Lafzullah

Tafsir Makhi — الزخرف 43:1 – الزخرف 43:75

المؤلف / المصدر: Tafsir Makhi

المحتويات
  1. الزخرف 43:1
  2. الزخرف 43:2
  3. الزخرف 43:3
  4. الزخرف 43:4
  5. الزخرف 43:5
  6. الزخرف 43:6
  7. الزخرف 43:7
  8. الزخرف 43:8
  9. الزخرف 43:9
  10. الزخرف 43:10
  11. الزخرف 43:11
  12. الزخرف 43:12
  13. الزخرف 43:13
  14. الزخرف 43:14
  15. الزخرف 43:15
  16. الزخرف 43:16
  17. الزخرف 43:17
  18. الزخرف 43:18
  19. الزخرف 43:19
  20. الزخرف 43:20
  21. الزخرف 43:21
  22. الزخرف 43:22
  23. الزخرف 43:23
  24. الزخرف 43:24
  25. الزخرف 43:25
  26. الزخرف 43:26
  27. الزخرف 43:27
  28. الزخرف 43:28
  29. الزخرف 43:29
  30. الزخرف 43:30
  31. الزخرف 43:31
  32. الزخرف 43:32
  33. الزخرف 43:33
  34. الزخرف 43:34
  35. الزخرف 43:35
  36. الزخرف 43:36
  37. الزخرف 43:37
  38. الزخرف 43:38
  39. الزخرف 43:39
  40. الزخرف 43:40
  41. الزخرف 43:41
  42. الزخرف 43:42
  43. الزخرف 43:43
  44. الزخرف 43:44
  45. الزخرف 43:45
  46. الزخرف 43:46
  47. الزخرف 43:47
  48. الزخرف 43:48
  49. الزخرف 43:49
  50. الزخرف 43:50
  51. الزخرف 43:51
  52. الزخرف 43:52
  53. الزخرف 43:53
  54. الزخرف 43:54
  55. الزخرف 43:55
  56. الزخرف 43:56
  57. الزخرف 43:57
  58. الزخرف 43:58
  59. الزخرف 43:59
  60. الزخرف 43:60
  61. الزخرف 43:61
  62. الزخرف 43:62
  63. الزخرف 43:63
  64. الزخرف 43:64
  65. الزخرف 43:65
  66. الزخرف 43:66
  67. الزخرف 43:67
  68. الزخرف 43:68
  69. الزخرف 43:69
  70. الزخرف 43:70
  71. الزخرف 43:71
  72. الزخرف 43:72
  73. الزخرف 43:73
  74. الزخرف 43:74
  75. الزخرف 43:75

الزخرف 43:1

قوله تعالى: ﴿حـمۤ * وَٱلْكِتَابِ ٱلْمُبِينِ﴾ إلى قوله ﴿وَمَضَىٰ مَثَلُ ٱلأَوَّلِينَ﴾ قد تقدم ذكر حم. * * وقوله: ﴿وَٱلْكِتَابِ ٱلْمُبِينِ﴾: قسم، أي: المبين لمن تديره وفكر في عبره وعظاته. * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً﴾، أي: أنزلناه بلسان العرب إذ كنتم أيها المنذرون به من العرب. "وجعلناه" هنا، يتعدى إلى مفعولين، "فالهاء" الأول، "وقرآنا" الثاني. وهذا مما يدل على نقض قول أهل البدع: إنه بمعنى خلقنا. إذ لو كان بمعنى خلقنا؟ لم يتعد إلا إلى مفعول واحد. ومثله قوله تعالى: ﴿ٱلَّذِينَ جَعَلُواْ ٱلْقُرْآنَ عِضِينَ﴾ [الحجر: ٩١]، فلو كان بمعنى "خلق" لصار المعنى أنهم خلقوا القرآن، وهذا محال. ولم يُلْقِهِم في هذا الخطأ العظيم، والجهل الظاهر إلا قلّة علمهم بتصاريف اللغات وضعفهم في معرفة الإعراب. * * وقوله: ﴿لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾، معناه: أنزلنا القرآن بلسانكم لتعقلوا معانيه ومواعظَه، ولم ننزله بلسان العجم فتقولوا نحن عَرَبٌ، وهذا كلام لا نفقه معانيَه. قال قتادة: "والكتاب المبين: مبين - والله - بركته وهداه ورشده". وقيل: المبين، أي: أبان الهدى من الضلالة، والحق من الباطل. * * ثم قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ فِيۤ أُمِّ ٱلْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾، أي: وإن القرآن في أم الكتاب، يعني: اللوح المحفوظ: وأم الكتاب: أصله. فالقرآن مثبت عند الله جل وعز في اللوح المحفوظ، ومن اللوح المحفوظ نُسِخَ. * * وقوله: ﴿لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾، أي: عندنا لذو علو ورفعة وقيل معنى "عَلِيٌّ": قاهر لا يقدر أحد أن يدفعه ويبطله، معجز لا يؤتى بمثله، حكيم أحكمت آياته ثم فصلت، فهو ذو حكمة. وقيل: حكيم، أي: محكم في أحكامه ووصفه. قال ابن عباس: "أو لما خلق الله عز وجل القلم: أمره أن يكتب ما يريد أن يخلق. قال: فالكتاب عنده. روى مالك عن (عمران عن) عكرمة أنه قال "أم الكتاب القرآن". * * ثم قال تعالى: ﴿أَفَنَضْرِبُ عَنكُمُ ٱلذِّكْرَ صَفْحاً﴾ "صفحاً" مصدر، كأنه قال: أفنصفح عنكم صفحاً. وقيل: هو مصدر في موضع الحال، كأنه قال: أفنضرب عنكم الذكر صافحين. كما تقول: جاء زيد مشياً، أي: ماشياً. ويجوز أن يكون صفحا بمعنى: ذو صفح، كما تقول: رجل عدل (ورضى أي: عادل وراضٍ)، وذو عدل وذو رضى. يقال: أضربت عنك بمعنى: أعرضت عنك وتركتك. والمعنى: أفنعرض عنكم أيها الناس ونترككم سدى لا نذكركم بعقابنا من أجل أنكم قوم مشركون. قال مجاهد: معناه، أفتكذبون بالقرآن ولا تعاقبون. وقال السدي: معناه: "أفنضرب عنكم العذاب". وقال ابن عباس: معناه: "أحسبتم أن نصفح عنكم ولما تفعلوا ما أمرتم به". وقال قتادة: (معنى): ﴿أَفَنَضْرِبُ عَنكُمُ ٱلذِّكْرَ صَفْحاً أَن كُنتُمْ قَوْماً مُّسْرِفِينَ﴾، أي: مشركين ، والله لو كان هذا القرآن "رفع حين رده أوائل هذه الأمة لهلكوا، ولكن الله عاد بعائدته ورحمته فكرره عليهم فدعاهم إليه عشرين سنة أو ما شاء الله من ذلك". قال الضحاك: الذكر هنا: القرآن، وقال أبو صالح: الذكر: العذاب. وقيل: "الذكر: التذكير". والمعنى: أفنترك تذكيركم بهذا القرآن فلا نذكركم به عقاب الله وثوابه لأن كنتم قوما مسرفين. وهو مروي عن ابن عباس. فيكون المعنى: فنهملكم (ونذكركم) سدى ولا نذكركم (لأنكم) كنتم قوماً مسرفين. وهذا كله على قراءة من فتح "أن"، فأما من كسر "أن" فقد رده أبو حاتم وغيره، لأنهم إنما وبخوا على شيء قد ثبت ومضى؛ فهذا موضع المفتوحة لأنها لما مضى. والمكسورة معناها لما يأتي. فكيف يوبخون على شيء لم يفعلوه بعد. والكسر عند الخليل وسيبويه والكسائي والفراء جيد حسن، ومعناه الحال عند الزجاج لأن في الكلام معنى التقرير والتوبيخ. وقال سيبويه: سألت الخليل عن (قول الشاعر وهو) الفرزدق: ؎ أَتَغْضَبُ أَنْ أُذْنَا قُتَيْبَة حُزَّتَا ∗∗∗ جِهَاراً وَلَمْ تَغْضضْ لِقَتْلِ ابْنِ حَازِمِ. فقال: هي مكسورة لأنه قبيح أن يفصل بين أن والفعل، يريد أنّ "أَنْ" المفتوحة لا يفرق بينها وبين الفعل وهو "حزتا". وأن المكسورة يجوز ذلك فيها على إضمار فعل آخر، قال الله جل ذكره: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ٱسْتَجَارَكَ﴾ (أي: وإن استجارك أحد من المشركين استجارك). فعلى هذا التقدير البيت إن كسرت والتقدير: إن حُزَّتْ أُذْنَا قُتَيْبَة حُزَّتَا. ويجوز عند كثير من النحويين أن تكسر الألف. ويكون المعنى للماضي في البنية واللفظ للاستقبال. وعلى ذلك قرأ أبو عمرو، وابن كثير: ﴿أَن صَدُّوكُمْ عَنِ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ﴾ [المائدة: ٢] بالكسر. وعلى ذلك يتأول قول الله جل ذكره ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَىٰ آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُواْ﴾ [الكهف: ٦] والكسر في هذا إجماع من القراء وتركهم للإيمان أَمْرٌ قَدْ تَقَدَّمَ وَكَانَ. فهو - لو حمل على نظائره - في موضع المفتوحة. ولم يقرأ به أحد. فدل ذلك على جواز الكسر وحسنه في هذه السورة وفي المائدة (وفي غيرها) على معنى: إن وقع ذلك. وعلى ذلك اختلف القراء في قوله: ﴿وَٱمْرَأَةً مُّؤْمِنَةً إِن وَهَبَتْ نَفْسَهَا﴾ [الأحزاب: ٥٠]. والمشهورون من القراء على الكسر أجمعوا. وقد قرئ بالفتح على أنه أمر قد كان وانقضى. والكسر على معنى: إن وقع ذلك فيما يستقبل، وعلى هذا يجوز في البيت الكسر وفي (الآيات المذكورات). * * ثم قال تعالى: ﴿وَكَمْ أَرْسَلْنَا مِن نَّبِيٍّ فِي ٱلأَوَّلِينَ﴾، أي: وكثيراً أرسلنا من الأنبياء في الأمم الماضية كما أرسلناك يا محمد إلى قومك. ﴿وَمَا يَأْتِيهِم مِّنْ نَّبِيٍّ إِلاَّ كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾، أي: ما يأتي الأمم الماضية من نبي يدعوهم إلى الهدى إلا كذبوه واستهزءوا به كما استهزأ بك قومك يا محمد. فلا يعظمن عليك ما يفعل بك قومك، فإنما سلكوا طريق من مضى من الأمم المكذبة لرسلها. فهذا نص يُسَلِّي الله عز وجل به نبيه ﷺ ويصبره على ما يلقى من المكذبين له، ويعلمه أنه قد فُعِلَ ذلك بمن بُعِثَ قبله من الأنبياء. * * ثم قال تعالى: ﴿فَأَهْلَكْنَآ أَشَدَّ مِنْهُم بَطْشاً﴾، أي: فأهلكنا الأمم الماضية على تكذيبهم واستهزائهم بالرسل وهم أشد من قومك قوة وآثاراً وتصرفاً في الأرض، فلم يمتنعوا من العذاب لما أتاهم. فكذلك نصنع بقومك - على نقص قوتهم عمن تقدمهم - والتقدير: فأهلكنا أمماً أشد من قريش بطشاً، فقريش أحرى ألا يقدروا على الامتناع إذا حلت بهم العقوبة لضعفهم ونقص حالهم عمن تقدم. * * ثم قال: ﴿وَمَضَىٰ مَثَلُ ٱلأَوَّلِينَ﴾، أي: ومضى لهؤلاء المشركين المستهزئين بك، يا محمد مثل (ما مضى للأمم) قبلهم من العقوبات إن أقاموا على شركهم وتكذيبهم لك. قال قتادة: ﴿مَثَلُ ٱلأَوَّلِينَ﴾: عقوبتنا لهم. وقال مجاهد: سنتنافيهم. وقيل: "مثل" هنا، بمعنى: صفة، أي: صفتهم بأنهم أهلكوا على كفرهم.

الزخرف 43:2

قوله تعالى: ﴿حـمۤ * وَٱلْكِتَابِ ٱلْمُبِينِ﴾ إلى قوله ﴿وَمَضَىٰ مَثَلُ ٱلأَوَّلِينَ﴾ قد تقدم ذكر حم. * * وقوله: ﴿وَٱلْكِتَابِ ٱلْمُبِينِ﴾: قسم، أي: المبين لمن تديره وفكر في عبره وعظاته. * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً﴾، أي: أنزلناه بلسان العرب إذ كنتم أيها المنذرون به من العرب. "وجعلناه" هنا، يتعدى إلى مفعولين، "فالهاء" الأول، "وقرآنا" الثاني. وهذا مما يدل على نقض قول أهل البدع: إنه بمعنى خلقنا. إذ لو كان بمعنى خلقنا؟ لم يتعد إلا إلى مفعول واحد. ومثله قوله تعالى: ﴿ٱلَّذِينَ جَعَلُواْ ٱلْقُرْآنَ عِضِينَ﴾ [الحجر: ٩١]، فلو كان بمعنى "خلق" لصار المعنى أنهم خلقوا القرآن، وهذا محال. ولم يُلْقِهِم في هذا الخطأ العظيم، والجهل الظاهر إلا قلّة علمهم بتصاريف اللغات وضعفهم في معرفة الإعراب. * * وقوله: ﴿لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾، معناه: أنزلنا القرآن بلسانكم لتعقلوا معانيه ومواعظَه، ولم ننزله بلسان العجم فتقولوا نحن عَرَبٌ، وهذا كلام لا نفقه معانيَه. قال قتادة: "والكتاب المبين: مبين - والله - بركته وهداه ورشده". وقيل: المبين، أي: أبان الهدى من الضلالة، والحق من الباطل. * * ثم قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ فِيۤ أُمِّ ٱلْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾، أي: وإن القرآن في أم الكتاب، يعني: اللوح المحفوظ: وأم الكتاب: أصله. فالقرآن مثبت عند الله جل وعز في اللوح المحفوظ، ومن اللوح المحفوظ نُسِخَ. * * وقوله: ﴿لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾، أي: عندنا لذو علو ورفعة وقيل معنى "عَلِيٌّ": قاهر لا يقدر أحد أن يدفعه ويبطله، معجز لا يؤتى بمثله، حكيم أحكمت آياته ثم فصلت، فهو ذو حكمة. وقيل: حكيم، أي: محكم في أحكامه ووصفه. قال ابن عباس: "أو لما خلق الله عز وجل القلم: أمره أن يكتب ما يريد أن يخلق. قال: فالكتاب عنده. روى مالك عن (عمران عن) عكرمة أنه قال "أم الكتاب القرآن". * * ثم قال تعالى: ﴿أَفَنَضْرِبُ عَنكُمُ ٱلذِّكْرَ صَفْحاً﴾ "صفحاً" مصدر، كأنه قال: أفنصفح عنكم صفحاً. وقيل: هو مصدر في موضع الحال، كأنه قال: أفنضرب عنكم الذكر صافحين. كما تقول: جاء زيد مشياً، أي: ماشياً. ويجوز أن يكون صفحا بمعنى: ذو صفح، كما تقول: رجل عدل (ورضى أي: عادل وراضٍ)، وذو عدل وذو رضى. يقال: أضربت عنك بمعنى: أعرضت عنك وتركتك. والمعنى: أفنعرض عنكم أيها الناس ونترككم سدى لا نذكركم بعقابنا من أجل أنكم قوم مشركون. قال مجاهد: معناه، أفتكذبون بالقرآن ولا تعاقبون. وقال السدي: معناه: "أفنضرب عنكم العذاب". وقال ابن عباس: معناه: "أحسبتم أن نصفح عنكم ولما تفعلوا ما أمرتم به". وقال قتادة: (معنى): ﴿أَفَنَضْرِبُ عَنكُمُ ٱلذِّكْرَ صَفْحاً أَن كُنتُمْ قَوْماً مُّسْرِفِينَ﴾، أي: مشركين ، والله لو كان هذا القرآن "رفع حين رده أوائل هذه الأمة لهلكوا، ولكن الله عاد بعائدته ورحمته فكرره عليهم فدعاهم إليه عشرين سنة أو ما شاء الله من ذلك". قال الضحاك: الذكر هنا: القرآن، وقال أبو صالح: الذكر: العذاب. وقيل: "الذكر: التذكير". والمعنى: أفنترك تذكيركم بهذا القرآن فلا نذكركم به عقاب الله وثوابه لأن كنتم قوما مسرفين. وهو مروي عن ابن عباس. فيكون المعنى: فنهملكم (ونذكركم) سدى ولا نذكركم (لأنكم) كنتم قوماً مسرفين. وهذا كله على قراءة من فتح "أن"، فأما من كسر "أن" فقد رده أبو حاتم وغيره، لأنهم إنما وبخوا على شيء قد ثبت ومضى؛ فهذا موضع المفتوحة لأنها لما مضى. والمكسورة معناها لما يأتي. فكيف يوبخون على شيء لم يفعلوه بعد. والكسر عند الخليل وسيبويه والكسائي والفراء جيد حسن، ومعناه الحال عند الزجاج لأن في الكلام معنى التقرير والتوبيخ. وقال سيبويه: سألت الخليل عن (قول الشاعر وهو) الفرزدق: ؎ أَتَغْضَبُ أَنْ أُذْنَا قُتَيْبَة حُزَّتَا ∗∗∗ جِهَاراً وَلَمْ تَغْضضْ لِقَتْلِ ابْنِ حَازِمِ. فقال: هي مكسورة لأنه قبيح أن يفصل بين أن والفعل، يريد أنّ "أَنْ" المفتوحة لا يفرق بينها وبين الفعل وهو "حزتا". وأن المكسورة يجوز ذلك فيها على إضمار فعل آخر، قال الله جل ذكره: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ٱسْتَجَارَكَ﴾ (أي: وإن استجارك أحد من المشركين استجارك). فعلى هذا التقدير البيت إن كسرت والتقدير: إن حُزَّتْ أُذْنَا قُتَيْبَة حُزَّتَا. ويجوز عند كثير من النحويين أن تكسر الألف. ويكون المعنى للماضي في البنية واللفظ للاستقبال. وعلى ذلك قرأ أبو عمرو، وابن كثير: ﴿أَن صَدُّوكُمْ عَنِ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ﴾ [المائدة: ٢] بالكسر. وعلى ذلك يتأول قول الله جل ذكره ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَىٰ آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُواْ﴾ [الكهف: ٦] والكسر في هذا إجماع من القراء وتركهم للإيمان أَمْرٌ قَدْ تَقَدَّمَ وَكَانَ. فهو - لو حمل على نظائره - في موضع المفتوحة. ولم يقرأ به أحد. فدل ذلك على جواز الكسر وحسنه في هذه السورة وفي المائدة (وفي غيرها) على معنى: إن وقع ذلك. وعلى ذلك اختلف القراء في قوله: ﴿وَٱمْرَأَةً مُّؤْمِنَةً إِن وَهَبَتْ نَفْسَهَا﴾ [الأحزاب: ٥٠]. والمشهورون من القراء على الكسر أجمعوا. وقد قرئ بالفتح على أنه أمر قد كان وانقضى. والكسر على معنى: إن وقع ذلك فيما يستقبل، وعلى هذا يجوز في البيت الكسر وفي (الآيات المذكورات). * * ثم قال تعالى: ﴿وَكَمْ أَرْسَلْنَا مِن نَّبِيٍّ فِي ٱلأَوَّلِينَ﴾، أي: وكثيراً أرسلنا من الأنبياء في الأمم الماضية كما أرسلناك يا محمد إلى قومك. ﴿وَمَا يَأْتِيهِم مِّنْ نَّبِيٍّ إِلاَّ كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾، أي: ما يأتي الأمم الماضية من نبي يدعوهم إلى الهدى إلا كذبوه واستهزءوا به كما استهزأ بك قومك يا محمد. فلا يعظمن عليك ما يفعل بك قومك، فإنما سلكوا طريق من مضى من الأمم المكذبة لرسلها. فهذا نص يُسَلِّي الله عز وجل به نبيه ﷺ ويصبره على ما يلقى من المكذبين له، ويعلمه أنه قد فُعِلَ ذلك بمن بُعِثَ قبله من الأنبياء. * * ثم قال تعالى: ﴿فَأَهْلَكْنَآ أَشَدَّ مِنْهُم بَطْشاً﴾، أي: فأهلكنا الأمم الماضية على تكذيبهم واستهزائهم بالرسل وهم أشد من قومك قوة وآثاراً وتصرفاً في الأرض، فلم يمتنعوا من العذاب لما أتاهم. فكذلك نصنع بقومك - على نقص قوتهم عمن تقدمهم - والتقدير: فأهلكنا أمماً أشد من قريش بطشاً، فقريش أحرى ألا يقدروا على الامتناع إذا حلت بهم العقوبة لضعفهم ونقص حالهم عمن تقدم. * * ثم قال: ﴿وَمَضَىٰ مَثَلُ ٱلأَوَّلِينَ﴾، أي: ومضى لهؤلاء المشركين المستهزئين بك، يا محمد مثل (ما مضى للأمم) قبلهم من العقوبات إن أقاموا على شركهم وتكذيبهم لك. قال قتادة: ﴿مَثَلُ ٱلأَوَّلِينَ﴾: عقوبتنا لهم. وقال مجاهد: سنتنافيهم. وقيل: "مثل" هنا، بمعنى: صفة، أي: صفتهم بأنهم أهلكوا على كفرهم.

الزخرف 43:3

قوله تعالى: ﴿حـمۤ * وَٱلْكِتَابِ ٱلْمُبِينِ﴾ إلى قوله ﴿وَمَضَىٰ مَثَلُ ٱلأَوَّلِينَ﴾ قد تقدم ذكر حم. * * وقوله: ﴿وَٱلْكِتَابِ ٱلْمُبِينِ﴾: قسم، أي: المبين لمن تديره وفكر في عبره وعظاته. * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً﴾، أي: أنزلناه بلسان العرب إذ كنتم أيها المنذرون به من العرب. "وجعلناه" هنا، يتعدى إلى مفعولين، "فالهاء" الأول، "وقرآنا" الثاني. وهذا مما يدل على نقض قول أهل البدع: إنه بمعنى خلقنا. إذ لو كان بمعنى خلقنا؟ لم يتعد إلا إلى مفعول واحد. ومثله قوله تعالى: ﴿ٱلَّذِينَ جَعَلُواْ ٱلْقُرْآنَ عِضِينَ﴾ [الحجر: ٩١]، فلو كان بمعنى "خلق" لصار المعنى أنهم خلقوا القرآن، وهذا محال. ولم يُلْقِهِم في هذا الخطأ العظيم، والجهل الظاهر إلا قلّة علمهم بتصاريف اللغات وضعفهم في معرفة الإعراب. * * وقوله: ﴿لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾، معناه: أنزلنا القرآن بلسانكم لتعقلوا معانيه ومواعظَه، ولم ننزله بلسان العجم فتقولوا نحن عَرَبٌ، وهذا كلام لا نفقه معانيَه. قال قتادة: "والكتاب المبين: مبين - والله - بركته وهداه ورشده". وقيل: المبين، أي: أبان الهدى من الضلالة، والحق من الباطل. * * ثم قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ فِيۤ أُمِّ ٱلْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾، أي: وإن القرآن في أم الكتاب، يعني: اللوح المحفوظ: وأم الكتاب: أصله. فالقرآن مثبت عند الله جل وعز في اللوح المحفوظ، ومن اللوح المحفوظ نُسِخَ. * * وقوله: ﴿لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾، أي: عندنا لذو علو ورفعة وقيل معنى "عَلِيٌّ": قاهر لا يقدر أحد أن يدفعه ويبطله، معجز لا يؤتى بمثله، حكيم أحكمت آياته ثم فصلت، فهو ذو حكمة. وقيل: حكيم، أي: محكم في أحكامه ووصفه. قال ابن عباس: "أو لما خلق الله عز وجل القلم: أمره أن يكتب ما يريد أن يخلق. قال: فالكتاب عنده. روى مالك عن (عمران عن) عكرمة أنه قال "أم الكتاب القرآن". * * ثم قال تعالى: ﴿أَفَنَضْرِبُ عَنكُمُ ٱلذِّكْرَ صَفْحاً﴾ "صفحاً" مصدر، كأنه قال: أفنصفح عنكم صفحاً. وقيل: هو مصدر في موضع الحال، كأنه قال: أفنضرب عنكم الذكر صافحين. كما تقول: جاء زيد مشياً، أي: ماشياً. ويجوز أن يكون صفحا بمعنى: ذو صفح، كما تقول: رجل عدل (ورضى أي: عادل وراضٍ)، وذو عدل وذو رضى. يقال: أضربت عنك بمعنى: أعرضت عنك وتركتك. والمعنى: أفنعرض عنكم أيها الناس ونترككم سدى لا نذكركم بعقابنا من أجل أنكم قوم مشركون. قال مجاهد: معناه، أفتكذبون بالقرآن ولا تعاقبون. وقال السدي: معناه: "أفنضرب عنكم العذاب". وقال ابن عباس: معناه: "أحسبتم أن نصفح عنكم ولما تفعلوا ما أمرتم به". وقال قتادة: (معنى): ﴿أَفَنَضْرِبُ عَنكُمُ ٱلذِّكْرَ صَفْحاً أَن كُنتُمْ قَوْماً مُّسْرِفِينَ﴾، أي: مشركين ، والله لو كان هذا القرآن "رفع حين رده أوائل هذه الأمة لهلكوا، ولكن الله عاد بعائدته ورحمته فكرره عليهم فدعاهم إليه عشرين سنة أو ما شاء الله من ذلك". قال الضحاك: الذكر هنا: القرآن، وقال أبو صالح: الذكر: العذاب. وقيل: "الذكر: التذكير". والمعنى: أفنترك تذكيركم بهذا القرآن فلا نذكركم به عقاب الله وثوابه لأن كنتم قوما مسرفين. وهو مروي عن ابن عباس. فيكون المعنى: فنهملكم (ونذكركم) سدى ولا نذكركم (لأنكم) كنتم قوماً مسرفين. وهذا كله على قراءة من فتح "أن"، فأما من كسر "أن" فقد رده أبو حاتم وغيره، لأنهم إنما وبخوا على شيء قد ثبت ومضى؛ فهذا موضع المفتوحة لأنها لما مضى. والمكسورة معناها لما يأتي. فكيف يوبخون على شيء لم يفعلوه بعد. والكسر عند الخليل وسيبويه والكسائي والفراء جيد حسن، ومعناه الحال عند الزجاج لأن في الكلام معنى التقرير والتوبيخ. وقال سيبويه: سألت الخليل عن (قول الشاعر وهو) الفرزدق: ؎ أَتَغْضَبُ أَنْ أُذْنَا قُتَيْبَة حُزَّتَا ∗∗∗ جِهَاراً وَلَمْ تَغْضضْ لِقَتْلِ ابْنِ حَازِمِ. فقال: هي مكسورة لأنه قبيح أن يفصل بين أن والفعل، يريد أنّ "أَنْ" المفتوحة لا يفرق بينها وبين الفعل وهو "حزتا". وأن المكسورة يجوز ذلك فيها على إضمار فعل آخر، قال الله جل ذكره: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ٱسْتَجَارَكَ﴾ (أي: وإن استجارك أحد من المشركين استجارك). فعلى هذا التقدير البيت إن كسرت والتقدير: إن حُزَّتْ أُذْنَا قُتَيْبَة حُزَّتَا. ويجوز عند كثير من النحويين أن تكسر الألف. ويكون المعنى للماضي في البنية واللفظ للاستقبال. وعلى ذلك قرأ أبو عمرو، وابن كثير: ﴿أَن صَدُّوكُمْ عَنِ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ﴾ [المائدة: ٢] بالكسر. وعلى ذلك يتأول قول الله جل ذكره ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَىٰ آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُواْ﴾ [الكهف: ٦] والكسر في هذا إجماع من القراء وتركهم للإيمان أَمْرٌ قَدْ تَقَدَّمَ وَكَانَ. فهو - لو حمل على نظائره - في موضع المفتوحة. ولم يقرأ به أحد. فدل ذلك على جواز الكسر وحسنه في هذه السورة وفي المائدة (وفي غيرها) على معنى: إن وقع ذلك. وعلى ذلك اختلف القراء في قوله: ﴿وَٱمْرَأَةً مُّؤْمِنَةً إِن وَهَبَتْ نَفْسَهَا﴾ [الأحزاب: ٥٠]. والمشهورون من القراء على الكسر أجمعوا. وقد قرئ بالفتح على أنه أمر قد كان وانقضى. والكسر على معنى: إن وقع ذلك فيما يستقبل، وعلى هذا يجوز في البيت الكسر وفي (الآيات المذكورات). * * ثم قال تعالى: ﴿وَكَمْ أَرْسَلْنَا مِن نَّبِيٍّ فِي ٱلأَوَّلِينَ﴾، أي: وكثيراً أرسلنا من الأنبياء في الأمم الماضية كما أرسلناك يا محمد إلى قومك. ﴿وَمَا يَأْتِيهِم مِّنْ نَّبِيٍّ إِلاَّ كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾، أي: ما يأتي الأمم الماضية من نبي يدعوهم إلى الهدى إلا كذبوه واستهزءوا به كما استهزأ بك قومك يا محمد. فلا يعظمن عليك ما يفعل بك قومك، فإنما سلكوا طريق من مضى من الأمم المكذبة لرسلها. فهذا نص يُسَلِّي الله عز وجل به نبيه ﷺ ويصبره على ما يلقى من المكذبين له، ويعلمه أنه قد فُعِلَ ذلك بمن بُعِثَ قبله من الأنبياء. * * ثم قال تعالى: ﴿فَأَهْلَكْنَآ أَشَدَّ مِنْهُم بَطْشاً﴾، أي: فأهلكنا الأمم الماضية على تكذيبهم واستهزائهم بالرسل وهم أشد من قومك قوة وآثاراً وتصرفاً في الأرض، فلم يمتنعوا من العذاب لما أتاهم. فكذلك نصنع بقومك - على نقص قوتهم عمن تقدمهم - والتقدير: فأهلكنا أمماً أشد من قريش بطشاً، فقريش أحرى ألا يقدروا على الامتناع إذا حلت بهم العقوبة لضعفهم ونقص حالهم عمن تقدم. * * ثم قال: ﴿وَمَضَىٰ مَثَلُ ٱلأَوَّلِينَ﴾، أي: ومضى لهؤلاء المشركين المستهزئين بك، يا محمد مثل (ما مضى للأمم) قبلهم من العقوبات إن أقاموا على شركهم وتكذيبهم لك. قال قتادة: ﴿مَثَلُ ٱلأَوَّلِينَ﴾: عقوبتنا لهم. وقال مجاهد: سنتنافيهم. وقيل: "مثل" هنا، بمعنى: صفة، أي: صفتهم بأنهم أهلكوا على كفرهم.

الزخرف 43:4

قوله تعالى: ﴿حـمۤ * وَٱلْكِتَابِ ٱلْمُبِينِ﴾ إلى قوله ﴿وَمَضَىٰ مَثَلُ ٱلأَوَّلِينَ﴾ قد تقدم ذكر حم. * * وقوله: ﴿وَٱلْكِتَابِ ٱلْمُبِينِ﴾: قسم، أي: المبين لمن تديره وفكر في عبره وعظاته. * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً﴾، أي: أنزلناه بلسان العرب إذ كنتم أيها المنذرون به من العرب. "وجعلناه" هنا، يتعدى إلى مفعولين، "فالهاء" الأول، "وقرآنا" الثاني. وهذا مما يدل على نقض قول أهل البدع: إنه بمعنى خلقنا. إذ لو كان بمعنى خلقنا؟ لم يتعد إلا إلى مفعول واحد. ومثله قوله تعالى: ﴿ٱلَّذِينَ جَعَلُواْ ٱلْقُرْآنَ عِضِينَ﴾ [الحجر: ٩١]، فلو كان بمعنى "خلق" لصار المعنى أنهم خلقوا القرآن، وهذا محال. ولم يُلْقِهِم في هذا الخطأ العظيم، والجهل الظاهر إلا قلّة علمهم بتصاريف اللغات وضعفهم في معرفة الإعراب. * * وقوله: ﴿لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾، معناه: أنزلنا القرآن بلسانكم لتعقلوا معانيه ومواعظَه، ولم ننزله بلسان العجم فتقولوا نحن عَرَبٌ، وهذا كلام لا نفقه معانيَه. قال قتادة: "والكتاب المبين: مبين - والله - بركته وهداه ورشده". وقيل: المبين، أي: أبان الهدى من الضلالة، والحق من الباطل. * * ثم قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ فِيۤ أُمِّ ٱلْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾، أي: وإن القرآن في أم الكتاب، يعني: اللوح المحفوظ: وأم الكتاب: أصله. فالقرآن مثبت عند الله جل وعز في اللوح المحفوظ، ومن اللوح المحفوظ نُسِخَ. * * وقوله: ﴿لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾، أي: عندنا لذو علو ورفعة وقيل معنى "عَلِيٌّ": قاهر لا يقدر أحد أن يدفعه ويبطله، معجز لا يؤتى بمثله، حكيم أحكمت آياته ثم فصلت، فهو ذو حكمة. وقيل: حكيم، أي: محكم في أحكامه ووصفه. قال ابن عباس: "أو لما خلق الله عز وجل القلم: أمره أن يكتب ما يريد أن يخلق. قال: فالكتاب عنده. روى مالك عن (عمران عن) عكرمة أنه قال "أم الكتاب القرآن". * * ثم قال تعالى: ﴿أَفَنَضْرِبُ عَنكُمُ ٱلذِّكْرَ صَفْحاً﴾ "صفحاً" مصدر، كأنه قال: أفنصفح عنكم صفحاً. وقيل: هو مصدر في موضع الحال، كأنه قال: أفنضرب عنكم الذكر صافحين. كما تقول: جاء زيد مشياً، أي: ماشياً. ويجوز أن يكون صفحا بمعنى: ذو صفح، كما تقول: رجل عدل (ورضى أي: عادل وراضٍ)، وذو عدل وذو رضى. يقال: أضربت عنك بمعنى: أعرضت عنك وتركتك. والمعنى: أفنعرض عنكم أيها الناس ونترككم سدى لا نذكركم بعقابنا من أجل أنكم قوم مشركون. قال مجاهد: معناه، أفتكذبون بالقرآن ولا تعاقبون. وقال السدي: معناه: "أفنضرب عنكم العذاب". وقال ابن عباس: معناه: "أحسبتم أن نصفح عنكم ولما تفعلوا ما أمرتم به". وقال قتادة: (معنى): ﴿أَفَنَضْرِبُ عَنكُمُ ٱلذِّكْرَ صَفْحاً أَن كُنتُمْ قَوْماً مُّسْرِفِينَ﴾، أي: مشركين ، والله لو كان هذا القرآن "رفع حين رده أوائل هذه الأمة لهلكوا، ولكن الله عاد بعائدته ورحمته فكرره عليهم فدعاهم إليه عشرين سنة أو ما شاء الله من ذلك". قال الضحاك: الذكر هنا: القرآن، وقال أبو صالح: الذكر: العذاب. وقيل: "الذكر: التذكير". والمعنى: أفنترك تذكيركم بهذا القرآن فلا نذكركم به عقاب الله وثوابه لأن كنتم قوما مسرفين. وهو مروي عن ابن عباس. فيكون المعنى: فنهملكم (ونذكركم) سدى ولا نذكركم (لأنكم) كنتم قوماً مسرفين. وهذا كله على قراءة من فتح "أن"، فأما من كسر "أن" فقد رده أبو حاتم وغيره، لأنهم إنما وبخوا على شيء قد ثبت ومضى؛ فهذا موضع المفتوحة لأنها لما مضى. والمكسورة معناها لما يأتي. فكيف يوبخون على شيء لم يفعلوه بعد. والكسر عند الخليل وسيبويه والكسائي والفراء جيد حسن، ومعناه الحال عند الزجاج لأن في الكلام معنى التقرير والتوبيخ. وقال سيبويه: سألت الخليل عن (قول الشاعر وهو) الفرزدق: ؎ أَتَغْضَبُ أَنْ أُذْنَا قُتَيْبَة حُزَّتَا ∗∗∗ جِهَاراً وَلَمْ تَغْضضْ لِقَتْلِ ابْنِ حَازِمِ. فقال: هي مكسورة لأنه قبيح أن يفصل بين أن والفعل، يريد أنّ "أَنْ" المفتوحة لا يفرق بينها وبين الفعل وهو "حزتا". وأن المكسورة يجوز ذلك فيها على إضمار فعل آخر، قال الله جل ذكره: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ٱسْتَجَارَكَ﴾ (أي: وإن استجارك أحد من المشركين استجارك). فعلى هذا التقدير البيت إن كسرت والتقدير: إن حُزَّتْ أُذْنَا قُتَيْبَة حُزَّتَا. ويجوز عند كثير من النحويين أن تكسر الألف. ويكون المعنى للماضي في البنية واللفظ للاستقبال. وعلى ذلك قرأ أبو عمرو، وابن كثير: ﴿أَن صَدُّوكُمْ عَنِ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ﴾ [المائدة: ٢] بالكسر. وعلى ذلك يتأول قول الله جل ذكره ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَىٰ آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُواْ﴾ [الكهف: ٦] والكسر في هذا إجماع من القراء وتركهم للإيمان أَمْرٌ قَدْ تَقَدَّمَ وَكَانَ. فهو - لو حمل على نظائره - في موضع المفتوحة. ولم يقرأ به أحد. فدل ذلك على جواز الكسر وحسنه في هذه السورة وفي المائدة (وفي غيرها) على معنى: إن وقع ذلك. وعلى ذلك اختلف القراء في قوله: ﴿وَٱمْرَأَةً مُّؤْمِنَةً إِن وَهَبَتْ نَفْسَهَا﴾ [الأحزاب: ٥٠]. والمشهورون من القراء على الكسر أجمعوا. وقد قرئ بالفتح على أنه أمر قد كان وانقضى. والكسر على معنى: إن وقع ذلك فيما يستقبل، وعلى هذا يجوز في البيت الكسر وفي (الآيات المذكورات). * * ثم قال تعالى: ﴿وَكَمْ أَرْسَلْنَا مِن نَّبِيٍّ فِي ٱلأَوَّلِينَ﴾، أي: وكثيراً أرسلنا من الأنبياء في الأمم الماضية كما أرسلناك يا محمد إلى قومك. ﴿وَمَا يَأْتِيهِم مِّنْ نَّبِيٍّ إِلاَّ كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾، أي: ما يأتي الأمم الماضية من نبي يدعوهم إلى الهدى إلا كذبوه واستهزءوا به كما استهزأ بك قومك يا محمد. فلا يعظمن عليك ما يفعل بك قومك، فإنما سلكوا طريق من مضى من الأمم المكذبة لرسلها. فهذا نص يُسَلِّي الله عز وجل به نبيه ﷺ ويصبره على ما يلقى من المكذبين له، ويعلمه أنه قد فُعِلَ ذلك بمن بُعِثَ قبله من الأنبياء. * * ثم قال تعالى: ﴿فَأَهْلَكْنَآ أَشَدَّ مِنْهُم بَطْشاً﴾، أي: فأهلكنا الأمم الماضية على تكذيبهم واستهزائهم بالرسل وهم أشد من قومك قوة وآثاراً وتصرفاً في الأرض، فلم يمتنعوا من العذاب لما أتاهم. فكذلك نصنع بقومك - على نقص قوتهم عمن تقدمهم - والتقدير: فأهلكنا أمماً أشد من قريش بطشاً، فقريش أحرى ألا يقدروا على الامتناع إذا حلت بهم العقوبة لضعفهم ونقص حالهم عمن تقدم. * * ثم قال: ﴿وَمَضَىٰ مَثَلُ ٱلأَوَّلِينَ﴾، أي: ومضى لهؤلاء المشركين المستهزئين بك، يا محمد مثل (ما مضى للأمم) قبلهم من العقوبات إن أقاموا على شركهم وتكذيبهم لك. قال قتادة: ﴿مَثَلُ ٱلأَوَّلِينَ﴾: عقوبتنا لهم. وقال مجاهد: سنتنافيهم. وقيل: "مثل" هنا، بمعنى: صفة، أي: صفتهم بأنهم أهلكوا على كفرهم.

الزخرف 43:5

قوله تعالى: ﴿حـمۤ * وَٱلْكِتَابِ ٱلْمُبِينِ﴾ إلى قوله ﴿وَمَضَىٰ مَثَلُ ٱلأَوَّلِينَ﴾ قد تقدم ذكر حم. * * وقوله: ﴿وَٱلْكِتَابِ ٱلْمُبِينِ﴾: قسم، أي: المبين لمن تديره وفكر في عبره وعظاته. * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً﴾، أي: أنزلناه بلسان العرب إذ كنتم أيها المنذرون به من العرب. "وجعلناه" هنا، يتعدى إلى مفعولين، "فالهاء" الأول، "وقرآنا" الثاني. وهذا مما يدل على نقض قول أهل البدع: إنه بمعنى خلقنا. إذ لو كان بمعنى خلقنا؟ لم يتعد إلا إلى مفعول واحد. ومثله قوله تعالى: ﴿ٱلَّذِينَ جَعَلُواْ ٱلْقُرْآنَ عِضِينَ﴾ [الحجر: ٩١]، فلو كان بمعنى "خلق" لصار المعنى أنهم خلقوا القرآن، وهذا محال. ولم يُلْقِهِم في هذا الخطأ العظيم، والجهل الظاهر إلا قلّة علمهم بتصاريف اللغات وضعفهم في معرفة الإعراب. * * وقوله: ﴿لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾، معناه: أنزلنا القرآن بلسانكم لتعقلوا معانيه ومواعظَه، ولم ننزله بلسان العجم فتقولوا نحن عَرَبٌ، وهذا كلام لا نفقه معانيَه. قال قتادة: "والكتاب المبين: مبين - والله - بركته وهداه ورشده". وقيل: المبين، أي: أبان الهدى من الضلالة، والحق من الباطل. * * ثم قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ فِيۤ أُمِّ ٱلْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾، أي: وإن القرآن في أم الكتاب، يعني: اللوح المحفوظ: وأم الكتاب: أصله. فالقرآن مثبت عند الله جل وعز في اللوح المحفوظ، ومن اللوح المحفوظ نُسِخَ. * * وقوله: ﴿لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾، أي: عندنا لذو علو ورفعة وقيل معنى "عَلِيٌّ": قاهر لا يقدر أحد أن يدفعه ويبطله، معجز لا يؤتى بمثله، حكيم أحكمت آياته ثم فصلت، فهو ذو حكمة. وقيل: حكيم، أي: محكم في أحكامه ووصفه. قال ابن عباس: "أو لما خلق الله عز وجل القلم: أمره أن يكتب ما يريد أن يخلق. قال: فالكتاب عنده. روى مالك عن (عمران عن) عكرمة أنه قال "أم الكتاب القرآن". * * ثم قال تعالى: ﴿أَفَنَضْرِبُ عَنكُمُ ٱلذِّكْرَ صَفْحاً﴾ "صفحاً" مصدر، كأنه قال: أفنصفح عنكم صفحاً. وقيل: هو مصدر في موضع الحال، كأنه قال: أفنضرب عنكم الذكر صافحين. كما تقول: جاء زيد مشياً، أي: ماشياً. ويجوز أن يكون صفحا بمعنى: ذو صفح، كما تقول: رجل عدل (ورضى أي: عادل وراضٍ)، وذو عدل وذو رضى. يقال: أضربت عنك بمعنى: أعرضت عنك وتركتك. والمعنى: أفنعرض عنكم أيها الناس ونترككم سدى لا نذكركم بعقابنا من أجل أنكم قوم مشركون. قال مجاهد: معناه، أفتكذبون بالقرآن ولا تعاقبون. وقال السدي: معناه: "أفنضرب عنكم العذاب". وقال ابن عباس: معناه: "أحسبتم أن نصفح عنكم ولما تفعلوا ما أمرتم به". وقال قتادة: (معنى): ﴿أَفَنَضْرِبُ عَنكُمُ ٱلذِّكْرَ صَفْحاً أَن كُنتُمْ قَوْماً مُّسْرِفِينَ﴾، أي: مشركين ، والله لو كان هذا القرآن "رفع حين رده أوائل هذه الأمة لهلكوا، ولكن الله عاد بعائدته ورحمته فكرره عليهم فدعاهم إليه عشرين سنة أو ما شاء الله من ذلك". قال الضحاك: الذكر هنا: القرآن، وقال أبو صالح: الذكر: العذاب. وقيل: "الذكر: التذكير". والمعنى: أفنترك تذكيركم بهذا القرآن فلا نذكركم به عقاب الله وثوابه لأن كنتم قوما مسرفين. وهو مروي عن ابن عباس. فيكون المعنى: فنهملكم (ونذكركم) سدى ولا نذكركم (لأنكم) كنتم قوماً مسرفين. وهذا كله على قراءة من فتح "أن"، فأما من كسر "أن" فقد رده أبو حاتم وغيره، لأنهم إنما وبخوا على شيء قد ثبت ومضى؛ فهذا موضع المفتوحة لأنها لما مضى. والمكسورة معناها لما يأتي. فكيف يوبخون على شيء لم يفعلوه بعد. والكسر عند الخليل وسيبويه والكسائي والفراء جيد حسن، ومعناه الحال عند الزجاج لأن في الكلام معنى التقرير والتوبيخ. وقال سيبويه: سألت الخليل عن (قول الشاعر وهو) الفرزدق: ؎ أَتَغْضَبُ أَنْ أُذْنَا قُتَيْبَة حُزَّتَا ∗∗∗ جِهَاراً وَلَمْ تَغْضضْ لِقَتْلِ ابْنِ حَازِمِ. فقال: هي مكسورة لأنه قبيح أن يفصل بين أن والفعل، يريد أنّ "أَنْ" المفتوحة لا يفرق بينها وبين الفعل وهو "حزتا". وأن المكسورة يجوز ذلك فيها على إضمار فعل آخر، قال الله جل ذكره: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ٱسْتَجَارَكَ﴾ (أي: وإن استجارك أحد من المشركين استجارك). فعلى هذا التقدير البيت إن كسرت والتقدير: إن حُزَّتْ أُذْنَا قُتَيْبَة حُزَّتَا. ويجوز عند كثير من النحويين أن تكسر الألف. ويكون المعنى للماضي في البنية واللفظ للاستقبال. وعلى ذلك قرأ أبو عمرو، وابن كثير: ﴿أَن صَدُّوكُمْ عَنِ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ﴾ [المائدة: ٢] بالكسر. وعلى ذلك يتأول قول الله جل ذكره ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَىٰ آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُواْ﴾ [الكهف: ٦] والكسر في هذا إجماع من القراء وتركهم للإيمان أَمْرٌ قَدْ تَقَدَّمَ وَكَانَ. فهو - لو حمل على نظائره - في موضع المفتوحة. ولم يقرأ به أحد. فدل ذلك على جواز الكسر وحسنه في هذه السورة وفي المائدة (وفي غيرها) على معنى: إن وقع ذلك. وعلى ذلك اختلف القراء في قوله: ﴿وَٱمْرَأَةً مُّؤْمِنَةً إِن وَهَبَتْ نَفْسَهَا﴾ [الأحزاب: ٥٠]. والمشهورون من القراء على الكسر أجمعوا. وقد قرئ بالفتح على أنه أمر قد كان وانقضى. والكسر على معنى: إن وقع ذلك فيما يستقبل، وعلى هذا يجوز في البيت الكسر وفي (الآيات المذكورات). * * ثم قال تعالى: ﴿وَكَمْ أَرْسَلْنَا مِن نَّبِيٍّ فِي ٱلأَوَّلِينَ﴾، أي: وكثيراً أرسلنا من الأنبياء في الأمم الماضية كما أرسلناك يا محمد إلى قومك. ﴿وَمَا يَأْتِيهِم مِّنْ نَّبِيٍّ إِلاَّ كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾، أي: ما يأتي الأمم الماضية من نبي يدعوهم إلى الهدى إلا كذبوه واستهزءوا به كما استهزأ بك قومك يا محمد. فلا يعظمن عليك ما يفعل بك قومك، فإنما سلكوا طريق من مضى من الأمم المكذبة لرسلها. فهذا نص يُسَلِّي الله عز وجل به نبيه ﷺ ويصبره على ما يلقى من المكذبين له، ويعلمه أنه قد فُعِلَ ذلك بمن بُعِثَ قبله من الأنبياء. * * ثم قال تعالى: ﴿فَأَهْلَكْنَآ أَشَدَّ مِنْهُم بَطْشاً﴾، أي: فأهلكنا الأمم الماضية على تكذيبهم واستهزائهم بالرسل وهم أشد من قومك قوة وآثاراً وتصرفاً في الأرض، فلم يمتنعوا من العذاب لما أتاهم. فكذلك نصنع بقومك - على نقص قوتهم عمن تقدمهم - والتقدير: فأهلكنا أمماً أشد من قريش بطشاً، فقريش أحرى ألا يقدروا على الامتناع إذا حلت بهم العقوبة لضعفهم ونقص حالهم عمن تقدم. * * ثم قال: ﴿وَمَضَىٰ مَثَلُ ٱلأَوَّلِينَ﴾، أي: ومضى لهؤلاء المشركين المستهزئين بك، يا محمد مثل (ما مضى للأمم) قبلهم من العقوبات إن أقاموا على شركهم وتكذيبهم لك. قال قتادة: ﴿مَثَلُ ٱلأَوَّلِينَ﴾: عقوبتنا لهم. وقال مجاهد: سنتنافيهم. وقيل: "مثل" هنا، بمعنى: صفة، أي: صفتهم بأنهم أهلكوا على كفرهم.

الزخرف 43:6

قوله تعالى: ﴿حـمۤ * وَٱلْكِتَابِ ٱلْمُبِينِ﴾ إلى قوله ﴿وَمَضَىٰ مَثَلُ ٱلأَوَّلِينَ﴾ قد تقدم ذكر حم. * * وقوله: ﴿وَٱلْكِتَابِ ٱلْمُبِينِ﴾: قسم، أي: المبين لمن تديره وفكر في عبره وعظاته. * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً﴾، أي: أنزلناه بلسان العرب إذ كنتم أيها المنذرون به من العرب. "وجعلناه" هنا، يتعدى إلى مفعولين، "فالهاء" الأول، "وقرآنا" الثاني. وهذا مما يدل على نقض قول أهل البدع: إنه بمعنى خلقنا. إذ لو كان بمعنى خلقنا؟ لم يتعد إلا إلى مفعول واحد. ومثله قوله تعالى: ﴿ٱلَّذِينَ جَعَلُواْ ٱلْقُرْآنَ عِضِينَ﴾ [الحجر: ٩١]، فلو كان بمعنى "خلق" لصار المعنى أنهم خلقوا القرآن، وهذا محال. ولم يُلْقِهِم في هذا الخطأ العظيم، والجهل الظاهر إلا قلّة علمهم بتصاريف اللغات وضعفهم في معرفة الإعراب. * * وقوله: ﴿لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾، معناه: أنزلنا القرآن بلسانكم لتعقلوا معانيه ومواعظَه، ولم ننزله بلسان العجم فتقولوا نحن عَرَبٌ، وهذا كلام لا نفقه معانيَه. قال قتادة: "والكتاب المبين: مبين - والله - بركته وهداه ورشده". وقيل: المبين، أي: أبان الهدى من الضلالة، والحق من الباطل. * * ثم قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ فِيۤ أُمِّ ٱلْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾، أي: وإن القرآن في أم الكتاب، يعني: اللوح المحفوظ: وأم الكتاب: أصله. فالقرآن مثبت عند الله جل وعز في اللوح المحفوظ، ومن اللوح المحفوظ نُسِخَ. * * وقوله: ﴿لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾، أي: عندنا لذو علو ورفعة وقيل معنى "عَلِيٌّ": قاهر لا يقدر أحد أن يدفعه ويبطله، معجز لا يؤتى بمثله، حكيم أحكمت آياته ثم فصلت، فهو ذو حكمة. وقيل: حكيم، أي: محكم في أحكامه ووصفه. قال ابن عباس: "أو لما خلق الله عز وجل القلم: أمره أن يكتب ما يريد أن يخلق. قال: فالكتاب عنده. روى مالك عن (عمران عن) عكرمة أنه قال "أم الكتاب القرآن". * * ثم قال تعالى: ﴿أَفَنَضْرِبُ عَنكُمُ ٱلذِّكْرَ صَفْحاً﴾ "صفحاً" مصدر، كأنه قال: أفنصفح عنكم صفحاً. وقيل: هو مصدر في موضع الحال، كأنه قال: أفنضرب عنكم الذكر صافحين. كما تقول: جاء زيد مشياً، أي: ماشياً. ويجوز أن يكون صفحا بمعنى: ذو صفح، كما تقول: رجل عدل (ورضى أي: عادل وراضٍ)، وذو عدل وذو رضى. يقال: أضربت عنك بمعنى: أعرضت عنك وتركتك. والمعنى: أفنعرض عنكم أيها الناس ونترككم سدى لا نذكركم بعقابنا من أجل أنكم قوم مشركون. قال مجاهد: معناه، أفتكذبون بالقرآن ولا تعاقبون. وقال السدي: معناه: "أفنضرب عنكم العذاب". وقال ابن عباس: معناه: "أحسبتم أن نصفح عنكم ولما تفعلوا ما أمرتم به". وقال قتادة: (معنى): ﴿أَفَنَضْرِبُ عَنكُمُ ٱلذِّكْرَ صَفْحاً أَن كُنتُمْ قَوْماً مُّسْرِفِينَ﴾، أي: مشركين ، والله لو كان هذا القرآن "رفع حين رده أوائل هذه الأمة لهلكوا، ولكن الله عاد بعائدته ورحمته فكرره عليهم فدعاهم إليه عشرين سنة أو ما شاء الله من ذلك". قال الضحاك: الذكر هنا: القرآن، وقال أبو صالح: الذكر: العذاب. وقيل: "الذكر: التذكير". والمعنى: أفنترك تذكيركم بهذا القرآن فلا نذكركم به عقاب الله وثوابه لأن كنتم قوما مسرفين. وهو مروي عن ابن عباس. فيكون المعنى: فنهملكم (ونذكركم) سدى ولا نذكركم (لأنكم) كنتم قوماً مسرفين. وهذا كله على قراءة من فتح "أن"، فأما من كسر "أن" فقد رده أبو حاتم وغيره، لأنهم إنما وبخوا على شيء قد ثبت ومضى؛ فهذا موضع المفتوحة لأنها لما مضى. والمكسورة معناها لما يأتي. فكيف يوبخون على شيء لم يفعلوه بعد. والكسر عند الخليل وسيبويه والكسائي والفراء جيد حسن، ومعناه الحال عند الزجاج لأن في الكلام معنى التقرير والتوبيخ. وقال سيبويه: سألت الخليل عن (قول الشاعر وهو) الفرزدق: ؎ أَتَغْضَبُ أَنْ أُذْنَا قُتَيْبَة حُزَّتَا ∗∗∗ جِهَاراً وَلَمْ تَغْضضْ لِقَتْلِ ابْنِ حَازِمِ. فقال: هي مكسورة لأنه قبيح أن يفصل بين أن والفعل، يريد أنّ "أَنْ" المفتوحة لا يفرق بينها وبين الفعل وهو "حزتا". وأن المكسورة يجوز ذلك فيها على إضمار فعل آخر، قال الله جل ذكره: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ٱسْتَجَارَكَ﴾ (أي: وإن استجارك أحد من المشركين استجارك). فعلى هذا التقدير البيت إن كسرت والتقدير: إن حُزَّتْ أُذْنَا قُتَيْبَة حُزَّتَا. ويجوز عند كثير من النحويين أن تكسر الألف. ويكون المعنى للماضي في البنية واللفظ للاستقبال. وعلى ذلك قرأ أبو عمرو، وابن كثير: ﴿أَن صَدُّوكُمْ عَنِ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ﴾ [المائدة: ٢] بالكسر. وعلى ذلك يتأول قول الله جل ذكره ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَىٰ آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُواْ﴾ [الكهف: ٦] والكسر في هذا إجماع من القراء وتركهم للإيمان أَمْرٌ قَدْ تَقَدَّمَ وَكَانَ. فهو - لو حمل على نظائره - في موضع المفتوحة. ولم يقرأ به أحد. فدل ذلك على جواز الكسر وحسنه في هذه السورة وفي المائدة (وفي غيرها) على معنى: إن وقع ذلك. وعلى ذلك اختلف القراء في قوله: ﴿وَٱمْرَأَةً مُّؤْمِنَةً إِن وَهَبَتْ نَفْسَهَا﴾ [الأحزاب: ٥٠]. والمشهورون من القراء على الكسر أجمعوا. وقد قرئ بالفتح على أنه أمر قد كان وانقضى. والكسر على معنى: إن وقع ذلك فيما يستقبل، وعلى هذا يجوز في البيت الكسر وفي (الآيات المذكورات). * * ثم قال تعالى: ﴿وَكَمْ أَرْسَلْنَا مِن نَّبِيٍّ فِي ٱلأَوَّلِينَ﴾، أي: وكثيراً أرسلنا من الأنبياء في الأمم الماضية كما أرسلناك يا محمد إلى قومك. ﴿وَمَا يَأْتِيهِم مِّنْ نَّبِيٍّ إِلاَّ كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾، أي: ما يأتي الأمم الماضية من نبي يدعوهم إلى الهدى إلا كذبوه واستهزءوا به كما استهزأ بك قومك يا محمد. فلا يعظمن عليك ما يفعل بك قومك، فإنما سلكوا طريق من مضى من الأمم المكذبة لرسلها. فهذا نص يُسَلِّي الله عز وجل به نبيه ﷺ ويصبره على ما يلقى من المكذبين له، ويعلمه أنه قد فُعِلَ ذلك بمن بُعِثَ قبله من الأنبياء. * * ثم قال تعالى: ﴿فَأَهْلَكْنَآ أَشَدَّ مِنْهُم بَطْشاً﴾، أي: فأهلكنا الأمم الماضية على تكذيبهم واستهزائهم بالرسل وهم أشد من قومك قوة وآثاراً وتصرفاً في الأرض، فلم يمتنعوا من العذاب لما أتاهم. فكذلك نصنع بقومك - على نقص قوتهم عمن تقدمهم - والتقدير: فأهلكنا أمماً أشد من قريش بطشاً، فقريش أحرى ألا يقدروا على الامتناع إذا حلت بهم العقوبة لضعفهم ونقص حالهم عمن تقدم. * * ثم قال: ﴿وَمَضَىٰ مَثَلُ ٱلأَوَّلِينَ﴾، أي: ومضى لهؤلاء المشركين المستهزئين بك، يا محمد مثل (ما مضى للأمم) قبلهم من العقوبات إن أقاموا على شركهم وتكذيبهم لك. قال قتادة: ﴿مَثَلُ ٱلأَوَّلِينَ﴾: عقوبتنا لهم. وقال مجاهد: سنتنافيهم. وقيل: "مثل" هنا، بمعنى: صفة، أي: صفتهم بأنهم أهلكوا على كفرهم.

الزخرف 43:7

قوله تعالى: ﴿حـمۤ * وَٱلْكِتَابِ ٱلْمُبِينِ﴾ إلى قوله ﴿وَمَضَىٰ مَثَلُ ٱلأَوَّلِينَ﴾ قد تقدم ذكر حم. * * وقوله: ﴿وَٱلْكِتَابِ ٱلْمُبِينِ﴾: قسم، أي: المبين لمن تديره وفكر في عبره وعظاته. * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً﴾، أي: أنزلناه بلسان العرب إذ كنتم أيها المنذرون به من العرب. "وجعلناه" هنا، يتعدى إلى مفعولين، "فالهاء" الأول، "وقرآنا" الثاني. وهذا مما يدل على نقض قول أهل البدع: إنه بمعنى خلقنا. إذ لو كان بمعنى خلقنا؟ لم يتعد إلا إلى مفعول واحد. ومثله قوله تعالى: ﴿ٱلَّذِينَ جَعَلُواْ ٱلْقُرْآنَ عِضِينَ﴾ [الحجر: ٩١]، فلو كان بمعنى "خلق" لصار المعنى أنهم خلقوا القرآن، وهذا محال. ولم يُلْقِهِم في هذا الخطأ العظيم، والجهل الظاهر إلا قلّة علمهم بتصاريف اللغات وضعفهم في معرفة الإعراب. * * وقوله: ﴿لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾، معناه: أنزلنا القرآن بلسانكم لتعقلوا معانيه ومواعظَه، ولم ننزله بلسان العجم فتقولوا نحن عَرَبٌ، وهذا كلام لا نفقه معانيَه. قال قتادة: "والكتاب المبين: مبين - والله - بركته وهداه ورشده". وقيل: المبين، أي: أبان الهدى من الضلالة، والحق من الباطل. * * ثم قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ فِيۤ أُمِّ ٱلْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾، أي: وإن القرآن في أم الكتاب، يعني: اللوح المحفوظ: وأم الكتاب: أصله. فالقرآن مثبت عند الله جل وعز في اللوح المحفوظ، ومن اللوح المحفوظ نُسِخَ. * * وقوله: ﴿لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾، أي: عندنا لذو علو ورفعة وقيل معنى "عَلِيٌّ": قاهر لا يقدر أحد أن يدفعه ويبطله، معجز لا يؤتى بمثله، حكيم أحكمت آياته ثم فصلت، فهو ذو حكمة. وقيل: حكيم، أي: محكم في أحكامه ووصفه. قال ابن عباس: "أو لما خلق الله عز وجل القلم: أمره أن يكتب ما يريد أن يخلق. قال: فالكتاب عنده. روى مالك عن (عمران عن) عكرمة أنه قال "أم الكتاب القرآن". * * ثم قال تعالى: ﴿أَفَنَضْرِبُ عَنكُمُ ٱلذِّكْرَ صَفْحاً﴾ "صفحاً" مصدر، كأنه قال: أفنصفح عنكم صفحاً. وقيل: هو مصدر في موضع الحال، كأنه قال: أفنضرب عنكم الذكر صافحين. كما تقول: جاء زيد مشياً، أي: ماشياً. ويجوز أن يكون صفحا بمعنى: ذو صفح، كما تقول: رجل عدل (ورضى أي: عادل وراضٍ)، وذو عدل وذو رضى. يقال: أضربت عنك بمعنى: أعرضت عنك وتركتك. والمعنى: أفنعرض عنكم أيها الناس ونترككم سدى لا نذكركم بعقابنا من أجل أنكم قوم مشركون. قال مجاهد: معناه، أفتكذبون بالقرآن ولا تعاقبون. وقال السدي: معناه: "أفنضرب عنكم العذاب". وقال ابن عباس: معناه: "أحسبتم أن نصفح عنكم ولما تفعلوا ما أمرتم به". وقال قتادة: (معنى): ﴿أَفَنَضْرِبُ عَنكُمُ ٱلذِّكْرَ صَفْحاً أَن كُنتُمْ قَوْماً مُّسْرِفِينَ﴾، أي: مشركين ، والله لو كان هذا القرآن "رفع حين رده أوائل هذه الأمة لهلكوا، ولكن الله عاد بعائدته ورحمته فكرره عليهم فدعاهم إليه عشرين سنة أو ما شاء الله من ذلك". قال الضحاك: الذكر هنا: القرآن، وقال أبو صالح: الذكر: العذاب. وقيل: "الذكر: التذكير". والمعنى: أفنترك تذكيركم بهذا القرآن فلا نذكركم به عقاب الله وثوابه لأن كنتم قوما مسرفين. وهو مروي عن ابن عباس. فيكون المعنى: فنهملكم (ونذكركم) سدى ولا نذكركم (لأنكم) كنتم قوماً مسرفين. وهذا كله على قراءة من فتح "أن"، فأما من كسر "أن" فقد رده أبو حاتم وغيره، لأنهم إنما وبخوا على شيء قد ثبت ومضى؛ فهذا موضع المفتوحة لأنها لما مضى. والمكسورة معناها لما يأتي. فكيف يوبخون على شيء لم يفعلوه بعد. والكسر عند الخليل وسيبويه والكسائي والفراء جيد حسن، ومعناه الحال عند الزجاج لأن في الكلام معنى التقرير والتوبيخ. وقال سيبويه: سألت الخليل عن (قول الشاعر وهو) الفرزدق: ؎ أَتَغْضَبُ أَنْ أُذْنَا قُتَيْبَة حُزَّتَا ∗∗∗ جِهَاراً وَلَمْ تَغْضضْ لِقَتْلِ ابْنِ حَازِمِ. فقال: هي مكسورة لأنه قبيح أن يفصل بين أن والفعل، يريد أنّ "أَنْ" المفتوحة لا يفرق بينها وبين الفعل وهو "حزتا". وأن المكسورة يجوز ذلك فيها على إضمار فعل آخر، قال الله جل ذكره: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ٱسْتَجَارَكَ﴾ (أي: وإن استجارك أحد من المشركين استجارك). فعلى هذا التقدير البيت إن كسرت والتقدير: إن حُزَّتْ أُذْنَا قُتَيْبَة حُزَّتَا. ويجوز عند كثير من النحويين أن تكسر الألف. ويكون المعنى للماضي في البنية واللفظ للاستقبال. وعلى ذلك قرأ أبو عمرو، وابن كثير: ﴿أَن صَدُّوكُمْ عَنِ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ﴾ [المائدة: ٢] بالكسر. وعلى ذلك يتأول قول الله جل ذكره ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَىٰ آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُواْ﴾ [الكهف: ٦] والكسر في هذا إجماع من القراء وتركهم للإيمان أَمْرٌ قَدْ تَقَدَّمَ وَكَانَ. فهو - لو حمل على نظائره - في موضع المفتوحة. ولم يقرأ به أحد. فدل ذلك على جواز الكسر وحسنه في هذه السورة وفي المائدة (وفي غيرها) على معنى: إن وقع ذلك. وعلى ذلك اختلف القراء في قوله: ﴿وَٱمْرَأَةً مُّؤْمِنَةً إِن وَهَبَتْ نَفْسَهَا﴾ [الأحزاب: ٥٠]. والمشهورون من القراء على الكسر أجمعوا. وقد قرئ بالفتح على أنه أمر قد كان وانقضى. والكسر على معنى: إن وقع ذلك فيما يستقبل، وعلى هذا يجوز في البيت الكسر وفي (الآيات المذكورات). * * ثم قال تعالى: ﴿وَكَمْ أَرْسَلْنَا مِن نَّبِيٍّ فِي ٱلأَوَّلِينَ﴾، أي: وكثيراً أرسلنا من الأنبياء في الأمم الماضية كما أرسلناك يا محمد إلى قومك. ﴿وَمَا يَأْتِيهِم مِّنْ نَّبِيٍّ إِلاَّ كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾، أي: ما يأتي الأمم الماضية من نبي يدعوهم إلى الهدى إلا كذبوه واستهزءوا به كما استهزأ بك قومك يا محمد. فلا يعظمن عليك ما يفعل بك قومك، فإنما سلكوا طريق من مضى من الأمم المكذبة لرسلها. فهذا نص يُسَلِّي الله عز وجل به نبيه ﷺ ويصبره على ما يلقى من المكذبين له، ويعلمه أنه قد فُعِلَ ذلك بمن بُعِثَ قبله من الأنبياء. * * ثم قال تعالى: ﴿فَأَهْلَكْنَآ أَشَدَّ مِنْهُم بَطْشاً﴾، أي: فأهلكنا الأمم الماضية على تكذيبهم واستهزائهم بالرسل وهم أشد من قومك قوة وآثاراً وتصرفاً في الأرض، فلم يمتنعوا من العذاب لما أتاهم. فكذلك نصنع بقومك - على نقص قوتهم عمن تقدمهم - والتقدير: فأهلكنا أمماً أشد من قريش بطشاً، فقريش أحرى ألا يقدروا على الامتناع إذا حلت بهم العقوبة لضعفهم ونقص حالهم عمن تقدم. * * ثم قال: ﴿وَمَضَىٰ مَثَلُ ٱلأَوَّلِينَ﴾، أي: ومضى لهؤلاء المشركين المستهزئين بك، يا محمد مثل (ما مضى للأمم) قبلهم من العقوبات إن أقاموا على شركهم وتكذيبهم لك. قال قتادة: ﴿مَثَلُ ٱلأَوَّلِينَ﴾: عقوبتنا لهم. وقال مجاهد: سنتنافيهم. وقيل: "مثل" هنا، بمعنى: صفة، أي: صفتهم بأنهم أهلكوا على كفرهم.

الزخرف 43:8

قوله تعالى: ﴿حـمۤ * وَٱلْكِتَابِ ٱلْمُبِينِ﴾ إلى قوله ﴿وَمَضَىٰ مَثَلُ ٱلأَوَّلِينَ﴾ قد تقدم ذكر حم. * * وقوله: ﴿وَٱلْكِتَابِ ٱلْمُبِينِ﴾: قسم، أي: المبين لمن تديره وفكر في عبره وعظاته. * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً﴾، أي: أنزلناه بلسان العرب إذ كنتم أيها المنذرون به من العرب. "وجعلناه" هنا، يتعدى إلى مفعولين، "فالهاء" الأول، "وقرآنا" الثاني. وهذا مما يدل على نقض قول أهل البدع: إنه بمعنى خلقنا. إذ لو كان بمعنى خلقنا؟ لم يتعد إلا إلى مفعول واحد. ومثله قوله تعالى: ﴿ٱلَّذِينَ جَعَلُواْ ٱلْقُرْآنَ عِضِينَ﴾ [الحجر: ٩١]، فلو كان بمعنى "خلق" لصار المعنى أنهم خلقوا القرآن، وهذا محال. ولم يُلْقِهِم في هذا الخطأ العظيم، والجهل الظاهر إلا قلّة علمهم بتصاريف اللغات وضعفهم في معرفة الإعراب. * * وقوله: ﴿لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾، معناه: أنزلنا القرآن بلسانكم لتعقلوا معانيه ومواعظَه، ولم ننزله بلسان العجم فتقولوا نحن عَرَبٌ، وهذا كلام لا نفقه معانيَه. قال قتادة: "والكتاب المبين: مبين - والله - بركته وهداه ورشده". وقيل: المبين، أي: أبان الهدى من الضلالة، والحق من الباطل. * * ثم قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ فِيۤ أُمِّ ٱلْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾، أي: وإن القرآن في أم الكتاب، يعني: اللوح المحفوظ: وأم الكتاب: أصله. فالقرآن مثبت عند الله جل وعز في اللوح المحفوظ، ومن اللوح المحفوظ نُسِخَ. * * وقوله: ﴿لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾، أي: عندنا لذو علو ورفعة وقيل معنى "عَلِيٌّ": قاهر لا يقدر أحد أن يدفعه ويبطله، معجز لا يؤتى بمثله، حكيم أحكمت آياته ثم فصلت، فهو ذو حكمة. وقيل: حكيم، أي: محكم في أحكامه ووصفه. قال ابن عباس: "أو لما خلق الله عز وجل القلم: أمره أن يكتب ما يريد أن يخلق. قال: فالكتاب عنده. روى مالك عن (عمران عن) عكرمة أنه قال "أم الكتاب القرآن". * * ثم قال تعالى: ﴿أَفَنَضْرِبُ عَنكُمُ ٱلذِّكْرَ صَفْحاً﴾ "صفحاً" مصدر، كأنه قال: أفنصفح عنكم صفحاً. وقيل: هو مصدر في موضع الحال، كأنه قال: أفنضرب عنكم الذكر صافحين. كما تقول: جاء زيد مشياً، أي: ماشياً. ويجوز أن يكون صفحا بمعنى: ذو صفح، كما تقول: رجل عدل (ورضى أي: عادل وراضٍ)، وذو عدل وذو رضى. يقال: أضربت عنك بمعنى: أعرضت عنك وتركتك. والمعنى: أفنعرض عنكم أيها الناس ونترككم سدى لا نذكركم بعقابنا من أجل أنكم قوم مشركون. قال مجاهد: معناه، أفتكذبون بالقرآن ولا تعاقبون. وقال السدي: معناه: "أفنضرب عنكم العذاب". وقال ابن عباس: معناه: "أحسبتم أن نصفح عنكم ولما تفعلوا ما أمرتم به". وقال قتادة: (معنى): ﴿أَفَنَضْرِبُ عَنكُمُ ٱلذِّكْرَ صَفْحاً أَن كُنتُمْ قَوْماً مُّسْرِفِينَ﴾، أي: مشركين ، والله لو كان هذا القرآن "رفع حين رده أوائل هذه الأمة لهلكوا، ولكن الله عاد بعائدته ورحمته فكرره عليهم فدعاهم إليه عشرين سنة أو ما شاء الله من ذلك". قال الضحاك: الذكر هنا: القرآن، وقال أبو صالح: الذكر: العذاب. وقيل: "الذكر: التذكير". والمعنى: أفنترك تذكيركم بهذا القرآن فلا نذكركم به عقاب الله وثوابه لأن كنتم قوما مسرفين. وهو مروي عن ابن عباس. فيكون المعنى: فنهملكم (ونذكركم) سدى ولا نذكركم (لأنكم) كنتم قوماً مسرفين. وهذا كله على قراءة من فتح "أن"، فأما من كسر "أن" فقد رده أبو حاتم وغيره، لأنهم إنما وبخوا على شيء قد ثبت ومضى؛ فهذا موضع المفتوحة لأنها لما مضى. والمكسورة معناها لما يأتي. فكيف يوبخون على شيء لم يفعلوه بعد. والكسر عند الخليل وسيبويه والكسائي والفراء جيد حسن، ومعناه الحال عند الزجاج لأن في الكلام معنى التقرير والتوبيخ. وقال سيبويه: سألت الخليل عن (قول الشاعر وهو) الفرزدق: ؎ أَتَغْضَبُ أَنْ أُذْنَا قُتَيْبَة حُزَّتَا ∗∗∗ جِهَاراً وَلَمْ تَغْضضْ لِقَتْلِ ابْنِ حَازِمِ. فقال: هي مكسورة لأنه قبيح أن يفصل بين أن والفعل، يريد أنّ "أَنْ" المفتوحة لا يفرق بينها وبين الفعل وهو "حزتا". وأن المكسورة يجوز ذلك فيها على إضمار فعل آخر، قال الله جل ذكره: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ٱسْتَجَارَكَ﴾ (أي: وإن استجارك أحد من المشركين استجارك). فعلى هذا التقدير البيت إن كسرت والتقدير: إن حُزَّتْ أُذْنَا قُتَيْبَة حُزَّتَا. ويجوز عند كثير من النحويين أن تكسر الألف. ويكون المعنى للماضي في البنية واللفظ للاستقبال. وعلى ذلك قرأ أبو عمرو، وابن كثير: ﴿أَن صَدُّوكُمْ عَنِ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ﴾ [المائدة: ٢] بالكسر. وعلى ذلك يتأول قول الله جل ذكره ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَىٰ آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُواْ﴾ [الكهف: ٦] والكسر في هذا إجماع من القراء وتركهم للإيمان أَمْرٌ قَدْ تَقَدَّمَ وَكَانَ. فهو - لو حمل على نظائره - في موضع المفتوحة. ولم يقرأ به أحد. فدل ذلك على جواز الكسر وحسنه في هذه السورة وفي المائدة (وفي غيرها) على معنى: إن وقع ذلك. وعلى ذلك اختلف القراء في قوله: ﴿وَٱمْرَأَةً مُّؤْمِنَةً إِن وَهَبَتْ نَفْسَهَا﴾ [الأحزاب: ٥٠]. والمشهورون من القراء على الكسر أجمعوا. وقد قرئ بالفتح على أنه أمر قد كان وانقضى. والكسر على معنى: إن وقع ذلك فيما يستقبل، وعلى هذا يجوز في البيت الكسر وفي (الآيات المذكورات). * * ثم قال تعالى: ﴿وَكَمْ أَرْسَلْنَا مِن نَّبِيٍّ فِي ٱلأَوَّلِينَ﴾، أي: وكثيراً أرسلنا من الأنبياء في الأمم الماضية كما أرسلناك يا محمد إلى قومك. ﴿وَمَا يَأْتِيهِم مِّنْ نَّبِيٍّ إِلاَّ كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾، أي: ما يأتي الأمم الماضية من نبي يدعوهم إلى الهدى إلا كذبوه واستهزءوا به كما استهزأ بك قومك يا محمد. فلا يعظمن عليك ما يفعل بك قومك، فإنما سلكوا طريق من مضى من الأمم المكذبة لرسلها. فهذا نص يُسَلِّي الله عز وجل به نبيه ﷺ ويصبره على ما يلقى من المكذبين له، ويعلمه أنه قد فُعِلَ ذلك بمن بُعِثَ قبله من الأنبياء. * * ثم قال تعالى: ﴿فَأَهْلَكْنَآ أَشَدَّ مِنْهُم بَطْشاً﴾، أي: فأهلكنا الأمم الماضية على تكذيبهم واستهزائهم بالرسل وهم أشد من قومك قوة وآثاراً وتصرفاً في الأرض، فلم يمتنعوا من العذاب لما أتاهم. فكذلك نصنع بقومك - على نقص قوتهم عمن تقدمهم - والتقدير: فأهلكنا أمماً أشد من قريش بطشاً، فقريش أحرى ألا يقدروا على الامتناع إذا حلت بهم العقوبة لضعفهم ونقص حالهم عمن تقدم. * * ثم قال: ﴿وَمَضَىٰ مَثَلُ ٱلأَوَّلِينَ﴾، أي: ومضى لهؤلاء المشركين المستهزئين بك، يا محمد مثل (ما مضى للأمم) قبلهم من العقوبات إن أقاموا على شركهم وتكذيبهم لك. قال قتادة: ﴿مَثَلُ ٱلأَوَّلِينَ﴾: عقوبتنا لهم. وقال مجاهد: سنتنافيهم. وقيل: "مثل" هنا، بمعنى: صفة، أي: صفتهم بأنهم أهلكوا على كفرهم.

الزخرف 43:9

قوله تعالى: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ﴾ إلى قوله: ﴿لَكَفُورٌ مُّبِينٌ﴾. أي: ولئن سألت يا محمد هؤلاء المشركين من قومك، من خلق السماوات والأرض؟ ﴿لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ ٱلْعَزِيزُ ٱلْعَلِيمُ﴾، أي: العزيز في انتقامه وسلطانه، العليم بكل شيء. * * ثم قال تعالى: ﴿ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ مَهْداً﴾، أي بساطاً فسهل عليكم التصرف فيها من بلد إلى بلد. ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلاً﴾، أي: طرقاً. ﴿لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾، أي: كي تهتدوا في تصرفكم بتلك الطرق فتتوجهوا حيث شئتم. ولولا ذلك (لم يطق) أحد برَاحاً من موضعه ومنشئه. * * قوله: ﴿ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ مَهْداً﴾ ليس بمتصل بما قبله، لأن ما قبله من جواب المشركين - حكاه الله عنهم. ولو اتصل بما قبله لكان: "الذي جعل لنا الأرض". لكن معناه: إن الله جل ذكره وصف نفسه بنعمه بعد جواب المشركين. فثم إضمار "هو"، هو الذي جعل لكم الأرض مهاداً، ثم وصف نعمه - نعمةً (بعد نعمةٍ) - تنبيه وتقرير. * * ثم قال تعالى: ﴿وَٱلَّذِي نَزَّلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً بِقَدَرٍ﴾، أي: مطر بمقدار الحاجة بكم إليه. ولم يجعله كالطوفان فيكون عذابا يغرق، (ولا جعله) قليلاً (لا ينبت) به الزرع والنبات، ولكنه جعله بمقدار حاجتكم إليه. وقوله تعالى: ﴿فَأَنشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً مَّيْتاً كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾، أي: فأحيينا بذلك المطر بلداً لا نبات فيه ولا زرع فأنبت، فهو كالحياة له. فكما أحيى الأرض بالمطر فأنبتت ولم يكن فيها نبات كذلك يحيي الموتى بالمطر فيخرجون من قبورهم (إلى ربهم). وروي عن ابن مسعود أنه قال: يرسل الله جل ثناؤه ماء مثل مني الرجال، وليس شيء مما خلق الله من الأرض إلا وقد بقي منه شيء، فينبت بذلك الماء: الجسمان واللحوم، تنبت من (الثرى والمطر)، ثم قرأ ابن مسعود: ﴿وَٱلَّذِي نَزَّلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً﴾ - إلى - ﴿تُخْرَجُونَ﴾. * * ثم قال تعالى: ﴿وَٱلَّذِي خَلَقَ ٱلأَزْوَاجَ كُلَّهَا﴾، أي: الأجناس والأصناف من الخلق. وقيل: معنى خلق كل شيء فزوجه، بأن خلق الذكور من الإناث أزواجاً، وخلق الإناث من الذكور أزواجاً. وواحد الأزواج على "فَعْل" وكان بابه أن يجمع على "أَفْعُلٌ" إلا أنهم استثقلوا الضمة في الواو فنقلوه إلى جمع "فعل" فجمعوه على "أفعال" (وبابه "أفعال") فشبه فعلاً بفعل إذ عدد الحروف متساوية، وعلى ذلك (أيضاً شبهوا) "فَعَلاً" بـ "فَعْل" وجمعوه على "أَفْعُل" وبابه "أَفْعَال" قالوا: زَمَنٌ وَأَزْمُنٌ. * * ثم قال تعالى: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِّنَ ٱلْفُلْكِ وَٱلأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ﴾ يعني: السفن في البحر، والإبل والخيل والبغال والحمير في البر، تركبون ذلك حيث شئتم. * * ثم قال تعالى: ﴿لِتَسْتَوُواْ عَلَىٰ ظُهُورِهِ﴾، (أي: على ظهور) ما تركبون، فلذلك وحدت الهاء. وقال الفراء: معناه: على ظهور هذا الجنس، فهو عنده بمنزلة "كَثُرَ الدِّرْهَمُ. والأحسن أن تكون مردودة على لفظ "ما" في قوله: ﴿مَا تَرْكَبُونَ﴾ و "ما" مذكرة اللفظ موحدة. ومثله الهاء في قوله: ﴿إِذَا ٱسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ﴾. وإنما أتى "ظهوره" بالجمع، لأنه رد على المعنى الواحد فيه بمعنى الجمع، ورجعت الهاء على "ما" على اللفظ. وهذا نادر قدم فيه الحمل على المعنى (على الحمل على اللفظ وباب "من" و "ما" أن يقدم فيه الحمل على اللفظ قبل الحمل على المعنى) ونظيره قوله تعالى: ﴿وَقَالُواْ مَا فِي بُطُونِ هَـٰذِهِ ٱلأَنْعَٰمِ خَالِصَةٌ لِّذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَىٰ أَزْوَٰجِنَا﴾ [الأنعام: ١٣٩] (فقدم الحمل على المعنى قبل الحمل على اللفظ. وهذا على قراءة من قرأ) خالصة بتاء التأنيث، ونظيره أيضاً: ﴿كُلُّ ذٰلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهاً﴾ [الإسراء: ٣٨] فأنث "سيئة" حملاً على معنى "كل"، ثم قال: "مكروهاً" فذكَّر، حملاً على لفظ "كل". وهو كله (نادر لم أجد) له نظيراً. * * ثم قال تعالى: ﴿ثُمَّ تَذْكُرُواْ نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا ٱسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ﴾، أي: نعمة ربكم التي أنعم عليكم بها إذا سخر لكم ما تركبون في البر والبحر. * * ثم قال: ﴿وَتَقُولُواْ سُبْحَانَ ٱلَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَـٰذَا﴾، أي: وتقولوا تنزيها لله (وبراءة له) من السوء الذي سخر لنا هذا الذي ركبناه. قال قتادة: علمكم الله كيف تقولون إذا ركبتم الفلك: تقولون: ﴿بِسْمِ ٱللَّهِ مَجْريٰهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [هود: ٤١]، وإذا ركبتم الإبل تقولون: ﴿سُبْحَانَ ٱلَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَـٰذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ * وَإِنَّآ إِلَىٰ رَبِّنَا لَمُنقَلِبُونَ﴾. وعلمكم (ما تقولون) إذا نزلتم من الفلك والأنعام جميعاً، تقولون: اللهم انزلنا ﴿مُنزَلاً مُّبَارَكاً وَأَنتَ خَيْرُ ٱلْمُنزِلِينَ﴾. وكان طاوس إذا ركب يقول: اللهم هذا من فضلك ومنك ثم يقول: ﴿سُبْحَانَ ٱلَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَـٰذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ * وَإِنَّآ إِلَىٰ رَبِّنَا لَمُنقَلِبُونَ﴾. * * ومعنى ﴿مُقْرِنِينَ﴾: مطيقين، قاله ابن عباس وقتادة والسدي وابن زيد، أي لم نطق على الانتفاع بهذه الأنعام إلا بك. وحكى أهل اللغة: أقرن له، إذا أطاقه. وحكوا أنا مقرن لهذا أي: مطيق له. وقال أبو عبيدة، مقرنين: ضابطين له. وحكى أنه "يقال: فلان مقرن لفلان، أي: ضابط له". وقد روي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه كان (إذا جعل رجله في الركاب يقول): بسم الله، فإذا استوى راكباً قال: الحمد لله، ثم يقول: ﴿سُبْحَانَ ٱلَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَـٰذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾ اللهم لا إله إلا أنت قد عملت سوءاً (وظلمت نفسي) فاغفر لي إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت. ثم يقول: رأيت رسول الله ﷺ فعل كفعلي. وقال مجاهد: من ركب ولم يقل: ﴿سُبْحَانَ ٱلَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَـٰذَا ...﴾ الآية، قال له الشيطان تَغَنَّهْ؛ فإن لم يحسن قال له تَمَنَّهْ. * * وقوله: ﴿وَإِنَّآ إِلَىٰ رَبِّنَا لَمُنقَلِبُونَ﴾، أي: ويقولون أيضاً هذا. ومعناه: راجعون بعد الموت، مبعوثون. وهذا كله في معنى الأمر بذكر نعم الله عز وجل على خلقه وشكره عليها. وقد قيل: إن التقدير: ليأمركم إذا استويتم على ظهوره أن تذكروا نعمته، وهو مثل قوله: ﴿وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦]، أي: لأمرهم أن يعبدون، فقد أمرهم تعالى ذكره بذلك. * * ثم قال تعالى: ﴿وَجَعَلُواْ لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا﴾، يعني: ما أضاف المشركون إلى الله جل ذكره من البنات تعالى عن ذلك علواً كبيراً. * * ومعنى ﴿وَجَعَلُواْ﴾ (ها هنا: ) قالوا ووصفوا، وهو قولهم: الملائكة بنات الله سبحانه وتعالى، قاله مجاهد والسدي. قال قتادة: الجزء هنا: العدل، أي: جعل له المشركون عدلاً، وهي الأصنام. وقال عطاء: جزءاً، أي: نصيباً، شريكاً وهو قول الضحاك والربيع بن أنس، وهو معنى قول ابن عباس. وقال زيد بن أسلم: هي الأصنام. وذكر الزجاج أن الجزء هنا: البنات وأنشد: ؎ إِن أَجْزَتْ (حُرَّةُ) يَوْماً فَلاَ عَجَبَ ∗∗∗ قَدْ (تُجْزِىءُ الحُرَّةُ المِذْكَارُ أَحْيَاناً أي: إن ولدت إناثاً. وقال المبرد: الجزء: البنت. وقوله تعالى بعد الآية: ﴿أَمِ ٱتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ﴾، وقوله: ﴿وَجَعَلُواْ ٱلْمَلاَئِكَةَ ٱلَّذِينَ هُمْ عِبَادُ ٱلرَّحْمَـٰنِ إِنَاثاً﴾ يدل على صحة قول مجاهد والسدي. * * وقوله: ﴿إِنَّ ٱلإنسَانَ لَكَفُورٌ مُّبِينٌ﴾، أي: إن الإنسان لجحود لنعم ربه، يتبين كفرانه للنعم لمن تأمله بفكر قلبه، وتدبر حاله. وهو هنا الكافر.

الزخرف 43:10

قوله تعالى: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ﴾ إلى قوله: ﴿لَكَفُورٌ مُّبِينٌ﴾. أي: ولئن سألت يا محمد هؤلاء المشركين من قومك، من خلق السماوات والأرض؟ ﴿لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ ٱلْعَزِيزُ ٱلْعَلِيمُ﴾، أي: العزيز في انتقامه وسلطانه، العليم بكل شيء. * * ثم قال تعالى: ﴿ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ مَهْداً﴾، أي بساطاً فسهل عليكم التصرف فيها من بلد إلى بلد. ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلاً﴾، أي: طرقاً. ﴿لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾، أي: كي تهتدوا في تصرفكم بتلك الطرق فتتوجهوا حيث شئتم. ولولا ذلك (لم يطق) أحد برَاحاً من موضعه ومنشئه. * * قوله: ﴿ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ مَهْداً﴾ ليس بمتصل بما قبله، لأن ما قبله من جواب المشركين - حكاه الله عنهم. ولو اتصل بما قبله لكان: "الذي جعل لنا الأرض". لكن معناه: إن الله جل ذكره وصف نفسه بنعمه بعد جواب المشركين. فثم إضمار "هو"، هو الذي جعل لكم الأرض مهاداً، ثم وصف نعمه - نعمةً (بعد نعمةٍ) - تنبيه وتقرير. * * ثم قال تعالى: ﴿وَٱلَّذِي نَزَّلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً بِقَدَرٍ﴾، أي: مطر بمقدار الحاجة بكم إليه. ولم يجعله كالطوفان فيكون عذابا يغرق، (ولا جعله) قليلاً (لا ينبت) به الزرع والنبات، ولكنه جعله بمقدار حاجتكم إليه. وقوله تعالى: ﴿فَأَنشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً مَّيْتاً كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾، أي: فأحيينا بذلك المطر بلداً لا نبات فيه ولا زرع فأنبت، فهو كالحياة له. فكما أحيى الأرض بالمطر فأنبتت ولم يكن فيها نبات كذلك يحيي الموتى بالمطر فيخرجون من قبورهم (إلى ربهم). وروي عن ابن مسعود أنه قال: يرسل الله جل ثناؤه ماء مثل مني الرجال، وليس شيء مما خلق الله من الأرض إلا وقد بقي منه شيء، فينبت بذلك الماء: الجسمان واللحوم، تنبت من (الثرى والمطر)، ثم قرأ ابن مسعود: ﴿وَٱلَّذِي نَزَّلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً﴾ - إلى - ﴿تُخْرَجُونَ﴾. * * ثم قال تعالى: ﴿وَٱلَّذِي خَلَقَ ٱلأَزْوَاجَ كُلَّهَا﴾، أي: الأجناس والأصناف من الخلق. وقيل: معنى خلق كل شيء فزوجه، بأن خلق الذكور من الإناث أزواجاً، وخلق الإناث من الذكور أزواجاً. وواحد الأزواج على "فَعْل" وكان بابه أن يجمع على "أَفْعُلٌ" إلا أنهم استثقلوا الضمة في الواو فنقلوه إلى جمع "فعل" فجمعوه على "أفعال" (وبابه "أفعال") فشبه فعلاً بفعل إذ عدد الحروف متساوية، وعلى ذلك (أيضاً شبهوا) "فَعَلاً" بـ "فَعْل" وجمعوه على "أَفْعُل" وبابه "أَفْعَال" قالوا: زَمَنٌ وَأَزْمُنٌ. * * ثم قال تعالى: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِّنَ ٱلْفُلْكِ وَٱلأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ﴾ يعني: السفن في البحر، والإبل والخيل والبغال والحمير في البر، تركبون ذلك حيث شئتم. * * ثم قال تعالى: ﴿لِتَسْتَوُواْ عَلَىٰ ظُهُورِهِ﴾، (أي: على ظهور) ما تركبون، فلذلك وحدت الهاء. وقال الفراء: معناه: على ظهور هذا الجنس، فهو عنده بمنزلة "كَثُرَ الدِّرْهَمُ. والأحسن أن تكون مردودة على لفظ "ما" في قوله: ﴿مَا تَرْكَبُونَ﴾ و "ما" مذكرة اللفظ موحدة. ومثله الهاء في قوله: ﴿إِذَا ٱسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ﴾. وإنما أتى "ظهوره" بالجمع، لأنه رد على المعنى الواحد فيه بمعنى الجمع، ورجعت الهاء على "ما" على اللفظ. وهذا نادر قدم فيه الحمل على المعنى (على الحمل على اللفظ وباب "من" و "ما" أن يقدم فيه الحمل على اللفظ قبل الحمل على المعنى) ونظيره قوله تعالى: ﴿وَقَالُواْ مَا فِي بُطُونِ هَـٰذِهِ ٱلأَنْعَٰمِ خَالِصَةٌ لِّذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَىٰ أَزْوَٰجِنَا﴾ [الأنعام: ١٣٩] (فقدم الحمل على المعنى قبل الحمل على اللفظ. وهذا على قراءة من قرأ) خالصة بتاء التأنيث، ونظيره أيضاً: ﴿كُلُّ ذٰلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهاً﴾ [الإسراء: ٣٨] فأنث "سيئة" حملاً على معنى "كل"، ثم قال: "مكروهاً" فذكَّر، حملاً على لفظ "كل". وهو كله (نادر لم أجد) له نظيراً. * * ثم قال تعالى: ﴿ثُمَّ تَذْكُرُواْ نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا ٱسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ﴾، أي: نعمة ربكم التي أنعم عليكم بها إذا سخر لكم ما تركبون في البر والبحر. * * ثم قال: ﴿وَتَقُولُواْ سُبْحَانَ ٱلَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَـٰذَا﴾، أي: وتقولوا تنزيها لله (وبراءة له) من السوء الذي سخر لنا هذا الذي ركبناه. قال قتادة: علمكم الله كيف تقولون إذا ركبتم الفلك: تقولون: ﴿بِسْمِ ٱللَّهِ مَجْريٰهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [هود: ٤١]، وإذا ركبتم الإبل تقولون: ﴿سُبْحَانَ ٱلَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَـٰذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ * وَإِنَّآ إِلَىٰ رَبِّنَا لَمُنقَلِبُونَ﴾. وعلمكم (ما تقولون) إذا نزلتم من الفلك والأنعام جميعاً، تقولون: اللهم انزلنا ﴿مُنزَلاً مُّبَارَكاً وَأَنتَ خَيْرُ ٱلْمُنزِلِينَ﴾. وكان طاوس إذا ركب يقول: اللهم هذا من فضلك ومنك ثم يقول: ﴿سُبْحَانَ ٱلَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَـٰذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ * وَإِنَّآ إِلَىٰ رَبِّنَا لَمُنقَلِبُونَ﴾. * * ومعنى ﴿مُقْرِنِينَ﴾: مطيقين، قاله ابن عباس وقتادة والسدي وابن زيد، أي لم نطق على الانتفاع بهذه الأنعام إلا بك. وحكى أهل اللغة: أقرن له، إذا أطاقه. وحكوا أنا مقرن لهذا أي: مطيق له. وقال أبو عبيدة، مقرنين: ضابطين له. وحكى أنه "يقال: فلان مقرن لفلان، أي: ضابط له". وقد روي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه كان (إذا جعل رجله في الركاب يقول): بسم الله، فإذا استوى راكباً قال: الحمد لله، ثم يقول: ﴿سُبْحَانَ ٱلَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَـٰذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾ اللهم لا إله إلا أنت قد عملت سوءاً (وظلمت نفسي) فاغفر لي إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت. ثم يقول: رأيت رسول الله ﷺ فعل كفعلي. وقال مجاهد: من ركب ولم يقل: ﴿سُبْحَانَ ٱلَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَـٰذَا ...﴾ الآية، قال له الشيطان تَغَنَّهْ؛ فإن لم يحسن قال له تَمَنَّهْ. * * وقوله: ﴿وَإِنَّآ إِلَىٰ رَبِّنَا لَمُنقَلِبُونَ﴾، أي: ويقولون أيضاً هذا. ومعناه: راجعون بعد الموت، مبعوثون. وهذا كله في معنى الأمر بذكر نعم الله عز وجل على خلقه وشكره عليها. وقد قيل: إن التقدير: ليأمركم إذا استويتم على ظهوره أن تذكروا نعمته، وهو مثل قوله: ﴿وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦]، أي: لأمرهم أن يعبدون، فقد أمرهم تعالى ذكره بذلك. * * ثم قال تعالى: ﴿وَجَعَلُواْ لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا﴾، يعني: ما أضاف المشركون إلى الله جل ذكره من البنات تعالى عن ذلك علواً كبيراً. * * ومعنى ﴿وَجَعَلُواْ﴾ (ها هنا: ) قالوا ووصفوا، وهو قولهم: الملائكة بنات الله سبحانه وتعالى، قاله مجاهد والسدي. قال قتادة: الجزء هنا: العدل، أي: جعل له المشركون عدلاً، وهي الأصنام. وقال عطاء: جزءاً، أي: نصيباً، شريكاً وهو قول الضحاك والربيع بن أنس، وهو معنى قول ابن عباس. وقال زيد بن أسلم: هي الأصنام. وذكر الزجاج أن الجزء هنا: البنات وأنشد: ؎ إِن أَجْزَتْ (حُرَّةُ) يَوْماً فَلاَ عَجَبَ ∗∗∗ قَدْ (تُجْزِىءُ الحُرَّةُ المِذْكَارُ أَحْيَاناً أي: إن ولدت إناثاً. وقال المبرد: الجزء: البنت. وقوله تعالى بعد الآية: ﴿أَمِ ٱتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ﴾، وقوله: ﴿وَجَعَلُواْ ٱلْمَلاَئِكَةَ ٱلَّذِينَ هُمْ عِبَادُ ٱلرَّحْمَـٰنِ إِنَاثاً﴾ يدل على صحة قول مجاهد والسدي. * * وقوله: ﴿إِنَّ ٱلإنسَانَ لَكَفُورٌ مُّبِينٌ﴾، أي: إن الإنسان لجحود لنعم ربه، يتبين كفرانه للنعم لمن تأمله بفكر قلبه، وتدبر حاله. وهو هنا الكافر.

الزخرف 43:11

قوله تعالى: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ﴾ إلى قوله: ﴿لَكَفُورٌ مُّبِينٌ﴾. أي: ولئن سألت يا محمد هؤلاء المشركين من قومك، من خلق السماوات والأرض؟ ﴿لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ ٱلْعَزِيزُ ٱلْعَلِيمُ﴾، أي: العزيز في انتقامه وسلطانه، العليم بكل شيء. * * ثم قال تعالى: ﴿ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ مَهْداً﴾، أي بساطاً فسهل عليكم التصرف فيها من بلد إلى بلد. ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلاً﴾، أي: طرقاً. ﴿لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾، أي: كي تهتدوا في تصرفكم بتلك الطرق فتتوجهوا حيث شئتم. ولولا ذلك (لم يطق) أحد برَاحاً من موضعه ومنشئه. * * قوله: ﴿ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ مَهْداً﴾ ليس بمتصل بما قبله، لأن ما قبله من جواب المشركين - حكاه الله عنهم. ولو اتصل بما قبله لكان: "الذي جعل لنا الأرض". لكن معناه: إن الله جل ذكره وصف نفسه بنعمه بعد جواب المشركين. فثم إضمار "هو"، هو الذي جعل لكم الأرض مهاداً، ثم وصف نعمه - نعمةً (بعد نعمةٍ) - تنبيه وتقرير. * * ثم قال تعالى: ﴿وَٱلَّذِي نَزَّلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً بِقَدَرٍ﴾، أي: مطر بمقدار الحاجة بكم إليه. ولم يجعله كالطوفان فيكون عذابا يغرق، (ولا جعله) قليلاً (لا ينبت) به الزرع والنبات، ولكنه جعله بمقدار حاجتكم إليه. وقوله تعالى: ﴿فَأَنشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً مَّيْتاً كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾، أي: فأحيينا بذلك المطر بلداً لا نبات فيه ولا زرع فأنبت، فهو كالحياة له. فكما أحيى الأرض بالمطر فأنبتت ولم يكن فيها نبات كذلك يحيي الموتى بالمطر فيخرجون من قبورهم (إلى ربهم). وروي عن ابن مسعود أنه قال: يرسل الله جل ثناؤه ماء مثل مني الرجال، وليس شيء مما خلق الله من الأرض إلا وقد بقي منه شيء، فينبت بذلك الماء: الجسمان واللحوم، تنبت من (الثرى والمطر)، ثم قرأ ابن مسعود: ﴿وَٱلَّذِي نَزَّلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً﴾ - إلى - ﴿تُخْرَجُونَ﴾. * * ثم قال تعالى: ﴿وَٱلَّذِي خَلَقَ ٱلأَزْوَاجَ كُلَّهَا﴾، أي: الأجناس والأصناف من الخلق. وقيل: معنى خلق كل شيء فزوجه، بأن خلق الذكور من الإناث أزواجاً، وخلق الإناث من الذكور أزواجاً. وواحد الأزواج على "فَعْل" وكان بابه أن يجمع على "أَفْعُلٌ" إلا أنهم استثقلوا الضمة في الواو فنقلوه إلى جمع "فعل" فجمعوه على "أفعال" (وبابه "أفعال") فشبه فعلاً بفعل إذ عدد الحروف متساوية، وعلى ذلك (أيضاً شبهوا) "فَعَلاً" بـ "فَعْل" وجمعوه على "أَفْعُل" وبابه "أَفْعَال" قالوا: زَمَنٌ وَأَزْمُنٌ. * * ثم قال تعالى: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِّنَ ٱلْفُلْكِ وَٱلأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ﴾ يعني: السفن في البحر، والإبل والخيل والبغال والحمير في البر، تركبون ذلك حيث شئتم. * * ثم قال تعالى: ﴿لِتَسْتَوُواْ عَلَىٰ ظُهُورِهِ﴾، (أي: على ظهور) ما تركبون، فلذلك وحدت الهاء. وقال الفراء: معناه: على ظهور هذا الجنس، فهو عنده بمنزلة "كَثُرَ الدِّرْهَمُ. والأحسن أن تكون مردودة على لفظ "ما" في قوله: ﴿مَا تَرْكَبُونَ﴾ و "ما" مذكرة اللفظ موحدة. ومثله الهاء في قوله: ﴿إِذَا ٱسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ﴾. وإنما أتى "ظهوره" بالجمع، لأنه رد على المعنى الواحد فيه بمعنى الجمع، ورجعت الهاء على "ما" على اللفظ. وهذا نادر قدم فيه الحمل على المعنى (على الحمل على اللفظ وباب "من" و "ما" أن يقدم فيه الحمل على اللفظ قبل الحمل على المعنى) ونظيره قوله تعالى: ﴿وَقَالُواْ مَا فِي بُطُونِ هَـٰذِهِ ٱلأَنْعَٰمِ خَالِصَةٌ لِّذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَىٰ أَزْوَٰجِنَا﴾ [الأنعام: ١٣٩] (فقدم الحمل على المعنى قبل الحمل على اللفظ. وهذا على قراءة من قرأ) خالصة بتاء التأنيث، ونظيره أيضاً: ﴿كُلُّ ذٰلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهاً﴾ [الإسراء: ٣٨] فأنث "سيئة" حملاً على معنى "كل"، ثم قال: "مكروهاً" فذكَّر، حملاً على لفظ "كل". وهو كله (نادر لم أجد) له نظيراً. * * ثم قال تعالى: ﴿ثُمَّ تَذْكُرُواْ نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا ٱسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ﴾، أي: نعمة ربكم التي أنعم عليكم بها إذا سخر لكم ما تركبون في البر والبحر. * * ثم قال: ﴿وَتَقُولُواْ سُبْحَانَ ٱلَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَـٰذَا﴾، أي: وتقولوا تنزيها لله (وبراءة له) من السوء الذي سخر لنا هذا الذي ركبناه. قال قتادة: علمكم الله كيف تقولون إذا ركبتم الفلك: تقولون: ﴿بِسْمِ ٱللَّهِ مَجْريٰهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [هود: ٤١]، وإذا ركبتم الإبل تقولون: ﴿سُبْحَانَ ٱلَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَـٰذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ * وَإِنَّآ إِلَىٰ رَبِّنَا لَمُنقَلِبُونَ﴾. وعلمكم (ما تقولون) إذا نزلتم من الفلك والأنعام جميعاً، تقولون: اللهم انزلنا ﴿مُنزَلاً مُّبَارَكاً وَأَنتَ خَيْرُ ٱلْمُنزِلِينَ﴾. وكان طاوس إذا ركب يقول: اللهم هذا من فضلك ومنك ثم يقول: ﴿سُبْحَانَ ٱلَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَـٰذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ * وَإِنَّآ إِلَىٰ رَبِّنَا لَمُنقَلِبُونَ﴾. * * ومعنى ﴿مُقْرِنِينَ﴾: مطيقين، قاله ابن عباس وقتادة والسدي وابن زيد، أي لم نطق على الانتفاع بهذه الأنعام إلا بك. وحكى أهل اللغة: أقرن له، إذا أطاقه. وحكوا أنا مقرن لهذا أي: مطيق له. وقال أبو عبيدة، مقرنين: ضابطين له. وحكى أنه "يقال: فلان مقرن لفلان، أي: ضابط له". وقد روي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه كان (إذا جعل رجله في الركاب يقول): بسم الله، فإذا استوى راكباً قال: الحمد لله، ثم يقول: ﴿سُبْحَانَ ٱلَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَـٰذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾ اللهم لا إله إلا أنت قد عملت سوءاً (وظلمت نفسي) فاغفر لي إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت. ثم يقول: رأيت رسول الله ﷺ فعل كفعلي. وقال مجاهد: من ركب ولم يقل: ﴿سُبْحَانَ ٱلَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَـٰذَا ...﴾ الآية، قال له الشيطان تَغَنَّهْ؛ فإن لم يحسن قال له تَمَنَّهْ. * * وقوله: ﴿وَإِنَّآ إِلَىٰ رَبِّنَا لَمُنقَلِبُونَ﴾، أي: ويقولون أيضاً هذا. ومعناه: راجعون بعد الموت، مبعوثون. وهذا كله في معنى الأمر بذكر نعم الله عز وجل على خلقه وشكره عليها. وقد قيل: إن التقدير: ليأمركم إذا استويتم على ظهوره أن تذكروا نعمته، وهو مثل قوله: ﴿وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦]، أي: لأمرهم أن يعبدون، فقد أمرهم تعالى ذكره بذلك. * * ثم قال تعالى: ﴿وَجَعَلُواْ لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا﴾، يعني: ما أضاف المشركون إلى الله جل ذكره من البنات تعالى عن ذلك علواً كبيراً. * * ومعنى ﴿وَجَعَلُواْ﴾ (ها هنا: ) قالوا ووصفوا، وهو قولهم: الملائكة بنات الله سبحانه وتعالى، قاله مجاهد والسدي. قال قتادة: الجزء هنا: العدل، أي: جعل له المشركون عدلاً، وهي الأصنام. وقال عطاء: جزءاً، أي: نصيباً، شريكاً وهو قول الضحاك والربيع بن أنس، وهو معنى قول ابن عباس. وقال زيد بن أسلم: هي الأصنام. وذكر الزجاج أن الجزء هنا: البنات وأنشد: ؎ إِن أَجْزَتْ (حُرَّةُ) يَوْماً فَلاَ عَجَبَ ∗∗∗ قَدْ (تُجْزِىءُ الحُرَّةُ المِذْكَارُ أَحْيَاناً أي: إن ولدت إناثاً. وقال المبرد: الجزء: البنت. وقوله تعالى بعد الآية: ﴿أَمِ ٱتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ﴾، وقوله: ﴿وَجَعَلُواْ ٱلْمَلاَئِكَةَ ٱلَّذِينَ هُمْ عِبَادُ ٱلرَّحْمَـٰنِ إِنَاثاً﴾ يدل على صحة قول مجاهد والسدي. * * وقوله: ﴿إِنَّ ٱلإنسَانَ لَكَفُورٌ مُّبِينٌ﴾، أي: إن الإنسان لجحود لنعم ربه، يتبين كفرانه للنعم لمن تأمله بفكر قلبه، وتدبر حاله. وهو هنا الكافر.

الزخرف 43:12

قوله تعالى: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ﴾ إلى قوله: ﴿لَكَفُورٌ مُّبِينٌ﴾. أي: ولئن سألت يا محمد هؤلاء المشركين من قومك، من خلق السماوات والأرض؟ ﴿لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ ٱلْعَزِيزُ ٱلْعَلِيمُ﴾، أي: العزيز في انتقامه وسلطانه، العليم بكل شيء. * * ثم قال تعالى: ﴿ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ مَهْداً﴾، أي بساطاً فسهل عليكم التصرف فيها من بلد إلى بلد. ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلاً﴾، أي: طرقاً. ﴿لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾، أي: كي تهتدوا في تصرفكم بتلك الطرق فتتوجهوا حيث شئتم. ولولا ذلك (لم يطق) أحد برَاحاً من موضعه ومنشئه. * * قوله: ﴿ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ مَهْداً﴾ ليس بمتصل بما قبله، لأن ما قبله من جواب المشركين - حكاه الله عنهم. ولو اتصل بما قبله لكان: "الذي جعل لنا الأرض". لكن معناه: إن الله جل ذكره وصف نفسه بنعمه بعد جواب المشركين. فثم إضمار "هو"، هو الذي جعل لكم الأرض مهاداً، ثم وصف نعمه - نعمةً (بعد نعمةٍ) - تنبيه وتقرير. * * ثم قال تعالى: ﴿وَٱلَّذِي نَزَّلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً بِقَدَرٍ﴾، أي: مطر بمقدار الحاجة بكم إليه. ولم يجعله كالطوفان فيكون عذابا يغرق، (ولا جعله) قليلاً (لا ينبت) به الزرع والنبات، ولكنه جعله بمقدار حاجتكم إليه. وقوله تعالى: ﴿فَأَنشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً مَّيْتاً كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾، أي: فأحيينا بذلك المطر بلداً لا نبات فيه ولا زرع فأنبت، فهو كالحياة له. فكما أحيى الأرض بالمطر فأنبتت ولم يكن فيها نبات كذلك يحيي الموتى بالمطر فيخرجون من قبورهم (إلى ربهم). وروي عن ابن مسعود أنه قال: يرسل الله جل ثناؤه ماء مثل مني الرجال، وليس شيء مما خلق الله من الأرض إلا وقد بقي منه شيء، فينبت بذلك الماء: الجسمان واللحوم، تنبت من (الثرى والمطر)، ثم قرأ ابن مسعود: ﴿وَٱلَّذِي نَزَّلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً﴾ - إلى - ﴿تُخْرَجُونَ﴾. * * ثم قال تعالى: ﴿وَٱلَّذِي خَلَقَ ٱلأَزْوَاجَ كُلَّهَا﴾، أي: الأجناس والأصناف من الخلق. وقيل: معنى خلق كل شيء فزوجه، بأن خلق الذكور من الإناث أزواجاً، وخلق الإناث من الذكور أزواجاً. وواحد الأزواج على "فَعْل" وكان بابه أن يجمع على "أَفْعُلٌ" إلا أنهم استثقلوا الضمة في الواو فنقلوه إلى جمع "فعل" فجمعوه على "أفعال" (وبابه "أفعال") فشبه فعلاً بفعل إذ عدد الحروف متساوية، وعلى ذلك (أيضاً شبهوا) "فَعَلاً" بـ "فَعْل" وجمعوه على "أَفْعُل" وبابه "أَفْعَال" قالوا: زَمَنٌ وَأَزْمُنٌ. * * ثم قال تعالى: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِّنَ ٱلْفُلْكِ وَٱلأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ﴾ يعني: السفن في البحر، والإبل والخيل والبغال والحمير في البر، تركبون ذلك حيث شئتم. * * ثم قال تعالى: ﴿لِتَسْتَوُواْ عَلَىٰ ظُهُورِهِ﴾، (أي: على ظهور) ما تركبون، فلذلك وحدت الهاء. وقال الفراء: معناه: على ظهور هذا الجنس، فهو عنده بمنزلة "كَثُرَ الدِّرْهَمُ. والأحسن أن تكون مردودة على لفظ "ما" في قوله: ﴿مَا تَرْكَبُونَ﴾ و "ما" مذكرة اللفظ موحدة. ومثله الهاء في قوله: ﴿إِذَا ٱسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ﴾. وإنما أتى "ظهوره" بالجمع، لأنه رد على المعنى الواحد فيه بمعنى الجمع، ورجعت الهاء على "ما" على اللفظ. وهذا نادر قدم فيه الحمل على المعنى (على الحمل على اللفظ وباب "من" و "ما" أن يقدم فيه الحمل على اللفظ قبل الحمل على المعنى) ونظيره قوله تعالى: ﴿وَقَالُواْ مَا فِي بُطُونِ هَـٰذِهِ ٱلأَنْعَٰمِ خَالِصَةٌ لِّذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَىٰ أَزْوَٰجِنَا﴾ [الأنعام: ١٣٩] (فقدم الحمل على المعنى قبل الحمل على اللفظ. وهذا على قراءة من قرأ) خالصة بتاء التأنيث، ونظيره أيضاً: ﴿كُلُّ ذٰلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهاً﴾ [الإسراء: ٣٨] فأنث "سيئة" حملاً على معنى "كل"، ثم قال: "مكروهاً" فذكَّر، حملاً على لفظ "كل". وهو كله (نادر لم أجد) له نظيراً. * * ثم قال تعالى: ﴿ثُمَّ تَذْكُرُواْ نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا ٱسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ﴾، أي: نعمة ربكم التي أنعم عليكم بها إذا سخر لكم ما تركبون في البر والبحر. * * ثم قال: ﴿وَتَقُولُواْ سُبْحَانَ ٱلَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَـٰذَا﴾، أي: وتقولوا تنزيها لله (وبراءة له) من السوء الذي سخر لنا هذا الذي ركبناه. قال قتادة: علمكم الله كيف تقولون إذا ركبتم الفلك: تقولون: ﴿بِسْمِ ٱللَّهِ مَجْريٰهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [هود: ٤١]، وإذا ركبتم الإبل تقولون: ﴿سُبْحَانَ ٱلَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَـٰذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ * وَإِنَّآ إِلَىٰ رَبِّنَا لَمُنقَلِبُونَ﴾. وعلمكم (ما تقولون) إذا نزلتم من الفلك والأنعام جميعاً، تقولون: اللهم انزلنا ﴿مُنزَلاً مُّبَارَكاً وَأَنتَ خَيْرُ ٱلْمُنزِلِينَ﴾. وكان طاوس إذا ركب يقول: اللهم هذا من فضلك ومنك ثم يقول: ﴿سُبْحَانَ ٱلَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَـٰذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ * وَإِنَّآ إِلَىٰ رَبِّنَا لَمُنقَلِبُونَ﴾. * * ومعنى ﴿مُقْرِنِينَ﴾: مطيقين، قاله ابن عباس وقتادة والسدي وابن زيد، أي لم نطق على الانتفاع بهذه الأنعام إلا بك. وحكى أهل اللغة: أقرن له، إذا أطاقه. وحكوا أنا مقرن لهذا أي: مطيق له. وقال أبو عبيدة، مقرنين: ضابطين له. وحكى أنه "يقال: فلان مقرن لفلان، أي: ضابط له". وقد روي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه كان (إذا جعل رجله في الركاب يقول): بسم الله، فإذا استوى راكباً قال: الحمد لله، ثم يقول: ﴿سُبْحَانَ ٱلَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَـٰذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾ اللهم لا إله إلا أنت قد عملت سوءاً (وظلمت نفسي) فاغفر لي إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت. ثم يقول: رأيت رسول الله ﷺ فعل كفعلي. وقال مجاهد: من ركب ولم يقل: ﴿سُبْحَانَ ٱلَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَـٰذَا ...﴾ الآية، قال له الشيطان تَغَنَّهْ؛ فإن لم يحسن قال له تَمَنَّهْ. * * وقوله: ﴿وَإِنَّآ إِلَىٰ رَبِّنَا لَمُنقَلِبُونَ﴾، أي: ويقولون أيضاً هذا. ومعناه: راجعون بعد الموت، مبعوثون. وهذا كله في معنى الأمر بذكر نعم الله عز وجل على خلقه وشكره عليها. وقد قيل: إن التقدير: ليأمركم إذا استويتم على ظهوره أن تذكروا نعمته، وهو مثل قوله: ﴿وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦]، أي: لأمرهم أن يعبدون، فقد أمرهم تعالى ذكره بذلك. * * ثم قال تعالى: ﴿وَجَعَلُواْ لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا﴾، يعني: ما أضاف المشركون إلى الله جل ذكره من البنات تعالى عن ذلك علواً كبيراً. * * ومعنى ﴿وَجَعَلُواْ﴾ (ها هنا: ) قالوا ووصفوا، وهو قولهم: الملائكة بنات الله سبحانه وتعالى، قاله مجاهد والسدي. قال قتادة: الجزء هنا: العدل، أي: جعل له المشركون عدلاً، وهي الأصنام. وقال عطاء: جزءاً، أي: نصيباً، شريكاً وهو قول الضحاك والربيع بن أنس، وهو معنى قول ابن عباس. وقال زيد بن أسلم: هي الأصنام. وذكر الزجاج أن الجزء هنا: البنات وأنشد: ؎ إِن أَجْزَتْ (حُرَّةُ) يَوْماً فَلاَ عَجَبَ ∗∗∗ قَدْ (تُجْزِىءُ الحُرَّةُ المِذْكَارُ أَحْيَاناً أي: إن ولدت إناثاً. وقال المبرد: الجزء: البنت. وقوله تعالى بعد الآية: ﴿أَمِ ٱتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ﴾، وقوله: ﴿وَجَعَلُواْ ٱلْمَلاَئِكَةَ ٱلَّذِينَ هُمْ عِبَادُ ٱلرَّحْمَـٰنِ إِنَاثاً﴾ يدل على صحة قول مجاهد والسدي. * * وقوله: ﴿إِنَّ ٱلإنسَانَ لَكَفُورٌ مُّبِينٌ﴾، أي: إن الإنسان لجحود لنعم ربه، يتبين كفرانه للنعم لمن تأمله بفكر قلبه، وتدبر حاله. وهو هنا الكافر.

الزخرف 43:13

قوله تعالى: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ﴾ إلى قوله: ﴿لَكَفُورٌ مُّبِينٌ﴾. أي: ولئن سألت يا محمد هؤلاء المشركين من قومك، من خلق السماوات والأرض؟ ﴿لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ ٱلْعَزِيزُ ٱلْعَلِيمُ﴾، أي: العزيز في انتقامه وسلطانه، العليم بكل شيء. * * ثم قال تعالى: ﴿ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ مَهْداً﴾، أي بساطاً فسهل عليكم التصرف فيها من بلد إلى بلد. ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلاً﴾، أي: طرقاً. ﴿لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾، أي: كي تهتدوا في تصرفكم بتلك الطرق فتتوجهوا حيث شئتم. ولولا ذلك (لم يطق) أحد برَاحاً من موضعه ومنشئه. * * قوله: ﴿ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ مَهْداً﴾ ليس بمتصل بما قبله، لأن ما قبله من جواب المشركين - حكاه الله عنهم. ولو اتصل بما قبله لكان: "الذي جعل لنا الأرض". لكن معناه: إن الله جل ذكره وصف نفسه بنعمه بعد جواب المشركين. فثم إضمار "هو"، هو الذي جعل لكم الأرض مهاداً، ثم وصف نعمه - نعمةً (بعد نعمةٍ) - تنبيه وتقرير. * * ثم قال تعالى: ﴿وَٱلَّذِي نَزَّلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً بِقَدَرٍ﴾، أي: مطر بمقدار الحاجة بكم إليه. ولم يجعله كالطوفان فيكون عذابا يغرق، (ولا جعله) قليلاً (لا ينبت) به الزرع والنبات، ولكنه جعله بمقدار حاجتكم إليه. وقوله تعالى: ﴿فَأَنشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً مَّيْتاً كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾، أي: فأحيينا بذلك المطر بلداً لا نبات فيه ولا زرع فأنبت، فهو كالحياة له. فكما أحيى الأرض بالمطر فأنبتت ولم يكن فيها نبات كذلك يحيي الموتى بالمطر فيخرجون من قبورهم (إلى ربهم). وروي عن ابن مسعود أنه قال: يرسل الله جل ثناؤه ماء مثل مني الرجال، وليس شيء مما خلق الله من الأرض إلا وقد بقي منه شيء، فينبت بذلك الماء: الجسمان واللحوم، تنبت من (الثرى والمطر)، ثم قرأ ابن مسعود: ﴿وَٱلَّذِي نَزَّلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً﴾ - إلى - ﴿تُخْرَجُونَ﴾. * * ثم قال تعالى: ﴿وَٱلَّذِي خَلَقَ ٱلأَزْوَاجَ كُلَّهَا﴾، أي: الأجناس والأصناف من الخلق. وقيل: معنى خلق كل شيء فزوجه، بأن خلق الذكور من الإناث أزواجاً، وخلق الإناث من الذكور أزواجاً. وواحد الأزواج على "فَعْل" وكان بابه أن يجمع على "أَفْعُلٌ" إلا أنهم استثقلوا الضمة في الواو فنقلوه إلى جمع "فعل" فجمعوه على "أفعال" (وبابه "أفعال") فشبه فعلاً بفعل إذ عدد الحروف متساوية، وعلى ذلك (أيضاً شبهوا) "فَعَلاً" بـ "فَعْل" وجمعوه على "أَفْعُل" وبابه "أَفْعَال" قالوا: زَمَنٌ وَأَزْمُنٌ. * * ثم قال تعالى: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِّنَ ٱلْفُلْكِ وَٱلأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ﴾ يعني: السفن في البحر، والإبل والخيل والبغال والحمير في البر، تركبون ذلك حيث شئتم. * * ثم قال تعالى: ﴿لِتَسْتَوُواْ عَلَىٰ ظُهُورِهِ﴾، (أي: على ظهور) ما تركبون، فلذلك وحدت الهاء. وقال الفراء: معناه: على ظهور هذا الجنس، فهو عنده بمنزلة "كَثُرَ الدِّرْهَمُ. والأحسن أن تكون مردودة على لفظ "ما" في قوله: ﴿مَا تَرْكَبُونَ﴾ و "ما" مذكرة اللفظ موحدة. ومثله الهاء في قوله: ﴿إِذَا ٱسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ﴾. وإنما أتى "ظهوره" بالجمع، لأنه رد على المعنى الواحد فيه بمعنى الجمع، ورجعت الهاء على "ما" على اللفظ. وهذا نادر قدم فيه الحمل على المعنى (على الحمل على اللفظ وباب "من" و "ما" أن يقدم فيه الحمل على اللفظ قبل الحمل على المعنى) ونظيره قوله تعالى: ﴿وَقَالُواْ مَا فِي بُطُونِ هَـٰذِهِ ٱلأَنْعَٰمِ خَالِصَةٌ لِّذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَىٰ أَزْوَٰجِنَا﴾ [الأنعام: ١٣٩] (فقدم الحمل على المعنى قبل الحمل على اللفظ. وهذا على قراءة من قرأ) خالصة بتاء التأنيث، ونظيره أيضاً: ﴿كُلُّ ذٰلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهاً﴾ [الإسراء: ٣٨] فأنث "سيئة" حملاً على معنى "كل"، ثم قال: "مكروهاً" فذكَّر، حملاً على لفظ "كل". وهو كله (نادر لم أجد) له نظيراً. * * ثم قال تعالى: ﴿ثُمَّ تَذْكُرُواْ نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا ٱسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ﴾، أي: نعمة ربكم التي أنعم عليكم بها إذا سخر لكم ما تركبون في البر والبحر. * * ثم قال: ﴿وَتَقُولُواْ سُبْحَانَ ٱلَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَـٰذَا﴾، أي: وتقولوا تنزيها لله (وبراءة له) من السوء الذي سخر لنا هذا الذي ركبناه. قال قتادة: علمكم الله كيف تقولون إذا ركبتم الفلك: تقولون: ﴿بِسْمِ ٱللَّهِ مَجْريٰهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [هود: ٤١]، وإذا ركبتم الإبل تقولون: ﴿سُبْحَانَ ٱلَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَـٰذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ * وَإِنَّآ إِلَىٰ رَبِّنَا لَمُنقَلِبُونَ﴾. وعلمكم (ما تقولون) إذا نزلتم من الفلك والأنعام جميعاً، تقولون: اللهم انزلنا ﴿مُنزَلاً مُّبَارَكاً وَأَنتَ خَيْرُ ٱلْمُنزِلِينَ﴾. وكان طاوس إذا ركب يقول: اللهم هذا من فضلك ومنك ثم يقول: ﴿سُبْحَانَ ٱلَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَـٰذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ * وَإِنَّآ إِلَىٰ رَبِّنَا لَمُنقَلِبُونَ﴾. * * ومعنى ﴿مُقْرِنِينَ﴾: مطيقين، قاله ابن عباس وقتادة والسدي وابن زيد، أي لم نطق على الانتفاع بهذه الأنعام إلا بك. وحكى أهل اللغة: أقرن له، إذا أطاقه. وحكوا أنا مقرن لهذا أي: مطيق له. وقال أبو عبيدة، مقرنين: ضابطين له. وحكى أنه "يقال: فلان مقرن لفلان، أي: ضابط له". وقد روي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه كان (إذا جعل رجله في الركاب يقول): بسم الله، فإذا استوى راكباً قال: الحمد لله، ثم يقول: ﴿سُبْحَانَ ٱلَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَـٰذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾ اللهم لا إله إلا أنت قد عملت سوءاً (وظلمت نفسي) فاغفر لي إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت. ثم يقول: رأيت رسول الله ﷺ فعل كفعلي. وقال مجاهد: من ركب ولم يقل: ﴿سُبْحَانَ ٱلَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَـٰذَا ...﴾ الآية، قال له الشيطان تَغَنَّهْ؛ فإن لم يحسن قال له تَمَنَّهْ. * * وقوله: ﴿وَإِنَّآ إِلَىٰ رَبِّنَا لَمُنقَلِبُونَ﴾، أي: ويقولون أيضاً هذا. ومعناه: راجعون بعد الموت، مبعوثون. وهذا كله في معنى الأمر بذكر نعم الله عز وجل على خلقه وشكره عليها. وقد قيل: إن التقدير: ليأمركم إذا استويتم على ظهوره أن تذكروا نعمته، وهو مثل قوله: ﴿وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦]، أي: لأمرهم أن يعبدون، فقد أمرهم تعالى ذكره بذلك. * * ثم قال تعالى: ﴿وَجَعَلُواْ لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا﴾، يعني: ما أضاف المشركون إلى الله جل ذكره من البنات تعالى عن ذلك علواً كبيراً. * * ومعنى ﴿وَجَعَلُواْ﴾ (ها هنا: ) قالوا ووصفوا، وهو قولهم: الملائكة بنات الله سبحانه وتعالى، قاله مجاهد والسدي. قال قتادة: الجزء هنا: العدل، أي: جعل له المشركون عدلاً، وهي الأصنام. وقال عطاء: جزءاً، أي: نصيباً، شريكاً وهو قول الضحاك والربيع بن أنس، وهو معنى قول ابن عباس. وقال زيد بن أسلم: هي الأصنام. وذكر الزجاج أن الجزء هنا: البنات وأنشد: ؎ إِن أَجْزَتْ (حُرَّةُ) يَوْماً فَلاَ عَجَبَ ∗∗∗ قَدْ (تُجْزِىءُ الحُرَّةُ المِذْكَارُ أَحْيَاناً أي: إن ولدت إناثاً. وقال المبرد: الجزء: البنت. وقوله تعالى بعد الآية: ﴿أَمِ ٱتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ﴾، وقوله: ﴿وَجَعَلُواْ ٱلْمَلاَئِكَةَ ٱلَّذِينَ هُمْ عِبَادُ ٱلرَّحْمَـٰنِ إِنَاثاً﴾ يدل على صحة قول مجاهد والسدي. * * وقوله: ﴿إِنَّ ٱلإنسَانَ لَكَفُورٌ مُّبِينٌ﴾، أي: إن الإنسان لجحود لنعم ربه، يتبين كفرانه للنعم لمن تأمله بفكر قلبه، وتدبر حاله. وهو هنا الكافر.

الزخرف 43:14

قوله تعالى: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ﴾ إلى قوله: ﴿لَكَفُورٌ مُّبِينٌ﴾. أي: ولئن سألت يا محمد هؤلاء المشركين من قومك، من خلق السماوات والأرض؟ ﴿لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ ٱلْعَزِيزُ ٱلْعَلِيمُ﴾، أي: العزيز في انتقامه وسلطانه، العليم بكل شيء. * * ثم قال تعالى: ﴿ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ مَهْداً﴾، أي بساطاً فسهل عليكم التصرف فيها من بلد إلى بلد. ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلاً﴾، أي: طرقاً. ﴿لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾، أي: كي تهتدوا في تصرفكم بتلك الطرق فتتوجهوا حيث شئتم. ولولا ذلك (لم يطق) أحد برَاحاً من موضعه ومنشئه. * * قوله: ﴿ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ مَهْداً﴾ ليس بمتصل بما قبله، لأن ما قبله من جواب المشركين - حكاه الله عنهم. ولو اتصل بما قبله لكان: "الذي جعل لنا الأرض". لكن معناه: إن الله جل ذكره وصف نفسه بنعمه بعد جواب المشركين. فثم إضمار "هو"، هو الذي جعل لكم الأرض مهاداً، ثم وصف نعمه - نعمةً (بعد نعمةٍ) - تنبيه وتقرير. * * ثم قال تعالى: ﴿وَٱلَّذِي نَزَّلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً بِقَدَرٍ﴾، أي: مطر بمقدار الحاجة بكم إليه. ولم يجعله كالطوفان فيكون عذابا يغرق، (ولا جعله) قليلاً (لا ينبت) به الزرع والنبات، ولكنه جعله بمقدار حاجتكم إليه. وقوله تعالى: ﴿فَأَنشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً مَّيْتاً كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾، أي: فأحيينا بذلك المطر بلداً لا نبات فيه ولا زرع فأنبت، فهو كالحياة له. فكما أحيى الأرض بالمطر فأنبتت ولم يكن فيها نبات كذلك يحيي الموتى بالمطر فيخرجون من قبورهم (إلى ربهم). وروي عن ابن مسعود أنه قال: يرسل الله جل ثناؤه ماء مثل مني الرجال، وليس شيء مما خلق الله من الأرض إلا وقد بقي منه شيء، فينبت بذلك الماء: الجسمان واللحوم، تنبت من (الثرى والمطر)، ثم قرأ ابن مسعود: ﴿وَٱلَّذِي نَزَّلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً﴾ - إلى - ﴿تُخْرَجُونَ﴾. * * ثم قال تعالى: ﴿وَٱلَّذِي خَلَقَ ٱلأَزْوَاجَ كُلَّهَا﴾، أي: الأجناس والأصناف من الخلق. وقيل: معنى خلق كل شيء فزوجه، بأن خلق الذكور من الإناث أزواجاً، وخلق الإناث من الذكور أزواجاً. وواحد الأزواج على "فَعْل" وكان بابه أن يجمع على "أَفْعُلٌ" إلا أنهم استثقلوا الضمة في الواو فنقلوه إلى جمع "فعل" فجمعوه على "أفعال" (وبابه "أفعال") فشبه فعلاً بفعل إذ عدد الحروف متساوية، وعلى ذلك (أيضاً شبهوا) "فَعَلاً" بـ "فَعْل" وجمعوه على "أَفْعُل" وبابه "أَفْعَال" قالوا: زَمَنٌ وَأَزْمُنٌ. * * ثم قال تعالى: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِّنَ ٱلْفُلْكِ وَٱلأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ﴾ يعني: السفن في البحر، والإبل والخيل والبغال والحمير في البر، تركبون ذلك حيث شئتم. * * ثم قال تعالى: ﴿لِتَسْتَوُواْ عَلَىٰ ظُهُورِهِ﴾، (أي: على ظهور) ما تركبون، فلذلك وحدت الهاء. وقال الفراء: معناه: على ظهور هذا الجنس، فهو عنده بمنزلة "كَثُرَ الدِّرْهَمُ. والأحسن أن تكون مردودة على لفظ "ما" في قوله: ﴿مَا تَرْكَبُونَ﴾ و "ما" مذكرة اللفظ موحدة. ومثله الهاء في قوله: ﴿إِذَا ٱسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ﴾. وإنما أتى "ظهوره" بالجمع، لأنه رد على المعنى الواحد فيه بمعنى الجمع، ورجعت الهاء على "ما" على اللفظ. وهذا نادر قدم فيه الحمل على المعنى (على الحمل على اللفظ وباب "من" و "ما" أن يقدم فيه الحمل على اللفظ قبل الحمل على المعنى) ونظيره قوله تعالى: ﴿وَقَالُواْ مَا فِي بُطُونِ هَـٰذِهِ ٱلأَنْعَٰمِ خَالِصَةٌ لِّذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَىٰ أَزْوَٰجِنَا﴾ [الأنعام: ١٣٩] (فقدم الحمل على المعنى قبل الحمل على اللفظ. وهذا على قراءة من قرأ) خالصة بتاء التأنيث، ونظيره أيضاً: ﴿كُلُّ ذٰلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهاً﴾ [الإسراء: ٣٨] فأنث "سيئة" حملاً على معنى "كل"، ثم قال: "مكروهاً" فذكَّر، حملاً على لفظ "كل". وهو كله (نادر لم أجد) له نظيراً. * * ثم قال تعالى: ﴿ثُمَّ تَذْكُرُواْ نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا ٱسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ﴾، أي: نعمة ربكم التي أنعم عليكم بها إذا سخر لكم ما تركبون في البر والبحر. * * ثم قال: ﴿وَتَقُولُواْ سُبْحَانَ ٱلَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَـٰذَا﴾، أي: وتقولوا تنزيها لله (وبراءة له) من السوء الذي سخر لنا هذا الذي ركبناه. قال قتادة: علمكم الله كيف تقولون إذا ركبتم الفلك: تقولون: ﴿بِسْمِ ٱللَّهِ مَجْريٰهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [هود: ٤١]، وإذا ركبتم الإبل تقولون: ﴿سُبْحَانَ ٱلَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَـٰذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ * وَإِنَّآ إِلَىٰ رَبِّنَا لَمُنقَلِبُونَ﴾. وعلمكم (ما تقولون) إذا نزلتم من الفلك والأنعام جميعاً، تقولون: اللهم انزلنا ﴿مُنزَلاً مُّبَارَكاً وَأَنتَ خَيْرُ ٱلْمُنزِلِينَ﴾. وكان طاوس إذا ركب يقول: اللهم هذا من فضلك ومنك ثم يقول: ﴿سُبْحَانَ ٱلَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَـٰذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ * وَإِنَّآ إِلَىٰ رَبِّنَا لَمُنقَلِبُونَ﴾. * * ومعنى ﴿مُقْرِنِينَ﴾: مطيقين، قاله ابن عباس وقتادة والسدي وابن زيد، أي لم نطق على الانتفاع بهذه الأنعام إلا بك. وحكى أهل اللغة: أقرن له، إذا أطاقه. وحكوا أنا مقرن لهذا أي: مطيق له. وقال أبو عبيدة، مقرنين: ضابطين له. وحكى أنه "يقال: فلان مقرن لفلان، أي: ضابط له". وقد روي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه كان (إذا جعل رجله في الركاب يقول): بسم الله، فإذا استوى راكباً قال: الحمد لله، ثم يقول: ﴿سُبْحَانَ ٱلَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَـٰذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾ اللهم لا إله إلا أنت قد عملت سوءاً (وظلمت نفسي) فاغفر لي إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت. ثم يقول: رأيت رسول الله ﷺ فعل كفعلي. وقال مجاهد: من ركب ولم يقل: ﴿سُبْحَانَ ٱلَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَـٰذَا ...﴾ الآية، قال له الشيطان تَغَنَّهْ؛ فإن لم يحسن قال له تَمَنَّهْ. * * وقوله: ﴿وَإِنَّآ إِلَىٰ رَبِّنَا لَمُنقَلِبُونَ﴾، أي: ويقولون أيضاً هذا. ومعناه: راجعون بعد الموت، مبعوثون. وهذا كله في معنى الأمر بذكر نعم الله عز وجل على خلقه وشكره عليها. وقد قيل: إن التقدير: ليأمركم إذا استويتم على ظهوره أن تذكروا نعمته، وهو مثل قوله: ﴿وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦]، أي: لأمرهم أن يعبدون، فقد أمرهم تعالى ذكره بذلك. * * ثم قال تعالى: ﴿وَجَعَلُواْ لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا﴾، يعني: ما أضاف المشركون إلى الله جل ذكره من البنات تعالى عن ذلك علواً كبيراً. * * ومعنى ﴿وَجَعَلُواْ﴾ (ها هنا: ) قالوا ووصفوا، وهو قولهم: الملائكة بنات الله سبحانه وتعالى، قاله مجاهد والسدي. قال قتادة: الجزء هنا: العدل، أي: جعل له المشركون عدلاً، وهي الأصنام. وقال عطاء: جزءاً، أي: نصيباً، شريكاً وهو قول الضحاك والربيع بن أنس، وهو معنى قول ابن عباس. وقال زيد بن أسلم: هي الأصنام. وذكر الزجاج أن الجزء هنا: البنات وأنشد: ؎ إِن أَجْزَتْ (حُرَّةُ) يَوْماً فَلاَ عَجَبَ ∗∗∗ قَدْ (تُجْزِىءُ الحُرَّةُ المِذْكَارُ أَحْيَاناً أي: إن ولدت إناثاً. وقال المبرد: الجزء: البنت. وقوله تعالى بعد الآية: ﴿أَمِ ٱتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ﴾، وقوله: ﴿وَجَعَلُواْ ٱلْمَلاَئِكَةَ ٱلَّذِينَ هُمْ عِبَادُ ٱلرَّحْمَـٰنِ إِنَاثاً﴾ يدل على صحة قول مجاهد والسدي. * * وقوله: ﴿إِنَّ ٱلإنسَانَ لَكَفُورٌ مُّبِينٌ﴾، أي: إن الإنسان لجحود لنعم ربه، يتبين كفرانه للنعم لمن تأمله بفكر قلبه، وتدبر حاله. وهو هنا الكافر.

الزخرف 43:15

قوله تعالى: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ﴾ إلى قوله: ﴿لَكَفُورٌ مُّبِينٌ﴾. أي: ولئن سألت يا محمد هؤلاء المشركين من قومك، من خلق السماوات والأرض؟ ﴿لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ ٱلْعَزِيزُ ٱلْعَلِيمُ﴾، أي: العزيز في انتقامه وسلطانه، العليم بكل شيء. * * ثم قال تعالى: ﴿ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ مَهْداً﴾، أي بساطاً فسهل عليكم التصرف فيها من بلد إلى بلد. ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلاً﴾، أي: طرقاً. ﴿لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾، أي: كي تهتدوا في تصرفكم بتلك الطرق فتتوجهوا حيث شئتم. ولولا ذلك (لم يطق) أحد برَاحاً من موضعه ومنشئه. * * قوله: ﴿ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ مَهْداً﴾ ليس بمتصل بما قبله، لأن ما قبله من جواب المشركين - حكاه الله عنهم. ولو اتصل بما قبله لكان: "الذي جعل لنا الأرض". لكن معناه: إن الله جل ذكره وصف نفسه بنعمه بعد جواب المشركين. فثم إضمار "هو"، هو الذي جعل لكم الأرض مهاداً، ثم وصف نعمه - نعمةً (بعد نعمةٍ) - تنبيه وتقرير. * * ثم قال تعالى: ﴿وَٱلَّذِي نَزَّلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً بِقَدَرٍ﴾، أي: مطر بمقدار الحاجة بكم إليه. ولم يجعله كالطوفان فيكون عذابا يغرق، (ولا جعله) قليلاً (لا ينبت) به الزرع والنبات، ولكنه جعله بمقدار حاجتكم إليه. وقوله تعالى: ﴿فَأَنشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً مَّيْتاً كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾، أي: فأحيينا بذلك المطر بلداً لا نبات فيه ولا زرع فأنبت، فهو كالحياة له. فكما أحيى الأرض بالمطر فأنبتت ولم يكن فيها نبات كذلك يحيي الموتى بالمطر فيخرجون من قبورهم (إلى ربهم). وروي عن ابن مسعود أنه قال: يرسل الله جل ثناؤه ماء مثل مني الرجال، وليس شيء مما خلق الله من الأرض إلا وقد بقي منه شيء، فينبت بذلك الماء: الجسمان واللحوم، تنبت من (الثرى والمطر)، ثم قرأ ابن مسعود: ﴿وَٱلَّذِي نَزَّلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً﴾ - إلى - ﴿تُخْرَجُونَ﴾. * * ثم قال تعالى: ﴿وَٱلَّذِي خَلَقَ ٱلأَزْوَاجَ كُلَّهَا﴾، أي: الأجناس والأصناف من الخلق. وقيل: معنى خلق كل شيء فزوجه، بأن خلق الذكور من الإناث أزواجاً، وخلق الإناث من الذكور أزواجاً. وواحد الأزواج على "فَعْل" وكان بابه أن يجمع على "أَفْعُلٌ" إلا أنهم استثقلوا الضمة في الواو فنقلوه إلى جمع "فعل" فجمعوه على "أفعال" (وبابه "أفعال") فشبه فعلاً بفعل إذ عدد الحروف متساوية، وعلى ذلك (أيضاً شبهوا) "فَعَلاً" بـ "فَعْل" وجمعوه على "أَفْعُل" وبابه "أَفْعَال" قالوا: زَمَنٌ وَأَزْمُنٌ. * * ثم قال تعالى: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِّنَ ٱلْفُلْكِ وَٱلأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ﴾ يعني: السفن في البحر، والإبل والخيل والبغال والحمير في البر، تركبون ذلك حيث شئتم. * * ثم قال تعالى: ﴿لِتَسْتَوُواْ عَلَىٰ ظُهُورِهِ﴾، (أي: على ظهور) ما تركبون، فلذلك وحدت الهاء. وقال الفراء: معناه: على ظهور هذا الجنس، فهو عنده بمنزلة "كَثُرَ الدِّرْهَمُ. والأحسن أن تكون مردودة على لفظ "ما" في قوله: ﴿مَا تَرْكَبُونَ﴾ و "ما" مذكرة اللفظ موحدة. ومثله الهاء في قوله: ﴿إِذَا ٱسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ﴾. وإنما أتى "ظهوره" بالجمع، لأنه رد على المعنى الواحد فيه بمعنى الجمع، ورجعت الهاء على "ما" على اللفظ. وهذا نادر قدم فيه الحمل على المعنى (على الحمل على اللفظ وباب "من" و "ما" أن يقدم فيه الحمل على اللفظ قبل الحمل على المعنى) ونظيره قوله تعالى: ﴿وَقَالُواْ مَا فِي بُطُونِ هَـٰذِهِ ٱلأَنْعَٰمِ خَالِصَةٌ لِّذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَىٰ أَزْوَٰجِنَا﴾ [الأنعام: ١٣٩] (فقدم الحمل على المعنى قبل الحمل على اللفظ. وهذا على قراءة من قرأ) خالصة بتاء التأنيث، ونظيره أيضاً: ﴿كُلُّ ذٰلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهاً﴾ [الإسراء: ٣٨] فأنث "سيئة" حملاً على معنى "كل"، ثم قال: "مكروهاً" فذكَّر، حملاً على لفظ "كل". وهو كله (نادر لم أجد) له نظيراً. * * ثم قال تعالى: ﴿ثُمَّ تَذْكُرُواْ نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا ٱسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ﴾، أي: نعمة ربكم التي أنعم عليكم بها إذا سخر لكم ما تركبون في البر والبحر. * * ثم قال: ﴿وَتَقُولُواْ سُبْحَانَ ٱلَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَـٰذَا﴾، أي: وتقولوا تنزيها لله (وبراءة له) من السوء الذي سخر لنا هذا الذي ركبناه. قال قتادة: علمكم الله كيف تقولون إذا ركبتم الفلك: تقولون: ﴿بِسْمِ ٱللَّهِ مَجْريٰهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [هود: ٤١]، وإذا ركبتم الإبل تقولون: ﴿سُبْحَانَ ٱلَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَـٰذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ * وَإِنَّآ إِلَىٰ رَبِّنَا لَمُنقَلِبُونَ﴾. وعلمكم (ما تقولون) إذا نزلتم من الفلك والأنعام جميعاً، تقولون: اللهم انزلنا ﴿مُنزَلاً مُّبَارَكاً وَأَنتَ خَيْرُ ٱلْمُنزِلِينَ﴾. وكان طاوس إذا ركب يقول: اللهم هذا من فضلك ومنك ثم يقول: ﴿سُبْحَانَ ٱلَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَـٰذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ * وَإِنَّآ إِلَىٰ رَبِّنَا لَمُنقَلِبُونَ﴾. * * ومعنى ﴿مُقْرِنِينَ﴾: مطيقين، قاله ابن عباس وقتادة والسدي وابن زيد، أي لم نطق على الانتفاع بهذه الأنعام إلا بك. وحكى أهل اللغة: أقرن له، إذا أطاقه. وحكوا أنا مقرن لهذا أي: مطيق له. وقال أبو عبيدة، مقرنين: ضابطين له. وحكى أنه "يقال: فلان مقرن لفلان، أي: ضابط له". وقد روي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه كان (إذا جعل رجله في الركاب يقول): بسم الله، فإذا استوى راكباً قال: الحمد لله، ثم يقول: ﴿سُبْحَانَ ٱلَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَـٰذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾ اللهم لا إله إلا أنت قد عملت سوءاً (وظلمت نفسي) فاغفر لي إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت. ثم يقول: رأيت رسول الله ﷺ فعل كفعلي. وقال مجاهد: من ركب ولم يقل: ﴿سُبْحَانَ ٱلَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَـٰذَا ...﴾ الآية، قال له الشيطان تَغَنَّهْ؛ فإن لم يحسن قال له تَمَنَّهْ. * * وقوله: ﴿وَإِنَّآ إِلَىٰ رَبِّنَا لَمُنقَلِبُونَ﴾، أي: ويقولون أيضاً هذا. ومعناه: راجعون بعد الموت، مبعوثون. وهذا كله في معنى الأمر بذكر نعم الله عز وجل على خلقه وشكره عليها. وقد قيل: إن التقدير: ليأمركم إذا استويتم على ظهوره أن تذكروا نعمته، وهو مثل قوله: ﴿وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦]، أي: لأمرهم أن يعبدون، فقد أمرهم تعالى ذكره بذلك. * * ثم قال تعالى: ﴿وَجَعَلُواْ لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا﴾، يعني: ما أضاف المشركون إلى الله جل ذكره من البنات تعالى عن ذلك علواً كبيراً. * * ومعنى ﴿وَجَعَلُواْ﴾ (ها هنا: ) قالوا ووصفوا، وهو قولهم: الملائكة بنات الله سبحانه وتعالى، قاله مجاهد والسدي. قال قتادة: الجزء هنا: العدل، أي: جعل له المشركون عدلاً، وهي الأصنام. وقال عطاء: جزءاً، أي: نصيباً، شريكاً وهو قول الضحاك والربيع بن أنس، وهو معنى قول ابن عباس. وقال زيد بن أسلم: هي الأصنام. وذكر الزجاج أن الجزء هنا: البنات وأنشد: ؎ إِن أَجْزَتْ (حُرَّةُ) يَوْماً فَلاَ عَجَبَ ∗∗∗ قَدْ (تُجْزِىءُ الحُرَّةُ المِذْكَارُ أَحْيَاناً أي: إن ولدت إناثاً. وقال المبرد: الجزء: البنت. وقوله تعالى بعد الآية: ﴿أَمِ ٱتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ﴾، وقوله: ﴿وَجَعَلُواْ ٱلْمَلاَئِكَةَ ٱلَّذِينَ هُمْ عِبَادُ ٱلرَّحْمَـٰنِ إِنَاثاً﴾ يدل على صحة قول مجاهد والسدي. * * وقوله: ﴿إِنَّ ٱلإنسَانَ لَكَفُورٌ مُّبِينٌ﴾، أي: إن الإنسان لجحود لنعم ربه، يتبين كفرانه للنعم لمن تأمله بفكر قلبه، وتدبر حاله. وهو هنا الكافر.

الزخرف 43:16

(قال تعالى: ﴿أَمِ ٱتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ﴾، إلى قوله: ﴿عَاقِبَةُ ٱلْمُكَذِّبِينَ﴾، معناه: لم يتخذ ذلك فأنتم أيها المشركون مبطلون في قولكم (تعالى عن ذلك علواً) كبيراً. وهذا لفظ استفهام معناه التوبيخ، أي: كيف يتخذ البنات على قولكم وأنتم (لا ترضونهن) لأنفسكم (أفأصفاكم واختصكم) بالبنين. * * ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَـٰنِ مَثَلاً﴾ أي: وإذا بشر أحد هؤلاء الجاعلين لله سبحانه من عباده جزءاً بما وصف ربه به من اتخاذ البنات سبحانه وتعالى صار وجهه مسوداً وهو كظيم، أي حابس لغمه وحزنه وكربه. قال قتادة: "وهو كظيم، أي: حزين". * * ثم قال: ﴿أَوَمَن يُنَشَّأُ فِي ٱلْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي ٱلْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾ "من" في موضع رفع بالابتداء. ويجوز أن يكون في موضع نصب ترده على ﴿أَمِ ٱتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ﴾ فتبدله من البنات. ويجوز أن يكون في موضع خفض (تبدله من "ما") في قوله: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَـٰنِ مَثَلاً﴾. وفي جواز هذين الوجهين في البدل ضعف لدخول ألف الاستفهام قبل "من" فهي تحول بين البدل والمبدل منه. والمعنى: أجعلتم لله جزءاً ممن يرى في الحلية ويتزين بها، وهو في مخاصمة من خاصمه غير مبين لحجته وبرهانه لعجزه وضعفه. ففي الكلام حذف استغني عنه - بدلالة ما ذكر بعده. والتقدير: أو من ينشأ في الحلية يجعلون لله نصيباً. قال ابن عباس: عنى بذلك المرأة. وقال مجاهد: "رخص للنساء في الحرير والذهب، وهن الجواري؛ جعلوهن للرحمن ولداً؛ كيف يحكمون". قال قتادة: "جعلوا لله البنات وهم إذا بشر أحدهم بهن ولّى وجهه مسوداً وهو كظيم". وقال قتادة: وقوله: ﴿وَهُوَ فِي ٱلْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾ يعني النساء فقلما تتكلم امرأة فتريد أن تتكلم بحجتها إلا تكلمت بالحجة عليها. وقال ابن زيد (عنى) بذلك أوثانهم التي كانوا يعبدونها من دون الله، يضربونها من (فضة وذهب) ويعبدونها، فهم أنشؤوها ضربوها من تلك الحلية ثم عبدوها، وهي لا تتكلم ولا تبين عن نفسها شيئاً. * * ثم قال تعالى: ﴿وَجَعَلُواْ ٱلْمَلاَئِكَةَ ٱلَّذِينَ هُمْ عِبَادُ ٱلرَّحْمَـٰنِ إِنَاثاً﴾، أي: ووصفوا الملائكة بهذا الوصف. فجعل هنا بمعنى "وصف" تقول: جعلت فلان أعلم الناس ، أي: وصفته بهذا. يتعدى إلى مفعول واحد (في الأصل). * * ثم قال: ﴿أَشَهِدُواْ خَلْقَهُمْ﴾ هذا على التقرير والتوبيخ لهم، ومعناه: لم يشهدوا خلق الملائكة، فكيف تجرؤوا على وصفهم بالإناث. ثم قال تعالى: على التهدد والوعيد لمن فعل ذلك (ولمن يقول ذلك): ﴿سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ﴾، أي: يسألون عن قولهم وافترائهم يوم القيامة، ولن يجدوا إلى الاعتذار من قولهم سبيلاً. * * ثم قال تعالى: ﴿وَقَالُواْ لَوْ شَآءَ ٱلرَّحْمَـٰنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ﴾، أي: وقال هؤلاء المشركون: لو شاء الرحمن، ما عبدنا أوثاننا من دونه، وإنما لم تحل بنا العقوبة على عبادتنا إياها لرضاه عنا. قال مجاهد: لو شاء الرحمن ما عبدناهم يعني الأوثان، والمعنى: هو أمرنا بعبادتها، دل على ذلك: قوله: ﴿مَّا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ﴾، أي: يكذبون. فهذا الرد عليهم لا يحتمل أن يكون رد الظاهر من قولهم: ﴿لَوْ شَآءَ ٱلرَّحْمَـٰنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ﴾، لأنه قول صحيح لا يرد ولا ينكر. كما أن قولهم - إذا سُئِلُوا عمن خلق السماوات والأرض فقالوا خلقهن العزيز العليم لا يرد ولا ينكر. * * ثم قال تعالى: ﴿مَّا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ﴾ هذا مردود إلى أول الآية. والتقدير: ﴿وَجَعَلُواْ ٱلْمَلاَئِكَةَ ٱلَّذِينَ هُمْ عِبَادُ ٱلرَّحْمَـٰنِ إِنَاثاً﴾ ﴿مَّا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ﴾، أي: ما لهم بقولهم الملائكة إناثاً من علم، وقيل: إن ذلك مردود على ما قبله، والتقدير: وقالوا لو شاء الرحمن ما عبدنا هذه الأوثان، ثم قال الله: ما لهم بذلك من علم، أي: من عذر يقوم لهم في عبادتهم الأوثان لأنهم رأوا أن ذلك عذرهم. فرد الله عز وجل عليهم. فالمعنى: ما لهم من علم بحقيقة ما يقولون: (من ذلك)، إنما يقولونه تخرصاً واختراعاً من عند أنفسهم لأنهم لا خبر عندهم من الله عز وجل أن الله سبحانه شاء عبادتهم الأوثان، ورضي بذلك منهم. * * ثم قال تعالى: ﴿إِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ﴾، أي: يخرصون ويكذبون في قولهم: لو شاء الرحمن ما عبدنا هذه الأوثان. * * ثم قال تعالى: ﴿أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَاباً مِّن قَبْلِهِ فَهُم بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ﴾ أي: آتينا هؤلاء المتخرصين كتاباً يدل على حقيقة ما يقولون فيحتجون به. والهاء في "من قبله" تعود على القرآن. * * ثم قال تعالى: ﴿بَلْ قَالُوۤاْ إِنَّا وَجَدْنَآ ءَابَآءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ﴾، أي: لم يأتهم كتاب بعبادتهم الأوثان ولكنهم قالوا: إنا وجدنا آباءنا على دين وملة، فنحن نتبع ما كانوا عليه. وقرأ مجاهد وعمر بن عبد العزيز "على إمّةٍ" بكسر الهمزة قال الكسائي: هما لغتان وقال غيره: هو مصدر أممت القوم إمة. وحكي عن العرب: "ما أحسن إِمَّتَهُ وعِمَّته وجِلسته". * * ثم قال: ﴿وَإِنَّا عَلَىٰ ءَاثَارِهِم مُّهْتَدُونَ﴾، أي: قالوا: وجدنا آباءنا على دين، فنحن متبعون لما كانوا عليه. هذا كله حكاية عن قريش. * * ثم قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ مَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَآ إِنَّا وَجَدْنَآ ءَابَآءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ ءَاثَارِهِم مُّقْتَدُونَ﴾، أي: كما قال لك (يا محمد قومك) إنهم متبعون في دينهم لما كان عليه آباؤهم كذلك قال من كان قبلهم من مترفي الأمم لرسلهم الذين ينذرونهم من عقاب الله عز وجل. والمترفون: الرؤساء والأشراف منهم. فسلك قريش فعلهم سبيل من كان قبلهم من الأمم المكذبة. ومعنى "مقتدون" أي: نقتدي بفعلهم، فاتبعوهم على الكفر. * * ثم قال تعالى: ﴿قَٰلَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَىٰ مِمَّا وَجَدتُّمْ عَلَيْهِ آبَآءَكُمْ﴾، أي: قل يا محمد لهؤلاء المتبعين ما وجدوا عليه آباءهم من الدين، أَوَلَوْا جِئْتُكُمْ أيها المشركون - من عند ربكم - بأهدى مما كان عليه آباؤكم من (الدين تتبعون) ما وجدتم عليه آباءكم، وغيره أهدى الى الحق وأصوب منه! * * ثم قال تعالى: ﴿قَالُوۤاْ إِنَّا بِمَآ أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ﴾، أي: فقال محمد ﷺ ذلك لهم فقالوا: إنا بما أرسلتم به كافرون، أي: جاحدون منكرون. وجمع في قوله: "أرسلتم" لأن من كذب نبياً فقد كذب جميع الأنبياء. * * ثم قال تعالى: ﴿فَٱنتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾، أي: فانتقمنا من هؤلاء الذين كذبوا رسلهم، فانظر يا محمد كيف كان عاقبة المكذبين، فكذلك ننتقم من قومك إن تمادوا على تكذيبك.

الزخرف 43:17

(قال تعالى: ﴿أَمِ ٱتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ﴾، إلى قوله: ﴿عَاقِبَةُ ٱلْمُكَذِّبِينَ﴾، معناه: لم يتخذ ذلك فأنتم أيها المشركون مبطلون في قولكم (تعالى عن ذلك علواً) كبيراً. وهذا لفظ استفهام معناه التوبيخ، أي: كيف يتخذ البنات على قولكم وأنتم (لا ترضونهن) لأنفسكم (أفأصفاكم واختصكم) بالبنين. * * ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَـٰنِ مَثَلاً﴾ أي: وإذا بشر أحد هؤلاء الجاعلين لله سبحانه من عباده جزءاً بما وصف ربه به من اتخاذ البنات سبحانه وتعالى صار وجهه مسوداً وهو كظيم، أي حابس لغمه وحزنه وكربه. قال قتادة: "وهو كظيم، أي: حزين". * * ثم قال: ﴿أَوَمَن يُنَشَّأُ فِي ٱلْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي ٱلْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾ "من" في موضع رفع بالابتداء. ويجوز أن يكون في موضع نصب ترده على ﴿أَمِ ٱتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ﴾ فتبدله من البنات. ويجوز أن يكون في موضع خفض (تبدله من "ما") في قوله: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَـٰنِ مَثَلاً﴾. وفي جواز هذين الوجهين في البدل ضعف لدخول ألف الاستفهام قبل "من" فهي تحول بين البدل والمبدل منه. والمعنى: أجعلتم لله جزءاً ممن يرى في الحلية ويتزين بها، وهو في مخاصمة من خاصمه غير مبين لحجته وبرهانه لعجزه وضعفه. ففي الكلام حذف استغني عنه - بدلالة ما ذكر بعده. والتقدير: أو من ينشأ في الحلية يجعلون لله نصيباً. قال ابن عباس: عنى بذلك المرأة. وقال مجاهد: "رخص للنساء في الحرير والذهب، وهن الجواري؛ جعلوهن للرحمن ولداً؛ كيف يحكمون". قال قتادة: "جعلوا لله البنات وهم إذا بشر أحدهم بهن ولّى وجهه مسوداً وهو كظيم". وقال قتادة: وقوله: ﴿وَهُوَ فِي ٱلْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾ يعني النساء فقلما تتكلم امرأة فتريد أن تتكلم بحجتها إلا تكلمت بالحجة عليها. وقال ابن زيد (عنى) بذلك أوثانهم التي كانوا يعبدونها من دون الله، يضربونها من (فضة وذهب) ويعبدونها، فهم أنشؤوها ضربوها من تلك الحلية ثم عبدوها، وهي لا تتكلم ولا تبين عن نفسها شيئاً. * * ثم قال تعالى: ﴿وَجَعَلُواْ ٱلْمَلاَئِكَةَ ٱلَّذِينَ هُمْ عِبَادُ ٱلرَّحْمَـٰنِ إِنَاثاً﴾، أي: ووصفوا الملائكة بهذا الوصف. فجعل هنا بمعنى "وصف" تقول: جعلت فلان أعلم الناس ، أي: وصفته بهذا. يتعدى إلى مفعول واحد (في الأصل). * * ثم قال: ﴿أَشَهِدُواْ خَلْقَهُمْ﴾ هذا على التقرير والتوبيخ لهم، ومعناه: لم يشهدوا خلق الملائكة، فكيف تجرؤوا على وصفهم بالإناث. ثم قال تعالى: على التهدد والوعيد لمن فعل ذلك (ولمن يقول ذلك): ﴿سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ﴾، أي: يسألون عن قولهم وافترائهم يوم القيامة، ولن يجدوا إلى الاعتذار من قولهم سبيلاً. * * ثم قال تعالى: ﴿وَقَالُواْ لَوْ شَآءَ ٱلرَّحْمَـٰنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ﴾، أي: وقال هؤلاء المشركون: لو شاء الرحمن، ما عبدنا أوثاننا من دونه، وإنما لم تحل بنا العقوبة على عبادتنا إياها لرضاه عنا. قال مجاهد: لو شاء الرحمن ما عبدناهم يعني الأوثان، والمعنى: هو أمرنا بعبادتها، دل على ذلك: قوله: ﴿مَّا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ﴾، أي: يكذبون. فهذا الرد عليهم لا يحتمل أن يكون رد الظاهر من قولهم: ﴿لَوْ شَآءَ ٱلرَّحْمَـٰنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ﴾، لأنه قول صحيح لا يرد ولا ينكر. كما أن قولهم - إذا سُئِلُوا عمن خلق السماوات والأرض فقالوا خلقهن العزيز العليم لا يرد ولا ينكر. * * ثم قال تعالى: ﴿مَّا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ﴾ هذا مردود إلى أول الآية. والتقدير: ﴿وَجَعَلُواْ ٱلْمَلاَئِكَةَ ٱلَّذِينَ هُمْ عِبَادُ ٱلرَّحْمَـٰنِ إِنَاثاً﴾ ﴿مَّا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ﴾، أي: ما لهم بقولهم الملائكة إناثاً من علم، وقيل: إن ذلك مردود على ما قبله، والتقدير: وقالوا لو شاء الرحمن ما عبدنا هذه الأوثان، ثم قال الله: ما لهم بذلك من علم، أي: من عذر يقوم لهم في عبادتهم الأوثان لأنهم رأوا أن ذلك عذرهم. فرد الله عز وجل عليهم. فالمعنى: ما لهم من علم بحقيقة ما يقولون: (من ذلك)، إنما يقولونه تخرصاً واختراعاً من عند أنفسهم لأنهم لا خبر عندهم من الله عز وجل أن الله سبحانه شاء عبادتهم الأوثان، ورضي بذلك منهم. * * ثم قال تعالى: ﴿إِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ﴾، أي: يخرصون ويكذبون في قولهم: لو شاء الرحمن ما عبدنا هذه الأوثان. * * ثم قال تعالى: ﴿أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَاباً مِّن قَبْلِهِ فَهُم بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ﴾ أي: آتينا هؤلاء المتخرصين كتاباً يدل على حقيقة ما يقولون فيحتجون به. والهاء في "من قبله" تعود على القرآن. * * ثم قال تعالى: ﴿بَلْ قَالُوۤاْ إِنَّا وَجَدْنَآ ءَابَآءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ﴾، أي: لم يأتهم كتاب بعبادتهم الأوثان ولكنهم قالوا: إنا وجدنا آباءنا على دين وملة، فنحن نتبع ما كانوا عليه. وقرأ مجاهد وعمر بن عبد العزيز "على إمّةٍ" بكسر الهمزة قال الكسائي: هما لغتان وقال غيره: هو مصدر أممت القوم إمة. وحكي عن العرب: "ما أحسن إِمَّتَهُ وعِمَّته وجِلسته". * * ثم قال: ﴿وَإِنَّا عَلَىٰ ءَاثَارِهِم مُّهْتَدُونَ﴾، أي: قالوا: وجدنا آباءنا على دين، فنحن متبعون لما كانوا عليه. هذا كله حكاية عن قريش. * * ثم قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ مَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَآ إِنَّا وَجَدْنَآ ءَابَآءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ ءَاثَارِهِم مُّقْتَدُونَ﴾، أي: كما قال لك (يا محمد قومك) إنهم متبعون في دينهم لما كان عليه آباؤهم كذلك قال من كان قبلهم من مترفي الأمم لرسلهم الذين ينذرونهم من عقاب الله عز وجل. والمترفون: الرؤساء والأشراف منهم. فسلك قريش فعلهم سبيل من كان قبلهم من الأمم المكذبة. ومعنى "مقتدون" أي: نقتدي بفعلهم، فاتبعوهم على الكفر. * * ثم قال تعالى: ﴿قَٰلَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَىٰ مِمَّا وَجَدتُّمْ عَلَيْهِ آبَآءَكُمْ﴾، أي: قل يا محمد لهؤلاء المتبعين ما وجدوا عليه آباءهم من الدين، أَوَلَوْا جِئْتُكُمْ أيها المشركون - من عند ربكم - بأهدى مما كان عليه آباؤكم من (الدين تتبعون) ما وجدتم عليه آباءكم، وغيره أهدى الى الحق وأصوب منه! * * ثم قال تعالى: ﴿قَالُوۤاْ إِنَّا بِمَآ أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ﴾، أي: فقال محمد ﷺ ذلك لهم فقالوا: إنا بما أرسلتم به كافرون، أي: جاحدون منكرون. وجمع في قوله: "أرسلتم" لأن من كذب نبياً فقد كذب جميع الأنبياء. * * ثم قال تعالى: ﴿فَٱنتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾، أي: فانتقمنا من هؤلاء الذين كذبوا رسلهم، فانظر يا محمد كيف كان عاقبة المكذبين، فكذلك ننتقم من قومك إن تمادوا على تكذيبك.

الزخرف 43:18

(قال تعالى: ﴿أَمِ ٱتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ﴾، إلى قوله: ﴿عَاقِبَةُ ٱلْمُكَذِّبِينَ﴾، معناه: لم يتخذ ذلك فأنتم أيها المشركون مبطلون في قولكم (تعالى عن ذلك علواً) كبيراً. وهذا لفظ استفهام معناه التوبيخ، أي: كيف يتخذ البنات على قولكم وأنتم (لا ترضونهن) لأنفسكم (أفأصفاكم واختصكم) بالبنين. * * ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَـٰنِ مَثَلاً﴾ أي: وإذا بشر أحد هؤلاء الجاعلين لله سبحانه من عباده جزءاً بما وصف ربه به من اتخاذ البنات سبحانه وتعالى صار وجهه مسوداً وهو كظيم، أي حابس لغمه وحزنه وكربه. قال قتادة: "وهو كظيم، أي: حزين". * * ثم قال: ﴿أَوَمَن يُنَشَّأُ فِي ٱلْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي ٱلْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾ "من" في موضع رفع بالابتداء. ويجوز أن يكون في موضع نصب ترده على ﴿أَمِ ٱتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ﴾ فتبدله من البنات. ويجوز أن يكون في موضع خفض (تبدله من "ما") في قوله: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَـٰنِ مَثَلاً﴾. وفي جواز هذين الوجهين في البدل ضعف لدخول ألف الاستفهام قبل "من" فهي تحول بين البدل والمبدل منه. والمعنى: أجعلتم لله جزءاً ممن يرى في الحلية ويتزين بها، وهو في مخاصمة من خاصمه غير مبين لحجته وبرهانه لعجزه وضعفه. ففي الكلام حذف استغني عنه - بدلالة ما ذكر بعده. والتقدير: أو من ينشأ في الحلية يجعلون لله نصيباً. قال ابن عباس: عنى بذلك المرأة. وقال مجاهد: "رخص للنساء في الحرير والذهب، وهن الجواري؛ جعلوهن للرحمن ولداً؛ كيف يحكمون". قال قتادة: "جعلوا لله البنات وهم إذا بشر أحدهم بهن ولّى وجهه مسوداً وهو كظيم". وقال قتادة: وقوله: ﴿وَهُوَ فِي ٱلْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾ يعني النساء فقلما تتكلم امرأة فتريد أن تتكلم بحجتها إلا تكلمت بالحجة عليها. وقال ابن زيد (عنى) بذلك أوثانهم التي كانوا يعبدونها من دون الله، يضربونها من (فضة وذهب) ويعبدونها، فهم أنشؤوها ضربوها من تلك الحلية ثم عبدوها، وهي لا تتكلم ولا تبين عن نفسها شيئاً. * * ثم قال تعالى: ﴿وَجَعَلُواْ ٱلْمَلاَئِكَةَ ٱلَّذِينَ هُمْ عِبَادُ ٱلرَّحْمَـٰنِ إِنَاثاً﴾، أي: ووصفوا الملائكة بهذا الوصف. فجعل هنا بمعنى "وصف" تقول: جعلت فلان أعلم الناس ، أي: وصفته بهذا. يتعدى إلى مفعول واحد (في الأصل). * * ثم قال: ﴿أَشَهِدُواْ خَلْقَهُمْ﴾ هذا على التقرير والتوبيخ لهم، ومعناه: لم يشهدوا خلق الملائكة، فكيف تجرؤوا على وصفهم بالإناث. ثم قال تعالى: على التهدد والوعيد لمن فعل ذلك (ولمن يقول ذلك): ﴿سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ﴾، أي: يسألون عن قولهم وافترائهم يوم القيامة، ولن يجدوا إلى الاعتذار من قولهم سبيلاً. * * ثم قال تعالى: ﴿وَقَالُواْ لَوْ شَآءَ ٱلرَّحْمَـٰنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ﴾، أي: وقال هؤلاء المشركون: لو شاء الرحمن، ما عبدنا أوثاننا من دونه، وإنما لم تحل بنا العقوبة على عبادتنا إياها لرضاه عنا. قال مجاهد: لو شاء الرحمن ما عبدناهم يعني الأوثان، والمعنى: هو أمرنا بعبادتها، دل على ذلك: قوله: ﴿مَّا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ﴾، أي: يكذبون. فهذا الرد عليهم لا يحتمل أن يكون رد الظاهر من قولهم: ﴿لَوْ شَآءَ ٱلرَّحْمَـٰنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ﴾، لأنه قول صحيح لا يرد ولا ينكر. كما أن قولهم - إذا سُئِلُوا عمن خلق السماوات والأرض فقالوا خلقهن العزيز العليم لا يرد ولا ينكر. * * ثم قال تعالى: ﴿مَّا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ﴾ هذا مردود إلى أول الآية. والتقدير: ﴿وَجَعَلُواْ ٱلْمَلاَئِكَةَ ٱلَّذِينَ هُمْ عِبَادُ ٱلرَّحْمَـٰنِ إِنَاثاً﴾ ﴿مَّا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ﴾، أي: ما لهم بقولهم الملائكة إناثاً من علم، وقيل: إن ذلك مردود على ما قبله، والتقدير: وقالوا لو شاء الرحمن ما عبدنا هذه الأوثان، ثم قال الله: ما لهم بذلك من علم، أي: من عذر يقوم لهم في عبادتهم الأوثان لأنهم رأوا أن ذلك عذرهم. فرد الله عز وجل عليهم. فالمعنى: ما لهم من علم بحقيقة ما يقولون: (من ذلك)، إنما يقولونه تخرصاً واختراعاً من عند أنفسهم لأنهم لا خبر عندهم من الله عز وجل أن الله سبحانه شاء عبادتهم الأوثان، ورضي بذلك منهم. * * ثم قال تعالى: ﴿إِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ﴾، أي: يخرصون ويكذبون في قولهم: لو شاء الرحمن ما عبدنا هذه الأوثان. * * ثم قال تعالى: ﴿أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَاباً مِّن قَبْلِهِ فَهُم بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ﴾ أي: آتينا هؤلاء المتخرصين كتاباً يدل على حقيقة ما يقولون فيحتجون به. والهاء في "من قبله" تعود على القرآن. * * ثم قال تعالى: ﴿بَلْ قَالُوۤاْ إِنَّا وَجَدْنَآ ءَابَآءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ﴾، أي: لم يأتهم كتاب بعبادتهم الأوثان ولكنهم قالوا: إنا وجدنا آباءنا على دين وملة، فنحن نتبع ما كانوا عليه. وقرأ مجاهد وعمر بن عبد العزيز "على إمّةٍ" بكسر الهمزة قال الكسائي: هما لغتان وقال غيره: هو مصدر أممت القوم إمة. وحكي عن العرب: "ما أحسن إِمَّتَهُ وعِمَّته وجِلسته". * * ثم قال: ﴿وَإِنَّا عَلَىٰ ءَاثَارِهِم مُّهْتَدُونَ﴾، أي: قالوا: وجدنا آباءنا على دين، فنحن متبعون لما كانوا عليه. هذا كله حكاية عن قريش. * * ثم قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ مَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَآ إِنَّا وَجَدْنَآ ءَابَآءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ ءَاثَارِهِم مُّقْتَدُونَ﴾، أي: كما قال لك (يا محمد قومك) إنهم متبعون في دينهم لما كان عليه آباؤهم كذلك قال من كان قبلهم من مترفي الأمم لرسلهم الذين ينذرونهم من عقاب الله عز وجل. والمترفون: الرؤساء والأشراف منهم. فسلك قريش فعلهم سبيل من كان قبلهم من الأمم المكذبة. ومعنى "مقتدون" أي: نقتدي بفعلهم، فاتبعوهم على الكفر. * * ثم قال تعالى: ﴿قَٰلَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَىٰ مِمَّا وَجَدتُّمْ عَلَيْهِ آبَآءَكُمْ﴾، أي: قل يا محمد لهؤلاء المتبعين ما وجدوا عليه آباءهم من الدين، أَوَلَوْا جِئْتُكُمْ أيها المشركون - من عند ربكم - بأهدى مما كان عليه آباؤكم من (الدين تتبعون) ما وجدتم عليه آباءكم، وغيره أهدى الى الحق وأصوب منه! * * ثم قال تعالى: ﴿قَالُوۤاْ إِنَّا بِمَآ أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ﴾، أي: فقال محمد ﷺ ذلك لهم فقالوا: إنا بما أرسلتم به كافرون، أي: جاحدون منكرون. وجمع في قوله: "أرسلتم" لأن من كذب نبياً فقد كذب جميع الأنبياء. * * ثم قال تعالى: ﴿فَٱنتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾، أي: فانتقمنا من هؤلاء الذين كذبوا رسلهم، فانظر يا محمد كيف كان عاقبة المكذبين، فكذلك ننتقم من قومك إن تمادوا على تكذيبك.

الزخرف 43:19

(قال تعالى: ﴿أَمِ ٱتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ﴾، إلى قوله: ﴿عَاقِبَةُ ٱلْمُكَذِّبِينَ﴾، معناه: لم يتخذ ذلك فأنتم أيها المشركون مبطلون في قولكم (تعالى عن ذلك علواً) كبيراً. وهذا لفظ استفهام معناه التوبيخ، أي: كيف يتخذ البنات على قولكم وأنتم (لا ترضونهن) لأنفسكم (أفأصفاكم واختصكم) بالبنين. * * ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَـٰنِ مَثَلاً﴾ أي: وإذا بشر أحد هؤلاء الجاعلين لله سبحانه من عباده جزءاً بما وصف ربه به من اتخاذ البنات سبحانه وتعالى صار وجهه مسوداً وهو كظيم، أي حابس لغمه وحزنه وكربه. قال قتادة: "وهو كظيم، أي: حزين". * * ثم قال: ﴿أَوَمَن يُنَشَّأُ فِي ٱلْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي ٱلْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾ "من" في موضع رفع بالابتداء. ويجوز أن يكون في موضع نصب ترده على ﴿أَمِ ٱتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ﴾ فتبدله من البنات. ويجوز أن يكون في موضع خفض (تبدله من "ما") في قوله: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَـٰنِ مَثَلاً﴾. وفي جواز هذين الوجهين في البدل ضعف لدخول ألف الاستفهام قبل "من" فهي تحول بين البدل والمبدل منه. والمعنى: أجعلتم لله جزءاً ممن يرى في الحلية ويتزين بها، وهو في مخاصمة من خاصمه غير مبين لحجته وبرهانه لعجزه وضعفه. ففي الكلام حذف استغني عنه - بدلالة ما ذكر بعده. والتقدير: أو من ينشأ في الحلية يجعلون لله نصيباً. قال ابن عباس: عنى بذلك المرأة. وقال مجاهد: "رخص للنساء في الحرير والذهب، وهن الجواري؛ جعلوهن للرحمن ولداً؛ كيف يحكمون". قال قتادة: "جعلوا لله البنات وهم إذا بشر أحدهم بهن ولّى وجهه مسوداً وهو كظيم". وقال قتادة: وقوله: ﴿وَهُوَ فِي ٱلْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾ يعني النساء فقلما تتكلم امرأة فتريد أن تتكلم بحجتها إلا تكلمت بالحجة عليها. وقال ابن زيد (عنى) بذلك أوثانهم التي كانوا يعبدونها من دون الله، يضربونها من (فضة وذهب) ويعبدونها، فهم أنشؤوها ضربوها من تلك الحلية ثم عبدوها، وهي لا تتكلم ولا تبين عن نفسها شيئاً. * * ثم قال تعالى: ﴿وَجَعَلُواْ ٱلْمَلاَئِكَةَ ٱلَّذِينَ هُمْ عِبَادُ ٱلرَّحْمَـٰنِ إِنَاثاً﴾، أي: ووصفوا الملائكة بهذا الوصف. فجعل هنا بمعنى "وصف" تقول: جعلت فلان أعلم الناس ، أي: وصفته بهذا. يتعدى إلى مفعول واحد (في الأصل). * * ثم قال: ﴿أَشَهِدُواْ خَلْقَهُمْ﴾ هذا على التقرير والتوبيخ لهم، ومعناه: لم يشهدوا خلق الملائكة، فكيف تجرؤوا على وصفهم بالإناث. ثم قال تعالى: على التهدد والوعيد لمن فعل ذلك (ولمن يقول ذلك): ﴿سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ﴾، أي: يسألون عن قولهم وافترائهم يوم القيامة، ولن يجدوا إلى الاعتذار من قولهم سبيلاً. * * ثم قال تعالى: ﴿وَقَالُواْ لَوْ شَآءَ ٱلرَّحْمَـٰنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ﴾، أي: وقال هؤلاء المشركون: لو شاء الرحمن، ما عبدنا أوثاننا من دونه، وإنما لم تحل بنا العقوبة على عبادتنا إياها لرضاه عنا. قال مجاهد: لو شاء الرحمن ما عبدناهم يعني الأوثان، والمعنى: هو أمرنا بعبادتها، دل على ذلك: قوله: ﴿مَّا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ﴾، أي: يكذبون. فهذا الرد عليهم لا يحتمل أن يكون رد الظاهر من قولهم: ﴿لَوْ شَآءَ ٱلرَّحْمَـٰنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ﴾، لأنه قول صحيح لا يرد ولا ينكر. كما أن قولهم - إذا سُئِلُوا عمن خلق السماوات والأرض فقالوا خلقهن العزيز العليم لا يرد ولا ينكر. * * ثم قال تعالى: ﴿مَّا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ﴾ هذا مردود إلى أول الآية. والتقدير: ﴿وَجَعَلُواْ ٱلْمَلاَئِكَةَ ٱلَّذِينَ هُمْ عِبَادُ ٱلرَّحْمَـٰنِ إِنَاثاً﴾ ﴿مَّا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ﴾، أي: ما لهم بقولهم الملائكة إناثاً من علم، وقيل: إن ذلك مردود على ما قبله، والتقدير: وقالوا لو شاء الرحمن ما عبدنا هذه الأوثان، ثم قال الله: ما لهم بذلك من علم، أي: من عذر يقوم لهم في عبادتهم الأوثان لأنهم رأوا أن ذلك عذرهم. فرد الله عز وجل عليهم. فالمعنى: ما لهم من علم بحقيقة ما يقولون: (من ذلك)، إنما يقولونه تخرصاً واختراعاً من عند أنفسهم لأنهم لا خبر عندهم من الله عز وجل أن الله سبحانه شاء عبادتهم الأوثان، ورضي بذلك منهم. * * ثم قال تعالى: ﴿إِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ﴾، أي: يخرصون ويكذبون في قولهم: لو شاء الرحمن ما عبدنا هذه الأوثان. * * ثم قال تعالى: ﴿أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَاباً مِّن قَبْلِهِ فَهُم بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ﴾ أي: آتينا هؤلاء المتخرصين كتاباً يدل على حقيقة ما يقولون فيحتجون به. والهاء في "من قبله" تعود على القرآن. * * ثم قال تعالى: ﴿بَلْ قَالُوۤاْ إِنَّا وَجَدْنَآ ءَابَآءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ﴾، أي: لم يأتهم كتاب بعبادتهم الأوثان ولكنهم قالوا: إنا وجدنا آباءنا على دين وملة، فنحن نتبع ما كانوا عليه. وقرأ مجاهد وعمر بن عبد العزيز "على إمّةٍ" بكسر الهمزة قال الكسائي: هما لغتان وقال غيره: هو مصدر أممت القوم إمة. وحكي عن العرب: "ما أحسن إِمَّتَهُ وعِمَّته وجِلسته". * * ثم قال: ﴿وَإِنَّا عَلَىٰ ءَاثَارِهِم مُّهْتَدُونَ﴾، أي: قالوا: وجدنا آباءنا على دين، فنحن متبعون لما كانوا عليه. هذا كله حكاية عن قريش. * * ثم قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ مَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَآ إِنَّا وَجَدْنَآ ءَابَآءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ ءَاثَارِهِم مُّقْتَدُونَ﴾، أي: كما قال لك (يا محمد قومك) إنهم متبعون في دينهم لما كان عليه آباؤهم كذلك قال من كان قبلهم من مترفي الأمم لرسلهم الذين ينذرونهم من عقاب الله عز وجل. والمترفون: الرؤساء والأشراف منهم. فسلك قريش فعلهم سبيل من كان قبلهم من الأمم المكذبة. ومعنى "مقتدون" أي: نقتدي بفعلهم، فاتبعوهم على الكفر. * * ثم قال تعالى: ﴿قَٰلَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَىٰ مِمَّا وَجَدتُّمْ عَلَيْهِ آبَآءَكُمْ﴾، أي: قل يا محمد لهؤلاء المتبعين ما وجدوا عليه آباءهم من الدين، أَوَلَوْا جِئْتُكُمْ أيها المشركون - من عند ربكم - بأهدى مما كان عليه آباؤكم من (الدين تتبعون) ما وجدتم عليه آباءكم، وغيره أهدى الى الحق وأصوب منه! * * ثم قال تعالى: ﴿قَالُوۤاْ إِنَّا بِمَآ أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ﴾، أي: فقال محمد ﷺ ذلك لهم فقالوا: إنا بما أرسلتم به كافرون، أي: جاحدون منكرون. وجمع في قوله: "أرسلتم" لأن من كذب نبياً فقد كذب جميع الأنبياء. * * ثم قال تعالى: ﴿فَٱنتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾، أي: فانتقمنا من هؤلاء الذين كذبوا رسلهم، فانظر يا محمد كيف كان عاقبة المكذبين، فكذلك ننتقم من قومك إن تمادوا على تكذيبك.

الزخرف 43:20

(قال تعالى: ﴿أَمِ ٱتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ﴾، إلى قوله: ﴿عَاقِبَةُ ٱلْمُكَذِّبِينَ﴾، معناه: لم يتخذ ذلك فأنتم أيها المشركون مبطلون في قولكم (تعالى عن ذلك علواً) كبيراً. وهذا لفظ استفهام معناه التوبيخ، أي: كيف يتخذ البنات على قولكم وأنتم (لا ترضونهن) لأنفسكم (أفأصفاكم واختصكم) بالبنين. * * ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَـٰنِ مَثَلاً﴾ أي: وإذا بشر أحد هؤلاء الجاعلين لله سبحانه من عباده جزءاً بما وصف ربه به من اتخاذ البنات سبحانه وتعالى صار وجهه مسوداً وهو كظيم، أي حابس لغمه وحزنه وكربه. قال قتادة: "وهو كظيم، أي: حزين". * * ثم قال: ﴿أَوَمَن يُنَشَّأُ فِي ٱلْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي ٱلْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾ "من" في موضع رفع بالابتداء. ويجوز أن يكون في موضع نصب ترده على ﴿أَمِ ٱتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ﴾ فتبدله من البنات. ويجوز أن يكون في موضع خفض (تبدله من "ما") في قوله: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَـٰنِ مَثَلاً﴾. وفي جواز هذين الوجهين في البدل ضعف لدخول ألف الاستفهام قبل "من" فهي تحول بين البدل والمبدل منه. والمعنى: أجعلتم لله جزءاً ممن يرى في الحلية ويتزين بها، وهو في مخاصمة من خاصمه غير مبين لحجته وبرهانه لعجزه وضعفه. ففي الكلام حذف استغني عنه - بدلالة ما ذكر بعده. والتقدير: أو من ينشأ في الحلية يجعلون لله نصيباً. قال ابن عباس: عنى بذلك المرأة. وقال مجاهد: "رخص للنساء في الحرير والذهب، وهن الجواري؛ جعلوهن للرحمن ولداً؛ كيف يحكمون". قال قتادة: "جعلوا لله البنات وهم إذا بشر أحدهم بهن ولّى وجهه مسوداً وهو كظيم". وقال قتادة: وقوله: ﴿وَهُوَ فِي ٱلْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾ يعني النساء فقلما تتكلم امرأة فتريد أن تتكلم بحجتها إلا تكلمت بالحجة عليها. وقال ابن زيد (عنى) بذلك أوثانهم التي كانوا يعبدونها من دون الله، يضربونها من (فضة وذهب) ويعبدونها، فهم أنشؤوها ضربوها من تلك الحلية ثم عبدوها، وهي لا تتكلم ولا تبين عن نفسها شيئاً. * * ثم قال تعالى: ﴿وَجَعَلُواْ ٱلْمَلاَئِكَةَ ٱلَّذِينَ هُمْ عِبَادُ ٱلرَّحْمَـٰنِ إِنَاثاً﴾، أي: ووصفوا الملائكة بهذا الوصف. فجعل هنا بمعنى "وصف" تقول: جعلت فلان أعلم الناس ، أي: وصفته بهذا. يتعدى إلى مفعول واحد (في الأصل). * * ثم قال: ﴿أَشَهِدُواْ خَلْقَهُمْ﴾ هذا على التقرير والتوبيخ لهم، ومعناه: لم يشهدوا خلق الملائكة، فكيف تجرؤوا على وصفهم بالإناث. ثم قال تعالى: على التهدد والوعيد لمن فعل ذلك (ولمن يقول ذلك): ﴿سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ﴾، أي: يسألون عن قولهم وافترائهم يوم القيامة، ولن يجدوا إلى الاعتذار من قولهم سبيلاً. * * ثم قال تعالى: ﴿وَقَالُواْ لَوْ شَآءَ ٱلرَّحْمَـٰنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ﴾، أي: وقال هؤلاء المشركون: لو شاء الرحمن، ما عبدنا أوثاننا من دونه، وإنما لم تحل بنا العقوبة على عبادتنا إياها لرضاه عنا. قال مجاهد: لو شاء الرحمن ما عبدناهم يعني الأوثان، والمعنى: هو أمرنا بعبادتها، دل على ذلك: قوله: ﴿مَّا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ﴾، أي: يكذبون. فهذا الرد عليهم لا يحتمل أن يكون رد الظاهر من قولهم: ﴿لَوْ شَآءَ ٱلرَّحْمَـٰنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ﴾، لأنه قول صحيح لا يرد ولا ينكر. كما أن قولهم - إذا سُئِلُوا عمن خلق السماوات والأرض فقالوا خلقهن العزيز العليم لا يرد ولا ينكر. * * ثم قال تعالى: ﴿مَّا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ﴾ هذا مردود إلى أول الآية. والتقدير: ﴿وَجَعَلُواْ ٱلْمَلاَئِكَةَ ٱلَّذِينَ هُمْ عِبَادُ ٱلرَّحْمَـٰنِ إِنَاثاً﴾ ﴿مَّا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ﴾، أي: ما لهم بقولهم الملائكة إناثاً من علم، وقيل: إن ذلك مردود على ما قبله، والتقدير: وقالوا لو شاء الرحمن ما عبدنا هذه الأوثان، ثم قال الله: ما لهم بذلك من علم، أي: من عذر يقوم لهم في عبادتهم الأوثان لأنهم رأوا أن ذلك عذرهم. فرد الله عز وجل عليهم. فالمعنى: ما لهم من علم بحقيقة ما يقولون: (من ذلك)، إنما يقولونه تخرصاً واختراعاً من عند أنفسهم لأنهم لا خبر عندهم من الله عز وجل أن الله سبحانه شاء عبادتهم الأوثان، ورضي بذلك منهم. * * ثم قال تعالى: ﴿إِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ﴾، أي: يخرصون ويكذبون في قولهم: لو شاء الرحمن ما عبدنا هذه الأوثان. * * ثم قال تعالى: ﴿أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَاباً مِّن قَبْلِهِ فَهُم بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ﴾ أي: آتينا هؤلاء المتخرصين كتاباً يدل على حقيقة ما يقولون فيحتجون به. والهاء في "من قبله" تعود على القرآن. * * ثم قال تعالى: ﴿بَلْ قَالُوۤاْ إِنَّا وَجَدْنَآ ءَابَآءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ﴾، أي: لم يأتهم كتاب بعبادتهم الأوثان ولكنهم قالوا: إنا وجدنا آباءنا على دين وملة، فنحن نتبع ما كانوا عليه. وقرأ مجاهد وعمر بن عبد العزيز "على إمّةٍ" بكسر الهمزة قال الكسائي: هما لغتان وقال غيره: هو مصدر أممت القوم إمة. وحكي عن العرب: "ما أحسن إِمَّتَهُ وعِمَّته وجِلسته". * * ثم قال: ﴿وَإِنَّا عَلَىٰ ءَاثَارِهِم مُّهْتَدُونَ﴾، أي: قالوا: وجدنا آباءنا على دين، فنحن متبعون لما كانوا عليه. هذا كله حكاية عن قريش. * * ثم قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ مَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَآ إِنَّا وَجَدْنَآ ءَابَآءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ ءَاثَارِهِم مُّقْتَدُونَ﴾، أي: كما قال لك (يا محمد قومك) إنهم متبعون في دينهم لما كان عليه آباؤهم كذلك قال من كان قبلهم من مترفي الأمم لرسلهم الذين ينذرونهم من عقاب الله عز وجل. والمترفون: الرؤساء والأشراف منهم. فسلك قريش فعلهم سبيل من كان قبلهم من الأمم المكذبة. ومعنى "مقتدون" أي: نقتدي بفعلهم، فاتبعوهم على الكفر. * * ثم قال تعالى: ﴿قَٰلَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَىٰ مِمَّا وَجَدتُّمْ عَلَيْهِ آبَآءَكُمْ﴾، أي: قل يا محمد لهؤلاء المتبعين ما وجدوا عليه آباءهم من الدين، أَوَلَوْا جِئْتُكُمْ أيها المشركون - من عند ربكم - بأهدى مما كان عليه آباؤكم من (الدين تتبعون) ما وجدتم عليه آباءكم، وغيره أهدى الى الحق وأصوب منه! * * ثم قال تعالى: ﴿قَالُوۤاْ إِنَّا بِمَآ أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ﴾، أي: فقال محمد ﷺ ذلك لهم فقالوا: إنا بما أرسلتم به كافرون، أي: جاحدون منكرون. وجمع في قوله: "أرسلتم" لأن من كذب نبياً فقد كذب جميع الأنبياء. * * ثم قال تعالى: ﴿فَٱنتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾، أي: فانتقمنا من هؤلاء الذين كذبوا رسلهم، فانظر يا محمد كيف كان عاقبة المكذبين، فكذلك ننتقم من قومك إن تمادوا على تكذيبك.

الزخرف 43:21

(قال تعالى: ﴿أَمِ ٱتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ﴾، إلى قوله: ﴿عَاقِبَةُ ٱلْمُكَذِّبِينَ﴾، معناه: لم يتخذ ذلك فأنتم أيها المشركون مبطلون في قولكم (تعالى عن ذلك علواً) كبيراً. وهذا لفظ استفهام معناه التوبيخ، أي: كيف يتخذ البنات على قولكم وأنتم (لا ترضونهن) لأنفسكم (أفأصفاكم واختصكم) بالبنين. * * ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَـٰنِ مَثَلاً﴾ أي: وإذا بشر أحد هؤلاء الجاعلين لله سبحانه من عباده جزءاً بما وصف ربه به من اتخاذ البنات سبحانه وتعالى صار وجهه مسوداً وهو كظيم، أي حابس لغمه وحزنه وكربه. قال قتادة: "وهو كظيم، أي: حزين". * * ثم قال: ﴿أَوَمَن يُنَشَّأُ فِي ٱلْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي ٱلْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾ "من" في موضع رفع بالابتداء. ويجوز أن يكون في موضع نصب ترده على ﴿أَمِ ٱتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ﴾ فتبدله من البنات. ويجوز أن يكون في موضع خفض (تبدله من "ما") في قوله: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَـٰنِ مَثَلاً﴾. وفي جواز هذين الوجهين في البدل ضعف لدخول ألف الاستفهام قبل "من" فهي تحول بين البدل والمبدل منه. والمعنى: أجعلتم لله جزءاً ممن يرى في الحلية ويتزين بها، وهو في مخاصمة من خاصمه غير مبين لحجته وبرهانه لعجزه وضعفه. ففي الكلام حذف استغني عنه - بدلالة ما ذكر بعده. والتقدير: أو من ينشأ في الحلية يجعلون لله نصيباً. قال ابن عباس: عنى بذلك المرأة. وقال مجاهد: "رخص للنساء في الحرير والذهب، وهن الجواري؛ جعلوهن للرحمن ولداً؛ كيف يحكمون". قال قتادة: "جعلوا لله البنات وهم إذا بشر أحدهم بهن ولّى وجهه مسوداً وهو كظيم". وقال قتادة: وقوله: ﴿وَهُوَ فِي ٱلْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾ يعني النساء فقلما تتكلم امرأة فتريد أن تتكلم بحجتها إلا تكلمت بالحجة عليها. وقال ابن زيد (عنى) بذلك أوثانهم التي كانوا يعبدونها من دون الله، يضربونها من (فضة وذهب) ويعبدونها، فهم أنشؤوها ضربوها من تلك الحلية ثم عبدوها، وهي لا تتكلم ولا تبين عن نفسها شيئاً. * * ثم قال تعالى: ﴿وَجَعَلُواْ ٱلْمَلاَئِكَةَ ٱلَّذِينَ هُمْ عِبَادُ ٱلرَّحْمَـٰنِ إِنَاثاً﴾، أي: ووصفوا الملائكة بهذا الوصف. فجعل هنا بمعنى "وصف" تقول: جعلت فلان أعلم الناس ، أي: وصفته بهذا. يتعدى إلى مفعول واحد (في الأصل). * * ثم قال: ﴿أَشَهِدُواْ خَلْقَهُمْ﴾ هذا على التقرير والتوبيخ لهم، ومعناه: لم يشهدوا خلق الملائكة، فكيف تجرؤوا على وصفهم بالإناث. ثم قال تعالى: على التهدد والوعيد لمن فعل ذلك (ولمن يقول ذلك): ﴿سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ﴾، أي: يسألون عن قولهم وافترائهم يوم القيامة، ولن يجدوا إلى الاعتذار من قولهم سبيلاً. * * ثم قال تعالى: ﴿وَقَالُواْ لَوْ شَآءَ ٱلرَّحْمَـٰنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ﴾، أي: وقال هؤلاء المشركون: لو شاء الرحمن، ما عبدنا أوثاننا من دونه، وإنما لم تحل بنا العقوبة على عبادتنا إياها لرضاه عنا. قال مجاهد: لو شاء الرحمن ما عبدناهم يعني الأوثان، والمعنى: هو أمرنا بعبادتها، دل على ذلك: قوله: ﴿مَّا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ﴾، أي: يكذبون. فهذا الرد عليهم لا يحتمل أن يكون رد الظاهر من قولهم: ﴿لَوْ شَآءَ ٱلرَّحْمَـٰنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ﴾، لأنه قول صحيح لا يرد ولا ينكر. كما أن قولهم - إذا سُئِلُوا عمن خلق السماوات والأرض فقالوا خلقهن العزيز العليم لا يرد ولا ينكر. * * ثم قال تعالى: ﴿مَّا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ﴾ هذا مردود إلى أول الآية. والتقدير: ﴿وَجَعَلُواْ ٱلْمَلاَئِكَةَ ٱلَّذِينَ هُمْ عِبَادُ ٱلرَّحْمَـٰنِ إِنَاثاً﴾ ﴿مَّا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ﴾، أي: ما لهم بقولهم الملائكة إناثاً من علم، وقيل: إن ذلك مردود على ما قبله، والتقدير: وقالوا لو شاء الرحمن ما عبدنا هذه الأوثان، ثم قال الله: ما لهم بذلك من علم، أي: من عذر يقوم لهم في عبادتهم الأوثان لأنهم رأوا أن ذلك عذرهم. فرد الله عز وجل عليهم. فالمعنى: ما لهم من علم بحقيقة ما يقولون: (من ذلك)، إنما يقولونه تخرصاً واختراعاً من عند أنفسهم لأنهم لا خبر عندهم من الله عز وجل أن الله سبحانه شاء عبادتهم الأوثان، ورضي بذلك منهم. * * ثم قال تعالى: ﴿إِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ﴾، أي: يخرصون ويكذبون في قولهم: لو شاء الرحمن ما عبدنا هذه الأوثان. * * ثم قال تعالى: ﴿أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَاباً مِّن قَبْلِهِ فَهُم بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ﴾ أي: آتينا هؤلاء المتخرصين كتاباً يدل على حقيقة ما يقولون فيحتجون به. والهاء في "من قبله" تعود على القرآن. * * ثم قال تعالى: ﴿بَلْ قَالُوۤاْ إِنَّا وَجَدْنَآ ءَابَآءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ﴾، أي: لم يأتهم كتاب بعبادتهم الأوثان ولكنهم قالوا: إنا وجدنا آباءنا على دين وملة، فنحن نتبع ما كانوا عليه. وقرأ مجاهد وعمر بن عبد العزيز "على إمّةٍ" بكسر الهمزة قال الكسائي: هما لغتان وقال غيره: هو مصدر أممت القوم إمة. وحكي عن العرب: "ما أحسن إِمَّتَهُ وعِمَّته وجِلسته". * * ثم قال: ﴿وَإِنَّا عَلَىٰ ءَاثَارِهِم مُّهْتَدُونَ﴾، أي: قالوا: وجدنا آباءنا على دين، فنحن متبعون لما كانوا عليه. هذا كله حكاية عن قريش. * * ثم قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ مَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَآ إِنَّا وَجَدْنَآ ءَابَآءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ ءَاثَارِهِم مُّقْتَدُونَ﴾، أي: كما قال لك (يا محمد قومك) إنهم متبعون في دينهم لما كان عليه آباؤهم كذلك قال من كان قبلهم من مترفي الأمم لرسلهم الذين ينذرونهم من عقاب الله عز وجل. والمترفون: الرؤساء والأشراف منهم. فسلك قريش فعلهم سبيل من كان قبلهم من الأمم المكذبة. ومعنى "مقتدون" أي: نقتدي بفعلهم، فاتبعوهم على الكفر. * * ثم قال تعالى: ﴿قَٰلَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَىٰ مِمَّا وَجَدتُّمْ عَلَيْهِ آبَآءَكُمْ﴾، أي: قل يا محمد لهؤلاء المتبعين ما وجدوا عليه آباءهم من الدين، أَوَلَوْا جِئْتُكُمْ أيها المشركون - من عند ربكم - بأهدى مما كان عليه آباؤكم من (الدين تتبعون) ما وجدتم عليه آباءكم، وغيره أهدى الى الحق وأصوب منه! * * ثم قال تعالى: ﴿قَالُوۤاْ إِنَّا بِمَآ أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ﴾، أي: فقال محمد ﷺ ذلك لهم فقالوا: إنا بما أرسلتم به كافرون، أي: جاحدون منكرون. وجمع في قوله: "أرسلتم" لأن من كذب نبياً فقد كذب جميع الأنبياء. * * ثم قال تعالى: ﴿فَٱنتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾، أي: فانتقمنا من هؤلاء الذين كذبوا رسلهم، فانظر يا محمد كيف كان عاقبة المكذبين، فكذلك ننتقم من قومك إن تمادوا على تكذيبك.

الزخرف 43:22

(قال تعالى: ﴿أَمِ ٱتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ﴾، إلى قوله: ﴿عَاقِبَةُ ٱلْمُكَذِّبِينَ﴾، معناه: لم يتخذ ذلك فأنتم أيها المشركون مبطلون في قولكم (تعالى عن ذلك علواً) كبيراً. وهذا لفظ استفهام معناه التوبيخ، أي: كيف يتخذ البنات على قولكم وأنتم (لا ترضونهن) لأنفسكم (أفأصفاكم واختصكم) بالبنين. * * ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَـٰنِ مَثَلاً﴾ أي: وإذا بشر أحد هؤلاء الجاعلين لله سبحانه من عباده جزءاً بما وصف ربه به من اتخاذ البنات سبحانه وتعالى صار وجهه مسوداً وهو كظيم، أي حابس لغمه وحزنه وكربه. قال قتادة: "وهو كظيم، أي: حزين". * * ثم قال: ﴿أَوَمَن يُنَشَّأُ فِي ٱلْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي ٱلْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾ "من" في موضع رفع بالابتداء. ويجوز أن يكون في موضع نصب ترده على ﴿أَمِ ٱتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ﴾ فتبدله من البنات. ويجوز أن يكون في موضع خفض (تبدله من "ما") في قوله: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَـٰنِ مَثَلاً﴾. وفي جواز هذين الوجهين في البدل ضعف لدخول ألف الاستفهام قبل "من" فهي تحول بين البدل والمبدل منه. والمعنى: أجعلتم لله جزءاً ممن يرى في الحلية ويتزين بها، وهو في مخاصمة من خاصمه غير مبين لحجته وبرهانه لعجزه وضعفه. ففي الكلام حذف استغني عنه - بدلالة ما ذكر بعده. والتقدير: أو من ينشأ في الحلية يجعلون لله نصيباً. قال ابن عباس: عنى بذلك المرأة. وقال مجاهد: "رخص للنساء في الحرير والذهب، وهن الجواري؛ جعلوهن للرحمن ولداً؛ كيف يحكمون". قال قتادة: "جعلوا لله البنات وهم إذا بشر أحدهم بهن ولّى وجهه مسوداً وهو كظيم". وقال قتادة: وقوله: ﴿وَهُوَ فِي ٱلْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾ يعني النساء فقلما تتكلم امرأة فتريد أن تتكلم بحجتها إلا تكلمت بالحجة عليها. وقال ابن زيد (عنى) بذلك أوثانهم التي كانوا يعبدونها من دون الله، يضربونها من (فضة وذهب) ويعبدونها، فهم أنشؤوها ضربوها من تلك الحلية ثم عبدوها، وهي لا تتكلم ولا تبين عن نفسها شيئاً. * * ثم قال تعالى: ﴿وَجَعَلُواْ ٱلْمَلاَئِكَةَ ٱلَّذِينَ هُمْ عِبَادُ ٱلرَّحْمَـٰنِ إِنَاثاً﴾، أي: ووصفوا الملائكة بهذا الوصف. فجعل هنا بمعنى "وصف" تقول: جعلت فلان أعلم الناس ، أي: وصفته بهذا. يتعدى إلى مفعول واحد (في الأصل). * * ثم قال: ﴿أَشَهِدُواْ خَلْقَهُمْ﴾ هذا على التقرير والتوبيخ لهم، ومعناه: لم يشهدوا خلق الملائكة، فكيف تجرؤوا على وصفهم بالإناث. ثم قال تعالى: على التهدد والوعيد لمن فعل ذلك (ولمن يقول ذلك): ﴿سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ﴾، أي: يسألون عن قولهم وافترائهم يوم القيامة، ولن يجدوا إلى الاعتذار من قولهم سبيلاً. * * ثم قال تعالى: ﴿وَقَالُواْ لَوْ شَآءَ ٱلرَّحْمَـٰنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ﴾، أي: وقال هؤلاء المشركون: لو شاء الرحمن، ما عبدنا أوثاننا من دونه، وإنما لم تحل بنا العقوبة على عبادتنا إياها لرضاه عنا. قال مجاهد: لو شاء الرحمن ما عبدناهم يعني الأوثان، والمعنى: هو أمرنا بعبادتها، دل على ذلك: قوله: ﴿مَّا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ﴾، أي: يكذبون. فهذا الرد عليهم لا يحتمل أن يكون رد الظاهر من قولهم: ﴿لَوْ شَآءَ ٱلرَّحْمَـٰنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ﴾، لأنه قول صحيح لا يرد ولا ينكر. كما أن قولهم - إذا سُئِلُوا عمن خلق السماوات والأرض فقالوا خلقهن العزيز العليم لا يرد ولا ينكر. * * ثم قال تعالى: ﴿مَّا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ﴾ هذا مردود إلى أول الآية. والتقدير: ﴿وَجَعَلُواْ ٱلْمَلاَئِكَةَ ٱلَّذِينَ هُمْ عِبَادُ ٱلرَّحْمَـٰنِ إِنَاثاً﴾ ﴿مَّا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ﴾، أي: ما لهم بقولهم الملائكة إناثاً من علم، وقيل: إن ذلك مردود على ما قبله، والتقدير: وقالوا لو شاء الرحمن ما عبدنا هذه الأوثان، ثم قال الله: ما لهم بذلك من علم، أي: من عذر يقوم لهم في عبادتهم الأوثان لأنهم رأوا أن ذلك عذرهم. فرد الله عز وجل عليهم. فالمعنى: ما لهم من علم بحقيقة ما يقولون: (من ذلك)، إنما يقولونه تخرصاً واختراعاً من عند أنفسهم لأنهم لا خبر عندهم من الله عز وجل أن الله سبحانه شاء عبادتهم الأوثان، ورضي بذلك منهم. * * ثم قال تعالى: ﴿إِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ﴾، أي: يخرصون ويكذبون في قولهم: لو شاء الرحمن ما عبدنا هذه الأوثان. * * ثم قال تعالى: ﴿أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَاباً مِّن قَبْلِهِ فَهُم بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ﴾ أي: آتينا هؤلاء المتخرصين كتاباً يدل على حقيقة ما يقولون فيحتجون به. والهاء في "من قبله" تعود على القرآن. * * ثم قال تعالى: ﴿بَلْ قَالُوۤاْ إِنَّا وَجَدْنَآ ءَابَآءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ﴾، أي: لم يأتهم كتاب بعبادتهم الأوثان ولكنهم قالوا: إنا وجدنا آباءنا على دين وملة، فنحن نتبع ما كانوا عليه. وقرأ مجاهد وعمر بن عبد العزيز "على إمّةٍ" بكسر الهمزة قال الكسائي: هما لغتان وقال غيره: هو مصدر أممت القوم إمة. وحكي عن العرب: "ما أحسن إِمَّتَهُ وعِمَّته وجِلسته". * * ثم قال: ﴿وَإِنَّا عَلَىٰ ءَاثَارِهِم مُّهْتَدُونَ﴾، أي: قالوا: وجدنا آباءنا على دين، فنحن متبعون لما كانوا عليه. هذا كله حكاية عن قريش. * * ثم قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ مَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَآ إِنَّا وَجَدْنَآ ءَابَآءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ ءَاثَارِهِم مُّقْتَدُونَ﴾، أي: كما قال لك (يا محمد قومك) إنهم متبعون في دينهم لما كان عليه آباؤهم كذلك قال من كان قبلهم من مترفي الأمم لرسلهم الذين ينذرونهم من عقاب الله عز وجل. والمترفون: الرؤساء والأشراف منهم. فسلك قريش فعلهم سبيل من كان قبلهم من الأمم المكذبة. ومعنى "مقتدون" أي: نقتدي بفعلهم، فاتبعوهم على الكفر. * * ثم قال تعالى: ﴿قَٰلَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَىٰ مِمَّا وَجَدتُّمْ عَلَيْهِ آبَآءَكُمْ﴾، أي: قل يا محمد لهؤلاء المتبعين ما وجدوا عليه آباءهم من الدين، أَوَلَوْا جِئْتُكُمْ أيها المشركون - من عند ربكم - بأهدى مما كان عليه آباؤكم من (الدين تتبعون) ما وجدتم عليه آباءكم، وغيره أهدى الى الحق وأصوب منه! * * ثم قال تعالى: ﴿قَالُوۤاْ إِنَّا بِمَآ أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ﴾، أي: فقال محمد ﷺ ذلك لهم فقالوا: إنا بما أرسلتم به كافرون، أي: جاحدون منكرون. وجمع في قوله: "أرسلتم" لأن من كذب نبياً فقد كذب جميع الأنبياء. * * ثم قال تعالى: ﴿فَٱنتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾، أي: فانتقمنا من هؤلاء الذين كذبوا رسلهم، فانظر يا محمد كيف كان عاقبة المكذبين، فكذلك ننتقم من قومك إن تمادوا على تكذيبك.

الزخرف 43:23

(قال تعالى: ﴿أَمِ ٱتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ﴾، إلى قوله: ﴿عَاقِبَةُ ٱلْمُكَذِّبِينَ﴾، معناه: لم يتخذ ذلك فأنتم أيها المشركون مبطلون في قولكم (تعالى عن ذلك علواً) كبيراً. وهذا لفظ استفهام معناه التوبيخ، أي: كيف يتخذ البنات على قولكم وأنتم (لا ترضونهن) لأنفسكم (أفأصفاكم واختصكم) بالبنين. * * ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَـٰنِ مَثَلاً﴾ أي: وإذا بشر أحد هؤلاء الجاعلين لله سبحانه من عباده جزءاً بما وصف ربه به من اتخاذ البنات سبحانه وتعالى صار وجهه مسوداً وهو كظيم، أي حابس لغمه وحزنه وكربه. قال قتادة: "وهو كظيم، أي: حزين". * * ثم قال: ﴿أَوَمَن يُنَشَّأُ فِي ٱلْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي ٱلْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾ "من" في موضع رفع بالابتداء. ويجوز أن يكون في موضع نصب ترده على ﴿أَمِ ٱتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ﴾ فتبدله من البنات. ويجوز أن يكون في موضع خفض (تبدله من "ما") في قوله: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَـٰنِ مَثَلاً﴾. وفي جواز هذين الوجهين في البدل ضعف لدخول ألف الاستفهام قبل "من" فهي تحول بين البدل والمبدل منه. والمعنى: أجعلتم لله جزءاً ممن يرى في الحلية ويتزين بها، وهو في مخاصمة من خاصمه غير مبين لحجته وبرهانه لعجزه وضعفه. ففي الكلام حذف استغني عنه - بدلالة ما ذكر بعده. والتقدير: أو من ينشأ في الحلية يجعلون لله نصيباً. قال ابن عباس: عنى بذلك المرأة. وقال مجاهد: "رخص للنساء في الحرير والذهب، وهن الجواري؛ جعلوهن للرحمن ولداً؛ كيف يحكمون". قال قتادة: "جعلوا لله البنات وهم إذا بشر أحدهم بهن ولّى وجهه مسوداً وهو كظيم". وقال قتادة: وقوله: ﴿وَهُوَ فِي ٱلْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾ يعني النساء فقلما تتكلم امرأة فتريد أن تتكلم بحجتها إلا تكلمت بالحجة عليها. وقال ابن زيد (عنى) بذلك أوثانهم التي كانوا يعبدونها من دون الله، يضربونها من (فضة وذهب) ويعبدونها، فهم أنشؤوها ضربوها من تلك الحلية ثم عبدوها، وهي لا تتكلم ولا تبين عن نفسها شيئاً. * * ثم قال تعالى: ﴿وَجَعَلُواْ ٱلْمَلاَئِكَةَ ٱلَّذِينَ هُمْ عِبَادُ ٱلرَّحْمَـٰنِ إِنَاثاً﴾، أي: ووصفوا الملائكة بهذا الوصف. فجعل هنا بمعنى "وصف" تقول: جعلت فلان أعلم الناس ، أي: وصفته بهذا. يتعدى إلى مفعول واحد (في الأصل). * * ثم قال: ﴿أَشَهِدُواْ خَلْقَهُمْ﴾ هذا على التقرير والتوبيخ لهم، ومعناه: لم يشهدوا خلق الملائكة، فكيف تجرؤوا على وصفهم بالإناث. ثم قال تعالى: على التهدد والوعيد لمن فعل ذلك (ولمن يقول ذلك): ﴿سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ﴾، أي: يسألون عن قولهم وافترائهم يوم القيامة، ولن يجدوا إلى الاعتذار من قولهم سبيلاً. * * ثم قال تعالى: ﴿وَقَالُواْ لَوْ شَآءَ ٱلرَّحْمَـٰنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ﴾، أي: وقال هؤلاء المشركون: لو شاء الرحمن، ما عبدنا أوثاننا من دونه، وإنما لم تحل بنا العقوبة على عبادتنا إياها لرضاه عنا. قال مجاهد: لو شاء الرحمن ما عبدناهم يعني الأوثان، والمعنى: هو أمرنا بعبادتها، دل على ذلك: قوله: ﴿مَّا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ﴾، أي: يكذبون. فهذا الرد عليهم لا يحتمل أن يكون رد الظاهر من قولهم: ﴿لَوْ شَآءَ ٱلرَّحْمَـٰنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ﴾، لأنه قول صحيح لا يرد ولا ينكر. كما أن قولهم - إذا سُئِلُوا عمن خلق السماوات والأرض فقالوا خلقهن العزيز العليم لا يرد ولا ينكر. * * ثم قال تعالى: ﴿مَّا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ﴾ هذا مردود إلى أول الآية. والتقدير: ﴿وَجَعَلُواْ ٱلْمَلاَئِكَةَ ٱلَّذِينَ هُمْ عِبَادُ ٱلرَّحْمَـٰنِ إِنَاثاً﴾ ﴿مَّا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ﴾، أي: ما لهم بقولهم الملائكة إناثاً من علم، وقيل: إن ذلك مردود على ما قبله، والتقدير: وقالوا لو شاء الرحمن ما عبدنا هذه الأوثان، ثم قال الله: ما لهم بذلك من علم، أي: من عذر يقوم لهم في عبادتهم الأوثان لأنهم رأوا أن ذلك عذرهم. فرد الله عز وجل عليهم. فالمعنى: ما لهم من علم بحقيقة ما يقولون: (من ذلك)، إنما يقولونه تخرصاً واختراعاً من عند أنفسهم لأنهم لا خبر عندهم من الله عز وجل أن الله سبحانه شاء عبادتهم الأوثان، ورضي بذلك منهم. * * ثم قال تعالى: ﴿إِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ﴾، أي: يخرصون ويكذبون في قولهم: لو شاء الرحمن ما عبدنا هذه الأوثان. * * ثم قال تعالى: ﴿أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَاباً مِّن قَبْلِهِ فَهُم بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ﴾ أي: آتينا هؤلاء المتخرصين كتاباً يدل على حقيقة ما يقولون فيحتجون به. والهاء في "من قبله" تعود على القرآن. * * ثم قال تعالى: ﴿بَلْ قَالُوۤاْ إِنَّا وَجَدْنَآ ءَابَآءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ﴾، أي: لم يأتهم كتاب بعبادتهم الأوثان ولكنهم قالوا: إنا وجدنا آباءنا على دين وملة، فنحن نتبع ما كانوا عليه. وقرأ مجاهد وعمر بن عبد العزيز "على إمّةٍ" بكسر الهمزة قال الكسائي: هما لغتان وقال غيره: هو مصدر أممت القوم إمة. وحكي عن العرب: "ما أحسن إِمَّتَهُ وعِمَّته وجِلسته". * * ثم قال: ﴿وَإِنَّا عَلَىٰ ءَاثَارِهِم مُّهْتَدُونَ﴾، أي: قالوا: وجدنا آباءنا على دين، فنحن متبعون لما كانوا عليه. هذا كله حكاية عن قريش. * * ثم قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ مَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَآ إِنَّا وَجَدْنَآ ءَابَآءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ ءَاثَارِهِم مُّقْتَدُونَ﴾، أي: كما قال لك (يا محمد قومك) إنهم متبعون في دينهم لما كان عليه آباؤهم كذلك قال من كان قبلهم من مترفي الأمم لرسلهم الذين ينذرونهم من عقاب الله عز وجل. والمترفون: الرؤساء والأشراف منهم. فسلك قريش فعلهم سبيل من كان قبلهم من الأمم المكذبة. ومعنى "مقتدون" أي: نقتدي بفعلهم، فاتبعوهم على الكفر. * * ثم قال تعالى: ﴿قَٰلَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَىٰ مِمَّا وَجَدتُّمْ عَلَيْهِ آبَآءَكُمْ﴾، أي: قل يا محمد لهؤلاء المتبعين ما وجدوا عليه آباءهم من الدين، أَوَلَوْا جِئْتُكُمْ أيها المشركون - من عند ربكم - بأهدى مما كان عليه آباؤكم من (الدين تتبعون) ما وجدتم عليه آباءكم، وغيره أهدى الى الحق وأصوب منه! * * ثم قال تعالى: ﴿قَالُوۤاْ إِنَّا بِمَآ أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ﴾، أي: فقال محمد ﷺ ذلك لهم فقالوا: إنا بما أرسلتم به كافرون، أي: جاحدون منكرون. وجمع في قوله: "أرسلتم" لأن من كذب نبياً فقد كذب جميع الأنبياء. * * ثم قال تعالى: ﴿فَٱنتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾، أي: فانتقمنا من هؤلاء الذين كذبوا رسلهم، فانظر يا محمد كيف كان عاقبة المكذبين، فكذلك ننتقم من قومك إن تمادوا على تكذيبك.

الزخرف 43:24

(قال تعالى: ﴿أَمِ ٱتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ﴾، إلى قوله: ﴿عَاقِبَةُ ٱلْمُكَذِّبِينَ﴾، معناه: لم يتخذ ذلك فأنتم أيها المشركون مبطلون في قولكم (تعالى عن ذلك علواً) كبيراً. وهذا لفظ استفهام معناه التوبيخ، أي: كيف يتخذ البنات على قولكم وأنتم (لا ترضونهن) لأنفسكم (أفأصفاكم واختصكم) بالبنين. * * ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَـٰنِ مَثَلاً﴾ أي: وإذا بشر أحد هؤلاء الجاعلين لله سبحانه من عباده جزءاً بما وصف ربه به من اتخاذ البنات سبحانه وتعالى صار وجهه مسوداً وهو كظيم، أي حابس لغمه وحزنه وكربه. قال قتادة: "وهو كظيم، أي: حزين". * * ثم قال: ﴿أَوَمَن يُنَشَّأُ فِي ٱلْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي ٱلْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾ "من" في موضع رفع بالابتداء. ويجوز أن يكون في موضع نصب ترده على ﴿أَمِ ٱتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ﴾ فتبدله من البنات. ويجوز أن يكون في موضع خفض (تبدله من "ما") في قوله: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَـٰنِ مَثَلاً﴾. وفي جواز هذين الوجهين في البدل ضعف لدخول ألف الاستفهام قبل "من" فهي تحول بين البدل والمبدل منه. والمعنى: أجعلتم لله جزءاً ممن يرى في الحلية ويتزين بها، وهو في مخاصمة من خاصمه غير مبين لحجته وبرهانه لعجزه وضعفه. ففي الكلام حذف استغني عنه - بدلالة ما ذكر بعده. والتقدير: أو من ينشأ في الحلية يجعلون لله نصيباً. قال ابن عباس: عنى بذلك المرأة. وقال مجاهد: "رخص للنساء في الحرير والذهب، وهن الجواري؛ جعلوهن للرحمن ولداً؛ كيف يحكمون". قال قتادة: "جعلوا لله البنات وهم إذا بشر أحدهم بهن ولّى وجهه مسوداً وهو كظيم". وقال قتادة: وقوله: ﴿وَهُوَ فِي ٱلْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾ يعني النساء فقلما تتكلم امرأة فتريد أن تتكلم بحجتها إلا تكلمت بالحجة عليها. وقال ابن زيد (عنى) بذلك أوثانهم التي كانوا يعبدونها من دون الله، يضربونها من (فضة وذهب) ويعبدونها، فهم أنشؤوها ضربوها من تلك الحلية ثم عبدوها، وهي لا تتكلم ولا تبين عن نفسها شيئاً. * * ثم قال تعالى: ﴿وَجَعَلُواْ ٱلْمَلاَئِكَةَ ٱلَّذِينَ هُمْ عِبَادُ ٱلرَّحْمَـٰنِ إِنَاثاً﴾، أي: ووصفوا الملائكة بهذا الوصف. فجعل هنا بمعنى "وصف" تقول: جعلت فلان أعلم الناس ، أي: وصفته بهذا. يتعدى إلى مفعول واحد (في الأصل). * * ثم قال: ﴿أَشَهِدُواْ خَلْقَهُمْ﴾ هذا على التقرير والتوبيخ لهم، ومعناه: لم يشهدوا خلق الملائكة، فكيف تجرؤوا على وصفهم بالإناث. ثم قال تعالى: على التهدد والوعيد لمن فعل ذلك (ولمن يقول ذلك): ﴿سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ﴾، أي: يسألون عن قولهم وافترائهم يوم القيامة، ولن يجدوا إلى الاعتذار من قولهم سبيلاً. * * ثم قال تعالى: ﴿وَقَالُواْ لَوْ شَآءَ ٱلرَّحْمَـٰنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ﴾، أي: وقال هؤلاء المشركون: لو شاء الرحمن، ما عبدنا أوثاننا من دونه، وإنما لم تحل بنا العقوبة على عبادتنا إياها لرضاه عنا. قال مجاهد: لو شاء الرحمن ما عبدناهم يعني الأوثان، والمعنى: هو أمرنا بعبادتها، دل على ذلك: قوله: ﴿مَّا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ﴾، أي: يكذبون. فهذا الرد عليهم لا يحتمل أن يكون رد الظاهر من قولهم: ﴿لَوْ شَآءَ ٱلرَّحْمَـٰنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ﴾، لأنه قول صحيح لا يرد ولا ينكر. كما أن قولهم - إذا سُئِلُوا عمن خلق السماوات والأرض فقالوا خلقهن العزيز العليم لا يرد ولا ينكر. * * ثم قال تعالى: ﴿مَّا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ﴾ هذا مردود إلى أول الآية. والتقدير: ﴿وَجَعَلُواْ ٱلْمَلاَئِكَةَ ٱلَّذِينَ هُمْ عِبَادُ ٱلرَّحْمَـٰنِ إِنَاثاً﴾ ﴿مَّا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ﴾، أي: ما لهم بقولهم الملائكة إناثاً من علم، وقيل: إن ذلك مردود على ما قبله، والتقدير: وقالوا لو شاء الرحمن ما عبدنا هذه الأوثان، ثم قال الله: ما لهم بذلك من علم، أي: من عذر يقوم لهم في عبادتهم الأوثان لأنهم رأوا أن ذلك عذرهم. فرد الله عز وجل عليهم. فالمعنى: ما لهم من علم بحقيقة ما يقولون: (من ذلك)، إنما يقولونه تخرصاً واختراعاً من عند أنفسهم لأنهم لا خبر عندهم من الله عز وجل أن الله سبحانه شاء عبادتهم الأوثان، ورضي بذلك منهم. * * ثم قال تعالى: ﴿إِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ﴾، أي: يخرصون ويكذبون في قولهم: لو شاء الرحمن ما عبدنا هذه الأوثان. * * ثم قال تعالى: ﴿أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَاباً مِّن قَبْلِهِ فَهُم بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ﴾ أي: آتينا هؤلاء المتخرصين كتاباً يدل على حقيقة ما يقولون فيحتجون به. والهاء في "من قبله" تعود على القرآن. * * ثم قال تعالى: ﴿بَلْ قَالُوۤاْ إِنَّا وَجَدْنَآ ءَابَآءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ﴾، أي: لم يأتهم كتاب بعبادتهم الأوثان ولكنهم قالوا: إنا وجدنا آباءنا على دين وملة، فنحن نتبع ما كانوا عليه. وقرأ مجاهد وعمر بن عبد العزيز "على إمّةٍ" بكسر الهمزة قال الكسائي: هما لغتان وقال غيره: هو مصدر أممت القوم إمة. وحكي عن العرب: "ما أحسن إِمَّتَهُ وعِمَّته وجِلسته". * * ثم قال: ﴿وَإِنَّا عَلَىٰ ءَاثَارِهِم مُّهْتَدُونَ﴾، أي: قالوا: وجدنا آباءنا على دين، فنحن متبعون لما كانوا عليه. هذا كله حكاية عن قريش. * * ثم قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ مَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَآ إِنَّا وَجَدْنَآ ءَابَآءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ ءَاثَارِهِم مُّقْتَدُونَ﴾، أي: كما قال لك (يا محمد قومك) إنهم متبعون في دينهم لما كان عليه آباؤهم كذلك قال من كان قبلهم من مترفي الأمم لرسلهم الذين ينذرونهم من عقاب الله عز وجل. والمترفون: الرؤساء والأشراف منهم. فسلك قريش فعلهم سبيل من كان قبلهم من الأمم المكذبة. ومعنى "مقتدون" أي: نقتدي بفعلهم، فاتبعوهم على الكفر. * * ثم قال تعالى: ﴿قَٰلَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَىٰ مِمَّا وَجَدتُّمْ عَلَيْهِ آبَآءَكُمْ﴾، أي: قل يا محمد لهؤلاء المتبعين ما وجدوا عليه آباءهم من الدين، أَوَلَوْا جِئْتُكُمْ أيها المشركون - من عند ربكم - بأهدى مما كان عليه آباؤكم من (الدين تتبعون) ما وجدتم عليه آباءكم، وغيره أهدى الى الحق وأصوب منه! * * ثم قال تعالى: ﴿قَالُوۤاْ إِنَّا بِمَآ أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ﴾، أي: فقال محمد ﷺ ذلك لهم فقالوا: إنا بما أرسلتم به كافرون، أي: جاحدون منكرون. وجمع في قوله: "أرسلتم" لأن من كذب نبياً فقد كذب جميع الأنبياء. * * ثم قال تعالى: ﴿فَٱنتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾، أي: فانتقمنا من هؤلاء الذين كذبوا رسلهم، فانظر يا محمد كيف كان عاقبة المكذبين، فكذلك ننتقم من قومك إن تمادوا على تكذيبك.

الزخرف 43:25

(قال تعالى: ﴿أَمِ ٱتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ﴾، إلى قوله: ﴿عَاقِبَةُ ٱلْمُكَذِّبِينَ﴾، معناه: لم يتخذ ذلك فأنتم أيها المشركون مبطلون في قولكم (تعالى عن ذلك علواً) كبيراً. وهذا لفظ استفهام معناه التوبيخ، أي: كيف يتخذ البنات على قولكم وأنتم (لا ترضونهن) لأنفسكم (أفأصفاكم واختصكم) بالبنين. * * ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَـٰنِ مَثَلاً﴾ أي: وإذا بشر أحد هؤلاء الجاعلين لله سبحانه من عباده جزءاً بما وصف ربه به من اتخاذ البنات سبحانه وتعالى صار وجهه مسوداً وهو كظيم، أي حابس لغمه وحزنه وكربه. قال قتادة: "وهو كظيم، أي: حزين". * * ثم قال: ﴿أَوَمَن يُنَشَّأُ فِي ٱلْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي ٱلْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾ "من" في موضع رفع بالابتداء. ويجوز أن يكون في موضع نصب ترده على ﴿أَمِ ٱتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ﴾ فتبدله من البنات. ويجوز أن يكون في موضع خفض (تبدله من "ما") في قوله: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَـٰنِ مَثَلاً﴾. وفي جواز هذين الوجهين في البدل ضعف لدخول ألف الاستفهام قبل "من" فهي تحول بين البدل والمبدل منه. والمعنى: أجعلتم لله جزءاً ممن يرى في الحلية ويتزين بها، وهو في مخاصمة من خاصمه غير مبين لحجته وبرهانه لعجزه وضعفه. ففي الكلام حذف استغني عنه - بدلالة ما ذكر بعده. والتقدير: أو من ينشأ في الحلية يجعلون لله نصيباً. قال ابن عباس: عنى بذلك المرأة. وقال مجاهد: "رخص للنساء في الحرير والذهب، وهن الجواري؛ جعلوهن للرحمن ولداً؛ كيف يحكمون". قال قتادة: "جعلوا لله البنات وهم إذا بشر أحدهم بهن ولّى وجهه مسوداً وهو كظيم". وقال قتادة: وقوله: ﴿وَهُوَ فِي ٱلْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾ يعني النساء فقلما تتكلم امرأة فتريد أن تتكلم بحجتها إلا تكلمت بالحجة عليها. وقال ابن زيد (عنى) بذلك أوثانهم التي كانوا يعبدونها من دون الله، يضربونها من (فضة وذهب) ويعبدونها، فهم أنشؤوها ضربوها من تلك الحلية ثم عبدوها، وهي لا تتكلم ولا تبين عن نفسها شيئاً. * * ثم قال تعالى: ﴿وَجَعَلُواْ ٱلْمَلاَئِكَةَ ٱلَّذِينَ هُمْ عِبَادُ ٱلرَّحْمَـٰنِ إِنَاثاً﴾، أي: ووصفوا الملائكة بهذا الوصف. فجعل هنا بمعنى "وصف" تقول: جعلت فلان أعلم الناس ، أي: وصفته بهذا. يتعدى إلى مفعول واحد (في الأصل). * * ثم قال: ﴿أَشَهِدُواْ خَلْقَهُمْ﴾ هذا على التقرير والتوبيخ لهم، ومعناه: لم يشهدوا خلق الملائكة، فكيف تجرؤوا على وصفهم بالإناث. ثم قال تعالى: على التهدد والوعيد لمن فعل ذلك (ولمن يقول ذلك): ﴿سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ﴾، أي: يسألون عن قولهم وافترائهم يوم القيامة، ولن يجدوا إلى الاعتذار من قولهم سبيلاً. * * ثم قال تعالى: ﴿وَقَالُواْ لَوْ شَآءَ ٱلرَّحْمَـٰنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ﴾، أي: وقال هؤلاء المشركون: لو شاء الرحمن، ما عبدنا أوثاننا من دونه، وإنما لم تحل بنا العقوبة على عبادتنا إياها لرضاه عنا. قال مجاهد: لو شاء الرحمن ما عبدناهم يعني الأوثان، والمعنى: هو أمرنا بعبادتها، دل على ذلك: قوله: ﴿مَّا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ﴾، أي: يكذبون. فهذا الرد عليهم لا يحتمل أن يكون رد الظاهر من قولهم: ﴿لَوْ شَآءَ ٱلرَّحْمَـٰنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ﴾، لأنه قول صحيح لا يرد ولا ينكر. كما أن قولهم - إذا سُئِلُوا عمن خلق السماوات والأرض فقالوا خلقهن العزيز العليم لا يرد ولا ينكر. * * ثم قال تعالى: ﴿مَّا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ﴾ هذا مردود إلى أول الآية. والتقدير: ﴿وَجَعَلُواْ ٱلْمَلاَئِكَةَ ٱلَّذِينَ هُمْ عِبَادُ ٱلرَّحْمَـٰنِ إِنَاثاً﴾ ﴿مَّا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ﴾، أي: ما لهم بقولهم الملائكة إناثاً من علم، وقيل: إن ذلك مردود على ما قبله، والتقدير: وقالوا لو شاء الرحمن ما عبدنا هذه الأوثان، ثم قال الله: ما لهم بذلك من علم، أي: من عذر يقوم لهم في عبادتهم الأوثان لأنهم رأوا أن ذلك عذرهم. فرد الله عز وجل عليهم. فالمعنى: ما لهم من علم بحقيقة ما يقولون: (من ذلك)، إنما يقولونه تخرصاً واختراعاً من عند أنفسهم لأنهم لا خبر عندهم من الله عز وجل أن الله سبحانه شاء عبادتهم الأوثان، ورضي بذلك منهم. * * ثم قال تعالى: ﴿إِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ﴾، أي: يخرصون ويكذبون في قولهم: لو شاء الرحمن ما عبدنا هذه الأوثان. * * ثم قال تعالى: ﴿أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَاباً مِّن قَبْلِهِ فَهُم بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ﴾ أي: آتينا هؤلاء المتخرصين كتاباً يدل على حقيقة ما يقولون فيحتجون به. والهاء في "من قبله" تعود على القرآن. * * ثم قال تعالى: ﴿بَلْ قَالُوۤاْ إِنَّا وَجَدْنَآ ءَابَآءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ﴾، أي: لم يأتهم كتاب بعبادتهم الأوثان ولكنهم قالوا: إنا وجدنا آباءنا على دين وملة، فنحن نتبع ما كانوا عليه. وقرأ مجاهد وعمر بن عبد العزيز "على إمّةٍ" بكسر الهمزة قال الكسائي: هما لغتان وقال غيره: هو مصدر أممت القوم إمة. وحكي عن العرب: "ما أحسن إِمَّتَهُ وعِمَّته وجِلسته". * * ثم قال: ﴿وَإِنَّا عَلَىٰ ءَاثَارِهِم مُّهْتَدُونَ﴾، أي: قالوا: وجدنا آباءنا على دين، فنحن متبعون لما كانوا عليه. هذا كله حكاية عن قريش. * * ثم قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ مَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَآ إِنَّا وَجَدْنَآ ءَابَآءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ ءَاثَارِهِم مُّقْتَدُونَ﴾، أي: كما قال لك (يا محمد قومك) إنهم متبعون في دينهم لما كان عليه آباؤهم كذلك قال من كان قبلهم من مترفي الأمم لرسلهم الذين ينذرونهم من عقاب الله عز وجل. والمترفون: الرؤساء والأشراف منهم. فسلك قريش فعلهم سبيل من كان قبلهم من الأمم المكذبة. ومعنى "مقتدون" أي: نقتدي بفعلهم، فاتبعوهم على الكفر. * * ثم قال تعالى: ﴿قَٰلَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَىٰ مِمَّا وَجَدتُّمْ عَلَيْهِ آبَآءَكُمْ﴾، أي: قل يا محمد لهؤلاء المتبعين ما وجدوا عليه آباءهم من الدين، أَوَلَوْا جِئْتُكُمْ أيها المشركون - من عند ربكم - بأهدى مما كان عليه آباؤكم من (الدين تتبعون) ما وجدتم عليه آباءكم، وغيره أهدى الى الحق وأصوب منه! * * ثم قال تعالى: ﴿قَالُوۤاْ إِنَّا بِمَآ أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ﴾، أي: فقال محمد ﷺ ذلك لهم فقالوا: إنا بما أرسلتم به كافرون، أي: جاحدون منكرون. وجمع في قوله: "أرسلتم" لأن من كذب نبياً فقد كذب جميع الأنبياء. * * ثم قال تعالى: ﴿فَٱنتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾، أي: فانتقمنا من هؤلاء الذين كذبوا رسلهم، فانظر يا محمد كيف كان عاقبة المكذبين، فكذلك ننتقم من قومك إن تمادوا على تكذيبك.

الزخرف 43:26

قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَآءٌ﴾ - إلى قوله - ﴿خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ﴾، "براء" مصدر فلا يثنى ولا يجمع ولا يؤنث. تقول: نحن البراء منك، وهي البراء منك. والمعنى أنني ذو البراء منك، ونحن ذو البراء كما تقول: رجل عدل، (وامرأة عدل، وقوم عدل)، أي: ذوو عدل. ونظيره: ﴿وَلَـٰكِنَّ ٱلْبِرَّ مَنْ آمَنَ﴾ [البقرة: ١٧٧]، أي: ولكن ذو البر. وقرأ ابن مسعود: "إنني بريء" على "فعيل". فتجوز التثنية والجمع والتأنيث على هذه القراءة. وجمعه في التكسير: "بُرَآء" (كـ "كُرَمَاء"). وحكى الكوفيون "براء" على حذف الياء وهو شاذ. * * وقوله: ﴿إِلاَّ ٱلَّذِي فَطَرَنِي﴾، هذا استثناء من قوله "مما تعبدون". ويجوز أن يكون استثناء ليس من الأول منقطعاً. ومعنى الآية: واذكر يا محمد إذ قال إبراهيم لأبيه وقومه إذ كانوا يعبدون ما يعبد قومك: إنني براء مما تعبدون من دون الله، إلا من الذي فطرني، أي: خلقني، فإني لا أبرأ منه. ﴿فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ﴾، أي سيقونا للحق في ديني. * * ثم قال تعالى: ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ﴾. قال قتادة: الكلمة هي شهادة ألا إله إلا الله، لم يزل في ذريته من يقولها من بعده، وقاله السدي، وقال ابن زيد: الكلمة: الإسلام، وهو قوله: ﴿أَسْلَمْتُ لِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ﴾ [البقرة: ١٣١]. وقال: ﴿هُوَ سَمَّاكُمُ ٱلْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ﴾ [الحج: ٧٨]، وقال: ﴿وَٱجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَآ أُمَّةً مُّسْلِمَةً﴾ [البقرة: ١٢٨]. والضمير في قوله: ﴿وَجَعَلَهَا﴾ عائد على قوله: ﴿إِلاَّ ٱلَّذِي فَطَرَنِي﴾ وضمير الفاعل يعود على الله جل ذكره، أي: وجعلها الله سبحانه كلمة باقية في عقب إبراهيم، فلا يزال من ولد إبراهيم من يوحد الله. وقيل: الضمير المرفوع يعود على إبراهيم، أي: وجعل إبراهيم الكلمة باقية في عقبه، أي: عرفهم التوحيد والبراءة من كل معبود سوى الله وأوصاهم به، وهو قوله: ﴿وَوَصَّىٰ بِهَآ إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ...﴾ [البقرة: ١٣٢] الآية. فتوارثوا ذلك فلا يزال من ذريته موحد لله. ويقال عَقِبُ وعقب، بمعنى واحد. والعَقِبُ هنا: الولد في قول مجاهد. وقال ابن عباس: العقب هنا من يأتي بعده. وقال السدي: في عقب إبراهيم: آل محمد ﷺ. وقال ابن شهاب: العقب: "الولد، وولد الولد". وقال ابن زيد: "عقبه: ذريته". * * وقوله: ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾، معناه يرجعون إلى طاعة ربهم ويتوبون إليه. ﴿قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَآءٌ مِّمَّا تَعْبُدُونَ * إِلاَّ ٱلَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ * وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾، أي: قال لهم ذلك لعلهم يتوبون عن عبادة غير الله. ففي الكلام تقديم وتأخير. * * ثم قال تعالى: ﴿بَلْ مَتَّعْتُ هَـٰؤُلاَءِ وَآبَآءَهُمْ حَتَّىٰ جَآءَهُمُ ٱلْحَقُّ وَرَسُولٌ مُّبِينٌ﴾، أي: بل متعت يا محمد هؤلاء المشركين من قومك وَمَتَّعْتُ آباءهم من قبلهم بالحياة ولم أعاجلهم (بالعقوبة على كفرهم حتى جاءهم الحق، يعني: القرآن، ورسول مبين، يعني: محمد ﷺ، لم أعاجلهم)، بالعذاب حتى أنزلت عليهم كتاباً وبعثت فيهم رسولاً يعرفونه، يبين لهم الحجج والبراهين ويبلغ اليهم ما أرسل به. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَمَّا جَآءَهُمُ ٱلْحَقُّ قَالُواْ هَـٰذَا سِحْرٌ وَإِنَّا بِهِ كَافِرُونَ﴾، أي: ولما جاء هؤلاء المشركين القرآن إعذاراً وإنذاراً، ورسول منهم يبين ما أرسل به ويبلغه إليهم، قالوا: هذا الذي جاءنا به سحر، وليس بوحي من عند الله، وقالوا إنا به جاحدون، أي: ننكر أن يكون من عند الله. * * ثم قال تعالى: ﴿وَقَالُواْ لَوْلاَ نُزِّلَ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ ٱلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾، أي: وقال مشركو قريش هلا نزل هذا القرآن الذي جاءنا به محمد على رجل من القريتين، (أي: القريتين، ثم) حذف، مثل: ﴿وَسْئَلِ ٱلْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢]، يعنون الوليد بن المغيرة المخزومي من أهل مكة، وحبيب بن عمرو الثقفي من أهل الطائف، قاله ابن عباس. وقيل: التقدير: من إحدى القريتين، ثم حذف. وقال مجاهد: هما: عتبة بن ربيعة من مكة، وابن عبد ياليل من الطائف. وقال قتادة: هما: الوليد بن المغيرة من أهل مكة و (عتبة بن مسعود من أهل الطائف. وقيل هو) عروة بن مسعود من أهل الطائف، والوليد بن المغيرة من أهل مكة، قاله ابن زيد. وقال السدي: هما الوليد بن المغيرة من أهل مكة، وكنانة (ابن عبد بن عمرو بن) عمير من أهل الطائف. وعن مجاهد أنهما: عتبة بن ربيعة من أهل مكة، وأبو مسعود الثقفي من أهل الطائف، واسم أبي مسعود (عمير بن عمر) بن مسعود. وقيل: هما الوليد بن المغيرة من أهل مكة، وأبو سعيد عمر بن عمير الثقفي سيد ثقيف. * * ثم قال تعالى: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ﴾ (أي: أهؤلاء القائلون هلا نزل القرآن على أحد رجلي القريتين يقسمون رحمة ربك) يا محمد بين خلقه، فيجعلون إكرامه لمن شاءوا، وعند من أرادوا، بل الله يقسم ذلك فيعطيه من أراد، ويحرمه من شاء. قال ابن عباس: لما بعث الله جل ذكره محمداً ﷺ أنكرت العرب ذلك، وقالوا: الله أعظم من أن يكون رسوله بشراً مثل محمد، فأنزل الله جل ذكره: ﴿أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَباً أَنْ أَوْحَيْنَآ إِلَىٰ رَجُلٍ مِّنْهُمْ أَنْ أَنذِرِ ٱلنَّاسَ﴾ [يونس: ٢] وقال: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِيۤ إِلَيْهِمْ فَٱسْأَلُواْ أَهْلَ ٱلذِّكْرِ﴾ [النحل: ٤٣]، يعني: أهل الكتب الماضية فيخبرونكم أن الرسل التي كانت تأتي، بشر مثلكم، فلا يجب لكم أن تنكروا إرسال مثل محمد إليكم، إذ هو بشر مثلكم. وقال: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِيۤ إِلَيْهِمْ مِّنْ أَهْلِ ٱلْقُرَىٰ﴾ [يوسف: ١٠٩]، أي ليسوا من أهل السماء كما قلتم فال: فلما كرر (عليهم تعالى) الحُجَجَ، قالوا: فإن كان بشراً فغير محمد أحق بالرسالة فلولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم، أي: كل واحد منهما أشرف من محمد في المال والذكر، يعنون: الوليد بن المغيرة المخزومي - وكان يسمى ريحانة قريش - من أهل مكة، ومسعود بن عمرو بن عبيد الثقفي من أهل الطائف، فقال الله: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ﴾، أي: ربك يا محمد يفعل ما يشاء. قال تعالى: ﴿نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَّعِيشَتَهُمْ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا﴾، أي: نحن نقسم الرحمة بين من شئنا من خلقنا فنجعل من شئنا نبياً، ومن شئنا مؤمناً، ومن شئنا كافراً، كما قسمنا بينهم معيشتهم التي يعيشون فيها في دنياهم، فجعلنا بعضهم أرفع من بعض، فوسعنا على بعض وضيقنا على بعض، وجعلنا بعضهم ملوكاً وبعضهم مملوكين. ﴿لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضاً سُخْرِيّاً﴾، أي: جعلنا بعضهم حراً وبعضهم مملوكاً، وبعضهم غنياً وبعضهم فقيراً ليستخدم بعضهم بعضاً بأجرة وقد كانوا بني آدم كلهم. وقيل: إنها مخصومة في المماليك، روى ذلك عن ابن عباس، أي: فضل بعضهم على بعض فجعل بعضهم مالكاً وبعضهم مملوكاً. * * ثم قال تعالى: ﴿وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ﴾، يعني: الجنة خير مما يجمعون في دنياهم من الأموال.

الزخرف 43:27

قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَآءٌ﴾ - إلى قوله - ﴿خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ﴾، "براء" مصدر فلا يثنى ولا يجمع ولا يؤنث. تقول: نحن البراء منك، وهي البراء منك. والمعنى أنني ذو البراء منك، ونحن ذو البراء كما تقول: رجل عدل، (وامرأة عدل، وقوم عدل)، أي: ذوو عدل. ونظيره: ﴿وَلَـٰكِنَّ ٱلْبِرَّ مَنْ آمَنَ﴾ [البقرة: ١٧٧]، أي: ولكن ذو البر. وقرأ ابن مسعود: "إنني بريء" على "فعيل". فتجوز التثنية والجمع والتأنيث على هذه القراءة. وجمعه في التكسير: "بُرَآء" (كـ "كُرَمَاء"). وحكى الكوفيون "براء" على حذف الياء وهو شاذ. * * وقوله: ﴿إِلاَّ ٱلَّذِي فَطَرَنِي﴾، هذا استثناء من قوله "مما تعبدون". ويجوز أن يكون استثناء ليس من الأول منقطعاً. ومعنى الآية: واذكر يا محمد إذ قال إبراهيم لأبيه وقومه إذ كانوا يعبدون ما يعبد قومك: إنني براء مما تعبدون من دون الله، إلا من الذي فطرني، أي: خلقني، فإني لا أبرأ منه. ﴿فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ﴾، أي سيقونا للحق في ديني. * * ثم قال تعالى: ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ﴾. قال قتادة: الكلمة هي شهادة ألا إله إلا الله، لم يزل في ذريته من يقولها من بعده، وقاله السدي، وقال ابن زيد: الكلمة: الإسلام، وهو قوله: ﴿أَسْلَمْتُ لِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ﴾ [البقرة: ١٣١]. وقال: ﴿هُوَ سَمَّاكُمُ ٱلْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ﴾ [الحج: ٧٨]، وقال: ﴿وَٱجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَآ أُمَّةً مُّسْلِمَةً﴾ [البقرة: ١٢٨]. والضمير في قوله: ﴿وَجَعَلَهَا﴾ عائد على قوله: ﴿إِلاَّ ٱلَّذِي فَطَرَنِي﴾ وضمير الفاعل يعود على الله جل ذكره، أي: وجعلها الله سبحانه كلمة باقية في عقب إبراهيم، فلا يزال من ولد إبراهيم من يوحد الله. وقيل: الضمير المرفوع يعود على إبراهيم، أي: وجعل إبراهيم الكلمة باقية في عقبه، أي: عرفهم التوحيد والبراءة من كل معبود سوى الله وأوصاهم به، وهو قوله: ﴿وَوَصَّىٰ بِهَآ إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ...﴾ [البقرة: ١٣٢] الآية. فتوارثوا ذلك فلا يزال من ذريته موحد لله. ويقال عَقِبُ وعقب، بمعنى واحد. والعَقِبُ هنا: الولد في قول مجاهد. وقال ابن عباس: العقب هنا من يأتي بعده. وقال السدي: في عقب إبراهيم: آل محمد ﷺ. وقال ابن شهاب: العقب: "الولد، وولد الولد". وقال ابن زيد: "عقبه: ذريته". * * وقوله: ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾، معناه يرجعون إلى طاعة ربهم ويتوبون إليه. ﴿قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَآءٌ مِّمَّا تَعْبُدُونَ * إِلاَّ ٱلَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ * وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾، أي: قال لهم ذلك لعلهم يتوبون عن عبادة غير الله. ففي الكلام تقديم وتأخير. * * ثم قال تعالى: ﴿بَلْ مَتَّعْتُ هَـٰؤُلاَءِ وَآبَآءَهُمْ حَتَّىٰ جَآءَهُمُ ٱلْحَقُّ وَرَسُولٌ مُّبِينٌ﴾، أي: بل متعت يا محمد هؤلاء المشركين من قومك وَمَتَّعْتُ آباءهم من قبلهم بالحياة ولم أعاجلهم (بالعقوبة على كفرهم حتى جاءهم الحق، يعني: القرآن، ورسول مبين، يعني: محمد ﷺ، لم أعاجلهم)، بالعذاب حتى أنزلت عليهم كتاباً وبعثت فيهم رسولاً يعرفونه، يبين لهم الحجج والبراهين ويبلغ اليهم ما أرسل به. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَمَّا جَآءَهُمُ ٱلْحَقُّ قَالُواْ هَـٰذَا سِحْرٌ وَإِنَّا بِهِ كَافِرُونَ﴾، أي: ولما جاء هؤلاء المشركين القرآن إعذاراً وإنذاراً، ورسول منهم يبين ما أرسل به ويبلغه إليهم، قالوا: هذا الذي جاءنا به سحر، وليس بوحي من عند الله، وقالوا إنا به جاحدون، أي: ننكر أن يكون من عند الله. * * ثم قال تعالى: ﴿وَقَالُواْ لَوْلاَ نُزِّلَ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ ٱلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾، أي: وقال مشركو قريش هلا نزل هذا القرآن الذي جاءنا به محمد على رجل من القريتين، (أي: القريتين، ثم) حذف، مثل: ﴿وَسْئَلِ ٱلْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢]، يعنون الوليد بن المغيرة المخزومي من أهل مكة، وحبيب بن عمرو الثقفي من أهل الطائف، قاله ابن عباس. وقيل: التقدير: من إحدى القريتين، ثم حذف. وقال مجاهد: هما: عتبة بن ربيعة من مكة، وابن عبد ياليل من الطائف. وقال قتادة: هما: الوليد بن المغيرة من أهل مكة و (عتبة بن مسعود من أهل الطائف. وقيل هو) عروة بن مسعود من أهل الطائف، والوليد بن المغيرة من أهل مكة، قاله ابن زيد. وقال السدي: هما الوليد بن المغيرة من أهل مكة، وكنانة (ابن عبد بن عمرو بن) عمير من أهل الطائف. وعن مجاهد أنهما: عتبة بن ربيعة من أهل مكة، وأبو مسعود الثقفي من أهل الطائف، واسم أبي مسعود (عمير بن عمر) بن مسعود. وقيل: هما الوليد بن المغيرة من أهل مكة، وأبو سعيد عمر بن عمير الثقفي سيد ثقيف. * * ثم قال تعالى: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ﴾ (أي: أهؤلاء القائلون هلا نزل القرآن على أحد رجلي القريتين يقسمون رحمة ربك) يا محمد بين خلقه، فيجعلون إكرامه لمن شاءوا، وعند من أرادوا، بل الله يقسم ذلك فيعطيه من أراد، ويحرمه من شاء. قال ابن عباس: لما بعث الله جل ذكره محمداً ﷺ أنكرت العرب ذلك، وقالوا: الله أعظم من أن يكون رسوله بشراً مثل محمد، فأنزل الله جل ذكره: ﴿أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَباً أَنْ أَوْحَيْنَآ إِلَىٰ رَجُلٍ مِّنْهُمْ أَنْ أَنذِرِ ٱلنَّاسَ﴾ [يونس: ٢] وقال: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِيۤ إِلَيْهِمْ فَٱسْأَلُواْ أَهْلَ ٱلذِّكْرِ﴾ [النحل: ٤٣]، يعني: أهل الكتب الماضية فيخبرونكم أن الرسل التي كانت تأتي، بشر مثلكم، فلا يجب لكم أن تنكروا إرسال مثل محمد إليكم، إذ هو بشر مثلكم. وقال: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِيۤ إِلَيْهِمْ مِّنْ أَهْلِ ٱلْقُرَىٰ﴾ [يوسف: ١٠٩]، أي ليسوا من أهل السماء كما قلتم فال: فلما كرر (عليهم تعالى) الحُجَجَ، قالوا: فإن كان بشراً فغير محمد أحق بالرسالة فلولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم، أي: كل واحد منهما أشرف من محمد في المال والذكر، يعنون: الوليد بن المغيرة المخزومي - وكان يسمى ريحانة قريش - من أهل مكة، ومسعود بن عمرو بن عبيد الثقفي من أهل الطائف، فقال الله: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ﴾، أي: ربك يا محمد يفعل ما يشاء. قال تعالى: ﴿نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَّعِيشَتَهُمْ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا﴾، أي: نحن نقسم الرحمة بين من شئنا من خلقنا فنجعل من شئنا نبياً، ومن شئنا مؤمناً، ومن شئنا كافراً، كما قسمنا بينهم معيشتهم التي يعيشون فيها في دنياهم، فجعلنا بعضهم أرفع من بعض، فوسعنا على بعض وضيقنا على بعض، وجعلنا بعضهم ملوكاً وبعضهم مملوكين. ﴿لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضاً سُخْرِيّاً﴾، أي: جعلنا بعضهم حراً وبعضهم مملوكاً، وبعضهم غنياً وبعضهم فقيراً ليستخدم بعضهم بعضاً بأجرة وقد كانوا بني آدم كلهم. وقيل: إنها مخصومة في المماليك، روى ذلك عن ابن عباس، أي: فضل بعضهم على بعض فجعل بعضهم مالكاً وبعضهم مملوكاً. * * ثم قال تعالى: ﴿وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ﴾، يعني: الجنة خير مما يجمعون في دنياهم من الأموال.

الزخرف 43:28

قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَآءٌ﴾ - إلى قوله - ﴿خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ﴾، "براء" مصدر فلا يثنى ولا يجمع ولا يؤنث. تقول: نحن البراء منك، وهي البراء منك. والمعنى أنني ذو البراء منك، ونحن ذو البراء كما تقول: رجل عدل، (وامرأة عدل، وقوم عدل)، أي: ذوو عدل. ونظيره: ﴿وَلَـٰكِنَّ ٱلْبِرَّ مَنْ آمَنَ﴾ [البقرة: ١٧٧]، أي: ولكن ذو البر. وقرأ ابن مسعود: "إنني بريء" على "فعيل". فتجوز التثنية والجمع والتأنيث على هذه القراءة. وجمعه في التكسير: "بُرَآء" (كـ "كُرَمَاء"). وحكى الكوفيون "براء" على حذف الياء وهو شاذ. * * وقوله: ﴿إِلاَّ ٱلَّذِي فَطَرَنِي﴾، هذا استثناء من قوله "مما تعبدون". ويجوز أن يكون استثناء ليس من الأول منقطعاً. ومعنى الآية: واذكر يا محمد إذ قال إبراهيم لأبيه وقومه إذ كانوا يعبدون ما يعبد قومك: إنني براء مما تعبدون من دون الله، إلا من الذي فطرني، أي: خلقني، فإني لا أبرأ منه. ﴿فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ﴾، أي سيقونا للحق في ديني. * * ثم قال تعالى: ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ﴾. قال قتادة: الكلمة هي شهادة ألا إله إلا الله، لم يزل في ذريته من يقولها من بعده، وقاله السدي، وقال ابن زيد: الكلمة: الإسلام، وهو قوله: ﴿أَسْلَمْتُ لِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ﴾ [البقرة: ١٣١]. وقال: ﴿هُوَ سَمَّاكُمُ ٱلْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ﴾ [الحج: ٧٨]، وقال: ﴿وَٱجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَآ أُمَّةً مُّسْلِمَةً﴾ [البقرة: ١٢٨]. والضمير في قوله: ﴿وَجَعَلَهَا﴾ عائد على قوله: ﴿إِلاَّ ٱلَّذِي فَطَرَنِي﴾ وضمير الفاعل يعود على الله جل ذكره، أي: وجعلها الله سبحانه كلمة باقية في عقب إبراهيم، فلا يزال من ولد إبراهيم من يوحد الله. وقيل: الضمير المرفوع يعود على إبراهيم، أي: وجعل إبراهيم الكلمة باقية في عقبه، أي: عرفهم التوحيد والبراءة من كل معبود سوى الله وأوصاهم به، وهو قوله: ﴿وَوَصَّىٰ بِهَآ إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ...﴾ [البقرة: ١٣٢] الآية. فتوارثوا ذلك فلا يزال من ذريته موحد لله. ويقال عَقِبُ وعقب، بمعنى واحد. والعَقِبُ هنا: الولد في قول مجاهد. وقال ابن عباس: العقب هنا من يأتي بعده. وقال السدي: في عقب إبراهيم: آل محمد ﷺ. وقال ابن شهاب: العقب: "الولد، وولد الولد". وقال ابن زيد: "عقبه: ذريته". * * وقوله: ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾، معناه يرجعون إلى طاعة ربهم ويتوبون إليه. ﴿قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَآءٌ مِّمَّا تَعْبُدُونَ * إِلاَّ ٱلَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ * وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾، أي: قال لهم ذلك لعلهم يتوبون عن عبادة غير الله. ففي الكلام تقديم وتأخير. * * ثم قال تعالى: ﴿بَلْ مَتَّعْتُ هَـٰؤُلاَءِ وَآبَآءَهُمْ حَتَّىٰ جَآءَهُمُ ٱلْحَقُّ وَرَسُولٌ مُّبِينٌ﴾، أي: بل متعت يا محمد هؤلاء المشركين من قومك وَمَتَّعْتُ آباءهم من قبلهم بالحياة ولم أعاجلهم (بالعقوبة على كفرهم حتى جاءهم الحق، يعني: القرآن، ورسول مبين، يعني: محمد ﷺ، لم أعاجلهم)، بالعذاب حتى أنزلت عليهم كتاباً وبعثت فيهم رسولاً يعرفونه، يبين لهم الحجج والبراهين ويبلغ اليهم ما أرسل به. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَمَّا جَآءَهُمُ ٱلْحَقُّ قَالُواْ هَـٰذَا سِحْرٌ وَإِنَّا بِهِ كَافِرُونَ﴾، أي: ولما جاء هؤلاء المشركين القرآن إعذاراً وإنذاراً، ورسول منهم يبين ما أرسل به ويبلغه إليهم، قالوا: هذا الذي جاءنا به سحر، وليس بوحي من عند الله، وقالوا إنا به جاحدون، أي: ننكر أن يكون من عند الله. * * ثم قال تعالى: ﴿وَقَالُواْ لَوْلاَ نُزِّلَ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ ٱلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾، أي: وقال مشركو قريش هلا نزل هذا القرآن الذي جاءنا به محمد على رجل من القريتين، (أي: القريتين، ثم) حذف، مثل: ﴿وَسْئَلِ ٱلْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢]، يعنون الوليد بن المغيرة المخزومي من أهل مكة، وحبيب بن عمرو الثقفي من أهل الطائف، قاله ابن عباس. وقيل: التقدير: من إحدى القريتين، ثم حذف. وقال مجاهد: هما: عتبة بن ربيعة من مكة، وابن عبد ياليل من الطائف. وقال قتادة: هما: الوليد بن المغيرة من أهل مكة و (عتبة بن مسعود من أهل الطائف. وقيل هو) عروة بن مسعود من أهل الطائف، والوليد بن المغيرة من أهل مكة، قاله ابن زيد. وقال السدي: هما الوليد بن المغيرة من أهل مكة، وكنانة (ابن عبد بن عمرو بن) عمير من أهل الطائف. وعن مجاهد أنهما: عتبة بن ربيعة من أهل مكة، وأبو مسعود الثقفي من أهل الطائف، واسم أبي مسعود (عمير بن عمر) بن مسعود. وقيل: هما الوليد بن المغيرة من أهل مكة، وأبو سعيد عمر بن عمير الثقفي سيد ثقيف. * * ثم قال تعالى: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ﴾ (أي: أهؤلاء القائلون هلا نزل القرآن على أحد رجلي القريتين يقسمون رحمة ربك) يا محمد بين خلقه، فيجعلون إكرامه لمن شاءوا، وعند من أرادوا، بل الله يقسم ذلك فيعطيه من أراد، ويحرمه من شاء. قال ابن عباس: لما بعث الله جل ذكره محمداً ﷺ أنكرت العرب ذلك، وقالوا: الله أعظم من أن يكون رسوله بشراً مثل محمد، فأنزل الله جل ذكره: ﴿أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَباً أَنْ أَوْحَيْنَآ إِلَىٰ رَجُلٍ مِّنْهُمْ أَنْ أَنذِرِ ٱلنَّاسَ﴾ [يونس: ٢] وقال: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِيۤ إِلَيْهِمْ فَٱسْأَلُواْ أَهْلَ ٱلذِّكْرِ﴾ [النحل: ٤٣]، يعني: أهل الكتب الماضية فيخبرونكم أن الرسل التي كانت تأتي، بشر مثلكم، فلا يجب لكم أن تنكروا إرسال مثل محمد إليكم، إذ هو بشر مثلكم. وقال: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِيۤ إِلَيْهِمْ مِّنْ أَهْلِ ٱلْقُرَىٰ﴾ [يوسف: ١٠٩]، أي ليسوا من أهل السماء كما قلتم فال: فلما كرر (عليهم تعالى) الحُجَجَ، قالوا: فإن كان بشراً فغير محمد أحق بالرسالة فلولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم، أي: كل واحد منهما أشرف من محمد في المال والذكر، يعنون: الوليد بن المغيرة المخزومي - وكان يسمى ريحانة قريش - من أهل مكة، ومسعود بن عمرو بن عبيد الثقفي من أهل الطائف، فقال الله: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ﴾، أي: ربك يا محمد يفعل ما يشاء. قال تعالى: ﴿نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَّعِيشَتَهُمْ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا﴾، أي: نحن نقسم الرحمة بين من شئنا من خلقنا فنجعل من شئنا نبياً، ومن شئنا مؤمناً، ومن شئنا كافراً، كما قسمنا بينهم معيشتهم التي يعيشون فيها في دنياهم، فجعلنا بعضهم أرفع من بعض، فوسعنا على بعض وضيقنا على بعض، وجعلنا بعضهم ملوكاً وبعضهم مملوكين. ﴿لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضاً سُخْرِيّاً﴾، أي: جعلنا بعضهم حراً وبعضهم مملوكاً، وبعضهم غنياً وبعضهم فقيراً ليستخدم بعضهم بعضاً بأجرة وقد كانوا بني آدم كلهم. وقيل: إنها مخصومة في المماليك، روى ذلك عن ابن عباس، أي: فضل بعضهم على بعض فجعل بعضهم مالكاً وبعضهم مملوكاً. * * ثم قال تعالى: ﴿وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ﴾، يعني: الجنة خير مما يجمعون في دنياهم من الأموال.

الزخرف 43:29

قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَآءٌ﴾ - إلى قوله - ﴿خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ﴾، "براء" مصدر فلا يثنى ولا يجمع ولا يؤنث. تقول: نحن البراء منك، وهي البراء منك. والمعنى أنني ذو البراء منك، ونحن ذو البراء كما تقول: رجل عدل، (وامرأة عدل، وقوم عدل)، أي: ذوو عدل. ونظيره: ﴿وَلَـٰكِنَّ ٱلْبِرَّ مَنْ آمَنَ﴾ [البقرة: ١٧٧]، أي: ولكن ذو البر. وقرأ ابن مسعود: "إنني بريء" على "فعيل". فتجوز التثنية والجمع والتأنيث على هذه القراءة. وجمعه في التكسير: "بُرَآء" (كـ "كُرَمَاء"). وحكى الكوفيون "براء" على حذف الياء وهو شاذ. * * وقوله: ﴿إِلاَّ ٱلَّذِي فَطَرَنِي﴾، هذا استثناء من قوله "مما تعبدون". ويجوز أن يكون استثناء ليس من الأول منقطعاً. ومعنى الآية: واذكر يا محمد إذ قال إبراهيم لأبيه وقومه إذ كانوا يعبدون ما يعبد قومك: إنني براء مما تعبدون من دون الله، إلا من الذي فطرني، أي: خلقني، فإني لا أبرأ منه. ﴿فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ﴾، أي سيقونا للحق في ديني. * * ثم قال تعالى: ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ﴾. قال قتادة: الكلمة هي شهادة ألا إله إلا الله، لم يزل في ذريته من يقولها من بعده، وقاله السدي، وقال ابن زيد: الكلمة: الإسلام، وهو قوله: ﴿أَسْلَمْتُ لِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ﴾ [البقرة: ١٣١]. وقال: ﴿هُوَ سَمَّاكُمُ ٱلْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ﴾ [الحج: ٧٨]، وقال: ﴿وَٱجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَآ أُمَّةً مُّسْلِمَةً﴾ [البقرة: ١٢٨]. والضمير في قوله: ﴿وَجَعَلَهَا﴾ عائد على قوله: ﴿إِلاَّ ٱلَّذِي فَطَرَنِي﴾ وضمير الفاعل يعود على الله جل ذكره، أي: وجعلها الله سبحانه كلمة باقية في عقب إبراهيم، فلا يزال من ولد إبراهيم من يوحد الله. وقيل: الضمير المرفوع يعود على إبراهيم، أي: وجعل إبراهيم الكلمة باقية في عقبه، أي: عرفهم التوحيد والبراءة من كل معبود سوى الله وأوصاهم به، وهو قوله: ﴿وَوَصَّىٰ بِهَآ إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ...﴾ [البقرة: ١٣٢] الآية. فتوارثوا ذلك فلا يزال من ذريته موحد لله. ويقال عَقِبُ وعقب، بمعنى واحد. والعَقِبُ هنا: الولد في قول مجاهد. وقال ابن عباس: العقب هنا من يأتي بعده. وقال السدي: في عقب إبراهيم: آل محمد ﷺ. وقال ابن شهاب: العقب: "الولد، وولد الولد". وقال ابن زيد: "عقبه: ذريته". * * وقوله: ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾، معناه يرجعون إلى طاعة ربهم ويتوبون إليه. ﴿قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَآءٌ مِّمَّا تَعْبُدُونَ * إِلاَّ ٱلَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ * وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾، أي: قال لهم ذلك لعلهم يتوبون عن عبادة غير الله. ففي الكلام تقديم وتأخير. * * ثم قال تعالى: ﴿بَلْ مَتَّعْتُ هَـٰؤُلاَءِ وَآبَآءَهُمْ حَتَّىٰ جَآءَهُمُ ٱلْحَقُّ وَرَسُولٌ مُّبِينٌ﴾، أي: بل متعت يا محمد هؤلاء المشركين من قومك وَمَتَّعْتُ آباءهم من قبلهم بالحياة ولم أعاجلهم (بالعقوبة على كفرهم حتى جاءهم الحق، يعني: القرآن، ورسول مبين، يعني: محمد ﷺ، لم أعاجلهم)، بالعذاب حتى أنزلت عليهم كتاباً وبعثت فيهم رسولاً يعرفونه، يبين لهم الحجج والبراهين ويبلغ اليهم ما أرسل به. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَمَّا جَآءَهُمُ ٱلْحَقُّ قَالُواْ هَـٰذَا سِحْرٌ وَإِنَّا بِهِ كَافِرُونَ﴾، أي: ولما جاء هؤلاء المشركين القرآن إعذاراً وإنذاراً، ورسول منهم يبين ما أرسل به ويبلغه إليهم، قالوا: هذا الذي جاءنا به سحر، وليس بوحي من عند الله، وقالوا إنا به جاحدون، أي: ننكر أن يكون من عند الله. * * ثم قال تعالى: ﴿وَقَالُواْ لَوْلاَ نُزِّلَ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ ٱلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾، أي: وقال مشركو قريش هلا نزل هذا القرآن الذي جاءنا به محمد على رجل من القريتين، (أي: القريتين، ثم) حذف، مثل: ﴿وَسْئَلِ ٱلْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢]، يعنون الوليد بن المغيرة المخزومي من أهل مكة، وحبيب بن عمرو الثقفي من أهل الطائف، قاله ابن عباس. وقيل: التقدير: من إحدى القريتين، ثم حذف. وقال مجاهد: هما: عتبة بن ربيعة من مكة، وابن عبد ياليل من الطائف. وقال قتادة: هما: الوليد بن المغيرة من أهل مكة و (عتبة بن مسعود من أهل الطائف. وقيل هو) عروة بن مسعود من أهل الطائف، والوليد بن المغيرة من أهل مكة، قاله ابن زيد. وقال السدي: هما الوليد بن المغيرة من أهل مكة، وكنانة (ابن عبد بن عمرو بن) عمير من أهل الطائف. وعن مجاهد أنهما: عتبة بن ربيعة من أهل مكة، وأبو مسعود الثقفي من أهل الطائف، واسم أبي مسعود (عمير بن عمر) بن مسعود. وقيل: هما الوليد بن المغيرة من أهل مكة، وأبو سعيد عمر بن عمير الثقفي سيد ثقيف. * * ثم قال تعالى: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ﴾ (أي: أهؤلاء القائلون هلا نزل القرآن على أحد رجلي القريتين يقسمون رحمة ربك) يا محمد بين خلقه، فيجعلون إكرامه لمن شاءوا، وعند من أرادوا، بل الله يقسم ذلك فيعطيه من أراد، ويحرمه من شاء. قال ابن عباس: لما بعث الله جل ذكره محمداً ﷺ أنكرت العرب ذلك، وقالوا: الله أعظم من أن يكون رسوله بشراً مثل محمد، فأنزل الله جل ذكره: ﴿أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَباً أَنْ أَوْحَيْنَآ إِلَىٰ رَجُلٍ مِّنْهُمْ أَنْ أَنذِرِ ٱلنَّاسَ﴾ [يونس: ٢] وقال: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِيۤ إِلَيْهِمْ فَٱسْأَلُواْ أَهْلَ ٱلذِّكْرِ﴾ [النحل: ٤٣]، يعني: أهل الكتب الماضية فيخبرونكم أن الرسل التي كانت تأتي، بشر مثلكم، فلا يجب لكم أن تنكروا إرسال مثل محمد إليكم، إذ هو بشر مثلكم. وقال: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِيۤ إِلَيْهِمْ مِّنْ أَهْلِ ٱلْقُرَىٰ﴾ [يوسف: ١٠٩]، أي ليسوا من أهل السماء كما قلتم فال: فلما كرر (عليهم تعالى) الحُجَجَ، قالوا: فإن كان بشراً فغير محمد أحق بالرسالة فلولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم، أي: كل واحد منهما أشرف من محمد في المال والذكر، يعنون: الوليد بن المغيرة المخزومي - وكان يسمى ريحانة قريش - من أهل مكة، ومسعود بن عمرو بن عبيد الثقفي من أهل الطائف، فقال الله: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ﴾، أي: ربك يا محمد يفعل ما يشاء. قال تعالى: ﴿نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَّعِيشَتَهُمْ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا﴾، أي: نحن نقسم الرحمة بين من شئنا من خلقنا فنجعل من شئنا نبياً، ومن شئنا مؤمناً، ومن شئنا كافراً، كما قسمنا بينهم معيشتهم التي يعيشون فيها في دنياهم، فجعلنا بعضهم أرفع من بعض، فوسعنا على بعض وضيقنا على بعض، وجعلنا بعضهم ملوكاً وبعضهم مملوكين. ﴿لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضاً سُخْرِيّاً﴾، أي: جعلنا بعضهم حراً وبعضهم مملوكاً، وبعضهم غنياً وبعضهم فقيراً ليستخدم بعضهم بعضاً بأجرة وقد كانوا بني آدم كلهم. وقيل: إنها مخصومة في المماليك، روى ذلك عن ابن عباس، أي: فضل بعضهم على بعض فجعل بعضهم مالكاً وبعضهم مملوكاً. * * ثم قال تعالى: ﴿وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ﴾، يعني: الجنة خير مما يجمعون في دنياهم من الأموال.

الزخرف 43:30

قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَآءٌ﴾ - إلى قوله - ﴿خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ﴾، "براء" مصدر فلا يثنى ولا يجمع ولا يؤنث. تقول: نحن البراء منك، وهي البراء منك. والمعنى أنني ذو البراء منك، ونحن ذو البراء كما تقول: رجل عدل، (وامرأة عدل، وقوم عدل)، أي: ذوو عدل. ونظيره: ﴿وَلَـٰكِنَّ ٱلْبِرَّ مَنْ آمَنَ﴾ [البقرة: ١٧٧]، أي: ولكن ذو البر. وقرأ ابن مسعود: "إنني بريء" على "فعيل". فتجوز التثنية والجمع والتأنيث على هذه القراءة. وجمعه في التكسير: "بُرَآء" (كـ "كُرَمَاء"). وحكى الكوفيون "براء" على حذف الياء وهو شاذ. * * وقوله: ﴿إِلاَّ ٱلَّذِي فَطَرَنِي﴾، هذا استثناء من قوله "مما تعبدون". ويجوز أن يكون استثناء ليس من الأول منقطعاً. ومعنى الآية: واذكر يا محمد إذ قال إبراهيم لأبيه وقومه إذ كانوا يعبدون ما يعبد قومك: إنني براء مما تعبدون من دون الله، إلا من الذي فطرني، أي: خلقني، فإني لا أبرأ منه. ﴿فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ﴾، أي سيقونا للحق في ديني. * * ثم قال تعالى: ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ﴾. قال قتادة: الكلمة هي شهادة ألا إله إلا الله، لم يزل في ذريته من يقولها من بعده، وقاله السدي، وقال ابن زيد: الكلمة: الإسلام، وهو قوله: ﴿أَسْلَمْتُ لِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ﴾ [البقرة: ١٣١]. وقال: ﴿هُوَ سَمَّاكُمُ ٱلْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ﴾ [الحج: ٧٨]، وقال: ﴿وَٱجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَآ أُمَّةً مُّسْلِمَةً﴾ [البقرة: ١٢٨]. والضمير في قوله: ﴿وَجَعَلَهَا﴾ عائد على قوله: ﴿إِلاَّ ٱلَّذِي فَطَرَنِي﴾ وضمير الفاعل يعود على الله جل ذكره، أي: وجعلها الله سبحانه كلمة باقية في عقب إبراهيم، فلا يزال من ولد إبراهيم من يوحد الله. وقيل: الضمير المرفوع يعود على إبراهيم، أي: وجعل إبراهيم الكلمة باقية في عقبه، أي: عرفهم التوحيد والبراءة من كل معبود سوى الله وأوصاهم به، وهو قوله: ﴿وَوَصَّىٰ بِهَآ إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ...﴾ [البقرة: ١٣٢] الآية. فتوارثوا ذلك فلا يزال من ذريته موحد لله. ويقال عَقِبُ وعقب، بمعنى واحد. والعَقِبُ هنا: الولد في قول مجاهد. وقال ابن عباس: العقب هنا من يأتي بعده. وقال السدي: في عقب إبراهيم: آل محمد ﷺ. وقال ابن شهاب: العقب: "الولد، وولد الولد". وقال ابن زيد: "عقبه: ذريته". * * وقوله: ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾، معناه يرجعون إلى طاعة ربهم ويتوبون إليه. ﴿قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَآءٌ مِّمَّا تَعْبُدُونَ * إِلاَّ ٱلَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ * وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾، أي: قال لهم ذلك لعلهم يتوبون عن عبادة غير الله. ففي الكلام تقديم وتأخير. * * ثم قال تعالى: ﴿بَلْ مَتَّعْتُ هَـٰؤُلاَءِ وَآبَآءَهُمْ حَتَّىٰ جَآءَهُمُ ٱلْحَقُّ وَرَسُولٌ مُّبِينٌ﴾، أي: بل متعت يا محمد هؤلاء المشركين من قومك وَمَتَّعْتُ آباءهم من قبلهم بالحياة ولم أعاجلهم (بالعقوبة على كفرهم حتى جاءهم الحق، يعني: القرآن، ورسول مبين، يعني: محمد ﷺ، لم أعاجلهم)، بالعذاب حتى أنزلت عليهم كتاباً وبعثت فيهم رسولاً يعرفونه، يبين لهم الحجج والبراهين ويبلغ اليهم ما أرسل به. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَمَّا جَآءَهُمُ ٱلْحَقُّ قَالُواْ هَـٰذَا سِحْرٌ وَإِنَّا بِهِ كَافِرُونَ﴾، أي: ولما جاء هؤلاء المشركين القرآن إعذاراً وإنذاراً، ورسول منهم يبين ما أرسل به ويبلغه إليهم، قالوا: هذا الذي جاءنا به سحر، وليس بوحي من عند الله، وقالوا إنا به جاحدون، أي: ننكر أن يكون من عند الله. * * ثم قال تعالى: ﴿وَقَالُواْ لَوْلاَ نُزِّلَ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ ٱلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾، أي: وقال مشركو قريش هلا نزل هذا القرآن الذي جاءنا به محمد على رجل من القريتين، (أي: القريتين، ثم) حذف، مثل: ﴿وَسْئَلِ ٱلْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢]، يعنون الوليد بن المغيرة المخزومي من أهل مكة، وحبيب بن عمرو الثقفي من أهل الطائف، قاله ابن عباس. وقيل: التقدير: من إحدى القريتين، ثم حذف. وقال مجاهد: هما: عتبة بن ربيعة من مكة، وابن عبد ياليل من الطائف. وقال قتادة: هما: الوليد بن المغيرة من أهل مكة و (عتبة بن مسعود من أهل الطائف. وقيل هو) عروة بن مسعود من أهل الطائف، والوليد بن المغيرة من أهل مكة، قاله ابن زيد. وقال السدي: هما الوليد بن المغيرة من أهل مكة، وكنانة (ابن عبد بن عمرو بن) عمير من أهل الطائف. وعن مجاهد أنهما: عتبة بن ربيعة من أهل مكة، وأبو مسعود الثقفي من أهل الطائف، واسم أبي مسعود (عمير بن عمر) بن مسعود. وقيل: هما الوليد بن المغيرة من أهل مكة، وأبو سعيد عمر بن عمير الثقفي سيد ثقيف. * * ثم قال تعالى: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ﴾ (أي: أهؤلاء القائلون هلا نزل القرآن على أحد رجلي القريتين يقسمون رحمة ربك) يا محمد بين خلقه، فيجعلون إكرامه لمن شاءوا، وعند من أرادوا، بل الله يقسم ذلك فيعطيه من أراد، ويحرمه من شاء. قال ابن عباس: لما بعث الله جل ذكره محمداً ﷺ أنكرت العرب ذلك، وقالوا: الله أعظم من أن يكون رسوله بشراً مثل محمد، فأنزل الله جل ذكره: ﴿أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَباً أَنْ أَوْحَيْنَآ إِلَىٰ رَجُلٍ مِّنْهُمْ أَنْ أَنذِرِ ٱلنَّاسَ﴾ [يونس: ٢] وقال: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِيۤ إِلَيْهِمْ فَٱسْأَلُواْ أَهْلَ ٱلذِّكْرِ﴾ [النحل: ٤٣]، يعني: أهل الكتب الماضية فيخبرونكم أن الرسل التي كانت تأتي، بشر مثلكم، فلا يجب لكم أن تنكروا إرسال مثل محمد إليكم، إذ هو بشر مثلكم. وقال: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِيۤ إِلَيْهِمْ مِّنْ أَهْلِ ٱلْقُرَىٰ﴾ [يوسف: ١٠٩]، أي ليسوا من أهل السماء كما قلتم فال: فلما كرر (عليهم تعالى) الحُجَجَ، قالوا: فإن كان بشراً فغير محمد أحق بالرسالة فلولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم، أي: كل واحد منهما أشرف من محمد في المال والذكر، يعنون: الوليد بن المغيرة المخزومي - وكان يسمى ريحانة قريش - من أهل مكة، ومسعود بن عمرو بن عبيد الثقفي من أهل الطائف، فقال الله: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ﴾، أي: ربك يا محمد يفعل ما يشاء. قال تعالى: ﴿نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَّعِيشَتَهُمْ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا﴾، أي: نحن نقسم الرحمة بين من شئنا من خلقنا فنجعل من شئنا نبياً، ومن شئنا مؤمناً، ومن شئنا كافراً، كما قسمنا بينهم معيشتهم التي يعيشون فيها في دنياهم، فجعلنا بعضهم أرفع من بعض، فوسعنا على بعض وضيقنا على بعض، وجعلنا بعضهم ملوكاً وبعضهم مملوكين. ﴿لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضاً سُخْرِيّاً﴾، أي: جعلنا بعضهم حراً وبعضهم مملوكاً، وبعضهم غنياً وبعضهم فقيراً ليستخدم بعضهم بعضاً بأجرة وقد كانوا بني آدم كلهم. وقيل: إنها مخصومة في المماليك، روى ذلك عن ابن عباس، أي: فضل بعضهم على بعض فجعل بعضهم مالكاً وبعضهم مملوكاً. * * ثم قال تعالى: ﴿وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ﴾، يعني: الجنة خير مما يجمعون في دنياهم من الأموال.

الزخرف 43:31

قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَآءٌ﴾ - إلى قوله - ﴿خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ﴾، "براء" مصدر فلا يثنى ولا يجمع ولا يؤنث. تقول: نحن البراء منك، وهي البراء منك. والمعنى أنني ذو البراء منك، ونحن ذو البراء كما تقول: رجل عدل، (وامرأة عدل، وقوم عدل)، أي: ذوو عدل. ونظيره: ﴿وَلَـٰكِنَّ ٱلْبِرَّ مَنْ آمَنَ﴾ [البقرة: ١٧٧]، أي: ولكن ذو البر. وقرأ ابن مسعود: "إنني بريء" على "فعيل". فتجوز التثنية والجمع والتأنيث على هذه القراءة. وجمعه في التكسير: "بُرَآء" (كـ "كُرَمَاء"). وحكى الكوفيون "براء" على حذف الياء وهو شاذ. * * وقوله: ﴿إِلاَّ ٱلَّذِي فَطَرَنِي﴾، هذا استثناء من قوله "مما تعبدون". ويجوز أن يكون استثناء ليس من الأول منقطعاً. ومعنى الآية: واذكر يا محمد إذ قال إبراهيم لأبيه وقومه إذ كانوا يعبدون ما يعبد قومك: إنني براء مما تعبدون من دون الله، إلا من الذي فطرني، أي: خلقني، فإني لا أبرأ منه. ﴿فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ﴾، أي سيقونا للحق في ديني. * * ثم قال تعالى: ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ﴾. قال قتادة: الكلمة هي شهادة ألا إله إلا الله، لم يزل في ذريته من يقولها من بعده، وقاله السدي، وقال ابن زيد: الكلمة: الإسلام، وهو قوله: ﴿أَسْلَمْتُ لِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ﴾ [البقرة: ١٣١]. وقال: ﴿هُوَ سَمَّاكُمُ ٱلْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ﴾ [الحج: ٧٨]، وقال: ﴿وَٱجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَآ أُمَّةً مُّسْلِمَةً﴾ [البقرة: ١٢٨]. والضمير في قوله: ﴿وَجَعَلَهَا﴾ عائد على قوله: ﴿إِلاَّ ٱلَّذِي فَطَرَنِي﴾ وضمير الفاعل يعود على الله جل ذكره، أي: وجعلها الله سبحانه كلمة باقية في عقب إبراهيم، فلا يزال من ولد إبراهيم من يوحد الله. وقيل: الضمير المرفوع يعود على إبراهيم، أي: وجعل إبراهيم الكلمة باقية في عقبه، أي: عرفهم التوحيد والبراءة من كل معبود سوى الله وأوصاهم به، وهو قوله: ﴿وَوَصَّىٰ بِهَآ إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ...﴾ [البقرة: ١٣٢] الآية. فتوارثوا ذلك فلا يزال من ذريته موحد لله. ويقال عَقِبُ وعقب، بمعنى واحد. والعَقِبُ هنا: الولد في قول مجاهد. وقال ابن عباس: العقب هنا من يأتي بعده. وقال السدي: في عقب إبراهيم: آل محمد ﷺ. وقال ابن شهاب: العقب: "الولد، وولد الولد". وقال ابن زيد: "عقبه: ذريته". * * وقوله: ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾، معناه يرجعون إلى طاعة ربهم ويتوبون إليه. ﴿قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَآءٌ مِّمَّا تَعْبُدُونَ * إِلاَّ ٱلَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ * وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾، أي: قال لهم ذلك لعلهم يتوبون عن عبادة غير الله. ففي الكلام تقديم وتأخير. * * ثم قال تعالى: ﴿بَلْ مَتَّعْتُ هَـٰؤُلاَءِ وَآبَآءَهُمْ حَتَّىٰ جَآءَهُمُ ٱلْحَقُّ وَرَسُولٌ مُّبِينٌ﴾، أي: بل متعت يا محمد هؤلاء المشركين من قومك وَمَتَّعْتُ آباءهم من قبلهم بالحياة ولم أعاجلهم (بالعقوبة على كفرهم حتى جاءهم الحق، يعني: القرآن، ورسول مبين، يعني: محمد ﷺ، لم أعاجلهم)، بالعذاب حتى أنزلت عليهم كتاباً وبعثت فيهم رسولاً يعرفونه، يبين لهم الحجج والبراهين ويبلغ اليهم ما أرسل به. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَمَّا جَآءَهُمُ ٱلْحَقُّ قَالُواْ هَـٰذَا سِحْرٌ وَإِنَّا بِهِ كَافِرُونَ﴾، أي: ولما جاء هؤلاء المشركين القرآن إعذاراً وإنذاراً، ورسول منهم يبين ما أرسل به ويبلغه إليهم، قالوا: هذا الذي جاءنا به سحر، وليس بوحي من عند الله، وقالوا إنا به جاحدون، أي: ننكر أن يكون من عند الله. * * ثم قال تعالى: ﴿وَقَالُواْ لَوْلاَ نُزِّلَ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ ٱلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾، أي: وقال مشركو قريش هلا نزل هذا القرآن الذي جاءنا به محمد على رجل من القريتين، (أي: القريتين، ثم) حذف، مثل: ﴿وَسْئَلِ ٱلْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢]، يعنون الوليد بن المغيرة المخزومي من أهل مكة، وحبيب بن عمرو الثقفي من أهل الطائف، قاله ابن عباس. وقيل: التقدير: من إحدى القريتين، ثم حذف. وقال مجاهد: هما: عتبة بن ربيعة من مكة، وابن عبد ياليل من الطائف. وقال قتادة: هما: الوليد بن المغيرة من أهل مكة و (عتبة بن مسعود من أهل الطائف. وقيل هو) عروة بن مسعود من أهل الطائف، والوليد بن المغيرة من أهل مكة، قاله ابن زيد. وقال السدي: هما الوليد بن المغيرة من أهل مكة، وكنانة (ابن عبد بن عمرو بن) عمير من أهل الطائف. وعن مجاهد أنهما: عتبة بن ربيعة من أهل مكة، وأبو مسعود الثقفي من أهل الطائف، واسم أبي مسعود (عمير بن عمر) بن مسعود. وقيل: هما الوليد بن المغيرة من أهل مكة، وأبو سعيد عمر بن عمير الثقفي سيد ثقيف. * * ثم قال تعالى: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ﴾ (أي: أهؤلاء القائلون هلا نزل القرآن على أحد رجلي القريتين يقسمون رحمة ربك) يا محمد بين خلقه، فيجعلون إكرامه لمن شاءوا، وعند من أرادوا، بل الله يقسم ذلك فيعطيه من أراد، ويحرمه من شاء. قال ابن عباس: لما بعث الله جل ذكره محمداً ﷺ أنكرت العرب ذلك، وقالوا: الله أعظم من أن يكون رسوله بشراً مثل محمد، فأنزل الله جل ذكره: ﴿أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَباً أَنْ أَوْحَيْنَآ إِلَىٰ رَجُلٍ مِّنْهُمْ أَنْ أَنذِرِ ٱلنَّاسَ﴾ [يونس: ٢] وقال: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِيۤ إِلَيْهِمْ فَٱسْأَلُواْ أَهْلَ ٱلذِّكْرِ﴾ [النحل: ٤٣]، يعني: أهل الكتب الماضية فيخبرونكم أن الرسل التي كانت تأتي، بشر مثلكم، فلا يجب لكم أن تنكروا إرسال مثل محمد إليكم، إذ هو بشر مثلكم. وقال: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِيۤ إِلَيْهِمْ مِّنْ أَهْلِ ٱلْقُرَىٰ﴾ [يوسف: ١٠٩]، أي ليسوا من أهل السماء كما قلتم فال: فلما كرر (عليهم تعالى) الحُجَجَ، قالوا: فإن كان بشراً فغير محمد أحق بالرسالة فلولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم، أي: كل واحد منهما أشرف من محمد في المال والذكر، يعنون: الوليد بن المغيرة المخزومي - وكان يسمى ريحانة قريش - من أهل مكة، ومسعود بن عمرو بن عبيد الثقفي من أهل الطائف، فقال الله: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ﴾، أي: ربك يا محمد يفعل ما يشاء. قال تعالى: ﴿نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَّعِيشَتَهُمْ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا﴾، أي: نحن نقسم الرحمة بين من شئنا من خلقنا فنجعل من شئنا نبياً، ومن شئنا مؤمناً، ومن شئنا كافراً، كما قسمنا بينهم معيشتهم التي يعيشون فيها في دنياهم، فجعلنا بعضهم أرفع من بعض، فوسعنا على بعض وضيقنا على بعض، وجعلنا بعضهم ملوكاً وبعضهم مملوكين. ﴿لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضاً سُخْرِيّاً﴾، أي: جعلنا بعضهم حراً وبعضهم مملوكاً، وبعضهم غنياً وبعضهم فقيراً ليستخدم بعضهم بعضاً بأجرة وقد كانوا بني آدم كلهم. وقيل: إنها مخصومة في المماليك، روى ذلك عن ابن عباس، أي: فضل بعضهم على بعض فجعل بعضهم مالكاً وبعضهم مملوكاً. * * ثم قال تعالى: ﴿وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ﴾، يعني: الجنة خير مما يجمعون في دنياهم من الأموال.

الزخرف 43:32

قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَآءٌ﴾ - إلى قوله - ﴿خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ﴾، "براء" مصدر فلا يثنى ولا يجمع ولا يؤنث. تقول: نحن البراء منك، وهي البراء منك. والمعنى أنني ذو البراء منك، ونحن ذو البراء كما تقول: رجل عدل، (وامرأة عدل، وقوم عدل)، أي: ذوو عدل. ونظيره: ﴿وَلَـٰكِنَّ ٱلْبِرَّ مَنْ آمَنَ﴾ [البقرة: ١٧٧]، أي: ولكن ذو البر. وقرأ ابن مسعود: "إنني بريء" على "فعيل". فتجوز التثنية والجمع والتأنيث على هذه القراءة. وجمعه في التكسير: "بُرَآء" (كـ "كُرَمَاء"). وحكى الكوفيون "براء" على حذف الياء وهو شاذ. * * وقوله: ﴿إِلاَّ ٱلَّذِي فَطَرَنِي﴾، هذا استثناء من قوله "مما تعبدون". ويجوز أن يكون استثناء ليس من الأول منقطعاً. ومعنى الآية: واذكر يا محمد إذ قال إبراهيم لأبيه وقومه إذ كانوا يعبدون ما يعبد قومك: إنني براء مما تعبدون من دون الله، إلا من الذي فطرني، أي: خلقني، فإني لا أبرأ منه. ﴿فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ﴾، أي سيقونا للحق في ديني. * * ثم قال تعالى: ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ﴾. قال قتادة: الكلمة هي شهادة ألا إله إلا الله، لم يزل في ذريته من يقولها من بعده، وقاله السدي، وقال ابن زيد: الكلمة: الإسلام، وهو قوله: ﴿أَسْلَمْتُ لِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ﴾ [البقرة: ١٣١]. وقال: ﴿هُوَ سَمَّاكُمُ ٱلْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ﴾ [الحج: ٧٨]، وقال: ﴿وَٱجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَآ أُمَّةً مُّسْلِمَةً﴾ [البقرة: ١٢٨]. والضمير في قوله: ﴿وَجَعَلَهَا﴾ عائد على قوله: ﴿إِلاَّ ٱلَّذِي فَطَرَنِي﴾ وضمير الفاعل يعود على الله جل ذكره، أي: وجعلها الله سبحانه كلمة باقية في عقب إبراهيم، فلا يزال من ولد إبراهيم من يوحد الله. وقيل: الضمير المرفوع يعود على إبراهيم، أي: وجعل إبراهيم الكلمة باقية في عقبه، أي: عرفهم التوحيد والبراءة من كل معبود سوى الله وأوصاهم به، وهو قوله: ﴿وَوَصَّىٰ بِهَآ إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ...﴾ [البقرة: ١٣٢] الآية. فتوارثوا ذلك فلا يزال من ذريته موحد لله. ويقال عَقِبُ وعقب، بمعنى واحد. والعَقِبُ هنا: الولد في قول مجاهد. وقال ابن عباس: العقب هنا من يأتي بعده. وقال السدي: في عقب إبراهيم: آل محمد ﷺ. وقال ابن شهاب: العقب: "الولد، وولد الولد". وقال ابن زيد: "عقبه: ذريته". * * وقوله: ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾، معناه يرجعون إلى طاعة ربهم ويتوبون إليه. ﴿قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَآءٌ مِّمَّا تَعْبُدُونَ * إِلاَّ ٱلَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ * وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾، أي: قال لهم ذلك لعلهم يتوبون عن عبادة غير الله. ففي الكلام تقديم وتأخير. * * ثم قال تعالى: ﴿بَلْ مَتَّعْتُ هَـٰؤُلاَءِ وَآبَآءَهُمْ حَتَّىٰ جَآءَهُمُ ٱلْحَقُّ وَرَسُولٌ مُّبِينٌ﴾، أي: بل متعت يا محمد هؤلاء المشركين من قومك وَمَتَّعْتُ آباءهم من قبلهم بالحياة ولم أعاجلهم (بالعقوبة على كفرهم حتى جاءهم الحق، يعني: القرآن، ورسول مبين، يعني: محمد ﷺ، لم أعاجلهم)، بالعذاب حتى أنزلت عليهم كتاباً وبعثت فيهم رسولاً يعرفونه، يبين لهم الحجج والبراهين ويبلغ اليهم ما أرسل به. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَمَّا جَآءَهُمُ ٱلْحَقُّ قَالُواْ هَـٰذَا سِحْرٌ وَإِنَّا بِهِ كَافِرُونَ﴾، أي: ولما جاء هؤلاء المشركين القرآن إعذاراً وإنذاراً، ورسول منهم يبين ما أرسل به ويبلغه إليهم، قالوا: هذا الذي جاءنا به سحر، وليس بوحي من عند الله، وقالوا إنا به جاحدون، أي: ننكر أن يكون من عند الله. * * ثم قال تعالى: ﴿وَقَالُواْ لَوْلاَ نُزِّلَ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ ٱلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾، أي: وقال مشركو قريش هلا نزل هذا القرآن الذي جاءنا به محمد على رجل من القريتين، (أي: القريتين، ثم) حذف، مثل: ﴿وَسْئَلِ ٱلْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢]، يعنون الوليد بن المغيرة المخزومي من أهل مكة، وحبيب بن عمرو الثقفي من أهل الطائف، قاله ابن عباس. وقيل: التقدير: من إحدى القريتين، ثم حذف. وقال مجاهد: هما: عتبة بن ربيعة من مكة، وابن عبد ياليل من الطائف. وقال قتادة: هما: الوليد بن المغيرة من أهل مكة و (عتبة بن مسعود من أهل الطائف. وقيل هو) عروة بن مسعود من أهل الطائف، والوليد بن المغيرة من أهل مكة، قاله ابن زيد. وقال السدي: هما الوليد بن المغيرة من أهل مكة، وكنانة (ابن عبد بن عمرو بن) عمير من أهل الطائف. وعن مجاهد أنهما: عتبة بن ربيعة من أهل مكة، وأبو مسعود الثقفي من أهل الطائف، واسم أبي مسعود (عمير بن عمر) بن مسعود. وقيل: هما الوليد بن المغيرة من أهل مكة، وأبو سعيد عمر بن عمير الثقفي سيد ثقيف. * * ثم قال تعالى: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ﴾ (أي: أهؤلاء القائلون هلا نزل القرآن على أحد رجلي القريتين يقسمون رحمة ربك) يا محمد بين خلقه، فيجعلون إكرامه لمن شاءوا، وعند من أرادوا، بل الله يقسم ذلك فيعطيه من أراد، ويحرمه من شاء. قال ابن عباس: لما بعث الله جل ذكره محمداً ﷺ أنكرت العرب ذلك، وقالوا: الله أعظم من أن يكون رسوله بشراً مثل محمد، فأنزل الله جل ذكره: ﴿أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَباً أَنْ أَوْحَيْنَآ إِلَىٰ رَجُلٍ مِّنْهُمْ أَنْ أَنذِرِ ٱلنَّاسَ﴾ [يونس: ٢] وقال: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِيۤ إِلَيْهِمْ فَٱسْأَلُواْ أَهْلَ ٱلذِّكْرِ﴾ [النحل: ٤٣]، يعني: أهل الكتب الماضية فيخبرونكم أن الرسل التي كانت تأتي، بشر مثلكم، فلا يجب لكم أن تنكروا إرسال مثل محمد إليكم، إذ هو بشر مثلكم. وقال: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِيۤ إِلَيْهِمْ مِّنْ أَهْلِ ٱلْقُرَىٰ﴾ [يوسف: ١٠٩]، أي ليسوا من أهل السماء كما قلتم فال: فلما كرر (عليهم تعالى) الحُجَجَ، قالوا: فإن كان بشراً فغير محمد أحق بالرسالة فلولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم، أي: كل واحد منهما أشرف من محمد في المال والذكر، يعنون: الوليد بن المغيرة المخزومي - وكان يسمى ريحانة قريش - من أهل مكة، ومسعود بن عمرو بن عبيد الثقفي من أهل الطائف، فقال الله: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ﴾، أي: ربك يا محمد يفعل ما يشاء. قال تعالى: ﴿نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَّعِيشَتَهُمْ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا﴾، أي: نحن نقسم الرحمة بين من شئنا من خلقنا فنجعل من شئنا نبياً، ومن شئنا مؤمناً، ومن شئنا كافراً، كما قسمنا بينهم معيشتهم التي يعيشون فيها في دنياهم، فجعلنا بعضهم أرفع من بعض، فوسعنا على بعض وضيقنا على بعض، وجعلنا بعضهم ملوكاً وبعضهم مملوكين. ﴿لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضاً سُخْرِيّاً﴾، أي: جعلنا بعضهم حراً وبعضهم مملوكاً، وبعضهم غنياً وبعضهم فقيراً ليستخدم بعضهم بعضاً بأجرة وقد كانوا بني آدم كلهم. وقيل: إنها مخصومة في المماليك، روى ذلك عن ابن عباس، أي: فضل بعضهم على بعض فجعل بعضهم مالكاً وبعضهم مملوكاً. * * ثم قال تعالى: ﴿وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ﴾، يعني: الجنة خير مما يجمعون في دنياهم من الأموال.

الزخرف 43:33

قوله تعالى: ﴿وَلَوْلاَ أَن يَكُونَ ٱلنَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ - إلى قوله - ﴿فَبِئْسَ ٱلْقَرِينُ﴾، أي: ولولا أن يكون الناس كلهم (كفاراً) لجعل الله لبيوت من يكفر سقفاً من فضة، ولكن لم يفعل ذلك ليكون في الخلق مؤمنون وكافرون على ما تقدم في علم الله عز وجل وتقديره فيهم. وقيل: المعنى: لولا أن يميل الناس كلهم إلى طلب الدنيا ورفض الآخرة لجعل الله لبيت الكافر سقفا من فضة، ومن وحد السقف فعلى إرادة الجمع. يدل الواحد على الجمع كما نقول: زيد كثير (الدرهم والدينار) وكثير الشاة والبعير. فيرد الواحد على الجنس كله. وقيل: المعنى عند من وحد: لجعلنا لبيت كل من كفر بالرحمن سقفاً. فوحد على المعنى. وقيل: المعنى: لولا ما قدرنا من اختلاف الأرزاق في الناس فيكون في المؤمنين غني وفقير، وفي الكافرين مثل ذلك لجعلنا من يكفر بالرحمن أغنياء كلهم. ففي هذا الفعل تنبيه على تحقير الدنيا وتصغير ما فيها. ومن قرأ بالجمع فإنه حمل على اللفظ، فجمع السقف لجمع البيوت، وجمع السرر والأبواب، وهو جمع سقيفة، كقطيفة وقُطُف. وقيل: هو جمع الجمع، كأنه جمع "سقْفاً" على "سُقُوف". كفَلْس وفُلُوس. ثم جمع سقوفاً على سُقُف كحمار وحُمُر. وقال أبو عبيدة: (سُقُف جمع كرُهُن ورَهْن، ورُهُن عند أكثر النحويين إنما هو جمع رِهَان، ورهان جمع رَهْن فرُهُن أيضاً، جمعُ جمعٍ. وجعل الله السقوف للبيوت كما جعل الأبواب للبيوت. فهو يدل على أن السقف لاَ حَقَّ لِرَبِّ العلو فيه، وهو قول مالك وأصحابه. وتحقيق المعنى في الآية أن الله جل ذكره أراد تهوين أمر الدنيا وأنها لا قيمة لها، فقال: لولا أن يميل الناس كلهم إلى الدنيا ويتركوا الآخرة لأعطينا الكافر من الدنيا أفضل مراده، وذلك لهوان الدنيا عليه، إذ هي شيء زائل مضمحل. وقال الكسائي: معناها لولا إرادتنا أن يكون في الكفار غني وفقير، وفي المسلمين مثل ذلك لأعطينا الكفار من الدنيا أن نجعل سقوف بيوتهم من فضة وذلك لهوان الدنيا عند الله، وقال الفراء: لبيوتهم: على بيوتهم. قال الشعبي: سُقُفاً من فضة، أي: جذوعاً. ومعارج، أي: دُرُجاً من فضة. عليها يظهرون، أي: يصعدون على السُّقُفِ والغُرَفِ. وقال ابن زيد وغيره: المعارج: درج من فضة. * * وقوله: ﴿وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَاباً﴾، يعني: من فضة. ﴿وَسُرُراً﴾، أي: من فضة عليها يتكئون، قاله ابن زيد وغيره. * * وقوله: ﴿وَزُخْرُفاً﴾، أي: ولجعلنا لهم مع ذلك زخرفاً، يعني: الذهب، قاله ابن عباس والحسن وقتادة والسدي والضحاك وقال ابن زيد: الزخرف: ما يتخذه الناس في منازلهم من الفرش والأمتعة والأثاث. وقال مجاهد: كنت لا أدري ما الزخرف حتى وجدته في قراءة عبد الله ذهباً. والزخرف في اللغة: الزينة، يقال: زخرف داره، أي: زينها. والتقدير في الآية عند من جعل الزخرف الذهب: لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفاً من فضة ومن زخرف. ثم حذف "من" فنصب الزخرف. قال الطبري: لو كانت القراءة في الزخرف بالخفض لكان حسناً على معنى: من فضة ومن زخرف. وقيل التقدير: وجعلنا لهم زخرفاً - بغير حذف حرف خفض - وهو أقوى وأحسن. والمعارج: الدرج، وجمعت على مفاعل وواحدها معراج، وكان حقها معاريج بالياء، كمناديل جمع منديل، لكنها جمعت على الواحد معرج وهي لغة، يقول: (مَعْرَجٌ وَمِعْرَاجٌ) كَمَفْتَح ومِفْتَاح. ولذلك تقول في جمع مفْتَح: (مَفَاتِح، وإن شئت)، مفاتيح على جمع مِفْتَاح. * * ثم قال تعالى: ﴿وَإِن كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا﴾ هذا تقليل وتصغير لأمر الدنيا، إذ هي زائلة عن قليل، ولا خير في شيء لا يدوم. والمعنى: وما كل ما تقدم ذكره من (الفضة والذهب) والسرر إلا مسافة متاع يستمتع به أهل الدنيا في دنياهم. ﴿وَٱلآخِرَةُ عِندَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾، أي: وزينة الآخرة ونعيمها خير عند ربك لمن اتقاه فَجَدَّ في طَاعَتِهِ وَتَجَنَّبَ مَعَاصيَه. والمعنى: وثواب الآخرة وجزاء الآخرة خير عند ربك للمتقين. واللام (من و "لما") عند الكوفيين بمعنى إلا، وهي لام التوكيد عند البصريين. و "ما". زائدة، وقيل: هي بمعنى: "شيء". ثم قال تعالى: جل ذكره: ﴿وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ ٱلرَّحْمَـٰنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾، أي: ومن يعرض عن الإيمان بما أنزل الله عز وجل من كتابه. هذا قول قتادة، وهو قول الفراء، وقال المبرد: "يَعشُ: يتعامى". ومنه قول الشاعر: ؎ متى تأتِهِ تعْشو إلى ضوء ناره ∗∗∗ (تَجِدْ خَيْرَ نَارٍ عِنْدَهَا خَيْرٌ مُوقِدِ) وقيل: معنى (يَعْشُ: يَعْمَ)، روي ذلك عن ابن عباس. ولا يصح على هذا المعنى (إلا بفتح) الشين. يقال: عشى يعشى عشى، إذ قرب من العمى. والأعشى: الذي قد ركب بصره ضُعْفٌ وظُلْمةٌ. ومنه يقال: جاء فلان إلى فلان يعشو، إذا جاءه ليلا لما يركب بصره من الظلمة. وعلى ذلك أيضاً يتأول قول الشاعر. ؎ مَتَى تَأْتِهِ تَعْشُو إلى ضَوْءِ نارِهِ ∗∗∗ (تَجِدْ خَيْرَ نَارٍ عِنْدَهَا خَيْرٌ مُوقِدِ) أي: متى تأتيه ليلاً. وحكى بعض أهل اللغة: عشى عن ذكر الله، إذا لم ينتفع به، كما أن الأعشى لا ينتفع بكل بصره في الضوء. ويقال: عشى يعشى، إذا صار أعشى. وعشا يعشو إذا لحقه ما يلحق الأعشى، وهو من ذوات الواو لقولهم: امرأة عشواء. فالياء هي عشى منقلبة من واو. ولذلك قال النحويون: العشا في البصر يكتب بالألف. فتحقيق معنى الآية: ومن لا ينظر في حجج الله عز وجل وأدلته ييسر الله له شيطاناً، فهو له قرين. قال قتادة: إذا أعرض عن ذكر الله سبحانه يقيض له الله عز وجل قريناً من الشياطين. قال السدي: ومن يعش: من يُعْرِض. وقال ابن عباس وابن زيد: ومن يعش: يعم. * * ثم قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ ٱلسَّبِيلِ﴾، أي: وإن الشياطين ليصدون هؤلاء الذين يعرضون عن ذكر الله سبحانه فيحببون لهم الضلالة، ويحسب هؤلاء الكفار الضالون أنهم على هدى في قبولهم ما تأمرهم به الشياطين. * * ثم قال: ﴿حَتَّىٰ إِذَا جَآءَنَا﴾، يعني: الكافر وقرينه من الشياطين. ومن وَحَّدّ "جاء" أراد الكافر وحده، وقد علم أن شيطانه ملازم له فاستغنى عن ذكره. * * ثم قال تعالى: ﴿يٰلَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ ٱلْمَشْرِقَيْنِ﴾، أي: حتى إذا جاء الكافر وقرينه من الشياطين: قال الكافر للشيطان حين أورده النار: يا ليت بيني وبينك بعد المشرقين، يعني مشرق الشتاء ومشرق الصيف. وقيل: عنى بذلك المشرق والمغرب، وثنى بلفظ ("مشرق" كما) قيل: سيرة العمرين في أبي بكر وعمر. قال الله جل ثناؤه: ﴿فَبِئْسَ ٱلْقَرِينُ﴾، أي: فبيس الشيطان قريناً لمن قارنه لأنه يورده إلى النار.

الزخرف 43:34

قوله تعالى: ﴿وَلَوْلاَ أَن يَكُونَ ٱلنَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ - إلى قوله - ﴿فَبِئْسَ ٱلْقَرِينُ﴾، أي: ولولا أن يكون الناس كلهم (كفاراً) لجعل الله لبيوت من يكفر سقفاً من فضة، ولكن لم يفعل ذلك ليكون في الخلق مؤمنون وكافرون على ما تقدم في علم الله عز وجل وتقديره فيهم. وقيل: المعنى: لولا أن يميل الناس كلهم إلى طلب الدنيا ورفض الآخرة لجعل الله لبيت الكافر سقفا من فضة، ومن وحد السقف فعلى إرادة الجمع. يدل الواحد على الجمع كما نقول: زيد كثير (الدرهم والدينار) وكثير الشاة والبعير. فيرد الواحد على الجنس كله. وقيل: المعنى عند من وحد: لجعلنا لبيت كل من كفر بالرحمن سقفاً. فوحد على المعنى. وقيل: المعنى: لولا ما قدرنا من اختلاف الأرزاق في الناس فيكون في المؤمنين غني وفقير، وفي الكافرين مثل ذلك لجعلنا من يكفر بالرحمن أغنياء كلهم. ففي هذا الفعل تنبيه على تحقير الدنيا وتصغير ما فيها. ومن قرأ بالجمع فإنه حمل على اللفظ، فجمع السقف لجمع البيوت، وجمع السرر والأبواب، وهو جمع سقيفة، كقطيفة وقُطُف. وقيل: هو جمع الجمع، كأنه جمع "سقْفاً" على "سُقُوف". كفَلْس وفُلُوس. ثم جمع سقوفاً على سُقُف كحمار وحُمُر. وقال أبو عبيدة: (سُقُف جمع كرُهُن ورَهْن، ورُهُن عند أكثر النحويين إنما هو جمع رِهَان، ورهان جمع رَهْن فرُهُن أيضاً، جمعُ جمعٍ. وجعل الله السقوف للبيوت كما جعل الأبواب للبيوت. فهو يدل على أن السقف لاَ حَقَّ لِرَبِّ العلو فيه، وهو قول مالك وأصحابه. وتحقيق المعنى في الآية أن الله جل ذكره أراد تهوين أمر الدنيا وأنها لا قيمة لها، فقال: لولا أن يميل الناس كلهم إلى الدنيا ويتركوا الآخرة لأعطينا الكافر من الدنيا أفضل مراده، وذلك لهوان الدنيا عليه، إذ هي شيء زائل مضمحل. وقال الكسائي: معناها لولا إرادتنا أن يكون في الكفار غني وفقير، وفي المسلمين مثل ذلك لأعطينا الكفار من الدنيا أن نجعل سقوف بيوتهم من فضة وذلك لهوان الدنيا عند الله، وقال الفراء: لبيوتهم: على بيوتهم. قال الشعبي: سُقُفاً من فضة، أي: جذوعاً. ومعارج، أي: دُرُجاً من فضة. عليها يظهرون، أي: يصعدون على السُّقُفِ والغُرَفِ. وقال ابن زيد وغيره: المعارج: درج من فضة. * * وقوله: ﴿وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَاباً﴾، يعني: من فضة. ﴿وَسُرُراً﴾، أي: من فضة عليها يتكئون، قاله ابن زيد وغيره. * * وقوله: ﴿وَزُخْرُفاً﴾، أي: ولجعلنا لهم مع ذلك زخرفاً، يعني: الذهب، قاله ابن عباس والحسن وقتادة والسدي والضحاك وقال ابن زيد: الزخرف: ما يتخذه الناس في منازلهم من الفرش والأمتعة والأثاث. وقال مجاهد: كنت لا أدري ما الزخرف حتى وجدته في قراءة عبد الله ذهباً. والزخرف في اللغة: الزينة، يقال: زخرف داره، أي: زينها. والتقدير في الآية عند من جعل الزخرف الذهب: لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفاً من فضة ومن زخرف. ثم حذف "من" فنصب الزخرف. قال الطبري: لو كانت القراءة في الزخرف بالخفض لكان حسناً على معنى: من فضة ومن زخرف. وقيل التقدير: وجعلنا لهم زخرفاً - بغير حذف حرف خفض - وهو أقوى وأحسن. والمعارج: الدرج، وجمعت على مفاعل وواحدها معراج، وكان حقها معاريج بالياء، كمناديل جمع منديل، لكنها جمعت على الواحد معرج وهي لغة، يقول: (مَعْرَجٌ وَمِعْرَاجٌ) كَمَفْتَح ومِفْتَاح. ولذلك تقول في جمع مفْتَح: (مَفَاتِح، وإن شئت)، مفاتيح على جمع مِفْتَاح. * * ثم قال تعالى: ﴿وَإِن كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا﴾ هذا تقليل وتصغير لأمر الدنيا، إذ هي زائلة عن قليل، ولا خير في شيء لا يدوم. والمعنى: وما كل ما تقدم ذكره من (الفضة والذهب) والسرر إلا مسافة متاع يستمتع به أهل الدنيا في دنياهم. ﴿وَٱلآخِرَةُ عِندَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾، أي: وزينة الآخرة ونعيمها خير عند ربك لمن اتقاه فَجَدَّ في طَاعَتِهِ وَتَجَنَّبَ مَعَاصيَه. والمعنى: وثواب الآخرة وجزاء الآخرة خير عند ربك للمتقين. واللام (من و "لما") عند الكوفيين بمعنى إلا، وهي لام التوكيد عند البصريين. و "ما". زائدة، وقيل: هي بمعنى: "شيء". ثم قال تعالى: جل ذكره: ﴿وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ ٱلرَّحْمَـٰنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾، أي: ومن يعرض عن الإيمان بما أنزل الله عز وجل من كتابه. هذا قول قتادة، وهو قول الفراء، وقال المبرد: "يَعشُ: يتعامى". ومنه قول الشاعر: ؎ متى تأتِهِ تعْشو إلى ضوء ناره ∗∗∗ (تَجِدْ خَيْرَ نَارٍ عِنْدَهَا خَيْرٌ مُوقِدِ) وقيل: معنى (يَعْشُ: يَعْمَ)، روي ذلك عن ابن عباس. ولا يصح على هذا المعنى (إلا بفتح) الشين. يقال: عشى يعشى عشى، إذ قرب من العمى. والأعشى: الذي قد ركب بصره ضُعْفٌ وظُلْمةٌ. ومنه يقال: جاء فلان إلى فلان يعشو، إذا جاءه ليلا لما يركب بصره من الظلمة. وعلى ذلك أيضاً يتأول قول الشاعر. ؎ مَتَى تَأْتِهِ تَعْشُو إلى ضَوْءِ نارِهِ ∗∗∗ (تَجِدْ خَيْرَ نَارٍ عِنْدَهَا خَيْرٌ مُوقِدِ) أي: متى تأتيه ليلاً. وحكى بعض أهل اللغة: عشى عن ذكر الله، إذا لم ينتفع به، كما أن الأعشى لا ينتفع بكل بصره في الضوء. ويقال: عشى يعشى، إذا صار أعشى. وعشا يعشو إذا لحقه ما يلحق الأعشى، وهو من ذوات الواو لقولهم: امرأة عشواء. فالياء هي عشى منقلبة من واو. ولذلك قال النحويون: العشا في البصر يكتب بالألف. فتحقيق معنى الآية: ومن لا ينظر في حجج الله عز وجل وأدلته ييسر الله له شيطاناً، فهو له قرين. قال قتادة: إذا أعرض عن ذكر الله سبحانه يقيض له الله عز وجل قريناً من الشياطين. قال السدي: ومن يعش: من يُعْرِض. وقال ابن عباس وابن زيد: ومن يعش: يعم. * * ثم قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ ٱلسَّبِيلِ﴾، أي: وإن الشياطين ليصدون هؤلاء الذين يعرضون عن ذكر الله سبحانه فيحببون لهم الضلالة، ويحسب هؤلاء الكفار الضالون أنهم على هدى في قبولهم ما تأمرهم به الشياطين. * * ثم قال: ﴿حَتَّىٰ إِذَا جَآءَنَا﴾، يعني: الكافر وقرينه من الشياطين. ومن وَحَّدّ "جاء" أراد الكافر وحده، وقد علم أن شيطانه ملازم له فاستغنى عن ذكره. * * ثم قال تعالى: ﴿يٰلَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ ٱلْمَشْرِقَيْنِ﴾، أي: حتى إذا جاء الكافر وقرينه من الشياطين: قال الكافر للشيطان حين أورده النار: يا ليت بيني وبينك بعد المشرقين، يعني مشرق الشتاء ومشرق الصيف. وقيل: عنى بذلك المشرق والمغرب، وثنى بلفظ ("مشرق" كما) قيل: سيرة العمرين في أبي بكر وعمر. قال الله جل ثناؤه: ﴿فَبِئْسَ ٱلْقَرِينُ﴾، أي: فبيس الشيطان قريناً لمن قارنه لأنه يورده إلى النار.

الزخرف 43:35

قوله تعالى: ﴿وَلَوْلاَ أَن يَكُونَ ٱلنَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ - إلى قوله - ﴿فَبِئْسَ ٱلْقَرِينُ﴾، أي: ولولا أن يكون الناس كلهم (كفاراً) لجعل الله لبيوت من يكفر سقفاً من فضة، ولكن لم يفعل ذلك ليكون في الخلق مؤمنون وكافرون على ما تقدم في علم الله عز وجل وتقديره فيهم. وقيل: المعنى: لولا أن يميل الناس كلهم إلى طلب الدنيا ورفض الآخرة لجعل الله لبيت الكافر سقفا من فضة، ومن وحد السقف فعلى إرادة الجمع. يدل الواحد على الجمع كما نقول: زيد كثير (الدرهم والدينار) وكثير الشاة والبعير. فيرد الواحد على الجنس كله. وقيل: المعنى عند من وحد: لجعلنا لبيت كل من كفر بالرحمن سقفاً. فوحد على المعنى. وقيل: المعنى: لولا ما قدرنا من اختلاف الأرزاق في الناس فيكون في المؤمنين غني وفقير، وفي الكافرين مثل ذلك لجعلنا من يكفر بالرحمن أغنياء كلهم. ففي هذا الفعل تنبيه على تحقير الدنيا وتصغير ما فيها. ومن قرأ بالجمع فإنه حمل على اللفظ، فجمع السقف لجمع البيوت، وجمع السرر والأبواب، وهو جمع سقيفة، كقطيفة وقُطُف. وقيل: هو جمع الجمع، كأنه جمع "سقْفاً" على "سُقُوف". كفَلْس وفُلُوس. ثم جمع سقوفاً على سُقُف كحمار وحُمُر. وقال أبو عبيدة: (سُقُف جمع كرُهُن ورَهْن، ورُهُن عند أكثر النحويين إنما هو جمع رِهَان، ورهان جمع رَهْن فرُهُن أيضاً، جمعُ جمعٍ. وجعل الله السقوف للبيوت كما جعل الأبواب للبيوت. فهو يدل على أن السقف لاَ حَقَّ لِرَبِّ العلو فيه، وهو قول مالك وأصحابه. وتحقيق المعنى في الآية أن الله جل ذكره أراد تهوين أمر الدنيا وأنها لا قيمة لها، فقال: لولا أن يميل الناس كلهم إلى الدنيا ويتركوا الآخرة لأعطينا الكافر من الدنيا أفضل مراده، وذلك لهوان الدنيا عليه، إذ هي شيء زائل مضمحل. وقال الكسائي: معناها لولا إرادتنا أن يكون في الكفار غني وفقير، وفي المسلمين مثل ذلك لأعطينا الكفار من الدنيا أن نجعل سقوف بيوتهم من فضة وذلك لهوان الدنيا عند الله، وقال الفراء: لبيوتهم: على بيوتهم. قال الشعبي: سُقُفاً من فضة، أي: جذوعاً. ومعارج، أي: دُرُجاً من فضة. عليها يظهرون، أي: يصعدون على السُّقُفِ والغُرَفِ. وقال ابن زيد وغيره: المعارج: درج من فضة. * * وقوله: ﴿وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَاباً﴾، يعني: من فضة. ﴿وَسُرُراً﴾، أي: من فضة عليها يتكئون، قاله ابن زيد وغيره. * * وقوله: ﴿وَزُخْرُفاً﴾، أي: ولجعلنا لهم مع ذلك زخرفاً، يعني: الذهب، قاله ابن عباس والحسن وقتادة والسدي والضحاك وقال ابن زيد: الزخرف: ما يتخذه الناس في منازلهم من الفرش والأمتعة والأثاث. وقال مجاهد: كنت لا أدري ما الزخرف حتى وجدته في قراءة عبد الله ذهباً. والزخرف في اللغة: الزينة، يقال: زخرف داره، أي: زينها. والتقدير في الآية عند من جعل الزخرف الذهب: لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفاً من فضة ومن زخرف. ثم حذف "من" فنصب الزخرف. قال الطبري: لو كانت القراءة في الزخرف بالخفض لكان حسناً على معنى: من فضة ومن زخرف. وقيل التقدير: وجعلنا لهم زخرفاً - بغير حذف حرف خفض - وهو أقوى وأحسن. والمعارج: الدرج، وجمعت على مفاعل وواحدها معراج، وكان حقها معاريج بالياء، كمناديل جمع منديل، لكنها جمعت على الواحد معرج وهي لغة، يقول: (مَعْرَجٌ وَمِعْرَاجٌ) كَمَفْتَح ومِفْتَاح. ولذلك تقول في جمع مفْتَح: (مَفَاتِح، وإن شئت)، مفاتيح على جمع مِفْتَاح. * * ثم قال تعالى: ﴿وَإِن كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا﴾ هذا تقليل وتصغير لأمر الدنيا، إذ هي زائلة عن قليل، ولا خير في شيء لا يدوم. والمعنى: وما كل ما تقدم ذكره من (الفضة والذهب) والسرر إلا مسافة متاع يستمتع به أهل الدنيا في دنياهم. ﴿وَٱلآخِرَةُ عِندَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾، أي: وزينة الآخرة ونعيمها خير عند ربك لمن اتقاه فَجَدَّ في طَاعَتِهِ وَتَجَنَّبَ مَعَاصيَه. والمعنى: وثواب الآخرة وجزاء الآخرة خير عند ربك للمتقين. واللام (من و "لما") عند الكوفيين بمعنى إلا، وهي لام التوكيد عند البصريين. و "ما". زائدة، وقيل: هي بمعنى: "شيء". ثم قال تعالى: جل ذكره: ﴿وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ ٱلرَّحْمَـٰنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾، أي: ومن يعرض عن الإيمان بما أنزل الله عز وجل من كتابه. هذا قول قتادة، وهو قول الفراء، وقال المبرد: "يَعشُ: يتعامى". ومنه قول الشاعر: ؎ متى تأتِهِ تعْشو إلى ضوء ناره ∗∗∗ (تَجِدْ خَيْرَ نَارٍ عِنْدَهَا خَيْرٌ مُوقِدِ) وقيل: معنى (يَعْشُ: يَعْمَ)، روي ذلك عن ابن عباس. ولا يصح على هذا المعنى (إلا بفتح) الشين. يقال: عشى يعشى عشى، إذ قرب من العمى. والأعشى: الذي قد ركب بصره ضُعْفٌ وظُلْمةٌ. ومنه يقال: جاء فلان إلى فلان يعشو، إذا جاءه ليلا لما يركب بصره من الظلمة. وعلى ذلك أيضاً يتأول قول الشاعر. ؎ مَتَى تَأْتِهِ تَعْشُو إلى ضَوْءِ نارِهِ ∗∗∗ (تَجِدْ خَيْرَ نَارٍ عِنْدَهَا خَيْرٌ مُوقِدِ) أي: متى تأتيه ليلاً. وحكى بعض أهل اللغة: عشى عن ذكر الله، إذا لم ينتفع به، كما أن الأعشى لا ينتفع بكل بصره في الضوء. ويقال: عشى يعشى، إذا صار أعشى. وعشا يعشو إذا لحقه ما يلحق الأعشى، وهو من ذوات الواو لقولهم: امرأة عشواء. فالياء هي عشى منقلبة من واو. ولذلك قال النحويون: العشا في البصر يكتب بالألف. فتحقيق معنى الآية: ومن لا ينظر في حجج الله عز وجل وأدلته ييسر الله له شيطاناً، فهو له قرين. قال قتادة: إذا أعرض عن ذكر الله سبحانه يقيض له الله عز وجل قريناً من الشياطين. قال السدي: ومن يعش: من يُعْرِض. وقال ابن عباس وابن زيد: ومن يعش: يعم. * * ثم قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ ٱلسَّبِيلِ﴾، أي: وإن الشياطين ليصدون هؤلاء الذين يعرضون عن ذكر الله سبحانه فيحببون لهم الضلالة، ويحسب هؤلاء الكفار الضالون أنهم على هدى في قبولهم ما تأمرهم به الشياطين. * * ثم قال: ﴿حَتَّىٰ إِذَا جَآءَنَا﴾، يعني: الكافر وقرينه من الشياطين. ومن وَحَّدّ "جاء" أراد الكافر وحده، وقد علم أن شيطانه ملازم له فاستغنى عن ذكره. * * ثم قال تعالى: ﴿يٰلَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ ٱلْمَشْرِقَيْنِ﴾، أي: حتى إذا جاء الكافر وقرينه من الشياطين: قال الكافر للشيطان حين أورده النار: يا ليت بيني وبينك بعد المشرقين، يعني مشرق الشتاء ومشرق الصيف. وقيل: عنى بذلك المشرق والمغرب، وثنى بلفظ ("مشرق" كما) قيل: سيرة العمرين في أبي بكر وعمر. قال الله جل ثناؤه: ﴿فَبِئْسَ ٱلْقَرِينُ﴾، أي: فبيس الشيطان قريناً لمن قارنه لأنه يورده إلى النار.

الزخرف 43:36

قوله تعالى: ﴿وَلَوْلاَ أَن يَكُونَ ٱلنَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ - إلى قوله - ﴿فَبِئْسَ ٱلْقَرِينُ﴾، أي: ولولا أن يكون الناس كلهم (كفاراً) لجعل الله لبيوت من يكفر سقفاً من فضة، ولكن لم يفعل ذلك ليكون في الخلق مؤمنون وكافرون على ما تقدم في علم الله عز وجل وتقديره فيهم. وقيل: المعنى: لولا أن يميل الناس كلهم إلى طلب الدنيا ورفض الآخرة لجعل الله لبيت الكافر سقفا من فضة، ومن وحد السقف فعلى إرادة الجمع. يدل الواحد على الجمع كما نقول: زيد كثير (الدرهم والدينار) وكثير الشاة والبعير. فيرد الواحد على الجنس كله. وقيل: المعنى عند من وحد: لجعلنا لبيت كل من كفر بالرحمن سقفاً. فوحد على المعنى. وقيل: المعنى: لولا ما قدرنا من اختلاف الأرزاق في الناس فيكون في المؤمنين غني وفقير، وفي الكافرين مثل ذلك لجعلنا من يكفر بالرحمن أغنياء كلهم. ففي هذا الفعل تنبيه على تحقير الدنيا وتصغير ما فيها. ومن قرأ بالجمع فإنه حمل على اللفظ، فجمع السقف لجمع البيوت، وجمع السرر والأبواب، وهو جمع سقيفة، كقطيفة وقُطُف. وقيل: هو جمع الجمع، كأنه جمع "سقْفاً" على "سُقُوف". كفَلْس وفُلُوس. ثم جمع سقوفاً على سُقُف كحمار وحُمُر. وقال أبو عبيدة: (سُقُف جمع كرُهُن ورَهْن، ورُهُن عند أكثر النحويين إنما هو جمع رِهَان، ورهان جمع رَهْن فرُهُن أيضاً، جمعُ جمعٍ. وجعل الله السقوف للبيوت كما جعل الأبواب للبيوت. فهو يدل على أن السقف لاَ حَقَّ لِرَبِّ العلو فيه، وهو قول مالك وأصحابه. وتحقيق المعنى في الآية أن الله جل ذكره أراد تهوين أمر الدنيا وأنها لا قيمة لها، فقال: لولا أن يميل الناس كلهم إلى الدنيا ويتركوا الآخرة لأعطينا الكافر من الدنيا أفضل مراده، وذلك لهوان الدنيا عليه، إذ هي شيء زائل مضمحل. وقال الكسائي: معناها لولا إرادتنا أن يكون في الكفار غني وفقير، وفي المسلمين مثل ذلك لأعطينا الكفار من الدنيا أن نجعل سقوف بيوتهم من فضة وذلك لهوان الدنيا عند الله، وقال الفراء: لبيوتهم: على بيوتهم. قال الشعبي: سُقُفاً من فضة، أي: جذوعاً. ومعارج، أي: دُرُجاً من فضة. عليها يظهرون، أي: يصعدون على السُّقُفِ والغُرَفِ. وقال ابن زيد وغيره: المعارج: درج من فضة. * * وقوله: ﴿وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَاباً﴾، يعني: من فضة. ﴿وَسُرُراً﴾، أي: من فضة عليها يتكئون، قاله ابن زيد وغيره. * * وقوله: ﴿وَزُخْرُفاً﴾، أي: ولجعلنا لهم مع ذلك زخرفاً، يعني: الذهب، قاله ابن عباس والحسن وقتادة والسدي والضحاك وقال ابن زيد: الزخرف: ما يتخذه الناس في منازلهم من الفرش والأمتعة والأثاث. وقال مجاهد: كنت لا أدري ما الزخرف حتى وجدته في قراءة عبد الله ذهباً. والزخرف في اللغة: الزينة، يقال: زخرف داره، أي: زينها. والتقدير في الآية عند من جعل الزخرف الذهب: لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفاً من فضة ومن زخرف. ثم حذف "من" فنصب الزخرف. قال الطبري: لو كانت القراءة في الزخرف بالخفض لكان حسناً على معنى: من فضة ومن زخرف. وقيل التقدير: وجعلنا لهم زخرفاً - بغير حذف حرف خفض - وهو أقوى وأحسن. والمعارج: الدرج، وجمعت على مفاعل وواحدها معراج، وكان حقها معاريج بالياء، كمناديل جمع منديل، لكنها جمعت على الواحد معرج وهي لغة، يقول: (مَعْرَجٌ وَمِعْرَاجٌ) كَمَفْتَح ومِفْتَاح. ولذلك تقول في جمع مفْتَح: (مَفَاتِح، وإن شئت)، مفاتيح على جمع مِفْتَاح. * * ثم قال تعالى: ﴿وَإِن كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا﴾ هذا تقليل وتصغير لأمر الدنيا، إذ هي زائلة عن قليل، ولا خير في شيء لا يدوم. والمعنى: وما كل ما تقدم ذكره من (الفضة والذهب) والسرر إلا مسافة متاع يستمتع به أهل الدنيا في دنياهم. ﴿وَٱلآخِرَةُ عِندَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾، أي: وزينة الآخرة ونعيمها خير عند ربك لمن اتقاه فَجَدَّ في طَاعَتِهِ وَتَجَنَّبَ مَعَاصيَه. والمعنى: وثواب الآخرة وجزاء الآخرة خير عند ربك للمتقين. واللام (من و "لما") عند الكوفيين بمعنى إلا، وهي لام التوكيد عند البصريين. و "ما". زائدة، وقيل: هي بمعنى: "شيء". ثم قال تعالى: جل ذكره: ﴿وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ ٱلرَّحْمَـٰنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾، أي: ومن يعرض عن الإيمان بما أنزل الله عز وجل من كتابه. هذا قول قتادة، وهو قول الفراء، وقال المبرد: "يَعشُ: يتعامى". ومنه قول الشاعر: ؎ متى تأتِهِ تعْشو إلى ضوء ناره ∗∗∗ (تَجِدْ خَيْرَ نَارٍ عِنْدَهَا خَيْرٌ مُوقِدِ) وقيل: معنى (يَعْشُ: يَعْمَ)، روي ذلك عن ابن عباس. ولا يصح على هذا المعنى (إلا بفتح) الشين. يقال: عشى يعشى عشى، إذ قرب من العمى. والأعشى: الذي قد ركب بصره ضُعْفٌ وظُلْمةٌ. ومنه يقال: جاء فلان إلى فلان يعشو، إذا جاءه ليلا لما يركب بصره من الظلمة. وعلى ذلك أيضاً يتأول قول الشاعر. ؎ مَتَى تَأْتِهِ تَعْشُو إلى ضَوْءِ نارِهِ ∗∗∗ (تَجِدْ خَيْرَ نَارٍ عِنْدَهَا خَيْرٌ مُوقِدِ) أي: متى تأتيه ليلاً. وحكى بعض أهل اللغة: عشى عن ذكر الله، إذا لم ينتفع به، كما أن الأعشى لا ينتفع بكل بصره في الضوء. ويقال: عشى يعشى، إذا صار أعشى. وعشا يعشو إذا لحقه ما يلحق الأعشى، وهو من ذوات الواو لقولهم: امرأة عشواء. فالياء هي عشى منقلبة من واو. ولذلك قال النحويون: العشا في البصر يكتب بالألف. فتحقيق معنى الآية: ومن لا ينظر في حجج الله عز وجل وأدلته ييسر الله له شيطاناً، فهو له قرين. قال قتادة: إذا أعرض عن ذكر الله سبحانه يقيض له الله عز وجل قريناً من الشياطين. قال السدي: ومن يعش: من يُعْرِض. وقال ابن عباس وابن زيد: ومن يعش: يعم. * * ثم قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ ٱلسَّبِيلِ﴾، أي: وإن الشياطين ليصدون هؤلاء الذين يعرضون عن ذكر الله سبحانه فيحببون لهم الضلالة، ويحسب هؤلاء الكفار الضالون أنهم على هدى في قبولهم ما تأمرهم به الشياطين. * * ثم قال: ﴿حَتَّىٰ إِذَا جَآءَنَا﴾، يعني: الكافر وقرينه من الشياطين. ومن وَحَّدّ "جاء" أراد الكافر وحده، وقد علم أن شيطانه ملازم له فاستغنى عن ذكره. * * ثم قال تعالى: ﴿يٰلَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ ٱلْمَشْرِقَيْنِ﴾، أي: حتى إذا جاء الكافر وقرينه من الشياطين: قال الكافر للشيطان حين أورده النار: يا ليت بيني وبينك بعد المشرقين، يعني مشرق الشتاء ومشرق الصيف. وقيل: عنى بذلك المشرق والمغرب، وثنى بلفظ ("مشرق" كما) قيل: سيرة العمرين في أبي بكر وعمر. قال الله جل ثناؤه: ﴿فَبِئْسَ ٱلْقَرِينُ﴾، أي: فبيس الشيطان قريناً لمن قارنه لأنه يورده إلى النار.

الزخرف 43:37

قوله تعالى: ﴿وَلَوْلاَ أَن يَكُونَ ٱلنَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ - إلى قوله - ﴿فَبِئْسَ ٱلْقَرِينُ﴾، أي: ولولا أن يكون الناس كلهم (كفاراً) لجعل الله لبيوت من يكفر سقفاً من فضة، ولكن لم يفعل ذلك ليكون في الخلق مؤمنون وكافرون على ما تقدم في علم الله عز وجل وتقديره فيهم. وقيل: المعنى: لولا أن يميل الناس كلهم إلى طلب الدنيا ورفض الآخرة لجعل الله لبيت الكافر سقفا من فضة، ومن وحد السقف فعلى إرادة الجمع. يدل الواحد على الجمع كما نقول: زيد كثير (الدرهم والدينار) وكثير الشاة والبعير. فيرد الواحد على الجنس كله. وقيل: المعنى عند من وحد: لجعلنا لبيت كل من كفر بالرحمن سقفاً. فوحد على المعنى. وقيل: المعنى: لولا ما قدرنا من اختلاف الأرزاق في الناس فيكون في المؤمنين غني وفقير، وفي الكافرين مثل ذلك لجعلنا من يكفر بالرحمن أغنياء كلهم. ففي هذا الفعل تنبيه على تحقير الدنيا وتصغير ما فيها. ومن قرأ بالجمع فإنه حمل على اللفظ، فجمع السقف لجمع البيوت، وجمع السرر والأبواب، وهو جمع سقيفة، كقطيفة وقُطُف. وقيل: هو جمع الجمع، كأنه جمع "سقْفاً" على "سُقُوف". كفَلْس وفُلُوس. ثم جمع سقوفاً على سُقُف كحمار وحُمُر. وقال أبو عبيدة: (سُقُف جمع كرُهُن ورَهْن، ورُهُن عند أكثر النحويين إنما هو جمع رِهَان، ورهان جمع رَهْن فرُهُن أيضاً، جمعُ جمعٍ. وجعل الله السقوف للبيوت كما جعل الأبواب للبيوت. فهو يدل على أن السقف لاَ حَقَّ لِرَبِّ العلو فيه، وهو قول مالك وأصحابه. وتحقيق المعنى في الآية أن الله جل ذكره أراد تهوين أمر الدنيا وأنها لا قيمة لها، فقال: لولا أن يميل الناس كلهم إلى الدنيا ويتركوا الآخرة لأعطينا الكافر من الدنيا أفضل مراده، وذلك لهوان الدنيا عليه، إذ هي شيء زائل مضمحل. وقال الكسائي: معناها لولا إرادتنا أن يكون في الكفار غني وفقير، وفي المسلمين مثل ذلك لأعطينا الكفار من الدنيا أن نجعل سقوف بيوتهم من فضة وذلك لهوان الدنيا عند الله، وقال الفراء: لبيوتهم: على بيوتهم. قال الشعبي: سُقُفاً من فضة، أي: جذوعاً. ومعارج، أي: دُرُجاً من فضة. عليها يظهرون، أي: يصعدون على السُّقُفِ والغُرَفِ. وقال ابن زيد وغيره: المعارج: درج من فضة. * * وقوله: ﴿وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَاباً﴾، يعني: من فضة. ﴿وَسُرُراً﴾، أي: من فضة عليها يتكئون، قاله ابن زيد وغيره. * * وقوله: ﴿وَزُخْرُفاً﴾، أي: ولجعلنا لهم مع ذلك زخرفاً، يعني: الذهب، قاله ابن عباس والحسن وقتادة والسدي والضحاك وقال ابن زيد: الزخرف: ما يتخذه الناس في منازلهم من الفرش والأمتعة والأثاث. وقال مجاهد: كنت لا أدري ما الزخرف حتى وجدته في قراءة عبد الله ذهباً. والزخرف في اللغة: الزينة، يقال: زخرف داره، أي: زينها. والتقدير في الآية عند من جعل الزخرف الذهب: لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفاً من فضة ومن زخرف. ثم حذف "من" فنصب الزخرف. قال الطبري: لو كانت القراءة في الزخرف بالخفض لكان حسناً على معنى: من فضة ومن زخرف. وقيل التقدير: وجعلنا لهم زخرفاً - بغير حذف حرف خفض - وهو أقوى وأحسن. والمعارج: الدرج، وجمعت على مفاعل وواحدها معراج، وكان حقها معاريج بالياء، كمناديل جمع منديل، لكنها جمعت على الواحد معرج وهي لغة، يقول: (مَعْرَجٌ وَمِعْرَاجٌ) كَمَفْتَح ومِفْتَاح. ولذلك تقول في جمع مفْتَح: (مَفَاتِح، وإن شئت)، مفاتيح على جمع مِفْتَاح. * * ثم قال تعالى: ﴿وَإِن كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا﴾ هذا تقليل وتصغير لأمر الدنيا، إذ هي زائلة عن قليل، ولا خير في شيء لا يدوم. والمعنى: وما كل ما تقدم ذكره من (الفضة والذهب) والسرر إلا مسافة متاع يستمتع به أهل الدنيا في دنياهم. ﴿وَٱلآخِرَةُ عِندَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾، أي: وزينة الآخرة ونعيمها خير عند ربك لمن اتقاه فَجَدَّ في طَاعَتِهِ وَتَجَنَّبَ مَعَاصيَه. والمعنى: وثواب الآخرة وجزاء الآخرة خير عند ربك للمتقين. واللام (من و "لما") عند الكوفيين بمعنى إلا، وهي لام التوكيد عند البصريين. و "ما". زائدة، وقيل: هي بمعنى: "شيء". ثم قال تعالى: جل ذكره: ﴿وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ ٱلرَّحْمَـٰنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾، أي: ومن يعرض عن الإيمان بما أنزل الله عز وجل من كتابه. هذا قول قتادة، وهو قول الفراء، وقال المبرد: "يَعشُ: يتعامى". ومنه قول الشاعر: ؎ متى تأتِهِ تعْشو إلى ضوء ناره ∗∗∗ (تَجِدْ خَيْرَ نَارٍ عِنْدَهَا خَيْرٌ مُوقِدِ) وقيل: معنى (يَعْشُ: يَعْمَ)، روي ذلك عن ابن عباس. ولا يصح على هذا المعنى (إلا بفتح) الشين. يقال: عشى يعشى عشى، إذ قرب من العمى. والأعشى: الذي قد ركب بصره ضُعْفٌ وظُلْمةٌ. ومنه يقال: جاء فلان إلى فلان يعشو، إذا جاءه ليلا لما يركب بصره من الظلمة. وعلى ذلك أيضاً يتأول قول الشاعر. ؎ مَتَى تَأْتِهِ تَعْشُو إلى ضَوْءِ نارِهِ ∗∗∗ (تَجِدْ خَيْرَ نَارٍ عِنْدَهَا خَيْرٌ مُوقِدِ) أي: متى تأتيه ليلاً. وحكى بعض أهل اللغة: عشى عن ذكر الله، إذا لم ينتفع به، كما أن الأعشى لا ينتفع بكل بصره في الضوء. ويقال: عشى يعشى، إذا صار أعشى. وعشا يعشو إذا لحقه ما يلحق الأعشى، وهو من ذوات الواو لقولهم: امرأة عشواء. فالياء هي عشى منقلبة من واو. ولذلك قال النحويون: العشا في البصر يكتب بالألف. فتحقيق معنى الآية: ومن لا ينظر في حجج الله عز وجل وأدلته ييسر الله له شيطاناً، فهو له قرين. قال قتادة: إذا أعرض عن ذكر الله سبحانه يقيض له الله عز وجل قريناً من الشياطين. قال السدي: ومن يعش: من يُعْرِض. وقال ابن عباس وابن زيد: ومن يعش: يعم. * * ثم قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ ٱلسَّبِيلِ﴾، أي: وإن الشياطين ليصدون هؤلاء الذين يعرضون عن ذكر الله سبحانه فيحببون لهم الضلالة، ويحسب هؤلاء الكفار الضالون أنهم على هدى في قبولهم ما تأمرهم به الشياطين. * * ثم قال: ﴿حَتَّىٰ إِذَا جَآءَنَا﴾، يعني: الكافر وقرينه من الشياطين. ومن وَحَّدّ "جاء" أراد الكافر وحده، وقد علم أن شيطانه ملازم له فاستغنى عن ذكره. * * ثم قال تعالى: ﴿يٰلَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ ٱلْمَشْرِقَيْنِ﴾، أي: حتى إذا جاء الكافر وقرينه من الشياطين: قال الكافر للشيطان حين أورده النار: يا ليت بيني وبينك بعد المشرقين، يعني مشرق الشتاء ومشرق الصيف. وقيل: عنى بذلك المشرق والمغرب، وثنى بلفظ ("مشرق" كما) قيل: سيرة العمرين في أبي بكر وعمر. قال الله جل ثناؤه: ﴿فَبِئْسَ ٱلْقَرِينُ﴾، أي: فبيس الشيطان قريناً لمن قارنه لأنه يورده إلى النار.

الزخرف 43:38

قوله تعالى: ﴿وَلَوْلاَ أَن يَكُونَ ٱلنَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ - إلى قوله - ﴿فَبِئْسَ ٱلْقَرِينُ﴾، أي: ولولا أن يكون الناس كلهم (كفاراً) لجعل الله لبيوت من يكفر سقفاً من فضة، ولكن لم يفعل ذلك ليكون في الخلق مؤمنون وكافرون على ما تقدم في علم الله عز وجل وتقديره فيهم. وقيل: المعنى: لولا أن يميل الناس كلهم إلى طلب الدنيا ورفض الآخرة لجعل الله لبيت الكافر سقفا من فضة، ومن وحد السقف فعلى إرادة الجمع. يدل الواحد على الجمع كما نقول: زيد كثير (الدرهم والدينار) وكثير الشاة والبعير. فيرد الواحد على الجنس كله. وقيل: المعنى عند من وحد: لجعلنا لبيت كل من كفر بالرحمن سقفاً. فوحد على المعنى. وقيل: المعنى: لولا ما قدرنا من اختلاف الأرزاق في الناس فيكون في المؤمنين غني وفقير، وفي الكافرين مثل ذلك لجعلنا من يكفر بالرحمن أغنياء كلهم. ففي هذا الفعل تنبيه على تحقير الدنيا وتصغير ما فيها. ومن قرأ بالجمع فإنه حمل على اللفظ، فجمع السقف لجمع البيوت، وجمع السرر والأبواب، وهو جمع سقيفة، كقطيفة وقُطُف. وقيل: هو جمع الجمع، كأنه جمع "سقْفاً" على "سُقُوف". كفَلْس وفُلُوس. ثم جمع سقوفاً على سُقُف كحمار وحُمُر. وقال أبو عبيدة: (سُقُف جمع كرُهُن ورَهْن، ورُهُن عند أكثر النحويين إنما هو جمع رِهَان، ورهان جمع رَهْن فرُهُن أيضاً، جمعُ جمعٍ. وجعل الله السقوف للبيوت كما جعل الأبواب للبيوت. فهو يدل على أن السقف لاَ حَقَّ لِرَبِّ العلو فيه، وهو قول مالك وأصحابه. وتحقيق المعنى في الآية أن الله جل ذكره أراد تهوين أمر الدنيا وأنها لا قيمة لها، فقال: لولا أن يميل الناس كلهم إلى الدنيا ويتركوا الآخرة لأعطينا الكافر من الدنيا أفضل مراده، وذلك لهوان الدنيا عليه، إذ هي شيء زائل مضمحل. وقال الكسائي: معناها لولا إرادتنا أن يكون في الكفار غني وفقير، وفي المسلمين مثل ذلك لأعطينا الكفار من الدنيا أن نجعل سقوف بيوتهم من فضة وذلك لهوان الدنيا عند الله، وقال الفراء: لبيوتهم: على بيوتهم. قال الشعبي: سُقُفاً من فضة، أي: جذوعاً. ومعارج، أي: دُرُجاً من فضة. عليها يظهرون، أي: يصعدون على السُّقُفِ والغُرَفِ. وقال ابن زيد وغيره: المعارج: درج من فضة. * * وقوله: ﴿وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَاباً﴾، يعني: من فضة. ﴿وَسُرُراً﴾، أي: من فضة عليها يتكئون، قاله ابن زيد وغيره. * * وقوله: ﴿وَزُخْرُفاً﴾، أي: ولجعلنا لهم مع ذلك زخرفاً، يعني: الذهب، قاله ابن عباس والحسن وقتادة والسدي والضحاك وقال ابن زيد: الزخرف: ما يتخذه الناس في منازلهم من الفرش والأمتعة والأثاث. وقال مجاهد: كنت لا أدري ما الزخرف حتى وجدته في قراءة عبد الله ذهباً. والزخرف في اللغة: الزينة، يقال: زخرف داره، أي: زينها. والتقدير في الآية عند من جعل الزخرف الذهب: لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفاً من فضة ومن زخرف. ثم حذف "من" فنصب الزخرف. قال الطبري: لو كانت القراءة في الزخرف بالخفض لكان حسناً على معنى: من فضة ومن زخرف. وقيل التقدير: وجعلنا لهم زخرفاً - بغير حذف حرف خفض - وهو أقوى وأحسن. والمعارج: الدرج، وجمعت على مفاعل وواحدها معراج، وكان حقها معاريج بالياء، كمناديل جمع منديل، لكنها جمعت على الواحد معرج وهي لغة، يقول: (مَعْرَجٌ وَمِعْرَاجٌ) كَمَفْتَح ومِفْتَاح. ولذلك تقول في جمع مفْتَح: (مَفَاتِح، وإن شئت)، مفاتيح على جمع مِفْتَاح. * * ثم قال تعالى: ﴿وَإِن كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا﴾ هذا تقليل وتصغير لأمر الدنيا، إذ هي زائلة عن قليل، ولا خير في شيء لا يدوم. والمعنى: وما كل ما تقدم ذكره من (الفضة والذهب) والسرر إلا مسافة متاع يستمتع به أهل الدنيا في دنياهم. ﴿وَٱلآخِرَةُ عِندَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾، أي: وزينة الآخرة ونعيمها خير عند ربك لمن اتقاه فَجَدَّ في طَاعَتِهِ وَتَجَنَّبَ مَعَاصيَه. والمعنى: وثواب الآخرة وجزاء الآخرة خير عند ربك للمتقين. واللام (من و "لما") عند الكوفيين بمعنى إلا، وهي لام التوكيد عند البصريين. و "ما". زائدة، وقيل: هي بمعنى: "شيء". ثم قال تعالى: جل ذكره: ﴿وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ ٱلرَّحْمَـٰنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾، أي: ومن يعرض عن الإيمان بما أنزل الله عز وجل من كتابه. هذا قول قتادة، وهو قول الفراء، وقال المبرد: "يَعشُ: يتعامى". ومنه قول الشاعر: ؎ متى تأتِهِ تعْشو إلى ضوء ناره ∗∗∗ (تَجِدْ خَيْرَ نَارٍ عِنْدَهَا خَيْرٌ مُوقِدِ) وقيل: معنى (يَعْشُ: يَعْمَ)، روي ذلك عن ابن عباس. ولا يصح على هذا المعنى (إلا بفتح) الشين. يقال: عشى يعشى عشى، إذ قرب من العمى. والأعشى: الذي قد ركب بصره ضُعْفٌ وظُلْمةٌ. ومنه يقال: جاء فلان إلى فلان يعشو، إذا جاءه ليلا لما يركب بصره من الظلمة. وعلى ذلك أيضاً يتأول قول الشاعر. ؎ مَتَى تَأْتِهِ تَعْشُو إلى ضَوْءِ نارِهِ ∗∗∗ (تَجِدْ خَيْرَ نَارٍ عِنْدَهَا خَيْرٌ مُوقِدِ) أي: متى تأتيه ليلاً. وحكى بعض أهل اللغة: عشى عن ذكر الله، إذا لم ينتفع به، كما أن الأعشى لا ينتفع بكل بصره في الضوء. ويقال: عشى يعشى، إذا صار أعشى. وعشا يعشو إذا لحقه ما يلحق الأعشى، وهو من ذوات الواو لقولهم: امرأة عشواء. فالياء هي عشى منقلبة من واو. ولذلك قال النحويون: العشا في البصر يكتب بالألف. فتحقيق معنى الآية: ومن لا ينظر في حجج الله عز وجل وأدلته ييسر الله له شيطاناً، فهو له قرين. قال قتادة: إذا أعرض عن ذكر الله سبحانه يقيض له الله عز وجل قريناً من الشياطين. قال السدي: ومن يعش: من يُعْرِض. وقال ابن عباس وابن زيد: ومن يعش: يعم. * * ثم قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ ٱلسَّبِيلِ﴾، أي: وإن الشياطين ليصدون هؤلاء الذين يعرضون عن ذكر الله سبحانه فيحببون لهم الضلالة، ويحسب هؤلاء الكفار الضالون أنهم على هدى في قبولهم ما تأمرهم به الشياطين. * * ثم قال: ﴿حَتَّىٰ إِذَا جَآءَنَا﴾، يعني: الكافر وقرينه من الشياطين. ومن وَحَّدّ "جاء" أراد الكافر وحده، وقد علم أن شيطانه ملازم له فاستغنى عن ذكره. * * ثم قال تعالى: ﴿يٰلَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ ٱلْمَشْرِقَيْنِ﴾، أي: حتى إذا جاء الكافر وقرينه من الشياطين: قال الكافر للشيطان حين أورده النار: يا ليت بيني وبينك بعد المشرقين، يعني مشرق الشتاء ومشرق الصيف. وقيل: عنى بذلك المشرق والمغرب، وثنى بلفظ ("مشرق" كما) قيل: سيرة العمرين في أبي بكر وعمر. قال الله جل ثناؤه: ﴿فَبِئْسَ ٱلْقَرِينُ﴾، أي: فبيس الشيطان قريناً لمن قارنه لأنه يورده إلى النار.

الزخرف 43:39

قوله تعالى: ﴿وَلَن يَنفَعَكُمُ ٱلْيَوْمَ إِذ ظَّلَمْتُمْ﴾ - إلى قوله: - ﴿فَلَمَّا جَآءَهُم بِآيَاتِنَآ إِذَا هُم مِّنْهَا يَضْحَكُونَ﴾، أي: ولن ينفعكم اشتراككم في العذاب، (أي: لن يخفف) عنكم ما أنتم فيه من العذاب لاشتراككم فيه، بل كل واحد منكم يناله نصيبه من العذاب. فَحَرَمَ الله عز وجل أهل النار هذا المقدار من التأسي فلا راحة لهم في شيء، حتى في التأسي لا راحة لهم فيه. * * ثم قال تعالى: ﴿أَفَأَنتَ تُسْمِعُ ٱلصُّمَّ أَوْ تَهْدِي ٱلْعُمْيَ وَمَن كَانَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ﴾، أي: أفأنت يا محمد تسمع من أصمه الله عن سماع الهدى على شريطه الانتفاع به، أو تهدي من أعمى الله قلبه وبصره على أن يرى ما يهتدي به، أو تهدي من هو في جور عن الحق بعيد عن الصواب، ليس ذلك إليك يا محمد إنما هو إلى الله عز وجل الذي يوفق من يشاء فيهتدي بتوفيقه إياه، ويخذل من يشاء فيضل بخذلانه إياه. * * ثم قال تعالى: ﴿فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُم مُّنتَقِمُونَ﴾. قال الحسن: هي في أهل الإسلام ممن بقي بعد النبي ﷺ قال: لقد كانت بعد نبي الله ﷺ نقمة شديدة فأكرم الله عز وجل نبيه ﷺ أن يريه في أمته ما كان من النقمة بعده. وقال قتادة: لم تقع النقمة، بل قد أذهب الله نبيه ولم ير في أمته إلا الذي تقر به عينه. قال وليس من نبي إلا وقد رأى في أمته ما لا يشتهي. قال قتادة: ذُكر لنا أن النبي ﷺ أُرِيَ ما يصيب أمته بعده، فما زال منقبضاً ما استبسط ضاحكاً حتى لقي الله جل ذكره. وقال السدي: هذه الآية عُني بها أهل الشرك من قومه ﷺ، وقد أراه النقمة فيهم وأظهره عليهم. فالمعنى: فإن نذهب بك يا محمد من بين أظهر هؤلاء المشركين، فإنا منهم منتقمون كما فعلنا ذلك بالأمم المكذبة قبلهم، أو نريك الذي وعدناهم من النقمة منهم وإظهارك عليهم، فإنا عليهم مقتدرون. ومعنى: الذي وعدناهم: الذي وعدناك فيهم من النصر. وقيل: هو راجع إلى قوله: ﴿وَٱلآخِرَةُ عِندَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: ٣٥]. فيكون المعنى: أو نريك الذي وعدنا المتقين من النصر. * * ثم قال تعالى: ﴿فَٱسْتَمْسِكْ بِٱلَّذِيۤ أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ يعني القرآن، أي: الزمه واعمل بما فيه أنت ومن آمن بك. * * ثم قال: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ﴾، أي: وإن هذا القرآن لشرفٌ لك ولقومك، يعني: قريشاً، وسوف تسألون عن الشكر على ما فضلكم به من إنزال كتابه عليكم. وقيل: المعنى: وسوف تسألون عما عملتم فيه من قبولكم لأوامره ونواهيه. * * ثم قال تعالى: ﴿وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رُّسُلِنَآ أَجَعَلْنَا مِن دُونِ ٱلرَّحْمَـٰنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾، يعني: اسأل يا محمد أهل الكتابين عن ذلك. فالتقدير: وأسال من أرسلنا إليهم قبلك رسلنا. و "من" زائدة. وفي قراءة ابن مسعود: وسئل الذين ارسلنا من قبلك من رسلنا، هذا قول مجاهد والسدي، وقال قتادة: معناه: سل يا محمد أهل التوراة والإنجيل هل جاءتهم الرسل إلا بالتوحيد. وقال الضحاك، أمر النبي ﷺ أن يسأل مؤمني أهل الكتاب. وقال ابن زيد: أمر النبي ﷺ أن يسأل الأنبياء عن ذلك ليلة جُمُعوا له في الإسراء إلى بيت المقدس. فكان النبي ﷺ أشد إيماناً ويقيناً أن الله عز وجل لم يأمر بعبادة غيره من أن يحتاج أن يسأل احداً. "فمن" على هذا القول غير زائدة. ويروى أن النبي ﷺ لما نزل عليه ذلك قال له جبريل: سل يا محمد الأنبياء الذين أريتهم في الإسراء قال: "لاَ أَسْأَلُ قَدِ اكْتَفَيْتُ" فالمعنى: على هذا القول: (إنه يا محمد) سيسري بك ربك فأسأل الرسل هل أمر الله عز وجل أن يُعْبَدَ غيره. وقيل: تقدير الآية: واسأل يا محمد أمم من أرسلنا قبلك (من رسلنا)، ثم حذف المضاف. فيكون المسؤول أهل الكتابين وغيرهم من جميع الأمم، أي: سلهم هل وجدوا في كتبهم أن الله عز وجل أمر أن يعبد معه غيره. والتقدير في الآية عند ابن قتيبة: واسأل من أرسلنا إليه قبلك رسلا من رسلنا، فحذف "إليه" لأن في الكلام ما يدل عليه فالخطاب عنده للنبي ﷺ والمراد: المشركون. وحذف رسلاً لأن ﴿مِن رُّسُلِنَآ﴾ يدل عليه كما قال: ؎ كَأَنَّكَ مِنْ جِمَالِ بَنِي أُقَيْشٍ. أي: كأنك جَمَلٌ من جمال بني أقيش، وحذف "إليه" عند أهل العربية بعيد في القياس. وقيل: المعنى: "سلنا عن الأنبياء الذين أرسلناهم قبلك". ويتم الكلام على "رسلنا" و "عن" محذوفة، ثم ابتدأ بالاستفهام على طريق الإنكار، أي: ما جعلنا آلهة تعبد من دون الله. وأخبر الآلهة كما يخبر عمن يعقل، فقال: "يعبدون" ولم يقل "تعبد" ولا "يعبدون"، لأن الآلهة جرت عندهم مجرى من يعقل فعظموها كما يعظمون الملوك فأجرى الخبر عنها مجرى الخبر عن من يعقل. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ بِآيَـٰتِنَآ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَمَلإِيْهِ فَقَالَ إِنِّي رَسُولُ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾، أي: ولقد أرسلنا موسى بالحجج والآيات إلى أشراف قوم فرعون وآل فرعون كما أرسلناك يا محمد إلى قومك. فقال لهم موسى: إني رسول رب العالمين. فلما جاءهم موسى بآياتنا وأدلتنا إذا هم منها يضحكون، أي: يهزءون ويسخرون كما فعل بك قومك يا محمد. وهذا كله تسلية وتصبير للنبي ﷺ على ما ناله من قومه، فأعلمه أن ما نزل به من قومه قد نزل بمن كان قبله من الأنبياء فندبه تعالى إلى الصبر فقال: ﴿فَٱصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُواْ ٱلْعَزْمِ مِنَ ٱلرُّسُلِ﴾ [الأحقاف: ٣٥].

الزخرف 43:40

قوله تعالى: ﴿وَلَن يَنفَعَكُمُ ٱلْيَوْمَ إِذ ظَّلَمْتُمْ﴾ - إلى قوله: - ﴿فَلَمَّا جَآءَهُم بِآيَاتِنَآ إِذَا هُم مِّنْهَا يَضْحَكُونَ﴾، أي: ولن ينفعكم اشتراككم في العذاب، (أي: لن يخفف) عنكم ما أنتم فيه من العذاب لاشتراككم فيه، بل كل واحد منكم يناله نصيبه من العذاب. فَحَرَمَ الله عز وجل أهل النار هذا المقدار من التأسي فلا راحة لهم في شيء، حتى في التأسي لا راحة لهم فيه. * * ثم قال تعالى: ﴿أَفَأَنتَ تُسْمِعُ ٱلصُّمَّ أَوْ تَهْدِي ٱلْعُمْيَ وَمَن كَانَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ﴾، أي: أفأنت يا محمد تسمع من أصمه الله عن سماع الهدى على شريطه الانتفاع به، أو تهدي من أعمى الله قلبه وبصره على أن يرى ما يهتدي به، أو تهدي من هو في جور عن الحق بعيد عن الصواب، ليس ذلك إليك يا محمد إنما هو إلى الله عز وجل الذي يوفق من يشاء فيهتدي بتوفيقه إياه، ويخذل من يشاء فيضل بخذلانه إياه. * * ثم قال تعالى: ﴿فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُم مُّنتَقِمُونَ﴾. قال الحسن: هي في أهل الإسلام ممن بقي بعد النبي ﷺ قال: لقد كانت بعد نبي الله ﷺ نقمة شديدة فأكرم الله عز وجل نبيه ﷺ أن يريه في أمته ما كان من النقمة بعده. وقال قتادة: لم تقع النقمة، بل قد أذهب الله نبيه ولم ير في أمته إلا الذي تقر به عينه. قال وليس من نبي إلا وقد رأى في أمته ما لا يشتهي. قال قتادة: ذُكر لنا أن النبي ﷺ أُرِيَ ما يصيب أمته بعده، فما زال منقبضاً ما استبسط ضاحكاً حتى لقي الله جل ذكره. وقال السدي: هذه الآية عُني بها أهل الشرك من قومه ﷺ، وقد أراه النقمة فيهم وأظهره عليهم. فالمعنى: فإن نذهب بك يا محمد من بين أظهر هؤلاء المشركين، فإنا منهم منتقمون كما فعلنا ذلك بالأمم المكذبة قبلهم، أو نريك الذي وعدناهم من النقمة منهم وإظهارك عليهم، فإنا عليهم مقتدرون. ومعنى: الذي وعدناهم: الذي وعدناك فيهم من النصر. وقيل: هو راجع إلى قوله: ﴿وَٱلآخِرَةُ عِندَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: ٣٥]. فيكون المعنى: أو نريك الذي وعدنا المتقين من النصر. * * ثم قال تعالى: ﴿فَٱسْتَمْسِكْ بِٱلَّذِيۤ أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ يعني القرآن، أي: الزمه واعمل بما فيه أنت ومن آمن بك. * * ثم قال: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ﴾، أي: وإن هذا القرآن لشرفٌ لك ولقومك، يعني: قريشاً، وسوف تسألون عن الشكر على ما فضلكم به من إنزال كتابه عليكم. وقيل: المعنى: وسوف تسألون عما عملتم فيه من قبولكم لأوامره ونواهيه. * * ثم قال تعالى: ﴿وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رُّسُلِنَآ أَجَعَلْنَا مِن دُونِ ٱلرَّحْمَـٰنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾، يعني: اسأل يا محمد أهل الكتابين عن ذلك. فالتقدير: وأسال من أرسلنا إليهم قبلك رسلنا. و "من" زائدة. وفي قراءة ابن مسعود: وسئل الذين ارسلنا من قبلك من رسلنا، هذا قول مجاهد والسدي، وقال قتادة: معناه: سل يا محمد أهل التوراة والإنجيل هل جاءتهم الرسل إلا بالتوحيد. وقال الضحاك، أمر النبي ﷺ أن يسأل مؤمني أهل الكتاب. وقال ابن زيد: أمر النبي ﷺ أن يسأل الأنبياء عن ذلك ليلة جُمُعوا له في الإسراء إلى بيت المقدس. فكان النبي ﷺ أشد إيماناً ويقيناً أن الله عز وجل لم يأمر بعبادة غيره من أن يحتاج أن يسأل احداً. "فمن" على هذا القول غير زائدة. ويروى أن النبي ﷺ لما نزل عليه ذلك قال له جبريل: سل يا محمد الأنبياء الذين أريتهم في الإسراء قال: "لاَ أَسْأَلُ قَدِ اكْتَفَيْتُ" فالمعنى: على هذا القول: (إنه يا محمد) سيسري بك ربك فأسأل الرسل هل أمر الله عز وجل أن يُعْبَدَ غيره. وقيل: تقدير الآية: واسأل يا محمد أمم من أرسلنا قبلك (من رسلنا)، ثم حذف المضاف. فيكون المسؤول أهل الكتابين وغيرهم من جميع الأمم، أي: سلهم هل وجدوا في كتبهم أن الله عز وجل أمر أن يعبد معه غيره. والتقدير في الآية عند ابن قتيبة: واسأل من أرسلنا إليه قبلك رسلا من رسلنا، فحذف "إليه" لأن في الكلام ما يدل عليه فالخطاب عنده للنبي ﷺ والمراد: المشركون. وحذف رسلاً لأن ﴿مِن رُّسُلِنَآ﴾ يدل عليه كما قال: ؎ كَأَنَّكَ مِنْ جِمَالِ بَنِي أُقَيْشٍ. أي: كأنك جَمَلٌ من جمال بني أقيش، وحذف "إليه" عند أهل العربية بعيد في القياس. وقيل: المعنى: "سلنا عن الأنبياء الذين أرسلناهم قبلك". ويتم الكلام على "رسلنا" و "عن" محذوفة، ثم ابتدأ بالاستفهام على طريق الإنكار، أي: ما جعلنا آلهة تعبد من دون الله. وأخبر الآلهة كما يخبر عمن يعقل، فقال: "يعبدون" ولم يقل "تعبد" ولا "يعبدون"، لأن الآلهة جرت عندهم مجرى من يعقل فعظموها كما يعظمون الملوك فأجرى الخبر عنها مجرى الخبر عن من يعقل. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ بِآيَـٰتِنَآ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَمَلإِيْهِ فَقَالَ إِنِّي رَسُولُ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾، أي: ولقد أرسلنا موسى بالحجج والآيات إلى أشراف قوم فرعون وآل فرعون كما أرسلناك يا محمد إلى قومك. فقال لهم موسى: إني رسول رب العالمين. فلما جاءهم موسى بآياتنا وأدلتنا إذا هم منها يضحكون، أي: يهزءون ويسخرون كما فعل بك قومك يا محمد. وهذا كله تسلية وتصبير للنبي ﷺ على ما ناله من قومه، فأعلمه أن ما نزل به من قومه قد نزل بمن كان قبله من الأنبياء فندبه تعالى إلى الصبر فقال: ﴿فَٱصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُواْ ٱلْعَزْمِ مِنَ ٱلرُّسُلِ﴾ [الأحقاف: ٣٥].

الزخرف 43:41

قوله تعالى: ﴿وَلَن يَنفَعَكُمُ ٱلْيَوْمَ إِذ ظَّلَمْتُمْ﴾ - إلى قوله: - ﴿فَلَمَّا جَآءَهُم بِآيَاتِنَآ إِذَا هُم مِّنْهَا يَضْحَكُونَ﴾، أي: ولن ينفعكم اشتراككم في العذاب، (أي: لن يخفف) عنكم ما أنتم فيه من العذاب لاشتراككم فيه، بل كل واحد منكم يناله نصيبه من العذاب. فَحَرَمَ الله عز وجل أهل النار هذا المقدار من التأسي فلا راحة لهم في شيء، حتى في التأسي لا راحة لهم فيه. * * ثم قال تعالى: ﴿أَفَأَنتَ تُسْمِعُ ٱلصُّمَّ أَوْ تَهْدِي ٱلْعُمْيَ وَمَن كَانَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ﴾، أي: أفأنت يا محمد تسمع من أصمه الله عن سماع الهدى على شريطه الانتفاع به، أو تهدي من أعمى الله قلبه وبصره على أن يرى ما يهتدي به، أو تهدي من هو في جور عن الحق بعيد عن الصواب، ليس ذلك إليك يا محمد إنما هو إلى الله عز وجل الذي يوفق من يشاء فيهتدي بتوفيقه إياه، ويخذل من يشاء فيضل بخذلانه إياه. * * ثم قال تعالى: ﴿فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُم مُّنتَقِمُونَ﴾. قال الحسن: هي في أهل الإسلام ممن بقي بعد النبي ﷺ قال: لقد كانت بعد نبي الله ﷺ نقمة شديدة فأكرم الله عز وجل نبيه ﷺ أن يريه في أمته ما كان من النقمة بعده. وقال قتادة: لم تقع النقمة، بل قد أذهب الله نبيه ولم ير في أمته إلا الذي تقر به عينه. قال وليس من نبي إلا وقد رأى في أمته ما لا يشتهي. قال قتادة: ذُكر لنا أن النبي ﷺ أُرِيَ ما يصيب أمته بعده، فما زال منقبضاً ما استبسط ضاحكاً حتى لقي الله جل ذكره. وقال السدي: هذه الآية عُني بها أهل الشرك من قومه ﷺ، وقد أراه النقمة فيهم وأظهره عليهم. فالمعنى: فإن نذهب بك يا محمد من بين أظهر هؤلاء المشركين، فإنا منهم منتقمون كما فعلنا ذلك بالأمم المكذبة قبلهم، أو نريك الذي وعدناهم من النقمة منهم وإظهارك عليهم، فإنا عليهم مقتدرون. ومعنى: الذي وعدناهم: الذي وعدناك فيهم من النصر. وقيل: هو راجع إلى قوله: ﴿وَٱلآخِرَةُ عِندَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: ٣٥]. فيكون المعنى: أو نريك الذي وعدنا المتقين من النصر. * * ثم قال تعالى: ﴿فَٱسْتَمْسِكْ بِٱلَّذِيۤ أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ يعني القرآن، أي: الزمه واعمل بما فيه أنت ومن آمن بك. * * ثم قال: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ﴾، أي: وإن هذا القرآن لشرفٌ لك ولقومك، يعني: قريشاً، وسوف تسألون عن الشكر على ما فضلكم به من إنزال كتابه عليكم. وقيل: المعنى: وسوف تسألون عما عملتم فيه من قبولكم لأوامره ونواهيه. * * ثم قال تعالى: ﴿وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رُّسُلِنَآ أَجَعَلْنَا مِن دُونِ ٱلرَّحْمَـٰنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾، يعني: اسأل يا محمد أهل الكتابين عن ذلك. فالتقدير: وأسال من أرسلنا إليهم قبلك رسلنا. و "من" زائدة. وفي قراءة ابن مسعود: وسئل الذين ارسلنا من قبلك من رسلنا، هذا قول مجاهد والسدي، وقال قتادة: معناه: سل يا محمد أهل التوراة والإنجيل هل جاءتهم الرسل إلا بالتوحيد. وقال الضحاك، أمر النبي ﷺ أن يسأل مؤمني أهل الكتاب. وقال ابن زيد: أمر النبي ﷺ أن يسأل الأنبياء عن ذلك ليلة جُمُعوا له في الإسراء إلى بيت المقدس. فكان النبي ﷺ أشد إيماناً ويقيناً أن الله عز وجل لم يأمر بعبادة غيره من أن يحتاج أن يسأل احداً. "فمن" على هذا القول غير زائدة. ويروى أن النبي ﷺ لما نزل عليه ذلك قال له جبريل: سل يا محمد الأنبياء الذين أريتهم في الإسراء قال: "لاَ أَسْأَلُ قَدِ اكْتَفَيْتُ" فالمعنى: على هذا القول: (إنه يا محمد) سيسري بك ربك فأسأل الرسل هل أمر الله عز وجل أن يُعْبَدَ غيره. وقيل: تقدير الآية: واسأل يا محمد أمم من أرسلنا قبلك (من رسلنا)، ثم حذف المضاف. فيكون المسؤول أهل الكتابين وغيرهم من جميع الأمم، أي: سلهم هل وجدوا في كتبهم أن الله عز وجل أمر أن يعبد معه غيره. والتقدير في الآية عند ابن قتيبة: واسأل من أرسلنا إليه قبلك رسلا من رسلنا، فحذف "إليه" لأن في الكلام ما يدل عليه فالخطاب عنده للنبي ﷺ والمراد: المشركون. وحذف رسلاً لأن ﴿مِن رُّسُلِنَآ﴾ يدل عليه كما قال: ؎ كَأَنَّكَ مِنْ جِمَالِ بَنِي أُقَيْشٍ. أي: كأنك جَمَلٌ من جمال بني أقيش، وحذف "إليه" عند أهل العربية بعيد في القياس. وقيل: المعنى: "سلنا عن الأنبياء الذين أرسلناهم قبلك". ويتم الكلام على "رسلنا" و "عن" محذوفة، ثم ابتدأ بالاستفهام على طريق الإنكار، أي: ما جعلنا آلهة تعبد من دون الله. وأخبر الآلهة كما يخبر عمن يعقل، فقال: "يعبدون" ولم يقل "تعبد" ولا "يعبدون"، لأن الآلهة جرت عندهم مجرى من يعقل فعظموها كما يعظمون الملوك فأجرى الخبر عنها مجرى الخبر عن من يعقل. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ بِآيَـٰتِنَآ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَمَلإِيْهِ فَقَالَ إِنِّي رَسُولُ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾، أي: ولقد أرسلنا موسى بالحجج والآيات إلى أشراف قوم فرعون وآل فرعون كما أرسلناك يا محمد إلى قومك. فقال لهم موسى: إني رسول رب العالمين. فلما جاءهم موسى بآياتنا وأدلتنا إذا هم منها يضحكون، أي: يهزءون ويسخرون كما فعل بك قومك يا محمد. وهذا كله تسلية وتصبير للنبي ﷺ على ما ناله من قومه، فأعلمه أن ما نزل به من قومه قد نزل بمن كان قبله من الأنبياء فندبه تعالى إلى الصبر فقال: ﴿فَٱصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُواْ ٱلْعَزْمِ مِنَ ٱلرُّسُلِ﴾ [الأحقاف: ٣٥].

الزخرف 43:42

قوله تعالى: ﴿وَلَن يَنفَعَكُمُ ٱلْيَوْمَ إِذ ظَّلَمْتُمْ﴾ - إلى قوله: - ﴿فَلَمَّا جَآءَهُم بِآيَاتِنَآ إِذَا هُم مِّنْهَا يَضْحَكُونَ﴾، أي: ولن ينفعكم اشتراككم في العذاب، (أي: لن يخفف) عنكم ما أنتم فيه من العذاب لاشتراككم فيه، بل كل واحد منكم يناله نصيبه من العذاب. فَحَرَمَ الله عز وجل أهل النار هذا المقدار من التأسي فلا راحة لهم في شيء، حتى في التأسي لا راحة لهم فيه. * * ثم قال تعالى: ﴿أَفَأَنتَ تُسْمِعُ ٱلصُّمَّ أَوْ تَهْدِي ٱلْعُمْيَ وَمَن كَانَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ﴾، أي: أفأنت يا محمد تسمع من أصمه الله عن سماع الهدى على شريطه الانتفاع به، أو تهدي من أعمى الله قلبه وبصره على أن يرى ما يهتدي به، أو تهدي من هو في جور عن الحق بعيد عن الصواب، ليس ذلك إليك يا محمد إنما هو إلى الله عز وجل الذي يوفق من يشاء فيهتدي بتوفيقه إياه، ويخذل من يشاء فيضل بخذلانه إياه. * * ثم قال تعالى: ﴿فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُم مُّنتَقِمُونَ﴾. قال الحسن: هي في أهل الإسلام ممن بقي بعد النبي ﷺ قال: لقد كانت بعد نبي الله ﷺ نقمة شديدة فأكرم الله عز وجل نبيه ﷺ أن يريه في أمته ما كان من النقمة بعده. وقال قتادة: لم تقع النقمة، بل قد أذهب الله نبيه ولم ير في أمته إلا الذي تقر به عينه. قال وليس من نبي إلا وقد رأى في أمته ما لا يشتهي. قال قتادة: ذُكر لنا أن النبي ﷺ أُرِيَ ما يصيب أمته بعده، فما زال منقبضاً ما استبسط ضاحكاً حتى لقي الله جل ذكره. وقال السدي: هذه الآية عُني بها أهل الشرك من قومه ﷺ، وقد أراه النقمة فيهم وأظهره عليهم. فالمعنى: فإن نذهب بك يا محمد من بين أظهر هؤلاء المشركين، فإنا منهم منتقمون كما فعلنا ذلك بالأمم المكذبة قبلهم، أو نريك الذي وعدناهم من النقمة منهم وإظهارك عليهم، فإنا عليهم مقتدرون. ومعنى: الذي وعدناهم: الذي وعدناك فيهم من النصر. وقيل: هو راجع إلى قوله: ﴿وَٱلآخِرَةُ عِندَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: ٣٥]. فيكون المعنى: أو نريك الذي وعدنا المتقين من النصر. * * ثم قال تعالى: ﴿فَٱسْتَمْسِكْ بِٱلَّذِيۤ أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ يعني القرآن، أي: الزمه واعمل بما فيه أنت ومن آمن بك. * * ثم قال: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ﴾، أي: وإن هذا القرآن لشرفٌ لك ولقومك، يعني: قريشاً، وسوف تسألون عن الشكر على ما فضلكم به من إنزال كتابه عليكم. وقيل: المعنى: وسوف تسألون عما عملتم فيه من قبولكم لأوامره ونواهيه. * * ثم قال تعالى: ﴿وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رُّسُلِنَآ أَجَعَلْنَا مِن دُونِ ٱلرَّحْمَـٰنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾، يعني: اسأل يا محمد أهل الكتابين عن ذلك. فالتقدير: وأسال من أرسلنا إليهم قبلك رسلنا. و "من" زائدة. وفي قراءة ابن مسعود: وسئل الذين ارسلنا من قبلك من رسلنا، هذا قول مجاهد والسدي، وقال قتادة: معناه: سل يا محمد أهل التوراة والإنجيل هل جاءتهم الرسل إلا بالتوحيد. وقال الضحاك، أمر النبي ﷺ أن يسأل مؤمني أهل الكتاب. وقال ابن زيد: أمر النبي ﷺ أن يسأل الأنبياء عن ذلك ليلة جُمُعوا له في الإسراء إلى بيت المقدس. فكان النبي ﷺ أشد إيماناً ويقيناً أن الله عز وجل لم يأمر بعبادة غيره من أن يحتاج أن يسأل احداً. "فمن" على هذا القول غير زائدة. ويروى أن النبي ﷺ لما نزل عليه ذلك قال له جبريل: سل يا محمد الأنبياء الذين أريتهم في الإسراء قال: "لاَ أَسْأَلُ قَدِ اكْتَفَيْتُ" فالمعنى: على هذا القول: (إنه يا محمد) سيسري بك ربك فأسأل الرسل هل أمر الله عز وجل أن يُعْبَدَ غيره. وقيل: تقدير الآية: واسأل يا محمد أمم من أرسلنا قبلك (من رسلنا)، ثم حذف المضاف. فيكون المسؤول أهل الكتابين وغيرهم من جميع الأمم، أي: سلهم هل وجدوا في كتبهم أن الله عز وجل أمر أن يعبد معه غيره. والتقدير في الآية عند ابن قتيبة: واسأل من أرسلنا إليه قبلك رسلا من رسلنا، فحذف "إليه" لأن في الكلام ما يدل عليه فالخطاب عنده للنبي ﷺ والمراد: المشركون. وحذف رسلاً لأن ﴿مِن رُّسُلِنَآ﴾ يدل عليه كما قال: ؎ كَأَنَّكَ مِنْ جِمَالِ بَنِي أُقَيْشٍ. أي: كأنك جَمَلٌ من جمال بني أقيش، وحذف "إليه" عند أهل العربية بعيد في القياس. وقيل: المعنى: "سلنا عن الأنبياء الذين أرسلناهم قبلك". ويتم الكلام على "رسلنا" و "عن" محذوفة، ثم ابتدأ بالاستفهام على طريق الإنكار، أي: ما جعلنا آلهة تعبد من دون الله. وأخبر الآلهة كما يخبر عمن يعقل، فقال: "يعبدون" ولم يقل "تعبد" ولا "يعبدون"، لأن الآلهة جرت عندهم مجرى من يعقل فعظموها كما يعظمون الملوك فأجرى الخبر عنها مجرى الخبر عن من يعقل. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ بِآيَـٰتِنَآ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَمَلإِيْهِ فَقَالَ إِنِّي رَسُولُ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾، أي: ولقد أرسلنا موسى بالحجج والآيات إلى أشراف قوم فرعون وآل فرعون كما أرسلناك يا محمد إلى قومك. فقال لهم موسى: إني رسول رب العالمين. فلما جاءهم موسى بآياتنا وأدلتنا إذا هم منها يضحكون، أي: يهزءون ويسخرون كما فعل بك قومك يا محمد. وهذا كله تسلية وتصبير للنبي ﷺ على ما ناله من قومه، فأعلمه أن ما نزل به من قومه قد نزل بمن كان قبله من الأنبياء فندبه تعالى إلى الصبر فقال: ﴿فَٱصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُواْ ٱلْعَزْمِ مِنَ ٱلرُّسُلِ﴾ [الأحقاف: ٣٥].

الزخرف 43:43

قوله تعالى: ﴿وَلَن يَنفَعَكُمُ ٱلْيَوْمَ إِذ ظَّلَمْتُمْ﴾ - إلى قوله: - ﴿فَلَمَّا جَآءَهُم بِآيَاتِنَآ إِذَا هُم مِّنْهَا يَضْحَكُونَ﴾، أي: ولن ينفعكم اشتراككم في العذاب، (أي: لن يخفف) عنكم ما أنتم فيه من العذاب لاشتراككم فيه، بل كل واحد منكم يناله نصيبه من العذاب. فَحَرَمَ الله عز وجل أهل النار هذا المقدار من التأسي فلا راحة لهم في شيء، حتى في التأسي لا راحة لهم فيه. * * ثم قال تعالى: ﴿أَفَأَنتَ تُسْمِعُ ٱلصُّمَّ أَوْ تَهْدِي ٱلْعُمْيَ وَمَن كَانَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ﴾، أي: أفأنت يا محمد تسمع من أصمه الله عن سماع الهدى على شريطه الانتفاع به، أو تهدي من أعمى الله قلبه وبصره على أن يرى ما يهتدي به، أو تهدي من هو في جور عن الحق بعيد عن الصواب، ليس ذلك إليك يا محمد إنما هو إلى الله عز وجل الذي يوفق من يشاء فيهتدي بتوفيقه إياه، ويخذل من يشاء فيضل بخذلانه إياه. * * ثم قال تعالى: ﴿فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُم مُّنتَقِمُونَ﴾. قال الحسن: هي في أهل الإسلام ممن بقي بعد النبي ﷺ قال: لقد كانت بعد نبي الله ﷺ نقمة شديدة فأكرم الله عز وجل نبيه ﷺ أن يريه في أمته ما كان من النقمة بعده. وقال قتادة: لم تقع النقمة، بل قد أذهب الله نبيه ولم ير في أمته إلا الذي تقر به عينه. قال وليس من نبي إلا وقد رأى في أمته ما لا يشتهي. قال قتادة: ذُكر لنا أن النبي ﷺ أُرِيَ ما يصيب أمته بعده، فما زال منقبضاً ما استبسط ضاحكاً حتى لقي الله جل ذكره. وقال السدي: هذه الآية عُني بها أهل الشرك من قومه ﷺ، وقد أراه النقمة فيهم وأظهره عليهم. فالمعنى: فإن نذهب بك يا محمد من بين أظهر هؤلاء المشركين، فإنا منهم منتقمون كما فعلنا ذلك بالأمم المكذبة قبلهم، أو نريك الذي وعدناهم من النقمة منهم وإظهارك عليهم، فإنا عليهم مقتدرون. ومعنى: الذي وعدناهم: الذي وعدناك فيهم من النصر. وقيل: هو راجع إلى قوله: ﴿وَٱلآخِرَةُ عِندَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: ٣٥]. فيكون المعنى: أو نريك الذي وعدنا المتقين من النصر. * * ثم قال تعالى: ﴿فَٱسْتَمْسِكْ بِٱلَّذِيۤ أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ يعني القرآن، أي: الزمه واعمل بما فيه أنت ومن آمن بك. * * ثم قال: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ﴾، أي: وإن هذا القرآن لشرفٌ لك ولقومك، يعني: قريشاً، وسوف تسألون عن الشكر على ما فضلكم به من إنزال كتابه عليكم. وقيل: المعنى: وسوف تسألون عما عملتم فيه من قبولكم لأوامره ونواهيه. * * ثم قال تعالى: ﴿وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رُّسُلِنَآ أَجَعَلْنَا مِن دُونِ ٱلرَّحْمَـٰنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾، يعني: اسأل يا محمد أهل الكتابين عن ذلك. فالتقدير: وأسال من أرسلنا إليهم قبلك رسلنا. و "من" زائدة. وفي قراءة ابن مسعود: وسئل الذين ارسلنا من قبلك من رسلنا، هذا قول مجاهد والسدي، وقال قتادة: معناه: سل يا محمد أهل التوراة والإنجيل هل جاءتهم الرسل إلا بالتوحيد. وقال الضحاك، أمر النبي ﷺ أن يسأل مؤمني أهل الكتاب. وقال ابن زيد: أمر النبي ﷺ أن يسأل الأنبياء عن ذلك ليلة جُمُعوا له في الإسراء إلى بيت المقدس. فكان النبي ﷺ أشد إيماناً ويقيناً أن الله عز وجل لم يأمر بعبادة غيره من أن يحتاج أن يسأل احداً. "فمن" على هذا القول غير زائدة. ويروى أن النبي ﷺ لما نزل عليه ذلك قال له جبريل: سل يا محمد الأنبياء الذين أريتهم في الإسراء قال: "لاَ أَسْأَلُ قَدِ اكْتَفَيْتُ" فالمعنى: على هذا القول: (إنه يا محمد) سيسري بك ربك فأسأل الرسل هل أمر الله عز وجل أن يُعْبَدَ غيره. وقيل: تقدير الآية: واسأل يا محمد أمم من أرسلنا قبلك (من رسلنا)، ثم حذف المضاف. فيكون المسؤول أهل الكتابين وغيرهم من جميع الأمم، أي: سلهم هل وجدوا في كتبهم أن الله عز وجل أمر أن يعبد معه غيره. والتقدير في الآية عند ابن قتيبة: واسأل من أرسلنا إليه قبلك رسلا من رسلنا، فحذف "إليه" لأن في الكلام ما يدل عليه فالخطاب عنده للنبي ﷺ والمراد: المشركون. وحذف رسلاً لأن ﴿مِن رُّسُلِنَآ﴾ يدل عليه كما قال: ؎ كَأَنَّكَ مِنْ جِمَالِ بَنِي أُقَيْشٍ. أي: كأنك جَمَلٌ من جمال بني أقيش، وحذف "إليه" عند أهل العربية بعيد في القياس. وقيل: المعنى: "سلنا عن الأنبياء الذين أرسلناهم قبلك". ويتم الكلام على "رسلنا" و "عن" محذوفة، ثم ابتدأ بالاستفهام على طريق الإنكار، أي: ما جعلنا آلهة تعبد من دون الله. وأخبر الآلهة كما يخبر عمن يعقل، فقال: "يعبدون" ولم يقل "تعبد" ولا "يعبدون"، لأن الآلهة جرت عندهم مجرى من يعقل فعظموها كما يعظمون الملوك فأجرى الخبر عنها مجرى الخبر عن من يعقل. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ بِآيَـٰتِنَآ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَمَلإِيْهِ فَقَالَ إِنِّي رَسُولُ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾، أي: ولقد أرسلنا موسى بالحجج والآيات إلى أشراف قوم فرعون وآل فرعون كما أرسلناك يا محمد إلى قومك. فقال لهم موسى: إني رسول رب العالمين. فلما جاءهم موسى بآياتنا وأدلتنا إذا هم منها يضحكون، أي: يهزءون ويسخرون كما فعل بك قومك يا محمد. وهذا كله تسلية وتصبير للنبي ﷺ على ما ناله من قومه، فأعلمه أن ما نزل به من قومه قد نزل بمن كان قبله من الأنبياء فندبه تعالى إلى الصبر فقال: ﴿فَٱصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُواْ ٱلْعَزْمِ مِنَ ٱلرُّسُلِ﴾ [الأحقاف: ٣٥].

الزخرف 43:44

قوله تعالى: ﴿وَلَن يَنفَعَكُمُ ٱلْيَوْمَ إِذ ظَّلَمْتُمْ﴾ - إلى قوله: - ﴿فَلَمَّا جَآءَهُم بِآيَاتِنَآ إِذَا هُم مِّنْهَا يَضْحَكُونَ﴾، أي: ولن ينفعكم اشتراككم في العذاب، (أي: لن يخفف) عنكم ما أنتم فيه من العذاب لاشتراككم فيه، بل كل واحد منكم يناله نصيبه من العذاب. فَحَرَمَ الله عز وجل أهل النار هذا المقدار من التأسي فلا راحة لهم في شيء، حتى في التأسي لا راحة لهم فيه. * * ثم قال تعالى: ﴿أَفَأَنتَ تُسْمِعُ ٱلصُّمَّ أَوْ تَهْدِي ٱلْعُمْيَ وَمَن كَانَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ﴾، أي: أفأنت يا محمد تسمع من أصمه الله عن سماع الهدى على شريطه الانتفاع به، أو تهدي من أعمى الله قلبه وبصره على أن يرى ما يهتدي به، أو تهدي من هو في جور عن الحق بعيد عن الصواب، ليس ذلك إليك يا محمد إنما هو إلى الله عز وجل الذي يوفق من يشاء فيهتدي بتوفيقه إياه، ويخذل من يشاء فيضل بخذلانه إياه. * * ثم قال تعالى: ﴿فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُم مُّنتَقِمُونَ﴾. قال الحسن: هي في أهل الإسلام ممن بقي بعد النبي ﷺ قال: لقد كانت بعد نبي الله ﷺ نقمة شديدة فأكرم الله عز وجل نبيه ﷺ أن يريه في أمته ما كان من النقمة بعده. وقال قتادة: لم تقع النقمة، بل قد أذهب الله نبيه ولم ير في أمته إلا الذي تقر به عينه. قال وليس من نبي إلا وقد رأى في أمته ما لا يشتهي. قال قتادة: ذُكر لنا أن النبي ﷺ أُرِيَ ما يصيب أمته بعده، فما زال منقبضاً ما استبسط ضاحكاً حتى لقي الله جل ذكره. وقال السدي: هذه الآية عُني بها أهل الشرك من قومه ﷺ، وقد أراه النقمة فيهم وأظهره عليهم. فالمعنى: فإن نذهب بك يا محمد من بين أظهر هؤلاء المشركين، فإنا منهم منتقمون كما فعلنا ذلك بالأمم المكذبة قبلهم، أو نريك الذي وعدناهم من النقمة منهم وإظهارك عليهم، فإنا عليهم مقتدرون. ومعنى: الذي وعدناهم: الذي وعدناك فيهم من النصر. وقيل: هو راجع إلى قوله: ﴿وَٱلآخِرَةُ عِندَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: ٣٥]. فيكون المعنى: أو نريك الذي وعدنا المتقين من النصر. * * ثم قال تعالى: ﴿فَٱسْتَمْسِكْ بِٱلَّذِيۤ أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ يعني القرآن، أي: الزمه واعمل بما فيه أنت ومن آمن بك. * * ثم قال: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ﴾، أي: وإن هذا القرآن لشرفٌ لك ولقومك، يعني: قريشاً، وسوف تسألون عن الشكر على ما فضلكم به من إنزال كتابه عليكم. وقيل: المعنى: وسوف تسألون عما عملتم فيه من قبولكم لأوامره ونواهيه. * * ثم قال تعالى: ﴿وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رُّسُلِنَآ أَجَعَلْنَا مِن دُونِ ٱلرَّحْمَـٰنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾، يعني: اسأل يا محمد أهل الكتابين عن ذلك. فالتقدير: وأسال من أرسلنا إليهم قبلك رسلنا. و "من" زائدة. وفي قراءة ابن مسعود: وسئل الذين ارسلنا من قبلك من رسلنا، هذا قول مجاهد والسدي، وقال قتادة: معناه: سل يا محمد أهل التوراة والإنجيل هل جاءتهم الرسل إلا بالتوحيد. وقال الضحاك، أمر النبي ﷺ أن يسأل مؤمني أهل الكتاب. وقال ابن زيد: أمر النبي ﷺ أن يسأل الأنبياء عن ذلك ليلة جُمُعوا له في الإسراء إلى بيت المقدس. فكان النبي ﷺ أشد إيماناً ويقيناً أن الله عز وجل لم يأمر بعبادة غيره من أن يحتاج أن يسأل احداً. "فمن" على هذا القول غير زائدة. ويروى أن النبي ﷺ لما نزل عليه ذلك قال له جبريل: سل يا محمد الأنبياء الذين أريتهم في الإسراء قال: "لاَ أَسْأَلُ قَدِ اكْتَفَيْتُ" فالمعنى: على هذا القول: (إنه يا محمد) سيسري بك ربك فأسأل الرسل هل أمر الله عز وجل أن يُعْبَدَ غيره. وقيل: تقدير الآية: واسأل يا محمد أمم من أرسلنا قبلك (من رسلنا)، ثم حذف المضاف. فيكون المسؤول أهل الكتابين وغيرهم من جميع الأمم، أي: سلهم هل وجدوا في كتبهم أن الله عز وجل أمر أن يعبد معه غيره. والتقدير في الآية عند ابن قتيبة: واسأل من أرسلنا إليه قبلك رسلا من رسلنا، فحذف "إليه" لأن في الكلام ما يدل عليه فالخطاب عنده للنبي ﷺ والمراد: المشركون. وحذف رسلاً لأن ﴿مِن رُّسُلِنَآ﴾ يدل عليه كما قال: ؎ كَأَنَّكَ مِنْ جِمَالِ بَنِي أُقَيْشٍ. أي: كأنك جَمَلٌ من جمال بني أقيش، وحذف "إليه" عند أهل العربية بعيد في القياس. وقيل: المعنى: "سلنا عن الأنبياء الذين أرسلناهم قبلك". ويتم الكلام على "رسلنا" و "عن" محذوفة، ثم ابتدأ بالاستفهام على طريق الإنكار، أي: ما جعلنا آلهة تعبد من دون الله. وأخبر الآلهة كما يخبر عمن يعقل، فقال: "يعبدون" ولم يقل "تعبد" ولا "يعبدون"، لأن الآلهة جرت عندهم مجرى من يعقل فعظموها كما يعظمون الملوك فأجرى الخبر عنها مجرى الخبر عن من يعقل. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ بِآيَـٰتِنَآ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَمَلإِيْهِ فَقَالَ إِنِّي رَسُولُ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾، أي: ولقد أرسلنا موسى بالحجج والآيات إلى أشراف قوم فرعون وآل فرعون كما أرسلناك يا محمد إلى قومك. فقال لهم موسى: إني رسول رب العالمين. فلما جاءهم موسى بآياتنا وأدلتنا إذا هم منها يضحكون، أي: يهزءون ويسخرون كما فعل بك قومك يا محمد. وهذا كله تسلية وتصبير للنبي ﷺ على ما ناله من قومه، فأعلمه أن ما نزل به من قومه قد نزل بمن كان قبله من الأنبياء فندبه تعالى إلى الصبر فقال: ﴿فَٱصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُواْ ٱلْعَزْمِ مِنَ ٱلرُّسُلِ﴾ [الأحقاف: ٣٥].

الزخرف 43:45

قوله تعالى: ﴿وَلَن يَنفَعَكُمُ ٱلْيَوْمَ إِذ ظَّلَمْتُمْ﴾ - إلى قوله: - ﴿فَلَمَّا جَآءَهُم بِآيَاتِنَآ إِذَا هُم مِّنْهَا يَضْحَكُونَ﴾، أي: ولن ينفعكم اشتراككم في العذاب، (أي: لن يخفف) عنكم ما أنتم فيه من العذاب لاشتراككم فيه، بل كل واحد منكم يناله نصيبه من العذاب. فَحَرَمَ الله عز وجل أهل النار هذا المقدار من التأسي فلا راحة لهم في شيء، حتى في التأسي لا راحة لهم فيه. * * ثم قال تعالى: ﴿أَفَأَنتَ تُسْمِعُ ٱلصُّمَّ أَوْ تَهْدِي ٱلْعُمْيَ وَمَن كَانَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ﴾، أي: أفأنت يا محمد تسمع من أصمه الله عن سماع الهدى على شريطه الانتفاع به، أو تهدي من أعمى الله قلبه وبصره على أن يرى ما يهتدي به، أو تهدي من هو في جور عن الحق بعيد عن الصواب، ليس ذلك إليك يا محمد إنما هو إلى الله عز وجل الذي يوفق من يشاء فيهتدي بتوفيقه إياه، ويخذل من يشاء فيضل بخذلانه إياه. * * ثم قال تعالى: ﴿فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُم مُّنتَقِمُونَ﴾. قال الحسن: هي في أهل الإسلام ممن بقي بعد النبي ﷺ قال: لقد كانت بعد نبي الله ﷺ نقمة شديدة فأكرم الله عز وجل نبيه ﷺ أن يريه في أمته ما كان من النقمة بعده. وقال قتادة: لم تقع النقمة، بل قد أذهب الله نبيه ولم ير في أمته إلا الذي تقر به عينه. قال وليس من نبي إلا وقد رأى في أمته ما لا يشتهي. قال قتادة: ذُكر لنا أن النبي ﷺ أُرِيَ ما يصيب أمته بعده، فما زال منقبضاً ما استبسط ضاحكاً حتى لقي الله جل ذكره. وقال السدي: هذه الآية عُني بها أهل الشرك من قومه ﷺ، وقد أراه النقمة فيهم وأظهره عليهم. فالمعنى: فإن نذهب بك يا محمد من بين أظهر هؤلاء المشركين، فإنا منهم منتقمون كما فعلنا ذلك بالأمم المكذبة قبلهم، أو نريك الذي وعدناهم من النقمة منهم وإظهارك عليهم، فإنا عليهم مقتدرون. ومعنى: الذي وعدناهم: الذي وعدناك فيهم من النصر. وقيل: هو راجع إلى قوله: ﴿وَٱلآخِرَةُ عِندَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: ٣٥]. فيكون المعنى: أو نريك الذي وعدنا المتقين من النصر. * * ثم قال تعالى: ﴿فَٱسْتَمْسِكْ بِٱلَّذِيۤ أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ يعني القرآن، أي: الزمه واعمل بما فيه أنت ومن آمن بك. * * ثم قال: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ﴾، أي: وإن هذا القرآن لشرفٌ لك ولقومك، يعني: قريشاً، وسوف تسألون عن الشكر على ما فضلكم به من إنزال كتابه عليكم. وقيل: المعنى: وسوف تسألون عما عملتم فيه من قبولكم لأوامره ونواهيه. * * ثم قال تعالى: ﴿وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رُّسُلِنَآ أَجَعَلْنَا مِن دُونِ ٱلرَّحْمَـٰنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾، يعني: اسأل يا محمد أهل الكتابين عن ذلك. فالتقدير: وأسال من أرسلنا إليهم قبلك رسلنا. و "من" زائدة. وفي قراءة ابن مسعود: وسئل الذين ارسلنا من قبلك من رسلنا، هذا قول مجاهد والسدي، وقال قتادة: معناه: سل يا محمد أهل التوراة والإنجيل هل جاءتهم الرسل إلا بالتوحيد. وقال الضحاك، أمر النبي ﷺ أن يسأل مؤمني أهل الكتاب. وقال ابن زيد: أمر النبي ﷺ أن يسأل الأنبياء عن ذلك ليلة جُمُعوا له في الإسراء إلى بيت المقدس. فكان النبي ﷺ أشد إيماناً ويقيناً أن الله عز وجل لم يأمر بعبادة غيره من أن يحتاج أن يسأل احداً. "فمن" على هذا القول غير زائدة. ويروى أن النبي ﷺ لما نزل عليه ذلك قال له جبريل: سل يا محمد الأنبياء الذين أريتهم في الإسراء قال: "لاَ أَسْأَلُ قَدِ اكْتَفَيْتُ" فالمعنى: على هذا القول: (إنه يا محمد) سيسري بك ربك فأسأل الرسل هل أمر الله عز وجل أن يُعْبَدَ غيره. وقيل: تقدير الآية: واسأل يا محمد أمم من أرسلنا قبلك (من رسلنا)، ثم حذف المضاف. فيكون المسؤول أهل الكتابين وغيرهم من جميع الأمم، أي: سلهم هل وجدوا في كتبهم أن الله عز وجل أمر أن يعبد معه غيره. والتقدير في الآية عند ابن قتيبة: واسأل من أرسلنا إليه قبلك رسلا من رسلنا، فحذف "إليه" لأن في الكلام ما يدل عليه فالخطاب عنده للنبي ﷺ والمراد: المشركون. وحذف رسلاً لأن ﴿مِن رُّسُلِنَآ﴾ يدل عليه كما قال: ؎ كَأَنَّكَ مِنْ جِمَالِ بَنِي أُقَيْشٍ. أي: كأنك جَمَلٌ من جمال بني أقيش، وحذف "إليه" عند أهل العربية بعيد في القياس. وقيل: المعنى: "سلنا عن الأنبياء الذين أرسلناهم قبلك". ويتم الكلام على "رسلنا" و "عن" محذوفة، ثم ابتدأ بالاستفهام على طريق الإنكار، أي: ما جعلنا آلهة تعبد من دون الله. وأخبر الآلهة كما يخبر عمن يعقل، فقال: "يعبدون" ولم يقل "تعبد" ولا "يعبدون"، لأن الآلهة جرت عندهم مجرى من يعقل فعظموها كما يعظمون الملوك فأجرى الخبر عنها مجرى الخبر عن من يعقل. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ بِآيَـٰتِنَآ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَمَلإِيْهِ فَقَالَ إِنِّي رَسُولُ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾، أي: ولقد أرسلنا موسى بالحجج والآيات إلى أشراف قوم فرعون وآل فرعون كما أرسلناك يا محمد إلى قومك. فقال لهم موسى: إني رسول رب العالمين. فلما جاءهم موسى بآياتنا وأدلتنا إذا هم منها يضحكون، أي: يهزءون ويسخرون كما فعل بك قومك يا محمد. وهذا كله تسلية وتصبير للنبي ﷺ على ما ناله من قومه، فأعلمه أن ما نزل به من قومه قد نزل بمن كان قبله من الأنبياء فندبه تعالى إلى الصبر فقال: ﴿فَٱصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُواْ ٱلْعَزْمِ مِنَ ٱلرُّسُلِ﴾ [الأحقاف: ٣٥].

الزخرف 43:46

قوله تعالى: ﴿وَلَن يَنفَعَكُمُ ٱلْيَوْمَ إِذ ظَّلَمْتُمْ﴾ - إلى قوله: - ﴿فَلَمَّا جَآءَهُم بِآيَاتِنَآ إِذَا هُم مِّنْهَا يَضْحَكُونَ﴾، أي: ولن ينفعكم اشتراككم في العذاب، (أي: لن يخفف) عنكم ما أنتم فيه من العذاب لاشتراككم فيه، بل كل واحد منكم يناله نصيبه من العذاب. فَحَرَمَ الله عز وجل أهل النار هذا المقدار من التأسي فلا راحة لهم في شيء، حتى في التأسي لا راحة لهم فيه. * * ثم قال تعالى: ﴿أَفَأَنتَ تُسْمِعُ ٱلصُّمَّ أَوْ تَهْدِي ٱلْعُمْيَ وَمَن كَانَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ﴾، أي: أفأنت يا محمد تسمع من أصمه الله عن سماع الهدى على شريطه الانتفاع به، أو تهدي من أعمى الله قلبه وبصره على أن يرى ما يهتدي به، أو تهدي من هو في جور عن الحق بعيد عن الصواب، ليس ذلك إليك يا محمد إنما هو إلى الله عز وجل الذي يوفق من يشاء فيهتدي بتوفيقه إياه، ويخذل من يشاء فيضل بخذلانه إياه. * * ثم قال تعالى: ﴿فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُم مُّنتَقِمُونَ﴾. قال الحسن: هي في أهل الإسلام ممن بقي بعد النبي ﷺ قال: لقد كانت بعد نبي الله ﷺ نقمة شديدة فأكرم الله عز وجل نبيه ﷺ أن يريه في أمته ما كان من النقمة بعده. وقال قتادة: لم تقع النقمة، بل قد أذهب الله نبيه ولم ير في أمته إلا الذي تقر به عينه. قال وليس من نبي إلا وقد رأى في أمته ما لا يشتهي. قال قتادة: ذُكر لنا أن النبي ﷺ أُرِيَ ما يصيب أمته بعده، فما زال منقبضاً ما استبسط ضاحكاً حتى لقي الله جل ذكره. وقال السدي: هذه الآية عُني بها أهل الشرك من قومه ﷺ، وقد أراه النقمة فيهم وأظهره عليهم. فالمعنى: فإن نذهب بك يا محمد من بين أظهر هؤلاء المشركين، فإنا منهم منتقمون كما فعلنا ذلك بالأمم المكذبة قبلهم، أو نريك الذي وعدناهم من النقمة منهم وإظهارك عليهم، فإنا عليهم مقتدرون. ومعنى: الذي وعدناهم: الذي وعدناك فيهم من النصر. وقيل: هو راجع إلى قوله: ﴿وَٱلآخِرَةُ عِندَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: ٣٥]. فيكون المعنى: أو نريك الذي وعدنا المتقين من النصر. * * ثم قال تعالى: ﴿فَٱسْتَمْسِكْ بِٱلَّذِيۤ أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ يعني القرآن، أي: الزمه واعمل بما فيه أنت ومن آمن بك. * * ثم قال: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ﴾، أي: وإن هذا القرآن لشرفٌ لك ولقومك، يعني: قريشاً، وسوف تسألون عن الشكر على ما فضلكم به من إنزال كتابه عليكم. وقيل: المعنى: وسوف تسألون عما عملتم فيه من قبولكم لأوامره ونواهيه. * * ثم قال تعالى: ﴿وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رُّسُلِنَآ أَجَعَلْنَا مِن دُونِ ٱلرَّحْمَـٰنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾، يعني: اسأل يا محمد أهل الكتابين عن ذلك. فالتقدير: وأسال من أرسلنا إليهم قبلك رسلنا. و "من" زائدة. وفي قراءة ابن مسعود: وسئل الذين ارسلنا من قبلك من رسلنا، هذا قول مجاهد والسدي، وقال قتادة: معناه: سل يا محمد أهل التوراة والإنجيل هل جاءتهم الرسل إلا بالتوحيد. وقال الضحاك، أمر النبي ﷺ أن يسأل مؤمني أهل الكتاب. وقال ابن زيد: أمر النبي ﷺ أن يسأل الأنبياء عن ذلك ليلة جُمُعوا له في الإسراء إلى بيت المقدس. فكان النبي ﷺ أشد إيماناً ويقيناً أن الله عز وجل لم يأمر بعبادة غيره من أن يحتاج أن يسأل احداً. "فمن" على هذا القول غير زائدة. ويروى أن النبي ﷺ لما نزل عليه ذلك قال له جبريل: سل يا محمد الأنبياء الذين أريتهم في الإسراء قال: "لاَ أَسْأَلُ قَدِ اكْتَفَيْتُ" فالمعنى: على هذا القول: (إنه يا محمد) سيسري بك ربك فأسأل الرسل هل أمر الله عز وجل أن يُعْبَدَ غيره. وقيل: تقدير الآية: واسأل يا محمد أمم من أرسلنا قبلك (من رسلنا)، ثم حذف المضاف. فيكون المسؤول أهل الكتابين وغيرهم من جميع الأمم، أي: سلهم هل وجدوا في كتبهم أن الله عز وجل أمر أن يعبد معه غيره. والتقدير في الآية عند ابن قتيبة: واسأل من أرسلنا إليه قبلك رسلا من رسلنا، فحذف "إليه" لأن في الكلام ما يدل عليه فالخطاب عنده للنبي ﷺ والمراد: المشركون. وحذف رسلاً لأن ﴿مِن رُّسُلِنَآ﴾ يدل عليه كما قال: ؎ كَأَنَّكَ مِنْ جِمَالِ بَنِي أُقَيْشٍ. أي: كأنك جَمَلٌ من جمال بني أقيش، وحذف "إليه" عند أهل العربية بعيد في القياس. وقيل: المعنى: "سلنا عن الأنبياء الذين أرسلناهم قبلك". ويتم الكلام على "رسلنا" و "عن" محذوفة، ثم ابتدأ بالاستفهام على طريق الإنكار، أي: ما جعلنا آلهة تعبد من دون الله. وأخبر الآلهة كما يخبر عمن يعقل، فقال: "يعبدون" ولم يقل "تعبد" ولا "يعبدون"، لأن الآلهة جرت عندهم مجرى من يعقل فعظموها كما يعظمون الملوك فأجرى الخبر عنها مجرى الخبر عن من يعقل. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ بِآيَـٰتِنَآ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَمَلإِيْهِ فَقَالَ إِنِّي رَسُولُ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾، أي: ولقد أرسلنا موسى بالحجج والآيات إلى أشراف قوم فرعون وآل فرعون كما أرسلناك يا محمد إلى قومك. فقال لهم موسى: إني رسول رب العالمين. فلما جاءهم موسى بآياتنا وأدلتنا إذا هم منها يضحكون، أي: يهزءون ويسخرون كما فعل بك قومك يا محمد. وهذا كله تسلية وتصبير للنبي ﷺ على ما ناله من قومه، فأعلمه أن ما نزل به من قومه قد نزل بمن كان قبله من الأنبياء فندبه تعالى إلى الصبر فقال: ﴿فَٱصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُواْ ٱلْعَزْمِ مِنَ ٱلرُّسُلِ﴾ [الأحقاف: ٣٥].

الزخرف 43:47

قوله تعالى: ﴿وَلَن يَنفَعَكُمُ ٱلْيَوْمَ إِذ ظَّلَمْتُمْ﴾ - إلى قوله: - ﴿فَلَمَّا جَآءَهُم بِآيَاتِنَآ إِذَا هُم مِّنْهَا يَضْحَكُونَ﴾، أي: ولن ينفعكم اشتراككم في العذاب، (أي: لن يخفف) عنكم ما أنتم فيه من العذاب لاشتراككم فيه، بل كل واحد منكم يناله نصيبه من العذاب. فَحَرَمَ الله عز وجل أهل النار هذا المقدار من التأسي فلا راحة لهم في شيء، حتى في التأسي لا راحة لهم فيه. * * ثم قال تعالى: ﴿أَفَأَنتَ تُسْمِعُ ٱلصُّمَّ أَوْ تَهْدِي ٱلْعُمْيَ وَمَن كَانَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ﴾، أي: أفأنت يا محمد تسمع من أصمه الله عن سماع الهدى على شريطه الانتفاع به، أو تهدي من أعمى الله قلبه وبصره على أن يرى ما يهتدي به، أو تهدي من هو في جور عن الحق بعيد عن الصواب، ليس ذلك إليك يا محمد إنما هو إلى الله عز وجل الذي يوفق من يشاء فيهتدي بتوفيقه إياه، ويخذل من يشاء فيضل بخذلانه إياه. * * ثم قال تعالى: ﴿فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُم مُّنتَقِمُونَ﴾. قال الحسن: هي في أهل الإسلام ممن بقي بعد النبي ﷺ قال: لقد كانت بعد نبي الله ﷺ نقمة شديدة فأكرم الله عز وجل نبيه ﷺ أن يريه في أمته ما كان من النقمة بعده. وقال قتادة: لم تقع النقمة، بل قد أذهب الله نبيه ولم ير في أمته إلا الذي تقر به عينه. قال وليس من نبي إلا وقد رأى في أمته ما لا يشتهي. قال قتادة: ذُكر لنا أن النبي ﷺ أُرِيَ ما يصيب أمته بعده، فما زال منقبضاً ما استبسط ضاحكاً حتى لقي الله جل ذكره. وقال السدي: هذه الآية عُني بها أهل الشرك من قومه ﷺ، وقد أراه النقمة فيهم وأظهره عليهم. فالمعنى: فإن نذهب بك يا محمد من بين أظهر هؤلاء المشركين، فإنا منهم منتقمون كما فعلنا ذلك بالأمم المكذبة قبلهم، أو نريك الذي وعدناهم من النقمة منهم وإظهارك عليهم، فإنا عليهم مقتدرون. ومعنى: الذي وعدناهم: الذي وعدناك فيهم من النصر. وقيل: هو راجع إلى قوله: ﴿وَٱلآخِرَةُ عِندَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: ٣٥]. فيكون المعنى: أو نريك الذي وعدنا المتقين من النصر. * * ثم قال تعالى: ﴿فَٱسْتَمْسِكْ بِٱلَّذِيۤ أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ يعني القرآن، أي: الزمه واعمل بما فيه أنت ومن آمن بك. * * ثم قال: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ﴾، أي: وإن هذا القرآن لشرفٌ لك ولقومك، يعني: قريشاً، وسوف تسألون عن الشكر على ما فضلكم به من إنزال كتابه عليكم. وقيل: المعنى: وسوف تسألون عما عملتم فيه من قبولكم لأوامره ونواهيه. * * ثم قال تعالى: ﴿وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رُّسُلِنَآ أَجَعَلْنَا مِن دُونِ ٱلرَّحْمَـٰنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾، يعني: اسأل يا محمد أهل الكتابين عن ذلك. فالتقدير: وأسال من أرسلنا إليهم قبلك رسلنا. و "من" زائدة. وفي قراءة ابن مسعود: وسئل الذين ارسلنا من قبلك من رسلنا، هذا قول مجاهد والسدي، وقال قتادة: معناه: سل يا محمد أهل التوراة والإنجيل هل جاءتهم الرسل إلا بالتوحيد. وقال الضحاك، أمر النبي ﷺ أن يسأل مؤمني أهل الكتاب. وقال ابن زيد: أمر النبي ﷺ أن يسأل الأنبياء عن ذلك ليلة جُمُعوا له في الإسراء إلى بيت المقدس. فكان النبي ﷺ أشد إيماناً ويقيناً أن الله عز وجل لم يأمر بعبادة غيره من أن يحتاج أن يسأل احداً. "فمن" على هذا القول غير زائدة. ويروى أن النبي ﷺ لما نزل عليه ذلك قال له جبريل: سل يا محمد الأنبياء الذين أريتهم في الإسراء قال: "لاَ أَسْأَلُ قَدِ اكْتَفَيْتُ" فالمعنى: على هذا القول: (إنه يا محمد) سيسري بك ربك فأسأل الرسل هل أمر الله عز وجل أن يُعْبَدَ غيره. وقيل: تقدير الآية: واسأل يا محمد أمم من أرسلنا قبلك (من رسلنا)، ثم حذف المضاف. فيكون المسؤول أهل الكتابين وغيرهم من جميع الأمم، أي: سلهم هل وجدوا في كتبهم أن الله عز وجل أمر أن يعبد معه غيره. والتقدير في الآية عند ابن قتيبة: واسأل من أرسلنا إليه قبلك رسلا من رسلنا، فحذف "إليه" لأن في الكلام ما يدل عليه فالخطاب عنده للنبي ﷺ والمراد: المشركون. وحذف رسلاً لأن ﴿مِن رُّسُلِنَآ﴾ يدل عليه كما قال: ؎ كَأَنَّكَ مِنْ جِمَالِ بَنِي أُقَيْشٍ. أي: كأنك جَمَلٌ من جمال بني أقيش، وحذف "إليه" عند أهل العربية بعيد في القياس. وقيل: المعنى: "سلنا عن الأنبياء الذين أرسلناهم قبلك". ويتم الكلام على "رسلنا" و "عن" محذوفة، ثم ابتدأ بالاستفهام على طريق الإنكار، أي: ما جعلنا آلهة تعبد من دون الله. وأخبر الآلهة كما يخبر عمن يعقل، فقال: "يعبدون" ولم يقل "تعبد" ولا "يعبدون"، لأن الآلهة جرت عندهم مجرى من يعقل فعظموها كما يعظمون الملوك فأجرى الخبر عنها مجرى الخبر عن من يعقل. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ بِآيَـٰتِنَآ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَمَلإِيْهِ فَقَالَ إِنِّي رَسُولُ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾، أي: ولقد أرسلنا موسى بالحجج والآيات إلى أشراف قوم فرعون وآل فرعون كما أرسلناك يا محمد إلى قومك. فقال لهم موسى: إني رسول رب العالمين. فلما جاءهم موسى بآياتنا وأدلتنا إذا هم منها يضحكون، أي: يهزءون ويسخرون كما فعل بك قومك يا محمد. وهذا كله تسلية وتصبير للنبي ﷺ على ما ناله من قومه، فأعلمه أن ما نزل به من قومه قد نزل بمن كان قبله من الأنبياء فندبه تعالى إلى الصبر فقال: ﴿فَٱصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُواْ ٱلْعَزْمِ مِنَ ٱلرُّسُلِ﴾ [الأحقاف: ٣٥].

الزخرف 43:48

قوله تعالى: ﴿وَمَا نُرِيِهِم مِّنْ آيَةٍ إِلاَّ هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا﴾ إلى قوله - ﴿إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْماً فَاسِقِينَ﴾، أي: وما نرى آل فرعون من حجة على صدق ما جاءهم به موسى إلا هي أكبر من أختها، أي: هي أبين وآكد عليهم في الحجة من التي مضت قبلها. * * ثم قال: ﴿وَأَخَذْنَاهُم بِٱلْعَذَابِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾، أي: (وأخذنا آل) فرعون بالجدب والسنين والجراد والقمل والضفادع والدم، لعلهم يتوبون إلى الله عز وجل ويتركون الكفر. * * ثم قال: ﴿وَقَالُواْ يَٰأَيُّهَ ٱلسَّاحِرُ ٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِندَكَ إِنَّنَا لَمُهْتَدُونَ﴾، أي: وقال فرعون وملأوه لموسى لما مسهم الضر بالجراد والقمل والضفادع والدم والسنين: يا أيها الساحر ادع لنا ربك بعهده الذي عهد إليك إنا آمنا بك واتبعناك إن كشف عنا الرجز. وإنما خاطبوه بالساحر وهم يسألونه أن يدعو الله لهم ويعدوه بالإيمان، لأن الساحر عندهم: العالم، ولم يكن الساحر عندهم ذماً، فكأنهم قالوا له: يا أيها العالم. وقيل: خاطبوه بذلك على عادتهم معه، ووعدوه أنهم سيؤمنون به فيما يستقبل، ومعنى: إننا لمهتدون، أي: إننا لمتبعوك ومصدقوك إن كشفت عنا العذاب. * * ثم قال تعالى: ﴿فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ ٱلْعَذَابَ إِذَا هُمْ يَنكُثُونَ﴾. في الكلام حذف، والتقدير: فدعا موسى ربه أن يكشف عنهم العذاب فكشفه الله عنهم. فلما كشفه عنهم نكثوا وعدهم وتمادوا على كفرهم وتكذيبهم لموسى فنقضوا العهد الذي عاهدوا موسى عليه إن كشف الله عنهم العذاب. قال قتادة: ينكثون: يغدرون. * * ثم قال تعالى: ﴿وَنَادَىٰ فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ﴾ الآية، أي: ونادى فرعون في قومه من القبط ﴿قَالَ يٰقَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَـٰذِهِ ٱلأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِيۤ﴾، أي: من بين يدي في الجنات. قال قتادة: تجري من تحتي، قال: كانت له جنات وأنهار ماء. * * وقوله: ﴿أَفَلاَ تُبْصِرُونَ﴾: (معناه: أفلا تبصرون أيها) القوم ما أنا فيه من النعيم والملك وما فيه موسى من الفقر وَعَيِّ اللسان. وقدره الأخفش: "أفلا تبصرون، أم تبصرون"، وقدره الخليل وسيبويه: "أفلا تبصرون، أم أنتم بصراء". ويكون "أم أنا خير" بمعنى: أم أنتم بصراء، لأنهم لو قالو له أنت خير لكانوا عنده بصراء. * * وقوله: ﴿أَمْ أَنَآ خَيْرٌ مِّنْ هَـٰذَا ٱلَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلاَ يَكَادُ يُبِينُ﴾، أي: قال فرعون لقومه: بل أنا خير من موسى الذي هو مهين لا عِزَّ له ولا ملك ولا مال يمتهن نفسه في حاجته. "ولا يكاد يبين"، (أي: لا يبين) كلامه، للعقدة التي كانت فيه. قال أحمد بن جعفر: تقف على "أفلا تبصرون"، ثم تبتدئ "أم أنا خير"، بمعنى: بل أنا خير. قال أبو عبيدة: مجاز "أم" هنا، مجاز "بل". وقال يعقوب: الوقف: "أفلا تبصرون أم" ويبتدئ: "أنا خير". وروى عن مجاهد أنه قال: "أفلا تبصرون أم" انقطع الكلام ثم قال: "أنا خير من هذا الذي هو مهين"، وكذلك روي عن عيسى بن عمر. والتقدير على هذا الوقف: أفلا تبصرون أم تبصرون فيتم الكلام. ثم حذف "تبصرون" الثاني لدلالة الأول عليه فتقف على "أم" لأنها منتهى الكلام. وقيل: إن من وقف على "أم" جعلها زائدة، وكأنه وقف على "تبصرون" من قوله: "أفلا تبصرون". ولا يتم الكلام على "تبصرون" عند الخليل وسيبويه لأن "أم" تقتضي الاتصال بما قبلها. وقوله: "أنا خير من هذا الذي هو مهين" مع "أم" في موضع قوله: أم أنتم بصراء. ثم قال تعالى: حكاية عن قول فرعون: ﴿فَلَوْلاَ أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِّن ذَهَبٍ﴾، أي: فهلا كان في يد موسى أساورة ذهباً وواحد الأساورة: إسوار. وفي قراءة أبي: أَسَاوِرُ من ذَهَبٍ. فهذا يدل على أن الواحد إسوار. ولكن لما دخلت الهاء في أساورة حذفت الياء لأنهما يتعاقبان في هذا النحو، نحو: دهاقين ودهاقنة، (وجحاجيح وجحاحجة)، وزناديق وزنادقة، الهاء عوض من الياء، والواحد دهقان وجحجاح وزنديق، وحسن انصرافه لدخول هاء التأنيث فيه. وقال الزجاج: إنما انصرف لأن له في الواحد نظيراً نحو علانية وعباقيه. وفيه ثلاث لغات حكاها الكسائي وغيره، يقال: إِسْوَار وسِوَار وسُوَار بمعنى. وقيل: إن أساورة يجوز (أن يكون) جمع أسورة، وأسورة جمع سُوار وَسِوَارٌ. والعرب تسمي الرجل الحاذق بالرمي (بِأُسْوَارُ) إذا كان من رجال العجم. * * وقوله: ﴿أَوْ جَآءَ مَعَهُ ٱلْمَلاَئِكَةُ مُقْتَرِنِينَ﴾. هذا من قول فرعون، أي: لو كان موسى صادقا لجاء معه الملائكة، قد اقترن بعضهم ببعض متتابعين، يشهدون بصدقه فيما يقول. قال مجاهد: مقترنين: "يمشون معه". وقال قتادة: مقترنين: متتابعين، وقال السدي: "يقارن بعضهم بعضاً". قال الله: ﴿فَٱسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ﴾، أي: فاستخف فرعون عقول قومه من القبط بقوله، فقبلوا منه فأطاعوه على الكفر وتكذيب موسى. ﴿إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْماً فَاسِقِينَ﴾، أي: خارجين عن طاعة الله سبحانه بكفرهم وتكذيبهم لموسى وتركهم قبول ما جاءهم به.

الزخرف 43:49

قوله تعالى: ﴿وَمَا نُرِيِهِم مِّنْ آيَةٍ إِلاَّ هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا﴾ إلى قوله - ﴿إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْماً فَاسِقِينَ﴾، أي: وما نرى آل فرعون من حجة على صدق ما جاءهم به موسى إلا هي أكبر من أختها، أي: هي أبين وآكد عليهم في الحجة من التي مضت قبلها. * * ثم قال: ﴿وَأَخَذْنَاهُم بِٱلْعَذَابِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾، أي: (وأخذنا آل) فرعون بالجدب والسنين والجراد والقمل والضفادع والدم، لعلهم يتوبون إلى الله عز وجل ويتركون الكفر. * * ثم قال: ﴿وَقَالُواْ يَٰأَيُّهَ ٱلسَّاحِرُ ٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِندَكَ إِنَّنَا لَمُهْتَدُونَ﴾، أي: وقال فرعون وملأوه لموسى لما مسهم الضر بالجراد والقمل والضفادع والدم والسنين: يا أيها الساحر ادع لنا ربك بعهده الذي عهد إليك إنا آمنا بك واتبعناك إن كشف عنا الرجز. وإنما خاطبوه بالساحر وهم يسألونه أن يدعو الله لهم ويعدوه بالإيمان، لأن الساحر عندهم: العالم، ولم يكن الساحر عندهم ذماً، فكأنهم قالوا له: يا أيها العالم. وقيل: خاطبوه بذلك على عادتهم معه، ووعدوه أنهم سيؤمنون به فيما يستقبل، ومعنى: إننا لمهتدون، أي: إننا لمتبعوك ومصدقوك إن كشفت عنا العذاب. * * ثم قال تعالى: ﴿فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ ٱلْعَذَابَ إِذَا هُمْ يَنكُثُونَ﴾. في الكلام حذف، والتقدير: فدعا موسى ربه أن يكشف عنهم العذاب فكشفه الله عنهم. فلما كشفه عنهم نكثوا وعدهم وتمادوا على كفرهم وتكذيبهم لموسى فنقضوا العهد الذي عاهدوا موسى عليه إن كشف الله عنهم العذاب. قال قتادة: ينكثون: يغدرون. * * ثم قال تعالى: ﴿وَنَادَىٰ فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ﴾ الآية، أي: ونادى فرعون في قومه من القبط ﴿قَالَ يٰقَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَـٰذِهِ ٱلأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِيۤ﴾، أي: من بين يدي في الجنات. قال قتادة: تجري من تحتي، قال: كانت له جنات وأنهار ماء. * * وقوله: ﴿أَفَلاَ تُبْصِرُونَ﴾: (معناه: أفلا تبصرون أيها) القوم ما أنا فيه من النعيم والملك وما فيه موسى من الفقر وَعَيِّ اللسان. وقدره الأخفش: "أفلا تبصرون، أم تبصرون"، وقدره الخليل وسيبويه: "أفلا تبصرون، أم أنتم بصراء". ويكون "أم أنا خير" بمعنى: أم أنتم بصراء، لأنهم لو قالو له أنت خير لكانوا عنده بصراء. * * وقوله: ﴿أَمْ أَنَآ خَيْرٌ مِّنْ هَـٰذَا ٱلَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلاَ يَكَادُ يُبِينُ﴾، أي: قال فرعون لقومه: بل أنا خير من موسى الذي هو مهين لا عِزَّ له ولا ملك ولا مال يمتهن نفسه في حاجته. "ولا يكاد يبين"، (أي: لا يبين) كلامه، للعقدة التي كانت فيه. قال أحمد بن جعفر: تقف على "أفلا تبصرون"، ثم تبتدئ "أم أنا خير"، بمعنى: بل أنا خير. قال أبو عبيدة: مجاز "أم" هنا، مجاز "بل". وقال يعقوب: الوقف: "أفلا تبصرون أم" ويبتدئ: "أنا خير". وروى عن مجاهد أنه قال: "أفلا تبصرون أم" انقطع الكلام ثم قال: "أنا خير من هذا الذي هو مهين"، وكذلك روي عن عيسى بن عمر. والتقدير على هذا الوقف: أفلا تبصرون أم تبصرون فيتم الكلام. ثم حذف "تبصرون" الثاني لدلالة الأول عليه فتقف على "أم" لأنها منتهى الكلام. وقيل: إن من وقف على "أم" جعلها زائدة، وكأنه وقف على "تبصرون" من قوله: "أفلا تبصرون". ولا يتم الكلام على "تبصرون" عند الخليل وسيبويه لأن "أم" تقتضي الاتصال بما قبلها. وقوله: "أنا خير من هذا الذي هو مهين" مع "أم" في موضع قوله: أم أنتم بصراء. ثم قال تعالى: حكاية عن قول فرعون: ﴿فَلَوْلاَ أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِّن ذَهَبٍ﴾، أي: فهلا كان في يد موسى أساورة ذهباً وواحد الأساورة: إسوار. وفي قراءة أبي: أَسَاوِرُ من ذَهَبٍ. فهذا يدل على أن الواحد إسوار. ولكن لما دخلت الهاء في أساورة حذفت الياء لأنهما يتعاقبان في هذا النحو، نحو: دهاقين ودهاقنة، (وجحاجيح وجحاحجة)، وزناديق وزنادقة، الهاء عوض من الياء، والواحد دهقان وجحجاح وزنديق، وحسن انصرافه لدخول هاء التأنيث فيه. وقال الزجاج: إنما انصرف لأن له في الواحد نظيراً نحو علانية وعباقيه. وفيه ثلاث لغات حكاها الكسائي وغيره، يقال: إِسْوَار وسِوَار وسُوَار بمعنى. وقيل: إن أساورة يجوز (أن يكون) جمع أسورة، وأسورة جمع سُوار وَسِوَارٌ. والعرب تسمي الرجل الحاذق بالرمي (بِأُسْوَارُ) إذا كان من رجال العجم. * * وقوله: ﴿أَوْ جَآءَ مَعَهُ ٱلْمَلاَئِكَةُ مُقْتَرِنِينَ﴾. هذا من قول فرعون، أي: لو كان موسى صادقا لجاء معه الملائكة، قد اقترن بعضهم ببعض متتابعين، يشهدون بصدقه فيما يقول. قال مجاهد: مقترنين: "يمشون معه". وقال قتادة: مقترنين: متتابعين، وقال السدي: "يقارن بعضهم بعضاً". قال الله: ﴿فَٱسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ﴾، أي: فاستخف فرعون عقول قومه من القبط بقوله، فقبلوا منه فأطاعوه على الكفر وتكذيب موسى. ﴿إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْماً فَاسِقِينَ﴾، أي: خارجين عن طاعة الله سبحانه بكفرهم وتكذيبهم لموسى وتركهم قبول ما جاءهم به.

الزخرف 43:50

قوله تعالى: ﴿وَمَا نُرِيِهِم مِّنْ آيَةٍ إِلاَّ هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا﴾ إلى قوله - ﴿إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْماً فَاسِقِينَ﴾، أي: وما نرى آل فرعون من حجة على صدق ما جاءهم به موسى إلا هي أكبر من أختها، أي: هي أبين وآكد عليهم في الحجة من التي مضت قبلها. * * ثم قال: ﴿وَأَخَذْنَاهُم بِٱلْعَذَابِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾، أي: (وأخذنا آل) فرعون بالجدب والسنين والجراد والقمل والضفادع والدم، لعلهم يتوبون إلى الله عز وجل ويتركون الكفر. * * ثم قال: ﴿وَقَالُواْ يَٰأَيُّهَ ٱلسَّاحِرُ ٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِندَكَ إِنَّنَا لَمُهْتَدُونَ﴾، أي: وقال فرعون وملأوه لموسى لما مسهم الضر بالجراد والقمل والضفادع والدم والسنين: يا أيها الساحر ادع لنا ربك بعهده الذي عهد إليك إنا آمنا بك واتبعناك إن كشف عنا الرجز. وإنما خاطبوه بالساحر وهم يسألونه أن يدعو الله لهم ويعدوه بالإيمان، لأن الساحر عندهم: العالم، ولم يكن الساحر عندهم ذماً، فكأنهم قالوا له: يا أيها العالم. وقيل: خاطبوه بذلك على عادتهم معه، ووعدوه أنهم سيؤمنون به فيما يستقبل، ومعنى: إننا لمهتدون، أي: إننا لمتبعوك ومصدقوك إن كشفت عنا العذاب. * * ثم قال تعالى: ﴿فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ ٱلْعَذَابَ إِذَا هُمْ يَنكُثُونَ﴾. في الكلام حذف، والتقدير: فدعا موسى ربه أن يكشف عنهم العذاب فكشفه الله عنهم. فلما كشفه عنهم نكثوا وعدهم وتمادوا على كفرهم وتكذيبهم لموسى فنقضوا العهد الذي عاهدوا موسى عليه إن كشف الله عنهم العذاب. قال قتادة: ينكثون: يغدرون. * * ثم قال تعالى: ﴿وَنَادَىٰ فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ﴾ الآية، أي: ونادى فرعون في قومه من القبط ﴿قَالَ يٰقَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَـٰذِهِ ٱلأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِيۤ﴾، أي: من بين يدي في الجنات. قال قتادة: تجري من تحتي، قال: كانت له جنات وأنهار ماء. * * وقوله: ﴿أَفَلاَ تُبْصِرُونَ﴾: (معناه: أفلا تبصرون أيها) القوم ما أنا فيه من النعيم والملك وما فيه موسى من الفقر وَعَيِّ اللسان. وقدره الأخفش: "أفلا تبصرون، أم تبصرون"، وقدره الخليل وسيبويه: "أفلا تبصرون، أم أنتم بصراء". ويكون "أم أنا خير" بمعنى: أم أنتم بصراء، لأنهم لو قالو له أنت خير لكانوا عنده بصراء. * * وقوله: ﴿أَمْ أَنَآ خَيْرٌ مِّنْ هَـٰذَا ٱلَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلاَ يَكَادُ يُبِينُ﴾، أي: قال فرعون لقومه: بل أنا خير من موسى الذي هو مهين لا عِزَّ له ولا ملك ولا مال يمتهن نفسه في حاجته. "ولا يكاد يبين"، (أي: لا يبين) كلامه، للعقدة التي كانت فيه. قال أحمد بن جعفر: تقف على "أفلا تبصرون"، ثم تبتدئ "أم أنا خير"، بمعنى: بل أنا خير. قال أبو عبيدة: مجاز "أم" هنا، مجاز "بل". وقال يعقوب: الوقف: "أفلا تبصرون أم" ويبتدئ: "أنا خير". وروى عن مجاهد أنه قال: "أفلا تبصرون أم" انقطع الكلام ثم قال: "أنا خير من هذا الذي هو مهين"، وكذلك روي عن عيسى بن عمر. والتقدير على هذا الوقف: أفلا تبصرون أم تبصرون فيتم الكلام. ثم حذف "تبصرون" الثاني لدلالة الأول عليه فتقف على "أم" لأنها منتهى الكلام. وقيل: إن من وقف على "أم" جعلها زائدة، وكأنه وقف على "تبصرون" من قوله: "أفلا تبصرون". ولا يتم الكلام على "تبصرون" عند الخليل وسيبويه لأن "أم" تقتضي الاتصال بما قبلها. وقوله: "أنا خير من هذا الذي هو مهين" مع "أم" في موضع قوله: أم أنتم بصراء. ثم قال تعالى: حكاية عن قول فرعون: ﴿فَلَوْلاَ أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِّن ذَهَبٍ﴾، أي: فهلا كان في يد موسى أساورة ذهباً وواحد الأساورة: إسوار. وفي قراءة أبي: أَسَاوِرُ من ذَهَبٍ. فهذا يدل على أن الواحد إسوار. ولكن لما دخلت الهاء في أساورة حذفت الياء لأنهما يتعاقبان في هذا النحو، نحو: دهاقين ودهاقنة، (وجحاجيح وجحاحجة)، وزناديق وزنادقة، الهاء عوض من الياء، والواحد دهقان وجحجاح وزنديق، وحسن انصرافه لدخول هاء التأنيث فيه. وقال الزجاج: إنما انصرف لأن له في الواحد نظيراً نحو علانية وعباقيه. وفيه ثلاث لغات حكاها الكسائي وغيره، يقال: إِسْوَار وسِوَار وسُوَار بمعنى. وقيل: إن أساورة يجوز (أن يكون) جمع أسورة، وأسورة جمع سُوار وَسِوَارٌ. والعرب تسمي الرجل الحاذق بالرمي (بِأُسْوَارُ) إذا كان من رجال العجم. * * وقوله: ﴿أَوْ جَآءَ مَعَهُ ٱلْمَلاَئِكَةُ مُقْتَرِنِينَ﴾. هذا من قول فرعون، أي: لو كان موسى صادقا لجاء معه الملائكة، قد اقترن بعضهم ببعض متتابعين، يشهدون بصدقه فيما يقول. قال مجاهد: مقترنين: "يمشون معه". وقال قتادة: مقترنين: متتابعين، وقال السدي: "يقارن بعضهم بعضاً". قال الله: ﴿فَٱسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ﴾، أي: فاستخف فرعون عقول قومه من القبط بقوله، فقبلوا منه فأطاعوه على الكفر وتكذيب موسى. ﴿إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْماً فَاسِقِينَ﴾، أي: خارجين عن طاعة الله سبحانه بكفرهم وتكذيبهم لموسى وتركهم قبول ما جاءهم به.

الزخرف 43:51

قوله تعالى: ﴿وَمَا نُرِيِهِم مِّنْ آيَةٍ إِلاَّ هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا﴾ إلى قوله - ﴿إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْماً فَاسِقِينَ﴾، أي: وما نرى آل فرعون من حجة على صدق ما جاءهم به موسى إلا هي أكبر من أختها، أي: هي أبين وآكد عليهم في الحجة من التي مضت قبلها. * * ثم قال: ﴿وَأَخَذْنَاهُم بِٱلْعَذَابِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾، أي: (وأخذنا آل) فرعون بالجدب والسنين والجراد والقمل والضفادع والدم، لعلهم يتوبون إلى الله عز وجل ويتركون الكفر. * * ثم قال: ﴿وَقَالُواْ يَٰأَيُّهَ ٱلسَّاحِرُ ٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِندَكَ إِنَّنَا لَمُهْتَدُونَ﴾، أي: وقال فرعون وملأوه لموسى لما مسهم الضر بالجراد والقمل والضفادع والدم والسنين: يا أيها الساحر ادع لنا ربك بعهده الذي عهد إليك إنا آمنا بك واتبعناك إن كشف عنا الرجز. وإنما خاطبوه بالساحر وهم يسألونه أن يدعو الله لهم ويعدوه بالإيمان، لأن الساحر عندهم: العالم، ولم يكن الساحر عندهم ذماً، فكأنهم قالوا له: يا أيها العالم. وقيل: خاطبوه بذلك على عادتهم معه، ووعدوه أنهم سيؤمنون به فيما يستقبل، ومعنى: إننا لمهتدون، أي: إننا لمتبعوك ومصدقوك إن كشفت عنا العذاب. * * ثم قال تعالى: ﴿فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ ٱلْعَذَابَ إِذَا هُمْ يَنكُثُونَ﴾. في الكلام حذف، والتقدير: فدعا موسى ربه أن يكشف عنهم العذاب فكشفه الله عنهم. فلما كشفه عنهم نكثوا وعدهم وتمادوا على كفرهم وتكذيبهم لموسى فنقضوا العهد الذي عاهدوا موسى عليه إن كشف الله عنهم العذاب. قال قتادة: ينكثون: يغدرون. * * ثم قال تعالى: ﴿وَنَادَىٰ فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ﴾ الآية، أي: ونادى فرعون في قومه من القبط ﴿قَالَ يٰقَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَـٰذِهِ ٱلأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِيۤ﴾، أي: من بين يدي في الجنات. قال قتادة: تجري من تحتي، قال: كانت له جنات وأنهار ماء. * * وقوله: ﴿أَفَلاَ تُبْصِرُونَ﴾: (معناه: أفلا تبصرون أيها) القوم ما أنا فيه من النعيم والملك وما فيه موسى من الفقر وَعَيِّ اللسان. وقدره الأخفش: "أفلا تبصرون، أم تبصرون"، وقدره الخليل وسيبويه: "أفلا تبصرون، أم أنتم بصراء". ويكون "أم أنا خير" بمعنى: أم أنتم بصراء، لأنهم لو قالو له أنت خير لكانوا عنده بصراء. * * وقوله: ﴿أَمْ أَنَآ خَيْرٌ مِّنْ هَـٰذَا ٱلَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلاَ يَكَادُ يُبِينُ﴾، أي: قال فرعون لقومه: بل أنا خير من موسى الذي هو مهين لا عِزَّ له ولا ملك ولا مال يمتهن نفسه في حاجته. "ولا يكاد يبين"، (أي: لا يبين) كلامه، للعقدة التي كانت فيه. قال أحمد بن جعفر: تقف على "أفلا تبصرون"، ثم تبتدئ "أم أنا خير"، بمعنى: بل أنا خير. قال أبو عبيدة: مجاز "أم" هنا، مجاز "بل". وقال يعقوب: الوقف: "أفلا تبصرون أم" ويبتدئ: "أنا خير". وروى عن مجاهد أنه قال: "أفلا تبصرون أم" انقطع الكلام ثم قال: "أنا خير من هذا الذي هو مهين"، وكذلك روي عن عيسى بن عمر. والتقدير على هذا الوقف: أفلا تبصرون أم تبصرون فيتم الكلام. ثم حذف "تبصرون" الثاني لدلالة الأول عليه فتقف على "أم" لأنها منتهى الكلام. وقيل: إن من وقف على "أم" جعلها زائدة، وكأنه وقف على "تبصرون" من قوله: "أفلا تبصرون". ولا يتم الكلام على "تبصرون" عند الخليل وسيبويه لأن "أم" تقتضي الاتصال بما قبلها. وقوله: "أنا خير من هذا الذي هو مهين" مع "أم" في موضع قوله: أم أنتم بصراء. ثم قال تعالى: حكاية عن قول فرعون: ﴿فَلَوْلاَ أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِّن ذَهَبٍ﴾، أي: فهلا كان في يد موسى أساورة ذهباً وواحد الأساورة: إسوار. وفي قراءة أبي: أَسَاوِرُ من ذَهَبٍ. فهذا يدل على أن الواحد إسوار. ولكن لما دخلت الهاء في أساورة حذفت الياء لأنهما يتعاقبان في هذا النحو، نحو: دهاقين ودهاقنة، (وجحاجيح وجحاحجة)، وزناديق وزنادقة، الهاء عوض من الياء، والواحد دهقان وجحجاح وزنديق، وحسن انصرافه لدخول هاء التأنيث فيه. وقال الزجاج: إنما انصرف لأن له في الواحد نظيراً نحو علانية وعباقيه. وفيه ثلاث لغات حكاها الكسائي وغيره، يقال: إِسْوَار وسِوَار وسُوَار بمعنى. وقيل: إن أساورة يجوز (أن يكون) جمع أسورة، وأسورة جمع سُوار وَسِوَارٌ. والعرب تسمي الرجل الحاذق بالرمي (بِأُسْوَارُ) إذا كان من رجال العجم. * * وقوله: ﴿أَوْ جَآءَ مَعَهُ ٱلْمَلاَئِكَةُ مُقْتَرِنِينَ﴾. هذا من قول فرعون، أي: لو كان موسى صادقا لجاء معه الملائكة، قد اقترن بعضهم ببعض متتابعين، يشهدون بصدقه فيما يقول. قال مجاهد: مقترنين: "يمشون معه". وقال قتادة: مقترنين: متتابعين، وقال السدي: "يقارن بعضهم بعضاً". قال الله: ﴿فَٱسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ﴾، أي: فاستخف فرعون عقول قومه من القبط بقوله، فقبلوا منه فأطاعوه على الكفر وتكذيب موسى. ﴿إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْماً فَاسِقِينَ﴾، أي: خارجين عن طاعة الله سبحانه بكفرهم وتكذيبهم لموسى وتركهم قبول ما جاءهم به.

الزخرف 43:52

قوله تعالى: ﴿وَمَا نُرِيِهِم مِّنْ آيَةٍ إِلاَّ هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا﴾ إلى قوله - ﴿إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْماً فَاسِقِينَ﴾، أي: وما نرى آل فرعون من حجة على صدق ما جاءهم به موسى إلا هي أكبر من أختها، أي: هي أبين وآكد عليهم في الحجة من التي مضت قبلها. * * ثم قال: ﴿وَأَخَذْنَاهُم بِٱلْعَذَابِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾، أي: (وأخذنا آل) فرعون بالجدب والسنين والجراد والقمل والضفادع والدم، لعلهم يتوبون إلى الله عز وجل ويتركون الكفر. * * ثم قال: ﴿وَقَالُواْ يَٰأَيُّهَ ٱلسَّاحِرُ ٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِندَكَ إِنَّنَا لَمُهْتَدُونَ﴾، أي: وقال فرعون وملأوه لموسى لما مسهم الضر بالجراد والقمل والضفادع والدم والسنين: يا أيها الساحر ادع لنا ربك بعهده الذي عهد إليك إنا آمنا بك واتبعناك إن كشف عنا الرجز. وإنما خاطبوه بالساحر وهم يسألونه أن يدعو الله لهم ويعدوه بالإيمان، لأن الساحر عندهم: العالم، ولم يكن الساحر عندهم ذماً، فكأنهم قالوا له: يا أيها العالم. وقيل: خاطبوه بذلك على عادتهم معه، ووعدوه أنهم سيؤمنون به فيما يستقبل، ومعنى: إننا لمهتدون، أي: إننا لمتبعوك ومصدقوك إن كشفت عنا العذاب. * * ثم قال تعالى: ﴿فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ ٱلْعَذَابَ إِذَا هُمْ يَنكُثُونَ﴾. في الكلام حذف، والتقدير: فدعا موسى ربه أن يكشف عنهم العذاب فكشفه الله عنهم. فلما كشفه عنهم نكثوا وعدهم وتمادوا على كفرهم وتكذيبهم لموسى فنقضوا العهد الذي عاهدوا موسى عليه إن كشف الله عنهم العذاب. قال قتادة: ينكثون: يغدرون. * * ثم قال تعالى: ﴿وَنَادَىٰ فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ﴾ الآية، أي: ونادى فرعون في قومه من القبط ﴿قَالَ يٰقَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَـٰذِهِ ٱلأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِيۤ﴾، أي: من بين يدي في الجنات. قال قتادة: تجري من تحتي، قال: كانت له جنات وأنهار ماء. * * وقوله: ﴿أَفَلاَ تُبْصِرُونَ﴾: (معناه: أفلا تبصرون أيها) القوم ما أنا فيه من النعيم والملك وما فيه موسى من الفقر وَعَيِّ اللسان. وقدره الأخفش: "أفلا تبصرون، أم تبصرون"، وقدره الخليل وسيبويه: "أفلا تبصرون، أم أنتم بصراء". ويكون "أم أنا خير" بمعنى: أم أنتم بصراء، لأنهم لو قالو له أنت خير لكانوا عنده بصراء. * * وقوله: ﴿أَمْ أَنَآ خَيْرٌ مِّنْ هَـٰذَا ٱلَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلاَ يَكَادُ يُبِينُ﴾، أي: قال فرعون لقومه: بل أنا خير من موسى الذي هو مهين لا عِزَّ له ولا ملك ولا مال يمتهن نفسه في حاجته. "ولا يكاد يبين"، (أي: لا يبين) كلامه، للعقدة التي كانت فيه. قال أحمد بن جعفر: تقف على "أفلا تبصرون"، ثم تبتدئ "أم أنا خير"، بمعنى: بل أنا خير. قال أبو عبيدة: مجاز "أم" هنا، مجاز "بل". وقال يعقوب: الوقف: "أفلا تبصرون أم" ويبتدئ: "أنا خير". وروى عن مجاهد أنه قال: "أفلا تبصرون أم" انقطع الكلام ثم قال: "أنا خير من هذا الذي هو مهين"، وكذلك روي عن عيسى بن عمر. والتقدير على هذا الوقف: أفلا تبصرون أم تبصرون فيتم الكلام. ثم حذف "تبصرون" الثاني لدلالة الأول عليه فتقف على "أم" لأنها منتهى الكلام. وقيل: إن من وقف على "أم" جعلها زائدة، وكأنه وقف على "تبصرون" من قوله: "أفلا تبصرون". ولا يتم الكلام على "تبصرون" عند الخليل وسيبويه لأن "أم" تقتضي الاتصال بما قبلها. وقوله: "أنا خير من هذا الذي هو مهين" مع "أم" في موضع قوله: أم أنتم بصراء. ثم قال تعالى: حكاية عن قول فرعون: ﴿فَلَوْلاَ أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِّن ذَهَبٍ﴾، أي: فهلا كان في يد موسى أساورة ذهباً وواحد الأساورة: إسوار. وفي قراءة أبي: أَسَاوِرُ من ذَهَبٍ. فهذا يدل على أن الواحد إسوار. ولكن لما دخلت الهاء في أساورة حذفت الياء لأنهما يتعاقبان في هذا النحو، نحو: دهاقين ودهاقنة، (وجحاجيح وجحاحجة)، وزناديق وزنادقة، الهاء عوض من الياء، والواحد دهقان وجحجاح وزنديق، وحسن انصرافه لدخول هاء التأنيث فيه. وقال الزجاج: إنما انصرف لأن له في الواحد نظيراً نحو علانية وعباقيه. وفيه ثلاث لغات حكاها الكسائي وغيره، يقال: إِسْوَار وسِوَار وسُوَار بمعنى. وقيل: إن أساورة يجوز (أن يكون) جمع أسورة، وأسورة جمع سُوار وَسِوَارٌ. والعرب تسمي الرجل الحاذق بالرمي (بِأُسْوَارُ) إذا كان من رجال العجم. * * وقوله: ﴿أَوْ جَآءَ مَعَهُ ٱلْمَلاَئِكَةُ مُقْتَرِنِينَ﴾. هذا من قول فرعون، أي: لو كان موسى صادقا لجاء معه الملائكة، قد اقترن بعضهم ببعض متتابعين، يشهدون بصدقه فيما يقول. قال مجاهد: مقترنين: "يمشون معه". وقال قتادة: مقترنين: متتابعين، وقال السدي: "يقارن بعضهم بعضاً". قال الله: ﴿فَٱسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ﴾، أي: فاستخف فرعون عقول قومه من القبط بقوله، فقبلوا منه فأطاعوه على الكفر وتكذيب موسى. ﴿إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْماً فَاسِقِينَ﴾، أي: خارجين عن طاعة الله سبحانه بكفرهم وتكذيبهم لموسى وتركهم قبول ما جاءهم به.

الزخرف 43:53

قوله تعالى: ﴿وَمَا نُرِيِهِم مِّنْ آيَةٍ إِلاَّ هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا﴾ إلى قوله - ﴿إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْماً فَاسِقِينَ﴾، أي: وما نرى آل فرعون من حجة على صدق ما جاءهم به موسى إلا هي أكبر من أختها، أي: هي أبين وآكد عليهم في الحجة من التي مضت قبلها. * * ثم قال: ﴿وَأَخَذْنَاهُم بِٱلْعَذَابِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾، أي: (وأخذنا آل) فرعون بالجدب والسنين والجراد والقمل والضفادع والدم، لعلهم يتوبون إلى الله عز وجل ويتركون الكفر. * * ثم قال: ﴿وَقَالُواْ يَٰأَيُّهَ ٱلسَّاحِرُ ٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِندَكَ إِنَّنَا لَمُهْتَدُونَ﴾، أي: وقال فرعون وملأوه لموسى لما مسهم الضر بالجراد والقمل والضفادع والدم والسنين: يا أيها الساحر ادع لنا ربك بعهده الذي عهد إليك إنا آمنا بك واتبعناك إن كشف عنا الرجز. وإنما خاطبوه بالساحر وهم يسألونه أن يدعو الله لهم ويعدوه بالإيمان، لأن الساحر عندهم: العالم، ولم يكن الساحر عندهم ذماً، فكأنهم قالوا له: يا أيها العالم. وقيل: خاطبوه بذلك على عادتهم معه، ووعدوه أنهم سيؤمنون به فيما يستقبل، ومعنى: إننا لمهتدون، أي: إننا لمتبعوك ومصدقوك إن كشفت عنا العذاب. * * ثم قال تعالى: ﴿فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ ٱلْعَذَابَ إِذَا هُمْ يَنكُثُونَ﴾. في الكلام حذف، والتقدير: فدعا موسى ربه أن يكشف عنهم العذاب فكشفه الله عنهم. فلما كشفه عنهم نكثوا وعدهم وتمادوا على كفرهم وتكذيبهم لموسى فنقضوا العهد الذي عاهدوا موسى عليه إن كشف الله عنهم العذاب. قال قتادة: ينكثون: يغدرون. * * ثم قال تعالى: ﴿وَنَادَىٰ فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ﴾ الآية، أي: ونادى فرعون في قومه من القبط ﴿قَالَ يٰقَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَـٰذِهِ ٱلأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِيۤ﴾، أي: من بين يدي في الجنات. قال قتادة: تجري من تحتي، قال: كانت له جنات وأنهار ماء. * * وقوله: ﴿أَفَلاَ تُبْصِرُونَ﴾: (معناه: أفلا تبصرون أيها) القوم ما أنا فيه من النعيم والملك وما فيه موسى من الفقر وَعَيِّ اللسان. وقدره الأخفش: "أفلا تبصرون، أم تبصرون"، وقدره الخليل وسيبويه: "أفلا تبصرون، أم أنتم بصراء". ويكون "أم أنا خير" بمعنى: أم أنتم بصراء، لأنهم لو قالو له أنت خير لكانوا عنده بصراء. * * وقوله: ﴿أَمْ أَنَآ خَيْرٌ مِّنْ هَـٰذَا ٱلَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلاَ يَكَادُ يُبِينُ﴾، أي: قال فرعون لقومه: بل أنا خير من موسى الذي هو مهين لا عِزَّ له ولا ملك ولا مال يمتهن نفسه في حاجته. "ولا يكاد يبين"، (أي: لا يبين) كلامه، للعقدة التي كانت فيه. قال أحمد بن جعفر: تقف على "أفلا تبصرون"، ثم تبتدئ "أم أنا خير"، بمعنى: بل أنا خير. قال أبو عبيدة: مجاز "أم" هنا، مجاز "بل". وقال يعقوب: الوقف: "أفلا تبصرون أم" ويبتدئ: "أنا خير". وروى عن مجاهد أنه قال: "أفلا تبصرون أم" انقطع الكلام ثم قال: "أنا خير من هذا الذي هو مهين"، وكذلك روي عن عيسى بن عمر. والتقدير على هذا الوقف: أفلا تبصرون أم تبصرون فيتم الكلام. ثم حذف "تبصرون" الثاني لدلالة الأول عليه فتقف على "أم" لأنها منتهى الكلام. وقيل: إن من وقف على "أم" جعلها زائدة، وكأنه وقف على "تبصرون" من قوله: "أفلا تبصرون". ولا يتم الكلام على "تبصرون" عند الخليل وسيبويه لأن "أم" تقتضي الاتصال بما قبلها. وقوله: "أنا خير من هذا الذي هو مهين" مع "أم" في موضع قوله: أم أنتم بصراء. ثم قال تعالى: حكاية عن قول فرعون: ﴿فَلَوْلاَ أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِّن ذَهَبٍ﴾، أي: فهلا كان في يد موسى أساورة ذهباً وواحد الأساورة: إسوار. وفي قراءة أبي: أَسَاوِرُ من ذَهَبٍ. فهذا يدل على أن الواحد إسوار. ولكن لما دخلت الهاء في أساورة حذفت الياء لأنهما يتعاقبان في هذا النحو، نحو: دهاقين ودهاقنة، (وجحاجيح وجحاحجة)، وزناديق وزنادقة، الهاء عوض من الياء، والواحد دهقان وجحجاح وزنديق، وحسن انصرافه لدخول هاء التأنيث فيه. وقال الزجاج: إنما انصرف لأن له في الواحد نظيراً نحو علانية وعباقيه. وفيه ثلاث لغات حكاها الكسائي وغيره، يقال: إِسْوَار وسِوَار وسُوَار بمعنى. وقيل: إن أساورة يجوز (أن يكون) جمع أسورة، وأسورة جمع سُوار وَسِوَارٌ. والعرب تسمي الرجل الحاذق بالرمي (بِأُسْوَارُ) إذا كان من رجال العجم. * * وقوله: ﴿أَوْ جَآءَ مَعَهُ ٱلْمَلاَئِكَةُ مُقْتَرِنِينَ﴾. هذا من قول فرعون، أي: لو كان موسى صادقا لجاء معه الملائكة، قد اقترن بعضهم ببعض متتابعين، يشهدون بصدقه فيما يقول. قال مجاهد: مقترنين: "يمشون معه". وقال قتادة: مقترنين: متتابعين، وقال السدي: "يقارن بعضهم بعضاً". قال الله: ﴿فَٱسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ﴾، أي: فاستخف فرعون عقول قومه من القبط بقوله، فقبلوا منه فأطاعوه على الكفر وتكذيب موسى. ﴿إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْماً فَاسِقِينَ﴾، أي: خارجين عن طاعة الله سبحانه بكفرهم وتكذيبهم لموسى وتركهم قبول ما جاءهم به.

الزخرف 43:54

قوله تعالى: ﴿وَمَا نُرِيِهِم مِّنْ آيَةٍ إِلاَّ هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا﴾ إلى قوله - ﴿إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْماً فَاسِقِينَ﴾، أي: وما نرى آل فرعون من حجة على صدق ما جاءهم به موسى إلا هي أكبر من أختها، أي: هي أبين وآكد عليهم في الحجة من التي مضت قبلها. * * ثم قال: ﴿وَأَخَذْنَاهُم بِٱلْعَذَابِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾، أي: (وأخذنا آل) فرعون بالجدب والسنين والجراد والقمل والضفادع والدم، لعلهم يتوبون إلى الله عز وجل ويتركون الكفر. * * ثم قال: ﴿وَقَالُواْ يَٰأَيُّهَ ٱلسَّاحِرُ ٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِندَكَ إِنَّنَا لَمُهْتَدُونَ﴾، أي: وقال فرعون وملأوه لموسى لما مسهم الضر بالجراد والقمل والضفادع والدم والسنين: يا أيها الساحر ادع لنا ربك بعهده الذي عهد إليك إنا آمنا بك واتبعناك إن كشف عنا الرجز. وإنما خاطبوه بالساحر وهم يسألونه أن يدعو الله لهم ويعدوه بالإيمان، لأن الساحر عندهم: العالم، ولم يكن الساحر عندهم ذماً، فكأنهم قالوا له: يا أيها العالم. وقيل: خاطبوه بذلك على عادتهم معه، ووعدوه أنهم سيؤمنون به فيما يستقبل، ومعنى: إننا لمهتدون، أي: إننا لمتبعوك ومصدقوك إن كشفت عنا العذاب. * * ثم قال تعالى: ﴿فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ ٱلْعَذَابَ إِذَا هُمْ يَنكُثُونَ﴾. في الكلام حذف، والتقدير: فدعا موسى ربه أن يكشف عنهم العذاب فكشفه الله عنهم. فلما كشفه عنهم نكثوا وعدهم وتمادوا على كفرهم وتكذيبهم لموسى فنقضوا العهد الذي عاهدوا موسى عليه إن كشف الله عنهم العذاب. قال قتادة: ينكثون: يغدرون. * * ثم قال تعالى: ﴿وَنَادَىٰ فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ﴾ الآية، أي: ونادى فرعون في قومه من القبط ﴿قَالَ يٰقَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَـٰذِهِ ٱلأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِيۤ﴾، أي: من بين يدي في الجنات. قال قتادة: تجري من تحتي، قال: كانت له جنات وأنهار ماء. * * وقوله: ﴿أَفَلاَ تُبْصِرُونَ﴾: (معناه: أفلا تبصرون أيها) القوم ما أنا فيه من النعيم والملك وما فيه موسى من الفقر وَعَيِّ اللسان. وقدره الأخفش: "أفلا تبصرون، أم تبصرون"، وقدره الخليل وسيبويه: "أفلا تبصرون، أم أنتم بصراء". ويكون "أم أنا خير" بمعنى: أم أنتم بصراء، لأنهم لو قالو له أنت خير لكانوا عنده بصراء. * * وقوله: ﴿أَمْ أَنَآ خَيْرٌ مِّنْ هَـٰذَا ٱلَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلاَ يَكَادُ يُبِينُ﴾، أي: قال فرعون لقومه: بل أنا خير من موسى الذي هو مهين لا عِزَّ له ولا ملك ولا مال يمتهن نفسه في حاجته. "ولا يكاد يبين"، (أي: لا يبين) كلامه، للعقدة التي كانت فيه. قال أحمد بن جعفر: تقف على "أفلا تبصرون"، ثم تبتدئ "أم أنا خير"، بمعنى: بل أنا خير. قال أبو عبيدة: مجاز "أم" هنا، مجاز "بل". وقال يعقوب: الوقف: "أفلا تبصرون أم" ويبتدئ: "أنا خير". وروى عن مجاهد أنه قال: "أفلا تبصرون أم" انقطع الكلام ثم قال: "أنا خير من هذا الذي هو مهين"، وكذلك روي عن عيسى بن عمر. والتقدير على هذا الوقف: أفلا تبصرون أم تبصرون فيتم الكلام. ثم حذف "تبصرون" الثاني لدلالة الأول عليه فتقف على "أم" لأنها منتهى الكلام. وقيل: إن من وقف على "أم" جعلها زائدة، وكأنه وقف على "تبصرون" من قوله: "أفلا تبصرون". ولا يتم الكلام على "تبصرون" عند الخليل وسيبويه لأن "أم" تقتضي الاتصال بما قبلها. وقوله: "أنا خير من هذا الذي هو مهين" مع "أم" في موضع قوله: أم أنتم بصراء. ثم قال تعالى: حكاية عن قول فرعون: ﴿فَلَوْلاَ أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِّن ذَهَبٍ﴾، أي: فهلا كان في يد موسى أساورة ذهباً وواحد الأساورة: إسوار. وفي قراءة أبي: أَسَاوِرُ من ذَهَبٍ. فهذا يدل على أن الواحد إسوار. ولكن لما دخلت الهاء في أساورة حذفت الياء لأنهما يتعاقبان في هذا النحو، نحو: دهاقين ودهاقنة، (وجحاجيح وجحاحجة)، وزناديق وزنادقة، الهاء عوض من الياء، والواحد دهقان وجحجاح وزنديق، وحسن انصرافه لدخول هاء التأنيث فيه. وقال الزجاج: إنما انصرف لأن له في الواحد نظيراً نحو علانية وعباقيه. وفيه ثلاث لغات حكاها الكسائي وغيره، يقال: إِسْوَار وسِوَار وسُوَار بمعنى. وقيل: إن أساورة يجوز (أن يكون) جمع أسورة، وأسورة جمع سُوار وَسِوَارٌ. والعرب تسمي الرجل الحاذق بالرمي (بِأُسْوَارُ) إذا كان من رجال العجم. * * وقوله: ﴿أَوْ جَآءَ مَعَهُ ٱلْمَلاَئِكَةُ مُقْتَرِنِينَ﴾. هذا من قول فرعون، أي: لو كان موسى صادقا لجاء معه الملائكة، قد اقترن بعضهم ببعض متتابعين، يشهدون بصدقه فيما يقول. قال مجاهد: مقترنين: "يمشون معه". وقال قتادة: مقترنين: متتابعين، وقال السدي: "يقارن بعضهم بعضاً". قال الله: ﴿فَٱسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ﴾، أي: فاستخف فرعون عقول قومه من القبط بقوله، فقبلوا منه فأطاعوه على الكفر وتكذيب موسى. ﴿إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْماً فَاسِقِينَ﴾، أي: خارجين عن طاعة الله سبحانه بكفرهم وتكذيبهم لموسى وتركهم قبول ما جاءهم به.

الزخرف 43:55

قوله تعالى: ﴿فَلَمَّآ آسَفُونَا ٱنتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾ - إلى قوله -: ﴿صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ﴾ أي: فلما أغضبونا حلت بهم العقوبة فأغرقوا في البحر أجمعين. قال مجاهد وقتادة والسدي وابن زيد: آسفونا: أغضبونا. وعن ابن عباس: "آسفونا: أسخطونا". وعنه: أغضبونا. * * ثم قال تعالى: ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفاً وَمَثَلاً لِّلآخِرِينَ﴾. السَّلَف، جمع سَالِف، كخَادِم وَخَدَم، وتَابع وَتَبَع، وَغَائِب وغيب. والعرب تقول: هؤلاء سلفنا. وقرأ الكسائي وحمزة: "سُلُفًا" بضمتين وهو جمع سليف حكاه الفراء. وقرأ حميد الأعرج: "سُلَفاً" بضم السين وفتح اللام، وجمع سلفة، والسلفة: الفرقة المتقدمة. والمعنى: فجعلنا هؤلاء الذين أغرقنا مقدمة يتقدمون إلى النار كما سنفعل بكفار قومك يا محمد. وقيل: المعنى: فجعلنا قوم فرعون سلفا لكفار قومك يا محمد يتقدمونهم إلى النار: قاله مجاهد. * * وقوله: ﴿وَمَثَلاً لِّلآخِرِينَ﴾، أي: عبرة وعظة لمن يأتي بعدهم. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ٱبْنُ مَرْيَمَ مَثَلاً إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ﴾، أي: ولما شبه الله عز وجل عيسى في إحداثه إياه من غير فحل بآدم إذا قومك يا محمد منه يضحكون ويقولون: ما يريد محمد منا إلا أن نتخذه إلها كما اتخذت النصارى المسيح، قاله مجاهد. وقال ابن عباس لما قال الله عز وجل لقريش: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾، قالت قريش للنبي ﷺ فما ابن مريم؟ فقال: ذلك عبد الله ورسوله: فقالوا: والله ما يريد هذا إلا أن نتخذه رباً كما اتخذت النصارى عيسى ابن مريم رباً. فقال الله: ﴿مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلاَّ جَدَلاً بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ وقيل: إن الآية نزلت في ابن الزبعرى، وذلك أنه لما أنزل الله جل ذكره ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء: ٩٨]. قال فالنصارى تعبد المسيح. فقال الله: ﴿مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلاَّ جَدَلاً﴾ أي: قد علموا أنه لا يراد بالآية عيسى، وإنما يراد بها الأصنام. قال الكسائي والفراء: "يصدون" (بالضم والكسر) لغتان، بمعنى يعرضون. وقال قطرب هما لغتان بمعنى يضحكون. وقال أبو عبيد: "يَصِدُّون" بالكسر: يضجون، وبالضم يعرضون، وهو قول يونس وعيسى الثقفي. والاختيار في القراءة عند أبي عبيد بالكسر على معنى يضجون لأنها لو كانت بالضم على معنى يعرضون لكان اللفظ: إذا قومك عنه يَصُدُّون. * * ثم قال تعالى: ﴿وَقَالُوۤاْ ءَأَ ٰلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ﴾، أي: وقال مشركو قومك يا محمد: أآلهتنا خير أم محمد، فنعبد محمداً ونترك آلهتنا. وفي حرف أُبي: "ءالهتنا خير أم هذا"، يعني: محمداً ﷺ. وقال السدي معناه: أآلهتنا خير أم عيسى قال: وذلك أنهم خاصموه فقالوا: أتزعم أن كل من عبد من دون الله في النار، فنحن نرضى أن تكون آلهتنا مع عيسى ابن مريم وعزير والملائكة، هؤلاء قد عُبدوا من دون الله. قال: فأنزل الله براءة عيسى وشِبْهِهِ في قوله: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِّنَّا ٱلْحُسْنَىٰ﴾ [الأنبياء: ١٠١] الآية. * * وقوله: ﴿مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلاَّ جَدَلاً﴾، أي: ما مثلوا لك هذا المثل يا محمد إلا للجدل والخصومة. أي: لم يقولوا هذا على طريق المناظرة ولا على (وجه التثبت)، إنما قالوه طلباً للخصومة في الباطل. وهذا فرق بين الجدال والمناظرة، لأن المتناظرين كل واحد منهما يطلب الصواب. والمتجادلين إنما يطلبان تثبيت ما لم يتيقنا صحته، أو ما قد علما باطله. فالمجادل يحاول إثبات الباطل عند نفسه، والمناظر يحاول إظهار الصواب عند نفسه. وعن النبي ﷺ (أنه قال): "مَا ضَلَّ قَوْمٌ بَعْدَ هُدىً كَانُوا عَلَيْهِ إِلاَّ أُوتُوا الجَدَلَ قال سفيان: "بل هم قوم خصمون"، حُدِّثْتُ أنها نزلت في ابن الزبعرى. ثم قال تعالى: ﴿إِنْ هُوَ إِلاَّ عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ﴾، أي: ما عيسى إلا عبد أنعم الله عليه بالتوفيق والإيمان، وجعله الله آية لبني إسرائيل، وحجة عليهم، وهو قوله، ﴿وَجَعَلْنَاهُ مَثَلاً لِّبَنِيۤ إِسْرَائِيلَ﴾. وقيل معنى مثلاً، أي بشراً مثلهم، فضل عليهم. * * ثم قال: ﴿وَلَوْ نَشَآءُ لَجَعَلْنَا مِنكُمْ مَّلاَئِكَةً فِي ٱلأَرْضِ يَخْلُفُونَ﴾، أي: ولو نشاء يا معشر بنى آدم أهلكناكم وجعلنا منكم بدلاً في الأرض من الملائكة يعبدون الله، وهو نحو قوله: ﴿إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا ٱلنَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ﴾ [النساء: ١٣٣]، و ﴿إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِن بَعْدِكُمْ مَّا يَشَآءُ﴾ [الأنعام: ١٣٣]. وقال ابن عباس: "يخلفون، أي: يخلف بعضهم بعضاً"، وقاله قتادة. وقال غيرهما: "يخلفون" معناه: يكونون خلفاً من بنى آدم. * * ثم قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِّلسَّاعَةِ﴾، أي: وإن ظهور عيسى علم يعلم به قرب قيام الساعة أي: هو من أشراطها، ونزوله إلى الأرض دليل على فناء الدنيا وإقبال الآخرة هذا معنى قول ابن عباس والحسن ومجاهد، وهو قول قتادة والضحاك وابن زيد. فالهاء في: "وإنه" تعود على عيسى على قولهم. وقد قرأ مجاهد: "وإنه لَعَلَمٌ" بفتحتين على معنى: وإن نزول عيسى لعلامة لقرب الساعة. ورُوي عن الحسن أنه قال معناه: وإن هذا القرآن لعلم للساعة، وحكي مثله عن قتادة. روي عن النبي ﷺ أنه قال: "لَيَنْزِلَنَّ ابْنُ مَرْيَمَ حَكَماً عَدْلاً فَلَيَكْسِرَنَّ الصَّلِيبَ وَلَيَقْتُلَنَّ الخِنْزِيرَ وروى مالك عن ابن شهاب عن حنظلة بن علي الأسلمي عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: "لَيهلَّنَّ ابْنُ مَرْيَمَ بِفَجِّ (الرَّوْحَاءِ حَاجّاً وَمُعْتَمِراً) أَوْ لَيُثَنِّيهِمَا جَميعاً وروى مالك عن زيد بن أسلم عن أبي هريرة قال: "لاَ تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَنْزِلَ عيسَى ابْنُ مَرْيَمَ حَكَماً عَدْلاً وَإِمَاماً مُقْسِطاً، فَيَكْسرُ الصَّليبَ، وَيَقْتُلُ الخِنزيرَ، وَيضعُ الجِزْيةَ، وَتَضَعُ الحَرْبُ أَوْزَارَهَا، وتَكُونُ السَّجْدَةُ وَاحِدَةً لله ربِّ العَالَمينَ وقال النبي ﷺ: "يَقْتُلُ ابْنُ مَرْيَمَ الدَّجَالَ (بِبابِ لُدٍّ) قال ابن القاسم عن مالك: بينما الناس (بباب لد) إذ يسمعون الإقامة، فتغاشهم غمامة، فإذا عيسى ابن مريم قد نزل. وروي عن النبي ﷺ أنه قال: "يَنْزِلُ عِيسَى عِنْدَ المَنَارَةِ البَيْضَاءِ شَرْقيّ دِمَشْقَ وروي (عن ابن عمر) أنه قال: "يخرج الدجال، ويبعث الله عيسى ابن مريم كأنه عروة بن مسعود الثقفي، فيطلبه ويهلكه. وروي عنه ﷺ أنه قال: "لاَ تَهْلَكُ أُمَّةً أَنَا أَوَّلُها والمَسِيحُ آخِرُهَا وروى ابن وهب عن مالك أنه قال: "يموت عيسى (في المدينة) فيدفن مع النبي ﷺ ومع أبي بكر وعمر، وقد ترك موضع قبره بينهم. قال عبد الله بن سلام: نجد في التوراة أن عيسى يدفن مع محمد ﷺ. وكان بعض الصحابة يتوقع قرب نزوله. وروي عن أبي هريرة أنه كان يلقى الغلام الشاب فيقول له: إن لقيت عيسى بن مريم فأَقْرِه عني السلام، وقاله أبو ذر لبعض جلسائه. وقيل: المعنى: وإن محمداً ﷺ لعلم للساعة لأنه خاتم النبيين. فيكون معناه: يُعْلِمُ بَعْثُهُ قُرْبَ قيام الساعة. وهي في قراءة أبي: "وإِنَّهُ لَذِكْرٌ للسَّاعَةِ". * * ثم قال تعالى: ﴿فَلاَ تَمْتَرُنَّ بِهَا﴾، أي: لا تشكن في قيام الساعة أيها الناس. * * ثم قال: ﴿وَٱتَّبِعُونِ هَـٰذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ﴾، أي: وأطيعون أيها الناس، هذا الذي جئتكم به طريق لا عوج فيه.

الزخرف 43:56

قوله تعالى: ﴿فَلَمَّآ آسَفُونَا ٱنتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾ - إلى قوله -: ﴿صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ﴾ أي: فلما أغضبونا حلت بهم العقوبة فأغرقوا في البحر أجمعين. قال مجاهد وقتادة والسدي وابن زيد: آسفونا: أغضبونا. وعن ابن عباس: "آسفونا: أسخطونا". وعنه: أغضبونا. * * ثم قال تعالى: ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفاً وَمَثَلاً لِّلآخِرِينَ﴾. السَّلَف، جمع سَالِف، كخَادِم وَخَدَم، وتَابع وَتَبَع، وَغَائِب وغيب. والعرب تقول: هؤلاء سلفنا. وقرأ الكسائي وحمزة: "سُلُفًا" بضمتين وهو جمع سليف حكاه الفراء. وقرأ حميد الأعرج: "سُلَفاً" بضم السين وفتح اللام، وجمع سلفة، والسلفة: الفرقة المتقدمة. والمعنى: فجعلنا هؤلاء الذين أغرقنا مقدمة يتقدمون إلى النار كما سنفعل بكفار قومك يا محمد. وقيل: المعنى: فجعلنا قوم فرعون سلفا لكفار قومك يا محمد يتقدمونهم إلى النار: قاله مجاهد. * * وقوله: ﴿وَمَثَلاً لِّلآخِرِينَ﴾، أي: عبرة وعظة لمن يأتي بعدهم. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ٱبْنُ مَرْيَمَ مَثَلاً إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ﴾، أي: ولما شبه الله عز وجل عيسى في إحداثه إياه من غير فحل بآدم إذا قومك يا محمد منه يضحكون ويقولون: ما يريد محمد منا إلا أن نتخذه إلها كما اتخذت النصارى المسيح، قاله مجاهد. وقال ابن عباس لما قال الله عز وجل لقريش: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾، قالت قريش للنبي ﷺ فما ابن مريم؟ فقال: ذلك عبد الله ورسوله: فقالوا: والله ما يريد هذا إلا أن نتخذه رباً كما اتخذت النصارى عيسى ابن مريم رباً. فقال الله: ﴿مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلاَّ جَدَلاً بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ وقيل: إن الآية نزلت في ابن الزبعرى، وذلك أنه لما أنزل الله جل ذكره ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء: ٩٨]. قال فالنصارى تعبد المسيح. فقال الله: ﴿مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلاَّ جَدَلاً﴾ أي: قد علموا أنه لا يراد بالآية عيسى، وإنما يراد بها الأصنام. قال الكسائي والفراء: "يصدون" (بالضم والكسر) لغتان، بمعنى يعرضون. وقال قطرب هما لغتان بمعنى يضحكون. وقال أبو عبيد: "يَصِدُّون" بالكسر: يضجون، وبالضم يعرضون، وهو قول يونس وعيسى الثقفي. والاختيار في القراءة عند أبي عبيد بالكسر على معنى يضجون لأنها لو كانت بالضم على معنى يعرضون لكان اللفظ: إذا قومك عنه يَصُدُّون. * * ثم قال تعالى: ﴿وَقَالُوۤاْ ءَأَ ٰلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ﴾، أي: وقال مشركو قومك يا محمد: أآلهتنا خير أم محمد، فنعبد محمداً ونترك آلهتنا. وفي حرف أُبي: "ءالهتنا خير أم هذا"، يعني: محمداً ﷺ. وقال السدي معناه: أآلهتنا خير أم عيسى قال: وذلك أنهم خاصموه فقالوا: أتزعم أن كل من عبد من دون الله في النار، فنحن نرضى أن تكون آلهتنا مع عيسى ابن مريم وعزير والملائكة، هؤلاء قد عُبدوا من دون الله. قال: فأنزل الله براءة عيسى وشِبْهِهِ في قوله: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِّنَّا ٱلْحُسْنَىٰ﴾ [الأنبياء: ١٠١] الآية. * * وقوله: ﴿مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلاَّ جَدَلاً﴾، أي: ما مثلوا لك هذا المثل يا محمد إلا للجدل والخصومة. أي: لم يقولوا هذا على طريق المناظرة ولا على (وجه التثبت)، إنما قالوه طلباً للخصومة في الباطل. وهذا فرق بين الجدال والمناظرة، لأن المتناظرين كل واحد منهما يطلب الصواب. والمتجادلين إنما يطلبان تثبيت ما لم يتيقنا صحته، أو ما قد علما باطله. فالمجادل يحاول إثبات الباطل عند نفسه، والمناظر يحاول إظهار الصواب عند نفسه. وعن النبي ﷺ (أنه قال): "مَا ضَلَّ قَوْمٌ بَعْدَ هُدىً كَانُوا عَلَيْهِ إِلاَّ أُوتُوا الجَدَلَ قال سفيان: "بل هم قوم خصمون"، حُدِّثْتُ أنها نزلت في ابن الزبعرى. ثم قال تعالى: ﴿إِنْ هُوَ إِلاَّ عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ﴾، أي: ما عيسى إلا عبد أنعم الله عليه بالتوفيق والإيمان، وجعله الله آية لبني إسرائيل، وحجة عليهم، وهو قوله، ﴿وَجَعَلْنَاهُ مَثَلاً لِّبَنِيۤ إِسْرَائِيلَ﴾. وقيل معنى مثلاً، أي بشراً مثلهم، فضل عليهم. * * ثم قال: ﴿وَلَوْ نَشَآءُ لَجَعَلْنَا مِنكُمْ مَّلاَئِكَةً فِي ٱلأَرْضِ يَخْلُفُونَ﴾، أي: ولو نشاء يا معشر بنى آدم أهلكناكم وجعلنا منكم بدلاً في الأرض من الملائكة يعبدون الله، وهو نحو قوله: ﴿إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا ٱلنَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ﴾ [النساء: ١٣٣]، و ﴿إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِن بَعْدِكُمْ مَّا يَشَآءُ﴾ [الأنعام: ١٣٣]. وقال ابن عباس: "يخلفون، أي: يخلف بعضهم بعضاً"، وقاله قتادة. وقال غيرهما: "يخلفون" معناه: يكونون خلفاً من بنى آدم. * * ثم قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِّلسَّاعَةِ﴾، أي: وإن ظهور عيسى علم يعلم به قرب قيام الساعة أي: هو من أشراطها، ونزوله إلى الأرض دليل على فناء الدنيا وإقبال الآخرة هذا معنى قول ابن عباس والحسن ومجاهد، وهو قول قتادة والضحاك وابن زيد. فالهاء في: "وإنه" تعود على عيسى على قولهم. وقد قرأ مجاهد: "وإنه لَعَلَمٌ" بفتحتين على معنى: وإن نزول عيسى لعلامة لقرب الساعة. ورُوي عن الحسن أنه قال معناه: وإن هذا القرآن لعلم للساعة، وحكي مثله عن قتادة. روي عن النبي ﷺ أنه قال: "لَيَنْزِلَنَّ ابْنُ مَرْيَمَ حَكَماً عَدْلاً فَلَيَكْسِرَنَّ الصَّلِيبَ وَلَيَقْتُلَنَّ الخِنْزِيرَ وروى مالك عن ابن شهاب عن حنظلة بن علي الأسلمي عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: "لَيهلَّنَّ ابْنُ مَرْيَمَ بِفَجِّ (الرَّوْحَاءِ حَاجّاً وَمُعْتَمِراً) أَوْ لَيُثَنِّيهِمَا جَميعاً وروى مالك عن زيد بن أسلم عن أبي هريرة قال: "لاَ تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَنْزِلَ عيسَى ابْنُ مَرْيَمَ حَكَماً عَدْلاً وَإِمَاماً مُقْسِطاً، فَيَكْسرُ الصَّليبَ، وَيَقْتُلُ الخِنزيرَ، وَيضعُ الجِزْيةَ، وَتَضَعُ الحَرْبُ أَوْزَارَهَا، وتَكُونُ السَّجْدَةُ وَاحِدَةً لله ربِّ العَالَمينَ وقال النبي ﷺ: "يَقْتُلُ ابْنُ مَرْيَمَ الدَّجَالَ (بِبابِ لُدٍّ) قال ابن القاسم عن مالك: بينما الناس (بباب لد) إذ يسمعون الإقامة، فتغاشهم غمامة، فإذا عيسى ابن مريم قد نزل. وروي عن النبي ﷺ أنه قال: "يَنْزِلُ عِيسَى عِنْدَ المَنَارَةِ البَيْضَاءِ شَرْقيّ دِمَشْقَ وروي (عن ابن عمر) أنه قال: "يخرج الدجال، ويبعث الله عيسى ابن مريم كأنه عروة بن مسعود الثقفي، فيطلبه ويهلكه. وروي عنه ﷺ أنه قال: "لاَ تَهْلَكُ أُمَّةً أَنَا أَوَّلُها والمَسِيحُ آخِرُهَا وروى ابن وهب عن مالك أنه قال: "يموت عيسى (في المدينة) فيدفن مع النبي ﷺ ومع أبي بكر وعمر، وقد ترك موضع قبره بينهم. قال عبد الله بن سلام: نجد في التوراة أن عيسى يدفن مع محمد ﷺ. وكان بعض الصحابة يتوقع قرب نزوله. وروي عن أبي هريرة أنه كان يلقى الغلام الشاب فيقول له: إن لقيت عيسى بن مريم فأَقْرِه عني السلام، وقاله أبو ذر لبعض جلسائه. وقيل: المعنى: وإن محمداً ﷺ لعلم للساعة لأنه خاتم النبيين. فيكون معناه: يُعْلِمُ بَعْثُهُ قُرْبَ قيام الساعة. وهي في قراءة أبي: "وإِنَّهُ لَذِكْرٌ للسَّاعَةِ". * * ثم قال تعالى: ﴿فَلاَ تَمْتَرُنَّ بِهَا﴾، أي: لا تشكن في قيام الساعة أيها الناس. * * ثم قال: ﴿وَٱتَّبِعُونِ هَـٰذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ﴾، أي: وأطيعون أيها الناس، هذا الذي جئتكم به طريق لا عوج فيه.

الزخرف 43:57

قوله تعالى: ﴿فَلَمَّآ آسَفُونَا ٱنتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾ - إلى قوله -: ﴿صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ﴾ أي: فلما أغضبونا حلت بهم العقوبة فأغرقوا في البحر أجمعين. قال مجاهد وقتادة والسدي وابن زيد: آسفونا: أغضبونا. وعن ابن عباس: "آسفونا: أسخطونا". وعنه: أغضبونا. * * ثم قال تعالى: ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفاً وَمَثَلاً لِّلآخِرِينَ﴾. السَّلَف، جمع سَالِف، كخَادِم وَخَدَم، وتَابع وَتَبَع، وَغَائِب وغيب. والعرب تقول: هؤلاء سلفنا. وقرأ الكسائي وحمزة: "سُلُفًا" بضمتين وهو جمع سليف حكاه الفراء. وقرأ حميد الأعرج: "سُلَفاً" بضم السين وفتح اللام، وجمع سلفة، والسلفة: الفرقة المتقدمة. والمعنى: فجعلنا هؤلاء الذين أغرقنا مقدمة يتقدمون إلى النار كما سنفعل بكفار قومك يا محمد. وقيل: المعنى: فجعلنا قوم فرعون سلفا لكفار قومك يا محمد يتقدمونهم إلى النار: قاله مجاهد. * * وقوله: ﴿وَمَثَلاً لِّلآخِرِينَ﴾، أي: عبرة وعظة لمن يأتي بعدهم. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ٱبْنُ مَرْيَمَ مَثَلاً إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ﴾، أي: ولما شبه الله عز وجل عيسى في إحداثه إياه من غير فحل بآدم إذا قومك يا محمد منه يضحكون ويقولون: ما يريد محمد منا إلا أن نتخذه إلها كما اتخذت النصارى المسيح، قاله مجاهد. وقال ابن عباس لما قال الله عز وجل لقريش: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾، قالت قريش للنبي ﷺ فما ابن مريم؟ فقال: ذلك عبد الله ورسوله: فقالوا: والله ما يريد هذا إلا أن نتخذه رباً كما اتخذت النصارى عيسى ابن مريم رباً. فقال الله: ﴿مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلاَّ جَدَلاً بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ وقيل: إن الآية نزلت في ابن الزبعرى، وذلك أنه لما أنزل الله جل ذكره ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء: ٩٨]. قال فالنصارى تعبد المسيح. فقال الله: ﴿مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلاَّ جَدَلاً﴾ أي: قد علموا أنه لا يراد بالآية عيسى، وإنما يراد بها الأصنام. قال الكسائي والفراء: "يصدون" (بالضم والكسر) لغتان، بمعنى يعرضون. وقال قطرب هما لغتان بمعنى يضحكون. وقال أبو عبيد: "يَصِدُّون" بالكسر: يضجون، وبالضم يعرضون، وهو قول يونس وعيسى الثقفي. والاختيار في القراءة عند أبي عبيد بالكسر على معنى يضجون لأنها لو كانت بالضم على معنى يعرضون لكان اللفظ: إذا قومك عنه يَصُدُّون. * * ثم قال تعالى: ﴿وَقَالُوۤاْ ءَأَ ٰلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ﴾، أي: وقال مشركو قومك يا محمد: أآلهتنا خير أم محمد، فنعبد محمداً ونترك آلهتنا. وفي حرف أُبي: "ءالهتنا خير أم هذا"، يعني: محمداً ﷺ. وقال السدي معناه: أآلهتنا خير أم عيسى قال: وذلك أنهم خاصموه فقالوا: أتزعم أن كل من عبد من دون الله في النار، فنحن نرضى أن تكون آلهتنا مع عيسى ابن مريم وعزير والملائكة، هؤلاء قد عُبدوا من دون الله. قال: فأنزل الله براءة عيسى وشِبْهِهِ في قوله: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِّنَّا ٱلْحُسْنَىٰ﴾ [الأنبياء: ١٠١] الآية. * * وقوله: ﴿مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلاَّ جَدَلاً﴾، أي: ما مثلوا لك هذا المثل يا محمد إلا للجدل والخصومة. أي: لم يقولوا هذا على طريق المناظرة ولا على (وجه التثبت)، إنما قالوه طلباً للخصومة في الباطل. وهذا فرق بين الجدال والمناظرة، لأن المتناظرين كل واحد منهما يطلب الصواب. والمتجادلين إنما يطلبان تثبيت ما لم يتيقنا صحته، أو ما قد علما باطله. فالمجادل يحاول إثبات الباطل عند نفسه، والمناظر يحاول إظهار الصواب عند نفسه. وعن النبي ﷺ (أنه قال): "مَا ضَلَّ قَوْمٌ بَعْدَ هُدىً كَانُوا عَلَيْهِ إِلاَّ أُوتُوا الجَدَلَ قال سفيان: "بل هم قوم خصمون"، حُدِّثْتُ أنها نزلت في ابن الزبعرى. ثم قال تعالى: ﴿إِنْ هُوَ إِلاَّ عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ﴾، أي: ما عيسى إلا عبد أنعم الله عليه بالتوفيق والإيمان، وجعله الله آية لبني إسرائيل، وحجة عليهم، وهو قوله، ﴿وَجَعَلْنَاهُ مَثَلاً لِّبَنِيۤ إِسْرَائِيلَ﴾. وقيل معنى مثلاً، أي بشراً مثلهم، فضل عليهم. * * ثم قال: ﴿وَلَوْ نَشَآءُ لَجَعَلْنَا مِنكُمْ مَّلاَئِكَةً فِي ٱلأَرْضِ يَخْلُفُونَ﴾، أي: ولو نشاء يا معشر بنى آدم أهلكناكم وجعلنا منكم بدلاً في الأرض من الملائكة يعبدون الله، وهو نحو قوله: ﴿إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا ٱلنَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ﴾ [النساء: ١٣٣]، و ﴿إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِن بَعْدِكُمْ مَّا يَشَآءُ﴾ [الأنعام: ١٣٣]. وقال ابن عباس: "يخلفون، أي: يخلف بعضهم بعضاً"، وقاله قتادة. وقال غيرهما: "يخلفون" معناه: يكونون خلفاً من بنى آدم. * * ثم قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِّلسَّاعَةِ﴾، أي: وإن ظهور عيسى علم يعلم به قرب قيام الساعة أي: هو من أشراطها، ونزوله إلى الأرض دليل على فناء الدنيا وإقبال الآخرة هذا معنى قول ابن عباس والحسن ومجاهد، وهو قول قتادة والضحاك وابن زيد. فالهاء في: "وإنه" تعود على عيسى على قولهم. وقد قرأ مجاهد: "وإنه لَعَلَمٌ" بفتحتين على معنى: وإن نزول عيسى لعلامة لقرب الساعة. ورُوي عن الحسن أنه قال معناه: وإن هذا القرآن لعلم للساعة، وحكي مثله عن قتادة. روي عن النبي ﷺ أنه قال: "لَيَنْزِلَنَّ ابْنُ مَرْيَمَ حَكَماً عَدْلاً فَلَيَكْسِرَنَّ الصَّلِيبَ وَلَيَقْتُلَنَّ الخِنْزِيرَ وروى مالك عن ابن شهاب عن حنظلة بن علي الأسلمي عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: "لَيهلَّنَّ ابْنُ مَرْيَمَ بِفَجِّ (الرَّوْحَاءِ حَاجّاً وَمُعْتَمِراً) أَوْ لَيُثَنِّيهِمَا جَميعاً وروى مالك عن زيد بن أسلم عن أبي هريرة قال: "لاَ تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَنْزِلَ عيسَى ابْنُ مَرْيَمَ حَكَماً عَدْلاً وَإِمَاماً مُقْسِطاً، فَيَكْسرُ الصَّليبَ، وَيَقْتُلُ الخِنزيرَ، وَيضعُ الجِزْيةَ، وَتَضَعُ الحَرْبُ أَوْزَارَهَا، وتَكُونُ السَّجْدَةُ وَاحِدَةً لله ربِّ العَالَمينَ وقال النبي ﷺ: "يَقْتُلُ ابْنُ مَرْيَمَ الدَّجَالَ (بِبابِ لُدٍّ) قال ابن القاسم عن مالك: بينما الناس (بباب لد) إذ يسمعون الإقامة، فتغاشهم غمامة، فإذا عيسى ابن مريم قد نزل. وروي عن النبي ﷺ أنه قال: "يَنْزِلُ عِيسَى عِنْدَ المَنَارَةِ البَيْضَاءِ شَرْقيّ دِمَشْقَ وروي (عن ابن عمر) أنه قال: "يخرج الدجال، ويبعث الله عيسى ابن مريم كأنه عروة بن مسعود الثقفي، فيطلبه ويهلكه. وروي عنه ﷺ أنه قال: "لاَ تَهْلَكُ أُمَّةً أَنَا أَوَّلُها والمَسِيحُ آخِرُهَا وروى ابن وهب عن مالك أنه قال: "يموت عيسى (في المدينة) فيدفن مع النبي ﷺ ومع أبي بكر وعمر، وقد ترك موضع قبره بينهم. قال عبد الله بن سلام: نجد في التوراة أن عيسى يدفن مع محمد ﷺ. وكان بعض الصحابة يتوقع قرب نزوله. وروي عن أبي هريرة أنه كان يلقى الغلام الشاب فيقول له: إن لقيت عيسى بن مريم فأَقْرِه عني السلام، وقاله أبو ذر لبعض جلسائه. وقيل: المعنى: وإن محمداً ﷺ لعلم للساعة لأنه خاتم النبيين. فيكون معناه: يُعْلِمُ بَعْثُهُ قُرْبَ قيام الساعة. وهي في قراءة أبي: "وإِنَّهُ لَذِكْرٌ للسَّاعَةِ". * * ثم قال تعالى: ﴿فَلاَ تَمْتَرُنَّ بِهَا﴾، أي: لا تشكن في قيام الساعة أيها الناس. * * ثم قال: ﴿وَٱتَّبِعُونِ هَـٰذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ﴾، أي: وأطيعون أيها الناس، هذا الذي جئتكم به طريق لا عوج فيه.

الزخرف 43:58

قوله تعالى: ﴿فَلَمَّآ آسَفُونَا ٱنتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾ - إلى قوله -: ﴿صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ﴾ أي: فلما أغضبونا حلت بهم العقوبة فأغرقوا في البحر أجمعين. قال مجاهد وقتادة والسدي وابن زيد: آسفونا: أغضبونا. وعن ابن عباس: "آسفونا: أسخطونا". وعنه: أغضبونا. * * ثم قال تعالى: ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفاً وَمَثَلاً لِّلآخِرِينَ﴾. السَّلَف، جمع سَالِف، كخَادِم وَخَدَم، وتَابع وَتَبَع، وَغَائِب وغيب. والعرب تقول: هؤلاء سلفنا. وقرأ الكسائي وحمزة: "سُلُفًا" بضمتين وهو جمع سليف حكاه الفراء. وقرأ حميد الأعرج: "سُلَفاً" بضم السين وفتح اللام، وجمع سلفة، والسلفة: الفرقة المتقدمة. والمعنى: فجعلنا هؤلاء الذين أغرقنا مقدمة يتقدمون إلى النار كما سنفعل بكفار قومك يا محمد. وقيل: المعنى: فجعلنا قوم فرعون سلفا لكفار قومك يا محمد يتقدمونهم إلى النار: قاله مجاهد. * * وقوله: ﴿وَمَثَلاً لِّلآخِرِينَ﴾، أي: عبرة وعظة لمن يأتي بعدهم. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ٱبْنُ مَرْيَمَ مَثَلاً إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ﴾، أي: ولما شبه الله عز وجل عيسى في إحداثه إياه من غير فحل بآدم إذا قومك يا محمد منه يضحكون ويقولون: ما يريد محمد منا إلا أن نتخذه إلها كما اتخذت النصارى المسيح، قاله مجاهد. وقال ابن عباس لما قال الله عز وجل لقريش: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾، قالت قريش للنبي ﷺ فما ابن مريم؟ فقال: ذلك عبد الله ورسوله: فقالوا: والله ما يريد هذا إلا أن نتخذه رباً كما اتخذت النصارى عيسى ابن مريم رباً. فقال الله: ﴿مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلاَّ جَدَلاً بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ وقيل: إن الآية نزلت في ابن الزبعرى، وذلك أنه لما أنزل الله جل ذكره ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء: ٩٨]. قال فالنصارى تعبد المسيح. فقال الله: ﴿مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلاَّ جَدَلاً﴾ أي: قد علموا أنه لا يراد بالآية عيسى، وإنما يراد بها الأصنام. قال الكسائي والفراء: "يصدون" (بالضم والكسر) لغتان، بمعنى يعرضون. وقال قطرب هما لغتان بمعنى يضحكون. وقال أبو عبيد: "يَصِدُّون" بالكسر: يضجون، وبالضم يعرضون، وهو قول يونس وعيسى الثقفي. والاختيار في القراءة عند أبي عبيد بالكسر على معنى يضجون لأنها لو كانت بالضم على معنى يعرضون لكان اللفظ: إذا قومك عنه يَصُدُّون. * * ثم قال تعالى: ﴿وَقَالُوۤاْ ءَأَ ٰلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ﴾، أي: وقال مشركو قومك يا محمد: أآلهتنا خير أم محمد، فنعبد محمداً ونترك آلهتنا. وفي حرف أُبي: "ءالهتنا خير أم هذا"، يعني: محمداً ﷺ. وقال السدي معناه: أآلهتنا خير أم عيسى قال: وذلك أنهم خاصموه فقالوا: أتزعم أن كل من عبد من دون الله في النار، فنحن نرضى أن تكون آلهتنا مع عيسى ابن مريم وعزير والملائكة، هؤلاء قد عُبدوا من دون الله. قال: فأنزل الله براءة عيسى وشِبْهِهِ في قوله: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِّنَّا ٱلْحُسْنَىٰ﴾ [الأنبياء: ١٠١] الآية. * * وقوله: ﴿مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلاَّ جَدَلاً﴾، أي: ما مثلوا لك هذا المثل يا محمد إلا للجدل والخصومة. أي: لم يقولوا هذا على طريق المناظرة ولا على (وجه التثبت)، إنما قالوه طلباً للخصومة في الباطل. وهذا فرق بين الجدال والمناظرة، لأن المتناظرين كل واحد منهما يطلب الصواب. والمتجادلين إنما يطلبان تثبيت ما لم يتيقنا صحته، أو ما قد علما باطله. فالمجادل يحاول إثبات الباطل عند نفسه، والمناظر يحاول إظهار الصواب عند نفسه. وعن النبي ﷺ (أنه قال): "مَا ضَلَّ قَوْمٌ بَعْدَ هُدىً كَانُوا عَلَيْهِ إِلاَّ أُوتُوا الجَدَلَ قال سفيان: "بل هم قوم خصمون"، حُدِّثْتُ أنها نزلت في ابن الزبعرى. ثم قال تعالى: ﴿إِنْ هُوَ إِلاَّ عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ﴾، أي: ما عيسى إلا عبد أنعم الله عليه بالتوفيق والإيمان، وجعله الله آية لبني إسرائيل، وحجة عليهم، وهو قوله، ﴿وَجَعَلْنَاهُ مَثَلاً لِّبَنِيۤ إِسْرَائِيلَ﴾. وقيل معنى مثلاً، أي بشراً مثلهم، فضل عليهم. * * ثم قال: ﴿وَلَوْ نَشَآءُ لَجَعَلْنَا مِنكُمْ مَّلاَئِكَةً فِي ٱلأَرْضِ يَخْلُفُونَ﴾، أي: ولو نشاء يا معشر بنى آدم أهلكناكم وجعلنا منكم بدلاً في الأرض من الملائكة يعبدون الله، وهو نحو قوله: ﴿إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا ٱلنَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ﴾ [النساء: ١٣٣]، و ﴿إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِن بَعْدِكُمْ مَّا يَشَآءُ﴾ [الأنعام: ١٣٣]. وقال ابن عباس: "يخلفون، أي: يخلف بعضهم بعضاً"، وقاله قتادة. وقال غيرهما: "يخلفون" معناه: يكونون خلفاً من بنى آدم. * * ثم قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِّلسَّاعَةِ﴾، أي: وإن ظهور عيسى علم يعلم به قرب قيام الساعة أي: هو من أشراطها، ونزوله إلى الأرض دليل على فناء الدنيا وإقبال الآخرة هذا معنى قول ابن عباس والحسن ومجاهد، وهو قول قتادة والضحاك وابن زيد. فالهاء في: "وإنه" تعود على عيسى على قولهم. وقد قرأ مجاهد: "وإنه لَعَلَمٌ" بفتحتين على معنى: وإن نزول عيسى لعلامة لقرب الساعة. ورُوي عن الحسن أنه قال معناه: وإن هذا القرآن لعلم للساعة، وحكي مثله عن قتادة. روي عن النبي ﷺ أنه قال: "لَيَنْزِلَنَّ ابْنُ مَرْيَمَ حَكَماً عَدْلاً فَلَيَكْسِرَنَّ الصَّلِيبَ وَلَيَقْتُلَنَّ الخِنْزِيرَ وروى مالك عن ابن شهاب عن حنظلة بن علي الأسلمي عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: "لَيهلَّنَّ ابْنُ مَرْيَمَ بِفَجِّ (الرَّوْحَاءِ حَاجّاً وَمُعْتَمِراً) أَوْ لَيُثَنِّيهِمَا جَميعاً وروى مالك عن زيد بن أسلم عن أبي هريرة قال: "لاَ تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَنْزِلَ عيسَى ابْنُ مَرْيَمَ حَكَماً عَدْلاً وَإِمَاماً مُقْسِطاً، فَيَكْسرُ الصَّليبَ، وَيَقْتُلُ الخِنزيرَ، وَيضعُ الجِزْيةَ، وَتَضَعُ الحَرْبُ أَوْزَارَهَا، وتَكُونُ السَّجْدَةُ وَاحِدَةً لله ربِّ العَالَمينَ وقال النبي ﷺ: "يَقْتُلُ ابْنُ مَرْيَمَ الدَّجَالَ (بِبابِ لُدٍّ) قال ابن القاسم عن مالك: بينما الناس (بباب لد) إذ يسمعون الإقامة، فتغاشهم غمامة، فإذا عيسى ابن مريم قد نزل. وروي عن النبي ﷺ أنه قال: "يَنْزِلُ عِيسَى عِنْدَ المَنَارَةِ البَيْضَاءِ شَرْقيّ دِمَشْقَ وروي (عن ابن عمر) أنه قال: "يخرج الدجال، ويبعث الله عيسى ابن مريم كأنه عروة بن مسعود الثقفي، فيطلبه ويهلكه. وروي عنه ﷺ أنه قال: "لاَ تَهْلَكُ أُمَّةً أَنَا أَوَّلُها والمَسِيحُ آخِرُهَا وروى ابن وهب عن مالك أنه قال: "يموت عيسى (في المدينة) فيدفن مع النبي ﷺ ومع أبي بكر وعمر، وقد ترك موضع قبره بينهم. قال عبد الله بن سلام: نجد في التوراة أن عيسى يدفن مع محمد ﷺ. وكان بعض الصحابة يتوقع قرب نزوله. وروي عن أبي هريرة أنه كان يلقى الغلام الشاب فيقول له: إن لقيت عيسى بن مريم فأَقْرِه عني السلام، وقاله أبو ذر لبعض جلسائه. وقيل: المعنى: وإن محمداً ﷺ لعلم للساعة لأنه خاتم النبيين. فيكون معناه: يُعْلِمُ بَعْثُهُ قُرْبَ قيام الساعة. وهي في قراءة أبي: "وإِنَّهُ لَذِكْرٌ للسَّاعَةِ". * * ثم قال تعالى: ﴿فَلاَ تَمْتَرُنَّ بِهَا﴾، أي: لا تشكن في قيام الساعة أيها الناس. * * ثم قال: ﴿وَٱتَّبِعُونِ هَـٰذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ﴾، أي: وأطيعون أيها الناس، هذا الذي جئتكم به طريق لا عوج فيه.

الزخرف 43:59

قوله تعالى: ﴿فَلَمَّآ آسَفُونَا ٱنتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾ - إلى قوله -: ﴿صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ﴾ أي: فلما أغضبونا حلت بهم العقوبة فأغرقوا في البحر أجمعين. قال مجاهد وقتادة والسدي وابن زيد: آسفونا: أغضبونا. وعن ابن عباس: "آسفونا: أسخطونا". وعنه: أغضبونا. * * ثم قال تعالى: ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفاً وَمَثَلاً لِّلآخِرِينَ﴾. السَّلَف، جمع سَالِف، كخَادِم وَخَدَم، وتَابع وَتَبَع، وَغَائِب وغيب. والعرب تقول: هؤلاء سلفنا. وقرأ الكسائي وحمزة: "سُلُفًا" بضمتين وهو جمع سليف حكاه الفراء. وقرأ حميد الأعرج: "سُلَفاً" بضم السين وفتح اللام، وجمع سلفة، والسلفة: الفرقة المتقدمة. والمعنى: فجعلنا هؤلاء الذين أغرقنا مقدمة يتقدمون إلى النار كما سنفعل بكفار قومك يا محمد. وقيل: المعنى: فجعلنا قوم فرعون سلفا لكفار قومك يا محمد يتقدمونهم إلى النار: قاله مجاهد. * * وقوله: ﴿وَمَثَلاً لِّلآخِرِينَ﴾، أي: عبرة وعظة لمن يأتي بعدهم. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ٱبْنُ مَرْيَمَ مَثَلاً إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ﴾، أي: ولما شبه الله عز وجل عيسى في إحداثه إياه من غير فحل بآدم إذا قومك يا محمد منه يضحكون ويقولون: ما يريد محمد منا إلا أن نتخذه إلها كما اتخذت النصارى المسيح، قاله مجاهد. وقال ابن عباس لما قال الله عز وجل لقريش: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾، قالت قريش للنبي ﷺ فما ابن مريم؟ فقال: ذلك عبد الله ورسوله: فقالوا: والله ما يريد هذا إلا أن نتخذه رباً كما اتخذت النصارى عيسى ابن مريم رباً. فقال الله: ﴿مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلاَّ جَدَلاً بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ وقيل: إن الآية نزلت في ابن الزبعرى، وذلك أنه لما أنزل الله جل ذكره ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء: ٩٨]. قال فالنصارى تعبد المسيح. فقال الله: ﴿مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلاَّ جَدَلاً﴾ أي: قد علموا أنه لا يراد بالآية عيسى، وإنما يراد بها الأصنام. قال الكسائي والفراء: "يصدون" (بالضم والكسر) لغتان، بمعنى يعرضون. وقال قطرب هما لغتان بمعنى يضحكون. وقال أبو عبيد: "يَصِدُّون" بالكسر: يضجون، وبالضم يعرضون، وهو قول يونس وعيسى الثقفي. والاختيار في القراءة عند أبي عبيد بالكسر على معنى يضجون لأنها لو كانت بالضم على معنى يعرضون لكان اللفظ: إذا قومك عنه يَصُدُّون. * * ثم قال تعالى: ﴿وَقَالُوۤاْ ءَأَ ٰلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ﴾، أي: وقال مشركو قومك يا محمد: أآلهتنا خير أم محمد، فنعبد محمداً ونترك آلهتنا. وفي حرف أُبي: "ءالهتنا خير أم هذا"، يعني: محمداً ﷺ. وقال السدي معناه: أآلهتنا خير أم عيسى قال: وذلك أنهم خاصموه فقالوا: أتزعم أن كل من عبد من دون الله في النار، فنحن نرضى أن تكون آلهتنا مع عيسى ابن مريم وعزير والملائكة، هؤلاء قد عُبدوا من دون الله. قال: فأنزل الله براءة عيسى وشِبْهِهِ في قوله: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِّنَّا ٱلْحُسْنَىٰ﴾ [الأنبياء: ١٠١] الآية. * * وقوله: ﴿مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلاَّ جَدَلاً﴾، أي: ما مثلوا لك هذا المثل يا محمد إلا للجدل والخصومة. أي: لم يقولوا هذا على طريق المناظرة ولا على (وجه التثبت)، إنما قالوه طلباً للخصومة في الباطل. وهذا فرق بين الجدال والمناظرة، لأن المتناظرين كل واحد منهما يطلب الصواب. والمتجادلين إنما يطلبان تثبيت ما لم يتيقنا صحته، أو ما قد علما باطله. فالمجادل يحاول إثبات الباطل عند نفسه، والمناظر يحاول إظهار الصواب عند نفسه. وعن النبي ﷺ (أنه قال): "مَا ضَلَّ قَوْمٌ بَعْدَ هُدىً كَانُوا عَلَيْهِ إِلاَّ أُوتُوا الجَدَلَ قال سفيان: "بل هم قوم خصمون"، حُدِّثْتُ أنها نزلت في ابن الزبعرى. ثم قال تعالى: ﴿إِنْ هُوَ إِلاَّ عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ﴾، أي: ما عيسى إلا عبد أنعم الله عليه بالتوفيق والإيمان، وجعله الله آية لبني إسرائيل، وحجة عليهم، وهو قوله، ﴿وَجَعَلْنَاهُ مَثَلاً لِّبَنِيۤ إِسْرَائِيلَ﴾. وقيل معنى مثلاً، أي بشراً مثلهم، فضل عليهم. * * ثم قال: ﴿وَلَوْ نَشَآءُ لَجَعَلْنَا مِنكُمْ مَّلاَئِكَةً فِي ٱلأَرْضِ يَخْلُفُونَ﴾، أي: ولو نشاء يا معشر بنى آدم أهلكناكم وجعلنا منكم بدلاً في الأرض من الملائكة يعبدون الله، وهو نحو قوله: ﴿إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا ٱلنَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ﴾ [النساء: ١٣٣]، و ﴿إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِن بَعْدِكُمْ مَّا يَشَآءُ﴾ [الأنعام: ١٣٣]. وقال ابن عباس: "يخلفون، أي: يخلف بعضهم بعضاً"، وقاله قتادة. وقال غيرهما: "يخلفون" معناه: يكونون خلفاً من بنى آدم. * * ثم قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِّلسَّاعَةِ﴾، أي: وإن ظهور عيسى علم يعلم به قرب قيام الساعة أي: هو من أشراطها، ونزوله إلى الأرض دليل على فناء الدنيا وإقبال الآخرة هذا معنى قول ابن عباس والحسن ومجاهد، وهو قول قتادة والضحاك وابن زيد. فالهاء في: "وإنه" تعود على عيسى على قولهم. وقد قرأ مجاهد: "وإنه لَعَلَمٌ" بفتحتين على معنى: وإن نزول عيسى لعلامة لقرب الساعة. ورُوي عن الحسن أنه قال معناه: وإن هذا القرآن لعلم للساعة، وحكي مثله عن قتادة. روي عن النبي ﷺ أنه قال: "لَيَنْزِلَنَّ ابْنُ مَرْيَمَ حَكَماً عَدْلاً فَلَيَكْسِرَنَّ الصَّلِيبَ وَلَيَقْتُلَنَّ الخِنْزِيرَ وروى مالك عن ابن شهاب عن حنظلة بن علي الأسلمي عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: "لَيهلَّنَّ ابْنُ مَرْيَمَ بِفَجِّ (الرَّوْحَاءِ حَاجّاً وَمُعْتَمِراً) أَوْ لَيُثَنِّيهِمَا جَميعاً وروى مالك عن زيد بن أسلم عن أبي هريرة قال: "لاَ تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَنْزِلَ عيسَى ابْنُ مَرْيَمَ حَكَماً عَدْلاً وَإِمَاماً مُقْسِطاً، فَيَكْسرُ الصَّليبَ، وَيَقْتُلُ الخِنزيرَ، وَيضعُ الجِزْيةَ، وَتَضَعُ الحَرْبُ أَوْزَارَهَا، وتَكُونُ السَّجْدَةُ وَاحِدَةً لله ربِّ العَالَمينَ وقال النبي ﷺ: "يَقْتُلُ ابْنُ مَرْيَمَ الدَّجَالَ (بِبابِ لُدٍّ) قال ابن القاسم عن مالك: بينما الناس (بباب لد) إذ يسمعون الإقامة، فتغاشهم غمامة، فإذا عيسى ابن مريم قد نزل. وروي عن النبي ﷺ أنه قال: "يَنْزِلُ عِيسَى عِنْدَ المَنَارَةِ البَيْضَاءِ شَرْقيّ دِمَشْقَ وروي (عن ابن عمر) أنه قال: "يخرج الدجال، ويبعث الله عيسى ابن مريم كأنه عروة بن مسعود الثقفي، فيطلبه ويهلكه. وروي عنه ﷺ أنه قال: "لاَ تَهْلَكُ أُمَّةً أَنَا أَوَّلُها والمَسِيحُ آخِرُهَا وروى ابن وهب عن مالك أنه قال: "يموت عيسى (في المدينة) فيدفن مع النبي ﷺ ومع أبي بكر وعمر، وقد ترك موضع قبره بينهم. قال عبد الله بن سلام: نجد في التوراة أن عيسى يدفن مع محمد ﷺ. وكان بعض الصحابة يتوقع قرب نزوله. وروي عن أبي هريرة أنه كان يلقى الغلام الشاب فيقول له: إن لقيت عيسى بن مريم فأَقْرِه عني السلام، وقاله أبو ذر لبعض جلسائه. وقيل: المعنى: وإن محمداً ﷺ لعلم للساعة لأنه خاتم النبيين. فيكون معناه: يُعْلِمُ بَعْثُهُ قُرْبَ قيام الساعة. وهي في قراءة أبي: "وإِنَّهُ لَذِكْرٌ للسَّاعَةِ". * * ثم قال تعالى: ﴿فَلاَ تَمْتَرُنَّ بِهَا﴾، أي: لا تشكن في قيام الساعة أيها الناس. * * ثم قال: ﴿وَٱتَّبِعُونِ هَـٰذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ﴾، أي: وأطيعون أيها الناس، هذا الذي جئتكم به طريق لا عوج فيه.

الزخرف 43:60

قوله تعالى: ﴿فَلَمَّآ آسَفُونَا ٱنتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾ - إلى قوله -: ﴿صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ﴾ أي: فلما أغضبونا حلت بهم العقوبة فأغرقوا في البحر أجمعين. قال مجاهد وقتادة والسدي وابن زيد: آسفونا: أغضبونا. وعن ابن عباس: "آسفونا: أسخطونا". وعنه: أغضبونا. * * ثم قال تعالى: ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفاً وَمَثَلاً لِّلآخِرِينَ﴾. السَّلَف، جمع سَالِف، كخَادِم وَخَدَم، وتَابع وَتَبَع، وَغَائِب وغيب. والعرب تقول: هؤلاء سلفنا. وقرأ الكسائي وحمزة: "سُلُفًا" بضمتين وهو جمع سليف حكاه الفراء. وقرأ حميد الأعرج: "سُلَفاً" بضم السين وفتح اللام، وجمع سلفة، والسلفة: الفرقة المتقدمة. والمعنى: فجعلنا هؤلاء الذين أغرقنا مقدمة يتقدمون إلى النار كما سنفعل بكفار قومك يا محمد. وقيل: المعنى: فجعلنا قوم فرعون سلفا لكفار قومك يا محمد يتقدمونهم إلى النار: قاله مجاهد. * * وقوله: ﴿وَمَثَلاً لِّلآخِرِينَ﴾، أي: عبرة وعظة لمن يأتي بعدهم. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ٱبْنُ مَرْيَمَ مَثَلاً إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ﴾، أي: ولما شبه الله عز وجل عيسى في إحداثه إياه من غير فحل بآدم إذا قومك يا محمد منه يضحكون ويقولون: ما يريد محمد منا إلا أن نتخذه إلها كما اتخذت النصارى المسيح، قاله مجاهد. وقال ابن عباس لما قال الله عز وجل لقريش: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾، قالت قريش للنبي ﷺ فما ابن مريم؟ فقال: ذلك عبد الله ورسوله: فقالوا: والله ما يريد هذا إلا أن نتخذه رباً كما اتخذت النصارى عيسى ابن مريم رباً. فقال الله: ﴿مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلاَّ جَدَلاً بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ وقيل: إن الآية نزلت في ابن الزبعرى، وذلك أنه لما أنزل الله جل ذكره ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء: ٩٨]. قال فالنصارى تعبد المسيح. فقال الله: ﴿مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلاَّ جَدَلاً﴾ أي: قد علموا أنه لا يراد بالآية عيسى، وإنما يراد بها الأصنام. قال الكسائي والفراء: "يصدون" (بالضم والكسر) لغتان، بمعنى يعرضون. وقال قطرب هما لغتان بمعنى يضحكون. وقال أبو عبيد: "يَصِدُّون" بالكسر: يضجون، وبالضم يعرضون، وهو قول يونس وعيسى الثقفي. والاختيار في القراءة عند أبي عبيد بالكسر على معنى يضجون لأنها لو كانت بالضم على معنى يعرضون لكان اللفظ: إذا قومك عنه يَصُدُّون. * * ثم قال تعالى: ﴿وَقَالُوۤاْ ءَأَ ٰلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ﴾، أي: وقال مشركو قومك يا محمد: أآلهتنا خير أم محمد، فنعبد محمداً ونترك آلهتنا. وفي حرف أُبي: "ءالهتنا خير أم هذا"، يعني: محمداً ﷺ. وقال السدي معناه: أآلهتنا خير أم عيسى قال: وذلك أنهم خاصموه فقالوا: أتزعم أن كل من عبد من دون الله في النار، فنحن نرضى أن تكون آلهتنا مع عيسى ابن مريم وعزير والملائكة، هؤلاء قد عُبدوا من دون الله. قال: فأنزل الله براءة عيسى وشِبْهِهِ في قوله: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِّنَّا ٱلْحُسْنَىٰ﴾ [الأنبياء: ١٠١] الآية. * * وقوله: ﴿مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلاَّ جَدَلاً﴾، أي: ما مثلوا لك هذا المثل يا محمد إلا للجدل والخصومة. أي: لم يقولوا هذا على طريق المناظرة ولا على (وجه التثبت)، إنما قالوه طلباً للخصومة في الباطل. وهذا فرق بين الجدال والمناظرة، لأن المتناظرين كل واحد منهما يطلب الصواب. والمتجادلين إنما يطلبان تثبيت ما لم يتيقنا صحته، أو ما قد علما باطله. فالمجادل يحاول إثبات الباطل عند نفسه، والمناظر يحاول إظهار الصواب عند نفسه. وعن النبي ﷺ (أنه قال): "مَا ضَلَّ قَوْمٌ بَعْدَ هُدىً كَانُوا عَلَيْهِ إِلاَّ أُوتُوا الجَدَلَ قال سفيان: "بل هم قوم خصمون"، حُدِّثْتُ أنها نزلت في ابن الزبعرى. ثم قال تعالى: ﴿إِنْ هُوَ إِلاَّ عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ﴾، أي: ما عيسى إلا عبد أنعم الله عليه بالتوفيق والإيمان، وجعله الله آية لبني إسرائيل، وحجة عليهم، وهو قوله، ﴿وَجَعَلْنَاهُ مَثَلاً لِّبَنِيۤ إِسْرَائِيلَ﴾. وقيل معنى مثلاً، أي بشراً مثلهم، فضل عليهم. * * ثم قال: ﴿وَلَوْ نَشَآءُ لَجَعَلْنَا مِنكُمْ مَّلاَئِكَةً فِي ٱلأَرْضِ يَخْلُفُونَ﴾، أي: ولو نشاء يا معشر بنى آدم أهلكناكم وجعلنا منكم بدلاً في الأرض من الملائكة يعبدون الله، وهو نحو قوله: ﴿إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا ٱلنَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ﴾ [النساء: ١٣٣]، و ﴿إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِن بَعْدِكُمْ مَّا يَشَآءُ﴾ [الأنعام: ١٣٣]. وقال ابن عباس: "يخلفون، أي: يخلف بعضهم بعضاً"، وقاله قتادة. وقال غيرهما: "يخلفون" معناه: يكونون خلفاً من بنى آدم. * * ثم قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِّلسَّاعَةِ﴾، أي: وإن ظهور عيسى علم يعلم به قرب قيام الساعة أي: هو من أشراطها، ونزوله إلى الأرض دليل على فناء الدنيا وإقبال الآخرة هذا معنى قول ابن عباس والحسن ومجاهد، وهو قول قتادة والضحاك وابن زيد. فالهاء في: "وإنه" تعود على عيسى على قولهم. وقد قرأ مجاهد: "وإنه لَعَلَمٌ" بفتحتين على معنى: وإن نزول عيسى لعلامة لقرب الساعة. ورُوي عن الحسن أنه قال معناه: وإن هذا القرآن لعلم للساعة، وحكي مثله عن قتادة. روي عن النبي ﷺ أنه قال: "لَيَنْزِلَنَّ ابْنُ مَرْيَمَ حَكَماً عَدْلاً فَلَيَكْسِرَنَّ الصَّلِيبَ وَلَيَقْتُلَنَّ الخِنْزِيرَ وروى مالك عن ابن شهاب عن حنظلة بن علي الأسلمي عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: "لَيهلَّنَّ ابْنُ مَرْيَمَ بِفَجِّ (الرَّوْحَاءِ حَاجّاً وَمُعْتَمِراً) أَوْ لَيُثَنِّيهِمَا جَميعاً وروى مالك عن زيد بن أسلم عن أبي هريرة قال: "لاَ تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَنْزِلَ عيسَى ابْنُ مَرْيَمَ حَكَماً عَدْلاً وَإِمَاماً مُقْسِطاً، فَيَكْسرُ الصَّليبَ، وَيَقْتُلُ الخِنزيرَ، وَيضعُ الجِزْيةَ، وَتَضَعُ الحَرْبُ أَوْزَارَهَا، وتَكُونُ السَّجْدَةُ وَاحِدَةً لله ربِّ العَالَمينَ وقال النبي ﷺ: "يَقْتُلُ ابْنُ مَرْيَمَ الدَّجَالَ (بِبابِ لُدٍّ) قال ابن القاسم عن مالك: بينما الناس (بباب لد) إذ يسمعون الإقامة، فتغاشهم غمامة، فإذا عيسى ابن مريم قد نزل. وروي عن النبي ﷺ أنه قال: "يَنْزِلُ عِيسَى عِنْدَ المَنَارَةِ البَيْضَاءِ شَرْقيّ دِمَشْقَ وروي (عن ابن عمر) أنه قال: "يخرج الدجال، ويبعث الله عيسى ابن مريم كأنه عروة بن مسعود الثقفي، فيطلبه ويهلكه. وروي عنه ﷺ أنه قال: "لاَ تَهْلَكُ أُمَّةً أَنَا أَوَّلُها والمَسِيحُ آخِرُهَا وروى ابن وهب عن مالك أنه قال: "يموت عيسى (في المدينة) فيدفن مع النبي ﷺ ومع أبي بكر وعمر، وقد ترك موضع قبره بينهم. قال عبد الله بن سلام: نجد في التوراة أن عيسى يدفن مع محمد ﷺ. وكان بعض الصحابة يتوقع قرب نزوله. وروي عن أبي هريرة أنه كان يلقى الغلام الشاب فيقول له: إن لقيت عيسى بن مريم فأَقْرِه عني السلام، وقاله أبو ذر لبعض جلسائه. وقيل: المعنى: وإن محمداً ﷺ لعلم للساعة لأنه خاتم النبيين. فيكون معناه: يُعْلِمُ بَعْثُهُ قُرْبَ قيام الساعة. وهي في قراءة أبي: "وإِنَّهُ لَذِكْرٌ للسَّاعَةِ". * * ثم قال تعالى: ﴿فَلاَ تَمْتَرُنَّ بِهَا﴾، أي: لا تشكن في قيام الساعة أيها الناس. * * ثم قال: ﴿وَٱتَّبِعُونِ هَـٰذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ﴾، أي: وأطيعون أيها الناس، هذا الذي جئتكم به طريق لا عوج فيه.

الزخرف 43:61

قوله تعالى: ﴿فَلَمَّآ آسَفُونَا ٱنتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾ - إلى قوله -: ﴿صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ﴾ أي: فلما أغضبونا حلت بهم العقوبة فأغرقوا في البحر أجمعين. قال مجاهد وقتادة والسدي وابن زيد: آسفونا: أغضبونا. وعن ابن عباس: "آسفونا: أسخطونا". وعنه: أغضبونا. * * ثم قال تعالى: ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفاً وَمَثَلاً لِّلآخِرِينَ﴾. السَّلَف، جمع سَالِف، كخَادِم وَخَدَم، وتَابع وَتَبَع، وَغَائِب وغيب. والعرب تقول: هؤلاء سلفنا. وقرأ الكسائي وحمزة: "سُلُفًا" بضمتين وهو جمع سليف حكاه الفراء. وقرأ حميد الأعرج: "سُلَفاً" بضم السين وفتح اللام، وجمع سلفة، والسلفة: الفرقة المتقدمة. والمعنى: فجعلنا هؤلاء الذين أغرقنا مقدمة يتقدمون إلى النار كما سنفعل بكفار قومك يا محمد. وقيل: المعنى: فجعلنا قوم فرعون سلفا لكفار قومك يا محمد يتقدمونهم إلى النار: قاله مجاهد. * * وقوله: ﴿وَمَثَلاً لِّلآخِرِينَ﴾، أي: عبرة وعظة لمن يأتي بعدهم. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ٱبْنُ مَرْيَمَ مَثَلاً إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ﴾، أي: ولما شبه الله عز وجل عيسى في إحداثه إياه من غير فحل بآدم إذا قومك يا محمد منه يضحكون ويقولون: ما يريد محمد منا إلا أن نتخذه إلها كما اتخذت النصارى المسيح، قاله مجاهد. وقال ابن عباس لما قال الله عز وجل لقريش: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾، قالت قريش للنبي ﷺ فما ابن مريم؟ فقال: ذلك عبد الله ورسوله: فقالوا: والله ما يريد هذا إلا أن نتخذه رباً كما اتخذت النصارى عيسى ابن مريم رباً. فقال الله: ﴿مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلاَّ جَدَلاً بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ وقيل: إن الآية نزلت في ابن الزبعرى، وذلك أنه لما أنزل الله جل ذكره ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء: ٩٨]. قال فالنصارى تعبد المسيح. فقال الله: ﴿مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلاَّ جَدَلاً﴾ أي: قد علموا أنه لا يراد بالآية عيسى، وإنما يراد بها الأصنام. قال الكسائي والفراء: "يصدون" (بالضم والكسر) لغتان، بمعنى يعرضون. وقال قطرب هما لغتان بمعنى يضحكون. وقال أبو عبيد: "يَصِدُّون" بالكسر: يضجون، وبالضم يعرضون، وهو قول يونس وعيسى الثقفي. والاختيار في القراءة عند أبي عبيد بالكسر على معنى يضجون لأنها لو كانت بالضم على معنى يعرضون لكان اللفظ: إذا قومك عنه يَصُدُّون. * * ثم قال تعالى: ﴿وَقَالُوۤاْ ءَأَ ٰلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ﴾، أي: وقال مشركو قومك يا محمد: أآلهتنا خير أم محمد، فنعبد محمداً ونترك آلهتنا. وفي حرف أُبي: "ءالهتنا خير أم هذا"، يعني: محمداً ﷺ. وقال السدي معناه: أآلهتنا خير أم عيسى قال: وذلك أنهم خاصموه فقالوا: أتزعم أن كل من عبد من دون الله في النار، فنحن نرضى أن تكون آلهتنا مع عيسى ابن مريم وعزير والملائكة، هؤلاء قد عُبدوا من دون الله. قال: فأنزل الله براءة عيسى وشِبْهِهِ في قوله: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِّنَّا ٱلْحُسْنَىٰ﴾ [الأنبياء: ١٠١] الآية. * * وقوله: ﴿مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلاَّ جَدَلاً﴾، أي: ما مثلوا لك هذا المثل يا محمد إلا للجدل والخصومة. أي: لم يقولوا هذا على طريق المناظرة ولا على (وجه التثبت)، إنما قالوه طلباً للخصومة في الباطل. وهذا فرق بين الجدال والمناظرة، لأن المتناظرين كل واحد منهما يطلب الصواب. والمتجادلين إنما يطلبان تثبيت ما لم يتيقنا صحته، أو ما قد علما باطله. فالمجادل يحاول إثبات الباطل عند نفسه، والمناظر يحاول إظهار الصواب عند نفسه. وعن النبي ﷺ (أنه قال): "مَا ضَلَّ قَوْمٌ بَعْدَ هُدىً كَانُوا عَلَيْهِ إِلاَّ أُوتُوا الجَدَلَ قال سفيان: "بل هم قوم خصمون"، حُدِّثْتُ أنها نزلت في ابن الزبعرى. ثم قال تعالى: ﴿إِنْ هُوَ إِلاَّ عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ﴾، أي: ما عيسى إلا عبد أنعم الله عليه بالتوفيق والإيمان، وجعله الله آية لبني إسرائيل، وحجة عليهم، وهو قوله، ﴿وَجَعَلْنَاهُ مَثَلاً لِّبَنِيۤ إِسْرَائِيلَ﴾. وقيل معنى مثلاً، أي بشراً مثلهم، فضل عليهم. * * ثم قال: ﴿وَلَوْ نَشَآءُ لَجَعَلْنَا مِنكُمْ مَّلاَئِكَةً فِي ٱلأَرْضِ يَخْلُفُونَ﴾، أي: ولو نشاء يا معشر بنى آدم أهلكناكم وجعلنا منكم بدلاً في الأرض من الملائكة يعبدون الله، وهو نحو قوله: ﴿إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا ٱلنَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ﴾ [النساء: ١٣٣]، و ﴿إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِن بَعْدِكُمْ مَّا يَشَآءُ﴾ [الأنعام: ١٣٣]. وقال ابن عباس: "يخلفون، أي: يخلف بعضهم بعضاً"، وقاله قتادة. وقال غيرهما: "يخلفون" معناه: يكونون خلفاً من بنى آدم. * * ثم قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِّلسَّاعَةِ﴾، أي: وإن ظهور عيسى علم يعلم به قرب قيام الساعة أي: هو من أشراطها، ونزوله إلى الأرض دليل على فناء الدنيا وإقبال الآخرة هذا معنى قول ابن عباس والحسن ومجاهد، وهو قول قتادة والضحاك وابن زيد. فالهاء في: "وإنه" تعود على عيسى على قولهم. وقد قرأ مجاهد: "وإنه لَعَلَمٌ" بفتحتين على معنى: وإن نزول عيسى لعلامة لقرب الساعة. ورُوي عن الحسن أنه قال معناه: وإن هذا القرآن لعلم للساعة، وحكي مثله عن قتادة. روي عن النبي ﷺ أنه قال: "لَيَنْزِلَنَّ ابْنُ مَرْيَمَ حَكَماً عَدْلاً فَلَيَكْسِرَنَّ الصَّلِيبَ وَلَيَقْتُلَنَّ الخِنْزِيرَ وروى مالك عن ابن شهاب عن حنظلة بن علي الأسلمي عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: "لَيهلَّنَّ ابْنُ مَرْيَمَ بِفَجِّ (الرَّوْحَاءِ حَاجّاً وَمُعْتَمِراً) أَوْ لَيُثَنِّيهِمَا جَميعاً وروى مالك عن زيد بن أسلم عن أبي هريرة قال: "لاَ تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَنْزِلَ عيسَى ابْنُ مَرْيَمَ حَكَماً عَدْلاً وَإِمَاماً مُقْسِطاً، فَيَكْسرُ الصَّليبَ، وَيَقْتُلُ الخِنزيرَ، وَيضعُ الجِزْيةَ، وَتَضَعُ الحَرْبُ أَوْزَارَهَا، وتَكُونُ السَّجْدَةُ وَاحِدَةً لله ربِّ العَالَمينَ وقال النبي ﷺ: "يَقْتُلُ ابْنُ مَرْيَمَ الدَّجَالَ (بِبابِ لُدٍّ) قال ابن القاسم عن مالك: بينما الناس (بباب لد) إذ يسمعون الإقامة، فتغاشهم غمامة، فإذا عيسى ابن مريم قد نزل. وروي عن النبي ﷺ أنه قال: "يَنْزِلُ عِيسَى عِنْدَ المَنَارَةِ البَيْضَاءِ شَرْقيّ دِمَشْقَ وروي (عن ابن عمر) أنه قال: "يخرج الدجال، ويبعث الله عيسى ابن مريم كأنه عروة بن مسعود الثقفي، فيطلبه ويهلكه. وروي عنه ﷺ أنه قال: "لاَ تَهْلَكُ أُمَّةً أَنَا أَوَّلُها والمَسِيحُ آخِرُهَا وروى ابن وهب عن مالك أنه قال: "يموت عيسى (في المدينة) فيدفن مع النبي ﷺ ومع أبي بكر وعمر، وقد ترك موضع قبره بينهم. قال عبد الله بن سلام: نجد في التوراة أن عيسى يدفن مع محمد ﷺ. وكان بعض الصحابة يتوقع قرب نزوله. وروي عن أبي هريرة أنه كان يلقى الغلام الشاب فيقول له: إن لقيت عيسى بن مريم فأَقْرِه عني السلام، وقاله أبو ذر لبعض جلسائه. وقيل: المعنى: وإن محمداً ﷺ لعلم للساعة لأنه خاتم النبيين. فيكون معناه: يُعْلِمُ بَعْثُهُ قُرْبَ قيام الساعة. وهي في قراءة أبي: "وإِنَّهُ لَذِكْرٌ للسَّاعَةِ". * * ثم قال تعالى: ﴿فَلاَ تَمْتَرُنَّ بِهَا﴾، أي: لا تشكن في قيام الساعة أيها الناس. * * ثم قال: ﴿وَٱتَّبِعُونِ هَـٰذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ﴾، أي: وأطيعون أيها الناس، هذا الذي جئتكم به طريق لا عوج فيه.

الزخرف 43:62

قوله تعالى: ﴿وَلاَ يَصُدَّنَّكُمُ ٱلشَّيْطَانُ﴾ - إلى قوله -: ﴿مِّنْهَا تَأْكُلُونَ﴾، أي: ولا يمنعكم الشيطان من اتباع الحق. ﴿إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ﴾ أي: ظاهر العداوة. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَمَّا جَآءَ عِيسَىٰ بِٱلْبَيِّنَاتِ قَالَ قَدْ جِئْتُكُم بِٱلْحِكْمَةِ﴾، أي: ولما جاء عيسى) بني إسرائيل بالآيات الواضحات. يعني: المعجزات. وقيل: بالبينات: بالإنجيل: قاله قتادة، قال لهم قد جئتكم بالحكمة. قال السدي: الحكمة ها هنا النبوءة. وقيل: الحكمة: الإنجيل. * * ثم قال: ﴿وَلأُبَيِّنَ لَكُم بَعْضَ ٱلَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ﴾. قال أبو عبيدة: "بعض" بمعنى: "كل" وَرَدَّ ذلك أكثر العلماء لأن فيه التباسَ المعاني وفسادَ الأصول ونقضَ العربية. والمعنى عند الزجاج: ولأبين لكم في الإنجيل بعض الذي تختلفون فيه. (فبين لهم) من غير الإنجيل ما احتاجوا إليه. وقيل معناه: إنه يبين لهم بعض الذي اختلفوا فيه من أحكام التوراة على مقدار ما سألوه عنه، ويجوز أن يختلفوا في أشياء غير ذلك لم يسألوه عن بيانها. قال مجاهد معناه: ولأبين لكم بعض الذي تختلفون فيه من تبديل التوراة. وقيل المعنى: إن بني إسرائيل اختلفوا بعد موسى في أشياء من أمر دينهم، وأشياء من أمر دنياهم، فبين لهم عيسى بعض ما اختلفوا فيه وهو أمر دينهم خاصة، فلذلك قال: ﴿بَعْضَ ٱلَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ﴾. * * ثم قال: ﴿فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾، أي: فاتقوا الله فيما أمركم به ونهاكم عنه، وأطيعون فيما أقول لكم. ﴿إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَٱعْبُدُوهُ﴾، أي: إن الذي يستوجب الإفراد بالعبادة هو الله. ﴿هَـٰذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ﴾، أي: هذا الذي أمرتكم به هو الطريق المقوم الذي لا يوصل إلى رضى الله إلا باتباعه. * * ثم قال تعالى: ﴿فَٱخْتَلَفَ ٱلأَحْزَابُ مِن بَيْنِهِمْ﴾. قال قتادة: الأحزاب هنا، هم الأربعة الذين أخرجهم بنو إسرائيل يقولون في عيسى. ذكر ابن حبيب أن النصارى افترقت في عيسى بعد رفعه على ثلاث فرق: فرقة قالت: هو الله، هم اليعقوبية قال الله عنهم: ﴿لَّقَدْ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَآلُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ مَرْيَمَ﴾ [المائدة: ١٧]. وفرقة ثانية قالت: هو ابن الله، وهم النسطورية. وهم الذين قال الله فيهم: ﴿وَقَالَتْ ٱلنَّصَارَى ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ ٱللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٠]. وفرقة ثالثة قالت: هم ثلاثة: الله إله، وعيسى إله، وأمه إله وهم الملكانية. وهم الذي قال الله فيهم: ﴿لَّقَدْ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَالُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ﴾ [المائدة: ٧٣]. فالنصارى فيه إلى اليوم على هذه الثلاث فرق. وكانوا فيه - إذ كان بين أظهرهم - على فرقتين: فرقة آمنت به، وفرقة كفرت به - وهم الأكثر - ثم لما رفع اختلفوا فيه على هذه الأقوال الثلاثة. وقال السدي: "الأحزاب: اليهود والنصارى". ومعنى من بينهم، أي: من بين من دعاهم عيسى إلى ما دعاهم إليه من اتقاء الله والعمل بطاعته. * * ثم قال: ﴿فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْ عَذَابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ﴾، أي: فالوادي السائل من القيح والصديد في جهنم للذين كفروا بالله من عذاب يوم أليم، وهو يوم القيامة. * * ثم قال تعالى: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ ٱلسَّاعَةَ أَن تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً﴾، أي: هل ينظر هؤلاء الأحزاب المختلفون في عيسى إلا الساعة (بغتة، أي: فجأة). "وأن" في موضع نصب بدل من "الساعة" بدل الاشتمال. ﴿وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ﴾، أي: لا يعلمون بمجيئها. * * ثم قال تعالى: ﴿ٱلأَخِلاَّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ ٱلْمُتَّقِينَ﴾ أي: المتخالون على معاصي الله في الدنيا يوم تقوم الساعة يتبرأ بعضهم من بعض إلا الذين تخالوا فيها على تقوى الله. قال ابن عباس: "كل خلة في الدنيا هي عداوة يوم القيامة، إلا خلة المتقين". وقال مجاهد، معناه: الأخلاء في الدنيا على معصية الله متعادون يوم القيامة. * * ثم قال تعالى: ﴿يٰعِبَادِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْكُمُ ٱلْيَوْمَ وَلاَ أَنتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ وفي الكلام حذف، أي: إلا المتقين، فإنه يقال لهم يا عبادي لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون على فراق الدنيا، لأنكم قَدِمْتُمْ على ما هو أفضل منها. وروي (أن الناس) ينادون بهذا النداء يوم القيامة فيطمع فيها من ليس من أهلها، حتى إذ سمع قوله: ﴿ٱلَّذِينَ آمَنُواْ بِآيَاتِنَا وَكَانُواْ مُسْلِمِينَ﴾ (فييئس منها عند ذلك كل أحد إلا المسلمين ومعنى "وكانوا مسلمين"، أي: وكانوا أهل خضوع لله عز وجل بقلوبهم. وقيل: ﴿فَلَمَّا جَآءَتْهُمْ﴾ الرسل واستسلام له. وروي عن بعض التابعين أنه قال يخرجون من القبور وكلهم مدعين فيناديهم منادٍ: ﴿يٰعِبَادِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْكُمُ ٱلْيَوْمَ وَلاَ أَنتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ فيطمع فيها الخلق كلهم، فيتبعها: ﴿ٱلَّذِينَ آمَنُواْ بِآيَاتِنَا وَكَانُواْ مُسْلِمِينَ﴾. فيئس منها الخلق إلا أهل الإسلام. قال (ابن عباس): يخرجون فينظرون إلى الأرض غير الأرض التي عهدوا، (وإلى الناس غير الناس الذين عهدوا). وكان ابن عباس يتمثل بعد هذا القول بقول الشاعر: ؎ فَمَا النَّاسُ بِالنَّاسِ الذِينَ عَهِدتَّهُمْ ∗∗∗ ولا الدَّارُ بِالدَّارِ الَّتِي كُنْتَ تَعْرِفُ ثم قال تعالى: ﴿ٱدْخُلُواْ ٱلْجَنَّةَ أَنتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ﴾، أي: تكرمون، قاله ابن عباس. وروي أن النبي ﷺ سئل عن تحبرون فقال: "اللَّذَّةُ والسَّماعُ بِمَا شَاءَ اللهُ (مِن ذِكْرِهِ) "فالذين" يحتمل أن يكون مبتدأ "وادخلوا" الخبر على حذف القول، أي: يقال لهم: ادخلوا الجنة. ويجوز أن يكون نعتاً "للعباد" في موضع نصب، يدل على ذلك قوله: ﴿ٱدْخُلُواْ ٱلْجَنَّةَ﴾ وما بعده. فأتى بلفظ الخطاب. ويدل على الوجه الأول قوله: ﴿يُطَافُ عَلَيْهِمْ﴾ وما بعده، فأتى بلفظ الغيبة. فالعباد مخاطبون لأن المنادى مخاطب. "والذين" لفظهم لفظ غيبة. فكلا (الوجهين له) دليل. * * ثم قال تعالى: ﴿يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِّن ذَهَبٍ﴾، أي: يطاف على هؤلاء الذين آمنوا في الجنة بقصاع من ذهب وأكواب من ذهب، أي: يطوف عليهم بذلك الغلمان. "والأكواب: التي ليست لها آذان"، قاله السدي. وقال قتادة: هي دون الأباريق. وقيل: الكوب الإبريق المستدير الذي لا أذن له ولا خرطوم. والمعنى: يطاف عليهم في الجنة بصحاف الطعام وأكواب الشراب من ذهب. فاستغنى بذكر الصحاف والأكواب عن ذكر الطعام والشراب لمعرفة السامعين بمعناه. قال ابن جبير: إن أدنى أهل الجنة منزلة مَنْ له قصر فيه سبعون ألف خادم، في يد كل خادم صحفة سوى ما في يد صاحبتها. لو فَتَحَ بابه فضافَه أهل الدنيا لوسعهم، لا يستعين عليهم بشيء من غيره، وذلك قوله: ﴿لَهُم مَّا يَشَآءُونَ فِيهَا﴾ [ق: ٣٥] ﴿وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ ٱلأَنْفُسُ﴾. قال عبد الله بن عمر: (وما أحد) من أهل الجنة إلا يسعى عليه ألف غلام، (كل غلام على) عمل خلاف ما عليه صاحبه. * * وقوله: ﴿وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ ٱلأَنْفُسُ﴾، أي: وفي الجنة ما تشتهي نفوسكم أيها المؤمنون وتلذ أعينكم. ﴿وَأَنتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾، أي: ماكثون أبداً. وروى سفيان أن رجلاً سأل النبي ﷺ فقال يا رسول الله، إني أحب الخيل، فهل في الجنة خيل؟ فقال له: "إنْ يُدْخِلكَ اللهُ الجَنَّةَ - إِنْ شَاءَ اللهُ - فَلاَ تَشَاءُ أََنْ تَرْكَبَ فَرَساً مِنْ يَاقُوتَةٍ حَمْرَاءَ يَطيرُ بِكَ في أَيِّ الجَنَّةِ شِئْتَ إِلاَّ فَعَلْتَ. فقال الأعرابي: يا رسول الله، إنى أحب الإبل، فهل في الجنة إبل؟ فقال: يَا أَعْرَابِيُّ، إِنْ يُدْخِلَكَ اللهُ الجَنَّةَ - إِنْ شَاءَ اللهُ - فَفِيها مَا اشْتَهَتْ نَفْسُكَ لَكَ وَلَذَّتْ عَيْنُكَ" وقال أبو أمامه: إن الرجل من أهل الجنة ليشتهي الطائر وهو يطير فيقع في كفه نضيجاً فيأكل منه (حيث تشتهي) نفسه ثم يطير، ويشتهي الشراب، فيقع الإبريق في يده فيشرب منه ما يريد، ثم يرجع إلى مكانه. وقال أبو طيبة السلمي: إن الشَّرْبَ من أهل الجنة لَتُظِلُّهُم السحاب، فقال فتقول: ما أمطركم؟ قال: فما يدعو داع شيئاً إلا أمطرتهم، حتى إن القائل منهم ليقول: أمطرينا كواعب أتراباً. * * ثم قال تعالى: ﴿وَتِلْكَ ٱلْجَنَّةُ ٱلَّتِيۤ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾، (أي: وتلك الجنة أورثكموها الله عن أهل النار، بما كنتم تعملون) في الدنيا من الخير. ﴿لَكُمْ فِيهَا﴾، أي: في الجنة. ﴿فَاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ﴾، أي: من كل نوع. ﴿مِّنْهَا تَأْكُلُونَ﴾، أي: من الفاكهة تأكلون ما اشتهيتم. وقد قال ابن خالويه: إنما أشار إلى الجنة بإشارة البعيد فقال: "وتلك" وأشار إلى جهنم في (قوله: هذه) جهنم بإشارة القريب لتأكيد التخويف من جهنم لأن الله عز وجل قد يتفضل على عباده فيدخلهم الجنة بغير عمل كالأطفال والمجانين، ولا يعذب أحداً منهم إلا على ذنب اكتسبه، فحذرهم الله عز وجل في النار وقَرَّب الإشارة إليها، (أكثر مما شوقهم) إلى الجنة، فجعل جهنم كأنه يُنظر إليها كالحاضرة، تخويفاً منها.

الزخرف 43:63

قوله تعالى: ﴿وَلاَ يَصُدَّنَّكُمُ ٱلشَّيْطَانُ﴾ - إلى قوله -: ﴿مِّنْهَا تَأْكُلُونَ﴾، أي: ولا يمنعكم الشيطان من اتباع الحق. ﴿إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ﴾ أي: ظاهر العداوة. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَمَّا جَآءَ عِيسَىٰ بِٱلْبَيِّنَاتِ قَالَ قَدْ جِئْتُكُم بِٱلْحِكْمَةِ﴾، أي: ولما جاء عيسى) بني إسرائيل بالآيات الواضحات. يعني: المعجزات. وقيل: بالبينات: بالإنجيل: قاله قتادة، قال لهم قد جئتكم بالحكمة. قال السدي: الحكمة ها هنا النبوءة. وقيل: الحكمة: الإنجيل. * * ثم قال: ﴿وَلأُبَيِّنَ لَكُم بَعْضَ ٱلَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ﴾. قال أبو عبيدة: "بعض" بمعنى: "كل" وَرَدَّ ذلك أكثر العلماء لأن فيه التباسَ المعاني وفسادَ الأصول ونقضَ العربية. والمعنى عند الزجاج: ولأبين لكم في الإنجيل بعض الذي تختلفون فيه. (فبين لهم) من غير الإنجيل ما احتاجوا إليه. وقيل معناه: إنه يبين لهم بعض الذي اختلفوا فيه من أحكام التوراة على مقدار ما سألوه عنه، ويجوز أن يختلفوا في أشياء غير ذلك لم يسألوه عن بيانها. قال مجاهد معناه: ولأبين لكم بعض الذي تختلفون فيه من تبديل التوراة. وقيل المعنى: إن بني إسرائيل اختلفوا بعد موسى في أشياء من أمر دينهم، وأشياء من أمر دنياهم، فبين لهم عيسى بعض ما اختلفوا فيه وهو أمر دينهم خاصة، فلذلك قال: ﴿بَعْضَ ٱلَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ﴾. * * ثم قال: ﴿فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾، أي: فاتقوا الله فيما أمركم به ونهاكم عنه، وأطيعون فيما أقول لكم. ﴿إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَٱعْبُدُوهُ﴾، أي: إن الذي يستوجب الإفراد بالعبادة هو الله. ﴿هَـٰذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ﴾، أي: هذا الذي أمرتكم به هو الطريق المقوم الذي لا يوصل إلى رضى الله إلا باتباعه. * * ثم قال تعالى: ﴿فَٱخْتَلَفَ ٱلأَحْزَابُ مِن بَيْنِهِمْ﴾. قال قتادة: الأحزاب هنا، هم الأربعة الذين أخرجهم بنو إسرائيل يقولون في عيسى. ذكر ابن حبيب أن النصارى افترقت في عيسى بعد رفعه على ثلاث فرق: فرقة قالت: هو الله، هم اليعقوبية قال الله عنهم: ﴿لَّقَدْ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَآلُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ مَرْيَمَ﴾ [المائدة: ١٧]. وفرقة ثانية قالت: هو ابن الله، وهم النسطورية. وهم الذين قال الله فيهم: ﴿وَقَالَتْ ٱلنَّصَارَى ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ ٱللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٠]. وفرقة ثالثة قالت: هم ثلاثة: الله إله، وعيسى إله، وأمه إله وهم الملكانية. وهم الذي قال الله فيهم: ﴿لَّقَدْ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَالُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ﴾ [المائدة: ٧٣]. فالنصارى فيه إلى اليوم على هذه الثلاث فرق. وكانوا فيه - إذ كان بين أظهرهم - على فرقتين: فرقة آمنت به، وفرقة كفرت به - وهم الأكثر - ثم لما رفع اختلفوا فيه على هذه الأقوال الثلاثة. وقال السدي: "الأحزاب: اليهود والنصارى". ومعنى من بينهم، أي: من بين من دعاهم عيسى إلى ما دعاهم إليه من اتقاء الله والعمل بطاعته. * * ثم قال: ﴿فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْ عَذَابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ﴾، أي: فالوادي السائل من القيح والصديد في جهنم للذين كفروا بالله من عذاب يوم أليم، وهو يوم القيامة. * * ثم قال تعالى: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ ٱلسَّاعَةَ أَن تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً﴾، أي: هل ينظر هؤلاء الأحزاب المختلفون في عيسى إلا الساعة (بغتة، أي: فجأة). "وأن" في موضع نصب بدل من "الساعة" بدل الاشتمال. ﴿وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ﴾، أي: لا يعلمون بمجيئها. * * ثم قال تعالى: ﴿ٱلأَخِلاَّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ ٱلْمُتَّقِينَ﴾ أي: المتخالون على معاصي الله في الدنيا يوم تقوم الساعة يتبرأ بعضهم من بعض إلا الذين تخالوا فيها على تقوى الله. قال ابن عباس: "كل خلة في الدنيا هي عداوة يوم القيامة، إلا خلة المتقين". وقال مجاهد، معناه: الأخلاء في الدنيا على معصية الله متعادون يوم القيامة. * * ثم قال تعالى: ﴿يٰعِبَادِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْكُمُ ٱلْيَوْمَ وَلاَ أَنتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ وفي الكلام حذف، أي: إلا المتقين، فإنه يقال لهم يا عبادي لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون على فراق الدنيا، لأنكم قَدِمْتُمْ على ما هو أفضل منها. وروي (أن الناس) ينادون بهذا النداء يوم القيامة فيطمع فيها من ليس من أهلها، حتى إذ سمع قوله: ﴿ٱلَّذِينَ آمَنُواْ بِآيَاتِنَا وَكَانُواْ مُسْلِمِينَ﴾ (فييئس منها عند ذلك كل أحد إلا المسلمين ومعنى "وكانوا مسلمين"، أي: وكانوا أهل خضوع لله عز وجل بقلوبهم. وقيل: ﴿فَلَمَّا جَآءَتْهُمْ﴾ الرسل واستسلام له. وروي عن بعض التابعين أنه قال يخرجون من القبور وكلهم مدعين فيناديهم منادٍ: ﴿يٰعِبَادِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْكُمُ ٱلْيَوْمَ وَلاَ أَنتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ فيطمع فيها الخلق كلهم، فيتبعها: ﴿ٱلَّذِينَ آمَنُواْ بِآيَاتِنَا وَكَانُواْ مُسْلِمِينَ﴾. فيئس منها الخلق إلا أهل الإسلام. قال (ابن عباس): يخرجون فينظرون إلى الأرض غير الأرض التي عهدوا، (وإلى الناس غير الناس الذين عهدوا). وكان ابن عباس يتمثل بعد هذا القول بقول الشاعر: ؎ فَمَا النَّاسُ بِالنَّاسِ الذِينَ عَهِدتَّهُمْ ∗∗∗ ولا الدَّارُ بِالدَّارِ الَّتِي كُنْتَ تَعْرِفُ ثم قال تعالى: ﴿ٱدْخُلُواْ ٱلْجَنَّةَ أَنتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ﴾، أي: تكرمون، قاله ابن عباس. وروي أن النبي ﷺ سئل عن تحبرون فقال: "اللَّذَّةُ والسَّماعُ بِمَا شَاءَ اللهُ (مِن ذِكْرِهِ) "فالذين" يحتمل أن يكون مبتدأ "وادخلوا" الخبر على حذف القول، أي: يقال لهم: ادخلوا الجنة. ويجوز أن يكون نعتاً "للعباد" في موضع نصب، يدل على ذلك قوله: ﴿ٱدْخُلُواْ ٱلْجَنَّةَ﴾ وما بعده. فأتى بلفظ الخطاب. ويدل على الوجه الأول قوله: ﴿يُطَافُ عَلَيْهِمْ﴾ وما بعده، فأتى بلفظ الغيبة. فالعباد مخاطبون لأن المنادى مخاطب. "والذين" لفظهم لفظ غيبة. فكلا (الوجهين له) دليل. * * ثم قال تعالى: ﴿يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِّن ذَهَبٍ﴾، أي: يطاف على هؤلاء الذين آمنوا في الجنة بقصاع من ذهب وأكواب من ذهب، أي: يطوف عليهم بذلك الغلمان. "والأكواب: التي ليست لها آذان"، قاله السدي. وقال قتادة: هي دون الأباريق. وقيل: الكوب الإبريق المستدير الذي لا أذن له ولا خرطوم. والمعنى: يطاف عليهم في الجنة بصحاف الطعام وأكواب الشراب من ذهب. فاستغنى بذكر الصحاف والأكواب عن ذكر الطعام والشراب لمعرفة السامعين بمعناه. قال ابن جبير: إن أدنى أهل الجنة منزلة مَنْ له قصر فيه سبعون ألف خادم، في يد كل خادم صحفة سوى ما في يد صاحبتها. لو فَتَحَ بابه فضافَه أهل الدنيا لوسعهم، لا يستعين عليهم بشيء من غيره، وذلك قوله: ﴿لَهُم مَّا يَشَآءُونَ فِيهَا﴾ [ق: ٣٥] ﴿وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ ٱلأَنْفُسُ﴾. قال عبد الله بن عمر: (وما أحد) من أهل الجنة إلا يسعى عليه ألف غلام، (كل غلام على) عمل خلاف ما عليه صاحبه. * * وقوله: ﴿وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ ٱلأَنْفُسُ﴾، أي: وفي الجنة ما تشتهي نفوسكم أيها المؤمنون وتلذ أعينكم. ﴿وَأَنتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾، أي: ماكثون أبداً. وروى سفيان أن رجلاً سأل النبي ﷺ فقال يا رسول الله، إني أحب الخيل، فهل في الجنة خيل؟ فقال له: "إنْ يُدْخِلكَ اللهُ الجَنَّةَ - إِنْ شَاءَ اللهُ - فَلاَ تَشَاءُ أََنْ تَرْكَبَ فَرَساً مِنْ يَاقُوتَةٍ حَمْرَاءَ يَطيرُ بِكَ في أَيِّ الجَنَّةِ شِئْتَ إِلاَّ فَعَلْتَ. فقال الأعرابي: يا رسول الله، إنى أحب الإبل، فهل في الجنة إبل؟ فقال: يَا أَعْرَابِيُّ، إِنْ يُدْخِلَكَ اللهُ الجَنَّةَ - إِنْ شَاءَ اللهُ - فَفِيها مَا اشْتَهَتْ نَفْسُكَ لَكَ وَلَذَّتْ عَيْنُكَ" وقال أبو أمامه: إن الرجل من أهل الجنة ليشتهي الطائر وهو يطير فيقع في كفه نضيجاً فيأكل منه (حيث تشتهي) نفسه ثم يطير، ويشتهي الشراب، فيقع الإبريق في يده فيشرب منه ما يريد، ثم يرجع إلى مكانه. وقال أبو طيبة السلمي: إن الشَّرْبَ من أهل الجنة لَتُظِلُّهُم السحاب، فقال فتقول: ما أمطركم؟ قال: فما يدعو داع شيئاً إلا أمطرتهم، حتى إن القائل منهم ليقول: أمطرينا كواعب أتراباً. * * ثم قال تعالى: ﴿وَتِلْكَ ٱلْجَنَّةُ ٱلَّتِيۤ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾، (أي: وتلك الجنة أورثكموها الله عن أهل النار، بما كنتم تعملون) في الدنيا من الخير. ﴿لَكُمْ فِيهَا﴾، أي: في الجنة. ﴿فَاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ﴾، أي: من كل نوع. ﴿مِّنْهَا تَأْكُلُونَ﴾، أي: من الفاكهة تأكلون ما اشتهيتم. وقد قال ابن خالويه: إنما أشار إلى الجنة بإشارة البعيد فقال: "وتلك" وأشار إلى جهنم في (قوله: هذه) جهنم بإشارة القريب لتأكيد التخويف من جهنم لأن الله عز وجل قد يتفضل على عباده فيدخلهم الجنة بغير عمل كالأطفال والمجانين، ولا يعذب أحداً منهم إلا على ذنب اكتسبه، فحذرهم الله عز وجل في النار وقَرَّب الإشارة إليها، (أكثر مما شوقهم) إلى الجنة، فجعل جهنم كأنه يُنظر إليها كالحاضرة، تخويفاً منها.

الزخرف 43:64

قوله تعالى: ﴿وَلاَ يَصُدَّنَّكُمُ ٱلشَّيْطَانُ﴾ - إلى قوله -: ﴿مِّنْهَا تَأْكُلُونَ﴾، أي: ولا يمنعكم الشيطان من اتباع الحق. ﴿إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ﴾ أي: ظاهر العداوة. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَمَّا جَآءَ عِيسَىٰ بِٱلْبَيِّنَاتِ قَالَ قَدْ جِئْتُكُم بِٱلْحِكْمَةِ﴾، أي: ولما جاء عيسى) بني إسرائيل بالآيات الواضحات. يعني: المعجزات. وقيل: بالبينات: بالإنجيل: قاله قتادة، قال لهم قد جئتكم بالحكمة. قال السدي: الحكمة ها هنا النبوءة. وقيل: الحكمة: الإنجيل. * * ثم قال: ﴿وَلأُبَيِّنَ لَكُم بَعْضَ ٱلَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ﴾. قال أبو عبيدة: "بعض" بمعنى: "كل" وَرَدَّ ذلك أكثر العلماء لأن فيه التباسَ المعاني وفسادَ الأصول ونقضَ العربية. والمعنى عند الزجاج: ولأبين لكم في الإنجيل بعض الذي تختلفون فيه. (فبين لهم) من غير الإنجيل ما احتاجوا إليه. وقيل معناه: إنه يبين لهم بعض الذي اختلفوا فيه من أحكام التوراة على مقدار ما سألوه عنه، ويجوز أن يختلفوا في أشياء غير ذلك لم يسألوه عن بيانها. قال مجاهد معناه: ولأبين لكم بعض الذي تختلفون فيه من تبديل التوراة. وقيل المعنى: إن بني إسرائيل اختلفوا بعد موسى في أشياء من أمر دينهم، وأشياء من أمر دنياهم، فبين لهم عيسى بعض ما اختلفوا فيه وهو أمر دينهم خاصة، فلذلك قال: ﴿بَعْضَ ٱلَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ﴾. * * ثم قال: ﴿فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾، أي: فاتقوا الله فيما أمركم به ونهاكم عنه، وأطيعون فيما أقول لكم. ﴿إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَٱعْبُدُوهُ﴾، أي: إن الذي يستوجب الإفراد بالعبادة هو الله. ﴿هَـٰذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ﴾، أي: هذا الذي أمرتكم به هو الطريق المقوم الذي لا يوصل إلى رضى الله إلا باتباعه. * * ثم قال تعالى: ﴿فَٱخْتَلَفَ ٱلأَحْزَابُ مِن بَيْنِهِمْ﴾. قال قتادة: الأحزاب هنا، هم الأربعة الذين أخرجهم بنو إسرائيل يقولون في عيسى. ذكر ابن حبيب أن النصارى افترقت في عيسى بعد رفعه على ثلاث فرق: فرقة قالت: هو الله، هم اليعقوبية قال الله عنهم: ﴿لَّقَدْ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَآلُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ مَرْيَمَ﴾ [المائدة: ١٧]. وفرقة ثانية قالت: هو ابن الله، وهم النسطورية. وهم الذين قال الله فيهم: ﴿وَقَالَتْ ٱلنَّصَارَى ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ ٱللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٠]. وفرقة ثالثة قالت: هم ثلاثة: الله إله، وعيسى إله، وأمه إله وهم الملكانية. وهم الذي قال الله فيهم: ﴿لَّقَدْ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَالُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ﴾ [المائدة: ٧٣]. فالنصارى فيه إلى اليوم على هذه الثلاث فرق. وكانوا فيه - إذ كان بين أظهرهم - على فرقتين: فرقة آمنت به، وفرقة كفرت به - وهم الأكثر - ثم لما رفع اختلفوا فيه على هذه الأقوال الثلاثة. وقال السدي: "الأحزاب: اليهود والنصارى". ومعنى من بينهم، أي: من بين من دعاهم عيسى إلى ما دعاهم إليه من اتقاء الله والعمل بطاعته. * * ثم قال: ﴿فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْ عَذَابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ﴾، أي: فالوادي السائل من القيح والصديد في جهنم للذين كفروا بالله من عذاب يوم أليم، وهو يوم القيامة. * * ثم قال تعالى: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ ٱلسَّاعَةَ أَن تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً﴾، أي: هل ينظر هؤلاء الأحزاب المختلفون في عيسى إلا الساعة (بغتة، أي: فجأة). "وأن" في موضع نصب بدل من "الساعة" بدل الاشتمال. ﴿وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ﴾، أي: لا يعلمون بمجيئها. * * ثم قال تعالى: ﴿ٱلأَخِلاَّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ ٱلْمُتَّقِينَ﴾ أي: المتخالون على معاصي الله في الدنيا يوم تقوم الساعة يتبرأ بعضهم من بعض إلا الذين تخالوا فيها على تقوى الله. قال ابن عباس: "كل خلة في الدنيا هي عداوة يوم القيامة، إلا خلة المتقين". وقال مجاهد، معناه: الأخلاء في الدنيا على معصية الله متعادون يوم القيامة. * * ثم قال تعالى: ﴿يٰعِبَادِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْكُمُ ٱلْيَوْمَ وَلاَ أَنتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ وفي الكلام حذف، أي: إلا المتقين، فإنه يقال لهم يا عبادي لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون على فراق الدنيا، لأنكم قَدِمْتُمْ على ما هو أفضل منها. وروي (أن الناس) ينادون بهذا النداء يوم القيامة فيطمع فيها من ليس من أهلها، حتى إذ سمع قوله: ﴿ٱلَّذِينَ آمَنُواْ بِآيَاتِنَا وَكَانُواْ مُسْلِمِينَ﴾ (فييئس منها عند ذلك كل أحد إلا المسلمين ومعنى "وكانوا مسلمين"، أي: وكانوا أهل خضوع لله عز وجل بقلوبهم. وقيل: ﴿فَلَمَّا جَآءَتْهُمْ﴾ الرسل واستسلام له. وروي عن بعض التابعين أنه قال يخرجون من القبور وكلهم مدعين فيناديهم منادٍ: ﴿يٰعِبَادِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْكُمُ ٱلْيَوْمَ وَلاَ أَنتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ فيطمع فيها الخلق كلهم، فيتبعها: ﴿ٱلَّذِينَ آمَنُواْ بِآيَاتِنَا وَكَانُواْ مُسْلِمِينَ﴾. فيئس منها الخلق إلا أهل الإسلام. قال (ابن عباس): يخرجون فينظرون إلى الأرض غير الأرض التي عهدوا، (وإلى الناس غير الناس الذين عهدوا). وكان ابن عباس يتمثل بعد هذا القول بقول الشاعر: ؎ فَمَا النَّاسُ بِالنَّاسِ الذِينَ عَهِدتَّهُمْ ∗∗∗ ولا الدَّارُ بِالدَّارِ الَّتِي كُنْتَ تَعْرِفُ ثم قال تعالى: ﴿ٱدْخُلُواْ ٱلْجَنَّةَ أَنتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ﴾، أي: تكرمون، قاله ابن عباس. وروي أن النبي ﷺ سئل عن تحبرون فقال: "اللَّذَّةُ والسَّماعُ بِمَا شَاءَ اللهُ (مِن ذِكْرِهِ) "فالذين" يحتمل أن يكون مبتدأ "وادخلوا" الخبر على حذف القول، أي: يقال لهم: ادخلوا الجنة. ويجوز أن يكون نعتاً "للعباد" في موضع نصب، يدل على ذلك قوله: ﴿ٱدْخُلُواْ ٱلْجَنَّةَ﴾ وما بعده. فأتى بلفظ الخطاب. ويدل على الوجه الأول قوله: ﴿يُطَافُ عَلَيْهِمْ﴾ وما بعده، فأتى بلفظ الغيبة. فالعباد مخاطبون لأن المنادى مخاطب. "والذين" لفظهم لفظ غيبة. فكلا (الوجهين له) دليل. * * ثم قال تعالى: ﴿يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِّن ذَهَبٍ﴾، أي: يطاف على هؤلاء الذين آمنوا في الجنة بقصاع من ذهب وأكواب من ذهب، أي: يطوف عليهم بذلك الغلمان. "والأكواب: التي ليست لها آذان"، قاله السدي. وقال قتادة: هي دون الأباريق. وقيل: الكوب الإبريق المستدير الذي لا أذن له ولا خرطوم. والمعنى: يطاف عليهم في الجنة بصحاف الطعام وأكواب الشراب من ذهب. فاستغنى بذكر الصحاف والأكواب عن ذكر الطعام والشراب لمعرفة السامعين بمعناه. قال ابن جبير: إن أدنى أهل الجنة منزلة مَنْ له قصر فيه سبعون ألف خادم، في يد كل خادم صحفة سوى ما في يد صاحبتها. لو فَتَحَ بابه فضافَه أهل الدنيا لوسعهم، لا يستعين عليهم بشيء من غيره، وذلك قوله: ﴿لَهُم مَّا يَشَآءُونَ فِيهَا﴾ [ق: ٣٥] ﴿وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ ٱلأَنْفُسُ﴾. قال عبد الله بن عمر: (وما أحد) من أهل الجنة إلا يسعى عليه ألف غلام، (كل غلام على) عمل خلاف ما عليه صاحبه. * * وقوله: ﴿وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ ٱلأَنْفُسُ﴾، أي: وفي الجنة ما تشتهي نفوسكم أيها المؤمنون وتلذ أعينكم. ﴿وَأَنتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾، أي: ماكثون أبداً. وروى سفيان أن رجلاً سأل النبي ﷺ فقال يا رسول الله، إني أحب الخيل، فهل في الجنة خيل؟ فقال له: "إنْ يُدْخِلكَ اللهُ الجَنَّةَ - إِنْ شَاءَ اللهُ - فَلاَ تَشَاءُ أََنْ تَرْكَبَ فَرَساً مِنْ يَاقُوتَةٍ حَمْرَاءَ يَطيرُ بِكَ في أَيِّ الجَنَّةِ شِئْتَ إِلاَّ فَعَلْتَ. فقال الأعرابي: يا رسول الله، إنى أحب الإبل، فهل في الجنة إبل؟ فقال: يَا أَعْرَابِيُّ، إِنْ يُدْخِلَكَ اللهُ الجَنَّةَ - إِنْ شَاءَ اللهُ - فَفِيها مَا اشْتَهَتْ نَفْسُكَ لَكَ وَلَذَّتْ عَيْنُكَ" وقال أبو أمامه: إن الرجل من أهل الجنة ليشتهي الطائر وهو يطير فيقع في كفه نضيجاً فيأكل منه (حيث تشتهي) نفسه ثم يطير، ويشتهي الشراب، فيقع الإبريق في يده فيشرب منه ما يريد، ثم يرجع إلى مكانه. وقال أبو طيبة السلمي: إن الشَّرْبَ من أهل الجنة لَتُظِلُّهُم السحاب، فقال فتقول: ما أمطركم؟ قال: فما يدعو داع شيئاً إلا أمطرتهم، حتى إن القائل منهم ليقول: أمطرينا كواعب أتراباً. * * ثم قال تعالى: ﴿وَتِلْكَ ٱلْجَنَّةُ ٱلَّتِيۤ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾، (أي: وتلك الجنة أورثكموها الله عن أهل النار، بما كنتم تعملون) في الدنيا من الخير. ﴿لَكُمْ فِيهَا﴾، أي: في الجنة. ﴿فَاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ﴾، أي: من كل نوع. ﴿مِّنْهَا تَأْكُلُونَ﴾، أي: من الفاكهة تأكلون ما اشتهيتم. وقد قال ابن خالويه: إنما أشار إلى الجنة بإشارة البعيد فقال: "وتلك" وأشار إلى جهنم في (قوله: هذه) جهنم بإشارة القريب لتأكيد التخويف من جهنم لأن الله عز وجل قد يتفضل على عباده فيدخلهم الجنة بغير عمل كالأطفال والمجانين، ولا يعذب أحداً منهم إلا على ذنب اكتسبه، فحذرهم الله عز وجل في النار وقَرَّب الإشارة إليها، (أكثر مما شوقهم) إلى الجنة، فجعل جهنم كأنه يُنظر إليها كالحاضرة، تخويفاً منها.

الزخرف 43:65

قوله تعالى: ﴿وَلاَ يَصُدَّنَّكُمُ ٱلشَّيْطَانُ﴾ - إلى قوله -: ﴿مِّنْهَا تَأْكُلُونَ﴾، أي: ولا يمنعكم الشيطان من اتباع الحق. ﴿إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ﴾ أي: ظاهر العداوة. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَمَّا جَآءَ عِيسَىٰ بِٱلْبَيِّنَاتِ قَالَ قَدْ جِئْتُكُم بِٱلْحِكْمَةِ﴾، أي: ولما جاء عيسى) بني إسرائيل بالآيات الواضحات. يعني: المعجزات. وقيل: بالبينات: بالإنجيل: قاله قتادة، قال لهم قد جئتكم بالحكمة. قال السدي: الحكمة ها هنا النبوءة. وقيل: الحكمة: الإنجيل. * * ثم قال: ﴿وَلأُبَيِّنَ لَكُم بَعْضَ ٱلَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ﴾. قال أبو عبيدة: "بعض" بمعنى: "كل" وَرَدَّ ذلك أكثر العلماء لأن فيه التباسَ المعاني وفسادَ الأصول ونقضَ العربية. والمعنى عند الزجاج: ولأبين لكم في الإنجيل بعض الذي تختلفون فيه. (فبين لهم) من غير الإنجيل ما احتاجوا إليه. وقيل معناه: إنه يبين لهم بعض الذي اختلفوا فيه من أحكام التوراة على مقدار ما سألوه عنه، ويجوز أن يختلفوا في أشياء غير ذلك لم يسألوه عن بيانها. قال مجاهد معناه: ولأبين لكم بعض الذي تختلفون فيه من تبديل التوراة. وقيل المعنى: إن بني إسرائيل اختلفوا بعد موسى في أشياء من أمر دينهم، وأشياء من أمر دنياهم، فبين لهم عيسى بعض ما اختلفوا فيه وهو أمر دينهم خاصة، فلذلك قال: ﴿بَعْضَ ٱلَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ﴾. * * ثم قال: ﴿فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾، أي: فاتقوا الله فيما أمركم به ونهاكم عنه، وأطيعون فيما أقول لكم. ﴿إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَٱعْبُدُوهُ﴾، أي: إن الذي يستوجب الإفراد بالعبادة هو الله. ﴿هَـٰذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ﴾، أي: هذا الذي أمرتكم به هو الطريق المقوم الذي لا يوصل إلى رضى الله إلا باتباعه. * * ثم قال تعالى: ﴿فَٱخْتَلَفَ ٱلأَحْزَابُ مِن بَيْنِهِمْ﴾. قال قتادة: الأحزاب هنا، هم الأربعة الذين أخرجهم بنو إسرائيل يقولون في عيسى. ذكر ابن حبيب أن النصارى افترقت في عيسى بعد رفعه على ثلاث فرق: فرقة قالت: هو الله، هم اليعقوبية قال الله عنهم: ﴿لَّقَدْ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَآلُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ مَرْيَمَ﴾ [المائدة: ١٧]. وفرقة ثانية قالت: هو ابن الله، وهم النسطورية. وهم الذين قال الله فيهم: ﴿وَقَالَتْ ٱلنَّصَارَى ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ ٱللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٠]. وفرقة ثالثة قالت: هم ثلاثة: الله إله، وعيسى إله، وأمه إله وهم الملكانية. وهم الذي قال الله فيهم: ﴿لَّقَدْ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَالُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ﴾ [المائدة: ٧٣]. فالنصارى فيه إلى اليوم على هذه الثلاث فرق. وكانوا فيه - إذ كان بين أظهرهم - على فرقتين: فرقة آمنت به، وفرقة كفرت به - وهم الأكثر - ثم لما رفع اختلفوا فيه على هذه الأقوال الثلاثة. وقال السدي: "الأحزاب: اليهود والنصارى". ومعنى من بينهم، أي: من بين من دعاهم عيسى إلى ما دعاهم إليه من اتقاء الله والعمل بطاعته. * * ثم قال: ﴿فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْ عَذَابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ﴾، أي: فالوادي السائل من القيح والصديد في جهنم للذين كفروا بالله من عذاب يوم أليم، وهو يوم القيامة. * * ثم قال تعالى: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ ٱلسَّاعَةَ أَن تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً﴾، أي: هل ينظر هؤلاء الأحزاب المختلفون في عيسى إلا الساعة (بغتة، أي: فجأة). "وأن" في موضع نصب بدل من "الساعة" بدل الاشتمال. ﴿وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ﴾، أي: لا يعلمون بمجيئها. * * ثم قال تعالى: ﴿ٱلأَخِلاَّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ ٱلْمُتَّقِينَ﴾ أي: المتخالون على معاصي الله في الدنيا يوم تقوم الساعة يتبرأ بعضهم من بعض إلا الذين تخالوا فيها على تقوى الله. قال ابن عباس: "كل خلة في الدنيا هي عداوة يوم القيامة، إلا خلة المتقين". وقال مجاهد، معناه: الأخلاء في الدنيا على معصية الله متعادون يوم القيامة. * * ثم قال تعالى: ﴿يٰعِبَادِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْكُمُ ٱلْيَوْمَ وَلاَ أَنتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ وفي الكلام حذف، أي: إلا المتقين، فإنه يقال لهم يا عبادي لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون على فراق الدنيا، لأنكم قَدِمْتُمْ على ما هو أفضل منها. وروي (أن الناس) ينادون بهذا النداء يوم القيامة فيطمع فيها من ليس من أهلها، حتى إذ سمع قوله: ﴿ٱلَّذِينَ آمَنُواْ بِآيَاتِنَا وَكَانُواْ مُسْلِمِينَ﴾ (فييئس منها عند ذلك كل أحد إلا المسلمين ومعنى "وكانوا مسلمين"، أي: وكانوا أهل خضوع لله عز وجل بقلوبهم. وقيل: ﴿فَلَمَّا جَآءَتْهُمْ﴾ الرسل واستسلام له. وروي عن بعض التابعين أنه قال يخرجون من القبور وكلهم مدعين فيناديهم منادٍ: ﴿يٰعِبَادِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْكُمُ ٱلْيَوْمَ وَلاَ أَنتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ فيطمع فيها الخلق كلهم، فيتبعها: ﴿ٱلَّذِينَ آمَنُواْ بِآيَاتِنَا وَكَانُواْ مُسْلِمِينَ﴾. فيئس منها الخلق إلا أهل الإسلام. قال (ابن عباس): يخرجون فينظرون إلى الأرض غير الأرض التي عهدوا، (وإلى الناس غير الناس الذين عهدوا). وكان ابن عباس يتمثل بعد هذا القول بقول الشاعر: ؎ فَمَا النَّاسُ بِالنَّاسِ الذِينَ عَهِدتَّهُمْ ∗∗∗ ولا الدَّارُ بِالدَّارِ الَّتِي كُنْتَ تَعْرِفُ ثم قال تعالى: ﴿ٱدْخُلُواْ ٱلْجَنَّةَ أَنتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ﴾، أي: تكرمون، قاله ابن عباس. وروي أن النبي ﷺ سئل عن تحبرون فقال: "اللَّذَّةُ والسَّماعُ بِمَا شَاءَ اللهُ (مِن ذِكْرِهِ) "فالذين" يحتمل أن يكون مبتدأ "وادخلوا" الخبر على حذف القول، أي: يقال لهم: ادخلوا الجنة. ويجوز أن يكون نعتاً "للعباد" في موضع نصب، يدل على ذلك قوله: ﴿ٱدْخُلُواْ ٱلْجَنَّةَ﴾ وما بعده. فأتى بلفظ الخطاب. ويدل على الوجه الأول قوله: ﴿يُطَافُ عَلَيْهِمْ﴾ وما بعده، فأتى بلفظ الغيبة. فالعباد مخاطبون لأن المنادى مخاطب. "والذين" لفظهم لفظ غيبة. فكلا (الوجهين له) دليل. * * ثم قال تعالى: ﴿يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِّن ذَهَبٍ﴾، أي: يطاف على هؤلاء الذين آمنوا في الجنة بقصاع من ذهب وأكواب من ذهب، أي: يطوف عليهم بذلك الغلمان. "والأكواب: التي ليست لها آذان"، قاله السدي. وقال قتادة: هي دون الأباريق. وقيل: الكوب الإبريق المستدير الذي لا أذن له ولا خرطوم. والمعنى: يطاف عليهم في الجنة بصحاف الطعام وأكواب الشراب من ذهب. فاستغنى بذكر الصحاف والأكواب عن ذكر الطعام والشراب لمعرفة السامعين بمعناه. قال ابن جبير: إن أدنى أهل الجنة منزلة مَنْ له قصر فيه سبعون ألف خادم، في يد كل خادم صحفة سوى ما في يد صاحبتها. لو فَتَحَ بابه فضافَه أهل الدنيا لوسعهم، لا يستعين عليهم بشيء من غيره، وذلك قوله: ﴿لَهُم مَّا يَشَآءُونَ فِيهَا﴾ [ق: ٣٥] ﴿وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ ٱلأَنْفُسُ﴾. قال عبد الله بن عمر: (وما أحد) من أهل الجنة إلا يسعى عليه ألف غلام، (كل غلام على) عمل خلاف ما عليه صاحبه. * * وقوله: ﴿وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ ٱلأَنْفُسُ﴾، أي: وفي الجنة ما تشتهي نفوسكم أيها المؤمنون وتلذ أعينكم. ﴿وَأَنتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾، أي: ماكثون أبداً. وروى سفيان أن رجلاً سأل النبي ﷺ فقال يا رسول الله، إني أحب الخيل، فهل في الجنة خيل؟ فقال له: "إنْ يُدْخِلكَ اللهُ الجَنَّةَ - إِنْ شَاءَ اللهُ - فَلاَ تَشَاءُ أََنْ تَرْكَبَ فَرَساً مِنْ يَاقُوتَةٍ حَمْرَاءَ يَطيرُ بِكَ في أَيِّ الجَنَّةِ شِئْتَ إِلاَّ فَعَلْتَ. فقال الأعرابي: يا رسول الله، إنى أحب الإبل، فهل في الجنة إبل؟ فقال: يَا أَعْرَابِيُّ، إِنْ يُدْخِلَكَ اللهُ الجَنَّةَ - إِنْ شَاءَ اللهُ - فَفِيها مَا اشْتَهَتْ نَفْسُكَ لَكَ وَلَذَّتْ عَيْنُكَ" وقال أبو أمامه: إن الرجل من أهل الجنة ليشتهي الطائر وهو يطير فيقع في كفه نضيجاً فيأكل منه (حيث تشتهي) نفسه ثم يطير، ويشتهي الشراب، فيقع الإبريق في يده فيشرب منه ما يريد، ثم يرجع إلى مكانه. وقال أبو طيبة السلمي: إن الشَّرْبَ من أهل الجنة لَتُظِلُّهُم السحاب، فقال فتقول: ما أمطركم؟ قال: فما يدعو داع شيئاً إلا أمطرتهم، حتى إن القائل منهم ليقول: أمطرينا كواعب أتراباً. * * ثم قال تعالى: ﴿وَتِلْكَ ٱلْجَنَّةُ ٱلَّتِيۤ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾، (أي: وتلك الجنة أورثكموها الله عن أهل النار، بما كنتم تعملون) في الدنيا من الخير. ﴿لَكُمْ فِيهَا﴾، أي: في الجنة. ﴿فَاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ﴾، أي: من كل نوع. ﴿مِّنْهَا تَأْكُلُونَ﴾، أي: من الفاكهة تأكلون ما اشتهيتم. وقد قال ابن خالويه: إنما أشار إلى الجنة بإشارة البعيد فقال: "وتلك" وأشار إلى جهنم في (قوله: هذه) جهنم بإشارة القريب لتأكيد التخويف من جهنم لأن الله عز وجل قد يتفضل على عباده فيدخلهم الجنة بغير عمل كالأطفال والمجانين، ولا يعذب أحداً منهم إلا على ذنب اكتسبه، فحذرهم الله عز وجل في النار وقَرَّب الإشارة إليها، (أكثر مما شوقهم) إلى الجنة، فجعل جهنم كأنه يُنظر إليها كالحاضرة، تخويفاً منها.

الزخرف 43:66

قوله تعالى: ﴿وَلاَ يَصُدَّنَّكُمُ ٱلشَّيْطَانُ﴾ - إلى قوله -: ﴿مِّنْهَا تَأْكُلُونَ﴾، أي: ولا يمنعكم الشيطان من اتباع الحق. ﴿إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ﴾ أي: ظاهر العداوة. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَمَّا جَآءَ عِيسَىٰ بِٱلْبَيِّنَاتِ قَالَ قَدْ جِئْتُكُم بِٱلْحِكْمَةِ﴾، أي: ولما جاء عيسى) بني إسرائيل بالآيات الواضحات. يعني: المعجزات. وقيل: بالبينات: بالإنجيل: قاله قتادة، قال لهم قد جئتكم بالحكمة. قال السدي: الحكمة ها هنا النبوءة. وقيل: الحكمة: الإنجيل. * * ثم قال: ﴿وَلأُبَيِّنَ لَكُم بَعْضَ ٱلَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ﴾. قال أبو عبيدة: "بعض" بمعنى: "كل" وَرَدَّ ذلك أكثر العلماء لأن فيه التباسَ المعاني وفسادَ الأصول ونقضَ العربية. والمعنى عند الزجاج: ولأبين لكم في الإنجيل بعض الذي تختلفون فيه. (فبين لهم) من غير الإنجيل ما احتاجوا إليه. وقيل معناه: إنه يبين لهم بعض الذي اختلفوا فيه من أحكام التوراة على مقدار ما سألوه عنه، ويجوز أن يختلفوا في أشياء غير ذلك لم يسألوه عن بيانها. قال مجاهد معناه: ولأبين لكم بعض الذي تختلفون فيه من تبديل التوراة. وقيل المعنى: إن بني إسرائيل اختلفوا بعد موسى في أشياء من أمر دينهم، وأشياء من أمر دنياهم، فبين لهم عيسى بعض ما اختلفوا فيه وهو أمر دينهم خاصة، فلذلك قال: ﴿بَعْضَ ٱلَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ﴾. * * ثم قال: ﴿فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾، أي: فاتقوا الله فيما أمركم به ونهاكم عنه، وأطيعون فيما أقول لكم. ﴿إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَٱعْبُدُوهُ﴾، أي: إن الذي يستوجب الإفراد بالعبادة هو الله. ﴿هَـٰذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ﴾، أي: هذا الذي أمرتكم به هو الطريق المقوم الذي لا يوصل إلى رضى الله إلا باتباعه. * * ثم قال تعالى: ﴿فَٱخْتَلَفَ ٱلأَحْزَابُ مِن بَيْنِهِمْ﴾. قال قتادة: الأحزاب هنا، هم الأربعة الذين أخرجهم بنو إسرائيل يقولون في عيسى. ذكر ابن حبيب أن النصارى افترقت في عيسى بعد رفعه على ثلاث فرق: فرقة قالت: هو الله، هم اليعقوبية قال الله عنهم: ﴿لَّقَدْ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَآلُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ مَرْيَمَ﴾ [المائدة: ١٧]. وفرقة ثانية قالت: هو ابن الله، وهم النسطورية. وهم الذين قال الله فيهم: ﴿وَقَالَتْ ٱلنَّصَارَى ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ ٱللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٠]. وفرقة ثالثة قالت: هم ثلاثة: الله إله، وعيسى إله، وأمه إله وهم الملكانية. وهم الذي قال الله فيهم: ﴿لَّقَدْ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَالُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ﴾ [المائدة: ٧٣]. فالنصارى فيه إلى اليوم على هذه الثلاث فرق. وكانوا فيه - إذ كان بين أظهرهم - على فرقتين: فرقة آمنت به، وفرقة كفرت به - وهم الأكثر - ثم لما رفع اختلفوا فيه على هذه الأقوال الثلاثة. وقال السدي: "الأحزاب: اليهود والنصارى". ومعنى من بينهم، أي: من بين من دعاهم عيسى إلى ما دعاهم إليه من اتقاء الله والعمل بطاعته. * * ثم قال: ﴿فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْ عَذَابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ﴾، أي: فالوادي السائل من القيح والصديد في جهنم للذين كفروا بالله من عذاب يوم أليم، وهو يوم القيامة. * * ثم قال تعالى: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ ٱلسَّاعَةَ أَن تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً﴾، أي: هل ينظر هؤلاء الأحزاب المختلفون في عيسى إلا الساعة (بغتة، أي: فجأة). "وأن" في موضع نصب بدل من "الساعة" بدل الاشتمال. ﴿وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ﴾، أي: لا يعلمون بمجيئها. * * ثم قال تعالى: ﴿ٱلأَخِلاَّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ ٱلْمُتَّقِينَ﴾ أي: المتخالون على معاصي الله في الدنيا يوم تقوم الساعة يتبرأ بعضهم من بعض إلا الذين تخالوا فيها على تقوى الله. قال ابن عباس: "كل خلة في الدنيا هي عداوة يوم القيامة، إلا خلة المتقين". وقال مجاهد، معناه: الأخلاء في الدنيا على معصية الله متعادون يوم القيامة. * * ثم قال تعالى: ﴿يٰعِبَادِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْكُمُ ٱلْيَوْمَ وَلاَ أَنتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ وفي الكلام حذف، أي: إلا المتقين، فإنه يقال لهم يا عبادي لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون على فراق الدنيا، لأنكم قَدِمْتُمْ على ما هو أفضل منها. وروي (أن الناس) ينادون بهذا النداء يوم القيامة فيطمع فيها من ليس من أهلها، حتى إذ سمع قوله: ﴿ٱلَّذِينَ آمَنُواْ بِآيَاتِنَا وَكَانُواْ مُسْلِمِينَ﴾ (فييئس منها عند ذلك كل أحد إلا المسلمين ومعنى "وكانوا مسلمين"، أي: وكانوا أهل خضوع لله عز وجل بقلوبهم. وقيل: ﴿فَلَمَّا جَآءَتْهُمْ﴾ الرسل واستسلام له. وروي عن بعض التابعين أنه قال يخرجون من القبور وكلهم مدعين فيناديهم منادٍ: ﴿يٰعِبَادِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْكُمُ ٱلْيَوْمَ وَلاَ أَنتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ فيطمع فيها الخلق كلهم، فيتبعها: ﴿ٱلَّذِينَ آمَنُواْ بِآيَاتِنَا وَكَانُواْ مُسْلِمِينَ﴾. فيئس منها الخلق إلا أهل الإسلام. قال (ابن عباس): يخرجون فينظرون إلى الأرض غير الأرض التي عهدوا، (وإلى الناس غير الناس الذين عهدوا). وكان ابن عباس يتمثل بعد هذا القول بقول الشاعر: ؎ فَمَا النَّاسُ بِالنَّاسِ الذِينَ عَهِدتَّهُمْ ∗∗∗ ولا الدَّارُ بِالدَّارِ الَّتِي كُنْتَ تَعْرِفُ ثم قال تعالى: ﴿ٱدْخُلُواْ ٱلْجَنَّةَ أَنتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ﴾، أي: تكرمون، قاله ابن عباس. وروي أن النبي ﷺ سئل عن تحبرون فقال: "اللَّذَّةُ والسَّماعُ بِمَا شَاءَ اللهُ (مِن ذِكْرِهِ) "فالذين" يحتمل أن يكون مبتدأ "وادخلوا" الخبر على حذف القول، أي: يقال لهم: ادخلوا الجنة. ويجوز أن يكون نعتاً "للعباد" في موضع نصب، يدل على ذلك قوله: ﴿ٱدْخُلُواْ ٱلْجَنَّةَ﴾ وما بعده. فأتى بلفظ الخطاب. ويدل على الوجه الأول قوله: ﴿يُطَافُ عَلَيْهِمْ﴾ وما بعده، فأتى بلفظ الغيبة. فالعباد مخاطبون لأن المنادى مخاطب. "والذين" لفظهم لفظ غيبة. فكلا (الوجهين له) دليل. * * ثم قال تعالى: ﴿يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِّن ذَهَبٍ﴾، أي: يطاف على هؤلاء الذين آمنوا في الجنة بقصاع من ذهب وأكواب من ذهب، أي: يطوف عليهم بذلك الغلمان. "والأكواب: التي ليست لها آذان"، قاله السدي. وقال قتادة: هي دون الأباريق. وقيل: الكوب الإبريق المستدير الذي لا أذن له ولا خرطوم. والمعنى: يطاف عليهم في الجنة بصحاف الطعام وأكواب الشراب من ذهب. فاستغنى بذكر الصحاف والأكواب عن ذكر الطعام والشراب لمعرفة السامعين بمعناه. قال ابن جبير: إن أدنى أهل الجنة منزلة مَنْ له قصر فيه سبعون ألف خادم، في يد كل خادم صحفة سوى ما في يد صاحبتها. لو فَتَحَ بابه فضافَه أهل الدنيا لوسعهم، لا يستعين عليهم بشيء من غيره، وذلك قوله: ﴿لَهُم مَّا يَشَآءُونَ فِيهَا﴾ [ق: ٣٥] ﴿وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ ٱلأَنْفُسُ﴾. قال عبد الله بن عمر: (وما أحد) من أهل الجنة إلا يسعى عليه ألف غلام، (كل غلام على) عمل خلاف ما عليه صاحبه. * * وقوله: ﴿وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ ٱلأَنْفُسُ﴾، أي: وفي الجنة ما تشتهي نفوسكم أيها المؤمنون وتلذ أعينكم. ﴿وَأَنتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾، أي: ماكثون أبداً. وروى سفيان أن رجلاً سأل النبي ﷺ فقال يا رسول الله، إني أحب الخيل، فهل في الجنة خيل؟ فقال له: "إنْ يُدْخِلكَ اللهُ الجَنَّةَ - إِنْ شَاءَ اللهُ - فَلاَ تَشَاءُ أََنْ تَرْكَبَ فَرَساً مِنْ يَاقُوتَةٍ حَمْرَاءَ يَطيرُ بِكَ في أَيِّ الجَنَّةِ شِئْتَ إِلاَّ فَعَلْتَ. فقال الأعرابي: يا رسول الله، إنى أحب الإبل، فهل في الجنة إبل؟ فقال: يَا أَعْرَابِيُّ، إِنْ يُدْخِلَكَ اللهُ الجَنَّةَ - إِنْ شَاءَ اللهُ - فَفِيها مَا اشْتَهَتْ نَفْسُكَ لَكَ وَلَذَّتْ عَيْنُكَ" وقال أبو أمامه: إن الرجل من أهل الجنة ليشتهي الطائر وهو يطير فيقع في كفه نضيجاً فيأكل منه (حيث تشتهي) نفسه ثم يطير، ويشتهي الشراب، فيقع الإبريق في يده فيشرب منه ما يريد، ثم يرجع إلى مكانه. وقال أبو طيبة السلمي: إن الشَّرْبَ من أهل الجنة لَتُظِلُّهُم السحاب، فقال فتقول: ما أمطركم؟ قال: فما يدعو داع شيئاً إلا أمطرتهم، حتى إن القائل منهم ليقول: أمطرينا كواعب أتراباً. * * ثم قال تعالى: ﴿وَتِلْكَ ٱلْجَنَّةُ ٱلَّتِيۤ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾، (أي: وتلك الجنة أورثكموها الله عن أهل النار، بما كنتم تعملون) في الدنيا من الخير. ﴿لَكُمْ فِيهَا﴾، أي: في الجنة. ﴿فَاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ﴾، أي: من كل نوع. ﴿مِّنْهَا تَأْكُلُونَ﴾، أي: من الفاكهة تأكلون ما اشتهيتم. وقد قال ابن خالويه: إنما أشار إلى الجنة بإشارة البعيد فقال: "وتلك" وأشار إلى جهنم في (قوله: هذه) جهنم بإشارة القريب لتأكيد التخويف من جهنم لأن الله عز وجل قد يتفضل على عباده فيدخلهم الجنة بغير عمل كالأطفال والمجانين، ولا يعذب أحداً منهم إلا على ذنب اكتسبه، فحذرهم الله عز وجل في النار وقَرَّب الإشارة إليها، (أكثر مما شوقهم) إلى الجنة، فجعل جهنم كأنه يُنظر إليها كالحاضرة، تخويفاً منها.

الزخرف 43:67

قوله تعالى: ﴿وَلاَ يَصُدَّنَّكُمُ ٱلشَّيْطَانُ﴾ - إلى قوله -: ﴿مِّنْهَا تَأْكُلُونَ﴾، أي: ولا يمنعكم الشيطان من اتباع الحق. ﴿إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ﴾ أي: ظاهر العداوة. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَمَّا جَآءَ عِيسَىٰ بِٱلْبَيِّنَاتِ قَالَ قَدْ جِئْتُكُم بِٱلْحِكْمَةِ﴾، أي: ولما جاء عيسى) بني إسرائيل بالآيات الواضحات. يعني: المعجزات. وقيل: بالبينات: بالإنجيل: قاله قتادة، قال لهم قد جئتكم بالحكمة. قال السدي: الحكمة ها هنا النبوءة. وقيل: الحكمة: الإنجيل. * * ثم قال: ﴿وَلأُبَيِّنَ لَكُم بَعْضَ ٱلَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ﴾. قال أبو عبيدة: "بعض" بمعنى: "كل" وَرَدَّ ذلك أكثر العلماء لأن فيه التباسَ المعاني وفسادَ الأصول ونقضَ العربية. والمعنى عند الزجاج: ولأبين لكم في الإنجيل بعض الذي تختلفون فيه. (فبين لهم) من غير الإنجيل ما احتاجوا إليه. وقيل معناه: إنه يبين لهم بعض الذي اختلفوا فيه من أحكام التوراة على مقدار ما سألوه عنه، ويجوز أن يختلفوا في أشياء غير ذلك لم يسألوه عن بيانها. قال مجاهد معناه: ولأبين لكم بعض الذي تختلفون فيه من تبديل التوراة. وقيل المعنى: إن بني إسرائيل اختلفوا بعد موسى في أشياء من أمر دينهم، وأشياء من أمر دنياهم، فبين لهم عيسى بعض ما اختلفوا فيه وهو أمر دينهم خاصة، فلذلك قال: ﴿بَعْضَ ٱلَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ﴾. * * ثم قال: ﴿فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾، أي: فاتقوا الله فيما أمركم به ونهاكم عنه، وأطيعون فيما أقول لكم. ﴿إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَٱعْبُدُوهُ﴾، أي: إن الذي يستوجب الإفراد بالعبادة هو الله. ﴿هَـٰذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ﴾، أي: هذا الذي أمرتكم به هو الطريق المقوم الذي لا يوصل إلى رضى الله إلا باتباعه. * * ثم قال تعالى: ﴿فَٱخْتَلَفَ ٱلأَحْزَابُ مِن بَيْنِهِمْ﴾. قال قتادة: الأحزاب هنا، هم الأربعة الذين أخرجهم بنو إسرائيل يقولون في عيسى. ذكر ابن حبيب أن النصارى افترقت في عيسى بعد رفعه على ثلاث فرق: فرقة قالت: هو الله، هم اليعقوبية قال الله عنهم: ﴿لَّقَدْ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَآلُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ مَرْيَمَ﴾ [المائدة: ١٧]. وفرقة ثانية قالت: هو ابن الله، وهم النسطورية. وهم الذين قال الله فيهم: ﴿وَقَالَتْ ٱلنَّصَارَى ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ ٱللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٠]. وفرقة ثالثة قالت: هم ثلاثة: الله إله، وعيسى إله، وأمه إله وهم الملكانية. وهم الذي قال الله فيهم: ﴿لَّقَدْ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَالُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ﴾ [المائدة: ٧٣]. فالنصارى فيه إلى اليوم على هذه الثلاث فرق. وكانوا فيه - إذ كان بين أظهرهم - على فرقتين: فرقة آمنت به، وفرقة كفرت به - وهم الأكثر - ثم لما رفع اختلفوا فيه على هذه الأقوال الثلاثة. وقال السدي: "الأحزاب: اليهود والنصارى". ومعنى من بينهم، أي: من بين من دعاهم عيسى إلى ما دعاهم إليه من اتقاء الله والعمل بطاعته. * * ثم قال: ﴿فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْ عَذَابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ﴾، أي: فالوادي السائل من القيح والصديد في جهنم للذين كفروا بالله من عذاب يوم أليم، وهو يوم القيامة. * * ثم قال تعالى: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ ٱلسَّاعَةَ أَن تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً﴾، أي: هل ينظر هؤلاء الأحزاب المختلفون في عيسى إلا الساعة (بغتة، أي: فجأة). "وأن" في موضع نصب بدل من "الساعة" بدل الاشتمال. ﴿وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ﴾، أي: لا يعلمون بمجيئها. * * ثم قال تعالى: ﴿ٱلأَخِلاَّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ ٱلْمُتَّقِينَ﴾ أي: المتخالون على معاصي الله في الدنيا يوم تقوم الساعة يتبرأ بعضهم من بعض إلا الذين تخالوا فيها على تقوى الله. قال ابن عباس: "كل خلة في الدنيا هي عداوة يوم القيامة، إلا خلة المتقين". وقال مجاهد، معناه: الأخلاء في الدنيا على معصية الله متعادون يوم القيامة. * * ثم قال تعالى: ﴿يٰعِبَادِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْكُمُ ٱلْيَوْمَ وَلاَ أَنتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ وفي الكلام حذف، أي: إلا المتقين، فإنه يقال لهم يا عبادي لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون على فراق الدنيا، لأنكم قَدِمْتُمْ على ما هو أفضل منها. وروي (أن الناس) ينادون بهذا النداء يوم القيامة فيطمع فيها من ليس من أهلها، حتى إذ سمع قوله: ﴿ٱلَّذِينَ آمَنُواْ بِآيَاتِنَا وَكَانُواْ مُسْلِمِينَ﴾ (فييئس منها عند ذلك كل أحد إلا المسلمين ومعنى "وكانوا مسلمين"، أي: وكانوا أهل خضوع لله عز وجل بقلوبهم. وقيل: ﴿فَلَمَّا جَآءَتْهُمْ﴾ الرسل واستسلام له. وروي عن بعض التابعين أنه قال يخرجون من القبور وكلهم مدعين فيناديهم منادٍ: ﴿يٰعِبَادِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْكُمُ ٱلْيَوْمَ وَلاَ أَنتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ فيطمع فيها الخلق كلهم، فيتبعها: ﴿ٱلَّذِينَ آمَنُواْ بِآيَاتِنَا وَكَانُواْ مُسْلِمِينَ﴾. فيئس منها الخلق إلا أهل الإسلام. قال (ابن عباس): يخرجون فينظرون إلى الأرض غير الأرض التي عهدوا، (وإلى الناس غير الناس الذين عهدوا). وكان ابن عباس يتمثل بعد هذا القول بقول الشاعر: ؎ فَمَا النَّاسُ بِالنَّاسِ الذِينَ عَهِدتَّهُمْ ∗∗∗ ولا الدَّارُ بِالدَّارِ الَّتِي كُنْتَ تَعْرِفُ ثم قال تعالى: ﴿ٱدْخُلُواْ ٱلْجَنَّةَ أَنتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ﴾، أي: تكرمون، قاله ابن عباس. وروي أن النبي ﷺ سئل عن تحبرون فقال: "اللَّذَّةُ والسَّماعُ بِمَا شَاءَ اللهُ (مِن ذِكْرِهِ) "فالذين" يحتمل أن يكون مبتدأ "وادخلوا" الخبر على حذف القول، أي: يقال لهم: ادخلوا الجنة. ويجوز أن يكون نعتاً "للعباد" في موضع نصب، يدل على ذلك قوله: ﴿ٱدْخُلُواْ ٱلْجَنَّةَ﴾ وما بعده. فأتى بلفظ الخطاب. ويدل على الوجه الأول قوله: ﴿يُطَافُ عَلَيْهِمْ﴾ وما بعده، فأتى بلفظ الغيبة. فالعباد مخاطبون لأن المنادى مخاطب. "والذين" لفظهم لفظ غيبة. فكلا (الوجهين له) دليل. * * ثم قال تعالى: ﴿يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِّن ذَهَبٍ﴾، أي: يطاف على هؤلاء الذين آمنوا في الجنة بقصاع من ذهب وأكواب من ذهب، أي: يطوف عليهم بذلك الغلمان. "والأكواب: التي ليست لها آذان"، قاله السدي. وقال قتادة: هي دون الأباريق. وقيل: الكوب الإبريق المستدير الذي لا أذن له ولا خرطوم. والمعنى: يطاف عليهم في الجنة بصحاف الطعام وأكواب الشراب من ذهب. فاستغنى بذكر الصحاف والأكواب عن ذكر الطعام والشراب لمعرفة السامعين بمعناه. قال ابن جبير: إن أدنى أهل الجنة منزلة مَنْ له قصر فيه سبعون ألف خادم، في يد كل خادم صحفة سوى ما في يد صاحبتها. لو فَتَحَ بابه فضافَه أهل الدنيا لوسعهم، لا يستعين عليهم بشيء من غيره، وذلك قوله: ﴿لَهُم مَّا يَشَآءُونَ فِيهَا﴾ [ق: ٣٥] ﴿وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ ٱلأَنْفُسُ﴾. قال عبد الله بن عمر: (وما أحد) من أهل الجنة إلا يسعى عليه ألف غلام، (كل غلام على) عمل خلاف ما عليه صاحبه. * * وقوله: ﴿وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ ٱلأَنْفُسُ﴾، أي: وفي الجنة ما تشتهي نفوسكم أيها المؤمنون وتلذ أعينكم. ﴿وَأَنتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾، أي: ماكثون أبداً. وروى سفيان أن رجلاً سأل النبي ﷺ فقال يا رسول الله، إني أحب الخيل، فهل في الجنة خيل؟ فقال له: "إنْ يُدْخِلكَ اللهُ الجَنَّةَ - إِنْ شَاءَ اللهُ - فَلاَ تَشَاءُ أََنْ تَرْكَبَ فَرَساً مِنْ يَاقُوتَةٍ حَمْرَاءَ يَطيرُ بِكَ في أَيِّ الجَنَّةِ شِئْتَ إِلاَّ فَعَلْتَ. فقال الأعرابي: يا رسول الله، إنى أحب الإبل، فهل في الجنة إبل؟ فقال: يَا أَعْرَابِيُّ، إِنْ يُدْخِلَكَ اللهُ الجَنَّةَ - إِنْ شَاءَ اللهُ - فَفِيها مَا اشْتَهَتْ نَفْسُكَ لَكَ وَلَذَّتْ عَيْنُكَ" وقال أبو أمامه: إن الرجل من أهل الجنة ليشتهي الطائر وهو يطير فيقع في كفه نضيجاً فيأكل منه (حيث تشتهي) نفسه ثم يطير، ويشتهي الشراب، فيقع الإبريق في يده فيشرب منه ما يريد، ثم يرجع إلى مكانه. وقال أبو طيبة السلمي: إن الشَّرْبَ من أهل الجنة لَتُظِلُّهُم السحاب، فقال فتقول: ما أمطركم؟ قال: فما يدعو داع شيئاً إلا أمطرتهم، حتى إن القائل منهم ليقول: أمطرينا كواعب أتراباً. * * ثم قال تعالى: ﴿وَتِلْكَ ٱلْجَنَّةُ ٱلَّتِيۤ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾، (أي: وتلك الجنة أورثكموها الله عن أهل النار، بما كنتم تعملون) في الدنيا من الخير. ﴿لَكُمْ فِيهَا﴾، أي: في الجنة. ﴿فَاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ﴾، أي: من كل نوع. ﴿مِّنْهَا تَأْكُلُونَ﴾، أي: من الفاكهة تأكلون ما اشتهيتم. وقد قال ابن خالويه: إنما أشار إلى الجنة بإشارة البعيد فقال: "وتلك" وأشار إلى جهنم في (قوله: هذه) جهنم بإشارة القريب لتأكيد التخويف من جهنم لأن الله عز وجل قد يتفضل على عباده فيدخلهم الجنة بغير عمل كالأطفال والمجانين، ولا يعذب أحداً منهم إلا على ذنب اكتسبه، فحذرهم الله عز وجل في النار وقَرَّب الإشارة إليها، (أكثر مما شوقهم) إلى الجنة، فجعل جهنم كأنه يُنظر إليها كالحاضرة، تخويفاً منها.

الزخرف 43:68

قوله تعالى: ﴿وَلاَ يَصُدَّنَّكُمُ ٱلشَّيْطَانُ﴾ - إلى قوله -: ﴿مِّنْهَا تَأْكُلُونَ﴾، أي: ولا يمنعكم الشيطان من اتباع الحق. ﴿إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ﴾ أي: ظاهر العداوة. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَمَّا جَآءَ عِيسَىٰ بِٱلْبَيِّنَاتِ قَالَ قَدْ جِئْتُكُم بِٱلْحِكْمَةِ﴾، أي: ولما جاء عيسى) بني إسرائيل بالآيات الواضحات. يعني: المعجزات. وقيل: بالبينات: بالإنجيل: قاله قتادة، قال لهم قد جئتكم بالحكمة. قال السدي: الحكمة ها هنا النبوءة. وقيل: الحكمة: الإنجيل. * * ثم قال: ﴿وَلأُبَيِّنَ لَكُم بَعْضَ ٱلَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ﴾. قال أبو عبيدة: "بعض" بمعنى: "كل" وَرَدَّ ذلك أكثر العلماء لأن فيه التباسَ المعاني وفسادَ الأصول ونقضَ العربية. والمعنى عند الزجاج: ولأبين لكم في الإنجيل بعض الذي تختلفون فيه. (فبين لهم) من غير الإنجيل ما احتاجوا إليه. وقيل معناه: إنه يبين لهم بعض الذي اختلفوا فيه من أحكام التوراة على مقدار ما سألوه عنه، ويجوز أن يختلفوا في أشياء غير ذلك لم يسألوه عن بيانها. قال مجاهد معناه: ولأبين لكم بعض الذي تختلفون فيه من تبديل التوراة. وقيل المعنى: إن بني إسرائيل اختلفوا بعد موسى في أشياء من أمر دينهم، وأشياء من أمر دنياهم، فبين لهم عيسى بعض ما اختلفوا فيه وهو أمر دينهم خاصة، فلذلك قال: ﴿بَعْضَ ٱلَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ﴾. * * ثم قال: ﴿فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾، أي: فاتقوا الله فيما أمركم به ونهاكم عنه، وأطيعون فيما أقول لكم. ﴿إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَٱعْبُدُوهُ﴾، أي: إن الذي يستوجب الإفراد بالعبادة هو الله. ﴿هَـٰذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ﴾، أي: هذا الذي أمرتكم به هو الطريق المقوم الذي لا يوصل إلى رضى الله إلا باتباعه. * * ثم قال تعالى: ﴿فَٱخْتَلَفَ ٱلأَحْزَابُ مِن بَيْنِهِمْ﴾. قال قتادة: الأحزاب هنا، هم الأربعة الذين أخرجهم بنو إسرائيل يقولون في عيسى. ذكر ابن حبيب أن النصارى افترقت في عيسى بعد رفعه على ثلاث فرق: فرقة قالت: هو الله، هم اليعقوبية قال الله عنهم: ﴿لَّقَدْ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَآلُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ مَرْيَمَ﴾ [المائدة: ١٧]. وفرقة ثانية قالت: هو ابن الله، وهم النسطورية. وهم الذين قال الله فيهم: ﴿وَقَالَتْ ٱلنَّصَارَى ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ ٱللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٠]. وفرقة ثالثة قالت: هم ثلاثة: الله إله، وعيسى إله، وأمه إله وهم الملكانية. وهم الذي قال الله فيهم: ﴿لَّقَدْ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَالُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ﴾ [المائدة: ٧٣]. فالنصارى فيه إلى اليوم على هذه الثلاث فرق. وكانوا فيه - إذ كان بين أظهرهم - على فرقتين: فرقة آمنت به، وفرقة كفرت به - وهم الأكثر - ثم لما رفع اختلفوا فيه على هذه الأقوال الثلاثة. وقال السدي: "الأحزاب: اليهود والنصارى". ومعنى من بينهم، أي: من بين من دعاهم عيسى إلى ما دعاهم إليه من اتقاء الله والعمل بطاعته. * * ثم قال: ﴿فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْ عَذَابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ﴾، أي: فالوادي السائل من القيح والصديد في جهنم للذين كفروا بالله من عذاب يوم أليم، وهو يوم القيامة. * * ثم قال تعالى: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ ٱلسَّاعَةَ أَن تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً﴾، أي: هل ينظر هؤلاء الأحزاب المختلفون في عيسى إلا الساعة (بغتة، أي: فجأة). "وأن" في موضع نصب بدل من "الساعة" بدل الاشتمال. ﴿وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ﴾، أي: لا يعلمون بمجيئها. * * ثم قال تعالى: ﴿ٱلأَخِلاَّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ ٱلْمُتَّقِينَ﴾ أي: المتخالون على معاصي الله في الدنيا يوم تقوم الساعة يتبرأ بعضهم من بعض إلا الذين تخالوا فيها على تقوى الله. قال ابن عباس: "كل خلة في الدنيا هي عداوة يوم القيامة، إلا خلة المتقين". وقال مجاهد، معناه: الأخلاء في الدنيا على معصية الله متعادون يوم القيامة. * * ثم قال تعالى: ﴿يٰعِبَادِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْكُمُ ٱلْيَوْمَ وَلاَ أَنتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ وفي الكلام حذف، أي: إلا المتقين، فإنه يقال لهم يا عبادي لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون على فراق الدنيا، لأنكم قَدِمْتُمْ على ما هو أفضل منها. وروي (أن الناس) ينادون بهذا النداء يوم القيامة فيطمع فيها من ليس من أهلها، حتى إذ سمع قوله: ﴿ٱلَّذِينَ آمَنُواْ بِآيَاتِنَا وَكَانُواْ مُسْلِمِينَ﴾ (فييئس منها عند ذلك كل أحد إلا المسلمين ومعنى "وكانوا مسلمين"، أي: وكانوا أهل خضوع لله عز وجل بقلوبهم. وقيل: ﴿فَلَمَّا جَآءَتْهُمْ﴾ الرسل واستسلام له. وروي عن بعض التابعين أنه قال يخرجون من القبور وكلهم مدعين فيناديهم منادٍ: ﴿يٰعِبَادِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْكُمُ ٱلْيَوْمَ وَلاَ أَنتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ فيطمع فيها الخلق كلهم، فيتبعها: ﴿ٱلَّذِينَ آمَنُواْ بِآيَاتِنَا وَكَانُواْ مُسْلِمِينَ﴾. فيئس منها الخلق إلا أهل الإسلام. قال (ابن عباس): يخرجون فينظرون إلى الأرض غير الأرض التي عهدوا، (وإلى الناس غير الناس الذين عهدوا). وكان ابن عباس يتمثل بعد هذا القول بقول الشاعر: ؎ فَمَا النَّاسُ بِالنَّاسِ الذِينَ عَهِدتَّهُمْ ∗∗∗ ولا الدَّارُ بِالدَّارِ الَّتِي كُنْتَ تَعْرِفُ ثم قال تعالى: ﴿ٱدْخُلُواْ ٱلْجَنَّةَ أَنتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ﴾، أي: تكرمون، قاله ابن عباس. وروي أن النبي ﷺ سئل عن تحبرون فقال: "اللَّذَّةُ والسَّماعُ بِمَا شَاءَ اللهُ (مِن ذِكْرِهِ) "فالذين" يحتمل أن يكون مبتدأ "وادخلوا" الخبر على حذف القول، أي: يقال لهم: ادخلوا الجنة. ويجوز أن يكون نعتاً "للعباد" في موضع نصب، يدل على ذلك قوله: ﴿ٱدْخُلُواْ ٱلْجَنَّةَ﴾ وما بعده. فأتى بلفظ الخطاب. ويدل على الوجه الأول قوله: ﴿يُطَافُ عَلَيْهِمْ﴾ وما بعده، فأتى بلفظ الغيبة. فالعباد مخاطبون لأن المنادى مخاطب. "والذين" لفظهم لفظ غيبة. فكلا (الوجهين له) دليل. * * ثم قال تعالى: ﴿يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِّن ذَهَبٍ﴾، أي: يطاف على هؤلاء الذين آمنوا في الجنة بقصاع من ذهب وأكواب من ذهب، أي: يطوف عليهم بذلك الغلمان. "والأكواب: التي ليست لها آذان"، قاله السدي. وقال قتادة: هي دون الأباريق. وقيل: الكوب الإبريق المستدير الذي لا أذن له ولا خرطوم. والمعنى: يطاف عليهم في الجنة بصحاف الطعام وأكواب الشراب من ذهب. فاستغنى بذكر الصحاف والأكواب عن ذكر الطعام والشراب لمعرفة السامعين بمعناه. قال ابن جبير: إن أدنى أهل الجنة منزلة مَنْ له قصر فيه سبعون ألف خادم، في يد كل خادم صحفة سوى ما في يد صاحبتها. لو فَتَحَ بابه فضافَه أهل الدنيا لوسعهم، لا يستعين عليهم بشيء من غيره، وذلك قوله: ﴿لَهُم مَّا يَشَآءُونَ فِيهَا﴾ [ق: ٣٥] ﴿وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ ٱلأَنْفُسُ﴾. قال عبد الله بن عمر: (وما أحد) من أهل الجنة إلا يسعى عليه ألف غلام، (كل غلام على) عمل خلاف ما عليه صاحبه. * * وقوله: ﴿وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ ٱلأَنْفُسُ﴾، أي: وفي الجنة ما تشتهي نفوسكم أيها المؤمنون وتلذ أعينكم. ﴿وَأَنتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾، أي: ماكثون أبداً. وروى سفيان أن رجلاً سأل النبي ﷺ فقال يا رسول الله، إني أحب الخيل، فهل في الجنة خيل؟ فقال له: "إنْ يُدْخِلكَ اللهُ الجَنَّةَ - إِنْ شَاءَ اللهُ - فَلاَ تَشَاءُ أََنْ تَرْكَبَ فَرَساً مِنْ يَاقُوتَةٍ حَمْرَاءَ يَطيرُ بِكَ في أَيِّ الجَنَّةِ شِئْتَ إِلاَّ فَعَلْتَ. فقال الأعرابي: يا رسول الله، إنى أحب الإبل، فهل في الجنة إبل؟ فقال: يَا أَعْرَابِيُّ، إِنْ يُدْخِلَكَ اللهُ الجَنَّةَ - إِنْ شَاءَ اللهُ - فَفِيها مَا اشْتَهَتْ نَفْسُكَ لَكَ وَلَذَّتْ عَيْنُكَ" وقال أبو أمامه: إن الرجل من أهل الجنة ليشتهي الطائر وهو يطير فيقع في كفه نضيجاً فيأكل منه (حيث تشتهي) نفسه ثم يطير، ويشتهي الشراب، فيقع الإبريق في يده فيشرب منه ما يريد، ثم يرجع إلى مكانه. وقال أبو طيبة السلمي: إن الشَّرْبَ من أهل الجنة لَتُظِلُّهُم السحاب، فقال فتقول: ما أمطركم؟ قال: فما يدعو داع شيئاً إلا أمطرتهم، حتى إن القائل منهم ليقول: أمطرينا كواعب أتراباً. * * ثم قال تعالى: ﴿وَتِلْكَ ٱلْجَنَّةُ ٱلَّتِيۤ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾، (أي: وتلك الجنة أورثكموها الله عن أهل النار، بما كنتم تعملون) في الدنيا من الخير. ﴿لَكُمْ فِيهَا﴾، أي: في الجنة. ﴿فَاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ﴾، أي: من كل نوع. ﴿مِّنْهَا تَأْكُلُونَ﴾، أي: من الفاكهة تأكلون ما اشتهيتم. وقد قال ابن خالويه: إنما أشار إلى الجنة بإشارة البعيد فقال: "وتلك" وأشار إلى جهنم في (قوله: هذه) جهنم بإشارة القريب لتأكيد التخويف من جهنم لأن الله عز وجل قد يتفضل على عباده فيدخلهم الجنة بغير عمل كالأطفال والمجانين، ولا يعذب أحداً منهم إلا على ذنب اكتسبه، فحذرهم الله عز وجل في النار وقَرَّب الإشارة إليها، (أكثر مما شوقهم) إلى الجنة، فجعل جهنم كأنه يُنظر إليها كالحاضرة، تخويفاً منها.

الزخرف 43:69

قوله تعالى: ﴿وَلاَ يَصُدَّنَّكُمُ ٱلشَّيْطَانُ﴾ - إلى قوله -: ﴿مِّنْهَا تَأْكُلُونَ﴾، أي: ولا يمنعكم الشيطان من اتباع الحق. ﴿إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ﴾ أي: ظاهر العداوة. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَمَّا جَآءَ عِيسَىٰ بِٱلْبَيِّنَاتِ قَالَ قَدْ جِئْتُكُم بِٱلْحِكْمَةِ﴾، أي: ولما جاء عيسى) بني إسرائيل بالآيات الواضحات. يعني: المعجزات. وقيل: بالبينات: بالإنجيل: قاله قتادة، قال لهم قد جئتكم بالحكمة. قال السدي: الحكمة ها هنا النبوءة. وقيل: الحكمة: الإنجيل. * * ثم قال: ﴿وَلأُبَيِّنَ لَكُم بَعْضَ ٱلَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ﴾. قال أبو عبيدة: "بعض" بمعنى: "كل" وَرَدَّ ذلك أكثر العلماء لأن فيه التباسَ المعاني وفسادَ الأصول ونقضَ العربية. والمعنى عند الزجاج: ولأبين لكم في الإنجيل بعض الذي تختلفون فيه. (فبين لهم) من غير الإنجيل ما احتاجوا إليه. وقيل معناه: إنه يبين لهم بعض الذي اختلفوا فيه من أحكام التوراة على مقدار ما سألوه عنه، ويجوز أن يختلفوا في أشياء غير ذلك لم يسألوه عن بيانها. قال مجاهد معناه: ولأبين لكم بعض الذي تختلفون فيه من تبديل التوراة. وقيل المعنى: إن بني إسرائيل اختلفوا بعد موسى في أشياء من أمر دينهم، وأشياء من أمر دنياهم، فبين لهم عيسى بعض ما اختلفوا فيه وهو أمر دينهم خاصة، فلذلك قال: ﴿بَعْضَ ٱلَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ﴾. * * ثم قال: ﴿فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾، أي: فاتقوا الله فيما أمركم به ونهاكم عنه، وأطيعون فيما أقول لكم. ﴿إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَٱعْبُدُوهُ﴾، أي: إن الذي يستوجب الإفراد بالعبادة هو الله. ﴿هَـٰذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ﴾، أي: هذا الذي أمرتكم به هو الطريق المقوم الذي لا يوصل إلى رضى الله إلا باتباعه. * * ثم قال تعالى: ﴿فَٱخْتَلَفَ ٱلأَحْزَابُ مِن بَيْنِهِمْ﴾. قال قتادة: الأحزاب هنا، هم الأربعة الذين أخرجهم بنو إسرائيل يقولون في عيسى. ذكر ابن حبيب أن النصارى افترقت في عيسى بعد رفعه على ثلاث فرق: فرقة قالت: هو الله، هم اليعقوبية قال الله عنهم: ﴿لَّقَدْ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَآلُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ مَرْيَمَ﴾ [المائدة: ١٧]. وفرقة ثانية قالت: هو ابن الله، وهم النسطورية. وهم الذين قال الله فيهم: ﴿وَقَالَتْ ٱلنَّصَارَى ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ ٱللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٠]. وفرقة ثالثة قالت: هم ثلاثة: الله إله، وعيسى إله، وأمه إله وهم الملكانية. وهم الذي قال الله فيهم: ﴿لَّقَدْ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَالُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ﴾ [المائدة: ٧٣]. فالنصارى فيه إلى اليوم على هذه الثلاث فرق. وكانوا فيه - إذ كان بين أظهرهم - على فرقتين: فرقة آمنت به، وفرقة كفرت به - وهم الأكثر - ثم لما رفع اختلفوا فيه على هذه الأقوال الثلاثة. وقال السدي: "الأحزاب: اليهود والنصارى". ومعنى من بينهم، أي: من بين من دعاهم عيسى إلى ما دعاهم إليه من اتقاء الله والعمل بطاعته. * * ثم قال: ﴿فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْ عَذَابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ﴾، أي: فالوادي السائل من القيح والصديد في جهنم للذين كفروا بالله من عذاب يوم أليم، وهو يوم القيامة. * * ثم قال تعالى: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ ٱلسَّاعَةَ أَن تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً﴾، أي: هل ينظر هؤلاء الأحزاب المختلفون في عيسى إلا الساعة (بغتة، أي: فجأة). "وأن" في موضع نصب بدل من "الساعة" بدل الاشتمال. ﴿وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ﴾، أي: لا يعلمون بمجيئها. * * ثم قال تعالى: ﴿ٱلأَخِلاَّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ ٱلْمُتَّقِينَ﴾ أي: المتخالون على معاصي الله في الدنيا يوم تقوم الساعة يتبرأ بعضهم من بعض إلا الذين تخالوا فيها على تقوى الله. قال ابن عباس: "كل خلة في الدنيا هي عداوة يوم القيامة، إلا خلة المتقين". وقال مجاهد، معناه: الأخلاء في الدنيا على معصية الله متعادون يوم القيامة. * * ثم قال تعالى: ﴿يٰعِبَادِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْكُمُ ٱلْيَوْمَ وَلاَ أَنتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ وفي الكلام حذف، أي: إلا المتقين، فإنه يقال لهم يا عبادي لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون على فراق الدنيا، لأنكم قَدِمْتُمْ على ما هو أفضل منها. وروي (أن الناس) ينادون بهذا النداء يوم القيامة فيطمع فيها من ليس من أهلها، حتى إذ سمع قوله: ﴿ٱلَّذِينَ آمَنُواْ بِآيَاتِنَا وَكَانُواْ مُسْلِمِينَ﴾ (فييئس منها عند ذلك كل أحد إلا المسلمين ومعنى "وكانوا مسلمين"، أي: وكانوا أهل خضوع لله عز وجل بقلوبهم. وقيل: ﴿فَلَمَّا جَآءَتْهُمْ﴾ الرسل واستسلام له. وروي عن بعض التابعين أنه قال يخرجون من القبور وكلهم مدعين فيناديهم منادٍ: ﴿يٰعِبَادِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْكُمُ ٱلْيَوْمَ وَلاَ أَنتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ فيطمع فيها الخلق كلهم، فيتبعها: ﴿ٱلَّذِينَ آمَنُواْ بِآيَاتِنَا وَكَانُواْ مُسْلِمِينَ﴾. فيئس منها الخلق إلا أهل الإسلام. قال (ابن عباس): يخرجون فينظرون إلى الأرض غير الأرض التي عهدوا، (وإلى الناس غير الناس الذين عهدوا). وكان ابن عباس يتمثل بعد هذا القول بقول الشاعر: ؎ فَمَا النَّاسُ بِالنَّاسِ الذِينَ عَهِدتَّهُمْ ∗∗∗ ولا الدَّارُ بِالدَّارِ الَّتِي كُنْتَ تَعْرِفُ ثم قال تعالى: ﴿ٱدْخُلُواْ ٱلْجَنَّةَ أَنتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ﴾، أي: تكرمون، قاله ابن عباس. وروي أن النبي ﷺ سئل عن تحبرون فقال: "اللَّذَّةُ والسَّماعُ بِمَا شَاءَ اللهُ (مِن ذِكْرِهِ) "فالذين" يحتمل أن يكون مبتدأ "وادخلوا" الخبر على حذف القول، أي: يقال لهم: ادخلوا الجنة. ويجوز أن يكون نعتاً "للعباد" في موضع نصب، يدل على ذلك قوله: ﴿ٱدْخُلُواْ ٱلْجَنَّةَ﴾ وما بعده. فأتى بلفظ الخطاب. ويدل على الوجه الأول قوله: ﴿يُطَافُ عَلَيْهِمْ﴾ وما بعده، فأتى بلفظ الغيبة. فالعباد مخاطبون لأن المنادى مخاطب. "والذين" لفظهم لفظ غيبة. فكلا (الوجهين له) دليل. * * ثم قال تعالى: ﴿يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِّن ذَهَبٍ﴾، أي: يطاف على هؤلاء الذين آمنوا في الجنة بقصاع من ذهب وأكواب من ذهب، أي: يطوف عليهم بذلك الغلمان. "والأكواب: التي ليست لها آذان"، قاله السدي. وقال قتادة: هي دون الأباريق. وقيل: الكوب الإبريق المستدير الذي لا أذن له ولا خرطوم. والمعنى: يطاف عليهم في الجنة بصحاف الطعام وأكواب الشراب من ذهب. فاستغنى بذكر الصحاف والأكواب عن ذكر الطعام والشراب لمعرفة السامعين بمعناه. قال ابن جبير: إن أدنى أهل الجنة منزلة مَنْ له قصر فيه سبعون ألف خادم، في يد كل خادم صحفة سوى ما في يد صاحبتها. لو فَتَحَ بابه فضافَه أهل الدنيا لوسعهم، لا يستعين عليهم بشيء من غيره، وذلك قوله: ﴿لَهُم مَّا يَشَآءُونَ فِيهَا﴾ [ق: ٣٥] ﴿وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ ٱلأَنْفُسُ﴾. قال عبد الله بن عمر: (وما أحد) من أهل الجنة إلا يسعى عليه ألف غلام، (كل غلام على) عمل خلاف ما عليه صاحبه. * * وقوله: ﴿وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ ٱلأَنْفُسُ﴾، أي: وفي الجنة ما تشتهي نفوسكم أيها المؤمنون وتلذ أعينكم. ﴿وَأَنتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾، أي: ماكثون أبداً. وروى سفيان أن رجلاً سأل النبي ﷺ فقال يا رسول الله، إني أحب الخيل، فهل في الجنة خيل؟ فقال له: "إنْ يُدْخِلكَ اللهُ الجَنَّةَ - إِنْ شَاءَ اللهُ - فَلاَ تَشَاءُ أََنْ تَرْكَبَ فَرَساً مِنْ يَاقُوتَةٍ حَمْرَاءَ يَطيرُ بِكَ في أَيِّ الجَنَّةِ شِئْتَ إِلاَّ فَعَلْتَ. فقال الأعرابي: يا رسول الله، إنى أحب الإبل، فهل في الجنة إبل؟ فقال: يَا أَعْرَابِيُّ، إِنْ يُدْخِلَكَ اللهُ الجَنَّةَ - إِنْ شَاءَ اللهُ - فَفِيها مَا اشْتَهَتْ نَفْسُكَ لَكَ وَلَذَّتْ عَيْنُكَ" وقال أبو أمامه: إن الرجل من أهل الجنة ليشتهي الطائر وهو يطير فيقع في كفه نضيجاً فيأكل منه (حيث تشتهي) نفسه ثم يطير، ويشتهي الشراب، فيقع الإبريق في يده فيشرب منه ما يريد، ثم يرجع إلى مكانه. وقال أبو طيبة السلمي: إن الشَّرْبَ من أهل الجنة لَتُظِلُّهُم السحاب، فقال فتقول: ما أمطركم؟ قال: فما يدعو داع شيئاً إلا أمطرتهم، حتى إن القائل منهم ليقول: أمطرينا كواعب أتراباً. * * ثم قال تعالى: ﴿وَتِلْكَ ٱلْجَنَّةُ ٱلَّتِيۤ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾، (أي: وتلك الجنة أورثكموها الله عن أهل النار، بما كنتم تعملون) في الدنيا من الخير. ﴿لَكُمْ فِيهَا﴾، أي: في الجنة. ﴿فَاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ﴾، أي: من كل نوع. ﴿مِّنْهَا تَأْكُلُونَ﴾، أي: من الفاكهة تأكلون ما اشتهيتم. وقد قال ابن خالويه: إنما أشار إلى الجنة بإشارة البعيد فقال: "وتلك" وأشار إلى جهنم في (قوله: هذه) جهنم بإشارة القريب لتأكيد التخويف من جهنم لأن الله عز وجل قد يتفضل على عباده فيدخلهم الجنة بغير عمل كالأطفال والمجانين، ولا يعذب أحداً منهم إلا على ذنب اكتسبه، فحذرهم الله عز وجل في النار وقَرَّب الإشارة إليها، (أكثر مما شوقهم) إلى الجنة، فجعل جهنم كأنه يُنظر إليها كالحاضرة، تخويفاً منها.

الزخرف 43:70

قوله تعالى: ﴿وَلاَ يَصُدَّنَّكُمُ ٱلشَّيْطَانُ﴾ - إلى قوله -: ﴿مِّنْهَا تَأْكُلُونَ﴾، أي: ولا يمنعكم الشيطان من اتباع الحق. ﴿إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ﴾ أي: ظاهر العداوة. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَمَّا جَآءَ عِيسَىٰ بِٱلْبَيِّنَاتِ قَالَ قَدْ جِئْتُكُم بِٱلْحِكْمَةِ﴾، أي: ولما جاء عيسى) بني إسرائيل بالآيات الواضحات. يعني: المعجزات. وقيل: بالبينات: بالإنجيل: قاله قتادة، قال لهم قد جئتكم بالحكمة. قال السدي: الحكمة ها هنا النبوءة. وقيل: الحكمة: الإنجيل. * * ثم قال: ﴿وَلأُبَيِّنَ لَكُم بَعْضَ ٱلَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ﴾. قال أبو عبيدة: "بعض" بمعنى: "كل" وَرَدَّ ذلك أكثر العلماء لأن فيه التباسَ المعاني وفسادَ الأصول ونقضَ العربية. والمعنى عند الزجاج: ولأبين لكم في الإنجيل بعض الذي تختلفون فيه. (فبين لهم) من غير الإنجيل ما احتاجوا إليه. وقيل معناه: إنه يبين لهم بعض الذي اختلفوا فيه من أحكام التوراة على مقدار ما سألوه عنه، ويجوز أن يختلفوا في أشياء غير ذلك لم يسألوه عن بيانها. قال مجاهد معناه: ولأبين لكم بعض الذي تختلفون فيه من تبديل التوراة. وقيل المعنى: إن بني إسرائيل اختلفوا بعد موسى في أشياء من أمر دينهم، وأشياء من أمر دنياهم، فبين لهم عيسى بعض ما اختلفوا فيه وهو أمر دينهم خاصة، فلذلك قال: ﴿بَعْضَ ٱلَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ﴾. * * ثم قال: ﴿فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾، أي: فاتقوا الله فيما أمركم به ونهاكم عنه، وأطيعون فيما أقول لكم. ﴿إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَٱعْبُدُوهُ﴾، أي: إن الذي يستوجب الإفراد بالعبادة هو الله. ﴿هَـٰذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ﴾، أي: هذا الذي أمرتكم به هو الطريق المقوم الذي لا يوصل إلى رضى الله إلا باتباعه. * * ثم قال تعالى: ﴿فَٱخْتَلَفَ ٱلأَحْزَابُ مِن بَيْنِهِمْ﴾. قال قتادة: الأحزاب هنا، هم الأربعة الذين أخرجهم بنو إسرائيل يقولون في عيسى. ذكر ابن حبيب أن النصارى افترقت في عيسى بعد رفعه على ثلاث فرق: فرقة قالت: هو الله، هم اليعقوبية قال الله عنهم: ﴿لَّقَدْ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَآلُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ مَرْيَمَ﴾ [المائدة: ١٧]. وفرقة ثانية قالت: هو ابن الله، وهم النسطورية. وهم الذين قال الله فيهم: ﴿وَقَالَتْ ٱلنَّصَارَى ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ ٱللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٠]. وفرقة ثالثة قالت: هم ثلاثة: الله إله، وعيسى إله، وأمه إله وهم الملكانية. وهم الذي قال الله فيهم: ﴿لَّقَدْ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَالُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ﴾ [المائدة: ٧٣]. فالنصارى فيه إلى اليوم على هذه الثلاث فرق. وكانوا فيه - إذ كان بين أظهرهم - على فرقتين: فرقة آمنت به، وفرقة كفرت به - وهم الأكثر - ثم لما رفع اختلفوا فيه على هذه الأقوال الثلاثة. وقال السدي: "الأحزاب: اليهود والنصارى". ومعنى من بينهم، أي: من بين من دعاهم عيسى إلى ما دعاهم إليه من اتقاء الله والعمل بطاعته. * * ثم قال: ﴿فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْ عَذَابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ﴾، أي: فالوادي السائل من القيح والصديد في جهنم للذين كفروا بالله من عذاب يوم أليم، وهو يوم القيامة. * * ثم قال تعالى: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ ٱلسَّاعَةَ أَن تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً﴾، أي: هل ينظر هؤلاء الأحزاب المختلفون في عيسى إلا الساعة (بغتة، أي: فجأة). "وأن" في موضع نصب بدل من "الساعة" بدل الاشتمال. ﴿وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ﴾، أي: لا يعلمون بمجيئها. * * ثم قال تعالى: ﴿ٱلأَخِلاَّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ ٱلْمُتَّقِينَ﴾ أي: المتخالون على معاصي الله في الدنيا يوم تقوم الساعة يتبرأ بعضهم من بعض إلا الذين تخالوا فيها على تقوى الله. قال ابن عباس: "كل خلة في الدنيا هي عداوة يوم القيامة، إلا خلة المتقين". وقال مجاهد، معناه: الأخلاء في الدنيا على معصية الله متعادون يوم القيامة. * * ثم قال تعالى: ﴿يٰعِبَادِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْكُمُ ٱلْيَوْمَ وَلاَ أَنتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ وفي الكلام حذف، أي: إلا المتقين، فإنه يقال لهم يا عبادي لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون على فراق الدنيا، لأنكم قَدِمْتُمْ على ما هو أفضل منها. وروي (أن الناس) ينادون بهذا النداء يوم القيامة فيطمع فيها من ليس من أهلها، حتى إذ سمع قوله: ﴿ٱلَّذِينَ آمَنُواْ بِآيَاتِنَا وَكَانُواْ مُسْلِمِينَ﴾ (فييئس منها عند ذلك كل أحد إلا المسلمين ومعنى "وكانوا مسلمين"، أي: وكانوا أهل خضوع لله عز وجل بقلوبهم. وقيل: ﴿فَلَمَّا جَآءَتْهُمْ﴾ الرسل واستسلام له. وروي عن بعض التابعين أنه قال يخرجون من القبور وكلهم مدعين فيناديهم منادٍ: ﴿يٰعِبَادِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْكُمُ ٱلْيَوْمَ وَلاَ أَنتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ فيطمع فيها الخلق كلهم، فيتبعها: ﴿ٱلَّذِينَ آمَنُواْ بِآيَاتِنَا وَكَانُواْ مُسْلِمِينَ﴾. فيئس منها الخلق إلا أهل الإسلام. قال (ابن عباس): يخرجون فينظرون إلى الأرض غير الأرض التي عهدوا، (وإلى الناس غير الناس الذين عهدوا). وكان ابن عباس يتمثل بعد هذا القول بقول الشاعر: ؎ فَمَا النَّاسُ بِالنَّاسِ الذِينَ عَهِدتَّهُمْ ∗∗∗ ولا الدَّارُ بِالدَّارِ الَّتِي كُنْتَ تَعْرِفُ ثم قال تعالى: ﴿ٱدْخُلُواْ ٱلْجَنَّةَ أَنتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ﴾، أي: تكرمون، قاله ابن عباس. وروي أن النبي ﷺ سئل عن تحبرون فقال: "اللَّذَّةُ والسَّماعُ بِمَا شَاءَ اللهُ (مِن ذِكْرِهِ) "فالذين" يحتمل أن يكون مبتدأ "وادخلوا" الخبر على حذف القول، أي: يقال لهم: ادخلوا الجنة. ويجوز أن يكون نعتاً "للعباد" في موضع نصب، يدل على ذلك قوله: ﴿ٱدْخُلُواْ ٱلْجَنَّةَ﴾ وما بعده. فأتى بلفظ الخطاب. ويدل على الوجه الأول قوله: ﴿يُطَافُ عَلَيْهِمْ﴾ وما بعده، فأتى بلفظ الغيبة. فالعباد مخاطبون لأن المنادى مخاطب. "والذين" لفظهم لفظ غيبة. فكلا (الوجهين له) دليل. * * ثم قال تعالى: ﴿يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِّن ذَهَبٍ﴾، أي: يطاف على هؤلاء الذين آمنوا في الجنة بقصاع من ذهب وأكواب من ذهب، أي: يطوف عليهم بذلك الغلمان. "والأكواب: التي ليست لها آذان"، قاله السدي. وقال قتادة: هي دون الأباريق. وقيل: الكوب الإبريق المستدير الذي لا أذن له ولا خرطوم. والمعنى: يطاف عليهم في الجنة بصحاف الطعام وأكواب الشراب من ذهب. فاستغنى بذكر الصحاف والأكواب عن ذكر الطعام والشراب لمعرفة السامعين بمعناه. قال ابن جبير: إن أدنى أهل الجنة منزلة مَنْ له قصر فيه سبعون ألف خادم، في يد كل خادم صحفة سوى ما في يد صاحبتها. لو فَتَحَ بابه فضافَه أهل الدنيا لوسعهم، لا يستعين عليهم بشيء من غيره، وذلك قوله: ﴿لَهُم مَّا يَشَآءُونَ فِيهَا﴾ [ق: ٣٥] ﴿وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ ٱلأَنْفُسُ﴾. قال عبد الله بن عمر: (وما أحد) من أهل الجنة إلا يسعى عليه ألف غلام، (كل غلام على) عمل خلاف ما عليه صاحبه. * * وقوله: ﴿وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ ٱلأَنْفُسُ﴾، أي: وفي الجنة ما تشتهي نفوسكم أيها المؤمنون وتلذ أعينكم. ﴿وَأَنتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾، أي: ماكثون أبداً. وروى سفيان أن رجلاً سأل النبي ﷺ فقال يا رسول الله، إني أحب الخيل، فهل في الجنة خيل؟ فقال له: "إنْ يُدْخِلكَ اللهُ الجَنَّةَ - إِنْ شَاءَ اللهُ - فَلاَ تَشَاءُ أََنْ تَرْكَبَ فَرَساً مِنْ يَاقُوتَةٍ حَمْرَاءَ يَطيرُ بِكَ في أَيِّ الجَنَّةِ شِئْتَ إِلاَّ فَعَلْتَ. فقال الأعرابي: يا رسول الله، إنى أحب الإبل، فهل في الجنة إبل؟ فقال: يَا أَعْرَابِيُّ، إِنْ يُدْخِلَكَ اللهُ الجَنَّةَ - إِنْ شَاءَ اللهُ - فَفِيها مَا اشْتَهَتْ نَفْسُكَ لَكَ وَلَذَّتْ عَيْنُكَ" وقال أبو أمامه: إن الرجل من أهل الجنة ليشتهي الطائر وهو يطير فيقع في كفه نضيجاً فيأكل منه (حيث تشتهي) نفسه ثم يطير، ويشتهي الشراب، فيقع الإبريق في يده فيشرب منه ما يريد، ثم يرجع إلى مكانه. وقال أبو طيبة السلمي: إن الشَّرْبَ من أهل الجنة لَتُظِلُّهُم السحاب، فقال فتقول: ما أمطركم؟ قال: فما يدعو داع شيئاً إلا أمطرتهم، حتى إن القائل منهم ليقول: أمطرينا كواعب أتراباً. * * ثم قال تعالى: ﴿وَتِلْكَ ٱلْجَنَّةُ ٱلَّتِيۤ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾، (أي: وتلك الجنة أورثكموها الله عن أهل النار، بما كنتم تعملون) في الدنيا من الخير. ﴿لَكُمْ فِيهَا﴾، أي: في الجنة. ﴿فَاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ﴾، أي: من كل نوع. ﴿مِّنْهَا تَأْكُلُونَ﴾، أي: من الفاكهة تأكلون ما اشتهيتم. وقد قال ابن خالويه: إنما أشار إلى الجنة بإشارة البعيد فقال: "وتلك" وأشار إلى جهنم في (قوله: هذه) جهنم بإشارة القريب لتأكيد التخويف من جهنم لأن الله عز وجل قد يتفضل على عباده فيدخلهم الجنة بغير عمل كالأطفال والمجانين، ولا يعذب أحداً منهم إلا على ذنب اكتسبه، فحذرهم الله عز وجل في النار وقَرَّب الإشارة إليها، (أكثر مما شوقهم) إلى الجنة، فجعل جهنم كأنه يُنظر إليها كالحاضرة، تخويفاً منها.

الزخرف 43:71

قوله تعالى: ﴿وَلاَ يَصُدَّنَّكُمُ ٱلشَّيْطَانُ﴾ - إلى قوله -: ﴿مِّنْهَا تَأْكُلُونَ﴾، أي: ولا يمنعكم الشيطان من اتباع الحق. ﴿إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ﴾ أي: ظاهر العداوة. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَمَّا جَآءَ عِيسَىٰ بِٱلْبَيِّنَاتِ قَالَ قَدْ جِئْتُكُم بِٱلْحِكْمَةِ﴾، أي: ولما جاء عيسى) بني إسرائيل بالآيات الواضحات. يعني: المعجزات. وقيل: بالبينات: بالإنجيل: قاله قتادة، قال لهم قد جئتكم بالحكمة. قال السدي: الحكمة ها هنا النبوءة. وقيل: الحكمة: الإنجيل. * * ثم قال: ﴿وَلأُبَيِّنَ لَكُم بَعْضَ ٱلَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ﴾. قال أبو عبيدة: "بعض" بمعنى: "كل" وَرَدَّ ذلك أكثر العلماء لأن فيه التباسَ المعاني وفسادَ الأصول ونقضَ العربية. والمعنى عند الزجاج: ولأبين لكم في الإنجيل بعض الذي تختلفون فيه. (فبين لهم) من غير الإنجيل ما احتاجوا إليه. وقيل معناه: إنه يبين لهم بعض الذي اختلفوا فيه من أحكام التوراة على مقدار ما سألوه عنه، ويجوز أن يختلفوا في أشياء غير ذلك لم يسألوه عن بيانها. قال مجاهد معناه: ولأبين لكم بعض الذي تختلفون فيه من تبديل التوراة. وقيل المعنى: إن بني إسرائيل اختلفوا بعد موسى في أشياء من أمر دينهم، وأشياء من أمر دنياهم، فبين لهم عيسى بعض ما اختلفوا فيه وهو أمر دينهم خاصة، فلذلك قال: ﴿بَعْضَ ٱلَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ﴾. * * ثم قال: ﴿فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾، أي: فاتقوا الله فيما أمركم به ونهاكم عنه، وأطيعون فيما أقول لكم. ﴿إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَٱعْبُدُوهُ﴾، أي: إن الذي يستوجب الإفراد بالعبادة هو الله. ﴿هَـٰذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ﴾، أي: هذا الذي أمرتكم به هو الطريق المقوم الذي لا يوصل إلى رضى الله إلا باتباعه. * * ثم قال تعالى: ﴿فَٱخْتَلَفَ ٱلأَحْزَابُ مِن بَيْنِهِمْ﴾. قال قتادة: الأحزاب هنا، هم الأربعة الذين أخرجهم بنو إسرائيل يقولون في عيسى. ذكر ابن حبيب أن النصارى افترقت في عيسى بعد رفعه على ثلاث فرق: فرقة قالت: هو الله، هم اليعقوبية قال الله عنهم: ﴿لَّقَدْ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَآلُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ مَرْيَمَ﴾ [المائدة: ١٧]. وفرقة ثانية قالت: هو ابن الله، وهم النسطورية. وهم الذين قال الله فيهم: ﴿وَقَالَتْ ٱلنَّصَارَى ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ ٱللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٠]. وفرقة ثالثة قالت: هم ثلاثة: الله إله، وعيسى إله، وأمه إله وهم الملكانية. وهم الذي قال الله فيهم: ﴿لَّقَدْ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَالُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ﴾ [المائدة: ٧٣]. فالنصارى فيه إلى اليوم على هذه الثلاث فرق. وكانوا فيه - إذ كان بين أظهرهم - على فرقتين: فرقة آمنت به، وفرقة كفرت به - وهم الأكثر - ثم لما رفع اختلفوا فيه على هذه الأقوال الثلاثة. وقال السدي: "الأحزاب: اليهود والنصارى". ومعنى من بينهم، أي: من بين من دعاهم عيسى إلى ما دعاهم إليه من اتقاء الله والعمل بطاعته. * * ثم قال: ﴿فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْ عَذَابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ﴾، أي: فالوادي السائل من القيح والصديد في جهنم للذين كفروا بالله من عذاب يوم أليم، وهو يوم القيامة. * * ثم قال تعالى: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ ٱلسَّاعَةَ أَن تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً﴾، أي: هل ينظر هؤلاء الأحزاب المختلفون في عيسى إلا الساعة (بغتة، أي: فجأة). "وأن" في موضع نصب بدل من "الساعة" بدل الاشتمال. ﴿وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ﴾، أي: لا يعلمون بمجيئها. * * ثم قال تعالى: ﴿ٱلأَخِلاَّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ ٱلْمُتَّقِينَ﴾ أي: المتخالون على معاصي الله في الدنيا يوم تقوم الساعة يتبرأ بعضهم من بعض إلا الذين تخالوا فيها على تقوى الله. قال ابن عباس: "كل خلة في الدنيا هي عداوة يوم القيامة، إلا خلة المتقين". وقال مجاهد، معناه: الأخلاء في الدنيا على معصية الله متعادون يوم القيامة. * * ثم قال تعالى: ﴿يٰعِبَادِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْكُمُ ٱلْيَوْمَ وَلاَ أَنتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ وفي الكلام حذف، أي: إلا المتقين، فإنه يقال لهم يا عبادي لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون على فراق الدنيا، لأنكم قَدِمْتُمْ على ما هو أفضل منها. وروي (أن الناس) ينادون بهذا النداء يوم القيامة فيطمع فيها من ليس من أهلها، حتى إذ سمع قوله: ﴿ٱلَّذِينَ آمَنُواْ بِآيَاتِنَا وَكَانُواْ مُسْلِمِينَ﴾ (فييئس منها عند ذلك كل أحد إلا المسلمين ومعنى "وكانوا مسلمين"، أي: وكانوا أهل خضوع لله عز وجل بقلوبهم. وقيل: ﴿فَلَمَّا جَآءَتْهُمْ﴾ الرسل واستسلام له. وروي عن بعض التابعين أنه قال يخرجون من القبور وكلهم مدعين فيناديهم منادٍ: ﴿يٰعِبَادِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْكُمُ ٱلْيَوْمَ وَلاَ أَنتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ فيطمع فيها الخلق كلهم، فيتبعها: ﴿ٱلَّذِينَ آمَنُواْ بِآيَاتِنَا وَكَانُواْ مُسْلِمِينَ﴾. فيئس منها الخلق إلا أهل الإسلام. قال (ابن عباس): يخرجون فينظرون إلى الأرض غير الأرض التي عهدوا، (وإلى الناس غير الناس الذين عهدوا). وكان ابن عباس يتمثل بعد هذا القول بقول الشاعر: ؎ فَمَا النَّاسُ بِالنَّاسِ الذِينَ عَهِدتَّهُمْ ∗∗∗ ولا الدَّارُ بِالدَّارِ الَّتِي كُنْتَ تَعْرِفُ ثم قال تعالى: ﴿ٱدْخُلُواْ ٱلْجَنَّةَ أَنتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ﴾، أي: تكرمون، قاله ابن عباس. وروي أن النبي ﷺ سئل عن تحبرون فقال: "اللَّذَّةُ والسَّماعُ بِمَا شَاءَ اللهُ (مِن ذِكْرِهِ) "فالذين" يحتمل أن يكون مبتدأ "وادخلوا" الخبر على حذف القول، أي: يقال لهم: ادخلوا الجنة. ويجوز أن يكون نعتاً "للعباد" في موضع نصب، يدل على ذلك قوله: ﴿ٱدْخُلُواْ ٱلْجَنَّةَ﴾ وما بعده. فأتى بلفظ الخطاب. ويدل على الوجه الأول قوله: ﴿يُطَافُ عَلَيْهِمْ﴾ وما بعده، فأتى بلفظ الغيبة. فالعباد مخاطبون لأن المنادى مخاطب. "والذين" لفظهم لفظ غيبة. فكلا (الوجهين له) دليل. * * ثم قال تعالى: ﴿يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِّن ذَهَبٍ﴾، أي: يطاف على هؤلاء الذين آمنوا في الجنة بقصاع من ذهب وأكواب من ذهب، أي: يطوف عليهم بذلك الغلمان. "والأكواب: التي ليست لها آذان"، قاله السدي. وقال قتادة: هي دون الأباريق. وقيل: الكوب الإبريق المستدير الذي لا أذن له ولا خرطوم. والمعنى: يطاف عليهم في الجنة بصحاف الطعام وأكواب الشراب من ذهب. فاستغنى بذكر الصحاف والأكواب عن ذكر الطعام والشراب لمعرفة السامعين بمعناه. قال ابن جبير: إن أدنى أهل الجنة منزلة مَنْ له قصر فيه سبعون ألف خادم، في يد كل خادم صحفة سوى ما في يد صاحبتها. لو فَتَحَ بابه فضافَه أهل الدنيا لوسعهم، لا يستعين عليهم بشيء من غيره، وذلك قوله: ﴿لَهُم مَّا يَشَآءُونَ فِيهَا﴾ [ق: ٣٥] ﴿وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ ٱلأَنْفُسُ﴾. قال عبد الله بن عمر: (وما أحد) من أهل الجنة إلا يسعى عليه ألف غلام، (كل غلام على) عمل خلاف ما عليه صاحبه. * * وقوله: ﴿وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ ٱلأَنْفُسُ﴾، أي: وفي الجنة ما تشتهي نفوسكم أيها المؤمنون وتلذ أعينكم. ﴿وَأَنتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾، أي: ماكثون أبداً. وروى سفيان أن رجلاً سأل النبي ﷺ فقال يا رسول الله، إني أحب الخيل، فهل في الجنة خيل؟ فقال له: "إنْ يُدْخِلكَ اللهُ الجَنَّةَ - إِنْ شَاءَ اللهُ - فَلاَ تَشَاءُ أََنْ تَرْكَبَ فَرَساً مِنْ يَاقُوتَةٍ حَمْرَاءَ يَطيرُ بِكَ في أَيِّ الجَنَّةِ شِئْتَ إِلاَّ فَعَلْتَ. فقال الأعرابي: يا رسول الله، إنى أحب الإبل، فهل في الجنة إبل؟ فقال: يَا أَعْرَابِيُّ، إِنْ يُدْخِلَكَ اللهُ الجَنَّةَ - إِنْ شَاءَ اللهُ - فَفِيها مَا اشْتَهَتْ نَفْسُكَ لَكَ وَلَذَّتْ عَيْنُكَ" وقال أبو أمامه: إن الرجل من أهل الجنة ليشتهي الطائر وهو يطير فيقع في كفه نضيجاً فيأكل منه (حيث تشتهي) نفسه ثم يطير، ويشتهي الشراب، فيقع الإبريق في يده فيشرب منه ما يريد، ثم يرجع إلى مكانه. وقال أبو طيبة السلمي: إن الشَّرْبَ من أهل الجنة لَتُظِلُّهُم السحاب، فقال فتقول: ما أمطركم؟ قال: فما يدعو داع شيئاً إلا أمطرتهم، حتى إن القائل منهم ليقول: أمطرينا كواعب أتراباً. * * ثم قال تعالى: ﴿وَتِلْكَ ٱلْجَنَّةُ ٱلَّتِيۤ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾، (أي: وتلك الجنة أورثكموها الله عن أهل النار، بما كنتم تعملون) في الدنيا من الخير. ﴿لَكُمْ فِيهَا﴾، أي: في الجنة. ﴿فَاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ﴾، أي: من كل نوع. ﴿مِّنْهَا تَأْكُلُونَ﴾، أي: من الفاكهة تأكلون ما اشتهيتم. وقد قال ابن خالويه: إنما أشار إلى الجنة بإشارة البعيد فقال: "وتلك" وأشار إلى جهنم في (قوله: هذه) جهنم بإشارة القريب لتأكيد التخويف من جهنم لأن الله عز وجل قد يتفضل على عباده فيدخلهم الجنة بغير عمل كالأطفال والمجانين، ولا يعذب أحداً منهم إلا على ذنب اكتسبه، فحذرهم الله عز وجل في النار وقَرَّب الإشارة إليها، (أكثر مما شوقهم) إلى الجنة، فجعل جهنم كأنه يُنظر إليها كالحاضرة، تخويفاً منها.

الزخرف 43:72

قوله تعالى: ﴿وَلاَ يَصُدَّنَّكُمُ ٱلشَّيْطَانُ﴾ - إلى قوله -: ﴿مِّنْهَا تَأْكُلُونَ﴾، أي: ولا يمنعكم الشيطان من اتباع الحق. ﴿إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ﴾ أي: ظاهر العداوة. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَمَّا جَآءَ عِيسَىٰ بِٱلْبَيِّنَاتِ قَالَ قَدْ جِئْتُكُم بِٱلْحِكْمَةِ﴾، أي: ولما جاء عيسى) بني إسرائيل بالآيات الواضحات. يعني: المعجزات. وقيل: بالبينات: بالإنجيل: قاله قتادة، قال لهم قد جئتكم بالحكمة. قال السدي: الحكمة ها هنا النبوءة. وقيل: الحكمة: الإنجيل. * * ثم قال: ﴿وَلأُبَيِّنَ لَكُم بَعْضَ ٱلَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ﴾. قال أبو عبيدة: "بعض" بمعنى: "كل" وَرَدَّ ذلك أكثر العلماء لأن فيه التباسَ المعاني وفسادَ الأصول ونقضَ العربية. والمعنى عند الزجاج: ولأبين لكم في الإنجيل بعض الذي تختلفون فيه. (فبين لهم) من غير الإنجيل ما احتاجوا إليه. وقيل معناه: إنه يبين لهم بعض الذي اختلفوا فيه من أحكام التوراة على مقدار ما سألوه عنه، ويجوز أن يختلفوا في أشياء غير ذلك لم يسألوه عن بيانها. قال مجاهد معناه: ولأبين لكم بعض الذي تختلفون فيه من تبديل التوراة. وقيل المعنى: إن بني إسرائيل اختلفوا بعد موسى في أشياء من أمر دينهم، وأشياء من أمر دنياهم، فبين لهم عيسى بعض ما اختلفوا فيه وهو أمر دينهم خاصة، فلذلك قال: ﴿بَعْضَ ٱلَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ﴾. * * ثم قال: ﴿فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾، أي: فاتقوا الله فيما أمركم به ونهاكم عنه، وأطيعون فيما أقول لكم. ﴿إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَٱعْبُدُوهُ﴾، أي: إن الذي يستوجب الإفراد بالعبادة هو الله. ﴿هَـٰذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ﴾، أي: هذا الذي أمرتكم به هو الطريق المقوم الذي لا يوصل إلى رضى الله إلا باتباعه. * * ثم قال تعالى: ﴿فَٱخْتَلَفَ ٱلأَحْزَابُ مِن بَيْنِهِمْ﴾. قال قتادة: الأحزاب هنا، هم الأربعة الذين أخرجهم بنو إسرائيل يقولون في عيسى. ذكر ابن حبيب أن النصارى افترقت في عيسى بعد رفعه على ثلاث فرق: فرقة قالت: هو الله، هم اليعقوبية قال الله عنهم: ﴿لَّقَدْ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَآلُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ مَرْيَمَ﴾ [المائدة: ١٧]. وفرقة ثانية قالت: هو ابن الله، وهم النسطورية. وهم الذين قال الله فيهم: ﴿وَقَالَتْ ٱلنَّصَارَى ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ ٱللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٠]. وفرقة ثالثة قالت: هم ثلاثة: الله إله، وعيسى إله، وأمه إله وهم الملكانية. وهم الذي قال الله فيهم: ﴿لَّقَدْ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَالُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ﴾ [المائدة: ٧٣]. فالنصارى فيه إلى اليوم على هذه الثلاث فرق. وكانوا فيه - إذ كان بين أظهرهم - على فرقتين: فرقة آمنت به، وفرقة كفرت به - وهم الأكثر - ثم لما رفع اختلفوا فيه على هذه الأقوال الثلاثة. وقال السدي: "الأحزاب: اليهود والنصارى". ومعنى من بينهم، أي: من بين من دعاهم عيسى إلى ما دعاهم إليه من اتقاء الله والعمل بطاعته. * * ثم قال: ﴿فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْ عَذَابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ﴾، أي: فالوادي السائل من القيح والصديد في جهنم للذين كفروا بالله من عذاب يوم أليم، وهو يوم القيامة. * * ثم قال تعالى: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ ٱلسَّاعَةَ أَن تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً﴾، أي: هل ينظر هؤلاء الأحزاب المختلفون في عيسى إلا الساعة (بغتة، أي: فجأة). "وأن" في موضع نصب بدل من "الساعة" بدل الاشتمال. ﴿وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ﴾، أي: لا يعلمون بمجيئها. * * ثم قال تعالى: ﴿ٱلأَخِلاَّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ ٱلْمُتَّقِينَ﴾ أي: المتخالون على معاصي الله في الدنيا يوم تقوم الساعة يتبرأ بعضهم من بعض إلا الذين تخالوا فيها على تقوى الله. قال ابن عباس: "كل خلة في الدنيا هي عداوة يوم القيامة، إلا خلة المتقين". وقال مجاهد، معناه: الأخلاء في الدنيا على معصية الله متعادون يوم القيامة. * * ثم قال تعالى: ﴿يٰعِبَادِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْكُمُ ٱلْيَوْمَ وَلاَ أَنتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ وفي الكلام حذف، أي: إلا المتقين، فإنه يقال لهم يا عبادي لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون على فراق الدنيا، لأنكم قَدِمْتُمْ على ما هو أفضل منها. وروي (أن الناس) ينادون بهذا النداء يوم القيامة فيطمع فيها من ليس من أهلها، حتى إذ سمع قوله: ﴿ٱلَّذِينَ آمَنُواْ بِآيَاتِنَا وَكَانُواْ مُسْلِمِينَ﴾ (فييئس منها عند ذلك كل أحد إلا المسلمين ومعنى "وكانوا مسلمين"، أي: وكانوا أهل خضوع لله عز وجل بقلوبهم. وقيل: ﴿فَلَمَّا جَآءَتْهُمْ﴾ الرسل واستسلام له. وروي عن بعض التابعين أنه قال يخرجون من القبور وكلهم مدعين فيناديهم منادٍ: ﴿يٰعِبَادِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْكُمُ ٱلْيَوْمَ وَلاَ أَنتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ فيطمع فيها الخلق كلهم، فيتبعها: ﴿ٱلَّذِينَ آمَنُواْ بِآيَاتِنَا وَكَانُواْ مُسْلِمِينَ﴾. فيئس منها الخلق إلا أهل الإسلام. قال (ابن عباس): يخرجون فينظرون إلى الأرض غير الأرض التي عهدوا، (وإلى الناس غير الناس الذين عهدوا). وكان ابن عباس يتمثل بعد هذا القول بقول الشاعر: ؎ فَمَا النَّاسُ بِالنَّاسِ الذِينَ عَهِدتَّهُمْ ∗∗∗ ولا الدَّارُ بِالدَّارِ الَّتِي كُنْتَ تَعْرِفُ ثم قال تعالى: ﴿ٱدْخُلُواْ ٱلْجَنَّةَ أَنتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ﴾، أي: تكرمون، قاله ابن عباس. وروي أن النبي ﷺ سئل عن تحبرون فقال: "اللَّذَّةُ والسَّماعُ بِمَا شَاءَ اللهُ (مِن ذِكْرِهِ) "فالذين" يحتمل أن يكون مبتدأ "وادخلوا" الخبر على حذف القول، أي: يقال لهم: ادخلوا الجنة. ويجوز أن يكون نعتاً "للعباد" في موضع نصب، يدل على ذلك قوله: ﴿ٱدْخُلُواْ ٱلْجَنَّةَ﴾ وما بعده. فأتى بلفظ الخطاب. ويدل على الوجه الأول قوله: ﴿يُطَافُ عَلَيْهِمْ﴾ وما بعده، فأتى بلفظ الغيبة. فالعباد مخاطبون لأن المنادى مخاطب. "والذين" لفظهم لفظ غيبة. فكلا (الوجهين له) دليل. * * ثم قال تعالى: ﴿يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِّن ذَهَبٍ﴾، أي: يطاف على هؤلاء الذين آمنوا في الجنة بقصاع من ذهب وأكواب من ذهب، أي: يطوف عليهم بذلك الغلمان. "والأكواب: التي ليست لها آذان"، قاله السدي. وقال قتادة: هي دون الأباريق. وقيل: الكوب الإبريق المستدير الذي لا أذن له ولا خرطوم. والمعنى: يطاف عليهم في الجنة بصحاف الطعام وأكواب الشراب من ذهب. فاستغنى بذكر الصحاف والأكواب عن ذكر الطعام والشراب لمعرفة السامعين بمعناه. قال ابن جبير: إن أدنى أهل الجنة منزلة مَنْ له قصر فيه سبعون ألف خادم، في يد كل خادم صحفة سوى ما في يد صاحبتها. لو فَتَحَ بابه فضافَه أهل الدنيا لوسعهم، لا يستعين عليهم بشيء من غيره، وذلك قوله: ﴿لَهُم مَّا يَشَآءُونَ فِيهَا﴾ [ق: ٣٥] ﴿وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ ٱلأَنْفُسُ﴾. قال عبد الله بن عمر: (وما أحد) من أهل الجنة إلا يسعى عليه ألف غلام، (كل غلام على) عمل خلاف ما عليه صاحبه. * * وقوله: ﴿وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ ٱلأَنْفُسُ﴾، أي: وفي الجنة ما تشتهي نفوسكم أيها المؤمنون وتلذ أعينكم. ﴿وَأَنتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾، أي: ماكثون أبداً. وروى سفيان أن رجلاً سأل النبي ﷺ فقال يا رسول الله، إني أحب الخيل، فهل في الجنة خيل؟ فقال له: "إنْ يُدْخِلكَ اللهُ الجَنَّةَ - إِنْ شَاءَ اللهُ - فَلاَ تَشَاءُ أََنْ تَرْكَبَ فَرَساً مِنْ يَاقُوتَةٍ حَمْرَاءَ يَطيرُ بِكَ في أَيِّ الجَنَّةِ شِئْتَ إِلاَّ فَعَلْتَ. فقال الأعرابي: يا رسول الله، إنى أحب الإبل، فهل في الجنة إبل؟ فقال: يَا أَعْرَابِيُّ، إِنْ يُدْخِلَكَ اللهُ الجَنَّةَ - إِنْ شَاءَ اللهُ - فَفِيها مَا اشْتَهَتْ نَفْسُكَ لَكَ وَلَذَّتْ عَيْنُكَ" وقال أبو أمامه: إن الرجل من أهل الجنة ليشتهي الطائر وهو يطير فيقع في كفه نضيجاً فيأكل منه (حيث تشتهي) نفسه ثم يطير، ويشتهي الشراب، فيقع الإبريق في يده فيشرب منه ما يريد، ثم يرجع إلى مكانه. وقال أبو طيبة السلمي: إن الشَّرْبَ من أهل الجنة لَتُظِلُّهُم السحاب، فقال فتقول: ما أمطركم؟ قال: فما يدعو داع شيئاً إلا أمطرتهم، حتى إن القائل منهم ليقول: أمطرينا كواعب أتراباً. * * ثم قال تعالى: ﴿وَتِلْكَ ٱلْجَنَّةُ ٱلَّتِيۤ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾، (أي: وتلك الجنة أورثكموها الله عن أهل النار، بما كنتم تعملون) في الدنيا من الخير. ﴿لَكُمْ فِيهَا﴾، أي: في الجنة. ﴿فَاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ﴾، أي: من كل نوع. ﴿مِّنْهَا تَأْكُلُونَ﴾، أي: من الفاكهة تأكلون ما اشتهيتم. وقد قال ابن خالويه: إنما أشار إلى الجنة بإشارة البعيد فقال: "وتلك" وأشار إلى جهنم في (قوله: هذه) جهنم بإشارة القريب لتأكيد التخويف من جهنم لأن الله عز وجل قد يتفضل على عباده فيدخلهم الجنة بغير عمل كالأطفال والمجانين، ولا يعذب أحداً منهم إلا على ذنب اكتسبه، فحذرهم الله عز وجل في النار وقَرَّب الإشارة إليها، (أكثر مما شوقهم) إلى الجنة، فجعل جهنم كأنه يُنظر إليها كالحاضرة، تخويفاً منها.

الزخرف 43:73

قوله تعالى: ﴿وَلاَ يَصُدَّنَّكُمُ ٱلشَّيْطَانُ﴾ - إلى قوله -: ﴿مِّنْهَا تَأْكُلُونَ﴾، أي: ولا يمنعكم الشيطان من اتباع الحق. ﴿إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ﴾ أي: ظاهر العداوة. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَمَّا جَآءَ عِيسَىٰ بِٱلْبَيِّنَاتِ قَالَ قَدْ جِئْتُكُم بِٱلْحِكْمَةِ﴾، أي: ولما جاء عيسى) بني إسرائيل بالآيات الواضحات. يعني: المعجزات. وقيل: بالبينات: بالإنجيل: قاله قتادة، قال لهم قد جئتكم بالحكمة. قال السدي: الحكمة ها هنا النبوءة. وقيل: الحكمة: الإنجيل. * * ثم قال: ﴿وَلأُبَيِّنَ لَكُم بَعْضَ ٱلَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ﴾. قال أبو عبيدة: "بعض" بمعنى: "كل" وَرَدَّ ذلك أكثر العلماء لأن فيه التباسَ المعاني وفسادَ الأصول ونقضَ العربية. والمعنى عند الزجاج: ولأبين لكم في الإنجيل بعض الذي تختلفون فيه. (فبين لهم) من غير الإنجيل ما احتاجوا إليه. وقيل معناه: إنه يبين لهم بعض الذي اختلفوا فيه من أحكام التوراة على مقدار ما سألوه عنه، ويجوز أن يختلفوا في أشياء غير ذلك لم يسألوه عن بيانها. قال مجاهد معناه: ولأبين لكم بعض الذي تختلفون فيه من تبديل التوراة. وقيل المعنى: إن بني إسرائيل اختلفوا بعد موسى في أشياء من أمر دينهم، وأشياء من أمر دنياهم، فبين لهم عيسى بعض ما اختلفوا فيه وهو أمر دينهم خاصة، فلذلك قال: ﴿بَعْضَ ٱلَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ﴾. * * ثم قال: ﴿فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾، أي: فاتقوا الله فيما أمركم به ونهاكم عنه، وأطيعون فيما أقول لكم. ﴿إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَٱعْبُدُوهُ﴾، أي: إن الذي يستوجب الإفراد بالعبادة هو الله. ﴿هَـٰذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ﴾، أي: هذا الذي أمرتكم به هو الطريق المقوم الذي لا يوصل إلى رضى الله إلا باتباعه. * * ثم قال تعالى: ﴿فَٱخْتَلَفَ ٱلأَحْزَابُ مِن بَيْنِهِمْ﴾. قال قتادة: الأحزاب هنا، هم الأربعة الذين أخرجهم بنو إسرائيل يقولون في عيسى. ذكر ابن حبيب أن النصارى افترقت في عيسى بعد رفعه على ثلاث فرق: فرقة قالت: هو الله، هم اليعقوبية قال الله عنهم: ﴿لَّقَدْ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَآلُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ مَرْيَمَ﴾ [المائدة: ١٧]. وفرقة ثانية قالت: هو ابن الله، وهم النسطورية. وهم الذين قال الله فيهم: ﴿وَقَالَتْ ٱلنَّصَارَى ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ ٱللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٠]. وفرقة ثالثة قالت: هم ثلاثة: الله إله، وعيسى إله، وأمه إله وهم الملكانية. وهم الذي قال الله فيهم: ﴿لَّقَدْ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَالُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ﴾ [المائدة: ٧٣]. فالنصارى فيه إلى اليوم على هذه الثلاث فرق. وكانوا فيه - إذ كان بين أظهرهم - على فرقتين: فرقة آمنت به، وفرقة كفرت به - وهم الأكثر - ثم لما رفع اختلفوا فيه على هذه الأقوال الثلاثة. وقال السدي: "الأحزاب: اليهود والنصارى". ومعنى من بينهم، أي: من بين من دعاهم عيسى إلى ما دعاهم إليه من اتقاء الله والعمل بطاعته. * * ثم قال: ﴿فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْ عَذَابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ﴾، أي: فالوادي السائل من القيح والصديد في جهنم للذين كفروا بالله من عذاب يوم أليم، وهو يوم القيامة. * * ثم قال تعالى: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ ٱلسَّاعَةَ أَن تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً﴾، أي: هل ينظر هؤلاء الأحزاب المختلفون في عيسى إلا الساعة (بغتة، أي: فجأة). "وأن" في موضع نصب بدل من "الساعة" بدل الاشتمال. ﴿وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ﴾، أي: لا يعلمون بمجيئها. * * ثم قال تعالى: ﴿ٱلأَخِلاَّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ ٱلْمُتَّقِينَ﴾ أي: المتخالون على معاصي الله في الدنيا يوم تقوم الساعة يتبرأ بعضهم من بعض إلا الذين تخالوا فيها على تقوى الله. قال ابن عباس: "كل خلة في الدنيا هي عداوة يوم القيامة، إلا خلة المتقين". وقال مجاهد، معناه: الأخلاء في الدنيا على معصية الله متعادون يوم القيامة. * * ثم قال تعالى: ﴿يٰعِبَادِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْكُمُ ٱلْيَوْمَ وَلاَ أَنتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ وفي الكلام حذف، أي: إلا المتقين، فإنه يقال لهم يا عبادي لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون على فراق الدنيا، لأنكم قَدِمْتُمْ على ما هو أفضل منها. وروي (أن الناس) ينادون بهذا النداء يوم القيامة فيطمع فيها من ليس من أهلها، حتى إذ سمع قوله: ﴿ٱلَّذِينَ آمَنُواْ بِآيَاتِنَا وَكَانُواْ مُسْلِمِينَ﴾ (فييئس منها عند ذلك كل أحد إلا المسلمين ومعنى "وكانوا مسلمين"، أي: وكانوا أهل خضوع لله عز وجل بقلوبهم. وقيل: ﴿فَلَمَّا جَآءَتْهُمْ﴾ الرسل واستسلام له. وروي عن بعض التابعين أنه قال يخرجون من القبور وكلهم مدعين فيناديهم منادٍ: ﴿يٰعِبَادِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْكُمُ ٱلْيَوْمَ وَلاَ أَنتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ فيطمع فيها الخلق كلهم، فيتبعها: ﴿ٱلَّذِينَ آمَنُواْ بِآيَاتِنَا وَكَانُواْ مُسْلِمِينَ﴾. فيئس منها الخلق إلا أهل الإسلام. قال (ابن عباس): يخرجون فينظرون إلى الأرض غير الأرض التي عهدوا، (وإلى الناس غير الناس الذين عهدوا). وكان ابن عباس يتمثل بعد هذا القول بقول الشاعر: ؎ فَمَا النَّاسُ بِالنَّاسِ الذِينَ عَهِدتَّهُمْ ∗∗∗ ولا الدَّارُ بِالدَّارِ الَّتِي كُنْتَ تَعْرِفُ ثم قال تعالى: ﴿ٱدْخُلُواْ ٱلْجَنَّةَ أَنتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ﴾، أي: تكرمون، قاله ابن عباس. وروي أن النبي ﷺ سئل عن تحبرون فقال: "اللَّذَّةُ والسَّماعُ بِمَا شَاءَ اللهُ (مِن ذِكْرِهِ) "فالذين" يحتمل أن يكون مبتدأ "وادخلوا" الخبر على حذف القول، أي: يقال لهم: ادخلوا الجنة. ويجوز أن يكون نعتاً "للعباد" في موضع نصب، يدل على ذلك قوله: ﴿ٱدْخُلُواْ ٱلْجَنَّةَ﴾ وما بعده. فأتى بلفظ الخطاب. ويدل على الوجه الأول قوله: ﴿يُطَافُ عَلَيْهِمْ﴾ وما بعده، فأتى بلفظ الغيبة. فالعباد مخاطبون لأن المنادى مخاطب. "والذين" لفظهم لفظ غيبة. فكلا (الوجهين له) دليل. * * ثم قال تعالى: ﴿يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِّن ذَهَبٍ﴾، أي: يطاف على هؤلاء الذين آمنوا في الجنة بقصاع من ذهب وأكواب من ذهب، أي: يطوف عليهم بذلك الغلمان. "والأكواب: التي ليست لها آذان"، قاله السدي. وقال قتادة: هي دون الأباريق. وقيل: الكوب الإبريق المستدير الذي لا أذن له ولا خرطوم. والمعنى: يطاف عليهم في الجنة بصحاف الطعام وأكواب الشراب من ذهب. فاستغنى بذكر الصحاف والأكواب عن ذكر الطعام والشراب لمعرفة السامعين بمعناه. قال ابن جبير: إن أدنى أهل الجنة منزلة مَنْ له قصر فيه سبعون ألف خادم، في يد كل خادم صحفة سوى ما في يد صاحبتها. لو فَتَحَ بابه فضافَه أهل الدنيا لوسعهم، لا يستعين عليهم بشيء من غيره، وذلك قوله: ﴿لَهُم مَّا يَشَآءُونَ فِيهَا﴾ [ق: ٣٥] ﴿وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ ٱلأَنْفُسُ﴾. قال عبد الله بن عمر: (وما أحد) من أهل الجنة إلا يسعى عليه ألف غلام، (كل غلام على) عمل خلاف ما عليه صاحبه. * * وقوله: ﴿وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ ٱلأَنْفُسُ﴾، أي: وفي الجنة ما تشتهي نفوسكم أيها المؤمنون وتلذ أعينكم. ﴿وَأَنتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾، أي: ماكثون أبداً. وروى سفيان أن رجلاً سأل النبي ﷺ فقال يا رسول الله، إني أحب الخيل، فهل في الجنة خيل؟ فقال له: "إنْ يُدْخِلكَ اللهُ الجَنَّةَ - إِنْ شَاءَ اللهُ - فَلاَ تَشَاءُ أََنْ تَرْكَبَ فَرَساً مِنْ يَاقُوتَةٍ حَمْرَاءَ يَطيرُ بِكَ في أَيِّ الجَنَّةِ شِئْتَ إِلاَّ فَعَلْتَ. فقال الأعرابي: يا رسول الله، إنى أحب الإبل، فهل في الجنة إبل؟ فقال: يَا أَعْرَابِيُّ، إِنْ يُدْخِلَكَ اللهُ الجَنَّةَ - إِنْ شَاءَ اللهُ - فَفِيها مَا اشْتَهَتْ نَفْسُكَ لَكَ وَلَذَّتْ عَيْنُكَ" وقال أبو أمامه: إن الرجل من أهل الجنة ليشتهي الطائر وهو يطير فيقع في كفه نضيجاً فيأكل منه (حيث تشتهي) نفسه ثم يطير، ويشتهي الشراب، فيقع الإبريق في يده فيشرب منه ما يريد، ثم يرجع إلى مكانه. وقال أبو طيبة السلمي: إن الشَّرْبَ من أهل الجنة لَتُظِلُّهُم السحاب، فقال فتقول: ما أمطركم؟ قال: فما يدعو داع شيئاً إلا أمطرتهم، حتى إن القائل منهم ليقول: أمطرينا كواعب أتراباً. * * ثم قال تعالى: ﴿وَتِلْكَ ٱلْجَنَّةُ ٱلَّتِيۤ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾، (أي: وتلك الجنة أورثكموها الله عن أهل النار، بما كنتم تعملون) في الدنيا من الخير. ﴿لَكُمْ فِيهَا﴾، أي: في الجنة. ﴿فَاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ﴾، أي: من كل نوع. ﴿مِّنْهَا تَأْكُلُونَ﴾، أي: من الفاكهة تأكلون ما اشتهيتم. وقد قال ابن خالويه: إنما أشار إلى الجنة بإشارة البعيد فقال: "وتلك" وأشار إلى جهنم في (قوله: هذه) جهنم بإشارة القريب لتأكيد التخويف من جهنم لأن الله عز وجل قد يتفضل على عباده فيدخلهم الجنة بغير عمل كالأطفال والمجانين، ولا يعذب أحداً منهم إلا على ذنب اكتسبه، فحذرهم الله عز وجل في النار وقَرَّب الإشارة إليها، (أكثر مما شوقهم) إلى الجنة، فجعل جهنم كأنه يُنظر إليها كالحاضرة، تخويفاً منها.

الزخرف 43:74

قوله تعالى: ﴿إِنَّ ٱلْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ﴾، إلى آخر السورة، أي: إن الذين اكتسبوا الكفر في الدنيا يوم القيامة في عذاب جهنم ماكثون أبداً، لا يخفف عنهم العذاب. وهم في العذاب مبلسون، قال قتادة: مستسلمون. وقال السدي: "مُبلسون: متغير حالهم". وقال الزجاج: "المبلس: الساكت، الممسك إمساك يائس من فرجٍ". وقال الطبري: المبلس: اليأس من النجاة. وقال النحاس: المبلس: المتحير الذي قد يئس من الخير. * * ثم قال تعالى: ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَـٰكِن كَانُواْ هُمُ ٱلظَّالِمِينَ﴾، أي لم نظلمهم في عذابنا لهم (ولكن هم) ظلموا أنفسهم بكفرهم في الدنيا. * * ثم قال تعالى: ﴿وَنَادَوْاْ يٰمَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ أي: ونادى المجرمون بعد دخولهم جهنم مالك خازن جهنم فقالوا: يا مالك لِيُمِتْنَا رَبُّكَ فيفرغ من إماتتنا. روي أن مالك لا يجيبهم في وقت دعائهم، ويدعهم ألف عام ثم يجيبهم فيقول: ﴿إِنَّكُمْ مَّاكِثُونَ﴾ قاله ابن عباس. وقال ابن عمر: إن أهل جهنم يدعون مالكاً أربعين عاماً فلا يجيبهم ثم يقول: ﴿إِنَّكُمْ مَّاكِثُونَ﴾، ثم ينادون ربهم: ﴿رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٧] فيدعوهم مثل الدنيا ثم يرد عليهم ﴿ٱخْسَئُواْ فِيهَا وَلاَ تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: ١٠٨] فما نفس القوم بعد ذلك بكلمة، إن كان إلا الزفير والشهيق في نار جهنم. وقال نوف البكالي يتركهم مالك مائة سنة مما تعدون (ثم يناديهم) فيستجيبون له، فيقول: ﴿إِنَّكُمْ مَّاكِثُونَ﴾. وقال السدي: يمكثون ألف سنة مما تعدون، ثم يجيبهم بعد ألف عام، إنكم ماكثون. قال ابن زيد وغيره: ليقض علينا ربك: ليمتنا. القضاء هنا الموت. * * ثم قال: ﴿لَقَدْ جِئْنَاكُم بِٱلْحَقِّ﴾، أي: لقد جاءتكم الرسل من عند ربكم. ﴿وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ﴾، أي أكثرهم لا يقبل الحق فهذا الذي أنتم فيه جزاء فعلكم. * * ثم قال: ﴿أَمْ أَبْرَمُوۤاْ أَمْراً فَإِنَّا مُبْرِمُونَ﴾، (أي: أم أبرم) هؤلاء المشركون من قريش أمراً يكبدون به الحق فإنا مبرمون. أي: نخزيهم ونذلهم ونظفرك يا محمد بهم. قال مجاهد: معناه إن كادوا بشرٍّ كدناهم مثله. وقال قتادة: معناه: (أم أجمعوا) أمراً فإنا مجمعون". وقال ابن زيد معناه: (أم أحكموا) أمرهم فإنا محكمون لأمرنا. وقال الفراء معناه: أم أحكموا أمرا ينجيهم من عذابنا على قولهم فإنا نعذبهم. يقال: أبرم الأمر إذا بالغ في إحكامه. وأبرم الفاتل إذا أدغم، وهو الفتل الثاني والأول يقال له سحيل كما قال زهير: ؎ ... مِنْ سَحِيلٍ وَمُبْرَمِ ثم قال تعالى: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لاَ نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُم بَلَىٰ﴾، أي: نسمع ذلك ونعلم ما أخفوا وما أعلنوا. * * ثم قال: ﴿وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾، أي والحَفَظَةُ عندهم يكتبون ما نطقوا به. ويروى "أن هذه الآية نزلت في ثلاثة نفر تدارءوا في سماع الله عز وجل كلام عبادة". قال محمد بن كعب القرظي: بينا ثلاثة نفر بين الكعبة وأستارها قرشيان وثقفي، أو ثقفيان، وقرشي، فقال واحد من الثلاثة: ترون أن الله يسمع كلامنا؟! فقال: إذا جهرتم سمع، وإذا أسررتم لم يسمع. فقال الثاني: إن كان يسمع إذا أعلنتم فإنه يسمع إذا أسررتم قال: فنزلت: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لاَ نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُم﴾ الآية. * * ثم قال تعالى: ﴿قُلْ إِن كَانَ لِلرَّحْمَـٰنِ وَلَدٌ فَأَنَاْ أَوَّلُ ٱلْعَابِدِينَ﴾، أي: قل يا محمد إن كان للرحمن ولد على زعمكم فأنا أول المؤمنين بالله في تكذيبكم فقولوا ما شئتم، هذا معنى قول مجاهد. وقال ابن عباس معناه: "لم يكن ولد فأنا أول الشاهدين" (فمعنى الكلام) على قول ابن عباس: ما كان ذلك ولا ينبغي أن يكون، وهو معنى قول قتادة وابن زيد، وهو قول زيد بن أسلم. فـ "إن" بمعنى: ("ما" التي للنفي). وقيل معنى: ﴿فَأَنَاْ أَوَّلُ ٱلْعَابِدِينَ﴾، أي: أول من يعبد الله عز وجل بالإيمان والتصديق أنه ليس للرحمن ولد، أي: على (هذا عبد) الله سبحانه وقال السدي معناه: "لو كان له ولد كنت أول من عبده (بأن له ولداً) ولكن لا ولد له". فجعل "إن" للشرط، وهو اختيار الطبري، لأنك إذا جعلت "إن" بمعنى "ما" أوهمت أنك إنما نفيت عن الله سبحانه الولد فيما مضى دون ما هو آت. وإذا جعلت "إن" للشرط أخبرت أنه كان له ولد على قولكم فأنا أول من عبده على ذلك ولكن لا ولد، ولا ينبغي أن يكون، وهذا عنده (من الإلطاف) في الكلام، وحسن المخاطبة بمنزلة قوله: ﴿وَإِنَّآ أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَىٰ هُدًى أَوْ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ﴾ [سبأ: ٢٤]، وقد علم أن الحق معه وأن مخالفيه في الضلال. وقيل معنى "العابدين" الآنفين. حكى: ما عبد فلان إن فعل كذا، أي: ما أنف. وهذا قول مردود لأنه يلزم منه أن يقول العابدين. إنما يقال، فلان عبد من كذا، أي: آنف منه. ولا يقال عابد بمعنى: أنف. وقال: أبو عبيدة مجازها: فأنا أول العابدين، أي: الجاحدين من عبد يعبد إذا حجد. وحكى: فلان عَبَدَني حَقّاً، أي: جحدني. * * ثم قال تعالى: ﴿سُبْحَانَ رَبِّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ﴾، أي: تبرئة له وتنزيهاً له من الولد وغير ذلك من الأشياء المذمومة. * * وقوله: ﴿رَبِّ ٱلْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾، أي يكذبون. وحكى أبو حاتم أن قوماً يقفون ﴿قُلْ إِن كَانَ لِلرَّحْمَـٰنِ وَلَدٌ﴾، ثم يبتدؤون: ﴿فَأَنَاْ أَوَّلُ ٱلْعَابِدِينَ﴾ على معنى: قل يا محمد: ما كان للرحمن ولد: وهو قول يعقوب وغيره. * * ثم قال تعالى: ﴿فَذَرْهُمْ يَخُوضُواْ وَيَلْعَبُواْ حَتَّىٰ يُلَـٰقُواْ يَوْمَهُمُ ٱلَّذِي يُوعَدُونَ﴾. هذا تهدد ووعيد من الله جل ذكره للمشركين، أي: سيعلمون يوم القيامة جزاء لعبهم وخوضهم في الباطل. * * ثم قال تعالى: ﴿وَهُوَ ٱلَّذِي فِي ٱلسَّمآءِ إِلَـٰهٌ وَفِي ٱلأَرْضِ إِلَـٰهٌ﴾، أي: هو المعبود في السماء وفي الأرض، فلا شيء تصلح له الألوهية إلا هو. قال قتادة: معنى الآية: وهو الذي يعبد في السماء ويعبد في الأرض. * * ثم قال: ﴿وَهُوَ ٱلْحَكِيمُ ٱلْعَلِيمُ﴾، أي: وهو الحكيم في تدبيره خلقه، العليم بمصالحهم. وفي حرف ابن مسعود: (وهو الذي في السماء الله وفي الأرض الله)، وهي مروية عن عمر وأُبي. * * ثم قال تعالى: ﴿وَتَبَارَكَ ٱلَّذِي لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾، أي: وتعالى الذي في ملكه ذلك كله وفي تدبيره وبيده. * * وقوله: ﴿وَعِندَهُ عِلْمُ ٱلسَّاعَةِ﴾، أي: وتفرد بعلم قيام الساعة، ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾، أي: تردون بعد مماتكم. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلاَ يَمْلِكُ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ ٱلشَّفَاعَةَ﴾، أي، ولا تملك الآلهة التي يعبدها هؤلاء المشركون من دون الله شفاعة لهم ولا لغيرهم. وقيل المعنى: ولا يملك عزيرُ وعيسى والملائكة الذين عُبِدُوا من دون الله عز وجل شفاعة لمن عبدهم، قاله مجاهد. والقول الأول قاله قتادة. ﴿إِلاَّ مَن شَهِدَ بِٱلْحَقِّ﴾، أي: بالتوحيد لله والطاعة له. ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾، أي: يعلمون (أن ما أقروا به حق). وقيل معنى ﴿إِلاَّ مَن شَهِدَ بِٱلْحَقِّ﴾، يعني: عيسى وعزيرُ والملائكة فإنهم يشفعون لمن أراد الله عز وجل. قال مجاهد، معناه: لا يشفع المسيح وعزير والملائكة إلا من شهد بالحق، أي: قال لا إله إلا الله. فهذا يدل على أنه استثناء ليس من الأول. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ﴾، أي ولئن سألت يا محمد هؤلاء المشركين بالله من قومك من خلقهم ليقولن خلقهم الله. * * ثم قال: ﴿فَأَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ﴾، أي: فمن أي وجه يصرفون عن عبادة الله الذي خلقهم، ويحرمون اتباع رضاه. * * ثم قال تعالى: ﴿وَقِيلِهِ يٰرَبِّ إِنَّ هَـٰؤُلاَءِ قَوْمٌ لاَّ يُؤْمِنُونَ﴾ من نصب "وقيله" عطفه، عند الأخفش على "سرهم ونجواهم" (أي: نسمع سرهم ونجواهم وقيله. وقيل إنما) يجوز نصبه على المصدر. وقال الزجاج: هو معطوف على موضع الساعة، (لأن معنى "وعنده علم الساعة") ويعلم وقت الساعة ويعلم قيله. وقيل هو معطوف على مفعول "يعلمون" المحذوف، والتقدير: هم يعلمون الحق وقيله. وقيل معطوف على مفعول "يكتبون" المحذوف، والتقدير: ورسلنا لديهم يكتبون ذلك وقيله. ومن خفضه عطفه على لفظ "الساعة"، أي: وعنده علم الساعة وعلم قيله. والرفع فيه جائز على الابتداء. والمعنى: ونسمع شكوى محمد وقيله: يا رب، إن هؤلاء الذين أمرتني أن ندعوهم وننذرهم لا يؤمنون. وهذا قول كان يقوله النبي ﷺ لما امتنعت عليه قريش من الإيمان فأنزله الله جل ذكره. قال مجاهد وقتادة: هذا قول نبيكم ﷺ يشكو قومه إلى ربه، حكاه الله جل ذكره لنا في كتابه. والهاء في "وقيله" عائد على النبي ﷺ وقيل: تعود على عيسى، فترجع على قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ٱبْنُ مَرْيَمَ مَثَلاً﴾ [الزخرف: ٥٧] - الآية. * * ثم قال تعالى: ﴿فَٱصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلاَمٌ﴾، أي: دعهم واغفر لهم قولهم وفعلهم، وقل: مسالمة ومتاركة مني إليكم، وتقديره: وقل أمري سلام. وهذا كان قبل أن يؤمر بالقتال، ثم نسخ ذلك بالأمر بالقتال. وقال الفراء: التقدير: وقل سلام عليكم، ثم حذف، وهو بعيد لم يؤمر النبي ﷺ بأن يجيبهم، إنما أمر (بأن يسالمهم) حتى يأتيه أمر الله عز وجل. وقد نهي النبي ﷺ أن يبدأ النصارى واليهود بالسلام فكيف يأمره الله بذلك للمشركين وينهاه عنه. قال ابن عباس: "فاصفح عنهم، أي: أعرض عنهم". ثم قال: (فسوف تعلمون). هذا تهدد ووعيد، أي: سوف تلقون ما يسوؤكم غداً إن تماديتم على كفركم.

الزخرف 43:75

قوله تعالى: ﴿إِنَّ ٱلْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ﴾، إلى آخر السورة، أي: إن الذين اكتسبوا الكفر في الدنيا يوم القيامة في عذاب جهنم ماكثون أبداً، لا يخفف عنهم العذاب. وهم في العذاب مبلسون، قال قتادة: مستسلمون. وقال السدي: "مُبلسون: متغير حالهم". وقال الزجاج: "المبلس: الساكت، الممسك إمساك يائس من فرجٍ". وقال الطبري: المبلس: اليأس من النجاة. وقال النحاس: المبلس: المتحير الذي قد يئس من الخير. * * ثم قال تعالى: ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَـٰكِن كَانُواْ هُمُ ٱلظَّالِمِينَ﴾، أي لم نظلمهم في عذابنا لهم (ولكن هم) ظلموا أنفسهم بكفرهم في الدنيا. * * ثم قال تعالى: ﴿وَنَادَوْاْ يٰمَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ أي: ونادى المجرمون بعد دخولهم جهنم مالك خازن جهنم فقالوا: يا مالك لِيُمِتْنَا رَبُّكَ فيفرغ من إماتتنا. روي أن مالك لا يجيبهم في وقت دعائهم، ويدعهم ألف عام ثم يجيبهم فيقول: ﴿إِنَّكُمْ مَّاكِثُونَ﴾ قاله ابن عباس. وقال ابن عمر: إن أهل جهنم يدعون مالكاً أربعين عاماً فلا يجيبهم ثم يقول: ﴿إِنَّكُمْ مَّاكِثُونَ﴾، ثم ينادون ربهم: ﴿رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٧] فيدعوهم مثل الدنيا ثم يرد عليهم ﴿ٱخْسَئُواْ فِيهَا وَلاَ تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: ١٠٨] فما نفس القوم بعد ذلك بكلمة، إن كان إلا الزفير والشهيق في نار جهنم. وقال نوف البكالي يتركهم مالك مائة سنة مما تعدون (ثم يناديهم) فيستجيبون له، فيقول: ﴿إِنَّكُمْ مَّاكِثُونَ﴾. وقال السدي: يمكثون ألف سنة مما تعدون، ثم يجيبهم بعد ألف عام، إنكم ماكثون. قال ابن زيد وغيره: ليقض علينا ربك: ليمتنا. القضاء هنا الموت. * * ثم قال: ﴿لَقَدْ جِئْنَاكُم بِٱلْحَقِّ﴾، أي: لقد جاءتكم الرسل من عند ربكم. ﴿وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ﴾، أي أكثرهم لا يقبل الحق فهذا الذي أنتم فيه جزاء فعلكم. * * ثم قال: ﴿أَمْ أَبْرَمُوۤاْ أَمْراً فَإِنَّا مُبْرِمُونَ﴾، (أي: أم أبرم) هؤلاء المشركون من قريش أمراً يكبدون به الحق فإنا مبرمون. أي: نخزيهم ونذلهم ونظفرك يا محمد بهم. قال مجاهد: معناه إن كادوا بشرٍّ كدناهم مثله. وقال قتادة: معناه: (أم أجمعوا) أمراً فإنا مجمعون". وقال ابن زيد معناه: (أم أحكموا) أمرهم فإنا محكمون لأمرنا. وقال الفراء معناه: أم أحكموا أمرا ينجيهم من عذابنا على قولهم فإنا نعذبهم. يقال: أبرم الأمر إذا بالغ في إحكامه. وأبرم الفاتل إذا أدغم، وهو الفتل الثاني والأول يقال له سحيل كما قال زهير: ؎ ... مِنْ سَحِيلٍ وَمُبْرَمِ ثم قال تعالى: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لاَ نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُم بَلَىٰ﴾، أي: نسمع ذلك ونعلم ما أخفوا وما أعلنوا. * * ثم قال: ﴿وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾، أي والحَفَظَةُ عندهم يكتبون ما نطقوا به. ويروى "أن هذه الآية نزلت في ثلاثة نفر تدارءوا في سماع الله عز وجل كلام عبادة". قال محمد بن كعب القرظي: بينا ثلاثة نفر بين الكعبة وأستارها قرشيان وثقفي، أو ثقفيان، وقرشي، فقال واحد من الثلاثة: ترون أن الله يسمع كلامنا؟! فقال: إذا جهرتم سمع، وإذا أسررتم لم يسمع. فقال الثاني: إن كان يسمع إذا أعلنتم فإنه يسمع إذا أسررتم قال: فنزلت: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لاَ نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُم﴾ الآية. * * ثم قال تعالى: ﴿قُلْ إِن كَانَ لِلرَّحْمَـٰنِ وَلَدٌ فَأَنَاْ أَوَّلُ ٱلْعَابِدِينَ﴾، أي: قل يا محمد إن كان للرحمن ولد على زعمكم فأنا أول المؤمنين بالله في تكذيبكم فقولوا ما شئتم، هذا معنى قول مجاهد. وقال ابن عباس معناه: "لم يكن ولد فأنا أول الشاهدين" (فمعنى الكلام) على قول ابن عباس: ما كان ذلك ولا ينبغي أن يكون، وهو معنى قول قتادة وابن زيد، وهو قول زيد بن أسلم. فـ "إن" بمعنى: ("ما" التي للنفي). وقيل معنى: ﴿فَأَنَاْ أَوَّلُ ٱلْعَابِدِينَ﴾، أي: أول من يعبد الله عز وجل بالإيمان والتصديق أنه ليس للرحمن ولد، أي: على (هذا عبد) الله سبحانه وقال السدي معناه: "لو كان له ولد كنت أول من عبده (بأن له ولداً) ولكن لا ولد له". فجعل "إن" للشرط، وهو اختيار الطبري، لأنك إذا جعلت "إن" بمعنى "ما" أوهمت أنك إنما نفيت عن الله سبحانه الولد فيما مضى دون ما هو آت. وإذا جعلت "إن" للشرط أخبرت أنه كان له ولد على قولكم فأنا أول من عبده على ذلك ولكن لا ولد، ولا ينبغي أن يكون، وهذا عنده (من الإلطاف) في الكلام، وحسن المخاطبة بمنزلة قوله: ﴿وَإِنَّآ أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَىٰ هُدًى أَوْ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ﴾ [سبأ: ٢٤]، وقد علم أن الحق معه وأن مخالفيه في الضلال. وقيل معنى "العابدين" الآنفين. حكى: ما عبد فلان إن فعل كذا، أي: ما أنف. وهذا قول مردود لأنه يلزم منه أن يقول العابدين. إنما يقال، فلان عبد من كذا، أي: آنف منه. ولا يقال عابد بمعنى: أنف. وقال: أبو عبيدة مجازها: فأنا أول العابدين، أي: الجاحدين من عبد يعبد إذا حجد. وحكى: فلان عَبَدَني حَقّاً، أي: جحدني. * * ثم قال تعالى: ﴿سُبْحَانَ رَبِّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ﴾، أي: تبرئة له وتنزيهاً له من الولد وغير ذلك من الأشياء المذمومة. * * وقوله: ﴿رَبِّ ٱلْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾، أي يكذبون. وحكى أبو حاتم أن قوماً يقفون ﴿قُلْ إِن كَانَ لِلرَّحْمَـٰنِ وَلَدٌ﴾، ثم يبتدؤون: ﴿فَأَنَاْ أَوَّلُ ٱلْعَابِدِينَ﴾ على معنى: قل يا محمد: ما كان للرحمن ولد: وهو قول يعقوب وغيره. * * ثم قال تعالى: ﴿فَذَرْهُمْ يَخُوضُواْ وَيَلْعَبُواْ حَتَّىٰ يُلَـٰقُواْ يَوْمَهُمُ ٱلَّذِي يُوعَدُونَ﴾. هذا تهدد ووعيد من الله جل ذكره للمشركين، أي: سيعلمون يوم القيامة جزاء لعبهم وخوضهم في الباطل. * * ثم قال تعالى: ﴿وَهُوَ ٱلَّذِي فِي ٱلسَّمآءِ إِلَـٰهٌ وَفِي ٱلأَرْضِ إِلَـٰهٌ﴾، أي: هو المعبود في السماء وفي الأرض، فلا شيء تصلح له الألوهية إلا هو. قال قتادة: معنى الآية: وهو الذي يعبد في السماء ويعبد في الأرض. * * ثم قال: ﴿وَهُوَ ٱلْحَكِيمُ ٱلْعَلِيمُ﴾، أي: وهو الحكيم في تدبيره خلقه، العليم بمصالحهم. وفي حرف ابن مسعود: (وهو الذي في السماء الله وفي الأرض الله)، وهي مروية عن عمر وأُبي. * * ثم قال تعالى: ﴿وَتَبَارَكَ ٱلَّذِي لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾، أي: وتعالى الذي في ملكه ذلك كله وفي تدبيره وبيده. * * وقوله: ﴿وَعِندَهُ عِلْمُ ٱلسَّاعَةِ﴾، أي: وتفرد بعلم قيام الساعة، ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾، أي: تردون بعد مماتكم. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلاَ يَمْلِكُ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ ٱلشَّفَاعَةَ﴾، أي، ولا تملك الآلهة التي يعبدها هؤلاء المشركون من دون الله شفاعة لهم ولا لغيرهم. وقيل المعنى: ولا يملك عزيرُ وعيسى والملائكة الذين عُبِدُوا من دون الله عز وجل شفاعة لمن عبدهم، قاله مجاهد. والقول الأول قاله قتادة. ﴿إِلاَّ مَن شَهِدَ بِٱلْحَقِّ﴾، أي: بالتوحيد لله والطاعة له. ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾، أي: يعلمون (أن ما أقروا به حق). وقيل معنى ﴿إِلاَّ مَن شَهِدَ بِٱلْحَقِّ﴾، يعني: عيسى وعزيرُ والملائكة فإنهم يشفعون لمن أراد الله عز وجل. قال مجاهد، معناه: لا يشفع المسيح وعزير والملائكة إلا من شهد بالحق، أي: قال لا إله إلا الله. فهذا يدل على أنه استثناء ليس من الأول. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ﴾، أي ولئن سألت يا محمد هؤلاء المشركين بالله من قومك من خلقهم ليقولن خلقهم الله. * * ثم قال: ﴿فَأَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ﴾، أي: فمن أي وجه يصرفون عن عبادة الله الذي خلقهم، ويحرمون اتباع رضاه. * * ثم قال تعالى: ﴿وَقِيلِهِ يٰرَبِّ إِنَّ هَـٰؤُلاَءِ قَوْمٌ لاَّ يُؤْمِنُونَ﴾ من نصب "وقيله" عطفه، عند الأخفش على "سرهم ونجواهم" (أي: نسمع سرهم ونجواهم وقيله. وقيل إنما) يجوز نصبه على المصدر. وقال الزجاج: هو معطوف على موضع الساعة، (لأن معنى "وعنده علم الساعة") ويعلم وقت الساعة ويعلم قيله. وقيل هو معطوف على مفعول "يعلمون" المحذوف، والتقدير: هم يعلمون الحق وقيله. وقيل معطوف على مفعول "يكتبون" المحذوف، والتقدير: ورسلنا لديهم يكتبون ذلك وقيله. ومن خفضه عطفه على لفظ "الساعة"، أي: وعنده علم الساعة وعلم قيله. والرفع فيه جائز على الابتداء. والمعنى: ونسمع شكوى محمد وقيله: يا رب، إن هؤلاء الذين أمرتني أن ندعوهم وننذرهم لا يؤمنون. وهذا قول كان يقوله النبي ﷺ لما امتنعت عليه قريش من الإيمان فأنزله الله جل ذكره. قال مجاهد وقتادة: هذا قول نبيكم ﷺ يشكو قومه إلى ربه، حكاه الله جل ذكره لنا في كتابه. والهاء في "وقيله" عائد على النبي ﷺ وقيل: تعود على عيسى، فترجع على قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ٱبْنُ مَرْيَمَ مَثَلاً﴾ [الزخرف: ٥٧] - الآية. * * ثم قال تعالى: ﴿فَٱصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلاَمٌ﴾، أي: دعهم واغفر لهم قولهم وفعلهم، وقل: مسالمة ومتاركة مني إليكم، وتقديره: وقل أمري سلام. وهذا كان قبل أن يؤمر بالقتال، ثم نسخ ذلك بالأمر بالقتال. وقال الفراء: التقدير: وقل سلام عليكم، ثم حذف، وهو بعيد لم يؤمر النبي ﷺ بأن يجيبهم، إنما أمر (بأن يسالمهم) حتى يأتيه أمر الله عز وجل. وقد نهي النبي ﷺ أن يبدأ النصارى واليهود بالسلام فكيف يأمره الله بذلك للمشركين وينهاه عنه. قال ابن عباس: "فاصفح عنهم، أي: أعرض عنهم". ثم قال: (فسوف تعلمون). هذا تهدد ووعيد، أي: سوف تلقون ما يسوؤكم غداً إن تماديتم على كفركم.