة نوح، وهو يقتضي قوله: ﴿وَٱجْعَل لِّي لِسَانَ صِدْقٍ فِي ٱلآخِرِينَ﴾ [الشعراء: ٨٤]. (ثم قال): ﴿إِنَّهُمَا مِنْ عِبَادِنَا ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: الذين أخلصناهم واخترناهم للطاعة وهديناهم للإيمان. ومن كسر اللام فمعناه: إنهما من عبادنا الذين أخلصوا العمل ولم يشركوا فيه غيري. قال (تعالى): ﴿وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ﴾. قال ابن إسحاق: (وهو إلياس) (بن) ياسين بن فنحاص بن العزار بن هارون بن عمران. وكان إلياس من سبط يوشع بن نون، بعثه الله تعالى إلى أهل بعلبك، (وكانوا يعبدون صنماً) يقال له بعل. وقيل هو إدريس. قاله قتادة. والمعنى: (إنه) لَمِنَ الذين أرسلهم الله إلى الخلق، فقال لقومه: ألا تتقون الله فتخافون عقابه على عبادتكم رباً غيره. (و) هو قوله: ﴿أَتَدْعُونَ بَعْلاً وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ ٱلْخَالِقِينَ﴾. والبعل: الرب لغة أهل اليمن مشهورة، قاله عكرمة ومجاهد وقتادة والسدي. وروي ذلك عن ابن عباس. وقال الضحاك: هو صنم لهم يسمى بعلاً. وقال ابن زيد: هو صنم كانوا يعبدونه ببعلبك مدينة وراء دمشق. وقيل: إن بعلاً تيس كانوا يعبدون. وقال ابن إسحاق: بلغني أن بعلاً امرأة كانوا يعبدونها من دون الله جل ذكره. قال وهب بن منبه: بعث الله إلياس إلى بني إسرائيل حين نسوا ما عهد الله إليهم، حتى (نصبوا) الأوثان وعبدوها من دون الله، فجعل إلياس يدعوهم إلى الله عز وجل، وجعلوا لا يسمعون منه شيئاً. وكان (له مَلِكٌ) من ملوك بني إسرائيل يطيعونه يقال له: جاب. وكان إلياس يقرب من الملك، وكان الملك يطيع إلياس (فيما) يقول له، ويراه الناس على هدى. وكانت ملوك بني إسرائيل قد افترقت في البلاد وأخذ كل واحد ناحية يأكلها، ويعبدون الأصنام، فقال الملك يوماً لإلياس: والله ما أرى ما تدعو إليه إلا باطلاً، والله ما أرى (فلاناً) وفلاناً - يذكر ملوكاً من ملوك بني إسرائيل - إلا قد عبدوا الأوثان من دون الله، وهم (على) نحو ما نحن عليه (من النعيم)، يأكلون ويشربون ويتنعمون مملكين، ما تنقص دنياهم عبادتهم الأوثان التي تزعم أنها باطل وما نرى لنا عليهم من فضل، فعظم الأمر على إلياس، واقشعر جلده وخرج عنه، ففعل ذلك الملك فعل أصحابه وعبد الأوثان، فقال إلياس: اللهم إن بني إسرائيل قد أبوا إلا الكفر بك والعبادة لغيرك فغير ما بهم من نعمة! أو كما قال: (قال) ابن إسحاق: فذكر لنا أنه أوحي إليه أنا قد جعلنا أمر أرزاقهم بيدك وإليك حتى تكون أنت الذي تأذن في ذلك. فقال إلياس: اللهم أمسك عنهم القطر، فحبس عنهم ثلاث سنين حتى هلكت الماشية والدواب والشجر، وجهد الناس جهداً شديداً، وكان إلياس حين دعا عليهم قد استخفى شفقاً على نفسه منهم. وكان حيث ما كان وضع له رزق، وكانوا إذا وجدوا ريح الخبز في دار أو بيت قالوا: قد دخل إلياس هذا المكان فطلبوه ولقي أهل ذلك المنزل شراً. ثم إنه أوى ليلة إلى امرأة من بني إسرائيل لها ابن يقال له: اليسع بن أخطوب به ضر، فآوته وأخفت أمره فدعا إلياس لابنها فعوفي من الضر الذي كان به واتبع اليسع إلياس. فآمن به وصدقه ولزمه، وكان يذهب معه حيث ما ذهب، وكان إلياس قد أسن وكبر، وكان اليسع غلاماً شاباً، فَذُكِر أن الله جل ذكره أوحى إلى إلياس: إنك قد أهلكت خلقاً كثيراً بخطايا بني إسرائيل من البهائم والدواب والطير والهوام والشجر. فذكر - والله أعلم - أن إلياس قال: أي رب، دعني أكن أنا الذي أدعوا لهم به، وأكن أنا الذي آتيهم بالفرج مما هم فيه من البلاء الذي أصابهم لعلهم يرجعون عن عبادة غيرك، فقيل له: نعم، فأتى إلياس إلى بني إسرائيل، فقال لهم: إنكم قد هلكتم جهداً وهلكت البهائم والدواب والطير والشجر بخطاياكم، وإنكم على باطل وغرور، أو كما قال لهم، فإن كنتم تحبون (علم) ذلك، وتعلمون أن الله عليكم ساخط فيما أنتم عليه، والذي أدعوكم إليه الحق، فاخرجوا بأصنامكم هذه التي تبعدونها وتزعمون أنها خير مما أدعوكم إليه، فإن استجابت لكم فذلك كما تقولون. فإن هي لم تفعل علمتم أنكم على باطل فنزعتم ودعوت الله يفرج عنكم ما أنتم فيه من البلاء، قالوا: أنْصَفت، فخرجوا بأوثانهم وما يتقربون به إلى الله من أحداثهم، فدعوها فلم تستجب لهم ولم تفرج عنهم ما كانوا فيه من البلاء، فعرفوا ما هم فيه من الضلال والباطل، فقالوا لإلياس: يا إلياس إنا قد هلكنا، فادع الله لنا، فدعا إلياس لهم بالفرج مما هم فيه، وأن يسقوا، فخرجت سحابة مثل الترس بإذن الله على ظهر البحر وهم ينظرون، ثم ترامى إليهما السحاب ثم أُدْحِيت، ثم أرسل الله المطر فأغاثهم، فحييث بلادهم وفرج عنهم ما كانوا فيه من البلاء. فلم يرجعوا ولا نزعوا، وأقاموا على ما كانوا عليه، فلما رأى ذلك إلياس من كفرهم، دعا ربه يقبضه إليه فيريحه منهم، فذكر أن الله عز وجل أوحى إليه: أخرج إلى بلد كذا وكذا فما جاءك من شيء فاركبه ولا تهبه، فخرج إلياس وخرج معه اليسع حتى إذا كانا بالبلد الذي ذكر له في المكان الذي أمر به أقبل فرس من نار حتى وقف بين يديه، فوثب عليه فانطلق به (فناداه) اليسع يا إلياس (يا إلياس) ما تأمرني به؟ فكان آخر عهدهم به، فكساه الله الريش، وألبسه النور، (وقطع) عنه لذة المطعم والمشرب، وكان في الملائكة إنيساً ملكياً أرضياً سماوياً. قال أبو محمد رضي الله عنه: وهذا الخبر إذا صح فإنما يصح على قول من قال: إنه إدريس ﷺ لقوله تعالى ذكره في إدريس ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَاناً عَلِيّاً﴾ [مريم: ٥٧]. * * وقوله: ﴿وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ ٱلْخَالِقِينَ﴾ أي: خالقكم الذي هو أحسن المقدرين للأشياء. ﴿ٱللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبَآئِكُمُ ٱلأَوَّلِينَ﴾ أي الماضين. [ثم قال: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ﴾ أي: محضرون في عذاب الله]. * * ثم قال: ﴿إِلاَّ عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلْمُخْلَصِينَ﴾ أي: الذين اختارهم (الله) فأنجاهم من العذاب بتوفيقه إياهم. * * ثم قال: ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي ٱلآخِرِينَ * سَلاَمٌ عَلَىٰ إِلْ يَاسِينَ﴾ أي: وأبقينا عليه الثناء الحسن بعده، فيقال: "سلام على آل ياسين"، أي: سلام على أهل دينه، فيسلم على أهله من أجله، فهو داخل في أفضل الثناء. ومن قرأ "اليَاسِينَ" غير مقطوع. فقال ابن أبي إسحاق: هو اسمه مثل ابراهيم. وذهب أبو عبيد إلى أنه جُمِعَ جَمْعَ السلامة على معنى أنه وأهل مذهبه يسلم عليهم. وقال علي بن سليمان: العرب تُسمي قوم الرجل باسم الرجل الجليل منهم، فيقولون: المهالبة لأصحاب المهلب، كأنهم سموا كل واحد بالمهلب فعلى هذا قيل الياسين، يريد قومه المؤمنين كأنه سمَّى كل واحد منهم بإلياس. وذكر سيبويه أن هذا المعنى إنما يجيء على معنى النسبة، حكى الأشعرون، يريد به النسب. واحتج أبو عمرو وأبو عبيد على تركه لقراءة آل ياسين، أنه ليس في السور سلام على آل فلان من الأنبياء، فكما سمي الأنبياء في هذا المعنى سمي هو. ولا حجة في هذا لأنه إذا أثني على قومه المؤمنين من أجله فهو داخل في ذلك وله منه أوفر الحظ، وهو أبلغ في المدح ممن أثني عليه باسمه، وأيضاً فإن الخط مثبت بالانفصال. وقال الفراء: هو مثل ﴿طُورِ سَيْنَآءَ﴾ [المؤمنون: ٢٠] و ﴿وَطُورِ سِينِينَ﴾ [التين: ٢]، والمعنى واحد. ومعنى ذلك: أن إلياس اسم أعجمي، [والعرب إذا استعملت الأسماء الأعجمية في كلامها غيرتها بضروب من] التعبير، فيقولون: إبراهيم وإبراهام وإبرهام، وميكائيل ومْيكائيل وميكاين وميكال، وإسماعيل وإسمعيل، وإسرائيل وإسرائين، وشبهه. فكذلك إلياس وإلياسين هو واحد. قال السدي: "سلام على الياسين" هو: إلياس. قال الفراء: إن أخذته من الأَلْيَسِ صرفته، فيكون وزنه على هذا إفعال مثل إخراج. وقرأ الحسن بوصل الألف (بجعله الألف) واللام اللتين للتعريف دخلتا على ياسين. * * ثم قال: ﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي ٱلْمُحْسِنِينَ﴾ أي: كما فعلنا بإلياس كذلك نفعل بأهل الطاعة والإحسان. * * ثم قال: ﴿إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: من الذين آمنوا وأطاعوا ولم يشركوا. ثم قال (تعالى): ﴿وَإِنَّ لُوطاً لَّمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ﴾ أي: لمن الذين أرسلهم الله بالإنذار والإعذار. ثم قال (تعالى): ﴿إِذْ نَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ﴾ أي: من العذاب الذي أحللنا بقومه على كفرهم. وفي الكلام حذف، والتقدير: وإن لوطاً لمن المرسلين إلى قومه بالإنذار فكذبوه فنجيناه وأهله. * * ثم قال: ﴿إِلاَّ عَجُوزاً فِي ٱلْغَابِرِينَ﴾ أي: في الباقين، يعني امرأة لوط. قال الضحاك: يعني امرأته تخلفت فمسخت حجراً. وقال السدي: "في الغابرين" في الهالكين. وقيل: في "الغابرين": في الذين بلغوا العمر الطويل، وقد تقدم هذا بأشبع شرحاً. * * ثم قال: ﴿ثُمَّ دَمَّرْنَا ٱلآخَرِينَ﴾ أي: أهلكناهم بالحجارة. * * ثم قال: ﴿وَإِنَّكُمْ لَّتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُّصْبِحِينَ﴾ هذا خطاب لقريش، أي: إنكم لتمرون في أسفاركم على آثارهم وديارهم وموضع هلاكهم في النهار وفي الليل، فلا تتعظون، لا تزدجرون وتخافون أن يصيبكم مثل ما أصابهم، ولا تعقلون ما يراد بكم، وأنه من سلك مثل ما سلكوا من الكفر والتكذيب أنه صائر إلى مثل ما صاروا إليه. "وبالليل" وقف كاف، و "تعقلون" التمام. ثم قال (تعالى): ﴿وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ﴾ أي: لمن الذين أُرْسِلَ إلى قومه بالإنذار والإعذار. ﴿إِلَى ٱلْفُلْكِ ٱلْمَشْحُونِ﴾ (أي): هرب. وقال المبرد: أصله تباعد. وقيل له : آبق لأنه خرج بغير أمر الله عز وجل مستتراً من الناس إلى الفلك وهي السفينة. والمشحون: المملوء الموقر. "فَسَاهَمَ" أي: فقارع. قال السدي: فاحتبست بهم السفينة فعلموا أنها إنما احتبست من حدث أحدثوه، فتساهموا فقُرع يونس فرمى بنفسه، فالتقمه الحوت. * * وقوله: ﴿فَكَانَ مِنَ ٱلْمُدْحَضِينَ﴾ أي: من المقروعين. قال طاوس، لما ركب السفينة ركدت فقالوا: إن فيها رجلاً مشؤوماً، فقارعوا فوقعت القرعة عليه ثلاث مرات فرموا به، فالتقمه الحوت، وأصل دحضت من الزلق في الماء والطين. يقال: أدحض الله حجته ودحضت، وحكي: دحض الله حجته، وهي قليلة وقوله: ﴿فَٱلْتَقَمَهُ ٱلْحُوتُ﴾ أي: ابتلعه. ﴿وَهُوَ مُلِيمٌ﴾ أي: وهو قد أتى ما يلام عليه (من) خروجه بغير أمر (من) الله. يقال: ألاَمَ الرجل إذَا أتى ما يلام عليه. والمَلُوم: الذي يلام باللسان (إن) استحق ذلك أو لم يستحقه. قال مجاهد: ﴿مُلِيمٌ﴾: مذنب.

الصافات 37:123

قوله تعالى (ذكره): ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي ٱلآخِرِينَ﴾ إلى قوله: ﴿وَهُوَ مُلِيمٌ﴾. أي: وأبقينا على إبراهيم ثناء حسناً في الآخرين من الأمم، قاله قتادة. وقال ابن زيد: سأل إبراهيم عليه السلام ربه فقال: ﴿وَٱجْعَل لِّي لِسَانَ صِدْقٍ فِي ٱلآخِرِينَ﴾ [الشعراء: ٨٤]، أي الثناء الحسن، فأبقى الله عليه أن يقال: ﴿سَلاَمٌ عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ﴾ أي: أمنة من الله أن يذكر الإنجيل. * * ثم قال: ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي ٱلْمُحْسِنِينَ﴾ أي: كما جزينا إبراهيم على طاعته، كذلك نجزي من أطاع الله وأحسن عبادته. * * ثم قال: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيّاً مِّنَ ٱلصَّالِحِينَ﴾ أي: بشرناه - بعد أن فدينا إسماعيل بالذبح - بإسحاق مقدراً له النبوة والصلاح. ومن قال: إن الذبيح إسحاق فمعناه عنده: (وبشرنا إبراهيم) بعد الفداء بنبوة إسحاق نبياً. وفيه بُعْدٌ لأنك (لو) قلت: بشرتك بقدوم زيد قادماً، لم يكن للحال فائدة، ولم يوضع لغير فائدة. قال قتادة: بشر بنبوته بعدما جاد لله بنفسه. * * ثم قال: ﴿وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَىٰ إِسْحَاقَ﴾ أي: ثبتنا عليهما النعمة. ﴿وَمِن ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ﴾ وهو المطيع. ﴿وَظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ﴾ وهو الكافر. وذكر الطبري عن السدي أنه قال: كان إبراهيم كثير الطعام يطعم الناس ويضيفهم، فبينما هو يطعم الناس إذ رأى شيخاً كبيراُ يمشي في الحرة، فبعث إليه بحمار فركبه حتى أتاه فأطعمه فجعل الشيخ يأخذ اللقمة يريد أن يدخلها في فيه فيدخلها في أذنه مرة وفي عينه مرة ثم يدخلها في فيه، فإذا أدخلها في فيه، خرجت من دبره. وكان إبراهيم ﷺ قد سأل ربه ألا يقبض روحه حتى يكون هو الذي يسأله الموت. فقال إبراهيم للشيخ حين رأى حاله: ما بالك يا شيخ تصنع هذا؟ قال يا إبراهيم الكبر، قال له: ابن كم أنت؟ فزاد على عمر إبراهيم بسنتين، فقال إبراهيم: إنما بيني وبينك سنتين، فإذا بلغت ذلك صرت مثله، قال نعم، فقال إبراهيم: اللهم اقبضني إليك قبل ذلك، فقام الشيخ فقبض روح إبراهيم. وكان ملك الموت قد تمثل في صورة شيخ لإبراهيم، ومات إبراهيم وهو ابن مائتي سنة. وقيل: ابن مائة وسبع وتسعين سنة. ثم قال (تعالى): ﴿وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَىٰ مُوسَىٰ وَهَارُونَ﴾ أي: تفضلنا عليهما بالنبوة والرسالة. ﴿وَنَجَّيْنَاهُمَا وَقَوْمَهُمَا﴾ أي: ومن آمن معهما، يعني بني إسرائيل. ﴿مِنَ ٱلْكَرْبِ ٱلْعَظِيمِ﴾ أي: من الغرق. ثم قال (تعالى): ﴿وَنَصَرْنَاهُمْ فَكَانُواْ هُمُ ٱلْغَٰلِبِينَ﴾ أي: ونصرنا موسى وهارون وقومهما على فرعون وآله بتغريقنا إياهم فكانوا هم الغالبين. وقال الفراء: الضمير في ﴿وَنَصَرْنَاهُمْ﴾ و ﴿فَكَانُواْ﴾ ﴿هُمُ ٱلْغَٰلِبِينَ﴾ يعود على موسى وهارون وأن التثنية ردت إلى الجمع. ودل على ذلك قوله (جل ذكره). * * ﴿وَآتَيْنَاهُمَا ٱلْكِتَابَ ٱلْمُسْتَبِينَ * وَهَدَيْنَاهُمَا ٱلصِّرَاطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ * وَتَرَكْنَا عَلَيْهِمَا فِي ٱلآخِرِينَ * سَلاَمٌ عَلَىٰ مُوسَىٰ وَهَارُونَ﴾. وقال قوم: إنما جمع في موضع التثنية لأنهما عظيما الشأن جليلا القدر. والعرب تخبر عن الواحد من هذا النوع بلفظ الجمع، فالإخبار عن اثنين منهما بلفظ (الجمع) آكد وأحسن. * * ومعنى ﴿ٱلْمُسْتَبِينَ﴾: المتبين هداه وفضله وأحكامه، يعني التوراة، والصراط المستقيم: الإسلام. ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِمَا فِي ٱلآخِرِينَ﴾ أي: أبقينا عليهما الذكر الجميل والثناء الحسن، فكذلك نفعل بمن أحسن في طاعتي وأدى فرائضي. وفيه من الاختلاف ما تقدم في قصة نوح، وهو يقتضي قوله: ﴿وَٱجْعَل لِّي لِسَانَ صِدْقٍ فِي ٱلآخِرِينَ﴾ [الشعراء: ٨٤]. (ثم قال): ﴿إِنَّهُمَا مِنْ عِبَادِنَا ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: الذين أخلصناهم واخترناهم للطاعة وهديناهم للإيمان. ومن كسر اللام فمعناه: إنهما من عبادنا الذين أخلصوا العمل ولم يشركوا فيه غيري. قال (تعالى): ﴿وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ﴾. قال ابن إسحاق: (وهو إلياس) (بن) ياسين بن فنحاص بن العزار بن هارون بن عمران. وكان إلياس من سبط يوشع بن نون، بعثه الله تعالى إلى أهل بعلبك، (وكانوا يعبدون صنماً) يقال له بعل. وقيل هو إدريس. قاله قتادة. والمعنى: (إنه) لَمِنَ الذين أرسلهم الله إلى الخلق، فقال لقومه: ألا تتقون الله فتخافون عقابه على عبادتكم رباً غيره. (و) هو قوله: ﴿أَتَدْعُونَ بَعْلاً وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ ٱلْخَالِقِينَ﴾. والبعل: الرب لغة أهل اليمن مشهورة، قاله عكرمة ومجاهد وقتادة والسدي. وروي ذلك عن ابن عباس. وقال الضحاك: هو صنم لهم يسمى بعلاً. وقال ابن زيد: هو صنم كانوا يعبدونه ببعلبك مدينة وراء دمشق. وقيل: إن بعلاً تيس كانوا يعبدون. وقال ابن إسحاق: بلغني أن بعلاً امرأة كانوا يعبدونها من دون الله جل ذكره. قال وهب بن منبه: بعث الله إلياس إلى بني إسرائيل حين نسوا ما عهد الله إليهم، حتى (نصبوا) الأوثان وعبدوها من دون الله، فجعل إلياس يدعوهم إلى الله عز وجل، وجعلوا لا يسمعون منه شيئاً. وكان (له مَلِكٌ) من ملوك بني إسرائيل يطيعونه يقال له: جاب. وكان إلياس يقرب من الملك، وكان الملك يطيع إلياس (فيما) يقول له، ويراه الناس على هدى. وكانت ملوك بني إسرائيل قد افترقت في البلاد وأخذ كل واحد ناحية يأكلها، ويعبدون الأصنام، فقال الملك يوماً لإلياس: والله ما أرى ما تدعو إليه إلا باطلاً، والله ما أرى (فلاناً) وفلاناً - يذكر ملوكاً من ملوك بني إسرائيل - إلا قد عبدوا الأوثان من دون الله، وهم (على) نحو ما نحن عليه (من النعيم)، يأكلون ويشربون ويتنعمون مملكين، ما تنقص دنياهم عبادتهم الأوثان التي تزعم أنها باطل وما نرى لنا عليهم من فضل، فعظم الأمر على إلياس، واقشعر جلده وخرج عنه، ففعل ذلك الملك فعل أصحابه وعبد الأوثان، فقال إلياس: اللهم إن بني إسرائيل قد أبوا إلا الكفر بك والعبادة لغيرك فغير ما بهم من نعمة! أو كما قال: (قال) ابن إسحاق: فذكر لنا أنه أوحي إليه أنا قد جعلنا أمر أرزاقهم بيدك وإليك حتى تكون أنت الذي تأذن في ذلك. فقال إلياس: اللهم أمسك عنهم القطر، فحبس عنهم ثلاث سنين حتى هلكت الماشية والدواب والشجر، وجهد الناس جهداً شديداً، وكان إلياس حين دعا عليهم قد استخفى شفقاً على نفسه منهم. وكان حيث ما كان وضع له رزق، وكانوا إذا وجدوا ريح الخبز في دار أو بيت قالوا: قد دخل إلياس هذا المكان فطلبوه ولقي أهل ذلك المنزل شراً. ثم إنه أوى ليلة إلى امرأة من بني إسرائيل لها ابن يقال له: اليسع بن أخطوب به ضر، فآوته وأخفت أمره فدعا إلياس لابنها فعوفي من الضر الذي كان به واتبع اليسع إلياس. فآمن به وصدقه ولزمه، وكان يذهب معه حيث ما ذهب، وكان إلياس قد أسن وكبر، وكان اليسع غلاماً شاباً، فَذُكِر أن الله جل ذكره أوحى إلى إلياس: إنك قد أهلكت خلقاً كثيراً بخطايا بني إسرائيل من البهائم والدواب والطير والهوام والشجر. فذكر - والله أعلم - أن إلياس قال: أي رب، دعني أكن أنا الذي أدعوا لهم به، وأكن أنا الذي آتيهم بالفرج مما هم فيه من البلاء الذي أصابهم لعلهم يرجعون عن عبادة غيرك، فقيل له: نعم، فأتى إلياس إلى بني إسرائيل، فقال لهم: إنكم قد هلكتم جهداً وهلكت البهائم والدواب والطير والشجر بخطاياكم، وإنكم على باطل وغرور، أو كما قال لهم، فإن كنتم تحبون (علم) ذلك، وتعلمون أن الله عليكم ساخط فيما أنتم عليه، والذي أدعوكم إليه الحق، فاخرجوا بأصنامكم هذه التي تبعدونها وتزعمون أنها خير مما أدعوكم إليه، فإن استجابت لكم فذلك كما تقولون. فإن هي لم تفعل علمتم أنكم على باطل فنزعتم ودعوت الله يفرج عنكم ما أنتم فيه من البلاء، قالوا: أنْصَفت، فخرجوا بأوثانهم وما يتقربون به إلى الله من أحداثهم، فدعوها فلم تستجب لهم ولم تفرج عنهم ما كانوا فيه من البلاء، فعرفوا ما هم فيه من الضلال والباطل، فقالوا لإلياس: يا إلياس إنا قد هلكنا، فادع الله لنا، فدعا إلياس لهم بالفرج مما هم فيه، وأن يسقوا، فخرجت سحابة مثل الترس بإذن الله على ظهر البحر وهم ينظرون، ثم ترامى إليهما السحاب ثم أُدْحِيت، ثم أرسل الله المطر فأغاثهم، فحييث بلادهم وفرج عنهم ما كانوا فيه من البلاء. فلم يرجعوا ولا نزعوا، وأقاموا على ما كانوا عليه، فلما رأى ذلك إلياس من كفرهم، دعا ربه يقبضه إليه فيريحه منهم، فذكر أن الله عز وجل أوحى إليه: أخرج إلى بلد كذا وكذا فما جاءك من شيء فاركبه ولا تهبه، فخرج إلياس وخرج معه اليسع حتى إذا كانا بالبلد الذي ذكر له في المكان الذي أمر به أقبل فرس من نار حتى وقف بين يديه، فوثب عليه فانطلق به (فناداه) اليسع يا إلياس (يا إلياس) ما تأمرني به؟ فكان آخر عهدهم به، فكساه الله الريش، وألبسه النور، (وقطع) عنه لذة المطعم والمشرب، وكان في الملائكة إنيساً ملكياً أرضياً سماوياً. قال أبو محمد رضي الله عنه: وهذا الخبر إذا صح فإنما يصح على قول من قال: إنه إدريس ﷺ لقوله تعالى ذكره في إدريس ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَاناً عَلِيّاً﴾ [مريم: ٥٧]. * * وقوله: ﴿وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ ٱلْخَالِقِينَ﴾ أي: خالقكم الذي هو أحسن المقدرين للأشياء. ﴿ٱللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبَآئِكُمُ ٱلأَوَّلِينَ﴾ أي الماضين. [ثم قال: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ﴾ أي: محضرون في عذاب الله]. * * ثم قال: ﴿إِلاَّ عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلْمُخْلَصِينَ﴾ أي: الذين اختارهم (الله) فأنجاهم من العذاب بتوفيقه إياهم. * * ثم قال: ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي ٱلآخِرِينَ * سَلاَمٌ عَلَىٰ إِلْ يَاسِينَ﴾ أي: وأبقينا عليه الثناء الحسن بعده، فيقال: "سلام على آل ياسين"، أي: سلام على أهل دينه، فيسلم على أهله من أجله، فهو داخل في أفضل الثناء. ومن قرأ "اليَاسِينَ" غير مقطوع. فقال ابن أبي إسحاق: هو اسمه مثل ابراهيم. وذهب أبو عبيد إلى أنه جُمِعَ جَمْعَ السلامة على معنى أنه وأهل مذهبه يسلم عليهم. وقال علي بن سليمان: العرب تُسمي قوم الرجل باسم الرجل الجليل منهم، فيقولون: المهالبة لأصحاب المهلب، كأنهم سموا كل واحد بالمهلب فعلى هذا قيل الياسين، يريد قومه المؤمنين كأنه سمَّى كل واحد منهم بإلياس. وذكر سيبويه أن هذا المعنى إنما يجيء على معنى النسبة، حكى الأشعرون، يريد به النسب. واحتج أبو عمرو وأبو عبيد على تركه لقراءة آل ياسين، أنه ليس في السور سلام على آل فلان من الأنبياء، فكما سمي الأنبياء في هذا المعنى سمي هو. ولا حجة في هذا لأنه إذا أثني على قومه المؤمنين من أجله فهو داخل في ذلك وله منه أوفر الحظ، وهو أبلغ في المدح ممن أثني عليه باسمه، وأيضاً فإن الخط مثبت بالانفصال. وقال الفراء: هو مثل ﴿طُورِ سَيْنَآءَ﴾ [المؤمنون: ٢٠] و ﴿وَطُورِ سِينِينَ﴾ [التين: ٢]، والمعنى واحد. ومعنى ذلك: أن إلياس اسم أعجمي، [والعرب إذا استعملت الأسماء الأعجمية في كلامها غيرتها بضروب من] التعبير، فيقولون: إبراهيم وإبراهام وإبرهام، وميكائيل ومْيكائيل وميكاين وميكال، وإسماعيل وإسمعيل، وإسرائيل وإسرائين، وشبهه. فكذلك إلياس وإلياسين هو واحد. قال السدي: "سلام على الياسين" هو: إلياس. قال الفراء: إن أخذته من الأَلْيَسِ صرفته، فيكون وزنه على هذا إفعال مثل إخراج. وقرأ الحسن بوصل الألف (بجعله الألف) واللام اللتين للتعريف دخلتا على ياسين. * * ثم قال: ﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي ٱلْمُحْسِنِينَ﴾ أي: كما فعلنا بإلياس كذلك نفعل بأهل الطاعة والإحسان. * * ثم قال: ﴿إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: من الذين آمنوا وأطاعوا ولم يشركوا. ثم قال (تعالى): ﴿وَإِنَّ لُوطاً لَّمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ﴾ أي: لمن الذين أرسلهم الله بالإنذار والإعذار. ثم قال (تعالى): ﴿إِذْ نَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ﴾ أي: من العذاب الذي أحللنا بقومه على كفرهم. وفي الكلام حذف، والتقدير: وإن لوطاً لمن المرسلين إلى قومه بالإنذار فكذبوه فنجيناه وأهله. * * ثم قال: ﴿إِلاَّ عَجُوزاً فِي ٱلْغَابِرِينَ﴾ أي: في الباقين، يعني امرأة لوط. قال الضحاك: يعني امرأته تخلفت فمسخت حجراً. وقال السدي: "في الغابرين" في الهالكين. وقيل: في "الغابرين": في الذين بلغوا العمر الطويل، وقد تقدم هذا بأشبع شرحاً. * * ثم قال: ﴿ثُمَّ دَمَّرْنَا ٱلآخَرِينَ﴾ أي: أهلكناهم بالحجارة. * * ثم قال: ﴿وَإِنَّكُمْ لَّتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُّصْبِحِينَ﴾ هذا خطاب لقريش، أي: إنكم لتمرون في أسفاركم على آثارهم وديارهم وموضع هلاكهم في النهار وفي الليل، فلا تتعظون، لا تزدجرون وتخافون أن يصيبكم مثل ما أصابهم، ولا تعقلون ما يراد بكم، وأنه من سلك مثل ما سلكوا من الكفر والتكذيب أنه صائر إلى مثل ما صاروا إليه. "وبالليل" وقف كاف، و "تعقلون" التمام. ثم قال (تعالى): ﴿وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ﴾ أي: لمن الذين أُرْسِلَ إلى قومه بالإنذار والإعذار. ﴿إِلَى ٱلْفُلْكِ ٱلْمَشْحُونِ﴾ (أي): هرب. وقال المبرد: أصله تباعد. وقيل له : آبق لأنه خرج بغير أمر الله عز وجل مستتراً من الناس إلى الفلك وهي السفينة. والمشحون: المملوء الموقر. "فَسَاهَمَ" أي: فقارع. قال السدي: فاحتبست بهم السفينة فعلموا أنها إنما احتبست من حدث أحدثوه، فتساهموا فقُرع يونس فرمى بنفسه، فالتقمه الحوت. * * وقوله: ﴿فَكَانَ مِنَ ٱلْمُدْحَضِينَ﴾ أي: من المقروعين. قال طاوس، لما ركب السفينة ركدت فقالوا: إن فيها رجلاً مشؤوماً، فقارعوا فوقعت القرعة عليه ثلاث مرات فرموا به، فالتقمه الحوت، وأصل دحضت من الزلق في الماء والطين. يقال: أدحض الله حجته ودحضت، وحكي: دحض الله حجته، وهي قليلة وقوله: ﴿فَٱلْتَقَمَهُ ٱلْحُوتُ﴾ أي: ابتلعه. ﴿وَهُوَ مُلِيمٌ﴾ أي: وهو قد أتى ما يلام عليه (من) خروجه بغير أمر (من) الله. يقال: ألاَمَ الرجل إذَا أتى ما يلام عليه. والمَلُوم: الذي يلام باللسان (إن) استحق ذلك أو لم يستحقه. قال مجاهد: ﴿مُلِيمٌ﴾: مذنب.

الصافات 37:124

قوله تعالى (ذكره): ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي ٱلآخِرِينَ﴾ إلى قوله: ﴿وَهُوَ مُلِيمٌ﴾. أي: وأبقينا على إبراهيم ثناء حسناً في الآخرين من الأمم، قاله قتادة. وقال ابن زيد: سأل إبراهيم عليه السلام ربه فقال: ﴿وَٱجْعَل لِّي لِسَانَ صِدْقٍ فِي ٱلآخِرِينَ﴾ [الشعراء: ٨٤]، أي الثناء الحسن، فأبقى الله عليه أن يقال: ﴿سَلاَمٌ عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ﴾ أي: أمنة من الله أن يذكر الإنجيل. * * ثم قال: ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي ٱلْمُحْسِنِينَ﴾ أي: كما جزينا إبراهيم على طاعته، كذلك نجزي من أطاع الله وأحسن عبادته. * * ثم قال: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيّاً مِّنَ ٱلصَّالِحِينَ﴾ أي: بشرناه - بعد أن فدينا إسماعيل بالذبح - بإسحاق مقدراً له النبوة والصلاح. ومن قال: إن الذبيح إسحاق فمعناه عنده: (وبشرنا إبراهيم) بعد الفداء بنبوة إسحاق نبياً. وفيه بُعْدٌ لأنك (لو) قلت: بشرتك بقدوم زيد قادماً، لم يكن للحال فائدة، ولم يوضع لغير فائدة. قال قتادة: بشر بنبوته بعدما جاد لله بنفسه. * * ثم قال: ﴿وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَىٰ إِسْحَاقَ﴾ أي: ثبتنا عليهما النعمة. ﴿وَمِن ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ﴾ وهو المطيع. ﴿وَظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ﴾ وهو الكافر. وذكر الطبري عن السدي أنه قال: كان إبراهيم كثير الطعام يطعم الناس ويضيفهم، فبينما هو يطعم الناس إذ رأى شيخاً كبيراُ يمشي في الحرة، فبعث إليه بحمار فركبه حتى أتاه فأطعمه فجعل الشيخ يأخذ اللقمة يريد أن يدخلها في فيه فيدخلها في أذنه مرة وفي عينه مرة ثم يدخلها في فيه، فإذا أدخلها في فيه، خرجت من دبره. وكان إبراهيم ﷺ قد سأل ربه ألا يقبض روحه حتى يكون هو الذي يسأله الموت. فقال إبراهيم للشيخ حين رأى حاله: ما بالك يا شيخ تصنع هذا؟ قال يا إبراهيم الكبر، قال له: ابن كم أنت؟ فزاد على عمر إبراهيم بسنتين، فقال إبراهيم: إنما بيني وبينك سنتين، فإذا بلغت ذلك صرت مثله، قال نعم، فقال إبراهيم: اللهم اقبضني إليك قبل ذلك، فقام الشيخ فقبض روح إبراهيم. وكان ملك الموت قد تمثل في صورة شيخ لإبراهيم، ومات إبراهيم وهو ابن مائتي سنة. وقيل: ابن مائة وسبع وتسعين سنة. ثم قال (تعالى): ﴿وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَىٰ مُوسَىٰ وَهَارُونَ﴾ أي: تفضلنا عليهما بالنبوة والرسالة. ﴿وَنَجَّيْنَاهُمَا وَقَوْمَهُمَا﴾ أي: ومن آمن معهما، يعني بني إسرائيل. ﴿مِنَ ٱلْكَرْبِ ٱلْعَظِيمِ﴾ أي: من الغرق. ثم قال (تعالى): ﴿وَنَصَرْنَاهُمْ فَكَانُواْ هُمُ ٱلْغَٰلِبِينَ﴾ أي: ونصرنا موسى وهارون وقومهما على فرعون وآله بتغريقنا إياهم فكانوا هم الغالبين. وقال الفراء: الضمير في ﴿وَنَصَرْنَاهُمْ﴾ و ﴿فَكَانُواْ﴾ ﴿هُمُ ٱلْغَٰلِبِينَ﴾ يعود على موسى وهارون وأن التثنية ردت إلى الجمع. ودل على ذلك قوله (جل ذكره). * * ﴿وَآتَيْنَاهُمَا ٱلْكِتَابَ ٱلْمُسْتَبِينَ * وَهَدَيْنَاهُمَا ٱلصِّرَاطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ * وَتَرَكْنَا عَلَيْهِمَا فِي ٱلآخِرِينَ * سَلاَمٌ عَلَىٰ مُوسَىٰ وَهَارُونَ﴾. وقال قوم: إنما جمع في موضع التثنية لأنهما عظيما الشأن جليلا القدر. والعرب تخبر عن الواحد من هذا النوع بلفظ الجمع، فالإخبار عن اثنين منهما بلفظ (الجمع) آكد وأحسن. * * ومعنى ﴿ٱلْمُسْتَبِينَ﴾: المتبين هداه وفضله وأحكامه، يعني التوراة، والصراط المستقيم: الإسلام. ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِمَا فِي ٱلآخِرِينَ﴾ أي: أبقينا عليهما الذكر الجميل والثناء الحسن، فكذلك نفعل بمن أحسن في طاعتي وأدى فرائضي. وفيه من الاختلاف ما تقدم في قصة نوح، وهو يقتضي قوله: ﴿وَٱجْعَل لِّي لِسَانَ صِدْقٍ فِي ٱلآخِرِينَ﴾ [الشعراء: ٨٤]. (ثم قال): ﴿إِنَّهُمَا مِنْ عِبَادِنَا ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: الذين أخلصناهم واخترناهم للطاعة وهديناهم للإيمان. ومن كسر اللام فمعناه: إنهما من عبادنا الذين أخلصوا العمل ولم يشركوا فيه غيري. قال (تعالى): ﴿وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ﴾. قال ابن إسحاق: (وهو إلياس) (بن) ياسين بن فنحاص بن العزار بن هارون بن عمران. وكان إلياس من سبط يوشع بن نون، بعثه الله تعالى إلى أهل بعلبك، (وكانوا يعبدون صنماً) يقال له بعل. وقيل هو إدريس. قاله قتادة. والمعنى: (إنه) لَمِنَ الذين أرسلهم الله إلى الخلق، فقال لقومه: ألا تتقون الله فتخافون عقابه على عبادتكم رباً غيره. (و) هو قوله: ﴿أَتَدْعُونَ بَعْلاً وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ ٱلْخَالِقِينَ﴾. والبعل: الرب لغة أهل اليمن مشهورة، قاله عكرمة ومجاهد وقتادة والسدي. وروي ذلك عن ابن عباس. وقال الضحاك: هو صنم لهم يسمى بعلاً. وقال ابن زيد: هو صنم كانوا يعبدونه ببعلبك مدينة وراء دمشق. وقيل: إن بعلاً تيس كانوا يعبدون. وقال ابن إسحاق: بلغني أن بعلاً امرأة كانوا يعبدونها من دون الله جل ذكره. قال وهب بن منبه: بعث الله إلياس إلى بني إسرائيل حين نسوا ما عهد الله إليهم، حتى (نصبوا) الأوثان وعبدوها من دون الله، فجعل إلياس يدعوهم إلى الله عز وجل، وجعلوا لا يسمعون منه شيئاً. وكان (له مَلِكٌ) من ملوك بني إسرائيل يطيعونه يقال له: جاب. وكان إلياس يقرب من الملك، وكان الملك يطيع إلياس (فيما) يقول له، ويراه الناس على هدى. وكانت ملوك بني إسرائيل قد افترقت في البلاد وأخذ كل واحد ناحية يأكلها، ويعبدون الأصنام، فقال الملك يوماً لإلياس: والله ما أرى ما تدعو إليه إلا باطلاً، والله ما أرى (فلاناً) وفلاناً - يذكر ملوكاً من ملوك بني إسرائيل - إلا قد عبدوا الأوثان من دون الله، وهم (على) نحو ما نحن عليه (من النعيم)، يأكلون ويشربون ويتنعمون مملكين، ما تنقص دنياهم عبادتهم الأوثان التي تزعم أنها باطل وما نرى لنا عليهم من فضل، فعظم الأمر على إلياس، واقشعر جلده وخرج عنه، ففعل ذلك الملك فعل أصحابه وعبد الأوثان، فقال إلياس: اللهم إن بني إسرائيل قد أبوا إلا الكفر بك والعبادة لغيرك فغير ما بهم من نعمة! أو كما قال: (قال) ابن إسحاق: فذكر لنا أنه أوحي إليه أنا قد جعلنا أمر أرزاقهم بيدك وإليك حتى تكون أنت الذي تأذن في ذلك. فقال إلياس: اللهم أمسك عنهم القطر، فحبس عنهم ثلاث سنين حتى هلكت الماشية والدواب والشجر، وجهد الناس جهداً شديداً، وكان إلياس حين دعا عليهم قد استخفى شفقاً على نفسه منهم. وكان حيث ما كان وضع له رزق، وكانوا إذا وجدوا ريح الخبز في دار أو بيت قالوا: قد دخل إلياس هذا المكان فطلبوه ولقي أهل ذلك المنزل شراً. ثم إنه أوى ليلة إلى امرأة من بني إسرائيل لها ابن يقال له: اليسع بن أخطوب به ضر، فآوته وأخفت أمره فدعا إلياس لابنها فعوفي من الضر الذي كان به واتبع اليسع إلياس. فآمن به وصدقه ولزمه، وكان يذهب معه حيث ما ذهب، وكان إلياس قد أسن وكبر، وكان اليسع غلاماً شاباً، فَذُكِر أن الله جل ذكره أوحى إلى إلياس: إنك قد أهلكت خلقاً كثيراً بخطايا بني إسرائيل من البهائم والدواب والطير والهوام والشجر. فذكر - والله أعلم - أن إلياس قال: أي رب، دعني أكن أنا الذي أدعوا لهم به، وأكن أنا الذي آتيهم بالفرج مما هم فيه من البلاء الذي أصابهم لعلهم يرجعون عن عبادة غيرك، فقيل له: نعم، فأتى إلياس إلى بني إسرائيل، فقال لهم: إنكم قد هلكتم جهداً وهلكت البهائم والدواب والطير والشجر بخطاياكم، وإنكم على باطل وغرور، أو كما قال لهم، فإن كنتم تحبون (علم) ذلك، وتعلمون أن الله عليكم ساخط فيما أنتم عليه، والذي أدعوكم إليه الحق، فاخرجوا بأصنامكم هذه التي تبعدونها وتزعمون أنها خير مما أدعوكم إليه، فإن استجابت لكم فذلك كما تقولون. فإن هي لم تفعل علمتم أنكم على باطل فنزعتم ودعوت الله يفرج عنكم ما أنتم فيه من البلاء، قالوا: أنْصَفت، فخرجوا بأوثانهم وما يتقربون به إلى الله من أحداثهم، فدعوها فلم تستجب لهم ولم تفرج عنهم ما كانوا فيه من البلاء، فعرفوا ما هم فيه من الضلال والباطل، فقالوا لإلياس: يا إلياس إنا قد هلكنا، فادع الله لنا، فدعا إلياس لهم بالفرج مما هم فيه، وأن يسقوا، فخرجت سحابة مثل الترس بإذن الله على ظهر البحر وهم ينظرون، ثم ترامى إليهما السحاب ثم أُدْحِيت، ثم أرسل الله المطر فأغاثهم، فحييث بلادهم وفرج عنهم ما كانوا فيه من البلاء. فلم يرجعوا ولا نزعوا، وأقاموا على ما كانوا عليه، فلما رأى ذلك إلياس من كفرهم، دعا ربه يقبضه إليه فيريحه منهم، فذكر أن الله عز وجل أوحى إليه: أخرج إلى بلد كذا وكذا فما جاءك من شيء فاركبه ولا تهبه، فخرج إلياس وخرج معه اليسع حتى إذا كانا بالبلد الذي ذكر له في المكان الذي أمر به أقبل فرس من نار حتى وقف بين يديه، فوثب عليه فانطلق به (فناداه) اليسع يا إلياس (يا إلياس) ما تأمرني به؟ فكان آخر عهدهم به، فكساه الله الريش، وألبسه النور، (وقطع) عنه لذة المطعم والمشرب، وكان في الملائكة إنيساً ملكياً أرضياً سماوياً. قال أبو محمد رضي الله عنه: وهذا الخبر إذا صح فإنما يصح على قول من قال: إنه إدريس ﷺ لقوله تعالى ذكره في إدريس ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَاناً عَلِيّاً﴾ [مريم: ٥٧]. * * وقوله: ﴿وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ ٱلْخَالِقِينَ﴾ أي: خالقكم الذي هو أحسن المقدرين للأشياء. ﴿ٱللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبَآئِكُمُ ٱلأَوَّلِينَ﴾ أي الماضين. [ثم قال: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ﴾ أي: محضرون في عذاب الله]. * * ثم قال: ﴿إِلاَّ عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلْمُخْلَصِينَ﴾ أي: الذين اختارهم (الله) فأنجاهم من العذاب بتوفيقه إياهم. * * ثم قال: ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي ٱلآخِرِينَ * سَلاَمٌ عَلَىٰ إِلْ يَاسِينَ﴾ أي: وأبقينا عليه الثناء الحسن بعده، فيقال: "سلام على آل ياسين"، أي: سلام على أهل دينه، فيسلم على أهله من أجله، فهو داخل في أفضل الثناء. ومن قرأ "اليَاسِينَ" غير مقطوع. فقال ابن أبي إسحاق: هو اسمه مثل ابراهيم. وذهب أبو عبيد إلى أنه جُمِعَ جَمْعَ السلامة على معنى أنه وأهل مذهبه يسلم عليهم. وقال علي بن سليمان: العرب تُسمي قوم الرجل باسم الرجل الجليل منهم، فيقولون: المهالبة لأصحاب المهلب، كأنهم سموا كل واحد بالمهلب فعلى هذا قيل الياسين، يريد قومه المؤمنين كأنه سمَّى كل واحد منهم بإلياس. وذكر سيبويه أن هذا المعنى إنما يجيء على معنى النسبة، حكى الأشعرون، يريد به النسب. واحتج أبو عمرو وأبو عبيد على تركه لقراءة آل ياسين، أنه ليس في السور سلام على آل فلان من الأنبياء، فكما سمي الأنبياء في هذا المعنى سمي هو. ولا حجة في هذا لأنه إذا أثني على قومه المؤمنين من أجله فهو داخل في ذلك وله منه أوفر الحظ، وهو أبلغ في المدح ممن أثني عليه باسمه، وأيضاً فإن الخط مثبت بالانفصال. وقال الفراء: هو مثل ﴿طُورِ سَيْنَآءَ﴾ [المؤمنون: ٢٠] و ﴿وَطُورِ سِينِينَ﴾ [التين: ٢]، والمعنى واحد. ومعنى ذلك: أن إلياس اسم أعجمي، [والعرب إذا استعملت الأسماء الأعجمية في كلامها غيرتها بضروب من] التعبير، فيقولون: إبراهيم وإبراهام وإبرهام، وميكائيل ومْيكائيل وميكاين وميكال، وإسماعيل وإسمعيل، وإسرائيل وإسرائين، وشبهه. فكذلك إلياس وإلياسين هو واحد. قال السدي: "سلام على الياسين" هو: إلياس. قال الفراء: إن أخذته من الأَلْيَسِ صرفته، فيكون وزنه على هذا إفعال مثل إخراج. وقرأ الحسن بوصل الألف (بجعله الألف) واللام اللتين للتعريف دخلتا على ياسين. * * ثم قال: ﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي ٱلْمُحْسِنِينَ﴾ أي: كما فعلنا بإلياس كذلك نفعل بأهل الطاعة والإحسان. * * ثم قال: ﴿إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: من الذين آمنوا وأطاعوا ولم يشركوا. ثم قال (تعالى): ﴿وَإِنَّ لُوطاً لَّمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ﴾ أي: لمن الذين أرسلهم الله بالإنذار والإعذار. ثم قال (تعالى): ﴿إِذْ نَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ﴾ أي: من العذاب الذي أحللنا بقومه على كفرهم. وفي الكلام حذف، والتقدير: وإن لوطاً لمن المرسلين إلى قومه بالإنذار فكذبوه فنجيناه وأهله. * * ثم قال: ﴿إِلاَّ عَجُوزاً فِي ٱلْغَابِرِينَ﴾ أي: في الباقين، يعني امرأة لوط. قال الضحاك: يعني امرأته تخلفت فمسخت حجراً. وقال السدي: "في الغابرين" في الهالكين. وقيل: في "الغابرين": في الذين بلغوا العمر الطويل، وقد تقدم هذا بأشبع شرحاً. * * ثم قال: ﴿ثُمَّ دَمَّرْنَا ٱلآخَرِينَ﴾ أي: أهلكناهم بالحجارة. * * ثم قال: ﴿وَإِنَّكُمْ لَّتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُّصْبِحِينَ﴾ هذا خطاب لقريش، أي: إنكم لتمرون في أسفاركم على آثارهم وديارهم وموضع هلاكهم في النهار وفي الليل، فلا تتعظون، لا تزدجرون وتخافون أن يصيبكم مثل ما أصابهم، ولا تعقلون ما يراد بكم، وأنه من سلك مثل ما سلكوا من الكفر والتكذيب أنه صائر إلى مثل ما صاروا إليه. "وبالليل" وقف كاف، و "تعقلون" التمام. ثم قال (تعالى): ﴿وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ﴾ أي: لمن الذين أُرْسِلَ إلى قومه بالإنذار والإعذار. ﴿إِلَى ٱلْفُلْكِ ٱلْمَشْحُونِ﴾ (أي): هرب. وقال المبرد: أصله تباعد. وقيل له : آبق لأنه خرج بغير أمر الله عز وجل مستتراً من الناس إلى الفلك وهي السفينة. والمشحون: المملوء الموقر. "فَسَاهَمَ" أي: فقارع. قال السدي: فاحتبست بهم السفينة فعلموا أنها إنما احتبست من حدث أحدثوه، فتساهموا فقُرع يونس فرمى بنفسه، فالتقمه الحوت. * * وقوله: ﴿فَكَانَ مِنَ ٱلْمُدْحَضِينَ﴾ أي: من المقروعين. قال طاوس، لما ركب السفينة ركدت فقالوا: إن فيها رجلاً مشؤوماً، فقارعوا فوقعت القرعة عليه ثلاث مرات فرموا به، فالتقمه الحوت، وأصل دحضت من الزلق في الماء والطين. يقال: أدحض الله حجته ودحضت، وحكي: دحض الله حجته، وهي قليلة وقوله: ﴿فَٱلْتَقَمَهُ ٱلْحُوتُ﴾ أي: ابتلعه. ﴿وَهُوَ مُلِيمٌ﴾ أي: وهو قد أتى ما يلام عليه (من) خروجه بغير أمر (من) الله. يقال: ألاَمَ الرجل إذَا أتى ما يلام عليه. والمَلُوم: الذي يلام باللسان (إن) استحق ذلك أو لم يستحقه. قال مجاهد: ﴿مُلِيمٌ﴾: مذنب.

الصافات 37:125

قوله تعالى (ذكره): ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي ٱلآخِرِينَ﴾ إلى قوله: ﴿وَهُوَ مُلِيمٌ﴾. أي: وأبقينا على إبراهيم ثناء حسناً في الآخرين من الأمم، قاله قتادة. وقال ابن زيد: سأل إبراهيم عليه السلام ربه فقال: ﴿وَٱجْعَل لِّي لِسَانَ صِدْقٍ فِي ٱلآخِرِينَ﴾ [الشعراء: ٨٤]، أي الثناء الحسن، فأبقى الله عليه أن يقال: ﴿سَلاَمٌ عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ﴾ أي: أمنة من الله أن يذكر الإنجيل. * * ثم قال: ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي ٱلْمُحْسِنِينَ﴾ أي: كما جزينا إبراهيم على طاعته، كذلك نجزي من أطاع الله وأحسن عبادته. * * ثم قال: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيّاً مِّنَ ٱلصَّالِحِينَ﴾ أي: بشرناه - بعد أن فدينا إسماعيل بالذبح - بإسحاق مقدراً له النبوة والصلاح. ومن قال: إن الذبيح إسحاق فمعناه عنده: (وبشرنا إبراهيم) بعد الفداء بنبوة إسحاق نبياً. وفيه بُعْدٌ لأنك (لو) قلت: بشرتك بقدوم زيد قادماً، لم يكن للحال فائدة، ولم يوضع لغير فائدة. قال قتادة: بشر بنبوته بعدما جاد لله بنفسه. * * ثم قال: ﴿وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَىٰ إِسْحَاقَ﴾ أي: ثبتنا عليهما النعمة. ﴿وَمِن ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ﴾ وهو المطيع. ﴿وَظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ﴾ وهو الكافر. وذكر الطبري عن السدي أنه قال: كان إبراهيم كثير الطعام يطعم الناس ويضيفهم، فبينما هو يطعم الناس إذ رأى شيخاً كبيراُ يمشي في الحرة، فبعث إليه بحمار فركبه حتى أتاه فأطعمه فجعل الشيخ يأخذ اللقمة يريد أن يدخلها في فيه فيدخلها في أذنه مرة وفي عينه مرة ثم يدخلها في فيه، فإذا أدخلها في فيه، خرجت من دبره. وكان إبراهيم ﷺ قد سأل ربه ألا يقبض روحه حتى يكون هو الذي يسأله الموت. فقال إبراهيم للشيخ حين رأى حاله: ما بالك يا شيخ تصنع هذا؟ قال يا إبراهيم الكبر، قال له: ابن كم أنت؟ فزاد على عمر إبراهيم بسنتين، فقال إبراهيم: إنما بيني وبينك سنتين، فإذا بلغت ذلك صرت مثله، قال نعم، فقال إبراهيم: اللهم اقبضني إليك قبل ذلك، فقام الشيخ فقبض روح إبراهيم. وكان ملك الموت قد تمثل في صورة شيخ لإبراهيم، ومات إبراهيم وهو ابن مائتي سنة. وقيل: ابن مائة وسبع وتسعين سنة. ثم قال (تعالى): ﴿وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَىٰ مُوسَىٰ وَهَارُونَ﴾ أي: تفضلنا عليهما بالنبوة والرسالة. ﴿وَنَجَّيْنَاهُمَا وَقَوْمَهُمَا﴾ أي: ومن آمن معهما، يعني بني إسرائيل. ﴿مِنَ ٱلْكَرْبِ ٱلْعَظِيمِ﴾ أي: من الغرق. ثم قال (تعالى): ﴿وَنَصَرْنَاهُمْ فَكَانُواْ هُمُ ٱلْغَٰلِبِينَ﴾ أي: ونصرنا موسى وهارون وقومهما على فرعون وآله بتغريقنا إياهم فكانوا هم الغالبين. وقال الفراء: الضمير في ﴿وَنَصَرْنَاهُمْ﴾ و ﴿فَكَانُواْ﴾ ﴿هُمُ ٱلْغَٰلِبِينَ﴾ يعود على موسى وهارون وأن التثنية ردت إلى الجمع. ودل على ذلك قوله (جل ذكره). * * ﴿وَآتَيْنَاهُمَا ٱلْكِتَابَ ٱلْمُسْتَبِينَ * وَهَدَيْنَاهُمَا ٱلصِّرَاطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ * وَتَرَكْنَا عَلَيْهِمَا فِي ٱلآخِرِينَ * سَلاَمٌ عَلَىٰ مُوسَىٰ وَهَارُونَ﴾. وقال قوم: إنما جمع في موضع التثنية لأنهما عظيما الشأن جليلا القدر. والعرب تخبر عن الواحد من هذا النوع بلفظ الجمع، فالإخبار عن اثنين منهما بلفظ (الجمع) آكد وأحسن. * * ومعنى ﴿ٱلْمُسْتَبِينَ﴾: المتبين هداه وفضله وأحكامه، يعني التوراة، والصراط المستقيم: الإسلام. ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِمَا فِي ٱلآخِرِينَ﴾ أي: أبقينا عليهما الذكر الجميل والثناء الحسن، فكذلك نفعل بمن أحسن في طاعتي وأدى فرائضي. وفيه من الاختلاف ما تقدم في قصة نوح، وهو يقتضي قوله: ﴿وَٱجْعَل لِّي لِسَانَ صِدْقٍ فِي ٱلآخِرِينَ﴾ [الشعراء: ٨٤]. (ثم قال): ﴿إِنَّهُمَا مِنْ عِبَادِنَا ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: الذين أخلصناهم واخترناهم للطاعة وهديناهم للإيمان. ومن كسر اللام فمعناه: إنهما من عبادنا الذين أخلصوا العمل ولم يشركوا فيه غيري. قال (تعالى): ﴿وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ﴾. قال ابن إسحاق: (وهو إلياس) (بن) ياسين بن فنحاص بن العزار بن هارون بن عمران. وكان إلياس من سبط يوشع بن نون، بعثه الله تعالى إلى أهل بعلبك، (وكانوا يعبدون صنماً) يقال له بعل. وقيل هو إدريس. قاله قتادة. والمعنى: (إنه) لَمِنَ الذين أرسلهم الله إلى الخلق، فقال لقومه: ألا تتقون الله فتخافون عقابه على عبادتكم رباً غيره. (و) هو قوله: ﴿أَتَدْعُونَ بَعْلاً وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ ٱلْخَالِقِينَ﴾. والبعل: الرب لغة أهل اليمن مشهورة، قاله عكرمة ومجاهد وقتادة والسدي. وروي ذلك عن ابن عباس. وقال الضحاك: هو صنم لهم يسمى بعلاً. وقال ابن زيد: هو صنم كانوا يعبدونه ببعلبك مدينة وراء دمشق. وقيل: إن بعلاً تيس كانوا يعبدون. وقال ابن إسحاق: بلغني أن بعلاً امرأة كانوا يعبدونها من دون الله جل ذكره. قال وهب بن منبه: بعث الله إلياس إلى بني إسرائيل حين نسوا ما عهد الله إليهم، حتى (نصبوا) الأوثان وعبدوها من دون الله، فجعل إلياس يدعوهم إلى الله عز وجل، وجعلوا لا يسمعون منه شيئاً. وكان (له مَلِكٌ) من ملوك بني إسرائيل يطيعونه يقال له: جاب. وكان إلياس يقرب من الملك، وكان الملك يطيع إلياس (فيما) يقول له، ويراه الناس على هدى. وكانت ملوك بني إسرائيل قد افترقت في البلاد وأخذ كل واحد ناحية يأكلها، ويعبدون الأصنام، فقال الملك يوماً لإلياس: والله ما أرى ما تدعو إليه إلا باطلاً، والله ما أرى (فلاناً) وفلاناً - يذكر ملوكاً من ملوك بني إسرائيل - إلا قد عبدوا الأوثان من دون الله، وهم (على) نحو ما نحن عليه (من النعيم)، يأكلون ويشربون ويتنعمون مملكين، ما تنقص دنياهم عبادتهم الأوثان التي تزعم أنها باطل وما نرى لنا عليهم من فضل، فعظم الأمر على إلياس، واقشعر جلده وخرج عنه، ففعل ذلك الملك فعل أصحابه وعبد الأوثان، فقال إلياس: اللهم إن بني إسرائيل قد أبوا إلا الكفر بك والعبادة لغيرك فغير ما بهم من نعمة! أو كما قال: (قال) ابن إسحاق: فذكر لنا أنه أوحي إليه أنا قد جعلنا أمر أرزاقهم بيدك وإليك حتى تكون أنت الذي تأذن في ذلك. فقال إلياس: اللهم أمسك عنهم القطر، فحبس عنهم ثلاث سنين حتى هلكت الماشية والدواب والشجر، وجهد الناس جهداً شديداً، وكان إلياس حين دعا عليهم قد استخفى شفقاً على نفسه منهم. وكان حيث ما كان وضع له رزق، وكانوا إذا وجدوا ريح الخبز في دار أو بيت قالوا: قد دخل إلياس هذا المكان فطلبوه ولقي أهل ذلك المنزل شراً. ثم إنه أوى ليلة إلى امرأة من بني إسرائيل لها ابن يقال له: اليسع بن أخطوب به ضر، فآوته وأخفت أمره فدعا إلياس لابنها فعوفي من الضر الذي كان به واتبع اليسع إلياس. فآمن به وصدقه ولزمه، وكان يذهب معه حيث ما ذهب، وكان إلياس قد أسن وكبر، وكان اليسع غلاماً شاباً، فَذُكِر أن الله جل ذكره أوحى إلى إلياس: إنك قد أهلكت خلقاً كثيراً بخطايا بني إسرائيل من البهائم والدواب والطير والهوام والشجر. فذكر - والله أعلم - أن إلياس قال: أي رب، دعني أكن أنا الذي أدعوا لهم به، وأكن أنا الذي آتيهم بالفرج مما هم فيه من البلاء الذي أصابهم لعلهم يرجعون عن عبادة غيرك، فقيل له: نعم، فأتى إلياس إلى بني إسرائيل، فقال لهم: إنكم قد هلكتم جهداً وهلكت البهائم والدواب والطير والشجر بخطاياكم، وإنكم على باطل وغرور، أو كما قال لهم، فإن كنتم تحبون (علم) ذلك، وتعلمون أن الله عليكم ساخط فيما أنتم عليه، والذي أدعوكم إليه الحق، فاخرجوا بأصنامكم هذه التي تبعدونها وتزعمون أنها خير مما أدعوكم إليه، فإن استجابت لكم فذلك كما تقولون. فإن هي لم تفعل علمتم أنكم على باطل فنزعتم ودعوت الله يفرج عنكم ما أنتم فيه من البلاء، قالوا: أنْصَفت، فخرجوا بأوثانهم وما يتقربون به إلى الله من أحداثهم، فدعوها فلم تستجب لهم ولم تفرج عنهم ما كانوا فيه من البلاء، فعرفوا ما هم فيه من الضلال والباطل، فقالوا لإلياس: يا إلياس إنا قد هلكنا، فادع الله لنا، فدعا إلياس لهم بالفرج مما هم فيه، وأن يسقوا، فخرجت سحابة مثل الترس بإذن الله على ظهر البحر وهم ينظرون، ثم ترامى إليهما السحاب ثم أُدْحِيت، ثم أرسل الله المطر فأغاثهم، فحييث بلادهم وفرج عنهم ما كانوا فيه من البلاء. فلم يرجعوا ولا نزعوا، وأقاموا على ما كانوا عليه، فلما رأى ذلك إلياس من كفرهم، دعا ربه يقبضه إليه فيريحه منهم، فذكر أن الله عز وجل أوحى إليه: أخرج إلى بلد كذا وكذا فما جاءك من شيء فاركبه ولا تهبه، فخرج إلياس وخرج معه اليسع حتى إذا كانا بالبلد الذي ذكر له في المكان الذي أمر به أقبل فرس من نار حتى وقف بين يديه، فوثب عليه فانطلق به (فناداه) اليسع يا إلياس (يا إلياس) ما تأمرني به؟ فكان آخر عهدهم به، فكساه الله الريش، وألبسه النور، (وقطع) عنه لذة المطعم والمشرب، وكان في الملائكة إنيساً ملكياً أرضياً سماوياً. قال أبو محمد رضي الله عنه: وهذا الخبر إذا صح فإنما يصح على قول من قال: إنه إدريس ﷺ لقوله تعالى ذكره في إدريس ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَاناً عَلِيّاً﴾ [مريم: ٥٧]. * * وقوله: ﴿وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ ٱلْخَالِقِينَ﴾ أي: خالقكم الذي هو أحسن المقدرين للأشياء. ﴿ٱللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبَآئِكُمُ ٱلأَوَّلِينَ﴾ أي الماضين. [ثم قال: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ﴾ أي: محضرون في عذاب الله]. * * ثم قال: ﴿إِلاَّ عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلْمُخْلَصِينَ﴾ أي: الذين اختارهم (الله) فأنجاهم من العذاب بتوفيقه إياهم. * * ثم قال: ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي ٱلآخِرِينَ * سَلاَمٌ عَلَىٰ إِلْ يَاسِينَ﴾ أي: وأبقينا عليه الثناء الحسن بعده، فيقال: "سلام على آل ياسين"، أي: سلام على أهل دينه، فيسلم على أهله من أجله، فهو داخل في أفضل الثناء. ومن قرأ "اليَاسِينَ" غير مقطوع. فقال ابن أبي إسحاق: هو اسمه مثل ابراهيم. وذهب أبو عبيد إلى أنه جُمِعَ جَمْعَ السلامة على معنى أنه وأهل مذهبه يسلم عليهم. وقال علي بن سليمان: العرب تُسمي قوم الرجل باسم الرجل الجليل منهم، فيقولون: المهالبة لأصحاب المهلب، كأنهم سموا كل واحد بالمهلب فعلى هذا قيل الياسين، يريد قومه المؤمنين كأنه سمَّى كل واحد منهم بإلياس. وذكر سيبويه أن هذا المعنى إنما يجيء على معنى النسبة، حكى الأشعرون، يريد به النسب. واحتج أبو عمرو وأبو عبيد على تركه لقراءة آل ياسين، أنه ليس في السور سلام على آل فلان من الأنبياء، فكما سمي الأنبياء في هذا المعنى سمي هو. ولا حجة في هذا لأنه إذا أثني على قومه المؤمنين من أجله فهو داخل في ذلك وله منه أوفر الحظ، وهو أبلغ في المدح ممن أثني عليه باسمه، وأيضاً فإن الخط مثبت بالانفصال. وقال الفراء: هو مثل ﴿طُورِ سَيْنَآءَ﴾ [المؤمنون: ٢٠] و ﴿وَطُورِ سِينِينَ﴾ [التين: ٢]، والمعنى واحد. ومعنى ذلك: أن إلياس اسم أعجمي، [والعرب إذا استعملت الأسماء الأعجمية في كلامها غيرتها بضروب من] التعبير، فيقولون: إبراهيم وإبراهام وإبرهام، وميكائيل ومْيكائيل وميكاين وميكال، وإسماعيل وإسمعيل، وإسرائيل وإسرائين، وشبهه. فكذلك إلياس وإلياسين هو واحد. قال السدي: "سلام على الياسين" هو: إلياس. قال الفراء: إن أخذته من الأَلْيَسِ صرفته، فيكون وزنه على هذا إفعال مثل إخراج. وقرأ الحسن بوصل الألف (بجعله الألف) واللام اللتين للتعريف دخلتا على ياسين. * * ثم قال: ﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي ٱلْمُحْسِنِينَ﴾ أي: كما فعلنا بإلياس كذلك نفعل بأهل الطاعة والإحسان. * * ثم قال: ﴿إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: من الذين آمنوا وأطاعوا ولم يشركوا. ثم قال (تعالى): ﴿وَإِنَّ لُوطاً لَّمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ﴾ أي: لمن الذين أرسلهم الله بالإنذار والإعذار. ثم قال (تعالى): ﴿إِذْ نَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ﴾ أي: من العذاب الذي أحللنا بقومه على كفرهم. وفي الكلام حذف، والتقدير: وإن لوطاً لمن المرسلين إلى قومه بالإنذار فكذبوه فنجيناه وأهله. * * ثم قال: ﴿إِلاَّ عَجُوزاً فِي ٱلْغَابِرِينَ﴾ أي: في الباقين، يعني امرأة لوط. قال الضحاك: يعني امرأته تخلفت فمسخت حجراً. وقال السدي: "في الغابرين" في الهالكين. وقيل: في "الغابرين": في الذين بلغوا العمر الطويل، وقد تقدم هذا بأشبع شرحاً. * * ثم قال: ﴿ثُمَّ دَمَّرْنَا ٱلآخَرِينَ﴾ أي: أهلكناهم بالحجارة. * * ثم قال: ﴿وَإِنَّكُمْ لَّتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُّصْبِحِينَ﴾ هذا خطاب لقريش، أي: إنكم لتمرون في أسفاركم على آثارهم وديارهم وموضع هلاكهم في النهار وفي الليل، فلا تتعظون، لا تزدجرون وتخافون أن يصيبكم مثل ما أصابهم، ولا تعقلون ما يراد بكم، وأنه من سلك مثل ما سلكوا من الكفر والتكذيب أنه صائر إلى مثل ما صاروا إليه. "وبالليل" وقف كاف، و "تعقلون" التمام. ثم قال (تعالى): ﴿وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ﴾ أي: لمن الذين أُرْسِلَ إلى قومه بالإنذار والإعذار. ﴿إِلَى ٱلْفُلْكِ ٱلْمَشْحُونِ﴾ (أي): هرب. وقال المبرد: أصله تباعد. وقيل له : آبق لأنه خرج بغير أمر الله عز وجل مستتراً من الناس إلى الفلك وهي السفينة. والمشحون: المملوء الموقر. "فَسَاهَمَ" أي: فقارع. قال السدي: فاحتبست بهم السفينة فعلموا أنها إنما احتبست من حدث أحدثوه، فتساهموا فقُرع يونس فرمى بنفسه، فالتقمه الحوت. * * وقوله: ﴿فَكَانَ مِنَ ٱلْمُدْحَضِينَ﴾ أي: من المقروعين. قال طاوس، لما ركب السفينة ركدت فقالوا: إن فيها رجلاً مشؤوماً، فقارعوا فوقعت القرعة عليه ثلاث مرات فرموا به، فالتقمه الحوت، وأصل دحضت من الزلق في الماء والطين. يقال: أدحض الله حجته ودحضت، وحكي: دحض الله حجته، وهي قليلة وقوله: ﴿فَٱلْتَقَمَهُ ٱلْحُوتُ﴾ أي: ابتلعه. ﴿وَهُوَ مُلِيمٌ﴾ أي: وهو قد أتى ما يلام عليه (من) خروجه بغير أمر (من) الله. يقال: ألاَمَ الرجل إذَا أتى ما يلام عليه. والمَلُوم: الذي يلام باللسان (إن) استحق ذلك أو لم يستحقه. قال مجاهد: ﴿مُلِيمٌ﴾: مذنب.

الصافات 37:126

قوله تعالى (ذكره): ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي ٱلآخِرِينَ﴾ إلى قوله: ﴿وَهُوَ مُلِيمٌ﴾. أي: وأبقينا على إبراهيم ثناء حسناً في الآخرين من الأمم، قاله قتادة. وقال ابن زيد: سأل إبراهيم عليه السلام ربه فقال: ﴿وَٱجْعَل لِّي لِسَانَ صِدْقٍ فِي ٱلآخِرِينَ﴾ [الشعراء: ٨٤]، أي الثناء الحسن، فأبقى الله عليه أن يقال: ﴿سَلاَمٌ عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ﴾ أي: أمنة من الله أن يذكر الإنجيل. * * ثم قال: ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي ٱلْمُحْسِنِينَ﴾ أي: كما جزينا إبراهيم على طاعته، كذلك نجزي من أطاع الله وأحسن عبادته. * * ثم قال: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيّاً مِّنَ ٱلصَّالِحِينَ﴾ أي: بشرناه - بعد أن فدينا إسماعيل بالذبح - بإسحاق مقدراً له النبوة والصلاح. ومن قال: إن الذبيح إسحاق فمعناه عنده: (وبشرنا إبراهيم) بعد الفداء بنبوة إسحاق نبياً. وفيه بُعْدٌ لأنك (لو) قلت: بشرتك بقدوم زيد قادماً، لم يكن للحال فائدة، ولم يوضع لغير فائدة. قال قتادة: بشر بنبوته بعدما جاد لله بنفسه. * * ثم قال: ﴿وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَىٰ إِسْحَاقَ﴾ أي: ثبتنا عليهما النعمة. ﴿وَمِن ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ﴾ وهو المطيع. ﴿وَظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ﴾ وهو الكافر. وذكر الطبري عن السدي أنه قال: كان إبراهيم كثير الطعام يطعم الناس ويضيفهم، فبينما هو يطعم الناس إذ رأى شيخاً كبيراُ يمشي في الحرة، فبعث إليه بحمار فركبه حتى أتاه فأطعمه فجعل الشيخ يأخذ اللقمة يريد أن يدخلها في فيه فيدخلها في أذنه مرة وفي عينه مرة ثم يدخلها في فيه، فإذا أدخلها في فيه، خرجت من دبره. وكان إبراهيم ﷺ قد سأل ربه ألا يقبض روحه حتى يكون هو الذي يسأله الموت. فقال إبراهيم للشيخ حين رأى حاله: ما بالك يا شيخ تصنع هذا؟ قال يا إبراهيم الكبر، قال له: ابن كم أنت؟ فزاد على عمر إبراهيم بسنتين، فقال إبراهيم: إنما بيني وبينك سنتين، فإذا بلغت ذلك صرت مثله، قال نعم، فقال إبراهيم: اللهم اقبضني إليك قبل ذلك، فقام الشيخ فقبض روح إبراهيم. وكان ملك الموت قد تمثل في صورة شيخ لإبراهيم، ومات إبراهيم وهو ابن مائتي سنة. وقيل: ابن مائة وسبع وتسعين سنة. ثم قال (تعالى): ﴿وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَىٰ مُوسَىٰ وَهَارُونَ﴾ أي: تفضلنا عليهما بالنبوة والرسالة. ﴿وَنَجَّيْنَاهُمَا وَقَوْمَهُمَا﴾ أي: ومن آمن معهما، يعني بني إسرائيل. ﴿مِنَ ٱلْكَرْبِ ٱلْعَظِيمِ﴾ أي: من الغرق. ثم قال (تعالى): ﴿وَنَصَرْنَاهُمْ فَكَانُواْ هُمُ ٱلْغَٰلِبِينَ﴾ أي: ونصرنا موسى وهارون وقومهما على فرعون وآله بتغريقنا إياهم فكانوا هم الغالبين. وقال الفراء: الضمير في ﴿وَنَصَرْنَاهُمْ﴾ و ﴿فَكَانُواْ﴾ ﴿هُمُ ٱلْغَٰلِبِينَ﴾ يعود على موسى وهارون وأن التثنية ردت إلى الجمع. ودل على ذلك قوله (جل ذكره). * * ﴿وَآتَيْنَاهُمَا ٱلْكِتَابَ ٱلْمُسْتَبِينَ * وَهَدَيْنَاهُمَا ٱلصِّرَاطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ * وَتَرَكْنَا عَلَيْهِمَا فِي ٱلآخِرِينَ * سَلاَمٌ عَلَىٰ مُوسَىٰ وَهَارُونَ﴾. وقال قوم: إنما جمع في موضع التثنية لأنهما عظيما الشأن جليلا القدر. والعرب تخبر عن الواحد من هذا النوع بلفظ الجمع، فالإخبار عن اثنين منهما بلفظ (الجمع) آكد وأحسن. * * ومعنى ﴿ٱلْمُسْتَبِينَ﴾: المتبين هداه وفضله وأحكامه، يعني التوراة، والصراط المستقيم: الإسلام. ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِمَا فِي ٱلآخِرِينَ﴾ أي: أبقينا عليهما الذكر الجميل والثناء الحسن، فكذلك نفعل بمن أحسن في طاعتي وأدى فرائضي. وفيه من الاختلاف ما تقدم في قصة نوح، وهو يقتضي قوله: ﴿وَٱجْعَل لِّي لِسَانَ صِدْقٍ فِي ٱلآخِرِينَ﴾ [الشعراء: ٨٤]. (ثم قال): ﴿إِنَّهُمَا مِنْ عِبَادِنَا ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: الذين أخلصناهم واخترناهم للطاعة وهديناهم للإيمان. ومن كسر اللام فمعناه: إنهما من عبادنا الذين أخلصوا العمل ولم يشركوا فيه غيري. قال (تعالى): ﴿وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ﴾. قال ابن إسحاق: (وهو إلياس) (بن) ياسين بن فنحاص بن العزار بن هارون بن عمران. وكان إلياس من سبط يوشع بن نون، بعثه الله تعالى إلى أهل بعلبك، (وكانوا يعبدون صنماً) يقال له بعل. وقيل هو إدريس. قاله قتادة. والمعنى: (إنه) لَمِنَ الذين أرسلهم الله إلى الخلق، فقال لقومه: ألا تتقون الله فتخافون عقابه على عبادتكم رباً غيره. (و) هو قوله: ﴿أَتَدْعُونَ بَعْلاً وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ ٱلْخَالِقِينَ﴾. والبعل: الرب لغة أهل اليمن مشهورة، قاله عكرمة ومجاهد وقتادة والسدي. وروي ذلك عن ابن عباس. وقال الضحاك: هو صنم لهم يسمى بعلاً. وقال ابن زيد: هو صنم كانوا يعبدونه ببعلبك مدينة وراء دمشق. وقيل: إن بعلاً تيس كانوا يعبدون. وقال ابن إسحاق: بلغني أن بعلاً امرأة كانوا يعبدونها من دون الله جل ذكره. قال وهب بن منبه: بعث الله إلياس إلى بني إسرائيل حين نسوا ما عهد الله إليهم، حتى (نصبوا) الأوثان وعبدوها من دون الله، فجعل إلياس يدعوهم إلى الله عز وجل، وجعلوا لا يسمعون منه شيئاً. وكان (له مَلِكٌ) من ملوك بني إسرائيل يطيعونه يقال له: جاب. وكان إلياس يقرب من الملك، وكان الملك يطيع إلياس (فيما) يقول له، ويراه الناس على هدى. وكانت ملوك بني إسرائيل قد افترقت في البلاد وأخذ كل واحد ناحية يأكلها، ويعبدون الأصنام، فقال الملك يوماً لإلياس: والله ما أرى ما تدعو إليه إلا باطلاً، والله ما أرى (فلاناً) وفلاناً - يذكر ملوكاً من ملوك بني إسرائيل - إلا قد عبدوا الأوثان من دون الله، وهم (على) نحو ما نحن عليه (من النعيم)، يأكلون ويشربون ويتنعمون مملكين، ما تنقص دنياهم عبادتهم الأوثان التي تزعم أنها باطل وما نرى لنا عليهم من فضل، فعظم الأمر على إلياس، واقشعر جلده وخرج عنه، ففعل ذلك الملك فعل أصحابه وعبد الأوثان، فقال إلياس: اللهم إن بني إسرائيل قد أبوا إلا الكفر بك والعبادة لغيرك فغير ما بهم من نعمة! أو كما قال: (قال) ابن إسحاق: فذكر لنا أنه أوحي إليه أنا قد جعلنا أمر أرزاقهم بيدك وإليك حتى تكون أنت الذي تأذن في ذلك. فقال إلياس: اللهم أمسك عنهم القطر، فحبس عنهم ثلاث سنين حتى هلكت الماشية والدواب والشجر، وجهد الناس جهداً شديداً، وكان إلياس حين دعا عليهم قد استخفى شفقاً على نفسه منهم. وكان حيث ما كان وضع له رزق، وكانوا إذا وجدوا ريح الخبز في دار أو بيت قالوا: قد دخل إلياس هذا المكان فطلبوه ولقي أهل ذلك المنزل شراً. ثم إنه أوى ليلة إلى امرأة من بني إسرائيل لها ابن يقال له: اليسع بن أخطوب به ضر، فآوته وأخفت أمره فدعا إلياس لابنها فعوفي من الضر الذي كان به واتبع اليسع إلياس. فآمن به وصدقه ولزمه، وكان يذهب معه حيث ما ذهب، وكان إلياس قد أسن وكبر، وكان اليسع غلاماً شاباً، فَذُكِر أن الله جل ذكره أوحى إلى إلياس: إنك قد أهلكت خلقاً كثيراً بخطايا بني إسرائيل من البهائم والدواب والطير والهوام والشجر. فذكر - والله أعلم - أن إلياس قال: أي رب، دعني أكن أنا الذي أدعوا لهم به، وأكن أنا الذي آتيهم بالفرج مما هم فيه من البلاء الذي أصابهم لعلهم يرجعون عن عبادة غيرك، فقيل له: نعم، فأتى إلياس إلى بني إسرائيل، فقال لهم: إنكم قد هلكتم جهداً وهلكت البهائم والدواب والطير والشجر بخطاياكم، وإنكم على باطل وغرور، أو كما قال لهم، فإن كنتم تحبون (علم) ذلك، وتعلمون أن الله عليكم ساخط فيما أنتم عليه، والذي أدعوكم إليه الحق، فاخرجوا بأصنامكم هذه التي تبعدونها وتزعمون أنها خير مما أدعوكم إليه، فإن استجابت لكم فذلك كما تقولون. فإن هي لم تفعل علمتم أنكم على باطل فنزعتم ودعوت الله يفرج عنكم ما أنتم فيه من البلاء، قالوا: أنْصَفت، فخرجوا بأوثانهم وما يتقربون به إلى الله من أحداثهم، فدعوها فلم تستجب لهم ولم تفرج عنهم ما كانوا فيه من البلاء، فعرفوا ما هم فيه من الضلال والباطل، فقالوا لإلياس: يا إلياس إنا قد هلكنا، فادع الله لنا، فدعا إلياس لهم بالفرج مما هم فيه، وأن يسقوا، فخرجت سحابة مثل الترس بإذن الله على ظهر البحر وهم ينظرون، ثم ترامى إليهما السحاب ثم أُدْحِيت، ثم أرسل الله المطر فأغاثهم، فحييث بلادهم وفرج عنهم ما كانوا فيه من البلاء. فلم يرجعوا ولا نزعوا، وأقاموا على ما كانوا عليه، فلما رأى ذلك إلياس من كفرهم، دعا ربه يقبضه إليه فيريحه منهم، فذكر أن الله عز وجل أوحى إليه: أخرج إلى بلد كذا وكذا فما جاءك من شيء فاركبه ولا تهبه، فخرج إلياس وخرج معه اليسع حتى إذا كانا بالبلد الذي ذكر له في المكان الذي أمر به أقبل فرس من نار حتى وقف بين يديه، فوثب عليه فانطلق به (فناداه) اليسع يا إلياس (يا إلياس) ما تأمرني به؟ فكان آخر عهدهم به، فكساه الله الريش، وألبسه النور، (وقطع) عنه لذة المطعم والمشرب، وكان في الملائكة إنيساً ملكياً أرضياً سماوياً. قال أبو محمد رضي الله عنه: وهذا الخبر إذا صح فإنما يصح على قول من قال: إنه إدريس ﷺ لقوله تعالى ذكره في إدريس ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَاناً عَلِيّاً﴾ [مريم: ٥٧]. * * وقوله: ﴿وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ ٱلْخَالِقِينَ﴾ أي: خالقكم الذي هو أحسن المقدرين للأشياء. ﴿ٱللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبَآئِكُمُ ٱلأَوَّلِينَ﴾ أي الماضين. [ثم قال: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ﴾ أي: محضرون في عذاب الله]. * * ثم قال: ﴿إِلاَّ عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلْمُخْلَصِينَ﴾ أي: الذين اختارهم (الله) فأنجاهم من العذاب بتوفيقه إياهم. * * ثم قال: ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي ٱلآخِرِينَ * سَلاَمٌ عَلَىٰ إِلْ يَاسِينَ﴾ أي: وأبقينا عليه الثناء الحسن بعده، فيقال: "سلام على آل ياسين"، أي: سلام على أهل دينه، فيسلم على أهله من أجله، فهو داخل في أفضل الثناء. ومن قرأ "اليَاسِينَ" غير مقطوع. فقال ابن أبي إسحاق: هو اسمه مثل ابراهيم. وذهب أبو عبيد إلى أنه جُمِعَ جَمْعَ السلامة على معنى أنه وأهل مذهبه يسلم عليهم. وقال علي بن سليمان: العرب تُسمي قوم الرجل باسم الرجل الجليل منهم، فيقولون: المهالبة لأصحاب المهلب، كأنهم سموا كل واحد بالمهلب فعلى هذا قيل الياسين، يريد قومه المؤمنين كأنه سمَّى كل واحد منهم بإلياس. وذكر سيبويه أن هذا المعنى إنما يجيء على معنى النسبة، حكى الأشعرون، يريد به النسب. واحتج أبو عمرو وأبو عبيد على تركه لقراءة آل ياسين، أنه ليس في السور سلام على آل فلان من الأنبياء، فكما سمي الأنبياء في هذا المعنى سمي هو. ولا حجة في هذا لأنه إذا أثني على قومه المؤمنين من أجله فهو داخل في ذلك وله منه أوفر الحظ، وهو أبلغ في المدح ممن أثني عليه باسمه، وأيضاً فإن الخط مثبت بالانفصال. وقال الفراء: هو مثل ﴿طُورِ سَيْنَآءَ﴾ [المؤمنون: ٢٠] و ﴿وَطُورِ سِينِينَ﴾ [التين: ٢]، والمعنى واحد. ومعنى ذلك: أن إلياس اسم أعجمي، [والعرب إذا استعملت الأسماء الأعجمية في كلامها غيرتها بضروب من] التعبير، فيقولون: إبراهيم وإبراهام وإبرهام، وميكائيل ومْيكائيل وميكاين وميكال، وإسماعيل وإسمعيل، وإسرائيل وإسرائين، وشبهه. فكذلك إلياس وإلياسين هو واحد. قال السدي: "سلام على الياسين" هو: إلياس. قال الفراء: إن أخذته من الأَلْيَسِ صرفته، فيكون وزنه على هذا إفعال مثل إخراج. وقرأ الحسن بوصل الألف (بجعله الألف) واللام اللتين للتعريف دخلتا على ياسين. * * ثم قال: ﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي ٱلْمُحْسِنِينَ﴾ أي: كما فعلنا بإلياس كذلك نفعل بأهل الطاعة والإحسان. * * ثم قال: ﴿إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: من الذين آمنوا وأطاعوا ولم يشركوا. ثم قال (تعالى): ﴿وَإِنَّ لُوطاً لَّمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ﴾ أي: لمن الذين أرسلهم الله بالإنذار والإعذار. ثم قال (تعالى): ﴿إِذْ نَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ﴾ أي: من العذاب الذي أحللنا بقومه على كفرهم. وفي الكلام حذف، والتقدير: وإن لوطاً لمن المرسلين إلى قومه بالإنذار فكذبوه فنجيناه وأهله. * * ثم قال: ﴿إِلاَّ عَجُوزاً فِي ٱلْغَابِرِينَ﴾ أي: في الباقين، يعني امرأة لوط. قال الضحاك: يعني امرأته تخلفت فمسخت حجراً. وقال السدي: "في الغابرين" في الهالكين. وقيل: في "الغابرين": في الذين بلغوا العمر الطويل، وقد تقدم هذا بأشبع شرحاً. * * ثم قال: ﴿ثُمَّ دَمَّرْنَا ٱلآخَرِينَ﴾ أي: أهلكناهم بالحجارة. * * ثم قال: ﴿وَإِنَّكُمْ لَّتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُّصْبِحِينَ﴾ هذا خطاب لقريش، أي: إنكم لتمرون في أسفاركم على آثارهم وديارهم وموضع هلاكهم في النهار وفي الليل، فلا تتعظون، لا تزدجرون وتخافون أن يصيبكم مثل ما أصابهم، ولا تعقلون ما يراد بكم، وأنه من سلك مثل ما سلكوا من الكفر والتكذيب أنه صائر إلى مثل ما صاروا إليه. "وبالليل" وقف كاف، و "تعقلون" التمام. ثم قال (تعالى): ﴿وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ﴾ أي: لمن الذين أُرْسِلَ إلى قومه بالإنذار والإعذار. ﴿إِلَى ٱلْفُلْكِ ٱلْمَشْحُونِ﴾ (أي): هرب. وقال المبرد: أصله تباعد. وقيل له : آبق لأنه خرج بغير أمر الله عز وجل مستتراً من الناس إلى الفلك وهي السفينة. والمشحون: المملوء الموقر. "فَسَاهَمَ" أي: فقارع. قال السدي: فاحتبست بهم السفينة فعلموا أنها إنما احتبست من حدث أحدثوه، فتساهموا فقُرع يونس فرمى بنفسه، فالتقمه الحوت. * * وقوله: ﴿فَكَانَ مِنَ ٱلْمُدْحَضِينَ﴾ أي: من المقروعين. قال طاوس، لما ركب السفينة ركدت فقالوا: إن فيها رجلاً مشؤوماً، فقارعوا فوقعت القرعة عليه ثلاث مرات فرموا به، فالتقمه الحوت، وأصل دحضت من الزلق في الماء والطين. يقال: أدحض الله حجته ودحضت، وحكي: دحض الله حجته، وهي قليلة وقوله: ﴿فَٱلْتَقَمَهُ ٱلْحُوتُ﴾ أي: ابتلعه. ﴿وَهُوَ مُلِيمٌ﴾ أي: وهو قد أتى ما يلام عليه (من) خروجه بغير أمر (من) الله. يقال: ألاَمَ الرجل إذَا أتى ما يلام عليه. والمَلُوم: الذي يلام باللسان (إن) استحق ذلك أو لم يستحقه. قال مجاهد: ﴿مُلِيمٌ﴾: مذنب.

الصافات 37:127

قوله تعالى (ذكره): ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي ٱلآخِرِينَ﴾ إلى قوله: ﴿وَهُوَ مُلِيمٌ﴾. أي: وأبقينا على إبراهيم ثناء حسناً في الآخرين من الأمم، قاله قتادة. وقال ابن زيد: سأل إبراهيم عليه السلام ربه فقال: ﴿وَٱجْعَل لِّي لِسَانَ صِدْقٍ فِي ٱلآخِرِينَ﴾ [الشعراء: ٨٤]، أي الثناء الحسن، فأبقى الله عليه أن يقال: ﴿سَلاَمٌ عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ﴾ أي: أمنة من الله أن يذكر الإنجيل. * * ثم قال: ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي ٱلْمُحْسِنِينَ﴾ أي: كما جزينا إبراهيم على طاعته، كذلك نجزي من أطاع الله وأحسن عبادته. * * ثم قال: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيّاً مِّنَ ٱلصَّالِحِينَ﴾ أي: بشرناه - بعد أن فدينا إسماعيل بالذبح - بإسحاق مقدراً له النبوة والصلاح. ومن قال: إن الذبيح إسحاق فمعناه عنده: (وبشرنا إبراهيم) بعد الفداء بنبوة إسحاق نبياً. وفيه بُعْدٌ لأنك (لو) قلت: بشرتك بقدوم زيد قادماً، لم يكن للحال فائدة، ولم يوضع لغير فائدة. قال قتادة: بشر بنبوته بعدما جاد لله بنفسه. * * ثم قال: ﴿وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَىٰ إِسْحَاقَ﴾ أي: ثبتنا عليهما النعمة. ﴿وَمِن ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ﴾ وهو المطيع. ﴿وَظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ﴾ وهو الكافر. وذكر الطبري عن السدي أنه قال: كان إبراهيم كثير الطعام يطعم الناس ويضيفهم، فبينما هو يطعم الناس إذ رأى شيخاً كبيراُ يمشي في الحرة، فبعث إليه بحمار فركبه حتى أتاه فأطعمه فجعل الشيخ يأخذ اللقمة يريد أن يدخلها في فيه فيدخلها في أذنه مرة وفي عينه مرة ثم يدخلها في فيه، فإذا أدخلها في فيه، خرجت من دبره. وكان إبراهيم ﷺ قد سأل ربه ألا يقبض روحه حتى يكون هو الذي يسأله الموت. فقال إبراهيم للشيخ حين رأى حاله: ما بالك يا شيخ تصنع هذا؟ قال يا إبراهيم الكبر، قال له: ابن كم أنت؟ فزاد على عمر إبراهيم بسنتين، فقال إبراهيم: إنما بيني وبينك سنتين، فإذا بلغت ذلك صرت مثله، قال نعم، فقال إبراهيم: اللهم اقبضني إليك قبل ذلك، فقام الشيخ فقبض روح إبراهيم. وكان ملك الموت قد تمثل في صورة شيخ لإبراهيم، ومات إبراهيم وهو ابن مائتي سنة. وقيل: ابن مائة وسبع وتسعين سنة. ثم قال (تعالى): ﴿وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَىٰ مُوسَىٰ وَهَارُونَ﴾ أي: تفضلنا عليهما بالنبوة والرسالة. ﴿وَنَجَّيْنَاهُمَا وَقَوْمَهُمَا﴾ أي: ومن آمن معهما، يعني بني إسرائيل. ﴿مِنَ ٱلْكَرْبِ ٱلْعَظِيمِ﴾ أي: من الغرق. ثم قال (تعالى): ﴿وَنَصَرْنَاهُمْ فَكَانُواْ هُمُ ٱلْغَٰلِبِينَ﴾ أي: ونصرنا موسى وهارون وقومهما على فرعون وآله بتغريقنا إياهم فكانوا هم الغالبين. وقال الفراء: الضمير في ﴿وَنَصَرْنَاهُمْ﴾ و ﴿فَكَانُواْ﴾ ﴿هُمُ ٱلْغَٰلِبِينَ﴾ يعود على موسى وهارون وأن التثنية ردت إلى الجمع. ودل على ذلك قوله (جل ذكره). * * ﴿وَآتَيْنَاهُمَا ٱلْكِتَابَ ٱلْمُسْتَبِينَ * وَهَدَيْنَاهُمَا ٱلصِّرَاطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ * وَتَرَكْنَا عَلَيْهِمَا فِي ٱلآخِرِينَ * سَلاَمٌ عَلَىٰ مُوسَىٰ وَهَارُونَ﴾. وقال قوم: إنما جمع في موضع التثنية لأنهما عظيما الشأن جليلا القدر. والعرب تخبر عن الواحد من هذا النوع بلفظ الجمع، فالإخبار عن اثنين منهما بلفظ (الجمع) آكد وأحسن. * * ومعنى ﴿ٱلْمُسْتَبِينَ﴾: المتبين هداه وفضله وأحكامه، يعني التوراة، والصراط المستقيم: الإسلام. ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِمَا فِي ٱلآخِرِينَ﴾ أي: أبقينا عليهما الذكر الجميل والثناء الحسن، فكذلك نفعل بمن أحسن في طاعتي وأدى فرائضي. وفيه من الاختلاف ما تقدم في قصة نوح، وهو يقتضي قوله: ﴿وَٱجْعَل لِّي لِسَانَ صِدْقٍ فِي ٱلآخِرِينَ﴾ [الشعراء: ٨٤]. (ثم قال): ﴿إِنَّهُمَا مِنْ عِبَادِنَا ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: الذين أخلصناهم واخترناهم للطاعة وهديناهم للإيمان. ومن كسر اللام فمعناه: إنهما من عبادنا الذين أخلصوا العمل ولم يشركوا فيه غيري. قال (تعالى): ﴿وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ﴾. قال ابن إسحاق: (وهو إلياس) (بن) ياسين بن فنحاص بن العزار بن هارون بن عمران. وكان إلياس من سبط يوشع بن نون، بعثه الله تعالى إلى أهل بعلبك، (وكانوا يعبدون صنماً) يقال له بعل. وقيل هو إدريس. قاله قتادة. والمعنى: (إنه) لَمِنَ الذين أرسلهم الله إلى الخلق، فقال لقومه: ألا تتقون الله فتخافون عقابه على عبادتكم رباً غيره. (و) هو قوله: ﴿أَتَدْعُونَ بَعْلاً وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ ٱلْخَالِقِينَ﴾. والبعل: الرب لغة أهل اليمن مشهورة، قاله عكرمة ومجاهد وقتادة والسدي. وروي ذلك عن ابن عباس. وقال الضحاك: هو صنم لهم يسمى بعلاً. وقال ابن زيد: هو صنم كانوا يعبدونه ببعلبك مدينة وراء دمشق. وقيل: إن بعلاً تيس كانوا يعبدون. وقال ابن إسحاق: بلغني أن بعلاً امرأة كانوا يعبدونها من دون الله جل ذكره. قال وهب بن منبه: بعث الله إلياس إلى بني إسرائيل حين نسوا ما عهد الله إليهم، حتى (نصبوا) الأوثان وعبدوها من دون الله، فجعل إلياس يدعوهم إلى الله عز وجل، وجعلوا لا يسمعون منه شيئاً. وكان (له مَلِكٌ) من ملوك بني إسرائيل يطيعونه يقال له: جاب. وكان إلياس يقرب من الملك، وكان الملك يطيع إلياس (فيما) يقول له، ويراه الناس على هدى. وكانت ملوك بني إسرائيل قد افترقت في البلاد وأخذ كل واحد ناحية يأكلها، ويعبدون الأصنام، فقال الملك يوماً لإلياس: والله ما أرى ما تدعو إليه إلا باطلاً، والله ما أرى (فلاناً) وفلاناً - يذكر ملوكاً من ملوك بني إسرائيل - إلا قد عبدوا الأوثان من دون الله، وهم (على) نحو ما نحن عليه (من النعيم)، يأكلون ويشربون ويتنعمون مملكين، ما تنقص دنياهم عبادتهم الأوثان التي تزعم أنها باطل وما نرى لنا عليهم من فضل، فعظم الأمر على إلياس، واقشعر جلده وخرج عنه، ففعل ذلك الملك فعل أصحابه وعبد الأوثان، فقال إلياس: اللهم إن بني إسرائيل قد أبوا إلا الكفر بك والعبادة لغيرك فغير ما بهم من نعمة! أو كما قال: (قال) ابن إسحاق: فذكر لنا أنه أوحي إليه أنا قد جعلنا أمر أرزاقهم بيدك وإليك حتى تكون أنت الذي تأذن في ذلك. فقال إلياس: اللهم أمسك عنهم القطر، فحبس عنهم ثلاث سنين حتى هلكت الماشية والدواب والشجر، وجهد الناس جهداً شديداً، وكان إلياس حين دعا عليهم قد استخفى شفقاً على نفسه منهم. وكان حيث ما كان وضع له رزق، وكانوا إذا وجدوا ريح الخبز في دار أو بيت قالوا: قد دخل إلياس هذا المكان فطلبوه ولقي أهل ذلك المنزل شراً. ثم إنه أوى ليلة إلى امرأة من بني إسرائيل لها ابن يقال له: اليسع بن أخطوب به ضر، فآوته وأخفت أمره فدعا إلياس لابنها فعوفي من الضر الذي كان به واتبع اليسع إلياس. فآمن به وصدقه ولزمه، وكان يذهب معه حيث ما ذهب، وكان إلياس قد أسن وكبر، وكان اليسع غلاماً شاباً، فَذُكِر أن الله جل ذكره أوحى إلى إلياس: إنك قد أهلكت خلقاً كثيراً بخطايا بني إسرائيل من البهائم والدواب والطير والهوام والشجر. فذكر - والله أعلم - أن إلياس قال: أي رب، دعني أكن أنا الذي أدعوا لهم به، وأكن أنا الذي آتيهم بالفرج مما هم فيه من البلاء الذي أصابهم لعلهم يرجعون عن عبادة غيرك، فقيل له: نعم، فأتى إلياس إلى بني إسرائيل، فقال لهم: إنكم قد هلكتم جهداً وهلكت البهائم والدواب والطير والشجر بخطاياكم، وإنكم على باطل وغرور، أو كما قال لهم، فإن كنتم تحبون (علم) ذلك، وتعلمون أن الله عليكم ساخط فيما أنتم عليه، والذي أدعوكم إليه الحق، فاخرجوا بأصنامكم هذه التي تبعدونها وتزعمون أنها خير مما أدعوكم إليه، فإن استجابت لكم فذلك كما تقولون. فإن هي لم تفعل علمتم أنكم على باطل فنزعتم ودعوت الله يفرج عنكم ما أنتم فيه من البلاء، قالوا: أنْصَفت، فخرجوا بأوثانهم وما يتقربون به إلى الله من أحداثهم، فدعوها فلم تستجب لهم ولم تفرج عنهم ما كانوا فيه من البلاء، فعرفوا ما هم فيه من الضلال والباطل، فقالوا لإلياس: يا إلياس إنا قد هلكنا، فادع الله لنا، فدعا إلياس لهم بالفرج مما هم فيه، وأن يسقوا، فخرجت سحابة مثل الترس بإذن الله على ظهر البحر وهم ينظرون، ثم ترامى إليهما السحاب ثم أُدْحِيت، ثم أرسل الله المطر فأغاثهم، فحييث بلادهم وفرج عنهم ما كانوا فيه من البلاء. فلم يرجعوا ولا نزعوا، وأقاموا على ما كانوا عليه، فلما رأى ذلك إلياس من كفرهم، دعا ربه يقبضه إليه فيريحه منهم، فذكر أن الله عز وجل أوحى إليه: أخرج إلى بلد كذا وكذا فما جاءك من شيء فاركبه ولا تهبه، فخرج إلياس وخرج معه اليسع حتى إذا كانا بالبلد الذي ذكر له في المكان الذي أمر به أقبل فرس من نار حتى وقف بين يديه، فوثب عليه فانطلق به (فناداه) اليسع يا إلياس (يا إلياس) ما تأمرني به؟ فكان آخر عهدهم به، فكساه الله الريش، وألبسه النور، (وقطع) عنه لذة المطعم والمشرب، وكان في الملائكة إنيساً ملكياً أرضياً سماوياً. قال أبو محمد رضي الله عنه: وهذا الخبر إذا صح فإنما يصح على قول من قال: إنه إدريس ﷺ لقوله تعالى ذكره في إدريس ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَاناً عَلِيّاً﴾ [مريم: ٥٧]. * * وقوله: ﴿وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ ٱلْخَالِقِينَ﴾ أي: خالقكم الذي هو أحسن المقدرين للأشياء. ﴿ٱللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبَآئِكُمُ ٱلأَوَّلِينَ﴾ أي الماضين. [ثم قال: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ﴾ أي: محضرون في عذاب الله]. * * ثم قال: ﴿إِلاَّ عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلْمُخْلَصِينَ﴾ أي: الذين اختارهم (الله) فأنجاهم من العذاب بتوفيقه إياهم. * * ثم قال: ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي ٱلآخِرِينَ * سَلاَمٌ عَلَىٰ إِلْ يَاسِينَ﴾ أي: وأبقينا عليه الثناء الحسن بعده، فيقال: "سلام على آل ياسين"، أي: سلام على أهل دينه، فيسلم على أهله من أجله، فهو داخل في أفضل الثناء. ومن قرأ "اليَاسِينَ" غير مقطوع. فقال ابن أبي إسحاق: هو اسمه مثل ابراهيم. وذهب أبو عبيد إلى أنه جُمِعَ جَمْعَ السلامة على معنى أنه وأهل مذهبه يسلم عليهم. وقال علي بن سليمان: العرب تُسمي قوم الرجل باسم الرجل الجليل منهم، فيقولون: المهالبة لأصحاب المهلب، كأنهم سموا كل واحد بالمهلب فعلى هذا قيل الياسين، يريد قومه المؤمنين كأنه سمَّى كل واحد منهم بإلياس. وذكر سيبويه أن هذا المعنى إنما يجيء على معنى النسبة، حكى الأشعرون، يريد به النسب. واحتج أبو عمرو وأبو عبيد على تركه لقراءة آل ياسين، أنه ليس في السور سلام على آل فلان من الأنبياء، فكما سمي الأنبياء في هذا المعنى سمي هو. ولا حجة في هذا لأنه إذا أثني على قومه المؤمنين من أجله فهو داخل في ذلك وله منه أوفر الحظ، وهو أبلغ في المدح ممن أثني عليه باسمه، وأيضاً فإن الخط مثبت بالانفصال. وقال الفراء: هو مثل ﴿طُورِ سَيْنَآءَ﴾ [المؤمنون: ٢٠] و ﴿وَطُورِ سِينِينَ﴾ [التين: ٢]، والمعنى واحد. ومعنى ذلك: أن إلياس اسم أعجمي، [والعرب إذا استعملت الأسماء الأعجمية في كلامها غيرتها بضروب من] التعبير، فيقولون: إبراهيم وإبراهام وإبرهام، وميكائيل ومْيكائيل وميكاين وميكال، وإسماعيل وإسمعيل، وإسرائيل وإسرائين، وشبهه. فكذلك إلياس وإلياسين هو واحد. قال السدي: "سلام على الياسين" هو: إلياس. قال الفراء: إن أخذته من الأَلْيَسِ صرفته، فيكون وزنه على هذا إفعال مثل إخراج. وقرأ الحسن بوصل الألف (بجعله الألف) واللام اللتين للتعريف دخلتا على ياسين. * * ثم قال: ﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي ٱلْمُحْسِنِينَ﴾ أي: كما فعلنا بإلياس كذلك نفعل بأهل الطاعة والإحسان. * * ثم قال: ﴿إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: من الذين آمنوا وأطاعوا ولم يشركوا. ثم قال (تعالى): ﴿وَإِنَّ لُوطاً لَّمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ﴾ أي: لمن الذين أرسلهم الله بالإنذار والإعذار. ثم قال (تعالى): ﴿إِذْ نَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ﴾ أي: من العذاب الذي أحللنا بقومه على كفرهم. وفي الكلام حذف، والتقدير: وإن لوطاً لمن المرسلين إلى قومه بالإنذار فكذبوه فنجيناه وأهله. * * ثم قال: ﴿إِلاَّ عَجُوزاً فِي ٱلْغَابِرِينَ﴾ أي: في الباقين، يعني امرأة لوط. قال الضحاك: يعني امرأته تخلفت فمسخت حجراً. وقال السدي: "في الغابرين" في الهالكين. وقيل: في "الغابرين": في الذين بلغوا العمر الطويل، وقد تقدم هذا بأشبع شرحاً. * * ثم قال: ﴿ثُمَّ دَمَّرْنَا ٱلآخَرِينَ﴾ أي: أهلكناهم بالحجارة. * * ثم قال: ﴿وَإِنَّكُمْ لَّتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُّصْبِحِينَ﴾ هذا خطاب لقريش، أي: إنكم لتمرون في أسفاركم على آثارهم وديارهم وموضع هلاكهم في النهار وفي الليل، فلا تتعظون، لا تزدجرون وتخافون أن يصيبكم مثل ما أصابهم، ولا تعقلون ما يراد بكم، وأنه من سلك مثل ما سلكوا من الكفر والتكذيب أنه صائر إلى مثل ما صاروا إليه. "وبالليل" وقف كاف، و "تعقلون" التمام. ثم قال (تعالى): ﴿وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ﴾ أي: لمن الذين أُرْسِلَ إلى قومه بالإنذار والإعذار. ﴿إِلَى ٱلْفُلْكِ ٱلْمَشْحُونِ﴾ (أي): هرب. وقال المبرد: أصله تباعد. وقيل له : آبق لأنه خرج بغير أمر الله عز وجل مستتراً من الناس إلى الفلك وهي السفينة. والمشحون: المملوء الموقر. "فَسَاهَمَ" أي: فقارع. قال السدي: فاحتبست بهم السفينة فعلموا أنها إنما احتبست من حدث أحدثوه، فتساهموا فقُرع يونس فرمى بنفسه، فالتقمه الحوت. * * وقوله: ﴿فَكَانَ مِنَ ٱلْمُدْحَضِينَ﴾ أي: من المقروعين. قال طاوس، لما ركب السفينة ركدت فقالوا: إن فيها رجلاً مشؤوماً، فقارعوا فوقعت القرعة عليه ثلاث مرات فرموا به، فالتقمه الحوت، وأصل دحضت من الزلق في الماء والطين. يقال: أدحض الله حجته ودحضت، وحكي: دحض الله حجته، وهي قليلة وقوله: ﴿فَٱلْتَقَمَهُ ٱلْحُوتُ﴾ أي: ابتلعه. ﴿وَهُوَ مُلِيمٌ﴾ أي: وهو قد أتى ما يلام عليه (من) خروجه بغير أمر (من) الله. يقال: ألاَمَ الرجل إذَا أتى ما يلام عليه. والمَلُوم: الذي يلام باللسان (إن) استحق ذلك أو لم يستحقه. قال مجاهد: ﴿مُلِيمٌ﴾: مذنب.

الصافات 37:128

قوله تعالى (ذكره): ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي ٱلآخِرِينَ﴾ إلى قوله: ﴿وَهُوَ مُلِيمٌ﴾. أي: وأبقينا على إبراهيم ثناء حسناً في الآخرين من الأمم، قاله قتادة. وقال ابن زيد: سأل إبراهيم عليه السلام ربه فقال: ﴿وَٱجْعَل لِّي لِسَانَ صِدْقٍ فِي ٱلآخِرِينَ﴾ [الشعراء: ٨٤]، أي الثناء الحسن، فأبقى الله عليه أن يقال: ﴿سَلاَمٌ عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ﴾ أي: أمنة من الله أن يذكر الإنجيل. * * ثم قال: ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي ٱلْمُحْسِنِينَ﴾ أي: كما جزينا إبراهيم على طاعته، كذلك نجزي من أطاع الله وأحسن عبادته. * * ثم قال: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيّاً مِّنَ ٱلصَّالِحِينَ﴾ أي: بشرناه - بعد أن فدينا إسماعيل بالذبح - بإسحاق مقدراً له النبوة والصلاح. ومن قال: إن الذبيح إسحاق فمعناه عنده: (وبشرنا إبراهيم) بعد الفداء بنبوة إسحاق نبياً. وفيه بُعْدٌ لأنك (لو) قلت: بشرتك بقدوم زيد قادماً، لم يكن للحال فائدة، ولم يوضع لغير فائدة. قال قتادة: بشر بنبوته بعدما جاد لله بنفسه. * * ثم قال: ﴿وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَىٰ إِسْحَاقَ﴾ أي: ثبتنا عليهما النعمة. ﴿وَمِن ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ﴾ وهو المطيع. ﴿وَظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ﴾ وهو الكافر. وذكر الطبري عن السدي أنه قال: كان إبراهيم كثير الطعام يطعم الناس ويضيفهم، فبينما هو يطعم الناس إذ رأى شيخاً كبيراُ يمشي في الحرة، فبعث إليه بحمار فركبه حتى أتاه فأطعمه فجعل الشيخ يأخذ اللقمة يريد أن يدخلها في فيه فيدخلها في أذنه مرة وفي عينه مرة ثم يدخلها في فيه، فإذا أدخلها في فيه، خرجت من دبره. وكان إبراهيم ﷺ قد سأل ربه ألا يقبض روحه حتى يكون هو الذي يسأله الموت. فقال إبراهيم للشيخ حين رأى حاله: ما بالك يا شيخ تصنع هذا؟ قال يا إبراهيم الكبر، قال له: ابن كم أنت؟ فزاد على عمر إبراهيم بسنتين، فقال إبراهيم: إنما بيني وبينك سنتين، فإذا بلغت ذلك صرت مثله، قال نعم، فقال إبراهيم: اللهم اقبضني إليك قبل ذلك، فقام الشيخ فقبض روح إبراهيم. وكان ملك الموت قد تمثل في صورة شيخ لإبراهيم، ومات إبراهيم وهو ابن مائتي سنة. وقيل: ابن مائة وسبع وتسعين سنة. ثم قال (تعالى): ﴿وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَىٰ مُوسَىٰ وَهَارُونَ﴾ أي: تفضلنا عليهما بالنبوة والرسالة. ﴿وَنَجَّيْنَاهُمَا وَقَوْمَهُمَا﴾ أي: ومن آمن معهما، يعني بني إسرائيل. ﴿مِنَ ٱلْكَرْبِ ٱلْعَظِيمِ﴾ أي: من الغرق. ثم قال (تعالى): ﴿وَنَصَرْنَاهُمْ فَكَانُواْ هُمُ ٱلْغَٰلِبِينَ﴾ أي: ونصرنا موسى وهارون وقومهما على فرعون وآله بتغريقنا إياهم فكانوا هم الغالبين. وقال الفراء: الضمير في ﴿وَنَصَرْنَاهُمْ﴾ و ﴿فَكَانُواْ﴾ ﴿هُمُ ٱلْغَٰلِبِينَ﴾ يعود على موسى وهارون وأن التثنية ردت إلى الجمع. ودل على ذلك قوله (جل ذكره). * * ﴿وَآتَيْنَاهُمَا ٱلْكِتَابَ ٱلْمُسْتَبِينَ * وَهَدَيْنَاهُمَا ٱلصِّرَاطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ * وَتَرَكْنَا عَلَيْهِمَا فِي ٱلآخِرِينَ * سَلاَمٌ عَلَىٰ مُوسَىٰ وَهَارُونَ﴾. وقال قوم: إنما جمع في موضع التثنية لأنهما عظيما الشأن جليلا القدر. والعرب تخبر عن الواحد من هذا النوع بلفظ الجمع، فالإخبار عن اثنين منهما بلفظ (الجمع) آكد وأحسن. * * ومعنى ﴿ٱلْمُسْتَبِينَ﴾: المتبين هداه وفضله وأحكامه، يعني التوراة، والصراط المستقيم: الإسلام. ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِمَا فِي ٱلآخِرِينَ﴾ أي: أبقينا عليهما الذكر الجميل والثناء الحسن، فكذلك نفعل بمن أحسن في طاعتي وأدى فرائضي. وفيه من الاختلاف ما تقدم في قصة نوح، وهو يقتضي قوله: ﴿وَٱجْعَل لِّي لِسَانَ صِدْقٍ فِي ٱلآخِرِينَ﴾ [الشعراء: ٨٤]. (ثم قال): ﴿إِنَّهُمَا مِنْ عِبَادِنَا ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: الذين أخلصناهم واخترناهم للطاعة وهديناهم للإيمان. ومن كسر اللام فمعناه: إنهما من عبادنا الذين أخلصوا العمل ولم يشركوا فيه غيري. قال (تعالى): ﴿وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ﴾. قال ابن إسحاق: (وهو إلياس) (بن) ياسين بن فنحاص بن العزار بن هارون بن عمران. وكان إلياس من سبط يوشع بن نون، بعثه الله تعالى إلى أهل بعلبك، (وكانوا يعبدون صنماً) يقال له بعل. وقيل هو إدريس. قاله قتادة. والمعنى: (إنه) لَمِنَ الذين أرسلهم الله إلى الخلق، فقال لقومه: ألا تتقون الله فتخافون عقابه على عبادتكم رباً غيره. (و) هو قوله: ﴿أَتَدْعُونَ بَعْلاً وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ ٱلْخَالِقِينَ﴾. والبعل: الرب لغة أهل اليمن مشهورة، قاله عكرمة ومجاهد وقتادة والسدي. وروي ذلك عن ابن عباس. وقال الضحاك: هو صنم لهم يسمى بعلاً. وقال ابن زيد: هو صنم كانوا يعبدونه ببعلبك مدينة وراء دمشق. وقيل: إن بعلاً تيس كانوا يعبدون. وقال ابن إسحاق: بلغني أن بعلاً امرأة كانوا يعبدونها من دون الله جل ذكره. قال وهب بن منبه: بعث الله إلياس إلى بني إسرائيل حين نسوا ما عهد الله إليهم، حتى (نصبوا) الأوثان وعبدوها من دون الله، فجعل إلياس يدعوهم إلى الله عز وجل، وجعلوا لا يسمعون منه شيئاً. وكان (له مَلِكٌ) من ملوك بني إسرائيل يطيعونه يقال له: جاب. وكان إلياس يقرب من الملك، وكان الملك يطيع إلياس (فيما) يقول له، ويراه الناس على هدى. وكانت ملوك بني إسرائيل قد افترقت في البلاد وأخذ كل واحد ناحية يأكلها، ويعبدون الأصنام، فقال الملك يوماً لإلياس: والله ما أرى ما تدعو إليه إلا باطلاً، والله ما أرى (فلاناً) وفلاناً - يذكر ملوكاً من ملوك بني إسرائيل - إلا قد عبدوا الأوثان من دون الله، وهم (على) نحو ما نحن عليه (من النعيم)، يأكلون ويشربون ويتنعمون مملكين، ما تنقص دنياهم عبادتهم الأوثان التي تزعم أنها باطل وما نرى لنا عليهم من فضل، فعظم الأمر على إلياس، واقشعر جلده وخرج عنه، ففعل ذلك الملك فعل أصحابه وعبد الأوثان، فقال إلياس: اللهم إن بني إسرائيل قد أبوا إلا الكفر بك والعبادة لغيرك فغير ما بهم من نعمة! أو كما قال: (قال) ابن إسحاق: فذكر لنا أنه أوحي إليه أنا قد جعلنا أمر أرزاقهم بيدك وإليك حتى تكون أنت الذي تأذن في ذلك. فقال إلياس: اللهم أمسك عنهم القطر، فحبس عنهم ثلاث سنين حتى هلكت الماشية والدواب والشجر، وجهد الناس جهداً شديداً، وكان إلياس حين دعا عليهم قد استخفى شفقاً على نفسه منهم. وكان حيث ما كان وضع له رزق، وكانوا إذا وجدوا ريح الخبز في دار أو بيت قالوا: قد دخل إلياس هذا المكان فطلبوه ولقي أهل ذلك المنزل شراً. ثم إنه أوى ليلة إلى امرأة من بني إسرائيل لها ابن يقال له: اليسع بن أخطوب به ضر، فآوته وأخفت أمره فدعا إلياس لابنها فعوفي من الضر الذي كان به واتبع اليسع إلياس. فآمن به وصدقه ولزمه، وكان يذهب معه حيث ما ذهب، وكان إلياس قد أسن وكبر، وكان اليسع غلاماً شاباً، فَذُكِر أن الله جل ذكره أوحى إلى إلياس: إنك قد أهلكت خلقاً كثيراً بخطايا بني إسرائيل من البهائم والدواب والطير والهوام والشجر. فذكر - والله أعلم - أن إلياس قال: أي رب، دعني أكن أنا الذي أدعوا لهم به، وأكن أنا الذي آتيهم بالفرج مما هم فيه من البلاء الذي أصابهم لعلهم يرجعون عن عبادة غيرك، فقيل له: نعم، فأتى إلياس إلى بني إسرائيل، فقال لهم: إنكم قد هلكتم جهداً وهلكت البهائم والدواب والطير والشجر بخطاياكم، وإنكم على باطل وغرور، أو كما قال لهم، فإن كنتم تحبون (علم) ذلك، وتعلمون أن الله عليكم ساخط فيما أنتم عليه، والذي أدعوكم إليه الحق، فاخرجوا بأصنامكم هذه التي تبعدونها وتزعمون أنها خير مما أدعوكم إليه، فإن استجابت لكم فذلك كما تقولون. فإن هي لم تفعل علمتم أنكم على باطل فنزعتم ودعوت الله يفرج عنكم ما أنتم فيه من البلاء، قالوا: أنْصَفت، فخرجوا بأوثانهم وما يتقربون به إلى الله من أحداثهم، فدعوها فلم تستجب لهم ولم تفرج عنهم ما كانوا فيه من البلاء، فعرفوا ما هم فيه من الضلال والباطل، فقالوا لإلياس: يا إلياس إنا قد هلكنا، فادع الله لنا، فدعا إلياس لهم بالفرج مما هم فيه، وأن يسقوا، فخرجت سحابة مثل الترس بإذن الله على ظهر البحر وهم ينظرون، ثم ترامى إليهما السحاب ثم أُدْحِيت، ثم أرسل الله المطر فأغاثهم، فحييث بلادهم وفرج عنهم ما كانوا فيه من البلاء. فلم يرجعوا ولا نزعوا، وأقاموا على ما كانوا عليه، فلما رأى ذلك إلياس من كفرهم، دعا ربه يقبضه إليه فيريحه منهم، فذكر أن الله عز وجل أوحى إليه: أخرج إلى بلد كذا وكذا فما جاءك من شيء فاركبه ولا تهبه، فخرج إلياس وخرج معه اليسع حتى إذا كانا بالبلد الذي ذكر له في المكان الذي أمر به أقبل فرس من نار حتى وقف بين يديه، فوثب عليه فانطلق به (فناداه) اليسع يا إلياس (يا إلياس) ما تأمرني به؟ فكان آخر عهدهم به، فكساه الله الريش، وألبسه النور، (وقطع) عنه لذة المطعم والمشرب، وكان في الملائكة إنيساً ملكياً أرضياً سماوياً. قال أبو محمد رضي الله عنه: وهذا الخبر إذا صح فإنما يصح على قول من قال: إنه إدريس ﷺ لقوله تعالى ذكره في إدريس ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَاناً عَلِيّاً﴾ [مريم: ٥٧]. * * وقوله: ﴿وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ ٱلْخَالِقِينَ﴾ أي: خالقكم الذي هو أحسن المقدرين للأشياء. ﴿ٱللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبَآئِكُمُ ٱلأَوَّلِينَ﴾ أي الماضين. [ثم قال: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ﴾ أي: محضرون في عذاب الله]. * * ثم قال: ﴿إِلاَّ عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلْمُخْلَصِينَ﴾ أي: الذين اختارهم (الله) فأنجاهم من العذاب بتوفيقه إياهم. * * ثم قال: ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي ٱلآخِرِينَ * سَلاَمٌ عَلَىٰ إِلْ يَاسِينَ﴾ أي: وأبقينا عليه الثناء الحسن بعده، فيقال: "سلام على آل ياسين"، أي: سلام على أهل دينه، فيسلم على أهله من أجله، فهو داخل في أفضل الثناء. ومن قرأ "اليَاسِينَ" غير مقطوع. فقال ابن أبي إسحاق: هو اسمه مثل ابراهيم. وذهب أبو عبيد إلى أنه جُمِعَ جَمْعَ السلامة على معنى أنه وأهل مذهبه يسلم عليهم. وقال علي بن سليمان: العرب تُسمي قوم الرجل باسم الرجل الجليل منهم، فيقولون: المهالبة لأصحاب المهلب، كأنهم سموا كل واحد بالمهلب فعلى هذا قيل الياسين، يريد قومه المؤمنين كأنه سمَّى كل واحد منهم بإلياس. وذكر سيبويه أن هذا المعنى إنما يجيء على معنى النسبة، حكى الأشعرون، يريد به النسب. واحتج أبو عمرو وأبو عبيد على تركه لقراءة آل ياسين، أنه ليس في السور سلام على آل فلان من الأنبياء، فكما سمي الأنبياء في هذا المعنى سمي هو. ولا حجة في هذا لأنه إذا أثني على قومه المؤمنين من أجله فهو داخل في ذلك وله منه أوفر الحظ، وهو أبلغ في المدح ممن أثني عليه باسمه، وأيضاً فإن الخط مثبت بالانفصال. وقال الفراء: هو مثل ﴿طُورِ سَيْنَآءَ﴾ [المؤمنون: ٢٠] و ﴿وَطُورِ سِينِينَ﴾ [التين: ٢]، والمعنى واحد. ومعنى ذلك: أن إلياس اسم أعجمي، [والعرب إذا استعملت الأسماء الأعجمية في كلامها غيرتها بضروب من] التعبير، فيقولون: إبراهيم وإبراهام وإبرهام، وميكائيل ومْيكائيل وميكاين وميكال، وإسماعيل وإسمعيل، وإسرائيل وإسرائين، وشبهه. فكذلك إلياس وإلياسين هو واحد. قال السدي: "سلام على الياسين" هو: إلياس. قال الفراء: إن أخذته من الأَلْيَسِ صرفته، فيكون وزنه على هذا إفعال مثل إخراج. وقرأ الحسن بوصل الألف (بجعله الألف) واللام اللتين للتعريف دخلتا على ياسين. * * ثم قال: ﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي ٱلْمُحْسِنِينَ﴾ أي: كما فعلنا بإلياس كذلك نفعل بأهل الطاعة والإحسان. * * ثم قال: ﴿إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: من الذين آمنوا وأطاعوا ولم يشركوا. ثم قال (تعالى): ﴿وَإِنَّ لُوطاً لَّمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ﴾ أي: لمن الذين أرسلهم الله بالإنذار والإعذار. ثم قال (تعالى): ﴿إِذْ نَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ﴾ أي: من العذاب الذي أحللنا بقومه على كفرهم. وفي الكلام حذف، والتقدير: وإن لوطاً لمن المرسلين إلى قومه بالإنذار فكذبوه فنجيناه وأهله. * * ثم قال: ﴿إِلاَّ عَجُوزاً فِي ٱلْغَابِرِينَ﴾ أي: في الباقين، يعني امرأة لوط. قال الضحاك: يعني امرأته تخلفت فمسخت حجراً. وقال السدي: "في الغابرين" في الهالكين. وقيل: في "الغابرين": في الذين بلغوا العمر الطويل، وقد تقدم هذا بأشبع شرحاً. * * ثم قال: ﴿ثُمَّ دَمَّرْنَا ٱلآخَرِينَ﴾ أي: أهلكناهم بالحجارة. * * ثم قال: ﴿وَإِنَّكُمْ لَّتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُّصْبِحِينَ﴾ هذا خطاب لقريش، أي: إنكم لتمرون في أسفاركم على آثارهم وديارهم وموضع هلاكهم في النهار وفي الليل، فلا تتعظون، لا تزدجرون وتخافون أن يصيبكم مثل ما أصابهم، ولا تعقلون ما يراد بكم، وأنه من سلك مثل ما سلكوا من الكفر والتكذيب أنه صائر إلى مثل ما صاروا إليه. "وبالليل" وقف كاف، و "تعقلون" التمام. ثم قال (تعالى): ﴿وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ﴾ أي: لمن الذين أُرْسِلَ إلى قومه بالإنذار والإعذار. ﴿إِلَى ٱلْفُلْكِ ٱلْمَشْحُونِ﴾ (أي): هرب. وقال المبرد: أصله تباعد. وقيل له : آبق لأنه خرج بغير أمر الله عز وجل مستتراً من الناس إلى الفلك وهي السفينة. والمشحون: المملوء الموقر. "فَسَاهَمَ" أي: فقارع. قال السدي: فاحتبست بهم السفينة فعلموا أنها إنما احتبست من حدث أحدثوه، فتساهموا فقُرع يونس فرمى بنفسه، فالتقمه الحوت. * * وقوله: ﴿فَكَانَ مِنَ ٱلْمُدْحَضِينَ﴾ أي: من المقروعين. قال طاوس، لما ركب السفينة ركدت فقالوا: إن فيها رجلاً مشؤوماً، فقارعوا فوقعت القرعة عليه ثلاث مرات فرموا به، فالتقمه الحوت، وأصل دحضت من الزلق في الماء والطين. يقال: أدحض الله حجته ودحضت، وحكي: دحض الله حجته، وهي قليلة وقوله: ﴿فَٱلْتَقَمَهُ ٱلْحُوتُ﴾ أي: ابتلعه. ﴿وَهُوَ مُلِيمٌ﴾ أي: وهو قد أتى ما يلام عليه (من) خروجه بغير أمر (من) الله. يقال: ألاَمَ الرجل إذَا أتى ما يلام عليه. والمَلُوم: الذي يلام باللسان (إن) استحق ذلك أو لم يستحقه. قال مجاهد: ﴿مُلِيمٌ﴾: مذنب.

الصافات 37:129

قوله تعالى (ذكره): ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي ٱلآخِرِينَ﴾ إلى قوله: ﴿وَهُوَ مُلِيمٌ﴾. أي: وأبقينا على إبراهيم ثناء حسناً في الآخرين من الأمم، قاله قتادة. وقال ابن زيد: سأل إبراهيم عليه السلام ربه فقال: ﴿وَٱجْعَل لِّي لِسَانَ صِدْقٍ فِي ٱلآخِرِينَ﴾ [الشعراء: ٨٤]، أي الثناء الحسن، فأبقى الله عليه أن يقال: ﴿سَلاَمٌ عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ﴾ أي: أمنة من الله أن يذكر الإنجيل. * * ثم قال: ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي ٱلْمُحْسِنِينَ﴾ أي: كما جزينا إبراهيم على طاعته، كذلك نجزي من أطاع الله وأحسن عبادته. * * ثم قال: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيّاً مِّنَ ٱلصَّالِحِينَ﴾ أي: بشرناه - بعد أن فدينا إسماعيل بالذبح - بإسحاق مقدراً له النبوة والصلاح. ومن قال: إن الذبيح إسحاق فمعناه عنده: (وبشرنا إبراهيم) بعد الفداء بنبوة إسحاق نبياً. وفيه بُعْدٌ لأنك (لو) قلت: بشرتك بقدوم زيد قادماً، لم يكن للحال فائدة، ولم يوضع لغير فائدة. قال قتادة: بشر بنبوته بعدما جاد لله بنفسه. * * ثم قال: ﴿وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَىٰ إِسْحَاقَ﴾ أي: ثبتنا عليهما النعمة. ﴿وَمِن ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ﴾ وهو المطيع. ﴿وَظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ﴾ وهو الكافر. وذكر الطبري عن السدي أنه قال: كان إبراهيم كثير الطعام يطعم الناس ويضيفهم، فبينما هو يطعم الناس إذ رأى شيخاً كبيراُ يمشي في الحرة، فبعث إليه بحمار فركبه حتى أتاه فأطعمه فجعل الشيخ يأخذ اللقمة يريد أن يدخلها في فيه فيدخلها في أذنه مرة وفي عينه مرة ثم يدخلها في فيه، فإذا أدخلها في فيه، خرجت من دبره. وكان إبراهيم ﷺ قد سأل ربه ألا يقبض روحه حتى يكون هو الذي يسأله الموت. فقال إبراهيم للشيخ حين رأى حاله: ما بالك يا شيخ تصنع هذا؟ قال يا إبراهيم الكبر، قال له: ابن كم أنت؟ فزاد على عمر إبراهيم بسنتين، فقال إبراهيم: إنما بيني وبينك سنتين، فإذا بلغت ذلك صرت مثله، قال نعم، فقال إبراهيم: اللهم اقبضني إليك قبل ذلك، فقام الشيخ فقبض روح إبراهيم. وكان ملك الموت قد تمثل في صورة شيخ لإبراهيم، ومات إبراهيم وهو ابن مائتي سنة. وقيل: ابن مائة وسبع وتسعين سنة. ثم قال (تعالى): ﴿وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَىٰ مُوسَىٰ وَهَارُونَ﴾ أي: تفضلنا عليهما بالنبوة والرسالة. ﴿وَنَجَّيْنَاهُمَا وَقَوْمَهُمَا﴾ أي: ومن آمن معهما، يعني بني إسرائيل. ﴿مِنَ ٱلْكَرْبِ ٱلْعَظِيمِ﴾ أي: من الغرق. ثم قال (تعالى): ﴿وَنَصَرْنَاهُمْ فَكَانُواْ هُمُ ٱلْغَٰلِبِينَ﴾ أي: ونصرنا موسى وهارون وقومهما على فرعون وآله بتغريقنا إياهم فكانوا هم الغالبين. وقال الفراء: الضمير في ﴿وَنَصَرْنَاهُمْ﴾ و ﴿فَكَانُواْ﴾ ﴿هُمُ ٱلْغَٰلِبِينَ﴾ يعود على موسى وهارون وأن التثنية ردت إلى الجمع. ودل على ذلك قوله (جل ذكره). * * ﴿وَآتَيْنَاهُمَا ٱلْكِتَابَ ٱلْمُسْتَبِينَ * وَهَدَيْنَاهُمَا ٱلصِّرَاطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ * وَتَرَكْنَا عَلَيْهِمَا فِي ٱلآخِرِينَ * سَلاَمٌ عَلَىٰ مُوسَىٰ وَهَارُونَ﴾. وقال قوم: إنما جمع في موضع التثنية لأنهما عظيما الشأن جليلا القدر. والعرب تخبر عن الواحد من هذا النوع بلفظ الجمع، فالإخبار عن اثنين منهما بلفظ (الجمع) آكد وأحسن. * * ومعنى ﴿ٱلْمُسْتَبِينَ﴾: المتبين هداه وفضله وأحكامه، يعني التوراة، والصراط المستقيم: الإسلام. ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِمَا فِي ٱلآخِرِينَ﴾ أي: أبقينا عليهما الذكر الجميل والثناء الحسن، فكذلك نفعل بمن أحسن في طاعتي وأدى فرائضي. وفيه من الاختلاف ما تقدم في قصة نوح، وهو يقتضي قوله: ﴿وَٱجْعَل لِّي لِسَانَ صِدْقٍ فِي ٱلآخِرِينَ﴾ [الشعراء: ٨٤]. (ثم قال): ﴿إِنَّهُمَا مِنْ عِبَادِنَا ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: الذين أخلصناهم واخترناهم للطاعة وهديناهم للإيمان. ومن كسر اللام فمعناه: إنهما من عبادنا الذين أخلصوا العمل ولم يشركوا فيه غيري. قال (تعالى): ﴿وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ﴾. قال ابن إسحاق: (وهو إلياس) (بن) ياسين بن فنحاص بن العزار بن هارون بن عمران. وكان إلياس من سبط يوشع بن نون، بعثه الله تعالى إلى أهل بعلبك، (وكانوا يعبدون صنماً) يقال له بعل. وقيل هو إدريس. قاله قتادة. والمعنى: (إنه) لَمِنَ الذين أرسلهم الله إلى الخلق، فقال لقومه: ألا تتقون الله فتخافون عقابه على عبادتكم رباً غيره. (و) هو قوله: ﴿أَتَدْعُونَ بَعْلاً وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ ٱلْخَالِقِينَ﴾. والبعل: الرب لغة أهل اليمن مشهورة، قاله عكرمة ومجاهد وقتادة والسدي. وروي ذلك عن ابن عباس. وقال الضحاك: هو صنم لهم يسمى بعلاً. وقال ابن زيد: هو صنم كانوا يعبدونه ببعلبك مدينة وراء دمشق. وقيل: إن بعلاً تيس كانوا يعبدون. وقال ابن إسحاق: بلغني أن بعلاً امرأة كانوا يعبدونها من دون الله جل ذكره. قال وهب بن منبه: بعث الله إلياس إلى بني إسرائيل حين نسوا ما عهد الله إليهم، حتى (نصبوا) الأوثان وعبدوها من دون الله، فجعل إلياس يدعوهم إلى الله عز وجل، وجعلوا لا يسمعون منه شيئاً. وكان (له مَلِكٌ) من ملوك بني إسرائيل يطيعونه يقال له: جاب. وكان إلياس يقرب من الملك، وكان الملك يطيع إلياس (فيما) يقول له، ويراه الناس على هدى. وكانت ملوك بني إسرائيل قد افترقت في البلاد وأخذ كل واحد ناحية يأكلها، ويعبدون الأصنام، فقال الملك يوماً لإلياس: والله ما أرى ما تدعو إليه إلا باطلاً، والله ما أرى (فلاناً) وفلاناً - يذكر ملوكاً من ملوك بني إسرائيل - إلا قد عبدوا الأوثان من دون الله، وهم (على) نحو ما نحن عليه (من النعيم)، يأكلون ويشربون ويتنعمون مملكين، ما تنقص دنياهم عبادتهم الأوثان التي تزعم أنها باطل وما نرى لنا عليهم من فضل، فعظم الأمر على إلياس، واقشعر جلده وخرج عنه، ففعل ذلك الملك فعل أصحابه وعبد الأوثان، فقال إلياس: اللهم إن بني إسرائيل قد أبوا إلا الكفر بك والعبادة لغيرك فغير ما بهم من نعمة! أو كما قال: (قال) ابن إسحاق: فذكر لنا أنه أوحي إليه أنا قد جعلنا أمر أرزاقهم بيدك وإليك حتى تكون أنت الذي تأذن في ذلك. فقال إلياس: اللهم أمسك عنهم القطر، فحبس عنهم ثلاث سنين حتى هلكت الماشية والدواب والشجر، وجهد الناس جهداً شديداً، وكان إلياس حين دعا عليهم قد استخفى شفقاً على نفسه منهم. وكان حيث ما كان وضع له رزق، وكانوا إذا وجدوا ريح الخبز في دار أو بيت قالوا: قد دخل إلياس هذا المكان فطلبوه ولقي أهل ذلك المنزل شراً. ثم إنه أوى ليلة إلى امرأة من بني إسرائيل لها ابن يقال له: اليسع بن أخطوب به ضر، فآوته وأخفت أمره فدعا إلياس لابنها فعوفي من الضر الذي كان به واتبع اليسع إلياس. فآمن به وصدقه ولزمه، وكان يذهب معه حيث ما ذهب، وكان إلياس قد أسن وكبر، وكان اليسع غلاماً شاباً، فَذُكِر أن الله جل ذكره أوحى إلى إلياس: إنك قد أهلكت خلقاً كثيراً بخطايا بني إسرائيل من البهائم والدواب والطير والهوام والشجر. فذكر - والله أعلم - أن إلياس قال: أي رب، دعني أكن أنا الذي أدعوا لهم به، وأكن أنا الذي آتيهم بالفرج مما هم فيه من البلاء الذي أصابهم لعلهم يرجعون عن عبادة غيرك، فقيل له: نعم، فأتى إلياس إلى بني إسرائيل، فقال لهم: إنكم قد هلكتم جهداً وهلكت البهائم والدواب والطير والشجر بخطاياكم، وإنكم على باطل وغرور، أو كما قال لهم، فإن كنتم تحبون (علم) ذلك، وتعلمون أن الله عليكم ساخط فيما أنتم عليه، والذي أدعوكم إليه الحق، فاخرجوا بأصنامكم هذه التي تبعدونها وتزعمون أنها خير مما أدعوكم إليه، فإن استجابت لكم فذلك كما تقولون. فإن هي لم تفعل علمتم أنكم على باطل فنزعتم ودعوت الله يفرج عنكم ما أنتم فيه من البلاء، قالوا: أنْصَفت، فخرجوا بأوثانهم وما يتقربون به إلى الله من أحداثهم، فدعوها فلم تستجب لهم ولم تفرج عنهم ما كانوا فيه من البلاء، فعرفوا ما هم فيه من الضلال والباطل، فقالوا لإلياس: يا إلياس إنا قد هلكنا، فادع الله لنا، فدعا إلياس لهم بالفرج مما هم فيه، وأن يسقوا، فخرجت سحابة مثل الترس بإذن الله على ظهر البحر وهم ينظرون، ثم ترامى إليهما السحاب ثم أُدْحِيت، ثم أرسل الله المطر فأغاثهم، فحييث بلادهم وفرج عنهم ما كانوا فيه من البلاء. فلم يرجعوا ولا نزعوا، وأقاموا على ما كانوا عليه، فلما رأى ذلك إلياس من كفرهم، دعا ربه يقبضه إليه فيريحه منهم، فذكر أن الله عز وجل أوحى إليه: أخرج إلى بلد كذا وكذا فما جاءك من شيء فاركبه ولا تهبه، فخرج إلياس وخرج معه اليسع حتى إذا كانا بالبلد الذي ذكر له في المكان الذي أمر به أقبل فرس من نار حتى وقف بين يديه، فوثب عليه فانطلق به (فناداه) اليسع يا إلياس (يا إلياس) ما تأمرني به؟ فكان آخر عهدهم به، فكساه الله الريش، وألبسه النور، (وقطع) عنه لذة المطعم والمشرب، وكان في الملائكة إنيساً ملكياً أرضياً سماوياً. قال أبو محمد رضي الله عنه: وهذا الخبر إذا صح فإنما يصح على قول من قال: إنه إدريس ﷺ لقوله تعالى ذكره في إدريس ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَاناً عَلِيّاً﴾ [مريم: ٥٧]. * * وقوله: ﴿وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ ٱلْخَالِقِينَ﴾ أي: خالقكم الذي هو أحسن المقدرين للأشياء. ﴿ٱللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبَآئِكُمُ ٱلأَوَّلِينَ﴾ أي الماضين. [ثم قال: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ﴾ أي: محضرون في عذاب الله]. * * ثم قال: ﴿إِلاَّ عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلْمُخْلَصِينَ﴾ أي: الذين اختارهم (الله) فأنجاهم من العذاب بتوفيقه إياهم. * * ثم قال: ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي ٱلآخِرِينَ * سَلاَمٌ عَلَىٰ إِلْ يَاسِينَ﴾ أي: وأبقينا عليه الثناء الحسن بعده، فيقال: "سلام على آل ياسين"، أي: سلام على أهل دينه، فيسلم على أهله من أجله، فهو داخل في أفضل الثناء. ومن قرأ "اليَاسِينَ" غير مقطوع. فقال ابن أبي إسحاق: هو اسمه مثل ابراهيم. وذهب أبو عبيد إلى أنه جُمِعَ جَمْعَ السلامة على معنى أنه وأهل مذهبه يسلم عليهم. وقال علي بن سليمان: العرب تُسمي قوم الرجل باسم الرجل الجليل منهم، فيقولون: المهالبة لأصحاب المهلب، كأنهم سموا كل واحد بالمهلب فعلى هذا قيل الياسين، يريد قومه المؤمنين كأنه سمَّى كل واحد منهم بإلياس. وذكر سيبويه أن هذا المعنى إنما يجيء على معنى النسبة، حكى الأشعرون، يريد به النسب. واحتج أبو عمرو وأبو عبيد على تركه لقراءة آل ياسين، أنه ليس في السور سلام على آل فلان من الأنبياء، فكما سمي الأنبياء في هذا المعنى سمي هو. ولا حجة في هذا لأنه إذا أثني على قومه المؤمنين من أجله فهو داخل في ذلك وله منه أوفر الحظ، وهو أبلغ في المدح ممن أثني عليه باسمه، وأيضاً فإن الخط مثبت بالانفصال. وقال الفراء: هو مثل ﴿طُورِ سَيْنَآءَ﴾ [المؤمنون: ٢٠] و ﴿وَطُورِ سِينِينَ﴾ [التين: ٢]، والمعنى واحد. ومعنى ذلك: أن إلياس اسم أعجمي، [والعرب إذا استعملت الأسماء الأعجمية في كلامها غيرتها بضروب من] التعبير، فيقولون: إبراهيم وإبراهام وإبرهام، وميكائيل ومْيكائيل وميكاين وميكال، وإسماعيل وإسمعيل، وإسرائيل وإسرائين، وشبهه. فكذلك إلياس وإلياسين هو واحد. قال السدي: "سلام على الياسين" هو: إلياس. قال الفراء: إن أخذته من الأَلْيَسِ صرفته، فيكون وزنه على هذا إفعال مثل إخراج. وقرأ الحسن بوصل الألف (بجعله الألف) واللام اللتين للتعريف دخلتا على ياسين. * * ثم قال: ﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي ٱلْمُحْسِنِينَ﴾ أي: كما فعلنا بإلياس كذلك نفعل بأهل الطاعة والإحسان. * * ثم قال: ﴿إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: من الذين آمنوا وأطاعوا ولم يشركوا. ثم قال (تعالى): ﴿وَإِنَّ لُوطاً لَّمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ﴾ أي: لمن الذين أرسلهم الله بالإنذار والإعذار. ثم قال (تعالى): ﴿إِذْ نَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ﴾ أي: من العذاب الذي أحللنا بقومه على كفرهم. وفي الكلام حذف، والتقدير: وإن لوطاً لمن المرسلين إلى قومه بالإنذار فكذبوه فنجيناه وأهله. * * ثم قال: ﴿إِلاَّ عَجُوزاً فِي ٱلْغَابِرِينَ﴾ أي: في الباقين، يعني امرأة لوط. قال الضحاك: يعني امرأته تخلفت فمسخت حجراً. وقال السدي: "في الغابرين" في الهالكين. وقيل: في "الغابرين": في الذين بلغوا العمر الطويل، وقد تقدم هذا بأشبع شرحاً. * * ثم قال: ﴿ثُمَّ دَمَّرْنَا ٱلآخَرِينَ﴾ أي: أهلكناهم بالحجارة. * * ثم قال: ﴿وَإِنَّكُمْ لَّتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُّصْبِحِينَ﴾ هذا خطاب لقريش، أي: إنكم لتمرون في أسفاركم على آثارهم وديارهم وموضع هلاكهم في النهار وفي الليل، فلا تتعظون، لا تزدجرون وتخافون أن يصيبكم مثل ما أصابهم، ولا تعقلون ما يراد بكم، وأنه من سلك مثل ما سلكوا من الكفر والتكذيب أنه صائر إلى مثل ما صاروا إليه. "وبالليل" وقف كاف، و "تعقلون" التمام. ثم قال (تعالى): ﴿وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ﴾ أي: لمن الذين أُرْسِلَ إلى قومه بالإنذار والإعذار. ﴿إِلَى ٱلْفُلْكِ ٱلْمَشْحُونِ﴾ (أي): هرب. وقال المبرد: أصله تباعد. وقيل له : آبق لأنه خرج بغير أمر الله عز وجل مستتراً من الناس إلى الفلك وهي السفينة. والمشحون: المملوء الموقر. "فَسَاهَمَ" أي: فقارع. قال السدي: فاحتبست بهم السفينة فعلموا أنها إنما احتبست من حدث أحدثوه، فتساهموا فقُرع يونس فرمى بنفسه، فالتقمه الحوت. * * وقوله: ﴿فَكَانَ مِنَ ٱلْمُدْحَضِينَ﴾ أي: من المقروعين. قال طاوس، لما ركب السفينة ركدت فقالوا: إن فيها رجلاً مشؤوماً، فقارعوا فوقعت القرعة عليه ثلاث مرات فرموا به، فالتقمه الحوت، وأصل دحضت من الزلق في الماء والطين. يقال: أدحض الله حجته ودحضت، وحكي: دحض الله حجته، وهي قليلة وقوله: ﴿فَٱلْتَقَمَهُ ٱلْحُوتُ﴾ أي: ابتلعه. ﴿وَهُوَ مُلِيمٌ﴾ أي: وهو قد أتى ما يلام عليه (من) خروجه بغير أمر (من) الله. يقال: ألاَمَ الرجل إذَا أتى ما يلام عليه. والمَلُوم: الذي يلام باللسان (إن) استحق ذلك أو لم يستحقه. قال مجاهد: ﴿مُلِيمٌ﴾: مذنب.

الصافات 37:130

قوله تعالى (ذكره): ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي ٱلآخِرِينَ﴾ إلى قوله: ﴿وَهُوَ مُلِيمٌ﴾. أي: وأبقينا على إبراهيم ثناء حسناً في الآخرين من الأمم، قاله قتادة. وقال ابن زيد: سأل إبراهيم عليه السلام ربه فقال: ﴿وَٱجْعَل لِّي لِسَانَ صِدْقٍ فِي ٱلآخِرِينَ﴾ [الشعراء: ٨٤]، أي الثناء الحسن، فأبقى الله عليه أن يقال: ﴿سَلاَمٌ عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ﴾ أي: أمنة من الله أن يذكر الإنجيل. * * ثم قال: ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي ٱلْمُحْسِنِينَ﴾ أي: كما جزينا إبراهيم على طاعته، كذلك نجزي من أطاع الله وأحسن عبادته. * * ثم قال: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيّاً مِّنَ ٱلصَّالِحِينَ﴾ أي: بشرناه - بعد أن فدينا إسماعيل بالذبح - بإسحاق مقدراً له النبوة والصلاح. ومن قال: إن الذبيح إسحاق فمعناه عنده: (وبشرنا إبراهيم) بعد الفداء بنبوة إسحاق نبياً. وفيه بُعْدٌ لأنك (لو) قلت: بشرتك بقدوم زيد قادماً، لم يكن للحال فائدة، ولم يوضع لغير فائدة. قال قتادة: بشر بنبوته بعدما جاد لله بنفسه. * * ثم قال: ﴿وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَىٰ إِسْحَاقَ﴾ أي: ثبتنا عليهما النعمة. ﴿وَمِن ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ﴾ وهو المطيع. ﴿وَظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ﴾ وهو الكافر. وذكر الطبري عن السدي أنه قال: كان إبراهيم كثير الطعام يطعم الناس ويضيفهم، فبينما هو يطعم الناس إذ رأى شيخاً كبيراُ يمشي في الحرة، فبعث إليه بحمار فركبه حتى أتاه فأطعمه فجعل الشيخ يأخذ اللقمة يريد أن يدخلها في فيه فيدخلها في أذنه مرة وفي عينه مرة ثم يدخلها في فيه، فإذا أدخلها في فيه، خرجت من دبره. وكان إبراهيم ﷺ قد سأل ربه ألا يقبض روحه حتى يكون هو الذي يسأله الموت. فقال إبراهيم للشيخ حين رأى حاله: ما بالك يا شيخ تصنع هذا؟ قال يا إبراهيم الكبر، قال له: ابن كم أنت؟ فزاد على عمر إبراهيم بسنتين، فقال إبراهيم: إنما بيني وبينك سنتين، فإذا بلغت ذلك صرت مثله، قال نعم، فقال إبراهيم: اللهم اقبضني إليك قبل ذلك، فقام الشيخ فقبض روح إبراهيم. وكان ملك الموت قد تمثل في صورة شيخ لإبراهيم، ومات إبراهيم وهو ابن مائتي سنة. وقيل: ابن مائة وسبع وتسعين سنة. ثم قال (تعالى): ﴿وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَىٰ مُوسَىٰ وَهَارُونَ﴾ أي: تفضلنا عليهما بالنبوة والرسالة. ﴿وَنَجَّيْنَاهُمَا وَقَوْمَهُمَا﴾ أي: ومن آمن معهما، يعني بني إسرائيل. ﴿مِنَ ٱلْكَرْبِ ٱلْعَظِيمِ﴾ أي: من الغرق. ثم قال (تعالى): ﴿وَنَصَرْنَاهُمْ فَكَانُواْ هُمُ ٱلْغَٰلِبِينَ﴾ أي: ونصرنا موسى وهارون وقومهما على فرعون وآله بتغريقنا إياهم فكانوا هم الغالبين. وقال الفراء: الضمير في ﴿وَنَصَرْنَاهُمْ﴾ و ﴿فَكَانُواْ﴾ ﴿هُمُ ٱلْغَٰلِبِينَ﴾ يعود على موسى وهارون وأن التثنية ردت إلى الجمع. ودل على ذلك قوله (جل ذكره). * * ﴿وَآتَيْنَاهُمَا ٱلْكِتَابَ ٱلْمُسْتَبِينَ * وَهَدَيْنَاهُمَا ٱلصِّرَاطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ * وَتَرَكْنَا عَلَيْهِمَا فِي ٱلآخِرِينَ * سَلاَمٌ عَلَىٰ مُوسَىٰ وَهَارُونَ﴾. وقال قوم: إنما جمع في موضع التثنية لأنهما عظيما الشأن جليلا القدر. والعرب تخبر عن الواحد من هذا النوع بلفظ الجمع، فالإخبار عن اثنين منهما بلفظ (الجمع) آكد وأحسن. * * ومعنى ﴿ٱلْمُسْتَبِينَ﴾: المتبين هداه وفضله وأحكامه، يعني التوراة، والصراط المستقيم: الإسلام. ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِمَا فِي ٱلآخِرِينَ﴾ أي: أبقينا عليهما الذكر الجميل والثناء الحسن، فكذلك نفعل بمن أحسن في طاعتي وأدى فرائضي. وفيه من الاختلاف ما تقدم في قصة نوح، وهو يقتضي قوله: ﴿وَٱجْعَل لِّي لِسَانَ صِدْقٍ فِي ٱلآخِرِينَ﴾ [الشعراء: ٨٤]. (ثم قال): ﴿إِنَّهُمَا مِنْ عِبَادِنَا ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: الذين أخلصناهم واخترناهم للطاعة وهديناهم للإيمان. ومن كسر اللام فمعناه: إنهما من عبادنا الذين أخلصوا العمل ولم يشركوا فيه غيري. قال (تعالى): ﴿وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ﴾. قال ابن إسحاق: (وهو إلياس) (بن) ياسين بن فنحاص بن العزار بن هارون بن عمران. وكان إلياس من سبط يوشع بن نون، بعثه الله تعالى إلى أهل بعلبك، (وكانوا يعبدون صنماً) يقال له بعل. وقيل هو إدريس. قاله قتادة. والمعنى: (إنه) لَمِنَ الذين أرسلهم الله إلى الخلق، فقال لقومه: ألا تتقون الله فتخافون عقابه على عبادتكم رباً غيره. (و) هو قوله: ﴿أَتَدْعُونَ بَعْلاً وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ ٱلْخَالِقِينَ﴾. والبعل: الرب لغة أهل اليمن مشهورة، قاله عكرمة ومجاهد وقتادة والسدي. وروي ذلك عن ابن عباس. وقال الضحاك: هو صنم لهم يسمى بعلاً. وقال ابن زيد: هو صنم كانوا يعبدونه ببعلبك مدينة وراء دمشق. وقيل: إن بعلاً تيس كانوا يعبدون. وقال ابن إسحاق: بلغني أن بعلاً امرأة كانوا يعبدونها من دون الله جل ذكره. قال وهب بن منبه: بعث الله إلياس إلى بني إسرائيل حين نسوا ما عهد الله إليهم، حتى (نصبوا) الأوثان وعبدوها من دون الله، فجعل إلياس يدعوهم إلى الله عز وجل، وجعلوا لا يسمعون منه شيئاً. وكان (له مَلِكٌ) من ملوك بني إسرائيل يطيعونه يقال له: جاب. وكان إلياس يقرب من الملك، وكان الملك يطيع إلياس (فيما) يقول له، ويراه الناس على هدى. وكانت ملوك بني إسرائيل قد افترقت في البلاد وأخذ كل واحد ناحية يأكلها، ويعبدون الأصنام، فقال الملك يوماً لإلياس: والله ما أرى ما تدعو إليه إلا باطلاً، والله ما أرى (فلاناً) وفلاناً - يذكر ملوكاً من ملوك بني إسرائيل - إلا قد عبدوا الأوثان من دون الله، وهم (على) نحو ما نحن عليه (من النعيم)، يأكلون ويشربون ويتنعمون مملكين، ما تنقص دنياهم عبادتهم الأوثان التي تزعم أنها باطل وما نرى لنا عليهم من فضل، فعظم الأمر على إلياس، واقشعر جلده وخرج عنه، ففعل ذلك الملك فعل أصحابه وعبد الأوثان، فقال إلياس: اللهم إن بني إسرائيل قد أبوا إلا الكفر بك والعبادة لغيرك فغير ما بهم من نعمة! أو كما قال: (قال) ابن إسحاق: فذكر لنا أنه أوحي إليه أنا قد جعلنا أمر أرزاقهم بيدك وإليك حتى تكون أنت الذي تأذن في ذلك. فقال إلياس: اللهم أمسك عنهم القطر، فحبس عنهم ثلاث سنين حتى هلكت الماشية والدواب والشجر، وجهد الناس جهداً شديداً، وكان إلياس حين دعا عليهم قد استخفى شفقاً على نفسه منهم. وكان حيث ما كان وضع له رزق، وكانوا إذا وجدوا ريح الخبز في دار أو بيت قالوا: قد دخل إلياس هذا المكان فطلبوه ولقي أهل ذلك المنزل شراً. ثم إنه أوى ليلة إلى امرأة من بني إسرائيل لها ابن يقال له: اليسع بن أخطوب به ضر، فآوته وأخفت أمره فدعا إلياس لابنها فعوفي من الضر الذي كان به واتبع اليسع إلياس. فآمن به وصدقه ولزمه، وكان يذهب معه حيث ما ذهب، وكان إلياس قد أسن وكبر، وكان اليسع غلاماً شاباً، فَذُكِر أن الله جل ذكره أوحى إلى إلياس: إنك قد أهلكت خلقاً كثيراً بخطايا بني إسرائيل من البهائم والدواب والطير والهوام والشجر. فذكر - والله أعلم - أن إلياس قال: أي رب، دعني أكن أنا الذي أدعوا لهم به، وأكن أنا الذي آتيهم بالفرج مما هم فيه من البلاء الذي أصابهم لعلهم يرجعون عن عبادة غيرك، فقيل له: نعم، فأتى إلياس إلى بني إسرائيل، فقال لهم: إنكم قد هلكتم جهداً وهلكت البهائم والدواب والطير والشجر بخطاياكم، وإنكم على باطل وغرور، أو كما قال لهم، فإن كنتم تحبون (علم) ذلك، وتعلمون أن الله عليكم ساخط فيما أنتم عليه، والذي أدعوكم إليه الحق، فاخرجوا بأصنامكم هذه التي تبعدونها وتزعمون أنها خير مما أدعوكم إليه، فإن استجابت لكم فذلك كما تقولون. فإن هي لم تفعل علمتم أنكم على باطل فنزعتم ودعوت الله يفرج عنكم ما أنتم فيه من البلاء، قالوا: أنْصَفت، فخرجوا بأوثانهم وما يتقربون به إلى الله من أحداثهم، فدعوها فلم تستجب لهم ولم تفرج عنهم ما كانوا فيه من البلاء، فعرفوا ما هم فيه من الضلال والباطل، فقالوا لإلياس: يا إلياس إنا قد هلكنا، فادع الله لنا، فدعا إلياس لهم بالفرج مما هم فيه، وأن يسقوا، فخرجت سحابة مثل الترس بإذن الله على ظهر البحر وهم ينظرون، ثم ترامى إليهما السحاب ثم أُدْحِيت، ثم أرسل الله المطر فأغاثهم، فحييث بلادهم وفرج عنهم ما كانوا فيه من البلاء. فلم يرجعوا ولا نزعوا، وأقاموا على ما كانوا عليه، فلما رأى ذلك إلياس من كفرهم، دعا ربه يقبضه إليه فيريحه منهم، فذكر أن الله عز وجل أوحى إليه: أخرج إلى بلد كذا وكذا فما جاءك من شيء فاركبه ولا تهبه، فخرج إلياس وخرج معه اليسع حتى إذا كانا بالبلد الذي ذكر له في المكان الذي أمر به أقبل فرس من نار حتى وقف بين يديه، فوثب عليه فانطلق به (فناداه) اليسع يا إلياس (يا إلياس) ما تأمرني به؟ فكان آخر عهدهم به، فكساه الله الريش، وألبسه النور، (وقطع) عنه لذة المطعم والمشرب، وكان في الملائكة إنيساً ملكياً أرضياً سماوياً. قال أبو محمد رضي الله عنه: وهذا الخبر إذا صح فإنما يصح على قول من قال: إنه إدريس ﷺ لقوله تعالى ذكره في إدريس ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَاناً عَلِيّاً﴾ [مريم: ٥٧]. * * وقوله: ﴿وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ ٱلْخَالِقِينَ﴾ أي: خالقكم الذي هو أحسن المقدرين للأشياء. ﴿ٱللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبَآئِكُمُ ٱلأَوَّلِينَ﴾ أي الماضين. [ثم قال: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ﴾ أي: محضرون في عذاب الله]. * * ثم قال: ﴿إِلاَّ عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلْمُخْلَصِينَ﴾ أي: الذين اختارهم (الله) فأنجاهم من العذاب بتوفيقه إياهم. * * ثم قال: ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي ٱلآخِرِينَ * سَلاَمٌ عَلَىٰ إِلْ يَاسِينَ﴾ أي: وأبقينا عليه الثناء الحسن بعده، فيقال: "سلام على آل ياسين"، أي: سلام على أهل دينه، فيسلم على أهله من أجله، فهو داخل في أفضل الثناء. ومن قرأ "اليَاسِينَ" غير مقطوع. فقال ابن أبي إسحاق: هو اسمه مثل ابراهيم. وذهب أبو عبيد إلى أنه جُمِعَ جَمْعَ السلامة على معنى أنه وأهل مذهبه يسلم عليهم. وقال علي بن سليمان: العرب تُسمي قوم الرجل باسم الرجل الجليل منهم، فيقولون: المهالبة لأصحاب المهلب، كأنهم سموا كل واحد بالمهلب فعلى هذا قيل الياسين، يريد قومه المؤمنين كأنه سمَّى كل واحد منهم بإلياس. وذكر سيبويه أن هذا المعنى إنما يجيء على معنى النسبة، حكى الأشعرون، يريد به النسب. واحتج أبو عمرو وأبو عبيد على تركه لقراءة آل ياسين، أنه ليس في السور سلام على آل فلان من الأنبياء، فكما سمي الأنبياء في هذا المعنى سمي هو. ولا حجة في هذا لأنه إذا أثني على قومه المؤمنين من أجله فهو داخل في ذلك وله منه أوفر الحظ، وهو أبلغ في المدح ممن أثني عليه باسمه، وأيضاً فإن الخط مثبت بالانفصال. وقال الفراء: هو مثل ﴿طُورِ سَيْنَآءَ﴾ [المؤمنون: ٢٠] و ﴿وَطُورِ سِينِينَ﴾ [التين: ٢]، والمعنى واحد. ومعنى ذلك: أن إلياس اسم أعجمي، [والعرب إذا استعملت الأسماء الأعجمية في كلامها غيرتها بضروب من] التعبير، فيقولون: إبراهيم وإبراهام وإبرهام، وميكائيل ومْيكائيل وميكاين وميكال، وإسماعيل وإسمعيل، وإسرائيل وإسرائين، وشبهه. فكذلك إلياس وإلياسين هو واحد. قال السدي: "سلام على الياسين" هو: إلياس. قال الفراء: إن أخذته من الأَلْيَسِ صرفته، فيكون وزنه على هذا إفعال مثل إخراج. وقرأ الحسن بوصل الألف (بجعله الألف) واللام اللتين للتعريف دخلتا على ياسين. * * ثم قال: ﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي ٱلْمُحْسِنِينَ﴾ أي: كما فعلنا بإلياس كذلك نفعل بأهل الطاعة والإحسان. * * ثم قال: ﴿إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: من الذين آمنوا وأطاعوا ولم يشركوا. ثم قال (تعالى): ﴿وَإِنَّ لُوطاً لَّمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ﴾ أي: لمن الذين أرسلهم الله بالإنذار والإعذار. ثم قال (تعالى): ﴿إِذْ نَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ﴾ أي: من العذاب الذي أحللنا بقومه على كفرهم. وفي الكلام حذف، والتقدير: وإن لوطاً لمن المرسلين إلى قومه بالإنذار فكذبوه فنجيناه وأهله. * * ثم قال: ﴿إِلاَّ عَجُوزاً فِي ٱلْغَابِرِينَ﴾ أي: في الباقين، يعني امرأة لوط. قال الضحاك: يعني امرأته تخلفت فمسخت حجراً. وقال السدي: "في الغابرين" في الهالكين. وقيل: في "الغابرين": في الذين بلغوا العمر الطويل، وقد تقدم هذا بأشبع شرحاً. * * ثم قال: ﴿ثُمَّ دَمَّرْنَا ٱلآخَرِينَ﴾ أي: أهلكناهم بالحجارة. * * ثم قال: ﴿وَإِنَّكُمْ لَّتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُّصْبِحِينَ﴾ هذا خطاب لقريش، أي: إنكم لتمرون في أسفاركم على آثارهم وديارهم وموضع هلاكهم في النهار وفي الليل، فلا تتعظون، لا تزدجرون وتخافون أن يصيبكم مثل ما أصابهم، ولا تعقلون ما يراد بكم، وأنه من سلك مثل ما سلكوا من الكفر والتكذيب أنه صائر إلى مثل ما صاروا إليه. "وبالليل" وقف كاف، و "تعقلون" التمام. ثم قال (تعالى): ﴿وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ﴾ أي: لمن الذين أُرْسِلَ إلى قومه بالإنذار والإعذار. ﴿إِلَى ٱلْفُلْكِ ٱلْمَشْحُونِ﴾ (أي): هرب. وقال المبرد: أصله تباعد. وقيل له : آبق لأنه خرج بغير أمر الله عز وجل مستتراً من الناس إلى الفلك وهي السفينة. والمشحون: المملوء الموقر. "فَسَاهَمَ" أي: فقارع. قال السدي: فاحتبست بهم السفينة فعلموا أنها إنما احتبست من حدث أحدثوه، فتساهموا فقُرع يونس فرمى بنفسه، فالتقمه الحوت. * * وقوله: ﴿فَكَانَ مِنَ ٱلْمُدْحَضِينَ﴾ أي: من المقروعين. قال طاوس، لما ركب السفينة ركدت فقالوا: إن فيها رجلاً مشؤوماً، فقارعوا فوقعت القرعة عليه ثلاث مرات فرموا به، فالتقمه الحوت، وأصل دحضت من الزلق في الماء والطين. يقال: أدحض الله حجته ودحضت، وحكي: دحض الله حجته، وهي قليلة وقوله: ﴿فَٱلْتَقَمَهُ ٱلْحُوتُ﴾ أي: ابتلعه. ﴿وَهُوَ مُلِيمٌ﴾ أي: وهو قد أتى ما يلام عليه (من) خروجه بغير أمر (من) الله. يقال: ألاَمَ الرجل إذَا أتى ما يلام عليه. والمَلُوم: الذي يلام باللسان (إن) استحق ذلك أو لم يستحقه. قال مجاهد: ﴿مُلِيمٌ﴾: مذنب.

الصافات 37:131

قوله تعالى (ذكره): ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي ٱلآخِرِينَ﴾ إلى قوله: ﴿وَهُوَ مُلِيمٌ﴾. أي: وأبقينا على إبراهيم ثناء حسناً في الآخرين من الأمم، قاله قتادة. وقال ابن زيد: سأل إبراهيم عليه السلام ربه فقال: ﴿وَٱجْعَل لِّي لِسَانَ صِدْقٍ فِي ٱلآخِرِينَ﴾ [الشعراء: ٨٤]، أي الثناء الحسن، فأبقى الله عليه أن يقال: ﴿سَلاَمٌ عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ﴾ أي: أمنة من الله أن يذكر الإنجيل. * * ثم قال: ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي ٱلْمُحْسِنِينَ﴾ أي: كما جزينا إبراهيم على طاعته، كذلك نجزي من أطاع الله وأحسن عبادته. * * ثم قال: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيّاً مِّنَ ٱلصَّالِحِينَ﴾ أي: بشرناه - بعد أن فدينا إسماعيل بالذبح - بإسحاق مقدراً له النبوة والصلاح. ومن قال: إن الذبيح إسحاق فمعناه عنده: (وبشرنا إبراهيم) بعد الفداء بنبوة إسحاق نبياً. وفيه بُعْدٌ لأنك (لو) قلت: بشرتك بقدوم زيد قادماً، لم يكن للحال فائدة، ولم يوضع لغير فائدة. قال قتادة: بشر بنبوته بعدما جاد لله بنفسه. * * ثم قال: ﴿وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَىٰ إِسْحَاقَ﴾ أي: ثبتنا عليهما النعمة. ﴿وَمِن ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ﴾ وهو المطيع. ﴿وَظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ﴾ وهو الكافر. وذكر الطبري عن السدي أنه قال: كان إبراهيم كثير الطعام يطعم الناس ويضيفهم، فبينما هو يطعم الناس إذ رأى شيخاً كبيراُ يمشي في الحرة، فبعث إليه بحمار فركبه حتى أتاه فأطعمه فجعل الشيخ يأخذ اللقمة يريد أن يدخلها في فيه فيدخلها في أذنه مرة وفي عينه مرة ثم يدخلها في فيه، فإذا أدخلها في فيه، خرجت من دبره. وكان إبراهيم ﷺ قد سأل ربه ألا يقبض روحه حتى يكون هو الذي يسأله الموت. فقال إبراهيم للشيخ حين رأى حاله: ما بالك يا شيخ تصنع هذا؟ قال يا إبراهيم الكبر، قال له: ابن كم أنت؟ فزاد على عمر إبراهيم بسنتين، فقال إبراهيم: إنما بيني وبينك سنتين، فإذا بلغت ذلك صرت مثله، قال نعم، فقال إبراهيم: اللهم اقبضني إليك قبل ذلك، فقام الشيخ فقبض روح إبراهيم. وكان ملك الموت قد تمثل في صورة شيخ لإبراهيم، ومات إبراهيم وهو ابن مائتي سنة. وقيل: ابن مائة وسبع وتسعين سنة. ثم قال (تعالى): ﴿وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَىٰ مُوسَىٰ وَهَارُونَ﴾ أي: تفضلنا عليهما بالنبوة والرسالة. ﴿وَنَجَّيْنَاهُمَا وَقَوْمَهُمَا﴾ أي: ومن آمن معهما، يعني بني إسرائيل. ﴿مِنَ ٱلْكَرْبِ ٱلْعَظِيمِ﴾ أي: من الغرق. ثم قال (تعالى): ﴿وَنَصَرْنَاهُمْ فَكَانُواْ هُمُ ٱلْغَٰلِبِينَ﴾ أي: ونصرنا موسى وهارون وقومهما على فرعون وآله بتغريقنا إياهم فكانوا هم الغالبين. وقال الفراء: الضمير في ﴿وَنَصَرْنَاهُمْ﴾ و ﴿فَكَانُواْ﴾ ﴿هُمُ ٱلْغَٰلِبِينَ﴾ يعود على موسى وهارون وأن التثنية ردت إلى الجمع. ودل على ذلك قوله (جل ذكره). * * ﴿وَآتَيْنَاهُمَا ٱلْكِتَابَ ٱلْمُسْتَبِينَ * وَهَدَيْنَاهُمَا ٱلصِّرَاطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ * وَتَرَكْنَا عَلَيْهِمَا فِي ٱلآخِرِينَ * سَلاَمٌ عَلَىٰ مُوسَىٰ وَهَارُونَ﴾. وقال قوم: إنما جمع في موضع التثنية لأنهما عظيما الشأن جليلا القدر. والعرب تخبر عن الواحد من هذا النوع بلفظ الجمع، فالإخبار عن اثنين منهما بلفظ (الجمع) آكد وأحسن. * * ومعنى ﴿ٱلْمُسْتَبِينَ﴾: المتبين هداه وفضله وأحكامه، يعني التوراة، والصراط المستقيم: الإسلام. ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِمَا فِي ٱلآخِرِينَ﴾ أي: أبقينا عليهما الذكر الجميل والثناء الحسن، فكذلك نفعل بمن أحسن في طاعتي وأدى فرائضي. وفيه من الاختلاف ما تقدم في قصة نوح، وهو يقتضي قوله: ﴿وَٱجْعَل لِّي لِسَانَ صِدْقٍ فِي ٱلآخِرِينَ﴾ [الشعراء: ٨٤]. (ثم قال): ﴿إِنَّهُمَا مِنْ عِبَادِنَا ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: الذين أخلصناهم واخترناهم للطاعة وهديناهم للإيمان. ومن كسر اللام فمعناه: إنهما من عبادنا الذين أخلصوا العمل ولم يشركوا فيه غيري. قال (تعالى): ﴿وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ﴾. قال ابن إسحاق: (وهو إلياس) (بن) ياسين بن فنحاص بن العزار بن هارون بن عمران. وكان إلياس من سبط يوشع بن نون، بعثه الله تعالى إلى أهل بعلبك، (وكانوا يعبدون صنماً) يقال له بعل. وقيل هو إدريس. قاله قتادة. والمعنى: (إنه) لَمِنَ الذين أرسلهم الله إلى الخلق، فقال لقومه: ألا تتقون الله فتخافون عقابه على عبادتكم رباً غيره. (و) هو قوله: ﴿أَتَدْعُونَ بَعْلاً وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ ٱلْخَالِقِينَ﴾. والبعل: الرب لغة أهل اليمن مشهورة، قاله عكرمة ومجاهد وقتادة والسدي. وروي ذلك عن ابن عباس. وقال الضحاك: هو صنم لهم يسمى بعلاً. وقال ابن زيد: هو صنم كانوا يعبدونه ببعلبك مدينة وراء دمشق. وقيل: إن بعلاً تيس كانوا يعبدون. وقال ابن إسحاق: بلغني أن بعلاً امرأة كانوا يعبدونها من دون الله جل ذكره. قال وهب بن منبه: بعث الله إلياس إلى بني إسرائيل حين نسوا ما عهد الله إليهم، حتى (نصبوا) الأوثان وعبدوها من دون الله، فجعل إلياس يدعوهم إلى الله عز وجل، وجعلوا لا يسمعون منه شيئاً. وكان (له مَلِكٌ) من ملوك بني إسرائيل يطيعونه يقال له: جاب. وكان إلياس يقرب من الملك، وكان الملك يطيع إلياس (فيما) يقول له، ويراه الناس على هدى. وكانت ملوك بني إسرائيل قد افترقت في البلاد وأخذ كل واحد ناحية يأكلها، ويعبدون الأصنام، فقال الملك يوماً لإلياس: والله ما أرى ما تدعو إليه إلا باطلاً، والله ما أرى (فلاناً) وفلاناً - يذكر ملوكاً من ملوك بني إسرائيل - إلا قد عبدوا الأوثان من دون الله، وهم (على) نحو ما نحن عليه (من النعيم)، يأكلون ويشربون ويتنعمون مملكين، ما تنقص دنياهم عبادتهم الأوثان التي تزعم أنها باطل وما نرى لنا عليهم من فضل، فعظم الأمر على إلياس، واقشعر جلده وخرج عنه، ففعل ذلك الملك فعل أصحابه وعبد الأوثان، فقال إلياس: اللهم إن بني إسرائيل قد أبوا إلا الكفر بك والعبادة لغيرك فغير ما بهم من نعمة! أو كما قال: (قال) ابن إسحاق: فذكر لنا أنه أوحي إليه أنا قد جعلنا أمر أرزاقهم بيدك وإليك حتى تكون أنت الذي تأذن في ذلك. فقال إلياس: اللهم أمسك عنهم القطر، فحبس عنهم ثلاث سنين حتى هلكت الماشية والدواب والشجر، وجهد الناس جهداً شديداً، وكان إلياس حين دعا عليهم قد استخفى شفقاً على نفسه منهم. وكان حيث ما كان وضع له رزق، وكانوا إذا وجدوا ريح الخبز في دار أو بيت قالوا: قد دخل إلياس هذا المكان فطلبوه ولقي أهل ذلك المنزل شراً. ثم إنه أوى ليلة إلى امرأة من بني إسرائيل لها ابن يقال له: اليسع بن أخطوب به ضر، فآوته وأخفت أمره فدعا إلياس لابنها فعوفي من الضر الذي كان به واتبع اليسع إلياس. فآمن به وصدقه ولزمه، وكان يذهب معه حيث ما ذهب، وكان إلياس قد أسن وكبر، وكان اليسع غلاماً شاباً، فَذُكِر أن الله جل ذكره أوحى إلى إلياس: إنك قد أهلكت خلقاً كثيراً بخطايا بني إسرائيل من البهائم والدواب والطير والهوام والشجر. فذكر - والله أعلم - أن إلياس قال: أي رب، دعني أكن أنا الذي أدعوا لهم به، وأكن أنا الذي آتيهم بالفرج مما هم فيه من البلاء الذي أصابهم لعلهم يرجعون عن عبادة غيرك، فقيل له: نعم، فأتى إلياس إلى بني إسرائيل، فقال لهم: إنكم قد هلكتم جهداً وهلكت البهائم والدواب والطير والشجر بخطاياكم، وإنكم على باطل وغرور، أو كما قال لهم، فإن كنتم تحبون (علم) ذلك، وتعلمون أن الله عليكم ساخط فيما أنتم عليه، والذي أدعوكم إليه الحق، فاخرجوا بأصنامكم هذه التي تبعدونها وتزعمون أنها خير مما أدعوكم إليه، فإن استجابت لكم فذلك كما تقولون. فإن هي لم تفعل علمتم أنكم على باطل فنزعتم ودعوت الله يفرج عنكم ما أنتم فيه من البلاء، قالوا: أنْصَفت، فخرجوا بأوثانهم وما يتقربون به إلى الله من أحداثهم، فدعوها فلم تستجب لهم ولم تفرج عنهم ما كانوا فيه من البلاء، فعرفوا ما هم فيه من الضلال والباطل، فقالوا لإلياس: يا إلياس إنا قد هلكنا، فادع الله لنا، فدعا إلياس لهم بالفرج مما هم فيه، وأن يسقوا، فخرجت سحابة مثل الترس بإذن الله على ظهر البحر وهم ينظرون، ثم ترامى إليهما السحاب ثم أُدْحِيت، ثم أرسل الله المطر فأغاثهم، فحييث بلادهم وفرج عنهم ما كانوا فيه من البلاء. فلم يرجعوا ولا نزعوا، وأقاموا على ما كانوا عليه، فلما رأى ذلك إلياس من كفرهم، دعا ربه يقبضه إليه فيريحه منهم، فذكر أن الله عز وجل أوحى إليه: أخرج إلى بلد كذا وكذا فما جاءك من شيء فاركبه ولا تهبه، فخرج إلياس وخرج معه اليسع حتى إذا كانا بالبلد الذي ذكر له في المكان الذي أمر به أقبل فرس من نار حتى وقف بين يديه، فوثب عليه فانطلق به (فناداه) اليسع يا إلياس (يا إلياس) ما تأمرني به؟ فكان آخر عهدهم به، فكساه الله الريش، وألبسه النور، (وقطع) عنه لذة المطعم والمشرب، وكان في الملائكة إنيساً ملكياً أرضياً سماوياً. قال أبو محمد رضي الله عنه: وهذا الخبر إذا صح فإنما يصح على قول من قال: إنه إدريس ﷺ لقوله تعالى ذكره في إدريس ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَاناً عَلِيّاً﴾ [مريم: ٥٧]. * * وقوله: ﴿وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ ٱلْخَالِقِينَ﴾ أي: خالقكم الذي هو أحسن المقدرين للأشياء. ﴿ٱللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبَآئِكُمُ ٱلأَوَّلِينَ﴾ أي الماضين. [ثم قال: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ﴾ أي: محضرون في عذاب الله]. * * ثم قال: ﴿إِلاَّ عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلْمُخْلَصِينَ﴾ أي: الذين اختارهم (الله) فأنجاهم من العذاب بتوفيقه إياهم. * * ثم قال: ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي ٱلآخِرِينَ * سَلاَمٌ عَلَىٰ إِلْ يَاسِينَ﴾ أي: وأبقينا عليه الثناء الحسن بعده، فيقال: "سلام على آل ياسين"، أي: سلام على أهل دينه، فيسلم على أهله من أجله، فهو داخل في أفضل الثناء. ومن قرأ "اليَاسِينَ" غير مقطوع. فقال ابن أبي إسحاق: هو اسمه مثل ابراهيم. وذهب أبو عبيد إلى أنه جُمِعَ جَمْعَ السلامة على معنى أنه وأهل مذهبه يسلم عليهم. وقال علي بن سليمان: العرب تُسمي قوم الرجل باسم الرجل الجليل منهم، فيقولون: المهالبة لأصحاب المهلب، كأنهم سموا كل واحد بالمهلب فعلى هذا قيل الياسين، يريد قومه المؤمنين كأنه سمَّى كل واحد منهم بإلياس. وذكر سيبويه أن هذا المعنى إنما يجيء على معنى النسبة، حكى الأشعرون، يريد به النسب. واحتج أبو عمرو وأبو عبيد على تركه لقراءة آل ياسين، أنه ليس في السور سلام على آل فلان من الأنبياء، فكما سمي الأنبياء في هذا المعنى سمي هو. ولا حجة في هذا لأنه إذا أثني على قومه المؤمنين من أجله فهو داخل في ذلك وله منه أوفر الحظ، وهو أبلغ في المدح ممن أثني عليه باسمه، وأيضاً فإن الخط مثبت بالانفصال. وقال الفراء: هو مثل ﴿طُورِ سَيْنَآءَ﴾ [المؤمنون: ٢٠] و ﴿وَطُورِ سِينِينَ﴾ [التين: ٢]، والمعنى واحد. ومعنى ذلك: أن إلياس اسم أعجمي، [والعرب إذا استعملت الأسماء الأعجمية في كلامها غيرتها بضروب من] التعبير، فيقولون: إبراهيم وإبراهام وإبرهام، وميكائيل ومْيكائيل وميكاين وميكال، وإسماعيل وإسمعيل، وإسرائيل وإسرائين، وشبهه. فكذلك إلياس وإلياسين هو واحد. قال السدي: "سلام على الياسين" هو: إلياس. قال الفراء: إن أخذته من الأَلْيَسِ صرفته، فيكون وزنه على هذا إفعال مثل إخراج. وقرأ الحسن بوصل الألف (بجعله الألف) واللام اللتين للتعريف دخلتا على ياسين. * * ثم قال: ﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي ٱلْمُحْسِنِينَ﴾ أي: كما فعلنا بإلياس كذلك نفعل بأهل الطاعة والإحسان. * * ثم قال: ﴿إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: من الذين آمنوا وأطاعوا ولم يشركوا. ثم قال (تعالى): ﴿وَإِنَّ لُوطاً لَّمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ﴾ أي: لمن الذين أرسلهم الله بالإنذار والإعذار. ثم قال (تعالى): ﴿إِذْ نَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ﴾ أي: من العذاب الذي أحللنا بقومه على كفرهم. وفي الكلام حذف، والتقدير: وإن لوطاً لمن المرسلين إلى قومه بالإنذار فكذبوه فنجيناه وأهله. * * ثم قال: ﴿إِلاَّ عَجُوزاً فِي ٱلْغَابِرِينَ﴾ أي: في الباقين، يعني امرأة لوط. قال الضحاك: يعني امرأته تخلفت فمسخت حجراً. وقال السدي: "في الغابرين" في الهالكين. وقيل: في "الغابرين": في الذين بلغوا العمر الطويل، وقد تقدم هذا بأشبع شرحاً. * * ثم قال: ﴿ثُمَّ دَمَّرْنَا ٱلآخَرِينَ﴾ أي: أهلكناهم بالحجارة. * * ثم قال: ﴿وَإِنَّكُمْ لَّتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُّصْبِحِينَ﴾ هذا خطاب لقريش، أي: إنكم لتمرون في أسفاركم على آثارهم وديارهم وموضع هلاكهم في النهار وفي الليل، فلا تتعظون، لا تزدجرون وتخافون أن يصيبكم مثل ما أصابهم، ولا تعقلون ما يراد بكم، وأنه من سلك مثل ما سلكوا من الكفر والتكذيب أنه صائر إلى مثل ما صاروا إليه. "وبالليل" وقف كاف، و "تعقلون" التمام. ثم قال (تعالى): ﴿وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ﴾ أي: لمن الذين أُرْسِلَ إلى قومه بالإنذار والإعذار. ﴿إِلَى ٱلْفُلْكِ ٱلْمَشْحُونِ﴾ (أي): هرب. وقال المبرد: أصله تباعد. وقيل له : آبق لأنه خرج بغير أمر الله عز وجل مستتراً من الناس إلى الفلك وهي السفينة. والمشحون: المملوء الموقر. "فَسَاهَمَ" أي: فقارع. قال السدي: فاحتبست بهم السفينة فعلموا أنها إنما احتبست من حدث أحدثوه، فتساهموا فقُرع يونس فرمى بنفسه، فالتقمه الحوت. * * وقوله: ﴿فَكَانَ مِنَ ٱلْمُدْحَضِينَ﴾ أي: من المقروعين. قال طاوس، لما ركب السفينة ركدت فقالوا: إن فيها رجلاً مشؤوماً، فقارعوا فوقعت القرعة عليه ثلاث مرات فرموا به، فالتقمه الحوت، وأصل دحضت من الزلق في الماء والطين. يقال: أدحض الله حجته ودحضت، وحكي: دحض الله حجته، وهي قليلة وقوله: ﴿فَٱلْتَقَمَهُ ٱلْحُوتُ﴾ أي: ابتلعه. ﴿وَهُوَ مُلِيمٌ﴾ أي: وهو قد أتى ما يلام عليه (من) خروجه بغير أمر (من) الله. يقال: ألاَمَ الرجل إذَا أتى ما يلام عليه. والمَلُوم: الذي يلام باللسان (إن) استحق ذلك أو لم يستحقه. قال مجاهد: ﴿مُلِيمٌ﴾: مذنب.

الصافات 37:132

قوله تعالى (ذكره): ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي ٱلآخِرِينَ﴾ إلى قوله: ﴿وَهُوَ مُلِيمٌ﴾. أي: وأبقينا على إبراهيم ثناء حسناً في الآخرين من الأمم، قاله قتادة. وقال ابن زيد: سأل إبراهيم عليه السلام ربه فقال: ﴿وَٱجْعَل لِّي لِسَانَ صِدْقٍ فِي ٱلآخِرِينَ﴾ [الشعراء: ٨٤]، أي الثناء الحسن، فأبقى الله عليه أن يقال: ﴿سَلاَمٌ عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ﴾ أي: أمنة من الله أن يذكر الإنجيل. * * ثم قال: ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي ٱلْمُحْسِنِينَ﴾ أي: كما جزينا إبراهيم على طاعته، كذلك نجزي من أطاع الله وأحسن عبادته. * * ثم قال: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيّاً مِّنَ ٱلصَّالِحِينَ﴾ أي: بشرناه - بعد أن فدينا إسماعيل بالذبح - بإسحاق مقدراً له النبوة والصلاح. ومن قال: إن الذبيح إسحاق فمعناه عنده: (وبشرنا إبراهيم) بعد الفداء بنبوة إسحاق نبياً. وفيه بُعْدٌ لأنك (لو) قلت: بشرتك بقدوم زيد قادماً، لم يكن للحال فائدة، ولم يوضع لغير فائدة. قال قتادة: بشر بنبوته بعدما جاد لله بنفسه. * * ثم قال: ﴿وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَىٰ إِسْحَاقَ﴾ أي: ثبتنا عليهما النعمة. ﴿وَمِن ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ﴾ وهو المطيع. ﴿وَظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ﴾ وهو الكافر. وذكر الطبري عن السدي أنه قال: كان إبراهيم كثير الطعام يطعم الناس ويضيفهم، فبينما هو يطعم الناس إذ رأى شيخاً كبيراُ يمشي في الحرة، فبعث إليه بحمار فركبه حتى أتاه فأطعمه فجعل الشيخ يأخذ اللقمة يريد أن يدخلها في فيه فيدخلها في أذنه مرة وفي عينه مرة ثم يدخلها في فيه، فإذا أدخلها في فيه، خرجت من دبره. وكان إبراهيم ﷺ قد سأل ربه ألا يقبض روحه حتى يكون هو الذي يسأله الموت. فقال إبراهيم للشيخ حين رأى حاله: ما بالك يا شيخ تصنع هذا؟ قال يا إبراهيم الكبر، قال له: ابن كم أنت؟ فزاد على عمر إبراهيم بسنتين، فقال إبراهيم: إنما بيني وبينك سنتين، فإذا بلغت ذلك صرت مثله، قال نعم، فقال إبراهيم: اللهم اقبضني إليك قبل ذلك، فقام الشيخ فقبض روح إبراهيم. وكان ملك الموت قد تمثل في صورة شيخ لإبراهيم، ومات إبراهيم وهو ابن مائتي سنة. وقيل: ابن مائة وسبع وتسعين سنة. ثم قال (تعالى): ﴿وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَىٰ مُوسَىٰ وَهَارُونَ﴾ أي: تفضلنا عليهما بالنبوة والرسالة. ﴿وَنَجَّيْنَاهُمَا وَقَوْمَهُمَا﴾ أي: ومن آمن معهما، يعني بني إسرائيل. ﴿مِنَ ٱلْكَرْبِ ٱلْعَظِيمِ﴾ أي: من الغرق. ثم قال (تعالى): ﴿وَنَصَرْنَاهُمْ فَكَانُواْ هُمُ ٱلْغَٰلِبِينَ﴾ أي: ونصرنا موسى وهارون وقومهما على فرعون وآله بتغريقنا إياهم فكانوا هم الغالبين. وقال الفراء: الضمير في ﴿وَنَصَرْنَاهُمْ﴾ و ﴿فَكَانُواْ﴾ ﴿هُمُ ٱلْغَٰلِبِينَ﴾ يعود على موسى وهارون وأن التثنية ردت إلى الجمع. ودل على ذلك قوله (جل ذكره). * * ﴿وَآتَيْنَاهُمَا ٱلْكِتَابَ ٱلْمُسْتَبِينَ * وَهَدَيْنَاهُمَا ٱلصِّرَاطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ * وَتَرَكْنَا عَلَيْهِمَا فِي ٱلآخِرِينَ * سَلاَمٌ عَلَىٰ مُوسَىٰ وَهَارُونَ﴾. وقال قوم: إنما جمع في موضع التثنية لأنهما عظيما الشأن جليلا القدر. والعرب تخبر عن الواحد من هذا النوع بلفظ الجمع، فالإخبار عن اثنين منهما بلفظ (الجمع) آكد وأحسن. * * ومعنى ﴿ٱلْمُسْتَبِينَ﴾: المتبين هداه وفضله وأحكامه، يعني التوراة، والصراط المستقيم: الإسلام. ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِمَا فِي ٱلآخِرِينَ﴾ أي: أبقينا عليهما الذكر الجميل والثناء الحسن، فكذلك نفعل بمن أحسن في طاعتي وأدى فرائضي. وفيه من الاختلاف ما تقدم في قصة نوح، وهو يقتضي قوله: ﴿وَٱجْعَل لِّي لِسَانَ صِدْقٍ فِي ٱلآخِرِينَ﴾ [الشعراء: ٨٤]. (ثم قال): ﴿إِنَّهُمَا مِنْ عِبَادِنَا ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: الذين أخلصناهم واخترناهم للطاعة وهديناهم للإيمان. ومن كسر اللام فمعناه: إنهما من عبادنا الذين أخلصوا العمل ولم يشركوا فيه غيري. قال (تعالى): ﴿وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ﴾. قال ابن إسحاق: (وهو إلياس) (بن) ياسين بن فنحاص بن العزار بن هارون بن عمران. وكان إلياس من سبط يوشع بن نون، بعثه الله تعالى إلى أهل بعلبك، (وكانوا يعبدون صنماً) يقال له بعل. وقيل هو إدريس. قاله قتادة. والمعنى: (إنه) لَمِنَ الذين أرسلهم الله إلى الخلق، فقال لقومه: ألا تتقون الله فتخافون عقابه على عبادتكم رباً غيره. (و) هو قوله: ﴿أَتَدْعُونَ بَعْلاً وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ ٱلْخَالِقِينَ﴾. والبعل: الرب لغة أهل اليمن مشهورة، قاله عكرمة ومجاهد وقتادة والسدي. وروي ذلك عن ابن عباس. وقال الضحاك: هو صنم لهم يسمى بعلاً. وقال ابن زيد: هو صنم كانوا يعبدونه ببعلبك مدينة وراء دمشق. وقيل: إن بعلاً تيس كانوا يعبدون. وقال ابن إسحاق: بلغني أن بعلاً امرأة كانوا يعبدونها من دون الله جل ذكره. قال وهب بن منبه: بعث الله إلياس إلى بني إسرائيل حين نسوا ما عهد الله إليهم، حتى (نصبوا) الأوثان وعبدوها من دون الله، فجعل إلياس يدعوهم إلى الله عز وجل، وجعلوا لا يسمعون منه شيئاً. وكان (له مَلِكٌ) من ملوك بني إسرائيل يطيعونه يقال له: جاب. وكان إلياس يقرب من الملك، وكان الملك يطيع إلياس (فيما) يقول له، ويراه الناس على هدى. وكانت ملوك بني إسرائيل قد افترقت في البلاد وأخذ كل واحد ناحية يأكلها، ويعبدون الأصنام، فقال الملك يوماً لإلياس: والله ما أرى ما تدعو إليه إلا باطلاً، والله ما أرى (فلاناً) وفلاناً - يذكر ملوكاً من ملوك بني إسرائيل - إلا قد عبدوا الأوثان من دون الله، وهم (على) نحو ما نحن عليه (من النعيم)، يأكلون ويشربون ويتنعمون مملكين، ما تنقص دنياهم عبادتهم الأوثان التي تزعم أنها باطل وما نرى لنا عليهم من فضل، فعظم الأمر على إلياس، واقشعر جلده وخرج عنه، ففعل ذلك الملك فعل أصحابه وعبد الأوثان، فقال إلياس: اللهم إن بني إسرائيل قد أبوا إلا الكفر بك والعبادة لغيرك فغير ما بهم من نعمة! أو كما قال: (قال) ابن إسحاق: فذكر لنا أنه أوحي إليه أنا قد جعلنا أمر أرزاقهم بيدك وإليك حتى تكون أنت الذي تأذن في ذلك. فقال إلياس: اللهم أمسك عنهم القطر، فحبس عنهم ثلاث سنين حتى هلكت الماشية والدواب والشجر، وجهد الناس جهداً شديداً، وكان إلياس حين دعا عليهم قد استخفى شفقاً على نفسه منهم. وكان حيث ما كان وضع له رزق، وكانوا إذا وجدوا ريح الخبز في دار أو بيت قالوا: قد دخل إلياس هذا المكان فطلبوه ولقي أهل ذلك المنزل شراً. ثم إنه أوى ليلة إلى امرأة من بني إسرائيل لها ابن يقال له: اليسع بن أخطوب به ضر، فآوته وأخفت أمره فدعا إلياس لابنها فعوفي من الضر الذي كان به واتبع اليسع إلياس. فآمن به وصدقه ولزمه، وكان يذهب معه حيث ما ذهب، وكان إلياس قد أسن وكبر، وكان اليسع غلاماً شاباً، فَذُكِر أن الله جل ذكره أوحى إلى إلياس: إنك قد أهلكت خلقاً كثيراً بخطايا بني إسرائيل من البهائم والدواب والطير والهوام والشجر. فذكر - والله أعلم - أن إلياس قال: أي رب، دعني أكن أنا الذي أدعوا لهم به، وأكن أنا الذي آتيهم بالفرج مما هم فيه من البلاء الذي أصابهم لعلهم يرجعون عن عبادة غيرك، فقيل له: نعم، فأتى إلياس إلى بني إسرائيل، فقال لهم: إنكم قد هلكتم جهداً وهلكت البهائم والدواب والطير والشجر بخطاياكم، وإنكم على باطل وغرور، أو كما قال لهم، فإن كنتم تحبون (علم) ذلك، وتعلمون أن الله عليكم ساخط فيما أنتم عليه، والذي أدعوكم إليه الحق، فاخرجوا بأصنامكم هذه التي تبعدونها وتزعمون أنها خير مما أدعوكم إليه، فإن استجابت لكم فذلك كما تقولون. فإن هي لم تفعل علمتم أنكم على باطل فنزعتم ودعوت الله يفرج عنكم ما أنتم فيه من البلاء، قالوا: أنْصَفت، فخرجوا بأوثانهم وما يتقربون به إلى الله من أحداثهم، فدعوها فلم تستجب لهم ولم تفرج عنهم ما كانوا فيه من البلاء، فعرفوا ما هم فيه من الضلال والباطل، فقالوا لإلياس: يا إلياس إنا قد هلكنا، فادع الله لنا، فدعا إلياس لهم بالفرج مما هم فيه، وأن يسقوا، فخرجت سحابة مثل الترس بإذن الله على ظهر البحر وهم ينظرون، ثم ترامى إليهما السحاب ثم أُدْحِيت، ثم أرسل الله المطر فأغاثهم، فحييث بلادهم وفرج عنهم ما كانوا فيه من البلاء. فلم يرجعوا ولا نزعوا، وأقاموا على ما كانوا عليه، فلما رأى ذلك إلياس من كفرهم، دعا ربه يقبضه إليه فيريحه منهم، فذكر أن الله عز وجل أوحى إليه: أخرج إلى بلد كذا وكذا فما جاءك من شيء فاركبه ولا تهبه، فخرج إلياس وخرج معه اليسع حتى إذا كانا بالبلد الذي ذكر له في المكان الذي أمر به أقبل فرس من نار حتى وقف بين يديه، فوثب عليه فانطلق به (فناداه) اليسع يا إلياس (يا إلياس) ما تأمرني به؟ فكان آخر عهدهم به، فكساه الله الريش، وألبسه النور، (وقطع) عنه لذة المطعم والمشرب، وكان في الملائكة إنيساً ملكياً أرضياً سماوياً. قال أبو محمد رضي الله عنه: وهذا الخبر إذا صح فإنما يصح على قول من قال: إنه إدريس ﷺ لقوله تعالى ذكره في إدريس ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَاناً عَلِيّاً﴾ [مريم: ٥٧]. * * وقوله: ﴿وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ ٱلْخَالِقِينَ﴾ أي: خالقكم الذي هو أحسن المقدرين للأشياء. ﴿ٱللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبَآئِكُمُ ٱلأَوَّلِينَ﴾ أي الماضين. [ثم قال: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ﴾ أي: محضرون في عذاب الله]. * * ثم قال: ﴿إِلاَّ عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلْمُخْلَصِينَ﴾ أي: الذين اختارهم (الله) فأنجاهم من العذاب بتوفيقه إياهم. * * ثم قال: ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي ٱلآخِرِينَ * سَلاَمٌ عَلَىٰ إِلْ يَاسِينَ﴾ أي: وأبقينا عليه الثناء الحسن بعده، فيقال: "سلام على آل ياسين"، أي: سلام على أهل دينه، فيسلم على أهله من أجله، فهو داخل في أفضل الثناء. ومن قرأ "اليَاسِينَ" غير مقطوع. فقال ابن أبي إسحاق: هو اسمه مثل ابراهيم. وذهب أبو عبيد إلى أنه جُمِعَ جَمْعَ السلامة على معنى أنه وأهل مذهبه يسلم عليهم. وقال علي بن سليمان: العرب تُسمي قوم الرجل باسم الرجل الجليل منهم، فيقولون: المهالبة لأصحاب المهلب، كأنهم سموا كل واحد بالمهلب فعلى هذا قيل الياسين، يريد قومه المؤمنين كأنه سمَّى كل واحد منهم بإلياس. وذكر سيبويه أن هذا المعنى إنما يجيء على معنى النسبة، حكى الأشعرون، يريد به النسب. واحتج أبو عمرو وأبو عبيد على تركه لقراءة آل ياسين، أنه ليس في السور سلام على آل فلان من الأنبياء، فكما سمي الأنبياء في هذا المعنى سمي هو. ولا حجة في هذا لأنه إذا أثني على قومه المؤمنين من أجله فهو داخل في ذلك وله منه أوفر الحظ، وهو أبلغ في المدح ممن أثني عليه باسمه، وأيضاً فإن الخط مثبت بالانفصال. وقال الفراء: هو مثل ﴿طُورِ سَيْنَآءَ﴾ [المؤمنون: ٢٠] و ﴿وَطُورِ سِينِينَ﴾ [التين: ٢]، والمعنى واحد. ومعنى ذلك: أن إلياس اسم أعجمي، [والعرب إذا استعملت الأسماء الأعجمية في كلامها غيرتها بضروب من] التعبير، فيقولون: إبراهيم وإبراهام وإبرهام، وميكائيل ومْيكائيل وميكاين وميكال، وإسماعيل وإسمعيل، وإسرائيل وإسرائين، وشبهه. فكذلك إلياس وإلياسين هو واحد. قال السدي: "سلام على الياسين" هو: إلياس. قال الفراء: إن أخذته من الأَلْيَسِ صرفته، فيكون وزنه على هذا إفعال مثل إخراج. وقرأ الحسن بوصل الألف (بجعله الألف) واللام اللتين للتعريف دخلتا على ياسين. * * ثم قال: ﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي ٱلْمُحْسِنِينَ﴾ أي: كما فعلنا بإلياس كذلك نفعل بأهل الطاعة والإحسان. * * ثم قال: ﴿إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: من الذين آمنوا وأطاعوا ولم يشركوا. ثم قال (تعالى): ﴿وَإِنَّ لُوطاً لَّمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ﴾ أي: لمن الذين أرسلهم الله بالإنذار والإعذار. ثم قال (تعالى): ﴿إِذْ نَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ﴾ أي: من العذاب الذي أحللنا بقومه على كفرهم. وفي الكلام حذف، والتقدير: وإن لوطاً لمن المرسلين إلى قومه بالإنذار فكذبوه فنجيناه وأهله. * * ثم قال: ﴿إِلاَّ عَجُوزاً فِي ٱلْغَابِرِينَ﴾ أي: في الباقين، يعني امرأة لوط. قال الضحاك: يعني امرأته تخلفت فمسخت حجراً. وقال السدي: "في الغابرين" في الهالكين. وقيل: في "الغابرين": في الذين بلغوا العمر الطويل، وقد تقدم هذا بأشبع شرحاً. * * ثم قال: ﴿ثُمَّ دَمَّرْنَا ٱلآخَرِينَ﴾ أي: أهلكناهم بالحجارة. * * ثم قال: ﴿وَإِنَّكُمْ لَّتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُّصْبِحِينَ﴾ هذا خطاب لقريش، أي: إنكم لتمرون في أسفاركم على آثارهم وديارهم وموضع هلاكهم في النهار وفي الليل، فلا تتعظون، لا تزدجرون وتخافون أن يصيبكم مثل ما أصابهم، ولا تعقلون ما يراد بكم، وأنه من سلك مثل ما سلكوا من الكفر والتكذيب أنه صائر إلى مثل ما صاروا إليه. "وبالليل" وقف كاف، و "تعقلون" التمام. ثم قال (تعالى): ﴿وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ﴾ أي: لمن الذين أُرْسِلَ إلى قومه بالإنذار والإعذار. ﴿إِلَى ٱلْفُلْكِ ٱلْمَشْحُونِ﴾ (أي): هرب. وقال المبرد: أصله تباعد. وقيل له : آبق لأنه خرج بغير أمر الله عز وجل مستتراً من الناس إلى الفلك وهي السفينة. والمشحون: المملوء الموقر. "فَسَاهَمَ" أي: فقارع. قال السدي: فاحتبست بهم السفينة فعلموا أنها إنما احتبست من حدث أحدثوه، فتساهموا فقُرع يونس فرمى بنفسه، فالتقمه الحوت. * * وقوله: ﴿فَكَانَ مِنَ ٱلْمُدْحَضِينَ﴾ أي: من المقروعين. قال طاوس، لما ركب السفينة ركدت فقالوا: إن فيها رجلاً مشؤوماً، فقارعوا فوقعت القرعة عليه ثلاث مرات فرموا به، فالتقمه الحوت، وأصل دحضت من الزلق في الماء والطين. يقال: أدحض الله حجته ودحضت، وحكي: دحض الله حجته، وهي قليلة وقوله: ﴿فَٱلْتَقَمَهُ ٱلْحُوتُ﴾ أي: ابتلعه. ﴿وَهُوَ مُلِيمٌ﴾ أي: وهو قد أتى ما يلام عليه (من) خروجه بغير أمر (من) الله. يقال: ألاَمَ الرجل إذَا أتى ما يلام عليه. والمَلُوم: الذي يلام باللسان (إن) استحق ذلك أو لم يستحقه. قال مجاهد: ﴿مُلِيمٌ﴾: مذنب.

الصافات 37:133

قوله تعالى (ذكره): ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي ٱلآخِرِينَ﴾ إلى قوله: ﴿وَهُوَ مُلِيمٌ﴾. أي: وأبقينا على إبراهيم ثناء حسناً في الآخرين من الأمم، قاله قتادة. وقال ابن زيد: سأل إبراهيم عليه السلام ربه فقال: ﴿وَٱجْعَل لِّي لِسَانَ صِدْقٍ فِي ٱلآخِرِينَ﴾ [الشعراء: ٨٤]، أي الثناء الحسن، فأبقى الله عليه أن يقال: ﴿سَلاَمٌ عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ﴾ أي: أمنة من الله أن يذكر الإنجيل. * * ثم قال: ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي ٱلْمُحْسِنِينَ﴾ أي: كما جزينا إبراهيم على طاعته، كذلك نجزي من أطاع الله وأحسن عبادته. * * ثم قال: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيّاً مِّنَ ٱلصَّالِحِينَ﴾ أي: بشرناه - بعد أن فدينا إسماعيل بالذبح - بإسحاق مقدراً له النبوة والصلاح. ومن قال: إن الذبيح إسحاق فمعناه عنده: (وبشرنا إبراهيم) بعد الفداء بنبوة إسحاق نبياً. وفيه بُعْدٌ لأنك (لو) قلت: بشرتك بقدوم زيد قادماً، لم يكن للحال فائدة، ولم يوضع لغير فائدة. قال قتادة: بشر بنبوته بعدما جاد لله بنفسه. * * ثم قال: ﴿وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَىٰ إِسْحَاقَ﴾ أي: ثبتنا عليهما النعمة. ﴿وَمِن ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ﴾ وهو المطيع. ﴿وَظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ﴾ وهو الكافر. وذكر الطبري عن السدي أنه قال: كان إبراهيم كثير الطعام يطعم الناس ويضيفهم، فبينما هو يطعم الناس إذ رأى شيخاً كبيراُ يمشي في الحرة، فبعث إليه بحمار فركبه حتى أتاه فأطعمه فجعل الشيخ يأخذ اللقمة يريد أن يدخلها في فيه فيدخلها في أذنه مرة وفي عينه مرة ثم يدخلها في فيه، فإذا أدخلها في فيه، خرجت من دبره. وكان إبراهيم ﷺ قد سأل ربه ألا يقبض روحه حتى يكون هو الذي يسأله الموت. فقال إبراهيم للشيخ حين رأى حاله: ما بالك يا شيخ تصنع هذا؟ قال يا إبراهيم الكبر، قال له: ابن كم أنت؟ فزاد على عمر إبراهيم بسنتين، فقال إبراهيم: إنما بيني وبينك سنتين، فإذا بلغت ذلك صرت مثله، قال نعم، فقال إبراهيم: اللهم اقبضني إليك قبل ذلك، فقام الشيخ فقبض روح إبراهيم. وكان ملك الموت قد تمثل في صورة شيخ لإبراهيم، ومات إبراهيم وهو ابن مائتي سنة. وقيل: ابن مائة وسبع وتسعين سنة. ثم قال (تعالى): ﴿وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَىٰ مُوسَىٰ وَهَارُونَ﴾ أي: تفضلنا عليهما بالنبوة والرسالة. ﴿وَنَجَّيْنَاهُمَا وَقَوْمَهُمَا﴾ أي: ومن آمن معهما، يعني بني إسرائيل. ﴿مِنَ ٱلْكَرْبِ ٱلْعَظِيمِ﴾ أي: من الغرق. ثم قال (تعالى): ﴿وَنَصَرْنَاهُمْ فَكَانُواْ هُمُ ٱلْغَٰلِبِينَ﴾ أي: ونصرنا موسى وهارون وقومهما على فرعون وآله بتغريقنا إياهم فكانوا هم الغالبين. وقال الفراء: الضمير في ﴿وَنَصَرْنَاهُمْ﴾ و ﴿فَكَانُواْ﴾ ﴿هُمُ ٱلْغَٰلِبِينَ﴾ يعود على موسى وهارون وأن التثنية ردت إلى الجمع. ودل على ذلك قوله (جل ذكره). * * ﴿وَآتَيْنَاهُمَا ٱلْكِتَابَ ٱلْمُسْتَبِينَ * وَهَدَيْنَاهُمَا ٱلصِّرَاطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ * وَتَرَكْنَا عَلَيْهِمَا فِي ٱلآخِرِينَ * سَلاَمٌ عَلَىٰ مُوسَىٰ وَهَارُونَ﴾. وقال قوم: إنما جمع في موضع التثنية لأنهما عظيما الشأن جليلا القدر. والعرب تخبر عن الواحد من هذا النوع بلفظ الجمع، فالإخبار عن اثنين منهما بلفظ (الجمع) آكد وأحسن. * * ومعنى ﴿ٱلْمُسْتَبِينَ﴾: المتبين هداه وفضله وأحكامه، يعني التوراة، والصراط المستقيم: الإسلام. ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِمَا فِي ٱلآخِرِينَ﴾ أي: أبقينا عليهما الذكر الجميل والثناء الحسن، فكذلك نفعل بمن أحسن في طاعتي وأدى فرائضي. وفيه من الاختلاف ما تقدم في قصة نوح، وهو يقتضي قوله: ﴿وَٱجْعَل لِّي لِسَانَ صِدْقٍ فِي ٱلآخِرِينَ﴾ [الشعراء: ٨٤]. (ثم قال): ﴿إِنَّهُمَا مِنْ عِبَادِنَا ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: الذين أخلصناهم واخترناهم للطاعة وهديناهم للإيمان. ومن كسر اللام فمعناه: إنهما من عبادنا الذين أخلصوا العمل ولم يشركوا فيه غيري. قال (تعالى): ﴿وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ﴾. قال ابن إسحاق: (وهو إلياس) (بن) ياسين بن فنحاص بن العزار بن هارون بن عمران. وكان إلياس من سبط يوشع بن نون، بعثه الله تعالى إلى أهل بعلبك، (وكانوا يعبدون صنماً) يقال له بعل. وقيل هو إدريس. قاله قتادة. والمعنى: (إنه) لَمِنَ الذين أرسلهم الله إلى الخلق، فقال لقومه: ألا تتقون الله فتخافون عقابه على عبادتكم رباً غيره. (و) هو قوله: ﴿أَتَدْعُونَ بَعْلاً وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ ٱلْخَالِقِينَ﴾. والبعل: الرب لغة أهل اليمن مشهورة، قاله عكرمة ومجاهد وقتادة والسدي. وروي ذلك عن ابن عباس. وقال الضحاك: هو صنم لهم يسمى بعلاً. وقال ابن زيد: هو صنم كانوا يعبدونه ببعلبك مدينة وراء دمشق. وقيل: إن بعلاً تيس كانوا يعبدون. وقال ابن إسحاق: بلغني أن بعلاً امرأة كانوا يعبدونها من دون الله جل ذكره. قال وهب بن منبه: بعث الله إلياس إلى بني إسرائيل حين نسوا ما عهد الله إليهم، حتى (نصبوا) الأوثان وعبدوها من دون الله، فجعل إلياس يدعوهم إلى الله عز وجل، وجعلوا لا يسمعون منه شيئاً. وكان (له مَلِكٌ) من ملوك بني إسرائيل يطيعونه يقال له: جاب. وكان إلياس يقرب من الملك، وكان الملك يطيع إلياس (فيما) يقول له، ويراه الناس على هدى. وكانت ملوك بني إسرائيل قد افترقت في البلاد وأخذ كل واحد ناحية يأكلها، ويعبدون الأصنام، فقال الملك يوماً لإلياس: والله ما أرى ما تدعو إليه إلا باطلاً، والله ما أرى (فلاناً) وفلاناً - يذكر ملوكاً من ملوك بني إسرائيل - إلا قد عبدوا الأوثان من دون الله، وهم (على) نحو ما نحن عليه (من النعيم)، يأكلون ويشربون ويتنعمون مملكين، ما تنقص دنياهم عبادتهم الأوثان التي تزعم أنها باطل وما نرى لنا عليهم من فضل، فعظم الأمر على إلياس، واقشعر جلده وخرج عنه، ففعل ذلك الملك فعل أصحابه وعبد الأوثان، فقال إلياس: اللهم إن بني إسرائيل قد أبوا إلا الكفر بك والعبادة لغيرك فغير ما بهم من نعمة! أو كما قال: (قال) ابن إسحاق: فذكر لنا أنه أوحي إليه أنا قد جعلنا أمر أرزاقهم بيدك وإليك حتى تكون أنت الذي تأذن في ذلك. فقال إلياس: اللهم أمسك عنهم القطر، فحبس عنهم ثلاث سنين حتى هلكت الماشية والدواب والشجر، وجهد الناس جهداً شديداً، وكان إلياس حين دعا عليهم قد استخفى شفقاً على نفسه منهم. وكان حيث ما كان وضع له رزق، وكانوا إذا وجدوا ريح الخبز في دار أو بيت قالوا: قد دخل إلياس هذا المكان فطلبوه ولقي أهل ذلك المنزل شراً. ثم إنه أوى ليلة إلى امرأة من بني إسرائيل لها ابن يقال له: اليسع بن أخطوب به ضر، فآوته وأخفت أمره فدعا إلياس لابنها فعوفي من الضر الذي كان به واتبع اليسع إلياس. فآمن به وصدقه ولزمه، وكان يذهب معه حيث ما ذهب، وكان إلياس قد أسن وكبر، وكان اليسع غلاماً شاباً، فَذُكِر أن الله جل ذكره أوحى إلى إلياس: إنك قد أهلكت خلقاً كثيراً بخطايا بني إسرائيل من البهائم والدواب والطير والهوام والشجر. فذكر - والله أعلم - أن إلياس قال: أي رب، دعني أكن أنا الذي أدعوا لهم به، وأكن أنا الذي آتيهم بالفرج مما هم فيه من البلاء الذي أصابهم لعلهم يرجعون عن عبادة غيرك، فقيل له: نعم، فأتى إلياس إلى بني إسرائيل، فقال لهم: إنكم قد هلكتم جهداً وهلكت البهائم والدواب والطير والشجر بخطاياكم، وإنكم على باطل وغرور، أو كما قال لهم، فإن كنتم تحبون (علم) ذلك، وتعلمون أن الله عليكم ساخط فيما أنتم عليه، والذي أدعوكم إليه الحق، فاخرجوا بأصنامكم هذه التي تبعدونها وتزعمون أنها خير مما أدعوكم إليه، فإن استجابت لكم فذلك كما تقولون. فإن هي لم تفعل علمتم أنكم على باطل فنزعتم ودعوت الله يفرج عنكم ما أنتم فيه من البلاء، قالوا: أنْصَفت، فخرجوا بأوثانهم وما يتقربون به إلى الله من أحداثهم، فدعوها فلم تستجب لهم ولم تفرج عنهم ما كانوا فيه من البلاء، فعرفوا ما هم فيه من الضلال والباطل، فقالوا لإلياس: يا إلياس إنا قد هلكنا، فادع الله لنا، فدعا إلياس لهم بالفرج مما هم فيه، وأن يسقوا، فخرجت سحابة مثل الترس بإذن الله على ظهر البحر وهم ينظرون، ثم ترامى إليهما السحاب ثم أُدْحِيت، ثم أرسل الله المطر فأغاثهم، فحييث بلادهم وفرج عنهم ما كانوا فيه من البلاء. فلم يرجعوا ولا نزعوا، وأقاموا على ما كانوا عليه، فلما رأى ذلك إلياس من كفرهم، دعا ربه يقبضه إليه فيريحه منهم، فذكر أن الله عز وجل أوحى إليه: أخرج إلى بلد كذا وكذا فما جاءك من شيء فاركبه ولا تهبه، فخرج إلياس وخرج معه اليسع حتى إذا كانا بالبلد الذي ذكر له في المكان الذي أمر به أقبل فرس من نار حتى وقف بين يديه، فوثب عليه فانطلق به (فناداه) اليسع يا إلياس (يا إلياس) ما تأمرني به؟ فكان آخر عهدهم به، فكساه الله الريش، وألبسه النور، (وقطع) عنه لذة المطعم والمشرب، وكان في الملائكة إنيساً ملكياً أرضياً سماوياً. قال أبو محمد رضي الله عنه: وهذا الخبر إذا صح فإنما يصح على قول من قال: إنه إدريس ﷺ لقوله تعالى ذكره في إدريس ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَاناً عَلِيّاً﴾ [مريم: ٥٧]. * * وقوله: ﴿وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ ٱلْخَالِقِينَ﴾ أي: خالقكم الذي هو أحسن المقدرين للأشياء. ﴿ٱللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبَآئِكُمُ ٱلأَوَّلِينَ﴾ أي الماضين. [ثم قال: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ﴾ أي: محضرون في عذاب الله]. * * ثم قال: ﴿إِلاَّ عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلْمُخْلَصِينَ﴾ أي: الذين اختارهم (الله) فأنجاهم من العذاب بتوفيقه إياهم. * * ثم قال: ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي ٱلآخِرِينَ * سَلاَمٌ عَلَىٰ إِلْ يَاسِينَ﴾ أي: وأبقينا عليه الثناء الحسن بعده، فيقال: "سلام على آل ياسين"، أي: سلام على أهل دينه، فيسلم على أهله من أجله، فهو داخل في أفضل الثناء. ومن قرأ "اليَاسِينَ" غير مقطوع. فقال ابن أبي إسحاق: هو اسمه مثل ابراهيم. وذهب أبو عبيد إلى أنه جُمِعَ جَمْعَ السلامة على معنى أنه وأهل مذهبه يسلم عليهم. وقال علي بن سليمان: العرب تُسمي قوم الرجل باسم الرجل الجليل منهم، فيقولون: المهالبة لأصحاب المهلب، كأنهم سموا كل واحد بالمهلب فعلى هذا قيل الياسين، يريد قومه المؤمنين كأنه سمَّى كل واحد منهم بإلياس. وذكر سيبويه أن هذا المعنى إنما يجيء على معنى النسبة، حكى الأشعرون، يريد به النسب. واحتج أبو عمرو وأبو عبيد على تركه لقراءة آل ياسين، أنه ليس في السور سلام على آل فلان من الأنبياء، فكما سمي الأنبياء في هذا المعنى سمي هو. ولا حجة في هذا لأنه إذا أثني على قومه المؤمنين من أجله فهو داخل في ذلك وله منه أوفر الحظ، وهو أبلغ في المدح ممن أثني عليه باسمه، وأيضاً فإن الخط مثبت بالانفصال. وقال الفراء: هو مثل ﴿طُورِ سَيْنَآءَ﴾ [المؤمنون: ٢٠] و ﴿وَطُورِ سِينِينَ﴾ [التين: ٢]، والمعنى واحد. ومعنى ذلك: أن إلياس اسم أعجمي، [والعرب إذا استعملت الأسماء الأعجمية في كلامها غيرتها بضروب من] التعبير، فيقولون: إبراهيم وإبراهام وإبرهام، وميكائيل ومْيكائيل وميكاين وميكال، وإسماعيل وإسمعيل، وإسرائيل وإسرائين، وشبهه. فكذلك إلياس وإلياسين هو واحد. قال السدي: "سلام على الياسين" هو: إلياس. قال الفراء: إن أخذته من الأَلْيَسِ صرفته، فيكون وزنه على هذا إفعال مثل إخراج. وقرأ الحسن بوصل الألف (بجعله الألف) واللام اللتين للتعريف دخلتا على ياسين. * * ثم قال: ﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي ٱلْمُحْسِنِينَ﴾ أي: كما فعلنا بإلياس كذلك نفعل بأهل الطاعة والإحسان. * * ثم قال: ﴿إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: من الذين آمنوا وأطاعوا ولم يشركوا. ثم قال (تعالى): ﴿وَإِنَّ لُوطاً لَّمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ﴾ أي: لمن الذين أرسلهم الله بالإنذار والإعذار. ثم قال (تعالى): ﴿إِذْ نَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ﴾ أي: من العذاب الذي أحللنا بقومه على كفرهم. وفي الكلام حذف، والتقدير: وإن لوطاً لمن المرسلين إلى قومه بالإنذار فكذبوه فنجيناه وأهله. * * ثم قال: ﴿إِلاَّ عَجُوزاً فِي ٱلْغَابِرِينَ﴾ أي: في الباقين، يعني امرأة لوط. قال الضحاك: يعني امرأته تخلفت فمسخت حجراً. وقال السدي: "في الغابرين" في الهالكين. وقيل: في "الغابرين": في الذين بلغوا العمر الطويل، وقد تقدم هذا بأشبع شرحاً. * * ثم قال: ﴿ثُمَّ دَمَّرْنَا ٱلآخَرِينَ﴾ أي: أهلكناهم بالحجارة. * * ثم قال: ﴿وَإِنَّكُمْ لَّتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُّصْبِحِينَ﴾ هذا خطاب لقريش، أي: إنكم لتمرون في أسفاركم على آثارهم وديارهم وموضع هلاكهم في النهار وفي الليل، فلا تتعظون، لا تزدجرون وتخافون أن يصيبكم مثل ما أصابهم، ولا تعقلون ما يراد بكم، وأنه من سلك مثل ما سلكوا من الكفر والتكذيب أنه صائر إلى مثل ما صاروا إليه. "وبالليل" وقف كاف، و "تعقلون" التمام. ثم قال (تعالى): ﴿وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ﴾ أي: لمن الذين أُرْسِلَ إلى قومه بالإنذار والإعذار. ﴿إِلَى ٱلْفُلْكِ ٱلْمَشْحُونِ﴾ (أي): هرب. وقال المبرد: أصله تباعد. وقيل له : آبق لأنه خرج بغير أمر الله عز وجل مستتراً من الناس إلى الفلك وهي السفينة. والمشحون: المملوء الموقر. "فَسَاهَمَ" أي: فقارع. قال السدي: فاحتبست بهم السفينة فعلموا أنها إنما احتبست من حدث أحدثوه، فتساهموا فقُرع يونس فرمى بنفسه، فالتقمه الحوت. * * وقوله: ﴿فَكَانَ مِنَ ٱلْمُدْحَضِينَ﴾ أي: من المقروعين. قال طاوس، لما ركب السفينة ركدت فقالوا: إن فيها رجلاً مشؤوماً، فقارعوا فوقعت القرعة عليه ثلاث مرات فرموا به، فالتقمه الحوت، وأصل دحضت من الزلق في الماء والطين. يقال: أدحض الله حجته ودحضت، وحكي: دحض الله حجته، وهي قليلة وقوله: ﴿فَٱلْتَقَمَهُ ٱلْحُوتُ﴾ أي: ابتلعه. ﴿وَهُوَ مُلِيمٌ﴾ أي: وهو قد أتى ما يلام عليه (من) خروجه بغير أمر (من) الله. يقال: ألاَمَ الرجل إذَا أتى ما يلام عليه. والمَلُوم: الذي يلام باللسان (إن) استحق ذلك أو لم يستحقه. قال مجاهد: ﴿مُلِيمٌ﴾: مذنب.

الصافات 37:134

قوله تعالى (ذكره): ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي ٱلآخِرِينَ﴾ إلى قوله: ﴿وَهُوَ مُلِيمٌ﴾. أي: وأبقينا على إبراهيم ثناء حسناً في الآخرين من الأمم، قاله قتادة. وقال ابن زيد: سأل إبراهيم عليه السلام ربه فقال: ﴿وَٱجْعَل لِّي لِسَانَ صِدْقٍ فِي ٱلآخِرِينَ﴾ [الشعراء: ٨٤]، أي الثناء الحسن، فأبقى الله عليه أن يقال: ﴿سَلاَمٌ عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ﴾ أي: أمنة من الله أن يذكر الإنجيل. * * ثم قال: ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي ٱلْمُحْسِنِينَ﴾ أي: كما جزينا إبراهيم على طاعته، كذلك نجزي من أطاع الله وأحسن عبادته. * * ثم قال: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيّاً مِّنَ ٱلصَّالِحِينَ﴾ أي: بشرناه - بعد أن فدينا إسماعيل بالذبح - بإسحاق مقدراً له النبوة والصلاح. ومن قال: إن الذبيح إسحاق فمعناه عنده: (وبشرنا إبراهيم) بعد الفداء بنبوة إسحاق نبياً. وفيه بُعْدٌ لأنك (لو) قلت: بشرتك بقدوم زيد قادماً، لم يكن للحال فائدة، ولم يوضع لغير فائدة. قال قتادة: بشر بنبوته بعدما جاد لله بنفسه. * * ثم قال: ﴿وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَىٰ إِسْحَاقَ﴾ أي: ثبتنا عليهما النعمة. ﴿وَمِن ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ﴾ وهو المطيع. ﴿وَظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ﴾ وهو الكافر. وذكر الطبري عن السدي أنه قال: كان إبراهيم كثير الطعام يطعم الناس ويضيفهم، فبينما هو يطعم الناس إذ رأى شيخاً كبيراُ يمشي في الحرة، فبعث إليه بحمار فركبه حتى أتاه فأطعمه فجعل الشيخ يأخذ اللقمة يريد أن يدخلها في فيه فيدخلها في أذنه مرة وفي عينه مرة ثم يدخلها في فيه، فإذا أدخلها في فيه، خرجت من دبره. وكان إبراهيم ﷺ قد سأل ربه ألا يقبض روحه حتى يكون هو الذي يسأله الموت. فقال إبراهيم للشيخ حين رأى حاله: ما بالك يا شيخ تصنع هذا؟ قال يا إبراهيم الكبر، قال له: ابن كم أنت؟ فزاد على عمر إبراهيم بسنتين، فقال إبراهيم: إنما بيني وبينك سنتين، فإذا بلغت ذلك صرت مثله، قال نعم، فقال إبراهيم: اللهم اقبضني إليك قبل ذلك، فقام الشيخ فقبض روح إبراهيم. وكان ملك الموت قد تمثل في صورة شيخ لإبراهيم، ومات إبراهيم وهو ابن مائتي سنة. وقيل: ابن مائة وسبع وتسعين سنة. ثم قال (تعالى): ﴿وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَىٰ مُوسَىٰ وَهَارُونَ﴾ أي: تفضلنا عليهما بالنبوة والرسالة. ﴿وَنَجَّيْنَاهُمَا وَقَوْمَهُمَا﴾ أي: ومن آمن معهما، يعني بني إسرائيل. ﴿مِنَ ٱلْكَرْبِ ٱلْعَظِيمِ﴾ أي: من الغرق. ثم قال (تعالى): ﴿وَنَصَرْنَاهُمْ فَكَانُواْ هُمُ ٱلْغَٰلِبِينَ﴾ أي: ونصرنا موسى وهارون وقومهما على فرعون وآله بتغريقنا إياهم فكانوا هم الغالبين. وقال الفراء: الضمير في ﴿وَنَصَرْنَاهُمْ﴾ و ﴿فَكَانُواْ﴾ ﴿هُمُ ٱلْغَٰلِبِينَ﴾ يعود على موسى وهارون وأن التثنية ردت إلى الجمع. ودل على ذلك قوله (جل ذكره). * * ﴿وَآتَيْنَاهُمَا ٱلْكِتَابَ ٱلْمُسْتَبِينَ * وَهَدَيْنَاهُمَا ٱلصِّرَاطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ * وَتَرَكْنَا عَلَيْهِمَا فِي ٱلآخِرِينَ * سَلاَمٌ عَلَىٰ مُوسَىٰ وَهَارُونَ﴾. وقال قوم: إنما جمع في موضع التثنية لأنهما عظيما الشأن جليلا القدر. والعرب تخبر عن الواحد من هذا النوع بلفظ الجمع، فالإخبار عن اثنين منهما بلفظ (الجمع) آكد وأحسن. * * ومعنى ﴿ٱلْمُسْتَبِينَ﴾: المتبين هداه وفضله وأحكامه، يعني التوراة، والصراط المستقيم: الإسلام. ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِمَا فِي ٱلآخِرِينَ﴾ أي: أبقينا عليهما الذكر الجميل والثناء الحسن، فكذلك نفعل بمن أحسن في طاعتي وأدى فرائضي. وفيه من الاختلاف ما تقدم في قصة نوح، وهو يقتضي قوله: ﴿وَٱجْعَل لِّي لِسَانَ صِدْقٍ فِي ٱلآخِرِينَ﴾ [الشعراء: ٨٤]. (ثم قال): ﴿إِنَّهُمَا مِنْ عِبَادِنَا ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: الذين أخلصناهم واخترناهم للطاعة وهديناهم للإيمان. ومن كسر اللام فمعناه: إنهما من عبادنا الذين أخلصوا العمل ولم يشركوا فيه غيري. قال (تعالى): ﴿وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ﴾. قال ابن إسحاق: (وهو إلياس) (بن) ياسين بن فنحاص بن العزار بن هارون بن عمران. وكان إلياس من سبط يوشع بن نون، بعثه الله تعالى إلى أهل بعلبك، (وكانوا يعبدون صنماً) يقال له بعل. وقيل هو إدريس. قاله قتادة. والمعنى: (إنه) لَمِنَ الذين أرسلهم الله إلى الخلق، فقال لقومه: ألا تتقون الله فتخافون عقابه على عبادتكم رباً غيره. (و) هو قوله: ﴿أَتَدْعُونَ بَعْلاً وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ ٱلْخَالِقِينَ﴾. والبعل: الرب لغة أهل اليمن مشهورة، قاله عكرمة ومجاهد وقتادة والسدي. وروي ذلك عن ابن عباس. وقال الضحاك: هو صنم لهم يسمى بعلاً. وقال ابن زيد: هو صنم كانوا يعبدونه ببعلبك مدينة وراء دمشق. وقيل: إن بعلاً تيس كانوا يعبدون. وقال ابن إسحاق: بلغني أن بعلاً امرأة كانوا يعبدونها من دون الله جل ذكره. قال وهب بن منبه: بعث الله إلياس إلى بني إسرائيل حين نسوا ما عهد الله إليهم، حتى (نصبوا) الأوثان وعبدوها من دون الله، فجعل إلياس يدعوهم إلى الله عز وجل، وجعلوا لا يسمعون منه شيئاً. وكان (له مَلِكٌ) من ملوك بني إسرائيل يطيعونه يقال له: جاب. وكان إلياس يقرب من الملك، وكان الملك يطيع إلياس (فيما) يقول له، ويراه الناس على هدى. وكانت ملوك بني إسرائيل قد افترقت في البلاد وأخذ كل واحد ناحية يأكلها، ويعبدون الأصنام، فقال الملك يوماً لإلياس: والله ما أرى ما تدعو إليه إلا باطلاً، والله ما أرى (فلاناً) وفلاناً - يذكر ملوكاً من ملوك بني إسرائيل - إلا قد عبدوا الأوثان من دون الله، وهم (على) نحو ما نحن عليه (من النعيم)، يأكلون ويشربون ويتنعمون مملكين، ما تنقص دنياهم عبادتهم الأوثان التي تزعم أنها باطل وما نرى لنا عليهم من فضل، فعظم الأمر على إلياس، واقشعر جلده وخرج عنه، ففعل ذلك الملك فعل أصحابه وعبد الأوثان، فقال إلياس: اللهم إن بني إسرائيل قد أبوا إلا الكفر بك والعبادة لغيرك فغير ما بهم من نعمة! أو كما قال: (قال) ابن إسحاق: فذكر لنا أنه أوحي إليه أنا قد جعلنا أمر أرزاقهم بيدك وإليك حتى تكون أنت الذي تأذن في ذلك. فقال إلياس: اللهم أمسك عنهم القطر، فحبس عنهم ثلاث سنين حتى هلكت الماشية والدواب والشجر، وجهد الناس جهداً شديداً، وكان إلياس حين دعا عليهم قد استخفى شفقاً على نفسه منهم. وكان حيث ما كان وضع له رزق، وكانوا إذا وجدوا ريح الخبز في دار أو بيت قالوا: قد دخل إلياس هذا المكان فطلبوه ولقي أهل ذلك المنزل شراً. ثم إنه أوى ليلة إلى امرأة من بني إسرائيل لها ابن يقال له: اليسع بن أخطوب به ضر، فآوته وأخفت أمره فدعا إلياس لابنها فعوفي من الضر الذي كان به واتبع اليسع إلياس. فآمن به وصدقه ولزمه، وكان يذهب معه حيث ما ذهب، وكان إلياس قد أسن وكبر، وكان اليسع غلاماً شاباً، فَذُكِر أن الله جل ذكره أوحى إلى إلياس: إنك قد أهلكت خلقاً كثيراً بخطايا بني إسرائيل من البهائم والدواب والطير والهوام والشجر. فذكر - والله أعلم - أن إلياس قال: أي رب، دعني أكن أنا الذي أدعوا لهم به، وأكن أنا الذي آتيهم بالفرج مما هم فيه من البلاء الذي أصابهم لعلهم يرجعون عن عبادة غيرك، فقيل له: نعم، فأتى إلياس إلى بني إسرائيل، فقال لهم: إنكم قد هلكتم جهداً وهلكت البهائم والدواب والطير والشجر بخطاياكم، وإنكم على باطل وغرور، أو كما قال لهم، فإن كنتم تحبون (علم) ذلك، وتعلمون أن الله عليكم ساخط فيما أنتم عليه، والذي أدعوكم إليه الحق، فاخرجوا بأصنامكم هذه التي تبعدونها وتزعمون أنها خير مما أدعوكم إليه، فإن استجابت لكم فذلك كما تقولون. فإن هي لم تفعل علمتم أنكم على باطل فنزعتم ودعوت الله يفرج عنكم ما أنتم فيه من البلاء، قالوا: أنْصَفت، فخرجوا بأوثانهم وما يتقربون به إلى الله من أحداثهم، فدعوها فلم تستجب لهم ولم تفرج عنهم ما كانوا فيه من البلاء، فعرفوا ما هم فيه من الضلال والباطل، فقالوا لإلياس: يا إلياس إنا قد هلكنا، فادع الله لنا، فدعا إلياس لهم بالفرج مما هم فيه، وأن يسقوا، فخرجت سحابة مثل الترس بإذن الله على ظهر البحر وهم ينظرون، ثم ترامى إليهما السحاب ثم أُدْحِيت، ثم أرسل الله المطر فأغاثهم، فحييث بلادهم وفرج عنهم ما كانوا فيه من البلاء. فلم يرجعوا ولا نزعوا، وأقاموا على ما كانوا عليه، فلما رأى ذلك إلياس من كفرهم، دعا ربه يقبضه إليه فيريحه منهم، فذكر أن الله عز وجل أوحى إليه: أخرج إلى بلد كذا وكذا فما جاءك من شيء فاركبه ولا تهبه، فخرج إلياس وخرج معه اليسع حتى إذا كانا بالبلد الذي ذكر له في المكان الذي أمر به أقبل فرس من نار حتى وقف بين يديه، فوثب عليه فانطلق به (فناداه) اليسع يا إلياس (يا إلياس) ما تأمرني به؟ فكان آخر عهدهم به، فكساه الله الريش، وألبسه النور، (وقطع) عنه لذة المطعم والمشرب، وكان في الملائكة إنيساً ملكياً أرضياً سماوياً. قال أبو محمد رضي الله عنه: وهذا الخبر إذا صح فإنما يصح على قول من قال: إنه إدريس ﷺ لقوله تعالى ذكره في إدريس ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَاناً عَلِيّاً﴾ [مريم: ٥٧]. * * وقوله: ﴿وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ ٱلْخَالِقِينَ﴾ أي: خالقكم الذي هو أحسن المقدرين للأشياء. ﴿ٱللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبَآئِكُمُ ٱلأَوَّلِينَ﴾ أي الماضين. [ثم قال: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ﴾ أي: محضرون في عذاب الله]. * * ثم قال: ﴿إِلاَّ عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلْمُخْلَصِينَ﴾ أي: الذين اختارهم (الله) فأنجاهم من العذاب بتوفيقه إياهم. * * ثم قال: ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي ٱلآخِرِينَ * سَلاَمٌ عَلَىٰ إِلْ يَاسِينَ﴾ أي: وأبقينا عليه الثناء الحسن بعده، فيقال: "سلام على آل ياسين"، أي: سلام على أهل دينه، فيسلم على أهله من أجله، فهو داخل في أفضل الثناء. ومن قرأ "اليَاسِينَ" غير مقطوع. فقال ابن أبي إسحاق: هو اسمه مثل ابراهيم. وذهب أبو عبيد إلى أنه جُمِعَ جَمْعَ السلامة على معنى أنه وأهل مذهبه يسلم عليهم. وقال علي بن سليمان: العرب تُسمي قوم الرجل باسم الرجل الجليل منهم، فيقولون: المهالبة لأصحاب المهلب، كأنهم سموا كل واحد بالمهلب فعلى هذا قيل الياسين، يريد قومه المؤمنين كأنه سمَّى كل واحد منهم بإلياس. وذكر سيبويه أن هذا المعنى إنما يجيء على معنى النسبة، حكى الأشعرون، يريد به النسب. واحتج أبو عمرو وأبو عبيد على تركه لقراءة آل ياسين، أنه ليس في السور سلام على آل فلان من الأنبياء، فكما سمي الأنبياء في هذا المعنى سمي هو. ولا حجة في هذا لأنه إذا أثني على قومه المؤمنين من أجله فهو داخل في ذلك وله منه أوفر الحظ، وهو أبلغ في المدح ممن أثني عليه باسمه، وأيضاً فإن الخط مثبت بالانفصال. وقال الفراء: هو مثل ﴿طُورِ سَيْنَآءَ﴾ [المؤمنون: ٢٠] و ﴿وَطُورِ سِينِينَ﴾ [التين: ٢]، والمعنى واحد. ومعنى ذلك: أن إلياس اسم أعجمي، [والعرب إذا استعملت الأسماء الأعجمية في كلامها غيرتها بضروب من] التعبير، فيقولون: إبراهيم وإبراهام وإبرهام، وميكائيل ومْيكائيل وميكاين وميكال، وإسماعيل وإسمعيل، وإسرائيل وإسرائين، وشبهه. فكذلك إلياس وإلياسين هو واحد. قال السدي: "سلام على الياسين" هو: إلياس. قال الفراء: إن أخذته من الأَلْيَسِ صرفته، فيكون وزنه على هذا إفعال مثل إخراج. وقرأ الحسن بوصل الألف (بجعله الألف) واللام اللتين للتعريف دخلتا على ياسين. * * ثم قال: ﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي ٱلْمُحْسِنِينَ﴾ أي: كما فعلنا بإلياس كذلك نفعل بأهل الطاعة والإحسان. * * ثم قال: ﴿إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: من الذين آمنوا وأطاعوا ولم يشركوا. ثم قال (تعالى): ﴿وَإِنَّ لُوطاً لَّمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ﴾ أي: لمن الذين أرسلهم الله بالإنذار والإعذار. ثم قال (تعالى): ﴿إِذْ نَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ﴾ أي: من العذاب الذي أحللنا بقومه على كفرهم. وفي الكلام حذف، والتقدير: وإن لوطاً لمن المرسلين إلى قومه بالإنذار فكذبوه فنجيناه وأهله. * * ثم قال: ﴿إِلاَّ عَجُوزاً فِي ٱلْغَابِرِينَ﴾ أي: في الباقين، يعني امرأة لوط. قال الضحاك: يعني امرأته تخلفت فمسخت حجراً. وقال السدي: "في الغابرين" في الهالكين. وقيل: في "الغابرين": في الذين بلغوا العمر الطويل، وقد تقدم هذا بأشبع شرحاً. * * ثم قال: ﴿ثُمَّ دَمَّرْنَا ٱلآخَرِينَ﴾ أي: أهلكناهم بالحجارة. * * ثم قال: ﴿وَإِنَّكُمْ لَّتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُّصْبِحِينَ﴾ هذا خطاب لقريش، أي: إنكم لتمرون في أسفاركم على آثارهم وديارهم وموضع هلاكهم في النهار وفي الليل، فلا تتعظون، لا تزدجرون وتخافون أن يصيبكم مثل ما أصابهم، ولا تعقلون ما يراد بكم، وأنه من سلك مثل ما سلكوا من الكفر والتكذيب أنه صائر إلى مثل ما صاروا إليه. "وبالليل" وقف كاف، و "تعقلون" التمام. ثم قال (تعالى): ﴿وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ﴾ أي: لمن الذين أُرْسِلَ إلى قومه بالإنذار والإعذار. ﴿إِلَى ٱلْفُلْكِ ٱلْمَشْحُونِ﴾ (أي): هرب. وقال المبرد: أصله تباعد. وقيل له : آبق لأنه خرج بغير أمر الله عز وجل مستتراً من الناس إلى الفلك وهي السفينة. والمشحون: المملوء الموقر. "فَسَاهَمَ" أي: فقارع. قال السدي: فاحتبست بهم السفينة فعلموا أنها إنما احتبست من حدث أحدثوه، فتساهموا فقُرع يونس فرمى بنفسه، فالتقمه الحوت. * * وقوله: ﴿فَكَانَ مِنَ ٱلْمُدْحَضِينَ﴾ أي: من المقروعين. قال طاوس، لما ركب السفينة ركدت فقالوا: إن فيها رجلاً مشؤوماً، فقارعوا فوقعت القرعة عليه ثلاث مرات فرموا به، فالتقمه الحوت، وأصل دحضت من الزلق في الماء والطين. يقال: أدحض الله حجته ودحضت، وحكي: دحض الله حجته، وهي قليلة وقوله: ﴿فَٱلْتَقَمَهُ ٱلْحُوتُ﴾ أي: ابتلعه. ﴿وَهُوَ مُلِيمٌ﴾ أي: وهو قد أتى ما يلام عليه (من) خروجه بغير أمر (من) الله. يقال: ألاَمَ الرجل إذَا أتى ما يلام عليه. والمَلُوم: الذي يلام باللسان (إن) استحق ذلك أو لم يستحقه. قال مجاهد: ﴿مُلِيمٌ﴾: مذنب.

الصافات 37:135

قوله تعالى (ذكره): ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي ٱلآخِرِينَ﴾ إلى قوله: ﴿وَهُوَ مُلِيمٌ﴾. أي: وأبقينا على إبراهيم ثناء حسناً في الآخرين من الأمم، قاله قتادة. وقال ابن زيد: سأل إبراهيم عليه السلام ربه فقال: ﴿وَٱجْعَل لِّي لِسَانَ صِدْقٍ فِي ٱلآخِرِينَ﴾ [الشعراء: ٨٤]، أي الثناء الحسن، فأبقى الله عليه أن يقال: ﴿سَلاَمٌ عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ﴾ أي: أمنة من الله أن يذكر الإنجيل. * * ثم قال: ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي ٱلْمُحْسِنِينَ﴾ أي: كما جزينا إبراهيم على طاعته، كذلك نجزي من أطاع الله وأحسن عبادته. * * ثم قال: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيّاً مِّنَ ٱلصَّالِحِينَ﴾ أي: بشرناه - بعد أن فدينا إسماعيل بالذبح - بإسحاق مقدراً له النبوة والصلاح. ومن قال: إن الذبيح إسحاق فمعناه عنده: (وبشرنا إبراهيم) بعد الفداء بنبوة إسحاق نبياً. وفيه بُعْدٌ لأنك (لو) قلت: بشرتك بقدوم زيد قادماً، لم يكن للحال فائدة، ولم يوضع لغير فائدة. قال قتادة: بشر بنبوته بعدما جاد لله بنفسه. * * ثم قال: ﴿وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَىٰ إِسْحَاقَ﴾ أي: ثبتنا عليهما النعمة. ﴿وَمِن ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ﴾ وهو المطيع. ﴿وَظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ﴾ وهو الكافر. وذكر الطبري عن السدي أنه قال: كان إبراهيم كثير الطعام يطعم الناس ويضيفهم، فبينما هو يطعم الناس إذ رأى شيخاً كبيراُ يمشي في الحرة، فبعث إليه بحمار فركبه حتى أتاه فأطعمه فجعل الشيخ يأخذ اللقمة يريد أن يدخلها في فيه فيدخلها في أذنه مرة وفي عينه مرة ثم يدخلها في فيه، فإذا أدخلها في فيه، خرجت من دبره. وكان إبراهيم ﷺ قد سأل ربه ألا يقبض روحه حتى يكون هو الذي يسأله الموت. فقال إبراهيم للشيخ حين رأى حاله: ما بالك يا شيخ تصنع هذا؟ قال يا إبراهيم الكبر، قال له: ابن كم أنت؟ فزاد على عمر إبراهيم بسنتين، فقال إبراهيم: إنما بيني وبينك سنتين، فإذا بلغت ذلك صرت مثله، قال نعم، فقال إبراهيم: اللهم اقبضني إليك قبل ذلك، فقام الشيخ فقبض روح إبراهيم. وكان ملك الموت قد تمثل في صورة شيخ لإبراهيم، ومات إبراهيم وهو ابن مائتي سنة. وقيل: ابن مائة وسبع وتسعين سنة. ثم قال (تعالى): ﴿وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَىٰ مُوسَىٰ وَهَارُونَ﴾ أي: تفضلنا عليهما بالنبوة والرسالة. ﴿وَنَجَّيْنَاهُمَا وَقَوْمَهُمَا﴾ أي: ومن آمن معهما، يعني بني إسرائيل. ﴿مِنَ ٱلْكَرْبِ ٱلْعَظِيمِ﴾ أي: من الغرق. ثم قال (تعالى): ﴿وَنَصَرْنَاهُمْ فَكَانُواْ هُمُ ٱلْغَٰلِبِينَ﴾ أي: ونصرنا موسى وهارون وقومهما على فرعون وآله بتغريقنا إياهم فكانوا هم الغالبين. وقال الفراء: الضمير في ﴿وَنَصَرْنَاهُمْ﴾ و ﴿فَكَانُواْ﴾ ﴿هُمُ ٱلْغَٰلِبِينَ﴾ يعود على موسى وهارون وأن التثنية ردت إلى الجمع. ودل على ذلك قوله (جل ذكره). * * ﴿وَآتَيْنَاهُمَا ٱلْكِتَابَ ٱلْمُسْتَبِينَ * وَهَدَيْنَاهُمَا ٱلصِّرَاطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ * وَتَرَكْنَا عَلَيْهِمَا فِي ٱلآخِرِينَ * سَلاَمٌ عَلَىٰ مُوسَىٰ وَهَارُونَ﴾. وقال قوم: إنما جمع في موضع التثنية لأنهما عظيما الشأن جليلا القدر. والعرب تخبر عن الواحد من هذا النوع بلفظ الجمع، فالإخبار عن اثنين منهما بلفظ (الجمع) آكد وأحسن. * * ومعنى ﴿ٱلْمُسْتَبِينَ﴾: المتبين هداه وفضله وأحكامه، يعني التوراة، والصراط المستقيم: الإسلام. ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِمَا فِي ٱلآخِرِينَ﴾ أي: أبقينا عليهما الذكر الجميل والثناء الحسن، فكذلك نفعل بمن أحسن في طاعتي وأدى فرائضي. وفيه من الاختلاف ما تقدم في قصة نوح، وهو يقتضي قوله: ﴿وَٱجْعَل لِّي لِسَانَ صِدْقٍ فِي ٱلآخِرِينَ﴾ [الشعراء: ٨٤]. (ثم قال): ﴿إِنَّهُمَا مِنْ عِبَادِنَا ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: الذين أخلصناهم واخترناهم للطاعة وهديناهم للإيمان. ومن كسر اللام فمعناه: إنهما من عبادنا الذين أخلصوا العمل ولم يشركوا فيه غيري. قال (تعالى): ﴿وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ﴾. قال ابن إسحاق: (وهو إلياس) (بن) ياسين بن فنحاص بن العزار بن هارون بن عمران. وكان إلياس من سبط يوشع بن نون، بعثه الله تعالى إلى أهل بعلبك، (وكانوا يعبدون صنماً) يقال له بعل. وقيل هو إدريس. قاله قتادة. والمعنى: (إنه) لَمِنَ الذين أرسلهم الله إلى الخلق، فقال لقومه: ألا تتقون الله فتخافون عقابه على عبادتكم رباً غيره. (و) هو قوله: ﴿أَتَدْعُونَ بَعْلاً وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ ٱلْخَالِقِينَ﴾. والبعل: الرب لغة أهل اليمن مشهورة، قاله عكرمة ومجاهد وقتادة والسدي. وروي ذلك عن ابن عباس. وقال الضحاك: هو صنم لهم يسمى بعلاً. وقال ابن زيد: هو صنم كانوا يعبدونه ببعلبك مدينة وراء دمشق. وقيل: إن بعلاً تيس كانوا يعبدون. وقال ابن إسحاق: بلغني أن بعلاً امرأة كانوا يعبدونها من دون الله جل ذكره. قال وهب بن منبه: بعث الله إلياس إلى بني إسرائيل حين نسوا ما عهد الله إليهم، حتى (نصبوا) الأوثان وعبدوها من دون الله، فجعل إلياس يدعوهم إلى الله عز وجل، وجعلوا لا يسمعون منه شيئاً. وكان (له مَلِكٌ) من ملوك بني إسرائيل يطيعونه يقال له: جاب. وكان إلياس يقرب من الملك، وكان الملك يطيع إلياس (فيما) يقول له، ويراه الناس على هدى. وكانت ملوك بني إسرائيل قد افترقت في البلاد وأخذ كل واحد ناحية يأكلها، ويعبدون الأصنام، فقال الملك يوماً لإلياس: والله ما أرى ما تدعو إليه إلا باطلاً، والله ما أرى (فلاناً) وفلاناً - يذكر ملوكاً من ملوك بني إسرائيل - إلا قد عبدوا الأوثان من دون الله، وهم (على) نحو ما نحن عليه (من النعيم)، يأكلون ويشربون ويتنعمون مملكين، ما تنقص دنياهم عبادتهم الأوثان التي تزعم أنها باطل وما نرى لنا عليهم من فضل، فعظم الأمر على إلياس، واقشعر جلده وخرج عنه، ففعل ذلك الملك فعل أصحابه وعبد الأوثان، فقال إلياس: اللهم إن بني إسرائيل قد أبوا إلا الكفر بك والعبادة لغيرك فغير ما بهم من نعمة! أو كما قال: (قال) ابن إسحاق: فذكر لنا أنه أوحي إليه أنا قد جعلنا أمر أرزاقهم بيدك وإليك حتى تكون أنت الذي تأذن في ذلك. فقال إلياس: اللهم أمسك عنهم القطر، فحبس عنهم ثلاث سنين حتى هلكت الماشية والدواب والشجر، وجهد الناس جهداً شديداً، وكان إلياس حين دعا عليهم قد استخفى شفقاً على نفسه منهم. وكان حيث ما كان وضع له رزق، وكانوا إذا وجدوا ريح الخبز في دار أو بيت قالوا: قد دخل إلياس هذا المكان فطلبوه ولقي أهل ذلك المنزل شراً. ثم إنه أوى ليلة إلى امرأة من بني إسرائيل لها ابن يقال له: اليسع بن أخطوب به ضر، فآوته وأخفت أمره فدعا إلياس لابنها فعوفي من الضر الذي كان به واتبع اليسع إلياس. فآمن به وصدقه ولزمه، وكان يذهب معه حيث ما ذهب، وكان إلياس قد أسن وكبر، وكان اليسع غلاماً شاباً، فَذُكِر أن الله جل ذكره أوحى إلى إلياس: إنك قد أهلكت خلقاً كثيراً بخطايا بني إسرائيل من البهائم والدواب والطير والهوام والشجر. فذكر - والله أعلم - أن إلياس قال: أي رب، دعني أكن أنا الذي أدعوا لهم به، وأكن أنا الذي آتيهم بالفرج مما هم فيه من البلاء الذي أصابهم لعلهم يرجعون عن عبادة غيرك، فقيل له: نعم، فأتى إلياس إلى بني إسرائيل، فقال لهم: إنكم قد هلكتم جهداً وهلكت البهائم والدواب والطير والشجر بخطاياكم، وإنكم على باطل وغرور، أو كما قال لهم، فإن كنتم تحبون (علم) ذلك، وتعلمون أن الله عليكم ساخط فيما أنتم عليه، والذي أدعوكم إليه الحق، فاخرجوا بأصنامكم هذه التي تبعدونها وتزعمون أنها خير مما أدعوكم إليه، فإن استجابت لكم فذلك كما تقولون. فإن هي لم تفعل علمتم أنكم على باطل فنزعتم ودعوت الله يفرج عنكم ما أنتم فيه من البلاء، قالوا: أنْصَفت، فخرجوا بأوثانهم وما يتقربون به إلى الله من أحداثهم، فدعوها فلم تستجب لهم ولم تفرج عنهم ما كانوا فيه من البلاء، فعرفوا ما هم فيه من الضلال والباطل، فقالوا لإلياس: يا إلياس إنا قد هلكنا، فادع الله لنا، فدعا إلياس لهم بالفرج مما هم فيه، وأن يسقوا، فخرجت سحابة مثل الترس بإذن الله على ظهر البحر وهم ينظرون، ثم ترامى إليهما السحاب ثم أُدْحِيت، ثم أرسل الله المطر فأغاثهم، فحييث بلادهم وفرج عنهم ما كانوا فيه من البلاء. فلم يرجعوا ولا نزعوا، وأقاموا على ما كانوا عليه، فلما رأى ذلك إلياس من كفرهم، دعا ربه يقبضه إليه فيريحه منهم، فذكر أن الله عز وجل أوحى إليه: أخرج إلى بلد كذا وكذا فما جاءك من شيء فاركبه ولا تهبه، فخرج إلياس وخرج معه اليسع حتى إذا كانا بالبلد الذي ذكر له في المكان الذي أمر به أقبل فرس من نار حتى وقف بين يديه، فوثب عليه فانطلق به (فناداه) اليسع يا إلياس (يا إلياس) ما تأمرني به؟ فكان آخر عهدهم به، فكساه الله الريش، وألبسه النور، (وقطع) عنه لذة المطعم والمشرب، وكان في الملائكة إنيساً ملكياً أرضياً سماوياً. قال أبو محمد رضي الله عنه: وهذا الخبر إذا صح فإنما يصح على قول من قال: إنه إدريس ﷺ لقوله تعالى ذكره في إدريس ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَاناً عَلِيّاً﴾ [مريم: ٥٧]. * * وقوله: ﴿وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ ٱلْخَالِقِينَ﴾ أي: خالقكم الذي هو أحسن المقدرين للأشياء. ﴿ٱللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبَآئِكُمُ ٱلأَوَّلِينَ﴾ أي الماضين. [ثم قال: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ﴾ أي: محضرون في عذاب الله]. * * ثم قال: ﴿إِلاَّ عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلْمُخْلَصِينَ﴾ أي: الذين اختارهم (الله) فأنجاهم من العذاب بتوفيقه إياهم. * * ثم قال: ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي ٱلآخِرِينَ * سَلاَمٌ عَلَىٰ إِلْ يَاسِينَ﴾ أي: وأبقينا عليه الثناء الحسن بعده، فيقال: "سلام على آل ياسين"، أي: سلام على أهل دينه، فيسلم على أهله من أجله، فهو داخل في أفضل الثناء. ومن قرأ "اليَاسِينَ" غير مقطوع. فقال ابن أبي إسحاق: هو اسمه مثل ابراهيم. وذهب أبو عبيد إلى أنه جُمِعَ جَمْعَ السلامة على معنى أنه وأهل مذهبه يسلم عليهم. وقال علي بن سليمان: العرب تُسمي قوم الرجل باسم الرجل الجليل منهم، فيقولون: المهالبة لأصحاب المهلب، كأنهم سموا كل واحد بالمهلب فعلى هذا قيل الياسين، يريد قومه المؤمنين كأنه سمَّى كل واحد منهم بإلياس. وذكر سيبويه أن هذا المعنى إنما يجيء على معنى النسبة، حكى الأشعرون، يريد به النسب. واحتج أبو عمرو وأبو عبيد على تركه لقراءة آل ياسين، أنه ليس في السور سلام على آل فلان من الأنبياء، فكما سمي الأنبياء في هذا المعنى سمي هو. ولا حجة في هذا لأنه إذا أثني على قومه المؤمنين من أجله فهو داخل في ذلك وله منه أوفر الحظ، وهو أبلغ في المدح ممن أثني عليه باسمه، وأيضاً فإن الخط مثبت بالانفصال. وقال الفراء: هو مثل ﴿طُورِ سَيْنَآءَ﴾ [المؤمنون: ٢٠] و ﴿وَطُورِ سِينِينَ﴾ [التين: ٢]، والمعنى واحد. ومعنى ذلك: أن إلياس اسم أعجمي، [والعرب إذا استعملت الأسماء الأعجمية في كلامها غيرتها بضروب من] التعبير، فيقولون: إبراهيم وإبراهام وإبرهام، وميكائيل ومْيكائيل وميكاين وميكال، وإسماعيل وإسمعيل، وإسرائيل وإسرائين، وشبهه. فكذلك إلياس وإلياسين هو واحد. قال السدي: "سلام على الياسين" هو: إلياس. قال الفراء: إن أخذته من الأَلْيَسِ صرفته، فيكون وزنه على هذا إفعال مثل إخراج. وقرأ الحسن بوصل الألف (بجعله الألف) واللام اللتين للتعريف دخلتا على ياسين. * * ثم قال: ﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي ٱلْمُحْسِنِينَ﴾ أي: كما فعلنا بإلياس كذلك نفعل بأهل الطاعة والإحسان. * * ثم قال: ﴿إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: من الذين آمنوا وأطاعوا ولم يشركوا. ثم قال (تعالى): ﴿وَإِنَّ لُوطاً لَّمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ﴾ أي: لمن الذين أرسلهم الله بالإنذار والإعذار. ثم قال (تعالى): ﴿إِذْ نَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ﴾ أي: من العذاب الذي أحللنا بقومه على كفرهم. وفي الكلام حذف، والتقدير: وإن لوطاً لمن المرسلين إلى قومه بالإنذار فكذبوه فنجيناه وأهله. * * ثم قال: ﴿إِلاَّ عَجُوزاً فِي ٱلْغَابِرِينَ﴾ أي: في الباقين، يعني امرأة لوط. قال الضحاك: يعني امرأته تخلفت فمسخت حجراً. وقال السدي: "في الغابرين" في الهالكين. وقيل: في "الغابرين": في الذين بلغوا العمر الطويل، وقد تقدم هذا بأشبع شرحاً. * * ثم قال: ﴿ثُمَّ دَمَّرْنَا ٱلآخَرِينَ﴾ أي: أهلكناهم بالحجارة. * * ثم قال: ﴿وَإِنَّكُمْ لَّتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُّصْبِحِينَ﴾ هذا خطاب لقريش، أي: إنكم لتمرون في أسفاركم على آثارهم وديارهم وموضع هلاكهم في النهار وفي الليل، فلا تتعظون، لا تزدجرون وتخافون أن يصيبكم مثل ما أصابهم، ولا تعقلون ما يراد بكم، وأنه من سلك مثل ما سلكوا من الكفر والتكذيب أنه صائر إلى مثل ما صاروا إليه. "وبالليل" وقف كاف، و "تعقلون" التمام. ثم قال (تعالى): ﴿وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ﴾ أي: لمن الذين أُرْسِلَ إلى قومه بالإنذار والإعذار. ﴿إِلَى ٱلْفُلْكِ ٱلْمَشْحُونِ﴾ (أي): هرب. وقال المبرد: أصله تباعد. وقيل له : آبق لأنه خرج بغير أمر الله عز وجل مستتراً من الناس إلى الفلك وهي السفينة. والمشحون: المملوء الموقر. "فَسَاهَمَ" أي: فقارع. قال السدي: فاحتبست بهم السفينة فعلموا أنها إنما احتبست من حدث أحدثوه، فتساهموا فقُرع يونس فرمى بنفسه، فالتقمه الحوت. * * وقوله: ﴿فَكَانَ مِنَ ٱلْمُدْحَضِينَ﴾ أي: من المقروعين. قال طاوس، لما ركب السفينة ركدت فقالوا: إن فيها رجلاً مشؤوماً، فقارعوا فوقعت القرعة عليه ثلاث مرات فرموا به، فالتقمه الحوت، وأصل دحضت من الزلق في الماء والطين. يقال: أدحض الله حجته ودحضت، وحكي: دحض الله حجته، وهي قليلة وقوله: ﴿فَٱلْتَقَمَهُ ٱلْحُوتُ﴾ أي: ابتلعه. ﴿وَهُوَ مُلِيمٌ﴾ أي: وهو قد أتى ما يلام عليه (من) خروجه بغير أمر (من) الله. يقال: ألاَمَ الرجل إذَا أتى ما يلام عليه. والمَلُوم: الذي يلام باللسان (إن) استحق ذلك أو لم يستحقه. قال مجاهد: ﴿مُلِيمٌ﴾: مذنب.

الصافات 37:136

قوله تعالى (ذكره): ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي ٱلآخِرِينَ﴾ إلى قوله: ﴿وَهُوَ مُلِيمٌ﴾. أي: وأبقينا على إبراهيم ثناء حسناً في الآخرين من الأمم، قاله قتادة. وقال ابن زيد: سأل إبراهيم عليه السلام ربه فقال: ﴿وَٱجْعَل لِّي لِسَانَ صِدْقٍ فِي ٱلآخِرِينَ﴾ [الشعراء: ٨٤]، أي الثناء الحسن، فأبقى الله عليه أن يقال: ﴿سَلاَمٌ عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ﴾ أي: أمنة من الله أن يذكر الإنجيل. * * ثم قال: ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي ٱلْمُحْسِنِينَ﴾ أي: كما جزينا إبراهيم على طاعته، كذلك نجزي من أطاع الله وأحسن عبادته. * * ثم قال: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيّاً مِّنَ ٱلصَّالِحِينَ﴾ أي: بشرناه - بعد أن فدينا إسماعيل بالذبح - بإسحاق مقدراً له النبوة والصلاح. ومن قال: إن الذبيح إسحاق فمعناه عنده: (وبشرنا إبراهيم) بعد الفداء بنبوة إسحاق نبياً. وفيه بُعْدٌ لأنك (لو) قلت: بشرتك بقدوم زيد قادماً، لم يكن للحال فائدة، ولم يوضع لغير فائدة. قال قتادة: بشر بنبوته بعدما جاد لله بنفسه. * * ثم قال: ﴿وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَىٰ إِسْحَاقَ﴾ أي: ثبتنا عليهما النعمة. ﴿وَمِن ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ﴾ وهو المطيع. ﴿وَظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ﴾ وهو الكافر. وذكر الطبري عن السدي أنه قال: كان إبراهيم كثير الطعام يطعم الناس ويضيفهم، فبينما هو يطعم الناس إذ رأى شيخاً كبيراُ يمشي في الحرة، فبعث إليه بحمار فركبه حتى أتاه فأطعمه فجعل الشيخ يأخذ اللقمة يريد أن يدخلها في فيه فيدخلها في أذنه مرة وفي عينه مرة ثم يدخلها في فيه، فإذا أدخلها في فيه، خرجت من دبره. وكان إبراهيم ﷺ قد سأل ربه ألا يقبض روحه حتى يكون هو الذي يسأله الموت. فقال إبراهيم للشيخ حين رأى حاله: ما بالك يا شيخ تصنع هذا؟ قال يا إبراهيم الكبر، قال له: ابن كم أنت؟ فزاد على عمر إبراهيم بسنتين، فقال إبراهيم: إنما بيني وبينك سنتين، فإذا بلغت ذلك صرت مثله، قال نعم، فقال إبراهيم: اللهم اقبضني إليك قبل ذلك، فقام الشيخ فقبض روح إبراهيم. وكان ملك الموت قد تمثل في صورة شيخ لإبراهيم، ومات إبراهيم وهو ابن مائتي سنة. وقيل: ابن مائة وسبع وتسعين سنة. ثم قال (تعالى): ﴿وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَىٰ مُوسَىٰ وَهَارُونَ﴾ أي: تفضلنا عليهما بالنبوة والرسالة. ﴿وَنَجَّيْنَاهُمَا وَقَوْمَهُمَا﴾ أي: ومن آمن معهما، يعني بني إسرائيل. ﴿مِنَ ٱلْكَرْبِ ٱلْعَظِيمِ﴾ أي: من الغرق. ثم قال (تعالى): ﴿وَنَصَرْنَاهُمْ فَكَانُواْ هُمُ ٱلْغَٰلِبِينَ﴾ أي: ونصرنا موسى وهارون وقومهما على فرعون وآله بتغريقنا إياهم فكانوا هم الغالبين. وقال الفراء: الضمير في ﴿وَنَصَرْنَاهُمْ﴾ و ﴿فَكَانُواْ﴾ ﴿هُمُ ٱلْغَٰلِبِينَ﴾ يعود على موسى وهارون وأن التثنية ردت إلى الجمع. ودل على ذلك قوله (جل ذكره). * * ﴿وَآتَيْنَاهُمَا ٱلْكِتَابَ ٱلْمُسْتَبِينَ * وَهَدَيْنَاهُمَا ٱلصِّرَاطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ * وَتَرَكْنَا عَلَيْهِمَا فِي ٱلآخِرِينَ * سَلاَمٌ عَلَىٰ مُوسَىٰ وَهَارُونَ﴾. وقال قوم: إنما جمع في موضع التثنية لأنهما عظيما الشأن جليلا القدر. والعرب تخبر عن الواحد من هذا النوع بلفظ الجمع، فالإخبار عن اثنين منهما بلفظ (الجمع) آكد وأحسن. * * ومعنى ﴿ٱلْمُسْتَبِينَ﴾: المتبين هداه وفضله وأحكامه، يعني التوراة، والصراط المستقيم: الإسلام. ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِمَا فِي ٱلآخِرِينَ﴾ أي: أبقينا عليهما الذكر الجميل والثناء الحسن، فكذلك نفعل بمن أحسن في طاعتي وأدى فرائضي. وفيه من الاختلاف ما تقدم في قصة نوح، وهو يقتضي قوله: ﴿وَٱجْعَل لِّي لِسَانَ صِدْقٍ فِي ٱلآخِرِينَ﴾ [الشعراء: ٨٤]. (ثم قال): ﴿إِنَّهُمَا مِنْ عِبَادِنَا ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: الذين أخلصناهم واخترناهم للطاعة وهديناهم للإيمان. ومن كسر اللام فمعناه: إنهما من عبادنا الذين أخلصوا العمل ولم يشركوا فيه غيري. قال (تعالى): ﴿وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ﴾. قال ابن إسحاق: (وهو إلياس) (بن) ياسين بن فنحاص بن العزار بن هارون بن عمران. وكان إلياس من سبط يوشع بن نون، بعثه الله تعالى إلى أهل بعلبك، (وكانوا يعبدون صنماً) يقال له بعل. وقيل هو إدريس. قاله قتادة. والمعنى: (إنه) لَمِنَ الذين أرسلهم الله إلى الخلق، فقال لقومه: ألا تتقون الله فتخافون عقابه على عبادتكم رباً غيره. (و) هو قوله: ﴿أَتَدْعُونَ بَعْلاً وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ ٱلْخَالِقِينَ﴾. والبعل: الرب لغة أهل اليمن مشهورة، قاله عكرمة ومجاهد وقتادة والسدي. وروي ذلك عن ابن عباس. وقال الضحاك: هو صنم لهم يسمى بعلاً. وقال ابن زيد: هو صنم كانوا يعبدونه ببعلبك مدينة وراء دمشق. وقيل: إن بعلاً تيس كانوا يعبدون. وقال ابن إسحاق: بلغني أن بعلاً امرأة كانوا يعبدونها من دون الله جل ذكره. قال وهب بن منبه: بعث الله إلياس إلى بني إسرائيل حين نسوا ما عهد الله إليهم، حتى (نصبوا) الأوثان وعبدوها من دون الله، فجعل إلياس يدعوهم إلى الله عز وجل، وجعلوا لا يسمعون منه شيئاً. وكان (له مَلِكٌ) من ملوك بني إسرائيل يطيعونه يقال له: جاب. وكان إلياس يقرب من الملك، وكان الملك يطيع إلياس (فيما) يقول له، ويراه الناس على هدى. وكانت ملوك بني إسرائيل قد افترقت في البلاد وأخذ كل واحد ناحية يأكلها، ويعبدون الأصنام، فقال الملك يوماً لإلياس: والله ما أرى ما تدعو إليه إلا باطلاً، والله ما أرى (فلاناً) وفلاناً - يذكر ملوكاً من ملوك بني إسرائيل - إلا قد عبدوا الأوثان من دون الله، وهم (على) نحو ما نحن عليه (من النعيم)، يأكلون ويشربون ويتنعمون مملكين، ما تنقص دنياهم عبادتهم الأوثان التي تزعم أنها باطل وما نرى لنا عليهم من فضل، فعظم الأمر على إلياس، واقشعر جلده وخرج عنه، ففعل ذلك الملك فعل أصحابه وعبد الأوثان، فقال إلياس: اللهم إن بني إسرائيل قد أبوا إلا الكفر بك والعبادة لغيرك فغير ما بهم من نعمة! أو كما قال: (قال) ابن إسحاق: فذكر لنا أنه أوحي إليه أنا قد جعلنا أمر أرزاقهم بيدك وإليك حتى تكون أنت الذي تأذن في ذلك. فقال إلياس: اللهم أمسك عنهم القطر، فحبس عنهم ثلاث سنين حتى هلكت الماشية والدواب والشجر، وجهد الناس جهداً شديداً، وكان إلياس حين دعا عليهم قد استخفى شفقاً على نفسه منهم. وكان حيث ما كان وضع له رزق، وكانوا إذا وجدوا ريح الخبز في دار أو بيت قالوا: قد دخل إلياس هذا المكان فطلبوه ولقي أهل ذلك المنزل شراً. ثم إنه أوى ليلة إلى امرأة من بني إسرائيل لها ابن يقال له: اليسع بن أخطوب به ضر، فآوته وأخفت أمره فدعا إلياس لابنها فعوفي من الضر الذي كان به واتبع اليسع إلياس. فآمن به وصدقه ولزمه، وكان يذهب معه حيث ما ذهب، وكان إلياس قد أسن وكبر، وكان اليسع غلاماً شاباً، فَذُكِر أن الله جل ذكره أوحى إلى إلياس: إنك قد أهلكت خلقاً كثيراً بخطايا بني إسرائيل من البهائم والدواب والطير والهوام والشجر. فذكر - والله أعلم - أن إلياس قال: أي رب، دعني أكن أنا الذي أدعوا لهم به، وأكن أنا الذي آتيهم بالفرج مما هم فيه من البلاء الذي أصابهم لعلهم يرجعون عن عبادة غيرك، فقيل له: نعم، فأتى إلياس إلى بني إسرائيل، فقال لهم: إنكم قد هلكتم جهداً وهلكت البهائم والدواب والطير والشجر بخطاياكم، وإنكم على باطل وغرور، أو كما قال لهم، فإن كنتم تحبون (علم) ذلك، وتعلمون أن الله عليكم ساخط فيما أنتم عليه، والذي أدعوكم إليه الحق، فاخرجوا بأصنامكم هذه التي تبعدونها وتزعمون أنها خير مما أدعوكم إليه، فإن استجابت لكم فذلك كما تقولون. فإن هي لم تفعل علمتم أنكم على باطل فنزعتم ودعوت الله يفرج عنكم ما أنتم فيه من البلاء، قالوا: أنْصَفت، فخرجوا بأوثانهم وما يتقربون به إلى الله من أحداثهم، فدعوها فلم تستجب لهم ولم تفرج عنهم ما كانوا فيه من البلاء، فعرفوا ما هم فيه من الضلال والباطل، فقالوا لإلياس: يا إلياس إنا قد هلكنا، فادع الله لنا، فدعا إلياس لهم بالفرج مما هم فيه، وأن يسقوا، فخرجت سحابة مثل الترس بإذن الله على ظهر البحر وهم ينظرون، ثم ترامى إليهما السحاب ثم أُدْحِيت، ثم أرسل الله المطر فأغاثهم، فحييث بلادهم وفرج عنهم ما كانوا فيه من البلاء. فلم يرجعوا ولا نزعوا، وأقاموا على ما كانوا عليه، فلما رأى ذلك إلياس من كفرهم، دعا ربه يقبضه إليه فيريحه منهم، فذكر أن الله عز وجل أوحى إليه: أخرج إلى بلد كذا وكذا فما جاءك من شيء فاركبه ولا تهبه، فخرج إلياس وخرج معه اليسع حتى إذا كانا بالبلد الذي ذكر له في المكان الذي أمر به أقبل فرس من نار حتى وقف بين يديه، فوثب عليه فانطلق به (فناداه) اليسع يا إلياس (يا إلياس) ما تأمرني به؟ فكان آخر عهدهم به، فكساه الله الريش، وألبسه النور، (وقطع) عنه لذة المطعم والمشرب، وكان في الملائكة إنيساً ملكياً أرضياً سماوياً. قال أبو محمد رضي الله عنه: وهذا الخبر إذا صح فإنما يصح على قول من قال: إنه إدريس ﷺ لقوله تعالى ذكره في إدريس ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَاناً عَلِيّاً﴾ [مريم: ٥٧]. * * وقوله: ﴿وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ ٱلْخَالِقِينَ﴾ أي: خالقكم الذي هو أحسن المقدرين للأشياء. ﴿ٱللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبَآئِكُمُ ٱلأَوَّلِينَ﴾ أي الماضين. [ثم قال: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ﴾ أي: محضرون في عذاب الله]. * * ثم قال: ﴿إِلاَّ عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلْمُخْلَصِينَ﴾ أي: الذين اختارهم (الله) فأنجاهم من العذاب بتوفيقه إياهم. * * ثم قال: ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي ٱلآخِرِينَ * سَلاَمٌ عَلَىٰ إِلْ يَاسِينَ﴾ أي: وأبقينا عليه الثناء الحسن بعده، فيقال: "سلام على آل ياسين"، أي: سلام على أهل دينه، فيسلم على أهله من أجله، فهو داخل في أفضل الثناء. ومن قرأ "اليَاسِينَ" غير مقطوع. فقال ابن أبي إسحاق: هو اسمه مثل ابراهيم. وذهب أبو عبيد إلى أنه جُمِعَ جَمْعَ السلامة على معنى أنه وأهل مذهبه يسلم عليهم. وقال علي بن سليمان: العرب تُسمي قوم الرجل باسم الرجل الجليل منهم، فيقولون: المهالبة لأصحاب المهلب، كأنهم سموا كل واحد بالمهلب فعلى هذا قيل الياسين، يريد قومه المؤمنين كأنه سمَّى كل واحد منهم بإلياس. وذكر سيبويه أن هذا المعنى إنما يجيء على معنى النسبة، حكى الأشعرون، يريد به النسب. واحتج أبو عمرو وأبو عبيد على تركه لقراءة آل ياسين، أنه ليس في السور سلام على آل فلان من الأنبياء، فكما سمي الأنبياء في هذا المعنى سمي هو. ولا حجة في هذا لأنه إذا أثني على قومه المؤمنين من أجله فهو داخل في ذلك وله منه أوفر الحظ، وهو أبلغ في المدح ممن أثني عليه باسمه، وأيضاً فإن الخط مثبت بالانفصال. وقال الفراء: هو مثل ﴿طُورِ سَيْنَآءَ﴾ [المؤمنون: ٢٠] و ﴿وَطُورِ سِينِينَ﴾ [التين: ٢]، والمعنى واحد. ومعنى ذلك: أن إلياس اسم أعجمي، [والعرب إذا استعملت الأسماء الأعجمية في كلامها غيرتها بضروب من] التعبير، فيقولون: إبراهيم وإبراهام وإبرهام، وميكائيل ومْيكائيل وميكاين وميكال، وإسماعيل وإسمعيل، وإسرائيل وإسرائين، وشبهه. فكذلك إلياس وإلياسين هو واحد. قال السدي: "سلام على الياسين" هو: إلياس. قال الفراء: إن أخذته من الأَلْيَسِ صرفته، فيكون وزنه على هذا إفعال مثل إخراج. وقرأ الحسن بوصل الألف (بجعله الألف) واللام اللتين للتعريف دخلتا على ياسين. * * ثم قال: ﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي ٱلْمُحْسِنِينَ﴾ أي: كما فعلنا بإلياس كذلك نفعل بأهل الطاعة والإحسان. * * ثم قال: ﴿إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: من الذين آمنوا وأطاعوا ولم يشركوا. ثم قال (تعالى): ﴿وَإِنَّ لُوطاً لَّمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ﴾ أي: لمن الذين أرسلهم الله بالإنذار والإعذار. ثم قال (تعالى): ﴿إِذْ نَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ﴾ أي: من العذاب الذي أحللنا بقومه على كفرهم. وفي الكلام حذف، والتقدير: وإن لوطاً لمن المرسلين إلى قومه بالإنذار فكذبوه فنجيناه وأهله. * * ثم قال: ﴿إِلاَّ عَجُوزاً فِي ٱلْغَابِرِينَ﴾ أي: في الباقين، يعني امرأة لوط. قال الضحاك: يعني امرأته تخلفت فمسخت حجراً. وقال السدي: "في الغابرين" في الهالكين. وقيل: في "الغابرين": في الذين بلغوا العمر الطويل، وقد تقدم هذا بأشبع شرحاً. * * ثم قال: ﴿ثُمَّ دَمَّرْنَا ٱلآخَرِينَ﴾ أي: أهلكناهم بالحجارة. * * ثم قال: ﴿وَإِنَّكُمْ لَّتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُّصْبِحِينَ﴾ هذا خطاب لقريش، أي: إنكم لتمرون في أسفاركم على آثارهم وديارهم وموضع هلاكهم في النهار وفي الليل، فلا تتعظون، لا تزدجرون وتخافون أن يصيبكم مثل ما أصابهم، ولا تعقلون ما يراد بكم، وأنه من سلك مثل ما سلكوا من الكفر والتكذيب أنه صائر إلى مثل ما صاروا إليه. "وبالليل" وقف كاف، و "تعقلون" التمام. ثم قال (تعالى): ﴿وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ﴾ أي: لمن الذين أُرْسِلَ إلى قومه بالإنذار والإعذار. ﴿إِلَى ٱلْفُلْكِ ٱلْمَشْحُونِ﴾ (أي): هرب. وقال المبرد: أصله تباعد. وقيل له : آبق لأنه خرج بغير أمر الله عز وجل مستتراً من الناس إلى الفلك وهي السفينة. والمشحون: المملوء الموقر. "فَسَاهَمَ" أي: فقارع. قال السدي: فاحتبست بهم السفينة فعلموا أنها إنما احتبست من حدث أحدثوه، فتساهموا فقُرع يونس فرمى بنفسه، فالتقمه الحوت. * * وقوله: ﴿فَكَانَ مِنَ ٱلْمُدْحَضِينَ﴾ أي: من المقروعين. قال طاوس، لما ركب السفينة ركدت فقالوا: إن فيها رجلاً مشؤوماً، فقارعوا فوقعت القرعة عليه ثلاث مرات فرموا به، فالتقمه الحوت، وأصل دحضت من الزلق في الماء والطين. يقال: أدحض الله حجته ودحضت، وحكي: دحض الله حجته، وهي قليلة وقوله: ﴿فَٱلْتَقَمَهُ ٱلْحُوتُ﴾ أي: ابتلعه. ﴿وَهُوَ مُلِيمٌ﴾ أي: وهو قد أتى ما يلام عليه (من) خروجه بغير أمر (من) الله. يقال: ألاَمَ الرجل إذَا أتى ما يلام عليه. والمَلُوم: الذي يلام باللسان (إن) استحق ذلك أو لم يستحقه. قال مجاهد: ﴿مُلِيمٌ﴾: مذنب.

الصافات 37:137

قوله تعالى (ذكره): ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي ٱلآخِرِينَ﴾ إلى قوله: ﴿وَهُوَ مُلِيمٌ﴾. أي: وأبقينا على إبراهيم ثناء حسناً في الآخرين من الأمم، قاله قتادة. وقال ابن زيد: سأل إبراهيم عليه السلام ربه فقال: ﴿وَٱجْعَل لِّي لِسَانَ صِدْقٍ فِي ٱلآخِرِينَ﴾ [الشعراء: ٨٤]، أي الثناء الحسن، فأبقى الله عليه أن يقال: ﴿سَلاَمٌ عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ﴾ أي: أمنة من الله أن يذكر الإنجيل. * * ثم قال: ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي ٱلْمُحْسِنِينَ﴾ أي: كما جزينا إبراهيم على طاعته، كذلك نجزي من أطاع الله وأحسن عبادته. * * ثم قال: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيّاً مِّنَ ٱلصَّالِحِينَ﴾ أي: بشرناه - بعد أن فدينا إسماعيل بالذبح - بإسحاق مقدراً له النبوة والصلاح. ومن قال: إن الذبيح إسحاق فمعناه عنده: (وبشرنا إبراهيم) بعد الفداء بنبوة إسحاق نبياً. وفيه بُعْدٌ لأنك (لو) قلت: بشرتك بقدوم زيد قادماً، لم يكن للحال فائدة، ولم يوضع لغير فائدة. قال قتادة: بشر بنبوته بعدما جاد لله بنفسه. * * ثم قال: ﴿وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَىٰ إِسْحَاقَ﴾ أي: ثبتنا عليهما النعمة. ﴿وَمِن ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ﴾ وهو المطيع. ﴿وَظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ﴾ وهو الكافر. وذكر الطبري عن السدي أنه قال: كان إبراهيم كثير الطعام يطعم الناس ويضيفهم، فبينما هو يطعم الناس إذ رأى شيخاً كبيراُ يمشي في الحرة، فبعث إليه بحمار فركبه حتى أتاه فأطعمه فجعل الشيخ يأخذ اللقمة يريد أن يدخلها في فيه فيدخلها في أذنه مرة وفي عينه مرة ثم يدخلها في فيه، فإذا أدخلها في فيه، خرجت من دبره. وكان إبراهيم ﷺ قد سأل ربه ألا يقبض روحه حتى يكون هو الذي يسأله الموت. فقال إبراهيم للشيخ حين رأى حاله: ما بالك يا شيخ تصنع هذا؟ قال يا إبراهيم الكبر، قال له: ابن كم أنت؟ فزاد على عمر إبراهيم بسنتين، فقال إبراهيم: إنما بيني وبينك سنتين، فإذا بلغت ذلك صرت مثله، قال نعم، فقال إبراهيم: اللهم اقبضني إليك قبل ذلك، فقام الشيخ فقبض روح إبراهيم. وكان ملك الموت قد تمثل في صورة شيخ لإبراهيم، ومات إبراهيم وهو ابن مائتي سنة. وقيل: ابن مائة وسبع وتسعين سنة. ثم قال (تعالى): ﴿وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَىٰ مُوسَىٰ وَهَارُونَ﴾ أي: تفضلنا عليهما بالنبوة والرسالة. ﴿وَنَجَّيْنَاهُمَا وَقَوْمَهُمَا﴾ أي: ومن آمن معهما، يعني بني إسرائيل. ﴿مِنَ ٱلْكَرْبِ ٱلْعَظِيمِ﴾ أي: من الغرق. ثم قال (تعالى): ﴿وَنَصَرْنَاهُمْ فَكَانُواْ هُمُ ٱلْغَٰلِبِينَ﴾ أي: ونصرنا موسى وهارون وقومهما على فرعون وآله بتغريقنا إياهم فكانوا هم الغالبين. وقال الفراء: الضمير في ﴿وَنَصَرْنَاهُمْ﴾ و ﴿فَكَانُواْ﴾ ﴿هُمُ ٱلْغَٰلِبِينَ﴾ يعود على موسى وهارون وأن التثنية ردت إلى الجمع. ودل على ذلك قوله (جل ذكره). * * ﴿وَآتَيْنَاهُمَا ٱلْكِتَابَ ٱلْمُسْتَبِينَ * وَهَدَيْنَاهُمَا ٱلصِّرَاطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ * وَتَرَكْنَا عَلَيْهِمَا فِي ٱلآخِرِينَ * سَلاَمٌ عَلَىٰ مُوسَىٰ وَهَارُونَ﴾. وقال قوم: إنما جمع في موضع التثنية لأنهما عظيما الشأن جليلا القدر. والعرب تخبر عن الواحد من هذا النوع بلفظ الجمع، فالإخبار عن اثنين منهما بلفظ (الجمع) آكد وأحسن. * * ومعنى ﴿ٱلْمُسْتَبِينَ﴾: المتبين هداه وفضله وأحكامه، يعني التوراة، والصراط المستقيم: الإسلام. ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِمَا فِي ٱلآخِرِينَ﴾ أي: أبقينا عليهما الذكر الجميل والثناء الحسن، فكذلك نفعل بمن أحسن في طاعتي وأدى فرائضي. وفيه من الاختلاف ما تقدم في قصة نوح، وهو يقتضي قوله: ﴿وَٱجْعَل لِّي لِسَانَ صِدْقٍ فِي ٱلآخِرِينَ﴾ [الشعراء: ٨٤]. (ثم قال): ﴿إِنَّهُمَا مِنْ عِبَادِنَا ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: الذين أخلصناهم واخترناهم للطاعة وهديناهم للإيمان. ومن كسر اللام فمعناه: إنهما من عبادنا الذين أخلصوا العمل ولم يشركوا فيه غيري. قال (تعالى): ﴿وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ﴾. قال ابن إسحاق: (وهو إلياس) (بن) ياسين بن فنحاص بن العزار بن هارون بن عمران. وكان إلياس من سبط يوشع بن نون، بعثه الله تعالى إلى أهل بعلبك، (وكانوا يعبدون صنماً) يقال له بعل. وقيل هو إدريس. قاله قتادة. والمعنى: (إنه) لَمِنَ الذين أرسلهم الله إلى الخلق، فقال لقومه: ألا تتقون الله فتخافون عقابه على عبادتكم رباً غيره. (و) هو قوله: ﴿أَتَدْعُونَ بَعْلاً وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ ٱلْخَالِقِينَ﴾. والبعل: الرب لغة أهل اليمن مشهورة، قاله عكرمة ومجاهد وقتادة والسدي. وروي ذلك عن ابن عباس. وقال الضحاك: هو صنم لهم يسمى بعلاً. وقال ابن زيد: هو صنم كانوا يعبدونه ببعلبك مدينة وراء دمشق. وقيل: إن بعلاً تيس كانوا يعبدون. وقال ابن إسحاق: بلغني أن بعلاً امرأة كانوا يعبدونها من دون الله جل ذكره. قال وهب بن منبه: بعث الله إلياس إلى بني إسرائيل حين نسوا ما عهد الله إليهم، حتى (نصبوا) الأوثان وعبدوها من دون الله، فجعل إلياس يدعوهم إلى الله عز وجل، وجعلوا لا يسمعون منه شيئاً. وكان (له مَلِكٌ) من ملوك بني إسرائيل يطيعونه يقال له: جاب. وكان إلياس يقرب من الملك، وكان الملك يطيع إلياس (فيما) يقول له، ويراه الناس على هدى. وكانت ملوك بني إسرائيل قد افترقت في البلاد وأخذ كل واحد ناحية يأكلها، ويعبدون الأصنام، فقال الملك يوماً لإلياس: والله ما أرى ما تدعو إليه إلا باطلاً، والله ما أرى (فلاناً) وفلاناً - يذكر ملوكاً من ملوك بني إسرائيل - إلا قد عبدوا الأوثان من دون الله، وهم (على) نحو ما نحن عليه (من النعيم)، يأكلون ويشربون ويتنعمون مملكين، ما تنقص دنياهم عبادتهم الأوثان التي تزعم أنها باطل وما نرى لنا عليهم من فضل، فعظم الأمر على إلياس، واقشعر جلده وخرج عنه، ففعل ذلك الملك فعل أصحابه وعبد الأوثان، فقال إلياس: اللهم إن بني إسرائيل قد أبوا إلا الكفر بك والعبادة لغيرك فغير ما بهم من نعمة! أو كما قال: (قال) ابن إسحاق: فذكر لنا أنه أوحي إليه أنا قد جعلنا أمر أرزاقهم بيدك وإليك حتى تكون أنت الذي تأذن في ذلك. فقال إلياس: اللهم أمسك عنهم القطر، فحبس عنهم ثلاث سنين حتى هلكت الماشية والدواب والشجر، وجهد الناس جهداً شديداً، وكان إلياس حين دعا عليهم قد استخفى شفقاً على نفسه منهم. وكان حيث ما كان وضع له رزق، وكانوا إذا وجدوا ريح الخبز في دار أو بيت قالوا: قد دخل إلياس هذا المكان فطلبوه ولقي أهل ذلك المنزل شراً. ثم إنه أوى ليلة إلى امرأة من بني إسرائيل لها ابن يقال له: اليسع بن أخطوب به ضر، فآوته وأخفت أمره فدعا إلياس لابنها فعوفي من الضر الذي كان به واتبع اليسع إلياس. فآمن به وصدقه ولزمه، وكان يذهب معه حيث ما ذهب، وكان إلياس قد أسن وكبر، وكان اليسع غلاماً شاباً، فَذُكِر أن الله جل ذكره أوحى إلى إلياس: إنك قد أهلكت خلقاً كثيراً بخطايا بني إسرائيل من البهائم والدواب والطير والهوام والشجر. فذكر - والله أعلم - أن إلياس قال: أي رب، دعني أكن أنا الذي أدعوا لهم به، وأكن أنا الذي آتيهم بالفرج مما هم فيه من البلاء الذي أصابهم لعلهم يرجعون عن عبادة غيرك، فقيل له: نعم، فأتى إلياس إلى بني إسرائيل، فقال لهم: إنكم قد هلكتم جهداً وهلكت البهائم والدواب والطير والشجر بخطاياكم، وإنكم على باطل وغرور، أو كما قال لهم، فإن كنتم تحبون (علم) ذلك، وتعلمون أن الله عليكم ساخط فيما أنتم عليه، والذي أدعوكم إليه الحق، فاخرجوا بأصنامكم هذه التي تبعدونها وتزعمون أنها خير مما أدعوكم إليه، فإن استجابت لكم فذلك كما تقولون. فإن هي لم تفعل علمتم أنكم على باطل فنزعتم ودعوت الله يفرج عنكم ما أنتم فيه من البلاء، قالوا: أنْصَفت، فخرجوا بأوثانهم وما يتقربون به إلى الله من أحداثهم، فدعوها فلم تستجب لهم ولم تفرج عنهم ما كانوا فيه من البلاء، فعرفوا ما هم فيه من الضلال والباطل، فقالوا لإلياس: يا إلياس إنا قد هلكنا، فادع الله لنا، فدعا إلياس لهم بالفرج مما هم فيه، وأن يسقوا، فخرجت سحابة مثل الترس بإذن الله على ظهر البحر وهم ينظرون، ثم ترامى إليهما السحاب ثم أُدْحِيت، ثم أرسل الله المطر فأغاثهم، فحييث بلادهم وفرج عنهم ما كانوا فيه من البلاء. فلم يرجعوا ولا نزعوا، وأقاموا على ما كانوا عليه، فلما رأى ذلك إلياس من كفرهم، دعا ربه يقبضه إليه فيريحه منهم، فذكر أن الله عز وجل أوحى إليه: أخرج إلى بلد كذا وكذا فما جاءك من شيء فاركبه ولا تهبه، فخرج إلياس وخرج معه اليسع حتى إذا كانا بالبلد الذي ذكر له في المكان الذي أمر به أقبل فرس من نار حتى وقف بين يديه، فوثب عليه فانطلق به (فناداه) اليسع يا إلياس (يا إلياس) ما تأمرني به؟ فكان آخر عهدهم به، فكساه الله الريش، وألبسه النور، (وقطع) عنه لذة المطعم والمشرب، وكان في الملائكة إنيساً ملكياً أرضياً سماوياً. قال أبو محمد رضي الله عنه: وهذا الخبر إذا صح فإنما يصح على قول من قال: إنه إدريس ﷺ لقوله تعالى ذكره في إدريس ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَاناً عَلِيّاً﴾ [مريم: ٥٧]. * * وقوله: ﴿وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ ٱلْخَالِقِينَ﴾ أي: خالقكم الذي هو أحسن المقدرين للأشياء. ﴿ٱللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبَآئِكُمُ ٱلأَوَّلِينَ﴾ أي الماضين. [ثم قال: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ﴾ أي: محضرون في عذاب الله]. * * ثم قال: ﴿إِلاَّ عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلْمُخْلَصِينَ﴾ أي: الذين اختارهم (الله) فأنجاهم من العذاب بتوفيقه إياهم. * * ثم قال: ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي ٱلآخِرِينَ * سَلاَمٌ عَلَىٰ إِلْ يَاسِينَ﴾ أي: وأبقينا عليه الثناء الحسن بعده، فيقال: "سلام على آل ياسين"، أي: سلام على أهل دينه، فيسلم على أهله من أجله، فهو داخل في أفضل الثناء. ومن قرأ "اليَاسِينَ" غير مقطوع. فقال ابن أبي إسحاق: هو اسمه مثل ابراهيم. وذهب أبو عبيد إلى أنه جُمِعَ جَمْعَ السلامة على معنى أنه وأهل مذهبه يسلم عليهم. وقال علي بن سليمان: العرب تُسمي قوم الرجل باسم الرجل الجليل منهم، فيقولون: المهالبة لأصحاب المهلب، كأنهم سموا كل واحد بالمهلب فعلى هذا قيل الياسين، يريد قومه المؤمنين كأنه سمَّى كل واحد منهم بإلياس. وذكر سيبويه أن هذا المعنى إنما يجيء على معنى النسبة، حكى الأشعرون، يريد به النسب. واحتج أبو عمرو وأبو عبيد على تركه لقراءة آل ياسين، أنه ليس في السور سلام على آل فلان من الأنبياء، فكما سمي الأنبياء في هذا المعنى سمي هو. ولا حجة في هذا لأنه إذا أثني على قومه المؤمنين من أجله فهو داخل في ذلك وله منه أوفر الحظ، وهو أبلغ في المدح ممن أثني عليه باسمه، وأيضاً فإن الخط مثبت بالانفصال. وقال الفراء: هو مثل ﴿طُورِ سَيْنَآءَ﴾ [المؤمنون: ٢٠] و ﴿وَطُورِ سِينِينَ﴾ [التين: ٢]، والمعنى واحد. ومعنى ذلك: أن إلياس اسم أعجمي، [والعرب إذا استعملت الأسماء الأعجمية في كلامها غيرتها بضروب من] التعبير، فيقولون: إبراهيم وإبراهام وإبرهام، وميكائيل ومْيكائيل وميكاين وميكال، وإسماعيل وإسمعيل، وإسرائيل وإسرائين، وشبهه. فكذلك إلياس وإلياسين هو واحد. قال السدي: "سلام على الياسين" هو: إلياس. قال الفراء: إن أخذته من الأَلْيَسِ صرفته، فيكون وزنه على هذا إفعال مثل إخراج. وقرأ الحسن بوصل الألف (بجعله الألف) واللام اللتين للتعريف دخلتا على ياسين. * * ثم قال: ﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي ٱلْمُحْسِنِينَ﴾ أي: كما فعلنا بإلياس كذلك نفعل بأهل الطاعة والإحسان. * * ثم قال: ﴿إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: من الذين آمنوا وأطاعوا ولم يشركوا. ثم قال (تعالى): ﴿وَإِنَّ لُوطاً لَّمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ﴾ أي: لمن الذين أرسلهم الله بالإنذار والإعذار. ثم قال (تعالى): ﴿إِذْ نَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ﴾ أي: من العذاب الذي أحللنا بقومه على كفرهم. وفي الكلام حذف، والتقدير: وإن لوطاً لمن المرسلين إلى قومه بالإنذار فكذبوه فنجيناه وأهله. * * ثم قال: ﴿إِلاَّ عَجُوزاً فِي ٱلْغَابِرِينَ﴾ أي: في الباقين، يعني امرأة لوط. قال الضحاك: يعني امرأته تخلفت فمسخت حجراً. وقال السدي: "في الغابرين" في الهالكين. وقيل: في "الغابرين": في الذين بلغوا العمر الطويل، وقد تقدم هذا بأشبع شرحاً. * * ثم قال: ﴿ثُمَّ دَمَّرْنَا ٱلآخَرِينَ﴾ أي: أهلكناهم بالحجارة. * * ثم قال: ﴿وَإِنَّكُمْ لَّتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُّصْبِحِينَ﴾ هذا خطاب لقريش، أي: إنكم لتمرون في أسفاركم على آثارهم وديارهم وموضع هلاكهم في النهار وفي الليل، فلا تتعظون، لا تزدجرون وتخافون أن يصيبكم مثل ما أصابهم، ولا تعقلون ما يراد بكم، وأنه من سلك مثل ما سلكوا من الكفر والتكذيب أنه صائر إلى مثل ما صاروا إليه. "وبالليل" وقف كاف، و "تعقلون" التمام. ثم قال (تعالى): ﴿وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ﴾ أي: لمن الذين أُرْسِلَ إلى قومه بالإنذار والإعذار. ﴿إِلَى ٱلْفُلْكِ ٱلْمَشْحُونِ﴾ (أي): هرب. وقال المبرد: أصله تباعد. وقيل له : آبق لأنه خرج بغير أمر الله عز وجل مستتراً من الناس إلى الفلك وهي السفينة. والمشحون: المملوء الموقر. "فَسَاهَمَ" أي: فقارع. قال السدي: فاحتبست بهم السفينة فعلموا أنها إنما احتبست من حدث أحدثوه، فتساهموا فقُرع يونس فرمى بنفسه، فالتقمه الحوت. * * وقوله: ﴿فَكَانَ مِنَ ٱلْمُدْحَضِينَ﴾ أي: من المقروعين. قال طاوس، لما ركب السفينة ركدت فقالوا: إن فيها رجلاً مشؤوماً، فقارعوا فوقعت القرعة عليه ثلاث مرات فرموا به، فالتقمه الحوت، وأصل دحضت من الزلق في الماء والطين. يقال: أدحض الله حجته ودحضت، وحكي: دحض الله حجته، وهي قليلة وقوله: ﴿فَٱلْتَقَمَهُ ٱلْحُوتُ﴾ أي: ابتلعه. ﴿وَهُوَ مُلِيمٌ﴾ أي: وهو قد أتى ما يلام عليه (من) خروجه بغير أمر (من) الله. يقال: ألاَمَ الرجل إذَا أتى ما يلام عليه. والمَلُوم: الذي يلام باللسان (إن) استحق ذلك أو لم يستحقه. قال مجاهد: ﴿مُلِيمٌ﴾: مذنب.

الصافات 37:138

قوله تعالى (ذكره): ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي ٱلآخِرِينَ﴾ إلى قوله: ﴿وَهُوَ مُلِيمٌ﴾. أي: وأبقينا على إبراهيم ثناء حسناً في الآخرين من الأمم، قاله قتادة. وقال ابن زيد: سأل إبراهيم عليه السلام ربه فقال: ﴿وَٱجْعَل لِّي لِسَانَ صِدْقٍ فِي ٱلآخِرِينَ﴾ [الشعراء: ٨٤]، أي الثناء الحسن، فأبقى الله عليه أن يقال: ﴿سَلاَمٌ عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ﴾ أي: أمنة من الله أن يذكر الإنجيل. * * ثم قال: ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي ٱلْمُحْسِنِينَ﴾ أي: كما جزينا إبراهيم على طاعته، كذلك نجزي من أطاع الله وأحسن عبادته. * * ثم قال: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيّاً مِّنَ ٱلصَّالِحِينَ﴾ أي: بشرناه - بعد أن فدينا إسماعيل بالذبح - بإسحاق مقدراً له النبوة والصلاح. ومن قال: إن الذبيح إسحاق فمعناه عنده: (وبشرنا إبراهيم) بعد الفداء بنبوة إسحاق نبياً. وفيه بُعْدٌ لأنك (لو) قلت: بشرتك بقدوم زيد قادماً، لم يكن للحال فائدة، ولم يوضع لغير فائدة. قال قتادة: بشر بنبوته بعدما جاد لله بنفسه. * * ثم قال: ﴿وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَىٰ إِسْحَاقَ﴾ أي: ثبتنا عليهما النعمة. ﴿وَمِن ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ﴾ وهو المطيع. ﴿وَظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ﴾ وهو الكافر. وذكر الطبري عن السدي أنه قال: كان إبراهيم كثير الطعام يطعم الناس ويضيفهم، فبينما هو يطعم الناس إذ رأى شيخاً كبيراُ يمشي في الحرة، فبعث إليه بحمار فركبه حتى أتاه فأطعمه فجعل الشيخ يأخذ اللقمة يريد أن يدخلها في فيه فيدخلها في أذنه مرة وفي عينه مرة ثم يدخلها في فيه، فإذا أدخلها في فيه، خرجت من دبره. وكان إبراهيم ﷺ قد سأل ربه ألا يقبض روحه حتى يكون هو الذي يسأله الموت. فقال إبراهيم للشيخ حين رأى حاله: ما بالك يا شيخ تصنع هذا؟ قال يا إبراهيم الكبر، قال له: ابن كم أنت؟ فزاد على عمر إبراهيم بسنتين، فقال إبراهيم: إنما بيني وبينك سنتين، فإذا بلغت ذلك صرت مثله، قال نعم، فقال إبراهيم: اللهم اقبضني إليك قبل ذلك، فقام الشيخ فقبض روح إبراهيم. وكان ملك الموت قد تمثل في صورة شيخ لإبراهيم، ومات إبراهيم وهو ابن مائتي سنة. وقيل: ابن مائة وسبع وتسعين سنة. ثم قال (تعالى): ﴿وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَىٰ مُوسَىٰ وَهَارُونَ﴾ أي: تفضلنا عليهما بالنبوة والرسالة. ﴿وَنَجَّيْنَاهُمَا وَقَوْمَهُمَا﴾ أي: ومن آمن معهما، يعني بني إسرائيل. ﴿مِنَ ٱلْكَرْبِ ٱلْعَظِيمِ﴾ أي: من الغرق. ثم قال (تعالى): ﴿وَنَصَرْنَاهُمْ فَكَانُواْ هُمُ ٱلْغَٰلِبِينَ﴾ أي: ونصرنا موسى وهارون وقومهما على فرعون وآله بتغريقنا إياهم فكانوا هم الغالبين. وقال الفراء: الضمير في ﴿وَنَصَرْنَاهُمْ﴾ و ﴿فَكَانُواْ﴾ ﴿هُمُ ٱلْغَٰلِبِينَ﴾ يعود على موسى وهارون وأن التثنية ردت إلى الجمع. ودل على ذلك قوله (جل ذكره). * * ﴿وَآتَيْنَاهُمَا ٱلْكِتَابَ ٱلْمُسْتَبِينَ * وَهَدَيْنَاهُمَا ٱلصِّرَاطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ * وَتَرَكْنَا عَلَيْهِمَا فِي ٱلآخِرِينَ * سَلاَمٌ عَلَىٰ مُوسَىٰ وَهَارُونَ﴾. وقال قوم: إنما جمع في موضع التثنية لأنهما عظيما الشأن جليلا القدر. والعرب تخبر عن الواحد من هذا النوع بلفظ الجمع، فالإخبار عن اثنين منهما بلفظ (الجمع) آكد وأحسن. * * ومعنى ﴿ٱلْمُسْتَبِينَ﴾: المتبين هداه وفضله وأحكامه، يعني التوراة، والصراط المستقيم: الإسلام. ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِمَا فِي ٱلآخِرِينَ﴾ أي: أبقينا عليهما الذكر الجميل والثناء الحسن، فكذلك نفعل بمن أحسن في طاعتي وأدى فرائضي. وفيه من الاختلاف ما تقدم في قصة نوح، وهو يقتضي قوله: ﴿وَٱجْعَل لِّي لِسَانَ صِدْقٍ فِي ٱلآخِرِينَ﴾ [الشعراء: ٨٤]. (ثم قال): ﴿إِنَّهُمَا مِنْ عِبَادِنَا ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: الذين أخلصناهم واخترناهم للطاعة وهديناهم للإيمان. ومن كسر اللام فمعناه: إنهما من عبادنا الذين أخلصوا العمل ولم يشركوا فيه غيري. قال (تعالى): ﴿وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ﴾. قال ابن إسحاق: (وهو إلياس) (بن) ياسين بن فنحاص بن العزار بن هارون بن عمران. وكان إلياس من سبط يوشع بن نون، بعثه الله تعالى إلى أهل بعلبك، (وكانوا يعبدون صنماً) يقال له بعل. وقيل هو إدريس. قاله قتادة. والمعنى: (إنه) لَمِنَ الذين أرسلهم الله إلى الخلق، فقال لقومه: ألا تتقون الله فتخافون عقابه على عبادتكم رباً غيره. (و) هو قوله: ﴿أَتَدْعُونَ بَعْلاً وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ ٱلْخَالِقِينَ﴾. والبعل: الرب لغة أهل اليمن مشهورة، قاله عكرمة ومجاهد وقتادة والسدي. وروي ذلك عن ابن عباس. وقال الضحاك: هو صنم لهم يسمى بعلاً. وقال ابن زيد: هو صنم كانوا يعبدونه ببعلبك مدينة وراء دمشق. وقيل: إن بعلاً تيس كانوا يعبدون. وقال ابن إسحاق: بلغني أن بعلاً امرأة كانوا يعبدونها من دون الله جل ذكره. قال وهب بن منبه: بعث الله إلياس إلى بني إسرائيل حين نسوا ما عهد الله إليهم، حتى (نصبوا) الأوثان وعبدوها من دون الله، فجعل إلياس يدعوهم إلى الله عز وجل، وجعلوا لا يسمعون منه شيئاً. وكان (له مَلِكٌ) من ملوك بني إسرائيل يطيعونه يقال له: جاب. وكان إلياس يقرب من الملك، وكان الملك يطيع إلياس (فيما) يقول له، ويراه الناس على هدى. وكانت ملوك بني إسرائيل قد افترقت في البلاد وأخذ كل واحد ناحية يأكلها، ويعبدون الأصنام، فقال الملك يوماً لإلياس: والله ما أرى ما تدعو إليه إلا باطلاً، والله ما أرى (فلاناً) وفلاناً - يذكر ملوكاً من ملوك بني إسرائيل - إلا قد عبدوا الأوثان من دون الله، وهم (على) نحو ما نحن عليه (من النعيم)، يأكلون ويشربون ويتنعمون مملكين، ما تنقص دنياهم عبادتهم الأوثان التي تزعم أنها باطل وما نرى لنا عليهم من فضل، فعظم الأمر على إلياس، واقشعر جلده وخرج عنه، ففعل ذلك الملك فعل أصحابه وعبد الأوثان، فقال إلياس: اللهم إن بني إسرائيل قد أبوا إلا الكفر بك والعبادة لغيرك فغير ما بهم من نعمة! أو كما قال: (قال) ابن إسحاق: فذكر لنا أنه أوحي إليه أنا قد جعلنا أمر أرزاقهم بيدك وإليك حتى تكون أنت الذي تأذن في ذلك. فقال إلياس: اللهم أمسك عنهم القطر، فحبس عنهم ثلاث سنين حتى هلكت الماشية والدواب والشجر، وجهد الناس جهداً شديداً، وكان إلياس حين دعا عليهم قد استخفى شفقاً على نفسه منهم. وكان حيث ما كان وضع له رزق، وكانوا إذا وجدوا ريح الخبز في دار أو بيت قالوا: قد دخل إلياس هذا المكان فطلبوه ولقي أهل ذلك المنزل شراً. ثم إنه أوى ليلة إلى امرأة من بني إسرائيل لها ابن يقال له: اليسع بن أخطوب به ضر، فآوته وأخفت أمره فدعا إلياس لابنها فعوفي من الضر الذي كان به واتبع اليسع إلياس. فآمن به وصدقه ولزمه، وكان يذهب معه حيث ما ذهب، وكان إلياس قد أسن وكبر، وكان اليسع غلاماً شاباً، فَذُكِر أن الله جل ذكره أوحى إلى إلياس: إنك قد أهلكت خلقاً كثيراً بخطايا بني إسرائيل من البهائم والدواب والطير والهوام والشجر. فذكر - والله أعلم - أن إلياس قال: أي رب، دعني أكن أنا الذي أدعوا لهم به، وأكن أنا الذي آتيهم بالفرج مما هم فيه من البلاء الذي أصابهم لعلهم يرجعون عن عبادة غيرك، فقيل له: نعم، فأتى إلياس إلى بني إسرائيل، فقال لهم: إنكم قد هلكتم جهداً وهلكت البهائم والدواب والطير والشجر بخطاياكم، وإنكم على باطل وغرور، أو كما قال لهم، فإن كنتم تحبون (علم) ذلك، وتعلمون أن الله عليكم ساخط فيما أنتم عليه، والذي أدعوكم إليه الحق، فاخرجوا بأصنامكم هذه التي تبعدونها وتزعمون أنها خير مما أدعوكم إليه، فإن استجابت لكم فذلك كما تقولون. فإن هي لم تفعل علمتم أنكم على باطل فنزعتم ودعوت الله يفرج عنكم ما أنتم فيه من البلاء، قالوا: أنْصَفت، فخرجوا بأوثانهم وما يتقربون به إلى الله من أحداثهم، فدعوها فلم تستجب لهم ولم تفرج عنهم ما كانوا فيه من البلاء، فعرفوا ما هم فيه من الضلال والباطل، فقالوا لإلياس: يا إلياس إنا قد هلكنا، فادع الله لنا، فدعا إلياس لهم بالفرج مما هم فيه، وأن يسقوا، فخرجت سحابة مثل الترس بإذن الله على ظهر البحر وهم ينظرون، ثم ترامى إليهما السحاب ثم أُدْحِيت، ثم أرسل الله المطر فأغاثهم، فحييث بلادهم وفرج عنهم ما كانوا فيه من البلاء. فلم يرجعوا ولا نزعوا، وأقاموا على ما كانوا عليه، فلما رأى ذلك إلياس من كفرهم، دعا ربه يقبضه إليه فيريحه منهم، فذكر أن الله عز وجل أوحى إليه: أخرج إلى بلد كذا وكذا فما جاءك من شيء فاركبه ولا تهبه، فخرج إلياس وخرج معه اليسع حتى إذا كانا بالبلد الذي ذكر له في المكان الذي أمر به أقبل فرس من نار حتى وقف بين يديه، فوثب عليه فانطلق به (فناداه) اليسع يا إلياس (يا إلياس) ما تأمرني به؟ فكان آخر عهدهم به، فكساه الله الريش، وألبسه النور، (وقطع) عنه لذة المطعم والمشرب، وكان في الملائكة إنيساً ملكياً أرضياً سماوياً. قال أبو محمد رضي الله عنه: وهذا الخبر إذا صح فإنما يصح على قول من قال: إنه إدريس ﷺ لقوله تعالى ذكره في إدريس ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَاناً عَلِيّاً﴾ [مريم: ٥٧]. * * وقوله: ﴿وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ ٱلْخَالِقِينَ﴾ أي: خالقكم الذي هو أحسن المقدرين للأشياء. ﴿ٱللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبَآئِكُمُ ٱلأَوَّلِينَ﴾ أي الماضين. [ثم قال: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ﴾ أي: محضرون في عذاب الله]. * * ثم قال: ﴿إِلاَّ عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلْمُخْلَصِينَ﴾ أي: الذين اختارهم (الله) فأنجاهم من العذاب بتوفيقه إياهم. * * ثم قال: ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي ٱلآخِرِينَ * سَلاَمٌ عَلَىٰ إِلْ يَاسِينَ﴾ أي: وأبقينا عليه الثناء الحسن بعده، فيقال: "سلام على آل ياسين"، أي: سلام على أهل دينه، فيسلم على أهله من أجله، فهو داخل في أفضل الثناء. ومن قرأ "اليَاسِينَ" غير مقطوع. فقال ابن أبي إسحاق: هو اسمه مثل ابراهيم. وذهب أبو عبيد إلى أنه جُمِعَ جَمْعَ السلامة على معنى أنه وأهل مذهبه يسلم عليهم. وقال علي بن سليمان: العرب تُسمي قوم الرجل باسم الرجل الجليل منهم، فيقولون: المهالبة لأصحاب المهلب، كأنهم سموا كل واحد بالمهلب فعلى هذا قيل الياسين، يريد قومه المؤمنين كأنه سمَّى كل واحد منهم بإلياس. وذكر سيبويه أن هذا المعنى إنما يجيء على معنى النسبة، حكى الأشعرون، يريد به النسب. واحتج أبو عمرو وأبو عبيد على تركه لقراءة آل ياسين، أنه ليس في السور سلام على آل فلان من الأنبياء، فكما سمي الأنبياء في هذا المعنى سمي هو. ولا حجة في هذا لأنه إذا أثني على قومه المؤمنين من أجله فهو داخل في ذلك وله منه أوفر الحظ، وهو أبلغ في المدح ممن أثني عليه باسمه، وأيضاً فإن الخط مثبت بالانفصال. وقال الفراء: هو مثل ﴿طُورِ سَيْنَآءَ﴾ [المؤمنون: ٢٠] و ﴿وَطُورِ سِينِينَ﴾ [التين: ٢]، والمعنى واحد. ومعنى ذلك: أن إلياس اسم أعجمي، [والعرب إذا استعملت الأسماء الأعجمية في كلامها غيرتها بضروب من] التعبير، فيقولون: إبراهيم وإبراهام وإبرهام، وميكائيل ومْيكائيل وميكاين وميكال، وإسماعيل وإسمعيل، وإسرائيل وإسرائين، وشبهه. فكذلك إلياس وإلياسين هو واحد. قال السدي: "سلام على الياسين" هو: إلياس. قال الفراء: إن أخذته من الأَلْيَسِ صرفته، فيكون وزنه على هذا إفعال مثل إخراج. وقرأ الحسن بوصل الألف (بجعله الألف) واللام اللتين للتعريف دخلتا على ياسين. * * ثم قال: ﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي ٱلْمُحْسِنِينَ﴾ أي: كما فعلنا بإلياس كذلك نفعل بأهل الطاعة والإحسان. * * ثم قال: ﴿إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: من الذين آمنوا وأطاعوا ولم يشركوا. ثم قال (تعالى): ﴿وَإِنَّ لُوطاً لَّمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ﴾ أي: لمن الذين أرسلهم الله بالإنذار والإعذار. ثم قال (تعالى): ﴿إِذْ نَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ﴾ أي: من العذاب الذي أحللنا بقومه على كفرهم. وفي الكلام حذف، والتقدير: وإن لوطاً لمن المرسلين إلى قومه بالإنذار فكذبوه فنجيناه وأهله. * * ثم قال: ﴿إِلاَّ عَجُوزاً فِي ٱلْغَابِرِينَ﴾ أي: في الباقين، يعني امرأة لوط. قال الضحاك: يعني امرأته تخلفت فمسخت حجراً. وقال السدي: "في الغابرين" في الهالكين. وقيل: في "الغابرين": في الذين بلغوا العمر الطويل، وقد تقدم هذا بأشبع شرحاً. * * ثم قال: ﴿ثُمَّ دَمَّرْنَا ٱلآخَرِينَ﴾ أي: أهلكناهم بالحجارة. * * ثم قال: ﴿وَإِنَّكُمْ لَّتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُّصْبِحِينَ﴾ هذا خطاب لقريش، أي: إنكم لتمرون في أسفاركم على آثارهم وديارهم وموضع هلاكهم في النهار وفي الليل، فلا تتعظون، لا تزدجرون وتخافون أن يصيبكم مثل ما أصابهم، ولا تعقلون ما يراد بكم، وأنه من سلك مثل ما سلكوا من الكفر والتكذيب أنه صائر إلى مثل ما صاروا إليه. "وبالليل" وقف كاف، و "تعقلون" التمام. ثم قال (تعالى): ﴿وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ﴾ أي: لمن الذين أُرْسِلَ إلى قومه بالإنذار والإعذار. ﴿إِلَى ٱلْفُلْكِ ٱلْمَشْحُونِ﴾ (أي): هرب. وقال المبرد: أصله تباعد. وقيل له : آبق لأنه خرج بغير أمر الله عز وجل مستتراً من الناس إلى الفلك وهي السفينة. والمشحون: المملوء الموقر. "فَسَاهَمَ" أي: فقارع. قال السدي: فاحتبست بهم السفينة فعلموا أنها إنما احتبست من حدث أحدثوه، فتساهموا فقُرع يونس فرمى بنفسه، فالتقمه الحوت. * * وقوله: ﴿فَكَانَ مِنَ ٱلْمُدْحَضِينَ﴾ أي: من المقروعين. قال طاوس، لما ركب السفينة ركدت فقالوا: إن فيها رجلاً مشؤوماً، فقارعوا فوقعت القرعة عليه ثلاث مرات فرموا به، فالتقمه الحوت، وأصل دحضت من الزلق في الماء والطين. يقال: أدحض الله حجته ودحضت، وحكي: دحض الله حجته، وهي قليلة وقوله: ﴿فَٱلْتَقَمَهُ ٱلْحُوتُ﴾ أي: ابتلعه. ﴿وَهُوَ مُلِيمٌ﴾ أي: وهو قد أتى ما يلام عليه (من) خروجه بغير أمر (من) الله. يقال: ألاَمَ الرجل إذَا أتى ما يلام عليه. والمَلُوم: الذي يلام باللسان (إن) استحق ذلك أو لم يستحقه. قال مجاهد: ﴿مُلِيمٌ﴾: مذنب.

الصافات 37:139

قوله تعالى (ذكره): ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي ٱلآخِرِينَ﴾ إلى قوله: ﴿وَهُوَ مُلِيمٌ﴾. أي: وأبقينا على إبراهيم ثناء حسناً في الآخرين من الأمم، قاله قتادة. وقال ابن زيد: سأل إبراهيم عليه السلام ربه فقال: ﴿وَٱجْعَل لِّي لِسَانَ صِدْقٍ فِي ٱلآخِرِينَ﴾ [الشعراء: ٨٤]، أي الثناء الحسن، فأبقى الله عليه أن يقال: ﴿سَلاَمٌ عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ﴾ أي: أمنة من الله أن يذكر الإنجيل. * * ثم قال: ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي ٱلْمُحْسِنِينَ﴾ أي: كما جزينا إبراهيم على طاعته، كذلك نجزي من أطاع الله وأحسن عبادته. * * ثم قال: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيّاً مِّنَ ٱلصَّالِحِينَ﴾ أي: بشرناه - بعد أن فدينا إسماعيل بالذبح - بإسحاق مقدراً له النبوة والصلاح. ومن قال: إن الذبيح إسحاق فمعناه عنده: (وبشرنا إبراهيم) بعد الفداء بنبوة إسحاق نبياً. وفيه بُعْدٌ لأنك (لو) قلت: بشرتك بقدوم زيد قادماً، لم يكن للحال فائدة، ولم يوضع لغير فائدة. قال قتادة: بشر بنبوته بعدما جاد لله بنفسه. * * ثم قال: ﴿وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَىٰ إِسْحَاقَ﴾ أي: ثبتنا عليهما النعمة. ﴿وَمِن ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ﴾ وهو المطيع. ﴿وَظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ﴾ وهو الكافر. وذكر الطبري عن السدي أنه قال: كان إبراهيم كثير الطعام يطعم الناس ويضيفهم، فبينما هو يطعم الناس إذ رأى شيخاً كبيراُ يمشي في الحرة، فبعث إليه بحمار فركبه حتى أتاه فأطعمه فجعل الشيخ يأخذ اللقمة يريد أن يدخلها في فيه فيدخلها في أذنه مرة وفي عينه مرة ثم يدخلها في فيه، فإذا أدخلها في فيه، خرجت من دبره. وكان إبراهيم ﷺ قد سأل ربه ألا يقبض روحه حتى يكون هو الذي يسأله الموت. فقال إبراهيم للشيخ حين رأى حاله: ما بالك يا شيخ تصنع هذا؟ قال يا إبراهيم الكبر، قال له: ابن كم أنت؟ فزاد على عمر إبراهيم بسنتين، فقال إبراهيم: إنما بيني وبينك سنتين، فإذا بلغت ذلك صرت مثله، قال نعم، فقال إبراهيم: اللهم اقبضني إليك قبل ذلك، فقام الشيخ فقبض روح إبراهيم. وكان ملك الموت قد تمثل في صورة شيخ لإبراهيم، ومات إبراهيم وهو ابن مائتي سنة. وقيل: ابن مائة وسبع وتسعين سنة. ثم قال (تعالى): ﴿وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَىٰ مُوسَىٰ وَهَارُونَ﴾ أي: تفضلنا عليهما بالنبوة والرسالة. ﴿وَنَجَّيْنَاهُمَا وَقَوْمَهُمَا﴾ أي: ومن آمن معهما، يعني بني إسرائيل. ﴿مِنَ ٱلْكَرْبِ ٱلْعَظِيمِ﴾ أي: من الغرق. ثم قال (تعالى): ﴿وَنَصَرْنَاهُمْ فَكَانُواْ هُمُ ٱلْغَٰلِبِينَ﴾ أي: ونصرنا موسى وهارون وقومهما على فرعون وآله بتغريقنا إياهم فكانوا هم الغالبين. وقال الفراء: الضمير في ﴿وَنَصَرْنَاهُمْ﴾ و ﴿فَكَانُواْ﴾ ﴿هُمُ ٱلْغَٰلِبِينَ﴾ يعود على موسى وهارون وأن التثنية ردت إلى الجمع. ودل على ذلك قوله (جل ذكره). * * ﴿وَآتَيْنَاهُمَا ٱلْكِتَابَ ٱلْمُسْتَبِينَ * وَهَدَيْنَاهُمَا ٱلصِّرَاطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ * وَتَرَكْنَا عَلَيْهِمَا فِي ٱلآخِرِينَ * سَلاَمٌ عَلَىٰ مُوسَىٰ وَهَارُونَ﴾. وقال قوم: إنما جمع في موضع التثنية لأنهما عظيما الشأن جليلا القدر. والعرب تخبر عن الواحد من هذا النوع بلفظ الجمع، فالإخبار عن اثنين منهما بلفظ (الجمع) آكد وأحسن. * * ومعنى ﴿ٱلْمُسْتَبِينَ﴾: المتبين هداه وفضله وأحكامه، يعني التوراة، والصراط المستقيم: الإسلام. ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِمَا فِي ٱلآخِرِينَ﴾ أي: أبقينا عليهما الذكر الجميل والثناء الحسن، فكذلك نفعل بمن أحسن في طاعتي وأدى فرائضي. وفيه من الاختلاف ما تقدم في قصة نوح، وهو يقتضي قوله: ﴿وَٱجْعَل لِّي لِسَانَ صِدْقٍ فِي ٱلآخِرِينَ﴾ [الشعراء: ٨٤]. (ثم قال): ﴿إِنَّهُمَا مِنْ عِبَادِنَا ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: الذين أخلصناهم واخترناهم للطاعة وهديناهم للإيمان. ومن كسر اللام فمعناه: إنهما من عبادنا الذين أخلصوا العمل ولم يشركوا فيه غيري. قال (تعالى): ﴿وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ﴾. قال ابن إسحاق: (وهو إلياس) (بن) ياسين بن فنحاص بن العزار بن هارون بن عمران. وكان إلياس من سبط يوشع بن نون، بعثه الله تعالى إلى أهل بعلبك، (وكانوا يعبدون صنماً) يقال له بعل. وقيل هو إدريس. قاله قتادة. والمعنى: (إنه) لَمِنَ الذين أرسلهم الله إلى الخلق، فقال لقومه: ألا تتقون الله فتخافون عقابه على عبادتكم رباً غيره. (و) هو قوله: ﴿أَتَدْعُونَ بَعْلاً وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ ٱلْخَالِقِينَ﴾. والبعل: الرب لغة أهل اليمن مشهورة، قاله عكرمة ومجاهد وقتادة والسدي. وروي ذلك عن ابن عباس. وقال الضحاك: هو صنم لهم يسمى بعلاً. وقال ابن زيد: هو صنم كانوا يعبدونه ببعلبك مدينة وراء دمشق. وقيل: إن بعلاً تيس كانوا يعبدون. وقال ابن إسحاق: بلغني أن بعلاً امرأة كانوا يعبدونها من دون الله جل ذكره. قال وهب بن منبه: بعث الله إلياس إلى بني إسرائيل حين نسوا ما عهد الله إليهم، حتى (نصبوا) الأوثان وعبدوها من دون الله، فجعل إلياس يدعوهم إلى الله عز وجل، وجعلوا لا يسمعون منه شيئاً. وكان (له مَلِكٌ) من ملوك بني إسرائيل يطيعونه يقال له: جاب. وكان إلياس يقرب من الملك، وكان الملك يطيع إلياس (فيما) يقول له، ويراه الناس على هدى. وكانت ملوك بني إسرائيل قد افترقت في البلاد وأخذ كل واحد ناحية يأكلها، ويعبدون الأصنام، فقال الملك يوماً لإلياس: والله ما أرى ما تدعو إليه إلا باطلاً، والله ما أرى (فلاناً) وفلاناً - يذكر ملوكاً من ملوك بني إسرائيل - إلا قد عبدوا الأوثان من دون الله، وهم (على) نحو ما نحن عليه (من النعيم)، يأكلون ويشربون ويتنعمون مملكين، ما تنقص دنياهم عبادتهم الأوثان التي تزعم أنها باطل وما نرى لنا عليهم من فضل، فعظم الأمر على إلياس، واقشعر جلده وخرج عنه، ففعل ذلك الملك فعل أصحابه وعبد الأوثان، فقال إلياس: اللهم إن بني إسرائيل قد أبوا إلا الكفر بك والعبادة لغيرك فغير ما بهم من نعمة! أو كما قال: (قال) ابن إسحاق: فذكر لنا أنه أوحي إليه أنا قد جعلنا أمر أرزاقهم بيدك وإليك حتى تكون أنت الذي تأذن في ذلك. فقال إلياس: اللهم أمسك عنهم القطر، فحبس عنهم ثلاث سنين حتى هلكت الماشية والدواب والشجر، وجهد الناس جهداً شديداً، وكان إلياس حين دعا عليهم قد استخفى شفقاً على نفسه منهم. وكان حيث ما كان وضع له رزق، وكانوا إذا وجدوا ريح الخبز في دار أو بيت قالوا: قد دخل إلياس هذا المكان فطلبوه ولقي أهل ذلك المنزل شراً. ثم إنه أوى ليلة إلى امرأة من بني إسرائيل لها ابن يقال له: اليسع بن أخطوب به ضر، فآوته وأخفت أمره فدعا إلياس لابنها فعوفي من الضر الذي كان به واتبع اليسع إلياس. فآمن به وصدقه ولزمه، وكان يذهب معه حيث ما ذهب، وكان إلياس قد أسن وكبر، وكان اليسع غلاماً شاباً، فَذُكِر أن الله جل ذكره أوحى إلى إلياس: إنك قد أهلكت خلقاً كثيراً بخطايا بني إسرائيل من البهائم والدواب والطير والهوام والشجر. فذكر - والله أعلم - أن إلياس قال: أي رب، دعني أكن أنا الذي أدعوا لهم به، وأكن أنا الذي آتيهم بالفرج مما هم فيه من البلاء الذي أصابهم لعلهم يرجعون عن عبادة غيرك، فقيل له: نعم، فأتى إلياس إلى بني إسرائيل، فقال لهم: إنكم قد هلكتم جهداً وهلكت البهائم والدواب والطير والشجر بخطاياكم، وإنكم على باطل وغرور، أو كما قال لهم، فإن كنتم تحبون (علم) ذلك، وتعلمون أن الله عليكم ساخط فيما أنتم عليه، والذي أدعوكم إليه الحق، فاخرجوا بأصنامكم هذه التي تبعدونها وتزعمون أنها خير مما أدعوكم إليه، فإن استجابت لكم فذلك كما تقولون. فإن هي لم تفعل علمتم أنكم على باطل فنزعتم ودعوت الله يفرج عنكم ما أنتم فيه من البلاء، قالوا: أنْصَفت، فخرجوا بأوثانهم وما يتقربون به إلى الله من أحداثهم، فدعوها فلم تستجب لهم ولم تفرج عنهم ما كانوا فيه من البلاء، فعرفوا ما هم فيه من الضلال والباطل، فقالوا لإلياس: يا إلياس إنا قد هلكنا، فادع الله لنا، فدعا إلياس لهم بالفرج مما هم فيه، وأن يسقوا، فخرجت سحابة مثل الترس بإذن الله على ظهر البحر وهم ينظرون، ثم ترامى إليهما السحاب ثم أُدْحِيت، ثم أرسل الله المطر فأغاثهم، فحييث بلادهم وفرج عنهم ما كانوا فيه من البلاء. فلم يرجعوا ولا نزعوا، وأقاموا على ما كانوا عليه، فلما رأى ذلك إلياس من كفرهم، دعا ربه يقبضه إليه فيريحه منهم، فذكر أن الله عز وجل أوحى إليه: أخرج إلى بلد كذا وكذا فما جاءك من شيء فاركبه ولا تهبه، فخرج إلياس وخرج معه اليسع حتى إذا كانا بالبلد الذي ذكر له في المكان الذي أمر به أقبل فرس من نار حتى وقف بين يديه، فوثب عليه فانطلق به (فناداه) اليسع يا إلياس (يا إلياس) ما تأمرني به؟ فكان آخر عهدهم به، فكساه الله الريش، وألبسه النور، (وقطع) عنه لذة المطعم والمشرب، وكان في الملائكة إنيساً ملكياً أرضياً سماوياً. قال أبو محمد رضي الله عنه: وهذا الخبر إذا صح فإنما يصح على قول من قال: إنه إدريس ﷺ لقوله تعالى ذكره في إدريس ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَاناً عَلِيّاً﴾ [مريم: ٥٧]. * * وقوله: ﴿وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ ٱلْخَالِقِينَ﴾ أي: خالقكم الذي هو أحسن المقدرين للأشياء. ﴿ٱللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبَآئِكُمُ ٱلأَوَّلِينَ﴾ أي الماضين. [ثم قال: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ﴾ أي: محضرون في عذاب الله]. * * ثم قال: ﴿إِلاَّ عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلْمُخْلَصِينَ﴾ أي: الذين اختارهم (الله) فأنجاهم من العذاب بتوفيقه إياهم. * * ثم قال: ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي ٱلآخِرِينَ * سَلاَمٌ عَلَىٰ إِلْ يَاسِينَ﴾ أي: وأبقينا عليه الثناء الحسن بعده، فيقال: "سلام على آل ياسين"، أي: سلام على أهل دينه، فيسلم على أهله من أجله، فهو داخل في أفضل الثناء. ومن قرأ "اليَاسِينَ" غير مقطوع. فقال ابن أبي إسحاق: هو اسمه مثل ابراهيم. وذهب أبو عبيد إلى أنه جُمِعَ جَمْعَ السلامة على معنى أنه وأهل مذهبه يسلم عليهم. وقال علي بن سليمان: العرب تُسمي قوم الرجل باسم الرجل الجليل منهم، فيقولون: المهالبة لأصحاب المهلب، كأنهم سموا كل واحد بالمهلب فعلى هذا قيل الياسين، يريد قومه المؤمنين كأنه سمَّى كل واحد منهم بإلياس. وذكر سيبويه أن هذا المعنى إنما يجيء على معنى النسبة، حكى الأشعرون، يريد به النسب. واحتج أبو عمرو وأبو عبيد على تركه لقراءة آل ياسين، أنه ليس في السور سلام على آل فلان من الأنبياء، فكما سمي الأنبياء في هذا المعنى سمي هو. ولا حجة في هذا لأنه إذا أثني على قومه المؤمنين من أجله فهو داخل في ذلك وله منه أوفر الحظ، وهو أبلغ في المدح ممن أثني عليه باسمه، وأيضاً فإن الخط مثبت بالانفصال. وقال الفراء: هو مثل ﴿طُورِ سَيْنَآءَ﴾ [المؤمنون: ٢٠] و ﴿وَطُورِ سِينِينَ﴾ [التين: ٢]، والمعنى واحد. ومعنى ذلك: أن إلياس اسم أعجمي، [والعرب إذا استعملت الأسماء الأعجمية في كلامها غيرتها بضروب من] التعبير، فيقولون: إبراهيم وإبراهام وإبرهام، وميكائيل ومْيكائيل وميكاين وميكال، وإسماعيل وإسمعيل، وإسرائيل وإسرائين، وشبهه. فكذلك إلياس وإلياسين هو واحد. قال السدي: "سلام على الياسين" هو: إلياس. قال الفراء: إن أخذته من الأَلْيَسِ صرفته، فيكون وزنه على هذا إفعال مثل إخراج. وقرأ الحسن بوصل الألف (بجعله الألف) واللام اللتين للتعريف دخلتا على ياسين. * * ثم قال: ﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي ٱلْمُحْسِنِينَ﴾ أي: كما فعلنا بإلياس كذلك نفعل بأهل الطاعة والإحسان. * * ثم قال: ﴿إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: من الذين آمنوا وأطاعوا ولم يشركوا. ثم قال (تعالى): ﴿وَإِنَّ لُوطاً لَّمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ﴾ أي: لمن الذين أرسلهم الله بالإنذار والإعذار. ثم قال (تعالى): ﴿إِذْ نَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ﴾ أي: من العذاب الذي أحللنا بقومه على كفرهم. وفي الكلام حذف، والتقدير: وإن لوطاً لمن المرسلين إلى قومه بالإنذار فكذبوه فنجيناه وأهله. * * ثم قال: ﴿إِلاَّ عَجُوزاً فِي ٱلْغَابِرِينَ﴾ أي: في الباقين، يعني امرأة لوط. قال الضحاك: يعني امرأته تخلفت فمسخت حجراً. وقال السدي: "في الغابرين" في الهالكين. وقيل: في "الغابرين": في الذين بلغوا العمر الطويل، وقد تقدم هذا بأشبع شرحاً. * * ثم قال: ﴿ثُمَّ دَمَّرْنَا ٱلآخَرِينَ﴾ أي: أهلكناهم بالحجارة. * * ثم قال: ﴿وَإِنَّكُمْ لَّتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُّصْبِحِينَ﴾ هذا خطاب لقريش، أي: إنكم لتمرون في أسفاركم على آثارهم وديارهم وموضع هلاكهم في النهار وفي الليل، فلا تتعظون، لا تزدجرون وتخافون أن يصيبكم مثل ما أصابهم، ولا تعقلون ما يراد بكم، وأنه من سلك مثل ما سلكوا من الكفر والتكذيب أنه صائر إلى مثل ما صاروا إليه. "وبالليل" وقف كاف، و "تعقلون" التمام. ثم قال (تعالى): ﴿وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ﴾ أي: لمن الذين أُرْسِلَ إلى قومه بالإنذار والإعذار. ﴿إِلَى ٱلْفُلْكِ ٱلْمَشْحُونِ﴾ (أي): هرب. وقال المبرد: أصله تباعد. وقيل له : آبق لأنه خرج بغير أمر الله عز وجل مستتراً من الناس إلى الفلك وهي السفينة. والمشحون: المملوء الموقر. "فَسَاهَمَ" أي: فقارع. قال السدي: فاحتبست بهم السفينة فعلموا أنها إنما احتبست من حدث أحدثوه، فتساهموا فقُرع يونس فرمى بنفسه، فالتقمه الحوت. * * وقوله: ﴿فَكَانَ مِنَ ٱلْمُدْحَضِينَ﴾ أي: من المقروعين. قال طاوس، لما ركب السفينة ركدت فقالوا: إن فيها رجلاً مشؤوماً، فقارعوا فوقعت القرعة عليه ثلاث مرات فرموا به، فالتقمه الحوت، وأصل دحضت من الزلق في الماء والطين. يقال: أدحض الله حجته ودحضت، وحكي: دحض الله حجته، وهي قليلة وقوله: ﴿فَٱلْتَقَمَهُ ٱلْحُوتُ﴾ أي: ابتلعه. ﴿وَهُوَ مُلِيمٌ﴾ أي: وهو قد أتى ما يلام عليه (من) خروجه بغير أمر (من) الله. يقال: ألاَمَ الرجل إذَا أتى ما يلام عليه. والمَلُوم: الذي يلام باللسان (إن) استحق ذلك أو لم يستحقه. قال مجاهد: ﴿مُلِيمٌ﴾: مذنب.

الصافات 37:140

قوله تعالى (ذكره): ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي ٱلآخِرِينَ﴾ إلى قوله: ﴿وَهُوَ مُلِيمٌ﴾. أي: وأبقينا على إبراهيم ثناء حسناً في الآخرين من الأمم، قاله قتادة. وقال ابن زيد: سأل إبراهيم عليه السلام ربه فقال: ﴿وَٱجْعَل لِّي لِسَانَ صِدْقٍ فِي ٱلآخِرِينَ﴾ [الشعراء: ٨٤]، أي الثناء الحسن، فأبقى الله عليه أن يقال: ﴿سَلاَمٌ عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ﴾ أي: أمنة من الله أن يذكر الإنجيل. * * ثم قال: ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي ٱلْمُحْسِنِينَ﴾ أي: كما جزينا إبراهيم على طاعته، كذلك نجزي من أطاع الله وأحسن عبادته. * * ثم قال: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيّاً مِّنَ ٱلصَّالِحِينَ﴾ أي: بشرناه - بعد أن فدينا إسماعيل بالذبح - بإسحاق مقدراً له النبوة والصلاح. ومن قال: إن الذبيح إسحاق فمعناه عنده: (وبشرنا إبراهيم) بعد الفداء بنبوة إسحاق نبياً. وفيه بُعْدٌ لأنك (لو) قلت: بشرتك بقدوم زيد قادماً، لم يكن للحال فائدة، ولم يوضع لغير فائدة. قال قتادة: بشر بنبوته بعدما جاد لله بنفسه. * * ثم قال: ﴿وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَىٰ إِسْحَاقَ﴾ أي: ثبتنا عليهما النعمة. ﴿وَمِن ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ﴾ وهو المطيع. ﴿وَظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ﴾ وهو الكافر. وذكر الطبري عن السدي أنه قال: كان إبراهيم كثير الطعام يطعم الناس ويضيفهم، فبينما هو يطعم الناس إذ رأى شيخاً كبيراُ يمشي في الحرة، فبعث إليه بحمار فركبه حتى أتاه فأطعمه فجعل الشيخ يأخذ اللقمة يريد أن يدخلها في فيه فيدخلها في أذنه مرة وفي عينه مرة ثم يدخلها في فيه، فإذا أدخلها في فيه، خرجت من دبره. وكان إبراهيم ﷺ قد سأل ربه ألا يقبض روحه حتى يكون هو الذي يسأله الموت. فقال إبراهيم للشيخ حين رأى حاله: ما بالك يا شيخ تصنع هذا؟ قال يا إبراهيم الكبر، قال له: ابن كم أنت؟ فزاد على عمر إبراهيم بسنتين، فقال إبراهيم: إنما بيني وبينك سنتين، فإذا بلغت ذلك صرت مثله، قال نعم، فقال إبراهيم: اللهم اقبضني إليك قبل ذلك، فقام الشيخ فقبض روح إبراهيم. وكان ملك الموت قد تمثل في صورة شيخ لإبراهيم، ومات إبراهيم وهو ابن مائتي سنة. وقيل: ابن مائة وسبع وتسعين سنة. ثم قال (تعالى): ﴿وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَىٰ مُوسَىٰ وَهَارُونَ﴾ أي: تفضلنا عليهما بالنبوة والرسالة. ﴿وَنَجَّيْنَاهُمَا وَقَوْمَهُمَا﴾ أي: ومن آمن معهما، يعني بني إسرائيل. ﴿مِنَ ٱلْكَرْبِ ٱلْعَظِيمِ﴾ أي: من الغرق. ثم قال (تعالى): ﴿وَنَصَرْنَاهُمْ فَكَانُواْ هُمُ ٱلْغَٰلِبِينَ﴾ أي: ونصرنا موسى وهارون وقومهما على فرعون وآله بتغريقنا إياهم فكانوا هم الغالبين. وقال الفراء: الضمير في ﴿وَنَصَرْنَاهُمْ﴾ و ﴿فَكَانُواْ﴾ ﴿هُمُ ٱلْغَٰلِبِينَ﴾ يعود على موسى وهارون وأن التثنية ردت إلى الجمع. ودل على ذلك قوله (جل ذكره). * * ﴿وَآتَيْنَاهُمَا ٱلْكِتَابَ ٱلْمُسْتَبِينَ * وَهَدَيْنَاهُمَا ٱلصِّرَاطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ * وَتَرَكْنَا عَلَيْهِمَا فِي ٱلآخِرِينَ * سَلاَمٌ عَلَىٰ مُوسَىٰ وَهَارُونَ﴾. وقال قوم: إنما جمع في موضع التثنية لأنهما عظيما الشأن جليلا القدر. والعرب تخبر عن الواحد من هذا النوع بلفظ الجمع، فالإخبار عن اثنين منهما بلفظ (الجمع) آكد وأحسن. * * ومعنى ﴿ٱلْمُسْتَبِينَ﴾: المتبين هداه وفضله وأحكامه، يعني التوراة، والصراط المستقيم: الإسلام. ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِمَا فِي ٱلآخِرِينَ﴾ أي: أبقينا عليهما الذكر الجميل والثناء الحسن، فكذلك نفعل بمن أحسن في طاعتي وأدى فرائضي. وفيه من الاختلاف ما تقدم في قصة نوح، وهو يقتضي قوله: ﴿وَٱجْعَل لِّي لِسَانَ صِدْقٍ فِي ٱلآخِرِينَ﴾ [الشعراء: ٨٤]. (ثم قال): ﴿إِنَّهُمَا مِنْ عِبَادِنَا ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: الذين أخلصناهم واخترناهم للطاعة وهديناهم للإيمان. ومن كسر اللام فمعناه: إنهما من عبادنا الذين أخلصوا العمل ولم يشركوا فيه غيري. قال (تعالى): ﴿وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ﴾. قال ابن إسحاق: (وهو إلياس) (بن) ياسين بن فنحاص بن العزار بن هارون بن عمران. وكان إلياس من سبط يوشع بن نون، بعثه الله تعالى إلى أهل بعلبك، (وكانوا يعبدون صنماً) يقال له بعل. وقيل هو إدريس. قاله قتادة. والمعنى: (إنه) لَمِنَ الذين أرسلهم الله إلى الخلق، فقال لقومه: ألا تتقون الله فتخافون عقابه على عبادتكم رباً غيره. (و) هو قوله: ﴿أَتَدْعُونَ بَعْلاً وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ ٱلْخَالِقِينَ﴾. والبعل: الرب لغة أهل اليمن مشهورة، قاله عكرمة ومجاهد وقتادة والسدي. وروي ذلك عن ابن عباس. وقال الضحاك: هو صنم لهم يسمى بعلاً. وقال ابن زيد: هو صنم كانوا يعبدونه ببعلبك مدينة وراء دمشق. وقيل: إن بعلاً تيس كانوا يعبدون. وقال ابن إسحاق: بلغني أن بعلاً امرأة كانوا يعبدونها من دون الله جل ذكره. قال وهب بن منبه: بعث الله إلياس إلى بني إسرائيل حين نسوا ما عهد الله إليهم، حتى (نصبوا) الأوثان وعبدوها من دون الله، فجعل إلياس يدعوهم إلى الله عز وجل، وجعلوا لا يسمعون منه شيئاً. وكان (له مَلِكٌ) من ملوك بني إسرائيل يطيعونه يقال له: جاب. وكان إلياس يقرب من الملك، وكان الملك يطيع إلياس (فيما) يقول له، ويراه الناس على هدى. وكانت ملوك بني إسرائيل قد افترقت في البلاد وأخذ كل واحد ناحية يأكلها، ويعبدون الأصنام، فقال الملك يوماً لإلياس: والله ما أرى ما تدعو إليه إلا باطلاً، والله ما أرى (فلاناً) وفلاناً - يذكر ملوكاً من ملوك بني إسرائيل - إلا قد عبدوا الأوثان من دون الله، وهم (على) نحو ما نحن عليه (من النعيم)، يأكلون ويشربون ويتنعمون مملكين، ما تنقص دنياهم عبادتهم الأوثان التي تزعم أنها باطل وما نرى لنا عليهم من فضل، فعظم الأمر على إلياس، واقشعر جلده وخرج عنه، ففعل ذلك الملك فعل أصحابه وعبد الأوثان، فقال إلياس: اللهم إن بني إسرائيل قد أبوا إلا الكفر بك والعبادة لغيرك فغير ما بهم من نعمة! أو كما قال: (قال) ابن إسحاق: فذكر لنا أنه أوحي إليه أنا قد جعلنا أمر أرزاقهم بيدك وإليك حتى تكون أنت الذي تأذن في ذلك. فقال إلياس: اللهم أمسك عنهم القطر، فحبس عنهم ثلاث سنين حتى هلكت الماشية والدواب والشجر، وجهد الناس جهداً شديداً، وكان إلياس حين دعا عليهم قد استخفى شفقاً على نفسه منهم. وكان حيث ما كان وضع له رزق، وكانوا إذا وجدوا ريح الخبز في دار أو بيت قالوا: قد دخل إلياس هذا المكان فطلبوه ولقي أهل ذلك المنزل شراً. ثم إنه أوى ليلة إلى امرأة من بني إسرائيل لها ابن يقال له: اليسع بن أخطوب به ضر، فآوته وأخفت أمره فدعا إلياس لابنها فعوفي من الضر الذي كان به واتبع اليسع إلياس. فآمن به وصدقه ولزمه، وكان يذهب معه حيث ما ذهب، وكان إلياس قد أسن وكبر، وكان اليسع غلاماً شاباً، فَذُكِر أن الله جل ذكره أوحى إلى إلياس: إنك قد أهلكت خلقاً كثيراً بخطايا بني إسرائيل من البهائم والدواب والطير والهوام والشجر. فذكر - والله أعلم - أن إلياس قال: أي رب، دعني أكن أنا الذي أدعوا لهم به، وأكن أنا الذي آتيهم بالفرج مما هم فيه من البلاء الذي أصابهم لعلهم يرجعون عن عبادة غيرك، فقيل له: نعم، فأتى إلياس إلى بني إسرائيل، فقال لهم: إنكم قد هلكتم جهداً وهلكت البهائم والدواب والطير والشجر بخطاياكم، وإنكم على باطل وغرور، أو كما قال لهم، فإن كنتم تحبون (علم) ذلك، وتعلمون أن الله عليكم ساخط فيما أنتم عليه، والذي أدعوكم إليه الحق، فاخرجوا بأصنامكم هذه التي تبعدونها وتزعمون أنها خير مما أدعوكم إليه، فإن استجابت لكم فذلك كما تقولون. فإن هي لم تفعل علمتم أنكم على باطل فنزعتم ودعوت الله يفرج عنكم ما أنتم فيه من البلاء، قالوا: أنْصَفت، فخرجوا بأوثانهم وما يتقربون به إلى الله من أحداثهم، فدعوها فلم تستجب لهم ولم تفرج عنهم ما كانوا فيه من البلاء، فعرفوا ما هم فيه من الضلال والباطل، فقالوا لإلياس: يا إلياس إنا قد هلكنا، فادع الله لنا، فدعا إلياس لهم بالفرج مما هم فيه، وأن يسقوا، فخرجت سحابة مثل الترس بإذن الله على ظهر البحر وهم ينظرون، ثم ترامى إليهما السحاب ثم أُدْحِيت، ثم أرسل الله المطر فأغاثهم، فحييث بلادهم وفرج عنهم ما كانوا فيه من البلاء. فلم يرجعوا ولا نزعوا، وأقاموا على ما كانوا عليه، فلما رأى ذلك إلياس من كفرهم، دعا ربه يقبضه إليه فيريحه منهم، فذكر أن الله عز وجل أوحى إليه: أخرج إلى بلد كذا وكذا فما جاءك من شيء فاركبه ولا تهبه، فخرج إلياس وخرج معه اليسع حتى إذا كانا بالبلد الذي ذكر له في المكان الذي أمر به أقبل فرس من نار حتى وقف بين يديه، فوثب عليه فانطلق به (فناداه) اليسع يا إلياس (يا إلياس) ما تأمرني به؟ فكان آخر عهدهم به، فكساه الله الريش، وألبسه النور، (وقطع) عنه لذة المطعم والمشرب، وكان في الملائكة إنيساً ملكياً أرضياً سماوياً. قال أبو محمد رضي الله عنه: وهذا الخبر إذا صح فإنما يصح على قول من قال: إنه إدريس ﷺ لقوله تعالى ذكره في إدريس ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَاناً عَلِيّاً﴾ [مريم: ٥٧]. * * وقوله: ﴿وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ ٱلْخَالِقِينَ﴾ أي: خالقكم الذي هو أحسن المقدرين للأشياء. ﴿ٱللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبَآئِكُمُ ٱلأَوَّلِينَ﴾ أي الماضين. [ثم قال: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ﴾ أي: محضرون في عذاب الله]. * * ثم قال: ﴿إِلاَّ عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلْمُخْلَصِينَ﴾ أي: الذين اختارهم (الله) فأنجاهم من العذاب بتوفيقه إياهم. * * ثم قال: ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي ٱلآخِرِينَ * سَلاَمٌ عَلَىٰ إِلْ يَاسِينَ﴾ أي: وأبقينا عليه الثناء الحسن بعده، فيقال: "سلام على آل ياسين"، أي: سلام على أهل دينه، فيسلم على أهله من أجله، فهو داخل في أفضل الثناء. ومن قرأ "اليَاسِينَ" غير مقطوع. فقال ابن أبي إسحاق: هو اسمه مثل ابراهيم. وذهب أبو عبيد إلى أنه جُمِعَ جَمْعَ السلامة على معنى أنه وأهل مذهبه يسلم عليهم. وقال علي بن سليمان: العرب تُسمي قوم الرجل باسم الرجل الجليل منهم، فيقولون: المهالبة لأصحاب المهلب، كأنهم سموا كل واحد بالمهلب فعلى هذا قيل الياسين، يريد قومه المؤمنين كأنه سمَّى كل واحد منهم بإلياس. وذكر سيبويه أن هذا المعنى إنما يجيء على معنى النسبة، حكى الأشعرون، يريد به النسب. واحتج أبو عمرو وأبو عبيد على تركه لقراءة آل ياسين، أنه ليس في السور سلام على آل فلان من الأنبياء، فكما سمي الأنبياء في هذا المعنى سمي هو. ولا حجة في هذا لأنه إذا أثني على قومه المؤمنين من أجله فهو داخل في ذلك وله منه أوفر الحظ، وهو أبلغ في المدح ممن أثني عليه باسمه، وأيضاً فإن الخط مثبت بالانفصال. وقال الفراء: هو مثل ﴿طُورِ سَيْنَآءَ﴾ [المؤمنون: ٢٠] و ﴿وَطُورِ سِينِينَ﴾ [التين: ٢]، والمعنى واحد. ومعنى ذلك: أن إلياس اسم أعجمي، [والعرب إذا استعملت الأسماء الأعجمية في كلامها غيرتها بضروب من] التعبير، فيقولون: إبراهيم وإبراهام وإبرهام، وميكائيل ومْيكائيل وميكاين وميكال، وإسماعيل وإسمعيل، وإسرائيل وإسرائين، وشبهه. فكذلك إلياس وإلياسين هو واحد. قال السدي: "سلام على الياسين" هو: إلياس. قال الفراء: إن أخذته من الأَلْيَسِ صرفته، فيكون وزنه على هذا إفعال مثل إخراج. وقرأ الحسن بوصل الألف (بجعله الألف) واللام اللتين للتعريف دخلتا على ياسين. * * ثم قال: ﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي ٱلْمُحْسِنِينَ﴾ أي: كما فعلنا بإلياس كذلك نفعل بأهل الطاعة والإحسان. * * ثم قال: ﴿إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: من الذين آمنوا وأطاعوا ولم يشركوا. ثم قال (تعالى): ﴿وَإِنَّ لُوطاً لَّمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ﴾ أي: لمن الذين أرسلهم الله بالإنذار والإعذار. ثم قال (تعالى): ﴿إِذْ نَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ﴾ أي: من العذاب الذي أحللنا بقومه على كفرهم. وفي الكلام حذف، والتقدير: وإن لوطاً لمن المرسلين إلى قومه بالإنذار فكذبوه فنجيناه وأهله. * * ثم قال: ﴿إِلاَّ عَجُوزاً فِي ٱلْغَابِرِينَ﴾ أي: في الباقين، يعني امرأة لوط. قال الضحاك: يعني امرأته تخلفت فمسخت حجراً. وقال السدي: "في الغابرين" في الهالكين. وقيل: في "الغابرين": في الذين بلغوا العمر الطويل، وقد تقدم هذا بأشبع شرحاً. * * ثم قال: ﴿ثُمَّ دَمَّرْنَا ٱلآخَرِينَ﴾ أي: أهلكناهم بالحجارة. * * ثم قال: ﴿وَإِنَّكُمْ لَّتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُّصْبِحِينَ﴾ هذا خطاب لقريش، أي: إنكم لتمرون في أسفاركم على آثارهم وديارهم وموضع هلاكهم في النهار وفي الليل، فلا تتعظون، لا تزدجرون وتخافون أن يصيبكم مثل ما أصابهم، ولا تعقلون ما يراد بكم، وأنه من سلك مثل ما سلكوا من الكفر والتكذيب أنه صائر إلى مثل ما صاروا إليه. "وبالليل" وقف كاف، و "تعقلون" التمام. ثم قال (تعالى): ﴿وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ﴾ أي: لمن الذين أُرْسِلَ إلى قومه بالإنذار والإعذار. ﴿إِلَى ٱلْفُلْكِ ٱلْمَشْحُونِ﴾ (أي): هرب. وقال المبرد: أصله تباعد. وقيل له : آبق لأنه خرج بغير أمر الله عز وجل مستتراً من الناس إلى الفلك وهي السفينة. والمشحون: المملوء الموقر. "فَسَاهَمَ" أي: فقارع. قال السدي: فاحتبست بهم السفينة فعلموا أنها إنما احتبست من حدث أحدثوه، فتساهموا فقُرع يونس فرمى بنفسه، فالتقمه الحوت. * * وقوله: ﴿فَكَانَ مِنَ ٱلْمُدْحَضِينَ﴾ أي: من المقروعين. قال طاوس، لما ركب السفينة ركدت فقالوا: إن فيها رجلاً مشؤوماً، فقارعوا فوقعت القرعة عليه ثلاث مرات فرموا به، فالتقمه الحوت، وأصل دحضت من الزلق في الماء والطين. يقال: أدحض الله حجته ودحضت، وحكي: دحض الله حجته، وهي قليلة وقوله: ﴿فَٱلْتَقَمَهُ ٱلْحُوتُ﴾ أي: ابتلعه. ﴿وَهُوَ مُلِيمٌ﴾ أي: وهو قد أتى ما يلام عليه (من) خروجه بغير أمر (من) الله. يقال: ألاَمَ الرجل إذَا أتى ما يلام عليه. والمَلُوم: الذي يلام باللسان (إن) استحق ذلك أو لم يستحقه. قال مجاهد: ﴿مُلِيمٌ﴾: مذنب.

الصافات 37:141

قوله تعالى (ذكره): ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي ٱلآخِرِينَ﴾ إلى قوله: ﴿وَهُوَ مُلِيمٌ﴾. أي: وأبقينا على إبراهيم ثناء حسناً في الآخرين من الأمم، قاله قتادة. وقال ابن زيد: سأل إبراهيم عليه السلام ربه فقال: ﴿وَٱجْعَل لِّي لِسَانَ صِدْقٍ فِي ٱلآخِرِينَ﴾ [الشعراء: ٨٤]، أي الثناء الحسن، فأبقى الله عليه أن يقال: ﴿سَلاَمٌ عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ﴾ أي: أمنة من الله أن يذكر الإنجيل. * * ثم قال: ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي ٱلْمُحْسِنِينَ﴾ أي: كما جزينا إبراهيم على طاعته، كذلك نجزي من أطاع الله وأحسن عبادته. * * ثم قال: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيّاً مِّنَ ٱلصَّالِحِينَ﴾ أي: بشرناه - بعد أن فدينا إسماعيل بالذبح - بإسحاق مقدراً له النبوة والصلاح. ومن قال: إن الذبيح إسحاق فمعناه عنده: (وبشرنا إبراهيم) بعد الفداء بنبوة إسحاق نبياً. وفيه بُعْدٌ لأنك (لو) قلت: بشرتك بقدوم زيد قادماً، لم يكن للحال فائدة، ولم يوضع لغير فائدة. قال قتادة: بشر بنبوته بعدما جاد لله بنفسه. * * ثم قال: ﴿وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَىٰ إِسْحَاقَ﴾ أي: ثبتنا عليهما النعمة. ﴿وَمِن ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ﴾ وهو المطيع. ﴿وَظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ﴾ وهو الكافر. وذكر الطبري عن السدي أنه قال: كان إبراهيم كثير الطعام يطعم الناس ويضيفهم، فبينما هو يطعم الناس إذ رأى شيخاً كبيراُ يمشي في الحرة، فبعث إليه بحمار فركبه حتى أتاه فأطعمه فجعل الشيخ يأخذ اللقمة يريد أن يدخلها في فيه فيدخلها في أذنه مرة وفي عينه مرة ثم يدخلها في فيه، فإذا أدخلها في فيه، خرجت من دبره. وكان إبراهيم ﷺ قد سأل ربه ألا يقبض روحه حتى يكون هو الذي يسأله الموت. فقال إبراهيم للشيخ حين رأى حاله: ما بالك يا شيخ تصنع هذا؟ قال يا إبراهيم الكبر، قال له: ابن كم أنت؟ فزاد على عمر إبراهيم بسنتين، فقال إبراهيم: إنما بيني وبينك سنتين، فإذا بلغت ذلك صرت مثله، قال نعم، فقال إبراهيم: اللهم اقبضني إليك قبل ذلك، فقام الشيخ فقبض روح إبراهيم. وكان ملك الموت قد تمثل في صورة شيخ لإبراهيم، ومات إبراهيم وهو ابن مائتي سنة. وقيل: ابن مائة وسبع وتسعين سنة. ثم قال (تعالى): ﴿وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَىٰ مُوسَىٰ وَهَارُونَ﴾ أي: تفضلنا عليهما بالنبوة والرسالة. ﴿وَنَجَّيْنَاهُمَا وَقَوْمَهُمَا﴾ أي: ومن آمن معهما، يعني بني إسرائيل. ﴿مِنَ ٱلْكَرْبِ ٱلْعَظِيمِ﴾ أي: من الغرق. ثم قال (تعالى): ﴿وَنَصَرْنَاهُمْ فَكَانُواْ هُمُ ٱلْغَٰلِبِينَ﴾ أي: ونصرنا موسى وهارون وقومهما على فرعون وآله بتغريقنا إياهم فكانوا هم الغالبين. وقال الفراء: الضمير في ﴿وَنَصَرْنَاهُمْ﴾ و ﴿فَكَانُواْ﴾ ﴿هُمُ ٱلْغَٰلِبِينَ﴾ يعود على موسى وهارون وأن التثنية ردت إلى الجمع. ودل على ذلك قوله (جل ذكره). * * ﴿وَآتَيْنَاهُمَا ٱلْكِتَابَ ٱلْمُسْتَبِينَ * وَهَدَيْنَاهُمَا ٱلصِّرَاطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ * وَتَرَكْنَا عَلَيْهِمَا فِي ٱلآخِرِينَ * سَلاَمٌ عَلَىٰ مُوسَىٰ وَهَارُونَ﴾. وقال قوم: إنما جمع في موضع التثنية لأنهما عظيما الشأن جليلا القدر. والعرب تخبر عن الواحد من هذا النوع بلفظ الجمع، فالإخبار عن اثنين منهما بلفظ (الجمع) آكد وأحسن. * * ومعنى ﴿ٱلْمُسْتَبِينَ﴾: المتبين هداه وفضله وأحكامه، يعني التوراة، والصراط المستقيم: الإسلام. ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِمَا فِي ٱلآخِرِينَ﴾ أي: أبقينا عليهما الذكر الجميل والثناء الحسن، فكذلك نفعل بمن أحسن في طاعتي وأدى فرائضي. وفيه من الاختلاف ما تقدم في قصة نوح، وهو يقتضي قوله: ﴿وَٱجْعَل لِّي لِسَانَ صِدْقٍ فِي ٱلآخِرِينَ﴾ [الشعراء: ٨٤]. (ثم قال): ﴿إِنَّهُمَا مِنْ عِبَادِنَا ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: الذين أخلصناهم واخترناهم للطاعة وهديناهم للإيمان. ومن كسر اللام فمعناه: إنهما من عبادنا الذين أخلصوا العمل ولم يشركوا فيه غيري. قال (تعالى): ﴿وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ﴾. قال ابن إسحاق: (وهو إلياس) (بن) ياسين بن فنحاص بن العزار بن هارون بن عمران. وكان إلياس من سبط يوشع بن نون، بعثه الله تعالى إلى أهل بعلبك، (وكانوا يعبدون صنماً) يقال له بعل. وقيل هو إدريس. قاله قتادة. والمعنى: (إنه) لَمِنَ الذين أرسلهم الله إلى الخلق، فقال لقومه: ألا تتقون الله فتخافون عقابه على عبادتكم رباً غيره. (و) هو قوله: ﴿أَتَدْعُونَ بَعْلاً وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ ٱلْخَالِقِينَ﴾. والبعل: الرب لغة أهل اليمن مشهورة، قاله عكرمة ومجاهد وقتادة والسدي. وروي ذلك عن ابن عباس. وقال الضحاك: هو صنم لهم يسمى بعلاً. وقال ابن زيد: هو صنم كانوا يعبدونه ببعلبك مدينة وراء دمشق. وقيل: إن بعلاً تيس كانوا يعبدون. وقال ابن إسحاق: بلغني أن بعلاً امرأة كانوا يعبدونها من دون الله جل ذكره. قال وهب بن منبه: بعث الله إلياس إلى بني إسرائيل حين نسوا ما عهد الله إليهم، حتى (نصبوا) الأوثان وعبدوها من دون الله، فجعل إلياس يدعوهم إلى الله عز وجل، وجعلوا لا يسمعون منه شيئاً. وكان (له مَلِكٌ) من ملوك بني إسرائيل يطيعونه يقال له: جاب. وكان إلياس يقرب من الملك، وكان الملك يطيع إلياس (فيما) يقول له، ويراه الناس على هدى. وكانت ملوك بني إسرائيل قد افترقت في البلاد وأخذ كل واحد ناحية يأكلها، ويعبدون الأصنام، فقال الملك يوماً لإلياس: والله ما أرى ما تدعو إليه إلا باطلاً، والله ما أرى (فلاناً) وفلاناً - يذكر ملوكاً من ملوك بني إسرائيل - إلا قد عبدوا الأوثان من دون الله، وهم (على) نحو ما نحن عليه (من النعيم)، يأكلون ويشربون ويتنعمون مملكين، ما تنقص دنياهم عبادتهم الأوثان التي تزعم أنها باطل وما نرى لنا عليهم من فضل، فعظم الأمر على إلياس، واقشعر جلده وخرج عنه، ففعل ذلك الملك فعل أصحابه وعبد الأوثان، فقال إلياس: اللهم إن بني إسرائيل قد أبوا إلا الكفر بك والعبادة لغيرك فغير ما بهم من نعمة! أو كما قال: (قال) ابن إسحاق: فذكر لنا أنه أوحي إليه أنا قد جعلنا أمر أرزاقهم بيدك وإليك حتى تكون أنت الذي تأذن في ذلك. فقال إلياس: اللهم أمسك عنهم القطر، فحبس عنهم ثلاث سنين حتى هلكت الماشية والدواب والشجر، وجهد الناس جهداً شديداً، وكان إلياس حين دعا عليهم قد استخفى شفقاً على نفسه منهم. وكان حيث ما كان وضع له رزق، وكانوا إذا وجدوا ريح الخبز في دار أو بيت قالوا: قد دخل إلياس هذا المكان فطلبوه ولقي أهل ذلك المنزل شراً. ثم إنه أوى ليلة إلى امرأة من بني إسرائيل لها ابن يقال له: اليسع بن أخطوب به ضر، فآوته وأخفت أمره فدعا إلياس لابنها فعوفي من الضر الذي كان به واتبع اليسع إلياس. فآمن به وصدقه ولزمه، وكان يذهب معه حيث ما ذهب، وكان إلياس قد أسن وكبر، وكان اليسع غلاماً شاباً، فَذُكِر أن الله جل ذكره أوحى إلى إلياس: إنك قد أهلكت خلقاً كثيراً بخطايا بني إسرائيل من البهائم والدواب والطير والهوام والشجر. فذكر - والله أعلم - أن إلياس قال: أي رب، دعني أكن أنا الذي أدعوا لهم به، وأكن أنا الذي آتيهم بالفرج مما هم فيه من البلاء الذي أصابهم لعلهم يرجعون عن عبادة غيرك، فقيل له: نعم، فأتى إلياس إلى بني إسرائيل، فقال لهم: إنكم قد هلكتم جهداً وهلكت البهائم والدواب والطير والشجر بخطاياكم، وإنكم على باطل وغرور، أو كما قال لهم، فإن كنتم تحبون (علم) ذلك، وتعلمون أن الله عليكم ساخط فيما أنتم عليه، والذي أدعوكم إليه الحق، فاخرجوا بأصنامكم هذه التي تبعدونها وتزعمون أنها خير مما أدعوكم إليه، فإن استجابت لكم فذلك كما تقولون. فإن هي لم تفعل علمتم أنكم على باطل فنزعتم ودعوت الله يفرج عنكم ما أنتم فيه من البلاء، قالوا: أنْصَفت، فخرجوا بأوثانهم وما يتقربون به إلى الله من أحداثهم، فدعوها فلم تستجب لهم ولم تفرج عنهم ما كانوا فيه من البلاء، فعرفوا ما هم فيه من الضلال والباطل، فقالوا لإلياس: يا إلياس إنا قد هلكنا، فادع الله لنا، فدعا إلياس لهم بالفرج مما هم فيه، وأن يسقوا، فخرجت سحابة مثل الترس بإذن الله على ظهر البحر وهم ينظرون، ثم ترامى إليهما السحاب ثم أُدْحِيت، ثم أرسل الله المطر فأغاثهم، فحييث بلادهم وفرج عنهم ما كانوا فيه من البلاء. فلم يرجعوا ولا نزعوا، وأقاموا على ما كانوا عليه، فلما رأى ذلك إلياس من كفرهم، دعا ربه يقبضه إليه فيريحه منهم، فذكر أن الله عز وجل أوحى إليه: أخرج إلى بلد كذا وكذا فما جاءك من شيء فاركبه ولا تهبه، فخرج إلياس وخرج معه اليسع حتى إذا كانا بالبلد الذي ذكر له في المكان الذي أمر به أقبل فرس من نار حتى وقف بين يديه، فوثب عليه فانطلق به (فناداه) اليسع يا إلياس (يا إلياس) ما تأمرني به؟ فكان آخر عهدهم به، فكساه الله الريش، وألبسه النور، (وقطع) عنه لذة المطعم والمشرب، وكان في الملائكة إنيساً ملكياً أرضياً سماوياً. قال أبو محمد رضي الله عنه: وهذا الخبر إذا صح فإنما يصح على قول من قال: إنه إدريس ﷺ لقوله تعالى ذكره في إدريس ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَاناً عَلِيّاً﴾ [مريم: ٥٧]. * * وقوله: ﴿وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ ٱلْخَالِقِينَ﴾ أي: خالقكم الذي هو أحسن المقدرين للأشياء. ﴿ٱللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبَآئِكُمُ ٱلأَوَّلِينَ﴾ أي الماضين. [ثم قال: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ﴾ أي: محضرون في عذاب الله]. * * ثم قال: ﴿إِلاَّ عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلْمُخْلَصِينَ﴾ أي: الذين اختارهم (الله) فأنجاهم من العذاب بتوفيقه إياهم. * * ثم قال: ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي ٱلآخِرِينَ * سَلاَمٌ عَلَىٰ إِلْ يَاسِينَ﴾ أي: وأبقينا عليه الثناء الحسن بعده، فيقال: "سلام على آل ياسين"، أي: سلام على أهل دينه، فيسلم على أهله من أجله، فهو داخل في أفضل الثناء. ومن قرأ "اليَاسِينَ" غير مقطوع. فقال ابن أبي إسحاق: هو اسمه مثل ابراهيم. وذهب أبو عبيد إلى أنه جُمِعَ جَمْعَ السلامة على معنى أنه وأهل مذهبه يسلم عليهم. وقال علي بن سليمان: العرب تُسمي قوم الرجل باسم الرجل الجليل منهم، فيقولون: المهالبة لأصحاب المهلب، كأنهم سموا كل واحد بالمهلب فعلى هذا قيل الياسين، يريد قومه المؤمنين كأنه سمَّى كل واحد منهم بإلياس. وذكر سيبويه أن هذا المعنى إنما يجيء على معنى النسبة، حكى الأشعرون، يريد به النسب. واحتج أبو عمرو وأبو عبيد على تركه لقراءة آل ياسين، أنه ليس في السور سلام على آل فلان من الأنبياء، فكما سمي الأنبياء في هذا المعنى سمي هو. ولا حجة في هذا لأنه إذا أثني على قومه المؤمنين من أجله فهو داخل في ذلك وله منه أوفر الحظ، وهو أبلغ في المدح ممن أثني عليه باسمه، وأيضاً فإن الخط مثبت بالانفصال. وقال الفراء: هو مثل ﴿طُورِ سَيْنَآءَ﴾ [المؤمنون: ٢٠] و ﴿وَطُورِ سِينِينَ﴾ [التين: ٢]، والمعنى واحد. ومعنى ذلك: أن إلياس اسم أعجمي، [والعرب إذا استعملت الأسماء الأعجمية في كلامها غيرتها بضروب من] التعبير، فيقولون: إبراهيم وإبراهام وإبرهام، وميكائيل ومْيكائيل وميكاين وميكال، وإسماعيل وإسمعيل، وإسرائيل وإسرائين، وشبهه. فكذلك إلياس وإلياسين هو واحد. قال السدي: "سلام على الياسين" هو: إلياس. قال الفراء: إن أخذته من الأَلْيَسِ صرفته، فيكون وزنه على هذا إفعال مثل إخراج. وقرأ الحسن بوصل الألف (بجعله الألف) واللام اللتين للتعريف دخلتا على ياسين. * * ثم قال: ﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي ٱلْمُحْسِنِينَ﴾ أي: كما فعلنا بإلياس كذلك نفعل بأهل الطاعة والإحسان. * * ثم قال: ﴿إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: من الذين آمنوا وأطاعوا ولم يشركوا. ثم قال (تعالى): ﴿وَإِنَّ لُوطاً لَّمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ﴾ أي: لمن الذين أرسلهم الله بالإنذار والإعذار. ثم قال (تعالى): ﴿إِذْ نَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ﴾ أي: من العذاب الذي أحللنا بقومه على كفرهم. وفي الكلام حذف، والتقدير: وإن لوطاً لمن المرسلين إلى قومه بالإنذار فكذبوه فنجيناه وأهله. * * ثم قال: ﴿إِلاَّ عَجُوزاً فِي ٱلْغَابِرِينَ﴾ أي: في الباقين، يعني امرأة لوط. قال الضحاك: يعني امرأته تخلفت فمسخت حجراً. وقال السدي: "في الغابرين" في الهالكين. وقيل: في "الغابرين": في الذين بلغوا العمر الطويل، وقد تقدم هذا بأشبع شرحاً. * * ثم قال: ﴿ثُمَّ دَمَّرْنَا ٱلآخَرِينَ﴾ أي: أهلكناهم بالحجارة. * * ثم قال: ﴿وَإِنَّكُمْ لَّتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُّصْبِحِينَ﴾ هذا خطاب لقريش، أي: إنكم لتمرون في أسفاركم على آثارهم وديارهم وموضع هلاكهم في النهار وفي الليل، فلا تتعظون، لا تزدجرون وتخافون أن يصيبكم مثل ما أصابهم، ولا تعقلون ما يراد بكم، وأنه من سلك مثل ما سلكوا من الكفر والتكذيب أنه صائر إلى مثل ما صاروا إليه. "وبالليل" وقف كاف، و "تعقلون" التمام. ثم قال (تعالى): ﴿وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ﴾ أي: لمن الذين أُرْسِلَ إلى قومه بالإنذار والإعذار. ﴿إِلَى ٱلْفُلْكِ ٱلْمَشْحُونِ﴾ (أي): هرب. وقال المبرد: أصله تباعد. وقيل له : آبق لأنه خرج بغير أمر الله عز وجل مستتراً من الناس إلى الفلك وهي السفينة. والمشحون: المملوء الموقر. "فَسَاهَمَ" أي: فقارع. قال السدي: فاحتبست بهم السفينة فعلموا أنها إنما احتبست من حدث أحدثوه، فتساهموا فقُرع يونس فرمى بنفسه، فالتقمه الحوت. * * وقوله: ﴿فَكَانَ مِنَ ٱلْمُدْحَضِينَ﴾ أي: من المقروعين. قال طاوس، لما ركب السفينة ركدت فقالوا: إن فيها رجلاً مشؤوماً، فقارعوا فوقعت القرعة عليه ثلاث مرات فرموا به، فالتقمه الحوت، وأصل دحضت من الزلق في الماء والطين. يقال: أدحض الله حجته ودحضت، وحكي: دحض الله حجته، وهي قليلة وقوله: ﴿فَٱلْتَقَمَهُ ٱلْحُوتُ﴾ أي: ابتلعه. ﴿وَهُوَ مُلِيمٌ﴾ أي: وهو قد أتى ما يلام عليه (من) خروجه بغير أمر (من) الله. يقال: ألاَمَ الرجل إذَا أتى ما يلام عليه. والمَلُوم: الذي يلام باللسان (إن) استحق ذلك أو لم يستحقه. قال مجاهد: ﴿مُلِيمٌ﴾: مذنب.

الصافات 37:142

قوله تعالى (ذكره): ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي ٱلآخِرِينَ﴾ إلى قوله: ﴿وَهُوَ مُلِيمٌ﴾. أي: وأبقينا على إبراهيم ثناء حسناً في الآخرين من الأمم، قاله قتادة. وقال ابن زيد: سأل إبراهيم عليه السلام ربه فقال: ﴿وَٱجْعَل لِّي لِسَانَ صِدْقٍ فِي ٱلآخِرِينَ﴾ [الشعراء: ٨٤]، أي الثناء الحسن، فأبقى الله عليه أن يقال: ﴿سَلاَمٌ عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ﴾ أي: أمنة من الله أن يذكر الإنجيل. * * ثم قال: ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي ٱلْمُحْسِنِينَ﴾ أي: كما جزينا إبراهيم على طاعته، كذلك نجزي من أطاع الله وأحسن عبادته. * * ثم قال: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيّاً مِّنَ ٱلصَّالِحِينَ﴾ أي: بشرناه - بعد أن فدينا إسماعيل بالذبح - بإسحاق مقدراً له النبوة والصلاح. ومن قال: إن الذبيح إسحاق فمعناه عنده: (وبشرنا إبراهيم) بعد الفداء بنبوة إسحاق نبياً. وفيه بُعْدٌ لأنك (لو) قلت: بشرتك بقدوم زيد قادماً، لم يكن للحال فائدة، ولم يوضع لغير فائدة. قال قتادة: بشر بنبوته بعدما جاد لله بنفسه. * * ثم قال: ﴿وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَىٰ إِسْحَاقَ﴾ أي: ثبتنا عليهما النعمة. ﴿وَمِن ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ﴾ وهو المطيع. ﴿وَظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ﴾ وهو الكافر. وذكر الطبري عن السدي أنه قال: كان إبراهيم كثير الطعام يطعم الناس ويضيفهم، فبينما هو يطعم الناس إذ رأى شيخاً كبيراُ يمشي في الحرة، فبعث إليه بحمار فركبه حتى أتاه فأطعمه فجعل الشيخ يأخذ اللقمة يريد أن يدخلها في فيه فيدخلها في أذنه مرة وفي عينه مرة ثم يدخلها في فيه، فإذا أدخلها في فيه، خرجت من دبره. وكان إبراهيم ﷺ قد سأل ربه ألا يقبض روحه حتى يكون هو الذي يسأله الموت. فقال إبراهيم للشيخ حين رأى حاله: ما بالك يا شيخ تصنع هذا؟ قال يا إبراهيم الكبر، قال له: ابن كم أنت؟ فزاد على عمر إبراهيم بسنتين، فقال إبراهيم: إنما بيني وبينك سنتين، فإذا بلغت ذلك صرت مثله، قال نعم، فقال إبراهيم: اللهم اقبضني إليك قبل ذلك، فقام الشيخ فقبض روح إبراهيم. وكان ملك الموت قد تمثل في صورة شيخ لإبراهيم، ومات إبراهيم وهو ابن مائتي سنة. وقيل: ابن مائة وسبع وتسعين سنة. ثم قال (تعالى): ﴿وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَىٰ مُوسَىٰ وَهَارُونَ﴾ أي: تفضلنا عليهما بالنبوة والرسالة. ﴿وَنَجَّيْنَاهُمَا وَقَوْمَهُمَا﴾ أي: ومن آمن معهما، يعني بني إسرائيل. ﴿مِنَ ٱلْكَرْبِ ٱلْعَظِيمِ﴾ أي: من الغرق. ثم قال (تعالى): ﴿وَنَصَرْنَاهُمْ فَكَانُواْ هُمُ ٱلْغَٰلِبِينَ﴾ أي: ونصرنا موسى وهارون وقومهما على فرعون وآله بتغريقنا إياهم فكانوا هم الغالبين. وقال الفراء: الضمير في ﴿وَنَصَرْنَاهُمْ﴾ و ﴿فَكَانُواْ﴾ ﴿هُمُ ٱلْغَٰلِبِينَ﴾ يعود على موسى وهارون وأن التثنية ردت إلى الجمع. ودل على ذلك قوله (جل ذكره). * * ﴿وَآتَيْنَاهُمَا ٱلْكِتَابَ ٱلْمُسْتَبِينَ * وَهَدَيْنَاهُمَا ٱلصِّرَاطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ * وَتَرَكْنَا عَلَيْهِمَا فِي ٱلآخِرِينَ * سَلاَمٌ عَلَىٰ مُوسَىٰ وَهَارُونَ﴾. وقال قوم: إنما جمع في موضع التثنية لأنهما عظيما الشأن جليلا القدر. والعرب تخبر عن الواحد من هذا النوع بلفظ الجمع، فالإخبار عن اثنين منهما بلفظ (الجمع) آكد وأحسن. * * ومعنى ﴿ٱلْمُسْتَبِينَ﴾: المتبين هداه وفضله وأحكامه، يعني التوراة، والصراط المستقيم: الإسلام. ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِمَا فِي ٱلآخِرِينَ﴾ أي: أبقينا عليهما الذكر الجميل والثناء الحسن، فكذلك نفعل بمن أحسن في طاعتي وأدى فرائضي. وفيه من الاختلاف ما تقدم في قصة نوح، وهو يقتضي قوله: ﴿وَٱجْعَل لِّي لِسَانَ صِدْقٍ فِي ٱلآخِرِينَ﴾ [الشعراء: ٨٤]. (ثم قال): ﴿إِنَّهُمَا مِنْ عِبَادِنَا ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: الذين أخلصناهم واخترناهم للطاعة وهديناهم للإيمان. ومن كسر اللام فمعناه: إنهما من عبادنا الذين أخلصوا العمل ولم يشركوا فيه غيري. قال (تعالى): ﴿وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ﴾. قال ابن إسحاق: (وهو إلياس) (بن) ياسين بن فنحاص بن العزار بن هارون بن عمران. وكان إلياس من سبط يوشع بن نون، بعثه الله تعالى إلى أهل بعلبك، (وكانوا يعبدون صنماً) يقال له بعل. وقيل هو إدريس. قاله قتادة. والمعنى: (إنه) لَمِنَ الذين أرسلهم الله إلى الخلق، فقال لقومه: ألا تتقون الله فتخافون عقابه على عبادتكم رباً غيره. (و) هو قوله: ﴿أَتَدْعُونَ بَعْلاً وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ ٱلْخَالِقِينَ﴾. والبعل: الرب لغة أهل اليمن مشهورة، قاله عكرمة ومجاهد وقتادة والسدي. وروي ذلك عن ابن عباس. وقال الضحاك: هو صنم لهم يسمى بعلاً. وقال ابن زيد: هو صنم كانوا يعبدونه ببعلبك مدينة وراء دمشق. وقيل: إن بعلاً تيس كانوا يعبدون. وقال ابن إسحاق: بلغني أن بعلاً امرأة كانوا يعبدونها من دون الله جل ذكره. قال وهب بن منبه: بعث الله إلياس إلى بني إسرائيل حين نسوا ما عهد الله إليهم، حتى (نصبوا) الأوثان وعبدوها من دون الله، فجعل إلياس يدعوهم إلى الله عز وجل، وجعلوا لا يسمعون منه شيئاً. وكان (له مَلِكٌ) من ملوك بني إسرائيل يطيعونه يقال له: جاب. وكان إلياس يقرب من الملك، وكان الملك يطيع إلياس (فيما) يقول له، ويراه الناس على هدى. وكانت ملوك بني إسرائيل قد افترقت في البلاد وأخذ كل واحد ناحية يأكلها، ويعبدون الأصنام، فقال الملك يوماً لإلياس: والله ما أرى ما تدعو إليه إلا باطلاً، والله ما أرى (فلاناً) وفلاناً - يذكر ملوكاً من ملوك بني إسرائيل - إلا قد عبدوا الأوثان من دون الله، وهم (على) نحو ما نحن عليه (من النعيم)، يأكلون ويشربون ويتنعمون مملكين، ما تنقص دنياهم عبادتهم الأوثان التي تزعم أنها باطل وما نرى لنا عليهم من فضل، فعظم الأمر على إلياس، واقشعر جلده وخرج عنه، ففعل ذلك الملك فعل أصحابه وعبد الأوثان، فقال إلياس: اللهم إن بني إسرائيل قد أبوا إلا الكفر بك والعبادة لغيرك فغير ما بهم من نعمة! أو كما قال: (قال) ابن إسحاق: فذكر لنا أنه أوحي إليه أنا قد جعلنا أمر أرزاقهم بيدك وإليك حتى تكون أنت الذي تأذن في ذلك. فقال إلياس: اللهم أمسك عنهم القطر، فحبس عنهم ثلاث سنين حتى هلكت الماشية والدواب والشجر، وجهد الناس جهداً شديداً، وكان إلياس حين دعا عليهم قد استخفى شفقاً على نفسه منهم. وكان حيث ما كان وضع له رزق، وكانوا إذا وجدوا ريح الخبز في دار أو بيت قالوا: قد دخل إلياس هذا المكان فطلبوه ولقي أهل ذلك المنزل شراً. ثم إنه أوى ليلة إلى امرأة من بني إسرائيل لها ابن يقال له: اليسع بن أخطوب به ضر، فآوته وأخفت أمره فدعا إلياس لابنها فعوفي من الضر الذي كان به واتبع اليسع إلياس. فآمن به وصدقه ولزمه، وكان يذهب معه حيث ما ذهب، وكان إلياس قد أسن وكبر، وكان اليسع غلاماً شاباً، فَذُكِر أن الله جل ذكره أوحى إلى إلياس: إنك قد أهلكت خلقاً كثيراً بخطايا بني إسرائيل من البهائم والدواب والطير والهوام والشجر. فذكر - والله أعلم - أن إلياس قال: أي رب، دعني أكن أنا الذي أدعوا لهم به، وأكن أنا الذي آتيهم بالفرج مما هم فيه من البلاء الذي أصابهم لعلهم يرجعون عن عبادة غيرك، فقيل له: نعم، فأتى إلياس إلى بني إسرائيل، فقال لهم: إنكم قد هلكتم جهداً وهلكت البهائم والدواب والطير والشجر بخطاياكم، وإنكم على باطل وغرور، أو كما قال لهم، فإن كنتم تحبون (علم) ذلك، وتعلمون أن الله عليكم ساخط فيما أنتم عليه، والذي أدعوكم إليه الحق، فاخرجوا بأصنامكم هذه التي تبعدونها وتزعمون أنها خير مما أدعوكم إليه، فإن استجابت لكم فذلك كما تقولون. فإن هي لم تفعل علمتم أنكم على باطل فنزعتم ودعوت الله يفرج عنكم ما أنتم فيه من البلاء، قالوا: أنْصَفت، فخرجوا بأوثانهم وما يتقربون به إلى الله من أحداثهم، فدعوها فلم تستجب لهم ولم تفرج عنهم ما كانوا فيه من البلاء، فعرفوا ما هم فيه من الضلال والباطل، فقالوا لإلياس: يا إلياس إنا قد هلكنا، فادع الله لنا، فدعا إلياس لهم بالفرج مما هم فيه، وأن يسقوا، فخرجت سحابة مثل الترس بإذن الله على ظهر البحر وهم ينظرون، ثم ترامى إليهما السحاب ثم أُدْحِيت، ثم أرسل الله المطر فأغاثهم، فحييث بلادهم وفرج عنهم ما كانوا فيه من البلاء. فلم يرجعوا ولا نزعوا، وأقاموا على ما كانوا عليه، فلما رأى ذلك إلياس من كفرهم، دعا ربه يقبضه إليه فيريحه منهم، فذكر أن الله عز وجل أوحى إليه: أخرج إلى بلد كذا وكذا فما جاءك من شيء فاركبه ولا تهبه، فخرج إلياس وخرج معه اليسع حتى إذا كانا بالبلد الذي ذكر له في المكان الذي أمر به أقبل فرس من نار حتى وقف بين يديه، فوثب عليه فانطلق به (فناداه) اليسع يا إلياس (يا إلياس) ما تأمرني به؟ فكان آخر عهدهم به، فكساه الله الريش، وألبسه النور، (وقطع) عنه لذة المطعم والمشرب، وكان في الملائكة إنيساً ملكياً أرضياً سماوياً. قال أبو محمد رضي الله عنه: وهذا الخبر إذا صح فإنما يصح على قول من قال: إنه إدريس ﷺ لقوله تعالى ذكره في إدريس ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَاناً عَلِيّاً﴾ [مريم: ٥٧]. * * وقوله: ﴿وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ ٱلْخَالِقِينَ﴾ أي: خالقكم الذي هو أحسن المقدرين للأشياء. ﴿ٱللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبَآئِكُمُ ٱلأَوَّلِينَ﴾ أي الماضين. [ثم قال: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ﴾ أي: محضرون في عذاب الله]. * * ثم قال: ﴿إِلاَّ عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلْمُخْلَصِينَ﴾ أي: الذين اختارهم (الله) فأنجاهم من العذاب بتوفيقه إياهم. * * ثم قال: ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي ٱلآخِرِينَ * سَلاَمٌ عَلَىٰ إِلْ يَاسِينَ﴾ أي: وأبقينا عليه الثناء الحسن بعده، فيقال: "سلام على آل ياسين"، أي: سلام على أهل دينه، فيسلم على أهله من أجله، فهو داخل في أفضل الثناء. ومن قرأ "اليَاسِينَ" غير مقطوع. فقال ابن أبي إسحاق: هو اسمه مثل ابراهيم. وذهب أبو عبيد إلى أنه جُمِعَ جَمْعَ السلامة على معنى أنه وأهل مذهبه يسلم عليهم. وقال علي بن سليمان: العرب تُسمي قوم الرجل باسم الرجل الجليل منهم، فيقولون: المهالبة لأصحاب المهلب، كأنهم سموا كل واحد بالمهلب فعلى هذا قيل الياسين، يريد قومه المؤمنين كأنه سمَّى كل واحد منهم بإلياس. وذكر سيبويه أن هذا المعنى إنما يجيء على معنى النسبة، حكى الأشعرون، يريد به النسب. واحتج أبو عمرو وأبو عبيد على تركه لقراءة آل ياسين، أنه ليس في السور سلام على آل فلان من الأنبياء، فكما سمي الأنبياء في هذا المعنى سمي هو. ولا حجة في هذا لأنه إذا أثني على قومه المؤمنين من أجله فهو داخل في ذلك وله منه أوفر الحظ، وهو أبلغ في المدح ممن أثني عليه باسمه، وأيضاً فإن الخط مثبت بالانفصال. وقال الفراء: هو مثل ﴿طُورِ سَيْنَآءَ﴾ [المؤمنون: ٢٠] و ﴿وَطُورِ سِينِينَ﴾ [التين: ٢]، والمعنى واحد. ومعنى ذلك: أن إلياس اسم أعجمي، [والعرب إذا استعملت الأسماء الأعجمية في كلامها غيرتها بضروب من] التعبير، فيقولون: إبراهيم وإبراهام وإبرهام، وميكائيل ومْيكائيل وميكاين وميكال، وإسماعيل وإسمعيل، وإسرائيل وإسرائين، وشبهه. فكذلك إلياس وإلياسين هو واحد. قال السدي: "سلام على الياسين" هو: إلياس. قال الفراء: إن أخذته من الأَلْيَسِ صرفته، فيكون وزنه على هذا إفعال مثل إخراج. وقرأ الحسن بوصل الألف (بجعله الألف) واللام اللتين للتعريف دخلتا على ياسين. * * ثم قال: ﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي ٱلْمُحْسِنِينَ﴾ أي: كما فعلنا بإلياس كذلك نفعل بأهل الطاعة والإحسان. * * ثم قال: ﴿إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: من الذين آمنوا وأطاعوا ولم يشركوا. ثم قال (تعالى): ﴿وَإِنَّ لُوطاً لَّمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ﴾ أي: لمن الذين أرسلهم الله بالإنذار والإعذار. ثم قال (تعالى): ﴿إِذْ نَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ﴾ أي: من العذاب الذي أحللنا بقومه على كفرهم. وفي الكلام حذف، والتقدير: وإن لوطاً لمن المرسلين إلى قومه بالإنذار فكذبوه فنجيناه وأهله. * * ثم قال: ﴿إِلاَّ عَجُوزاً فِي ٱلْغَابِرِينَ﴾ أي: في الباقين، يعني امرأة لوط. قال الضحاك: يعني امرأته تخلفت فمسخت حجراً. وقال السدي: "في الغابرين" في الهالكين. وقيل: في "الغابرين": في الذين بلغوا العمر الطويل، وقد تقدم هذا بأشبع شرحاً. * * ثم قال: ﴿ثُمَّ دَمَّرْنَا ٱلآخَرِينَ﴾ أي: أهلكناهم بالحجارة. * * ثم قال: ﴿وَإِنَّكُمْ لَّتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُّصْبِحِينَ﴾ هذا خطاب لقريش، أي: إنكم لتمرون في أسفاركم على آثارهم وديارهم وموضع هلاكهم في النهار وفي الليل، فلا تتعظون، لا تزدجرون وتخافون أن يصيبكم مثل ما أصابهم، ولا تعقلون ما يراد بكم، وأنه من سلك مثل ما سلكوا من الكفر والتكذيب أنه صائر إلى مثل ما صاروا إليه. "وبالليل" وقف كاف، و "تعقلون" التمام. ثم قال (تعالى): ﴿وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ﴾ أي: لمن الذين أُرْسِلَ إلى قومه بالإنذار والإعذار. ﴿إِلَى ٱلْفُلْكِ ٱلْمَشْحُونِ﴾ (أي): هرب. وقال المبرد: أصله تباعد. وقيل له : آبق لأنه خرج بغير أمر الله عز وجل مستتراً من الناس إلى الفلك وهي السفينة. والمشحون: المملوء الموقر. "فَسَاهَمَ" أي: فقارع. قال السدي: فاحتبست بهم السفينة فعلموا أنها إنما احتبست من حدث أحدثوه، فتساهموا فقُرع يونس فرمى بنفسه، فالتقمه الحوت. * * وقوله: ﴿فَكَانَ مِنَ ٱلْمُدْحَضِينَ﴾ أي: من المقروعين. قال طاوس، لما ركب السفينة ركدت فقالوا: إن فيها رجلاً مشؤوماً، فقارعوا فوقعت القرعة عليه ثلاث مرات فرموا به، فالتقمه الحوت، وأصل دحضت من الزلق في الماء والطين. يقال: أدحض الله حجته ودحضت، وحكي: دحض الله حجته، وهي قليلة وقوله: ﴿فَٱلْتَقَمَهُ ٱلْحُوتُ﴾ أي: ابتلعه. ﴿وَهُوَ مُلِيمٌ﴾ أي: وهو قد أتى ما يلام عليه (من) خروجه بغير أمر (من) الله. يقال: ألاَمَ الرجل إذَا أتى ما يلام عليه. والمَلُوم: الذي يلام باللسان (إن) استحق ذلك أو لم يستحقه. قال مجاهد: ﴿مُلِيمٌ﴾: مذنب.

الصافات 37:143

قوله (تعالى ذكره): ﴿فَلَوْلاَ أَنَّهُ كَانَ مِنَ ٱلْمُسَبِّحِينَ﴾ إلى قوله: ﴿أَلِرَبِّكَ ٱلْبَنَاتُ وَلَهُمُ ٱلْبَنُونَ﴾. أي: لولا أنه كان من المصلين قبل البلاء والعقوبة للبث في بطن الحوت إلى يوم القيامة. روي عن النبي ﷺ أنه قال: "إِنَّ يُونُسَ حِينَ بَدَا لَهُ أَنْ يَدْعُو الله وَهُوَ فِيْ بَطْنِ الحُوتِ، قَال: اللَّهُمَّ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنّي كُنْتُ مِنَ الظَّالمِينَ. فَأَقْبَلَتِ الدَّعْوَةُ نَحْوَ العَرْشِ، فَقَالَتِ المَلاَئِكَةُ: يَا رَبِّ هَذَا صَوْتٌ ضَعِيفٌ مَعْرُوفٌ مِنْ بِلاَدٍ غَرِيْبَةٍ، فَقَالَ: أَمَا تَعْرِفُونَ ذَلِكَ؟ فَقَالُوا: يَا رَبِّ، وَمَنْ هُوَ؟ قَالَ: ذَلِكَ عَبْدِي يُونُسَ، قَالُوا: أَعَبْدُكَ يُونُسَ الذِي لِمْ يَزَلْ يُرْفَعُ لَهُ عَمَلٌ مُتَقَبَّلٌ وَدَعْوَةٌ مُجَابَةٌ! أَفَلاَ يَرْحَمُ بِمَا كَانَ يَصْنَعُ فِي الرَّخَاءِ فَتُنْجِيَهُ مِنَ البَلاَءِ؟ قَالَ: بَلَى، فَأَمَرَ الحُوتَ فََطَرَحَهُ بِالعَرَاءِ قال ابن عباس وابن جبير والسدي: "من المسبحين": من المصلين. وكان الضحاك بن قيس يقول على منبره: اذكروه في الرخاء يذكركم في الشدة، إن يونس كان عبداً ذاكراً فلما أصابته الشدة دعا الله فذكره الله بما كان منه، ففرج عنه، وكان فرعون طاغياً باغياً فلما أدركه الغرق قال: آمنت، (الآن وكنت)، من المفسدين، فلم يسمع قوله. قال الحسن: فَوَالله ما كانت إلا صلاة أحدثها في بطن الحوت. قال ابن جبير: لما قال في بطن الحوت: ﴿لاَّ إِلَـٰهَ إِلاَّ أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ ٱلظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٧] قذفه الحوت. قال قتادة في قوله: ﴿لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾: أي: لصار له بطن الحوت قبر إلى يوم القيامة. قال السدي عن أبي مالك: لبث يونس في بطن الحوت أربعين يوماً. * * ثم قال: ﴿فَنَبَذْنَاهُ بِٱلْعَرَآءِ﴾ أي: ألقاه الحوت في المكان الخالي، هذا قول أهل اللغة. وقال ابن عباس: "بالعراء": بالساحل. وقال قتادة: بأرض ليس فيها شيء ولا نبات. وقال السدي: "بالعراء": بالأرض. * * وقوله: ﴿وَهُوَ سَقِيمٌ﴾. قال السدي: كهيئة الصبي. قال ابن عباس: لفظه الحوت بساحل البحر، فطرحه مثل الصبي المنفوس، لم ينقص من خلقه شيء. قال ابن عباس: كانت رسالة يونس بعد أن ألقاه الحوت. وقال ابن مسعود: أرسل قبل وبعد إلى قومه بأعيانهم الذين صرف عنهم العذاب، وهو قول مجاهد والحسن. وروي عن ابن مسعود وغيره: أن يونس وعد قومه العذاب وأخبرهم أنه يأتيهم إلى ثلاثة أيام ففرقوا بين كل والدة وولدها، وخرجوا فجاروا إلى الله واستغفروه فكف عنهم العذاب. ولم يكف عنهم العذاب بعد معاينته، إنما رأوا مخايله وعلامات له ذكرهما لهم يونس ﷺ، فآمنوا وتابوا وتضرعوا (إلى الله) قبل معاينة العذاب، ولو عاينوه لم ينفعهم الإيمان لأن من عاين العذاب نازلاً به سقط عنه حد التكليف، ولم يقبل منه الإيمان كفرعون لما آمن عند معاينة الغرق. وكقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ ءَايَاتِ رَبِّكَ لاَ يَنفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا﴾ [الأنعام: ١٥٨]. فمن عاين العذاب لم يقبل منه توبة ولا إيمان، كذلك من عاين الموت وغرغر لم تقبل منه توبة. إنما قبلت توبة قوم يونس، وإيمانهم قبل معاينتهم لنزول العذاب لما فقدوا يونس، وقد أوعدهم العذاب وعلموا صدقه ورأوا مخايل العذاب وأماراته، أيقنوا بنزول العذاب، فقبل الله توبتهم. ولو فعلوا ذلك فور معاينة العذاب لم ينفعهم ذلك كما لم ينفع ذلك فرعون وأشباهه لأن معاينة العذاب تسقط التكليف، وإذا سقط التكليف لم يقبل ما يتكلفه العبد من العمل. فاعرف هذا الأصل. ويروى أن قوم يونس لما عاينوا العذاب قام رجل منهم فقال: اللهم إن ذنوبنا عظمت وجلت وأنت أعظم منها وأجل، فافعل فينا ما أنت أهله [ولا تفعل فينا ما نحن أهله]. فكشف الله عنهم العذاب فخرج يونس ينتظر العذاب فلم يَرَ شيئاً، وكان حكمهم أنه من كذب ولم تكن له بينة قتل، فخرج يونس مغاضباً على قومه، فأتى قوماً في سفينة فحملوه، فلما دخل السفينة ركدت، والسفن تسير يميناً وشمالاً، فقالوا ما لسفينتكم؟ قالوا: لا ندري: فقال يونس ﷺ: إن فيها عبداً آبقاً من ربه وإنها لن تسير حتى تلقوه. قالوا: أما أنت يا نبي الله فإنا لا نلقيك، قال: فاقترعوا فمن قرع فليقع، فاقترعوا فقرع يونس ثلاث مرات فوقع، فوكل الله جل ذكره حوتاً فابتلعه فهو يهوي به إلى قرار الأرض. فسمع يونس تسبيح الحصى، ﴿فَنَادَىٰ فِي ٱلظُّلُمَاتِ أَن لاَّ إِلَـٰهَ إِلاَّ أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ ٱلظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٧]. يعني ظلمة الليل وظلمة البحر وظلمة بطن الحوت. قال: ﴿فَنَبَذْنَاهُ بِٱلْعَرَآءِ وَهُوَ سَقِيمٌ﴾. قال كهيئة الفرخ الممعوط الذي ليس عليه ريش. فروي أنه طرح على شاطئ البحر وهو ضعيف كالطفل المولود، فلما طلعت عليه الشمس نادى من حرها، فأنبت الله عليه شجرة من يقطين وهو القرع، وهو جمع يقطينة، وقيل: هو كل شجرة لا تقوم على ساق كالقرع والبطيخ ونحوهما. وقال المبرد: كل شجرة لا تقوم على ساق فهي يقطينة، فإن قامت على ساق فهي شجرة. واشتقاق يقطين: من قطن بالمكان إذا أقام به. وعلى أنها القرع: ابن عباس وقتادة والضحاك وابن جبير وابن زيد. وقيل: هي شجرة أظلته سماها الله يقطيناً، وليست بالقرع. وقيل: هو البطيخ، روي ذلك عن ابن عباس أيضاً. قال ابن جبير: أرسل الله على الشجرة دابة فقرضت عروقها فتساقطت ورقها (فلحقته الشمس فشكاها، فقيل له جزعت من حر الشمس). ولم تجزع لمائة ألف أو يزيدون تابوا فتاب الله عليهم. روي أنهم لما رأوا علامات إتيان العذاب خرجوا وتابوا، وأفردوا الأطفال والبهائم، وضجوا إلى الله مستغيثين تائبين فصرف عنهم العذاب وتاب عليهم. قال ابن مسعود في حديثه: فكان يستظل بها ويصيب منها فيبست فبكى عليها. فأوحى الله (إليه) أتبكي على شجرة يبست ولا تبكي على مائة ألف أو يزيدون أردت أن تهلكهم، قال: وخرج يونس فإذا هو بغلام يرعى، فقال يا غلام: من أنت؟ فقال: من قوم يونس عليه السلام، قال: فإذا جئتهم فأخبرهم أنك قد لقيت يونس، فقال له الغلام: إِنْ كُنْتَ يونس فقد علمت أنه من كذب قُتِل إذا لم تكن له بينة، فمن يشهد لي؟ قال: هذه الشجرة وهذه البقعة، قال: فَمُرْهُمَا، قال لهما يونس: إذا جاءكما هذا الغلام فاشهدا له، قالتا: نعم، فرجع الغلام إلى قومه وكان في منعة، وكان له إخوة فأتى المَلِكَ فقال: إني (قد) لقيت يونس وهو يقرأ عليك السلام. قال: فأمر به أن يقتل، فقالوا: إن له بينة، فأرسلوا معه فأتى الشجرة والبقعة فقال لهما: نشدتكما الله أشهدكما يونس؟ قالتا: نعم، فرجع القوم مذعورين، يقولون: شهدت له الشجرة والأرض، فأتوا الملك فأخبروه بما رأوا. قال عبد الله: فتناول الملك يد الغلام وأجلسه مجلسه وقال: أنت أحق بهذا المكان مني. قال عبد الله: فأقام ذلك الغلام أمرهم أربعين سنة. ثم قال (تعالى): ﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَىٰ مِئَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾. قال أبو عبيدة: أو هنا بمعنى بل. ومثله عنده: ﴿سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ﴾ [الذاريات: ٥٢] أي: بل مجنون، فليست أو للشك في هذا، إنما هي (بمعنى) بل وهو قول الفراء. وروي عن ابن عباس ذلك. وقال القتبي: أو بمعنى الواو. وقال المبرد: أو على بابها. والمعنى: وأرسلناه إلى جماعة لو رأيتموهم لقلتم هم مائة ألف أو يزيدون على ذلك. فخوطب العباد بما يعرفون. وقيل: أو على بابها لكنه بمنزلة قولك: جاءني زيد أو عمرو، (و) أنت تعرف من جاءك منهما إلا أنك أبهمت على المخاطب. وقيل: "أو" للإباحة. قال ابن عباس: كانوا مائة ألف وثلاثين ألفاً. وقال ابن جبير: يزيدون سبعين ألفاً. وروي عن النبي ﷺ أنه قال: "يزيدون عشرين ألفاً قال ابن جبير: كان العذاب قد أرسله الله إليهم، فلما فرقوا بين النساء وأولادهن والبهائم وأولادها، وعجوا إلى الله جل وعز، كشف عنهم العذاب ومطرت السماء عليهم (ماء). * * وقوله: ﴿فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَىٰ حِينٍ﴾ أي: أخرنا عنهم العذاب ومتعناهم بالحياة إلى بلوغ آجالهم. * * ثم قال: ﴿فَٱسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ ٱلْبَنَاتُ وَلَهُمُ ٱلْبَنُونَ﴾ أي: سل يا محمد مشركي قريش مسألة تقرير وتوبيخ عن ذلك، لأنهم جعلوا الملائكة بنات الله. قال السدي: كانوا يعبدون الملائكة.

الصافات 37:144

قوله (تعالى ذكره): ﴿فَلَوْلاَ أَنَّهُ كَانَ مِنَ ٱلْمُسَبِّحِينَ﴾ إلى قوله: ﴿أَلِرَبِّكَ ٱلْبَنَاتُ وَلَهُمُ ٱلْبَنُونَ﴾. أي: لولا أنه كان من المصلين قبل البلاء والعقوبة للبث في بطن الحوت إلى يوم القيامة. روي عن النبي ﷺ أنه قال: "إِنَّ يُونُسَ حِينَ بَدَا لَهُ أَنْ يَدْعُو الله وَهُوَ فِيْ بَطْنِ الحُوتِ، قَال: اللَّهُمَّ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنّي كُنْتُ مِنَ الظَّالمِينَ. فَأَقْبَلَتِ الدَّعْوَةُ نَحْوَ العَرْشِ، فَقَالَتِ المَلاَئِكَةُ: يَا رَبِّ هَذَا صَوْتٌ ضَعِيفٌ مَعْرُوفٌ مِنْ بِلاَدٍ غَرِيْبَةٍ، فَقَالَ: أَمَا تَعْرِفُونَ ذَلِكَ؟ فَقَالُوا: يَا رَبِّ، وَمَنْ هُوَ؟ قَالَ: ذَلِكَ عَبْدِي يُونُسَ، قَالُوا: أَعَبْدُكَ يُونُسَ الذِي لِمْ يَزَلْ يُرْفَعُ لَهُ عَمَلٌ مُتَقَبَّلٌ وَدَعْوَةٌ مُجَابَةٌ! أَفَلاَ يَرْحَمُ بِمَا كَانَ يَصْنَعُ فِي الرَّخَاءِ فَتُنْجِيَهُ مِنَ البَلاَءِ؟ قَالَ: بَلَى، فَأَمَرَ الحُوتَ فََطَرَحَهُ بِالعَرَاءِ قال ابن عباس وابن جبير والسدي: "من المسبحين": من المصلين. وكان الضحاك بن قيس يقول على منبره: اذكروه في الرخاء يذكركم في الشدة، إن يونس كان عبداً ذاكراً فلما أصابته الشدة دعا الله فذكره الله بما كان منه، ففرج عنه، وكان فرعون طاغياً باغياً فلما أدركه الغرق قال: آمنت، (الآن وكنت)، من المفسدين، فلم يسمع قوله. قال الحسن: فَوَالله ما كانت إلا صلاة أحدثها في بطن الحوت. قال ابن جبير: لما قال في بطن الحوت: ﴿لاَّ إِلَـٰهَ إِلاَّ أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ ٱلظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٧] قذفه الحوت. قال قتادة في قوله: ﴿لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾: أي: لصار له بطن الحوت قبر إلى يوم القيامة. قال السدي عن أبي مالك: لبث يونس في بطن الحوت أربعين يوماً. * * ثم قال: ﴿فَنَبَذْنَاهُ بِٱلْعَرَآءِ﴾ أي: ألقاه الحوت في المكان الخالي، هذا قول أهل اللغة. وقال ابن عباس: "بالعراء": بالساحل. وقال قتادة: بأرض ليس فيها شيء ولا نبات. وقال السدي: "بالعراء": بالأرض. * * وقوله: ﴿وَهُوَ سَقِيمٌ﴾. قال السدي: كهيئة الصبي. قال ابن عباس: لفظه الحوت بساحل البحر، فطرحه مثل الصبي المنفوس، لم ينقص من خلقه شيء. قال ابن عباس: كانت رسالة يونس بعد أن ألقاه الحوت. وقال ابن مسعود: أرسل قبل وبعد إلى قومه بأعيانهم الذين صرف عنهم العذاب، وهو قول مجاهد والحسن. وروي عن ابن مسعود وغيره: أن يونس وعد قومه العذاب وأخبرهم أنه يأتيهم إلى ثلاثة أيام ففرقوا بين كل والدة وولدها، وخرجوا فجاروا إلى الله واستغفروه فكف عنهم العذاب. ولم يكف عنهم العذاب بعد معاينته، إنما رأوا مخايله وعلامات له ذكرهما لهم يونس ﷺ، فآمنوا وتابوا وتضرعوا (إلى الله) قبل معاينة العذاب، ولو عاينوه لم ينفعهم الإيمان لأن من عاين العذاب نازلاً به سقط عنه حد التكليف، ولم يقبل منه الإيمان كفرعون لما آمن عند معاينة الغرق. وكقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ ءَايَاتِ رَبِّكَ لاَ يَنفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا﴾ [الأنعام: ١٥٨]. فمن عاين العذاب لم يقبل منه توبة ولا إيمان، كذلك من عاين الموت وغرغر لم تقبل منه توبة. إنما قبلت توبة قوم يونس، وإيمانهم قبل معاينتهم لنزول العذاب لما فقدوا يونس، وقد أوعدهم العذاب وعلموا صدقه ورأوا مخايل العذاب وأماراته، أيقنوا بنزول العذاب، فقبل الله توبتهم. ولو فعلوا ذلك فور معاينة العذاب لم ينفعهم ذلك كما لم ينفع ذلك فرعون وأشباهه لأن معاينة العذاب تسقط التكليف، وإذا سقط التكليف لم يقبل ما يتكلفه العبد من العمل. فاعرف هذا الأصل. ويروى أن قوم يونس لما عاينوا العذاب قام رجل منهم فقال: اللهم إن ذنوبنا عظمت وجلت وأنت أعظم منها وأجل، فافعل فينا ما أنت أهله [ولا تفعل فينا ما نحن أهله]. فكشف الله عنهم العذاب فخرج يونس ينتظر العذاب فلم يَرَ شيئاً، وكان حكمهم أنه من كذب ولم تكن له بينة قتل، فخرج يونس مغاضباً على قومه، فأتى قوماً في سفينة فحملوه، فلما دخل السفينة ركدت، والسفن تسير يميناً وشمالاً، فقالوا ما لسفينتكم؟ قالوا: لا ندري: فقال يونس ﷺ: إن فيها عبداً آبقاً من ربه وإنها لن تسير حتى تلقوه. قالوا: أما أنت يا نبي الله فإنا لا نلقيك، قال: فاقترعوا فمن قرع فليقع، فاقترعوا فقرع يونس ثلاث مرات فوقع، فوكل الله جل ذكره حوتاً فابتلعه فهو يهوي به إلى قرار الأرض. فسمع يونس تسبيح الحصى، ﴿فَنَادَىٰ فِي ٱلظُّلُمَاتِ أَن لاَّ إِلَـٰهَ إِلاَّ أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ ٱلظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٧]. يعني ظلمة الليل وظلمة البحر وظلمة بطن الحوت. قال: ﴿فَنَبَذْنَاهُ بِٱلْعَرَآءِ وَهُوَ سَقِيمٌ﴾. قال كهيئة الفرخ الممعوط الذي ليس عليه ريش. فروي أنه طرح على شاطئ البحر وهو ضعيف كالطفل المولود، فلما طلعت عليه الشمس نادى من حرها، فأنبت الله عليه شجرة من يقطين وهو القرع، وهو جمع يقطينة، وقيل: هو كل شجرة لا تقوم على ساق كالقرع والبطيخ ونحوهما. وقال المبرد: كل شجرة لا تقوم على ساق فهي يقطينة، فإن قامت على ساق فهي شجرة. واشتقاق يقطين: من قطن بالمكان إذا أقام به. وعلى أنها القرع: ابن عباس وقتادة والضحاك وابن جبير وابن زيد. وقيل: هي شجرة أظلته سماها الله يقطيناً، وليست بالقرع. وقيل: هو البطيخ، روي ذلك عن ابن عباس أيضاً. قال ابن جبير: أرسل الله على الشجرة دابة فقرضت عروقها فتساقطت ورقها (فلحقته الشمس فشكاها، فقيل له جزعت من حر الشمس). ولم تجزع لمائة ألف أو يزيدون تابوا فتاب الله عليهم. روي أنهم لما رأوا علامات إتيان العذاب خرجوا وتابوا، وأفردوا الأطفال والبهائم، وضجوا إلى الله مستغيثين تائبين فصرف عنهم العذاب وتاب عليهم. قال ابن مسعود في حديثه: فكان يستظل بها ويصيب منها فيبست فبكى عليها. فأوحى الله (إليه) أتبكي على شجرة يبست ولا تبكي على مائة ألف أو يزيدون أردت أن تهلكهم، قال: وخرج يونس فإذا هو بغلام يرعى، فقال يا غلام: من أنت؟ فقال: من قوم يونس عليه السلام، قال: فإذا جئتهم فأخبرهم أنك قد لقيت يونس، فقال له الغلام: إِنْ كُنْتَ يونس فقد علمت أنه من كذب قُتِل إذا لم تكن له بينة، فمن يشهد لي؟ قال: هذه الشجرة وهذه البقعة، قال: فَمُرْهُمَا، قال لهما يونس: إذا جاءكما هذا الغلام فاشهدا له، قالتا: نعم، فرجع الغلام إلى قومه وكان في منعة، وكان له إخوة فأتى المَلِكَ فقال: إني (قد) لقيت يونس وهو يقرأ عليك السلام. قال: فأمر به أن يقتل، فقالوا: إن له بينة، فأرسلوا معه فأتى الشجرة والبقعة فقال لهما: نشدتكما الله أشهدكما يونس؟ قالتا: نعم، فرجع القوم مذعورين، يقولون: شهدت له الشجرة والأرض، فأتوا الملك فأخبروه بما رأوا. قال عبد الله: فتناول الملك يد الغلام وأجلسه مجلسه وقال: أنت أحق بهذا المكان مني. قال عبد الله: فأقام ذلك الغلام أمرهم أربعين سنة. ثم قال (تعالى): ﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَىٰ مِئَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾. قال أبو عبيدة: أو هنا بمعنى بل. ومثله عنده: ﴿سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ﴾ [الذاريات: ٥٢] أي: بل مجنون، فليست أو للشك في هذا، إنما هي (بمعنى) بل وهو قول الفراء. وروي عن ابن عباس ذلك. وقال القتبي: أو بمعنى الواو. وقال المبرد: أو على بابها. والمعنى: وأرسلناه إلى جماعة لو رأيتموهم لقلتم هم مائة ألف أو يزيدون على ذلك. فخوطب العباد بما يعرفون. وقيل: أو على بابها لكنه بمنزلة قولك: جاءني زيد أو عمرو، (و) أنت تعرف من جاءك منهما إلا أنك أبهمت على المخاطب. وقيل: "أو" للإباحة. قال ابن عباس: كانوا مائة ألف وثلاثين ألفاً. وقال ابن جبير: يزيدون سبعين ألفاً. وروي عن النبي ﷺ أنه قال: "يزيدون عشرين ألفاً قال ابن جبير: كان العذاب قد أرسله الله إليهم، فلما فرقوا بين النساء وأولادهن والبهائم وأولادها، وعجوا إلى الله جل وعز، كشف عنهم العذاب ومطرت السماء عليهم (ماء). * * وقوله: ﴿فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَىٰ حِينٍ﴾ أي: أخرنا عنهم العذاب ومتعناهم بالحياة إلى بلوغ آجالهم. * * ثم قال: ﴿فَٱسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ ٱلْبَنَاتُ وَلَهُمُ ٱلْبَنُونَ﴾ أي: سل يا محمد مشركي قريش مسألة تقرير وتوبيخ عن ذلك، لأنهم جعلوا الملائكة بنات الله. قال السدي: كانوا يعبدون الملائكة.

الصافات 37:145

قوله (تعالى ذكره): ﴿فَلَوْلاَ أَنَّهُ كَانَ مِنَ ٱلْمُسَبِّحِينَ﴾ إلى قوله: ﴿أَلِرَبِّكَ ٱلْبَنَاتُ وَلَهُمُ ٱلْبَنُونَ﴾. أي: لولا أنه كان من المصلين قبل البلاء والعقوبة للبث في بطن الحوت إلى يوم القيامة. روي عن النبي ﷺ أنه قال: "إِنَّ يُونُسَ حِينَ بَدَا لَهُ أَنْ يَدْعُو الله وَهُوَ فِيْ بَطْنِ الحُوتِ، قَال: اللَّهُمَّ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنّي كُنْتُ مِنَ الظَّالمِينَ. فَأَقْبَلَتِ الدَّعْوَةُ نَحْوَ العَرْشِ، فَقَالَتِ المَلاَئِكَةُ: يَا رَبِّ هَذَا صَوْتٌ ضَعِيفٌ مَعْرُوفٌ مِنْ بِلاَدٍ غَرِيْبَةٍ، فَقَالَ: أَمَا تَعْرِفُونَ ذَلِكَ؟ فَقَالُوا: يَا رَبِّ، وَمَنْ هُوَ؟ قَالَ: ذَلِكَ عَبْدِي يُونُسَ، قَالُوا: أَعَبْدُكَ يُونُسَ الذِي لِمْ يَزَلْ يُرْفَعُ لَهُ عَمَلٌ مُتَقَبَّلٌ وَدَعْوَةٌ مُجَابَةٌ! أَفَلاَ يَرْحَمُ بِمَا كَانَ يَصْنَعُ فِي الرَّخَاءِ فَتُنْجِيَهُ مِنَ البَلاَءِ؟ قَالَ: بَلَى، فَأَمَرَ الحُوتَ فََطَرَحَهُ بِالعَرَاءِ قال ابن عباس وابن جبير والسدي: "من المسبحين": من المصلين. وكان الضحاك بن قيس يقول على منبره: اذكروه في الرخاء يذكركم في الشدة، إن يونس كان عبداً ذاكراً فلما أصابته الشدة دعا الله فذكره الله بما كان منه، ففرج عنه، وكان فرعون طاغياً باغياً فلما أدركه الغرق قال: آمنت، (الآن وكنت)، من المفسدين، فلم يسمع قوله. قال الحسن: فَوَالله ما كانت إلا صلاة أحدثها في بطن الحوت. قال ابن جبير: لما قال في بطن الحوت: ﴿لاَّ إِلَـٰهَ إِلاَّ أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ ٱلظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٧] قذفه الحوت. قال قتادة في قوله: ﴿لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾: أي: لصار له بطن الحوت قبر إلى يوم القيامة. قال السدي عن أبي مالك: لبث يونس في بطن الحوت أربعين يوماً. * * ثم قال: ﴿فَنَبَذْنَاهُ بِٱلْعَرَآءِ﴾ أي: ألقاه الحوت في المكان الخالي، هذا قول أهل اللغة. وقال ابن عباس: "بالعراء": بالساحل. وقال قتادة: بأرض ليس فيها شيء ولا نبات. وقال السدي: "بالعراء": بالأرض. * * وقوله: ﴿وَهُوَ سَقِيمٌ﴾. قال السدي: كهيئة الصبي. قال ابن عباس: لفظه الحوت بساحل البحر، فطرحه مثل الصبي المنفوس، لم ينقص من خلقه شيء. قال ابن عباس: كانت رسالة يونس بعد أن ألقاه الحوت. وقال ابن مسعود: أرسل قبل وبعد إلى قومه بأعيانهم الذين صرف عنهم العذاب، وهو قول مجاهد والحسن. وروي عن ابن مسعود وغيره: أن يونس وعد قومه العذاب وأخبرهم أنه يأتيهم إلى ثلاثة أيام ففرقوا بين كل والدة وولدها، وخرجوا فجاروا إلى الله واستغفروه فكف عنهم العذاب. ولم يكف عنهم العذاب بعد معاينته، إنما رأوا مخايله وعلامات له ذكرهما لهم يونس ﷺ، فآمنوا وتابوا وتضرعوا (إلى الله) قبل معاينة العذاب، ولو عاينوه لم ينفعهم الإيمان لأن من عاين العذاب نازلاً به سقط عنه حد التكليف، ولم يقبل منه الإيمان كفرعون لما آمن عند معاينة الغرق. وكقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ ءَايَاتِ رَبِّكَ لاَ يَنفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا﴾ [الأنعام: ١٥٨]. فمن عاين العذاب لم يقبل منه توبة ولا إيمان، كذلك من عاين الموت وغرغر لم تقبل منه توبة. إنما قبلت توبة قوم يونس، وإيمانهم قبل معاينتهم لنزول العذاب لما فقدوا يونس، وقد أوعدهم العذاب وعلموا صدقه ورأوا مخايل العذاب وأماراته، أيقنوا بنزول العذاب، فقبل الله توبتهم. ولو فعلوا ذلك فور معاينة العذاب لم ينفعهم ذلك كما لم ينفع ذلك فرعون وأشباهه لأن معاينة العذاب تسقط التكليف، وإذا سقط التكليف لم يقبل ما يتكلفه العبد من العمل. فاعرف هذا الأصل. ويروى أن قوم يونس لما عاينوا العذاب قام رجل منهم فقال: اللهم إن ذنوبنا عظمت وجلت وأنت أعظم منها وأجل، فافعل فينا ما أنت أهله [ولا تفعل فينا ما نحن أهله]. فكشف الله عنهم العذاب فخرج يونس ينتظر العذاب فلم يَرَ شيئاً، وكان حكمهم أنه من كذب ولم تكن له بينة قتل، فخرج يونس مغاضباً على قومه، فأتى قوماً في سفينة فحملوه، فلما دخل السفينة ركدت، والسفن تسير يميناً وشمالاً، فقالوا ما لسفينتكم؟ قالوا: لا ندري: فقال يونس ﷺ: إن فيها عبداً آبقاً من ربه وإنها لن تسير حتى تلقوه. قالوا: أما أنت يا نبي الله فإنا لا نلقيك، قال: فاقترعوا فمن قرع فليقع، فاقترعوا فقرع يونس ثلاث مرات فوقع، فوكل الله جل ذكره حوتاً فابتلعه فهو يهوي به إلى قرار الأرض. فسمع يونس تسبيح الحصى، ﴿فَنَادَىٰ فِي ٱلظُّلُمَاتِ أَن لاَّ إِلَـٰهَ إِلاَّ أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ ٱلظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٧]. يعني ظلمة الليل وظلمة البحر وظلمة بطن الحوت. قال: ﴿فَنَبَذْنَاهُ بِٱلْعَرَآءِ وَهُوَ سَقِيمٌ﴾. قال كهيئة الفرخ الممعوط الذي ليس عليه ريش. فروي أنه طرح على شاطئ البحر وهو ضعيف كالطفل المولود، فلما طلعت عليه الشمس نادى من حرها، فأنبت الله عليه شجرة من يقطين وهو القرع، وهو جمع يقطينة، وقيل: هو كل شجرة لا تقوم على ساق كالقرع والبطيخ ونحوهما. وقال المبرد: كل شجرة لا تقوم على ساق فهي يقطينة، فإن قامت على ساق فهي شجرة. واشتقاق يقطين: من قطن بالمكان إذا أقام به. وعلى أنها القرع: ابن عباس وقتادة والضحاك وابن جبير وابن زيد. وقيل: هي شجرة أظلته سماها الله يقطيناً، وليست بالقرع. وقيل: هو البطيخ، روي ذلك عن ابن عباس أيضاً. قال ابن جبير: أرسل الله على الشجرة دابة فقرضت عروقها فتساقطت ورقها (فلحقته الشمس فشكاها، فقيل له جزعت من حر الشمس). ولم تجزع لمائة ألف أو يزيدون تابوا فتاب الله عليهم. روي أنهم لما رأوا علامات إتيان العذاب خرجوا وتابوا، وأفردوا الأطفال والبهائم، وضجوا إلى الله مستغيثين تائبين فصرف عنهم العذاب وتاب عليهم. قال ابن مسعود في حديثه: فكان يستظل بها ويصيب منها فيبست فبكى عليها. فأوحى الله (إليه) أتبكي على شجرة يبست ولا تبكي على مائة ألف أو يزيدون أردت أن تهلكهم، قال: وخرج يونس فإذا هو بغلام يرعى، فقال يا غلام: من أنت؟ فقال: من قوم يونس عليه السلام، قال: فإذا جئتهم فأخبرهم أنك قد لقيت يونس، فقال له الغلام: إِنْ كُنْتَ يونس فقد علمت أنه من كذب قُتِل إذا لم تكن له بينة، فمن يشهد لي؟ قال: هذه الشجرة وهذه البقعة، قال: فَمُرْهُمَا، قال لهما يونس: إذا جاءكما هذا الغلام فاشهدا له، قالتا: نعم، فرجع الغلام إلى قومه وكان في منعة، وكان له إخوة فأتى المَلِكَ فقال: إني (قد) لقيت يونس وهو يقرأ عليك السلام. قال: فأمر به أن يقتل، فقالوا: إن له بينة، فأرسلوا معه فأتى الشجرة والبقعة فقال لهما: نشدتكما الله أشهدكما يونس؟ قالتا: نعم، فرجع القوم مذعورين، يقولون: شهدت له الشجرة والأرض، فأتوا الملك فأخبروه بما رأوا. قال عبد الله: فتناول الملك يد الغلام وأجلسه مجلسه وقال: أنت أحق بهذا المكان مني. قال عبد الله: فأقام ذلك الغلام أمرهم أربعين سنة. ثم قال (تعالى): ﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَىٰ مِئَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾. قال أبو عبيدة: أو هنا بمعنى بل. ومثله عنده: ﴿سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ﴾ [الذاريات: ٥٢] أي: بل مجنون، فليست أو للشك في هذا، إنما هي (بمعنى) بل وهو قول الفراء. وروي عن ابن عباس ذلك. وقال القتبي: أو بمعنى الواو. وقال المبرد: أو على بابها. والمعنى: وأرسلناه إلى جماعة لو رأيتموهم لقلتم هم مائة ألف أو يزيدون على ذلك. فخوطب العباد بما يعرفون. وقيل: أو على بابها لكنه بمنزلة قولك: جاءني زيد أو عمرو، (و) أنت تعرف من جاءك منهما إلا أنك أبهمت على المخاطب. وقيل: "أو" للإباحة. قال ابن عباس: كانوا مائة ألف وثلاثين ألفاً. وقال ابن جبير: يزيدون سبعين ألفاً. وروي عن النبي ﷺ أنه قال: "يزيدون عشرين ألفاً قال ابن جبير: كان العذاب قد أرسله الله إليهم، فلما فرقوا بين النساء وأولادهن والبهائم وأولادها، وعجوا إلى الله جل وعز، كشف عنهم العذاب ومطرت السماء عليهم (ماء). * * وقوله: ﴿فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَىٰ حِينٍ﴾ أي: أخرنا عنهم العذاب ومتعناهم بالحياة إلى بلوغ آجالهم. * * ثم قال: ﴿فَٱسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ ٱلْبَنَاتُ وَلَهُمُ ٱلْبَنُونَ﴾ أي: سل يا محمد مشركي قريش مسألة تقرير وتوبيخ عن ذلك، لأنهم جعلوا الملائكة بنات الله. قال السدي: كانوا يعبدون الملائكة.

الصافات 37:146

قوله (تعالى ذكره): ﴿فَلَوْلاَ أَنَّهُ كَانَ مِنَ ٱلْمُسَبِّحِينَ﴾ إلى قوله: ﴿أَلِرَبِّكَ ٱلْبَنَاتُ وَلَهُمُ ٱلْبَنُونَ﴾. أي: لولا أنه كان من المصلين قبل البلاء والعقوبة للبث في بطن الحوت إلى يوم القيامة. روي عن النبي ﷺ أنه قال: "إِنَّ يُونُسَ حِينَ بَدَا لَهُ أَنْ يَدْعُو الله وَهُوَ فِيْ بَطْنِ الحُوتِ، قَال: اللَّهُمَّ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنّي كُنْتُ مِنَ الظَّالمِينَ. فَأَقْبَلَتِ الدَّعْوَةُ نَحْوَ العَرْشِ، فَقَالَتِ المَلاَئِكَةُ: يَا رَبِّ هَذَا صَوْتٌ ضَعِيفٌ مَعْرُوفٌ مِنْ بِلاَدٍ غَرِيْبَةٍ، فَقَالَ: أَمَا تَعْرِفُونَ ذَلِكَ؟ فَقَالُوا: يَا رَبِّ، وَمَنْ هُوَ؟ قَالَ: ذَلِكَ عَبْدِي يُونُسَ، قَالُوا: أَعَبْدُكَ يُونُسَ الذِي لِمْ يَزَلْ يُرْفَعُ لَهُ عَمَلٌ مُتَقَبَّلٌ وَدَعْوَةٌ مُجَابَةٌ! أَفَلاَ يَرْحَمُ بِمَا كَانَ يَصْنَعُ فِي الرَّخَاءِ فَتُنْجِيَهُ مِنَ البَلاَءِ؟ قَالَ: بَلَى، فَأَمَرَ الحُوتَ فََطَرَحَهُ بِالعَرَاءِ قال ابن عباس وابن جبير والسدي: "من المسبحين": من المصلين. وكان الضحاك بن قيس يقول على منبره: اذكروه في الرخاء يذكركم في الشدة، إن يونس كان عبداً ذاكراً فلما أصابته الشدة دعا الله فذكره الله بما كان منه، ففرج عنه، وكان فرعون طاغياً باغياً فلما أدركه الغرق قال: آمنت، (الآن وكنت)، من المفسدين، فلم يسمع قوله. قال الحسن: فَوَالله ما كانت إلا صلاة أحدثها في بطن الحوت. قال ابن جبير: لما قال في بطن الحوت: ﴿لاَّ إِلَـٰهَ إِلاَّ أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ ٱلظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٧] قذفه الحوت. قال قتادة في قوله: ﴿لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾: أي: لصار له بطن الحوت قبر إلى يوم القيامة. قال السدي عن أبي مالك: لبث يونس في بطن الحوت أربعين يوماً. * * ثم قال: ﴿فَنَبَذْنَاهُ بِٱلْعَرَآءِ﴾ أي: ألقاه الحوت في المكان الخالي، هذا قول أهل اللغة. وقال ابن عباس: "بالعراء": بالساحل. وقال قتادة: بأرض ليس فيها شيء ولا نبات. وقال السدي: "بالعراء": بالأرض. * * وقوله: ﴿وَهُوَ سَقِيمٌ﴾. قال السدي: كهيئة الصبي. قال ابن عباس: لفظه الحوت بساحل البحر، فطرحه مثل الصبي المنفوس، لم ينقص من خلقه شيء. قال ابن عباس: كانت رسالة يونس بعد أن ألقاه الحوت. وقال ابن مسعود: أرسل قبل وبعد إلى قومه بأعيانهم الذين صرف عنهم العذاب، وهو قول مجاهد والحسن. وروي عن ابن مسعود وغيره: أن يونس وعد قومه العذاب وأخبرهم أنه يأتيهم إلى ثلاثة أيام ففرقوا بين كل والدة وولدها، وخرجوا فجاروا إلى الله واستغفروه فكف عنهم العذاب. ولم يكف عنهم العذاب بعد معاينته، إنما رأوا مخايله وعلامات له ذكرهما لهم يونس ﷺ، فآمنوا وتابوا وتضرعوا (إلى الله) قبل معاينة العذاب، ولو عاينوه لم ينفعهم الإيمان لأن من عاين العذاب نازلاً به سقط عنه حد التكليف، ولم يقبل منه الإيمان كفرعون لما آمن عند معاينة الغرق. وكقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ ءَايَاتِ رَبِّكَ لاَ يَنفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا﴾ [الأنعام: ١٥٨]. فمن عاين العذاب لم يقبل منه توبة ولا إيمان، كذلك من عاين الموت وغرغر لم تقبل منه توبة. إنما قبلت توبة قوم يونس، وإيمانهم قبل معاينتهم لنزول العذاب لما فقدوا يونس، وقد أوعدهم العذاب وعلموا صدقه ورأوا مخايل العذاب وأماراته، أيقنوا بنزول العذاب، فقبل الله توبتهم. ولو فعلوا ذلك فور معاينة العذاب لم ينفعهم ذلك كما لم ينفع ذلك فرعون وأشباهه لأن معاينة العذاب تسقط التكليف، وإذا سقط التكليف لم يقبل ما يتكلفه العبد من العمل. فاعرف هذا الأصل. ويروى أن قوم يونس لما عاينوا العذاب قام رجل منهم فقال: اللهم إن ذنوبنا عظمت وجلت وأنت أعظم منها وأجل، فافعل فينا ما أنت أهله [ولا تفعل فينا ما نحن أهله]. فكشف الله عنهم العذاب فخرج يونس ينتظر العذاب فلم يَرَ شيئاً، وكان حكمهم أنه من كذب ولم تكن له بينة قتل، فخرج يونس مغاضباً على قومه، فأتى قوماً في سفينة فحملوه، فلما دخل السفينة ركدت، والسفن تسير يميناً وشمالاً، فقالوا ما لسفينتكم؟ قالوا: لا ندري: فقال يونس ﷺ: إن فيها عبداً آبقاً من ربه وإنها لن تسير حتى تلقوه. قالوا: أما أنت يا نبي الله فإنا لا نلقيك، قال: فاقترعوا فمن قرع فليقع، فاقترعوا فقرع يونس ثلاث مرات فوقع، فوكل الله جل ذكره حوتاً فابتلعه فهو يهوي به إلى قرار الأرض. فسمع يونس تسبيح الحصى، ﴿فَنَادَىٰ فِي ٱلظُّلُمَاتِ أَن لاَّ إِلَـٰهَ إِلاَّ أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ ٱلظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٧]. يعني ظلمة الليل وظلمة البحر وظلمة بطن الحوت. قال: ﴿فَنَبَذْنَاهُ بِٱلْعَرَآءِ وَهُوَ سَقِيمٌ﴾. قال كهيئة الفرخ الممعوط الذي ليس عليه ريش. فروي أنه طرح على شاطئ البحر وهو ضعيف كالطفل المولود، فلما طلعت عليه الشمس نادى من حرها، فأنبت الله عليه شجرة من يقطين وهو القرع، وهو جمع يقطينة، وقيل: هو كل شجرة لا تقوم على ساق كالقرع والبطيخ ونحوهما. وقال المبرد: كل شجرة لا تقوم على ساق فهي يقطينة، فإن قامت على ساق فهي شجرة. واشتقاق يقطين: من قطن بالمكان إذا أقام به. وعلى أنها القرع: ابن عباس وقتادة والضحاك وابن جبير وابن زيد. وقيل: هي شجرة أظلته سماها الله يقطيناً، وليست بالقرع. وقيل: هو البطيخ، روي ذلك عن ابن عباس أيضاً. قال ابن جبير: أرسل الله على الشجرة دابة فقرضت عروقها فتساقطت ورقها (فلحقته الشمس فشكاها، فقيل له جزعت من حر الشمس). ولم تجزع لمائة ألف أو يزيدون تابوا فتاب الله عليهم. روي أنهم لما رأوا علامات إتيان العذاب خرجوا وتابوا، وأفردوا الأطفال والبهائم، وضجوا إلى الله مستغيثين تائبين فصرف عنهم العذاب وتاب عليهم. قال ابن مسعود في حديثه: فكان يستظل بها ويصيب منها فيبست فبكى عليها. فأوحى الله (إليه) أتبكي على شجرة يبست ولا تبكي على مائة ألف أو يزيدون أردت أن تهلكهم، قال: وخرج يونس فإذا هو بغلام يرعى، فقال يا غلام: من أنت؟ فقال: من قوم يونس عليه السلام، قال: فإذا جئتهم فأخبرهم أنك قد لقيت يونس، فقال له الغلام: إِنْ كُنْتَ يونس فقد علمت أنه من كذب قُتِل إذا لم تكن له بينة، فمن يشهد لي؟ قال: هذه الشجرة وهذه البقعة، قال: فَمُرْهُمَا، قال لهما يونس: إذا جاءكما هذا الغلام فاشهدا له، قالتا: نعم، فرجع الغلام إلى قومه وكان في منعة، وكان له إخوة فأتى المَلِكَ فقال: إني (قد) لقيت يونس وهو يقرأ عليك السلام. قال: فأمر به أن يقتل، فقالوا: إن له بينة، فأرسلوا معه فأتى الشجرة والبقعة فقال لهما: نشدتكما الله أشهدكما يونس؟ قالتا: نعم، فرجع القوم مذعورين، يقولون: شهدت له الشجرة والأرض، فأتوا الملك فأخبروه بما رأوا. قال عبد الله: فتناول الملك يد الغلام وأجلسه مجلسه وقال: أنت أحق بهذا المكان مني. قال عبد الله: فأقام ذلك الغلام أمرهم أربعين سنة. ثم قال (تعالى): ﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَىٰ مِئَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾. قال أبو عبيدة: أو هنا بمعنى بل. ومثله عنده: ﴿سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ﴾ [الذاريات: ٥٢] أي: بل مجنون، فليست أو للشك في هذا، إنما هي (بمعنى) بل وهو قول الفراء. وروي عن ابن عباس ذلك. وقال القتبي: أو بمعنى الواو. وقال المبرد: أو على بابها. والمعنى: وأرسلناه إلى جماعة لو رأيتموهم لقلتم هم مائة ألف أو يزيدون على ذلك. فخوطب العباد بما يعرفون. وقيل: أو على بابها لكنه بمنزلة قولك: جاءني زيد أو عمرو، (و) أنت تعرف من جاءك منهما إلا أنك أبهمت على المخاطب. وقيل: "أو" للإباحة. قال ابن عباس: كانوا مائة ألف وثلاثين ألفاً. وقال ابن جبير: يزيدون سبعين ألفاً. وروي عن النبي ﷺ أنه قال: "يزيدون عشرين ألفاً قال ابن جبير: كان العذاب قد أرسله الله إليهم، فلما فرقوا بين النساء وأولادهن والبهائم وأولادها، وعجوا إلى الله جل وعز، كشف عنهم العذاب ومطرت السماء عليهم (ماء). * * وقوله: ﴿فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَىٰ حِينٍ﴾ أي: أخرنا عنهم العذاب ومتعناهم بالحياة إلى بلوغ آجالهم. * * ثم قال: ﴿فَٱسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ ٱلْبَنَاتُ وَلَهُمُ ٱلْبَنُونَ﴾ أي: سل يا محمد مشركي قريش مسألة تقرير وتوبيخ عن ذلك، لأنهم جعلوا الملائكة بنات الله. قال السدي: كانوا يعبدون الملائكة.

الصافات 37:147

قوله (تعالى ذكره): ﴿فَلَوْلاَ أَنَّهُ كَانَ مِنَ ٱلْمُسَبِّحِينَ﴾ إلى قوله: ﴿أَلِرَبِّكَ ٱلْبَنَاتُ وَلَهُمُ ٱلْبَنُونَ﴾. أي: لولا أنه كان من المصلين قبل البلاء والعقوبة للبث في بطن الحوت إلى يوم القيامة. روي عن النبي ﷺ أنه قال: "إِنَّ يُونُسَ حِينَ بَدَا لَهُ أَنْ يَدْعُو الله وَهُوَ فِيْ بَطْنِ الحُوتِ، قَال: اللَّهُمَّ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنّي كُنْتُ مِنَ الظَّالمِينَ. فَأَقْبَلَتِ الدَّعْوَةُ نَحْوَ العَرْشِ، فَقَالَتِ المَلاَئِكَةُ: يَا رَبِّ هَذَا صَوْتٌ ضَعِيفٌ مَعْرُوفٌ مِنْ بِلاَدٍ غَرِيْبَةٍ، فَقَالَ: أَمَا تَعْرِفُونَ ذَلِكَ؟ فَقَالُوا: يَا رَبِّ، وَمَنْ هُوَ؟ قَالَ: ذَلِكَ عَبْدِي يُونُسَ، قَالُوا: أَعَبْدُكَ يُونُسَ الذِي لِمْ يَزَلْ يُرْفَعُ لَهُ عَمَلٌ مُتَقَبَّلٌ وَدَعْوَةٌ مُجَابَةٌ! أَفَلاَ يَرْحَمُ بِمَا كَانَ يَصْنَعُ فِي الرَّخَاءِ فَتُنْجِيَهُ مِنَ البَلاَءِ؟ قَالَ: بَلَى، فَأَمَرَ الحُوتَ فََطَرَحَهُ بِالعَرَاءِ قال ابن عباس وابن جبير والسدي: "من المسبحين": من المصلين. وكان الضحاك بن قيس يقول على منبره: اذكروه في الرخاء يذكركم في الشدة، إن يونس كان عبداً ذاكراً فلما أصابته الشدة دعا الله فذكره الله بما كان منه، ففرج عنه، وكان فرعون طاغياً باغياً فلما أدركه الغرق قال: آمنت، (الآن وكنت)، من المفسدين، فلم يسمع قوله. قال الحسن: فَوَالله ما كانت إلا صلاة أحدثها في بطن الحوت. قال ابن جبير: لما قال في بطن الحوت: ﴿لاَّ إِلَـٰهَ إِلاَّ أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ ٱلظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٧] قذفه الحوت. قال قتادة في قوله: ﴿لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾: أي: لصار له بطن الحوت قبر إلى يوم القيامة. قال السدي عن أبي مالك: لبث يونس في بطن الحوت أربعين يوماً. * * ثم قال: ﴿فَنَبَذْنَاهُ بِٱلْعَرَآءِ﴾ أي: ألقاه الحوت في المكان الخالي، هذا قول أهل اللغة. وقال ابن عباس: "بالعراء": بالساحل. وقال قتادة: بأرض ليس فيها شيء ولا نبات. وقال السدي: "بالعراء": بالأرض. * * وقوله: ﴿وَهُوَ سَقِيمٌ﴾. قال السدي: كهيئة الصبي. قال ابن عباس: لفظه الحوت بساحل البحر، فطرحه مثل الصبي المنفوس، لم ينقص من خلقه شيء. قال ابن عباس: كانت رسالة يونس بعد أن ألقاه الحوت. وقال ابن مسعود: أرسل قبل وبعد إلى قومه بأعيانهم الذين صرف عنهم العذاب، وهو قول مجاهد والحسن. وروي عن ابن مسعود وغيره: أن يونس وعد قومه العذاب وأخبرهم أنه يأتيهم إلى ثلاثة أيام ففرقوا بين كل والدة وولدها، وخرجوا فجاروا إلى الله واستغفروه فكف عنهم العذاب. ولم يكف عنهم العذاب بعد معاينته، إنما رأوا مخايله وعلامات له ذكرهما لهم يونس ﷺ، فآمنوا وتابوا وتضرعوا (إلى الله) قبل معاينة العذاب، ولو عاينوه لم ينفعهم الإيمان لأن من عاين العذاب نازلاً به سقط عنه حد التكليف، ولم يقبل منه الإيمان كفرعون لما آمن عند معاينة الغرق. وكقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ ءَايَاتِ رَبِّكَ لاَ يَنفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا﴾ [الأنعام: ١٥٨]. فمن عاين العذاب لم يقبل منه توبة ولا إيمان، كذلك من عاين الموت وغرغر لم تقبل منه توبة. إنما قبلت توبة قوم يونس، وإيمانهم قبل معاينتهم لنزول العذاب لما فقدوا يونس، وقد أوعدهم العذاب وعلموا صدقه ورأوا مخايل العذاب وأماراته، أيقنوا بنزول العذاب، فقبل الله توبتهم. ولو فعلوا ذلك فور معاينة العذاب لم ينفعهم ذلك كما لم ينفع ذلك فرعون وأشباهه لأن معاينة العذاب تسقط التكليف، وإذا سقط التكليف لم يقبل ما يتكلفه العبد من العمل. فاعرف هذا الأصل. ويروى أن قوم يونس لما عاينوا العذاب قام رجل منهم فقال: اللهم إن ذنوبنا عظمت وجلت وأنت أعظم منها وأجل، فافعل فينا ما أنت أهله [ولا تفعل فينا ما نحن أهله]. فكشف الله عنهم العذاب فخرج يونس ينتظر العذاب فلم يَرَ شيئاً، وكان حكمهم أنه من كذب ولم تكن له بينة قتل، فخرج يونس مغاضباً على قومه، فأتى قوماً في سفينة فحملوه، فلما دخل السفينة ركدت، والسفن تسير يميناً وشمالاً، فقالوا ما لسفينتكم؟ قالوا: لا ندري: فقال يونس ﷺ: إن فيها عبداً آبقاً من ربه وإنها لن تسير حتى تلقوه. قالوا: أما أنت يا نبي الله فإنا لا نلقيك، قال: فاقترعوا فمن قرع فليقع، فاقترعوا فقرع يونس ثلاث مرات فوقع، فوكل الله جل ذكره حوتاً فابتلعه فهو يهوي به إلى قرار الأرض. فسمع يونس تسبيح الحصى، ﴿فَنَادَىٰ فِي ٱلظُّلُمَاتِ أَن لاَّ إِلَـٰهَ إِلاَّ أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ ٱلظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٧]. يعني ظلمة الليل وظلمة البحر وظلمة بطن الحوت. قال: ﴿فَنَبَذْنَاهُ بِٱلْعَرَآءِ وَهُوَ سَقِيمٌ﴾. قال كهيئة الفرخ الممعوط الذي ليس عليه ريش. فروي أنه طرح على شاطئ البحر وهو ضعيف كالطفل المولود، فلما طلعت عليه الشمس نادى من حرها، فأنبت الله عليه شجرة من يقطين وهو القرع، وهو جمع يقطينة، وقيل: هو كل شجرة لا تقوم على ساق كالقرع والبطيخ ونحوهما. وقال المبرد: كل شجرة لا تقوم على ساق فهي يقطينة، فإن قامت على ساق فهي شجرة. واشتقاق يقطين: من قطن بالمكان إذا أقام به. وعلى أنها القرع: ابن عباس وقتادة والضحاك وابن جبير وابن زيد. وقيل: هي شجرة أظلته سماها الله يقطيناً، وليست بالقرع. وقيل: هو البطيخ، روي ذلك عن ابن عباس أيضاً. قال ابن جبير: أرسل الله على الشجرة دابة فقرضت عروقها فتساقطت ورقها (فلحقته الشمس فشكاها، فقيل له جزعت من حر الشمس). ولم تجزع لمائة ألف أو يزيدون تابوا فتاب الله عليهم. روي أنهم لما رأوا علامات إتيان العذاب خرجوا وتابوا، وأفردوا الأطفال والبهائم، وضجوا إلى الله مستغيثين تائبين فصرف عنهم العذاب وتاب عليهم. قال ابن مسعود في حديثه: فكان يستظل بها ويصيب منها فيبست فبكى عليها. فأوحى الله (إليه) أتبكي على شجرة يبست ولا تبكي على مائة ألف أو يزيدون أردت أن تهلكهم، قال: وخرج يونس فإذا هو بغلام يرعى، فقال يا غلام: من أنت؟ فقال: من قوم يونس عليه السلام، قال: فإذا جئتهم فأخبرهم أنك قد لقيت يونس، فقال له الغلام: إِنْ كُنْتَ يونس فقد علمت أنه من كذب قُتِل إذا لم تكن له بينة، فمن يشهد لي؟ قال: هذه الشجرة وهذه البقعة، قال: فَمُرْهُمَا، قال لهما يونس: إذا جاءكما هذا الغلام فاشهدا له، قالتا: نعم، فرجع الغلام إلى قومه وكان في منعة، وكان له إخوة فأتى المَلِكَ فقال: إني (قد) لقيت يونس وهو يقرأ عليك السلام. قال: فأمر به أن يقتل، فقالوا: إن له بينة، فأرسلوا معه فأتى الشجرة والبقعة فقال لهما: نشدتكما الله أشهدكما يونس؟ قالتا: نعم، فرجع القوم مذعورين، يقولون: شهدت له الشجرة والأرض، فأتوا الملك فأخبروه بما رأوا. قال عبد الله: فتناول الملك يد الغلام وأجلسه مجلسه وقال: أنت أحق بهذا المكان مني. قال عبد الله: فأقام ذلك الغلام أمرهم أربعين سنة. ثم قال (تعالى): ﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَىٰ مِئَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾. قال أبو عبيدة: أو هنا بمعنى بل. ومثله عنده: ﴿سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ﴾ [الذاريات: ٥٢] أي: بل مجنون، فليست أو للشك في هذا، إنما هي (بمعنى) بل وهو قول الفراء. وروي عن ابن عباس ذلك. وقال القتبي: أو بمعنى الواو. وقال المبرد: أو على بابها. والمعنى: وأرسلناه إلى جماعة لو رأيتموهم لقلتم هم مائة ألف أو يزيدون على ذلك. فخوطب العباد بما يعرفون. وقيل: أو على بابها لكنه بمنزلة قولك: جاءني زيد أو عمرو، (و) أنت تعرف من جاءك منهما إلا أنك أبهمت على المخاطب. وقيل: "أو" للإباحة. قال ابن عباس: كانوا مائة ألف وثلاثين ألفاً. وقال ابن جبير: يزيدون سبعين ألفاً. وروي عن النبي ﷺ أنه قال: "يزيدون عشرين ألفاً قال ابن جبير: كان العذاب قد أرسله الله إليهم، فلما فرقوا بين النساء وأولادهن والبهائم وأولادها، وعجوا إلى الله جل وعز، كشف عنهم العذاب ومطرت السماء عليهم (ماء). * * وقوله: ﴿فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَىٰ حِينٍ﴾ أي: أخرنا عنهم العذاب ومتعناهم بالحياة إلى بلوغ آجالهم. * * ثم قال: ﴿فَٱسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ ٱلْبَنَاتُ وَلَهُمُ ٱلْبَنُونَ﴾ أي: سل يا محمد مشركي قريش مسألة تقرير وتوبيخ عن ذلك، لأنهم جعلوا الملائكة بنات الله. قال السدي: كانوا يعبدون الملائكة.

الصافات 37:148

قوله (تعالى ذكره): ﴿فَلَوْلاَ أَنَّهُ كَانَ مِنَ ٱلْمُسَبِّحِينَ﴾ إلى قوله: ﴿أَلِرَبِّكَ ٱلْبَنَاتُ وَلَهُمُ ٱلْبَنُونَ﴾. أي: لولا أنه كان من المصلين قبل البلاء والعقوبة للبث في بطن الحوت إلى يوم القيامة. روي عن النبي ﷺ أنه قال: "إِنَّ يُونُسَ حِينَ بَدَا لَهُ أَنْ يَدْعُو الله وَهُوَ فِيْ بَطْنِ الحُوتِ، قَال: اللَّهُمَّ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنّي كُنْتُ مِنَ الظَّالمِينَ. فَأَقْبَلَتِ الدَّعْوَةُ نَحْوَ العَرْشِ، فَقَالَتِ المَلاَئِكَةُ: يَا رَبِّ هَذَا صَوْتٌ ضَعِيفٌ مَعْرُوفٌ مِنْ بِلاَدٍ غَرِيْبَةٍ، فَقَالَ: أَمَا تَعْرِفُونَ ذَلِكَ؟ فَقَالُوا: يَا رَبِّ، وَمَنْ هُوَ؟ قَالَ: ذَلِكَ عَبْدِي يُونُسَ، قَالُوا: أَعَبْدُكَ يُونُسَ الذِي لِمْ يَزَلْ يُرْفَعُ لَهُ عَمَلٌ مُتَقَبَّلٌ وَدَعْوَةٌ مُجَابَةٌ! أَفَلاَ يَرْحَمُ بِمَا كَانَ يَصْنَعُ فِي الرَّخَاءِ فَتُنْجِيَهُ مِنَ البَلاَءِ؟ قَالَ: بَلَى، فَأَمَرَ الحُوتَ فََطَرَحَهُ بِالعَرَاءِ قال ابن عباس وابن جبير والسدي: "من المسبحين": من المصلين. وكان الضحاك بن قيس يقول على منبره: اذكروه في الرخاء يذكركم في الشدة، إن يونس كان عبداً ذاكراً فلما أصابته الشدة دعا الله فذكره الله بما كان منه، ففرج عنه، وكان فرعون طاغياً باغياً فلما أدركه الغرق قال: آمنت، (الآن وكنت)، من المفسدين، فلم يسمع قوله. قال الحسن: فَوَالله ما كانت إلا صلاة أحدثها في بطن الحوت. قال ابن جبير: لما قال في بطن الحوت: ﴿لاَّ إِلَـٰهَ إِلاَّ أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ ٱلظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٧] قذفه الحوت. قال قتادة في قوله: ﴿لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾: أي: لصار له بطن الحوت قبر إلى يوم القيامة. قال السدي عن أبي مالك: لبث يونس في بطن الحوت أربعين يوماً. * * ثم قال: ﴿فَنَبَذْنَاهُ بِٱلْعَرَآءِ﴾ أي: ألقاه الحوت في المكان الخالي، هذا قول أهل اللغة. وقال ابن عباس: "بالعراء": بالساحل. وقال قتادة: بأرض ليس فيها شيء ولا نبات. وقال السدي: "بالعراء": بالأرض. * * وقوله: ﴿وَهُوَ سَقِيمٌ﴾. قال السدي: كهيئة الصبي. قال ابن عباس: لفظه الحوت بساحل البحر، فطرحه مثل الصبي المنفوس، لم ينقص من خلقه شيء. قال ابن عباس: كانت رسالة يونس بعد أن ألقاه الحوت. وقال ابن مسعود: أرسل قبل وبعد إلى قومه بأعيانهم الذين صرف عنهم العذاب، وهو قول مجاهد والحسن. وروي عن ابن مسعود وغيره: أن يونس وعد قومه العذاب وأخبرهم أنه يأتيهم إلى ثلاثة أيام ففرقوا بين كل والدة وولدها، وخرجوا فجاروا إلى الله واستغفروه فكف عنهم العذاب. ولم يكف عنهم العذاب بعد معاينته، إنما رأوا مخايله وعلامات له ذكرهما لهم يونس ﷺ، فآمنوا وتابوا وتضرعوا (إلى الله) قبل معاينة العذاب، ولو عاينوه لم ينفعهم الإيمان لأن من عاين العذاب نازلاً به سقط عنه حد التكليف، ولم يقبل منه الإيمان كفرعون لما آمن عند معاينة الغرق. وكقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ ءَايَاتِ رَبِّكَ لاَ يَنفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا﴾ [الأنعام: ١٥٨]. فمن عاين العذاب لم يقبل منه توبة ولا إيمان، كذلك من عاين الموت وغرغر لم تقبل منه توبة. إنما قبلت توبة قوم يونس، وإيمانهم قبل معاينتهم لنزول العذاب لما فقدوا يونس، وقد أوعدهم العذاب وعلموا صدقه ورأوا مخايل العذاب وأماراته، أيقنوا بنزول العذاب، فقبل الله توبتهم. ولو فعلوا ذلك فور معاينة العذاب لم ينفعهم ذلك كما لم ينفع ذلك فرعون وأشباهه لأن معاينة العذاب تسقط التكليف، وإذا سقط التكليف لم يقبل ما يتكلفه العبد من العمل. فاعرف هذا الأصل. ويروى أن قوم يونس لما عاينوا العذاب قام رجل منهم فقال: اللهم إن ذنوبنا عظمت وجلت وأنت أعظم منها وأجل، فافعل فينا ما أنت أهله [ولا تفعل فينا ما نحن أهله]. فكشف الله عنهم العذاب فخرج يونس ينتظر العذاب فلم يَرَ شيئاً، وكان حكمهم أنه من كذب ولم تكن له بينة قتل، فخرج يونس مغاضباً على قومه، فأتى قوماً في سفينة فحملوه، فلما دخل السفينة ركدت، والسفن تسير يميناً وشمالاً، فقالوا ما لسفينتكم؟ قالوا: لا ندري: فقال يونس ﷺ: إن فيها عبداً آبقاً من ربه وإنها لن تسير حتى تلقوه. قالوا: أما أنت يا نبي الله فإنا لا نلقيك، قال: فاقترعوا فمن قرع فليقع، فاقترعوا فقرع يونس ثلاث مرات فوقع، فوكل الله جل ذكره حوتاً فابتلعه فهو يهوي به إلى قرار الأرض. فسمع يونس تسبيح الحصى، ﴿فَنَادَىٰ فِي ٱلظُّلُمَاتِ أَن لاَّ إِلَـٰهَ إِلاَّ أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ ٱلظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٧]. يعني ظلمة الليل وظلمة البحر وظلمة بطن الحوت. قال: ﴿فَنَبَذْنَاهُ بِٱلْعَرَآءِ وَهُوَ سَقِيمٌ﴾. قال كهيئة الفرخ الممعوط الذي ليس عليه ريش. فروي أنه طرح على شاطئ البحر وهو ضعيف كالطفل المولود، فلما طلعت عليه الشمس نادى من حرها، فأنبت الله عليه شجرة من يقطين وهو القرع، وهو جمع يقطينة، وقيل: هو كل شجرة لا تقوم على ساق كالقرع والبطيخ ونحوهما. وقال المبرد: كل شجرة لا تقوم على ساق فهي يقطينة، فإن قامت على ساق فهي شجرة. واشتقاق يقطين: من قطن بالمكان إذا أقام به. وعلى أنها القرع: ابن عباس وقتادة والضحاك وابن جبير وابن زيد. وقيل: هي شجرة أظلته سماها الله يقطيناً، وليست بالقرع. وقيل: هو البطيخ، روي ذلك عن ابن عباس أيضاً. قال ابن جبير: أرسل الله على الشجرة دابة فقرضت عروقها فتساقطت ورقها (فلحقته الشمس فشكاها، فقيل له جزعت من حر الشمس). ولم تجزع لمائة ألف أو يزيدون تابوا فتاب الله عليهم. روي أنهم لما رأوا علامات إتيان العذاب خرجوا وتابوا، وأفردوا الأطفال والبهائم، وضجوا إلى الله مستغيثين تائبين فصرف عنهم العذاب وتاب عليهم. قال ابن مسعود في حديثه: فكان يستظل بها ويصيب منها فيبست فبكى عليها. فأوحى الله (إليه) أتبكي على شجرة يبست ولا تبكي على مائة ألف أو يزيدون أردت أن تهلكهم، قال: وخرج يونس فإذا هو بغلام يرعى، فقال يا غلام: من أنت؟ فقال: من قوم يونس عليه السلام، قال: فإذا جئتهم فأخبرهم أنك قد لقيت يونس، فقال له الغلام: إِنْ كُنْتَ يونس فقد علمت أنه من كذب قُتِل إذا لم تكن له بينة، فمن يشهد لي؟ قال: هذه الشجرة وهذه البقعة، قال: فَمُرْهُمَا، قال لهما يونس: إذا جاءكما هذا الغلام فاشهدا له، قالتا: نعم، فرجع الغلام إلى قومه وكان في منعة، وكان له إخوة فأتى المَلِكَ فقال: إني (قد) لقيت يونس وهو يقرأ عليك السلام. قال: فأمر به أن يقتل، فقالوا: إن له بينة، فأرسلوا معه فأتى الشجرة والبقعة فقال لهما: نشدتكما الله أشهدكما يونس؟ قالتا: نعم، فرجع القوم مذعورين، يقولون: شهدت له الشجرة والأرض، فأتوا الملك فأخبروه بما رأوا. قال عبد الله: فتناول الملك يد الغلام وأجلسه مجلسه وقال: أنت أحق بهذا المكان مني. قال عبد الله: فأقام ذلك الغلام أمرهم أربعين سنة. ثم قال (تعالى): ﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَىٰ مِئَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾. قال أبو عبيدة: أو هنا بمعنى بل. ومثله عنده: ﴿سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ﴾ [الذاريات: ٥٢] أي: بل مجنون، فليست أو للشك في هذا، إنما هي (بمعنى) بل وهو قول الفراء. وروي عن ابن عباس ذلك. وقال القتبي: أو بمعنى الواو. وقال المبرد: أو على بابها. والمعنى: وأرسلناه إلى جماعة لو رأيتموهم لقلتم هم مائة ألف أو يزيدون على ذلك. فخوطب العباد بما يعرفون. وقيل: أو على بابها لكنه بمنزلة قولك: جاءني زيد أو عمرو، (و) أنت تعرف من جاءك منهما إلا أنك أبهمت على المخاطب. وقيل: "أو" للإباحة. قال ابن عباس: كانوا مائة ألف وثلاثين ألفاً. وقال ابن جبير: يزيدون سبعين ألفاً. وروي عن النبي ﷺ أنه قال: "يزيدون عشرين ألفاً قال ابن جبير: كان العذاب قد أرسله الله إليهم، فلما فرقوا بين النساء وأولادهن والبهائم وأولادها، وعجوا إلى الله جل وعز، كشف عنهم العذاب ومطرت السماء عليهم (ماء). * * وقوله: ﴿فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَىٰ حِينٍ﴾ أي: أخرنا عنهم العذاب ومتعناهم بالحياة إلى بلوغ آجالهم. * * ثم قال: ﴿فَٱسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ ٱلْبَنَاتُ وَلَهُمُ ٱلْبَنُونَ﴾ أي: سل يا محمد مشركي قريش مسألة تقرير وتوبيخ عن ذلك، لأنهم جعلوا الملائكة بنات الله. قال السدي: كانوا يعبدون الملائكة.

الصافات 37:149

قوله (تعالى ذكره): ﴿فَلَوْلاَ أَنَّهُ كَانَ مِنَ ٱلْمُسَبِّحِينَ﴾ إلى قوله: ﴿أَلِرَبِّكَ ٱلْبَنَاتُ وَلَهُمُ ٱلْبَنُونَ﴾. أي: لولا أنه كان من المصلين قبل البلاء والعقوبة للبث في بطن الحوت إلى يوم القيامة. روي عن النبي ﷺ أنه قال: "إِنَّ يُونُسَ حِينَ بَدَا لَهُ أَنْ يَدْعُو الله وَهُوَ فِيْ بَطْنِ الحُوتِ، قَال: اللَّهُمَّ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنّي كُنْتُ مِنَ الظَّالمِينَ. فَأَقْبَلَتِ الدَّعْوَةُ نَحْوَ العَرْشِ، فَقَالَتِ المَلاَئِكَةُ: يَا رَبِّ هَذَا صَوْتٌ ضَعِيفٌ مَعْرُوفٌ مِنْ بِلاَدٍ غَرِيْبَةٍ، فَقَالَ: أَمَا تَعْرِفُونَ ذَلِكَ؟ فَقَالُوا: يَا رَبِّ، وَمَنْ هُوَ؟ قَالَ: ذَلِكَ عَبْدِي يُونُسَ، قَالُوا: أَعَبْدُكَ يُونُسَ الذِي لِمْ يَزَلْ يُرْفَعُ لَهُ عَمَلٌ مُتَقَبَّلٌ وَدَعْوَةٌ مُجَابَةٌ! أَفَلاَ يَرْحَمُ بِمَا كَانَ يَصْنَعُ فِي الرَّخَاءِ فَتُنْجِيَهُ مِنَ البَلاَءِ؟ قَالَ: بَلَى، فَأَمَرَ الحُوتَ فََطَرَحَهُ بِالعَرَاءِ قال ابن عباس وابن جبير والسدي: "من المسبحين": من المصلين. وكان الضحاك بن قيس يقول على منبره: اذكروه في الرخاء يذكركم في الشدة، إن يونس كان عبداً ذاكراً فلما أصابته الشدة دعا الله فذكره الله بما كان منه، ففرج عنه، وكان فرعون طاغياً باغياً فلما أدركه الغرق قال: آمنت، (الآن وكنت)، من المفسدين، فلم يسمع قوله. قال الحسن: فَوَالله ما كانت إلا صلاة أحدثها في بطن الحوت. قال ابن جبير: لما قال في بطن الحوت: ﴿لاَّ إِلَـٰهَ إِلاَّ أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ ٱلظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٧] قذفه الحوت. قال قتادة في قوله: ﴿لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾: أي: لصار له بطن الحوت قبر إلى يوم القيامة. قال السدي عن أبي مالك: لبث يونس في بطن الحوت أربعين يوماً. * * ثم قال: ﴿فَنَبَذْنَاهُ بِٱلْعَرَآءِ﴾ أي: ألقاه الحوت في المكان الخالي، هذا قول أهل اللغة. وقال ابن عباس: "بالعراء": بالساحل. وقال قتادة: بأرض ليس فيها شيء ولا نبات. وقال السدي: "بالعراء": بالأرض. * * وقوله: ﴿وَهُوَ سَقِيمٌ﴾. قال السدي: كهيئة الصبي. قال ابن عباس: لفظه الحوت بساحل البحر، فطرحه مثل الصبي المنفوس، لم ينقص من خلقه شيء. قال ابن عباس: كانت رسالة يونس بعد أن ألقاه الحوت. وقال ابن مسعود: أرسل قبل وبعد إلى قومه بأعيانهم الذين صرف عنهم العذاب، وهو قول مجاهد والحسن. وروي عن ابن مسعود وغيره: أن يونس وعد قومه العذاب وأخبرهم أنه يأتيهم إلى ثلاثة أيام ففرقوا بين كل والدة وولدها، وخرجوا فجاروا إلى الله واستغفروه فكف عنهم العذاب. ولم يكف عنهم العذاب بعد معاينته، إنما رأوا مخايله وعلامات له ذكرهما لهم يونس ﷺ، فآمنوا وتابوا وتضرعوا (إلى الله) قبل معاينة العذاب، ولو عاينوه لم ينفعهم الإيمان لأن من عاين العذاب نازلاً به سقط عنه حد التكليف، ولم يقبل منه الإيمان كفرعون لما آمن عند معاينة الغرق. وكقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ ءَايَاتِ رَبِّكَ لاَ يَنفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا﴾ [الأنعام: ١٥٨]. فمن عاين العذاب لم يقبل منه توبة ولا إيمان، كذلك من عاين الموت وغرغر لم تقبل منه توبة. إنما قبلت توبة قوم يونس، وإيمانهم قبل معاينتهم لنزول العذاب لما فقدوا يونس، وقد أوعدهم العذاب وعلموا صدقه ورأوا مخايل العذاب وأماراته، أيقنوا بنزول العذاب، فقبل الله توبتهم. ولو فعلوا ذلك فور معاينة العذاب لم ينفعهم ذلك كما لم ينفع ذلك فرعون وأشباهه لأن معاينة العذاب تسقط التكليف، وإذا سقط التكليف لم يقبل ما يتكلفه العبد من العمل. فاعرف هذا الأصل. ويروى أن قوم يونس لما عاينوا العذاب قام رجل منهم فقال: اللهم إن ذنوبنا عظمت وجلت وأنت أعظم منها وأجل، فافعل فينا ما أنت أهله [ولا تفعل فينا ما نحن أهله]. فكشف الله عنهم العذاب فخرج يونس ينتظر العذاب فلم يَرَ شيئاً، وكان حكمهم أنه من كذب ولم تكن له بينة قتل، فخرج يونس مغاضباً على قومه، فأتى قوماً في سفينة فحملوه، فلما دخل السفينة ركدت، والسفن تسير يميناً وشمالاً، فقالوا ما لسفينتكم؟ قالوا: لا ندري: فقال يونس ﷺ: إن فيها عبداً آبقاً من ربه وإنها لن تسير حتى تلقوه. قالوا: أما أنت يا نبي الله فإنا لا نلقيك، قال: فاقترعوا فمن قرع فليقع، فاقترعوا فقرع يونس ثلاث مرات فوقع، فوكل الله جل ذكره حوتاً فابتلعه فهو يهوي به إلى قرار الأرض. فسمع يونس تسبيح الحصى، ﴿فَنَادَىٰ فِي ٱلظُّلُمَاتِ أَن لاَّ إِلَـٰهَ إِلاَّ أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ ٱلظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٧]. يعني ظلمة الليل وظلمة البحر وظلمة بطن الحوت. قال: ﴿فَنَبَذْنَاهُ بِٱلْعَرَآءِ وَهُوَ سَقِيمٌ﴾. قال كهيئة الفرخ الممعوط الذي ليس عليه ريش. فروي أنه طرح على شاطئ البحر وهو ضعيف كالطفل المولود، فلما طلعت عليه الشمس نادى من حرها، فأنبت الله عليه شجرة من يقطين وهو القرع، وهو جمع يقطينة، وقيل: هو كل شجرة لا تقوم على ساق كالقرع والبطيخ ونحوهما. وقال المبرد: كل شجرة لا تقوم على ساق فهي يقطينة، فإن قامت على ساق فهي شجرة. واشتقاق يقطين: من قطن بالمكان إذا أقام به. وعلى أنها القرع: ابن عباس وقتادة والضحاك وابن جبير وابن زيد. وقيل: هي شجرة أظلته سماها الله يقطيناً، وليست بالقرع. وقيل: هو البطيخ، روي ذلك عن ابن عباس أيضاً. قال ابن جبير: أرسل الله على الشجرة دابة فقرضت عروقها فتساقطت ورقها (فلحقته الشمس فشكاها، فقيل له جزعت من حر الشمس). ولم تجزع لمائة ألف أو يزيدون تابوا فتاب الله عليهم. روي أنهم لما رأوا علامات إتيان العذاب خرجوا وتابوا، وأفردوا الأطفال والبهائم، وضجوا إلى الله مستغيثين تائبين فصرف عنهم العذاب وتاب عليهم. قال ابن مسعود في حديثه: فكان يستظل بها ويصيب منها فيبست فبكى عليها. فأوحى الله (إليه) أتبكي على شجرة يبست ولا تبكي على مائة ألف أو يزيدون أردت أن تهلكهم، قال: وخرج يونس فإذا هو بغلام يرعى، فقال يا غلام: من أنت؟ فقال: من قوم يونس عليه السلام، قال: فإذا جئتهم فأخبرهم أنك قد لقيت يونس، فقال له الغلام: إِنْ كُنْتَ يونس فقد علمت أنه من كذب قُتِل إذا لم تكن له بينة، فمن يشهد لي؟ قال: هذه الشجرة وهذه البقعة، قال: فَمُرْهُمَا، قال لهما يونس: إذا جاءكما هذا الغلام فاشهدا له، قالتا: نعم، فرجع الغلام إلى قومه وكان في منعة، وكان له إخوة فأتى المَلِكَ فقال: إني (قد) لقيت يونس وهو يقرأ عليك السلام. قال: فأمر به أن يقتل، فقالوا: إن له بينة، فأرسلوا معه فأتى الشجرة والبقعة فقال لهما: نشدتكما الله أشهدكما يونس؟ قالتا: نعم، فرجع القوم مذعورين، يقولون: شهدت له الشجرة والأرض، فأتوا الملك فأخبروه بما رأوا. قال عبد الله: فتناول الملك يد الغلام وأجلسه مجلسه وقال: أنت أحق بهذا المكان مني. قال عبد الله: فأقام ذلك الغلام أمرهم أربعين سنة. ثم قال (تعالى): ﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَىٰ مِئَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾. قال أبو عبيدة: أو هنا بمعنى بل. ومثله عنده: ﴿سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ﴾ [الذاريات: ٥٢] أي: بل مجنون، فليست أو للشك في هذا، إنما هي (بمعنى) بل وهو قول الفراء. وروي عن ابن عباس ذلك. وقال القتبي: أو بمعنى الواو. وقال المبرد: أو على بابها. والمعنى: وأرسلناه إلى جماعة لو رأيتموهم لقلتم هم مائة ألف أو يزيدون على ذلك. فخوطب العباد بما يعرفون. وقيل: أو على بابها لكنه بمنزلة قولك: جاءني زيد أو عمرو، (و) أنت تعرف من جاءك منهما إلا أنك أبهمت على المخاطب. وقيل: "أو" للإباحة. قال ابن عباس: كانوا مائة ألف وثلاثين ألفاً. وقال ابن جبير: يزيدون سبعين ألفاً. وروي عن النبي ﷺ أنه قال: "يزيدون عشرين ألفاً قال ابن جبير: كان العذاب قد أرسله الله إليهم، فلما فرقوا بين النساء وأولادهن والبهائم وأولادها، وعجوا إلى الله جل وعز، كشف عنهم العذاب ومطرت السماء عليهم (ماء). * * وقوله: ﴿فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَىٰ حِينٍ﴾ أي: أخرنا عنهم العذاب ومتعناهم بالحياة إلى بلوغ آجالهم. * * ثم قال: ﴿فَٱسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ ٱلْبَنَاتُ وَلَهُمُ ٱلْبَنُونَ﴾ أي: سل يا محمد مشركي قريش مسألة تقرير وتوبيخ عن ذلك، لأنهم جعلوا الملائكة بنات الله. قال السدي: كانوا يعبدون الملائكة.

الصافات 37:150

قوله (تعالى ذكره): ﴿أَمْ خَلَقْنَا ٱلْمَلاَئِكَةَ إِنَاثاً﴾ إلى قوله: ﴿فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾. أي: أم شهد هؤلاء القائلون: إن الملائكة بنات (الله)، خلق الله الملائكة إناثاً. هذا كله على التقرير والتوبيخ. * * ثم قال: ﴿أَلاَ إِنَّهُم مِّنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ * وَلَدَ ٱللَّهُ﴾ أي: ألا إن هؤلاء المشركين من كذبهم ليقولن ولد الله، وهو جعلهم الملائكة بنات الله. * * ثم قال: ﴿أَصْطَفَى ٱلْبَنَاتِ عَلَىٰ ٱلْبَنِينَ﴾ هذا أيضاً توبيخ لهم، والمعنى عند الزجاج: سلهم هل اصطفى البنات على البنين. * * ثم قال: ﴿مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾. هذا أيضاً تقريع وتوبيخ ومعناه: بئس الحكم تحكمون أيها القوم، أن يكون لله البنات ولكم البنون، فأنتم لا ترضون البنات لأنفسكم فتجعلون لله ما لا ترضون به لأنفسكم. * * ثم قال: ﴿أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ﴾ أي: تتدبرون ما تقولون فتعرفون خطأه فتنتهون عنه. ﴿أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُّبِينٌ﴾ أي: حجة ظاهرة على ما تقولون. قال قتادة: "سلطان مبين" عُذْرٌ بَيِّنٌ. ﴿فَأْتُواْ بِكِتَابِكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ أي: فأتوا بحجتكم من كتاب جاءكم من عند الله بما قلتم من الإفك إن كنتم صادقين فيما قلتم. * * ثم قال: ﴿وَجَعَلُواْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ ٱلْجِنَّةِ نَسَباً﴾. قال ابن عباس: زعم أعداء الله أنه جل ثناؤه وإبليس أخوان. وكذلك قال الضحاك. وقال غيرهما: الجِنَّة هنا الملائكة، جعلهم كفار قريش بنات الله جل عن ذلك وتعالى، وهو قول مجاهد والسدي. وروي أن أبا بكر قال لقريش: من أمهاتهن؟ فقالوا: سَرَوَاتُ الجِنِّ. وقال قتادة: قالت اليهود: إن الله جل ذكره تزوج إلى الجنة فخرج بينهم الملائكة. فسميت الملائكة جِنة لأنهم لا يُرَون. وقال السدي: سموا بذلك لأنهم على الجنان. [ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمَتِ ٱلجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ﴾ أي: ولقد علمت الملائكة أن الذين قالوا هذا لمُشْهِدُون الحساب والنار ومعذبون]. * * ثم قال: ﴿سُبْحَانَ ٱللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ أي: تنزيهاً له وبراءة عما يقولون ويفترون. * * ثم قال: ﴿إِلاَّ عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلْمُخْلَصِينَ﴾ أي: إلا عباد الله الذين أخلصهم لرحمته، فإنهم لا يحضرون العذاب. ثم قال (تعالى): ﴿فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ * مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ * إِلاَّ مَنْ هُوَ صَالِ ٱلْجَحِيمِ﴾ أي: فإنكم أيها المشركون وما تعبدون من الآلهة ما أنتم على ما تعبدون من ذلك بفاتنين، أي: بمضلين من أحد إلا من هو صالِ الجحيم، أي: من سبق له في علم الله أنه يضل فيدخل النار. وقيل: "عليه" في قوله "ما أنتم عليه" بمعنى له. هذا كله معنى قول ابن عباس والحسن وقتادة والسدي وابن زيد. والتقدير عند جميعهم: لستم تضلون أحداً إلا من سبق في علم الله أنه من أهل الشقاء وأهل النار. وفي هذه الآية رد على القدرية لأن الضلال والهدى كل بمشيئة الله وقضائه، خلق هؤلاء للجنة وهؤلاء للشقاء، فالشياطين لا تضل إلا من كتب الله عليه أنه لا يهتدي. فأما من تقدم له في علم الله الهدى فإنه تعالى يحول بينهم وبينه فلا يصلون إلى إضلاله. قال عمر بن عبد العزيز: لو أراد الله أن لا يُعْصَى لم يخلق إبليس وإنه لبَيِّنٌ في كتاب الله في آية علمها من علمها وجهلها من جهلها، ثم قرأ: ﴿فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ * مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ * إِلاَّ مَنْ هُوَ صَالِ ٱلْجَحِيمِ﴾. وقوله: "صال الجحيم" أصله صالي بالياء، ولكن كتب على لفظ الوصل، ولا يحسن الوقف عليه، فإن وقف عليه واقف، فمن القراء من يكره مخالفة الشواذ فيقف بغير ياء. ومذهب سلام ويعقوب: أن يقف عليه بالياء على الأصل، لأن العلة التي من أجلها حذفت الياء قد زالت بالوقف. وقرأ الحسن: "صال الجحيم". على أن يرده على معنى "من" فيجمع بالواو والنون، وتحذف النون للإضافة والواو لالتقاء الساكنين في الوصل. ولا تجوز هذه القراءة على غير هذه الأشياء. ذكر بعض النحويين: أن يكون قرأه على القلب كأنه رد لام الفعل، وهي الياء في الواحد قبل اللام، فصار الإعراب (في اللام)، فضمت ثم حذفت الياء، وهذا بعيد. ثم قال (تعالى): ﴿وَمَا مِنَّآ إِلاَّ لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ﴾. التقدير عند الكوفيين: وما منا إلا من له مقام، ثم حذفت من. ولا يجوز هذا عند البصريين لأنه حذف موصول وترك صلته. والتقدير عند البصريين: وما منا ملك إلا له مقام. وهذا خبر من الله جل ذكره عن قول الملائكة، أي قالوا: وما منا معشر الملائكة إلا ملك له مقام معلوم في السماء. ثم قال تعالى حكاية عن قول الملائكة: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ ٱلصَّآفُّونَ﴾ روت عائشة رضي الله عنها أن النبي ﷺ قال: "مَا فِي السَّمَاءِ مَوْضِعُ قَدَمٍ إِلاَّ عََلَيْهِ (مَلَكٌ) سَاجِدٌ أَوْ قَائِمٌ فالمعنى أنهم قالوا: وإنا لنحن الصافون لله بعبادته. ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ ٱلْمُسَبِّحُونَ﴾ أي: المصلون له. قال عبد الله بن مسعود وابن عباس: ما من السماوات سماء إلا وما فيها موضع شبر، إلا وعليه جبهة ملك، أو قدماه، ثم قرأ: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ ٱلصَّآفُّونَ * وَإِنَّا لَنَحْنُ ٱلْمُسَبِّحُونَ﴾. ومعنى الكلام من أوله: أن الملائكة استعظمت فعل من يعبدها وتعجبت من ذلك وتبرأت منه، فقالت: "وما منا إلا له مقام معلوم ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ ٱلصَّآفُّونَ﴾ ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ ٱلْمُسَبِّحُونَ﴾"، فكيف يُعْبَدُ من هو على هذه الحال. ثم قال (تعالى): ﴿وَإِن كَانُواْ لَيَقُولُونَ * لَوْ أَنَّ عِندَنَا ذِكْراً مِّنَ ٱلأَوَّلِينَ * لَكُنَّا عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلْمُخْلَصِينَ﴾ أي: قالت قريش قبل مبعث النبي ﷺ لو أن عندنا ذكراً من الأولين، أي: كتاباً من السماء فيه ذكر الأمم الماضية كالتوراة والإنجيل، فلما جاءهم ذلك كفروا به. * * ثم قال: ﴿لَكُنَّا عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلْمُخْلَصِينَ﴾ (أي): الذين أخلصوا لله الطاعة. هذا على قراءة من كسر اللام. ومن فتحها فمعناه: لكنا عباد الله الذين أخلصهم الله واختارهم لطاعته. قال قتادة: قالت هذه الأمة ذلك قبل مبعث النبي ﷺ، فلما جاءهم الكتاب والنبي كفروا به. قال الضحاك: هذا قول مشركي أهل مكة، فلما جاءهم ذِكْرُ الأولين والآخرين كفروا به، فسوف يعلمون، (أي: يعلمون) ما لهم من العقاب على كفرهم. فالهاء في "به" تعود على القرآن وهو الذكر. وقيل: على محمد ﷺ. ثم قال (تعالى ذكره): ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا ٱلْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ ٱلْمَنصُورُونَ﴾ أي: سبق القضاء في أم الكتاب ووجب القول من الله أن المرسلين هم المنصورون على من ناوأهم بالحجج والغلبة، قاله قتادة والسدي. وقال الفراء: لهم المنصورون بالشفاعة. * * ثم قال: ﴿وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ ٱلْغَالِبُونَ﴾ أي: حزب الله هم الغالبون حزب الشيطان بالحجج والغلبة والظفر. * * ثم قال: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّىٰ حِينٍ﴾. قال قتادة: "حتى حين": إلى الموت. وقال السدي: إلى يوم بدر. * * ثم قال: ﴿وَأَبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ أي: انظرهم وأخرهم فسوف يرون ما يحل بهم من العقاب.

الصافات 37:151

قوله (تعالى ذكره): ﴿أَمْ خَلَقْنَا ٱلْمَلاَئِكَةَ إِنَاثاً﴾ إلى قوله: ﴿فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾. أي: أم شهد هؤلاء القائلون: إن الملائكة بنات (الله)، خلق الله الملائكة إناثاً. هذا كله على التقرير والتوبيخ. * * ثم قال: ﴿أَلاَ إِنَّهُم مِّنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ * وَلَدَ ٱللَّهُ﴾ أي: ألا إن هؤلاء المشركين من كذبهم ليقولن ولد الله، وهو جعلهم الملائكة بنات الله. * * ثم قال: ﴿أَصْطَفَى ٱلْبَنَاتِ عَلَىٰ ٱلْبَنِينَ﴾ هذا أيضاً توبيخ لهم، والمعنى عند الزجاج: سلهم هل اصطفى البنات على البنين. * * ثم قال: ﴿مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾. هذا أيضاً تقريع وتوبيخ ومعناه: بئس الحكم تحكمون أيها القوم، أن يكون لله البنات ولكم البنون، فأنتم لا ترضون البنات لأنفسكم فتجعلون لله ما لا ترضون به لأنفسكم. * * ثم قال: ﴿أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ﴾ أي: تتدبرون ما تقولون فتعرفون خطأه فتنتهون عنه. ﴿أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُّبِينٌ﴾ أي: حجة ظاهرة على ما تقولون. قال قتادة: "سلطان مبين" عُذْرٌ بَيِّنٌ. ﴿فَأْتُواْ بِكِتَابِكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ أي: فأتوا بحجتكم من كتاب جاءكم من عند الله بما قلتم من الإفك إن كنتم صادقين فيما قلتم. * * ثم قال: ﴿وَجَعَلُواْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ ٱلْجِنَّةِ نَسَباً﴾. قال ابن عباس: زعم أعداء الله أنه جل ثناؤه وإبليس أخوان. وكذلك قال الضحاك. وقال غيرهما: الجِنَّة هنا الملائكة، جعلهم كفار قريش بنات الله جل عن ذلك وتعالى، وهو قول مجاهد والسدي. وروي أن أبا بكر قال لقريش: من أمهاتهن؟ فقالوا: سَرَوَاتُ الجِنِّ. وقال قتادة: قالت اليهود: إن الله جل ذكره تزوج إلى الجنة فخرج بينهم الملائكة. فسميت الملائكة جِنة لأنهم لا يُرَون. وقال السدي: سموا بذلك لأنهم على الجنان. [ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمَتِ ٱلجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ﴾ أي: ولقد علمت الملائكة أن الذين قالوا هذا لمُشْهِدُون الحساب والنار ومعذبون]. * * ثم قال: ﴿سُبْحَانَ ٱللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ أي: تنزيهاً له وبراءة عما يقولون ويفترون. * * ثم قال: ﴿إِلاَّ عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلْمُخْلَصِينَ﴾ أي: إلا عباد الله الذين أخلصهم لرحمته، فإنهم لا يحضرون العذاب. ثم قال (تعالى): ﴿فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ * مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ * إِلاَّ مَنْ هُوَ صَالِ ٱلْجَحِيمِ﴾ أي: فإنكم أيها المشركون وما تعبدون من الآلهة ما أنتم على ما تعبدون من ذلك بفاتنين، أي: بمضلين من أحد إلا من هو صالِ الجحيم، أي: من سبق له في علم الله أنه يضل فيدخل النار. وقيل: "عليه" في قوله "ما أنتم عليه" بمعنى له. هذا كله معنى قول ابن عباس والحسن وقتادة والسدي وابن زيد. والتقدير عند جميعهم: لستم تضلون أحداً إلا من سبق في علم الله أنه من أهل الشقاء وأهل النار. وفي هذه الآية رد على القدرية لأن الضلال والهدى كل بمشيئة الله وقضائه، خلق هؤلاء للجنة وهؤلاء للشقاء، فالشياطين لا تضل إلا من كتب الله عليه أنه لا يهتدي. فأما من تقدم له في علم الله الهدى فإنه تعالى يحول بينهم وبينه فلا يصلون إلى إضلاله. قال عمر بن عبد العزيز: لو أراد الله أن لا يُعْصَى لم يخلق إبليس وإنه لبَيِّنٌ في كتاب الله في آية علمها من علمها وجهلها من جهلها، ثم قرأ: ﴿فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ * مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ * إِلاَّ مَنْ هُوَ صَالِ ٱلْجَحِيمِ﴾. وقوله: "صال الجحيم" أصله صالي بالياء، ولكن كتب على لفظ الوصل، ولا يحسن الوقف عليه، فإن وقف عليه واقف، فمن القراء من يكره مخالفة الشواذ فيقف بغير ياء. ومذهب سلام ويعقوب: أن يقف عليه بالياء على الأصل، لأن العلة التي من أجلها حذفت الياء قد زالت بالوقف. وقرأ الحسن: "صال الجحيم". على أن يرده على معنى "من" فيجمع بالواو والنون، وتحذف النون للإضافة والواو لالتقاء الساكنين في الوصل. ولا تجوز هذه القراءة على غير هذه الأشياء. ذكر بعض النحويين: أن يكون قرأه على القلب كأنه رد لام الفعل، وهي الياء في الواحد قبل اللام، فصار الإعراب (في اللام)، فضمت ثم حذفت الياء، وهذا بعيد. ثم قال (تعالى): ﴿وَمَا مِنَّآ إِلاَّ لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ﴾. التقدير عند الكوفيين: وما منا إلا من له مقام، ثم حذفت من. ولا يجوز هذا عند البصريين لأنه حذف موصول وترك صلته. والتقدير عند البصريين: وما منا ملك إلا له مقام. وهذا خبر من الله جل ذكره عن قول الملائكة، أي قالوا: وما منا معشر الملائكة إلا ملك له مقام معلوم في السماء. ثم قال تعالى حكاية عن قول الملائكة: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ ٱلصَّآفُّونَ﴾ روت عائشة رضي الله عنها أن النبي ﷺ قال: "مَا فِي السَّمَاءِ مَوْضِعُ قَدَمٍ إِلاَّ عََلَيْهِ (مَلَكٌ) سَاجِدٌ أَوْ قَائِمٌ فالمعنى أنهم قالوا: وإنا لنحن الصافون لله بعبادته. ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ ٱلْمُسَبِّحُونَ﴾ أي: المصلون له. قال عبد الله بن مسعود وابن عباس: ما من السماوات سماء إلا وما فيها موضع شبر، إلا وعليه جبهة ملك، أو قدماه، ثم قرأ: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ ٱلصَّآفُّونَ * وَإِنَّا لَنَحْنُ ٱلْمُسَبِّحُونَ﴾. ومعنى الكلام من أوله: أن الملائكة استعظمت فعل من يعبدها وتعجبت من ذلك وتبرأت منه، فقالت: "وما منا إلا له مقام معلوم ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ ٱلصَّآفُّونَ﴾ ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ ٱلْمُسَبِّحُونَ﴾"، فكيف يُعْبَدُ من هو على هذه الحال. ثم قال (تعالى): ﴿وَإِن كَانُواْ لَيَقُولُونَ * لَوْ أَنَّ عِندَنَا ذِكْراً مِّنَ ٱلأَوَّلِينَ * لَكُنَّا عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلْمُخْلَصِينَ﴾ أي: قالت قريش قبل مبعث النبي ﷺ لو أن عندنا ذكراً من الأولين، أي: كتاباً من السماء فيه ذكر الأمم الماضية كالتوراة والإنجيل، فلما جاءهم ذلك كفروا به. * * ثم قال: ﴿لَكُنَّا عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلْمُخْلَصِينَ﴾ (أي): الذين أخلصوا لله الطاعة. هذا على قراءة من كسر اللام. ومن فتحها فمعناه: لكنا عباد الله الذين أخلصهم الله واختارهم لطاعته. قال قتادة: قالت هذه الأمة ذلك قبل مبعث النبي ﷺ، فلما جاءهم الكتاب والنبي كفروا به. قال الضحاك: هذا قول مشركي أهل مكة، فلما جاءهم ذِكْرُ الأولين والآخرين كفروا به، فسوف يعلمون، (أي: يعلمون) ما لهم من العقاب على كفرهم. فالهاء في "به" تعود على القرآن وهو الذكر. وقيل: على محمد ﷺ. ثم قال (تعالى ذكره): ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا ٱلْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ ٱلْمَنصُورُونَ﴾ أي: سبق القضاء في أم الكتاب ووجب القول من الله أن المرسلين هم المنصورون على من ناوأهم بالحجج والغلبة، قاله قتادة والسدي. وقال الفراء: لهم المنصورون بالشفاعة. * * ثم قال: ﴿وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ ٱلْغَالِبُونَ﴾ أي: حزب الله هم الغالبون حزب الشيطان بالحجج والغلبة والظفر. * * ثم قال: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّىٰ حِينٍ﴾. قال قتادة: "حتى حين": إلى الموت. وقال السدي: إلى يوم بدر. * * ثم قال: ﴿وَأَبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ أي: انظرهم وأخرهم فسوف يرون ما يحل بهم من العقاب.

الصافات 37:152

قوله (تعالى ذكره): ﴿أَمْ خَلَقْنَا ٱلْمَلاَئِكَةَ إِنَاثاً﴾ إلى قوله: ﴿فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾. أي: أم شهد هؤلاء القائلون: إن الملائكة بنات (الله)، خلق الله الملائكة إناثاً. هذا كله على التقرير والتوبيخ. * * ثم قال: ﴿أَلاَ إِنَّهُم مِّنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ * وَلَدَ ٱللَّهُ﴾ أي: ألا إن هؤلاء المشركين من كذبهم ليقولن ولد الله، وهو جعلهم الملائكة بنات الله. * * ثم قال: ﴿أَصْطَفَى ٱلْبَنَاتِ عَلَىٰ ٱلْبَنِينَ﴾ هذا أيضاً توبيخ لهم، والمعنى عند الزجاج: سلهم هل اصطفى البنات على البنين. * * ثم قال: ﴿مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾. هذا أيضاً تقريع وتوبيخ ومعناه: بئس الحكم تحكمون أيها القوم، أن يكون لله البنات ولكم البنون، فأنتم لا ترضون البنات لأنفسكم فتجعلون لله ما لا ترضون به لأنفسكم. * * ثم قال: ﴿أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ﴾ أي: تتدبرون ما تقولون فتعرفون خطأه فتنتهون عنه. ﴿أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُّبِينٌ﴾ أي: حجة ظاهرة على ما تقولون. قال قتادة: "سلطان مبين" عُذْرٌ بَيِّنٌ. ﴿فَأْتُواْ بِكِتَابِكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ أي: فأتوا بحجتكم من كتاب جاءكم من عند الله بما قلتم من الإفك إن كنتم صادقين فيما قلتم. * * ثم قال: ﴿وَجَعَلُواْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ ٱلْجِنَّةِ نَسَباً﴾. قال ابن عباس: زعم أعداء الله أنه جل ثناؤه وإبليس أخوان. وكذلك قال الضحاك. وقال غيرهما: الجِنَّة هنا الملائكة، جعلهم كفار قريش بنات الله جل عن ذلك وتعالى، وهو قول مجاهد والسدي. وروي أن أبا بكر قال لقريش: من أمهاتهن؟ فقالوا: سَرَوَاتُ الجِنِّ. وقال قتادة: قالت اليهود: إن الله جل ذكره تزوج إلى الجنة فخرج بينهم الملائكة. فسميت الملائكة جِنة لأنهم لا يُرَون. وقال السدي: سموا بذلك لأنهم على الجنان. [ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمَتِ ٱلجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ﴾ أي: ولقد علمت الملائكة أن الذين قالوا هذا لمُشْهِدُون الحساب والنار ومعذبون]. * * ثم قال: ﴿سُبْحَانَ ٱللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ أي: تنزيهاً له وبراءة عما يقولون ويفترون. * * ثم قال: ﴿إِلاَّ عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلْمُخْلَصِينَ﴾ أي: إلا عباد الله الذين أخلصهم لرحمته، فإنهم لا يحضرون العذاب. ثم قال (تعالى): ﴿فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ * مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ * إِلاَّ مَنْ هُوَ صَالِ ٱلْجَحِيمِ﴾ أي: فإنكم أيها المشركون وما تعبدون من الآلهة ما أنتم على ما تعبدون من ذلك بفاتنين، أي: بمضلين من أحد إلا من هو صالِ الجحيم، أي: من سبق له في علم الله أنه يضل فيدخل النار. وقيل: "عليه" في قوله "ما أنتم عليه" بمعنى له. هذا كله معنى قول ابن عباس والحسن وقتادة والسدي وابن زيد. والتقدير عند جميعهم: لستم تضلون أحداً إلا من سبق في علم الله أنه من أهل الشقاء وأهل النار. وفي هذه الآية رد على القدرية لأن الضلال والهدى كل بمشيئة الله وقضائه، خلق هؤلاء للجنة وهؤلاء للشقاء، فالشياطين لا تضل إلا من كتب الله عليه أنه لا يهتدي. فأما من تقدم له في علم الله الهدى فإنه تعالى يحول بينهم وبينه فلا يصلون إلى إضلاله. قال عمر بن عبد العزيز: لو أراد الله أن لا يُعْصَى لم يخلق إبليس وإنه لبَيِّنٌ في كتاب الله في آية علمها من علمها وجهلها من جهلها، ثم قرأ: ﴿فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ * مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ * إِلاَّ مَنْ هُوَ صَالِ ٱلْجَحِيمِ﴾. وقوله: "صال الجحيم" أصله صالي بالياء، ولكن كتب على لفظ الوصل، ولا يحسن الوقف عليه، فإن وقف عليه واقف، فمن القراء من يكره مخالفة الشواذ فيقف بغير ياء. ومذهب سلام ويعقوب: أن يقف عليه بالياء على الأصل، لأن العلة التي من أجلها حذفت الياء قد زالت بالوقف. وقرأ الحسن: "صال الجحيم". على أن يرده على معنى "من" فيجمع بالواو والنون، وتحذف النون للإضافة والواو لالتقاء الساكنين في الوصل. ولا تجوز هذه القراءة على غير هذه الأشياء. ذكر بعض النحويين: أن يكون قرأه على القلب كأنه رد لام الفعل، وهي الياء في الواحد قبل اللام، فصار الإعراب (في اللام)، فضمت ثم حذفت الياء، وهذا بعيد. ثم قال (تعالى): ﴿وَمَا مِنَّآ إِلاَّ لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ﴾. التقدير عند الكوفيين: وما منا إلا من له مقام، ثم حذفت من. ولا يجوز هذا عند البصريين لأنه حذف موصول وترك صلته. والتقدير عند البصريين: وما منا ملك إلا له مقام. وهذا خبر من الله جل ذكره عن قول الملائكة، أي قالوا: وما منا معشر الملائكة إلا ملك له مقام معلوم في السماء. ثم قال تعالى حكاية عن قول الملائكة: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ ٱلصَّآفُّونَ﴾ روت عائشة رضي الله عنها أن النبي ﷺ قال: "مَا فِي السَّمَاءِ مَوْضِعُ قَدَمٍ إِلاَّ عََلَيْهِ (مَلَكٌ) سَاجِدٌ أَوْ قَائِمٌ فالمعنى أنهم قالوا: وإنا لنحن الصافون لله بعبادته. ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ ٱلْمُسَبِّحُونَ﴾ أي: المصلون له. قال عبد الله بن مسعود وابن عباس: ما من السماوات سماء إلا وما فيها موضع شبر، إلا وعليه جبهة ملك، أو قدماه، ثم قرأ: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ ٱلصَّآفُّونَ * وَإِنَّا لَنَحْنُ ٱلْمُسَبِّحُونَ﴾. ومعنى الكلام من أوله: أن الملائكة استعظمت فعل من يعبدها وتعجبت من ذلك وتبرأت منه، فقالت: "وما منا إلا له مقام معلوم ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ ٱلصَّآفُّونَ﴾ ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ ٱلْمُسَبِّحُونَ﴾"، فكيف يُعْبَدُ من هو على هذه الحال. ثم قال (تعالى): ﴿وَإِن كَانُواْ لَيَقُولُونَ * لَوْ أَنَّ عِندَنَا ذِكْراً مِّنَ ٱلأَوَّلِينَ * لَكُنَّا عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلْمُخْلَصِينَ﴾ أي: قالت قريش قبل مبعث النبي ﷺ لو أن عندنا ذكراً من الأولين، أي: كتاباً من السماء فيه ذكر الأمم الماضية كالتوراة والإنجيل، فلما جاءهم ذلك كفروا به. * * ثم قال: ﴿لَكُنَّا عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلْمُخْلَصِينَ﴾ (أي): الذين أخلصوا لله الطاعة. هذا على قراءة من كسر اللام. ومن فتحها فمعناه: لكنا عباد الله الذين أخلصهم الله واختارهم لطاعته. قال قتادة: قالت هذه الأمة ذلك قبل مبعث النبي ﷺ، فلما جاءهم الكتاب والنبي كفروا به. قال الضحاك: هذا قول مشركي أهل مكة، فلما جاءهم ذِكْرُ الأولين والآخرين كفروا به، فسوف يعلمون، (أي: يعلمون) ما لهم من العقاب على كفرهم. فالهاء في "به" تعود على القرآن وهو الذكر. وقيل: على محمد ﷺ. ثم قال (تعالى ذكره): ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا ٱلْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ ٱلْمَنصُورُونَ﴾ أي: سبق القضاء في أم الكتاب ووجب القول من الله أن المرسلين هم المنصورون على من ناوأهم بالحجج والغلبة، قاله قتادة والسدي. وقال الفراء: لهم المنصورون بالشفاعة. * * ثم قال: ﴿وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ ٱلْغَالِبُونَ﴾ أي: حزب الله هم الغالبون حزب الشيطان بالحجج والغلبة والظفر. * * ثم قال: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّىٰ حِينٍ﴾. قال قتادة: "حتى حين": إلى الموت. وقال السدي: إلى يوم بدر. * * ثم قال: ﴿وَأَبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ أي: انظرهم وأخرهم فسوف يرون ما يحل بهم من العقاب.