Lafzullah

Tafsir Makhi — الصافات 37:153 – ص 38:25

المؤلف / المصدر: Tafsir Makhi

المحتويات
  1. الصافات 37:153
  2. الصافات 37:154
  3. الصافات 37:155
  4. الصافات 37:156
  5. الصافات 37:157
  6. الصافات 37:158
  7. الصافات 37:159
  8. الصافات 37:160
  9. الصافات 37:161
  10. الصافات 37:162
  11. الصافات 37:163
  12. الصافات 37:164
  13. الصافات 37:165
  14. الصافات 37:166
  15. الصافات 37:167
  16. الصافات 37:168
  17. الصافات 37:169
  18. الصافات 37:170
  19. الصافات 37:171
  20. الصافات 37:172
  21. الصافات 37:173
  22. الصافات 37:174
  23. الصافات 37:175
  24. الصافات 37:176
  25. الصافات 37:177
  26. الصافات 37:178
  27. الصافات 37:179
  28. الصافات 37:180
  29. الصافات 37:181
  30. الصافات 37:182
  31. ص 38:1
  32. ص 38:2
  33. ص 38:3
  34. ص 38:4
  35. ص 38:5
  36. ص 38:6
  37. ص 38:7
  38. ص 38:8
  39. ص 38:9
  40. ص 38:10
  41. ص 38:11
  42. ص 38:12
  43. ص 38:13
  44. ص 38:14
  45. ص 38:15
  46. ص 38:16
  47. ص 38:17
  48. ص 38:18
  49. ص 38:19
  50. ص 38:20
  51. ص 38:21
  52. ص 38:22
  53. ص 38:23
  54. ص 38:24
  55. ص 38:25

الصافات 37:153

قوله (تعالى ذكره): ﴿أَمْ خَلَقْنَا ٱلْمَلاَئِكَةَ إِنَاثاً﴾ إلى قوله: ﴿فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾. أي: أم شهد هؤلاء القائلون: إن الملائكة بنات (الله)، خلق الله الملائكة إناثاً. هذا كله على التقرير والتوبيخ. * * ثم قال: ﴿أَلاَ إِنَّهُم مِّنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ * وَلَدَ ٱللَّهُ﴾ أي: ألا إن هؤلاء المشركين من كذبهم ليقولن ولد الله، وهو جعلهم الملائكة بنات الله. * * ثم قال: ﴿أَصْطَفَى ٱلْبَنَاتِ عَلَىٰ ٱلْبَنِينَ﴾ هذا أيضاً توبيخ لهم، والمعنى عند الزجاج: سلهم هل اصطفى البنات على البنين. * * ثم قال: ﴿مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾. هذا أيضاً تقريع وتوبيخ ومعناه: بئس الحكم تحكمون أيها القوم، أن يكون لله البنات ولكم البنون، فأنتم لا ترضون البنات لأنفسكم فتجعلون لله ما لا ترضون به لأنفسكم. * * ثم قال: ﴿أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ﴾ أي: تتدبرون ما تقولون فتعرفون خطأه فتنتهون عنه. ﴿أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُّبِينٌ﴾ أي: حجة ظاهرة على ما تقولون. قال قتادة: "سلطان مبين" عُذْرٌ بَيِّنٌ. ﴿فَأْتُواْ بِكِتَابِكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ أي: فأتوا بحجتكم من كتاب جاءكم من عند الله بما قلتم من الإفك إن كنتم صادقين فيما قلتم. * * ثم قال: ﴿وَجَعَلُواْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ ٱلْجِنَّةِ نَسَباً﴾. قال ابن عباس: زعم أعداء الله أنه جل ثناؤه وإبليس أخوان. وكذلك قال الضحاك. وقال غيرهما: الجِنَّة هنا الملائكة، جعلهم كفار قريش بنات الله جل عن ذلك وتعالى، وهو قول مجاهد والسدي. وروي أن أبا بكر قال لقريش: من أمهاتهن؟ فقالوا: سَرَوَاتُ الجِنِّ. وقال قتادة: قالت اليهود: إن الله جل ذكره تزوج إلى الجنة فخرج بينهم الملائكة. فسميت الملائكة جِنة لأنهم لا يُرَون. وقال السدي: سموا بذلك لأنهم على الجنان. [ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمَتِ ٱلجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ﴾ أي: ولقد علمت الملائكة أن الذين قالوا هذا لمُشْهِدُون الحساب والنار ومعذبون]. * * ثم قال: ﴿سُبْحَانَ ٱللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ أي: تنزيهاً له وبراءة عما يقولون ويفترون. * * ثم قال: ﴿إِلاَّ عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلْمُخْلَصِينَ﴾ أي: إلا عباد الله الذين أخلصهم لرحمته، فإنهم لا يحضرون العذاب. ثم قال (تعالى): ﴿فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ * مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ * إِلاَّ مَنْ هُوَ صَالِ ٱلْجَحِيمِ﴾ أي: فإنكم أيها المشركون وما تعبدون من الآلهة ما أنتم على ما تعبدون من ذلك بفاتنين، أي: بمضلين من أحد إلا من هو صالِ الجحيم، أي: من سبق له في علم الله أنه يضل فيدخل النار. وقيل: "عليه" في قوله "ما أنتم عليه" بمعنى له. هذا كله معنى قول ابن عباس والحسن وقتادة والسدي وابن زيد. والتقدير عند جميعهم: لستم تضلون أحداً إلا من سبق في علم الله أنه من أهل الشقاء وأهل النار. وفي هذه الآية رد على القدرية لأن الضلال والهدى كل بمشيئة الله وقضائه، خلق هؤلاء للجنة وهؤلاء للشقاء، فالشياطين لا تضل إلا من كتب الله عليه أنه لا يهتدي. فأما من تقدم له في علم الله الهدى فإنه تعالى يحول بينهم وبينه فلا يصلون إلى إضلاله. قال عمر بن عبد العزيز: لو أراد الله أن لا يُعْصَى لم يخلق إبليس وإنه لبَيِّنٌ في كتاب الله في آية علمها من علمها وجهلها من جهلها، ثم قرأ: ﴿فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ * مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ * إِلاَّ مَنْ هُوَ صَالِ ٱلْجَحِيمِ﴾. وقوله: "صال الجحيم" أصله صالي بالياء، ولكن كتب على لفظ الوصل، ولا يحسن الوقف عليه، فإن وقف عليه واقف، فمن القراء من يكره مخالفة الشواذ فيقف بغير ياء. ومذهب سلام ويعقوب: أن يقف عليه بالياء على الأصل، لأن العلة التي من أجلها حذفت الياء قد زالت بالوقف. وقرأ الحسن: "صال الجحيم". على أن يرده على معنى "من" فيجمع بالواو والنون، وتحذف النون للإضافة والواو لالتقاء الساكنين في الوصل. ولا تجوز هذه القراءة على غير هذه الأشياء. ذكر بعض النحويين: أن يكون قرأه على القلب كأنه رد لام الفعل، وهي الياء في الواحد قبل اللام، فصار الإعراب (في اللام)، فضمت ثم حذفت الياء، وهذا بعيد. ثم قال (تعالى): ﴿وَمَا مِنَّآ إِلاَّ لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ﴾. التقدير عند الكوفيين: وما منا إلا من له مقام، ثم حذفت من. ولا يجوز هذا عند البصريين لأنه حذف موصول وترك صلته. والتقدير عند البصريين: وما منا ملك إلا له مقام. وهذا خبر من الله جل ذكره عن قول الملائكة، أي قالوا: وما منا معشر الملائكة إلا ملك له مقام معلوم في السماء. ثم قال تعالى حكاية عن قول الملائكة: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ ٱلصَّآفُّونَ﴾ روت عائشة رضي الله عنها أن النبي ﷺ قال: "مَا فِي السَّمَاءِ مَوْضِعُ قَدَمٍ إِلاَّ عََلَيْهِ (مَلَكٌ) سَاجِدٌ أَوْ قَائِمٌ فالمعنى أنهم قالوا: وإنا لنحن الصافون لله بعبادته. ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ ٱلْمُسَبِّحُونَ﴾ أي: المصلون له. قال عبد الله بن مسعود وابن عباس: ما من السماوات سماء إلا وما فيها موضع شبر، إلا وعليه جبهة ملك، أو قدماه، ثم قرأ: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ ٱلصَّآفُّونَ * وَإِنَّا لَنَحْنُ ٱلْمُسَبِّحُونَ﴾. ومعنى الكلام من أوله: أن الملائكة استعظمت فعل من يعبدها وتعجبت من ذلك وتبرأت منه، فقالت: "وما منا إلا له مقام معلوم ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ ٱلصَّآفُّونَ﴾ ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ ٱلْمُسَبِّحُونَ﴾"، فكيف يُعْبَدُ من هو على هذه الحال. ثم قال (تعالى): ﴿وَإِن كَانُواْ لَيَقُولُونَ * لَوْ أَنَّ عِندَنَا ذِكْراً مِّنَ ٱلأَوَّلِينَ * لَكُنَّا عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلْمُخْلَصِينَ﴾ أي: قالت قريش قبل مبعث النبي ﷺ لو أن عندنا ذكراً من الأولين، أي: كتاباً من السماء فيه ذكر الأمم الماضية كالتوراة والإنجيل، فلما جاءهم ذلك كفروا به. * * ثم قال: ﴿لَكُنَّا عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلْمُخْلَصِينَ﴾ (أي): الذين أخلصوا لله الطاعة. هذا على قراءة من كسر اللام. ومن فتحها فمعناه: لكنا عباد الله الذين أخلصهم الله واختارهم لطاعته. قال قتادة: قالت هذه الأمة ذلك قبل مبعث النبي ﷺ، فلما جاءهم الكتاب والنبي كفروا به. قال الضحاك: هذا قول مشركي أهل مكة، فلما جاءهم ذِكْرُ الأولين والآخرين كفروا به، فسوف يعلمون، (أي: يعلمون) ما لهم من العقاب على كفرهم. فالهاء في "به" تعود على القرآن وهو الذكر. وقيل: على محمد ﷺ. ثم قال (تعالى ذكره): ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا ٱلْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ ٱلْمَنصُورُونَ﴾ أي: سبق القضاء في أم الكتاب ووجب القول من الله أن المرسلين هم المنصورون على من ناوأهم بالحجج والغلبة، قاله قتادة والسدي. وقال الفراء: لهم المنصورون بالشفاعة. * * ثم قال: ﴿وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ ٱلْغَالِبُونَ﴾ أي: حزب الله هم الغالبون حزب الشيطان بالحجج والغلبة والظفر. * * ثم قال: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّىٰ حِينٍ﴾. قال قتادة: "حتى حين": إلى الموت. وقال السدي: إلى يوم بدر. * * ثم قال: ﴿وَأَبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ أي: انظرهم وأخرهم فسوف يرون ما يحل بهم من العقاب.

الصافات 37:154

قوله (تعالى ذكره): ﴿أَمْ خَلَقْنَا ٱلْمَلاَئِكَةَ إِنَاثاً﴾ إلى قوله: ﴿فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾. أي: أم شهد هؤلاء القائلون: إن الملائكة بنات (الله)، خلق الله الملائكة إناثاً. هذا كله على التقرير والتوبيخ. * * ثم قال: ﴿أَلاَ إِنَّهُم مِّنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ * وَلَدَ ٱللَّهُ﴾ أي: ألا إن هؤلاء المشركين من كذبهم ليقولن ولد الله، وهو جعلهم الملائكة بنات الله. * * ثم قال: ﴿أَصْطَفَى ٱلْبَنَاتِ عَلَىٰ ٱلْبَنِينَ﴾ هذا أيضاً توبيخ لهم، والمعنى عند الزجاج: سلهم هل اصطفى البنات على البنين. * * ثم قال: ﴿مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾. هذا أيضاً تقريع وتوبيخ ومعناه: بئس الحكم تحكمون أيها القوم، أن يكون لله البنات ولكم البنون، فأنتم لا ترضون البنات لأنفسكم فتجعلون لله ما لا ترضون به لأنفسكم. * * ثم قال: ﴿أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ﴾ أي: تتدبرون ما تقولون فتعرفون خطأه فتنتهون عنه. ﴿أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُّبِينٌ﴾ أي: حجة ظاهرة على ما تقولون. قال قتادة: "سلطان مبين" عُذْرٌ بَيِّنٌ. ﴿فَأْتُواْ بِكِتَابِكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ أي: فأتوا بحجتكم من كتاب جاءكم من عند الله بما قلتم من الإفك إن كنتم صادقين فيما قلتم. * * ثم قال: ﴿وَجَعَلُواْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ ٱلْجِنَّةِ نَسَباً﴾. قال ابن عباس: زعم أعداء الله أنه جل ثناؤه وإبليس أخوان. وكذلك قال الضحاك. وقال غيرهما: الجِنَّة هنا الملائكة، جعلهم كفار قريش بنات الله جل عن ذلك وتعالى، وهو قول مجاهد والسدي. وروي أن أبا بكر قال لقريش: من أمهاتهن؟ فقالوا: سَرَوَاتُ الجِنِّ. وقال قتادة: قالت اليهود: إن الله جل ذكره تزوج إلى الجنة فخرج بينهم الملائكة. فسميت الملائكة جِنة لأنهم لا يُرَون. وقال السدي: سموا بذلك لأنهم على الجنان. [ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمَتِ ٱلجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ﴾ أي: ولقد علمت الملائكة أن الذين قالوا هذا لمُشْهِدُون الحساب والنار ومعذبون]. * * ثم قال: ﴿سُبْحَانَ ٱللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ أي: تنزيهاً له وبراءة عما يقولون ويفترون. * * ثم قال: ﴿إِلاَّ عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلْمُخْلَصِينَ﴾ أي: إلا عباد الله الذين أخلصهم لرحمته، فإنهم لا يحضرون العذاب. ثم قال (تعالى): ﴿فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ * مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ * إِلاَّ مَنْ هُوَ صَالِ ٱلْجَحِيمِ﴾ أي: فإنكم أيها المشركون وما تعبدون من الآلهة ما أنتم على ما تعبدون من ذلك بفاتنين، أي: بمضلين من أحد إلا من هو صالِ الجحيم، أي: من سبق له في علم الله أنه يضل فيدخل النار. وقيل: "عليه" في قوله "ما أنتم عليه" بمعنى له. هذا كله معنى قول ابن عباس والحسن وقتادة والسدي وابن زيد. والتقدير عند جميعهم: لستم تضلون أحداً إلا من سبق في علم الله أنه من أهل الشقاء وأهل النار. وفي هذه الآية رد على القدرية لأن الضلال والهدى كل بمشيئة الله وقضائه، خلق هؤلاء للجنة وهؤلاء للشقاء، فالشياطين لا تضل إلا من كتب الله عليه أنه لا يهتدي. فأما من تقدم له في علم الله الهدى فإنه تعالى يحول بينهم وبينه فلا يصلون إلى إضلاله. قال عمر بن عبد العزيز: لو أراد الله أن لا يُعْصَى لم يخلق إبليس وإنه لبَيِّنٌ في كتاب الله في آية علمها من علمها وجهلها من جهلها، ثم قرأ: ﴿فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ * مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ * إِلاَّ مَنْ هُوَ صَالِ ٱلْجَحِيمِ﴾. وقوله: "صال الجحيم" أصله صالي بالياء، ولكن كتب على لفظ الوصل، ولا يحسن الوقف عليه، فإن وقف عليه واقف، فمن القراء من يكره مخالفة الشواذ فيقف بغير ياء. ومذهب سلام ويعقوب: أن يقف عليه بالياء على الأصل، لأن العلة التي من أجلها حذفت الياء قد زالت بالوقف. وقرأ الحسن: "صال الجحيم". على أن يرده على معنى "من" فيجمع بالواو والنون، وتحذف النون للإضافة والواو لالتقاء الساكنين في الوصل. ولا تجوز هذه القراءة على غير هذه الأشياء. ذكر بعض النحويين: أن يكون قرأه على القلب كأنه رد لام الفعل، وهي الياء في الواحد قبل اللام، فصار الإعراب (في اللام)، فضمت ثم حذفت الياء، وهذا بعيد. ثم قال (تعالى): ﴿وَمَا مِنَّآ إِلاَّ لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ﴾. التقدير عند الكوفيين: وما منا إلا من له مقام، ثم حذفت من. ولا يجوز هذا عند البصريين لأنه حذف موصول وترك صلته. والتقدير عند البصريين: وما منا ملك إلا له مقام. وهذا خبر من الله جل ذكره عن قول الملائكة، أي قالوا: وما منا معشر الملائكة إلا ملك له مقام معلوم في السماء. ثم قال تعالى حكاية عن قول الملائكة: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ ٱلصَّآفُّونَ﴾ روت عائشة رضي الله عنها أن النبي ﷺ قال: "مَا فِي السَّمَاءِ مَوْضِعُ قَدَمٍ إِلاَّ عََلَيْهِ (مَلَكٌ) سَاجِدٌ أَوْ قَائِمٌ فالمعنى أنهم قالوا: وإنا لنحن الصافون لله بعبادته. ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ ٱلْمُسَبِّحُونَ﴾ أي: المصلون له. قال عبد الله بن مسعود وابن عباس: ما من السماوات سماء إلا وما فيها موضع شبر، إلا وعليه جبهة ملك، أو قدماه، ثم قرأ: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ ٱلصَّآفُّونَ * وَإِنَّا لَنَحْنُ ٱلْمُسَبِّحُونَ﴾. ومعنى الكلام من أوله: أن الملائكة استعظمت فعل من يعبدها وتعجبت من ذلك وتبرأت منه، فقالت: "وما منا إلا له مقام معلوم ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ ٱلصَّآفُّونَ﴾ ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ ٱلْمُسَبِّحُونَ﴾"، فكيف يُعْبَدُ من هو على هذه الحال. ثم قال (تعالى): ﴿وَإِن كَانُواْ لَيَقُولُونَ * لَوْ أَنَّ عِندَنَا ذِكْراً مِّنَ ٱلأَوَّلِينَ * لَكُنَّا عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلْمُخْلَصِينَ﴾ أي: قالت قريش قبل مبعث النبي ﷺ لو أن عندنا ذكراً من الأولين، أي: كتاباً من السماء فيه ذكر الأمم الماضية كالتوراة والإنجيل، فلما جاءهم ذلك كفروا به. * * ثم قال: ﴿لَكُنَّا عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلْمُخْلَصِينَ﴾ (أي): الذين أخلصوا لله الطاعة. هذا على قراءة من كسر اللام. ومن فتحها فمعناه: لكنا عباد الله الذين أخلصهم الله واختارهم لطاعته. قال قتادة: قالت هذه الأمة ذلك قبل مبعث النبي ﷺ، فلما جاءهم الكتاب والنبي كفروا به. قال الضحاك: هذا قول مشركي أهل مكة، فلما جاءهم ذِكْرُ الأولين والآخرين كفروا به، فسوف يعلمون، (أي: يعلمون) ما لهم من العقاب على كفرهم. فالهاء في "به" تعود على القرآن وهو الذكر. وقيل: على محمد ﷺ. ثم قال (تعالى ذكره): ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا ٱلْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ ٱلْمَنصُورُونَ﴾ أي: سبق القضاء في أم الكتاب ووجب القول من الله أن المرسلين هم المنصورون على من ناوأهم بالحجج والغلبة، قاله قتادة والسدي. وقال الفراء: لهم المنصورون بالشفاعة. * * ثم قال: ﴿وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ ٱلْغَالِبُونَ﴾ أي: حزب الله هم الغالبون حزب الشيطان بالحجج والغلبة والظفر. * * ثم قال: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّىٰ حِينٍ﴾. قال قتادة: "حتى حين": إلى الموت. وقال السدي: إلى يوم بدر. * * ثم قال: ﴿وَأَبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ أي: انظرهم وأخرهم فسوف يرون ما يحل بهم من العقاب.

الصافات 37:155

قوله (تعالى ذكره): ﴿أَمْ خَلَقْنَا ٱلْمَلاَئِكَةَ إِنَاثاً﴾ إلى قوله: ﴿فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾. أي: أم شهد هؤلاء القائلون: إن الملائكة بنات (الله)، خلق الله الملائكة إناثاً. هذا كله على التقرير والتوبيخ. * * ثم قال: ﴿أَلاَ إِنَّهُم مِّنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ * وَلَدَ ٱللَّهُ﴾ أي: ألا إن هؤلاء المشركين من كذبهم ليقولن ولد الله، وهو جعلهم الملائكة بنات الله. * * ثم قال: ﴿أَصْطَفَى ٱلْبَنَاتِ عَلَىٰ ٱلْبَنِينَ﴾ هذا أيضاً توبيخ لهم، والمعنى عند الزجاج: سلهم هل اصطفى البنات على البنين. * * ثم قال: ﴿مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾. هذا أيضاً تقريع وتوبيخ ومعناه: بئس الحكم تحكمون أيها القوم، أن يكون لله البنات ولكم البنون، فأنتم لا ترضون البنات لأنفسكم فتجعلون لله ما لا ترضون به لأنفسكم. * * ثم قال: ﴿أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ﴾ أي: تتدبرون ما تقولون فتعرفون خطأه فتنتهون عنه. ﴿أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُّبِينٌ﴾ أي: حجة ظاهرة على ما تقولون. قال قتادة: "سلطان مبين" عُذْرٌ بَيِّنٌ. ﴿فَأْتُواْ بِكِتَابِكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ أي: فأتوا بحجتكم من كتاب جاءكم من عند الله بما قلتم من الإفك إن كنتم صادقين فيما قلتم. * * ثم قال: ﴿وَجَعَلُواْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ ٱلْجِنَّةِ نَسَباً﴾. قال ابن عباس: زعم أعداء الله أنه جل ثناؤه وإبليس أخوان. وكذلك قال الضحاك. وقال غيرهما: الجِنَّة هنا الملائكة، جعلهم كفار قريش بنات الله جل عن ذلك وتعالى، وهو قول مجاهد والسدي. وروي أن أبا بكر قال لقريش: من أمهاتهن؟ فقالوا: سَرَوَاتُ الجِنِّ. وقال قتادة: قالت اليهود: إن الله جل ذكره تزوج إلى الجنة فخرج بينهم الملائكة. فسميت الملائكة جِنة لأنهم لا يُرَون. وقال السدي: سموا بذلك لأنهم على الجنان. [ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمَتِ ٱلجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ﴾ أي: ولقد علمت الملائكة أن الذين قالوا هذا لمُشْهِدُون الحساب والنار ومعذبون]. * * ثم قال: ﴿سُبْحَانَ ٱللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ أي: تنزيهاً له وبراءة عما يقولون ويفترون. * * ثم قال: ﴿إِلاَّ عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلْمُخْلَصِينَ﴾ أي: إلا عباد الله الذين أخلصهم لرحمته، فإنهم لا يحضرون العذاب. ثم قال (تعالى): ﴿فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ * مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ * إِلاَّ مَنْ هُوَ صَالِ ٱلْجَحِيمِ﴾ أي: فإنكم أيها المشركون وما تعبدون من الآلهة ما أنتم على ما تعبدون من ذلك بفاتنين، أي: بمضلين من أحد إلا من هو صالِ الجحيم، أي: من سبق له في علم الله أنه يضل فيدخل النار. وقيل: "عليه" في قوله "ما أنتم عليه" بمعنى له. هذا كله معنى قول ابن عباس والحسن وقتادة والسدي وابن زيد. والتقدير عند جميعهم: لستم تضلون أحداً إلا من سبق في علم الله أنه من أهل الشقاء وأهل النار. وفي هذه الآية رد على القدرية لأن الضلال والهدى كل بمشيئة الله وقضائه، خلق هؤلاء للجنة وهؤلاء للشقاء، فالشياطين لا تضل إلا من كتب الله عليه أنه لا يهتدي. فأما من تقدم له في علم الله الهدى فإنه تعالى يحول بينهم وبينه فلا يصلون إلى إضلاله. قال عمر بن عبد العزيز: لو أراد الله أن لا يُعْصَى لم يخلق إبليس وإنه لبَيِّنٌ في كتاب الله في آية علمها من علمها وجهلها من جهلها، ثم قرأ: ﴿فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ * مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ * إِلاَّ مَنْ هُوَ صَالِ ٱلْجَحِيمِ﴾. وقوله: "صال الجحيم" أصله صالي بالياء، ولكن كتب على لفظ الوصل، ولا يحسن الوقف عليه، فإن وقف عليه واقف، فمن القراء من يكره مخالفة الشواذ فيقف بغير ياء. ومذهب سلام ويعقوب: أن يقف عليه بالياء على الأصل، لأن العلة التي من أجلها حذفت الياء قد زالت بالوقف. وقرأ الحسن: "صال الجحيم". على أن يرده على معنى "من" فيجمع بالواو والنون، وتحذف النون للإضافة والواو لالتقاء الساكنين في الوصل. ولا تجوز هذه القراءة على غير هذه الأشياء. ذكر بعض النحويين: أن يكون قرأه على القلب كأنه رد لام الفعل، وهي الياء في الواحد قبل اللام، فصار الإعراب (في اللام)، فضمت ثم حذفت الياء، وهذا بعيد. ثم قال (تعالى): ﴿وَمَا مِنَّآ إِلاَّ لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ﴾. التقدير عند الكوفيين: وما منا إلا من له مقام، ثم حذفت من. ولا يجوز هذا عند البصريين لأنه حذف موصول وترك صلته. والتقدير عند البصريين: وما منا ملك إلا له مقام. وهذا خبر من الله جل ذكره عن قول الملائكة، أي قالوا: وما منا معشر الملائكة إلا ملك له مقام معلوم في السماء. ثم قال تعالى حكاية عن قول الملائكة: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ ٱلصَّآفُّونَ﴾ روت عائشة رضي الله عنها أن النبي ﷺ قال: "مَا فِي السَّمَاءِ مَوْضِعُ قَدَمٍ إِلاَّ عََلَيْهِ (مَلَكٌ) سَاجِدٌ أَوْ قَائِمٌ فالمعنى أنهم قالوا: وإنا لنحن الصافون لله بعبادته. ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ ٱلْمُسَبِّحُونَ﴾ أي: المصلون له. قال عبد الله بن مسعود وابن عباس: ما من السماوات سماء إلا وما فيها موضع شبر، إلا وعليه جبهة ملك، أو قدماه، ثم قرأ: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ ٱلصَّآفُّونَ * وَإِنَّا لَنَحْنُ ٱلْمُسَبِّحُونَ﴾. ومعنى الكلام من أوله: أن الملائكة استعظمت فعل من يعبدها وتعجبت من ذلك وتبرأت منه، فقالت: "وما منا إلا له مقام معلوم ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ ٱلصَّآفُّونَ﴾ ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ ٱلْمُسَبِّحُونَ﴾"، فكيف يُعْبَدُ من هو على هذه الحال. ثم قال (تعالى): ﴿وَإِن كَانُواْ لَيَقُولُونَ * لَوْ أَنَّ عِندَنَا ذِكْراً مِّنَ ٱلأَوَّلِينَ * لَكُنَّا عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلْمُخْلَصِينَ﴾ أي: قالت قريش قبل مبعث النبي ﷺ لو أن عندنا ذكراً من الأولين، أي: كتاباً من السماء فيه ذكر الأمم الماضية كالتوراة والإنجيل، فلما جاءهم ذلك كفروا به. * * ثم قال: ﴿لَكُنَّا عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلْمُخْلَصِينَ﴾ (أي): الذين أخلصوا لله الطاعة. هذا على قراءة من كسر اللام. ومن فتحها فمعناه: لكنا عباد الله الذين أخلصهم الله واختارهم لطاعته. قال قتادة: قالت هذه الأمة ذلك قبل مبعث النبي ﷺ، فلما جاءهم الكتاب والنبي كفروا به. قال الضحاك: هذا قول مشركي أهل مكة، فلما جاءهم ذِكْرُ الأولين والآخرين كفروا به، فسوف يعلمون، (أي: يعلمون) ما لهم من العقاب على كفرهم. فالهاء في "به" تعود على القرآن وهو الذكر. وقيل: على محمد ﷺ. ثم قال (تعالى ذكره): ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا ٱلْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ ٱلْمَنصُورُونَ﴾ أي: سبق القضاء في أم الكتاب ووجب القول من الله أن المرسلين هم المنصورون على من ناوأهم بالحجج والغلبة، قاله قتادة والسدي. وقال الفراء: لهم المنصورون بالشفاعة. * * ثم قال: ﴿وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ ٱلْغَالِبُونَ﴾ أي: حزب الله هم الغالبون حزب الشيطان بالحجج والغلبة والظفر. * * ثم قال: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّىٰ حِينٍ﴾. قال قتادة: "حتى حين": إلى الموت. وقال السدي: إلى يوم بدر. * * ثم قال: ﴿وَأَبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ أي: انظرهم وأخرهم فسوف يرون ما يحل بهم من العقاب.

الصافات 37:156

قوله (تعالى ذكره): ﴿أَمْ خَلَقْنَا ٱلْمَلاَئِكَةَ إِنَاثاً﴾ إلى قوله: ﴿فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾. أي: أم شهد هؤلاء القائلون: إن الملائكة بنات (الله)، خلق الله الملائكة إناثاً. هذا كله على التقرير والتوبيخ. * * ثم قال: ﴿أَلاَ إِنَّهُم مِّنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ * وَلَدَ ٱللَّهُ﴾ أي: ألا إن هؤلاء المشركين من كذبهم ليقولن ولد الله، وهو جعلهم الملائكة بنات الله. * * ثم قال: ﴿أَصْطَفَى ٱلْبَنَاتِ عَلَىٰ ٱلْبَنِينَ﴾ هذا أيضاً توبيخ لهم، والمعنى عند الزجاج: سلهم هل اصطفى البنات على البنين. * * ثم قال: ﴿مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾. هذا أيضاً تقريع وتوبيخ ومعناه: بئس الحكم تحكمون أيها القوم، أن يكون لله البنات ولكم البنون، فأنتم لا ترضون البنات لأنفسكم فتجعلون لله ما لا ترضون به لأنفسكم. * * ثم قال: ﴿أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ﴾ أي: تتدبرون ما تقولون فتعرفون خطأه فتنتهون عنه. ﴿أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُّبِينٌ﴾ أي: حجة ظاهرة على ما تقولون. قال قتادة: "سلطان مبين" عُذْرٌ بَيِّنٌ. ﴿فَأْتُواْ بِكِتَابِكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ أي: فأتوا بحجتكم من كتاب جاءكم من عند الله بما قلتم من الإفك إن كنتم صادقين فيما قلتم. * * ثم قال: ﴿وَجَعَلُواْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ ٱلْجِنَّةِ نَسَباً﴾. قال ابن عباس: زعم أعداء الله أنه جل ثناؤه وإبليس أخوان. وكذلك قال الضحاك. وقال غيرهما: الجِنَّة هنا الملائكة، جعلهم كفار قريش بنات الله جل عن ذلك وتعالى، وهو قول مجاهد والسدي. وروي أن أبا بكر قال لقريش: من أمهاتهن؟ فقالوا: سَرَوَاتُ الجِنِّ. وقال قتادة: قالت اليهود: إن الله جل ذكره تزوج إلى الجنة فخرج بينهم الملائكة. فسميت الملائكة جِنة لأنهم لا يُرَون. وقال السدي: سموا بذلك لأنهم على الجنان. [ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمَتِ ٱلجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ﴾ أي: ولقد علمت الملائكة أن الذين قالوا هذا لمُشْهِدُون الحساب والنار ومعذبون]. * * ثم قال: ﴿سُبْحَانَ ٱللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ أي: تنزيهاً له وبراءة عما يقولون ويفترون. * * ثم قال: ﴿إِلاَّ عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلْمُخْلَصِينَ﴾ أي: إلا عباد الله الذين أخلصهم لرحمته، فإنهم لا يحضرون العذاب. ثم قال (تعالى): ﴿فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ * مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ * إِلاَّ مَنْ هُوَ صَالِ ٱلْجَحِيمِ﴾ أي: فإنكم أيها المشركون وما تعبدون من الآلهة ما أنتم على ما تعبدون من ذلك بفاتنين، أي: بمضلين من أحد إلا من هو صالِ الجحيم، أي: من سبق له في علم الله أنه يضل فيدخل النار. وقيل: "عليه" في قوله "ما أنتم عليه" بمعنى له. هذا كله معنى قول ابن عباس والحسن وقتادة والسدي وابن زيد. والتقدير عند جميعهم: لستم تضلون أحداً إلا من سبق في علم الله أنه من أهل الشقاء وأهل النار. وفي هذه الآية رد على القدرية لأن الضلال والهدى كل بمشيئة الله وقضائه، خلق هؤلاء للجنة وهؤلاء للشقاء، فالشياطين لا تضل إلا من كتب الله عليه أنه لا يهتدي. فأما من تقدم له في علم الله الهدى فإنه تعالى يحول بينهم وبينه فلا يصلون إلى إضلاله. قال عمر بن عبد العزيز: لو أراد الله أن لا يُعْصَى لم يخلق إبليس وإنه لبَيِّنٌ في كتاب الله في آية علمها من علمها وجهلها من جهلها، ثم قرأ: ﴿فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ * مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ * إِلاَّ مَنْ هُوَ صَالِ ٱلْجَحِيمِ﴾. وقوله: "صال الجحيم" أصله صالي بالياء، ولكن كتب على لفظ الوصل، ولا يحسن الوقف عليه، فإن وقف عليه واقف، فمن القراء من يكره مخالفة الشواذ فيقف بغير ياء. ومذهب سلام ويعقوب: أن يقف عليه بالياء على الأصل، لأن العلة التي من أجلها حذفت الياء قد زالت بالوقف. وقرأ الحسن: "صال الجحيم". على أن يرده على معنى "من" فيجمع بالواو والنون، وتحذف النون للإضافة والواو لالتقاء الساكنين في الوصل. ولا تجوز هذه القراءة على غير هذه الأشياء. ذكر بعض النحويين: أن يكون قرأه على القلب كأنه رد لام الفعل، وهي الياء في الواحد قبل اللام، فصار الإعراب (في اللام)، فضمت ثم حذفت الياء، وهذا بعيد. ثم قال (تعالى): ﴿وَمَا مِنَّآ إِلاَّ لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ﴾. التقدير عند الكوفيين: وما منا إلا من له مقام، ثم حذفت من. ولا يجوز هذا عند البصريين لأنه حذف موصول وترك صلته. والتقدير عند البصريين: وما منا ملك إلا له مقام. وهذا خبر من الله جل ذكره عن قول الملائكة، أي قالوا: وما منا معشر الملائكة إلا ملك له مقام معلوم في السماء. ثم قال تعالى حكاية عن قول الملائكة: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ ٱلصَّآفُّونَ﴾ روت عائشة رضي الله عنها أن النبي ﷺ قال: "مَا فِي السَّمَاءِ مَوْضِعُ قَدَمٍ إِلاَّ عََلَيْهِ (مَلَكٌ) سَاجِدٌ أَوْ قَائِمٌ فالمعنى أنهم قالوا: وإنا لنحن الصافون لله بعبادته. ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ ٱلْمُسَبِّحُونَ﴾ أي: المصلون له. قال عبد الله بن مسعود وابن عباس: ما من السماوات سماء إلا وما فيها موضع شبر، إلا وعليه جبهة ملك، أو قدماه، ثم قرأ: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ ٱلصَّآفُّونَ * وَإِنَّا لَنَحْنُ ٱلْمُسَبِّحُونَ﴾. ومعنى الكلام من أوله: أن الملائكة استعظمت فعل من يعبدها وتعجبت من ذلك وتبرأت منه، فقالت: "وما منا إلا له مقام معلوم ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ ٱلصَّآفُّونَ﴾ ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ ٱلْمُسَبِّحُونَ﴾"، فكيف يُعْبَدُ من هو على هذه الحال. ثم قال (تعالى): ﴿وَإِن كَانُواْ لَيَقُولُونَ * لَوْ أَنَّ عِندَنَا ذِكْراً مِّنَ ٱلأَوَّلِينَ * لَكُنَّا عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلْمُخْلَصِينَ﴾ أي: قالت قريش قبل مبعث النبي ﷺ لو أن عندنا ذكراً من الأولين، أي: كتاباً من السماء فيه ذكر الأمم الماضية كالتوراة والإنجيل، فلما جاءهم ذلك كفروا به. * * ثم قال: ﴿لَكُنَّا عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلْمُخْلَصِينَ﴾ (أي): الذين أخلصوا لله الطاعة. هذا على قراءة من كسر اللام. ومن فتحها فمعناه: لكنا عباد الله الذين أخلصهم الله واختارهم لطاعته. قال قتادة: قالت هذه الأمة ذلك قبل مبعث النبي ﷺ، فلما جاءهم الكتاب والنبي كفروا به. قال الضحاك: هذا قول مشركي أهل مكة، فلما جاءهم ذِكْرُ الأولين والآخرين كفروا به، فسوف يعلمون، (أي: يعلمون) ما لهم من العقاب على كفرهم. فالهاء في "به" تعود على القرآن وهو الذكر. وقيل: على محمد ﷺ. ثم قال (تعالى ذكره): ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا ٱلْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ ٱلْمَنصُورُونَ﴾ أي: سبق القضاء في أم الكتاب ووجب القول من الله أن المرسلين هم المنصورون على من ناوأهم بالحجج والغلبة، قاله قتادة والسدي. وقال الفراء: لهم المنصورون بالشفاعة. * * ثم قال: ﴿وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ ٱلْغَالِبُونَ﴾ أي: حزب الله هم الغالبون حزب الشيطان بالحجج والغلبة والظفر. * * ثم قال: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّىٰ حِينٍ﴾. قال قتادة: "حتى حين": إلى الموت. وقال السدي: إلى يوم بدر. * * ثم قال: ﴿وَأَبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ أي: انظرهم وأخرهم فسوف يرون ما يحل بهم من العقاب.

الصافات 37:157

قوله (تعالى ذكره): ﴿أَمْ خَلَقْنَا ٱلْمَلاَئِكَةَ إِنَاثاً﴾ إلى قوله: ﴿فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾. أي: أم شهد هؤلاء القائلون: إن الملائكة بنات (الله)، خلق الله الملائكة إناثاً. هذا كله على التقرير والتوبيخ. * * ثم قال: ﴿أَلاَ إِنَّهُم مِّنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ * وَلَدَ ٱللَّهُ﴾ أي: ألا إن هؤلاء المشركين من كذبهم ليقولن ولد الله، وهو جعلهم الملائكة بنات الله. * * ثم قال: ﴿أَصْطَفَى ٱلْبَنَاتِ عَلَىٰ ٱلْبَنِينَ﴾ هذا أيضاً توبيخ لهم، والمعنى عند الزجاج: سلهم هل اصطفى البنات على البنين. * * ثم قال: ﴿مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾. هذا أيضاً تقريع وتوبيخ ومعناه: بئس الحكم تحكمون أيها القوم، أن يكون لله البنات ولكم البنون، فأنتم لا ترضون البنات لأنفسكم فتجعلون لله ما لا ترضون به لأنفسكم. * * ثم قال: ﴿أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ﴾ أي: تتدبرون ما تقولون فتعرفون خطأه فتنتهون عنه. ﴿أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُّبِينٌ﴾ أي: حجة ظاهرة على ما تقولون. قال قتادة: "سلطان مبين" عُذْرٌ بَيِّنٌ. ﴿فَأْتُواْ بِكِتَابِكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ أي: فأتوا بحجتكم من كتاب جاءكم من عند الله بما قلتم من الإفك إن كنتم صادقين فيما قلتم. * * ثم قال: ﴿وَجَعَلُواْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ ٱلْجِنَّةِ نَسَباً﴾. قال ابن عباس: زعم أعداء الله أنه جل ثناؤه وإبليس أخوان. وكذلك قال الضحاك. وقال غيرهما: الجِنَّة هنا الملائكة، جعلهم كفار قريش بنات الله جل عن ذلك وتعالى، وهو قول مجاهد والسدي. وروي أن أبا بكر قال لقريش: من أمهاتهن؟ فقالوا: سَرَوَاتُ الجِنِّ. وقال قتادة: قالت اليهود: إن الله جل ذكره تزوج إلى الجنة فخرج بينهم الملائكة. فسميت الملائكة جِنة لأنهم لا يُرَون. وقال السدي: سموا بذلك لأنهم على الجنان. [ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمَتِ ٱلجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ﴾ أي: ولقد علمت الملائكة أن الذين قالوا هذا لمُشْهِدُون الحساب والنار ومعذبون]. * * ثم قال: ﴿سُبْحَانَ ٱللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ أي: تنزيهاً له وبراءة عما يقولون ويفترون. * * ثم قال: ﴿إِلاَّ عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلْمُخْلَصِينَ﴾ أي: إلا عباد الله الذين أخلصهم لرحمته، فإنهم لا يحضرون العذاب. ثم قال (تعالى): ﴿فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ * مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ * إِلاَّ مَنْ هُوَ صَالِ ٱلْجَحِيمِ﴾ أي: فإنكم أيها المشركون وما تعبدون من الآلهة ما أنتم على ما تعبدون من ذلك بفاتنين، أي: بمضلين من أحد إلا من هو صالِ الجحيم، أي: من سبق له في علم الله أنه يضل فيدخل النار. وقيل: "عليه" في قوله "ما أنتم عليه" بمعنى له. هذا كله معنى قول ابن عباس والحسن وقتادة والسدي وابن زيد. والتقدير عند جميعهم: لستم تضلون أحداً إلا من سبق في علم الله أنه من أهل الشقاء وأهل النار. وفي هذه الآية رد على القدرية لأن الضلال والهدى كل بمشيئة الله وقضائه، خلق هؤلاء للجنة وهؤلاء للشقاء، فالشياطين لا تضل إلا من كتب الله عليه أنه لا يهتدي. فأما من تقدم له في علم الله الهدى فإنه تعالى يحول بينهم وبينه فلا يصلون إلى إضلاله. قال عمر بن عبد العزيز: لو أراد الله أن لا يُعْصَى لم يخلق إبليس وإنه لبَيِّنٌ في كتاب الله في آية علمها من علمها وجهلها من جهلها، ثم قرأ: ﴿فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ * مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ * إِلاَّ مَنْ هُوَ صَالِ ٱلْجَحِيمِ﴾. وقوله: "صال الجحيم" أصله صالي بالياء، ولكن كتب على لفظ الوصل، ولا يحسن الوقف عليه، فإن وقف عليه واقف، فمن القراء من يكره مخالفة الشواذ فيقف بغير ياء. ومذهب سلام ويعقوب: أن يقف عليه بالياء على الأصل، لأن العلة التي من أجلها حذفت الياء قد زالت بالوقف. وقرأ الحسن: "صال الجحيم". على أن يرده على معنى "من" فيجمع بالواو والنون، وتحذف النون للإضافة والواو لالتقاء الساكنين في الوصل. ولا تجوز هذه القراءة على غير هذه الأشياء. ذكر بعض النحويين: أن يكون قرأه على القلب كأنه رد لام الفعل، وهي الياء في الواحد قبل اللام، فصار الإعراب (في اللام)، فضمت ثم حذفت الياء، وهذا بعيد. ثم قال (تعالى): ﴿وَمَا مِنَّآ إِلاَّ لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ﴾. التقدير عند الكوفيين: وما منا إلا من له مقام، ثم حذفت من. ولا يجوز هذا عند البصريين لأنه حذف موصول وترك صلته. والتقدير عند البصريين: وما منا ملك إلا له مقام. وهذا خبر من الله جل ذكره عن قول الملائكة، أي قالوا: وما منا معشر الملائكة إلا ملك له مقام معلوم في السماء. ثم قال تعالى حكاية عن قول الملائكة: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ ٱلصَّآفُّونَ﴾ روت عائشة رضي الله عنها أن النبي ﷺ قال: "مَا فِي السَّمَاءِ مَوْضِعُ قَدَمٍ إِلاَّ عََلَيْهِ (مَلَكٌ) سَاجِدٌ أَوْ قَائِمٌ فالمعنى أنهم قالوا: وإنا لنحن الصافون لله بعبادته. ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ ٱلْمُسَبِّحُونَ﴾ أي: المصلون له. قال عبد الله بن مسعود وابن عباس: ما من السماوات سماء إلا وما فيها موضع شبر، إلا وعليه جبهة ملك، أو قدماه، ثم قرأ: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ ٱلصَّآفُّونَ * وَإِنَّا لَنَحْنُ ٱلْمُسَبِّحُونَ﴾. ومعنى الكلام من أوله: أن الملائكة استعظمت فعل من يعبدها وتعجبت من ذلك وتبرأت منه، فقالت: "وما منا إلا له مقام معلوم ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ ٱلصَّآفُّونَ﴾ ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ ٱلْمُسَبِّحُونَ﴾"، فكيف يُعْبَدُ من هو على هذه الحال. ثم قال (تعالى): ﴿وَإِن كَانُواْ لَيَقُولُونَ * لَوْ أَنَّ عِندَنَا ذِكْراً مِّنَ ٱلأَوَّلِينَ * لَكُنَّا عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلْمُخْلَصِينَ﴾ أي: قالت قريش قبل مبعث النبي ﷺ لو أن عندنا ذكراً من الأولين، أي: كتاباً من السماء فيه ذكر الأمم الماضية كالتوراة والإنجيل، فلما جاءهم ذلك كفروا به. * * ثم قال: ﴿لَكُنَّا عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلْمُخْلَصِينَ﴾ (أي): الذين أخلصوا لله الطاعة. هذا على قراءة من كسر اللام. ومن فتحها فمعناه: لكنا عباد الله الذين أخلصهم الله واختارهم لطاعته. قال قتادة: قالت هذه الأمة ذلك قبل مبعث النبي ﷺ، فلما جاءهم الكتاب والنبي كفروا به. قال الضحاك: هذا قول مشركي أهل مكة، فلما جاءهم ذِكْرُ الأولين والآخرين كفروا به، فسوف يعلمون، (أي: يعلمون) ما لهم من العقاب على كفرهم. فالهاء في "به" تعود على القرآن وهو الذكر. وقيل: على محمد ﷺ. ثم قال (تعالى ذكره): ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا ٱلْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ ٱلْمَنصُورُونَ﴾ أي: سبق القضاء في أم الكتاب ووجب القول من الله أن المرسلين هم المنصورون على من ناوأهم بالحجج والغلبة، قاله قتادة والسدي. وقال الفراء: لهم المنصورون بالشفاعة. * * ثم قال: ﴿وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ ٱلْغَالِبُونَ﴾ أي: حزب الله هم الغالبون حزب الشيطان بالحجج والغلبة والظفر. * * ثم قال: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّىٰ حِينٍ﴾. قال قتادة: "حتى حين": إلى الموت. وقال السدي: إلى يوم بدر. * * ثم قال: ﴿وَأَبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ أي: انظرهم وأخرهم فسوف يرون ما يحل بهم من العقاب.

الصافات 37:158

قوله (تعالى ذكره): ﴿أَمْ خَلَقْنَا ٱلْمَلاَئِكَةَ إِنَاثاً﴾ إلى قوله: ﴿فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾. أي: أم شهد هؤلاء القائلون: إن الملائكة بنات (الله)، خلق الله الملائكة إناثاً. هذا كله على التقرير والتوبيخ. * * ثم قال: ﴿أَلاَ إِنَّهُم مِّنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ * وَلَدَ ٱللَّهُ﴾ أي: ألا إن هؤلاء المشركين من كذبهم ليقولن ولد الله، وهو جعلهم الملائكة بنات الله. * * ثم قال: ﴿أَصْطَفَى ٱلْبَنَاتِ عَلَىٰ ٱلْبَنِينَ﴾ هذا أيضاً توبيخ لهم، والمعنى عند الزجاج: سلهم هل اصطفى البنات على البنين. * * ثم قال: ﴿مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾. هذا أيضاً تقريع وتوبيخ ومعناه: بئس الحكم تحكمون أيها القوم، أن يكون لله البنات ولكم البنون، فأنتم لا ترضون البنات لأنفسكم فتجعلون لله ما لا ترضون به لأنفسكم. * * ثم قال: ﴿أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ﴾ أي: تتدبرون ما تقولون فتعرفون خطأه فتنتهون عنه. ﴿أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُّبِينٌ﴾ أي: حجة ظاهرة على ما تقولون. قال قتادة: "سلطان مبين" عُذْرٌ بَيِّنٌ. ﴿فَأْتُواْ بِكِتَابِكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ أي: فأتوا بحجتكم من كتاب جاءكم من عند الله بما قلتم من الإفك إن كنتم صادقين فيما قلتم. * * ثم قال: ﴿وَجَعَلُواْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ ٱلْجِنَّةِ نَسَباً﴾. قال ابن عباس: زعم أعداء الله أنه جل ثناؤه وإبليس أخوان. وكذلك قال الضحاك. وقال غيرهما: الجِنَّة هنا الملائكة، جعلهم كفار قريش بنات الله جل عن ذلك وتعالى، وهو قول مجاهد والسدي. وروي أن أبا بكر قال لقريش: من أمهاتهن؟ فقالوا: سَرَوَاتُ الجِنِّ. وقال قتادة: قالت اليهود: إن الله جل ذكره تزوج إلى الجنة فخرج بينهم الملائكة. فسميت الملائكة جِنة لأنهم لا يُرَون. وقال السدي: سموا بذلك لأنهم على الجنان. [ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمَتِ ٱلجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ﴾ أي: ولقد علمت الملائكة أن الذين قالوا هذا لمُشْهِدُون الحساب والنار ومعذبون]. * * ثم قال: ﴿سُبْحَانَ ٱللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ أي: تنزيهاً له وبراءة عما يقولون ويفترون. * * ثم قال: ﴿إِلاَّ عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلْمُخْلَصِينَ﴾ أي: إلا عباد الله الذين أخلصهم لرحمته، فإنهم لا يحضرون العذاب. ثم قال (تعالى): ﴿فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ * مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ * إِلاَّ مَنْ هُوَ صَالِ ٱلْجَحِيمِ﴾ أي: فإنكم أيها المشركون وما تعبدون من الآلهة ما أنتم على ما تعبدون من ذلك بفاتنين، أي: بمضلين من أحد إلا من هو صالِ الجحيم، أي: من سبق له في علم الله أنه يضل فيدخل النار. وقيل: "عليه" في قوله "ما أنتم عليه" بمعنى له. هذا كله معنى قول ابن عباس والحسن وقتادة والسدي وابن زيد. والتقدير عند جميعهم: لستم تضلون أحداً إلا من سبق في علم الله أنه من أهل الشقاء وأهل النار. وفي هذه الآية رد على القدرية لأن الضلال والهدى كل بمشيئة الله وقضائه، خلق هؤلاء للجنة وهؤلاء للشقاء، فالشياطين لا تضل إلا من كتب الله عليه أنه لا يهتدي. فأما من تقدم له في علم الله الهدى فإنه تعالى يحول بينهم وبينه فلا يصلون إلى إضلاله. قال عمر بن عبد العزيز: لو أراد الله أن لا يُعْصَى لم يخلق إبليس وإنه لبَيِّنٌ في كتاب الله في آية علمها من علمها وجهلها من جهلها، ثم قرأ: ﴿فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ * مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ * إِلاَّ مَنْ هُوَ صَالِ ٱلْجَحِيمِ﴾. وقوله: "صال الجحيم" أصله صالي بالياء، ولكن كتب على لفظ الوصل، ولا يحسن الوقف عليه، فإن وقف عليه واقف، فمن القراء من يكره مخالفة الشواذ فيقف بغير ياء. ومذهب سلام ويعقوب: أن يقف عليه بالياء على الأصل، لأن العلة التي من أجلها حذفت الياء قد زالت بالوقف. وقرأ الحسن: "صال الجحيم". على أن يرده على معنى "من" فيجمع بالواو والنون، وتحذف النون للإضافة والواو لالتقاء الساكنين في الوصل. ولا تجوز هذه القراءة على غير هذه الأشياء. ذكر بعض النحويين: أن يكون قرأه على القلب كأنه رد لام الفعل، وهي الياء في الواحد قبل اللام، فصار الإعراب (في اللام)، فضمت ثم حذفت الياء، وهذا بعيد. ثم قال (تعالى): ﴿وَمَا مِنَّآ إِلاَّ لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ﴾. التقدير عند الكوفيين: وما منا إلا من له مقام، ثم حذفت من. ولا يجوز هذا عند البصريين لأنه حذف موصول وترك صلته. والتقدير عند البصريين: وما منا ملك إلا له مقام. وهذا خبر من الله جل ذكره عن قول الملائكة، أي قالوا: وما منا معشر الملائكة إلا ملك له مقام معلوم في السماء. ثم قال تعالى حكاية عن قول الملائكة: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ ٱلصَّآفُّونَ﴾ روت عائشة رضي الله عنها أن النبي ﷺ قال: "مَا فِي السَّمَاءِ مَوْضِعُ قَدَمٍ إِلاَّ عََلَيْهِ (مَلَكٌ) سَاجِدٌ أَوْ قَائِمٌ فالمعنى أنهم قالوا: وإنا لنحن الصافون لله بعبادته. ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ ٱلْمُسَبِّحُونَ﴾ أي: المصلون له. قال عبد الله بن مسعود وابن عباس: ما من السماوات سماء إلا وما فيها موضع شبر، إلا وعليه جبهة ملك، أو قدماه، ثم قرأ: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ ٱلصَّآفُّونَ * وَإِنَّا لَنَحْنُ ٱلْمُسَبِّحُونَ﴾. ومعنى الكلام من أوله: أن الملائكة استعظمت فعل من يعبدها وتعجبت من ذلك وتبرأت منه، فقالت: "وما منا إلا له مقام معلوم ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ ٱلصَّآفُّونَ﴾ ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ ٱلْمُسَبِّحُونَ﴾"، فكيف يُعْبَدُ من هو على هذه الحال. ثم قال (تعالى): ﴿وَإِن كَانُواْ لَيَقُولُونَ * لَوْ أَنَّ عِندَنَا ذِكْراً مِّنَ ٱلأَوَّلِينَ * لَكُنَّا عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلْمُخْلَصِينَ﴾ أي: قالت قريش قبل مبعث النبي ﷺ لو أن عندنا ذكراً من الأولين، أي: كتاباً من السماء فيه ذكر الأمم الماضية كالتوراة والإنجيل، فلما جاءهم ذلك كفروا به. * * ثم قال: ﴿لَكُنَّا عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلْمُخْلَصِينَ﴾ (أي): الذين أخلصوا لله الطاعة. هذا على قراءة من كسر اللام. ومن فتحها فمعناه: لكنا عباد الله الذين أخلصهم الله واختارهم لطاعته. قال قتادة: قالت هذه الأمة ذلك قبل مبعث النبي ﷺ، فلما جاءهم الكتاب والنبي كفروا به. قال الضحاك: هذا قول مشركي أهل مكة، فلما جاءهم ذِكْرُ الأولين والآخرين كفروا به، فسوف يعلمون، (أي: يعلمون) ما لهم من العقاب على كفرهم. فالهاء في "به" تعود على القرآن وهو الذكر. وقيل: على محمد ﷺ. ثم قال (تعالى ذكره): ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا ٱلْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ ٱلْمَنصُورُونَ﴾ أي: سبق القضاء في أم الكتاب ووجب القول من الله أن المرسلين هم المنصورون على من ناوأهم بالحجج والغلبة، قاله قتادة والسدي. وقال الفراء: لهم المنصورون بالشفاعة. * * ثم قال: ﴿وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ ٱلْغَالِبُونَ﴾ أي: حزب الله هم الغالبون حزب الشيطان بالحجج والغلبة والظفر. * * ثم قال: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّىٰ حِينٍ﴾. قال قتادة: "حتى حين": إلى الموت. وقال السدي: إلى يوم بدر. * * ثم قال: ﴿وَأَبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ أي: انظرهم وأخرهم فسوف يرون ما يحل بهم من العقاب.

الصافات 37:159

قوله (تعالى ذكره): ﴿أَمْ خَلَقْنَا ٱلْمَلاَئِكَةَ إِنَاثاً﴾ إلى قوله: ﴿فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾. أي: أم شهد هؤلاء القائلون: إن الملائكة بنات (الله)، خلق الله الملائكة إناثاً. هذا كله على التقرير والتوبيخ. * * ثم قال: ﴿أَلاَ إِنَّهُم مِّنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ * وَلَدَ ٱللَّهُ﴾ أي: ألا إن هؤلاء المشركين من كذبهم ليقولن ولد الله، وهو جعلهم الملائكة بنات الله. * * ثم قال: ﴿أَصْطَفَى ٱلْبَنَاتِ عَلَىٰ ٱلْبَنِينَ﴾ هذا أيضاً توبيخ لهم، والمعنى عند الزجاج: سلهم هل اصطفى البنات على البنين. * * ثم قال: ﴿مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾. هذا أيضاً تقريع وتوبيخ ومعناه: بئس الحكم تحكمون أيها القوم، أن يكون لله البنات ولكم البنون، فأنتم لا ترضون البنات لأنفسكم فتجعلون لله ما لا ترضون به لأنفسكم. * * ثم قال: ﴿أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ﴾ أي: تتدبرون ما تقولون فتعرفون خطأه فتنتهون عنه. ﴿أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُّبِينٌ﴾ أي: حجة ظاهرة على ما تقولون. قال قتادة: "سلطان مبين" عُذْرٌ بَيِّنٌ. ﴿فَأْتُواْ بِكِتَابِكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ أي: فأتوا بحجتكم من كتاب جاءكم من عند الله بما قلتم من الإفك إن كنتم صادقين فيما قلتم. * * ثم قال: ﴿وَجَعَلُواْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ ٱلْجِنَّةِ نَسَباً﴾. قال ابن عباس: زعم أعداء الله أنه جل ثناؤه وإبليس أخوان. وكذلك قال الضحاك. وقال غيرهما: الجِنَّة هنا الملائكة، جعلهم كفار قريش بنات الله جل عن ذلك وتعالى، وهو قول مجاهد والسدي. وروي أن أبا بكر قال لقريش: من أمهاتهن؟ فقالوا: سَرَوَاتُ الجِنِّ. وقال قتادة: قالت اليهود: إن الله جل ذكره تزوج إلى الجنة فخرج بينهم الملائكة. فسميت الملائكة جِنة لأنهم لا يُرَون. وقال السدي: سموا بذلك لأنهم على الجنان. [ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمَتِ ٱلجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ﴾ أي: ولقد علمت الملائكة أن الذين قالوا هذا لمُشْهِدُون الحساب والنار ومعذبون]. * * ثم قال: ﴿سُبْحَانَ ٱللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ أي: تنزيهاً له وبراءة عما يقولون ويفترون. * * ثم قال: ﴿إِلاَّ عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلْمُخْلَصِينَ﴾ أي: إلا عباد الله الذين أخلصهم لرحمته، فإنهم لا يحضرون العذاب. ثم قال (تعالى): ﴿فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ * مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ * إِلاَّ مَنْ هُوَ صَالِ ٱلْجَحِيمِ﴾ أي: فإنكم أيها المشركون وما تعبدون من الآلهة ما أنتم على ما تعبدون من ذلك بفاتنين، أي: بمضلين من أحد إلا من هو صالِ الجحيم، أي: من سبق له في علم الله أنه يضل فيدخل النار. وقيل: "عليه" في قوله "ما أنتم عليه" بمعنى له. هذا كله معنى قول ابن عباس والحسن وقتادة والسدي وابن زيد. والتقدير عند جميعهم: لستم تضلون أحداً إلا من سبق في علم الله أنه من أهل الشقاء وأهل النار. وفي هذه الآية رد على القدرية لأن الضلال والهدى كل بمشيئة الله وقضائه، خلق هؤلاء للجنة وهؤلاء للشقاء، فالشياطين لا تضل إلا من كتب الله عليه أنه لا يهتدي. فأما من تقدم له في علم الله الهدى فإنه تعالى يحول بينهم وبينه فلا يصلون إلى إضلاله. قال عمر بن عبد العزيز: لو أراد الله أن لا يُعْصَى لم يخلق إبليس وإنه لبَيِّنٌ في كتاب الله في آية علمها من علمها وجهلها من جهلها، ثم قرأ: ﴿فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ * مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ * إِلاَّ مَنْ هُوَ صَالِ ٱلْجَحِيمِ﴾. وقوله: "صال الجحيم" أصله صالي بالياء، ولكن كتب على لفظ الوصل، ولا يحسن الوقف عليه، فإن وقف عليه واقف، فمن القراء من يكره مخالفة الشواذ فيقف بغير ياء. ومذهب سلام ويعقوب: أن يقف عليه بالياء على الأصل، لأن العلة التي من أجلها حذفت الياء قد زالت بالوقف. وقرأ الحسن: "صال الجحيم". على أن يرده على معنى "من" فيجمع بالواو والنون، وتحذف النون للإضافة والواو لالتقاء الساكنين في الوصل. ولا تجوز هذه القراءة على غير هذه الأشياء. ذكر بعض النحويين: أن يكون قرأه على القلب كأنه رد لام الفعل، وهي الياء في الواحد قبل اللام، فصار الإعراب (في اللام)، فضمت ثم حذفت الياء، وهذا بعيد. ثم قال (تعالى): ﴿وَمَا مِنَّآ إِلاَّ لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ﴾. التقدير عند الكوفيين: وما منا إلا من له مقام، ثم حذفت من. ولا يجوز هذا عند البصريين لأنه حذف موصول وترك صلته. والتقدير عند البصريين: وما منا ملك إلا له مقام. وهذا خبر من الله جل ذكره عن قول الملائكة، أي قالوا: وما منا معشر الملائكة إلا ملك له مقام معلوم في السماء. ثم قال تعالى حكاية عن قول الملائكة: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ ٱلصَّآفُّونَ﴾ روت عائشة رضي الله عنها أن النبي ﷺ قال: "مَا فِي السَّمَاءِ مَوْضِعُ قَدَمٍ إِلاَّ عََلَيْهِ (مَلَكٌ) سَاجِدٌ أَوْ قَائِمٌ فالمعنى أنهم قالوا: وإنا لنحن الصافون لله بعبادته. ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ ٱلْمُسَبِّحُونَ﴾ أي: المصلون له. قال عبد الله بن مسعود وابن عباس: ما من السماوات سماء إلا وما فيها موضع شبر، إلا وعليه جبهة ملك، أو قدماه، ثم قرأ: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ ٱلصَّآفُّونَ * وَإِنَّا لَنَحْنُ ٱلْمُسَبِّحُونَ﴾. ومعنى الكلام من أوله: أن الملائكة استعظمت فعل من يعبدها وتعجبت من ذلك وتبرأت منه، فقالت: "وما منا إلا له مقام معلوم ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ ٱلصَّآفُّونَ﴾ ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ ٱلْمُسَبِّحُونَ﴾"، فكيف يُعْبَدُ من هو على هذه الحال. ثم قال (تعالى): ﴿وَإِن كَانُواْ لَيَقُولُونَ * لَوْ أَنَّ عِندَنَا ذِكْراً مِّنَ ٱلأَوَّلِينَ * لَكُنَّا عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلْمُخْلَصِينَ﴾ أي: قالت قريش قبل مبعث النبي ﷺ لو أن عندنا ذكراً من الأولين، أي: كتاباً من السماء فيه ذكر الأمم الماضية كالتوراة والإنجيل، فلما جاءهم ذلك كفروا به. * * ثم قال: ﴿لَكُنَّا عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلْمُخْلَصِينَ﴾ (أي): الذين أخلصوا لله الطاعة. هذا على قراءة من كسر اللام. ومن فتحها فمعناه: لكنا عباد الله الذين أخلصهم الله واختارهم لطاعته. قال قتادة: قالت هذه الأمة ذلك قبل مبعث النبي ﷺ، فلما جاءهم الكتاب والنبي كفروا به. قال الضحاك: هذا قول مشركي أهل مكة، فلما جاءهم ذِكْرُ الأولين والآخرين كفروا به، فسوف يعلمون، (أي: يعلمون) ما لهم من العقاب على كفرهم. فالهاء في "به" تعود على القرآن وهو الذكر. وقيل: على محمد ﷺ. ثم قال (تعالى ذكره): ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا ٱلْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ ٱلْمَنصُورُونَ﴾ أي: سبق القضاء في أم الكتاب ووجب القول من الله أن المرسلين هم المنصورون على من ناوأهم بالحجج والغلبة، قاله قتادة والسدي. وقال الفراء: لهم المنصورون بالشفاعة. * * ثم قال: ﴿وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ ٱلْغَالِبُونَ﴾ أي: حزب الله هم الغالبون حزب الشيطان بالحجج والغلبة والظفر. * * ثم قال: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّىٰ حِينٍ﴾. قال قتادة: "حتى حين": إلى الموت. وقال السدي: إلى يوم بدر. * * ثم قال: ﴿وَأَبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ أي: انظرهم وأخرهم فسوف يرون ما يحل بهم من العقاب.

الصافات 37:160

قوله (تعالى ذكره): ﴿أَمْ خَلَقْنَا ٱلْمَلاَئِكَةَ إِنَاثاً﴾ إلى قوله: ﴿فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾. أي: أم شهد هؤلاء القائلون: إن الملائكة بنات (الله)، خلق الله الملائكة إناثاً. هذا كله على التقرير والتوبيخ. * * ثم قال: ﴿أَلاَ إِنَّهُم مِّنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ * وَلَدَ ٱللَّهُ﴾ أي: ألا إن هؤلاء المشركين من كذبهم ليقولن ولد الله، وهو جعلهم الملائكة بنات الله. * * ثم قال: ﴿أَصْطَفَى ٱلْبَنَاتِ عَلَىٰ ٱلْبَنِينَ﴾ هذا أيضاً توبيخ لهم، والمعنى عند الزجاج: سلهم هل اصطفى البنات على البنين. * * ثم قال: ﴿مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾. هذا أيضاً تقريع وتوبيخ ومعناه: بئس الحكم تحكمون أيها القوم، أن يكون لله البنات ولكم البنون، فأنتم لا ترضون البنات لأنفسكم فتجعلون لله ما لا ترضون به لأنفسكم. * * ثم قال: ﴿أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ﴾ أي: تتدبرون ما تقولون فتعرفون خطأه فتنتهون عنه. ﴿أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُّبِينٌ﴾ أي: حجة ظاهرة على ما تقولون. قال قتادة: "سلطان مبين" عُذْرٌ بَيِّنٌ. ﴿فَأْتُواْ بِكِتَابِكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ أي: فأتوا بحجتكم من كتاب جاءكم من عند الله بما قلتم من الإفك إن كنتم صادقين فيما قلتم. * * ثم قال: ﴿وَجَعَلُواْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ ٱلْجِنَّةِ نَسَباً﴾. قال ابن عباس: زعم أعداء الله أنه جل ثناؤه وإبليس أخوان. وكذلك قال الضحاك. وقال غيرهما: الجِنَّة هنا الملائكة، جعلهم كفار قريش بنات الله جل عن ذلك وتعالى، وهو قول مجاهد والسدي. وروي أن أبا بكر قال لقريش: من أمهاتهن؟ فقالوا: سَرَوَاتُ الجِنِّ. وقال قتادة: قالت اليهود: إن الله جل ذكره تزوج إلى الجنة فخرج بينهم الملائكة. فسميت الملائكة جِنة لأنهم لا يُرَون. وقال السدي: سموا بذلك لأنهم على الجنان. [ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمَتِ ٱلجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ﴾ أي: ولقد علمت الملائكة أن الذين قالوا هذا لمُشْهِدُون الحساب والنار ومعذبون]. * * ثم قال: ﴿سُبْحَانَ ٱللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ أي: تنزيهاً له وبراءة عما يقولون ويفترون. * * ثم قال: ﴿إِلاَّ عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلْمُخْلَصِينَ﴾ أي: إلا عباد الله الذين أخلصهم لرحمته، فإنهم لا يحضرون العذاب. ثم قال (تعالى): ﴿فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ * مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ * إِلاَّ مَنْ هُوَ صَالِ ٱلْجَحِيمِ﴾ أي: فإنكم أيها المشركون وما تعبدون من الآلهة ما أنتم على ما تعبدون من ذلك بفاتنين، أي: بمضلين من أحد إلا من هو صالِ الجحيم، أي: من سبق له في علم الله أنه يضل فيدخل النار. وقيل: "عليه" في قوله "ما أنتم عليه" بمعنى له. هذا كله معنى قول ابن عباس والحسن وقتادة والسدي وابن زيد. والتقدير عند جميعهم: لستم تضلون أحداً إلا من سبق في علم الله أنه من أهل الشقاء وأهل النار. وفي هذه الآية رد على القدرية لأن الضلال والهدى كل بمشيئة الله وقضائه، خلق هؤلاء للجنة وهؤلاء للشقاء، فالشياطين لا تضل إلا من كتب الله عليه أنه لا يهتدي. فأما من تقدم له في علم الله الهدى فإنه تعالى يحول بينهم وبينه فلا يصلون إلى إضلاله. قال عمر بن عبد العزيز: لو أراد الله أن لا يُعْصَى لم يخلق إبليس وإنه لبَيِّنٌ في كتاب الله في آية علمها من علمها وجهلها من جهلها، ثم قرأ: ﴿فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ * مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ * إِلاَّ مَنْ هُوَ صَالِ ٱلْجَحِيمِ﴾. وقوله: "صال الجحيم" أصله صالي بالياء، ولكن كتب على لفظ الوصل، ولا يحسن الوقف عليه، فإن وقف عليه واقف، فمن القراء من يكره مخالفة الشواذ فيقف بغير ياء. ومذهب سلام ويعقوب: أن يقف عليه بالياء على الأصل، لأن العلة التي من أجلها حذفت الياء قد زالت بالوقف. وقرأ الحسن: "صال الجحيم". على أن يرده على معنى "من" فيجمع بالواو والنون، وتحذف النون للإضافة والواو لالتقاء الساكنين في الوصل. ولا تجوز هذه القراءة على غير هذه الأشياء. ذكر بعض النحويين: أن يكون قرأه على القلب كأنه رد لام الفعل، وهي الياء في الواحد قبل اللام، فصار الإعراب (في اللام)، فضمت ثم حذفت الياء، وهذا بعيد. ثم قال (تعالى): ﴿وَمَا مِنَّآ إِلاَّ لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ﴾. التقدير عند الكوفيين: وما منا إلا من له مقام، ثم حذفت من. ولا يجوز هذا عند البصريين لأنه حذف موصول وترك صلته. والتقدير عند البصريين: وما منا ملك إلا له مقام. وهذا خبر من الله جل ذكره عن قول الملائكة، أي قالوا: وما منا معشر الملائكة إلا ملك له مقام معلوم في السماء. ثم قال تعالى حكاية عن قول الملائكة: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ ٱلصَّآفُّونَ﴾ روت عائشة رضي الله عنها أن النبي ﷺ قال: "مَا فِي السَّمَاءِ مَوْضِعُ قَدَمٍ إِلاَّ عََلَيْهِ (مَلَكٌ) سَاجِدٌ أَوْ قَائِمٌ فالمعنى أنهم قالوا: وإنا لنحن الصافون لله بعبادته. ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ ٱلْمُسَبِّحُونَ﴾ أي: المصلون له. قال عبد الله بن مسعود وابن عباس: ما من السماوات سماء إلا وما فيها موضع شبر، إلا وعليه جبهة ملك، أو قدماه، ثم قرأ: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ ٱلصَّآفُّونَ * وَإِنَّا لَنَحْنُ ٱلْمُسَبِّحُونَ﴾. ومعنى الكلام من أوله: أن الملائكة استعظمت فعل من يعبدها وتعجبت من ذلك وتبرأت منه، فقالت: "وما منا إلا له مقام معلوم ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ ٱلصَّآفُّونَ﴾ ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ ٱلْمُسَبِّحُونَ﴾"، فكيف يُعْبَدُ من هو على هذه الحال. ثم قال (تعالى): ﴿وَإِن كَانُواْ لَيَقُولُونَ * لَوْ أَنَّ عِندَنَا ذِكْراً مِّنَ ٱلأَوَّلِينَ * لَكُنَّا عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلْمُخْلَصِينَ﴾ أي: قالت قريش قبل مبعث النبي ﷺ لو أن عندنا ذكراً من الأولين، أي: كتاباً من السماء فيه ذكر الأمم الماضية كالتوراة والإنجيل، فلما جاءهم ذلك كفروا به. * * ثم قال: ﴿لَكُنَّا عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلْمُخْلَصِينَ﴾ (أي): الذين أخلصوا لله الطاعة. هذا على قراءة من كسر اللام. ومن فتحها فمعناه: لكنا عباد الله الذين أخلصهم الله واختارهم لطاعته. قال قتادة: قالت هذه الأمة ذلك قبل مبعث النبي ﷺ، فلما جاءهم الكتاب والنبي كفروا به. قال الضحاك: هذا قول مشركي أهل مكة، فلما جاءهم ذِكْرُ الأولين والآخرين كفروا به، فسوف يعلمون، (أي: يعلمون) ما لهم من العقاب على كفرهم. فالهاء في "به" تعود على القرآن وهو الذكر. وقيل: على محمد ﷺ. ثم قال (تعالى ذكره): ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا ٱلْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ ٱلْمَنصُورُونَ﴾ أي: سبق القضاء في أم الكتاب ووجب القول من الله أن المرسلين هم المنصورون على من ناوأهم بالحجج والغلبة، قاله قتادة والسدي. وقال الفراء: لهم المنصورون بالشفاعة. * * ثم قال: ﴿وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ ٱلْغَالِبُونَ﴾ أي: حزب الله هم الغالبون حزب الشيطان بالحجج والغلبة والظفر. * * ثم قال: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّىٰ حِينٍ﴾. قال قتادة: "حتى حين": إلى الموت. وقال السدي: إلى يوم بدر. * * ثم قال: ﴿وَأَبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ أي: انظرهم وأخرهم فسوف يرون ما يحل بهم من العقاب.

الصافات 37:161

قوله (تعالى ذكره): ﴿أَمْ خَلَقْنَا ٱلْمَلاَئِكَةَ إِنَاثاً﴾ إلى قوله: ﴿فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾. أي: أم شهد هؤلاء القائلون: إن الملائكة بنات (الله)، خلق الله الملائكة إناثاً. هذا كله على التقرير والتوبيخ. * * ثم قال: ﴿أَلاَ إِنَّهُم مِّنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ * وَلَدَ ٱللَّهُ﴾ أي: ألا إن هؤلاء المشركين من كذبهم ليقولن ولد الله، وهو جعلهم الملائكة بنات الله. * * ثم قال: ﴿أَصْطَفَى ٱلْبَنَاتِ عَلَىٰ ٱلْبَنِينَ﴾ هذا أيضاً توبيخ لهم، والمعنى عند الزجاج: سلهم هل اصطفى البنات على البنين. * * ثم قال: ﴿مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾. هذا أيضاً تقريع وتوبيخ ومعناه: بئس الحكم تحكمون أيها القوم، أن يكون لله البنات ولكم البنون، فأنتم لا ترضون البنات لأنفسكم فتجعلون لله ما لا ترضون به لأنفسكم. * * ثم قال: ﴿أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ﴾ أي: تتدبرون ما تقولون فتعرفون خطأه فتنتهون عنه. ﴿أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُّبِينٌ﴾ أي: حجة ظاهرة على ما تقولون. قال قتادة: "سلطان مبين" عُذْرٌ بَيِّنٌ. ﴿فَأْتُواْ بِكِتَابِكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ أي: فأتوا بحجتكم من كتاب جاءكم من عند الله بما قلتم من الإفك إن كنتم صادقين فيما قلتم. * * ثم قال: ﴿وَجَعَلُواْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ ٱلْجِنَّةِ نَسَباً﴾. قال ابن عباس: زعم أعداء الله أنه جل ثناؤه وإبليس أخوان. وكذلك قال الضحاك. وقال غيرهما: الجِنَّة هنا الملائكة، جعلهم كفار قريش بنات الله جل عن ذلك وتعالى، وهو قول مجاهد والسدي. وروي أن أبا بكر قال لقريش: من أمهاتهن؟ فقالوا: سَرَوَاتُ الجِنِّ. وقال قتادة: قالت اليهود: إن الله جل ذكره تزوج إلى الجنة فخرج بينهم الملائكة. فسميت الملائكة جِنة لأنهم لا يُرَون. وقال السدي: سموا بذلك لأنهم على الجنان. [ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمَتِ ٱلجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ﴾ أي: ولقد علمت الملائكة أن الذين قالوا هذا لمُشْهِدُون الحساب والنار ومعذبون]. * * ثم قال: ﴿سُبْحَانَ ٱللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ أي: تنزيهاً له وبراءة عما يقولون ويفترون. * * ثم قال: ﴿إِلاَّ عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلْمُخْلَصِينَ﴾ أي: إلا عباد الله الذين أخلصهم لرحمته، فإنهم لا يحضرون العذاب. ثم قال (تعالى): ﴿فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ * مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ * إِلاَّ مَنْ هُوَ صَالِ ٱلْجَحِيمِ﴾ أي: فإنكم أيها المشركون وما تعبدون من الآلهة ما أنتم على ما تعبدون من ذلك بفاتنين، أي: بمضلين من أحد إلا من هو صالِ الجحيم، أي: من سبق له في علم الله أنه يضل فيدخل النار. وقيل: "عليه" في قوله "ما أنتم عليه" بمعنى له. هذا كله معنى قول ابن عباس والحسن وقتادة والسدي وابن زيد. والتقدير عند جميعهم: لستم تضلون أحداً إلا من سبق في علم الله أنه من أهل الشقاء وأهل النار. وفي هذه الآية رد على القدرية لأن الضلال والهدى كل بمشيئة الله وقضائه، خلق هؤلاء للجنة وهؤلاء للشقاء، فالشياطين لا تضل إلا من كتب الله عليه أنه لا يهتدي. فأما من تقدم له في علم الله الهدى فإنه تعالى يحول بينهم وبينه فلا يصلون إلى إضلاله. قال عمر بن عبد العزيز: لو أراد الله أن لا يُعْصَى لم يخلق إبليس وإنه لبَيِّنٌ في كتاب الله في آية علمها من علمها وجهلها من جهلها، ثم قرأ: ﴿فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ * مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ * إِلاَّ مَنْ هُوَ صَالِ ٱلْجَحِيمِ﴾. وقوله: "صال الجحيم" أصله صالي بالياء، ولكن كتب على لفظ الوصل، ولا يحسن الوقف عليه، فإن وقف عليه واقف، فمن القراء من يكره مخالفة الشواذ فيقف بغير ياء. ومذهب سلام ويعقوب: أن يقف عليه بالياء على الأصل، لأن العلة التي من أجلها حذفت الياء قد زالت بالوقف. وقرأ الحسن: "صال الجحيم". على أن يرده على معنى "من" فيجمع بالواو والنون، وتحذف النون للإضافة والواو لالتقاء الساكنين في الوصل. ولا تجوز هذه القراءة على غير هذه الأشياء. ذكر بعض النحويين: أن يكون قرأه على القلب كأنه رد لام الفعل، وهي الياء في الواحد قبل اللام، فصار الإعراب (في اللام)، فضمت ثم حذفت الياء، وهذا بعيد. ثم قال (تعالى): ﴿وَمَا مِنَّآ إِلاَّ لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ﴾. التقدير عند الكوفيين: وما منا إلا من له مقام، ثم حذفت من. ولا يجوز هذا عند البصريين لأنه حذف موصول وترك صلته. والتقدير عند البصريين: وما منا ملك إلا له مقام. وهذا خبر من الله جل ذكره عن قول الملائكة، أي قالوا: وما منا معشر الملائكة إلا ملك له مقام معلوم في السماء. ثم قال تعالى حكاية عن قول الملائكة: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ ٱلصَّآفُّونَ﴾ روت عائشة رضي الله عنها أن النبي ﷺ قال: "مَا فِي السَّمَاءِ مَوْضِعُ قَدَمٍ إِلاَّ عََلَيْهِ (مَلَكٌ) سَاجِدٌ أَوْ قَائِمٌ فالمعنى أنهم قالوا: وإنا لنحن الصافون لله بعبادته. ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ ٱلْمُسَبِّحُونَ﴾ أي: المصلون له. قال عبد الله بن مسعود وابن عباس: ما من السماوات سماء إلا وما فيها موضع شبر، إلا وعليه جبهة ملك، أو قدماه، ثم قرأ: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ ٱلصَّآفُّونَ * وَإِنَّا لَنَحْنُ ٱلْمُسَبِّحُونَ﴾. ومعنى الكلام من أوله: أن الملائكة استعظمت فعل من يعبدها وتعجبت من ذلك وتبرأت منه، فقالت: "وما منا إلا له مقام معلوم ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ ٱلصَّآفُّونَ﴾ ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ ٱلْمُسَبِّحُونَ﴾"، فكيف يُعْبَدُ من هو على هذه الحال. ثم قال (تعالى): ﴿وَإِن كَانُواْ لَيَقُولُونَ * لَوْ أَنَّ عِندَنَا ذِكْراً مِّنَ ٱلأَوَّلِينَ * لَكُنَّا عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلْمُخْلَصِينَ﴾ أي: قالت قريش قبل مبعث النبي ﷺ لو أن عندنا ذكراً من الأولين، أي: كتاباً من السماء فيه ذكر الأمم الماضية كالتوراة والإنجيل، فلما جاءهم ذلك كفروا به. * * ثم قال: ﴿لَكُنَّا عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلْمُخْلَصِينَ﴾ (أي): الذين أخلصوا لله الطاعة. هذا على قراءة من كسر اللام. ومن فتحها فمعناه: لكنا عباد الله الذين أخلصهم الله واختارهم لطاعته. قال قتادة: قالت هذه الأمة ذلك قبل مبعث النبي ﷺ، فلما جاءهم الكتاب والنبي كفروا به. قال الضحاك: هذا قول مشركي أهل مكة، فلما جاءهم ذِكْرُ الأولين والآخرين كفروا به، فسوف يعلمون، (أي: يعلمون) ما لهم من العقاب على كفرهم. فالهاء في "به" تعود على القرآن وهو الذكر. وقيل: على محمد ﷺ. ثم قال (تعالى ذكره): ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا ٱلْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ ٱلْمَنصُورُونَ﴾ أي: سبق القضاء في أم الكتاب ووجب القول من الله أن المرسلين هم المنصورون على من ناوأهم بالحجج والغلبة، قاله قتادة والسدي. وقال الفراء: لهم المنصورون بالشفاعة. * * ثم قال: ﴿وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ ٱلْغَالِبُونَ﴾ أي: حزب الله هم الغالبون حزب الشيطان بالحجج والغلبة والظفر. * * ثم قال: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّىٰ حِينٍ﴾. قال قتادة: "حتى حين": إلى الموت. وقال السدي: إلى يوم بدر. * * ثم قال: ﴿وَأَبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ أي: انظرهم وأخرهم فسوف يرون ما يحل بهم من العقاب.

الصافات 37:162

قوله (تعالى ذكره): ﴿أَمْ خَلَقْنَا ٱلْمَلاَئِكَةَ إِنَاثاً﴾ إلى قوله: ﴿فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾. أي: أم شهد هؤلاء القائلون: إن الملائكة بنات (الله)، خلق الله الملائكة إناثاً. هذا كله على التقرير والتوبيخ. * * ثم قال: ﴿أَلاَ إِنَّهُم مِّنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ * وَلَدَ ٱللَّهُ﴾ أي: ألا إن هؤلاء المشركين من كذبهم ليقولن ولد الله، وهو جعلهم الملائكة بنات الله. * * ثم قال: ﴿أَصْطَفَى ٱلْبَنَاتِ عَلَىٰ ٱلْبَنِينَ﴾ هذا أيضاً توبيخ لهم، والمعنى عند الزجاج: سلهم هل اصطفى البنات على البنين. * * ثم قال: ﴿مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾. هذا أيضاً تقريع وتوبيخ ومعناه: بئس الحكم تحكمون أيها القوم، أن يكون لله البنات ولكم البنون، فأنتم لا ترضون البنات لأنفسكم فتجعلون لله ما لا ترضون به لأنفسكم. * * ثم قال: ﴿أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ﴾ أي: تتدبرون ما تقولون فتعرفون خطأه فتنتهون عنه. ﴿أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُّبِينٌ﴾ أي: حجة ظاهرة على ما تقولون. قال قتادة: "سلطان مبين" عُذْرٌ بَيِّنٌ. ﴿فَأْتُواْ بِكِتَابِكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ أي: فأتوا بحجتكم من كتاب جاءكم من عند الله بما قلتم من الإفك إن كنتم صادقين فيما قلتم. * * ثم قال: ﴿وَجَعَلُواْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ ٱلْجِنَّةِ نَسَباً﴾. قال ابن عباس: زعم أعداء الله أنه جل ثناؤه وإبليس أخوان. وكذلك قال الضحاك. وقال غيرهما: الجِنَّة هنا الملائكة، جعلهم كفار قريش بنات الله جل عن ذلك وتعالى، وهو قول مجاهد والسدي. وروي أن أبا بكر قال لقريش: من أمهاتهن؟ فقالوا: سَرَوَاتُ الجِنِّ. وقال قتادة: قالت اليهود: إن الله جل ذكره تزوج إلى الجنة فخرج بينهم الملائكة. فسميت الملائكة جِنة لأنهم لا يُرَون. وقال السدي: سموا بذلك لأنهم على الجنان. [ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمَتِ ٱلجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ﴾ أي: ولقد علمت الملائكة أن الذين قالوا هذا لمُشْهِدُون الحساب والنار ومعذبون]. * * ثم قال: ﴿سُبْحَانَ ٱللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ أي: تنزيهاً له وبراءة عما يقولون ويفترون. * * ثم قال: ﴿إِلاَّ عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلْمُخْلَصِينَ﴾ أي: إلا عباد الله الذين أخلصهم لرحمته، فإنهم لا يحضرون العذاب. ثم قال (تعالى): ﴿فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ * مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ * إِلاَّ مَنْ هُوَ صَالِ ٱلْجَحِيمِ﴾ أي: فإنكم أيها المشركون وما تعبدون من الآلهة ما أنتم على ما تعبدون من ذلك بفاتنين، أي: بمضلين من أحد إلا من هو صالِ الجحيم، أي: من سبق له في علم الله أنه يضل فيدخل النار. وقيل: "عليه" في قوله "ما أنتم عليه" بمعنى له. هذا كله معنى قول ابن عباس والحسن وقتادة والسدي وابن زيد. والتقدير عند جميعهم: لستم تضلون أحداً إلا من سبق في علم الله أنه من أهل الشقاء وأهل النار. وفي هذه الآية رد على القدرية لأن الضلال والهدى كل بمشيئة الله وقضائه، خلق هؤلاء للجنة وهؤلاء للشقاء، فالشياطين لا تضل إلا من كتب الله عليه أنه لا يهتدي. فأما من تقدم له في علم الله الهدى فإنه تعالى يحول بينهم وبينه فلا يصلون إلى إضلاله. قال عمر بن عبد العزيز: لو أراد الله أن لا يُعْصَى لم يخلق إبليس وإنه لبَيِّنٌ في كتاب الله في آية علمها من علمها وجهلها من جهلها، ثم قرأ: ﴿فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ * مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ * إِلاَّ مَنْ هُوَ صَالِ ٱلْجَحِيمِ﴾. وقوله: "صال الجحيم" أصله صالي بالياء، ولكن كتب على لفظ الوصل، ولا يحسن الوقف عليه، فإن وقف عليه واقف، فمن القراء من يكره مخالفة الشواذ فيقف بغير ياء. ومذهب سلام ويعقوب: أن يقف عليه بالياء على الأصل، لأن العلة التي من أجلها حذفت الياء قد زالت بالوقف. وقرأ الحسن: "صال الجحيم". على أن يرده على معنى "من" فيجمع بالواو والنون، وتحذف النون للإضافة والواو لالتقاء الساكنين في الوصل. ولا تجوز هذه القراءة على غير هذه الأشياء. ذكر بعض النحويين: أن يكون قرأه على القلب كأنه رد لام الفعل، وهي الياء في الواحد قبل اللام، فصار الإعراب (في اللام)، فضمت ثم حذفت الياء، وهذا بعيد. ثم قال (تعالى): ﴿وَمَا مِنَّآ إِلاَّ لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ﴾. التقدير عند الكوفيين: وما منا إلا من له مقام، ثم حذفت من. ولا يجوز هذا عند البصريين لأنه حذف موصول وترك صلته. والتقدير عند البصريين: وما منا ملك إلا له مقام. وهذا خبر من الله جل ذكره عن قول الملائكة، أي قالوا: وما منا معشر الملائكة إلا ملك له مقام معلوم في السماء. ثم قال تعالى حكاية عن قول الملائكة: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ ٱلصَّآفُّونَ﴾ روت عائشة رضي الله عنها أن النبي ﷺ قال: "مَا فِي السَّمَاءِ مَوْضِعُ قَدَمٍ إِلاَّ عََلَيْهِ (مَلَكٌ) سَاجِدٌ أَوْ قَائِمٌ فالمعنى أنهم قالوا: وإنا لنحن الصافون لله بعبادته. ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ ٱلْمُسَبِّحُونَ﴾ أي: المصلون له. قال عبد الله بن مسعود وابن عباس: ما من السماوات سماء إلا وما فيها موضع شبر، إلا وعليه جبهة ملك، أو قدماه، ثم قرأ: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ ٱلصَّآفُّونَ * وَإِنَّا لَنَحْنُ ٱلْمُسَبِّحُونَ﴾. ومعنى الكلام من أوله: أن الملائكة استعظمت فعل من يعبدها وتعجبت من ذلك وتبرأت منه، فقالت: "وما منا إلا له مقام معلوم ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ ٱلصَّآفُّونَ﴾ ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ ٱلْمُسَبِّحُونَ﴾"، فكيف يُعْبَدُ من هو على هذه الحال. ثم قال (تعالى): ﴿وَإِن كَانُواْ لَيَقُولُونَ * لَوْ أَنَّ عِندَنَا ذِكْراً مِّنَ ٱلأَوَّلِينَ * لَكُنَّا عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلْمُخْلَصِينَ﴾ أي: قالت قريش قبل مبعث النبي ﷺ لو أن عندنا ذكراً من الأولين، أي: كتاباً من السماء فيه ذكر الأمم الماضية كالتوراة والإنجيل، فلما جاءهم ذلك كفروا به. * * ثم قال: ﴿لَكُنَّا عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلْمُخْلَصِينَ﴾ (أي): الذين أخلصوا لله الطاعة. هذا على قراءة من كسر اللام. ومن فتحها فمعناه: لكنا عباد الله الذين أخلصهم الله واختارهم لطاعته. قال قتادة: قالت هذه الأمة ذلك قبل مبعث النبي ﷺ، فلما جاءهم الكتاب والنبي كفروا به. قال الضحاك: هذا قول مشركي أهل مكة، فلما جاءهم ذِكْرُ الأولين والآخرين كفروا به، فسوف يعلمون، (أي: يعلمون) ما لهم من العقاب على كفرهم. فالهاء في "به" تعود على القرآن وهو الذكر. وقيل: على محمد ﷺ. ثم قال (تعالى ذكره): ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا ٱلْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ ٱلْمَنصُورُونَ﴾ أي: سبق القضاء في أم الكتاب ووجب القول من الله أن المرسلين هم المنصورون على من ناوأهم بالحجج والغلبة، قاله قتادة والسدي. وقال الفراء: لهم المنصورون بالشفاعة. * * ثم قال: ﴿وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ ٱلْغَالِبُونَ﴾ أي: حزب الله هم الغالبون حزب الشيطان بالحجج والغلبة والظفر. * * ثم قال: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّىٰ حِينٍ﴾. قال قتادة: "حتى حين": إلى الموت. وقال السدي: إلى يوم بدر. * * ثم قال: ﴿وَأَبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ أي: انظرهم وأخرهم فسوف يرون ما يحل بهم من العقاب.

الصافات 37:163

قوله (تعالى ذكره): ﴿أَمْ خَلَقْنَا ٱلْمَلاَئِكَةَ إِنَاثاً﴾ إلى قوله: ﴿فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾. أي: أم شهد هؤلاء القائلون: إن الملائكة بنات (الله)، خلق الله الملائكة إناثاً. هذا كله على التقرير والتوبيخ. * * ثم قال: ﴿أَلاَ إِنَّهُم مِّنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ * وَلَدَ ٱللَّهُ﴾ أي: ألا إن هؤلاء المشركين من كذبهم ليقولن ولد الله، وهو جعلهم الملائكة بنات الله. * * ثم قال: ﴿أَصْطَفَى ٱلْبَنَاتِ عَلَىٰ ٱلْبَنِينَ﴾ هذا أيضاً توبيخ لهم، والمعنى عند الزجاج: سلهم هل اصطفى البنات على البنين. * * ثم قال: ﴿مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾. هذا أيضاً تقريع وتوبيخ ومعناه: بئس الحكم تحكمون أيها القوم، أن يكون لله البنات ولكم البنون، فأنتم لا ترضون البنات لأنفسكم فتجعلون لله ما لا ترضون به لأنفسكم. * * ثم قال: ﴿أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ﴾ أي: تتدبرون ما تقولون فتعرفون خطأه فتنتهون عنه. ﴿أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُّبِينٌ﴾ أي: حجة ظاهرة على ما تقولون. قال قتادة: "سلطان مبين" عُذْرٌ بَيِّنٌ. ﴿فَأْتُواْ بِكِتَابِكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ أي: فأتوا بحجتكم من كتاب جاءكم من عند الله بما قلتم من الإفك إن كنتم صادقين فيما قلتم. * * ثم قال: ﴿وَجَعَلُواْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ ٱلْجِنَّةِ نَسَباً﴾. قال ابن عباس: زعم أعداء الله أنه جل ثناؤه وإبليس أخوان. وكذلك قال الضحاك. وقال غيرهما: الجِنَّة هنا الملائكة، جعلهم كفار قريش بنات الله جل عن ذلك وتعالى، وهو قول مجاهد والسدي. وروي أن أبا بكر قال لقريش: من أمهاتهن؟ فقالوا: سَرَوَاتُ الجِنِّ. وقال قتادة: قالت اليهود: إن الله جل ذكره تزوج إلى الجنة فخرج بينهم الملائكة. فسميت الملائكة جِنة لأنهم لا يُرَون. وقال السدي: سموا بذلك لأنهم على الجنان. [ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمَتِ ٱلجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ﴾ أي: ولقد علمت الملائكة أن الذين قالوا هذا لمُشْهِدُون الحساب والنار ومعذبون]. * * ثم قال: ﴿سُبْحَانَ ٱللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ أي: تنزيهاً له وبراءة عما يقولون ويفترون. * * ثم قال: ﴿إِلاَّ عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلْمُخْلَصِينَ﴾ أي: إلا عباد الله الذين أخلصهم لرحمته، فإنهم لا يحضرون العذاب. ثم قال (تعالى): ﴿فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ * مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ * إِلاَّ مَنْ هُوَ صَالِ ٱلْجَحِيمِ﴾ أي: فإنكم أيها المشركون وما تعبدون من الآلهة ما أنتم على ما تعبدون من ذلك بفاتنين، أي: بمضلين من أحد إلا من هو صالِ الجحيم، أي: من سبق له في علم الله أنه يضل فيدخل النار. وقيل: "عليه" في قوله "ما أنتم عليه" بمعنى له. هذا كله معنى قول ابن عباس والحسن وقتادة والسدي وابن زيد. والتقدير عند جميعهم: لستم تضلون أحداً إلا من سبق في علم الله أنه من أهل الشقاء وأهل النار. وفي هذه الآية رد على القدرية لأن الضلال والهدى كل بمشيئة الله وقضائه، خلق هؤلاء للجنة وهؤلاء للشقاء، فالشياطين لا تضل إلا من كتب الله عليه أنه لا يهتدي. فأما من تقدم له في علم الله الهدى فإنه تعالى يحول بينهم وبينه فلا يصلون إلى إضلاله. قال عمر بن عبد العزيز: لو أراد الله أن لا يُعْصَى لم يخلق إبليس وإنه لبَيِّنٌ في كتاب الله في آية علمها من علمها وجهلها من جهلها، ثم قرأ: ﴿فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ * مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ * إِلاَّ مَنْ هُوَ صَالِ ٱلْجَحِيمِ﴾. وقوله: "صال الجحيم" أصله صالي بالياء، ولكن كتب على لفظ الوصل، ولا يحسن الوقف عليه، فإن وقف عليه واقف، فمن القراء من يكره مخالفة الشواذ فيقف بغير ياء. ومذهب سلام ويعقوب: أن يقف عليه بالياء على الأصل، لأن العلة التي من أجلها حذفت الياء قد زالت بالوقف. وقرأ الحسن: "صال الجحيم". على أن يرده على معنى "من" فيجمع بالواو والنون، وتحذف النون للإضافة والواو لالتقاء الساكنين في الوصل. ولا تجوز هذه القراءة على غير هذه الأشياء. ذكر بعض النحويين: أن يكون قرأه على القلب كأنه رد لام الفعل، وهي الياء في الواحد قبل اللام، فصار الإعراب (في اللام)، فضمت ثم حذفت الياء، وهذا بعيد. ثم قال (تعالى): ﴿وَمَا مِنَّآ إِلاَّ لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ﴾. التقدير عند الكوفيين: وما منا إلا من له مقام، ثم حذفت من. ولا يجوز هذا عند البصريين لأنه حذف موصول وترك صلته. والتقدير عند البصريين: وما منا ملك إلا له مقام. وهذا خبر من الله جل ذكره عن قول الملائكة، أي قالوا: وما منا معشر الملائكة إلا ملك له مقام معلوم في السماء. ثم قال تعالى حكاية عن قول الملائكة: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ ٱلصَّآفُّونَ﴾ روت عائشة رضي الله عنها أن النبي ﷺ قال: "مَا فِي السَّمَاءِ مَوْضِعُ قَدَمٍ إِلاَّ عََلَيْهِ (مَلَكٌ) سَاجِدٌ أَوْ قَائِمٌ فالمعنى أنهم قالوا: وإنا لنحن الصافون لله بعبادته. ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ ٱلْمُسَبِّحُونَ﴾ أي: المصلون له. قال عبد الله بن مسعود وابن عباس: ما من السماوات سماء إلا وما فيها موضع شبر، إلا وعليه جبهة ملك، أو قدماه، ثم قرأ: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ ٱلصَّآفُّونَ * وَإِنَّا لَنَحْنُ ٱلْمُسَبِّحُونَ﴾. ومعنى الكلام من أوله: أن الملائكة استعظمت فعل من يعبدها وتعجبت من ذلك وتبرأت منه، فقالت: "وما منا إلا له مقام معلوم ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ ٱلصَّآفُّونَ﴾ ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ ٱلْمُسَبِّحُونَ﴾"، فكيف يُعْبَدُ من هو على هذه الحال. ثم قال (تعالى): ﴿وَإِن كَانُواْ لَيَقُولُونَ * لَوْ أَنَّ عِندَنَا ذِكْراً مِّنَ ٱلأَوَّلِينَ * لَكُنَّا عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلْمُخْلَصِينَ﴾ أي: قالت قريش قبل مبعث النبي ﷺ لو أن عندنا ذكراً من الأولين، أي: كتاباً من السماء فيه ذكر الأمم الماضية كالتوراة والإنجيل، فلما جاءهم ذلك كفروا به. * * ثم قال: ﴿لَكُنَّا عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلْمُخْلَصِينَ﴾ (أي): الذين أخلصوا لله الطاعة. هذا على قراءة من كسر اللام. ومن فتحها فمعناه: لكنا عباد الله الذين أخلصهم الله واختارهم لطاعته. قال قتادة: قالت هذه الأمة ذلك قبل مبعث النبي ﷺ، فلما جاءهم الكتاب والنبي كفروا به. قال الضحاك: هذا قول مشركي أهل مكة، فلما جاءهم ذِكْرُ الأولين والآخرين كفروا به، فسوف يعلمون، (أي: يعلمون) ما لهم من العقاب على كفرهم. فالهاء في "به" تعود على القرآن وهو الذكر. وقيل: على محمد ﷺ. ثم قال (تعالى ذكره): ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا ٱلْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ ٱلْمَنصُورُونَ﴾ أي: سبق القضاء في أم الكتاب ووجب القول من الله أن المرسلين هم المنصورون على من ناوأهم بالحجج والغلبة، قاله قتادة والسدي. وقال الفراء: لهم المنصورون بالشفاعة. * * ثم قال: ﴿وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ ٱلْغَالِبُونَ﴾ أي: حزب الله هم الغالبون حزب الشيطان بالحجج والغلبة والظفر. * * ثم قال: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّىٰ حِينٍ﴾. قال قتادة: "حتى حين": إلى الموت. وقال السدي: إلى يوم بدر. * * ثم قال: ﴿وَأَبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ أي: انظرهم وأخرهم فسوف يرون ما يحل بهم من العقاب.

الصافات 37:164

قوله (تعالى ذكره): ﴿أَمْ خَلَقْنَا ٱلْمَلاَئِكَةَ إِنَاثاً﴾ إلى قوله: ﴿فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾. أي: أم شهد هؤلاء القائلون: إن الملائكة بنات (الله)، خلق الله الملائكة إناثاً. هذا كله على التقرير والتوبيخ. * * ثم قال: ﴿أَلاَ إِنَّهُم مِّنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ * وَلَدَ ٱللَّهُ﴾ أي: ألا إن هؤلاء المشركين من كذبهم ليقولن ولد الله، وهو جعلهم الملائكة بنات الله. * * ثم قال: ﴿أَصْطَفَى ٱلْبَنَاتِ عَلَىٰ ٱلْبَنِينَ﴾ هذا أيضاً توبيخ لهم، والمعنى عند الزجاج: سلهم هل اصطفى البنات على البنين. * * ثم قال: ﴿مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾. هذا أيضاً تقريع وتوبيخ ومعناه: بئس الحكم تحكمون أيها القوم، أن يكون لله البنات ولكم البنون، فأنتم لا ترضون البنات لأنفسكم فتجعلون لله ما لا ترضون به لأنفسكم. * * ثم قال: ﴿أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ﴾ أي: تتدبرون ما تقولون فتعرفون خطأه فتنتهون عنه. ﴿أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُّبِينٌ﴾ أي: حجة ظاهرة على ما تقولون. قال قتادة: "سلطان مبين" عُذْرٌ بَيِّنٌ. ﴿فَأْتُواْ بِكِتَابِكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ أي: فأتوا بحجتكم من كتاب جاءكم من عند الله بما قلتم من الإفك إن كنتم صادقين فيما قلتم. * * ثم قال: ﴿وَجَعَلُواْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ ٱلْجِنَّةِ نَسَباً﴾. قال ابن عباس: زعم أعداء الله أنه جل ثناؤه وإبليس أخوان. وكذلك قال الضحاك. وقال غيرهما: الجِنَّة هنا الملائكة، جعلهم كفار قريش بنات الله جل عن ذلك وتعالى، وهو قول مجاهد والسدي. وروي أن أبا بكر قال لقريش: من أمهاتهن؟ فقالوا: سَرَوَاتُ الجِنِّ. وقال قتادة: قالت اليهود: إن الله جل ذكره تزوج إلى الجنة فخرج بينهم الملائكة. فسميت الملائكة جِنة لأنهم لا يُرَون. وقال السدي: سموا بذلك لأنهم على الجنان. [ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمَتِ ٱلجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ﴾ أي: ولقد علمت الملائكة أن الذين قالوا هذا لمُشْهِدُون الحساب والنار ومعذبون]. * * ثم قال: ﴿سُبْحَانَ ٱللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ أي: تنزيهاً له وبراءة عما يقولون ويفترون. * * ثم قال: ﴿إِلاَّ عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلْمُخْلَصِينَ﴾ أي: إلا عباد الله الذين أخلصهم لرحمته، فإنهم لا يحضرون العذاب. ثم قال (تعالى): ﴿فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ * مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ * إِلاَّ مَنْ هُوَ صَالِ ٱلْجَحِيمِ﴾ أي: فإنكم أيها المشركون وما تعبدون من الآلهة ما أنتم على ما تعبدون من ذلك بفاتنين، أي: بمضلين من أحد إلا من هو صالِ الجحيم، أي: من سبق له في علم الله أنه يضل فيدخل النار. وقيل: "عليه" في قوله "ما أنتم عليه" بمعنى له. هذا كله معنى قول ابن عباس والحسن وقتادة والسدي وابن زيد. والتقدير عند جميعهم: لستم تضلون أحداً إلا من سبق في علم الله أنه من أهل الشقاء وأهل النار. وفي هذه الآية رد على القدرية لأن الضلال والهدى كل بمشيئة الله وقضائه، خلق هؤلاء للجنة وهؤلاء للشقاء، فالشياطين لا تضل إلا من كتب الله عليه أنه لا يهتدي. فأما من تقدم له في علم الله الهدى فإنه تعالى يحول بينهم وبينه فلا يصلون إلى إضلاله. قال عمر بن عبد العزيز: لو أراد الله أن لا يُعْصَى لم يخلق إبليس وإنه لبَيِّنٌ في كتاب الله في آية علمها من علمها وجهلها من جهلها، ثم قرأ: ﴿فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ * مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ * إِلاَّ مَنْ هُوَ صَالِ ٱلْجَحِيمِ﴾. وقوله: "صال الجحيم" أصله صالي بالياء، ولكن كتب على لفظ الوصل، ولا يحسن الوقف عليه، فإن وقف عليه واقف، فمن القراء من يكره مخالفة الشواذ فيقف بغير ياء. ومذهب سلام ويعقوب: أن يقف عليه بالياء على الأصل، لأن العلة التي من أجلها حذفت الياء قد زالت بالوقف. وقرأ الحسن: "صال الجحيم". على أن يرده على معنى "من" فيجمع بالواو والنون، وتحذف النون للإضافة والواو لالتقاء الساكنين في الوصل. ولا تجوز هذه القراءة على غير هذه الأشياء. ذكر بعض النحويين: أن يكون قرأه على القلب كأنه رد لام الفعل، وهي الياء في الواحد قبل اللام، فصار الإعراب (في اللام)، فضمت ثم حذفت الياء، وهذا بعيد. ثم قال (تعالى): ﴿وَمَا مِنَّآ إِلاَّ لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ﴾. التقدير عند الكوفيين: وما منا إلا من له مقام، ثم حذفت من. ولا يجوز هذا عند البصريين لأنه حذف موصول وترك صلته. والتقدير عند البصريين: وما منا ملك إلا له مقام. وهذا خبر من الله جل ذكره عن قول الملائكة، أي قالوا: وما منا معشر الملائكة إلا ملك له مقام معلوم في السماء. ثم قال تعالى حكاية عن قول الملائكة: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ ٱلصَّآفُّونَ﴾ روت عائشة رضي الله عنها أن النبي ﷺ قال: "مَا فِي السَّمَاءِ مَوْضِعُ قَدَمٍ إِلاَّ عََلَيْهِ (مَلَكٌ) سَاجِدٌ أَوْ قَائِمٌ فالمعنى أنهم قالوا: وإنا لنحن الصافون لله بعبادته. ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ ٱلْمُسَبِّحُونَ﴾ أي: المصلون له. قال عبد الله بن مسعود وابن عباس: ما من السماوات سماء إلا وما فيها موضع شبر، إلا وعليه جبهة ملك، أو قدماه، ثم قرأ: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ ٱلصَّآفُّونَ * وَإِنَّا لَنَحْنُ ٱلْمُسَبِّحُونَ﴾. ومعنى الكلام من أوله: أن الملائكة استعظمت فعل من يعبدها وتعجبت من ذلك وتبرأت منه، فقالت: "وما منا إلا له مقام معلوم ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ ٱلصَّآفُّونَ﴾ ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ ٱلْمُسَبِّحُونَ﴾"، فكيف يُعْبَدُ من هو على هذه الحال. ثم قال (تعالى): ﴿وَإِن كَانُواْ لَيَقُولُونَ * لَوْ أَنَّ عِندَنَا ذِكْراً مِّنَ ٱلأَوَّلِينَ * لَكُنَّا عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلْمُخْلَصِينَ﴾ أي: قالت قريش قبل مبعث النبي ﷺ لو أن عندنا ذكراً من الأولين، أي: كتاباً من السماء فيه ذكر الأمم الماضية كالتوراة والإنجيل، فلما جاءهم ذلك كفروا به. * * ثم قال: ﴿لَكُنَّا عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلْمُخْلَصِينَ﴾ (أي): الذين أخلصوا لله الطاعة. هذا على قراءة من كسر اللام. ومن فتحها فمعناه: لكنا عباد الله الذين أخلصهم الله واختارهم لطاعته. قال قتادة: قالت هذه الأمة ذلك قبل مبعث النبي ﷺ، فلما جاءهم الكتاب والنبي كفروا به. قال الضحاك: هذا قول مشركي أهل مكة، فلما جاءهم ذِكْرُ الأولين والآخرين كفروا به، فسوف يعلمون، (أي: يعلمون) ما لهم من العقاب على كفرهم. فالهاء في "به" تعود على القرآن وهو الذكر. وقيل: على محمد ﷺ. ثم قال (تعالى ذكره): ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا ٱلْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ ٱلْمَنصُورُونَ﴾ أي: سبق القضاء في أم الكتاب ووجب القول من الله أن المرسلين هم المنصورون على من ناوأهم بالحجج والغلبة، قاله قتادة والسدي. وقال الفراء: لهم المنصورون بالشفاعة. * * ثم قال: ﴿وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ ٱلْغَالِبُونَ﴾ أي: حزب الله هم الغالبون حزب الشيطان بالحجج والغلبة والظفر. * * ثم قال: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّىٰ حِينٍ﴾. قال قتادة: "حتى حين": إلى الموت. وقال السدي: إلى يوم بدر. * * ثم قال: ﴿وَأَبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ أي: انظرهم وأخرهم فسوف يرون ما يحل بهم من العقاب.

الصافات 37:165

قوله (تعالى ذكره): ﴿أَمْ خَلَقْنَا ٱلْمَلاَئِكَةَ إِنَاثاً﴾ إلى قوله: ﴿فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾. أي: أم شهد هؤلاء القائلون: إن الملائكة بنات (الله)، خلق الله الملائكة إناثاً. هذا كله على التقرير والتوبيخ. * * ثم قال: ﴿أَلاَ إِنَّهُم مِّنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ * وَلَدَ ٱللَّهُ﴾ أي: ألا إن هؤلاء المشركين من كذبهم ليقولن ولد الله، وهو جعلهم الملائكة بنات الله. * * ثم قال: ﴿أَصْطَفَى ٱلْبَنَاتِ عَلَىٰ ٱلْبَنِينَ﴾ هذا أيضاً توبيخ لهم، والمعنى عند الزجاج: سلهم هل اصطفى البنات على البنين. * * ثم قال: ﴿مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾. هذا أيضاً تقريع وتوبيخ ومعناه: بئس الحكم تحكمون أيها القوم، أن يكون لله البنات ولكم البنون، فأنتم لا ترضون البنات لأنفسكم فتجعلون لله ما لا ترضون به لأنفسكم. * * ثم قال: ﴿أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ﴾ أي: تتدبرون ما تقولون فتعرفون خطأه فتنتهون عنه. ﴿أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُّبِينٌ﴾ أي: حجة ظاهرة على ما تقولون. قال قتادة: "سلطان مبين" عُذْرٌ بَيِّنٌ. ﴿فَأْتُواْ بِكِتَابِكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ أي: فأتوا بحجتكم من كتاب جاءكم من عند الله بما قلتم من الإفك إن كنتم صادقين فيما قلتم. * * ثم قال: ﴿وَجَعَلُواْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ ٱلْجِنَّةِ نَسَباً﴾. قال ابن عباس: زعم أعداء الله أنه جل ثناؤه وإبليس أخوان. وكذلك قال الضحاك. وقال غيرهما: الجِنَّة هنا الملائكة، جعلهم كفار قريش بنات الله جل عن ذلك وتعالى، وهو قول مجاهد والسدي. وروي أن أبا بكر قال لقريش: من أمهاتهن؟ فقالوا: سَرَوَاتُ الجِنِّ. وقال قتادة: قالت اليهود: إن الله جل ذكره تزوج إلى الجنة فخرج بينهم الملائكة. فسميت الملائكة جِنة لأنهم لا يُرَون. وقال السدي: سموا بذلك لأنهم على الجنان. [ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمَتِ ٱلجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ﴾ أي: ولقد علمت الملائكة أن الذين قالوا هذا لمُشْهِدُون الحساب والنار ومعذبون]. * * ثم قال: ﴿سُبْحَانَ ٱللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ أي: تنزيهاً له وبراءة عما يقولون ويفترون. * * ثم قال: ﴿إِلاَّ عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلْمُخْلَصِينَ﴾ أي: إلا عباد الله الذين أخلصهم لرحمته، فإنهم لا يحضرون العذاب. ثم قال (تعالى): ﴿فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ * مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ * إِلاَّ مَنْ هُوَ صَالِ ٱلْجَحِيمِ﴾ أي: فإنكم أيها المشركون وما تعبدون من الآلهة ما أنتم على ما تعبدون من ذلك بفاتنين، أي: بمضلين من أحد إلا من هو صالِ الجحيم، أي: من سبق له في علم الله أنه يضل فيدخل النار. وقيل: "عليه" في قوله "ما أنتم عليه" بمعنى له. هذا كله معنى قول ابن عباس والحسن وقتادة والسدي وابن زيد. والتقدير عند جميعهم: لستم تضلون أحداً إلا من سبق في علم الله أنه من أهل الشقاء وأهل النار. وفي هذه الآية رد على القدرية لأن الضلال والهدى كل بمشيئة الله وقضائه، خلق هؤلاء للجنة وهؤلاء للشقاء، فالشياطين لا تضل إلا من كتب الله عليه أنه لا يهتدي. فأما من تقدم له في علم الله الهدى فإنه تعالى يحول بينهم وبينه فلا يصلون إلى إضلاله. قال عمر بن عبد العزيز: لو أراد الله أن لا يُعْصَى لم يخلق إبليس وإنه لبَيِّنٌ في كتاب الله في آية علمها من علمها وجهلها من جهلها، ثم قرأ: ﴿فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ * مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ * إِلاَّ مَنْ هُوَ صَالِ ٱلْجَحِيمِ﴾. وقوله: "صال الجحيم" أصله صالي بالياء، ولكن كتب على لفظ الوصل، ولا يحسن الوقف عليه، فإن وقف عليه واقف، فمن القراء من يكره مخالفة الشواذ فيقف بغير ياء. ومذهب سلام ويعقوب: أن يقف عليه بالياء على الأصل، لأن العلة التي من أجلها حذفت الياء قد زالت بالوقف. وقرأ الحسن: "صال الجحيم". على أن يرده على معنى "من" فيجمع بالواو والنون، وتحذف النون للإضافة والواو لالتقاء الساكنين في الوصل. ولا تجوز هذه القراءة على غير هذه الأشياء. ذكر بعض النحويين: أن يكون قرأه على القلب كأنه رد لام الفعل، وهي الياء في الواحد قبل اللام، فصار الإعراب (في اللام)، فضمت ثم حذفت الياء، وهذا بعيد. ثم قال (تعالى): ﴿وَمَا مِنَّآ إِلاَّ لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ﴾. التقدير عند الكوفيين: وما منا إلا من له مقام، ثم حذفت من. ولا يجوز هذا عند البصريين لأنه حذف موصول وترك صلته. والتقدير عند البصريين: وما منا ملك إلا له مقام. وهذا خبر من الله جل ذكره عن قول الملائكة، أي قالوا: وما منا معشر الملائكة إلا ملك له مقام معلوم في السماء. ثم قال تعالى حكاية عن قول الملائكة: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ ٱلصَّآفُّونَ﴾ روت عائشة رضي الله عنها أن النبي ﷺ قال: "مَا فِي السَّمَاءِ مَوْضِعُ قَدَمٍ إِلاَّ عََلَيْهِ (مَلَكٌ) سَاجِدٌ أَوْ قَائِمٌ فالمعنى أنهم قالوا: وإنا لنحن الصافون لله بعبادته. ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ ٱلْمُسَبِّحُونَ﴾ أي: المصلون له. قال عبد الله بن مسعود وابن عباس: ما من السماوات سماء إلا وما فيها موضع شبر، إلا وعليه جبهة ملك، أو قدماه، ثم قرأ: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ ٱلصَّآفُّونَ * وَإِنَّا لَنَحْنُ ٱلْمُسَبِّحُونَ﴾. ومعنى الكلام من أوله: أن الملائكة استعظمت فعل من يعبدها وتعجبت من ذلك وتبرأت منه، فقالت: "وما منا إلا له مقام معلوم ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ ٱلصَّآفُّونَ﴾ ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ ٱلْمُسَبِّحُونَ﴾"، فكيف يُعْبَدُ من هو على هذه الحال. ثم قال (تعالى): ﴿وَإِن كَانُواْ لَيَقُولُونَ * لَوْ أَنَّ عِندَنَا ذِكْراً مِّنَ ٱلأَوَّلِينَ * لَكُنَّا عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلْمُخْلَصِينَ﴾ أي: قالت قريش قبل مبعث النبي ﷺ لو أن عندنا ذكراً من الأولين، أي: كتاباً من السماء فيه ذكر الأمم الماضية كالتوراة والإنجيل، فلما جاءهم ذلك كفروا به. * * ثم قال: ﴿لَكُنَّا عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلْمُخْلَصِينَ﴾ (أي): الذين أخلصوا لله الطاعة. هذا على قراءة من كسر اللام. ومن فتحها فمعناه: لكنا عباد الله الذين أخلصهم الله واختارهم لطاعته. قال قتادة: قالت هذه الأمة ذلك قبل مبعث النبي ﷺ، فلما جاءهم الكتاب والنبي كفروا به. قال الضحاك: هذا قول مشركي أهل مكة، فلما جاءهم ذِكْرُ الأولين والآخرين كفروا به، فسوف يعلمون، (أي: يعلمون) ما لهم من العقاب على كفرهم. فالهاء في "به" تعود على القرآن وهو الذكر. وقيل: على محمد ﷺ. ثم قال (تعالى ذكره): ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا ٱلْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ ٱلْمَنصُورُونَ﴾ أي: سبق القضاء في أم الكتاب ووجب القول من الله أن المرسلين هم المنصورون على من ناوأهم بالحجج والغلبة، قاله قتادة والسدي. وقال الفراء: لهم المنصورون بالشفاعة. * * ثم قال: ﴿وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ ٱلْغَالِبُونَ﴾ أي: حزب الله هم الغالبون حزب الشيطان بالحجج والغلبة والظفر. * * ثم قال: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّىٰ حِينٍ﴾. قال قتادة: "حتى حين": إلى الموت. وقال السدي: إلى يوم بدر. * * ثم قال: ﴿وَأَبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ أي: انظرهم وأخرهم فسوف يرون ما يحل بهم من العقاب.

الصافات 37:166

قوله (تعالى ذكره): ﴿أَمْ خَلَقْنَا ٱلْمَلاَئِكَةَ إِنَاثاً﴾ إلى قوله: ﴿فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾. أي: أم شهد هؤلاء القائلون: إن الملائكة بنات (الله)، خلق الله الملائكة إناثاً. هذا كله على التقرير والتوبيخ. * * ثم قال: ﴿أَلاَ إِنَّهُم مِّنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ * وَلَدَ ٱللَّهُ﴾ أي: ألا إن هؤلاء المشركين من كذبهم ليقولن ولد الله، وهو جعلهم الملائكة بنات الله. * * ثم قال: ﴿أَصْطَفَى ٱلْبَنَاتِ عَلَىٰ ٱلْبَنِينَ﴾ هذا أيضاً توبيخ لهم، والمعنى عند الزجاج: سلهم هل اصطفى البنات على البنين. * * ثم قال: ﴿مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾. هذا أيضاً تقريع وتوبيخ ومعناه: بئس الحكم تحكمون أيها القوم، أن يكون لله البنات ولكم البنون، فأنتم لا ترضون البنات لأنفسكم فتجعلون لله ما لا ترضون به لأنفسكم. * * ثم قال: ﴿أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ﴾ أي: تتدبرون ما تقولون فتعرفون خطأه فتنتهون عنه. ﴿أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُّبِينٌ﴾ أي: حجة ظاهرة على ما تقولون. قال قتادة: "سلطان مبين" عُذْرٌ بَيِّنٌ. ﴿فَأْتُواْ بِكِتَابِكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ أي: فأتوا بحجتكم من كتاب جاءكم من عند الله بما قلتم من الإفك إن كنتم صادقين فيما قلتم. * * ثم قال: ﴿وَجَعَلُواْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ ٱلْجِنَّةِ نَسَباً﴾. قال ابن عباس: زعم أعداء الله أنه جل ثناؤه وإبليس أخوان. وكذلك قال الضحاك. وقال غيرهما: الجِنَّة هنا الملائكة، جعلهم كفار قريش بنات الله جل عن ذلك وتعالى، وهو قول مجاهد والسدي. وروي أن أبا بكر قال لقريش: من أمهاتهن؟ فقالوا: سَرَوَاتُ الجِنِّ. وقال قتادة: قالت اليهود: إن الله جل ذكره تزوج إلى الجنة فخرج بينهم الملائكة. فسميت الملائكة جِنة لأنهم لا يُرَون. وقال السدي: سموا بذلك لأنهم على الجنان. [ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمَتِ ٱلجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ﴾ أي: ولقد علمت الملائكة أن الذين قالوا هذا لمُشْهِدُون الحساب والنار ومعذبون]. * * ثم قال: ﴿سُبْحَانَ ٱللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ أي: تنزيهاً له وبراءة عما يقولون ويفترون. * * ثم قال: ﴿إِلاَّ عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلْمُخْلَصِينَ﴾ أي: إلا عباد الله الذين أخلصهم لرحمته، فإنهم لا يحضرون العذاب. ثم قال (تعالى): ﴿فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ * مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ * إِلاَّ مَنْ هُوَ صَالِ ٱلْجَحِيمِ﴾ أي: فإنكم أيها المشركون وما تعبدون من الآلهة ما أنتم على ما تعبدون من ذلك بفاتنين، أي: بمضلين من أحد إلا من هو صالِ الجحيم، أي: من سبق له في علم الله أنه يضل فيدخل النار. وقيل: "عليه" في قوله "ما أنتم عليه" بمعنى له. هذا كله معنى قول ابن عباس والحسن وقتادة والسدي وابن زيد. والتقدير عند جميعهم: لستم تضلون أحداً إلا من سبق في علم الله أنه من أهل الشقاء وأهل النار. وفي هذه الآية رد على القدرية لأن الضلال والهدى كل بمشيئة الله وقضائه، خلق هؤلاء للجنة وهؤلاء للشقاء، فالشياطين لا تضل إلا من كتب الله عليه أنه لا يهتدي. فأما من تقدم له في علم الله الهدى فإنه تعالى يحول بينهم وبينه فلا يصلون إلى إضلاله. قال عمر بن عبد العزيز: لو أراد الله أن لا يُعْصَى لم يخلق إبليس وإنه لبَيِّنٌ في كتاب الله في آية علمها من علمها وجهلها من جهلها، ثم قرأ: ﴿فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ * مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ * إِلاَّ مَنْ هُوَ صَالِ ٱلْجَحِيمِ﴾. وقوله: "صال الجحيم" أصله صالي بالياء، ولكن كتب على لفظ الوصل، ولا يحسن الوقف عليه، فإن وقف عليه واقف، فمن القراء من يكره مخالفة الشواذ فيقف بغير ياء. ومذهب سلام ويعقوب: أن يقف عليه بالياء على الأصل، لأن العلة التي من أجلها حذفت الياء قد زالت بالوقف. وقرأ الحسن: "صال الجحيم". على أن يرده على معنى "من" فيجمع بالواو والنون، وتحذف النون للإضافة والواو لالتقاء الساكنين في الوصل. ولا تجوز هذه القراءة على غير هذه الأشياء. ذكر بعض النحويين: أن يكون قرأه على القلب كأنه رد لام الفعل، وهي الياء في الواحد قبل اللام، فصار الإعراب (في اللام)، فضمت ثم حذفت الياء، وهذا بعيد. ثم قال (تعالى): ﴿وَمَا مِنَّآ إِلاَّ لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ﴾. التقدير عند الكوفيين: وما منا إلا من له مقام، ثم حذفت من. ولا يجوز هذا عند البصريين لأنه حذف موصول وترك صلته. والتقدير عند البصريين: وما منا ملك إلا له مقام. وهذا خبر من الله جل ذكره عن قول الملائكة، أي قالوا: وما منا معشر الملائكة إلا ملك له مقام معلوم في السماء. ثم قال تعالى حكاية عن قول الملائكة: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ ٱلصَّآفُّونَ﴾ روت عائشة رضي الله عنها أن النبي ﷺ قال: "مَا فِي السَّمَاءِ مَوْضِعُ قَدَمٍ إِلاَّ عََلَيْهِ (مَلَكٌ) سَاجِدٌ أَوْ قَائِمٌ فالمعنى أنهم قالوا: وإنا لنحن الصافون لله بعبادته. ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ ٱلْمُسَبِّحُونَ﴾ أي: المصلون له. قال عبد الله بن مسعود وابن عباس: ما من السماوات سماء إلا وما فيها موضع شبر، إلا وعليه جبهة ملك، أو قدماه، ثم قرأ: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ ٱلصَّآفُّونَ * وَإِنَّا لَنَحْنُ ٱلْمُسَبِّحُونَ﴾. ومعنى الكلام من أوله: أن الملائكة استعظمت فعل من يعبدها وتعجبت من ذلك وتبرأت منه، فقالت: "وما منا إلا له مقام معلوم ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ ٱلصَّآفُّونَ﴾ ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ ٱلْمُسَبِّحُونَ﴾"، فكيف يُعْبَدُ من هو على هذه الحال. ثم قال (تعالى): ﴿وَإِن كَانُواْ لَيَقُولُونَ * لَوْ أَنَّ عِندَنَا ذِكْراً مِّنَ ٱلأَوَّلِينَ * لَكُنَّا عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلْمُخْلَصِينَ﴾ أي: قالت قريش قبل مبعث النبي ﷺ لو أن عندنا ذكراً من الأولين، أي: كتاباً من السماء فيه ذكر الأمم الماضية كالتوراة والإنجيل، فلما جاءهم ذلك كفروا به. * * ثم قال: ﴿لَكُنَّا عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلْمُخْلَصِينَ﴾ (أي): الذين أخلصوا لله الطاعة. هذا على قراءة من كسر اللام. ومن فتحها فمعناه: لكنا عباد الله الذين أخلصهم الله واختارهم لطاعته. قال قتادة: قالت هذه الأمة ذلك قبل مبعث النبي ﷺ، فلما جاءهم الكتاب والنبي كفروا به. قال الضحاك: هذا قول مشركي أهل مكة، فلما جاءهم ذِكْرُ الأولين والآخرين كفروا به، فسوف يعلمون، (أي: يعلمون) ما لهم من العقاب على كفرهم. فالهاء في "به" تعود على القرآن وهو الذكر. وقيل: على محمد ﷺ. ثم قال (تعالى ذكره): ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا ٱلْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ ٱلْمَنصُورُونَ﴾ أي: سبق القضاء في أم الكتاب ووجب القول من الله أن المرسلين هم المنصورون على من ناوأهم بالحجج والغلبة، قاله قتادة والسدي. وقال الفراء: لهم المنصورون بالشفاعة. * * ثم قال: ﴿وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ ٱلْغَالِبُونَ﴾ أي: حزب الله هم الغالبون حزب الشيطان بالحجج والغلبة والظفر. * * ثم قال: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّىٰ حِينٍ﴾. قال قتادة: "حتى حين": إلى الموت. وقال السدي: إلى يوم بدر. * * ثم قال: ﴿وَأَبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ أي: انظرهم وأخرهم فسوف يرون ما يحل بهم من العقاب.

الصافات 37:167

قوله (تعالى ذكره): ﴿أَمْ خَلَقْنَا ٱلْمَلاَئِكَةَ إِنَاثاً﴾ إلى قوله: ﴿فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾. أي: أم شهد هؤلاء القائلون: إن الملائكة بنات (الله)، خلق الله الملائكة إناثاً. هذا كله على التقرير والتوبيخ. * * ثم قال: ﴿أَلاَ إِنَّهُم مِّنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ * وَلَدَ ٱللَّهُ﴾ أي: ألا إن هؤلاء المشركين من كذبهم ليقولن ولد الله، وهو جعلهم الملائكة بنات الله. * * ثم قال: ﴿أَصْطَفَى ٱلْبَنَاتِ عَلَىٰ ٱلْبَنِينَ﴾ هذا أيضاً توبيخ لهم، والمعنى عند الزجاج: سلهم هل اصطفى البنات على البنين. * * ثم قال: ﴿مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾. هذا أيضاً تقريع وتوبيخ ومعناه: بئس الحكم تحكمون أيها القوم، أن يكون لله البنات ولكم البنون، فأنتم لا ترضون البنات لأنفسكم فتجعلون لله ما لا ترضون به لأنفسكم. * * ثم قال: ﴿أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ﴾ أي: تتدبرون ما تقولون فتعرفون خطأه فتنتهون عنه. ﴿أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُّبِينٌ﴾ أي: حجة ظاهرة على ما تقولون. قال قتادة: "سلطان مبين" عُذْرٌ بَيِّنٌ. ﴿فَأْتُواْ بِكِتَابِكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ أي: فأتوا بحجتكم من كتاب جاءكم من عند الله بما قلتم من الإفك إن كنتم صادقين فيما قلتم. * * ثم قال: ﴿وَجَعَلُواْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ ٱلْجِنَّةِ نَسَباً﴾. قال ابن عباس: زعم أعداء الله أنه جل ثناؤه وإبليس أخوان. وكذلك قال الضحاك. وقال غيرهما: الجِنَّة هنا الملائكة، جعلهم كفار قريش بنات الله جل عن ذلك وتعالى، وهو قول مجاهد والسدي. وروي أن أبا بكر قال لقريش: من أمهاتهن؟ فقالوا: سَرَوَاتُ الجِنِّ. وقال قتادة: قالت اليهود: إن الله جل ذكره تزوج إلى الجنة فخرج بينهم الملائكة. فسميت الملائكة جِنة لأنهم لا يُرَون. وقال السدي: سموا بذلك لأنهم على الجنان. [ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمَتِ ٱلجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ﴾ أي: ولقد علمت الملائكة أن الذين قالوا هذا لمُشْهِدُون الحساب والنار ومعذبون]. * * ثم قال: ﴿سُبْحَانَ ٱللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ أي: تنزيهاً له وبراءة عما يقولون ويفترون. * * ثم قال: ﴿إِلاَّ عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلْمُخْلَصِينَ﴾ أي: إلا عباد الله الذين أخلصهم لرحمته، فإنهم لا يحضرون العذاب. ثم قال (تعالى): ﴿فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ * مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ * إِلاَّ مَنْ هُوَ صَالِ ٱلْجَحِيمِ﴾ أي: فإنكم أيها المشركون وما تعبدون من الآلهة ما أنتم على ما تعبدون من ذلك بفاتنين، أي: بمضلين من أحد إلا من هو صالِ الجحيم، أي: من سبق له في علم الله أنه يضل فيدخل النار. وقيل: "عليه" في قوله "ما أنتم عليه" بمعنى له. هذا كله معنى قول ابن عباس والحسن وقتادة والسدي وابن زيد. والتقدير عند جميعهم: لستم تضلون أحداً إلا من سبق في علم الله أنه من أهل الشقاء وأهل النار. وفي هذه الآية رد على القدرية لأن الضلال والهدى كل بمشيئة الله وقضائه، خلق هؤلاء للجنة وهؤلاء للشقاء، فالشياطين لا تضل إلا من كتب الله عليه أنه لا يهتدي. فأما من تقدم له في علم الله الهدى فإنه تعالى يحول بينهم وبينه فلا يصلون إلى إضلاله. قال عمر بن عبد العزيز: لو أراد الله أن لا يُعْصَى لم يخلق إبليس وإنه لبَيِّنٌ في كتاب الله في آية علمها من علمها وجهلها من جهلها، ثم قرأ: ﴿فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ * مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ * إِلاَّ مَنْ هُوَ صَالِ ٱلْجَحِيمِ﴾. وقوله: "صال الجحيم" أصله صالي بالياء، ولكن كتب على لفظ الوصل، ولا يحسن الوقف عليه، فإن وقف عليه واقف، فمن القراء من يكره مخالفة الشواذ فيقف بغير ياء. ومذهب سلام ويعقوب: أن يقف عليه بالياء على الأصل، لأن العلة التي من أجلها حذفت الياء قد زالت بالوقف. وقرأ الحسن: "صال الجحيم". على أن يرده على معنى "من" فيجمع بالواو والنون، وتحذف النون للإضافة والواو لالتقاء الساكنين في الوصل. ولا تجوز هذه القراءة على غير هذه الأشياء. ذكر بعض النحويين: أن يكون قرأه على القلب كأنه رد لام الفعل، وهي الياء في الواحد قبل اللام، فصار الإعراب (في اللام)، فضمت ثم حذفت الياء، وهذا بعيد. ثم قال (تعالى): ﴿وَمَا مِنَّآ إِلاَّ لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ﴾. التقدير عند الكوفيين: وما منا إلا من له مقام، ثم حذفت من. ولا يجوز هذا عند البصريين لأنه حذف موصول وترك صلته. والتقدير عند البصريين: وما منا ملك إلا له مقام. وهذا خبر من الله جل ذكره عن قول الملائكة، أي قالوا: وما منا معشر الملائكة إلا ملك له مقام معلوم في السماء. ثم قال تعالى حكاية عن قول الملائكة: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ ٱلصَّآفُّونَ﴾ روت عائشة رضي الله عنها أن النبي ﷺ قال: "مَا فِي السَّمَاءِ مَوْضِعُ قَدَمٍ إِلاَّ عََلَيْهِ (مَلَكٌ) سَاجِدٌ أَوْ قَائِمٌ فالمعنى أنهم قالوا: وإنا لنحن الصافون لله بعبادته. ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ ٱلْمُسَبِّحُونَ﴾ أي: المصلون له. قال عبد الله بن مسعود وابن عباس: ما من السماوات سماء إلا وما فيها موضع شبر، إلا وعليه جبهة ملك، أو قدماه، ثم قرأ: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ ٱلصَّآفُّونَ * وَإِنَّا لَنَحْنُ ٱلْمُسَبِّحُونَ﴾. ومعنى الكلام من أوله: أن الملائكة استعظمت فعل من يعبدها وتعجبت من ذلك وتبرأت منه، فقالت: "وما منا إلا له مقام معلوم ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ ٱلصَّآفُّونَ﴾ ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ ٱلْمُسَبِّحُونَ﴾"، فكيف يُعْبَدُ من هو على هذه الحال. ثم قال (تعالى): ﴿وَإِن كَانُواْ لَيَقُولُونَ * لَوْ أَنَّ عِندَنَا ذِكْراً مِّنَ ٱلأَوَّلِينَ * لَكُنَّا عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلْمُخْلَصِينَ﴾ أي: قالت قريش قبل مبعث النبي ﷺ لو أن عندنا ذكراً من الأولين، أي: كتاباً من السماء فيه ذكر الأمم الماضية كالتوراة والإنجيل، فلما جاءهم ذلك كفروا به. * * ثم قال: ﴿لَكُنَّا عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلْمُخْلَصِينَ﴾ (أي): الذين أخلصوا لله الطاعة. هذا على قراءة من كسر اللام. ومن فتحها فمعناه: لكنا عباد الله الذين أخلصهم الله واختارهم لطاعته. قال قتادة: قالت هذه الأمة ذلك قبل مبعث النبي ﷺ، فلما جاءهم الكتاب والنبي كفروا به. قال الضحاك: هذا قول مشركي أهل مكة، فلما جاءهم ذِكْرُ الأولين والآخرين كفروا به، فسوف يعلمون، (أي: يعلمون) ما لهم من العقاب على كفرهم. فالهاء في "به" تعود على القرآن وهو الذكر. وقيل: على محمد ﷺ. ثم قال (تعالى ذكره): ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا ٱلْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ ٱلْمَنصُورُونَ﴾ أي: سبق القضاء في أم الكتاب ووجب القول من الله أن المرسلين هم المنصورون على من ناوأهم بالحجج والغلبة، قاله قتادة والسدي. وقال الفراء: لهم المنصورون بالشفاعة. * * ثم قال: ﴿وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ ٱلْغَالِبُونَ﴾ أي: حزب الله هم الغالبون حزب الشيطان بالحجج والغلبة والظفر. * * ثم قال: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّىٰ حِينٍ﴾. قال قتادة: "حتى حين": إلى الموت. وقال السدي: إلى يوم بدر. * * ثم قال: ﴿وَأَبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ أي: انظرهم وأخرهم فسوف يرون ما يحل بهم من العقاب.

الصافات 37:168

قوله (تعالى ذكره): ﴿أَمْ خَلَقْنَا ٱلْمَلاَئِكَةَ إِنَاثاً﴾ إلى قوله: ﴿فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾. أي: أم شهد هؤلاء القائلون: إن الملائكة بنات (الله)، خلق الله الملائكة إناثاً. هذا كله على التقرير والتوبيخ. * * ثم قال: ﴿أَلاَ إِنَّهُم مِّنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ * وَلَدَ ٱللَّهُ﴾ أي: ألا إن هؤلاء المشركين من كذبهم ليقولن ولد الله، وهو جعلهم الملائكة بنات الله. * * ثم قال: ﴿أَصْطَفَى ٱلْبَنَاتِ عَلَىٰ ٱلْبَنِينَ﴾ هذا أيضاً توبيخ لهم، والمعنى عند الزجاج: سلهم هل اصطفى البنات على البنين. * * ثم قال: ﴿مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾. هذا أيضاً تقريع وتوبيخ ومعناه: بئس الحكم تحكمون أيها القوم، أن يكون لله البنات ولكم البنون، فأنتم لا ترضون البنات لأنفسكم فتجعلون لله ما لا ترضون به لأنفسكم. * * ثم قال: ﴿أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ﴾ أي: تتدبرون ما تقولون فتعرفون خطأه فتنتهون عنه. ﴿أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُّبِينٌ﴾ أي: حجة ظاهرة على ما تقولون. قال قتادة: "سلطان مبين" عُذْرٌ بَيِّنٌ. ﴿فَأْتُواْ بِكِتَابِكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ أي: فأتوا بحجتكم من كتاب جاءكم من عند الله بما قلتم من الإفك إن كنتم صادقين فيما قلتم. * * ثم قال: ﴿وَجَعَلُواْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ ٱلْجِنَّةِ نَسَباً﴾. قال ابن عباس: زعم أعداء الله أنه جل ثناؤه وإبليس أخوان. وكذلك قال الضحاك. وقال غيرهما: الجِنَّة هنا الملائكة، جعلهم كفار قريش بنات الله جل عن ذلك وتعالى، وهو قول مجاهد والسدي. وروي أن أبا بكر قال لقريش: من أمهاتهن؟ فقالوا: سَرَوَاتُ الجِنِّ. وقال قتادة: قالت اليهود: إن الله جل ذكره تزوج إلى الجنة فخرج بينهم الملائكة. فسميت الملائكة جِنة لأنهم لا يُرَون. وقال السدي: سموا بذلك لأنهم على الجنان. [ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمَتِ ٱلجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ﴾ أي: ولقد علمت الملائكة أن الذين قالوا هذا لمُشْهِدُون الحساب والنار ومعذبون]. * * ثم قال: ﴿سُبْحَانَ ٱللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ أي: تنزيهاً له وبراءة عما يقولون ويفترون. * * ثم قال: ﴿إِلاَّ عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلْمُخْلَصِينَ﴾ أي: إلا عباد الله الذين أخلصهم لرحمته، فإنهم لا يحضرون العذاب. ثم قال (تعالى): ﴿فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ * مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ * إِلاَّ مَنْ هُوَ صَالِ ٱلْجَحِيمِ﴾ أي: فإنكم أيها المشركون وما تعبدون من الآلهة ما أنتم على ما تعبدون من ذلك بفاتنين، أي: بمضلين من أحد إلا من هو صالِ الجحيم، أي: من سبق له في علم الله أنه يضل فيدخل النار. وقيل: "عليه" في قوله "ما أنتم عليه" بمعنى له. هذا كله معنى قول ابن عباس والحسن وقتادة والسدي وابن زيد. والتقدير عند جميعهم: لستم تضلون أحداً إلا من سبق في علم الله أنه من أهل الشقاء وأهل النار. وفي هذه الآية رد على القدرية لأن الضلال والهدى كل بمشيئة الله وقضائه، خلق هؤلاء للجنة وهؤلاء للشقاء، فالشياطين لا تضل إلا من كتب الله عليه أنه لا يهتدي. فأما من تقدم له في علم الله الهدى فإنه تعالى يحول بينهم وبينه فلا يصلون إلى إضلاله. قال عمر بن عبد العزيز: لو أراد الله أن لا يُعْصَى لم يخلق إبليس وإنه لبَيِّنٌ في كتاب الله في آية علمها من علمها وجهلها من جهلها، ثم قرأ: ﴿فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ * مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ * إِلاَّ مَنْ هُوَ صَالِ ٱلْجَحِيمِ﴾. وقوله: "صال الجحيم" أصله صالي بالياء، ولكن كتب على لفظ الوصل، ولا يحسن الوقف عليه، فإن وقف عليه واقف، فمن القراء من يكره مخالفة الشواذ فيقف بغير ياء. ومذهب سلام ويعقوب: أن يقف عليه بالياء على الأصل، لأن العلة التي من أجلها حذفت الياء قد زالت بالوقف. وقرأ الحسن: "صال الجحيم". على أن يرده على معنى "من" فيجمع بالواو والنون، وتحذف النون للإضافة والواو لالتقاء الساكنين في الوصل. ولا تجوز هذه القراءة على غير هذه الأشياء. ذكر بعض النحويين: أن يكون قرأه على القلب كأنه رد لام الفعل، وهي الياء في الواحد قبل اللام، فصار الإعراب (في اللام)، فضمت ثم حذفت الياء، وهذا بعيد. ثم قال (تعالى): ﴿وَمَا مِنَّآ إِلاَّ لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ﴾. التقدير عند الكوفيين: وما منا إلا من له مقام، ثم حذفت من. ولا يجوز هذا عند البصريين لأنه حذف موصول وترك صلته. والتقدير عند البصريين: وما منا ملك إلا له مقام. وهذا خبر من الله جل ذكره عن قول الملائكة، أي قالوا: وما منا معشر الملائكة إلا ملك له مقام معلوم في السماء. ثم قال تعالى حكاية عن قول الملائكة: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ ٱلصَّآفُّونَ﴾ روت عائشة رضي الله عنها أن النبي ﷺ قال: "مَا فِي السَّمَاءِ مَوْضِعُ قَدَمٍ إِلاَّ عََلَيْهِ (مَلَكٌ) سَاجِدٌ أَوْ قَائِمٌ فالمعنى أنهم قالوا: وإنا لنحن الصافون لله بعبادته. ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ ٱلْمُسَبِّحُونَ﴾ أي: المصلون له. قال عبد الله بن مسعود وابن عباس: ما من السماوات سماء إلا وما فيها موضع شبر، إلا وعليه جبهة ملك، أو قدماه، ثم قرأ: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ ٱلصَّآفُّونَ * وَإِنَّا لَنَحْنُ ٱلْمُسَبِّحُونَ﴾. ومعنى الكلام من أوله: أن الملائكة استعظمت فعل من يعبدها وتعجبت من ذلك وتبرأت منه، فقالت: "وما منا إلا له مقام معلوم ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ ٱلصَّآفُّونَ﴾ ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ ٱلْمُسَبِّحُونَ﴾"، فكيف يُعْبَدُ من هو على هذه الحال. ثم قال (تعالى): ﴿وَإِن كَانُواْ لَيَقُولُونَ * لَوْ أَنَّ عِندَنَا ذِكْراً مِّنَ ٱلأَوَّلِينَ * لَكُنَّا عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلْمُخْلَصِينَ﴾ أي: قالت قريش قبل مبعث النبي ﷺ لو أن عندنا ذكراً من الأولين، أي: كتاباً من السماء فيه ذكر الأمم الماضية كالتوراة والإنجيل، فلما جاءهم ذلك كفروا به. * * ثم قال: ﴿لَكُنَّا عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلْمُخْلَصِينَ﴾ (أي): الذين أخلصوا لله الطاعة. هذا على قراءة من كسر اللام. ومن فتحها فمعناه: لكنا عباد الله الذين أخلصهم الله واختارهم لطاعته. قال قتادة: قالت هذه الأمة ذلك قبل مبعث النبي ﷺ، فلما جاءهم الكتاب والنبي كفروا به. قال الضحاك: هذا قول مشركي أهل مكة، فلما جاءهم ذِكْرُ الأولين والآخرين كفروا به، فسوف يعلمون، (أي: يعلمون) ما لهم من العقاب على كفرهم. فالهاء في "به" تعود على القرآن وهو الذكر. وقيل: على محمد ﷺ. ثم قال (تعالى ذكره): ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا ٱلْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ ٱلْمَنصُورُونَ﴾ أي: سبق القضاء في أم الكتاب ووجب القول من الله أن المرسلين هم المنصورون على من ناوأهم بالحجج والغلبة، قاله قتادة والسدي. وقال الفراء: لهم المنصورون بالشفاعة. * * ثم قال: ﴿وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ ٱلْغَالِبُونَ﴾ أي: حزب الله هم الغالبون حزب الشيطان بالحجج والغلبة والظفر. * * ثم قال: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّىٰ حِينٍ﴾. قال قتادة: "حتى حين": إلى الموت. وقال السدي: إلى يوم بدر. * * ثم قال: ﴿وَأَبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ أي: انظرهم وأخرهم فسوف يرون ما يحل بهم من العقاب.

الصافات 37:169

قوله (تعالى ذكره): ﴿أَمْ خَلَقْنَا ٱلْمَلاَئِكَةَ إِنَاثاً﴾ إلى قوله: ﴿فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾. أي: أم شهد هؤلاء القائلون: إن الملائكة بنات (الله)، خلق الله الملائكة إناثاً. هذا كله على التقرير والتوبيخ. * * ثم قال: ﴿أَلاَ إِنَّهُم مِّنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ * وَلَدَ ٱللَّهُ﴾ أي: ألا إن هؤلاء المشركين من كذبهم ليقولن ولد الله، وهو جعلهم الملائكة بنات الله. * * ثم قال: ﴿أَصْطَفَى ٱلْبَنَاتِ عَلَىٰ ٱلْبَنِينَ﴾ هذا أيضاً توبيخ لهم، والمعنى عند الزجاج: سلهم هل اصطفى البنات على البنين. * * ثم قال: ﴿مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾. هذا أيضاً تقريع وتوبيخ ومعناه: بئس الحكم تحكمون أيها القوم، أن يكون لله البنات ولكم البنون، فأنتم لا ترضون البنات لأنفسكم فتجعلون لله ما لا ترضون به لأنفسكم. * * ثم قال: ﴿أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ﴾ أي: تتدبرون ما تقولون فتعرفون خطأه فتنتهون عنه. ﴿أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُّبِينٌ﴾ أي: حجة ظاهرة على ما تقولون. قال قتادة: "سلطان مبين" عُذْرٌ بَيِّنٌ. ﴿فَأْتُواْ بِكِتَابِكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ أي: فأتوا بحجتكم من كتاب جاءكم من عند الله بما قلتم من الإفك إن كنتم صادقين فيما قلتم. * * ثم قال: ﴿وَجَعَلُواْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ ٱلْجِنَّةِ نَسَباً﴾. قال ابن عباس: زعم أعداء الله أنه جل ثناؤه وإبليس أخوان. وكذلك قال الضحاك. وقال غيرهما: الجِنَّة هنا الملائكة، جعلهم كفار قريش بنات الله جل عن ذلك وتعالى، وهو قول مجاهد والسدي. وروي أن أبا بكر قال لقريش: من أمهاتهن؟ فقالوا: سَرَوَاتُ الجِنِّ. وقال قتادة: قالت اليهود: إن الله جل ذكره تزوج إلى الجنة فخرج بينهم الملائكة. فسميت الملائكة جِنة لأنهم لا يُرَون. وقال السدي: سموا بذلك لأنهم على الجنان. [ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمَتِ ٱلجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ﴾ أي: ولقد علمت الملائكة أن الذين قالوا هذا لمُشْهِدُون الحساب والنار ومعذبون]. * * ثم قال: ﴿سُبْحَانَ ٱللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ أي: تنزيهاً له وبراءة عما يقولون ويفترون. * * ثم قال: ﴿إِلاَّ عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلْمُخْلَصِينَ﴾ أي: إلا عباد الله الذين أخلصهم لرحمته، فإنهم لا يحضرون العذاب. ثم قال (تعالى): ﴿فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ * مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ * إِلاَّ مَنْ هُوَ صَالِ ٱلْجَحِيمِ﴾ أي: فإنكم أيها المشركون وما تعبدون من الآلهة ما أنتم على ما تعبدون من ذلك بفاتنين، أي: بمضلين من أحد إلا من هو صالِ الجحيم، أي: من سبق له في علم الله أنه يضل فيدخل النار. وقيل: "عليه" في قوله "ما أنتم عليه" بمعنى له. هذا كله معنى قول ابن عباس والحسن وقتادة والسدي وابن زيد. والتقدير عند جميعهم: لستم تضلون أحداً إلا من سبق في علم الله أنه من أهل الشقاء وأهل النار. وفي هذه الآية رد على القدرية لأن الضلال والهدى كل بمشيئة الله وقضائه، خلق هؤلاء للجنة وهؤلاء للشقاء، فالشياطين لا تضل إلا من كتب الله عليه أنه لا يهتدي. فأما من تقدم له في علم الله الهدى فإنه تعالى يحول بينهم وبينه فلا يصلون إلى إضلاله. قال عمر بن عبد العزيز: لو أراد الله أن لا يُعْصَى لم يخلق إبليس وإنه لبَيِّنٌ في كتاب الله في آية علمها من علمها وجهلها من جهلها، ثم قرأ: ﴿فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ * مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ * إِلاَّ مَنْ هُوَ صَالِ ٱلْجَحِيمِ﴾. وقوله: "صال الجحيم" أصله صالي بالياء، ولكن كتب على لفظ الوصل، ولا يحسن الوقف عليه، فإن وقف عليه واقف، فمن القراء من يكره مخالفة الشواذ فيقف بغير ياء. ومذهب سلام ويعقوب: أن يقف عليه بالياء على الأصل، لأن العلة التي من أجلها حذفت الياء قد زالت بالوقف. وقرأ الحسن: "صال الجحيم". على أن يرده على معنى "من" فيجمع بالواو والنون، وتحذف النون للإضافة والواو لالتقاء الساكنين في الوصل. ولا تجوز هذه القراءة على غير هذه الأشياء. ذكر بعض النحويين: أن يكون قرأه على القلب كأنه رد لام الفعل، وهي الياء في الواحد قبل اللام، فصار الإعراب (في اللام)، فضمت ثم حذفت الياء، وهذا بعيد. ثم قال (تعالى): ﴿وَمَا مِنَّآ إِلاَّ لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ﴾. التقدير عند الكوفيين: وما منا إلا من له مقام، ثم حذفت من. ولا يجوز هذا عند البصريين لأنه حذف موصول وترك صلته. والتقدير عند البصريين: وما منا ملك إلا له مقام. وهذا خبر من الله جل ذكره عن قول الملائكة، أي قالوا: وما منا معشر الملائكة إلا ملك له مقام معلوم في السماء. ثم قال تعالى حكاية عن قول الملائكة: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ ٱلصَّآفُّونَ﴾ روت عائشة رضي الله عنها أن النبي ﷺ قال: "مَا فِي السَّمَاءِ مَوْضِعُ قَدَمٍ إِلاَّ عََلَيْهِ (مَلَكٌ) سَاجِدٌ أَوْ قَائِمٌ فالمعنى أنهم قالوا: وإنا لنحن الصافون لله بعبادته. ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ ٱلْمُسَبِّحُونَ﴾ أي: المصلون له. قال عبد الله بن مسعود وابن عباس: ما من السماوات سماء إلا وما فيها موضع شبر، إلا وعليه جبهة ملك، أو قدماه، ثم قرأ: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ ٱلصَّآفُّونَ * وَإِنَّا لَنَحْنُ ٱلْمُسَبِّحُونَ﴾. ومعنى الكلام من أوله: أن الملائكة استعظمت فعل من يعبدها وتعجبت من ذلك وتبرأت منه، فقالت: "وما منا إلا له مقام معلوم ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ ٱلصَّآفُّونَ﴾ ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ ٱلْمُسَبِّحُونَ﴾"، فكيف يُعْبَدُ من هو على هذه الحال. ثم قال (تعالى): ﴿وَإِن كَانُواْ لَيَقُولُونَ * لَوْ أَنَّ عِندَنَا ذِكْراً مِّنَ ٱلأَوَّلِينَ * لَكُنَّا عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلْمُخْلَصِينَ﴾ أي: قالت قريش قبل مبعث النبي ﷺ لو أن عندنا ذكراً من الأولين، أي: كتاباً من السماء فيه ذكر الأمم الماضية كالتوراة والإنجيل، فلما جاءهم ذلك كفروا به. * * ثم قال: ﴿لَكُنَّا عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلْمُخْلَصِينَ﴾ (أي): الذين أخلصوا لله الطاعة. هذا على قراءة من كسر اللام. ومن فتحها فمعناه: لكنا عباد الله الذين أخلصهم الله واختارهم لطاعته. قال قتادة: قالت هذه الأمة ذلك قبل مبعث النبي ﷺ، فلما جاءهم الكتاب والنبي كفروا به. قال الضحاك: هذا قول مشركي أهل مكة، فلما جاءهم ذِكْرُ الأولين والآخرين كفروا به، فسوف يعلمون، (أي: يعلمون) ما لهم من العقاب على كفرهم. فالهاء في "به" تعود على القرآن وهو الذكر. وقيل: على محمد ﷺ. ثم قال (تعالى ذكره): ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا ٱلْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ ٱلْمَنصُورُونَ﴾ أي: سبق القضاء في أم الكتاب ووجب القول من الله أن المرسلين هم المنصورون على من ناوأهم بالحجج والغلبة، قاله قتادة والسدي. وقال الفراء: لهم المنصورون بالشفاعة. * * ثم قال: ﴿وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ ٱلْغَالِبُونَ﴾ أي: حزب الله هم الغالبون حزب الشيطان بالحجج والغلبة والظفر. * * ثم قال: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّىٰ حِينٍ﴾. قال قتادة: "حتى حين": إلى الموت. وقال السدي: إلى يوم بدر. * * ثم قال: ﴿وَأَبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ أي: انظرهم وأخرهم فسوف يرون ما يحل بهم من العقاب.

الصافات 37:170

قوله (تعالى ذكره): ﴿أَمْ خَلَقْنَا ٱلْمَلاَئِكَةَ إِنَاثاً﴾ إلى قوله: ﴿فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾. أي: أم شهد هؤلاء القائلون: إن الملائكة بنات (الله)، خلق الله الملائكة إناثاً. هذا كله على التقرير والتوبيخ. * * ثم قال: ﴿أَلاَ إِنَّهُم مِّنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ * وَلَدَ ٱللَّهُ﴾ أي: ألا إن هؤلاء المشركين من كذبهم ليقولن ولد الله، وهو جعلهم الملائكة بنات الله. * * ثم قال: ﴿أَصْطَفَى ٱلْبَنَاتِ عَلَىٰ ٱلْبَنِينَ﴾ هذا أيضاً توبيخ لهم، والمعنى عند الزجاج: سلهم هل اصطفى البنات على البنين. * * ثم قال: ﴿مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾. هذا أيضاً تقريع وتوبيخ ومعناه: بئس الحكم تحكمون أيها القوم، أن يكون لله البنات ولكم البنون، فأنتم لا ترضون البنات لأنفسكم فتجعلون لله ما لا ترضون به لأنفسكم. * * ثم قال: ﴿أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ﴾ أي: تتدبرون ما تقولون فتعرفون خطأه فتنتهون عنه. ﴿أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُّبِينٌ﴾ أي: حجة ظاهرة على ما تقولون. قال قتادة: "سلطان مبين" عُذْرٌ بَيِّنٌ. ﴿فَأْتُواْ بِكِتَابِكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ أي: فأتوا بحجتكم من كتاب جاءكم من عند الله بما قلتم من الإفك إن كنتم صادقين فيما قلتم. * * ثم قال: ﴿وَجَعَلُواْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ ٱلْجِنَّةِ نَسَباً﴾. قال ابن عباس: زعم أعداء الله أنه جل ثناؤه وإبليس أخوان. وكذلك قال الضحاك. وقال غيرهما: الجِنَّة هنا الملائكة، جعلهم كفار قريش بنات الله جل عن ذلك وتعالى، وهو قول مجاهد والسدي. وروي أن أبا بكر قال لقريش: من أمهاتهن؟ فقالوا: سَرَوَاتُ الجِنِّ. وقال قتادة: قالت اليهود: إن الله جل ذكره تزوج إلى الجنة فخرج بينهم الملائكة. فسميت الملائكة جِنة لأنهم لا يُرَون. وقال السدي: سموا بذلك لأنهم على الجنان. [ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمَتِ ٱلجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ﴾ أي: ولقد علمت الملائكة أن الذين قالوا هذا لمُشْهِدُون الحساب والنار ومعذبون]. * * ثم قال: ﴿سُبْحَانَ ٱللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ أي: تنزيهاً له وبراءة عما يقولون ويفترون. * * ثم قال: ﴿إِلاَّ عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلْمُخْلَصِينَ﴾ أي: إلا عباد الله الذين أخلصهم لرحمته، فإنهم لا يحضرون العذاب. ثم قال (تعالى): ﴿فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ * مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ * إِلاَّ مَنْ هُوَ صَالِ ٱلْجَحِيمِ﴾ أي: فإنكم أيها المشركون وما تعبدون من الآلهة ما أنتم على ما تعبدون من ذلك بفاتنين، أي: بمضلين من أحد إلا من هو صالِ الجحيم، أي: من سبق له في علم الله أنه يضل فيدخل النار. وقيل: "عليه" في قوله "ما أنتم عليه" بمعنى له. هذا كله معنى قول ابن عباس والحسن وقتادة والسدي وابن زيد. والتقدير عند جميعهم: لستم تضلون أحداً إلا من سبق في علم الله أنه من أهل الشقاء وأهل النار. وفي هذه الآية رد على القدرية لأن الضلال والهدى كل بمشيئة الله وقضائه، خلق هؤلاء للجنة وهؤلاء للشقاء، فالشياطين لا تضل إلا من كتب الله عليه أنه لا يهتدي. فأما من تقدم له في علم الله الهدى فإنه تعالى يحول بينهم وبينه فلا يصلون إلى إضلاله. قال عمر بن عبد العزيز: لو أراد الله أن لا يُعْصَى لم يخلق إبليس وإنه لبَيِّنٌ في كتاب الله في آية علمها من علمها وجهلها من جهلها، ثم قرأ: ﴿فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ * مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ * إِلاَّ مَنْ هُوَ صَالِ ٱلْجَحِيمِ﴾. وقوله: "صال الجحيم" أصله صالي بالياء، ولكن كتب على لفظ الوصل، ولا يحسن الوقف عليه، فإن وقف عليه واقف، فمن القراء من يكره مخالفة الشواذ فيقف بغير ياء. ومذهب سلام ويعقوب: أن يقف عليه بالياء على الأصل، لأن العلة التي من أجلها حذفت الياء قد زالت بالوقف. وقرأ الحسن: "صال الجحيم". على أن يرده على معنى "من" فيجمع بالواو والنون، وتحذف النون للإضافة والواو لالتقاء الساكنين في الوصل. ولا تجوز هذه القراءة على غير هذه الأشياء. ذكر بعض النحويين: أن يكون قرأه على القلب كأنه رد لام الفعل، وهي الياء في الواحد قبل اللام، فصار الإعراب (في اللام)، فضمت ثم حذفت الياء، وهذا بعيد. ثم قال (تعالى): ﴿وَمَا مِنَّآ إِلاَّ لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ﴾. التقدير عند الكوفيين: وما منا إلا من له مقام، ثم حذفت من. ولا يجوز هذا عند البصريين لأنه حذف موصول وترك صلته. والتقدير عند البصريين: وما منا ملك إلا له مقام. وهذا خبر من الله جل ذكره عن قول الملائكة، أي قالوا: وما منا معشر الملائكة إلا ملك له مقام معلوم في السماء. ثم قال تعالى حكاية عن قول الملائكة: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ ٱلصَّآفُّونَ﴾ روت عائشة رضي الله عنها أن النبي ﷺ قال: "مَا فِي السَّمَاءِ مَوْضِعُ قَدَمٍ إِلاَّ عََلَيْهِ (مَلَكٌ) سَاجِدٌ أَوْ قَائِمٌ فالمعنى أنهم قالوا: وإنا لنحن الصافون لله بعبادته. ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ ٱلْمُسَبِّحُونَ﴾ أي: المصلون له. قال عبد الله بن مسعود وابن عباس: ما من السماوات سماء إلا وما فيها موضع شبر، إلا وعليه جبهة ملك، أو قدماه، ثم قرأ: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ ٱلصَّآفُّونَ * وَإِنَّا لَنَحْنُ ٱلْمُسَبِّحُونَ﴾. ومعنى الكلام من أوله: أن الملائكة استعظمت فعل من يعبدها وتعجبت من ذلك وتبرأت منه، فقالت: "وما منا إلا له مقام معلوم ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ ٱلصَّآفُّونَ﴾ ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ ٱلْمُسَبِّحُونَ﴾"، فكيف يُعْبَدُ من هو على هذه الحال. ثم قال (تعالى): ﴿وَإِن كَانُواْ لَيَقُولُونَ * لَوْ أَنَّ عِندَنَا ذِكْراً مِّنَ ٱلأَوَّلِينَ * لَكُنَّا عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلْمُخْلَصِينَ﴾ أي: قالت قريش قبل مبعث النبي ﷺ لو أن عندنا ذكراً من الأولين، أي: كتاباً من السماء فيه ذكر الأمم الماضية كالتوراة والإنجيل، فلما جاءهم ذلك كفروا به. * * ثم قال: ﴿لَكُنَّا عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلْمُخْلَصِينَ﴾ (أي): الذين أخلصوا لله الطاعة. هذا على قراءة من كسر اللام. ومن فتحها فمعناه: لكنا عباد الله الذين أخلصهم الله واختارهم لطاعته. قال قتادة: قالت هذه الأمة ذلك قبل مبعث النبي ﷺ، فلما جاءهم الكتاب والنبي كفروا به. قال الضحاك: هذا قول مشركي أهل مكة، فلما جاءهم ذِكْرُ الأولين والآخرين كفروا به، فسوف يعلمون، (أي: يعلمون) ما لهم من العقاب على كفرهم. فالهاء في "به" تعود على القرآن وهو الذكر. وقيل: على محمد ﷺ. ثم قال (تعالى ذكره): ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا ٱلْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ ٱلْمَنصُورُونَ﴾ أي: سبق القضاء في أم الكتاب ووجب القول من الله أن المرسلين هم المنصورون على من ناوأهم بالحجج والغلبة، قاله قتادة والسدي. وقال الفراء: لهم المنصورون بالشفاعة. * * ثم قال: ﴿وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ ٱلْغَالِبُونَ﴾ أي: حزب الله هم الغالبون حزب الشيطان بالحجج والغلبة والظفر. * * ثم قال: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّىٰ حِينٍ﴾. قال قتادة: "حتى حين": إلى الموت. وقال السدي: إلى يوم بدر. * * ثم قال: ﴿وَأَبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ أي: انظرهم وأخرهم فسوف يرون ما يحل بهم من العقاب.

الصافات 37:171

قوله (تعالى ذكره): ﴿أَمْ خَلَقْنَا ٱلْمَلاَئِكَةَ إِنَاثاً﴾ إلى قوله: ﴿فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾. أي: أم شهد هؤلاء القائلون: إن الملائكة بنات (الله)، خلق الله الملائكة إناثاً. هذا كله على التقرير والتوبيخ. * * ثم قال: ﴿أَلاَ إِنَّهُم مِّنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ * وَلَدَ ٱللَّهُ﴾ أي: ألا إن هؤلاء المشركين من كذبهم ليقولن ولد الله، وهو جعلهم الملائكة بنات الله. * * ثم قال: ﴿أَصْطَفَى ٱلْبَنَاتِ عَلَىٰ ٱلْبَنِينَ﴾ هذا أيضاً توبيخ لهم، والمعنى عند الزجاج: سلهم هل اصطفى البنات على البنين. * * ثم قال: ﴿مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾. هذا أيضاً تقريع وتوبيخ ومعناه: بئس الحكم تحكمون أيها القوم، أن يكون لله البنات ولكم البنون، فأنتم لا ترضون البنات لأنفسكم فتجعلون لله ما لا ترضون به لأنفسكم. * * ثم قال: ﴿أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ﴾ أي: تتدبرون ما تقولون فتعرفون خطأه فتنتهون عنه. ﴿أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُّبِينٌ﴾ أي: حجة ظاهرة على ما تقولون. قال قتادة: "سلطان مبين" عُذْرٌ بَيِّنٌ. ﴿فَأْتُواْ بِكِتَابِكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ أي: فأتوا بحجتكم من كتاب جاءكم من عند الله بما قلتم من الإفك إن كنتم صادقين فيما قلتم. * * ثم قال: ﴿وَجَعَلُواْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ ٱلْجِنَّةِ نَسَباً﴾. قال ابن عباس: زعم أعداء الله أنه جل ثناؤه وإبليس أخوان. وكذلك قال الضحاك. وقال غيرهما: الجِنَّة هنا الملائكة، جعلهم كفار قريش بنات الله جل عن ذلك وتعالى، وهو قول مجاهد والسدي. وروي أن أبا بكر قال لقريش: من أمهاتهن؟ فقالوا: سَرَوَاتُ الجِنِّ. وقال قتادة: قالت اليهود: إن الله جل ذكره تزوج إلى الجنة فخرج بينهم الملائكة. فسميت الملائكة جِنة لأنهم لا يُرَون. وقال السدي: سموا بذلك لأنهم على الجنان. [ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمَتِ ٱلجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ﴾ أي: ولقد علمت الملائكة أن الذين قالوا هذا لمُشْهِدُون الحساب والنار ومعذبون]. * * ثم قال: ﴿سُبْحَانَ ٱللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ أي: تنزيهاً له وبراءة عما يقولون ويفترون. * * ثم قال: ﴿إِلاَّ عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلْمُخْلَصِينَ﴾ أي: إلا عباد الله الذين أخلصهم لرحمته، فإنهم لا يحضرون العذاب. ثم قال (تعالى): ﴿فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ * مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ * إِلاَّ مَنْ هُوَ صَالِ ٱلْجَحِيمِ﴾ أي: فإنكم أيها المشركون وما تعبدون من الآلهة ما أنتم على ما تعبدون من ذلك بفاتنين، أي: بمضلين من أحد إلا من هو صالِ الجحيم، أي: من سبق له في علم الله أنه يضل فيدخل النار. وقيل: "عليه" في قوله "ما أنتم عليه" بمعنى له. هذا كله معنى قول ابن عباس والحسن وقتادة والسدي وابن زيد. والتقدير عند جميعهم: لستم تضلون أحداً إلا من سبق في علم الله أنه من أهل الشقاء وأهل النار. وفي هذه الآية رد على القدرية لأن الضلال والهدى كل بمشيئة الله وقضائه، خلق هؤلاء للجنة وهؤلاء للشقاء، فالشياطين لا تضل إلا من كتب الله عليه أنه لا يهتدي. فأما من تقدم له في علم الله الهدى فإنه تعالى يحول بينهم وبينه فلا يصلون إلى إضلاله. قال عمر بن عبد العزيز: لو أراد الله أن لا يُعْصَى لم يخلق إبليس وإنه لبَيِّنٌ في كتاب الله في آية علمها من علمها وجهلها من جهلها، ثم قرأ: ﴿فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ * مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ * إِلاَّ مَنْ هُوَ صَالِ ٱلْجَحِيمِ﴾. وقوله: "صال الجحيم" أصله صالي بالياء، ولكن كتب على لفظ الوصل، ولا يحسن الوقف عليه، فإن وقف عليه واقف، فمن القراء من يكره مخالفة الشواذ فيقف بغير ياء. ومذهب سلام ويعقوب: أن يقف عليه بالياء على الأصل، لأن العلة التي من أجلها حذفت الياء قد زالت بالوقف. وقرأ الحسن: "صال الجحيم". على أن يرده على معنى "من" فيجمع بالواو والنون، وتحذف النون للإضافة والواو لالتقاء الساكنين في الوصل. ولا تجوز هذه القراءة على غير هذه الأشياء. ذكر بعض النحويين: أن يكون قرأه على القلب كأنه رد لام الفعل، وهي الياء في الواحد قبل اللام، فصار الإعراب (في اللام)، فضمت ثم حذفت الياء، وهذا بعيد. ثم قال (تعالى): ﴿وَمَا مِنَّآ إِلاَّ لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ﴾. التقدير عند الكوفيين: وما منا إلا من له مقام، ثم حذفت من. ولا يجوز هذا عند البصريين لأنه حذف موصول وترك صلته. والتقدير عند البصريين: وما منا ملك إلا له مقام. وهذا خبر من الله جل ذكره عن قول الملائكة، أي قالوا: وما منا معشر الملائكة إلا ملك له مقام معلوم في السماء. ثم قال تعالى حكاية عن قول الملائكة: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ ٱلصَّآفُّونَ﴾ روت عائشة رضي الله عنها أن النبي ﷺ قال: "مَا فِي السَّمَاءِ مَوْضِعُ قَدَمٍ إِلاَّ عََلَيْهِ (مَلَكٌ) سَاجِدٌ أَوْ قَائِمٌ فالمعنى أنهم قالوا: وإنا لنحن الصافون لله بعبادته. ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ ٱلْمُسَبِّحُونَ﴾ أي: المصلون له. قال عبد الله بن مسعود وابن عباس: ما من السماوات سماء إلا وما فيها موضع شبر، إلا وعليه جبهة ملك، أو قدماه، ثم قرأ: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ ٱلصَّآفُّونَ * وَإِنَّا لَنَحْنُ ٱلْمُسَبِّحُونَ﴾. ومعنى الكلام من أوله: أن الملائكة استعظمت فعل من يعبدها وتعجبت من ذلك وتبرأت منه، فقالت: "وما منا إلا له مقام معلوم ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ ٱلصَّآفُّونَ﴾ ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ ٱلْمُسَبِّحُونَ﴾"، فكيف يُعْبَدُ من هو على هذه الحال. ثم قال (تعالى): ﴿وَإِن كَانُواْ لَيَقُولُونَ * لَوْ أَنَّ عِندَنَا ذِكْراً مِّنَ ٱلأَوَّلِينَ * لَكُنَّا عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلْمُخْلَصِينَ﴾ أي: قالت قريش قبل مبعث النبي ﷺ لو أن عندنا ذكراً من الأولين، أي: كتاباً من السماء فيه ذكر الأمم الماضية كالتوراة والإنجيل، فلما جاءهم ذلك كفروا به. * * ثم قال: ﴿لَكُنَّا عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلْمُخْلَصِينَ﴾ (أي): الذين أخلصوا لله الطاعة. هذا على قراءة من كسر اللام. ومن فتحها فمعناه: لكنا عباد الله الذين أخلصهم الله واختارهم لطاعته. قال قتادة: قالت هذه الأمة ذلك قبل مبعث النبي ﷺ، فلما جاءهم الكتاب والنبي كفروا به. قال الضحاك: هذا قول مشركي أهل مكة، فلما جاءهم ذِكْرُ الأولين والآخرين كفروا به، فسوف يعلمون، (أي: يعلمون) ما لهم من العقاب على كفرهم. فالهاء في "به" تعود على القرآن وهو الذكر. وقيل: على محمد ﷺ. ثم قال (تعالى ذكره): ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا ٱلْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ ٱلْمَنصُورُونَ﴾ أي: سبق القضاء في أم الكتاب ووجب القول من الله أن المرسلين هم المنصورون على من ناوأهم بالحجج والغلبة، قاله قتادة والسدي. وقال الفراء: لهم المنصورون بالشفاعة. * * ثم قال: ﴿وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ ٱلْغَالِبُونَ﴾ أي: حزب الله هم الغالبون حزب الشيطان بالحجج والغلبة والظفر. * * ثم قال: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّىٰ حِينٍ﴾. قال قتادة: "حتى حين": إلى الموت. وقال السدي: إلى يوم بدر. * * ثم قال: ﴿وَأَبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ أي: انظرهم وأخرهم فسوف يرون ما يحل بهم من العقاب.

الصافات 37:172

قوله (تعالى ذكره): ﴿أَمْ خَلَقْنَا ٱلْمَلاَئِكَةَ إِنَاثاً﴾ إلى قوله: ﴿فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾. أي: أم شهد هؤلاء القائلون: إن الملائكة بنات (الله)، خلق الله الملائكة إناثاً. هذا كله على التقرير والتوبيخ. * * ثم قال: ﴿أَلاَ إِنَّهُم مِّنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ * وَلَدَ ٱللَّهُ﴾ أي: ألا إن هؤلاء المشركين من كذبهم ليقولن ولد الله، وهو جعلهم الملائكة بنات الله. * * ثم قال: ﴿أَصْطَفَى ٱلْبَنَاتِ عَلَىٰ ٱلْبَنِينَ﴾ هذا أيضاً توبيخ لهم، والمعنى عند الزجاج: سلهم هل اصطفى البنات على البنين. * * ثم قال: ﴿مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾. هذا أيضاً تقريع وتوبيخ ومعناه: بئس الحكم تحكمون أيها القوم، أن يكون لله البنات ولكم البنون، فأنتم لا ترضون البنات لأنفسكم فتجعلون لله ما لا ترضون به لأنفسكم. * * ثم قال: ﴿أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ﴾ أي: تتدبرون ما تقولون فتعرفون خطأه فتنتهون عنه. ﴿أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُّبِينٌ﴾ أي: حجة ظاهرة على ما تقولون. قال قتادة: "سلطان مبين" عُذْرٌ بَيِّنٌ. ﴿فَأْتُواْ بِكِتَابِكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ أي: فأتوا بحجتكم من كتاب جاءكم من عند الله بما قلتم من الإفك إن كنتم صادقين فيما قلتم. * * ثم قال: ﴿وَجَعَلُواْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ ٱلْجِنَّةِ نَسَباً﴾. قال ابن عباس: زعم أعداء الله أنه جل ثناؤه وإبليس أخوان. وكذلك قال الضحاك. وقال غيرهما: الجِنَّة هنا الملائكة، جعلهم كفار قريش بنات الله جل عن ذلك وتعالى، وهو قول مجاهد والسدي. وروي أن أبا بكر قال لقريش: من أمهاتهن؟ فقالوا: سَرَوَاتُ الجِنِّ. وقال قتادة: قالت اليهود: إن الله جل ذكره تزوج إلى الجنة فخرج بينهم الملائكة. فسميت الملائكة جِنة لأنهم لا يُرَون. وقال السدي: سموا بذلك لأنهم على الجنان. [ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمَتِ ٱلجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ﴾ أي: ولقد علمت الملائكة أن الذين قالوا هذا لمُشْهِدُون الحساب والنار ومعذبون]. * * ثم قال: ﴿سُبْحَانَ ٱللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ أي: تنزيهاً له وبراءة عما يقولون ويفترون. * * ثم قال: ﴿إِلاَّ عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلْمُخْلَصِينَ﴾ أي: إلا عباد الله الذين أخلصهم لرحمته، فإنهم لا يحضرون العذاب. ثم قال (تعالى): ﴿فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ * مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ * إِلاَّ مَنْ هُوَ صَالِ ٱلْجَحِيمِ﴾ أي: فإنكم أيها المشركون وما تعبدون من الآلهة ما أنتم على ما تعبدون من ذلك بفاتنين، أي: بمضلين من أحد إلا من هو صالِ الجحيم، أي: من سبق له في علم الله أنه يضل فيدخل النار. وقيل: "عليه" في قوله "ما أنتم عليه" بمعنى له. هذا كله معنى قول ابن عباس والحسن وقتادة والسدي وابن زيد. والتقدير عند جميعهم: لستم تضلون أحداً إلا من سبق في علم الله أنه من أهل الشقاء وأهل النار. وفي هذه الآية رد على القدرية لأن الضلال والهدى كل بمشيئة الله وقضائه، خلق هؤلاء للجنة وهؤلاء للشقاء، فالشياطين لا تضل إلا من كتب الله عليه أنه لا يهتدي. فأما من تقدم له في علم الله الهدى فإنه تعالى يحول بينهم وبينه فلا يصلون إلى إضلاله. قال عمر بن عبد العزيز: لو أراد الله أن لا يُعْصَى لم يخلق إبليس وإنه لبَيِّنٌ في كتاب الله في آية علمها من علمها وجهلها من جهلها، ثم قرأ: ﴿فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ * مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ * إِلاَّ مَنْ هُوَ صَالِ ٱلْجَحِيمِ﴾. وقوله: "صال الجحيم" أصله صالي بالياء، ولكن كتب على لفظ الوصل، ولا يحسن الوقف عليه، فإن وقف عليه واقف، فمن القراء من يكره مخالفة الشواذ فيقف بغير ياء. ومذهب سلام ويعقوب: أن يقف عليه بالياء على الأصل، لأن العلة التي من أجلها حذفت الياء قد زالت بالوقف. وقرأ الحسن: "صال الجحيم". على أن يرده على معنى "من" فيجمع بالواو والنون، وتحذف النون للإضافة والواو لالتقاء الساكنين في الوصل. ولا تجوز هذه القراءة على غير هذه الأشياء. ذكر بعض النحويين: أن يكون قرأه على القلب كأنه رد لام الفعل، وهي الياء في الواحد قبل اللام، فصار الإعراب (في اللام)، فضمت ثم حذفت الياء، وهذا بعيد. ثم قال (تعالى): ﴿وَمَا مِنَّآ إِلاَّ لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ﴾. التقدير عند الكوفيين: وما منا إلا من له مقام، ثم حذفت من. ولا يجوز هذا عند البصريين لأنه حذف موصول وترك صلته. والتقدير عند البصريين: وما منا ملك إلا له مقام. وهذا خبر من الله جل ذكره عن قول الملائكة، أي قالوا: وما منا معشر الملائكة إلا ملك له مقام معلوم في السماء. ثم قال تعالى حكاية عن قول الملائكة: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ ٱلصَّآفُّونَ﴾ روت عائشة رضي الله عنها أن النبي ﷺ قال: "مَا فِي السَّمَاءِ مَوْضِعُ قَدَمٍ إِلاَّ عََلَيْهِ (مَلَكٌ) سَاجِدٌ أَوْ قَائِمٌ فالمعنى أنهم قالوا: وإنا لنحن الصافون لله بعبادته. ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ ٱلْمُسَبِّحُونَ﴾ أي: المصلون له. قال عبد الله بن مسعود وابن عباس: ما من السماوات سماء إلا وما فيها موضع شبر، إلا وعليه جبهة ملك، أو قدماه، ثم قرأ: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ ٱلصَّآفُّونَ * وَإِنَّا لَنَحْنُ ٱلْمُسَبِّحُونَ﴾. ومعنى الكلام من أوله: أن الملائكة استعظمت فعل من يعبدها وتعجبت من ذلك وتبرأت منه، فقالت: "وما منا إلا له مقام معلوم ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ ٱلصَّآفُّونَ﴾ ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ ٱلْمُسَبِّحُونَ﴾"، فكيف يُعْبَدُ من هو على هذه الحال. ثم قال (تعالى): ﴿وَإِن كَانُواْ لَيَقُولُونَ * لَوْ أَنَّ عِندَنَا ذِكْراً مِّنَ ٱلأَوَّلِينَ * لَكُنَّا عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلْمُخْلَصِينَ﴾ أي: قالت قريش قبل مبعث النبي ﷺ لو أن عندنا ذكراً من الأولين، أي: كتاباً من السماء فيه ذكر الأمم الماضية كالتوراة والإنجيل، فلما جاءهم ذلك كفروا به. * * ثم قال: ﴿لَكُنَّا عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلْمُخْلَصِينَ﴾ (أي): الذين أخلصوا لله الطاعة. هذا على قراءة من كسر اللام. ومن فتحها فمعناه: لكنا عباد الله الذين أخلصهم الله واختارهم لطاعته. قال قتادة: قالت هذه الأمة ذلك قبل مبعث النبي ﷺ، فلما جاءهم الكتاب والنبي كفروا به. قال الضحاك: هذا قول مشركي أهل مكة، فلما جاءهم ذِكْرُ الأولين والآخرين كفروا به، فسوف يعلمون، (أي: يعلمون) ما لهم من العقاب على كفرهم. فالهاء في "به" تعود على القرآن وهو الذكر. وقيل: على محمد ﷺ. ثم قال (تعالى ذكره): ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا ٱلْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ ٱلْمَنصُورُونَ﴾ أي: سبق القضاء في أم الكتاب ووجب القول من الله أن المرسلين هم المنصورون على من ناوأهم بالحجج والغلبة، قاله قتادة والسدي. وقال الفراء: لهم المنصورون بالشفاعة. * * ثم قال: ﴿وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ ٱلْغَالِبُونَ﴾ أي: حزب الله هم الغالبون حزب الشيطان بالحجج والغلبة والظفر. * * ثم قال: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّىٰ حِينٍ﴾. قال قتادة: "حتى حين": إلى الموت. وقال السدي: إلى يوم بدر. * * ثم قال: ﴿وَأَبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ أي: انظرهم وأخرهم فسوف يرون ما يحل بهم من العقاب.

الصافات 37:173

قوله (تعالى ذكره): ﴿أَمْ خَلَقْنَا ٱلْمَلاَئِكَةَ إِنَاثاً﴾ إلى قوله: ﴿فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾. أي: أم شهد هؤلاء القائلون: إن الملائكة بنات (الله)، خلق الله الملائكة إناثاً. هذا كله على التقرير والتوبيخ. * * ثم قال: ﴿أَلاَ إِنَّهُم مِّنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ * وَلَدَ ٱللَّهُ﴾ أي: ألا إن هؤلاء المشركين من كذبهم ليقولن ولد الله، وهو جعلهم الملائكة بنات الله. * * ثم قال: ﴿أَصْطَفَى ٱلْبَنَاتِ عَلَىٰ ٱلْبَنِينَ﴾ هذا أيضاً توبيخ لهم، والمعنى عند الزجاج: سلهم هل اصطفى البنات على البنين. * * ثم قال: ﴿مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾. هذا أيضاً تقريع وتوبيخ ومعناه: بئس الحكم تحكمون أيها القوم، أن يكون لله البنات ولكم البنون، فأنتم لا ترضون البنات لأنفسكم فتجعلون لله ما لا ترضون به لأنفسكم. * * ثم قال: ﴿أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ﴾ أي: تتدبرون ما تقولون فتعرفون خطأه فتنتهون عنه. ﴿أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُّبِينٌ﴾ أي: حجة ظاهرة على ما تقولون. قال قتادة: "سلطان مبين" عُذْرٌ بَيِّنٌ. ﴿فَأْتُواْ بِكِتَابِكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ أي: فأتوا بحجتكم من كتاب جاءكم من عند الله بما قلتم من الإفك إن كنتم صادقين فيما قلتم. * * ثم قال: ﴿وَجَعَلُواْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ ٱلْجِنَّةِ نَسَباً﴾. قال ابن عباس: زعم أعداء الله أنه جل ثناؤه وإبليس أخوان. وكذلك قال الضحاك. وقال غيرهما: الجِنَّة هنا الملائكة، جعلهم كفار قريش بنات الله جل عن ذلك وتعالى، وهو قول مجاهد والسدي. وروي أن أبا بكر قال لقريش: من أمهاتهن؟ فقالوا: سَرَوَاتُ الجِنِّ. وقال قتادة: قالت اليهود: إن الله جل ذكره تزوج إلى الجنة فخرج بينهم الملائكة. فسميت الملائكة جِنة لأنهم لا يُرَون. وقال السدي: سموا بذلك لأنهم على الجنان. [ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمَتِ ٱلجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ﴾ أي: ولقد علمت الملائكة أن الذين قالوا هذا لمُشْهِدُون الحساب والنار ومعذبون]. * * ثم قال: ﴿سُبْحَانَ ٱللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ أي: تنزيهاً له وبراءة عما يقولون ويفترون. * * ثم قال: ﴿إِلاَّ عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلْمُخْلَصِينَ﴾ أي: إلا عباد الله الذين أخلصهم لرحمته، فإنهم لا يحضرون العذاب. ثم قال (تعالى): ﴿فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ * مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ * إِلاَّ مَنْ هُوَ صَالِ ٱلْجَحِيمِ﴾ أي: فإنكم أيها المشركون وما تعبدون من الآلهة ما أنتم على ما تعبدون من ذلك بفاتنين، أي: بمضلين من أحد إلا من هو صالِ الجحيم، أي: من سبق له في علم الله أنه يضل فيدخل النار. وقيل: "عليه" في قوله "ما أنتم عليه" بمعنى له. هذا كله معنى قول ابن عباس والحسن وقتادة والسدي وابن زيد. والتقدير عند جميعهم: لستم تضلون أحداً إلا من سبق في علم الله أنه من أهل الشقاء وأهل النار. وفي هذه الآية رد على القدرية لأن الضلال والهدى كل بمشيئة الله وقضائه، خلق هؤلاء للجنة وهؤلاء للشقاء، فالشياطين لا تضل إلا من كتب الله عليه أنه لا يهتدي. فأما من تقدم له في علم الله الهدى فإنه تعالى يحول بينهم وبينه فلا يصلون إلى إضلاله. قال عمر بن عبد العزيز: لو أراد الله أن لا يُعْصَى لم يخلق إبليس وإنه لبَيِّنٌ في كتاب الله في آية علمها من علمها وجهلها من جهلها، ثم قرأ: ﴿فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ * مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ * إِلاَّ مَنْ هُوَ صَالِ ٱلْجَحِيمِ﴾. وقوله: "صال الجحيم" أصله صالي بالياء، ولكن كتب على لفظ الوصل، ولا يحسن الوقف عليه، فإن وقف عليه واقف، فمن القراء من يكره مخالفة الشواذ فيقف بغير ياء. ومذهب سلام ويعقوب: أن يقف عليه بالياء على الأصل، لأن العلة التي من أجلها حذفت الياء قد زالت بالوقف. وقرأ الحسن: "صال الجحيم". على أن يرده على معنى "من" فيجمع بالواو والنون، وتحذف النون للإضافة والواو لالتقاء الساكنين في الوصل. ولا تجوز هذه القراءة على غير هذه الأشياء. ذكر بعض النحويين: أن يكون قرأه على القلب كأنه رد لام الفعل، وهي الياء في الواحد قبل اللام، فصار الإعراب (في اللام)، فضمت ثم حذفت الياء، وهذا بعيد. ثم قال (تعالى): ﴿وَمَا مِنَّآ إِلاَّ لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ﴾. التقدير عند الكوفيين: وما منا إلا من له مقام، ثم حذفت من. ولا يجوز هذا عند البصريين لأنه حذف موصول وترك صلته. والتقدير عند البصريين: وما منا ملك إلا له مقام. وهذا خبر من الله جل ذكره عن قول الملائكة، أي قالوا: وما منا معشر الملائكة إلا ملك له مقام معلوم في السماء. ثم قال تعالى حكاية عن قول الملائكة: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ ٱلصَّآفُّونَ﴾ روت عائشة رضي الله عنها أن النبي ﷺ قال: "مَا فِي السَّمَاءِ مَوْضِعُ قَدَمٍ إِلاَّ عََلَيْهِ (مَلَكٌ) سَاجِدٌ أَوْ قَائِمٌ فالمعنى أنهم قالوا: وإنا لنحن الصافون لله بعبادته. ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ ٱلْمُسَبِّحُونَ﴾ أي: المصلون له. قال عبد الله بن مسعود وابن عباس: ما من السماوات سماء إلا وما فيها موضع شبر، إلا وعليه جبهة ملك، أو قدماه، ثم قرأ: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ ٱلصَّآفُّونَ * وَإِنَّا لَنَحْنُ ٱلْمُسَبِّحُونَ﴾. ومعنى الكلام من أوله: أن الملائكة استعظمت فعل من يعبدها وتعجبت من ذلك وتبرأت منه، فقالت: "وما منا إلا له مقام معلوم ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ ٱلصَّآفُّونَ﴾ ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ ٱلْمُسَبِّحُونَ﴾"، فكيف يُعْبَدُ من هو على هذه الحال. ثم قال (تعالى): ﴿وَإِن كَانُواْ لَيَقُولُونَ * لَوْ أَنَّ عِندَنَا ذِكْراً مِّنَ ٱلأَوَّلِينَ * لَكُنَّا عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلْمُخْلَصِينَ﴾ أي: قالت قريش قبل مبعث النبي ﷺ لو أن عندنا ذكراً من الأولين، أي: كتاباً من السماء فيه ذكر الأمم الماضية كالتوراة والإنجيل، فلما جاءهم ذلك كفروا به. * * ثم قال: ﴿لَكُنَّا عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلْمُخْلَصِينَ﴾ (أي): الذين أخلصوا لله الطاعة. هذا على قراءة من كسر اللام. ومن فتحها فمعناه: لكنا عباد الله الذين أخلصهم الله واختارهم لطاعته. قال قتادة: قالت هذه الأمة ذلك قبل مبعث النبي ﷺ، فلما جاءهم الكتاب والنبي كفروا به. قال الضحاك: هذا قول مشركي أهل مكة، فلما جاءهم ذِكْرُ الأولين والآخرين كفروا به، فسوف يعلمون، (أي: يعلمون) ما لهم من العقاب على كفرهم. فالهاء في "به" تعود على القرآن وهو الذكر. وقيل: على محمد ﷺ. ثم قال (تعالى ذكره): ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا ٱلْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ ٱلْمَنصُورُونَ﴾ أي: سبق القضاء في أم الكتاب ووجب القول من الله أن المرسلين هم المنصورون على من ناوأهم بالحجج والغلبة، قاله قتادة والسدي. وقال الفراء: لهم المنصورون بالشفاعة. * * ثم قال: ﴿وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ ٱلْغَالِبُونَ﴾ أي: حزب الله هم الغالبون حزب الشيطان بالحجج والغلبة والظفر. * * ثم قال: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّىٰ حِينٍ﴾. قال قتادة: "حتى حين": إلى الموت. وقال السدي: إلى يوم بدر. * * ثم قال: ﴿وَأَبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ أي: انظرهم وأخرهم فسوف يرون ما يحل بهم من العقاب.

الصافات 37:174

قوله (تعالى ذكره): ﴿أَمْ خَلَقْنَا ٱلْمَلاَئِكَةَ إِنَاثاً﴾ إلى قوله: ﴿فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾. أي: أم شهد هؤلاء القائلون: إن الملائكة بنات (الله)، خلق الله الملائكة إناثاً. هذا كله على التقرير والتوبيخ. * * ثم قال: ﴿أَلاَ إِنَّهُم مِّنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ * وَلَدَ ٱللَّهُ﴾ أي: ألا إن هؤلاء المشركين من كذبهم ليقولن ولد الله، وهو جعلهم الملائكة بنات الله. * * ثم قال: ﴿أَصْطَفَى ٱلْبَنَاتِ عَلَىٰ ٱلْبَنِينَ﴾ هذا أيضاً توبيخ لهم، والمعنى عند الزجاج: سلهم هل اصطفى البنات على البنين. * * ثم قال: ﴿مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾. هذا أيضاً تقريع وتوبيخ ومعناه: بئس الحكم تحكمون أيها القوم، أن يكون لله البنات ولكم البنون، فأنتم لا ترضون البنات لأنفسكم فتجعلون لله ما لا ترضون به لأنفسكم. * * ثم قال: ﴿أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ﴾ أي: تتدبرون ما تقولون فتعرفون خطأه فتنتهون عنه. ﴿أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُّبِينٌ﴾ أي: حجة ظاهرة على ما تقولون. قال قتادة: "سلطان مبين" عُذْرٌ بَيِّنٌ. ﴿فَأْتُواْ بِكِتَابِكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ أي: فأتوا بحجتكم من كتاب جاءكم من عند الله بما قلتم من الإفك إن كنتم صادقين فيما قلتم. * * ثم قال: ﴿وَجَعَلُواْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ ٱلْجِنَّةِ نَسَباً﴾. قال ابن عباس: زعم أعداء الله أنه جل ثناؤه وإبليس أخوان. وكذلك قال الضحاك. وقال غيرهما: الجِنَّة هنا الملائكة، جعلهم كفار قريش بنات الله جل عن ذلك وتعالى، وهو قول مجاهد والسدي. وروي أن أبا بكر قال لقريش: من أمهاتهن؟ فقالوا: سَرَوَاتُ الجِنِّ. وقال قتادة: قالت اليهود: إن الله جل ذكره تزوج إلى الجنة فخرج بينهم الملائكة. فسميت الملائكة جِنة لأنهم لا يُرَون. وقال السدي: سموا بذلك لأنهم على الجنان. [ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمَتِ ٱلجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ﴾ أي: ولقد علمت الملائكة أن الذين قالوا هذا لمُشْهِدُون الحساب والنار ومعذبون]. * * ثم قال: ﴿سُبْحَانَ ٱللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ أي: تنزيهاً له وبراءة عما يقولون ويفترون. * * ثم قال: ﴿إِلاَّ عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلْمُخْلَصِينَ﴾ أي: إلا عباد الله الذين أخلصهم لرحمته، فإنهم لا يحضرون العذاب. ثم قال (تعالى): ﴿فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ * مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ * إِلاَّ مَنْ هُوَ صَالِ ٱلْجَحِيمِ﴾ أي: فإنكم أيها المشركون وما تعبدون من الآلهة ما أنتم على ما تعبدون من ذلك بفاتنين، أي: بمضلين من أحد إلا من هو صالِ الجحيم، أي: من سبق له في علم الله أنه يضل فيدخل النار. وقيل: "عليه" في قوله "ما أنتم عليه" بمعنى له. هذا كله معنى قول ابن عباس والحسن وقتادة والسدي وابن زيد. والتقدير عند جميعهم: لستم تضلون أحداً إلا من سبق في علم الله أنه من أهل الشقاء وأهل النار. وفي هذه الآية رد على القدرية لأن الضلال والهدى كل بمشيئة الله وقضائه، خلق هؤلاء للجنة وهؤلاء للشقاء، فالشياطين لا تضل إلا من كتب الله عليه أنه لا يهتدي. فأما من تقدم له في علم الله الهدى فإنه تعالى يحول بينهم وبينه فلا يصلون إلى إضلاله. قال عمر بن عبد العزيز: لو أراد الله أن لا يُعْصَى لم يخلق إبليس وإنه لبَيِّنٌ في كتاب الله في آية علمها من علمها وجهلها من جهلها، ثم قرأ: ﴿فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ * مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ * إِلاَّ مَنْ هُوَ صَالِ ٱلْجَحِيمِ﴾. وقوله: "صال الجحيم" أصله صالي بالياء، ولكن كتب على لفظ الوصل، ولا يحسن الوقف عليه، فإن وقف عليه واقف، فمن القراء من يكره مخالفة الشواذ فيقف بغير ياء. ومذهب سلام ويعقوب: أن يقف عليه بالياء على الأصل، لأن العلة التي من أجلها حذفت الياء قد زالت بالوقف. وقرأ الحسن: "صال الجحيم". على أن يرده على معنى "من" فيجمع بالواو والنون، وتحذف النون للإضافة والواو لالتقاء الساكنين في الوصل. ولا تجوز هذه القراءة على غير هذه الأشياء. ذكر بعض النحويين: أن يكون قرأه على القلب كأنه رد لام الفعل، وهي الياء في الواحد قبل اللام، فصار الإعراب (في اللام)، فضمت ثم حذفت الياء، وهذا بعيد. ثم قال (تعالى): ﴿وَمَا مِنَّآ إِلاَّ لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ﴾. التقدير عند الكوفيين: وما منا إلا من له مقام، ثم حذفت من. ولا يجوز هذا عند البصريين لأنه حذف موصول وترك صلته. والتقدير عند البصريين: وما منا ملك إلا له مقام. وهذا خبر من الله جل ذكره عن قول الملائكة، أي قالوا: وما منا معشر الملائكة إلا ملك له مقام معلوم في السماء. ثم قال تعالى حكاية عن قول الملائكة: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ ٱلصَّآفُّونَ﴾ روت عائشة رضي الله عنها أن النبي ﷺ قال: "مَا فِي السَّمَاءِ مَوْضِعُ قَدَمٍ إِلاَّ عََلَيْهِ (مَلَكٌ) سَاجِدٌ أَوْ قَائِمٌ فالمعنى أنهم قالوا: وإنا لنحن الصافون لله بعبادته. ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ ٱلْمُسَبِّحُونَ﴾ أي: المصلون له. قال عبد الله بن مسعود وابن عباس: ما من السماوات سماء إلا وما فيها موضع شبر، إلا وعليه جبهة ملك، أو قدماه، ثم قرأ: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ ٱلصَّآفُّونَ * وَإِنَّا لَنَحْنُ ٱلْمُسَبِّحُونَ﴾. ومعنى الكلام من أوله: أن الملائكة استعظمت فعل من يعبدها وتعجبت من ذلك وتبرأت منه، فقالت: "وما منا إلا له مقام معلوم ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ ٱلصَّآفُّونَ﴾ ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ ٱلْمُسَبِّحُونَ﴾"، فكيف يُعْبَدُ من هو على هذه الحال. ثم قال (تعالى): ﴿وَإِن كَانُواْ لَيَقُولُونَ * لَوْ أَنَّ عِندَنَا ذِكْراً مِّنَ ٱلأَوَّلِينَ * لَكُنَّا عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلْمُخْلَصِينَ﴾ أي: قالت قريش قبل مبعث النبي ﷺ لو أن عندنا ذكراً من الأولين، أي: كتاباً من السماء فيه ذكر الأمم الماضية كالتوراة والإنجيل، فلما جاءهم ذلك كفروا به. * * ثم قال: ﴿لَكُنَّا عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلْمُخْلَصِينَ﴾ (أي): الذين أخلصوا لله الطاعة. هذا على قراءة من كسر اللام. ومن فتحها فمعناه: لكنا عباد الله الذين أخلصهم الله واختارهم لطاعته. قال قتادة: قالت هذه الأمة ذلك قبل مبعث النبي ﷺ، فلما جاءهم الكتاب والنبي كفروا به. قال الضحاك: هذا قول مشركي أهل مكة، فلما جاءهم ذِكْرُ الأولين والآخرين كفروا به، فسوف يعلمون، (أي: يعلمون) ما لهم من العقاب على كفرهم. فالهاء في "به" تعود على القرآن وهو الذكر. وقيل: على محمد ﷺ. ثم قال (تعالى ذكره): ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا ٱلْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ ٱلْمَنصُورُونَ﴾ أي: سبق القضاء في أم الكتاب ووجب القول من الله أن المرسلين هم المنصورون على من ناوأهم بالحجج والغلبة، قاله قتادة والسدي. وقال الفراء: لهم المنصورون بالشفاعة. * * ثم قال: ﴿وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ ٱلْغَالِبُونَ﴾ أي: حزب الله هم الغالبون حزب الشيطان بالحجج والغلبة والظفر. * * ثم قال: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّىٰ حِينٍ﴾. قال قتادة: "حتى حين": إلى الموت. وقال السدي: إلى يوم بدر. * * ثم قال: ﴿وَأَبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ أي: انظرهم وأخرهم فسوف يرون ما يحل بهم من العقاب.

الصافات 37:175

قوله (تعالى ذكره): ﴿أَمْ خَلَقْنَا ٱلْمَلاَئِكَةَ إِنَاثاً﴾ إلى قوله: ﴿فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾. أي: أم شهد هؤلاء القائلون: إن الملائكة بنات (الله)، خلق الله الملائكة إناثاً. هذا كله على التقرير والتوبيخ. * * ثم قال: ﴿أَلاَ إِنَّهُم مِّنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ * وَلَدَ ٱللَّهُ﴾ أي: ألا إن هؤلاء المشركين من كذبهم ليقولن ولد الله، وهو جعلهم الملائكة بنات الله. * * ثم قال: ﴿أَصْطَفَى ٱلْبَنَاتِ عَلَىٰ ٱلْبَنِينَ﴾ هذا أيضاً توبيخ لهم، والمعنى عند الزجاج: سلهم هل اصطفى البنات على البنين. * * ثم قال: ﴿مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾. هذا أيضاً تقريع وتوبيخ ومعناه: بئس الحكم تحكمون أيها القوم، أن يكون لله البنات ولكم البنون، فأنتم لا ترضون البنات لأنفسكم فتجعلون لله ما لا ترضون به لأنفسكم. * * ثم قال: ﴿أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ﴾ أي: تتدبرون ما تقولون فتعرفون خطأه فتنتهون عنه. ﴿أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُّبِينٌ﴾ أي: حجة ظاهرة على ما تقولون. قال قتادة: "سلطان مبين" عُذْرٌ بَيِّنٌ. ﴿فَأْتُواْ بِكِتَابِكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ أي: فأتوا بحجتكم من كتاب جاءكم من عند الله بما قلتم من الإفك إن كنتم صادقين فيما قلتم. * * ثم قال: ﴿وَجَعَلُواْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ ٱلْجِنَّةِ نَسَباً﴾. قال ابن عباس: زعم أعداء الله أنه جل ثناؤه وإبليس أخوان. وكذلك قال الضحاك. وقال غيرهما: الجِنَّة هنا الملائكة، جعلهم كفار قريش بنات الله جل عن ذلك وتعالى، وهو قول مجاهد والسدي. وروي أن أبا بكر قال لقريش: من أمهاتهن؟ فقالوا: سَرَوَاتُ الجِنِّ. وقال قتادة: قالت اليهود: إن الله جل ذكره تزوج إلى الجنة فخرج بينهم الملائكة. فسميت الملائكة جِنة لأنهم لا يُرَون. وقال السدي: سموا بذلك لأنهم على الجنان. [ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمَتِ ٱلجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ﴾ أي: ولقد علمت الملائكة أن الذين قالوا هذا لمُشْهِدُون الحساب والنار ومعذبون]. * * ثم قال: ﴿سُبْحَانَ ٱللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ أي: تنزيهاً له وبراءة عما يقولون ويفترون. * * ثم قال: ﴿إِلاَّ عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلْمُخْلَصِينَ﴾ أي: إلا عباد الله الذين أخلصهم لرحمته، فإنهم لا يحضرون العذاب. ثم قال (تعالى): ﴿فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ * مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ * إِلاَّ مَنْ هُوَ صَالِ ٱلْجَحِيمِ﴾ أي: فإنكم أيها المشركون وما تعبدون من الآلهة ما أنتم على ما تعبدون من ذلك بفاتنين، أي: بمضلين من أحد إلا من هو صالِ الجحيم، أي: من سبق له في علم الله أنه يضل فيدخل النار. وقيل: "عليه" في قوله "ما أنتم عليه" بمعنى له. هذا كله معنى قول ابن عباس والحسن وقتادة والسدي وابن زيد. والتقدير عند جميعهم: لستم تضلون أحداً إلا من سبق في علم الله أنه من أهل الشقاء وأهل النار. وفي هذه الآية رد على القدرية لأن الضلال والهدى كل بمشيئة الله وقضائه، خلق هؤلاء للجنة وهؤلاء للشقاء، فالشياطين لا تضل إلا من كتب الله عليه أنه لا يهتدي. فأما من تقدم له في علم الله الهدى فإنه تعالى يحول بينهم وبينه فلا يصلون إلى إضلاله. قال عمر بن عبد العزيز: لو أراد الله أن لا يُعْصَى لم يخلق إبليس وإنه لبَيِّنٌ في كتاب الله في آية علمها من علمها وجهلها من جهلها، ثم قرأ: ﴿فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ * مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ * إِلاَّ مَنْ هُوَ صَالِ ٱلْجَحِيمِ﴾. وقوله: "صال الجحيم" أصله صالي بالياء، ولكن كتب على لفظ الوصل، ولا يحسن الوقف عليه، فإن وقف عليه واقف، فمن القراء من يكره مخالفة الشواذ فيقف بغير ياء. ومذهب سلام ويعقوب: أن يقف عليه بالياء على الأصل، لأن العلة التي من أجلها حذفت الياء قد زالت بالوقف. وقرأ الحسن: "صال الجحيم". على أن يرده على معنى "من" فيجمع بالواو والنون، وتحذف النون للإضافة والواو لالتقاء الساكنين في الوصل. ولا تجوز هذه القراءة على غير هذه الأشياء. ذكر بعض النحويين: أن يكون قرأه على القلب كأنه رد لام الفعل، وهي الياء في الواحد قبل اللام، فصار الإعراب (في اللام)، فضمت ثم حذفت الياء، وهذا بعيد. ثم قال (تعالى): ﴿وَمَا مِنَّآ إِلاَّ لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ﴾. التقدير عند الكوفيين: وما منا إلا من له مقام، ثم حذفت من. ولا يجوز هذا عند البصريين لأنه حذف موصول وترك صلته. والتقدير عند البصريين: وما منا ملك إلا له مقام. وهذا خبر من الله جل ذكره عن قول الملائكة، أي قالوا: وما منا معشر الملائكة إلا ملك له مقام معلوم في السماء. ثم قال تعالى حكاية عن قول الملائكة: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ ٱلصَّآفُّونَ﴾ روت عائشة رضي الله عنها أن النبي ﷺ قال: "مَا فِي السَّمَاءِ مَوْضِعُ قَدَمٍ إِلاَّ عََلَيْهِ (مَلَكٌ) سَاجِدٌ أَوْ قَائِمٌ فالمعنى أنهم قالوا: وإنا لنحن الصافون لله بعبادته. ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ ٱلْمُسَبِّحُونَ﴾ أي: المصلون له. قال عبد الله بن مسعود وابن عباس: ما من السماوات سماء إلا وما فيها موضع شبر، إلا وعليه جبهة ملك، أو قدماه، ثم قرأ: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ ٱلصَّآفُّونَ * وَإِنَّا لَنَحْنُ ٱلْمُسَبِّحُونَ﴾. ومعنى الكلام من أوله: أن الملائكة استعظمت فعل من يعبدها وتعجبت من ذلك وتبرأت منه، فقالت: "وما منا إلا له مقام معلوم ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ ٱلصَّآفُّونَ﴾ ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ ٱلْمُسَبِّحُونَ﴾"، فكيف يُعْبَدُ من هو على هذه الحال. ثم قال (تعالى): ﴿وَإِن كَانُواْ لَيَقُولُونَ * لَوْ أَنَّ عِندَنَا ذِكْراً مِّنَ ٱلأَوَّلِينَ * لَكُنَّا عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلْمُخْلَصِينَ﴾ أي: قالت قريش قبل مبعث النبي ﷺ لو أن عندنا ذكراً من الأولين، أي: كتاباً من السماء فيه ذكر الأمم الماضية كالتوراة والإنجيل، فلما جاءهم ذلك كفروا به. * * ثم قال: ﴿لَكُنَّا عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلْمُخْلَصِينَ﴾ (أي): الذين أخلصوا لله الطاعة. هذا على قراءة من كسر اللام. ومن فتحها فمعناه: لكنا عباد الله الذين أخلصهم الله واختارهم لطاعته. قال قتادة: قالت هذه الأمة ذلك قبل مبعث النبي ﷺ، فلما جاءهم الكتاب والنبي كفروا به. قال الضحاك: هذا قول مشركي أهل مكة، فلما جاءهم ذِكْرُ الأولين والآخرين كفروا به، فسوف يعلمون، (أي: يعلمون) ما لهم من العقاب على كفرهم. فالهاء في "به" تعود على القرآن وهو الذكر. وقيل: على محمد ﷺ. ثم قال (تعالى ذكره): ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا ٱلْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ ٱلْمَنصُورُونَ﴾ أي: سبق القضاء في أم الكتاب ووجب القول من الله أن المرسلين هم المنصورون على من ناوأهم بالحجج والغلبة، قاله قتادة والسدي. وقال الفراء: لهم المنصورون بالشفاعة. * * ثم قال: ﴿وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ ٱلْغَالِبُونَ﴾ أي: حزب الله هم الغالبون حزب الشيطان بالحجج والغلبة والظفر. * * ثم قال: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّىٰ حِينٍ﴾. قال قتادة: "حتى حين": إلى الموت. وقال السدي: إلى يوم بدر. * * ثم قال: ﴿وَأَبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ أي: انظرهم وأخرهم فسوف يرون ما يحل بهم من العقاب.

الصافات 37:176

قوله (تعالى ذكره): ﴿أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ إلى آخر السورة. أي: أفبنزول عذابنا يستعجلون، وهذا قولهم للنبي ﷺ، متى هذا الوعد. * * ثم قال: ﴿فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْ﴾ أي: نزل بهم العذاب. والعرب تقول نزل بساحة فلان العذاب وبِعُقُوتِهِ إذا نزل به، والساحة فناء الدار. * * وقوله: ﴿فَسَآءَ صَبَاحُ ٱلْمُنْذَرِينَ﴾ أي فبئس الصباح صباح القوم الذين أُنْذِرُوا بأس الله فلم يتعظوا. قال السدي: "بساحتهم" بدارهم. قال أبو إسحاق: كان عذاب هؤلاء بالقتل. يعني (يوم) بدر. وقيل: الحين الأول: إلى حين ينصرك الله عليهم فيهلكهم بأيدي أصحابك، والحين الثاني: قيام الساعة بعذابهم في الآخرة. فهو قوله: "فإذا نزل بساحتهم فساء صباح المنذرين"، أي: إذا نزل العذاب بالسيف عليهم، ثم قال له بعد نزول السيف "فتول عنهم حتى حين" أي: إلى الوقت. * * ثم قال: ﴿وَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّىٰ حِينٍ﴾ أي: أعرض عنهم يا محمد حتى يأذن الله بهلاكهم يوم بدر. وقيل: بالموت. وقيل: في الآخرة. [ثم قال: ﴿وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ أي: أنظرهم وأخرهم فسوف يرون ما يحل بهم في الآخرة]. * * ثم قال: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ ٱلْعِزَّةِ﴾ أي: تنزيهاً وبراءة لربك يا محمد من السوء، ﴿رَبِّ ٱلْعِزَّةِ﴾ أي: رب القوة والبطش، عما يصفونه من اتخاذ الأولاد وشركهم وافترائهم على ربهم. وسئل محمد بن سحنون عن قوله تعالى: ﴿رَبِّ ٱلْعِزَّةِ﴾ - والعزة صفة من صفات ذاته تعالى كالقدرة والعلم، ولا يقال: رب القدرة ولا رب العلم - فقال: إن العزة تكون صفة فعل وصفة ذات نحو قوله: (فلله العزة) فهذه صفة ذات، ونحو قوله: "رَبِّ الْعِزَّة" فهذه صفة فعل، أي العزة التي يتعازز بها الخلق فيما بينهم الله خلقها. فرب العزة معناه: خالق العزة التي يتعزز بها الناس فيما بينهم. قال محمد بن سحنون: وجاء في التفسير أن العزة في قوله: "رب العزة": الملائكة، فصارت مربوبة، وكل ما كان مربوباً فهو فعل لله. فالعزة في هذا الموضع: الملائكة كما قال أهل العلم. قال محمد: وقال بعض علمائنا: من حلف بعزة الله، فإن أراد عزة الله التي (هي) صفته ففيه الكفارة إن حنث، وإن أراد العزة التي جعلها الله بين العباد عزة فحنث فلا كفارة عليه ولا يجور رب القدرة، ولا رب العظمة لأنها صفات ذات غير مربوبة. هذا معنى قول محمد بن سحنون مشروحاً مبيناً. * * قوله: ﴿وَسَلاَمٌ عَلَىٰ ٱلْمُرْسَلِينَ﴾ أي: وأمنة من الله جل ذكره للمرسلين من فزع العذاب الأكبر. روى قتادة أن النبي ﷺ قال: "إِذَا سَلَّمْتُمْ عَلَيَّ فَسَلِّمُوا عَلَى المُرْسَلِينَ، فَإِنَّمَا أَنَا رَسُولٌ مِنَ المُرْسَلِينَ ثم قال: ﴿وَٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ﴾ أي: الحمد من جميع الخلق لله خالصاً، رب الثقلين: الإنس والجن. وروي عن النبي ﷺ أنه قال: "مَنْ قَالَ: ﴿وَٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ﴾ ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ ٱلْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ * وَسَلاَمٌ عَلَىٰ ٱلْمُرْسَلِينَ﴾ فَقَدِ اكْتَالَ بِالجَرِيبِ الأَوْفى يعني من الأجر والثواب. وروى الخدري عنه أنه كان يقولها في دبر صلاته.

الصافات 37:177

قوله (تعالى ذكره): ﴿أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ إلى آخر السورة. أي: أفبنزول عذابنا يستعجلون، وهذا قولهم للنبي ﷺ، متى هذا الوعد. * * ثم قال: ﴿فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْ﴾ أي: نزل بهم العذاب. والعرب تقول نزل بساحة فلان العذاب وبِعُقُوتِهِ إذا نزل به، والساحة فناء الدار. * * وقوله: ﴿فَسَآءَ صَبَاحُ ٱلْمُنْذَرِينَ﴾ أي فبئس الصباح صباح القوم الذين أُنْذِرُوا بأس الله فلم يتعظوا. قال السدي: "بساحتهم" بدارهم. قال أبو إسحاق: كان عذاب هؤلاء بالقتل. يعني (يوم) بدر. وقيل: الحين الأول: إلى حين ينصرك الله عليهم فيهلكهم بأيدي أصحابك، والحين الثاني: قيام الساعة بعذابهم في الآخرة. فهو قوله: "فإذا نزل بساحتهم فساء صباح المنذرين"، أي: إذا نزل العذاب بالسيف عليهم، ثم قال له بعد نزول السيف "فتول عنهم حتى حين" أي: إلى الوقت. * * ثم قال: ﴿وَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّىٰ حِينٍ﴾ أي: أعرض عنهم يا محمد حتى يأذن الله بهلاكهم يوم بدر. وقيل: بالموت. وقيل: في الآخرة. [ثم قال: ﴿وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ أي: أنظرهم وأخرهم فسوف يرون ما يحل بهم في الآخرة]. * * ثم قال: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ ٱلْعِزَّةِ﴾ أي: تنزيهاً وبراءة لربك يا محمد من السوء، ﴿رَبِّ ٱلْعِزَّةِ﴾ أي: رب القوة والبطش، عما يصفونه من اتخاذ الأولاد وشركهم وافترائهم على ربهم. وسئل محمد بن سحنون عن قوله تعالى: ﴿رَبِّ ٱلْعِزَّةِ﴾ - والعزة صفة من صفات ذاته تعالى كالقدرة والعلم، ولا يقال: رب القدرة ولا رب العلم - فقال: إن العزة تكون صفة فعل وصفة ذات نحو قوله: (فلله العزة) فهذه صفة ذات، ونحو قوله: "رَبِّ الْعِزَّة" فهذه صفة فعل، أي العزة التي يتعازز بها الخلق فيما بينهم الله خلقها. فرب العزة معناه: خالق العزة التي يتعزز بها الناس فيما بينهم. قال محمد بن سحنون: وجاء في التفسير أن العزة في قوله: "رب العزة": الملائكة، فصارت مربوبة، وكل ما كان مربوباً فهو فعل لله. فالعزة في هذا الموضع: الملائكة كما قال أهل العلم. قال محمد: وقال بعض علمائنا: من حلف بعزة الله، فإن أراد عزة الله التي (هي) صفته ففيه الكفارة إن حنث، وإن أراد العزة التي جعلها الله بين العباد عزة فحنث فلا كفارة عليه ولا يجور رب القدرة، ولا رب العظمة لأنها صفات ذات غير مربوبة. هذا معنى قول محمد بن سحنون مشروحاً مبيناً. * * قوله: ﴿وَسَلاَمٌ عَلَىٰ ٱلْمُرْسَلِينَ﴾ أي: وأمنة من الله جل ذكره للمرسلين من فزع العذاب الأكبر. روى قتادة أن النبي ﷺ قال: "إِذَا سَلَّمْتُمْ عَلَيَّ فَسَلِّمُوا عَلَى المُرْسَلِينَ، فَإِنَّمَا أَنَا رَسُولٌ مِنَ المُرْسَلِينَ ثم قال: ﴿وَٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ﴾ أي: الحمد من جميع الخلق لله خالصاً، رب الثقلين: الإنس والجن. وروي عن النبي ﷺ أنه قال: "مَنْ قَالَ: ﴿وَٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ﴾ ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ ٱلْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ * وَسَلاَمٌ عَلَىٰ ٱلْمُرْسَلِينَ﴾ فَقَدِ اكْتَالَ بِالجَرِيبِ الأَوْفى يعني من الأجر والثواب. وروى الخدري عنه أنه كان يقولها في دبر صلاته.

الصافات 37:178

قوله (تعالى ذكره): ﴿أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ إلى آخر السورة. أي: أفبنزول عذابنا يستعجلون، وهذا قولهم للنبي ﷺ، متى هذا الوعد. * * ثم قال: ﴿فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْ﴾ أي: نزل بهم العذاب. والعرب تقول نزل بساحة فلان العذاب وبِعُقُوتِهِ إذا نزل به، والساحة فناء الدار. * * وقوله: ﴿فَسَآءَ صَبَاحُ ٱلْمُنْذَرِينَ﴾ أي فبئس الصباح صباح القوم الذين أُنْذِرُوا بأس الله فلم يتعظوا. قال السدي: "بساحتهم" بدارهم. قال أبو إسحاق: كان عذاب هؤلاء بالقتل. يعني (يوم) بدر. وقيل: الحين الأول: إلى حين ينصرك الله عليهم فيهلكهم بأيدي أصحابك، والحين الثاني: قيام الساعة بعذابهم في الآخرة. فهو قوله: "فإذا نزل بساحتهم فساء صباح المنذرين"، أي: إذا نزل العذاب بالسيف عليهم، ثم قال له بعد نزول السيف "فتول عنهم حتى حين" أي: إلى الوقت. * * ثم قال: ﴿وَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّىٰ حِينٍ﴾ أي: أعرض عنهم يا محمد حتى يأذن الله بهلاكهم يوم بدر. وقيل: بالموت. وقيل: في الآخرة. [ثم قال: ﴿وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ أي: أنظرهم وأخرهم فسوف يرون ما يحل بهم في الآخرة]. * * ثم قال: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ ٱلْعِزَّةِ﴾ أي: تنزيهاً وبراءة لربك يا محمد من السوء، ﴿رَبِّ ٱلْعِزَّةِ﴾ أي: رب القوة والبطش، عما يصفونه من اتخاذ الأولاد وشركهم وافترائهم على ربهم. وسئل محمد بن سحنون عن قوله تعالى: ﴿رَبِّ ٱلْعِزَّةِ﴾ - والعزة صفة من صفات ذاته تعالى كالقدرة والعلم، ولا يقال: رب القدرة ولا رب العلم - فقال: إن العزة تكون صفة فعل وصفة ذات نحو قوله: (فلله العزة) فهذه صفة ذات، ونحو قوله: "رَبِّ الْعِزَّة" فهذه صفة فعل، أي العزة التي يتعازز بها الخلق فيما بينهم الله خلقها. فرب العزة معناه: خالق العزة التي يتعزز بها الناس فيما بينهم. قال محمد بن سحنون: وجاء في التفسير أن العزة في قوله: "رب العزة": الملائكة، فصارت مربوبة، وكل ما كان مربوباً فهو فعل لله. فالعزة في هذا الموضع: الملائكة كما قال أهل العلم. قال محمد: وقال بعض علمائنا: من حلف بعزة الله، فإن أراد عزة الله التي (هي) صفته ففيه الكفارة إن حنث، وإن أراد العزة التي جعلها الله بين العباد عزة فحنث فلا كفارة عليه ولا يجور رب القدرة، ولا رب العظمة لأنها صفات ذات غير مربوبة. هذا معنى قول محمد بن سحنون مشروحاً مبيناً. * * قوله: ﴿وَسَلاَمٌ عَلَىٰ ٱلْمُرْسَلِينَ﴾ أي: وأمنة من الله جل ذكره للمرسلين من فزع العذاب الأكبر. روى قتادة أن النبي ﷺ قال: "إِذَا سَلَّمْتُمْ عَلَيَّ فَسَلِّمُوا عَلَى المُرْسَلِينَ، فَإِنَّمَا أَنَا رَسُولٌ مِنَ المُرْسَلِينَ ثم قال: ﴿وَٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ﴾ أي: الحمد من جميع الخلق لله خالصاً، رب الثقلين: الإنس والجن. وروي عن النبي ﷺ أنه قال: "مَنْ قَالَ: ﴿وَٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ﴾ ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ ٱلْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ * وَسَلاَمٌ عَلَىٰ ٱلْمُرْسَلِينَ﴾ فَقَدِ اكْتَالَ بِالجَرِيبِ الأَوْفى يعني من الأجر والثواب. وروى الخدري عنه أنه كان يقولها في دبر صلاته.

الصافات 37:179

قوله (تعالى ذكره): ﴿أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ إلى آخر السورة. أي: أفبنزول عذابنا يستعجلون، وهذا قولهم للنبي ﷺ، متى هذا الوعد. * * ثم قال: ﴿فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْ﴾ أي: نزل بهم العذاب. والعرب تقول نزل بساحة فلان العذاب وبِعُقُوتِهِ إذا نزل به، والساحة فناء الدار. * * وقوله: ﴿فَسَآءَ صَبَاحُ ٱلْمُنْذَرِينَ﴾ أي فبئس الصباح صباح القوم الذين أُنْذِرُوا بأس الله فلم يتعظوا. قال السدي: "بساحتهم" بدارهم. قال أبو إسحاق: كان عذاب هؤلاء بالقتل. يعني (يوم) بدر. وقيل: الحين الأول: إلى حين ينصرك الله عليهم فيهلكهم بأيدي أصحابك، والحين الثاني: قيام الساعة بعذابهم في الآخرة. فهو قوله: "فإذا نزل بساحتهم فساء صباح المنذرين"، أي: إذا نزل العذاب بالسيف عليهم، ثم قال له بعد نزول السيف "فتول عنهم حتى حين" أي: إلى الوقت. * * ثم قال: ﴿وَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّىٰ حِينٍ﴾ أي: أعرض عنهم يا محمد حتى يأذن الله بهلاكهم يوم بدر. وقيل: بالموت. وقيل: في الآخرة. [ثم قال: ﴿وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ أي: أنظرهم وأخرهم فسوف يرون ما يحل بهم في الآخرة]. * * ثم قال: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ ٱلْعِزَّةِ﴾ أي: تنزيهاً وبراءة لربك يا محمد من السوء، ﴿رَبِّ ٱلْعِزَّةِ﴾ أي: رب القوة والبطش، عما يصفونه من اتخاذ الأولاد وشركهم وافترائهم على ربهم. وسئل محمد بن سحنون عن قوله تعالى: ﴿رَبِّ ٱلْعِزَّةِ﴾ - والعزة صفة من صفات ذاته تعالى كالقدرة والعلم، ولا يقال: رب القدرة ولا رب العلم - فقال: إن العزة تكون صفة فعل وصفة ذات نحو قوله: (فلله العزة) فهذه صفة ذات، ونحو قوله: "رَبِّ الْعِزَّة" فهذه صفة فعل، أي العزة التي يتعازز بها الخلق فيما بينهم الله خلقها. فرب العزة معناه: خالق العزة التي يتعزز بها الناس فيما بينهم. قال محمد بن سحنون: وجاء في التفسير أن العزة في قوله: "رب العزة": الملائكة، فصارت مربوبة، وكل ما كان مربوباً فهو فعل لله. فالعزة في هذا الموضع: الملائكة كما قال أهل العلم. قال محمد: وقال بعض علمائنا: من حلف بعزة الله، فإن أراد عزة الله التي (هي) صفته ففيه الكفارة إن حنث، وإن أراد العزة التي جعلها الله بين العباد عزة فحنث فلا كفارة عليه ولا يجور رب القدرة، ولا رب العظمة لأنها صفات ذات غير مربوبة. هذا معنى قول محمد بن سحنون مشروحاً مبيناً. * * قوله: ﴿وَسَلاَمٌ عَلَىٰ ٱلْمُرْسَلِينَ﴾ أي: وأمنة من الله جل ذكره للمرسلين من فزع العذاب الأكبر. روى قتادة أن النبي ﷺ قال: "إِذَا سَلَّمْتُمْ عَلَيَّ فَسَلِّمُوا عَلَى المُرْسَلِينَ، فَإِنَّمَا أَنَا رَسُولٌ مِنَ المُرْسَلِينَ ثم قال: ﴿وَٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ﴾ أي: الحمد من جميع الخلق لله خالصاً، رب الثقلين: الإنس والجن. وروي عن النبي ﷺ أنه قال: "مَنْ قَالَ: ﴿وَٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ﴾ ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ ٱلْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ * وَسَلاَمٌ عَلَىٰ ٱلْمُرْسَلِينَ﴾ فَقَدِ اكْتَالَ بِالجَرِيبِ الأَوْفى يعني من الأجر والثواب. وروى الخدري عنه أنه كان يقولها في دبر صلاته.

الصافات 37:180

قوله (تعالى ذكره): ﴿أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ إلى آخر السورة. أي: أفبنزول عذابنا يستعجلون، وهذا قولهم للنبي ﷺ، متى هذا الوعد. * * ثم قال: ﴿فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْ﴾ أي: نزل بهم العذاب. والعرب تقول نزل بساحة فلان العذاب وبِعُقُوتِهِ إذا نزل به، والساحة فناء الدار. * * وقوله: ﴿فَسَآءَ صَبَاحُ ٱلْمُنْذَرِينَ﴾ أي فبئس الصباح صباح القوم الذين أُنْذِرُوا بأس الله فلم يتعظوا. قال السدي: "بساحتهم" بدارهم. قال أبو إسحاق: كان عذاب هؤلاء بالقتل. يعني (يوم) بدر. وقيل: الحين الأول: إلى حين ينصرك الله عليهم فيهلكهم بأيدي أصحابك، والحين الثاني: قيام الساعة بعذابهم في الآخرة. فهو قوله: "فإذا نزل بساحتهم فساء صباح المنذرين"، أي: إذا نزل العذاب بالسيف عليهم، ثم قال له بعد نزول السيف "فتول عنهم حتى حين" أي: إلى الوقت. * * ثم قال: ﴿وَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّىٰ حِينٍ﴾ أي: أعرض عنهم يا محمد حتى يأذن الله بهلاكهم يوم بدر. وقيل: بالموت. وقيل: في الآخرة. [ثم قال: ﴿وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ أي: أنظرهم وأخرهم فسوف يرون ما يحل بهم في الآخرة]. * * ثم قال: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ ٱلْعِزَّةِ﴾ أي: تنزيهاً وبراءة لربك يا محمد من السوء، ﴿رَبِّ ٱلْعِزَّةِ﴾ أي: رب القوة والبطش، عما يصفونه من اتخاذ الأولاد وشركهم وافترائهم على ربهم. وسئل محمد بن سحنون عن قوله تعالى: ﴿رَبِّ ٱلْعِزَّةِ﴾ - والعزة صفة من صفات ذاته تعالى كالقدرة والعلم، ولا يقال: رب القدرة ولا رب العلم - فقال: إن العزة تكون صفة فعل وصفة ذات نحو قوله: (فلله العزة) فهذه صفة ذات، ونحو قوله: "رَبِّ الْعِزَّة" فهذه صفة فعل، أي العزة التي يتعازز بها الخلق فيما بينهم الله خلقها. فرب العزة معناه: خالق العزة التي يتعزز بها الناس فيما بينهم. قال محمد بن سحنون: وجاء في التفسير أن العزة في قوله: "رب العزة": الملائكة، فصارت مربوبة، وكل ما كان مربوباً فهو فعل لله. فالعزة في هذا الموضع: الملائكة كما قال أهل العلم. قال محمد: وقال بعض علمائنا: من حلف بعزة الله، فإن أراد عزة الله التي (هي) صفته ففيه الكفارة إن حنث، وإن أراد العزة التي جعلها الله بين العباد عزة فحنث فلا كفارة عليه ولا يجور رب القدرة، ولا رب العظمة لأنها صفات ذات غير مربوبة. هذا معنى قول محمد بن سحنون مشروحاً مبيناً. * * قوله: ﴿وَسَلاَمٌ عَلَىٰ ٱلْمُرْسَلِينَ﴾ أي: وأمنة من الله جل ذكره للمرسلين من فزع العذاب الأكبر. روى قتادة أن النبي ﷺ قال: "إِذَا سَلَّمْتُمْ عَلَيَّ فَسَلِّمُوا عَلَى المُرْسَلِينَ، فَإِنَّمَا أَنَا رَسُولٌ مِنَ المُرْسَلِينَ ثم قال: ﴿وَٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ﴾ أي: الحمد من جميع الخلق لله خالصاً، رب الثقلين: الإنس والجن. وروي عن النبي ﷺ أنه قال: "مَنْ قَالَ: ﴿وَٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ﴾ ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ ٱلْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ * وَسَلاَمٌ عَلَىٰ ٱلْمُرْسَلِينَ﴾ فَقَدِ اكْتَالَ بِالجَرِيبِ الأَوْفى يعني من الأجر والثواب. وروى الخدري عنه أنه كان يقولها في دبر صلاته.

الصافات 37:181

قوله (تعالى ذكره): ﴿أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ إلى آخر السورة. أي: أفبنزول عذابنا يستعجلون، وهذا قولهم للنبي ﷺ، متى هذا الوعد. * * ثم قال: ﴿فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْ﴾ أي: نزل بهم العذاب. والعرب تقول نزل بساحة فلان العذاب وبِعُقُوتِهِ إذا نزل به، والساحة فناء الدار. * * وقوله: ﴿فَسَآءَ صَبَاحُ ٱلْمُنْذَرِينَ﴾ أي فبئس الصباح صباح القوم الذين أُنْذِرُوا بأس الله فلم يتعظوا. قال السدي: "بساحتهم" بدارهم. قال أبو إسحاق: كان عذاب هؤلاء بالقتل. يعني (يوم) بدر. وقيل: الحين الأول: إلى حين ينصرك الله عليهم فيهلكهم بأيدي أصحابك، والحين الثاني: قيام الساعة بعذابهم في الآخرة. فهو قوله: "فإذا نزل بساحتهم فساء صباح المنذرين"، أي: إذا نزل العذاب بالسيف عليهم، ثم قال له بعد نزول السيف "فتول عنهم حتى حين" أي: إلى الوقت. * * ثم قال: ﴿وَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّىٰ حِينٍ﴾ أي: أعرض عنهم يا محمد حتى يأذن الله بهلاكهم يوم بدر. وقيل: بالموت. وقيل: في الآخرة. [ثم قال: ﴿وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ أي: أنظرهم وأخرهم فسوف يرون ما يحل بهم في الآخرة]. * * ثم قال: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ ٱلْعِزَّةِ﴾ أي: تنزيهاً وبراءة لربك يا محمد من السوء، ﴿رَبِّ ٱلْعِزَّةِ﴾ أي: رب القوة والبطش، عما يصفونه من اتخاذ الأولاد وشركهم وافترائهم على ربهم. وسئل محمد بن سحنون عن قوله تعالى: ﴿رَبِّ ٱلْعِزَّةِ﴾ - والعزة صفة من صفات ذاته تعالى كالقدرة والعلم، ولا يقال: رب القدرة ولا رب العلم - فقال: إن العزة تكون صفة فعل وصفة ذات نحو قوله: (فلله العزة) فهذه صفة ذات، ونحو قوله: "رَبِّ الْعِزَّة" فهذه صفة فعل، أي العزة التي يتعازز بها الخلق فيما بينهم الله خلقها. فرب العزة معناه: خالق العزة التي يتعزز بها الناس فيما بينهم. قال محمد بن سحنون: وجاء في التفسير أن العزة في قوله: "رب العزة": الملائكة، فصارت مربوبة، وكل ما كان مربوباً فهو فعل لله. فالعزة في هذا الموضع: الملائكة كما قال أهل العلم. قال محمد: وقال بعض علمائنا: من حلف بعزة الله، فإن أراد عزة الله التي (هي) صفته ففيه الكفارة إن حنث، وإن أراد العزة التي جعلها الله بين العباد عزة فحنث فلا كفارة عليه ولا يجور رب القدرة، ولا رب العظمة لأنها صفات ذات غير مربوبة. هذا معنى قول محمد بن سحنون مشروحاً مبيناً. * * قوله: ﴿وَسَلاَمٌ عَلَىٰ ٱلْمُرْسَلِينَ﴾ أي: وأمنة من الله جل ذكره للمرسلين من فزع العذاب الأكبر. روى قتادة أن النبي ﷺ قال: "إِذَا سَلَّمْتُمْ عَلَيَّ فَسَلِّمُوا عَلَى المُرْسَلِينَ، فَإِنَّمَا أَنَا رَسُولٌ مِنَ المُرْسَلِينَ ثم قال: ﴿وَٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ﴾ أي: الحمد من جميع الخلق لله خالصاً، رب الثقلين: الإنس والجن. وروي عن النبي ﷺ أنه قال: "مَنْ قَالَ: ﴿وَٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ﴾ ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ ٱلْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ * وَسَلاَمٌ عَلَىٰ ٱلْمُرْسَلِينَ﴾ فَقَدِ اكْتَالَ بِالجَرِيبِ الأَوْفى يعني من الأجر والثواب. وروى الخدري عنه أنه كان يقولها في دبر صلاته.

الصافات 37:182

قوله (تعالى ذكره): ﴿أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ إلى آخر السورة. أي: أفبنزول عذابنا يستعجلون، وهذا قولهم للنبي ﷺ، متى هذا الوعد. * * ثم قال: ﴿فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْ﴾ أي: نزل بهم العذاب. والعرب تقول نزل بساحة فلان العذاب وبِعُقُوتِهِ إذا نزل به، والساحة فناء الدار. * * وقوله: ﴿فَسَآءَ صَبَاحُ ٱلْمُنْذَرِينَ﴾ أي فبئس الصباح صباح القوم الذين أُنْذِرُوا بأس الله فلم يتعظوا. قال السدي: "بساحتهم" بدارهم. قال أبو إسحاق: كان عذاب هؤلاء بالقتل. يعني (يوم) بدر. وقيل: الحين الأول: إلى حين ينصرك الله عليهم فيهلكهم بأيدي أصحابك، والحين الثاني: قيام الساعة بعذابهم في الآخرة. فهو قوله: "فإذا نزل بساحتهم فساء صباح المنذرين"، أي: إذا نزل العذاب بالسيف عليهم، ثم قال له بعد نزول السيف "فتول عنهم حتى حين" أي: إلى الوقت. * * ثم قال: ﴿وَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّىٰ حِينٍ﴾ أي: أعرض عنهم يا محمد حتى يأذن الله بهلاكهم يوم بدر. وقيل: بالموت. وقيل: في الآخرة. [ثم قال: ﴿وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ أي: أنظرهم وأخرهم فسوف يرون ما يحل بهم في الآخرة]. * * ثم قال: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ ٱلْعِزَّةِ﴾ أي: تنزيهاً وبراءة لربك يا محمد من السوء، ﴿رَبِّ ٱلْعِزَّةِ﴾ أي: رب القوة والبطش، عما يصفونه من اتخاذ الأولاد وشركهم وافترائهم على ربهم. وسئل محمد بن سحنون عن قوله تعالى: ﴿رَبِّ ٱلْعِزَّةِ﴾ - والعزة صفة من صفات ذاته تعالى كالقدرة والعلم، ولا يقال: رب القدرة ولا رب العلم - فقال: إن العزة تكون صفة فعل وصفة ذات نحو قوله: (فلله العزة) فهذه صفة ذات، ونحو قوله: "رَبِّ الْعِزَّة" فهذه صفة فعل، أي العزة التي يتعازز بها الخلق فيما بينهم الله خلقها. فرب العزة معناه: خالق العزة التي يتعزز بها الناس فيما بينهم. قال محمد بن سحنون: وجاء في التفسير أن العزة في قوله: "رب العزة": الملائكة، فصارت مربوبة، وكل ما كان مربوباً فهو فعل لله. فالعزة في هذا الموضع: الملائكة كما قال أهل العلم. قال محمد: وقال بعض علمائنا: من حلف بعزة الله، فإن أراد عزة الله التي (هي) صفته ففيه الكفارة إن حنث، وإن أراد العزة التي جعلها الله بين العباد عزة فحنث فلا كفارة عليه ولا يجور رب القدرة، ولا رب العظمة لأنها صفات ذات غير مربوبة. هذا معنى قول محمد بن سحنون مشروحاً مبيناً. * * قوله: ﴿وَسَلاَمٌ عَلَىٰ ٱلْمُرْسَلِينَ﴾ أي: وأمنة من الله جل ذكره للمرسلين من فزع العذاب الأكبر. روى قتادة أن النبي ﷺ قال: "إِذَا سَلَّمْتُمْ عَلَيَّ فَسَلِّمُوا عَلَى المُرْسَلِينَ، فَإِنَّمَا أَنَا رَسُولٌ مِنَ المُرْسَلِينَ ثم قال: ﴿وَٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ﴾ أي: الحمد من جميع الخلق لله خالصاً، رب الثقلين: الإنس والجن. وروي عن النبي ﷺ أنه قال: "مَنْ قَالَ: ﴿وَٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ﴾ ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ ٱلْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ * وَسَلاَمٌ عَلَىٰ ٱلْمُرْسَلِينَ﴾ فَقَدِ اكْتَالَ بِالجَرِيبِ الأَوْفى يعني من الأجر والثواب. وروى الخدري عنه أنه كان يقولها في دبر صلاته.

ص 38:1

قوله تعالى ذكره: ﴿صۤ وَٱلْقُرْآنِ ذِي ٱلذِّكْرِ﴾ - إلى قوله - ﴿إِنَّ هَـٰذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾. روي أن ابن المسيب كان لا يدع كل ليلة قراءة صاد. وسئل ولده عن ذلك فقال: بلغني: أنه ما من عبد يقرأها كل ليلة إلا اهتز العرش لها. وقرأ الحسن بكسر الدال لالتقاء الساكنين على نية الوصل. وقيل: هو فعل للأمر من صادى يصادي إذا عارض، ومنه" ﴿فَأَنتَ لَهُ تَصَدَّىٰ﴾ [عبس: ٦] والمعنى: صاد القرآن بعملك، أي: قابله به. وقد روي هذا التفسير عن الحسن أنه فسّر قراءته به. وقرأ عيسى بن عمر بفتح الدال على معنى: اتل صاد. فنصب بالإغراء ولم ينصرف لأنه اسم للسورة. وكل مؤنث سميته بمذكر - قلّت حروفه أو كثرت - لا ينصرف. ويجوز أن يكون فُتح لالتقاء الساكنين على نية الوصل، واختار الفتح للإتباع. ويجوز أن يكون منصوباً على القسم، إذ قد حذف حرف الجر، كما تقول: الله لأفعلن. وقرأ ابن أبي إسحاق بالخفض والتنوين على إضمار حرف القسم، وإعماله على مذهب سيبويه. وقيل: إنه كسر لالتقاء الساكنين، وشبهه بما لا يتمكن من الأصوات فَنَوَّنَهُ. قال ابن عباس: صَ قسم أقسم الله جلّ ذكره به، وهو من أسماء الله عز وجل. فعلى هذا القول يكون، والقرآن عطف على صاد، أي: اقسم بصاد، وبالقرآن. وقال قتادة: هو اسم من أسماء القرآن أقسم به. وقال الضحاك: صاد: "صدق الله سبحانه". وعن ابن عباس أيضاً: صاد صدق محمد ﷺ والقرآن ذي الذكر. فتكون صاد: جواب القسم قبله، أقسم الله جل ذكره أن الذي جاء به محمد ﷺ صدق من عنده. * * وقوله: ﴿ذِي ٱلذِّكْرِ﴾، أي: "ذي الشرف" قاله ابن عباس وابن جبير والسدي. (وقيل معناه: ذي التذكير لكم. وهو اختيار الطبري). وقيل معناه: ذكركم الله فيه، مثل قوله: "فيه ذكرهم". وقيل: ذي الذكر: فيه ذكر الأمم وغيرها. * * ثم قال تعالى: ﴿بَلِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ﴾، أي: في تكبر وامتناع عن قبول الحق، مثل قوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ ٱتَّقِ ٱللَّهَ أَخَذَتْهُ ٱلْعِزَّةُ بِٱلإِثْمِ﴾ [البقرة: ٢٠٦]. ومعنى: "وشقاق": ومخالفة، كأنهم في شق والمسلمون في شق. وجواب القسم: "بل الذين كفروا"، قاله قتادة. فعلى هذا القول يكون: والقرآن عطف على صاد، أي: اقسم بصاد وبالقرآن وقال قتادة: هو اسم من اسماء القرآن اقسم به وقال الضحاك: صاد صدق الله سبحانه. عن ابن عباس أيضاً: صاد صدق محمد ﷺ والقرآن ذي الذكر فتكون صاد جواب القسم قبله، أقسم الله جل ذكره أن الذي جاء به محمد ﷺ صدق من عنده. صدق الله والقرآن، وهو قول الضحاك. وقيل: الجواب محذوف، والتقدير: صاد والقرآن ذي الذكر، ما الأمر كما يقول هؤلاء الكفار، ودل عليه قوله: ﴿بَلِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ﴾. وهذا اختيار الطبري وهو مستخرج من قول قتادة. * * ثم قال: ﴿كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ﴾، أي كثير من القرون أهلكنا قبل هؤلاء المشركين الذين كذبوا رسلهم. ﴿فَنَادَواْ﴾، أي: فضجوا إلى ربهم وَعَجُّوا واستغاثوا بالتوبة حين نزل بهم العذاب. ﴿وَّلاَتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾، أي: وليس ذلك الوقت حين فرار ولا هرب من العذاب بالتوبة لأنه أوان لا تنفع فيه التوبة. "ولات" حرف مشبه بليس، والاسم في الجملة مضمر. (أي: ليس) حينكم حين مناص. هذا مذهب سيبويه. والتاء دخلت لتأنيث الكلمة، وحكُي أن من العرب من يرفع بها. وهو قليل على حذف الخبر. والوقف عليها عند سيبويه والفراء وابن كيسان وأبي إسحاق بالتاء لشبهها بليس، ولأنها كذلك في المصاحف، وهو مذهب الفراء. والوقف عليها عند الكسائي والمبرد بالهاء كرُبَّه وثَمه. ومناص: مَفْعَلٌ من ناص ينصوص إذا تأخر. فالنوص التأخر، والبوص التقدم. ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَعَجِبُوۤاْ أَن جَآءَهُم مٌّنذِرٌ مِّنْهُمْ﴾، أي: عجب مشركو قريش أن جاءهم منذر منهم ينذرهم بأس الله على كفرهم ولم يأتهم ملكه. * * ثم قال: ﴿وَقَالَ ٱلْكَافِرُونَ﴾، أي: المنكرون توحيد الله عز وجل ﴿هَـٰذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ﴾. "هذا" إشارة إلى النبي ﷺ. ثم قال تعالى عنهم: إنهم قالوا: ﴿أَجَعَلَ ٱلآلِهَةَ إِلَـٰهاً وَاحِداً﴾ أي: أجعل محمد المعبود معبوداً واحداً؟! ﴿إِنَّ هَـٰذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾، أي: عجيب. قال قتادة: عجب المشركون أن دُعُوا إلى الله وحده وقالوا: يسمع لحاجاتنا جميعاً إله واحد، ما سمعنا بهذا (في الملة الآخرة). رُوي أن النبي ﷺ قال للمشركين: أسألكم أن تجيبوني إلى واحدة تدين بها لكم العرب، وتعطيكم بها الخرج العجم. فقالو: ما هي؟! قال: تقولون لاَ إله إلا الله. فعند ذلك قالو: أجعل الآلهة إلها واحداً، تعجباً من ذلك وذكر ابن عباس أنه "لما مرض أبو طالب دخل عليه رهط من قريش فيهم أبو جهل، فقالوا إنّ ابن أخيك يشتم آلهتنا ويفعل ويفعل، ويقول ويقول، فلو بعثت إليه فنهيته. فبعث إليه فجاء النبي ﷺ فدخل البيت وبينهم وبين أبي طالب قدر مجلس رجل، فخشي أبو جهل إن جلس إلى جنب أبي طالب أن يكون أرق له عليه، فوثب فجلس إلى جنب أبي طالب. فلم يجد رسول الله ﷺ مجلساً قرب عمّه فجلس عند الباب فقال له أبو طالب. أي ابن أخي، ما بال قومك يشكونك ويزعمون أنك تشتم آلهتهم وتقول وتقول. قال: فأكثروا عليه القول. وتكلم رسول الله ﷺ فقال: يا عمّي إني أريدهم على كلمة واحدة يقولونها تدين لهم بها العرب، وتؤدي إليهم بها العجم الجزية. ففزعوا لكلمته ولقوله. وقال القوم كلمة واحدة: نعم، وأبيك عشراً، قالوا: فما هي؟! قال أبو طالب: أيُّ كلمة هي يا ابن أخي؟ قال: لا إله إلا الله. قال: فقاموا فزعين ينفضون ثيابهم وهم يقولون: ﴿أَجَعَلَ ٱلآلِهَةَ إِلَـٰهاً وَاحِداً إِنَّ هَـٰذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾. فنزلت هذه الآية إلى قوله: ﴿لَّمَّا يَذُوقُواْ عَذَابِ﴾ [ص: ٨]. وفرّق الخليل بين العَجيب والعُجاب، فالعجيب، العَجَب، والعُجاب: الذي قد تجاوز حد العَجَب، وكذلك عنده الطَّويل الذي فيه طول، والطُّوال الذي قد تجاوز حد الطول. وقيل: هما بمعنى، يقول: طَويل وطُوال، وجَسيم وجُسام، وخَفيف وخُفاف، وسَريع وسُراع، ورَقيق ورُقاق، بمعنى.

ص 38:2

قوله تعالى ذكره: ﴿صۤ وَٱلْقُرْآنِ ذِي ٱلذِّكْرِ﴾ - إلى قوله - ﴿إِنَّ هَـٰذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾. روي أن ابن المسيب كان لا يدع كل ليلة قراءة صاد. وسئل ولده عن ذلك فقال: بلغني: أنه ما من عبد يقرأها كل ليلة إلا اهتز العرش لها. وقرأ الحسن بكسر الدال لالتقاء الساكنين على نية الوصل. وقيل: هو فعل للأمر من صادى يصادي إذا عارض، ومنه" ﴿فَأَنتَ لَهُ تَصَدَّىٰ﴾ [عبس: ٦] والمعنى: صاد القرآن بعملك، أي: قابله به. وقد روي هذا التفسير عن الحسن أنه فسّر قراءته به. وقرأ عيسى بن عمر بفتح الدال على معنى: اتل صاد. فنصب بالإغراء ولم ينصرف لأنه اسم للسورة. وكل مؤنث سميته بمذكر - قلّت حروفه أو كثرت - لا ينصرف. ويجوز أن يكون فُتح لالتقاء الساكنين على نية الوصل، واختار الفتح للإتباع. ويجوز أن يكون منصوباً على القسم، إذ قد حذف حرف الجر، كما تقول: الله لأفعلن. وقرأ ابن أبي إسحاق بالخفض والتنوين على إضمار حرف القسم، وإعماله على مذهب سيبويه. وقيل: إنه كسر لالتقاء الساكنين، وشبهه بما لا يتمكن من الأصوات فَنَوَّنَهُ. قال ابن عباس: صَ قسم أقسم الله جلّ ذكره به، وهو من أسماء الله عز وجل. فعلى هذا القول يكون، والقرآن عطف على صاد، أي: اقسم بصاد، وبالقرآن. وقال قتادة: هو اسم من أسماء القرآن أقسم به. وقال الضحاك: صاد: "صدق الله سبحانه". وعن ابن عباس أيضاً: صاد صدق محمد ﷺ والقرآن ذي الذكر. فتكون صاد: جواب القسم قبله، أقسم الله جل ذكره أن الذي جاء به محمد ﷺ صدق من عنده. * * وقوله: ﴿ذِي ٱلذِّكْرِ﴾، أي: "ذي الشرف" قاله ابن عباس وابن جبير والسدي. (وقيل معناه: ذي التذكير لكم. وهو اختيار الطبري). وقيل معناه: ذكركم الله فيه، مثل قوله: "فيه ذكرهم". وقيل: ذي الذكر: فيه ذكر الأمم وغيرها. * * ثم قال تعالى: ﴿بَلِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ﴾، أي: في تكبر وامتناع عن قبول الحق، مثل قوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ ٱتَّقِ ٱللَّهَ أَخَذَتْهُ ٱلْعِزَّةُ بِٱلإِثْمِ﴾ [البقرة: ٢٠٦]. ومعنى: "وشقاق": ومخالفة، كأنهم في شق والمسلمون في شق. وجواب القسم: "بل الذين كفروا"، قاله قتادة. فعلى هذا القول يكون: والقرآن عطف على صاد، أي: اقسم بصاد وبالقرآن وقال قتادة: هو اسم من اسماء القرآن اقسم به وقال الضحاك: صاد صدق الله سبحانه. عن ابن عباس أيضاً: صاد صدق محمد ﷺ والقرآن ذي الذكر فتكون صاد جواب القسم قبله، أقسم الله جل ذكره أن الذي جاء به محمد ﷺ صدق من عنده. صدق الله والقرآن، وهو قول الضحاك. وقيل: الجواب محذوف، والتقدير: صاد والقرآن ذي الذكر، ما الأمر كما يقول هؤلاء الكفار، ودل عليه قوله: ﴿بَلِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ﴾. وهذا اختيار الطبري وهو مستخرج من قول قتادة. * * ثم قال: ﴿كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ﴾، أي كثير من القرون أهلكنا قبل هؤلاء المشركين الذين كذبوا رسلهم. ﴿فَنَادَواْ﴾، أي: فضجوا إلى ربهم وَعَجُّوا واستغاثوا بالتوبة حين نزل بهم العذاب. ﴿وَّلاَتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾، أي: وليس ذلك الوقت حين فرار ولا هرب من العذاب بالتوبة لأنه أوان لا تنفع فيه التوبة. "ولات" حرف مشبه بليس، والاسم في الجملة مضمر. (أي: ليس) حينكم حين مناص. هذا مذهب سيبويه. والتاء دخلت لتأنيث الكلمة، وحكُي أن من العرب من يرفع بها. وهو قليل على حذف الخبر. والوقف عليها عند سيبويه والفراء وابن كيسان وأبي إسحاق بالتاء لشبهها بليس، ولأنها كذلك في المصاحف، وهو مذهب الفراء. والوقف عليها عند الكسائي والمبرد بالهاء كرُبَّه وثَمه. ومناص: مَفْعَلٌ من ناص ينصوص إذا تأخر. فالنوص التأخر، والبوص التقدم. ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَعَجِبُوۤاْ أَن جَآءَهُم مٌّنذِرٌ مِّنْهُمْ﴾، أي: عجب مشركو قريش أن جاءهم منذر منهم ينذرهم بأس الله على كفرهم ولم يأتهم ملكه. * * ثم قال: ﴿وَقَالَ ٱلْكَافِرُونَ﴾، أي: المنكرون توحيد الله عز وجل ﴿هَـٰذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ﴾. "هذا" إشارة إلى النبي ﷺ. ثم قال تعالى عنهم: إنهم قالوا: ﴿أَجَعَلَ ٱلآلِهَةَ إِلَـٰهاً وَاحِداً﴾ أي: أجعل محمد المعبود معبوداً واحداً؟! ﴿إِنَّ هَـٰذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾، أي: عجيب. قال قتادة: عجب المشركون أن دُعُوا إلى الله وحده وقالوا: يسمع لحاجاتنا جميعاً إله واحد، ما سمعنا بهذا (في الملة الآخرة). رُوي أن النبي ﷺ قال للمشركين: أسألكم أن تجيبوني إلى واحدة تدين بها لكم العرب، وتعطيكم بها الخرج العجم. فقالو: ما هي؟! قال: تقولون لاَ إله إلا الله. فعند ذلك قالو: أجعل الآلهة إلها واحداً، تعجباً من ذلك وذكر ابن عباس أنه "لما مرض أبو طالب دخل عليه رهط من قريش فيهم أبو جهل، فقالوا إنّ ابن أخيك يشتم آلهتنا ويفعل ويفعل، ويقول ويقول، فلو بعثت إليه فنهيته. فبعث إليه فجاء النبي ﷺ فدخل البيت وبينهم وبين أبي طالب قدر مجلس رجل، فخشي أبو جهل إن جلس إلى جنب أبي طالب أن يكون أرق له عليه، فوثب فجلس إلى جنب أبي طالب. فلم يجد رسول الله ﷺ مجلساً قرب عمّه فجلس عند الباب فقال له أبو طالب. أي ابن أخي، ما بال قومك يشكونك ويزعمون أنك تشتم آلهتهم وتقول وتقول. قال: فأكثروا عليه القول. وتكلم رسول الله ﷺ فقال: يا عمّي إني أريدهم على كلمة واحدة يقولونها تدين لهم بها العرب، وتؤدي إليهم بها العجم الجزية. ففزعوا لكلمته ولقوله. وقال القوم كلمة واحدة: نعم، وأبيك عشراً، قالوا: فما هي؟! قال أبو طالب: أيُّ كلمة هي يا ابن أخي؟ قال: لا إله إلا الله. قال: فقاموا فزعين ينفضون ثيابهم وهم يقولون: ﴿أَجَعَلَ ٱلآلِهَةَ إِلَـٰهاً وَاحِداً إِنَّ هَـٰذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾. فنزلت هذه الآية إلى قوله: ﴿لَّمَّا يَذُوقُواْ عَذَابِ﴾ [ص: ٨]. وفرّق الخليل بين العَجيب والعُجاب، فالعجيب، العَجَب، والعُجاب: الذي قد تجاوز حد العَجَب، وكذلك عنده الطَّويل الذي فيه طول، والطُّوال الذي قد تجاوز حد الطول. وقيل: هما بمعنى، يقول: طَويل وطُوال، وجَسيم وجُسام، وخَفيف وخُفاف، وسَريع وسُراع، ورَقيق ورُقاق، بمعنى.

ص 38:3

قوله تعالى ذكره: ﴿صۤ وَٱلْقُرْآنِ ذِي ٱلذِّكْرِ﴾ - إلى قوله - ﴿إِنَّ هَـٰذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾. روي أن ابن المسيب كان لا يدع كل ليلة قراءة صاد. وسئل ولده عن ذلك فقال: بلغني: أنه ما من عبد يقرأها كل ليلة إلا اهتز العرش لها. وقرأ الحسن بكسر الدال لالتقاء الساكنين على نية الوصل. وقيل: هو فعل للأمر من صادى يصادي إذا عارض، ومنه" ﴿فَأَنتَ لَهُ تَصَدَّىٰ﴾ [عبس: ٦] والمعنى: صاد القرآن بعملك، أي: قابله به. وقد روي هذا التفسير عن الحسن أنه فسّر قراءته به. وقرأ عيسى بن عمر بفتح الدال على معنى: اتل صاد. فنصب بالإغراء ولم ينصرف لأنه اسم للسورة. وكل مؤنث سميته بمذكر - قلّت حروفه أو كثرت - لا ينصرف. ويجوز أن يكون فُتح لالتقاء الساكنين على نية الوصل، واختار الفتح للإتباع. ويجوز أن يكون منصوباً على القسم، إذ قد حذف حرف الجر، كما تقول: الله لأفعلن. وقرأ ابن أبي إسحاق بالخفض والتنوين على إضمار حرف القسم، وإعماله على مذهب سيبويه. وقيل: إنه كسر لالتقاء الساكنين، وشبهه بما لا يتمكن من الأصوات فَنَوَّنَهُ. قال ابن عباس: صَ قسم أقسم الله جلّ ذكره به، وهو من أسماء الله عز وجل. فعلى هذا القول يكون، والقرآن عطف على صاد، أي: اقسم بصاد، وبالقرآن. وقال قتادة: هو اسم من أسماء القرآن أقسم به. وقال الضحاك: صاد: "صدق الله سبحانه". وعن ابن عباس أيضاً: صاد صدق محمد ﷺ والقرآن ذي الذكر. فتكون صاد: جواب القسم قبله، أقسم الله جل ذكره أن الذي جاء به محمد ﷺ صدق من عنده. * * وقوله: ﴿ذِي ٱلذِّكْرِ﴾، أي: "ذي الشرف" قاله ابن عباس وابن جبير والسدي. (وقيل معناه: ذي التذكير لكم. وهو اختيار الطبري). وقيل معناه: ذكركم الله فيه، مثل قوله: "فيه ذكرهم". وقيل: ذي الذكر: فيه ذكر الأمم وغيرها. * * ثم قال تعالى: ﴿بَلِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ﴾، أي: في تكبر وامتناع عن قبول الحق، مثل قوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ ٱتَّقِ ٱللَّهَ أَخَذَتْهُ ٱلْعِزَّةُ بِٱلإِثْمِ﴾ [البقرة: ٢٠٦]. ومعنى: "وشقاق": ومخالفة، كأنهم في شق والمسلمون في شق. وجواب القسم: "بل الذين كفروا"، قاله قتادة. فعلى هذا القول يكون: والقرآن عطف على صاد، أي: اقسم بصاد وبالقرآن وقال قتادة: هو اسم من اسماء القرآن اقسم به وقال الضحاك: صاد صدق الله سبحانه. عن ابن عباس أيضاً: صاد صدق محمد ﷺ والقرآن ذي الذكر فتكون صاد جواب القسم قبله، أقسم الله جل ذكره أن الذي جاء به محمد ﷺ صدق من عنده. صدق الله والقرآن، وهو قول الضحاك. وقيل: الجواب محذوف، والتقدير: صاد والقرآن ذي الذكر، ما الأمر كما يقول هؤلاء الكفار، ودل عليه قوله: ﴿بَلِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ﴾. وهذا اختيار الطبري وهو مستخرج من قول قتادة. * * ثم قال: ﴿كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ﴾، أي كثير من القرون أهلكنا قبل هؤلاء المشركين الذين كذبوا رسلهم. ﴿فَنَادَواْ﴾، أي: فضجوا إلى ربهم وَعَجُّوا واستغاثوا بالتوبة حين نزل بهم العذاب. ﴿وَّلاَتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾، أي: وليس ذلك الوقت حين فرار ولا هرب من العذاب بالتوبة لأنه أوان لا تنفع فيه التوبة. "ولات" حرف مشبه بليس، والاسم في الجملة مضمر. (أي: ليس) حينكم حين مناص. هذا مذهب سيبويه. والتاء دخلت لتأنيث الكلمة، وحكُي أن من العرب من يرفع بها. وهو قليل على حذف الخبر. والوقف عليها عند سيبويه والفراء وابن كيسان وأبي إسحاق بالتاء لشبهها بليس، ولأنها كذلك في المصاحف، وهو مذهب الفراء. والوقف عليها عند الكسائي والمبرد بالهاء كرُبَّه وثَمه. ومناص: مَفْعَلٌ من ناص ينصوص إذا تأخر. فالنوص التأخر، والبوص التقدم. ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَعَجِبُوۤاْ أَن جَآءَهُم مٌّنذِرٌ مِّنْهُمْ﴾، أي: عجب مشركو قريش أن جاءهم منذر منهم ينذرهم بأس الله على كفرهم ولم يأتهم ملكه. * * ثم قال: ﴿وَقَالَ ٱلْكَافِرُونَ﴾، أي: المنكرون توحيد الله عز وجل ﴿هَـٰذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ﴾. "هذا" إشارة إلى النبي ﷺ. ثم قال تعالى عنهم: إنهم قالوا: ﴿أَجَعَلَ ٱلآلِهَةَ إِلَـٰهاً وَاحِداً﴾ أي: أجعل محمد المعبود معبوداً واحداً؟! ﴿إِنَّ هَـٰذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾، أي: عجيب. قال قتادة: عجب المشركون أن دُعُوا إلى الله وحده وقالوا: يسمع لحاجاتنا جميعاً إله واحد، ما سمعنا بهذا (في الملة الآخرة). رُوي أن النبي ﷺ قال للمشركين: أسألكم أن تجيبوني إلى واحدة تدين بها لكم العرب، وتعطيكم بها الخرج العجم. فقالو: ما هي؟! قال: تقولون لاَ إله إلا الله. فعند ذلك قالو: أجعل الآلهة إلها واحداً، تعجباً من ذلك وذكر ابن عباس أنه "لما مرض أبو طالب دخل عليه رهط من قريش فيهم أبو جهل، فقالوا إنّ ابن أخيك يشتم آلهتنا ويفعل ويفعل، ويقول ويقول، فلو بعثت إليه فنهيته. فبعث إليه فجاء النبي ﷺ فدخل البيت وبينهم وبين أبي طالب قدر مجلس رجل، فخشي أبو جهل إن جلس إلى جنب أبي طالب أن يكون أرق له عليه، فوثب فجلس إلى جنب أبي طالب. فلم يجد رسول الله ﷺ مجلساً قرب عمّه فجلس عند الباب فقال له أبو طالب. أي ابن أخي، ما بال قومك يشكونك ويزعمون أنك تشتم آلهتهم وتقول وتقول. قال: فأكثروا عليه القول. وتكلم رسول الله ﷺ فقال: يا عمّي إني أريدهم على كلمة واحدة يقولونها تدين لهم بها العرب، وتؤدي إليهم بها العجم الجزية. ففزعوا لكلمته ولقوله. وقال القوم كلمة واحدة: نعم، وأبيك عشراً، قالوا: فما هي؟! قال أبو طالب: أيُّ كلمة هي يا ابن أخي؟ قال: لا إله إلا الله. قال: فقاموا فزعين ينفضون ثيابهم وهم يقولون: ﴿أَجَعَلَ ٱلآلِهَةَ إِلَـٰهاً وَاحِداً إِنَّ هَـٰذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾. فنزلت هذه الآية إلى قوله: ﴿لَّمَّا يَذُوقُواْ عَذَابِ﴾ [ص: ٨]. وفرّق الخليل بين العَجيب والعُجاب، فالعجيب، العَجَب، والعُجاب: الذي قد تجاوز حد العَجَب، وكذلك عنده الطَّويل الذي فيه طول، والطُّوال الذي قد تجاوز حد الطول. وقيل: هما بمعنى، يقول: طَويل وطُوال، وجَسيم وجُسام، وخَفيف وخُفاف، وسَريع وسُراع، ورَقيق ورُقاق، بمعنى.

ص 38:4

قوله تعالى ذكره: ﴿صۤ وَٱلْقُرْآنِ ذِي ٱلذِّكْرِ﴾ - إلى قوله - ﴿إِنَّ هَـٰذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾. روي أن ابن المسيب كان لا يدع كل ليلة قراءة صاد. وسئل ولده عن ذلك فقال: بلغني: أنه ما من عبد يقرأها كل ليلة إلا اهتز العرش لها. وقرأ الحسن بكسر الدال لالتقاء الساكنين على نية الوصل. وقيل: هو فعل للأمر من صادى يصادي إذا عارض، ومنه" ﴿فَأَنتَ لَهُ تَصَدَّىٰ﴾ [عبس: ٦] والمعنى: صاد القرآن بعملك، أي: قابله به. وقد روي هذا التفسير عن الحسن أنه فسّر قراءته به. وقرأ عيسى بن عمر بفتح الدال على معنى: اتل صاد. فنصب بالإغراء ولم ينصرف لأنه اسم للسورة. وكل مؤنث سميته بمذكر - قلّت حروفه أو كثرت - لا ينصرف. ويجوز أن يكون فُتح لالتقاء الساكنين على نية الوصل، واختار الفتح للإتباع. ويجوز أن يكون منصوباً على القسم، إذ قد حذف حرف الجر، كما تقول: الله لأفعلن. وقرأ ابن أبي إسحاق بالخفض والتنوين على إضمار حرف القسم، وإعماله على مذهب سيبويه. وقيل: إنه كسر لالتقاء الساكنين، وشبهه بما لا يتمكن من الأصوات فَنَوَّنَهُ. قال ابن عباس: صَ قسم أقسم الله جلّ ذكره به، وهو من أسماء الله عز وجل. فعلى هذا القول يكون، والقرآن عطف على صاد، أي: اقسم بصاد، وبالقرآن. وقال قتادة: هو اسم من أسماء القرآن أقسم به. وقال الضحاك: صاد: "صدق الله سبحانه". وعن ابن عباس أيضاً: صاد صدق محمد ﷺ والقرآن ذي الذكر. فتكون صاد: جواب القسم قبله، أقسم الله جل ذكره أن الذي جاء به محمد ﷺ صدق من عنده. * * وقوله: ﴿ذِي ٱلذِّكْرِ﴾، أي: "ذي الشرف" قاله ابن عباس وابن جبير والسدي. (وقيل معناه: ذي التذكير لكم. وهو اختيار الطبري). وقيل معناه: ذكركم الله فيه، مثل قوله: "فيه ذكرهم". وقيل: ذي الذكر: فيه ذكر الأمم وغيرها. * * ثم قال تعالى: ﴿بَلِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ﴾، أي: في تكبر وامتناع عن قبول الحق، مثل قوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ ٱتَّقِ ٱللَّهَ أَخَذَتْهُ ٱلْعِزَّةُ بِٱلإِثْمِ﴾ [البقرة: ٢٠٦]. ومعنى: "وشقاق": ومخالفة، كأنهم في شق والمسلمون في شق. وجواب القسم: "بل الذين كفروا"، قاله قتادة. فعلى هذا القول يكون: والقرآن عطف على صاد، أي: اقسم بصاد وبالقرآن وقال قتادة: هو اسم من اسماء القرآن اقسم به وقال الضحاك: صاد صدق الله سبحانه. عن ابن عباس أيضاً: صاد صدق محمد ﷺ والقرآن ذي الذكر فتكون صاد جواب القسم قبله، أقسم الله جل ذكره أن الذي جاء به محمد ﷺ صدق من عنده. صدق الله والقرآن، وهو قول الضحاك. وقيل: الجواب محذوف، والتقدير: صاد والقرآن ذي الذكر، ما الأمر كما يقول هؤلاء الكفار، ودل عليه قوله: ﴿بَلِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ﴾. وهذا اختيار الطبري وهو مستخرج من قول قتادة. * * ثم قال: ﴿كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ﴾، أي كثير من القرون أهلكنا قبل هؤلاء المشركين الذين كذبوا رسلهم. ﴿فَنَادَواْ﴾، أي: فضجوا إلى ربهم وَعَجُّوا واستغاثوا بالتوبة حين نزل بهم العذاب. ﴿وَّلاَتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾، أي: وليس ذلك الوقت حين فرار ولا هرب من العذاب بالتوبة لأنه أوان لا تنفع فيه التوبة. "ولات" حرف مشبه بليس، والاسم في الجملة مضمر. (أي: ليس) حينكم حين مناص. هذا مذهب سيبويه. والتاء دخلت لتأنيث الكلمة، وحكُي أن من العرب من يرفع بها. وهو قليل على حذف الخبر. والوقف عليها عند سيبويه والفراء وابن كيسان وأبي إسحاق بالتاء لشبهها بليس، ولأنها كذلك في المصاحف، وهو مذهب الفراء. والوقف عليها عند الكسائي والمبرد بالهاء كرُبَّه وثَمه. ومناص: مَفْعَلٌ من ناص ينصوص إذا تأخر. فالنوص التأخر، والبوص التقدم. ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَعَجِبُوۤاْ أَن جَآءَهُم مٌّنذِرٌ مِّنْهُمْ﴾، أي: عجب مشركو قريش أن جاءهم منذر منهم ينذرهم بأس الله على كفرهم ولم يأتهم ملكه. * * ثم قال: ﴿وَقَالَ ٱلْكَافِرُونَ﴾، أي: المنكرون توحيد الله عز وجل ﴿هَـٰذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ﴾. "هذا" إشارة إلى النبي ﷺ. ثم قال تعالى عنهم: إنهم قالوا: ﴿أَجَعَلَ ٱلآلِهَةَ إِلَـٰهاً وَاحِداً﴾ أي: أجعل محمد المعبود معبوداً واحداً؟! ﴿إِنَّ هَـٰذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾، أي: عجيب. قال قتادة: عجب المشركون أن دُعُوا إلى الله وحده وقالوا: يسمع لحاجاتنا جميعاً إله واحد، ما سمعنا بهذا (في الملة الآخرة). رُوي أن النبي ﷺ قال للمشركين: أسألكم أن تجيبوني إلى واحدة تدين بها لكم العرب، وتعطيكم بها الخرج العجم. فقالو: ما هي؟! قال: تقولون لاَ إله إلا الله. فعند ذلك قالو: أجعل الآلهة إلها واحداً، تعجباً من ذلك وذكر ابن عباس أنه "لما مرض أبو طالب دخل عليه رهط من قريش فيهم أبو جهل، فقالوا إنّ ابن أخيك يشتم آلهتنا ويفعل ويفعل، ويقول ويقول، فلو بعثت إليه فنهيته. فبعث إليه فجاء النبي ﷺ فدخل البيت وبينهم وبين أبي طالب قدر مجلس رجل، فخشي أبو جهل إن جلس إلى جنب أبي طالب أن يكون أرق له عليه، فوثب فجلس إلى جنب أبي طالب. فلم يجد رسول الله ﷺ مجلساً قرب عمّه فجلس عند الباب فقال له أبو طالب. أي ابن أخي، ما بال قومك يشكونك ويزعمون أنك تشتم آلهتهم وتقول وتقول. قال: فأكثروا عليه القول. وتكلم رسول الله ﷺ فقال: يا عمّي إني أريدهم على كلمة واحدة يقولونها تدين لهم بها العرب، وتؤدي إليهم بها العجم الجزية. ففزعوا لكلمته ولقوله. وقال القوم كلمة واحدة: نعم، وأبيك عشراً، قالوا: فما هي؟! قال أبو طالب: أيُّ كلمة هي يا ابن أخي؟ قال: لا إله إلا الله. قال: فقاموا فزعين ينفضون ثيابهم وهم يقولون: ﴿أَجَعَلَ ٱلآلِهَةَ إِلَـٰهاً وَاحِداً إِنَّ هَـٰذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾. فنزلت هذه الآية إلى قوله: ﴿لَّمَّا يَذُوقُواْ عَذَابِ﴾ [ص: ٨]. وفرّق الخليل بين العَجيب والعُجاب، فالعجيب، العَجَب، والعُجاب: الذي قد تجاوز حد العَجَب، وكذلك عنده الطَّويل الذي فيه طول، والطُّوال الذي قد تجاوز حد الطول. وقيل: هما بمعنى، يقول: طَويل وطُوال، وجَسيم وجُسام، وخَفيف وخُفاف، وسَريع وسُراع، ورَقيق ورُقاق، بمعنى.

ص 38:5

قوله تعالى ذكره: ﴿صۤ وَٱلْقُرْآنِ ذِي ٱلذِّكْرِ﴾ - إلى قوله - ﴿إِنَّ هَـٰذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾. روي أن ابن المسيب كان لا يدع كل ليلة قراءة صاد. وسئل ولده عن ذلك فقال: بلغني: أنه ما من عبد يقرأها كل ليلة إلا اهتز العرش لها. وقرأ الحسن بكسر الدال لالتقاء الساكنين على نية الوصل. وقيل: هو فعل للأمر من صادى يصادي إذا عارض، ومنه" ﴿فَأَنتَ لَهُ تَصَدَّىٰ﴾ [عبس: ٦] والمعنى: صاد القرآن بعملك، أي: قابله به. وقد روي هذا التفسير عن الحسن أنه فسّر قراءته به. وقرأ عيسى بن عمر بفتح الدال على معنى: اتل صاد. فنصب بالإغراء ولم ينصرف لأنه اسم للسورة. وكل مؤنث سميته بمذكر - قلّت حروفه أو كثرت - لا ينصرف. ويجوز أن يكون فُتح لالتقاء الساكنين على نية الوصل، واختار الفتح للإتباع. ويجوز أن يكون منصوباً على القسم، إذ قد حذف حرف الجر، كما تقول: الله لأفعلن. وقرأ ابن أبي إسحاق بالخفض والتنوين على إضمار حرف القسم، وإعماله على مذهب سيبويه. وقيل: إنه كسر لالتقاء الساكنين، وشبهه بما لا يتمكن من الأصوات فَنَوَّنَهُ. قال ابن عباس: صَ قسم أقسم الله جلّ ذكره به، وهو من أسماء الله عز وجل. فعلى هذا القول يكون، والقرآن عطف على صاد، أي: اقسم بصاد، وبالقرآن. وقال قتادة: هو اسم من أسماء القرآن أقسم به. وقال الضحاك: صاد: "صدق الله سبحانه". وعن ابن عباس أيضاً: صاد صدق محمد ﷺ والقرآن ذي الذكر. فتكون صاد: جواب القسم قبله، أقسم الله جل ذكره أن الذي جاء به محمد ﷺ صدق من عنده. * * وقوله: ﴿ذِي ٱلذِّكْرِ﴾، أي: "ذي الشرف" قاله ابن عباس وابن جبير والسدي. (وقيل معناه: ذي التذكير لكم. وهو اختيار الطبري). وقيل معناه: ذكركم الله فيه، مثل قوله: "فيه ذكرهم". وقيل: ذي الذكر: فيه ذكر الأمم وغيرها. * * ثم قال تعالى: ﴿بَلِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ﴾، أي: في تكبر وامتناع عن قبول الحق، مثل قوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ ٱتَّقِ ٱللَّهَ أَخَذَتْهُ ٱلْعِزَّةُ بِٱلإِثْمِ﴾ [البقرة: ٢٠٦]. ومعنى: "وشقاق": ومخالفة، كأنهم في شق والمسلمون في شق. وجواب القسم: "بل الذين كفروا"، قاله قتادة. فعلى هذا القول يكون: والقرآن عطف على صاد، أي: اقسم بصاد وبالقرآن وقال قتادة: هو اسم من اسماء القرآن اقسم به وقال الضحاك: صاد صدق الله سبحانه. عن ابن عباس أيضاً: صاد صدق محمد ﷺ والقرآن ذي الذكر فتكون صاد جواب القسم قبله، أقسم الله جل ذكره أن الذي جاء به محمد ﷺ صدق من عنده. صدق الله والقرآن، وهو قول الضحاك. وقيل: الجواب محذوف، والتقدير: صاد والقرآن ذي الذكر، ما الأمر كما يقول هؤلاء الكفار، ودل عليه قوله: ﴿بَلِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ﴾. وهذا اختيار الطبري وهو مستخرج من قول قتادة. * * ثم قال: ﴿كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ﴾، أي كثير من القرون أهلكنا قبل هؤلاء المشركين الذين كذبوا رسلهم. ﴿فَنَادَواْ﴾، أي: فضجوا إلى ربهم وَعَجُّوا واستغاثوا بالتوبة حين نزل بهم العذاب. ﴿وَّلاَتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾، أي: وليس ذلك الوقت حين فرار ولا هرب من العذاب بالتوبة لأنه أوان لا تنفع فيه التوبة. "ولات" حرف مشبه بليس، والاسم في الجملة مضمر. (أي: ليس) حينكم حين مناص. هذا مذهب سيبويه. والتاء دخلت لتأنيث الكلمة، وحكُي أن من العرب من يرفع بها. وهو قليل على حذف الخبر. والوقف عليها عند سيبويه والفراء وابن كيسان وأبي إسحاق بالتاء لشبهها بليس، ولأنها كذلك في المصاحف، وهو مذهب الفراء. والوقف عليها عند الكسائي والمبرد بالهاء كرُبَّه وثَمه. ومناص: مَفْعَلٌ من ناص ينصوص إذا تأخر. فالنوص التأخر، والبوص التقدم. ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَعَجِبُوۤاْ أَن جَآءَهُم مٌّنذِرٌ مِّنْهُمْ﴾، أي: عجب مشركو قريش أن جاءهم منذر منهم ينذرهم بأس الله على كفرهم ولم يأتهم ملكه. * * ثم قال: ﴿وَقَالَ ٱلْكَافِرُونَ﴾، أي: المنكرون توحيد الله عز وجل ﴿هَـٰذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ﴾. "هذا" إشارة إلى النبي ﷺ. ثم قال تعالى عنهم: إنهم قالوا: ﴿أَجَعَلَ ٱلآلِهَةَ إِلَـٰهاً وَاحِداً﴾ أي: أجعل محمد المعبود معبوداً واحداً؟! ﴿إِنَّ هَـٰذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾، أي: عجيب. قال قتادة: عجب المشركون أن دُعُوا إلى الله وحده وقالوا: يسمع لحاجاتنا جميعاً إله واحد، ما سمعنا بهذا (في الملة الآخرة). رُوي أن النبي ﷺ قال للمشركين: أسألكم أن تجيبوني إلى واحدة تدين بها لكم العرب، وتعطيكم بها الخرج العجم. فقالو: ما هي؟! قال: تقولون لاَ إله إلا الله. فعند ذلك قالو: أجعل الآلهة إلها واحداً، تعجباً من ذلك وذكر ابن عباس أنه "لما مرض أبو طالب دخل عليه رهط من قريش فيهم أبو جهل، فقالوا إنّ ابن أخيك يشتم آلهتنا ويفعل ويفعل، ويقول ويقول، فلو بعثت إليه فنهيته. فبعث إليه فجاء النبي ﷺ فدخل البيت وبينهم وبين أبي طالب قدر مجلس رجل، فخشي أبو جهل إن جلس إلى جنب أبي طالب أن يكون أرق له عليه، فوثب فجلس إلى جنب أبي طالب. فلم يجد رسول الله ﷺ مجلساً قرب عمّه فجلس عند الباب فقال له أبو طالب. أي ابن أخي، ما بال قومك يشكونك ويزعمون أنك تشتم آلهتهم وتقول وتقول. قال: فأكثروا عليه القول. وتكلم رسول الله ﷺ فقال: يا عمّي إني أريدهم على كلمة واحدة يقولونها تدين لهم بها العرب، وتؤدي إليهم بها العجم الجزية. ففزعوا لكلمته ولقوله. وقال القوم كلمة واحدة: نعم، وأبيك عشراً، قالوا: فما هي؟! قال أبو طالب: أيُّ كلمة هي يا ابن أخي؟ قال: لا إله إلا الله. قال: فقاموا فزعين ينفضون ثيابهم وهم يقولون: ﴿أَجَعَلَ ٱلآلِهَةَ إِلَـٰهاً وَاحِداً إِنَّ هَـٰذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾. فنزلت هذه الآية إلى قوله: ﴿لَّمَّا يَذُوقُواْ عَذَابِ﴾ [ص: ٨]. وفرّق الخليل بين العَجيب والعُجاب، فالعجيب، العَجَب، والعُجاب: الذي قد تجاوز حد العَجَب، وكذلك عنده الطَّويل الذي فيه طول، والطُّوال الذي قد تجاوز حد الطول. وقيل: هما بمعنى، يقول: طَويل وطُوال، وجَسيم وجُسام، وخَفيف وخُفاف، وسَريع وسُراع، ورَقيق ورُقاق، بمعنى.

ص 38:6

قوله تعالى ذكره: ﴿وَٱنطَلَقَ ٱلْمَلأُ مِنْهُمْ أَنِ ٱمْشُواْ﴾ - إلى قوله - ﴿قَبْلَ يَوْمِ ٱلْحِسَابِ﴾. أي: وانطلق الأشراف من مشركي قريش القائلين: ﴿أَجَعَلَ ٱلآلِهَةَ إِلَـٰهاً وَاحِداً﴾، يقولون للعوام: أمشوا واصبروا على عبادة آلهتكم، أي: اصبروا على دين آبائكم. وكان لهم يومئذ ثلاث مائة صنم وستون صنماً يعبدونها من دون الله سبحانه وروي أن قائل ذلك كان عقبة بن أبي معيط. * * وقوله: ﴿أَنِ ٱمْشُواْ﴾، معناه: تناسلوا، كأنه دعا لهم بالنماء وهو من قول العرب: مَشَى الرجل وأُمْشَى إذا كثرت ماشيته، وأمشت المرأة: كَثُرَ وَلَدُها. قال الشاعر: ؎ ........................ ∗∗∗ * والشَّاةُ لا تُمْشَى على الهمَلَّعِ أي: لا تُنْهى عن الذنب. (والهملع: الذئب). ثم قال عنهم إنهم قالو: ﴿إِنَّ هَـٰذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ﴾، أي: لشيء يريد بنا محمد - ﷺ - يطلب علينا الاستعلاء به، وأن يكون له فينا اتباع. ثم قالو: ﴿مَا سَمِعْنَا بِهَـٰذَا فِى ٱلْمِلَّةِ ٱلآخِرَةِ﴾. قال ابن عباس: يعنون النصرانية دين عيسى. أي: لم نسمع في دين عيسى ﷺ أن محمداً يبعث رسولاً إلينا ولا يأتينا بكتاب. ﴿إِنْ هَـٰذَا إِلاَّ ٱخْتِلاَقٌ﴾، أي: ما هذا إلا كذب. وعن ابن عباس أن المعنى: لو كان هذا القرآن حقاً لأخبرنا به النصارى. وقال مجاهد: معناه ملة قريش. وقال قتادة: معناه في زماننا وديننا. قال أبو اسحاق: ﴿فِى ٱلْمِلَّةِ ٱلآخِرَةِ﴾: في النصرانية ولا في اليهودية ولا فيما أدركنا عليه آباءنا. * * ثم قال: ﴿إِنْ هَـٰذَا إِلاَّ ٱخْتِلاَقٌ﴾، أي: ما هذا الذي أتانا به محمد ﷺ إلاّ كذب اختلقه وتخرصه وابتدعه حسداً منهم لمحمد ﷺ. ودل على أنه حسد منهم قوله عنهم: ﴿أَءُنزِلَ عَلَيْهِ ٱلذِّكْرُ مِن بَيْنِنَا﴾، أي: كيف خُصَّ محمد بنزول القرآن عليه من بيننا. وهذا كقولهم: ﴿وَقَالُواْ لَوْلاَ نُزِّلَ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ ٱلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١] أي: من إحدى القريتين، يعنون: مكة والطائف، يعنون: الوليد بن المغيرة المخزومي من أهل مكة، وعروة بن مسعود الثقفي من أهل الطائف. والمعنى: على أحد رجلين من إحدى القريتين. * * ثم قال تعالى: ﴿بَلْ هُمْ فَي شَكٍّ مِّن ذِكْرِي﴾، أي: في شك من القرآن. ﴿بَل لَّمَّا يَذُوقُواْ عَذَابِ﴾، أي: لم يذوقوا العذاب، ولو ذاقوه لأيقنوا حقيقة ما هم فيه وعلموا أن الذين كذَّبوا به حق. * * ثم قال: ﴿أَمْ عِندَهُمْ خَزَآئِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ ٱلْعَزِيزِ ٱلْوَهَّابِ﴾، أي: أم عند هؤلاء المكذبين مفاتح ربك وعطاياه، فَيَخُصُّوا من شاءوا بالرسالة. العزيز في سلطانه، الوهاب لمن يشاء من خلقه ما يشاء من رسالته وكرامته. ثم قال جل ذكره: ﴿أَمْ لَهُم مُّلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَلْيَرْتَقُواْ فِى ٱلأَسْبَابِ﴾، أي: إن كان لهم مُلْكُ ذلك فليصعدوا في أبواب السماء أو طرفيها، لأن من كان له ملك ذلك لم يتعذر عليه الصعود فيه، هذا معنى قول مجاهد وقتادة وابن زيد وقال الضحاك: فليرتقوا إلى السماء السابعة. وقال الربيع بن أنس: الأسباب أَرَقُّ من الشعر وأشَدُّ من الحديد، وهو مكان ولكن لا يُرى. والسبب هو: كل شيء يوصل به إلى المطلوب من حبل أو جبل أو ستر أو رحم أو قرابة أو طريق أو باب. يقال: رَقِيَ يَرْقَى رَقْياً إذا صعد، كرَضِيَ يرضى. ومثله: ارتقى يرتقي إذا صعد ويقال: رقى يرقِي رقياً من الرقية مثل: رمى يرمي رمياً. * * ثم قال: ﴿جُندٌ مَّا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ مِّن ٱلأَحَزَابِ﴾. يعني بقوله: ﴿جُندٌ مَّا هُنَالِكَ﴾: الذين قال فيهم: ﴿بَل لَّمَّا يَذُوقُواْ عَذَابِ﴾ وهم أشراف قريش الذين هُزِموا وقُتلوا يوم بدر. والتقدير: هم جند مهزوم هنالك. * * ومعنى ﴿مِّن ٱلأَحَزَابِ﴾: من القرون الماضية. قال قتادة: وعد الله تعالى نبيه ﷺ وهو بمكة أنه سيهزم جنداً من المشركين، فجاء يوم بدر تأويلها. وقال الفراء: معناه: هم جند مغلوب أن يصعد السماء. وقيل: هم الأحزاب الذين تحزبوا على رسول الله ﷺ فأتوا إلى المدينة فهزمهم الله عز وجل بالريح والخوف. فأعلم الله عز وجل نبيه ﷺ ومن معه من المؤمنين أنه سيتحزب عليهم المشركون، وأنهم سيُهزمون. فكان في ذلك أبين دلالة لهم على نبوة محمد ﷺ وصِدْقِه في جميع ما يَعِدُهُم به، ولذلك قال تعالى: ﴿وَلَمَّا رَأَى ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلأَحْزَابَ قَالُواْ هَـٰذَا مَا وَعَدَنَا ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ [الأحزاب: ٢٢] الآية لأنه أخبرهم بذلك وهم في مكة ثم جاءهم ما أخبرهم به وهم في المدينة. ثم قال تعالى ذكره: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ﴾، أي: قبل قريش، وكذلك عاد ﴿وفِرْعَوْنُ ذُو ٱلأَوْتَادِ﴾. فرعون هو: الوليد بن مصعب. وقيل هو: مصعب بن الديان. وقيل: كان يسمى كل من مَلَكَ مصر فرعون، كما يسمى كلُّ من ملك اليمين تُبّعاً، ومن مَلَكَ فارس كسرى، ومن مَلَكَ الروم قيصر وهرقل. قال المبرد: كَسرى بالفتح. وقال غيره: بالكسر. وإنما نُعِتَ فرعون بالأوتاد لأنه كانت له أوتاد يلعب له عليها؛ قاله ابن عباس وقتادة وابن جبير. وقال السدي: كان يُعذِّب الناس بالأوتاد؛ يعذبهم بأربعة أوتاد، ثم يرفع (الصخرة تمد بالحبال) ثم تُلقى عليه فتشدخه. وقال الضحاك: ﴿ذُو ٱلأَوْتَادِ﴾: ذو البُنيان. وقد تقدم ذكر الأيكة في الشعراء. * * وقوله: ﴿أُوْلَـٰئِكَ ٱلأَحْزَابُ﴾، أي: الجماعة المتحزبة على معاصي الله تعالى والكفر به سبحانه وتعالى. * * ثم قال: ﴿إِن كُلٌّ إِلاَّ كَذَّبَ ٱلرُّسُلَ﴾، أي: ما كل هؤلاء الأمم إلا كذب الرسل فيما جاؤهم به. ﴿فَحَقَّ عِقَابِ﴾، أي: وجب عليهم عقاب الله تعالى ثم قال تعالى: ﴿وَمَا يَنظُرُ هَـٰؤُلآءِ إِلاَّ صَيْحَةً واحِدَةً مَّا لَهَا مِن فَوَاقٍ﴾، أي: وما ينتظر هؤلاء المشركون بالله سبحانه إلا صيحة واحدة - وهي النفخة الأولى في الصور - ما لها من فتور ولا انقطاع. وروى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: "لَمَّا فَرَغَ الله مِنْ خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ خَلَقَ الصُّورَ وأَعْطَاهُ إسْرَافِيلَ. فَهْوَ واضِعُهُ عَلَى فِيهِ، شَاخِصٌ بَصَرُهُ إلى الْعَرْشِ يَنْتَظِرُ مَتَى يُؤْمَرُ. قال أبو هريرة: يا رسول الله، وما الصُّورُ؟ قال: قَرْنٌ. قال: وكيف هو؟ قال: قَرْنٌ عَظِيمٌ يُنْفَخُ فِيه ثَلاَثَ نَفَخَاتٍ: نَفْخَة الفَزَعِ، فَيَفْزَعُ أهْلُ السَّماواتِ وأهْلُ الأرْضِ إلاَّ مَنْ شَاءَ اللهَ. وَيَأْمُرهُ الله فَيُدِيُمَها وَيُطَوِّلُهَا فَلاَ تَفْتُرُ. وَهِيَ التَّي يَقُولُ اللهُ جَلّ وعزّ: ﴿وَمَا يَنظُرُ هَـٰؤُلآءِ إِلاَّ صَيْحَةً واحِدَةً مَّا لَهَا مِن فَوَاقٍ﴾ وقال ابن عباس: ﴿فَوَاقٍ﴾: ترداد. وعنه: من رجعة وقال مجاهد: "من رجوع". وقال قتادة: من مثنوية ولا رجوع (ولا ارتداد). وقال السدى: معناه: ما لهؤلاء المشركين بعد ذلك من إفاقة ولا رجوع إلى الدنيا. وقال ابن زيد معناه: ما ينتظر هؤلاء المشركون إلا عذاباً يهلكهم. فالصيحة عنده: العذاب. ﴿مَّا لَهَا مِن فَوَاقٍ﴾، أي لا يفيقون منها كما يفيق الذي يُغشى عليه. وأصل هذا من فواق الناقة، وهو ما بين الحلبتين من الراحة. فالمعنى: ما لها من راحة، أي: لا يروحون حتى يتوبوا ويرجعوا عن كفرهم. * * ثم قال تعالى: ﴿وَقَالُواْ رَبَّنَا عَجِّل لَّنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ ٱلْحِسَابِ﴾، أي: وقال هؤلاء المشركون من قريش: عجل لنا كتابنا قبل يوم القيامة. والقط في كلام العرب: الصحيفة المكتوبة. فإنما سألوا تعجيل حظهم من العذاب، قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة. فهو مثل قولهم: " ﴿ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ﴾ [الأنفال: ٣٢]" الآية. وقال السدي: إنما سألو تعجيل رؤية حظهم من الجنة ورؤية منازلهم ليعلموا حقيقة ما يعدهم به محمد ﷺ. وقال ابن جبير: سألو تعجيل حظهم من الجنة يتنعمون به في الدنيا. وقيل: إنما سألو تعجيل رزقهم قبل وقته. وقيل: إنما سألو تعجيل كتبهم التي تؤخذ بالإيمان والشمائل، لينظروا أبأيمانهم يعطونها أم بشمائلهم، فيعلمون أمن أهل الجنة هم أم من أهل النار، استهزاء منهم بالقرآن وبوعد الله جل ذكره.

ص 38:7

قوله تعالى ذكره: ﴿وَٱنطَلَقَ ٱلْمَلأُ مِنْهُمْ أَنِ ٱمْشُواْ﴾ - إلى قوله - ﴿قَبْلَ يَوْمِ ٱلْحِسَابِ﴾. أي: وانطلق الأشراف من مشركي قريش القائلين: ﴿أَجَعَلَ ٱلآلِهَةَ إِلَـٰهاً وَاحِداً﴾، يقولون للعوام: أمشوا واصبروا على عبادة آلهتكم، أي: اصبروا على دين آبائكم. وكان لهم يومئذ ثلاث مائة صنم وستون صنماً يعبدونها من دون الله سبحانه وروي أن قائل ذلك كان عقبة بن أبي معيط. * * وقوله: ﴿أَنِ ٱمْشُواْ﴾، معناه: تناسلوا، كأنه دعا لهم بالنماء وهو من قول العرب: مَشَى الرجل وأُمْشَى إذا كثرت ماشيته، وأمشت المرأة: كَثُرَ وَلَدُها. قال الشاعر: ؎ ........................ ∗∗∗ * والشَّاةُ لا تُمْشَى على الهمَلَّعِ أي: لا تُنْهى عن الذنب. (والهملع: الذئب). ثم قال عنهم إنهم قالو: ﴿إِنَّ هَـٰذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ﴾، أي: لشيء يريد بنا محمد - ﷺ - يطلب علينا الاستعلاء به، وأن يكون له فينا اتباع. ثم قالو: ﴿مَا سَمِعْنَا بِهَـٰذَا فِى ٱلْمِلَّةِ ٱلآخِرَةِ﴾. قال ابن عباس: يعنون النصرانية دين عيسى. أي: لم نسمع في دين عيسى ﷺ أن محمداً يبعث رسولاً إلينا ولا يأتينا بكتاب. ﴿إِنْ هَـٰذَا إِلاَّ ٱخْتِلاَقٌ﴾، أي: ما هذا إلا كذب. وعن ابن عباس أن المعنى: لو كان هذا القرآن حقاً لأخبرنا به النصارى. وقال مجاهد: معناه ملة قريش. وقال قتادة: معناه في زماننا وديننا. قال أبو اسحاق: ﴿فِى ٱلْمِلَّةِ ٱلآخِرَةِ﴾: في النصرانية ولا في اليهودية ولا فيما أدركنا عليه آباءنا. * * ثم قال: ﴿إِنْ هَـٰذَا إِلاَّ ٱخْتِلاَقٌ﴾، أي: ما هذا الذي أتانا به محمد ﷺ إلاّ كذب اختلقه وتخرصه وابتدعه حسداً منهم لمحمد ﷺ. ودل على أنه حسد منهم قوله عنهم: ﴿أَءُنزِلَ عَلَيْهِ ٱلذِّكْرُ مِن بَيْنِنَا﴾، أي: كيف خُصَّ محمد بنزول القرآن عليه من بيننا. وهذا كقولهم: ﴿وَقَالُواْ لَوْلاَ نُزِّلَ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ ٱلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١] أي: من إحدى القريتين، يعنون: مكة والطائف، يعنون: الوليد بن المغيرة المخزومي من أهل مكة، وعروة بن مسعود الثقفي من أهل الطائف. والمعنى: على أحد رجلين من إحدى القريتين. * * ثم قال تعالى: ﴿بَلْ هُمْ فَي شَكٍّ مِّن ذِكْرِي﴾، أي: في شك من القرآن. ﴿بَل لَّمَّا يَذُوقُواْ عَذَابِ﴾، أي: لم يذوقوا العذاب، ولو ذاقوه لأيقنوا حقيقة ما هم فيه وعلموا أن الذين كذَّبوا به حق. * * ثم قال: ﴿أَمْ عِندَهُمْ خَزَآئِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ ٱلْعَزِيزِ ٱلْوَهَّابِ﴾، أي: أم عند هؤلاء المكذبين مفاتح ربك وعطاياه، فَيَخُصُّوا من شاءوا بالرسالة. العزيز في سلطانه، الوهاب لمن يشاء من خلقه ما يشاء من رسالته وكرامته. ثم قال جل ذكره: ﴿أَمْ لَهُم مُّلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَلْيَرْتَقُواْ فِى ٱلأَسْبَابِ﴾، أي: إن كان لهم مُلْكُ ذلك فليصعدوا في أبواب السماء أو طرفيها، لأن من كان له ملك ذلك لم يتعذر عليه الصعود فيه، هذا معنى قول مجاهد وقتادة وابن زيد وقال الضحاك: فليرتقوا إلى السماء السابعة. وقال الربيع بن أنس: الأسباب أَرَقُّ من الشعر وأشَدُّ من الحديد، وهو مكان ولكن لا يُرى. والسبب هو: كل شيء يوصل به إلى المطلوب من حبل أو جبل أو ستر أو رحم أو قرابة أو طريق أو باب. يقال: رَقِيَ يَرْقَى رَقْياً إذا صعد، كرَضِيَ يرضى. ومثله: ارتقى يرتقي إذا صعد ويقال: رقى يرقِي رقياً من الرقية مثل: رمى يرمي رمياً. * * ثم قال: ﴿جُندٌ مَّا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ مِّن ٱلأَحَزَابِ﴾. يعني بقوله: ﴿جُندٌ مَّا هُنَالِكَ﴾: الذين قال فيهم: ﴿بَل لَّمَّا يَذُوقُواْ عَذَابِ﴾ وهم أشراف قريش الذين هُزِموا وقُتلوا يوم بدر. والتقدير: هم جند مهزوم هنالك. * * ومعنى ﴿مِّن ٱلأَحَزَابِ﴾: من القرون الماضية. قال قتادة: وعد الله تعالى نبيه ﷺ وهو بمكة أنه سيهزم جنداً من المشركين، فجاء يوم بدر تأويلها. وقال الفراء: معناه: هم جند مغلوب أن يصعد السماء. وقيل: هم الأحزاب الذين تحزبوا على رسول الله ﷺ فأتوا إلى المدينة فهزمهم الله عز وجل بالريح والخوف. فأعلم الله عز وجل نبيه ﷺ ومن معه من المؤمنين أنه سيتحزب عليهم المشركون، وأنهم سيُهزمون. فكان في ذلك أبين دلالة لهم على نبوة محمد ﷺ وصِدْقِه في جميع ما يَعِدُهُم به، ولذلك قال تعالى: ﴿وَلَمَّا رَأَى ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلأَحْزَابَ قَالُواْ هَـٰذَا مَا وَعَدَنَا ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ [الأحزاب: ٢٢] الآية لأنه أخبرهم بذلك وهم في مكة ثم جاءهم ما أخبرهم به وهم في المدينة. ثم قال تعالى ذكره: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ﴾، أي: قبل قريش، وكذلك عاد ﴿وفِرْعَوْنُ ذُو ٱلأَوْتَادِ﴾. فرعون هو: الوليد بن مصعب. وقيل هو: مصعب بن الديان. وقيل: كان يسمى كل من مَلَكَ مصر فرعون، كما يسمى كلُّ من ملك اليمين تُبّعاً، ومن مَلَكَ فارس كسرى، ومن مَلَكَ الروم قيصر وهرقل. قال المبرد: كَسرى بالفتح. وقال غيره: بالكسر. وإنما نُعِتَ فرعون بالأوتاد لأنه كانت له أوتاد يلعب له عليها؛ قاله ابن عباس وقتادة وابن جبير. وقال السدي: كان يُعذِّب الناس بالأوتاد؛ يعذبهم بأربعة أوتاد، ثم يرفع (الصخرة تمد بالحبال) ثم تُلقى عليه فتشدخه. وقال الضحاك: ﴿ذُو ٱلأَوْتَادِ﴾: ذو البُنيان. وقد تقدم ذكر الأيكة في الشعراء. * * وقوله: ﴿أُوْلَـٰئِكَ ٱلأَحْزَابُ﴾، أي: الجماعة المتحزبة على معاصي الله تعالى والكفر به سبحانه وتعالى. * * ثم قال: ﴿إِن كُلٌّ إِلاَّ كَذَّبَ ٱلرُّسُلَ﴾، أي: ما كل هؤلاء الأمم إلا كذب الرسل فيما جاؤهم به. ﴿فَحَقَّ عِقَابِ﴾، أي: وجب عليهم عقاب الله تعالى ثم قال تعالى: ﴿وَمَا يَنظُرُ هَـٰؤُلآءِ إِلاَّ صَيْحَةً واحِدَةً مَّا لَهَا مِن فَوَاقٍ﴾، أي: وما ينتظر هؤلاء المشركون بالله سبحانه إلا صيحة واحدة - وهي النفخة الأولى في الصور - ما لها من فتور ولا انقطاع. وروى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: "لَمَّا فَرَغَ الله مِنْ خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ خَلَقَ الصُّورَ وأَعْطَاهُ إسْرَافِيلَ. فَهْوَ واضِعُهُ عَلَى فِيهِ، شَاخِصٌ بَصَرُهُ إلى الْعَرْشِ يَنْتَظِرُ مَتَى يُؤْمَرُ. قال أبو هريرة: يا رسول الله، وما الصُّورُ؟ قال: قَرْنٌ. قال: وكيف هو؟ قال: قَرْنٌ عَظِيمٌ يُنْفَخُ فِيه ثَلاَثَ نَفَخَاتٍ: نَفْخَة الفَزَعِ، فَيَفْزَعُ أهْلُ السَّماواتِ وأهْلُ الأرْضِ إلاَّ مَنْ شَاءَ اللهَ. وَيَأْمُرهُ الله فَيُدِيُمَها وَيُطَوِّلُهَا فَلاَ تَفْتُرُ. وَهِيَ التَّي يَقُولُ اللهُ جَلّ وعزّ: ﴿وَمَا يَنظُرُ هَـٰؤُلآءِ إِلاَّ صَيْحَةً واحِدَةً مَّا لَهَا مِن فَوَاقٍ﴾ وقال ابن عباس: ﴿فَوَاقٍ﴾: ترداد. وعنه: من رجعة وقال مجاهد: "من رجوع". وقال قتادة: من مثنوية ولا رجوع (ولا ارتداد). وقال السدى: معناه: ما لهؤلاء المشركين بعد ذلك من إفاقة ولا رجوع إلى الدنيا. وقال ابن زيد معناه: ما ينتظر هؤلاء المشركون إلا عذاباً يهلكهم. فالصيحة عنده: العذاب. ﴿مَّا لَهَا مِن فَوَاقٍ﴾، أي لا يفيقون منها كما يفيق الذي يُغشى عليه. وأصل هذا من فواق الناقة، وهو ما بين الحلبتين من الراحة. فالمعنى: ما لها من راحة، أي: لا يروحون حتى يتوبوا ويرجعوا عن كفرهم. * * ثم قال تعالى: ﴿وَقَالُواْ رَبَّنَا عَجِّل لَّنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ ٱلْحِسَابِ﴾، أي: وقال هؤلاء المشركون من قريش: عجل لنا كتابنا قبل يوم القيامة. والقط في كلام العرب: الصحيفة المكتوبة. فإنما سألوا تعجيل حظهم من العذاب، قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة. فهو مثل قولهم: " ﴿ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ﴾ [الأنفال: ٣٢]" الآية. وقال السدي: إنما سألو تعجيل رؤية حظهم من الجنة ورؤية منازلهم ليعلموا حقيقة ما يعدهم به محمد ﷺ. وقال ابن جبير: سألو تعجيل حظهم من الجنة يتنعمون به في الدنيا. وقيل: إنما سألو تعجيل رزقهم قبل وقته. وقيل: إنما سألو تعجيل كتبهم التي تؤخذ بالإيمان والشمائل، لينظروا أبأيمانهم يعطونها أم بشمائلهم، فيعلمون أمن أهل الجنة هم أم من أهل النار، استهزاء منهم بالقرآن وبوعد الله جل ذكره.

ص 38:8

قوله تعالى ذكره: ﴿وَٱنطَلَقَ ٱلْمَلأُ مِنْهُمْ أَنِ ٱمْشُواْ﴾ - إلى قوله - ﴿قَبْلَ يَوْمِ ٱلْحِسَابِ﴾. أي: وانطلق الأشراف من مشركي قريش القائلين: ﴿أَجَعَلَ ٱلآلِهَةَ إِلَـٰهاً وَاحِداً﴾، يقولون للعوام: أمشوا واصبروا على عبادة آلهتكم، أي: اصبروا على دين آبائكم. وكان لهم يومئذ ثلاث مائة صنم وستون صنماً يعبدونها من دون الله سبحانه وروي أن قائل ذلك كان عقبة بن أبي معيط. * * وقوله: ﴿أَنِ ٱمْشُواْ﴾، معناه: تناسلوا، كأنه دعا لهم بالنماء وهو من قول العرب: مَشَى الرجل وأُمْشَى إذا كثرت ماشيته، وأمشت المرأة: كَثُرَ وَلَدُها. قال الشاعر: ؎ ........................ ∗∗∗ * والشَّاةُ لا تُمْشَى على الهمَلَّعِ أي: لا تُنْهى عن الذنب. (والهملع: الذئب). ثم قال عنهم إنهم قالو: ﴿إِنَّ هَـٰذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ﴾، أي: لشيء يريد بنا محمد - ﷺ - يطلب علينا الاستعلاء به، وأن يكون له فينا اتباع. ثم قالو: ﴿مَا سَمِعْنَا بِهَـٰذَا فِى ٱلْمِلَّةِ ٱلآخِرَةِ﴾. قال ابن عباس: يعنون النصرانية دين عيسى. أي: لم نسمع في دين عيسى ﷺ أن محمداً يبعث رسولاً إلينا ولا يأتينا بكتاب. ﴿إِنْ هَـٰذَا إِلاَّ ٱخْتِلاَقٌ﴾، أي: ما هذا إلا كذب. وعن ابن عباس أن المعنى: لو كان هذا القرآن حقاً لأخبرنا به النصارى. وقال مجاهد: معناه ملة قريش. وقال قتادة: معناه في زماننا وديننا. قال أبو اسحاق: ﴿فِى ٱلْمِلَّةِ ٱلآخِرَةِ﴾: في النصرانية ولا في اليهودية ولا فيما أدركنا عليه آباءنا. * * ثم قال: ﴿إِنْ هَـٰذَا إِلاَّ ٱخْتِلاَقٌ﴾، أي: ما هذا الذي أتانا به محمد ﷺ إلاّ كذب اختلقه وتخرصه وابتدعه حسداً منهم لمحمد ﷺ. ودل على أنه حسد منهم قوله عنهم: ﴿أَءُنزِلَ عَلَيْهِ ٱلذِّكْرُ مِن بَيْنِنَا﴾، أي: كيف خُصَّ محمد بنزول القرآن عليه من بيننا. وهذا كقولهم: ﴿وَقَالُواْ لَوْلاَ نُزِّلَ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ ٱلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١] أي: من إحدى القريتين، يعنون: مكة والطائف، يعنون: الوليد بن المغيرة المخزومي من أهل مكة، وعروة بن مسعود الثقفي من أهل الطائف. والمعنى: على أحد رجلين من إحدى القريتين. * * ثم قال تعالى: ﴿بَلْ هُمْ فَي شَكٍّ مِّن ذِكْرِي﴾، أي: في شك من القرآن. ﴿بَل لَّمَّا يَذُوقُواْ عَذَابِ﴾، أي: لم يذوقوا العذاب، ولو ذاقوه لأيقنوا حقيقة ما هم فيه وعلموا أن الذين كذَّبوا به حق. * * ثم قال: ﴿أَمْ عِندَهُمْ خَزَآئِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ ٱلْعَزِيزِ ٱلْوَهَّابِ﴾، أي: أم عند هؤلاء المكذبين مفاتح ربك وعطاياه، فَيَخُصُّوا من شاءوا بالرسالة. العزيز في سلطانه، الوهاب لمن يشاء من خلقه ما يشاء من رسالته وكرامته. ثم قال جل ذكره: ﴿أَمْ لَهُم مُّلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَلْيَرْتَقُواْ فِى ٱلأَسْبَابِ﴾، أي: إن كان لهم مُلْكُ ذلك فليصعدوا في أبواب السماء أو طرفيها، لأن من كان له ملك ذلك لم يتعذر عليه الصعود فيه، هذا معنى قول مجاهد وقتادة وابن زيد وقال الضحاك: فليرتقوا إلى السماء السابعة. وقال الربيع بن أنس: الأسباب أَرَقُّ من الشعر وأشَدُّ من الحديد، وهو مكان ولكن لا يُرى. والسبب هو: كل شيء يوصل به إلى المطلوب من حبل أو جبل أو ستر أو رحم أو قرابة أو طريق أو باب. يقال: رَقِيَ يَرْقَى رَقْياً إذا صعد، كرَضِيَ يرضى. ومثله: ارتقى يرتقي إذا صعد ويقال: رقى يرقِي رقياً من الرقية مثل: رمى يرمي رمياً. * * ثم قال: ﴿جُندٌ مَّا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ مِّن ٱلأَحَزَابِ﴾. يعني بقوله: ﴿جُندٌ مَّا هُنَالِكَ﴾: الذين قال فيهم: ﴿بَل لَّمَّا يَذُوقُواْ عَذَابِ﴾ وهم أشراف قريش الذين هُزِموا وقُتلوا يوم بدر. والتقدير: هم جند مهزوم هنالك. * * ومعنى ﴿مِّن ٱلأَحَزَابِ﴾: من القرون الماضية. قال قتادة: وعد الله تعالى نبيه ﷺ وهو بمكة أنه سيهزم جنداً من المشركين، فجاء يوم بدر تأويلها. وقال الفراء: معناه: هم جند مغلوب أن يصعد السماء. وقيل: هم الأحزاب الذين تحزبوا على رسول الله ﷺ فأتوا إلى المدينة فهزمهم الله عز وجل بالريح والخوف. فأعلم الله عز وجل نبيه ﷺ ومن معه من المؤمنين أنه سيتحزب عليهم المشركون، وأنهم سيُهزمون. فكان في ذلك أبين دلالة لهم على نبوة محمد ﷺ وصِدْقِه في جميع ما يَعِدُهُم به، ولذلك قال تعالى: ﴿وَلَمَّا رَأَى ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلأَحْزَابَ قَالُواْ هَـٰذَا مَا وَعَدَنَا ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ [الأحزاب: ٢٢] الآية لأنه أخبرهم بذلك وهم في مكة ثم جاءهم ما أخبرهم به وهم في المدينة. ثم قال تعالى ذكره: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ﴾، أي: قبل قريش، وكذلك عاد ﴿وفِرْعَوْنُ ذُو ٱلأَوْتَادِ﴾. فرعون هو: الوليد بن مصعب. وقيل هو: مصعب بن الديان. وقيل: كان يسمى كل من مَلَكَ مصر فرعون، كما يسمى كلُّ من ملك اليمين تُبّعاً، ومن مَلَكَ فارس كسرى، ومن مَلَكَ الروم قيصر وهرقل. قال المبرد: كَسرى بالفتح. وقال غيره: بالكسر. وإنما نُعِتَ فرعون بالأوتاد لأنه كانت له أوتاد يلعب له عليها؛ قاله ابن عباس وقتادة وابن جبير. وقال السدي: كان يُعذِّب الناس بالأوتاد؛ يعذبهم بأربعة أوتاد، ثم يرفع (الصخرة تمد بالحبال) ثم تُلقى عليه فتشدخه. وقال الضحاك: ﴿ذُو ٱلأَوْتَادِ﴾: ذو البُنيان. وقد تقدم ذكر الأيكة في الشعراء. * * وقوله: ﴿أُوْلَـٰئِكَ ٱلأَحْزَابُ﴾، أي: الجماعة المتحزبة على معاصي الله تعالى والكفر به سبحانه وتعالى. * * ثم قال: ﴿إِن كُلٌّ إِلاَّ كَذَّبَ ٱلرُّسُلَ﴾، أي: ما كل هؤلاء الأمم إلا كذب الرسل فيما جاؤهم به. ﴿فَحَقَّ عِقَابِ﴾، أي: وجب عليهم عقاب الله تعالى ثم قال تعالى: ﴿وَمَا يَنظُرُ هَـٰؤُلآءِ إِلاَّ صَيْحَةً واحِدَةً مَّا لَهَا مِن فَوَاقٍ﴾، أي: وما ينتظر هؤلاء المشركون بالله سبحانه إلا صيحة واحدة - وهي النفخة الأولى في الصور - ما لها من فتور ولا انقطاع. وروى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: "لَمَّا فَرَغَ الله مِنْ خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ خَلَقَ الصُّورَ وأَعْطَاهُ إسْرَافِيلَ. فَهْوَ واضِعُهُ عَلَى فِيهِ، شَاخِصٌ بَصَرُهُ إلى الْعَرْشِ يَنْتَظِرُ مَتَى يُؤْمَرُ. قال أبو هريرة: يا رسول الله، وما الصُّورُ؟ قال: قَرْنٌ. قال: وكيف هو؟ قال: قَرْنٌ عَظِيمٌ يُنْفَخُ فِيه ثَلاَثَ نَفَخَاتٍ: نَفْخَة الفَزَعِ، فَيَفْزَعُ أهْلُ السَّماواتِ وأهْلُ الأرْضِ إلاَّ مَنْ شَاءَ اللهَ. وَيَأْمُرهُ الله فَيُدِيُمَها وَيُطَوِّلُهَا فَلاَ تَفْتُرُ. وَهِيَ التَّي يَقُولُ اللهُ جَلّ وعزّ: ﴿وَمَا يَنظُرُ هَـٰؤُلآءِ إِلاَّ صَيْحَةً واحِدَةً مَّا لَهَا مِن فَوَاقٍ﴾ وقال ابن عباس: ﴿فَوَاقٍ﴾: ترداد. وعنه: من رجعة وقال مجاهد: "من رجوع". وقال قتادة: من مثنوية ولا رجوع (ولا ارتداد). وقال السدى: معناه: ما لهؤلاء المشركين بعد ذلك من إفاقة ولا رجوع إلى الدنيا. وقال ابن زيد معناه: ما ينتظر هؤلاء المشركون إلا عذاباً يهلكهم. فالصيحة عنده: العذاب. ﴿مَّا لَهَا مِن فَوَاقٍ﴾، أي لا يفيقون منها كما يفيق الذي يُغشى عليه. وأصل هذا من فواق الناقة، وهو ما بين الحلبتين من الراحة. فالمعنى: ما لها من راحة، أي: لا يروحون حتى يتوبوا ويرجعوا عن كفرهم. * * ثم قال تعالى: ﴿وَقَالُواْ رَبَّنَا عَجِّل لَّنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ ٱلْحِسَابِ﴾، أي: وقال هؤلاء المشركون من قريش: عجل لنا كتابنا قبل يوم القيامة. والقط في كلام العرب: الصحيفة المكتوبة. فإنما سألوا تعجيل حظهم من العذاب، قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة. فهو مثل قولهم: " ﴿ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ﴾ [الأنفال: ٣٢]" الآية. وقال السدي: إنما سألو تعجيل رؤية حظهم من الجنة ورؤية منازلهم ليعلموا حقيقة ما يعدهم به محمد ﷺ. وقال ابن جبير: سألو تعجيل حظهم من الجنة يتنعمون به في الدنيا. وقيل: إنما سألو تعجيل رزقهم قبل وقته. وقيل: إنما سألو تعجيل كتبهم التي تؤخذ بالإيمان والشمائل، لينظروا أبأيمانهم يعطونها أم بشمائلهم، فيعلمون أمن أهل الجنة هم أم من أهل النار، استهزاء منهم بالقرآن وبوعد الله جل ذكره.

ص 38:9

قوله تعالى ذكره: ﴿وَٱنطَلَقَ ٱلْمَلأُ مِنْهُمْ أَنِ ٱمْشُواْ﴾ - إلى قوله - ﴿قَبْلَ يَوْمِ ٱلْحِسَابِ﴾. أي: وانطلق الأشراف من مشركي قريش القائلين: ﴿أَجَعَلَ ٱلآلِهَةَ إِلَـٰهاً وَاحِداً﴾، يقولون للعوام: أمشوا واصبروا على عبادة آلهتكم، أي: اصبروا على دين آبائكم. وكان لهم يومئذ ثلاث مائة صنم وستون صنماً يعبدونها من دون الله سبحانه وروي أن قائل ذلك كان عقبة بن أبي معيط. * * وقوله: ﴿أَنِ ٱمْشُواْ﴾، معناه: تناسلوا، كأنه دعا لهم بالنماء وهو من قول العرب: مَشَى الرجل وأُمْشَى إذا كثرت ماشيته، وأمشت المرأة: كَثُرَ وَلَدُها. قال الشاعر: ؎ ........................ ∗∗∗ * والشَّاةُ لا تُمْشَى على الهمَلَّعِ أي: لا تُنْهى عن الذنب. (والهملع: الذئب). ثم قال عنهم إنهم قالو: ﴿إِنَّ هَـٰذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ﴾، أي: لشيء يريد بنا محمد - ﷺ - يطلب علينا الاستعلاء به، وأن يكون له فينا اتباع. ثم قالو: ﴿مَا سَمِعْنَا بِهَـٰذَا فِى ٱلْمِلَّةِ ٱلآخِرَةِ﴾. قال ابن عباس: يعنون النصرانية دين عيسى. أي: لم نسمع في دين عيسى ﷺ أن محمداً يبعث رسولاً إلينا ولا يأتينا بكتاب. ﴿إِنْ هَـٰذَا إِلاَّ ٱخْتِلاَقٌ﴾، أي: ما هذا إلا كذب. وعن ابن عباس أن المعنى: لو كان هذا القرآن حقاً لأخبرنا به النصارى. وقال مجاهد: معناه ملة قريش. وقال قتادة: معناه في زماننا وديننا. قال أبو اسحاق: ﴿فِى ٱلْمِلَّةِ ٱلآخِرَةِ﴾: في النصرانية ولا في اليهودية ولا فيما أدركنا عليه آباءنا. * * ثم قال: ﴿إِنْ هَـٰذَا إِلاَّ ٱخْتِلاَقٌ﴾، أي: ما هذا الذي أتانا به محمد ﷺ إلاّ كذب اختلقه وتخرصه وابتدعه حسداً منهم لمحمد ﷺ. ودل على أنه حسد منهم قوله عنهم: ﴿أَءُنزِلَ عَلَيْهِ ٱلذِّكْرُ مِن بَيْنِنَا﴾، أي: كيف خُصَّ محمد بنزول القرآن عليه من بيننا. وهذا كقولهم: ﴿وَقَالُواْ لَوْلاَ نُزِّلَ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ ٱلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١] أي: من إحدى القريتين، يعنون: مكة والطائف، يعنون: الوليد بن المغيرة المخزومي من أهل مكة، وعروة بن مسعود الثقفي من أهل الطائف. والمعنى: على أحد رجلين من إحدى القريتين. * * ثم قال تعالى: ﴿بَلْ هُمْ فَي شَكٍّ مِّن ذِكْرِي﴾، أي: في شك من القرآن. ﴿بَل لَّمَّا يَذُوقُواْ عَذَابِ﴾، أي: لم يذوقوا العذاب، ولو ذاقوه لأيقنوا حقيقة ما هم فيه وعلموا أن الذين كذَّبوا به حق. * * ثم قال: ﴿أَمْ عِندَهُمْ خَزَآئِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ ٱلْعَزِيزِ ٱلْوَهَّابِ﴾، أي: أم عند هؤلاء المكذبين مفاتح ربك وعطاياه، فَيَخُصُّوا من شاءوا بالرسالة. العزيز في سلطانه، الوهاب لمن يشاء من خلقه ما يشاء من رسالته وكرامته. ثم قال جل ذكره: ﴿أَمْ لَهُم مُّلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَلْيَرْتَقُواْ فِى ٱلأَسْبَابِ﴾، أي: إن كان لهم مُلْكُ ذلك فليصعدوا في أبواب السماء أو طرفيها، لأن من كان له ملك ذلك لم يتعذر عليه الصعود فيه، هذا معنى قول مجاهد وقتادة وابن زيد وقال الضحاك: فليرتقوا إلى السماء السابعة. وقال الربيع بن أنس: الأسباب أَرَقُّ من الشعر وأشَدُّ من الحديد، وهو مكان ولكن لا يُرى. والسبب هو: كل شيء يوصل به إلى المطلوب من حبل أو جبل أو ستر أو رحم أو قرابة أو طريق أو باب. يقال: رَقِيَ يَرْقَى رَقْياً إذا صعد، كرَضِيَ يرضى. ومثله: ارتقى يرتقي إذا صعد ويقال: رقى يرقِي رقياً من الرقية مثل: رمى يرمي رمياً. * * ثم قال: ﴿جُندٌ مَّا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ مِّن ٱلأَحَزَابِ﴾. يعني بقوله: ﴿جُندٌ مَّا هُنَالِكَ﴾: الذين قال فيهم: ﴿بَل لَّمَّا يَذُوقُواْ عَذَابِ﴾ وهم أشراف قريش الذين هُزِموا وقُتلوا يوم بدر. والتقدير: هم جند مهزوم هنالك. * * ومعنى ﴿مِّن ٱلأَحَزَابِ﴾: من القرون الماضية. قال قتادة: وعد الله تعالى نبيه ﷺ وهو بمكة أنه سيهزم جنداً من المشركين، فجاء يوم بدر تأويلها. وقال الفراء: معناه: هم جند مغلوب أن يصعد السماء. وقيل: هم الأحزاب الذين تحزبوا على رسول الله ﷺ فأتوا إلى المدينة فهزمهم الله عز وجل بالريح والخوف. فأعلم الله عز وجل نبيه ﷺ ومن معه من المؤمنين أنه سيتحزب عليهم المشركون، وأنهم سيُهزمون. فكان في ذلك أبين دلالة لهم على نبوة محمد ﷺ وصِدْقِه في جميع ما يَعِدُهُم به، ولذلك قال تعالى: ﴿وَلَمَّا رَأَى ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلأَحْزَابَ قَالُواْ هَـٰذَا مَا وَعَدَنَا ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ [الأحزاب: ٢٢] الآية لأنه أخبرهم بذلك وهم في مكة ثم جاءهم ما أخبرهم به وهم في المدينة. ثم قال تعالى ذكره: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ﴾، أي: قبل قريش، وكذلك عاد ﴿وفِرْعَوْنُ ذُو ٱلأَوْتَادِ﴾. فرعون هو: الوليد بن مصعب. وقيل هو: مصعب بن الديان. وقيل: كان يسمى كل من مَلَكَ مصر فرعون، كما يسمى كلُّ من ملك اليمين تُبّعاً، ومن مَلَكَ فارس كسرى، ومن مَلَكَ الروم قيصر وهرقل. قال المبرد: كَسرى بالفتح. وقال غيره: بالكسر. وإنما نُعِتَ فرعون بالأوتاد لأنه كانت له أوتاد يلعب له عليها؛ قاله ابن عباس وقتادة وابن جبير. وقال السدي: كان يُعذِّب الناس بالأوتاد؛ يعذبهم بأربعة أوتاد، ثم يرفع (الصخرة تمد بالحبال) ثم تُلقى عليه فتشدخه. وقال الضحاك: ﴿ذُو ٱلأَوْتَادِ﴾: ذو البُنيان. وقد تقدم ذكر الأيكة في الشعراء. * * وقوله: ﴿أُوْلَـٰئِكَ ٱلأَحْزَابُ﴾، أي: الجماعة المتحزبة على معاصي الله تعالى والكفر به سبحانه وتعالى. * * ثم قال: ﴿إِن كُلٌّ إِلاَّ كَذَّبَ ٱلرُّسُلَ﴾، أي: ما كل هؤلاء الأمم إلا كذب الرسل فيما جاؤهم به. ﴿فَحَقَّ عِقَابِ﴾، أي: وجب عليهم عقاب الله تعالى ثم قال تعالى: ﴿وَمَا يَنظُرُ هَـٰؤُلآءِ إِلاَّ صَيْحَةً واحِدَةً مَّا لَهَا مِن فَوَاقٍ﴾، أي: وما ينتظر هؤلاء المشركون بالله سبحانه إلا صيحة واحدة - وهي النفخة الأولى في الصور - ما لها من فتور ولا انقطاع. وروى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: "لَمَّا فَرَغَ الله مِنْ خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ خَلَقَ الصُّورَ وأَعْطَاهُ إسْرَافِيلَ. فَهْوَ واضِعُهُ عَلَى فِيهِ، شَاخِصٌ بَصَرُهُ إلى الْعَرْشِ يَنْتَظِرُ مَتَى يُؤْمَرُ. قال أبو هريرة: يا رسول الله، وما الصُّورُ؟ قال: قَرْنٌ. قال: وكيف هو؟ قال: قَرْنٌ عَظِيمٌ يُنْفَخُ فِيه ثَلاَثَ نَفَخَاتٍ: نَفْخَة الفَزَعِ، فَيَفْزَعُ أهْلُ السَّماواتِ وأهْلُ الأرْضِ إلاَّ مَنْ شَاءَ اللهَ. وَيَأْمُرهُ الله فَيُدِيُمَها وَيُطَوِّلُهَا فَلاَ تَفْتُرُ. وَهِيَ التَّي يَقُولُ اللهُ جَلّ وعزّ: ﴿وَمَا يَنظُرُ هَـٰؤُلآءِ إِلاَّ صَيْحَةً واحِدَةً مَّا لَهَا مِن فَوَاقٍ﴾ وقال ابن عباس: ﴿فَوَاقٍ﴾: ترداد. وعنه: من رجعة وقال مجاهد: "من رجوع". وقال قتادة: من مثنوية ولا رجوع (ولا ارتداد). وقال السدى: معناه: ما لهؤلاء المشركين بعد ذلك من إفاقة ولا رجوع إلى الدنيا. وقال ابن زيد معناه: ما ينتظر هؤلاء المشركون إلا عذاباً يهلكهم. فالصيحة عنده: العذاب. ﴿مَّا لَهَا مِن فَوَاقٍ﴾، أي لا يفيقون منها كما يفيق الذي يُغشى عليه. وأصل هذا من فواق الناقة، وهو ما بين الحلبتين من الراحة. فالمعنى: ما لها من راحة، أي: لا يروحون حتى يتوبوا ويرجعوا عن كفرهم. * * ثم قال تعالى: ﴿وَقَالُواْ رَبَّنَا عَجِّل لَّنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ ٱلْحِسَابِ﴾، أي: وقال هؤلاء المشركون من قريش: عجل لنا كتابنا قبل يوم القيامة. والقط في كلام العرب: الصحيفة المكتوبة. فإنما سألوا تعجيل حظهم من العذاب، قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة. فهو مثل قولهم: " ﴿ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ﴾ [الأنفال: ٣٢]" الآية. وقال السدي: إنما سألو تعجيل رؤية حظهم من الجنة ورؤية منازلهم ليعلموا حقيقة ما يعدهم به محمد ﷺ. وقال ابن جبير: سألو تعجيل حظهم من الجنة يتنعمون به في الدنيا. وقيل: إنما سألو تعجيل رزقهم قبل وقته. وقيل: إنما سألو تعجيل كتبهم التي تؤخذ بالإيمان والشمائل، لينظروا أبأيمانهم يعطونها أم بشمائلهم، فيعلمون أمن أهل الجنة هم أم من أهل النار، استهزاء منهم بالقرآن وبوعد الله جل ذكره.

ص 38:10

قوله تعالى ذكره: ﴿وَٱنطَلَقَ ٱلْمَلأُ مِنْهُمْ أَنِ ٱمْشُواْ﴾ - إلى قوله - ﴿قَبْلَ يَوْمِ ٱلْحِسَابِ﴾. أي: وانطلق الأشراف من مشركي قريش القائلين: ﴿أَجَعَلَ ٱلآلِهَةَ إِلَـٰهاً وَاحِداً﴾، يقولون للعوام: أمشوا واصبروا على عبادة آلهتكم، أي: اصبروا على دين آبائكم. وكان لهم يومئذ ثلاث مائة صنم وستون صنماً يعبدونها من دون الله سبحانه وروي أن قائل ذلك كان عقبة بن أبي معيط. * * وقوله: ﴿أَنِ ٱمْشُواْ﴾، معناه: تناسلوا، كأنه دعا لهم بالنماء وهو من قول العرب: مَشَى الرجل وأُمْشَى إذا كثرت ماشيته، وأمشت المرأة: كَثُرَ وَلَدُها. قال الشاعر: ؎ ........................ ∗∗∗ * والشَّاةُ لا تُمْشَى على الهمَلَّعِ أي: لا تُنْهى عن الذنب. (والهملع: الذئب). ثم قال عنهم إنهم قالو: ﴿إِنَّ هَـٰذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ﴾، أي: لشيء يريد بنا محمد - ﷺ - يطلب علينا الاستعلاء به، وأن يكون له فينا اتباع. ثم قالو: ﴿مَا سَمِعْنَا بِهَـٰذَا فِى ٱلْمِلَّةِ ٱلآخِرَةِ﴾. قال ابن عباس: يعنون النصرانية دين عيسى. أي: لم نسمع في دين عيسى ﷺ أن محمداً يبعث رسولاً إلينا ولا يأتينا بكتاب. ﴿إِنْ هَـٰذَا إِلاَّ ٱخْتِلاَقٌ﴾، أي: ما هذا إلا كذب. وعن ابن عباس أن المعنى: لو كان هذا القرآن حقاً لأخبرنا به النصارى. وقال مجاهد: معناه ملة قريش. وقال قتادة: معناه في زماننا وديننا. قال أبو اسحاق: ﴿فِى ٱلْمِلَّةِ ٱلآخِرَةِ﴾: في النصرانية ولا في اليهودية ولا فيما أدركنا عليه آباءنا. * * ثم قال: ﴿إِنْ هَـٰذَا إِلاَّ ٱخْتِلاَقٌ﴾، أي: ما هذا الذي أتانا به محمد ﷺ إلاّ كذب اختلقه وتخرصه وابتدعه حسداً منهم لمحمد ﷺ. ودل على أنه حسد منهم قوله عنهم: ﴿أَءُنزِلَ عَلَيْهِ ٱلذِّكْرُ مِن بَيْنِنَا﴾، أي: كيف خُصَّ محمد بنزول القرآن عليه من بيننا. وهذا كقولهم: ﴿وَقَالُواْ لَوْلاَ نُزِّلَ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ ٱلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١] أي: من إحدى القريتين، يعنون: مكة والطائف، يعنون: الوليد بن المغيرة المخزومي من أهل مكة، وعروة بن مسعود الثقفي من أهل الطائف. والمعنى: على أحد رجلين من إحدى القريتين. * * ثم قال تعالى: ﴿بَلْ هُمْ فَي شَكٍّ مِّن ذِكْرِي﴾، أي: في شك من القرآن. ﴿بَل لَّمَّا يَذُوقُواْ عَذَابِ﴾، أي: لم يذوقوا العذاب، ولو ذاقوه لأيقنوا حقيقة ما هم فيه وعلموا أن الذين كذَّبوا به حق. * * ثم قال: ﴿أَمْ عِندَهُمْ خَزَآئِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ ٱلْعَزِيزِ ٱلْوَهَّابِ﴾، أي: أم عند هؤلاء المكذبين مفاتح ربك وعطاياه، فَيَخُصُّوا من شاءوا بالرسالة. العزيز في سلطانه، الوهاب لمن يشاء من خلقه ما يشاء من رسالته وكرامته. ثم قال جل ذكره: ﴿أَمْ لَهُم مُّلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَلْيَرْتَقُواْ فِى ٱلأَسْبَابِ﴾، أي: إن كان لهم مُلْكُ ذلك فليصعدوا في أبواب السماء أو طرفيها، لأن من كان له ملك ذلك لم يتعذر عليه الصعود فيه، هذا معنى قول مجاهد وقتادة وابن زيد وقال الضحاك: فليرتقوا إلى السماء السابعة. وقال الربيع بن أنس: الأسباب أَرَقُّ من الشعر وأشَدُّ من الحديد، وهو مكان ولكن لا يُرى. والسبب هو: كل شيء يوصل به إلى المطلوب من حبل أو جبل أو ستر أو رحم أو قرابة أو طريق أو باب. يقال: رَقِيَ يَرْقَى رَقْياً إذا صعد، كرَضِيَ يرضى. ومثله: ارتقى يرتقي إذا صعد ويقال: رقى يرقِي رقياً من الرقية مثل: رمى يرمي رمياً. * * ثم قال: ﴿جُندٌ مَّا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ مِّن ٱلأَحَزَابِ﴾. يعني بقوله: ﴿جُندٌ مَّا هُنَالِكَ﴾: الذين قال فيهم: ﴿بَل لَّمَّا يَذُوقُواْ عَذَابِ﴾ وهم أشراف قريش الذين هُزِموا وقُتلوا يوم بدر. والتقدير: هم جند مهزوم هنالك. * * ومعنى ﴿مِّن ٱلأَحَزَابِ﴾: من القرون الماضية. قال قتادة: وعد الله تعالى نبيه ﷺ وهو بمكة أنه سيهزم جنداً من المشركين، فجاء يوم بدر تأويلها. وقال الفراء: معناه: هم جند مغلوب أن يصعد السماء. وقيل: هم الأحزاب الذين تحزبوا على رسول الله ﷺ فأتوا إلى المدينة فهزمهم الله عز وجل بالريح والخوف. فأعلم الله عز وجل نبيه ﷺ ومن معه من المؤمنين أنه سيتحزب عليهم المشركون، وأنهم سيُهزمون. فكان في ذلك أبين دلالة لهم على نبوة محمد ﷺ وصِدْقِه في جميع ما يَعِدُهُم به، ولذلك قال تعالى: ﴿وَلَمَّا رَأَى ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلأَحْزَابَ قَالُواْ هَـٰذَا مَا وَعَدَنَا ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ [الأحزاب: ٢٢] الآية لأنه أخبرهم بذلك وهم في مكة ثم جاءهم ما أخبرهم به وهم في المدينة. ثم قال تعالى ذكره: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ﴾، أي: قبل قريش، وكذلك عاد ﴿وفِرْعَوْنُ ذُو ٱلأَوْتَادِ﴾. فرعون هو: الوليد بن مصعب. وقيل هو: مصعب بن الديان. وقيل: كان يسمى كل من مَلَكَ مصر فرعون، كما يسمى كلُّ من ملك اليمين تُبّعاً، ومن مَلَكَ فارس كسرى، ومن مَلَكَ الروم قيصر وهرقل. قال المبرد: كَسرى بالفتح. وقال غيره: بالكسر. وإنما نُعِتَ فرعون بالأوتاد لأنه كانت له أوتاد يلعب له عليها؛ قاله ابن عباس وقتادة وابن جبير. وقال السدي: كان يُعذِّب الناس بالأوتاد؛ يعذبهم بأربعة أوتاد، ثم يرفع (الصخرة تمد بالحبال) ثم تُلقى عليه فتشدخه. وقال الضحاك: ﴿ذُو ٱلأَوْتَادِ﴾: ذو البُنيان. وقد تقدم ذكر الأيكة في الشعراء. * * وقوله: ﴿أُوْلَـٰئِكَ ٱلأَحْزَابُ﴾، أي: الجماعة المتحزبة على معاصي الله تعالى والكفر به سبحانه وتعالى. * * ثم قال: ﴿إِن كُلٌّ إِلاَّ كَذَّبَ ٱلرُّسُلَ﴾، أي: ما كل هؤلاء الأمم إلا كذب الرسل فيما جاؤهم به. ﴿فَحَقَّ عِقَابِ﴾، أي: وجب عليهم عقاب الله تعالى ثم قال تعالى: ﴿وَمَا يَنظُرُ هَـٰؤُلآءِ إِلاَّ صَيْحَةً واحِدَةً مَّا لَهَا مِن فَوَاقٍ﴾، أي: وما ينتظر هؤلاء المشركون بالله سبحانه إلا صيحة واحدة - وهي النفخة الأولى في الصور - ما لها من فتور ولا انقطاع. وروى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: "لَمَّا فَرَغَ الله مِنْ خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ خَلَقَ الصُّورَ وأَعْطَاهُ إسْرَافِيلَ. فَهْوَ واضِعُهُ عَلَى فِيهِ، شَاخِصٌ بَصَرُهُ إلى الْعَرْشِ يَنْتَظِرُ مَتَى يُؤْمَرُ. قال أبو هريرة: يا رسول الله، وما الصُّورُ؟ قال: قَرْنٌ. قال: وكيف هو؟ قال: قَرْنٌ عَظِيمٌ يُنْفَخُ فِيه ثَلاَثَ نَفَخَاتٍ: نَفْخَة الفَزَعِ، فَيَفْزَعُ أهْلُ السَّماواتِ وأهْلُ الأرْضِ إلاَّ مَنْ شَاءَ اللهَ. وَيَأْمُرهُ الله فَيُدِيُمَها وَيُطَوِّلُهَا فَلاَ تَفْتُرُ. وَهِيَ التَّي يَقُولُ اللهُ جَلّ وعزّ: ﴿وَمَا يَنظُرُ هَـٰؤُلآءِ إِلاَّ صَيْحَةً واحِدَةً مَّا لَهَا مِن فَوَاقٍ﴾ وقال ابن عباس: ﴿فَوَاقٍ﴾: ترداد. وعنه: من رجعة وقال مجاهد: "من رجوع". وقال قتادة: من مثنوية ولا رجوع (ولا ارتداد). وقال السدى: معناه: ما لهؤلاء المشركين بعد ذلك من إفاقة ولا رجوع إلى الدنيا. وقال ابن زيد معناه: ما ينتظر هؤلاء المشركون إلا عذاباً يهلكهم. فالصيحة عنده: العذاب. ﴿مَّا لَهَا مِن فَوَاقٍ﴾، أي لا يفيقون منها كما يفيق الذي يُغشى عليه. وأصل هذا من فواق الناقة، وهو ما بين الحلبتين من الراحة. فالمعنى: ما لها من راحة، أي: لا يروحون حتى يتوبوا ويرجعوا عن كفرهم. * * ثم قال تعالى: ﴿وَقَالُواْ رَبَّنَا عَجِّل لَّنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ ٱلْحِسَابِ﴾، أي: وقال هؤلاء المشركون من قريش: عجل لنا كتابنا قبل يوم القيامة. والقط في كلام العرب: الصحيفة المكتوبة. فإنما سألوا تعجيل حظهم من العذاب، قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة. فهو مثل قولهم: " ﴿ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ﴾ [الأنفال: ٣٢]" الآية. وقال السدي: إنما سألو تعجيل رؤية حظهم من الجنة ورؤية منازلهم ليعلموا حقيقة ما يعدهم به محمد ﷺ. وقال ابن جبير: سألو تعجيل حظهم من الجنة يتنعمون به في الدنيا. وقيل: إنما سألو تعجيل رزقهم قبل وقته. وقيل: إنما سألو تعجيل كتبهم التي تؤخذ بالإيمان والشمائل، لينظروا أبأيمانهم يعطونها أم بشمائلهم، فيعلمون أمن أهل الجنة هم أم من أهل النار، استهزاء منهم بالقرآن وبوعد الله جل ذكره.

ص 38:11

قوله تعالى ذكره: ﴿وَٱنطَلَقَ ٱلْمَلأُ مِنْهُمْ أَنِ ٱمْشُواْ﴾ - إلى قوله - ﴿قَبْلَ يَوْمِ ٱلْحِسَابِ﴾. أي: وانطلق الأشراف من مشركي قريش القائلين: ﴿أَجَعَلَ ٱلآلِهَةَ إِلَـٰهاً وَاحِداً﴾، يقولون للعوام: أمشوا واصبروا على عبادة آلهتكم، أي: اصبروا على دين آبائكم. وكان لهم يومئذ ثلاث مائة صنم وستون صنماً يعبدونها من دون الله سبحانه وروي أن قائل ذلك كان عقبة بن أبي معيط. * * وقوله: ﴿أَنِ ٱمْشُواْ﴾، معناه: تناسلوا، كأنه دعا لهم بالنماء وهو من قول العرب: مَشَى الرجل وأُمْشَى إذا كثرت ماشيته، وأمشت المرأة: كَثُرَ وَلَدُها. قال الشاعر: ؎ ........................ ∗∗∗ * والشَّاةُ لا تُمْشَى على الهمَلَّعِ أي: لا تُنْهى عن الذنب. (والهملع: الذئب). ثم قال عنهم إنهم قالو: ﴿إِنَّ هَـٰذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ﴾، أي: لشيء يريد بنا محمد - ﷺ - يطلب علينا الاستعلاء به، وأن يكون له فينا اتباع. ثم قالو: ﴿مَا سَمِعْنَا بِهَـٰذَا فِى ٱلْمِلَّةِ ٱلآخِرَةِ﴾. قال ابن عباس: يعنون النصرانية دين عيسى. أي: لم نسمع في دين عيسى ﷺ أن محمداً يبعث رسولاً إلينا ولا يأتينا بكتاب. ﴿إِنْ هَـٰذَا إِلاَّ ٱخْتِلاَقٌ﴾، أي: ما هذا إلا كذب. وعن ابن عباس أن المعنى: لو كان هذا القرآن حقاً لأخبرنا به النصارى. وقال مجاهد: معناه ملة قريش. وقال قتادة: معناه في زماننا وديننا. قال أبو اسحاق: ﴿فِى ٱلْمِلَّةِ ٱلآخِرَةِ﴾: في النصرانية ولا في اليهودية ولا فيما أدركنا عليه آباءنا. * * ثم قال: ﴿إِنْ هَـٰذَا إِلاَّ ٱخْتِلاَقٌ﴾، أي: ما هذا الذي أتانا به محمد ﷺ إلاّ كذب اختلقه وتخرصه وابتدعه حسداً منهم لمحمد ﷺ. ودل على أنه حسد منهم قوله عنهم: ﴿أَءُنزِلَ عَلَيْهِ ٱلذِّكْرُ مِن بَيْنِنَا﴾، أي: كيف خُصَّ محمد بنزول القرآن عليه من بيننا. وهذا كقولهم: ﴿وَقَالُواْ لَوْلاَ نُزِّلَ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ ٱلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١] أي: من إحدى القريتين، يعنون: مكة والطائف، يعنون: الوليد بن المغيرة المخزومي من أهل مكة، وعروة بن مسعود الثقفي من أهل الطائف. والمعنى: على أحد رجلين من إحدى القريتين. * * ثم قال تعالى: ﴿بَلْ هُمْ فَي شَكٍّ مِّن ذِكْرِي﴾، أي: في شك من القرآن. ﴿بَل لَّمَّا يَذُوقُواْ عَذَابِ﴾، أي: لم يذوقوا العذاب، ولو ذاقوه لأيقنوا حقيقة ما هم فيه وعلموا أن الذين كذَّبوا به حق. * * ثم قال: ﴿أَمْ عِندَهُمْ خَزَآئِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ ٱلْعَزِيزِ ٱلْوَهَّابِ﴾، أي: أم عند هؤلاء المكذبين مفاتح ربك وعطاياه، فَيَخُصُّوا من شاءوا بالرسالة. العزيز في سلطانه، الوهاب لمن يشاء من خلقه ما يشاء من رسالته وكرامته. ثم قال جل ذكره: ﴿أَمْ لَهُم مُّلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَلْيَرْتَقُواْ فِى ٱلأَسْبَابِ﴾، أي: إن كان لهم مُلْكُ ذلك فليصعدوا في أبواب السماء أو طرفيها، لأن من كان له ملك ذلك لم يتعذر عليه الصعود فيه، هذا معنى قول مجاهد وقتادة وابن زيد وقال الضحاك: فليرتقوا إلى السماء السابعة. وقال الربيع بن أنس: الأسباب أَرَقُّ من الشعر وأشَدُّ من الحديد، وهو مكان ولكن لا يُرى. والسبب هو: كل شيء يوصل به إلى المطلوب من حبل أو جبل أو ستر أو رحم أو قرابة أو طريق أو باب. يقال: رَقِيَ يَرْقَى رَقْياً إذا صعد، كرَضِيَ يرضى. ومثله: ارتقى يرتقي إذا صعد ويقال: رقى يرقِي رقياً من الرقية مثل: رمى يرمي رمياً. * * ثم قال: ﴿جُندٌ مَّا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ مِّن ٱلأَحَزَابِ﴾. يعني بقوله: ﴿جُندٌ مَّا هُنَالِكَ﴾: الذين قال فيهم: ﴿بَل لَّمَّا يَذُوقُواْ عَذَابِ﴾ وهم أشراف قريش الذين هُزِموا وقُتلوا يوم بدر. والتقدير: هم جند مهزوم هنالك. * * ومعنى ﴿مِّن ٱلأَحَزَابِ﴾: من القرون الماضية. قال قتادة: وعد الله تعالى نبيه ﷺ وهو بمكة أنه سيهزم جنداً من المشركين، فجاء يوم بدر تأويلها. وقال الفراء: معناه: هم جند مغلوب أن يصعد السماء. وقيل: هم الأحزاب الذين تحزبوا على رسول الله ﷺ فأتوا إلى المدينة فهزمهم الله عز وجل بالريح والخوف. فأعلم الله عز وجل نبيه ﷺ ومن معه من المؤمنين أنه سيتحزب عليهم المشركون، وأنهم سيُهزمون. فكان في ذلك أبين دلالة لهم على نبوة محمد ﷺ وصِدْقِه في جميع ما يَعِدُهُم به، ولذلك قال تعالى: ﴿وَلَمَّا رَأَى ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلأَحْزَابَ قَالُواْ هَـٰذَا مَا وَعَدَنَا ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ [الأحزاب: ٢٢] الآية لأنه أخبرهم بذلك وهم في مكة ثم جاءهم ما أخبرهم به وهم في المدينة. ثم قال تعالى ذكره: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ﴾، أي: قبل قريش، وكذلك عاد ﴿وفِرْعَوْنُ ذُو ٱلأَوْتَادِ﴾. فرعون هو: الوليد بن مصعب. وقيل هو: مصعب بن الديان. وقيل: كان يسمى كل من مَلَكَ مصر فرعون، كما يسمى كلُّ من ملك اليمين تُبّعاً، ومن مَلَكَ فارس كسرى، ومن مَلَكَ الروم قيصر وهرقل. قال المبرد: كَسرى بالفتح. وقال غيره: بالكسر. وإنما نُعِتَ فرعون بالأوتاد لأنه كانت له أوتاد يلعب له عليها؛ قاله ابن عباس وقتادة وابن جبير. وقال السدي: كان يُعذِّب الناس بالأوتاد؛ يعذبهم بأربعة أوتاد، ثم يرفع (الصخرة تمد بالحبال) ثم تُلقى عليه فتشدخه. وقال الضحاك: ﴿ذُو ٱلأَوْتَادِ﴾: ذو البُنيان. وقد تقدم ذكر الأيكة في الشعراء. * * وقوله: ﴿أُوْلَـٰئِكَ ٱلأَحْزَابُ﴾، أي: الجماعة المتحزبة على معاصي الله تعالى والكفر به سبحانه وتعالى. * * ثم قال: ﴿إِن كُلٌّ إِلاَّ كَذَّبَ ٱلرُّسُلَ﴾، أي: ما كل هؤلاء الأمم إلا كذب الرسل فيما جاؤهم به. ﴿فَحَقَّ عِقَابِ﴾، أي: وجب عليهم عقاب الله تعالى ثم قال تعالى: ﴿وَمَا يَنظُرُ هَـٰؤُلآءِ إِلاَّ صَيْحَةً واحِدَةً مَّا لَهَا مِن فَوَاقٍ﴾، أي: وما ينتظر هؤلاء المشركون بالله سبحانه إلا صيحة واحدة - وهي النفخة الأولى في الصور - ما لها من فتور ولا انقطاع. وروى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: "لَمَّا فَرَغَ الله مِنْ خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ خَلَقَ الصُّورَ وأَعْطَاهُ إسْرَافِيلَ. فَهْوَ واضِعُهُ عَلَى فِيهِ، شَاخِصٌ بَصَرُهُ إلى الْعَرْشِ يَنْتَظِرُ مَتَى يُؤْمَرُ. قال أبو هريرة: يا رسول الله، وما الصُّورُ؟ قال: قَرْنٌ. قال: وكيف هو؟ قال: قَرْنٌ عَظِيمٌ يُنْفَخُ فِيه ثَلاَثَ نَفَخَاتٍ: نَفْخَة الفَزَعِ، فَيَفْزَعُ أهْلُ السَّماواتِ وأهْلُ الأرْضِ إلاَّ مَنْ شَاءَ اللهَ. وَيَأْمُرهُ الله فَيُدِيُمَها وَيُطَوِّلُهَا فَلاَ تَفْتُرُ. وَهِيَ التَّي يَقُولُ اللهُ جَلّ وعزّ: ﴿وَمَا يَنظُرُ هَـٰؤُلآءِ إِلاَّ صَيْحَةً واحِدَةً مَّا لَهَا مِن فَوَاقٍ﴾ وقال ابن عباس: ﴿فَوَاقٍ﴾: ترداد. وعنه: من رجعة وقال مجاهد: "من رجوع". وقال قتادة: من مثنوية ولا رجوع (ولا ارتداد). وقال السدى: معناه: ما لهؤلاء المشركين بعد ذلك من إفاقة ولا رجوع إلى الدنيا. وقال ابن زيد معناه: ما ينتظر هؤلاء المشركون إلا عذاباً يهلكهم. فالصيحة عنده: العذاب. ﴿مَّا لَهَا مِن فَوَاقٍ﴾، أي لا يفيقون منها كما يفيق الذي يُغشى عليه. وأصل هذا من فواق الناقة، وهو ما بين الحلبتين من الراحة. فالمعنى: ما لها من راحة، أي: لا يروحون حتى يتوبوا ويرجعوا عن كفرهم. * * ثم قال تعالى: ﴿وَقَالُواْ رَبَّنَا عَجِّل لَّنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ ٱلْحِسَابِ﴾، أي: وقال هؤلاء المشركون من قريش: عجل لنا كتابنا قبل يوم القيامة. والقط في كلام العرب: الصحيفة المكتوبة. فإنما سألوا تعجيل حظهم من العذاب، قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة. فهو مثل قولهم: " ﴿ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ﴾ [الأنفال: ٣٢]" الآية. وقال السدي: إنما سألو تعجيل رؤية حظهم من الجنة ورؤية منازلهم ليعلموا حقيقة ما يعدهم به محمد ﷺ. وقال ابن جبير: سألو تعجيل حظهم من الجنة يتنعمون به في الدنيا. وقيل: إنما سألو تعجيل رزقهم قبل وقته. وقيل: إنما سألو تعجيل كتبهم التي تؤخذ بالإيمان والشمائل، لينظروا أبأيمانهم يعطونها أم بشمائلهم، فيعلمون أمن أهل الجنة هم أم من أهل النار، استهزاء منهم بالقرآن وبوعد الله جل ذكره.

ص 38:12

قوله تعالى ذكره: ﴿وَٱنطَلَقَ ٱلْمَلأُ مِنْهُمْ أَنِ ٱمْشُواْ﴾ - إلى قوله - ﴿قَبْلَ يَوْمِ ٱلْحِسَابِ﴾. أي: وانطلق الأشراف من مشركي قريش القائلين: ﴿أَجَعَلَ ٱلآلِهَةَ إِلَـٰهاً وَاحِداً﴾، يقولون للعوام: أمشوا واصبروا على عبادة آلهتكم، أي: اصبروا على دين آبائكم. وكان لهم يومئذ ثلاث مائة صنم وستون صنماً يعبدونها من دون الله سبحانه وروي أن قائل ذلك كان عقبة بن أبي معيط. * * وقوله: ﴿أَنِ ٱمْشُواْ﴾، معناه: تناسلوا، كأنه دعا لهم بالنماء وهو من قول العرب: مَشَى الرجل وأُمْشَى إذا كثرت ماشيته، وأمشت المرأة: كَثُرَ وَلَدُها. قال الشاعر: ؎ ........................ ∗∗∗ * والشَّاةُ لا تُمْشَى على الهمَلَّعِ أي: لا تُنْهى عن الذنب. (والهملع: الذئب). ثم قال عنهم إنهم قالو: ﴿إِنَّ هَـٰذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ﴾، أي: لشيء يريد بنا محمد - ﷺ - يطلب علينا الاستعلاء به، وأن يكون له فينا اتباع. ثم قالو: ﴿مَا سَمِعْنَا بِهَـٰذَا فِى ٱلْمِلَّةِ ٱلآخِرَةِ﴾. قال ابن عباس: يعنون النصرانية دين عيسى. أي: لم نسمع في دين عيسى ﷺ أن محمداً يبعث رسولاً إلينا ولا يأتينا بكتاب. ﴿إِنْ هَـٰذَا إِلاَّ ٱخْتِلاَقٌ﴾، أي: ما هذا إلا كذب. وعن ابن عباس أن المعنى: لو كان هذا القرآن حقاً لأخبرنا به النصارى. وقال مجاهد: معناه ملة قريش. وقال قتادة: معناه في زماننا وديننا. قال أبو اسحاق: ﴿فِى ٱلْمِلَّةِ ٱلآخِرَةِ﴾: في النصرانية ولا في اليهودية ولا فيما أدركنا عليه آباءنا. * * ثم قال: ﴿إِنْ هَـٰذَا إِلاَّ ٱخْتِلاَقٌ﴾، أي: ما هذا الذي أتانا به محمد ﷺ إلاّ كذب اختلقه وتخرصه وابتدعه حسداً منهم لمحمد ﷺ. ودل على أنه حسد منهم قوله عنهم: ﴿أَءُنزِلَ عَلَيْهِ ٱلذِّكْرُ مِن بَيْنِنَا﴾، أي: كيف خُصَّ محمد بنزول القرآن عليه من بيننا. وهذا كقولهم: ﴿وَقَالُواْ لَوْلاَ نُزِّلَ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ ٱلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١] أي: من إحدى القريتين، يعنون: مكة والطائف، يعنون: الوليد بن المغيرة المخزومي من أهل مكة، وعروة بن مسعود الثقفي من أهل الطائف. والمعنى: على أحد رجلين من إحدى القريتين. * * ثم قال تعالى: ﴿بَلْ هُمْ فَي شَكٍّ مِّن ذِكْرِي﴾، أي: في شك من القرآن. ﴿بَل لَّمَّا يَذُوقُواْ عَذَابِ﴾، أي: لم يذوقوا العذاب، ولو ذاقوه لأيقنوا حقيقة ما هم فيه وعلموا أن الذين كذَّبوا به حق. * * ثم قال: ﴿أَمْ عِندَهُمْ خَزَآئِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ ٱلْعَزِيزِ ٱلْوَهَّابِ﴾، أي: أم عند هؤلاء المكذبين مفاتح ربك وعطاياه، فَيَخُصُّوا من شاءوا بالرسالة. العزيز في سلطانه، الوهاب لمن يشاء من خلقه ما يشاء من رسالته وكرامته. ثم قال جل ذكره: ﴿أَمْ لَهُم مُّلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَلْيَرْتَقُواْ فِى ٱلأَسْبَابِ﴾، أي: إن كان لهم مُلْكُ ذلك فليصعدوا في أبواب السماء أو طرفيها، لأن من كان له ملك ذلك لم يتعذر عليه الصعود فيه، هذا معنى قول مجاهد وقتادة وابن زيد وقال الضحاك: فليرتقوا إلى السماء السابعة. وقال الربيع بن أنس: الأسباب أَرَقُّ من الشعر وأشَدُّ من الحديد، وهو مكان ولكن لا يُرى. والسبب هو: كل شيء يوصل به إلى المطلوب من حبل أو جبل أو ستر أو رحم أو قرابة أو طريق أو باب. يقال: رَقِيَ يَرْقَى رَقْياً إذا صعد، كرَضِيَ يرضى. ومثله: ارتقى يرتقي إذا صعد ويقال: رقى يرقِي رقياً من الرقية مثل: رمى يرمي رمياً. * * ثم قال: ﴿جُندٌ مَّا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ مِّن ٱلأَحَزَابِ﴾. يعني بقوله: ﴿جُندٌ مَّا هُنَالِكَ﴾: الذين قال فيهم: ﴿بَل لَّمَّا يَذُوقُواْ عَذَابِ﴾ وهم أشراف قريش الذين هُزِموا وقُتلوا يوم بدر. والتقدير: هم جند مهزوم هنالك. * * ومعنى ﴿مِّن ٱلأَحَزَابِ﴾: من القرون الماضية. قال قتادة: وعد الله تعالى نبيه ﷺ وهو بمكة أنه سيهزم جنداً من المشركين، فجاء يوم بدر تأويلها. وقال الفراء: معناه: هم جند مغلوب أن يصعد السماء. وقيل: هم الأحزاب الذين تحزبوا على رسول الله ﷺ فأتوا إلى المدينة فهزمهم الله عز وجل بالريح والخوف. فأعلم الله عز وجل نبيه ﷺ ومن معه من المؤمنين أنه سيتحزب عليهم المشركون، وأنهم سيُهزمون. فكان في ذلك أبين دلالة لهم على نبوة محمد ﷺ وصِدْقِه في جميع ما يَعِدُهُم به، ولذلك قال تعالى: ﴿وَلَمَّا رَأَى ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلأَحْزَابَ قَالُواْ هَـٰذَا مَا وَعَدَنَا ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ [الأحزاب: ٢٢] الآية لأنه أخبرهم بذلك وهم في مكة ثم جاءهم ما أخبرهم به وهم في المدينة. ثم قال تعالى ذكره: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ﴾، أي: قبل قريش، وكذلك عاد ﴿وفِرْعَوْنُ ذُو ٱلأَوْتَادِ﴾. فرعون هو: الوليد بن مصعب. وقيل هو: مصعب بن الديان. وقيل: كان يسمى كل من مَلَكَ مصر فرعون، كما يسمى كلُّ من ملك اليمين تُبّعاً، ومن مَلَكَ فارس كسرى، ومن مَلَكَ الروم قيصر وهرقل. قال المبرد: كَسرى بالفتح. وقال غيره: بالكسر. وإنما نُعِتَ فرعون بالأوتاد لأنه كانت له أوتاد يلعب له عليها؛ قاله ابن عباس وقتادة وابن جبير. وقال السدي: كان يُعذِّب الناس بالأوتاد؛ يعذبهم بأربعة أوتاد، ثم يرفع (الصخرة تمد بالحبال) ثم تُلقى عليه فتشدخه. وقال الضحاك: ﴿ذُو ٱلأَوْتَادِ﴾: ذو البُنيان. وقد تقدم ذكر الأيكة في الشعراء. * * وقوله: ﴿أُوْلَـٰئِكَ ٱلأَحْزَابُ﴾، أي: الجماعة المتحزبة على معاصي الله تعالى والكفر به سبحانه وتعالى. * * ثم قال: ﴿إِن كُلٌّ إِلاَّ كَذَّبَ ٱلرُّسُلَ﴾، أي: ما كل هؤلاء الأمم إلا كذب الرسل فيما جاؤهم به. ﴿فَحَقَّ عِقَابِ﴾، أي: وجب عليهم عقاب الله تعالى ثم قال تعالى: ﴿وَمَا يَنظُرُ هَـٰؤُلآءِ إِلاَّ صَيْحَةً واحِدَةً مَّا لَهَا مِن فَوَاقٍ﴾، أي: وما ينتظر هؤلاء المشركون بالله سبحانه إلا صيحة واحدة - وهي النفخة الأولى في الصور - ما لها من فتور ولا انقطاع. وروى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: "لَمَّا فَرَغَ الله مِنْ خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ خَلَقَ الصُّورَ وأَعْطَاهُ إسْرَافِيلَ. فَهْوَ واضِعُهُ عَلَى فِيهِ، شَاخِصٌ بَصَرُهُ إلى الْعَرْشِ يَنْتَظِرُ مَتَى يُؤْمَرُ. قال أبو هريرة: يا رسول الله، وما الصُّورُ؟ قال: قَرْنٌ. قال: وكيف هو؟ قال: قَرْنٌ عَظِيمٌ يُنْفَخُ فِيه ثَلاَثَ نَفَخَاتٍ: نَفْخَة الفَزَعِ، فَيَفْزَعُ أهْلُ السَّماواتِ وأهْلُ الأرْضِ إلاَّ مَنْ شَاءَ اللهَ. وَيَأْمُرهُ الله فَيُدِيُمَها وَيُطَوِّلُهَا فَلاَ تَفْتُرُ. وَهِيَ التَّي يَقُولُ اللهُ جَلّ وعزّ: ﴿وَمَا يَنظُرُ هَـٰؤُلآءِ إِلاَّ صَيْحَةً واحِدَةً مَّا لَهَا مِن فَوَاقٍ﴾ وقال ابن عباس: ﴿فَوَاقٍ﴾: ترداد. وعنه: من رجعة وقال مجاهد: "من رجوع". وقال قتادة: من مثنوية ولا رجوع (ولا ارتداد). وقال السدى: معناه: ما لهؤلاء المشركين بعد ذلك من إفاقة ولا رجوع إلى الدنيا. وقال ابن زيد معناه: ما ينتظر هؤلاء المشركون إلا عذاباً يهلكهم. فالصيحة عنده: العذاب. ﴿مَّا لَهَا مِن فَوَاقٍ﴾، أي لا يفيقون منها كما يفيق الذي يُغشى عليه. وأصل هذا من فواق الناقة، وهو ما بين الحلبتين من الراحة. فالمعنى: ما لها من راحة، أي: لا يروحون حتى يتوبوا ويرجعوا عن كفرهم. * * ثم قال تعالى: ﴿وَقَالُواْ رَبَّنَا عَجِّل لَّنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ ٱلْحِسَابِ﴾، أي: وقال هؤلاء المشركون من قريش: عجل لنا كتابنا قبل يوم القيامة. والقط في كلام العرب: الصحيفة المكتوبة. فإنما سألوا تعجيل حظهم من العذاب، قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة. فهو مثل قولهم: " ﴿ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ﴾ [الأنفال: ٣٢]" الآية. وقال السدي: إنما سألو تعجيل رؤية حظهم من الجنة ورؤية منازلهم ليعلموا حقيقة ما يعدهم به محمد ﷺ. وقال ابن جبير: سألو تعجيل حظهم من الجنة يتنعمون به في الدنيا. وقيل: إنما سألو تعجيل رزقهم قبل وقته. وقيل: إنما سألو تعجيل كتبهم التي تؤخذ بالإيمان والشمائل، لينظروا أبأيمانهم يعطونها أم بشمائلهم، فيعلمون أمن أهل الجنة هم أم من أهل النار، استهزاء منهم بالقرآن وبوعد الله جل ذكره.

ص 38:13

قوله تعالى ذكره: ﴿وَٱنطَلَقَ ٱلْمَلأُ مِنْهُمْ أَنِ ٱمْشُواْ﴾ - إلى قوله - ﴿قَبْلَ يَوْمِ ٱلْحِسَابِ﴾. أي: وانطلق الأشراف من مشركي قريش القائلين: ﴿أَجَعَلَ ٱلآلِهَةَ إِلَـٰهاً وَاحِداً﴾، يقولون للعوام: أمشوا واصبروا على عبادة آلهتكم، أي: اصبروا على دين آبائكم. وكان لهم يومئذ ثلاث مائة صنم وستون صنماً يعبدونها من دون الله سبحانه وروي أن قائل ذلك كان عقبة بن أبي معيط. * * وقوله: ﴿أَنِ ٱمْشُواْ﴾، معناه: تناسلوا، كأنه دعا لهم بالنماء وهو من قول العرب: مَشَى الرجل وأُمْشَى إذا كثرت ماشيته، وأمشت المرأة: كَثُرَ وَلَدُها. قال الشاعر: ؎ ........................ ∗∗∗ * والشَّاةُ لا تُمْشَى على الهمَلَّعِ أي: لا تُنْهى عن الذنب. (والهملع: الذئب). ثم قال عنهم إنهم قالو: ﴿إِنَّ هَـٰذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ﴾، أي: لشيء يريد بنا محمد - ﷺ - يطلب علينا الاستعلاء به، وأن يكون له فينا اتباع. ثم قالو: ﴿مَا سَمِعْنَا بِهَـٰذَا فِى ٱلْمِلَّةِ ٱلآخِرَةِ﴾. قال ابن عباس: يعنون النصرانية دين عيسى. أي: لم نسمع في دين عيسى ﷺ أن محمداً يبعث رسولاً إلينا ولا يأتينا بكتاب. ﴿إِنْ هَـٰذَا إِلاَّ ٱخْتِلاَقٌ﴾، أي: ما هذا إلا كذب. وعن ابن عباس أن المعنى: لو كان هذا القرآن حقاً لأخبرنا به النصارى. وقال مجاهد: معناه ملة قريش. وقال قتادة: معناه في زماننا وديننا. قال أبو اسحاق: ﴿فِى ٱلْمِلَّةِ ٱلآخِرَةِ﴾: في النصرانية ولا في اليهودية ولا فيما أدركنا عليه آباءنا. * * ثم قال: ﴿إِنْ هَـٰذَا إِلاَّ ٱخْتِلاَقٌ﴾، أي: ما هذا الذي أتانا به محمد ﷺ إلاّ كذب اختلقه وتخرصه وابتدعه حسداً منهم لمحمد ﷺ. ودل على أنه حسد منهم قوله عنهم: ﴿أَءُنزِلَ عَلَيْهِ ٱلذِّكْرُ مِن بَيْنِنَا﴾، أي: كيف خُصَّ محمد بنزول القرآن عليه من بيننا. وهذا كقولهم: ﴿وَقَالُواْ لَوْلاَ نُزِّلَ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ ٱلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١] أي: من إحدى القريتين، يعنون: مكة والطائف، يعنون: الوليد بن المغيرة المخزومي من أهل مكة، وعروة بن مسعود الثقفي من أهل الطائف. والمعنى: على أحد رجلين من إحدى القريتين. * * ثم قال تعالى: ﴿بَلْ هُمْ فَي شَكٍّ مِّن ذِكْرِي﴾، أي: في شك من القرآن. ﴿بَل لَّمَّا يَذُوقُواْ عَذَابِ﴾، أي: لم يذوقوا العذاب، ولو ذاقوه لأيقنوا حقيقة ما هم فيه وعلموا أن الذين كذَّبوا به حق. * * ثم قال: ﴿أَمْ عِندَهُمْ خَزَآئِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ ٱلْعَزِيزِ ٱلْوَهَّابِ﴾، أي: أم عند هؤلاء المكذبين مفاتح ربك وعطاياه، فَيَخُصُّوا من شاءوا بالرسالة. العزيز في سلطانه، الوهاب لمن يشاء من خلقه ما يشاء من رسالته وكرامته. ثم قال جل ذكره: ﴿أَمْ لَهُم مُّلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَلْيَرْتَقُواْ فِى ٱلأَسْبَابِ﴾، أي: إن كان لهم مُلْكُ ذلك فليصعدوا في أبواب السماء أو طرفيها، لأن من كان له ملك ذلك لم يتعذر عليه الصعود فيه، هذا معنى قول مجاهد وقتادة وابن زيد وقال الضحاك: فليرتقوا إلى السماء السابعة. وقال الربيع بن أنس: الأسباب أَرَقُّ من الشعر وأشَدُّ من الحديد، وهو مكان ولكن لا يُرى. والسبب هو: كل شيء يوصل به إلى المطلوب من حبل أو جبل أو ستر أو رحم أو قرابة أو طريق أو باب. يقال: رَقِيَ يَرْقَى رَقْياً إذا صعد، كرَضِيَ يرضى. ومثله: ارتقى يرتقي إذا صعد ويقال: رقى يرقِي رقياً من الرقية مثل: رمى يرمي رمياً. * * ثم قال: ﴿جُندٌ مَّا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ مِّن ٱلأَحَزَابِ﴾. يعني بقوله: ﴿جُندٌ مَّا هُنَالِكَ﴾: الذين قال فيهم: ﴿بَل لَّمَّا يَذُوقُواْ عَذَابِ﴾ وهم أشراف قريش الذين هُزِموا وقُتلوا يوم بدر. والتقدير: هم جند مهزوم هنالك. * * ومعنى ﴿مِّن ٱلأَحَزَابِ﴾: من القرون الماضية. قال قتادة: وعد الله تعالى نبيه ﷺ وهو بمكة أنه سيهزم جنداً من المشركين، فجاء يوم بدر تأويلها. وقال الفراء: معناه: هم جند مغلوب أن يصعد السماء. وقيل: هم الأحزاب الذين تحزبوا على رسول الله ﷺ فأتوا إلى المدينة فهزمهم الله عز وجل بالريح والخوف. فأعلم الله عز وجل نبيه ﷺ ومن معه من المؤمنين أنه سيتحزب عليهم المشركون، وأنهم سيُهزمون. فكان في ذلك أبين دلالة لهم على نبوة محمد ﷺ وصِدْقِه في جميع ما يَعِدُهُم به، ولذلك قال تعالى: ﴿وَلَمَّا رَأَى ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلأَحْزَابَ قَالُواْ هَـٰذَا مَا وَعَدَنَا ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ [الأحزاب: ٢٢] الآية لأنه أخبرهم بذلك وهم في مكة ثم جاءهم ما أخبرهم به وهم في المدينة. ثم قال تعالى ذكره: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ﴾، أي: قبل قريش، وكذلك عاد ﴿وفِرْعَوْنُ ذُو ٱلأَوْتَادِ﴾. فرعون هو: الوليد بن مصعب. وقيل هو: مصعب بن الديان. وقيل: كان يسمى كل من مَلَكَ مصر فرعون، كما يسمى كلُّ من ملك اليمين تُبّعاً، ومن مَلَكَ فارس كسرى، ومن مَلَكَ الروم قيصر وهرقل. قال المبرد: كَسرى بالفتح. وقال غيره: بالكسر. وإنما نُعِتَ فرعون بالأوتاد لأنه كانت له أوتاد يلعب له عليها؛ قاله ابن عباس وقتادة وابن جبير. وقال السدي: كان يُعذِّب الناس بالأوتاد؛ يعذبهم بأربعة أوتاد، ثم يرفع (الصخرة تمد بالحبال) ثم تُلقى عليه فتشدخه. وقال الضحاك: ﴿ذُو ٱلأَوْتَادِ﴾: ذو البُنيان. وقد تقدم ذكر الأيكة في الشعراء. * * وقوله: ﴿أُوْلَـٰئِكَ ٱلأَحْزَابُ﴾، أي: الجماعة المتحزبة على معاصي الله تعالى والكفر به سبحانه وتعالى. * * ثم قال: ﴿إِن كُلٌّ إِلاَّ كَذَّبَ ٱلرُّسُلَ﴾، أي: ما كل هؤلاء الأمم إلا كذب الرسل فيما جاؤهم به. ﴿فَحَقَّ عِقَابِ﴾، أي: وجب عليهم عقاب الله تعالى ثم قال تعالى: ﴿وَمَا يَنظُرُ هَـٰؤُلآءِ إِلاَّ صَيْحَةً واحِدَةً مَّا لَهَا مِن فَوَاقٍ﴾، أي: وما ينتظر هؤلاء المشركون بالله سبحانه إلا صيحة واحدة - وهي النفخة الأولى في الصور - ما لها من فتور ولا انقطاع. وروى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: "لَمَّا فَرَغَ الله مِنْ خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ خَلَقَ الصُّورَ وأَعْطَاهُ إسْرَافِيلَ. فَهْوَ واضِعُهُ عَلَى فِيهِ، شَاخِصٌ بَصَرُهُ إلى الْعَرْشِ يَنْتَظِرُ مَتَى يُؤْمَرُ. قال أبو هريرة: يا رسول الله، وما الصُّورُ؟ قال: قَرْنٌ. قال: وكيف هو؟ قال: قَرْنٌ عَظِيمٌ يُنْفَخُ فِيه ثَلاَثَ نَفَخَاتٍ: نَفْخَة الفَزَعِ، فَيَفْزَعُ أهْلُ السَّماواتِ وأهْلُ الأرْضِ إلاَّ مَنْ شَاءَ اللهَ. وَيَأْمُرهُ الله فَيُدِيُمَها وَيُطَوِّلُهَا فَلاَ تَفْتُرُ. وَهِيَ التَّي يَقُولُ اللهُ جَلّ وعزّ: ﴿وَمَا يَنظُرُ هَـٰؤُلآءِ إِلاَّ صَيْحَةً واحِدَةً مَّا لَهَا مِن فَوَاقٍ﴾ وقال ابن عباس: ﴿فَوَاقٍ﴾: ترداد. وعنه: من رجعة وقال مجاهد: "من رجوع". وقال قتادة: من مثنوية ولا رجوع (ولا ارتداد). وقال السدى: معناه: ما لهؤلاء المشركين بعد ذلك من إفاقة ولا رجوع إلى الدنيا. وقال ابن زيد معناه: ما ينتظر هؤلاء المشركون إلا عذاباً يهلكهم. فالصيحة عنده: العذاب. ﴿مَّا لَهَا مِن فَوَاقٍ﴾، أي لا يفيقون منها كما يفيق الذي يُغشى عليه. وأصل هذا من فواق الناقة، وهو ما بين الحلبتين من الراحة. فالمعنى: ما لها من راحة، أي: لا يروحون حتى يتوبوا ويرجعوا عن كفرهم. * * ثم قال تعالى: ﴿وَقَالُواْ رَبَّنَا عَجِّل لَّنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ ٱلْحِسَابِ﴾، أي: وقال هؤلاء المشركون من قريش: عجل لنا كتابنا قبل يوم القيامة. والقط في كلام العرب: الصحيفة المكتوبة. فإنما سألوا تعجيل حظهم من العذاب، قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة. فهو مثل قولهم: " ﴿ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ﴾ [الأنفال: ٣٢]" الآية. وقال السدي: إنما سألو تعجيل رؤية حظهم من الجنة ورؤية منازلهم ليعلموا حقيقة ما يعدهم به محمد ﷺ. وقال ابن جبير: سألو تعجيل حظهم من الجنة يتنعمون به في الدنيا. وقيل: إنما سألو تعجيل رزقهم قبل وقته. وقيل: إنما سألو تعجيل كتبهم التي تؤخذ بالإيمان والشمائل، لينظروا أبأيمانهم يعطونها أم بشمائلهم، فيعلمون أمن أهل الجنة هم أم من أهل النار، استهزاء منهم بالقرآن وبوعد الله جل ذكره.

ص 38:14

قوله تعالى ذكره: ﴿وَٱنطَلَقَ ٱلْمَلأُ مِنْهُمْ أَنِ ٱمْشُواْ﴾ - إلى قوله - ﴿قَبْلَ يَوْمِ ٱلْحِسَابِ﴾. أي: وانطلق الأشراف من مشركي قريش القائلين: ﴿أَجَعَلَ ٱلآلِهَةَ إِلَـٰهاً وَاحِداً﴾، يقولون للعوام: أمشوا واصبروا على عبادة آلهتكم، أي: اصبروا على دين آبائكم. وكان لهم يومئذ ثلاث مائة صنم وستون صنماً يعبدونها من دون الله سبحانه وروي أن قائل ذلك كان عقبة بن أبي معيط. * * وقوله: ﴿أَنِ ٱمْشُواْ﴾، معناه: تناسلوا، كأنه دعا لهم بالنماء وهو من قول العرب: مَشَى الرجل وأُمْشَى إذا كثرت ماشيته، وأمشت المرأة: كَثُرَ وَلَدُها. قال الشاعر: ؎ ........................ ∗∗∗ * والشَّاةُ لا تُمْشَى على الهمَلَّعِ أي: لا تُنْهى عن الذنب. (والهملع: الذئب). ثم قال عنهم إنهم قالو: ﴿إِنَّ هَـٰذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ﴾، أي: لشيء يريد بنا محمد - ﷺ - يطلب علينا الاستعلاء به، وأن يكون له فينا اتباع. ثم قالو: ﴿مَا سَمِعْنَا بِهَـٰذَا فِى ٱلْمِلَّةِ ٱلآخِرَةِ﴾. قال ابن عباس: يعنون النصرانية دين عيسى. أي: لم نسمع في دين عيسى ﷺ أن محمداً يبعث رسولاً إلينا ولا يأتينا بكتاب. ﴿إِنْ هَـٰذَا إِلاَّ ٱخْتِلاَقٌ﴾، أي: ما هذا إلا كذب. وعن ابن عباس أن المعنى: لو كان هذا القرآن حقاً لأخبرنا به النصارى. وقال مجاهد: معناه ملة قريش. وقال قتادة: معناه في زماننا وديننا. قال أبو اسحاق: ﴿فِى ٱلْمِلَّةِ ٱلآخِرَةِ﴾: في النصرانية ولا في اليهودية ولا فيما أدركنا عليه آباءنا. * * ثم قال: ﴿إِنْ هَـٰذَا إِلاَّ ٱخْتِلاَقٌ﴾، أي: ما هذا الذي أتانا به محمد ﷺ إلاّ كذب اختلقه وتخرصه وابتدعه حسداً منهم لمحمد ﷺ. ودل على أنه حسد منهم قوله عنهم: ﴿أَءُنزِلَ عَلَيْهِ ٱلذِّكْرُ مِن بَيْنِنَا﴾، أي: كيف خُصَّ محمد بنزول القرآن عليه من بيننا. وهذا كقولهم: ﴿وَقَالُواْ لَوْلاَ نُزِّلَ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ ٱلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١] أي: من إحدى القريتين، يعنون: مكة والطائف، يعنون: الوليد بن المغيرة المخزومي من أهل مكة، وعروة بن مسعود الثقفي من أهل الطائف. والمعنى: على أحد رجلين من إحدى القريتين. * * ثم قال تعالى: ﴿بَلْ هُمْ فَي شَكٍّ مِّن ذِكْرِي﴾، أي: في شك من القرآن. ﴿بَل لَّمَّا يَذُوقُواْ عَذَابِ﴾، أي: لم يذوقوا العذاب، ولو ذاقوه لأيقنوا حقيقة ما هم فيه وعلموا أن الذين كذَّبوا به حق. * * ثم قال: ﴿أَمْ عِندَهُمْ خَزَآئِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ ٱلْعَزِيزِ ٱلْوَهَّابِ﴾، أي: أم عند هؤلاء المكذبين مفاتح ربك وعطاياه، فَيَخُصُّوا من شاءوا بالرسالة. العزيز في سلطانه، الوهاب لمن يشاء من خلقه ما يشاء من رسالته وكرامته. ثم قال جل ذكره: ﴿أَمْ لَهُم مُّلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَلْيَرْتَقُواْ فِى ٱلأَسْبَابِ﴾، أي: إن كان لهم مُلْكُ ذلك فليصعدوا في أبواب السماء أو طرفيها، لأن من كان له ملك ذلك لم يتعذر عليه الصعود فيه، هذا معنى قول مجاهد وقتادة وابن زيد وقال الضحاك: فليرتقوا إلى السماء السابعة. وقال الربيع بن أنس: الأسباب أَرَقُّ من الشعر وأشَدُّ من الحديد، وهو مكان ولكن لا يُرى. والسبب هو: كل شيء يوصل به إلى المطلوب من حبل أو جبل أو ستر أو رحم أو قرابة أو طريق أو باب. يقال: رَقِيَ يَرْقَى رَقْياً إذا صعد، كرَضِيَ يرضى. ومثله: ارتقى يرتقي إذا صعد ويقال: رقى يرقِي رقياً من الرقية مثل: رمى يرمي رمياً. * * ثم قال: ﴿جُندٌ مَّا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ مِّن ٱلأَحَزَابِ﴾. يعني بقوله: ﴿جُندٌ مَّا هُنَالِكَ﴾: الذين قال فيهم: ﴿بَل لَّمَّا يَذُوقُواْ عَذَابِ﴾ وهم أشراف قريش الذين هُزِموا وقُتلوا يوم بدر. والتقدير: هم جند مهزوم هنالك. * * ومعنى ﴿مِّن ٱلأَحَزَابِ﴾: من القرون الماضية. قال قتادة: وعد الله تعالى نبيه ﷺ وهو بمكة أنه سيهزم جنداً من المشركين، فجاء يوم بدر تأويلها. وقال الفراء: معناه: هم جند مغلوب أن يصعد السماء. وقيل: هم الأحزاب الذين تحزبوا على رسول الله ﷺ فأتوا إلى المدينة فهزمهم الله عز وجل بالريح والخوف. فأعلم الله عز وجل نبيه ﷺ ومن معه من المؤمنين أنه سيتحزب عليهم المشركون، وأنهم سيُهزمون. فكان في ذلك أبين دلالة لهم على نبوة محمد ﷺ وصِدْقِه في جميع ما يَعِدُهُم به، ولذلك قال تعالى: ﴿وَلَمَّا رَأَى ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلأَحْزَابَ قَالُواْ هَـٰذَا مَا وَعَدَنَا ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ [الأحزاب: ٢٢] الآية لأنه أخبرهم بذلك وهم في مكة ثم جاءهم ما أخبرهم به وهم في المدينة. ثم قال تعالى ذكره: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ﴾، أي: قبل قريش، وكذلك عاد ﴿وفِرْعَوْنُ ذُو ٱلأَوْتَادِ﴾. فرعون هو: الوليد بن مصعب. وقيل هو: مصعب بن الديان. وقيل: كان يسمى كل من مَلَكَ مصر فرعون، كما يسمى كلُّ من ملك اليمين تُبّعاً، ومن مَلَكَ فارس كسرى، ومن مَلَكَ الروم قيصر وهرقل. قال المبرد: كَسرى بالفتح. وقال غيره: بالكسر. وإنما نُعِتَ فرعون بالأوتاد لأنه كانت له أوتاد يلعب له عليها؛ قاله ابن عباس وقتادة وابن جبير. وقال السدي: كان يُعذِّب الناس بالأوتاد؛ يعذبهم بأربعة أوتاد، ثم يرفع (الصخرة تمد بالحبال) ثم تُلقى عليه فتشدخه. وقال الضحاك: ﴿ذُو ٱلأَوْتَادِ﴾: ذو البُنيان. وقد تقدم ذكر الأيكة في الشعراء. * * وقوله: ﴿أُوْلَـٰئِكَ ٱلأَحْزَابُ﴾، أي: الجماعة المتحزبة على معاصي الله تعالى والكفر به سبحانه وتعالى. * * ثم قال: ﴿إِن كُلٌّ إِلاَّ كَذَّبَ ٱلرُّسُلَ﴾، أي: ما كل هؤلاء الأمم إلا كذب الرسل فيما جاؤهم به. ﴿فَحَقَّ عِقَابِ﴾، أي: وجب عليهم عقاب الله تعالى ثم قال تعالى: ﴿وَمَا يَنظُرُ هَـٰؤُلآءِ إِلاَّ صَيْحَةً واحِدَةً مَّا لَهَا مِن فَوَاقٍ﴾، أي: وما ينتظر هؤلاء المشركون بالله سبحانه إلا صيحة واحدة - وهي النفخة الأولى في الصور - ما لها من فتور ولا انقطاع. وروى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: "لَمَّا فَرَغَ الله مِنْ خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ خَلَقَ الصُّورَ وأَعْطَاهُ إسْرَافِيلَ. فَهْوَ واضِعُهُ عَلَى فِيهِ، شَاخِصٌ بَصَرُهُ إلى الْعَرْشِ يَنْتَظِرُ مَتَى يُؤْمَرُ. قال أبو هريرة: يا رسول الله، وما الصُّورُ؟ قال: قَرْنٌ. قال: وكيف هو؟ قال: قَرْنٌ عَظِيمٌ يُنْفَخُ فِيه ثَلاَثَ نَفَخَاتٍ: نَفْخَة الفَزَعِ، فَيَفْزَعُ أهْلُ السَّماواتِ وأهْلُ الأرْضِ إلاَّ مَنْ شَاءَ اللهَ. وَيَأْمُرهُ الله فَيُدِيُمَها وَيُطَوِّلُهَا فَلاَ تَفْتُرُ. وَهِيَ التَّي يَقُولُ اللهُ جَلّ وعزّ: ﴿وَمَا يَنظُرُ هَـٰؤُلآءِ إِلاَّ صَيْحَةً واحِدَةً مَّا لَهَا مِن فَوَاقٍ﴾ وقال ابن عباس: ﴿فَوَاقٍ﴾: ترداد. وعنه: من رجعة وقال مجاهد: "من رجوع". وقال قتادة: من مثنوية ولا رجوع (ولا ارتداد). وقال السدى: معناه: ما لهؤلاء المشركين بعد ذلك من إفاقة ولا رجوع إلى الدنيا. وقال ابن زيد معناه: ما ينتظر هؤلاء المشركون إلا عذاباً يهلكهم. فالصيحة عنده: العذاب. ﴿مَّا لَهَا مِن فَوَاقٍ﴾، أي لا يفيقون منها كما يفيق الذي يُغشى عليه. وأصل هذا من فواق الناقة، وهو ما بين الحلبتين من الراحة. فالمعنى: ما لها من راحة، أي: لا يروحون حتى يتوبوا ويرجعوا عن كفرهم. * * ثم قال تعالى: ﴿وَقَالُواْ رَبَّنَا عَجِّل لَّنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ ٱلْحِسَابِ﴾، أي: وقال هؤلاء المشركون من قريش: عجل لنا كتابنا قبل يوم القيامة. والقط في كلام العرب: الصحيفة المكتوبة. فإنما سألوا تعجيل حظهم من العذاب، قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة. فهو مثل قولهم: " ﴿ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ﴾ [الأنفال: ٣٢]" الآية. وقال السدي: إنما سألو تعجيل رؤية حظهم من الجنة ورؤية منازلهم ليعلموا حقيقة ما يعدهم به محمد ﷺ. وقال ابن جبير: سألو تعجيل حظهم من الجنة يتنعمون به في الدنيا. وقيل: إنما سألو تعجيل رزقهم قبل وقته. وقيل: إنما سألو تعجيل كتبهم التي تؤخذ بالإيمان والشمائل، لينظروا أبأيمانهم يعطونها أم بشمائلهم، فيعلمون أمن أهل الجنة هم أم من أهل النار، استهزاء منهم بالقرآن وبوعد الله جل ذكره.

ص 38:15

قوله تعالى ذكره: ﴿وَٱنطَلَقَ ٱلْمَلأُ مِنْهُمْ أَنِ ٱمْشُواْ﴾ - إلى قوله - ﴿قَبْلَ يَوْمِ ٱلْحِسَابِ﴾. أي: وانطلق الأشراف من مشركي قريش القائلين: ﴿أَجَعَلَ ٱلآلِهَةَ إِلَـٰهاً وَاحِداً﴾، يقولون للعوام: أمشوا واصبروا على عبادة آلهتكم، أي: اصبروا على دين آبائكم. وكان لهم يومئذ ثلاث مائة صنم وستون صنماً يعبدونها من دون الله سبحانه وروي أن قائل ذلك كان عقبة بن أبي معيط. * * وقوله: ﴿أَنِ ٱمْشُواْ﴾، معناه: تناسلوا، كأنه دعا لهم بالنماء وهو من قول العرب: مَشَى الرجل وأُمْشَى إذا كثرت ماشيته، وأمشت المرأة: كَثُرَ وَلَدُها. قال الشاعر: ؎ ........................ ∗∗∗ * والشَّاةُ لا تُمْشَى على الهمَلَّعِ أي: لا تُنْهى عن الذنب. (والهملع: الذئب). ثم قال عنهم إنهم قالو: ﴿إِنَّ هَـٰذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ﴾، أي: لشيء يريد بنا محمد - ﷺ - يطلب علينا الاستعلاء به، وأن يكون له فينا اتباع. ثم قالو: ﴿مَا سَمِعْنَا بِهَـٰذَا فِى ٱلْمِلَّةِ ٱلآخِرَةِ﴾. قال ابن عباس: يعنون النصرانية دين عيسى. أي: لم نسمع في دين عيسى ﷺ أن محمداً يبعث رسولاً إلينا ولا يأتينا بكتاب. ﴿إِنْ هَـٰذَا إِلاَّ ٱخْتِلاَقٌ﴾، أي: ما هذا إلا كذب. وعن ابن عباس أن المعنى: لو كان هذا القرآن حقاً لأخبرنا به النصارى. وقال مجاهد: معناه ملة قريش. وقال قتادة: معناه في زماننا وديننا. قال أبو اسحاق: ﴿فِى ٱلْمِلَّةِ ٱلآخِرَةِ﴾: في النصرانية ولا في اليهودية ولا فيما أدركنا عليه آباءنا. * * ثم قال: ﴿إِنْ هَـٰذَا إِلاَّ ٱخْتِلاَقٌ﴾، أي: ما هذا الذي أتانا به محمد ﷺ إلاّ كذب اختلقه وتخرصه وابتدعه حسداً منهم لمحمد ﷺ. ودل على أنه حسد منهم قوله عنهم: ﴿أَءُنزِلَ عَلَيْهِ ٱلذِّكْرُ مِن بَيْنِنَا﴾، أي: كيف خُصَّ محمد بنزول القرآن عليه من بيننا. وهذا كقولهم: ﴿وَقَالُواْ لَوْلاَ نُزِّلَ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ ٱلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١] أي: من إحدى القريتين، يعنون: مكة والطائف، يعنون: الوليد بن المغيرة المخزومي من أهل مكة، وعروة بن مسعود الثقفي من أهل الطائف. والمعنى: على أحد رجلين من إحدى القريتين. * * ثم قال تعالى: ﴿بَلْ هُمْ فَي شَكٍّ مِّن ذِكْرِي﴾، أي: في شك من القرآن. ﴿بَل لَّمَّا يَذُوقُواْ عَذَابِ﴾، أي: لم يذوقوا العذاب، ولو ذاقوه لأيقنوا حقيقة ما هم فيه وعلموا أن الذين كذَّبوا به حق. * * ثم قال: ﴿أَمْ عِندَهُمْ خَزَآئِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ ٱلْعَزِيزِ ٱلْوَهَّابِ﴾، أي: أم عند هؤلاء المكذبين مفاتح ربك وعطاياه، فَيَخُصُّوا من شاءوا بالرسالة. العزيز في سلطانه، الوهاب لمن يشاء من خلقه ما يشاء من رسالته وكرامته. ثم قال جل ذكره: ﴿أَمْ لَهُم مُّلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَلْيَرْتَقُواْ فِى ٱلأَسْبَابِ﴾، أي: إن كان لهم مُلْكُ ذلك فليصعدوا في أبواب السماء أو طرفيها، لأن من كان له ملك ذلك لم يتعذر عليه الصعود فيه، هذا معنى قول مجاهد وقتادة وابن زيد وقال الضحاك: فليرتقوا إلى السماء السابعة. وقال الربيع بن أنس: الأسباب أَرَقُّ من الشعر وأشَدُّ من الحديد، وهو مكان ولكن لا يُرى. والسبب هو: كل شيء يوصل به إلى المطلوب من حبل أو جبل أو ستر أو رحم أو قرابة أو طريق أو باب. يقال: رَقِيَ يَرْقَى رَقْياً إذا صعد، كرَضِيَ يرضى. ومثله: ارتقى يرتقي إذا صعد ويقال: رقى يرقِي رقياً من الرقية مثل: رمى يرمي رمياً. * * ثم قال: ﴿جُندٌ مَّا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ مِّن ٱلأَحَزَابِ﴾. يعني بقوله: ﴿جُندٌ مَّا هُنَالِكَ﴾: الذين قال فيهم: ﴿بَل لَّمَّا يَذُوقُواْ عَذَابِ﴾ وهم أشراف قريش الذين هُزِموا وقُتلوا يوم بدر. والتقدير: هم جند مهزوم هنالك. * * ومعنى ﴿مِّن ٱلأَحَزَابِ﴾: من القرون الماضية. قال قتادة: وعد الله تعالى نبيه ﷺ وهو بمكة أنه سيهزم جنداً من المشركين، فجاء يوم بدر تأويلها. وقال الفراء: معناه: هم جند مغلوب أن يصعد السماء. وقيل: هم الأحزاب الذين تحزبوا على رسول الله ﷺ فأتوا إلى المدينة فهزمهم الله عز وجل بالريح والخوف. فأعلم الله عز وجل نبيه ﷺ ومن معه من المؤمنين أنه سيتحزب عليهم المشركون، وأنهم سيُهزمون. فكان في ذلك أبين دلالة لهم على نبوة محمد ﷺ وصِدْقِه في جميع ما يَعِدُهُم به، ولذلك قال تعالى: ﴿وَلَمَّا رَأَى ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلأَحْزَابَ قَالُواْ هَـٰذَا مَا وَعَدَنَا ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ [الأحزاب: ٢٢] الآية لأنه أخبرهم بذلك وهم في مكة ثم جاءهم ما أخبرهم به وهم في المدينة. ثم قال تعالى ذكره: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ﴾، أي: قبل قريش، وكذلك عاد ﴿وفِرْعَوْنُ ذُو ٱلأَوْتَادِ﴾. فرعون هو: الوليد بن مصعب. وقيل هو: مصعب بن الديان. وقيل: كان يسمى كل من مَلَكَ مصر فرعون، كما يسمى كلُّ من ملك اليمين تُبّعاً، ومن مَلَكَ فارس كسرى، ومن مَلَكَ الروم قيصر وهرقل. قال المبرد: كَسرى بالفتح. وقال غيره: بالكسر. وإنما نُعِتَ فرعون بالأوتاد لأنه كانت له أوتاد يلعب له عليها؛ قاله ابن عباس وقتادة وابن جبير. وقال السدي: كان يُعذِّب الناس بالأوتاد؛ يعذبهم بأربعة أوتاد، ثم يرفع (الصخرة تمد بالحبال) ثم تُلقى عليه فتشدخه. وقال الضحاك: ﴿ذُو ٱلأَوْتَادِ﴾: ذو البُنيان. وقد تقدم ذكر الأيكة في الشعراء. * * وقوله: ﴿أُوْلَـٰئِكَ ٱلأَحْزَابُ﴾، أي: الجماعة المتحزبة على معاصي الله تعالى والكفر به سبحانه وتعالى. * * ثم قال: ﴿إِن كُلٌّ إِلاَّ كَذَّبَ ٱلرُّسُلَ﴾، أي: ما كل هؤلاء الأمم إلا كذب الرسل فيما جاؤهم به. ﴿فَحَقَّ عِقَابِ﴾، أي: وجب عليهم عقاب الله تعالى ثم قال تعالى: ﴿وَمَا يَنظُرُ هَـٰؤُلآءِ إِلاَّ صَيْحَةً واحِدَةً مَّا لَهَا مِن فَوَاقٍ﴾، أي: وما ينتظر هؤلاء المشركون بالله سبحانه إلا صيحة واحدة - وهي النفخة الأولى في الصور - ما لها من فتور ولا انقطاع. وروى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: "لَمَّا فَرَغَ الله مِنْ خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ خَلَقَ الصُّورَ وأَعْطَاهُ إسْرَافِيلَ. فَهْوَ واضِعُهُ عَلَى فِيهِ، شَاخِصٌ بَصَرُهُ إلى الْعَرْشِ يَنْتَظِرُ مَتَى يُؤْمَرُ. قال أبو هريرة: يا رسول الله، وما الصُّورُ؟ قال: قَرْنٌ. قال: وكيف هو؟ قال: قَرْنٌ عَظِيمٌ يُنْفَخُ فِيه ثَلاَثَ نَفَخَاتٍ: نَفْخَة الفَزَعِ، فَيَفْزَعُ أهْلُ السَّماواتِ وأهْلُ الأرْضِ إلاَّ مَنْ شَاءَ اللهَ. وَيَأْمُرهُ الله فَيُدِيُمَها وَيُطَوِّلُهَا فَلاَ تَفْتُرُ. وَهِيَ التَّي يَقُولُ اللهُ جَلّ وعزّ: ﴿وَمَا يَنظُرُ هَـٰؤُلآءِ إِلاَّ صَيْحَةً واحِدَةً مَّا لَهَا مِن فَوَاقٍ﴾ وقال ابن عباس: ﴿فَوَاقٍ﴾: ترداد. وعنه: من رجعة وقال مجاهد: "من رجوع". وقال قتادة: من مثنوية ولا رجوع (ولا ارتداد). وقال السدى: معناه: ما لهؤلاء المشركين بعد ذلك من إفاقة ولا رجوع إلى الدنيا. وقال ابن زيد معناه: ما ينتظر هؤلاء المشركون إلا عذاباً يهلكهم. فالصيحة عنده: العذاب. ﴿مَّا لَهَا مِن فَوَاقٍ﴾، أي لا يفيقون منها كما يفيق الذي يُغشى عليه. وأصل هذا من فواق الناقة، وهو ما بين الحلبتين من الراحة. فالمعنى: ما لها من راحة، أي: لا يروحون حتى يتوبوا ويرجعوا عن كفرهم. * * ثم قال تعالى: ﴿وَقَالُواْ رَبَّنَا عَجِّل لَّنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ ٱلْحِسَابِ﴾، أي: وقال هؤلاء المشركون من قريش: عجل لنا كتابنا قبل يوم القيامة. والقط في كلام العرب: الصحيفة المكتوبة. فإنما سألوا تعجيل حظهم من العذاب، قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة. فهو مثل قولهم: " ﴿ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ﴾ [الأنفال: ٣٢]" الآية. وقال السدي: إنما سألو تعجيل رؤية حظهم من الجنة ورؤية منازلهم ليعلموا حقيقة ما يعدهم به محمد ﷺ. وقال ابن جبير: سألو تعجيل حظهم من الجنة يتنعمون به في الدنيا. وقيل: إنما سألو تعجيل رزقهم قبل وقته. وقيل: إنما سألو تعجيل كتبهم التي تؤخذ بالإيمان والشمائل، لينظروا أبأيمانهم يعطونها أم بشمائلهم، فيعلمون أمن أهل الجنة هم أم من أهل النار، استهزاء منهم بالقرآن وبوعد الله جل ذكره.

ص 38:16

قوله تعالى ذكره: ﴿وَٱنطَلَقَ ٱلْمَلأُ مِنْهُمْ أَنِ ٱمْشُواْ﴾ - إلى قوله - ﴿قَبْلَ يَوْمِ ٱلْحِسَابِ﴾. أي: وانطلق الأشراف من مشركي قريش القائلين: ﴿أَجَعَلَ ٱلآلِهَةَ إِلَـٰهاً وَاحِداً﴾، يقولون للعوام: أمشوا واصبروا على عبادة آلهتكم، أي: اصبروا على دين آبائكم. وكان لهم يومئذ ثلاث مائة صنم وستون صنماً يعبدونها من دون الله سبحانه وروي أن قائل ذلك كان عقبة بن أبي معيط. * * وقوله: ﴿أَنِ ٱمْشُواْ﴾، معناه: تناسلوا، كأنه دعا لهم بالنماء وهو من قول العرب: مَشَى الرجل وأُمْشَى إذا كثرت ماشيته، وأمشت المرأة: كَثُرَ وَلَدُها. قال الشاعر: ؎ ........................ ∗∗∗ * والشَّاةُ لا تُمْشَى على الهمَلَّعِ أي: لا تُنْهى عن الذنب. (والهملع: الذئب). ثم قال عنهم إنهم قالو: ﴿إِنَّ هَـٰذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ﴾، أي: لشيء يريد بنا محمد - ﷺ - يطلب علينا الاستعلاء به، وأن يكون له فينا اتباع. ثم قالو: ﴿مَا سَمِعْنَا بِهَـٰذَا فِى ٱلْمِلَّةِ ٱلآخِرَةِ﴾. قال ابن عباس: يعنون النصرانية دين عيسى. أي: لم نسمع في دين عيسى ﷺ أن محمداً يبعث رسولاً إلينا ولا يأتينا بكتاب. ﴿إِنْ هَـٰذَا إِلاَّ ٱخْتِلاَقٌ﴾، أي: ما هذا إلا كذب. وعن ابن عباس أن المعنى: لو كان هذا القرآن حقاً لأخبرنا به النصارى. وقال مجاهد: معناه ملة قريش. وقال قتادة: معناه في زماننا وديننا. قال أبو اسحاق: ﴿فِى ٱلْمِلَّةِ ٱلآخِرَةِ﴾: في النصرانية ولا في اليهودية ولا فيما أدركنا عليه آباءنا. * * ثم قال: ﴿إِنْ هَـٰذَا إِلاَّ ٱخْتِلاَقٌ﴾، أي: ما هذا الذي أتانا به محمد ﷺ إلاّ كذب اختلقه وتخرصه وابتدعه حسداً منهم لمحمد ﷺ. ودل على أنه حسد منهم قوله عنهم: ﴿أَءُنزِلَ عَلَيْهِ ٱلذِّكْرُ مِن بَيْنِنَا﴾، أي: كيف خُصَّ محمد بنزول القرآن عليه من بيننا. وهذا كقولهم: ﴿وَقَالُواْ لَوْلاَ نُزِّلَ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ ٱلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١] أي: من إحدى القريتين، يعنون: مكة والطائف، يعنون: الوليد بن المغيرة المخزومي من أهل مكة، وعروة بن مسعود الثقفي من أهل الطائف. والمعنى: على أحد رجلين من إحدى القريتين. * * ثم قال تعالى: ﴿بَلْ هُمْ فَي شَكٍّ مِّن ذِكْرِي﴾، أي: في شك من القرآن. ﴿بَل لَّمَّا يَذُوقُواْ عَذَابِ﴾، أي: لم يذوقوا العذاب، ولو ذاقوه لأيقنوا حقيقة ما هم فيه وعلموا أن الذين كذَّبوا به حق. * * ثم قال: ﴿أَمْ عِندَهُمْ خَزَآئِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ ٱلْعَزِيزِ ٱلْوَهَّابِ﴾، أي: أم عند هؤلاء المكذبين مفاتح ربك وعطاياه، فَيَخُصُّوا من شاءوا بالرسالة. العزيز في سلطانه، الوهاب لمن يشاء من خلقه ما يشاء من رسالته وكرامته. ثم قال جل ذكره: ﴿أَمْ لَهُم مُّلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَلْيَرْتَقُواْ فِى ٱلأَسْبَابِ﴾، أي: إن كان لهم مُلْكُ ذلك فليصعدوا في أبواب السماء أو طرفيها، لأن من كان له ملك ذلك لم يتعذر عليه الصعود فيه، هذا معنى قول مجاهد وقتادة وابن زيد وقال الضحاك: فليرتقوا إلى السماء السابعة. وقال الربيع بن أنس: الأسباب أَرَقُّ من الشعر وأشَدُّ من الحديد، وهو مكان ولكن لا يُرى. والسبب هو: كل شيء يوصل به إلى المطلوب من حبل أو جبل أو ستر أو رحم أو قرابة أو طريق أو باب. يقال: رَقِيَ يَرْقَى رَقْياً إذا صعد، كرَضِيَ يرضى. ومثله: ارتقى يرتقي إذا صعد ويقال: رقى يرقِي رقياً من الرقية مثل: رمى يرمي رمياً. * * ثم قال: ﴿جُندٌ مَّا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ مِّن ٱلأَحَزَابِ﴾. يعني بقوله: ﴿جُندٌ مَّا هُنَالِكَ﴾: الذين قال فيهم: ﴿بَل لَّمَّا يَذُوقُواْ عَذَابِ﴾ وهم أشراف قريش الذين هُزِموا وقُتلوا يوم بدر. والتقدير: هم جند مهزوم هنالك. * * ومعنى ﴿مِّن ٱلأَحَزَابِ﴾: من القرون الماضية. قال قتادة: وعد الله تعالى نبيه ﷺ وهو بمكة أنه سيهزم جنداً من المشركين، فجاء يوم بدر تأويلها. وقال الفراء: معناه: هم جند مغلوب أن يصعد السماء. وقيل: هم الأحزاب الذين تحزبوا على رسول الله ﷺ فأتوا إلى المدينة فهزمهم الله عز وجل بالريح والخوف. فأعلم الله عز وجل نبيه ﷺ ومن معه من المؤمنين أنه سيتحزب عليهم المشركون، وأنهم سيُهزمون. فكان في ذلك أبين دلالة لهم على نبوة محمد ﷺ وصِدْقِه في جميع ما يَعِدُهُم به، ولذلك قال تعالى: ﴿وَلَمَّا رَأَى ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلأَحْزَابَ قَالُواْ هَـٰذَا مَا وَعَدَنَا ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ [الأحزاب: ٢٢] الآية لأنه أخبرهم بذلك وهم في مكة ثم جاءهم ما أخبرهم به وهم في المدينة. ثم قال تعالى ذكره: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ﴾، أي: قبل قريش، وكذلك عاد ﴿وفِرْعَوْنُ ذُو ٱلأَوْتَادِ﴾. فرعون هو: الوليد بن مصعب. وقيل هو: مصعب بن الديان. وقيل: كان يسمى كل من مَلَكَ مصر فرعون، كما يسمى كلُّ من ملك اليمين تُبّعاً، ومن مَلَكَ فارس كسرى، ومن مَلَكَ الروم قيصر وهرقل. قال المبرد: كَسرى بالفتح. وقال غيره: بالكسر. وإنما نُعِتَ فرعون بالأوتاد لأنه كانت له أوتاد يلعب له عليها؛ قاله ابن عباس وقتادة وابن جبير. وقال السدي: كان يُعذِّب الناس بالأوتاد؛ يعذبهم بأربعة أوتاد، ثم يرفع (الصخرة تمد بالحبال) ثم تُلقى عليه فتشدخه. وقال الضحاك: ﴿ذُو ٱلأَوْتَادِ﴾: ذو البُنيان. وقد تقدم ذكر الأيكة في الشعراء. * * وقوله: ﴿أُوْلَـٰئِكَ ٱلأَحْزَابُ﴾، أي: الجماعة المتحزبة على معاصي الله تعالى والكفر به سبحانه وتعالى. * * ثم قال: ﴿إِن كُلٌّ إِلاَّ كَذَّبَ ٱلرُّسُلَ﴾، أي: ما كل هؤلاء الأمم إلا كذب الرسل فيما جاؤهم به. ﴿فَحَقَّ عِقَابِ﴾، أي: وجب عليهم عقاب الله تعالى ثم قال تعالى: ﴿وَمَا يَنظُرُ هَـٰؤُلآءِ إِلاَّ صَيْحَةً واحِدَةً مَّا لَهَا مِن فَوَاقٍ﴾، أي: وما ينتظر هؤلاء المشركون بالله سبحانه إلا صيحة واحدة - وهي النفخة الأولى في الصور - ما لها من فتور ولا انقطاع. وروى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: "لَمَّا فَرَغَ الله مِنْ خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ خَلَقَ الصُّورَ وأَعْطَاهُ إسْرَافِيلَ. فَهْوَ واضِعُهُ عَلَى فِيهِ، شَاخِصٌ بَصَرُهُ إلى الْعَرْشِ يَنْتَظِرُ مَتَى يُؤْمَرُ. قال أبو هريرة: يا رسول الله، وما الصُّورُ؟ قال: قَرْنٌ. قال: وكيف هو؟ قال: قَرْنٌ عَظِيمٌ يُنْفَخُ فِيه ثَلاَثَ نَفَخَاتٍ: نَفْخَة الفَزَعِ، فَيَفْزَعُ أهْلُ السَّماواتِ وأهْلُ الأرْضِ إلاَّ مَنْ شَاءَ اللهَ. وَيَأْمُرهُ الله فَيُدِيُمَها وَيُطَوِّلُهَا فَلاَ تَفْتُرُ. وَهِيَ التَّي يَقُولُ اللهُ جَلّ وعزّ: ﴿وَمَا يَنظُرُ هَـٰؤُلآءِ إِلاَّ صَيْحَةً واحِدَةً مَّا لَهَا مِن فَوَاقٍ﴾ وقال ابن عباس: ﴿فَوَاقٍ﴾: ترداد. وعنه: من رجعة وقال مجاهد: "من رجوع". وقال قتادة: من مثنوية ولا رجوع (ولا ارتداد). وقال السدى: معناه: ما لهؤلاء المشركين بعد ذلك من إفاقة ولا رجوع إلى الدنيا. وقال ابن زيد معناه: ما ينتظر هؤلاء المشركون إلا عذاباً يهلكهم. فالصيحة عنده: العذاب. ﴿مَّا لَهَا مِن فَوَاقٍ﴾، أي لا يفيقون منها كما يفيق الذي يُغشى عليه. وأصل هذا من فواق الناقة، وهو ما بين الحلبتين من الراحة. فالمعنى: ما لها من راحة، أي: لا يروحون حتى يتوبوا ويرجعوا عن كفرهم. * * ثم قال تعالى: ﴿وَقَالُواْ رَبَّنَا عَجِّل لَّنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ ٱلْحِسَابِ﴾، أي: وقال هؤلاء المشركون من قريش: عجل لنا كتابنا قبل يوم القيامة. والقط في كلام العرب: الصحيفة المكتوبة. فإنما سألوا تعجيل حظهم من العذاب، قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة. فهو مثل قولهم: " ﴿ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ﴾ [الأنفال: ٣٢]" الآية. وقال السدي: إنما سألو تعجيل رؤية حظهم من الجنة ورؤية منازلهم ليعلموا حقيقة ما يعدهم به محمد ﷺ. وقال ابن جبير: سألو تعجيل حظهم من الجنة يتنعمون به في الدنيا. وقيل: إنما سألو تعجيل رزقهم قبل وقته. وقيل: إنما سألو تعجيل كتبهم التي تؤخذ بالإيمان والشمائل، لينظروا أبأيمانهم يعطونها أم بشمائلهم، فيعلمون أمن أهل الجنة هم أم من أهل النار، استهزاء منهم بالقرآن وبوعد الله جل ذكره.

ص 38:17

هذا قوله تعالى ذكره: ﴿ٱصْبِر عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ﴾ - إلى قوله - ﴿وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ﴾ منسوخ بالأمر بالقتال، أمر الله جل ذكره نبيه ﷺ بالصبر على قول المشركين والاحتمال منهم، وقد علم تعالى أنه سيأمره بقتالهم في وقت آخر، فينسخ الآخر الأول. * * ثم قال: ﴿وَٱذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا ٱلأَيْدِ﴾، أي: ذا القوة والبطش الشديد في ذات الله عز وجل والصبر على طاعته. يقال: أيد وآد للقوة, كما يقال: العيب والعاب قال قتادة: "أُعْطِيَ داود قوة في العبادة وفقهاً في الإسلام، وذُكِرَ أنه كان يقوم الليل ويصوم نصف الدهر. * * وقوله: ﴿إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾، أي: رَجَّاعٌ عما يكره الله عز وجل إلى ما يرضاه أواب وهو فعَّال للتكثير من آب يئوب إذا رجع. قال مجاهد: أواب: رجاع عن الذنوب. قال قتادة: كان مطيعاً لله عز وجل كثير الصلاة. وقال السدى: الأوَّاب: المسبح. ويروى أنه قام ليلة إلى الصباح فكأنه أُعْجِبَ بذلك فقيل لضفدع كلميه في أصل مِحْرَابِه، فقالت له: يا داود، تَعْجَبُ لقيام ليلة! هذا مقامي منذ عشرين سنة شكراً لله عز وجل حين سلَّم بيضي. قال وهب: كان داود قد قسم الدهر أثلاثا، فيصير: يوم للعبادة، ويوماً للقضاء بين الناس، ويوما لقضاء حوائج أهله. * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّا سَخَّرْنَا ٱلجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِٱلْعَشِيِّ وَٱلإِشْرَاقِ﴾، أي: يسبحن مع داود من وقت العصر إلى الليل، ومن صلاة الصبح إلى وقت صلاة الضحى. يقال: أشرقت الشمس: إذا أضاءت وصفت، وشرقت إذا طلعت. قال قتادة: كان داود إذا سبح سبحت الجبال معه. واستدل ابن عباس على نص صلاة الضحى في القرآن بهذه الآية ﴿بِٱلْعَشِيِّ وَٱلإِشْرَاقِ﴾، لأنه من أشرقت الشمس إذا صفت وأضاءت. فإذا صلى داود العصر وسبَّحَ سبحت الجبال معه، وإذا صلى الضحى (سبح وسبحت) الجبال معه. * * ثم قال: ﴿وَٱلطَّيْرَ مَحْشُورَةً﴾، أي وسخرنا الطير مجموعة تسبح معه. ﴿كُلٌّ لَّهُ أَوَّابٌ﴾، أي: رجاع لأمره ومطيع له. فالهاء لداود وقيل: إلهاء لله عز وجل. والمعنى كل لله مطيع، مسبح له. فكل "في القول الأولى للطير، وفي هذا الثاني: يجوز أن يكون للطير، ويجوز أن يكون لداود والجبال والطير. ورُوي أنه كان إذا سبح أجابته الجبال واجتمعت إليه الطير فسبحت معه. وقال قتادة: محشورة: مسخرة. * * ثم قال: ﴿وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ﴾. قال السدي: كان حرسه في كل يوم وليلة أربعة آلاف. وذكر ابن عباس أن الله جل ذكره شدد ملكه هيبة لقضية قضاها في بنى إسرائيل وذلك أن رجلاً استعدى على رجل من عظمائهم فاجتمعا عند داود، فقال المُسْتَعْدَى: إن هذا غصبني بقراً لي. فسأل الرجل عن ذلك فجحده، فسأل الآخر البيِّنة فلم تكن له بينة، فقال لهما: قُوَما حتى أنظر في أمركما فقاما. فأوحى الله عز وجل إلى داود في منامه أن يقتل الرجل الذي ستُعدي عليه. فقال: هذه رؤيا ولست أعجل حتى أتثبت، فأَوْحَى إليه مرة أخرى أن يقتُلَه، وأوحى إليه ثالثة (أن يقتله) أو تأتيه العقوبة من الله عز وجل، فأرسل داود إلى الرجل أن الله قد أوحى إليّ أن أقتلك، فقال الرجل: تقتلني بغير بينة ولا تثبت! فقال له داود: نعم، والله لأنفِّذْنَ أمر الله عز جل فيك. فلما عرف الرجل أنه قاتله قاله له: لا تعجل عليّ حتى أخبرك، إني والله ما أُخِذْتُ بهذا الذنب ولكني كنت اغتلت وَلَدَ هذا فقتلته فبذلك قُتِلتُ. فأمر به داود، فَقُتِلَ. فاشتدت هيبته في بني إسرائيل لذلك وشد الله به ملكه. * * ثم قال تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُ ٱلْحِكْمَةَ﴾. قال السدى: هي النبوة. وقال قتادة: الحكمة: السُّنَّة. * * وقوله: ﴿وَفَصْلَ ٱلْخِطَابِ﴾. قال ابن عباس ومجاهد والسدي: فصل الخطاب: الفهم في علم القضاء. وقال ابن زيد: أعطي فصل ما يتخاطب الناس به بين يديه في الخصومات. وقال شريح: فصل الخطاب: الشاهدان على المدعي، واليمين على المنكر، وهو قول قتادة. وقال الشعبي: يمين وشاهد، وعن الشعبي: هو: أما بعد. * * ثم قال تعالى: ﴿وَهَلْ أَتَاكَ نَبَؤُاْ ٱلْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُواْ ٱلْمِحْرَابَ﴾، أي: وهل أتاك يا محمد خبر الخصم. والخصم هنا يراد به الملكان، لكن لا تظهر فيه تثنية ولا جمع لأنه مصدر من خصمته خصماً. والأصل فيه: وهل أتاك نبأ ذوي الخصم ويجوز أن يثنى ويجمع، ودل على ذلك قوله: خصمان. * * وقوله: ﴿إِذْ تَسَوَّرُواْ ٱلْمِحْرَابَ﴾، أي إذ دخلوا عليه من غير بابه. والمحراب: مقدم كل شيء ومجلسه وأشرفه. * * ثم قال تعالى: ﴿إِذْ دَخَلُواْ عَلَىٰ دَاوُودَ﴾، أي: لما دخلوا على داود المحراب. ﴿فَفَزِعَ مِنْهُمْ﴾، أي: فراعه دخولهما من غير مدخل الناس عليه. وقيل: إنما فزع لأنهما دخلا عليه ليلاً من غير وقت نظره بين الناس. ﴿قَالُواْ لاَ تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَىٰ﴾، أي: قال الملكان: لا تخف منا نحن خصمان. ﴿بَغَىٰ بَعْضُنَا عَلَىٰ بَعْضٍ﴾، أي: تعدَّى أحدنا على صاحبه. ﴿فَٱحْكُمْ بَيْنَنَا بِٱلْحَقِّ﴾، أي: فاقض بيننا بالعدل. ﴿وَلاَ تُشْطِطْ﴾، أي: لا تجر، وقال قتادة ولا تمل، وقال السدى: لا تخف. وقرأ الحسن وأبو رجاء: "ولا تَشْطُطْ" بفتح التاء وضم الطاء الأولى. بمعنى: ولا تبعد عن الحق. يقال: أَشَطَّ يُشِطُّ إذا جار في القول والحكم، وشَطّ يَشُطُّ إذا بَعُد. * * ثم قال تعالى: ﴿وَٱهْدِنَآ إِلَىٰ سَوَآءِ ٱلصِّرَاطِ﴾ ، أي: وارشدنا إلى قصد الطريق المستقيم في الحق. * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ هَذَآ أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً﴾، الآية. هذا مثل ضربه الملكان لداود، وذلك أن داود كان له تسع وتسعون امرأة، وكانت للرجل الذي أعزاه داود حتى قُتل، امرأة واحدة، فلما قتل تزوجها فيما ذكر. قال وهب بن منبه: إن هذا أخي، أي على ديني. والعرب تُكَنِّي عن المرأة بالنعجة والشاة. وقرأة الحسن بفتح التاء من "تَسع وتَسعين" وهي لغة قليلة. وقرأ ابن مسعود: "تِسْعٌ وتَسِعُونَ نَعْجَةً أُنْثَى" على التأكيد، كقولهم: رجل ذَكَر؟. ولا يؤنث بهذا التأنيث إلا ما تأنيثه وتذكيره في نفسه كالرجل والمرأة، فإن كان تأنيثه وتذكيره في اسمه (لم يُقَلْ) فيه أنثى ولا ذكر، نحو: دار، وملحفة، وشبه ذلك. وقيل: عنى بذلك أنها حسنة. فأنثى تدل على أنها حسنة. ثم قال تعالى ذكره: ﴿فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا﴾، أي: أنزل عنها وضُمَّها إليَّ. قال ابن زيد: أكفلنيها: أعطنيها، أي: طلقها لي أنكحها. ﴿وَعَزَّنِي فِي ٱلْخِطَابِ﴾، أي: صار أعزَّ مني في مخاطبته إياي لأنه إن تكلم فهو أبين مني، وإن بطش كان أشد مني فقهرني وغلبني. قال قتادة: وعزني في الخطاب: ظلمني وقهرني. وقرأ ابن مسعود: "وَعَازَّنِي". يقال: عَازَّه (إذا غالبه، وَعَزَّهُ): إذا غلبه، ومنه قولهم: "مَنْ (عَزَّ بَزَّ)". * * ثم قال تعالى: ﴿قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَىٰ نِعَاجِهِ﴾، أي: قال داود للمتكلم منهما: لقد ظلمك صاحبك بسؤاله إياك أن يضم نعجتك إلى نعاجه. * * ﴿وَإِنَّ كَثِيراً مِّنَ ٱلْخُلَطَآءِ لَيَبْغِيۤ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ﴾، أي: وإن كثيراً من الشركاء ليَتَعَدَّى بعضهم على بعض ﴿إِلاَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ﴾. قوله تعالى ذكره: ﴿وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ﴾ - إلى قوله - ﴿ٱلصَّافِنَاتُ ٱلْجِيَادُ﴾ أي: وأيقن داود أنما اختبرناه. ﴿فَٱسْتَغْفَرَ رَبَّهُ﴾، أي: سائل ربه المغفرة. ﴿وَخَرَّ رَاكِعاً﴾، أي: ساجداً لله. ﴿وَأَنَابَ﴾، أي: رجع عن خطيئته وتاب منها. وكان سبب اختبار الله عز وجل له - فيما ذكر ابن عباس - أن داود قال: يا رب، قد أعطيت إبراهيم وإسحاق ويعقوب من الذكر ما لَوَدِدْتُ أنك أعطيتني مثله. فقال الله جل ذكره له: إني ابتليتهم بما لم أبتلك به، فإن شئت ابتليتك بمثل ما ابتليتهم به، وأعطيتك كما أعطيتهم، قال: نعم، فأقام ما شاء الله أن يُقيم وطال ذلك حتى كاد أن ينساه. فبينما هو في محرابه إذ وقعت عليه حمامة فأراد أن يأخذها فطارت إلى كوة كانت في المحراب، فذهب ليأخذها، فطارت. فاطلَّع من الكوة فرأى امرأة تغتسل. فنزل نبي الله ﷺ من المحراب وأرسل إليها، فجاءته، فسألها عن زوجها وعن شأنها، فأخبرته أن زوجها غائب، فكتب إلى أمير تلك السَّرِيَّةِ أن يُؤْمِّرَهُ على السرايا لِيَهْلَكَ زوجها، ففعل. فكان يصاب أصحابه وينجو وربما نصروا. وإن الله لما رأى الذي وقع فيه داود أراد أن يستنفذه، فبينما داود ذات يوم في محرابه إذ تسور عليه الخصمان من قبل وجهه. فلما رآهما وهو يقرأ فَزِعَ وسكت، وقال: لقد اسُتضعفت في مُلكي حتى إن الناس يتسورون علي في محرابي، قالا له: لا تخف، خصمان بغى بعضنا على بعض فلم يكن لنا بد من أن نأتيكا فاسمع منا. قال أحدهما. ﴿إِنَّ هَذَآ أَخِي﴾ - إلى ﴿وَعَزَّنِي فِي ٱلْخِطَابِ﴾. قال له داود: أنت كنت أحوجَ إلى نعجتك منه، لقد ظلمك بسؤاله إياك نعجتك ونسي نفسه ﷺ. فنظر الملكان أحدهما إلى الآخر حين قال ذلك، فتبسم أحدهما إلى الآخر فرآه داود فعلم أنه فتن، فاستغفر ربه وخر راكعاً وأناب أربعين ليلة حتى نبتت الخضرة من عينيه ثم شدد الله له ملكه. روى ابن أبي الدنيا أن وهب بن منبه قال: لم يرفع داود عليه السلام رأسه من السجود حتى قال له الملكان: أول أمرك ذنب وآخره معصية، ارفع رأسك، فرفع رأسه. وعن وهب أنه قال: لما رفع داود رأسه من (السجدة رفع رأسه) وقد زَمِنَ ورعش. قال: فاعتزل نساءه ثم بكى حتى خددت الدموع وجهه. وقال عطاء الخراساني: "إن داود نقش خطيئته في كفه لكي لا ينساها، فكان إذا رآها اضطربت يداه. وقال وهب بن منبه: كتب داود في كفه: داود الخطاء. وقال يحيى بن أبي كثير لما أصاب داود الخطيئة نفرت الوحوش من حوله، فنادى: إلهي، رُدَّ عليَّ الوحش كي آنس بها فرد الله تبارك وتعالى عليه الوحش فَأَحَطْنَ به وأصغين بأسماعهن نحوه. قال: ورفع صوته يقرأ الزبور ويبكي على نفسه فنادته هيهات هيهات يا داود، ذهبت الخطيئة بحلاوة صوتك. وروي عن النبي ﷺ أنه قال: "مَثَلُ عَيْنَيْ دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ مَثَلُ الْقِرْبَتَينِ تَنْظِفَانِ بالمَاءِ. لَقَدْ خَدَّدَتِ الدُّمُوعُ وَجْهَ دَاودَ خَديدَ المَاءِ في الأرْضِ وروى أبو مسهر عن سعيد بن عبد العزيز أنه قال: قالو: لو جُمِعت دموع أهل الأرض إلى دموع آدم ﷺ لكانت دموع آدم أكثر، ولو جمعت دموع أهل الأرض ودموع آدم إلى دموع ابن آدم الذي قتل أخاه لكانت دموع ابن آدم أكثر، ولو جمعت دموع أهل الأرض، ودموع آدم، ودموع ابن آدم إلى دموع يعقوب لكانت دموع يعقوب أكثر، ولو جمعت دموع أهل الأرض ودموع آدم ودموع ابن آدم ودموع يعقوب إلى دموع داود لكانت دموع داود أكثر. قال سعيد: "كان داود يجلس على ستة أفرشة فيبكي فيبل الأول فيُرفع حتى يبللها كلها، كلما بَلَّ واحداً رُفِع؛ وإن كان ليؤتى بالإناء ليشرب فما يفرغ منه حتى يتدفق من دموعه وروى إسماعيل بن عبيد الله: "إن داود النبي ﷺ كان يعاتب في كثرة البكاء، فيقول: ذروني أبكي قبل يوم البكاء، قبل تحريق العظام واشتعال اللحى، وقبل أن يؤمر بي ﴿مَلاَئِكَةٌ غِلاَظٌ شِدَادٌ لاَّ يَعْصُونَ ٱللَّهَ مَآ أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم: ٦]. قال محمد بن المنكدر مكث آدم ﷺ في الأرض أربعين سنة ما يبدي عن واضحة ولا ترقئ له دمعة. فقالت له حواء: إنَّا قد استوحشنا إلى أصوات الملائكة فادع ربك فيسمعنا أصواتهم. فقال لها: ما زلت مستحيياً من ربي عز وجل أن أرفع طرفي إلى أديم السماء مما صنعت. وقال محمد بن خوات: إن داود النبي ﷺ لما أطال البكاء على نفسه، قيل له: اذهب إلى قبر زوج المرأة فاستوهبه ما صنعت، فأتى القبر، وأَذِنَ الله لصاحب القبر أن يتكلم، فناداه: أنا داود ولك عندي مظلمة، قال: قد غفرتها لك، قال: فانصرف داود وقد طابت نفسه، فأوحى الله عز وجل إليه أن ارجع فبين له الذي صنعت فرجع، فأخبره، فناداه صاحب القبر يا داود، هكذا يفعل الأنبياء! قال بكر بن عبيد الله المُزني: مكث داود النبي عليه السلام ساجداً أربعين يوماً يبكي على خطيئته حتى نبت البقل من دموعه، ثم زفر زفرة فهاج العودة فاحترق، فنودي أظمآن أنت فَتُسقَى؟ أجائع فتطعم؟ أعاري فتُكسى؟ قال: لا، ولكن خطيئتي أثقلت ظهري، فلم يُرْجَعُ إليه بشيء، فازداد بكاء حتى انقطع صوته، فكان لا يُسمع له إلاّ كهيئة الأنين، فعند ذلك غُفِرَ له. وقال الحسن: بكاء داود عليه السلام بعد ما غُفرت له الخطيئة أكثر من بكائه قبل المغفرة، فقيل له: أليس قد غُفر لك يا نبي الله؟ ! قال: فكيف بالحياء من الله عز وجل. قال كعب: كان داود عليه السلام يختار مجالسة المساكين، ويُكثر البكاء ويقول: رب اغفر للمساكين والخطائين حتى تغفر لي معهم، وكان قبل ذلك يدعو على الخطائين. قال أبو عبد الرحمن الحبلي: ما رفع داود رأسه إلى السماء بعد خطيئته حتى مات. ورُوي أنه كان إذا ذكر عقاب الله عز وجل تخلعت أوصاله، فإذا ذكر رحمة الله تراجعت. وروى أشهب عن مالك أنه قال: بلغني أن تلك الحمامة أتت فوقعت قريباً من داود وهي من ذهب، فلما رآها أعجبته فقام ليأخذها، فكانت قرب يده، ثم طارت فَأَتْبَعَهَا بَصَرَهُ، فوقعت عينه على تلك المرأة وهي تغسل ولها شعر طويل. فبلغني أنه أقام أربعين ليلة ساجداً حتى نبت العشب من دموع عينيه. ويراد بالركوع في هذا الموضع: السجود. قال السدي: كان داود قد قسم الدهر ثلاثة أيام: يوماً يقضي فيه بين الناس ويوماً يخلو فيه لعبادة ربه عز وجل، ويوماً يخلو فيه لنسائه، وكان له تسع وتسعون امرأة، وكان فيما يقرأ من الكتب: فضل إبراهيم وإسحاق ويعقوب صلى الله عليهم وسلم. فلما وجد ذلك فيما يقرأ من الكتب قال: يا رب، إن الخير قد ذهب به آبائي، فأعطني مثل ما أعطيتهم. فأوحى الله إليه أن آباءك ابتلوا ببلاء لم تبتل به، ابتلي إبراهيم بذبح ابنه فصبر، وابتلي إسحاق بذهاب بصره، وابتلي يعقوب بحزنه على يوسف، وإنك لم تبتل أنت من ذلك الشيء. فقال: يا رب، ابتلني بمثل ما ابتليتهم وأعطني مثل ما أعطيتهم. قال: فأوحى الله عز وجل إليه أنك مبتلى فاحترس، قال: فمكث ما شاء الله أن يمكث إذ جاءه الشيطان وقد تمثل له في صورة حمامة من ذهب حتى وقع عند رجليه وهو قائم يصلي قال: فمد يده ليأخذه فتنحى، فتبعه فتباعد حتى وقع في كوة، فذهب ليأخذه، فطار من الكوة فنظر أين (يقع فيبعث) في أثره، قال: فأبصر امرأة تغتسل في سطح لها، فرأى امرأة من أجمل الناس خَلْقاً، فحانت منها التفاتة فأبصرته، فألقت شعرها فاستترت به. قال: فزاده ذلك فيها رغبة. قال: فسأل عنها فأخبر أن لها زوجاً وأن زوجها غائب بمسلحة كذا وكذا. (قال: فبعث إلى صاحب المسلحة وأمره أن يبعث به إلى عدو كذا وكذا). قال فبعثه ففتح له قال: فكتب إليه بذلك. قال فكتب إليه أن أبعثه إلى عدو كذا وكذا - أشد منهم بأساً - قال: فبعثه ففتح له أيضاً، ثم كتب إليه ثالثة فبعثه فقتل. قال: وتزوج امرأته، فلما دخلت عليه لم تلبث عنده إلا يسيراً حتى بعث الله ملكين في صورة إنسيين فطلبا أن يدخلا عليه، فتسورا عليه المحراب. قال: فما شعر وهو يصلي إلا وهما بين يديه جالسين قال: ﴿فَفَزِعَ مِنْهُمْ﴾، فقالا: ﴿لاَ تَخَفْ﴾ لا تخف، إنما نحن ﴿خَصْمَانِ بَغَىٰ بَعْضُنَا عَلَىٰ بَعْضٍ﴾ - إلى قوله - ﴿سَوَآءِ ٱلصِّرَاطِ﴾، قال: قصّا قصتكما قال: فقال أحدهما: إن هذا أخي له تسع وتسعون نعجة ولي نعجة واحدة، وهو يريد أخذ نعجتي فيكمل بها نعاجه مائة! فقال للآخر: ما تقول؟ فقال: إن لي (تسعاً وتسعين) نعجة ولأخي هذا نعجة واحدة. قال: فأنا أريد أن آخذها منه فأكمل بها نعاجي مائة؟! قال: (وهو كاره). قال: إذا (لا ندعك) وذلك. قال: ما أنت على ذلك بقادر. قال: فإن ذهبت تروم ذلك (أو لم ترد ذلك ضربنا منك هذا وهذا وهذا يريد طرف الأنف، وأصل الأنف، والجبهة قال: يا داود، أنت أحق أن يضرب منه هذا وهذا وهذا حيث لك تسع وتسعون امراة ولم يكن لاوريا إلا امرأة واحدة، (فلم تزل) تعرضه للقتل حتى قُتل، وتزوجت امرأته. قال: فنظر داود الرجلين فلم ير شيئاً فعرف ما قد وقع فيه فخر ساجداً. - وهو موضع السجود عند مالك. وروي أن رجلاً من الأنصار - على عهد النبي ﷺ - كان يصلي من الليل مستتراً بشجرة وهو يقرأ "ص"، فلما بلغ السجدة سجد وسجدت معه الشجرة، فسمعها وهي تقول: اللهم أعظم لي بهذه السجدة أجراً، وارزقني بها شكراً، وضع عني بها وزراً، وتقبلها مني كما تقبلت من عبدك داود سجدته. فلما أصبح الرجل ذكر ذلك لرسول الله ﷺ. فقال رسول الله: نحن أحق أن يقول ذلك. فكان ﷺ إذا سجد يقول ذلك. قال عقبة بن عامر الجهني: من قرأ (ص) ولم يسجد فيها فلا عليه ألا يقرأ بها. قال: فبكى أربعين يوماً لا يرفع رأسه إلا لحاجة، ثم يقع ساجداً يبكي حتى نبت العشب من دموع عينيه، قال: فأوحى الله عز وجل إليه بعد أربعين يوماً: يا داود، ارفع رأسك فقد غفرت لك. قال: يا رب، كيف أعلم أنك قد غفرت لي وأنت حكم عدل لا تحيف في القضاء، إذا جاء أوريا يوم القيامة آخذ رأسه بيمينه، أو بشماله، تشخب أوداجه دماً، يقول: يا رب، سل هذا فيم قتلني؟ قال: فأوحى الله عز وجل إليه: إذا كان ذلك (دعوت أوريا). فاستوهبتك منه، فيهبك لي، فأثيبه بذلك الجنة. قال: رب، الآن علمت أنك قد غفرت لي. قال: فما استطاع ان يملأ عينيه من السماء حياء من ربه حتى قبض ﷺ. وقيل: اسم الرجل أوريا بن حيان. وقال الحسن: جزأ داود الدهر أربعة أجزاء: يوماً لنسائه، ويوماً لعبادة ربه، ويوماً لقضاء بني إسرائيل، ويوماً لبني إسرائيل يذاكرهم ويذاكرونه، ويبكيهم ويبكونه. قال: فلما كان يوم بني إسرائيل، قال: ذَكَرُوا فقالو: هل أتى على الإنسان يوم لا يصيب فيه ذنباً؟ فأضمر داود في نفسه أنه سيطيق ذلك. فلما كان يوم عبادته أغلق أبوابه وأمر ألا يدخل عليه أحد، وأكب على التوراة. فبينما هو يقرؤها إذا حمامة من ذهب، فيها من كل لون (حَسَنٍ، قد وقعت بين يديه، فأهوى إليها ليأخذها، قال: فطارت فوقعت غير بعيدة من غير أن تؤيسه من نفسها. قال: فما زال يتبعها حتى أشرف على امرأة تغتسل فأعجبه خلقها وحسنها. قال: فلما رأت ظله في الارض جللت نفسها بشعرها فزاده ذلك إعجاباً بها. وكان قد بعث زوجها على بعض جيوشه، فكتب إليه أن يسر إلى مكان كذا وكذا - مكانٌ إذا صار إليه لم يرجع - قال: ففعل، فأصيب، فخطبها، فتزوجها. قال قتادة: بلغنا أنها أم سليمان. قال الحسن: فبينما هو في المحراب إذ تسور الملكان عليه - وكان الخصمان إذا أتوه يأتونه من باب المحراب - ففزع منهم حين تسوروا المحراب، فقالا: لا تخف، خصمان بغى بعضنا على بعض. وذكر نحو الحديثين المتقدمين. وقيل: إن خطيئته هي قوله: لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه من غير ثبت بينة ولا إقرار من الخصم ولا سؤال لخصمه: هل كان هذا هكذا أو لم يكن. وهو قول شاذ. وقال ابن الأعرابي: قال كعب: سجد داود نبي الله ﷺ أربعين ليلة لم يرفع رأسه حتى رقأ دمعه ويبس رأسه. فكان من آخر دعائه وهو ساجد أن قال: يا رب رزقتني العافية، فسألتك البلاء، فلما ابتليتني لم أصبر فإن تعذبني فأنا أهل ذلك، وإن تغفر لي فأنت أهل ذلك - يقولها في نفسه - فعلم الله عز وجل ما قال فإذا جبريل عليه السلام على رأسه قائم يقول له: يا داود، إن الله قد غفر لك فارفع رأسك فلم يلتفت إليه، وناجى ربه وهو ساجد فقال: يا رب، وكيف تغفر لي وأنت الحكم العدل، وقد فعلت بالرجل ما فعلت؟ قال: فنزل الوحي عليه: صدقت يا داود أنا الحكم العدل، ولكن إذا كان يوم القيامة دفعتك إلى أوريا سلماً، ثم استوهبتك منه، فيهبك لي، فأثيبه الجنة. قال داود: الآن أعلم أنك قد غفرت لي. قال: فذهب داود يرفع رأسه فاذا هو يابس لا يستطيع. قال: فمسحه جبريل عليه السلام بريشة فانبسط. قال: فأوحى الله عز وجل إليه بعد ذلك: يا داود: قد أحللت لك امرأة أوريا فتزوجها، فتزوجها داود ﷺ، فولدت له سليمان عليه السلام، لم تلد قبله شيئاً ولا بعده. قال كعب: فوالله لقد كان داود بعد ذلك ليظل صائماً في اليوم الحار فيقرب إليه الشراب فإذا قربه إلى فيه ذكر خطيئته فيبكي في الشراب حتى يفيض ثم يرده ولا يشربه. وروى الأوزاعي عن بعض أهل المدينة أنه قال: مثل عيني داود كمثل القربتين تنطفان الماء، لقد خدد الدمع في وجهه كخديد الماء في الأرض. ويروى أن داود بات لربه عز وجل مصلياً حتى أصبح فذهب الى نهر ليتوضأ، فقال: الحمد لله، لقد عبدت الله الليلة عبادة ما عبده أحد إياها من أهل الأرض. فكَلَّمَه ضفدع من الماء فقالت: جلا يا أبا سليمان، فوالله إن لي لثلاثاً من الدهر ما جمعت بين فقمي تسبيحاً لله. وروي عن ابن مسعود وابن عباس أن داود عليه السلام ما زاد على أن قال للرجل: انزل لي عن امرأتك، فعاتبه الله على ذلك ونبهه عليه. * * ثم قال تعالى: ﴿فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ﴾، أي ذلك الذنب. ﴿وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لَزُلْفَىٰ﴾، أي: لقربة يوم القيامة. قال الضحاك: لمنزلة رفيعة. * * ثم قال: ﴿وَحُسْنَ مَـآبٍ﴾، أي: حسن مصير. قال السدي: حسن منقلب. وقال الضحاك: حسن مرجع. وقال مجاهد: يبعث داود النبي عليه السلام وذكر خطيئته، ووجلُه منها في قلبه، منقوشةٌ في كفه. فإذا رأى أهاويل الموقف لم يجد منها متعوذاً وا محرزاً إلا برحمة الله تبارك وتعالى وقربه، فيلجأ إليه تبارك وتعالى، فيشار إليه أن هاهنا عن يسار العرش، ثم يعلق فيقال له هاهنا عن يمين العرش. وذلك قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لَزُلْفَىٰ وَحُسْنَ مَـآبٍ﴾. وقال مالك بن دينار: يقام داود عليه السلام يوم القيامة عند ساق العرش، ثم يقول: يا داود، مجدني بذلك الصوت الحسن الرخيم الذي كنت تمجدني به في الدنيا. فيقول يا رب، كيف وقد سلبتنيه؟! فيقول: إني سأرده عليك. قال: فيدفع داود بصوت يستفرغ به نعيم أهل الجنان. ﴿فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ﴾: تمام حسن. * * ثم قال تعالى: ﴿يٰدَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي ٱلأَرْضِ﴾، أي: فغفرنا له ذلك الذنب، وقلنا له: يا داود، إنا جعلناك خليفة في الأرض، أي استخلفناك في الارض من بعد من كان قبلك من رسلنا حكماً بين أهل الارض. ﴿فَٱحْكُمْ بَيْنَ ٱلنَّاسِ بِٱلْحَقِّ﴾، أي: بالعدل والإنصاف. ﴿وَلاَ تَتَّبِعِ ٱلْهَوَىٰ﴾، أي: لا توثر هواك في قضائك على العدل فتجور في الحكم فيضلك هواك عن سبيل الله. ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ﴾، أي: يميلون عن الحق الذي أمر الله به. ﴿لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدُ﴾، أي: يوم القيامة. ﴿بِمَا نَسُواْ يَوْمَ ٱلْحِسَابِ﴾، أي: بتركهم العمل ليوم القيامة. قال عكرمة: هذا من التقديم والتأخير. والتقدير عنده: لهم يوم الحساب عذاب شديد بما نسوا أي: بما تركوا أمر الله والقضاء بالعدل. فالعامل في "يوم" في القول الأول: "نسوا" هو مفعول به والعامل فيه في القول الثاني "لهم" وهو ظرف. وكان ابن عباس يسجد عند قوله: "وأناب"، ويقول: ﴿أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ ٱقْتَدِهْ﴾. * * ثم قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَآءَ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً﴾، أي: عبثاً ولعباً بل خُلِقَا ليُعمل فيهما بالطاعة. ثم قال تعالى ذكره: ﴿ذَلِكَ ظَنُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾، أي: خلق السماء والأرض وما بينهما لغير حساب ولا بعث ولا عمل، هو ظن الذين كفروا فويل لهم من النار. * * ثم قال: ﴿أَمْ نَجْعَلُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ كَٱلْمُفْسِدِينَ فِي ٱلأَرْضِ﴾. هذا رد لقول الكفار، لأنهم كانوا يقولون: ليست ثمَّ عقوبة ولا نار، فالكافر والعاصي يَسْعَدَان باللذات، والمطيع يشقى، ومصيرهما إلى شيء واحد فرد الله عليه بأنه لم يجعل المتقين كالفجار في الآخرة، ولا الصالح كالمفسد. * * ثم قال: ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ﴾، (أي: هذا القرآن كتاب أنزله الله إليك يا محمد مبارك) على من آمن به، أنزله: ﴿لِّيَدَّبَّرُوۤاْ آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُواْ ٱلأَلْبَابِ﴾ ليعتبروا آياته وليتذكر به أولوا العقول. * * ثم قال: ﴿وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ﴾، أي: وُلِدَ إليه. ﴿نِعْمَ ٱلْعَبْدُ﴾، أي: ممدوح في طاعة ربه. ﴿إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾، أي: رجاع إلى طاعة الله عز وجل تواب إليه سبحانه، وقيل: الأواب: الكثير الذكر. وقال ابن عباس: الأواب: المسبح. وقال قتادة: مطيعاً كثير الصلاة. وقال ابن المسيب: هو الذي يذنب ثم يتوب، ثم يذنب ثم يتوب. وقيل: هو الذي يذكر ذنبه في الخلاء، ثم يتوب منه ويستغفر. * * ثم قال تعالى: ﴿إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِٱلْعَشِيِّ ٱلصَّافِنَاتُ ٱلْجِيَادُ﴾، أي: هو تواب في هذا الوقت. والصافنات: جمع صافن من الخيل، والأنثى: صافنة. والصافن: الذي يجمع بين يديه، ويثني طرف سنبك إحدى رجليه. وقيل: هو الذي يجمع بين يديه. وزعم الفراء أن الصافن هو القائم. وقال مجاهد: صفون الفرس: "رفع إحدى يديه حتى تكون على طرف الحافر". وقال قتادة: صفونها: قيامها وبسطها قوائمها. وقال ابن زيد: الصافنات: الخيل، أخرجها الشيطان لسليمان من مرج من مروج البحر. والصفن أن تقوم على ثلاث وترفع رجلاً واحدة تكون على طرف الحافر على الأرض. قال ابن زيد: وكانت لها أجنحة. (والجياد: السريعة. روي أنها كانت عشرين فرسا ذات أجنحة).

ص 38:18

هذا قوله تعالى ذكره: ﴿ٱصْبِر عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ﴾ - إلى قوله - ﴿وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ﴾ منسوخ بالأمر بالقتال، أمر الله جل ذكره نبيه ﷺ بالصبر على قول المشركين والاحتمال منهم، وقد علم تعالى أنه سيأمره بقتالهم في وقت آخر، فينسخ الآخر الأول. * * ثم قال: ﴿وَٱذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا ٱلأَيْدِ﴾، أي: ذا القوة والبطش الشديد في ذات الله عز وجل والصبر على طاعته. يقال: أيد وآد للقوة, كما يقال: العيب والعاب قال قتادة: "أُعْطِيَ داود قوة في العبادة وفقهاً في الإسلام، وذُكِرَ أنه كان يقوم الليل ويصوم نصف الدهر. * * وقوله: ﴿إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾، أي: رَجَّاعٌ عما يكره الله عز وجل إلى ما يرضاه أواب وهو فعَّال للتكثير من آب يئوب إذا رجع. قال مجاهد: أواب: رجاع عن الذنوب. قال قتادة: كان مطيعاً لله عز وجل كثير الصلاة. وقال السدى: الأوَّاب: المسبح. ويروى أنه قام ليلة إلى الصباح فكأنه أُعْجِبَ بذلك فقيل لضفدع كلميه في أصل مِحْرَابِه، فقالت له: يا داود، تَعْجَبُ لقيام ليلة! هذا مقامي منذ عشرين سنة شكراً لله عز وجل حين سلَّم بيضي. قال وهب: كان داود قد قسم الدهر أثلاثا، فيصير: يوم للعبادة، ويوماً للقضاء بين الناس، ويوما لقضاء حوائج أهله. * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّا سَخَّرْنَا ٱلجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِٱلْعَشِيِّ وَٱلإِشْرَاقِ﴾، أي: يسبحن مع داود من وقت العصر إلى الليل، ومن صلاة الصبح إلى وقت صلاة الضحى. يقال: أشرقت الشمس: إذا أضاءت وصفت، وشرقت إذا طلعت. قال قتادة: كان داود إذا سبح سبحت الجبال معه. واستدل ابن عباس على نص صلاة الضحى في القرآن بهذه الآية ﴿بِٱلْعَشِيِّ وَٱلإِشْرَاقِ﴾، لأنه من أشرقت الشمس إذا صفت وأضاءت. فإذا صلى داود العصر وسبَّحَ سبحت الجبال معه، وإذا صلى الضحى (سبح وسبحت) الجبال معه. * * ثم قال: ﴿وَٱلطَّيْرَ مَحْشُورَةً﴾، أي وسخرنا الطير مجموعة تسبح معه. ﴿كُلٌّ لَّهُ أَوَّابٌ﴾، أي: رجاع لأمره ومطيع له. فالهاء لداود وقيل: إلهاء لله عز وجل. والمعنى كل لله مطيع، مسبح له. فكل "في القول الأولى للطير، وفي هذا الثاني: يجوز أن يكون للطير، ويجوز أن يكون لداود والجبال والطير. ورُوي أنه كان إذا سبح أجابته الجبال واجتمعت إليه الطير فسبحت معه. وقال قتادة: محشورة: مسخرة. * * ثم قال: ﴿وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ﴾. قال السدي: كان حرسه في كل يوم وليلة أربعة آلاف. وذكر ابن عباس أن الله جل ذكره شدد ملكه هيبة لقضية قضاها في بنى إسرائيل وذلك أن رجلاً استعدى على رجل من عظمائهم فاجتمعا عند داود، فقال المُسْتَعْدَى: إن هذا غصبني بقراً لي. فسأل الرجل عن ذلك فجحده، فسأل الآخر البيِّنة فلم تكن له بينة، فقال لهما: قُوَما حتى أنظر في أمركما فقاما. فأوحى الله عز وجل إلى داود في منامه أن يقتل الرجل الذي ستُعدي عليه. فقال: هذه رؤيا ولست أعجل حتى أتثبت، فأَوْحَى إليه مرة أخرى أن يقتُلَه، وأوحى إليه ثالثة (أن يقتله) أو تأتيه العقوبة من الله عز وجل، فأرسل داود إلى الرجل أن الله قد أوحى إليّ أن أقتلك، فقال الرجل: تقتلني بغير بينة ولا تثبت! فقال له داود: نعم، والله لأنفِّذْنَ أمر الله عز جل فيك. فلما عرف الرجل أنه قاتله قاله له: لا تعجل عليّ حتى أخبرك، إني والله ما أُخِذْتُ بهذا الذنب ولكني كنت اغتلت وَلَدَ هذا فقتلته فبذلك قُتِلتُ. فأمر به داود، فَقُتِلَ. فاشتدت هيبته في بني إسرائيل لذلك وشد الله به ملكه. * * ثم قال تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُ ٱلْحِكْمَةَ﴾. قال السدى: هي النبوة. وقال قتادة: الحكمة: السُّنَّة. * * وقوله: ﴿وَفَصْلَ ٱلْخِطَابِ﴾. قال ابن عباس ومجاهد والسدي: فصل الخطاب: الفهم في علم القضاء. وقال ابن زيد: أعطي فصل ما يتخاطب الناس به بين يديه في الخصومات. وقال شريح: فصل الخطاب: الشاهدان على المدعي، واليمين على المنكر، وهو قول قتادة. وقال الشعبي: يمين وشاهد، وعن الشعبي: هو: أما بعد. * * ثم قال تعالى: ﴿وَهَلْ أَتَاكَ نَبَؤُاْ ٱلْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُواْ ٱلْمِحْرَابَ﴾، أي: وهل أتاك يا محمد خبر الخصم. والخصم هنا يراد به الملكان، لكن لا تظهر فيه تثنية ولا جمع لأنه مصدر من خصمته خصماً. والأصل فيه: وهل أتاك نبأ ذوي الخصم ويجوز أن يثنى ويجمع، ودل على ذلك قوله: خصمان. * * وقوله: ﴿إِذْ تَسَوَّرُواْ ٱلْمِحْرَابَ﴾، أي إذ دخلوا عليه من غير بابه. والمحراب: مقدم كل شيء ومجلسه وأشرفه. * * ثم قال تعالى: ﴿إِذْ دَخَلُواْ عَلَىٰ دَاوُودَ﴾، أي: لما دخلوا على داود المحراب. ﴿فَفَزِعَ مِنْهُمْ﴾، أي: فراعه دخولهما من غير مدخل الناس عليه. وقيل: إنما فزع لأنهما دخلا عليه ليلاً من غير وقت نظره بين الناس. ﴿قَالُواْ لاَ تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَىٰ﴾، أي: قال الملكان: لا تخف منا نحن خصمان. ﴿بَغَىٰ بَعْضُنَا عَلَىٰ بَعْضٍ﴾، أي: تعدَّى أحدنا على صاحبه. ﴿فَٱحْكُمْ بَيْنَنَا بِٱلْحَقِّ﴾، أي: فاقض بيننا بالعدل. ﴿وَلاَ تُشْطِطْ﴾، أي: لا تجر، وقال قتادة ولا تمل، وقال السدى: لا تخف. وقرأ الحسن وأبو رجاء: "ولا تَشْطُطْ" بفتح التاء وضم الطاء الأولى. بمعنى: ولا تبعد عن الحق. يقال: أَشَطَّ يُشِطُّ إذا جار في القول والحكم، وشَطّ يَشُطُّ إذا بَعُد. * * ثم قال تعالى: ﴿وَٱهْدِنَآ إِلَىٰ سَوَآءِ ٱلصِّرَاطِ﴾ ، أي: وارشدنا إلى قصد الطريق المستقيم في الحق. * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ هَذَآ أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً﴾، الآية. هذا مثل ضربه الملكان لداود، وذلك أن داود كان له تسع وتسعون امرأة، وكانت للرجل الذي أعزاه داود حتى قُتل، امرأة واحدة، فلما قتل تزوجها فيما ذكر. قال وهب بن منبه: إن هذا أخي، أي على ديني. والعرب تُكَنِّي عن المرأة بالنعجة والشاة. وقرأة الحسن بفتح التاء من "تَسع وتَسعين" وهي لغة قليلة. وقرأ ابن مسعود: "تِسْعٌ وتَسِعُونَ نَعْجَةً أُنْثَى" على التأكيد، كقولهم: رجل ذَكَر؟. ولا يؤنث بهذا التأنيث إلا ما تأنيثه وتذكيره في نفسه كالرجل والمرأة، فإن كان تأنيثه وتذكيره في اسمه (لم يُقَلْ) فيه أنثى ولا ذكر، نحو: دار، وملحفة، وشبه ذلك. وقيل: عنى بذلك أنها حسنة. فأنثى تدل على أنها حسنة. ثم قال تعالى ذكره: ﴿فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا﴾، أي: أنزل عنها وضُمَّها إليَّ. قال ابن زيد: أكفلنيها: أعطنيها، أي: طلقها لي أنكحها. ﴿وَعَزَّنِي فِي ٱلْخِطَابِ﴾، أي: صار أعزَّ مني في مخاطبته إياي لأنه إن تكلم فهو أبين مني، وإن بطش كان أشد مني فقهرني وغلبني. قال قتادة: وعزني في الخطاب: ظلمني وقهرني. وقرأ ابن مسعود: "وَعَازَّنِي". يقال: عَازَّه (إذا غالبه، وَعَزَّهُ): إذا غلبه، ومنه قولهم: "مَنْ (عَزَّ بَزَّ)". * * ثم قال تعالى: ﴿قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَىٰ نِعَاجِهِ﴾، أي: قال داود للمتكلم منهما: لقد ظلمك صاحبك بسؤاله إياك أن يضم نعجتك إلى نعاجه. * * ﴿وَإِنَّ كَثِيراً مِّنَ ٱلْخُلَطَآءِ لَيَبْغِيۤ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ﴾، أي: وإن كثيراً من الشركاء ليَتَعَدَّى بعضهم على بعض ﴿إِلاَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ﴾. قوله تعالى ذكره: ﴿وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ﴾ - إلى قوله - ﴿ٱلصَّافِنَاتُ ٱلْجِيَادُ﴾ أي: وأيقن داود أنما اختبرناه. ﴿فَٱسْتَغْفَرَ رَبَّهُ﴾، أي: سائل ربه المغفرة. ﴿وَخَرَّ رَاكِعاً﴾، أي: ساجداً لله. ﴿وَأَنَابَ﴾، أي: رجع عن خطيئته وتاب منها. وكان سبب اختبار الله عز وجل له - فيما ذكر ابن عباس - أن داود قال: يا رب، قد أعطيت إبراهيم وإسحاق ويعقوب من الذكر ما لَوَدِدْتُ أنك أعطيتني مثله. فقال الله جل ذكره له: إني ابتليتهم بما لم أبتلك به، فإن شئت ابتليتك بمثل ما ابتليتهم به، وأعطيتك كما أعطيتهم، قال: نعم، فأقام ما شاء الله أن يُقيم وطال ذلك حتى كاد أن ينساه. فبينما هو في محرابه إذ وقعت عليه حمامة فأراد أن يأخذها فطارت إلى كوة كانت في المحراب، فذهب ليأخذها، فطارت. فاطلَّع من الكوة فرأى امرأة تغتسل. فنزل نبي الله ﷺ من المحراب وأرسل إليها، فجاءته، فسألها عن زوجها وعن شأنها، فأخبرته أن زوجها غائب، فكتب إلى أمير تلك السَّرِيَّةِ أن يُؤْمِّرَهُ على السرايا لِيَهْلَكَ زوجها، ففعل. فكان يصاب أصحابه وينجو وربما نصروا. وإن الله لما رأى الذي وقع فيه داود أراد أن يستنفذه، فبينما داود ذات يوم في محرابه إذ تسور عليه الخصمان من قبل وجهه. فلما رآهما وهو يقرأ فَزِعَ وسكت، وقال: لقد اسُتضعفت في مُلكي حتى إن الناس يتسورون علي في محرابي، قالا له: لا تخف، خصمان بغى بعضنا على بعض فلم يكن لنا بد من أن نأتيكا فاسمع منا. قال أحدهما. ﴿إِنَّ هَذَآ أَخِي﴾ - إلى ﴿وَعَزَّنِي فِي ٱلْخِطَابِ﴾. قال له داود: أنت كنت أحوجَ إلى نعجتك منه، لقد ظلمك بسؤاله إياك نعجتك ونسي نفسه ﷺ. فنظر الملكان أحدهما إلى الآخر حين قال ذلك، فتبسم أحدهما إلى الآخر فرآه داود فعلم أنه فتن، فاستغفر ربه وخر راكعاً وأناب أربعين ليلة حتى نبتت الخضرة من عينيه ثم شدد الله له ملكه. روى ابن أبي الدنيا أن وهب بن منبه قال: لم يرفع داود عليه السلام رأسه من السجود حتى قال له الملكان: أول أمرك ذنب وآخره معصية، ارفع رأسك، فرفع رأسه. وعن وهب أنه قال: لما رفع داود رأسه من (السجدة رفع رأسه) وقد زَمِنَ ورعش. قال: فاعتزل نساءه ثم بكى حتى خددت الدموع وجهه. وقال عطاء الخراساني: "إن داود نقش خطيئته في كفه لكي لا ينساها، فكان إذا رآها اضطربت يداه. وقال وهب بن منبه: كتب داود في كفه: داود الخطاء. وقال يحيى بن أبي كثير لما أصاب داود الخطيئة نفرت الوحوش من حوله، فنادى: إلهي، رُدَّ عليَّ الوحش كي آنس بها فرد الله تبارك وتعالى عليه الوحش فَأَحَطْنَ به وأصغين بأسماعهن نحوه. قال: ورفع صوته يقرأ الزبور ويبكي على نفسه فنادته هيهات هيهات يا داود، ذهبت الخطيئة بحلاوة صوتك. وروي عن النبي ﷺ أنه قال: "مَثَلُ عَيْنَيْ دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ مَثَلُ الْقِرْبَتَينِ تَنْظِفَانِ بالمَاءِ. لَقَدْ خَدَّدَتِ الدُّمُوعُ وَجْهَ دَاودَ خَديدَ المَاءِ في الأرْضِ وروى أبو مسهر عن سعيد بن عبد العزيز أنه قال: قالو: لو جُمِعت دموع أهل الأرض إلى دموع آدم ﷺ لكانت دموع آدم أكثر، ولو جمعت دموع أهل الأرض ودموع آدم إلى دموع ابن آدم الذي قتل أخاه لكانت دموع ابن آدم أكثر، ولو جمعت دموع أهل الأرض، ودموع آدم، ودموع ابن آدم إلى دموع يعقوب لكانت دموع يعقوب أكثر، ولو جمعت دموع أهل الأرض ودموع آدم ودموع ابن آدم ودموع يعقوب إلى دموع داود لكانت دموع داود أكثر. قال سعيد: "كان داود يجلس على ستة أفرشة فيبكي فيبل الأول فيُرفع حتى يبللها كلها، كلما بَلَّ واحداً رُفِع؛ وإن كان ليؤتى بالإناء ليشرب فما يفرغ منه حتى يتدفق من دموعه وروى إسماعيل بن عبيد الله: "إن داود النبي ﷺ كان يعاتب في كثرة البكاء، فيقول: ذروني أبكي قبل يوم البكاء، قبل تحريق العظام واشتعال اللحى، وقبل أن يؤمر بي ﴿مَلاَئِكَةٌ غِلاَظٌ شِدَادٌ لاَّ يَعْصُونَ ٱللَّهَ مَآ أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم: ٦]. قال محمد بن المنكدر مكث آدم ﷺ في الأرض أربعين سنة ما يبدي عن واضحة ولا ترقئ له دمعة. فقالت له حواء: إنَّا قد استوحشنا إلى أصوات الملائكة فادع ربك فيسمعنا أصواتهم. فقال لها: ما زلت مستحيياً من ربي عز وجل أن أرفع طرفي إلى أديم السماء مما صنعت. وقال محمد بن خوات: إن داود النبي ﷺ لما أطال البكاء على نفسه، قيل له: اذهب إلى قبر زوج المرأة فاستوهبه ما صنعت، فأتى القبر، وأَذِنَ الله لصاحب القبر أن يتكلم، فناداه: أنا داود ولك عندي مظلمة، قال: قد غفرتها لك، قال: فانصرف داود وقد طابت نفسه، فأوحى الله عز وجل إليه أن ارجع فبين له الذي صنعت فرجع، فأخبره، فناداه صاحب القبر يا داود، هكذا يفعل الأنبياء! قال بكر بن عبيد الله المُزني: مكث داود النبي عليه السلام ساجداً أربعين يوماً يبكي على خطيئته حتى نبت البقل من دموعه، ثم زفر زفرة فهاج العودة فاحترق، فنودي أظمآن أنت فَتُسقَى؟ أجائع فتطعم؟ أعاري فتُكسى؟ قال: لا، ولكن خطيئتي أثقلت ظهري، فلم يُرْجَعُ إليه بشيء، فازداد بكاء حتى انقطع صوته، فكان لا يُسمع له إلاّ كهيئة الأنين، فعند ذلك غُفِرَ له. وقال الحسن: بكاء داود عليه السلام بعد ما غُفرت له الخطيئة أكثر من بكائه قبل المغفرة، فقيل له: أليس قد غُفر لك يا نبي الله؟ ! قال: فكيف بالحياء من الله عز وجل. قال كعب: كان داود عليه السلام يختار مجالسة المساكين، ويُكثر البكاء ويقول: رب اغفر للمساكين والخطائين حتى تغفر لي معهم، وكان قبل ذلك يدعو على الخطائين. قال أبو عبد الرحمن الحبلي: ما رفع داود رأسه إلى السماء بعد خطيئته حتى مات. ورُوي أنه كان إذا ذكر عقاب الله عز وجل تخلعت أوصاله، فإذا ذكر رحمة الله تراجعت. وروى أشهب عن مالك أنه قال: بلغني أن تلك الحمامة أتت فوقعت قريباً من داود وهي من ذهب، فلما رآها أعجبته فقام ليأخذها، فكانت قرب يده، ثم طارت فَأَتْبَعَهَا بَصَرَهُ، فوقعت عينه على تلك المرأة وهي تغسل ولها شعر طويل. فبلغني أنه أقام أربعين ليلة ساجداً حتى نبت العشب من دموع عينيه. ويراد بالركوع في هذا الموضع: السجود. قال السدي: كان داود قد قسم الدهر ثلاثة أيام: يوماً يقضي فيه بين الناس ويوماً يخلو فيه لعبادة ربه عز وجل، ويوماً يخلو فيه لنسائه، وكان له تسع وتسعون امرأة، وكان فيما يقرأ من الكتب: فضل إبراهيم وإسحاق ويعقوب صلى الله عليهم وسلم. فلما وجد ذلك فيما يقرأ من الكتب قال: يا رب، إن الخير قد ذهب به آبائي، فأعطني مثل ما أعطيتهم. فأوحى الله إليه أن آباءك ابتلوا ببلاء لم تبتل به، ابتلي إبراهيم بذبح ابنه فصبر، وابتلي إسحاق بذهاب بصره، وابتلي يعقوب بحزنه على يوسف، وإنك لم تبتل أنت من ذلك الشيء. فقال: يا رب، ابتلني بمثل ما ابتليتهم وأعطني مثل ما أعطيتهم. قال: فأوحى الله عز وجل إليه أنك مبتلى فاحترس، قال: فمكث ما شاء الله أن يمكث إذ جاءه الشيطان وقد تمثل له في صورة حمامة من ذهب حتى وقع عند رجليه وهو قائم يصلي قال: فمد يده ليأخذه فتنحى، فتبعه فتباعد حتى وقع في كوة، فذهب ليأخذه، فطار من الكوة فنظر أين (يقع فيبعث) في أثره، قال: فأبصر امرأة تغتسل في سطح لها، فرأى امرأة من أجمل الناس خَلْقاً، فحانت منها التفاتة فأبصرته، فألقت شعرها فاستترت به. قال: فزاده ذلك فيها رغبة. قال: فسأل عنها فأخبر أن لها زوجاً وأن زوجها غائب بمسلحة كذا وكذا. (قال: فبعث إلى صاحب المسلحة وأمره أن يبعث به إلى عدو كذا وكذا). قال فبعثه ففتح له قال: فكتب إليه بذلك. قال فكتب إليه أن أبعثه إلى عدو كذا وكذا - أشد منهم بأساً - قال: فبعثه ففتح له أيضاً، ثم كتب إليه ثالثة فبعثه فقتل. قال: وتزوج امرأته، فلما دخلت عليه لم تلبث عنده إلا يسيراً حتى بعث الله ملكين في صورة إنسيين فطلبا أن يدخلا عليه، فتسورا عليه المحراب. قال: فما شعر وهو يصلي إلا وهما بين يديه جالسين قال: ﴿فَفَزِعَ مِنْهُمْ﴾، فقالا: ﴿لاَ تَخَفْ﴾ لا تخف، إنما نحن ﴿خَصْمَانِ بَغَىٰ بَعْضُنَا عَلَىٰ بَعْضٍ﴾ - إلى قوله - ﴿سَوَآءِ ٱلصِّرَاطِ﴾، قال: قصّا قصتكما قال: فقال أحدهما: إن هذا أخي له تسع وتسعون نعجة ولي نعجة واحدة، وهو يريد أخذ نعجتي فيكمل بها نعاجه مائة! فقال للآخر: ما تقول؟ فقال: إن لي (تسعاً وتسعين) نعجة ولأخي هذا نعجة واحدة. قال: فأنا أريد أن آخذها منه فأكمل بها نعاجي مائة؟! قال: (وهو كاره). قال: إذا (لا ندعك) وذلك. قال: ما أنت على ذلك بقادر. قال: فإن ذهبت تروم ذلك (أو لم ترد ذلك ضربنا منك هذا وهذا وهذا يريد طرف الأنف، وأصل الأنف، والجبهة قال: يا داود، أنت أحق أن يضرب منه هذا وهذا وهذا حيث لك تسع وتسعون امراة ولم يكن لاوريا إلا امرأة واحدة، (فلم تزل) تعرضه للقتل حتى قُتل، وتزوجت امرأته. قال: فنظر داود الرجلين فلم ير شيئاً فعرف ما قد وقع فيه فخر ساجداً. - وهو موضع السجود عند مالك. وروي أن رجلاً من الأنصار - على عهد النبي ﷺ - كان يصلي من الليل مستتراً بشجرة وهو يقرأ "ص"، فلما بلغ السجدة سجد وسجدت معه الشجرة، فسمعها وهي تقول: اللهم أعظم لي بهذه السجدة أجراً، وارزقني بها شكراً، وضع عني بها وزراً، وتقبلها مني كما تقبلت من عبدك داود سجدته. فلما أصبح الرجل ذكر ذلك لرسول الله ﷺ. فقال رسول الله: نحن أحق أن يقول ذلك. فكان ﷺ إذا سجد يقول ذلك. قال عقبة بن عامر الجهني: من قرأ (ص) ولم يسجد فيها فلا عليه ألا يقرأ بها. قال: فبكى أربعين يوماً لا يرفع رأسه إلا لحاجة، ثم يقع ساجداً يبكي حتى نبت العشب من دموع عينيه، قال: فأوحى الله عز وجل إليه بعد أربعين يوماً: يا داود، ارفع رأسك فقد غفرت لك. قال: يا رب، كيف أعلم أنك قد غفرت لي وأنت حكم عدل لا تحيف في القضاء، إذا جاء أوريا يوم القيامة آخذ رأسه بيمينه، أو بشماله، تشخب أوداجه دماً، يقول: يا رب، سل هذا فيم قتلني؟ قال: فأوحى الله عز وجل إليه: إذا كان ذلك (دعوت أوريا). فاستوهبتك منه، فيهبك لي، فأثيبه بذلك الجنة. قال: رب، الآن علمت أنك قد غفرت لي. قال: فما استطاع ان يملأ عينيه من السماء حياء من ربه حتى قبض ﷺ. وقيل: اسم الرجل أوريا بن حيان. وقال الحسن: جزأ داود الدهر أربعة أجزاء: يوماً لنسائه، ويوماً لعبادة ربه، ويوماً لقضاء بني إسرائيل، ويوماً لبني إسرائيل يذاكرهم ويذاكرونه، ويبكيهم ويبكونه. قال: فلما كان يوم بني إسرائيل، قال: ذَكَرُوا فقالو: هل أتى على الإنسان يوم لا يصيب فيه ذنباً؟ فأضمر داود في نفسه أنه سيطيق ذلك. فلما كان يوم عبادته أغلق أبوابه وأمر ألا يدخل عليه أحد، وأكب على التوراة. فبينما هو يقرؤها إذا حمامة من ذهب، فيها من كل لون (حَسَنٍ، قد وقعت بين يديه، فأهوى إليها ليأخذها، قال: فطارت فوقعت غير بعيدة من غير أن تؤيسه من نفسها. قال: فما زال يتبعها حتى أشرف على امرأة تغتسل فأعجبه خلقها وحسنها. قال: فلما رأت ظله في الارض جللت نفسها بشعرها فزاده ذلك إعجاباً بها. وكان قد بعث زوجها على بعض جيوشه، فكتب إليه أن يسر إلى مكان كذا وكذا - مكانٌ إذا صار إليه لم يرجع - قال: ففعل، فأصيب، فخطبها، فتزوجها. قال قتادة: بلغنا أنها أم سليمان. قال الحسن: فبينما هو في المحراب إذ تسور الملكان عليه - وكان الخصمان إذا أتوه يأتونه من باب المحراب - ففزع منهم حين تسوروا المحراب، فقالا: لا تخف، خصمان بغى بعضنا على بعض. وذكر نحو الحديثين المتقدمين. وقيل: إن خطيئته هي قوله: لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه من غير ثبت بينة ولا إقرار من الخصم ولا سؤال لخصمه: هل كان هذا هكذا أو لم يكن. وهو قول شاذ. وقال ابن الأعرابي: قال كعب: سجد داود نبي الله ﷺ أربعين ليلة لم يرفع رأسه حتى رقأ دمعه ويبس رأسه. فكان من آخر دعائه وهو ساجد أن قال: يا رب رزقتني العافية، فسألتك البلاء، فلما ابتليتني لم أصبر فإن تعذبني فأنا أهل ذلك، وإن تغفر لي فأنت أهل ذلك - يقولها في نفسه - فعلم الله عز وجل ما قال فإذا جبريل عليه السلام على رأسه قائم يقول له: يا داود، إن الله قد غفر لك فارفع رأسك فلم يلتفت إليه، وناجى ربه وهو ساجد فقال: يا رب، وكيف تغفر لي وأنت الحكم العدل، وقد فعلت بالرجل ما فعلت؟ قال: فنزل الوحي عليه: صدقت يا داود أنا الحكم العدل، ولكن إذا كان يوم القيامة دفعتك إلى أوريا سلماً، ثم استوهبتك منه، فيهبك لي، فأثيبه الجنة. قال داود: الآن أعلم أنك قد غفرت لي. قال: فذهب داود يرفع رأسه فاذا هو يابس لا يستطيع. قال: فمسحه جبريل عليه السلام بريشة فانبسط. قال: فأوحى الله عز وجل إليه بعد ذلك: يا داود: قد أحللت لك امرأة أوريا فتزوجها، فتزوجها داود ﷺ، فولدت له سليمان عليه السلام، لم تلد قبله شيئاً ولا بعده. قال كعب: فوالله لقد كان داود بعد ذلك ليظل صائماً في اليوم الحار فيقرب إليه الشراب فإذا قربه إلى فيه ذكر خطيئته فيبكي في الشراب حتى يفيض ثم يرده ولا يشربه. وروى الأوزاعي عن بعض أهل المدينة أنه قال: مثل عيني داود كمثل القربتين تنطفان الماء، لقد خدد الدمع في وجهه كخديد الماء في الأرض. ويروى أن داود بات لربه عز وجل مصلياً حتى أصبح فذهب الى نهر ليتوضأ، فقال: الحمد لله، لقد عبدت الله الليلة عبادة ما عبده أحد إياها من أهل الأرض. فكَلَّمَه ضفدع من الماء فقالت: جلا يا أبا سليمان، فوالله إن لي لثلاثاً من الدهر ما جمعت بين فقمي تسبيحاً لله. وروي عن ابن مسعود وابن عباس أن داود عليه السلام ما زاد على أن قال للرجل: انزل لي عن امرأتك، فعاتبه الله على ذلك ونبهه عليه. * * ثم قال تعالى: ﴿فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ﴾، أي ذلك الذنب. ﴿وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لَزُلْفَىٰ﴾، أي: لقربة يوم القيامة. قال الضحاك: لمنزلة رفيعة. * * ثم قال: ﴿وَحُسْنَ مَـآبٍ﴾، أي: حسن مصير. قال السدي: حسن منقلب. وقال الضحاك: حسن مرجع. وقال مجاهد: يبعث داود النبي عليه السلام وذكر خطيئته، ووجلُه منها في قلبه، منقوشةٌ في كفه. فإذا رأى أهاويل الموقف لم يجد منها متعوذاً وا محرزاً إلا برحمة الله تبارك وتعالى وقربه، فيلجأ إليه تبارك وتعالى، فيشار إليه أن هاهنا عن يسار العرش، ثم يعلق فيقال له هاهنا عن يمين العرش. وذلك قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لَزُلْفَىٰ وَحُسْنَ مَـآبٍ﴾. وقال مالك بن دينار: يقام داود عليه السلام يوم القيامة عند ساق العرش، ثم يقول: يا داود، مجدني بذلك الصوت الحسن الرخيم الذي كنت تمجدني به في الدنيا. فيقول يا رب، كيف وقد سلبتنيه؟! فيقول: إني سأرده عليك. قال: فيدفع داود بصوت يستفرغ به نعيم أهل الجنان. ﴿فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ﴾: تمام حسن. * * ثم قال تعالى: ﴿يٰدَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي ٱلأَرْضِ﴾، أي: فغفرنا له ذلك الذنب، وقلنا له: يا داود، إنا جعلناك خليفة في الأرض، أي استخلفناك في الارض من بعد من كان قبلك من رسلنا حكماً بين أهل الارض. ﴿فَٱحْكُمْ بَيْنَ ٱلنَّاسِ بِٱلْحَقِّ﴾، أي: بالعدل والإنصاف. ﴿وَلاَ تَتَّبِعِ ٱلْهَوَىٰ﴾، أي: لا توثر هواك في قضائك على العدل فتجور في الحكم فيضلك هواك عن سبيل الله. ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ﴾، أي: يميلون عن الحق الذي أمر الله به. ﴿لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدُ﴾، أي: يوم القيامة. ﴿بِمَا نَسُواْ يَوْمَ ٱلْحِسَابِ﴾، أي: بتركهم العمل ليوم القيامة. قال عكرمة: هذا من التقديم والتأخير. والتقدير عنده: لهم يوم الحساب عذاب شديد بما نسوا أي: بما تركوا أمر الله والقضاء بالعدل. فالعامل في "يوم" في القول الأول: "نسوا" هو مفعول به والعامل فيه في القول الثاني "لهم" وهو ظرف. وكان ابن عباس يسجد عند قوله: "وأناب"، ويقول: ﴿أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ ٱقْتَدِهْ﴾. * * ثم قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَآءَ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً﴾، أي: عبثاً ولعباً بل خُلِقَا ليُعمل فيهما بالطاعة. ثم قال تعالى ذكره: ﴿ذَلِكَ ظَنُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾، أي: خلق السماء والأرض وما بينهما لغير حساب ولا بعث ولا عمل، هو ظن الذين كفروا فويل لهم من النار. * * ثم قال: ﴿أَمْ نَجْعَلُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ كَٱلْمُفْسِدِينَ فِي ٱلأَرْضِ﴾. هذا رد لقول الكفار، لأنهم كانوا يقولون: ليست ثمَّ عقوبة ولا نار، فالكافر والعاصي يَسْعَدَان باللذات، والمطيع يشقى، ومصيرهما إلى شيء واحد فرد الله عليه بأنه لم يجعل المتقين كالفجار في الآخرة، ولا الصالح كالمفسد. * * ثم قال: ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ﴾، (أي: هذا القرآن كتاب أنزله الله إليك يا محمد مبارك) على من آمن به، أنزله: ﴿لِّيَدَّبَّرُوۤاْ آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُواْ ٱلأَلْبَابِ﴾ ليعتبروا آياته وليتذكر به أولوا العقول. * * ثم قال: ﴿وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ﴾، أي: وُلِدَ إليه. ﴿نِعْمَ ٱلْعَبْدُ﴾، أي: ممدوح في طاعة ربه. ﴿إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾، أي: رجاع إلى طاعة الله عز وجل تواب إليه سبحانه، وقيل: الأواب: الكثير الذكر. وقال ابن عباس: الأواب: المسبح. وقال قتادة: مطيعاً كثير الصلاة. وقال ابن المسيب: هو الذي يذنب ثم يتوب، ثم يذنب ثم يتوب. وقيل: هو الذي يذكر ذنبه في الخلاء، ثم يتوب منه ويستغفر. * * ثم قال تعالى: ﴿إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِٱلْعَشِيِّ ٱلصَّافِنَاتُ ٱلْجِيَادُ﴾، أي: هو تواب في هذا الوقت. والصافنات: جمع صافن من الخيل، والأنثى: صافنة. والصافن: الذي يجمع بين يديه، ويثني طرف سنبك إحدى رجليه. وقيل: هو الذي يجمع بين يديه. وزعم الفراء أن الصافن هو القائم. وقال مجاهد: صفون الفرس: "رفع إحدى يديه حتى تكون على طرف الحافر". وقال قتادة: صفونها: قيامها وبسطها قوائمها. وقال ابن زيد: الصافنات: الخيل، أخرجها الشيطان لسليمان من مرج من مروج البحر. والصفن أن تقوم على ثلاث وترفع رجلاً واحدة تكون على طرف الحافر على الأرض. قال ابن زيد: وكانت لها أجنحة. (والجياد: السريعة. روي أنها كانت عشرين فرسا ذات أجنحة).

ص 38:19

هذا قوله تعالى ذكره: ﴿ٱصْبِر عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ﴾ - إلى قوله - ﴿وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ﴾ منسوخ بالأمر بالقتال، أمر الله جل ذكره نبيه ﷺ بالصبر على قول المشركين والاحتمال منهم، وقد علم تعالى أنه سيأمره بقتالهم في وقت آخر، فينسخ الآخر الأول. * * ثم قال: ﴿وَٱذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا ٱلأَيْدِ﴾، أي: ذا القوة والبطش الشديد في ذات الله عز وجل والصبر على طاعته. يقال: أيد وآد للقوة, كما يقال: العيب والعاب قال قتادة: "أُعْطِيَ داود قوة في العبادة وفقهاً في الإسلام، وذُكِرَ أنه كان يقوم الليل ويصوم نصف الدهر. * * وقوله: ﴿إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾، أي: رَجَّاعٌ عما يكره الله عز وجل إلى ما يرضاه أواب وهو فعَّال للتكثير من آب يئوب إذا رجع. قال مجاهد: أواب: رجاع عن الذنوب. قال قتادة: كان مطيعاً لله عز وجل كثير الصلاة. وقال السدى: الأوَّاب: المسبح. ويروى أنه قام ليلة إلى الصباح فكأنه أُعْجِبَ بذلك فقيل لضفدع كلميه في أصل مِحْرَابِه، فقالت له: يا داود، تَعْجَبُ لقيام ليلة! هذا مقامي منذ عشرين سنة شكراً لله عز وجل حين سلَّم بيضي. قال وهب: كان داود قد قسم الدهر أثلاثا، فيصير: يوم للعبادة، ويوماً للقضاء بين الناس، ويوما لقضاء حوائج أهله. * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّا سَخَّرْنَا ٱلجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِٱلْعَشِيِّ وَٱلإِشْرَاقِ﴾، أي: يسبحن مع داود من وقت العصر إلى الليل، ومن صلاة الصبح إلى وقت صلاة الضحى. يقال: أشرقت الشمس: إذا أضاءت وصفت، وشرقت إذا طلعت. قال قتادة: كان داود إذا سبح سبحت الجبال معه. واستدل ابن عباس على نص صلاة الضحى في القرآن بهذه الآية ﴿بِٱلْعَشِيِّ وَٱلإِشْرَاقِ﴾، لأنه من أشرقت الشمس إذا صفت وأضاءت. فإذا صلى داود العصر وسبَّحَ سبحت الجبال معه، وإذا صلى الضحى (سبح وسبحت) الجبال معه. * * ثم قال: ﴿وَٱلطَّيْرَ مَحْشُورَةً﴾، أي وسخرنا الطير مجموعة تسبح معه. ﴿كُلٌّ لَّهُ أَوَّابٌ﴾، أي: رجاع لأمره ومطيع له. فالهاء لداود وقيل: إلهاء لله عز وجل. والمعنى كل لله مطيع، مسبح له. فكل "في القول الأولى للطير، وفي هذا الثاني: يجوز أن يكون للطير، ويجوز أن يكون لداود والجبال والطير. ورُوي أنه كان إذا سبح أجابته الجبال واجتمعت إليه الطير فسبحت معه. وقال قتادة: محشورة: مسخرة. * * ثم قال: ﴿وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ﴾. قال السدي: كان حرسه في كل يوم وليلة أربعة آلاف. وذكر ابن عباس أن الله جل ذكره شدد ملكه هيبة لقضية قضاها في بنى إسرائيل وذلك أن رجلاً استعدى على رجل من عظمائهم فاجتمعا عند داود، فقال المُسْتَعْدَى: إن هذا غصبني بقراً لي. فسأل الرجل عن ذلك فجحده، فسأل الآخر البيِّنة فلم تكن له بينة، فقال لهما: قُوَما حتى أنظر في أمركما فقاما. فأوحى الله عز وجل إلى داود في منامه أن يقتل الرجل الذي ستُعدي عليه. فقال: هذه رؤيا ولست أعجل حتى أتثبت، فأَوْحَى إليه مرة أخرى أن يقتُلَه، وأوحى إليه ثالثة (أن يقتله) أو تأتيه العقوبة من الله عز وجل، فأرسل داود إلى الرجل أن الله قد أوحى إليّ أن أقتلك، فقال الرجل: تقتلني بغير بينة ولا تثبت! فقال له داود: نعم، والله لأنفِّذْنَ أمر الله عز جل فيك. فلما عرف الرجل أنه قاتله قاله له: لا تعجل عليّ حتى أخبرك، إني والله ما أُخِذْتُ بهذا الذنب ولكني كنت اغتلت وَلَدَ هذا فقتلته فبذلك قُتِلتُ. فأمر به داود، فَقُتِلَ. فاشتدت هيبته في بني إسرائيل لذلك وشد الله به ملكه. * * ثم قال تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُ ٱلْحِكْمَةَ﴾. قال السدى: هي النبوة. وقال قتادة: الحكمة: السُّنَّة. * * وقوله: ﴿وَفَصْلَ ٱلْخِطَابِ﴾. قال ابن عباس ومجاهد والسدي: فصل الخطاب: الفهم في علم القضاء. وقال ابن زيد: أعطي فصل ما يتخاطب الناس به بين يديه في الخصومات. وقال شريح: فصل الخطاب: الشاهدان على المدعي، واليمين على المنكر، وهو قول قتادة. وقال الشعبي: يمين وشاهد، وعن الشعبي: هو: أما بعد. * * ثم قال تعالى: ﴿وَهَلْ أَتَاكَ نَبَؤُاْ ٱلْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُواْ ٱلْمِحْرَابَ﴾، أي: وهل أتاك يا محمد خبر الخصم. والخصم هنا يراد به الملكان، لكن لا تظهر فيه تثنية ولا جمع لأنه مصدر من خصمته خصماً. والأصل فيه: وهل أتاك نبأ ذوي الخصم ويجوز أن يثنى ويجمع، ودل على ذلك قوله: خصمان. * * وقوله: ﴿إِذْ تَسَوَّرُواْ ٱلْمِحْرَابَ﴾، أي إذ دخلوا عليه من غير بابه. والمحراب: مقدم كل شيء ومجلسه وأشرفه. * * ثم قال تعالى: ﴿إِذْ دَخَلُواْ عَلَىٰ دَاوُودَ﴾، أي: لما دخلوا على داود المحراب. ﴿فَفَزِعَ مِنْهُمْ﴾، أي: فراعه دخولهما من غير مدخل الناس عليه. وقيل: إنما فزع لأنهما دخلا عليه ليلاً من غير وقت نظره بين الناس. ﴿قَالُواْ لاَ تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَىٰ﴾، أي: قال الملكان: لا تخف منا نحن خصمان. ﴿بَغَىٰ بَعْضُنَا عَلَىٰ بَعْضٍ﴾، أي: تعدَّى أحدنا على صاحبه. ﴿فَٱحْكُمْ بَيْنَنَا بِٱلْحَقِّ﴾، أي: فاقض بيننا بالعدل. ﴿وَلاَ تُشْطِطْ﴾، أي: لا تجر، وقال قتادة ولا تمل، وقال السدى: لا تخف. وقرأ الحسن وأبو رجاء: "ولا تَشْطُطْ" بفتح التاء وضم الطاء الأولى. بمعنى: ولا تبعد عن الحق. يقال: أَشَطَّ يُشِطُّ إذا جار في القول والحكم، وشَطّ يَشُطُّ إذا بَعُد. * * ثم قال تعالى: ﴿وَٱهْدِنَآ إِلَىٰ سَوَآءِ ٱلصِّرَاطِ﴾ ، أي: وارشدنا إلى قصد الطريق المستقيم في الحق. * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ هَذَآ أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً﴾، الآية. هذا مثل ضربه الملكان لداود، وذلك أن داود كان له تسع وتسعون امرأة، وكانت للرجل الذي أعزاه داود حتى قُتل، امرأة واحدة، فلما قتل تزوجها فيما ذكر. قال وهب بن منبه: إن هذا أخي، أي على ديني. والعرب تُكَنِّي عن المرأة بالنعجة والشاة. وقرأة الحسن بفتح التاء من "تَسع وتَسعين" وهي لغة قليلة. وقرأ ابن مسعود: "تِسْعٌ وتَسِعُونَ نَعْجَةً أُنْثَى" على التأكيد، كقولهم: رجل ذَكَر؟. ولا يؤنث بهذا التأنيث إلا ما تأنيثه وتذكيره في نفسه كالرجل والمرأة، فإن كان تأنيثه وتذكيره في اسمه (لم يُقَلْ) فيه أنثى ولا ذكر، نحو: دار، وملحفة، وشبه ذلك. وقيل: عنى بذلك أنها حسنة. فأنثى تدل على أنها حسنة. ثم قال تعالى ذكره: ﴿فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا﴾، أي: أنزل عنها وضُمَّها إليَّ. قال ابن زيد: أكفلنيها: أعطنيها، أي: طلقها لي أنكحها. ﴿وَعَزَّنِي فِي ٱلْخِطَابِ﴾، أي: صار أعزَّ مني في مخاطبته إياي لأنه إن تكلم فهو أبين مني، وإن بطش كان أشد مني فقهرني وغلبني. قال قتادة: وعزني في الخطاب: ظلمني وقهرني. وقرأ ابن مسعود: "وَعَازَّنِي". يقال: عَازَّه (إذا غالبه، وَعَزَّهُ): إذا غلبه، ومنه قولهم: "مَنْ (عَزَّ بَزَّ)". * * ثم قال تعالى: ﴿قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَىٰ نِعَاجِهِ﴾، أي: قال داود للمتكلم منهما: لقد ظلمك صاحبك بسؤاله إياك أن يضم نعجتك إلى نعاجه. * * ﴿وَإِنَّ كَثِيراً مِّنَ ٱلْخُلَطَآءِ لَيَبْغِيۤ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ﴾، أي: وإن كثيراً من الشركاء ليَتَعَدَّى بعضهم على بعض ﴿إِلاَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ﴾. قوله تعالى ذكره: ﴿وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ﴾ - إلى قوله - ﴿ٱلصَّافِنَاتُ ٱلْجِيَادُ﴾ أي: وأيقن داود أنما اختبرناه. ﴿فَٱسْتَغْفَرَ رَبَّهُ﴾، أي: سائل ربه المغفرة. ﴿وَخَرَّ رَاكِعاً﴾، أي: ساجداً لله. ﴿وَأَنَابَ﴾، أي: رجع عن خطيئته وتاب منها. وكان سبب اختبار الله عز وجل له - فيما ذكر ابن عباس - أن داود قال: يا رب، قد أعطيت إبراهيم وإسحاق ويعقوب من الذكر ما لَوَدِدْتُ أنك أعطيتني مثله. فقال الله جل ذكره له: إني ابتليتهم بما لم أبتلك به، فإن شئت ابتليتك بمثل ما ابتليتهم به، وأعطيتك كما أعطيتهم، قال: نعم، فأقام ما شاء الله أن يُقيم وطال ذلك حتى كاد أن ينساه. فبينما هو في محرابه إذ وقعت عليه حمامة فأراد أن يأخذها فطارت إلى كوة كانت في المحراب، فذهب ليأخذها، فطارت. فاطلَّع من الكوة فرأى امرأة تغتسل. فنزل نبي الله ﷺ من المحراب وأرسل إليها، فجاءته، فسألها عن زوجها وعن شأنها، فأخبرته أن زوجها غائب، فكتب إلى أمير تلك السَّرِيَّةِ أن يُؤْمِّرَهُ على السرايا لِيَهْلَكَ زوجها، ففعل. فكان يصاب أصحابه وينجو وربما نصروا. وإن الله لما رأى الذي وقع فيه داود أراد أن يستنفذه، فبينما داود ذات يوم في محرابه إذ تسور عليه الخصمان من قبل وجهه. فلما رآهما وهو يقرأ فَزِعَ وسكت، وقال: لقد اسُتضعفت في مُلكي حتى إن الناس يتسورون علي في محرابي، قالا له: لا تخف، خصمان بغى بعضنا على بعض فلم يكن لنا بد من أن نأتيكا فاسمع منا. قال أحدهما. ﴿إِنَّ هَذَآ أَخِي﴾ - إلى ﴿وَعَزَّنِي فِي ٱلْخِطَابِ﴾. قال له داود: أنت كنت أحوجَ إلى نعجتك منه، لقد ظلمك بسؤاله إياك نعجتك ونسي نفسه ﷺ. فنظر الملكان أحدهما إلى الآخر حين قال ذلك، فتبسم أحدهما إلى الآخر فرآه داود فعلم أنه فتن، فاستغفر ربه وخر راكعاً وأناب أربعين ليلة حتى نبتت الخضرة من عينيه ثم شدد الله له ملكه. روى ابن أبي الدنيا أن وهب بن منبه قال: لم يرفع داود عليه السلام رأسه من السجود حتى قال له الملكان: أول أمرك ذنب وآخره معصية، ارفع رأسك، فرفع رأسه. وعن وهب أنه قال: لما رفع داود رأسه من (السجدة رفع رأسه) وقد زَمِنَ ورعش. قال: فاعتزل نساءه ثم بكى حتى خددت الدموع وجهه. وقال عطاء الخراساني: "إن داود نقش خطيئته في كفه لكي لا ينساها، فكان إذا رآها اضطربت يداه. وقال وهب بن منبه: كتب داود في كفه: داود الخطاء. وقال يحيى بن أبي كثير لما أصاب داود الخطيئة نفرت الوحوش من حوله، فنادى: إلهي، رُدَّ عليَّ الوحش كي آنس بها فرد الله تبارك وتعالى عليه الوحش فَأَحَطْنَ به وأصغين بأسماعهن نحوه. قال: ورفع صوته يقرأ الزبور ويبكي على نفسه فنادته هيهات هيهات يا داود، ذهبت الخطيئة بحلاوة صوتك. وروي عن النبي ﷺ أنه قال: "مَثَلُ عَيْنَيْ دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ مَثَلُ الْقِرْبَتَينِ تَنْظِفَانِ بالمَاءِ. لَقَدْ خَدَّدَتِ الدُّمُوعُ وَجْهَ دَاودَ خَديدَ المَاءِ في الأرْضِ وروى أبو مسهر عن سعيد بن عبد العزيز أنه قال: قالو: لو جُمِعت دموع أهل الأرض إلى دموع آدم ﷺ لكانت دموع آدم أكثر، ولو جمعت دموع أهل الأرض ودموع آدم إلى دموع ابن آدم الذي قتل أخاه لكانت دموع ابن آدم أكثر، ولو جمعت دموع أهل الأرض، ودموع آدم، ودموع ابن آدم إلى دموع يعقوب لكانت دموع يعقوب أكثر، ولو جمعت دموع أهل الأرض ودموع آدم ودموع ابن آدم ودموع يعقوب إلى دموع داود لكانت دموع داود أكثر. قال سعيد: "كان داود يجلس على ستة أفرشة فيبكي فيبل الأول فيُرفع حتى يبللها كلها، كلما بَلَّ واحداً رُفِع؛ وإن كان ليؤتى بالإناء ليشرب فما يفرغ منه حتى يتدفق من دموعه وروى إسماعيل بن عبيد الله: "إن داود النبي ﷺ كان يعاتب في كثرة البكاء، فيقول: ذروني أبكي قبل يوم البكاء، قبل تحريق العظام واشتعال اللحى، وقبل أن يؤمر بي ﴿مَلاَئِكَةٌ غِلاَظٌ شِدَادٌ لاَّ يَعْصُونَ ٱللَّهَ مَآ أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم: ٦]. قال محمد بن المنكدر مكث آدم ﷺ في الأرض أربعين سنة ما يبدي عن واضحة ولا ترقئ له دمعة. فقالت له حواء: إنَّا قد استوحشنا إلى أصوات الملائكة فادع ربك فيسمعنا أصواتهم. فقال لها: ما زلت مستحيياً من ربي عز وجل أن أرفع طرفي إلى أديم السماء مما صنعت. وقال محمد بن خوات: إن داود النبي ﷺ لما أطال البكاء على نفسه، قيل له: اذهب إلى قبر زوج المرأة فاستوهبه ما صنعت، فأتى القبر، وأَذِنَ الله لصاحب القبر أن يتكلم، فناداه: أنا داود ولك عندي مظلمة، قال: قد غفرتها لك، قال: فانصرف داود وقد طابت نفسه، فأوحى الله عز وجل إليه أن ارجع فبين له الذي صنعت فرجع، فأخبره، فناداه صاحب القبر يا داود، هكذا يفعل الأنبياء! قال بكر بن عبيد الله المُزني: مكث داود النبي عليه السلام ساجداً أربعين يوماً يبكي على خطيئته حتى نبت البقل من دموعه، ثم زفر زفرة فهاج العودة فاحترق، فنودي أظمآن أنت فَتُسقَى؟ أجائع فتطعم؟ أعاري فتُكسى؟ قال: لا، ولكن خطيئتي أثقلت ظهري، فلم يُرْجَعُ إليه بشيء، فازداد بكاء حتى انقطع صوته، فكان لا يُسمع له إلاّ كهيئة الأنين، فعند ذلك غُفِرَ له. وقال الحسن: بكاء داود عليه السلام بعد ما غُفرت له الخطيئة أكثر من بكائه قبل المغفرة، فقيل له: أليس قد غُفر لك يا نبي الله؟ ! قال: فكيف بالحياء من الله عز وجل. قال كعب: كان داود عليه السلام يختار مجالسة المساكين، ويُكثر البكاء ويقول: رب اغفر للمساكين والخطائين حتى تغفر لي معهم، وكان قبل ذلك يدعو على الخطائين. قال أبو عبد الرحمن الحبلي: ما رفع داود رأسه إلى السماء بعد خطيئته حتى مات. ورُوي أنه كان إذا ذكر عقاب الله عز وجل تخلعت أوصاله، فإذا ذكر رحمة الله تراجعت. وروى أشهب عن مالك أنه قال: بلغني أن تلك الحمامة أتت فوقعت قريباً من داود وهي من ذهب، فلما رآها أعجبته فقام ليأخذها، فكانت قرب يده، ثم طارت فَأَتْبَعَهَا بَصَرَهُ، فوقعت عينه على تلك المرأة وهي تغسل ولها شعر طويل. فبلغني أنه أقام أربعين ليلة ساجداً حتى نبت العشب من دموع عينيه. ويراد بالركوع في هذا الموضع: السجود. قال السدي: كان داود قد قسم الدهر ثلاثة أيام: يوماً يقضي فيه بين الناس ويوماً يخلو فيه لعبادة ربه عز وجل، ويوماً يخلو فيه لنسائه، وكان له تسع وتسعون امرأة، وكان فيما يقرأ من الكتب: فضل إبراهيم وإسحاق ويعقوب صلى الله عليهم وسلم. فلما وجد ذلك فيما يقرأ من الكتب قال: يا رب، إن الخير قد ذهب به آبائي، فأعطني مثل ما أعطيتهم. فأوحى الله إليه أن آباءك ابتلوا ببلاء لم تبتل به، ابتلي إبراهيم بذبح ابنه فصبر، وابتلي إسحاق بذهاب بصره، وابتلي يعقوب بحزنه على يوسف، وإنك لم تبتل أنت من ذلك الشيء. فقال: يا رب، ابتلني بمثل ما ابتليتهم وأعطني مثل ما أعطيتهم. قال: فأوحى الله عز وجل إليه أنك مبتلى فاحترس، قال: فمكث ما شاء الله أن يمكث إذ جاءه الشيطان وقد تمثل له في صورة حمامة من ذهب حتى وقع عند رجليه وهو قائم يصلي قال: فمد يده ليأخذه فتنحى، فتبعه فتباعد حتى وقع في كوة، فذهب ليأخذه، فطار من الكوة فنظر أين (يقع فيبعث) في أثره، قال: فأبصر امرأة تغتسل في سطح لها، فرأى امرأة من أجمل الناس خَلْقاً، فحانت منها التفاتة فأبصرته، فألقت شعرها فاستترت به. قال: فزاده ذلك فيها رغبة. قال: فسأل عنها فأخبر أن لها زوجاً وأن زوجها غائب بمسلحة كذا وكذا. (قال: فبعث إلى صاحب المسلحة وأمره أن يبعث به إلى عدو كذا وكذا). قال فبعثه ففتح له قال: فكتب إليه بذلك. قال فكتب إليه أن أبعثه إلى عدو كذا وكذا - أشد منهم بأساً - قال: فبعثه ففتح له أيضاً، ثم كتب إليه ثالثة فبعثه فقتل. قال: وتزوج امرأته، فلما دخلت عليه لم تلبث عنده إلا يسيراً حتى بعث الله ملكين في صورة إنسيين فطلبا أن يدخلا عليه، فتسورا عليه المحراب. قال: فما شعر وهو يصلي إلا وهما بين يديه جالسين قال: ﴿فَفَزِعَ مِنْهُمْ﴾، فقالا: ﴿لاَ تَخَفْ﴾ لا تخف، إنما نحن ﴿خَصْمَانِ بَغَىٰ بَعْضُنَا عَلَىٰ بَعْضٍ﴾ - إلى قوله - ﴿سَوَآءِ ٱلصِّرَاطِ﴾، قال: قصّا قصتكما قال: فقال أحدهما: إن هذا أخي له تسع وتسعون نعجة ولي نعجة واحدة، وهو يريد أخذ نعجتي فيكمل بها نعاجه مائة! فقال للآخر: ما تقول؟ فقال: إن لي (تسعاً وتسعين) نعجة ولأخي هذا نعجة واحدة. قال: فأنا أريد أن آخذها منه فأكمل بها نعاجي مائة؟! قال: (وهو كاره). قال: إذا (لا ندعك) وذلك. قال: ما أنت على ذلك بقادر. قال: فإن ذهبت تروم ذلك (أو لم ترد ذلك ضربنا منك هذا وهذا وهذا يريد طرف الأنف، وأصل الأنف، والجبهة قال: يا داود، أنت أحق أن يضرب منه هذا وهذا وهذا حيث لك تسع وتسعون امراة ولم يكن لاوريا إلا امرأة واحدة، (فلم تزل) تعرضه للقتل حتى قُتل، وتزوجت امرأته. قال: فنظر داود الرجلين فلم ير شيئاً فعرف ما قد وقع فيه فخر ساجداً. - وهو موضع السجود عند مالك. وروي أن رجلاً من الأنصار - على عهد النبي ﷺ - كان يصلي من الليل مستتراً بشجرة وهو يقرأ "ص"، فلما بلغ السجدة سجد وسجدت معه الشجرة، فسمعها وهي تقول: اللهم أعظم لي بهذه السجدة أجراً، وارزقني بها شكراً، وضع عني بها وزراً، وتقبلها مني كما تقبلت من عبدك داود سجدته. فلما أصبح الرجل ذكر ذلك لرسول الله ﷺ. فقال رسول الله: نحن أحق أن يقول ذلك. فكان ﷺ إذا سجد يقول ذلك. قال عقبة بن عامر الجهني: من قرأ (ص) ولم يسجد فيها فلا عليه ألا يقرأ بها. قال: فبكى أربعين يوماً لا يرفع رأسه إلا لحاجة، ثم يقع ساجداً يبكي حتى نبت العشب من دموع عينيه، قال: فأوحى الله عز وجل إليه بعد أربعين يوماً: يا داود، ارفع رأسك فقد غفرت لك. قال: يا رب، كيف أعلم أنك قد غفرت لي وأنت حكم عدل لا تحيف في القضاء، إذا جاء أوريا يوم القيامة آخذ رأسه بيمينه، أو بشماله، تشخب أوداجه دماً، يقول: يا رب، سل هذا فيم قتلني؟ قال: فأوحى الله عز وجل إليه: إذا كان ذلك (دعوت أوريا). فاستوهبتك منه، فيهبك لي، فأثيبه بذلك الجنة. قال: رب، الآن علمت أنك قد غفرت لي. قال: فما استطاع ان يملأ عينيه من السماء حياء من ربه حتى قبض ﷺ. وقيل: اسم الرجل أوريا بن حيان. وقال الحسن: جزأ داود الدهر أربعة أجزاء: يوماً لنسائه، ويوماً لعبادة ربه، ويوماً لقضاء بني إسرائيل، ويوماً لبني إسرائيل يذاكرهم ويذاكرونه، ويبكيهم ويبكونه. قال: فلما كان يوم بني إسرائيل، قال: ذَكَرُوا فقالو: هل أتى على الإنسان يوم لا يصيب فيه ذنباً؟ فأضمر داود في نفسه أنه سيطيق ذلك. فلما كان يوم عبادته أغلق أبوابه وأمر ألا يدخل عليه أحد، وأكب على التوراة. فبينما هو يقرؤها إذا حمامة من ذهب، فيها من كل لون (حَسَنٍ، قد وقعت بين يديه، فأهوى إليها ليأخذها، قال: فطارت فوقعت غير بعيدة من غير أن تؤيسه من نفسها. قال: فما زال يتبعها حتى أشرف على امرأة تغتسل فأعجبه خلقها وحسنها. قال: فلما رأت ظله في الارض جللت نفسها بشعرها فزاده ذلك إعجاباً بها. وكان قد بعث زوجها على بعض جيوشه، فكتب إليه أن يسر إلى مكان كذا وكذا - مكانٌ إذا صار إليه لم يرجع - قال: ففعل، فأصيب، فخطبها، فتزوجها. قال قتادة: بلغنا أنها أم سليمان. قال الحسن: فبينما هو في المحراب إذ تسور الملكان عليه - وكان الخصمان إذا أتوه يأتونه من باب المحراب - ففزع منهم حين تسوروا المحراب، فقالا: لا تخف، خصمان بغى بعضنا على بعض. وذكر نحو الحديثين المتقدمين. وقيل: إن خطيئته هي قوله: لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه من غير ثبت بينة ولا إقرار من الخصم ولا سؤال لخصمه: هل كان هذا هكذا أو لم يكن. وهو قول شاذ. وقال ابن الأعرابي: قال كعب: سجد داود نبي الله ﷺ أربعين ليلة لم يرفع رأسه حتى رقأ دمعه ويبس رأسه. فكان من آخر دعائه وهو ساجد أن قال: يا رب رزقتني العافية، فسألتك البلاء، فلما ابتليتني لم أصبر فإن تعذبني فأنا أهل ذلك، وإن تغفر لي فأنت أهل ذلك - يقولها في نفسه - فعلم الله عز وجل ما قال فإذا جبريل عليه السلام على رأسه قائم يقول له: يا داود، إن الله قد غفر لك فارفع رأسك فلم يلتفت إليه، وناجى ربه وهو ساجد فقال: يا رب، وكيف تغفر لي وأنت الحكم العدل، وقد فعلت بالرجل ما فعلت؟ قال: فنزل الوحي عليه: صدقت يا داود أنا الحكم العدل، ولكن إذا كان يوم القيامة دفعتك إلى أوريا سلماً، ثم استوهبتك منه، فيهبك لي، فأثيبه الجنة. قال داود: الآن أعلم أنك قد غفرت لي. قال: فذهب داود يرفع رأسه فاذا هو يابس لا يستطيع. قال: فمسحه جبريل عليه السلام بريشة فانبسط. قال: فأوحى الله عز وجل إليه بعد ذلك: يا داود: قد أحللت لك امرأة أوريا فتزوجها، فتزوجها داود ﷺ، فولدت له سليمان عليه السلام، لم تلد قبله شيئاً ولا بعده. قال كعب: فوالله لقد كان داود بعد ذلك ليظل صائماً في اليوم الحار فيقرب إليه الشراب فإذا قربه إلى فيه ذكر خطيئته فيبكي في الشراب حتى يفيض ثم يرده ولا يشربه. وروى الأوزاعي عن بعض أهل المدينة أنه قال: مثل عيني داود كمثل القربتين تنطفان الماء، لقد خدد الدمع في وجهه كخديد الماء في الأرض. ويروى أن داود بات لربه عز وجل مصلياً حتى أصبح فذهب الى نهر ليتوضأ، فقال: الحمد لله، لقد عبدت الله الليلة عبادة ما عبده أحد إياها من أهل الأرض. فكَلَّمَه ضفدع من الماء فقالت: جلا يا أبا سليمان، فوالله إن لي لثلاثاً من الدهر ما جمعت بين فقمي تسبيحاً لله. وروي عن ابن مسعود وابن عباس أن داود عليه السلام ما زاد على أن قال للرجل: انزل لي عن امرأتك، فعاتبه الله على ذلك ونبهه عليه. * * ثم قال تعالى: ﴿فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ﴾، أي ذلك الذنب. ﴿وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لَزُلْفَىٰ﴾، أي: لقربة يوم القيامة. قال الضحاك: لمنزلة رفيعة. * * ثم قال: ﴿وَحُسْنَ مَـآبٍ﴾، أي: حسن مصير. قال السدي: حسن منقلب. وقال الضحاك: حسن مرجع. وقال مجاهد: يبعث داود النبي عليه السلام وذكر خطيئته، ووجلُه منها في قلبه، منقوشةٌ في كفه. فإذا رأى أهاويل الموقف لم يجد منها متعوذاً وا محرزاً إلا برحمة الله تبارك وتعالى وقربه، فيلجأ إليه تبارك وتعالى، فيشار إليه أن هاهنا عن يسار العرش، ثم يعلق فيقال له هاهنا عن يمين العرش. وذلك قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لَزُلْفَىٰ وَحُسْنَ مَـآبٍ﴾. وقال مالك بن دينار: يقام داود عليه السلام يوم القيامة عند ساق العرش، ثم يقول: يا داود، مجدني بذلك الصوت الحسن الرخيم الذي كنت تمجدني به في الدنيا. فيقول يا رب، كيف وقد سلبتنيه؟! فيقول: إني سأرده عليك. قال: فيدفع داود بصوت يستفرغ به نعيم أهل الجنان. ﴿فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ﴾: تمام حسن. * * ثم قال تعالى: ﴿يٰدَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي ٱلأَرْضِ﴾، أي: فغفرنا له ذلك الذنب، وقلنا له: يا داود، إنا جعلناك خليفة في الأرض، أي استخلفناك في الارض من بعد من كان قبلك من رسلنا حكماً بين أهل الارض. ﴿فَٱحْكُمْ بَيْنَ ٱلنَّاسِ بِٱلْحَقِّ﴾، أي: بالعدل والإنصاف. ﴿وَلاَ تَتَّبِعِ ٱلْهَوَىٰ﴾، أي: لا توثر هواك في قضائك على العدل فتجور في الحكم فيضلك هواك عن سبيل الله. ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ﴾، أي: يميلون عن الحق الذي أمر الله به. ﴿لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدُ﴾، أي: يوم القيامة. ﴿بِمَا نَسُواْ يَوْمَ ٱلْحِسَابِ﴾، أي: بتركهم العمل ليوم القيامة. قال عكرمة: هذا من التقديم والتأخير. والتقدير عنده: لهم يوم الحساب عذاب شديد بما نسوا أي: بما تركوا أمر الله والقضاء بالعدل. فالعامل في "يوم" في القول الأول: "نسوا" هو مفعول به والعامل فيه في القول الثاني "لهم" وهو ظرف. وكان ابن عباس يسجد عند قوله: "وأناب"، ويقول: ﴿أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ ٱقْتَدِهْ﴾. * * ثم قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَآءَ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً﴾، أي: عبثاً ولعباً بل خُلِقَا ليُعمل فيهما بالطاعة. ثم قال تعالى ذكره: ﴿ذَلِكَ ظَنُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾، أي: خلق السماء والأرض وما بينهما لغير حساب ولا بعث ولا عمل، هو ظن الذين كفروا فويل لهم من النار. * * ثم قال: ﴿أَمْ نَجْعَلُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ كَٱلْمُفْسِدِينَ فِي ٱلأَرْضِ﴾. هذا رد لقول الكفار، لأنهم كانوا يقولون: ليست ثمَّ عقوبة ولا نار، فالكافر والعاصي يَسْعَدَان باللذات، والمطيع يشقى، ومصيرهما إلى شيء واحد فرد الله عليه بأنه لم يجعل المتقين كالفجار في الآخرة، ولا الصالح كالمفسد. * * ثم قال: ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ﴾، (أي: هذا القرآن كتاب أنزله الله إليك يا محمد مبارك) على من آمن به، أنزله: ﴿لِّيَدَّبَّرُوۤاْ آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُواْ ٱلأَلْبَابِ﴾ ليعتبروا آياته وليتذكر به أولوا العقول. * * ثم قال: ﴿وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ﴾، أي: وُلِدَ إليه. ﴿نِعْمَ ٱلْعَبْدُ﴾، أي: ممدوح في طاعة ربه. ﴿إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾، أي: رجاع إلى طاعة الله عز وجل تواب إليه سبحانه، وقيل: الأواب: الكثير الذكر. وقال ابن عباس: الأواب: المسبح. وقال قتادة: مطيعاً كثير الصلاة. وقال ابن المسيب: هو الذي يذنب ثم يتوب، ثم يذنب ثم يتوب. وقيل: هو الذي يذكر ذنبه في الخلاء، ثم يتوب منه ويستغفر. * * ثم قال تعالى: ﴿إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِٱلْعَشِيِّ ٱلصَّافِنَاتُ ٱلْجِيَادُ﴾، أي: هو تواب في هذا الوقت. والصافنات: جمع صافن من الخيل، والأنثى: صافنة. والصافن: الذي يجمع بين يديه، ويثني طرف سنبك إحدى رجليه. وقيل: هو الذي يجمع بين يديه. وزعم الفراء أن الصافن هو القائم. وقال مجاهد: صفون الفرس: "رفع إحدى يديه حتى تكون على طرف الحافر". وقال قتادة: صفونها: قيامها وبسطها قوائمها. وقال ابن زيد: الصافنات: الخيل، أخرجها الشيطان لسليمان من مرج من مروج البحر. والصفن أن تقوم على ثلاث وترفع رجلاً واحدة تكون على طرف الحافر على الأرض. قال ابن زيد: وكانت لها أجنحة. (والجياد: السريعة. روي أنها كانت عشرين فرسا ذات أجنحة).

ص 38:20

هذا قوله تعالى ذكره: ﴿ٱصْبِر عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ﴾ - إلى قوله - ﴿وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ﴾ منسوخ بالأمر بالقتال، أمر الله جل ذكره نبيه ﷺ بالصبر على قول المشركين والاحتمال منهم، وقد علم تعالى أنه سيأمره بقتالهم في وقت آخر، فينسخ الآخر الأول. * * ثم قال: ﴿وَٱذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا ٱلأَيْدِ﴾، أي: ذا القوة والبطش الشديد في ذات الله عز وجل والصبر على طاعته. يقال: أيد وآد للقوة, كما يقال: العيب والعاب قال قتادة: "أُعْطِيَ داود قوة في العبادة وفقهاً في الإسلام، وذُكِرَ أنه كان يقوم الليل ويصوم نصف الدهر. * * وقوله: ﴿إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾، أي: رَجَّاعٌ عما يكره الله عز وجل إلى ما يرضاه أواب وهو فعَّال للتكثير من آب يئوب إذا رجع. قال مجاهد: أواب: رجاع عن الذنوب. قال قتادة: كان مطيعاً لله عز وجل كثير الصلاة. وقال السدى: الأوَّاب: المسبح. ويروى أنه قام ليلة إلى الصباح فكأنه أُعْجِبَ بذلك فقيل لضفدع كلميه في أصل مِحْرَابِه، فقالت له: يا داود، تَعْجَبُ لقيام ليلة! هذا مقامي منذ عشرين سنة شكراً لله عز وجل حين سلَّم بيضي. قال وهب: كان داود قد قسم الدهر أثلاثا، فيصير: يوم للعبادة، ويوماً للقضاء بين الناس، ويوما لقضاء حوائج أهله. * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّا سَخَّرْنَا ٱلجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِٱلْعَشِيِّ وَٱلإِشْرَاقِ﴾، أي: يسبحن مع داود من وقت العصر إلى الليل، ومن صلاة الصبح إلى وقت صلاة الضحى. يقال: أشرقت الشمس: إذا أضاءت وصفت، وشرقت إذا طلعت. قال قتادة: كان داود إذا سبح سبحت الجبال معه. واستدل ابن عباس على نص صلاة الضحى في القرآن بهذه الآية ﴿بِٱلْعَشِيِّ وَٱلإِشْرَاقِ﴾، لأنه من أشرقت الشمس إذا صفت وأضاءت. فإذا صلى داود العصر وسبَّحَ سبحت الجبال معه، وإذا صلى الضحى (سبح وسبحت) الجبال معه. * * ثم قال: ﴿وَٱلطَّيْرَ مَحْشُورَةً﴾، أي وسخرنا الطير مجموعة تسبح معه. ﴿كُلٌّ لَّهُ أَوَّابٌ﴾، أي: رجاع لأمره ومطيع له. فالهاء لداود وقيل: إلهاء لله عز وجل. والمعنى كل لله مطيع، مسبح له. فكل "في القول الأولى للطير، وفي هذا الثاني: يجوز أن يكون للطير، ويجوز أن يكون لداود والجبال والطير. ورُوي أنه كان إذا سبح أجابته الجبال واجتمعت إليه الطير فسبحت معه. وقال قتادة: محشورة: مسخرة. * * ثم قال: ﴿وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ﴾. قال السدي: كان حرسه في كل يوم وليلة أربعة آلاف. وذكر ابن عباس أن الله جل ذكره شدد ملكه هيبة لقضية قضاها في بنى إسرائيل وذلك أن رجلاً استعدى على رجل من عظمائهم فاجتمعا عند داود، فقال المُسْتَعْدَى: إن هذا غصبني بقراً لي. فسأل الرجل عن ذلك فجحده، فسأل الآخر البيِّنة فلم تكن له بينة، فقال لهما: قُوَما حتى أنظر في أمركما فقاما. فأوحى الله عز وجل إلى داود في منامه أن يقتل الرجل الذي ستُعدي عليه. فقال: هذه رؤيا ولست أعجل حتى أتثبت، فأَوْحَى إليه مرة أخرى أن يقتُلَه، وأوحى إليه ثالثة (أن يقتله) أو تأتيه العقوبة من الله عز وجل، فأرسل داود إلى الرجل أن الله قد أوحى إليّ أن أقتلك، فقال الرجل: تقتلني بغير بينة ولا تثبت! فقال له داود: نعم، والله لأنفِّذْنَ أمر الله عز جل فيك. فلما عرف الرجل أنه قاتله قاله له: لا تعجل عليّ حتى أخبرك، إني والله ما أُخِذْتُ بهذا الذنب ولكني كنت اغتلت وَلَدَ هذا فقتلته فبذلك قُتِلتُ. فأمر به داود، فَقُتِلَ. فاشتدت هيبته في بني إسرائيل لذلك وشد الله به ملكه. * * ثم قال تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُ ٱلْحِكْمَةَ﴾. قال السدى: هي النبوة. وقال قتادة: الحكمة: السُّنَّة. * * وقوله: ﴿وَفَصْلَ ٱلْخِطَابِ﴾. قال ابن عباس ومجاهد والسدي: فصل الخطاب: الفهم في علم القضاء. وقال ابن زيد: أعطي فصل ما يتخاطب الناس به بين يديه في الخصومات. وقال شريح: فصل الخطاب: الشاهدان على المدعي، واليمين على المنكر، وهو قول قتادة. وقال الشعبي: يمين وشاهد، وعن الشعبي: هو: أما بعد. * * ثم قال تعالى: ﴿وَهَلْ أَتَاكَ نَبَؤُاْ ٱلْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُواْ ٱلْمِحْرَابَ﴾، أي: وهل أتاك يا محمد خبر الخصم. والخصم هنا يراد به الملكان، لكن لا تظهر فيه تثنية ولا جمع لأنه مصدر من خصمته خصماً. والأصل فيه: وهل أتاك نبأ ذوي الخصم ويجوز أن يثنى ويجمع، ودل على ذلك قوله: خصمان. * * وقوله: ﴿إِذْ تَسَوَّرُواْ ٱلْمِحْرَابَ﴾، أي إذ دخلوا عليه من غير بابه. والمحراب: مقدم كل شيء ومجلسه وأشرفه. * * ثم قال تعالى: ﴿إِذْ دَخَلُواْ عَلَىٰ دَاوُودَ﴾، أي: لما دخلوا على داود المحراب. ﴿فَفَزِعَ مِنْهُمْ﴾، أي: فراعه دخولهما من غير مدخل الناس عليه. وقيل: إنما فزع لأنهما دخلا عليه ليلاً من غير وقت نظره بين الناس. ﴿قَالُواْ لاَ تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَىٰ﴾، أي: قال الملكان: لا تخف منا نحن خصمان. ﴿بَغَىٰ بَعْضُنَا عَلَىٰ بَعْضٍ﴾، أي: تعدَّى أحدنا على صاحبه. ﴿فَٱحْكُمْ بَيْنَنَا بِٱلْحَقِّ﴾، أي: فاقض بيننا بالعدل. ﴿وَلاَ تُشْطِطْ﴾، أي: لا تجر، وقال قتادة ولا تمل، وقال السدى: لا تخف. وقرأ الحسن وأبو رجاء: "ولا تَشْطُطْ" بفتح التاء وضم الطاء الأولى. بمعنى: ولا تبعد عن الحق. يقال: أَشَطَّ يُشِطُّ إذا جار في القول والحكم، وشَطّ يَشُطُّ إذا بَعُد. * * ثم قال تعالى: ﴿وَٱهْدِنَآ إِلَىٰ سَوَآءِ ٱلصِّرَاطِ﴾ ، أي: وارشدنا إلى قصد الطريق المستقيم في الحق. * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ هَذَآ أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً﴾، الآية. هذا مثل ضربه الملكان لداود، وذلك أن داود كان له تسع وتسعون امرأة، وكانت للرجل الذي أعزاه داود حتى قُتل، امرأة واحدة، فلما قتل تزوجها فيما ذكر. قال وهب بن منبه: إن هذا أخي، أي على ديني. والعرب تُكَنِّي عن المرأة بالنعجة والشاة. وقرأة الحسن بفتح التاء من "تَسع وتَسعين" وهي لغة قليلة. وقرأ ابن مسعود: "تِسْعٌ وتَسِعُونَ نَعْجَةً أُنْثَى" على التأكيد، كقولهم: رجل ذَكَر؟. ولا يؤنث بهذا التأنيث إلا ما تأنيثه وتذكيره في نفسه كالرجل والمرأة، فإن كان تأنيثه وتذكيره في اسمه (لم يُقَلْ) فيه أنثى ولا ذكر، نحو: دار، وملحفة، وشبه ذلك. وقيل: عنى بذلك أنها حسنة. فأنثى تدل على أنها حسنة. ثم قال تعالى ذكره: ﴿فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا﴾، أي: أنزل عنها وضُمَّها إليَّ. قال ابن زيد: أكفلنيها: أعطنيها، أي: طلقها لي أنكحها. ﴿وَعَزَّنِي فِي ٱلْخِطَابِ﴾، أي: صار أعزَّ مني في مخاطبته إياي لأنه إن تكلم فهو أبين مني، وإن بطش كان أشد مني فقهرني وغلبني. قال قتادة: وعزني في الخطاب: ظلمني وقهرني. وقرأ ابن مسعود: "وَعَازَّنِي". يقال: عَازَّه (إذا غالبه، وَعَزَّهُ): إذا غلبه، ومنه قولهم: "مَنْ (عَزَّ بَزَّ)". * * ثم قال تعالى: ﴿قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَىٰ نِعَاجِهِ﴾، أي: قال داود للمتكلم منهما: لقد ظلمك صاحبك بسؤاله إياك أن يضم نعجتك إلى نعاجه. * * ﴿وَإِنَّ كَثِيراً مِّنَ ٱلْخُلَطَآءِ لَيَبْغِيۤ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ﴾، أي: وإن كثيراً من الشركاء ليَتَعَدَّى بعضهم على بعض ﴿إِلاَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ﴾. قوله تعالى ذكره: ﴿وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ﴾ - إلى قوله - ﴿ٱلصَّافِنَاتُ ٱلْجِيَادُ﴾ أي: وأيقن داود أنما اختبرناه. ﴿فَٱسْتَغْفَرَ رَبَّهُ﴾، أي: سائل ربه المغفرة. ﴿وَخَرَّ رَاكِعاً﴾، أي: ساجداً لله. ﴿وَأَنَابَ﴾، أي: رجع عن خطيئته وتاب منها. وكان سبب اختبار الله عز وجل له - فيما ذكر ابن عباس - أن داود قال: يا رب، قد أعطيت إبراهيم وإسحاق ويعقوب من الذكر ما لَوَدِدْتُ أنك أعطيتني مثله. فقال الله جل ذكره له: إني ابتليتهم بما لم أبتلك به، فإن شئت ابتليتك بمثل ما ابتليتهم به، وأعطيتك كما أعطيتهم، قال: نعم، فأقام ما شاء الله أن يُقيم وطال ذلك حتى كاد أن ينساه. فبينما هو في محرابه إذ وقعت عليه حمامة فأراد أن يأخذها فطارت إلى كوة كانت في المحراب، فذهب ليأخذها، فطارت. فاطلَّع من الكوة فرأى امرأة تغتسل. فنزل نبي الله ﷺ من المحراب وأرسل إليها، فجاءته، فسألها عن زوجها وعن شأنها، فأخبرته أن زوجها غائب، فكتب إلى أمير تلك السَّرِيَّةِ أن يُؤْمِّرَهُ على السرايا لِيَهْلَكَ زوجها، ففعل. فكان يصاب أصحابه وينجو وربما نصروا. وإن الله لما رأى الذي وقع فيه داود أراد أن يستنفذه، فبينما داود ذات يوم في محرابه إذ تسور عليه الخصمان من قبل وجهه. فلما رآهما وهو يقرأ فَزِعَ وسكت، وقال: لقد اسُتضعفت في مُلكي حتى إن الناس يتسورون علي في محرابي، قالا له: لا تخف، خصمان بغى بعضنا على بعض فلم يكن لنا بد من أن نأتيكا فاسمع منا. قال أحدهما. ﴿إِنَّ هَذَآ أَخِي﴾ - إلى ﴿وَعَزَّنِي فِي ٱلْخِطَابِ﴾. قال له داود: أنت كنت أحوجَ إلى نعجتك منه، لقد ظلمك بسؤاله إياك نعجتك ونسي نفسه ﷺ. فنظر الملكان أحدهما إلى الآخر حين قال ذلك، فتبسم أحدهما إلى الآخر فرآه داود فعلم أنه فتن، فاستغفر ربه وخر راكعاً وأناب أربعين ليلة حتى نبتت الخضرة من عينيه ثم شدد الله له ملكه. روى ابن أبي الدنيا أن وهب بن منبه قال: لم يرفع داود عليه السلام رأسه من السجود حتى قال له الملكان: أول أمرك ذنب وآخره معصية، ارفع رأسك، فرفع رأسه. وعن وهب أنه قال: لما رفع داود رأسه من (السجدة رفع رأسه) وقد زَمِنَ ورعش. قال: فاعتزل نساءه ثم بكى حتى خددت الدموع وجهه. وقال عطاء الخراساني: "إن داود نقش خطيئته في كفه لكي لا ينساها، فكان إذا رآها اضطربت يداه. وقال وهب بن منبه: كتب داود في كفه: داود الخطاء. وقال يحيى بن أبي كثير لما أصاب داود الخطيئة نفرت الوحوش من حوله، فنادى: إلهي، رُدَّ عليَّ الوحش كي آنس بها فرد الله تبارك وتعالى عليه الوحش فَأَحَطْنَ به وأصغين بأسماعهن نحوه. قال: ورفع صوته يقرأ الزبور ويبكي على نفسه فنادته هيهات هيهات يا داود، ذهبت الخطيئة بحلاوة صوتك. وروي عن النبي ﷺ أنه قال: "مَثَلُ عَيْنَيْ دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ مَثَلُ الْقِرْبَتَينِ تَنْظِفَانِ بالمَاءِ. لَقَدْ خَدَّدَتِ الدُّمُوعُ وَجْهَ دَاودَ خَديدَ المَاءِ في الأرْضِ وروى أبو مسهر عن سعيد بن عبد العزيز أنه قال: قالو: لو جُمِعت دموع أهل الأرض إلى دموع آدم ﷺ لكانت دموع آدم أكثر، ولو جمعت دموع أهل الأرض ودموع آدم إلى دموع ابن آدم الذي قتل أخاه لكانت دموع ابن آدم أكثر، ولو جمعت دموع أهل الأرض، ودموع آدم، ودموع ابن آدم إلى دموع يعقوب لكانت دموع يعقوب أكثر، ولو جمعت دموع أهل الأرض ودموع آدم ودموع ابن آدم ودموع يعقوب إلى دموع داود لكانت دموع داود أكثر. قال سعيد: "كان داود يجلس على ستة أفرشة فيبكي فيبل الأول فيُرفع حتى يبللها كلها، كلما بَلَّ واحداً رُفِع؛ وإن كان ليؤتى بالإناء ليشرب فما يفرغ منه حتى يتدفق من دموعه وروى إسماعيل بن عبيد الله: "إن داود النبي ﷺ كان يعاتب في كثرة البكاء، فيقول: ذروني أبكي قبل يوم البكاء، قبل تحريق العظام واشتعال اللحى، وقبل أن يؤمر بي ﴿مَلاَئِكَةٌ غِلاَظٌ شِدَادٌ لاَّ يَعْصُونَ ٱللَّهَ مَآ أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم: ٦]. قال محمد بن المنكدر مكث آدم ﷺ في الأرض أربعين سنة ما يبدي عن واضحة ولا ترقئ له دمعة. فقالت له حواء: إنَّا قد استوحشنا إلى أصوات الملائكة فادع ربك فيسمعنا أصواتهم. فقال لها: ما زلت مستحيياً من ربي عز وجل أن أرفع طرفي إلى أديم السماء مما صنعت. وقال محمد بن خوات: إن داود النبي ﷺ لما أطال البكاء على نفسه، قيل له: اذهب إلى قبر زوج المرأة فاستوهبه ما صنعت، فأتى القبر، وأَذِنَ الله لصاحب القبر أن يتكلم، فناداه: أنا داود ولك عندي مظلمة، قال: قد غفرتها لك، قال: فانصرف داود وقد طابت نفسه، فأوحى الله عز وجل إليه أن ارجع فبين له الذي صنعت فرجع، فأخبره، فناداه صاحب القبر يا داود، هكذا يفعل الأنبياء! قال بكر بن عبيد الله المُزني: مكث داود النبي عليه السلام ساجداً أربعين يوماً يبكي على خطيئته حتى نبت البقل من دموعه، ثم زفر زفرة فهاج العودة فاحترق، فنودي أظمآن أنت فَتُسقَى؟ أجائع فتطعم؟ أعاري فتُكسى؟ قال: لا، ولكن خطيئتي أثقلت ظهري، فلم يُرْجَعُ إليه بشيء، فازداد بكاء حتى انقطع صوته، فكان لا يُسمع له إلاّ كهيئة الأنين، فعند ذلك غُفِرَ له. وقال الحسن: بكاء داود عليه السلام بعد ما غُفرت له الخطيئة أكثر من بكائه قبل المغفرة، فقيل له: أليس قد غُفر لك يا نبي الله؟ ! قال: فكيف بالحياء من الله عز وجل. قال كعب: كان داود عليه السلام يختار مجالسة المساكين، ويُكثر البكاء ويقول: رب اغفر للمساكين والخطائين حتى تغفر لي معهم، وكان قبل ذلك يدعو على الخطائين. قال أبو عبد الرحمن الحبلي: ما رفع داود رأسه إلى السماء بعد خطيئته حتى مات. ورُوي أنه كان إذا ذكر عقاب الله عز وجل تخلعت أوصاله، فإذا ذكر رحمة الله تراجعت. وروى أشهب عن مالك أنه قال: بلغني أن تلك الحمامة أتت فوقعت قريباً من داود وهي من ذهب، فلما رآها أعجبته فقام ليأخذها، فكانت قرب يده، ثم طارت فَأَتْبَعَهَا بَصَرَهُ، فوقعت عينه على تلك المرأة وهي تغسل ولها شعر طويل. فبلغني أنه أقام أربعين ليلة ساجداً حتى نبت العشب من دموع عينيه. ويراد بالركوع في هذا الموضع: السجود. قال السدي: كان داود قد قسم الدهر ثلاثة أيام: يوماً يقضي فيه بين الناس ويوماً يخلو فيه لعبادة ربه عز وجل، ويوماً يخلو فيه لنسائه، وكان له تسع وتسعون امرأة، وكان فيما يقرأ من الكتب: فضل إبراهيم وإسحاق ويعقوب صلى الله عليهم وسلم. فلما وجد ذلك فيما يقرأ من الكتب قال: يا رب، إن الخير قد ذهب به آبائي، فأعطني مثل ما أعطيتهم. فأوحى الله إليه أن آباءك ابتلوا ببلاء لم تبتل به، ابتلي إبراهيم بذبح ابنه فصبر، وابتلي إسحاق بذهاب بصره، وابتلي يعقوب بحزنه على يوسف، وإنك لم تبتل أنت من ذلك الشيء. فقال: يا رب، ابتلني بمثل ما ابتليتهم وأعطني مثل ما أعطيتهم. قال: فأوحى الله عز وجل إليه أنك مبتلى فاحترس، قال: فمكث ما شاء الله أن يمكث إذ جاءه الشيطان وقد تمثل له في صورة حمامة من ذهب حتى وقع عند رجليه وهو قائم يصلي قال: فمد يده ليأخذه فتنحى، فتبعه فتباعد حتى وقع في كوة، فذهب ليأخذه، فطار من الكوة فنظر أين (يقع فيبعث) في أثره، قال: فأبصر امرأة تغتسل في سطح لها، فرأى امرأة من أجمل الناس خَلْقاً، فحانت منها التفاتة فأبصرته، فألقت شعرها فاستترت به. قال: فزاده ذلك فيها رغبة. قال: فسأل عنها فأخبر أن لها زوجاً وأن زوجها غائب بمسلحة كذا وكذا. (قال: فبعث إلى صاحب المسلحة وأمره أن يبعث به إلى عدو كذا وكذا). قال فبعثه ففتح له قال: فكتب إليه بذلك. قال فكتب إليه أن أبعثه إلى عدو كذا وكذا - أشد منهم بأساً - قال: فبعثه ففتح له أيضاً، ثم كتب إليه ثالثة فبعثه فقتل. قال: وتزوج امرأته، فلما دخلت عليه لم تلبث عنده إلا يسيراً حتى بعث الله ملكين في صورة إنسيين فطلبا أن يدخلا عليه، فتسورا عليه المحراب. قال: فما شعر وهو يصلي إلا وهما بين يديه جالسين قال: ﴿فَفَزِعَ مِنْهُمْ﴾، فقالا: ﴿لاَ تَخَفْ﴾ لا تخف، إنما نحن ﴿خَصْمَانِ بَغَىٰ بَعْضُنَا عَلَىٰ بَعْضٍ﴾ - إلى قوله - ﴿سَوَآءِ ٱلصِّرَاطِ﴾، قال: قصّا قصتكما قال: فقال أحدهما: إن هذا أخي له تسع وتسعون نعجة ولي نعجة واحدة، وهو يريد أخذ نعجتي فيكمل بها نعاجه مائة! فقال للآخر: ما تقول؟ فقال: إن لي (تسعاً وتسعين) نعجة ولأخي هذا نعجة واحدة. قال: فأنا أريد أن آخذها منه فأكمل بها نعاجي مائة؟! قال: (وهو كاره). قال: إذا (لا ندعك) وذلك. قال: ما أنت على ذلك بقادر. قال: فإن ذهبت تروم ذلك (أو لم ترد ذلك ضربنا منك هذا وهذا وهذا يريد طرف الأنف، وأصل الأنف، والجبهة قال: يا داود، أنت أحق أن يضرب منه هذا وهذا وهذا حيث لك تسع وتسعون امراة ولم يكن لاوريا إلا امرأة واحدة، (فلم تزل) تعرضه للقتل حتى قُتل، وتزوجت امرأته. قال: فنظر داود الرجلين فلم ير شيئاً فعرف ما قد وقع فيه فخر ساجداً. - وهو موضع السجود عند مالك. وروي أن رجلاً من الأنصار - على عهد النبي ﷺ - كان يصلي من الليل مستتراً بشجرة وهو يقرأ "ص"، فلما بلغ السجدة سجد وسجدت معه الشجرة، فسمعها وهي تقول: اللهم أعظم لي بهذه السجدة أجراً، وارزقني بها شكراً، وضع عني بها وزراً، وتقبلها مني كما تقبلت من عبدك داود سجدته. فلما أصبح الرجل ذكر ذلك لرسول الله ﷺ. فقال رسول الله: نحن أحق أن يقول ذلك. فكان ﷺ إذا سجد يقول ذلك. قال عقبة بن عامر الجهني: من قرأ (ص) ولم يسجد فيها فلا عليه ألا يقرأ بها. قال: فبكى أربعين يوماً لا يرفع رأسه إلا لحاجة، ثم يقع ساجداً يبكي حتى نبت العشب من دموع عينيه، قال: فأوحى الله عز وجل إليه بعد أربعين يوماً: يا داود، ارفع رأسك فقد غفرت لك. قال: يا رب، كيف أعلم أنك قد غفرت لي وأنت حكم عدل لا تحيف في القضاء، إذا جاء أوريا يوم القيامة آخذ رأسه بيمينه، أو بشماله، تشخب أوداجه دماً، يقول: يا رب، سل هذا فيم قتلني؟ قال: فأوحى الله عز وجل إليه: إذا كان ذلك (دعوت أوريا). فاستوهبتك منه، فيهبك لي، فأثيبه بذلك الجنة. قال: رب، الآن علمت أنك قد غفرت لي. قال: فما استطاع ان يملأ عينيه من السماء حياء من ربه حتى قبض ﷺ. وقيل: اسم الرجل أوريا بن حيان. وقال الحسن: جزأ داود الدهر أربعة أجزاء: يوماً لنسائه، ويوماً لعبادة ربه، ويوماً لقضاء بني إسرائيل، ويوماً لبني إسرائيل يذاكرهم ويذاكرونه، ويبكيهم ويبكونه. قال: فلما كان يوم بني إسرائيل، قال: ذَكَرُوا فقالو: هل أتى على الإنسان يوم لا يصيب فيه ذنباً؟ فأضمر داود في نفسه أنه سيطيق ذلك. فلما كان يوم عبادته أغلق أبوابه وأمر ألا يدخل عليه أحد، وأكب على التوراة. فبينما هو يقرؤها إذا حمامة من ذهب، فيها من كل لون (حَسَنٍ، قد وقعت بين يديه، فأهوى إليها ليأخذها، قال: فطارت فوقعت غير بعيدة من غير أن تؤيسه من نفسها. قال: فما زال يتبعها حتى أشرف على امرأة تغتسل فأعجبه خلقها وحسنها. قال: فلما رأت ظله في الارض جللت نفسها بشعرها فزاده ذلك إعجاباً بها. وكان قد بعث زوجها على بعض جيوشه، فكتب إليه أن يسر إلى مكان كذا وكذا - مكانٌ إذا صار إليه لم يرجع - قال: ففعل، فأصيب، فخطبها، فتزوجها. قال قتادة: بلغنا أنها أم سليمان. قال الحسن: فبينما هو في المحراب إذ تسور الملكان عليه - وكان الخصمان إذا أتوه يأتونه من باب المحراب - ففزع منهم حين تسوروا المحراب، فقالا: لا تخف، خصمان بغى بعضنا على بعض. وذكر نحو الحديثين المتقدمين. وقيل: إن خطيئته هي قوله: لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه من غير ثبت بينة ولا إقرار من الخصم ولا سؤال لخصمه: هل كان هذا هكذا أو لم يكن. وهو قول شاذ. وقال ابن الأعرابي: قال كعب: سجد داود نبي الله ﷺ أربعين ليلة لم يرفع رأسه حتى رقأ دمعه ويبس رأسه. فكان من آخر دعائه وهو ساجد أن قال: يا رب رزقتني العافية، فسألتك البلاء، فلما ابتليتني لم أصبر فإن تعذبني فأنا أهل ذلك، وإن تغفر لي فأنت أهل ذلك - يقولها في نفسه - فعلم الله عز وجل ما قال فإذا جبريل عليه السلام على رأسه قائم يقول له: يا داود، إن الله قد غفر لك فارفع رأسك فلم يلتفت إليه، وناجى ربه وهو ساجد فقال: يا رب، وكيف تغفر لي وأنت الحكم العدل، وقد فعلت بالرجل ما فعلت؟ قال: فنزل الوحي عليه: صدقت يا داود أنا الحكم العدل، ولكن إذا كان يوم القيامة دفعتك إلى أوريا سلماً، ثم استوهبتك منه، فيهبك لي، فأثيبه الجنة. قال داود: الآن أعلم أنك قد غفرت لي. قال: فذهب داود يرفع رأسه فاذا هو يابس لا يستطيع. قال: فمسحه جبريل عليه السلام بريشة فانبسط. قال: فأوحى الله عز وجل إليه بعد ذلك: يا داود: قد أحللت لك امرأة أوريا فتزوجها، فتزوجها داود ﷺ، فولدت له سليمان عليه السلام، لم تلد قبله شيئاً ولا بعده. قال كعب: فوالله لقد كان داود بعد ذلك ليظل صائماً في اليوم الحار فيقرب إليه الشراب فإذا قربه إلى فيه ذكر خطيئته فيبكي في الشراب حتى يفيض ثم يرده ولا يشربه. وروى الأوزاعي عن بعض أهل المدينة أنه قال: مثل عيني داود كمثل القربتين تنطفان الماء، لقد خدد الدمع في وجهه كخديد الماء في الأرض. ويروى أن داود بات لربه عز وجل مصلياً حتى أصبح فذهب الى نهر ليتوضأ، فقال: الحمد لله، لقد عبدت الله الليلة عبادة ما عبده أحد إياها من أهل الأرض. فكَلَّمَه ضفدع من الماء فقالت: جلا يا أبا سليمان، فوالله إن لي لثلاثاً من الدهر ما جمعت بين فقمي تسبيحاً لله. وروي عن ابن مسعود وابن عباس أن داود عليه السلام ما زاد على أن قال للرجل: انزل لي عن امرأتك، فعاتبه الله على ذلك ونبهه عليه. * * ثم قال تعالى: ﴿فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ﴾، أي ذلك الذنب. ﴿وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لَزُلْفَىٰ﴾، أي: لقربة يوم القيامة. قال الضحاك: لمنزلة رفيعة. * * ثم قال: ﴿وَحُسْنَ مَـآبٍ﴾، أي: حسن مصير. قال السدي: حسن منقلب. وقال الضحاك: حسن مرجع. وقال مجاهد: يبعث داود النبي عليه السلام وذكر خطيئته، ووجلُه منها في قلبه، منقوشةٌ في كفه. فإذا رأى أهاويل الموقف لم يجد منها متعوذاً وا محرزاً إلا برحمة الله تبارك وتعالى وقربه، فيلجأ إليه تبارك وتعالى، فيشار إليه أن هاهنا عن يسار العرش، ثم يعلق فيقال له هاهنا عن يمين العرش. وذلك قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لَزُلْفَىٰ وَحُسْنَ مَـآبٍ﴾. وقال مالك بن دينار: يقام داود عليه السلام يوم القيامة عند ساق العرش، ثم يقول: يا داود، مجدني بذلك الصوت الحسن الرخيم الذي كنت تمجدني به في الدنيا. فيقول يا رب، كيف وقد سلبتنيه؟! فيقول: إني سأرده عليك. قال: فيدفع داود بصوت يستفرغ به نعيم أهل الجنان. ﴿فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ﴾: تمام حسن. * * ثم قال تعالى: ﴿يٰدَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي ٱلأَرْضِ﴾، أي: فغفرنا له ذلك الذنب، وقلنا له: يا داود، إنا جعلناك خليفة في الأرض، أي استخلفناك في الارض من بعد من كان قبلك من رسلنا حكماً بين أهل الارض. ﴿فَٱحْكُمْ بَيْنَ ٱلنَّاسِ بِٱلْحَقِّ﴾، أي: بالعدل والإنصاف. ﴿وَلاَ تَتَّبِعِ ٱلْهَوَىٰ﴾، أي: لا توثر هواك في قضائك على العدل فتجور في الحكم فيضلك هواك عن سبيل الله. ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ﴾، أي: يميلون عن الحق الذي أمر الله به. ﴿لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدُ﴾، أي: يوم القيامة. ﴿بِمَا نَسُواْ يَوْمَ ٱلْحِسَابِ﴾، أي: بتركهم العمل ليوم القيامة. قال عكرمة: هذا من التقديم والتأخير. والتقدير عنده: لهم يوم الحساب عذاب شديد بما نسوا أي: بما تركوا أمر الله والقضاء بالعدل. فالعامل في "يوم" في القول الأول: "نسوا" هو مفعول به والعامل فيه في القول الثاني "لهم" وهو ظرف. وكان ابن عباس يسجد عند قوله: "وأناب"، ويقول: ﴿أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ ٱقْتَدِهْ﴾. * * ثم قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَآءَ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً﴾، أي: عبثاً ولعباً بل خُلِقَا ليُعمل فيهما بالطاعة. ثم قال تعالى ذكره: ﴿ذَلِكَ ظَنُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾، أي: خلق السماء والأرض وما بينهما لغير حساب ولا بعث ولا عمل، هو ظن الذين كفروا فويل لهم من النار. * * ثم قال: ﴿أَمْ نَجْعَلُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ كَٱلْمُفْسِدِينَ فِي ٱلأَرْضِ﴾. هذا رد لقول الكفار، لأنهم كانوا يقولون: ليست ثمَّ عقوبة ولا نار، فالكافر والعاصي يَسْعَدَان باللذات، والمطيع يشقى، ومصيرهما إلى شيء واحد فرد الله عليه بأنه لم يجعل المتقين كالفجار في الآخرة، ولا الصالح كالمفسد. * * ثم قال: ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ﴾، (أي: هذا القرآن كتاب أنزله الله إليك يا محمد مبارك) على من آمن به، أنزله: ﴿لِّيَدَّبَّرُوۤاْ آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُواْ ٱلأَلْبَابِ﴾ ليعتبروا آياته وليتذكر به أولوا العقول. * * ثم قال: ﴿وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ﴾، أي: وُلِدَ إليه. ﴿نِعْمَ ٱلْعَبْدُ﴾، أي: ممدوح في طاعة ربه. ﴿إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾، أي: رجاع إلى طاعة الله عز وجل تواب إليه سبحانه، وقيل: الأواب: الكثير الذكر. وقال ابن عباس: الأواب: المسبح. وقال قتادة: مطيعاً كثير الصلاة. وقال ابن المسيب: هو الذي يذنب ثم يتوب، ثم يذنب ثم يتوب. وقيل: هو الذي يذكر ذنبه في الخلاء، ثم يتوب منه ويستغفر. * * ثم قال تعالى: ﴿إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِٱلْعَشِيِّ ٱلصَّافِنَاتُ ٱلْجِيَادُ﴾، أي: هو تواب في هذا الوقت. والصافنات: جمع صافن من الخيل، والأنثى: صافنة. والصافن: الذي يجمع بين يديه، ويثني طرف سنبك إحدى رجليه. وقيل: هو الذي يجمع بين يديه. وزعم الفراء أن الصافن هو القائم. وقال مجاهد: صفون الفرس: "رفع إحدى يديه حتى تكون على طرف الحافر". وقال قتادة: صفونها: قيامها وبسطها قوائمها. وقال ابن زيد: الصافنات: الخيل، أخرجها الشيطان لسليمان من مرج من مروج البحر. والصفن أن تقوم على ثلاث وترفع رجلاً واحدة تكون على طرف الحافر على الأرض. قال ابن زيد: وكانت لها أجنحة. (والجياد: السريعة. روي أنها كانت عشرين فرسا ذات أجنحة).

ص 38:21

هذا قوله تعالى ذكره: ﴿ٱصْبِر عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ﴾ - إلى قوله - ﴿وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ﴾ منسوخ بالأمر بالقتال، أمر الله جل ذكره نبيه ﷺ بالصبر على قول المشركين والاحتمال منهم، وقد علم تعالى أنه سيأمره بقتالهم في وقت آخر، فينسخ الآخر الأول. * * ثم قال: ﴿وَٱذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا ٱلأَيْدِ﴾، أي: ذا القوة والبطش الشديد في ذات الله عز وجل والصبر على طاعته. يقال: أيد وآد للقوة, كما يقال: العيب والعاب قال قتادة: "أُعْطِيَ داود قوة في العبادة وفقهاً في الإسلام، وذُكِرَ أنه كان يقوم الليل ويصوم نصف الدهر. * * وقوله: ﴿إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾، أي: رَجَّاعٌ عما يكره الله عز وجل إلى ما يرضاه أواب وهو فعَّال للتكثير من آب يئوب إذا رجع. قال مجاهد: أواب: رجاع عن الذنوب. قال قتادة: كان مطيعاً لله عز وجل كثير الصلاة. وقال السدى: الأوَّاب: المسبح. ويروى أنه قام ليلة إلى الصباح فكأنه أُعْجِبَ بذلك فقيل لضفدع كلميه في أصل مِحْرَابِه، فقالت له: يا داود، تَعْجَبُ لقيام ليلة! هذا مقامي منذ عشرين سنة شكراً لله عز وجل حين سلَّم بيضي. قال وهب: كان داود قد قسم الدهر أثلاثا، فيصير: يوم للعبادة، ويوماً للقضاء بين الناس، ويوما لقضاء حوائج أهله. * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّا سَخَّرْنَا ٱلجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِٱلْعَشِيِّ وَٱلإِشْرَاقِ﴾، أي: يسبحن مع داود من وقت العصر إلى الليل، ومن صلاة الصبح إلى وقت صلاة الضحى. يقال: أشرقت الشمس: إذا أضاءت وصفت، وشرقت إذا طلعت. قال قتادة: كان داود إذا سبح سبحت الجبال معه. واستدل ابن عباس على نص صلاة الضحى في القرآن بهذه الآية ﴿بِٱلْعَشِيِّ وَٱلإِشْرَاقِ﴾، لأنه من أشرقت الشمس إذا صفت وأضاءت. فإذا صلى داود العصر وسبَّحَ سبحت الجبال معه، وإذا صلى الضحى (سبح وسبحت) الجبال معه. * * ثم قال: ﴿وَٱلطَّيْرَ مَحْشُورَةً﴾، أي وسخرنا الطير مجموعة تسبح معه. ﴿كُلٌّ لَّهُ أَوَّابٌ﴾، أي: رجاع لأمره ومطيع له. فالهاء لداود وقيل: إلهاء لله عز وجل. والمعنى كل لله مطيع، مسبح له. فكل "في القول الأولى للطير، وفي هذا الثاني: يجوز أن يكون للطير، ويجوز أن يكون لداود والجبال والطير. ورُوي أنه كان إذا سبح أجابته الجبال واجتمعت إليه الطير فسبحت معه. وقال قتادة: محشورة: مسخرة. * * ثم قال: ﴿وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ﴾. قال السدي: كان حرسه في كل يوم وليلة أربعة آلاف. وذكر ابن عباس أن الله جل ذكره شدد ملكه هيبة لقضية قضاها في بنى إسرائيل وذلك أن رجلاً استعدى على رجل من عظمائهم فاجتمعا عند داود، فقال المُسْتَعْدَى: إن هذا غصبني بقراً لي. فسأل الرجل عن ذلك فجحده، فسأل الآخر البيِّنة فلم تكن له بينة، فقال لهما: قُوَما حتى أنظر في أمركما فقاما. فأوحى الله عز وجل إلى داود في منامه أن يقتل الرجل الذي ستُعدي عليه. فقال: هذه رؤيا ولست أعجل حتى أتثبت، فأَوْحَى إليه مرة أخرى أن يقتُلَه، وأوحى إليه ثالثة (أن يقتله) أو تأتيه العقوبة من الله عز وجل، فأرسل داود إلى الرجل أن الله قد أوحى إليّ أن أقتلك، فقال الرجل: تقتلني بغير بينة ولا تثبت! فقال له داود: نعم، والله لأنفِّذْنَ أمر الله عز جل فيك. فلما عرف الرجل أنه قاتله قاله له: لا تعجل عليّ حتى أخبرك، إني والله ما أُخِذْتُ بهذا الذنب ولكني كنت اغتلت وَلَدَ هذا فقتلته فبذلك قُتِلتُ. فأمر به داود، فَقُتِلَ. فاشتدت هيبته في بني إسرائيل لذلك وشد الله به ملكه. * * ثم قال تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُ ٱلْحِكْمَةَ﴾. قال السدى: هي النبوة. وقال قتادة: الحكمة: السُّنَّة. * * وقوله: ﴿وَفَصْلَ ٱلْخِطَابِ﴾. قال ابن عباس ومجاهد والسدي: فصل الخطاب: الفهم في علم القضاء. وقال ابن زيد: أعطي فصل ما يتخاطب الناس به بين يديه في الخصومات. وقال شريح: فصل الخطاب: الشاهدان على المدعي، واليمين على المنكر، وهو قول قتادة. وقال الشعبي: يمين وشاهد، وعن الشعبي: هو: أما بعد. * * ثم قال تعالى: ﴿وَهَلْ أَتَاكَ نَبَؤُاْ ٱلْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُواْ ٱلْمِحْرَابَ﴾، أي: وهل أتاك يا محمد خبر الخصم. والخصم هنا يراد به الملكان، لكن لا تظهر فيه تثنية ولا جمع لأنه مصدر من خصمته خصماً. والأصل فيه: وهل أتاك نبأ ذوي الخصم ويجوز أن يثنى ويجمع، ودل على ذلك قوله: خصمان. * * وقوله: ﴿إِذْ تَسَوَّرُواْ ٱلْمِحْرَابَ﴾، أي إذ دخلوا عليه من غير بابه. والمحراب: مقدم كل شيء ومجلسه وأشرفه. * * ثم قال تعالى: ﴿إِذْ دَخَلُواْ عَلَىٰ دَاوُودَ﴾، أي: لما دخلوا على داود المحراب. ﴿فَفَزِعَ مِنْهُمْ﴾، أي: فراعه دخولهما من غير مدخل الناس عليه. وقيل: إنما فزع لأنهما دخلا عليه ليلاً من غير وقت نظره بين الناس. ﴿قَالُواْ لاَ تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَىٰ﴾، أي: قال الملكان: لا تخف منا نحن خصمان. ﴿بَغَىٰ بَعْضُنَا عَلَىٰ بَعْضٍ﴾، أي: تعدَّى أحدنا على صاحبه. ﴿فَٱحْكُمْ بَيْنَنَا بِٱلْحَقِّ﴾، أي: فاقض بيننا بالعدل. ﴿وَلاَ تُشْطِطْ﴾، أي: لا تجر، وقال قتادة ولا تمل، وقال السدى: لا تخف. وقرأ الحسن وأبو رجاء: "ولا تَشْطُطْ" بفتح التاء وضم الطاء الأولى. بمعنى: ولا تبعد عن الحق. يقال: أَشَطَّ يُشِطُّ إذا جار في القول والحكم، وشَطّ يَشُطُّ إذا بَعُد. * * ثم قال تعالى: ﴿وَٱهْدِنَآ إِلَىٰ سَوَآءِ ٱلصِّرَاطِ﴾ ، أي: وارشدنا إلى قصد الطريق المستقيم في الحق. * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ هَذَآ أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً﴾، الآية. هذا مثل ضربه الملكان لداود، وذلك أن داود كان له تسع وتسعون امرأة، وكانت للرجل الذي أعزاه داود حتى قُتل، امرأة واحدة، فلما قتل تزوجها فيما ذكر. قال وهب بن منبه: إن هذا أخي، أي على ديني. والعرب تُكَنِّي عن المرأة بالنعجة والشاة. وقرأة الحسن بفتح التاء من "تَسع وتَسعين" وهي لغة قليلة. وقرأ ابن مسعود: "تِسْعٌ وتَسِعُونَ نَعْجَةً أُنْثَى" على التأكيد، كقولهم: رجل ذَكَر؟. ولا يؤنث بهذا التأنيث إلا ما تأنيثه وتذكيره في نفسه كالرجل والمرأة، فإن كان تأنيثه وتذكيره في اسمه (لم يُقَلْ) فيه أنثى ولا ذكر، نحو: دار، وملحفة، وشبه ذلك. وقيل: عنى بذلك أنها حسنة. فأنثى تدل على أنها حسنة. ثم قال تعالى ذكره: ﴿فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا﴾، أي: أنزل عنها وضُمَّها إليَّ. قال ابن زيد: أكفلنيها: أعطنيها، أي: طلقها لي أنكحها. ﴿وَعَزَّنِي فِي ٱلْخِطَابِ﴾، أي: صار أعزَّ مني في مخاطبته إياي لأنه إن تكلم فهو أبين مني، وإن بطش كان أشد مني فقهرني وغلبني. قال قتادة: وعزني في الخطاب: ظلمني وقهرني. وقرأ ابن مسعود: "وَعَازَّنِي". يقال: عَازَّه (إذا غالبه، وَعَزَّهُ): إذا غلبه، ومنه قولهم: "مَنْ (عَزَّ بَزَّ)". * * ثم قال تعالى: ﴿قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَىٰ نِعَاجِهِ﴾، أي: قال داود للمتكلم منهما: لقد ظلمك صاحبك بسؤاله إياك أن يضم نعجتك إلى نعاجه. * * ﴿وَإِنَّ كَثِيراً مِّنَ ٱلْخُلَطَآءِ لَيَبْغِيۤ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ﴾، أي: وإن كثيراً من الشركاء ليَتَعَدَّى بعضهم على بعض ﴿إِلاَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ﴾. قوله تعالى ذكره: ﴿وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ﴾ - إلى قوله - ﴿ٱلصَّافِنَاتُ ٱلْجِيَادُ﴾ أي: وأيقن داود أنما اختبرناه. ﴿فَٱسْتَغْفَرَ رَبَّهُ﴾، أي: سائل ربه المغفرة. ﴿وَخَرَّ رَاكِعاً﴾، أي: ساجداً لله. ﴿وَأَنَابَ﴾، أي: رجع عن خطيئته وتاب منها. وكان سبب اختبار الله عز وجل له - فيما ذكر ابن عباس - أن داود قال: يا رب، قد أعطيت إبراهيم وإسحاق ويعقوب من الذكر ما لَوَدِدْتُ أنك أعطيتني مثله. فقال الله جل ذكره له: إني ابتليتهم بما لم أبتلك به، فإن شئت ابتليتك بمثل ما ابتليتهم به، وأعطيتك كما أعطيتهم، قال: نعم، فأقام ما شاء الله أن يُقيم وطال ذلك حتى كاد أن ينساه. فبينما هو في محرابه إذ وقعت عليه حمامة فأراد أن يأخذها فطارت إلى كوة كانت في المحراب، فذهب ليأخذها، فطارت. فاطلَّع من الكوة فرأى امرأة تغتسل. فنزل نبي الله ﷺ من المحراب وأرسل إليها، فجاءته، فسألها عن زوجها وعن شأنها، فأخبرته أن زوجها غائب، فكتب إلى أمير تلك السَّرِيَّةِ أن يُؤْمِّرَهُ على السرايا لِيَهْلَكَ زوجها، ففعل. فكان يصاب أصحابه وينجو وربما نصروا. وإن الله لما رأى الذي وقع فيه داود أراد أن يستنفذه، فبينما داود ذات يوم في محرابه إذ تسور عليه الخصمان من قبل وجهه. فلما رآهما وهو يقرأ فَزِعَ وسكت، وقال: لقد اسُتضعفت في مُلكي حتى إن الناس يتسورون علي في محرابي، قالا له: لا تخف، خصمان بغى بعضنا على بعض فلم يكن لنا بد من أن نأتيكا فاسمع منا. قال أحدهما. ﴿إِنَّ هَذَآ أَخِي﴾ - إلى ﴿وَعَزَّنِي فِي ٱلْخِطَابِ﴾. قال له داود: أنت كنت أحوجَ إلى نعجتك منه، لقد ظلمك بسؤاله إياك نعجتك ونسي نفسه ﷺ. فنظر الملكان أحدهما إلى الآخر حين قال ذلك، فتبسم أحدهما إلى الآخر فرآه داود فعلم أنه فتن، فاستغفر ربه وخر راكعاً وأناب أربعين ليلة حتى نبتت الخضرة من عينيه ثم شدد الله له ملكه. روى ابن أبي الدنيا أن وهب بن منبه قال: لم يرفع داود عليه السلام رأسه من السجود حتى قال له الملكان: أول أمرك ذنب وآخره معصية، ارفع رأسك، فرفع رأسه. وعن وهب أنه قال: لما رفع داود رأسه من (السجدة رفع رأسه) وقد زَمِنَ ورعش. قال: فاعتزل نساءه ثم بكى حتى خددت الدموع وجهه. وقال عطاء الخراساني: "إن داود نقش خطيئته في كفه لكي لا ينساها، فكان إذا رآها اضطربت يداه. وقال وهب بن منبه: كتب داود في كفه: داود الخطاء. وقال يحيى بن أبي كثير لما أصاب داود الخطيئة نفرت الوحوش من حوله، فنادى: إلهي، رُدَّ عليَّ الوحش كي آنس بها فرد الله تبارك وتعالى عليه الوحش فَأَحَطْنَ به وأصغين بأسماعهن نحوه. قال: ورفع صوته يقرأ الزبور ويبكي على نفسه فنادته هيهات هيهات يا داود، ذهبت الخطيئة بحلاوة صوتك. وروي عن النبي ﷺ أنه قال: "مَثَلُ عَيْنَيْ دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ مَثَلُ الْقِرْبَتَينِ تَنْظِفَانِ بالمَاءِ. لَقَدْ خَدَّدَتِ الدُّمُوعُ وَجْهَ دَاودَ خَديدَ المَاءِ في الأرْضِ وروى أبو مسهر عن سعيد بن عبد العزيز أنه قال: قالو: لو جُمِعت دموع أهل الأرض إلى دموع آدم ﷺ لكانت دموع آدم أكثر، ولو جمعت دموع أهل الأرض ودموع آدم إلى دموع ابن آدم الذي قتل أخاه لكانت دموع ابن آدم أكثر، ولو جمعت دموع أهل الأرض، ودموع آدم، ودموع ابن آدم إلى دموع يعقوب لكانت دموع يعقوب أكثر، ولو جمعت دموع أهل الأرض ودموع آدم ودموع ابن آدم ودموع يعقوب إلى دموع داود لكانت دموع داود أكثر. قال سعيد: "كان داود يجلس على ستة أفرشة فيبكي فيبل الأول فيُرفع حتى يبللها كلها، كلما بَلَّ واحداً رُفِع؛ وإن كان ليؤتى بالإناء ليشرب فما يفرغ منه حتى يتدفق من دموعه وروى إسماعيل بن عبيد الله: "إن داود النبي ﷺ كان يعاتب في كثرة البكاء، فيقول: ذروني أبكي قبل يوم البكاء، قبل تحريق العظام واشتعال اللحى، وقبل أن يؤمر بي ﴿مَلاَئِكَةٌ غِلاَظٌ شِدَادٌ لاَّ يَعْصُونَ ٱللَّهَ مَآ أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم: ٦]. قال محمد بن المنكدر مكث آدم ﷺ في الأرض أربعين سنة ما يبدي عن واضحة ولا ترقئ له دمعة. فقالت له حواء: إنَّا قد استوحشنا إلى أصوات الملائكة فادع ربك فيسمعنا أصواتهم. فقال لها: ما زلت مستحيياً من ربي عز وجل أن أرفع طرفي إلى أديم السماء مما صنعت. وقال محمد بن خوات: إن داود النبي ﷺ لما أطال البكاء على نفسه، قيل له: اذهب إلى قبر زوج المرأة فاستوهبه ما صنعت، فأتى القبر، وأَذِنَ الله لصاحب القبر أن يتكلم، فناداه: أنا داود ولك عندي مظلمة، قال: قد غفرتها لك، قال: فانصرف داود وقد طابت نفسه، فأوحى الله عز وجل إليه أن ارجع فبين له الذي صنعت فرجع، فأخبره، فناداه صاحب القبر يا داود، هكذا يفعل الأنبياء! قال بكر بن عبيد الله المُزني: مكث داود النبي عليه السلام ساجداً أربعين يوماً يبكي على خطيئته حتى نبت البقل من دموعه، ثم زفر زفرة فهاج العودة فاحترق، فنودي أظمآن أنت فَتُسقَى؟ أجائع فتطعم؟ أعاري فتُكسى؟ قال: لا، ولكن خطيئتي أثقلت ظهري، فلم يُرْجَعُ إليه بشيء، فازداد بكاء حتى انقطع صوته، فكان لا يُسمع له إلاّ كهيئة الأنين، فعند ذلك غُفِرَ له. وقال الحسن: بكاء داود عليه السلام بعد ما غُفرت له الخطيئة أكثر من بكائه قبل المغفرة، فقيل له: أليس قد غُفر لك يا نبي الله؟ ! قال: فكيف بالحياء من الله عز وجل. قال كعب: كان داود عليه السلام يختار مجالسة المساكين، ويُكثر البكاء ويقول: رب اغفر للمساكين والخطائين حتى تغفر لي معهم، وكان قبل ذلك يدعو على الخطائين. قال أبو عبد الرحمن الحبلي: ما رفع داود رأسه إلى السماء بعد خطيئته حتى مات. ورُوي أنه كان إذا ذكر عقاب الله عز وجل تخلعت أوصاله، فإذا ذكر رحمة الله تراجعت. وروى أشهب عن مالك أنه قال: بلغني أن تلك الحمامة أتت فوقعت قريباً من داود وهي من ذهب، فلما رآها أعجبته فقام ليأخذها، فكانت قرب يده، ثم طارت فَأَتْبَعَهَا بَصَرَهُ، فوقعت عينه على تلك المرأة وهي تغسل ولها شعر طويل. فبلغني أنه أقام أربعين ليلة ساجداً حتى نبت العشب من دموع عينيه. ويراد بالركوع في هذا الموضع: السجود. قال السدي: كان داود قد قسم الدهر ثلاثة أيام: يوماً يقضي فيه بين الناس ويوماً يخلو فيه لعبادة ربه عز وجل، ويوماً يخلو فيه لنسائه، وكان له تسع وتسعون امرأة، وكان فيما يقرأ من الكتب: فضل إبراهيم وإسحاق ويعقوب صلى الله عليهم وسلم. فلما وجد ذلك فيما يقرأ من الكتب قال: يا رب، إن الخير قد ذهب به آبائي، فأعطني مثل ما أعطيتهم. فأوحى الله إليه أن آباءك ابتلوا ببلاء لم تبتل به، ابتلي إبراهيم بذبح ابنه فصبر، وابتلي إسحاق بذهاب بصره، وابتلي يعقوب بحزنه على يوسف، وإنك لم تبتل أنت من ذلك الشيء. فقال: يا رب، ابتلني بمثل ما ابتليتهم وأعطني مثل ما أعطيتهم. قال: فأوحى الله عز وجل إليه أنك مبتلى فاحترس، قال: فمكث ما شاء الله أن يمكث إذ جاءه الشيطان وقد تمثل له في صورة حمامة من ذهب حتى وقع عند رجليه وهو قائم يصلي قال: فمد يده ليأخذه فتنحى، فتبعه فتباعد حتى وقع في كوة، فذهب ليأخذه، فطار من الكوة فنظر أين (يقع فيبعث) في أثره، قال: فأبصر امرأة تغتسل في سطح لها، فرأى امرأة من أجمل الناس خَلْقاً، فحانت منها التفاتة فأبصرته، فألقت شعرها فاستترت به. قال: فزاده ذلك فيها رغبة. قال: فسأل عنها فأخبر أن لها زوجاً وأن زوجها غائب بمسلحة كذا وكذا. (قال: فبعث إلى صاحب المسلحة وأمره أن يبعث به إلى عدو كذا وكذا). قال فبعثه ففتح له قال: فكتب إليه بذلك. قال فكتب إليه أن أبعثه إلى عدو كذا وكذا - أشد منهم بأساً - قال: فبعثه ففتح له أيضاً، ثم كتب إليه ثالثة فبعثه فقتل. قال: وتزوج امرأته، فلما دخلت عليه لم تلبث عنده إلا يسيراً حتى بعث الله ملكين في صورة إنسيين فطلبا أن يدخلا عليه، فتسورا عليه المحراب. قال: فما شعر وهو يصلي إلا وهما بين يديه جالسين قال: ﴿فَفَزِعَ مِنْهُمْ﴾، فقالا: ﴿لاَ تَخَفْ﴾ لا تخف، إنما نحن ﴿خَصْمَانِ بَغَىٰ بَعْضُنَا عَلَىٰ بَعْضٍ﴾ - إلى قوله - ﴿سَوَآءِ ٱلصِّرَاطِ﴾، قال: قصّا قصتكما قال: فقال أحدهما: إن هذا أخي له تسع وتسعون نعجة ولي نعجة واحدة، وهو يريد أخذ نعجتي فيكمل بها نعاجه مائة! فقال للآخر: ما تقول؟ فقال: إن لي (تسعاً وتسعين) نعجة ولأخي هذا نعجة واحدة. قال: فأنا أريد أن آخذها منه فأكمل بها نعاجي مائة؟! قال: (وهو كاره). قال: إذا (لا ندعك) وذلك. قال: ما أنت على ذلك بقادر. قال: فإن ذهبت تروم ذلك (أو لم ترد ذلك ضربنا منك هذا وهذا وهذا يريد طرف الأنف، وأصل الأنف، والجبهة قال: يا داود، أنت أحق أن يضرب منه هذا وهذا وهذا حيث لك تسع وتسعون امراة ولم يكن لاوريا إلا امرأة واحدة، (فلم تزل) تعرضه للقتل حتى قُتل، وتزوجت امرأته. قال: فنظر داود الرجلين فلم ير شيئاً فعرف ما قد وقع فيه فخر ساجداً. - وهو موضع السجود عند مالك. وروي أن رجلاً من الأنصار - على عهد النبي ﷺ - كان يصلي من الليل مستتراً بشجرة وهو يقرأ "ص"، فلما بلغ السجدة سجد وسجدت معه الشجرة، فسمعها وهي تقول: اللهم أعظم لي بهذه السجدة أجراً، وارزقني بها شكراً، وضع عني بها وزراً، وتقبلها مني كما تقبلت من عبدك داود سجدته. فلما أصبح الرجل ذكر ذلك لرسول الله ﷺ. فقال رسول الله: نحن أحق أن يقول ذلك. فكان ﷺ إذا سجد يقول ذلك. قال عقبة بن عامر الجهني: من قرأ (ص) ولم يسجد فيها فلا عليه ألا يقرأ بها. قال: فبكى أربعين يوماً لا يرفع رأسه إلا لحاجة، ثم يقع ساجداً يبكي حتى نبت العشب من دموع عينيه، قال: فأوحى الله عز وجل إليه بعد أربعين يوماً: يا داود، ارفع رأسك فقد غفرت لك. قال: يا رب، كيف أعلم أنك قد غفرت لي وأنت حكم عدل لا تحيف في القضاء، إذا جاء أوريا يوم القيامة آخذ رأسه بيمينه، أو بشماله، تشخب أوداجه دماً، يقول: يا رب، سل هذا فيم قتلني؟ قال: فأوحى الله عز وجل إليه: إذا كان ذلك (دعوت أوريا). فاستوهبتك منه، فيهبك لي، فأثيبه بذلك الجنة. قال: رب، الآن علمت أنك قد غفرت لي. قال: فما استطاع ان يملأ عينيه من السماء حياء من ربه حتى قبض ﷺ. وقيل: اسم الرجل أوريا بن حيان. وقال الحسن: جزأ داود الدهر أربعة أجزاء: يوماً لنسائه، ويوماً لعبادة ربه، ويوماً لقضاء بني إسرائيل، ويوماً لبني إسرائيل يذاكرهم ويذاكرونه، ويبكيهم ويبكونه. قال: فلما كان يوم بني إسرائيل، قال: ذَكَرُوا فقالو: هل أتى على الإنسان يوم لا يصيب فيه ذنباً؟ فأضمر داود في نفسه أنه سيطيق ذلك. فلما كان يوم عبادته أغلق أبوابه وأمر ألا يدخل عليه أحد، وأكب على التوراة. فبينما هو يقرؤها إذا حمامة من ذهب، فيها من كل لون (حَسَنٍ، قد وقعت بين يديه، فأهوى إليها ليأخذها، قال: فطارت فوقعت غير بعيدة من غير أن تؤيسه من نفسها. قال: فما زال يتبعها حتى أشرف على امرأة تغتسل فأعجبه خلقها وحسنها. قال: فلما رأت ظله في الارض جللت نفسها بشعرها فزاده ذلك إعجاباً بها. وكان قد بعث زوجها على بعض جيوشه، فكتب إليه أن يسر إلى مكان كذا وكذا - مكانٌ إذا صار إليه لم يرجع - قال: ففعل، فأصيب، فخطبها، فتزوجها. قال قتادة: بلغنا أنها أم سليمان. قال الحسن: فبينما هو في المحراب إذ تسور الملكان عليه - وكان الخصمان إذا أتوه يأتونه من باب المحراب - ففزع منهم حين تسوروا المحراب، فقالا: لا تخف، خصمان بغى بعضنا على بعض. وذكر نحو الحديثين المتقدمين. وقيل: إن خطيئته هي قوله: لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه من غير ثبت بينة ولا إقرار من الخصم ولا سؤال لخصمه: هل كان هذا هكذا أو لم يكن. وهو قول شاذ. وقال ابن الأعرابي: قال كعب: سجد داود نبي الله ﷺ أربعين ليلة لم يرفع رأسه حتى رقأ دمعه ويبس رأسه. فكان من آخر دعائه وهو ساجد أن قال: يا رب رزقتني العافية، فسألتك البلاء، فلما ابتليتني لم أصبر فإن تعذبني فأنا أهل ذلك، وإن تغفر لي فأنت أهل ذلك - يقولها في نفسه - فعلم الله عز وجل ما قال فإذا جبريل عليه السلام على رأسه قائم يقول له: يا داود، إن الله قد غفر لك فارفع رأسك فلم يلتفت إليه، وناجى ربه وهو ساجد فقال: يا رب، وكيف تغفر لي وأنت الحكم العدل، وقد فعلت بالرجل ما فعلت؟ قال: فنزل الوحي عليه: صدقت يا داود أنا الحكم العدل، ولكن إذا كان يوم القيامة دفعتك إلى أوريا سلماً، ثم استوهبتك منه، فيهبك لي، فأثيبه الجنة. قال داود: الآن أعلم أنك قد غفرت لي. قال: فذهب داود يرفع رأسه فاذا هو يابس لا يستطيع. قال: فمسحه جبريل عليه السلام بريشة فانبسط. قال: فأوحى الله عز وجل إليه بعد ذلك: يا داود: قد أحللت لك امرأة أوريا فتزوجها، فتزوجها داود ﷺ، فولدت له سليمان عليه السلام، لم تلد قبله شيئاً ولا بعده. قال كعب: فوالله لقد كان داود بعد ذلك ليظل صائماً في اليوم الحار فيقرب إليه الشراب فإذا قربه إلى فيه ذكر خطيئته فيبكي في الشراب حتى يفيض ثم يرده ولا يشربه. وروى الأوزاعي عن بعض أهل المدينة أنه قال: مثل عيني داود كمثل القربتين تنطفان الماء، لقد خدد الدمع في وجهه كخديد الماء في الأرض. ويروى أن داود بات لربه عز وجل مصلياً حتى أصبح فذهب الى نهر ليتوضأ، فقال: الحمد لله، لقد عبدت الله الليلة عبادة ما عبده أحد إياها من أهل الأرض. فكَلَّمَه ضفدع من الماء فقالت: جلا يا أبا سليمان، فوالله إن لي لثلاثاً من الدهر ما جمعت بين فقمي تسبيحاً لله. وروي عن ابن مسعود وابن عباس أن داود عليه السلام ما زاد على أن قال للرجل: انزل لي عن امرأتك، فعاتبه الله على ذلك ونبهه عليه. * * ثم قال تعالى: ﴿فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ﴾، أي ذلك الذنب. ﴿وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لَزُلْفَىٰ﴾، أي: لقربة يوم القيامة. قال الضحاك: لمنزلة رفيعة. * * ثم قال: ﴿وَحُسْنَ مَـآبٍ﴾، أي: حسن مصير. قال السدي: حسن منقلب. وقال الضحاك: حسن مرجع. وقال مجاهد: يبعث داود النبي عليه السلام وذكر خطيئته، ووجلُه منها في قلبه، منقوشةٌ في كفه. فإذا رأى أهاويل الموقف لم يجد منها متعوذاً وا محرزاً إلا برحمة الله تبارك وتعالى وقربه، فيلجأ إليه تبارك وتعالى، فيشار إليه أن هاهنا عن يسار العرش، ثم يعلق فيقال له هاهنا عن يمين العرش. وذلك قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لَزُلْفَىٰ وَحُسْنَ مَـآبٍ﴾. وقال مالك بن دينار: يقام داود عليه السلام يوم القيامة عند ساق العرش، ثم يقول: يا داود، مجدني بذلك الصوت الحسن الرخيم الذي كنت تمجدني به في الدنيا. فيقول يا رب، كيف وقد سلبتنيه؟! فيقول: إني سأرده عليك. قال: فيدفع داود بصوت يستفرغ به نعيم أهل الجنان. ﴿فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ﴾: تمام حسن. * * ثم قال تعالى: ﴿يٰدَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي ٱلأَرْضِ﴾، أي: فغفرنا له ذلك الذنب، وقلنا له: يا داود، إنا جعلناك خليفة في الأرض، أي استخلفناك في الارض من بعد من كان قبلك من رسلنا حكماً بين أهل الارض. ﴿فَٱحْكُمْ بَيْنَ ٱلنَّاسِ بِٱلْحَقِّ﴾، أي: بالعدل والإنصاف. ﴿وَلاَ تَتَّبِعِ ٱلْهَوَىٰ﴾، أي: لا توثر هواك في قضائك على العدل فتجور في الحكم فيضلك هواك عن سبيل الله. ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ﴾، أي: يميلون عن الحق الذي أمر الله به. ﴿لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدُ﴾، أي: يوم القيامة. ﴿بِمَا نَسُواْ يَوْمَ ٱلْحِسَابِ﴾، أي: بتركهم العمل ليوم القيامة. قال عكرمة: هذا من التقديم والتأخير. والتقدير عنده: لهم يوم الحساب عذاب شديد بما نسوا أي: بما تركوا أمر الله والقضاء بالعدل. فالعامل في "يوم" في القول الأول: "نسوا" هو مفعول به والعامل فيه في القول الثاني "لهم" وهو ظرف. وكان ابن عباس يسجد عند قوله: "وأناب"، ويقول: ﴿أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ ٱقْتَدِهْ﴾. * * ثم قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَآءَ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً﴾، أي: عبثاً ولعباً بل خُلِقَا ليُعمل فيهما بالطاعة. ثم قال تعالى ذكره: ﴿ذَلِكَ ظَنُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾، أي: خلق السماء والأرض وما بينهما لغير حساب ولا بعث ولا عمل، هو ظن الذين كفروا فويل لهم من النار. * * ثم قال: ﴿أَمْ نَجْعَلُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ كَٱلْمُفْسِدِينَ فِي ٱلأَرْضِ﴾. هذا رد لقول الكفار، لأنهم كانوا يقولون: ليست ثمَّ عقوبة ولا نار، فالكافر والعاصي يَسْعَدَان باللذات، والمطيع يشقى، ومصيرهما إلى شيء واحد فرد الله عليه بأنه لم يجعل المتقين كالفجار في الآخرة، ولا الصالح كالمفسد. * * ثم قال: ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ﴾، (أي: هذا القرآن كتاب أنزله الله إليك يا محمد مبارك) على من آمن به، أنزله: ﴿لِّيَدَّبَّرُوۤاْ آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُواْ ٱلأَلْبَابِ﴾ ليعتبروا آياته وليتذكر به أولوا العقول. * * ثم قال: ﴿وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ﴾، أي: وُلِدَ إليه. ﴿نِعْمَ ٱلْعَبْدُ﴾، أي: ممدوح في طاعة ربه. ﴿إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾، أي: رجاع إلى طاعة الله عز وجل تواب إليه سبحانه، وقيل: الأواب: الكثير الذكر. وقال ابن عباس: الأواب: المسبح. وقال قتادة: مطيعاً كثير الصلاة. وقال ابن المسيب: هو الذي يذنب ثم يتوب، ثم يذنب ثم يتوب. وقيل: هو الذي يذكر ذنبه في الخلاء، ثم يتوب منه ويستغفر. * * ثم قال تعالى: ﴿إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِٱلْعَشِيِّ ٱلصَّافِنَاتُ ٱلْجِيَادُ﴾، أي: هو تواب في هذا الوقت. والصافنات: جمع صافن من الخيل، والأنثى: صافنة. والصافن: الذي يجمع بين يديه، ويثني طرف سنبك إحدى رجليه. وقيل: هو الذي يجمع بين يديه. وزعم الفراء أن الصافن هو القائم. وقال مجاهد: صفون الفرس: "رفع إحدى يديه حتى تكون على طرف الحافر". وقال قتادة: صفونها: قيامها وبسطها قوائمها. وقال ابن زيد: الصافنات: الخيل، أخرجها الشيطان لسليمان من مرج من مروج البحر. والصفن أن تقوم على ثلاث وترفع رجلاً واحدة تكون على طرف الحافر على الأرض. قال ابن زيد: وكانت لها أجنحة. (والجياد: السريعة. روي أنها كانت عشرين فرسا ذات أجنحة).

ص 38:22

هذا قوله تعالى ذكره: ﴿ٱصْبِر عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ﴾ - إلى قوله - ﴿وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ﴾ منسوخ بالأمر بالقتال، أمر الله جل ذكره نبيه ﷺ بالصبر على قول المشركين والاحتمال منهم، وقد علم تعالى أنه سيأمره بقتالهم في وقت آخر، فينسخ الآخر الأول. * * ثم قال: ﴿وَٱذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا ٱلأَيْدِ﴾، أي: ذا القوة والبطش الشديد في ذات الله عز وجل والصبر على طاعته. يقال: أيد وآد للقوة, كما يقال: العيب والعاب قال قتادة: "أُعْطِيَ داود قوة في العبادة وفقهاً في الإسلام، وذُكِرَ أنه كان يقوم الليل ويصوم نصف الدهر. * * وقوله: ﴿إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾، أي: رَجَّاعٌ عما يكره الله عز وجل إلى ما يرضاه أواب وهو فعَّال للتكثير من آب يئوب إذا رجع. قال مجاهد: أواب: رجاع عن الذنوب. قال قتادة: كان مطيعاً لله عز وجل كثير الصلاة. وقال السدى: الأوَّاب: المسبح. ويروى أنه قام ليلة إلى الصباح فكأنه أُعْجِبَ بذلك فقيل لضفدع كلميه في أصل مِحْرَابِه، فقالت له: يا داود، تَعْجَبُ لقيام ليلة! هذا مقامي منذ عشرين سنة شكراً لله عز وجل حين سلَّم بيضي. قال وهب: كان داود قد قسم الدهر أثلاثا، فيصير: يوم للعبادة، ويوماً للقضاء بين الناس، ويوما لقضاء حوائج أهله. * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّا سَخَّرْنَا ٱلجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِٱلْعَشِيِّ وَٱلإِشْرَاقِ﴾، أي: يسبحن مع داود من وقت العصر إلى الليل، ومن صلاة الصبح إلى وقت صلاة الضحى. يقال: أشرقت الشمس: إذا أضاءت وصفت، وشرقت إذا طلعت. قال قتادة: كان داود إذا سبح سبحت الجبال معه. واستدل ابن عباس على نص صلاة الضحى في القرآن بهذه الآية ﴿بِٱلْعَشِيِّ وَٱلإِشْرَاقِ﴾، لأنه من أشرقت الشمس إذا صفت وأضاءت. فإذا صلى داود العصر وسبَّحَ سبحت الجبال معه، وإذا صلى الضحى (سبح وسبحت) الجبال معه. * * ثم قال: ﴿وَٱلطَّيْرَ مَحْشُورَةً﴾، أي وسخرنا الطير مجموعة تسبح معه. ﴿كُلٌّ لَّهُ أَوَّابٌ﴾، أي: رجاع لأمره ومطيع له. فالهاء لداود وقيل: إلهاء لله عز وجل. والمعنى كل لله مطيع، مسبح له. فكل "في القول الأولى للطير، وفي هذا الثاني: يجوز أن يكون للطير، ويجوز أن يكون لداود والجبال والطير. ورُوي أنه كان إذا سبح أجابته الجبال واجتمعت إليه الطير فسبحت معه. وقال قتادة: محشورة: مسخرة. * * ثم قال: ﴿وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ﴾. قال السدي: كان حرسه في كل يوم وليلة أربعة آلاف. وذكر ابن عباس أن الله جل ذكره شدد ملكه هيبة لقضية قضاها في بنى إسرائيل وذلك أن رجلاً استعدى على رجل من عظمائهم فاجتمعا عند داود، فقال المُسْتَعْدَى: إن هذا غصبني بقراً لي. فسأل الرجل عن ذلك فجحده، فسأل الآخر البيِّنة فلم تكن له بينة، فقال لهما: قُوَما حتى أنظر في أمركما فقاما. فأوحى الله عز وجل إلى داود في منامه أن يقتل الرجل الذي ستُعدي عليه. فقال: هذه رؤيا ولست أعجل حتى أتثبت، فأَوْحَى إليه مرة أخرى أن يقتُلَه، وأوحى إليه ثالثة (أن يقتله) أو تأتيه العقوبة من الله عز وجل، فأرسل داود إلى الرجل أن الله قد أوحى إليّ أن أقتلك، فقال الرجل: تقتلني بغير بينة ولا تثبت! فقال له داود: نعم، والله لأنفِّذْنَ أمر الله عز جل فيك. فلما عرف الرجل أنه قاتله قاله له: لا تعجل عليّ حتى أخبرك، إني والله ما أُخِذْتُ بهذا الذنب ولكني كنت اغتلت وَلَدَ هذا فقتلته فبذلك قُتِلتُ. فأمر به داود، فَقُتِلَ. فاشتدت هيبته في بني إسرائيل لذلك وشد الله به ملكه. * * ثم قال تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُ ٱلْحِكْمَةَ﴾. قال السدى: هي النبوة. وقال قتادة: الحكمة: السُّنَّة. * * وقوله: ﴿وَفَصْلَ ٱلْخِطَابِ﴾. قال ابن عباس ومجاهد والسدي: فصل الخطاب: الفهم في علم القضاء. وقال ابن زيد: أعطي فصل ما يتخاطب الناس به بين يديه في الخصومات. وقال شريح: فصل الخطاب: الشاهدان على المدعي، واليمين على المنكر، وهو قول قتادة. وقال الشعبي: يمين وشاهد، وعن الشعبي: هو: أما بعد. * * ثم قال تعالى: ﴿وَهَلْ أَتَاكَ نَبَؤُاْ ٱلْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُواْ ٱلْمِحْرَابَ﴾، أي: وهل أتاك يا محمد خبر الخصم. والخصم هنا يراد به الملكان، لكن لا تظهر فيه تثنية ولا جمع لأنه مصدر من خصمته خصماً. والأصل فيه: وهل أتاك نبأ ذوي الخصم ويجوز أن يثنى ويجمع، ودل على ذلك قوله: خصمان. * * وقوله: ﴿إِذْ تَسَوَّرُواْ ٱلْمِحْرَابَ﴾، أي إذ دخلوا عليه من غير بابه. والمحراب: مقدم كل شيء ومجلسه وأشرفه. * * ثم قال تعالى: ﴿إِذْ دَخَلُواْ عَلَىٰ دَاوُودَ﴾، أي: لما دخلوا على داود المحراب. ﴿فَفَزِعَ مِنْهُمْ﴾، أي: فراعه دخولهما من غير مدخل الناس عليه. وقيل: إنما فزع لأنهما دخلا عليه ليلاً من غير وقت نظره بين الناس. ﴿قَالُواْ لاَ تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَىٰ﴾، أي: قال الملكان: لا تخف منا نحن خصمان. ﴿بَغَىٰ بَعْضُنَا عَلَىٰ بَعْضٍ﴾، أي: تعدَّى أحدنا على صاحبه. ﴿فَٱحْكُمْ بَيْنَنَا بِٱلْحَقِّ﴾، أي: فاقض بيننا بالعدل. ﴿وَلاَ تُشْطِطْ﴾، أي: لا تجر، وقال قتادة ولا تمل، وقال السدى: لا تخف. وقرأ الحسن وأبو رجاء: "ولا تَشْطُطْ" بفتح التاء وضم الطاء الأولى. بمعنى: ولا تبعد عن الحق. يقال: أَشَطَّ يُشِطُّ إذا جار في القول والحكم، وشَطّ يَشُطُّ إذا بَعُد. * * ثم قال تعالى: ﴿وَٱهْدِنَآ إِلَىٰ سَوَآءِ ٱلصِّرَاطِ﴾ ، أي: وارشدنا إلى قصد الطريق المستقيم في الحق. * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ هَذَآ أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً﴾، الآية. هذا مثل ضربه الملكان لداود، وذلك أن داود كان له تسع وتسعون امرأة، وكانت للرجل الذي أعزاه داود حتى قُتل، امرأة واحدة، فلما قتل تزوجها فيما ذكر. قال وهب بن منبه: إن هذا أخي، أي على ديني. والعرب تُكَنِّي عن المرأة بالنعجة والشاة. وقرأة الحسن بفتح التاء من "تَسع وتَسعين" وهي لغة قليلة. وقرأ ابن مسعود: "تِسْعٌ وتَسِعُونَ نَعْجَةً أُنْثَى" على التأكيد، كقولهم: رجل ذَكَر؟. ولا يؤنث بهذا التأنيث إلا ما تأنيثه وتذكيره في نفسه كالرجل والمرأة، فإن كان تأنيثه وتذكيره في اسمه (لم يُقَلْ) فيه أنثى ولا ذكر، نحو: دار، وملحفة، وشبه ذلك. وقيل: عنى بذلك أنها حسنة. فأنثى تدل على أنها حسنة. ثم قال تعالى ذكره: ﴿فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا﴾، أي: أنزل عنها وضُمَّها إليَّ. قال ابن زيد: أكفلنيها: أعطنيها، أي: طلقها لي أنكحها. ﴿وَعَزَّنِي فِي ٱلْخِطَابِ﴾، أي: صار أعزَّ مني في مخاطبته إياي لأنه إن تكلم فهو أبين مني، وإن بطش كان أشد مني فقهرني وغلبني. قال قتادة: وعزني في الخطاب: ظلمني وقهرني. وقرأ ابن مسعود: "وَعَازَّنِي". يقال: عَازَّه (إذا غالبه، وَعَزَّهُ): إذا غلبه، ومنه قولهم: "مَنْ (عَزَّ بَزَّ)". * * ثم قال تعالى: ﴿قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَىٰ نِعَاجِهِ﴾، أي: قال داود للمتكلم منهما: لقد ظلمك صاحبك بسؤاله إياك أن يضم نعجتك إلى نعاجه. * * ﴿وَإِنَّ كَثِيراً مِّنَ ٱلْخُلَطَآءِ لَيَبْغِيۤ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ﴾، أي: وإن كثيراً من الشركاء ليَتَعَدَّى بعضهم على بعض ﴿إِلاَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ﴾. قوله تعالى ذكره: ﴿وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ﴾ - إلى قوله - ﴿ٱلصَّافِنَاتُ ٱلْجِيَادُ﴾ أي: وأيقن داود أنما اختبرناه. ﴿فَٱسْتَغْفَرَ رَبَّهُ﴾، أي: سائل ربه المغفرة. ﴿وَخَرَّ رَاكِعاً﴾، أي: ساجداً لله. ﴿وَأَنَابَ﴾، أي: رجع عن خطيئته وتاب منها. وكان سبب اختبار الله عز وجل له - فيما ذكر ابن عباس - أن داود قال: يا رب، قد أعطيت إبراهيم وإسحاق ويعقوب من الذكر ما لَوَدِدْتُ أنك أعطيتني مثله. فقال الله جل ذكره له: إني ابتليتهم بما لم أبتلك به، فإن شئت ابتليتك بمثل ما ابتليتهم به، وأعطيتك كما أعطيتهم، قال: نعم، فأقام ما شاء الله أن يُقيم وطال ذلك حتى كاد أن ينساه. فبينما هو في محرابه إذ وقعت عليه حمامة فأراد أن يأخذها فطارت إلى كوة كانت في المحراب، فذهب ليأخذها، فطارت. فاطلَّع من الكوة فرأى امرأة تغتسل. فنزل نبي الله ﷺ من المحراب وأرسل إليها، فجاءته، فسألها عن زوجها وعن شأنها، فأخبرته أن زوجها غائب، فكتب إلى أمير تلك السَّرِيَّةِ أن يُؤْمِّرَهُ على السرايا لِيَهْلَكَ زوجها، ففعل. فكان يصاب أصحابه وينجو وربما نصروا. وإن الله لما رأى الذي وقع فيه داود أراد أن يستنفذه، فبينما داود ذات يوم في محرابه إذ تسور عليه الخصمان من قبل وجهه. فلما رآهما وهو يقرأ فَزِعَ وسكت، وقال: لقد اسُتضعفت في مُلكي حتى إن الناس يتسورون علي في محرابي، قالا له: لا تخف، خصمان بغى بعضنا على بعض فلم يكن لنا بد من أن نأتيكا فاسمع منا. قال أحدهما. ﴿إِنَّ هَذَآ أَخِي﴾ - إلى ﴿وَعَزَّنِي فِي ٱلْخِطَابِ﴾. قال له داود: أنت كنت أحوجَ إلى نعجتك منه، لقد ظلمك بسؤاله إياك نعجتك ونسي نفسه ﷺ. فنظر الملكان أحدهما إلى الآخر حين قال ذلك، فتبسم أحدهما إلى الآخر فرآه داود فعلم أنه فتن، فاستغفر ربه وخر راكعاً وأناب أربعين ليلة حتى نبتت الخضرة من عينيه ثم شدد الله له ملكه. روى ابن أبي الدنيا أن وهب بن منبه قال: لم يرفع داود عليه السلام رأسه من السجود حتى قال له الملكان: أول أمرك ذنب وآخره معصية، ارفع رأسك، فرفع رأسه. وعن وهب أنه قال: لما رفع داود رأسه من (السجدة رفع رأسه) وقد زَمِنَ ورعش. قال: فاعتزل نساءه ثم بكى حتى خددت الدموع وجهه. وقال عطاء الخراساني: "إن داود نقش خطيئته في كفه لكي لا ينساها، فكان إذا رآها اضطربت يداه. وقال وهب بن منبه: كتب داود في كفه: داود الخطاء. وقال يحيى بن أبي كثير لما أصاب داود الخطيئة نفرت الوحوش من حوله، فنادى: إلهي، رُدَّ عليَّ الوحش كي آنس بها فرد الله تبارك وتعالى عليه الوحش فَأَحَطْنَ به وأصغين بأسماعهن نحوه. قال: ورفع صوته يقرأ الزبور ويبكي على نفسه فنادته هيهات هيهات يا داود، ذهبت الخطيئة بحلاوة صوتك. وروي عن النبي ﷺ أنه قال: "مَثَلُ عَيْنَيْ دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ مَثَلُ الْقِرْبَتَينِ تَنْظِفَانِ بالمَاءِ. لَقَدْ خَدَّدَتِ الدُّمُوعُ وَجْهَ دَاودَ خَديدَ المَاءِ في الأرْضِ وروى أبو مسهر عن سعيد بن عبد العزيز أنه قال: قالو: لو جُمِعت دموع أهل الأرض إلى دموع آدم ﷺ لكانت دموع آدم أكثر، ولو جمعت دموع أهل الأرض ودموع آدم إلى دموع ابن آدم الذي قتل أخاه لكانت دموع ابن آدم أكثر، ولو جمعت دموع أهل الأرض، ودموع آدم، ودموع ابن آدم إلى دموع يعقوب لكانت دموع يعقوب أكثر، ولو جمعت دموع أهل الأرض ودموع آدم ودموع ابن آدم ودموع يعقوب إلى دموع داود لكانت دموع داود أكثر. قال سعيد: "كان داود يجلس على ستة أفرشة فيبكي فيبل الأول فيُرفع حتى يبللها كلها، كلما بَلَّ واحداً رُفِع؛ وإن كان ليؤتى بالإناء ليشرب فما يفرغ منه حتى يتدفق من دموعه وروى إسماعيل بن عبيد الله: "إن داود النبي ﷺ كان يعاتب في كثرة البكاء، فيقول: ذروني أبكي قبل يوم البكاء، قبل تحريق العظام واشتعال اللحى، وقبل أن يؤمر بي ﴿مَلاَئِكَةٌ غِلاَظٌ شِدَادٌ لاَّ يَعْصُونَ ٱللَّهَ مَآ أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم: ٦]. قال محمد بن المنكدر مكث آدم ﷺ في الأرض أربعين سنة ما يبدي عن واضحة ولا ترقئ له دمعة. فقالت له حواء: إنَّا قد استوحشنا إلى أصوات الملائكة فادع ربك فيسمعنا أصواتهم. فقال لها: ما زلت مستحيياً من ربي عز وجل أن أرفع طرفي إلى أديم السماء مما صنعت. وقال محمد بن خوات: إن داود النبي ﷺ لما أطال البكاء على نفسه، قيل له: اذهب إلى قبر زوج المرأة فاستوهبه ما صنعت، فأتى القبر، وأَذِنَ الله لصاحب القبر أن يتكلم، فناداه: أنا داود ولك عندي مظلمة، قال: قد غفرتها لك، قال: فانصرف داود وقد طابت نفسه، فأوحى الله عز وجل إليه أن ارجع فبين له الذي صنعت فرجع، فأخبره، فناداه صاحب القبر يا داود، هكذا يفعل الأنبياء! قال بكر بن عبيد الله المُزني: مكث داود النبي عليه السلام ساجداً أربعين يوماً يبكي على خطيئته حتى نبت البقل من دموعه، ثم زفر زفرة فهاج العودة فاحترق، فنودي أظمآن أنت فَتُسقَى؟ أجائع فتطعم؟ أعاري فتُكسى؟ قال: لا، ولكن خطيئتي أثقلت ظهري، فلم يُرْجَعُ إليه بشيء، فازداد بكاء حتى انقطع صوته، فكان لا يُسمع له إلاّ كهيئة الأنين، فعند ذلك غُفِرَ له. وقال الحسن: بكاء داود عليه السلام بعد ما غُفرت له الخطيئة أكثر من بكائه قبل المغفرة، فقيل له: أليس قد غُفر لك يا نبي الله؟ ! قال: فكيف بالحياء من الله عز وجل. قال كعب: كان داود عليه السلام يختار مجالسة المساكين، ويُكثر البكاء ويقول: رب اغفر للمساكين والخطائين حتى تغفر لي معهم، وكان قبل ذلك يدعو على الخطائين. قال أبو عبد الرحمن الحبلي: ما رفع داود رأسه إلى السماء بعد خطيئته حتى مات. ورُوي أنه كان إذا ذكر عقاب الله عز وجل تخلعت أوصاله، فإذا ذكر رحمة الله تراجعت. وروى أشهب عن مالك أنه قال: بلغني أن تلك الحمامة أتت فوقعت قريباً من داود وهي من ذهب، فلما رآها أعجبته فقام ليأخذها، فكانت قرب يده، ثم طارت فَأَتْبَعَهَا بَصَرَهُ، فوقعت عينه على تلك المرأة وهي تغسل ولها شعر طويل. فبلغني أنه أقام أربعين ليلة ساجداً حتى نبت العشب من دموع عينيه. ويراد بالركوع في هذا الموضع: السجود. قال السدي: كان داود قد قسم الدهر ثلاثة أيام: يوماً يقضي فيه بين الناس ويوماً يخلو فيه لعبادة ربه عز وجل، ويوماً يخلو فيه لنسائه، وكان له تسع وتسعون امرأة، وكان فيما يقرأ من الكتب: فضل إبراهيم وإسحاق ويعقوب صلى الله عليهم وسلم. فلما وجد ذلك فيما يقرأ من الكتب قال: يا رب، إن الخير قد ذهب به آبائي، فأعطني مثل ما أعطيتهم. فأوحى الله إليه أن آباءك ابتلوا ببلاء لم تبتل به، ابتلي إبراهيم بذبح ابنه فصبر، وابتلي إسحاق بذهاب بصره، وابتلي يعقوب بحزنه على يوسف، وإنك لم تبتل أنت من ذلك الشيء. فقال: يا رب، ابتلني بمثل ما ابتليتهم وأعطني مثل ما أعطيتهم. قال: فأوحى الله عز وجل إليه أنك مبتلى فاحترس، قال: فمكث ما شاء الله أن يمكث إذ جاءه الشيطان وقد تمثل له في صورة حمامة من ذهب حتى وقع عند رجليه وهو قائم يصلي قال: فمد يده ليأخذه فتنحى، فتبعه فتباعد حتى وقع في كوة، فذهب ليأخذه، فطار من الكوة فنظر أين (يقع فيبعث) في أثره، قال: فأبصر امرأة تغتسل في سطح لها، فرأى امرأة من أجمل الناس خَلْقاً، فحانت منها التفاتة فأبصرته، فألقت شعرها فاستترت به. قال: فزاده ذلك فيها رغبة. قال: فسأل عنها فأخبر أن لها زوجاً وأن زوجها غائب بمسلحة كذا وكذا. (قال: فبعث إلى صاحب المسلحة وأمره أن يبعث به إلى عدو كذا وكذا). قال فبعثه ففتح له قال: فكتب إليه بذلك. قال فكتب إليه أن أبعثه إلى عدو كذا وكذا - أشد منهم بأساً - قال: فبعثه ففتح له أيضاً، ثم كتب إليه ثالثة فبعثه فقتل. قال: وتزوج امرأته، فلما دخلت عليه لم تلبث عنده إلا يسيراً حتى بعث الله ملكين في صورة إنسيين فطلبا أن يدخلا عليه، فتسورا عليه المحراب. قال: فما شعر وهو يصلي إلا وهما بين يديه جالسين قال: ﴿فَفَزِعَ مِنْهُمْ﴾، فقالا: ﴿لاَ تَخَفْ﴾ لا تخف، إنما نحن ﴿خَصْمَانِ بَغَىٰ بَعْضُنَا عَلَىٰ بَعْضٍ﴾ - إلى قوله - ﴿سَوَآءِ ٱلصِّرَاطِ﴾، قال: قصّا قصتكما قال: فقال أحدهما: إن هذا أخي له تسع وتسعون نعجة ولي نعجة واحدة، وهو يريد أخذ نعجتي فيكمل بها نعاجه مائة! فقال للآخر: ما تقول؟ فقال: إن لي (تسعاً وتسعين) نعجة ولأخي هذا نعجة واحدة. قال: فأنا أريد أن آخذها منه فأكمل بها نعاجي مائة؟! قال: (وهو كاره). قال: إذا (لا ندعك) وذلك. قال: ما أنت على ذلك بقادر. قال: فإن ذهبت تروم ذلك (أو لم ترد ذلك ضربنا منك هذا وهذا وهذا يريد طرف الأنف، وأصل الأنف، والجبهة قال: يا داود، أنت أحق أن يضرب منه هذا وهذا وهذا حيث لك تسع وتسعون امراة ولم يكن لاوريا إلا امرأة واحدة، (فلم تزل) تعرضه للقتل حتى قُتل، وتزوجت امرأته. قال: فنظر داود الرجلين فلم ير شيئاً فعرف ما قد وقع فيه فخر ساجداً. - وهو موضع السجود عند مالك. وروي أن رجلاً من الأنصار - على عهد النبي ﷺ - كان يصلي من الليل مستتراً بشجرة وهو يقرأ "ص"، فلما بلغ السجدة سجد وسجدت معه الشجرة، فسمعها وهي تقول: اللهم أعظم لي بهذه السجدة أجراً، وارزقني بها شكراً، وضع عني بها وزراً، وتقبلها مني كما تقبلت من عبدك داود سجدته. فلما أصبح الرجل ذكر ذلك لرسول الله ﷺ. فقال رسول الله: نحن أحق أن يقول ذلك. فكان ﷺ إذا سجد يقول ذلك. قال عقبة بن عامر الجهني: من قرأ (ص) ولم يسجد فيها فلا عليه ألا يقرأ بها. قال: فبكى أربعين يوماً لا يرفع رأسه إلا لحاجة، ثم يقع ساجداً يبكي حتى نبت العشب من دموع عينيه، قال: فأوحى الله عز وجل إليه بعد أربعين يوماً: يا داود، ارفع رأسك فقد غفرت لك. قال: يا رب، كيف أعلم أنك قد غفرت لي وأنت حكم عدل لا تحيف في القضاء، إذا جاء أوريا يوم القيامة آخذ رأسه بيمينه، أو بشماله، تشخب أوداجه دماً، يقول: يا رب، سل هذا فيم قتلني؟ قال: فأوحى الله عز وجل إليه: إذا كان ذلك (دعوت أوريا). فاستوهبتك منه، فيهبك لي، فأثيبه بذلك الجنة. قال: رب، الآن علمت أنك قد غفرت لي. قال: فما استطاع ان يملأ عينيه من السماء حياء من ربه حتى قبض ﷺ. وقيل: اسم الرجل أوريا بن حيان. وقال الحسن: جزأ داود الدهر أربعة أجزاء: يوماً لنسائه، ويوماً لعبادة ربه، ويوماً لقضاء بني إسرائيل، ويوماً لبني إسرائيل يذاكرهم ويذاكرونه، ويبكيهم ويبكونه. قال: فلما كان يوم بني إسرائيل، قال: ذَكَرُوا فقالو: هل أتى على الإنسان يوم لا يصيب فيه ذنباً؟ فأضمر داود في نفسه أنه سيطيق ذلك. فلما كان يوم عبادته أغلق أبوابه وأمر ألا يدخل عليه أحد، وأكب على التوراة. فبينما هو يقرؤها إذا حمامة من ذهب، فيها من كل لون (حَسَنٍ، قد وقعت بين يديه، فأهوى إليها ليأخذها، قال: فطارت فوقعت غير بعيدة من غير أن تؤيسه من نفسها. قال: فما زال يتبعها حتى أشرف على امرأة تغتسل فأعجبه خلقها وحسنها. قال: فلما رأت ظله في الارض جللت نفسها بشعرها فزاده ذلك إعجاباً بها. وكان قد بعث زوجها على بعض جيوشه، فكتب إليه أن يسر إلى مكان كذا وكذا - مكانٌ إذا صار إليه لم يرجع - قال: ففعل، فأصيب، فخطبها، فتزوجها. قال قتادة: بلغنا أنها أم سليمان. قال الحسن: فبينما هو في المحراب إذ تسور الملكان عليه - وكان الخصمان إذا أتوه يأتونه من باب المحراب - ففزع منهم حين تسوروا المحراب، فقالا: لا تخف، خصمان بغى بعضنا على بعض. وذكر نحو الحديثين المتقدمين. وقيل: إن خطيئته هي قوله: لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه من غير ثبت بينة ولا إقرار من الخصم ولا سؤال لخصمه: هل كان هذا هكذا أو لم يكن. وهو قول شاذ. وقال ابن الأعرابي: قال كعب: سجد داود نبي الله ﷺ أربعين ليلة لم يرفع رأسه حتى رقأ دمعه ويبس رأسه. فكان من آخر دعائه وهو ساجد أن قال: يا رب رزقتني العافية، فسألتك البلاء، فلما ابتليتني لم أصبر فإن تعذبني فأنا أهل ذلك، وإن تغفر لي فأنت أهل ذلك - يقولها في نفسه - فعلم الله عز وجل ما قال فإذا جبريل عليه السلام على رأسه قائم يقول له: يا داود، إن الله قد غفر لك فارفع رأسك فلم يلتفت إليه، وناجى ربه وهو ساجد فقال: يا رب، وكيف تغفر لي وأنت الحكم العدل، وقد فعلت بالرجل ما فعلت؟ قال: فنزل الوحي عليه: صدقت يا داود أنا الحكم العدل، ولكن إذا كان يوم القيامة دفعتك إلى أوريا سلماً، ثم استوهبتك منه، فيهبك لي، فأثيبه الجنة. قال داود: الآن أعلم أنك قد غفرت لي. قال: فذهب داود يرفع رأسه فاذا هو يابس لا يستطيع. قال: فمسحه جبريل عليه السلام بريشة فانبسط. قال: فأوحى الله عز وجل إليه بعد ذلك: يا داود: قد أحللت لك امرأة أوريا فتزوجها، فتزوجها داود ﷺ، فولدت له سليمان عليه السلام، لم تلد قبله شيئاً ولا بعده. قال كعب: فوالله لقد كان داود بعد ذلك ليظل صائماً في اليوم الحار فيقرب إليه الشراب فإذا قربه إلى فيه ذكر خطيئته فيبكي في الشراب حتى يفيض ثم يرده ولا يشربه. وروى الأوزاعي عن بعض أهل المدينة أنه قال: مثل عيني داود كمثل القربتين تنطفان الماء، لقد خدد الدمع في وجهه كخديد الماء في الأرض. ويروى أن داود بات لربه عز وجل مصلياً حتى أصبح فذهب الى نهر ليتوضأ، فقال: الحمد لله، لقد عبدت الله الليلة عبادة ما عبده أحد إياها من أهل الأرض. فكَلَّمَه ضفدع من الماء فقالت: جلا يا أبا سليمان، فوالله إن لي لثلاثاً من الدهر ما جمعت بين فقمي تسبيحاً لله. وروي عن ابن مسعود وابن عباس أن داود عليه السلام ما زاد على أن قال للرجل: انزل لي عن امرأتك، فعاتبه الله على ذلك ونبهه عليه. * * ثم قال تعالى: ﴿فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ﴾، أي ذلك الذنب. ﴿وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لَزُلْفَىٰ﴾، أي: لقربة يوم القيامة. قال الضحاك: لمنزلة رفيعة. * * ثم قال: ﴿وَحُسْنَ مَـآبٍ﴾، أي: حسن مصير. قال السدي: حسن منقلب. وقال الضحاك: حسن مرجع. وقال مجاهد: يبعث داود النبي عليه السلام وذكر خطيئته، ووجلُه منها في قلبه، منقوشةٌ في كفه. فإذا رأى أهاويل الموقف لم يجد منها متعوذاً وا محرزاً إلا برحمة الله تبارك وتعالى وقربه، فيلجأ إليه تبارك وتعالى، فيشار إليه أن هاهنا عن يسار العرش، ثم يعلق فيقال له هاهنا عن يمين العرش. وذلك قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لَزُلْفَىٰ وَحُسْنَ مَـآبٍ﴾. وقال مالك بن دينار: يقام داود عليه السلام يوم القيامة عند ساق العرش، ثم يقول: يا داود، مجدني بذلك الصوت الحسن الرخيم الذي كنت تمجدني به في الدنيا. فيقول يا رب، كيف وقد سلبتنيه؟! فيقول: إني سأرده عليك. قال: فيدفع داود بصوت يستفرغ به نعيم أهل الجنان. ﴿فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ﴾: تمام حسن. * * ثم قال تعالى: ﴿يٰدَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي ٱلأَرْضِ﴾، أي: فغفرنا له ذلك الذنب، وقلنا له: يا داود، إنا جعلناك خليفة في الأرض، أي استخلفناك في الارض من بعد من كان قبلك من رسلنا حكماً بين أهل الارض. ﴿فَٱحْكُمْ بَيْنَ ٱلنَّاسِ بِٱلْحَقِّ﴾، أي: بالعدل والإنصاف. ﴿وَلاَ تَتَّبِعِ ٱلْهَوَىٰ﴾، أي: لا توثر هواك في قضائك على العدل فتجور في الحكم فيضلك هواك عن سبيل الله. ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ﴾، أي: يميلون عن الحق الذي أمر الله به. ﴿لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدُ﴾، أي: يوم القيامة. ﴿بِمَا نَسُواْ يَوْمَ ٱلْحِسَابِ﴾، أي: بتركهم العمل ليوم القيامة. قال عكرمة: هذا من التقديم والتأخير. والتقدير عنده: لهم يوم الحساب عذاب شديد بما نسوا أي: بما تركوا أمر الله والقضاء بالعدل. فالعامل في "يوم" في القول الأول: "نسوا" هو مفعول به والعامل فيه في القول الثاني "لهم" وهو ظرف. وكان ابن عباس يسجد عند قوله: "وأناب"، ويقول: ﴿أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ ٱقْتَدِهْ﴾. * * ثم قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَآءَ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً﴾، أي: عبثاً ولعباً بل خُلِقَا ليُعمل فيهما بالطاعة. ثم قال تعالى ذكره: ﴿ذَلِكَ ظَنُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾، أي: خلق السماء والأرض وما بينهما لغير حساب ولا بعث ولا عمل، هو ظن الذين كفروا فويل لهم من النار. * * ثم قال: ﴿أَمْ نَجْعَلُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ كَٱلْمُفْسِدِينَ فِي ٱلأَرْضِ﴾. هذا رد لقول الكفار، لأنهم كانوا يقولون: ليست ثمَّ عقوبة ولا نار، فالكافر والعاصي يَسْعَدَان باللذات، والمطيع يشقى، ومصيرهما إلى شيء واحد فرد الله عليه بأنه لم يجعل المتقين كالفجار في الآخرة، ولا الصالح كالمفسد. * * ثم قال: ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ﴾، (أي: هذا القرآن كتاب أنزله الله إليك يا محمد مبارك) على من آمن به، أنزله: ﴿لِّيَدَّبَّرُوۤاْ آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُواْ ٱلأَلْبَابِ﴾ ليعتبروا آياته وليتذكر به أولوا العقول. * * ثم قال: ﴿وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ﴾، أي: وُلِدَ إليه. ﴿نِعْمَ ٱلْعَبْدُ﴾، أي: ممدوح في طاعة ربه. ﴿إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾، أي: رجاع إلى طاعة الله عز وجل تواب إليه سبحانه، وقيل: الأواب: الكثير الذكر. وقال ابن عباس: الأواب: المسبح. وقال قتادة: مطيعاً كثير الصلاة. وقال ابن المسيب: هو الذي يذنب ثم يتوب، ثم يذنب ثم يتوب. وقيل: هو الذي يذكر ذنبه في الخلاء، ثم يتوب منه ويستغفر. * * ثم قال تعالى: ﴿إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِٱلْعَشِيِّ ٱلصَّافِنَاتُ ٱلْجِيَادُ﴾، أي: هو تواب في هذا الوقت. والصافنات: جمع صافن من الخيل، والأنثى: صافنة. والصافن: الذي يجمع بين يديه، ويثني طرف سنبك إحدى رجليه. وقيل: هو الذي يجمع بين يديه. وزعم الفراء أن الصافن هو القائم. وقال مجاهد: صفون الفرس: "رفع إحدى يديه حتى تكون على طرف الحافر". وقال قتادة: صفونها: قيامها وبسطها قوائمها. وقال ابن زيد: الصافنات: الخيل، أخرجها الشيطان لسليمان من مرج من مروج البحر. والصفن أن تقوم على ثلاث وترفع رجلاً واحدة تكون على طرف الحافر على الأرض. قال ابن زيد: وكانت لها أجنحة. (والجياد: السريعة. روي أنها كانت عشرين فرسا ذات أجنحة).

ص 38:23

هذا قوله تعالى ذكره: ﴿ٱصْبِر عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ﴾ - إلى قوله - ﴿وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ﴾ منسوخ بالأمر بالقتال، أمر الله جل ذكره نبيه ﷺ بالصبر على قول المشركين والاحتمال منهم، وقد علم تعالى أنه سيأمره بقتالهم في وقت آخر، فينسخ الآخر الأول. * * ثم قال: ﴿وَٱذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا ٱلأَيْدِ﴾، أي: ذا القوة والبطش الشديد في ذات الله عز وجل والصبر على طاعته. يقال: أيد وآد للقوة, كما يقال: العيب والعاب قال قتادة: "أُعْطِيَ داود قوة في العبادة وفقهاً في الإسلام، وذُكِرَ أنه كان يقوم الليل ويصوم نصف الدهر. * * وقوله: ﴿إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾، أي: رَجَّاعٌ عما يكره الله عز وجل إلى ما يرضاه أواب وهو فعَّال للتكثير من آب يئوب إذا رجع. قال مجاهد: أواب: رجاع عن الذنوب. قال قتادة: كان مطيعاً لله عز وجل كثير الصلاة. وقال السدى: الأوَّاب: المسبح. ويروى أنه قام ليلة إلى الصباح فكأنه أُعْجِبَ بذلك فقيل لضفدع كلميه في أصل مِحْرَابِه، فقالت له: يا داود، تَعْجَبُ لقيام ليلة! هذا مقامي منذ عشرين سنة شكراً لله عز وجل حين سلَّم بيضي. قال وهب: كان داود قد قسم الدهر أثلاثا، فيصير: يوم للعبادة، ويوماً للقضاء بين الناس، ويوما لقضاء حوائج أهله. * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّا سَخَّرْنَا ٱلجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِٱلْعَشِيِّ وَٱلإِشْرَاقِ﴾، أي: يسبحن مع داود من وقت العصر إلى الليل، ومن صلاة الصبح إلى وقت صلاة الضحى. يقال: أشرقت الشمس: إذا أضاءت وصفت، وشرقت إذا طلعت. قال قتادة: كان داود إذا سبح سبحت الجبال معه. واستدل ابن عباس على نص صلاة الضحى في القرآن بهذه الآية ﴿بِٱلْعَشِيِّ وَٱلإِشْرَاقِ﴾، لأنه من أشرقت الشمس إذا صفت وأضاءت. فإذا صلى داود العصر وسبَّحَ سبحت الجبال معه، وإذا صلى الضحى (سبح وسبحت) الجبال معه. * * ثم قال: ﴿وَٱلطَّيْرَ مَحْشُورَةً﴾، أي وسخرنا الطير مجموعة تسبح معه. ﴿كُلٌّ لَّهُ أَوَّابٌ﴾، أي: رجاع لأمره ومطيع له. فالهاء لداود وقيل: إلهاء لله عز وجل. والمعنى كل لله مطيع، مسبح له. فكل "في القول الأولى للطير، وفي هذا الثاني: يجوز أن يكون للطير، ويجوز أن يكون لداود والجبال والطير. ورُوي أنه كان إذا سبح أجابته الجبال واجتمعت إليه الطير فسبحت معه. وقال قتادة: محشورة: مسخرة. * * ثم قال: ﴿وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ﴾. قال السدي: كان حرسه في كل يوم وليلة أربعة آلاف. وذكر ابن عباس أن الله جل ذكره شدد ملكه هيبة لقضية قضاها في بنى إسرائيل وذلك أن رجلاً استعدى على رجل من عظمائهم فاجتمعا عند داود، فقال المُسْتَعْدَى: إن هذا غصبني بقراً لي. فسأل الرجل عن ذلك فجحده، فسأل الآخر البيِّنة فلم تكن له بينة، فقال لهما: قُوَما حتى أنظر في أمركما فقاما. فأوحى الله عز وجل إلى داود في منامه أن يقتل الرجل الذي ستُعدي عليه. فقال: هذه رؤيا ولست أعجل حتى أتثبت، فأَوْحَى إليه مرة أخرى أن يقتُلَه، وأوحى إليه ثالثة (أن يقتله) أو تأتيه العقوبة من الله عز وجل، فأرسل داود إلى الرجل أن الله قد أوحى إليّ أن أقتلك، فقال الرجل: تقتلني بغير بينة ولا تثبت! فقال له داود: نعم، والله لأنفِّذْنَ أمر الله عز جل فيك. فلما عرف الرجل أنه قاتله قاله له: لا تعجل عليّ حتى أخبرك، إني والله ما أُخِذْتُ بهذا الذنب ولكني كنت اغتلت وَلَدَ هذا فقتلته فبذلك قُتِلتُ. فأمر به داود، فَقُتِلَ. فاشتدت هيبته في بني إسرائيل لذلك وشد الله به ملكه. * * ثم قال تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُ ٱلْحِكْمَةَ﴾. قال السدى: هي النبوة. وقال قتادة: الحكمة: السُّنَّة. * * وقوله: ﴿وَفَصْلَ ٱلْخِطَابِ﴾. قال ابن عباس ومجاهد والسدي: فصل الخطاب: الفهم في علم القضاء. وقال ابن زيد: أعطي فصل ما يتخاطب الناس به بين يديه في الخصومات. وقال شريح: فصل الخطاب: الشاهدان على المدعي، واليمين على المنكر، وهو قول قتادة. وقال الشعبي: يمين وشاهد، وعن الشعبي: هو: أما بعد. * * ثم قال تعالى: ﴿وَهَلْ أَتَاكَ نَبَؤُاْ ٱلْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُواْ ٱلْمِحْرَابَ﴾، أي: وهل أتاك يا محمد خبر الخصم. والخصم هنا يراد به الملكان، لكن لا تظهر فيه تثنية ولا جمع لأنه مصدر من خصمته خصماً. والأصل فيه: وهل أتاك نبأ ذوي الخصم ويجوز أن يثنى ويجمع، ودل على ذلك قوله: خصمان. * * وقوله: ﴿إِذْ تَسَوَّرُواْ ٱلْمِحْرَابَ﴾، أي إذ دخلوا عليه من غير بابه. والمحراب: مقدم كل شيء ومجلسه وأشرفه. * * ثم قال تعالى: ﴿إِذْ دَخَلُواْ عَلَىٰ دَاوُودَ﴾، أي: لما دخلوا على داود المحراب. ﴿فَفَزِعَ مِنْهُمْ﴾، أي: فراعه دخولهما من غير مدخل الناس عليه. وقيل: إنما فزع لأنهما دخلا عليه ليلاً من غير وقت نظره بين الناس. ﴿قَالُواْ لاَ تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَىٰ﴾، أي: قال الملكان: لا تخف منا نحن خصمان. ﴿بَغَىٰ بَعْضُنَا عَلَىٰ بَعْضٍ﴾، أي: تعدَّى أحدنا على صاحبه. ﴿فَٱحْكُمْ بَيْنَنَا بِٱلْحَقِّ﴾، أي: فاقض بيننا بالعدل. ﴿وَلاَ تُشْطِطْ﴾، أي: لا تجر، وقال قتادة ولا تمل، وقال السدى: لا تخف. وقرأ الحسن وأبو رجاء: "ولا تَشْطُطْ" بفتح التاء وضم الطاء الأولى. بمعنى: ولا تبعد عن الحق. يقال: أَشَطَّ يُشِطُّ إذا جار في القول والحكم، وشَطّ يَشُطُّ إذا بَعُد. * * ثم قال تعالى: ﴿وَٱهْدِنَآ إِلَىٰ سَوَآءِ ٱلصِّرَاطِ﴾ ، أي: وارشدنا إلى قصد الطريق المستقيم في الحق. * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ هَذَآ أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً﴾، الآية. هذا مثل ضربه الملكان لداود، وذلك أن داود كان له تسع وتسعون امرأة، وكانت للرجل الذي أعزاه داود حتى قُتل، امرأة واحدة، فلما قتل تزوجها فيما ذكر. قال وهب بن منبه: إن هذا أخي، أي على ديني. والعرب تُكَنِّي عن المرأة بالنعجة والشاة. وقرأة الحسن بفتح التاء من "تَسع وتَسعين" وهي لغة قليلة. وقرأ ابن مسعود: "تِسْعٌ وتَسِعُونَ نَعْجَةً أُنْثَى" على التأكيد، كقولهم: رجل ذَكَر؟. ولا يؤنث بهذا التأنيث إلا ما تأنيثه وتذكيره في نفسه كالرجل والمرأة، فإن كان تأنيثه وتذكيره في اسمه (لم يُقَلْ) فيه أنثى ولا ذكر، نحو: دار، وملحفة، وشبه ذلك. وقيل: عنى بذلك أنها حسنة. فأنثى تدل على أنها حسنة. ثم قال تعالى ذكره: ﴿فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا﴾، أي: أنزل عنها وضُمَّها إليَّ. قال ابن زيد: أكفلنيها: أعطنيها، أي: طلقها لي أنكحها. ﴿وَعَزَّنِي فِي ٱلْخِطَابِ﴾، أي: صار أعزَّ مني في مخاطبته إياي لأنه إن تكلم فهو أبين مني، وإن بطش كان أشد مني فقهرني وغلبني. قال قتادة: وعزني في الخطاب: ظلمني وقهرني. وقرأ ابن مسعود: "وَعَازَّنِي". يقال: عَازَّه (إذا غالبه، وَعَزَّهُ): إذا غلبه، ومنه قولهم: "مَنْ (عَزَّ بَزَّ)". * * ثم قال تعالى: ﴿قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَىٰ نِعَاجِهِ﴾، أي: قال داود للمتكلم منهما: لقد ظلمك صاحبك بسؤاله إياك أن يضم نعجتك إلى نعاجه. * * ﴿وَإِنَّ كَثِيراً مِّنَ ٱلْخُلَطَآءِ لَيَبْغِيۤ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ﴾، أي: وإن كثيراً من الشركاء ليَتَعَدَّى بعضهم على بعض ﴿إِلاَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ﴾. قوله تعالى ذكره: ﴿وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ﴾ - إلى قوله - ﴿ٱلصَّافِنَاتُ ٱلْجِيَادُ﴾ أي: وأيقن داود أنما اختبرناه. ﴿فَٱسْتَغْفَرَ رَبَّهُ﴾، أي: سائل ربه المغفرة. ﴿وَخَرَّ رَاكِعاً﴾، أي: ساجداً لله. ﴿وَأَنَابَ﴾، أي: رجع عن خطيئته وتاب منها. وكان سبب اختبار الله عز وجل له - فيما ذكر ابن عباس - أن داود قال: يا رب، قد أعطيت إبراهيم وإسحاق ويعقوب من الذكر ما لَوَدِدْتُ أنك أعطيتني مثله. فقال الله جل ذكره له: إني ابتليتهم بما لم أبتلك به، فإن شئت ابتليتك بمثل ما ابتليتهم به، وأعطيتك كما أعطيتهم، قال: نعم، فأقام ما شاء الله أن يُقيم وطال ذلك حتى كاد أن ينساه. فبينما هو في محرابه إذ وقعت عليه حمامة فأراد أن يأخذها فطارت إلى كوة كانت في المحراب، فذهب ليأخذها، فطارت. فاطلَّع من الكوة فرأى امرأة تغتسل. فنزل نبي الله ﷺ من المحراب وأرسل إليها، فجاءته، فسألها عن زوجها وعن شأنها، فأخبرته أن زوجها غائب، فكتب إلى أمير تلك السَّرِيَّةِ أن يُؤْمِّرَهُ على السرايا لِيَهْلَكَ زوجها، ففعل. فكان يصاب أصحابه وينجو وربما نصروا. وإن الله لما رأى الذي وقع فيه داود أراد أن يستنفذه، فبينما داود ذات يوم في محرابه إذ تسور عليه الخصمان من قبل وجهه. فلما رآهما وهو يقرأ فَزِعَ وسكت، وقال: لقد اسُتضعفت في مُلكي حتى إن الناس يتسورون علي في محرابي، قالا له: لا تخف، خصمان بغى بعضنا على بعض فلم يكن لنا بد من أن نأتيكا فاسمع منا. قال أحدهما. ﴿إِنَّ هَذَآ أَخِي﴾ - إلى ﴿وَعَزَّنِي فِي ٱلْخِطَابِ﴾. قال له داود: أنت كنت أحوجَ إلى نعجتك منه، لقد ظلمك بسؤاله إياك نعجتك ونسي نفسه ﷺ. فنظر الملكان أحدهما إلى الآخر حين قال ذلك، فتبسم أحدهما إلى الآخر فرآه داود فعلم أنه فتن، فاستغفر ربه وخر راكعاً وأناب أربعين ليلة حتى نبتت الخضرة من عينيه ثم شدد الله له ملكه. روى ابن أبي الدنيا أن وهب بن منبه قال: لم يرفع داود عليه السلام رأسه من السجود حتى قال له الملكان: أول أمرك ذنب وآخره معصية، ارفع رأسك، فرفع رأسه. وعن وهب أنه قال: لما رفع داود رأسه من (السجدة رفع رأسه) وقد زَمِنَ ورعش. قال: فاعتزل نساءه ثم بكى حتى خددت الدموع وجهه. وقال عطاء الخراساني: "إن داود نقش خطيئته في كفه لكي لا ينساها، فكان إذا رآها اضطربت يداه. وقال وهب بن منبه: كتب داود في كفه: داود الخطاء. وقال يحيى بن أبي كثير لما أصاب داود الخطيئة نفرت الوحوش من حوله، فنادى: إلهي، رُدَّ عليَّ الوحش كي آنس بها فرد الله تبارك وتعالى عليه الوحش فَأَحَطْنَ به وأصغين بأسماعهن نحوه. قال: ورفع صوته يقرأ الزبور ويبكي على نفسه فنادته هيهات هيهات يا داود، ذهبت الخطيئة بحلاوة صوتك. وروي عن النبي ﷺ أنه قال: "مَثَلُ عَيْنَيْ دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ مَثَلُ الْقِرْبَتَينِ تَنْظِفَانِ بالمَاءِ. لَقَدْ خَدَّدَتِ الدُّمُوعُ وَجْهَ دَاودَ خَديدَ المَاءِ في الأرْضِ وروى أبو مسهر عن سعيد بن عبد العزيز أنه قال: قالو: لو جُمِعت دموع أهل الأرض إلى دموع آدم ﷺ لكانت دموع آدم أكثر، ولو جمعت دموع أهل الأرض ودموع آدم إلى دموع ابن آدم الذي قتل أخاه لكانت دموع ابن آدم أكثر، ولو جمعت دموع أهل الأرض، ودموع آدم، ودموع ابن آدم إلى دموع يعقوب لكانت دموع يعقوب أكثر، ولو جمعت دموع أهل الأرض ودموع آدم ودموع ابن آدم ودموع يعقوب إلى دموع داود لكانت دموع داود أكثر. قال سعيد: "كان داود يجلس على ستة أفرشة فيبكي فيبل الأول فيُرفع حتى يبللها كلها، كلما بَلَّ واحداً رُفِع؛ وإن كان ليؤتى بالإناء ليشرب فما يفرغ منه حتى يتدفق من دموعه وروى إسماعيل بن عبيد الله: "إن داود النبي ﷺ كان يعاتب في كثرة البكاء، فيقول: ذروني أبكي قبل يوم البكاء، قبل تحريق العظام واشتعال اللحى، وقبل أن يؤمر بي ﴿مَلاَئِكَةٌ غِلاَظٌ شِدَادٌ لاَّ يَعْصُونَ ٱللَّهَ مَآ أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم: ٦]. قال محمد بن المنكدر مكث آدم ﷺ في الأرض أربعين سنة ما يبدي عن واضحة ولا ترقئ له دمعة. فقالت له حواء: إنَّا قد استوحشنا إلى أصوات الملائكة فادع ربك فيسمعنا أصواتهم. فقال لها: ما زلت مستحيياً من ربي عز وجل أن أرفع طرفي إلى أديم السماء مما صنعت. وقال محمد بن خوات: إن داود النبي ﷺ لما أطال البكاء على نفسه، قيل له: اذهب إلى قبر زوج المرأة فاستوهبه ما صنعت، فأتى القبر، وأَذِنَ الله لصاحب القبر أن يتكلم، فناداه: أنا داود ولك عندي مظلمة، قال: قد غفرتها لك، قال: فانصرف داود وقد طابت نفسه، فأوحى الله عز وجل إليه أن ارجع فبين له الذي صنعت فرجع، فأخبره، فناداه صاحب القبر يا داود، هكذا يفعل الأنبياء! قال بكر بن عبيد الله المُزني: مكث داود النبي عليه السلام ساجداً أربعين يوماً يبكي على خطيئته حتى نبت البقل من دموعه، ثم زفر زفرة فهاج العودة فاحترق، فنودي أظمآن أنت فَتُسقَى؟ أجائع فتطعم؟ أعاري فتُكسى؟ قال: لا، ولكن خطيئتي أثقلت ظهري، فلم يُرْجَعُ إليه بشيء، فازداد بكاء حتى انقطع صوته، فكان لا يُسمع له إلاّ كهيئة الأنين، فعند ذلك غُفِرَ له. وقال الحسن: بكاء داود عليه السلام بعد ما غُفرت له الخطيئة أكثر من بكائه قبل المغفرة، فقيل له: أليس قد غُفر لك يا نبي الله؟ ! قال: فكيف بالحياء من الله عز وجل. قال كعب: كان داود عليه السلام يختار مجالسة المساكين، ويُكثر البكاء ويقول: رب اغفر للمساكين والخطائين حتى تغفر لي معهم، وكان قبل ذلك يدعو على الخطائين. قال أبو عبد الرحمن الحبلي: ما رفع داود رأسه إلى السماء بعد خطيئته حتى مات. ورُوي أنه كان إذا ذكر عقاب الله عز وجل تخلعت أوصاله، فإذا ذكر رحمة الله تراجعت. وروى أشهب عن مالك أنه قال: بلغني أن تلك الحمامة أتت فوقعت قريباً من داود وهي من ذهب، فلما رآها أعجبته فقام ليأخذها، فكانت قرب يده، ثم طارت فَأَتْبَعَهَا بَصَرَهُ، فوقعت عينه على تلك المرأة وهي تغسل ولها شعر طويل. فبلغني أنه أقام أربعين ليلة ساجداً حتى نبت العشب من دموع عينيه. ويراد بالركوع في هذا الموضع: السجود. قال السدي: كان داود قد قسم الدهر ثلاثة أيام: يوماً يقضي فيه بين الناس ويوماً يخلو فيه لعبادة ربه عز وجل، ويوماً يخلو فيه لنسائه، وكان له تسع وتسعون امرأة، وكان فيما يقرأ من الكتب: فضل إبراهيم وإسحاق ويعقوب صلى الله عليهم وسلم. فلما وجد ذلك فيما يقرأ من الكتب قال: يا رب، إن الخير قد ذهب به آبائي، فأعطني مثل ما أعطيتهم. فأوحى الله إليه أن آباءك ابتلوا ببلاء لم تبتل به، ابتلي إبراهيم بذبح ابنه فصبر، وابتلي إسحاق بذهاب بصره، وابتلي يعقوب بحزنه على يوسف، وإنك لم تبتل أنت من ذلك الشيء. فقال: يا رب، ابتلني بمثل ما ابتليتهم وأعطني مثل ما أعطيتهم. قال: فأوحى الله عز وجل إليه أنك مبتلى فاحترس، قال: فمكث ما شاء الله أن يمكث إذ جاءه الشيطان وقد تمثل له في صورة حمامة من ذهب حتى وقع عند رجليه وهو قائم يصلي قال: فمد يده ليأخذه فتنحى، فتبعه فتباعد حتى وقع في كوة، فذهب ليأخذه، فطار من الكوة فنظر أين (يقع فيبعث) في أثره، قال: فأبصر امرأة تغتسل في سطح لها، فرأى امرأة من أجمل الناس خَلْقاً، فحانت منها التفاتة فأبصرته، فألقت شعرها فاستترت به. قال: فزاده ذلك فيها رغبة. قال: فسأل عنها فأخبر أن لها زوجاً وأن زوجها غائب بمسلحة كذا وكذا. (قال: فبعث إلى صاحب المسلحة وأمره أن يبعث به إلى عدو كذا وكذا). قال فبعثه ففتح له قال: فكتب إليه بذلك. قال فكتب إليه أن أبعثه إلى عدو كذا وكذا - أشد منهم بأساً - قال: فبعثه ففتح له أيضاً، ثم كتب إليه ثالثة فبعثه فقتل. قال: وتزوج امرأته، فلما دخلت عليه لم تلبث عنده إلا يسيراً حتى بعث الله ملكين في صورة إنسيين فطلبا أن يدخلا عليه، فتسورا عليه المحراب. قال: فما شعر وهو يصلي إلا وهما بين يديه جالسين قال: ﴿فَفَزِعَ مِنْهُمْ﴾، فقالا: ﴿لاَ تَخَفْ﴾ لا تخف، إنما نحن ﴿خَصْمَانِ بَغَىٰ بَعْضُنَا عَلَىٰ بَعْضٍ﴾ - إلى قوله - ﴿سَوَآءِ ٱلصِّرَاطِ﴾، قال: قصّا قصتكما قال: فقال أحدهما: إن هذا أخي له تسع وتسعون نعجة ولي نعجة واحدة، وهو يريد أخذ نعجتي فيكمل بها نعاجه مائة! فقال للآخر: ما تقول؟ فقال: إن لي (تسعاً وتسعين) نعجة ولأخي هذا نعجة واحدة. قال: فأنا أريد أن آخذها منه فأكمل بها نعاجي مائة؟! قال: (وهو كاره). قال: إذا (لا ندعك) وذلك. قال: ما أنت على ذلك بقادر. قال: فإن ذهبت تروم ذلك (أو لم ترد ذلك ضربنا منك هذا وهذا وهذا يريد طرف الأنف، وأصل الأنف، والجبهة قال: يا داود، أنت أحق أن يضرب منه هذا وهذا وهذا حيث لك تسع وتسعون امراة ولم يكن لاوريا إلا امرأة واحدة، (فلم تزل) تعرضه للقتل حتى قُتل، وتزوجت امرأته. قال: فنظر داود الرجلين فلم ير شيئاً فعرف ما قد وقع فيه فخر ساجداً. - وهو موضع السجود عند مالك. وروي أن رجلاً من الأنصار - على عهد النبي ﷺ - كان يصلي من الليل مستتراً بشجرة وهو يقرأ "ص"، فلما بلغ السجدة سجد وسجدت معه الشجرة، فسمعها وهي تقول: اللهم أعظم لي بهذه السجدة أجراً، وارزقني بها شكراً، وضع عني بها وزراً، وتقبلها مني كما تقبلت من عبدك داود سجدته. فلما أصبح الرجل ذكر ذلك لرسول الله ﷺ. فقال رسول الله: نحن أحق أن يقول ذلك. فكان ﷺ إذا سجد يقول ذلك. قال عقبة بن عامر الجهني: من قرأ (ص) ولم يسجد فيها فلا عليه ألا يقرأ بها. قال: فبكى أربعين يوماً لا يرفع رأسه إلا لحاجة، ثم يقع ساجداً يبكي حتى نبت العشب من دموع عينيه، قال: فأوحى الله عز وجل إليه بعد أربعين يوماً: يا داود، ارفع رأسك فقد غفرت لك. قال: يا رب، كيف أعلم أنك قد غفرت لي وأنت حكم عدل لا تحيف في القضاء، إذا جاء أوريا يوم القيامة آخذ رأسه بيمينه، أو بشماله، تشخب أوداجه دماً، يقول: يا رب، سل هذا فيم قتلني؟ قال: فأوحى الله عز وجل إليه: إذا كان ذلك (دعوت أوريا). فاستوهبتك منه، فيهبك لي، فأثيبه بذلك الجنة. قال: رب، الآن علمت أنك قد غفرت لي. قال: فما استطاع ان يملأ عينيه من السماء حياء من ربه حتى قبض ﷺ. وقيل: اسم الرجل أوريا بن حيان. وقال الحسن: جزأ داود الدهر أربعة أجزاء: يوماً لنسائه، ويوماً لعبادة ربه، ويوماً لقضاء بني إسرائيل، ويوماً لبني إسرائيل يذاكرهم ويذاكرونه، ويبكيهم ويبكونه. قال: فلما كان يوم بني إسرائيل، قال: ذَكَرُوا فقالو: هل أتى على الإنسان يوم لا يصيب فيه ذنباً؟ فأضمر داود في نفسه أنه سيطيق ذلك. فلما كان يوم عبادته أغلق أبوابه وأمر ألا يدخل عليه أحد، وأكب على التوراة. فبينما هو يقرؤها إذا حمامة من ذهب، فيها من كل لون (حَسَنٍ، قد وقعت بين يديه، فأهوى إليها ليأخذها، قال: فطارت فوقعت غير بعيدة من غير أن تؤيسه من نفسها. قال: فما زال يتبعها حتى أشرف على امرأة تغتسل فأعجبه خلقها وحسنها. قال: فلما رأت ظله في الارض جللت نفسها بشعرها فزاده ذلك إعجاباً بها. وكان قد بعث زوجها على بعض جيوشه، فكتب إليه أن يسر إلى مكان كذا وكذا - مكانٌ إذا صار إليه لم يرجع - قال: ففعل، فأصيب، فخطبها، فتزوجها. قال قتادة: بلغنا أنها أم سليمان. قال الحسن: فبينما هو في المحراب إذ تسور الملكان عليه - وكان الخصمان إذا أتوه يأتونه من باب المحراب - ففزع منهم حين تسوروا المحراب، فقالا: لا تخف، خصمان بغى بعضنا على بعض. وذكر نحو الحديثين المتقدمين. وقيل: إن خطيئته هي قوله: لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه من غير ثبت بينة ولا إقرار من الخصم ولا سؤال لخصمه: هل كان هذا هكذا أو لم يكن. وهو قول شاذ. وقال ابن الأعرابي: قال كعب: سجد داود نبي الله ﷺ أربعين ليلة لم يرفع رأسه حتى رقأ دمعه ويبس رأسه. فكان من آخر دعائه وهو ساجد أن قال: يا رب رزقتني العافية، فسألتك البلاء، فلما ابتليتني لم أصبر فإن تعذبني فأنا أهل ذلك، وإن تغفر لي فأنت أهل ذلك - يقولها في نفسه - فعلم الله عز وجل ما قال فإذا جبريل عليه السلام على رأسه قائم يقول له: يا داود، إن الله قد غفر لك فارفع رأسك فلم يلتفت إليه، وناجى ربه وهو ساجد فقال: يا رب، وكيف تغفر لي وأنت الحكم العدل، وقد فعلت بالرجل ما فعلت؟ قال: فنزل الوحي عليه: صدقت يا داود أنا الحكم العدل، ولكن إذا كان يوم القيامة دفعتك إلى أوريا سلماً، ثم استوهبتك منه، فيهبك لي، فأثيبه الجنة. قال داود: الآن أعلم أنك قد غفرت لي. قال: فذهب داود يرفع رأسه فاذا هو يابس لا يستطيع. قال: فمسحه جبريل عليه السلام بريشة فانبسط. قال: فأوحى الله عز وجل إليه بعد ذلك: يا داود: قد أحللت لك امرأة أوريا فتزوجها، فتزوجها داود ﷺ، فولدت له سليمان عليه السلام، لم تلد قبله شيئاً ولا بعده. قال كعب: فوالله لقد كان داود بعد ذلك ليظل صائماً في اليوم الحار فيقرب إليه الشراب فإذا قربه إلى فيه ذكر خطيئته فيبكي في الشراب حتى يفيض ثم يرده ولا يشربه. وروى الأوزاعي عن بعض أهل المدينة أنه قال: مثل عيني داود كمثل القربتين تنطفان الماء، لقد خدد الدمع في وجهه كخديد الماء في الأرض. ويروى أن داود بات لربه عز وجل مصلياً حتى أصبح فذهب الى نهر ليتوضأ، فقال: الحمد لله، لقد عبدت الله الليلة عبادة ما عبده أحد إياها من أهل الأرض. فكَلَّمَه ضفدع من الماء فقالت: جلا يا أبا سليمان، فوالله إن لي لثلاثاً من الدهر ما جمعت بين فقمي تسبيحاً لله. وروي عن ابن مسعود وابن عباس أن داود عليه السلام ما زاد على أن قال للرجل: انزل لي عن امرأتك، فعاتبه الله على ذلك ونبهه عليه. * * ثم قال تعالى: ﴿فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ﴾، أي ذلك الذنب. ﴿وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لَزُلْفَىٰ﴾، أي: لقربة يوم القيامة. قال الضحاك: لمنزلة رفيعة. * * ثم قال: ﴿وَحُسْنَ مَـآبٍ﴾، أي: حسن مصير. قال السدي: حسن منقلب. وقال الضحاك: حسن مرجع. وقال مجاهد: يبعث داود النبي عليه السلام وذكر خطيئته، ووجلُه منها في قلبه، منقوشةٌ في كفه. فإذا رأى أهاويل الموقف لم يجد منها متعوذاً وا محرزاً إلا برحمة الله تبارك وتعالى وقربه، فيلجأ إليه تبارك وتعالى، فيشار إليه أن هاهنا عن يسار العرش، ثم يعلق فيقال له هاهنا عن يمين العرش. وذلك قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لَزُلْفَىٰ وَحُسْنَ مَـآبٍ﴾. وقال مالك بن دينار: يقام داود عليه السلام يوم القيامة عند ساق العرش، ثم يقول: يا داود، مجدني بذلك الصوت الحسن الرخيم الذي كنت تمجدني به في الدنيا. فيقول يا رب، كيف وقد سلبتنيه؟! فيقول: إني سأرده عليك. قال: فيدفع داود بصوت يستفرغ به نعيم أهل الجنان. ﴿فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ﴾: تمام حسن. * * ثم قال تعالى: ﴿يٰدَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي ٱلأَرْضِ﴾، أي: فغفرنا له ذلك الذنب، وقلنا له: يا داود، إنا جعلناك خليفة في الأرض، أي استخلفناك في الارض من بعد من كان قبلك من رسلنا حكماً بين أهل الارض. ﴿فَٱحْكُمْ بَيْنَ ٱلنَّاسِ بِٱلْحَقِّ﴾، أي: بالعدل والإنصاف. ﴿وَلاَ تَتَّبِعِ ٱلْهَوَىٰ﴾، أي: لا توثر هواك في قضائك على العدل فتجور في الحكم فيضلك هواك عن سبيل الله. ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ﴾، أي: يميلون عن الحق الذي أمر الله به. ﴿لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدُ﴾، أي: يوم القيامة. ﴿بِمَا نَسُواْ يَوْمَ ٱلْحِسَابِ﴾، أي: بتركهم العمل ليوم القيامة. قال عكرمة: هذا من التقديم والتأخير. والتقدير عنده: لهم يوم الحساب عذاب شديد بما نسوا أي: بما تركوا أمر الله والقضاء بالعدل. فالعامل في "يوم" في القول الأول: "نسوا" هو مفعول به والعامل فيه في القول الثاني "لهم" وهو ظرف. وكان ابن عباس يسجد عند قوله: "وأناب"، ويقول: ﴿أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ ٱقْتَدِهْ﴾. * * ثم قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَآءَ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً﴾، أي: عبثاً ولعباً بل خُلِقَا ليُعمل فيهما بالطاعة. ثم قال تعالى ذكره: ﴿ذَلِكَ ظَنُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾، أي: خلق السماء والأرض وما بينهما لغير حساب ولا بعث ولا عمل، هو ظن الذين كفروا فويل لهم من النار. * * ثم قال: ﴿أَمْ نَجْعَلُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ كَٱلْمُفْسِدِينَ فِي ٱلأَرْضِ﴾. هذا رد لقول الكفار، لأنهم كانوا يقولون: ليست ثمَّ عقوبة ولا نار، فالكافر والعاصي يَسْعَدَان باللذات، والمطيع يشقى، ومصيرهما إلى شيء واحد فرد الله عليه بأنه لم يجعل المتقين كالفجار في الآخرة، ولا الصالح كالمفسد. * * ثم قال: ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ﴾، (أي: هذا القرآن كتاب أنزله الله إليك يا محمد مبارك) على من آمن به، أنزله: ﴿لِّيَدَّبَّرُوۤاْ آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُواْ ٱلأَلْبَابِ﴾ ليعتبروا آياته وليتذكر به أولوا العقول. * * ثم قال: ﴿وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ﴾، أي: وُلِدَ إليه. ﴿نِعْمَ ٱلْعَبْدُ﴾، أي: ممدوح في طاعة ربه. ﴿إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾، أي: رجاع إلى طاعة الله عز وجل تواب إليه سبحانه، وقيل: الأواب: الكثير الذكر. وقال ابن عباس: الأواب: المسبح. وقال قتادة: مطيعاً كثير الصلاة. وقال ابن المسيب: هو الذي يذنب ثم يتوب، ثم يذنب ثم يتوب. وقيل: هو الذي يذكر ذنبه في الخلاء، ثم يتوب منه ويستغفر. * * ثم قال تعالى: ﴿إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِٱلْعَشِيِّ ٱلصَّافِنَاتُ ٱلْجِيَادُ﴾، أي: هو تواب في هذا الوقت. والصافنات: جمع صافن من الخيل، والأنثى: صافنة. والصافن: الذي يجمع بين يديه، ويثني طرف سنبك إحدى رجليه. وقيل: هو الذي يجمع بين يديه. وزعم الفراء أن الصافن هو القائم. وقال مجاهد: صفون الفرس: "رفع إحدى يديه حتى تكون على طرف الحافر". وقال قتادة: صفونها: قيامها وبسطها قوائمها. وقال ابن زيد: الصافنات: الخيل، أخرجها الشيطان لسليمان من مرج من مروج البحر. والصفن أن تقوم على ثلاث وترفع رجلاً واحدة تكون على طرف الحافر على الأرض. قال ابن زيد: وكانت لها أجنحة. (والجياد: السريعة. روي أنها كانت عشرين فرسا ذات أجنحة).

ص 38:24

هذا قوله تعالى ذكره: ﴿ٱصْبِر عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ﴾ - إلى قوله - ﴿وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ﴾ منسوخ بالأمر بالقتال، أمر الله جل ذكره نبيه ﷺ بالصبر على قول المشركين والاحتمال منهم، وقد علم تعالى أنه سيأمره بقتالهم في وقت آخر، فينسخ الآخر الأول. * * ثم قال: ﴿وَٱذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا ٱلأَيْدِ﴾، أي: ذا القوة والبطش الشديد في ذات الله عز وجل والصبر على طاعته. يقال: أيد وآد للقوة, كما يقال: العيب والعاب قال قتادة: "أُعْطِيَ داود قوة في العبادة وفقهاً في الإسلام، وذُكِرَ أنه كان يقوم الليل ويصوم نصف الدهر. * * وقوله: ﴿إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾، أي: رَجَّاعٌ عما يكره الله عز وجل إلى ما يرضاه أواب وهو فعَّال للتكثير من آب يئوب إذا رجع. قال مجاهد: أواب: رجاع عن الذنوب. قال قتادة: كان مطيعاً لله عز وجل كثير الصلاة. وقال السدى: الأوَّاب: المسبح. ويروى أنه قام ليلة إلى الصباح فكأنه أُعْجِبَ بذلك فقيل لضفدع كلميه في أصل مِحْرَابِه، فقالت له: يا داود، تَعْجَبُ لقيام ليلة! هذا مقامي منذ عشرين سنة شكراً لله عز وجل حين سلَّم بيضي. قال وهب: كان داود قد قسم الدهر أثلاثا، فيصير: يوم للعبادة، ويوماً للقضاء بين الناس، ويوما لقضاء حوائج أهله. * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّا سَخَّرْنَا ٱلجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِٱلْعَشِيِّ وَٱلإِشْرَاقِ﴾، أي: يسبحن مع داود من وقت العصر إلى الليل، ومن صلاة الصبح إلى وقت صلاة الضحى. يقال: أشرقت الشمس: إذا أضاءت وصفت، وشرقت إذا طلعت. قال قتادة: كان داود إذا سبح سبحت الجبال معه. واستدل ابن عباس على نص صلاة الضحى في القرآن بهذه الآية ﴿بِٱلْعَشِيِّ وَٱلإِشْرَاقِ﴾، لأنه من أشرقت الشمس إذا صفت وأضاءت. فإذا صلى داود العصر وسبَّحَ سبحت الجبال معه، وإذا صلى الضحى (سبح وسبحت) الجبال معه. * * ثم قال: ﴿وَٱلطَّيْرَ مَحْشُورَةً﴾، أي وسخرنا الطير مجموعة تسبح معه. ﴿كُلٌّ لَّهُ أَوَّابٌ﴾، أي: رجاع لأمره ومطيع له. فالهاء لداود وقيل: إلهاء لله عز وجل. والمعنى كل لله مطيع، مسبح له. فكل "في القول الأولى للطير، وفي هذا الثاني: يجوز أن يكون للطير، ويجوز أن يكون لداود والجبال والطير. ورُوي أنه كان إذا سبح أجابته الجبال واجتمعت إليه الطير فسبحت معه. وقال قتادة: محشورة: مسخرة. * * ثم قال: ﴿وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ﴾. قال السدي: كان حرسه في كل يوم وليلة أربعة آلاف. وذكر ابن عباس أن الله جل ذكره شدد ملكه هيبة لقضية قضاها في بنى إسرائيل وذلك أن رجلاً استعدى على رجل من عظمائهم فاجتمعا عند داود، فقال المُسْتَعْدَى: إن هذا غصبني بقراً لي. فسأل الرجل عن ذلك فجحده، فسأل الآخر البيِّنة فلم تكن له بينة، فقال لهما: قُوَما حتى أنظر في أمركما فقاما. فأوحى الله عز وجل إلى داود في منامه أن يقتل الرجل الذي ستُعدي عليه. فقال: هذه رؤيا ولست أعجل حتى أتثبت، فأَوْحَى إليه مرة أخرى أن يقتُلَه، وأوحى إليه ثالثة (أن يقتله) أو تأتيه العقوبة من الله عز وجل، فأرسل داود إلى الرجل أن الله قد أوحى إليّ أن أقتلك، فقال الرجل: تقتلني بغير بينة ولا تثبت! فقال له داود: نعم، والله لأنفِّذْنَ أمر الله عز جل فيك. فلما عرف الرجل أنه قاتله قاله له: لا تعجل عليّ حتى أخبرك، إني والله ما أُخِذْتُ بهذا الذنب ولكني كنت اغتلت وَلَدَ هذا فقتلته فبذلك قُتِلتُ. فأمر به داود، فَقُتِلَ. فاشتدت هيبته في بني إسرائيل لذلك وشد الله به ملكه. * * ثم قال تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُ ٱلْحِكْمَةَ﴾. قال السدى: هي النبوة. وقال قتادة: الحكمة: السُّنَّة. * * وقوله: ﴿وَفَصْلَ ٱلْخِطَابِ﴾. قال ابن عباس ومجاهد والسدي: فصل الخطاب: الفهم في علم القضاء. وقال ابن زيد: أعطي فصل ما يتخاطب الناس به بين يديه في الخصومات. وقال شريح: فصل الخطاب: الشاهدان على المدعي، واليمين على المنكر، وهو قول قتادة. وقال الشعبي: يمين وشاهد، وعن الشعبي: هو: أما بعد. * * ثم قال تعالى: ﴿وَهَلْ أَتَاكَ نَبَؤُاْ ٱلْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُواْ ٱلْمِحْرَابَ﴾، أي: وهل أتاك يا محمد خبر الخصم. والخصم هنا يراد به الملكان، لكن لا تظهر فيه تثنية ولا جمع لأنه مصدر من خصمته خصماً. والأصل فيه: وهل أتاك نبأ ذوي الخصم ويجوز أن يثنى ويجمع، ودل على ذلك قوله: خصمان. * * وقوله: ﴿إِذْ تَسَوَّرُواْ ٱلْمِحْرَابَ﴾، أي إذ دخلوا عليه من غير بابه. والمحراب: مقدم كل شيء ومجلسه وأشرفه. * * ثم قال تعالى: ﴿إِذْ دَخَلُواْ عَلَىٰ دَاوُودَ﴾، أي: لما دخلوا على داود المحراب. ﴿فَفَزِعَ مِنْهُمْ﴾، أي: فراعه دخولهما من غير مدخل الناس عليه. وقيل: إنما فزع لأنهما دخلا عليه ليلاً من غير وقت نظره بين الناس. ﴿قَالُواْ لاَ تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَىٰ﴾، أي: قال الملكان: لا تخف منا نحن خصمان. ﴿بَغَىٰ بَعْضُنَا عَلَىٰ بَعْضٍ﴾، أي: تعدَّى أحدنا على صاحبه. ﴿فَٱحْكُمْ بَيْنَنَا بِٱلْحَقِّ﴾، أي: فاقض بيننا بالعدل. ﴿وَلاَ تُشْطِطْ﴾، أي: لا تجر، وقال قتادة ولا تمل، وقال السدى: لا تخف. وقرأ الحسن وأبو رجاء: "ولا تَشْطُطْ" بفتح التاء وضم الطاء الأولى. بمعنى: ولا تبعد عن الحق. يقال: أَشَطَّ يُشِطُّ إذا جار في القول والحكم، وشَطّ يَشُطُّ إذا بَعُد. * * ثم قال تعالى: ﴿وَٱهْدِنَآ إِلَىٰ سَوَآءِ ٱلصِّرَاطِ﴾ ، أي: وارشدنا إلى قصد الطريق المستقيم في الحق. * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ هَذَآ أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً﴾، الآية. هذا مثل ضربه الملكان لداود، وذلك أن داود كان له تسع وتسعون امرأة، وكانت للرجل الذي أعزاه داود حتى قُتل، امرأة واحدة، فلما قتل تزوجها فيما ذكر. قال وهب بن منبه: إن هذا أخي، أي على ديني. والعرب تُكَنِّي عن المرأة بالنعجة والشاة. وقرأة الحسن بفتح التاء من "تَسع وتَسعين" وهي لغة قليلة. وقرأ ابن مسعود: "تِسْعٌ وتَسِعُونَ نَعْجَةً أُنْثَى" على التأكيد، كقولهم: رجل ذَكَر؟. ولا يؤنث بهذا التأنيث إلا ما تأنيثه وتذكيره في نفسه كالرجل والمرأة، فإن كان تأنيثه وتذكيره في اسمه (لم يُقَلْ) فيه أنثى ولا ذكر، نحو: دار، وملحفة، وشبه ذلك. وقيل: عنى بذلك أنها حسنة. فأنثى تدل على أنها حسنة. ثم قال تعالى ذكره: ﴿فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا﴾، أي: أنزل عنها وضُمَّها إليَّ. قال ابن زيد: أكفلنيها: أعطنيها، أي: طلقها لي أنكحها. ﴿وَعَزَّنِي فِي ٱلْخِطَابِ﴾، أي: صار أعزَّ مني في مخاطبته إياي لأنه إن تكلم فهو أبين مني، وإن بطش كان أشد مني فقهرني وغلبني. قال قتادة: وعزني في الخطاب: ظلمني وقهرني. وقرأ ابن مسعود: "وَعَازَّنِي". يقال: عَازَّه (إذا غالبه، وَعَزَّهُ): إذا غلبه، ومنه قولهم: "مَنْ (عَزَّ بَزَّ)". * * ثم قال تعالى: ﴿قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَىٰ نِعَاجِهِ﴾، أي: قال داود للمتكلم منهما: لقد ظلمك صاحبك بسؤاله إياك أن يضم نعجتك إلى نعاجه. * * ﴿وَإِنَّ كَثِيراً مِّنَ ٱلْخُلَطَآءِ لَيَبْغِيۤ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ﴾، أي: وإن كثيراً من الشركاء ليَتَعَدَّى بعضهم على بعض ﴿إِلاَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ﴾. قوله تعالى ذكره: ﴿وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ﴾ - إلى قوله - ﴿ٱلصَّافِنَاتُ ٱلْجِيَادُ﴾ أي: وأيقن داود أنما اختبرناه. ﴿فَٱسْتَغْفَرَ رَبَّهُ﴾، أي: سائل ربه المغفرة. ﴿وَخَرَّ رَاكِعاً﴾، أي: ساجداً لله. ﴿وَأَنَابَ﴾، أي: رجع عن خطيئته وتاب منها. وكان سبب اختبار الله عز وجل له - فيما ذكر ابن عباس - أن داود قال: يا رب، قد أعطيت إبراهيم وإسحاق ويعقوب من الذكر ما لَوَدِدْتُ أنك أعطيتني مثله. فقال الله جل ذكره له: إني ابتليتهم بما لم أبتلك به، فإن شئت ابتليتك بمثل ما ابتليتهم به، وأعطيتك كما أعطيتهم، قال: نعم، فأقام ما شاء الله أن يُقيم وطال ذلك حتى كاد أن ينساه. فبينما هو في محرابه إذ وقعت عليه حمامة فأراد أن يأخذها فطارت إلى كوة كانت في المحراب، فذهب ليأخذها، فطارت. فاطلَّع من الكوة فرأى امرأة تغتسل. فنزل نبي الله ﷺ من المحراب وأرسل إليها، فجاءته، فسألها عن زوجها وعن شأنها، فأخبرته أن زوجها غائب، فكتب إلى أمير تلك السَّرِيَّةِ أن يُؤْمِّرَهُ على السرايا لِيَهْلَكَ زوجها، ففعل. فكان يصاب أصحابه وينجو وربما نصروا. وإن الله لما رأى الذي وقع فيه داود أراد أن يستنفذه، فبينما داود ذات يوم في محرابه إذ تسور عليه الخصمان من قبل وجهه. فلما رآهما وهو يقرأ فَزِعَ وسكت، وقال: لقد اسُتضعفت في مُلكي حتى إن الناس يتسورون علي في محرابي، قالا له: لا تخف، خصمان بغى بعضنا على بعض فلم يكن لنا بد من أن نأتيكا فاسمع منا. قال أحدهما. ﴿إِنَّ هَذَآ أَخِي﴾ - إلى ﴿وَعَزَّنِي فِي ٱلْخِطَابِ﴾. قال له داود: أنت كنت أحوجَ إلى نعجتك منه، لقد ظلمك بسؤاله إياك نعجتك ونسي نفسه ﷺ. فنظر الملكان أحدهما إلى الآخر حين قال ذلك، فتبسم أحدهما إلى الآخر فرآه داود فعلم أنه فتن، فاستغفر ربه وخر راكعاً وأناب أربعين ليلة حتى نبتت الخضرة من عينيه ثم شدد الله له ملكه. روى ابن أبي الدنيا أن وهب بن منبه قال: لم يرفع داود عليه السلام رأسه من السجود حتى قال له الملكان: أول أمرك ذنب وآخره معصية، ارفع رأسك، فرفع رأسه. وعن وهب أنه قال: لما رفع داود رأسه من (السجدة رفع رأسه) وقد زَمِنَ ورعش. قال: فاعتزل نساءه ثم بكى حتى خددت الدموع وجهه. وقال عطاء الخراساني: "إن داود نقش خطيئته في كفه لكي لا ينساها، فكان إذا رآها اضطربت يداه. وقال وهب بن منبه: كتب داود في كفه: داود الخطاء. وقال يحيى بن أبي كثير لما أصاب داود الخطيئة نفرت الوحوش من حوله، فنادى: إلهي، رُدَّ عليَّ الوحش كي آنس بها فرد الله تبارك وتعالى عليه الوحش فَأَحَطْنَ به وأصغين بأسماعهن نحوه. قال: ورفع صوته يقرأ الزبور ويبكي على نفسه فنادته هيهات هيهات يا داود، ذهبت الخطيئة بحلاوة صوتك. وروي عن النبي ﷺ أنه قال: "مَثَلُ عَيْنَيْ دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ مَثَلُ الْقِرْبَتَينِ تَنْظِفَانِ بالمَاءِ. لَقَدْ خَدَّدَتِ الدُّمُوعُ وَجْهَ دَاودَ خَديدَ المَاءِ في الأرْضِ وروى أبو مسهر عن سعيد بن عبد العزيز أنه قال: قالو: لو جُمِعت دموع أهل الأرض إلى دموع آدم ﷺ لكانت دموع آدم أكثر، ولو جمعت دموع أهل الأرض ودموع آدم إلى دموع ابن آدم الذي قتل أخاه لكانت دموع ابن آدم أكثر، ولو جمعت دموع أهل الأرض، ودموع آدم، ودموع ابن آدم إلى دموع يعقوب لكانت دموع يعقوب أكثر، ولو جمعت دموع أهل الأرض ودموع آدم ودموع ابن آدم ودموع يعقوب إلى دموع داود لكانت دموع داود أكثر. قال سعيد: "كان داود يجلس على ستة أفرشة فيبكي فيبل الأول فيُرفع حتى يبللها كلها، كلما بَلَّ واحداً رُفِع؛ وإن كان ليؤتى بالإناء ليشرب فما يفرغ منه حتى يتدفق من دموعه وروى إسماعيل بن عبيد الله: "إن داود النبي ﷺ كان يعاتب في كثرة البكاء، فيقول: ذروني أبكي قبل يوم البكاء، قبل تحريق العظام واشتعال اللحى، وقبل أن يؤمر بي ﴿مَلاَئِكَةٌ غِلاَظٌ شِدَادٌ لاَّ يَعْصُونَ ٱللَّهَ مَآ أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم: ٦]. قال محمد بن المنكدر مكث آدم ﷺ في الأرض أربعين سنة ما يبدي عن واضحة ولا ترقئ له دمعة. فقالت له حواء: إنَّا قد استوحشنا إلى أصوات الملائكة فادع ربك فيسمعنا أصواتهم. فقال لها: ما زلت مستحيياً من ربي عز وجل أن أرفع طرفي إلى أديم السماء مما صنعت. وقال محمد بن خوات: إن داود النبي ﷺ لما أطال البكاء على نفسه، قيل له: اذهب إلى قبر زوج المرأة فاستوهبه ما صنعت، فأتى القبر، وأَذِنَ الله لصاحب القبر أن يتكلم، فناداه: أنا داود ولك عندي مظلمة، قال: قد غفرتها لك، قال: فانصرف داود وقد طابت نفسه، فأوحى الله عز وجل إليه أن ارجع فبين له الذي صنعت فرجع، فأخبره، فناداه صاحب القبر يا داود، هكذا يفعل الأنبياء! قال بكر بن عبيد الله المُزني: مكث داود النبي عليه السلام ساجداً أربعين يوماً يبكي على خطيئته حتى نبت البقل من دموعه، ثم زفر زفرة فهاج العودة فاحترق، فنودي أظمآن أنت فَتُسقَى؟ أجائع فتطعم؟ أعاري فتُكسى؟ قال: لا، ولكن خطيئتي أثقلت ظهري، فلم يُرْجَعُ إليه بشيء، فازداد بكاء حتى انقطع صوته، فكان لا يُسمع له إلاّ كهيئة الأنين، فعند ذلك غُفِرَ له. وقال الحسن: بكاء داود عليه السلام بعد ما غُفرت له الخطيئة أكثر من بكائه قبل المغفرة، فقيل له: أليس قد غُفر لك يا نبي الله؟ ! قال: فكيف بالحياء من الله عز وجل. قال كعب: كان داود عليه السلام يختار مجالسة المساكين، ويُكثر البكاء ويقول: رب اغفر للمساكين والخطائين حتى تغفر لي معهم، وكان قبل ذلك يدعو على الخطائين. قال أبو عبد الرحمن الحبلي: ما رفع داود رأسه إلى السماء بعد خطيئته حتى مات. ورُوي أنه كان إذا ذكر عقاب الله عز وجل تخلعت أوصاله، فإذا ذكر رحمة الله تراجعت. وروى أشهب عن مالك أنه قال: بلغني أن تلك الحمامة أتت فوقعت قريباً من داود وهي من ذهب، فلما رآها أعجبته فقام ليأخذها، فكانت قرب يده، ثم طارت فَأَتْبَعَهَا بَصَرَهُ، فوقعت عينه على تلك المرأة وهي تغسل ولها شعر طويل. فبلغني أنه أقام أربعين ليلة ساجداً حتى نبت العشب من دموع عينيه. ويراد بالركوع في هذا الموضع: السجود. قال السدي: كان داود قد قسم الدهر ثلاثة أيام: يوماً يقضي فيه بين الناس ويوماً يخلو فيه لعبادة ربه عز وجل، ويوماً يخلو فيه لنسائه، وكان له تسع وتسعون امرأة، وكان فيما يقرأ من الكتب: فضل إبراهيم وإسحاق ويعقوب صلى الله عليهم وسلم. فلما وجد ذلك فيما يقرأ من الكتب قال: يا رب، إن الخير قد ذهب به آبائي، فأعطني مثل ما أعطيتهم. فأوحى الله إليه أن آباءك ابتلوا ببلاء لم تبتل به، ابتلي إبراهيم بذبح ابنه فصبر، وابتلي إسحاق بذهاب بصره، وابتلي يعقوب بحزنه على يوسف، وإنك لم تبتل أنت من ذلك الشيء. فقال: يا رب، ابتلني بمثل ما ابتليتهم وأعطني مثل ما أعطيتهم. قال: فأوحى الله عز وجل إليه أنك مبتلى فاحترس، قال: فمكث ما شاء الله أن يمكث إذ جاءه الشيطان وقد تمثل له في صورة حمامة من ذهب حتى وقع عند رجليه وهو قائم يصلي قال: فمد يده ليأخذه فتنحى، فتبعه فتباعد حتى وقع في كوة، فذهب ليأخذه، فطار من الكوة فنظر أين (يقع فيبعث) في أثره، قال: فأبصر امرأة تغتسل في سطح لها، فرأى امرأة من أجمل الناس خَلْقاً، فحانت منها التفاتة فأبصرته، فألقت شعرها فاستترت به. قال: فزاده ذلك فيها رغبة. قال: فسأل عنها فأخبر أن لها زوجاً وأن زوجها غائب بمسلحة كذا وكذا. (قال: فبعث إلى صاحب المسلحة وأمره أن يبعث به إلى عدو كذا وكذا). قال فبعثه ففتح له قال: فكتب إليه بذلك. قال فكتب إليه أن أبعثه إلى عدو كذا وكذا - أشد منهم بأساً - قال: فبعثه ففتح له أيضاً، ثم كتب إليه ثالثة فبعثه فقتل. قال: وتزوج امرأته، فلما دخلت عليه لم تلبث عنده إلا يسيراً حتى بعث الله ملكين في صورة إنسيين فطلبا أن يدخلا عليه، فتسورا عليه المحراب. قال: فما شعر وهو يصلي إلا وهما بين يديه جالسين قال: ﴿فَفَزِعَ مِنْهُمْ﴾، فقالا: ﴿لاَ تَخَفْ﴾ لا تخف، إنما نحن ﴿خَصْمَانِ بَغَىٰ بَعْضُنَا عَلَىٰ بَعْضٍ﴾ - إلى قوله - ﴿سَوَآءِ ٱلصِّرَاطِ﴾، قال: قصّا قصتكما قال: فقال أحدهما: إن هذا أخي له تسع وتسعون نعجة ولي نعجة واحدة، وهو يريد أخذ نعجتي فيكمل بها نعاجه مائة! فقال للآخر: ما تقول؟ فقال: إن لي (تسعاً وتسعين) نعجة ولأخي هذا نعجة واحدة. قال: فأنا أريد أن آخذها منه فأكمل بها نعاجي مائة؟! قال: (وهو كاره). قال: إذا (لا ندعك) وذلك. قال: ما أنت على ذلك بقادر. قال: فإن ذهبت تروم ذلك (أو لم ترد ذلك ضربنا منك هذا وهذا وهذا يريد طرف الأنف، وأصل الأنف، والجبهة قال: يا داود، أنت أحق أن يضرب منه هذا وهذا وهذا حيث لك تسع وتسعون امراة ولم يكن لاوريا إلا امرأة واحدة، (فلم تزل) تعرضه للقتل حتى قُتل، وتزوجت امرأته. قال: فنظر داود الرجلين فلم ير شيئاً فعرف ما قد وقع فيه فخر ساجداً. - وهو موضع السجود عند مالك. وروي أن رجلاً من الأنصار - على عهد النبي ﷺ - كان يصلي من الليل مستتراً بشجرة وهو يقرأ "ص"، فلما بلغ السجدة سجد وسجدت معه الشجرة، فسمعها وهي تقول: اللهم أعظم لي بهذه السجدة أجراً، وارزقني بها شكراً، وضع عني بها وزراً، وتقبلها مني كما تقبلت من عبدك داود سجدته. فلما أصبح الرجل ذكر ذلك لرسول الله ﷺ. فقال رسول الله: نحن أحق أن يقول ذلك. فكان ﷺ إذا سجد يقول ذلك. قال عقبة بن عامر الجهني: من قرأ (ص) ولم يسجد فيها فلا عليه ألا يقرأ بها. قال: فبكى أربعين يوماً لا يرفع رأسه إلا لحاجة، ثم يقع ساجداً يبكي حتى نبت العشب من دموع عينيه، قال: فأوحى الله عز وجل إليه بعد أربعين يوماً: يا داود، ارفع رأسك فقد غفرت لك. قال: يا رب، كيف أعلم أنك قد غفرت لي وأنت حكم عدل لا تحيف في القضاء، إذا جاء أوريا يوم القيامة آخذ رأسه بيمينه، أو بشماله، تشخب أوداجه دماً، يقول: يا رب، سل هذا فيم قتلني؟ قال: فأوحى الله عز وجل إليه: إذا كان ذلك (دعوت أوريا). فاستوهبتك منه، فيهبك لي، فأثيبه بذلك الجنة. قال: رب، الآن علمت أنك قد غفرت لي. قال: فما استطاع ان يملأ عينيه من السماء حياء من ربه حتى قبض ﷺ. وقيل: اسم الرجل أوريا بن حيان. وقال الحسن: جزأ داود الدهر أربعة أجزاء: يوماً لنسائه، ويوماً لعبادة ربه، ويوماً لقضاء بني إسرائيل، ويوماً لبني إسرائيل يذاكرهم ويذاكرونه، ويبكيهم ويبكونه. قال: فلما كان يوم بني إسرائيل، قال: ذَكَرُوا فقالو: هل أتى على الإنسان يوم لا يصيب فيه ذنباً؟ فأضمر داود في نفسه أنه سيطيق ذلك. فلما كان يوم عبادته أغلق أبوابه وأمر ألا يدخل عليه أحد، وأكب على التوراة. فبينما هو يقرؤها إذا حمامة من ذهب، فيها من كل لون (حَسَنٍ، قد وقعت بين يديه، فأهوى إليها ليأخذها، قال: فطارت فوقعت غير بعيدة من غير أن تؤيسه من نفسها. قال: فما زال يتبعها حتى أشرف على امرأة تغتسل فأعجبه خلقها وحسنها. قال: فلما رأت ظله في الارض جللت نفسها بشعرها فزاده ذلك إعجاباً بها. وكان قد بعث زوجها على بعض جيوشه، فكتب إليه أن يسر إلى مكان كذا وكذا - مكانٌ إذا صار إليه لم يرجع - قال: ففعل، فأصيب، فخطبها، فتزوجها. قال قتادة: بلغنا أنها أم سليمان. قال الحسن: فبينما هو في المحراب إذ تسور الملكان عليه - وكان الخصمان إذا أتوه يأتونه من باب المحراب - ففزع منهم حين تسوروا المحراب، فقالا: لا تخف، خصمان بغى بعضنا على بعض. وذكر نحو الحديثين المتقدمين. وقيل: إن خطيئته هي قوله: لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه من غير ثبت بينة ولا إقرار من الخصم ولا سؤال لخصمه: هل كان هذا هكذا أو لم يكن. وهو قول شاذ. وقال ابن الأعرابي: قال كعب: سجد داود نبي الله ﷺ أربعين ليلة لم يرفع رأسه حتى رقأ دمعه ويبس رأسه. فكان من آخر دعائه وهو ساجد أن قال: يا رب رزقتني العافية، فسألتك البلاء، فلما ابتليتني لم أصبر فإن تعذبني فأنا أهل ذلك، وإن تغفر لي فأنت أهل ذلك - يقولها في نفسه - فعلم الله عز وجل ما قال فإذا جبريل عليه السلام على رأسه قائم يقول له: يا داود، إن الله قد غفر لك فارفع رأسك فلم يلتفت إليه، وناجى ربه وهو ساجد فقال: يا رب، وكيف تغفر لي وأنت الحكم العدل، وقد فعلت بالرجل ما فعلت؟ قال: فنزل الوحي عليه: صدقت يا داود أنا الحكم العدل، ولكن إذا كان يوم القيامة دفعتك إلى أوريا سلماً، ثم استوهبتك منه، فيهبك لي، فأثيبه الجنة. قال داود: الآن أعلم أنك قد غفرت لي. قال: فذهب داود يرفع رأسه فاذا هو يابس لا يستطيع. قال: فمسحه جبريل عليه السلام بريشة فانبسط. قال: فأوحى الله عز وجل إليه بعد ذلك: يا داود: قد أحللت لك امرأة أوريا فتزوجها، فتزوجها داود ﷺ، فولدت له سليمان عليه السلام، لم تلد قبله شيئاً ولا بعده. قال كعب: فوالله لقد كان داود بعد ذلك ليظل صائماً في اليوم الحار فيقرب إليه الشراب فإذا قربه إلى فيه ذكر خطيئته فيبكي في الشراب حتى يفيض ثم يرده ولا يشربه. وروى الأوزاعي عن بعض أهل المدينة أنه قال: مثل عيني داود كمثل القربتين تنطفان الماء، لقد خدد الدمع في وجهه كخديد الماء في الأرض. ويروى أن داود بات لربه عز وجل مصلياً حتى أصبح فذهب الى نهر ليتوضأ، فقال: الحمد لله، لقد عبدت الله الليلة عبادة ما عبده أحد إياها من أهل الأرض. فكَلَّمَه ضفدع من الماء فقالت: جلا يا أبا سليمان، فوالله إن لي لثلاثاً من الدهر ما جمعت بين فقمي تسبيحاً لله. وروي عن ابن مسعود وابن عباس أن داود عليه السلام ما زاد على أن قال للرجل: انزل لي عن امرأتك، فعاتبه الله على ذلك ونبهه عليه. * * ثم قال تعالى: ﴿فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ﴾، أي ذلك الذنب. ﴿وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لَزُلْفَىٰ﴾، أي: لقربة يوم القيامة. قال الضحاك: لمنزلة رفيعة. * * ثم قال: ﴿وَحُسْنَ مَـآبٍ﴾، أي: حسن مصير. قال السدي: حسن منقلب. وقال الضحاك: حسن مرجع. وقال مجاهد: يبعث داود النبي عليه السلام وذكر خطيئته، ووجلُه منها في قلبه، منقوشةٌ في كفه. فإذا رأى أهاويل الموقف لم يجد منها متعوذاً وا محرزاً إلا برحمة الله تبارك وتعالى وقربه، فيلجأ إليه تبارك وتعالى، فيشار إليه أن هاهنا عن يسار العرش، ثم يعلق فيقال له هاهنا عن يمين العرش. وذلك قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لَزُلْفَىٰ وَحُسْنَ مَـآبٍ﴾. وقال مالك بن دينار: يقام داود عليه السلام يوم القيامة عند ساق العرش، ثم يقول: يا داود، مجدني بذلك الصوت الحسن الرخيم الذي كنت تمجدني به في الدنيا. فيقول يا رب، كيف وقد سلبتنيه؟! فيقول: إني سأرده عليك. قال: فيدفع داود بصوت يستفرغ به نعيم أهل الجنان. ﴿فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ﴾: تمام حسن. * * ثم قال تعالى: ﴿يٰدَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي ٱلأَرْضِ﴾، أي: فغفرنا له ذلك الذنب، وقلنا له: يا داود، إنا جعلناك خليفة في الأرض، أي استخلفناك في الارض من بعد من كان قبلك من رسلنا حكماً بين أهل الارض. ﴿فَٱحْكُمْ بَيْنَ ٱلنَّاسِ بِٱلْحَقِّ﴾، أي: بالعدل والإنصاف. ﴿وَلاَ تَتَّبِعِ ٱلْهَوَىٰ﴾، أي: لا توثر هواك في قضائك على العدل فتجور في الحكم فيضلك هواك عن سبيل الله. ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ﴾، أي: يميلون عن الحق الذي أمر الله به. ﴿لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدُ﴾، أي: يوم القيامة. ﴿بِمَا نَسُواْ يَوْمَ ٱلْحِسَابِ﴾، أي: بتركهم العمل ليوم القيامة. قال عكرمة: هذا من التقديم والتأخير. والتقدير عنده: لهم يوم الحساب عذاب شديد بما نسوا أي: بما تركوا أمر الله والقضاء بالعدل. فالعامل في "يوم" في القول الأول: "نسوا" هو مفعول به والعامل فيه في القول الثاني "لهم" وهو ظرف. وكان ابن عباس يسجد عند قوله: "وأناب"، ويقول: ﴿أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ ٱقْتَدِهْ﴾. * * ثم قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَآءَ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً﴾، أي: عبثاً ولعباً بل خُلِقَا ليُعمل فيهما بالطاعة. ثم قال تعالى ذكره: ﴿ذَلِكَ ظَنُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾، أي: خلق السماء والأرض وما بينهما لغير حساب ولا بعث ولا عمل، هو ظن الذين كفروا فويل لهم من النار. * * ثم قال: ﴿أَمْ نَجْعَلُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ كَٱلْمُفْسِدِينَ فِي ٱلأَرْضِ﴾. هذا رد لقول الكفار، لأنهم كانوا يقولون: ليست ثمَّ عقوبة ولا نار، فالكافر والعاصي يَسْعَدَان باللذات، والمطيع يشقى، ومصيرهما إلى شيء واحد فرد الله عليه بأنه لم يجعل المتقين كالفجار في الآخرة، ولا الصالح كالمفسد. * * ثم قال: ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ﴾، (أي: هذا القرآن كتاب أنزله الله إليك يا محمد مبارك) على من آمن به، أنزله: ﴿لِّيَدَّبَّرُوۤاْ آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُواْ ٱلأَلْبَابِ﴾ ليعتبروا آياته وليتذكر به أولوا العقول. * * ثم قال: ﴿وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ﴾، أي: وُلِدَ إليه. ﴿نِعْمَ ٱلْعَبْدُ﴾، أي: ممدوح في طاعة ربه. ﴿إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾، أي: رجاع إلى طاعة الله عز وجل تواب إليه سبحانه، وقيل: الأواب: الكثير الذكر. وقال ابن عباس: الأواب: المسبح. وقال قتادة: مطيعاً كثير الصلاة. وقال ابن المسيب: هو الذي يذنب ثم يتوب، ثم يذنب ثم يتوب. وقيل: هو الذي يذكر ذنبه في الخلاء، ثم يتوب منه ويستغفر. * * ثم قال تعالى: ﴿إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِٱلْعَشِيِّ ٱلصَّافِنَاتُ ٱلْجِيَادُ﴾، أي: هو تواب في هذا الوقت. والصافنات: جمع صافن من الخيل، والأنثى: صافنة. والصافن: الذي يجمع بين يديه، ويثني طرف سنبك إحدى رجليه. وقيل: هو الذي يجمع بين يديه. وزعم الفراء أن الصافن هو القائم. وقال مجاهد: صفون الفرس: "رفع إحدى يديه حتى تكون على طرف الحافر". وقال قتادة: صفونها: قيامها وبسطها قوائمها. وقال ابن زيد: الصافنات: الخيل، أخرجها الشيطان لسليمان من مرج من مروج البحر. والصفن أن تقوم على ثلاث وترفع رجلاً واحدة تكون على طرف الحافر على الأرض. قال ابن زيد: وكانت لها أجنحة. (والجياد: السريعة. روي أنها كانت عشرين فرسا ذات أجنحة).

ص 38:25

هذا قوله تعالى ذكره: ﴿ٱصْبِر عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ﴾ - إلى قوله - ﴿وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ﴾ منسوخ بالأمر بالقتال، أمر الله جل ذكره نبيه ﷺ بالصبر على قول المشركين والاحتمال منهم، وقد علم تعالى أنه سيأمره بقتالهم في وقت آخر، فينسخ الآخر الأول. * * ثم قال: ﴿وَٱذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا ٱلأَيْدِ﴾، أي: ذا القوة والبطش الشديد في ذات الله عز وجل والصبر على طاعته. يقال: أيد وآد للقوة, كما يقال: العيب والعاب قال قتادة: "أُعْطِيَ داود قوة في العبادة وفقهاً في الإسلام، وذُكِرَ أنه كان يقوم الليل ويصوم نصف الدهر. * * وقوله: ﴿إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾، أي: رَجَّاعٌ عما يكره الله عز وجل إلى ما يرضاه أواب وهو فعَّال للتكثير من آب يئوب إذا رجع. قال مجاهد: أواب: رجاع عن الذنوب. قال قتادة: كان مطيعاً لله عز وجل كثير الصلاة. وقال السدى: الأوَّاب: المسبح. ويروى أنه قام ليلة إلى الصباح فكأنه أُعْجِبَ بذلك فقيل لضفدع كلميه في أصل مِحْرَابِه، فقالت له: يا داود، تَعْجَبُ لقيام ليلة! هذا مقامي منذ عشرين سنة شكراً لله عز وجل حين سلَّم بيضي. قال وهب: كان داود قد قسم الدهر أثلاثا، فيصير: يوم للعبادة، ويوماً للقضاء بين الناس، ويوما لقضاء حوائج أهله. * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّا سَخَّرْنَا ٱلجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِٱلْعَشِيِّ وَٱلإِشْرَاقِ﴾، أي: يسبحن مع داود من وقت العصر إلى الليل، ومن صلاة الصبح إلى وقت صلاة الضحى. يقال: أشرقت الشمس: إذا أضاءت وصفت، وشرقت إذا طلعت. قال قتادة: كان داود إذا سبح سبحت الجبال معه. واستدل ابن عباس على نص صلاة الضحى في القرآن بهذه الآية ﴿بِٱلْعَشِيِّ وَٱلإِشْرَاقِ﴾، لأنه من أشرقت الشمس إذا صفت وأضاءت. فإذا صلى داود العصر وسبَّحَ سبحت الجبال معه، وإذا صلى الضحى (سبح وسبحت) الجبال معه. * * ثم قال: ﴿وَٱلطَّيْرَ مَحْشُورَةً﴾، أي وسخرنا الطير مجموعة تسبح معه. ﴿كُلٌّ لَّهُ أَوَّابٌ﴾، أي: رجاع لأمره ومطيع له. فالهاء لداود وقيل: إلهاء لله عز وجل. والمعنى كل لله مطيع، مسبح له. فكل "في القول الأولى للطير، وفي هذا الثاني: يجوز أن يكون للطير، ويجوز أن يكون لداود والجبال والطير. ورُوي أنه كان إذا سبح أجابته الجبال واجتمعت إليه الطير فسبحت معه. وقال قتادة: محشورة: مسخرة. * * ثم قال: ﴿وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ﴾. قال السدي: كان حرسه في كل يوم وليلة أربعة آلاف. وذكر ابن عباس أن الله جل ذكره شدد ملكه هيبة لقضية قضاها في بنى إسرائيل وذلك أن رجلاً استعدى على رجل من عظمائهم فاجتمعا عند داود، فقال المُسْتَعْدَى: إن هذا غصبني بقراً لي. فسأل الرجل عن ذلك فجحده، فسأل الآخر البيِّنة فلم تكن له بينة، فقال لهما: قُوَما حتى أنظر في أمركما فقاما. فأوحى الله عز وجل إلى داود في منامه أن يقتل الرجل الذي ستُعدي عليه. فقال: هذه رؤيا ولست أعجل حتى أتثبت، فأَوْحَى إليه مرة أخرى أن يقتُلَه، وأوحى إليه ثالثة (أن يقتله) أو تأتيه العقوبة من الله عز وجل، فأرسل داود إلى الرجل أن الله قد أوحى إليّ أن أقتلك، فقال الرجل: تقتلني بغير بينة ولا تثبت! فقال له داود: نعم، والله لأنفِّذْنَ أمر الله عز جل فيك. فلما عرف الرجل أنه قاتله قاله له: لا تعجل عليّ حتى أخبرك، إني والله ما أُخِذْتُ بهذا الذنب ولكني كنت اغتلت وَلَدَ هذا فقتلته فبذلك قُتِلتُ. فأمر به داود، فَقُتِلَ. فاشتدت هيبته في بني إسرائيل لذلك وشد الله به ملكه. * * ثم قال تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُ ٱلْحِكْمَةَ﴾. قال السدى: هي النبوة. وقال قتادة: الحكمة: السُّنَّة. * * وقوله: ﴿وَفَصْلَ ٱلْخِطَابِ﴾. قال ابن عباس ومجاهد والسدي: فصل الخطاب: الفهم في علم القضاء. وقال ابن زيد: أعطي فصل ما يتخاطب الناس به بين يديه في الخصومات. وقال شريح: فصل الخطاب: الشاهدان على المدعي، واليمين على المنكر، وهو قول قتادة. وقال الشعبي: يمين وشاهد، وعن الشعبي: هو: أما بعد. * * ثم قال تعالى: ﴿وَهَلْ أَتَاكَ نَبَؤُاْ ٱلْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُواْ ٱلْمِحْرَابَ﴾، أي: وهل أتاك يا محمد خبر الخصم. والخصم هنا يراد به الملكان، لكن لا تظهر فيه تثنية ولا جمع لأنه مصدر من خصمته خصماً. والأصل فيه: وهل أتاك نبأ ذوي الخصم ويجوز أن يثنى ويجمع، ودل على ذلك قوله: خصمان. * * وقوله: ﴿إِذْ تَسَوَّرُواْ ٱلْمِحْرَابَ﴾، أي إذ دخلوا عليه من غير بابه. والمحراب: مقدم كل شيء ومجلسه وأشرفه. * * ثم قال تعالى: ﴿إِذْ دَخَلُواْ عَلَىٰ دَاوُودَ﴾، أي: لما دخلوا على داود المحراب. ﴿فَفَزِعَ مِنْهُمْ﴾، أي: فراعه دخولهما من غير مدخل الناس عليه. وقيل: إنما فزع لأنهما دخلا عليه ليلاً من غير وقت نظره بين الناس. ﴿قَالُواْ لاَ تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَىٰ﴾، أي: قال الملكان: لا تخف منا نحن خصمان. ﴿بَغَىٰ بَعْضُنَا عَلَىٰ بَعْضٍ﴾، أي: تعدَّى أحدنا على صاحبه. ﴿فَٱحْكُمْ بَيْنَنَا بِٱلْحَقِّ﴾، أي: فاقض بيننا بالعدل. ﴿وَلاَ تُشْطِطْ﴾، أي: لا تجر، وقال قتادة ولا تمل، وقال السدى: لا تخف. وقرأ الحسن وأبو رجاء: "ولا تَشْطُطْ" بفتح التاء وضم الطاء الأولى. بمعنى: ولا تبعد عن الحق. يقال: أَشَطَّ يُشِطُّ إذا جار في القول والحكم، وشَطّ يَشُطُّ إذا بَعُد. * * ثم قال تعالى: ﴿وَٱهْدِنَآ إِلَىٰ سَوَآءِ ٱلصِّرَاطِ﴾ ، أي: وارشدنا إلى قصد الطريق المستقيم في الحق. * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ هَذَآ أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً﴾، الآية. هذا مثل ضربه الملكان لداود، وذلك أن داود كان له تسع وتسعون امرأة، وكانت للرجل الذي أعزاه داود حتى قُتل، امرأة واحدة، فلما قتل تزوجها فيما ذكر. قال وهب بن منبه: إن هذا أخي، أي على ديني. والعرب تُكَنِّي عن المرأة بالنعجة والشاة. وقرأة الحسن بفتح التاء من "تَسع وتَسعين" وهي لغة قليلة. وقرأ ابن مسعود: "تِسْعٌ وتَسِعُونَ نَعْجَةً أُنْثَى" على التأكيد، كقولهم: رجل ذَكَر؟. ولا يؤنث بهذا التأنيث إلا ما تأنيثه وتذكيره في نفسه كالرجل والمرأة، فإن كان تأنيثه وتذكيره في اسمه (لم يُقَلْ) فيه أنثى ولا ذكر، نحو: دار، وملحفة، وشبه ذلك. وقيل: عنى بذلك أنها حسنة. فأنثى تدل على أنها حسنة. ثم قال تعالى ذكره: ﴿فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا﴾، أي: أنزل عنها وضُمَّها إليَّ. قال ابن زيد: أكفلنيها: أعطنيها، أي: طلقها لي أنكحها. ﴿وَعَزَّنِي فِي ٱلْخِطَابِ﴾، أي: صار أعزَّ مني في مخاطبته إياي لأنه إن تكلم فهو أبين مني، وإن بطش كان أشد مني فقهرني وغلبني. قال قتادة: وعزني في الخطاب: ظلمني وقهرني. وقرأ ابن مسعود: "وَعَازَّنِي". يقال: عَازَّه (إذا غالبه، وَعَزَّهُ): إذا غلبه، ومنه قولهم: "مَنْ (عَزَّ بَزَّ)". * * ثم قال تعالى: ﴿قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَىٰ نِعَاجِهِ﴾، أي: قال داود للمتكلم منهما: لقد ظلمك صاحبك بسؤاله إياك أن يضم نعجتك إلى نعاجه. * * ﴿وَإِنَّ كَثِيراً مِّنَ ٱلْخُلَطَآءِ لَيَبْغِيۤ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ﴾، أي: وإن كثيراً من الشركاء ليَتَعَدَّى بعضهم على بعض ﴿إِلاَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ﴾. قوله تعالى ذكره: ﴿وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ﴾ - إلى قوله - ﴿ٱلصَّافِنَاتُ ٱلْجِيَادُ﴾ أي: وأيقن داود أنما اختبرناه. ﴿فَٱسْتَغْفَرَ رَبَّهُ﴾، أي: سائل ربه المغفرة. ﴿وَخَرَّ رَاكِعاً﴾، أي: ساجداً لله. ﴿وَأَنَابَ﴾، أي: رجع عن خطيئته وتاب منها. وكان سبب اختبار الله عز وجل له - فيما ذكر ابن عباس - أن داود قال: يا رب، قد أعطيت إبراهيم وإسحاق ويعقوب من الذكر ما لَوَدِدْتُ أنك أعطيتني مثله. فقال الله جل ذكره له: إني ابتليتهم بما لم أبتلك به، فإن شئت ابتليتك بمثل ما ابتليتهم به، وأعطيتك كما أعطيتهم، قال: نعم، فأقام ما شاء الله أن يُقيم وطال ذلك حتى كاد أن ينساه. فبينما هو في محرابه إذ وقعت عليه حمامة فأراد أن يأخذها فطارت إلى كوة كانت في المحراب، فذهب ليأخذها، فطارت. فاطلَّع من الكوة فرأى امرأة تغتسل. فنزل نبي الله ﷺ من المحراب وأرسل إليها، فجاءته، فسألها عن زوجها وعن شأنها، فأخبرته أن زوجها غائب، فكتب إلى أمير تلك السَّرِيَّةِ أن يُؤْمِّرَهُ على السرايا لِيَهْلَكَ زوجها، ففعل. فكان يصاب أصحابه وينجو وربما نصروا. وإن الله لما رأى الذي وقع فيه داود أراد أن يستنفذه، فبينما داود ذات يوم في محرابه إذ تسور عليه الخصمان من قبل وجهه. فلما رآهما وهو يقرأ فَزِعَ وسكت، وقال: لقد اسُتضعفت في مُلكي حتى إن الناس يتسورون علي في محرابي، قالا له: لا تخف، خصمان بغى بعضنا على بعض فلم يكن لنا بد من أن نأتيكا فاسمع منا. قال أحدهما. ﴿إِنَّ هَذَآ أَخِي﴾ - إلى ﴿وَعَزَّنِي فِي ٱلْخِطَابِ﴾. قال له داود: أنت كنت أحوجَ إلى نعجتك منه، لقد ظلمك بسؤاله إياك نعجتك ونسي نفسه ﷺ. فنظر الملكان أحدهما إلى الآخر حين قال ذلك، فتبسم أحدهما إلى الآخر فرآه داود فعلم أنه فتن، فاستغفر ربه وخر راكعاً وأناب أربعين ليلة حتى نبتت الخضرة من عينيه ثم شدد الله له ملكه. روى ابن أبي الدنيا أن وهب بن منبه قال: لم يرفع داود عليه السلام رأسه من السجود حتى قال له الملكان: أول أمرك ذنب وآخره معصية، ارفع رأسك، فرفع رأسه. وعن وهب أنه قال: لما رفع داود رأسه من (السجدة رفع رأسه) وقد زَمِنَ ورعش. قال: فاعتزل نساءه ثم بكى حتى خددت الدموع وجهه. وقال عطاء الخراساني: "إن داود نقش خطيئته في كفه لكي لا ينساها، فكان إذا رآها اضطربت يداه. وقال وهب بن منبه: كتب داود في كفه: داود الخطاء. وقال يحيى بن أبي كثير لما أصاب داود الخطيئة نفرت الوحوش من حوله، فنادى: إلهي، رُدَّ عليَّ الوحش كي آنس بها فرد الله تبارك وتعالى عليه الوحش فَأَحَطْنَ به وأصغين بأسماعهن نحوه. قال: ورفع صوته يقرأ الزبور ويبكي على نفسه فنادته هيهات هيهات يا داود، ذهبت الخطيئة بحلاوة صوتك. وروي عن النبي ﷺ أنه قال: "مَثَلُ عَيْنَيْ دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ مَثَلُ الْقِرْبَتَينِ تَنْظِفَانِ بالمَاءِ. لَقَدْ خَدَّدَتِ الدُّمُوعُ وَجْهَ دَاودَ خَديدَ المَاءِ في الأرْضِ وروى أبو مسهر عن سعيد بن عبد العزيز أنه قال: قالو: لو جُمِعت دموع أهل الأرض إلى دموع آدم ﷺ لكانت دموع آدم أكثر، ولو جمعت دموع أهل الأرض ودموع آدم إلى دموع ابن آدم الذي قتل أخاه لكانت دموع ابن آدم أكثر، ولو جمعت دموع أهل الأرض، ودموع آدم، ودموع ابن آدم إلى دموع يعقوب لكانت دموع يعقوب أكثر، ولو جمعت دموع أهل الأرض ودموع آدم ودموع ابن آدم ودموع يعقوب إلى دموع داود لكانت دموع داود أكثر. قال سعيد: "كان داود يجلس على ستة أفرشة فيبكي فيبل الأول فيُرفع حتى يبللها كلها، كلما بَلَّ واحداً رُفِع؛ وإن كان ليؤتى بالإناء ليشرب فما يفرغ منه حتى يتدفق من دموعه وروى إسماعيل بن عبيد الله: "إن داود النبي ﷺ كان يعاتب في كثرة البكاء، فيقول: ذروني أبكي قبل يوم البكاء، قبل تحريق العظام واشتعال اللحى، وقبل أن يؤمر بي ﴿مَلاَئِكَةٌ غِلاَظٌ شِدَادٌ لاَّ يَعْصُونَ ٱللَّهَ مَآ أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم: ٦]. قال محمد بن المنكدر مكث آدم ﷺ في الأرض أربعين سنة ما يبدي عن واضحة ولا ترقئ له دمعة. فقالت له حواء: إنَّا قد استوحشنا إلى أصوات الملائكة فادع ربك فيسمعنا أصواتهم. فقال لها: ما زلت مستحيياً من ربي عز وجل أن أرفع طرفي إلى أديم السماء مما صنعت. وقال محمد بن خوات: إن داود النبي ﷺ لما أطال البكاء على نفسه، قيل له: اذهب إلى قبر زوج المرأة فاستوهبه ما صنعت، فأتى القبر، وأَذِنَ الله لصاحب القبر أن يتكلم، فناداه: أنا داود ولك عندي مظلمة، قال: قد غفرتها لك، قال: فانصرف داود وقد طابت نفسه، فأوحى الله عز وجل إليه أن ارجع فبين له الذي صنعت فرجع، فأخبره، فناداه صاحب القبر يا داود، هكذا يفعل الأنبياء! قال بكر بن عبيد الله المُزني: مكث داود النبي عليه السلام ساجداً أربعين يوماً يبكي على خطيئته حتى نبت البقل من دموعه، ثم زفر زفرة فهاج العودة فاحترق، فنودي أظمآن أنت فَتُسقَى؟ أجائع فتطعم؟ أعاري فتُكسى؟ قال: لا، ولكن خطيئتي أثقلت ظهري، فلم يُرْجَعُ إليه بشيء، فازداد بكاء حتى انقطع صوته، فكان لا يُسمع له إلاّ كهيئة الأنين، فعند ذلك غُفِرَ له. وقال الحسن: بكاء داود عليه السلام بعد ما غُفرت له الخطيئة أكثر من بكائه قبل المغفرة، فقيل له: أليس قد غُفر لك يا نبي الله؟ ! قال: فكيف بالحياء من الله عز وجل. قال كعب: كان داود عليه السلام يختار مجالسة المساكين، ويُكثر البكاء ويقول: رب اغفر للمساكين والخطائين حتى تغفر لي معهم، وكان قبل ذلك يدعو على الخطائين. قال أبو عبد الرحمن الحبلي: ما رفع داود رأسه إلى السماء بعد خطيئته حتى مات. ورُوي أنه كان إذا ذكر عقاب الله عز وجل تخلعت أوصاله، فإذا ذكر رحمة الله تراجعت. وروى أشهب عن مالك أنه قال: بلغني أن تلك الحمامة أتت فوقعت قريباً من داود وهي من ذهب، فلما رآها أعجبته فقام ليأخذها، فكانت قرب يده، ثم طارت فَأَتْبَعَهَا بَصَرَهُ، فوقعت عينه على تلك المرأة وهي تغسل ولها شعر طويل. فبلغني أنه أقام أربعين ليلة ساجداً حتى نبت العشب من دموع عينيه. ويراد بالركوع في هذا الموضع: السجود. قال السدي: كان داود قد قسم الدهر ثلاثة أيام: يوماً يقضي فيه بين الناس ويوماً يخلو فيه لعبادة ربه عز وجل، ويوماً يخلو فيه لنسائه، وكان له تسع وتسعون امرأة، وكان فيما يقرأ من الكتب: فضل إبراهيم وإسحاق ويعقوب صلى الله عليهم وسلم. فلما وجد ذلك فيما يقرأ من الكتب قال: يا رب، إن الخير قد ذهب به آبائي، فأعطني مثل ما أعطيتهم. فأوحى الله إليه أن آباءك ابتلوا ببلاء لم تبتل به، ابتلي إبراهيم بذبح ابنه فصبر، وابتلي إسحاق بذهاب بصره، وابتلي يعقوب بحزنه على يوسف، وإنك لم تبتل أنت من ذلك الشيء. فقال: يا رب، ابتلني بمثل ما ابتليتهم وأعطني مثل ما أعطيتهم. قال: فأوحى الله عز وجل إليه أنك مبتلى فاحترس، قال: فمكث ما شاء الله أن يمكث إذ جاءه الشيطان وقد تمثل له في صورة حمامة من ذهب حتى وقع عند رجليه وهو قائم يصلي قال: فمد يده ليأخذه فتنحى، فتبعه فتباعد حتى وقع في كوة، فذهب ليأخذه، فطار من الكوة فنظر أين (يقع فيبعث) في أثره، قال: فأبصر امرأة تغتسل في سطح لها، فرأى امرأة من أجمل الناس خَلْقاً، فحانت منها التفاتة فأبصرته، فألقت شعرها فاستترت به. قال: فزاده ذلك فيها رغبة. قال: فسأل عنها فأخبر أن لها زوجاً وأن زوجها غائب بمسلحة كذا وكذا. (قال: فبعث إلى صاحب المسلحة وأمره أن يبعث به إلى عدو كذا وكذا). قال فبعثه ففتح له قال: فكتب إليه بذلك. قال فكتب إليه أن أبعثه إلى عدو كذا وكذا - أشد منهم بأساً - قال: فبعثه ففتح له أيضاً، ثم كتب إليه ثالثة فبعثه فقتل. قال: وتزوج امرأته، فلما دخلت عليه لم تلبث عنده إلا يسيراً حتى بعث الله ملكين في صورة إنسيين فطلبا أن يدخلا عليه، فتسورا عليه المحراب. قال: فما شعر وهو يصلي إلا وهما بين يديه جالسين قال: ﴿فَفَزِعَ مِنْهُمْ﴾، فقالا: ﴿لاَ تَخَفْ﴾ لا تخف، إنما نحن ﴿خَصْمَانِ بَغَىٰ بَعْضُنَا عَلَىٰ بَعْضٍ﴾ - إلى قوله - ﴿سَوَآءِ ٱلصِّرَاطِ﴾، قال: قصّا قصتكما قال: فقال أحدهما: إن هذا أخي له تسع وتسعون نعجة ولي نعجة واحدة، وهو يريد أخذ نعجتي فيكمل بها نعاجه مائة! فقال للآخر: ما تقول؟ فقال: إن لي (تسعاً وتسعين) نعجة ولأخي هذا نعجة واحدة. قال: فأنا أريد أن آخذها منه فأكمل بها نعاجي مائة؟! قال: (وهو كاره). قال: إذا (لا ندعك) وذلك. قال: ما أنت على ذلك بقادر. قال: فإن ذهبت تروم ذلك (أو لم ترد ذلك ضربنا منك هذا وهذا وهذا يريد طرف الأنف، وأصل الأنف، والجبهة قال: يا داود، أنت أحق أن يضرب منه هذا وهذا وهذا حيث لك تسع وتسعون امراة ولم يكن لاوريا إلا امرأة واحدة، (فلم تزل) تعرضه للقتل حتى قُتل، وتزوجت امرأته. قال: فنظر داود الرجلين فلم ير شيئاً فعرف ما قد وقع فيه فخر ساجداً. - وهو موضع السجود عند مالك. وروي أن رجلاً من الأنصار - على عهد النبي ﷺ - كان يصلي من الليل مستتراً بشجرة وهو يقرأ "ص"، فلما بلغ السجدة سجد وسجدت معه الشجرة، فسمعها وهي تقول: اللهم أعظم لي بهذه السجدة أجراً، وارزقني بها شكراً، وضع عني بها وزراً، وتقبلها مني كما تقبلت من عبدك داود سجدته. فلما أصبح الرجل ذكر ذلك لرسول الله ﷺ. فقال رسول الله: نحن أحق أن يقول ذلك. فكان ﷺ إذا سجد يقول ذلك. قال عقبة بن عامر الجهني: من قرأ (ص) ولم يسجد فيها فلا عليه ألا يقرأ بها. قال: فبكى أربعين يوماً لا يرفع رأسه إلا لحاجة، ثم يقع ساجداً يبكي حتى نبت العشب من دموع عينيه، قال: فأوحى الله عز وجل إليه بعد أربعين يوماً: يا داود، ارفع رأسك فقد غفرت لك. قال: يا رب، كيف أعلم أنك قد غفرت لي وأنت حكم عدل لا تحيف في القضاء، إذا جاء أوريا يوم القيامة آخذ رأسه بيمينه، أو بشماله، تشخب أوداجه دماً، يقول: يا رب، سل هذا فيم قتلني؟ قال: فأوحى الله عز وجل إليه: إذا كان ذلك (دعوت أوريا). فاستوهبتك منه، فيهبك لي، فأثيبه بذلك الجنة. قال: رب، الآن علمت أنك قد غفرت لي. قال: فما استطاع ان يملأ عينيه من السماء حياء من ربه حتى قبض ﷺ. وقيل: اسم الرجل أوريا بن حيان. وقال الحسن: جزأ داود الدهر أربعة أجزاء: يوماً لنسائه، ويوماً لعبادة ربه، ويوماً لقضاء بني إسرائيل، ويوماً لبني إسرائيل يذاكرهم ويذاكرونه، ويبكيهم ويبكونه. قال: فلما كان يوم بني إسرائيل، قال: ذَكَرُوا فقالو: هل أتى على الإنسان يوم لا يصيب فيه ذنباً؟ فأضمر داود في نفسه أنه سيطيق ذلك. فلما كان يوم عبادته أغلق أبوابه وأمر ألا يدخل عليه أحد، وأكب على التوراة. فبينما هو يقرؤها إذا حمامة من ذهب، فيها من كل لون (حَسَنٍ، قد وقعت بين يديه، فأهوى إليها ليأخذها، قال: فطارت فوقعت غير بعيدة من غير أن تؤيسه من نفسها. قال: فما زال يتبعها حتى أشرف على امرأة تغتسل فأعجبه خلقها وحسنها. قال: فلما رأت ظله في الارض جللت نفسها بشعرها فزاده ذلك إعجاباً بها. وكان قد بعث زوجها على بعض جيوشه، فكتب إليه أن يسر إلى مكان كذا وكذا - مكانٌ إذا صار إليه لم يرجع - قال: ففعل، فأصيب، فخطبها، فتزوجها. قال قتادة: بلغنا أنها أم سليمان. قال الحسن: فبينما هو في المحراب إذ تسور الملكان عليه - وكان الخصمان إذا أتوه يأتونه من باب المحراب - ففزع منهم حين تسوروا المحراب، فقالا: لا تخف، خصمان بغى بعضنا على بعض. وذكر نحو الحديثين المتقدمين. وقيل: إن خطيئته هي قوله: لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه من غير ثبت بينة ولا إقرار من الخصم ولا سؤال لخصمه: هل كان هذا هكذا أو لم يكن. وهو قول شاذ. وقال ابن الأعرابي: قال كعب: سجد داود نبي الله ﷺ أربعين ليلة لم يرفع رأسه حتى رقأ دمعه ويبس رأسه. فكان من آخر دعائه وهو ساجد أن قال: يا رب رزقتني العافية، فسألتك البلاء، فلما ابتليتني لم أصبر فإن تعذبني فأنا أهل ذلك، وإن تغفر لي فأنت أهل ذلك - يقولها في نفسه - فعلم الله عز وجل ما قال فإذا جبريل عليه السلام على رأسه قائم يقول له: يا داود، إن الله قد غفر لك فارفع رأسك فلم يلتفت إليه، وناجى ربه وهو ساجد فقال: يا رب، وكيف تغفر لي وأنت الحكم العدل، وقد فعلت بالرجل ما فعلت؟ قال: فنزل الوحي عليه: صدقت يا داود أنا الحكم العدل، ولكن إذا كان يوم القيامة دفعتك إلى أوريا سلماً، ثم استوهبتك منه، فيهبك لي، فأثيبه الجنة. قال داود: الآن أعلم أنك قد غفرت لي. قال: فذهب داود يرفع رأسه فاذا هو يابس لا يستطيع. قال: فمسحه جبريل عليه السلام بريشة فانبسط. قال: فأوحى الله عز وجل إليه بعد ذلك: يا داود: قد أحللت لك امرأة أوريا فتزوجها، فتزوجها داود ﷺ، فولدت له سليمان عليه السلام، لم تلد قبله شيئاً ولا بعده. قال كعب: فوالله لقد كان داود بعد ذلك ليظل صائماً في اليوم الحار فيقرب إليه الشراب فإذا قربه إلى فيه ذكر خطيئته فيبكي في الشراب حتى يفيض ثم يرده ولا يشربه. وروى الأوزاعي عن بعض أهل المدينة أنه قال: مثل عيني داود كمثل القربتين تنطفان الماء، لقد خدد الدمع في وجهه كخديد الماء في الأرض. ويروى أن داود بات لربه عز وجل مصلياً حتى أصبح فذهب الى نهر ليتوضأ، فقال: الحمد لله، لقد عبدت الله الليلة عبادة ما عبده أحد إياها من أهل الأرض. فكَلَّمَه ضفدع من الماء فقالت: جلا يا أبا سليمان، فوالله إن لي لثلاثاً من الدهر ما جمعت بين فقمي تسبيحاً لله. وروي عن ابن مسعود وابن عباس أن داود عليه السلام ما زاد على أن قال للرجل: انزل لي عن امرأتك، فعاتبه الله على ذلك ونبهه عليه. * * ثم قال تعالى: ﴿فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ﴾، أي ذلك الذنب. ﴿وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لَزُلْفَىٰ﴾، أي: لقربة يوم القيامة. قال الضحاك: لمنزلة رفيعة. * * ثم قال: ﴿وَحُسْنَ مَـآبٍ﴾، أي: حسن مصير. قال السدي: حسن منقلب. وقال الضحاك: حسن مرجع. وقال مجاهد: يبعث داود النبي عليه السلام وذكر خطيئته، ووجلُه منها في قلبه، منقوشةٌ في كفه. فإذا رأى أهاويل الموقف لم يجد منها متعوذاً وا محرزاً إلا برحمة الله تبارك وتعالى وقربه، فيلجأ إليه تبارك وتعالى، فيشار إليه أن هاهنا عن يسار العرش، ثم يعلق فيقال له هاهنا عن يمين العرش. وذلك قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لَزُلْفَىٰ وَحُسْنَ مَـآبٍ﴾. وقال مالك بن دينار: يقام داود عليه السلام يوم القيامة عند ساق العرش، ثم يقول: يا داود، مجدني بذلك الصوت الحسن الرخيم الذي كنت تمجدني به في الدنيا. فيقول يا رب، كيف وقد سلبتنيه؟! فيقول: إني سأرده عليك. قال: فيدفع داود بصوت يستفرغ به نعيم أهل الجنان. ﴿فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ﴾: تمام حسن. * * ثم قال تعالى: ﴿يٰدَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي ٱلأَرْضِ﴾، أي: فغفرنا له ذلك الذنب، وقلنا له: يا داود، إنا جعلناك خليفة في الأرض، أي استخلفناك في الارض من بعد من كان قبلك من رسلنا حكماً بين أهل الارض. ﴿فَٱحْكُمْ بَيْنَ ٱلنَّاسِ بِٱلْحَقِّ﴾، أي: بالعدل والإنصاف. ﴿وَلاَ تَتَّبِعِ ٱلْهَوَىٰ﴾، أي: لا توثر هواك في قضائك على العدل فتجور في الحكم فيضلك هواك عن سبيل الله. ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ﴾، أي: يميلون عن الحق الذي أمر الله به. ﴿لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدُ﴾، أي: يوم القيامة. ﴿بِمَا نَسُواْ يَوْمَ ٱلْحِسَابِ﴾، أي: بتركهم العمل ليوم القيامة. قال عكرمة: هذا من التقديم والتأخير. والتقدير عنده: لهم يوم الحساب عذاب شديد بما نسوا أي: بما تركوا أمر الله والقضاء بالعدل. فالعامل في "يوم" في القول الأول: "نسوا" هو مفعول به والعامل فيه في القول الثاني "لهم" وهو ظرف. وكان ابن عباس يسجد عند قوله: "وأناب"، ويقول: ﴿أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ ٱقْتَدِهْ﴾. * * ثم قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَآءَ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً﴾، أي: عبثاً ولعباً بل خُلِقَا ليُعمل فيهما بالطاعة. ثم قال تعالى ذكره: ﴿ذَلِكَ ظَنُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾، أي: خلق السماء والأرض وما بينهما لغير حساب ولا بعث ولا عمل، هو ظن الذين كفروا فويل لهم من النار. * * ثم قال: ﴿أَمْ نَجْعَلُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ كَٱلْمُفْسِدِينَ فِي ٱلأَرْضِ﴾. هذا رد لقول الكفار، لأنهم كانوا يقولون: ليست ثمَّ عقوبة ولا نار، فالكافر والعاصي يَسْعَدَان باللذات، والمطيع يشقى، ومصيرهما إلى شيء واحد فرد الله عليه بأنه لم يجعل المتقين كالفجار في الآخرة، ولا الصالح كالمفسد. * * ثم قال: ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ﴾، (أي: هذا القرآن كتاب أنزله الله إليك يا محمد مبارك) على من آمن به، أنزله: ﴿لِّيَدَّبَّرُوۤاْ آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُواْ ٱلأَلْبَابِ﴾ ليعتبروا آياته وليتذكر به أولوا العقول. * * ثم قال: ﴿وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ﴾، أي: وُلِدَ إليه. ﴿نِعْمَ ٱلْعَبْدُ﴾، أي: ممدوح في طاعة ربه. ﴿إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾، أي: رجاع إلى طاعة الله عز وجل تواب إليه سبحانه، وقيل: الأواب: الكثير الذكر. وقال ابن عباس: الأواب: المسبح. وقال قتادة: مطيعاً كثير الصلاة. وقال ابن المسيب: هو الذي يذنب ثم يتوب، ثم يذنب ثم يتوب. وقيل: هو الذي يذكر ذنبه في الخلاء، ثم يتوب منه ويستغفر. * * ثم قال تعالى: ﴿إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِٱلْعَشِيِّ ٱلصَّافِنَاتُ ٱلْجِيَادُ﴾، أي: هو تواب في هذا الوقت. والصافنات: جمع صافن من الخيل، والأنثى: صافنة. والصافن: الذي يجمع بين يديه، ويثني طرف سنبك إحدى رجليه. وقيل: هو الذي يجمع بين يديه. وزعم الفراء أن الصافن هو القائم. وقال مجاهد: صفون الفرس: "رفع إحدى يديه حتى تكون على طرف الحافر". وقال قتادة: صفونها: قيامها وبسطها قوائمها. وقال ابن زيد: الصافنات: الخيل، أخرجها الشيطان لسليمان من مرج من مروج البحر. والصفن أن تقوم على ثلاث وترفع رجلاً واحدة تكون على طرف الحافر على الأرض. قال ابن زيد: وكانت لها أجنحة. (والجياد: السريعة. روي أنها كانت عشرين فرسا ذات أجنحة).