Lafzullah

Tafsir Makhi — ص 38:26 – ص 38:73

المؤلف / المصدر: Tafsir Makhi

المحتويات
  1. ص 38:26
  2. ص 38:27
  3. ص 38:28
  4. ص 38:29
  5. ص 38:30
  6. ص 38:31
  7. ص 38:32
  8. ص 38:33
  9. ص 38:34
  10. ص 38:35
  11. ص 38:36
  12. ص 38:37
  13. ص 38:38
  14. ص 38:39
  15. ص 38:40
  16. ص 38:41
  17. ص 38:42
  18. ص 38:43
  19. ص 38:44
  20. ص 38:45
  21. ص 38:46
  22. ص 38:47
  23. ص 38:48
  24. ص 38:49
  25. ص 38:50
  26. ص 38:51
  27. ص 38:52
  28. ص 38:53
  29. ص 38:54
  30. ص 38:55
  31. ص 38:56
  32. ص 38:57
  33. ص 38:58
  34. ص 38:59
  35. ص 38:60
  36. ص 38:61
  37. ص 38:62
  38. ص 38:63
  39. ص 38:64
  40. ص 38:65
  41. ص 38:66
  42. ص 38:67
  43. ص 38:68
  44. ص 38:69
  45. ص 38:70
  46. ص 38:71
  47. ص 38:72
  48. ص 38:73

ص 38:26

هذا قوله تعالى ذكره: ﴿ٱصْبِر عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ﴾ - إلى قوله - ﴿وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ﴾ منسوخ بالأمر بالقتال، أمر الله جل ذكره نبيه ﷺ بالصبر على قول المشركين والاحتمال منهم، وقد علم تعالى أنه سيأمره بقتالهم في وقت آخر، فينسخ الآخر الأول. * * ثم قال: ﴿وَٱذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا ٱلأَيْدِ﴾، أي: ذا القوة والبطش الشديد في ذات الله عز وجل والصبر على طاعته. يقال: أيد وآد للقوة, كما يقال: العيب والعاب قال قتادة: "أُعْطِيَ داود قوة في العبادة وفقهاً في الإسلام، وذُكِرَ أنه كان يقوم الليل ويصوم نصف الدهر. * * وقوله: ﴿إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾، أي: رَجَّاعٌ عما يكره الله عز وجل إلى ما يرضاه أواب وهو فعَّال للتكثير من آب يئوب إذا رجع. قال مجاهد: أواب: رجاع عن الذنوب. قال قتادة: كان مطيعاً لله عز وجل كثير الصلاة. وقال السدى: الأوَّاب: المسبح. ويروى أنه قام ليلة إلى الصباح فكأنه أُعْجِبَ بذلك فقيل لضفدع كلميه في أصل مِحْرَابِه، فقالت له: يا داود، تَعْجَبُ لقيام ليلة! هذا مقامي منذ عشرين سنة شكراً لله عز وجل حين سلَّم بيضي. قال وهب: كان داود قد قسم الدهر أثلاثا، فيصير: يوم للعبادة، ويوماً للقضاء بين الناس، ويوما لقضاء حوائج أهله. * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّا سَخَّرْنَا ٱلجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِٱلْعَشِيِّ وَٱلإِشْرَاقِ﴾، أي: يسبحن مع داود من وقت العصر إلى الليل، ومن صلاة الصبح إلى وقت صلاة الضحى. يقال: أشرقت الشمس: إذا أضاءت وصفت، وشرقت إذا طلعت. قال قتادة: كان داود إذا سبح سبحت الجبال معه. واستدل ابن عباس على نص صلاة الضحى في القرآن بهذه الآية ﴿بِٱلْعَشِيِّ وَٱلإِشْرَاقِ﴾، لأنه من أشرقت الشمس إذا صفت وأضاءت. فإذا صلى داود العصر وسبَّحَ سبحت الجبال معه، وإذا صلى الضحى (سبح وسبحت) الجبال معه. * * ثم قال: ﴿وَٱلطَّيْرَ مَحْشُورَةً﴾، أي وسخرنا الطير مجموعة تسبح معه. ﴿كُلٌّ لَّهُ أَوَّابٌ﴾، أي: رجاع لأمره ومطيع له. فالهاء لداود وقيل: إلهاء لله عز وجل. والمعنى كل لله مطيع، مسبح له. فكل "في القول الأولى للطير، وفي هذا الثاني: يجوز أن يكون للطير، ويجوز أن يكون لداود والجبال والطير. ورُوي أنه كان إذا سبح أجابته الجبال واجتمعت إليه الطير فسبحت معه. وقال قتادة: محشورة: مسخرة. * * ثم قال: ﴿وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ﴾. قال السدي: كان حرسه في كل يوم وليلة أربعة آلاف. وذكر ابن عباس أن الله جل ذكره شدد ملكه هيبة لقضية قضاها في بنى إسرائيل وذلك أن رجلاً استعدى على رجل من عظمائهم فاجتمعا عند داود، فقال المُسْتَعْدَى: إن هذا غصبني بقراً لي. فسأل الرجل عن ذلك فجحده، فسأل الآخر البيِّنة فلم تكن له بينة، فقال لهما: قُوَما حتى أنظر في أمركما فقاما. فأوحى الله عز وجل إلى داود في منامه أن يقتل الرجل الذي ستُعدي عليه. فقال: هذه رؤيا ولست أعجل حتى أتثبت، فأَوْحَى إليه مرة أخرى أن يقتُلَه، وأوحى إليه ثالثة (أن يقتله) أو تأتيه العقوبة من الله عز وجل، فأرسل داود إلى الرجل أن الله قد أوحى إليّ أن أقتلك، فقال الرجل: تقتلني بغير بينة ولا تثبت! فقال له داود: نعم، والله لأنفِّذْنَ أمر الله عز جل فيك. فلما عرف الرجل أنه قاتله قاله له: لا تعجل عليّ حتى أخبرك، إني والله ما أُخِذْتُ بهذا الذنب ولكني كنت اغتلت وَلَدَ هذا فقتلته فبذلك قُتِلتُ. فأمر به داود، فَقُتِلَ. فاشتدت هيبته في بني إسرائيل لذلك وشد الله به ملكه. * * ثم قال تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُ ٱلْحِكْمَةَ﴾. قال السدى: هي النبوة. وقال قتادة: الحكمة: السُّنَّة. * * وقوله: ﴿وَفَصْلَ ٱلْخِطَابِ﴾. قال ابن عباس ومجاهد والسدي: فصل الخطاب: الفهم في علم القضاء. وقال ابن زيد: أعطي فصل ما يتخاطب الناس به بين يديه في الخصومات. وقال شريح: فصل الخطاب: الشاهدان على المدعي، واليمين على المنكر، وهو قول قتادة. وقال الشعبي: يمين وشاهد، وعن الشعبي: هو: أما بعد. * * ثم قال تعالى: ﴿وَهَلْ أَتَاكَ نَبَؤُاْ ٱلْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُواْ ٱلْمِحْرَابَ﴾، أي: وهل أتاك يا محمد خبر الخصم. والخصم هنا يراد به الملكان، لكن لا تظهر فيه تثنية ولا جمع لأنه مصدر من خصمته خصماً. والأصل فيه: وهل أتاك نبأ ذوي الخصم ويجوز أن يثنى ويجمع، ودل على ذلك قوله: خصمان. * * وقوله: ﴿إِذْ تَسَوَّرُواْ ٱلْمِحْرَابَ﴾، أي إذ دخلوا عليه من غير بابه. والمحراب: مقدم كل شيء ومجلسه وأشرفه. * * ثم قال تعالى: ﴿إِذْ دَخَلُواْ عَلَىٰ دَاوُودَ﴾، أي: لما دخلوا على داود المحراب. ﴿فَفَزِعَ مِنْهُمْ﴾، أي: فراعه دخولهما من غير مدخل الناس عليه. وقيل: إنما فزع لأنهما دخلا عليه ليلاً من غير وقت نظره بين الناس. ﴿قَالُواْ لاَ تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَىٰ﴾، أي: قال الملكان: لا تخف منا نحن خصمان. ﴿بَغَىٰ بَعْضُنَا عَلَىٰ بَعْضٍ﴾، أي: تعدَّى أحدنا على صاحبه. ﴿فَٱحْكُمْ بَيْنَنَا بِٱلْحَقِّ﴾، أي: فاقض بيننا بالعدل. ﴿وَلاَ تُشْطِطْ﴾، أي: لا تجر، وقال قتادة ولا تمل، وقال السدى: لا تخف. وقرأ الحسن وأبو رجاء: "ولا تَشْطُطْ" بفتح التاء وضم الطاء الأولى. بمعنى: ولا تبعد عن الحق. يقال: أَشَطَّ يُشِطُّ إذا جار في القول والحكم، وشَطّ يَشُطُّ إذا بَعُد. * * ثم قال تعالى: ﴿وَٱهْدِنَآ إِلَىٰ سَوَآءِ ٱلصِّرَاطِ﴾ ، أي: وارشدنا إلى قصد الطريق المستقيم في الحق. * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ هَذَآ أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً﴾، الآية. هذا مثل ضربه الملكان لداود، وذلك أن داود كان له تسع وتسعون امرأة، وكانت للرجل الذي أعزاه داود حتى قُتل، امرأة واحدة، فلما قتل تزوجها فيما ذكر. قال وهب بن منبه: إن هذا أخي، أي على ديني. والعرب تُكَنِّي عن المرأة بالنعجة والشاة. وقرأة الحسن بفتح التاء من "تَسع وتَسعين" وهي لغة قليلة. وقرأ ابن مسعود: "تِسْعٌ وتَسِعُونَ نَعْجَةً أُنْثَى" على التأكيد، كقولهم: رجل ذَكَر؟. ولا يؤنث بهذا التأنيث إلا ما تأنيثه وتذكيره في نفسه كالرجل والمرأة، فإن كان تأنيثه وتذكيره في اسمه (لم يُقَلْ) فيه أنثى ولا ذكر، نحو: دار، وملحفة، وشبه ذلك. وقيل: عنى بذلك أنها حسنة. فأنثى تدل على أنها حسنة. ثم قال تعالى ذكره: ﴿فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا﴾، أي: أنزل عنها وضُمَّها إليَّ. قال ابن زيد: أكفلنيها: أعطنيها، أي: طلقها لي أنكحها. ﴿وَعَزَّنِي فِي ٱلْخِطَابِ﴾، أي: صار أعزَّ مني في مخاطبته إياي لأنه إن تكلم فهو أبين مني، وإن بطش كان أشد مني فقهرني وغلبني. قال قتادة: وعزني في الخطاب: ظلمني وقهرني. وقرأ ابن مسعود: "وَعَازَّنِي". يقال: عَازَّه (إذا غالبه، وَعَزَّهُ): إذا غلبه، ومنه قولهم: "مَنْ (عَزَّ بَزَّ)". * * ثم قال تعالى: ﴿قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَىٰ نِعَاجِهِ﴾، أي: قال داود للمتكلم منهما: لقد ظلمك صاحبك بسؤاله إياك أن يضم نعجتك إلى نعاجه. * * ﴿وَإِنَّ كَثِيراً مِّنَ ٱلْخُلَطَآءِ لَيَبْغِيۤ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ﴾، أي: وإن كثيراً من الشركاء ليَتَعَدَّى بعضهم على بعض ﴿إِلاَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ﴾. قوله تعالى ذكره: ﴿وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ﴾ - إلى قوله - ﴿ٱلصَّافِنَاتُ ٱلْجِيَادُ﴾ أي: وأيقن داود أنما اختبرناه. ﴿فَٱسْتَغْفَرَ رَبَّهُ﴾، أي: سائل ربه المغفرة. ﴿وَخَرَّ رَاكِعاً﴾، أي: ساجداً لله. ﴿وَأَنَابَ﴾، أي: رجع عن خطيئته وتاب منها. وكان سبب اختبار الله عز وجل له - فيما ذكر ابن عباس - أن داود قال: يا رب، قد أعطيت إبراهيم وإسحاق ويعقوب من الذكر ما لَوَدِدْتُ أنك أعطيتني مثله. فقال الله جل ذكره له: إني ابتليتهم بما لم أبتلك به، فإن شئت ابتليتك بمثل ما ابتليتهم به، وأعطيتك كما أعطيتهم، قال: نعم، فأقام ما شاء الله أن يُقيم وطال ذلك حتى كاد أن ينساه. فبينما هو في محرابه إذ وقعت عليه حمامة فأراد أن يأخذها فطارت إلى كوة كانت في المحراب، فذهب ليأخذها، فطارت. فاطلَّع من الكوة فرأى امرأة تغتسل. فنزل نبي الله ﷺ من المحراب وأرسل إليها، فجاءته، فسألها عن زوجها وعن شأنها، فأخبرته أن زوجها غائب، فكتب إلى أمير تلك السَّرِيَّةِ أن يُؤْمِّرَهُ على السرايا لِيَهْلَكَ زوجها، ففعل. فكان يصاب أصحابه وينجو وربما نصروا. وإن الله لما رأى الذي وقع فيه داود أراد أن يستنفذه، فبينما داود ذات يوم في محرابه إذ تسور عليه الخصمان من قبل وجهه. فلما رآهما وهو يقرأ فَزِعَ وسكت، وقال: لقد اسُتضعفت في مُلكي حتى إن الناس يتسورون علي في محرابي، قالا له: لا تخف، خصمان بغى بعضنا على بعض فلم يكن لنا بد من أن نأتيكا فاسمع منا. قال أحدهما. ﴿إِنَّ هَذَآ أَخِي﴾ - إلى ﴿وَعَزَّنِي فِي ٱلْخِطَابِ﴾. قال له داود: أنت كنت أحوجَ إلى نعجتك منه، لقد ظلمك بسؤاله إياك نعجتك ونسي نفسه ﷺ. فنظر الملكان أحدهما إلى الآخر حين قال ذلك، فتبسم أحدهما إلى الآخر فرآه داود فعلم أنه فتن، فاستغفر ربه وخر راكعاً وأناب أربعين ليلة حتى نبتت الخضرة من عينيه ثم شدد الله له ملكه. روى ابن أبي الدنيا أن وهب بن منبه قال: لم يرفع داود عليه السلام رأسه من السجود حتى قال له الملكان: أول أمرك ذنب وآخره معصية، ارفع رأسك، فرفع رأسه. وعن وهب أنه قال: لما رفع داود رأسه من (السجدة رفع رأسه) وقد زَمِنَ ورعش. قال: فاعتزل نساءه ثم بكى حتى خددت الدموع وجهه. وقال عطاء الخراساني: "إن داود نقش خطيئته في كفه لكي لا ينساها، فكان إذا رآها اضطربت يداه. وقال وهب بن منبه: كتب داود في كفه: داود الخطاء. وقال يحيى بن أبي كثير لما أصاب داود الخطيئة نفرت الوحوش من حوله، فنادى: إلهي، رُدَّ عليَّ الوحش كي آنس بها فرد الله تبارك وتعالى عليه الوحش فَأَحَطْنَ به وأصغين بأسماعهن نحوه. قال: ورفع صوته يقرأ الزبور ويبكي على نفسه فنادته هيهات هيهات يا داود، ذهبت الخطيئة بحلاوة صوتك. وروي عن النبي ﷺ أنه قال: "مَثَلُ عَيْنَيْ دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ مَثَلُ الْقِرْبَتَينِ تَنْظِفَانِ بالمَاءِ. لَقَدْ خَدَّدَتِ الدُّمُوعُ وَجْهَ دَاودَ خَديدَ المَاءِ في الأرْضِ وروى أبو مسهر عن سعيد بن عبد العزيز أنه قال: قالو: لو جُمِعت دموع أهل الأرض إلى دموع آدم ﷺ لكانت دموع آدم أكثر، ولو جمعت دموع أهل الأرض ودموع آدم إلى دموع ابن آدم الذي قتل أخاه لكانت دموع ابن آدم أكثر، ولو جمعت دموع أهل الأرض، ودموع آدم، ودموع ابن آدم إلى دموع يعقوب لكانت دموع يعقوب أكثر، ولو جمعت دموع أهل الأرض ودموع آدم ودموع ابن آدم ودموع يعقوب إلى دموع داود لكانت دموع داود أكثر. قال سعيد: "كان داود يجلس على ستة أفرشة فيبكي فيبل الأول فيُرفع حتى يبللها كلها، كلما بَلَّ واحداً رُفِع؛ وإن كان ليؤتى بالإناء ليشرب فما يفرغ منه حتى يتدفق من دموعه وروى إسماعيل بن عبيد الله: "إن داود النبي ﷺ كان يعاتب في كثرة البكاء، فيقول: ذروني أبكي قبل يوم البكاء، قبل تحريق العظام واشتعال اللحى، وقبل أن يؤمر بي ﴿مَلاَئِكَةٌ غِلاَظٌ شِدَادٌ لاَّ يَعْصُونَ ٱللَّهَ مَآ أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم: ٦]. قال محمد بن المنكدر مكث آدم ﷺ في الأرض أربعين سنة ما يبدي عن واضحة ولا ترقئ له دمعة. فقالت له حواء: إنَّا قد استوحشنا إلى أصوات الملائكة فادع ربك فيسمعنا أصواتهم. فقال لها: ما زلت مستحيياً من ربي عز وجل أن أرفع طرفي إلى أديم السماء مما صنعت. وقال محمد بن خوات: إن داود النبي ﷺ لما أطال البكاء على نفسه، قيل له: اذهب إلى قبر زوج المرأة فاستوهبه ما صنعت، فأتى القبر، وأَذِنَ الله لصاحب القبر أن يتكلم، فناداه: أنا داود ولك عندي مظلمة، قال: قد غفرتها لك، قال: فانصرف داود وقد طابت نفسه، فأوحى الله عز وجل إليه أن ارجع فبين له الذي صنعت فرجع، فأخبره، فناداه صاحب القبر يا داود، هكذا يفعل الأنبياء! قال بكر بن عبيد الله المُزني: مكث داود النبي عليه السلام ساجداً أربعين يوماً يبكي على خطيئته حتى نبت البقل من دموعه، ثم زفر زفرة فهاج العودة فاحترق، فنودي أظمآن أنت فَتُسقَى؟ أجائع فتطعم؟ أعاري فتُكسى؟ قال: لا، ولكن خطيئتي أثقلت ظهري، فلم يُرْجَعُ إليه بشيء، فازداد بكاء حتى انقطع صوته، فكان لا يُسمع له إلاّ كهيئة الأنين، فعند ذلك غُفِرَ له. وقال الحسن: بكاء داود عليه السلام بعد ما غُفرت له الخطيئة أكثر من بكائه قبل المغفرة، فقيل له: أليس قد غُفر لك يا نبي الله؟ ! قال: فكيف بالحياء من الله عز وجل. قال كعب: كان داود عليه السلام يختار مجالسة المساكين، ويُكثر البكاء ويقول: رب اغفر للمساكين والخطائين حتى تغفر لي معهم، وكان قبل ذلك يدعو على الخطائين. قال أبو عبد الرحمن الحبلي: ما رفع داود رأسه إلى السماء بعد خطيئته حتى مات. ورُوي أنه كان إذا ذكر عقاب الله عز وجل تخلعت أوصاله، فإذا ذكر رحمة الله تراجعت. وروى أشهب عن مالك أنه قال: بلغني أن تلك الحمامة أتت فوقعت قريباً من داود وهي من ذهب، فلما رآها أعجبته فقام ليأخذها، فكانت قرب يده، ثم طارت فَأَتْبَعَهَا بَصَرَهُ، فوقعت عينه على تلك المرأة وهي تغسل ولها شعر طويل. فبلغني أنه أقام أربعين ليلة ساجداً حتى نبت العشب من دموع عينيه. ويراد بالركوع في هذا الموضع: السجود. قال السدي: كان داود قد قسم الدهر ثلاثة أيام: يوماً يقضي فيه بين الناس ويوماً يخلو فيه لعبادة ربه عز وجل، ويوماً يخلو فيه لنسائه، وكان له تسع وتسعون امرأة، وكان فيما يقرأ من الكتب: فضل إبراهيم وإسحاق ويعقوب صلى الله عليهم وسلم. فلما وجد ذلك فيما يقرأ من الكتب قال: يا رب، إن الخير قد ذهب به آبائي، فأعطني مثل ما أعطيتهم. فأوحى الله إليه أن آباءك ابتلوا ببلاء لم تبتل به، ابتلي إبراهيم بذبح ابنه فصبر، وابتلي إسحاق بذهاب بصره، وابتلي يعقوب بحزنه على يوسف، وإنك لم تبتل أنت من ذلك الشيء. فقال: يا رب، ابتلني بمثل ما ابتليتهم وأعطني مثل ما أعطيتهم. قال: فأوحى الله عز وجل إليه أنك مبتلى فاحترس، قال: فمكث ما شاء الله أن يمكث إذ جاءه الشيطان وقد تمثل له في صورة حمامة من ذهب حتى وقع عند رجليه وهو قائم يصلي قال: فمد يده ليأخذه فتنحى، فتبعه فتباعد حتى وقع في كوة، فذهب ليأخذه، فطار من الكوة فنظر أين (يقع فيبعث) في أثره، قال: فأبصر امرأة تغتسل في سطح لها، فرأى امرأة من أجمل الناس خَلْقاً، فحانت منها التفاتة فأبصرته، فألقت شعرها فاستترت به. قال: فزاده ذلك فيها رغبة. قال: فسأل عنها فأخبر أن لها زوجاً وأن زوجها غائب بمسلحة كذا وكذا. (قال: فبعث إلى صاحب المسلحة وأمره أن يبعث به إلى عدو كذا وكذا). قال فبعثه ففتح له قال: فكتب إليه بذلك. قال فكتب إليه أن أبعثه إلى عدو كذا وكذا - أشد منهم بأساً - قال: فبعثه ففتح له أيضاً، ثم كتب إليه ثالثة فبعثه فقتل. قال: وتزوج امرأته، فلما دخلت عليه لم تلبث عنده إلا يسيراً حتى بعث الله ملكين في صورة إنسيين فطلبا أن يدخلا عليه، فتسورا عليه المحراب. قال: فما شعر وهو يصلي إلا وهما بين يديه جالسين قال: ﴿فَفَزِعَ مِنْهُمْ﴾، فقالا: ﴿لاَ تَخَفْ﴾ لا تخف، إنما نحن ﴿خَصْمَانِ بَغَىٰ بَعْضُنَا عَلَىٰ بَعْضٍ﴾ - إلى قوله - ﴿سَوَآءِ ٱلصِّرَاطِ﴾، قال: قصّا قصتكما قال: فقال أحدهما: إن هذا أخي له تسع وتسعون نعجة ولي نعجة واحدة، وهو يريد أخذ نعجتي فيكمل بها نعاجه مائة! فقال للآخر: ما تقول؟ فقال: إن لي (تسعاً وتسعين) نعجة ولأخي هذا نعجة واحدة. قال: فأنا أريد أن آخذها منه فأكمل بها نعاجي مائة؟! قال: (وهو كاره). قال: إذا (لا ندعك) وذلك. قال: ما أنت على ذلك بقادر. قال: فإن ذهبت تروم ذلك (أو لم ترد ذلك ضربنا منك هذا وهذا وهذا يريد طرف الأنف، وأصل الأنف، والجبهة قال: يا داود، أنت أحق أن يضرب منه هذا وهذا وهذا حيث لك تسع وتسعون امراة ولم يكن لاوريا إلا امرأة واحدة، (فلم تزل) تعرضه للقتل حتى قُتل، وتزوجت امرأته. قال: فنظر داود الرجلين فلم ير شيئاً فعرف ما قد وقع فيه فخر ساجداً. - وهو موضع السجود عند مالك. وروي أن رجلاً من الأنصار - على عهد النبي ﷺ - كان يصلي من الليل مستتراً بشجرة وهو يقرأ "ص"، فلما بلغ السجدة سجد وسجدت معه الشجرة، فسمعها وهي تقول: اللهم أعظم لي بهذه السجدة أجراً، وارزقني بها شكراً، وضع عني بها وزراً، وتقبلها مني كما تقبلت من عبدك داود سجدته. فلما أصبح الرجل ذكر ذلك لرسول الله ﷺ. فقال رسول الله: نحن أحق أن يقول ذلك. فكان ﷺ إذا سجد يقول ذلك. قال عقبة بن عامر الجهني: من قرأ (ص) ولم يسجد فيها فلا عليه ألا يقرأ بها. قال: فبكى أربعين يوماً لا يرفع رأسه إلا لحاجة، ثم يقع ساجداً يبكي حتى نبت العشب من دموع عينيه، قال: فأوحى الله عز وجل إليه بعد أربعين يوماً: يا داود، ارفع رأسك فقد غفرت لك. قال: يا رب، كيف أعلم أنك قد غفرت لي وأنت حكم عدل لا تحيف في القضاء، إذا جاء أوريا يوم القيامة آخذ رأسه بيمينه، أو بشماله، تشخب أوداجه دماً، يقول: يا رب، سل هذا فيم قتلني؟ قال: فأوحى الله عز وجل إليه: إذا كان ذلك (دعوت أوريا). فاستوهبتك منه، فيهبك لي، فأثيبه بذلك الجنة. قال: رب، الآن علمت أنك قد غفرت لي. قال: فما استطاع ان يملأ عينيه من السماء حياء من ربه حتى قبض ﷺ. وقيل: اسم الرجل أوريا بن حيان. وقال الحسن: جزأ داود الدهر أربعة أجزاء: يوماً لنسائه، ويوماً لعبادة ربه، ويوماً لقضاء بني إسرائيل، ويوماً لبني إسرائيل يذاكرهم ويذاكرونه، ويبكيهم ويبكونه. قال: فلما كان يوم بني إسرائيل، قال: ذَكَرُوا فقالو: هل أتى على الإنسان يوم لا يصيب فيه ذنباً؟ فأضمر داود في نفسه أنه سيطيق ذلك. فلما كان يوم عبادته أغلق أبوابه وأمر ألا يدخل عليه أحد، وأكب على التوراة. فبينما هو يقرؤها إذا حمامة من ذهب، فيها من كل لون (حَسَنٍ، قد وقعت بين يديه، فأهوى إليها ليأخذها، قال: فطارت فوقعت غير بعيدة من غير أن تؤيسه من نفسها. قال: فما زال يتبعها حتى أشرف على امرأة تغتسل فأعجبه خلقها وحسنها. قال: فلما رأت ظله في الارض جللت نفسها بشعرها فزاده ذلك إعجاباً بها. وكان قد بعث زوجها على بعض جيوشه، فكتب إليه أن يسر إلى مكان كذا وكذا - مكانٌ إذا صار إليه لم يرجع - قال: ففعل، فأصيب، فخطبها، فتزوجها. قال قتادة: بلغنا أنها أم سليمان. قال الحسن: فبينما هو في المحراب إذ تسور الملكان عليه - وكان الخصمان إذا أتوه يأتونه من باب المحراب - ففزع منهم حين تسوروا المحراب، فقالا: لا تخف، خصمان بغى بعضنا على بعض. وذكر نحو الحديثين المتقدمين. وقيل: إن خطيئته هي قوله: لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه من غير ثبت بينة ولا إقرار من الخصم ولا سؤال لخصمه: هل كان هذا هكذا أو لم يكن. وهو قول شاذ. وقال ابن الأعرابي: قال كعب: سجد داود نبي الله ﷺ أربعين ليلة لم يرفع رأسه حتى رقأ دمعه ويبس رأسه. فكان من آخر دعائه وهو ساجد أن قال: يا رب رزقتني العافية، فسألتك البلاء، فلما ابتليتني لم أصبر فإن تعذبني فأنا أهل ذلك، وإن تغفر لي فأنت أهل ذلك - يقولها في نفسه - فعلم الله عز وجل ما قال فإذا جبريل عليه السلام على رأسه قائم يقول له: يا داود، إن الله قد غفر لك فارفع رأسك فلم يلتفت إليه، وناجى ربه وهو ساجد فقال: يا رب، وكيف تغفر لي وأنت الحكم العدل، وقد فعلت بالرجل ما فعلت؟ قال: فنزل الوحي عليه: صدقت يا داود أنا الحكم العدل، ولكن إذا كان يوم القيامة دفعتك إلى أوريا سلماً، ثم استوهبتك منه، فيهبك لي، فأثيبه الجنة. قال داود: الآن أعلم أنك قد غفرت لي. قال: فذهب داود يرفع رأسه فاذا هو يابس لا يستطيع. قال: فمسحه جبريل عليه السلام بريشة فانبسط. قال: فأوحى الله عز وجل إليه بعد ذلك: يا داود: قد أحللت لك امرأة أوريا فتزوجها، فتزوجها داود ﷺ، فولدت له سليمان عليه السلام، لم تلد قبله شيئاً ولا بعده. قال كعب: فوالله لقد كان داود بعد ذلك ليظل صائماً في اليوم الحار فيقرب إليه الشراب فإذا قربه إلى فيه ذكر خطيئته فيبكي في الشراب حتى يفيض ثم يرده ولا يشربه. وروى الأوزاعي عن بعض أهل المدينة أنه قال: مثل عيني داود كمثل القربتين تنطفان الماء، لقد خدد الدمع في وجهه كخديد الماء في الأرض. ويروى أن داود بات لربه عز وجل مصلياً حتى أصبح فذهب الى نهر ليتوضأ، فقال: الحمد لله، لقد عبدت الله الليلة عبادة ما عبده أحد إياها من أهل الأرض. فكَلَّمَه ضفدع من الماء فقالت: جلا يا أبا سليمان، فوالله إن لي لثلاثاً من الدهر ما جمعت بين فقمي تسبيحاً لله. وروي عن ابن مسعود وابن عباس أن داود عليه السلام ما زاد على أن قال للرجل: انزل لي عن امرأتك، فعاتبه الله على ذلك ونبهه عليه. * * ثم قال تعالى: ﴿فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ﴾، أي ذلك الذنب. ﴿وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لَزُلْفَىٰ﴾، أي: لقربة يوم القيامة. قال الضحاك: لمنزلة رفيعة. * * ثم قال: ﴿وَحُسْنَ مَـآبٍ﴾، أي: حسن مصير. قال السدي: حسن منقلب. وقال الضحاك: حسن مرجع. وقال مجاهد: يبعث داود النبي عليه السلام وذكر خطيئته، ووجلُه منها في قلبه، منقوشةٌ في كفه. فإذا رأى أهاويل الموقف لم يجد منها متعوذاً وا محرزاً إلا برحمة الله تبارك وتعالى وقربه، فيلجأ إليه تبارك وتعالى، فيشار إليه أن هاهنا عن يسار العرش، ثم يعلق فيقال له هاهنا عن يمين العرش. وذلك قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لَزُلْفَىٰ وَحُسْنَ مَـآبٍ﴾. وقال مالك بن دينار: يقام داود عليه السلام يوم القيامة عند ساق العرش، ثم يقول: يا داود، مجدني بذلك الصوت الحسن الرخيم الذي كنت تمجدني به في الدنيا. فيقول يا رب، كيف وقد سلبتنيه؟! فيقول: إني سأرده عليك. قال: فيدفع داود بصوت يستفرغ به نعيم أهل الجنان. ﴿فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ﴾: تمام حسن. * * ثم قال تعالى: ﴿يٰدَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي ٱلأَرْضِ﴾، أي: فغفرنا له ذلك الذنب، وقلنا له: يا داود، إنا جعلناك خليفة في الأرض، أي استخلفناك في الارض من بعد من كان قبلك من رسلنا حكماً بين أهل الارض. ﴿فَٱحْكُمْ بَيْنَ ٱلنَّاسِ بِٱلْحَقِّ﴾، أي: بالعدل والإنصاف. ﴿وَلاَ تَتَّبِعِ ٱلْهَوَىٰ﴾، أي: لا توثر هواك في قضائك على العدل فتجور في الحكم فيضلك هواك عن سبيل الله. ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ﴾، أي: يميلون عن الحق الذي أمر الله به. ﴿لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدُ﴾، أي: يوم القيامة. ﴿بِمَا نَسُواْ يَوْمَ ٱلْحِسَابِ﴾، أي: بتركهم العمل ليوم القيامة. قال عكرمة: هذا من التقديم والتأخير. والتقدير عنده: لهم يوم الحساب عذاب شديد بما نسوا أي: بما تركوا أمر الله والقضاء بالعدل. فالعامل في "يوم" في القول الأول: "نسوا" هو مفعول به والعامل فيه في القول الثاني "لهم" وهو ظرف. وكان ابن عباس يسجد عند قوله: "وأناب"، ويقول: ﴿أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ ٱقْتَدِهْ﴾. * * ثم قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَآءَ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً﴾، أي: عبثاً ولعباً بل خُلِقَا ليُعمل فيهما بالطاعة. ثم قال تعالى ذكره: ﴿ذَلِكَ ظَنُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾، أي: خلق السماء والأرض وما بينهما لغير حساب ولا بعث ولا عمل، هو ظن الذين كفروا فويل لهم من النار. * * ثم قال: ﴿أَمْ نَجْعَلُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ كَٱلْمُفْسِدِينَ فِي ٱلأَرْضِ﴾. هذا رد لقول الكفار، لأنهم كانوا يقولون: ليست ثمَّ عقوبة ولا نار، فالكافر والعاصي يَسْعَدَان باللذات، والمطيع يشقى، ومصيرهما إلى شيء واحد فرد الله عليه بأنه لم يجعل المتقين كالفجار في الآخرة، ولا الصالح كالمفسد. * * ثم قال: ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ﴾، (أي: هذا القرآن كتاب أنزله الله إليك يا محمد مبارك) على من آمن به، أنزله: ﴿لِّيَدَّبَّرُوۤاْ آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُواْ ٱلأَلْبَابِ﴾ ليعتبروا آياته وليتذكر به أولوا العقول. * * ثم قال: ﴿وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ﴾، أي: وُلِدَ إليه. ﴿نِعْمَ ٱلْعَبْدُ﴾، أي: ممدوح في طاعة ربه. ﴿إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾، أي: رجاع إلى طاعة الله عز وجل تواب إليه سبحانه، وقيل: الأواب: الكثير الذكر. وقال ابن عباس: الأواب: المسبح. وقال قتادة: مطيعاً كثير الصلاة. وقال ابن المسيب: هو الذي يذنب ثم يتوب، ثم يذنب ثم يتوب. وقيل: هو الذي يذكر ذنبه في الخلاء، ثم يتوب منه ويستغفر. * * ثم قال تعالى: ﴿إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِٱلْعَشِيِّ ٱلصَّافِنَاتُ ٱلْجِيَادُ﴾، أي: هو تواب في هذا الوقت. والصافنات: جمع صافن من الخيل، والأنثى: صافنة. والصافن: الذي يجمع بين يديه، ويثني طرف سنبك إحدى رجليه. وقيل: هو الذي يجمع بين يديه. وزعم الفراء أن الصافن هو القائم. وقال مجاهد: صفون الفرس: "رفع إحدى يديه حتى تكون على طرف الحافر". وقال قتادة: صفونها: قيامها وبسطها قوائمها. وقال ابن زيد: الصافنات: الخيل، أخرجها الشيطان لسليمان من مرج من مروج البحر. والصفن أن تقوم على ثلاث وترفع رجلاً واحدة تكون على طرف الحافر على الأرض. قال ابن زيد: وكانت لها أجنحة. (والجياد: السريعة. روي أنها كانت عشرين فرسا ذات أجنحة).

ص 38:27

هذا قوله تعالى ذكره: ﴿ٱصْبِر عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ﴾ - إلى قوله - ﴿وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ﴾ منسوخ بالأمر بالقتال، أمر الله جل ذكره نبيه ﷺ بالصبر على قول المشركين والاحتمال منهم، وقد علم تعالى أنه سيأمره بقتالهم في وقت آخر، فينسخ الآخر الأول. * * ثم قال: ﴿وَٱذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا ٱلأَيْدِ﴾، أي: ذا القوة والبطش الشديد في ذات الله عز وجل والصبر على طاعته. يقال: أيد وآد للقوة, كما يقال: العيب والعاب قال قتادة: "أُعْطِيَ داود قوة في العبادة وفقهاً في الإسلام، وذُكِرَ أنه كان يقوم الليل ويصوم نصف الدهر. * * وقوله: ﴿إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾، أي: رَجَّاعٌ عما يكره الله عز وجل إلى ما يرضاه أواب وهو فعَّال للتكثير من آب يئوب إذا رجع. قال مجاهد: أواب: رجاع عن الذنوب. قال قتادة: كان مطيعاً لله عز وجل كثير الصلاة. وقال السدى: الأوَّاب: المسبح. ويروى أنه قام ليلة إلى الصباح فكأنه أُعْجِبَ بذلك فقيل لضفدع كلميه في أصل مِحْرَابِه، فقالت له: يا داود، تَعْجَبُ لقيام ليلة! هذا مقامي منذ عشرين سنة شكراً لله عز وجل حين سلَّم بيضي. قال وهب: كان داود قد قسم الدهر أثلاثا، فيصير: يوم للعبادة، ويوماً للقضاء بين الناس، ويوما لقضاء حوائج أهله. * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّا سَخَّرْنَا ٱلجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِٱلْعَشِيِّ وَٱلإِشْرَاقِ﴾، أي: يسبحن مع داود من وقت العصر إلى الليل، ومن صلاة الصبح إلى وقت صلاة الضحى. يقال: أشرقت الشمس: إذا أضاءت وصفت، وشرقت إذا طلعت. قال قتادة: كان داود إذا سبح سبحت الجبال معه. واستدل ابن عباس على نص صلاة الضحى في القرآن بهذه الآية ﴿بِٱلْعَشِيِّ وَٱلإِشْرَاقِ﴾، لأنه من أشرقت الشمس إذا صفت وأضاءت. فإذا صلى داود العصر وسبَّحَ سبحت الجبال معه، وإذا صلى الضحى (سبح وسبحت) الجبال معه. * * ثم قال: ﴿وَٱلطَّيْرَ مَحْشُورَةً﴾، أي وسخرنا الطير مجموعة تسبح معه. ﴿كُلٌّ لَّهُ أَوَّابٌ﴾، أي: رجاع لأمره ومطيع له. فالهاء لداود وقيل: إلهاء لله عز وجل. والمعنى كل لله مطيع، مسبح له. فكل "في القول الأولى للطير، وفي هذا الثاني: يجوز أن يكون للطير، ويجوز أن يكون لداود والجبال والطير. ورُوي أنه كان إذا سبح أجابته الجبال واجتمعت إليه الطير فسبحت معه. وقال قتادة: محشورة: مسخرة. * * ثم قال: ﴿وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ﴾. قال السدي: كان حرسه في كل يوم وليلة أربعة آلاف. وذكر ابن عباس أن الله جل ذكره شدد ملكه هيبة لقضية قضاها في بنى إسرائيل وذلك أن رجلاً استعدى على رجل من عظمائهم فاجتمعا عند داود، فقال المُسْتَعْدَى: إن هذا غصبني بقراً لي. فسأل الرجل عن ذلك فجحده، فسأل الآخر البيِّنة فلم تكن له بينة، فقال لهما: قُوَما حتى أنظر في أمركما فقاما. فأوحى الله عز وجل إلى داود في منامه أن يقتل الرجل الذي ستُعدي عليه. فقال: هذه رؤيا ولست أعجل حتى أتثبت، فأَوْحَى إليه مرة أخرى أن يقتُلَه، وأوحى إليه ثالثة (أن يقتله) أو تأتيه العقوبة من الله عز وجل، فأرسل داود إلى الرجل أن الله قد أوحى إليّ أن أقتلك، فقال الرجل: تقتلني بغير بينة ولا تثبت! فقال له داود: نعم، والله لأنفِّذْنَ أمر الله عز جل فيك. فلما عرف الرجل أنه قاتله قاله له: لا تعجل عليّ حتى أخبرك، إني والله ما أُخِذْتُ بهذا الذنب ولكني كنت اغتلت وَلَدَ هذا فقتلته فبذلك قُتِلتُ. فأمر به داود، فَقُتِلَ. فاشتدت هيبته في بني إسرائيل لذلك وشد الله به ملكه. * * ثم قال تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُ ٱلْحِكْمَةَ﴾. قال السدى: هي النبوة. وقال قتادة: الحكمة: السُّنَّة. * * وقوله: ﴿وَفَصْلَ ٱلْخِطَابِ﴾. قال ابن عباس ومجاهد والسدي: فصل الخطاب: الفهم في علم القضاء. وقال ابن زيد: أعطي فصل ما يتخاطب الناس به بين يديه في الخصومات. وقال شريح: فصل الخطاب: الشاهدان على المدعي، واليمين على المنكر، وهو قول قتادة. وقال الشعبي: يمين وشاهد، وعن الشعبي: هو: أما بعد. * * ثم قال تعالى: ﴿وَهَلْ أَتَاكَ نَبَؤُاْ ٱلْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُواْ ٱلْمِحْرَابَ﴾، أي: وهل أتاك يا محمد خبر الخصم. والخصم هنا يراد به الملكان، لكن لا تظهر فيه تثنية ولا جمع لأنه مصدر من خصمته خصماً. والأصل فيه: وهل أتاك نبأ ذوي الخصم ويجوز أن يثنى ويجمع، ودل على ذلك قوله: خصمان. * * وقوله: ﴿إِذْ تَسَوَّرُواْ ٱلْمِحْرَابَ﴾، أي إذ دخلوا عليه من غير بابه. والمحراب: مقدم كل شيء ومجلسه وأشرفه. * * ثم قال تعالى: ﴿إِذْ دَخَلُواْ عَلَىٰ دَاوُودَ﴾، أي: لما دخلوا على داود المحراب. ﴿فَفَزِعَ مِنْهُمْ﴾، أي: فراعه دخولهما من غير مدخل الناس عليه. وقيل: إنما فزع لأنهما دخلا عليه ليلاً من غير وقت نظره بين الناس. ﴿قَالُواْ لاَ تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَىٰ﴾، أي: قال الملكان: لا تخف منا نحن خصمان. ﴿بَغَىٰ بَعْضُنَا عَلَىٰ بَعْضٍ﴾، أي: تعدَّى أحدنا على صاحبه. ﴿فَٱحْكُمْ بَيْنَنَا بِٱلْحَقِّ﴾، أي: فاقض بيننا بالعدل. ﴿وَلاَ تُشْطِطْ﴾، أي: لا تجر، وقال قتادة ولا تمل، وقال السدى: لا تخف. وقرأ الحسن وأبو رجاء: "ولا تَشْطُطْ" بفتح التاء وضم الطاء الأولى. بمعنى: ولا تبعد عن الحق. يقال: أَشَطَّ يُشِطُّ إذا جار في القول والحكم، وشَطّ يَشُطُّ إذا بَعُد. * * ثم قال تعالى: ﴿وَٱهْدِنَآ إِلَىٰ سَوَآءِ ٱلصِّرَاطِ﴾ ، أي: وارشدنا إلى قصد الطريق المستقيم في الحق. * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ هَذَآ أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً﴾، الآية. هذا مثل ضربه الملكان لداود، وذلك أن داود كان له تسع وتسعون امرأة، وكانت للرجل الذي أعزاه داود حتى قُتل، امرأة واحدة، فلما قتل تزوجها فيما ذكر. قال وهب بن منبه: إن هذا أخي، أي على ديني. والعرب تُكَنِّي عن المرأة بالنعجة والشاة. وقرأة الحسن بفتح التاء من "تَسع وتَسعين" وهي لغة قليلة. وقرأ ابن مسعود: "تِسْعٌ وتَسِعُونَ نَعْجَةً أُنْثَى" على التأكيد، كقولهم: رجل ذَكَر؟. ولا يؤنث بهذا التأنيث إلا ما تأنيثه وتذكيره في نفسه كالرجل والمرأة، فإن كان تأنيثه وتذكيره في اسمه (لم يُقَلْ) فيه أنثى ولا ذكر، نحو: دار، وملحفة، وشبه ذلك. وقيل: عنى بذلك أنها حسنة. فأنثى تدل على أنها حسنة. ثم قال تعالى ذكره: ﴿فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا﴾، أي: أنزل عنها وضُمَّها إليَّ. قال ابن زيد: أكفلنيها: أعطنيها، أي: طلقها لي أنكحها. ﴿وَعَزَّنِي فِي ٱلْخِطَابِ﴾، أي: صار أعزَّ مني في مخاطبته إياي لأنه إن تكلم فهو أبين مني، وإن بطش كان أشد مني فقهرني وغلبني. قال قتادة: وعزني في الخطاب: ظلمني وقهرني. وقرأ ابن مسعود: "وَعَازَّنِي". يقال: عَازَّه (إذا غالبه، وَعَزَّهُ): إذا غلبه، ومنه قولهم: "مَنْ (عَزَّ بَزَّ)". * * ثم قال تعالى: ﴿قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَىٰ نِعَاجِهِ﴾، أي: قال داود للمتكلم منهما: لقد ظلمك صاحبك بسؤاله إياك أن يضم نعجتك إلى نعاجه. * * ﴿وَإِنَّ كَثِيراً مِّنَ ٱلْخُلَطَآءِ لَيَبْغِيۤ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ﴾، أي: وإن كثيراً من الشركاء ليَتَعَدَّى بعضهم على بعض ﴿إِلاَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ﴾. قوله تعالى ذكره: ﴿وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ﴾ - إلى قوله - ﴿ٱلصَّافِنَاتُ ٱلْجِيَادُ﴾ أي: وأيقن داود أنما اختبرناه. ﴿فَٱسْتَغْفَرَ رَبَّهُ﴾، أي: سائل ربه المغفرة. ﴿وَخَرَّ رَاكِعاً﴾، أي: ساجداً لله. ﴿وَأَنَابَ﴾، أي: رجع عن خطيئته وتاب منها. وكان سبب اختبار الله عز وجل له - فيما ذكر ابن عباس - أن داود قال: يا رب، قد أعطيت إبراهيم وإسحاق ويعقوب من الذكر ما لَوَدِدْتُ أنك أعطيتني مثله. فقال الله جل ذكره له: إني ابتليتهم بما لم أبتلك به، فإن شئت ابتليتك بمثل ما ابتليتهم به، وأعطيتك كما أعطيتهم، قال: نعم، فأقام ما شاء الله أن يُقيم وطال ذلك حتى كاد أن ينساه. فبينما هو في محرابه إذ وقعت عليه حمامة فأراد أن يأخذها فطارت إلى كوة كانت في المحراب، فذهب ليأخذها، فطارت. فاطلَّع من الكوة فرأى امرأة تغتسل. فنزل نبي الله ﷺ من المحراب وأرسل إليها، فجاءته، فسألها عن زوجها وعن شأنها، فأخبرته أن زوجها غائب، فكتب إلى أمير تلك السَّرِيَّةِ أن يُؤْمِّرَهُ على السرايا لِيَهْلَكَ زوجها، ففعل. فكان يصاب أصحابه وينجو وربما نصروا. وإن الله لما رأى الذي وقع فيه داود أراد أن يستنفذه، فبينما داود ذات يوم في محرابه إذ تسور عليه الخصمان من قبل وجهه. فلما رآهما وهو يقرأ فَزِعَ وسكت، وقال: لقد اسُتضعفت في مُلكي حتى إن الناس يتسورون علي في محرابي، قالا له: لا تخف، خصمان بغى بعضنا على بعض فلم يكن لنا بد من أن نأتيكا فاسمع منا. قال أحدهما. ﴿إِنَّ هَذَآ أَخِي﴾ - إلى ﴿وَعَزَّنِي فِي ٱلْخِطَابِ﴾. قال له داود: أنت كنت أحوجَ إلى نعجتك منه، لقد ظلمك بسؤاله إياك نعجتك ونسي نفسه ﷺ. فنظر الملكان أحدهما إلى الآخر حين قال ذلك، فتبسم أحدهما إلى الآخر فرآه داود فعلم أنه فتن، فاستغفر ربه وخر راكعاً وأناب أربعين ليلة حتى نبتت الخضرة من عينيه ثم شدد الله له ملكه. روى ابن أبي الدنيا أن وهب بن منبه قال: لم يرفع داود عليه السلام رأسه من السجود حتى قال له الملكان: أول أمرك ذنب وآخره معصية، ارفع رأسك، فرفع رأسه. وعن وهب أنه قال: لما رفع داود رأسه من (السجدة رفع رأسه) وقد زَمِنَ ورعش. قال: فاعتزل نساءه ثم بكى حتى خددت الدموع وجهه. وقال عطاء الخراساني: "إن داود نقش خطيئته في كفه لكي لا ينساها، فكان إذا رآها اضطربت يداه. وقال وهب بن منبه: كتب داود في كفه: داود الخطاء. وقال يحيى بن أبي كثير لما أصاب داود الخطيئة نفرت الوحوش من حوله، فنادى: إلهي، رُدَّ عليَّ الوحش كي آنس بها فرد الله تبارك وتعالى عليه الوحش فَأَحَطْنَ به وأصغين بأسماعهن نحوه. قال: ورفع صوته يقرأ الزبور ويبكي على نفسه فنادته هيهات هيهات يا داود، ذهبت الخطيئة بحلاوة صوتك. وروي عن النبي ﷺ أنه قال: "مَثَلُ عَيْنَيْ دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ مَثَلُ الْقِرْبَتَينِ تَنْظِفَانِ بالمَاءِ. لَقَدْ خَدَّدَتِ الدُّمُوعُ وَجْهَ دَاودَ خَديدَ المَاءِ في الأرْضِ وروى أبو مسهر عن سعيد بن عبد العزيز أنه قال: قالو: لو جُمِعت دموع أهل الأرض إلى دموع آدم ﷺ لكانت دموع آدم أكثر، ولو جمعت دموع أهل الأرض ودموع آدم إلى دموع ابن آدم الذي قتل أخاه لكانت دموع ابن آدم أكثر، ولو جمعت دموع أهل الأرض، ودموع آدم، ودموع ابن آدم إلى دموع يعقوب لكانت دموع يعقوب أكثر، ولو جمعت دموع أهل الأرض ودموع آدم ودموع ابن آدم ودموع يعقوب إلى دموع داود لكانت دموع داود أكثر. قال سعيد: "كان داود يجلس على ستة أفرشة فيبكي فيبل الأول فيُرفع حتى يبللها كلها، كلما بَلَّ واحداً رُفِع؛ وإن كان ليؤتى بالإناء ليشرب فما يفرغ منه حتى يتدفق من دموعه وروى إسماعيل بن عبيد الله: "إن داود النبي ﷺ كان يعاتب في كثرة البكاء، فيقول: ذروني أبكي قبل يوم البكاء، قبل تحريق العظام واشتعال اللحى، وقبل أن يؤمر بي ﴿مَلاَئِكَةٌ غِلاَظٌ شِدَادٌ لاَّ يَعْصُونَ ٱللَّهَ مَآ أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم: ٦]. قال محمد بن المنكدر مكث آدم ﷺ في الأرض أربعين سنة ما يبدي عن واضحة ولا ترقئ له دمعة. فقالت له حواء: إنَّا قد استوحشنا إلى أصوات الملائكة فادع ربك فيسمعنا أصواتهم. فقال لها: ما زلت مستحيياً من ربي عز وجل أن أرفع طرفي إلى أديم السماء مما صنعت. وقال محمد بن خوات: إن داود النبي ﷺ لما أطال البكاء على نفسه، قيل له: اذهب إلى قبر زوج المرأة فاستوهبه ما صنعت، فأتى القبر، وأَذِنَ الله لصاحب القبر أن يتكلم، فناداه: أنا داود ولك عندي مظلمة، قال: قد غفرتها لك، قال: فانصرف داود وقد طابت نفسه، فأوحى الله عز وجل إليه أن ارجع فبين له الذي صنعت فرجع، فأخبره، فناداه صاحب القبر يا داود، هكذا يفعل الأنبياء! قال بكر بن عبيد الله المُزني: مكث داود النبي عليه السلام ساجداً أربعين يوماً يبكي على خطيئته حتى نبت البقل من دموعه، ثم زفر زفرة فهاج العودة فاحترق، فنودي أظمآن أنت فَتُسقَى؟ أجائع فتطعم؟ أعاري فتُكسى؟ قال: لا، ولكن خطيئتي أثقلت ظهري، فلم يُرْجَعُ إليه بشيء، فازداد بكاء حتى انقطع صوته، فكان لا يُسمع له إلاّ كهيئة الأنين، فعند ذلك غُفِرَ له. وقال الحسن: بكاء داود عليه السلام بعد ما غُفرت له الخطيئة أكثر من بكائه قبل المغفرة، فقيل له: أليس قد غُفر لك يا نبي الله؟ ! قال: فكيف بالحياء من الله عز وجل. قال كعب: كان داود عليه السلام يختار مجالسة المساكين، ويُكثر البكاء ويقول: رب اغفر للمساكين والخطائين حتى تغفر لي معهم، وكان قبل ذلك يدعو على الخطائين. قال أبو عبد الرحمن الحبلي: ما رفع داود رأسه إلى السماء بعد خطيئته حتى مات. ورُوي أنه كان إذا ذكر عقاب الله عز وجل تخلعت أوصاله، فإذا ذكر رحمة الله تراجعت. وروى أشهب عن مالك أنه قال: بلغني أن تلك الحمامة أتت فوقعت قريباً من داود وهي من ذهب، فلما رآها أعجبته فقام ليأخذها، فكانت قرب يده، ثم طارت فَأَتْبَعَهَا بَصَرَهُ، فوقعت عينه على تلك المرأة وهي تغسل ولها شعر طويل. فبلغني أنه أقام أربعين ليلة ساجداً حتى نبت العشب من دموع عينيه. ويراد بالركوع في هذا الموضع: السجود. قال السدي: كان داود قد قسم الدهر ثلاثة أيام: يوماً يقضي فيه بين الناس ويوماً يخلو فيه لعبادة ربه عز وجل، ويوماً يخلو فيه لنسائه، وكان له تسع وتسعون امرأة، وكان فيما يقرأ من الكتب: فضل إبراهيم وإسحاق ويعقوب صلى الله عليهم وسلم. فلما وجد ذلك فيما يقرأ من الكتب قال: يا رب، إن الخير قد ذهب به آبائي، فأعطني مثل ما أعطيتهم. فأوحى الله إليه أن آباءك ابتلوا ببلاء لم تبتل به، ابتلي إبراهيم بذبح ابنه فصبر، وابتلي إسحاق بذهاب بصره، وابتلي يعقوب بحزنه على يوسف، وإنك لم تبتل أنت من ذلك الشيء. فقال: يا رب، ابتلني بمثل ما ابتليتهم وأعطني مثل ما أعطيتهم. قال: فأوحى الله عز وجل إليه أنك مبتلى فاحترس، قال: فمكث ما شاء الله أن يمكث إذ جاءه الشيطان وقد تمثل له في صورة حمامة من ذهب حتى وقع عند رجليه وهو قائم يصلي قال: فمد يده ليأخذه فتنحى، فتبعه فتباعد حتى وقع في كوة، فذهب ليأخذه، فطار من الكوة فنظر أين (يقع فيبعث) في أثره، قال: فأبصر امرأة تغتسل في سطح لها، فرأى امرأة من أجمل الناس خَلْقاً، فحانت منها التفاتة فأبصرته، فألقت شعرها فاستترت به. قال: فزاده ذلك فيها رغبة. قال: فسأل عنها فأخبر أن لها زوجاً وأن زوجها غائب بمسلحة كذا وكذا. (قال: فبعث إلى صاحب المسلحة وأمره أن يبعث به إلى عدو كذا وكذا). قال فبعثه ففتح له قال: فكتب إليه بذلك. قال فكتب إليه أن أبعثه إلى عدو كذا وكذا - أشد منهم بأساً - قال: فبعثه ففتح له أيضاً، ثم كتب إليه ثالثة فبعثه فقتل. قال: وتزوج امرأته، فلما دخلت عليه لم تلبث عنده إلا يسيراً حتى بعث الله ملكين في صورة إنسيين فطلبا أن يدخلا عليه، فتسورا عليه المحراب. قال: فما شعر وهو يصلي إلا وهما بين يديه جالسين قال: ﴿فَفَزِعَ مِنْهُمْ﴾، فقالا: ﴿لاَ تَخَفْ﴾ لا تخف، إنما نحن ﴿خَصْمَانِ بَغَىٰ بَعْضُنَا عَلَىٰ بَعْضٍ﴾ - إلى قوله - ﴿سَوَآءِ ٱلصِّرَاطِ﴾، قال: قصّا قصتكما قال: فقال أحدهما: إن هذا أخي له تسع وتسعون نعجة ولي نعجة واحدة، وهو يريد أخذ نعجتي فيكمل بها نعاجه مائة! فقال للآخر: ما تقول؟ فقال: إن لي (تسعاً وتسعين) نعجة ولأخي هذا نعجة واحدة. قال: فأنا أريد أن آخذها منه فأكمل بها نعاجي مائة؟! قال: (وهو كاره). قال: إذا (لا ندعك) وذلك. قال: ما أنت على ذلك بقادر. قال: فإن ذهبت تروم ذلك (أو لم ترد ذلك ضربنا منك هذا وهذا وهذا يريد طرف الأنف، وأصل الأنف، والجبهة قال: يا داود، أنت أحق أن يضرب منه هذا وهذا وهذا حيث لك تسع وتسعون امراة ولم يكن لاوريا إلا امرأة واحدة، (فلم تزل) تعرضه للقتل حتى قُتل، وتزوجت امرأته. قال: فنظر داود الرجلين فلم ير شيئاً فعرف ما قد وقع فيه فخر ساجداً. - وهو موضع السجود عند مالك. وروي أن رجلاً من الأنصار - على عهد النبي ﷺ - كان يصلي من الليل مستتراً بشجرة وهو يقرأ "ص"، فلما بلغ السجدة سجد وسجدت معه الشجرة، فسمعها وهي تقول: اللهم أعظم لي بهذه السجدة أجراً، وارزقني بها شكراً، وضع عني بها وزراً، وتقبلها مني كما تقبلت من عبدك داود سجدته. فلما أصبح الرجل ذكر ذلك لرسول الله ﷺ. فقال رسول الله: نحن أحق أن يقول ذلك. فكان ﷺ إذا سجد يقول ذلك. قال عقبة بن عامر الجهني: من قرأ (ص) ولم يسجد فيها فلا عليه ألا يقرأ بها. قال: فبكى أربعين يوماً لا يرفع رأسه إلا لحاجة، ثم يقع ساجداً يبكي حتى نبت العشب من دموع عينيه، قال: فأوحى الله عز وجل إليه بعد أربعين يوماً: يا داود، ارفع رأسك فقد غفرت لك. قال: يا رب، كيف أعلم أنك قد غفرت لي وأنت حكم عدل لا تحيف في القضاء، إذا جاء أوريا يوم القيامة آخذ رأسه بيمينه، أو بشماله، تشخب أوداجه دماً، يقول: يا رب، سل هذا فيم قتلني؟ قال: فأوحى الله عز وجل إليه: إذا كان ذلك (دعوت أوريا). فاستوهبتك منه، فيهبك لي، فأثيبه بذلك الجنة. قال: رب، الآن علمت أنك قد غفرت لي. قال: فما استطاع ان يملأ عينيه من السماء حياء من ربه حتى قبض ﷺ. وقيل: اسم الرجل أوريا بن حيان. وقال الحسن: جزأ داود الدهر أربعة أجزاء: يوماً لنسائه، ويوماً لعبادة ربه، ويوماً لقضاء بني إسرائيل، ويوماً لبني إسرائيل يذاكرهم ويذاكرونه، ويبكيهم ويبكونه. قال: فلما كان يوم بني إسرائيل، قال: ذَكَرُوا فقالو: هل أتى على الإنسان يوم لا يصيب فيه ذنباً؟ فأضمر داود في نفسه أنه سيطيق ذلك. فلما كان يوم عبادته أغلق أبوابه وأمر ألا يدخل عليه أحد، وأكب على التوراة. فبينما هو يقرؤها إذا حمامة من ذهب، فيها من كل لون (حَسَنٍ، قد وقعت بين يديه، فأهوى إليها ليأخذها، قال: فطارت فوقعت غير بعيدة من غير أن تؤيسه من نفسها. قال: فما زال يتبعها حتى أشرف على امرأة تغتسل فأعجبه خلقها وحسنها. قال: فلما رأت ظله في الارض جللت نفسها بشعرها فزاده ذلك إعجاباً بها. وكان قد بعث زوجها على بعض جيوشه، فكتب إليه أن يسر إلى مكان كذا وكذا - مكانٌ إذا صار إليه لم يرجع - قال: ففعل، فأصيب، فخطبها، فتزوجها. قال قتادة: بلغنا أنها أم سليمان. قال الحسن: فبينما هو في المحراب إذ تسور الملكان عليه - وكان الخصمان إذا أتوه يأتونه من باب المحراب - ففزع منهم حين تسوروا المحراب، فقالا: لا تخف، خصمان بغى بعضنا على بعض. وذكر نحو الحديثين المتقدمين. وقيل: إن خطيئته هي قوله: لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه من غير ثبت بينة ولا إقرار من الخصم ولا سؤال لخصمه: هل كان هذا هكذا أو لم يكن. وهو قول شاذ. وقال ابن الأعرابي: قال كعب: سجد داود نبي الله ﷺ أربعين ليلة لم يرفع رأسه حتى رقأ دمعه ويبس رأسه. فكان من آخر دعائه وهو ساجد أن قال: يا رب رزقتني العافية، فسألتك البلاء، فلما ابتليتني لم أصبر فإن تعذبني فأنا أهل ذلك، وإن تغفر لي فأنت أهل ذلك - يقولها في نفسه - فعلم الله عز وجل ما قال فإذا جبريل عليه السلام على رأسه قائم يقول له: يا داود، إن الله قد غفر لك فارفع رأسك فلم يلتفت إليه، وناجى ربه وهو ساجد فقال: يا رب، وكيف تغفر لي وأنت الحكم العدل، وقد فعلت بالرجل ما فعلت؟ قال: فنزل الوحي عليه: صدقت يا داود أنا الحكم العدل، ولكن إذا كان يوم القيامة دفعتك إلى أوريا سلماً، ثم استوهبتك منه، فيهبك لي، فأثيبه الجنة. قال داود: الآن أعلم أنك قد غفرت لي. قال: فذهب داود يرفع رأسه فاذا هو يابس لا يستطيع. قال: فمسحه جبريل عليه السلام بريشة فانبسط. قال: فأوحى الله عز وجل إليه بعد ذلك: يا داود: قد أحللت لك امرأة أوريا فتزوجها، فتزوجها داود ﷺ، فولدت له سليمان عليه السلام، لم تلد قبله شيئاً ولا بعده. قال كعب: فوالله لقد كان داود بعد ذلك ليظل صائماً في اليوم الحار فيقرب إليه الشراب فإذا قربه إلى فيه ذكر خطيئته فيبكي في الشراب حتى يفيض ثم يرده ولا يشربه. وروى الأوزاعي عن بعض أهل المدينة أنه قال: مثل عيني داود كمثل القربتين تنطفان الماء، لقد خدد الدمع في وجهه كخديد الماء في الأرض. ويروى أن داود بات لربه عز وجل مصلياً حتى أصبح فذهب الى نهر ليتوضأ، فقال: الحمد لله، لقد عبدت الله الليلة عبادة ما عبده أحد إياها من أهل الأرض. فكَلَّمَه ضفدع من الماء فقالت: جلا يا أبا سليمان، فوالله إن لي لثلاثاً من الدهر ما جمعت بين فقمي تسبيحاً لله. وروي عن ابن مسعود وابن عباس أن داود عليه السلام ما زاد على أن قال للرجل: انزل لي عن امرأتك، فعاتبه الله على ذلك ونبهه عليه. * * ثم قال تعالى: ﴿فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ﴾، أي ذلك الذنب. ﴿وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لَزُلْفَىٰ﴾، أي: لقربة يوم القيامة. قال الضحاك: لمنزلة رفيعة. * * ثم قال: ﴿وَحُسْنَ مَـآبٍ﴾، أي: حسن مصير. قال السدي: حسن منقلب. وقال الضحاك: حسن مرجع. وقال مجاهد: يبعث داود النبي عليه السلام وذكر خطيئته، ووجلُه منها في قلبه، منقوشةٌ في كفه. فإذا رأى أهاويل الموقف لم يجد منها متعوذاً وا محرزاً إلا برحمة الله تبارك وتعالى وقربه، فيلجأ إليه تبارك وتعالى، فيشار إليه أن هاهنا عن يسار العرش، ثم يعلق فيقال له هاهنا عن يمين العرش. وذلك قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لَزُلْفَىٰ وَحُسْنَ مَـآبٍ﴾. وقال مالك بن دينار: يقام داود عليه السلام يوم القيامة عند ساق العرش، ثم يقول: يا داود، مجدني بذلك الصوت الحسن الرخيم الذي كنت تمجدني به في الدنيا. فيقول يا رب، كيف وقد سلبتنيه؟! فيقول: إني سأرده عليك. قال: فيدفع داود بصوت يستفرغ به نعيم أهل الجنان. ﴿فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ﴾: تمام حسن. * * ثم قال تعالى: ﴿يٰدَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي ٱلأَرْضِ﴾، أي: فغفرنا له ذلك الذنب، وقلنا له: يا داود، إنا جعلناك خليفة في الأرض، أي استخلفناك في الارض من بعد من كان قبلك من رسلنا حكماً بين أهل الارض. ﴿فَٱحْكُمْ بَيْنَ ٱلنَّاسِ بِٱلْحَقِّ﴾، أي: بالعدل والإنصاف. ﴿وَلاَ تَتَّبِعِ ٱلْهَوَىٰ﴾، أي: لا توثر هواك في قضائك على العدل فتجور في الحكم فيضلك هواك عن سبيل الله. ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ﴾، أي: يميلون عن الحق الذي أمر الله به. ﴿لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدُ﴾، أي: يوم القيامة. ﴿بِمَا نَسُواْ يَوْمَ ٱلْحِسَابِ﴾، أي: بتركهم العمل ليوم القيامة. قال عكرمة: هذا من التقديم والتأخير. والتقدير عنده: لهم يوم الحساب عذاب شديد بما نسوا أي: بما تركوا أمر الله والقضاء بالعدل. فالعامل في "يوم" في القول الأول: "نسوا" هو مفعول به والعامل فيه في القول الثاني "لهم" وهو ظرف. وكان ابن عباس يسجد عند قوله: "وأناب"، ويقول: ﴿أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ ٱقْتَدِهْ﴾. * * ثم قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَآءَ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً﴾، أي: عبثاً ولعباً بل خُلِقَا ليُعمل فيهما بالطاعة. ثم قال تعالى ذكره: ﴿ذَلِكَ ظَنُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾، أي: خلق السماء والأرض وما بينهما لغير حساب ولا بعث ولا عمل، هو ظن الذين كفروا فويل لهم من النار. * * ثم قال: ﴿أَمْ نَجْعَلُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ كَٱلْمُفْسِدِينَ فِي ٱلأَرْضِ﴾. هذا رد لقول الكفار، لأنهم كانوا يقولون: ليست ثمَّ عقوبة ولا نار، فالكافر والعاصي يَسْعَدَان باللذات، والمطيع يشقى، ومصيرهما إلى شيء واحد فرد الله عليه بأنه لم يجعل المتقين كالفجار في الآخرة، ولا الصالح كالمفسد. * * ثم قال: ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ﴾، (أي: هذا القرآن كتاب أنزله الله إليك يا محمد مبارك) على من آمن به، أنزله: ﴿لِّيَدَّبَّرُوۤاْ آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُواْ ٱلأَلْبَابِ﴾ ليعتبروا آياته وليتذكر به أولوا العقول. * * ثم قال: ﴿وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ﴾، أي: وُلِدَ إليه. ﴿نِعْمَ ٱلْعَبْدُ﴾، أي: ممدوح في طاعة ربه. ﴿إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾، أي: رجاع إلى طاعة الله عز وجل تواب إليه سبحانه، وقيل: الأواب: الكثير الذكر. وقال ابن عباس: الأواب: المسبح. وقال قتادة: مطيعاً كثير الصلاة. وقال ابن المسيب: هو الذي يذنب ثم يتوب، ثم يذنب ثم يتوب. وقيل: هو الذي يذكر ذنبه في الخلاء، ثم يتوب منه ويستغفر. * * ثم قال تعالى: ﴿إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِٱلْعَشِيِّ ٱلصَّافِنَاتُ ٱلْجِيَادُ﴾، أي: هو تواب في هذا الوقت. والصافنات: جمع صافن من الخيل، والأنثى: صافنة. والصافن: الذي يجمع بين يديه، ويثني طرف سنبك إحدى رجليه. وقيل: هو الذي يجمع بين يديه. وزعم الفراء أن الصافن هو القائم. وقال مجاهد: صفون الفرس: "رفع إحدى يديه حتى تكون على طرف الحافر". وقال قتادة: صفونها: قيامها وبسطها قوائمها. وقال ابن زيد: الصافنات: الخيل، أخرجها الشيطان لسليمان من مرج من مروج البحر. والصفن أن تقوم على ثلاث وترفع رجلاً واحدة تكون على طرف الحافر على الأرض. قال ابن زيد: وكانت لها أجنحة. (والجياد: السريعة. روي أنها كانت عشرين فرسا ذات أجنحة).

ص 38:28

هذا قوله تعالى ذكره: ﴿ٱصْبِر عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ﴾ - إلى قوله - ﴿وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ﴾ منسوخ بالأمر بالقتال، أمر الله جل ذكره نبيه ﷺ بالصبر على قول المشركين والاحتمال منهم، وقد علم تعالى أنه سيأمره بقتالهم في وقت آخر، فينسخ الآخر الأول. * * ثم قال: ﴿وَٱذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا ٱلأَيْدِ﴾، أي: ذا القوة والبطش الشديد في ذات الله عز وجل والصبر على طاعته. يقال: أيد وآد للقوة, كما يقال: العيب والعاب قال قتادة: "أُعْطِيَ داود قوة في العبادة وفقهاً في الإسلام، وذُكِرَ أنه كان يقوم الليل ويصوم نصف الدهر. * * وقوله: ﴿إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾، أي: رَجَّاعٌ عما يكره الله عز وجل إلى ما يرضاه أواب وهو فعَّال للتكثير من آب يئوب إذا رجع. قال مجاهد: أواب: رجاع عن الذنوب. قال قتادة: كان مطيعاً لله عز وجل كثير الصلاة. وقال السدى: الأوَّاب: المسبح. ويروى أنه قام ليلة إلى الصباح فكأنه أُعْجِبَ بذلك فقيل لضفدع كلميه في أصل مِحْرَابِه، فقالت له: يا داود، تَعْجَبُ لقيام ليلة! هذا مقامي منذ عشرين سنة شكراً لله عز وجل حين سلَّم بيضي. قال وهب: كان داود قد قسم الدهر أثلاثا، فيصير: يوم للعبادة، ويوماً للقضاء بين الناس، ويوما لقضاء حوائج أهله. * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّا سَخَّرْنَا ٱلجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِٱلْعَشِيِّ وَٱلإِشْرَاقِ﴾، أي: يسبحن مع داود من وقت العصر إلى الليل، ومن صلاة الصبح إلى وقت صلاة الضحى. يقال: أشرقت الشمس: إذا أضاءت وصفت، وشرقت إذا طلعت. قال قتادة: كان داود إذا سبح سبحت الجبال معه. واستدل ابن عباس على نص صلاة الضحى في القرآن بهذه الآية ﴿بِٱلْعَشِيِّ وَٱلإِشْرَاقِ﴾، لأنه من أشرقت الشمس إذا صفت وأضاءت. فإذا صلى داود العصر وسبَّحَ سبحت الجبال معه، وإذا صلى الضحى (سبح وسبحت) الجبال معه. * * ثم قال: ﴿وَٱلطَّيْرَ مَحْشُورَةً﴾، أي وسخرنا الطير مجموعة تسبح معه. ﴿كُلٌّ لَّهُ أَوَّابٌ﴾، أي: رجاع لأمره ومطيع له. فالهاء لداود وقيل: إلهاء لله عز وجل. والمعنى كل لله مطيع، مسبح له. فكل "في القول الأولى للطير، وفي هذا الثاني: يجوز أن يكون للطير، ويجوز أن يكون لداود والجبال والطير. ورُوي أنه كان إذا سبح أجابته الجبال واجتمعت إليه الطير فسبحت معه. وقال قتادة: محشورة: مسخرة. * * ثم قال: ﴿وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ﴾. قال السدي: كان حرسه في كل يوم وليلة أربعة آلاف. وذكر ابن عباس أن الله جل ذكره شدد ملكه هيبة لقضية قضاها في بنى إسرائيل وذلك أن رجلاً استعدى على رجل من عظمائهم فاجتمعا عند داود، فقال المُسْتَعْدَى: إن هذا غصبني بقراً لي. فسأل الرجل عن ذلك فجحده، فسأل الآخر البيِّنة فلم تكن له بينة، فقال لهما: قُوَما حتى أنظر في أمركما فقاما. فأوحى الله عز وجل إلى داود في منامه أن يقتل الرجل الذي ستُعدي عليه. فقال: هذه رؤيا ولست أعجل حتى أتثبت، فأَوْحَى إليه مرة أخرى أن يقتُلَه، وأوحى إليه ثالثة (أن يقتله) أو تأتيه العقوبة من الله عز وجل، فأرسل داود إلى الرجل أن الله قد أوحى إليّ أن أقتلك، فقال الرجل: تقتلني بغير بينة ولا تثبت! فقال له داود: نعم، والله لأنفِّذْنَ أمر الله عز جل فيك. فلما عرف الرجل أنه قاتله قاله له: لا تعجل عليّ حتى أخبرك، إني والله ما أُخِذْتُ بهذا الذنب ولكني كنت اغتلت وَلَدَ هذا فقتلته فبذلك قُتِلتُ. فأمر به داود، فَقُتِلَ. فاشتدت هيبته في بني إسرائيل لذلك وشد الله به ملكه. * * ثم قال تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُ ٱلْحِكْمَةَ﴾. قال السدى: هي النبوة. وقال قتادة: الحكمة: السُّنَّة. * * وقوله: ﴿وَفَصْلَ ٱلْخِطَابِ﴾. قال ابن عباس ومجاهد والسدي: فصل الخطاب: الفهم في علم القضاء. وقال ابن زيد: أعطي فصل ما يتخاطب الناس به بين يديه في الخصومات. وقال شريح: فصل الخطاب: الشاهدان على المدعي، واليمين على المنكر، وهو قول قتادة. وقال الشعبي: يمين وشاهد، وعن الشعبي: هو: أما بعد. * * ثم قال تعالى: ﴿وَهَلْ أَتَاكَ نَبَؤُاْ ٱلْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُواْ ٱلْمِحْرَابَ﴾، أي: وهل أتاك يا محمد خبر الخصم. والخصم هنا يراد به الملكان، لكن لا تظهر فيه تثنية ولا جمع لأنه مصدر من خصمته خصماً. والأصل فيه: وهل أتاك نبأ ذوي الخصم ويجوز أن يثنى ويجمع، ودل على ذلك قوله: خصمان. * * وقوله: ﴿إِذْ تَسَوَّرُواْ ٱلْمِحْرَابَ﴾، أي إذ دخلوا عليه من غير بابه. والمحراب: مقدم كل شيء ومجلسه وأشرفه. * * ثم قال تعالى: ﴿إِذْ دَخَلُواْ عَلَىٰ دَاوُودَ﴾، أي: لما دخلوا على داود المحراب. ﴿فَفَزِعَ مِنْهُمْ﴾، أي: فراعه دخولهما من غير مدخل الناس عليه. وقيل: إنما فزع لأنهما دخلا عليه ليلاً من غير وقت نظره بين الناس. ﴿قَالُواْ لاَ تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَىٰ﴾، أي: قال الملكان: لا تخف منا نحن خصمان. ﴿بَغَىٰ بَعْضُنَا عَلَىٰ بَعْضٍ﴾، أي: تعدَّى أحدنا على صاحبه. ﴿فَٱحْكُمْ بَيْنَنَا بِٱلْحَقِّ﴾، أي: فاقض بيننا بالعدل. ﴿وَلاَ تُشْطِطْ﴾، أي: لا تجر، وقال قتادة ولا تمل، وقال السدى: لا تخف. وقرأ الحسن وأبو رجاء: "ولا تَشْطُطْ" بفتح التاء وضم الطاء الأولى. بمعنى: ولا تبعد عن الحق. يقال: أَشَطَّ يُشِطُّ إذا جار في القول والحكم، وشَطّ يَشُطُّ إذا بَعُد. * * ثم قال تعالى: ﴿وَٱهْدِنَآ إِلَىٰ سَوَآءِ ٱلصِّرَاطِ﴾ ، أي: وارشدنا إلى قصد الطريق المستقيم في الحق. * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ هَذَآ أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً﴾، الآية. هذا مثل ضربه الملكان لداود، وذلك أن داود كان له تسع وتسعون امرأة، وكانت للرجل الذي أعزاه داود حتى قُتل، امرأة واحدة، فلما قتل تزوجها فيما ذكر. قال وهب بن منبه: إن هذا أخي، أي على ديني. والعرب تُكَنِّي عن المرأة بالنعجة والشاة. وقرأة الحسن بفتح التاء من "تَسع وتَسعين" وهي لغة قليلة. وقرأ ابن مسعود: "تِسْعٌ وتَسِعُونَ نَعْجَةً أُنْثَى" على التأكيد، كقولهم: رجل ذَكَر؟. ولا يؤنث بهذا التأنيث إلا ما تأنيثه وتذكيره في نفسه كالرجل والمرأة، فإن كان تأنيثه وتذكيره في اسمه (لم يُقَلْ) فيه أنثى ولا ذكر، نحو: دار، وملحفة، وشبه ذلك. وقيل: عنى بذلك أنها حسنة. فأنثى تدل على أنها حسنة. ثم قال تعالى ذكره: ﴿فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا﴾، أي: أنزل عنها وضُمَّها إليَّ. قال ابن زيد: أكفلنيها: أعطنيها، أي: طلقها لي أنكحها. ﴿وَعَزَّنِي فِي ٱلْخِطَابِ﴾، أي: صار أعزَّ مني في مخاطبته إياي لأنه إن تكلم فهو أبين مني، وإن بطش كان أشد مني فقهرني وغلبني. قال قتادة: وعزني في الخطاب: ظلمني وقهرني. وقرأ ابن مسعود: "وَعَازَّنِي". يقال: عَازَّه (إذا غالبه، وَعَزَّهُ): إذا غلبه، ومنه قولهم: "مَنْ (عَزَّ بَزَّ)". * * ثم قال تعالى: ﴿قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَىٰ نِعَاجِهِ﴾، أي: قال داود للمتكلم منهما: لقد ظلمك صاحبك بسؤاله إياك أن يضم نعجتك إلى نعاجه. * * ﴿وَإِنَّ كَثِيراً مِّنَ ٱلْخُلَطَآءِ لَيَبْغِيۤ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ﴾، أي: وإن كثيراً من الشركاء ليَتَعَدَّى بعضهم على بعض ﴿إِلاَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ﴾. قوله تعالى ذكره: ﴿وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ﴾ - إلى قوله - ﴿ٱلصَّافِنَاتُ ٱلْجِيَادُ﴾ أي: وأيقن داود أنما اختبرناه. ﴿فَٱسْتَغْفَرَ رَبَّهُ﴾، أي: سائل ربه المغفرة. ﴿وَخَرَّ رَاكِعاً﴾، أي: ساجداً لله. ﴿وَأَنَابَ﴾، أي: رجع عن خطيئته وتاب منها. وكان سبب اختبار الله عز وجل له - فيما ذكر ابن عباس - أن داود قال: يا رب، قد أعطيت إبراهيم وإسحاق ويعقوب من الذكر ما لَوَدِدْتُ أنك أعطيتني مثله. فقال الله جل ذكره له: إني ابتليتهم بما لم أبتلك به، فإن شئت ابتليتك بمثل ما ابتليتهم به، وأعطيتك كما أعطيتهم، قال: نعم، فأقام ما شاء الله أن يُقيم وطال ذلك حتى كاد أن ينساه. فبينما هو في محرابه إذ وقعت عليه حمامة فأراد أن يأخذها فطارت إلى كوة كانت في المحراب، فذهب ليأخذها، فطارت. فاطلَّع من الكوة فرأى امرأة تغتسل. فنزل نبي الله ﷺ من المحراب وأرسل إليها، فجاءته، فسألها عن زوجها وعن شأنها، فأخبرته أن زوجها غائب، فكتب إلى أمير تلك السَّرِيَّةِ أن يُؤْمِّرَهُ على السرايا لِيَهْلَكَ زوجها، ففعل. فكان يصاب أصحابه وينجو وربما نصروا. وإن الله لما رأى الذي وقع فيه داود أراد أن يستنفذه، فبينما داود ذات يوم في محرابه إذ تسور عليه الخصمان من قبل وجهه. فلما رآهما وهو يقرأ فَزِعَ وسكت، وقال: لقد اسُتضعفت في مُلكي حتى إن الناس يتسورون علي في محرابي، قالا له: لا تخف، خصمان بغى بعضنا على بعض فلم يكن لنا بد من أن نأتيكا فاسمع منا. قال أحدهما. ﴿إِنَّ هَذَآ أَخِي﴾ - إلى ﴿وَعَزَّنِي فِي ٱلْخِطَابِ﴾. قال له داود: أنت كنت أحوجَ إلى نعجتك منه، لقد ظلمك بسؤاله إياك نعجتك ونسي نفسه ﷺ. فنظر الملكان أحدهما إلى الآخر حين قال ذلك، فتبسم أحدهما إلى الآخر فرآه داود فعلم أنه فتن، فاستغفر ربه وخر راكعاً وأناب أربعين ليلة حتى نبتت الخضرة من عينيه ثم شدد الله له ملكه. روى ابن أبي الدنيا أن وهب بن منبه قال: لم يرفع داود عليه السلام رأسه من السجود حتى قال له الملكان: أول أمرك ذنب وآخره معصية، ارفع رأسك، فرفع رأسه. وعن وهب أنه قال: لما رفع داود رأسه من (السجدة رفع رأسه) وقد زَمِنَ ورعش. قال: فاعتزل نساءه ثم بكى حتى خددت الدموع وجهه. وقال عطاء الخراساني: "إن داود نقش خطيئته في كفه لكي لا ينساها، فكان إذا رآها اضطربت يداه. وقال وهب بن منبه: كتب داود في كفه: داود الخطاء. وقال يحيى بن أبي كثير لما أصاب داود الخطيئة نفرت الوحوش من حوله، فنادى: إلهي، رُدَّ عليَّ الوحش كي آنس بها فرد الله تبارك وتعالى عليه الوحش فَأَحَطْنَ به وأصغين بأسماعهن نحوه. قال: ورفع صوته يقرأ الزبور ويبكي على نفسه فنادته هيهات هيهات يا داود، ذهبت الخطيئة بحلاوة صوتك. وروي عن النبي ﷺ أنه قال: "مَثَلُ عَيْنَيْ دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ مَثَلُ الْقِرْبَتَينِ تَنْظِفَانِ بالمَاءِ. لَقَدْ خَدَّدَتِ الدُّمُوعُ وَجْهَ دَاودَ خَديدَ المَاءِ في الأرْضِ وروى أبو مسهر عن سعيد بن عبد العزيز أنه قال: قالو: لو جُمِعت دموع أهل الأرض إلى دموع آدم ﷺ لكانت دموع آدم أكثر، ولو جمعت دموع أهل الأرض ودموع آدم إلى دموع ابن آدم الذي قتل أخاه لكانت دموع ابن آدم أكثر، ولو جمعت دموع أهل الأرض، ودموع آدم، ودموع ابن آدم إلى دموع يعقوب لكانت دموع يعقوب أكثر، ولو جمعت دموع أهل الأرض ودموع آدم ودموع ابن آدم ودموع يعقوب إلى دموع داود لكانت دموع داود أكثر. قال سعيد: "كان داود يجلس على ستة أفرشة فيبكي فيبل الأول فيُرفع حتى يبللها كلها، كلما بَلَّ واحداً رُفِع؛ وإن كان ليؤتى بالإناء ليشرب فما يفرغ منه حتى يتدفق من دموعه وروى إسماعيل بن عبيد الله: "إن داود النبي ﷺ كان يعاتب في كثرة البكاء، فيقول: ذروني أبكي قبل يوم البكاء، قبل تحريق العظام واشتعال اللحى، وقبل أن يؤمر بي ﴿مَلاَئِكَةٌ غِلاَظٌ شِدَادٌ لاَّ يَعْصُونَ ٱللَّهَ مَآ أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم: ٦]. قال محمد بن المنكدر مكث آدم ﷺ في الأرض أربعين سنة ما يبدي عن واضحة ولا ترقئ له دمعة. فقالت له حواء: إنَّا قد استوحشنا إلى أصوات الملائكة فادع ربك فيسمعنا أصواتهم. فقال لها: ما زلت مستحيياً من ربي عز وجل أن أرفع طرفي إلى أديم السماء مما صنعت. وقال محمد بن خوات: إن داود النبي ﷺ لما أطال البكاء على نفسه، قيل له: اذهب إلى قبر زوج المرأة فاستوهبه ما صنعت، فأتى القبر، وأَذِنَ الله لصاحب القبر أن يتكلم، فناداه: أنا داود ولك عندي مظلمة، قال: قد غفرتها لك، قال: فانصرف داود وقد طابت نفسه، فأوحى الله عز وجل إليه أن ارجع فبين له الذي صنعت فرجع، فأخبره، فناداه صاحب القبر يا داود، هكذا يفعل الأنبياء! قال بكر بن عبيد الله المُزني: مكث داود النبي عليه السلام ساجداً أربعين يوماً يبكي على خطيئته حتى نبت البقل من دموعه، ثم زفر زفرة فهاج العودة فاحترق، فنودي أظمآن أنت فَتُسقَى؟ أجائع فتطعم؟ أعاري فتُكسى؟ قال: لا، ولكن خطيئتي أثقلت ظهري، فلم يُرْجَعُ إليه بشيء، فازداد بكاء حتى انقطع صوته، فكان لا يُسمع له إلاّ كهيئة الأنين، فعند ذلك غُفِرَ له. وقال الحسن: بكاء داود عليه السلام بعد ما غُفرت له الخطيئة أكثر من بكائه قبل المغفرة، فقيل له: أليس قد غُفر لك يا نبي الله؟ ! قال: فكيف بالحياء من الله عز وجل. قال كعب: كان داود عليه السلام يختار مجالسة المساكين، ويُكثر البكاء ويقول: رب اغفر للمساكين والخطائين حتى تغفر لي معهم، وكان قبل ذلك يدعو على الخطائين. قال أبو عبد الرحمن الحبلي: ما رفع داود رأسه إلى السماء بعد خطيئته حتى مات. ورُوي أنه كان إذا ذكر عقاب الله عز وجل تخلعت أوصاله، فإذا ذكر رحمة الله تراجعت. وروى أشهب عن مالك أنه قال: بلغني أن تلك الحمامة أتت فوقعت قريباً من داود وهي من ذهب، فلما رآها أعجبته فقام ليأخذها، فكانت قرب يده، ثم طارت فَأَتْبَعَهَا بَصَرَهُ، فوقعت عينه على تلك المرأة وهي تغسل ولها شعر طويل. فبلغني أنه أقام أربعين ليلة ساجداً حتى نبت العشب من دموع عينيه. ويراد بالركوع في هذا الموضع: السجود. قال السدي: كان داود قد قسم الدهر ثلاثة أيام: يوماً يقضي فيه بين الناس ويوماً يخلو فيه لعبادة ربه عز وجل، ويوماً يخلو فيه لنسائه، وكان له تسع وتسعون امرأة، وكان فيما يقرأ من الكتب: فضل إبراهيم وإسحاق ويعقوب صلى الله عليهم وسلم. فلما وجد ذلك فيما يقرأ من الكتب قال: يا رب، إن الخير قد ذهب به آبائي، فأعطني مثل ما أعطيتهم. فأوحى الله إليه أن آباءك ابتلوا ببلاء لم تبتل به، ابتلي إبراهيم بذبح ابنه فصبر، وابتلي إسحاق بذهاب بصره، وابتلي يعقوب بحزنه على يوسف، وإنك لم تبتل أنت من ذلك الشيء. فقال: يا رب، ابتلني بمثل ما ابتليتهم وأعطني مثل ما أعطيتهم. قال: فأوحى الله عز وجل إليه أنك مبتلى فاحترس، قال: فمكث ما شاء الله أن يمكث إذ جاءه الشيطان وقد تمثل له في صورة حمامة من ذهب حتى وقع عند رجليه وهو قائم يصلي قال: فمد يده ليأخذه فتنحى، فتبعه فتباعد حتى وقع في كوة، فذهب ليأخذه، فطار من الكوة فنظر أين (يقع فيبعث) في أثره، قال: فأبصر امرأة تغتسل في سطح لها، فرأى امرأة من أجمل الناس خَلْقاً، فحانت منها التفاتة فأبصرته، فألقت شعرها فاستترت به. قال: فزاده ذلك فيها رغبة. قال: فسأل عنها فأخبر أن لها زوجاً وأن زوجها غائب بمسلحة كذا وكذا. (قال: فبعث إلى صاحب المسلحة وأمره أن يبعث به إلى عدو كذا وكذا). قال فبعثه ففتح له قال: فكتب إليه بذلك. قال فكتب إليه أن أبعثه إلى عدو كذا وكذا - أشد منهم بأساً - قال: فبعثه ففتح له أيضاً، ثم كتب إليه ثالثة فبعثه فقتل. قال: وتزوج امرأته، فلما دخلت عليه لم تلبث عنده إلا يسيراً حتى بعث الله ملكين في صورة إنسيين فطلبا أن يدخلا عليه، فتسورا عليه المحراب. قال: فما شعر وهو يصلي إلا وهما بين يديه جالسين قال: ﴿فَفَزِعَ مِنْهُمْ﴾، فقالا: ﴿لاَ تَخَفْ﴾ لا تخف، إنما نحن ﴿خَصْمَانِ بَغَىٰ بَعْضُنَا عَلَىٰ بَعْضٍ﴾ - إلى قوله - ﴿سَوَآءِ ٱلصِّرَاطِ﴾، قال: قصّا قصتكما قال: فقال أحدهما: إن هذا أخي له تسع وتسعون نعجة ولي نعجة واحدة، وهو يريد أخذ نعجتي فيكمل بها نعاجه مائة! فقال للآخر: ما تقول؟ فقال: إن لي (تسعاً وتسعين) نعجة ولأخي هذا نعجة واحدة. قال: فأنا أريد أن آخذها منه فأكمل بها نعاجي مائة؟! قال: (وهو كاره). قال: إذا (لا ندعك) وذلك. قال: ما أنت على ذلك بقادر. قال: فإن ذهبت تروم ذلك (أو لم ترد ذلك ضربنا منك هذا وهذا وهذا يريد طرف الأنف، وأصل الأنف، والجبهة قال: يا داود، أنت أحق أن يضرب منه هذا وهذا وهذا حيث لك تسع وتسعون امراة ولم يكن لاوريا إلا امرأة واحدة، (فلم تزل) تعرضه للقتل حتى قُتل، وتزوجت امرأته. قال: فنظر داود الرجلين فلم ير شيئاً فعرف ما قد وقع فيه فخر ساجداً. - وهو موضع السجود عند مالك. وروي أن رجلاً من الأنصار - على عهد النبي ﷺ - كان يصلي من الليل مستتراً بشجرة وهو يقرأ "ص"، فلما بلغ السجدة سجد وسجدت معه الشجرة، فسمعها وهي تقول: اللهم أعظم لي بهذه السجدة أجراً، وارزقني بها شكراً، وضع عني بها وزراً، وتقبلها مني كما تقبلت من عبدك داود سجدته. فلما أصبح الرجل ذكر ذلك لرسول الله ﷺ. فقال رسول الله: نحن أحق أن يقول ذلك. فكان ﷺ إذا سجد يقول ذلك. قال عقبة بن عامر الجهني: من قرأ (ص) ولم يسجد فيها فلا عليه ألا يقرأ بها. قال: فبكى أربعين يوماً لا يرفع رأسه إلا لحاجة، ثم يقع ساجداً يبكي حتى نبت العشب من دموع عينيه، قال: فأوحى الله عز وجل إليه بعد أربعين يوماً: يا داود، ارفع رأسك فقد غفرت لك. قال: يا رب، كيف أعلم أنك قد غفرت لي وأنت حكم عدل لا تحيف في القضاء، إذا جاء أوريا يوم القيامة آخذ رأسه بيمينه، أو بشماله، تشخب أوداجه دماً، يقول: يا رب، سل هذا فيم قتلني؟ قال: فأوحى الله عز وجل إليه: إذا كان ذلك (دعوت أوريا). فاستوهبتك منه، فيهبك لي، فأثيبه بذلك الجنة. قال: رب، الآن علمت أنك قد غفرت لي. قال: فما استطاع ان يملأ عينيه من السماء حياء من ربه حتى قبض ﷺ. وقيل: اسم الرجل أوريا بن حيان. وقال الحسن: جزأ داود الدهر أربعة أجزاء: يوماً لنسائه، ويوماً لعبادة ربه، ويوماً لقضاء بني إسرائيل، ويوماً لبني إسرائيل يذاكرهم ويذاكرونه، ويبكيهم ويبكونه. قال: فلما كان يوم بني إسرائيل، قال: ذَكَرُوا فقالو: هل أتى على الإنسان يوم لا يصيب فيه ذنباً؟ فأضمر داود في نفسه أنه سيطيق ذلك. فلما كان يوم عبادته أغلق أبوابه وأمر ألا يدخل عليه أحد، وأكب على التوراة. فبينما هو يقرؤها إذا حمامة من ذهب، فيها من كل لون (حَسَنٍ، قد وقعت بين يديه، فأهوى إليها ليأخذها، قال: فطارت فوقعت غير بعيدة من غير أن تؤيسه من نفسها. قال: فما زال يتبعها حتى أشرف على امرأة تغتسل فأعجبه خلقها وحسنها. قال: فلما رأت ظله في الارض جللت نفسها بشعرها فزاده ذلك إعجاباً بها. وكان قد بعث زوجها على بعض جيوشه، فكتب إليه أن يسر إلى مكان كذا وكذا - مكانٌ إذا صار إليه لم يرجع - قال: ففعل، فأصيب، فخطبها، فتزوجها. قال قتادة: بلغنا أنها أم سليمان. قال الحسن: فبينما هو في المحراب إذ تسور الملكان عليه - وكان الخصمان إذا أتوه يأتونه من باب المحراب - ففزع منهم حين تسوروا المحراب، فقالا: لا تخف، خصمان بغى بعضنا على بعض. وذكر نحو الحديثين المتقدمين. وقيل: إن خطيئته هي قوله: لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه من غير ثبت بينة ولا إقرار من الخصم ولا سؤال لخصمه: هل كان هذا هكذا أو لم يكن. وهو قول شاذ. وقال ابن الأعرابي: قال كعب: سجد داود نبي الله ﷺ أربعين ليلة لم يرفع رأسه حتى رقأ دمعه ويبس رأسه. فكان من آخر دعائه وهو ساجد أن قال: يا رب رزقتني العافية، فسألتك البلاء، فلما ابتليتني لم أصبر فإن تعذبني فأنا أهل ذلك، وإن تغفر لي فأنت أهل ذلك - يقولها في نفسه - فعلم الله عز وجل ما قال فإذا جبريل عليه السلام على رأسه قائم يقول له: يا داود، إن الله قد غفر لك فارفع رأسك فلم يلتفت إليه، وناجى ربه وهو ساجد فقال: يا رب، وكيف تغفر لي وأنت الحكم العدل، وقد فعلت بالرجل ما فعلت؟ قال: فنزل الوحي عليه: صدقت يا داود أنا الحكم العدل، ولكن إذا كان يوم القيامة دفعتك إلى أوريا سلماً، ثم استوهبتك منه، فيهبك لي، فأثيبه الجنة. قال داود: الآن أعلم أنك قد غفرت لي. قال: فذهب داود يرفع رأسه فاذا هو يابس لا يستطيع. قال: فمسحه جبريل عليه السلام بريشة فانبسط. قال: فأوحى الله عز وجل إليه بعد ذلك: يا داود: قد أحللت لك امرأة أوريا فتزوجها، فتزوجها داود ﷺ، فولدت له سليمان عليه السلام، لم تلد قبله شيئاً ولا بعده. قال كعب: فوالله لقد كان داود بعد ذلك ليظل صائماً في اليوم الحار فيقرب إليه الشراب فإذا قربه إلى فيه ذكر خطيئته فيبكي في الشراب حتى يفيض ثم يرده ولا يشربه. وروى الأوزاعي عن بعض أهل المدينة أنه قال: مثل عيني داود كمثل القربتين تنطفان الماء، لقد خدد الدمع في وجهه كخديد الماء في الأرض. ويروى أن داود بات لربه عز وجل مصلياً حتى أصبح فذهب الى نهر ليتوضأ، فقال: الحمد لله، لقد عبدت الله الليلة عبادة ما عبده أحد إياها من أهل الأرض. فكَلَّمَه ضفدع من الماء فقالت: جلا يا أبا سليمان، فوالله إن لي لثلاثاً من الدهر ما جمعت بين فقمي تسبيحاً لله. وروي عن ابن مسعود وابن عباس أن داود عليه السلام ما زاد على أن قال للرجل: انزل لي عن امرأتك، فعاتبه الله على ذلك ونبهه عليه. * * ثم قال تعالى: ﴿فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ﴾، أي ذلك الذنب. ﴿وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لَزُلْفَىٰ﴾، أي: لقربة يوم القيامة. قال الضحاك: لمنزلة رفيعة. * * ثم قال: ﴿وَحُسْنَ مَـآبٍ﴾، أي: حسن مصير. قال السدي: حسن منقلب. وقال الضحاك: حسن مرجع. وقال مجاهد: يبعث داود النبي عليه السلام وذكر خطيئته، ووجلُه منها في قلبه، منقوشةٌ في كفه. فإذا رأى أهاويل الموقف لم يجد منها متعوذاً وا محرزاً إلا برحمة الله تبارك وتعالى وقربه، فيلجأ إليه تبارك وتعالى، فيشار إليه أن هاهنا عن يسار العرش، ثم يعلق فيقال له هاهنا عن يمين العرش. وذلك قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لَزُلْفَىٰ وَحُسْنَ مَـآبٍ﴾. وقال مالك بن دينار: يقام داود عليه السلام يوم القيامة عند ساق العرش، ثم يقول: يا داود، مجدني بذلك الصوت الحسن الرخيم الذي كنت تمجدني به في الدنيا. فيقول يا رب، كيف وقد سلبتنيه؟! فيقول: إني سأرده عليك. قال: فيدفع داود بصوت يستفرغ به نعيم أهل الجنان. ﴿فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ﴾: تمام حسن. * * ثم قال تعالى: ﴿يٰدَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي ٱلأَرْضِ﴾، أي: فغفرنا له ذلك الذنب، وقلنا له: يا داود، إنا جعلناك خليفة في الأرض، أي استخلفناك في الارض من بعد من كان قبلك من رسلنا حكماً بين أهل الارض. ﴿فَٱحْكُمْ بَيْنَ ٱلنَّاسِ بِٱلْحَقِّ﴾، أي: بالعدل والإنصاف. ﴿وَلاَ تَتَّبِعِ ٱلْهَوَىٰ﴾، أي: لا توثر هواك في قضائك على العدل فتجور في الحكم فيضلك هواك عن سبيل الله. ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ﴾، أي: يميلون عن الحق الذي أمر الله به. ﴿لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدُ﴾، أي: يوم القيامة. ﴿بِمَا نَسُواْ يَوْمَ ٱلْحِسَابِ﴾، أي: بتركهم العمل ليوم القيامة. قال عكرمة: هذا من التقديم والتأخير. والتقدير عنده: لهم يوم الحساب عذاب شديد بما نسوا أي: بما تركوا أمر الله والقضاء بالعدل. فالعامل في "يوم" في القول الأول: "نسوا" هو مفعول به والعامل فيه في القول الثاني "لهم" وهو ظرف. وكان ابن عباس يسجد عند قوله: "وأناب"، ويقول: ﴿أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ ٱقْتَدِهْ﴾. * * ثم قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَآءَ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً﴾، أي: عبثاً ولعباً بل خُلِقَا ليُعمل فيهما بالطاعة. ثم قال تعالى ذكره: ﴿ذَلِكَ ظَنُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾، أي: خلق السماء والأرض وما بينهما لغير حساب ولا بعث ولا عمل، هو ظن الذين كفروا فويل لهم من النار. * * ثم قال: ﴿أَمْ نَجْعَلُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ كَٱلْمُفْسِدِينَ فِي ٱلأَرْضِ﴾. هذا رد لقول الكفار، لأنهم كانوا يقولون: ليست ثمَّ عقوبة ولا نار، فالكافر والعاصي يَسْعَدَان باللذات، والمطيع يشقى، ومصيرهما إلى شيء واحد فرد الله عليه بأنه لم يجعل المتقين كالفجار في الآخرة، ولا الصالح كالمفسد. * * ثم قال: ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ﴾، (أي: هذا القرآن كتاب أنزله الله إليك يا محمد مبارك) على من آمن به، أنزله: ﴿لِّيَدَّبَّرُوۤاْ آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُواْ ٱلأَلْبَابِ﴾ ليعتبروا آياته وليتذكر به أولوا العقول. * * ثم قال: ﴿وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ﴾، أي: وُلِدَ إليه. ﴿نِعْمَ ٱلْعَبْدُ﴾، أي: ممدوح في طاعة ربه. ﴿إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾، أي: رجاع إلى طاعة الله عز وجل تواب إليه سبحانه، وقيل: الأواب: الكثير الذكر. وقال ابن عباس: الأواب: المسبح. وقال قتادة: مطيعاً كثير الصلاة. وقال ابن المسيب: هو الذي يذنب ثم يتوب، ثم يذنب ثم يتوب. وقيل: هو الذي يذكر ذنبه في الخلاء، ثم يتوب منه ويستغفر. * * ثم قال تعالى: ﴿إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِٱلْعَشِيِّ ٱلصَّافِنَاتُ ٱلْجِيَادُ﴾، أي: هو تواب في هذا الوقت. والصافنات: جمع صافن من الخيل، والأنثى: صافنة. والصافن: الذي يجمع بين يديه، ويثني طرف سنبك إحدى رجليه. وقيل: هو الذي يجمع بين يديه. وزعم الفراء أن الصافن هو القائم. وقال مجاهد: صفون الفرس: "رفع إحدى يديه حتى تكون على طرف الحافر". وقال قتادة: صفونها: قيامها وبسطها قوائمها. وقال ابن زيد: الصافنات: الخيل، أخرجها الشيطان لسليمان من مرج من مروج البحر. والصفن أن تقوم على ثلاث وترفع رجلاً واحدة تكون على طرف الحافر على الأرض. قال ابن زيد: وكانت لها أجنحة. (والجياد: السريعة. روي أنها كانت عشرين فرسا ذات أجنحة).

ص 38:29

هذا قوله تعالى ذكره: ﴿ٱصْبِر عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ﴾ - إلى قوله - ﴿وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ﴾ منسوخ بالأمر بالقتال، أمر الله جل ذكره نبيه ﷺ بالصبر على قول المشركين والاحتمال منهم، وقد علم تعالى أنه سيأمره بقتالهم في وقت آخر، فينسخ الآخر الأول. * * ثم قال: ﴿وَٱذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا ٱلأَيْدِ﴾، أي: ذا القوة والبطش الشديد في ذات الله عز وجل والصبر على طاعته. يقال: أيد وآد للقوة, كما يقال: العيب والعاب قال قتادة: "أُعْطِيَ داود قوة في العبادة وفقهاً في الإسلام، وذُكِرَ أنه كان يقوم الليل ويصوم نصف الدهر. * * وقوله: ﴿إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾، أي: رَجَّاعٌ عما يكره الله عز وجل إلى ما يرضاه أواب وهو فعَّال للتكثير من آب يئوب إذا رجع. قال مجاهد: أواب: رجاع عن الذنوب. قال قتادة: كان مطيعاً لله عز وجل كثير الصلاة. وقال السدى: الأوَّاب: المسبح. ويروى أنه قام ليلة إلى الصباح فكأنه أُعْجِبَ بذلك فقيل لضفدع كلميه في أصل مِحْرَابِه، فقالت له: يا داود، تَعْجَبُ لقيام ليلة! هذا مقامي منذ عشرين سنة شكراً لله عز وجل حين سلَّم بيضي. قال وهب: كان داود قد قسم الدهر أثلاثا، فيصير: يوم للعبادة، ويوماً للقضاء بين الناس، ويوما لقضاء حوائج أهله. * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّا سَخَّرْنَا ٱلجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِٱلْعَشِيِّ وَٱلإِشْرَاقِ﴾، أي: يسبحن مع داود من وقت العصر إلى الليل، ومن صلاة الصبح إلى وقت صلاة الضحى. يقال: أشرقت الشمس: إذا أضاءت وصفت، وشرقت إذا طلعت. قال قتادة: كان داود إذا سبح سبحت الجبال معه. واستدل ابن عباس على نص صلاة الضحى في القرآن بهذه الآية ﴿بِٱلْعَشِيِّ وَٱلإِشْرَاقِ﴾، لأنه من أشرقت الشمس إذا صفت وأضاءت. فإذا صلى داود العصر وسبَّحَ سبحت الجبال معه، وإذا صلى الضحى (سبح وسبحت) الجبال معه. * * ثم قال: ﴿وَٱلطَّيْرَ مَحْشُورَةً﴾، أي وسخرنا الطير مجموعة تسبح معه. ﴿كُلٌّ لَّهُ أَوَّابٌ﴾، أي: رجاع لأمره ومطيع له. فالهاء لداود وقيل: إلهاء لله عز وجل. والمعنى كل لله مطيع، مسبح له. فكل "في القول الأولى للطير، وفي هذا الثاني: يجوز أن يكون للطير، ويجوز أن يكون لداود والجبال والطير. ورُوي أنه كان إذا سبح أجابته الجبال واجتمعت إليه الطير فسبحت معه. وقال قتادة: محشورة: مسخرة. * * ثم قال: ﴿وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ﴾. قال السدي: كان حرسه في كل يوم وليلة أربعة آلاف. وذكر ابن عباس أن الله جل ذكره شدد ملكه هيبة لقضية قضاها في بنى إسرائيل وذلك أن رجلاً استعدى على رجل من عظمائهم فاجتمعا عند داود، فقال المُسْتَعْدَى: إن هذا غصبني بقراً لي. فسأل الرجل عن ذلك فجحده، فسأل الآخر البيِّنة فلم تكن له بينة، فقال لهما: قُوَما حتى أنظر في أمركما فقاما. فأوحى الله عز وجل إلى داود في منامه أن يقتل الرجل الذي ستُعدي عليه. فقال: هذه رؤيا ولست أعجل حتى أتثبت، فأَوْحَى إليه مرة أخرى أن يقتُلَه، وأوحى إليه ثالثة (أن يقتله) أو تأتيه العقوبة من الله عز وجل، فأرسل داود إلى الرجل أن الله قد أوحى إليّ أن أقتلك، فقال الرجل: تقتلني بغير بينة ولا تثبت! فقال له داود: نعم، والله لأنفِّذْنَ أمر الله عز جل فيك. فلما عرف الرجل أنه قاتله قاله له: لا تعجل عليّ حتى أخبرك، إني والله ما أُخِذْتُ بهذا الذنب ولكني كنت اغتلت وَلَدَ هذا فقتلته فبذلك قُتِلتُ. فأمر به داود، فَقُتِلَ. فاشتدت هيبته في بني إسرائيل لذلك وشد الله به ملكه. * * ثم قال تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُ ٱلْحِكْمَةَ﴾. قال السدى: هي النبوة. وقال قتادة: الحكمة: السُّنَّة. * * وقوله: ﴿وَفَصْلَ ٱلْخِطَابِ﴾. قال ابن عباس ومجاهد والسدي: فصل الخطاب: الفهم في علم القضاء. وقال ابن زيد: أعطي فصل ما يتخاطب الناس به بين يديه في الخصومات. وقال شريح: فصل الخطاب: الشاهدان على المدعي، واليمين على المنكر، وهو قول قتادة. وقال الشعبي: يمين وشاهد، وعن الشعبي: هو: أما بعد. * * ثم قال تعالى: ﴿وَهَلْ أَتَاكَ نَبَؤُاْ ٱلْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُواْ ٱلْمِحْرَابَ﴾، أي: وهل أتاك يا محمد خبر الخصم. والخصم هنا يراد به الملكان، لكن لا تظهر فيه تثنية ولا جمع لأنه مصدر من خصمته خصماً. والأصل فيه: وهل أتاك نبأ ذوي الخصم ويجوز أن يثنى ويجمع، ودل على ذلك قوله: خصمان. * * وقوله: ﴿إِذْ تَسَوَّرُواْ ٱلْمِحْرَابَ﴾، أي إذ دخلوا عليه من غير بابه. والمحراب: مقدم كل شيء ومجلسه وأشرفه. * * ثم قال تعالى: ﴿إِذْ دَخَلُواْ عَلَىٰ دَاوُودَ﴾، أي: لما دخلوا على داود المحراب. ﴿فَفَزِعَ مِنْهُمْ﴾، أي: فراعه دخولهما من غير مدخل الناس عليه. وقيل: إنما فزع لأنهما دخلا عليه ليلاً من غير وقت نظره بين الناس. ﴿قَالُواْ لاَ تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَىٰ﴾، أي: قال الملكان: لا تخف منا نحن خصمان. ﴿بَغَىٰ بَعْضُنَا عَلَىٰ بَعْضٍ﴾، أي: تعدَّى أحدنا على صاحبه. ﴿فَٱحْكُمْ بَيْنَنَا بِٱلْحَقِّ﴾، أي: فاقض بيننا بالعدل. ﴿وَلاَ تُشْطِطْ﴾، أي: لا تجر، وقال قتادة ولا تمل، وقال السدى: لا تخف. وقرأ الحسن وأبو رجاء: "ولا تَشْطُطْ" بفتح التاء وضم الطاء الأولى. بمعنى: ولا تبعد عن الحق. يقال: أَشَطَّ يُشِطُّ إذا جار في القول والحكم، وشَطّ يَشُطُّ إذا بَعُد. * * ثم قال تعالى: ﴿وَٱهْدِنَآ إِلَىٰ سَوَآءِ ٱلصِّرَاطِ﴾ ، أي: وارشدنا إلى قصد الطريق المستقيم في الحق. * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ هَذَآ أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً﴾، الآية. هذا مثل ضربه الملكان لداود، وذلك أن داود كان له تسع وتسعون امرأة، وكانت للرجل الذي أعزاه داود حتى قُتل، امرأة واحدة، فلما قتل تزوجها فيما ذكر. قال وهب بن منبه: إن هذا أخي، أي على ديني. والعرب تُكَنِّي عن المرأة بالنعجة والشاة. وقرأة الحسن بفتح التاء من "تَسع وتَسعين" وهي لغة قليلة. وقرأ ابن مسعود: "تِسْعٌ وتَسِعُونَ نَعْجَةً أُنْثَى" على التأكيد، كقولهم: رجل ذَكَر؟. ولا يؤنث بهذا التأنيث إلا ما تأنيثه وتذكيره في نفسه كالرجل والمرأة، فإن كان تأنيثه وتذكيره في اسمه (لم يُقَلْ) فيه أنثى ولا ذكر، نحو: دار، وملحفة، وشبه ذلك. وقيل: عنى بذلك أنها حسنة. فأنثى تدل على أنها حسنة. ثم قال تعالى ذكره: ﴿فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا﴾، أي: أنزل عنها وضُمَّها إليَّ. قال ابن زيد: أكفلنيها: أعطنيها، أي: طلقها لي أنكحها. ﴿وَعَزَّنِي فِي ٱلْخِطَابِ﴾، أي: صار أعزَّ مني في مخاطبته إياي لأنه إن تكلم فهو أبين مني، وإن بطش كان أشد مني فقهرني وغلبني. قال قتادة: وعزني في الخطاب: ظلمني وقهرني. وقرأ ابن مسعود: "وَعَازَّنِي". يقال: عَازَّه (إذا غالبه، وَعَزَّهُ): إذا غلبه، ومنه قولهم: "مَنْ (عَزَّ بَزَّ)". * * ثم قال تعالى: ﴿قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَىٰ نِعَاجِهِ﴾، أي: قال داود للمتكلم منهما: لقد ظلمك صاحبك بسؤاله إياك أن يضم نعجتك إلى نعاجه. * * ﴿وَإِنَّ كَثِيراً مِّنَ ٱلْخُلَطَآءِ لَيَبْغِيۤ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ﴾، أي: وإن كثيراً من الشركاء ليَتَعَدَّى بعضهم على بعض ﴿إِلاَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ﴾. قوله تعالى ذكره: ﴿وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ﴾ - إلى قوله - ﴿ٱلصَّافِنَاتُ ٱلْجِيَادُ﴾ أي: وأيقن داود أنما اختبرناه. ﴿فَٱسْتَغْفَرَ رَبَّهُ﴾، أي: سائل ربه المغفرة. ﴿وَخَرَّ رَاكِعاً﴾، أي: ساجداً لله. ﴿وَأَنَابَ﴾، أي: رجع عن خطيئته وتاب منها. وكان سبب اختبار الله عز وجل له - فيما ذكر ابن عباس - أن داود قال: يا رب، قد أعطيت إبراهيم وإسحاق ويعقوب من الذكر ما لَوَدِدْتُ أنك أعطيتني مثله. فقال الله جل ذكره له: إني ابتليتهم بما لم أبتلك به، فإن شئت ابتليتك بمثل ما ابتليتهم به، وأعطيتك كما أعطيتهم، قال: نعم، فأقام ما شاء الله أن يُقيم وطال ذلك حتى كاد أن ينساه. فبينما هو في محرابه إذ وقعت عليه حمامة فأراد أن يأخذها فطارت إلى كوة كانت في المحراب، فذهب ليأخذها، فطارت. فاطلَّع من الكوة فرأى امرأة تغتسل. فنزل نبي الله ﷺ من المحراب وأرسل إليها، فجاءته، فسألها عن زوجها وعن شأنها، فأخبرته أن زوجها غائب، فكتب إلى أمير تلك السَّرِيَّةِ أن يُؤْمِّرَهُ على السرايا لِيَهْلَكَ زوجها، ففعل. فكان يصاب أصحابه وينجو وربما نصروا. وإن الله لما رأى الذي وقع فيه داود أراد أن يستنفذه، فبينما داود ذات يوم في محرابه إذ تسور عليه الخصمان من قبل وجهه. فلما رآهما وهو يقرأ فَزِعَ وسكت، وقال: لقد اسُتضعفت في مُلكي حتى إن الناس يتسورون علي في محرابي، قالا له: لا تخف، خصمان بغى بعضنا على بعض فلم يكن لنا بد من أن نأتيكا فاسمع منا. قال أحدهما. ﴿إِنَّ هَذَآ أَخِي﴾ - إلى ﴿وَعَزَّنِي فِي ٱلْخِطَابِ﴾. قال له داود: أنت كنت أحوجَ إلى نعجتك منه، لقد ظلمك بسؤاله إياك نعجتك ونسي نفسه ﷺ. فنظر الملكان أحدهما إلى الآخر حين قال ذلك، فتبسم أحدهما إلى الآخر فرآه داود فعلم أنه فتن، فاستغفر ربه وخر راكعاً وأناب أربعين ليلة حتى نبتت الخضرة من عينيه ثم شدد الله له ملكه. روى ابن أبي الدنيا أن وهب بن منبه قال: لم يرفع داود عليه السلام رأسه من السجود حتى قال له الملكان: أول أمرك ذنب وآخره معصية، ارفع رأسك، فرفع رأسه. وعن وهب أنه قال: لما رفع داود رأسه من (السجدة رفع رأسه) وقد زَمِنَ ورعش. قال: فاعتزل نساءه ثم بكى حتى خددت الدموع وجهه. وقال عطاء الخراساني: "إن داود نقش خطيئته في كفه لكي لا ينساها، فكان إذا رآها اضطربت يداه. وقال وهب بن منبه: كتب داود في كفه: داود الخطاء. وقال يحيى بن أبي كثير لما أصاب داود الخطيئة نفرت الوحوش من حوله، فنادى: إلهي، رُدَّ عليَّ الوحش كي آنس بها فرد الله تبارك وتعالى عليه الوحش فَأَحَطْنَ به وأصغين بأسماعهن نحوه. قال: ورفع صوته يقرأ الزبور ويبكي على نفسه فنادته هيهات هيهات يا داود، ذهبت الخطيئة بحلاوة صوتك. وروي عن النبي ﷺ أنه قال: "مَثَلُ عَيْنَيْ دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ مَثَلُ الْقِرْبَتَينِ تَنْظِفَانِ بالمَاءِ. لَقَدْ خَدَّدَتِ الدُّمُوعُ وَجْهَ دَاودَ خَديدَ المَاءِ في الأرْضِ وروى أبو مسهر عن سعيد بن عبد العزيز أنه قال: قالو: لو جُمِعت دموع أهل الأرض إلى دموع آدم ﷺ لكانت دموع آدم أكثر، ولو جمعت دموع أهل الأرض ودموع آدم إلى دموع ابن آدم الذي قتل أخاه لكانت دموع ابن آدم أكثر، ولو جمعت دموع أهل الأرض، ودموع آدم، ودموع ابن آدم إلى دموع يعقوب لكانت دموع يعقوب أكثر، ولو جمعت دموع أهل الأرض ودموع آدم ودموع ابن آدم ودموع يعقوب إلى دموع داود لكانت دموع داود أكثر. قال سعيد: "كان داود يجلس على ستة أفرشة فيبكي فيبل الأول فيُرفع حتى يبللها كلها، كلما بَلَّ واحداً رُفِع؛ وإن كان ليؤتى بالإناء ليشرب فما يفرغ منه حتى يتدفق من دموعه وروى إسماعيل بن عبيد الله: "إن داود النبي ﷺ كان يعاتب في كثرة البكاء، فيقول: ذروني أبكي قبل يوم البكاء، قبل تحريق العظام واشتعال اللحى، وقبل أن يؤمر بي ﴿مَلاَئِكَةٌ غِلاَظٌ شِدَادٌ لاَّ يَعْصُونَ ٱللَّهَ مَآ أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم: ٦]. قال محمد بن المنكدر مكث آدم ﷺ في الأرض أربعين سنة ما يبدي عن واضحة ولا ترقئ له دمعة. فقالت له حواء: إنَّا قد استوحشنا إلى أصوات الملائكة فادع ربك فيسمعنا أصواتهم. فقال لها: ما زلت مستحيياً من ربي عز وجل أن أرفع طرفي إلى أديم السماء مما صنعت. وقال محمد بن خوات: إن داود النبي ﷺ لما أطال البكاء على نفسه، قيل له: اذهب إلى قبر زوج المرأة فاستوهبه ما صنعت، فأتى القبر، وأَذِنَ الله لصاحب القبر أن يتكلم، فناداه: أنا داود ولك عندي مظلمة، قال: قد غفرتها لك، قال: فانصرف داود وقد طابت نفسه، فأوحى الله عز وجل إليه أن ارجع فبين له الذي صنعت فرجع، فأخبره، فناداه صاحب القبر يا داود، هكذا يفعل الأنبياء! قال بكر بن عبيد الله المُزني: مكث داود النبي عليه السلام ساجداً أربعين يوماً يبكي على خطيئته حتى نبت البقل من دموعه، ثم زفر زفرة فهاج العودة فاحترق، فنودي أظمآن أنت فَتُسقَى؟ أجائع فتطعم؟ أعاري فتُكسى؟ قال: لا، ولكن خطيئتي أثقلت ظهري، فلم يُرْجَعُ إليه بشيء، فازداد بكاء حتى انقطع صوته، فكان لا يُسمع له إلاّ كهيئة الأنين، فعند ذلك غُفِرَ له. وقال الحسن: بكاء داود عليه السلام بعد ما غُفرت له الخطيئة أكثر من بكائه قبل المغفرة، فقيل له: أليس قد غُفر لك يا نبي الله؟ ! قال: فكيف بالحياء من الله عز وجل. قال كعب: كان داود عليه السلام يختار مجالسة المساكين، ويُكثر البكاء ويقول: رب اغفر للمساكين والخطائين حتى تغفر لي معهم، وكان قبل ذلك يدعو على الخطائين. قال أبو عبد الرحمن الحبلي: ما رفع داود رأسه إلى السماء بعد خطيئته حتى مات. ورُوي أنه كان إذا ذكر عقاب الله عز وجل تخلعت أوصاله، فإذا ذكر رحمة الله تراجعت. وروى أشهب عن مالك أنه قال: بلغني أن تلك الحمامة أتت فوقعت قريباً من داود وهي من ذهب، فلما رآها أعجبته فقام ليأخذها، فكانت قرب يده، ثم طارت فَأَتْبَعَهَا بَصَرَهُ، فوقعت عينه على تلك المرأة وهي تغسل ولها شعر طويل. فبلغني أنه أقام أربعين ليلة ساجداً حتى نبت العشب من دموع عينيه. ويراد بالركوع في هذا الموضع: السجود. قال السدي: كان داود قد قسم الدهر ثلاثة أيام: يوماً يقضي فيه بين الناس ويوماً يخلو فيه لعبادة ربه عز وجل، ويوماً يخلو فيه لنسائه، وكان له تسع وتسعون امرأة، وكان فيما يقرأ من الكتب: فضل إبراهيم وإسحاق ويعقوب صلى الله عليهم وسلم. فلما وجد ذلك فيما يقرأ من الكتب قال: يا رب، إن الخير قد ذهب به آبائي، فأعطني مثل ما أعطيتهم. فأوحى الله إليه أن آباءك ابتلوا ببلاء لم تبتل به، ابتلي إبراهيم بذبح ابنه فصبر، وابتلي إسحاق بذهاب بصره، وابتلي يعقوب بحزنه على يوسف، وإنك لم تبتل أنت من ذلك الشيء. فقال: يا رب، ابتلني بمثل ما ابتليتهم وأعطني مثل ما أعطيتهم. قال: فأوحى الله عز وجل إليه أنك مبتلى فاحترس، قال: فمكث ما شاء الله أن يمكث إذ جاءه الشيطان وقد تمثل له في صورة حمامة من ذهب حتى وقع عند رجليه وهو قائم يصلي قال: فمد يده ليأخذه فتنحى، فتبعه فتباعد حتى وقع في كوة، فذهب ليأخذه، فطار من الكوة فنظر أين (يقع فيبعث) في أثره، قال: فأبصر امرأة تغتسل في سطح لها، فرأى امرأة من أجمل الناس خَلْقاً، فحانت منها التفاتة فأبصرته، فألقت شعرها فاستترت به. قال: فزاده ذلك فيها رغبة. قال: فسأل عنها فأخبر أن لها زوجاً وأن زوجها غائب بمسلحة كذا وكذا. (قال: فبعث إلى صاحب المسلحة وأمره أن يبعث به إلى عدو كذا وكذا). قال فبعثه ففتح له قال: فكتب إليه بذلك. قال فكتب إليه أن أبعثه إلى عدو كذا وكذا - أشد منهم بأساً - قال: فبعثه ففتح له أيضاً، ثم كتب إليه ثالثة فبعثه فقتل. قال: وتزوج امرأته، فلما دخلت عليه لم تلبث عنده إلا يسيراً حتى بعث الله ملكين في صورة إنسيين فطلبا أن يدخلا عليه، فتسورا عليه المحراب. قال: فما شعر وهو يصلي إلا وهما بين يديه جالسين قال: ﴿فَفَزِعَ مِنْهُمْ﴾، فقالا: ﴿لاَ تَخَفْ﴾ لا تخف، إنما نحن ﴿خَصْمَانِ بَغَىٰ بَعْضُنَا عَلَىٰ بَعْضٍ﴾ - إلى قوله - ﴿سَوَآءِ ٱلصِّرَاطِ﴾، قال: قصّا قصتكما قال: فقال أحدهما: إن هذا أخي له تسع وتسعون نعجة ولي نعجة واحدة، وهو يريد أخذ نعجتي فيكمل بها نعاجه مائة! فقال للآخر: ما تقول؟ فقال: إن لي (تسعاً وتسعين) نعجة ولأخي هذا نعجة واحدة. قال: فأنا أريد أن آخذها منه فأكمل بها نعاجي مائة؟! قال: (وهو كاره). قال: إذا (لا ندعك) وذلك. قال: ما أنت على ذلك بقادر. قال: فإن ذهبت تروم ذلك (أو لم ترد ذلك ضربنا منك هذا وهذا وهذا يريد طرف الأنف، وأصل الأنف، والجبهة قال: يا داود، أنت أحق أن يضرب منه هذا وهذا وهذا حيث لك تسع وتسعون امراة ولم يكن لاوريا إلا امرأة واحدة، (فلم تزل) تعرضه للقتل حتى قُتل، وتزوجت امرأته. قال: فنظر داود الرجلين فلم ير شيئاً فعرف ما قد وقع فيه فخر ساجداً. - وهو موضع السجود عند مالك. وروي أن رجلاً من الأنصار - على عهد النبي ﷺ - كان يصلي من الليل مستتراً بشجرة وهو يقرأ "ص"، فلما بلغ السجدة سجد وسجدت معه الشجرة، فسمعها وهي تقول: اللهم أعظم لي بهذه السجدة أجراً، وارزقني بها شكراً، وضع عني بها وزراً، وتقبلها مني كما تقبلت من عبدك داود سجدته. فلما أصبح الرجل ذكر ذلك لرسول الله ﷺ. فقال رسول الله: نحن أحق أن يقول ذلك. فكان ﷺ إذا سجد يقول ذلك. قال عقبة بن عامر الجهني: من قرأ (ص) ولم يسجد فيها فلا عليه ألا يقرأ بها. قال: فبكى أربعين يوماً لا يرفع رأسه إلا لحاجة، ثم يقع ساجداً يبكي حتى نبت العشب من دموع عينيه، قال: فأوحى الله عز وجل إليه بعد أربعين يوماً: يا داود، ارفع رأسك فقد غفرت لك. قال: يا رب، كيف أعلم أنك قد غفرت لي وأنت حكم عدل لا تحيف في القضاء، إذا جاء أوريا يوم القيامة آخذ رأسه بيمينه، أو بشماله، تشخب أوداجه دماً، يقول: يا رب، سل هذا فيم قتلني؟ قال: فأوحى الله عز وجل إليه: إذا كان ذلك (دعوت أوريا). فاستوهبتك منه، فيهبك لي، فأثيبه بذلك الجنة. قال: رب، الآن علمت أنك قد غفرت لي. قال: فما استطاع ان يملأ عينيه من السماء حياء من ربه حتى قبض ﷺ. وقيل: اسم الرجل أوريا بن حيان. وقال الحسن: جزأ داود الدهر أربعة أجزاء: يوماً لنسائه، ويوماً لعبادة ربه، ويوماً لقضاء بني إسرائيل، ويوماً لبني إسرائيل يذاكرهم ويذاكرونه، ويبكيهم ويبكونه. قال: فلما كان يوم بني إسرائيل، قال: ذَكَرُوا فقالو: هل أتى على الإنسان يوم لا يصيب فيه ذنباً؟ فأضمر داود في نفسه أنه سيطيق ذلك. فلما كان يوم عبادته أغلق أبوابه وأمر ألا يدخل عليه أحد، وأكب على التوراة. فبينما هو يقرؤها إذا حمامة من ذهب، فيها من كل لون (حَسَنٍ، قد وقعت بين يديه، فأهوى إليها ليأخذها، قال: فطارت فوقعت غير بعيدة من غير أن تؤيسه من نفسها. قال: فما زال يتبعها حتى أشرف على امرأة تغتسل فأعجبه خلقها وحسنها. قال: فلما رأت ظله في الارض جللت نفسها بشعرها فزاده ذلك إعجاباً بها. وكان قد بعث زوجها على بعض جيوشه، فكتب إليه أن يسر إلى مكان كذا وكذا - مكانٌ إذا صار إليه لم يرجع - قال: ففعل، فأصيب، فخطبها، فتزوجها. قال قتادة: بلغنا أنها أم سليمان. قال الحسن: فبينما هو في المحراب إذ تسور الملكان عليه - وكان الخصمان إذا أتوه يأتونه من باب المحراب - ففزع منهم حين تسوروا المحراب، فقالا: لا تخف، خصمان بغى بعضنا على بعض. وذكر نحو الحديثين المتقدمين. وقيل: إن خطيئته هي قوله: لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه من غير ثبت بينة ولا إقرار من الخصم ولا سؤال لخصمه: هل كان هذا هكذا أو لم يكن. وهو قول شاذ. وقال ابن الأعرابي: قال كعب: سجد داود نبي الله ﷺ أربعين ليلة لم يرفع رأسه حتى رقأ دمعه ويبس رأسه. فكان من آخر دعائه وهو ساجد أن قال: يا رب رزقتني العافية، فسألتك البلاء، فلما ابتليتني لم أصبر فإن تعذبني فأنا أهل ذلك، وإن تغفر لي فأنت أهل ذلك - يقولها في نفسه - فعلم الله عز وجل ما قال فإذا جبريل عليه السلام على رأسه قائم يقول له: يا داود، إن الله قد غفر لك فارفع رأسك فلم يلتفت إليه، وناجى ربه وهو ساجد فقال: يا رب، وكيف تغفر لي وأنت الحكم العدل، وقد فعلت بالرجل ما فعلت؟ قال: فنزل الوحي عليه: صدقت يا داود أنا الحكم العدل، ولكن إذا كان يوم القيامة دفعتك إلى أوريا سلماً، ثم استوهبتك منه، فيهبك لي، فأثيبه الجنة. قال داود: الآن أعلم أنك قد غفرت لي. قال: فذهب داود يرفع رأسه فاذا هو يابس لا يستطيع. قال: فمسحه جبريل عليه السلام بريشة فانبسط. قال: فأوحى الله عز وجل إليه بعد ذلك: يا داود: قد أحللت لك امرأة أوريا فتزوجها، فتزوجها داود ﷺ، فولدت له سليمان عليه السلام، لم تلد قبله شيئاً ولا بعده. قال كعب: فوالله لقد كان داود بعد ذلك ليظل صائماً في اليوم الحار فيقرب إليه الشراب فإذا قربه إلى فيه ذكر خطيئته فيبكي في الشراب حتى يفيض ثم يرده ولا يشربه. وروى الأوزاعي عن بعض أهل المدينة أنه قال: مثل عيني داود كمثل القربتين تنطفان الماء، لقد خدد الدمع في وجهه كخديد الماء في الأرض. ويروى أن داود بات لربه عز وجل مصلياً حتى أصبح فذهب الى نهر ليتوضأ، فقال: الحمد لله، لقد عبدت الله الليلة عبادة ما عبده أحد إياها من أهل الأرض. فكَلَّمَه ضفدع من الماء فقالت: جلا يا أبا سليمان، فوالله إن لي لثلاثاً من الدهر ما جمعت بين فقمي تسبيحاً لله. وروي عن ابن مسعود وابن عباس أن داود عليه السلام ما زاد على أن قال للرجل: انزل لي عن امرأتك، فعاتبه الله على ذلك ونبهه عليه. * * ثم قال تعالى: ﴿فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ﴾، أي ذلك الذنب. ﴿وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لَزُلْفَىٰ﴾، أي: لقربة يوم القيامة. قال الضحاك: لمنزلة رفيعة. * * ثم قال: ﴿وَحُسْنَ مَـآبٍ﴾، أي: حسن مصير. قال السدي: حسن منقلب. وقال الضحاك: حسن مرجع. وقال مجاهد: يبعث داود النبي عليه السلام وذكر خطيئته، ووجلُه منها في قلبه، منقوشةٌ في كفه. فإذا رأى أهاويل الموقف لم يجد منها متعوذاً وا محرزاً إلا برحمة الله تبارك وتعالى وقربه، فيلجأ إليه تبارك وتعالى، فيشار إليه أن هاهنا عن يسار العرش، ثم يعلق فيقال له هاهنا عن يمين العرش. وذلك قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لَزُلْفَىٰ وَحُسْنَ مَـآبٍ﴾. وقال مالك بن دينار: يقام داود عليه السلام يوم القيامة عند ساق العرش، ثم يقول: يا داود، مجدني بذلك الصوت الحسن الرخيم الذي كنت تمجدني به في الدنيا. فيقول يا رب، كيف وقد سلبتنيه؟! فيقول: إني سأرده عليك. قال: فيدفع داود بصوت يستفرغ به نعيم أهل الجنان. ﴿فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ﴾: تمام حسن. * * ثم قال تعالى: ﴿يٰدَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي ٱلأَرْضِ﴾، أي: فغفرنا له ذلك الذنب، وقلنا له: يا داود، إنا جعلناك خليفة في الأرض، أي استخلفناك في الارض من بعد من كان قبلك من رسلنا حكماً بين أهل الارض. ﴿فَٱحْكُمْ بَيْنَ ٱلنَّاسِ بِٱلْحَقِّ﴾، أي: بالعدل والإنصاف. ﴿وَلاَ تَتَّبِعِ ٱلْهَوَىٰ﴾، أي: لا توثر هواك في قضائك على العدل فتجور في الحكم فيضلك هواك عن سبيل الله. ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ﴾، أي: يميلون عن الحق الذي أمر الله به. ﴿لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدُ﴾، أي: يوم القيامة. ﴿بِمَا نَسُواْ يَوْمَ ٱلْحِسَابِ﴾، أي: بتركهم العمل ليوم القيامة. قال عكرمة: هذا من التقديم والتأخير. والتقدير عنده: لهم يوم الحساب عذاب شديد بما نسوا أي: بما تركوا أمر الله والقضاء بالعدل. فالعامل في "يوم" في القول الأول: "نسوا" هو مفعول به والعامل فيه في القول الثاني "لهم" وهو ظرف. وكان ابن عباس يسجد عند قوله: "وأناب"، ويقول: ﴿أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ ٱقْتَدِهْ﴾. * * ثم قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَآءَ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً﴾، أي: عبثاً ولعباً بل خُلِقَا ليُعمل فيهما بالطاعة. ثم قال تعالى ذكره: ﴿ذَلِكَ ظَنُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾، أي: خلق السماء والأرض وما بينهما لغير حساب ولا بعث ولا عمل، هو ظن الذين كفروا فويل لهم من النار. * * ثم قال: ﴿أَمْ نَجْعَلُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ كَٱلْمُفْسِدِينَ فِي ٱلأَرْضِ﴾. هذا رد لقول الكفار، لأنهم كانوا يقولون: ليست ثمَّ عقوبة ولا نار، فالكافر والعاصي يَسْعَدَان باللذات، والمطيع يشقى، ومصيرهما إلى شيء واحد فرد الله عليه بأنه لم يجعل المتقين كالفجار في الآخرة، ولا الصالح كالمفسد. * * ثم قال: ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ﴾، (أي: هذا القرآن كتاب أنزله الله إليك يا محمد مبارك) على من آمن به، أنزله: ﴿لِّيَدَّبَّرُوۤاْ آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُواْ ٱلأَلْبَابِ﴾ ليعتبروا آياته وليتذكر به أولوا العقول. * * ثم قال: ﴿وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ﴾، أي: وُلِدَ إليه. ﴿نِعْمَ ٱلْعَبْدُ﴾، أي: ممدوح في طاعة ربه. ﴿إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾، أي: رجاع إلى طاعة الله عز وجل تواب إليه سبحانه، وقيل: الأواب: الكثير الذكر. وقال ابن عباس: الأواب: المسبح. وقال قتادة: مطيعاً كثير الصلاة. وقال ابن المسيب: هو الذي يذنب ثم يتوب، ثم يذنب ثم يتوب. وقيل: هو الذي يذكر ذنبه في الخلاء، ثم يتوب منه ويستغفر. * * ثم قال تعالى: ﴿إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِٱلْعَشِيِّ ٱلصَّافِنَاتُ ٱلْجِيَادُ﴾، أي: هو تواب في هذا الوقت. والصافنات: جمع صافن من الخيل، والأنثى: صافنة. والصافن: الذي يجمع بين يديه، ويثني طرف سنبك إحدى رجليه. وقيل: هو الذي يجمع بين يديه. وزعم الفراء أن الصافن هو القائم. وقال مجاهد: صفون الفرس: "رفع إحدى يديه حتى تكون على طرف الحافر". وقال قتادة: صفونها: قيامها وبسطها قوائمها. وقال ابن زيد: الصافنات: الخيل، أخرجها الشيطان لسليمان من مرج من مروج البحر. والصفن أن تقوم على ثلاث وترفع رجلاً واحدة تكون على طرف الحافر على الأرض. قال ابن زيد: وكانت لها أجنحة. (والجياد: السريعة. روي أنها كانت عشرين فرسا ذات أجنحة).

ص 38:30

هذا قوله تعالى ذكره: ﴿ٱصْبِر عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ﴾ - إلى قوله - ﴿وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ﴾ منسوخ بالأمر بالقتال، أمر الله جل ذكره نبيه ﷺ بالصبر على قول المشركين والاحتمال منهم، وقد علم تعالى أنه سيأمره بقتالهم في وقت آخر، فينسخ الآخر الأول. * * ثم قال: ﴿وَٱذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا ٱلأَيْدِ﴾، أي: ذا القوة والبطش الشديد في ذات الله عز وجل والصبر على طاعته. يقال: أيد وآد للقوة, كما يقال: العيب والعاب قال قتادة: "أُعْطِيَ داود قوة في العبادة وفقهاً في الإسلام، وذُكِرَ أنه كان يقوم الليل ويصوم نصف الدهر. * * وقوله: ﴿إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾، أي: رَجَّاعٌ عما يكره الله عز وجل إلى ما يرضاه أواب وهو فعَّال للتكثير من آب يئوب إذا رجع. قال مجاهد: أواب: رجاع عن الذنوب. قال قتادة: كان مطيعاً لله عز وجل كثير الصلاة. وقال السدى: الأوَّاب: المسبح. ويروى أنه قام ليلة إلى الصباح فكأنه أُعْجِبَ بذلك فقيل لضفدع كلميه في أصل مِحْرَابِه، فقالت له: يا داود، تَعْجَبُ لقيام ليلة! هذا مقامي منذ عشرين سنة شكراً لله عز وجل حين سلَّم بيضي. قال وهب: كان داود قد قسم الدهر أثلاثا، فيصير: يوم للعبادة، ويوماً للقضاء بين الناس، ويوما لقضاء حوائج أهله. * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّا سَخَّرْنَا ٱلجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِٱلْعَشِيِّ وَٱلإِشْرَاقِ﴾، أي: يسبحن مع داود من وقت العصر إلى الليل، ومن صلاة الصبح إلى وقت صلاة الضحى. يقال: أشرقت الشمس: إذا أضاءت وصفت، وشرقت إذا طلعت. قال قتادة: كان داود إذا سبح سبحت الجبال معه. واستدل ابن عباس على نص صلاة الضحى في القرآن بهذه الآية ﴿بِٱلْعَشِيِّ وَٱلإِشْرَاقِ﴾، لأنه من أشرقت الشمس إذا صفت وأضاءت. فإذا صلى داود العصر وسبَّحَ سبحت الجبال معه، وإذا صلى الضحى (سبح وسبحت) الجبال معه. * * ثم قال: ﴿وَٱلطَّيْرَ مَحْشُورَةً﴾، أي وسخرنا الطير مجموعة تسبح معه. ﴿كُلٌّ لَّهُ أَوَّابٌ﴾، أي: رجاع لأمره ومطيع له. فالهاء لداود وقيل: إلهاء لله عز وجل. والمعنى كل لله مطيع، مسبح له. فكل "في القول الأولى للطير، وفي هذا الثاني: يجوز أن يكون للطير، ويجوز أن يكون لداود والجبال والطير. ورُوي أنه كان إذا سبح أجابته الجبال واجتمعت إليه الطير فسبحت معه. وقال قتادة: محشورة: مسخرة. * * ثم قال: ﴿وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ﴾. قال السدي: كان حرسه في كل يوم وليلة أربعة آلاف. وذكر ابن عباس أن الله جل ذكره شدد ملكه هيبة لقضية قضاها في بنى إسرائيل وذلك أن رجلاً استعدى على رجل من عظمائهم فاجتمعا عند داود، فقال المُسْتَعْدَى: إن هذا غصبني بقراً لي. فسأل الرجل عن ذلك فجحده، فسأل الآخر البيِّنة فلم تكن له بينة، فقال لهما: قُوَما حتى أنظر في أمركما فقاما. فأوحى الله عز وجل إلى داود في منامه أن يقتل الرجل الذي ستُعدي عليه. فقال: هذه رؤيا ولست أعجل حتى أتثبت، فأَوْحَى إليه مرة أخرى أن يقتُلَه، وأوحى إليه ثالثة (أن يقتله) أو تأتيه العقوبة من الله عز وجل، فأرسل داود إلى الرجل أن الله قد أوحى إليّ أن أقتلك، فقال الرجل: تقتلني بغير بينة ولا تثبت! فقال له داود: نعم، والله لأنفِّذْنَ أمر الله عز جل فيك. فلما عرف الرجل أنه قاتله قاله له: لا تعجل عليّ حتى أخبرك، إني والله ما أُخِذْتُ بهذا الذنب ولكني كنت اغتلت وَلَدَ هذا فقتلته فبذلك قُتِلتُ. فأمر به داود، فَقُتِلَ. فاشتدت هيبته في بني إسرائيل لذلك وشد الله به ملكه. * * ثم قال تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُ ٱلْحِكْمَةَ﴾. قال السدى: هي النبوة. وقال قتادة: الحكمة: السُّنَّة. * * وقوله: ﴿وَفَصْلَ ٱلْخِطَابِ﴾. قال ابن عباس ومجاهد والسدي: فصل الخطاب: الفهم في علم القضاء. وقال ابن زيد: أعطي فصل ما يتخاطب الناس به بين يديه في الخصومات. وقال شريح: فصل الخطاب: الشاهدان على المدعي، واليمين على المنكر، وهو قول قتادة. وقال الشعبي: يمين وشاهد، وعن الشعبي: هو: أما بعد. * * ثم قال تعالى: ﴿وَهَلْ أَتَاكَ نَبَؤُاْ ٱلْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُواْ ٱلْمِحْرَابَ﴾، أي: وهل أتاك يا محمد خبر الخصم. والخصم هنا يراد به الملكان، لكن لا تظهر فيه تثنية ولا جمع لأنه مصدر من خصمته خصماً. والأصل فيه: وهل أتاك نبأ ذوي الخصم ويجوز أن يثنى ويجمع، ودل على ذلك قوله: خصمان. * * وقوله: ﴿إِذْ تَسَوَّرُواْ ٱلْمِحْرَابَ﴾، أي إذ دخلوا عليه من غير بابه. والمحراب: مقدم كل شيء ومجلسه وأشرفه. * * ثم قال تعالى: ﴿إِذْ دَخَلُواْ عَلَىٰ دَاوُودَ﴾، أي: لما دخلوا على داود المحراب. ﴿فَفَزِعَ مِنْهُمْ﴾، أي: فراعه دخولهما من غير مدخل الناس عليه. وقيل: إنما فزع لأنهما دخلا عليه ليلاً من غير وقت نظره بين الناس. ﴿قَالُواْ لاَ تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَىٰ﴾، أي: قال الملكان: لا تخف منا نحن خصمان. ﴿بَغَىٰ بَعْضُنَا عَلَىٰ بَعْضٍ﴾، أي: تعدَّى أحدنا على صاحبه. ﴿فَٱحْكُمْ بَيْنَنَا بِٱلْحَقِّ﴾، أي: فاقض بيننا بالعدل. ﴿وَلاَ تُشْطِطْ﴾، أي: لا تجر، وقال قتادة ولا تمل، وقال السدى: لا تخف. وقرأ الحسن وأبو رجاء: "ولا تَشْطُطْ" بفتح التاء وضم الطاء الأولى. بمعنى: ولا تبعد عن الحق. يقال: أَشَطَّ يُشِطُّ إذا جار في القول والحكم، وشَطّ يَشُطُّ إذا بَعُد. * * ثم قال تعالى: ﴿وَٱهْدِنَآ إِلَىٰ سَوَآءِ ٱلصِّرَاطِ﴾ ، أي: وارشدنا إلى قصد الطريق المستقيم في الحق. * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ هَذَآ أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً﴾، الآية. هذا مثل ضربه الملكان لداود، وذلك أن داود كان له تسع وتسعون امرأة، وكانت للرجل الذي أعزاه داود حتى قُتل، امرأة واحدة، فلما قتل تزوجها فيما ذكر. قال وهب بن منبه: إن هذا أخي، أي على ديني. والعرب تُكَنِّي عن المرأة بالنعجة والشاة. وقرأة الحسن بفتح التاء من "تَسع وتَسعين" وهي لغة قليلة. وقرأ ابن مسعود: "تِسْعٌ وتَسِعُونَ نَعْجَةً أُنْثَى" على التأكيد، كقولهم: رجل ذَكَر؟. ولا يؤنث بهذا التأنيث إلا ما تأنيثه وتذكيره في نفسه كالرجل والمرأة، فإن كان تأنيثه وتذكيره في اسمه (لم يُقَلْ) فيه أنثى ولا ذكر، نحو: دار، وملحفة، وشبه ذلك. وقيل: عنى بذلك أنها حسنة. فأنثى تدل على أنها حسنة. ثم قال تعالى ذكره: ﴿فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا﴾، أي: أنزل عنها وضُمَّها إليَّ. قال ابن زيد: أكفلنيها: أعطنيها، أي: طلقها لي أنكحها. ﴿وَعَزَّنِي فِي ٱلْخِطَابِ﴾، أي: صار أعزَّ مني في مخاطبته إياي لأنه إن تكلم فهو أبين مني، وإن بطش كان أشد مني فقهرني وغلبني. قال قتادة: وعزني في الخطاب: ظلمني وقهرني. وقرأ ابن مسعود: "وَعَازَّنِي". يقال: عَازَّه (إذا غالبه، وَعَزَّهُ): إذا غلبه، ومنه قولهم: "مَنْ (عَزَّ بَزَّ)". * * ثم قال تعالى: ﴿قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَىٰ نِعَاجِهِ﴾، أي: قال داود للمتكلم منهما: لقد ظلمك صاحبك بسؤاله إياك أن يضم نعجتك إلى نعاجه. * * ﴿وَإِنَّ كَثِيراً مِّنَ ٱلْخُلَطَآءِ لَيَبْغِيۤ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ﴾، أي: وإن كثيراً من الشركاء ليَتَعَدَّى بعضهم على بعض ﴿إِلاَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ﴾. قوله تعالى ذكره: ﴿وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ﴾ - إلى قوله - ﴿ٱلصَّافِنَاتُ ٱلْجِيَادُ﴾ أي: وأيقن داود أنما اختبرناه. ﴿فَٱسْتَغْفَرَ رَبَّهُ﴾، أي: سائل ربه المغفرة. ﴿وَخَرَّ رَاكِعاً﴾، أي: ساجداً لله. ﴿وَأَنَابَ﴾، أي: رجع عن خطيئته وتاب منها. وكان سبب اختبار الله عز وجل له - فيما ذكر ابن عباس - أن داود قال: يا رب، قد أعطيت إبراهيم وإسحاق ويعقوب من الذكر ما لَوَدِدْتُ أنك أعطيتني مثله. فقال الله جل ذكره له: إني ابتليتهم بما لم أبتلك به، فإن شئت ابتليتك بمثل ما ابتليتهم به، وأعطيتك كما أعطيتهم، قال: نعم، فأقام ما شاء الله أن يُقيم وطال ذلك حتى كاد أن ينساه. فبينما هو في محرابه إذ وقعت عليه حمامة فأراد أن يأخذها فطارت إلى كوة كانت في المحراب، فذهب ليأخذها، فطارت. فاطلَّع من الكوة فرأى امرأة تغتسل. فنزل نبي الله ﷺ من المحراب وأرسل إليها، فجاءته، فسألها عن زوجها وعن شأنها، فأخبرته أن زوجها غائب، فكتب إلى أمير تلك السَّرِيَّةِ أن يُؤْمِّرَهُ على السرايا لِيَهْلَكَ زوجها، ففعل. فكان يصاب أصحابه وينجو وربما نصروا. وإن الله لما رأى الذي وقع فيه داود أراد أن يستنفذه، فبينما داود ذات يوم في محرابه إذ تسور عليه الخصمان من قبل وجهه. فلما رآهما وهو يقرأ فَزِعَ وسكت، وقال: لقد اسُتضعفت في مُلكي حتى إن الناس يتسورون علي في محرابي، قالا له: لا تخف، خصمان بغى بعضنا على بعض فلم يكن لنا بد من أن نأتيكا فاسمع منا. قال أحدهما. ﴿إِنَّ هَذَآ أَخِي﴾ - إلى ﴿وَعَزَّنِي فِي ٱلْخِطَابِ﴾. قال له داود: أنت كنت أحوجَ إلى نعجتك منه، لقد ظلمك بسؤاله إياك نعجتك ونسي نفسه ﷺ. فنظر الملكان أحدهما إلى الآخر حين قال ذلك، فتبسم أحدهما إلى الآخر فرآه داود فعلم أنه فتن، فاستغفر ربه وخر راكعاً وأناب أربعين ليلة حتى نبتت الخضرة من عينيه ثم شدد الله له ملكه. روى ابن أبي الدنيا أن وهب بن منبه قال: لم يرفع داود عليه السلام رأسه من السجود حتى قال له الملكان: أول أمرك ذنب وآخره معصية، ارفع رأسك، فرفع رأسه. وعن وهب أنه قال: لما رفع داود رأسه من (السجدة رفع رأسه) وقد زَمِنَ ورعش. قال: فاعتزل نساءه ثم بكى حتى خددت الدموع وجهه. وقال عطاء الخراساني: "إن داود نقش خطيئته في كفه لكي لا ينساها، فكان إذا رآها اضطربت يداه. وقال وهب بن منبه: كتب داود في كفه: داود الخطاء. وقال يحيى بن أبي كثير لما أصاب داود الخطيئة نفرت الوحوش من حوله، فنادى: إلهي، رُدَّ عليَّ الوحش كي آنس بها فرد الله تبارك وتعالى عليه الوحش فَأَحَطْنَ به وأصغين بأسماعهن نحوه. قال: ورفع صوته يقرأ الزبور ويبكي على نفسه فنادته هيهات هيهات يا داود، ذهبت الخطيئة بحلاوة صوتك. وروي عن النبي ﷺ أنه قال: "مَثَلُ عَيْنَيْ دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ مَثَلُ الْقِرْبَتَينِ تَنْظِفَانِ بالمَاءِ. لَقَدْ خَدَّدَتِ الدُّمُوعُ وَجْهَ دَاودَ خَديدَ المَاءِ في الأرْضِ وروى أبو مسهر عن سعيد بن عبد العزيز أنه قال: قالو: لو جُمِعت دموع أهل الأرض إلى دموع آدم ﷺ لكانت دموع آدم أكثر، ولو جمعت دموع أهل الأرض ودموع آدم إلى دموع ابن آدم الذي قتل أخاه لكانت دموع ابن آدم أكثر، ولو جمعت دموع أهل الأرض، ودموع آدم، ودموع ابن آدم إلى دموع يعقوب لكانت دموع يعقوب أكثر، ولو جمعت دموع أهل الأرض ودموع آدم ودموع ابن آدم ودموع يعقوب إلى دموع داود لكانت دموع داود أكثر. قال سعيد: "كان داود يجلس على ستة أفرشة فيبكي فيبل الأول فيُرفع حتى يبللها كلها، كلما بَلَّ واحداً رُفِع؛ وإن كان ليؤتى بالإناء ليشرب فما يفرغ منه حتى يتدفق من دموعه وروى إسماعيل بن عبيد الله: "إن داود النبي ﷺ كان يعاتب في كثرة البكاء، فيقول: ذروني أبكي قبل يوم البكاء، قبل تحريق العظام واشتعال اللحى، وقبل أن يؤمر بي ﴿مَلاَئِكَةٌ غِلاَظٌ شِدَادٌ لاَّ يَعْصُونَ ٱللَّهَ مَآ أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم: ٦]. قال محمد بن المنكدر مكث آدم ﷺ في الأرض أربعين سنة ما يبدي عن واضحة ولا ترقئ له دمعة. فقالت له حواء: إنَّا قد استوحشنا إلى أصوات الملائكة فادع ربك فيسمعنا أصواتهم. فقال لها: ما زلت مستحيياً من ربي عز وجل أن أرفع طرفي إلى أديم السماء مما صنعت. وقال محمد بن خوات: إن داود النبي ﷺ لما أطال البكاء على نفسه، قيل له: اذهب إلى قبر زوج المرأة فاستوهبه ما صنعت، فأتى القبر، وأَذِنَ الله لصاحب القبر أن يتكلم، فناداه: أنا داود ولك عندي مظلمة، قال: قد غفرتها لك، قال: فانصرف داود وقد طابت نفسه، فأوحى الله عز وجل إليه أن ارجع فبين له الذي صنعت فرجع، فأخبره، فناداه صاحب القبر يا داود، هكذا يفعل الأنبياء! قال بكر بن عبيد الله المُزني: مكث داود النبي عليه السلام ساجداً أربعين يوماً يبكي على خطيئته حتى نبت البقل من دموعه، ثم زفر زفرة فهاج العودة فاحترق، فنودي أظمآن أنت فَتُسقَى؟ أجائع فتطعم؟ أعاري فتُكسى؟ قال: لا، ولكن خطيئتي أثقلت ظهري، فلم يُرْجَعُ إليه بشيء، فازداد بكاء حتى انقطع صوته، فكان لا يُسمع له إلاّ كهيئة الأنين، فعند ذلك غُفِرَ له. وقال الحسن: بكاء داود عليه السلام بعد ما غُفرت له الخطيئة أكثر من بكائه قبل المغفرة، فقيل له: أليس قد غُفر لك يا نبي الله؟ ! قال: فكيف بالحياء من الله عز وجل. قال كعب: كان داود عليه السلام يختار مجالسة المساكين، ويُكثر البكاء ويقول: رب اغفر للمساكين والخطائين حتى تغفر لي معهم، وكان قبل ذلك يدعو على الخطائين. قال أبو عبد الرحمن الحبلي: ما رفع داود رأسه إلى السماء بعد خطيئته حتى مات. ورُوي أنه كان إذا ذكر عقاب الله عز وجل تخلعت أوصاله، فإذا ذكر رحمة الله تراجعت. وروى أشهب عن مالك أنه قال: بلغني أن تلك الحمامة أتت فوقعت قريباً من داود وهي من ذهب، فلما رآها أعجبته فقام ليأخذها، فكانت قرب يده، ثم طارت فَأَتْبَعَهَا بَصَرَهُ، فوقعت عينه على تلك المرأة وهي تغسل ولها شعر طويل. فبلغني أنه أقام أربعين ليلة ساجداً حتى نبت العشب من دموع عينيه. ويراد بالركوع في هذا الموضع: السجود. قال السدي: كان داود قد قسم الدهر ثلاثة أيام: يوماً يقضي فيه بين الناس ويوماً يخلو فيه لعبادة ربه عز وجل، ويوماً يخلو فيه لنسائه، وكان له تسع وتسعون امرأة، وكان فيما يقرأ من الكتب: فضل إبراهيم وإسحاق ويعقوب صلى الله عليهم وسلم. فلما وجد ذلك فيما يقرأ من الكتب قال: يا رب، إن الخير قد ذهب به آبائي، فأعطني مثل ما أعطيتهم. فأوحى الله إليه أن آباءك ابتلوا ببلاء لم تبتل به، ابتلي إبراهيم بذبح ابنه فصبر، وابتلي إسحاق بذهاب بصره، وابتلي يعقوب بحزنه على يوسف، وإنك لم تبتل أنت من ذلك الشيء. فقال: يا رب، ابتلني بمثل ما ابتليتهم وأعطني مثل ما أعطيتهم. قال: فأوحى الله عز وجل إليه أنك مبتلى فاحترس، قال: فمكث ما شاء الله أن يمكث إذ جاءه الشيطان وقد تمثل له في صورة حمامة من ذهب حتى وقع عند رجليه وهو قائم يصلي قال: فمد يده ليأخذه فتنحى، فتبعه فتباعد حتى وقع في كوة، فذهب ليأخذه، فطار من الكوة فنظر أين (يقع فيبعث) في أثره، قال: فأبصر امرأة تغتسل في سطح لها، فرأى امرأة من أجمل الناس خَلْقاً، فحانت منها التفاتة فأبصرته، فألقت شعرها فاستترت به. قال: فزاده ذلك فيها رغبة. قال: فسأل عنها فأخبر أن لها زوجاً وأن زوجها غائب بمسلحة كذا وكذا. (قال: فبعث إلى صاحب المسلحة وأمره أن يبعث به إلى عدو كذا وكذا). قال فبعثه ففتح له قال: فكتب إليه بذلك. قال فكتب إليه أن أبعثه إلى عدو كذا وكذا - أشد منهم بأساً - قال: فبعثه ففتح له أيضاً، ثم كتب إليه ثالثة فبعثه فقتل. قال: وتزوج امرأته، فلما دخلت عليه لم تلبث عنده إلا يسيراً حتى بعث الله ملكين في صورة إنسيين فطلبا أن يدخلا عليه، فتسورا عليه المحراب. قال: فما شعر وهو يصلي إلا وهما بين يديه جالسين قال: ﴿فَفَزِعَ مِنْهُمْ﴾، فقالا: ﴿لاَ تَخَفْ﴾ لا تخف، إنما نحن ﴿خَصْمَانِ بَغَىٰ بَعْضُنَا عَلَىٰ بَعْضٍ﴾ - إلى قوله - ﴿سَوَآءِ ٱلصِّرَاطِ﴾، قال: قصّا قصتكما قال: فقال أحدهما: إن هذا أخي له تسع وتسعون نعجة ولي نعجة واحدة، وهو يريد أخذ نعجتي فيكمل بها نعاجه مائة! فقال للآخر: ما تقول؟ فقال: إن لي (تسعاً وتسعين) نعجة ولأخي هذا نعجة واحدة. قال: فأنا أريد أن آخذها منه فأكمل بها نعاجي مائة؟! قال: (وهو كاره). قال: إذا (لا ندعك) وذلك. قال: ما أنت على ذلك بقادر. قال: فإن ذهبت تروم ذلك (أو لم ترد ذلك ضربنا منك هذا وهذا وهذا يريد طرف الأنف، وأصل الأنف، والجبهة قال: يا داود، أنت أحق أن يضرب منه هذا وهذا وهذا حيث لك تسع وتسعون امراة ولم يكن لاوريا إلا امرأة واحدة، (فلم تزل) تعرضه للقتل حتى قُتل، وتزوجت امرأته. قال: فنظر داود الرجلين فلم ير شيئاً فعرف ما قد وقع فيه فخر ساجداً. - وهو موضع السجود عند مالك. وروي أن رجلاً من الأنصار - على عهد النبي ﷺ - كان يصلي من الليل مستتراً بشجرة وهو يقرأ "ص"، فلما بلغ السجدة سجد وسجدت معه الشجرة، فسمعها وهي تقول: اللهم أعظم لي بهذه السجدة أجراً، وارزقني بها شكراً، وضع عني بها وزراً، وتقبلها مني كما تقبلت من عبدك داود سجدته. فلما أصبح الرجل ذكر ذلك لرسول الله ﷺ. فقال رسول الله: نحن أحق أن يقول ذلك. فكان ﷺ إذا سجد يقول ذلك. قال عقبة بن عامر الجهني: من قرأ (ص) ولم يسجد فيها فلا عليه ألا يقرأ بها. قال: فبكى أربعين يوماً لا يرفع رأسه إلا لحاجة، ثم يقع ساجداً يبكي حتى نبت العشب من دموع عينيه، قال: فأوحى الله عز وجل إليه بعد أربعين يوماً: يا داود، ارفع رأسك فقد غفرت لك. قال: يا رب، كيف أعلم أنك قد غفرت لي وأنت حكم عدل لا تحيف في القضاء، إذا جاء أوريا يوم القيامة آخذ رأسه بيمينه، أو بشماله، تشخب أوداجه دماً، يقول: يا رب، سل هذا فيم قتلني؟ قال: فأوحى الله عز وجل إليه: إذا كان ذلك (دعوت أوريا). فاستوهبتك منه، فيهبك لي، فأثيبه بذلك الجنة. قال: رب، الآن علمت أنك قد غفرت لي. قال: فما استطاع ان يملأ عينيه من السماء حياء من ربه حتى قبض ﷺ. وقيل: اسم الرجل أوريا بن حيان. وقال الحسن: جزأ داود الدهر أربعة أجزاء: يوماً لنسائه، ويوماً لعبادة ربه، ويوماً لقضاء بني إسرائيل، ويوماً لبني إسرائيل يذاكرهم ويذاكرونه، ويبكيهم ويبكونه. قال: فلما كان يوم بني إسرائيل، قال: ذَكَرُوا فقالو: هل أتى على الإنسان يوم لا يصيب فيه ذنباً؟ فأضمر داود في نفسه أنه سيطيق ذلك. فلما كان يوم عبادته أغلق أبوابه وأمر ألا يدخل عليه أحد، وأكب على التوراة. فبينما هو يقرؤها إذا حمامة من ذهب، فيها من كل لون (حَسَنٍ، قد وقعت بين يديه، فأهوى إليها ليأخذها، قال: فطارت فوقعت غير بعيدة من غير أن تؤيسه من نفسها. قال: فما زال يتبعها حتى أشرف على امرأة تغتسل فأعجبه خلقها وحسنها. قال: فلما رأت ظله في الارض جللت نفسها بشعرها فزاده ذلك إعجاباً بها. وكان قد بعث زوجها على بعض جيوشه، فكتب إليه أن يسر إلى مكان كذا وكذا - مكانٌ إذا صار إليه لم يرجع - قال: ففعل، فأصيب، فخطبها، فتزوجها. قال قتادة: بلغنا أنها أم سليمان. قال الحسن: فبينما هو في المحراب إذ تسور الملكان عليه - وكان الخصمان إذا أتوه يأتونه من باب المحراب - ففزع منهم حين تسوروا المحراب، فقالا: لا تخف، خصمان بغى بعضنا على بعض. وذكر نحو الحديثين المتقدمين. وقيل: إن خطيئته هي قوله: لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه من غير ثبت بينة ولا إقرار من الخصم ولا سؤال لخصمه: هل كان هذا هكذا أو لم يكن. وهو قول شاذ. وقال ابن الأعرابي: قال كعب: سجد داود نبي الله ﷺ أربعين ليلة لم يرفع رأسه حتى رقأ دمعه ويبس رأسه. فكان من آخر دعائه وهو ساجد أن قال: يا رب رزقتني العافية، فسألتك البلاء، فلما ابتليتني لم أصبر فإن تعذبني فأنا أهل ذلك، وإن تغفر لي فأنت أهل ذلك - يقولها في نفسه - فعلم الله عز وجل ما قال فإذا جبريل عليه السلام على رأسه قائم يقول له: يا داود، إن الله قد غفر لك فارفع رأسك فلم يلتفت إليه، وناجى ربه وهو ساجد فقال: يا رب، وكيف تغفر لي وأنت الحكم العدل، وقد فعلت بالرجل ما فعلت؟ قال: فنزل الوحي عليه: صدقت يا داود أنا الحكم العدل، ولكن إذا كان يوم القيامة دفعتك إلى أوريا سلماً، ثم استوهبتك منه، فيهبك لي، فأثيبه الجنة. قال داود: الآن أعلم أنك قد غفرت لي. قال: فذهب داود يرفع رأسه فاذا هو يابس لا يستطيع. قال: فمسحه جبريل عليه السلام بريشة فانبسط. قال: فأوحى الله عز وجل إليه بعد ذلك: يا داود: قد أحللت لك امرأة أوريا فتزوجها، فتزوجها داود ﷺ، فولدت له سليمان عليه السلام، لم تلد قبله شيئاً ولا بعده. قال كعب: فوالله لقد كان داود بعد ذلك ليظل صائماً في اليوم الحار فيقرب إليه الشراب فإذا قربه إلى فيه ذكر خطيئته فيبكي في الشراب حتى يفيض ثم يرده ولا يشربه. وروى الأوزاعي عن بعض أهل المدينة أنه قال: مثل عيني داود كمثل القربتين تنطفان الماء، لقد خدد الدمع في وجهه كخديد الماء في الأرض. ويروى أن داود بات لربه عز وجل مصلياً حتى أصبح فذهب الى نهر ليتوضأ، فقال: الحمد لله، لقد عبدت الله الليلة عبادة ما عبده أحد إياها من أهل الأرض. فكَلَّمَه ضفدع من الماء فقالت: جلا يا أبا سليمان، فوالله إن لي لثلاثاً من الدهر ما جمعت بين فقمي تسبيحاً لله. وروي عن ابن مسعود وابن عباس أن داود عليه السلام ما زاد على أن قال للرجل: انزل لي عن امرأتك، فعاتبه الله على ذلك ونبهه عليه. * * ثم قال تعالى: ﴿فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ﴾، أي ذلك الذنب. ﴿وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لَزُلْفَىٰ﴾، أي: لقربة يوم القيامة. قال الضحاك: لمنزلة رفيعة. * * ثم قال: ﴿وَحُسْنَ مَـآبٍ﴾، أي: حسن مصير. قال السدي: حسن منقلب. وقال الضحاك: حسن مرجع. وقال مجاهد: يبعث داود النبي عليه السلام وذكر خطيئته، ووجلُه منها في قلبه، منقوشةٌ في كفه. فإذا رأى أهاويل الموقف لم يجد منها متعوذاً وا محرزاً إلا برحمة الله تبارك وتعالى وقربه، فيلجأ إليه تبارك وتعالى، فيشار إليه أن هاهنا عن يسار العرش، ثم يعلق فيقال له هاهنا عن يمين العرش. وذلك قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لَزُلْفَىٰ وَحُسْنَ مَـآبٍ﴾. وقال مالك بن دينار: يقام داود عليه السلام يوم القيامة عند ساق العرش، ثم يقول: يا داود، مجدني بذلك الصوت الحسن الرخيم الذي كنت تمجدني به في الدنيا. فيقول يا رب، كيف وقد سلبتنيه؟! فيقول: إني سأرده عليك. قال: فيدفع داود بصوت يستفرغ به نعيم أهل الجنان. ﴿فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ﴾: تمام حسن. * * ثم قال تعالى: ﴿يٰدَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي ٱلأَرْضِ﴾، أي: فغفرنا له ذلك الذنب، وقلنا له: يا داود، إنا جعلناك خليفة في الأرض، أي استخلفناك في الارض من بعد من كان قبلك من رسلنا حكماً بين أهل الارض. ﴿فَٱحْكُمْ بَيْنَ ٱلنَّاسِ بِٱلْحَقِّ﴾، أي: بالعدل والإنصاف. ﴿وَلاَ تَتَّبِعِ ٱلْهَوَىٰ﴾، أي: لا توثر هواك في قضائك على العدل فتجور في الحكم فيضلك هواك عن سبيل الله. ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ﴾، أي: يميلون عن الحق الذي أمر الله به. ﴿لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدُ﴾، أي: يوم القيامة. ﴿بِمَا نَسُواْ يَوْمَ ٱلْحِسَابِ﴾، أي: بتركهم العمل ليوم القيامة. قال عكرمة: هذا من التقديم والتأخير. والتقدير عنده: لهم يوم الحساب عذاب شديد بما نسوا أي: بما تركوا أمر الله والقضاء بالعدل. فالعامل في "يوم" في القول الأول: "نسوا" هو مفعول به والعامل فيه في القول الثاني "لهم" وهو ظرف. وكان ابن عباس يسجد عند قوله: "وأناب"، ويقول: ﴿أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ ٱقْتَدِهْ﴾. * * ثم قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَآءَ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً﴾، أي: عبثاً ولعباً بل خُلِقَا ليُعمل فيهما بالطاعة. ثم قال تعالى ذكره: ﴿ذَلِكَ ظَنُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾، أي: خلق السماء والأرض وما بينهما لغير حساب ولا بعث ولا عمل، هو ظن الذين كفروا فويل لهم من النار. * * ثم قال: ﴿أَمْ نَجْعَلُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ كَٱلْمُفْسِدِينَ فِي ٱلأَرْضِ﴾. هذا رد لقول الكفار، لأنهم كانوا يقولون: ليست ثمَّ عقوبة ولا نار، فالكافر والعاصي يَسْعَدَان باللذات، والمطيع يشقى، ومصيرهما إلى شيء واحد فرد الله عليه بأنه لم يجعل المتقين كالفجار في الآخرة، ولا الصالح كالمفسد. * * ثم قال: ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ﴾، (أي: هذا القرآن كتاب أنزله الله إليك يا محمد مبارك) على من آمن به، أنزله: ﴿لِّيَدَّبَّرُوۤاْ آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُواْ ٱلأَلْبَابِ﴾ ليعتبروا آياته وليتذكر به أولوا العقول. * * ثم قال: ﴿وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ﴾، أي: وُلِدَ إليه. ﴿نِعْمَ ٱلْعَبْدُ﴾، أي: ممدوح في طاعة ربه. ﴿إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾، أي: رجاع إلى طاعة الله عز وجل تواب إليه سبحانه، وقيل: الأواب: الكثير الذكر. وقال ابن عباس: الأواب: المسبح. وقال قتادة: مطيعاً كثير الصلاة. وقال ابن المسيب: هو الذي يذنب ثم يتوب، ثم يذنب ثم يتوب. وقيل: هو الذي يذكر ذنبه في الخلاء، ثم يتوب منه ويستغفر. * * ثم قال تعالى: ﴿إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِٱلْعَشِيِّ ٱلصَّافِنَاتُ ٱلْجِيَادُ﴾، أي: هو تواب في هذا الوقت. والصافنات: جمع صافن من الخيل، والأنثى: صافنة. والصافن: الذي يجمع بين يديه، ويثني طرف سنبك إحدى رجليه. وقيل: هو الذي يجمع بين يديه. وزعم الفراء أن الصافن هو القائم. وقال مجاهد: صفون الفرس: "رفع إحدى يديه حتى تكون على طرف الحافر". وقال قتادة: صفونها: قيامها وبسطها قوائمها. وقال ابن زيد: الصافنات: الخيل، أخرجها الشيطان لسليمان من مرج من مروج البحر. والصفن أن تقوم على ثلاث وترفع رجلاً واحدة تكون على طرف الحافر على الأرض. قال ابن زيد: وكانت لها أجنحة. (والجياد: السريعة. روي أنها كانت عشرين فرسا ذات أجنحة).

ص 38:31

هذا قوله تعالى ذكره: ﴿ٱصْبِر عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ﴾ - إلى قوله - ﴿وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ﴾ منسوخ بالأمر بالقتال، أمر الله جل ذكره نبيه ﷺ بالصبر على قول المشركين والاحتمال منهم، وقد علم تعالى أنه سيأمره بقتالهم في وقت آخر، فينسخ الآخر الأول. * * ثم قال: ﴿وَٱذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا ٱلأَيْدِ﴾، أي: ذا القوة والبطش الشديد في ذات الله عز وجل والصبر على طاعته. يقال: أيد وآد للقوة, كما يقال: العيب والعاب قال قتادة: "أُعْطِيَ داود قوة في العبادة وفقهاً في الإسلام، وذُكِرَ أنه كان يقوم الليل ويصوم نصف الدهر. * * وقوله: ﴿إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾، أي: رَجَّاعٌ عما يكره الله عز وجل إلى ما يرضاه أواب وهو فعَّال للتكثير من آب يئوب إذا رجع. قال مجاهد: أواب: رجاع عن الذنوب. قال قتادة: كان مطيعاً لله عز وجل كثير الصلاة. وقال السدى: الأوَّاب: المسبح. ويروى أنه قام ليلة إلى الصباح فكأنه أُعْجِبَ بذلك فقيل لضفدع كلميه في أصل مِحْرَابِه، فقالت له: يا داود، تَعْجَبُ لقيام ليلة! هذا مقامي منذ عشرين سنة شكراً لله عز وجل حين سلَّم بيضي. قال وهب: كان داود قد قسم الدهر أثلاثا، فيصير: يوم للعبادة، ويوماً للقضاء بين الناس، ويوما لقضاء حوائج أهله. * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّا سَخَّرْنَا ٱلجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِٱلْعَشِيِّ وَٱلإِشْرَاقِ﴾، أي: يسبحن مع داود من وقت العصر إلى الليل، ومن صلاة الصبح إلى وقت صلاة الضحى. يقال: أشرقت الشمس: إذا أضاءت وصفت، وشرقت إذا طلعت. قال قتادة: كان داود إذا سبح سبحت الجبال معه. واستدل ابن عباس على نص صلاة الضحى في القرآن بهذه الآية ﴿بِٱلْعَشِيِّ وَٱلإِشْرَاقِ﴾، لأنه من أشرقت الشمس إذا صفت وأضاءت. فإذا صلى داود العصر وسبَّحَ سبحت الجبال معه، وإذا صلى الضحى (سبح وسبحت) الجبال معه. * * ثم قال: ﴿وَٱلطَّيْرَ مَحْشُورَةً﴾، أي وسخرنا الطير مجموعة تسبح معه. ﴿كُلٌّ لَّهُ أَوَّابٌ﴾، أي: رجاع لأمره ومطيع له. فالهاء لداود وقيل: إلهاء لله عز وجل. والمعنى كل لله مطيع، مسبح له. فكل "في القول الأولى للطير، وفي هذا الثاني: يجوز أن يكون للطير، ويجوز أن يكون لداود والجبال والطير. ورُوي أنه كان إذا سبح أجابته الجبال واجتمعت إليه الطير فسبحت معه. وقال قتادة: محشورة: مسخرة. * * ثم قال: ﴿وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ﴾. قال السدي: كان حرسه في كل يوم وليلة أربعة آلاف. وذكر ابن عباس أن الله جل ذكره شدد ملكه هيبة لقضية قضاها في بنى إسرائيل وذلك أن رجلاً استعدى على رجل من عظمائهم فاجتمعا عند داود، فقال المُسْتَعْدَى: إن هذا غصبني بقراً لي. فسأل الرجل عن ذلك فجحده، فسأل الآخر البيِّنة فلم تكن له بينة، فقال لهما: قُوَما حتى أنظر في أمركما فقاما. فأوحى الله عز وجل إلى داود في منامه أن يقتل الرجل الذي ستُعدي عليه. فقال: هذه رؤيا ولست أعجل حتى أتثبت، فأَوْحَى إليه مرة أخرى أن يقتُلَه، وأوحى إليه ثالثة (أن يقتله) أو تأتيه العقوبة من الله عز وجل، فأرسل داود إلى الرجل أن الله قد أوحى إليّ أن أقتلك، فقال الرجل: تقتلني بغير بينة ولا تثبت! فقال له داود: نعم، والله لأنفِّذْنَ أمر الله عز جل فيك. فلما عرف الرجل أنه قاتله قاله له: لا تعجل عليّ حتى أخبرك، إني والله ما أُخِذْتُ بهذا الذنب ولكني كنت اغتلت وَلَدَ هذا فقتلته فبذلك قُتِلتُ. فأمر به داود، فَقُتِلَ. فاشتدت هيبته في بني إسرائيل لذلك وشد الله به ملكه. * * ثم قال تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُ ٱلْحِكْمَةَ﴾. قال السدى: هي النبوة. وقال قتادة: الحكمة: السُّنَّة. * * وقوله: ﴿وَفَصْلَ ٱلْخِطَابِ﴾. قال ابن عباس ومجاهد والسدي: فصل الخطاب: الفهم في علم القضاء. وقال ابن زيد: أعطي فصل ما يتخاطب الناس به بين يديه في الخصومات. وقال شريح: فصل الخطاب: الشاهدان على المدعي، واليمين على المنكر، وهو قول قتادة. وقال الشعبي: يمين وشاهد، وعن الشعبي: هو: أما بعد. * * ثم قال تعالى: ﴿وَهَلْ أَتَاكَ نَبَؤُاْ ٱلْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُواْ ٱلْمِحْرَابَ﴾، أي: وهل أتاك يا محمد خبر الخصم. والخصم هنا يراد به الملكان، لكن لا تظهر فيه تثنية ولا جمع لأنه مصدر من خصمته خصماً. والأصل فيه: وهل أتاك نبأ ذوي الخصم ويجوز أن يثنى ويجمع، ودل على ذلك قوله: خصمان. * * وقوله: ﴿إِذْ تَسَوَّرُواْ ٱلْمِحْرَابَ﴾، أي إذ دخلوا عليه من غير بابه. والمحراب: مقدم كل شيء ومجلسه وأشرفه. * * ثم قال تعالى: ﴿إِذْ دَخَلُواْ عَلَىٰ دَاوُودَ﴾، أي: لما دخلوا على داود المحراب. ﴿فَفَزِعَ مِنْهُمْ﴾، أي: فراعه دخولهما من غير مدخل الناس عليه. وقيل: إنما فزع لأنهما دخلا عليه ليلاً من غير وقت نظره بين الناس. ﴿قَالُواْ لاَ تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَىٰ﴾، أي: قال الملكان: لا تخف منا نحن خصمان. ﴿بَغَىٰ بَعْضُنَا عَلَىٰ بَعْضٍ﴾، أي: تعدَّى أحدنا على صاحبه. ﴿فَٱحْكُمْ بَيْنَنَا بِٱلْحَقِّ﴾، أي: فاقض بيننا بالعدل. ﴿وَلاَ تُشْطِطْ﴾، أي: لا تجر، وقال قتادة ولا تمل، وقال السدى: لا تخف. وقرأ الحسن وأبو رجاء: "ولا تَشْطُطْ" بفتح التاء وضم الطاء الأولى. بمعنى: ولا تبعد عن الحق. يقال: أَشَطَّ يُشِطُّ إذا جار في القول والحكم، وشَطّ يَشُطُّ إذا بَعُد. * * ثم قال تعالى: ﴿وَٱهْدِنَآ إِلَىٰ سَوَآءِ ٱلصِّرَاطِ﴾ ، أي: وارشدنا إلى قصد الطريق المستقيم في الحق. * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ هَذَآ أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً﴾، الآية. هذا مثل ضربه الملكان لداود، وذلك أن داود كان له تسع وتسعون امرأة، وكانت للرجل الذي أعزاه داود حتى قُتل، امرأة واحدة، فلما قتل تزوجها فيما ذكر. قال وهب بن منبه: إن هذا أخي، أي على ديني. والعرب تُكَنِّي عن المرأة بالنعجة والشاة. وقرأة الحسن بفتح التاء من "تَسع وتَسعين" وهي لغة قليلة. وقرأ ابن مسعود: "تِسْعٌ وتَسِعُونَ نَعْجَةً أُنْثَى" على التأكيد، كقولهم: رجل ذَكَر؟. ولا يؤنث بهذا التأنيث إلا ما تأنيثه وتذكيره في نفسه كالرجل والمرأة، فإن كان تأنيثه وتذكيره في اسمه (لم يُقَلْ) فيه أنثى ولا ذكر، نحو: دار، وملحفة، وشبه ذلك. وقيل: عنى بذلك أنها حسنة. فأنثى تدل على أنها حسنة. ثم قال تعالى ذكره: ﴿فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا﴾، أي: أنزل عنها وضُمَّها إليَّ. قال ابن زيد: أكفلنيها: أعطنيها، أي: طلقها لي أنكحها. ﴿وَعَزَّنِي فِي ٱلْخِطَابِ﴾، أي: صار أعزَّ مني في مخاطبته إياي لأنه إن تكلم فهو أبين مني، وإن بطش كان أشد مني فقهرني وغلبني. قال قتادة: وعزني في الخطاب: ظلمني وقهرني. وقرأ ابن مسعود: "وَعَازَّنِي". يقال: عَازَّه (إذا غالبه، وَعَزَّهُ): إذا غلبه، ومنه قولهم: "مَنْ (عَزَّ بَزَّ)". * * ثم قال تعالى: ﴿قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَىٰ نِعَاجِهِ﴾، أي: قال داود للمتكلم منهما: لقد ظلمك صاحبك بسؤاله إياك أن يضم نعجتك إلى نعاجه. * * ﴿وَإِنَّ كَثِيراً مِّنَ ٱلْخُلَطَآءِ لَيَبْغِيۤ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ﴾، أي: وإن كثيراً من الشركاء ليَتَعَدَّى بعضهم على بعض ﴿إِلاَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ﴾. قوله تعالى ذكره: ﴿وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ﴾ - إلى قوله - ﴿ٱلصَّافِنَاتُ ٱلْجِيَادُ﴾ أي: وأيقن داود أنما اختبرناه. ﴿فَٱسْتَغْفَرَ رَبَّهُ﴾، أي: سائل ربه المغفرة. ﴿وَخَرَّ رَاكِعاً﴾، أي: ساجداً لله. ﴿وَأَنَابَ﴾، أي: رجع عن خطيئته وتاب منها. وكان سبب اختبار الله عز وجل له - فيما ذكر ابن عباس - أن داود قال: يا رب، قد أعطيت إبراهيم وإسحاق ويعقوب من الذكر ما لَوَدِدْتُ أنك أعطيتني مثله. فقال الله جل ذكره له: إني ابتليتهم بما لم أبتلك به، فإن شئت ابتليتك بمثل ما ابتليتهم به، وأعطيتك كما أعطيتهم، قال: نعم، فأقام ما شاء الله أن يُقيم وطال ذلك حتى كاد أن ينساه. فبينما هو في محرابه إذ وقعت عليه حمامة فأراد أن يأخذها فطارت إلى كوة كانت في المحراب، فذهب ليأخذها، فطارت. فاطلَّع من الكوة فرأى امرأة تغتسل. فنزل نبي الله ﷺ من المحراب وأرسل إليها، فجاءته، فسألها عن زوجها وعن شأنها، فأخبرته أن زوجها غائب، فكتب إلى أمير تلك السَّرِيَّةِ أن يُؤْمِّرَهُ على السرايا لِيَهْلَكَ زوجها، ففعل. فكان يصاب أصحابه وينجو وربما نصروا. وإن الله لما رأى الذي وقع فيه داود أراد أن يستنفذه، فبينما داود ذات يوم في محرابه إذ تسور عليه الخصمان من قبل وجهه. فلما رآهما وهو يقرأ فَزِعَ وسكت، وقال: لقد اسُتضعفت في مُلكي حتى إن الناس يتسورون علي في محرابي، قالا له: لا تخف، خصمان بغى بعضنا على بعض فلم يكن لنا بد من أن نأتيكا فاسمع منا. قال أحدهما. ﴿إِنَّ هَذَآ أَخِي﴾ - إلى ﴿وَعَزَّنِي فِي ٱلْخِطَابِ﴾. قال له داود: أنت كنت أحوجَ إلى نعجتك منه، لقد ظلمك بسؤاله إياك نعجتك ونسي نفسه ﷺ. فنظر الملكان أحدهما إلى الآخر حين قال ذلك، فتبسم أحدهما إلى الآخر فرآه داود فعلم أنه فتن، فاستغفر ربه وخر راكعاً وأناب أربعين ليلة حتى نبتت الخضرة من عينيه ثم شدد الله له ملكه. روى ابن أبي الدنيا أن وهب بن منبه قال: لم يرفع داود عليه السلام رأسه من السجود حتى قال له الملكان: أول أمرك ذنب وآخره معصية، ارفع رأسك، فرفع رأسه. وعن وهب أنه قال: لما رفع داود رأسه من (السجدة رفع رأسه) وقد زَمِنَ ورعش. قال: فاعتزل نساءه ثم بكى حتى خددت الدموع وجهه. وقال عطاء الخراساني: "إن داود نقش خطيئته في كفه لكي لا ينساها، فكان إذا رآها اضطربت يداه. وقال وهب بن منبه: كتب داود في كفه: داود الخطاء. وقال يحيى بن أبي كثير لما أصاب داود الخطيئة نفرت الوحوش من حوله، فنادى: إلهي، رُدَّ عليَّ الوحش كي آنس بها فرد الله تبارك وتعالى عليه الوحش فَأَحَطْنَ به وأصغين بأسماعهن نحوه. قال: ورفع صوته يقرأ الزبور ويبكي على نفسه فنادته هيهات هيهات يا داود، ذهبت الخطيئة بحلاوة صوتك. وروي عن النبي ﷺ أنه قال: "مَثَلُ عَيْنَيْ دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ مَثَلُ الْقِرْبَتَينِ تَنْظِفَانِ بالمَاءِ. لَقَدْ خَدَّدَتِ الدُّمُوعُ وَجْهَ دَاودَ خَديدَ المَاءِ في الأرْضِ وروى أبو مسهر عن سعيد بن عبد العزيز أنه قال: قالو: لو جُمِعت دموع أهل الأرض إلى دموع آدم ﷺ لكانت دموع آدم أكثر، ولو جمعت دموع أهل الأرض ودموع آدم إلى دموع ابن آدم الذي قتل أخاه لكانت دموع ابن آدم أكثر، ولو جمعت دموع أهل الأرض، ودموع آدم، ودموع ابن آدم إلى دموع يعقوب لكانت دموع يعقوب أكثر، ولو جمعت دموع أهل الأرض ودموع آدم ودموع ابن آدم ودموع يعقوب إلى دموع داود لكانت دموع داود أكثر. قال سعيد: "كان داود يجلس على ستة أفرشة فيبكي فيبل الأول فيُرفع حتى يبللها كلها، كلما بَلَّ واحداً رُفِع؛ وإن كان ليؤتى بالإناء ليشرب فما يفرغ منه حتى يتدفق من دموعه وروى إسماعيل بن عبيد الله: "إن داود النبي ﷺ كان يعاتب في كثرة البكاء، فيقول: ذروني أبكي قبل يوم البكاء، قبل تحريق العظام واشتعال اللحى، وقبل أن يؤمر بي ﴿مَلاَئِكَةٌ غِلاَظٌ شِدَادٌ لاَّ يَعْصُونَ ٱللَّهَ مَآ أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم: ٦]. قال محمد بن المنكدر مكث آدم ﷺ في الأرض أربعين سنة ما يبدي عن واضحة ولا ترقئ له دمعة. فقالت له حواء: إنَّا قد استوحشنا إلى أصوات الملائكة فادع ربك فيسمعنا أصواتهم. فقال لها: ما زلت مستحيياً من ربي عز وجل أن أرفع طرفي إلى أديم السماء مما صنعت. وقال محمد بن خوات: إن داود النبي ﷺ لما أطال البكاء على نفسه، قيل له: اذهب إلى قبر زوج المرأة فاستوهبه ما صنعت، فأتى القبر، وأَذِنَ الله لصاحب القبر أن يتكلم، فناداه: أنا داود ولك عندي مظلمة، قال: قد غفرتها لك، قال: فانصرف داود وقد طابت نفسه، فأوحى الله عز وجل إليه أن ارجع فبين له الذي صنعت فرجع، فأخبره، فناداه صاحب القبر يا داود، هكذا يفعل الأنبياء! قال بكر بن عبيد الله المُزني: مكث داود النبي عليه السلام ساجداً أربعين يوماً يبكي على خطيئته حتى نبت البقل من دموعه، ثم زفر زفرة فهاج العودة فاحترق، فنودي أظمآن أنت فَتُسقَى؟ أجائع فتطعم؟ أعاري فتُكسى؟ قال: لا، ولكن خطيئتي أثقلت ظهري، فلم يُرْجَعُ إليه بشيء، فازداد بكاء حتى انقطع صوته، فكان لا يُسمع له إلاّ كهيئة الأنين، فعند ذلك غُفِرَ له. وقال الحسن: بكاء داود عليه السلام بعد ما غُفرت له الخطيئة أكثر من بكائه قبل المغفرة، فقيل له: أليس قد غُفر لك يا نبي الله؟ ! قال: فكيف بالحياء من الله عز وجل. قال كعب: كان داود عليه السلام يختار مجالسة المساكين، ويُكثر البكاء ويقول: رب اغفر للمساكين والخطائين حتى تغفر لي معهم، وكان قبل ذلك يدعو على الخطائين. قال أبو عبد الرحمن الحبلي: ما رفع داود رأسه إلى السماء بعد خطيئته حتى مات. ورُوي أنه كان إذا ذكر عقاب الله عز وجل تخلعت أوصاله، فإذا ذكر رحمة الله تراجعت. وروى أشهب عن مالك أنه قال: بلغني أن تلك الحمامة أتت فوقعت قريباً من داود وهي من ذهب، فلما رآها أعجبته فقام ليأخذها، فكانت قرب يده، ثم طارت فَأَتْبَعَهَا بَصَرَهُ، فوقعت عينه على تلك المرأة وهي تغسل ولها شعر طويل. فبلغني أنه أقام أربعين ليلة ساجداً حتى نبت العشب من دموع عينيه. ويراد بالركوع في هذا الموضع: السجود. قال السدي: كان داود قد قسم الدهر ثلاثة أيام: يوماً يقضي فيه بين الناس ويوماً يخلو فيه لعبادة ربه عز وجل، ويوماً يخلو فيه لنسائه، وكان له تسع وتسعون امرأة، وكان فيما يقرأ من الكتب: فضل إبراهيم وإسحاق ويعقوب صلى الله عليهم وسلم. فلما وجد ذلك فيما يقرأ من الكتب قال: يا رب، إن الخير قد ذهب به آبائي، فأعطني مثل ما أعطيتهم. فأوحى الله إليه أن آباءك ابتلوا ببلاء لم تبتل به، ابتلي إبراهيم بذبح ابنه فصبر، وابتلي إسحاق بذهاب بصره، وابتلي يعقوب بحزنه على يوسف، وإنك لم تبتل أنت من ذلك الشيء. فقال: يا رب، ابتلني بمثل ما ابتليتهم وأعطني مثل ما أعطيتهم. قال: فأوحى الله عز وجل إليه أنك مبتلى فاحترس، قال: فمكث ما شاء الله أن يمكث إذ جاءه الشيطان وقد تمثل له في صورة حمامة من ذهب حتى وقع عند رجليه وهو قائم يصلي قال: فمد يده ليأخذه فتنحى، فتبعه فتباعد حتى وقع في كوة، فذهب ليأخذه، فطار من الكوة فنظر أين (يقع فيبعث) في أثره، قال: فأبصر امرأة تغتسل في سطح لها، فرأى امرأة من أجمل الناس خَلْقاً، فحانت منها التفاتة فأبصرته، فألقت شعرها فاستترت به. قال: فزاده ذلك فيها رغبة. قال: فسأل عنها فأخبر أن لها زوجاً وأن زوجها غائب بمسلحة كذا وكذا. (قال: فبعث إلى صاحب المسلحة وأمره أن يبعث به إلى عدو كذا وكذا). قال فبعثه ففتح له قال: فكتب إليه بذلك. قال فكتب إليه أن أبعثه إلى عدو كذا وكذا - أشد منهم بأساً - قال: فبعثه ففتح له أيضاً، ثم كتب إليه ثالثة فبعثه فقتل. قال: وتزوج امرأته، فلما دخلت عليه لم تلبث عنده إلا يسيراً حتى بعث الله ملكين في صورة إنسيين فطلبا أن يدخلا عليه، فتسورا عليه المحراب. قال: فما شعر وهو يصلي إلا وهما بين يديه جالسين قال: ﴿فَفَزِعَ مِنْهُمْ﴾، فقالا: ﴿لاَ تَخَفْ﴾ لا تخف، إنما نحن ﴿خَصْمَانِ بَغَىٰ بَعْضُنَا عَلَىٰ بَعْضٍ﴾ - إلى قوله - ﴿سَوَآءِ ٱلصِّرَاطِ﴾، قال: قصّا قصتكما قال: فقال أحدهما: إن هذا أخي له تسع وتسعون نعجة ولي نعجة واحدة، وهو يريد أخذ نعجتي فيكمل بها نعاجه مائة! فقال للآخر: ما تقول؟ فقال: إن لي (تسعاً وتسعين) نعجة ولأخي هذا نعجة واحدة. قال: فأنا أريد أن آخذها منه فأكمل بها نعاجي مائة؟! قال: (وهو كاره). قال: إذا (لا ندعك) وذلك. قال: ما أنت على ذلك بقادر. قال: فإن ذهبت تروم ذلك (أو لم ترد ذلك ضربنا منك هذا وهذا وهذا يريد طرف الأنف، وأصل الأنف، والجبهة قال: يا داود، أنت أحق أن يضرب منه هذا وهذا وهذا حيث لك تسع وتسعون امراة ولم يكن لاوريا إلا امرأة واحدة، (فلم تزل) تعرضه للقتل حتى قُتل، وتزوجت امرأته. قال: فنظر داود الرجلين فلم ير شيئاً فعرف ما قد وقع فيه فخر ساجداً. - وهو موضع السجود عند مالك. وروي أن رجلاً من الأنصار - على عهد النبي ﷺ - كان يصلي من الليل مستتراً بشجرة وهو يقرأ "ص"، فلما بلغ السجدة سجد وسجدت معه الشجرة، فسمعها وهي تقول: اللهم أعظم لي بهذه السجدة أجراً، وارزقني بها شكراً، وضع عني بها وزراً، وتقبلها مني كما تقبلت من عبدك داود سجدته. فلما أصبح الرجل ذكر ذلك لرسول الله ﷺ. فقال رسول الله: نحن أحق أن يقول ذلك. فكان ﷺ إذا سجد يقول ذلك. قال عقبة بن عامر الجهني: من قرأ (ص) ولم يسجد فيها فلا عليه ألا يقرأ بها. قال: فبكى أربعين يوماً لا يرفع رأسه إلا لحاجة، ثم يقع ساجداً يبكي حتى نبت العشب من دموع عينيه، قال: فأوحى الله عز وجل إليه بعد أربعين يوماً: يا داود، ارفع رأسك فقد غفرت لك. قال: يا رب، كيف أعلم أنك قد غفرت لي وأنت حكم عدل لا تحيف في القضاء، إذا جاء أوريا يوم القيامة آخذ رأسه بيمينه، أو بشماله، تشخب أوداجه دماً، يقول: يا رب، سل هذا فيم قتلني؟ قال: فأوحى الله عز وجل إليه: إذا كان ذلك (دعوت أوريا). فاستوهبتك منه، فيهبك لي، فأثيبه بذلك الجنة. قال: رب، الآن علمت أنك قد غفرت لي. قال: فما استطاع ان يملأ عينيه من السماء حياء من ربه حتى قبض ﷺ. وقيل: اسم الرجل أوريا بن حيان. وقال الحسن: جزأ داود الدهر أربعة أجزاء: يوماً لنسائه، ويوماً لعبادة ربه، ويوماً لقضاء بني إسرائيل، ويوماً لبني إسرائيل يذاكرهم ويذاكرونه، ويبكيهم ويبكونه. قال: فلما كان يوم بني إسرائيل، قال: ذَكَرُوا فقالو: هل أتى على الإنسان يوم لا يصيب فيه ذنباً؟ فأضمر داود في نفسه أنه سيطيق ذلك. فلما كان يوم عبادته أغلق أبوابه وأمر ألا يدخل عليه أحد، وأكب على التوراة. فبينما هو يقرؤها إذا حمامة من ذهب، فيها من كل لون (حَسَنٍ، قد وقعت بين يديه، فأهوى إليها ليأخذها، قال: فطارت فوقعت غير بعيدة من غير أن تؤيسه من نفسها. قال: فما زال يتبعها حتى أشرف على امرأة تغتسل فأعجبه خلقها وحسنها. قال: فلما رأت ظله في الارض جللت نفسها بشعرها فزاده ذلك إعجاباً بها. وكان قد بعث زوجها على بعض جيوشه، فكتب إليه أن يسر إلى مكان كذا وكذا - مكانٌ إذا صار إليه لم يرجع - قال: ففعل، فأصيب، فخطبها، فتزوجها. قال قتادة: بلغنا أنها أم سليمان. قال الحسن: فبينما هو في المحراب إذ تسور الملكان عليه - وكان الخصمان إذا أتوه يأتونه من باب المحراب - ففزع منهم حين تسوروا المحراب، فقالا: لا تخف، خصمان بغى بعضنا على بعض. وذكر نحو الحديثين المتقدمين. وقيل: إن خطيئته هي قوله: لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه من غير ثبت بينة ولا إقرار من الخصم ولا سؤال لخصمه: هل كان هذا هكذا أو لم يكن. وهو قول شاذ. وقال ابن الأعرابي: قال كعب: سجد داود نبي الله ﷺ أربعين ليلة لم يرفع رأسه حتى رقأ دمعه ويبس رأسه. فكان من آخر دعائه وهو ساجد أن قال: يا رب رزقتني العافية، فسألتك البلاء، فلما ابتليتني لم أصبر فإن تعذبني فأنا أهل ذلك، وإن تغفر لي فأنت أهل ذلك - يقولها في نفسه - فعلم الله عز وجل ما قال فإذا جبريل عليه السلام على رأسه قائم يقول له: يا داود، إن الله قد غفر لك فارفع رأسك فلم يلتفت إليه، وناجى ربه وهو ساجد فقال: يا رب، وكيف تغفر لي وأنت الحكم العدل، وقد فعلت بالرجل ما فعلت؟ قال: فنزل الوحي عليه: صدقت يا داود أنا الحكم العدل، ولكن إذا كان يوم القيامة دفعتك إلى أوريا سلماً، ثم استوهبتك منه، فيهبك لي، فأثيبه الجنة. قال داود: الآن أعلم أنك قد غفرت لي. قال: فذهب داود يرفع رأسه فاذا هو يابس لا يستطيع. قال: فمسحه جبريل عليه السلام بريشة فانبسط. قال: فأوحى الله عز وجل إليه بعد ذلك: يا داود: قد أحللت لك امرأة أوريا فتزوجها، فتزوجها داود ﷺ، فولدت له سليمان عليه السلام، لم تلد قبله شيئاً ولا بعده. قال كعب: فوالله لقد كان داود بعد ذلك ليظل صائماً في اليوم الحار فيقرب إليه الشراب فإذا قربه إلى فيه ذكر خطيئته فيبكي في الشراب حتى يفيض ثم يرده ولا يشربه. وروى الأوزاعي عن بعض أهل المدينة أنه قال: مثل عيني داود كمثل القربتين تنطفان الماء، لقد خدد الدمع في وجهه كخديد الماء في الأرض. ويروى أن داود بات لربه عز وجل مصلياً حتى أصبح فذهب الى نهر ليتوضأ، فقال: الحمد لله، لقد عبدت الله الليلة عبادة ما عبده أحد إياها من أهل الأرض. فكَلَّمَه ضفدع من الماء فقالت: جلا يا أبا سليمان، فوالله إن لي لثلاثاً من الدهر ما جمعت بين فقمي تسبيحاً لله. وروي عن ابن مسعود وابن عباس أن داود عليه السلام ما زاد على أن قال للرجل: انزل لي عن امرأتك، فعاتبه الله على ذلك ونبهه عليه. * * ثم قال تعالى: ﴿فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ﴾، أي ذلك الذنب. ﴿وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لَزُلْفَىٰ﴾، أي: لقربة يوم القيامة. قال الضحاك: لمنزلة رفيعة. * * ثم قال: ﴿وَحُسْنَ مَـآبٍ﴾، أي: حسن مصير. قال السدي: حسن منقلب. وقال الضحاك: حسن مرجع. وقال مجاهد: يبعث داود النبي عليه السلام وذكر خطيئته، ووجلُه منها في قلبه، منقوشةٌ في كفه. فإذا رأى أهاويل الموقف لم يجد منها متعوذاً وا محرزاً إلا برحمة الله تبارك وتعالى وقربه، فيلجأ إليه تبارك وتعالى، فيشار إليه أن هاهنا عن يسار العرش، ثم يعلق فيقال له هاهنا عن يمين العرش. وذلك قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لَزُلْفَىٰ وَحُسْنَ مَـآبٍ﴾. وقال مالك بن دينار: يقام داود عليه السلام يوم القيامة عند ساق العرش، ثم يقول: يا داود، مجدني بذلك الصوت الحسن الرخيم الذي كنت تمجدني به في الدنيا. فيقول يا رب، كيف وقد سلبتنيه؟! فيقول: إني سأرده عليك. قال: فيدفع داود بصوت يستفرغ به نعيم أهل الجنان. ﴿فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ﴾: تمام حسن. * * ثم قال تعالى: ﴿يٰدَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي ٱلأَرْضِ﴾، أي: فغفرنا له ذلك الذنب، وقلنا له: يا داود، إنا جعلناك خليفة في الأرض، أي استخلفناك في الارض من بعد من كان قبلك من رسلنا حكماً بين أهل الارض. ﴿فَٱحْكُمْ بَيْنَ ٱلنَّاسِ بِٱلْحَقِّ﴾، أي: بالعدل والإنصاف. ﴿وَلاَ تَتَّبِعِ ٱلْهَوَىٰ﴾، أي: لا توثر هواك في قضائك على العدل فتجور في الحكم فيضلك هواك عن سبيل الله. ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ﴾، أي: يميلون عن الحق الذي أمر الله به. ﴿لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدُ﴾، أي: يوم القيامة. ﴿بِمَا نَسُواْ يَوْمَ ٱلْحِسَابِ﴾، أي: بتركهم العمل ليوم القيامة. قال عكرمة: هذا من التقديم والتأخير. والتقدير عنده: لهم يوم الحساب عذاب شديد بما نسوا أي: بما تركوا أمر الله والقضاء بالعدل. فالعامل في "يوم" في القول الأول: "نسوا" هو مفعول به والعامل فيه في القول الثاني "لهم" وهو ظرف. وكان ابن عباس يسجد عند قوله: "وأناب"، ويقول: ﴿أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ ٱقْتَدِهْ﴾. * * ثم قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَآءَ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً﴾، أي: عبثاً ولعباً بل خُلِقَا ليُعمل فيهما بالطاعة. ثم قال تعالى ذكره: ﴿ذَلِكَ ظَنُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾، أي: خلق السماء والأرض وما بينهما لغير حساب ولا بعث ولا عمل، هو ظن الذين كفروا فويل لهم من النار. * * ثم قال: ﴿أَمْ نَجْعَلُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ كَٱلْمُفْسِدِينَ فِي ٱلأَرْضِ﴾. هذا رد لقول الكفار، لأنهم كانوا يقولون: ليست ثمَّ عقوبة ولا نار، فالكافر والعاصي يَسْعَدَان باللذات، والمطيع يشقى، ومصيرهما إلى شيء واحد فرد الله عليه بأنه لم يجعل المتقين كالفجار في الآخرة، ولا الصالح كالمفسد. * * ثم قال: ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ﴾، (أي: هذا القرآن كتاب أنزله الله إليك يا محمد مبارك) على من آمن به، أنزله: ﴿لِّيَدَّبَّرُوۤاْ آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُواْ ٱلأَلْبَابِ﴾ ليعتبروا آياته وليتذكر به أولوا العقول. * * ثم قال: ﴿وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ﴾، أي: وُلِدَ إليه. ﴿نِعْمَ ٱلْعَبْدُ﴾، أي: ممدوح في طاعة ربه. ﴿إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾، أي: رجاع إلى طاعة الله عز وجل تواب إليه سبحانه، وقيل: الأواب: الكثير الذكر. وقال ابن عباس: الأواب: المسبح. وقال قتادة: مطيعاً كثير الصلاة. وقال ابن المسيب: هو الذي يذنب ثم يتوب، ثم يذنب ثم يتوب. وقيل: هو الذي يذكر ذنبه في الخلاء، ثم يتوب منه ويستغفر. * * ثم قال تعالى: ﴿إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِٱلْعَشِيِّ ٱلصَّافِنَاتُ ٱلْجِيَادُ﴾، أي: هو تواب في هذا الوقت. والصافنات: جمع صافن من الخيل، والأنثى: صافنة. والصافن: الذي يجمع بين يديه، ويثني طرف سنبك إحدى رجليه. وقيل: هو الذي يجمع بين يديه. وزعم الفراء أن الصافن هو القائم. وقال مجاهد: صفون الفرس: "رفع إحدى يديه حتى تكون على طرف الحافر". وقال قتادة: صفونها: قيامها وبسطها قوائمها. وقال ابن زيد: الصافنات: الخيل، أخرجها الشيطان لسليمان من مرج من مروج البحر. والصفن أن تقوم على ثلاث وترفع رجلاً واحدة تكون على طرف الحافر على الأرض. قال ابن زيد: وكانت لها أجنحة. (والجياد: السريعة. روي أنها كانت عشرين فرسا ذات أجنحة).

ص 38:32

قوله تعالى ذكره: ﴿فَقَالَ إِنِّيۤ أَحْبَبْتُ حُبَّ ٱلْخَيْرِ﴾ - إلى قوله - ﴿لَزُلْفَىٰ وَحُسْنَ مَآبٍ﴾. قال ابن عباس: كان مما ورث سليمان من أبيه داود ألف فرس لا يعلم في الأرض مثلها. وكانت أحب إليه من كل ما ورث، وكان معجباً بها، فجلس مجلسه وقال: اعرضوا علي خيلي، فعرضت عليه بعد الظهر إلى غيبوبة الشمس وأغفل صلاة العصر: فقال: ما صليت العصر! ردوها علي فطفق يعرقبها ويضرب رقابها وكان الذي عرض عليه تسع مائة، وبقيت مائة لم تعرض عليه. فقال: هذه المائة التي لم تلهني عن صلاتي أحب إلي من التسع مائة. في الآية حذف دل عليه الكلام، والتقدير: إنه أواب إذ عُرض عليه بالعشي الصافنات الجياد، فلهى عن الصلاة حتى فاتته فغابت الشمس ولم يصل، وهو قوله ﴿حَتَّىٰ تَوَارَتْ بِٱلْحِجَابِ﴾. ﴿فَقَالَ إِنِّيۤ أَحْبَبْتُ حُبَّ ٱلْخَيْرِ﴾، أي: الخيل. والعرب سمي الخيل: الخير، والمال أيضاً يسمونه الخير. وفي الحديث: "الْخَيْلُ مَعْقُودٌ في نَواصِيَها الخَيْرُ إلى يَوْمِ الْقِيَامَةِ" ولما ورد زيد الخيل على النبي ﷺ قال له: أنت زيد الخير. وهو زيد بن مهلهل الشاعر. وقيل: المعنى، إنى أحببت حب الخير عن ذكر ربي، وذلك أنه كان في صلاة فجيء إليه بخيل لتعرض عليه قد غُنمت، فأشار بيده أنه يصلي. ﴿حَتَّىٰ تَوَارَتْ بِٱلْحِجَابِ﴾، أي: توارت الخيل، فسترها جدر الإصطبلات، فلما فرغ من صلاته قال: ﴿رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحاً بِٱلسُّوقِ﴾، أي: يمسحها مسحاً. فالضمير في "توارت" على هذا القول للخيل. وأكثر الناس على أنه للشمس وإن (لم يجر) لها ذكر، ولكن لما قال بالعشي دل على أن بعده غياب الشمس. قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه التي فاتته هي صلاة العصر وهو قول قتادة والسدي. وقيل: المعنى: إنى آثرت حب الخير عن ذكر ربي، أي: على ذكر ربي، ومنه قوله: ﴿فَٱسْتَحَبُّواْ ٱلْعَمَىٰ عَلَى ٱلْهُدَىٰ﴾ [فصلت: ١٧]، أي: آثروا الضبه على الهدى. وقيل: معنى أحببت: قعدت وتأخرت. يقال أحب الجمل وأحببت الناقة، إذا بركت وتأخرت. فالمعنى: إني قعدت عن ذكر ربي لحب الخير ﴿حَتَّىٰ تَوَارَتْ بِٱلْحِجَابِ﴾. إنى قعدت عن صلاة العصر حتى غابت الشمس. فيكون حب الخير مفعولاً به على قول من جعل أحببت بمعنى آثرت. ويكون مفعولاً من أجله على قول من جعل أحببت بمعنى تأخرت وقعدت. ولا يحسن أن ينصب على المصدر لأن المعنى على غير ذلك. * * ثم قال: ﴿رُدُّوهَا عَلَيَّ﴾، أي: ردوا الخيل عليَّ التي شغلتني على الصلاة. ﴿فَطَفِقَ مَسْحاً بِٱلسُّوقِ وَٱلأَعْنَاقِ﴾، أي: طفق يضرب أعناقها وسوقها. قال الحسن: قال سليمان: لا، والله لا تشغلني عن عبادة ربي فكشف عراقيبها وضرب أعناقها. ولم يكن له فعل ذلك إلا وقد أباح الله ذلك له. وقال ابن عباس: "جعل يمسح أعراف الخيل وعراقيبها حباً لها". قال بعض أهل العلم: هذا القول أحسن، لأنه نبي، ولم يكن ليعذب حيواناً بغير ذنب ويفسد مالاً بلا سبب. قال وهب بن منبه: كانت الريح تحمل سليمان وجنوده، وكانت تأتيه تُسمعه كلام كل متكلم، ولذلك سمع كلام النملة. قال: وإنه لمسير ذات يوم بجنده والريح تحمله (إذ مر برجل) من بني إسرائيل وهو في حرث له يثير على مسحاة له يفجر في حرث له من نهر له إذ التفت فرأى سليمان وجنده بين السماء والأرض تهوي به الريح. فقال: لقد آتاكم الله آل داود. قال: فاحتملت الريح كلامه فقذفته في أذن سليمان عليه السلام فقال سليمان للريح: احبس، فحبست. فنزل متقنعاً بِبُرْدٍ لَهُ حتى أتى الرجل فقال له: ماذا قلت؟! قال: رأيتك في سلطان الله الذي أتاك وما سخر لك، فقلت: لقد آتاكم الله آل داود. فقال: صدقت، كذلك قلت، كذلك سمعت ولذلك حينئذ تخوفاً عليك من الفتنة. تعلم، والذي نفس سليمان بيده، لثواب "سبحان الله" كلمة واحدة عند الله يوم القيامة أفضل من كل شيء رأيته أو أوتيه آل داود في الدنيا. قال له الرجل: فَرَّجْتَ هَمِّي، فرج الله همك. فقال له سليمان: وما همي؟ قال: أن تشكر ما أعطاك الله عز وجل. قال له سليمان: صدقت. وانطلق الى مركبه. ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ﴾، أي: اختبرناه وابتليناه. ﴿وَأَلْقَيْنَا عَلَىٰ كُرْسِيِّهِ جَسَداً﴾، أي: شيطاناً مثل بإنسان. ذكر أن اسمه صخر الجني، قاله ابن عباس، قال: الجسد: الجِنِّي الذي دفع إليه سليمان خاتمه فقذفه في البحر. وكان ملك سليمان في خاتمه. وهو قول الحسن وابن جبير ومجاهد. قال مجاهد: فقعد الجني على كرسي سليمان، ومنعه الله من نساء سليمان فلم يقربنه وأنكرنه. قال مجاهد: قال له سليمان: كيف تفتنون الناس؟ قال: أرني خاتمك أخبرك. فلما أعطاه إياه نبذه في البحر فساح سليمان وذهب ملكه. فكان سليمان يستطعم الناس فيقول: أتعرفوني؟! أطعموني، أنا سليمان! فيكذبونه حتى أطعمته امرأة يوماً حوتاً فوجد خاتمه في بطنه فرجع إليه ملكه وفر الجني في البحر. وكان مدة ذلك فيما ذكر: أربعين يوماً. وقال قتادة: "أمر سليمان ببناء بيت المقدس، فقيل له: ابْنِه، ولا يُسمع فيه صوت حديد. فطلب (علم ذلك فلم يقدر عليه، فقيل له: إن شيطاناً في البحر يقال له صخر، سيد الماردين. قال: فطلبه). وكانت عين في البحر يَرُدها ذلك الشيطان في كل سبعة أيام مرة فنزح ماؤها وجُعل فيه خمر. فجاء يوم وروده فإذا هو بالخمر، فقال: إنَّكِ لشراب طيب، إلا أنَّكِ تُصْبِينَ الحليم، وتزيدين الجاهل جهلاً! (قال: ثم رجع حتى عطش عطشاً شديداً، ثم أتاها فقال: إنك لشراب طيب، إلا أنك لتصبين الحليم وتزيدين الجاهل جهلاً!) ثم شربها حتى غلبت على عقله. قال: فأُرِيَ الخاتم، أو ختم به بين كتفيه فَذُلَّ - وكان ملك سليمان في خاتمه - فقال: إنا قد أمِرْنَا ببناء هذا البيت، وقيل لنا: لا يسمعن فيه صوت حديد. قال: فأتى إلى بيض الهدهد فجعل عليه زجاجة، فجاء الهدهد فدار حولها، فجعل يرى بيضه ولا يقدر (عليه فذهب فجاء) بالماس فوضعه على الزجاجة فقطعها به حتى أفضى إلى بيضه. فأخذوا الماس فجعلوا يقطعون به الحجارة. فكان سليمان إذا أراد أن يدخل الخلاء لم يدخل بخاتمه، فانطلق يوماً إلى الحمام وذلك الشيطان معه - وذلك عند مقارفة ذنب قارفه بعض نسائه - قال: فدخل الحمام، وأعطى الشيطان خاتمه، فألقاه في البحر فالتقمته سمكة، ونُزِعَ ملك سليمان منه، وأُلقِي على الشيطان شبه سليمان فجاء فقعد على كرسيه، وسُلِّطَ على مُلك سليمان كله غير نسائه. فكان يقضي بين الناس ينكرون منه أشياء حتى قالوا: لقد فتن سليمان نبي الله. وكان (فيهم رجل فيه قوة)، فقال: والله لأجربنه فقال له: يا نبي الله - وهو لا يرى إلا أنه نبي - أحدنا تصيبه الجنابة (من الليل) في الليلة الباردة فيدع الغسل مستعمداً حتى تطلع الشمس، أترى عليه بأساً؟ قال: لا. قال: فبينما هو كذلك أربعين ليلة حتى وجد نبي الله سليمان خاتمه في بطن سمكة فأقبل فجعل لا يستقبله جني ولا طير إلا سجد له حتى انتهى إليهم". وذكر السدي في هذه القصة مثل ذلك إلا أنه قال: "كانت لسليمان مائة امرأة، امرأة منهن يقال لها جرادة - وهي أَعَزُّ نسائه عنده وآمَنَهُنَّ - وكان يترك الخاتم عندها إذا دخل الخلاء، فجاءته يوماً (من الأيام) فسألته أن يقضي لأخيها في خصومة بينه وبين رجل، فقال لها: نعم، ولم يفعل، فابتلي. فأعطاها خاتمه ودخل الخلاء فأتاها الشيطان في صورة سليمان فأعطته الخاتم فذهب ملك سليمان وجلس الشيطان على كرسي سليمان أربعين يوماً يحكم بين الناس، فأنكر الناس أحكامه، فاجتمع علماء بني إسرائيل فدخلوا على نساء سليمان فقالوا: إنا قد أنكرناه. فإن كان هذا سليمان فقد ذهب عقله! فبكى النساء عند ذلك فأقبلوا يمشون حتى أتوه فأحدقوا به ثم نشروا التوراة فقرؤوا، فطار بين أيديهم حتى وقع على شرفة والخاتم معه، ثم طار حتى ذهب إلى البحر فوقع الخاتم منه، فابتلعه حوتٌ. قال: وأقبل سليمان في حاله التي كان فيها وهو جائع حتى انتهى إلى صياد من صيادي البحر فاستطعمه من صيده. فقال: إني أنا سليمان، فقام إليه بعضهم فضربه بعصاً فشج وجهه، فجعل يغسل دمه وهو على شاطئ البحر. فلام الصيادون صاحبهم الذي ضربه، ثم أعطوا سليمان سمكتين مما قد مَذَرَ عندهم - أي: نتن - فلم يشغله ما كان به من الضرب حتى قام إلى شاطئ البحر فشق بطونهما، فجعل يغسل، فوجد خاتمه في بطن إحداهما فأخذه ولبسه فَرَدَّ الله عليه بهاءه ومُلكه. وجاءت الطير حتى حامت عليه فعرف القوم أنه سليمان فقاموا يعتذرون مما صنعوا فقال: (ما أحببكم) على عذركم ولا ألومكم على ما كان منكم، كان هذا الأمر لا بد منه. فجاء حتى أتى مُلكه، فأرسل إلى الشيطان فجيء به - وسخر له الريح والشياطين يومئذ (ولم يسخر) له قبل ذلك - فجعل الشيطان في صندوق من حديد، ثم أطبق عليه وقفل عليه بقفل وختم عليه بخاتمه ثم أَمَرَ، فأُلقي في البحر، فهو فيه حتى تقوم الساعة" وقيل: أنه ولد له ولد ميت، وذلك أنه طاف على (جَوَارٍ له) وقال: أرجو أن تلد كل واحدة منهن (ذكرا، ولم يقل: إن شاء الله، فلم تحمل إلا واحدة منهن) ومات الولد وألقي على كرسيه. * * وقوله: ﴿ثُمَّ أَنَابَ﴾، أي: أناب سليمان فرجع إلى ملكه بعد زواله عنه. قال الضحاك: دخل سليمان على امرأة تبيع السمك فاشترى منها سمكة فشق بطنها فوجد خاتمه، فجعل لا يمر على شجرة ولا صخرة (ولا شيء) إلا سجد له، ثم أوتي مُلكه وأهله، فذلك قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَنَابَ﴾، أي: رجع. وقيل: "أناب": [تاب ورجع عما كان عليه. * * ثم قال تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ ٱغْفِرْ لِي﴾، أي: استر علي ذنبي الذي أذنبت]. بيني وبينك. ﴿وَهَبْ لِي مُلْكاً لاَّ يَنبَغِي لأَحَدٍ﴾، أي: لا تسلبنيه كما سلبنيه هذا الشيطان. قاله قتادة. وقيل: المعنى: لا يكون مثله لأحد من بعدي. ﴿إِنَّكَ أَنتَ ٱلْوَهَّابُ﴾، أي: تهب ما تشاء لمن تشاء. وقيل: المعنى: أعطني فضيلة ومنزلة. روى أبو عبيد في كتابه مواعظ الأنبياء أن سليمان عليه السلام لما بنى مسجد بيت المقدس ودخله خر ساجداً شكراً لله عز وجل وقال: يا رب، من دخله من تائب فَتُبْ عليه، أو مستغفر فاغفر له، أو سائل فأعطه. قال: ولما مات داود عليه السلام أوحى الله إلى سليمان أن سَلْنِي حاجتك. قال: أسألك أن تجعل قلبي يخشاك كما كان قلب أبي، وأن تجعل قلبي يحبك كما كان قلبي أبي. فقال الله جل ذكره: أرسلت إلى عبدي أسأله حاجته، فكانت حاجته أن أجعل قلبه يخشاني، وأن أجعل قلبه يحبني! لأَهَبَنَّ له مُلكاً لا ينبغي لأحد من بعده. فوفقه الله إلى أن سأل ذلك فأعطاه ذلك، وفي الآخرة لا حساب عليه فيه. ورُوي عن النبي ﷺ أنه قال: أرأيتم سليمان وما أُعطي من ملكه فإنه لم يرفع رأسه إلى السماء تخشعاً حتى قبضه الله عز وجل وروى أبو عبيد أن نملة قالت لسليمان: إني على قدري أشكر لله منك! وكان على فرس ذنوب فخر عنه ساجدا: (ثم قال: لولا أن أبخلك لسألتك أن تنزع عني ما أعطيتني). * * ثم قال تعالى: ﴿فَسَخَّرْنَا لَهُ ٱلرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَآءً﴾، أي: فاستجبنا دعاءه وأعطيناه مُلكاً لا ينبغي لأحد من بعده فسخرنا له الريح تجري بأمره رخاء. قال الحسن: إن نبي الله سليمان لما عُرضت عليه الخيل شغلته عن صلاة العصر، فغضب لله، فأمر بها فعُقِرت، فأبدله الله مكانها أسرع منها، فسخرت له الريح تجري بأمره رخاء. ﴿حَيْثُ أَصَابَ﴾: حيث شاء. قال مجاهد: رخاء: طيبة. وقال قتادة: رخاء: طيبة سريعة ليست بعاصف ولا بطيئة. وقال ابن زيد: الرخاء: اللينة. وقال ابن عباس: رخاء: مطيعة، وقاله الضحاك. وقال السدي: رخاء: طوعاً. * * وقوله: ﴿حَيْثُ أَصَابَ﴾، أي: حيث أراد: قاله ابن عباس والحسن وقتادة والسدي وابن زيد من قولهم: أصاب الله بك خيراً، أي: أراده الله بك خيراً. وقال مجاهد: "حيث أصاب: حيث شاء". * * ثم قال ﴿وَٱلشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّآءٍ وَغَوَّاصٍ﴾، أي: كل بناء يبني له ما يشاء من المحاريب والتماثيل، وكل غواص يستخرج له الحلي من البحار، وسخر له كل من ينحت له جفافاً وقدوراً، وآخرين مقرنين في الأصفاد، وهم: المردة من الشياطين. هذا كله قول قتادة. والأصفاد: السلاسل، قال السدي: مقرنين: تجمع يداه إلى عنقه. وواحد الأصفاد: صَفَد، كحَجَر. وقيل: واحدها: صفْد. كعدْل. وهي: الأغلال والسلاسل من الحديد، وكل من شددته شداً وثيقاً بالحديد فقد صفدته، وكذلك لكل من أعطيته عطاء جزيلاً كأنك أعطيته ما يرتبط له. واسم العطية الصفد. قال الضحاك: أعطى الله سليمان ملك داود وزاده الريح والشياطين. ثم قال تعالى ذكره: ﴿هَـٰذَا عَطَآؤُنَا فَٱمْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾، أي: هذا المُلك عطاؤنا فاعط ما شئت منه وامنع ما شئت لا حساب عليك. وقيل: المعنى: فاحبس ما شئت من الشياطين في وثاقك وسرح ما شئت منهم. وعن ابن عباس أن هذا إشارة إلى ما أُعطي سليمان من القوة على الجِمَاع. قال: كان في ظهره مائة مائة رجل، وكان له ثلاث مائة امرأة، وتسع مائة سرية. فالمعنى: فجامع من شئت، واترك جِمَاع من شئت بغير حساب عليك. وقال ابن مسعود: في الكلام تقديم وتأخير، والتقدير: هذا عطاؤنا بغير حساب، فامنن أو أمسك، فالمعنى: هذا عطاؤنا بغير منة عليك. ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لَزُلْفَىٰ وَحُسْنَ مَآبٍ﴾، أي: وإن لسليمان في الآخرة عند الله لقربة منه وحسن مرجع ومصير. وإنما رغب سليمان إلى الله في هذا الملك ليعلم منزلته عند الله، ودرجته، وقبول توبته، ومقدار إجابته له، لا لمحبته في الدنيا ورغبته فيها وجلالة قدرها عنده، بل كانت أهون عنده من ذلك. ويجوز أن يكون سأل ذلك ليقوى به على الجهاد في سبيل الله عز وجل، لا لمحبته في الدنيا وملكها. * * وقوله: ﴿لاَّ يَنبَغِي لأَحَدٍ مِّن بَعْدِيۤ﴾، الأحسن في تأويله: (لا أسلبه) كما سلبت ملكي قبل هذا، لا أنه بَخَّلَ على من بعده أن يكون له مثل ملكه بعد موته. وقيل: معناه: لا ينبغي لأحد من أهل زماني فيكون ذلك لي واختصاصي به دون غيري، حجة لي على نبوتي وأني رسولك إليهم. وإذا أتى بمثل ملكي غيري من أهل زماني لم يكن له حجة على من أرسلت إليه، إذ قد أوتي غيري مثل ما أوتيت. فانفرادي بذلك يدل على نبوتي وصدقي. إذْ كانت الرسل لا بد لها من أعلام تفارق بها سائر الناس. وذكر ابن وهب عن ابن شهاب أن سليمان عليه السلام كان إذا رأى ما هو فيه مما أعطاه الله قال: نموت وننسى.

ص 38:33

قوله تعالى ذكره: ﴿فَقَالَ إِنِّيۤ أَحْبَبْتُ حُبَّ ٱلْخَيْرِ﴾ - إلى قوله - ﴿لَزُلْفَىٰ وَحُسْنَ مَآبٍ﴾. قال ابن عباس: كان مما ورث سليمان من أبيه داود ألف فرس لا يعلم في الأرض مثلها. وكانت أحب إليه من كل ما ورث، وكان معجباً بها، فجلس مجلسه وقال: اعرضوا علي خيلي، فعرضت عليه بعد الظهر إلى غيبوبة الشمس وأغفل صلاة العصر: فقال: ما صليت العصر! ردوها علي فطفق يعرقبها ويضرب رقابها وكان الذي عرض عليه تسع مائة، وبقيت مائة لم تعرض عليه. فقال: هذه المائة التي لم تلهني عن صلاتي أحب إلي من التسع مائة. في الآية حذف دل عليه الكلام، والتقدير: إنه أواب إذ عُرض عليه بالعشي الصافنات الجياد، فلهى عن الصلاة حتى فاتته فغابت الشمس ولم يصل، وهو قوله ﴿حَتَّىٰ تَوَارَتْ بِٱلْحِجَابِ﴾. ﴿فَقَالَ إِنِّيۤ أَحْبَبْتُ حُبَّ ٱلْخَيْرِ﴾، أي: الخيل. والعرب سمي الخيل: الخير، والمال أيضاً يسمونه الخير. وفي الحديث: "الْخَيْلُ مَعْقُودٌ في نَواصِيَها الخَيْرُ إلى يَوْمِ الْقِيَامَةِ" ولما ورد زيد الخيل على النبي ﷺ قال له: أنت زيد الخير. وهو زيد بن مهلهل الشاعر. وقيل: المعنى، إنى أحببت حب الخير عن ذكر ربي، وذلك أنه كان في صلاة فجيء إليه بخيل لتعرض عليه قد غُنمت، فأشار بيده أنه يصلي. ﴿حَتَّىٰ تَوَارَتْ بِٱلْحِجَابِ﴾، أي: توارت الخيل، فسترها جدر الإصطبلات، فلما فرغ من صلاته قال: ﴿رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحاً بِٱلسُّوقِ﴾، أي: يمسحها مسحاً. فالضمير في "توارت" على هذا القول للخيل. وأكثر الناس على أنه للشمس وإن (لم يجر) لها ذكر، ولكن لما قال بالعشي دل على أن بعده غياب الشمس. قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه التي فاتته هي صلاة العصر وهو قول قتادة والسدي. وقيل: المعنى: إنى آثرت حب الخير عن ذكر ربي، أي: على ذكر ربي، ومنه قوله: ﴿فَٱسْتَحَبُّواْ ٱلْعَمَىٰ عَلَى ٱلْهُدَىٰ﴾ [فصلت: ١٧]، أي: آثروا الضبه على الهدى. وقيل: معنى أحببت: قعدت وتأخرت. يقال أحب الجمل وأحببت الناقة، إذا بركت وتأخرت. فالمعنى: إني قعدت عن ذكر ربي لحب الخير ﴿حَتَّىٰ تَوَارَتْ بِٱلْحِجَابِ﴾. إنى قعدت عن صلاة العصر حتى غابت الشمس. فيكون حب الخير مفعولاً به على قول من جعل أحببت بمعنى آثرت. ويكون مفعولاً من أجله على قول من جعل أحببت بمعنى تأخرت وقعدت. ولا يحسن أن ينصب على المصدر لأن المعنى على غير ذلك. * * ثم قال: ﴿رُدُّوهَا عَلَيَّ﴾، أي: ردوا الخيل عليَّ التي شغلتني على الصلاة. ﴿فَطَفِقَ مَسْحاً بِٱلسُّوقِ وَٱلأَعْنَاقِ﴾، أي: طفق يضرب أعناقها وسوقها. قال الحسن: قال سليمان: لا، والله لا تشغلني عن عبادة ربي فكشف عراقيبها وضرب أعناقها. ولم يكن له فعل ذلك إلا وقد أباح الله ذلك له. وقال ابن عباس: "جعل يمسح أعراف الخيل وعراقيبها حباً لها". قال بعض أهل العلم: هذا القول أحسن، لأنه نبي، ولم يكن ليعذب حيواناً بغير ذنب ويفسد مالاً بلا سبب. قال وهب بن منبه: كانت الريح تحمل سليمان وجنوده، وكانت تأتيه تُسمعه كلام كل متكلم، ولذلك سمع كلام النملة. قال: وإنه لمسير ذات يوم بجنده والريح تحمله (إذ مر برجل) من بني إسرائيل وهو في حرث له يثير على مسحاة له يفجر في حرث له من نهر له إذ التفت فرأى سليمان وجنده بين السماء والأرض تهوي به الريح. فقال: لقد آتاكم الله آل داود. قال: فاحتملت الريح كلامه فقذفته في أذن سليمان عليه السلام فقال سليمان للريح: احبس، فحبست. فنزل متقنعاً بِبُرْدٍ لَهُ حتى أتى الرجل فقال له: ماذا قلت؟! قال: رأيتك في سلطان الله الذي أتاك وما سخر لك، فقلت: لقد آتاكم الله آل داود. فقال: صدقت، كذلك قلت، كذلك سمعت ولذلك حينئذ تخوفاً عليك من الفتنة. تعلم، والذي نفس سليمان بيده، لثواب "سبحان الله" كلمة واحدة عند الله يوم القيامة أفضل من كل شيء رأيته أو أوتيه آل داود في الدنيا. قال له الرجل: فَرَّجْتَ هَمِّي، فرج الله همك. فقال له سليمان: وما همي؟ قال: أن تشكر ما أعطاك الله عز وجل. قال له سليمان: صدقت. وانطلق الى مركبه. ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ﴾، أي: اختبرناه وابتليناه. ﴿وَأَلْقَيْنَا عَلَىٰ كُرْسِيِّهِ جَسَداً﴾، أي: شيطاناً مثل بإنسان. ذكر أن اسمه صخر الجني، قاله ابن عباس، قال: الجسد: الجِنِّي الذي دفع إليه سليمان خاتمه فقذفه في البحر. وكان ملك سليمان في خاتمه. وهو قول الحسن وابن جبير ومجاهد. قال مجاهد: فقعد الجني على كرسي سليمان، ومنعه الله من نساء سليمان فلم يقربنه وأنكرنه. قال مجاهد: قال له سليمان: كيف تفتنون الناس؟ قال: أرني خاتمك أخبرك. فلما أعطاه إياه نبذه في البحر فساح سليمان وذهب ملكه. فكان سليمان يستطعم الناس فيقول: أتعرفوني؟! أطعموني، أنا سليمان! فيكذبونه حتى أطعمته امرأة يوماً حوتاً فوجد خاتمه في بطنه فرجع إليه ملكه وفر الجني في البحر. وكان مدة ذلك فيما ذكر: أربعين يوماً. وقال قتادة: "أمر سليمان ببناء بيت المقدس، فقيل له: ابْنِه، ولا يُسمع فيه صوت حديد. فطلب (علم ذلك فلم يقدر عليه، فقيل له: إن شيطاناً في البحر يقال له صخر، سيد الماردين. قال: فطلبه). وكانت عين في البحر يَرُدها ذلك الشيطان في كل سبعة أيام مرة فنزح ماؤها وجُعل فيه خمر. فجاء يوم وروده فإذا هو بالخمر، فقال: إنَّكِ لشراب طيب، إلا أنَّكِ تُصْبِينَ الحليم، وتزيدين الجاهل جهلاً! (قال: ثم رجع حتى عطش عطشاً شديداً، ثم أتاها فقال: إنك لشراب طيب، إلا أنك لتصبين الحليم وتزيدين الجاهل جهلاً!) ثم شربها حتى غلبت على عقله. قال: فأُرِيَ الخاتم، أو ختم به بين كتفيه فَذُلَّ - وكان ملك سليمان في خاتمه - فقال: إنا قد أمِرْنَا ببناء هذا البيت، وقيل لنا: لا يسمعن فيه صوت حديد. قال: فأتى إلى بيض الهدهد فجعل عليه زجاجة، فجاء الهدهد فدار حولها، فجعل يرى بيضه ولا يقدر (عليه فذهب فجاء) بالماس فوضعه على الزجاجة فقطعها به حتى أفضى إلى بيضه. فأخذوا الماس فجعلوا يقطعون به الحجارة. فكان سليمان إذا أراد أن يدخل الخلاء لم يدخل بخاتمه، فانطلق يوماً إلى الحمام وذلك الشيطان معه - وذلك عند مقارفة ذنب قارفه بعض نسائه - قال: فدخل الحمام، وأعطى الشيطان خاتمه، فألقاه في البحر فالتقمته سمكة، ونُزِعَ ملك سليمان منه، وأُلقِي على الشيطان شبه سليمان فجاء فقعد على كرسيه، وسُلِّطَ على مُلك سليمان كله غير نسائه. فكان يقضي بين الناس ينكرون منه أشياء حتى قالوا: لقد فتن سليمان نبي الله. وكان (فيهم رجل فيه قوة)، فقال: والله لأجربنه فقال له: يا نبي الله - وهو لا يرى إلا أنه نبي - أحدنا تصيبه الجنابة (من الليل) في الليلة الباردة فيدع الغسل مستعمداً حتى تطلع الشمس، أترى عليه بأساً؟ قال: لا. قال: فبينما هو كذلك أربعين ليلة حتى وجد نبي الله سليمان خاتمه في بطن سمكة فأقبل فجعل لا يستقبله جني ولا طير إلا سجد له حتى انتهى إليهم". وذكر السدي في هذه القصة مثل ذلك إلا أنه قال: "كانت لسليمان مائة امرأة، امرأة منهن يقال لها جرادة - وهي أَعَزُّ نسائه عنده وآمَنَهُنَّ - وكان يترك الخاتم عندها إذا دخل الخلاء، فجاءته يوماً (من الأيام) فسألته أن يقضي لأخيها في خصومة بينه وبين رجل، فقال لها: نعم، ولم يفعل، فابتلي. فأعطاها خاتمه ودخل الخلاء فأتاها الشيطان في صورة سليمان فأعطته الخاتم فذهب ملك سليمان وجلس الشيطان على كرسي سليمان أربعين يوماً يحكم بين الناس، فأنكر الناس أحكامه، فاجتمع علماء بني إسرائيل فدخلوا على نساء سليمان فقالوا: إنا قد أنكرناه. فإن كان هذا سليمان فقد ذهب عقله! فبكى النساء عند ذلك فأقبلوا يمشون حتى أتوه فأحدقوا به ثم نشروا التوراة فقرؤوا، فطار بين أيديهم حتى وقع على شرفة والخاتم معه، ثم طار حتى ذهب إلى البحر فوقع الخاتم منه، فابتلعه حوتٌ. قال: وأقبل سليمان في حاله التي كان فيها وهو جائع حتى انتهى إلى صياد من صيادي البحر فاستطعمه من صيده. فقال: إني أنا سليمان، فقام إليه بعضهم فضربه بعصاً فشج وجهه، فجعل يغسل دمه وهو على شاطئ البحر. فلام الصيادون صاحبهم الذي ضربه، ثم أعطوا سليمان سمكتين مما قد مَذَرَ عندهم - أي: نتن - فلم يشغله ما كان به من الضرب حتى قام إلى شاطئ البحر فشق بطونهما، فجعل يغسل، فوجد خاتمه في بطن إحداهما فأخذه ولبسه فَرَدَّ الله عليه بهاءه ومُلكه. وجاءت الطير حتى حامت عليه فعرف القوم أنه سليمان فقاموا يعتذرون مما صنعوا فقال: (ما أحببكم) على عذركم ولا ألومكم على ما كان منكم، كان هذا الأمر لا بد منه. فجاء حتى أتى مُلكه، فأرسل إلى الشيطان فجيء به - وسخر له الريح والشياطين يومئذ (ولم يسخر) له قبل ذلك - فجعل الشيطان في صندوق من حديد، ثم أطبق عليه وقفل عليه بقفل وختم عليه بخاتمه ثم أَمَرَ، فأُلقي في البحر، فهو فيه حتى تقوم الساعة" وقيل: أنه ولد له ولد ميت، وذلك أنه طاف على (جَوَارٍ له) وقال: أرجو أن تلد كل واحدة منهن (ذكرا، ولم يقل: إن شاء الله، فلم تحمل إلا واحدة منهن) ومات الولد وألقي على كرسيه. * * وقوله: ﴿ثُمَّ أَنَابَ﴾، أي: أناب سليمان فرجع إلى ملكه بعد زواله عنه. قال الضحاك: دخل سليمان على امرأة تبيع السمك فاشترى منها سمكة فشق بطنها فوجد خاتمه، فجعل لا يمر على شجرة ولا صخرة (ولا شيء) إلا سجد له، ثم أوتي مُلكه وأهله، فذلك قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَنَابَ﴾، أي: رجع. وقيل: "أناب": [تاب ورجع عما كان عليه. * * ثم قال تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ ٱغْفِرْ لِي﴾، أي: استر علي ذنبي الذي أذنبت]. بيني وبينك. ﴿وَهَبْ لِي مُلْكاً لاَّ يَنبَغِي لأَحَدٍ﴾، أي: لا تسلبنيه كما سلبنيه هذا الشيطان. قاله قتادة. وقيل: المعنى: لا يكون مثله لأحد من بعدي. ﴿إِنَّكَ أَنتَ ٱلْوَهَّابُ﴾، أي: تهب ما تشاء لمن تشاء. وقيل: المعنى: أعطني فضيلة ومنزلة. روى أبو عبيد في كتابه مواعظ الأنبياء أن سليمان عليه السلام لما بنى مسجد بيت المقدس ودخله خر ساجداً شكراً لله عز وجل وقال: يا رب، من دخله من تائب فَتُبْ عليه، أو مستغفر فاغفر له، أو سائل فأعطه. قال: ولما مات داود عليه السلام أوحى الله إلى سليمان أن سَلْنِي حاجتك. قال: أسألك أن تجعل قلبي يخشاك كما كان قلب أبي، وأن تجعل قلبي يحبك كما كان قلبي أبي. فقال الله جل ذكره: أرسلت إلى عبدي أسأله حاجته، فكانت حاجته أن أجعل قلبه يخشاني، وأن أجعل قلبه يحبني! لأَهَبَنَّ له مُلكاً لا ينبغي لأحد من بعده. فوفقه الله إلى أن سأل ذلك فأعطاه ذلك، وفي الآخرة لا حساب عليه فيه. ورُوي عن النبي ﷺ أنه قال: أرأيتم سليمان وما أُعطي من ملكه فإنه لم يرفع رأسه إلى السماء تخشعاً حتى قبضه الله عز وجل وروى أبو عبيد أن نملة قالت لسليمان: إني على قدري أشكر لله منك! وكان على فرس ذنوب فخر عنه ساجدا: (ثم قال: لولا أن أبخلك لسألتك أن تنزع عني ما أعطيتني). * * ثم قال تعالى: ﴿فَسَخَّرْنَا لَهُ ٱلرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَآءً﴾، أي: فاستجبنا دعاءه وأعطيناه مُلكاً لا ينبغي لأحد من بعده فسخرنا له الريح تجري بأمره رخاء. قال الحسن: إن نبي الله سليمان لما عُرضت عليه الخيل شغلته عن صلاة العصر، فغضب لله، فأمر بها فعُقِرت، فأبدله الله مكانها أسرع منها، فسخرت له الريح تجري بأمره رخاء. ﴿حَيْثُ أَصَابَ﴾: حيث شاء. قال مجاهد: رخاء: طيبة. وقال قتادة: رخاء: طيبة سريعة ليست بعاصف ولا بطيئة. وقال ابن زيد: الرخاء: اللينة. وقال ابن عباس: رخاء: مطيعة، وقاله الضحاك. وقال السدي: رخاء: طوعاً. * * وقوله: ﴿حَيْثُ أَصَابَ﴾، أي: حيث أراد: قاله ابن عباس والحسن وقتادة والسدي وابن زيد من قولهم: أصاب الله بك خيراً، أي: أراده الله بك خيراً. وقال مجاهد: "حيث أصاب: حيث شاء". * * ثم قال ﴿وَٱلشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّآءٍ وَغَوَّاصٍ﴾، أي: كل بناء يبني له ما يشاء من المحاريب والتماثيل، وكل غواص يستخرج له الحلي من البحار، وسخر له كل من ينحت له جفافاً وقدوراً، وآخرين مقرنين في الأصفاد، وهم: المردة من الشياطين. هذا كله قول قتادة. والأصفاد: السلاسل، قال السدي: مقرنين: تجمع يداه إلى عنقه. وواحد الأصفاد: صَفَد، كحَجَر. وقيل: واحدها: صفْد. كعدْل. وهي: الأغلال والسلاسل من الحديد، وكل من شددته شداً وثيقاً بالحديد فقد صفدته، وكذلك لكل من أعطيته عطاء جزيلاً كأنك أعطيته ما يرتبط له. واسم العطية الصفد. قال الضحاك: أعطى الله سليمان ملك داود وزاده الريح والشياطين. ثم قال تعالى ذكره: ﴿هَـٰذَا عَطَآؤُنَا فَٱمْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾، أي: هذا المُلك عطاؤنا فاعط ما شئت منه وامنع ما شئت لا حساب عليك. وقيل: المعنى: فاحبس ما شئت من الشياطين في وثاقك وسرح ما شئت منهم. وعن ابن عباس أن هذا إشارة إلى ما أُعطي سليمان من القوة على الجِمَاع. قال: كان في ظهره مائة مائة رجل، وكان له ثلاث مائة امرأة، وتسع مائة سرية. فالمعنى: فجامع من شئت، واترك جِمَاع من شئت بغير حساب عليك. وقال ابن مسعود: في الكلام تقديم وتأخير، والتقدير: هذا عطاؤنا بغير حساب، فامنن أو أمسك، فالمعنى: هذا عطاؤنا بغير منة عليك. ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لَزُلْفَىٰ وَحُسْنَ مَآبٍ﴾، أي: وإن لسليمان في الآخرة عند الله لقربة منه وحسن مرجع ومصير. وإنما رغب سليمان إلى الله في هذا الملك ليعلم منزلته عند الله، ودرجته، وقبول توبته، ومقدار إجابته له، لا لمحبته في الدنيا ورغبته فيها وجلالة قدرها عنده، بل كانت أهون عنده من ذلك. ويجوز أن يكون سأل ذلك ليقوى به على الجهاد في سبيل الله عز وجل، لا لمحبته في الدنيا وملكها. * * وقوله: ﴿لاَّ يَنبَغِي لأَحَدٍ مِّن بَعْدِيۤ﴾، الأحسن في تأويله: (لا أسلبه) كما سلبت ملكي قبل هذا، لا أنه بَخَّلَ على من بعده أن يكون له مثل ملكه بعد موته. وقيل: معناه: لا ينبغي لأحد من أهل زماني فيكون ذلك لي واختصاصي به دون غيري، حجة لي على نبوتي وأني رسولك إليهم. وإذا أتى بمثل ملكي غيري من أهل زماني لم يكن له حجة على من أرسلت إليه، إذ قد أوتي غيري مثل ما أوتيت. فانفرادي بذلك يدل على نبوتي وصدقي. إذْ كانت الرسل لا بد لها من أعلام تفارق بها سائر الناس. وذكر ابن وهب عن ابن شهاب أن سليمان عليه السلام كان إذا رأى ما هو فيه مما أعطاه الله قال: نموت وننسى.

ص 38:34

قوله تعالى ذكره: ﴿فَقَالَ إِنِّيۤ أَحْبَبْتُ حُبَّ ٱلْخَيْرِ﴾ - إلى قوله - ﴿لَزُلْفَىٰ وَحُسْنَ مَآبٍ﴾. قال ابن عباس: كان مما ورث سليمان من أبيه داود ألف فرس لا يعلم في الأرض مثلها. وكانت أحب إليه من كل ما ورث، وكان معجباً بها، فجلس مجلسه وقال: اعرضوا علي خيلي، فعرضت عليه بعد الظهر إلى غيبوبة الشمس وأغفل صلاة العصر: فقال: ما صليت العصر! ردوها علي فطفق يعرقبها ويضرب رقابها وكان الذي عرض عليه تسع مائة، وبقيت مائة لم تعرض عليه. فقال: هذه المائة التي لم تلهني عن صلاتي أحب إلي من التسع مائة. في الآية حذف دل عليه الكلام، والتقدير: إنه أواب إذ عُرض عليه بالعشي الصافنات الجياد، فلهى عن الصلاة حتى فاتته فغابت الشمس ولم يصل، وهو قوله ﴿حَتَّىٰ تَوَارَتْ بِٱلْحِجَابِ﴾. ﴿فَقَالَ إِنِّيۤ أَحْبَبْتُ حُبَّ ٱلْخَيْرِ﴾، أي: الخيل. والعرب سمي الخيل: الخير، والمال أيضاً يسمونه الخير. وفي الحديث: "الْخَيْلُ مَعْقُودٌ في نَواصِيَها الخَيْرُ إلى يَوْمِ الْقِيَامَةِ" ولما ورد زيد الخيل على النبي ﷺ قال له: أنت زيد الخير. وهو زيد بن مهلهل الشاعر. وقيل: المعنى، إنى أحببت حب الخير عن ذكر ربي، وذلك أنه كان في صلاة فجيء إليه بخيل لتعرض عليه قد غُنمت، فأشار بيده أنه يصلي. ﴿حَتَّىٰ تَوَارَتْ بِٱلْحِجَابِ﴾، أي: توارت الخيل، فسترها جدر الإصطبلات، فلما فرغ من صلاته قال: ﴿رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحاً بِٱلسُّوقِ﴾، أي: يمسحها مسحاً. فالضمير في "توارت" على هذا القول للخيل. وأكثر الناس على أنه للشمس وإن (لم يجر) لها ذكر، ولكن لما قال بالعشي دل على أن بعده غياب الشمس. قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه التي فاتته هي صلاة العصر وهو قول قتادة والسدي. وقيل: المعنى: إنى آثرت حب الخير عن ذكر ربي، أي: على ذكر ربي، ومنه قوله: ﴿فَٱسْتَحَبُّواْ ٱلْعَمَىٰ عَلَى ٱلْهُدَىٰ﴾ [فصلت: ١٧]، أي: آثروا الضبه على الهدى. وقيل: معنى أحببت: قعدت وتأخرت. يقال أحب الجمل وأحببت الناقة، إذا بركت وتأخرت. فالمعنى: إني قعدت عن ذكر ربي لحب الخير ﴿حَتَّىٰ تَوَارَتْ بِٱلْحِجَابِ﴾. إنى قعدت عن صلاة العصر حتى غابت الشمس. فيكون حب الخير مفعولاً به على قول من جعل أحببت بمعنى آثرت. ويكون مفعولاً من أجله على قول من جعل أحببت بمعنى تأخرت وقعدت. ولا يحسن أن ينصب على المصدر لأن المعنى على غير ذلك. * * ثم قال: ﴿رُدُّوهَا عَلَيَّ﴾، أي: ردوا الخيل عليَّ التي شغلتني على الصلاة. ﴿فَطَفِقَ مَسْحاً بِٱلسُّوقِ وَٱلأَعْنَاقِ﴾، أي: طفق يضرب أعناقها وسوقها. قال الحسن: قال سليمان: لا، والله لا تشغلني عن عبادة ربي فكشف عراقيبها وضرب أعناقها. ولم يكن له فعل ذلك إلا وقد أباح الله ذلك له. وقال ابن عباس: "جعل يمسح أعراف الخيل وعراقيبها حباً لها". قال بعض أهل العلم: هذا القول أحسن، لأنه نبي، ولم يكن ليعذب حيواناً بغير ذنب ويفسد مالاً بلا سبب. قال وهب بن منبه: كانت الريح تحمل سليمان وجنوده، وكانت تأتيه تُسمعه كلام كل متكلم، ولذلك سمع كلام النملة. قال: وإنه لمسير ذات يوم بجنده والريح تحمله (إذ مر برجل) من بني إسرائيل وهو في حرث له يثير على مسحاة له يفجر في حرث له من نهر له إذ التفت فرأى سليمان وجنده بين السماء والأرض تهوي به الريح. فقال: لقد آتاكم الله آل داود. قال: فاحتملت الريح كلامه فقذفته في أذن سليمان عليه السلام فقال سليمان للريح: احبس، فحبست. فنزل متقنعاً بِبُرْدٍ لَهُ حتى أتى الرجل فقال له: ماذا قلت؟! قال: رأيتك في سلطان الله الذي أتاك وما سخر لك، فقلت: لقد آتاكم الله آل داود. فقال: صدقت، كذلك قلت، كذلك سمعت ولذلك حينئذ تخوفاً عليك من الفتنة. تعلم، والذي نفس سليمان بيده، لثواب "سبحان الله" كلمة واحدة عند الله يوم القيامة أفضل من كل شيء رأيته أو أوتيه آل داود في الدنيا. قال له الرجل: فَرَّجْتَ هَمِّي، فرج الله همك. فقال له سليمان: وما همي؟ قال: أن تشكر ما أعطاك الله عز وجل. قال له سليمان: صدقت. وانطلق الى مركبه. ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ﴾، أي: اختبرناه وابتليناه. ﴿وَأَلْقَيْنَا عَلَىٰ كُرْسِيِّهِ جَسَداً﴾، أي: شيطاناً مثل بإنسان. ذكر أن اسمه صخر الجني، قاله ابن عباس، قال: الجسد: الجِنِّي الذي دفع إليه سليمان خاتمه فقذفه في البحر. وكان ملك سليمان في خاتمه. وهو قول الحسن وابن جبير ومجاهد. قال مجاهد: فقعد الجني على كرسي سليمان، ومنعه الله من نساء سليمان فلم يقربنه وأنكرنه. قال مجاهد: قال له سليمان: كيف تفتنون الناس؟ قال: أرني خاتمك أخبرك. فلما أعطاه إياه نبذه في البحر فساح سليمان وذهب ملكه. فكان سليمان يستطعم الناس فيقول: أتعرفوني؟! أطعموني، أنا سليمان! فيكذبونه حتى أطعمته امرأة يوماً حوتاً فوجد خاتمه في بطنه فرجع إليه ملكه وفر الجني في البحر. وكان مدة ذلك فيما ذكر: أربعين يوماً. وقال قتادة: "أمر سليمان ببناء بيت المقدس، فقيل له: ابْنِه، ولا يُسمع فيه صوت حديد. فطلب (علم ذلك فلم يقدر عليه، فقيل له: إن شيطاناً في البحر يقال له صخر، سيد الماردين. قال: فطلبه). وكانت عين في البحر يَرُدها ذلك الشيطان في كل سبعة أيام مرة فنزح ماؤها وجُعل فيه خمر. فجاء يوم وروده فإذا هو بالخمر، فقال: إنَّكِ لشراب طيب، إلا أنَّكِ تُصْبِينَ الحليم، وتزيدين الجاهل جهلاً! (قال: ثم رجع حتى عطش عطشاً شديداً، ثم أتاها فقال: إنك لشراب طيب، إلا أنك لتصبين الحليم وتزيدين الجاهل جهلاً!) ثم شربها حتى غلبت على عقله. قال: فأُرِيَ الخاتم، أو ختم به بين كتفيه فَذُلَّ - وكان ملك سليمان في خاتمه - فقال: إنا قد أمِرْنَا ببناء هذا البيت، وقيل لنا: لا يسمعن فيه صوت حديد. قال: فأتى إلى بيض الهدهد فجعل عليه زجاجة، فجاء الهدهد فدار حولها، فجعل يرى بيضه ولا يقدر (عليه فذهب فجاء) بالماس فوضعه على الزجاجة فقطعها به حتى أفضى إلى بيضه. فأخذوا الماس فجعلوا يقطعون به الحجارة. فكان سليمان إذا أراد أن يدخل الخلاء لم يدخل بخاتمه، فانطلق يوماً إلى الحمام وذلك الشيطان معه - وذلك عند مقارفة ذنب قارفه بعض نسائه - قال: فدخل الحمام، وأعطى الشيطان خاتمه، فألقاه في البحر فالتقمته سمكة، ونُزِعَ ملك سليمان منه، وأُلقِي على الشيطان شبه سليمان فجاء فقعد على كرسيه، وسُلِّطَ على مُلك سليمان كله غير نسائه. فكان يقضي بين الناس ينكرون منه أشياء حتى قالوا: لقد فتن سليمان نبي الله. وكان (فيهم رجل فيه قوة)، فقال: والله لأجربنه فقال له: يا نبي الله - وهو لا يرى إلا أنه نبي - أحدنا تصيبه الجنابة (من الليل) في الليلة الباردة فيدع الغسل مستعمداً حتى تطلع الشمس، أترى عليه بأساً؟ قال: لا. قال: فبينما هو كذلك أربعين ليلة حتى وجد نبي الله سليمان خاتمه في بطن سمكة فأقبل فجعل لا يستقبله جني ولا طير إلا سجد له حتى انتهى إليهم". وذكر السدي في هذه القصة مثل ذلك إلا أنه قال: "كانت لسليمان مائة امرأة، امرأة منهن يقال لها جرادة - وهي أَعَزُّ نسائه عنده وآمَنَهُنَّ - وكان يترك الخاتم عندها إذا دخل الخلاء، فجاءته يوماً (من الأيام) فسألته أن يقضي لأخيها في خصومة بينه وبين رجل، فقال لها: نعم، ولم يفعل، فابتلي. فأعطاها خاتمه ودخل الخلاء فأتاها الشيطان في صورة سليمان فأعطته الخاتم فذهب ملك سليمان وجلس الشيطان على كرسي سليمان أربعين يوماً يحكم بين الناس، فأنكر الناس أحكامه، فاجتمع علماء بني إسرائيل فدخلوا على نساء سليمان فقالوا: إنا قد أنكرناه. فإن كان هذا سليمان فقد ذهب عقله! فبكى النساء عند ذلك فأقبلوا يمشون حتى أتوه فأحدقوا به ثم نشروا التوراة فقرؤوا، فطار بين أيديهم حتى وقع على شرفة والخاتم معه، ثم طار حتى ذهب إلى البحر فوقع الخاتم منه، فابتلعه حوتٌ. قال: وأقبل سليمان في حاله التي كان فيها وهو جائع حتى انتهى إلى صياد من صيادي البحر فاستطعمه من صيده. فقال: إني أنا سليمان، فقام إليه بعضهم فضربه بعصاً فشج وجهه، فجعل يغسل دمه وهو على شاطئ البحر. فلام الصيادون صاحبهم الذي ضربه، ثم أعطوا سليمان سمكتين مما قد مَذَرَ عندهم - أي: نتن - فلم يشغله ما كان به من الضرب حتى قام إلى شاطئ البحر فشق بطونهما، فجعل يغسل، فوجد خاتمه في بطن إحداهما فأخذه ولبسه فَرَدَّ الله عليه بهاءه ومُلكه. وجاءت الطير حتى حامت عليه فعرف القوم أنه سليمان فقاموا يعتذرون مما صنعوا فقال: (ما أحببكم) على عذركم ولا ألومكم على ما كان منكم، كان هذا الأمر لا بد منه. فجاء حتى أتى مُلكه، فأرسل إلى الشيطان فجيء به - وسخر له الريح والشياطين يومئذ (ولم يسخر) له قبل ذلك - فجعل الشيطان في صندوق من حديد، ثم أطبق عليه وقفل عليه بقفل وختم عليه بخاتمه ثم أَمَرَ، فأُلقي في البحر، فهو فيه حتى تقوم الساعة" وقيل: أنه ولد له ولد ميت، وذلك أنه طاف على (جَوَارٍ له) وقال: أرجو أن تلد كل واحدة منهن (ذكرا، ولم يقل: إن شاء الله، فلم تحمل إلا واحدة منهن) ومات الولد وألقي على كرسيه. * * وقوله: ﴿ثُمَّ أَنَابَ﴾، أي: أناب سليمان فرجع إلى ملكه بعد زواله عنه. قال الضحاك: دخل سليمان على امرأة تبيع السمك فاشترى منها سمكة فشق بطنها فوجد خاتمه، فجعل لا يمر على شجرة ولا صخرة (ولا شيء) إلا سجد له، ثم أوتي مُلكه وأهله، فذلك قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَنَابَ﴾، أي: رجع. وقيل: "أناب": [تاب ورجع عما كان عليه. * * ثم قال تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ ٱغْفِرْ لِي﴾، أي: استر علي ذنبي الذي أذنبت]. بيني وبينك. ﴿وَهَبْ لِي مُلْكاً لاَّ يَنبَغِي لأَحَدٍ﴾، أي: لا تسلبنيه كما سلبنيه هذا الشيطان. قاله قتادة. وقيل: المعنى: لا يكون مثله لأحد من بعدي. ﴿إِنَّكَ أَنتَ ٱلْوَهَّابُ﴾، أي: تهب ما تشاء لمن تشاء. وقيل: المعنى: أعطني فضيلة ومنزلة. روى أبو عبيد في كتابه مواعظ الأنبياء أن سليمان عليه السلام لما بنى مسجد بيت المقدس ودخله خر ساجداً شكراً لله عز وجل وقال: يا رب، من دخله من تائب فَتُبْ عليه، أو مستغفر فاغفر له، أو سائل فأعطه. قال: ولما مات داود عليه السلام أوحى الله إلى سليمان أن سَلْنِي حاجتك. قال: أسألك أن تجعل قلبي يخشاك كما كان قلب أبي، وأن تجعل قلبي يحبك كما كان قلبي أبي. فقال الله جل ذكره: أرسلت إلى عبدي أسأله حاجته، فكانت حاجته أن أجعل قلبه يخشاني، وأن أجعل قلبه يحبني! لأَهَبَنَّ له مُلكاً لا ينبغي لأحد من بعده. فوفقه الله إلى أن سأل ذلك فأعطاه ذلك، وفي الآخرة لا حساب عليه فيه. ورُوي عن النبي ﷺ أنه قال: أرأيتم سليمان وما أُعطي من ملكه فإنه لم يرفع رأسه إلى السماء تخشعاً حتى قبضه الله عز وجل وروى أبو عبيد أن نملة قالت لسليمان: إني على قدري أشكر لله منك! وكان على فرس ذنوب فخر عنه ساجدا: (ثم قال: لولا أن أبخلك لسألتك أن تنزع عني ما أعطيتني). * * ثم قال تعالى: ﴿فَسَخَّرْنَا لَهُ ٱلرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَآءً﴾، أي: فاستجبنا دعاءه وأعطيناه مُلكاً لا ينبغي لأحد من بعده فسخرنا له الريح تجري بأمره رخاء. قال الحسن: إن نبي الله سليمان لما عُرضت عليه الخيل شغلته عن صلاة العصر، فغضب لله، فأمر بها فعُقِرت، فأبدله الله مكانها أسرع منها، فسخرت له الريح تجري بأمره رخاء. ﴿حَيْثُ أَصَابَ﴾: حيث شاء. قال مجاهد: رخاء: طيبة. وقال قتادة: رخاء: طيبة سريعة ليست بعاصف ولا بطيئة. وقال ابن زيد: الرخاء: اللينة. وقال ابن عباس: رخاء: مطيعة، وقاله الضحاك. وقال السدي: رخاء: طوعاً. * * وقوله: ﴿حَيْثُ أَصَابَ﴾، أي: حيث أراد: قاله ابن عباس والحسن وقتادة والسدي وابن زيد من قولهم: أصاب الله بك خيراً، أي: أراده الله بك خيراً. وقال مجاهد: "حيث أصاب: حيث شاء". * * ثم قال ﴿وَٱلشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّآءٍ وَغَوَّاصٍ﴾، أي: كل بناء يبني له ما يشاء من المحاريب والتماثيل، وكل غواص يستخرج له الحلي من البحار، وسخر له كل من ينحت له جفافاً وقدوراً، وآخرين مقرنين في الأصفاد، وهم: المردة من الشياطين. هذا كله قول قتادة. والأصفاد: السلاسل، قال السدي: مقرنين: تجمع يداه إلى عنقه. وواحد الأصفاد: صَفَد، كحَجَر. وقيل: واحدها: صفْد. كعدْل. وهي: الأغلال والسلاسل من الحديد، وكل من شددته شداً وثيقاً بالحديد فقد صفدته، وكذلك لكل من أعطيته عطاء جزيلاً كأنك أعطيته ما يرتبط له. واسم العطية الصفد. قال الضحاك: أعطى الله سليمان ملك داود وزاده الريح والشياطين. ثم قال تعالى ذكره: ﴿هَـٰذَا عَطَآؤُنَا فَٱمْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾، أي: هذا المُلك عطاؤنا فاعط ما شئت منه وامنع ما شئت لا حساب عليك. وقيل: المعنى: فاحبس ما شئت من الشياطين في وثاقك وسرح ما شئت منهم. وعن ابن عباس أن هذا إشارة إلى ما أُعطي سليمان من القوة على الجِمَاع. قال: كان في ظهره مائة مائة رجل، وكان له ثلاث مائة امرأة، وتسع مائة سرية. فالمعنى: فجامع من شئت، واترك جِمَاع من شئت بغير حساب عليك. وقال ابن مسعود: في الكلام تقديم وتأخير، والتقدير: هذا عطاؤنا بغير حساب، فامنن أو أمسك، فالمعنى: هذا عطاؤنا بغير منة عليك. ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لَزُلْفَىٰ وَحُسْنَ مَآبٍ﴾، أي: وإن لسليمان في الآخرة عند الله لقربة منه وحسن مرجع ومصير. وإنما رغب سليمان إلى الله في هذا الملك ليعلم منزلته عند الله، ودرجته، وقبول توبته، ومقدار إجابته له، لا لمحبته في الدنيا ورغبته فيها وجلالة قدرها عنده، بل كانت أهون عنده من ذلك. ويجوز أن يكون سأل ذلك ليقوى به على الجهاد في سبيل الله عز وجل، لا لمحبته في الدنيا وملكها. * * وقوله: ﴿لاَّ يَنبَغِي لأَحَدٍ مِّن بَعْدِيۤ﴾، الأحسن في تأويله: (لا أسلبه) كما سلبت ملكي قبل هذا، لا أنه بَخَّلَ على من بعده أن يكون له مثل ملكه بعد موته. وقيل: معناه: لا ينبغي لأحد من أهل زماني فيكون ذلك لي واختصاصي به دون غيري، حجة لي على نبوتي وأني رسولك إليهم. وإذا أتى بمثل ملكي غيري من أهل زماني لم يكن له حجة على من أرسلت إليه، إذ قد أوتي غيري مثل ما أوتيت. فانفرادي بذلك يدل على نبوتي وصدقي. إذْ كانت الرسل لا بد لها من أعلام تفارق بها سائر الناس. وذكر ابن وهب عن ابن شهاب أن سليمان عليه السلام كان إذا رأى ما هو فيه مما أعطاه الله قال: نموت وننسى.

ص 38:35

قوله تعالى ذكره: ﴿فَقَالَ إِنِّيۤ أَحْبَبْتُ حُبَّ ٱلْخَيْرِ﴾ - إلى قوله - ﴿لَزُلْفَىٰ وَحُسْنَ مَآبٍ﴾. قال ابن عباس: كان مما ورث سليمان من أبيه داود ألف فرس لا يعلم في الأرض مثلها. وكانت أحب إليه من كل ما ورث، وكان معجباً بها، فجلس مجلسه وقال: اعرضوا علي خيلي، فعرضت عليه بعد الظهر إلى غيبوبة الشمس وأغفل صلاة العصر: فقال: ما صليت العصر! ردوها علي فطفق يعرقبها ويضرب رقابها وكان الذي عرض عليه تسع مائة، وبقيت مائة لم تعرض عليه. فقال: هذه المائة التي لم تلهني عن صلاتي أحب إلي من التسع مائة. في الآية حذف دل عليه الكلام، والتقدير: إنه أواب إذ عُرض عليه بالعشي الصافنات الجياد، فلهى عن الصلاة حتى فاتته فغابت الشمس ولم يصل، وهو قوله ﴿حَتَّىٰ تَوَارَتْ بِٱلْحِجَابِ﴾. ﴿فَقَالَ إِنِّيۤ أَحْبَبْتُ حُبَّ ٱلْخَيْرِ﴾، أي: الخيل. والعرب سمي الخيل: الخير، والمال أيضاً يسمونه الخير. وفي الحديث: "الْخَيْلُ مَعْقُودٌ في نَواصِيَها الخَيْرُ إلى يَوْمِ الْقِيَامَةِ" ولما ورد زيد الخيل على النبي ﷺ قال له: أنت زيد الخير. وهو زيد بن مهلهل الشاعر. وقيل: المعنى، إنى أحببت حب الخير عن ذكر ربي، وذلك أنه كان في صلاة فجيء إليه بخيل لتعرض عليه قد غُنمت، فأشار بيده أنه يصلي. ﴿حَتَّىٰ تَوَارَتْ بِٱلْحِجَابِ﴾، أي: توارت الخيل، فسترها جدر الإصطبلات، فلما فرغ من صلاته قال: ﴿رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحاً بِٱلسُّوقِ﴾، أي: يمسحها مسحاً. فالضمير في "توارت" على هذا القول للخيل. وأكثر الناس على أنه للشمس وإن (لم يجر) لها ذكر، ولكن لما قال بالعشي دل على أن بعده غياب الشمس. قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه التي فاتته هي صلاة العصر وهو قول قتادة والسدي. وقيل: المعنى: إنى آثرت حب الخير عن ذكر ربي، أي: على ذكر ربي، ومنه قوله: ﴿فَٱسْتَحَبُّواْ ٱلْعَمَىٰ عَلَى ٱلْهُدَىٰ﴾ [فصلت: ١٧]، أي: آثروا الضبه على الهدى. وقيل: معنى أحببت: قعدت وتأخرت. يقال أحب الجمل وأحببت الناقة، إذا بركت وتأخرت. فالمعنى: إني قعدت عن ذكر ربي لحب الخير ﴿حَتَّىٰ تَوَارَتْ بِٱلْحِجَابِ﴾. إنى قعدت عن صلاة العصر حتى غابت الشمس. فيكون حب الخير مفعولاً به على قول من جعل أحببت بمعنى آثرت. ويكون مفعولاً من أجله على قول من جعل أحببت بمعنى تأخرت وقعدت. ولا يحسن أن ينصب على المصدر لأن المعنى على غير ذلك. * * ثم قال: ﴿رُدُّوهَا عَلَيَّ﴾، أي: ردوا الخيل عليَّ التي شغلتني على الصلاة. ﴿فَطَفِقَ مَسْحاً بِٱلسُّوقِ وَٱلأَعْنَاقِ﴾، أي: طفق يضرب أعناقها وسوقها. قال الحسن: قال سليمان: لا، والله لا تشغلني عن عبادة ربي فكشف عراقيبها وضرب أعناقها. ولم يكن له فعل ذلك إلا وقد أباح الله ذلك له. وقال ابن عباس: "جعل يمسح أعراف الخيل وعراقيبها حباً لها". قال بعض أهل العلم: هذا القول أحسن، لأنه نبي، ولم يكن ليعذب حيواناً بغير ذنب ويفسد مالاً بلا سبب. قال وهب بن منبه: كانت الريح تحمل سليمان وجنوده، وكانت تأتيه تُسمعه كلام كل متكلم، ولذلك سمع كلام النملة. قال: وإنه لمسير ذات يوم بجنده والريح تحمله (إذ مر برجل) من بني إسرائيل وهو في حرث له يثير على مسحاة له يفجر في حرث له من نهر له إذ التفت فرأى سليمان وجنده بين السماء والأرض تهوي به الريح. فقال: لقد آتاكم الله آل داود. قال: فاحتملت الريح كلامه فقذفته في أذن سليمان عليه السلام فقال سليمان للريح: احبس، فحبست. فنزل متقنعاً بِبُرْدٍ لَهُ حتى أتى الرجل فقال له: ماذا قلت؟! قال: رأيتك في سلطان الله الذي أتاك وما سخر لك، فقلت: لقد آتاكم الله آل داود. فقال: صدقت، كذلك قلت، كذلك سمعت ولذلك حينئذ تخوفاً عليك من الفتنة. تعلم، والذي نفس سليمان بيده، لثواب "سبحان الله" كلمة واحدة عند الله يوم القيامة أفضل من كل شيء رأيته أو أوتيه آل داود في الدنيا. قال له الرجل: فَرَّجْتَ هَمِّي، فرج الله همك. فقال له سليمان: وما همي؟ قال: أن تشكر ما أعطاك الله عز وجل. قال له سليمان: صدقت. وانطلق الى مركبه. ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ﴾، أي: اختبرناه وابتليناه. ﴿وَأَلْقَيْنَا عَلَىٰ كُرْسِيِّهِ جَسَداً﴾، أي: شيطاناً مثل بإنسان. ذكر أن اسمه صخر الجني، قاله ابن عباس، قال: الجسد: الجِنِّي الذي دفع إليه سليمان خاتمه فقذفه في البحر. وكان ملك سليمان في خاتمه. وهو قول الحسن وابن جبير ومجاهد. قال مجاهد: فقعد الجني على كرسي سليمان، ومنعه الله من نساء سليمان فلم يقربنه وأنكرنه. قال مجاهد: قال له سليمان: كيف تفتنون الناس؟ قال: أرني خاتمك أخبرك. فلما أعطاه إياه نبذه في البحر فساح سليمان وذهب ملكه. فكان سليمان يستطعم الناس فيقول: أتعرفوني؟! أطعموني، أنا سليمان! فيكذبونه حتى أطعمته امرأة يوماً حوتاً فوجد خاتمه في بطنه فرجع إليه ملكه وفر الجني في البحر. وكان مدة ذلك فيما ذكر: أربعين يوماً. وقال قتادة: "أمر سليمان ببناء بيت المقدس، فقيل له: ابْنِه، ولا يُسمع فيه صوت حديد. فطلب (علم ذلك فلم يقدر عليه، فقيل له: إن شيطاناً في البحر يقال له صخر، سيد الماردين. قال: فطلبه). وكانت عين في البحر يَرُدها ذلك الشيطان في كل سبعة أيام مرة فنزح ماؤها وجُعل فيه خمر. فجاء يوم وروده فإذا هو بالخمر، فقال: إنَّكِ لشراب طيب، إلا أنَّكِ تُصْبِينَ الحليم، وتزيدين الجاهل جهلاً! (قال: ثم رجع حتى عطش عطشاً شديداً، ثم أتاها فقال: إنك لشراب طيب، إلا أنك لتصبين الحليم وتزيدين الجاهل جهلاً!) ثم شربها حتى غلبت على عقله. قال: فأُرِيَ الخاتم، أو ختم به بين كتفيه فَذُلَّ - وكان ملك سليمان في خاتمه - فقال: إنا قد أمِرْنَا ببناء هذا البيت، وقيل لنا: لا يسمعن فيه صوت حديد. قال: فأتى إلى بيض الهدهد فجعل عليه زجاجة، فجاء الهدهد فدار حولها، فجعل يرى بيضه ولا يقدر (عليه فذهب فجاء) بالماس فوضعه على الزجاجة فقطعها به حتى أفضى إلى بيضه. فأخذوا الماس فجعلوا يقطعون به الحجارة. فكان سليمان إذا أراد أن يدخل الخلاء لم يدخل بخاتمه، فانطلق يوماً إلى الحمام وذلك الشيطان معه - وذلك عند مقارفة ذنب قارفه بعض نسائه - قال: فدخل الحمام، وأعطى الشيطان خاتمه، فألقاه في البحر فالتقمته سمكة، ونُزِعَ ملك سليمان منه، وأُلقِي على الشيطان شبه سليمان فجاء فقعد على كرسيه، وسُلِّطَ على مُلك سليمان كله غير نسائه. فكان يقضي بين الناس ينكرون منه أشياء حتى قالوا: لقد فتن سليمان نبي الله. وكان (فيهم رجل فيه قوة)، فقال: والله لأجربنه فقال له: يا نبي الله - وهو لا يرى إلا أنه نبي - أحدنا تصيبه الجنابة (من الليل) في الليلة الباردة فيدع الغسل مستعمداً حتى تطلع الشمس، أترى عليه بأساً؟ قال: لا. قال: فبينما هو كذلك أربعين ليلة حتى وجد نبي الله سليمان خاتمه في بطن سمكة فأقبل فجعل لا يستقبله جني ولا طير إلا سجد له حتى انتهى إليهم". وذكر السدي في هذه القصة مثل ذلك إلا أنه قال: "كانت لسليمان مائة امرأة، امرأة منهن يقال لها جرادة - وهي أَعَزُّ نسائه عنده وآمَنَهُنَّ - وكان يترك الخاتم عندها إذا دخل الخلاء، فجاءته يوماً (من الأيام) فسألته أن يقضي لأخيها في خصومة بينه وبين رجل، فقال لها: نعم، ولم يفعل، فابتلي. فأعطاها خاتمه ودخل الخلاء فأتاها الشيطان في صورة سليمان فأعطته الخاتم فذهب ملك سليمان وجلس الشيطان على كرسي سليمان أربعين يوماً يحكم بين الناس، فأنكر الناس أحكامه، فاجتمع علماء بني إسرائيل فدخلوا على نساء سليمان فقالوا: إنا قد أنكرناه. فإن كان هذا سليمان فقد ذهب عقله! فبكى النساء عند ذلك فأقبلوا يمشون حتى أتوه فأحدقوا به ثم نشروا التوراة فقرؤوا، فطار بين أيديهم حتى وقع على شرفة والخاتم معه، ثم طار حتى ذهب إلى البحر فوقع الخاتم منه، فابتلعه حوتٌ. قال: وأقبل سليمان في حاله التي كان فيها وهو جائع حتى انتهى إلى صياد من صيادي البحر فاستطعمه من صيده. فقال: إني أنا سليمان، فقام إليه بعضهم فضربه بعصاً فشج وجهه، فجعل يغسل دمه وهو على شاطئ البحر. فلام الصيادون صاحبهم الذي ضربه، ثم أعطوا سليمان سمكتين مما قد مَذَرَ عندهم - أي: نتن - فلم يشغله ما كان به من الضرب حتى قام إلى شاطئ البحر فشق بطونهما، فجعل يغسل، فوجد خاتمه في بطن إحداهما فأخذه ولبسه فَرَدَّ الله عليه بهاءه ومُلكه. وجاءت الطير حتى حامت عليه فعرف القوم أنه سليمان فقاموا يعتذرون مما صنعوا فقال: (ما أحببكم) على عذركم ولا ألومكم على ما كان منكم، كان هذا الأمر لا بد منه. فجاء حتى أتى مُلكه، فأرسل إلى الشيطان فجيء به - وسخر له الريح والشياطين يومئذ (ولم يسخر) له قبل ذلك - فجعل الشيطان في صندوق من حديد، ثم أطبق عليه وقفل عليه بقفل وختم عليه بخاتمه ثم أَمَرَ، فأُلقي في البحر، فهو فيه حتى تقوم الساعة" وقيل: أنه ولد له ولد ميت، وذلك أنه طاف على (جَوَارٍ له) وقال: أرجو أن تلد كل واحدة منهن (ذكرا، ولم يقل: إن شاء الله، فلم تحمل إلا واحدة منهن) ومات الولد وألقي على كرسيه. * * وقوله: ﴿ثُمَّ أَنَابَ﴾، أي: أناب سليمان فرجع إلى ملكه بعد زواله عنه. قال الضحاك: دخل سليمان على امرأة تبيع السمك فاشترى منها سمكة فشق بطنها فوجد خاتمه، فجعل لا يمر على شجرة ولا صخرة (ولا شيء) إلا سجد له، ثم أوتي مُلكه وأهله، فذلك قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَنَابَ﴾، أي: رجع. وقيل: "أناب": [تاب ورجع عما كان عليه. * * ثم قال تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ ٱغْفِرْ لِي﴾، أي: استر علي ذنبي الذي أذنبت]. بيني وبينك. ﴿وَهَبْ لِي مُلْكاً لاَّ يَنبَغِي لأَحَدٍ﴾، أي: لا تسلبنيه كما سلبنيه هذا الشيطان. قاله قتادة. وقيل: المعنى: لا يكون مثله لأحد من بعدي. ﴿إِنَّكَ أَنتَ ٱلْوَهَّابُ﴾، أي: تهب ما تشاء لمن تشاء. وقيل: المعنى: أعطني فضيلة ومنزلة. روى أبو عبيد في كتابه مواعظ الأنبياء أن سليمان عليه السلام لما بنى مسجد بيت المقدس ودخله خر ساجداً شكراً لله عز وجل وقال: يا رب، من دخله من تائب فَتُبْ عليه، أو مستغفر فاغفر له، أو سائل فأعطه. قال: ولما مات داود عليه السلام أوحى الله إلى سليمان أن سَلْنِي حاجتك. قال: أسألك أن تجعل قلبي يخشاك كما كان قلب أبي، وأن تجعل قلبي يحبك كما كان قلبي أبي. فقال الله جل ذكره: أرسلت إلى عبدي أسأله حاجته، فكانت حاجته أن أجعل قلبه يخشاني، وأن أجعل قلبه يحبني! لأَهَبَنَّ له مُلكاً لا ينبغي لأحد من بعده. فوفقه الله إلى أن سأل ذلك فأعطاه ذلك، وفي الآخرة لا حساب عليه فيه. ورُوي عن النبي ﷺ أنه قال: أرأيتم سليمان وما أُعطي من ملكه فإنه لم يرفع رأسه إلى السماء تخشعاً حتى قبضه الله عز وجل وروى أبو عبيد أن نملة قالت لسليمان: إني على قدري أشكر لله منك! وكان على فرس ذنوب فخر عنه ساجدا: (ثم قال: لولا أن أبخلك لسألتك أن تنزع عني ما أعطيتني). * * ثم قال تعالى: ﴿فَسَخَّرْنَا لَهُ ٱلرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَآءً﴾، أي: فاستجبنا دعاءه وأعطيناه مُلكاً لا ينبغي لأحد من بعده فسخرنا له الريح تجري بأمره رخاء. قال الحسن: إن نبي الله سليمان لما عُرضت عليه الخيل شغلته عن صلاة العصر، فغضب لله، فأمر بها فعُقِرت، فأبدله الله مكانها أسرع منها، فسخرت له الريح تجري بأمره رخاء. ﴿حَيْثُ أَصَابَ﴾: حيث شاء. قال مجاهد: رخاء: طيبة. وقال قتادة: رخاء: طيبة سريعة ليست بعاصف ولا بطيئة. وقال ابن زيد: الرخاء: اللينة. وقال ابن عباس: رخاء: مطيعة، وقاله الضحاك. وقال السدي: رخاء: طوعاً. * * وقوله: ﴿حَيْثُ أَصَابَ﴾، أي: حيث أراد: قاله ابن عباس والحسن وقتادة والسدي وابن زيد من قولهم: أصاب الله بك خيراً، أي: أراده الله بك خيراً. وقال مجاهد: "حيث أصاب: حيث شاء". * * ثم قال ﴿وَٱلشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّآءٍ وَغَوَّاصٍ﴾، أي: كل بناء يبني له ما يشاء من المحاريب والتماثيل، وكل غواص يستخرج له الحلي من البحار، وسخر له كل من ينحت له جفافاً وقدوراً، وآخرين مقرنين في الأصفاد، وهم: المردة من الشياطين. هذا كله قول قتادة. والأصفاد: السلاسل، قال السدي: مقرنين: تجمع يداه إلى عنقه. وواحد الأصفاد: صَفَد، كحَجَر. وقيل: واحدها: صفْد. كعدْل. وهي: الأغلال والسلاسل من الحديد، وكل من شددته شداً وثيقاً بالحديد فقد صفدته، وكذلك لكل من أعطيته عطاء جزيلاً كأنك أعطيته ما يرتبط له. واسم العطية الصفد. قال الضحاك: أعطى الله سليمان ملك داود وزاده الريح والشياطين. ثم قال تعالى ذكره: ﴿هَـٰذَا عَطَآؤُنَا فَٱمْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾، أي: هذا المُلك عطاؤنا فاعط ما شئت منه وامنع ما شئت لا حساب عليك. وقيل: المعنى: فاحبس ما شئت من الشياطين في وثاقك وسرح ما شئت منهم. وعن ابن عباس أن هذا إشارة إلى ما أُعطي سليمان من القوة على الجِمَاع. قال: كان في ظهره مائة مائة رجل، وكان له ثلاث مائة امرأة، وتسع مائة سرية. فالمعنى: فجامع من شئت، واترك جِمَاع من شئت بغير حساب عليك. وقال ابن مسعود: في الكلام تقديم وتأخير، والتقدير: هذا عطاؤنا بغير حساب، فامنن أو أمسك، فالمعنى: هذا عطاؤنا بغير منة عليك. ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لَزُلْفَىٰ وَحُسْنَ مَآبٍ﴾، أي: وإن لسليمان في الآخرة عند الله لقربة منه وحسن مرجع ومصير. وإنما رغب سليمان إلى الله في هذا الملك ليعلم منزلته عند الله، ودرجته، وقبول توبته، ومقدار إجابته له، لا لمحبته في الدنيا ورغبته فيها وجلالة قدرها عنده، بل كانت أهون عنده من ذلك. ويجوز أن يكون سأل ذلك ليقوى به على الجهاد في سبيل الله عز وجل، لا لمحبته في الدنيا وملكها. * * وقوله: ﴿لاَّ يَنبَغِي لأَحَدٍ مِّن بَعْدِيۤ﴾، الأحسن في تأويله: (لا أسلبه) كما سلبت ملكي قبل هذا، لا أنه بَخَّلَ على من بعده أن يكون له مثل ملكه بعد موته. وقيل: معناه: لا ينبغي لأحد من أهل زماني فيكون ذلك لي واختصاصي به دون غيري، حجة لي على نبوتي وأني رسولك إليهم. وإذا أتى بمثل ملكي غيري من أهل زماني لم يكن له حجة على من أرسلت إليه، إذ قد أوتي غيري مثل ما أوتيت. فانفرادي بذلك يدل على نبوتي وصدقي. إذْ كانت الرسل لا بد لها من أعلام تفارق بها سائر الناس. وذكر ابن وهب عن ابن شهاب أن سليمان عليه السلام كان إذا رأى ما هو فيه مما أعطاه الله قال: نموت وننسى.

ص 38:36

قوله تعالى ذكره: ﴿فَقَالَ إِنِّيۤ أَحْبَبْتُ حُبَّ ٱلْخَيْرِ﴾ - إلى قوله - ﴿لَزُلْفَىٰ وَحُسْنَ مَآبٍ﴾. قال ابن عباس: كان مما ورث سليمان من أبيه داود ألف فرس لا يعلم في الأرض مثلها. وكانت أحب إليه من كل ما ورث، وكان معجباً بها، فجلس مجلسه وقال: اعرضوا علي خيلي، فعرضت عليه بعد الظهر إلى غيبوبة الشمس وأغفل صلاة العصر: فقال: ما صليت العصر! ردوها علي فطفق يعرقبها ويضرب رقابها وكان الذي عرض عليه تسع مائة، وبقيت مائة لم تعرض عليه. فقال: هذه المائة التي لم تلهني عن صلاتي أحب إلي من التسع مائة. في الآية حذف دل عليه الكلام، والتقدير: إنه أواب إذ عُرض عليه بالعشي الصافنات الجياد، فلهى عن الصلاة حتى فاتته فغابت الشمس ولم يصل، وهو قوله ﴿حَتَّىٰ تَوَارَتْ بِٱلْحِجَابِ﴾. ﴿فَقَالَ إِنِّيۤ أَحْبَبْتُ حُبَّ ٱلْخَيْرِ﴾، أي: الخيل. والعرب سمي الخيل: الخير، والمال أيضاً يسمونه الخير. وفي الحديث: "الْخَيْلُ مَعْقُودٌ في نَواصِيَها الخَيْرُ إلى يَوْمِ الْقِيَامَةِ" ولما ورد زيد الخيل على النبي ﷺ قال له: أنت زيد الخير. وهو زيد بن مهلهل الشاعر. وقيل: المعنى، إنى أحببت حب الخير عن ذكر ربي، وذلك أنه كان في صلاة فجيء إليه بخيل لتعرض عليه قد غُنمت، فأشار بيده أنه يصلي. ﴿حَتَّىٰ تَوَارَتْ بِٱلْحِجَابِ﴾، أي: توارت الخيل، فسترها جدر الإصطبلات، فلما فرغ من صلاته قال: ﴿رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحاً بِٱلسُّوقِ﴾، أي: يمسحها مسحاً. فالضمير في "توارت" على هذا القول للخيل. وأكثر الناس على أنه للشمس وإن (لم يجر) لها ذكر، ولكن لما قال بالعشي دل على أن بعده غياب الشمس. قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه التي فاتته هي صلاة العصر وهو قول قتادة والسدي. وقيل: المعنى: إنى آثرت حب الخير عن ذكر ربي، أي: على ذكر ربي، ومنه قوله: ﴿فَٱسْتَحَبُّواْ ٱلْعَمَىٰ عَلَى ٱلْهُدَىٰ﴾ [فصلت: ١٧]، أي: آثروا الضبه على الهدى. وقيل: معنى أحببت: قعدت وتأخرت. يقال أحب الجمل وأحببت الناقة، إذا بركت وتأخرت. فالمعنى: إني قعدت عن ذكر ربي لحب الخير ﴿حَتَّىٰ تَوَارَتْ بِٱلْحِجَابِ﴾. إنى قعدت عن صلاة العصر حتى غابت الشمس. فيكون حب الخير مفعولاً به على قول من جعل أحببت بمعنى آثرت. ويكون مفعولاً من أجله على قول من جعل أحببت بمعنى تأخرت وقعدت. ولا يحسن أن ينصب على المصدر لأن المعنى على غير ذلك. * * ثم قال: ﴿رُدُّوهَا عَلَيَّ﴾، أي: ردوا الخيل عليَّ التي شغلتني على الصلاة. ﴿فَطَفِقَ مَسْحاً بِٱلسُّوقِ وَٱلأَعْنَاقِ﴾، أي: طفق يضرب أعناقها وسوقها. قال الحسن: قال سليمان: لا، والله لا تشغلني عن عبادة ربي فكشف عراقيبها وضرب أعناقها. ولم يكن له فعل ذلك إلا وقد أباح الله ذلك له. وقال ابن عباس: "جعل يمسح أعراف الخيل وعراقيبها حباً لها". قال بعض أهل العلم: هذا القول أحسن، لأنه نبي، ولم يكن ليعذب حيواناً بغير ذنب ويفسد مالاً بلا سبب. قال وهب بن منبه: كانت الريح تحمل سليمان وجنوده، وكانت تأتيه تُسمعه كلام كل متكلم، ولذلك سمع كلام النملة. قال: وإنه لمسير ذات يوم بجنده والريح تحمله (إذ مر برجل) من بني إسرائيل وهو في حرث له يثير على مسحاة له يفجر في حرث له من نهر له إذ التفت فرأى سليمان وجنده بين السماء والأرض تهوي به الريح. فقال: لقد آتاكم الله آل داود. قال: فاحتملت الريح كلامه فقذفته في أذن سليمان عليه السلام فقال سليمان للريح: احبس، فحبست. فنزل متقنعاً بِبُرْدٍ لَهُ حتى أتى الرجل فقال له: ماذا قلت؟! قال: رأيتك في سلطان الله الذي أتاك وما سخر لك، فقلت: لقد آتاكم الله آل داود. فقال: صدقت، كذلك قلت، كذلك سمعت ولذلك حينئذ تخوفاً عليك من الفتنة. تعلم، والذي نفس سليمان بيده، لثواب "سبحان الله" كلمة واحدة عند الله يوم القيامة أفضل من كل شيء رأيته أو أوتيه آل داود في الدنيا. قال له الرجل: فَرَّجْتَ هَمِّي، فرج الله همك. فقال له سليمان: وما همي؟ قال: أن تشكر ما أعطاك الله عز وجل. قال له سليمان: صدقت. وانطلق الى مركبه. ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ﴾، أي: اختبرناه وابتليناه. ﴿وَأَلْقَيْنَا عَلَىٰ كُرْسِيِّهِ جَسَداً﴾، أي: شيطاناً مثل بإنسان. ذكر أن اسمه صخر الجني، قاله ابن عباس، قال: الجسد: الجِنِّي الذي دفع إليه سليمان خاتمه فقذفه في البحر. وكان ملك سليمان في خاتمه. وهو قول الحسن وابن جبير ومجاهد. قال مجاهد: فقعد الجني على كرسي سليمان، ومنعه الله من نساء سليمان فلم يقربنه وأنكرنه. قال مجاهد: قال له سليمان: كيف تفتنون الناس؟ قال: أرني خاتمك أخبرك. فلما أعطاه إياه نبذه في البحر فساح سليمان وذهب ملكه. فكان سليمان يستطعم الناس فيقول: أتعرفوني؟! أطعموني، أنا سليمان! فيكذبونه حتى أطعمته امرأة يوماً حوتاً فوجد خاتمه في بطنه فرجع إليه ملكه وفر الجني في البحر. وكان مدة ذلك فيما ذكر: أربعين يوماً. وقال قتادة: "أمر سليمان ببناء بيت المقدس، فقيل له: ابْنِه، ولا يُسمع فيه صوت حديد. فطلب (علم ذلك فلم يقدر عليه، فقيل له: إن شيطاناً في البحر يقال له صخر، سيد الماردين. قال: فطلبه). وكانت عين في البحر يَرُدها ذلك الشيطان في كل سبعة أيام مرة فنزح ماؤها وجُعل فيه خمر. فجاء يوم وروده فإذا هو بالخمر، فقال: إنَّكِ لشراب طيب، إلا أنَّكِ تُصْبِينَ الحليم، وتزيدين الجاهل جهلاً! (قال: ثم رجع حتى عطش عطشاً شديداً، ثم أتاها فقال: إنك لشراب طيب، إلا أنك لتصبين الحليم وتزيدين الجاهل جهلاً!) ثم شربها حتى غلبت على عقله. قال: فأُرِيَ الخاتم، أو ختم به بين كتفيه فَذُلَّ - وكان ملك سليمان في خاتمه - فقال: إنا قد أمِرْنَا ببناء هذا البيت، وقيل لنا: لا يسمعن فيه صوت حديد. قال: فأتى إلى بيض الهدهد فجعل عليه زجاجة، فجاء الهدهد فدار حولها، فجعل يرى بيضه ولا يقدر (عليه فذهب فجاء) بالماس فوضعه على الزجاجة فقطعها به حتى أفضى إلى بيضه. فأخذوا الماس فجعلوا يقطعون به الحجارة. فكان سليمان إذا أراد أن يدخل الخلاء لم يدخل بخاتمه، فانطلق يوماً إلى الحمام وذلك الشيطان معه - وذلك عند مقارفة ذنب قارفه بعض نسائه - قال: فدخل الحمام، وأعطى الشيطان خاتمه، فألقاه في البحر فالتقمته سمكة، ونُزِعَ ملك سليمان منه، وأُلقِي على الشيطان شبه سليمان فجاء فقعد على كرسيه، وسُلِّطَ على مُلك سليمان كله غير نسائه. فكان يقضي بين الناس ينكرون منه أشياء حتى قالوا: لقد فتن سليمان نبي الله. وكان (فيهم رجل فيه قوة)، فقال: والله لأجربنه فقال له: يا نبي الله - وهو لا يرى إلا أنه نبي - أحدنا تصيبه الجنابة (من الليل) في الليلة الباردة فيدع الغسل مستعمداً حتى تطلع الشمس، أترى عليه بأساً؟ قال: لا. قال: فبينما هو كذلك أربعين ليلة حتى وجد نبي الله سليمان خاتمه في بطن سمكة فأقبل فجعل لا يستقبله جني ولا طير إلا سجد له حتى انتهى إليهم". وذكر السدي في هذه القصة مثل ذلك إلا أنه قال: "كانت لسليمان مائة امرأة، امرأة منهن يقال لها جرادة - وهي أَعَزُّ نسائه عنده وآمَنَهُنَّ - وكان يترك الخاتم عندها إذا دخل الخلاء، فجاءته يوماً (من الأيام) فسألته أن يقضي لأخيها في خصومة بينه وبين رجل، فقال لها: نعم، ولم يفعل، فابتلي. فأعطاها خاتمه ودخل الخلاء فأتاها الشيطان في صورة سليمان فأعطته الخاتم فذهب ملك سليمان وجلس الشيطان على كرسي سليمان أربعين يوماً يحكم بين الناس، فأنكر الناس أحكامه، فاجتمع علماء بني إسرائيل فدخلوا على نساء سليمان فقالوا: إنا قد أنكرناه. فإن كان هذا سليمان فقد ذهب عقله! فبكى النساء عند ذلك فأقبلوا يمشون حتى أتوه فأحدقوا به ثم نشروا التوراة فقرؤوا، فطار بين أيديهم حتى وقع على شرفة والخاتم معه، ثم طار حتى ذهب إلى البحر فوقع الخاتم منه، فابتلعه حوتٌ. قال: وأقبل سليمان في حاله التي كان فيها وهو جائع حتى انتهى إلى صياد من صيادي البحر فاستطعمه من صيده. فقال: إني أنا سليمان، فقام إليه بعضهم فضربه بعصاً فشج وجهه، فجعل يغسل دمه وهو على شاطئ البحر. فلام الصيادون صاحبهم الذي ضربه، ثم أعطوا سليمان سمكتين مما قد مَذَرَ عندهم - أي: نتن - فلم يشغله ما كان به من الضرب حتى قام إلى شاطئ البحر فشق بطونهما، فجعل يغسل، فوجد خاتمه في بطن إحداهما فأخذه ولبسه فَرَدَّ الله عليه بهاءه ومُلكه. وجاءت الطير حتى حامت عليه فعرف القوم أنه سليمان فقاموا يعتذرون مما صنعوا فقال: (ما أحببكم) على عذركم ولا ألومكم على ما كان منكم، كان هذا الأمر لا بد منه. فجاء حتى أتى مُلكه، فأرسل إلى الشيطان فجيء به - وسخر له الريح والشياطين يومئذ (ولم يسخر) له قبل ذلك - فجعل الشيطان في صندوق من حديد، ثم أطبق عليه وقفل عليه بقفل وختم عليه بخاتمه ثم أَمَرَ، فأُلقي في البحر، فهو فيه حتى تقوم الساعة" وقيل: أنه ولد له ولد ميت، وذلك أنه طاف على (جَوَارٍ له) وقال: أرجو أن تلد كل واحدة منهن (ذكرا، ولم يقل: إن شاء الله، فلم تحمل إلا واحدة منهن) ومات الولد وألقي على كرسيه. * * وقوله: ﴿ثُمَّ أَنَابَ﴾، أي: أناب سليمان فرجع إلى ملكه بعد زواله عنه. قال الضحاك: دخل سليمان على امرأة تبيع السمك فاشترى منها سمكة فشق بطنها فوجد خاتمه، فجعل لا يمر على شجرة ولا صخرة (ولا شيء) إلا سجد له، ثم أوتي مُلكه وأهله، فذلك قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَنَابَ﴾، أي: رجع. وقيل: "أناب": [تاب ورجع عما كان عليه. * * ثم قال تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ ٱغْفِرْ لِي﴾، أي: استر علي ذنبي الذي أذنبت]. بيني وبينك. ﴿وَهَبْ لِي مُلْكاً لاَّ يَنبَغِي لأَحَدٍ﴾، أي: لا تسلبنيه كما سلبنيه هذا الشيطان. قاله قتادة. وقيل: المعنى: لا يكون مثله لأحد من بعدي. ﴿إِنَّكَ أَنتَ ٱلْوَهَّابُ﴾، أي: تهب ما تشاء لمن تشاء. وقيل: المعنى: أعطني فضيلة ومنزلة. روى أبو عبيد في كتابه مواعظ الأنبياء أن سليمان عليه السلام لما بنى مسجد بيت المقدس ودخله خر ساجداً شكراً لله عز وجل وقال: يا رب، من دخله من تائب فَتُبْ عليه، أو مستغفر فاغفر له، أو سائل فأعطه. قال: ولما مات داود عليه السلام أوحى الله إلى سليمان أن سَلْنِي حاجتك. قال: أسألك أن تجعل قلبي يخشاك كما كان قلب أبي، وأن تجعل قلبي يحبك كما كان قلبي أبي. فقال الله جل ذكره: أرسلت إلى عبدي أسأله حاجته، فكانت حاجته أن أجعل قلبه يخشاني، وأن أجعل قلبه يحبني! لأَهَبَنَّ له مُلكاً لا ينبغي لأحد من بعده. فوفقه الله إلى أن سأل ذلك فأعطاه ذلك، وفي الآخرة لا حساب عليه فيه. ورُوي عن النبي ﷺ أنه قال: أرأيتم سليمان وما أُعطي من ملكه فإنه لم يرفع رأسه إلى السماء تخشعاً حتى قبضه الله عز وجل وروى أبو عبيد أن نملة قالت لسليمان: إني على قدري أشكر لله منك! وكان على فرس ذنوب فخر عنه ساجدا: (ثم قال: لولا أن أبخلك لسألتك أن تنزع عني ما أعطيتني). * * ثم قال تعالى: ﴿فَسَخَّرْنَا لَهُ ٱلرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَآءً﴾، أي: فاستجبنا دعاءه وأعطيناه مُلكاً لا ينبغي لأحد من بعده فسخرنا له الريح تجري بأمره رخاء. قال الحسن: إن نبي الله سليمان لما عُرضت عليه الخيل شغلته عن صلاة العصر، فغضب لله، فأمر بها فعُقِرت، فأبدله الله مكانها أسرع منها، فسخرت له الريح تجري بأمره رخاء. ﴿حَيْثُ أَصَابَ﴾: حيث شاء. قال مجاهد: رخاء: طيبة. وقال قتادة: رخاء: طيبة سريعة ليست بعاصف ولا بطيئة. وقال ابن زيد: الرخاء: اللينة. وقال ابن عباس: رخاء: مطيعة، وقاله الضحاك. وقال السدي: رخاء: طوعاً. * * وقوله: ﴿حَيْثُ أَصَابَ﴾، أي: حيث أراد: قاله ابن عباس والحسن وقتادة والسدي وابن زيد من قولهم: أصاب الله بك خيراً، أي: أراده الله بك خيراً. وقال مجاهد: "حيث أصاب: حيث شاء". * * ثم قال ﴿وَٱلشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّآءٍ وَغَوَّاصٍ﴾، أي: كل بناء يبني له ما يشاء من المحاريب والتماثيل، وكل غواص يستخرج له الحلي من البحار، وسخر له كل من ينحت له جفافاً وقدوراً، وآخرين مقرنين في الأصفاد، وهم: المردة من الشياطين. هذا كله قول قتادة. والأصفاد: السلاسل، قال السدي: مقرنين: تجمع يداه إلى عنقه. وواحد الأصفاد: صَفَد، كحَجَر. وقيل: واحدها: صفْد. كعدْل. وهي: الأغلال والسلاسل من الحديد، وكل من شددته شداً وثيقاً بالحديد فقد صفدته، وكذلك لكل من أعطيته عطاء جزيلاً كأنك أعطيته ما يرتبط له. واسم العطية الصفد. قال الضحاك: أعطى الله سليمان ملك داود وزاده الريح والشياطين. ثم قال تعالى ذكره: ﴿هَـٰذَا عَطَآؤُنَا فَٱمْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾، أي: هذا المُلك عطاؤنا فاعط ما شئت منه وامنع ما شئت لا حساب عليك. وقيل: المعنى: فاحبس ما شئت من الشياطين في وثاقك وسرح ما شئت منهم. وعن ابن عباس أن هذا إشارة إلى ما أُعطي سليمان من القوة على الجِمَاع. قال: كان في ظهره مائة مائة رجل، وكان له ثلاث مائة امرأة، وتسع مائة سرية. فالمعنى: فجامع من شئت، واترك جِمَاع من شئت بغير حساب عليك. وقال ابن مسعود: في الكلام تقديم وتأخير، والتقدير: هذا عطاؤنا بغير حساب، فامنن أو أمسك، فالمعنى: هذا عطاؤنا بغير منة عليك. ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لَزُلْفَىٰ وَحُسْنَ مَآبٍ﴾، أي: وإن لسليمان في الآخرة عند الله لقربة منه وحسن مرجع ومصير. وإنما رغب سليمان إلى الله في هذا الملك ليعلم منزلته عند الله، ودرجته، وقبول توبته، ومقدار إجابته له، لا لمحبته في الدنيا ورغبته فيها وجلالة قدرها عنده، بل كانت أهون عنده من ذلك. ويجوز أن يكون سأل ذلك ليقوى به على الجهاد في سبيل الله عز وجل، لا لمحبته في الدنيا وملكها. * * وقوله: ﴿لاَّ يَنبَغِي لأَحَدٍ مِّن بَعْدِيۤ﴾، الأحسن في تأويله: (لا أسلبه) كما سلبت ملكي قبل هذا، لا أنه بَخَّلَ على من بعده أن يكون له مثل ملكه بعد موته. وقيل: معناه: لا ينبغي لأحد من أهل زماني فيكون ذلك لي واختصاصي به دون غيري، حجة لي على نبوتي وأني رسولك إليهم. وإذا أتى بمثل ملكي غيري من أهل زماني لم يكن له حجة على من أرسلت إليه، إذ قد أوتي غيري مثل ما أوتيت. فانفرادي بذلك يدل على نبوتي وصدقي. إذْ كانت الرسل لا بد لها من أعلام تفارق بها سائر الناس. وذكر ابن وهب عن ابن شهاب أن سليمان عليه السلام كان إذا رأى ما هو فيه مما أعطاه الله قال: نموت وننسى.

ص 38:37

قوله تعالى ذكره: ﴿فَقَالَ إِنِّيۤ أَحْبَبْتُ حُبَّ ٱلْخَيْرِ﴾ - إلى قوله - ﴿لَزُلْفَىٰ وَحُسْنَ مَآبٍ﴾. قال ابن عباس: كان مما ورث سليمان من أبيه داود ألف فرس لا يعلم في الأرض مثلها. وكانت أحب إليه من كل ما ورث، وكان معجباً بها، فجلس مجلسه وقال: اعرضوا علي خيلي، فعرضت عليه بعد الظهر إلى غيبوبة الشمس وأغفل صلاة العصر: فقال: ما صليت العصر! ردوها علي فطفق يعرقبها ويضرب رقابها وكان الذي عرض عليه تسع مائة، وبقيت مائة لم تعرض عليه. فقال: هذه المائة التي لم تلهني عن صلاتي أحب إلي من التسع مائة. في الآية حذف دل عليه الكلام، والتقدير: إنه أواب إذ عُرض عليه بالعشي الصافنات الجياد، فلهى عن الصلاة حتى فاتته فغابت الشمس ولم يصل، وهو قوله ﴿حَتَّىٰ تَوَارَتْ بِٱلْحِجَابِ﴾. ﴿فَقَالَ إِنِّيۤ أَحْبَبْتُ حُبَّ ٱلْخَيْرِ﴾، أي: الخيل. والعرب سمي الخيل: الخير، والمال أيضاً يسمونه الخير. وفي الحديث: "الْخَيْلُ مَعْقُودٌ في نَواصِيَها الخَيْرُ إلى يَوْمِ الْقِيَامَةِ" ولما ورد زيد الخيل على النبي ﷺ قال له: أنت زيد الخير. وهو زيد بن مهلهل الشاعر. وقيل: المعنى، إنى أحببت حب الخير عن ذكر ربي، وذلك أنه كان في صلاة فجيء إليه بخيل لتعرض عليه قد غُنمت، فأشار بيده أنه يصلي. ﴿حَتَّىٰ تَوَارَتْ بِٱلْحِجَابِ﴾، أي: توارت الخيل، فسترها جدر الإصطبلات، فلما فرغ من صلاته قال: ﴿رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحاً بِٱلسُّوقِ﴾، أي: يمسحها مسحاً. فالضمير في "توارت" على هذا القول للخيل. وأكثر الناس على أنه للشمس وإن (لم يجر) لها ذكر، ولكن لما قال بالعشي دل على أن بعده غياب الشمس. قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه التي فاتته هي صلاة العصر وهو قول قتادة والسدي. وقيل: المعنى: إنى آثرت حب الخير عن ذكر ربي، أي: على ذكر ربي، ومنه قوله: ﴿فَٱسْتَحَبُّواْ ٱلْعَمَىٰ عَلَى ٱلْهُدَىٰ﴾ [فصلت: ١٧]، أي: آثروا الضبه على الهدى. وقيل: معنى أحببت: قعدت وتأخرت. يقال أحب الجمل وأحببت الناقة، إذا بركت وتأخرت. فالمعنى: إني قعدت عن ذكر ربي لحب الخير ﴿حَتَّىٰ تَوَارَتْ بِٱلْحِجَابِ﴾. إنى قعدت عن صلاة العصر حتى غابت الشمس. فيكون حب الخير مفعولاً به على قول من جعل أحببت بمعنى آثرت. ويكون مفعولاً من أجله على قول من جعل أحببت بمعنى تأخرت وقعدت. ولا يحسن أن ينصب على المصدر لأن المعنى على غير ذلك. * * ثم قال: ﴿رُدُّوهَا عَلَيَّ﴾، أي: ردوا الخيل عليَّ التي شغلتني على الصلاة. ﴿فَطَفِقَ مَسْحاً بِٱلسُّوقِ وَٱلأَعْنَاقِ﴾، أي: طفق يضرب أعناقها وسوقها. قال الحسن: قال سليمان: لا، والله لا تشغلني عن عبادة ربي فكشف عراقيبها وضرب أعناقها. ولم يكن له فعل ذلك إلا وقد أباح الله ذلك له. وقال ابن عباس: "جعل يمسح أعراف الخيل وعراقيبها حباً لها". قال بعض أهل العلم: هذا القول أحسن، لأنه نبي، ولم يكن ليعذب حيواناً بغير ذنب ويفسد مالاً بلا سبب. قال وهب بن منبه: كانت الريح تحمل سليمان وجنوده، وكانت تأتيه تُسمعه كلام كل متكلم، ولذلك سمع كلام النملة. قال: وإنه لمسير ذات يوم بجنده والريح تحمله (إذ مر برجل) من بني إسرائيل وهو في حرث له يثير على مسحاة له يفجر في حرث له من نهر له إذ التفت فرأى سليمان وجنده بين السماء والأرض تهوي به الريح. فقال: لقد آتاكم الله آل داود. قال: فاحتملت الريح كلامه فقذفته في أذن سليمان عليه السلام فقال سليمان للريح: احبس، فحبست. فنزل متقنعاً بِبُرْدٍ لَهُ حتى أتى الرجل فقال له: ماذا قلت؟! قال: رأيتك في سلطان الله الذي أتاك وما سخر لك، فقلت: لقد آتاكم الله آل داود. فقال: صدقت، كذلك قلت، كذلك سمعت ولذلك حينئذ تخوفاً عليك من الفتنة. تعلم، والذي نفس سليمان بيده، لثواب "سبحان الله" كلمة واحدة عند الله يوم القيامة أفضل من كل شيء رأيته أو أوتيه آل داود في الدنيا. قال له الرجل: فَرَّجْتَ هَمِّي، فرج الله همك. فقال له سليمان: وما همي؟ قال: أن تشكر ما أعطاك الله عز وجل. قال له سليمان: صدقت. وانطلق الى مركبه. ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ﴾، أي: اختبرناه وابتليناه. ﴿وَأَلْقَيْنَا عَلَىٰ كُرْسِيِّهِ جَسَداً﴾، أي: شيطاناً مثل بإنسان. ذكر أن اسمه صخر الجني، قاله ابن عباس، قال: الجسد: الجِنِّي الذي دفع إليه سليمان خاتمه فقذفه في البحر. وكان ملك سليمان في خاتمه. وهو قول الحسن وابن جبير ومجاهد. قال مجاهد: فقعد الجني على كرسي سليمان، ومنعه الله من نساء سليمان فلم يقربنه وأنكرنه. قال مجاهد: قال له سليمان: كيف تفتنون الناس؟ قال: أرني خاتمك أخبرك. فلما أعطاه إياه نبذه في البحر فساح سليمان وذهب ملكه. فكان سليمان يستطعم الناس فيقول: أتعرفوني؟! أطعموني، أنا سليمان! فيكذبونه حتى أطعمته امرأة يوماً حوتاً فوجد خاتمه في بطنه فرجع إليه ملكه وفر الجني في البحر. وكان مدة ذلك فيما ذكر: أربعين يوماً. وقال قتادة: "أمر سليمان ببناء بيت المقدس، فقيل له: ابْنِه، ولا يُسمع فيه صوت حديد. فطلب (علم ذلك فلم يقدر عليه، فقيل له: إن شيطاناً في البحر يقال له صخر، سيد الماردين. قال: فطلبه). وكانت عين في البحر يَرُدها ذلك الشيطان في كل سبعة أيام مرة فنزح ماؤها وجُعل فيه خمر. فجاء يوم وروده فإذا هو بالخمر، فقال: إنَّكِ لشراب طيب، إلا أنَّكِ تُصْبِينَ الحليم، وتزيدين الجاهل جهلاً! (قال: ثم رجع حتى عطش عطشاً شديداً، ثم أتاها فقال: إنك لشراب طيب، إلا أنك لتصبين الحليم وتزيدين الجاهل جهلاً!) ثم شربها حتى غلبت على عقله. قال: فأُرِيَ الخاتم، أو ختم به بين كتفيه فَذُلَّ - وكان ملك سليمان في خاتمه - فقال: إنا قد أمِرْنَا ببناء هذا البيت، وقيل لنا: لا يسمعن فيه صوت حديد. قال: فأتى إلى بيض الهدهد فجعل عليه زجاجة، فجاء الهدهد فدار حولها، فجعل يرى بيضه ولا يقدر (عليه فذهب فجاء) بالماس فوضعه على الزجاجة فقطعها به حتى أفضى إلى بيضه. فأخذوا الماس فجعلوا يقطعون به الحجارة. فكان سليمان إذا أراد أن يدخل الخلاء لم يدخل بخاتمه، فانطلق يوماً إلى الحمام وذلك الشيطان معه - وذلك عند مقارفة ذنب قارفه بعض نسائه - قال: فدخل الحمام، وأعطى الشيطان خاتمه، فألقاه في البحر فالتقمته سمكة، ونُزِعَ ملك سليمان منه، وأُلقِي على الشيطان شبه سليمان فجاء فقعد على كرسيه، وسُلِّطَ على مُلك سليمان كله غير نسائه. فكان يقضي بين الناس ينكرون منه أشياء حتى قالوا: لقد فتن سليمان نبي الله. وكان (فيهم رجل فيه قوة)، فقال: والله لأجربنه فقال له: يا نبي الله - وهو لا يرى إلا أنه نبي - أحدنا تصيبه الجنابة (من الليل) في الليلة الباردة فيدع الغسل مستعمداً حتى تطلع الشمس، أترى عليه بأساً؟ قال: لا. قال: فبينما هو كذلك أربعين ليلة حتى وجد نبي الله سليمان خاتمه في بطن سمكة فأقبل فجعل لا يستقبله جني ولا طير إلا سجد له حتى انتهى إليهم". وذكر السدي في هذه القصة مثل ذلك إلا أنه قال: "كانت لسليمان مائة امرأة، امرأة منهن يقال لها جرادة - وهي أَعَزُّ نسائه عنده وآمَنَهُنَّ - وكان يترك الخاتم عندها إذا دخل الخلاء، فجاءته يوماً (من الأيام) فسألته أن يقضي لأخيها في خصومة بينه وبين رجل، فقال لها: نعم، ولم يفعل، فابتلي. فأعطاها خاتمه ودخل الخلاء فأتاها الشيطان في صورة سليمان فأعطته الخاتم فذهب ملك سليمان وجلس الشيطان على كرسي سليمان أربعين يوماً يحكم بين الناس، فأنكر الناس أحكامه، فاجتمع علماء بني إسرائيل فدخلوا على نساء سليمان فقالوا: إنا قد أنكرناه. فإن كان هذا سليمان فقد ذهب عقله! فبكى النساء عند ذلك فأقبلوا يمشون حتى أتوه فأحدقوا به ثم نشروا التوراة فقرؤوا، فطار بين أيديهم حتى وقع على شرفة والخاتم معه، ثم طار حتى ذهب إلى البحر فوقع الخاتم منه، فابتلعه حوتٌ. قال: وأقبل سليمان في حاله التي كان فيها وهو جائع حتى انتهى إلى صياد من صيادي البحر فاستطعمه من صيده. فقال: إني أنا سليمان، فقام إليه بعضهم فضربه بعصاً فشج وجهه، فجعل يغسل دمه وهو على شاطئ البحر. فلام الصيادون صاحبهم الذي ضربه، ثم أعطوا سليمان سمكتين مما قد مَذَرَ عندهم - أي: نتن - فلم يشغله ما كان به من الضرب حتى قام إلى شاطئ البحر فشق بطونهما، فجعل يغسل، فوجد خاتمه في بطن إحداهما فأخذه ولبسه فَرَدَّ الله عليه بهاءه ومُلكه. وجاءت الطير حتى حامت عليه فعرف القوم أنه سليمان فقاموا يعتذرون مما صنعوا فقال: (ما أحببكم) على عذركم ولا ألومكم على ما كان منكم، كان هذا الأمر لا بد منه. فجاء حتى أتى مُلكه، فأرسل إلى الشيطان فجيء به - وسخر له الريح والشياطين يومئذ (ولم يسخر) له قبل ذلك - فجعل الشيطان في صندوق من حديد، ثم أطبق عليه وقفل عليه بقفل وختم عليه بخاتمه ثم أَمَرَ، فأُلقي في البحر، فهو فيه حتى تقوم الساعة" وقيل: أنه ولد له ولد ميت، وذلك أنه طاف على (جَوَارٍ له) وقال: أرجو أن تلد كل واحدة منهن (ذكرا، ولم يقل: إن شاء الله، فلم تحمل إلا واحدة منهن) ومات الولد وألقي على كرسيه. * * وقوله: ﴿ثُمَّ أَنَابَ﴾، أي: أناب سليمان فرجع إلى ملكه بعد زواله عنه. قال الضحاك: دخل سليمان على امرأة تبيع السمك فاشترى منها سمكة فشق بطنها فوجد خاتمه، فجعل لا يمر على شجرة ولا صخرة (ولا شيء) إلا سجد له، ثم أوتي مُلكه وأهله، فذلك قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَنَابَ﴾، أي: رجع. وقيل: "أناب": [تاب ورجع عما كان عليه. * * ثم قال تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ ٱغْفِرْ لِي﴾، أي: استر علي ذنبي الذي أذنبت]. بيني وبينك. ﴿وَهَبْ لِي مُلْكاً لاَّ يَنبَغِي لأَحَدٍ﴾، أي: لا تسلبنيه كما سلبنيه هذا الشيطان. قاله قتادة. وقيل: المعنى: لا يكون مثله لأحد من بعدي. ﴿إِنَّكَ أَنتَ ٱلْوَهَّابُ﴾، أي: تهب ما تشاء لمن تشاء. وقيل: المعنى: أعطني فضيلة ومنزلة. روى أبو عبيد في كتابه مواعظ الأنبياء أن سليمان عليه السلام لما بنى مسجد بيت المقدس ودخله خر ساجداً شكراً لله عز وجل وقال: يا رب، من دخله من تائب فَتُبْ عليه، أو مستغفر فاغفر له، أو سائل فأعطه. قال: ولما مات داود عليه السلام أوحى الله إلى سليمان أن سَلْنِي حاجتك. قال: أسألك أن تجعل قلبي يخشاك كما كان قلب أبي، وأن تجعل قلبي يحبك كما كان قلبي أبي. فقال الله جل ذكره: أرسلت إلى عبدي أسأله حاجته، فكانت حاجته أن أجعل قلبه يخشاني، وأن أجعل قلبه يحبني! لأَهَبَنَّ له مُلكاً لا ينبغي لأحد من بعده. فوفقه الله إلى أن سأل ذلك فأعطاه ذلك، وفي الآخرة لا حساب عليه فيه. ورُوي عن النبي ﷺ أنه قال: أرأيتم سليمان وما أُعطي من ملكه فإنه لم يرفع رأسه إلى السماء تخشعاً حتى قبضه الله عز وجل وروى أبو عبيد أن نملة قالت لسليمان: إني على قدري أشكر لله منك! وكان على فرس ذنوب فخر عنه ساجدا: (ثم قال: لولا أن أبخلك لسألتك أن تنزع عني ما أعطيتني). * * ثم قال تعالى: ﴿فَسَخَّرْنَا لَهُ ٱلرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَآءً﴾، أي: فاستجبنا دعاءه وأعطيناه مُلكاً لا ينبغي لأحد من بعده فسخرنا له الريح تجري بأمره رخاء. قال الحسن: إن نبي الله سليمان لما عُرضت عليه الخيل شغلته عن صلاة العصر، فغضب لله، فأمر بها فعُقِرت، فأبدله الله مكانها أسرع منها، فسخرت له الريح تجري بأمره رخاء. ﴿حَيْثُ أَصَابَ﴾: حيث شاء. قال مجاهد: رخاء: طيبة. وقال قتادة: رخاء: طيبة سريعة ليست بعاصف ولا بطيئة. وقال ابن زيد: الرخاء: اللينة. وقال ابن عباس: رخاء: مطيعة، وقاله الضحاك. وقال السدي: رخاء: طوعاً. * * وقوله: ﴿حَيْثُ أَصَابَ﴾، أي: حيث أراد: قاله ابن عباس والحسن وقتادة والسدي وابن زيد من قولهم: أصاب الله بك خيراً، أي: أراده الله بك خيراً. وقال مجاهد: "حيث أصاب: حيث شاء". * * ثم قال ﴿وَٱلشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّآءٍ وَغَوَّاصٍ﴾، أي: كل بناء يبني له ما يشاء من المحاريب والتماثيل، وكل غواص يستخرج له الحلي من البحار، وسخر له كل من ينحت له جفافاً وقدوراً، وآخرين مقرنين في الأصفاد، وهم: المردة من الشياطين. هذا كله قول قتادة. والأصفاد: السلاسل، قال السدي: مقرنين: تجمع يداه إلى عنقه. وواحد الأصفاد: صَفَد، كحَجَر. وقيل: واحدها: صفْد. كعدْل. وهي: الأغلال والسلاسل من الحديد، وكل من شددته شداً وثيقاً بالحديد فقد صفدته، وكذلك لكل من أعطيته عطاء جزيلاً كأنك أعطيته ما يرتبط له. واسم العطية الصفد. قال الضحاك: أعطى الله سليمان ملك داود وزاده الريح والشياطين. ثم قال تعالى ذكره: ﴿هَـٰذَا عَطَآؤُنَا فَٱمْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾، أي: هذا المُلك عطاؤنا فاعط ما شئت منه وامنع ما شئت لا حساب عليك. وقيل: المعنى: فاحبس ما شئت من الشياطين في وثاقك وسرح ما شئت منهم. وعن ابن عباس أن هذا إشارة إلى ما أُعطي سليمان من القوة على الجِمَاع. قال: كان في ظهره مائة مائة رجل، وكان له ثلاث مائة امرأة، وتسع مائة سرية. فالمعنى: فجامع من شئت، واترك جِمَاع من شئت بغير حساب عليك. وقال ابن مسعود: في الكلام تقديم وتأخير، والتقدير: هذا عطاؤنا بغير حساب، فامنن أو أمسك، فالمعنى: هذا عطاؤنا بغير منة عليك. ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لَزُلْفَىٰ وَحُسْنَ مَآبٍ﴾، أي: وإن لسليمان في الآخرة عند الله لقربة منه وحسن مرجع ومصير. وإنما رغب سليمان إلى الله في هذا الملك ليعلم منزلته عند الله، ودرجته، وقبول توبته، ومقدار إجابته له، لا لمحبته في الدنيا ورغبته فيها وجلالة قدرها عنده، بل كانت أهون عنده من ذلك. ويجوز أن يكون سأل ذلك ليقوى به على الجهاد في سبيل الله عز وجل، لا لمحبته في الدنيا وملكها. * * وقوله: ﴿لاَّ يَنبَغِي لأَحَدٍ مِّن بَعْدِيۤ﴾، الأحسن في تأويله: (لا أسلبه) كما سلبت ملكي قبل هذا، لا أنه بَخَّلَ على من بعده أن يكون له مثل ملكه بعد موته. وقيل: معناه: لا ينبغي لأحد من أهل زماني فيكون ذلك لي واختصاصي به دون غيري، حجة لي على نبوتي وأني رسولك إليهم. وإذا أتى بمثل ملكي غيري من أهل زماني لم يكن له حجة على من أرسلت إليه، إذ قد أوتي غيري مثل ما أوتيت. فانفرادي بذلك يدل على نبوتي وصدقي. إذْ كانت الرسل لا بد لها من أعلام تفارق بها سائر الناس. وذكر ابن وهب عن ابن شهاب أن سليمان عليه السلام كان إذا رأى ما هو فيه مما أعطاه الله قال: نموت وننسى.

ص 38:38

قوله تعالى ذكره: ﴿فَقَالَ إِنِّيۤ أَحْبَبْتُ حُبَّ ٱلْخَيْرِ﴾ - إلى قوله - ﴿لَزُلْفَىٰ وَحُسْنَ مَآبٍ﴾. قال ابن عباس: كان مما ورث سليمان من أبيه داود ألف فرس لا يعلم في الأرض مثلها. وكانت أحب إليه من كل ما ورث، وكان معجباً بها، فجلس مجلسه وقال: اعرضوا علي خيلي، فعرضت عليه بعد الظهر إلى غيبوبة الشمس وأغفل صلاة العصر: فقال: ما صليت العصر! ردوها علي فطفق يعرقبها ويضرب رقابها وكان الذي عرض عليه تسع مائة، وبقيت مائة لم تعرض عليه. فقال: هذه المائة التي لم تلهني عن صلاتي أحب إلي من التسع مائة. في الآية حذف دل عليه الكلام، والتقدير: إنه أواب إذ عُرض عليه بالعشي الصافنات الجياد، فلهى عن الصلاة حتى فاتته فغابت الشمس ولم يصل، وهو قوله ﴿حَتَّىٰ تَوَارَتْ بِٱلْحِجَابِ﴾. ﴿فَقَالَ إِنِّيۤ أَحْبَبْتُ حُبَّ ٱلْخَيْرِ﴾، أي: الخيل. والعرب سمي الخيل: الخير، والمال أيضاً يسمونه الخير. وفي الحديث: "الْخَيْلُ مَعْقُودٌ في نَواصِيَها الخَيْرُ إلى يَوْمِ الْقِيَامَةِ" ولما ورد زيد الخيل على النبي ﷺ قال له: أنت زيد الخير. وهو زيد بن مهلهل الشاعر. وقيل: المعنى، إنى أحببت حب الخير عن ذكر ربي، وذلك أنه كان في صلاة فجيء إليه بخيل لتعرض عليه قد غُنمت، فأشار بيده أنه يصلي. ﴿حَتَّىٰ تَوَارَتْ بِٱلْحِجَابِ﴾، أي: توارت الخيل، فسترها جدر الإصطبلات، فلما فرغ من صلاته قال: ﴿رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحاً بِٱلسُّوقِ﴾، أي: يمسحها مسحاً. فالضمير في "توارت" على هذا القول للخيل. وأكثر الناس على أنه للشمس وإن (لم يجر) لها ذكر، ولكن لما قال بالعشي دل على أن بعده غياب الشمس. قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه التي فاتته هي صلاة العصر وهو قول قتادة والسدي. وقيل: المعنى: إنى آثرت حب الخير عن ذكر ربي، أي: على ذكر ربي، ومنه قوله: ﴿فَٱسْتَحَبُّواْ ٱلْعَمَىٰ عَلَى ٱلْهُدَىٰ﴾ [فصلت: ١٧]، أي: آثروا الضبه على الهدى. وقيل: معنى أحببت: قعدت وتأخرت. يقال أحب الجمل وأحببت الناقة، إذا بركت وتأخرت. فالمعنى: إني قعدت عن ذكر ربي لحب الخير ﴿حَتَّىٰ تَوَارَتْ بِٱلْحِجَابِ﴾. إنى قعدت عن صلاة العصر حتى غابت الشمس. فيكون حب الخير مفعولاً به على قول من جعل أحببت بمعنى آثرت. ويكون مفعولاً من أجله على قول من جعل أحببت بمعنى تأخرت وقعدت. ولا يحسن أن ينصب على المصدر لأن المعنى على غير ذلك. * * ثم قال: ﴿رُدُّوهَا عَلَيَّ﴾، أي: ردوا الخيل عليَّ التي شغلتني على الصلاة. ﴿فَطَفِقَ مَسْحاً بِٱلسُّوقِ وَٱلأَعْنَاقِ﴾، أي: طفق يضرب أعناقها وسوقها. قال الحسن: قال سليمان: لا، والله لا تشغلني عن عبادة ربي فكشف عراقيبها وضرب أعناقها. ولم يكن له فعل ذلك إلا وقد أباح الله ذلك له. وقال ابن عباس: "جعل يمسح أعراف الخيل وعراقيبها حباً لها". قال بعض أهل العلم: هذا القول أحسن، لأنه نبي، ولم يكن ليعذب حيواناً بغير ذنب ويفسد مالاً بلا سبب. قال وهب بن منبه: كانت الريح تحمل سليمان وجنوده، وكانت تأتيه تُسمعه كلام كل متكلم، ولذلك سمع كلام النملة. قال: وإنه لمسير ذات يوم بجنده والريح تحمله (إذ مر برجل) من بني إسرائيل وهو في حرث له يثير على مسحاة له يفجر في حرث له من نهر له إذ التفت فرأى سليمان وجنده بين السماء والأرض تهوي به الريح. فقال: لقد آتاكم الله آل داود. قال: فاحتملت الريح كلامه فقذفته في أذن سليمان عليه السلام فقال سليمان للريح: احبس، فحبست. فنزل متقنعاً بِبُرْدٍ لَهُ حتى أتى الرجل فقال له: ماذا قلت؟! قال: رأيتك في سلطان الله الذي أتاك وما سخر لك، فقلت: لقد آتاكم الله آل داود. فقال: صدقت، كذلك قلت، كذلك سمعت ولذلك حينئذ تخوفاً عليك من الفتنة. تعلم، والذي نفس سليمان بيده، لثواب "سبحان الله" كلمة واحدة عند الله يوم القيامة أفضل من كل شيء رأيته أو أوتيه آل داود في الدنيا. قال له الرجل: فَرَّجْتَ هَمِّي، فرج الله همك. فقال له سليمان: وما همي؟ قال: أن تشكر ما أعطاك الله عز وجل. قال له سليمان: صدقت. وانطلق الى مركبه. ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ﴾، أي: اختبرناه وابتليناه. ﴿وَأَلْقَيْنَا عَلَىٰ كُرْسِيِّهِ جَسَداً﴾، أي: شيطاناً مثل بإنسان. ذكر أن اسمه صخر الجني، قاله ابن عباس، قال: الجسد: الجِنِّي الذي دفع إليه سليمان خاتمه فقذفه في البحر. وكان ملك سليمان في خاتمه. وهو قول الحسن وابن جبير ومجاهد. قال مجاهد: فقعد الجني على كرسي سليمان، ومنعه الله من نساء سليمان فلم يقربنه وأنكرنه. قال مجاهد: قال له سليمان: كيف تفتنون الناس؟ قال: أرني خاتمك أخبرك. فلما أعطاه إياه نبذه في البحر فساح سليمان وذهب ملكه. فكان سليمان يستطعم الناس فيقول: أتعرفوني؟! أطعموني، أنا سليمان! فيكذبونه حتى أطعمته امرأة يوماً حوتاً فوجد خاتمه في بطنه فرجع إليه ملكه وفر الجني في البحر. وكان مدة ذلك فيما ذكر: أربعين يوماً. وقال قتادة: "أمر سليمان ببناء بيت المقدس، فقيل له: ابْنِه، ولا يُسمع فيه صوت حديد. فطلب (علم ذلك فلم يقدر عليه، فقيل له: إن شيطاناً في البحر يقال له صخر، سيد الماردين. قال: فطلبه). وكانت عين في البحر يَرُدها ذلك الشيطان في كل سبعة أيام مرة فنزح ماؤها وجُعل فيه خمر. فجاء يوم وروده فإذا هو بالخمر، فقال: إنَّكِ لشراب طيب، إلا أنَّكِ تُصْبِينَ الحليم، وتزيدين الجاهل جهلاً! (قال: ثم رجع حتى عطش عطشاً شديداً، ثم أتاها فقال: إنك لشراب طيب، إلا أنك لتصبين الحليم وتزيدين الجاهل جهلاً!) ثم شربها حتى غلبت على عقله. قال: فأُرِيَ الخاتم، أو ختم به بين كتفيه فَذُلَّ - وكان ملك سليمان في خاتمه - فقال: إنا قد أمِرْنَا ببناء هذا البيت، وقيل لنا: لا يسمعن فيه صوت حديد. قال: فأتى إلى بيض الهدهد فجعل عليه زجاجة، فجاء الهدهد فدار حولها، فجعل يرى بيضه ولا يقدر (عليه فذهب فجاء) بالماس فوضعه على الزجاجة فقطعها به حتى أفضى إلى بيضه. فأخذوا الماس فجعلوا يقطعون به الحجارة. فكان سليمان إذا أراد أن يدخل الخلاء لم يدخل بخاتمه، فانطلق يوماً إلى الحمام وذلك الشيطان معه - وذلك عند مقارفة ذنب قارفه بعض نسائه - قال: فدخل الحمام، وأعطى الشيطان خاتمه، فألقاه في البحر فالتقمته سمكة، ونُزِعَ ملك سليمان منه، وأُلقِي على الشيطان شبه سليمان فجاء فقعد على كرسيه، وسُلِّطَ على مُلك سليمان كله غير نسائه. فكان يقضي بين الناس ينكرون منه أشياء حتى قالوا: لقد فتن سليمان نبي الله. وكان (فيهم رجل فيه قوة)، فقال: والله لأجربنه فقال له: يا نبي الله - وهو لا يرى إلا أنه نبي - أحدنا تصيبه الجنابة (من الليل) في الليلة الباردة فيدع الغسل مستعمداً حتى تطلع الشمس، أترى عليه بأساً؟ قال: لا. قال: فبينما هو كذلك أربعين ليلة حتى وجد نبي الله سليمان خاتمه في بطن سمكة فأقبل فجعل لا يستقبله جني ولا طير إلا سجد له حتى انتهى إليهم". وذكر السدي في هذه القصة مثل ذلك إلا أنه قال: "كانت لسليمان مائة امرأة، امرأة منهن يقال لها جرادة - وهي أَعَزُّ نسائه عنده وآمَنَهُنَّ - وكان يترك الخاتم عندها إذا دخل الخلاء، فجاءته يوماً (من الأيام) فسألته أن يقضي لأخيها في خصومة بينه وبين رجل، فقال لها: نعم، ولم يفعل، فابتلي. فأعطاها خاتمه ودخل الخلاء فأتاها الشيطان في صورة سليمان فأعطته الخاتم فذهب ملك سليمان وجلس الشيطان على كرسي سليمان أربعين يوماً يحكم بين الناس، فأنكر الناس أحكامه، فاجتمع علماء بني إسرائيل فدخلوا على نساء سليمان فقالوا: إنا قد أنكرناه. فإن كان هذا سليمان فقد ذهب عقله! فبكى النساء عند ذلك فأقبلوا يمشون حتى أتوه فأحدقوا به ثم نشروا التوراة فقرؤوا، فطار بين أيديهم حتى وقع على شرفة والخاتم معه، ثم طار حتى ذهب إلى البحر فوقع الخاتم منه، فابتلعه حوتٌ. قال: وأقبل سليمان في حاله التي كان فيها وهو جائع حتى انتهى إلى صياد من صيادي البحر فاستطعمه من صيده. فقال: إني أنا سليمان، فقام إليه بعضهم فضربه بعصاً فشج وجهه، فجعل يغسل دمه وهو على شاطئ البحر. فلام الصيادون صاحبهم الذي ضربه، ثم أعطوا سليمان سمكتين مما قد مَذَرَ عندهم - أي: نتن - فلم يشغله ما كان به من الضرب حتى قام إلى شاطئ البحر فشق بطونهما، فجعل يغسل، فوجد خاتمه في بطن إحداهما فأخذه ولبسه فَرَدَّ الله عليه بهاءه ومُلكه. وجاءت الطير حتى حامت عليه فعرف القوم أنه سليمان فقاموا يعتذرون مما صنعوا فقال: (ما أحببكم) على عذركم ولا ألومكم على ما كان منكم، كان هذا الأمر لا بد منه. فجاء حتى أتى مُلكه، فأرسل إلى الشيطان فجيء به - وسخر له الريح والشياطين يومئذ (ولم يسخر) له قبل ذلك - فجعل الشيطان في صندوق من حديد، ثم أطبق عليه وقفل عليه بقفل وختم عليه بخاتمه ثم أَمَرَ، فأُلقي في البحر، فهو فيه حتى تقوم الساعة" وقيل: أنه ولد له ولد ميت، وذلك أنه طاف على (جَوَارٍ له) وقال: أرجو أن تلد كل واحدة منهن (ذكرا، ولم يقل: إن شاء الله، فلم تحمل إلا واحدة منهن) ومات الولد وألقي على كرسيه. * * وقوله: ﴿ثُمَّ أَنَابَ﴾، أي: أناب سليمان فرجع إلى ملكه بعد زواله عنه. قال الضحاك: دخل سليمان على امرأة تبيع السمك فاشترى منها سمكة فشق بطنها فوجد خاتمه، فجعل لا يمر على شجرة ولا صخرة (ولا شيء) إلا سجد له، ثم أوتي مُلكه وأهله، فذلك قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَنَابَ﴾، أي: رجع. وقيل: "أناب": [تاب ورجع عما كان عليه. * * ثم قال تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ ٱغْفِرْ لِي﴾، أي: استر علي ذنبي الذي أذنبت]. بيني وبينك. ﴿وَهَبْ لِي مُلْكاً لاَّ يَنبَغِي لأَحَدٍ﴾، أي: لا تسلبنيه كما سلبنيه هذا الشيطان. قاله قتادة. وقيل: المعنى: لا يكون مثله لأحد من بعدي. ﴿إِنَّكَ أَنتَ ٱلْوَهَّابُ﴾، أي: تهب ما تشاء لمن تشاء. وقيل: المعنى: أعطني فضيلة ومنزلة. روى أبو عبيد في كتابه مواعظ الأنبياء أن سليمان عليه السلام لما بنى مسجد بيت المقدس ودخله خر ساجداً شكراً لله عز وجل وقال: يا رب، من دخله من تائب فَتُبْ عليه، أو مستغفر فاغفر له، أو سائل فأعطه. قال: ولما مات داود عليه السلام أوحى الله إلى سليمان أن سَلْنِي حاجتك. قال: أسألك أن تجعل قلبي يخشاك كما كان قلب أبي، وأن تجعل قلبي يحبك كما كان قلبي أبي. فقال الله جل ذكره: أرسلت إلى عبدي أسأله حاجته، فكانت حاجته أن أجعل قلبه يخشاني، وأن أجعل قلبه يحبني! لأَهَبَنَّ له مُلكاً لا ينبغي لأحد من بعده. فوفقه الله إلى أن سأل ذلك فأعطاه ذلك، وفي الآخرة لا حساب عليه فيه. ورُوي عن النبي ﷺ أنه قال: أرأيتم سليمان وما أُعطي من ملكه فإنه لم يرفع رأسه إلى السماء تخشعاً حتى قبضه الله عز وجل وروى أبو عبيد أن نملة قالت لسليمان: إني على قدري أشكر لله منك! وكان على فرس ذنوب فخر عنه ساجدا: (ثم قال: لولا أن أبخلك لسألتك أن تنزع عني ما أعطيتني). * * ثم قال تعالى: ﴿فَسَخَّرْنَا لَهُ ٱلرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَآءً﴾، أي: فاستجبنا دعاءه وأعطيناه مُلكاً لا ينبغي لأحد من بعده فسخرنا له الريح تجري بأمره رخاء. قال الحسن: إن نبي الله سليمان لما عُرضت عليه الخيل شغلته عن صلاة العصر، فغضب لله، فأمر بها فعُقِرت، فأبدله الله مكانها أسرع منها، فسخرت له الريح تجري بأمره رخاء. ﴿حَيْثُ أَصَابَ﴾: حيث شاء. قال مجاهد: رخاء: طيبة. وقال قتادة: رخاء: طيبة سريعة ليست بعاصف ولا بطيئة. وقال ابن زيد: الرخاء: اللينة. وقال ابن عباس: رخاء: مطيعة، وقاله الضحاك. وقال السدي: رخاء: طوعاً. * * وقوله: ﴿حَيْثُ أَصَابَ﴾، أي: حيث أراد: قاله ابن عباس والحسن وقتادة والسدي وابن زيد من قولهم: أصاب الله بك خيراً، أي: أراده الله بك خيراً. وقال مجاهد: "حيث أصاب: حيث شاء". * * ثم قال ﴿وَٱلشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّآءٍ وَغَوَّاصٍ﴾، أي: كل بناء يبني له ما يشاء من المحاريب والتماثيل، وكل غواص يستخرج له الحلي من البحار، وسخر له كل من ينحت له جفافاً وقدوراً، وآخرين مقرنين في الأصفاد، وهم: المردة من الشياطين. هذا كله قول قتادة. والأصفاد: السلاسل، قال السدي: مقرنين: تجمع يداه إلى عنقه. وواحد الأصفاد: صَفَد، كحَجَر. وقيل: واحدها: صفْد. كعدْل. وهي: الأغلال والسلاسل من الحديد، وكل من شددته شداً وثيقاً بالحديد فقد صفدته، وكذلك لكل من أعطيته عطاء جزيلاً كأنك أعطيته ما يرتبط له. واسم العطية الصفد. قال الضحاك: أعطى الله سليمان ملك داود وزاده الريح والشياطين. ثم قال تعالى ذكره: ﴿هَـٰذَا عَطَآؤُنَا فَٱمْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾، أي: هذا المُلك عطاؤنا فاعط ما شئت منه وامنع ما شئت لا حساب عليك. وقيل: المعنى: فاحبس ما شئت من الشياطين في وثاقك وسرح ما شئت منهم. وعن ابن عباس أن هذا إشارة إلى ما أُعطي سليمان من القوة على الجِمَاع. قال: كان في ظهره مائة مائة رجل، وكان له ثلاث مائة امرأة، وتسع مائة سرية. فالمعنى: فجامع من شئت، واترك جِمَاع من شئت بغير حساب عليك. وقال ابن مسعود: في الكلام تقديم وتأخير، والتقدير: هذا عطاؤنا بغير حساب، فامنن أو أمسك، فالمعنى: هذا عطاؤنا بغير منة عليك. ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لَزُلْفَىٰ وَحُسْنَ مَآبٍ﴾، أي: وإن لسليمان في الآخرة عند الله لقربة منه وحسن مرجع ومصير. وإنما رغب سليمان إلى الله في هذا الملك ليعلم منزلته عند الله، ودرجته، وقبول توبته، ومقدار إجابته له، لا لمحبته في الدنيا ورغبته فيها وجلالة قدرها عنده، بل كانت أهون عنده من ذلك. ويجوز أن يكون سأل ذلك ليقوى به على الجهاد في سبيل الله عز وجل، لا لمحبته في الدنيا وملكها. * * وقوله: ﴿لاَّ يَنبَغِي لأَحَدٍ مِّن بَعْدِيۤ﴾، الأحسن في تأويله: (لا أسلبه) كما سلبت ملكي قبل هذا، لا أنه بَخَّلَ على من بعده أن يكون له مثل ملكه بعد موته. وقيل: معناه: لا ينبغي لأحد من أهل زماني فيكون ذلك لي واختصاصي به دون غيري، حجة لي على نبوتي وأني رسولك إليهم. وإذا أتى بمثل ملكي غيري من أهل زماني لم يكن له حجة على من أرسلت إليه، إذ قد أوتي غيري مثل ما أوتيت. فانفرادي بذلك يدل على نبوتي وصدقي. إذْ كانت الرسل لا بد لها من أعلام تفارق بها سائر الناس. وذكر ابن وهب عن ابن شهاب أن سليمان عليه السلام كان إذا رأى ما هو فيه مما أعطاه الله قال: نموت وننسى.

ص 38:39

قوله تعالى ذكره: ﴿فَقَالَ إِنِّيۤ أَحْبَبْتُ حُبَّ ٱلْخَيْرِ﴾ - إلى قوله - ﴿لَزُلْفَىٰ وَحُسْنَ مَآبٍ﴾. قال ابن عباس: كان مما ورث سليمان من أبيه داود ألف فرس لا يعلم في الأرض مثلها. وكانت أحب إليه من كل ما ورث، وكان معجباً بها، فجلس مجلسه وقال: اعرضوا علي خيلي، فعرضت عليه بعد الظهر إلى غيبوبة الشمس وأغفل صلاة العصر: فقال: ما صليت العصر! ردوها علي فطفق يعرقبها ويضرب رقابها وكان الذي عرض عليه تسع مائة، وبقيت مائة لم تعرض عليه. فقال: هذه المائة التي لم تلهني عن صلاتي أحب إلي من التسع مائة. في الآية حذف دل عليه الكلام، والتقدير: إنه أواب إذ عُرض عليه بالعشي الصافنات الجياد، فلهى عن الصلاة حتى فاتته فغابت الشمس ولم يصل، وهو قوله ﴿حَتَّىٰ تَوَارَتْ بِٱلْحِجَابِ﴾. ﴿فَقَالَ إِنِّيۤ أَحْبَبْتُ حُبَّ ٱلْخَيْرِ﴾، أي: الخيل. والعرب سمي الخيل: الخير، والمال أيضاً يسمونه الخير. وفي الحديث: "الْخَيْلُ مَعْقُودٌ في نَواصِيَها الخَيْرُ إلى يَوْمِ الْقِيَامَةِ" ولما ورد زيد الخيل على النبي ﷺ قال له: أنت زيد الخير. وهو زيد بن مهلهل الشاعر. وقيل: المعنى، إنى أحببت حب الخير عن ذكر ربي، وذلك أنه كان في صلاة فجيء إليه بخيل لتعرض عليه قد غُنمت، فأشار بيده أنه يصلي. ﴿حَتَّىٰ تَوَارَتْ بِٱلْحِجَابِ﴾، أي: توارت الخيل، فسترها جدر الإصطبلات، فلما فرغ من صلاته قال: ﴿رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحاً بِٱلسُّوقِ﴾، أي: يمسحها مسحاً. فالضمير في "توارت" على هذا القول للخيل. وأكثر الناس على أنه للشمس وإن (لم يجر) لها ذكر، ولكن لما قال بالعشي دل على أن بعده غياب الشمس. قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه التي فاتته هي صلاة العصر وهو قول قتادة والسدي. وقيل: المعنى: إنى آثرت حب الخير عن ذكر ربي، أي: على ذكر ربي، ومنه قوله: ﴿فَٱسْتَحَبُّواْ ٱلْعَمَىٰ عَلَى ٱلْهُدَىٰ﴾ [فصلت: ١٧]، أي: آثروا الضبه على الهدى. وقيل: معنى أحببت: قعدت وتأخرت. يقال أحب الجمل وأحببت الناقة، إذا بركت وتأخرت. فالمعنى: إني قعدت عن ذكر ربي لحب الخير ﴿حَتَّىٰ تَوَارَتْ بِٱلْحِجَابِ﴾. إنى قعدت عن صلاة العصر حتى غابت الشمس. فيكون حب الخير مفعولاً به على قول من جعل أحببت بمعنى آثرت. ويكون مفعولاً من أجله على قول من جعل أحببت بمعنى تأخرت وقعدت. ولا يحسن أن ينصب على المصدر لأن المعنى على غير ذلك. * * ثم قال: ﴿رُدُّوهَا عَلَيَّ﴾، أي: ردوا الخيل عليَّ التي شغلتني على الصلاة. ﴿فَطَفِقَ مَسْحاً بِٱلسُّوقِ وَٱلأَعْنَاقِ﴾، أي: طفق يضرب أعناقها وسوقها. قال الحسن: قال سليمان: لا، والله لا تشغلني عن عبادة ربي فكشف عراقيبها وضرب أعناقها. ولم يكن له فعل ذلك إلا وقد أباح الله ذلك له. وقال ابن عباس: "جعل يمسح أعراف الخيل وعراقيبها حباً لها". قال بعض أهل العلم: هذا القول أحسن، لأنه نبي، ولم يكن ليعذب حيواناً بغير ذنب ويفسد مالاً بلا سبب. قال وهب بن منبه: كانت الريح تحمل سليمان وجنوده، وكانت تأتيه تُسمعه كلام كل متكلم، ولذلك سمع كلام النملة. قال: وإنه لمسير ذات يوم بجنده والريح تحمله (إذ مر برجل) من بني إسرائيل وهو في حرث له يثير على مسحاة له يفجر في حرث له من نهر له إذ التفت فرأى سليمان وجنده بين السماء والأرض تهوي به الريح. فقال: لقد آتاكم الله آل داود. قال: فاحتملت الريح كلامه فقذفته في أذن سليمان عليه السلام فقال سليمان للريح: احبس، فحبست. فنزل متقنعاً بِبُرْدٍ لَهُ حتى أتى الرجل فقال له: ماذا قلت؟! قال: رأيتك في سلطان الله الذي أتاك وما سخر لك، فقلت: لقد آتاكم الله آل داود. فقال: صدقت، كذلك قلت، كذلك سمعت ولذلك حينئذ تخوفاً عليك من الفتنة. تعلم، والذي نفس سليمان بيده، لثواب "سبحان الله" كلمة واحدة عند الله يوم القيامة أفضل من كل شيء رأيته أو أوتيه آل داود في الدنيا. قال له الرجل: فَرَّجْتَ هَمِّي، فرج الله همك. فقال له سليمان: وما همي؟ قال: أن تشكر ما أعطاك الله عز وجل. قال له سليمان: صدقت. وانطلق الى مركبه. ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ﴾، أي: اختبرناه وابتليناه. ﴿وَأَلْقَيْنَا عَلَىٰ كُرْسِيِّهِ جَسَداً﴾، أي: شيطاناً مثل بإنسان. ذكر أن اسمه صخر الجني، قاله ابن عباس، قال: الجسد: الجِنِّي الذي دفع إليه سليمان خاتمه فقذفه في البحر. وكان ملك سليمان في خاتمه. وهو قول الحسن وابن جبير ومجاهد. قال مجاهد: فقعد الجني على كرسي سليمان، ومنعه الله من نساء سليمان فلم يقربنه وأنكرنه. قال مجاهد: قال له سليمان: كيف تفتنون الناس؟ قال: أرني خاتمك أخبرك. فلما أعطاه إياه نبذه في البحر فساح سليمان وذهب ملكه. فكان سليمان يستطعم الناس فيقول: أتعرفوني؟! أطعموني، أنا سليمان! فيكذبونه حتى أطعمته امرأة يوماً حوتاً فوجد خاتمه في بطنه فرجع إليه ملكه وفر الجني في البحر. وكان مدة ذلك فيما ذكر: أربعين يوماً. وقال قتادة: "أمر سليمان ببناء بيت المقدس، فقيل له: ابْنِه، ولا يُسمع فيه صوت حديد. فطلب (علم ذلك فلم يقدر عليه، فقيل له: إن شيطاناً في البحر يقال له صخر، سيد الماردين. قال: فطلبه). وكانت عين في البحر يَرُدها ذلك الشيطان في كل سبعة أيام مرة فنزح ماؤها وجُعل فيه خمر. فجاء يوم وروده فإذا هو بالخمر، فقال: إنَّكِ لشراب طيب، إلا أنَّكِ تُصْبِينَ الحليم، وتزيدين الجاهل جهلاً! (قال: ثم رجع حتى عطش عطشاً شديداً، ثم أتاها فقال: إنك لشراب طيب، إلا أنك لتصبين الحليم وتزيدين الجاهل جهلاً!) ثم شربها حتى غلبت على عقله. قال: فأُرِيَ الخاتم، أو ختم به بين كتفيه فَذُلَّ - وكان ملك سليمان في خاتمه - فقال: إنا قد أمِرْنَا ببناء هذا البيت، وقيل لنا: لا يسمعن فيه صوت حديد. قال: فأتى إلى بيض الهدهد فجعل عليه زجاجة، فجاء الهدهد فدار حولها، فجعل يرى بيضه ولا يقدر (عليه فذهب فجاء) بالماس فوضعه على الزجاجة فقطعها به حتى أفضى إلى بيضه. فأخذوا الماس فجعلوا يقطعون به الحجارة. فكان سليمان إذا أراد أن يدخل الخلاء لم يدخل بخاتمه، فانطلق يوماً إلى الحمام وذلك الشيطان معه - وذلك عند مقارفة ذنب قارفه بعض نسائه - قال: فدخل الحمام، وأعطى الشيطان خاتمه، فألقاه في البحر فالتقمته سمكة، ونُزِعَ ملك سليمان منه، وأُلقِي على الشيطان شبه سليمان فجاء فقعد على كرسيه، وسُلِّطَ على مُلك سليمان كله غير نسائه. فكان يقضي بين الناس ينكرون منه أشياء حتى قالوا: لقد فتن سليمان نبي الله. وكان (فيهم رجل فيه قوة)، فقال: والله لأجربنه فقال له: يا نبي الله - وهو لا يرى إلا أنه نبي - أحدنا تصيبه الجنابة (من الليل) في الليلة الباردة فيدع الغسل مستعمداً حتى تطلع الشمس، أترى عليه بأساً؟ قال: لا. قال: فبينما هو كذلك أربعين ليلة حتى وجد نبي الله سليمان خاتمه في بطن سمكة فأقبل فجعل لا يستقبله جني ولا طير إلا سجد له حتى انتهى إليهم". وذكر السدي في هذه القصة مثل ذلك إلا أنه قال: "كانت لسليمان مائة امرأة، امرأة منهن يقال لها جرادة - وهي أَعَزُّ نسائه عنده وآمَنَهُنَّ - وكان يترك الخاتم عندها إذا دخل الخلاء، فجاءته يوماً (من الأيام) فسألته أن يقضي لأخيها في خصومة بينه وبين رجل، فقال لها: نعم، ولم يفعل، فابتلي. فأعطاها خاتمه ودخل الخلاء فأتاها الشيطان في صورة سليمان فأعطته الخاتم فذهب ملك سليمان وجلس الشيطان على كرسي سليمان أربعين يوماً يحكم بين الناس، فأنكر الناس أحكامه، فاجتمع علماء بني إسرائيل فدخلوا على نساء سليمان فقالوا: إنا قد أنكرناه. فإن كان هذا سليمان فقد ذهب عقله! فبكى النساء عند ذلك فأقبلوا يمشون حتى أتوه فأحدقوا به ثم نشروا التوراة فقرؤوا، فطار بين أيديهم حتى وقع على شرفة والخاتم معه، ثم طار حتى ذهب إلى البحر فوقع الخاتم منه، فابتلعه حوتٌ. قال: وأقبل سليمان في حاله التي كان فيها وهو جائع حتى انتهى إلى صياد من صيادي البحر فاستطعمه من صيده. فقال: إني أنا سليمان، فقام إليه بعضهم فضربه بعصاً فشج وجهه، فجعل يغسل دمه وهو على شاطئ البحر. فلام الصيادون صاحبهم الذي ضربه، ثم أعطوا سليمان سمكتين مما قد مَذَرَ عندهم - أي: نتن - فلم يشغله ما كان به من الضرب حتى قام إلى شاطئ البحر فشق بطونهما، فجعل يغسل، فوجد خاتمه في بطن إحداهما فأخذه ولبسه فَرَدَّ الله عليه بهاءه ومُلكه. وجاءت الطير حتى حامت عليه فعرف القوم أنه سليمان فقاموا يعتذرون مما صنعوا فقال: (ما أحببكم) على عذركم ولا ألومكم على ما كان منكم، كان هذا الأمر لا بد منه. فجاء حتى أتى مُلكه، فأرسل إلى الشيطان فجيء به - وسخر له الريح والشياطين يومئذ (ولم يسخر) له قبل ذلك - فجعل الشيطان في صندوق من حديد، ثم أطبق عليه وقفل عليه بقفل وختم عليه بخاتمه ثم أَمَرَ، فأُلقي في البحر، فهو فيه حتى تقوم الساعة" وقيل: أنه ولد له ولد ميت، وذلك أنه طاف على (جَوَارٍ له) وقال: أرجو أن تلد كل واحدة منهن (ذكرا، ولم يقل: إن شاء الله، فلم تحمل إلا واحدة منهن) ومات الولد وألقي على كرسيه. * * وقوله: ﴿ثُمَّ أَنَابَ﴾، أي: أناب سليمان فرجع إلى ملكه بعد زواله عنه. قال الضحاك: دخل سليمان على امرأة تبيع السمك فاشترى منها سمكة فشق بطنها فوجد خاتمه، فجعل لا يمر على شجرة ولا صخرة (ولا شيء) إلا سجد له، ثم أوتي مُلكه وأهله، فذلك قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَنَابَ﴾، أي: رجع. وقيل: "أناب": [تاب ورجع عما كان عليه. * * ثم قال تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ ٱغْفِرْ لِي﴾، أي: استر علي ذنبي الذي أذنبت]. بيني وبينك. ﴿وَهَبْ لِي مُلْكاً لاَّ يَنبَغِي لأَحَدٍ﴾، أي: لا تسلبنيه كما سلبنيه هذا الشيطان. قاله قتادة. وقيل: المعنى: لا يكون مثله لأحد من بعدي. ﴿إِنَّكَ أَنتَ ٱلْوَهَّابُ﴾، أي: تهب ما تشاء لمن تشاء. وقيل: المعنى: أعطني فضيلة ومنزلة. روى أبو عبيد في كتابه مواعظ الأنبياء أن سليمان عليه السلام لما بنى مسجد بيت المقدس ودخله خر ساجداً شكراً لله عز وجل وقال: يا رب، من دخله من تائب فَتُبْ عليه، أو مستغفر فاغفر له، أو سائل فأعطه. قال: ولما مات داود عليه السلام أوحى الله إلى سليمان أن سَلْنِي حاجتك. قال: أسألك أن تجعل قلبي يخشاك كما كان قلب أبي، وأن تجعل قلبي يحبك كما كان قلبي أبي. فقال الله جل ذكره: أرسلت إلى عبدي أسأله حاجته، فكانت حاجته أن أجعل قلبه يخشاني، وأن أجعل قلبه يحبني! لأَهَبَنَّ له مُلكاً لا ينبغي لأحد من بعده. فوفقه الله إلى أن سأل ذلك فأعطاه ذلك، وفي الآخرة لا حساب عليه فيه. ورُوي عن النبي ﷺ أنه قال: أرأيتم سليمان وما أُعطي من ملكه فإنه لم يرفع رأسه إلى السماء تخشعاً حتى قبضه الله عز وجل وروى أبو عبيد أن نملة قالت لسليمان: إني على قدري أشكر لله منك! وكان على فرس ذنوب فخر عنه ساجدا: (ثم قال: لولا أن أبخلك لسألتك أن تنزع عني ما أعطيتني). * * ثم قال تعالى: ﴿فَسَخَّرْنَا لَهُ ٱلرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَآءً﴾، أي: فاستجبنا دعاءه وأعطيناه مُلكاً لا ينبغي لأحد من بعده فسخرنا له الريح تجري بأمره رخاء. قال الحسن: إن نبي الله سليمان لما عُرضت عليه الخيل شغلته عن صلاة العصر، فغضب لله، فأمر بها فعُقِرت، فأبدله الله مكانها أسرع منها، فسخرت له الريح تجري بأمره رخاء. ﴿حَيْثُ أَصَابَ﴾: حيث شاء. قال مجاهد: رخاء: طيبة. وقال قتادة: رخاء: طيبة سريعة ليست بعاصف ولا بطيئة. وقال ابن زيد: الرخاء: اللينة. وقال ابن عباس: رخاء: مطيعة، وقاله الضحاك. وقال السدي: رخاء: طوعاً. * * وقوله: ﴿حَيْثُ أَصَابَ﴾، أي: حيث أراد: قاله ابن عباس والحسن وقتادة والسدي وابن زيد من قولهم: أصاب الله بك خيراً، أي: أراده الله بك خيراً. وقال مجاهد: "حيث أصاب: حيث شاء". * * ثم قال ﴿وَٱلشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّآءٍ وَغَوَّاصٍ﴾، أي: كل بناء يبني له ما يشاء من المحاريب والتماثيل، وكل غواص يستخرج له الحلي من البحار، وسخر له كل من ينحت له جفافاً وقدوراً، وآخرين مقرنين في الأصفاد، وهم: المردة من الشياطين. هذا كله قول قتادة. والأصفاد: السلاسل، قال السدي: مقرنين: تجمع يداه إلى عنقه. وواحد الأصفاد: صَفَد، كحَجَر. وقيل: واحدها: صفْد. كعدْل. وهي: الأغلال والسلاسل من الحديد، وكل من شددته شداً وثيقاً بالحديد فقد صفدته، وكذلك لكل من أعطيته عطاء جزيلاً كأنك أعطيته ما يرتبط له. واسم العطية الصفد. قال الضحاك: أعطى الله سليمان ملك داود وزاده الريح والشياطين. ثم قال تعالى ذكره: ﴿هَـٰذَا عَطَآؤُنَا فَٱمْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾، أي: هذا المُلك عطاؤنا فاعط ما شئت منه وامنع ما شئت لا حساب عليك. وقيل: المعنى: فاحبس ما شئت من الشياطين في وثاقك وسرح ما شئت منهم. وعن ابن عباس أن هذا إشارة إلى ما أُعطي سليمان من القوة على الجِمَاع. قال: كان في ظهره مائة مائة رجل، وكان له ثلاث مائة امرأة، وتسع مائة سرية. فالمعنى: فجامع من شئت، واترك جِمَاع من شئت بغير حساب عليك. وقال ابن مسعود: في الكلام تقديم وتأخير، والتقدير: هذا عطاؤنا بغير حساب، فامنن أو أمسك، فالمعنى: هذا عطاؤنا بغير منة عليك. ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لَزُلْفَىٰ وَحُسْنَ مَآبٍ﴾، أي: وإن لسليمان في الآخرة عند الله لقربة منه وحسن مرجع ومصير. وإنما رغب سليمان إلى الله في هذا الملك ليعلم منزلته عند الله، ودرجته، وقبول توبته، ومقدار إجابته له، لا لمحبته في الدنيا ورغبته فيها وجلالة قدرها عنده، بل كانت أهون عنده من ذلك. ويجوز أن يكون سأل ذلك ليقوى به على الجهاد في سبيل الله عز وجل، لا لمحبته في الدنيا وملكها. * * وقوله: ﴿لاَّ يَنبَغِي لأَحَدٍ مِّن بَعْدِيۤ﴾، الأحسن في تأويله: (لا أسلبه) كما سلبت ملكي قبل هذا، لا أنه بَخَّلَ على من بعده أن يكون له مثل ملكه بعد موته. وقيل: معناه: لا ينبغي لأحد من أهل زماني فيكون ذلك لي واختصاصي به دون غيري، حجة لي على نبوتي وأني رسولك إليهم. وإذا أتى بمثل ملكي غيري من أهل زماني لم يكن له حجة على من أرسلت إليه، إذ قد أوتي غيري مثل ما أوتيت. فانفرادي بذلك يدل على نبوتي وصدقي. إذْ كانت الرسل لا بد لها من أعلام تفارق بها سائر الناس. وذكر ابن وهب عن ابن شهاب أن سليمان عليه السلام كان إذا رأى ما هو فيه مما أعطاه الله قال: نموت وننسى.

ص 38:40

قوله تعالى ذكره: ﴿فَقَالَ إِنِّيۤ أَحْبَبْتُ حُبَّ ٱلْخَيْرِ﴾ - إلى قوله - ﴿لَزُلْفَىٰ وَحُسْنَ مَآبٍ﴾. قال ابن عباس: كان مما ورث سليمان من أبيه داود ألف فرس لا يعلم في الأرض مثلها. وكانت أحب إليه من كل ما ورث، وكان معجباً بها، فجلس مجلسه وقال: اعرضوا علي خيلي، فعرضت عليه بعد الظهر إلى غيبوبة الشمس وأغفل صلاة العصر: فقال: ما صليت العصر! ردوها علي فطفق يعرقبها ويضرب رقابها وكان الذي عرض عليه تسع مائة، وبقيت مائة لم تعرض عليه. فقال: هذه المائة التي لم تلهني عن صلاتي أحب إلي من التسع مائة. في الآية حذف دل عليه الكلام، والتقدير: إنه أواب إذ عُرض عليه بالعشي الصافنات الجياد، فلهى عن الصلاة حتى فاتته فغابت الشمس ولم يصل، وهو قوله ﴿حَتَّىٰ تَوَارَتْ بِٱلْحِجَابِ﴾. ﴿فَقَالَ إِنِّيۤ أَحْبَبْتُ حُبَّ ٱلْخَيْرِ﴾، أي: الخيل. والعرب سمي الخيل: الخير، والمال أيضاً يسمونه الخير. وفي الحديث: "الْخَيْلُ مَعْقُودٌ في نَواصِيَها الخَيْرُ إلى يَوْمِ الْقِيَامَةِ" ولما ورد زيد الخيل على النبي ﷺ قال له: أنت زيد الخير. وهو زيد بن مهلهل الشاعر. وقيل: المعنى، إنى أحببت حب الخير عن ذكر ربي، وذلك أنه كان في صلاة فجيء إليه بخيل لتعرض عليه قد غُنمت، فأشار بيده أنه يصلي. ﴿حَتَّىٰ تَوَارَتْ بِٱلْحِجَابِ﴾، أي: توارت الخيل، فسترها جدر الإصطبلات، فلما فرغ من صلاته قال: ﴿رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحاً بِٱلسُّوقِ﴾، أي: يمسحها مسحاً. فالضمير في "توارت" على هذا القول للخيل. وأكثر الناس على أنه للشمس وإن (لم يجر) لها ذكر، ولكن لما قال بالعشي دل على أن بعده غياب الشمس. قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه التي فاتته هي صلاة العصر وهو قول قتادة والسدي. وقيل: المعنى: إنى آثرت حب الخير عن ذكر ربي، أي: على ذكر ربي، ومنه قوله: ﴿فَٱسْتَحَبُّواْ ٱلْعَمَىٰ عَلَى ٱلْهُدَىٰ﴾ [فصلت: ١٧]، أي: آثروا الضبه على الهدى. وقيل: معنى أحببت: قعدت وتأخرت. يقال أحب الجمل وأحببت الناقة، إذا بركت وتأخرت. فالمعنى: إني قعدت عن ذكر ربي لحب الخير ﴿حَتَّىٰ تَوَارَتْ بِٱلْحِجَابِ﴾. إنى قعدت عن صلاة العصر حتى غابت الشمس. فيكون حب الخير مفعولاً به على قول من جعل أحببت بمعنى آثرت. ويكون مفعولاً من أجله على قول من جعل أحببت بمعنى تأخرت وقعدت. ولا يحسن أن ينصب على المصدر لأن المعنى على غير ذلك. * * ثم قال: ﴿رُدُّوهَا عَلَيَّ﴾، أي: ردوا الخيل عليَّ التي شغلتني على الصلاة. ﴿فَطَفِقَ مَسْحاً بِٱلسُّوقِ وَٱلأَعْنَاقِ﴾، أي: طفق يضرب أعناقها وسوقها. قال الحسن: قال سليمان: لا، والله لا تشغلني عن عبادة ربي فكشف عراقيبها وضرب أعناقها. ولم يكن له فعل ذلك إلا وقد أباح الله ذلك له. وقال ابن عباس: "جعل يمسح أعراف الخيل وعراقيبها حباً لها". قال بعض أهل العلم: هذا القول أحسن، لأنه نبي، ولم يكن ليعذب حيواناً بغير ذنب ويفسد مالاً بلا سبب. قال وهب بن منبه: كانت الريح تحمل سليمان وجنوده، وكانت تأتيه تُسمعه كلام كل متكلم، ولذلك سمع كلام النملة. قال: وإنه لمسير ذات يوم بجنده والريح تحمله (إذ مر برجل) من بني إسرائيل وهو في حرث له يثير على مسحاة له يفجر في حرث له من نهر له إذ التفت فرأى سليمان وجنده بين السماء والأرض تهوي به الريح. فقال: لقد آتاكم الله آل داود. قال: فاحتملت الريح كلامه فقذفته في أذن سليمان عليه السلام فقال سليمان للريح: احبس، فحبست. فنزل متقنعاً بِبُرْدٍ لَهُ حتى أتى الرجل فقال له: ماذا قلت؟! قال: رأيتك في سلطان الله الذي أتاك وما سخر لك، فقلت: لقد آتاكم الله آل داود. فقال: صدقت، كذلك قلت، كذلك سمعت ولذلك حينئذ تخوفاً عليك من الفتنة. تعلم، والذي نفس سليمان بيده، لثواب "سبحان الله" كلمة واحدة عند الله يوم القيامة أفضل من كل شيء رأيته أو أوتيه آل داود في الدنيا. قال له الرجل: فَرَّجْتَ هَمِّي، فرج الله همك. فقال له سليمان: وما همي؟ قال: أن تشكر ما أعطاك الله عز وجل. قال له سليمان: صدقت. وانطلق الى مركبه. ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ﴾، أي: اختبرناه وابتليناه. ﴿وَأَلْقَيْنَا عَلَىٰ كُرْسِيِّهِ جَسَداً﴾، أي: شيطاناً مثل بإنسان. ذكر أن اسمه صخر الجني، قاله ابن عباس، قال: الجسد: الجِنِّي الذي دفع إليه سليمان خاتمه فقذفه في البحر. وكان ملك سليمان في خاتمه. وهو قول الحسن وابن جبير ومجاهد. قال مجاهد: فقعد الجني على كرسي سليمان، ومنعه الله من نساء سليمان فلم يقربنه وأنكرنه. قال مجاهد: قال له سليمان: كيف تفتنون الناس؟ قال: أرني خاتمك أخبرك. فلما أعطاه إياه نبذه في البحر فساح سليمان وذهب ملكه. فكان سليمان يستطعم الناس فيقول: أتعرفوني؟! أطعموني، أنا سليمان! فيكذبونه حتى أطعمته امرأة يوماً حوتاً فوجد خاتمه في بطنه فرجع إليه ملكه وفر الجني في البحر. وكان مدة ذلك فيما ذكر: أربعين يوماً. وقال قتادة: "أمر سليمان ببناء بيت المقدس، فقيل له: ابْنِه، ولا يُسمع فيه صوت حديد. فطلب (علم ذلك فلم يقدر عليه، فقيل له: إن شيطاناً في البحر يقال له صخر، سيد الماردين. قال: فطلبه). وكانت عين في البحر يَرُدها ذلك الشيطان في كل سبعة أيام مرة فنزح ماؤها وجُعل فيه خمر. فجاء يوم وروده فإذا هو بالخمر، فقال: إنَّكِ لشراب طيب، إلا أنَّكِ تُصْبِينَ الحليم، وتزيدين الجاهل جهلاً! (قال: ثم رجع حتى عطش عطشاً شديداً، ثم أتاها فقال: إنك لشراب طيب، إلا أنك لتصبين الحليم وتزيدين الجاهل جهلاً!) ثم شربها حتى غلبت على عقله. قال: فأُرِيَ الخاتم، أو ختم به بين كتفيه فَذُلَّ - وكان ملك سليمان في خاتمه - فقال: إنا قد أمِرْنَا ببناء هذا البيت، وقيل لنا: لا يسمعن فيه صوت حديد. قال: فأتى إلى بيض الهدهد فجعل عليه زجاجة، فجاء الهدهد فدار حولها، فجعل يرى بيضه ولا يقدر (عليه فذهب فجاء) بالماس فوضعه على الزجاجة فقطعها به حتى أفضى إلى بيضه. فأخذوا الماس فجعلوا يقطعون به الحجارة. فكان سليمان إذا أراد أن يدخل الخلاء لم يدخل بخاتمه، فانطلق يوماً إلى الحمام وذلك الشيطان معه - وذلك عند مقارفة ذنب قارفه بعض نسائه - قال: فدخل الحمام، وأعطى الشيطان خاتمه، فألقاه في البحر فالتقمته سمكة، ونُزِعَ ملك سليمان منه، وأُلقِي على الشيطان شبه سليمان فجاء فقعد على كرسيه، وسُلِّطَ على مُلك سليمان كله غير نسائه. فكان يقضي بين الناس ينكرون منه أشياء حتى قالوا: لقد فتن سليمان نبي الله. وكان (فيهم رجل فيه قوة)، فقال: والله لأجربنه فقال له: يا نبي الله - وهو لا يرى إلا أنه نبي - أحدنا تصيبه الجنابة (من الليل) في الليلة الباردة فيدع الغسل مستعمداً حتى تطلع الشمس، أترى عليه بأساً؟ قال: لا. قال: فبينما هو كذلك أربعين ليلة حتى وجد نبي الله سليمان خاتمه في بطن سمكة فأقبل فجعل لا يستقبله جني ولا طير إلا سجد له حتى انتهى إليهم". وذكر السدي في هذه القصة مثل ذلك إلا أنه قال: "كانت لسليمان مائة امرأة، امرأة منهن يقال لها جرادة - وهي أَعَزُّ نسائه عنده وآمَنَهُنَّ - وكان يترك الخاتم عندها إذا دخل الخلاء، فجاءته يوماً (من الأيام) فسألته أن يقضي لأخيها في خصومة بينه وبين رجل، فقال لها: نعم، ولم يفعل، فابتلي. فأعطاها خاتمه ودخل الخلاء فأتاها الشيطان في صورة سليمان فأعطته الخاتم فذهب ملك سليمان وجلس الشيطان على كرسي سليمان أربعين يوماً يحكم بين الناس، فأنكر الناس أحكامه، فاجتمع علماء بني إسرائيل فدخلوا على نساء سليمان فقالوا: إنا قد أنكرناه. فإن كان هذا سليمان فقد ذهب عقله! فبكى النساء عند ذلك فأقبلوا يمشون حتى أتوه فأحدقوا به ثم نشروا التوراة فقرؤوا، فطار بين أيديهم حتى وقع على شرفة والخاتم معه، ثم طار حتى ذهب إلى البحر فوقع الخاتم منه، فابتلعه حوتٌ. قال: وأقبل سليمان في حاله التي كان فيها وهو جائع حتى انتهى إلى صياد من صيادي البحر فاستطعمه من صيده. فقال: إني أنا سليمان، فقام إليه بعضهم فضربه بعصاً فشج وجهه، فجعل يغسل دمه وهو على شاطئ البحر. فلام الصيادون صاحبهم الذي ضربه، ثم أعطوا سليمان سمكتين مما قد مَذَرَ عندهم - أي: نتن - فلم يشغله ما كان به من الضرب حتى قام إلى شاطئ البحر فشق بطونهما، فجعل يغسل، فوجد خاتمه في بطن إحداهما فأخذه ولبسه فَرَدَّ الله عليه بهاءه ومُلكه. وجاءت الطير حتى حامت عليه فعرف القوم أنه سليمان فقاموا يعتذرون مما صنعوا فقال: (ما أحببكم) على عذركم ولا ألومكم على ما كان منكم، كان هذا الأمر لا بد منه. فجاء حتى أتى مُلكه، فأرسل إلى الشيطان فجيء به - وسخر له الريح والشياطين يومئذ (ولم يسخر) له قبل ذلك - فجعل الشيطان في صندوق من حديد، ثم أطبق عليه وقفل عليه بقفل وختم عليه بخاتمه ثم أَمَرَ، فأُلقي في البحر، فهو فيه حتى تقوم الساعة" وقيل: أنه ولد له ولد ميت، وذلك أنه طاف على (جَوَارٍ له) وقال: أرجو أن تلد كل واحدة منهن (ذكرا، ولم يقل: إن شاء الله، فلم تحمل إلا واحدة منهن) ومات الولد وألقي على كرسيه. * * وقوله: ﴿ثُمَّ أَنَابَ﴾، أي: أناب سليمان فرجع إلى ملكه بعد زواله عنه. قال الضحاك: دخل سليمان على امرأة تبيع السمك فاشترى منها سمكة فشق بطنها فوجد خاتمه، فجعل لا يمر على شجرة ولا صخرة (ولا شيء) إلا سجد له، ثم أوتي مُلكه وأهله، فذلك قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَنَابَ﴾، أي: رجع. وقيل: "أناب": [تاب ورجع عما كان عليه. * * ثم قال تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ ٱغْفِرْ لِي﴾، أي: استر علي ذنبي الذي أذنبت]. بيني وبينك. ﴿وَهَبْ لِي مُلْكاً لاَّ يَنبَغِي لأَحَدٍ﴾، أي: لا تسلبنيه كما سلبنيه هذا الشيطان. قاله قتادة. وقيل: المعنى: لا يكون مثله لأحد من بعدي. ﴿إِنَّكَ أَنتَ ٱلْوَهَّابُ﴾، أي: تهب ما تشاء لمن تشاء. وقيل: المعنى: أعطني فضيلة ومنزلة. روى أبو عبيد في كتابه مواعظ الأنبياء أن سليمان عليه السلام لما بنى مسجد بيت المقدس ودخله خر ساجداً شكراً لله عز وجل وقال: يا رب، من دخله من تائب فَتُبْ عليه، أو مستغفر فاغفر له، أو سائل فأعطه. قال: ولما مات داود عليه السلام أوحى الله إلى سليمان أن سَلْنِي حاجتك. قال: أسألك أن تجعل قلبي يخشاك كما كان قلب أبي، وأن تجعل قلبي يحبك كما كان قلبي أبي. فقال الله جل ذكره: أرسلت إلى عبدي أسأله حاجته، فكانت حاجته أن أجعل قلبه يخشاني، وأن أجعل قلبه يحبني! لأَهَبَنَّ له مُلكاً لا ينبغي لأحد من بعده. فوفقه الله إلى أن سأل ذلك فأعطاه ذلك، وفي الآخرة لا حساب عليه فيه. ورُوي عن النبي ﷺ أنه قال: أرأيتم سليمان وما أُعطي من ملكه فإنه لم يرفع رأسه إلى السماء تخشعاً حتى قبضه الله عز وجل وروى أبو عبيد أن نملة قالت لسليمان: إني على قدري أشكر لله منك! وكان على فرس ذنوب فخر عنه ساجدا: (ثم قال: لولا أن أبخلك لسألتك أن تنزع عني ما أعطيتني). * * ثم قال تعالى: ﴿فَسَخَّرْنَا لَهُ ٱلرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَآءً﴾، أي: فاستجبنا دعاءه وأعطيناه مُلكاً لا ينبغي لأحد من بعده فسخرنا له الريح تجري بأمره رخاء. قال الحسن: إن نبي الله سليمان لما عُرضت عليه الخيل شغلته عن صلاة العصر، فغضب لله، فأمر بها فعُقِرت، فأبدله الله مكانها أسرع منها، فسخرت له الريح تجري بأمره رخاء. ﴿حَيْثُ أَصَابَ﴾: حيث شاء. قال مجاهد: رخاء: طيبة. وقال قتادة: رخاء: طيبة سريعة ليست بعاصف ولا بطيئة. وقال ابن زيد: الرخاء: اللينة. وقال ابن عباس: رخاء: مطيعة، وقاله الضحاك. وقال السدي: رخاء: طوعاً. * * وقوله: ﴿حَيْثُ أَصَابَ﴾، أي: حيث أراد: قاله ابن عباس والحسن وقتادة والسدي وابن زيد من قولهم: أصاب الله بك خيراً، أي: أراده الله بك خيراً. وقال مجاهد: "حيث أصاب: حيث شاء". * * ثم قال ﴿وَٱلشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّآءٍ وَغَوَّاصٍ﴾، أي: كل بناء يبني له ما يشاء من المحاريب والتماثيل، وكل غواص يستخرج له الحلي من البحار، وسخر له كل من ينحت له جفافاً وقدوراً، وآخرين مقرنين في الأصفاد، وهم: المردة من الشياطين. هذا كله قول قتادة. والأصفاد: السلاسل، قال السدي: مقرنين: تجمع يداه إلى عنقه. وواحد الأصفاد: صَفَد، كحَجَر. وقيل: واحدها: صفْد. كعدْل. وهي: الأغلال والسلاسل من الحديد، وكل من شددته شداً وثيقاً بالحديد فقد صفدته، وكذلك لكل من أعطيته عطاء جزيلاً كأنك أعطيته ما يرتبط له. واسم العطية الصفد. قال الضحاك: أعطى الله سليمان ملك داود وزاده الريح والشياطين. ثم قال تعالى ذكره: ﴿هَـٰذَا عَطَآؤُنَا فَٱمْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾، أي: هذا المُلك عطاؤنا فاعط ما شئت منه وامنع ما شئت لا حساب عليك. وقيل: المعنى: فاحبس ما شئت من الشياطين في وثاقك وسرح ما شئت منهم. وعن ابن عباس أن هذا إشارة إلى ما أُعطي سليمان من القوة على الجِمَاع. قال: كان في ظهره مائة مائة رجل، وكان له ثلاث مائة امرأة، وتسع مائة سرية. فالمعنى: فجامع من شئت، واترك جِمَاع من شئت بغير حساب عليك. وقال ابن مسعود: في الكلام تقديم وتأخير، والتقدير: هذا عطاؤنا بغير حساب، فامنن أو أمسك، فالمعنى: هذا عطاؤنا بغير منة عليك. ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لَزُلْفَىٰ وَحُسْنَ مَآبٍ﴾، أي: وإن لسليمان في الآخرة عند الله لقربة منه وحسن مرجع ومصير. وإنما رغب سليمان إلى الله في هذا الملك ليعلم منزلته عند الله، ودرجته، وقبول توبته، ومقدار إجابته له، لا لمحبته في الدنيا ورغبته فيها وجلالة قدرها عنده، بل كانت أهون عنده من ذلك. ويجوز أن يكون سأل ذلك ليقوى به على الجهاد في سبيل الله عز وجل، لا لمحبته في الدنيا وملكها. * * وقوله: ﴿لاَّ يَنبَغِي لأَحَدٍ مِّن بَعْدِيۤ﴾، الأحسن في تأويله: (لا أسلبه) كما سلبت ملكي قبل هذا، لا أنه بَخَّلَ على من بعده أن يكون له مثل ملكه بعد موته. وقيل: معناه: لا ينبغي لأحد من أهل زماني فيكون ذلك لي واختصاصي به دون غيري، حجة لي على نبوتي وأني رسولك إليهم. وإذا أتى بمثل ملكي غيري من أهل زماني لم يكن له حجة على من أرسلت إليه، إذ قد أوتي غيري مثل ما أوتيت. فانفرادي بذلك يدل على نبوتي وصدقي. إذْ كانت الرسل لا بد لها من أعلام تفارق بها سائر الناس. وذكر ابن وهب عن ابن شهاب أن سليمان عليه السلام كان إذا رأى ما هو فيه مما أعطاه الله قال: نموت وننسى.

ص 38:41

قوله تعالى ذكره: ﴿وَٱذْكُرْ عَبْدَنَآ أَيُّوبَ إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ﴾ - إلى قوله - ﴿إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾، أي: واذكر يا محمد أيوب إذ نادى ربه مستغيثاً به مما نزل به. * * ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ ٱلشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ﴾. قال قتادة: هو ذهاب المال والأهل، والضر الذي أصابه في جسده، ابتُلي سبع سنين وأشهراً ملقى على كناسة بني إسرائيل تختلف الدواب في جسده، ففرج الله عنه، وعظم له الأجر، وأحسن عليه الثناء. قال السدي: معناه: بنصب في جسدي، وعذاب في مالي. وروى الطبري عن وهب بن منبه أنه قال: كان أيوب ﷺ رجلاً من الروم من ذرية عيصا بن إسحاق بن إبراهيم. ومن الرواة من يقول في عيصا: العيص بن إسحاق. وروي أن أيوب تزوج ابنة يعقوب واسمها ليا؛ وهي التي أقسم أيوب ليضربها مائة ضربة، فبَّر الله عز وجل يمينه. وكانت أم أيوب بنت لوط. وقيل: كانت زوجة أيوب: رحمة ابنة أفريق بن يوسف بن يعقوب. قال وهب: إن إبليس اللعين سمع تجاوب ملائكة السماوات بالصلاة على أيوب حين ذكر ربه وأثنى عليه، فأدرك إبليس الحسدُ والبغيُ، فسأل الله عز وجل أن يسلطه عليه ليفتنه عن دينه، فسلط على ماله دون جسده وعقله، فأذهب الله ماله كله، فشكر أيوب ربه عز وجل ولم يغيره ذلك عن عبادة ربه سبحانه. فسأل إبليس الله عز وجل أن يُسلطه على ولده، فأهلك ولده، فشكر أيوب ربه ولم يغيره ذلك عن عبادة ربه تعالى. فسأل إبليس الله أن يسلطه على جسده، فسلط عليه دون لسانه وقلبه وعقله، فجاءه وهو ساجد فنفخ في منخره نفخة اشتعل منها جسده؛ فصار أمره إلى أن تناثر لحمه، فأخرجه أهل القرية من القرية إلى كناسة خارج القرية، فلم يغيره ذلك عن ذكر (ربه وعبادته). قال ابن عباس: لما أصاب أيوب البلاء، أخذ إبليس تابوتاً وقعد على الطريق يداوي الناس. فجاءته امرأة أيوب، فقالت له: أتداوي رجلاً به علة كذا وكذا؟ قال: نعم، بشرط على أني (إن شفيته قال لي): أنت شفيتني لا أريد منه أجراً غير هذا. فجاءت امرأة أيوب إلى أيوب، فقال: ذلك الشيطان! والله لئن بَرَأْتُ لأضربنك مائة فلما برأ أخذ شمراخاً فيه مائة عرجون فضربها به ضربة. فيكون "النُّصْبُ" على هذا، ما ألقاه الشيطان إليه ووسوس به إلى امرأته. وقرأ الحسن: "بَنَصَبٍ" بفتح النون والصاد. وهما لغتان، كالحُزْن والحَزَن. وقيل: من ضم النون جعله جمع نَصَب، (كَوَثَن وَوُثْن). فأما قوله: ﴿وَمَا ذُبِحَ عَلَى ٱلنُّصُبِ﴾ [المائدة: ٣]"، فهو جمع نصاب. وقوله ﴿ٱرْكُضْ بِرِجْلِكَ هَـٰذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ﴾. في الكلام حذف، والتقدير: فاستجبنا له إذ نادى، وقلنا له اركض برجلك الأرض، أي: حركها وادفعها برجلك. والركض: حركة الرجل. قال المبرد: الركض: التحريك، ولهذا قال الأصمعي: يقال: رَكَضْتُ الدابة، ولا يقال: رَكَضَتْ (هي، لأن الركض حركة الرِّجْلِ من راكبها، ولا فعل لها في ذلك الوقت. وحكى سيبويه: (ركضتُ) الدابة فركضت، مثل جَبَرْتُ العظم فجبر. * * قوله: ﴿هَـٰذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ﴾. قال قتادة: "ضرب برجله أرضاً يقال لها الجابية، فإذا عينان تنبعان، فشرب من إحداهما واغتسل من الأخرى". قال وهب: فركض برجله فانفجرت له عين فدخل فيها فاغتسل فأذهب الله عز وجل عنه كل ما كان فيه من البلاء. قال الحسن: فركض برجله فنبعت عين فاغتسل منها، ثم مشى نحواً من أربعين ذراعاً ثم ركض برجله، فنبعت عين، فشرب منها فذلك قوله: ﴿هَـٰذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ﴾ فالموضع الذي يغتسل فيه يسمى مغتسلاً. * * ثم قال تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَّعَهُمْ﴾. قال مجاهد: رَدَّ الله عليه أهله وأعطاه مثلهم معهم في الآخرة. وقال الحسن وقتادة: فأحيا الله جل وعز له أهله بأعيانهن وزاده في الدنيا مثلهم. (وهو قول ابن مسعود). وقيل: إنما رد الله عليه من غاب من أهله وولده مثل من مات منهم، وأعطي من نسلهم مثلهم. * * وقوله: ﴿رَحْمَةً مِّنَّا﴾ أي: رحمناه رحمة. وقال الزجاج: نصب رحمة على أنه مفعول له. * * ثم قال: ﴿وَذِكْرَىٰ لأُوْلِي ٱلأَلْبَابِ﴾، أي: فعلنا به ذلك للرحمة وليتذكر وليتعظ به أولوا العقول إذا ابتلوا فيصبرو كما صبر أيوب. وروي أن أيوب كان نبياً في عهد يعقوب النبي ﷺ. وكان عمر أيوب ثلاثاً وتسعين سنة، وذا الكفل هو ولد أيوب، واسمه شبر بن أيوب. وفيه اختلاف، وقد ذكرناه في غير هذا الموضع. وروى أنس أن النبي ﷺ قال: "إن نبي الله أيوب لبث به بلاؤه ثماني عشر سنة فرفضه القريب والبعيد إلا رجلين من إخوانه، كانا من أخص إخوانه به، كانا يغدوان إليه ويروحان. فقال أحدهما لصاحبه: تعلم، والله لقد أذنب أيوب ذنباً ما أذنبه أحد من العالمين! قال له صاحبه: وما ذاك؟! قال: منذ ثماني عشرة سنة لم يرحمه الله فيكشف ما به. فلما راحا إليه لم يصبر الرجل حتى ذكر ذلك له. فقال له أيوب: ما أدري ما تقول، غير أن الله عز وجل يعلم أني كنت أمر على الرجلين يتنازعان فيذكران الله - أي: يحلفان به - فأرجع إلى بيتي (فأكفر عنهما) كراهية أن يذكر الله إلا في حق. قال: وكان يخرج إلى حاجته، فإذا قضاها أمسكت امرأته بيده حتى يبلغ، قال: فلما كان ذات يوم أبطأ عليها وأوحى الله جل ذكره إلى أيوب في مكانه أن اركض برجلك، هذا مغتسل بارد وشراب. فاستبطأته فتلقته وأقبل عليها قد أذهب الله ما به من البلاء وهو على خير ما كان. فلما رأته قالت: بارك الله فيك، هل رأيت نبي الله، هذا المبتلى؟ فوالله - على ذلك - ما رأيت رجلاً أشبه به منك إذ كان صحيحاً! قال: فإني أنا هو!! قال: وكان له أندران: أندر القمح، وأندر الشعير قال: فبعث الله عز وجل سحابتين، فلما كانت إحداهما على أندر القمح أفرغت فيه الذهب حتى فاض، وأفرغت الأخرى على أندر الشعير الورق حتى فاض وقوله تعالى: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً﴾ الضغث: ما يجمع من شيء من الرطب ويحمل الكف من الحشيش أو الشماريخ ونحو ذلك. قال ابن عباس، أُمر أن يأخذ حزمة من رطبة بقدر ما حلف عليه فيضربها به. قال الحسن مكث أيوب مطروحاً على كناسة سبع سنين وأشهراً، ما يسأل الله أن يكشف ما به. قال: وما على الأرض أكرم على الله من أيوب. فقال بعض الناس: لو كان لرب هذا فيه حاجة ما ضيع هذا. قال: فعند ذلك دعا أيوب ربه فكشف ما به. قال قتادة: كان إبليس قد تعرض لامرأته فقال لها: لو تكلمت كذا وكذا شفيته. فحلف أيوب لئن شفاه الله ليجلدنها مائة جلدة. فأمر أن يأخذ أصلاً فيه تسعة وتسعون قضيباً، والأصل تكملة المائة، فيضربها به ضربة واحدة فيبر من يمينه ويخفف الله بذلك عن امرأته. قال الضحاك: ضغثاً، يعني: من الشجر الرطب. كان حلف على يمين فأخذ من الشجر عدد ما حلف عليه فضرب به ضربة واحدة فَبَرَّت يمينه، وهو في الناس اليوم: يمين أيوب. من أخذ بها فهو أحسن. قال عطاء: هذا لجميع الناس، وقال مجاهد وغيره: هو خاص لأيوب، لا يعمل به غيره ولا يجزيه، وهو قول مالك، وهو قول جماعة العلماء إلا الشافعي فإنه أجاز لمن حلف على عشر ضربات فضرب بشمراخ فيه عشر قضبان مرة فأصابت المضروب أنه يبر قال ابن جبير: يعني بالضغث قبضة من المكانس. * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِراً﴾. أي: على البلاء. ﴿نِّعْمَ ٱلْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾، أي: رجاع عن معصية الله إلى طاعته. قال ابن عباس: اتخذ إبليس تابوتاً وقعد على الطريق يداوي الناس، فأتته امرأة أيوب، فقالت: إن هاهنا إنساناً مبتلى من أمره كذا، هل لك أن تداويه؟ قال: نعم، على أني إن شفيته أن يقول كلمة واحدة. يقول: أنت شفيتني؛ لا أريد منه أجراً غيرها. فأخبرت بذلك أيوب. فقال: ويحك! ذلك الشيطان! لله عَلَيَّ إن شفاني الله أن أجلدك مائة جلدة. فلما شفاه الله أمره أن يأخذ ضغثاً (فيضربها به). فأخذ شماريخ قدر مائة فضربها به ضربة واحدة. وقال غير ابن عباس، إنما نذر أن يضربها حين باعت شعرها بالطعام فافتقده وخافها على نفسها. ويروى أن أيوب عليه السلام لم يدع في بلائه، وصبر حتى نال ثلاثة أشياء، فعند ذلك دعا الله عز وجل: وذلك أن صديقين له بالشام بلغهما خبره فتزودا ومضيا لزيارته فوجداه في منزله لم يبق منه إلا عيناه، فقالا له: أنت أيوب! فقال: نعم فقالا له: لو كان عملك - الذي رأيناه - يُفْضَى به إلى الله عز وجل ما لقيت الذي نرى. فقال لهما: وأنتما تقولان ذلك لي! فَبَلَغَ ذلك منه. والثانية أن امرأته قطعت ثلاثة ذوائب لها وباعتها في طعامه. فلما علم ذلك، عَظُمَ عليه، وبلغ ذلك منه. فهذه ثانية والثالثة: قبول امرأته من إبليس إذا أراد أن يحتال عليها، فعند ذلك تواعدها، وأقسم لئن شفاه الله ليضربنها مائة ضربة. وعند ذلك دعا إلى الله فشفاه الله.

ص 38:42

قوله تعالى ذكره: ﴿وَٱذْكُرْ عَبْدَنَآ أَيُّوبَ إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ﴾ - إلى قوله - ﴿إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾، أي: واذكر يا محمد أيوب إذ نادى ربه مستغيثاً به مما نزل به. * * ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ ٱلشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ﴾. قال قتادة: هو ذهاب المال والأهل، والضر الذي أصابه في جسده، ابتُلي سبع سنين وأشهراً ملقى على كناسة بني إسرائيل تختلف الدواب في جسده، ففرج الله عنه، وعظم له الأجر، وأحسن عليه الثناء. قال السدي: معناه: بنصب في جسدي، وعذاب في مالي. وروى الطبري عن وهب بن منبه أنه قال: كان أيوب ﷺ رجلاً من الروم من ذرية عيصا بن إسحاق بن إبراهيم. ومن الرواة من يقول في عيصا: العيص بن إسحاق. وروي أن أيوب تزوج ابنة يعقوب واسمها ليا؛ وهي التي أقسم أيوب ليضربها مائة ضربة، فبَّر الله عز وجل يمينه. وكانت أم أيوب بنت لوط. وقيل: كانت زوجة أيوب: رحمة ابنة أفريق بن يوسف بن يعقوب. قال وهب: إن إبليس اللعين سمع تجاوب ملائكة السماوات بالصلاة على أيوب حين ذكر ربه وأثنى عليه، فأدرك إبليس الحسدُ والبغيُ، فسأل الله عز وجل أن يسلطه عليه ليفتنه عن دينه، فسلط على ماله دون جسده وعقله، فأذهب الله ماله كله، فشكر أيوب ربه عز وجل ولم يغيره ذلك عن عبادة ربه سبحانه. فسأل إبليس الله عز وجل أن يُسلطه على ولده، فأهلك ولده، فشكر أيوب ربه ولم يغيره ذلك عن عبادة ربه تعالى. فسأل إبليس الله أن يسلطه على جسده، فسلط عليه دون لسانه وقلبه وعقله، فجاءه وهو ساجد فنفخ في منخره نفخة اشتعل منها جسده؛ فصار أمره إلى أن تناثر لحمه، فأخرجه أهل القرية من القرية إلى كناسة خارج القرية، فلم يغيره ذلك عن ذكر (ربه وعبادته). قال ابن عباس: لما أصاب أيوب البلاء، أخذ إبليس تابوتاً وقعد على الطريق يداوي الناس. فجاءته امرأة أيوب، فقالت له: أتداوي رجلاً به علة كذا وكذا؟ قال: نعم، بشرط على أني (إن شفيته قال لي): أنت شفيتني لا أريد منه أجراً غير هذا. فجاءت امرأة أيوب إلى أيوب، فقال: ذلك الشيطان! والله لئن بَرَأْتُ لأضربنك مائة فلما برأ أخذ شمراخاً فيه مائة عرجون فضربها به ضربة. فيكون "النُّصْبُ" على هذا، ما ألقاه الشيطان إليه ووسوس به إلى امرأته. وقرأ الحسن: "بَنَصَبٍ" بفتح النون والصاد. وهما لغتان، كالحُزْن والحَزَن. وقيل: من ضم النون جعله جمع نَصَب، (كَوَثَن وَوُثْن). فأما قوله: ﴿وَمَا ذُبِحَ عَلَى ٱلنُّصُبِ﴾ [المائدة: ٣]"، فهو جمع نصاب. وقوله ﴿ٱرْكُضْ بِرِجْلِكَ هَـٰذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ﴾. في الكلام حذف، والتقدير: فاستجبنا له إذ نادى، وقلنا له اركض برجلك الأرض، أي: حركها وادفعها برجلك. والركض: حركة الرجل. قال المبرد: الركض: التحريك، ولهذا قال الأصمعي: يقال: رَكَضْتُ الدابة، ولا يقال: رَكَضَتْ (هي، لأن الركض حركة الرِّجْلِ من راكبها، ولا فعل لها في ذلك الوقت. وحكى سيبويه: (ركضتُ) الدابة فركضت، مثل جَبَرْتُ العظم فجبر. * * قوله: ﴿هَـٰذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ﴾. قال قتادة: "ضرب برجله أرضاً يقال لها الجابية، فإذا عينان تنبعان، فشرب من إحداهما واغتسل من الأخرى". قال وهب: فركض برجله فانفجرت له عين فدخل فيها فاغتسل فأذهب الله عز وجل عنه كل ما كان فيه من البلاء. قال الحسن: فركض برجله فنبعت عين فاغتسل منها، ثم مشى نحواً من أربعين ذراعاً ثم ركض برجله، فنبعت عين، فشرب منها فذلك قوله: ﴿هَـٰذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ﴾ فالموضع الذي يغتسل فيه يسمى مغتسلاً. * * ثم قال تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَّعَهُمْ﴾. قال مجاهد: رَدَّ الله عليه أهله وأعطاه مثلهم معهم في الآخرة. وقال الحسن وقتادة: فأحيا الله جل وعز له أهله بأعيانهن وزاده في الدنيا مثلهم. (وهو قول ابن مسعود). وقيل: إنما رد الله عليه من غاب من أهله وولده مثل من مات منهم، وأعطي من نسلهم مثلهم. * * وقوله: ﴿رَحْمَةً مِّنَّا﴾ أي: رحمناه رحمة. وقال الزجاج: نصب رحمة على أنه مفعول له. * * ثم قال: ﴿وَذِكْرَىٰ لأُوْلِي ٱلأَلْبَابِ﴾، أي: فعلنا به ذلك للرحمة وليتذكر وليتعظ به أولوا العقول إذا ابتلوا فيصبرو كما صبر أيوب. وروي أن أيوب كان نبياً في عهد يعقوب النبي ﷺ. وكان عمر أيوب ثلاثاً وتسعين سنة، وذا الكفل هو ولد أيوب، واسمه شبر بن أيوب. وفيه اختلاف، وقد ذكرناه في غير هذا الموضع. وروى أنس أن النبي ﷺ قال: "إن نبي الله أيوب لبث به بلاؤه ثماني عشر سنة فرفضه القريب والبعيد إلا رجلين من إخوانه، كانا من أخص إخوانه به، كانا يغدوان إليه ويروحان. فقال أحدهما لصاحبه: تعلم، والله لقد أذنب أيوب ذنباً ما أذنبه أحد من العالمين! قال له صاحبه: وما ذاك؟! قال: منذ ثماني عشرة سنة لم يرحمه الله فيكشف ما به. فلما راحا إليه لم يصبر الرجل حتى ذكر ذلك له. فقال له أيوب: ما أدري ما تقول، غير أن الله عز وجل يعلم أني كنت أمر على الرجلين يتنازعان فيذكران الله - أي: يحلفان به - فأرجع إلى بيتي (فأكفر عنهما) كراهية أن يذكر الله إلا في حق. قال: وكان يخرج إلى حاجته، فإذا قضاها أمسكت امرأته بيده حتى يبلغ، قال: فلما كان ذات يوم أبطأ عليها وأوحى الله جل ذكره إلى أيوب في مكانه أن اركض برجلك، هذا مغتسل بارد وشراب. فاستبطأته فتلقته وأقبل عليها قد أذهب الله ما به من البلاء وهو على خير ما كان. فلما رأته قالت: بارك الله فيك، هل رأيت نبي الله، هذا المبتلى؟ فوالله - على ذلك - ما رأيت رجلاً أشبه به منك إذ كان صحيحاً! قال: فإني أنا هو!! قال: وكان له أندران: أندر القمح، وأندر الشعير قال: فبعث الله عز وجل سحابتين، فلما كانت إحداهما على أندر القمح أفرغت فيه الذهب حتى فاض، وأفرغت الأخرى على أندر الشعير الورق حتى فاض وقوله تعالى: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً﴾ الضغث: ما يجمع من شيء من الرطب ويحمل الكف من الحشيش أو الشماريخ ونحو ذلك. قال ابن عباس، أُمر أن يأخذ حزمة من رطبة بقدر ما حلف عليه فيضربها به. قال الحسن مكث أيوب مطروحاً على كناسة سبع سنين وأشهراً، ما يسأل الله أن يكشف ما به. قال: وما على الأرض أكرم على الله من أيوب. فقال بعض الناس: لو كان لرب هذا فيه حاجة ما ضيع هذا. قال: فعند ذلك دعا أيوب ربه فكشف ما به. قال قتادة: كان إبليس قد تعرض لامرأته فقال لها: لو تكلمت كذا وكذا شفيته. فحلف أيوب لئن شفاه الله ليجلدنها مائة جلدة. فأمر أن يأخذ أصلاً فيه تسعة وتسعون قضيباً، والأصل تكملة المائة، فيضربها به ضربة واحدة فيبر من يمينه ويخفف الله بذلك عن امرأته. قال الضحاك: ضغثاً، يعني: من الشجر الرطب. كان حلف على يمين فأخذ من الشجر عدد ما حلف عليه فضرب به ضربة واحدة فَبَرَّت يمينه، وهو في الناس اليوم: يمين أيوب. من أخذ بها فهو أحسن. قال عطاء: هذا لجميع الناس، وقال مجاهد وغيره: هو خاص لأيوب، لا يعمل به غيره ولا يجزيه، وهو قول مالك، وهو قول جماعة العلماء إلا الشافعي فإنه أجاز لمن حلف على عشر ضربات فضرب بشمراخ فيه عشر قضبان مرة فأصابت المضروب أنه يبر قال ابن جبير: يعني بالضغث قبضة من المكانس. * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِراً﴾. أي: على البلاء. ﴿نِّعْمَ ٱلْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾، أي: رجاع عن معصية الله إلى طاعته. قال ابن عباس: اتخذ إبليس تابوتاً وقعد على الطريق يداوي الناس، فأتته امرأة أيوب، فقالت: إن هاهنا إنساناً مبتلى من أمره كذا، هل لك أن تداويه؟ قال: نعم، على أني إن شفيته أن يقول كلمة واحدة. يقول: أنت شفيتني؛ لا أريد منه أجراً غيرها. فأخبرت بذلك أيوب. فقال: ويحك! ذلك الشيطان! لله عَلَيَّ إن شفاني الله أن أجلدك مائة جلدة. فلما شفاه الله أمره أن يأخذ ضغثاً (فيضربها به). فأخذ شماريخ قدر مائة فضربها به ضربة واحدة. وقال غير ابن عباس، إنما نذر أن يضربها حين باعت شعرها بالطعام فافتقده وخافها على نفسها. ويروى أن أيوب عليه السلام لم يدع في بلائه، وصبر حتى نال ثلاثة أشياء، فعند ذلك دعا الله عز وجل: وذلك أن صديقين له بالشام بلغهما خبره فتزودا ومضيا لزيارته فوجداه في منزله لم يبق منه إلا عيناه، فقالا له: أنت أيوب! فقال: نعم فقالا له: لو كان عملك - الذي رأيناه - يُفْضَى به إلى الله عز وجل ما لقيت الذي نرى. فقال لهما: وأنتما تقولان ذلك لي! فَبَلَغَ ذلك منه. والثانية أن امرأته قطعت ثلاثة ذوائب لها وباعتها في طعامه. فلما علم ذلك، عَظُمَ عليه، وبلغ ذلك منه. فهذه ثانية والثالثة: قبول امرأته من إبليس إذا أراد أن يحتال عليها، فعند ذلك تواعدها، وأقسم لئن شفاه الله ليضربنها مائة ضربة. وعند ذلك دعا إلى الله فشفاه الله.

ص 38:43

قوله تعالى ذكره: ﴿وَٱذْكُرْ عَبْدَنَآ أَيُّوبَ إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ﴾ - إلى قوله - ﴿إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾، أي: واذكر يا محمد أيوب إذ نادى ربه مستغيثاً به مما نزل به. * * ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ ٱلشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ﴾. قال قتادة: هو ذهاب المال والأهل، والضر الذي أصابه في جسده، ابتُلي سبع سنين وأشهراً ملقى على كناسة بني إسرائيل تختلف الدواب في جسده، ففرج الله عنه، وعظم له الأجر، وأحسن عليه الثناء. قال السدي: معناه: بنصب في جسدي، وعذاب في مالي. وروى الطبري عن وهب بن منبه أنه قال: كان أيوب ﷺ رجلاً من الروم من ذرية عيصا بن إسحاق بن إبراهيم. ومن الرواة من يقول في عيصا: العيص بن إسحاق. وروي أن أيوب تزوج ابنة يعقوب واسمها ليا؛ وهي التي أقسم أيوب ليضربها مائة ضربة، فبَّر الله عز وجل يمينه. وكانت أم أيوب بنت لوط. وقيل: كانت زوجة أيوب: رحمة ابنة أفريق بن يوسف بن يعقوب. قال وهب: إن إبليس اللعين سمع تجاوب ملائكة السماوات بالصلاة على أيوب حين ذكر ربه وأثنى عليه، فأدرك إبليس الحسدُ والبغيُ، فسأل الله عز وجل أن يسلطه عليه ليفتنه عن دينه، فسلط على ماله دون جسده وعقله، فأذهب الله ماله كله، فشكر أيوب ربه عز وجل ولم يغيره ذلك عن عبادة ربه سبحانه. فسأل إبليس الله عز وجل أن يُسلطه على ولده، فأهلك ولده، فشكر أيوب ربه ولم يغيره ذلك عن عبادة ربه تعالى. فسأل إبليس الله أن يسلطه على جسده، فسلط عليه دون لسانه وقلبه وعقله، فجاءه وهو ساجد فنفخ في منخره نفخة اشتعل منها جسده؛ فصار أمره إلى أن تناثر لحمه، فأخرجه أهل القرية من القرية إلى كناسة خارج القرية، فلم يغيره ذلك عن ذكر (ربه وعبادته). قال ابن عباس: لما أصاب أيوب البلاء، أخذ إبليس تابوتاً وقعد على الطريق يداوي الناس. فجاءته امرأة أيوب، فقالت له: أتداوي رجلاً به علة كذا وكذا؟ قال: نعم، بشرط على أني (إن شفيته قال لي): أنت شفيتني لا أريد منه أجراً غير هذا. فجاءت امرأة أيوب إلى أيوب، فقال: ذلك الشيطان! والله لئن بَرَأْتُ لأضربنك مائة فلما برأ أخذ شمراخاً فيه مائة عرجون فضربها به ضربة. فيكون "النُّصْبُ" على هذا، ما ألقاه الشيطان إليه ووسوس به إلى امرأته. وقرأ الحسن: "بَنَصَبٍ" بفتح النون والصاد. وهما لغتان، كالحُزْن والحَزَن. وقيل: من ضم النون جعله جمع نَصَب، (كَوَثَن وَوُثْن). فأما قوله: ﴿وَمَا ذُبِحَ عَلَى ٱلنُّصُبِ﴾ [المائدة: ٣]"، فهو جمع نصاب. وقوله ﴿ٱرْكُضْ بِرِجْلِكَ هَـٰذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ﴾. في الكلام حذف، والتقدير: فاستجبنا له إذ نادى، وقلنا له اركض برجلك الأرض، أي: حركها وادفعها برجلك. والركض: حركة الرجل. قال المبرد: الركض: التحريك، ولهذا قال الأصمعي: يقال: رَكَضْتُ الدابة، ولا يقال: رَكَضَتْ (هي، لأن الركض حركة الرِّجْلِ من راكبها، ولا فعل لها في ذلك الوقت. وحكى سيبويه: (ركضتُ) الدابة فركضت، مثل جَبَرْتُ العظم فجبر. * * قوله: ﴿هَـٰذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ﴾. قال قتادة: "ضرب برجله أرضاً يقال لها الجابية، فإذا عينان تنبعان، فشرب من إحداهما واغتسل من الأخرى". قال وهب: فركض برجله فانفجرت له عين فدخل فيها فاغتسل فأذهب الله عز وجل عنه كل ما كان فيه من البلاء. قال الحسن: فركض برجله فنبعت عين فاغتسل منها، ثم مشى نحواً من أربعين ذراعاً ثم ركض برجله، فنبعت عين، فشرب منها فذلك قوله: ﴿هَـٰذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ﴾ فالموضع الذي يغتسل فيه يسمى مغتسلاً. * * ثم قال تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَّعَهُمْ﴾. قال مجاهد: رَدَّ الله عليه أهله وأعطاه مثلهم معهم في الآخرة. وقال الحسن وقتادة: فأحيا الله جل وعز له أهله بأعيانهن وزاده في الدنيا مثلهم. (وهو قول ابن مسعود). وقيل: إنما رد الله عليه من غاب من أهله وولده مثل من مات منهم، وأعطي من نسلهم مثلهم. * * وقوله: ﴿رَحْمَةً مِّنَّا﴾ أي: رحمناه رحمة. وقال الزجاج: نصب رحمة على أنه مفعول له. * * ثم قال: ﴿وَذِكْرَىٰ لأُوْلِي ٱلأَلْبَابِ﴾، أي: فعلنا به ذلك للرحمة وليتذكر وليتعظ به أولوا العقول إذا ابتلوا فيصبرو كما صبر أيوب. وروي أن أيوب كان نبياً في عهد يعقوب النبي ﷺ. وكان عمر أيوب ثلاثاً وتسعين سنة، وذا الكفل هو ولد أيوب، واسمه شبر بن أيوب. وفيه اختلاف، وقد ذكرناه في غير هذا الموضع. وروى أنس أن النبي ﷺ قال: "إن نبي الله أيوب لبث به بلاؤه ثماني عشر سنة فرفضه القريب والبعيد إلا رجلين من إخوانه، كانا من أخص إخوانه به، كانا يغدوان إليه ويروحان. فقال أحدهما لصاحبه: تعلم، والله لقد أذنب أيوب ذنباً ما أذنبه أحد من العالمين! قال له صاحبه: وما ذاك؟! قال: منذ ثماني عشرة سنة لم يرحمه الله فيكشف ما به. فلما راحا إليه لم يصبر الرجل حتى ذكر ذلك له. فقال له أيوب: ما أدري ما تقول، غير أن الله عز وجل يعلم أني كنت أمر على الرجلين يتنازعان فيذكران الله - أي: يحلفان به - فأرجع إلى بيتي (فأكفر عنهما) كراهية أن يذكر الله إلا في حق. قال: وكان يخرج إلى حاجته، فإذا قضاها أمسكت امرأته بيده حتى يبلغ، قال: فلما كان ذات يوم أبطأ عليها وأوحى الله جل ذكره إلى أيوب في مكانه أن اركض برجلك، هذا مغتسل بارد وشراب. فاستبطأته فتلقته وأقبل عليها قد أذهب الله ما به من البلاء وهو على خير ما كان. فلما رأته قالت: بارك الله فيك، هل رأيت نبي الله، هذا المبتلى؟ فوالله - على ذلك - ما رأيت رجلاً أشبه به منك إذ كان صحيحاً! قال: فإني أنا هو!! قال: وكان له أندران: أندر القمح، وأندر الشعير قال: فبعث الله عز وجل سحابتين، فلما كانت إحداهما على أندر القمح أفرغت فيه الذهب حتى فاض، وأفرغت الأخرى على أندر الشعير الورق حتى فاض وقوله تعالى: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً﴾ الضغث: ما يجمع من شيء من الرطب ويحمل الكف من الحشيش أو الشماريخ ونحو ذلك. قال ابن عباس، أُمر أن يأخذ حزمة من رطبة بقدر ما حلف عليه فيضربها به. قال الحسن مكث أيوب مطروحاً على كناسة سبع سنين وأشهراً، ما يسأل الله أن يكشف ما به. قال: وما على الأرض أكرم على الله من أيوب. فقال بعض الناس: لو كان لرب هذا فيه حاجة ما ضيع هذا. قال: فعند ذلك دعا أيوب ربه فكشف ما به. قال قتادة: كان إبليس قد تعرض لامرأته فقال لها: لو تكلمت كذا وكذا شفيته. فحلف أيوب لئن شفاه الله ليجلدنها مائة جلدة. فأمر أن يأخذ أصلاً فيه تسعة وتسعون قضيباً، والأصل تكملة المائة، فيضربها به ضربة واحدة فيبر من يمينه ويخفف الله بذلك عن امرأته. قال الضحاك: ضغثاً، يعني: من الشجر الرطب. كان حلف على يمين فأخذ من الشجر عدد ما حلف عليه فضرب به ضربة واحدة فَبَرَّت يمينه، وهو في الناس اليوم: يمين أيوب. من أخذ بها فهو أحسن. قال عطاء: هذا لجميع الناس، وقال مجاهد وغيره: هو خاص لأيوب، لا يعمل به غيره ولا يجزيه، وهو قول مالك، وهو قول جماعة العلماء إلا الشافعي فإنه أجاز لمن حلف على عشر ضربات فضرب بشمراخ فيه عشر قضبان مرة فأصابت المضروب أنه يبر قال ابن جبير: يعني بالضغث قبضة من المكانس. * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِراً﴾. أي: على البلاء. ﴿نِّعْمَ ٱلْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾، أي: رجاع عن معصية الله إلى طاعته. قال ابن عباس: اتخذ إبليس تابوتاً وقعد على الطريق يداوي الناس، فأتته امرأة أيوب، فقالت: إن هاهنا إنساناً مبتلى من أمره كذا، هل لك أن تداويه؟ قال: نعم، على أني إن شفيته أن يقول كلمة واحدة. يقول: أنت شفيتني؛ لا أريد منه أجراً غيرها. فأخبرت بذلك أيوب. فقال: ويحك! ذلك الشيطان! لله عَلَيَّ إن شفاني الله أن أجلدك مائة جلدة. فلما شفاه الله أمره أن يأخذ ضغثاً (فيضربها به). فأخذ شماريخ قدر مائة فضربها به ضربة واحدة. وقال غير ابن عباس، إنما نذر أن يضربها حين باعت شعرها بالطعام فافتقده وخافها على نفسها. ويروى أن أيوب عليه السلام لم يدع في بلائه، وصبر حتى نال ثلاثة أشياء، فعند ذلك دعا الله عز وجل: وذلك أن صديقين له بالشام بلغهما خبره فتزودا ومضيا لزيارته فوجداه في منزله لم يبق منه إلا عيناه، فقالا له: أنت أيوب! فقال: نعم فقالا له: لو كان عملك - الذي رأيناه - يُفْضَى به إلى الله عز وجل ما لقيت الذي نرى. فقال لهما: وأنتما تقولان ذلك لي! فَبَلَغَ ذلك منه. والثانية أن امرأته قطعت ثلاثة ذوائب لها وباعتها في طعامه. فلما علم ذلك، عَظُمَ عليه، وبلغ ذلك منه. فهذه ثانية والثالثة: قبول امرأته من إبليس إذا أراد أن يحتال عليها، فعند ذلك تواعدها، وأقسم لئن شفاه الله ليضربنها مائة ضربة. وعند ذلك دعا إلى الله فشفاه الله.

ص 38:44

قوله تعالى ذكره: ﴿وَٱذْكُرْ عَبْدَنَآ أَيُّوبَ إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ﴾ - إلى قوله - ﴿إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾، أي: واذكر يا محمد أيوب إذ نادى ربه مستغيثاً به مما نزل به. * * ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ ٱلشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ﴾. قال قتادة: هو ذهاب المال والأهل، والضر الذي أصابه في جسده، ابتُلي سبع سنين وأشهراً ملقى على كناسة بني إسرائيل تختلف الدواب في جسده، ففرج الله عنه، وعظم له الأجر، وأحسن عليه الثناء. قال السدي: معناه: بنصب في جسدي، وعذاب في مالي. وروى الطبري عن وهب بن منبه أنه قال: كان أيوب ﷺ رجلاً من الروم من ذرية عيصا بن إسحاق بن إبراهيم. ومن الرواة من يقول في عيصا: العيص بن إسحاق. وروي أن أيوب تزوج ابنة يعقوب واسمها ليا؛ وهي التي أقسم أيوب ليضربها مائة ضربة، فبَّر الله عز وجل يمينه. وكانت أم أيوب بنت لوط. وقيل: كانت زوجة أيوب: رحمة ابنة أفريق بن يوسف بن يعقوب. قال وهب: إن إبليس اللعين سمع تجاوب ملائكة السماوات بالصلاة على أيوب حين ذكر ربه وأثنى عليه، فأدرك إبليس الحسدُ والبغيُ، فسأل الله عز وجل أن يسلطه عليه ليفتنه عن دينه، فسلط على ماله دون جسده وعقله، فأذهب الله ماله كله، فشكر أيوب ربه عز وجل ولم يغيره ذلك عن عبادة ربه سبحانه. فسأل إبليس الله عز وجل أن يُسلطه على ولده، فأهلك ولده، فشكر أيوب ربه ولم يغيره ذلك عن عبادة ربه تعالى. فسأل إبليس الله أن يسلطه على جسده، فسلط عليه دون لسانه وقلبه وعقله، فجاءه وهو ساجد فنفخ في منخره نفخة اشتعل منها جسده؛ فصار أمره إلى أن تناثر لحمه، فأخرجه أهل القرية من القرية إلى كناسة خارج القرية، فلم يغيره ذلك عن ذكر (ربه وعبادته). قال ابن عباس: لما أصاب أيوب البلاء، أخذ إبليس تابوتاً وقعد على الطريق يداوي الناس. فجاءته امرأة أيوب، فقالت له: أتداوي رجلاً به علة كذا وكذا؟ قال: نعم، بشرط على أني (إن شفيته قال لي): أنت شفيتني لا أريد منه أجراً غير هذا. فجاءت امرأة أيوب إلى أيوب، فقال: ذلك الشيطان! والله لئن بَرَأْتُ لأضربنك مائة فلما برأ أخذ شمراخاً فيه مائة عرجون فضربها به ضربة. فيكون "النُّصْبُ" على هذا، ما ألقاه الشيطان إليه ووسوس به إلى امرأته. وقرأ الحسن: "بَنَصَبٍ" بفتح النون والصاد. وهما لغتان، كالحُزْن والحَزَن. وقيل: من ضم النون جعله جمع نَصَب، (كَوَثَن وَوُثْن). فأما قوله: ﴿وَمَا ذُبِحَ عَلَى ٱلنُّصُبِ﴾ [المائدة: ٣]"، فهو جمع نصاب. وقوله ﴿ٱرْكُضْ بِرِجْلِكَ هَـٰذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ﴾. في الكلام حذف، والتقدير: فاستجبنا له إذ نادى، وقلنا له اركض برجلك الأرض، أي: حركها وادفعها برجلك. والركض: حركة الرجل. قال المبرد: الركض: التحريك، ولهذا قال الأصمعي: يقال: رَكَضْتُ الدابة، ولا يقال: رَكَضَتْ (هي، لأن الركض حركة الرِّجْلِ من راكبها، ولا فعل لها في ذلك الوقت. وحكى سيبويه: (ركضتُ) الدابة فركضت، مثل جَبَرْتُ العظم فجبر. * * قوله: ﴿هَـٰذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ﴾. قال قتادة: "ضرب برجله أرضاً يقال لها الجابية، فإذا عينان تنبعان، فشرب من إحداهما واغتسل من الأخرى". قال وهب: فركض برجله فانفجرت له عين فدخل فيها فاغتسل فأذهب الله عز وجل عنه كل ما كان فيه من البلاء. قال الحسن: فركض برجله فنبعت عين فاغتسل منها، ثم مشى نحواً من أربعين ذراعاً ثم ركض برجله، فنبعت عين، فشرب منها فذلك قوله: ﴿هَـٰذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ﴾ فالموضع الذي يغتسل فيه يسمى مغتسلاً. * * ثم قال تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَّعَهُمْ﴾. قال مجاهد: رَدَّ الله عليه أهله وأعطاه مثلهم معهم في الآخرة. وقال الحسن وقتادة: فأحيا الله جل وعز له أهله بأعيانهن وزاده في الدنيا مثلهم. (وهو قول ابن مسعود). وقيل: إنما رد الله عليه من غاب من أهله وولده مثل من مات منهم، وأعطي من نسلهم مثلهم. * * وقوله: ﴿رَحْمَةً مِّنَّا﴾ أي: رحمناه رحمة. وقال الزجاج: نصب رحمة على أنه مفعول له. * * ثم قال: ﴿وَذِكْرَىٰ لأُوْلِي ٱلأَلْبَابِ﴾، أي: فعلنا به ذلك للرحمة وليتذكر وليتعظ به أولوا العقول إذا ابتلوا فيصبرو كما صبر أيوب. وروي أن أيوب كان نبياً في عهد يعقوب النبي ﷺ. وكان عمر أيوب ثلاثاً وتسعين سنة، وذا الكفل هو ولد أيوب، واسمه شبر بن أيوب. وفيه اختلاف، وقد ذكرناه في غير هذا الموضع. وروى أنس أن النبي ﷺ قال: "إن نبي الله أيوب لبث به بلاؤه ثماني عشر سنة فرفضه القريب والبعيد إلا رجلين من إخوانه، كانا من أخص إخوانه به، كانا يغدوان إليه ويروحان. فقال أحدهما لصاحبه: تعلم، والله لقد أذنب أيوب ذنباً ما أذنبه أحد من العالمين! قال له صاحبه: وما ذاك؟! قال: منذ ثماني عشرة سنة لم يرحمه الله فيكشف ما به. فلما راحا إليه لم يصبر الرجل حتى ذكر ذلك له. فقال له أيوب: ما أدري ما تقول، غير أن الله عز وجل يعلم أني كنت أمر على الرجلين يتنازعان فيذكران الله - أي: يحلفان به - فأرجع إلى بيتي (فأكفر عنهما) كراهية أن يذكر الله إلا في حق. قال: وكان يخرج إلى حاجته، فإذا قضاها أمسكت امرأته بيده حتى يبلغ، قال: فلما كان ذات يوم أبطأ عليها وأوحى الله جل ذكره إلى أيوب في مكانه أن اركض برجلك، هذا مغتسل بارد وشراب. فاستبطأته فتلقته وأقبل عليها قد أذهب الله ما به من البلاء وهو على خير ما كان. فلما رأته قالت: بارك الله فيك، هل رأيت نبي الله، هذا المبتلى؟ فوالله - على ذلك - ما رأيت رجلاً أشبه به منك إذ كان صحيحاً! قال: فإني أنا هو!! قال: وكان له أندران: أندر القمح، وأندر الشعير قال: فبعث الله عز وجل سحابتين، فلما كانت إحداهما على أندر القمح أفرغت فيه الذهب حتى فاض، وأفرغت الأخرى على أندر الشعير الورق حتى فاض وقوله تعالى: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً﴾ الضغث: ما يجمع من شيء من الرطب ويحمل الكف من الحشيش أو الشماريخ ونحو ذلك. قال ابن عباس، أُمر أن يأخذ حزمة من رطبة بقدر ما حلف عليه فيضربها به. قال الحسن مكث أيوب مطروحاً على كناسة سبع سنين وأشهراً، ما يسأل الله أن يكشف ما به. قال: وما على الأرض أكرم على الله من أيوب. فقال بعض الناس: لو كان لرب هذا فيه حاجة ما ضيع هذا. قال: فعند ذلك دعا أيوب ربه فكشف ما به. قال قتادة: كان إبليس قد تعرض لامرأته فقال لها: لو تكلمت كذا وكذا شفيته. فحلف أيوب لئن شفاه الله ليجلدنها مائة جلدة. فأمر أن يأخذ أصلاً فيه تسعة وتسعون قضيباً، والأصل تكملة المائة، فيضربها به ضربة واحدة فيبر من يمينه ويخفف الله بذلك عن امرأته. قال الضحاك: ضغثاً، يعني: من الشجر الرطب. كان حلف على يمين فأخذ من الشجر عدد ما حلف عليه فضرب به ضربة واحدة فَبَرَّت يمينه، وهو في الناس اليوم: يمين أيوب. من أخذ بها فهو أحسن. قال عطاء: هذا لجميع الناس، وقال مجاهد وغيره: هو خاص لأيوب، لا يعمل به غيره ولا يجزيه، وهو قول مالك، وهو قول جماعة العلماء إلا الشافعي فإنه أجاز لمن حلف على عشر ضربات فضرب بشمراخ فيه عشر قضبان مرة فأصابت المضروب أنه يبر قال ابن جبير: يعني بالضغث قبضة من المكانس. * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِراً﴾. أي: على البلاء. ﴿نِّعْمَ ٱلْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾، أي: رجاع عن معصية الله إلى طاعته. قال ابن عباس: اتخذ إبليس تابوتاً وقعد على الطريق يداوي الناس، فأتته امرأة أيوب، فقالت: إن هاهنا إنساناً مبتلى من أمره كذا، هل لك أن تداويه؟ قال: نعم، على أني إن شفيته أن يقول كلمة واحدة. يقول: أنت شفيتني؛ لا أريد منه أجراً غيرها. فأخبرت بذلك أيوب. فقال: ويحك! ذلك الشيطان! لله عَلَيَّ إن شفاني الله أن أجلدك مائة جلدة. فلما شفاه الله أمره أن يأخذ ضغثاً (فيضربها به). فأخذ شماريخ قدر مائة فضربها به ضربة واحدة. وقال غير ابن عباس، إنما نذر أن يضربها حين باعت شعرها بالطعام فافتقده وخافها على نفسها. ويروى أن أيوب عليه السلام لم يدع في بلائه، وصبر حتى نال ثلاثة أشياء، فعند ذلك دعا الله عز وجل: وذلك أن صديقين له بالشام بلغهما خبره فتزودا ومضيا لزيارته فوجداه في منزله لم يبق منه إلا عيناه، فقالا له: أنت أيوب! فقال: نعم فقالا له: لو كان عملك - الذي رأيناه - يُفْضَى به إلى الله عز وجل ما لقيت الذي نرى. فقال لهما: وأنتما تقولان ذلك لي! فَبَلَغَ ذلك منه. والثانية أن امرأته قطعت ثلاثة ذوائب لها وباعتها في طعامه. فلما علم ذلك، عَظُمَ عليه، وبلغ ذلك منه. فهذه ثانية والثالثة: قبول امرأته من إبليس إذا أراد أن يحتال عليها، فعند ذلك تواعدها، وأقسم لئن شفاه الله ليضربنها مائة ضربة. وعند ذلك دعا إلى الله فشفاه الله.

ص 38:45

قوله تعالى ذكر: ﴿وَٱذْكُرْ عِبَادَنَآ إِبْرَاهِيمَ﴾ - إلى قوله - ﴿فَبِئْسَ ٱلْمِهَادُ﴾، أي: اذكر إبراهيم وولده إسحاق، وولد ولد يعقوب. ومن قرأ "عِبَادَنَا" بالجمع، أدخل الجمع في العبودية وجعل ما بعده بدلاً منه. ومن قرأ بالتوحيد خص إبراهيم بالعبودية وجعل ما بعده معطوفاً عليه. * * وقوله: ﴿أُوْلِي ٱلأَيْدِي﴾. قال ابن عباس: يقول: أولى القوة والعبادة. والأبصار: الفقه في الدين. قال: مجاهد: أولي الأيدي: القوة في أمر الله عز وجل والأبصار: العقول. وقال قتادة: أُعطوا قوة في العبادة وبصراً في الدين. وقال السدي: الأيدي: القوة في طاعة الله، والأبصار: البصر بعقولهم في دينهم. وقيل: الأيدي: جمع يد، من النعمة، أي: هم أصحاب النعم التي أنعم الله عز وجل عليهم بها. وقيل: "هم أصحاب النعم والإحسان، لأنهم قد أحسنوا وَقَدَّمُوا خيراً". وأصل "اليد" أن تكون للجارحة، ولكن لما كانت القوة فيها، سميت القوة يداً. والبصر هنا عُني به بصر القلب الذي به تنال معرفة الأشياء. وأجاز الطبري أن يكون المعنى أنهم أصحاب الأيدي عند الله عز وجل بالأعمال الصالحة التي قدموها تمثيلاً باليد تكون عند الرجل الآخر. وقرأ عبد الله: "أولي الأيدي" بغير ياء على معنى أولي التأييد والمعونة من الله لهم. ويجوز أن يكون مثل الأول لكن أسقط الياء واكتفى بالكسرة. وذكر الطبري عن السدي أنه قال: تزوج (إسحاق بامرأة) فحملت بغلامين في بطن، فلما أرادت أن تضع، اقتتل الغلامان في بطنها أيهما يخرج أولاً. فقال أحدهما للآخر: لئن خرجت قبلي لأعترضن في بطن أمي فلأقتلنها! فتأخر الآخر وخرج القائل ذلك، فسمي عيصا لعصيانه في بطن أمه، وخرج الثاني فسمي يعقوب لأنه خرج آخراً بعقب عيصا. وكان يعقوب أكبرهما في البطن لكن عيصا خرج قبله. والروم من ذرية عيصا. * * ثم قال: ﴿إِنَّآ أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى ٱلدَّارِ﴾. من نَوَّن "خالصة" جعل "ذكرى" بدلاً من "خالصة". والمعنى: إنّا اخترناهم واختصصناهم بأن يذكروا معادهم ويعملوا له. (فلا هَمَّ لهم غيره). هذا قول مجاهد والسدي، وهو اختيار الطبري. والاختيار عنده على قراءة من أضاف أن يكون المعنى: بخالصة ما ذكر في الدار الآخرة. ويجوز أن يكون رفع "ذكرى الدار" على إضمار مبتدأ. وقيل: المعنى: اختصوا بأن يذكروا الناس الدار الآخرة ويدعوهم إلى طاعة الله عز وجل، قاله قتادة. ومن قرأ بالإضافة فمعناه: إنا اختصصناهم بأفضل ما في الآخرة؛ قاله ابن زيد. وقال مجاهد أيضا: المعنى في الإضافة: إنا أخلصناهم بأن ذكرنا الجنة لهم. وقال الفضيل: هو الخوف الدائم في القلب. وقال ابن جبير: معناه: عقبى الدار. وعن مجاهد أيضا - في الإضافة - معناه: بخالصة أهل الدار. * * ثم قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُمْ عِندَنَا لَمِنَ ٱلْمُصْطَفَيْنَ ٱلأَخْيَارِ﴾، أي: لمن الذين صَفَوْا من الذنوب (ومن الأدانس) واختيروا. والأخيار، جمع خير، على التخفيف كميْت وأموات. ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَٱذْكُرْ إِسْمَاعِيلَ وَٱلْيَسَعَ وَذَا ٱلْكِفْلِ وَكُلٌّ مِّنَ ٱلأَخْيَارِ﴾، أي: أذكرهم يا محمد وما أبلوا فيه من طاعة الله عز وجل فَتَأَسَّ بهم، وأسلك منهاجهم في الصبر على ما نالك في الله جل ذكره. وسمي ذو الكفل بذلك، لأنه تكفل بعمل رجل صالح يقال، إن ذلك الرجل كان يصلي في كل يوم مائة صلاة، فتوفي؛ فتكفل ذو الكفل بعمله. وقيل: إنه تكفل بإمر أنبياء من أنبياء الله عز وجل فخلصهم من القتل فسمي ذا الكفل. والكفل في كلام العرب: الحَظُّ والنصيب. وقيل: تكفل لبعض الملوك بالجنة فكتب له كتاباً بذلك وقيل: لم يكن نبياً وقوله ﴿وَكُلٌّ مِّنَ ٱلأَخْيَارِ﴾، أي: كل هؤلاء من الأخيار المذكورين. * * ثم قال تعالى: ﴿هَـٰذَا ذِكْرٌ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ﴾، أي: هذا القرآن ذكر لك يا محمد ولقومك. وقيل: معناه: هذا ذكر جميل لهؤلاء في الدنيا، وإن لهم في الآخرة مع هذا لحسن مرجع. وقيل: معنى: وإن للمتقين لحسن مئاب، أي: لمن اتقى الله فأطاعه لحسن مرجع ومنقلب. ثم بين ذلك فقال: ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾، أي: جنات إقامة وثبات، قال قتادة: سأل عمر كعباً: ما عدن؟ فقال: يا أمير المؤمنين، قصور في الجنة من ذهب يسكنها النبيئون والصديقون والشهداء وأئمة العدل. وقال ابن عمر: "جنة عدن: قصر في الجنة، له خمسة آلاف باب، على كل باب خمسة آلاف خَيْرة، لا يدخله إلا نبي أو صديق أو شهيد". وقوله ﴿مُّفَتَّحَةً لَّهُمُ ٱلأَبْوَابُ﴾، أي: تفتح لهم الأبواب منها بغير فَتْحِ سكانها لها بيد، أو بمعاناة، ولكن تنفتح بالأمر دون الفعل. قال الحسن: "تُكَلَّم، فتتكلم، انفتحي، انغلقي". و "مفتحة": نعت لـ "جَنَّتات"، والضمير محذوف، والتقدير: مفتحة لهم الأبواب منها. * * ثم قال تعالى: ﴿مُتَّكِئِينَ فِيهَا﴾، أي: في الجنات ﴿يَدْعُونَ فِيهَا بِفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وَشَرَابٍ﴾، أي: بفاكهة وشراب من الجنة فيأتيهم على ما يشتهون. * * ثم قال تعالى: ﴿وَعِندَهُمْ قَاصِرَاتُ ٱلطَّرْفِ أَتْرَابٌ﴾، أي: وعند هؤلاء الذين تقدم ذكرهم نساء قصرن أطرافهن على أزواجهن فلا يُرِدْنَ غيرهم، ولا يَمدُدن أعينهن إلى سواهم، قاله قتادة وغيره. وقال السدي: قُصرت أطرافهن وقلوبهن وأسماعهن على أزواجهن فلا يُرِدْنَ غيرهم. قال مجاهد: "أتراب: أمثال". وقال السدي: مستويات. وقيل: معناه: على سن واحد. وقيل: معناه: أحباب لا يتباغضن ولا يتعادين ولا يتغايرن ولا يتحاسدن. رُوي ذلك (أيضاً عن السدي). وأصله في اللغة، أنهن أقران. ﴿هَـٰذَا ذِكْرٌ﴾ تام عند أبي حاتم على أن يكون "المتقون" عام لا يراد به من تقدم ذكره. فإن أردت به من تقدم ذكره من النبيين - على معنى: هذا ذكر جميل لهؤلاء الأنبياء في الدنيا، وإن لهم لحسن مصير في الآخرة - (لم تقف) على ذكر "لأنه جملة واحدة في معنى واحد". ثم قال: ﴿هَـٰذَا مَا تُوعَدُونَ لِيَوْمِ ٱلْحِسَابِ﴾. من قرأه بالياء، فمعناه: هذا ما يوعد هؤلاء المتقون ليوم الجزاء. ومن قرأ بالتاء جعله على المخاطبة، أي: هذا الذي تقدم ذكره من النعيم هو ما توعدون ليوم تجزى كل نفس بما كسبت. * * ثم قال: ﴿إِنَّ هَـٰذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِن نَّفَادٍ﴾، أي: إن ما تقدم ذكره لَرِزق الله عز وجل المتقين كرامة لهم ليس له من فراغ ولا انقطاع، وذلك أنهم كلما أخذوا ثمرة عادت مكانتها أخرى. * * ثم قال: ﴿هَـٰذَا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ﴾، أي: لَشَرَّ مَرجِع ومصير ومنقلب. ثم بيَّن ذلك ما هو فقال: ﴿جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ ٱلْمِهَادُ﴾، أي: فبيس الفراش الذي افترشوه لأنفسهم بأعمالهم السيئة. والوقف على "هذا" حسن، ثم يبتدئ بـ: ﴿وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ﴾، على معنى: الأمر هذا، أو على معنى: هذا الذي وصفته للمتقين. ثم يستأنف خبر الطاغين وما لهم عند الله عز وجل.

ص 38:46

قوله تعالى ذكر: ﴿وَٱذْكُرْ عِبَادَنَآ إِبْرَاهِيمَ﴾ - إلى قوله - ﴿فَبِئْسَ ٱلْمِهَادُ﴾، أي: اذكر إبراهيم وولده إسحاق، وولد ولد يعقوب. ومن قرأ "عِبَادَنَا" بالجمع، أدخل الجمع في العبودية وجعل ما بعده بدلاً منه. ومن قرأ بالتوحيد خص إبراهيم بالعبودية وجعل ما بعده معطوفاً عليه. * * وقوله: ﴿أُوْلِي ٱلأَيْدِي﴾. قال ابن عباس: يقول: أولى القوة والعبادة. والأبصار: الفقه في الدين. قال: مجاهد: أولي الأيدي: القوة في أمر الله عز وجل والأبصار: العقول. وقال قتادة: أُعطوا قوة في العبادة وبصراً في الدين. وقال السدي: الأيدي: القوة في طاعة الله، والأبصار: البصر بعقولهم في دينهم. وقيل: الأيدي: جمع يد، من النعمة، أي: هم أصحاب النعم التي أنعم الله عز وجل عليهم بها. وقيل: "هم أصحاب النعم والإحسان، لأنهم قد أحسنوا وَقَدَّمُوا خيراً". وأصل "اليد" أن تكون للجارحة، ولكن لما كانت القوة فيها، سميت القوة يداً. والبصر هنا عُني به بصر القلب الذي به تنال معرفة الأشياء. وأجاز الطبري أن يكون المعنى أنهم أصحاب الأيدي عند الله عز وجل بالأعمال الصالحة التي قدموها تمثيلاً باليد تكون عند الرجل الآخر. وقرأ عبد الله: "أولي الأيدي" بغير ياء على معنى أولي التأييد والمعونة من الله لهم. ويجوز أن يكون مثل الأول لكن أسقط الياء واكتفى بالكسرة. وذكر الطبري عن السدي أنه قال: تزوج (إسحاق بامرأة) فحملت بغلامين في بطن، فلما أرادت أن تضع، اقتتل الغلامان في بطنها أيهما يخرج أولاً. فقال أحدهما للآخر: لئن خرجت قبلي لأعترضن في بطن أمي فلأقتلنها! فتأخر الآخر وخرج القائل ذلك، فسمي عيصا لعصيانه في بطن أمه، وخرج الثاني فسمي يعقوب لأنه خرج آخراً بعقب عيصا. وكان يعقوب أكبرهما في البطن لكن عيصا خرج قبله. والروم من ذرية عيصا. * * ثم قال: ﴿إِنَّآ أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى ٱلدَّارِ﴾. من نَوَّن "خالصة" جعل "ذكرى" بدلاً من "خالصة". والمعنى: إنّا اخترناهم واختصصناهم بأن يذكروا معادهم ويعملوا له. (فلا هَمَّ لهم غيره). هذا قول مجاهد والسدي، وهو اختيار الطبري. والاختيار عنده على قراءة من أضاف أن يكون المعنى: بخالصة ما ذكر في الدار الآخرة. ويجوز أن يكون رفع "ذكرى الدار" على إضمار مبتدأ. وقيل: المعنى: اختصوا بأن يذكروا الناس الدار الآخرة ويدعوهم إلى طاعة الله عز وجل، قاله قتادة. ومن قرأ بالإضافة فمعناه: إنا اختصصناهم بأفضل ما في الآخرة؛ قاله ابن زيد. وقال مجاهد أيضا: المعنى في الإضافة: إنا أخلصناهم بأن ذكرنا الجنة لهم. وقال الفضيل: هو الخوف الدائم في القلب. وقال ابن جبير: معناه: عقبى الدار. وعن مجاهد أيضا - في الإضافة - معناه: بخالصة أهل الدار. * * ثم قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُمْ عِندَنَا لَمِنَ ٱلْمُصْطَفَيْنَ ٱلأَخْيَارِ﴾، أي: لمن الذين صَفَوْا من الذنوب (ومن الأدانس) واختيروا. والأخيار، جمع خير، على التخفيف كميْت وأموات. ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَٱذْكُرْ إِسْمَاعِيلَ وَٱلْيَسَعَ وَذَا ٱلْكِفْلِ وَكُلٌّ مِّنَ ٱلأَخْيَارِ﴾، أي: أذكرهم يا محمد وما أبلوا فيه من طاعة الله عز وجل فَتَأَسَّ بهم، وأسلك منهاجهم في الصبر على ما نالك في الله جل ذكره. وسمي ذو الكفل بذلك، لأنه تكفل بعمل رجل صالح يقال، إن ذلك الرجل كان يصلي في كل يوم مائة صلاة، فتوفي؛ فتكفل ذو الكفل بعمله. وقيل: إنه تكفل بإمر أنبياء من أنبياء الله عز وجل فخلصهم من القتل فسمي ذا الكفل. والكفل في كلام العرب: الحَظُّ والنصيب. وقيل: تكفل لبعض الملوك بالجنة فكتب له كتاباً بذلك وقيل: لم يكن نبياً وقوله ﴿وَكُلٌّ مِّنَ ٱلأَخْيَارِ﴾، أي: كل هؤلاء من الأخيار المذكورين. * * ثم قال تعالى: ﴿هَـٰذَا ذِكْرٌ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ﴾، أي: هذا القرآن ذكر لك يا محمد ولقومك. وقيل: معناه: هذا ذكر جميل لهؤلاء في الدنيا، وإن لهم في الآخرة مع هذا لحسن مرجع. وقيل: معنى: وإن للمتقين لحسن مئاب، أي: لمن اتقى الله فأطاعه لحسن مرجع ومنقلب. ثم بين ذلك فقال: ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾، أي: جنات إقامة وثبات، قال قتادة: سأل عمر كعباً: ما عدن؟ فقال: يا أمير المؤمنين، قصور في الجنة من ذهب يسكنها النبيئون والصديقون والشهداء وأئمة العدل. وقال ابن عمر: "جنة عدن: قصر في الجنة، له خمسة آلاف باب، على كل باب خمسة آلاف خَيْرة، لا يدخله إلا نبي أو صديق أو شهيد". وقوله ﴿مُّفَتَّحَةً لَّهُمُ ٱلأَبْوَابُ﴾، أي: تفتح لهم الأبواب منها بغير فَتْحِ سكانها لها بيد، أو بمعاناة، ولكن تنفتح بالأمر دون الفعل. قال الحسن: "تُكَلَّم، فتتكلم، انفتحي، انغلقي". و "مفتحة": نعت لـ "جَنَّتات"، والضمير محذوف، والتقدير: مفتحة لهم الأبواب منها. * * ثم قال تعالى: ﴿مُتَّكِئِينَ فِيهَا﴾، أي: في الجنات ﴿يَدْعُونَ فِيهَا بِفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وَشَرَابٍ﴾، أي: بفاكهة وشراب من الجنة فيأتيهم على ما يشتهون. * * ثم قال تعالى: ﴿وَعِندَهُمْ قَاصِرَاتُ ٱلطَّرْفِ أَتْرَابٌ﴾، أي: وعند هؤلاء الذين تقدم ذكرهم نساء قصرن أطرافهن على أزواجهن فلا يُرِدْنَ غيرهم، ولا يَمدُدن أعينهن إلى سواهم، قاله قتادة وغيره. وقال السدي: قُصرت أطرافهن وقلوبهن وأسماعهن على أزواجهن فلا يُرِدْنَ غيرهم. قال مجاهد: "أتراب: أمثال". وقال السدي: مستويات. وقيل: معناه: على سن واحد. وقيل: معناه: أحباب لا يتباغضن ولا يتعادين ولا يتغايرن ولا يتحاسدن. رُوي ذلك (أيضاً عن السدي). وأصله في اللغة، أنهن أقران. ﴿هَـٰذَا ذِكْرٌ﴾ تام عند أبي حاتم على أن يكون "المتقون" عام لا يراد به من تقدم ذكره. فإن أردت به من تقدم ذكره من النبيين - على معنى: هذا ذكر جميل لهؤلاء الأنبياء في الدنيا، وإن لهم لحسن مصير في الآخرة - (لم تقف) على ذكر "لأنه جملة واحدة في معنى واحد". ثم قال: ﴿هَـٰذَا مَا تُوعَدُونَ لِيَوْمِ ٱلْحِسَابِ﴾. من قرأه بالياء، فمعناه: هذا ما يوعد هؤلاء المتقون ليوم الجزاء. ومن قرأ بالتاء جعله على المخاطبة، أي: هذا الذي تقدم ذكره من النعيم هو ما توعدون ليوم تجزى كل نفس بما كسبت. * * ثم قال: ﴿إِنَّ هَـٰذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِن نَّفَادٍ﴾، أي: إن ما تقدم ذكره لَرِزق الله عز وجل المتقين كرامة لهم ليس له من فراغ ولا انقطاع، وذلك أنهم كلما أخذوا ثمرة عادت مكانتها أخرى. * * ثم قال: ﴿هَـٰذَا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ﴾، أي: لَشَرَّ مَرجِع ومصير ومنقلب. ثم بيَّن ذلك ما هو فقال: ﴿جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ ٱلْمِهَادُ﴾، أي: فبيس الفراش الذي افترشوه لأنفسهم بأعمالهم السيئة. والوقف على "هذا" حسن، ثم يبتدئ بـ: ﴿وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ﴾، على معنى: الأمر هذا، أو على معنى: هذا الذي وصفته للمتقين. ثم يستأنف خبر الطاغين وما لهم عند الله عز وجل.

ص 38:47

قوله تعالى ذكر: ﴿وَٱذْكُرْ عِبَادَنَآ إِبْرَاهِيمَ﴾ - إلى قوله - ﴿فَبِئْسَ ٱلْمِهَادُ﴾، أي: اذكر إبراهيم وولده إسحاق، وولد ولد يعقوب. ومن قرأ "عِبَادَنَا" بالجمع، أدخل الجمع في العبودية وجعل ما بعده بدلاً منه. ومن قرأ بالتوحيد خص إبراهيم بالعبودية وجعل ما بعده معطوفاً عليه. * * وقوله: ﴿أُوْلِي ٱلأَيْدِي﴾. قال ابن عباس: يقول: أولى القوة والعبادة. والأبصار: الفقه في الدين. قال: مجاهد: أولي الأيدي: القوة في أمر الله عز وجل والأبصار: العقول. وقال قتادة: أُعطوا قوة في العبادة وبصراً في الدين. وقال السدي: الأيدي: القوة في طاعة الله، والأبصار: البصر بعقولهم في دينهم. وقيل: الأيدي: جمع يد، من النعمة، أي: هم أصحاب النعم التي أنعم الله عز وجل عليهم بها. وقيل: "هم أصحاب النعم والإحسان، لأنهم قد أحسنوا وَقَدَّمُوا خيراً". وأصل "اليد" أن تكون للجارحة، ولكن لما كانت القوة فيها، سميت القوة يداً. والبصر هنا عُني به بصر القلب الذي به تنال معرفة الأشياء. وأجاز الطبري أن يكون المعنى أنهم أصحاب الأيدي عند الله عز وجل بالأعمال الصالحة التي قدموها تمثيلاً باليد تكون عند الرجل الآخر. وقرأ عبد الله: "أولي الأيدي" بغير ياء على معنى أولي التأييد والمعونة من الله لهم. ويجوز أن يكون مثل الأول لكن أسقط الياء واكتفى بالكسرة. وذكر الطبري عن السدي أنه قال: تزوج (إسحاق بامرأة) فحملت بغلامين في بطن، فلما أرادت أن تضع، اقتتل الغلامان في بطنها أيهما يخرج أولاً. فقال أحدهما للآخر: لئن خرجت قبلي لأعترضن في بطن أمي فلأقتلنها! فتأخر الآخر وخرج القائل ذلك، فسمي عيصا لعصيانه في بطن أمه، وخرج الثاني فسمي يعقوب لأنه خرج آخراً بعقب عيصا. وكان يعقوب أكبرهما في البطن لكن عيصا خرج قبله. والروم من ذرية عيصا. * * ثم قال: ﴿إِنَّآ أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى ٱلدَّارِ﴾. من نَوَّن "خالصة" جعل "ذكرى" بدلاً من "خالصة". والمعنى: إنّا اخترناهم واختصصناهم بأن يذكروا معادهم ويعملوا له. (فلا هَمَّ لهم غيره). هذا قول مجاهد والسدي، وهو اختيار الطبري. والاختيار عنده على قراءة من أضاف أن يكون المعنى: بخالصة ما ذكر في الدار الآخرة. ويجوز أن يكون رفع "ذكرى الدار" على إضمار مبتدأ. وقيل: المعنى: اختصوا بأن يذكروا الناس الدار الآخرة ويدعوهم إلى طاعة الله عز وجل، قاله قتادة. ومن قرأ بالإضافة فمعناه: إنا اختصصناهم بأفضل ما في الآخرة؛ قاله ابن زيد. وقال مجاهد أيضا: المعنى في الإضافة: إنا أخلصناهم بأن ذكرنا الجنة لهم. وقال الفضيل: هو الخوف الدائم في القلب. وقال ابن جبير: معناه: عقبى الدار. وعن مجاهد أيضا - في الإضافة - معناه: بخالصة أهل الدار. * * ثم قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُمْ عِندَنَا لَمِنَ ٱلْمُصْطَفَيْنَ ٱلأَخْيَارِ﴾، أي: لمن الذين صَفَوْا من الذنوب (ومن الأدانس) واختيروا. والأخيار، جمع خير، على التخفيف كميْت وأموات. ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَٱذْكُرْ إِسْمَاعِيلَ وَٱلْيَسَعَ وَذَا ٱلْكِفْلِ وَكُلٌّ مِّنَ ٱلأَخْيَارِ﴾، أي: أذكرهم يا محمد وما أبلوا فيه من طاعة الله عز وجل فَتَأَسَّ بهم، وأسلك منهاجهم في الصبر على ما نالك في الله جل ذكره. وسمي ذو الكفل بذلك، لأنه تكفل بعمل رجل صالح يقال، إن ذلك الرجل كان يصلي في كل يوم مائة صلاة، فتوفي؛ فتكفل ذو الكفل بعمله. وقيل: إنه تكفل بإمر أنبياء من أنبياء الله عز وجل فخلصهم من القتل فسمي ذا الكفل. والكفل في كلام العرب: الحَظُّ والنصيب. وقيل: تكفل لبعض الملوك بالجنة فكتب له كتاباً بذلك وقيل: لم يكن نبياً وقوله ﴿وَكُلٌّ مِّنَ ٱلأَخْيَارِ﴾، أي: كل هؤلاء من الأخيار المذكورين. * * ثم قال تعالى: ﴿هَـٰذَا ذِكْرٌ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ﴾، أي: هذا القرآن ذكر لك يا محمد ولقومك. وقيل: معناه: هذا ذكر جميل لهؤلاء في الدنيا، وإن لهم في الآخرة مع هذا لحسن مرجع. وقيل: معنى: وإن للمتقين لحسن مئاب، أي: لمن اتقى الله فأطاعه لحسن مرجع ومنقلب. ثم بين ذلك فقال: ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾، أي: جنات إقامة وثبات، قال قتادة: سأل عمر كعباً: ما عدن؟ فقال: يا أمير المؤمنين، قصور في الجنة من ذهب يسكنها النبيئون والصديقون والشهداء وأئمة العدل. وقال ابن عمر: "جنة عدن: قصر في الجنة، له خمسة آلاف باب، على كل باب خمسة آلاف خَيْرة، لا يدخله إلا نبي أو صديق أو شهيد". وقوله ﴿مُّفَتَّحَةً لَّهُمُ ٱلأَبْوَابُ﴾، أي: تفتح لهم الأبواب منها بغير فَتْحِ سكانها لها بيد، أو بمعاناة، ولكن تنفتح بالأمر دون الفعل. قال الحسن: "تُكَلَّم، فتتكلم، انفتحي، انغلقي". و "مفتحة": نعت لـ "جَنَّتات"، والضمير محذوف، والتقدير: مفتحة لهم الأبواب منها. * * ثم قال تعالى: ﴿مُتَّكِئِينَ فِيهَا﴾، أي: في الجنات ﴿يَدْعُونَ فِيهَا بِفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وَشَرَابٍ﴾، أي: بفاكهة وشراب من الجنة فيأتيهم على ما يشتهون. * * ثم قال تعالى: ﴿وَعِندَهُمْ قَاصِرَاتُ ٱلطَّرْفِ أَتْرَابٌ﴾، أي: وعند هؤلاء الذين تقدم ذكرهم نساء قصرن أطرافهن على أزواجهن فلا يُرِدْنَ غيرهم، ولا يَمدُدن أعينهن إلى سواهم، قاله قتادة وغيره. وقال السدي: قُصرت أطرافهن وقلوبهن وأسماعهن على أزواجهن فلا يُرِدْنَ غيرهم. قال مجاهد: "أتراب: أمثال". وقال السدي: مستويات. وقيل: معناه: على سن واحد. وقيل: معناه: أحباب لا يتباغضن ولا يتعادين ولا يتغايرن ولا يتحاسدن. رُوي ذلك (أيضاً عن السدي). وأصله في اللغة، أنهن أقران. ﴿هَـٰذَا ذِكْرٌ﴾ تام عند أبي حاتم على أن يكون "المتقون" عام لا يراد به من تقدم ذكره. فإن أردت به من تقدم ذكره من النبيين - على معنى: هذا ذكر جميل لهؤلاء الأنبياء في الدنيا، وإن لهم لحسن مصير في الآخرة - (لم تقف) على ذكر "لأنه جملة واحدة في معنى واحد". ثم قال: ﴿هَـٰذَا مَا تُوعَدُونَ لِيَوْمِ ٱلْحِسَابِ﴾. من قرأه بالياء، فمعناه: هذا ما يوعد هؤلاء المتقون ليوم الجزاء. ومن قرأ بالتاء جعله على المخاطبة، أي: هذا الذي تقدم ذكره من النعيم هو ما توعدون ليوم تجزى كل نفس بما كسبت. * * ثم قال: ﴿إِنَّ هَـٰذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِن نَّفَادٍ﴾، أي: إن ما تقدم ذكره لَرِزق الله عز وجل المتقين كرامة لهم ليس له من فراغ ولا انقطاع، وذلك أنهم كلما أخذوا ثمرة عادت مكانتها أخرى. * * ثم قال: ﴿هَـٰذَا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ﴾، أي: لَشَرَّ مَرجِع ومصير ومنقلب. ثم بيَّن ذلك ما هو فقال: ﴿جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ ٱلْمِهَادُ﴾، أي: فبيس الفراش الذي افترشوه لأنفسهم بأعمالهم السيئة. والوقف على "هذا" حسن، ثم يبتدئ بـ: ﴿وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ﴾، على معنى: الأمر هذا، أو على معنى: هذا الذي وصفته للمتقين. ثم يستأنف خبر الطاغين وما لهم عند الله عز وجل.

ص 38:48

قوله تعالى ذكر: ﴿وَٱذْكُرْ عِبَادَنَآ إِبْرَاهِيمَ﴾ - إلى قوله - ﴿فَبِئْسَ ٱلْمِهَادُ﴾، أي: اذكر إبراهيم وولده إسحاق، وولد ولد يعقوب. ومن قرأ "عِبَادَنَا" بالجمع، أدخل الجمع في العبودية وجعل ما بعده بدلاً منه. ومن قرأ بالتوحيد خص إبراهيم بالعبودية وجعل ما بعده معطوفاً عليه. * * وقوله: ﴿أُوْلِي ٱلأَيْدِي﴾. قال ابن عباس: يقول: أولى القوة والعبادة. والأبصار: الفقه في الدين. قال: مجاهد: أولي الأيدي: القوة في أمر الله عز وجل والأبصار: العقول. وقال قتادة: أُعطوا قوة في العبادة وبصراً في الدين. وقال السدي: الأيدي: القوة في طاعة الله، والأبصار: البصر بعقولهم في دينهم. وقيل: الأيدي: جمع يد، من النعمة، أي: هم أصحاب النعم التي أنعم الله عز وجل عليهم بها. وقيل: "هم أصحاب النعم والإحسان، لأنهم قد أحسنوا وَقَدَّمُوا خيراً". وأصل "اليد" أن تكون للجارحة، ولكن لما كانت القوة فيها، سميت القوة يداً. والبصر هنا عُني به بصر القلب الذي به تنال معرفة الأشياء. وأجاز الطبري أن يكون المعنى أنهم أصحاب الأيدي عند الله عز وجل بالأعمال الصالحة التي قدموها تمثيلاً باليد تكون عند الرجل الآخر. وقرأ عبد الله: "أولي الأيدي" بغير ياء على معنى أولي التأييد والمعونة من الله لهم. ويجوز أن يكون مثل الأول لكن أسقط الياء واكتفى بالكسرة. وذكر الطبري عن السدي أنه قال: تزوج (إسحاق بامرأة) فحملت بغلامين في بطن، فلما أرادت أن تضع، اقتتل الغلامان في بطنها أيهما يخرج أولاً. فقال أحدهما للآخر: لئن خرجت قبلي لأعترضن في بطن أمي فلأقتلنها! فتأخر الآخر وخرج القائل ذلك، فسمي عيصا لعصيانه في بطن أمه، وخرج الثاني فسمي يعقوب لأنه خرج آخراً بعقب عيصا. وكان يعقوب أكبرهما في البطن لكن عيصا خرج قبله. والروم من ذرية عيصا. * * ثم قال: ﴿إِنَّآ أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى ٱلدَّارِ﴾. من نَوَّن "خالصة" جعل "ذكرى" بدلاً من "خالصة". والمعنى: إنّا اخترناهم واختصصناهم بأن يذكروا معادهم ويعملوا له. (فلا هَمَّ لهم غيره). هذا قول مجاهد والسدي، وهو اختيار الطبري. والاختيار عنده على قراءة من أضاف أن يكون المعنى: بخالصة ما ذكر في الدار الآخرة. ويجوز أن يكون رفع "ذكرى الدار" على إضمار مبتدأ. وقيل: المعنى: اختصوا بأن يذكروا الناس الدار الآخرة ويدعوهم إلى طاعة الله عز وجل، قاله قتادة. ومن قرأ بالإضافة فمعناه: إنا اختصصناهم بأفضل ما في الآخرة؛ قاله ابن زيد. وقال مجاهد أيضا: المعنى في الإضافة: إنا أخلصناهم بأن ذكرنا الجنة لهم. وقال الفضيل: هو الخوف الدائم في القلب. وقال ابن جبير: معناه: عقبى الدار. وعن مجاهد أيضا - في الإضافة - معناه: بخالصة أهل الدار. * * ثم قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُمْ عِندَنَا لَمِنَ ٱلْمُصْطَفَيْنَ ٱلأَخْيَارِ﴾، أي: لمن الذين صَفَوْا من الذنوب (ومن الأدانس) واختيروا. والأخيار، جمع خير، على التخفيف كميْت وأموات. ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَٱذْكُرْ إِسْمَاعِيلَ وَٱلْيَسَعَ وَذَا ٱلْكِفْلِ وَكُلٌّ مِّنَ ٱلأَخْيَارِ﴾، أي: أذكرهم يا محمد وما أبلوا فيه من طاعة الله عز وجل فَتَأَسَّ بهم، وأسلك منهاجهم في الصبر على ما نالك في الله جل ذكره. وسمي ذو الكفل بذلك، لأنه تكفل بعمل رجل صالح يقال، إن ذلك الرجل كان يصلي في كل يوم مائة صلاة، فتوفي؛ فتكفل ذو الكفل بعمله. وقيل: إنه تكفل بإمر أنبياء من أنبياء الله عز وجل فخلصهم من القتل فسمي ذا الكفل. والكفل في كلام العرب: الحَظُّ والنصيب. وقيل: تكفل لبعض الملوك بالجنة فكتب له كتاباً بذلك وقيل: لم يكن نبياً وقوله ﴿وَكُلٌّ مِّنَ ٱلأَخْيَارِ﴾، أي: كل هؤلاء من الأخيار المذكورين. * * ثم قال تعالى: ﴿هَـٰذَا ذِكْرٌ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ﴾، أي: هذا القرآن ذكر لك يا محمد ولقومك. وقيل: معناه: هذا ذكر جميل لهؤلاء في الدنيا، وإن لهم في الآخرة مع هذا لحسن مرجع. وقيل: معنى: وإن للمتقين لحسن مئاب، أي: لمن اتقى الله فأطاعه لحسن مرجع ومنقلب. ثم بين ذلك فقال: ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾، أي: جنات إقامة وثبات، قال قتادة: سأل عمر كعباً: ما عدن؟ فقال: يا أمير المؤمنين، قصور في الجنة من ذهب يسكنها النبيئون والصديقون والشهداء وأئمة العدل. وقال ابن عمر: "جنة عدن: قصر في الجنة، له خمسة آلاف باب، على كل باب خمسة آلاف خَيْرة، لا يدخله إلا نبي أو صديق أو شهيد". وقوله ﴿مُّفَتَّحَةً لَّهُمُ ٱلأَبْوَابُ﴾، أي: تفتح لهم الأبواب منها بغير فَتْحِ سكانها لها بيد، أو بمعاناة، ولكن تنفتح بالأمر دون الفعل. قال الحسن: "تُكَلَّم، فتتكلم، انفتحي، انغلقي". و "مفتحة": نعت لـ "جَنَّتات"، والضمير محذوف، والتقدير: مفتحة لهم الأبواب منها. * * ثم قال تعالى: ﴿مُتَّكِئِينَ فِيهَا﴾، أي: في الجنات ﴿يَدْعُونَ فِيهَا بِفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وَشَرَابٍ﴾، أي: بفاكهة وشراب من الجنة فيأتيهم على ما يشتهون. * * ثم قال تعالى: ﴿وَعِندَهُمْ قَاصِرَاتُ ٱلطَّرْفِ أَتْرَابٌ﴾، أي: وعند هؤلاء الذين تقدم ذكرهم نساء قصرن أطرافهن على أزواجهن فلا يُرِدْنَ غيرهم، ولا يَمدُدن أعينهن إلى سواهم، قاله قتادة وغيره. وقال السدي: قُصرت أطرافهن وقلوبهن وأسماعهن على أزواجهن فلا يُرِدْنَ غيرهم. قال مجاهد: "أتراب: أمثال". وقال السدي: مستويات. وقيل: معناه: على سن واحد. وقيل: معناه: أحباب لا يتباغضن ولا يتعادين ولا يتغايرن ولا يتحاسدن. رُوي ذلك (أيضاً عن السدي). وأصله في اللغة، أنهن أقران. ﴿هَـٰذَا ذِكْرٌ﴾ تام عند أبي حاتم على أن يكون "المتقون" عام لا يراد به من تقدم ذكره. فإن أردت به من تقدم ذكره من النبيين - على معنى: هذا ذكر جميل لهؤلاء الأنبياء في الدنيا، وإن لهم لحسن مصير في الآخرة - (لم تقف) على ذكر "لأنه جملة واحدة في معنى واحد". ثم قال: ﴿هَـٰذَا مَا تُوعَدُونَ لِيَوْمِ ٱلْحِسَابِ﴾. من قرأه بالياء، فمعناه: هذا ما يوعد هؤلاء المتقون ليوم الجزاء. ومن قرأ بالتاء جعله على المخاطبة، أي: هذا الذي تقدم ذكره من النعيم هو ما توعدون ليوم تجزى كل نفس بما كسبت. * * ثم قال: ﴿إِنَّ هَـٰذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِن نَّفَادٍ﴾، أي: إن ما تقدم ذكره لَرِزق الله عز وجل المتقين كرامة لهم ليس له من فراغ ولا انقطاع، وذلك أنهم كلما أخذوا ثمرة عادت مكانتها أخرى. * * ثم قال: ﴿هَـٰذَا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ﴾، أي: لَشَرَّ مَرجِع ومصير ومنقلب. ثم بيَّن ذلك ما هو فقال: ﴿جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ ٱلْمِهَادُ﴾، أي: فبيس الفراش الذي افترشوه لأنفسهم بأعمالهم السيئة. والوقف على "هذا" حسن، ثم يبتدئ بـ: ﴿وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ﴾، على معنى: الأمر هذا، أو على معنى: هذا الذي وصفته للمتقين. ثم يستأنف خبر الطاغين وما لهم عند الله عز وجل.

ص 38:49

قوله تعالى ذكر: ﴿وَٱذْكُرْ عِبَادَنَآ إِبْرَاهِيمَ﴾ - إلى قوله - ﴿فَبِئْسَ ٱلْمِهَادُ﴾، أي: اذكر إبراهيم وولده إسحاق، وولد ولد يعقوب. ومن قرأ "عِبَادَنَا" بالجمع، أدخل الجمع في العبودية وجعل ما بعده بدلاً منه. ومن قرأ بالتوحيد خص إبراهيم بالعبودية وجعل ما بعده معطوفاً عليه. * * وقوله: ﴿أُوْلِي ٱلأَيْدِي﴾. قال ابن عباس: يقول: أولى القوة والعبادة. والأبصار: الفقه في الدين. قال: مجاهد: أولي الأيدي: القوة في أمر الله عز وجل والأبصار: العقول. وقال قتادة: أُعطوا قوة في العبادة وبصراً في الدين. وقال السدي: الأيدي: القوة في طاعة الله، والأبصار: البصر بعقولهم في دينهم. وقيل: الأيدي: جمع يد، من النعمة، أي: هم أصحاب النعم التي أنعم الله عز وجل عليهم بها. وقيل: "هم أصحاب النعم والإحسان، لأنهم قد أحسنوا وَقَدَّمُوا خيراً". وأصل "اليد" أن تكون للجارحة، ولكن لما كانت القوة فيها، سميت القوة يداً. والبصر هنا عُني به بصر القلب الذي به تنال معرفة الأشياء. وأجاز الطبري أن يكون المعنى أنهم أصحاب الأيدي عند الله عز وجل بالأعمال الصالحة التي قدموها تمثيلاً باليد تكون عند الرجل الآخر. وقرأ عبد الله: "أولي الأيدي" بغير ياء على معنى أولي التأييد والمعونة من الله لهم. ويجوز أن يكون مثل الأول لكن أسقط الياء واكتفى بالكسرة. وذكر الطبري عن السدي أنه قال: تزوج (إسحاق بامرأة) فحملت بغلامين في بطن، فلما أرادت أن تضع، اقتتل الغلامان في بطنها أيهما يخرج أولاً. فقال أحدهما للآخر: لئن خرجت قبلي لأعترضن في بطن أمي فلأقتلنها! فتأخر الآخر وخرج القائل ذلك، فسمي عيصا لعصيانه في بطن أمه، وخرج الثاني فسمي يعقوب لأنه خرج آخراً بعقب عيصا. وكان يعقوب أكبرهما في البطن لكن عيصا خرج قبله. والروم من ذرية عيصا. * * ثم قال: ﴿إِنَّآ أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى ٱلدَّارِ﴾. من نَوَّن "خالصة" جعل "ذكرى" بدلاً من "خالصة". والمعنى: إنّا اخترناهم واختصصناهم بأن يذكروا معادهم ويعملوا له. (فلا هَمَّ لهم غيره). هذا قول مجاهد والسدي، وهو اختيار الطبري. والاختيار عنده على قراءة من أضاف أن يكون المعنى: بخالصة ما ذكر في الدار الآخرة. ويجوز أن يكون رفع "ذكرى الدار" على إضمار مبتدأ. وقيل: المعنى: اختصوا بأن يذكروا الناس الدار الآخرة ويدعوهم إلى طاعة الله عز وجل، قاله قتادة. ومن قرأ بالإضافة فمعناه: إنا اختصصناهم بأفضل ما في الآخرة؛ قاله ابن زيد. وقال مجاهد أيضا: المعنى في الإضافة: إنا أخلصناهم بأن ذكرنا الجنة لهم. وقال الفضيل: هو الخوف الدائم في القلب. وقال ابن جبير: معناه: عقبى الدار. وعن مجاهد أيضا - في الإضافة - معناه: بخالصة أهل الدار. * * ثم قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُمْ عِندَنَا لَمِنَ ٱلْمُصْطَفَيْنَ ٱلأَخْيَارِ﴾، أي: لمن الذين صَفَوْا من الذنوب (ومن الأدانس) واختيروا. والأخيار، جمع خير، على التخفيف كميْت وأموات. ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَٱذْكُرْ إِسْمَاعِيلَ وَٱلْيَسَعَ وَذَا ٱلْكِفْلِ وَكُلٌّ مِّنَ ٱلأَخْيَارِ﴾، أي: أذكرهم يا محمد وما أبلوا فيه من طاعة الله عز وجل فَتَأَسَّ بهم، وأسلك منهاجهم في الصبر على ما نالك في الله جل ذكره. وسمي ذو الكفل بذلك، لأنه تكفل بعمل رجل صالح يقال، إن ذلك الرجل كان يصلي في كل يوم مائة صلاة، فتوفي؛ فتكفل ذو الكفل بعمله. وقيل: إنه تكفل بإمر أنبياء من أنبياء الله عز وجل فخلصهم من القتل فسمي ذا الكفل. والكفل في كلام العرب: الحَظُّ والنصيب. وقيل: تكفل لبعض الملوك بالجنة فكتب له كتاباً بذلك وقيل: لم يكن نبياً وقوله ﴿وَكُلٌّ مِّنَ ٱلأَخْيَارِ﴾، أي: كل هؤلاء من الأخيار المذكورين. * * ثم قال تعالى: ﴿هَـٰذَا ذِكْرٌ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ﴾، أي: هذا القرآن ذكر لك يا محمد ولقومك. وقيل: معناه: هذا ذكر جميل لهؤلاء في الدنيا، وإن لهم في الآخرة مع هذا لحسن مرجع. وقيل: معنى: وإن للمتقين لحسن مئاب، أي: لمن اتقى الله فأطاعه لحسن مرجع ومنقلب. ثم بين ذلك فقال: ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾، أي: جنات إقامة وثبات، قال قتادة: سأل عمر كعباً: ما عدن؟ فقال: يا أمير المؤمنين، قصور في الجنة من ذهب يسكنها النبيئون والصديقون والشهداء وأئمة العدل. وقال ابن عمر: "جنة عدن: قصر في الجنة، له خمسة آلاف باب، على كل باب خمسة آلاف خَيْرة، لا يدخله إلا نبي أو صديق أو شهيد". وقوله ﴿مُّفَتَّحَةً لَّهُمُ ٱلأَبْوَابُ﴾، أي: تفتح لهم الأبواب منها بغير فَتْحِ سكانها لها بيد، أو بمعاناة، ولكن تنفتح بالأمر دون الفعل. قال الحسن: "تُكَلَّم، فتتكلم، انفتحي، انغلقي". و "مفتحة": نعت لـ "جَنَّتات"، والضمير محذوف، والتقدير: مفتحة لهم الأبواب منها. * * ثم قال تعالى: ﴿مُتَّكِئِينَ فِيهَا﴾، أي: في الجنات ﴿يَدْعُونَ فِيهَا بِفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وَشَرَابٍ﴾، أي: بفاكهة وشراب من الجنة فيأتيهم على ما يشتهون. * * ثم قال تعالى: ﴿وَعِندَهُمْ قَاصِرَاتُ ٱلطَّرْفِ أَتْرَابٌ﴾، أي: وعند هؤلاء الذين تقدم ذكرهم نساء قصرن أطرافهن على أزواجهن فلا يُرِدْنَ غيرهم، ولا يَمدُدن أعينهن إلى سواهم، قاله قتادة وغيره. وقال السدي: قُصرت أطرافهن وقلوبهن وأسماعهن على أزواجهن فلا يُرِدْنَ غيرهم. قال مجاهد: "أتراب: أمثال". وقال السدي: مستويات. وقيل: معناه: على سن واحد. وقيل: معناه: أحباب لا يتباغضن ولا يتعادين ولا يتغايرن ولا يتحاسدن. رُوي ذلك (أيضاً عن السدي). وأصله في اللغة، أنهن أقران. ﴿هَـٰذَا ذِكْرٌ﴾ تام عند أبي حاتم على أن يكون "المتقون" عام لا يراد به من تقدم ذكره. فإن أردت به من تقدم ذكره من النبيين - على معنى: هذا ذكر جميل لهؤلاء الأنبياء في الدنيا، وإن لهم لحسن مصير في الآخرة - (لم تقف) على ذكر "لأنه جملة واحدة في معنى واحد". ثم قال: ﴿هَـٰذَا مَا تُوعَدُونَ لِيَوْمِ ٱلْحِسَابِ﴾. من قرأه بالياء، فمعناه: هذا ما يوعد هؤلاء المتقون ليوم الجزاء. ومن قرأ بالتاء جعله على المخاطبة، أي: هذا الذي تقدم ذكره من النعيم هو ما توعدون ليوم تجزى كل نفس بما كسبت. * * ثم قال: ﴿إِنَّ هَـٰذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِن نَّفَادٍ﴾، أي: إن ما تقدم ذكره لَرِزق الله عز وجل المتقين كرامة لهم ليس له من فراغ ولا انقطاع، وذلك أنهم كلما أخذوا ثمرة عادت مكانتها أخرى. * * ثم قال: ﴿هَـٰذَا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ﴾، أي: لَشَرَّ مَرجِع ومصير ومنقلب. ثم بيَّن ذلك ما هو فقال: ﴿جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ ٱلْمِهَادُ﴾، أي: فبيس الفراش الذي افترشوه لأنفسهم بأعمالهم السيئة. والوقف على "هذا" حسن، ثم يبتدئ بـ: ﴿وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ﴾، على معنى: الأمر هذا، أو على معنى: هذا الذي وصفته للمتقين. ثم يستأنف خبر الطاغين وما لهم عند الله عز وجل.

ص 38:50

قوله تعالى ذكر: ﴿وَٱذْكُرْ عِبَادَنَآ إِبْرَاهِيمَ﴾ - إلى قوله - ﴿فَبِئْسَ ٱلْمِهَادُ﴾، أي: اذكر إبراهيم وولده إسحاق، وولد ولد يعقوب. ومن قرأ "عِبَادَنَا" بالجمع، أدخل الجمع في العبودية وجعل ما بعده بدلاً منه. ومن قرأ بالتوحيد خص إبراهيم بالعبودية وجعل ما بعده معطوفاً عليه. * * وقوله: ﴿أُوْلِي ٱلأَيْدِي﴾. قال ابن عباس: يقول: أولى القوة والعبادة. والأبصار: الفقه في الدين. قال: مجاهد: أولي الأيدي: القوة في أمر الله عز وجل والأبصار: العقول. وقال قتادة: أُعطوا قوة في العبادة وبصراً في الدين. وقال السدي: الأيدي: القوة في طاعة الله، والأبصار: البصر بعقولهم في دينهم. وقيل: الأيدي: جمع يد، من النعمة، أي: هم أصحاب النعم التي أنعم الله عز وجل عليهم بها. وقيل: "هم أصحاب النعم والإحسان، لأنهم قد أحسنوا وَقَدَّمُوا خيراً". وأصل "اليد" أن تكون للجارحة، ولكن لما كانت القوة فيها، سميت القوة يداً. والبصر هنا عُني به بصر القلب الذي به تنال معرفة الأشياء. وأجاز الطبري أن يكون المعنى أنهم أصحاب الأيدي عند الله عز وجل بالأعمال الصالحة التي قدموها تمثيلاً باليد تكون عند الرجل الآخر. وقرأ عبد الله: "أولي الأيدي" بغير ياء على معنى أولي التأييد والمعونة من الله لهم. ويجوز أن يكون مثل الأول لكن أسقط الياء واكتفى بالكسرة. وذكر الطبري عن السدي أنه قال: تزوج (إسحاق بامرأة) فحملت بغلامين في بطن، فلما أرادت أن تضع، اقتتل الغلامان في بطنها أيهما يخرج أولاً. فقال أحدهما للآخر: لئن خرجت قبلي لأعترضن في بطن أمي فلأقتلنها! فتأخر الآخر وخرج القائل ذلك، فسمي عيصا لعصيانه في بطن أمه، وخرج الثاني فسمي يعقوب لأنه خرج آخراً بعقب عيصا. وكان يعقوب أكبرهما في البطن لكن عيصا خرج قبله. والروم من ذرية عيصا. * * ثم قال: ﴿إِنَّآ أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى ٱلدَّارِ﴾. من نَوَّن "خالصة" جعل "ذكرى" بدلاً من "خالصة". والمعنى: إنّا اخترناهم واختصصناهم بأن يذكروا معادهم ويعملوا له. (فلا هَمَّ لهم غيره). هذا قول مجاهد والسدي، وهو اختيار الطبري. والاختيار عنده على قراءة من أضاف أن يكون المعنى: بخالصة ما ذكر في الدار الآخرة. ويجوز أن يكون رفع "ذكرى الدار" على إضمار مبتدأ. وقيل: المعنى: اختصوا بأن يذكروا الناس الدار الآخرة ويدعوهم إلى طاعة الله عز وجل، قاله قتادة. ومن قرأ بالإضافة فمعناه: إنا اختصصناهم بأفضل ما في الآخرة؛ قاله ابن زيد. وقال مجاهد أيضا: المعنى في الإضافة: إنا أخلصناهم بأن ذكرنا الجنة لهم. وقال الفضيل: هو الخوف الدائم في القلب. وقال ابن جبير: معناه: عقبى الدار. وعن مجاهد أيضا - في الإضافة - معناه: بخالصة أهل الدار. * * ثم قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُمْ عِندَنَا لَمِنَ ٱلْمُصْطَفَيْنَ ٱلأَخْيَارِ﴾، أي: لمن الذين صَفَوْا من الذنوب (ومن الأدانس) واختيروا. والأخيار، جمع خير، على التخفيف كميْت وأموات. ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَٱذْكُرْ إِسْمَاعِيلَ وَٱلْيَسَعَ وَذَا ٱلْكِفْلِ وَكُلٌّ مِّنَ ٱلأَخْيَارِ﴾، أي: أذكرهم يا محمد وما أبلوا فيه من طاعة الله عز وجل فَتَأَسَّ بهم، وأسلك منهاجهم في الصبر على ما نالك في الله جل ذكره. وسمي ذو الكفل بذلك، لأنه تكفل بعمل رجل صالح يقال، إن ذلك الرجل كان يصلي في كل يوم مائة صلاة، فتوفي؛ فتكفل ذو الكفل بعمله. وقيل: إنه تكفل بإمر أنبياء من أنبياء الله عز وجل فخلصهم من القتل فسمي ذا الكفل. والكفل في كلام العرب: الحَظُّ والنصيب. وقيل: تكفل لبعض الملوك بالجنة فكتب له كتاباً بذلك وقيل: لم يكن نبياً وقوله ﴿وَكُلٌّ مِّنَ ٱلأَخْيَارِ﴾، أي: كل هؤلاء من الأخيار المذكورين. * * ثم قال تعالى: ﴿هَـٰذَا ذِكْرٌ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ﴾، أي: هذا القرآن ذكر لك يا محمد ولقومك. وقيل: معناه: هذا ذكر جميل لهؤلاء في الدنيا، وإن لهم في الآخرة مع هذا لحسن مرجع. وقيل: معنى: وإن للمتقين لحسن مئاب، أي: لمن اتقى الله فأطاعه لحسن مرجع ومنقلب. ثم بين ذلك فقال: ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾، أي: جنات إقامة وثبات، قال قتادة: سأل عمر كعباً: ما عدن؟ فقال: يا أمير المؤمنين، قصور في الجنة من ذهب يسكنها النبيئون والصديقون والشهداء وأئمة العدل. وقال ابن عمر: "جنة عدن: قصر في الجنة، له خمسة آلاف باب، على كل باب خمسة آلاف خَيْرة، لا يدخله إلا نبي أو صديق أو شهيد". وقوله ﴿مُّفَتَّحَةً لَّهُمُ ٱلأَبْوَابُ﴾، أي: تفتح لهم الأبواب منها بغير فَتْحِ سكانها لها بيد، أو بمعاناة، ولكن تنفتح بالأمر دون الفعل. قال الحسن: "تُكَلَّم، فتتكلم، انفتحي، انغلقي". و "مفتحة": نعت لـ "جَنَّتات"، والضمير محذوف، والتقدير: مفتحة لهم الأبواب منها. * * ثم قال تعالى: ﴿مُتَّكِئِينَ فِيهَا﴾، أي: في الجنات ﴿يَدْعُونَ فِيهَا بِفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وَشَرَابٍ﴾، أي: بفاكهة وشراب من الجنة فيأتيهم على ما يشتهون. * * ثم قال تعالى: ﴿وَعِندَهُمْ قَاصِرَاتُ ٱلطَّرْفِ أَتْرَابٌ﴾، أي: وعند هؤلاء الذين تقدم ذكرهم نساء قصرن أطرافهن على أزواجهن فلا يُرِدْنَ غيرهم، ولا يَمدُدن أعينهن إلى سواهم، قاله قتادة وغيره. وقال السدي: قُصرت أطرافهن وقلوبهن وأسماعهن على أزواجهن فلا يُرِدْنَ غيرهم. قال مجاهد: "أتراب: أمثال". وقال السدي: مستويات. وقيل: معناه: على سن واحد. وقيل: معناه: أحباب لا يتباغضن ولا يتعادين ولا يتغايرن ولا يتحاسدن. رُوي ذلك (أيضاً عن السدي). وأصله في اللغة، أنهن أقران. ﴿هَـٰذَا ذِكْرٌ﴾ تام عند أبي حاتم على أن يكون "المتقون" عام لا يراد به من تقدم ذكره. فإن أردت به من تقدم ذكره من النبيين - على معنى: هذا ذكر جميل لهؤلاء الأنبياء في الدنيا، وإن لهم لحسن مصير في الآخرة - (لم تقف) على ذكر "لأنه جملة واحدة في معنى واحد". ثم قال: ﴿هَـٰذَا مَا تُوعَدُونَ لِيَوْمِ ٱلْحِسَابِ﴾. من قرأه بالياء، فمعناه: هذا ما يوعد هؤلاء المتقون ليوم الجزاء. ومن قرأ بالتاء جعله على المخاطبة، أي: هذا الذي تقدم ذكره من النعيم هو ما توعدون ليوم تجزى كل نفس بما كسبت. * * ثم قال: ﴿إِنَّ هَـٰذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِن نَّفَادٍ﴾، أي: إن ما تقدم ذكره لَرِزق الله عز وجل المتقين كرامة لهم ليس له من فراغ ولا انقطاع، وذلك أنهم كلما أخذوا ثمرة عادت مكانتها أخرى. * * ثم قال: ﴿هَـٰذَا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ﴾، أي: لَشَرَّ مَرجِع ومصير ومنقلب. ثم بيَّن ذلك ما هو فقال: ﴿جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ ٱلْمِهَادُ﴾، أي: فبيس الفراش الذي افترشوه لأنفسهم بأعمالهم السيئة. والوقف على "هذا" حسن، ثم يبتدئ بـ: ﴿وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ﴾، على معنى: الأمر هذا، أو على معنى: هذا الذي وصفته للمتقين. ثم يستأنف خبر الطاغين وما لهم عند الله عز وجل.

ص 38:51

قوله تعالى ذكر: ﴿وَٱذْكُرْ عِبَادَنَآ إِبْرَاهِيمَ﴾ - إلى قوله - ﴿فَبِئْسَ ٱلْمِهَادُ﴾، أي: اذكر إبراهيم وولده إسحاق، وولد ولد يعقوب. ومن قرأ "عِبَادَنَا" بالجمع، أدخل الجمع في العبودية وجعل ما بعده بدلاً منه. ومن قرأ بالتوحيد خص إبراهيم بالعبودية وجعل ما بعده معطوفاً عليه. * * وقوله: ﴿أُوْلِي ٱلأَيْدِي﴾. قال ابن عباس: يقول: أولى القوة والعبادة. والأبصار: الفقه في الدين. قال: مجاهد: أولي الأيدي: القوة في أمر الله عز وجل والأبصار: العقول. وقال قتادة: أُعطوا قوة في العبادة وبصراً في الدين. وقال السدي: الأيدي: القوة في طاعة الله، والأبصار: البصر بعقولهم في دينهم. وقيل: الأيدي: جمع يد، من النعمة، أي: هم أصحاب النعم التي أنعم الله عز وجل عليهم بها. وقيل: "هم أصحاب النعم والإحسان، لأنهم قد أحسنوا وَقَدَّمُوا خيراً". وأصل "اليد" أن تكون للجارحة، ولكن لما كانت القوة فيها، سميت القوة يداً. والبصر هنا عُني به بصر القلب الذي به تنال معرفة الأشياء. وأجاز الطبري أن يكون المعنى أنهم أصحاب الأيدي عند الله عز وجل بالأعمال الصالحة التي قدموها تمثيلاً باليد تكون عند الرجل الآخر. وقرأ عبد الله: "أولي الأيدي" بغير ياء على معنى أولي التأييد والمعونة من الله لهم. ويجوز أن يكون مثل الأول لكن أسقط الياء واكتفى بالكسرة. وذكر الطبري عن السدي أنه قال: تزوج (إسحاق بامرأة) فحملت بغلامين في بطن، فلما أرادت أن تضع، اقتتل الغلامان في بطنها أيهما يخرج أولاً. فقال أحدهما للآخر: لئن خرجت قبلي لأعترضن في بطن أمي فلأقتلنها! فتأخر الآخر وخرج القائل ذلك، فسمي عيصا لعصيانه في بطن أمه، وخرج الثاني فسمي يعقوب لأنه خرج آخراً بعقب عيصا. وكان يعقوب أكبرهما في البطن لكن عيصا خرج قبله. والروم من ذرية عيصا. * * ثم قال: ﴿إِنَّآ أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى ٱلدَّارِ﴾. من نَوَّن "خالصة" جعل "ذكرى" بدلاً من "خالصة". والمعنى: إنّا اخترناهم واختصصناهم بأن يذكروا معادهم ويعملوا له. (فلا هَمَّ لهم غيره). هذا قول مجاهد والسدي، وهو اختيار الطبري. والاختيار عنده على قراءة من أضاف أن يكون المعنى: بخالصة ما ذكر في الدار الآخرة. ويجوز أن يكون رفع "ذكرى الدار" على إضمار مبتدأ. وقيل: المعنى: اختصوا بأن يذكروا الناس الدار الآخرة ويدعوهم إلى طاعة الله عز وجل، قاله قتادة. ومن قرأ بالإضافة فمعناه: إنا اختصصناهم بأفضل ما في الآخرة؛ قاله ابن زيد. وقال مجاهد أيضا: المعنى في الإضافة: إنا أخلصناهم بأن ذكرنا الجنة لهم. وقال الفضيل: هو الخوف الدائم في القلب. وقال ابن جبير: معناه: عقبى الدار. وعن مجاهد أيضا - في الإضافة - معناه: بخالصة أهل الدار. * * ثم قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُمْ عِندَنَا لَمِنَ ٱلْمُصْطَفَيْنَ ٱلأَخْيَارِ﴾، أي: لمن الذين صَفَوْا من الذنوب (ومن الأدانس) واختيروا. والأخيار، جمع خير، على التخفيف كميْت وأموات. ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَٱذْكُرْ إِسْمَاعِيلَ وَٱلْيَسَعَ وَذَا ٱلْكِفْلِ وَكُلٌّ مِّنَ ٱلأَخْيَارِ﴾، أي: أذكرهم يا محمد وما أبلوا فيه من طاعة الله عز وجل فَتَأَسَّ بهم، وأسلك منهاجهم في الصبر على ما نالك في الله جل ذكره. وسمي ذو الكفل بذلك، لأنه تكفل بعمل رجل صالح يقال، إن ذلك الرجل كان يصلي في كل يوم مائة صلاة، فتوفي؛ فتكفل ذو الكفل بعمله. وقيل: إنه تكفل بإمر أنبياء من أنبياء الله عز وجل فخلصهم من القتل فسمي ذا الكفل. والكفل في كلام العرب: الحَظُّ والنصيب. وقيل: تكفل لبعض الملوك بالجنة فكتب له كتاباً بذلك وقيل: لم يكن نبياً وقوله ﴿وَكُلٌّ مِّنَ ٱلأَخْيَارِ﴾، أي: كل هؤلاء من الأخيار المذكورين. * * ثم قال تعالى: ﴿هَـٰذَا ذِكْرٌ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ﴾، أي: هذا القرآن ذكر لك يا محمد ولقومك. وقيل: معناه: هذا ذكر جميل لهؤلاء في الدنيا، وإن لهم في الآخرة مع هذا لحسن مرجع. وقيل: معنى: وإن للمتقين لحسن مئاب، أي: لمن اتقى الله فأطاعه لحسن مرجع ومنقلب. ثم بين ذلك فقال: ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾، أي: جنات إقامة وثبات، قال قتادة: سأل عمر كعباً: ما عدن؟ فقال: يا أمير المؤمنين، قصور في الجنة من ذهب يسكنها النبيئون والصديقون والشهداء وأئمة العدل. وقال ابن عمر: "جنة عدن: قصر في الجنة، له خمسة آلاف باب، على كل باب خمسة آلاف خَيْرة، لا يدخله إلا نبي أو صديق أو شهيد". وقوله ﴿مُّفَتَّحَةً لَّهُمُ ٱلأَبْوَابُ﴾، أي: تفتح لهم الأبواب منها بغير فَتْحِ سكانها لها بيد، أو بمعاناة، ولكن تنفتح بالأمر دون الفعل. قال الحسن: "تُكَلَّم، فتتكلم، انفتحي، انغلقي". و "مفتحة": نعت لـ "جَنَّتات"، والضمير محذوف، والتقدير: مفتحة لهم الأبواب منها. * * ثم قال تعالى: ﴿مُتَّكِئِينَ فِيهَا﴾، أي: في الجنات ﴿يَدْعُونَ فِيهَا بِفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وَشَرَابٍ﴾، أي: بفاكهة وشراب من الجنة فيأتيهم على ما يشتهون. * * ثم قال تعالى: ﴿وَعِندَهُمْ قَاصِرَاتُ ٱلطَّرْفِ أَتْرَابٌ﴾، أي: وعند هؤلاء الذين تقدم ذكرهم نساء قصرن أطرافهن على أزواجهن فلا يُرِدْنَ غيرهم، ولا يَمدُدن أعينهن إلى سواهم، قاله قتادة وغيره. وقال السدي: قُصرت أطرافهن وقلوبهن وأسماعهن على أزواجهن فلا يُرِدْنَ غيرهم. قال مجاهد: "أتراب: أمثال". وقال السدي: مستويات. وقيل: معناه: على سن واحد. وقيل: معناه: أحباب لا يتباغضن ولا يتعادين ولا يتغايرن ولا يتحاسدن. رُوي ذلك (أيضاً عن السدي). وأصله في اللغة، أنهن أقران. ﴿هَـٰذَا ذِكْرٌ﴾ تام عند أبي حاتم على أن يكون "المتقون" عام لا يراد به من تقدم ذكره. فإن أردت به من تقدم ذكره من النبيين - على معنى: هذا ذكر جميل لهؤلاء الأنبياء في الدنيا، وإن لهم لحسن مصير في الآخرة - (لم تقف) على ذكر "لأنه جملة واحدة في معنى واحد". ثم قال: ﴿هَـٰذَا مَا تُوعَدُونَ لِيَوْمِ ٱلْحِسَابِ﴾. من قرأه بالياء، فمعناه: هذا ما يوعد هؤلاء المتقون ليوم الجزاء. ومن قرأ بالتاء جعله على المخاطبة، أي: هذا الذي تقدم ذكره من النعيم هو ما توعدون ليوم تجزى كل نفس بما كسبت. * * ثم قال: ﴿إِنَّ هَـٰذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِن نَّفَادٍ﴾، أي: إن ما تقدم ذكره لَرِزق الله عز وجل المتقين كرامة لهم ليس له من فراغ ولا انقطاع، وذلك أنهم كلما أخذوا ثمرة عادت مكانتها أخرى. * * ثم قال: ﴿هَـٰذَا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ﴾، أي: لَشَرَّ مَرجِع ومصير ومنقلب. ثم بيَّن ذلك ما هو فقال: ﴿جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ ٱلْمِهَادُ﴾، أي: فبيس الفراش الذي افترشوه لأنفسهم بأعمالهم السيئة. والوقف على "هذا" حسن، ثم يبتدئ بـ: ﴿وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ﴾، على معنى: الأمر هذا، أو على معنى: هذا الذي وصفته للمتقين. ثم يستأنف خبر الطاغين وما لهم عند الله عز وجل.

ص 38:52

قوله تعالى ذكر: ﴿وَٱذْكُرْ عِبَادَنَآ إِبْرَاهِيمَ﴾ - إلى قوله - ﴿فَبِئْسَ ٱلْمِهَادُ﴾، أي: اذكر إبراهيم وولده إسحاق، وولد ولد يعقوب. ومن قرأ "عِبَادَنَا" بالجمع، أدخل الجمع في العبودية وجعل ما بعده بدلاً منه. ومن قرأ بالتوحيد خص إبراهيم بالعبودية وجعل ما بعده معطوفاً عليه. * * وقوله: ﴿أُوْلِي ٱلأَيْدِي﴾. قال ابن عباس: يقول: أولى القوة والعبادة. والأبصار: الفقه في الدين. قال: مجاهد: أولي الأيدي: القوة في أمر الله عز وجل والأبصار: العقول. وقال قتادة: أُعطوا قوة في العبادة وبصراً في الدين. وقال السدي: الأيدي: القوة في طاعة الله، والأبصار: البصر بعقولهم في دينهم. وقيل: الأيدي: جمع يد، من النعمة، أي: هم أصحاب النعم التي أنعم الله عز وجل عليهم بها. وقيل: "هم أصحاب النعم والإحسان، لأنهم قد أحسنوا وَقَدَّمُوا خيراً". وأصل "اليد" أن تكون للجارحة، ولكن لما كانت القوة فيها، سميت القوة يداً. والبصر هنا عُني به بصر القلب الذي به تنال معرفة الأشياء. وأجاز الطبري أن يكون المعنى أنهم أصحاب الأيدي عند الله عز وجل بالأعمال الصالحة التي قدموها تمثيلاً باليد تكون عند الرجل الآخر. وقرأ عبد الله: "أولي الأيدي" بغير ياء على معنى أولي التأييد والمعونة من الله لهم. ويجوز أن يكون مثل الأول لكن أسقط الياء واكتفى بالكسرة. وذكر الطبري عن السدي أنه قال: تزوج (إسحاق بامرأة) فحملت بغلامين في بطن، فلما أرادت أن تضع، اقتتل الغلامان في بطنها أيهما يخرج أولاً. فقال أحدهما للآخر: لئن خرجت قبلي لأعترضن في بطن أمي فلأقتلنها! فتأخر الآخر وخرج القائل ذلك، فسمي عيصا لعصيانه في بطن أمه، وخرج الثاني فسمي يعقوب لأنه خرج آخراً بعقب عيصا. وكان يعقوب أكبرهما في البطن لكن عيصا خرج قبله. والروم من ذرية عيصا. * * ثم قال: ﴿إِنَّآ أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى ٱلدَّارِ﴾. من نَوَّن "خالصة" جعل "ذكرى" بدلاً من "خالصة". والمعنى: إنّا اخترناهم واختصصناهم بأن يذكروا معادهم ويعملوا له. (فلا هَمَّ لهم غيره). هذا قول مجاهد والسدي، وهو اختيار الطبري. والاختيار عنده على قراءة من أضاف أن يكون المعنى: بخالصة ما ذكر في الدار الآخرة. ويجوز أن يكون رفع "ذكرى الدار" على إضمار مبتدأ. وقيل: المعنى: اختصوا بأن يذكروا الناس الدار الآخرة ويدعوهم إلى طاعة الله عز وجل، قاله قتادة. ومن قرأ بالإضافة فمعناه: إنا اختصصناهم بأفضل ما في الآخرة؛ قاله ابن زيد. وقال مجاهد أيضا: المعنى في الإضافة: إنا أخلصناهم بأن ذكرنا الجنة لهم. وقال الفضيل: هو الخوف الدائم في القلب. وقال ابن جبير: معناه: عقبى الدار. وعن مجاهد أيضا - في الإضافة - معناه: بخالصة أهل الدار. * * ثم قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُمْ عِندَنَا لَمِنَ ٱلْمُصْطَفَيْنَ ٱلأَخْيَارِ﴾، أي: لمن الذين صَفَوْا من الذنوب (ومن الأدانس) واختيروا. والأخيار، جمع خير، على التخفيف كميْت وأموات. ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَٱذْكُرْ إِسْمَاعِيلَ وَٱلْيَسَعَ وَذَا ٱلْكِفْلِ وَكُلٌّ مِّنَ ٱلأَخْيَارِ﴾، أي: أذكرهم يا محمد وما أبلوا فيه من طاعة الله عز وجل فَتَأَسَّ بهم، وأسلك منهاجهم في الصبر على ما نالك في الله جل ذكره. وسمي ذو الكفل بذلك، لأنه تكفل بعمل رجل صالح يقال، إن ذلك الرجل كان يصلي في كل يوم مائة صلاة، فتوفي؛ فتكفل ذو الكفل بعمله. وقيل: إنه تكفل بإمر أنبياء من أنبياء الله عز وجل فخلصهم من القتل فسمي ذا الكفل. والكفل في كلام العرب: الحَظُّ والنصيب. وقيل: تكفل لبعض الملوك بالجنة فكتب له كتاباً بذلك وقيل: لم يكن نبياً وقوله ﴿وَكُلٌّ مِّنَ ٱلأَخْيَارِ﴾، أي: كل هؤلاء من الأخيار المذكورين. * * ثم قال تعالى: ﴿هَـٰذَا ذِكْرٌ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ﴾، أي: هذا القرآن ذكر لك يا محمد ولقومك. وقيل: معناه: هذا ذكر جميل لهؤلاء في الدنيا، وإن لهم في الآخرة مع هذا لحسن مرجع. وقيل: معنى: وإن للمتقين لحسن مئاب، أي: لمن اتقى الله فأطاعه لحسن مرجع ومنقلب. ثم بين ذلك فقال: ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾، أي: جنات إقامة وثبات، قال قتادة: سأل عمر كعباً: ما عدن؟ فقال: يا أمير المؤمنين، قصور في الجنة من ذهب يسكنها النبيئون والصديقون والشهداء وأئمة العدل. وقال ابن عمر: "جنة عدن: قصر في الجنة، له خمسة آلاف باب، على كل باب خمسة آلاف خَيْرة، لا يدخله إلا نبي أو صديق أو شهيد". وقوله ﴿مُّفَتَّحَةً لَّهُمُ ٱلأَبْوَابُ﴾، أي: تفتح لهم الأبواب منها بغير فَتْحِ سكانها لها بيد، أو بمعاناة، ولكن تنفتح بالأمر دون الفعل. قال الحسن: "تُكَلَّم، فتتكلم، انفتحي، انغلقي". و "مفتحة": نعت لـ "جَنَّتات"، والضمير محذوف، والتقدير: مفتحة لهم الأبواب منها. * * ثم قال تعالى: ﴿مُتَّكِئِينَ فِيهَا﴾، أي: في الجنات ﴿يَدْعُونَ فِيهَا بِفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وَشَرَابٍ﴾، أي: بفاكهة وشراب من الجنة فيأتيهم على ما يشتهون. * * ثم قال تعالى: ﴿وَعِندَهُمْ قَاصِرَاتُ ٱلطَّرْفِ أَتْرَابٌ﴾، أي: وعند هؤلاء الذين تقدم ذكرهم نساء قصرن أطرافهن على أزواجهن فلا يُرِدْنَ غيرهم، ولا يَمدُدن أعينهن إلى سواهم، قاله قتادة وغيره. وقال السدي: قُصرت أطرافهن وقلوبهن وأسماعهن على أزواجهن فلا يُرِدْنَ غيرهم. قال مجاهد: "أتراب: أمثال". وقال السدي: مستويات. وقيل: معناه: على سن واحد. وقيل: معناه: أحباب لا يتباغضن ولا يتعادين ولا يتغايرن ولا يتحاسدن. رُوي ذلك (أيضاً عن السدي). وأصله في اللغة، أنهن أقران. ﴿هَـٰذَا ذِكْرٌ﴾ تام عند أبي حاتم على أن يكون "المتقون" عام لا يراد به من تقدم ذكره. فإن أردت به من تقدم ذكره من النبيين - على معنى: هذا ذكر جميل لهؤلاء الأنبياء في الدنيا، وإن لهم لحسن مصير في الآخرة - (لم تقف) على ذكر "لأنه جملة واحدة في معنى واحد". ثم قال: ﴿هَـٰذَا مَا تُوعَدُونَ لِيَوْمِ ٱلْحِسَابِ﴾. من قرأه بالياء، فمعناه: هذا ما يوعد هؤلاء المتقون ليوم الجزاء. ومن قرأ بالتاء جعله على المخاطبة، أي: هذا الذي تقدم ذكره من النعيم هو ما توعدون ليوم تجزى كل نفس بما كسبت. * * ثم قال: ﴿إِنَّ هَـٰذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِن نَّفَادٍ﴾، أي: إن ما تقدم ذكره لَرِزق الله عز وجل المتقين كرامة لهم ليس له من فراغ ولا انقطاع، وذلك أنهم كلما أخذوا ثمرة عادت مكانتها أخرى. * * ثم قال: ﴿هَـٰذَا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ﴾، أي: لَشَرَّ مَرجِع ومصير ومنقلب. ثم بيَّن ذلك ما هو فقال: ﴿جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ ٱلْمِهَادُ﴾، أي: فبيس الفراش الذي افترشوه لأنفسهم بأعمالهم السيئة. والوقف على "هذا" حسن، ثم يبتدئ بـ: ﴿وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ﴾، على معنى: الأمر هذا، أو على معنى: هذا الذي وصفته للمتقين. ثم يستأنف خبر الطاغين وما لهم عند الله عز وجل.

ص 38:53

قوله تعالى ذكر: ﴿وَٱذْكُرْ عِبَادَنَآ إِبْرَاهِيمَ﴾ - إلى قوله - ﴿فَبِئْسَ ٱلْمِهَادُ﴾، أي: اذكر إبراهيم وولده إسحاق، وولد ولد يعقوب. ومن قرأ "عِبَادَنَا" بالجمع، أدخل الجمع في العبودية وجعل ما بعده بدلاً منه. ومن قرأ بالتوحيد خص إبراهيم بالعبودية وجعل ما بعده معطوفاً عليه. * * وقوله: ﴿أُوْلِي ٱلأَيْدِي﴾. قال ابن عباس: يقول: أولى القوة والعبادة. والأبصار: الفقه في الدين. قال: مجاهد: أولي الأيدي: القوة في أمر الله عز وجل والأبصار: العقول. وقال قتادة: أُعطوا قوة في العبادة وبصراً في الدين. وقال السدي: الأيدي: القوة في طاعة الله، والأبصار: البصر بعقولهم في دينهم. وقيل: الأيدي: جمع يد، من النعمة، أي: هم أصحاب النعم التي أنعم الله عز وجل عليهم بها. وقيل: "هم أصحاب النعم والإحسان، لأنهم قد أحسنوا وَقَدَّمُوا خيراً". وأصل "اليد" أن تكون للجارحة، ولكن لما كانت القوة فيها، سميت القوة يداً. والبصر هنا عُني به بصر القلب الذي به تنال معرفة الأشياء. وأجاز الطبري أن يكون المعنى أنهم أصحاب الأيدي عند الله عز وجل بالأعمال الصالحة التي قدموها تمثيلاً باليد تكون عند الرجل الآخر. وقرأ عبد الله: "أولي الأيدي" بغير ياء على معنى أولي التأييد والمعونة من الله لهم. ويجوز أن يكون مثل الأول لكن أسقط الياء واكتفى بالكسرة. وذكر الطبري عن السدي أنه قال: تزوج (إسحاق بامرأة) فحملت بغلامين في بطن، فلما أرادت أن تضع، اقتتل الغلامان في بطنها أيهما يخرج أولاً. فقال أحدهما للآخر: لئن خرجت قبلي لأعترضن في بطن أمي فلأقتلنها! فتأخر الآخر وخرج القائل ذلك، فسمي عيصا لعصيانه في بطن أمه، وخرج الثاني فسمي يعقوب لأنه خرج آخراً بعقب عيصا. وكان يعقوب أكبرهما في البطن لكن عيصا خرج قبله. والروم من ذرية عيصا. * * ثم قال: ﴿إِنَّآ أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى ٱلدَّارِ﴾. من نَوَّن "خالصة" جعل "ذكرى" بدلاً من "خالصة". والمعنى: إنّا اخترناهم واختصصناهم بأن يذكروا معادهم ويعملوا له. (فلا هَمَّ لهم غيره). هذا قول مجاهد والسدي، وهو اختيار الطبري. والاختيار عنده على قراءة من أضاف أن يكون المعنى: بخالصة ما ذكر في الدار الآخرة. ويجوز أن يكون رفع "ذكرى الدار" على إضمار مبتدأ. وقيل: المعنى: اختصوا بأن يذكروا الناس الدار الآخرة ويدعوهم إلى طاعة الله عز وجل، قاله قتادة. ومن قرأ بالإضافة فمعناه: إنا اختصصناهم بأفضل ما في الآخرة؛ قاله ابن زيد. وقال مجاهد أيضا: المعنى في الإضافة: إنا أخلصناهم بأن ذكرنا الجنة لهم. وقال الفضيل: هو الخوف الدائم في القلب. وقال ابن جبير: معناه: عقبى الدار. وعن مجاهد أيضا - في الإضافة - معناه: بخالصة أهل الدار. * * ثم قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُمْ عِندَنَا لَمِنَ ٱلْمُصْطَفَيْنَ ٱلأَخْيَارِ﴾، أي: لمن الذين صَفَوْا من الذنوب (ومن الأدانس) واختيروا. والأخيار، جمع خير، على التخفيف كميْت وأموات. ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَٱذْكُرْ إِسْمَاعِيلَ وَٱلْيَسَعَ وَذَا ٱلْكِفْلِ وَكُلٌّ مِّنَ ٱلأَخْيَارِ﴾، أي: أذكرهم يا محمد وما أبلوا فيه من طاعة الله عز وجل فَتَأَسَّ بهم، وأسلك منهاجهم في الصبر على ما نالك في الله جل ذكره. وسمي ذو الكفل بذلك، لأنه تكفل بعمل رجل صالح يقال، إن ذلك الرجل كان يصلي في كل يوم مائة صلاة، فتوفي؛ فتكفل ذو الكفل بعمله. وقيل: إنه تكفل بإمر أنبياء من أنبياء الله عز وجل فخلصهم من القتل فسمي ذا الكفل. والكفل في كلام العرب: الحَظُّ والنصيب. وقيل: تكفل لبعض الملوك بالجنة فكتب له كتاباً بذلك وقيل: لم يكن نبياً وقوله ﴿وَكُلٌّ مِّنَ ٱلأَخْيَارِ﴾، أي: كل هؤلاء من الأخيار المذكورين. * * ثم قال تعالى: ﴿هَـٰذَا ذِكْرٌ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ﴾، أي: هذا القرآن ذكر لك يا محمد ولقومك. وقيل: معناه: هذا ذكر جميل لهؤلاء في الدنيا، وإن لهم في الآخرة مع هذا لحسن مرجع. وقيل: معنى: وإن للمتقين لحسن مئاب، أي: لمن اتقى الله فأطاعه لحسن مرجع ومنقلب. ثم بين ذلك فقال: ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾، أي: جنات إقامة وثبات، قال قتادة: سأل عمر كعباً: ما عدن؟ فقال: يا أمير المؤمنين، قصور في الجنة من ذهب يسكنها النبيئون والصديقون والشهداء وأئمة العدل. وقال ابن عمر: "جنة عدن: قصر في الجنة، له خمسة آلاف باب، على كل باب خمسة آلاف خَيْرة، لا يدخله إلا نبي أو صديق أو شهيد". وقوله ﴿مُّفَتَّحَةً لَّهُمُ ٱلأَبْوَابُ﴾، أي: تفتح لهم الأبواب منها بغير فَتْحِ سكانها لها بيد، أو بمعاناة، ولكن تنفتح بالأمر دون الفعل. قال الحسن: "تُكَلَّم، فتتكلم، انفتحي، انغلقي". و "مفتحة": نعت لـ "جَنَّتات"، والضمير محذوف، والتقدير: مفتحة لهم الأبواب منها. * * ثم قال تعالى: ﴿مُتَّكِئِينَ فِيهَا﴾، أي: في الجنات ﴿يَدْعُونَ فِيهَا بِفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وَشَرَابٍ﴾، أي: بفاكهة وشراب من الجنة فيأتيهم على ما يشتهون. * * ثم قال تعالى: ﴿وَعِندَهُمْ قَاصِرَاتُ ٱلطَّرْفِ أَتْرَابٌ﴾، أي: وعند هؤلاء الذين تقدم ذكرهم نساء قصرن أطرافهن على أزواجهن فلا يُرِدْنَ غيرهم، ولا يَمدُدن أعينهن إلى سواهم، قاله قتادة وغيره. وقال السدي: قُصرت أطرافهن وقلوبهن وأسماعهن على أزواجهن فلا يُرِدْنَ غيرهم. قال مجاهد: "أتراب: أمثال". وقال السدي: مستويات. وقيل: معناه: على سن واحد. وقيل: معناه: أحباب لا يتباغضن ولا يتعادين ولا يتغايرن ولا يتحاسدن. رُوي ذلك (أيضاً عن السدي). وأصله في اللغة، أنهن أقران. ﴿هَـٰذَا ذِكْرٌ﴾ تام عند أبي حاتم على أن يكون "المتقون" عام لا يراد به من تقدم ذكره. فإن أردت به من تقدم ذكره من النبيين - على معنى: هذا ذكر جميل لهؤلاء الأنبياء في الدنيا، وإن لهم لحسن مصير في الآخرة - (لم تقف) على ذكر "لأنه جملة واحدة في معنى واحد". ثم قال: ﴿هَـٰذَا مَا تُوعَدُونَ لِيَوْمِ ٱلْحِسَابِ﴾. من قرأه بالياء، فمعناه: هذا ما يوعد هؤلاء المتقون ليوم الجزاء. ومن قرأ بالتاء جعله على المخاطبة، أي: هذا الذي تقدم ذكره من النعيم هو ما توعدون ليوم تجزى كل نفس بما كسبت. * * ثم قال: ﴿إِنَّ هَـٰذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِن نَّفَادٍ﴾، أي: إن ما تقدم ذكره لَرِزق الله عز وجل المتقين كرامة لهم ليس له من فراغ ولا انقطاع، وذلك أنهم كلما أخذوا ثمرة عادت مكانتها أخرى. * * ثم قال: ﴿هَـٰذَا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ﴾، أي: لَشَرَّ مَرجِع ومصير ومنقلب. ثم بيَّن ذلك ما هو فقال: ﴿جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ ٱلْمِهَادُ﴾، أي: فبيس الفراش الذي افترشوه لأنفسهم بأعمالهم السيئة. والوقف على "هذا" حسن، ثم يبتدئ بـ: ﴿وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ﴾، على معنى: الأمر هذا، أو على معنى: هذا الذي وصفته للمتقين. ثم يستأنف خبر الطاغين وما لهم عند الله عز وجل.

ص 38:54

قوله تعالى ذكر: ﴿وَٱذْكُرْ عِبَادَنَآ إِبْرَاهِيمَ﴾ - إلى قوله - ﴿فَبِئْسَ ٱلْمِهَادُ﴾، أي: اذكر إبراهيم وولده إسحاق، وولد ولد يعقوب. ومن قرأ "عِبَادَنَا" بالجمع، أدخل الجمع في العبودية وجعل ما بعده بدلاً منه. ومن قرأ بالتوحيد خص إبراهيم بالعبودية وجعل ما بعده معطوفاً عليه. * * وقوله: ﴿أُوْلِي ٱلأَيْدِي﴾. قال ابن عباس: يقول: أولى القوة والعبادة. والأبصار: الفقه في الدين. قال: مجاهد: أولي الأيدي: القوة في أمر الله عز وجل والأبصار: العقول. وقال قتادة: أُعطوا قوة في العبادة وبصراً في الدين. وقال السدي: الأيدي: القوة في طاعة الله، والأبصار: البصر بعقولهم في دينهم. وقيل: الأيدي: جمع يد، من النعمة، أي: هم أصحاب النعم التي أنعم الله عز وجل عليهم بها. وقيل: "هم أصحاب النعم والإحسان، لأنهم قد أحسنوا وَقَدَّمُوا خيراً". وأصل "اليد" أن تكون للجارحة، ولكن لما كانت القوة فيها، سميت القوة يداً. والبصر هنا عُني به بصر القلب الذي به تنال معرفة الأشياء. وأجاز الطبري أن يكون المعنى أنهم أصحاب الأيدي عند الله عز وجل بالأعمال الصالحة التي قدموها تمثيلاً باليد تكون عند الرجل الآخر. وقرأ عبد الله: "أولي الأيدي" بغير ياء على معنى أولي التأييد والمعونة من الله لهم. ويجوز أن يكون مثل الأول لكن أسقط الياء واكتفى بالكسرة. وذكر الطبري عن السدي أنه قال: تزوج (إسحاق بامرأة) فحملت بغلامين في بطن، فلما أرادت أن تضع، اقتتل الغلامان في بطنها أيهما يخرج أولاً. فقال أحدهما للآخر: لئن خرجت قبلي لأعترضن في بطن أمي فلأقتلنها! فتأخر الآخر وخرج القائل ذلك، فسمي عيصا لعصيانه في بطن أمه، وخرج الثاني فسمي يعقوب لأنه خرج آخراً بعقب عيصا. وكان يعقوب أكبرهما في البطن لكن عيصا خرج قبله. والروم من ذرية عيصا. * * ثم قال: ﴿إِنَّآ أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى ٱلدَّارِ﴾. من نَوَّن "خالصة" جعل "ذكرى" بدلاً من "خالصة". والمعنى: إنّا اخترناهم واختصصناهم بأن يذكروا معادهم ويعملوا له. (فلا هَمَّ لهم غيره). هذا قول مجاهد والسدي، وهو اختيار الطبري. والاختيار عنده على قراءة من أضاف أن يكون المعنى: بخالصة ما ذكر في الدار الآخرة. ويجوز أن يكون رفع "ذكرى الدار" على إضمار مبتدأ. وقيل: المعنى: اختصوا بأن يذكروا الناس الدار الآخرة ويدعوهم إلى طاعة الله عز وجل، قاله قتادة. ومن قرأ بالإضافة فمعناه: إنا اختصصناهم بأفضل ما في الآخرة؛ قاله ابن زيد. وقال مجاهد أيضا: المعنى في الإضافة: إنا أخلصناهم بأن ذكرنا الجنة لهم. وقال الفضيل: هو الخوف الدائم في القلب. وقال ابن جبير: معناه: عقبى الدار. وعن مجاهد أيضا - في الإضافة - معناه: بخالصة أهل الدار. * * ثم قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُمْ عِندَنَا لَمِنَ ٱلْمُصْطَفَيْنَ ٱلأَخْيَارِ﴾، أي: لمن الذين صَفَوْا من الذنوب (ومن الأدانس) واختيروا. والأخيار، جمع خير، على التخفيف كميْت وأموات. ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَٱذْكُرْ إِسْمَاعِيلَ وَٱلْيَسَعَ وَذَا ٱلْكِفْلِ وَكُلٌّ مِّنَ ٱلأَخْيَارِ﴾، أي: أذكرهم يا محمد وما أبلوا فيه من طاعة الله عز وجل فَتَأَسَّ بهم، وأسلك منهاجهم في الصبر على ما نالك في الله جل ذكره. وسمي ذو الكفل بذلك، لأنه تكفل بعمل رجل صالح يقال، إن ذلك الرجل كان يصلي في كل يوم مائة صلاة، فتوفي؛ فتكفل ذو الكفل بعمله. وقيل: إنه تكفل بإمر أنبياء من أنبياء الله عز وجل فخلصهم من القتل فسمي ذا الكفل. والكفل في كلام العرب: الحَظُّ والنصيب. وقيل: تكفل لبعض الملوك بالجنة فكتب له كتاباً بذلك وقيل: لم يكن نبياً وقوله ﴿وَكُلٌّ مِّنَ ٱلأَخْيَارِ﴾، أي: كل هؤلاء من الأخيار المذكورين. * * ثم قال تعالى: ﴿هَـٰذَا ذِكْرٌ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ﴾، أي: هذا القرآن ذكر لك يا محمد ولقومك. وقيل: معناه: هذا ذكر جميل لهؤلاء في الدنيا، وإن لهم في الآخرة مع هذا لحسن مرجع. وقيل: معنى: وإن للمتقين لحسن مئاب، أي: لمن اتقى الله فأطاعه لحسن مرجع ومنقلب. ثم بين ذلك فقال: ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾، أي: جنات إقامة وثبات، قال قتادة: سأل عمر كعباً: ما عدن؟ فقال: يا أمير المؤمنين، قصور في الجنة من ذهب يسكنها النبيئون والصديقون والشهداء وأئمة العدل. وقال ابن عمر: "جنة عدن: قصر في الجنة، له خمسة آلاف باب، على كل باب خمسة آلاف خَيْرة، لا يدخله إلا نبي أو صديق أو شهيد". وقوله ﴿مُّفَتَّحَةً لَّهُمُ ٱلأَبْوَابُ﴾، أي: تفتح لهم الأبواب منها بغير فَتْحِ سكانها لها بيد، أو بمعاناة، ولكن تنفتح بالأمر دون الفعل. قال الحسن: "تُكَلَّم، فتتكلم، انفتحي، انغلقي". و "مفتحة": نعت لـ "جَنَّتات"، والضمير محذوف، والتقدير: مفتحة لهم الأبواب منها. * * ثم قال تعالى: ﴿مُتَّكِئِينَ فِيهَا﴾، أي: في الجنات ﴿يَدْعُونَ فِيهَا بِفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وَشَرَابٍ﴾، أي: بفاكهة وشراب من الجنة فيأتيهم على ما يشتهون. * * ثم قال تعالى: ﴿وَعِندَهُمْ قَاصِرَاتُ ٱلطَّرْفِ أَتْرَابٌ﴾، أي: وعند هؤلاء الذين تقدم ذكرهم نساء قصرن أطرافهن على أزواجهن فلا يُرِدْنَ غيرهم، ولا يَمدُدن أعينهن إلى سواهم، قاله قتادة وغيره. وقال السدي: قُصرت أطرافهن وقلوبهن وأسماعهن على أزواجهن فلا يُرِدْنَ غيرهم. قال مجاهد: "أتراب: أمثال". وقال السدي: مستويات. وقيل: معناه: على سن واحد. وقيل: معناه: أحباب لا يتباغضن ولا يتعادين ولا يتغايرن ولا يتحاسدن. رُوي ذلك (أيضاً عن السدي). وأصله في اللغة، أنهن أقران. ﴿هَـٰذَا ذِكْرٌ﴾ تام عند أبي حاتم على أن يكون "المتقون" عام لا يراد به من تقدم ذكره. فإن أردت به من تقدم ذكره من النبيين - على معنى: هذا ذكر جميل لهؤلاء الأنبياء في الدنيا، وإن لهم لحسن مصير في الآخرة - (لم تقف) على ذكر "لأنه جملة واحدة في معنى واحد". ثم قال: ﴿هَـٰذَا مَا تُوعَدُونَ لِيَوْمِ ٱلْحِسَابِ﴾. من قرأه بالياء، فمعناه: هذا ما يوعد هؤلاء المتقون ليوم الجزاء. ومن قرأ بالتاء جعله على المخاطبة، أي: هذا الذي تقدم ذكره من النعيم هو ما توعدون ليوم تجزى كل نفس بما كسبت. * * ثم قال: ﴿إِنَّ هَـٰذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِن نَّفَادٍ﴾، أي: إن ما تقدم ذكره لَرِزق الله عز وجل المتقين كرامة لهم ليس له من فراغ ولا انقطاع، وذلك أنهم كلما أخذوا ثمرة عادت مكانتها أخرى. * * ثم قال: ﴿هَـٰذَا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ﴾، أي: لَشَرَّ مَرجِع ومصير ومنقلب. ثم بيَّن ذلك ما هو فقال: ﴿جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ ٱلْمِهَادُ﴾، أي: فبيس الفراش الذي افترشوه لأنفسهم بأعمالهم السيئة. والوقف على "هذا" حسن، ثم يبتدئ بـ: ﴿وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ﴾، على معنى: الأمر هذا، أو على معنى: هذا الذي وصفته للمتقين. ثم يستأنف خبر الطاغين وما لهم عند الله عز وجل.

ص 38:55

قوله تعالى ذكر: ﴿وَٱذْكُرْ عِبَادَنَآ إِبْرَاهِيمَ﴾ - إلى قوله - ﴿فَبِئْسَ ٱلْمِهَادُ﴾، أي: اذكر إبراهيم وولده إسحاق، وولد ولد يعقوب. ومن قرأ "عِبَادَنَا" بالجمع، أدخل الجمع في العبودية وجعل ما بعده بدلاً منه. ومن قرأ بالتوحيد خص إبراهيم بالعبودية وجعل ما بعده معطوفاً عليه. * * وقوله: ﴿أُوْلِي ٱلأَيْدِي﴾. قال ابن عباس: يقول: أولى القوة والعبادة. والأبصار: الفقه في الدين. قال: مجاهد: أولي الأيدي: القوة في أمر الله عز وجل والأبصار: العقول. وقال قتادة: أُعطوا قوة في العبادة وبصراً في الدين. وقال السدي: الأيدي: القوة في طاعة الله، والأبصار: البصر بعقولهم في دينهم. وقيل: الأيدي: جمع يد، من النعمة، أي: هم أصحاب النعم التي أنعم الله عز وجل عليهم بها. وقيل: "هم أصحاب النعم والإحسان، لأنهم قد أحسنوا وَقَدَّمُوا خيراً". وأصل "اليد" أن تكون للجارحة، ولكن لما كانت القوة فيها، سميت القوة يداً. والبصر هنا عُني به بصر القلب الذي به تنال معرفة الأشياء. وأجاز الطبري أن يكون المعنى أنهم أصحاب الأيدي عند الله عز وجل بالأعمال الصالحة التي قدموها تمثيلاً باليد تكون عند الرجل الآخر. وقرأ عبد الله: "أولي الأيدي" بغير ياء على معنى أولي التأييد والمعونة من الله لهم. ويجوز أن يكون مثل الأول لكن أسقط الياء واكتفى بالكسرة. وذكر الطبري عن السدي أنه قال: تزوج (إسحاق بامرأة) فحملت بغلامين في بطن، فلما أرادت أن تضع، اقتتل الغلامان في بطنها أيهما يخرج أولاً. فقال أحدهما للآخر: لئن خرجت قبلي لأعترضن في بطن أمي فلأقتلنها! فتأخر الآخر وخرج القائل ذلك، فسمي عيصا لعصيانه في بطن أمه، وخرج الثاني فسمي يعقوب لأنه خرج آخراً بعقب عيصا. وكان يعقوب أكبرهما في البطن لكن عيصا خرج قبله. والروم من ذرية عيصا. * * ثم قال: ﴿إِنَّآ أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى ٱلدَّارِ﴾. من نَوَّن "خالصة" جعل "ذكرى" بدلاً من "خالصة". والمعنى: إنّا اخترناهم واختصصناهم بأن يذكروا معادهم ويعملوا له. (فلا هَمَّ لهم غيره). هذا قول مجاهد والسدي، وهو اختيار الطبري. والاختيار عنده على قراءة من أضاف أن يكون المعنى: بخالصة ما ذكر في الدار الآخرة. ويجوز أن يكون رفع "ذكرى الدار" على إضمار مبتدأ. وقيل: المعنى: اختصوا بأن يذكروا الناس الدار الآخرة ويدعوهم إلى طاعة الله عز وجل، قاله قتادة. ومن قرأ بالإضافة فمعناه: إنا اختصصناهم بأفضل ما في الآخرة؛ قاله ابن زيد. وقال مجاهد أيضا: المعنى في الإضافة: إنا أخلصناهم بأن ذكرنا الجنة لهم. وقال الفضيل: هو الخوف الدائم في القلب. وقال ابن جبير: معناه: عقبى الدار. وعن مجاهد أيضا - في الإضافة - معناه: بخالصة أهل الدار. * * ثم قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُمْ عِندَنَا لَمِنَ ٱلْمُصْطَفَيْنَ ٱلأَخْيَارِ﴾، أي: لمن الذين صَفَوْا من الذنوب (ومن الأدانس) واختيروا. والأخيار، جمع خير، على التخفيف كميْت وأموات. ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَٱذْكُرْ إِسْمَاعِيلَ وَٱلْيَسَعَ وَذَا ٱلْكِفْلِ وَكُلٌّ مِّنَ ٱلأَخْيَارِ﴾، أي: أذكرهم يا محمد وما أبلوا فيه من طاعة الله عز وجل فَتَأَسَّ بهم، وأسلك منهاجهم في الصبر على ما نالك في الله جل ذكره. وسمي ذو الكفل بذلك، لأنه تكفل بعمل رجل صالح يقال، إن ذلك الرجل كان يصلي في كل يوم مائة صلاة، فتوفي؛ فتكفل ذو الكفل بعمله. وقيل: إنه تكفل بإمر أنبياء من أنبياء الله عز وجل فخلصهم من القتل فسمي ذا الكفل. والكفل في كلام العرب: الحَظُّ والنصيب. وقيل: تكفل لبعض الملوك بالجنة فكتب له كتاباً بذلك وقيل: لم يكن نبياً وقوله ﴿وَكُلٌّ مِّنَ ٱلأَخْيَارِ﴾، أي: كل هؤلاء من الأخيار المذكورين. * * ثم قال تعالى: ﴿هَـٰذَا ذِكْرٌ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ﴾، أي: هذا القرآن ذكر لك يا محمد ولقومك. وقيل: معناه: هذا ذكر جميل لهؤلاء في الدنيا، وإن لهم في الآخرة مع هذا لحسن مرجع. وقيل: معنى: وإن للمتقين لحسن مئاب، أي: لمن اتقى الله فأطاعه لحسن مرجع ومنقلب. ثم بين ذلك فقال: ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾، أي: جنات إقامة وثبات، قال قتادة: سأل عمر كعباً: ما عدن؟ فقال: يا أمير المؤمنين، قصور في الجنة من ذهب يسكنها النبيئون والصديقون والشهداء وأئمة العدل. وقال ابن عمر: "جنة عدن: قصر في الجنة، له خمسة آلاف باب، على كل باب خمسة آلاف خَيْرة، لا يدخله إلا نبي أو صديق أو شهيد". وقوله ﴿مُّفَتَّحَةً لَّهُمُ ٱلأَبْوَابُ﴾، أي: تفتح لهم الأبواب منها بغير فَتْحِ سكانها لها بيد، أو بمعاناة، ولكن تنفتح بالأمر دون الفعل. قال الحسن: "تُكَلَّم، فتتكلم، انفتحي، انغلقي". و "مفتحة": نعت لـ "جَنَّتات"، والضمير محذوف، والتقدير: مفتحة لهم الأبواب منها. * * ثم قال تعالى: ﴿مُتَّكِئِينَ فِيهَا﴾، أي: في الجنات ﴿يَدْعُونَ فِيهَا بِفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وَشَرَابٍ﴾، أي: بفاكهة وشراب من الجنة فيأتيهم على ما يشتهون. * * ثم قال تعالى: ﴿وَعِندَهُمْ قَاصِرَاتُ ٱلطَّرْفِ أَتْرَابٌ﴾، أي: وعند هؤلاء الذين تقدم ذكرهم نساء قصرن أطرافهن على أزواجهن فلا يُرِدْنَ غيرهم، ولا يَمدُدن أعينهن إلى سواهم، قاله قتادة وغيره. وقال السدي: قُصرت أطرافهن وقلوبهن وأسماعهن على أزواجهن فلا يُرِدْنَ غيرهم. قال مجاهد: "أتراب: أمثال". وقال السدي: مستويات. وقيل: معناه: على سن واحد. وقيل: معناه: أحباب لا يتباغضن ولا يتعادين ولا يتغايرن ولا يتحاسدن. رُوي ذلك (أيضاً عن السدي). وأصله في اللغة، أنهن أقران. ﴿هَـٰذَا ذِكْرٌ﴾ تام عند أبي حاتم على أن يكون "المتقون" عام لا يراد به من تقدم ذكره. فإن أردت به من تقدم ذكره من النبيين - على معنى: هذا ذكر جميل لهؤلاء الأنبياء في الدنيا، وإن لهم لحسن مصير في الآخرة - (لم تقف) على ذكر "لأنه جملة واحدة في معنى واحد". ثم قال: ﴿هَـٰذَا مَا تُوعَدُونَ لِيَوْمِ ٱلْحِسَابِ﴾. من قرأه بالياء، فمعناه: هذا ما يوعد هؤلاء المتقون ليوم الجزاء. ومن قرأ بالتاء جعله على المخاطبة، أي: هذا الذي تقدم ذكره من النعيم هو ما توعدون ليوم تجزى كل نفس بما كسبت. * * ثم قال: ﴿إِنَّ هَـٰذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِن نَّفَادٍ﴾، أي: إن ما تقدم ذكره لَرِزق الله عز وجل المتقين كرامة لهم ليس له من فراغ ولا انقطاع، وذلك أنهم كلما أخذوا ثمرة عادت مكانتها أخرى. * * ثم قال: ﴿هَـٰذَا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ﴾، أي: لَشَرَّ مَرجِع ومصير ومنقلب. ثم بيَّن ذلك ما هو فقال: ﴿جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ ٱلْمِهَادُ﴾، أي: فبيس الفراش الذي افترشوه لأنفسهم بأعمالهم السيئة. والوقف على "هذا" حسن، ثم يبتدئ بـ: ﴿وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ﴾، على معنى: الأمر هذا، أو على معنى: هذا الذي وصفته للمتقين. ثم يستأنف خبر الطاغين وما لهم عند الله عز وجل.

ص 38:56

قوله تعالى ذكر: ﴿وَٱذْكُرْ عِبَادَنَآ إِبْرَاهِيمَ﴾ - إلى قوله - ﴿فَبِئْسَ ٱلْمِهَادُ﴾، أي: اذكر إبراهيم وولده إسحاق، وولد ولد يعقوب. ومن قرأ "عِبَادَنَا" بالجمع، أدخل الجمع في العبودية وجعل ما بعده بدلاً منه. ومن قرأ بالتوحيد خص إبراهيم بالعبودية وجعل ما بعده معطوفاً عليه. * * وقوله: ﴿أُوْلِي ٱلأَيْدِي﴾. قال ابن عباس: يقول: أولى القوة والعبادة. والأبصار: الفقه في الدين. قال: مجاهد: أولي الأيدي: القوة في أمر الله عز وجل والأبصار: العقول. وقال قتادة: أُعطوا قوة في العبادة وبصراً في الدين. وقال السدي: الأيدي: القوة في طاعة الله، والأبصار: البصر بعقولهم في دينهم. وقيل: الأيدي: جمع يد، من النعمة، أي: هم أصحاب النعم التي أنعم الله عز وجل عليهم بها. وقيل: "هم أصحاب النعم والإحسان، لأنهم قد أحسنوا وَقَدَّمُوا خيراً". وأصل "اليد" أن تكون للجارحة، ولكن لما كانت القوة فيها، سميت القوة يداً. والبصر هنا عُني به بصر القلب الذي به تنال معرفة الأشياء. وأجاز الطبري أن يكون المعنى أنهم أصحاب الأيدي عند الله عز وجل بالأعمال الصالحة التي قدموها تمثيلاً باليد تكون عند الرجل الآخر. وقرأ عبد الله: "أولي الأيدي" بغير ياء على معنى أولي التأييد والمعونة من الله لهم. ويجوز أن يكون مثل الأول لكن أسقط الياء واكتفى بالكسرة. وذكر الطبري عن السدي أنه قال: تزوج (إسحاق بامرأة) فحملت بغلامين في بطن، فلما أرادت أن تضع، اقتتل الغلامان في بطنها أيهما يخرج أولاً. فقال أحدهما للآخر: لئن خرجت قبلي لأعترضن في بطن أمي فلأقتلنها! فتأخر الآخر وخرج القائل ذلك، فسمي عيصا لعصيانه في بطن أمه، وخرج الثاني فسمي يعقوب لأنه خرج آخراً بعقب عيصا. وكان يعقوب أكبرهما في البطن لكن عيصا خرج قبله. والروم من ذرية عيصا. * * ثم قال: ﴿إِنَّآ أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى ٱلدَّارِ﴾. من نَوَّن "خالصة" جعل "ذكرى" بدلاً من "خالصة". والمعنى: إنّا اخترناهم واختصصناهم بأن يذكروا معادهم ويعملوا له. (فلا هَمَّ لهم غيره). هذا قول مجاهد والسدي، وهو اختيار الطبري. والاختيار عنده على قراءة من أضاف أن يكون المعنى: بخالصة ما ذكر في الدار الآخرة. ويجوز أن يكون رفع "ذكرى الدار" على إضمار مبتدأ. وقيل: المعنى: اختصوا بأن يذكروا الناس الدار الآخرة ويدعوهم إلى طاعة الله عز وجل، قاله قتادة. ومن قرأ بالإضافة فمعناه: إنا اختصصناهم بأفضل ما في الآخرة؛ قاله ابن زيد. وقال مجاهد أيضا: المعنى في الإضافة: إنا أخلصناهم بأن ذكرنا الجنة لهم. وقال الفضيل: هو الخوف الدائم في القلب. وقال ابن جبير: معناه: عقبى الدار. وعن مجاهد أيضا - في الإضافة - معناه: بخالصة أهل الدار. * * ثم قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُمْ عِندَنَا لَمِنَ ٱلْمُصْطَفَيْنَ ٱلأَخْيَارِ﴾، أي: لمن الذين صَفَوْا من الذنوب (ومن الأدانس) واختيروا. والأخيار، جمع خير، على التخفيف كميْت وأموات. ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَٱذْكُرْ إِسْمَاعِيلَ وَٱلْيَسَعَ وَذَا ٱلْكِفْلِ وَكُلٌّ مِّنَ ٱلأَخْيَارِ﴾، أي: أذكرهم يا محمد وما أبلوا فيه من طاعة الله عز وجل فَتَأَسَّ بهم، وأسلك منهاجهم في الصبر على ما نالك في الله جل ذكره. وسمي ذو الكفل بذلك، لأنه تكفل بعمل رجل صالح يقال، إن ذلك الرجل كان يصلي في كل يوم مائة صلاة، فتوفي؛ فتكفل ذو الكفل بعمله. وقيل: إنه تكفل بإمر أنبياء من أنبياء الله عز وجل فخلصهم من القتل فسمي ذا الكفل. والكفل في كلام العرب: الحَظُّ والنصيب. وقيل: تكفل لبعض الملوك بالجنة فكتب له كتاباً بذلك وقيل: لم يكن نبياً وقوله ﴿وَكُلٌّ مِّنَ ٱلأَخْيَارِ﴾، أي: كل هؤلاء من الأخيار المذكورين. * * ثم قال تعالى: ﴿هَـٰذَا ذِكْرٌ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ﴾، أي: هذا القرآن ذكر لك يا محمد ولقومك. وقيل: معناه: هذا ذكر جميل لهؤلاء في الدنيا، وإن لهم في الآخرة مع هذا لحسن مرجع. وقيل: معنى: وإن للمتقين لحسن مئاب، أي: لمن اتقى الله فأطاعه لحسن مرجع ومنقلب. ثم بين ذلك فقال: ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾، أي: جنات إقامة وثبات، قال قتادة: سأل عمر كعباً: ما عدن؟ فقال: يا أمير المؤمنين، قصور في الجنة من ذهب يسكنها النبيئون والصديقون والشهداء وأئمة العدل. وقال ابن عمر: "جنة عدن: قصر في الجنة، له خمسة آلاف باب، على كل باب خمسة آلاف خَيْرة، لا يدخله إلا نبي أو صديق أو شهيد". وقوله ﴿مُّفَتَّحَةً لَّهُمُ ٱلأَبْوَابُ﴾، أي: تفتح لهم الأبواب منها بغير فَتْحِ سكانها لها بيد، أو بمعاناة، ولكن تنفتح بالأمر دون الفعل. قال الحسن: "تُكَلَّم، فتتكلم، انفتحي، انغلقي". و "مفتحة": نعت لـ "جَنَّتات"، والضمير محذوف، والتقدير: مفتحة لهم الأبواب منها. * * ثم قال تعالى: ﴿مُتَّكِئِينَ فِيهَا﴾، أي: في الجنات ﴿يَدْعُونَ فِيهَا بِفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وَشَرَابٍ﴾، أي: بفاكهة وشراب من الجنة فيأتيهم على ما يشتهون. * * ثم قال تعالى: ﴿وَعِندَهُمْ قَاصِرَاتُ ٱلطَّرْفِ أَتْرَابٌ﴾، أي: وعند هؤلاء الذين تقدم ذكرهم نساء قصرن أطرافهن على أزواجهن فلا يُرِدْنَ غيرهم، ولا يَمدُدن أعينهن إلى سواهم، قاله قتادة وغيره. وقال السدي: قُصرت أطرافهن وقلوبهن وأسماعهن على أزواجهن فلا يُرِدْنَ غيرهم. قال مجاهد: "أتراب: أمثال". وقال السدي: مستويات. وقيل: معناه: على سن واحد. وقيل: معناه: أحباب لا يتباغضن ولا يتعادين ولا يتغايرن ولا يتحاسدن. رُوي ذلك (أيضاً عن السدي). وأصله في اللغة، أنهن أقران. ﴿هَـٰذَا ذِكْرٌ﴾ تام عند أبي حاتم على أن يكون "المتقون" عام لا يراد به من تقدم ذكره. فإن أردت به من تقدم ذكره من النبيين - على معنى: هذا ذكر جميل لهؤلاء الأنبياء في الدنيا، وإن لهم لحسن مصير في الآخرة - (لم تقف) على ذكر "لأنه جملة واحدة في معنى واحد". ثم قال: ﴿هَـٰذَا مَا تُوعَدُونَ لِيَوْمِ ٱلْحِسَابِ﴾. من قرأه بالياء، فمعناه: هذا ما يوعد هؤلاء المتقون ليوم الجزاء. ومن قرأ بالتاء جعله على المخاطبة، أي: هذا الذي تقدم ذكره من النعيم هو ما توعدون ليوم تجزى كل نفس بما كسبت. * * ثم قال: ﴿إِنَّ هَـٰذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِن نَّفَادٍ﴾، أي: إن ما تقدم ذكره لَرِزق الله عز وجل المتقين كرامة لهم ليس له من فراغ ولا انقطاع، وذلك أنهم كلما أخذوا ثمرة عادت مكانتها أخرى. * * ثم قال: ﴿هَـٰذَا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ﴾، أي: لَشَرَّ مَرجِع ومصير ومنقلب. ثم بيَّن ذلك ما هو فقال: ﴿جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ ٱلْمِهَادُ﴾، أي: فبيس الفراش الذي افترشوه لأنفسهم بأعمالهم السيئة. والوقف على "هذا" حسن، ثم يبتدئ بـ: ﴿وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ﴾، على معنى: الأمر هذا، أو على معنى: هذا الذي وصفته للمتقين. ثم يستأنف خبر الطاغين وما لهم عند الله عز وجل.

ص 38:57

(قوله تعالى ذكره): ﴿هَـٰذَا فَلْيَذُوقُوهُ﴾ إلى قوله - ﴿نَذِيرٌ مُّبِينٌ﴾. "هذا" مرفوع بالابتداء، و "حميم" الخبر. فلا تقف على هذا إلا على "أزواج". ويجوز أن يكون الخبر "فليذوقوه"، فتقف على "فليذوقوه" ويجوز أن يكون (خبر ابتداء محذوف، أي: الأمر هذا)، فتقف على "هذا" إن شئت. ويجوز أن يكون "هذا" في موضع نصب (بإضمار قول يفسره "فليذوقوه"، مثل): زيداً فاضربه فتقف على هذا التأويل "فليذوقوه" وترفع "حميم وغساق"، على معنى: هو حميم، أو منه حميم. والحميم: الذي قد انتهى حره. قاله السدي. وقال ابن زيد: الحميم: دموع أعينهم تجمع في حياض النار فيسقونه. قال قتادة: الغساق، ما يسيل من بين جلده ولحمه. قال السدي: الغساق: الذي يسيل من أعينهم ودموعهم يسقونه مع الحميم. وقال ابن زيد: هو الصديد الذي يخرج من جلودهم مما تصهرهم النار، يجمع في حياض في النار فيسقونه، وقال مجاهد: الغساق: أبرد البرد. وقال ابن عمر: هو القيح الغليظ؛ لو أن قطرة منها تهراق في المغرب لأنتنت أهل المشرق، ولو تهراق بالمشرق لأنتنت أهل المغرب. وقال كعب: "الغساق: عين في جهنم يسيل إليها حُمَةُ كل ذات حُمَةٍ من حية أو عقرب فتُستنقع فيُؤتى بالآدمي فيُغمس غمسة واحدة فيخرج وقد سقط جلده ولحمه عن العظام حتى يتعلق جلده إلى كعبيه وعقبيه، ويجر لحمه جر الرجل ثوبه". وروى الخدري أن النبي ﷺ قال: "لَوْ أَنَّ دَلْواً مِنْ غَساقٍ يُهْرَاقُ في الدُّنْيَا لأَنْتَنَ أَهْلَ الدُّنْيا وقيل: هو ماء قد انتهى في البرودة ضد الحميم، يحرق كما يحرق الحميم. والعرب تقول: غسقت عينه، إذا سالت. فمن شدد جعله مثل سيال، ومن خفف جعله مثل سائل. فهو على هذا الاشتقاق ما سيل من أجسام أهل النار. ولم يعرف الكسائي ما هو. ومن شدد جعله صفة، ومن خفف أجاز أن يكون صفة واسماً. * * ثم قال تعالى: ﴿وَآخَرُ مِن شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ﴾. من جمع ﴿وَآخَرُ﴾ حمله على لفظ "أزواج". ومن وحد حمله على "شكله" ولم يقل شكلها، فالمعنى لمن جمع ﴿وَآخَرُ مِن شَكْلِهِ﴾ ما ذكرنا. وقيل: المعنى: من شكل الغساق. وقوله: (أَزْوَاجٌ) يريد به الحميم والغساق والآخر، فذلك ثلاثة. قال ابن مسعود: هو الزمهرير. والمعنى: مِنْ ضَرْبِهِ ومن نحوه، ومعنى "أزواج": أنواع وألوان. * * ثم قال تعالى: ﴿هَـٰذَا فَوْجٌ مُّقْتَحِمٌ مَّعَكُمْ﴾، أي: هذه فرقة مقتحمة معكم" في النار، وذلك دخول أمة من الكفار بعد أمة. والتقدير: يقال هذا فوج يدخل معكم في النار، فهو قول الملائكة لأهل النار حين أتوهم بفوج يُدخِلُوَنه معهم. * * ثم قال: ﴿لاَ مَرْحَباً بِهِمْ﴾. هذا خبر من الله جل ذكره عن قول أهل النار لما قيل لهم: "هذا فوج مقتحم معكم" فقالوا: لا مرحبا بهم. فهذا مثل قوله تعالى: ﴿كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَّعَنَتْ أُخْتَهَا﴾ [الأعراف: ٣٨]. ومعنى: ﴿لاَ مَرْحَباً بِهِمْ﴾: لا اتسعت مداخلهم ومنازلهم في النار. * * ثم قال: ﴿إِنَّهُمْ صَالُواْ ٱلنَّارِ﴾. هذا أيضاً من قول المتقدمين في النار للداخلين عليهم، أي: قالوا لا مرحباً بهم إنهم واردوا النار. وقيل: هو من قول الملائكة الذين قالوا لأهل النار: "هذا فوج مقتحم معكم إنهم صالو النار". * * ثم قال تعالى: ﴿قَالُواْ بَلْ أَنتُمْ لاَ مَرْحَباً بِكُمْ﴾، أي: قال الفوج الداخلون على من تقدمهم لما قالوا لهم لا مرحبا بهم: بل أنتم لا مرحبا بكم، أي: لا اتسعت أماكنكم بكم. ﴿أَنتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنَا﴾، أي: أنتم أوردتمونا هذا العذاب بإضلالكم إيانا ودعائكم إيانا إلى الكفر فاتبعناكم فاستوجبنا سكنى جهنم. * * ثم قال تعالى ﴿قَالُواْ رَبَّنَا مَن قَدَّمَ لَنَا هَـٰذَا فَزِدْهُ عَذَاباً ضِعْفاً فِي ٱلنَّارِ﴾، أي: قال الفوج المقتحم: ربنا من قدم لنا هذا بدعائه إيانا إلى العمل الذي أوجب لنا النار فزده عذاباً ضعفاً في النار، أي: أضعف لهم العذاب الذي هُمْ فيه. وقيل: المعنى: أضعف له العذاب مرتين: عذاباً بكفره، وعذاباً بدعائه إيانا. * * ثم قال تعالى: ﴿وَقَالُواْ مَا لَنَا لاَ نَرَىٰ رِجَالاً كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِّنَ ٱلأَشْرَارِ﴾، أي: وقال الكافرون الطاغون الذين تقدمت صفتهم - وقيل: هم أبو جهل والوليد بن المغيرة وذووهما - قالوا في النار: ما لنا لا نرى رجالاً كنا نعدهم من الأشرار، أي: كنا نعدهم في الدنيا من أشرارنا - قيل: (عنوا بذلك صهيباً وخباباً) وبلالاً وسلمان: قاله مجاهد. * * ثم قال تعالى: ﴿أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيّاً﴾. من ضم: فمعناه: كنا نسخرهم في الدنيا ونستذلهم، ومن كسر فمعناه: كنا نسخر منهم في الدنيا، وقيل: هما لغتان بمعنى الهُزْء والسُّخرية. فالمعنى: أَهُمْ في النار لا نعرف مكانهم، أم لم تقع أعيننا عليهم؟ ومن قرأ بقطع الألف من "اتخذناهم" ابتدأ به، ومن وصل الألف لم يبتدئ به لأنه صفة للرجال، هذا قول أبي حاتم. وتكون "أم" عديلة لاستفهام مُضمَر، تقديره: أمفقودون هم أم زاغت عنهم الأبصار. ويجوز أن تكون معادلة لـ "ما" في قوله: "ما لنا"، كما قال تعالى: ﴿مَالِيَ لاَ أَرَى ٱلْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ ٱلْغَآئِبِينَ﴾ [النمل: ٢٠]، وقال: ﴿مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ * أَمْ لَكُمْ﴾ [القلم: ٣٦-٣٧]، فذلك جائز حسن. وقد وقعت "أم" معادلة لـ "مَنْ" في الاستفهام، قال الله جل ذكره: ﴿فَمَن يُجَادِلُ ٱللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ أَمْ مَّن يَكُونُ﴾ [النساء: ١٠٩]. * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ ٱلنَّارِ﴾، أي إن هذا الذي أخبرتك به من خبر أهل النار لحق هو تخاصم أهل النار. ويجوز أن تكون "تخاصم" خبراً ثانياً لـ "إن" أو بدلاً من "لحَقٌّ" أو من المضمر في "لَحَقٌّ". فإن جعلته خبراً ثانياً (أو بدلاً) لم تقف على "لحَقٌّ". وإن جعلته مرفوعاً على إضمار مبتدأ، أي: هو تخاصم، وقفت إذا شئت على "لحق". * * ثم قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَآ أَنَاْ مُنذِرٌ﴾، أي: نذير لكم بين يدي عذاب شديد. ﴿وَمَا مِنْ إِلَـٰهٍ إِلاَّ ٱللَّهُ ٱلْوَاحِدُ ٱلْقَهَّارُ﴾، أي: وما من معبود تجب له العبادة إلا الله الواحد، أي: المنفرد بالعبادة القهار لكل ما دونه بقُدرته. ﴿رَبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ﴾: أي: ما لكهما ومالك ما بينهما من الخلق. ﴿ٱلْعَزِيزُ﴾، أي: المنيع في نقمته. ﴿ٱلْغَفَّارُ﴾ لذنوب من تاب من كفره، وأطاع ربه. ثم قال تعالى: - ﴿قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ * أَنتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ﴾، أي: قل يا محمد لقومك: هذا القرآن الذي قلتم فيه: "إن هَذَا إلا خْتِلاَقُ"، نبأ عظيم، أي: خبر عظيم، أنتم عنه معرضون، أي: قد كفرتم وانصرفتم عن الإيمان به والعمل بما فيه، وقيل: المعنى: هو خبر جليل، وقيل: معناه: خبر عظيم المنفعة. * * ثم قال: ﴿مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِٱلْمَلإِ ٱلأَعْلَىٰ إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾، أي: قل يا محمد للمشركين الذين ينكرون ما جئتهم به ويكذبونك: ما كان لي من علم بالملائكة إذ اختصموا في آدم إذ شوِروا في خلق آدم فاختصموا فيه، وقالوا: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا﴾ [البقرة: ٣٠] الآيات، قاله ابن عباس وغيره. أي: لولا (ما أوحاه) إلي ربي وأعلمني به. فإعلامي ذلك لكم دليل على صدقي ونبوتي بأن هذا القرآن من عند الله عز وجل. وهذا كله معنى قول قتادة والسدي وغيرهما. وفي الحديث: "يَخْتَصِمُون في الْكَفَّارَاتِ وَفي إِسْبَاغِ الْوُضُوءِ في الْمكَارِهِ وَانْتِظَارِ الصَّلاَة بِعْدَ الصَّلاَةِ قال الحسن: لما صُعِد بالنبي ﷺ إلى السماء ليلة الإسراء به مر في سماء منهن، فإذا هو بأصوات الملائكة يختصمون، (قال لجبريل: يا جبريل، ما هذه الأصوات؟ قال: أصوات الملائكة يختصمون) في كفارات بني آدم. فقال النبي عليه السلام: وما يقولون فيها؟ قال: يقولون: هي نقل الأقدام إلى الجماعات (والصلوات، وإسباغ) الوضوء عند المكروهات، والتعقيب في المساجد بعد الصلوات. قال: ثم أوحى الله عز وجل إلى النبي ﷺ: "ما كان لي من علم بالملأ الأعلى" الآيتين. وعن عبد الرحمن بن عائش الحضرمي قال: قال رسول الله ﷺ: "قال لي ربي: فيمَ يختصم الملأ الأعلى يا محمد؟ (فقلت: أنت أعلم يا رب، فقالها ثانية، فقلت: أنت أعلم يا رب. فوضع يده بين كتفي فوجدت بردها بين ثديي، فعلمت ما في السماء والأرض. فقال: فيم يختصم الملأ الأعلى يا محمد؟ قلت: في الكفارات، فقال: وما الكفارات؟ فقلت: المشي ونقل الأقدام إلى الجماعات، وإبلاغ الوضوء أماكنه في المكروهات، والجلوس في المساجد خلف الصلوات قال: من فعل ذلك يعيش بخير ويموت بخير، ويكون من خطيئته كيوم ولدته أمه وأجاز النحاس أن يكون المعنيَّ بالاختصام قريشاً لأن منهم من قال: الملائكة بنات الله سبحانه وتعالى. فالمعنى على هذا: ما كان لي من علم بالملائكة إذ يختصم فيهم قريش. وأجاز أن يراد بالملأ الأعلى أشراف قريش يختصمون فيما بينهم فيخبر الله عز وجل نبيه ﷺ (بما شاء من ذلك فيعلمهم النبي بذلك). * * ثم قال: ﴿إِن يُوحَىٰ إِلَيَّ إِلاَّ أَنَّمَآ أَنَاْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ﴾، أي: ما يوحى إلي إلا أنما أنا نذير مبين عن الله عز وجل وحيه، و "أنما" اسم ما لم يسم فاعله.

ص 38:58

(قوله تعالى ذكره): ﴿هَـٰذَا فَلْيَذُوقُوهُ﴾ إلى قوله - ﴿نَذِيرٌ مُّبِينٌ﴾. "هذا" مرفوع بالابتداء، و "حميم" الخبر. فلا تقف على هذا إلا على "أزواج". ويجوز أن يكون الخبر "فليذوقوه"، فتقف على "فليذوقوه" ويجوز أن يكون (خبر ابتداء محذوف، أي: الأمر هذا)، فتقف على "هذا" إن شئت. ويجوز أن يكون "هذا" في موضع نصب (بإضمار قول يفسره "فليذوقوه"، مثل): زيداً فاضربه فتقف على هذا التأويل "فليذوقوه" وترفع "حميم وغساق"، على معنى: هو حميم، أو منه حميم. والحميم: الذي قد انتهى حره. قاله السدي. وقال ابن زيد: الحميم: دموع أعينهم تجمع في حياض النار فيسقونه. قال قتادة: الغساق، ما يسيل من بين جلده ولحمه. قال السدي: الغساق: الذي يسيل من أعينهم ودموعهم يسقونه مع الحميم. وقال ابن زيد: هو الصديد الذي يخرج من جلودهم مما تصهرهم النار، يجمع في حياض في النار فيسقونه، وقال مجاهد: الغساق: أبرد البرد. وقال ابن عمر: هو القيح الغليظ؛ لو أن قطرة منها تهراق في المغرب لأنتنت أهل المشرق، ولو تهراق بالمشرق لأنتنت أهل المغرب. وقال كعب: "الغساق: عين في جهنم يسيل إليها حُمَةُ كل ذات حُمَةٍ من حية أو عقرب فتُستنقع فيُؤتى بالآدمي فيُغمس غمسة واحدة فيخرج وقد سقط جلده ولحمه عن العظام حتى يتعلق جلده إلى كعبيه وعقبيه، ويجر لحمه جر الرجل ثوبه". وروى الخدري أن النبي ﷺ قال: "لَوْ أَنَّ دَلْواً مِنْ غَساقٍ يُهْرَاقُ في الدُّنْيَا لأَنْتَنَ أَهْلَ الدُّنْيا وقيل: هو ماء قد انتهى في البرودة ضد الحميم، يحرق كما يحرق الحميم. والعرب تقول: غسقت عينه، إذا سالت. فمن شدد جعله مثل سيال، ومن خفف جعله مثل سائل. فهو على هذا الاشتقاق ما سيل من أجسام أهل النار. ولم يعرف الكسائي ما هو. ومن شدد جعله صفة، ومن خفف أجاز أن يكون صفة واسماً. * * ثم قال تعالى: ﴿وَآخَرُ مِن شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ﴾. من جمع ﴿وَآخَرُ﴾ حمله على لفظ "أزواج". ومن وحد حمله على "شكله" ولم يقل شكلها، فالمعنى لمن جمع ﴿وَآخَرُ مِن شَكْلِهِ﴾ ما ذكرنا. وقيل: المعنى: من شكل الغساق. وقوله: (أَزْوَاجٌ) يريد به الحميم والغساق والآخر، فذلك ثلاثة. قال ابن مسعود: هو الزمهرير. والمعنى: مِنْ ضَرْبِهِ ومن نحوه، ومعنى "أزواج": أنواع وألوان. * * ثم قال تعالى: ﴿هَـٰذَا فَوْجٌ مُّقْتَحِمٌ مَّعَكُمْ﴾، أي: هذه فرقة مقتحمة معكم" في النار، وذلك دخول أمة من الكفار بعد أمة. والتقدير: يقال هذا فوج يدخل معكم في النار، فهو قول الملائكة لأهل النار حين أتوهم بفوج يُدخِلُوَنه معهم. * * ثم قال: ﴿لاَ مَرْحَباً بِهِمْ﴾. هذا خبر من الله جل ذكره عن قول أهل النار لما قيل لهم: "هذا فوج مقتحم معكم" فقالوا: لا مرحبا بهم. فهذا مثل قوله تعالى: ﴿كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَّعَنَتْ أُخْتَهَا﴾ [الأعراف: ٣٨]. ومعنى: ﴿لاَ مَرْحَباً بِهِمْ﴾: لا اتسعت مداخلهم ومنازلهم في النار. * * ثم قال: ﴿إِنَّهُمْ صَالُواْ ٱلنَّارِ﴾. هذا أيضاً من قول المتقدمين في النار للداخلين عليهم، أي: قالوا لا مرحباً بهم إنهم واردوا النار. وقيل: هو من قول الملائكة الذين قالوا لأهل النار: "هذا فوج مقتحم معكم إنهم صالو النار". * * ثم قال تعالى: ﴿قَالُواْ بَلْ أَنتُمْ لاَ مَرْحَباً بِكُمْ﴾، أي: قال الفوج الداخلون على من تقدمهم لما قالوا لهم لا مرحبا بهم: بل أنتم لا مرحبا بكم، أي: لا اتسعت أماكنكم بكم. ﴿أَنتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنَا﴾، أي: أنتم أوردتمونا هذا العذاب بإضلالكم إيانا ودعائكم إيانا إلى الكفر فاتبعناكم فاستوجبنا سكنى جهنم. * * ثم قال تعالى ﴿قَالُواْ رَبَّنَا مَن قَدَّمَ لَنَا هَـٰذَا فَزِدْهُ عَذَاباً ضِعْفاً فِي ٱلنَّارِ﴾، أي: قال الفوج المقتحم: ربنا من قدم لنا هذا بدعائه إيانا إلى العمل الذي أوجب لنا النار فزده عذاباً ضعفاً في النار، أي: أضعف لهم العذاب الذي هُمْ فيه. وقيل: المعنى: أضعف له العذاب مرتين: عذاباً بكفره، وعذاباً بدعائه إيانا. * * ثم قال تعالى: ﴿وَقَالُواْ مَا لَنَا لاَ نَرَىٰ رِجَالاً كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِّنَ ٱلأَشْرَارِ﴾، أي: وقال الكافرون الطاغون الذين تقدمت صفتهم - وقيل: هم أبو جهل والوليد بن المغيرة وذووهما - قالوا في النار: ما لنا لا نرى رجالاً كنا نعدهم من الأشرار، أي: كنا نعدهم في الدنيا من أشرارنا - قيل: (عنوا بذلك صهيباً وخباباً) وبلالاً وسلمان: قاله مجاهد. * * ثم قال تعالى: ﴿أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيّاً﴾. من ضم: فمعناه: كنا نسخرهم في الدنيا ونستذلهم، ومن كسر فمعناه: كنا نسخر منهم في الدنيا، وقيل: هما لغتان بمعنى الهُزْء والسُّخرية. فالمعنى: أَهُمْ في النار لا نعرف مكانهم، أم لم تقع أعيننا عليهم؟ ومن قرأ بقطع الألف من "اتخذناهم" ابتدأ به، ومن وصل الألف لم يبتدئ به لأنه صفة للرجال، هذا قول أبي حاتم. وتكون "أم" عديلة لاستفهام مُضمَر، تقديره: أمفقودون هم أم زاغت عنهم الأبصار. ويجوز أن تكون معادلة لـ "ما" في قوله: "ما لنا"، كما قال تعالى: ﴿مَالِيَ لاَ أَرَى ٱلْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ ٱلْغَآئِبِينَ﴾ [النمل: ٢٠]، وقال: ﴿مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ * أَمْ لَكُمْ﴾ [القلم: ٣٦-٣٧]، فذلك جائز حسن. وقد وقعت "أم" معادلة لـ "مَنْ" في الاستفهام، قال الله جل ذكره: ﴿فَمَن يُجَادِلُ ٱللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ أَمْ مَّن يَكُونُ﴾ [النساء: ١٠٩]. * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ ٱلنَّارِ﴾، أي إن هذا الذي أخبرتك به من خبر أهل النار لحق هو تخاصم أهل النار. ويجوز أن تكون "تخاصم" خبراً ثانياً لـ "إن" أو بدلاً من "لحَقٌّ" أو من المضمر في "لَحَقٌّ". فإن جعلته خبراً ثانياً (أو بدلاً) لم تقف على "لحَقٌّ". وإن جعلته مرفوعاً على إضمار مبتدأ، أي: هو تخاصم، وقفت إذا شئت على "لحق". * * ثم قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَآ أَنَاْ مُنذِرٌ﴾، أي: نذير لكم بين يدي عذاب شديد. ﴿وَمَا مِنْ إِلَـٰهٍ إِلاَّ ٱللَّهُ ٱلْوَاحِدُ ٱلْقَهَّارُ﴾، أي: وما من معبود تجب له العبادة إلا الله الواحد، أي: المنفرد بالعبادة القهار لكل ما دونه بقُدرته. ﴿رَبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ﴾: أي: ما لكهما ومالك ما بينهما من الخلق. ﴿ٱلْعَزِيزُ﴾، أي: المنيع في نقمته. ﴿ٱلْغَفَّارُ﴾ لذنوب من تاب من كفره، وأطاع ربه. ثم قال تعالى: - ﴿قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ * أَنتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ﴾، أي: قل يا محمد لقومك: هذا القرآن الذي قلتم فيه: "إن هَذَا إلا خْتِلاَقُ"، نبأ عظيم، أي: خبر عظيم، أنتم عنه معرضون، أي: قد كفرتم وانصرفتم عن الإيمان به والعمل بما فيه، وقيل: المعنى: هو خبر جليل، وقيل: معناه: خبر عظيم المنفعة. * * ثم قال: ﴿مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِٱلْمَلإِ ٱلأَعْلَىٰ إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾، أي: قل يا محمد للمشركين الذين ينكرون ما جئتهم به ويكذبونك: ما كان لي من علم بالملائكة إذ اختصموا في آدم إذ شوِروا في خلق آدم فاختصموا فيه، وقالوا: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا﴾ [البقرة: ٣٠] الآيات، قاله ابن عباس وغيره. أي: لولا (ما أوحاه) إلي ربي وأعلمني به. فإعلامي ذلك لكم دليل على صدقي ونبوتي بأن هذا القرآن من عند الله عز وجل. وهذا كله معنى قول قتادة والسدي وغيرهما. وفي الحديث: "يَخْتَصِمُون في الْكَفَّارَاتِ وَفي إِسْبَاغِ الْوُضُوءِ في الْمكَارِهِ وَانْتِظَارِ الصَّلاَة بِعْدَ الصَّلاَةِ قال الحسن: لما صُعِد بالنبي ﷺ إلى السماء ليلة الإسراء به مر في سماء منهن، فإذا هو بأصوات الملائكة يختصمون، (قال لجبريل: يا جبريل، ما هذه الأصوات؟ قال: أصوات الملائكة يختصمون) في كفارات بني آدم. فقال النبي عليه السلام: وما يقولون فيها؟ قال: يقولون: هي نقل الأقدام إلى الجماعات (والصلوات، وإسباغ) الوضوء عند المكروهات، والتعقيب في المساجد بعد الصلوات. قال: ثم أوحى الله عز وجل إلى النبي ﷺ: "ما كان لي من علم بالملأ الأعلى" الآيتين. وعن عبد الرحمن بن عائش الحضرمي قال: قال رسول الله ﷺ: "قال لي ربي: فيمَ يختصم الملأ الأعلى يا محمد؟ (فقلت: أنت أعلم يا رب، فقالها ثانية، فقلت: أنت أعلم يا رب. فوضع يده بين كتفي فوجدت بردها بين ثديي، فعلمت ما في السماء والأرض. فقال: فيم يختصم الملأ الأعلى يا محمد؟ قلت: في الكفارات، فقال: وما الكفارات؟ فقلت: المشي ونقل الأقدام إلى الجماعات، وإبلاغ الوضوء أماكنه في المكروهات، والجلوس في المساجد خلف الصلوات قال: من فعل ذلك يعيش بخير ويموت بخير، ويكون من خطيئته كيوم ولدته أمه وأجاز النحاس أن يكون المعنيَّ بالاختصام قريشاً لأن منهم من قال: الملائكة بنات الله سبحانه وتعالى. فالمعنى على هذا: ما كان لي من علم بالملائكة إذ يختصم فيهم قريش. وأجاز أن يراد بالملأ الأعلى أشراف قريش يختصمون فيما بينهم فيخبر الله عز وجل نبيه ﷺ (بما شاء من ذلك فيعلمهم النبي بذلك). * * ثم قال: ﴿إِن يُوحَىٰ إِلَيَّ إِلاَّ أَنَّمَآ أَنَاْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ﴾، أي: ما يوحى إلي إلا أنما أنا نذير مبين عن الله عز وجل وحيه، و "أنما" اسم ما لم يسم فاعله.

ص 38:59

(قوله تعالى ذكره): ﴿هَـٰذَا فَلْيَذُوقُوهُ﴾ إلى قوله - ﴿نَذِيرٌ مُّبِينٌ﴾. "هذا" مرفوع بالابتداء، و "حميم" الخبر. فلا تقف على هذا إلا على "أزواج". ويجوز أن يكون الخبر "فليذوقوه"، فتقف على "فليذوقوه" ويجوز أن يكون (خبر ابتداء محذوف، أي: الأمر هذا)، فتقف على "هذا" إن شئت. ويجوز أن يكون "هذا" في موضع نصب (بإضمار قول يفسره "فليذوقوه"، مثل): زيداً فاضربه فتقف على هذا التأويل "فليذوقوه" وترفع "حميم وغساق"، على معنى: هو حميم، أو منه حميم. والحميم: الذي قد انتهى حره. قاله السدي. وقال ابن زيد: الحميم: دموع أعينهم تجمع في حياض النار فيسقونه. قال قتادة: الغساق، ما يسيل من بين جلده ولحمه. قال السدي: الغساق: الذي يسيل من أعينهم ودموعهم يسقونه مع الحميم. وقال ابن زيد: هو الصديد الذي يخرج من جلودهم مما تصهرهم النار، يجمع في حياض في النار فيسقونه، وقال مجاهد: الغساق: أبرد البرد. وقال ابن عمر: هو القيح الغليظ؛ لو أن قطرة منها تهراق في المغرب لأنتنت أهل المشرق، ولو تهراق بالمشرق لأنتنت أهل المغرب. وقال كعب: "الغساق: عين في جهنم يسيل إليها حُمَةُ كل ذات حُمَةٍ من حية أو عقرب فتُستنقع فيُؤتى بالآدمي فيُغمس غمسة واحدة فيخرج وقد سقط جلده ولحمه عن العظام حتى يتعلق جلده إلى كعبيه وعقبيه، ويجر لحمه جر الرجل ثوبه". وروى الخدري أن النبي ﷺ قال: "لَوْ أَنَّ دَلْواً مِنْ غَساقٍ يُهْرَاقُ في الدُّنْيَا لأَنْتَنَ أَهْلَ الدُّنْيا وقيل: هو ماء قد انتهى في البرودة ضد الحميم، يحرق كما يحرق الحميم. والعرب تقول: غسقت عينه، إذا سالت. فمن شدد جعله مثل سيال، ومن خفف جعله مثل سائل. فهو على هذا الاشتقاق ما سيل من أجسام أهل النار. ولم يعرف الكسائي ما هو. ومن شدد جعله صفة، ومن خفف أجاز أن يكون صفة واسماً. * * ثم قال تعالى: ﴿وَآخَرُ مِن شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ﴾. من جمع ﴿وَآخَرُ﴾ حمله على لفظ "أزواج". ومن وحد حمله على "شكله" ولم يقل شكلها، فالمعنى لمن جمع ﴿وَآخَرُ مِن شَكْلِهِ﴾ ما ذكرنا. وقيل: المعنى: من شكل الغساق. وقوله: (أَزْوَاجٌ) يريد به الحميم والغساق والآخر، فذلك ثلاثة. قال ابن مسعود: هو الزمهرير. والمعنى: مِنْ ضَرْبِهِ ومن نحوه، ومعنى "أزواج": أنواع وألوان. * * ثم قال تعالى: ﴿هَـٰذَا فَوْجٌ مُّقْتَحِمٌ مَّعَكُمْ﴾، أي: هذه فرقة مقتحمة معكم" في النار، وذلك دخول أمة من الكفار بعد أمة. والتقدير: يقال هذا فوج يدخل معكم في النار، فهو قول الملائكة لأهل النار حين أتوهم بفوج يُدخِلُوَنه معهم. * * ثم قال: ﴿لاَ مَرْحَباً بِهِمْ﴾. هذا خبر من الله جل ذكره عن قول أهل النار لما قيل لهم: "هذا فوج مقتحم معكم" فقالوا: لا مرحبا بهم. فهذا مثل قوله تعالى: ﴿كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَّعَنَتْ أُخْتَهَا﴾ [الأعراف: ٣٨]. ومعنى: ﴿لاَ مَرْحَباً بِهِمْ﴾: لا اتسعت مداخلهم ومنازلهم في النار. * * ثم قال: ﴿إِنَّهُمْ صَالُواْ ٱلنَّارِ﴾. هذا أيضاً من قول المتقدمين في النار للداخلين عليهم، أي: قالوا لا مرحباً بهم إنهم واردوا النار. وقيل: هو من قول الملائكة الذين قالوا لأهل النار: "هذا فوج مقتحم معكم إنهم صالو النار". * * ثم قال تعالى: ﴿قَالُواْ بَلْ أَنتُمْ لاَ مَرْحَباً بِكُمْ﴾، أي: قال الفوج الداخلون على من تقدمهم لما قالوا لهم لا مرحبا بهم: بل أنتم لا مرحبا بكم، أي: لا اتسعت أماكنكم بكم. ﴿أَنتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنَا﴾، أي: أنتم أوردتمونا هذا العذاب بإضلالكم إيانا ودعائكم إيانا إلى الكفر فاتبعناكم فاستوجبنا سكنى جهنم. * * ثم قال تعالى ﴿قَالُواْ رَبَّنَا مَن قَدَّمَ لَنَا هَـٰذَا فَزِدْهُ عَذَاباً ضِعْفاً فِي ٱلنَّارِ﴾، أي: قال الفوج المقتحم: ربنا من قدم لنا هذا بدعائه إيانا إلى العمل الذي أوجب لنا النار فزده عذاباً ضعفاً في النار، أي: أضعف لهم العذاب الذي هُمْ فيه. وقيل: المعنى: أضعف له العذاب مرتين: عذاباً بكفره، وعذاباً بدعائه إيانا. * * ثم قال تعالى: ﴿وَقَالُواْ مَا لَنَا لاَ نَرَىٰ رِجَالاً كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِّنَ ٱلأَشْرَارِ﴾، أي: وقال الكافرون الطاغون الذين تقدمت صفتهم - وقيل: هم أبو جهل والوليد بن المغيرة وذووهما - قالوا في النار: ما لنا لا نرى رجالاً كنا نعدهم من الأشرار، أي: كنا نعدهم في الدنيا من أشرارنا - قيل: (عنوا بذلك صهيباً وخباباً) وبلالاً وسلمان: قاله مجاهد. * * ثم قال تعالى: ﴿أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيّاً﴾. من ضم: فمعناه: كنا نسخرهم في الدنيا ونستذلهم، ومن كسر فمعناه: كنا نسخر منهم في الدنيا، وقيل: هما لغتان بمعنى الهُزْء والسُّخرية. فالمعنى: أَهُمْ في النار لا نعرف مكانهم، أم لم تقع أعيننا عليهم؟ ومن قرأ بقطع الألف من "اتخذناهم" ابتدأ به، ومن وصل الألف لم يبتدئ به لأنه صفة للرجال، هذا قول أبي حاتم. وتكون "أم" عديلة لاستفهام مُضمَر، تقديره: أمفقودون هم أم زاغت عنهم الأبصار. ويجوز أن تكون معادلة لـ "ما" في قوله: "ما لنا"، كما قال تعالى: ﴿مَالِيَ لاَ أَرَى ٱلْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ ٱلْغَآئِبِينَ﴾ [النمل: ٢٠]، وقال: ﴿مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ * أَمْ لَكُمْ﴾ [القلم: ٣٦-٣٧]، فذلك جائز حسن. وقد وقعت "أم" معادلة لـ "مَنْ" في الاستفهام، قال الله جل ذكره: ﴿فَمَن يُجَادِلُ ٱللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ أَمْ مَّن يَكُونُ﴾ [النساء: ١٠٩]. * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ ٱلنَّارِ﴾، أي إن هذا الذي أخبرتك به من خبر أهل النار لحق هو تخاصم أهل النار. ويجوز أن تكون "تخاصم" خبراً ثانياً لـ "إن" أو بدلاً من "لحَقٌّ" أو من المضمر في "لَحَقٌّ". فإن جعلته خبراً ثانياً (أو بدلاً) لم تقف على "لحَقٌّ". وإن جعلته مرفوعاً على إضمار مبتدأ، أي: هو تخاصم، وقفت إذا شئت على "لحق". * * ثم قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَآ أَنَاْ مُنذِرٌ﴾، أي: نذير لكم بين يدي عذاب شديد. ﴿وَمَا مِنْ إِلَـٰهٍ إِلاَّ ٱللَّهُ ٱلْوَاحِدُ ٱلْقَهَّارُ﴾، أي: وما من معبود تجب له العبادة إلا الله الواحد، أي: المنفرد بالعبادة القهار لكل ما دونه بقُدرته. ﴿رَبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ﴾: أي: ما لكهما ومالك ما بينهما من الخلق. ﴿ٱلْعَزِيزُ﴾، أي: المنيع في نقمته. ﴿ٱلْغَفَّارُ﴾ لذنوب من تاب من كفره، وأطاع ربه. ثم قال تعالى: - ﴿قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ * أَنتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ﴾، أي: قل يا محمد لقومك: هذا القرآن الذي قلتم فيه: "إن هَذَا إلا خْتِلاَقُ"، نبأ عظيم، أي: خبر عظيم، أنتم عنه معرضون، أي: قد كفرتم وانصرفتم عن الإيمان به والعمل بما فيه، وقيل: المعنى: هو خبر جليل، وقيل: معناه: خبر عظيم المنفعة. * * ثم قال: ﴿مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِٱلْمَلإِ ٱلأَعْلَىٰ إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾، أي: قل يا محمد للمشركين الذين ينكرون ما جئتهم به ويكذبونك: ما كان لي من علم بالملائكة إذ اختصموا في آدم إذ شوِروا في خلق آدم فاختصموا فيه، وقالوا: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا﴾ [البقرة: ٣٠] الآيات، قاله ابن عباس وغيره. أي: لولا (ما أوحاه) إلي ربي وأعلمني به. فإعلامي ذلك لكم دليل على صدقي ونبوتي بأن هذا القرآن من عند الله عز وجل. وهذا كله معنى قول قتادة والسدي وغيرهما. وفي الحديث: "يَخْتَصِمُون في الْكَفَّارَاتِ وَفي إِسْبَاغِ الْوُضُوءِ في الْمكَارِهِ وَانْتِظَارِ الصَّلاَة بِعْدَ الصَّلاَةِ قال الحسن: لما صُعِد بالنبي ﷺ إلى السماء ليلة الإسراء به مر في سماء منهن، فإذا هو بأصوات الملائكة يختصمون، (قال لجبريل: يا جبريل، ما هذه الأصوات؟ قال: أصوات الملائكة يختصمون) في كفارات بني آدم. فقال النبي عليه السلام: وما يقولون فيها؟ قال: يقولون: هي نقل الأقدام إلى الجماعات (والصلوات، وإسباغ) الوضوء عند المكروهات، والتعقيب في المساجد بعد الصلوات. قال: ثم أوحى الله عز وجل إلى النبي ﷺ: "ما كان لي من علم بالملأ الأعلى" الآيتين. وعن عبد الرحمن بن عائش الحضرمي قال: قال رسول الله ﷺ: "قال لي ربي: فيمَ يختصم الملأ الأعلى يا محمد؟ (فقلت: أنت أعلم يا رب، فقالها ثانية، فقلت: أنت أعلم يا رب. فوضع يده بين كتفي فوجدت بردها بين ثديي، فعلمت ما في السماء والأرض. فقال: فيم يختصم الملأ الأعلى يا محمد؟ قلت: في الكفارات، فقال: وما الكفارات؟ فقلت: المشي ونقل الأقدام إلى الجماعات، وإبلاغ الوضوء أماكنه في المكروهات، والجلوس في المساجد خلف الصلوات قال: من فعل ذلك يعيش بخير ويموت بخير، ويكون من خطيئته كيوم ولدته أمه وأجاز النحاس أن يكون المعنيَّ بالاختصام قريشاً لأن منهم من قال: الملائكة بنات الله سبحانه وتعالى. فالمعنى على هذا: ما كان لي من علم بالملائكة إذ يختصم فيهم قريش. وأجاز أن يراد بالملأ الأعلى أشراف قريش يختصمون فيما بينهم فيخبر الله عز وجل نبيه ﷺ (بما شاء من ذلك فيعلمهم النبي بذلك). * * ثم قال: ﴿إِن يُوحَىٰ إِلَيَّ إِلاَّ أَنَّمَآ أَنَاْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ﴾، أي: ما يوحى إلي إلا أنما أنا نذير مبين عن الله عز وجل وحيه، و "أنما" اسم ما لم يسم فاعله.

ص 38:60

(قوله تعالى ذكره): ﴿هَـٰذَا فَلْيَذُوقُوهُ﴾ إلى قوله - ﴿نَذِيرٌ مُّبِينٌ﴾. "هذا" مرفوع بالابتداء، و "حميم" الخبر. فلا تقف على هذا إلا على "أزواج". ويجوز أن يكون الخبر "فليذوقوه"، فتقف على "فليذوقوه" ويجوز أن يكون (خبر ابتداء محذوف، أي: الأمر هذا)، فتقف على "هذا" إن شئت. ويجوز أن يكون "هذا" في موضع نصب (بإضمار قول يفسره "فليذوقوه"، مثل): زيداً فاضربه فتقف على هذا التأويل "فليذوقوه" وترفع "حميم وغساق"، على معنى: هو حميم، أو منه حميم. والحميم: الذي قد انتهى حره. قاله السدي. وقال ابن زيد: الحميم: دموع أعينهم تجمع في حياض النار فيسقونه. قال قتادة: الغساق، ما يسيل من بين جلده ولحمه. قال السدي: الغساق: الذي يسيل من أعينهم ودموعهم يسقونه مع الحميم. وقال ابن زيد: هو الصديد الذي يخرج من جلودهم مما تصهرهم النار، يجمع في حياض في النار فيسقونه، وقال مجاهد: الغساق: أبرد البرد. وقال ابن عمر: هو القيح الغليظ؛ لو أن قطرة منها تهراق في المغرب لأنتنت أهل المشرق، ولو تهراق بالمشرق لأنتنت أهل المغرب. وقال كعب: "الغساق: عين في جهنم يسيل إليها حُمَةُ كل ذات حُمَةٍ من حية أو عقرب فتُستنقع فيُؤتى بالآدمي فيُغمس غمسة واحدة فيخرج وقد سقط جلده ولحمه عن العظام حتى يتعلق جلده إلى كعبيه وعقبيه، ويجر لحمه جر الرجل ثوبه". وروى الخدري أن النبي ﷺ قال: "لَوْ أَنَّ دَلْواً مِنْ غَساقٍ يُهْرَاقُ في الدُّنْيَا لأَنْتَنَ أَهْلَ الدُّنْيا وقيل: هو ماء قد انتهى في البرودة ضد الحميم، يحرق كما يحرق الحميم. والعرب تقول: غسقت عينه، إذا سالت. فمن شدد جعله مثل سيال، ومن خفف جعله مثل سائل. فهو على هذا الاشتقاق ما سيل من أجسام أهل النار. ولم يعرف الكسائي ما هو. ومن شدد جعله صفة، ومن خفف أجاز أن يكون صفة واسماً. * * ثم قال تعالى: ﴿وَآخَرُ مِن شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ﴾. من جمع ﴿وَآخَرُ﴾ حمله على لفظ "أزواج". ومن وحد حمله على "شكله" ولم يقل شكلها، فالمعنى لمن جمع ﴿وَآخَرُ مِن شَكْلِهِ﴾ ما ذكرنا. وقيل: المعنى: من شكل الغساق. وقوله: (أَزْوَاجٌ) يريد به الحميم والغساق والآخر، فذلك ثلاثة. قال ابن مسعود: هو الزمهرير. والمعنى: مِنْ ضَرْبِهِ ومن نحوه، ومعنى "أزواج": أنواع وألوان. * * ثم قال تعالى: ﴿هَـٰذَا فَوْجٌ مُّقْتَحِمٌ مَّعَكُمْ﴾، أي: هذه فرقة مقتحمة معكم" في النار، وذلك دخول أمة من الكفار بعد أمة. والتقدير: يقال هذا فوج يدخل معكم في النار، فهو قول الملائكة لأهل النار حين أتوهم بفوج يُدخِلُوَنه معهم. * * ثم قال: ﴿لاَ مَرْحَباً بِهِمْ﴾. هذا خبر من الله جل ذكره عن قول أهل النار لما قيل لهم: "هذا فوج مقتحم معكم" فقالوا: لا مرحبا بهم. فهذا مثل قوله تعالى: ﴿كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَّعَنَتْ أُخْتَهَا﴾ [الأعراف: ٣٨]. ومعنى: ﴿لاَ مَرْحَباً بِهِمْ﴾: لا اتسعت مداخلهم ومنازلهم في النار. * * ثم قال: ﴿إِنَّهُمْ صَالُواْ ٱلنَّارِ﴾. هذا أيضاً من قول المتقدمين في النار للداخلين عليهم، أي: قالوا لا مرحباً بهم إنهم واردوا النار. وقيل: هو من قول الملائكة الذين قالوا لأهل النار: "هذا فوج مقتحم معكم إنهم صالو النار". * * ثم قال تعالى: ﴿قَالُواْ بَلْ أَنتُمْ لاَ مَرْحَباً بِكُمْ﴾، أي: قال الفوج الداخلون على من تقدمهم لما قالوا لهم لا مرحبا بهم: بل أنتم لا مرحبا بكم، أي: لا اتسعت أماكنكم بكم. ﴿أَنتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنَا﴾، أي: أنتم أوردتمونا هذا العذاب بإضلالكم إيانا ودعائكم إيانا إلى الكفر فاتبعناكم فاستوجبنا سكنى جهنم. * * ثم قال تعالى ﴿قَالُواْ رَبَّنَا مَن قَدَّمَ لَنَا هَـٰذَا فَزِدْهُ عَذَاباً ضِعْفاً فِي ٱلنَّارِ﴾، أي: قال الفوج المقتحم: ربنا من قدم لنا هذا بدعائه إيانا إلى العمل الذي أوجب لنا النار فزده عذاباً ضعفاً في النار، أي: أضعف لهم العذاب الذي هُمْ فيه. وقيل: المعنى: أضعف له العذاب مرتين: عذاباً بكفره، وعذاباً بدعائه إيانا. * * ثم قال تعالى: ﴿وَقَالُواْ مَا لَنَا لاَ نَرَىٰ رِجَالاً كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِّنَ ٱلأَشْرَارِ﴾، أي: وقال الكافرون الطاغون الذين تقدمت صفتهم - وقيل: هم أبو جهل والوليد بن المغيرة وذووهما - قالوا في النار: ما لنا لا نرى رجالاً كنا نعدهم من الأشرار، أي: كنا نعدهم في الدنيا من أشرارنا - قيل: (عنوا بذلك صهيباً وخباباً) وبلالاً وسلمان: قاله مجاهد. * * ثم قال تعالى: ﴿أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيّاً﴾. من ضم: فمعناه: كنا نسخرهم في الدنيا ونستذلهم، ومن كسر فمعناه: كنا نسخر منهم في الدنيا، وقيل: هما لغتان بمعنى الهُزْء والسُّخرية. فالمعنى: أَهُمْ في النار لا نعرف مكانهم، أم لم تقع أعيننا عليهم؟ ومن قرأ بقطع الألف من "اتخذناهم" ابتدأ به، ومن وصل الألف لم يبتدئ به لأنه صفة للرجال، هذا قول أبي حاتم. وتكون "أم" عديلة لاستفهام مُضمَر، تقديره: أمفقودون هم أم زاغت عنهم الأبصار. ويجوز أن تكون معادلة لـ "ما" في قوله: "ما لنا"، كما قال تعالى: ﴿مَالِيَ لاَ أَرَى ٱلْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ ٱلْغَآئِبِينَ﴾ [النمل: ٢٠]، وقال: ﴿مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ * أَمْ لَكُمْ﴾ [القلم: ٣٦-٣٧]، فذلك جائز حسن. وقد وقعت "أم" معادلة لـ "مَنْ" في الاستفهام، قال الله جل ذكره: ﴿فَمَن يُجَادِلُ ٱللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ أَمْ مَّن يَكُونُ﴾ [النساء: ١٠٩]. * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ ٱلنَّارِ﴾، أي إن هذا الذي أخبرتك به من خبر أهل النار لحق هو تخاصم أهل النار. ويجوز أن تكون "تخاصم" خبراً ثانياً لـ "إن" أو بدلاً من "لحَقٌّ" أو من المضمر في "لَحَقٌّ". فإن جعلته خبراً ثانياً (أو بدلاً) لم تقف على "لحَقٌّ". وإن جعلته مرفوعاً على إضمار مبتدأ، أي: هو تخاصم، وقفت إذا شئت على "لحق". * * ثم قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَآ أَنَاْ مُنذِرٌ﴾، أي: نذير لكم بين يدي عذاب شديد. ﴿وَمَا مِنْ إِلَـٰهٍ إِلاَّ ٱللَّهُ ٱلْوَاحِدُ ٱلْقَهَّارُ﴾، أي: وما من معبود تجب له العبادة إلا الله الواحد، أي: المنفرد بالعبادة القهار لكل ما دونه بقُدرته. ﴿رَبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ﴾: أي: ما لكهما ومالك ما بينهما من الخلق. ﴿ٱلْعَزِيزُ﴾، أي: المنيع في نقمته. ﴿ٱلْغَفَّارُ﴾ لذنوب من تاب من كفره، وأطاع ربه. ثم قال تعالى: - ﴿قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ * أَنتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ﴾، أي: قل يا محمد لقومك: هذا القرآن الذي قلتم فيه: "إن هَذَا إلا خْتِلاَقُ"، نبأ عظيم، أي: خبر عظيم، أنتم عنه معرضون، أي: قد كفرتم وانصرفتم عن الإيمان به والعمل بما فيه، وقيل: المعنى: هو خبر جليل، وقيل: معناه: خبر عظيم المنفعة. * * ثم قال: ﴿مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِٱلْمَلإِ ٱلأَعْلَىٰ إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾، أي: قل يا محمد للمشركين الذين ينكرون ما جئتهم به ويكذبونك: ما كان لي من علم بالملائكة إذ اختصموا في آدم إذ شوِروا في خلق آدم فاختصموا فيه، وقالوا: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا﴾ [البقرة: ٣٠] الآيات، قاله ابن عباس وغيره. أي: لولا (ما أوحاه) إلي ربي وأعلمني به. فإعلامي ذلك لكم دليل على صدقي ونبوتي بأن هذا القرآن من عند الله عز وجل. وهذا كله معنى قول قتادة والسدي وغيرهما. وفي الحديث: "يَخْتَصِمُون في الْكَفَّارَاتِ وَفي إِسْبَاغِ الْوُضُوءِ في الْمكَارِهِ وَانْتِظَارِ الصَّلاَة بِعْدَ الصَّلاَةِ قال الحسن: لما صُعِد بالنبي ﷺ إلى السماء ليلة الإسراء به مر في سماء منهن، فإذا هو بأصوات الملائكة يختصمون، (قال لجبريل: يا جبريل، ما هذه الأصوات؟ قال: أصوات الملائكة يختصمون) في كفارات بني آدم. فقال النبي عليه السلام: وما يقولون فيها؟ قال: يقولون: هي نقل الأقدام إلى الجماعات (والصلوات، وإسباغ) الوضوء عند المكروهات، والتعقيب في المساجد بعد الصلوات. قال: ثم أوحى الله عز وجل إلى النبي ﷺ: "ما كان لي من علم بالملأ الأعلى" الآيتين. وعن عبد الرحمن بن عائش الحضرمي قال: قال رسول الله ﷺ: "قال لي ربي: فيمَ يختصم الملأ الأعلى يا محمد؟ (فقلت: أنت أعلم يا رب، فقالها ثانية، فقلت: أنت أعلم يا رب. فوضع يده بين كتفي فوجدت بردها بين ثديي، فعلمت ما في السماء والأرض. فقال: فيم يختصم الملأ الأعلى يا محمد؟ قلت: في الكفارات، فقال: وما الكفارات؟ فقلت: المشي ونقل الأقدام إلى الجماعات، وإبلاغ الوضوء أماكنه في المكروهات، والجلوس في المساجد خلف الصلوات قال: من فعل ذلك يعيش بخير ويموت بخير، ويكون من خطيئته كيوم ولدته أمه وأجاز النحاس أن يكون المعنيَّ بالاختصام قريشاً لأن منهم من قال: الملائكة بنات الله سبحانه وتعالى. فالمعنى على هذا: ما كان لي من علم بالملائكة إذ يختصم فيهم قريش. وأجاز أن يراد بالملأ الأعلى أشراف قريش يختصمون فيما بينهم فيخبر الله عز وجل نبيه ﷺ (بما شاء من ذلك فيعلمهم النبي بذلك). * * ثم قال: ﴿إِن يُوحَىٰ إِلَيَّ إِلاَّ أَنَّمَآ أَنَاْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ﴾، أي: ما يوحى إلي إلا أنما أنا نذير مبين عن الله عز وجل وحيه، و "أنما" اسم ما لم يسم فاعله.

ص 38:61

(قوله تعالى ذكره): ﴿هَـٰذَا فَلْيَذُوقُوهُ﴾ إلى قوله - ﴿نَذِيرٌ مُّبِينٌ﴾. "هذا" مرفوع بالابتداء، و "حميم" الخبر. فلا تقف على هذا إلا على "أزواج". ويجوز أن يكون الخبر "فليذوقوه"، فتقف على "فليذوقوه" ويجوز أن يكون (خبر ابتداء محذوف، أي: الأمر هذا)، فتقف على "هذا" إن شئت. ويجوز أن يكون "هذا" في موضع نصب (بإضمار قول يفسره "فليذوقوه"، مثل): زيداً فاضربه فتقف على هذا التأويل "فليذوقوه" وترفع "حميم وغساق"، على معنى: هو حميم، أو منه حميم. والحميم: الذي قد انتهى حره. قاله السدي. وقال ابن زيد: الحميم: دموع أعينهم تجمع في حياض النار فيسقونه. قال قتادة: الغساق، ما يسيل من بين جلده ولحمه. قال السدي: الغساق: الذي يسيل من أعينهم ودموعهم يسقونه مع الحميم. وقال ابن زيد: هو الصديد الذي يخرج من جلودهم مما تصهرهم النار، يجمع في حياض في النار فيسقونه، وقال مجاهد: الغساق: أبرد البرد. وقال ابن عمر: هو القيح الغليظ؛ لو أن قطرة منها تهراق في المغرب لأنتنت أهل المشرق، ولو تهراق بالمشرق لأنتنت أهل المغرب. وقال كعب: "الغساق: عين في جهنم يسيل إليها حُمَةُ كل ذات حُمَةٍ من حية أو عقرب فتُستنقع فيُؤتى بالآدمي فيُغمس غمسة واحدة فيخرج وقد سقط جلده ولحمه عن العظام حتى يتعلق جلده إلى كعبيه وعقبيه، ويجر لحمه جر الرجل ثوبه". وروى الخدري أن النبي ﷺ قال: "لَوْ أَنَّ دَلْواً مِنْ غَساقٍ يُهْرَاقُ في الدُّنْيَا لأَنْتَنَ أَهْلَ الدُّنْيا وقيل: هو ماء قد انتهى في البرودة ضد الحميم، يحرق كما يحرق الحميم. والعرب تقول: غسقت عينه، إذا سالت. فمن شدد جعله مثل سيال، ومن خفف جعله مثل سائل. فهو على هذا الاشتقاق ما سيل من أجسام أهل النار. ولم يعرف الكسائي ما هو. ومن شدد جعله صفة، ومن خفف أجاز أن يكون صفة واسماً. * * ثم قال تعالى: ﴿وَآخَرُ مِن شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ﴾. من جمع ﴿وَآخَرُ﴾ حمله على لفظ "أزواج". ومن وحد حمله على "شكله" ولم يقل شكلها، فالمعنى لمن جمع ﴿وَآخَرُ مِن شَكْلِهِ﴾ ما ذكرنا. وقيل: المعنى: من شكل الغساق. وقوله: (أَزْوَاجٌ) يريد به الحميم والغساق والآخر، فذلك ثلاثة. قال ابن مسعود: هو الزمهرير. والمعنى: مِنْ ضَرْبِهِ ومن نحوه، ومعنى "أزواج": أنواع وألوان. * * ثم قال تعالى: ﴿هَـٰذَا فَوْجٌ مُّقْتَحِمٌ مَّعَكُمْ﴾، أي: هذه فرقة مقتحمة معكم" في النار، وذلك دخول أمة من الكفار بعد أمة. والتقدير: يقال هذا فوج يدخل معكم في النار، فهو قول الملائكة لأهل النار حين أتوهم بفوج يُدخِلُوَنه معهم. * * ثم قال: ﴿لاَ مَرْحَباً بِهِمْ﴾. هذا خبر من الله جل ذكره عن قول أهل النار لما قيل لهم: "هذا فوج مقتحم معكم" فقالوا: لا مرحبا بهم. فهذا مثل قوله تعالى: ﴿كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَّعَنَتْ أُخْتَهَا﴾ [الأعراف: ٣٨]. ومعنى: ﴿لاَ مَرْحَباً بِهِمْ﴾: لا اتسعت مداخلهم ومنازلهم في النار. * * ثم قال: ﴿إِنَّهُمْ صَالُواْ ٱلنَّارِ﴾. هذا أيضاً من قول المتقدمين في النار للداخلين عليهم، أي: قالوا لا مرحباً بهم إنهم واردوا النار. وقيل: هو من قول الملائكة الذين قالوا لأهل النار: "هذا فوج مقتحم معكم إنهم صالو النار". * * ثم قال تعالى: ﴿قَالُواْ بَلْ أَنتُمْ لاَ مَرْحَباً بِكُمْ﴾، أي: قال الفوج الداخلون على من تقدمهم لما قالوا لهم لا مرحبا بهم: بل أنتم لا مرحبا بكم، أي: لا اتسعت أماكنكم بكم. ﴿أَنتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنَا﴾، أي: أنتم أوردتمونا هذا العذاب بإضلالكم إيانا ودعائكم إيانا إلى الكفر فاتبعناكم فاستوجبنا سكنى جهنم. * * ثم قال تعالى ﴿قَالُواْ رَبَّنَا مَن قَدَّمَ لَنَا هَـٰذَا فَزِدْهُ عَذَاباً ضِعْفاً فِي ٱلنَّارِ﴾، أي: قال الفوج المقتحم: ربنا من قدم لنا هذا بدعائه إيانا إلى العمل الذي أوجب لنا النار فزده عذاباً ضعفاً في النار، أي: أضعف لهم العذاب الذي هُمْ فيه. وقيل: المعنى: أضعف له العذاب مرتين: عذاباً بكفره، وعذاباً بدعائه إيانا. * * ثم قال تعالى: ﴿وَقَالُواْ مَا لَنَا لاَ نَرَىٰ رِجَالاً كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِّنَ ٱلأَشْرَارِ﴾، أي: وقال الكافرون الطاغون الذين تقدمت صفتهم - وقيل: هم أبو جهل والوليد بن المغيرة وذووهما - قالوا في النار: ما لنا لا نرى رجالاً كنا نعدهم من الأشرار، أي: كنا نعدهم في الدنيا من أشرارنا - قيل: (عنوا بذلك صهيباً وخباباً) وبلالاً وسلمان: قاله مجاهد. * * ثم قال تعالى: ﴿أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيّاً﴾. من ضم: فمعناه: كنا نسخرهم في الدنيا ونستذلهم، ومن كسر فمعناه: كنا نسخر منهم في الدنيا، وقيل: هما لغتان بمعنى الهُزْء والسُّخرية. فالمعنى: أَهُمْ في النار لا نعرف مكانهم، أم لم تقع أعيننا عليهم؟ ومن قرأ بقطع الألف من "اتخذناهم" ابتدأ به، ومن وصل الألف لم يبتدئ به لأنه صفة للرجال، هذا قول أبي حاتم. وتكون "أم" عديلة لاستفهام مُضمَر، تقديره: أمفقودون هم أم زاغت عنهم الأبصار. ويجوز أن تكون معادلة لـ "ما" في قوله: "ما لنا"، كما قال تعالى: ﴿مَالِيَ لاَ أَرَى ٱلْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ ٱلْغَآئِبِينَ﴾ [النمل: ٢٠]، وقال: ﴿مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ * أَمْ لَكُمْ﴾ [القلم: ٣٦-٣٧]، فذلك جائز حسن. وقد وقعت "أم" معادلة لـ "مَنْ" في الاستفهام، قال الله جل ذكره: ﴿فَمَن يُجَادِلُ ٱللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ أَمْ مَّن يَكُونُ﴾ [النساء: ١٠٩]. * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ ٱلنَّارِ﴾، أي إن هذا الذي أخبرتك به من خبر أهل النار لحق هو تخاصم أهل النار. ويجوز أن تكون "تخاصم" خبراً ثانياً لـ "إن" أو بدلاً من "لحَقٌّ" أو من المضمر في "لَحَقٌّ". فإن جعلته خبراً ثانياً (أو بدلاً) لم تقف على "لحَقٌّ". وإن جعلته مرفوعاً على إضمار مبتدأ، أي: هو تخاصم، وقفت إذا شئت على "لحق". * * ثم قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَآ أَنَاْ مُنذِرٌ﴾، أي: نذير لكم بين يدي عذاب شديد. ﴿وَمَا مِنْ إِلَـٰهٍ إِلاَّ ٱللَّهُ ٱلْوَاحِدُ ٱلْقَهَّارُ﴾، أي: وما من معبود تجب له العبادة إلا الله الواحد، أي: المنفرد بالعبادة القهار لكل ما دونه بقُدرته. ﴿رَبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ﴾: أي: ما لكهما ومالك ما بينهما من الخلق. ﴿ٱلْعَزِيزُ﴾، أي: المنيع في نقمته. ﴿ٱلْغَفَّارُ﴾ لذنوب من تاب من كفره، وأطاع ربه. ثم قال تعالى: - ﴿قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ * أَنتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ﴾، أي: قل يا محمد لقومك: هذا القرآن الذي قلتم فيه: "إن هَذَا إلا خْتِلاَقُ"، نبأ عظيم، أي: خبر عظيم، أنتم عنه معرضون، أي: قد كفرتم وانصرفتم عن الإيمان به والعمل بما فيه، وقيل: المعنى: هو خبر جليل، وقيل: معناه: خبر عظيم المنفعة. * * ثم قال: ﴿مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِٱلْمَلإِ ٱلأَعْلَىٰ إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾، أي: قل يا محمد للمشركين الذين ينكرون ما جئتهم به ويكذبونك: ما كان لي من علم بالملائكة إذ اختصموا في آدم إذ شوِروا في خلق آدم فاختصموا فيه، وقالوا: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا﴾ [البقرة: ٣٠] الآيات، قاله ابن عباس وغيره. أي: لولا (ما أوحاه) إلي ربي وأعلمني به. فإعلامي ذلك لكم دليل على صدقي ونبوتي بأن هذا القرآن من عند الله عز وجل. وهذا كله معنى قول قتادة والسدي وغيرهما. وفي الحديث: "يَخْتَصِمُون في الْكَفَّارَاتِ وَفي إِسْبَاغِ الْوُضُوءِ في الْمكَارِهِ وَانْتِظَارِ الصَّلاَة بِعْدَ الصَّلاَةِ قال الحسن: لما صُعِد بالنبي ﷺ إلى السماء ليلة الإسراء به مر في سماء منهن، فإذا هو بأصوات الملائكة يختصمون، (قال لجبريل: يا جبريل، ما هذه الأصوات؟ قال: أصوات الملائكة يختصمون) في كفارات بني آدم. فقال النبي عليه السلام: وما يقولون فيها؟ قال: يقولون: هي نقل الأقدام إلى الجماعات (والصلوات، وإسباغ) الوضوء عند المكروهات، والتعقيب في المساجد بعد الصلوات. قال: ثم أوحى الله عز وجل إلى النبي ﷺ: "ما كان لي من علم بالملأ الأعلى" الآيتين. وعن عبد الرحمن بن عائش الحضرمي قال: قال رسول الله ﷺ: "قال لي ربي: فيمَ يختصم الملأ الأعلى يا محمد؟ (فقلت: أنت أعلم يا رب، فقالها ثانية، فقلت: أنت أعلم يا رب. فوضع يده بين كتفي فوجدت بردها بين ثديي، فعلمت ما في السماء والأرض. فقال: فيم يختصم الملأ الأعلى يا محمد؟ قلت: في الكفارات، فقال: وما الكفارات؟ فقلت: المشي ونقل الأقدام إلى الجماعات، وإبلاغ الوضوء أماكنه في المكروهات، والجلوس في المساجد خلف الصلوات قال: من فعل ذلك يعيش بخير ويموت بخير، ويكون من خطيئته كيوم ولدته أمه وأجاز النحاس أن يكون المعنيَّ بالاختصام قريشاً لأن منهم من قال: الملائكة بنات الله سبحانه وتعالى. فالمعنى على هذا: ما كان لي من علم بالملائكة إذ يختصم فيهم قريش. وأجاز أن يراد بالملأ الأعلى أشراف قريش يختصمون فيما بينهم فيخبر الله عز وجل نبيه ﷺ (بما شاء من ذلك فيعلمهم النبي بذلك). * * ثم قال: ﴿إِن يُوحَىٰ إِلَيَّ إِلاَّ أَنَّمَآ أَنَاْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ﴾، أي: ما يوحى إلي إلا أنما أنا نذير مبين عن الله عز وجل وحيه، و "أنما" اسم ما لم يسم فاعله.

ص 38:62

(قوله تعالى ذكره): ﴿هَـٰذَا فَلْيَذُوقُوهُ﴾ إلى قوله - ﴿نَذِيرٌ مُّبِينٌ﴾. "هذا" مرفوع بالابتداء، و "حميم" الخبر. فلا تقف على هذا إلا على "أزواج". ويجوز أن يكون الخبر "فليذوقوه"، فتقف على "فليذوقوه" ويجوز أن يكون (خبر ابتداء محذوف، أي: الأمر هذا)، فتقف على "هذا" إن شئت. ويجوز أن يكون "هذا" في موضع نصب (بإضمار قول يفسره "فليذوقوه"، مثل): زيداً فاضربه فتقف على هذا التأويل "فليذوقوه" وترفع "حميم وغساق"، على معنى: هو حميم، أو منه حميم. والحميم: الذي قد انتهى حره. قاله السدي. وقال ابن زيد: الحميم: دموع أعينهم تجمع في حياض النار فيسقونه. قال قتادة: الغساق، ما يسيل من بين جلده ولحمه. قال السدي: الغساق: الذي يسيل من أعينهم ودموعهم يسقونه مع الحميم. وقال ابن زيد: هو الصديد الذي يخرج من جلودهم مما تصهرهم النار، يجمع في حياض في النار فيسقونه، وقال مجاهد: الغساق: أبرد البرد. وقال ابن عمر: هو القيح الغليظ؛ لو أن قطرة منها تهراق في المغرب لأنتنت أهل المشرق، ولو تهراق بالمشرق لأنتنت أهل المغرب. وقال كعب: "الغساق: عين في جهنم يسيل إليها حُمَةُ كل ذات حُمَةٍ من حية أو عقرب فتُستنقع فيُؤتى بالآدمي فيُغمس غمسة واحدة فيخرج وقد سقط جلده ولحمه عن العظام حتى يتعلق جلده إلى كعبيه وعقبيه، ويجر لحمه جر الرجل ثوبه". وروى الخدري أن النبي ﷺ قال: "لَوْ أَنَّ دَلْواً مِنْ غَساقٍ يُهْرَاقُ في الدُّنْيَا لأَنْتَنَ أَهْلَ الدُّنْيا وقيل: هو ماء قد انتهى في البرودة ضد الحميم، يحرق كما يحرق الحميم. والعرب تقول: غسقت عينه، إذا سالت. فمن شدد جعله مثل سيال، ومن خفف جعله مثل سائل. فهو على هذا الاشتقاق ما سيل من أجسام أهل النار. ولم يعرف الكسائي ما هو. ومن شدد جعله صفة، ومن خفف أجاز أن يكون صفة واسماً. * * ثم قال تعالى: ﴿وَآخَرُ مِن شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ﴾. من جمع ﴿وَآخَرُ﴾ حمله على لفظ "أزواج". ومن وحد حمله على "شكله" ولم يقل شكلها، فالمعنى لمن جمع ﴿وَآخَرُ مِن شَكْلِهِ﴾ ما ذكرنا. وقيل: المعنى: من شكل الغساق. وقوله: (أَزْوَاجٌ) يريد به الحميم والغساق والآخر، فذلك ثلاثة. قال ابن مسعود: هو الزمهرير. والمعنى: مِنْ ضَرْبِهِ ومن نحوه، ومعنى "أزواج": أنواع وألوان. * * ثم قال تعالى: ﴿هَـٰذَا فَوْجٌ مُّقْتَحِمٌ مَّعَكُمْ﴾، أي: هذه فرقة مقتحمة معكم" في النار، وذلك دخول أمة من الكفار بعد أمة. والتقدير: يقال هذا فوج يدخل معكم في النار، فهو قول الملائكة لأهل النار حين أتوهم بفوج يُدخِلُوَنه معهم. * * ثم قال: ﴿لاَ مَرْحَباً بِهِمْ﴾. هذا خبر من الله جل ذكره عن قول أهل النار لما قيل لهم: "هذا فوج مقتحم معكم" فقالوا: لا مرحبا بهم. فهذا مثل قوله تعالى: ﴿كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَّعَنَتْ أُخْتَهَا﴾ [الأعراف: ٣٨]. ومعنى: ﴿لاَ مَرْحَباً بِهِمْ﴾: لا اتسعت مداخلهم ومنازلهم في النار. * * ثم قال: ﴿إِنَّهُمْ صَالُواْ ٱلنَّارِ﴾. هذا أيضاً من قول المتقدمين في النار للداخلين عليهم، أي: قالوا لا مرحباً بهم إنهم واردوا النار. وقيل: هو من قول الملائكة الذين قالوا لأهل النار: "هذا فوج مقتحم معكم إنهم صالو النار". * * ثم قال تعالى: ﴿قَالُواْ بَلْ أَنتُمْ لاَ مَرْحَباً بِكُمْ﴾، أي: قال الفوج الداخلون على من تقدمهم لما قالوا لهم لا مرحبا بهم: بل أنتم لا مرحبا بكم، أي: لا اتسعت أماكنكم بكم. ﴿أَنتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنَا﴾، أي: أنتم أوردتمونا هذا العذاب بإضلالكم إيانا ودعائكم إيانا إلى الكفر فاتبعناكم فاستوجبنا سكنى جهنم. * * ثم قال تعالى ﴿قَالُواْ رَبَّنَا مَن قَدَّمَ لَنَا هَـٰذَا فَزِدْهُ عَذَاباً ضِعْفاً فِي ٱلنَّارِ﴾، أي: قال الفوج المقتحم: ربنا من قدم لنا هذا بدعائه إيانا إلى العمل الذي أوجب لنا النار فزده عذاباً ضعفاً في النار، أي: أضعف لهم العذاب الذي هُمْ فيه. وقيل: المعنى: أضعف له العذاب مرتين: عذاباً بكفره، وعذاباً بدعائه إيانا. * * ثم قال تعالى: ﴿وَقَالُواْ مَا لَنَا لاَ نَرَىٰ رِجَالاً كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِّنَ ٱلأَشْرَارِ﴾، أي: وقال الكافرون الطاغون الذين تقدمت صفتهم - وقيل: هم أبو جهل والوليد بن المغيرة وذووهما - قالوا في النار: ما لنا لا نرى رجالاً كنا نعدهم من الأشرار، أي: كنا نعدهم في الدنيا من أشرارنا - قيل: (عنوا بذلك صهيباً وخباباً) وبلالاً وسلمان: قاله مجاهد. * * ثم قال تعالى: ﴿أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيّاً﴾. من ضم: فمعناه: كنا نسخرهم في الدنيا ونستذلهم، ومن كسر فمعناه: كنا نسخر منهم في الدنيا، وقيل: هما لغتان بمعنى الهُزْء والسُّخرية. فالمعنى: أَهُمْ في النار لا نعرف مكانهم، أم لم تقع أعيننا عليهم؟ ومن قرأ بقطع الألف من "اتخذناهم" ابتدأ به، ومن وصل الألف لم يبتدئ به لأنه صفة للرجال، هذا قول أبي حاتم. وتكون "أم" عديلة لاستفهام مُضمَر، تقديره: أمفقودون هم أم زاغت عنهم الأبصار. ويجوز أن تكون معادلة لـ "ما" في قوله: "ما لنا"، كما قال تعالى: ﴿مَالِيَ لاَ أَرَى ٱلْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ ٱلْغَآئِبِينَ﴾ [النمل: ٢٠]، وقال: ﴿مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ * أَمْ لَكُمْ﴾ [القلم: ٣٦-٣٧]، فذلك جائز حسن. وقد وقعت "أم" معادلة لـ "مَنْ" في الاستفهام، قال الله جل ذكره: ﴿فَمَن يُجَادِلُ ٱللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ أَمْ مَّن يَكُونُ﴾ [النساء: ١٠٩]. * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ ٱلنَّارِ﴾، أي إن هذا الذي أخبرتك به من خبر أهل النار لحق هو تخاصم أهل النار. ويجوز أن تكون "تخاصم" خبراً ثانياً لـ "إن" أو بدلاً من "لحَقٌّ" أو من المضمر في "لَحَقٌّ". فإن جعلته خبراً ثانياً (أو بدلاً) لم تقف على "لحَقٌّ". وإن جعلته مرفوعاً على إضمار مبتدأ، أي: هو تخاصم، وقفت إذا شئت على "لحق". * * ثم قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَآ أَنَاْ مُنذِرٌ﴾، أي: نذير لكم بين يدي عذاب شديد. ﴿وَمَا مِنْ إِلَـٰهٍ إِلاَّ ٱللَّهُ ٱلْوَاحِدُ ٱلْقَهَّارُ﴾، أي: وما من معبود تجب له العبادة إلا الله الواحد، أي: المنفرد بالعبادة القهار لكل ما دونه بقُدرته. ﴿رَبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ﴾: أي: ما لكهما ومالك ما بينهما من الخلق. ﴿ٱلْعَزِيزُ﴾، أي: المنيع في نقمته. ﴿ٱلْغَفَّارُ﴾ لذنوب من تاب من كفره، وأطاع ربه. ثم قال تعالى: - ﴿قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ * أَنتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ﴾، أي: قل يا محمد لقومك: هذا القرآن الذي قلتم فيه: "إن هَذَا إلا خْتِلاَقُ"، نبأ عظيم، أي: خبر عظيم، أنتم عنه معرضون، أي: قد كفرتم وانصرفتم عن الإيمان به والعمل بما فيه، وقيل: المعنى: هو خبر جليل، وقيل: معناه: خبر عظيم المنفعة. * * ثم قال: ﴿مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِٱلْمَلإِ ٱلأَعْلَىٰ إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾، أي: قل يا محمد للمشركين الذين ينكرون ما جئتهم به ويكذبونك: ما كان لي من علم بالملائكة إذ اختصموا في آدم إذ شوِروا في خلق آدم فاختصموا فيه، وقالوا: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا﴾ [البقرة: ٣٠] الآيات، قاله ابن عباس وغيره. أي: لولا (ما أوحاه) إلي ربي وأعلمني به. فإعلامي ذلك لكم دليل على صدقي ونبوتي بأن هذا القرآن من عند الله عز وجل. وهذا كله معنى قول قتادة والسدي وغيرهما. وفي الحديث: "يَخْتَصِمُون في الْكَفَّارَاتِ وَفي إِسْبَاغِ الْوُضُوءِ في الْمكَارِهِ وَانْتِظَارِ الصَّلاَة بِعْدَ الصَّلاَةِ قال الحسن: لما صُعِد بالنبي ﷺ إلى السماء ليلة الإسراء به مر في سماء منهن، فإذا هو بأصوات الملائكة يختصمون، (قال لجبريل: يا جبريل، ما هذه الأصوات؟ قال: أصوات الملائكة يختصمون) في كفارات بني آدم. فقال النبي عليه السلام: وما يقولون فيها؟ قال: يقولون: هي نقل الأقدام إلى الجماعات (والصلوات، وإسباغ) الوضوء عند المكروهات، والتعقيب في المساجد بعد الصلوات. قال: ثم أوحى الله عز وجل إلى النبي ﷺ: "ما كان لي من علم بالملأ الأعلى" الآيتين. وعن عبد الرحمن بن عائش الحضرمي قال: قال رسول الله ﷺ: "قال لي ربي: فيمَ يختصم الملأ الأعلى يا محمد؟ (فقلت: أنت أعلم يا رب، فقالها ثانية، فقلت: أنت أعلم يا رب. فوضع يده بين كتفي فوجدت بردها بين ثديي، فعلمت ما في السماء والأرض. فقال: فيم يختصم الملأ الأعلى يا محمد؟ قلت: في الكفارات، فقال: وما الكفارات؟ فقلت: المشي ونقل الأقدام إلى الجماعات، وإبلاغ الوضوء أماكنه في المكروهات، والجلوس في المساجد خلف الصلوات قال: من فعل ذلك يعيش بخير ويموت بخير، ويكون من خطيئته كيوم ولدته أمه وأجاز النحاس أن يكون المعنيَّ بالاختصام قريشاً لأن منهم من قال: الملائكة بنات الله سبحانه وتعالى. فالمعنى على هذا: ما كان لي من علم بالملائكة إذ يختصم فيهم قريش. وأجاز أن يراد بالملأ الأعلى أشراف قريش يختصمون فيما بينهم فيخبر الله عز وجل نبيه ﷺ (بما شاء من ذلك فيعلمهم النبي بذلك). * * ثم قال: ﴿إِن يُوحَىٰ إِلَيَّ إِلاَّ أَنَّمَآ أَنَاْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ﴾، أي: ما يوحى إلي إلا أنما أنا نذير مبين عن الله عز وجل وحيه، و "أنما" اسم ما لم يسم فاعله.

ص 38:63

(قوله تعالى ذكره): ﴿هَـٰذَا فَلْيَذُوقُوهُ﴾ إلى قوله - ﴿نَذِيرٌ مُّبِينٌ﴾. "هذا" مرفوع بالابتداء، و "حميم" الخبر. فلا تقف على هذا إلا على "أزواج". ويجوز أن يكون الخبر "فليذوقوه"، فتقف على "فليذوقوه" ويجوز أن يكون (خبر ابتداء محذوف، أي: الأمر هذا)، فتقف على "هذا" إن شئت. ويجوز أن يكون "هذا" في موضع نصب (بإضمار قول يفسره "فليذوقوه"، مثل): زيداً فاضربه فتقف على هذا التأويل "فليذوقوه" وترفع "حميم وغساق"، على معنى: هو حميم، أو منه حميم. والحميم: الذي قد انتهى حره. قاله السدي. وقال ابن زيد: الحميم: دموع أعينهم تجمع في حياض النار فيسقونه. قال قتادة: الغساق، ما يسيل من بين جلده ولحمه. قال السدي: الغساق: الذي يسيل من أعينهم ودموعهم يسقونه مع الحميم. وقال ابن زيد: هو الصديد الذي يخرج من جلودهم مما تصهرهم النار، يجمع في حياض في النار فيسقونه، وقال مجاهد: الغساق: أبرد البرد. وقال ابن عمر: هو القيح الغليظ؛ لو أن قطرة منها تهراق في المغرب لأنتنت أهل المشرق، ولو تهراق بالمشرق لأنتنت أهل المغرب. وقال كعب: "الغساق: عين في جهنم يسيل إليها حُمَةُ كل ذات حُمَةٍ من حية أو عقرب فتُستنقع فيُؤتى بالآدمي فيُغمس غمسة واحدة فيخرج وقد سقط جلده ولحمه عن العظام حتى يتعلق جلده إلى كعبيه وعقبيه، ويجر لحمه جر الرجل ثوبه". وروى الخدري أن النبي ﷺ قال: "لَوْ أَنَّ دَلْواً مِنْ غَساقٍ يُهْرَاقُ في الدُّنْيَا لأَنْتَنَ أَهْلَ الدُّنْيا وقيل: هو ماء قد انتهى في البرودة ضد الحميم، يحرق كما يحرق الحميم. والعرب تقول: غسقت عينه، إذا سالت. فمن شدد جعله مثل سيال، ومن خفف جعله مثل سائل. فهو على هذا الاشتقاق ما سيل من أجسام أهل النار. ولم يعرف الكسائي ما هو. ومن شدد جعله صفة، ومن خفف أجاز أن يكون صفة واسماً. * * ثم قال تعالى: ﴿وَآخَرُ مِن شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ﴾. من جمع ﴿وَآخَرُ﴾ حمله على لفظ "أزواج". ومن وحد حمله على "شكله" ولم يقل شكلها، فالمعنى لمن جمع ﴿وَآخَرُ مِن شَكْلِهِ﴾ ما ذكرنا. وقيل: المعنى: من شكل الغساق. وقوله: (أَزْوَاجٌ) يريد به الحميم والغساق والآخر، فذلك ثلاثة. قال ابن مسعود: هو الزمهرير. والمعنى: مِنْ ضَرْبِهِ ومن نحوه، ومعنى "أزواج": أنواع وألوان. * * ثم قال تعالى: ﴿هَـٰذَا فَوْجٌ مُّقْتَحِمٌ مَّعَكُمْ﴾، أي: هذه فرقة مقتحمة معكم" في النار، وذلك دخول أمة من الكفار بعد أمة. والتقدير: يقال هذا فوج يدخل معكم في النار، فهو قول الملائكة لأهل النار حين أتوهم بفوج يُدخِلُوَنه معهم. * * ثم قال: ﴿لاَ مَرْحَباً بِهِمْ﴾. هذا خبر من الله جل ذكره عن قول أهل النار لما قيل لهم: "هذا فوج مقتحم معكم" فقالوا: لا مرحبا بهم. فهذا مثل قوله تعالى: ﴿كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَّعَنَتْ أُخْتَهَا﴾ [الأعراف: ٣٨]. ومعنى: ﴿لاَ مَرْحَباً بِهِمْ﴾: لا اتسعت مداخلهم ومنازلهم في النار. * * ثم قال: ﴿إِنَّهُمْ صَالُواْ ٱلنَّارِ﴾. هذا أيضاً من قول المتقدمين في النار للداخلين عليهم، أي: قالوا لا مرحباً بهم إنهم واردوا النار. وقيل: هو من قول الملائكة الذين قالوا لأهل النار: "هذا فوج مقتحم معكم إنهم صالو النار". * * ثم قال تعالى: ﴿قَالُواْ بَلْ أَنتُمْ لاَ مَرْحَباً بِكُمْ﴾، أي: قال الفوج الداخلون على من تقدمهم لما قالوا لهم لا مرحبا بهم: بل أنتم لا مرحبا بكم، أي: لا اتسعت أماكنكم بكم. ﴿أَنتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنَا﴾، أي: أنتم أوردتمونا هذا العذاب بإضلالكم إيانا ودعائكم إيانا إلى الكفر فاتبعناكم فاستوجبنا سكنى جهنم. * * ثم قال تعالى ﴿قَالُواْ رَبَّنَا مَن قَدَّمَ لَنَا هَـٰذَا فَزِدْهُ عَذَاباً ضِعْفاً فِي ٱلنَّارِ﴾، أي: قال الفوج المقتحم: ربنا من قدم لنا هذا بدعائه إيانا إلى العمل الذي أوجب لنا النار فزده عذاباً ضعفاً في النار، أي: أضعف لهم العذاب الذي هُمْ فيه. وقيل: المعنى: أضعف له العذاب مرتين: عذاباً بكفره، وعذاباً بدعائه إيانا. * * ثم قال تعالى: ﴿وَقَالُواْ مَا لَنَا لاَ نَرَىٰ رِجَالاً كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِّنَ ٱلأَشْرَارِ﴾، أي: وقال الكافرون الطاغون الذين تقدمت صفتهم - وقيل: هم أبو جهل والوليد بن المغيرة وذووهما - قالوا في النار: ما لنا لا نرى رجالاً كنا نعدهم من الأشرار، أي: كنا نعدهم في الدنيا من أشرارنا - قيل: (عنوا بذلك صهيباً وخباباً) وبلالاً وسلمان: قاله مجاهد. * * ثم قال تعالى: ﴿أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيّاً﴾. من ضم: فمعناه: كنا نسخرهم في الدنيا ونستذلهم، ومن كسر فمعناه: كنا نسخر منهم في الدنيا، وقيل: هما لغتان بمعنى الهُزْء والسُّخرية. فالمعنى: أَهُمْ في النار لا نعرف مكانهم، أم لم تقع أعيننا عليهم؟ ومن قرأ بقطع الألف من "اتخذناهم" ابتدأ به، ومن وصل الألف لم يبتدئ به لأنه صفة للرجال، هذا قول أبي حاتم. وتكون "أم" عديلة لاستفهام مُضمَر، تقديره: أمفقودون هم أم زاغت عنهم الأبصار. ويجوز أن تكون معادلة لـ "ما" في قوله: "ما لنا"، كما قال تعالى: ﴿مَالِيَ لاَ أَرَى ٱلْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ ٱلْغَآئِبِينَ﴾ [النمل: ٢٠]، وقال: ﴿مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ * أَمْ لَكُمْ﴾ [القلم: ٣٦-٣٧]، فذلك جائز حسن. وقد وقعت "أم" معادلة لـ "مَنْ" في الاستفهام، قال الله جل ذكره: ﴿فَمَن يُجَادِلُ ٱللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ أَمْ مَّن يَكُونُ﴾ [النساء: ١٠٩]. * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ ٱلنَّارِ﴾، أي إن هذا الذي أخبرتك به من خبر أهل النار لحق هو تخاصم أهل النار. ويجوز أن تكون "تخاصم" خبراً ثانياً لـ "إن" أو بدلاً من "لحَقٌّ" أو من المضمر في "لَحَقٌّ". فإن جعلته خبراً ثانياً (أو بدلاً) لم تقف على "لحَقٌّ". وإن جعلته مرفوعاً على إضمار مبتدأ، أي: هو تخاصم، وقفت إذا شئت على "لحق". * * ثم قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَآ أَنَاْ مُنذِرٌ﴾، أي: نذير لكم بين يدي عذاب شديد. ﴿وَمَا مِنْ إِلَـٰهٍ إِلاَّ ٱللَّهُ ٱلْوَاحِدُ ٱلْقَهَّارُ﴾، أي: وما من معبود تجب له العبادة إلا الله الواحد، أي: المنفرد بالعبادة القهار لكل ما دونه بقُدرته. ﴿رَبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ﴾: أي: ما لكهما ومالك ما بينهما من الخلق. ﴿ٱلْعَزِيزُ﴾، أي: المنيع في نقمته. ﴿ٱلْغَفَّارُ﴾ لذنوب من تاب من كفره، وأطاع ربه. ثم قال تعالى: - ﴿قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ * أَنتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ﴾، أي: قل يا محمد لقومك: هذا القرآن الذي قلتم فيه: "إن هَذَا إلا خْتِلاَقُ"، نبأ عظيم، أي: خبر عظيم، أنتم عنه معرضون، أي: قد كفرتم وانصرفتم عن الإيمان به والعمل بما فيه، وقيل: المعنى: هو خبر جليل، وقيل: معناه: خبر عظيم المنفعة. * * ثم قال: ﴿مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِٱلْمَلإِ ٱلأَعْلَىٰ إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾، أي: قل يا محمد للمشركين الذين ينكرون ما جئتهم به ويكذبونك: ما كان لي من علم بالملائكة إذ اختصموا في آدم إذ شوِروا في خلق آدم فاختصموا فيه، وقالوا: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا﴾ [البقرة: ٣٠] الآيات، قاله ابن عباس وغيره. أي: لولا (ما أوحاه) إلي ربي وأعلمني به. فإعلامي ذلك لكم دليل على صدقي ونبوتي بأن هذا القرآن من عند الله عز وجل. وهذا كله معنى قول قتادة والسدي وغيرهما. وفي الحديث: "يَخْتَصِمُون في الْكَفَّارَاتِ وَفي إِسْبَاغِ الْوُضُوءِ في الْمكَارِهِ وَانْتِظَارِ الصَّلاَة بِعْدَ الصَّلاَةِ قال الحسن: لما صُعِد بالنبي ﷺ إلى السماء ليلة الإسراء به مر في سماء منهن، فإذا هو بأصوات الملائكة يختصمون، (قال لجبريل: يا جبريل، ما هذه الأصوات؟ قال: أصوات الملائكة يختصمون) في كفارات بني آدم. فقال النبي عليه السلام: وما يقولون فيها؟ قال: يقولون: هي نقل الأقدام إلى الجماعات (والصلوات، وإسباغ) الوضوء عند المكروهات، والتعقيب في المساجد بعد الصلوات. قال: ثم أوحى الله عز وجل إلى النبي ﷺ: "ما كان لي من علم بالملأ الأعلى" الآيتين. وعن عبد الرحمن بن عائش الحضرمي قال: قال رسول الله ﷺ: "قال لي ربي: فيمَ يختصم الملأ الأعلى يا محمد؟ (فقلت: أنت أعلم يا رب، فقالها ثانية، فقلت: أنت أعلم يا رب. فوضع يده بين كتفي فوجدت بردها بين ثديي، فعلمت ما في السماء والأرض. فقال: فيم يختصم الملأ الأعلى يا محمد؟ قلت: في الكفارات، فقال: وما الكفارات؟ فقلت: المشي ونقل الأقدام إلى الجماعات، وإبلاغ الوضوء أماكنه في المكروهات، والجلوس في المساجد خلف الصلوات قال: من فعل ذلك يعيش بخير ويموت بخير، ويكون من خطيئته كيوم ولدته أمه وأجاز النحاس أن يكون المعنيَّ بالاختصام قريشاً لأن منهم من قال: الملائكة بنات الله سبحانه وتعالى. فالمعنى على هذا: ما كان لي من علم بالملائكة إذ يختصم فيهم قريش. وأجاز أن يراد بالملأ الأعلى أشراف قريش يختصمون فيما بينهم فيخبر الله عز وجل نبيه ﷺ (بما شاء من ذلك فيعلمهم النبي بذلك). * * ثم قال: ﴿إِن يُوحَىٰ إِلَيَّ إِلاَّ أَنَّمَآ أَنَاْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ﴾، أي: ما يوحى إلي إلا أنما أنا نذير مبين عن الله عز وجل وحيه، و "أنما" اسم ما لم يسم فاعله.

ص 38:64

(قوله تعالى ذكره): ﴿هَـٰذَا فَلْيَذُوقُوهُ﴾ إلى قوله - ﴿نَذِيرٌ مُّبِينٌ﴾. "هذا" مرفوع بالابتداء، و "حميم" الخبر. فلا تقف على هذا إلا على "أزواج". ويجوز أن يكون الخبر "فليذوقوه"، فتقف على "فليذوقوه" ويجوز أن يكون (خبر ابتداء محذوف، أي: الأمر هذا)، فتقف على "هذا" إن شئت. ويجوز أن يكون "هذا" في موضع نصب (بإضمار قول يفسره "فليذوقوه"، مثل): زيداً فاضربه فتقف على هذا التأويل "فليذوقوه" وترفع "حميم وغساق"، على معنى: هو حميم، أو منه حميم. والحميم: الذي قد انتهى حره. قاله السدي. وقال ابن زيد: الحميم: دموع أعينهم تجمع في حياض النار فيسقونه. قال قتادة: الغساق، ما يسيل من بين جلده ولحمه. قال السدي: الغساق: الذي يسيل من أعينهم ودموعهم يسقونه مع الحميم. وقال ابن زيد: هو الصديد الذي يخرج من جلودهم مما تصهرهم النار، يجمع في حياض في النار فيسقونه، وقال مجاهد: الغساق: أبرد البرد. وقال ابن عمر: هو القيح الغليظ؛ لو أن قطرة منها تهراق في المغرب لأنتنت أهل المشرق، ولو تهراق بالمشرق لأنتنت أهل المغرب. وقال كعب: "الغساق: عين في جهنم يسيل إليها حُمَةُ كل ذات حُمَةٍ من حية أو عقرب فتُستنقع فيُؤتى بالآدمي فيُغمس غمسة واحدة فيخرج وقد سقط جلده ولحمه عن العظام حتى يتعلق جلده إلى كعبيه وعقبيه، ويجر لحمه جر الرجل ثوبه". وروى الخدري أن النبي ﷺ قال: "لَوْ أَنَّ دَلْواً مِنْ غَساقٍ يُهْرَاقُ في الدُّنْيَا لأَنْتَنَ أَهْلَ الدُّنْيا وقيل: هو ماء قد انتهى في البرودة ضد الحميم، يحرق كما يحرق الحميم. والعرب تقول: غسقت عينه، إذا سالت. فمن شدد جعله مثل سيال، ومن خفف جعله مثل سائل. فهو على هذا الاشتقاق ما سيل من أجسام أهل النار. ولم يعرف الكسائي ما هو. ومن شدد جعله صفة، ومن خفف أجاز أن يكون صفة واسماً. * * ثم قال تعالى: ﴿وَآخَرُ مِن شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ﴾. من جمع ﴿وَآخَرُ﴾ حمله على لفظ "أزواج". ومن وحد حمله على "شكله" ولم يقل شكلها، فالمعنى لمن جمع ﴿وَآخَرُ مِن شَكْلِهِ﴾ ما ذكرنا. وقيل: المعنى: من شكل الغساق. وقوله: (أَزْوَاجٌ) يريد به الحميم والغساق والآخر، فذلك ثلاثة. قال ابن مسعود: هو الزمهرير. والمعنى: مِنْ ضَرْبِهِ ومن نحوه، ومعنى "أزواج": أنواع وألوان. * * ثم قال تعالى: ﴿هَـٰذَا فَوْجٌ مُّقْتَحِمٌ مَّعَكُمْ﴾، أي: هذه فرقة مقتحمة معكم" في النار، وذلك دخول أمة من الكفار بعد أمة. والتقدير: يقال هذا فوج يدخل معكم في النار، فهو قول الملائكة لأهل النار حين أتوهم بفوج يُدخِلُوَنه معهم. * * ثم قال: ﴿لاَ مَرْحَباً بِهِمْ﴾. هذا خبر من الله جل ذكره عن قول أهل النار لما قيل لهم: "هذا فوج مقتحم معكم" فقالوا: لا مرحبا بهم. فهذا مثل قوله تعالى: ﴿كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَّعَنَتْ أُخْتَهَا﴾ [الأعراف: ٣٨]. ومعنى: ﴿لاَ مَرْحَباً بِهِمْ﴾: لا اتسعت مداخلهم ومنازلهم في النار. * * ثم قال: ﴿إِنَّهُمْ صَالُواْ ٱلنَّارِ﴾. هذا أيضاً من قول المتقدمين في النار للداخلين عليهم، أي: قالوا لا مرحباً بهم إنهم واردوا النار. وقيل: هو من قول الملائكة الذين قالوا لأهل النار: "هذا فوج مقتحم معكم إنهم صالو النار". * * ثم قال تعالى: ﴿قَالُواْ بَلْ أَنتُمْ لاَ مَرْحَباً بِكُمْ﴾، أي: قال الفوج الداخلون على من تقدمهم لما قالوا لهم لا مرحبا بهم: بل أنتم لا مرحبا بكم، أي: لا اتسعت أماكنكم بكم. ﴿أَنتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنَا﴾، أي: أنتم أوردتمونا هذا العذاب بإضلالكم إيانا ودعائكم إيانا إلى الكفر فاتبعناكم فاستوجبنا سكنى جهنم. * * ثم قال تعالى ﴿قَالُواْ رَبَّنَا مَن قَدَّمَ لَنَا هَـٰذَا فَزِدْهُ عَذَاباً ضِعْفاً فِي ٱلنَّارِ﴾، أي: قال الفوج المقتحم: ربنا من قدم لنا هذا بدعائه إيانا إلى العمل الذي أوجب لنا النار فزده عذاباً ضعفاً في النار، أي: أضعف لهم العذاب الذي هُمْ فيه. وقيل: المعنى: أضعف له العذاب مرتين: عذاباً بكفره، وعذاباً بدعائه إيانا. * * ثم قال تعالى: ﴿وَقَالُواْ مَا لَنَا لاَ نَرَىٰ رِجَالاً كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِّنَ ٱلأَشْرَارِ﴾، أي: وقال الكافرون الطاغون الذين تقدمت صفتهم - وقيل: هم أبو جهل والوليد بن المغيرة وذووهما - قالوا في النار: ما لنا لا نرى رجالاً كنا نعدهم من الأشرار، أي: كنا نعدهم في الدنيا من أشرارنا - قيل: (عنوا بذلك صهيباً وخباباً) وبلالاً وسلمان: قاله مجاهد. * * ثم قال تعالى: ﴿أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيّاً﴾. من ضم: فمعناه: كنا نسخرهم في الدنيا ونستذلهم، ومن كسر فمعناه: كنا نسخر منهم في الدنيا، وقيل: هما لغتان بمعنى الهُزْء والسُّخرية. فالمعنى: أَهُمْ في النار لا نعرف مكانهم، أم لم تقع أعيننا عليهم؟ ومن قرأ بقطع الألف من "اتخذناهم" ابتدأ به، ومن وصل الألف لم يبتدئ به لأنه صفة للرجال، هذا قول أبي حاتم. وتكون "أم" عديلة لاستفهام مُضمَر، تقديره: أمفقودون هم أم زاغت عنهم الأبصار. ويجوز أن تكون معادلة لـ "ما" في قوله: "ما لنا"، كما قال تعالى: ﴿مَالِيَ لاَ أَرَى ٱلْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ ٱلْغَآئِبِينَ﴾ [النمل: ٢٠]، وقال: ﴿مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ * أَمْ لَكُمْ﴾ [القلم: ٣٦-٣٧]، فذلك جائز حسن. وقد وقعت "أم" معادلة لـ "مَنْ" في الاستفهام، قال الله جل ذكره: ﴿فَمَن يُجَادِلُ ٱللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ أَمْ مَّن يَكُونُ﴾ [النساء: ١٠٩]. * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ ٱلنَّارِ﴾، أي إن هذا الذي أخبرتك به من خبر أهل النار لحق هو تخاصم أهل النار. ويجوز أن تكون "تخاصم" خبراً ثانياً لـ "إن" أو بدلاً من "لحَقٌّ" أو من المضمر في "لَحَقٌّ". فإن جعلته خبراً ثانياً (أو بدلاً) لم تقف على "لحَقٌّ". وإن جعلته مرفوعاً على إضمار مبتدأ، أي: هو تخاصم، وقفت إذا شئت على "لحق". * * ثم قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَآ أَنَاْ مُنذِرٌ﴾، أي: نذير لكم بين يدي عذاب شديد. ﴿وَمَا مِنْ إِلَـٰهٍ إِلاَّ ٱللَّهُ ٱلْوَاحِدُ ٱلْقَهَّارُ﴾، أي: وما من معبود تجب له العبادة إلا الله الواحد، أي: المنفرد بالعبادة القهار لكل ما دونه بقُدرته. ﴿رَبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ﴾: أي: ما لكهما ومالك ما بينهما من الخلق. ﴿ٱلْعَزِيزُ﴾، أي: المنيع في نقمته. ﴿ٱلْغَفَّارُ﴾ لذنوب من تاب من كفره، وأطاع ربه. ثم قال تعالى: - ﴿قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ * أَنتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ﴾، أي: قل يا محمد لقومك: هذا القرآن الذي قلتم فيه: "إن هَذَا إلا خْتِلاَقُ"، نبأ عظيم، أي: خبر عظيم، أنتم عنه معرضون، أي: قد كفرتم وانصرفتم عن الإيمان به والعمل بما فيه، وقيل: المعنى: هو خبر جليل، وقيل: معناه: خبر عظيم المنفعة. * * ثم قال: ﴿مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِٱلْمَلإِ ٱلأَعْلَىٰ إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾، أي: قل يا محمد للمشركين الذين ينكرون ما جئتهم به ويكذبونك: ما كان لي من علم بالملائكة إذ اختصموا في آدم إذ شوِروا في خلق آدم فاختصموا فيه، وقالوا: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا﴾ [البقرة: ٣٠] الآيات، قاله ابن عباس وغيره. أي: لولا (ما أوحاه) إلي ربي وأعلمني به. فإعلامي ذلك لكم دليل على صدقي ونبوتي بأن هذا القرآن من عند الله عز وجل. وهذا كله معنى قول قتادة والسدي وغيرهما. وفي الحديث: "يَخْتَصِمُون في الْكَفَّارَاتِ وَفي إِسْبَاغِ الْوُضُوءِ في الْمكَارِهِ وَانْتِظَارِ الصَّلاَة بِعْدَ الصَّلاَةِ قال الحسن: لما صُعِد بالنبي ﷺ إلى السماء ليلة الإسراء به مر في سماء منهن، فإذا هو بأصوات الملائكة يختصمون، (قال لجبريل: يا جبريل، ما هذه الأصوات؟ قال: أصوات الملائكة يختصمون) في كفارات بني آدم. فقال النبي عليه السلام: وما يقولون فيها؟ قال: يقولون: هي نقل الأقدام إلى الجماعات (والصلوات، وإسباغ) الوضوء عند المكروهات، والتعقيب في المساجد بعد الصلوات. قال: ثم أوحى الله عز وجل إلى النبي ﷺ: "ما كان لي من علم بالملأ الأعلى" الآيتين. وعن عبد الرحمن بن عائش الحضرمي قال: قال رسول الله ﷺ: "قال لي ربي: فيمَ يختصم الملأ الأعلى يا محمد؟ (فقلت: أنت أعلم يا رب، فقالها ثانية، فقلت: أنت أعلم يا رب. فوضع يده بين كتفي فوجدت بردها بين ثديي، فعلمت ما في السماء والأرض. فقال: فيم يختصم الملأ الأعلى يا محمد؟ قلت: في الكفارات، فقال: وما الكفارات؟ فقلت: المشي ونقل الأقدام إلى الجماعات، وإبلاغ الوضوء أماكنه في المكروهات، والجلوس في المساجد خلف الصلوات قال: من فعل ذلك يعيش بخير ويموت بخير، ويكون من خطيئته كيوم ولدته أمه وأجاز النحاس أن يكون المعنيَّ بالاختصام قريشاً لأن منهم من قال: الملائكة بنات الله سبحانه وتعالى. فالمعنى على هذا: ما كان لي من علم بالملائكة إذ يختصم فيهم قريش. وأجاز أن يراد بالملأ الأعلى أشراف قريش يختصمون فيما بينهم فيخبر الله عز وجل نبيه ﷺ (بما شاء من ذلك فيعلمهم النبي بذلك). * * ثم قال: ﴿إِن يُوحَىٰ إِلَيَّ إِلاَّ أَنَّمَآ أَنَاْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ﴾، أي: ما يوحى إلي إلا أنما أنا نذير مبين عن الله عز وجل وحيه، و "أنما" اسم ما لم يسم فاعله.

ص 38:65

(قوله تعالى ذكره): ﴿هَـٰذَا فَلْيَذُوقُوهُ﴾ إلى قوله - ﴿نَذِيرٌ مُّبِينٌ﴾. "هذا" مرفوع بالابتداء، و "حميم" الخبر. فلا تقف على هذا إلا على "أزواج". ويجوز أن يكون الخبر "فليذوقوه"، فتقف على "فليذوقوه" ويجوز أن يكون (خبر ابتداء محذوف، أي: الأمر هذا)، فتقف على "هذا" إن شئت. ويجوز أن يكون "هذا" في موضع نصب (بإضمار قول يفسره "فليذوقوه"، مثل): زيداً فاضربه فتقف على هذا التأويل "فليذوقوه" وترفع "حميم وغساق"، على معنى: هو حميم، أو منه حميم. والحميم: الذي قد انتهى حره. قاله السدي. وقال ابن زيد: الحميم: دموع أعينهم تجمع في حياض النار فيسقونه. قال قتادة: الغساق، ما يسيل من بين جلده ولحمه. قال السدي: الغساق: الذي يسيل من أعينهم ودموعهم يسقونه مع الحميم. وقال ابن زيد: هو الصديد الذي يخرج من جلودهم مما تصهرهم النار، يجمع في حياض في النار فيسقونه، وقال مجاهد: الغساق: أبرد البرد. وقال ابن عمر: هو القيح الغليظ؛ لو أن قطرة منها تهراق في المغرب لأنتنت أهل المشرق، ولو تهراق بالمشرق لأنتنت أهل المغرب. وقال كعب: "الغساق: عين في جهنم يسيل إليها حُمَةُ كل ذات حُمَةٍ من حية أو عقرب فتُستنقع فيُؤتى بالآدمي فيُغمس غمسة واحدة فيخرج وقد سقط جلده ولحمه عن العظام حتى يتعلق جلده إلى كعبيه وعقبيه، ويجر لحمه جر الرجل ثوبه". وروى الخدري أن النبي ﷺ قال: "لَوْ أَنَّ دَلْواً مِنْ غَساقٍ يُهْرَاقُ في الدُّنْيَا لأَنْتَنَ أَهْلَ الدُّنْيا وقيل: هو ماء قد انتهى في البرودة ضد الحميم، يحرق كما يحرق الحميم. والعرب تقول: غسقت عينه، إذا سالت. فمن شدد جعله مثل سيال، ومن خفف جعله مثل سائل. فهو على هذا الاشتقاق ما سيل من أجسام أهل النار. ولم يعرف الكسائي ما هو. ومن شدد جعله صفة، ومن خفف أجاز أن يكون صفة واسماً. * * ثم قال تعالى: ﴿وَآخَرُ مِن شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ﴾. من جمع ﴿وَآخَرُ﴾ حمله على لفظ "أزواج". ومن وحد حمله على "شكله" ولم يقل شكلها، فالمعنى لمن جمع ﴿وَآخَرُ مِن شَكْلِهِ﴾ ما ذكرنا. وقيل: المعنى: من شكل الغساق. وقوله: (أَزْوَاجٌ) يريد به الحميم والغساق والآخر، فذلك ثلاثة. قال ابن مسعود: هو الزمهرير. والمعنى: مِنْ ضَرْبِهِ ومن نحوه، ومعنى "أزواج": أنواع وألوان. * * ثم قال تعالى: ﴿هَـٰذَا فَوْجٌ مُّقْتَحِمٌ مَّعَكُمْ﴾، أي: هذه فرقة مقتحمة معكم" في النار، وذلك دخول أمة من الكفار بعد أمة. والتقدير: يقال هذا فوج يدخل معكم في النار، فهو قول الملائكة لأهل النار حين أتوهم بفوج يُدخِلُوَنه معهم. * * ثم قال: ﴿لاَ مَرْحَباً بِهِمْ﴾. هذا خبر من الله جل ذكره عن قول أهل النار لما قيل لهم: "هذا فوج مقتحم معكم" فقالوا: لا مرحبا بهم. فهذا مثل قوله تعالى: ﴿كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَّعَنَتْ أُخْتَهَا﴾ [الأعراف: ٣٨]. ومعنى: ﴿لاَ مَرْحَباً بِهِمْ﴾: لا اتسعت مداخلهم ومنازلهم في النار. * * ثم قال: ﴿إِنَّهُمْ صَالُواْ ٱلنَّارِ﴾. هذا أيضاً من قول المتقدمين في النار للداخلين عليهم، أي: قالوا لا مرحباً بهم إنهم واردوا النار. وقيل: هو من قول الملائكة الذين قالوا لأهل النار: "هذا فوج مقتحم معكم إنهم صالو النار". * * ثم قال تعالى: ﴿قَالُواْ بَلْ أَنتُمْ لاَ مَرْحَباً بِكُمْ﴾، أي: قال الفوج الداخلون على من تقدمهم لما قالوا لهم لا مرحبا بهم: بل أنتم لا مرحبا بكم، أي: لا اتسعت أماكنكم بكم. ﴿أَنتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنَا﴾، أي: أنتم أوردتمونا هذا العذاب بإضلالكم إيانا ودعائكم إيانا إلى الكفر فاتبعناكم فاستوجبنا سكنى جهنم. * * ثم قال تعالى ﴿قَالُواْ رَبَّنَا مَن قَدَّمَ لَنَا هَـٰذَا فَزِدْهُ عَذَاباً ضِعْفاً فِي ٱلنَّارِ﴾، أي: قال الفوج المقتحم: ربنا من قدم لنا هذا بدعائه إيانا إلى العمل الذي أوجب لنا النار فزده عذاباً ضعفاً في النار، أي: أضعف لهم العذاب الذي هُمْ فيه. وقيل: المعنى: أضعف له العذاب مرتين: عذاباً بكفره، وعذاباً بدعائه إيانا. * * ثم قال تعالى: ﴿وَقَالُواْ مَا لَنَا لاَ نَرَىٰ رِجَالاً كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِّنَ ٱلأَشْرَارِ﴾، أي: وقال الكافرون الطاغون الذين تقدمت صفتهم - وقيل: هم أبو جهل والوليد بن المغيرة وذووهما - قالوا في النار: ما لنا لا نرى رجالاً كنا نعدهم من الأشرار، أي: كنا نعدهم في الدنيا من أشرارنا - قيل: (عنوا بذلك صهيباً وخباباً) وبلالاً وسلمان: قاله مجاهد. * * ثم قال تعالى: ﴿أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيّاً﴾. من ضم: فمعناه: كنا نسخرهم في الدنيا ونستذلهم، ومن كسر فمعناه: كنا نسخر منهم في الدنيا، وقيل: هما لغتان بمعنى الهُزْء والسُّخرية. فالمعنى: أَهُمْ في النار لا نعرف مكانهم، أم لم تقع أعيننا عليهم؟ ومن قرأ بقطع الألف من "اتخذناهم" ابتدأ به، ومن وصل الألف لم يبتدئ به لأنه صفة للرجال، هذا قول أبي حاتم. وتكون "أم" عديلة لاستفهام مُضمَر، تقديره: أمفقودون هم أم زاغت عنهم الأبصار. ويجوز أن تكون معادلة لـ "ما" في قوله: "ما لنا"، كما قال تعالى: ﴿مَالِيَ لاَ أَرَى ٱلْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ ٱلْغَآئِبِينَ﴾ [النمل: ٢٠]، وقال: ﴿مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ * أَمْ لَكُمْ﴾ [القلم: ٣٦-٣٧]، فذلك جائز حسن. وقد وقعت "أم" معادلة لـ "مَنْ" في الاستفهام، قال الله جل ذكره: ﴿فَمَن يُجَادِلُ ٱللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ أَمْ مَّن يَكُونُ﴾ [النساء: ١٠٩]. * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ ٱلنَّارِ﴾، أي إن هذا الذي أخبرتك به من خبر أهل النار لحق هو تخاصم أهل النار. ويجوز أن تكون "تخاصم" خبراً ثانياً لـ "إن" أو بدلاً من "لحَقٌّ" أو من المضمر في "لَحَقٌّ". فإن جعلته خبراً ثانياً (أو بدلاً) لم تقف على "لحَقٌّ". وإن جعلته مرفوعاً على إضمار مبتدأ، أي: هو تخاصم، وقفت إذا شئت على "لحق". * * ثم قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَآ أَنَاْ مُنذِرٌ﴾، أي: نذير لكم بين يدي عذاب شديد. ﴿وَمَا مِنْ إِلَـٰهٍ إِلاَّ ٱللَّهُ ٱلْوَاحِدُ ٱلْقَهَّارُ﴾، أي: وما من معبود تجب له العبادة إلا الله الواحد، أي: المنفرد بالعبادة القهار لكل ما دونه بقُدرته. ﴿رَبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ﴾: أي: ما لكهما ومالك ما بينهما من الخلق. ﴿ٱلْعَزِيزُ﴾، أي: المنيع في نقمته. ﴿ٱلْغَفَّارُ﴾ لذنوب من تاب من كفره، وأطاع ربه. ثم قال تعالى: - ﴿قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ * أَنتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ﴾، أي: قل يا محمد لقومك: هذا القرآن الذي قلتم فيه: "إن هَذَا إلا خْتِلاَقُ"، نبأ عظيم، أي: خبر عظيم، أنتم عنه معرضون، أي: قد كفرتم وانصرفتم عن الإيمان به والعمل بما فيه، وقيل: المعنى: هو خبر جليل، وقيل: معناه: خبر عظيم المنفعة. * * ثم قال: ﴿مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِٱلْمَلإِ ٱلأَعْلَىٰ إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾، أي: قل يا محمد للمشركين الذين ينكرون ما جئتهم به ويكذبونك: ما كان لي من علم بالملائكة إذ اختصموا في آدم إذ شوِروا في خلق آدم فاختصموا فيه، وقالوا: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا﴾ [البقرة: ٣٠] الآيات، قاله ابن عباس وغيره. أي: لولا (ما أوحاه) إلي ربي وأعلمني به. فإعلامي ذلك لكم دليل على صدقي ونبوتي بأن هذا القرآن من عند الله عز وجل. وهذا كله معنى قول قتادة والسدي وغيرهما. وفي الحديث: "يَخْتَصِمُون في الْكَفَّارَاتِ وَفي إِسْبَاغِ الْوُضُوءِ في الْمكَارِهِ وَانْتِظَارِ الصَّلاَة بِعْدَ الصَّلاَةِ قال الحسن: لما صُعِد بالنبي ﷺ إلى السماء ليلة الإسراء به مر في سماء منهن، فإذا هو بأصوات الملائكة يختصمون، (قال لجبريل: يا جبريل، ما هذه الأصوات؟ قال: أصوات الملائكة يختصمون) في كفارات بني آدم. فقال النبي عليه السلام: وما يقولون فيها؟ قال: يقولون: هي نقل الأقدام إلى الجماعات (والصلوات، وإسباغ) الوضوء عند المكروهات، والتعقيب في المساجد بعد الصلوات. قال: ثم أوحى الله عز وجل إلى النبي ﷺ: "ما كان لي من علم بالملأ الأعلى" الآيتين. وعن عبد الرحمن بن عائش الحضرمي قال: قال رسول الله ﷺ: "قال لي ربي: فيمَ يختصم الملأ الأعلى يا محمد؟ (فقلت: أنت أعلم يا رب، فقالها ثانية، فقلت: أنت أعلم يا رب. فوضع يده بين كتفي فوجدت بردها بين ثديي، فعلمت ما في السماء والأرض. فقال: فيم يختصم الملأ الأعلى يا محمد؟ قلت: في الكفارات، فقال: وما الكفارات؟ فقلت: المشي ونقل الأقدام إلى الجماعات، وإبلاغ الوضوء أماكنه في المكروهات، والجلوس في المساجد خلف الصلوات قال: من فعل ذلك يعيش بخير ويموت بخير، ويكون من خطيئته كيوم ولدته أمه وأجاز النحاس أن يكون المعنيَّ بالاختصام قريشاً لأن منهم من قال: الملائكة بنات الله سبحانه وتعالى. فالمعنى على هذا: ما كان لي من علم بالملائكة إذ يختصم فيهم قريش. وأجاز أن يراد بالملأ الأعلى أشراف قريش يختصمون فيما بينهم فيخبر الله عز وجل نبيه ﷺ (بما شاء من ذلك فيعلمهم النبي بذلك). * * ثم قال: ﴿إِن يُوحَىٰ إِلَيَّ إِلاَّ أَنَّمَآ أَنَاْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ﴾، أي: ما يوحى إلي إلا أنما أنا نذير مبين عن الله عز وجل وحيه، و "أنما" اسم ما لم يسم فاعله.

ص 38:66

(قوله تعالى ذكره): ﴿هَـٰذَا فَلْيَذُوقُوهُ﴾ إلى قوله - ﴿نَذِيرٌ مُّبِينٌ﴾. "هذا" مرفوع بالابتداء، و "حميم" الخبر. فلا تقف على هذا إلا على "أزواج". ويجوز أن يكون الخبر "فليذوقوه"، فتقف على "فليذوقوه" ويجوز أن يكون (خبر ابتداء محذوف، أي: الأمر هذا)، فتقف على "هذا" إن شئت. ويجوز أن يكون "هذا" في موضع نصب (بإضمار قول يفسره "فليذوقوه"، مثل): زيداً فاضربه فتقف على هذا التأويل "فليذوقوه" وترفع "حميم وغساق"، على معنى: هو حميم، أو منه حميم. والحميم: الذي قد انتهى حره. قاله السدي. وقال ابن زيد: الحميم: دموع أعينهم تجمع في حياض النار فيسقونه. قال قتادة: الغساق، ما يسيل من بين جلده ولحمه. قال السدي: الغساق: الذي يسيل من أعينهم ودموعهم يسقونه مع الحميم. وقال ابن زيد: هو الصديد الذي يخرج من جلودهم مما تصهرهم النار، يجمع في حياض في النار فيسقونه، وقال مجاهد: الغساق: أبرد البرد. وقال ابن عمر: هو القيح الغليظ؛ لو أن قطرة منها تهراق في المغرب لأنتنت أهل المشرق، ولو تهراق بالمشرق لأنتنت أهل المغرب. وقال كعب: "الغساق: عين في جهنم يسيل إليها حُمَةُ كل ذات حُمَةٍ من حية أو عقرب فتُستنقع فيُؤتى بالآدمي فيُغمس غمسة واحدة فيخرج وقد سقط جلده ولحمه عن العظام حتى يتعلق جلده إلى كعبيه وعقبيه، ويجر لحمه جر الرجل ثوبه". وروى الخدري أن النبي ﷺ قال: "لَوْ أَنَّ دَلْواً مِنْ غَساقٍ يُهْرَاقُ في الدُّنْيَا لأَنْتَنَ أَهْلَ الدُّنْيا وقيل: هو ماء قد انتهى في البرودة ضد الحميم، يحرق كما يحرق الحميم. والعرب تقول: غسقت عينه، إذا سالت. فمن شدد جعله مثل سيال، ومن خفف جعله مثل سائل. فهو على هذا الاشتقاق ما سيل من أجسام أهل النار. ولم يعرف الكسائي ما هو. ومن شدد جعله صفة، ومن خفف أجاز أن يكون صفة واسماً. * * ثم قال تعالى: ﴿وَآخَرُ مِن شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ﴾. من جمع ﴿وَآخَرُ﴾ حمله على لفظ "أزواج". ومن وحد حمله على "شكله" ولم يقل شكلها، فالمعنى لمن جمع ﴿وَآخَرُ مِن شَكْلِهِ﴾ ما ذكرنا. وقيل: المعنى: من شكل الغساق. وقوله: (أَزْوَاجٌ) يريد به الحميم والغساق والآخر، فذلك ثلاثة. قال ابن مسعود: هو الزمهرير. والمعنى: مِنْ ضَرْبِهِ ومن نحوه، ومعنى "أزواج": أنواع وألوان. * * ثم قال تعالى: ﴿هَـٰذَا فَوْجٌ مُّقْتَحِمٌ مَّعَكُمْ﴾، أي: هذه فرقة مقتحمة معكم" في النار، وذلك دخول أمة من الكفار بعد أمة. والتقدير: يقال هذا فوج يدخل معكم في النار، فهو قول الملائكة لأهل النار حين أتوهم بفوج يُدخِلُوَنه معهم. * * ثم قال: ﴿لاَ مَرْحَباً بِهِمْ﴾. هذا خبر من الله جل ذكره عن قول أهل النار لما قيل لهم: "هذا فوج مقتحم معكم" فقالوا: لا مرحبا بهم. فهذا مثل قوله تعالى: ﴿كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَّعَنَتْ أُخْتَهَا﴾ [الأعراف: ٣٨]. ومعنى: ﴿لاَ مَرْحَباً بِهِمْ﴾: لا اتسعت مداخلهم ومنازلهم في النار. * * ثم قال: ﴿إِنَّهُمْ صَالُواْ ٱلنَّارِ﴾. هذا أيضاً من قول المتقدمين في النار للداخلين عليهم، أي: قالوا لا مرحباً بهم إنهم واردوا النار. وقيل: هو من قول الملائكة الذين قالوا لأهل النار: "هذا فوج مقتحم معكم إنهم صالو النار". * * ثم قال تعالى: ﴿قَالُواْ بَلْ أَنتُمْ لاَ مَرْحَباً بِكُمْ﴾، أي: قال الفوج الداخلون على من تقدمهم لما قالوا لهم لا مرحبا بهم: بل أنتم لا مرحبا بكم، أي: لا اتسعت أماكنكم بكم. ﴿أَنتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنَا﴾، أي: أنتم أوردتمونا هذا العذاب بإضلالكم إيانا ودعائكم إيانا إلى الكفر فاتبعناكم فاستوجبنا سكنى جهنم. * * ثم قال تعالى ﴿قَالُواْ رَبَّنَا مَن قَدَّمَ لَنَا هَـٰذَا فَزِدْهُ عَذَاباً ضِعْفاً فِي ٱلنَّارِ﴾، أي: قال الفوج المقتحم: ربنا من قدم لنا هذا بدعائه إيانا إلى العمل الذي أوجب لنا النار فزده عذاباً ضعفاً في النار، أي: أضعف لهم العذاب الذي هُمْ فيه. وقيل: المعنى: أضعف له العذاب مرتين: عذاباً بكفره، وعذاباً بدعائه إيانا. * * ثم قال تعالى: ﴿وَقَالُواْ مَا لَنَا لاَ نَرَىٰ رِجَالاً كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِّنَ ٱلأَشْرَارِ﴾، أي: وقال الكافرون الطاغون الذين تقدمت صفتهم - وقيل: هم أبو جهل والوليد بن المغيرة وذووهما - قالوا في النار: ما لنا لا نرى رجالاً كنا نعدهم من الأشرار، أي: كنا نعدهم في الدنيا من أشرارنا - قيل: (عنوا بذلك صهيباً وخباباً) وبلالاً وسلمان: قاله مجاهد. * * ثم قال تعالى: ﴿أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيّاً﴾. من ضم: فمعناه: كنا نسخرهم في الدنيا ونستذلهم، ومن كسر فمعناه: كنا نسخر منهم في الدنيا، وقيل: هما لغتان بمعنى الهُزْء والسُّخرية. فالمعنى: أَهُمْ في النار لا نعرف مكانهم، أم لم تقع أعيننا عليهم؟ ومن قرأ بقطع الألف من "اتخذناهم" ابتدأ به، ومن وصل الألف لم يبتدئ به لأنه صفة للرجال، هذا قول أبي حاتم. وتكون "أم" عديلة لاستفهام مُضمَر، تقديره: أمفقودون هم أم زاغت عنهم الأبصار. ويجوز أن تكون معادلة لـ "ما" في قوله: "ما لنا"، كما قال تعالى: ﴿مَالِيَ لاَ أَرَى ٱلْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ ٱلْغَآئِبِينَ﴾ [النمل: ٢٠]، وقال: ﴿مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ * أَمْ لَكُمْ﴾ [القلم: ٣٦-٣٧]، فذلك جائز حسن. وقد وقعت "أم" معادلة لـ "مَنْ" في الاستفهام، قال الله جل ذكره: ﴿فَمَن يُجَادِلُ ٱللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ أَمْ مَّن يَكُونُ﴾ [النساء: ١٠٩]. * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ ٱلنَّارِ﴾، أي إن هذا الذي أخبرتك به من خبر أهل النار لحق هو تخاصم أهل النار. ويجوز أن تكون "تخاصم" خبراً ثانياً لـ "إن" أو بدلاً من "لحَقٌّ" أو من المضمر في "لَحَقٌّ". فإن جعلته خبراً ثانياً (أو بدلاً) لم تقف على "لحَقٌّ". وإن جعلته مرفوعاً على إضمار مبتدأ، أي: هو تخاصم، وقفت إذا شئت على "لحق". * * ثم قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَآ أَنَاْ مُنذِرٌ﴾، أي: نذير لكم بين يدي عذاب شديد. ﴿وَمَا مِنْ إِلَـٰهٍ إِلاَّ ٱللَّهُ ٱلْوَاحِدُ ٱلْقَهَّارُ﴾، أي: وما من معبود تجب له العبادة إلا الله الواحد، أي: المنفرد بالعبادة القهار لكل ما دونه بقُدرته. ﴿رَبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ﴾: أي: ما لكهما ومالك ما بينهما من الخلق. ﴿ٱلْعَزِيزُ﴾، أي: المنيع في نقمته. ﴿ٱلْغَفَّارُ﴾ لذنوب من تاب من كفره، وأطاع ربه. ثم قال تعالى: - ﴿قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ * أَنتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ﴾، أي: قل يا محمد لقومك: هذا القرآن الذي قلتم فيه: "إن هَذَا إلا خْتِلاَقُ"، نبأ عظيم، أي: خبر عظيم، أنتم عنه معرضون، أي: قد كفرتم وانصرفتم عن الإيمان به والعمل بما فيه، وقيل: المعنى: هو خبر جليل، وقيل: معناه: خبر عظيم المنفعة. * * ثم قال: ﴿مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِٱلْمَلإِ ٱلأَعْلَىٰ إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾، أي: قل يا محمد للمشركين الذين ينكرون ما جئتهم به ويكذبونك: ما كان لي من علم بالملائكة إذ اختصموا في آدم إذ شوِروا في خلق آدم فاختصموا فيه، وقالوا: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا﴾ [البقرة: ٣٠] الآيات، قاله ابن عباس وغيره. أي: لولا (ما أوحاه) إلي ربي وأعلمني به. فإعلامي ذلك لكم دليل على صدقي ونبوتي بأن هذا القرآن من عند الله عز وجل. وهذا كله معنى قول قتادة والسدي وغيرهما. وفي الحديث: "يَخْتَصِمُون في الْكَفَّارَاتِ وَفي إِسْبَاغِ الْوُضُوءِ في الْمكَارِهِ وَانْتِظَارِ الصَّلاَة بِعْدَ الصَّلاَةِ قال الحسن: لما صُعِد بالنبي ﷺ إلى السماء ليلة الإسراء به مر في سماء منهن، فإذا هو بأصوات الملائكة يختصمون، (قال لجبريل: يا جبريل، ما هذه الأصوات؟ قال: أصوات الملائكة يختصمون) في كفارات بني آدم. فقال النبي عليه السلام: وما يقولون فيها؟ قال: يقولون: هي نقل الأقدام إلى الجماعات (والصلوات، وإسباغ) الوضوء عند المكروهات، والتعقيب في المساجد بعد الصلوات. قال: ثم أوحى الله عز وجل إلى النبي ﷺ: "ما كان لي من علم بالملأ الأعلى" الآيتين. وعن عبد الرحمن بن عائش الحضرمي قال: قال رسول الله ﷺ: "قال لي ربي: فيمَ يختصم الملأ الأعلى يا محمد؟ (فقلت: أنت أعلم يا رب، فقالها ثانية، فقلت: أنت أعلم يا رب. فوضع يده بين كتفي فوجدت بردها بين ثديي، فعلمت ما في السماء والأرض. فقال: فيم يختصم الملأ الأعلى يا محمد؟ قلت: في الكفارات، فقال: وما الكفارات؟ فقلت: المشي ونقل الأقدام إلى الجماعات، وإبلاغ الوضوء أماكنه في المكروهات، والجلوس في المساجد خلف الصلوات قال: من فعل ذلك يعيش بخير ويموت بخير، ويكون من خطيئته كيوم ولدته أمه وأجاز النحاس أن يكون المعنيَّ بالاختصام قريشاً لأن منهم من قال: الملائكة بنات الله سبحانه وتعالى. فالمعنى على هذا: ما كان لي من علم بالملائكة إذ يختصم فيهم قريش. وأجاز أن يراد بالملأ الأعلى أشراف قريش يختصمون فيما بينهم فيخبر الله عز وجل نبيه ﷺ (بما شاء من ذلك فيعلمهم النبي بذلك). * * ثم قال: ﴿إِن يُوحَىٰ إِلَيَّ إِلاَّ أَنَّمَآ أَنَاْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ﴾، أي: ما يوحى إلي إلا أنما أنا نذير مبين عن الله عز وجل وحيه، و "أنما" اسم ما لم يسم فاعله.

ص 38:67

(قوله تعالى ذكره): ﴿هَـٰذَا فَلْيَذُوقُوهُ﴾ إلى قوله - ﴿نَذِيرٌ مُّبِينٌ﴾. "هذا" مرفوع بالابتداء، و "حميم" الخبر. فلا تقف على هذا إلا على "أزواج". ويجوز أن يكون الخبر "فليذوقوه"، فتقف على "فليذوقوه" ويجوز أن يكون (خبر ابتداء محذوف، أي: الأمر هذا)، فتقف على "هذا" إن شئت. ويجوز أن يكون "هذا" في موضع نصب (بإضمار قول يفسره "فليذوقوه"، مثل): زيداً فاضربه فتقف على هذا التأويل "فليذوقوه" وترفع "حميم وغساق"، على معنى: هو حميم، أو منه حميم. والحميم: الذي قد انتهى حره. قاله السدي. وقال ابن زيد: الحميم: دموع أعينهم تجمع في حياض النار فيسقونه. قال قتادة: الغساق، ما يسيل من بين جلده ولحمه. قال السدي: الغساق: الذي يسيل من أعينهم ودموعهم يسقونه مع الحميم. وقال ابن زيد: هو الصديد الذي يخرج من جلودهم مما تصهرهم النار، يجمع في حياض في النار فيسقونه، وقال مجاهد: الغساق: أبرد البرد. وقال ابن عمر: هو القيح الغليظ؛ لو أن قطرة منها تهراق في المغرب لأنتنت أهل المشرق، ولو تهراق بالمشرق لأنتنت أهل المغرب. وقال كعب: "الغساق: عين في جهنم يسيل إليها حُمَةُ كل ذات حُمَةٍ من حية أو عقرب فتُستنقع فيُؤتى بالآدمي فيُغمس غمسة واحدة فيخرج وقد سقط جلده ولحمه عن العظام حتى يتعلق جلده إلى كعبيه وعقبيه، ويجر لحمه جر الرجل ثوبه". وروى الخدري أن النبي ﷺ قال: "لَوْ أَنَّ دَلْواً مِنْ غَساقٍ يُهْرَاقُ في الدُّنْيَا لأَنْتَنَ أَهْلَ الدُّنْيا وقيل: هو ماء قد انتهى في البرودة ضد الحميم، يحرق كما يحرق الحميم. والعرب تقول: غسقت عينه، إذا سالت. فمن شدد جعله مثل سيال، ومن خفف جعله مثل سائل. فهو على هذا الاشتقاق ما سيل من أجسام أهل النار. ولم يعرف الكسائي ما هو. ومن شدد جعله صفة، ومن خفف أجاز أن يكون صفة واسماً. * * ثم قال تعالى: ﴿وَآخَرُ مِن شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ﴾. من جمع ﴿وَآخَرُ﴾ حمله على لفظ "أزواج". ومن وحد حمله على "شكله" ولم يقل شكلها، فالمعنى لمن جمع ﴿وَآخَرُ مِن شَكْلِهِ﴾ ما ذكرنا. وقيل: المعنى: من شكل الغساق. وقوله: (أَزْوَاجٌ) يريد به الحميم والغساق والآخر، فذلك ثلاثة. قال ابن مسعود: هو الزمهرير. والمعنى: مِنْ ضَرْبِهِ ومن نحوه، ومعنى "أزواج": أنواع وألوان. * * ثم قال تعالى: ﴿هَـٰذَا فَوْجٌ مُّقْتَحِمٌ مَّعَكُمْ﴾، أي: هذه فرقة مقتحمة معكم" في النار، وذلك دخول أمة من الكفار بعد أمة. والتقدير: يقال هذا فوج يدخل معكم في النار، فهو قول الملائكة لأهل النار حين أتوهم بفوج يُدخِلُوَنه معهم. * * ثم قال: ﴿لاَ مَرْحَباً بِهِمْ﴾. هذا خبر من الله جل ذكره عن قول أهل النار لما قيل لهم: "هذا فوج مقتحم معكم" فقالوا: لا مرحبا بهم. فهذا مثل قوله تعالى: ﴿كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَّعَنَتْ أُخْتَهَا﴾ [الأعراف: ٣٨]. ومعنى: ﴿لاَ مَرْحَباً بِهِمْ﴾: لا اتسعت مداخلهم ومنازلهم في النار. * * ثم قال: ﴿إِنَّهُمْ صَالُواْ ٱلنَّارِ﴾. هذا أيضاً من قول المتقدمين في النار للداخلين عليهم، أي: قالوا لا مرحباً بهم إنهم واردوا النار. وقيل: هو من قول الملائكة الذين قالوا لأهل النار: "هذا فوج مقتحم معكم إنهم صالو النار". * * ثم قال تعالى: ﴿قَالُواْ بَلْ أَنتُمْ لاَ مَرْحَباً بِكُمْ﴾، أي: قال الفوج الداخلون على من تقدمهم لما قالوا لهم لا مرحبا بهم: بل أنتم لا مرحبا بكم، أي: لا اتسعت أماكنكم بكم. ﴿أَنتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنَا﴾، أي: أنتم أوردتمونا هذا العذاب بإضلالكم إيانا ودعائكم إيانا إلى الكفر فاتبعناكم فاستوجبنا سكنى جهنم. * * ثم قال تعالى ﴿قَالُواْ رَبَّنَا مَن قَدَّمَ لَنَا هَـٰذَا فَزِدْهُ عَذَاباً ضِعْفاً فِي ٱلنَّارِ﴾، أي: قال الفوج المقتحم: ربنا من قدم لنا هذا بدعائه إيانا إلى العمل الذي أوجب لنا النار فزده عذاباً ضعفاً في النار، أي: أضعف لهم العذاب الذي هُمْ فيه. وقيل: المعنى: أضعف له العذاب مرتين: عذاباً بكفره، وعذاباً بدعائه إيانا. * * ثم قال تعالى: ﴿وَقَالُواْ مَا لَنَا لاَ نَرَىٰ رِجَالاً كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِّنَ ٱلأَشْرَارِ﴾، أي: وقال الكافرون الطاغون الذين تقدمت صفتهم - وقيل: هم أبو جهل والوليد بن المغيرة وذووهما - قالوا في النار: ما لنا لا نرى رجالاً كنا نعدهم من الأشرار، أي: كنا نعدهم في الدنيا من أشرارنا - قيل: (عنوا بذلك صهيباً وخباباً) وبلالاً وسلمان: قاله مجاهد. * * ثم قال تعالى: ﴿أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيّاً﴾. من ضم: فمعناه: كنا نسخرهم في الدنيا ونستذلهم، ومن كسر فمعناه: كنا نسخر منهم في الدنيا، وقيل: هما لغتان بمعنى الهُزْء والسُّخرية. فالمعنى: أَهُمْ في النار لا نعرف مكانهم، أم لم تقع أعيننا عليهم؟ ومن قرأ بقطع الألف من "اتخذناهم" ابتدأ به، ومن وصل الألف لم يبتدئ به لأنه صفة للرجال، هذا قول أبي حاتم. وتكون "أم" عديلة لاستفهام مُضمَر، تقديره: أمفقودون هم أم زاغت عنهم الأبصار. ويجوز أن تكون معادلة لـ "ما" في قوله: "ما لنا"، كما قال تعالى: ﴿مَالِيَ لاَ أَرَى ٱلْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ ٱلْغَآئِبِينَ﴾ [النمل: ٢٠]، وقال: ﴿مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ * أَمْ لَكُمْ﴾ [القلم: ٣٦-٣٧]، فذلك جائز حسن. وقد وقعت "أم" معادلة لـ "مَنْ" في الاستفهام، قال الله جل ذكره: ﴿فَمَن يُجَادِلُ ٱللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ أَمْ مَّن يَكُونُ﴾ [النساء: ١٠٩]. * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ ٱلنَّارِ﴾، أي إن هذا الذي أخبرتك به من خبر أهل النار لحق هو تخاصم أهل النار. ويجوز أن تكون "تخاصم" خبراً ثانياً لـ "إن" أو بدلاً من "لحَقٌّ" أو من المضمر في "لَحَقٌّ". فإن جعلته خبراً ثانياً (أو بدلاً) لم تقف على "لحَقٌّ". وإن جعلته مرفوعاً على إضمار مبتدأ، أي: هو تخاصم، وقفت إذا شئت على "لحق". * * ثم قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَآ أَنَاْ مُنذِرٌ﴾، أي: نذير لكم بين يدي عذاب شديد. ﴿وَمَا مِنْ إِلَـٰهٍ إِلاَّ ٱللَّهُ ٱلْوَاحِدُ ٱلْقَهَّارُ﴾، أي: وما من معبود تجب له العبادة إلا الله الواحد، أي: المنفرد بالعبادة القهار لكل ما دونه بقُدرته. ﴿رَبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ﴾: أي: ما لكهما ومالك ما بينهما من الخلق. ﴿ٱلْعَزِيزُ﴾، أي: المنيع في نقمته. ﴿ٱلْغَفَّارُ﴾ لذنوب من تاب من كفره، وأطاع ربه. ثم قال تعالى: - ﴿قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ * أَنتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ﴾، أي: قل يا محمد لقومك: هذا القرآن الذي قلتم فيه: "إن هَذَا إلا خْتِلاَقُ"، نبأ عظيم، أي: خبر عظيم، أنتم عنه معرضون، أي: قد كفرتم وانصرفتم عن الإيمان به والعمل بما فيه، وقيل: المعنى: هو خبر جليل، وقيل: معناه: خبر عظيم المنفعة. * * ثم قال: ﴿مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِٱلْمَلإِ ٱلأَعْلَىٰ إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾، أي: قل يا محمد للمشركين الذين ينكرون ما جئتهم به ويكذبونك: ما كان لي من علم بالملائكة إذ اختصموا في آدم إذ شوِروا في خلق آدم فاختصموا فيه، وقالوا: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا﴾ [البقرة: ٣٠] الآيات، قاله ابن عباس وغيره. أي: لولا (ما أوحاه) إلي ربي وأعلمني به. فإعلامي ذلك لكم دليل على صدقي ونبوتي بأن هذا القرآن من عند الله عز وجل. وهذا كله معنى قول قتادة والسدي وغيرهما. وفي الحديث: "يَخْتَصِمُون في الْكَفَّارَاتِ وَفي إِسْبَاغِ الْوُضُوءِ في الْمكَارِهِ وَانْتِظَارِ الصَّلاَة بِعْدَ الصَّلاَةِ قال الحسن: لما صُعِد بالنبي ﷺ إلى السماء ليلة الإسراء به مر في سماء منهن، فإذا هو بأصوات الملائكة يختصمون، (قال لجبريل: يا جبريل، ما هذه الأصوات؟ قال: أصوات الملائكة يختصمون) في كفارات بني آدم. فقال النبي عليه السلام: وما يقولون فيها؟ قال: يقولون: هي نقل الأقدام إلى الجماعات (والصلوات، وإسباغ) الوضوء عند المكروهات، والتعقيب في المساجد بعد الصلوات. قال: ثم أوحى الله عز وجل إلى النبي ﷺ: "ما كان لي من علم بالملأ الأعلى" الآيتين. وعن عبد الرحمن بن عائش الحضرمي قال: قال رسول الله ﷺ: "قال لي ربي: فيمَ يختصم الملأ الأعلى يا محمد؟ (فقلت: أنت أعلم يا رب، فقالها ثانية، فقلت: أنت أعلم يا رب. فوضع يده بين كتفي فوجدت بردها بين ثديي، فعلمت ما في السماء والأرض. فقال: فيم يختصم الملأ الأعلى يا محمد؟ قلت: في الكفارات، فقال: وما الكفارات؟ فقلت: المشي ونقل الأقدام إلى الجماعات، وإبلاغ الوضوء أماكنه في المكروهات، والجلوس في المساجد خلف الصلوات قال: من فعل ذلك يعيش بخير ويموت بخير، ويكون من خطيئته كيوم ولدته أمه وأجاز النحاس أن يكون المعنيَّ بالاختصام قريشاً لأن منهم من قال: الملائكة بنات الله سبحانه وتعالى. فالمعنى على هذا: ما كان لي من علم بالملائكة إذ يختصم فيهم قريش. وأجاز أن يراد بالملأ الأعلى أشراف قريش يختصمون فيما بينهم فيخبر الله عز وجل نبيه ﷺ (بما شاء من ذلك فيعلمهم النبي بذلك). * * ثم قال: ﴿إِن يُوحَىٰ إِلَيَّ إِلاَّ أَنَّمَآ أَنَاْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ﴾، أي: ما يوحى إلي إلا أنما أنا نذير مبين عن الله عز وجل وحيه، و "أنما" اسم ما لم يسم فاعله.

ص 38:68

(قوله تعالى ذكره): ﴿هَـٰذَا فَلْيَذُوقُوهُ﴾ إلى قوله - ﴿نَذِيرٌ مُّبِينٌ﴾. "هذا" مرفوع بالابتداء، و "حميم" الخبر. فلا تقف على هذا إلا على "أزواج". ويجوز أن يكون الخبر "فليذوقوه"، فتقف على "فليذوقوه" ويجوز أن يكون (خبر ابتداء محذوف، أي: الأمر هذا)، فتقف على "هذا" إن شئت. ويجوز أن يكون "هذا" في موضع نصب (بإضمار قول يفسره "فليذوقوه"، مثل): زيداً فاضربه فتقف على هذا التأويل "فليذوقوه" وترفع "حميم وغساق"، على معنى: هو حميم، أو منه حميم. والحميم: الذي قد انتهى حره. قاله السدي. وقال ابن زيد: الحميم: دموع أعينهم تجمع في حياض النار فيسقونه. قال قتادة: الغساق، ما يسيل من بين جلده ولحمه. قال السدي: الغساق: الذي يسيل من أعينهم ودموعهم يسقونه مع الحميم. وقال ابن زيد: هو الصديد الذي يخرج من جلودهم مما تصهرهم النار، يجمع في حياض في النار فيسقونه، وقال مجاهد: الغساق: أبرد البرد. وقال ابن عمر: هو القيح الغليظ؛ لو أن قطرة منها تهراق في المغرب لأنتنت أهل المشرق، ولو تهراق بالمشرق لأنتنت أهل المغرب. وقال كعب: "الغساق: عين في جهنم يسيل إليها حُمَةُ كل ذات حُمَةٍ من حية أو عقرب فتُستنقع فيُؤتى بالآدمي فيُغمس غمسة واحدة فيخرج وقد سقط جلده ولحمه عن العظام حتى يتعلق جلده إلى كعبيه وعقبيه، ويجر لحمه جر الرجل ثوبه". وروى الخدري أن النبي ﷺ قال: "لَوْ أَنَّ دَلْواً مِنْ غَساقٍ يُهْرَاقُ في الدُّنْيَا لأَنْتَنَ أَهْلَ الدُّنْيا وقيل: هو ماء قد انتهى في البرودة ضد الحميم، يحرق كما يحرق الحميم. والعرب تقول: غسقت عينه، إذا سالت. فمن شدد جعله مثل سيال، ومن خفف جعله مثل سائل. فهو على هذا الاشتقاق ما سيل من أجسام أهل النار. ولم يعرف الكسائي ما هو. ومن شدد جعله صفة، ومن خفف أجاز أن يكون صفة واسماً. * * ثم قال تعالى: ﴿وَآخَرُ مِن شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ﴾. من جمع ﴿وَآخَرُ﴾ حمله على لفظ "أزواج". ومن وحد حمله على "شكله" ولم يقل شكلها، فالمعنى لمن جمع ﴿وَآخَرُ مِن شَكْلِهِ﴾ ما ذكرنا. وقيل: المعنى: من شكل الغساق. وقوله: (أَزْوَاجٌ) يريد به الحميم والغساق والآخر، فذلك ثلاثة. قال ابن مسعود: هو الزمهرير. والمعنى: مِنْ ضَرْبِهِ ومن نحوه، ومعنى "أزواج": أنواع وألوان. * * ثم قال تعالى: ﴿هَـٰذَا فَوْجٌ مُّقْتَحِمٌ مَّعَكُمْ﴾، أي: هذه فرقة مقتحمة معكم" في النار، وذلك دخول أمة من الكفار بعد أمة. والتقدير: يقال هذا فوج يدخل معكم في النار، فهو قول الملائكة لأهل النار حين أتوهم بفوج يُدخِلُوَنه معهم. * * ثم قال: ﴿لاَ مَرْحَباً بِهِمْ﴾. هذا خبر من الله جل ذكره عن قول أهل النار لما قيل لهم: "هذا فوج مقتحم معكم" فقالوا: لا مرحبا بهم. فهذا مثل قوله تعالى: ﴿كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَّعَنَتْ أُخْتَهَا﴾ [الأعراف: ٣٨]. ومعنى: ﴿لاَ مَرْحَباً بِهِمْ﴾: لا اتسعت مداخلهم ومنازلهم في النار. * * ثم قال: ﴿إِنَّهُمْ صَالُواْ ٱلنَّارِ﴾. هذا أيضاً من قول المتقدمين في النار للداخلين عليهم، أي: قالوا لا مرحباً بهم إنهم واردوا النار. وقيل: هو من قول الملائكة الذين قالوا لأهل النار: "هذا فوج مقتحم معكم إنهم صالو النار". * * ثم قال تعالى: ﴿قَالُواْ بَلْ أَنتُمْ لاَ مَرْحَباً بِكُمْ﴾، أي: قال الفوج الداخلون على من تقدمهم لما قالوا لهم لا مرحبا بهم: بل أنتم لا مرحبا بكم، أي: لا اتسعت أماكنكم بكم. ﴿أَنتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنَا﴾، أي: أنتم أوردتمونا هذا العذاب بإضلالكم إيانا ودعائكم إيانا إلى الكفر فاتبعناكم فاستوجبنا سكنى جهنم. * * ثم قال تعالى ﴿قَالُواْ رَبَّنَا مَن قَدَّمَ لَنَا هَـٰذَا فَزِدْهُ عَذَاباً ضِعْفاً فِي ٱلنَّارِ﴾، أي: قال الفوج المقتحم: ربنا من قدم لنا هذا بدعائه إيانا إلى العمل الذي أوجب لنا النار فزده عذاباً ضعفاً في النار، أي: أضعف لهم العذاب الذي هُمْ فيه. وقيل: المعنى: أضعف له العذاب مرتين: عذاباً بكفره، وعذاباً بدعائه إيانا. * * ثم قال تعالى: ﴿وَقَالُواْ مَا لَنَا لاَ نَرَىٰ رِجَالاً كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِّنَ ٱلأَشْرَارِ﴾، أي: وقال الكافرون الطاغون الذين تقدمت صفتهم - وقيل: هم أبو جهل والوليد بن المغيرة وذووهما - قالوا في النار: ما لنا لا نرى رجالاً كنا نعدهم من الأشرار، أي: كنا نعدهم في الدنيا من أشرارنا - قيل: (عنوا بذلك صهيباً وخباباً) وبلالاً وسلمان: قاله مجاهد. * * ثم قال تعالى: ﴿أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيّاً﴾. من ضم: فمعناه: كنا نسخرهم في الدنيا ونستذلهم، ومن كسر فمعناه: كنا نسخر منهم في الدنيا، وقيل: هما لغتان بمعنى الهُزْء والسُّخرية. فالمعنى: أَهُمْ في النار لا نعرف مكانهم، أم لم تقع أعيننا عليهم؟ ومن قرأ بقطع الألف من "اتخذناهم" ابتدأ به، ومن وصل الألف لم يبتدئ به لأنه صفة للرجال، هذا قول أبي حاتم. وتكون "أم" عديلة لاستفهام مُضمَر، تقديره: أمفقودون هم أم زاغت عنهم الأبصار. ويجوز أن تكون معادلة لـ "ما" في قوله: "ما لنا"، كما قال تعالى: ﴿مَالِيَ لاَ أَرَى ٱلْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ ٱلْغَآئِبِينَ﴾ [النمل: ٢٠]، وقال: ﴿مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ * أَمْ لَكُمْ﴾ [القلم: ٣٦-٣٧]، فذلك جائز حسن. وقد وقعت "أم" معادلة لـ "مَنْ" في الاستفهام، قال الله جل ذكره: ﴿فَمَن يُجَادِلُ ٱللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ أَمْ مَّن يَكُونُ﴾ [النساء: ١٠٩]. * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ ٱلنَّارِ﴾، أي إن هذا الذي أخبرتك به من خبر أهل النار لحق هو تخاصم أهل النار. ويجوز أن تكون "تخاصم" خبراً ثانياً لـ "إن" أو بدلاً من "لحَقٌّ" أو من المضمر في "لَحَقٌّ". فإن جعلته خبراً ثانياً (أو بدلاً) لم تقف على "لحَقٌّ". وإن جعلته مرفوعاً على إضمار مبتدأ، أي: هو تخاصم، وقفت إذا شئت على "لحق". * * ثم قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَآ أَنَاْ مُنذِرٌ﴾، أي: نذير لكم بين يدي عذاب شديد. ﴿وَمَا مِنْ إِلَـٰهٍ إِلاَّ ٱللَّهُ ٱلْوَاحِدُ ٱلْقَهَّارُ﴾، أي: وما من معبود تجب له العبادة إلا الله الواحد، أي: المنفرد بالعبادة القهار لكل ما دونه بقُدرته. ﴿رَبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ﴾: أي: ما لكهما ومالك ما بينهما من الخلق. ﴿ٱلْعَزِيزُ﴾، أي: المنيع في نقمته. ﴿ٱلْغَفَّارُ﴾ لذنوب من تاب من كفره، وأطاع ربه. ثم قال تعالى: - ﴿قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ * أَنتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ﴾، أي: قل يا محمد لقومك: هذا القرآن الذي قلتم فيه: "إن هَذَا إلا خْتِلاَقُ"، نبأ عظيم، أي: خبر عظيم، أنتم عنه معرضون، أي: قد كفرتم وانصرفتم عن الإيمان به والعمل بما فيه، وقيل: المعنى: هو خبر جليل، وقيل: معناه: خبر عظيم المنفعة. * * ثم قال: ﴿مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِٱلْمَلإِ ٱلأَعْلَىٰ إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾، أي: قل يا محمد للمشركين الذين ينكرون ما جئتهم به ويكذبونك: ما كان لي من علم بالملائكة إذ اختصموا في آدم إذ شوِروا في خلق آدم فاختصموا فيه، وقالوا: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا﴾ [البقرة: ٣٠] الآيات، قاله ابن عباس وغيره. أي: لولا (ما أوحاه) إلي ربي وأعلمني به. فإعلامي ذلك لكم دليل على صدقي ونبوتي بأن هذا القرآن من عند الله عز وجل. وهذا كله معنى قول قتادة والسدي وغيرهما. وفي الحديث: "يَخْتَصِمُون في الْكَفَّارَاتِ وَفي إِسْبَاغِ الْوُضُوءِ في الْمكَارِهِ وَانْتِظَارِ الصَّلاَة بِعْدَ الصَّلاَةِ قال الحسن: لما صُعِد بالنبي ﷺ إلى السماء ليلة الإسراء به مر في سماء منهن، فإذا هو بأصوات الملائكة يختصمون، (قال لجبريل: يا جبريل، ما هذه الأصوات؟ قال: أصوات الملائكة يختصمون) في كفارات بني آدم. فقال النبي عليه السلام: وما يقولون فيها؟ قال: يقولون: هي نقل الأقدام إلى الجماعات (والصلوات، وإسباغ) الوضوء عند المكروهات، والتعقيب في المساجد بعد الصلوات. قال: ثم أوحى الله عز وجل إلى النبي ﷺ: "ما كان لي من علم بالملأ الأعلى" الآيتين. وعن عبد الرحمن بن عائش الحضرمي قال: قال رسول الله ﷺ: "قال لي ربي: فيمَ يختصم الملأ الأعلى يا محمد؟ (فقلت: أنت أعلم يا رب، فقالها ثانية، فقلت: أنت أعلم يا رب. فوضع يده بين كتفي فوجدت بردها بين ثديي، فعلمت ما في السماء والأرض. فقال: فيم يختصم الملأ الأعلى يا محمد؟ قلت: في الكفارات، فقال: وما الكفارات؟ فقلت: المشي ونقل الأقدام إلى الجماعات، وإبلاغ الوضوء أماكنه في المكروهات، والجلوس في المساجد خلف الصلوات قال: من فعل ذلك يعيش بخير ويموت بخير، ويكون من خطيئته كيوم ولدته أمه وأجاز النحاس أن يكون المعنيَّ بالاختصام قريشاً لأن منهم من قال: الملائكة بنات الله سبحانه وتعالى. فالمعنى على هذا: ما كان لي من علم بالملائكة إذ يختصم فيهم قريش. وأجاز أن يراد بالملأ الأعلى أشراف قريش يختصمون فيما بينهم فيخبر الله عز وجل نبيه ﷺ (بما شاء من ذلك فيعلمهم النبي بذلك). * * ثم قال: ﴿إِن يُوحَىٰ إِلَيَّ إِلاَّ أَنَّمَآ أَنَاْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ﴾، أي: ما يوحى إلي إلا أنما أنا نذير مبين عن الله عز وجل وحيه، و "أنما" اسم ما لم يسم فاعله.

ص 38:69

(قوله تعالى ذكره): ﴿هَـٰذَا فَلْيَذُوقُوهُ﴾ إلى قوله - ﴿نَذِيرٌ مُّبِينٌ﴾. "هذا" مرفوع بالابتداء، و "حميم" الخبر. فلا تقف على هذا إلا على "أزواج". ويجوز أن يكون الخبر "فليذوقوه"، فتقف على "فليذوقوه" ويجوز أن يكون (خبر ابتداء محذوف، أي: الأمر هذا)، فتقف على "هذا" إن شئت. ويجوز أن يكون "هذا" في موضع نصب (بإضمار قول يفسره "فليذوقوه"، مثل): زيداً فاضربه فتقف على هذا التأويل "فليذوقوه" وترفع "حميم وغساق"، على معنى: هو حميم، أو منه حميم. والحميم: الذي قد انتهى حره. قاله السدي. وقال ابن زيد: الحميم: دموع أعينهم تجمع في حياض النار فيسقونه. قال قتادة: الغساق، ما يسيل من بين جلده ولحمه. قال السدي: الغساق: الذي يسيل من أعينهم ودموعهم يسقونه مع الحميم. وقال ابن زيد: هو الصديد الذي يخرج من جلودهم مما تصهرهم النار، يجمع في حياض في النار فيسقونه، وقال مجاهد: الغساق: أبرد البرد. وقال ابن عمر: هو القيح الغليظ؛ لو أن قطرة منها تهراق في المغرب لأنتنت أهل المشرق، ولو تهراق بالمشرق لأنتنت أهل المغرب. وقال كعب: "الغساق: عين في جهنم يسيل إليها حُمَةُ كل ذات حُمَةٍ من حية أو عقرب فتُستنقع فيُؤتى بالآدمي فيُغمس غمسة واحدة فيخرج وقد سقط جلده ولحمه عن العظام حتى يتعلق جلده إلى كعبيه وعقبيه، ويجر لحمه جر الرجل ثوبه". وروى الخدري أن النبي ﷺ قال: "لَوْ أَنَّ دَلْواً مِنْ غَساقٍ يُهْرَاقُ في الدُّنْيَا لأَنْتَنَ أَهْلَ الدُّنْيا وقيل: هو ماء قد انتهى في البرودة ضد الحميم، يحرق كما يحرق الحميم. والعرب تقول: غسقت عينه، إذا سالت. فمن شدد جعله مثل سيال، ومن خفف جعله مثل سائل. فهو على هذا الاشتقاق ما سيل من أجسام أهل النار. ولم يعرف الكسائي ما هو. ومن شدد جعله صفة، ومن خفف أجاز أن يكون صفة واسماً. * * ثم قال تعالى: ﴿وَآخَرُ مِن شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ﴾. من جمع ﴿وَآخَرُ﴾ حمله على لفظ "أزواج". ومن وحد حمله على "شكله" ولم يقل شكلها، فالمعنى لمن جمع ﴿وَآخَرُ مِن شَكْلِهِ﴾ ما ذكرنا. وقيل: المعنى: من شكل الغساق. وقوله: (أَزْوَاجٌ) يريد به الحميم والغساق والآخر، فذلك ثلاثة. قال ابن مسعود: هو الزمهرير. والمعنى: مِنْ ضَرْبِهِ ومن نحوه، ومعنى "أزواج": أنواع وألوان. * * ثم قال تعالى: ﴿هَـٰذَا فَوْجٌ مُّقْتَحِمٌ مَّعَكُمْ﴾، أي: هذه فرقة مقتحمة معكم" في النار، وذلك دخول أمة من الكفار بعد أمة. والتقدير: يقال هذا فوج يدخل معكم في النار، فهو قول الملائكة لأهل النار حين أتوهم بفوج يُدخِلُوَنه معهم. * * ثم قال: ﴿لاَ مَرْحَباً بِهِمْ﴾. هذا خبر من الله جل ذكره عن قول أهل النار لما قيل لهم: "هذا فوج مقتحم معكم" فقالوا: لا مرحبا بهم. فهذا مثل قوله تعالى: ﴿كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَّعَنَتْ أُخْتَهَا﴾ [الأعراف: ٣٨]. ومعنى: ﴿لاَ مَرْحَباً بِهِمْ﴾: لا اتسعت مداخلهم ومنازلهم في النار. * * ثم قال: ﴿إِنَّهُمْ صَالُواْ ٱلنَّارِ﴾. هذا أيضاً من قول المتقدمين في النار للداخلين عليهم، أي: قالوا لا مرحباً بهم إنهم واردوا النار. وقيل: هو من قول الملائكة الذين قالوا لأهل النار: "هذا فوج مقتحم معكم إنهم صالو النار". * * ثم قال تعالى: ﴿قَالُواْ بَلْ أَنتُمْ لاَ مَرْحَباً بِكُمْ﴾، أي: قال الفوج الداخلون على من تقدمهم لما قالوا لهم لا مرحبا بهم: بل أنتم لا مرحبا بكم، أي: لا اتسعت أماكنكم بكم. ﴿أَنتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنَا﴾، أي: أنتم أوردتمونا هذا العذاب بإضلالكم إيانا ودعائكم إيانا إلى الكفر فاتبعناكم فاستوجبنا سكنى جهنم. * * ثم قال تعالى ﴿قَالُواْ رَبَّنَا مَن قَدَّمَ لَنَا هَـٰذَا فَزِدْهُ عَذَاباً ضِعْفاً فِي ٱلنَّارِ﴾، أي: قال الفوج المقتحم: ربنا من قدم لنا هذا بدعائه إيانا إلى العمل الذي أوجب لنا النار فزده عذاباً ضعفاً في النار، أي: أضعف لهم العذاب الذي هُمْ فيه. وقيل: المعنى: أضعف له العذاب مرتين: عذاباً بكفره، وعذاباً بدعائه إيانا. * * ثم قال تعالى: ﴿وَقَالُواْ مَا لَنَا لاَ نَرَىٰ رِجَالاً كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِّنَ ٱلأَشْرَارِ﴾، أي: وقال الكافرون الطاغون الذين تقدمت صفتهم - وقيل: هم أبو جهل والوليد بن المغيرة وذووهما - قالوا في النار: ما لنا لا نرى رجالاً كنا نعدهم من الأشرار، أي: كنا نعدهم في الدنيا من أشرارنا - قيل: (عنوا بذلك صهيباً وخباباً) وبلالاً وسلمان: قاله مجاهد. * * ثم قال تعالى: ﴿أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيّاً﴾. من ضم: فمعناه: كنا نسخرهم في الدنيا ونستذلهم، ومن كسر فمعناه: كنا نسخر منهم في الدنيا، وقيل: هما لغتان بمعنى الهُزْء والسُّخرية. فالمعنى: أَهُمْ في النار لا نعرف مكانهم، أم لم تقع أعيننا عليهم؟ ومن قرأ بقطع الألف من "اتخذناهم" ابتدأ به، ومن وصل الألف لم يبتدئ به لأنه صفة للرجال، هذا قول أبي حاتم. وتكون "أم" عديلة لاستفهام مُضمَر، تقديره: أمفقودون هم أم زاغت عنهم الأبصار. ويجوز أن تكون معادلة لـ "ما" في قوله: "ما لنا"، كما قال تعالى: ﴿مَالِيَ لاَ أَرَى ٱلْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ ٱلْغَآئِبِينَ﴾ [النمل: ٢٠]، وقال: ﴿مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ * أَمْ لَكُمْ﴾ [القلم: ٣٦-٣٧]، فذلك جائز حسن. وقد وقعت "أم" معادلة لـ "مَنْ" في الاستفهام، قال الله جل ذكره: ﴿فَمَن يُجَادِلُ ٱللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ أَمْ مَّن يَكُونُ﴾ [النساء: ١٠٩]. * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ ٱلنَّارِ﴾، أي إن هذا الذي أخبرتك به من خبر أهل النار لحق هو تخاصم أهل النار. ويجوز أن تكون "تخاصم" خبراً ثانياً لـ "إن" أو بدلاً من "لحَقٌّ" أو من المضمر في "لَحَقٌّ". فإن جعلته خبراً ثانياً (أو بدلاً) لم تقف على "لحَقٌّ". وإن جعلته مرفوعاً على إضمار مبتدأ، أي: هو تخاصم، وقفت إذا شئت على "لحق". * * ثم قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَآ أَنَاْ مُنذِرٌ﴾، أي: نذير لكم بين يدي عذاب شديد. ﴿وَمَا مِنْ إِلَـٰهٍ إِلاَّ ٱللَّهُ ٱلْوَاحِدُ ٱلْقَهَّارُ﴾، أي: وما من معبود تجب له العبادة إلا الله الواحد، أي: المنفرد بالعبادة القهار لكل ما دونه بقُدرته. ﴿رَبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ﴾: أي: ما لكهما ومالك ما بينهما من الخلق. ﴿ٱلْعَزِيزُ﴾، أي: المنيع في نقمته. ﴿ٱلْغَفَّارُ﴾ لذنوب من تاب من كفره، وأطاع ربه. ثم قال تعالى: - ﴿قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ * أَنتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ﴾، أي: قل يا محمد لقومك: هذا القرآن الذي قلتم فيه: "إن هَذَا إلا خْتِلاَقُ"، نبأ عظيم، أي: خبر عظيم، أنتم عنه معرضون، أي: قد كفرتم وانصرفتم عن الإيمان به والعمل بما فيه، وقيل: المعنى: هو خبر جليل، وقيل: معناه: خبر عظيم المنفعة. * * ثم قال: ﴿مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِٱلْمَلإِ ٱلأَعْلَىٰ إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾، أي: قل يا محمد للمشركين الذين ينكرون ما جئتهم به ويكذبونك: ما كان لي من علم بالملائكة إذ اختصموا في آدم إذ شوِروا في خلق آدم فاختصموا فيه، وقالوا: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا﴾ [البقرة: ٣٠] الآيات، قاله ابن عباس وغيره. أي: لولا (ما أوحاه) إلي ربي وأعلمني به. فإعلامي ذلك لكم دليل على صدقي ونبوتي بأن هذا القرآن من عند الله عز وجل. وهذا كله معنى قول قتادة والسدي وغيرهما. وفي الحديث: "يَخْتَصِمُون في الْكَفَّارَاتِ وَفي إِسْبَاغِ الْوُضُوءِ في الْمكَارِهِ وَانْتِظَارِ الصَّلاَة بِعْدَ الصَّلاَةِ قال الحسن: لما صُعِد بالنبي ﷺ إلى السماء ليلة الإسراء به مر في سماء منهن، فإذا هو بأصوات الملائكة يختصمون، (قال لجبريل: يا جبريل، ما هذه الأصوات؟ قال: أصوات الملائكة يختصمون) في كفارات بني آدم. فقال النبي عليه السلام: وما يقولون فيها؟ قال: يقولون: هي نقل الأقدام إلى الجماعات (والصلوات، وإسباغ) الوضوء عند المكروهات، والتعقيب في المساجد بعد الصلوات. قال: ثم أوحى الله عز وجل إلى النبي ﷺ: "ما كان لي من علم بالملأ الأعلى" الآيتين. وعن عبد الرحمن بن عائش الحضرمي قال: قال رسول الله ﷺ: "قال لي ربي: فيمَ يختصم الملأ الأعلى يا محمد؟ (فقلت: أنت أعلم يا رب، فقالها ثانية، فقلت: أنت أعلم يا رب. فوضع يده بين كتفي فوجدت بردها بين ثديي، فعلمت ما في السماء والأرض. فقال: فيم يختصم الملأ الأعلى يا محمد؟ قلت: في الكفارات، فقال: وما الكفارات؟ فقلت: المشي ونقل الأقدام إلى الجماعات، وإبلاغ الوضوء أماكنه في المكروهات، والجلوس في المساجد خلف الصلوات قال: من فعل ذلك يعيش بخير ويموت بخير، ويكون من خطيئته كيوم ولدته أمه وأجاز النحاس أن يكون المعنيَّ بالاختصام قريشاً لأن منهم من قال: الملائكة بنات الله سبحانه وتعالى. فالمعنى على هذا: ما كان لي من علم بالملائكة إذ يختصم فيهم قريش. وأجاز أن يراد بالملأ الأعلى أشراف قريش يختصمون فيما بينهم فيخبر الله عز وجل نبيه ﷺ (بما شاء من ذلك فيعلمهم النبي بذلك). * * ثم قال: ﴿إِن يُوحَىٰ إِلَيَّ إِلاَّ أَنَّمَآ أَنَاْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ﴾، أي: ما يوحى إلي إلا أنما أنا نذير مبين عن الله عز وجل وحيه، و "أنما" اسم ما لم يسم فاعله.

ص 38:70

(قوله تعالى ذكره): ﴿هَـٰذَا فَلْيَذُوقُوهُ﴾ إلى قوله - ﴿نَذِيرٌ مُّبِينٌ﴾. "هذا" مرفوع بالابتداء، و "حميم" الخبر. فلا تقف على هذا إلا على "أزواج". ويجوز أن يكون الخبر "فليذوقوه"، فتقف على "فليذوقوه" ويجوز أن يكون (خبر ابتداء محذوف، أي: الأمر هذا)، فتقف على "هذا" إن شئت. ويجوز أن يكون "هذا" في موضع نصب (بإضمار قول يفسره "فليذوقوه"، مثل): زيداً فاضربه فتقف على هذا التأويل "فليذوقوه" وترفع "حميم وغساق"، على معنى: هو حميم، أو منه حميم. والحميم: الذي قد انتهى حره. قاله السدي. وقال ابن زيد: الحميم: دموع أعينهم تجمع في حياض النار فيسقونه. قال قتادة: الغساق، ما يسيل من بين جلده ولحمه. قال السدي: الغساق: الذي يسيل من أعينهم ودموعهم يسقونه مع الحميم. وقال ابن زيد: هو الصديد الذي يخرج من جلودهم مما تصهرهم النار، يجمع في حياض في النار فيسقونه، وقال مجاهد: الغساق: أبرد البرد. وقال ابن عمر: هو القيح الغليظ؛ لو أن قطرة منها تهراق في المغرب لأنتنت أهل المشرق، ولو تهراق بالمشرق لأنتنت أهل المغرب. وقال كعب: "الغساق: عين في جهنم يسيل إليها حُمَةُ كل ذات حُمَةٍ من حية أو عقرب فتُستنقع فيُؤتى بالآدمي فيُغمس غمسة واحدة فيخرج وقد سقط جلده ولحمه عن العظام حتى يتعلق جلده إلى كعبيه وعقبيه، ويجر لحمه جر الرجل ثوبه". وروى الخدري أن النبي ﷺ قال: "لَوْ أَنَّ دَلْواً مِنْ غَساقٍ يُهْرَاقُ في الدُّنْيَا لأَنْتَنَ أَهْلَ الدُّنْيا وقيل: هو ماء قد انتهى في البرودة ضد الحميم، يحرق كما يحرق الحميم. والعرب تقول: غسقت عينه، إذا سالت. فمن شدد جعله مثل سيال، ومن خفف جعله مثل سائل. فهو على هذا الاشتقاق ما سيل من أجسام أهل النار. ولم يعرف الكسائي ما هو. ومن شدد جعله صفة، ومن خفف أجاز أن يكون صفة واسماً. * * ثم قال تعالى: ﴿وَآخَرُ مِن شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ﴾. من جمع ﴿وَآخَرُ﴾ حمله على لفظ "أزواج". ومن وحد حمله على "شكله" ولم يقل شكلها، فالمعنى لمن جمع ﴿وَآخَرُ مِن شَكْلِهِ﴾ ما ذكرنا. وقيل: المعنى: من شكل الغساق. وقوله: (أَزْوَاجٌ) يريد به الحميم والغساق والآخر، فذلك ثلاثة. قال ابن مسعود: هو الزمهرير. والمعنى: مِنْ ضَرْبِهِ ومن نحوه، ومعنى "أزواج": أنواع وألوان. * * ثم قال تعالى: ﴿هَـٰذَا فَوْجٌ مُّقْتَحِمٌ مَّعَكُمْ﴾، أي: هذه فرقة مقتحمة معكم" في النار، وذلك دخول أمة من الكفار بعد أمة. والتقدير: يقال هذا فوج يدخل معكم في النار، فهو قول الملائكة لأهل النار حين أتوهم بفوج يُدخِلُوَنه معهم. * * ثم قال: ﴿لاَ مَرْحَباً بِهِمْ﴾. هذا خبر من الله جل ذكره عن قول أهل النار لما قيل لهم: "هذا فوج مقتحم معكم" فقالوا: لا مرحبا بهم. فهذا مثل قوله تعالى: ﴿كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَّعَنَتْ أُخْتَهَا﴾ [الأعراف: ٣٨]. ومعنى: ﴿لاَ مَرْحَباً بِهِمْ﴾: لا اتسعت مداخلهم ومنازلهم في النار. * * ثم قال: ﴿إِنَّهُمْ صَالُواْ ٱلنَّارِ﴾. هذا أيضاً من قول المتقدمين في النار للداخلين عليهم، أي: قالوا لا مرحباً بهم إنهم واردوا النار. وقيل: هو من قول الملائكة الذين قالوا لأهل النار: "هذا فوج مقتحم معكم إنهم صالو النار". * * ثم قال تعالى: ﴿قَالُواْ بَلْ أَنتُمْ لاَ مَرْحَباً بِكُمْ﴾، أي: قال الفوج الداخلون على من تقدمهم لما قالوا لهم لا مرحبا بهم: بل أنتم لا مرحبا بكم، أي: لا اتسعت أماكنكم بكم. ﴿أَنتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنَا﴾، أي: أنتم أوردتمونا هذا العذاب بإضلالكم إيانا ودعائكم إيانا إلى الكفر فاتبعناكم فاستوجبنا سكنى جهنم. * * ثم قال تعالى ﴿قَالُواْ رَبَّنَا مَن قَدَّمَ لَنَا هَـٰذَا فَزِدْهُ عَذَاباً ضِعْفاً فِي ٱلنَّارِ﴾، أي: قال الفوج المقتحم: ربنا من قدم لنا هذا بدعائه إيانا إلى العمل الذي أوجب لنا النار فزده عذاباً ضعفاً في النار، أي: أضعف لهم العذاب الذي هُمْ فيه. وقيل: المعنى: أضعف له العذاب مرتين: عذاباً بكفره، وعذاباً بدعائه إيانا. * * ثم قال تعالى: ﴿وَقَالُواْ مَا لَنَا لاَ نَرَىٰ رِجَالاً كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِّنَ ٱلأَشْرَارِ﴾، أي: وقال الكافرون الطاغون الذين تقدمت صفتهم - وقيل: هم أبو جهل والوليد بن المغيرة وذووهما - قالوا في النار: ما لنا لا نرى رجالاً كنا نعدهم من الأشرار، أي: كنا نعدهم في الدنيا من أشرارنا - قيل: (عنوا بذلك صهيباً وخباباً) وبلالاً وسلمان: قاله مجاهد. * * ثم قال تعالى: ﴿أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيّاً﴾. من ضم: فمعناه: كنا نسخرهم في الدنيا ونستذلهم، ومن كسر فمعناه: كنا نسخر منهم في الدنيا، وقيل: هما لغتان بمعنى الهُزْء والسُّخرية. فالمعنى: أَهُمْ في النار لا نعرف مكانهم، أم لم تقع أعيننا عليهم؟ ومن قرأ بقطع الألف من "اتخذناهم" ابتدأ به، ومن وصل الألف لم يبتدئ به لأنه صفة للرجال، هذا قول أبي حاتم. وتكون "أم" عديلة لاستفهام مُضمَر، تقديره: أمفقودون هم أم زاغت عنهم الأبصار. ويجوز أن تكون معادلة لـ "ما" في قوله: "ما لنا"، كما قال تعالى: ﴿مَالِيَ لاَ أَرَى ٱلْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ ٱلْغَآئِبِينَ﴾ [النمل: ٢٠]، وقال: ﴿مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ * أَمْ لَكُمْ﴾ [القلم: ٣٦-٣٧]، فذلك جائز حسن. وقد وقعت "أم" معادلة لـ "مَنْ" في الاستفهام، قال الله جل ذكره: ﴿فَمَن يُجَادِلُ ٱللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ أَمْ مَّن يَكُونُ﴾ [النساء: ١٠٩]. * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ ٱلنَّارِ﴾، أي إن هذا الذي أخبرتك به من خبر أهل النار لحق هو تخاصم أهل النار. ويجوز أن تكون "تخاصم" خبراً ثانياً لـ "إن" أو بدلاً من "لحَقٌّ" أو من المضمر في "لَحَقٌّ". فإن جعلته خبراً ثانياً (أو بدلاً) لم تقف على "لحَقٌّ". وإن جعلته مرفوعاً على إضمار مبتدأ، أي: هو تخاصم، وقفت إذا شئت على "لحق". * * ثم قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَآ أَنَاْ مُنذِرٌ﴾، أي: نذير لكم بين يدي عذاب شديد. ﴿وَمَا مِنْ إِلَـٰهٍ إِلاَّ ٱللَّهُ ٱلْوَاحِدُ ٱلْقَهَّارُ﴾، أي: وما من معبود تجب له العبادة إلا الله الواحد، أي: المنفرد بالعبادة القهار لكل ما دونه بقُدرته. ﴿رَبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ﴾: أي: ما لكهما ومالك ما بينهما من الخلق. ﴿ٱلْعَزِيزُ﴾، أي: المنيع في نقمته. ﴿ٱلْغَفَّارُ﴾ لذنوب من تاب من كفره، وأطاع ربه. ثم قال تعالى: - ﴿قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ * أَنتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ﴾، أي: قل يا محمد لقومك: هذا القرآن الذي قلتم فيه: "إن هَذَا إلا خْتِلاَقُ"، نبأ عظيم، أي: خبر عظيم، أنتم عنه معرضون، أي: قد كفرتم وانصرفتم عن الإيمان به والعمل بما فيه، وقيل: المعنى: هو خبر جليل، وقيل: معناه: خبر عظيم المنفعة. * * ثم قال: ﴿مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِٱلْمَلإِ ٱلأَعْلَىٰ إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾، أي: قل يا محمد للمشركين الذين ينكرون ما جئتهم به ويكذبونك: ما كان لي من علم بالملائكة إذ اختصموا في آدم إذ شوِروا في خلق آدم فاختصموا فيه، وقالوا: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا﴾ [البقرة: ٣٠] الآيات، قاله ابن عباس وغيره. أي: لولا (ما أوحاه) إلي ربي وأعلمني به. فإعلامي ذلك لكم دليل على صدقي ونبوتي بأن هذا القرآن من عند الله عز وجل. وهذا كله معنى قول قتادة والسدي وغيرهما. وفي الحديث: "يَخْتَصِمُون في الْكَفَّارَاتِ وَفي إِسْبَاغِ الْوُضُوءِ في الْمكَارِهِ وَانْتِظَارِ الصَّلاَة بِعْدَ الصَّلاَةِ قال الحسن: لما صُعِد بالنبي ﷺ إلى السماء ليلة الإسراء به مر في سماء منهن، فإذا هو بأصوات الملائكة يختصمون، (قال لجبريل: يا جبريل، ما هذه الأصوات؟ قال: أصوات الملائكة يختصمون) في كفارات بني آدم. فقال النبي عليه السلام: وما يقولون فيها؟ قال: يقولون: هي نقل الأقدام إلى الجماعات (والصلوات، وإسباغ) الوضوء عند المكروهات، والتعقيب في المساجد بعد الصلوات. قال: ثم أوحى الله عز وجل إلى النبي ﷺ: "ما كان لي من علم بالملأ الأعلى" الآيتين. وعن عبد الرحمن بن عائش الحضرمي قال: قال رسول الله ﷺ: "قال لي ربي: فيمَ يختصم الملأ الأعلى يا محمد؟ (فقلت: أنت أعلم يا رب، فقالها ثانية، فقلت: أنت أعلم يا رب. فوضع يده بين كتفي فوجدت بردها بين ثديي، فعلمت ما في السماء والأرض. فقال: فيم يختصم الملأ الأعلى يا محمد؟ قلت: في الكفارات، فقال: وما الكفارات؟ فقلت: المشي ونقل الأقدام إلى الجماعات، وإبلاغ الوضوء أماكنه في المكروهات، والجلوس في المساجد خلف الصلوات قال: من فعل ذلك يعيش بخير ويموت بخير، ويكون من خطيئته كيوم ولدته أمه وأجاز النحاس أن يكون المعنيَّ بالاختصام قريشاً لأن منهم من قال: الملائكة بنات الله سبحانه وتعالى. فالمعنى على هذا: ما كان لي من علم بالملائكة إذ يختصم فيهم قريش. وأجاز أن يراد بالملأ الأعلى أشراف قريش يختصمون فيما بينهم فيخبر الله عز وجل نبيه ﷺ (بما شاء من ذلك فيعلمهم النبي بذلك). * * ثم قال: ﴿إِن يُوحَىٰ إِلَيَّ إِلاَّ أَنَّمَآ أَنَاْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ﴾، أي: ما يوحى إلي إلا أنما أنا نذير مبين عن الله عز وجل وحيه، و "أنما" اسم ما لم يسم فاعله.

ص 38:71

قوله: تعالى ذكره: ﴿إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ﴾، إلى آخر السورة - أي ما كان لي من علم بالملأ الأعلى إذ يختصمون حين قال ربك للملائكة ﴿إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِّن طِينٍ﴾، يعني بذلك خلق آدم ﷺ. * * ثم قال: ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ﴾، أي: سويت خلقه وصورته ونفخت فيه من روحي، قال الضحاك: من روحي: من قدرتي. والأحسن في هذا وما جانسه أن يقال: إنه تعالى أضاف الروح إلى نفسه لأنه إضافة (خلق إلى خالق). فالروح خلق الله أضافه إلى نفسه، على إضافة الخلق إلى الخالق، كما يقال: ﴿هَـٰذَا خَلْقُ ٱللَّهِ﴾ [لقمان: ١١] و ﴿أَرْضُ ٱللَّهِ﴾ [النساء: ٩٧] و "سماء الله"، وشبهه كثير في القرآن، فهو كله على هذا المعنى. هذا قول أهل النظر والتحقيق فافهمه. * * قوله: ﴿فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ﴾، أي: خروا له سجوداً. ﴿فَسَجَدَ ٱلْمَلاَئِكَةُ كُـلُّهُمْ أَجْمَعُونَ﴾، يعني: ملائكة السماوات والأرض. ﴿إِلاَّ إِبْلِيسَ ٱسْتَكْبَرَ﴾، أي: تعاظم وتكبَّر عن السجود. ﴿وَكَانَ مِنَ ٱلْكَافِرِينَ﴾، أي: ممن كفر في علم الله السابق، قاله ابن عباس. * * ثم قال: ﴿قَالَ يٰإِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾، أي: قال الله عز وجل لإبليس: (يا إبليس)، أي: شيء منعك من السجود لآدم الذي خلقته بيدي. قال ابن عمر: خلق الله أربعة بيده: العرش وعدن والقلم وآدم، ثم قال لكل شيء كن فكان. والذي عليه أهل العلم والمعرفة بالله أن ذكر اليد وإضافتها إلى الله سبحانه ليست على جهة الجارحة، تعالى الله عن ذلك، ليس كمثله شيء. وذكر اليد في مثل هذا وغيره صفة من صفات الله لا جارحة. وقد اختلف في الترجمة عن ذلك: فقيل: معناه: لما خلقت بقدرتي. وقيل: بقوتي. وقيل: معناه: لما خلقته. وذكر اليدين تأكيد، والعرب إذا أضافت الفعل إلى الرجل ذكروا اليدين. تقول لمن جنى: هذا ما جنيته، وهذا ما جنته يداك. وقد قال الله عز وجل: ﴿فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ [الشورى: ٣٠] بمعنى: بما كسبتم. (فيضاف الفعل إلى اليد والمراد صاحب اليد). وإنما خُصَّتِ اليد بذلك لأن بها يبطش وبها يتناول. فجرى ذلك على عادة العرب. * * وقوله: ﴿أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ ٱلْعَالِينَ﴾، أي: أتعاظمت عن السجود لآدم أم كنت ذا علو وتكبر على ربك سبحانه ومعنى الكلام التوبيخ. قال ابن عباس: كان إبليس من أشراف الملائكة وكان خازن الجنان، وكان أميناً على السماء الدنيا والأرض ومن فيها، فأعجبته نفسه ورأى أن له فضلاً على الملائكة، ولم يعلم بذلك أحد إلا الله عز وجل يعني: علمه في سابق علمه قبل خلقه للأشياء، وعلمه متى يكون، وعلمه وقت حدوثه في نفس إبليس. فلما أمر الله عز وجل الملائكة بالسجود لآدم امتنع وتكبر. ثم قال تعالى حكاية عن قول إبليس: ﴿أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾، أي: لم أترك السجود استكباراً عليك، ولكن تركته لأني أفضل منه وأشرف، إذْ خَلْقِي من نار وخَلْقُه من طين، والنار تأكل الطين. وهذا كله تقريع من الله جل ذكره وتوبيخ للمشركين إذ أبوا الانقياد والإذعان لما جاءهم به محمد ﷺ واستكبروا عن أن يكونوا تَبَعاً له، فأعلمهم الله عز وجل قصة إبليس وهلاكه باستكباره وترك إذعانه لآدم. * * ثم قال تعالى: ﴿قَالَ فَٱخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ﴾، أي: أخرج من الجنة فإنك مرجوم، أي ملعون، وقيل: مرجوم بالكواكب والشعب. ﴿وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِيۤ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلدِّينِ﴾، أي: عليك إبعادي لك وطردي لك من الرحمة ومن الجنة إلى يوم يُدَانُ الناس بأعمالهم. ﴿قَالَ رَبِّ فَأَنظِرْنِيۤ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾، أي: قال: إبليس: يا رب أخِّرْنِي وَلاَ تَهْلِكني إلى يَوْم بعث خلقك من قبورهم. قال الله: ﴿فَإِنَّكَ مِنَ ٱلْمُنظَرِينَ﴾، أي: من المؤخرين ﴿إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْوَقْتِ ٱلْمَعْلُومِ﴾، فأخره الله عز وجل إلى وقت هلاكه وهو يوم يموت جميع الخلق ولم يؤخر إلى وقت بعث الخلق كما سأل. فأخره الله سبحانه تهاوناً له لأنه لا يضل إلا من تقدم في علم الله ضلاله. ثم قال تعالى حكاية عن قول إبليس: ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾، أي: قال إبليس: فبقدرتك وسلطانك، لأضلنهم باستدعائي إياهم إلى المعاصي. ﴿أَجْمَعِينَ * إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ ٱلْمُخْلَصِينَ﴾، أي: إلا عبادك الذين أخلصتهم لعبادتك وطاعتك، فلا سبيل لي إليهم. ومن كسر اللام، فمعناه: إلا عبادك الذين أخلصوا دينهم لك. * * ثم قال تعالى: ﴿قَالَ فَٱلْحَقُّ وَٱلْحَقَّ أَقُولُ﴾، أي: قال الله: فاتبعوا الحق، (أو: فاستمعوا) الحق. فهو مفعول به. ونصب "والحق أقول" على إعمال "أقول"، أي: وأقول الحق وقيل: نصبه على معنى: أحق الحق. وأجاز الفراء وأبو عبيد أن ينتصب على إعمال "لأملأن"، كأنه قال: لأملأن جهنم حقا. ومنعه غيرهما لأن ما بعد اللام لا يعمل فيها قبلها، ولا يجوز عند أحد: زَيْداً لأَضْرِبَنَّ. ومن رفع "فالحقُ" فعلى الابتداء، والخبر محذوف، أي: فالحق مني. أو على إضمار مبتدأ، أي: فأنا الحق. ويجوز أن يكون خبره "لأملأن". وأجاز الفراء "فالحقِّ" بالخفض على حذف حرف القسم كما تقول: الله لأفعلن، وأجازه سيبويه، وقيل: الفاء بدل من حرف القسم، قال مجاهد: معناه: أنا الحق والحق أقول. وقال ابن جريج: الحق مني والحق أقول. وقال السدي: "هو قسم أقسم الله به". ﴿لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ﴾، أي: من نفسك ومن ذريتك، وممن تبعك من بني آدم كلهم. * * ثم قال تعالى: ﴿قُلْ مَآ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ﴾، أي: قل يا محمد لمشركي قومك: ما أسألكم على ما جئتكم به من القرآن ثواباً وجزاءً. ﴿وَمَآ أَنَآ مِنَ ٱلْمُتَكَلِّفِينَ﴾، أي: ممن يتكلف القول من عند نفسه ويتخرصه. ﴿إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ﴾، أي: ما هذا القرآن الذي جئتكم به من عند الله إلا ذكر من الله يتذكر به جميع الخلق من الجن والإنس. ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينِ﴾، أي: ولتعلمن يا قريش وغيرهم من المشركين خبر هذا القرآن وحقيقته وما فيه من الوعد والوعيد يوم القيامة. قال ابن زيد: نَبَأَهُ، أي: صِدقَ ما جئتكم به من القرآن والنبوة. قال قتادة: بعد حين: "بعد الموت". قال الحسن: "ابن آدم، عند الموت يأتيك الخبر اليقين"، وعن السدي: بعد حين: يوم بدر، قال ابن زيد: بعد حين: "يوم القيامة".

ص 38:72

قوله: تعالى ذكره: ﴿إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ﴾، إلى آخر السورة - أي ما كان لي من علم بالملأ الأعلى إذ يختصمون حين قال ربك للملائكة ﴿إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِّن طِينٍ﴾، يعني بذلك خلق آدم ﷺ. * * ثم قال: ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ﴾، أي: سويت خلقه وصورته ونفخت فيه من روحي، قال الضحاك: من روحي: من قدرتي. والأحسن في هذا وما جانسه أن يقال: إنه تعالى أضاف الروح إلى نفسه لأنه إضافة (خلق إلى خالق). فالروح خلق الله أضافه إلى نفسه، على إضافة الخلق إلى الخالق، كما يقال: ﴿هَـٰذَا خَلْقُ ٱللَّهِ﴾ [لقمان: ١١] و ﴿أَرْضُ ٱللَّهِ﴾ [النساء: ٩٧] و "سماء الله"، وشبهه كثير في القرآن، فهو كله على هذا المعنى. هذا قول أهل النظر والتحقيق فافهمه. * * قوله: ﴿فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ﴾، أي: خروا له سجوداً. ﴿فَسَجَدَ ٱلْمَلاَئِكَةُ كُـلُّهُمْ أَجْمَعُونَ﴾، يعني: ملائكة السماوات والأرض. ﴿إِلاَّ إِبْلِيسَ ٱسْتَكْبَرَ﴾، أي: تعاظم وتكبَّر عن السجود. ﴿وَكَانَ مِنَ ٱلْكَافِرِينَ﴾، أي: ممن كفر في علم الله السابق، قاله ابن عباس. * * ثم قال: ﴿قَالَ يٰإِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾، أي: قال الله عز وجل لإبليس: (يا إبليس)، أي: شيء منعك من السجود لآدم الذي خلقته بيدي. قال ابن عمر: خلق الله أربعة بيده: العرش وعدن والقلم وآدم، ثم قال لكل شيء كن فكان. والذي عليه أهل العلم والمعرفة بالله أن ذكر اليد وإضافتها إلى الله سبحانه ليست على جهة الجارحة، تعالى الله عن ذلك، ليس كمثله شيء. وذكر اليد في مثل هذا وغيره صفة من صفات الله لا جارحة. وقد اختلف في الترجمة عن ذلك: فقيل: معناه: لما خلقت بقدرتي. وقيل: بقوتي. وقيل: معناه: لما خلقته. وذكر اليدين تأكيد، والعرب إذا أضافت الفعل إلى الرجل ذكروا اليدين. تقول لمن جنى: هذا ما جنيته، وهذا ما جنته يداك. وقد قال الله عز وجل: ﴿فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ [الشورى: ٣٠] بمعنى: بما كسبتم. (فيضاف الفعل إلى اليد والمراد صاحب اليد). وإنما خُصَّتِ اليد بذلك لأن بها يبطش وبها يتناول. فجرى ذلك على عادة العرب. * * وقوله: ﴿أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ ٱلْعَالِينَ﴾، أي: أتعاظمت عن السجود لآدم أم كنت ذا علو وتكبر على ربك سبحانه ومعنى الكلام التوبيخ. قال ابن عباس: كان إبليس من أشراف الملائكة وكان خازن الجنان، وكان أميناً على السماء الدنيا والأرض ومن فيها، فأعجبته نفسه ورأى أن له فضلاً على الملائكة، ولم يعلم بذلك أحد إلا الله عز وجل يعني: علمه في سابق علمه قبل خلقه للأشياء، وعلمه متى يكون، وعلمه وقت حدوثه في نفس إبليس. فلما أمر الله عز وجل الملائكة بالسجود لآدم امتنع وتكبر. ثم قال تعالى حكاية عن قول إبليس: ﴿أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾، أي: لم أترك السجود استكباراً عليك، ولكن تركته لأني أفضل منه وأشرف، إذْ خَلْقِي من نار وخَلْقُه من طين، والنار تأكل الطين. وهذا كله تقريع من الله جل ذكره وتوبيخ للمشركين إذ أبوا الانقياد والإذعان لما جاءهم به محمد ﷺ واستكبروا عن أن يكونوا تَبَعاً له، فأعلمهم الله عز وجل قصة إبليس وهلاكه باستكباره وترك إذعانه لآدم. * * ثم قال تعالى: ﴿قَالَ فَٱخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ﴾، أي: أخرج من الجنة فإنك مرجوم، أي ملعون، وقيل: مرجوم بالكواكب والشعب. ﴿وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِيۤ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلدِّينِ﴾، أي: عليك إبعادي لك وطردي لك من الرحمة ومن الجنة إلى يوم يُدَانُ الناس بأعمالهم. ﴿قَالَ رَبِّ فَأَنظِرْنِيۤ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾، أي: قال: إبليس: يا رب أخِّرْنِي وَلاَ تَهْلِكني إلى يَوْم بعث خلقك من قبورهم. قال الله: ﴿فَإِنَّكَ مِنَ ٱلْمُنظَرِينَ﴾، أي: من المؤخرين ﴿إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْوَقْتِ ٱلْمَعْلُومِ﴾، فأخره الله عز وجل إلى وقت هلاكه وهو يوم يموت جميع الخلق ولم يؤخر إلى وقت بعث الخلق كما سأل. فأخره الله سبحانه تهاوناً له لأنه لا يضل إلا من تقدم في علم الله ضلاله. ثم قال تعالى حكاية عن قول إبليس: ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾، أي: قال إبليس: فبقدرتك وسلطانك، لأضلنهم باستدعائي إياهم إلى المعاصي. ﴿أَجْمَعِينَ * إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ ٱلْمُخْلَصِينَ﴾، أي: إلا عبادك الذين أخلصتهم لعبادتك وطاعتك، فلا سبيل لي إليهم. ومن كسر اللام، فمعناه: إلا عبادك الذين أخلصوا دينهم لك. * * ثم قال تعالى: ﴿قَالَ فَٱلْحَقُّ وَٱلْحَقَّ أَقُولُ﴾، أي: قال الله: فاتبعوا الحق، (أو: فاستمعوا) الحق. فهو مفعول به. ونصب "والحق أقول" على إعمال "أقول"، أي: وأقول الحق وقيل: نصبه على معنى: أحق الحق. وأجاز الفراء وأبو عبيد أن ينتصب على إعمال "لأملأن"، كأنه قال: لأملأن جهنم حقا. ومنعه غيرهما لأن ما بعد اللام لا يعمل فيها قبلها، ولا يجوز عند أحد: زَيْداً لأَضْرِبَنَّ. ومن رفع "فالحقُ" فعلى الابتداء، والخبر محذوف، أي: فالحق مني. أو على إضمار مبتدأ، أي: فأنا الحق. ويجوز أن يكون خبره "لأملأن". وأجاز الفراء "فالحقِّ" بالخفض على حذف حرف القسم كما تقول: الله لأفعلن، وأجازه سيبويه، وقيل: الفاء بدل من حرف القسم، قال مجاهد: معناه: أنا الحق والحق أقول. وقال ابن جريج: الحق مني والحق أقول. وقال السدي: "هو قسم أقسم الله به". ﴿لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ﴾، أي: من نفسك ومن ذريتك، وممن تبعك من بني آدم كلهم. * * ثم قال تعالى: ﴿قُلْ مَآ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ﴾، أي: قل يا محمد لمشركي قومك: ما أسألكم على ما جئتكم به من القرآن ثواباً وجزاءً. ﴿وَمَآ أَنَآ مِنَ ٱلْمُتَكَلِّفِينَ﴾، أي: ممن يتكلف القول من عند نفسه ويتخرصه. ﴿إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ﴾، أي: ما هذا القرآن الذي جئتكم به من عند الله إلا ذكر من الله يتذكر به جميع الخلق من الجن والإنس. ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينِ﴾، أي: ولتعلمن يا قريش وغيرهم من المشركين خبر هذا القرآن وحقيقته وما فيه من الوعد والوعيد يوم القيامة. قال ابن زيد: نَبَأَهُ، أي: صِدقَ ما جئتكم به من القرآن والنبوة. قال قتادة: بعد حين: "بعد الموت". قال الحسن: "ابن آدم، عند الموت يأتيك الخبر اليقين"، وعن السدي: بعد حين: يوم بدر، قال ابن زيد: بعد حين: "يوم القيامة".

ص 38:73

قوله: تعالى ذكره: ﴿إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ﴾، إلى آخر السورة - أي ما كان لي من علم بالملأ الأعلى إذ يختصمون حين قال ربك للملائكة ﴿إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِّن طِينٍ﴾، يعني بذلك خلق آدم ﷺ. * * ثم قال: ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ﴾، أي: سويت خلقه وصورته ونفخت فيه من روحي، قال الضحاك: من روحي: من قدرتي. والأحسن في هذا وما جانسه أن يقال: إنه تعالى أضاف الروح إلى نفسه لأنه إضافة (خلق إلى خالق). فالروح خلق الله أضافه إلى نفسه، على إضافة الخلق إلى الخالق، كما يقال: ﴿هَـٰذَا خَلْقُ ٱللَّهِ﴾ [لقمان: ١١] و ﴿أَرْضُ ٱللَّهِ﴾ [النساء: ٩٧] و "سماء الله"، وشبهه كثير في القرآن، فهو كله على هذا المعنى. هذا قول أهل النظر والتحقيق فافهمه. * * قوله: ﴿فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ﴾، أي: خروا له سجوداً. ﴿فَسَجَدَ ٱلْمَلاَئِكَةُ كُـلُّهُمْ أَجْمَعُونَ﴾، يعني: ملائكة السماوات والأرض. ﴿إِلاَّ إِبْلِيسَ ٱسْتَكْبَرَ﴾، أي: تعاظم وتكبَّر عن السجود. ﴿وَكَانَ مِنَ ٱلْكَافِرِينَ﴾، أي: ممن كفر في علم الله السابق، قاله ابن عباس. * * ثم قال: ﴿قَالَ يٰإِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾، أي: قال الله عز وجل لإبليس: (يا إبليس)، أي: شيء منعك من السجود لآدم الذي خلقته بيدي. قال ابن عمر: خلق الله أربعة بيده: العرش وعدن والقلم وآدم، ثم قال لكل شيء كن فكان. والذي عليه أهل العلم والمعرفة بالله أن ذكر اليد وإضافتها إلى الله سبحانه ليست على جهة الجارحة، تعالى الله عن ذلك، ليس كمثله شيء. وذكر اليد في مثل هذا وغيره صفة من صفات الله لا جارحة. وقد اختلف في الترجمة عن ذلك: فقيل: معناه: لما خلقت بقدرتي. وقيل: بقوتي. وقيل: معناه: لما خلقته. وذكر اليدين تأكيد، والعرب إذا أضافت الفعل إلى الرجل ذكروا اليدين. تقول لمن جنى: هذا ما جنيته، وهذا ما جنته يداك. وقد قال الله عز وجل: ﴿فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ [الشورى: ٣٠] بمعنى: بما كسبتم. (فيضاف الفعل إلى اليد والمراد صاحب اليد). وإنما خُصَّتِ اليد بذلك لأن بها يبطش وبها يتناول. فجرى ذلك على عادة العرب. * * وقوله: ﴿أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ ٱلْعَالِينَ﴾، أي: أتعاظمت عن السجود لآدم أم كنت ذا علو وتكبر على ربك سبحانه ومعنى الكلام التوبيخ. قال ابن عباس: كان إبليس من أشراف الملائكة وكان خازن الجنان، وكان أميناً على السماء الدنيا والأرض ومن فيها، فأعجبته نفسه ورأى أن له فضلاً على الملائكة، ولم يعلم بذلك أحد إلا الله عز وجل يعني: علمه في سابق علمه قبل خلقه للأشياء، وعلمه متى يكون، وعلمه وقت حدوثه في نفس إبليس. فلما أمر الله عز وجل الملائكة بالسجود لآدم امتنع وتكبر. ثم قال تعالى حكاية عن قول إبليس: ﴿أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾، أي: لم أترك السجود استكباراً عليك، ولكن تركته لأني أفضل منه وأشرف، إذْ خَلْقِي من نار وخَلْقُه من طين، والنار تأكل الطين. وهذا كله تقريع من الله جل ذكره وتوبيخ للمشركين إذ أبوا الانقياد والإذعان لما جاءهم به محمد ﷺ واستكبروا عن أن يكونوا تَبَعاً له، فأعلمهم الله عز وجل قصة إبليس وهلاكه باستكباره وترك إذعانه لآدم. * * ثم قال تعالى: ﴿قَالَ فَٱخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ﴾، أي: أخرج من الجنة فإنك مرجوم، أي ملعون، وقيل: مرجوم بالكواكب والشعب. ﴿وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِيۤ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلدِّينِ﴾، أي: عليك إبعادي لك وطردي لك من الرحمة ومن الجنة إلى يوم يُدَانُ الناس بأعمالهم. ﴿قَالَ رَبِّ فَأَنظِرْنِيۤ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾، أي: قال: إبليس: يا رب أخِّرْنِي وَلاَ تَهْلِكني إلى يَوْم بعث خلقك من قبورهم. قال الله: ﴿فَإِنَّكَ مِنَ ٱلْمُنظَرِينَ﴾، أي: من المؤخرين ﴿إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْوَقْتِ ٱلْمَعْلُومِ﴾، فأخره الله عز وجل إلى وقت هلاكه وهو يوم يموت جميع الخلق ولم يؤخر إلى وقت بعث الخلق كما سأل. فأخره الله سبحانه تهاوناً له لأنه لا يضل إلا من تقدم في علم الله ضلاله. ثم قال تعالى حكاية عن قول إبليس: ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾، أي: قال إبليس: فبقدرتك وسلطانك، لأضلنهم باستدعائي إياهم إلى المعاصي. ﴿أَجْمَعِينَ * إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ ٱلْمُخْلَصِينَ﴾، أي: إلا عبادك الذين أخلصتهم لعبادتك وطاعتك، فلا سبيل لي إليهم. ومن كسر اللام، فمعناه: إلا عبادك الذين أخلصوا دينهم لك. * * ثم قال تعالى: ﴿قَالَ فَٱلْحَقُّ وَٱلْحَقَّ أَقُولُ﴾، أي: قال الله: فاتبعوا الحق، (أو: فاستمعوا) الحق. فهو مفعول به. ونصب "والحق أقول" على إعمال "أقول"، أي: وأقول الحق وقيل: نصبه على معنى: أحق الحق. وأجاز الفراء وأبو عبيد أن ينتصب على إعمال "لأملأن"، كأنه قال: لأملأن جهنم حقا. ومنعه غيرهما لأن ما بعد اللام لا يعمل فيها قبلها، ولا يجوز عند أحد: زَيْداً لأَضْرِبَنَّ. ومن رفع "فالحقُ" فعلى الابتداء، والخبر محذوف، أي: فالحق مني. أو على إضمار مبتدأ، أي: فأنا الحق. ويجوز أن يكون خبره "لأملأن". وأجاز الفراء "فالحقِّ" بالخفض على حذف حرف القسم كما تقول: الله لأفعلن، وأجازه سيبويه، وقيل: الفاء بدل من حرف القسم، قال مجاهد: معناه: أنا الحق والحق أقول. وقال ابن جريج: الحق مني والحق أقول. وقال السدي: "هو قسم أقسم الله به". ﴿لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ﴾، أي: من نفسك ومن ذريتك، وممن تبعك من بني آدم كلهم. * * ثم قال تعالى: ﴿قُلْ مَآ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ﴾، أي: قل يا محمد لمشركي قومك: ما أسألكم على ما جئتكم به من القرآن ثواباً وجزاءً. ﴿وَمَآ أَنَآ مِنَ ٱلْمُتَكَلِّفِينَ﴾، أي: ممن يتكلف القول من عند نفسه ويتخرصه. ﴿إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ﴾، أي: ما هذا القرآن الذي جئتكم به من عند الله إلا ذكر من الله يتذكر به جميع الخلق من الجن والإنس. ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينِ﴾، أي: ولتعلمن يا قريش وغيرهم من المشركين خبر هذا القرآن وحقيقته وما فيه من الوعد والوعيد يوم القيامة. قال ابن زيد: نَبَأَهُ، أي: صِدقَ ما جئتكم به من القرآن والنبوة. قال قتادة: بعد حين: "بعد الموت". قال الحسن: "ابن آدم، عند الموت يأتيك الخبر اليقين"، وعن السدي: بعد حين: يوم بدر، قال ابن زيد: بعد حين: "يوم القيامة".