Tafsir Makhi — الزخرف 43:76 – الدخان 44:48
المحتويات
- الزخرف 43:76
- الزخرف 43:77
- الزخرف 43:78
- الزخرف 43:79
- الزخرف 43:80
- الزخرف 43:81
- الزخرف 43:82
- الزخرف 43:83
- الزخرف 43:84
- الزخرف 43:85
- الزخرف 43:86
- الزخرف 43:87
- الزخرف 43:88
- الزخرف 43:89
- الدخان 44:1
- الدخان 44:2
- الدخان 44:3
- الدخان 44:4
- الدخان 44:5
- الدخان 44:6
- الدخان 44:7
- الدخان 44:8
- الدخان 44:9
- الدخان 44:10
- الدخان 44:11
- الدخان 44:12
- الدخان 44:13
- الدخان 44:14
- الدخان 44:15
- الدخان 44:16
- الدخان 44:17
- الدخان 44:18
- الدخان 44:19
- الدخان 44:20
- الدخان 44:21
- الدخان 44:22
- الدخان 44:23
- الدخان 44:24
- الدخان 44:25
- الدخان 44:26
- الدخان 44:27
- الدخان 44:28
- الدخان 44:29
- الدخان 44:30
- الدخان 44:31
- الدخان 44:32
- الدخان 44:33
- الدخان 44:34
- الدخان 44:35
- الدخان 44:36
- الدخان 44:37
- الدخان 44:38
- الدخان 44:39
- الدخان 44:40
- الدخان 44:41
- الدخان 44:42
- الدخان 44:43
- الدخان 44:44
- الدخان 44:45
- الدخان 44:46
- الدخان 44:47
- الدخان 44:48
الزخرف 43:76
قوله تعالى: ﴿إِنَّ ٱلْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ﴾، إلى آخر السورة، أي: إن الذين اكتسبوا الكفر في الدنيا يوم القيامة في عذاب جهنم ماكثون أبداً، لا يخفف عنهم العذاب.
وهم في العذاب مبلسون، قال قتادة: مستسلمون.
وقال السدي: "مُبلسون: متغير حالهم".
وقال الزجاج: "المبلس: الساكت، الممسك إمساك يائس من فرجٍ".
وقال الطبري: المبلس: اليأس من النجاة.
وقال النحاس: المبلس: المتحير الذي قد يئس من الخير.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَـٰكِن كَانُواْ هُمُ ٱلظَّالِمِينَ﴾، أي لم نظلمهم في عذابنا لهم (ولكن هم) ظلموا أنفسهم بكفرهم في الدنيا.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَنَادَوْاْ يٰمَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ أي: ونادى المجرمون بعد دخولهم جهنم مالك خازن جهنم فقالوا: يا مالك لِيُمِتْنَا رَبُّكَ فيفرغ من إماتتنا.
روي أن مالك لا يجيبهم في وقت دعائهم، ويدعهم ألف عام ثم يجيبهم فيقول: ﴿إِنَّكُمْ مَّاكِثُونَ﴾ قاله ابن عباس.
وقال ابن عمر: إن أهل جهنم يدعون مالكاً أربعين عاماً فلا يجيبهم ثم يقول: ﴿إِنَّكُمْ مَّاكِثُونَ﴾، ثم ينادون ربهم: ﴿رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٧] فيدعوهم مثل الدنيا ثم يرد عليهم ﴿ٱخْسَئُواْ فِيهَا وَلاَ تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: ١٠٨] فما نفس القوم بعد ذلك بكلمة، إن كان إلا الزفير والشهيق في نار جهنم.
وقال نوف البكالي يتركهم مالك مائة سنة مما تعدون (ثم يناديهم) فيستجيبون له، فيقول: ﴿إِنَّكُمْ مَّاكِثُونَ﴾.
وقال السدي: يمكثون ألف سنة مما تعدون، ثم يجيبهم بعد ألف عام، إنكم ماكثون.
قال ابن زيد وغيره: ليقض علينا ربك: ليمتنا. القضاء هنا الموت.
* *
ثم قال: ﴿لَقَدْ جِئْنَاكُم بِٱلْحَقِّ﴾، أي: لقد جاءتكم الرسل من عند ربكم.
﴿وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ﴾، أي أكثرهم لا يقبل الحق فهذا الذي أنتم فيه جزاء فعلكم.
* *
ثم قال: ﴿أَمْ أَبْرَمُوۤاْ أَمْراً فَإِنَّا مُبْرِمُونَ﴾، (أي: أم أبرم) هؤلاء المشركون من قريش أمراً يكبدون به الحق فإنا مبرمون. أي: نخزيهم ونذلهم ونظفرك يا محمد بهم.
قال مجاهد: معناه إن كادوا بشرٍّ كدناهم مثله.
وقال قتادة: معناه: (أم أجمعوا) أمراً فإنا مجمعون".
وقال ابن زيد معناه: (أم أحكموا) أمرهم فإنا محكمون لأمرنا.
وقال الفراء معناه: أم أحكموا أمرا ينجيهم من عذابنا على قولهم فإنا نعذبهم.
يقال: أبرم الأمر إذا بالغ في إحكامه. وأبرم الفاتل إذا أدغم، وهو الفتل الثاني والأول يقال له سحيل كما قال زهير:
؎ ... مِنْ سَحِيلٍ وَمُبْرَمِ
ثم قال تعالى: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لاَ نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُم بَلَىٰ﴾، أي: نسمع ذلك ونعلم ما أخفوا وما أعلنوا.
* *
ثم قال: ﴿وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾، أي والحَفَظَةُ عندهم يكتبون ما نطقوا به.
ويروى "أن هذه الآية نزلت في ثلاثة نفر تدارءوا في سماع الله عز وجل كلام عبادة". قال محمد بن كعب القرظي: بينا ثلاثة نفر بين الكعبة وأستارها قرشيان وثقفي، أو ثقفيان، وقرشي، فقال واحد من الثلاثة: ترون أن الله يسمع كلامنا؟! فقال: إذا جهرتم سمع، وإذا أسررتم لم يسمع.
فقال الثاني: إن كان يسمع إذا أعلنتم فإنه يسمع إذا أسررتم قال: فنزلت: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لاَ نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُم﴾ الآية.
* *
ثم قال تعالى: ﴿قُلْ إِن كَانَ لِلرَّحْمَـٰنِ وَلَدٌ فَأَنَاْ أَوَّلُ ٱلْعَابِدِينَ﴾، أي: قل يا محمد إن كان للرحمن ولد على زعمكم فأنا أول المؤمنين بالله في تكذيبكم فقولوا ما شئتم، هذا معنى قول مجاهد.
وقال ابن عباس معناه: "لم يكن ولد فأنا أول الشاهدين" (فمعنى الكلام) على قول ابن عباس: ما كان ذلك ولا ينبغي أن يكون، وهو معنى قول قتادة وابن زيد، وهو قول زيد بن أسلم. فـ "إن" بمعنى: ("ما" التي للنفي).
وقيل معنى: ﴿فَأَنَاْ أَوَّلُ ٱلْعَابِدِينَ﴾، أي: أول من يعبد الله عز وجل بالإيمان والتصديق أنه ليس للرحمن ولد، أي: على (هذا عبد) الله سبحانه وقال السدي معناه: "لو كان له ولد كنت أول من عبده (بأن له ولداً) ولكن لا ولد له".
فجعل "إن" للشرط، وهو اختيار الطبري، لأنك إذا جعلت "إن" بمعنى "ما" أوهمت أنك إنما نفيت عن الله سبحانه الولد فيما مضى دون ما هو آت.
وإذا جعلت "إن" للشرط أخبرت أنه كان له ولد على قولكم فأنا أول من عبده على ذلك ولكن لا ولد، ولا ينبغي أن يكون، وهذا عنده (من الإلطاف) في الكلام، وحسن المخاطبة بمنزلة قوله: ﴿وَإِنَّآ أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَىٰ هُدًى أَوْ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ﴾ [سبأ: ٢٤]، وقد علم أن الحق معه وأن مخالفيه في الضلال. وقيل معنى "العابدين" الآنفين.
حكى: ما عبد فلان إن فعل كذا، أي: ما أنف.
وهذا قول مردود لأنه يلزم منه أن يقول العابدين. إنما يقال، فلان عبد من كذا، أي: آنف منه. ولا يقال عابد بمعنى: أنف.
وقال: أبو عبيدة مجازها: فأنا أول العابدين، أي: الجاحدين من عبد يعبد إذا حجد. وحكى: فلان عَبَدَني حَقّاً، أي: جحدني.
* *
ثم قال تعالى: ﴿سُبْحَانَ رَبِّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ﴾، أي: تبرئة له وتنزيهاً له من الولد وغير ذلك من الأشياء المذمومة.
* *
وقوله: ﴿رَبِّ ٱلْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾، أي يكذبون.
وحكى أبو حاتم أن قوماً يقفون ﴿قُلْ إِن كَانَ لِلرَّحْمَـٰنِ وَلَدٌ﴾، ثم يبتدؤون: ﴿فَأَنَاْ أَوَّلُ ٱلْعَابِدِينَ﴾ على معنى: قل يا محمد: ما كان للرحمن ولد: وهو قول يعقوب وغيره.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَذَرْهُمْ يَخُوضُواْ وَيَلْعَبُواْ حَتَّىٰ يُلَـٰقُواْ يَوْمَهُمُ ٱلَّذِي يُوعَدُونَ﴾.
هذا تهدد ووعيد من الله جل ذكره للمشركين، أي: سيعلمون يوم القيامة جزاء لعبهم وخوضهم في الباطل.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَهُوَ ٱلَّذِي فِي ٱلسَّمآءِ إِلَـٰهٌ وَفِي ٱلأَرْضِ إِلَـٰهٌ﴾، أي: هو المعبود في السماء وفي الأرض، فلا شيء تصلح له الألوهية إلا هو.
قال قتادة: معنى الآية: وهو الذي يعبد في السماء ويعبد في الأرض.
* *
ثم قال: ﴿وَهُوَ ٱلْحَكِيمُ ٱلْعَلِيمُ﴾، أي: وهو الحكيم في تدبيره خلقه، العليم بمصالحهم.
وفي حرف ابن مسعود: (وهو الذي في السماء الله وفي الأرض الله)، وهي مروية عن عمر وأُبي.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَتَبَارَكَ ٱلَّذِي لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾، أي: وتعالى الذي في ملكه ذلك كله وفي تدبيره وبيده.
* *
وقوله: ﴿وَعِندَهُ عِلْمُ ٱلسَّاعَةِ﴾، أي: وتفرد بعلم قيام الساعة، ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾، أي: تردون بعد مماتكم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَلاَ يَمْلِكُ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ ٱلشَّفَاعَةَ﴾، أي، ولا تملك الآلهة التي يعبدها هؤلاء المشركون من دون الله شفاعة لهم ولا لغيرهم.
وقيل المعنى: ولا يملك عزيرُ وعيسى والملائكة الذين عُبِدُوا من دون الله عز وجل شفاعة لمن عبدهم، قاله مجاهد. والقول الأول قاله قتادة.
﴿إِلاَّ مَن شَهِدَ بِٱلْحَقِّ﴾، أي: بالتوحيد لله والطاعة له.
﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾، أي: يعلمون (أن ما أقروا به حق).
وقيل معنى ﴿إِلاَّ مَن شَهِدَ بِٱلْحَقِّ﴾، يعني: عيسى وعزيرُ والملائكة فإنهم يشفعون لمن أراد الله عز وجل.
قال مجاهد، معناه: لا يشفع المسيح وعزير والملائكة إلا من شهد بالحق، أي: قال لا إله إلا الله. فهذا يدل على أنه استثناء ليس من الأول.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ﴾، أي ولئن سألت يا محمد هؤلاء المشركين بالله من قومك من خلقهم ليقولن خلقهم الله.
* *
ثم قال: ﴿فَأَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ﴾، أي: فمن أي وجه يصرفون عن عبادة الله الذي خلقهم، ويحرمون اتباع رضاه.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَقِيلِهِ يٰرَبِّ إِنَّ هَـٰؤُلاَءِ قَوْمٌ لاَّ يُؤْمِنُونَ﴾ من نصب "وقيله" عطفه، عند الأخفش على "سرهم ونجواهم" (أي: نسمع سرهم ونجواهم وقيله.
وقيل إنما) يجوز نصبه على المصدر.
وقال الزجاج: هو معطوف على موضع الساعة، (لأن معنى "وعنده علم الساعة") ويعلم وقت الساعة ويعلم قيله.
وقيل هو معطوف على مفعول "يعلمون" المحذوف، والتقدير: هم يعلمون الحق وقيله.
وقيل معطوف على مفعول "يكتبون" المحذوف، والتقدير: ورسلنا لديهم يكتبون ذلك وقيله.
ومن خفضه عطفه على لفظ "الساعة"، أي: وعنده علم الساعة وعلم قيله.
والرفع فيه جائز على الابتداء.
والمعنى: ونسمع شكوى محمد وقيله: يا رب، إن هؤلاء الذين أمرتني أن ندعوهم وننذرهم لا يؤمنون.
وهذا قول كان يقوله النبي ﷺ لما امتنعت عليه قريش من الإيمان فأنزله الله جل ذكره.
قال مجاهد وقتادة: هذا قول نبيكم ﷺ يشكو قومه إلى ربه، حكاه الله جل ذكره لنا في كتابه.
والهاء في "وقيله" عائد على النبي ﷺ وقيل: تعود على عيسى، فترجع على قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ٱبْنُ مَرْيَمَ مَثَلاً﴾ [الزخرف: ٥٧] - الآية.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَٱصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلاَمٌ﴾، أي: دعهم واغفر لهم قولهم وفعلهم، وقل: مسالمة ومتاركة مني إليكم، وتقديره: وقل أمري سلام.
وهذا كان قبل أن يؤمر بالقتال، ثم نسخ ذلك بالأمر بالقتال.
وقال الفراء: التقدير: وقل سلام عليكم، ثم حذف، وهو بعيد لم يؤمر النبي ﷺ بأن يجيبهم، إنما أمر (بأن يسالمهم) حتى يأتيه أمر الله عز وجل.
وقد نهي النبي ﷺ أن يبدأ النصارى واليهود بالسلام فكيف يأمره الله بذلك للمشركين وينهاه عنه.
قال ابن عباس: "فاصفح عنهم، أي: أعرض عنهم".
ثم قال: (فسوف تعلمون).
هذا تهدد ووعيد، أي: سوف تلقون ما يسوؤكم غداً إن تماديتم على كفركم.
الزخرف 43:77
قوله تعالى: ﴿إِنَّ ٱلْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ﴾، إلى آخر السورة، أي: إن الذين اكتسبوا الكفر في الدنيا يوم القيامة في عذاب جهنم ماكثون أبداً، لا يخفف عنهم العذاب.
وهم في العذاب مبلسون، قال قتادة: مستسلمون.
وقال السدي: "مُبلسون: متغير حالهم".
وقال الزجاج: "المبلس: الساكت، الممسك إمساك يائس من فرجٍ".
وقال الطبري: المبلس: اليأس من النجاة.
وقال النحاس: المبلس: المتحير الذي قد يئس من الخير.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَـٰكِن كَانُواْ هُمُ ٱلظَّالِمِينَ﴾، أي لم نظلمهم في عذابنا لهم (ولكن هم) ظلموا أنفسهم بكفرهم في الدنيا.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَنَادَوْاْ يٰمَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ أي: ونادى المجرمون بعد دخولهم جهنم مالك خازن جهنم فقالوا: يا مالك لِيُمِتْنَا رَبُّكَ فيفرغ من إماتتنا.
روي أن مالك لا يجيبهم في وقت دعائهم، ويدعهم ألف عام ثم يجيبهم فيقول: ﴿إِنَّكُمْ مَّاكِثُونَ﴾ قاله ابن عباس.
وقال ابن عمر: إن أهل جهنم يدعون مالكاً أربعين عاماً فلا يجيبهم ثم يقول: ﴿إِنَّكُمْ مَّاكِثُونَ﴾، ثم ينادون ربهم: ﴿رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٧] فيدعوهم مثل الدنيا ثم يرد عليهم ﴿ٱخْسَئُواْ فِيهَا وَلاَ تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: ١٠٨] فما نفس القوم بعد ذلك بكلمة، إن كان إلا الزفير والشهيق في نار جهنم.
وقال نوف البكالي يتركهم مالك مائة سنة مما تعدون (ثم يناديهم) فيستجيبون له، فيقول: ﴿إِنَّكُمْ مَّاكِثُونَ﴾.
وقال السدي: يمكثون ألف سنة مما تعدون، ثم يجيبهم بعد ألف عام، إنكم ماكثون.
قال ابن زيد وغيره: ليقض علينا ربك: ليمتنا. القضاء هنا الموت.
* *
ثم قال: ﴿لَقَدْ جِئْنَاكُم بِٱلْحَقِّ﴾، أي: لقد جاءتكم الرسل من عند ربكم.
﴿وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ﴾، أي أكثرهم لا يقبل الحق فهذا الذي أنتم فيه جزاء فعلكم.
* *
ثم قال: ﴿أَمْ أَبْرَمُوۤاْ أَمْراً فَإِنَّا مُبْرِمُونَ﴾، (أي: أم أبرم) هؤلاء المشركون من قريش أمراً يكبدون به الحق فإنا مبرمون. أي: نخزيهم ونذلهم ونظفرك يا محمد بهم.
قال مجاهد: معناه إن كادوا بشرٍّ كدناهم مثله.
وقال قتادة: معناه: (أم أجمعوا) أمراً فإنا مجمعون".
وقال ابن زيد معناه: (أم أحكموا) أمرهم فإنا محكمون لأمرنا.
وقال الفراء معناه: أم أحكموا أمرا ينجيهم من عذابنا على قولهم فإنا نعذبهم.
يقال: أبرم الأمر إذا بالغ في إحكامه. وأبرم الفاتل إذا أدغم، وهو الفتل الثاني والأول يقال له سحيل كما قال زهير:
؎ ... مِنْ سَحِيلٍ وَمُبْرَمِ
ثم قال تعالى: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لاَ نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُم بَلَىٰ﴾، أي: نسمع ذلك ونعلم ما أخفوا وما أعلنوا.
* *
ثم قال: ﴿وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾، أي والحَفَظَةُ عندهم يكتبون ما نطقوا به.
ويروى "أن هذه الآية نزلت في ثلاثة نفر تدارءوا في سماع الله عز وجل كلام عبادة". قال محمد بن كعب القرظي: بينا ثلاثة نفر بين الكعبة وأستارها قرشيان وثقفي، أو ثقفيان، وقرشي، فقال واحد من الثلاثة: ترون أن الله يسمع كلامنا؟! فقال: إذا جهرتم سمع، وإذا أسررتم لم يسمع.
فقال الثاني: إن كان يسمع إذا أعلنتم فإنه يسمع إذا أسررتم قال: فنزلت: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لاَ نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُم﴾ الآية.
* *
ثم قال تعالى: ﴿قُلْ إِن كَانَ لِلرَّحْمَـٰنِ وَلَدٌ فَأَنَاْ أَوَّلُ ٱلْعَابِدِينَ﴾، أي: قل يا محمد إن كان للرحمن ولد على زعمكم فأنا أول المؤمنين بالله في تكذيبكم فقولوا ما شئتم، هذا معنى قول مجاهد.
وقال ابن عباس معناه: "لم يكن ولد فأنا أول الشاهدين" (فمعنى الكلام) على قول ابن عباس: ما كان ذلك ولا ينبغي أن يكون، وهو معنى قول قتادة وابن زيد، وهو قول زيد بن أسلم. فـ "إن" بمعنى: ("ما" التي للنفي).
وقيل معنى: ﴿فَأَنَاْ أَوَّلُ ٱلْعَابِدِينَ﴾، أي: أول من يعبد الله عز وجل بالإيمان والتصديق أنه ليس للرحمن ولد، أي: على (هذا عبد) الله سبحانه وقال السدي معناه: "لو كان له ولد كنت أول من عبده (بأن له ولداً) ولكن لا ولد له".
فجعل "إن" للشرط، وهو اختيار الطبري، لأنك إذا جعلت "إن" بمعنى "ما" أوهمت أنك إنما نفيت عن الله سبحانه الولد فيما مضى دون ما هو آت.
وإذا جعلت "إن" للشرط أخبرت أنه كان له ولد على قولكم فأنا أول من عبده على ذلك ولكن لا ولد، ولا ينبغي أن يكون، وهذا عنده (من الإلطاف) في الكلام، وحسن المخاطبة بمنزلة قوله: ﴿وَإِنَّآ أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَىٰ هُدًى أَوْ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ﴾ [سبأ: ٢٤]، وقد علم أن الحق معه وأن مخالفيه في الضلال. وقيل معنى "العابدين" الآنفين.
حكى: ما عبد فلان إن فعل كذا، أي: ما أنف.
وهذا قول مردود لأنه يلزم منه أن يقول العابدين. إنما يقال، فلان عبد من كذا، أي: آنف منه. ولا يقال عابد بمعنى: أنف.
وقال: أبو عبيدة مجازها: فأنا أول العابدين، أي: الجاحدين من عبد يعبد إذا حجد. وحكى: فلان عَبَدَني حَقّاً، أي: جحدني.
* *
ثم قال تعالى: ﴿سُبْحَانَ رَبِّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ﴾، أي: تبرئة له وتنزيهاً له من الولد وغير ذلك من الأشياء المذمومة.
* *
وقوله: ﴿رَبِّ ٱلْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾، أي يكذبون.
وحكى أبو حاتم أن قوماً يقفون ﴿قُلْ إِن كَانَ لِلرَّحْمَـٰنِ وَلَدٌ﴾، ثم يبتدؤون: ﴿فَأَنَاْ أَوَّلُ ٱلْعَابِدِينَ﴾ على معنى: قل يا محمد: ما كان للرحمن ولد: وهو قول يعقوب وغيره.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَذَرْهُمْ يَخُوضُواْ وَيَلْعَبُواْ حَتَّىٰ يُلَـٰقُواْ يَوْمَهُمُ ٱلَّذِي يُوعَدُونَ﴾.
هذا تهدد ووعيد من الله جل ذكره للمشركين، أي: سيعلمون يوم القيامة جزاء لعبهم وخوضهم في الباطل.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَهُوَ ٱلَّذِي فِي ٱلسَّمآءِ إِلَـٰهٌ وَفِي ٱلأَرْضِ إِلَـٰهٌ﴾، أي: هو المعبود في السماء وفي الأرض، فلا شيء تصلح له الألوهية إلا هو.
قال قتادة: معنى الآية: وهو الذي يعبد في السماء ويعبد في الأرض.
* *
ثم قال: ﴿وَهُوَ ٱلْحَكِيمُ ٱلْعَلِيمُ﴾، أي: وهو الحكيم في تدبيره خلقه، العليم بمصالحهم.
وفي حرف ابن مسعود: (وهو الذي في السماء الله وفي الأرض الله)، وهي مروية عن عمر وأُبي.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَتَبَارَكَ ٱلَّذِي لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾، أي: وتعالى الذي في ملكه ذلك كله وفي تدبيره وبيده.
* *
وقوله: ﴿وَعِندَهُ عِلْمُ ٱلسَّاعَةِ﴾، أي: وتفرد بعلم قيام الساعة، ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾، أي: تردون بعد مماتكم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَلاَ يَمْلِكُ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ ٱلشَّفَاعَةَ﴾، أي، ولا تملك الآلهة التي يعبدها هؤلاء المشركون من دون الله شفاعة لهم ولا لغيرهم.
وقيل المعنى: ولا يملك عزيرُ وعيسى والملائكة الذين عُبِدُوا من دون الله عز وجل شفاعة لمن عبدهم، قاله مجاهد. والقول الأول قاله قتادة.
﴿إِلاَّ مَن شَهِدَ بِٱلْحَقِّ﴾، أي: بالتوحيد لله والطاعة له.
﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾، أي: يعلمون (أن ما أقروا به حق).
وقيل معنى ﴿إِلاَّ مَن شَهِدَ بِٱلْحَقِّ﴾، يعني: عيسى وعزيرُ والملائكة فإنهم يشفعون لمن أراد الله عز وجل.
قال مجاهد، معناه: لا يشفع المسيح وعزير والملائكة إلا من شهد بالحق، أي: قال لا إله إلا الله. فهذا يدل على أنه استثناء ليس من الأول.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ﴾، أي ولئن سألت يا محمد هؤلاء المشركين بالله من قومك من خلقهم ليقولن خلقهم الله.
* *
ثم قال: ﴿فَأَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ﴾، أي: فمن أي وجه يصرفون عن عبادة الله الذي خلقهم، ويحرمون اتباع رضاه.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَقِيلِهِ يٰرَبِّ إِنَّ هَـٰؤُلاَءِ قَوْمٌ لاَّ يُؤْمِنُونَ﴾ من نصب "وقيله" عطفه، عند الأخفش على "سرهم ونجواهم" (أي: نسمع سرهم ونجواهم وقيله.
وقيل إنما) يجوز نصبه على المصدر.
وقال الزجاج: هو معطوف على موضع الساعة، (لأن معنى "وعنده علم الساعة") ويعلم وقت الساعة ويعلم قيله.
وقيل هو معطوف على مفعول "يعلمون" المحذوف، والتقدير: هم يعلمون الحق وقيله.
وقيل معطوف على مفعول "يكتبون" المحذوف، والتقدير: ورسلنا لديهم يكتبون ذلك وقيله.
ومن خفضه عطفه على لفظ "الساعة"، أي: وعنده علم الساعة وعلم قيله.
والرفع فيه جائز على الابتداء.
والمعنى: ونسمع شكوى محمد وقيله: يا رب، إن هؤلاء الذين أمرتني أن ندعوهم وننذرهم لا يؤمنون.
وهذا قول كان يقوله النبي ﷺ لما امتنعت عليه قريش من الإيمان فأنزله الله جل ذكره.
قال مجاهد وقتادة: هذا قول نبيكم ﷺ يشكو قومه إلى ربه، حكاه الله جل ذكره لنا في كتابه.
والهاء في "وقيله" عائد على النبي ﷺ وقيل: تعود على عيسى، فترجع على قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ٱبْنُ مَرْيَمَ مَثَلاً﴾ [الزخرف: ٥٧] - الآية.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَٱصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلاَمٌ﴾، أي: دعهم واغفر لهم قولهم وفعلهم، وقل: مسالمة ومتاركة مني إليكم، وتقديره: وقل أمري سلام.
وهذا كان قبل أن يؤمر بالقتال، ثم نسخ ذلك بالأمر بالقتال.
وقال الفراء: التقدير: وقل سلام عليكم، ثم حذف، وهو بعيد لم يؤمر النبي ﷺ بأن يجيبهم، إنما أمر (بأن يسالمهم) حتى يأتيه أمر الله عز وجل.
وقد نهي النبي ﷺ أن يبدأ النصارى واليهود بالسلام فكيف يأمره الله بذلك للمشركين وينهاه عنه.
قال ابن عباس: "فاصفح عنهم، أي: أعرض عنهم".
ثم قال: (فسوف تعلمون).
هذا تهدد ووعيد، أي: سوف تلقون ما يسوؤكم غداً إن تماديتم على كفركم.
الزخرف 43:78
قوله تعالى: ﴿إِنَّ ٱلْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ﴾، إلى آخر السورة، أي: إن الذين اكتسبوا الكفر في الدنيا يوم القيامة في عذاب جهنم ماكثون أبداً، لا يخفف عنهم العذاب.
وهم في العذاب مبلسون، قال قتادة: مستسلمون.
وقال السدي: "مُبلسون: متغير حالهم".
وقال الزجاج: "المبلس: الساكت، الممسك إمساك يائس من فرجٍ".
وقال الطبري: المبلس: اليأس من النجاة.
وقال النحاس: المبلس: المتحير الذي قد يئس من الخير.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَـٰكِن كَانُواْ هُمُ ٱلظَّالِمِينَ﴾، أي لم نظلمهم في عذابنا لهم (ولكن هم) ظلموا أنفسهم بكفرهم في الدنيا.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَنَادَوْاْ يٰمَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ أي: ونادى المجرمون بعد دخولهم جهنم مالك خازن جهنم فقالوا: يا مالك لِيُمِتْنَا رَبُّكَ فيفرغ من إماتتنا.
روي أن مالك لا يجيبهم في وقت دعائهم، ويدعهم ألف عام ثم يجيبهم فيقول: ﴿إِنَّكُمْ مَّاكِثُونَ﴾ قاله ابن عباس.
وقال ابن عمر: إن أهل جهنم يدعون مالكاً أربعين عاماً فلا يجيبهم ثم يقول: ﴿إِنَّكُمْ مَّاكِثُونَ﴾، ثم ينادون ربهم: ﴿رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٧] فيدعوهم مثل الدنيا ثم يرد عليهم ﴿ٱخْسَئُواْ فِيهَا وَلاَ تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: ١٠٨] فما نفس القوم بعد ذلك بكلمة، إن كان إلا الزفير والشهيق في نار جهنم.
وقال نوف البكالي يتركهم مالك مائة سنة مما تعدون (ثم يناديهم) فيستجيبون له، فيقول: ﴿إِنَّكُمْ مَّاكِثُونَ﴾.
وقال السدي: يمكثون ألف سنة مما تعدون، ثم يجيبهم بعد ألف عام، إنكم ماكثون.
قال ابن زيد وغيره: ليقض علينا ربك: ليمتنا. القضاء هنا الموت.
* *
ثم قال: ﴿لَقَدْ جِئْنَاكُم بِٱلْحَقِّ﴾، أي: لقد جاءتكم الرسل من عند ربكم.
﴿وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ﴾، أي أكثرهم لا يقبل الحق فهذا الذي أنتم فيه جزاء فعلكم.
* *
ثم قال: ﴿أَمْ أَبْرَمُوۤاْ أَمْراً فَإِنَّا مُبْرِمُونَ﴾، (أي: أم أبرم) هؤلاء المشركون من قريش أمراً يكبدون به الحق فإنا مبرمون. أي: نخزيهم ونذلهم ونظفرك يا محمد بهم.
قال مجاهد: معناه إن كادوا بشرٍّ كدناهم مثله.
وقال قتادة: معناه: (أم أجمعوا) أمراً فإنا مجمعون".
وقال ابن زيد معناه: (أم أحكموا) أمرهم فإنا محكمون لأمرنا.
وقال الفراء معناه: أم أحكموا أمرا ينجيهم من عذابنا على قولهم فإنا نعذبهم.
يقال: أبرم الأمر إذا بالغ في إحكامه. وأبرم الفاتل إذا أدغم، وهو الفتل الثاني والأول يقال له سحيل كما قال زهير:
؎ ... مِنْ سَحِيلٍ وَمُبْرَمِ
ثم قال تعالى: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لاَ نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُم بَلَىٰ﴾، أي: نسمع ذلك ونعلم ما أخفوا وما أعلنوا.
* *
ثم قال: ﴿وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾، أي والحَفَظَةُ عندهم يكتبون ما نطقوا به.
ويروى "أن هذه الآية نزلت في ثلاثة نفر تدارءوا في سماع الله عز وجل كلام عبادة". قال محمد بن كعب القرظي: بينا ثلاثة نفر بين الكعبة وأستارها قرشيان وثقفي، أو ثقفيان، وقرشي، فقال واحد من الثلاثة: ترون أن الله يسمع كلامنا؟! فقال: إذا جهرتم سمع، وإذا أسررتم لم يسمع.
فقال الثاني: إن كان يسمع إذا أعلنتم فإنه يسمع إذا أسررتم قال: فنزلت: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لاَ نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُم﴾ الآية.
* *
ثم قال تعالى: ﴿قُلْ إِن كَانَ لِلرَّحْمَـٰنِ وَلَدٌ فَأَنَاْ أَوَّلُ ٱلْعَابِدِينَ﴾، أي: قل يا محمد إن كان للرحمن ولد على زعمكم فأنا أول المؤمنين بالله في تكذيبكم فقولوا ما شئتم، هذا معنى قول مجاهد.
وقال ابن عباس معناه: "لم يكن ولد فأنا أول الشاهدين" (فمعنى الكلام) على قول ابن عباس: ما كان ذلك ولا ينبغي أن يكون، وهو معنى قول قتادة وابن زيد، وهو قول زيد بن أسلم. فـ "إن" بمعنى: ("ما" التي للنفي).
وقيل معنى: ﴿فَأَنَاْ أَوَّلُ ٱلْعَابِدِينَ﴾، أي: أول من يعبد الله عز وجل بالإيمان والتصديق أنه ليس للرحمن ولد، أي: على (هذا عبد) الله سبحانه وقال السدي معناه: "لو كان له ولد كنت أول من عبده (بأن له ولداً) ولكن لا ولد له".
فجعل "إن" للشرط، وهو اختيار الطبري، لأنك إذا جعلت "إن" بمعنى "ما" أوهمت أنك إنما نفيت عن الله سبحانه الولد فيما مضى دون ما هو آت.
وإذا جعلت "إن" للشرط أخبرت أنه كان له ولد على قولكم فأنا أول من عبده على ذلك ولكن لا ولد، ولا ينبغي أن يكون، وهذا عنده (من الإلطاف) في الكلام، وحسن المخاطبة بمنزلة قوله: ﴿وَإِنَّآ أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَىٰ هُدًى أَوْ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ﴾ [سبأ: ٢٤]، وقد علم أن الحق معه وأن مخالفيه في الضلال. وقيل معنى "العابدين" الآنفين.
حكى: ما عبد فلان إن فعل كذا، أي: ما أنف.
وهذا قول مردود لأنه يلزم منه أن يقول العابدين. إنما يقال، فلان عبد من كذا، أي: آنف منه. ولا يقال عابد بمعنى: أنف.
وقال: أبو عبيدة مجازها: فأنا أول العابدين، أي: الجاحدين من عبد يعبد إذا حجد. وحكى: فلان عَبَدَني حَقّاً، أي: جحدني.
* *
ثم قال تعالى: ﴿سُبْحَانَ رَبِّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ﴾، أي: تبرئة له وتنزيهاً له من الولد وغير ذلك من الأشياء المذمومة.
* *
وقوله: ﴿رَبِّ ٱلْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾، أي يكذبون.
وحكى أبو حاتم أن قوماً يقفون ﴿قُلْ إِن كَانَ لِلرَّحْمَـٰنِ وَلَدٌ﴾، ثم يبتدؤون: ﴿فَأَنَاْ أَوَّلُ ٱلْعَابِدِينَ﴾ على معنى: قل يا محمد: ما كان للرحمن ولد: وهو قول يعقوب وغيره.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَذَرْهُمْ يَخُوضُواْ وَيَلْعَبُواْ حَتَّىٰ يُلَـٰقُواْ يَوْمَهُمُ ٱلَّذِي يُوعَدُونَ﴾.
هذا تهدد ووعيد من الله جل ذكره للمشركين، أي: سيعلمون يوم القيامة جزاء لعبهم وخوضهم في الباطل.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَهُوَ ٱلَّذِي فِي ٱلسَّمآءِ إِلَـٰهٌ وَفِي ٱلأَرْضِ إِلَـٰهٌ﴾، أي: هو المعبود في السماء وفي الأرض، فلا شيء تصلح له الألوهية إلا هو.
قال قتادة: معنى الآية: وهو الذي يعبد في السماء ويعبد في الأرض.
* *
ثم قال: ﴿وَهُوَ ٱلْحَكِيمُ ٱلْعَلِيمُ﴾، أي: وهو الحكيم في تدبيره خلقه، العليم بمصالحهم.
وفي حرف ابن مسعود: (وهو الذي في السماء الله وفي الأرض الله)، وهي مروية عن عمر وأُبي.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَتَبَارَكَ ٱلَّذِي لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾، أي: وتعالى الذي في ملكه ذلك كله وفي تدبيره وبيده.
* *
وقوله: ﴿وَعِندَهُ عِلْمُ ٱلسَّاعَةِ﴾، أي: وتفرد بعلم قيام الساعة، ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾، أي: تردون بعد مماتكم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَلاَ يَمْلِكُ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ ٱلشَّفَاعَةَ﴾، أي، ولا تملك الآلهة التي يعبدها هؤلاء المشركون من دون الله شفاعة لهم ولا لغيرهم.
وقيل المعنى: ولا يملك عزيرُ وعيسى والملائكة الذين عُبِدُوا من دون الله عز وجل شفاعة لمن عبدهم، قاله مجاهد. والقول الأول قاله قتادة.
﴿إِلاَّ مَن شَهِدَ بِٱلْحَقِّ﴾، أي: بالتوحيد لله والطاعة له.
﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾، أي: يعلمون (أن ما أقروا به حق).
وقيل معنى ﴿إِلاَّ مَن شَهِدَ بِٱلْحَقِّ﴾، يعني: عيسى وعزيرُ والملائكة فإنهم يشفعون لمن أراد الله عز وجل.
قال مجاهد، معناه: لا يشفع المسيح وعزير والملائكة إلا من شهد بالحق، أي: قال لا إله إلا الله. فهذا يدل على أنه استثناء ليس من الأول.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ﴾، أي ولئن سألت يا محمد هؤلاء المشركين بالله من قومك من خلقهم ليقولن خلقهم الله.
* *
ثم قال: ﴿فَأَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ﴾، أي: فمن أي وجه يصرفون عن عبادة الله الذي خلقهم، ويحرمون اتباع رضاه.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَقِيلِهِ يٰرَبِّ إِنَّ هَـٰؤُلاَءِ قَوْمٌ لاَّ يُؤْمِنُونَ﴾ من نصب "وقيله" عطفه، عند الأخفش على "سرهم ونجواهم" (أي: نسمع سرهم ونجواهم وقيله.
وقيل إنما) يجوز نصبه على المصدر.
وقال الزجاج: هو معطوف على موضع الساعة، (لأن معنى "وعنده علم الساعة") ويعلم وقت الساعة ويعلم قيله.
وقيل هو معطوف على مفعول "يعلمون" المحذوف، والتقدير: هم يعلمون الحق وقيله.
وقيل معطوف على مفعول "يكتبون" المحذوف، والتقدير: ورسلنا لديهم يكتبون ذلك وقيله.
ومن خفضه عطفه على لفظ "الساعة"، أي: وعنده علم الساعة وعلم قيله.
والرفع فيه جائز على الابتداء.
والمعنى: ونسمع شكوى محمد وقيله: يا رب، إن هؤلاء الذين أمرتني أن ندعوهم وننذرهم لا يؤمنون.
وهذا قول كان يقوله النبي ﷺ لما امتنعت عليه قريش من الإيمان فأنزله الله جل ذكره.
قال مجاهد وقتادة: هذا قول نبيكم ﷺ يشكو قومه إلى ربه، حكاه الله جل ذكره لنا في كتابه.
والهاء في "وقيله" عائد على النبي ﷺ وقيل: تعود على عيسى، فترجع على قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ٱبْنُ مَرْيَمَ مَثَلاً﴾ [الزخرف: ٥٧] - الآية.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَٱصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلاَمٌ﴾، أي: دعهم واغفر لهم قولهم وفعلهم، وقل: مسالمة ومتاركة مني إليكم، وتقديره: وقل أمري سلام.
وهذا كان قبل أن يؤمر بالقتال، ثم نسخ ذلك بالأمر بالقتال.
وقال الفراء: التقدير: وقل سلام عليكم، ثم حذف، وهو بعيد لم يؤمر النبي ﷺ بأن يجيبهم، إنما أمر (بأن يسالمهم) حتى يأتيه أمر الله عز وجل.
وقد نهي النبي ﷺ أن يبدأ النصارى واليهود بالسلام فكيف يأمره الله بذلك للمشركين وينهاه عنه.
قال ابن عباس: "فاصفح عنهم، أي: أعرض عنهم".
ثم قال: (فسوف تعلمون).
هذا تهدد ووعيد، أي: سوف تلقون ما يسوؤكم غداً إن تماديتم على كفركم.
الزخرف 43:79
قوله تعالى: ﴿إِنَّ ٱلْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ﴾، إلى آخر السورة، أي: إن الذين اكتسبوا الكفر في الدنيا يوم القيامة في عذاب جهنم ماكثون أبداً، لا يخفف عنهم العذاب.
وهم في العذاب مبلسون، قال قتادة: مستسلمون.
وقال السدي: "مُبلسون: متغير حالهم".
وقال الزجاج: "المبلس: الساكت، الممسك إمساك يائس من فرجٍ".
وقال الطبري: المبلس: اليأس من النجاة.
وقال النحاس: المبلس: المتحير الذي قد يئس من الخير.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَـٰكِن كَانُواْ هُمُ ٱلظَّالِمِينَ﴾، أي لم نظلمهم في عذابنا لهم (ولكن هم) ظلموا أنفسهم بكفرهم في الدنيا.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَنَادَوْاْ يٰمَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ أي: ونادى المجرمون بعد دخولهم جهنم مالك خازن جهنم فقالوا: يا مالك لِيُمِتْنَا رَبُّكَ فيفرغ من إماتتنا.
روي أن مالك لا يجيبهم في وقت دعائهم، ويدعهم ألف عام ثم يجيبهم فيقول: ﴿إِنَّكُمْ مَّاكِثُونَ﴾ قاله ابن عباس.
وقال ابن عمر: إن أهل جهنم يدعون مالكاً أربعين عاماً فلا يجيبهم ثم يقول: ﴿إِنَّكُمْ مَّاكِثُونَ﴾، ثم ينادون ربهم: ﴿رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٧] فيدعوهم مثل الدنيا ثم يرد عليهم ﴿ٱخْسَئُواْ فِيهَا وَلاَ تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: ١٠٨] فما نفس القوم بعد ذلك بكلمة، إن كان إلا الزفير والشهيق في نار جهنم.
وقال نوف البكالي يتركهم مالك مائة سنة مما تعدون (ثم يناديهم) فيستجيبون له، فيقول: ﴿إِنَّكُمْ مَّاكِثُونَ﴾.
وقال السدي: يمكثون ألف سنة مما تعدون، ثم يجيبهم بعد ألف عام، إنكم ماكثون.
قال ابن زيد وغيره: ليقض علينا ربك: ليمتنا. القضاء هنا الموت.
* *
ثم قال: ﴿لَقَدْ جِئْنَاكُم بِٱلْحَقِّ﴾، أي: لقد جاءتكم الرسل من عند ربكم.
﴿وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ﴾، أي أكثرهم لا يقبل الحق فهذا الذي أنتم فيه جزاء فعلكم.
* *
ثم قال: ﴿أَمْ أَبْرَمُوۤاْ أَمْراً فَإِنَّا مُبْرِمُونَ﴾، (أي: أم أبرم) هؤلاء المشركون من قريش أمراً يكبدون به الحق فإنا مبرمون. أي: نخزيهم ونذلهم ونظفرك يا محمد بهم.
قال مجاهد: معناه إن كادوا بشرٍّ كدناهم مثله.
وقال قتادة: معناه: (أم أجمعوا) أمراً فإنا مجمعون".
وقال ابن زيد معناه: (أم أحكموا) أمرهم فإنا محكمون لأمرنا.
وقال الفراء معناه: أم أحكموا أمرا ينجيهم من عذابنا على قولهم فإنا نعذبهم.
يقال: أبرم الأمر إذا بالغ في إحكامه. وأبرم الفاتل إذا أدغم، وهو الفتل الثاني والأول يقال له سحيل كما قال زهير:
؎ ... مِنْ سَحِيلٍ وَمُبْرَمِ
ثم قال تعالى: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لاَ نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُم بَلَىٰ﴾، أي: نسمع ذلك ونعلم ما أخفوا وما أعلنوا.
* *
ثم قال: ﴿وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾، أي والحَفَظَةُ عندهم يكتبون ما نطقوا به.
ويروى "أن هذه الآية نزلت في ثلاثة نفر تدارءوا في سماع الله عز وجل كلام عبادة". قال محمد بن كعب القرظي: بينا ثلاثة نفر بين الكعبة وأستارها قرشيان وثقفي، أو ثقفيان، وقرشي، فقال واحد من الثلاثة: ترون أن الله يسمع كلامنا؟! فقال: إذا جهرتم سمع، وإذا أسررتم لم يسمع.
فقال الثاني: إن كان يسمع إذا أعلنتم فإنه يسمع إذا أسررتم قال: فنزلت: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لاَ نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُم﴾ الآية.
* *
ثم قال تعالى: ﴿قُلْ إِن كَانَ لِلرَّحْمَـٰنِ وَلَدٌ فَأَنَاْ أَوَّلُ ٱلْعَابِدِينَ﴾، أي: قل يا محمد إن كان للرحمن ولد على زعمكم فأنا أول المؤمنين بالله في تكذيبكم فقولوا ما شئتم، هذا معنى قول مجاهد.
وقال ابن عباس معناه: "لم يكن ولد فأنا أول الشاهدين" (فمعنى الكلام) على قول ابن عباس: ما كان ذلك ولا ينبغي أن يكون، وهو معنى قول قتادة وابن زيد، وهو قول زيد بن أسلم. فـ "إن" بمعنى: ("ما" التي للنفي).
وقيل معنى: ﴿فَأَنَاْ أَوَّلُ ٱلْعَابِدِينَ﴾، أي: أول من يعبد الله عز وجل بالإيمان والتصديق أنه ليس للرحمن ولد، أي: على (هذا عبد) الله سبحانه وقال السدي معناه: "لو كان له ولد كنت أول من عبده (بأن له ولداً) ولكن لا ولد له".
فجعل "إن" للشرط، وهو اختيار الطبري، لأنك إذا جعلت "إن" بمعنى "ما" أوهمت أنك إنما نفيت عن الله سبحانه الولد فيما مضى دون ما هو آت.
وإذا جعلت "إن" للشرط أخبرت أنه كان له ولد على قولكم فأنا أول من عبده على ذلك ولكن لا ولد، ولا ينبغي أن يكون، وهذا عنده (من الإلطاف) في الكلام، وحسن المخاطبة بمنزلة قوله: ﴿وَإِنَّآ أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَىٰ هُدًى أَوْ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ﴾ [سبأ: ٢٤]، وقد علم أن الحق معه وأن مخالفيه في الضلال. وقيل معنى "العابدين" الآنفين.
حكى: ما عبد فلان إن فعل كذا، أي: ما أنف.
وهذا قول مردود لأنه يلزم منه أن يقول العابدين. إنما يقال، فلان عبد من كذا، أي: آنف منه. ولا يقال عابد بمعنى: أنف.
وقال: أبو عبيدة مجازها: فأنا أول العابدين، أي: الجاحدين من عبد يعبد إذا حجد. وحكى: فلان عَبَدَني حَقّاً، أي: جحدني.
* *
ثم قال تعالى: ﴿سُبْحَانَ رَبِّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ﴾، أي: تبرئة له وتنزيهاً له من الولد وغير ذلك من الأشياء المذمومة.
* *
وقوله: ﴿رَبِّ ٱلْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾، أي يكذبون.
وحكى أبو حاتم أن قوماً يقفون ﴿قُلْ إِن كَانَ لِلرَّحْمَـٰنِ وَلَدٌ﴾، ثم يبتدؤون: ﴿فَأَنَاْ أَوَّلُ ٱلْعَابِدِينَ﴾ على معنى: قل يا محمد: ما كان للرحمن ولد: وهو قول يعقوب وغيره.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَذَرْهُمْ يَخُوضُواْ وَيَلْعَبُواْ حَتَّىٰ يُلَـٰقُواْ يَوْمَهُمُ ٱلَّذِي يُوعَدُونَ﴾.
هذا تهدد ووعيد من الله جل ذكره للمشركين، أي: سيعلمون يوم القيامة جزاء لعبهم وخوضهم في الباطل.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَهُوَ ٱلَّذِي فِي ٱلسَّمآءِ إِلَـٰهٌ وَفِي ٱلأَرْضِ إِلَـٰهٌ﴾، أي: هو المعبود في السماء وفي الأرض، فلا شيء تصلح له الألوهية إلا هو.
قال قتادة: معنى الآية: وهو الذي يعبد في السماء ويعبد في الأرض.
* *
ثم قال: ﴿وَهُوَ ٱلْحَكِيمُ ٱلْعَلِيمُ﴾، أي: وهو الحكيم في تدبيره خلقه، العليم بمصالحهم.
وفي حرف ابن مسعود: (وهو الذي في السماء الله وفي الأرض الله)، وهي مروية عن عمر وأُبي.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَتَبَارَكَ ٱلَّذِي لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾، أي: وتعالى الذي في ملكه ذلك كله وفي تدبيره وبيده.
* *
وقوله: ﴿وَعِندَهُ عِلْمُ ٱلسَّاعَةِ﴾، أي: وتفرد بعلم قيام الساعة، ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾، أي: تردون بعد مماتكم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَلاَ يَمْلِكُ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ ٱلشَّفَاعَةَ﴾، أي، ولا تملك الآلهة التي يعبدها هؤلاء المشركون من دون الله شفاعة لهم ولا لغيرهم.
وقيل المعنى: ولا يملك عزيرُ وعيسى والملائكة الذين عُبِدُوا من دون الله عز وجل شفاعة لمن عبدهم، قاله مجاهد. والقول الأول قاله قتادة.
﴿إِلاَّ مَن شَهِدَ بِٱلْحَقِّ﴾، أي: بالتوحيد لله والطاعة له.
﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾، أي: يعلمون (أن ما أقروا به حق).
وقيل معنى ﴿إِلاَّ مَن شَهِدَ بِٱلْحَقِّ﴾، يعني: عيسى وعزيرُ والملائكة فإنهم يشفعون لمن أراد الله عز وجل.
قال مجاهد، معناه: لا يشفع المسيح وعزير والملائكة إلا من شهد بالحق، أي: قال لا إله إلا الله. فهذا يدل على أنه استثناء ليس من الأول.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ﴾، أي ولئن سألت يا محمد هؤلاء المشركين بالله من قومك من خلقهم ليقولن خلقهم الله.
* *
ثم قال: ﴿فَأَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ﴾، أي: فمن أي وجه يصرفون عن عبادة الله الذي خلقهم، ويحرمون اتباع رضاه.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَقِيلِهِ يٰرَبِّ إِنَّ هَـٰؤُلاَءِ قَوْمٌ لاَّ يُؤْمِنُونَ﴾ من نصب "وقيله" عطفه، عند الأخفش على "سرهم ونجواهم" (أي: نسمع سرهم ونجواهم وقيله.
وقيل إنما) يجوز نصبه على المصدر.
وقال الزجاج: هو معطوف على موضع الساعة، (لأن معنى "وعنده علم الساعة") ويعلم وقت الساعة ويعلم قيله.
وقيل هو معطوف على مفعول "يعلمون" المحذوف، والتقدير: هم يعلمون الحق وقيله.
وقيل معطوف على مفعول "يكتبون" المحذوف، والتقدير: ورسلنا لديهم يكتبون ذلك وقيله.
ومن خفضه عطفه على لفظ "الساعة"، أي: وعنده علم الساعة وعلم قيله.
والرفع فيه جائز على الابتداء.
والمعنى: ونسمع شكوى محمد وقيله: يا رب، إن هؤلاء الذين أمرتني أن ندعوهم وننذرهم لا يؤمنون.
وهذا قول كان يقوله النبي ﷺ لما امتنعت عليه قريش من الإيمان فأنزله الله جل ذكره.
قال مجاهد وقتادة: هذا قول نبيكم ﷺ يشكو قومه إلى ربه، حكاه الله جل ذكره لنا في كتابه.
والهاء في "وقيله" عائد على النبي ﷺ وقيل: تعود على عيسى، فترجع على قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ٱبْنُ مَرْيَمَ مَثَلاً﴾ [الزخرف: ٥٧] - الآية.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَٱصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلاَمٌ﴾، أي: دعهم واغفر لهم قولهم وفعلهم، وقل: مسالمة ومتاركة مني إليكم، وتقديره: وقل أمري سلام.
وهذا كان قبل أن يؤمر بالقتال، ثم نسخ ذلك بالأمر بالقتال.
وقال الفراء: التقدير: وقل سلام عليكم، ثم حذف، وهو بعيد لم يؤمر النبي ﷺ بأن يجيبهم، إنما أمر (بأن يسالمهم) حتى يأتيه أمر الله عز وجل.
وقد نهي النبي ﷺ أن يبدأ النصارى واليهود بالسلام فكيف يأمره الله بذلك للمشركين وينهاه عنه.
قال ابن عباس: "فاصفح عنهم، أي: أعرض عنهم".
ثم قال: (فسوف تعلمون).
هذا تهدد ووعيد، أي: سوف تلقون ما يسوؤكم غداً إن تماديتم على كفركم.
الزخرف 43:80
قوله تعالى: ﴿إِنَّ ٱلْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ﴾، إلى آخر السورة، أي: إن الذين اكتسبوا الكفر في الدنيا يوم القيامة في عذاب جهنم ماكثون أبداً، لا يخفف عنهم العذاب.
وهم في العذاب مبلسون، قال قتادة: مستسلمون.
وقال السدي: "مُبلسون: متغير حالهم".
وقال الزجاج: "المبلس: الساكت، الممسك إمساك يائس من فرجٍ".
وقال الطبري: المبلس: اليأس من النجاة.
وقال النحاس: المبلس: المتحير الذي قد يئس من الخير.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَـٰكِن كَانُواْ هُمُ ٱلظَّالِمِينَ﴾، أي لم نظلمهم في عذابنا لهم (ولكن هم) ظلموا أنفسهم بكفرهم في الدنيا.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَنَادَوْاْ يٰمَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ أي: ونادى المجرمون بعد دخولهم جهنم مالك خازن جهنم فقالوا: يا مالك لِيُمِتْنَا رَبُّكَ فيفرغ من إماتتنا.
روي أن مالك لا يجيبهم في وقت دعائهم، ويدعهم ألف عام ثم يجيبهم فيقول: ﴿إِنَّكُمْ مَّاكِثُونَ﴾ قاله ابن عباس.
وقال ابن عمر: إن أهل جهنم يدعون مالكاً أربعين عاماً فلا يجيبهم ثم يقول: ﴿إِنَّكُمْ مَّاكِثُونَ﴾، ثم ينادون ربهم: ﴿رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٧] فيدعوهم مثل الدنيا ثم يرد عليهم ﴿ٱخْسَئُواْ فِيهَا وَلاَ تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: ١٠٨] فما نفس القوم بعد ذلك بكلمة، إن كان إلا الزفير والشهيق في نار جهنم.
وقال نوف البكالي يتركهم مالك مائة سنة مما تعدون (ثم يناديهم) فيستجيبون له، فيقول: ﴿إِنَّكُمْ مَّاكِثُونَ﴾.
وقال السدي: يمكثون ألف سنة مما تعدون، ثم يجيبهم بعد ألف عام، إنكم ماكثون.
قال ابن زيد وغيره: ليقض علينا ربك: ليمتنا. القضاء هنا الموت.
* *
ثم قال: ﴿لَقَدْ جِئْنَاكُم بِٱلْحَقِّ﴾، أي: لقد جاءتكم الرسل من عند ربكم.
﴿وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ﴾، أي أكثرهم لا يقبل الحق فهذا الذي أنتم فيه جزاء فعلكم.
* *
ثم قال: ﴿أَمْ أَبْرَمُوۤاْ أَمْراً فَإِنَّا مُبْرِمُونَ﴾، (أي: أم أبرم) هؤلاء المشركون من قريش أمراً يكبدون به الحق فإنا مبرمون. أي: نخزيهم ونذلهم ونظفرك يا محمد بهم.
قال مجاهد: معناه إن كادوا بشرٍّ كدناهم مثله.
وقال قتادة: معناه: (أم أجمعوا) أمراً فإنا مجمعون".
وقال ابن زيد معناه: (أم أحكموا) أمرهم فإنا محكمون لأمرنا.
وقال الفراء معناه: أم أحكموا أمرا ينجيهم من عذابنا على قولهم فإنا نعذبهم.
يقال: أبرم الأمر إذا بالغ في إحكامه. وأبرم الفاتل إذا أدغم، وهو الفتل الثاني والأول يقال له سحيل كما قال زهير:
؎ ... مِنْ سَحِيلٍ وَمُبْرَمِ
ثم قال تعالى: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لاَ نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُم بَلَىٰ﴾، أي: نسمع ذلك ونعلم ما أخفوا وما أعلنوا.
* *
ثم قال: ﴿وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾، أي والحَفَظَةُ عندهم يكتبون ما نطقوا به.
ويروى "أن هذه الآية نزلت في ثلاثة نفر تدارءوا في سماع الله عز وجل كلام عبادة". قال محمد بن كعب القرظي: بينا ثلاثة نفر بين الكعبة وأستارها قرشيان وثقفي، أو ثقفيان، وقرشي، فقال واحد من الثلاثة: ترون أن الله يسمع كلامنا؟! فقال: إذا جهرتم سمع، وإذا أسررتم لم يسمع.
فقال الثاني: إن كان يسمع إذا أعلنتم فإنه يسمع إذا أسررتم قال: فنزلت: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لاَ نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُم﴾ الآية.
* *
ثم قال تعالى: ﴿قُلْ إِن كَانَ لِلرَّحْمَـٰنِ وَلَدٌ فَأَنَاْ أَوَّلُ ٱلْعَابِدِينَ﴾، أي: قل يا محمد إن كان للرحمن ولد على زعمكم فأنا أول المؤمنين بالله في تكذيبكم فقولوا ما شئتم، هذا معنى قول مجاهد.
وقال ابن عباس معناه: "لم يكن ولد فأنا أول الشاهدين" (فمعنى الكلام) على قول ابن عباس: ما كان ذلك ولا ينبغي أن يكون، وهو معنى قول قتادة وابن زيد، وهو قول زيد بن أسلم. فـ "إن" بمعنى: ("ما" التي للنفي).
وقيل معنى: ﴿فَأَنَاْ أَوَّلُ ٱلْعَابِدِينَ﴾، أي: أول من يعبد الله عز وجل بالإيمان والتصديق أنه ليس للرحمن ولد، أي: على (هذا عبد) الله سبحانه وقال السدي معناه: "لو كان له ولد كنت أول من عبده (بأن له ولداً) ولكن لا ولد له".
فجعل "إن" للشرط، وهو اختيار الطبري، لأنك إذا جعلت "إن" بمعنى "ما" أوهمت أنك إنما نفيت عن الله سبحانه الولد فيما مضى دون ما هو آت.
وإذا جعلت "إن" للشرط أخبرت أنه كان له ولد على قولكم فأنا أول من عبده على ذلك ولكن لا ولد، ولا ينبغي أن يكون، وهذا عنده (من الإلطاف) في الكلام، وحسن المخاطبة بمنزلة قوله: ﴿وَإِنَّآ أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَىٰ هُدًى أَوْ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ﴾ [سبأ: ٢٤]، وقد علم أن الحق معه وأن مخالفيه في الضلال. وقيل معنى "العابدين" الآنفين.
حكى: ما عبد فلان إن فعل كذا، أي: ما أنف.
وهذا قول مردود لأنه يلزم منه أن يقول العابدين. إنما يقال، فلان عبد من كذا، أي: آنف منه. ولا يقال عابد بمعنى: أنف.
وقال: أبو عبيدة مجازها: فأنا أول العابدين، أي: الجاحدين من عبد يعبد إذا حجد. وحكى: فلان عَبَدَني حَقّاً، أي: جحدني.
* *
ثم قال تعالى: ﴿سُبْحَانَ رَبِّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ﴾، أي: تبرئة له وتنزيهاً له من الولد وغير ذلك من الأشياء المذمومة.
* *
وقوله: ﴿رَبِّ ٱلْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾، أي يكذبون.
وحكى أبو حاتم أن قوماً يقفون ﴿قُلْ إِن كَانَ لِلرَّحْمَـٰنِ وَلَدٌ﴾، ثم يبتدؤون: ﴿فَأَنَاْ أَوَّلُ ٱلْعَابِدِينَ﴾ على معنى: قل يا محمد: ما كان للرحمن ولد: وهو قول يعقوب وغيره.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَذَرْهُمْ يَخُوضُواْ وَيَلْعَبُواْ حَتَّىٰ يُلَـٰقُواْ يَوْمَهُمُ ٱلَّذِي يُوعَدُونَ﴾.
هذا تهدد ووعيد من الله جل ذكره للمشركين، أي: سيعلمون يوم القيامة جزاء لعبهم وخوضهم في الباطل.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَهُوَ ٱلَّذِي فِي ٱلسَّمآءِ إِلَـٰهٌ وَفِي ٱلأَرْضِ إِلَـٰهٌ﴾، أي: هو المعبود في السماء وفي الأرض، فلا شيء تصلح له الألوهية إلا هو.
قال قتادة: معنى الآية: وهو الذي يعبد في السماء ويعبد في الأرض.
* *
ثم قال: ﴿وَهُوَ ٱلْحَكِيمُ ٱلْعَلِيمُ﴾، أي: وهو الحكيم في تدبيره خلقه، العليم بمصالحهم.
وفي حرف ابن مسعود: (وهو الذي في السماء الله وفي الأرض الله)، وهي مروية عن عمر وأُبي.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَتَبَارَكَ ٱلَّذِي لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾، أي: وتعالى الذي في ملكه ذلك كله وفي تدبيره وبيده.
* *
وقوله: ﴿وَعِندَهُ عِلْمُ ٱلسَّاعَةِ﴾، أي: وتفرد بعلم قيام الساعة، ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾، أي: تردون بعد مماتكم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَلاَ يَمْلِكُ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ ٱلشَّفَاعَةَ﴾، أي، ولا تملك الآلهة التي يعبدها هؤلاء المشركون من دون الله شفاعة لهم ولا لغيرهم.
وقيل المعنى: ولا يملك عزيرُ وعيسى والملائكة الذين عُبِدُوا من دون الله عز وجل شفاعة لمن عبدهم، قاله مجاهد. والقول الأول قاله قتادة.
﴿إِلاَّ مَن شَهِدَ بِٱلْحَقِّ﴾، أي: بالتوحيد لله والطاعة له.
﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾، أي: يعلمون (أن ما أقروا به حق).
وقيل معنى ﴿إِلاَّ مَن شَهِدَ بِٱلْحَقِّ﴾، يعني: عيسى وعزيرُ والملائكة فإنهم يشفعون لمن أراد الله عز وجل.
قال مجاهد، معناه: لا يشفع المسيح وعزير والملائكة إلا من شهد بالحق، أي: قال لا إله إلا الله. فهذا يدل على أنه استثناء ليس من الأول.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ﴾، أي ولئن سألت يا محمد هؤلاء المشركين بالله من قومك من خلقهم ليقولن خلقهم الله.
* *
ثم قال: ﴿فَأَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ﴾، أي: فمن أي وجه يصرفون عن عبادة الله الذي خلقهم، ويحرمون اتباع رضاه.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَقِيلِهِ يٰرَبِّ إِنَّ هَـٰؤُلاَءِ قَوْمٌ لاَّ يُؤْمِنُونَ﴾ من نصب "وقيله" عطفه، عند الأخفش على "سرهم ونجواهم" (أي: نسمع سرهم ونجواهم وقيله.
وقيل إنما) يجوز نصبه على المصدر.
وقال الزجاج: هو معطوف على موضع الساعة، (لأن معنى "وعنده علم الساعة") ويعلم وقت الساعة ويعلم قيله.
وقيل هو معطوف على مفعول "يعلمون" المحذوف، والتقدير: هم يعلمون الحق وقيله.
وقيل معطوف على مفعول "يكتبون" المحذوف، والتقدير: ورسلنا لديهم يكتبون ذلك وقيله.
ومن خفضه عطفه على لفظ "الساعة"، أي: وعنده علم الساعة وعلم قيله.
والرفع فيه جائز على الابتداء.
والمعنى: ونسمع شكوى محمد وقيله: يا رب، إن هؤلاء الذين أمرتني أن ندعوهم وننذرهم لا يؤمنون.
وهذا قول كان يقوله النبي ﷺ لما امتنعت عليه قريش من الإيمان فأنزله الله جل ذكره.
قال مجاهد وقتادة: هذا قول نبيكم ﷺ يشكو قومه إلى ربه، حكاه الله جل ذكره لنا في كتابه.
والهاء في "وقيله" عائد على النبي ﷺ وقيل: تعود على عيسى، فترجع على قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ٱبْنُ مَرْيَمَ مَثَلاً﴾ [الزخرف: ٥٧] - الآية.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَٱصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلاَمٌ﴾، أي: دعهم واغفر لهم قولهم وفعلهم، وقل: مسالمة ومتاركة مني إليكم، وتقديره: وقل أمري سلام.
وهذا كان قبل أن يؤمر بالقتال، ثم نسخ ذلك بالأمر بالقتال.
وقال الفراء: التقدير: وقل سلام عليكم، ثم حذف، وهو بعيد لم يؤمر النبي ﷺ بأن يجيبهم، إنما أمر (بأن يسالمهم) حتى يأتيه أمر الله عز وجل.
وقد نهي النبي ﷺ أن يبدأ النصارى واليهود بالسلام فكيف يأمره الله بذلك للمشركين وينهاه عنه.
قال ابن عباس: "فاصفح عنهم، أي: أعرض عنهم".
ثم قال: (فسوف تعلمون).
هذا تهدد ووعيد، أي: سوف تلقون ما يسوؤكم غداً إن تماديتم على كفركم.
الزخرف 43:81
قوله تعالى: ﴿إِنَّ ٱلْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ﴾، إلى آخر السورة، أي: إن الذين اكتسبوا الكفر في الدنيا يوم القيامة في عذاب جهنم ماكثون أبداً، لا يخفف عنهم العذاب.
وهم في العذاب مبلسون، قال قتادة: مستسلمون.
وقال السدي: "مُبلسون: متغير حالهم".
وقال الزجاج: "المبلس: الساكت، الممسك إمساك يائس من فرجٍ".
وقال الطبري: المبلس: اليأس من النجاة.
وقال النحاس: المبلس: المتحير الذي قد يئس من الخير.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَـٰكِن كَانُواْ هُمُ ٱلظَّالِمِينَ﴾، أي لم نظلمهم في عذابنا لهم (ولكن هم) ظلموا أنفسهم بكفرهم في الدنيا.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَنَادَوْاْ يٰمَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ أي: ونادى المجرمون بعد دخولهم جهنم مالك خازن جهنم فقالوا: يا مالك لِيُمِتْنَا رَبُّكَ فيفرغ من إماتتنا.
روي أن مالك لا يجيبهم في وقت دعائهم، ويدعهم ألف عام ثم يجيبهم فيقول: ﴿إِنَّكُمْ مَّاكِثُونَ﴾ قاله ابن عباس.
وقال ابن عمر: إن أهل جهنم يدعون مالكاً أربعين عاماً فلا يجيبهم ثم يقول: ﴿إِنَّكُمْ مَّاكِثُونَ﴾، ثم ينادون ربهم: ﴿رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٧] فيدعوهم مثل الدنيا ثم يرد عليهم ﴿ٱخْسَئُواْ فِيهَا وَلاَ تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: ١٠٨] فما نفس القوم بعد ذلك بكلمة، إن كان إلا الزفير والشهيق في نار جهنم.
وقال نوف البكالي يتركهم مالك مائة سنة مما تعدون (ثم يناديهم) فيستجيبون له، فيقول: ﴿إِنَّكُمْ مَّاكِثُونَ﴾.
وقال السدي: يمكثون ألف سنة مما تعدون، ثم يجيبهم بعد ألف عام، إنكم ماكثون.
قال ابن زيد وغيره: ليقض علينا ربك: ليمتنا. القضاء هنا الموت.
* *
ثم قال: ﴿لَقَدْ جِئْنَاكُم بِٱلْحَقِّ﴾، أي: لقد جاءتكم الرسل من عند ربكم.
﴿وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ﴾، أي أكثرهم لا يقبل الحق فهذا الذي أنتم فيه جزاء فعلكم.
* *
ثم قال: ﴿أَمْ أَبْرَمُوۤاْ أَمْراً فَإِنَّا مُبْرِمُونَ﴾، (أي: أم أبرم) هؤلاء المشركون من قريش أمراً يكبدون به الحق فإنا مبرمون. أي: نخزيهم ونذلهم ونظفرك يا محمد بهم.
قال مجاهد: معناه إن كادوا بشرٍّ كدناهم مثله.
وقال قتادة: معناه: (أم أجمعوا) أمراً فإنا مجمعون".
وقال ابن زيد معناه: (أم أحكموا) أمرهم فإنا محكمون لأمرنا.
وقال الفراء معناه: أم أحكموا أمرا ينجيهم من عذابنا على قولهم فإنا نعذبهم.
يقال: أبرم الأمر إذا بالغ في إحكامه. وأبرم الفاتل إذا أدغم، وهو الفتل الثاني والأول يقال له سحيل كما قال زهير:
؎ ... مِنْ سَحِيلٍ وَمُبْرَمِ
ثم قال تعالى: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لاَ نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُم بَلَىٰ﴾، أي: نسمع ذلك ونعلم ما أخفوا وما أعلنوا.
* *
ثم قال: ﴿وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾، أي والحَفَظَةُ عندهم يكتبون ما نطقوا به.
ويروى "أن هذه الآية نزلت في ثلاثة نفر تدارءوا في سماع الله عز وجل كلام عبادة". قال محمد بن كعب القرظي: بينا ثلاثة نفر بين الكعبة وأستارها قرشيان وثقفي، أو ثقفيان، وقرشي، فقال واحد من الثلاثة: ترون أن الله يسمع كلامنا؟! فقال: إذا جهرتم سمع، وإذا أسررتم لم يسمع.
فقال الثاني: إن كان يسمع إذا أعلنتم فإنه يسمع إذا أسررتم قال: فنزلت: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لاَ نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُم﴾ الآية.
* *
ثم قال تعالى: ﴿قُلْ إِن كَانَ لِلرَّحْمَـٰنِ وَلَدٌ فَأَنَاْ أَوَّلُ ٱلْعَابِدِينَ﴾، أي: قل يا محمد إن كان للرحمن ولد على زعمكم فأنا أول المؤمنين بالله في تكذيبكم فقولوا ما شئتم، هذا معنى قول مجاهد.
وقال ابن عباس معناه: "لم يكن ولد فأنا أول الشاهدين" (فمعنى الكلام) على قول ابن عباس: ما كان ذلك ولا ينبغي أن يكون، وهو معنى قول قتادة وابن زيد، وهو قول زيد بن أسلم. فـ "إن" بمعنى: ("ما" التي للنفي).
وقيل معنى: ﴿فَأَنَاْ أَوَّلُ ٱلْعَابِدِينَ﴾، أي: أول من يعبد الله عز وجل بالإيمان والتصديق أنه ليس للرحمن ولد، أي: على (هذا عبد) الله سبحانه وقال السدي معناه: "لو كان له ولد كنت أول من عبده (بأن له ولداً) ولكن لا ولد له".
فجعل "إن" للشرط، وهو اختيار الطبري، لأنك إذا جعلت "إن" بمعنى "ما" أوهمت أنك إنما نفيت عن الله سبحانه الولد فيما مضى دون ما هو آت.
وإذا جعلت "إن" للشرط أخبرت أنه كان له ولد على قولكم فأنا أول من عبده على ذلك ولكن لا ولد، ولا ينبغي أن يكون، وهذا عنده (من الإلطاف) في الكلام، وحسن المخاطبة بمنزلة قوله: ﴿وَإِنَّآ أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَىٰ هُدًى أَوْ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ﴾ [سبأ: ٢٤]، وقد علم أن الحق معه وأن مخالفيه في الضلال. وقيل معنى "العابدين" الآنفين.
حكى: ما عبد فلان إن فعل كذا، أي: ما أنف.
وهذا قول مردود لأنه يلزم منه أن يقول العابدين. إنما يقال، فلان عبد من كذا، أي: آنف منه. ولا يقال عابد بمعنى: أنف.
وقال: أبو عبيدة مجازها: فأنا أول العابدين، أي: الجاحدين من عبد يعبد إذا حجد. وحكى: فلان عَبَدَني حَقّاً، أي: جحدني.
* *
ثم قال تعالى: ﴿سُبْحَانَ رَبِّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ﴾، أي: تبرئة له وتنزيهاً له من الولد وغير ذلك من الأشياء المذمومة.
* *
وقوله: ﴿رَبِّ ٱلْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾، أي يكذبون.
وحكى أبو حاتم أن قوماً يقفون ﴿قُلْ إِن كَانَ لِلرَّحْمَـٰنِ وَلَدٌ﴾، ثم يبتدؤون: ﴿فَأَنَاْ أَوَّلُ ٱلْعَابِدِينَ﴾ على معنى: قل يا محمد: ما كان للرحمن ولد: وهو قول يعقوب وغيره.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَذَرْهُمْ يَخُوضُواْ وَيَلْعَبُواْ حَتَّىٰ يُلَـٰقُواْ يَوْمَهُمُ ٱلَّذِي يُوعَدُونَ﴾.
هذا تهدد ووعيد من الله جل ذكره للمشركين، أي: سيعلمون يوم القيامة جزاء لعبهم وخوضهم في الباطل.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَهُوَ ٱلَّذِي فِي ٱلسَّمآءِ إِلَـٰهٌ وَفِي ٱلأَرْضِ إِلَـٰهٌ﴾، أي: هو المعبود في السماء وفي الأرض، فلا شيء تصلح له الألوهية إلا هو.
قال قتادة: معنى الآية: وهو الذي يعبد في السماء ويعبد في الأرض.
* *
ثم قال: ﴿وَهُوَ ٱلْحَكِيمُ ٱلْعَلِيمُ﴾، أي: وهو الحكيم في تدبيره خلقه، العليم بمصالحهم.
وفي حرف ابن مسعود: (وهو الذي في السماء الله وفي الأرض الله)، وهي مروية عن عمر وأُبي.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَتَبَارَكَ ٱلَّذِي لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾، أي: وتعالى الذي في ملكه ذلك كله وفي تدبيره وبيده.
* *
وقوله: ﴿وَعِندَهُ عِلْمُ ٱلسَّاعَةِ﴾، أي: وتفرد بعلم قيام الساعة، ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾، أي: تردون بعد مماتكم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَلاَ يَمْلِكُ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ ٱلشَّفَاعَةَ﴾، أي، ولا تملك الآلهة التي يعبدها هؤلاء المشركون من دون الله شفاعة لهم ولا لغيرهم.
وقيل المعنى: ولا يملك عزيرُ وعيسى والملائكة الذين عُبِدُوا من دون الله عز وجل شفاعة لمن عبدهم، قاله مجاهد. والقول الأول قاله قتادة.
﴿إِلاَّ مَن شَهِدَ بِٱلْحَقِّ﴾، أي: بالتوحيد لله والطاعة له.
﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾، أي: يعلمون (أن ما أقروا به حق).
وقيل معنى ﴿إِلاَّ مَن شَهِدَ بِٱلْحَقِّ﴾، يعني: عيسى وعزيرُ والملائكة فإنهم يشفعون لمن أراد الله عز وجل.
قال مجاهد، معناه: لا يشفع المسيح وعزير والملائكة إلا من شهد بالحق، أي: قال لا إله إلا الله. فهذا يدل على أنه استثناء ليس من الأول.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ﴾، أي ولئن سألت يا محمد هؤلاء المشركين بالله من قومك من خلقهم ليقولن خلقهم الله.
* *
ثم قال: ﴿فَأَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ﴾، أي: فمن أي وجه يصرفون عن عبادة الله الذي خلقهم، ويحرمون اتباع رضاه.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَقِيلِهِ يٰرَبِّ إِنَّ هَـٰؤُلاَءِ قَوْمٌ لاَّ يُؤْمِنُونَ﴾ من نصب "وقيله" عطفه، عند الأخفش على "سرهم ونجواهم" (أي: نسمع سرهم ونجواهم وقيله.
وقيل إنما) يجوز نصبه على المصدر.
وقال الزجاج: هو معطوف على موضع الساعة، (لأن معنى "وعنده علم الساعة") ويعلم وقت الساعة ويعلم قيله.
وقيل هو معطوف على مفعول "يعلمون" المحذوف، والتقدير: هم يعلمون الحق وقيله.
وقيل معطوف على مفعول "يكتبون" المحذوف، والتقدير: ورسلنا لديهم يكتبون ذلك وقيله.
ومن خفضه عطفه على لفظ "الساعة"، أي: وعنده علم الساعة وعلم قيله.
والرفع فيه جائز على الابتداء.
والمعنى: ونسمع شكوى محمد وقيله: يا رب، إن هؤلاء الذين أمرتني أن ندعوهم وننذرهم لا يؤمنون.
وهذا قول كان يقوله النبي ﷺ لما امتنعت عليه قريش من الإيمان فأنزله الله جل ذكره.
قال مجاهد وقتادة: هذا قول نبيكم ﷺ يشكو قومه إلى ربه، حكاه الله جل ذكره لنا في كتابه.
والهاء في "وقيله" عائد على النبي ﷺ وقيل: تعود على عيسى، فترجع على قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ٱبْنُ مَرْيَمَ مَثَلاً﴾ [الزخرف: ٥٧] - الآية.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَٱصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلاَمٌ﴾، أي: دعهم واغفر لهم قولهم وفعلهم، وقل: مسالمة ومتاركة مني إليكم، وتقديره: وقل أمري سلام.
وهذا كان قبل أن يؤمر بالقتال، ثم نسخ ذلك بالأمر بالقتال.
وقال الفراء: التقدير: وقل سلام عليكم، ثم حذف، وهو بعيد لم يؤمر النبي ﷺ بأن يجيبهم، إنما أمر (بأن يسالمهم) حتى يأتيه أمر الله عز وجل.
وقد نهي النبي ﷺ أن يبدأ النصارى واليهود بالسلام فكيف يأمره الله بذلك للمشركين وينهاه عنه.
قال ابن عباس: "فاصفح عنهم، أي: أعرض عنهم".
ثم قال: (فسوف تعلمون).
هذا تهدد ووعيد، أي: سوف تلقون ما يسوؤكم غداً إن تماديتم على كفركم.
الزخرف 43:82
قوله تعالى: ﴿إِنَّ ٱلْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ﴾، إلى آخر السورة، أي: إن الذين اكتسبوا الكفر في الدنيا يوم القيامة في عذاب جهنم ماكثون أبداً، لا يخفف عنهم العذاب.
وهم في العذاب مبلسون، قال قتادة: مستسلمون.
وقال السدي: "مُبلسون: متغير حالهم".
وقال الزجاج: "المبلس: الساكت، الممسك إمساك يائس من فرجٍ".
وقال الطبري: المبلس: اليأس من النجاة.
وقال النحاس: المبلس: المتحير الذي قد يئس من الخير.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَـٰكِن كَانُواْ هُمُ ٱلظَّالِمِينَ﴾، أي لم نظلمهم في عذابنا لهم (ولكن هم) ظلموا أنفسهم بكفرهم في الدنيا.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَنَادَوْاْ يٰمَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ أي: ونادى المجرمون بعد دخولهم جهنم مالك خازن جهنم فقالوا: يا مالك لِيُمِتْنَا رَبُّكَ فيفرغ من إماتتنا.
روي أن مالك لا يجيبهم في وقت دعائهم، ويدعهم ألف عام ثم يجيبهم فيقول: ﴿إِنَّكُمْ مَّاكِثُونَ﴾ قاله ابن عباس.
وقال ابن عمر: إن أهل جهنم يدعون مالكاً أربعين عاماً فلا يجيبهم ثم يقول: ﴿إِنَّكُمْ مَّاكِثُونَ﴾، ثم ينادون ربهم: ﴿رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٧] فيدعوهم مثل الدنيا ثم يرد عليهم ﴿ٱخْسَئُواْ فِيهَا وَلاَ تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: ١٠٨] فما نفس القوم بعد ذلك بكلمة، إن كان إلا الزفير والشهيق في نار جهنم.
وقال نوف البكالي يتركهم مالك مائة سنة مما تعدون (ثم يناديهم) فيستجيبون له، فيقول: ﴿إِنَّكُمْ مَّاكِثُونَ﴾.
وقال السدي: يمكثون ألف سنة مما تعدون، ثم يجيبهم بعد ألف عام، إنكم ماكثون.
قال ابن زيد وغيره: ليقض علينا ربك: ليمتنا. القضاء هنا الموت.
* *
ثم قال: ﴿لَقَدْ جِئْنَاكُم بِٱلْحَقِّ﴾، أي: لقد جاءتكم الرسل من عند ربكم.
﴿وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ﴾، أي أكثرهم لا يقبل الحق فهذا الذي أنتم فيه جزاء فعلكم.
* *
ثم قال: ﴿أَمْ أَبْرَمُوۤاْ أَمْراً فَإِنَّا مُبْرِمُونَ﴾، (أي: أم أبرم) هؤلاء المشركون من قريش أمراً يكبدون به الحق فإنا مبرمون. أي: نخزيهم ونذلهم ونظفرك يا محمد بهم.
قال مجاهد: معناه إن كادوا بشرٍّ كدناهم مثله.
وقال قتادة: معناه: (أم أجمعوا) أمراً فإنا مجمعون".
وقال ابن زيد معناه: (أم أحكموا) أمرهم فإنا محكمون لأمرنا.
وقال الفراء معناه: أم أحكموا أمرا ينجيهم من عذابنا على قولهم فإنا نعذبهم.
يقال: أبرم الأمر إذا بالغ في إحكامه. وأبرم الفاتل إذا أدغم، وهو الفتل الثاني والأول يقال له سحيل كما قال زهير:
؎ ... مِنْ سَحِيلٍ وَمُبْرَمِ
ثم قال تعالى: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لاَ نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُم بَلَىٰ﴾، أي: نسمع ذلك ونعلم ما أخفوا وما أعلنوا.
* *
ثم قال: ﴿وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾، أي والحَفَظَةُ عندهم يكتبون ما نطقوا به.
ويروى "أن هذه الآية نزلت في ثلاثة نفر تدارءوا في سماع الله عز وجل كلام عبادة". قال محمد بن كعب القرظي: بينا ثلاثة نفر بين الكعبة وأستارها قرشيان وثقفي، أو ثقفيان، وقرشي، فقال واحد من الثلاثة: ترون أن الله يسمع كلامنا؟! فقال: إذا جهرتم سمع، وإذا أسررتم لم يسمع.
فقال الثاني: إن كان يسمع إذا أعلنتم فإنه يسمع إذا أسررتم قال: فنزلت: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لاَ نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُم﴾ الآية.
* *
ثم قال تعالى: ﴿قُلْ إِن كَانَ لِلرَّحْمَـٰنِ وَلَدٌ فَأَنَاْ أَوَّلُ ٱلْعَابِدِينَ﴾، أي: قل يا محمد إن كان للرحمن ولد على زعمكم فأنا أول المؤمنين بالله في تكذيبكم فقولوا ما شئتم، هذا معنى قول مجاهد.
وقال ابن عباس معناه: "لم يكن ولد فأنا أول الشاهدين" (فمعنى الكلام) على قول ابن عباس: ما كان ذلك ولا ينبغي أن يكون، وهو معنى قول قتادة وابن زيد، وهو قول زيد بن أسلم. فـ "إن" بمعنى: ("ما" التي للنفي).
وقيل معنى: ﴿فَأَنَاْ أَوَّلُ ٱلْعَابِدِينَ﴾، أي: أول من يعبد الله عز وجل بالإيمان والتصديق أنه ليس للرحمن ولد، أي: على (هذا عبد) الله سبحانه وقال السدي معناه: "لو كان له ولد كنت أول من عبده (بأن له ولداً) ولكن لا ولد له".
فجعل "إن" للشرط، وهو اختيار الطبري، لأنك إذا جعلت "إن" بمعنى "ما" أوهمت أنك إنما نفيت عن الله سبحانه الولد فيما مضى دون ما هو آت.
وإذا جعلت "إن" للشرط أخبرت أنه كان له ولد على قولكم فأنا أول من عبده على ذلك ولكن لا ولد، ولا ينبغي أن يكون، وهذا عنده (من الإلطاف) في الكلام، وحسن المخاطبة بمنزلة قوله: ﴿وَإِنَّآ أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَىٰ هُدًى أَوْ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ﴾ [سبأ: ٢٤]، وقد علم أن الحق معه وأن مخالفيه في الضلال. وقيل معنى "العابدين" الآنفين.
حكى: ما عبد فلان إن فعل كذا، أي: ما أنف.
وهذا قول مردود لأنه يلزم منه أن يقول العابدين. إنما يقال، فلان عبد من كذا، أي: آنف منه. ولا يقال عابد بمعنى: أنف.
وقال: أبو عبيدة مجازها: فأنا أول العابدين، أي: الجاحدين من عبد يعبد إذا حجد. وحكى: فلان عَبَدَني حَقّاً، أي: جحدني.
* *
ثم قال تعالى: ﴿سُبْحَانَ رَبِّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ﴾، أي: تبرئة له وتنزيهاً له من الولد وغير ذلك من الأشياء المذمومة.
* *
وقوله: ﴿رَبِّ ٱلْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾، أي يكذبون.
وحكى أبو حاتم أن قوماً يقفون ﴿قُلْ إِن كَانَ لِلرَّحْمَـٰنِ وَلَدٌ﴾، ثم يبتدؤون: ﴿فَأَنَاْ أَوَّلُ ٱلْعَابِدِينَ﴾ على معنى: قل يا محمد: ما كان للرحمن ولد: وهو قول يعقوب وغيره.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَذَرْهُمْ يَخُوضُواْ وَيَلْعَبُواْ حَتَّىٰ يُلَـٰقُواْ يَوْمَهُمُ ٱلَّذِي يُوعَدُونَ﴾.
هذا تهدد ووعيد من الله جل ذكره للمشركين، أي: سيعلمون يوم القيامة جزاء لعبهم وخوضهم في الباطل.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَهُوَ ٱلَّذِي فِي ٱلسَّمآءِ إِلَـٰهٌ وَفِي ٱلأَرْضِ إِلَـٰهٌ﴾، أي: هو المعبود في السماء وفي الأرض، فلا شيء تصلح له الألوهية إلا هو.
قال قتادة: معنى الآية: وهو الذي يعبد في السماء ويعبد في الأرض.
* *
ثم قال: ﴿وَهُوَ ٱلْحَكِيمُ ٱلْعَلِيمُ﴾، أي: وهو الحكيم في تدبيره خلقه، العليم بمصالحهم.
وفي حرف ابن مسعود: (وهو الذي في السماء الله وفي الأرض الله)، وهي مروية عن عمر وأُبي.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَتَبَارَكَ ٱلَّذِي لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾، أي: وتعالى الذي في ملكه ذلك كله وفي تدبيره وبيده.
* *
وقوله: ﴿وَعِندَهُ عِلْمُ ٱلسَّاعَةِ﴾، أي: وتفرد بعلم قيام الساعة، ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾، أي: تردون بعد مماتكم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَلاَ يَمْلِكُ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ ٱلشَّفَاعَةَ﴾، أي، ولا تملك الآلهة التي يعبدها هؤلاء المشركون من دون الله شفاعة لهم ولا لغيرهم.
وقيل المعنى: ولا يملك عزيرُ وعيسى والملائكة الذين عُبِدُوا من دون الله عز وجل شفاعة لمن عبدهم، قاله مجاهد. والقول الأول قاله قتادة.
﴿إِلاَّ مَن شَهِدَ بِٱلْحَقِّ﴾، أي: بالتوحيد لله والطاعة له.
﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾، أي: يعلمون (أن ما أقروا به حق).
وقيل معنى ﴿إِلاَّ مَن شَهِدَ بِٱلْحَقِّ﴾، يعني: عيسى وعزيرُ والملائكة فإنهم يشفعون لمن أراد الله عز وجل.
قال مجاهد، معناه: لا يشفع المسيح وعزير والملائكة إلا من شهد بالحق، أي: قال لا إله إلا الله. فهذا يدل على أنه استثناء ليس من الأول.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ﴾، أي ولئن سألت يا محمد هؤلاء المشركين بالله من قومك من خلقهم ليقولن خلقهم الله.
* *
ثم قال: ﴿فَأَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ﴾، أي: فمن أي وجه يصرفون عن عبادة الله الذي خلقهم، ويحرمون اتباع رضاه.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَقِيلِهِ يٰرَبِّ إِنَّ هَـٰؤُلاَءِ قَوْمٌ لاَّ يُؤْمِنُونَ﴾ من نصب "وقيله" عطفه، عند الأخفش على "سرهم ونجواهم" (أي: نسمع سرهم ونجواهم وقيله.
وقيل إنما) يجوز نصبه على المصدر.
وقال الزجاج: هو معطوف على موضع الساعة، (لأن معنى "وعنده علم الساعة") ويعلم وقت الساعة ويعلم قيله.
وقيل هو معطوف على مفعول "يعلمون" المحذوف، والتقدير: هم يعلمون الحق وقيله.
وقيل معطوف على مفعول "يكتبون" المحذوف، والتقدير: ورسلنا لديهم يكتبون ذلك وقيله.
ومن خفضه عطفه على لفظ "الساعة"، أي: وعنده علم الساعة وعلم قيله.
والرفع فيه جائز على الابتداء.
والمعنى: ونسمع شكوى محمد وقيله: يا رب، إن هؤلاء الذين أمرتني أن ندعوهم وننذرهم لا يؤمنون.
وهذا قول كان يقوله النبي ﷺ لما امتنعت عليه قريش من الإيمان فأنزله الله جل ذكره.
قال مجاهد وقتادة: هذا قول نبيكم ﷺ يشكو قومه إلى ربه، حكاه الله جل ذكره لنا في كتابه.
والهاء في "وقيله" عائد على النبي ﷺ وقيل: تعود على عيسى، فترجع على قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ٱبْنُ مَرْيَمَ مَثَلاً﴾ [الزخرف: ٥٧] - الآية.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَٱصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلاَمٌ﴾، أي: دعهم واغفر لهم قولهم وفعلهم، وقل: مسالمة ومتاركة مني إليكم، وتقديره: وقل أمري سلام.
وهذا كان قبل أن يؤمر بالقتال، ثم نسخ ذلك بالأمر بالقتال.
وقال الفراء: التقدير: وقل سلام عليكم، ثم حذف، وهو بعيد لم يؤمر النبي ﷺ بأن يجيبهم، إنما أمر (بأن يسالمهم) حتى يأتيه أمر الله عز وجل.
وقد نهي النبي ﷺ أن يبدأ النصارى واليهود بالسلام فكيف يأمره الله بذلك للمشركين وينهاه عنه.
قال ابن عباس: "فاصفح عنهم، أي: أعرض عنهم".
ثم قال: (فسوف تعلمون).
هذا تهدد ووعيد، أي: سوف تلقون ما يسوؤكم غداً إن تماديتم على كفركم.
الزخرف 43:83
قوله تعالى: ﴿إِنَّ ٱلْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ﴾، إلى آخر السورة، أي: إن الذين اكتسبوا الكفر في الدنيا يوم القيامة في عذاب جهنم ماكثون أبداً، لا يخفف عنهم العذاب.
وهم في العذاب مبلسون، قال قتادة: مستسلمون.
وقال السدي: "مُبلسون: متغير حالهم".
وقال الزجاج: "المبلس: الساكت، الممسك إمساك يائس من فرجٍ".
وقال الطبري: المبلس: اليأس من النجاة.
وقال النحاس: المبلس: المتحير الذي قد يئس من الخير.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَـٰكِن كَانُواْ هُمُ ٱلظَّالِمِينَ﴾، أي لم نظلمهم في عذابنا لهم (ولكن هم) ظلموا أنفسهم بكفرهم في الدنيا.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَنَادَوْاْ يٰمَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ أي: ونادى المجرمون بعد دخولهم جهنم مالك خازن جهنم فقالوا: يا مالك لِيُمِتْنَا رَبُّكَ فيفرغ من إماتتنا.
روي أن مالك لا يجيبهم في وقت دعائهم، ويدعهم ألف عام ثم يجيبهم فيقول: ﴿إِنَّكُمْ مَّاكِثُونَ﴾ قاله ابن عباس.
وقال ابن عمر: إن أهل جهنم يدعون مالكاً أربعين عاماً فلا يجيبهم ثم يقول: ﴿إِنَّكُمْ مَّاكِثُونَ﴾، ثم ينادون ربهم: ﴿رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٧] فيدعوهم مثل الدنيا ثم يرد عليهم ﴿ٱخْسَئُواْ فِيهَا وَلاَ تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: ١٠٨] فما نفس القوم بعد ذلك بكلمة، إن كان إلا الزفير والشهيق في نار جهنم.
وقال نوف البكالي يتركهم مالك مائة سنة مما تعدون (ثم يناديهم) فيستجيبون له، فيقول: ﴿إِنَّكُمْ مَّاكِثُونَ﴾.
وقال السدي: يمكثون ألف سنة مما تعدون، ثم يجيبهم بعد ألف عام، إنكم ماكثون.
قال ابن زيد وغيره: ليقض علينا ربك: ليمتنا. القضاء هنا الموت.
* *
ثم قال: ﴿لَقَدْ جِئْنَاكُم بِٱلْحَقِّ﴾، أي: لقد جاءتكم الرسل من عند ربكم.
﴿وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ﴾، أي أكثرهم لا يقبل الحق فهذا الذي أنتم فيه جزاء فعلكم.
* *
ثم قال: ﴿أَمْ أَبْرَمُوۤاْ أَمْراً فَإِنَّا مُبْرِمُونَ﴾، (أي: أم أبرم) هؤلاء المشركون من قريش أمراً يكبدون به الحق فإنا مبرمون. أي: نخزيهم ونذلهم ونظفرك يا محمد بهم.
قال مجاهد: معناه إن كادوا بشرٍّ كدناهم مثله.
وقال قتادة: معناه: (أم أجمعوا) أمراً فإنا مجمعون".
وقال ابن زيد معناه: (أم أحكموا) أمرهم فإنا محكمون لأمرنا.
وقال الفراء معناه: أم أحكموا أمرا ينجيهم من عذابنا على قولهم فإنا نعذبهم.
يقال: أبرم الأمر إذا بالغ في إحكامه. وأبرم الفاتل إذا أدغم، وهو الفتل الثاني والأول يقال له سحيل كما قال زهير:
؎ ... مِنْ سَحِيلٍ وَمُبْرَمِ
ثم قال تعالى: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لاَ نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُم بَلَىٰ﴾، أي: نسمع ذلك ونعلم ما أخفوا وما أعلنوا.
* *
ثم قال: ﴿وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾، أي والحَفَظَةُ عندهم يكتبون ما نطقوا به.
ويروى "أن هذه الآية نزلت في ثلاثة نفر تدارءوا في سماع الله عز وجل كلام عبادة". قال محمد بن كعب القرظي: بينا ثلاثة نفر بين الكعبة وأستارها قرشيان وثقفي، أو ثقفيان، وقرشي، فقال واحد من الثلاثة: ترون أن الله يسمع كلامنا؟! فقال: إذا جهرتم سمع، وإذا أسررتم لم يسمع.
فقال الثاني: إن كان يسمع إذا أعلنتم فإنه يسمع إذا أسررتم قال: فنزلت: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لاَ نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُم﴾ الآية.
* *
ثم قال تعالى: ﴿قُلْ إِن كَانَ لِلرَّحْمَـٰنِ وَلَدٌ فَأَنَاْ أَوَّلُ ٱلْعَابِدِينَ﴾، أي: قل يا محمد إن كان للرحمن ولد على زعمكم فأنا أول المؤمنين بالله في تكذيبكم فقولوا ما شئتم، هذا معنى قول مجاهد.
وقال ابن عباس معناه: "لم يكن ولد فأنا أول الشاهدين" (فمعنى الكلام) على قول ابن عباس: ما كان ذلك ولا ينبغي أن يكون، وهو معنى قول قتادة وابن زيد، وهو قول زيد بن أسلم. فـ "إن" بمعنى: ("ما" التي للنفي).
وقيل معنى: ﴿فَأَنَاْ أَوَّلُ ٱلْعَابِدِينَ﴾، أي: أول من يعبد الله عز وجل بالإيمان والتصديق أنه ليس للرحمن ولد، أي: على (هذا عبد) الله سبحانه وقال السدي معناه: "لو كان له ولد كنت أول من عبده (بأن له ولداً) ولكن لا ولد له".
فجعل "إن" للشرط، وهو اختيار الطبري، لأنك إذا جعلت "إن" بمعنى "ما" أوهمت أنك إنما نفيت عن الله سبحانه الولد فيما مضى دون ما هو آت.
وإذا جعلت "إن" للشرط أخبرت أنه كان له ولد على قولكم فأنا أول من عبده على ذلك ولكن لا ولد، ولا ينبغي أن يكون، وهذا عنده (من الإلطاف) في الكلام، وحسن المخاطبة بمنزلة قوله: ﴿وَإِنَّآ أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَىٰ هُدًى أَوْ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ﴾ [سبأ: ٢٤]، وقد علم أن الحق معه وأن مخالفيه في الضلال. وقيل معنى "العابدين" الآنفين.
حكى: ما عبد فلان إن فعل كذا، أي: ما أنف.
وهذا قول مردود لأنه يلزم منه أن يقول العابدين. إنما يقال، فلان عبد من كذا، أي: آنف منه. ولا يقال عابد بمعنى: أنف.
وقال: أبو عبيدة مجازها: فأنا أول العابدين، أي: الجاحدين من عبد يعبد إذا حجد. وحكى: فلان عَبَدَني حَقّاً، أي: جحدني.
* *
ثم قال تعالى: ﴿سُبْحَانَ رَبِّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ﴾، أي: تبرئة له وتنزيهاً له من الولد وغير ذلك من الأشياء المذمومة.
* *
وقوله: ﴿رَبِّ ٱلْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾، أي يكذبون.
وحكى أبو حاتم أن قوماً يقفون ﴿قُلْ إِن كَانَ لِلرَّحْمَـٰنِ وَلَدٌ﴾، ثم يبتدؤون: ﴿فَأَنَاْ أَوَّلُ ٱلْعَابِدِينَ﴾ على معنى: قل يا محمد: ما كان للرحمن ولد: وهو قول يعقوب وغيره.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَذَرْهُمْ يَخُوضُواْ وَيَلْعَبُواْ حَتَّىٰ يُلَـٰقُواْ يَوْمَهُمُ ٱلَّذِي يُوعَدُونَ﴾.
هذا تهدد ووعيد من الله جل ذكره للمشركين، أي: سيعلمون يوم القيامة جزاء لعبهم وخوضهم في الباطل.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَهُوَ ٱلَّذِي فِي ٱلسَّمآءِ إِلَـٰهٌ وَفِي ٱلأَرْضِ إِلَـٰهٌ﴾، أي: هو المعبود في السماء وفي الأرض، فلا شيء تصلح له الألوهية إلا هو.
قال قتادة: معنى الآية: وهو الذي يعبد في السماء ويعبد في الأرض.
* *
ثم قال: ﴿وَهُوَ ٱلْحَكِيمُ ٱلْعَلِيمُ﴾، أي: وهو الحكيم في تدبيره خلقه، العليم بمصالحهم.
وفي حرف ابن مسعود: (وهو الذي في السماء الله وفي الأرض الله)، وهي مروية عن عمر وأُبي.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَتَبَارَكَ ٱلَّذِي لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾، أي: وتعالى الذي في ملكه ذلك كله وفي تدبيره وبيده.
* *
وقوله: ﴿وَعِندَهُ عِلْمُ ٱلسَّاعَةِ﴾، أي: وتفرد بعلم قيام الساعة، ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾، أي: تردون بعد مماتكم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَلاَ يَمْلِكُ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ ٱلشَّفَاعَةَ﴾، أي، ولا تملك الآلهة التي يعبدها هؤلاء المشركون من دون الله شفاعة لهم ولا لغيرهم.
وقيل المعنى: ولا يملك عزيرُ وعيسى والملائكة الذين عُبِدُوا من دون الله عز وجل شفاعة لمن عبدهم، قاله مجاهد. والقول الأول قاله قتادة.
﴿إِلاَّ مَن شَهِدَ بِٱلْحَقِّ﴾، أي: بالتوحيد لله والطاعة له.
﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾، أي: يعلمون (أن ما أقروا به حق).
وقيل معنى ﴿إِلاَّ مَن شَهِدَ بِٱلْحَقِّ﴾، يعني: عيسى وعزيرُ والملائكة فإنهم يشفعون لمن أراد الله عز وجل.
قال مجاهد، معناه: لا يشفع المسيح وعزير والملائكة إلا من شهد بالحق، أي: قال لا إله إلا الله. فهذا يدل على أنه استثناء ليس من الأول.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ﴾، أي ولئن سألت يا محمد هؤلاء المشركين بالله من قومك من خلقهم ليقولن خلقهم الله.
* *
ثم قال: ﴿فَأَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ﴾، أي: فمن أي وجه يصرفون عن عبادة الله الذي خلقهم، ويحرمون اتباع رضاه.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَقِيلِهِ يٰرَبِّ إِنَّ هَـٰؤُلاَءِ قَوْمٌ لاَّ يُؤْمِنُونَ﴾ من نصب "وقيله" عطفه، عند الأخفش على "سرهم ونجواهم" (أي: نسمع سرهم ونجواهم وقيله.
وقيل إنما) يجوز نصبه على المصدر.
وقال الزجاج: هو معطوف على موضع الساعة، (لأن معنى "وعنده علم الساعة") ويعلم وقت الساعة ويعلم قيله.
وقيل هو معطوف على مفعول "يعلمون" المحذوف، والتقدير: هم يعلمون الحق وقيله.
وقيل معطوف على مفعول "يكتبون" المحذوف، والتقدير: ورسلنا لديهم يكتبون ذلك وقيله.
ومن خفضه عطفه على لفظ "الساعة"، أي: وعنده علم الساعة وعلم قيله.
والرفع فيه جائز على الابتداء.
والمعنى: ونسمع شكوى محمد وقيله: يا رب، إن هؤلاء الذين أمرتني أن ندعوهم وننذرهم لا يؤمنون.
وهذا قول كان يقوله النبي ﷺ لما امتنعت عليه قريش من الإيمان فأنزله الله جل ذكره.
قال مجاهد وقتادة: هذا قول نبيكم ﷺ يشكو قومه إلى ربه، حكاه الله جل ذكره لنا في كتابه.
والهاء في "وقيله" عائد على النبي ﷺ وقيل: تعود على عيسى، فترجع على قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ٱبْنُ مَرْيَمَ مَثَلاً﴾ [الزخرف: ٥٧] - الآية.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَٱصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلاَمٌ﴾، أي: دعهم واغفر لهم قولهم وفعلهم، وقل: مسالمة ومتاركة مني إليكم، وتقديره: وقل أمري سلام.
وهذا كان قبل أن يؤمر بالقتال، ثم نسخ ذلك بالأمر بالقتال.
وقال الفراء: التقدير: وقل سلام عليكم، ثم حذف، وهو بعيد لم يؤمر النبي ﷺ بأن يجيبهم، إنما أمر (بأن يسالمهم) حتى يأتيه أمر الله عز وجل.
وقد نهي النبي ﷺ أن يبدأ النصارى واليهود بالسلام فكيف يأمره الله بذلك للمشركين وينهاه عنه.
قال ابن عباس: "فاصفح عنهم، أي: أعرض عنهم".
ثم قال: (فسوف تعلمون).
هذا تهدد ووعيد، أي: سوف تلقون ما يسوؤكم غداً إن تماديتم على كفركم.
الزخرف 43:84
قوله تعالى: ﴿إِنَّ ٱلْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ﴾، إلى آخر السورة، أي: إن الذين اكتسبوا الكفر في الدنيا يوم القيامة في عذاب جهنم ماكثون أبداً، لا يخفف عنهم العذاب.
وهم في العذاب مبلسون، قال قتادة: مستسلمون.
وقال السدي: "مُبلسون: متغير حالهم".
وقال الزجاج: "المبلس: الساكت، الممسك إمساك يائس من فرجٍ".
وقال الطبري: المبلس: اليأس من النجاة.
وقال النحاس: المبلس: المتحير الذي قد يئس من الخير.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَـٰكِن كَانُواْ هُمُ ٱلظَّالِمِينَ﴾، أي لم نظلمهم في عذابنا لهم (ولكن هم) ظلموا أنفسهم بكفرهم في الدنيا.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَنَادَوْاْ يٰمَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ أي: ونادى المجرمون بعد دخولهم جهنم مالك خازن جهنم فقالوا: يا مالك لِيُمِتْنَا رَبُّكَ فيفرغ من إماتتنا.
روي أن مالك لا يجيبهم في وقت دعائهم، ويدعهم ألف عام ثم يجيبهم فيقول: ﴿إِنَّكُمْ مَّاكِثُونَ﴾ قاله ابن عباس.
وقال ابن عمر: إن أهل جهنم يدعون مالكاً أربعين عاماً فلا يجيبهم ثم يقول: ﴿إِنَّكُمْ مَّاكِثُونَ﴾، ثم ينادون ربهم: ﴿رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٧] فيدعوهم مثل الدنيا ثم يرد عليهم ﴿ٱخْسَئُواْ فِيهَا وَلاَ تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: ١٠٨] فما نفس القوم بعد ذلك بكلمة، إن كان إلا الزفير والشهيق في نار جهنم.
وقال نوف البكالي يتركهم مالك مائة سنة مما تعدون (ثم يناديهم) فيستجيبون له، فيقول: ﴿إِنَّكُمْ مَّاكِثُونَ﴾.
وقال السدي: يمكثون ألف سنة مما تعدون، ثم يجيبهم بعد ألف عام، إنكم ماكثون.
قال ابن زيد وغيره: ليقض علينا ربك: ليمتنا. القضاء هنا الموت.
* *
ثم قال: ﴿لَقَدْ جِئْنَاكُم بِٱلْحَقِّ﴾، أي: لقد جاءتكم الرسل من عند ربكم.
﴿وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ﴾، أي أكثرهم لا يقبل الحق فهذا الذي أنتم فيه جزاء فعلكم.
* *
ثم قال: ﴿أَمْ أَبْرَمُوۤاْ أَمْراً فَإِنَّا مُبْرِمُونَ﴾، (أي: أم أبرم) هؤلاء المشركون من قريش أمراً يكبدون به الحق فإنا مبرمون. أي: نخزيهم ونذلهم ونظفرك يا محمد بهم.
قال مجاهد: معناه إن كادوا بشرٍّ كدناهم مثله.
وقال قتادة: معناه: (أم أجمعوا) أمراً فإنا مجمعون".
وقال ابن زيد معناه: (أم أحكموا) أمرهم فإنا محكمون لأمرنا.
وقال الفراء معناه: أم أحكموا أمرا ينجيهم من عذابنا على قولهم فإنا نعذبهم.
يقال: أبرم الأمر إذا بالغ في إحكامه. وأبرم الفاتل إذا أدغم، وهو الفتل الثاني والأول يقال له سحيل كما قال زهير:
؎ ... مِنْ سَحِيلٍ وَمُبْرَمِ
ثم قال تعالى: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لاَ نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُم بَلَىٰ﴾، أي: نسمع ذلك ونعلم ما أخفوا وما أعلنوا.
* *
ثم قال: ﴿وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾، أي والحَفَظَةُ عندهم يكتبون ما نطقوا به.
ويروى "أن هذه الآية نزلت في ثلاثة نفر تدارءوا في سماع الله عز وجل كلام عبادة". قال محمد بن كعب القرظي: بينا ثلاثة نفر بين الكعبة وأستارها قرشيان وثقفي، أو ثقفيان، وقرشي، فقال واحد من الثلاثة: ترون أن الله يسمع كلامنا؟! فقال: إذا جهرتم سمع، وإذا أسررتم لم يسمع.
فقال الثاني: إن كان يسمع إذا أعلنتم فإنه يسمع إذا أسررتم قال: فنزلت: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لاَ نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُم﴾ الآية.
* *
ثم قال تعالى: ﴿قُلْ إِن كَانَ لِلرَّحْمَـٰنِ وَلَدٌ فَأَنَاْ أَوَّلُ ٱلْعَابِدِينَ﴾، أي: قل يا محمد إن كان للرحمن ولد على زعمكم فأنا أول المؤمنين بالله في تكذيبكم فقولوا ما شئتم، هذا معنى قول مجاهد.
وقال ابن عباس معناه: "لم يكن ولد فأنا أول الشاهدين" (فمعنى الكلام) على قول ابن عباس: ما كان ذلك ولا ينبغي أن يكون، وهو معنى قول قتادة وابن زيد، وهو قول زيد بن أسلم. فـ "إن" بمعنى: ("ما" التي للنفي).
وقيل معنى: ﴿فَأَنَاْ أَوَّلُ ٱلْعَابِدِينَ﴾، أي: أول من يعبد الله عز وجل بالإيمان والتصديق أنه ليس للرحمن ولد، أي: على (هذا عبد) الله سبحانه وقال السدي معناه: "لو كان له ولد كنت أول من عبده (بأن له ولداً) ولكن لا ولد له".
فجعل "إن" للشرط، وهو اختيار الطبري، لأنك إذا جعلت "إن" بمعنى "ما" أوهمت أنك إنما نفيت عن الله سبحانه الولد فيما مضى دون ما هو آت.
وإذا جعلت "إن" للشرط أخبرت أنه كان له ولد على قولكم فأنا أول من عبده على ذلك ولكن لا ولد، ولا ينبغي أن يكون، وهذا عنده (من الإلطاف) في الكلام، وحسن المخاطبة بمنزلة قوله: ﴿وَإِنَّآ أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَىٰ هُدًى أَوْ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ﴾ [سبأ: ٢٤]، وقد علم أن الحق معه وأن مخالفيه في الضلال. وقيل معنى "العابدين" الآنفين.
حكى: ما عبد فلان إن فعل كذا، أي: ما أنف.
وهذا قول مردود لأنه يلزم منه أن يقول العابدين. إنما يقال، فلان عبد من كذا، أي: آنف منه. ولا يقال عابد بمعنى: أنف.
وقال: أبو عبيدة مجازها: فأنا أول العابدين، أي: الجاحدين من عبد يعبد إذا حجد. وحكى: فلان عَبَدَني حَقّاً، أي: جحدني.
* *
ثم قال تعالى: ﴿سُبْحَانَ رَبِّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ﴾، أي: تبرئة له وتنزيهاً له من الولد وغير ذلك من الأشياء المذمومة.
* *
وقوله: ﴿رَبِّ ٱلْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾، أي يكذبون.
وحكى أبو حاتم أن قوماً يقفون ﴿قُلْ إِن كَانَ لِلرَّحْمَـٰنِ وَلَدٌ﴾، ثم يبتدؤون: ﴿فَأَنَاْ أَوَّلُ ٱلْعَابِدِينَ﴾ على معنى: قل يا محمد: ما كان للرحمن ولد: وهو قول يعقوب وغيره.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَذَرْهُمْ يَخُوضُواْ وَيَلْعَبُواْ حَتَّىٰ يُلَـٰقُواْ يَوْمَهُمُ ٱلَّذِي يُوعَدُونَ﴾.
هذا تهدد ووعيد من الله جل ذكره للمشركين، أي: سيعلمون يوم القيامة جزاء لعبهم وخوضهم في الباطل.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَهُوَ ٱلَّذِي فِي ٱلسَّمآءِ إِلَـٰهٌ وَفِي ٱلأَرْضِ إِلَـٰهٌ﴾، أي: هو المعبود في السماء وفي الأرض، فلا شيء تصلح له الألوهية إلا هو.
قال قتادة: معنى الآية: وهو الذي يعبد في السماء ويعبد في الأرض.
* *
ثم قال: ﴿وَهُوَ ٱلْحَكِيمُ ٱلْعَلِيمُ﴾، أي: وهو الحكيم في تدبيره خلقه، العليم بمصالحهم.
وفي حرف ابن مسعود: (وهو الذي في السماء الله وفي الأرض الله)، وهي مروية عن عمر وأُبي.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَتَبَارَكَ ٱلَّذِي لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾، أي: وتعالى الذي في ملكه ذلك كله وفي تدبيره وبيده.
* *
وقوله: ﴿وَعِندَهُ عِلْمُ ٱلسَّاعَةِ﴾، أي: وتفرد بعلم قيام الساعة، ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾، أي: تردون بعد مماتكم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَلاَ يَمْلِكُ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ ٱلشَّفَاعَةَ﴾، أي، ولا تملك الآلهة التي يعبدها هؤلاء المشركون من دون الله شفاعة لهم ولا لغيرهم.
وقيل المعنى: ولا يملك عزيرُ وعيسى والملائكة الذين عُبِدُوا من دون الله عز وجل شفاعة لمن عبدهم، قاله مجاهد. والقول الأول قاله قتادة.
﴿إِلاَّ مَن شَهِدَ بِٱلْحَقِّ﴾، أي: بالتوحيد لله والطاعة له.
﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾، أي: يعلمون (أن ما أقروا به حق).
وقيل معنى ﴿إِلاَّ مَن شَهِدَ بِٱلْحَقِّ﴾، يعني: عيسى وعزيرُ والملائكة فإنهم يشفعون لمن أراد الله عز وجل.
قال مجاهد، معناه: لا يشفع المسيح وعزير والملائكة إلا من شهد بالحق، أي: قال لا إله إلا الله. فهذا يدل على أنه استثناء ليس من الأول.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ﴾، أي ولئن سألت يا محمد هؤلاء المشركين بالله من قومك من خلقهم ليقولن خلقهم الله.
* *
ثم قال: ﴿فَأَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ﴾، أي: فمن أي وجه يصرفون عن عبادة الله الذي خلقهم، ويحرمون اتباع رضاه.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَقِيلِهِ يٰرَبِّ إِنَّ هَـٰؤُلاَءِ قَوْمٌ لاَّ يُؤْمِنُونَ﴾ من نصب "وقيله" عطفه، عند الأخفش على "سرهم ونجواهم" (أي: نسمع سرهم ونجواهم وقيله.
وقيل إنما) يجوز نصبه على المصدر.
وقال الزجاج: هو معطوف على موضع الساعة، (لأن معنى "وعنده علم الساعة") ويعلم وقت الساعة ويعلم قيله.
وقيل هو معطوف على مفعول "يعلمون" المحذوف، والتقدير: هم يعلمون الحق وقيله.
وقيل معطوف على مفعول "يكتبون" المحذوف، والتقدير: ورسلنا لديهم يكتبون ذلك وقيله.
ومن خفضه عطفه على لفظ "الساعة"، أي: وعنده علم الساعة وعلم قيله.
والرفع فيه جائز على الابتداء.
والمعنى: ونسمع شكوى محمد وقيله: يا رب، إن هؤلاء الذين أمرتني أن ندعوهم وننذرهم لا يؤمنون.
وهذا قول كان يقوله النبي ﷺ لما امتنعت عليه قريش من الإيمان فأنزله الله جل ذكره.
قال مجاهد وقتادة: هذا قول نبيكم ﷺ يشكو قومه إلى ربه، حكاه الله جل ذكره لنا في كتابه.
والهاء في "وقيله" عائد على النبي ﷺ وقيل: تعود على عيسى، فترجع على قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ٱبْنُ مَرْيَمَ مَثَلاً﴾ [الزخرف: ٥٧] - الآية.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَٱصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلاَمٌ﴾، أي: دعهم واغفر لهم قولهم وفعلهم، وقل: مسالمة ومتاركة مني إليكم، وتقديره: وقل أمري سلام.
وهذا كان قبل أن يؤمر بالقتال، ثم نسخ ذلك بالأمر بالقتال.
وقال الفراء: التقدير: وقل سلام عليكم، ثم حذف، وهو بعيد لم يؤمر النبي ﷺ بأن يجيبهم، إنما أمر (بأن يسالمهم) حتى يأتيه أمر الله عز وجل.
وقد نهي النبي ﷺ أن يبدأ النصارى واليهود بالسلام فكيف يأمره الله بذلك للمشركين وينهاه عنه.
قال ابن عباس: "فاصفح عنهم، أي: أعرض عنهم".
ثم قال: (فسوف تعلمون).
هذا تهدد ووعيد، أي: سوف تلقون ما يسوؤكم غداً إن تماديتم على كفركم.
الزخرف 43:85
قوله تعالى: ﴿إِنَّ ٱلْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ﴾، إلى آخر السورة، أي: إن الذين اكتسبوا الكفر في الدنيا يوم القيامة في عذاب جهنم ماكثون أبداً، لا يخفف عنهم العذاب.
وهم في العذاب مبلسون، قال قتادة: مستسلمون.
وقال السدي: "مُبلسون: متغير حالهم".
وقال الزجاج: "المبلس: الساكت، الممسك إمساك يائس من فرجٍ".
وقال الطبري: المبلس: اليأس من النجاة.
وقال النحاس: المبلس: المتحير الذي قد يئس من الخير.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَـٰكِن كَانُواْ هُمُ ٱلظَّالِمِينَ﴾، أي لم نظلمهم في عذابنا لهم (ولكن هم) ظلموا أنفسهم بكفرهم في الدنيا.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَنَادَوْاْ يٰمَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ أي: ونادى المجرمون بعد دخولهم جهنم مالك خازن جهنم فقالوا: يا مالك لِيُمِتْنَا رَبُّكَ فيفرغ من إماتتنا.
روي أن مالك لا يجيبهم في وقت دعائهم، ويدعهم ألف عام ثم يجيبهم فيقول: ﴿إِنَّكُمْ مَّاكِثُونَ﴾ قاله ابن عباس.
وقال ابن عمر: إن أهل جهنم يدعون مالكاً أربعين عاماً فلا يجيبهم ثم يقول: ﴿إِنَّكُمْ مَّاكِثُونَ﴾، ثم ينادون ربهم: ﴿رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٧] فيدعوهم مثل الدنيا ثم يرد عليهم ﴿ٱخْسَئُواْ فِيهَا وَلاَ تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: ١٠٨] فما نفس القوم بعد ذلك بكلمة، إن كان إلا الزفير والشهيق في نار جهنم.
وقال نوف البكالي يتركهم مالك مائة سنة مما تعدون (ثم يناديهم) فيستجيبون له، فيقول: ﴿إِنَّكُمْ مَّاكِثُونَ﴾.
وقال السدي: يمكثون ألف سنة مما تعدون، ثم يجيبهم بعد ألف عام، إنكم ماكثون.
قال ابن زيد وغيره: ليقض علينا ربك: ليمتنا. القضاء هنا الموت.
* *
ثم قال: ﴿لَقَدْ جِئْنَاكُم بِٱلْحَقِّ﴾، أي: لقد جاءتكم الرسل من عند ربكم.
﴿وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ﴾، أي أكثرهم لا يقبل الحق فهذا الذي أنتم فيه جزاء فعلكم.
* *
ثم قال: ﴿أَمْ أَبْرَمُوۤاْ أَمْراً فَإِنَّا مُبْرِمُونَ﴾، (أي: أم أبرم) هؤلاء المشركون من قريش أمراً يكبدون به الحق فإنا مبرمون. أي: نخزيهم ونذلهم ونظفرك يا محمد بهم.
قال مجاهد: معناه إن كادوا بشرٍّ كدناهم مثله.
وقال قتادة: معناه: (أم أجمعوا) أمراً فإنا مجمعون".
وقال ابن زيد معناه: (أم أحكموا) أمرهم فإنا محكمون لأمرنا.
وقال الفراء معناه: أم أحكموا أمرا ينجيهم من عذابنا على قولهم فإنا نعذبهم.
يقال: أبرم الأمر إذا بالغ في إحكامه. وأبرم الفاتل إذا أدغم، وهو الفتل الثاني والأول يقال له سحيل كما قال زهير:
؎ ... مِنْ سَحِيلٍ وَمُبْرَمِ
ثم قال تعالى: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لاَ نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُم بَلَىٰ﴾، أي: نسمع ذلك ونعلم ما أخفوا وما أعلنوا.
* *
ثم قال: ﴿وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾، أي والحَفَظَةُ عندهم يكتبون ما نطقوا به.
ويروى "أن هذه الآية نزلت في ثلاثة نفر تدارءوا في سماع الله عز وجل كلام عبادة". قال محمد بن كعب القرظي: بينا ثلاثة نفر بين الكعبة وأستارها قرشيان وثقفي، أو ثقفيان، وقرشي، فقال واحد من الثلاثة: ترون أن الله يسمع كلامنا؟! فقال: إذا جهرتم سمع، وإذا أسررتم لم يسمع.
فقال الثاني: إن كان يسمع إذا أعلنتم فإنه يسمع إذا أسررتم قال: فنزلت: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لاَ نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُم﴾ الآية.
* *
ثم قال تعالى: ﴿قُلْ إِن كَانَ لِلرَّحْمَـٰنِ وَلَدٌ فَأَنَاْ أَوَّلُ ٱلْعَابِدِينَ﴾، أي: قل يا محمد إن كان للرحمن ولد على زعمكم فأنا أول المؤمنين بالله في تكذيبكم فقولوا ما شئتم، هذا معنى قول مجاهد.
وقال ابن عباس معناه: "لم يكن ولد فأنا أول الشاهدين" (فمعنى الكلام) على قول ابن عباس: ما كان ذلك ولا ينبغي أن يكون، وهو معنى قول قتادة وابن زيد، وهو قول زيد بن أسلم. فـ "إن" بمعنى: ("ما" التي للنفي).
وقيل معنى: ﴿فَأَنَاْ أَوَّلُ ٱلْعَابِدِينَ﴾، أي: أول من يعبد الله عز وجل بالإيمان والتصديق أنه ليس للرحمن ولد، أي: على (هذا عبد) الله سبحانه وقال السدي معناه: "لو كان له ولد كنت أول من عبده (بأن له ولداً) ولكن لا ولد له".
فجعل "إن" للشرط، وهو اختيار الطبري، لأنك إذا جعلت "إن" بمعنى "ما" أوهمت أنك إنما نفيت عن الله سبحانه الولد فيما مضى دون ما هو آت.
وإذا جعلت "إن" للشرط أخبرت أنه كان له ولد على قولكم فأنا أول من عبده على ذلك ولكن لا ولد، ولا ينبغي أن يكون، وهذا عنده (من الإلطاف) في الكلام، وحسن المخاطبة بمنزلة قوله: ﴿وَإِنَّآ أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَىٰ هُدًى أَوْ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ﴾ [سبأ: ٢٤]، وقد علم أن الحق معه وأن مخالفيه في الضلال. وقيل معنى "العابدين" الآنفين.
حكى: ما عبد فلان إن فعل كذا، أي: ما أنف.
وهذا قول مردود لأنه يلزم منه أن يقول العابدين. إنما يقال، فلان عبد من كذا، أي: آنف منه. ولا يقال عابد بمعنى: أنف.
وقال: أبو عبيدة مجازها: فأنا أول العابدين، أي: الجاحدين من عبد يعبد إذا حجد. وحكى: فلان عَبَدَني حَقّاً، أي: جحدني.
* *
ثم قال تعالى: ﴿سُبْحَانَ رَبِّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ﴾، أي: تبرئة له وتنزيهاً له من الولد وغير ذلك من الأشياء المذمومة.
* *
وقوله: ﴿رَبِّ ٱلْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾، أي يكذبون.
وحكى أبو حاتم أن قوماً يقفون ﴿قُلْ إِن كَانَ لِلرَّحْمَـٰنِ وَلَدٌ﴾، ثم يبتدؤون: ﴿فَأَنَاْ أَوَّلُ ٱلْعَابِدِينَ﴾ على معنى: قل يا محمد: ما كان للرحمن ولد: وهو قول يعقوب وغيره.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَذَرْهُمْ يَخُوضُواْ وَيَلْعَبُواْ حَتَّىٰ يُلَـٰقُواْ يَوْمَهُمُ ٱلَّذِي يُوعَدُونَ﴾.
هذا تهدد ووعيد من الله جل ذكره للمشركين، أي: سيعلمون يوم القيامة جزاء لعبهم وخوضهم في الباطل.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَهُوَ ٱلَّذِي فِي ٱلسَّمآءِ إِلَـٰهٌ وَفِي ٱلأَرْضِ إِلَـٰهٌ﴾، أي: هو المعبود في السماء وفي الأرض، فلا شيء تصلح له الألوهية إلا هو.
قال قتادة: معنى الآية: وهو الذي يعبد في السماء ويعبد في الأرض.
* *
ثم قال: ﴿وَهُوَ ٱلْحَكِيمُ ٱلْعَلِيمُ﴾، أي: وهو الحكيم في تدبيره خلقه، العليم بمصالحهم.
وفي حرف ابن مسعود: (وهو الذي في السماء الله وفي الأرض الله)، وهي مروية عن عمر وأُبي.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَتَبَارَكَ ٱلَّذِي لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾، أي: وتعالى الذي في ملكه ذلك كله وفي تدبيره وبيده.
* *
وقوله: ﴿وَعِندَهُ عِلْمُ ٱلسَّاعَةِ﴾، أي: وتفرد بعلم قيام الساعة، ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾، أي: تردون بعد مماتكم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَلاَ يَمْلِكُ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ ٱلشَّفَاعَةَ﴾، أي، ولا تملك الآلهة التي يعبدها هؤلاء المشركون من دون الله شفاعة لهم ولا لغيرهم.
وقيل المعنى: ولا يملك عزيرُ وعيسى والملائكة الذين عُبِدُوا من دون الله عز وجل شفاعة لمن عبدهم، قاله مجاهد. والقول الأول قاله قتادة.
﴿إِلاَّ مَن شَهِدَ بِٱلْحَقِّ﴾، أي: بالتوحيد لله والطاعة له.
﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾، أي: يعلمون (أن ما أقروا به حق).
وقيل معنى ﴿إِلاَّ مَن شَهِدَ بِٱلْحَقِّ﴾، يعني: عيسى وعزيرُ والملائكة فإنهم يشفعون لمن أراد الله عز وجل.
قال مجاهد، معناه: لا يشفع المسيح وعزير والملائكة إلا من شهد بالحق، أي: قال لا إله إلا الله. فهذا يدل على أنه استثناء ليس من الأول.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ﴾، أي ولئن سألت يا محمد هؤلاء المشركين بالله من قومك من خلقهم ليقولن خلقهم الله.
* *
ثم قال: ﴿فَأَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ﴾، أي: فمن أي وجه يصرفون عن عبادة الله الذي خلقهم، ويحرمون اتباع رضاه.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَقِيلِهِ يٰرَبِّ إِنَّ هَـٰؤُلاَءِ قَوْمٌ لاَّ يُؤْمِنُونَ﴾ من نصب "وقيله" عطفه، عند الأخفش على "سرهم ونجواهم" (أي: نسمع سرهم ونجواهم وقيله.
وقيل إنما) يجوز نصبه على المصدر.
وقال الزجاج: هو معطوف على موضع الساعة، (لأن معنى "وعنده علم الساعة") ويعلم وقت الساعة ويعلم قيله.
وقيل هو معطوف على مفعول "يعلمون" المحذوف، والتقدير: هم يعلمون الحق وقيله.
وقيل معطوف على مفعول "يكتبون" المحذوف، والتقدير: ورسلنا لديهم يكتبون ذلك وقيله.
ومن خفضه عطفه على لفظ "الساعة"، أي: وعنده علم الساعة وعلم قيله.
والرفع فيه جائز على الابتداء.
والمعنى: ونسمع شكوى محمد وقيله: يا رب، إن هؤلاء الذين أمرتني أن ندعوهم وننذرهم لا يؤمنون.
وهذا قول كان يقوله النبي ﷺ لما امتنعت عليه قريش من الإيمان فأنزله الله جل ذكره.
قال مجاهد وقتادة: هذا قول نبيكم ﷺ يشكو قومه إلى ربه، حكاه الله جل ذكره لنا في كتابه.
والهاء في "وقيله" عائد على النبي ﷺ وقيل: تعود على عيسى، فترجع على قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ٱبْنُ مَرْيَمَ مَثَلاً﴾ [الزخرف: ٥٧] - الآية.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَٱصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلاَمٌ﴾، أي: دعهم واغفر لهم قولهم وفعلهم، وقل: مسالمة ومتاركة مني إليكم، وتقديره: وقل أمري سلام.
وهذا كان قبل أن يؤمر بالقتال، ثم نسخ ذلك بالأمر بالقتال.
وقال الفراء: التقدير: وقل سلام عليكم، ثم حذف، وهو بعيد لم يؤمر النبي ﷺ بأن يجيبهم، إنما أمر (بأن يسالمهم) حتى يأتيه أمر الله عز وجل.
وقد نهي النبي ﷺ أن يبدأ النصارى واليهود بالسلام فكيف يأمره الله بذلك للمشركين وينهاه عنه.
قال ابن عباس: "فاصفح عنهم، أي: أعرض عنهم".
ثم قال: (فسوف تعلمون).
هذا تهدد ووعيد، أي: سوف تلقون ما يسوؤكم غداً إن تماديتم على كفركم.
الزخرف 43:86
قوله تعالى: ﴿إِنَّ ٱلْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ﴾، إلى آخر السورة، أي: إن الذين اكتسبوا الكفر في الدنيا يوم القيامة في عذاب جهنم ماكثون أبداً، لا يخفف عنهم العذاب.
وهم في العذاب مبلسون، قال قتادة: مستسلمون.
وقال السدي: "مُبلسون: متغير حالهم".
وقال الزجاج: "المبلس: الساكت، الممسك إمساك يائس من فرجٍ".
وقال الطبري: المبلس: اليأس من النجاة.
وقال النحاس: المبلس: المتحير الذي قد يئس من الخير.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَـٰكِن كَانُواْ هُمُ ٱلظَّالِمِينَ﴾، أي لم نظلمهم في عذابنا لهم (ولكن هم) ظلموا أنفسهم بكفرهم في الدنيا.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَنَادَوْاْ يٰمَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ أي: ونادى المجرمون بعد دخولهم جهنم مالك خازن جهنم فقالوا: يا مالك لِيُمِتْنَا رَبُّكَ فيفرغ من إماتتنا.
روي أن مالك لا يجيبهم في وقت دعائهم، ويدعهم ألف عام ثم يجيبهم فيقول: ﴿إِنَّكُمْ مَّاكِثُونَ﴾ قاله ابن عباس.
وقال ابن عمر: إن أهل جهنم يدعون مالكاً أربعين عاماً فلا يجيبهم ثم يقول: ﴿إِنَّكُمْ مَّاكِثُونَ﴾، ثم ينادون ربهم: ﴿رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٧] فيدعوهم مثل الدنيا ثم يرد عليهم ﴿ٱخْسَئُواْ فِيهَا وَلاَ تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: ١٠٨] فما نفس القوم بعد ذلك بكلمة، إن كان إلا الزفير والشهيق في نار جهنم.
وقال نوف البكالي يتركهم مالك مائة سنة مما تعدون (ثم يناديهم) فيستجيبون له، فيقول: ﴿إِنَّكُمْ مَّاكِثُونَ﴾.
وقال السدي: يمكثون ألف سنة مما تعدون، ثم يجيبهم بعد ألف عام، إنكم ماكثون.
قال ابن زيد وغيره: ليقض علينا ربك: ليمتنا. القضاء هنا الموت.
* *
ثم قال: ﴿لَقَدْ جِئْنَاكُم بِٱلْحَقِّ﴾، أي: لقد جاءتكم الرسل من عند ربكم.
﴿وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ﴾، أي أكثرهم لا يقبل الحق فهذا الذي أنتم فيه جزاء فعلكم.
* *
ثم قال: ﴿أَمْ أَبْرَمُوۤاْ أَمْراً فَإِنَّا مُبْرِمُونَ﴾، (أي: أم أبرم) هؤلاء المشركون من قريش أمراً يكبدون به الحق فإنا مبرمون. أي: نخزيهم ونذلهم ونظفرك يا محمد بهم.
قال مجاهد: معناه إن كادوا بشرٍّ كدناهم مثله.
وقال قتادة: معناه: (أم أجمعوا) أمراً فإنا مجمعون".
وقال ابن زيد معناه: (أم أحكموا) أمرهم فإنا محكمون لأمرنا.
وقال الفراء معناه: أم أحكموا أمرا ينجيهم من عذابنا على قولهم فإنا نعذبهم.
يقال: أبرم الأمر إذا بالغ في إحكامه. وأبرم الفاتل إذا أدغم، وهو الفتل الثاني والأول يقال له سحيل كما قال زهير:
؎ ... مِنْ سَحِيلٍ وَمُبْرَمِ
ثم قال تعالى: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لاَ نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُم بَلَىٰ﴾، أي: نسمع ذلك ونعلم ما أخفوا وما أعلنوا.
* *
ثم قال: ﴿وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾، أي والحَفَظَةُ عندهم يكتبون ما نطقوا به.
ويروى "أن هذه الآية نزلت في ثلاثة نفر تدارءوا في سماع الله عز وجل كلام عبادة". قال محمد بن كعب القرظي: بينا ثلاثة نفر بين الكعبة وأستارها قرشيان وثقفي، أو ثقفيان، وقرشي، فقال واحد من الثلاثة: ترون أن الله يسمع كلامنا؟! فقال: إذا جهرتم سمع، وإذا أسررتم لم يسمع.
فقال الثاني: إن كان يسمع إذا أعلنتم فإنه يسمع إذا أسررتم قال: فنزلت: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لاَ نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُم﴾ الآية.
* *
ثم قال تعالى: ﴿قُلْ إِن كَانَ لِلرَّحْمَـٰنِ وَلَدٌ فَأَنَاْ أَوَّلُ ٱلْعَابِدِينَ﴾، أي: قل يا محمد إن كان للرحمن ولد على زعمكم فأنا أول المؤمنين بالله في تكذيبكم فقولوا ما شئتم، هذا معنى قول مجاهد.
وقال ابن عباس معناه: "لم يكن ولد فأنا أول الشاهدين" (فمعنى الكلام) على قول ابن عباس: ما كان ذلك ولا ينبغي أن يكون، وهو معنى قول قتادة وابن زيد، وهو قول زيد بن أسلم. فـ "إن" بمعنى: ("ما" التي للنفي).
وقيل معنى: ﴿فَأَنَاْ أَوَّلُ ٱلْعَابِدِينَ﴾، أي: أول من يعبد الله عز وجل بالإيمان والتصديق أنه ليس للرحمن ولد، أي: على (هذا عبد) الله سبحانه وقال السدي معناه: "لو كان له ولد كنت أول من عبده (بأن له ولداً) ولكن لا ولد له".
فجعل "إن" للشرط، وهو اختيار الطبري، لأنك إذا جعلت "إن" بمعنى "ما" أوهمت أنك إنما نفيت عن الله سبحانه الولد فيما مضى دون ما هو آت.
وإذا جعلت "إن" للشرط أخبرت أنه كان له ولد على قولكم فأنا أول من عبده على ذلك ولكن لا ولد، ولا ينبغي أن يكون، وهذا عنده (من الإلطاف) في الكلام، وحسن المخاطبة بمنزلة قوله: ﴿وَإِنَّآ أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَىٰ هُدًى أَوْ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ﴾ [سبأ: ٢٤]، وقد علم أن الحق معه وأن مخالفيه في الضلال. وقيل معنى "العابدين" الآنفين.
حكى: ما عبد فلان إن فعل كذا، أي: ما أنف.
وهذا قول مردود لأنه يلزم منه أن يقول العابدين. إنما يقال، فلان عبد من كذا، أي: آنف منه. ولا يقال عابد بمعنى: أنف.
وقال: أبو عبيدة مجازها: فأنا أول العابدين، أي: الجاحدين من عبد يعبد إذا حجد. وحكى: فلان عَبَدَني حَقّاً، أي: جحدني.
* *
ثم قال تعالى: ﴿سُبْحَانَ رَبِّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ﴾، أي: تبرئة له وتنزيهاً له من الولد وغير ذلك من الأشياء المذمومة.
* *
وقوله: ﴿رَبِّ ٱلْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾، أي يكذبون.
وحكى أبو حاتم أن قوماً يقفون ﴿قُلْ إِن كَانَ لِلرَّحْمَـٰنِ وَلَدٌ﴾، ثم يبتدؤون: ﴿فَأَنَاْ أَوَّلُ ٱلْعَابِدِينَ﴾ على معنى: قل يا محمد: ما كان للرحمن ولد: وهو قول يعقوب وغيره.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَذَرْهُمْ يَخُوضُواْ وَيَلْعَبُواْ حَتَّىٰ يُلَـٰقُواْ يَوْمَهُمُ ٱلَّذِي يُوعَدُونَ﴾.
هذا تهدد ووعيد من الله جل ذكره للمشركين، أي: سيعلمون يوم القيامة جزاء لعبهم وخوضهم في الباطل.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَهُوَ ٱلَّذِي فِي ٱلسَّمآءِ إِلَـٰهٌ وَفِي ٱلأَرْضِ إِلَـٰهٌ﴾، أي: هو المعبود في السماء وفي الأرض، فلا شيء تصلح له الألوهية إلا هو.
قال قتادة: معنى الآية: وهو الذي يعبد في السماء ويعبد في الأرض.
* *
ثم قال: ﴿وَهُوَ ٱلْحَكِيمُ ٱلْعَلِيمُ﴾، أي: وهو الحكيم في تدبيره خلقه، العليم بمصالحهم.
وفي حرف ابن مسعود: (وهو الذي في السماء الله وفي الأرض الله)، وهي مروية عن عمر وأُبي.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَتَبَارَكَ ٱلَّذِي لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾، أي: وتعالى الذي في ملكه ذلك كله وفي تدبيره وبيده.
* *
وقوله: ﴿وَعِندَهُ عِلْمُ ٱلسَّاعَةِ﴾، أي: وتفرد بعلم قيام الساعة، ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾، أي: تردون بعد مماتكم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَلاَ يَمْلِكُ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ ٱلشَّفَاعَةَ﴾، أي، ولا تملك الآلهة التي يعبدها هؤلاء المشركون من دون الله شفاعة لهم ولا لغيرهم.
وقيل المعنى: ولا يملك عزيرُ وعيسى والملائكة الذين عُبِدُوا من دون الله عز وجل شفاعة لمن عبدهم، قاله مجاهد. والقول الأول قاله قتادة.
﴿إِلاَّ مَن شَهِدَ بِٱلْحَقِّ﴾، أي: بالتوحيد لله والطاعة له.
﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾، أي: يعلمون (أن ما أقروا به حق).
وقيل معنى ﴿إِلاَّ مَن شَهِدَ بِٱلْحَقِّ﴾، يعني: عيسى وعزيرُ والملائكة فإنهم يشفعون لمن أراد الله عز وجل.
قال مجاهد، معناه: لا يشفع المسيح وعزير والملائكة إلا من شهد بالحق، أي: قال لا إله إلا الله. فهذا يدل على أنه استثناء ليس من الأول.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ﴾، أي ولئن سألت يا محمد هؤلاء المشركين بالله من قومك من خلقهم ليقولن خلقهم الله.
* *
ثم قال: ﴿فَأَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ﴾، أي: فمن أي وجه يصرفون عن عبادة الله الذي خلقهم، ويحرمون اتباع رضاه.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَقِيلِهِ يٰرَبِّ إِنَّ هَـٰؤُلاَءِ قَوْمٌ لاَّ يُؤْمِنُونَ﴾ من نصب "وقيله" عطفه، عند الأخفش على "سرهم ونجواهم" (أي: نسمع سرهم ونجواهم وقيله.
وقيل إنما) يجوز نصبه على المصدر.
وقال الزجاج: هو معطوف على موضع الساعة، (لأن معنى "وعنده علم الساعة") ويعلم وقت الساعة ويعلم قيله.
وقيل هو معطوف على مفعول "يعلمون" المحذوف، والتقدير: هم يعلمون الحق وقيله.
وقيل معطوف على مفعول "يكتبون" المحذوف، والتقدير: ورسلنا لديهم يكتبون ذلك وقيله.
ومن خفضه عطفه على لفظ "الساعة"، أي: وعنده علم الساعة وعلم قيله.
والرفع فيه جائز على الابتداء.
والمعنى: ونسمع شكوى محمد وقيله: يا رب، إن هؤلاء الذين أمرتني أن ندعوهم وننذرهم لا يؤمنون.
وهذا قول كان يقوله النبي ﷺ لما امتنعت عليه قريش من الإيمان فأنزله الله جل ذكره.
قال مجاهد وقتادة: هذا قول نبيكم ﷺ يشكو قومه إلى ربه، حكاه الله جل ذكره لنا في كتابه.
والهاء في "وقيله" عائد على النبي ﷺ وقيل: تعود على عيسى، فترجع على قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ٱبْنُ مَرْيَمَ مَثَلاً﴾ [الزخرف: ٥٧] - الآية.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَٱصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلاَمٌ﴾، أي: دعهم واغفر لهم قولهم وفعلهم، وقل: مسالمة ومتاركة مني إليكم، وتقديره: وقل أمري سلام.
وهذا كان قبل أن يؤمر بالقتال، ثم نسخ ذلك بالأمر بالقتال.
وقال الفراء: التقدير: وقل سلام عليكم، ثم حذف، وهو بعيد لم يؤمر النبي ﷺ بأن يجيبهم، إنما أمر (بأن يسالمهم) حتى يأتيه أمر الله عز وجل.
وقد نهي النبي ﷺ أن يبدأ النصارى واليهود بالسلام فكيف يأمره الله بذلك للمشركين وينهاه عنه.
قال ابن عباس: "فاصفح عنهم، أي: أعرض عنهم".
ثم قال: (فسوف تعلمون).
هذا تهدد ووعيد، أي: سوف تلقون ما يسوؤكم غداً إن تماديتم على كفركم.
الزخرف 43:87
قوله تعالى: ﴿إِنَّ ٱلْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ﴾، إلى آخر السورة، أي: إن الذين اكتسبوا الكفر في الدنيا يوم القيامة في عذاب جهنم ماكثون أبداً، لا يخفف عنهم العذاب.
وهم في العذاب مبلسون، قال قتادة: مستسلمون.
وقال السدي: "مُبلسون: متغير حالهم".
وقال الزجاج: "المبلس: الساكت، الممسك إمساك يائس من فرجٍ".
وقال الطبري: المبلس: اليأس من النجاة.
وقال النحاس: المبلس: المتحير الذي قد يئس من الخير.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَـٰكِن كَانُواْ هُمُ ٱلظَّالِمِينَ﴾، أي لم نظلمهم في عذابنا لهم (ولكن هم) ظلموا أنفسهم بكفرهم في الدنيا.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَنَادَوْاْ يٰمَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ أي: ونادى المجرمون بعد دخولهم جهنم مالك خازن جهنم فقالوا: يا مالك لِيُمِتْنَا رَبُّكَ فيفرغ من إماتتنا.
روي أن مالك لا يجيبهم في وقت دعائهم، ويدعهم ألف عام ثم يجيبهم فيقول: ﴿إِنَّكُمْ مَّاكِثُونَ﴾ قاله ابن عباس.
وقال ابن عمر: إن أهل جهنم يدعون مالكاً أربعين عاماً فلا يجيبهم ثم يقول: ﴿إِنَّكُمْ مَّاكِثُونَ﴾، ثم ينادون ربهم: ﴿رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٧] فيدعوهم مثل الدنيا ثم يرد عليهم ﴿ٱخْسَئُواْ فِيهَا وَلاَ تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: ١٠٨] فما نفس القوم بعد ذلك بكلمة، إن كان إلا الزفير والشهيق في نار جهنم.
وقال نوف البكالي يتركهم مالك مائة سنة مما تعدون (ثم يناديهم) فيستجيبون له، فيقول: ﴿إِنَّكُمْ مَّاكِثُونَ﴾.
وقال السدي: يمكثون ألف سنة مما تعدون، ثم يجيبهم بعد ألف عام، إنكم ماكثون.
قال ابن زيد وغيره: ليقض علينا ربك: ليمتنا. القضاء هنا الموت.
* *
ثم قال: ﴿لَقَدْ جِئْنَاكُم بِٱلْحَقِّ﴾، أي: لقد جاءتكم الرسل من عند ربكم.
﴿وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ﴾، أي أكثرهم لا يقبل الحق فهذا الذي أنتم فيه جزاء فعلكم.
* *
ثم قال: ﴿أَمْ أَبْرَمُوۤاْ أَمْراً فَإِنَّا مُبْرِمُونَ﴾، (أي: أم أبرم) هؤلاء المشركون من قريش أمراً يكبدون به الحق فإنا مبرمون. أي: نخزيهم ونذلهم ونظفرك يا محمد بهم.
قال مجاهد: معناه إن كادوا بشرٍّ كدناهم مثله.
وقال قتادة: معناه: (أم أجمعوا) أمراً فإنا مجمعون".
وقال ابن زيد معناه: (أم أحكموا) أمرهم فإنا محكمون لأمرنا.
وقال الفراء معناه: أم أحكموا أمرا ينجيهم من عذابنا على قولهم فإنا نعذبهم.
يقال: أبرم الأمر إذا بالغ في إحكامه. وأبرم الفاتل إذا أدغم، وهو الفتل الثاني والأول يقال له سحيل كما قال زهير:
؎ ... مِنْ سَحِيلٍ وَمُبْرَمِ
ثم قال تعالى: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لاَ نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُم بَلَىٰ﴾، أي: نسمع ذلك ونعلم ما أخفوا وما أعلنوا.
* *
ثم قال: ﴿وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾، أي والحَفَظَةُ عندهم يكتبون ما نطقوا به.
ويروى "أن هذه الآية نزلت في ثلاثة نفر تدارءوا في سماع الله عز وجل كلام عبادة". قال محمد بن كعب القرظي: بينا ثلاثة نفر بين الكعبة وأستارها قرشيان وثقفي، أو ثقفيان، وقرشي، فقال واحد من الثلاثة: ترون أن الله يسمع كلامنا؟! فقال: إذا جهرتم سمع، وإذا أسررتم لم يسمع.
فقال الثاني: إن كان يسمع إذا أعلنتم فإنه يسمع إذا أسررتم قال: فنزلت: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لاَ نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُم﴾ الآية.
* *
ثم قال تعالى: ﴿قُلْ إِن كَانَ لِلرَّحْمَـٰنِ وَلَدٌ فَأَنَاْ أَوَّلُ ٱلْعَابِدِينَ﴾، أي: قل يا محمد إن كان للرحمن ولد على زعمكم فأنا أول المؤمنين بالله في تكذيبكم فقولوا ما شئتم، هذا معنى قول مجاهد.
وقال ابن عباس معناه: "لم يكن ولد فأنا أول الشاهدين" (فمعنى الكلام) على قول ابن عباس: ما كان ذلك ولا ينبغي أن يكون، وهو معنى قول قتادة وابن زيد، وهو قول زيد بن أسلم. فـ "إن" بمعنى: ("ما" التي للنفي).
وقيل معنى: ﴿فَأَنَاْ أَوَّلُ ٱلْعَابِدِينَ﴾، أي: أول من يعبد الله عز وجل بالإيمان والتصديق أنه ليس للرحمن ولد، أي: على (هذا عبد) الله سبحانه وقال السدي معناه: "لو كان له ولد كنت أول من عبده (بأن له ولداً) ولكن لا ولد له".
فجعل "إن" للشرط، وهو اختيار الطبري، لأنك إذا جعلت "إن" بمعنى "ما" أوهمت أنك إنما نفيت عن الله سبحانه الولد فيما مضى دون ما هو آت.
وإذا جعلت "إن" للشرط أخبرت أنه كان له ولد على قولكم فأنا أول من عبده على ذلك ولكن لا ولد، ولا ينبغي أن يكون، وهذا عنده (من الإلطاف) في الكلام، وحسن المخاطبة بمنزلة قوله: ﴿وَإِنَّآ أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَىٰ هُدًى أَوْ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ﴾ [سبأ: ٢٤]، وقد علم أن الحق معه وأن مخالفيه في الضلال. وقيل معنى "العابدين" الآنفين.
حكى: ما عبد فلان إن فعل كذا، أي: ما أنف.
وهذا قول مردود لأنه يلزم منه أن يقول العابدين. إنما يقال، فلان عبد من كذا، أي: آنف منه. ولا يقال عابد بمعنى: أنف.
وقال: أبو عبيدة مجازها: فأنا أول العابدين، أي: الجاحدين من عبد يعبد إذا حجد. وحكى: فلان عَبَدَني حَقّاً، أي: جحدني.
* *
ثم قال تعالى: ﴿سُبْحَانَ رَبِّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ﴾، أي: تبرئة له وتنزيهاً له من الولد وغير ذلك من الأشياء المذمومة.
* *
وقوله: ﴿رَبِّ ٱلْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾، أي يكذبون.
وحكى أبو حاتم أن قوماً يقفون ﴿قُلْ إِن كَانَ لِلرَّحْمَـٰنِ وَلَدٌ﴾، ثم يبتدؤون: ﴿فَأَنَاْ أَوَّلُ ٱلْعَابِدِينَ﴾ على معنى: قل يا محمد: ما كان للرحمن ولد: وهو قول يعقوب وغيره.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَذَرْهُمْ يَخُوضُواْ وَيَلْعَبُواْ حَتَّىٰ يُلَـٰقُواْ يَوْمَهُمُ ٱلَّذِي يُوعَدُونَ﴾.
هذا تهدد ووعيد من الله جل ذكره للمشركين، أي: سيعلمون يوم القيامة جزاء لعبهم وخوضهم في الباطل.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَهُوَ ٱلَّذِي فِي ٱلسَّمآءِ إِلَـٰهٌ وَفِي ٱلأَرْضِ إِلَـٰهٌ﴾، أي: هو المعبود في السماء وفي الأرض، فلا شيء تصلح له الألوهية إلا هو.
قال قتادة: معنى الآية: وهو الذي يعبد في السماء ويعبد في الأرض.
* *
ثم قال: ﴿وَهُوَ ٱلْحَكِيمُ ٱلْعَلِيمُ﴾، أي: وهو الحكيم في تدبيره خلقه، العليم بمصالحهم.
وفي حرف ابن مسعود: (وهو الذي في السماء الله وفي الأرض الله)، وهي مروية عن عمر وأُبي.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَتَبَارَكَ ٱلَّذِي لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾، أي: وتعالى الذي في ملكه ذلك كله وفي تدبيره وبيده.
* *
وقوله: ﴿وَعِندَهُ عِلْمُ ٱلسَّاعَةِ﴾، أي: وتفرد بعلم قيام الساعة، ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾، أي: تردون بعد مماتكم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَلاَ يَمْلِكُ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ ٱلشَّفَاعَةَ﴾، أي، ولا تملك الآلهة التي يعبدها هؤلاء المشركون من دون الله شفاعة لهم ولا لغيرهم.
وقيل المعنى: ولا يملك عزيرُ وعيسى والملائكة الذين عُبِدُوا من دون الله عز وجل شفاعة لمن عبدهم، قاله مجاهد. والقول الأول قاله قتادة.
﴿إِلاَّ مَن شَهِدَ بِٱلْحَقِّ﴾، أي: بالتوحيد لله والطاعة له.
﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾، أي: يعلمون (أن ما أقروا به حق).
وقيل معنى ﴿إِلاَّ مَن شَهِدَ بِٱلْحَقِّ﴾، يعني: عيسى وعزيرُ والملائكة فإنهم يشفعون لمن أراد الله عز وجل.
قال مجاهد، معناه: لا يشفع المسيح وعزير والملائكة إلا من شهد بالحق، أي: قال لا إله إلا الله. فهذا يدل على أنه استثناء ليس من الأول.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ﴾، أي ولئن سألت يا محمد هؤلاء المشركين بالله من قومك من خلقهم ليقولن خلقهم الله.
* *
ثم قال: ﴿فَأَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ﴾، أي: فمن أي وجه يصرفون عن عبادة الله الذي خلقهم، ويحرمون اتباع رضاه.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَقِيلِهِ يٰرَبِّ إِنَّ هَـٰؤُلاَءِ قَوْمٌ لاَّ يُؤْمِنُونَ﴾ من نصب "وقيله" عطفه، عند الأخفش على "سرهم ونجواهم" (أي: نسمع سرهم ونجواهم وقيله.
وقيل إنما) يجوز نصبه على المصدر.
وقال الزجاج: هو معطوف على موضع الساعة، (لأن معنى "وعنده علم الساعة") ويعلم وقت الساعة ويعلم قيله.
وقيل هو معطوف على مفعول "يعلمون" المحذوف، والتقدير: هم يعلمون الحق وقيله.
وقيل معطوف على مفعول "يكتبون" المحذوف، والتقدير: ورسلنا لديهم يكتبون ذلك وقيله.
ومن خفضه عطفه على لفظ "الساعة"، أي: وعنده علم الساعة وعلم قيله.
والرفع فيه جائز على الابتداء.
والمعنى: ونسمع شكوى محمد وقيله: يا رب، إن هؤلاء الذين أمرتني أن ندعوهم وننذرهم لا يؤمنون.
وهذا قول كان يقوله النبي ﷺ لما امتنعت عليه قريش من الإيمان فأنزله الله جل ذكره.
قال مجاهد وقتادة: هذا قول نبيكم ﷺ يشكو قومه إلى ربه، حكاه الله جل ذكره لنا في كتابه.
والهاء في "وقيله" عائد على النبي ﷺ وقيل: تعود على عيسى، فترجع على قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ٱبْنُ مَرْيَمَ مَثَلاً﴾ [الزخرف: ٥٧] - الآية.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَٱصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلاَمٌ﴾، أي: دعهم واغفر لهم قولهم وفعلهم، وقل: مسالمة ومتاركة مني إليكم، وتقديره: وقل أمري سلام.
وهذا كان قبل أن يؤمر بالقتال، ثم نسخ ذلك بالأمر بالقتال.
وقال الفراء: التقدير: وقل سلام عليكم، ثم حذف، وهو بعيد لم يؤمر النبي ﷺ بأن يجيبهم، إنما أمر (بأن يسالمهم) حتى يأتيه أمر الله عز وجل.
وقد نهي النبي ﷺ أن يبدأ النصارى واليهود بالسلام فكيف يأمره الله بذلك للمشركين وينهاه عنه.
قال ابن عباس: "فاصفح عنهم، أي: أعرض عنهم".
ثم قال: (فسوف تعلمون).
هذا تهدد ووعيد، أي: سوف تلقون ما يسوؤكم غداً إن تماديتم على كفركم.
الزخرف 43:88
قوله تعالى: ﴿إِنَّ ٱلْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ﴾، إلى آخر السورة، أي: إن الذين اكتسبوا الكفر في الدنيا يوم القيامة في عذاب جهنم ماكثون أبداً، لا يخفف عنهم العذاب.
وهم في العذاب مبلسون، قال قتادة: مستسلمون.
وقال السدي: "مُبلسون: متغير حالهم".
وقال الزجاج: "المبلس: الساكت، الممسك إمساك يائس من فرجٍ".
وقال الطبري: المبلس: اليأس من النجاة.
وقال النحاس: المبلس: المتحير الذي قد يئس من الخير.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَـٰكِن كَانُواْ هُمُ ٱلظَّالِمِينَ﴾، أي لم نظلمهم في عذابنا لهم (ولكن هم) ظلموا أنفسهم بكفرهم في الدنيا.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَنَادَوْاْ يٰمَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ أي: ونادى المجرمون بعد دخولهم جهنم مالك خازن جهنم فقالوا: يا مالك لِيُمِتْنَا رَبُّكَ فيفرغ من إماتتنا.
روي أن مالك لا يجيبهم في وقت دعائهم، ويدعهم ألف عام ثم يجيبهم فيقول: ﴿إِنَّكُمْ مَّاكِثُونَ﴾ قاله ابن عباس.
وقال ابن عمر: إن أهل جهنم يدعون مالكاً أربعين عاماً فلا يجيبهم ثم يقول: ﴿إِنَّكُمْ مَّاكِثُونَ﴾، ثم ينادون ربهم: ﴿رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٧] فيدعوهم مثل الدنيا ثم يرد عليهم ﴿ٱخْسَئُواْ فِيهَا وَلاَ تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: ١٠٨] فما نفس القوم بعد ذلك بكلمة، إن كان إلا الزفير والشهيق في نار جهنم.
وقال نوف البكالي يتركهم مالك مائة سنة مما تعدون (ثم يناديهم) فيستجيبون له، فيقول: ﴿إِنَّكُمْ مَّاكِثُونَ﴾.
وقال السدي: يمكثون ألف سنة مما تعدون، ثم يجيبهم بعد ألف عام، إنكم ماكثون.
قال ابن زيد وغيره: ليقض علينا ربك: ليمتنا. القضاء هنا الموت.
* *
ثم قال: ﴿لَقَدْ جِئْنَاكُم بِٱلْحَقِّ﴾، أي: لقد جاءتكم الرسل من عند ربكم.
﴿وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ﴾، أي أكثرهم لا يقبل الحق فهذا الذي أنتم فيه جزاء فعلكم.
* *
ثم قال: ﴿أَمْ أَبْرَمُوۤاْ أَمْراً فَإِنَّا مُبْرِمُونَ﴾، (أي: أم أبرم) هؤلاء المشركون من قريش أمراً يكبدون به الحق فإنا مبرمون. أي: نخزيهم ونذلهم ونظفرك يا محمد بهم.
قال مجاهد: معناه إن كادوا بشرٍّ كدناهم مثله.
وقال قتادة: معناه: (أم أجمعوا) أمراً فإنا مجمعون".
وقال ابن زيد معناه: (أم أحكموا) أمرهم فإنا محكمون لأمرنا.
وقال الفراء معناه: أم أحكموا أمرا ينجيهم من عذابنا على قولهم فإنا نعذبهم.
يقال: أبرم الأمر إذا بالغ في إحكامه. وأبرم الفاتل إذا أدغم، وهو الفتل الثاني والأول يقال له سحيل كما قال زهير:
؎ ... مِنْ سَحِيلٍ وَمُبْرَمِ
ثم قال تعالى: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لاَ نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُم بَلَىٰ﴾، أي: نسمع ذلك ونعلم ما أخفوا وما أعلنوا.
* *
ثم قال: ﴿وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾، أي والحَفَظَةُ عندهم يكتبون ما نطقوا به.
ويروى "أن هذه الآية نزلت في ثلاثة نفر تدارءوا في سماع الله عز وجل كلام عبادة". قال محمد بن كعب القرظي: بينا ثلاثة نفر بين الكعبة وأستارها قرشيان وثقفي، أو ثقفيان، وقرشي، فقال واحد من الثلاثة: ترون أن الله يسمع كلامنا؟! فقال: إذا جهرتم سمع، وإذا أسررتم لم يسمع.
فقال الثاني: إن كان يسمع إذا أعلنتم فإنه يسمع إذا أسررتم قال: فنزلت: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لاَ نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُم﴾ الآية.
* *
ثم قال تعالى: ﴿قُلْ إِن كَانَ لِلرَّحْمَـٰنِ وَلَدٌ فَأَنَاْ أَوَّلُ ٱلْعَابِدِينَ﴾، أي: قل يا محمد إن كان للرحمن ولد على زعمكم فأنا أول المؤمنين بالله في تكذيبكم فقولوا ما شئتم، هذا معنى قول مجاهد.
وقال ابن عباس معناه: "لم يكن ولد فأنا أول الشاهدين" (فمعنى الكلام) على قول ابن عباس: ما كان ذلك ولا ينبغي أن يكون، وهو معنى قول قتادة وابن زيد، وهو قول زيد بن أسلم. فـ "إن" بمعنى: ("ما" التي للنفي).
وقيل معنى: ﴿فَأَنَاْ أَوَّلُ ٱلْعَابِدِينَ﴾، أي: أول من يعبد الله عز وجل بالإيمان والتصديق أنه ليس للرحمن ولد، أي: على (هذا عبد) الله سبحانه وقال السدي معناه: "لو كان له ولد كنت أول من عبده (بأن له ولداً) ولكن لا ولد له".
فجعل "إن" للشرط، وهو اختيار الطبري، لأنك إذا جعلت "إن" بمعنى "ما" أوهمت أنك إنما نفيت عن الله سبحانه الولد فيما مضى دون ما هو آت.
وإذا جعلت "إن" للشرط أخبرت أنه كان له ولد على قولكم فأنا أول من عبده على ذلك ولكن لا ولد، ولا ينبغي أن يكون، وهذا عنده (من الإلطاف) في الكلام، وحسن المخاطبة بمنزلة قوله: ﴿وَإِنَّآ أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَىٰ هُدًى أَوْ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ﴾ [سبأ: ٢٤]، وقد علم أن الحق معه وأن مخالفيه في الضلال. وقيل معنى "العابدين" الآنفين.
حكى: ما عبد فلان إن فعل كذا، أي: ما أنف.
وهذا قول مردود لأنه يلزم منه أن يقول العابدين. إنما يقال، فلان عبد من كذا، أي: آنف منه. ولا يقال عابد بمعنى: أنف.
وقال: أبو عبيدة مجازها: فأنا أول العابدين، أي: الجاحدين من عبد يعبد إذا حجد. وحكى: فلان عَبَدَني حَقّاً، أي: جحدني.
* *
ثم قال تعالى: ﴿سُبْحَانَ رَبِّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ﴾، أي: تبرئة له وتنزيهاً له من الولد وغير ذلك من الأشياء المذمومة.
* *
وقوله: ﴿رَبِّ ٱلْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾، أي يكذبون.
وحكى أبو حاتم أن قوماً يقفون ﴿قُلْ إِن كَانَ لِلرَّحْمَـٰنِ وَلَدٌ﴾، ثم يبتدؤون: ﴿فَأَنَاْ أَوَّلُ ٱلْعَابِدِينَ﴾ على معنى: قل يا محمد: ما كان للرحمن ولد: وهو قول يعقوب وغيره.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَذَرْهُمْ يَخُوضُواْ وَيَلْعَبُواْ حَتَّىٰ يُلَـٰقُواْ يَوْمَهُمُ ٱلَّذِي يُوعَدُونَ﴾.
هذا تهدد ووعيد من الله جل ذكره للمشركين، أي: سيعلمون يوم القيامة جزاء لعبهم وخوضهم في الباطل.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَهُوَ ٱلَّذِي فِي ٱلسَّمآءِ إِلَـٰهٌ وَفِي ٱلأَرْضِ إِلَـٰهٌ﴾، أي: هو المعبود في السماء وفي الأرض، فلا شيء تصلح له الألوهية إلا هو.
قال قتادة: معنى الآية: وهو الذي يعبد في السماء ويعبد في الأرض.
* *
ثم قال: ﴿وَهُوَ ٱلْحَكِيمُ ٱلْعَلِيمُ﴾، أي: وهو الحكيم في تدبيره خلقه، العليم بمصالحهم.
وفي حرف ابن مسعود: (وهو الذي في السماء الله وفي الأرض الله)، وهي مروية عن عمر وأُبي.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَتَبَارَكَ ٱلَّذِي لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾، أي: وتعالى الذي في ملكه ذلك كله وفي تدبيره وبيده.
* *
وقوله: ﴿وَعِندَهُ عِلْمُ ٱلسَّاعَةِ﴾، أي: وتفرد بعلم قيام الساعة، ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾، أي: تردون بعد مماتكم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَلاَ يَمْلِكُ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ ٱلشَّفَاعَةَ﴾، أي، ولا تملك الآلهة التي يعبدها هؤلاء المشركون من دون الله شفاعة لهم ولا لغيرهم.
وقيل المعنى: ولا يملك عزيرُ وعيسى والملائكة الذين عُبِدُوا من دون الله عز وجل شفاعة لمن عبدهم، قاله مجاهد. والقول الأول قاله قتادة.
﴿إِلاَّ مَن شَهِدَ بِٱلْحَقِّ﴾، أي: بالتوحيد لله والطاعة له.
﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾، أي: يعلمون (أن ما أقروا به حق).
وقيل معنى ﴿إِلاَّ مَن شَهِدَ بِٱلْحَقِّ﴾، يعني: عيسى وعزيرُ والملائكة فإنهم يشفعون لمن أراد الله عز وجل.
قال مجاهد، معناه: لا يشفع المسيح وعزير والملائكة إلا من شهد بالحق، أي: قال لا إله إلا الله. فهذا يدل على أنه استثناء ليس من الأول.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ﴾، أي ولئن سألت يا محمد هؤلاء المشركين بالله من قومك من خلقهم ليقولن خلقهم الله.
* *
ثم قال: ﴿فَأَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ﴾، أي: فمن أي وجه يصرفون عن عبادة الله الذي خلقهم، ويحرمون اتباع رضاه.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَقِيلِهِ يٰرَبِّ إِنَّ هَـٰؤُلاَءِ قَوْمٌ لاَّ يُؤْمِنُونَ﴾ من نصب "وقيله" عطفه، عند الأخفش على "سرهم ونجواهم" (أي: نسمع سرهم ونجواهم وقيله.
وقيل إنما) يجوز نصبه على المصدر.
وقال الزجاج: هو معطوف على موضع الساعة، (لأن معنى "وعنده علم الساعة") ويعلم وقت الساعة ويعلم قيله.
وقيل هو معطوف على مفعول "يعلمون" المحذوف، والتقدير: هم يعلمون الحق وقيله.
وقيل معطوف على مفعول "يكتبون" المحذوف، والتقدير: ورسلنا لديهم يكتبون ذلك وقيله.
ومن خفضه عطفه على لفظ "الساعة"، أي: وعنده علم الساعة وعلم قيله.
والرفع فيه جائز على الابتداء.
والمعنى: ونسمع شكوى محمد وقيله: يا رب، إن هؤلاء الذين أمرتني أن ندعوهم وننذرهم لا يؤمنون.
وهذا قول كان يقوله النبي ﷺ لما امتنعت عليه قريش من الإيمان فأنزله الله جل ذكره.
قال مجاهد وقتادة: هذا قول نبيكم ﷺ يشكو قومه إلى ربه، حكاه الله جل ذكره لنا في كتابه.
والهاء في "وقيله" عائد على النبي ﷺ وقيل: تعود على عيسى، فترجع على قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ٱبْنُ مَرْيَمَ مَثَلاً﴾ [الزخرف: ٥٧] - الآية.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَٱصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلاَمٌ﴾، أي: دعهم واغفر لهم قولهم وفعلهم، وقل: مسالمة ومتاركة مني إليكم، وتقديره: وقل أمري سلام.
وهذا كان قبل أن يؤمر بالقتال، ثم نسخ ذلك بالأمر بالقتال.
وقال الفراء: التقدير: وقل سلام عليكم، ثم حذف، وهو بعيد لم يؤمر النبي ﷺ بأن يجيبهم، إنما أمر (بأن يسالمهم) حتى يأتيه أمر الله عز وجل.
وقد نهي النبي ﷺ أن يبدأ النصارى واليهود بالسلام فكيف يأمره الله بذلك للمشركين وينهاه عنه.
قال ابن عباس: "فاصفح عنهم، أي: أعرض عنهم".
ثم قال: (فسوف تعلمون).
هذا تهدد ووعيد، أي: سوف تلقون ما يسوؤكم غداً إن تماديتم على كفركم.
الزخرف 43:89
قوله تعالى: ﴿إِنَّ ٱلْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ﴾، إلى آخر السورة، أي: إن الذين اكتسبوا الكفر في الدنيا يوم القيامة في عذاب جهنم ماكثون أبداً، لا يخفف عنهم العذاب.
وهم في العذاب مبلسون، قال قتادة: مستسلمون.
وقال السدي: "مُبلسون: متغير حالهم".
وقال الزجاج: "المبلس: الساكت، الممسك إمساك يائس من فرجٍ".
وقال الطبري: المبلس: اليأس من النجاة.
وقال النحاس: المبلس: المتحير الذي قد يئس من الخير.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَـٰكِن كَانُواْ هُمُ ٱلظَّالِمِينَ﴾، أي لم نظلمهم في عذابنا لهم (ولكن هم) ظلموا أنفسهم بكفرهم في الدنيا.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَنَادَوْاْ يٰمَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ أي: ونادى المجرمون بعد دخولهم جهنم مالك خازن جهنم فقالوا: يا مالك لِيُمِتْنَا رَبُّكَ فيفرغ من إماتتنا.
روي أن مالك لا يجيبهم في وقت دعائهم، ويدعهم ألف عام ثم يجيبهم فيقول: ﴿إِنَّكُمْ مَّاكِثُونَ﴾ قاله ابن عباس.
وقال ابن عمر: إن أهل جهنم يدعون مالكاً أربعين عاماً فلا يجيبهم ثم يقول: ﴿إِنَّكُمْ مَّاكِثُونَ﴾، ثم ينادون ربهم: ﴿رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٧] فيدعوهم مثل الدنيا ثم يرد عليهم ﴿ٱخْسَئُواْ فِيهَا وَلاَ تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: ١٠٨] فما نفس القوم بعد ذلك بكلمة، إن كان إلا الزفير والشهيق في نار جهنم.
وقال نوف البكالي يتركهم مالك مائة سنة مما تعدون (ثم يناديهم) فيستجيبون له، فيقول: ﴿إِنَّكُمْ مَّاكِثُونَ﴾.
وقال السدي: يمكثون ألف سنة مما تعدون، ثم يجيبهم بعد ألف عام، إنكم ماكثون.
قال ابن زيد وغيره: ليقض علينا ربك: ليمتنا. القضاء هنا الموت.
* *
ثم قال: ﴿لَقَدْ جِئْنَاكُم بِٱلْحَقِّ﴾، أي: لقد جاءتكم الرسل من عند ربكم.
﴿وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ﴾، أي أكثرهم لا يقبل الحق فهذا الذي أنتم فيه جزاء فعلكم.
* *
ثم قال: ﴿أَمْ أَبْرَمُوۤاْ أَمْراً فَإِنَّا مُبْرِمُونَ﴾، (أي: أم أبرم) هؤلاء المشركون من قريش أمراً يكبدون به الحق فإنا مبرمون. أي: نخزيهم ونذلهم ونظفرك يا محمد بهم.
قال مجاهد: معناه إن كادوا بشرٍّ كدناهم مثله.
وقال قتادة: معناه: (أم أجمعوا) أمراً فإنا مجمعون".
وقال ابن زيد معناه: (أم أحكموا) أمرهم فإنا محكمون لأمرنا.
وقال الفراء معناه: أم أحكموا أمرا ينجيهم من عذابنا على قولهم فإنا نعذبهم.
يقال: أبرم الأمر إذا بالغ في إحكامه. وأبرم الفاتل إذا أدغم، وهو الفتل الثاني والأول يقال له سحيل كما قال زهير:
؎ ... مِنْ سَحِيلٍ وَمُبْرَمِ
ثم قال تعالى: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لاَ نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُم بَلَىٰ﴾، أي: نسمع ذلك ونعلم ما أخفوا وما أعلنوا.
* *
ثم قال: ﴿وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾، أي والحَفَظَةُ عندهم يكتبون ما نطقوا به.
ويروى "أن هذه الآية نزلت في ثلاثة نفر تدارءوا في سماع الله عز وجل كلام عبادة". قال محمد بن كعب القرظي: بينا ثلاثة نفر بين الكعبة وأستارها قرشيان وثقفي، أو ثقفيان، وقرشي، فقال واحد من الثلاثة: ترون أن الله يسمع كلامنا؟! فقال: إذا جهرتم سمع، وإذا أسررتم لم يسمع.
فقال الثاني: إن كان يسمع إذا أعلنتم فإنه يسمع إذا أسررتم قال: فنزلت: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لاَ نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُم﴾ الآية.
* *
ثم قال تعالى: ﴿قُلْ إِن كَانَ لِلرَّحْمَـٰنِ وَلَدٌ فَأَنَاْ أَوَّلُ ٱلْعَابِدِينَ﴾، أي: قل يا محمد إن كان للرحمن ولد على زعمكم فأنا أول المؤمنين بالله في تكذيبكم فقولوا ما شئتم، هذا معنى قول مجاهد.
وقال ابن عباس معناه: "لم يكن ولد فأنا أول الشاهدين" (فمعنى الكلام) على قول ابن عباس: ما كان ذلك ولا ينبغي أن يكون، وهو معنى قول قتادة وابن زيد، وهو قول زيد بن أسلم. فـ "إن" بمعنى: ("ما" التي للنفي).
وقيل معنى: ﴿فَأَنَاْ أَوَّلُ ٱلْعَابِدِينَ﴾، أي: أول من يعبد الله عز وجل بالإيمان والتصديق أنه ليس للرحمن ولد، أي: على (هذا عبد) الله سبحانه وقال السدي معناه: "لو كان له ولد كنت أول من عبده (بأن له ولداً) ولكن لا ولد له".
فجعل "إن" للشرط، وهو اختيار الطبري، لأنك إذا جعلت "إن" بمعنى "ما" أوهمت أنك إنما نفيت عن الله سبحانه الولد فيما مضى دون ما هو آت.
وإذا جعلت "إن" للشرط أخبرت أنه كان له ولد على قولكم فأنا أول من عبده على ذلك ولكن لا ولد، ولا ينبغي أن يكون، وهذا عنده (من الإلطاف) في الكلام، وحسن المخاطبة بمنزلة قوله: ﴿وَإِنَّآ أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَىٰ هُدًى أَوْ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ﴾ [سبأ: ٢٤]، وقد علم أن الحق معه وأن مخالفيه في الضلال. وقيل معنى "العابدين" الآنفين.
حكى: ما عبد فلان إن فعل كذا، أي: ما أنف.
وهذا قول مردود لأنه يلزم منه أن يقول العابدين. إنما يقال، فلان عبد من كذا، أي: آنف منه. ولا يقال عابد بمعنى: أنف.
وقال: أبو عبيدة مجازها: فأنا أول العابدين، أي: الجاحدين من عبد يعبد إذا حجد. وحكى: فلان عَبَدَني حَقّاً، أي: جحدني.
* *
ثم قال تعالى: ﴿سُبْحَانَ رَبِّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ﴾، أي: تبرئة له وتنزيهاً له من الولد وغير ذلك من الأشياء المذمومة.
* *
وقوله: ﴿رَبِّ ٱلْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾، أي يكذبون.
وحكى أبو حاتم أن قوماً يقفون ﴿قُلْ إِن كَانَ لِلرَّحْمَـٰنِ وَلَدٌ﴾، ثم يبتدؤون: ﴿فَأَنَاْ أَوَّلُ ٱلْعَابِدِينَ﴾ على معنى: قل يا محمد: ما كان للرحمن ولد: وهو قول يعقوب وغيره.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَذَرْهُمْ يَخُوضُواْ وَيَلْعَبُواْ حَتَّىٰ يُلَـٰقُواْ يَوْمَهُمُ ٱلَّذِي يُوعَدُونَ﴾.
هذا تهدد ووعيد من الله جل ذكره للمشركين، أي: سيعلمون يوم القيامة جزاء لعبهم وخوضهم في الباطل.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَهُوَ ٱلَّذِي فِي ٱلسَّمآءِ إِلَـٰهٌ وَفِي ٱلأَرْضِ إِلَـٰهٌ﴾، أي: هو المعبود في السماء وفي الأرض، فلا شيء تصلح له الألوهية إلا هو.
قال قتادة: معنى الآية: وهو الذي يعبد في السماء ويعبد في الأرض.
* *
ثم قال: ﴿وَهُوَ ٱلْحَكِيمُ ٱلْعَلِيمُ﴾، أي: وهو الحكيم في تدبيره خلقه، العليم بمصالحهم.
وفي حرف ابن مسعود: (وهو الذي في السماء الله وفي الأرض الله)، وهي مروية عن عمر وأُبي.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَتَبَارَكَ ٱلَّذِي لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾، أي: وتعالى الذي في ملكه ذلك كله وفي تدبيره وبيده.
* *
وقوله: ﴿وَعِندَهُ عِلْمُ ٱلسَّاعَةِ﴾، أي: وتفرد بعلم قيام الساعة، ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾، أي: تردون بعد مماتكم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَلاَ يَمْلِكُ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ ٱلشَّفَاعَةَ﴾، أي، ولا تملك الآلهة التي يعبدها هؤلاء المشركون من دون الله شفاعة لهم ولا لغيرهم.
وقيل المعنى: ولا يملك عزيرُ وعيسى والملائكة الذين عُبِدُوا من دون الله عز وجل شفاعة لمن عبدهم، قاله مجاهد. والقول الأول قاله قتادة.
﴿إِلاَّ مَن شَهِدَ بِٱلْحَقِّ﴾، أي: بالتوحيد لله والطاعة له.
﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾، أي: يعلمون (أن ما أقروا به حق).
وقيل معنى ﴿إِلاَّ مَن شَهِدَ بِٱلْحَقِّ﴾، يعني: عيسى وعزيرُ والملائكة فإنهم يشفعون لمن أراد الله عز وجل.
قال مجاهد، معناه: لا يشفع المسيح وعزير والملائكة إلا من شهد بالحق، أي: قال لا إله إلا الله. فهذا يدل على أنه استثناء ليس من الأول.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ﴾، أي ولئن سألت يا محمد هؤلاء المشركين بالله من قومك من خلقهم ليقولن خلقهم الله.
* *
ثم قال: ﴿فَأَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ﴾، أي: فمن أي وجه يصرفون عن عبادة الله الذي خلقهم، ويحرمون اتباع رضاه.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَقِيلِهِ يٰرَبِّ إِنَّ هَـٰؤُلاَءِ قَوْمٌ لاَّ يُؤْمِنُونَ﴾ من نصب "وقيله" عطفه، عند الأخفش على "سرهم ونجواهم" (أي: نسمع سرهم ونجواهم وقيله.
وقيل إنما) يجوز نصبه على المصدر.
وقال الزجاج: هو معطوف على موضع الساعة، (لأن معنى "وعنده علم الساعة") ويعلم وقت الساعة ويعلم قيله.
وقيل هو معطوف على مفعول "يعلمون" المحذوف، والتقدير: هم يعلمون الحق وقيله.
وقيل معطوف على مفعول "يكتبون" المحذوف، والتقدير: ورسلنا لديهم يكتبون ذلك وقيله.
ومن خفضه عطفه على لفظ "الساعة"، أي: وعنده علم الساعة وعلم قيله.
والرفع فيه جائز على الابتداء.
والمعنى: ونسمع شكوى محمد وقيله: يا رب، إن هؤلاء الذين أمرتني أن ندعوهم وننذرهم لا يؤمنون.
وهذا قول كان يقوله النبي ﷺ لما امتنعت عليه قريش من الإيمان فأنزله الله جل ذكره.
قال مجاهد وقتادة: هذا قول نبيكم ﷺ يشكو قومه إلى ربه، حكاه الله جل ذكره لنا في كتابه.
والهاء في "وقيله" عائد على النبي ﷺ وقيل: تعود على عيسى، فترجع على قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ٱبْنُ مَرْيَمَ مَثَلاً﴾ [الزخرف: ٥٧] - الآية.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَٱصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلاَمٌ﴾، أي: دعهم واغفر لهم قولهم وفعلهم، وقل: مسالمة ومتاركة مني إليكم، وتقديره: وقل أمري سلام.
وهذا كان قبل أن يؤمر بالقتال، ثم نسخ ذلك بالأمر بالقتال.
وقال الفراء: التقدير: وقل سلام عليكم، ثم حذف، وهو بعيد لم يؤمر النبي ﷺ بأن يجيبهم، إنما أمر (بأن يسالمهم) حتى يأتيه أمر الله عز وجل.
وقد نهي النبي ﷺ أن يبدأ النصارى واليهود بالسلام فكيف يأمره الله بذلك للمشركين وينهاه عنه.
قال ابن عباس: "فاصفح عنهم، أي: أعرض عنهم".
ثم قال: (فسوف تعلمون).
هذا تهدد ووعيد، أي: سوف تلقون ما يسوؤكم غداً إن تماديتم على كفركم.
الدخان 44:1
قال تعالى: ﴿حـمۤ * وَٱلْكِتَابِ ٱلْمُبِينِ﴾ - إلى قوله -: ﴿إِنَّكُمْ عَآئِدُونَ﴾، قد تقدم ذكر حم.
* *
وقوله: ﴿وَٱلْكِتَابِ ٱلْمُبِينِ﴾ معناه، وحق الكتاب الظاهر، يعني: القرآن.
وجواب القسم في قوله: ﴿وَٱلْكِتَابِ ٱلْمُبِينِ﴾ قوله: ﴿إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ﴾. وقيل: ﴿إِنَّآ أَنزَلْنَاهُ﴾.
وقيل: لا يجوز أن يكون الجواب ﴿إِنَّآ أَنزَلْنَاهُ﴾ لأنه صفة للمقسم به. ولا يكون صفة المقسم به جواباً للقسم.
* *
ثم قال: ﴿إِنَّآ أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ﴾، يعني: القرآن أنزل إلى السماء الدنيا جملة ليلة القدر، وهي الليلة المباركة، ثم نزل على النبي ﷺ في نيف وعشرين سنة نجوماً، نجم بعد نجم، وهو معنى قوله تعالى: ﴿وَٱلنَّجْمِ إِذَا هَوَىٰ﴾ [النجم: ١]، أي: والقرآن إذا نزل، وهو معنى قوله أيضاً: ﴿فَلاَ أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ ٱلنُّجُومِ﴾ [الواقعة: ٧٥]، اي: أقسم بنزول القرآن و "لا" صلة.
قال قتادة: الليلة المباركة: ليلة القدر.
ونزلت صحف إبراهيم في أول ليلة من رمضان، (ونزلت التوراة لست ليالٍ مضين من رمضان، ونزل الزبور لاثنتي عشرة ليلة مضت من رمضان)، ونزل الإنجيل لثماني عشرة ليلة مضت من رمضان، ونزل القرآن لأربع وعشرين مضت من رمضان.
قال ابن عباس: أنزل الله عز وجل القرآن في ليلة القدر إلى السماء الدنيا جملة واحدة، ثم نزل به جبريل في عشرين سنة.
وقيل المعنى: إنا ابتدأنا إنزاله في ليلة القدر.
* *
وقوله: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾. قال عكرمة: هي ليلة النصف من شعبان فيها يبرم أمر السنة.
وظاهر التلاوة يدل على أنها ليلة قدر تفرق فيها الأرزاق وتقضى الآجال إلى مثلها من قابل.
قال أبو العالية: ليلة القدر بركة كلها، لا يوافقها عبد مؤمن يعمل إحساناً إلا غفر له ما مضى من ذنوبه.
قال عكرمة: يكتب في ليلة النصف من شعبان الحاج حاج بيت الله الحرام فلا يغادر منهم أحدا ولا يزاد فيهم أحد.
والبركة في اللغة: الثبات والدوام والزيادة.
* *
وقوله: ﴿إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ﴾، أي: منذرين خلقنا بهذا القرآن الذي أنزلناه في ليلة القدر أن يحل بهم العذاب بكفرهم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾، أي في تلك الليلة المباركة يقضى كل أمر محكم، وهو أمر السنة كلها، من يموت ومن يولد، ومن يُعَزُّ ومن يُذَلُّ، وغير ذلك. سئل الحسن: هل ليلة القدر في كل رمضان؟ فقال: أي، والله إنها لفي كل رمضان، وإنها الليلة التي يفرق فيها كل أمر حكيم، فيها يقضي الله كل أجل وأمل ورزق إلى مثلها، وهو قول مجاهد وقتادة، وقاله ابن عباس وغيره.
وقيل معنى "يفرق": يفصل بين المؤمن والكافر والمنافق فيقال للملائكة هذا فيعرفونه.
وروي عن النبي ﷺ أنه قال: "(تُقْطَعُ الآجَالُ) مِنْ شَعبَانَ إِلى شَعْبَانَ حَتَّى أَنَّ الرَّجُلَ لَيَنْكِحُ وَيُولَدُ لَهُ وَلَقَدْ خَرَجَ اسْمُهُ فِي المَوْتَى"، وَبِهِ قَالَ عِكْرِمَةُ: إِنَّهَا لَيْلَةُ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ.
* *
ثم قال تعالى: ﴿أَمْراً مِّنْ عِنْدِنَآ﴾، أي: قضاء قضيناه، أي: أمراً نأمر به تلك الليلة.
وانتصب أمراً على أنه مصدر في موضع الحال عند الأخفش، أي: إنا أنزلناه آمرين أمراً وراحمين رحمةً.
وقال المبرد: نصبه نصب المصدر على معنى: أنزلناه إنزالاً فالأمر يشتمل على الإخبار.
وقال الجرمي: هو حال من نكرة، وأجاز هذا رجلٌ مُقْبِلاً.
وقال الزجاج: هو مصدر: والتقدير: فيها يفرق فرقاً فأمر، بمعنى: فرق.
وقيل: إن "يفرق" يدل على "يؤمر" فانتصب "أمراً" على المصدر وعمل فيه المعنى.
* *
وقوله: ﴿رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ إِنَّهُ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ﴾.
انتصب الرحمة على الحال - عند الأخفش -، ونصبه الفراء على أنه مفعول لـ "مرسلين"، وجعل "الرحمة" هي النبي ﷺ وأجاز الزجاج أن تنصبه على أنه مفعول من أجله. وقيل: هي بدل من "أمراً".
وقيل: نصبها على المصدر. والمعنى: إنا كنا مرسلين رسولا وهو الرحمة. إن الله هو السميع لما يقول المشركون في رسوله، العليم بما ينطق (في علمه) ضمائرهم وغير ذلك من أمورهم. "وإنا أنزلناه جواب القسم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿رَبِّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَآ إِن كُنتُم مُّوقِنِينَ﴾، أي: الذي أنزل الكتاب على محمد ﷺ هو رب السماوات والأرض وما بينهما، أي: هو مالك ذلك كله ومبتدعه ومدبره.
﴿إِن كُنتُم مُّوقِنِينَ﴾، أي: إن كنتم توقنون بحقيقة ما أخبرتكم به من أن ربكم رب السماوات والأرض.
* *
وقوله: ﴿لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ يُحْيِـي وَيُمِيتُ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَآئِكُمُ ٱلأَوَّلِينَ﴾، أي: هو مالككم ومالك من مضى قبلكم من آبائكم الأولين.
* *
ثم قال: ﴿بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ﴾، أي ما هم على يقين مما يقال لهم (لكنهم في شك منه، فهم يلعبون لشكهم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَٱرْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي ٱلسَّمَآءُ بِدُخَانٍ مُّبِينٍ﴾ أي: فانتظر يا محمد) النقمة منهم وقت يحول بينهم وبين السماء دخان من شدة الجوع.
بلغ بهم الجوع إلى أن كانوا يأكلون الغلهز، والغلهز أن يفقأ القُراد في الصوف. ويشوى ذلك الصوف بدم القراد ويؤكل. والقُراد: الحلم. فرحمهم النبي ﷺ وبعث إليهم بصدقة ومال.
ومفعول: "فارتقب" محذوف، وهو النقمة وشبهها.
وقيل: التقدير هذا عذاب أليم فارتقبه يوم تأتي، وفيه بُعْدٌ لحذف الهاء من غير صلة ولا صفة، ولأنه رفع "العذاب" مع حذف الهاء، وذلك لا يحسن إلا في الشعر.
وقد حَلَّ (بقريش ذلك كله)، إذ دعا عليهم النبي ﷺ فقال: "اللَّهُمَّ سِنِينَ كَسِني يُوسُفَ"
فأُخِذُوا بالجوع. فكان الرجل يحول بينه وبين النظر إلى السماء دخان من شدة الجوع، فيصير كهيئة الدخان، هذا قول ابن مسعود وغيره من المفسرين.
وقيل: الدخان آية من آيات الله يرسله الله عز وجل على عباده قبل مجيء الساعة فيدخل في أسماع أهل الكفر ويعتري أهل الإيمان كهيئة الزكام، روي ذلك عن ابن عمر والحسن.
وروى حذيفة بن اليمان أن النبي ﷺ قال: "أَوَّلُ الآياتِ الدُّخَانُ، وَنُزُولُ عِيسَى، وَنَارٌ تَخْرُجُ مِنْ قَعْرِ عَدَنُ أبين تَسُوقُ النَّاس إِلَى المَحْشَرِ تَقِيلُ مَعَهُمْ إِذا قَالُوا. قال حذيفة: يا رسول الله وما الدخان؟: فتلا رسول الله ﷺ: ﴿فَٱرْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي ٱلسَّمَآءُ بِدُخَانٍ مُّبِينٍ﴾ - الآية، ثم قال: (يُمْلَكُ بِالدُّخَانِ) مَا بَيْنَ (المَشْرِقِ وَالمَغْرِبِ)، يَمْكُثُ أَرْبَعِينَ يَوْماً وَلَيْلَةً. أَمَّا المُؤْمِنُ فَيُصِيبَهُ مِنْهُ كَهَيْئَةِ الزَّكْمَةِ، وَأَمَّا الكَافِرُ فَكَهَيْئَةِ السَّكْرَانِ، يَخْرُجُ مِنْ مَنْخَرَيْهِ وَأُذُنَيْهِ وَدُبُرِهِ
وقيل: إن الدخان هو ما ينتظر بهم يوم القيامة من العذاب، قاله زيد بن علي.
* *
ثم قال: ﴿يَغْشَى ٱلنَّاسَ هَـٰذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾، أي: يغشى ذلك الدخان الناس يقولون هذا عذاب أليم.
* *
ثم قال: ﴿رَّبَّنَا ٱكْشِفْ عَنَّا ٱلْعَذَابَ إِنَّا مْؤْمِنُونَ﴾، أي: يقولون ربنا اكشف عنا العذاب إنا مؤمنون.
* *
ثم قال تعالى: ﴿أَنَّىٰ لَهُمُ ٱلذِّكْرَىٰ وَقَدْ جَآءَهُمْ رَسُولٌ مُّبِينٌ﴾، أي: من أي وجه لهم التذكر بالإيمان عند حلول العذاب بهم، وقد تولوا عما جاءهم به رسولهم.
﴿وَقَالُواْ مُعَلَّمٌ مَّجْنُونٌ﴾، أي: علم هذا الذي جاءنا به ليس هو من عند الله.
* *
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّا كَاشِفُواْ ٱلْعَذَابِ قَلِيلاً﴾، أي: إنا نكشف عنكم العذاب الذي نزل بكم بالخصب والرخاء وقتاً قليلاً، إنكم عائدون إلى كفركم إذا كشفناه عنكم، (وتنقضون ما عهدتم) به أنكم تؤمنون إذا كشف عنكم.
وقيل معناه: إنكم عائدون في عذاب الله (في الآخرة) إن لم تؤمنوا.
وقيل معناه: عائدون إلى الشرك.
الدخان 44:2
قال تعالى: ﴿حـمۤ * وَٱلْكِتَابِ ٱلْمُبِينِ﴾ - إلى قوله -: ﴿إِنَّكُمْ عَآئِدُونَ﴾، قد تقدم ذكر حم.
* *
وقوله: ﴿وَٱلْكِتَابِ ٱلْمُبِينِ﴾ معناه، وحق الكتاب الظاهر، يعني: القرآن.
وجواب القسم في قوله: ﴿وَٱلْكِتَابِ ٱلْمُبِينِ﴾ قوله: ﴿إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ﴾. وقيل: ﴿إِنَّآ أَنزَلْنَاهُ﴾.
وقيل: لا يجوز أن يكون الجواب ﴿إِنَّآ أَنزَلْنَاهُ﴾ لأنه صفة للمقسم به. ولا يكون صفة المقسم به جواباً للقسم.
* *
ثم قال: ﴿إِنَّآ أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ﴾، يعني: القرآن أنزل إلى السماء الدنيا جملة ليلة القدر، وهي الليلة المباركة، ثم نزل على النبي ﷺ في نيف وعشرين سنة نجوماً، نجم بعد نجم، وهو معنى قوله تعالى: ﴿وَٱلنَّجْمِ إِذَا هَوَىٰ﴾ [النجم: ١]، أي: والقرآن إذا نزل، وهو معنى قوله أيضاً: ﴿فَلاَ أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ ٱلنُّجُومِ﴾ [الواقعة: ٧٥]، اي: أقسم بنزول القرآن و "لا" صلة.
قال قتادة: الليلة المباركة: ليلة القدر.
ونزلت صحف إبراهيم في أول ليلة من رمضان، (ونزلت التوراة لست ليالٍ مضين من رمضان، ونزل الزبور لاثنتي عشرة ليلة مضت من رمضان)، ونزل الإنجيل لثماني عشرة ليلة مضت من رمضان، ونزل القرآن لأربع وعشرين مضت من رمضان.
قال ابن عباس: أنزل الله عز وجل القرآن في ليلة القدر إلى السماء الدنيا جملة واحدة، ثم نزل به جبريل في عشرين سنة.
وقيل المعنى: إنا ابتدأنا إنزاله في ليلة القدر.
* *
وقوله: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾. قال عكرمة: هي ليلة النصف من شعبان فيها يبرم أمر السنة.
وظاهر التلاوة يدل على أنها ليلة قدر تفرق فيها الأرزاق وتقضى الآجال إلى مثلها من قابل.
قال أبو العالية: ليلة القدر بركة كلها، لا يوافقها عبد مؤمن يعمل إحساناً إلا غفر له ما مضى من ذنوبه.
قال عكرمة: يكتب في ليلة النصف من شعبان الحاج حاج بيت الله الحرام فلا يغادر منهم أحدا ولا يزاد فيهم أحد.
والبركة في اللغة: الثبات والدوام والزيادة.
* *
وقوله: ﴿إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ﴾، أي: منذرين خلقنا بهذا القرآن الذي أنزلناه في ليلة القدر أن يحل بهم العذاب بكفرهم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾، أي في تلك الليلة المباركة يقضى كل أمر محكم، وهو أمر السنة كلها، من يموت ومن يولد، ومن يُعَزُّ ومن يُذَلُّ، وغير ذلك. سئل الحسن: هل ليلة القدر في كل رمضان؟ فقال: أي، والله إنها لفي كل رمضان، وإنها الليلة التي يفرق فيها كل أمر حكيم، فيها يقضي الله كل أجل وأمل ورزق إلى مثلها، وهو قول مجاهد وقتادة، وقاله ابن عباس وغيره.
وقيل معنى "يفرق": يفصل بين المؤمن والكافر والمنافق فيقال للملائكة هذا فيعرفونه.
وروي عن النبي ﷺ أنه قال: "(تُقْطَعُ الآجَالُ) مِنْ شَعبَانَ إِلى شَعْبَانَ حَتَّى أَنَّ الرَّجُلَ لَيَنْكِحُ وَيُولَدُ لَهُ وَلَقَدْ خَرَجَ اسْمُهُ فِي المَوْتَى"، وَبِهِ قَالَ عِكْرِمَةُ: إِنَّهَا لَيْلَةُ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ.
* *
ثم قال تعالى: ﴿أَمْراً مِّنْ عِنْدِنَآ﴾، أي: قضاء قضيناه، أي: أمراً نأمر به تلك الليلة.
وانتصب أمراً على أنه مصدر في موضع الحال عند الأخفش، أي: إنا أنزلناه آمرين أمراً وراحمين رحمةً.
وقال المبرد: نصبه نصب المصدر على معنى: أنزلناه إنزالاً فالأمر يشتمل على الإخبار.
وقال الجرمي: هو حال من نكرة، وأجاز هذا رجلٌ مُقْبِلاً.
وقال الزجاج: هو مصدر: والتقدير: فيها يفرق فرقاً فأمر، بمعنى: فرق.
وقيل: إن "يفرق" يدل على "يؤمر" فانتصب "أمراً" على المصدر وعمل فيه المعنى.
* *
وقوله: ﴿رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ إِنَّهُ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ﴾.
انتصب الرحمة على الحال - عند الأخفش -، ونصبه الفراء على أنه مفعول لـ "مرسلين"، وجعل "الرحمة" هي النبي ﷺ وأجاز الزجاج أن تنصبه على أنه مفعول من أجله. وقيل: هي بدل من "أمراً".
وقيل: نصبها على المصدر. والمعنى: إنا كنا مرسلين رسولا وهو الرحمة. إن الله هو السميع لما يقول المشركون في رسوله، العليم بما ينطق (في علمه) ضمائرهم وغير ذلك من أمورهم. "وإنا أنزلناه جواب القسم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿رَبِّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَآ إِن كُنتُم مُّوقِنِينَ﴾، أي: الذي أنزل الكتاب على محمد ﷺ هو رب السماوات والأرض وما بينهما، أي: هو مالك ذلك كله ومبتدعه ومدبره.
﴿إِن كُنتُم مُّوقِنِينَ﴾، أي: إن كنتم توقنون بحقيقة ما أخبرتكم به من أن ربكم رب السماوات والأرض.
* *
وقوله: ﴿لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ يُحْيِـي وَيُمِيتُ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَآئِكُمُ ٱلأَوَّلِينَ﴾، أي: هو مالككم ومالك من مضى قبلكم من آبائكم الأولين.
* *
ثم قال: ﴿بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ﴾، أي ما هم على يقين مما يقال لهم (لكنهم في شك منه، فهم يلعبون لشكهم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَٱرْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي ٱلسَّمَآءُ بِدُخَانٍ مُّبِينٍ﴾ أي: فانتظر يا محمد) النقمة منهم وقت يحول بينهم وبين السماء دخان من شدة الجوع.
بلغ بهم الجوع إلى أن كانوا يأكلون الغلهز، والغلهز أن يفقأ القُراد في الصوف. ويشوى ذلك الصوف بدم القراد ويؤكل. والقُراد: الحلم. فرحمهم النبي ﷺ وبعث إليهم بصدقة ومال.
ومفعول: "فارتقب" محذوف، وهو النقمة وشبهها.
وقيل: التقدير هذا عذاب أليم فارتقبه يوم تأتي، وفيه بُعْدٌ لحذف الهاء من غير صلة ولا صفة، ولأنه رفع "العذاب" مع حذف الهاء، وذلك لا يحسن إلا في الشعر.
وقد حَلَّ (بقريش ذلك كله)، إذ دعا عليهم النبي ﷺ فقال: "اللَّهُمَّ سِنِينَ كَسِني يُوسُفَ"
فأُخِذُوا بالجوع. فكان الرجل يحول بينه وبين النظر إلى السماء دخان من شدة الجوع، فيصير كهيئة الدخان، هذا قول ابن مسعود وغيره من المفسرين.
وقيل: الدخان آية من آيات الله يرسله الله عز وجل على عباده قبل مجيء الساعة فيدخل في أسماع أهل الكفر ويعتري أهل الإيمان كهيئة الزكام، روي ذلك عن ابن عمر والحسن.
وروى حذيفة بن اليمان أن النبي ﷺ قال: "أَوَّلُ الآياتِ الدُّخَانُ، وَنُزُولُ عِيسَى، وَنَارٌ تَخْرُجُ مِنْ قَعْرِ عَدَنُ أبين تَسُوقُ النَّاس إِلَى المَحْشَرِ تَقِيلُ مَعَهُمْ إِذا قَالُوا. قال حذيفة: يا رسول الله وما الدخان؟: فتلا رسول الله ﷺ: ﴿فَٱرْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي ٱلسَّمَآءُ بِدُخَانٍ مُّبِينٍ﴾ - الآية، ثم قال: (يُمْلَكُ بِالدُّخَانِ) مَا بَيْنَ (المَشْرِقِ وَالمَغْرِبِ)، يَمْكُثُ أَرْبَعِينَ يَوْماً وَلَيْلَةً. أَمَّا المُؤْمِنُ فَيُصِيبَهُ مِنْهُ كَهَيْئَةِ الزَّكْمَةِ، وَأَمَّا الكَافِرُ فَكَهَيْئَةِ السَّكْرَانِ، يَخْرُجُ مِنْ مَنْخَرَيْهِ وَأُذُنَيْهِ وَدُبُرِهِ
وقيل: إن الدخان هو ما ينتظر بهم يوم القيامة من العذاب، قاله زيد بن علي.
* *
ثم قال: ﴿يَغْشَى ٱلنَّاسَ هَـٰذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾، أي: يغشى ذلك الدخان الناس يقولون هذا عذاب أليم.
* *
ثم قال: ﴿رَّبَّنَا ٱكْشِفْ عَنَّا ٱلْعَذَابَ إِنَّا مْؤْمِنُونَ﴾، أي: يقولون ربنا اكشف عنا العذاب إنا مؤمنون.
* *
ثم قال تعالى: ﴿أَنَّىٰ لَهُمُ ٱلذِّكْرَىٰ وَقَدْ جَآءَهُمْ رَسُولٌ مُّبِينٌ﴾، أي: من أي وجه لهم التذكر بالإيمان عند حلول العذاب بهم، وقد تولوا عما جاءهم به رسولهم.
﴿وَقَالُواْ مُعَلَّمٌ مَّجْنُونٌ﴾، أي: علم هذا الذي جاءنا به ليس هو من عند الله.
* *
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّا كَاشِفُواْ ٱلْعَذَابِ قَلِيلاً﴾، أي: إنا نكشف عنكم العذاب الذي نزل بكم بالخصب والرخاء وقتاً قليلاً، إنكم عائدون إلى كفركم إذا كشفناه عنكم، (وتنقضون ما عهدتم) به أنكم تؤمنون إذا كشف عنكم.
وقيل معناه: إنكم عائدون في عذاب الله (في الآخرة) إن لم تؤمنوا.
وقيل معناه: عائدون إلى الشرك.
الدخان 44:3
قال تعالى: ﴿حـمۤ * وَٱلْكِتَابِ ٱلْمُبِينِ﴾ - إلى قوله -: ﴿إِنَّكُمْ عَآئِدُونَ﴾، قد تقدم ذكر حم.
* *
وقوله: ﴿وَٱلْكِتَابِ ٱلْمُبِينِ﴾ معناه، وحق الكتاب الظاهر، يعني: القرآن.
وجواب القسم في قوله: ﴿وَٱلْكِتَابِ ٱلْمُبِينِ﴾ قوله: ﴿إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ﴾. وقيل: ﴿إِنَّآ أَنزَلْنَاهُ﴾.
وقيل: لا يجوز أن يكون الجواب ﴿إِنَّآ أَنزَلْنَاهُ﴾ لأنه صفة للمقسم به. ولا يكون صفة المقسم به جواباً للقسم.
* *
ثم قال: ﴿إِنَّآ أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ﴾، يعني: القرآن أنزل إلى السماء الدنيا جملة ليلة القدر، وهي الليلة المباركة، ثم نزل على النبي ﷺ في نيف وعشرين سنة نجوماً، نجم بعد نجم، وهو معنى قوله تعالى: ﴿وَٱلنَّجْمِ إِذَا هَوَىٰ﴾ [النجم: ١]، أي: والقرآن إذا نزل، وهو معنى قوله أيضاً: ﴿فَلاَ أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ ٱلنُّجُومِ﴾ [الواقعة: ٧٥]، اي: أقسم بنزول القرآن و "لا" صلة.
قال قتادة: الليلة المباركة: ليلة القدر.
ونزلت صحف إبراهيم في أول ليلة من رمضان، (ونزلت التوراة لست ليالٍ مضين من رمضان، ونزل الزبور لاثنتي عشرة ليلة مضت من رمضان)، ونزل الإنجيل لثماني عشرة ليلة مضت من رمضان، ونزل القرآن لأربع وعشرين مضت من رمضان.
قال ابن عباس: أنزل الله عز وجل القرآن في ليلة القدر إلى السماء الدنيا جملة واحدة، ثم نزل به جبريل في عشرين سنة.
وقيل المعنى: إنا ابتدأنا إنزاله في ليلة القدر.
* *
وقوله: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾. قال عكرمة: هي ليلة النصف من شعبان فيها يبرم أمر السنة.
وظاهر التلاوة يدل على أنها ليلة قدر تفرق فيها الأرزاق وتقضى الآجال إلى مثلها من قابل.
قال أبو العالية: ليلة القدر بركة كلها، لا يوافقها عبد مؤمن يعمل إحساناً إلا غفر له ما مضى من ذنوبه.
قال عكرمة: يكتب في ليلة النصف من شعبان الحاج حاج بيت الله الحرام فلا يغادر منهم أحدا ولا يزاد فيهم أحد.
والبركة في اللغة: الثبات والدوام والزيادة.
* *
وقوله: ﴿إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ﴾، أي: منذرين خلقنا بهذا القرآن الذي أنزلناه في ليلة القدر أن يحل بهم العذاب بكفرهم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾، أي في تلك الليلة المباركة يقضى كل أمر محكم، وهو أمر السنة كلها، من يموت ومن يولد، ومن يُعَزُّ ومن يُذَلُّ، وغير ذلك. سئل الحسن: هل ليلة القدر في كل رمضان؟ فقال: أي، والله إنها لفي كل رمضان، وإنها الليلة التي يفرق فيها كل أمر حكيم، فيها يقضي الله كل أجل وأمل ورزق إلى مثلها، وهو قول مجاهد وقتادة، وقاله ابن عباس وغيره.
وقيل معنى "يفرق": يفصل بين المؤمن والكافر والمنافق فيقال للملائكة هذا فيعرفونه.
وروي عن النبي ﷺ أنه قال: "(تُقْطَعُ الآجَالُ) مِنْ شَعبَانَ إِلى شَعْبَانَ حَتَّى أَنَّ الرَّجُلَ لَيَنْكِحُ وَيُولَدُ لَهُ وَلَقَدْ خَرَجَ اسْمُهُ فِي المَوْتَى"، وَبِهِ قَالَ عِكْرِمَةُ: إِنَّهَا لَيْلَةُ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ.
* *
ثم قال تعالى: ﴿أَمْراً مِّنْ عِنْدِنَآ﴾، أي: قضاء قضيناه، أي: أمراً نأمر به تلك الليلة.
وانتصب أمراً على أنه مصدر في موضع الحال عند الأخفش، أي: إنا أنزلناه آمرين أمراً وراحمين رحمةً.
وقال المبرد: نصبه نصب المصدر على معنى: أنزلناه إنزالاً فالأمر يشتمل على الإخبار.
وقال الجرمي: هو حال من نكرة، وأجاز هذا رجلٌ مُقْبِلاً.
وقال الزجاج: هو مصدر: والتقدير: فيها يفرق فرقاً فأمر، بمعنى: فرق.
وقيل: إن "يفرق" يدل على "يؤمر" فانتصب "أمراً" على المصدر وعمل فيه المعنى.
* *
وقوله: ﴿رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ إِنَّهُ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ﴾.
انتصب الرحمة على الحال - عند الأخفش -، ونصبه الفراء على أنه مفعول لـ "مرسلين"، وجعل "الرحمة" هي النبي ﷺ وأجاز الزجاج أن تنصبه على أنه مفعول من أجله. وقيل: هي بدل من "أمراً".
وقيل: نصبها على المصدر. والمعنى: إنا كنا مرسلين رسولا وهو الرحمة. إن الله هو السميع لما يقول المشركون في رسوله، العليم بما ينطق (في علمه) ضمائرهم وغير ذلك من أمورهم. "وإنا أنزلناه جواب القسم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿رَبِّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَآ إِن كُنتُم مُّوقِنِينَ﴾، أي: الذي أنزل الكتاب على محمد ﷺ هو رب السماوات والأرض وما بينهما، أي: هو مالك ذلك كله ومبتدعه ومدبره.
﴿إِن كُنتُم مُّوقِنِينَ﴾، أي: إن كنتم توقنون بحقيقة ما أخبرتكم به من أن ربكم رب السماوات والأرض.
* *
وقوله: ﴿لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ يُحْيِـي وَيُمِيتُ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَآئِكُمُ ٱلأَوَّلِينَ﴾، أي: هو مالككم ومالك من مضى قبلكم من آبائكم الأولين.
* *
ثم قال: ﴿بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ﴾، أي ما هم على يقين مما يقال لهم (لكنهم في شك منه، فهم يلعبون لشكهم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَٱرْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي ٱلسَّمَآءُ بِدُخَانٍ مُّبِينٍ﴾ أي: فانتظر يا محمد) النقمة منهم وقت يحول بينهم وبين السماء دخان من شدة الجوع.
بلغ بهم الجوع إلى أن كانوا يأكلون الغلهز، والغلهز أن يفقأ القُراد في الصوف. ويشوى ذلك الصوف بدم القراد ويؤكل. والقُراد: الحلم. فرحمهم النبي ﷺ وبعث إليهم بصدقة ومال.
ومفعول: "فارتقب" محذوف، وهو النقمة وشبهها.
وقيل: التقدير هذا عذاب أليم فارتقبه يوم تأتي، وفيه بُعْدٌ لحذف الهاء من غير صلة ولا صفة، ولأنه رفع "العذاب" مع حذف الهاء، وذلك لا يحسن إلا في الشعر.
وقد حَلَّ (بقريش ذلك كله)، إذ دعا عليهم النبي ﷺ فقال: "اللَّهُمَّ سِنِينَ كَسِني يُوسُفَ"
فأُخِذُوا بالجوع. فكان الرجل يحول بينه وبين النظر إلى السماء دخان من شدة الجوع، فيصير كهيئة الدخان، هذا قول ابن مسعود وغيره من المفسرين.
وقيل: الدخان آية من آيات الله يرسله الله عز وجل على عباده قبل مجيء الساعة فيدخل في أسماع أهل الكفر ويعتري أهل الإيمان كهيئة الزكام، روي ذلك عن ابن عمر والحسن.
وروى حذيفة بن اليمان أن النبي ﷺ قال: "أَوَّلُ الآياتِ الدُّخَانُ، وَنُزُولُ عِيسَى، وَنَارٌ تَخْرُجُ مِنْ قَعْرِ عَدَنُ أبين تَسُوقُ النَّاس إِلَى المَحْشَرِ تَقِيلُ مَعَهُمْ إِذا قَالُوا. قال حذيفة: يا رسول الله وما الدخان؟: فتلا رسول الله ﷺ: ﴿فَٱرْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي ٱلسَّمَآءُ بِدُخَانٍ مُّبِينٍ﴾ - الآية، ثم قال: (يُمْلَكُ بِالدُّخَانِ) مَا بَيْنَ (المَشْرِقِ وَالمَغْرِبِ)، يَمْكُثُ أَرْبَعِينَ يَوْماً وَلَيْلَةً. أَمَّا المُؤْمِنُ فَيُصِيبَهُ مِنْهُ كَهَيْئَةِ الزَّكْمَةِ، وَأَمَّا الكَافِرُ فَكَهَيْئَةِ السَّكْرَانِ، يَخْرُجُ مِنْ مَنْخَرَيْهِ وَأُذُنَيْهِ وَدُبُرِهِ
وقيل: إن الدخان هو ما ينتظر بهم يوم القيامة من العذاب، قاله زيد بن علي.
* *
ثم قال: ﴿يَغْشَى ٱلنَّاسَ هَـٰذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾، أي: يغشى ذلك الدخان الناس يقولون هذا عذاب أليم.
* *
ثم قال: ﴿رَّبَّنَا ٱكْشِفْ عَنَّا ٱلْعَذَابَ إِنَّا مْؤْمِنُونَ﴾، أي: يقولون ربنا اكشف عنا العذاب إنا مؤمنون.
* *
ثم قال تعالى: ﴿أَنَّىٰ لَهُمُ ٱلذِّكْرَىٰ وَقَدْ جَآءَهُمْ رَسُولٌ مُّبِينٌ﴾، أي: من أي وجه لهم التذكر بالإيمان عند حلول العذاب بهم، وقد تولوا عما جاءهم به رسولهم.
﴿وَقَالُواْ مُعَلَّمٌ مَّجْنُونٌ﴾، أي: علم هذا الذي جاءنا به ليس هو من عند الله.
* *
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّا كَاشِفُواْ ٱلْعَذَابِ قَلِيلاً﴾، أي: إنا نكشف عنكم العذاب الذي نزل بكم بالخصب والرخاء وقتاً قليلاً، إنكم عائدون إلى كفركم إذا كشفناه عنكم، (وتنقضون ما عهدتم) به أنكم تؤمنون إذا كشف عنكم.
وقيل معناه: إنكم عائدون في عذاب الله (في الآخرة) إن لم تؤمنوا.
وقيل معناه: عائدون إلى الشرك.
الدخان 44:4
قال تعالى: ﴿حـمۤ * وَٱلْكِتَابِ ٱلْمُبِينِ﴾ - إلى قوله -: ﴿إِنَّكُمْ عَآئِدُونَ﴾، قد تقدم ذكر حم.
* *
وقوله: ﴿وَٱلْكِتَابِ ٱلْمُبِينِ﴾ معناه، وحق الكتاب الظاهر، يعني: القرآن.
وجواب القسم في قوله: ﴿وَٱلْكِتَابِ ٱلْمُبِينِ﴾ قوله: ﴿إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ﴾. وقيل: ﴿إِنَّآ أَنزَلْنَاهُ﴾.
وقيل: لا يجوز أن يكون الجواب ﴿إِنَّآ أَنزَلْنَاهُ﴾ لأنه صفة للمقسم به. ولا يكون صفة المقسم به جواباً للقسم.
* *
ثم قال: ﴿إِنَّآ أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ﴾، يعني: القرآن أنزل إلى السماء الدنيا جملة ليلة القدر، وهي الليلة المباركة، ثم نزل على النبي ﷺ في نيف وعشرين سنة نجوماً، نجم بعد نجم، وهو معنى قوله تعالى: ﴿وَٱلنَّجْمِ إِذَا هَوَىٰ﴾ [النجم: ١]، أي: والقرآن إذا نزل، وهو معنى قوله أيضاً: ﴿فَلاَ أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ ٱلنُّجُومِ﴾ [الواقعة: ٧٥]، اي: أقسم بنزول القرآن و "لا" صلة.
قال قتادة: الليلة المباركة: ليلة القدر.
ونزلت صحف إبراهيم في أول ليلة من رمضان، (ونزلت التوراة لست ليالٍ مضين من رمضان، ونزل الزبور لاثنتي عشرة ليلة مضت من رمضان)، ونزل الإنجيل لثماني عشرة ليلة مضت من رمضان، ونزل القرآن لأربع وعشرين مضت من رمضان.
قال ابن عباس: أنزل الله عز وجل القرآن في ليلة القدر إلى السماء الدنيا جملة واحدة، ثم نزل به جبريل في عشرين سنة.
وقيل المعنى: إنا ابتدأنا إنزاله في ليلة القدر.
* *
وقوله: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾. قال عكرمة: هي ليلة النصف من شعبان فيها يبرم أمر السنة.
وظاهر التلاوة يدل على أنها ليلة قدر تفرق فيها الأرزاق وتقضى الآجال إلى مثلها من قابل.
قال أبو العالية: ليلة القدر بركة كلها، لا يوافقها عبد مؤمن يعمل إحساناً إلا غفر له ما مضى من ذنوبه.
قال عكرمة: يكتب في ليلة النصف من شعبان الحاج حاج بيت الله الحرام فلا يغادر منهم أحدا ولا يزاد فيهم أحد.
والبركة في اللغة: الثبات والدوام والزيادة.
* *
وقوله: ﴿إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ﴾، أي: منذرين خلقنا بهذا القرآن الذي أنزلناه في ليلة القدر أن يحل بهم العذاب بكفرهم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾، أي في تلك الليلة المباركة يقضى كل أمر محكم، وهو أمر السنة كلها، من يموت ومن يولد، ومن يُعَزُّ ومن يُذَلُّ، وغير ذلك. سئل الحسن: هل ليلة القدر في كل رمضان؟ فقال: أي، والله إنها لفي كل رمضان، وإنها الليلة التي يفرق فيها كل أمر حكيم، فيها يقضي الله كل أجل وأمل ورزق إلى مثلها، وهو قول مجاهد وقتادة، وقاله ابن عباس وغيره.
وقيل معنى "يفرق": يفصل بين المؤمن والكافر والمنافق فيقال للملائكة هذا فيعرفونه.
وروي عن النبي ﷺ أنه قال: "(تُقْطَعُ الآجَالُ) مِنْ شَعبَانَ إِلى شَعْبَانَ حَتَّى أَنَّ الرَّجُلَ لَيَنْكِحُ وَيُولَدُ لَهُ وَلَقَدْ خَرَجَ اسْمُهُ فِي المَوْتَى"، وَبِهِ قَالَ عِكْرِمَةُ: إِنَّهَا لَيْلَةُ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ.
* *
ثم قال تعالى: ﴿أَمْراً مِّنْ عِنْدِنَآ﴾، أي: قضاء قضيناه، أي: أمراً نأمر به تلك الليلة.
وانتصب أمراً على أنه مصدر في موضع الحال عند الأخفش، أي: إنا أنزلناه آمرين أمراً وراحمين رحمةً.
وقال المبرد: نصبه نصب المصدر على معنى: أنزلناه إنزالاً فالأمر يشتمل على الإخبار.
وقال الجرمي: هو حال من نكرة، وأجاز هذا رجلٌ مُقْبِلاً.
وقال الزجاج: هو مصدر: والتقدير: فيها يفرق فرقاً فأمر، بمعنى: فرق.
وقيل: إن "يفرق" يدل على "يؤمر" فانتصب "أمراً" على المصدر وعمل فيه المعنى.
* *
وقوله: ﴿رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ إِنَّهُ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ﴾.
انتصب الرحمة على الحال - عند الأخفش -، ونصبه الفراء على أنه مفعول لـ "مرسلين"، وجعل "الرحمة" هي النبي ﷺ وأجاز الزجاج أن تنصبه على أنه مفعول من أجله. وقيل: هي بدل من "أمراً".
وقيل: نصبها على المصدر. والمعنى: إنا كنا مرسلين رسولا وهو الرحمة. إن الله هو السميع لما يقول المشركون في رسوله، العليم بما ينطق (في علمه) ضمائرهم وغير ذلك من أمورهم. "وإنا أنزلناه جواب القسم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿رَبِّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَآ إِن كُنتُم مُّوقِنِينَ﴾، أي: الذي أنزل الكتاب على محمد ﷺ هو رب السماوات والأرض وما بينهما، أي: هو مالك ذلك كله ومبتدعه ومدبره.
﴿إِن كُنتُم مُّوقِنِينَ﴾، أي: إن كنتم توقنون بحقيقة ما أخبرتكم به من أن ربكم رب السماوات والأرض.
* *
وقوله: ﴿لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ يُحْيِـي وَيُمِيتُ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَآئِكُمُ ٱلأَوَّلِينَ﴾، أي: هو مالككم ومالك من مضى قبلكم من آبائكم الأولين.
* *
ثم قال: ﴿بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ﴾، أي ما هم على يقين مما يقال لهم (لكنهم في شك منه، فهم يلعبون لشكهم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَٱرْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي ٱلسَّمَآءُ بِدُخَانٍ مُّبِينٍ﴾ أي: فانتظر يا محمد) النقمة منهم وقت يحول بينهم وبين السماء دخان من شدة الجوع.
بلغ بهم الجوع إلى أن كانوا يأكلون الغلهز، والغلهز أن يفقأ القُراد في الصوف. ويشوى ذلك الصوف بدم القراد ويؤكل. والقُراد: الحلم. فرحمهم النبي ﷺ وبعث إليهم بصدقة ومال.
ومفعول: "فارتقب" محذوف، وهو النقمة وشبهها.
وقيل: التقدير هذا عذاب أليم فارتقبه يوم تأتي، وفيه بُعْدٌ لحذف الهاء من غير صلة ولا صفة، ولأنه رفع "العذاب" مع حذف الهاء، وذلك لا يحسن إلا في الشعر.
وقد حَلَّ (بقريش ذلك كله)، إذ دعا عليهم النبي ﷺ فقال: "اللَّهُمَّ سِنِينَ كَسِني يُوسُفَ"
فأُخِذُوا بالجوع. فكان الرجل يحول بينه وبين النظر إلى السماء دخان من شدة الجوع، فيصير كهيئة الدخان، هذا قول ابن مسعود وغيره من المفسرين.
وقيل: الدخان آية من آيات الله يرسله الله عز وجل على عباده قبل مجيء الساعة فيدخل في أسماع أهل الكفر ويعتري أهل الإيمان كهيئة الزكام، روي ذلك عن ابن عمر والحسن.
وروى حذيفة بن اليمان أن النبي ﷺ قال: "أَوَّلُ الآياتِ الدُّخَانُ، وَنُزُولُ عِيسَى، وَنَارٌ تَخْرُجُ مِنْ قَعْرِ عَدَنُ أبين تَسُوقُ النَّاس إِلَى المَحْشَرِ تَقِيلُ مَعَهُمْ إِذا قَالُوا. قال حذيفة: يا رسول الله وما الدخان؟: فتلا رسول الله ﷺ: ﴿فَٱرْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي ٱلسَّمَآءُ بِدُخَانٍ مُّبِينٍ﴾ - الآية، ثم قال: (يُمْلَكُ بِالدُّخَانِ) مَا بَيْنَ (المَشْرِقِ وَالمَغْرِبِ)، يَمْكُثُ أَرْبَعِينَ يَوْماً وَلَيْلَةً. أَمَّا المُؤْمِنُ فَيُصِيبَهُ مِنْهُ كَهَيْئَةِ الزَّكْمَةِ، وَأَمَّا الكَافِرُ فَكَهَيْئَةِ السَّكْرَانِ، يَخْرُجُ مِنْ مَنْخَرَيْهِ وَأُذُنَيْهِ وَدُبُرِهِ
وقيل: إن الدخان هو ما ينتظر بهم يوم القيامة من العذاب، قاله زيد بن علي.
* *
ثم قال: ﴿يَغْشَى ٱلنَّاسَ هَـٰذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾، أي: يغشى ذلك الدخان الناس يقولون هذا عذاب أليم.
* *
ثم قال: ﴿رَّبَّنَا ٱكْشِفْ عَنَّا ٱلْعَذَابَ إِنَّا مْؤْمِنُونَ﴾، أي: يقولون ربنا اكشف عنا العذاب إنا مؤمنون.
* *
ثم قال تعالى: ﴿أَنَّىٰ لَهُمُ ٱلذِّكْرَىٰ وَقَدْ جَآءَهُمْ رَسُولٌ مُّبِينٌ﴾، أي: من أي وجه لهم التذكر بالإيمان عند حلول العذاب بهم، وقد تولوا عما جاءهم به رسولهم.
﴿وَقَالُواْ مُعَلَّمٌ مَّجْنُونٌ﴾، أي: علم هذا الذي جاءنا به ليس هو من عند الله.
* *
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّا كَاشِفُواْ ٱلْعَذَابِ قَلِيلاً﴾، أي: إنا نكشف عنكم العذاب الذي نزل بكم بالخصب والرخاء وقتاً قليلاً، إنكم عائدون إلى كفركم إذا كشفناه عنكم، (وتنقضون ما عهدتم) به أنكم تؤمنون إذا كشف عنكم.
وقيل معناه: إنكم عائدون في عذاب الله (في الآخرة) إن لم تؤمنوا.
وقيل معناه: عائدون إلى الشرك.
الدخان 44:5
قال تعالى: ﴿حـمۤ * وَٱلْكِتَابِ ٱلْمُبِينِ﴾ - إلى قوله -: ﴿إِنَّكُمْ عَآئِدُونَ﴾، قد تقدم ذكر حم.
* *
وقوله: ﴿وَٱلْكِتَابِ ٱلْمُبِينِ﴾ معناه، وحق الكتاب الظاهر، يعني: القرآن.
وجواب القسم في قوله: ﴿وَٱلْكِتَابِ ٱلْمُبِينِ﴾ قوله: ﴿إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ﴾. وقيل: ﴿إِنَّآ أَنزَلْنَاهُ﴾.
وقيل: لا يجوز أن يكون الجواب ﴿إِنَّآ أَنزَلْنَاهُ﴾ لأنه صفة للمقسم به. ولا يكون صفة المقسم به جواباً للقسم.
* *
ثم قال: ﴿إِنَّآ أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ﴾، يعني: القرآن أنزل إلى السماء الدنيا جملة ليلة القدر، وهي الليلة المباركة، ثم نزل على النبي ﷺ في نيف وعشرين سنة نجوماً، نجم بعد نجم، وهو معنى قوله تعالى: ﴿وَٱلنَّجْمِ إِذَا هَوَىٰ﴾ [النجم: ١]، أي: والقرآن إذا نزل، وهو معنى قوله أيضاً: ﴿فَلاَ أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ ٱلنُّجُومِ﴾ [الواقعة: ٧٥]، اي: أقسم بنزول القرآن و "لا" صلة.
قال قتادة: الليلة المباركة: ليلة القدر.
ونزلت صحف إبراهيم في أول ليلة من رمضان، (ونزلت التوراة لست ليالٍ مضين من رمضان، ونزل الزبور لاثنتي عشرة ليلة مضت من رمضان)، ونزل الإنجيل لثماني عشرة ليلة مضت من رمضان، ونزل القرآن لأربع وعشرين مضت من رمضان.
قال ابن عباس: أنزل الله عز وجل القرآن في ليلة القدر إلى السماء الدنيا جملة واحدة، ثم نزل به جبريل في عشرين سنة.
وقيل المعنى: إنا ابتدأنا إنزاله في ليلة القدر.
* *
وقوله: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾. قال عكرمة: هي ليلة النصف من شعبان فيها يبرم أمر السنة.
وظاهر التلاوة يدل على أنها ليلة قدر تفرق فيها الأرزاق وتقضى الآجال إلى مثلها من قابل.
قال أبو العالية: ليلة القدر بركة كلها، لا يوافقها عبد مؤمن يعمل إحساناً إلا غفر له ما مضى من ذنوبه.
قال عكرمة: يكتب في ليلة النصف من شعبان الحاج حاج بيت الله الحرام فلا يغادر منهم أحدا ولا يزاد فيهم أحد.
والبركة في اللغة: الثبات والدوام والزيادة.
* *
وقوله: ﴿إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ﴾، أي: منذرين خلقنا بهذا القرآن الذي أنزلناه في ليلة القدر أن يحل بهم العذاب بكفرهم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾، أي في تلك الليلة المباركة يقضى كل أمر محكم، وهو أمر السنة كلها، من يموت ومن يولد، ومن يُعَزُّ ومن يُذَلُّ، وغير ذلك. سئل الحسن: هل ليلة القدر في كل رمضان؟ فقال: أي، والله إنها لفي كل رمضان، وإنها الليلة التي يفرق فيها كل أمر حكيم، فيها يقضي الله كل أجل وأمل ورزق إلى مثلها، وهو قول مجاهد وقتادة، وقاله ابن عباس وغيره.
وقيل معنى "يفرق": يفصل بين المؤمن والكافر والمنافق فيقال للملائكة هذا فيعرفونه.
وروي عن النبي ﷺ أنه قال: "(تُقْطَعُ الآجَالُ) مِنْ شَعبَانَ إِلى شَعْبَانَ حَتَّى أَنَّ الرَّجُلَ لَيَنْكِحُ وَيُولَدُ لَهُ وَلَقَدْ خَرَجَ اسْمُهُ فِي المَوْتَى"، وَبِهِ قَالَ عِكْرِمَةُ: إِنَّهَا لَيْلَةُ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ.
* *
ثم قال تعالى: ﴿أَمْراً مِّنْ عِنْدِنَآ﴾، أي: قضاء قضيناه، أي: أمراً نأمر به تلك الليلة.
وانتصب أمراً على أنه مصدر في موضع الحال عند الأخفش، أي: إنا أنزلناه آمرين أمراً وراحمين رحمةً.
وقال المبرد: نصبه نصب المصدر على معنى: أنزلناه إنزالاً فالأمر يشتمل على الإخبار.
وقال الجرمي: هو حال من نكرة، وأجاز هذا رجلٌ مُقْبِلاً.
وقال الزجاج: هو مصدر: والتقدير: فيها يفرق فرقاً فأمر، بمعنى: فرق.
وقيل: إن "يفرق" يدل على "يؤمر" فانتصب "أمراً" على المصدر وعمل فيه المعنى.
* *
وقوله: ﴿رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ إِنَّهُ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ﴾.
انتصب الرحمة على الحال - عند الأخفش -، ونصبه الفراء على أنه مفعول لـ "مرسلين"، وجعل "الرحمة" هي النبي ﷺ وأجاز الزجاج أن تنصبه على أنه مفعول من أجله. وقيل: هي بدل من "أمراً".
وقيل: نصبها على المصدر. والمعنى: إنا كنا مرسلين رسولا وهو الرحمة. إن الله هو السميع لما يقول المشركون في رسوله، العليم بما ينطق (في علمه) ضمائرهم وغير ذلك من أمورهم. "وإنا أنزلناه جواب القسم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿رَبِّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَآ إِن كُنتُم مُّوقِنِينَ﴾، أي: الذي أنزل الكتاب على محمد ﷺ هو رب السماوات والأرض وما بينهما، أي: هو مالك ذلك كله ومبتدعه ومدبره.
﴿إِن كُنتُم مُّوقِنِينَ﴾، أي: إن كنتم توقنون بحقيقة ما أخبرتكم به من أن ربكم رب السماوات والأرض.
* *
وقوله: ﴿لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ يُحْيِـي وَيُمِيتُ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَآئِكُمُ ٱلأَوَّلِينَ﴾، أي: هو مالككم ومالك من مضى قبلكم من آبائكم الأولين.
* *
ثم قال: ﴿بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ﴾، أي ما هم على يقين مما يقال لهم (لكنهم في شك منه، فهم يلعبون لشكهم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَٱرْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي ٱلسَّمَآءُ بِدُخَانٍ مُّبِينٍ﴾ أي: فانتظر يا محمد) النقمة منهم وقت يحول بينهم وبين السماء دخان من شدة الجوع.
بلغ بهم الجوع إلى أن كانوا يأكلون الغلهز، والغلهز أن يفقأ القُراد في الصوف. ويشوى ذلك الصوف بدم القراد ويؤكل. والقُراد: الحلم. فرحمهم النبي ﷺ وبعث إليهم بصدقة ومال.
ومفعول: "فارتقب" محذوف، وهو النقمة وشبهها.
وقيل: التقدير هذا عذاب أليم فارتقبه يوم تأتي، وفيه بُعْدٌ لحذف الهاء من غير صلة ولا صفة، ولأنه رفع "العذاب" مع حذف الهاء، وذلك لا يحسن إلا في الشعر.
وقد حَلَّ (بقريش ذلك كله)، إذ دعا عليهم النبي ﷺ فقال: "اللَّهُمَّ سِنِينَ كَسِني يُوسُفَ"
فأُخِذُوا بالجوع. فكان الرجل يحول بينه وبين النظر إلى السماء دخان من شدة الجوع، فيصير كهيئة الدخان، هذا قول ابن مسعود وغيره من المفسرين.
وقيل: الدخان آية من آيات الله يرسله الله عز وجل على عباده قبل مجيء الساعة فيدخل في أسماع أهل الكفر ويعتري أهل الإيمان كهيئة الزكام، روي ذلك عن ابن عمر والحسن.
وروى حذيفة بن اليمان أن النبي ﷺ قال: "أَوَّلُ الآياتِ الدُّخَانُ، وَنُزُولُ عِيسَى، وَنَارٌ تَخْرُجُ مِنْ قَعْرِ عَدَنُ أبين تَسُوقُ النَّاس إِلَى المَحْشَرِ تَقِيلُ مَعَهُمْ إِذا قَالُوا. قال حذيفة: يا رسول الله وما الدخان؟: فتلا رسول الله ﷺ: ﴿فَٱرْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي ٱلسَّمَآءُ بِدُخَانٍ مُّبِينٍ﴾ - الآية، ثم قال: (يُمْلَكُ بِالدُّخَانِ) مَا بَيْنَ (المَشْرِقِ وَالمَغْرِبِ)، يَمْكُثُ أَرْبَعِينَ يَوْماً وَلَيْلَةً. أَمَّا المُؤْمِنُ فَيُصِيبَهُ مِنْهُ كَهَيْئَةِ الزَّكْمَةِ، وَأَمَّا الكَافِرُ فَكَهَيْئَةِ السَّكْرَانِ، يَخْرُجُ مِنْ مَنْخَرَيْهِ وَأُذُنَيْهِ وَدُبُرِهِ
وقيل: إن الدخان هو ما ينتظر بهم يوم القيامة من العذاب، قاله زيد بن علي.
* *
ثم قال: ﴿يَغْشَى ٱلنَّاسَ هَـٰذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾، أي: يغشى ذلك الدخان الناس يقولون هذا عذاب أليم.
* *
ثم قال: ﴿رَّبَّنَا ٱكْشِفْ عَنَّا ٱلْعَذَابَ إِنَّا مْؤْمِنُونَ﴾، أي: يقولون ربنا اكشف عنا العذاب إنا مؤمنون.
* *
ثم قال تعالى: ﴿أَنَّىٰ لَهُمُ ٱلذِّكْرَىٰ وَقَدْ جَآءَهُمْ رَسُولٌ مُّبِينٌ﴾، أي: من أي وجه لهم التذكر بالإيمان عند حلول العذاب بهم، وقد تولوا عما جاءهم به رسولهم.
﴿وَقَالُواْ مُعَلَّمٌ مَّجْنُونٌ﴾، أي: علم هذا الذي جاءنا به ليس هو من عند الله.
* *
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّا كَاشِفُواْ ٱلْعَذَابِ قَلِيلاً﴾، أي: إنا نكشف عنكم العذاب الذي نزل بكم بالخصب والرخاء وقتاً قليلاً، إنكم عائدون إلى كفركم إذا كشفناه عنكم، (وتنقضون ما عهدتم) به أنكم تؤمنون إذا كشف عنكم.
وقيل معناه: إنكم عائدون في عذاب الله (في الآخرة) إن لم تؤمنوا.
وقيل معناه: عائدون إلى الشرك.
الدخان 44:6
قال تعالى: ﴿حـمۤ * وَٱلْكِتَابِ ٱلْمُبِينِ﴾ - إلى قوله -: ﴿إِنَّكُمْ عَآئِدُونَ﴾، قد تقدم ذكر حم.
* *
وقوله: ﴿وَٱلْكِتَابِ ٱلْمُبِينِ﴾ معناه، وحق الكتاب الظاهر، يعني: القرآن.
وجواب القسم في قوله: ﴿وَٱلْكِتَابِ ٱلْمُبِينِ﴾ قوله: ﴿إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ﴾. وقيل: ﴿إِنَّآ أَنزَلْنَاهُ﴾.
وقيل: لا يجوز أن يكون الجواب ﴿إِنَّآ أَنزَلْنَاهُ﴾ لأنه صفة للمقسم به. ولا يكون صفة المقسم به جواباً للقسم.
* *
ثم قال: ﴿إِنَّآ أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ﴾، يعني: القرآن أنزل إلى السماء الدنيا جملة ليلة القدر، وهي الليلة المباركة، ثم نزل على النبي ﷺ في نيف وعشرين سنة نجوماً، نجم بعد نجم، وهو معنى قوله تعالى: ﴿وَٱلنَّجْمِ إِذَا هَوَىٰ﴾ [النجم: ١]، أي: والقرآن إذا نزل، وهو معنى قوله أيضاً: ﴿فَلاَ أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ ٱلنُّجُومِ﴾ [الواقعة: ٧٥]، اي: أقسم بنزول القرآن و "لا" صلة.
قال قتادة: الليلة المباركة: ليلة القدر.
ونزلت صحف إبراهيم في أول ليلة من رمضان، (ونزلت التوراة لست ليالٍ مضين من رمضان، ونزل الزبور لاثنتي عشرة ليلة مضت من رمضان)، ونزل الإنجيل لثماني عشرة ليلة مضت من رمضان، ونزل القرآن لأربع وعشرين مضت من رمضان.
قال ابن عباس: أنزل الله عز وجل القرآن في ليلة القدر إلى السماء الدنيا جملة واحدة، ثم نزل به جبريل في عشرين سنة.
وقيل المعنى: إنا ابتدأنا إنزاله في ليلة القدر.
* *
وقوله: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾. قال عكرمة: هي ليلة النصف من شعبان فيها يبرم أمر السنة.
وظاهر التلاوة يدل على أنها ليلة قدر تفرق فيها الأرزاق وتقضى الآجال إلى مثلها من قابل.
قال أبو العالية: ليلة القدر بركة كلها، لا يوافقها عبد مؤمن يعمل إحساناً إلا غفر له ما مضى من ذنوبه.
قال عكرمة: يكتب في ليلة النصف من شعبان الحاج حاج بيت الله الحرام فلا يغادر منهم أحدا ولا يزاد فيهم أحد.
والبركة في اللغة: الثبات والدوام والزيادة.
* *
وقوله: ﴿إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ﴾، أي: منذرين خلقنا بهذا القرآن الذي أنزلناه في ليلة القدر أن يحل بهم العذاب بكفرهم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾، أي في تلك الليلة المباركة يقضى كل أمر محكم، وهو أمر السنة كلها، من يموت ومن يولد، ومن يُعَزُّ ومن يُذَلُّ، وغير ذلك. سئل الحسن: هل ليلة القدر في كل رمضان؟ فقال: أي، والله إنها لفي كل رمضان، وإنها الليلة التي يفرق فيها كل أمر حكيم، فيها يقضي الله كل أجل وأمل ورزق إلى مثلها، وهو قول مجاهد وقتادة، وقاله ابن عباس وغيره.
وقيل معنى "يفرق": يفصل بين المؤمن والكافر والمنافق فيقال للملائكة هذا فيعرفونه.
وروي عن النبي ﷺ أنه قال: "(تُقْطَعُ الآجَالُ) مِنْ شَعبَانَ إِلى شَعْبَانَ حَتَّى أَنَّ الرَّجُلَ لَيَنْكِحُ وَيُولَدُ لَهُ وَلَقَدْ خَرَجَ اسْمُهُ فِي المَوْتَى"، وَبِهِ قَالَ عِكْرِمَةُ: إِنَّهَا لَيْلَةُ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ.
* *
ثم قال تعالى: ﴿أَمْراً مِّنْ عِنْدِنَآ﴾، أي: قضاء قضيناه، أي: أمراً نأمر به تلك الليلة.
وانتصب أمراً على أنه مصدر في موضع الحال عند الأخفش، أي: إنا أنزلناه آمرين أمراً وراحمين رحمةً.
وقال المبرد: نصبه نصب المصدر على معنى: أنزلناه إنزالاً فالأمر يشتمل على الإخبار.
وقال الجرمي: هو حال من نكرة، وأجاز هذا رجلٌ مُقْبِلاً.
وقال الزجاج: هو مصدر: والتقدير: فيها يفرق فرقاً فأمر، بمعنى: فرق.
وقيل: إن "يفرق" يدل على "يؤمر" فانتصب "أمراً" على المصدر وعمل فيه المعنى.
* *
وقوله: ﴿رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ إِنَّهُ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ﴾.
انتصب الرحمة على الحال - عند الأخفش -، ونصبه الفراء على أنه مفعول لـ "مرسلين"، وجعل "الرحمة" هي النبي ﷺ وأجاز الزجاج أن تنصبه على أنه مفعول من أجله. وقيل: هي بدل من "أمراً".
وقيل: نصبها على المصدر. والمعنى: إنا كنا مرسلين رسولا وهو الرحمة. إن الله هو السميع لما يقول المشركون في رسوله، العليم بما ينطق (في علمه) ضمائرهم وغير ذلك من أمورهم. "وإنا أنزلناه جواب القسم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿رَبِّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَآ إِن كُنتُم مُّوقِنِينَ﴾، أي: الذي أنزل الكتاب على محمد ﷺ هو رب السماوات والأرض وما بينهما، أي: هو مالك ذلك كله ومبتدعه ومدبره.
﴿إِن كُنتُم مُّوقِنِينَ﴾، أي: إن كنتم توقنون بحقيقة ما أخبرتكم به من أن ربكم رب السماوات والأرض.
* *
وقوله: ﴿لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ يُحْيِـي وَيُمِيتُ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَآئِكُمُ ٱلأَوَّلِينَ﴾، أي: هو مالككم ومالك من مضى قبلكم من آبائكم الأولين.
* *
ثم قال: ﴿بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ﴾، أي ما هم على يقين مما يقال لهم (لكنهم في شك منه، فهم يلعبون لشكهم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَٱرْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي ٱلسَّمَآءُ بِدُخَانٍ مُّبِينٍ﴾ أي: فانتظر يا محمد) النقمة منهم وقت يحول بينهم وبين السماء دخان من شدة الجوع.
بلغ بهم الجوع إلى أن كانوا يأكلون الغلهز، والغلهز أن يفقأ القُراد في الصوف. ويشوى ذلك الصوف بدم القراد ويؤكل. والقُراد: الحلم. فرحمهم النبي ﷺ وبعث إليهم بصدقة ومال.
ومفعول: "فارتقب" محذوف، وهو النقمة وشبهها.
وقيل: التقدير هذا عذاب أليم فارتقبه يوم تأتي، وفيه بُعْدٌ لحذف الهاء من غير صلة ولا صفة، ولأنه رفع "العذاب" مع حذف الهاء، وذلك لا يحسن إلا في الشعر.
وقد حَلَّ (بقريش ذلك كله)، إذ دعا عليهم النبي ﷺ فقال: "اللَّهُمَّ سِنِينَ كَسِني يُوسُفَ"
فأُخِذُوا بالجوع. فكان الرجل يحول بينه وبين النظر إلى السماء دخان من شدة الجوع، فيصير كهيئة الدخان، هذا قول ابن مسعود وغيره من المفسرين.
وقيل: الدخان آية من آيات الله يرسله الله عز وجل على عباده قبل مجيء الساعة فيدخل في أسماع أهل الكفر ويعتري أهل الإيمان كهيئة الزكام، روي ذلك عن ابن عمر والحسن.
وروى حذيفة بن اليمان أن النبي ﷺ قال: "أَوَّلُ الآياتِ الدُّخَانُ، وَنُزُولُ عِيسَى، وَنَارٌ تَخْرُجُ مِنْ قَعْرِ عَدَنُ أبين تَسُوقُ النَّاس إِلَى المَحْشَرِ تَقِيلُ مَعَهُمْ إِذا قَالُوا. قال حذيفة: يا رسول الله وما الدخان؟: فتلا رسول الله ﷺ: ﴿فَٱرْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي ٱلسَّمَآءُ بِدُخَانٍ مُّبِينٍ﴾ - الآية، ثم قال: (يُمْلَكُ بِالدُّخَانِ) مَا بَيْنَ (المَشْرِقِ وَالمَغْرِبِ)، يَمْكُثُ أَرْبَعِينَ يَوْماً وَلَيْلَةً. أَمَّا المُؤْمِنُ فَيُصِيبَهُ مِنْهُ كَهَيْئَةِ الزَّكْمَةِ، وَأَمَّا الكَافِرُ فَكَهَيْئَةِ السَّكْرَانِ، يَخْرُجُ مِنْ مَنْخَرَيْهِ وَأُذُنَيْهِ وَدُبُرِهِ
وقيل: إن الدخان هو ما ينتظر بهم يوم القيامة من العذاب، قاله زيد بن علي.
* *
ثم قال: ﴿يَغْشَى ٱلنَّاسَ هَـٰذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾، أي: يغشى ذلك الدخان الناس يقولون هذا عذاب أليم.
* *
ثم قال: ﴿رَّبَّنَا ٱكْشِفْ عَنَّا ٱلْعَذَابَ إِنَّا مْؤْمِنُونَ﴾، أي: يقولون ربنا اكشف عنا العذاب إنا مؤمنون.
* *
ثم قال تعالى: ﴿أَنَّىٰ لَهُمُ ٱلذِّكْرَىٰ وَقَدْ جَآءَهُمْ رَسُولٌ مُّبِينٌ﴾، أي: من أي وجه لهم التذكر بالإيمان عند حلول العذاب بهم، وقد تولوا عما جاءهم به رسولهم.
﴿وَقَالُواْ مُعَلَّمٌ مَّجْنُونٌ﴾، أي: علم هذا الذي جاءنا به ليس هو من عند الله.
* *
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّا كَاشِفُواْ ٱلْعَذَابِ قَلِيلاً﴾، أي: إنا نكشف عنكم العذاب الذي نزل بكم بالخصب والرخاء وقتاً قليلاً، إنكم عائدون إلى كفركم إذا كشفناه عنكم، (وتنقضون ما عهدتم) به أنكم تؤمنون إذا كشف عنكم.
وقيل معناه: إنكم عائدون في عذاب الله (في الآخرة) إن لم تؤمنوا.
وقيل معناه: عائدون إلى الشرك.
الدخان 44:7
قال تعالى: ﴿حـمۤ * وَٱلْكِتَابِ ٱلْمُبِينِ﴾ - إلى قوله -: ﴿إِنَّكُمْ عَآئِدُونَ﴾، قد تقدم ذكر حم.
* *
وقوله: ﴿وَٱلْكِتَابِ ٱلْمُبِينِ﴾ معناه، وحق الكتاب الظاهر، يعني: القرآن.
وجواب القسم في قوله: ﴿وَٱلْكِتَابِ ٱلْمُبِينِ﴾ قوله: ﴿إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ﴾. وقيل: ﴿إِنَّآ أَنزَلْنَاهُ﴾.
وقيل: لا يجوز أن يكون الجواب ﴿إِنَّآ أَنزَلْنَاهُ﴾ لأنه صفة للمقسم به. ولا يكون صفة المقسم به جواباً للقسم.
* *
ثم قال: ﴿إِنَّآ أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ﴾، يعني: القرآن أنزل إلى السماء الدنيا جملة ليلة القدر، وهي الليلة المباركة، ثم نزل على النبي ﷺ في نيف وعشرين سنة نجوماً، نجم بعد نجم، وهو معنى قوله تعالى: ﴿وَٱلنَّجْمِ إِذَا هَوَىٰ﴾ [النجم: ١]، أي: والقرآن إذا نزل، وهو معنى قوله أيضاً: ﴿فَلاَ أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ ٱلنُّجُومِ﴾ [الواقعة: ٧٥]، اي: أقسم بنزول القرآن و "لا" صلة.
قال قتادة: الليلة المباركة: ليلة القدر.
ونزلت صحف إبراهيم في أول ليلة من رمضان، (ونزلت التوراة لست ليالٍ مضين من رمضان، ونزل الزبور لاثنتي عشرة ليلة مضت من رمضان)، ونزل الإنجيل لثماني عشرة ليلة مضت من رمضان، ونزل القرآن لأربع وعشرين مضت من رمضان.
قال ابن عباس: أنزل الله عز وجل القرآن في ليلة القدر إلى السماء الدنيا جملة واحدة، ثم نزل به جبريل في عشرين سنة.
وقيل المعنى: إنا ابتدأنا إنزاله في ليلة القدر.
* *
وقوله: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾. قال عكرمة: هي ليلة النصف من شعبان فيها يبرم أمر السنة.
وظاهر التلاوة يدل على أنها ليلة قدر تفرق فيها الأرزاق وتقضى الآجال إلى مثلها من قابل.
قال أبو العالية: ليلة القدر بركة كلها، لا يوافقها عبد مؤمن يعمل إحساناً إلا غفر له ما مضى من ذنوبه.
قال عكرمة: يكتب في ليلة النصف من شعبان الحاج حاج بيت الله الحرام فلا يغادر منهم أحدا ولا يزاد فيهم أحد.
والبركة في اللغة: الثبات والدوام والزيادة.
* *
وقوله: ﴿إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ﴾، أي: منذرين خلقنا بهذا القرآن الذي أنزلناه في ليلة القدر أن يحل بهم العذاب بكفرهم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾، أي في تلك الليلة المباركة يقضى كل أمر محكم، وهو أمر السنة كلها، من يموت ومن يولد، ومن يُعَزُّ ومن يُذَلُّ، وغير ذلك. سئل الحسن: هل ليلة القدر في كل رمضان؟ فقال: أي، والله إنها لفي كل رمضان، وإنها الليلة التي يفرق فيها كل أمر حكيم، فيها يقضي الله كل أجل وأمل ورزق إلى مثلها، وهو قول مجاهد وقتادة، وقاله ابن عباس وغيره.
وقيل معنى "يفرق": يفصل بين المؤمن والكافر والمنافق فيقال للملائكة هذا فيعرفونه.
وروي عن النبي ﷺ أنه قال: "(تُقْطَعُ الآجَالُ) مِنْ شَعبَانَ إِلى شَعْبَانَ حَتَّى أَنَّ الرَّجُلَ لَيَنْكِحُ وَيُولَدُ لَهُ وَلَقَدْ خَرَجَ اسْمُهُ فِي المَوْتَى"، وَبِهِ قَالَ عِكْرِمَةُ: إِنَّهَا لَيْلَةُ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ.
* *
ثم قال تعالى: ﴿أَمْراً مِّنْ عِنْدِنَآ﴾، أي: قضاء قضيناه، أي: أمراً نأمر به تلك الليلة.
وانتصب أمراً على أنه مصدر في موضع الحال عند الأخفش، أي: إنا أنزلناه آمرين أمراً وراحمين رحمةً.
وقال المبرد: نصبه نصب المصدر على معنى: أنزلناه إنزالاً فالأمر يشتمل على الإخبار.
وقال الجرمي: هو حال من نكرة، وأجاز هذا رجلٌ مُقْبِلاً.
وقال الزجاج: هو مصدر: والتقدير: فيها يفرق فرقاً فأمر، بمعنى: فرق.
وقيل: إن "يفرق" يدل على "يؤمر" فانتصب "أمراً" على المصدر وعمل فيه المعنى.
* *
وقوله: ﴿رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ إِنَّهُ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ﴾.
انتصب الرحمة على الحال - عند الأخفش -، ونصبه الفراء على أنه مفعول لـ "مرسلين"، وجعل "الرحمة" هي النبي ﷺ وأجاز الزجاج أن تنصبه على أنه مفعول من أجله. وقيل: هي بدل من "أمراً".
وقيل: نصبها على المصدر. والمعنى: إنا كنا مرسلين رسولا وهو الرحمة. إن الله هو السميع لما يقول المشركون في رسوله، العليم بما ينطق (في علمه) ضمائرهم وغير ذلك من أمورهم. "وإنا أنزلناه جواب القسم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿رَبِّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَآ إِن كُنتُم مُّوقِنِينَ﴾، أي: الذي أنزل الكتاب على محمد ﷺ هو رب السماوات والأرض وما بينهما، أي: هو مالك ذلك كله ومبتدعه ومدبره.
﴿إِن كُنتُم مُّوقِنِينَ﴾، أي: إن كنتم توقنون بحقيقة ما أخبرتكم به من أن ربكم رب السماوات والأرض.
* *
وقوله: ﴿لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ يُحْيِـي وَيُمِيتُ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَآئِكُمُ ٱلأَوَّلِينَ﴾، أي: هو مالككم ومالك من مضى قبلكم من آبائكم الأولين.
* *
ثم قال: ﴿بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ﴾، أي ما هم على يقين مما يقال لهم (لكنهم في شك منه، فهم يلعبون لشكهم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَٱرْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي ٱلسَّمَآءُ بِدُخَانٍ مُّبِينٍ﴾ أي: فانتظر يا محمد) النقمة منهم وقت يحول بينهم وبين السماء دخان من شدة الجوع.
بلغ بهم الجوع إلى أن كانوا يأكلون الغلهز، والغلهز أن يفقأ القُراد في الصوف. ويشوى ذلك الصوف بدم القراد ويؤكل. والقُراد: الحلم. فرحمهم النبي ﷺ وبعث إليهم بصدقة ومال.
ومفعول: "فارتقب" محذوف، وهو النقمة وشبهها.
وقيل: التقدير هذا عذاب أليم فارتقبه يوم تأتي، وفيه بُعْدٌ لحذف الهاء من غير صلة ولا صفة، ولأنه رفع "العذاب" مع حذف الهاء، وذلك لا يحسن إلا في الشعر.
وقد حَلَّ (بقريش ذلك كله)، إذ دعا عليهم النبي ﷺ فقال: "اللَّهُمَّ سِنِينَ كَسِني يُوسُفَ"
فأُخِذُوا بالجوع. فكان الرجل يحول بينه وبين النظر إلى السماء دخان من شدة الجوع، فيصير كهيئة الدخان، هذا قول ابن مسعود وغيره من المفسرين.
وقيل: الدخان آية من آيات الله يرسله الله عز وجل على عباده قبل مجيء الساعة فيدخل في أسماع أهل الكفر ويعتري أهل الإيمان كهيئة الزكام، روي ذلك عن ابن عمر والحسن.
وروى حذيفة بن اليمان أن النبي ﷺ قال: "أَوَّلُ الآياتِ الدُّخَانُ، وَنُزُولُ عِيسَى، وَنَارٌ تَخْرُجُ مِنْ قَعْرِ عَدَنُ أبين تَسُوقُ النَّاس إِلَى المَحْشَرِ تَقِيلُ مَعَهُمْ إِذا قَالُوا. قال حذيفة: يا رسول الله وما الدخان؟: فتلا رسول الله ﷺ: ﴿فَٱرْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي ٱلسَّمَآءُ بِدُخَانٍ مُّبِينٍ﴾ - الآية، ثم قال: (يُمْلَكُ بِالدُّخَانِ) مَا بَيْنَ (المَشْرِقِ وَالمَغْرِبِ)، يَمْكُثُ أَرْبَعِينَ يَوْماً وَلَيْلَةً. أَمَّا المُؤْمِنُ فَيُصِيبَهُ مِنْهُ كَهَيْئَةِ الزَّكْمَةِ، وَأَمَّا الكَافِرُ فَكَهَيْئَةِ السَّكْرَانِ، يَخْرُجُ مِنْ مَنْخَرَيْهِ وَأُذُنَيْهِ وَدُبُرِهِ
وقيل: إن الدخان هو ما ينتظر بهم يوم القيامة من العذاب، قاله زيد بن علي.
* *
ثم قال: ﴿يَغْشَى ٱلنَّاسَ هَـٰذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾، أي: يغشى ذلك الدخان الناس يقولون هذا عذاب أليم.
* *
ثم قال: ﴿رَّبَّنَا ٱكْشِفْ عَنَّا ٱلْعَذَابَ إِنَّا مْؤْمِنُونَ﴾، أي: يقولون ربنا اكشف عنا العذاب إنا مؤمنون.
* *
ثم قال تعالى: ﴿أَنَّىٰ لَهُمُ ٱلذِّكْرَىٰ وَقَدْ جَآءَهُمْ رَسُولٌ مُّبِينٌ﴾، أي: من أي وجه لهم التذكر بالإيمان عند حلول العذاب بهم، وقد تولوا عما جاءهم به رسولهم.
﴿وَقَالُواْ مُعَلَّمٌ مَّجْنُونٌ﴾، أي: علم هذا الذي جاءنا به ليس هو من عند الله.
* *
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّا كَاشِفُواْ ٱلْعَذَابِ قَلِيلاً﴾، أي: إنا نكشف عنكم العذاب الذي نزل بكم بالخصب والرخاء وقتاً قليلاً، إنكم عائدون إلى كفركم إذا كشفناه عنكم، (وتنقضون ما عهدتم) به أنكم تؤمنون إذا كشف عنكم.
وقيل معناه: إنكم عائدون في عذاب الله (في الآخرة) إن لم تؤمنوا.
وقيل معناه: عائدون إلى الشرك.
الدخان 44:8
قال تعالى: ﴿حـمۤ * وَٱلْكِتَابِ ٱلْمُبِينِ﴾ - إلى قوله -: ﴿إِنَّكُمْ عَآئِدُونَ﴾، قد تقدم ذكر حم.
* *
وقوله: ﴿وَٱلْكِتَابِ ٱلْمُبِينِ﴾ معناه، وحق الكتاب الظاهر، يعني: القرآن.
وجواب القسم في قوله: ﴿وَٱلْكِتَابِ ٱلْمُبِينِ﴾ قوله: ﴿إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ﴾. وقيل: ﴿إِنَّآ أَنزَلْنَاهُ﴾.
وقيل: لا يجوز أن يكون الجواب ﴿إِنَّآ أَنزَلْنَاهُ﴾ لأنه صفة للمقسم به. ولا يكون صفة المقسم به جواباً للقسم.
* *
ثم قال: ﴿إِنَّآ أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ﴾، يعني: القرآن أنزل إلى السماء الدنيا جملة ليلة القدر، وهي الليلة المباركة، ثم نزل على النبي ﷺ في نيف وعشرين سنة نجوماً، نجم بعد نجم، وهو معنى قوله تعالى: ﴿وَٱلنَّجْمِ إِذَا هَوَىٰ﴾ [النجم: ١]، أي: والقرآن إذا نزل، وهو معنى قوله أيضاً: ﴿فَلاَ أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ ٱلنُّجُومِ﴾ [الواقعة: ٧٥]، اي: أقسم بنزول القرآن و "لا" صلة.
قال قتادة: الليلة المباركة: ليلة القدر.
ونزلت صحف إبراهيم في أول ليلة من رمضان، (ونزلت التوراة لست ليالٍ مضين من رمضان، ونزل الزبور لاثنتي عشرة ليلة مضت من رمضان)، ونزل الإنجيل لثماني عشرة ليلة مضت من رمضان، ونزل القرآن لأربع وعشرين مضت من رمضان.
قال ابن عباس: أنزل الله عز وجل القرآن في ليلة القدر إلى السماء الدنيا جملة واحدة، ثم نزل به جبريل في عشرين سنة.
وقيل المعنى: إنا ابتدأنا إنزاله في ليلة القدر.
* *
وقوله: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾. قال عكرمة: هي ليلة النصف من شعبان فيها يبرم أمر السنة.
وظاهر التلاوة يدل على أنها ليلة قدر تفرق فيها الأرزاق وتقضى الآجال إلى مثلها من قابل.
قال أبو العالية: ليلة القدر بركة كلها، لا يوافقها عبد مؤمن يعمل إحساناً إلا غفر له ما مضى من ذنوبه.
قال عكرمة: يكتب في ليلة النصف من شعبان الحاج حاج بيت الله الحرام فلا يغادر منهم أحدا ولا يزاد فيهم أحد.
والبركة في اللغة: الثبات والدوام والزيادة.
* *
وقوله: ﴿إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ﴾، أي: منذرين خلقنا بهذا القرآن الذي أنزلناه في ليلة القدر أن يحل بهم العذاب بكفرهم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾، أي في تلك الليلة المباركة يقضى كل أمر محكم، وهو أمر السنة كلها، من يموت ومن يولد، ومن يُعَزُّ ومن يُذَلُّ، وغير ذلك. سئل الحسن: هل ليلة القدر في كل رمضان؟ فقال: أي، والله إنها لفي كل رمضان، وإنها الليلة التي يفرق فيها كل أمر حكيم، فيها يقضي الله كل أجل وأمل ورزق إلى مثلها، وهو قول مجاهد وقتادة، وقاله ابن عباس وغيره.
وقيل معنى "يفرق": يفصل بين المؤمن والكافر والمنافق فيقال للملائكة هذا فيعرفونه.
وروي عن النبي ﷺ أنه قال: "(تُقْطَعُ الآجَالُ) مِنْ شَعبَانَ إِلى شَعْبَانَ حَتَّى أَنَّ الرَّجُلَ لَيَنْكِحُ وَيُولَدُ لَهُ وَلَقَدْ خَرَجَ اسْمُهُ فِي المَوْتَى"، وَبِهِ قَالَ عِكْرِمَةُ: إِنَّهَا لَيْلَةُ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ.
* *
ثم قال تعالى: ﴿أَمْراً مِّنْ عِنْدِنَآ﴾، أي: قضاء قضيناه، أي: أمراً نأمر به تلك الليلة.
وانتصب أمراً على أنه مصدر في موضع الحال عند الأخفش، أي: إنا أنزلناه آمرين أمراً وراحمين رحمةً.
وقال المبرد: نصبه نصب المصدر على معنى: أنزلناه إنزالاً فالأمر يشتمل على الإخبار.
وقال الجرمي: هو حال من نكرة، وأجاز هذا رجلٌ مُقْبِلاً.
وقال الزجاج: هو مصدر: والتقدير: فيها يفرق فرقاً فأمر، بمعنى: فرق.
وقيل: إن "يفرق" يدل على "يؤمر" فانتصب "أمراً" على المصدر وعمل فيه المعنى.
* *
وقوله: ﴿رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ إِنَّهُ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ﴾.
انتصب الرحمة على الحال - عند الأخفش -، ونصبه الفراء على أنه مفعول لـ "مرسلين"، وجعل "الرحمة" هي النبي ﷺ وأجاز الزجاج أن تنصبه على أنه مفعول من أجله. وقيل: هي بدل من "أمراً".
وقيل: نصبها على المصدر. والمعنى: إنا كنا مرسلين رسولا وهو الرحمة. إن الله هو السميع لما يقول المشركون في رسوله، العليم بما ينطق (في علمه) ضمائرهم وغير ذلك من أمورهم. "وإنا أنزلناه جواب القسم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿رَبِّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَآ إِن كُنتُم مُّوقِنِينَ﴾، أي: الذي أنزل الكتاب على محمد ﷺ هو رب السماوات والأرض وما بينهما، أي: هو مالك ذلك كله ومبتدعه ومدبره.
﴿إِن كُنتُم مُّوقِنِينَ﴾، أي: إن كنتم توقنون بحقيقة ما أخبرتكم به من أن ربكم رب السماوات والأرض.
* *
وقوله: ﴿لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ يُحْيِـي وَيُمِيتُ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَآئِكُمُ ٱلأَوَّلِينَ﴾، أي: هو مالككم ومالك من مضى قبلكم من آبائكم الأولين.
* *
ثم قال: ﴿بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ﴾، أي ما هم على يقين مما يقال لهم (لكنهم في شك منه، فهم يلعبون لشكهم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَٱرْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي ٱلسَّمَآءُ بِدُخَانٍ مُّبِينٍ﴾ أي: فانتظر يا محمد) النقمة منهم وقت يحول بينهم وبين السماء دخان من شدة الجوع.
بلغ بهم الجوع إلى أن كانوا يأكلون الغلهز، والغلهز أن يفقأ القُراد في الصوف. ويشوى ذلك الصوف بدم القراد ويؤكل. والقُراد: الحلم. فرحمهم النبي ﷺ وبعث إليهم بصدقة ومال.
ومفعول: "فارتقب" محذوف، وهو النقمة وشبهها.
وقيل: التقدير هذا عذاب أليم فارتقبه يوم تأتي، وفيه بُعْدٌ لحذف الهاء من غير صلة ولا صفة، ولأنه رفع "العذاب" مع حذف الهاء، وذلك لا يحسن إلا في الشعر.
وقد حَلَّ (بقريش ذلك كله)، إذ دعا عليهم النبي ﷺ فقال: "اللَّهُمَّ سِنِينَ كَسِني يُوسُفَ"
فأُخِذُوا بالجوع. فكان الرجل يحول بينه وبين النظر إلى السماء دخان من شدة الجوع، فيصير كهيئة الدخان، هذا قول ابن مسعود وغيره من المفسرين.
وقيل: الدخان آية من آيات الله يرسله الله عز وجل على عباده قبل مجيء الساعة فيدخل في أسماع أهل الكفر ويعتري أهل الإيمان كهيئة الزكام، روي ذلك عن ابن عمر والحسن.
وروى حذيفة بن اليمان أن النبي ﷺ قال: "أَوَّلُ الآياتِ الدُّخَانُ، وَنُزُولُ عِيسَى، وَنَارٌ تَخْرُجُ مِنْ قَعْرِ عَدَنُ أبين تَسُوقُ النَّاس إِلَى المَحْشَرِ تَقِيلُ مَعَهُمْ إِذا قَالُوا. قال حذيفة: يا رسول الله وما الدخان؟: فتلا رسول الله ﷺ: ﴿فَٱرْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي ٱلسَّمَآءُ بِدُخَانٍ مُّبِينٍ﴾ - الآية، ثم قال: (يُمْلَكُ بِالدُّخَانِ) مَا بَيْنَ (المَشْرِقِ وَالمَغْرِبِ)، يَمْكُثُ أَرْبَعِينَ يَوْماً وَلَيْلَةً. أَمَّا المُؤْمِنُ فَيُصِيبَهُ مِنْهُ كَهَيْئَةِ الزَّكْمَةِ، وَأَمَّا الكَافِرُ فَكَهَيْئَةِ السَّكْرَانِ، يَخْرُجُ مِنْ مَنْخَرَيْهِ وَأُذُنَيْهِ وَدُبُرِهِ
وقيل: إن الدخان هو ما ينتظر بهم يوم القيامة من العذاب، قاله زيد بن علي.
* *
ثم قال: ﴿يَغْشَى ٱلنَّاسَ هَـٰذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾، أي: يغشى ذلك الدخان الناس يقولون هذا عذاب أليم.
* *
ثم قال: ﴿رَّبَّنَا ٱكْشِفْ عَنَّا ٱلْعَذَابَ إِنَّا مْؤْمِنُونَ﴾، أي: يقولون ربنا اكشف عنا العذاب إنا مؤمنون.
* *
ثم قال تعالى: ﴿أَنَّىٰ لَهُمُ ٱلذِّكْرَىٰ وَقَدْ جَآءَهُمْ رَسُولٌ مُّبِينٌ﴾، أي: من أي وجه لهم التذكر بالإيمان عند حلول العذاب بهم، وقد تولوا عما جاءهم به رسولهم.
﴿وَقَالُواْ مُعَلَّمٌ مَّجْنُونٌ﴾، أي: علم هذا الذي جاءنا به ليس هو من عند الله.
* *
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّا كَاشِفُواْ ٱلْعَذَابِ قَلِيلاً﴾، أي: إنا نكشف عنكم العذاب الذي نزل بكم بالخصب والرخاء وقتاً قليلاً، إنكم عائدون إلى كفركم إذا كشفناه عنكم، (وتنقضون ما عهدتم) به أنكم تؤمنون إذا كشف عنكم.
وقيل معناه: إنكم عائدون في عذاب الله (في الآخرة) إن لم تؤمنوا.
وقيل معناه: عائدون إلى الشرك.
الدخان 44:9
قال تعالى: ﴿حـمۤ * وَٱلْكِتَابِ ٱلْمُبِينِ﴾ - إلى قوله -: ﴿إِنَّكُمْ عَآئِدُونَ﴾، قد تقدم ذكر حم.
* *
وقوله: ﴿وَٱلْكِتَابِ ٱلْمُبِينِ﴾ معناه، وحق الكتاب الظاهر، يعني: القرآن.
وجواب القسم في قوله: ﴿وَٱلْكِتَابِ ٱلْمُبِينِ﴾ قوله: ﴿إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ﴾. وقيل: ﴿إِنَّآ أَنزَلْنَاهُ﴾.
وقيل: لا يجوز أن يكون الجواب ﴿إِنَّآ أَنزَلْنَاهُ﴾ لأنه صفة للمقسم به. ولا يكون صفة المقسم به جواباً للقسم.
* *
ثم قال: ﴿إِنَّآ أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ﴾، يعني: القرآن أنزل إلى السماء الدنيا جملة ليلة القدر، وهي الليلة المباركة، ثم نزل على النبي ﷺ في نيف وعشرين سنة نجوماً، نجم بعد نجم، وهو معنى قوله تعالى: ﴿وَٱلنَّجْمِ إِذَا هَوَىٰ﴾ [النجم: ١]، أي: والقرآن إذا نزل، وهو معنى قوله أيضاً: ﴿فَلاَ أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ ٱلنُّجُومِ﴾ [الواقعة: ٧٥]، اي: أقسم بنزول القرآن و "لا" صلة.
قال قتادة: الليلة المباركة: ليلة القدر.
ونزلت صحف إبراهيم في أول ليلة من رمضان، (ونزلت التوراة لست ليالٍ مضين من رمضان، ونزل الزبور لاثنتي عشرة ليلة مضت من رمضان)، ونزل الإنجيل لثماني عشرة ليلة مضت من رمضان، ونزل القرآن لأربع وعشرين مضت من رمضان.
قال ابن عباس: أنزل الله عز وجل القرآن في ليلة القدر إلى السماء الدنيا جملة واحدة، ثم نزل به جبريل في عشرين سنة.
وقيل المعنى: إنا ابتدأنا إنزاله في ليلة القدر.
* *
وقوله: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾. قال عكرمة: هي ليلة النصف من شعبان فيها يبرم أمر السنة.
وظاهر التلاوة يدل على أنها ليلة قدر تفرق فيها الأرزاق وتقضى الآجال إلى مثلها من قابل.
قال أبو العالية: ليلة القدر بركة كلها، لا يوافقها عبد مؤمن يعمل إحساناً إلا غفر له ما مضى من ذنوبه.
قال عكرمة: يكتب في ليلة النصف من شعبان الحاج حاج بيت الله الحرام فلا يغادر منهم أحدا ولا يزاد فيهم أحد.
والبركة في اللغة: الثبات والدوام والزيادة.
* *
وقوله: ﴿إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ﴾، أي: منذرين خلقنا بهذا القرآن الذي أنزلناه في ليلة القدر أن يحل بهم العذاب بكفرهم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾، أي في تلك الليلة المباركة يقضى كل أمر محكم، وهو أمر السنة كلها، من يموت ومن يولد، ومن يُعَزُّ ومن يُذَلُّ، وغير ذلك. سئل الحسن: هل ليلة القدر في كل رمضان؟ فقال: أي، والله إنها لفي كل رمضان، وإنها الليلة التي يفرق فيها كل أمر حكيم، فيها يقضي الله كل أجل وأمل ورزق إلى مثلها، وهو قول مجاهد وقتادة، وقاله ابن عباس وغيره.
وقيل معنى "يفرق": يفصل بين المؤمن والكافر والمنافق فيقال للملائكة هذا فيعرفونه.
وروي عن النبي ﷺ أنه قال: "(تُقْطَعُ الآجَالُ) مِنْ شَعبَانَ إِلى شَعْبَانَ حَتَّى أَنَّ الرَّجُلَ لَيَنْكِحُ وَيُولَدُ لَهُ وَلَقَدْ خَرَجَ اسْمُهُ فِي المَوْتَى"، وَبِهِ قَالَ عِكْرِمَةُ: إِنَّهَا لَيْلَةُ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ.
* *
ثم قال تعالى: ﴿أَمْراً مِّنْ عِنْدِنَآ﴾، أي: قضاء قضيناه، أي: أمراً نأمر به تلك الليلة.
وانتصب أمراً على أنه مصدر في موضع الحال عند الأخفش، أي: إنا أنزلناه آمرين أمراً وراحمين رحمةً.
وقال المبرد: نصبه نصب المصدر على معنى: أنزلناه إنزالاً فالأمر يشتمل على الإخبار.
وقال الجرمي: هو حال من نكرة، وأجاز هذا رجلٌ مُقْبِلاً.
وقال الزجاج: هو مصدر: والتقدير: فيها يفرق فرقاً فأمر، بمعنى: فرق.
وقيل: إن "يفرق" يدل على "يؤمر" فانتصب "أمراً" على المصدر وعمل فيه المعنى.
* *
وقوله: ﴿رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ إِنَّهُ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ﴾.
انتصب الرحمة على الحال - عند الأخفش -، ونصبه الفراء على أنه مفعول لـ "مرسلين"، وجعل "الرحمة" هي النبي ﷺ وأجاز الزجاج أن تنصبه على أنه مفعول من أجله. وقيل: هي بدل من "أمراً".
وقيل: نصبها على المصدر. والمعنى: إنا كنا مرسلين رسولا وهو الرحمة. إن الله هو السميع لما يقول المشركون في رسوله، العليم بما ينطق (في علمه) ضمائرهم وغير ذلك من أمورهم. "وإنا أنزلناه جواب القسم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿رَبِّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَآ إِن كُنتُم مُّوقِنِينَ﴾، أي: الذي أنزل الكتاب على محمد ﷺ هو رب السماوات والأرض وما بينهما، أي: هو مالك ذلك كله ومبتدعه ومدبره.
﴿إِن كُنتُم مُّوقِنِينَ﴾، أي: إن كنتم توقنون بحقيقة ما أخبرتكم به من أن ربكم رب السماوات والأرض.
* *
وقوله: ﴿لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ يُحْيِـي وَيُمِيتُ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَآئِكُمُ ٱلأَوَّلِينَ﴾، أي: هو مالككم ومالك من مضى قبلكم من آبائكم الأولين.
* *
ثم قال: ﴿بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ﴾، أي ما هم على يقين مما يقال لهم (لكنهم في شك منه، فهم يلعبون لشكهم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَٱرْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي ٱلسَّمَآءُ بِدُخَانٍ مُّبِينٍ﴾ أي: فانتظر يا محمد) النقمة منهم وقت يحول بينهم وبين السماء دخان من شدة الجوع.
بلغ بهم الجوع إلى أن كانوا يأكلون الغلهز، والغلهز أن يفقأ القُراد في الصوف. ويشوى ذلك الصوف بدم القراد ويؤكل. والقُراد: الحلم. فرحمهم النبي ﷺ وبعث إليهم بصدقة ومال.
ومفعول: "فارتقب" محذوف، وهو النقمة وشبهها.
وقيل: التقدير هذا عذاب أليم فارتقبه يوم تأتي، وفيه بُعْدٌ لحذف الهاء من غير صلة ولا صفة، ولأنه رفع "العذاب" مع حذف الهاء، وذلك لا يحسن إلا في الشعر.
وقد حَلَّ (بقريش ذلك كله)، إذ دعا عليهم النبي ﷺ فقال: "اللَّهُمَّ سِنِينَ كَسِني يُوسُفَ"
فأُخِذُوا بالجوع. فكان الرجل يحول بينه وبين النظر إلى السماء دخان من شدة الجوع، فيصير كهيئة الدخان، هذا قول ابن مسعود وغيره من المفسرين.
وقيل: الدخان آية من آيات الله يرسله الله عز وجل على عباده قبل مجيء الساعة فيدخل في أسماع أهل الكفر ويعتري أهل الإيمان كهيئة الزكام، روي ذلك عن ابن عمر والحسن.
وروى حذيفة بن اليمان أن النبي ﷺ قال: "أَوَّلُ الآياتِ الدُّخَانُ، وَنُزُولُ عِيسَى، وَنَارٌ تَخْرُجُ مِنْ قَعْرِ عَدَنُ أبين تَسُوقُ النَّاس إِلَى المَحْشَرِ تَقِيلُ مَعَهُمْ إِذا قَالُوا. قال حذيفة: يا رسول الله وما الدخان؟: فتلا رسول الله ﷺ: ﴿فَٱرْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي ٱلسَّمَآءُ بِدُخَانٍ مُّبِينٍ﴾ - الآية، ثم قال: (يُمْلَكُ بِالدُّخَانِ) مَا بَيْنَ (المَشْرِقِ وَالمَغْرِبِ)، يَمْكُثُ أَرْبَعِينَ يَوْماً وَلَيْلَةً. أَمَّا المُؤْمِنُ فَيُصِيبَهُ مِنْهُ كَهَيْئَةِ الزَّكْمَةِ، وَأَمَّا الكَافِرُ فَكَهَيْئَةِ السَّكْرَانِ، يَخْرُجُ مِنْ مَنْخَرَيْهِ وَأُذُنَيْهِ وَدُبُرِهِ
وقيل: إن الدخان هو ما ينتظر بهم يوم القيامة من العذاب، قاله زيد بن علي.
* *
ثم قال: ﴿يَغْشَى ٱلنَّاسَ هَـٰذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾، أي: يغشى ذلك الدخان الناس يقولون هذا عذاب أليم.
* *
ثم قال: ﴿رَّبَّنَا ٱكْشِفْ عَنَّا ٱلْعَذَابَ إِنَّا مْؤْمِنُونَ﴾، أي: يقولون ربنا اكشف عنا العذاب إنا مؤمنون.
* *
ثم قال تعالى: ﴿أَنَّىٰ لَهُمُ ٱلذِّكْرَىٰ وَقَدْ جَآءَهُمْ رَسُولٌ مُّبِينٌ﴾، أي: من أي وجه لهم التذكر بالإيمان عند حلول العذاب بهم، وقد تولوا عما جاءهم به رسولهم.
﴿وَقَالُواْ مُعَلَّمٌ مَّجْنُونٌ﴾، أي: علم هذا الذي جاءنا به ليس هو من عند الله.
* *
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّا كَاشِفُواْ ٱلْعَذَابِ قَلِيلاً﴾، أي: إنا نكشف عنكم العذاب الذي نزل بكم بالخصب والرخاء وقتاً قليلاً، إنكم عائدون إلى كفركم إذا كشفناه عنكم، (وتنقضون ما عهدتم) به أنكم تؤمنون إذا كشف عنكم.
وقيل معناه: إنكم عائدون في عذاب الله (في الآخرة) إن لم تؤمنوا.
وقيل معناه: عائدون إلى الشرك.
الدخان 44:10
قال تعالى: ﴿حـمۤ * وَٱلْكِتَابِ ٱلْمُبِينِ﴾ - إلى قوله -: ﴿إِنَّكُمْ عَآئِدُونَ﴾، قد تقدم ذكر حم.
* *
وقوله: ﴿وَٱلْكِتَابِ ٱلْمُبِينِ﴾ معناه، وحق الكتاب الظاهر، يعني: القرآن.
وجواب القسم في قوله: ﴿وَٱلْكِتَابِ ٱلْمُبِينِ﴾ قوله: ﴿إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ﴾. وقيل: ﴿إِنَّآ أَنزَلْنَاهُ﴾.
وقيل: لا يجوز أن يكون الجواب ﴿إِنَّآ أَنزَلْنَاهُ﴾ لأنه صفة للمقسم به. ولا يكون صفة المقسم به جواباً للقسم.
* *
ثم قال: ﴿إِنَّآ أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ﴾، يعني: القرآن أنزل إلى السماء الدنيا جملة ليلة القدر، وهي الليلة المباركة، ثم نزل على النبي ﷺ في نيف وعشرين سنة نجوماً، نجم بعد نجم، وهو معنى قوله تعالى: ﴿وَٱلنَّجْمِ إِذَا هَوَىٰ﴾ [النجم: ١]، أي: والقرآن إذا نزل، وهو معنى قوله أيضاً: ﴿فَلاَ أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ ٱلنُّجُومِ﴾ [الواقعة: ٧٥]، اي: أقسم بنزول القرآن و "لا" صلة.
قال قتادة: الليلة المباركة: ليلة القدر.
ونزلت صحف إبراهيم في أول ليلة من رمضان، (ونزلت التوراة لست ليالٍ مضين من رمضان، ونزل الزبور لاثنتي عشرة ليلة مضت من رمضان)، ونزل الإنجيل لثماني عشرة ليلة مضت من رمضان، ونزل القرآن لأربع وعشرين مضت من رمضان.
قال ابن عباس: أنزل الله عز وجل القرآن في ليلة القدر إلى السماء الدنيا جملة واحدة، ثم نزل به جبريل في عشرين سنة.
وقيل المعنى: إنا ابتدأنا إنزاله في ليلة القدر.
* *
وقوله: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾. قال عكرمة: هي ليلة النصف من شعبان فيها يبرم أمر السنة.
وظاهر التلاوة يدل على أنها ليلة قدر تفرق فيها الأرزاق وتقضى الآجال إلى مثلها من قابل.
قال أبو العالية: ليلة القدر بركة كلها، لا يوافقها عبد مؤمن يعمل إحساناً إلا غفر له ما مضى من ذنوبه.
قال عكرمة: يكتب في ليلة النصف من شعبان الحاج حاج بيت الله الحرام فلا يغادر منهم أحدا ولا يزاد فيهم أحد.
والبركة في اللغة: الثبات والدوام والزيادة.
* *
وقوله: ﴿إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ﴾، أي: منذرين خلقنا بهذا القرآن الذي أنزلناه في ليلة القدر أن يحل بهم العذاب بكفرهم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾، أي في تلك الليلة المباركة يقضى كل أمر محكم، وهو أمر السنة كلها، من يموت ومن يولد، ومن يُعَزُّ ومن يُذَلُّ، وغير ذلك. سئل الحسن: هل ليلة القدر في كل رمضان؟ فقال: أي، والله إنها لفي كل رمضان، وإنها الليلة التي يفرق فيها كل أمر حكيم، فيها يقضي الله كل أجل وأمل ورزق إلى مثلها، وهو قول مجاهد وقتادة، وقاله ابن عباس وغيره.
وقيل معنى "يفرق": يفصل بين المؤمن والكافر والمنافق فيقال للملائكة هذا فيعرفونه.
وروي عن النبي ﷺ أنه قال: "(تُقْطَعُ الآجَالُ) مِنْ شَعبَانَ إِلى شَعْبَانَ حَتَّى أَنَّ الرَّجُلَ لَيَنْكِحُ وَيُولَدُ لَهُ وَلَقَدْ خَرَجَ اسْمُهُ فِي المَوْتَى"، وَبِهِ قَالَ عِكْرِمَةُ: إِنَّهَا لَيْلَةُ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ.
* *
ثم قال تعالى: ﴿أَمْراً مِّنْ عِنْدِنَآ﴾، أي: قضاء قضيناه، أي: أمراً نأمر به تلك الليلة.
وانتصب أمراً على أنه مصدر في موضع الحال عند الأخفش، أي: إنا أنزلناه آمرين أمراً وراحمين رحمةً.
وقال المبرد: نصبه نصب المصدر على معنى: أنزلناه إنزالاً فالأمر يشتمل على الإخبار.
وقال الجرمي: هو حال من نكرة، وأجاز هذا رجلٌ مُقْبِلاً.
وقال الزجاج: هو مصدر: والتقدير: فيها يفرق فرقاً فأمر، بمعنى: فرق.
وقيل: إن "يفرق" يدل على "يؤمر" فانتصب "أمراً" على المصدر وعمل فيه المعنى.
* *
وقوله: ﴿رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ إِنَّهُ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ﴾.
انتصب الرحمة على الحال - عند الأخفش -، ونصبه الفراء على أنه مفعول لـ "مرسلين"، وجعل "الرحمة" هي النبي ﷺ وأجاز الزجاج أن تنصبه على أنه مفعول من أجله. وقيل: هي بدل من "أمراً".
وقيل: نصبها على المصدر. والمعنى: إنا كنا مرسلين رسولا وهو الرحمة. إن الله هو السميع لما يقول المشركون في رسوله، العليم بما ينطق (في علمه) ضمائرهم وغير ذلك من أمورهم. "وإنا أنزلناه جواب القسم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿رَبِّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَآ إِن كُنتُم مُّوقِنِينَ﴾، أي: الذي أنزل الكتاب على محمد ﷺ هو رب السماوات والأرض وما بينهما، أي: هو مالك ذلك كله ومبتدعه ومدبره.
﴿إِن كُنتُم مُّوقِنِينَ﴾، أي: إن كنتم توقنون بحقيقة ما أخبرتكم به من أن ربكم رب السماوات والأرض.
* *
وقوله: ﴿لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ يُحْيِـي وَيُمِيتُ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَآئِكُمُ ٱلأَوَّلِينَ﴾، أي: هو مالككم ومالك من مضى قبلكم من آبائكم الأولين.
* *
ثم قال: ﴿بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ﴾، أي ما هم على يقين مما يقال لهم (لكنهم في شك منه، فهم يلعبون لشكهم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَٱرْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي ٱلسَّمَآءُ بِدُخَانٍ مُّبِينٍ﴾ أي: فانتظر يا محمد) النقمة منهم وقت يحول بينهم وبين السماء دخان من شدة الجوع.
بلغ بهم الجوع إلى أن كانوا يأكلون الغلهز، والغلهز أن يفقأ القُراد في الصوف. ويشوى ذلك الصوف بدم القراد ويؤكل. والقُراد: الحلم. فرحمهم النبي ﷺ وبعث إليهم بصدقة ومال.
ومفعول: "فارتقب" محذوف، وهو النقمة وشبهها.
وقيل: التقدير هذا عذاب أليم فارتقبه يوم تأتي، وفيه بُعْدٌ لحذف الهاء من غير صلة ولا صفة، ولأنه رفع "العذاب" مع حذف الهاء، وذلك لا يحسن إلا في الشعر.
وقد حَلَّ (بقريش ذلك كله)، إذ دعا عليهم النبي ﷺ فقال: "اللَّهُمَّ سِنِينَ كَسِني يُوسُفَ"
فأُخِذُوا بالجوع. فكان الرجل يحول بينه وبين النظر إلى السماء دخان من شدة الجوع، فيصير كهيئة الدخان، هذا قول ابن مسعود وغيره من المفسرين.
وقيل: الدخان آية من آيات الله يرسله الله عز وجل على عباده قبل مجيء الساعة فيدخل في أسماع أهل الكفر ويعتري أهل الإيمان كهيئة الزكام، روي ذلك عن ابن عمر والحسن.
وروى حذيفة بن اليمان أن النبي ﷺ قال: "أَوَّلُ الآياتِ الدُّخَانُ، وَنُزُولُ عِيسَى، وَنَارٌ تَخْرُجُ مِنْ قَعْرِ عَدَنُ أبين تَسُوقُ النَّاس إِلَى المَحْشَرِ تَقِيلُ مَعَهُمْ إِذا قَالُوا. قال حذيفة: يا رسول الله وما الدخان؟: فتلا رسول الله ﷺ: ﴿فَٱرْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي ٱلسَّمَآءُ بِدُخَانٍ مُّبِينٍ﴾ - الآية، ثم قال: (يُمْلَكُ بِالدُّخَانِ) مَا بَيْنَ (المَشْرِقِ وَالمَغْرِبِ)، يَمْكُثُ أَرْبَعِينَ يَوْماً وَلَيْلَةً. أَمَّا المُؤْمِنُ فَيُصِيبَهُ مِنْهُ كَهَيْئَةِ الزَّكْمَةِ، وَأَمَّا الكَافِرُ فَكَهَيْئَةِ السَّكْرَانِ، يَخْرُجُ مِنْ مَنْخَرَيْهِ وَأُذُنَيْهِ وَدُبُرِهِ
وقيل: إن الدخان هو ما ينتظر بهم يوم القيامة من العذاب، قاله زيد بن علي.
* *
ثم قال: ﴿يَغْشَى ٱلنَّاسَ هَـٰذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾، أي: يغشى ذلك الدخان الناس يقولون هذا عذاب أليم.
* *
ثم قال: ﴿رَّبَّنَا ٱكْشِفْ عَنَّا ٱلْعَذَابَ إِنَّا مْؤْمِنُونَ﴾، أي: يقولون ربنا اكشف عنا العذاب إنا مؤمنون.
* *
ثم قال تعالى: ﴿أَنَّىٰ لَهُمُ ٱلذِّكْرَىٰ وَقَدْ جَآءَهُمْ رَسُولٌ مُّبِينٌ﴾، أي: من أي وجه لهم التذكر بالإيمان عند حلول العذاب بهم، وقد تولوا عما جاءهم به رسولهم.
﴿وَقَالُواْ مُعَلَّمٌ مَّجْنُونٌ﴾، أي: علم هذا الذي جاءنا به ليس هو من عند الله.
* *
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّا كَاشِفُواْ ٱلْعَذَابِ قَلِيلاً﴾، أي: إنا نكشف عنكم العذاب الذي نزل بكم بالخصب والرخاء وقتاً قليلاً، إنكم عائدون إلى كفركم إذا كشفناه عنكم، (وتنقضون ما عهدتم) به أنكم تؤمنون إذا كشف عنكم.
وقيل معناه: إنكم عائدون في عذاب الله (في الآخرة) إن لم تؤمنوا.
وقيل معناه: عائدون إلى الشرك.
الدخان 44:11
قال تعالى: ﴿حـمۤ * وَٱلْكِتَابِ ٱلْمُبِينِ﴾ - إلى قوله -: ﴿إِنَّكُمْ عَآئِدُونَ﴾، قد تقدم ذكر حم.
* *
وقوله: ﴿وَٱلْكِتَابِ ٱلْمُبِينِ﴾ معناه، وحق الكتاب الظاهر، يعني: القرآن.
وجواب القسم في قوله: ﴿وَٱلْكِتَابِ ٱلْمُبِينِ﴾ قوله: ﴿إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ﴾. وقيل: ﴿إِنَّآ أَنزَلْنَاهُ﴾.
وقيل: لا يجوز أن يكون الجواب ﴿إِنَّآ أَنزَلْنَاهُ﴾ لأنه صفة للمقسم به. ولا يكون صفة المقسم به جواباً للقسم.
* *
ثم قال: ﴿إِنَّآ أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ﴾، يعني: القرآن أنزل إلى السماء الدنيا جملة ليلة القدر، وهي الليلة المباركة، ثم نزل على النبي ﷺ في نيف وعشرين سنة نجوماً، نجم بعد نجم، وهو معنى قوله تعالى: ﴿وَٱلنَّجْمِ إِذَا هَوَىٰ﴾ [النجم: ١]، أي: والقرآن إذا نزل، وهو معنى قوله أيضاً: ﴿فَلاَ أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ ٱلنُّجُومِ﴾ [الواقعة: ٧٥]، اي: أقسم بنزول القرآن و "لا" صلة.
قال قتادة: الليلة المباركة: ليلة القدر.
ونزلت صحف إبراهيم في أول ليلة من رمضان، (ونزلت التوراة لست ليالٍ مضين من رمضان، ونزل الزبور لاثنتي عشرة ليلة مضت من رمضان)، ونزل الإنجيل لثماني عشرة ليلة مضت من رمضان، ونزل القرآن لأربع وعشرين مضت من رمضان.
قال ابن عباس: أنزل الله عز وجل القرآن في ليلة القدر إلى السماء الدنيا جملة واحدة، ثم نزل به جبريل في عشرين سنة.
وقيل المعنى: إنا ابتدأنا إنزاله في ليلة القدر.
* *
وقوله: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾. قال عكرمة: هي ليلة النصف من شعبان فيها يبرم أمر السنة.
وظاهر التلاوة يدل على أنها ليلة قدر تفرق فيها الأرزاق وتقضى الآجال إلى مثلها من قابل.
قال أبو العالية: ليلة القدر بركة كلها، لا يوافقها عبد مؤمن يعمل إحساناً إلا غفر له ما مضى من ذنوبه.
قال عكرمة: يكتب في ليلة النصف من شعبان الحاج حاج بيت الله الحرام فلا يغادر منهم أحدا ولا يزاد فيهم أحد.
والبركة في اللغة: الثبات والدوام والزيادة.
* *
وقوله: ﴿إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ﴾، أي: منذرين خلقنا بهذا القرآن الذي أنزلناه في ليلة القدر أن يحل بهم العذاب بكفرهم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾، أي في تلك الليلة المباركة يقضى كل أمر محكم، وهو أمر السنة كلها، من يموت ومن يولد، ومن يُعَزُّ ومن يُذَلُّ، وغير ذلك. سئل الحسن: هل ليلة القدر في كل رمضان؟ فقال: أي، والله إنها لفي كل رمضان، وإنها الليلة التي يفرق فيها كل أمر حكيم، فيها يقضي الله كل أجل وأمل ورزق إلى مثلها، وهو قول مجاهد وقتادة، وقاله ابن عباس وغيره.
وقيل معنى "يفرق": يفصل بين المؤمن والكافر والمنافق فيقال للملائكة هذا فيعرفونه.
وروي عن النبي ﷺ أنه قال: "(تُقْطَعُ الآجَالُ) مِنْ شَعبَانَ إِلى شَعْبَانَ حَتَّى أَنَّ الرَّجُلَ لَيَنْكِحُ وَيُولَدُ لَهُ وَلَقَدْ خَرَجَ اسْمُهُ فِي المَوْتَى"، وَبِهِ قَالَ عِكْرِمَةُ: إِنَّهَا لَيْلَةُ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ.
* *
ثم قال تعالى: ﴿أَمْراً مِّنْ عِنْدِنَآ﴾، أي: قضاء قضيناه، أي: أمراً نأمر به تلك الليلة.
وانتصب أمراً على أنه مصدر في موضع الحال عند الأخفش، أي: إنا أنزلناه آمرين أمراً وراحمين رحمةً.
وقال المبرد: نصبه نصب المصدر على معنى: أنزلناه إنزالاً فالأمر يشتمل على الإخبار.
وقال الجرمي: هو حال من نكرة، وأجاز هذا رجلٌ مُقْبِلاً.
وقال الزجاج: هو مصدر: والتقدير: فيها يفرق فرقاً فأمر، بمعنى: فرق.
وقيل: إن "يفرق" يدل على "يؤمر" فانتصب "أمراً" على المصدر وعمل فيه المعنى.
* *
وقوله: ﴿رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ إِنَّهُ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ﴾.
انتصب الرحمة على الحال - عند الأخفش -، ونصبه الفراء على أنه مفعول لـ "مرسلين"، وجعل "الرحمة" هي النبي ﷺ وأجاز الزجاج أن تنصبه على أنه مفعول من أجله. وقيل: هي بدل من "أمراً".
وقيل: نصبها على المصدر. والمعنى: إنا كنا مرسلين رسولا وهو الرحمة. إن الله هو السميع لما يقول المشركون في رسوله، العليم بما ينطق (في علمه) ضمائرهم وغير ذلك من أمورهم. "وإنا أنزلناه جواب القسم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿رَبِّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَآ إِن كُنتُم مُّوقِنِينَ﴾، أي: الذي أنزل الكتاب على محمد ﷺ هو رب السماوات والأرض وما بينهما، أي: هو مالك ذلك كله ومبتدعه ومدبره.
﴿إِن كُنتُم مُّوقِنِينَ﴾، أي: إن كنتم توقنون بحقيقة ما أخبرتكم به من أن ربكم رب السماوات والأرض.
* *
وقوله: ﴿لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ يُحْيِـي وَيُمِيتُ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَآئِكُمُ ٱلأَوَّلِينَ﴾، أي: هو مالككم ومالك من مضى قبلكم من آبائكم الأولين.
* *
ثم قال: ﴿بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ﴾، أي ما هم على يقين مما يقال لهم (لكنهم في شك منه، فهم يلعبون لشكهم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَٱرْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي ٱلسَّمَآءُ بِدُخَانٍ مُّبِينٍ﴾ أي: فانتظر يا محمد) النقمة منهم وقت يحول بينهم وبين السماء دخان من شدة الجوع.
بلغ بهم الجوع إلى أن كانوا يأكلون الغلهز، والغلهز أن يفقأ القُراد في الصوف. ويشوى ذلك الصوف بدم القراد ويؤكل. والقُراد: الحلم. فرحمهم النبي ﷺ وبعث إليهم بصدقة ومال.
ومفعول: "فارتقب" محذوف، وهو النقمة وشبهها.
وقيل: التقدير هذا عذاب أليم فارتقبه يوم تأتي، وفيه بُعْدٌ لحذف الهاء من غير صلة ولا صفة، ولأنه رفع "العذاب" مع حذف الهاء، وذلك لا يحسن إلا في الشعر.
وقد حَلَّ (بقريش ذلك كله)، إذ دعا عليهم النبي ﷺ فقال: "اللَّهُمَّ سِنِينَ كَسِني يُوسُفَ"
فأُخِذُوا بالجوع. فكان الرجل يحول بينه وبين النظر إلى السماء دخان من شدة الجوع، فيصير كهيئة الدخان، هذا قول ابن مسعود وغيره من المفسرين.
وقيل: الدخان آية من آيات الله يرسله الله عز وجل على عباده قبل مجيء الساعة فيدخل في أسماع أهل الكفر ويعتري أهل الإيمان كهيئة الزكام، روي ذلك عن ابن عمر والحسن.
وروى حذيفة بن اليمان أن النبي ﷺ قال: "أَوَّلُ الآياتِ الدُّخَانُ، وَنُزُولُ عِيسَى، وَنَارٌ تَخْرُجُ مِنْ قَعْرِ عَدَنُ أبين تَسُوقُ النَّاس إِلَى المَحْشَرِ تَقِيلُ مَعَهُمْ إِذا قَالُوا. قال حذيفة: يا رسول الله وما الدخان؟: فتلا رسول الله ﷺ: ﴿فَٱرْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي ٱلسَّمَآءُ بِدُخَانٍ مُّبِينٍ﴾ - الآية، ثم قال: (يُمْلَكُ بِالدُّخَانِ) مَا بَيْنَ (المَشْرِقِ وَالمَغْرِبِ)، يَمْكُثُ أَرْبَعِينَ يَوْماً وَلَيْلَةً. أَمَّا المُؤْمِنُ فَيُصِيبَهُ مِنْهُ كَهَيْئَةِ الزَّكْمَةِ، وَأَمَّا الكَافِرُ فَكَهَيْئَةِ السَّكْرَانِ، يَخْرُجُ مِنْ مَنْخَرَيْهِ وَأُذُنَيْهِ وَدُبُرِهِ
وقيل: إن الدخان هو ما ينتظر بهم يوم القيامة من العذاب، قاله زيد بن علي.
* *
ثم قال: ﴿يَغْشَى ٱلنَّاسَ هَـٰذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾، أي: يغشى ذلك الدخان الناس يقولون هذا عذاب أليم.
* *
ثم قال: ﴿رَّبَّنَا ٱكْشِفْ عَنَّا ٱلْعَذَابَ إِنَّا مْؤْمِنُونَ﴾، أي: يقولون ربنا اكشف عنا العذاب إنا مؤمنون.
* *
ثم قال تعالى: ﴿أَنَّىٰ لَهُمُ ٱلذِّكْرَىٰ وَقَدْ جَآءَهُمْ رَسُولٌ مُّبِينٌ﴾، أي: من أي وجه لهم التذكر بالإيمان عند حلول العذاب بهم، وقد تولوا عما جاءهم به رسولهم.
﴿وَقَالُواْ مُعَلَّمٌ مَّجْنُونٌ﴾، أي: علم هذا الذي جاءنا به ليس هو من عند الله.
* *
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّا كَاشِفُواْ ٱلْعَذَابِ قَلِيلاً﴾، أي: إنا نكشف عنكم العذاب الذي نزل بكم بالخصب والرخاء وقتاً قليلاً، إنكم عائدون إلى كفركم إذا كشفناه عنكم، (وتنقضون ما عهدتم) به أنكم تؤمنون إذا كشف عنكم.
وقيل معناه: إنكم عائدون في عذاب الله (في الآخرة) إن لم تؤمنوا.
وقيل معناه: عائدون إلى الشرك.
الدخان 44:12
قال تعالى: ﴿حـمۤ * وَٱلْكِتَابِ ٱلْمُبِينِ﴾ - إلى قوله -: ﴿إِنَّكُمْ عَآئِدُونَ﴾، قد تقدم ذكر حم.
* *
وقوله: ﴿وَٱلْكِتَابِ ٱلْمُبِينِ﴾ معناه، وحق الكتاب الظاهر، يعني: القرآن.
وجواب القسم في قوله: ﴿وَٱلْكِتَابِ ٱلْمُبِينِ﴾ قوله: ﴿إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ﴾. وقيل: ﴿إِنَّآ أَنزَلْنَاهُ﴾.
وقيل: لا يجوز أن يكون الجواب ﴿إِنَّآ أَنزَلْنَاهُ﴾ لأنه صفة للمقسم به. ولا يكون صفة المقسم به جواباً للقسم.
* *
ثم قال: ﴿إِنَّآ أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ﴾، يعني: القرآن أنزل إلى السماء الدنيا جملة ليلة القدر، وهي الليلة المباركة، ثم نزل على النبي ﷺ في نيف وعشرين سنة نجوماً، نجم بعد نجم، وهو معنى قوله تعالى: ﴿وَٱلنَّجْمِ إِذَا هَوَىٰ﴾ [النجم: ١]، أي: والقرآن إذا نزل، وهو معنى قوله أيضاً: ﴿فَلاَ أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ ٱلنُّجُومِ﴾ [الواقعة: ٧٥]، اي: أقسم بنزول القرآن و "لا" صلة.
قال قتادة: الليلة المباركة: ليلة القدر.
ونزلت صحف إبراهيم في أول ليلة من رمضان، (ونزلت التوراة لست ليالٍ مضين من رمضان، ونزل الزبور لاثنتي عشرة ليلة مضت من رمضان)، ونزل الإنجيل لثماني عشرة ليلة مضت من رمضان، ونزل القرآن لأربع وعشرين مضت من رمضان.
قال ابن عباس: أنزل الله عز وجل القرآن في ليلة القدر إلى السماء الدنيا جملة واحدة، ثم نزل به جبريل في عشرين سنة.
وقيل المعنى: إنا ابتدأنا إنزاله في ليلة القدر.
* *
وقوله: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾. قال عكرمة: هي ليلة النصف من شعبان فيها يبرم أمر السنة.
وظاهر التلاوة يدل على أنها ليلة قدر تفرق فيها الأرزاق وتقضى الآجال إلى مثلها من قابل.
قال أبو العالية: ليلة القدر بركة كلها، لا يوافقها عبد مؤمن يعمل إحساناً إلا غفر له ما مضى من ذنوبه.
قال عكرمة: يكتب في ليلة النصف من شعبان الحاج حاج بيت الله الحرام فلا يغادر منهم أحدا ولا يزاد فيهم أحد.
والبركة في اللغة: الثبات والدوام والزيادة.
* *
وقوله: ﴿إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ﴾، أي: منذرين خلقنا بهذا القرآن الذي أنزلناه في ليلة القدر أن يحل بهم العذاب بكفرهم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾، أي في تلك الليلة المباركة يقضى كل أمر محكم، وهو أمر السنة كلها، من يموت ومن يولد، ومن يُعَزُّ ومن يُذَلُّ، وغير ذلك. سئل الحسن: هل ليلة القدر في كل رمضان؟ فقال: أي، والله إنها لفي كل رمضان، وإنها الليلة التي يفرق فيها كل أمر حكيم، فيها يقضي الله كل أجل وأمل ورزق إلى مثلها، وهو قول مجاهد وقتادة، وقاله ابن عباس وغيره.
وقيل معنى "يفرق": يفصل بين المؤمن والكافر والمنافق فيقال للملائكة هذا فيعرفونه.
وروي عن النبي ﷺ أنه قال: "(تُقْطَعُ الآجَالُ) مِنْ شَعبَانَ إِلى شَعْبَانَ حَتَّى أَنَّ الرَّجُلَ لَيَنْكِحُ وَيُولَدُ لَهُ وَلَقَدْ خَرَجَ اسْمُهُ فِي المَوْتَى"، وَبِهِ قَالَ عِكْرِمَةُ: إِنَّهَا لَيْلَةُ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ.
* *
ثم قال تعالى: ﴿أَمْراً مِّنْ عِنْدِنَآ﴾، أي: قضاء قضيناه، أي: أمراً نأمر به تلك الليلة.
وانتصب أمراً على أنه مصدر في موضع الحال عند الأخفش، أي: إنا أنزلناه آمرين أمراً وراحمين رحمةً.
وقال المبرد: نصبه نصب المصدر على معنى: أنزلناه إنزالاً فالأمر يشتمل على الإخبار.
وقال الجرمي: هو حال من نكرة، وأجاز هذا رجلٌ مُقْبِلاً.
وقال الزجاج: هو مصدر: والتقدير: فيها يفرق فرقاً فأمر، بمعنى: فرق.
وقيل: إن "يفرق" يدل على "يؤمر" فانتصب "أمراً" على المصدر وعمل فيه المعنى.
* *
وقوله: ﴿رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ إِنَّهُ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ﴾.
انتصب الرحمة على الحال - عند الأخفش -، ونصبه الفراء على أنه مفعول لـ "مرسلين"، وجعل "الرحمة" هي النبي ﷺ وأجاز الزجاج أن تنصبه على أنه مفعول من أجله. وقيل: هي بدل من "أمراً".
وقيل: نصبها على المصدر. والمعنى: إنا كنا مرسلين رسولا وهو الرحمة. إن الله هو السميع لما يقول المشركون في رسوله، العليم بما ينطق (في علمه) ضمائرهم وغير ذلك من أمورهم. "وإنا أنزلناه جواب القسم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿رَبِّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَآ إِن كُنتُم مُّوقِنِينَ﴾، أي: الذي أنزل الكتاب على محمد ﷺ هو رب السماوات والأرض وما بينهما، أي: هو مالك ذلك كله ومبتدعه ومدبره.
﴿إِن كُنتُم مُّوقِنِينَ﴾، أي: إن كنتم توقنون بحقيقة ما أخبرتكم به من أن ربكم رب السماوات والأرض.
* *
وقوله: ﴿لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ يُحْيِـي وَيُمِيتُ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَآئِكُمُ ٱلأَوَّلِينَ﴾، أي: هو مالككم ومالك من مضى قبلكم من آبائكم الأولين.
* *
ثم قال: ﴿بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ﴾، أي ما هم على يقين مما يقال لهم (لكنهم في شك منه، فهم يلعبون لشكهم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَٱرْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي ٱلسَّمَآءُ بِدُخَانٍ مُّبِينٍ﴾ أي: فانتظر يا محمد) النقمة منهم وقت يحول بينهم وبين السماء دخان من شدة الجوع.
بلغ بهم الجوع إلى أن كانوا يأكلون الغلهز، والغلهز أن يفقأ القُراد في الصوف. ويشوى ذلك الصوف بدم القراد ويؤكل. والقُراد: الحلم. فرحمهم النبي ﷺ وبعث إليهم بصدقة ومال.
ومفعول: "فارتقب" محذوف، وهو النقمة وشبهها.
وقيل: التقدير هذا عذاب أليم فارتقبه يوم تأتي، وفيه بُعْدٌ لحذف الهاء من غير صلة ولا صفة، ولأنه رفع "العذاب" مع حذف الهاء، وذلك لا يحسن إلا في الشعر.
وقد حَلَّ (بقريش ذلك كله)، إذ دعا عليهم النبي ﷺ فقال: "اللَّهُمَّ سِنِينَ كَسِني يُوسُفَ"
فأُخِذُوا بالجوع. فكان الرجل يحول بينه وبين النظر إلى السماء دخان من شدة الجوع، فيصير كهيئة الدخان، هذا قول ابن مسعود وغيره من المفسرين.
وقيل: الدخان آية من آيات الله يرسله الله عز وجل على عباده قبل مجيء الساعة فيدخل في أسماع أهل الكفر ويعتري أهل الإيمان كهيئة الزكام، روي ذلك عن ابن عمر والحسن.
وروى حذيفة بن اليمان أن النبي ﷺ قال: "أَوَّلُ الآياتِ الدُّخَانُ، وَنُزُولُ عِيسَى، وَنَارٌ تَخْرُجُ مِنْ قَعْرِ عَدَنُ أبين تَسُوقُ النَّاس إِلَى المَحْشَرِ تَقِيلُ مَعَهُمْ إِذا قَالُوا. قال حذيفة: يا رسول الله وما الدخان؟: فتلا رسول الله ﷺ: ﴿فَٱرْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي ٱلسَّمَآءُ بِدُخَانٍ مُّبِينٍ﴾ - الآية، ثم قال: (يُمْلَكُ بِالدُّخَانِ) مَا بَيْنَ (المَشْرِقِ وَالمَغْرِبِ)، يَمْكُثُ أَرْبَعِينَ يَوْماً وَلَيْلَةً. أَمَّا المُؤْمِنُ فَيُصِيبَهُ مِنْهُ كَهَيْئَةِ الزَّكْمَةِ، وَأَمَّا الكَافِرُ فَكَهَيْئَةِ السَّكْرَانِ، يَخْرُجُ مِنْ مَنْخَرَيْهِ وَأُذُنَيْهِ وَدُبُرِهِ
وقيل: إن الدخان هو ما ينتظر بهم يوم القيامة من العذاب، قاله زيد بن علي.
* *
ثم قال: ﴿يَغْشَى ٱلنَّاسَ هَـٰذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾، أي: يغشى ذلك الدخان الناس يقولون هذا عذاب أليم.
* *
ثم قال: ﴿رَّبَّنَا ٱكْشِفْ عَنَّا ٱلْعَذَابَ إِنَّا مْؤْمِنُونَ﴾، أي: يقولون ربنا اكشف عنا العذاب إنا مؤمنون.
* *
ثم قال تعالى: ﴿أَنَّىٰ لَهُمُ ٱلذِّكْرَىٰ وَقَدْ جَآءَهُمْ رَسُولٌ مُّبِينٌ﴾، أي: من أي وجه لهم التذكر بالإيمان عند حلول العذاب بهم، وقد تولوا عما جاءهم به رسولهم.
﴿وَقَالُواْ مُعَلَّمٌ مَّجْنُونٌ﴾، أي: علم هذا الذي جاءنا به ليس هو من عند الله.
* *
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّا كَاشِفُواْ ٱلْعَذَابِ قَلِيلاً﴾، أي: إنا نكشف عنكم العذاب الذي نزل بكم بالخصب والرخاء وقتاً قليلاً، إنكم عائدون إلى كفركم إذا كشفناه عنكم، (وتنقضون ما عهدتم) به أنكم تؤمنون إذا كشف عنكم.
وقيل معناه: إنكم عائدون في عذاب الله (في الآخرة) إن لم تؤمنوا.
وقيل معناه: عائدون إلى الشرك.
الدخان 44:13
قال تعالى: ﴿حـمۤ * وَٱلْكِتَابِ ٱلْمُبِينِ﴾ - إلى قوله -: ﴿إِنَّكُمْ عَآئِدُونَ﴾، قد تقدم ذكر حم.
* *
وقوله: ﴿وَٱلْكِتَابِ ٱلْمُبِينِ﴾ معناه، وحق الكتاب الظاهر، يعني: القرآن.
وجواب القسم في قوله: ﴿وَٱلْكِتَابِ ٱلْمُبِينِ﴾ قوله: ﴿إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ﴾. وقيل: ﴿إِنَّآ أَنزَلْنَاهُ﴾.
وقيل: لا يجوز أن يكون الجواب ﴿إِنَّآ أَنزَلْنَاهُ﴾ لأنه صفة للمقسم به. ولا يكون صفة المقسم به جواباً للقسم.
* *
ثم قال: ﴿إِنَّآ أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ﴾، يعني: القرآن أنزل إلى السماء الدنيا جملة ليلة القدر، وهي الليلة المباركة، ثم نزل على النبي ﷺ في نيف وعشرين سنة نجوماً، نجم بعد نجم، وهو معنى قوله تعالى: ﴿وَٱلنَّجْمِ إِذَا هَوَىٰ﴾ [النجم: ١]، أي: والقرآن إذا نزل، وهو معنى قوله أيضاً: ﴿فَلاَ أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ ٱلنُّجُومِ﴾ [الواقعة: ٧٥]، اي: أقسم بنزول القرآن و "لا" صلة.
قال قتادة: الليلة المباركة: ليلة القدر.
ونزلت صحف إبراهيم في أول ليلة من رمضان، (ونزلت التوراة لست ليالٍ مضين من رمضان، ونزل الزبور لاثنتي عشرة ليلة مضت من رمضان)، ونزل الإنجيل لثماني عشرة ليلة مضت من رمضان، ونزل القرآن لأربع وعشرين مضت من رمضان.
قال ابن عباس: أنزل الله عز وجل القرآن في ليلة القدر إلى السماء الدنيا جملة واحدة، ثم نزل به جبريل في عشرين سنة.
وقيل المعنى: إنا ابتدأنا إنزاله في ليلة القدر.
* *
وقوله: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾. قال عكرمة: هي ليلة النصف من شعبان فيها يبرم أمر السنة.
وظاهر التلاوة يدل على أنها ليلة قدر تفرق فيها الأرزاق وتقضى الآجال إلى مثلها من قابل.
قال أبو العالية: ليلة القدر بركة كلها، لا يوافقها عبد مؤمن يعمل إحساناً إلا غفر له ما مضى من ذنوبه.
قال عكرمة: يكتب في ليلة النصف من شعبان الحاج حاج بيت الله الحرام فلا يغادر منهم أحدا ولا يزاد فيهم أحد.
والبركة في اللغة: الثبات والدوام والزيادة.
* *
وقوله: ﴿إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ﴾، أي: منذرين خلقنا بهذا القرآن الذي أنزلناه في ليلة القدر أن يحل بهم العذاب بكفرهم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾، أي في تلك الليلة المباركة يقضى كل أمر محكم، وهو أمر السنة كلها، من يموت ومن يولد، ومن يُعَزُّ ومن يُذَلُّ، وغير ذلك. سئل الحسن: هل ليلة القدر في كل رمضان؟ فقال: أي، والله إنها لفي كل رمضان، وإنها الليلة التي يفرق فيها كل أمر حكيم، فيها يقضي الله كل أجل وأمل ورزق إلى مثلها، وهو قول مجاهد وقتادة، وقاله ابن عباس وغيره.
وقيل معنى "يفرق": يفصل بين المؤمن والكافر والمنافق فيقال للملائكة هذا فيعرفونه.
وروي عن النبي ﷺ أنه قال: "(تُقْطَعُ الآجَالُ) مِنْ شَعبَانَ إِلى شَعْبَانَ حَتَّى أَنَّ الرَّجُلَ لَيَنْكِحُ وَيُولَدُ لَهُ وَلَقَدْ خَرَجَ اسْمُهُ فِي المَوْتَى"، وَبِهِ قَالَ عِكْرِمَةُ: إِنَّهَا لَيْلَةُ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ.
* *
ثم قال تعالى: ﴿أَمْراً مِّنْ عِنْدِنَآ﴾، أي: قضاء قضيناه، أي: أمراً نأمر به تلك الليلة.
وانتصب أمراً على أنه مصدر في موضع الحال عند الأخفش، أي: إنا أنزلناه آمرين أمراً وراحمين رحمةً.
وقال المبرد: نصبه نصب المصدر على معنى: أنزلناه إنزالاً فالأمر يشتمل على الإخبار.
وقال الجرمي: هو حال من نكرة، وأجاز هذا رجلٌ مُقْبِلاً.
وقال الزجاج: هو مصدر: والتقدير: فيها يفرق فرقاً فأمر، بمعنى: فرق.
وقيل: إن "يفرق" يدل على "يؤمر" فانتصب "أمراً" على المصدر وعمل فيه المعنى.
* *
وقوله: ﴿رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ إِنَّهُ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ﴾.
انتصب الرحمة على الحال - عند الأخفش -، ونصبه الفراء على أنه مفعول لـ "مرسلين"، وجعل "الرحمة" هي النبي ﷺ وأجاز الزجاج أن تنصبه على أنه مفعول من أجله. وقيل: هي بدل من "أمراً".
وقيل: نصبها على المصدر. والمعنى: إنا كنا مرسلين رسولا وهو الرحمة. إن الله هو السميع لما يقول المشركون في رسوله، العليم بما ينطق (في علمه) ضمائرهم وغير ذلك من أمورهم. "وإنا أنزلناه جواب القسم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿رَبِّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَآ إِن كُنتُم مُّوقِنِينَ﴾، أي: الذي أنزل الكتاب على محمد ﷺ هو رب السماوات والأرض وما بينهما، أي: هو مالك ذلك كله ومبتدعه ومدبره.
﴿إِن كُنتُم مُّوقِنِينَ﴾، أي: إن كنتم توقنون بحقيقة ما أخبرتكم به من أن ربكم رب السماوات والأرض.
* *
وقوله: ﴿لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ يُحْيِـي وَيُمِيتُ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَآئِكُمُ ٱلأَوَّلِينَ﴾، أي: هو مالككم ومالك من مضى قبلكم من آبائكم الأولين.
* *
ثم قال: ﴿بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ﴾، أي ما هم على يقين مما يقال لهم (لكنهم في شك منه، فهم يلعبون لشكهم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَٱرْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي ٱلسَّمَآءُ بِدُخَانٍ مُّبِينٍ﴾ أي: فانتظر يا محمد) النقمة منهم وقت يحول بينهم وبين السماء دخان من شدة الجوع.
بلغ بهم الجوع إلى أن كانوا يأكلون الغلهز، والغلهز أن يفقأ القُراد في الصوف. ويشوى ذلك الصوف بدم القراد ويؤكل. والقُراد: الحلم. فرحمهم النبي ﷺ وبعث إليهم بصدقة ومال.
ومفعول: "فارتقب" محذوف، وهو النقمة وشبهها.
وقيل: التقدير هذا عذاب أليم فارتقبه يوم تأتي، وفيه بُعْدٌ لحذف الهاء من غير صلة ولا صفة، ولأنه رفع "العذاب" مع حذف الهاء، وذلك لا يحسن إلا في الشعر.
وقد حَلَّ (بقريش ذلك كله)، إذ دعا عليهم النبي ﷺ فقال: "اللَّهُمَّ سِنِينَ كَسِني يُوسُفَ"
فأُخِذُوا بالجوع. فكان الرجل يحول بينه وبين النظر إلى السماء دخان من شدة الجوع، فيصير كهيئة الدخان، هذا قول ابن مسعود وغيره من المفسرين.
وقيل: الدخان آية من آيات الله يرسله الله عز وجل على عباده قبل مجيء الساعة فيدخل في أسماع أهل الكفر ويعتري أهل الإيمان كهيئة الزكام، روي ذلك عن ابن عمر والحسن.
وروى حذيفة بن اليمان أن النبي ﷺ قال: "أَوَّلُ الآياتِ الدُّخَانُ، وَنُزُولُ عِيسَى، وَنَارٌ تَخْرُجُ مِنْ قَعْرِ عَدَنُ أبين تَسُوقُ النَّاس إِلَى المَحْشَرِ تَقِيلُ مَعَهُمْ إِذا قَالُوا. قال حذيفة: يا رسول الله وما الدخان؟: فتلا رسول الله ﷺ: ﴿فَٱرْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي ٱلسَّمَآءُ بِدُخَانٍ مُّبِينٍ﴾ - الآية، ثم قال: (يُمْلَكُ بِالدُّخَانِ) مَا بَيْنَ (المَشْرِقِ وَالمَغْرِبِ)، يَمْكُثُ أَرْبَعِينَ يَوْماً وَلَيْلَةً. أَمَّا المُؤْمِنُ فَيُصِيبَهُ مِنْهُ كَهَيْئَةِ الزَّكْمَةِ، وَأَمَّا الكَافِرُ فَكَهَيْئَةِ السَّكْرَانِ، يَخْرُجُ مِنْ مَنْخَرَيْهِ وَأُذُنَيْهِ وَدُبُرِهِ
وقيل: إن الدخان هو ما ينتظر بهم يوم القيامة من العذاب، قاله زيد بن علي.
* *
ثم قال: ﴿يَغْشَى ٱلنَّاسَ هَـٰذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾، أي: يغشى ذلك الدخان الناس يقولون هذا عذاب أليم.
* *
ثم قال: ﴿رَّبَّنَا ٱكْشِفْ عَنَّا ٱلْعَذَابَ إِنَّا مْؤْمِنُونَ﴾، أي: يقولون ربنا اكشف عنا العذاب إنا مؤمنون.
* *
ثم قال تعالى: ﴿أَنَّىٰ لَهُمُ ٱلذِّكْرَىٰ وَقَدْ جَآءَهُمْ رَسُولٌ مُّبِينٌ﴾، أي: من أي وجه لهم التذكر بالإيمان عند حلول العذاب بهم، وقد تولوا عما جاءهم به رسولهم.
﴿وَقَالُواْ مُعَلَّمٌ مَّجْنُونٌ﴾، أي: علم هذا الذي جاءنا به ليس هو من عند الله.
* *
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّا كَاشِفُواْ ٱلْعَذَابِ قَلِيلاً﴾، أي: إنا نكشف عنكم العذاب الذي نزل بكم بالخصب والرخاء وقتاً قليلاً، إنكم عائدون إلى كفركم إذا كشفناه عنكم، (وتنقضون ما عهدتم) به أنكم تؤمنون إذا كشف عنكم.
وقيل معناه: إنكم عائدون في عذاب الله (في الآخرة) إن لم تؤمنوا.
وقيل معناه: عائدون إلى الشرك.
الدخان 44:14
قال تعالى: ﴿حـمۤ * وَٱلْكِتَابِ ٱلْمُبِينِ﴾ - إلى قوله -: ﴿إِنَّكُمْ عَآئِدُونَ﴾، قد تقدم ذكر حم.
* *
وقوله: ﴿وَٱلْكِتَابِ ٱلْمُبِينِ﴾ معناه، وحق الكتاب الظاهر، يعني: القرآن.
وجواب القسم في قوله: ﴿وَٱلْكِتَابِ ٱلْمُبِينِ﴾ قوله: ﴿إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ﴾. وقيل: ﴿إِنَّآ أَنزَلْنَاهُ﴾.
وقيل: لا يجوز أن يكون الجواب ﴿إِنَّآ أَنزَلْنَاهُ﴾ لأنه صفة للمقسم به. ولا يكون صفة المقسم به جواباً للقسم.
* *
ثم قال: ﴿إِنَّآ أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ﴾، يعني: القرآن أنزل إلى السماء الدنيا جملة ليلة القدر، وهي الليلة المباركة، ثم نزل على النبي ﷺ في نيف وعشرين سنة نجوماً، نجم بعد نجم، وهو معنى قوله تعالى: ﴿وَٱلنَّجْمِ إِذَا هَوَىٰ﴾ [النجم: ١]، أي: والقرآن إذا نزل، وهو معنى قوله أيضاً: ﴿فَلاَ أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ ٱلنُّجُومِ﴾ [الواقعة: ٧٥]، اي: أقسم بنزول القرآن و "لا" صلة.
قال قتادة: الليلة المباركة: ليلة القدر.
ونزلت صحف إبراهيم في أول ليلة من رمضان، (ونزلت التوراة لست ليالٍ مضين من رمضان، ونزل الزبور لاثنتي عشرة ليلة مضت من رمضان)، ونزل الإنجيل لثماني عشرة ليلة مضت من رمضان، ونزل القرآن لأربع وعشرين مضت من رمضان.
قال ابن عباس: أنزل الله عز وجل القرآن في ليلة القدر إلى السماء الدنيا جملة واحدة، ثم نزل به جبريل في عشرين سنة.
وقيل المعنى: إنا ابتدأنا إنزاله في ليلة القدر.
* *
وقوله: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾. قال عكرمة: هي ليلة النصف من شعبان فيها يبرم أمر السنة.
وظاهر التلاوة يدل على أنها ليلة قدر تفرق فيها الأرزاق وتقضى الآجال إلى مثلها من قابل.
قال أبو العالية: ليلة القدر بركة كلها، لا يوافقها عبد مؤمن يعمل إحساناً إلا غفر له ما مضى من ذنوبه.
قال عكرمة: يكتب في ليلة النصف من شعبان الحاج حاج بيت الله الحرام فلا يغادر منهم أحدا ولا يزاد فيهم أحد.
والبركة في اللغة: الثبات والدوام والزيادة.
* *
وقوله: ﴿إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ﴾، أي: منذرين خلقنا بهذا القرآن الذي أنزلناه في ليلة القدر أن يحل بهم العذاب بكفرهم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾، أي في تلك الليلة المباركة يقضى كل أمر محكم، وهو أمر السنة كلها، من يموت ومن يولد، ومن يُعَزُّ ومن يُذَلُّ، وغير ذلك. سئل الحسن: هل ليلة القدر في كل رمضان؟ فقال: أي، والله إنها لفي كل رمضان، وإنها الليلة التي يفرق فيها كل أمر حكيم، فيها يقضي الله كل أجل وأمل ورزق إلى مثلها، وهو قول مجاهد وقتادة، وقاله ابن عباس وغيره.
وقيل معنى "يفرق": يفصل بين المؤمن والكافر والمنافق فيقال للملائكة هذا فيعرفونه.
وروي عن النبي ﷺ أنه قال: "(تُقْطَعُ الآجَالُ) مِنْ شَعبَانَ إِلى شَعْبَانَ حَتَّى أَنَّ الرَّجُلَ لَيَنْكِحُ وَيُولَدُ لَهُ وَلَقَدْ خَرَجَ اسْمُهُ فِي المَوْتَى"، وَبِهِ قَالَ عِكْرِمَةُ: إِنَّهَا لَيْلَةُ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ.
* *
ثم قال تعالى: ﴿أَمْراً مِّنْ عِنْدِنَآ﴾، أي: قضاء قضيناه، أي: أمراً نأمر به تلك الليلة.
وانتصب أمراً على أنه مصدر في موضع الحال عند الأخفش، أي: إنا أنزلناه آمرين أمراً وراحمين رحمةً.
وقال المبرد: نصبه نصب المصدر على معنى: أنزلناه إنزالاً فالأمر يشتمل على الإخبار.
وقال الجرمي: هو حال من نكرة، وأجاز هذا رجلٌ مُقْبِلاً.
وقال الزجاج: هو مصدر: والتقدير: فيها يفرق فرقاً فأمر، بمعنى: فرق.
وقيل: إن "يفرق" يدل على "يؤمر" فانتصب "أمراً" على المصدر وعمل فيه المعنى.
* *
وقوله: ﴿رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ إِنَّهُ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ﴾.
انتصب الرحمة على الحال - عند الأخفش -، ونصبه الفراء على أنه مفعول لـ "مرسلين"، وجعل "الرحمة" هي النبي ﷺ وأجاز الزجاج أن تنصبه على أنه مفعول من أجله. وقيل: هي بدل من "أمراً".
وقيل: نصبها على المصدر. والمعنى: إنا كنا مرسلين رسولا وهو الرحمة. إن الله هو السميع لما يقول المشركون في رسوله، العليم بما ينطق (في علمه) ضمائرهم وغير ذلك من أمورهم. "وإنا أنزلناه جواب القسم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿رَبِّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَآ إِن كُنتُم مُّوقِنِينَ﴾، أي: الذي أنزل الكتاب على محمد ﷺ هو رب السماوات والأرض وما بينهما، أي: هو مالك ذلك كله ومبتدعه ومدبره.
﴿إِن كُنتُم مُّوقِنِينَ﴾، أي: إن كنتم توقنون بحقيقة ما أخبرتكم به من أن ربكم رب السماوات والأرض.
* *
وقوله: ﴿لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ يُحْيِـي وَيُمِيتُ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَآئِكُمُ ٱلأَوَّلِينَ﴾، أي: هو مالككم ومالك من مضى قبلكم من آبائكم الأولين.
* *
ثم قال: ﴿بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ﴾، أي ما هم على يقين مما يقال لهم (لكنهم في شك منه، فهم يلعبون لشكهم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَٱرْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي ٱلسَّمَآءُ بِدُخَانٍ مُّبِينٍ﴾ أي: فانتظر يا محمد) النقمة منهم وقت يحول بينهم وبين السماء دخان من شدة الجوع.
بلغ بهم الجوع إلى أن كانوا يأكلون الغلهز، والغلهز أن يفقأ القُراد في الصوف. ويشوى ذلك الصوف بدم القراد ويؤكل. والقُراد: الحلم. فرحمهم النبي ﷺ وبعث إليهم بصدقة ومال.
ومفعول: "فارتقب" محذوف، وهو النقمة وشبهها.
وقيل: التقدير هذا عذاب أليم فارتقبه يوم تأتي، وفيه بُعْدٌ لحذف الهاء من غير صلة ولا صفة، ولأنه رفع "العذاب" مع حذف الهاء، وذلك لا يحسن إلا في الشعر.
وقد حَلَّ (بقريش ذلك كله)، إذ دعا عليهم النبي ﷺ فقال: "اللَّهُمَّ سِنِينَ كَسِني يُوسُفَ"
فأُخِذُوا بالجوع. فكان الرجل يحول بينه وبين النظر إلى السماء دخان من شدة الجوع، فيصير كهيئة الدخان، هذا قول ابن مسعود وغيره من المفسرين.
وقيل: الدخان آية من آيات الله يرسله الله عز وجل على عباده قبل مجيء الساعة فيدخل في أسماع أهل الكفر ويعتري أهل الإيمان كهيئة الزكام، روي ذلك عن ابن عمر والحسن.
وروى حذيفة بن اليمان أن النبي ﷺ قال: "أَوَّلُ الآياتِ الدُّخَانُ، وَنُزُولُ عِيسَى، وَنَارٌ تَخْرُجُ مِنْ قَعْرِ عَدَنُ أبين تَسُوقُ النَّاس إِلَى المَحْشَرِ تَقِيلُ مَعَهُمْ إِذا قَالُوا. قال حذيفة: يا رسول الله وما الدخان؟: فتلا رسول الله ﷺ: ﴿فَٱرْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي ٱلسَّمَآءُ بِدُخَانٍ مُّبِينٍ﴾ - الآية، ثم قال: (يُمْلَكُ بِالدُّخَانِ) مَا بَيْنَ (المَشْرِقِ وَالمَغْرِبِ)، يَمْكُثُ أَرْبَعِينَ يَوْماً وَلَيْلَةً. أَمَّا المُؤْمِنُ فَيُصِيبَهُ مِنْهُ كَهَيْئَةِ الزَّكْمَةِ، وَأَمَّا الكَافِرُ فَكَهَيْئَةِ السَّكْرَانِ، يَخْرُجُ مِنْ مَنْخَرَيْهِ وَأُذُنَيْهِ وَدُبُرِهِ
وقيل: إن الدخان هو ما ينتظر بهم يوم القيامة من العذاب، قاله زيد بن علي.
* *
ثم قال: ﴿يَغْشَى ٱلنَّاسَ هَـٰذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾، أي: يغشى ذلك الدخان الناس يقولون هذا عذاب أليم.
* *
ثم قال: ﴿رَّبَّنَا ٱكْشِفْ عَنَّا ٱلْعَذَابَ إِنَّا مْؤْمِنُونَ﴾، أي: يقولون ربنا اكشف عنا العذاب إنا مؤمنون.
* *
ثم قال تعالى: ﴿أَنَّىٰ لَهُمُ ٱلذِّكْرَىٰ وَقَدْ جَآءَهُمْ رَسُولٌ مُّبِينٌ﴾، أي: من أي وجه لهم التذكر بالإيمان عند حلول العذاب بهم، وقد تولوا عما جاءهم به رسولهم.
﴿وَقَالُواْ مُعَلَّمٌ مَّجْنُونٌ﴾، أي: علم هذا الذي جاءنا به ليس هو من عند الله.
* *
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّا كَاشِفُواْ ٱلْعَذَابِ قَلِيلاً﴾، أي: إنا نكشف عنكم العذاب الذي نزل بكم بالخصب والرخاء وقتاً قليلاً، إنكم عائدون إلى كفركم إذا كشفناه عنكم، (وتنقضون ما عهدتم) به أنكم تؤمنون إذا كشف عنكم.
وقيل معناه: إنكم عائدون في عذاب الله (في الآخرة) إن لم تؤمنوا.
وقيل معناه: عائدون إلى الشرك.
الدخان 44:15
قال تعالى: ﴿حـمۤ * وَٱلْكِتَابِ ٱلْمُبِينِ﴾ - إلى قوله -: ﴿إِنَّكُمْ عَآئِدُونَ﴾، قد تقدم ذكر حم.
* *
وقوله: ﴿وَٱلْكِتَابِ ٱلْمُبِينِ﴾ معناه، وحق الكتاب الظاهر، يعني: القرآن.
وجواب القسم في قوله: ﴿وَٱلْكِتَابِ ٱلْمُبِينِ﴾ قوله: ﴿إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ﴾. وقيل: ﴿إِنَّآ أَنزَلْنَاهُ﴾.
وقيل: لا يجوز أن يكون الجواب ﴿إِنَّآ أَنزَلْنَاهُ﴾ لأنه صفة للمقسم به. ولا يكون صفة المقسم به جواباً للقسم.
* *
ثم قال: ﴿إِنَّآ أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ﴾، يعني: القرآن أنزل إلى السماء الدنيا جملة ليلة القدر، وهي الليلة المباركة، ثم نزل على النبي ﷺ في نيف وعشرين سنة نجوماً، نجم بعد نجم، وهو معنى قوله تعالى: ﴿وَٱلنَّجْمِ إِذَا هَوَىٰ﴾ [النجم: ١]، أي: والقرآن إذا نزل، وهو معنى قوله أيضاً: ﴿فَلاَ أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ ٱلنُّجُومِ﴾ [الواقعة: ٧٥]، اي: أقسم بنزول القرآن و "لا" صلة.
قال قتادة: الليلة المباركة: ليلة القدر.
ونزلت صحف إبراهيم في أول ليلة من رمضان، (ونزلت التوراة لست ليالٍ مضين من رمضان، ونزل الزبور لاثنتي عشرة ليلة مضت من رمضان)، ونزل الإنجيل لثماني عشرة ليلة مضت من رمضان، ونزل القرآن لأربع وعشرين مضت من رمضان.
قال ابن عباس: أنزل الله عز وجل القرآن في ليلة القدر إلى السماء الدنيا جملة واحدة، ثم نزل به جبريل في عشرين سنة.
وقيل المعنى: إنا ابتدأنا إنزاله في ليلة القدر.
* *
وقوله: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾. قال عكرمة: هي ليلة النصف من شعبان فيها يبرم أمر السنة.
وظاهر التلاوة يدل على أنها ليلة قدر تفرق فيها الأرزاق وتقضى الآجال إلى مثلها من قابل.
قال أبو العالية: ليلة القدر بركة كلها، لا يوافقها عبد مؤمن يعمل إحساناً إلا غفر له ما مضى من ذنوبه.
قال عكرمة: يكتب في ليلة النصف من شعبان الحاج حاج بيت الله الحرام فلا يغادر منهم أحدا ولا يزاد فيهم أحد.
والبركة في اللغة: الثبات والدوام والزيادة.
* *
وقوله: ﴿إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ﴾، أي: منذرين خلقنا بهذا القرآن الذي أنزلناه في ليلة القدر أن يحل بهم العذاب بكفرهم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾، أي في تلك الليلة المباركة يقضى كل أمر محكم، وهو أمر السنة كلها، من يموت ومن يولد، ومن يُعَزُّ ومن يُذَلُّ، وغير ذلك. سئل الحسن: هل ليلة القدر في كل رمضان؟ فقال: أي، والله إنها لفي كل رمضان، وإنها الليلة التي يفرق فيها كل أمر حكيم، فيها يقضي الله كل أجل وأمل ورزق إلى مثلها، وهو قول مجاهد وقتادة، وقاله ابن عباس وغيره.
وقيل معنى "يفرق": يفصل بين المؤمن والكافر والمنافق فيقال للملائكة هذا فيعرفونه.
وروي عن النبي ﷺ أنه قال: "(تُقْطَعُ الآجَالُ) مِنْ شَعبَانَ إِلى شَعْبَانَ حَتَّى أَنَّ الرَّجُلَ لَيَنْكِحُ وَيُولَدُ لَهُ وَلَقَدْ خَرَجَ اسْمُهُ فِي المَوْتَى"، وَبِهِ قَالَ عِكْرِمَةُ: إِنَّهَا لَيْلَةُ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ.
* *
ثم قال تعالى: ﴿أَمْراً مِّنْ عِنْدِنَآ﴾، أي: قضاء قضيناه، أي: أمراً نأمر به تلك الليلة.
وانتصب أمراً على أنه مصدر في موضع الحال عند الأخفش، أي: إنا أنزلناه آمرين أمراً وراحمين رحمةً.
وقال المبرد: نصبه نصب المصدر على معنى: أنزلناه إنزالاً فالأمر يشتمل على الإخبار.
وقال الجرمي: هو حال من نكرة، وأجاز هذا رجلٌ مُقْبِلاً.
وقال الزجاج: هو مصدر: والتقدير: فيها يفرق فرقاً فأمر، بمعنى: فرق.
وقيل: إن "يفرق" يدل على "يؤمر" فانتصب "أمراً" على المصدر وعمل فيه المعنى.
* *
وقوله: ﴿رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ إِنَّهُ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ﴾.
انتصب الرحمة على الحال - عند الأخفش -، ونصبه الفراء على أنه مفعول لـ "مرسلين"، وجعل "الرحمة" هي النبي ﷺ وأجاز الزجاج أن تنصبه على أنه مفعول من أجله. وقيل: هي بدل من "أمراً".
وقيل: نصبها على المصدر. والمعنى: إنا كنا مرسلين رسولا وهو الرحمة. إن الله هو السميع لما يقول المشركون في رسوله، العليم بما ينطق (في علمه) ضمائرهم وغير ذلك من أمورهم. "وإنا أنزلناه جواب القسم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿رَبِّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَآ إِن كُنتُم مُّوقِنِينَ﴾، أي: الذي أنزل الكتاب على محمد ﷺ هو رب السماوات والأرض وما بينهما، أي: هو مالك ذلك كله ومبتدعه ومدبره.
﴿إِن كُنتُم مُّوقِنِينَ﴾، أي: إن كنتم توقنون بحقيقة ما أخبرتكم به من أن ربكم رب السماوات والأرض.
* *
وقوله: ﴿لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ يُحْيِـي وَيُمِيتُ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَآئِكُمُ ٱلأَوَّلِينَ﴾، أي: هو مالككم ومالك من مضى قبلكم من آبائكم الأولين.
* *
ثم قال: ﴿بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ﴾، أي ما هم على يقين مما يقال لهم (لكنهم في شك منه، فهم يلعبون لشكهم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَٱرْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي ٱلسَّمَآءُ بِدُخَانٍ مُّبِينٍ﴾ أي: فانتظر يا محمد) النقمة منهم وقت يحول بينهم وبين السماء دخان من شدة الجوع.
بلغ بهم الجوع إلى أن كانوا يأكلون الغلهز، والغلهز أن يفقأ القُراد في الصوف. ويشوى ذلك الصوف بدم القراد ويؤكل. والقُراد: الحلم. فرحمهم النبي ﷺ وبعث إليهم بصدقة ومال.
ومفعول: "فارتقب" محذوف، وهو النقمة وشبهها.
وقيل: التقدير هذا عذاب أليم فارتقبه يوم تأتي، وفيه بُعْدٌ لحذف الهاء من غير صلة ولا صفة، ولأنه رفع "العذاب" مع حذف الهاء، وذلك لا يحسن إلا في الشعر.
وقد حَلَّ (بقريش ذلك كله)، إذ دعا عليهم النبي ﷺ فقال: "اللَّهُمَّ سِنِينَ كَسِني يُوسُفَ"
فأُخِذُوا بالجوع. فكان الرجل يحول بينه وبين النظر إلى السماء دخان من شدة الجوع، فيصير كهيئة الدخان، هذا قول ابن مسعود وغيره من المفسرين.
وقيل: الدخان آية من آيات الله يرسله الله عز وجل على عباده قبل مجيء الساعة فيدخل في أسماع أهل الكفر ويعتري أهل الإيمان كهيئة الزكام، روي ذلك عن ابن عمر والحسن.
وروى حذيفة بن اليمان أن النبي ﷺ قال: "أَوَّلُ الآياتِ الدُّخَانُ، وَنُزُولُ عِيسَى، وَنَارٌ تَخْرُجُ مِنْ قَعْرِ عَدَنُ أبين تَسُوقُ النَّاس إِلَى المَحْشَرِ تَقِيلُ مَعَهُمْ إِذا قَالُوا. قال حذيفة: يا رسول الله وما الدخان؟: فتلا رسول الله ﷺ: ﴿فَٱرْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي ٱلسَّمَآءُ بِدُخَانٍ مُّبِينٍ﴾ - الآية، ثم قال: (يُمْلَكُ بِالدُّخَانِ) مَا بَيْنَ (المَشْرِقِ وَالمَغْرِبِ)، يَمْكُثُ أَرْبَعِينَ يَوْماً وَلَيْلَةً. أَمَّا المُؤْمِنُ فَيُصِيبَهُ مِنْهُ كَهَيْئَةِ الزَّكْمَةِ، وَأَمَّا الكَافِرُ فَكَهَيْئَةِ السَّكْرَانِ، يَخْرُجُ مِنْ مَنْخَرَيْهِ وَأُذُنَيْهِ وَدُبُرِهِ
وقيل: إن الدخان هو ما ينتظر بهم يوم القيامة من العذاب، قاله زيد بن علي.
* *
ثم قال: ﴿يَغْشَى ٱلنَّاسَ هَـٰذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾، أي: يغشى ذلك الدخان الناس يقولون هذا عذاب أليم.
* *
ثم قال: ﴿رَّبَّنَا ٱكْشِفْ عَنَّا ٱلْعَذَابَ إِنَّا مْؤْمِنُونَ﴾، أي: يقولون ربنا اكشف عنا العذاب إنا مؤمنون.
* *
ثم قال تعالى: ﴿أَنَّىٰ لَهُمُ ٱلذِّكْرَىٰ وَقَدْ جَآءَهُمْ رَسُولٌ مُّبِينٌ﴾، أي: من أي وجه لهم التذكر بالإيمان عند حلول العذاب بهم، وقد تولوا عما جاءهم به رسولهم.
﴿وَقَالُواْ مُعَلَّمٌ مَّجْنُونٌ﴾، أي: علم هذا الذي جاءنا به ليس هو من عند الله.
* *
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّا كَاشِفُواْ ٱلْعَذَابِ قَلِيلاً﴾، أي: إنا نكشف عنكم العذاب الذي نزل بكم بالخصب والرخاء وقتاً قليلاً، إنكم عائدون إلى كفركم إذا كشفناه عنكم، (وتنقضون ما عهدتم) به أنكم تؤمنون إذا كشف عنكم.
وقيل معناه: إنكم عائدون في عذاب الله (في الآخرة) إن لم تؤمنوا.
وقيل معناه: عائدون إلى الشرك.
الدخان 44:16
قوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ ٱلْبَطْشَةَ ٱلْكُبْرَىٰ﴾ - إلى قوله - ﴿وَمَا كَانُواْ مُنظَرِينَ﴾، أي: ننتقم منكم إن عدتم إلى كفركم عند كشفنا عنكم ما أنتم فيه من الجهد يوم نبطش البطشة الكبرى، وهو يوم بدر عند أكثر المفسرين، قاله ابن مسعود وابن عباس ومجاهد والضحاك وابن زيد وأبو العالية، وهو قول وهو قول أُبي بن كعب، أمكن الله عز وجل منهم المؤمنين يوم بدر فقتلوا منهم سبعين وأسروا سبعين.
والعامل في "يوم نبطش": "منتقمون".
وقيل: العامل فيه فعل مضمر، تقديره: اذكر يا محمد يوم نبطش. وهو الأحسن، لأن الظرف لا يعمل فيه ما بعد أن عند البصريين.
وقيل التقدير: ننتقم يوم نبطش، ودل عليه "منتقمون".
وفيه أيضاً بُعْدٌ لأن ما بعد "إنَّ" لا يفسر ما قبلها كما لا يفعل (ما بعدها) فيه.
فإضمار "اذكر" أحسن الوجوه، وذلك أن الله جل ذكره كشف عنهم ما كانوا فيه من الجهد فعادوا إلى كفرهم فأهلكهم قتلا بالسيف يوم بدر. فيكون العامل في "يوم نبطش" فعلاً مضمراً يفسره "إنا منتقمون".
ولا يحسن أن يعمل فيه "منتقمون"، لأن ما بعد "أن" لا يعمل فيما قبلها. ويجوز أن يكون العامل "اذكر" مضمرة.
وقال عكرمة: البطشة الكبرى هي بطشة الله عز وجل بأعدائه يوم القيامة.
وكذلك روى قتادة عن الحسن.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ﴾، أي اختبرناهم وابتليناهم قبل مشركي قومك يا محمد.
﴿وَجَآءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ﴾ يعني موسى ﷺ أي "كريم عند ربه عز وجل. وقيل كريم من قومه. وقيل: الفتنة في هذا العذاب.
وفي الكلام تقدير وتأخير، والتقدير، ولقد جاء قوم فرعون رسول كريم.
وفتناهم، أي: عذبناهم بالغرق، لأن العذاب - وهو الغرق - كان بعد مجيء موسى إليهم وإنذاره إياهم وكفرهم
* *
ثم قال تعالى: ﴿أَنْ أَدُّوۤاْ إِلَيَّ عِبَادَ ٱللَّهِ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ﴾.
قال ابن عباس معناه: (أن اتبعوني) إلى ما أدعوكم إليه يا عباد الله فيكون "عباد": نصب على النداء المضاف على هذا القول.
وقال مجاهد معناه: أن أرسلوا معي عباد الله وخلوا سبيلهم، يعني بني إسرائيل. فينتصب "عباد" على أنه مفعول به "بأدوا" على هذا القول.
قال قتادة: قال موسى لفرعون: (على من) تحبس هؤلاء القوم، قوما أحراراً (اتخدتهم عبيداً، خَلِّ) سبيلهم.
قال ابن زيد معناه: أرسل عباد الله معي، يعني بني إسرائيل، وهو مثل قوله: ﴿فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ وَلاَ تُعَذِّبْهُمْ﴾ [طه: ٤٧].
وقيل التقدير: وجاءهم رسول أمين يقول لهم: أدوا إِليِّ عباد الله أي: خلوا سبيلهم إني لكم رسول من الله إليكم، أنذركم بأسه إن لم تؤمنوا، أمين على وحيه ورسالته إليكم.
* *
ثم قال: ﴿وَأَن لاَّ تَعْلُواْ عَلَى ٱللَّهِ إِنِّيۤ آتِيكُمْ بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ﴾، أي: وجاءكم رسول كريم بأن أدوا إلي عباد الله وبألا تعلوا على الله، أي: لا تطغوا على ربكم فتكفروا به.
﴿إِنِّيۤ آتِيكُمْ بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ﴾، أي: بحجة ظاهرة تدل على صحة ما جئتكم به.
* *
ثم قال: ﴿وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَن تَرْجُمُونِ * وَإِن لَّمْ تُؤْمِنُواْ لِي فَٱعْتَزِلُونِ﴾، أي: قال لهم موسى": وإني اعتصمت واستعذت بربي وربكم من أن تشتمون بألسنتكم، قاله ابن عباس والضحاك.
وقال أبو صالح: أن ترجمون معناه: أن تقولوا لي شاعر (أو كاهن) أو ساحر.
وقال قتادة معناه: "أن ترجمون بالحجارة".
وقال الفراء: "الرجم - هنا - القتل". استجار بالله عز وجل واعتصم به سبحانه من أن يقتلوه.
ثم قال لهم: ﴿وَإِن لَّمْ تُؤْمِنُواْ لِي فَٱعْتَزِلُونِ﴾، أي: إذا أنتم لم تصدقون فيما أقول لكم فخلوا سبيلي (ولا تؤذون).
وقيل معناه: فدعوني كفافاً، لا عَلَيَّ ولا لي.
قال: ﴿فَدَعَا رَبَّهُ أَنَّ هَـٰؤُلاَءِ قَوْمٌ مُّجْرِمُونَ﴾، أي: فدعا موسى ربه إذ كذبوه ولم يؤمنوا وهموا بقتله. وفي الكلام حذف تتصل الفاء به. والتقدير: فكفروا فدعا ربه ولو لم يكن هذا الإضمار لم تتصل الفاء بشيء ومثله الفاء في قوله: ﴿فَأَسْرِ بِعِبَادِي﴾.
* *
قوله: ﴿أَنَّ هَـٰؤُلاَءِ﴾، أي فدعا ربه فقال إن هؤلاء قوم مجرمون لا يؤمنون بما جئتهم به.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَأَسْرِ بِعِبَادِي لَيْلاً إِنَّكُم مُّتَّبَعُونَ﴾.
في هذا الكلام حذف. والتقدير: فأجابه ربه عز وجل بأن قال له: فأسر بعبادي ليلاً، يعني: بني إسرائيل، أي: فأسر بعبادي الذين صدقوك وآمنوا بك ليلاً إنهم متبعون، أي: إن فرعون وجنوده من القبط يتبعونكم إذا سريتم من عندهم.
* *
ثم قال: ﴿وَٱتْرُكِ ٱلْبَحْرَ رَهْواً﴾، أي: إذا قطعت البحر (أنت وأصحابك) فاتركه ساكناً على حاله حين دخلته. هذا لفظه لفظ الأمر ومعناه الخبر.
لم يكن في (وسع موسى) ترك ذلك، ولم يكن الله عز وجل ليأمره بما لا يقدر عليه، فهو وعد من الله عز وجل لموسى أن يفعله له، وكأنه قال: ويبقى البحر على حاله ساكنا حتى يدخله فرعون وجنوده فيغرقون.
قال ابن عباس، معناه: واتركه طريقاً. وقال الضحاك: سهلاً.
وقال مجاهد معناه: واتركه ساكناً لا يرجع إلى ما كان عليه حتى يحصل فيه آخرهم، وهو معنى قول ابن عباس: اتركه طريقاً، وروي عن مجاهد أيضاً "رهواً": يابساً، وحكى المبرد: عيش (راهٍ، أي): خفض وادع.
قال: فمعنى رهواً: ساكناً، حتى يحصلوا فيه وهو ساكن فلا (ينفروا منه).
وقيل الرهو: المتفرق ويقال: جاء القوم رهواً، أي: على نظام واحد.
وروي أن الله جل ذكره قال هذا لموسى بعد أن قطع البحر بنو إسرائيل.
فعلى هذا القول يكون في الكلام حذف. والتقدير: فسرى موسى بعبادي ليلاً وقطع بهم البحر فقلنا له بعدما قطعه وأراد رد البحر إلى هيئته التي كان عليها قبل انفلاقه: اتركه رهواً، أي: ساكناً على حاله لا ترده إلى (هيئته الأولى) حتى يدخلوا كلهم فيه ويطمئنوا. هذا القول هو قول قتادة.
قال قتادة: لما خرج آخر بني إسرائيل أراد نبي الله موسى عليه السلام أن يضرب بالبحر بعصاه حتى يعود كما كان مخافة أن يتبعه فرعون وجنوده، فقيل له: اتركه ساكناً على حاله إنهم جند مغرقون، فغرقهم الله عز وجل في البحر.
* *
ثم قال تعالى: ﴿كَمْ تَرَكُواْ مِن جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَزُرُوعٍ﴾، أي: كم ترك آل فرعون - يعني: القبط المغرقين - من بساتين وينابيع ماء تتفجر في بساتينهم وزروع قائمة.
﴿وَمَقَامٍ كَرِيمٍ﴾، يعني: مقام الملوك والأمراء، كانوا يعظمونه ويشرفونه، يعني به المنابر، (قاله ابن عباس وقيل: هي المنازل الحسنة. ومعنى كريم: حسن).
* *
ثم قال: ﴿وَنَعْمَةٍ كَانُواْ فِيهَا فَاكِهِينَ﴾، أي: وأخرجوا من نعمة كانوا فيها متفكهين. قال قتادة: فاكهين: ناعمين. وعن ابن عباس: فاكهين: فرحين والنعمة - بالفتح - التنعم.
وقرأ أبو رجاء العطاردي والحسن "فَكِهينَ" بغير ألف، على معنى: كانوا فيها بطرين أشرين.
* *
ثم قال: ﴿كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْماً آخَرِينَ﴾، أي: هكذا فعلنا بهم أيها الناس، وأورثنا ما تركوا مما تقدم وصفه قوماً آخرين يعني: بني إسرائيل.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ ٱلسَّمَآءُ وَٱلأَرْضُ﴾، أي: ما بكى عليهم حين هلكوا بالغرق أهل السماء، ولا أهل الأرض. ثم حذف.
وقيل: إن بكاء السماء حمرة أطرافها.
قال السدي: "لما قُتل الحسين بن علي عليه السلام بكت السماء عليه وبكاؤها حمرتها". وقال عطاء: "بكاؤها: حمرة أطرافها".
وقيل: معنى ذلك أن المؤمن إذا مات بكت عليه السماء والأرض أربعين صباحاً، فأعلمنا الله عز وجل أنهم لم يكونوا مؤمنين فتبكي عليهم السماء والأرض.
وروي عن النبي ﷺ أنه قال: "بَدَأَ الإسْلاَمُ غَرِيباً وَسَيَعُودُ غَرِيباً، أَلاَ لاَ غُرْبَةَ عَلَى المُؤْمِنِ [مَا] مَاتَ مُؤْمِنٌ في غُرْبَةٍ غَابَتْ عَنْهُ فِيهَا بَوَاكِيهِ إِلاَّ بَكَتْ عَلَيْهِ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ. ثُمَّ قَرَأَ: ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ ٱلسَّمَآءُ وَٱلأَرْضُ﴾ ثم قال: إِنَّهُمَا لاَ يَبْكِيَانِ عَلَى الكَافِرِ
وممن قال أن السماء والأرض تبكيان على المؤمن ولا تبكيان على الكافر، علي بن أبي طالب (رضي الله عنه) وابن عباس والحسن والضحاك وقتادة.
قال ابن عباس: ليس أحد من الخلائق إلا له باب في السماء (ينزل منه) رزقه وفيه يصعد عمله، فإذا مات المؤمن فأغلق بابه من السماء ففقده بكى عليه، وإذا أفقده مصلاه من الأرض والموضع الذي كان يذكر الله عز وجل فيه بكى عليه. وإن قوم فرعون لم يكن لهم عمل صالح في الأرض ولا في السماء فلم يبك عليهم شيء حين هلكوا هذا معنى قوله.
* *
وقوله: ﴿وَمَا كَانُواْ مُنظَرِينَ﴾، معناه: لم يكونوا مؤخرين حين أتاهم العذاب وتم الأجل.
الدخان 44:17
قوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ ٱلْبَطْشَةَ ٱلْكُبْرَىٰ﴾ - إلى قوله - ﴿وَمَا كَانُواْ مُنظَرِينَ﴾، أي: ننتقم منكم إن عدتم إلى كفركم عند كشفنا عنكم ما أنتم فيه من الجهد يوم نبطش البطشة الكبرى، وهو يوم بدر عند أكثر المفسرين، قاله ابن مسعود وابن عباس ومجاهد والضحاك وابن زيد وأبو العالية، وهو قول وهو قول أُبي بن كعب، أمكن الله عز وجل منهم المؤمنين يوم بدر فقتلوا منهم سبعين وأسروا سبعين.
والعامل في "يوم نبطش": "منتقمون".
وقيل: العامل فيه فعل مضمر، تقديره: اذكر يا محمد يوم نبطش. وهو الأحسن، لأن الظرف لا يعمل فيه ما بعد أن عند البصريين.
وقيل التقدير: ننتقم يوم نبطش، ودل عليه "منتقمون".
وفيه أيضاً بُعْدٌ لأن ما بعد "إنَّ" لا يفسر ما قبلها كما لا يفعل (ما بعدها) فيه.
فإضمار "اذكر" أحسن الوجوه، وذلك أن الله جل ذكره كشف عنهم ما كانوا فيه من الجهد فعادوا إلى كفرهم فأهلكهم قتلا بالسيف يوم بدر. فيكون العامل في "يوم نبطش" فعلاً مضمراً يفسره "إنا منتقمون".
ولا يحسن أن يعمل فيه "منتقمون"، لأن ما بعد "أن" لا يعمل فيما قبلها. ويجوز أن يكون العامل "اذكر" مضمرة.
وقال عكرمة: البطشة الكبرى هي بطشة الله عز وجل بأعدائه يوم القيامة.
وكذلك روى قتادة عن الحسن.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ﴾، أي اختبرناهم وابتليناهم قبل مشركي قومك يا محمد.
﴿وَجَآءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ﴾ يعني موسى ﷺ أي "كريم عند ربه عز وجل. وقيل كريم من قومه. وقيل: الفتنة في هذا العذاب.
وفي الكلام تقدير وتأخير، والتقدير، ولقد جاء قوم فرعون رسول كريم.
وفتناهم، أي: عذبناهم بالغرق، لأن العذاب - وهو الغرق - كان بعد مجيء موسى إليهم وإنذاره إياهم وكفرهم
* *
ثم قال تعالى: ﴿أَنْ أَدُّوۤاْ إِلَيَّ عِبَادَ ٱللَّهِ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ﴾.
قال ابن عباس معناه: (أن اتبعوني) إلى ما أدعوكم إليه يا عباد الله فيكون "عباد": نصب على النداء المضاف على هذا القول.
وقال مجاهد معناه: أن أرسلوا معي عباد الله وخلوا سبيلهم، يعني بني إسرائيل. فينتصب "عباد" على أنه مفعول به "بأدوا" على هذا القول.
قال قتادة: قال موسى لفرعون: (على من) تحبس هؤلاء القوم، قوما أحراراً (اتخدتهم عبيداً، خَلِّ) سبيلهم.
قال ابن زيد معناه: أرسل عباد الله معي، يعني بني إسرائيل، وهو مثل قوله: ﴿فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ وَلاَ تُعَذِّبْهُمْ﴾ [طه: ٤٧].
وقيل التقدير: وجاءهم رسول أمين يقول لهم: أدوا إِليِّ عباد الله أي: خلوا سبيلهم إني لكم رسول من الله إليكم، أنذركم بأسه إن لم تؤمنوا، أمين على وحيه ورسالته إليكم.
* *
ثم قال: ﴿وَأَن لاَّ تَعْلُواْ عَلَى ٱللَّهِ إِنِّيۤ آتِيكُمْ بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ﴾، أي: وجاءكم رسول كريم بأن أدوا إلي عباد الله وبألا تعلوا على الله، أي: لا تطغوا على ربكم فتكفروا به.
﴿إِنِّيۤ آتِيكُمْ بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ﴾، أي: بحجة ظاهرة تدل على صحة ما جئتكم به.
* *
ثم قال: ﴿وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَن تَرْجُمُونِ * وَإِن لَّمْ تُؤْمِنُواْ لِي فَٱعْتَزِلُونِ﴾، أي: قال لهم موسى": وإني اعتصمت واستعذت بربي وربكم من أن تشتمون بألسنتكم، قاله ابن عباس والضحاك.
وقال أبو صالح: أن ترجمون معناه: أن تقولوا لي شاعر (أو كاهن) أو ساحر.
وقال قتادة معناه: "أن ترجمون بالحجارة".
وقال الفراء: "الرجم - هنا - القتل". استجار بالله عز وجل واعتصم به سبحانه من أن يقتلوه.
ثم قال لهم: ﴿وَإِن لَّمْ تُؤْمِنُواْ لِي فَٱعْتَزِلُونِ﴾، أي: إذا أنتم لم تصدقون فيما أقول لكم فخلوا سبيلي (ولا تؤذون).
وقيل معناه: فدعوني كفافاً، لا عَلَيَّ ولا لي.
قال: ﴿فَدَعَا رَبَّهُ أَنَّ هَـٰؤُلاَءِ قَوْمٌ مُّجْرِمُونَ﴾، أي: فدعا موسى ربه إذ كذبوه ولم يؤمنوا وهموا بقتله. وفي الكلام حذف تتصل الفاء به. والتقدير: فكفروا فدعا ربه ولو لم يكن هذا الإضمار لم تتصل الفاء بشيء ومثله الفاء في قوله: ﴿فَأَسْرِ بِعِبَادِي﴾.
* *
قوله: ﴿أَنَّ هَـٰؤُلاَءِ﴾، أي فدعا ربه فقال إن هؤلاء قوم مجرمون لا يؤمنون بما جئتهم به.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَأَسْرِ بِعِبَادِي لَيْلاً إِنَّكُم مُّتَّبَعُونَ﴾.
في هذا الكلام حذف. والتقدير: فأجابه ربه عز وجل بأن قال له: فأسر بعبادي ليلاً، يعني: بني إسرائيل، أي: فأسر بعبادي الذين صدقوك وآمنوا بك ليلاً إنهم متبعون، أي: إن فرعون وجنوده من القبط يتبعونكم إذا سريتم من عندهم.
* *
ثم قال: ﴿وَٱتْرُكِ ٱلْبَحْرَ رَهْواً﴾، أي: إذا قطعت البحر (أنت وأصحابك) فاتركه ساكناً على حاله حين دخلته. هذا لفظه لفظ الأمر ومعناه الخبر.
لم يكن في (وسع موسى) ترك ذلك، ولم يكن الله عز وجل ليأمره بما لا يقدر عليه، فهو وعد من الله عز وجل لموسى أن يفعله له، وكأنه قال: ويبقى البحر على حاله ساكنا حتى يدخله فرعون وجنوده فيغرقون.
قال ابن عباس، معناه: واتركه طريقاً. وقال الضحاك: سهلاً.
وقال مجاهد معناه: واتركه ساكناً لا يرجع إلى ما كان عليه حتى يحصل فيه آخرهم، وهو معنى قول ابن عباس: اتركه طريقاً، وروي عن مجاهد أيضاً "رهواً": يابساً، وحكى المبرد: عيش (راهٍ، أي): خفض وادع.
قال: فمعنى رهواً: ساكناً، حتى يحصلوا فيه وهو ساكن فلا (ينفروا منه).
وقيل الرهو: المتفرق ويقال: جاء القوم رهواً، أي: على نظام واحد.
وروي أن الله جل ذكره قال هذا لموسى بعد أن قطع البحر بنو إسرائيل.
فعلى هذا القول يكون في الكلام حذف. والتقدير: فسرى موسى بعبادي ليلاً وقطع بهم البحر فقلنا له بعدما قطعه وأراد رد البحر إلى هيئته التي كان عليها قبل انفلاقه: اتركه رهواً، أي: ساكناً على حاله لا ترده إلى (هيئته الأولى) حتى يدخلوا كلهم فيه ويطمئنوا. هذا القول هو قول قتادة.
قال قتادة: لما خرج آخر بني إسرائيل أراد نبي الله موسى عليه السلام أن يضرب بالبحر بعصاه حتى يعود كما كان مخافة أن يتبعه فرعون وجنوده، فقيل له: اتركه ساكناً على حاله إنهم جند مغرقون، فغرقهم الله عز وجل في البحر.
* *
ثم قال تعالى: ﴿كَمْ تَرَكُواْ مِن جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَزُرُوعٍ﴾، أي: كم ترك آل فرعون - يعني: القبط المغرقين - من بساتين وينابيع ماء تتفجر في بساتينهم وزروع قائمة.
﴿وَمَقَامٍ كَرِيمٍ﴾، يعني: مقام الملوك والأمراء، كانوا يعظمونه ويشرفونه، يعني به المنابر، (قاله ابن عباس وقيل: هي المنازل الحسنة. ومعنى كريم: حسن).
* *
ثم قال: ﴿وَنَعْمَةٍ كَانُواْ فِيهَا فَاكِهِينَ﴾، أي: وأخرجوا من نعمة كانوا فيها متفكهين. قال قتادة: فاكهين: ناعمين. وعن ابن عباس: فاكهين: فرحين والنعمة - بالفتح - التنعم.
وقرأ أبو رجاء العطاردي والحسن "فَكِهينَ" بغير ألف، على معنى: كانوا فيها بطرين أشرين.
* *
ثم قال: ﴿كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْماً آخَرِينَ﴾، أي: هكذا فعلنا بهم أيها الناس، وأورثنا ما تركوا مما تقدم وصفه قوماً آخرين يعني: بني إسرائيل.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ ٱلسَّمَآءُ وَٱلأَرْضُ﴾، أي: ما بكى عليهم حين هلكوا بالغرق أهل السماء، ولا أهل الأرض. ثم حذف.
وقيل: إن بكاء السماء حمرة أطرافها.
قال السدي: "لما قُتل الحسين بن علي عليه السلام بكت السماء عليه وبكاؤها حمرتها". وقال عطاء: "بكاؤها: حمرة أطرافها".
وقيل: معنى ذلك أن المؤمن إذا مات بكت عليه السماء والأرض أربعين صباحاً، فأعلمنا الله عز وجل أنهم لم يكونوا مؤمنين فتبكي عليهم السماء والأرض.
وروي عن النبي ﷺ أنه قال: "بَدَأَ الإسْلاَمُ غَرِيباً وَسَيَعُودُ غَرِيباً، أَلاَ لاَ غُرْبَةَ عَلَى المُؤْمِنِ [مَا] مَاتَ مُؤْمِنٌ في غُرْبَةٍ غَابَتْ عَنْهُ فِيهَا بَوَاكِيهِ إِلاَّ بَكَتْ عَلَيْهِ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ. ثُمَّ قَرَأَ: ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ ٱلسَّمَآءُ وَٱلأَرْضُ﴾ ثم قال: إِنَّهُمَا لاَ يَبْكِيَانِ عَلَى الكَافِرِ
وممن قال أن السماء والأرض تبكيان على المؤمن ولا تبكيان على الكافر، علي بن أبي طالب (رضي الله عنه) وابن عباس والحسن والضحاك وقتادة.
قال ابن عباس: ليس أحد من الخلائق إلا له باب في السماء (ينزل منه) رزقه وفيه يصعد عمله، فإذا مات المؤمن فأغلق بابه من السماء ففقده بكى عليه، وإذا أفقده مصلاه من الأرض والموضع الذي كان يذكر الله عز وجل فيه بكى عليه. وإن قوم فرعون لم يكن لهم عمل صالح في الأرض ولا في السماء فلم يبك عليهم شيء حين هلكوا هذا معنى قوله.
* *
وقوله: ﴿وَمَا كَانُواْ مُنظَرِينَ﴾، معناه: لم يكونوا مؤخرين حين أتاهم العذاب وتم الأجل.
الدخان 44:18
قوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ ٱلْبَطْشَةَ ٱلْكُبْرَىٰ﴾ - إلى قوله - ﴿وَمَا كَانُواْ مُنظَرِينَ﴾، أي: ننتقم منكم إن عدتم إلى كفركم عند كشفنا عنكم ما أنتم فيه من الجهد يوم نبطش البطشة الكبرى، وهو يوم بدر عند أكثر المفسرين، قاله ابن مسعود وابن عباس ومجاهد والضحاك وابن زيد وأبو العالية، وهو قول وهو قول أُبي بن كعب، أمكن الله عز وجل منهم المؤمنين يوم بدر فقتلوا منهم سبعين وأسروا سبعين.
والعامل في "يوم نبطش": "منتقمون".
وقيل: العامل فيه فعل مضمر، تقديره: اذكر يا محمد يوم نبطش. وهو الأحسن، لأن الظرف لا يعمل فيه ما بعد أن عند البصريين.
وقيل التقدير: ننتقم يوم نبطش، ودل عليه "منتقمون".
وفيه أيضاً بُعْدٌ لأن ما بعد "إنَّ" لا يفسر ما قبلها كما لا يفعل (ما بعدها) فيه.
فإضمار "اذكر" أحسن الوجوه، وذلك أن الله جل ذكره كشف عنهم ما كانوا فيه من الجهد فعادوا إلى كفرهم فأهلكهم قتلا بالسيف يوم بدر. فيكون العامل في "يوم نبطش" فعلاً مضمراً يفسره "إنا منتقمون".
ولا يحسن أن يعمل فيه "منتقمون"، لأن ما بعد "أن" لا يعمل فيما قبلها. ويجوز أن يكون العامل "اذكر" مضمرة.
وقال عكرمة: البطشة الكبرى هي بطشة الله عز وجل بأعدائه يوم القيامة.
وكذلك روى قتادة عن الحسن.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ﴾، أي اختبرناهم وابتليناهم قبل مشركي قومك يا محمد.
﴿وَجَآءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ﴾ يعني موسى ﷺ أي "كريم عند ربه عز وجل. وقيل كريم من قومه. وقيل: الفتنة في هذا العذاب.
وفي الكلام تقدير وتأخير، والتقدير، ولقد جاء قوم فرعون رسول كريم.
وفتناهم، أي: عذبناهم بالغرق، لأن العذاب - وهو الغرق - كان بعد مجيء موسى إليهم وإنذاره إياهم وكفرهم
* *
ثم قال تعالى: ﴿أَنْ أَدُّوۤاْ إِلَيَّ عِبَادَ ٱللَّهِ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ﴾.
قال ابن عباس معناه: (أن اتبعوني) إلى ما أدعوكم إليه يا عباد الله فيكون "عباد": نصب على النداء المضاف على هذا القول.
وقال مجاهد معناه: أن أرسلوا معي عباد الله وخلوا سبيلهم، يعني بني إسرائيل. فينتصب "عباد" على أنه مفعول به "بأدوا" على هذا القول.
قال قتادة: قال موسى لفرعون: (على من) تحبس هؤلاء القوم، قوما أحراراً (اتخدتهم عبيداً، خَلِّ) سبيلهم.
قال ابن زيد معناه: أرسل عباد الله معي، يعني بني إسرائيل، وهو مثل قوله: ﴿فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ وَلاَ تُعَذِّبْهُمْ﴾ [طه: ٤٧].
وقيل التقدير: وجاءهم رسول أمين يقول لهم: أدوا إِليِّ عباد الله أي: خلوا سبيلهم إني لكم رسول من الله إليكم، أنذركم بأسه إن لم تؤمنوا، أمين على وحيه ورسالته إليكم.
* *
ثم قال: ﴿وَأَن لاَّ تَعْلُواْ عَلَى ٱللَّهِ إِنِّيۤ آتِيكُمْ بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ﴾، أي: وجاءكم رسول كريم بأن أدوا إلي عباد الله وبألا تعلوا على الله، أي: لا تطغوا على ربكم فتكفروا به.
﴿إِنِّيۤ آتِيكُمْ بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ﴾، أي: بحجة ظاهرة تدل على صحة ما جئتكم به.
* *
ثم قال: ﴿وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَن تَرْجُمُونِ * وَإِن لَّمْ تُؤْمِنُواْ لِي فَٱعْتَزِلُونِ﴾، أي: قال لهم موسى": وإني اعتصمت واستعذت بربي وربكم من أن تشتمون بألسنتكم، قاله ابن عباس والضحاك.
وقال أبو صالح: أن ترجمون معناه: أن تقولوا لي شاعر (أو كاهن) أو ساحر.
وقال قتادة معناه: "أن ترجمون بالحجارة".
وقال الفراء: "الرجم - هنا - القتل". استجار بالله عز وجل واعتصم به سبحانه من أن يقتلوه.
ثم قال لهم: ﴿وَإِن لَّمْ تُؤْمِنُواْ لِي فَٱعْتَزِلُونِ﴾، أي: إذا أنتم لم تصدقون فيما أقول لكم فخلوا سبيلي (ولا تؤذون).
وقيل معناه: فدعوني كفافاً، لا عَلَيَّ ولا لي.
قال: ﴿فَدَعَا رَبَّهُ أَنَّ هَـٰؤُلاَءِ قَوْمٌ مُّجْرِمُونَ﴾، أي: فدعا موسى ربه إذ كذبوه ولم يؤمنوا وهموا بقتله. وفي الكلام حذف تتصل الفاء به. والتقدير: فكفروا فدعا ربه ولو لم يكن هذا الإضمار لم تتصل الفاء بشيء ومثله الفاء في قوله: ﴿فَأَسْرِ بِعِبَادِي﴾.
* *
قوله: ﴿أَنَّ هَـٰؤُلاَءِ﴾، أي فدعا ربه فقال إن هؤلاء قوم مجرمون لا يؤمنون بما جئتهم به.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَأَسْرِ بِعِبَادِي لَيْلاً إِنَّكُم مُّتَّبَعُونَ﴾.
في هذا الكلام حذف. والتقدير: فأجابه ربه عز وجل بأن قال له: فأسر بعبادي ليلاً، يعني: بني إسرائيل، أي: فأسر بعبادي الذين صدقوك وآمنوا بك ليلاً إنهم متبعون، أي: إن فرعون وجنوده من القبط يتبعونكم إذا سريتم من عندهم.
* *
ثم قال: ﴿وَٱتْرُكِ ٱلْبَحْرَ رَهْواً﴾، أي: إذا قطعت البحر (أنت وأصحابك) فاتركه ساكناً على حاله حين دخلته. هذا لفظه لفظ الأمر ومعناه الخبر.
لم يكن في (وسع موسى) ترك ذلك، ولم يكن الله عز وجل ليأمره بما لا يقدر عليه، فهو وعد من الله عز وجل لموسى أن يفعله له، وكأنه قال: ويبقى البحر على حاله ساكنا حتى يدخله فرعون وجنوده فيغرقون.
قال ابن عباس، معناه: واتركه طريقاً. وقال الضحاك: سهلاً.
وقال مجاهد معناه: واتركه ساكناً لا يرجع إلى ما كان عليه حتى يحصل فيه آخرهم، وهو معنى قول ابن عباس: اتركه طريقاً، وروي عن مجاهد أيضاً "رهواً": يابساً، وحكى المبرد: عيش (راهٍ، أي): خفض وادع.
قال: فمعنى رهواً: ساكناً، حتى يحصلوا فيه وهو ساكن فلا (ينفروا منه).
وقيل الرهو: المتفرق ويقال: جاء القوم رهواً، أي: على نظام واحد.
وروي أن الله جل ذكره قال هذا لموسى بعد أن قطع البحر بنو إسرائيل.
فعلى هذا القول يكون في الكلام حذف. والتقدير: فسرى موسى بعبادي ليلاً وقطع بهم البحر فقلنا له بعدما قطعه وأراد رد البحر إلى هيئته التي كان عليها قبل انفلاقه: اتركه رهواً، أي: ساكناً على حاله لا ترده إلى (هيئته الأولى) حتى يدخلوا كلهم فيه ويطمئنوا. هذا القول هو قول قتادة.
قال قتادة: لما خرج آخر بني إسرائيل أراد نبي الله موسى عليه السلام أن يضرب بالبحر بعصاه حتى يعود كما كان مخافة أن يتبعه فرعون وجنوده، فقيل له: اتركه ساكناً على حاله إنهم جند مغرقون، فغرقهم الله عز وجل في البحر.
* *
ثم قال تعالى: ﴿كَمْ تَرَكُواْ مِن جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَزُرُوعٍ﴾، أي: كم ترك آل فرعون - يعني: القبط المغرقين - من بساتين وينابيع ماء تتفجر في بساتينهم وزروع قائمة.
﴿وَمَقَامٍ كَرِيمٍ﴾، يعني: مقام الملوك والأمراء، كانوا يعظمونه ويشرفونه، يعني به المنابر، (قاله ابن عباس وقيل: هي المنازل الحسنة. ومعنى كريم: حسن).
* *
ثم قال: ﴿وَنَعْمَةٍ كَانُواْ فِيهَا فَاكِهِينَ﴾، أي: وأخرجوا من نعمة كانوا فيها متفكهين. قال قتادة: فاكهين: ناعمين. وعن ابن عباس: فاكهين: فرحين والنعمة - بالفتح - التنعم.
وقرأ أبو رجاء العطاردي والحسن "فَكِهينَ" بغير ألف، على معنى: كانوا فيها بطرين أشرين.
* *
ثم قال: ﴿كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْماً آخَرِينَ﴾، أي: هكذا فعلنا بهم أيها الناس، وأورثنا ما تركوا مما تقدم وصفه قوماً آخرين يعني: بني إسرائيل.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ ٱلسَّمَآءُ وَٱلأَرْضُ﴾، أي: ما بكى عليهم حين هلكوا بالغرق أهل السماء، ولا أهل الأرض. ثم حذف.
وقيل: إن بكاء السماء حمرة أطرافها.
قال السدي: "لما قُتل الحسين بن علي عليه السلام بكت السماء عليه وبكاؤها حمرتها". وقال عطاء: "بكاؤها: حمرة أطرافها".
وقيل: معنى ذلك أن المؤمن إذا مات بكت عليه السماء والأرض أربعين صباحاً، فأعلمنا الله عز وجل أنهم لم يكونوا مؤمنين فتبكي عليهم السماء والأرض.
وروي عن النبي ﷺ أنه قال: "بَدَأَ الإسْلاَمُ غَرِيباً وَسَيَعُودُ غَرِيباً، أَلاَ لاَ غُرْبَةَ عَلَى المُؤْمِنِ [مَا] مَاتَ مُؤْمِنٌ في غُرْبَةٍ غَابَتْ عَنْهُ فِيهَا بَوَاكِيهِ إِلاَّ بَكَتْ عَلَيْهِ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ. ثُمَّ قَرَأَ: ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ ٱلسَّمَآءُ وَٱلأَرْضُ﴾ ثم قال: إِنَّهُمَا لاَ يَبْكِيَانِ عَلَى الكَافِرِ
وممن قال أن السماء والأرض تبكيان على المؤمن ولا تبكيان على الكافر، علي بن أبي طالب (رضي الله عنه) وابن عباس والحسن والضحاك وقتادة.
قال ابن عباس: ليس أحد من الخلائق إلا له باب في السماء (ينزل منه) رزقه وفيه يصعد عمله، فإذا مات المؤمن فأغلق بابه من السماء ففقده بكى عليه، وإذا أفقده مصلاه من الأرض والموضع الذي كان يذكر الله عز وجل فيه بكى عليه. وإن قوم فرعون لم يكن لهم عمل صالح في الأرض ولا في السماء فلم يبك عليهم شيء حين هلكوا هذا معنى قوله.
* *
وقوله: ﴿وَمَا كَانُواْ مُنظَرِينَ﴾، معناه: لم يكونوا مؤخرين حين أتاهم العذاب وتم الأجل.
الدخان 44:19
قوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ ٱلْبَطْشَةَ ٱلْكُبْرَىٰ﴾ - إلى قوله - ﴿وَمَا كَانُواْ مُنظَرِينَ﴾، أي: ننتقم منكم إن عدتم إلى كفركم عند كشفنا عنكم ما أنتم فيه من الجهد يوم نبطش البطشة الكبرى، وهو يوم بدر عند أكثر المفسرين، قاله ابن مسعود وابن عباس ومجاهد والضحاك وابن زيد وأبو العالية، وهو قول وهو قول أُبي بن كعب، أمكن الله عز وجل منهم المؤمنين يوم بدر فقتلوا منهم سبعين وأسروا سبعين.
والعامل في "يوم نبطش": "منتقمون".
وقيل: العامل فيه فعل مضمر، تقديره: اذكر يا محمد يوم نبطش. وهو الأحسن، لأن الظرف لا يعمل فيه ما بعد أن عند البصريين.
وقيل التقدير: ننتقم يوم نبطش، ودل عليه "منتقمون".
وفيه أيضاً بُعْدٌ لأن ما بعد "إنَّ" لا يفسر ما قبلها كما لا يفعل (ما بعدها) فيه.
فإضمار "اذكر" أحسن الوجوه، وذلك أن الله جل ذكره كشف عنهم ما كانوا فيه من الجهد فعادوا إلى كفرهم فأهلكهم قتلا بالسيف يوم بدر. فيكون العامل في "يوم نبطش" فعلاً مضمراً يفسره "إنا منتقمون".
ولا يحسن أن يعمل فيه "منتقمون"، لأن ما بعد "أن" لا يعمل فيما قبلها. ويجوز أن يكون العامل "اذكر" مضمرة.
وقال عكرمة: البطشة الكبرى هي بطشة الله عز وجل بأعدائه يوم القيامة.
وكذلك روى قتادة عن الحسن.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ﴾، أي اختبرناهم وابتليناهم قبل مشركي قومك يا محمد.
﴿وَجَآءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ﴾ يعني موسى ﷺ أي "كريم عند ربه عز وجل. وقيل كريم من قومه. وقيل: الفتنة في هذا العذاب.
وفي الكلام تقدير وتأخير، والتقدير، ولقد جاء قوم فرعون رسول كريم.
وفتناهم، أي: عذبناهم بالغرق، لأن العذاب - وهو الغرق - كان بعد مجيء موسى إليهم وإنذاره إياهم وكفرهم
* *
ثم قال تعالى: ﴿أَنْ أَدُّوۤاْ إِلَيَّ عِبَادَ ٱللَّهِ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ﴾.
قال ابن عباس معناه: (أن اتبعوني) إلى ما أدعوكم إليه يا عباد الله فيكون "عباد": نصب على النداء المضاف على هذا القول.
وقال مجاهد معناه: أن أرسلوا معي عباد الله وخلوا سبيلهم، يعني بني إسرائيل. فينتصب "عباد" على أنه مفعول به "بأدوا" على هذا القول.
قال قتادة: قال موسى لفرعون: (على من) تحبس هؤلاء القوم، قوما أحراراً (اتخدتهم عبيداً، خَلِّ) سبيلهم.
قال ابن زيد معناه: أرسل عباد الله معي، يعني بني إسرائيل، وهو مثل قوله: ﴿فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ وَلاَ تُعَذِّبْهُمْ﴾ [طه: ٤٧].
وقيل التقدير: وجاءهم رسول أمين يقول لهم: أدوا إِليِّ عباد الله أي: خلوا سبيلهم إني لكم رسول من الله إليكم، أنذركم بأسه إن لم تؤمنوا، أمين على وحيه ورسالته إليكم.
* *
ثم قال: ﴿وَأَن لاَّ تَعْلُواْ عَلَى ٱللَّهِ إِنِّيۤ آتِيكُمْ بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ﴾، أي: وجاءكم رسول كريم بأن أدوا إلي عباد الله وبألا تعلوا على الله، أي: لا تطغوا على ربكم فتكفروا به.
﴿إِنِّيۤ آتِيكُمْ بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ﴾، أي: بحجة ظاهرة تدل على صحة ما جئتكم به.
* *
ثم قال: ﴿وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَن تَرْجُمُونِ * وَإِن لَّمْ تُؤْمِنُواْ لِي فَٱعْتَزِلُونِ﴾، أي: قال لهم موسى": وإني اعتصمت واستعذت بربي وربكم من أن تشتمون بألسنتكم، قاله ابن عباس والضحاك.
وقال أبو صالح: أن ترجمون معناه: أن تقولوا لي شاعر (أو كاهن) أو ساحر.
وقال قتادة معناه: "أن ترجمون بالحجارة".
وقال الفراء: "الرجم - هنا - القتل". استجار بالله عز وجل واعتصم به سبحانه من أن يقتلوه.
ثم قال لهم: ﴿وَإِن لَّمْ تُؤْمِنُواْ لِي فَٱعْتَزِلُونِ﴾، أي: إذا أنتم لم تصدقون فيما أقول لكم فخلوا سبيلي (ولا تؤذون).
وقيل معناه: فدعوني كفافاً، لا عَلَيَّ ولا لي.
قال: ﴿فَدَعَا رَبَّهُ أَنَّ هَـٰؤُلاَءِ قَوْمٌ مُّجْرِمُونَ﴾، أي: فدعا موسى ربه إذ كذبوه ولم يؤمنوا وهموا بقتله. وفي الكلام حذف تتصل الفاء به. والتقدير: فكفروا فدعا ربه ولو لم يكن هذا الإضمار لم تتصل الفاء بشيء ومثله الفاء في قوله: ﴿فَأَسْرِ بِعِبَادِي﴾.
* *
قوله: ﴿أَنَّ هَـٰؤُلاَءِ﴾، أي فدعا ربه فقال إن هؤلاء قوم مجرمون لا يؤمنون بما جئتهم به.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَأَسْرِ بِعِبَادِي لَيْلاً إِنَّكُم مُّتَّبَعُونَ﴾.
في هذا الكلام حذف. والتقدير: فأجابه ربه عز وجل بأن قال له: فأسر بعبادي ليلاً، يعني: بني إسرائيل، أي: فأسر بعبادي الذين صدقوك وآمنوا بك ليلاً إنهم متبعون، أي: إن فرعون وجنوده من القبط يتبعونكم إذا سريتم من عندهم.
* *
ثم قال: ﴿وَٱتْرُكِ ٱلْبَحْرَ رَهْواً﴾، أي: إذا قطعت البحر (أنت وأصحابك) فاتركه ساكناً على حاله حين دخلته. هذا لفظه لفظ الأمر ومعناه الخبر.
لم يكن في (وسع موسى) ترك ذلك، ولم يكن الله عز وجل ليأمره بما لا يقدر عليه، فهو وعد من الله عز وجل لموسى أن يفعله له، وكأنه قال: ويبقى البحر على حاله ساكنا حتى يدخله فرعون وجنوده فيغرقون.
قال ابن عباس، معناه: واتركه طريقاً. وقال الضحاك: سهلاً.
وقال مجاهد معناه: واتركه ساكناً لا يرجع إلى ما كان عليه حتى يحصل فيه آخرهم، وهو معنى قول ابن عباس: اتركه طريقاً، وروي عن مجاهد أيضاً "رهواً": يابساً، وحكى المبرد: عيش (راهٍ، أي): خفض وادع.
قال: فمعنى رهواً: ساكناً، حتى يحصلوا فيه وهو ساكن فلا (ينفروا منه).
وقيل الرهو: المتفرق ويقال: جاء القوم رهواً، أي: على نظام واحد.
وروي أن الله جل ذكره قال هذا لموسى بعد أن قطع البحر بنو إسرائيل.
فعلى هذا القول يكون في الكلام حذف. والتقدير: فسرى موسى بعبادي ليلاً وقطع بهم البحر فقلنا له بعدما قطعه وأراد رد البحر إلى هيئته التي كان عليها قبل انفلاقه: اتركه رهواً، أي: ساكناً على حاله لا ترده إلى (هيئته الأولى) حتى يدخلوا كلهم فيه ويطمئنوا. هذا القول هو قول قتادة.
قال قتادة: لما خرج آخر بني إسرائيل أراد نبي الله موسى عليه السلام أن يضرب بالبحر بعصاه حتى يعود كما كان مخافة أن يتبعه فرعون وجنوده، فقيل له: اتركه ساكناً على حاله إنهم جند مغرقون، فغرقهم الله عز وجل في البحر.
* *
ثم قال تعالى: ﴿كَمْ تَرَكُواْ مِن جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَزُرُوعٍ﴾، أي: كم ترك آل فرعون - يعني: القبط المغرقين - من بساتين وينابيع ماء تتفجر في بساتينهم وزروع قائمة.
﴿وَمَقَامٍ كَرِيمٍ﴾، يعني: مقام الملوك والأمراء، كانوا يعظمونه ويشرفونه، يعني به المنابر، (قاله ابن عباس وقيل: هي المنازل الحسنة. ومعنى كريم: حسن).
* *
ثم قال: ﴿وَنَعْمَةٍ كَانُواْ فِيهَا فَاكِهِينَ﴾، أي: وأخرجوا من نعمة كانوا فيها متفكهين. قال قتادة: فاكهين: ناعمين. وعن ابن عباس: فاكهين: فرحين والنعمة - بالفتح - التنعم.
وقرأ أبو رجاء العطاردي والحسن "فَكِهينَ" بغير ألف، على معنى: كانوا فيها بطرين أشرين.
* *
ثم قال: ﴿كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْماً آخَرِينَ﴾، أي: هكذا فعلنا بهم أيها الناس، وأورثنا ما تركوا مما تقدم وصفه قوماً آخرين يعني: بني إسرائيل.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ ٱلسَّمَآءُ وَٱلأَرْضُ﴾، أي: ما بكى عليهم حين هلكوا بالغرق أهل السماء، ولا أهل الأرض. ثم حذف.
وقيل: إن بكاء السماء حمرة أطرافها.
قال السدي: "لما قُتل الحسين بن علي عليه السلام بكت السماء عليه وبكاؤها حمرتها". وقال عطاء: "بكاؤها: حمرة أطرافها".
وقيل: معنى ذلك أن المؤمن إذا مات بكت عليه السماء والأرض أربعين صباحاً، فأعلمنا الله عز وجل أنهم لم يكونوا مؤمنين فتبكي عليهم السماء والأرض.
وروي عن النبي ﷺ أنه قال: "بَدَأَ الإسْلاَمُ غَرِيباً وَسَيَعُودُ غَرِيباً، أَلاَ لاَ غُرْبَةَ عَلَى المُؤْمِنِ [مَا] مَاتَ مُؤْمِنٌ في غُرْبَةٍ غَابَتْ عَنْهُ فِيهَا بَوَاكِيهِ إِلاَّ بَكَتْ عَلَيْهِ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ. ثُمَّ قَرَأَ: ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ ٱلسَّمَآءُ وَٱلأَرْضُ﴾ ثم قال: إِنَّهُمَا لاَ يَبْكِيَانِ عَلَى الكَافِرِ
وممن قال أن السماء والأرض تبكيان على المؤمن ولا تبكيان على الكافر، علي بن أبي طالب (رضي الله عنه) وابن عباس والحسن والضحاك وقتادة.
قال ابن عباس: ليس أحد من الخلائق إلا له باب في السماء (ينزل منه) رزقه وفيه يصعد عمله، فإذا مات المؤمن فأغلق بابه من السماء ففقده بكى عليه، وإذا أفقده مصلاه من الأرض والموضع الذي كان يذكر الله عز وجل فيه بكى عليه. وإن قوم فرعون لم يكن لهم عمل صالح في الأرض ولا في السماء فلم يبك عليهم شيء حين هلكوا هذا معنى قوله.
* *
وقوله: ﴿وَمَا كَانُواْ مُنظَرِينَ﴾، معناه: لم يكونوا مؤخرين حين أتاهم العذاب وتم الأجل.
الدخان 44:20
قوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ ٱلْبَطْشَةَ ٱلْكُبْرَىٰ﴾ - إلى قوله - ﴿وَمَا كَانُواْ مُنظَرِينَ﴾، أي: ننتقم منكم إن عدتم إلى كفركم عند كشفنا عنكم ما أنتم فيه من الجهد يوم نبطش البطشة الكبرى، وهو يوم بدر عند أكثر المفسرين، قاله ابن مسعود وابن عباس ومجاهد والضحاك وابن زيد وأبو العالية، وهو قول وهو قول أُبي بن كعب، أمكن الله عز وجل منهم المؤمنين يوم بدر فقتلوا منهم سبعين وأسروا سبعين.
والعامل في "يوم نبطش": "منتقمون".
وقيل: العامل فيه فعل مضمر، تقديره: اذكر يا محمد يوم نبطش. وهو الأحسن، لأن الظرف لا يعمل فيه ما بعد أن عند البصريين.
وقيل التقدير: ننتقم يوم نبطش، ودل عليه "منتقمون".
وفيه أيضاً بُعْدٌ لأن ما بعد "إنَّ" لا يفسر ما قبلها كما لا يفعل (ما بعدها) فيه.
فإضمار "اذكر" أحسن الوجوه، وذلك أن الله جل ذكره كشف عنهم ما كانوا فيه من الجهد فعادوا إلى كفرهم فأهلكهم قتلا بالسيف يوم بدر. فيكون العامل في "يوم نبطش" فعلاً مضمراً يفسره "إنا منتقمون".
ولا يحسن أن يعمل فيه "منتقمون"، لأن ما بعد "أن" لا يعمل فيما قبلها. ويجوز أن يكون العامل "اذكر" مضمرة.
وقال عكرمة: البطشة الكبرى هي بطشة الله عز وجل بأعدائه يوم القيامة.
وكذلك روى قتادة عن الحسن.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ﴾، أي اختبرناهم وابتليناهم قبل مشركي قومك يا محمد.
﴿وَجَآءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ﴾ يعني موسى ﷺ أي "كريم عند ربه عز وجل. وقيل كريم من قومه. وقيل: الفتنة في هذا العذاب.
وفي الكلام تقدير وتأخير، والتقدير، ولقد جاء قوم فرعون رسول كريم.
وفتناهم، أي: عذبناهم بالغرق، لأن العذاب - وهو الغرق - كان بعد مجيء موسى إليهم وإنذاره إياهم وكفرهم
* *
ثم قال تعالى: ﴿أَنْ أَدُّوۤاْ إِلَيَّ عِبَادَ ٱللَّهِ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ﴾.
قال ابن عباس معناه: (أن اتبعوني) إلى ما أدعوكم إليه يا عباد الله فيكون "عباد": نصب على النداء المضاف على هذا القول.
وقال مجاهد معناه: أن أرسلوا معي عباد الله وخلوا سبيلهم، يعني بني إسرائيل. فينتصب "عباد" على أنه مفعول به "بأدوا" على هذا القول.
قال قتادة: قال موسى لفرعون: (على من) تحبس هؤلاء القوم، قوما أحراراً (اتخدتهم عبيداً، خَلِّ) سبيلهم.
قال ابن زيد معناه: أرسل عباد الله معي، يعني بني إسرائيل، وهو مثل قوله: ﴿فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ وَلاَ تُعَذِّبْهُمْ﴾ [طه: ٤٧].
وقيل التقدير: وجاءهم رسول أمين يقول لهم: أدوا إِليِّ عباد الله أي: خلوا سبيلهم إني لكم رسول من الله إليكم، أنذركم بأسه إن لم تؤمنوا، أمين على وحيه ورسالته إليكم.
* *
ثم قال: ﴿وَأَن لاَّ تَعْلُواْ عَلَى ٱللَّهِ إِنِّيۤ آتِيكُمْ بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ﴾، أي: وجاءكم رسول كريم بأن أدوا إلي عباد الله وبألا تعلوا على الله، أي: لا تطغوا على ربكم فتكفروا به.
﴿إِنِّيۤ آتِيكُمْ بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ﴾، أي: بحجة ظاهرة تدل على صحة ما جئتكم به.
* *
ثم قال: ﴿وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَن تَرْجُمُونِ * وَإِن لَّمْ تُؤْمِنُواْ لِي فَٱعْتَزِلُونِ﴾، أي: قال لهم موسى": وإني اعتصمت واستعذت بربي وربكم من أن تشتمون بألسنتكم، قاله ابن عباس والضحاك.
وقال أبو صالح: أن ترجمون معناه: أن تقولوا لي شاعر (أو كاهن) أو ساحر.
وقال قتادة معناه: "أن ترجمون بالحجارة".
وقال الفراء: "الرجم - هنا - القتل". استجار بالله عز وجل واعتصم به سبحانه من أن يقتلوه.
ثم قال لهم: ﴿وَإِن لَّمْ تُؤْمِنُواْ لِي فَٱعْتَزِلُونِ﴾، أي: إذا أنتم لم تصدقون فيما أقول لكم فخلوا سبيلي (ولا تؤذون).
وقيل معناه: فدعوني كفافاً، لا عَلَيَّ ولا لي.
قال: ﴿فَدَعَا رَبَّهُ أَنَّ هَـٰؤُلاَءِ قَوْمٌ مُّجْرِمُونَ﴾، أي: فدعا موسى ربه إذ كذبوه ولم يؤمنوا وهموا بقتله. وفي الكلام حذف تتصل الفاء به. والتقدير: فكفروا فدعا ربه ولو لم يكن هذا الإضمار لم تتصل الفاء بشيء ومثله الفاء في قوله: ﴿فَأَسْرِ بِعِبَادِي﴾.
* *
قوله: ﴿أَنَّ هَـٰؤُلاَءِ﴾، أي فدعا ربه فقال إن هؤلاء قوم مجرمون لا يؤمنون بما جئتهم به.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَأَسْرِ بِعِبَادِي لَيْلاً إِنَّكُم مُّتَّبَعُونَ﴾.
في هذا الكلام حذف. والتقدير: فأجابه ربه عز وجل بأن قال له: فأسر بعبادي ليلاً، يعني: بني إسرائيل، أي: فأسر بعبادي الذين صدقوك وآمنوا بك ليلاً إنهم متبعون، أي: إن فرعون وجنوده من القبط يتبعونكم إذا سريتم من عندهم.
* *
ثم قال: ﴿وَٱتْرُكِ ٱلْبَحْرَ رَهْواً﴾، أي: إذا قطعت البحر (أنت وأصحابك) فاتركه ساكناً على حاله حين دخلته. هذا لفظه لفظ الأمر ومعناه الخبر.
لم يكن في (وسع موسى) ترك ذلك، ولم يكن الله عز وجل ليأمره بما لا يقدر عليه، فهو وعد من الله عز وجل لموسى أن يفعله له، وكأنه قال: ويبقى البحر على حاله ساكنا حتى يدخله فرعون وجنوده فيغرقون.
قال ابن عباس، معناه: واتركه طريقاً. وقال الضحاك: سهلاً.
وقال مجاهد معناه: واتركه ساكناً لا يرجع إلى ما كان عليه حتى يحصل فيه آخرهم، وهو معنى قول ابن عباس: اتركه طريقاً، وروي عن مجاهد أيضاً "رهواً": يابساً، وحكى المبرد: عيش (راهٍ، أي): خفض وادع.
قال: فمعنى رهواً: ساكناً، حتى يحصلوا فيه وهو ساكن فلا (ينفروا منه).
وقيل الرهو: المتفرق ويقال: جاء القوم رهواً، أي: على نظام واحد.
وروي أن الله جل ذكره قال هذا لموسى بعد أن قطع البحر بنو إسرائيل.
فعلى هذا القول يكون في الكلام حذف. والتقدير: فسرى موسى بعبادي ليلاً وقطع بهم البحر فقلنا له بعدما قطعه وأراد رد البحر إلى هيئته التي كان عليها قبل انفلاقه: اتركه رهواً، أي: ساكناً على حاله لا ترده إلى (هيئته الأولى) حتى يدخلوا كلهم فيه ويطمئنوا. هذا القول هو قول قتادة.
قال قتادة: لما خرج آخر بني إسرائيل أراد نبي الله موسى عليه السلام أن يضرب بالبحر بعصاه حتى يعود كما كان مخافة أن يتبعه فرعون وجنوده، فقيل له: اتركه ساكناً على حاله إنهم جند مغرقون، فغرقهم الله عز وجل في البحر.
* *
ثم قال تعالى: ﴿كَمْ تَرَكُواْ مِن جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَزُرُوعٍ﴾، أي: كم ترك آل فرعون - يعني: القبط المغرقين - من بساتين وينابيع ماء تتفجر في بساتينهم وزروع قائمة.
﴿وَمَقَامٍ كَرِيمٍ﴾، يعني: مقام الملوك والأمراء، كانوا يعظمونه ويشرفونه، يعني به المنابر، (قاله ابن عباس وقيل: هي المنازل الحسنة. ومعنى كريم: حسن).
* *
ثم قال: ﴿وَنَعْمَةٍ كَانُواْ فِيهَا فَاكِهِينَ﴾، أي: وأخرجوا من نعمة كانوا فيها متفكهين. قال قتادة: فاكهين: ناعمين. وعن ابن عباس: فاكهين: فرحين والنعمة - بالفتح - التنعم.
وقرأ أبو رجاء العطاردي والحسن "فَكِهينَ" بغير ألف، على معنى: كانوا فيها بطرين أشرين.
* *
ثم قال: ﴿كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْماً آخَرِينَ﴾، أي: هكذا فعلنا بهم أيها الناس، وأورثنا ما تركوا مما تقدم وصفه قوماً آخرين يعني: بني إسرائيل.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ ٱلسَّمَآءُ وَٱلأَرْضُ﴾، أي: ما بكى عليهم حين هلكوا بالغرق أهل السماء، ولا أهل الأرض. ثم حذف.
وقيل: إن بكاء السماء حمرة أطرافها.
قال السدي: "لما قُتل الحسين بن علي عليه السلام بكت السماء عليه وبكاؤها حمرتها". وقال عطاء: "بكاؤها: حمرة أطرافها".
وقيل: معنى ذلك أن المؤمن إذا مات بكت عليه السماء والأرض أربعين صباحاً، فأعلمنا الله عز وجل أنهم لم يكونوا مؤمنين فتبكي عليهم السماء والأرض.
وروي عن النبي ﷺ أنه قال: "بَدَأَ الإسْلاَمُ غَرِيباً وَسَيَعُودُ غَرِيباً، أَلاَ لاَ غُرْبَةَ عَلَى المُؤْمِنِ [مَا] مَاتَ مُؤْمِنٌ في غُرْبَةٍ غَابَتْ عَنْهُ فِيهَا بَوَاكِيهِ إِلاَّ بَكَتْ عَلَيْهِ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ. ثُمَّ قَرَأَ: ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ ٱلسَّمَآءُ وَٱلأَرْضُ﴾ ثم قال: إِنَّهُمَا لاَ يَبْكِيَانِ عَلَى الكَافِرِ
وممن قال أن السماء والأرض تبكيان على المؤمن ولا تبكيان على الكافر، علي بن أبي طالب (رضي الله عنه) وابن عباس والحسن والضحاك وقتادة.
قال ابن عباس: ليس أحد من الخلائق إلا له باب في السماء (ينزل منه) رزقه وفيه يصعد عمله، فإذا مات المؤمن فأغلق بابه من السماء ففقده بكى عليه، وإذا أفقده مصلاه من الأرض والموضع الذي كان يذكر الله عز وجل فيه بكى عليه. وإن قوم فرعون لم يكن لهم عمل صالح في الأرض ولا في السماء فلم يبك عليهم شيء حين هلكوا هذا معنى قوله.
* *
وقوله: ﴿وَمَا كَانُواْ مُنظَرِينَ﴾، معناه: لم يكونوا مؤخرين حين أتاهم العذاب وتم الأجل.
الدخان 44:21
قوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ ٱلْبَطْشَةَ ٱلْكُبْرَىٰ﴾ - إلى قوله - ﴿وَمَا كَانُواْ مُنظَرِينَ﴾، أي: ننتقم منكم إن عدتم إلى كفركم عند كشفنا عنكم ما أنتم فيه من الجهد يوم نبطش البطشة الكبرى، وهو يوم بدر عند أكثر المفسرين، قاله ابن مسعود وابن عباس ومجاهد والضحاك وابن زيد وأبو العالية، وهو قول وهو قول أُبي بن كعب، أمكن الله عز وجل منهم المؤمنين يوم بدر فقتلوا منهم سبعين وأسروا سبعين.
والعامل في "يوم نبطش": "منتقمون".
وقيل: العامل فيه فعل مضمر، تقديره: اذكر يا محمد يوم نبطش. وهو الأحسن، لأن الظرف لا يعمل فيه ما بعد أن عند البصريين.
وقيل التقدير: ننتقم يوم نبطش، ودل عليه "منتقمون".
وفيه أيضاً بُعْدٌ لأن ما بعد "إنَّ" لا يفسر ما قبلها كما لا يفعل (ما بعدها) فيه.
فإضمار "اذكر" أحسن الوجوه، وذلك أن الله جل ذكره كشف عنهم ما كانوا فيه من الجهد فعادوا إلى كفرهم فأهلكهم قتلا بالسيف يوم بدر. فيكون العامل في "يوم نبطش" فعلاً مضمراً يفسره "إنا منتقمون".
ولا يحسن أن يعمل فيه "منتقمون"، لأن ما بعد "أن" لا يعمل فيما قبلها. ويجوز أن يكون العامل "اذكر" مضمرة.
وقال عكرمة: البطشة الكبرى هي بطشة الله عز وجل بأعدائه يوم القيامة.
وكذلك روى قتادة عن الحسن.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ﴾، أي اختبرناهم وابتليناهم قبل مشركي قومك يا محمد.
﴿وَجَآءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ﴾ يعني موسى ﷺ أي "كريم عند ربه عز وجل. وقيل كريم من قومه. وقيل: الفتنة في هذا العذاب.
وفي الكلام تقدير وتأخير، والتقدير، ولقد جاء قوم فرعون رسول كريم.
وفتناهم، أي: عذبناهم بالغرق، لأن العذاب - وهو الغرق - كان بعد مجيء موسى إليهم وإنذاره إياهم وكفرهم
* *
ثم قال تعالى: ﴿أَنْ أَدُّوۤاْ إِلَيَّ عِبَادَ ٱللَّهِ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ﴾.
قال ابن عباس معناه: (أن اتبعوني) إلى ما أدعوكم إليه يا عباد الله فيكون "عباد": نصب على النداء المضاف على هذا القول.
وقال مجاهد معناه: أن أرسلوا معي عباد الله وخلوا سبيلهم، يعني بني إسرائيل. فينتصب "عباد" على أنه مفعول به "بأدوا" على هذا القول.
قال قتادة: قال موسى لفرعون: (على من) تحبس هؤلاء القوم، قوما أحراراً (اتخدتهم عبيداً، خَلِّ) سبيلهم.
قال ابن زيد معناه: أرسل عباد الله معي، يعني بني إسرائيل، وهو مثل قوله: ﴿فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ وَلاَ تُعَذِّبْهُمْ﴾ [طه: ٤٧].
وقيل التقدير: وجاءهم رسول أمين يقول لهم: أدوا إِليِّ عباد الله أي: خلوا سبيلهم إني لكم رسول من الله إليكم، أنذركم بأسه إن لم تؤمنوا، أمين على وحيه ورسالته إليكم.
* *
ثم قال: ﴿وَأَن لاَّ تَعْلُواْ عَلَى ٱللَّهِ إِنِّيۤ آتِيكُمْ بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ﴾، أي: وجاءكم رسول كريم بأن أدوا إلي عباد الله وبألا تعلوا على الله، أي: لا تطغوا على ربكم فتكفروا به.
﴿إِنِّيۤ آتِيكُمْ بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ﴾، أي: بحجة ظاهرة تدل على صحة ما جئتكم به.
* *
ثم قال: ﴿وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَن تَرْجُمُونِ * وَإِن لَّمْ تُؤْمِنُواْ لِي فَٱعْتَزِلُونِ﴾، أي: قال لهم موسى": وإني اعتصمت واستعذت بربي وربكم من أن تشتمون بألسنتكم، قاله ابن عباس والضحاك.
وقال أبو صالح: أن ترجمون معناه: أن تقولوا لي شاعر (أو كاهن) أو ساحر.
وقال قتادة معناه: "أن ترجمون بالحجارة".
وقال الفراء: "الرجم - هنا - القتل". استجار بالله عز وجل واعتصم به سبحانه من أن يقتلوه.
ثم قال لهم: ﴿وَإِن لَّمْ تُؤْمِنُواْ لِي فَٱعْتَزِلُونِ﴾، أي: إذا أنتم لم تصدقون فيما أقول لكم فخلوا سبيلي (ولا تؤذون).
وقيل معناه: فدعوني كفافاً، لا عَلَيَّ ولا لي.
قال: ﴿فَدَعَا رَبَّهُ أَنَّ هَـٰؤُلاَءِ قَوْمٌ مُّجْرِمُونَ﴾، أي: فدعا موسى ربه إذ كذبوه ولم يؤمنوا وهموا بقتله. وفي الكلام حذف تتصل الفاء به. والتقدير: فكفروا فدعا ربه ولو لم يكن هذا الإضمار لم تتصل الفاء بشيء ومثله الفاء في قوله: ﴿فَأَسْرِ بِعِبَادِي﴾.
* *
قوله: ﴿أَنَّ هَـٰؤُلاَءِ﴾، أي فدعا ربه فقال إن هؤلاء قوم مجرمون لا يؤمنون بما جئتهم به.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَأَسْرِ بِعِبَادِي لَيْلاً إِنَّكُم مُّتَّبَعُونَ﴾.
في هذا الكلام حذف. والتقدير: فأجابه ربه عز وجل بأن قال له: فأسر بعبادي ليلاً، يعني: بني إسرائيل، أي: فأسر بعبادي الذين صدقوك وآمنوا بك ليلاً إنهم متبعون، أي: إن فرعون وجنوده من القبط يتبعونكم إذا سريتم من عندهم.
* *
ثم قال: ﴿وَٱتْرُكِ ٱلْبَحْرَ رَهْواً﴾، أي: إذا قطعت البحر (أنت وأصحابك) فاتركه ساكناً على حاله حين دخلته. هذا لفظه لفظ الأمر ومعناه الخبر.
لم يكن في (وسع موسى) ترك ذلك، ولم يكن الله عز وجل ليأمره بما لا يقدر عليه، فهو وعد من الله عز وجل لموسى أن يفعله له، وكأنه قال: ويبقى البحر على حاله ساكنا حتى يدخله فرعون وجنوده فيغرقون.
قال ابن عباس، معناه: واتركه طريقاً. وقال الضحاك: سهلاً.
وقال مجاهد معناه: واتركه ساكناً لا يرجع إلى ما كان عليه حتى يحصل فيه آخرهم، وهو معنى قول ابن عباس: اتركه طريقاً، وروي عن مجاهد أيضاً "رهواً": يابساً، وحكى المبرد: عيش (راهٍ، أي): خفض وادع.
قال: فمعنى رهواً: ساكناً، حتى يحصلوا فيه وهو ساكن فلا (ينفروا منه).
وقيل الرهو: المتفرق ويقال: جاء القوم رهواً، أي: على نظام واحد.
وروي أن الله جل ذكره قال هذا لموسى بعد أن قطع البحر بنو إسرائيل.
فعلى هذا القول يكون في الكلام حذف. والتقدير: فسرى موسى بعبادي ليلاً وقطع بهم البحر فقلنا له بعدما قطعه وأراد رد البحر إلى هيئته التي كان عليها قبل انفلاقه: اتركه رهواً، أي: ساكناً على حاله لا ترده إلى (هيئته الأولى) حتى يدخلوا كلهم فيه ويطمئنوا. هذا القول هو قول قتادة.
قال قتادة: لما خرج آخر بني إسرائيل أراد نبي الله موسى عليه السلام أن يضرب بالبحر بعصاه حتى يعود كما كان مخافة أن يتبعه فرعون وجنوده، فقيل له: اتركه ساكناً على حاله إنهم جند مغرقون، فغرقهم الله عز وجل في البحر.
* *
ثم قال تعالى: ﴿كَمْ تَرَكُواْ مِن جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَزُرُوعٍ﴾، أي: كم ترك آل فرعون - يعني: القبط المغرقين - من بساتين وينابيع ماء تتفجر في بساتينهم وزروع قائمة.
﴿وَمَقَامٍ كَرِيمٍ﴾، يعني: مقام الملوك والأمراء، كانوا يعظمونه ويشرفونه، يعني به المنابر، (قاله ابن عباس وقيل: هي المنازل الحسنة. ومعنى كريم: حسن).
* *
ثم قال: ﴿وَنَعْمَةٍ كَانُواْ فِيهَا فَاكِهِينَ﴾، أي: وأخرجوا من نعمة كانوا فيها متفكهين. قال قتادة: فاكهين: ناعمين. وعن ابن عباس: فاكهين: فرحين والنعمة - بالفتح - التنعم.
وقرأ أبو رجاء العطاردي والحسن "فَكِهينَ" بغير ألف، على معنى: كانوا فيها بطرين أشرين.
* *
ثم قال: ﴿كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْماً آخَرِينَ﴾، أي: هكذا فعلنا بهم أيها الناس، وأورثنا ما تركوا مما تقدم وصفه قوماً آخرين يعني: بني إسرائيل.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ ٱلسَّمَآءُ وَٱلأَرْضُ﴾، أي: ما بكى عليهم حين هلكوا بالغرق أهل السماء، ولا أهل الأرض. ثم حذف.
وقيل: إن بكاء السماء حمرة أطرافها.
قال السدي: "لما قُتل الحسين بن علي عليه السلام بكت السماء عليه وبكاؤها حمرتها". وقال عطاء: "بكاؤها: حمرة أطرافها".
وقيل: معنى ذلك أن المؤمن إذا مات بكت عليه السماء والأرض أربعين صباحاً، فأعلمنا الله عز وجل أنهم لم يكونوا مؤمنين فتبكي عليهم السماء والأرض.
وروي عن النبي ﷺ أنه قال: "بَدَأَ الإسْلاَمُ غَرِيباً وَسَيَعُودُ غَرِيباً، أَلاَ لاَ غُرْبَةَ عَلَى المُؤْمِنِ [مَا] مَاتَ مُؤْمِنٌ في غُرْبَةٍ غَابَتْ عَنْهُ فِيهَا بَوَاكِيهِ إِلاَّ بَكَتْ عَلَيْهِ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ. ثُمَّ قَرَأَ: ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ ٱلسَّمَآءُ وَٱلأَرْضُ﴾ ثم قال: إِنَّهُمَا لاَ يَبْكِيَانِ عَلَى الكَافِرِ
وممن قال أن السماء والأرض تبكيان على المؤمن ولا تبكيان على الكافر، علي بن أبي طالب (رضي الله عنه) وابن عباس والحسن والضحاك وقتادة.
قال ابن عباس: ليس أحد من الخلائق إلا له باب في السماء (ينزل منه) رزقه وفيه يصعد عمله، فإذا مات المؤمن فأغلق بابه من السماء ففقده بكى عليه، وإذا أفقده مصلاه من الأرض والموضع الذي كان يذكر الله عز وجل فيه بكى عليه. وإن قوم فرعون لم يكن لهم عمل صالح في الأرض ولا في السماء فلم يبك عليهم شيء حين هلكوا هذا معنى قوله.
* *
وقوله: ﴿وَمَا كَانُواْ مُنظَرِينَ﴾، معناه: لم يكونوا مؤخرين حين أتاهم العذاب وتم الأجل.
الدخان 44:22
قوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ ٱلْبَطْشَةَ ٱلْكُبْرَىٰ﴾ - إلى قوله - ﴿وَمَا كَانُواْ مُنظَرِينَ﴾، أي: ننتقم منكم إن عدتم إلى كفركم عند كشفنا عنكم ما أنتم فيه من الجهد يوم نبطش البطشة الكبرى، وهو يوم بدر عند أكثر المفسرين، قاله ابن مسعود وابن عباس ومجاهد والضحاك وابن زيد وأبو العالية، وهو قول وهو قول أُبي بن كعب، أمكن الله عز وجل منهم المؤمنين يوم بدر فقتلوا منهم سبعين وأسروا سبعين.
والعامل في "يوم نبطش": "منتقمون".
وقيل: العامل فيه فعل مضمر، تقديره: اذكر يا محمد يوم نبطش. وهو الأحسن، لأن الظرف لا يعمل فيه ما بعد أن عند البصريين.
وقيل التقدير: ننتقم يوم نبطش، ودل عليه "منتقمون".
وفيه أيضاً بُعْدٌ لأن ما بعد "إنَّ" لا يفسر ما قبلها كما لا يفعل (ما بعدها) فيه.
فإضمار "اذكر" أحسن الوجوه، وذلك أن الله جل ذكره كشف عنهم ما كانوا فيه من الجهد فعادوا إلى كفرهم فأهلكهم قتلا بالسيف يوم بدر. فيكون العامل في "يوم نبطش" فعلاً مضمراً يفسره "إنا منتقمون".
ولا يحسن أن يعمل فيه "منتقمون"، لأن ما بعد "أن" لا يعمل فيما قبلها. ويجوز أن يكون العامل "اذكر" مضمرة.
وقال عكرمة: البطشة الكبرى هي بطشة الله عز وجل بأعدائه يوم القيامة.
وكذلك روى قتادة عن الحسن.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ﴾، أي اختبرناهم وابتليناهم قبل مشركي قومك يا محمد.
﴿وَجَآءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ﴾ يعني موسى ﷺ أي "كريم عند ربه عز وجل. وقيل كريم من قومه. وقيل: الفتنة في هذا العذاب.
وفي الكلام تقدير وتأخير، والتقدير، ولقد جاء قوم فرعون رسول كريم.
وفتناهم، أي: عذبناهم بالغرق، لأن العذاب - وهو الغرق - كان بعد مجيء موسى إليهم وإنذاره إياهم وكفرهم
* *
ثم قال تعالى: ﴿أَنْ أَدُّوۤاْ إِلَيَّ عِبَادَ ٱللَّهِ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ﴾.
قال ابن عباس معناه: (أن اتبعوني) إلى ما أدعوكم إليه يا عباد الله فيكون "عباد": نصب على النداء المضاف على هذا القول.
وقال مجاهد معناه: أن أرسلوا معي عباد الله وخلوا سبيلهم، يعني بني إسرائيل. فينتصب "عباد" على أنه مفعول به "بأدوا" على هذا القول.
قال قتادة: قال موسى لفرعون: (على من) تحبس هؤلاء القوم، قوما أحراراً (اتخدتهم عبيداً، خَلِّ) سبيلهم.
قال ابن زيد معناه: أرسل عباد الله معي، يعني بني إسرائيل، وهو مثل قوله: ﴿فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ وَلاَ تُعَذِّبْهُمْ﴾ [طه: ٤٧].
وقيل التقدير: وجاءهم رسول أمين يقول لهم: أدوا إِليِّ عباد الله أي: خلوا سبيلهم إني لكم رسول من الله إليكم، أنذركم بأسه إن لم تؤمنوا، أمين على وحيه ورسالته إليكم.
* *
ثم قال: ﴿وَأَن لاَّ تَعْلُواْ عَلَى ٱللَّهِ إِنِّيۤ آتِيكُمْ بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ﴾، أي: وجاءكم رسول كريم بأن أدوا إلي عباد الله وبألا تعلوا على الله، أي: لا تطغوا على ربكم فتكفروا به.
﴿إِنِّيۤ آتِيكُمْ بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ﴾، أي: بحجة ظاهرة تدل على صحة ما جئتكم به.
* *
ثم قال: ﴿وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَن تَرْجُمُونِ * وَإِن لَّمْ تُؤْمِنُواْ لِي فَٱعْتَزِلُونِ﴾، أي: قال لهم موسى": وإني اعتصمت واستعذت بربي وربكم من أن تشتمون بألسنتكم، قاله ابن عباس والضحاك.
وقال أبو صالح: أن ترجمون معناه: أن تقولوا لي شاعر (أو كاهن) أو ساحر.
وقال قتادة معناه: "أن ترجمون بالحجارة".
وقال الفراء: "الرجم - هنا - القتل". استجار بالله عز وجل واعتصم به سبحانه من أن يقتلوه.
ثم قال لهم: ﴿وَإِن لَّمْ تُؤْمِنُواْ لِي فَٱعْتَزِلُونِ﴾، أي: إذا أنتم لم تصدقون فيما أقول لكم فخلوا سبيلي (ولا تؤذون).
وقيل معناه: فدعوني كفافاً، لا عَلَيَّ ولا لي.
قال: ﴿فَدَعَا رَبَّهُ أَنَّ هَـٰؤُلاَءِ قَوْمٌ مُّجْرِمُونَ﴾، أي: فدعا موسى ربه إذ كذبوه ولم يؤمنوا وهموا بقتله. وفي الكلام حذف تتصل الفاء به. والتقدير: فكفروا فدعا ربه ولو لم يكن هذا الإضمار لم تتصل الفاء بشيء ومثله الفاء في قوله: ﴿فَأَسْرِ بِعِبَادِي﴾.
* *
قوله: ﴿أَنَّ هَـٰؤُلاَءِ﴾، أي فدعا ربه فقال إن هؤلاء قوم مجرمون لا يؤمنون بما جئتهم به.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَأَسْرِ بِعِبَادِي لَيْلاً إِنَّكُم مُّتَّبَعُونَ﴾.
في هذا الكلام حذف. والتقدير: فأجابه ربه عز وجل بأن قال له: فأسر بعبادي ليلاً، يعني: بني إسرائيل، أي: فأسر بعبادي الذين صدقوك وآمنوا بك ليلاً إنهم متبعون، أي: إن فرعون وجنوده من القبط يتبعونكم إذا سريتم من عندهم.
* *
ثم قال: ﴿وَٱتْرُكِ ٱلْبَحْرَ رَهْواً﴾، أي: إذا قطعت البحر (أنت وأصحابك) فاتركه ساكناً على حاله حين دخلته. هذا لفظه لفظ الأمر ومعناه الخبر.
لم يكن في (وسع موسى) ترك ذلك، ولم يكن الله عز وجل ليأمره بما لا يقدر عليه، فهو وعد من الله عز وجل لموسى أن يفعله له، وكأنه قال: ويبقى البحر على حاله ساكنا حتى يدخله فرعون وجنوده فيغرقون.
قال ابن عباس، معناه: واتركه طريقاً. وقال الضحاك: سهلاً.
وقال مجاهد معناه: واتركه ساكناً لا يرجع إلى ما كان عليه حتى يحصل فيه آخرهم، وهو معنى قول ابن عباس: اتركه طريقاً، وروي عن مجاهد أيضاً "رهواً": يابساً، وحكى المبرد: عيش (راهٍ، أي): خفض وادع.
قال: فمعنى رهواً: ساكناً، حتى يحصلوا فيه وهو ساكن فلا (ينفروا منه).
وقيل الرهو: المتفرق ويقال: جاء القوم رهواً، أي: على نظام واحد.
وروي أن الله جل ذكره قال هذا لموسى بعد أن قطع البحر بنو إسرائيل.
فعلى هذا القول يكون في الكلام حذف. والتقدير: فسرى موسى بعبادي ليلاً وقطع بهم البحر فقلنا له بعدما قطعه وأراد رد البحر إلى هيئته التي كان عليها قبل انفلاقه: اتركه رهواً، أي: ساكناً على حاله لا ترده إلى (هيئته الأولى) حتى يدخلوا كلهم فيه ويطمئنوا. هذا القول هو قول قتادة.
قال قتادة: لما خرج آخر بني إسرائيل أراد نبي الله موسى عليه السلام أن يضرب بالبحر بعصاه حتى يعود كما كان مخافة أن يتبعه فرعون وجنوده، فقيل له: اتركه ساكناً على حاله إنهم جند مغرقون، فغرقهم الله عز وجل في البحر.
* *
ثم قال تعالى: ﴿كَمْ تَرَكُواْ مِن جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَزُرُوعٍ﴾، أي: كم ترك آل فرعون - يعني: القبط المغرقين - من بساتين وينابيع ماء تتفجر في بساتينهم وزروع قائمة.
﴿وَمَقَامٍ كَرِيمٍ﴾، يعني: مقام الملوك والأمراء، كانوا يعظمونه ويشرفونه، يعني به المنابر، (قاله ابن عباس وقيل: هي المنازل الحسنة. ومعنى كريم: حسن).
* *
ثم قال: ﴿وَنَعْمَةٍ كَانُواْ فِيهَا فَاكِهِينَ﴾، أي: وأخرجوا من نعمة كانوا فيها متفكهين. قال قتادة: فاكهين: ناعمين. وعن ابن عباس: فاكهين: فرحين والنعمة - بالفتح - التنعم.
وقرأ أبو رجاء العطاردي والحسن "فَكِهينَ" بغير ألف، على معنى: كانوا فيها بطرين أشرين.
* *
ثم قال: ﴿كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْماً آخَرِينَ﴾، أي: هكذا فعلنا بهم أيها الناس، وأورثنا ما تركوا مما تقدم وصفه قوماً آخرين يعني: بني إسرائيل.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ ٱلسَّمَآءُ وَٱلأَرْضُ﴾، أي: ما بكى عليهم حين هلكوا بالغرق أهل السماء، ولا أهل الأرض. ثم حذف.
وقيل: إن بكاء السماء حمرة أطرافها.
قال السدي: "لما قُتل الحسين بن علي عليه السلام بكت السماء عليه وبكاؤها حمرتها". وقال عطاء: "بكاؤها: حمرة أطرافها".
وقيل: معنى ذلك أن المؤمن إذا مات بكت عليه السماء والأرض أربعين صباحاً، فأعلمنا الله عز وجل أنهم لم يكونوا مؤمنين فتبكي عليهم السماء والأرض.
وروي عن النبي ﷺ أنه قال: "بَدَأَ الإسْلاَمُ غَرِيباً وَسَيَعُودُ غَرِيباً، أَلاَ لاَ غُرْبَةَ عَلَى المُؤْمِنِ [مَا] مَاتَ مُؤْمِنٌ في غُرْبَةٍ غَابَتْ عَنْهُ فِيهَا بَوَاكِيهِ إِلاَّ بَكَتْ عَلَيْهِ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ. ثُمَّ قَرَأَ: ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ ٱلسَّمَآءُ وَٱلأَرْضُ﴾ ثم قال: إِنَّهُمَا لاَ يَبْكِيَانِ عَلَى الكَافِرِ
وممن قال أن السماء والأرض تبكيان على المؤمن ولا تبكيان على الكافر، علي بن أبي طالب (رضي الله عنه) وابن عباس والحسن والضحاك وقتادة.
قال ابن عباس: ليس أحد من الخلائق إلا له باب في السماء (ينزل منه) رزقه وفيه يصعد عمله، فإذا مات المؤمن فأغلق بابه من السماء ففقده بكى عليه، وإذا أفقده مصلاه من الأرض والموضع الذي كان يذكر الله عز وجل فيه بكى عليه. وإن قوم فرعون لم يكن لهم عمل صالح في الأرض ولا في السماء فلم يبك عليهم شيء حين هلكوا هذا معنى قوله.
* *
وقوله: ﴿وَمَا كَانُواْ مُنظَرِينَ﴾، معناه: لم يكونوا مؤخرين حين أتاهم العذاب وتم الأجل.
الدخان 44:23
قوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ ٱلْبَطْشَةَ ٱلْكُبْرَىٰ﴾ - إلى قوله - ﴿وَمَا كَانُواْ مُنظَرِينَ﴾، أي: ننتقم منكم إن عدتم إلى كفركم عند كشفنا عنكم ما أنتم فيه من الجهد يوم نبطش البطشة الكبرى، وهو يوم بدر عند أكثر المفسرين، قاله ابن مسعود وابن عباس ومجاهد والضحاك وابن زيد وأبو العالية، وهو قول وهو قول أُبي بن كعب، أمكن الله عز وجل منهم المؤمنين يوم بدر فقتلوا منهم سبعين وأسروا سبعين.
والعامل في "يوم نبطش": "منتقمون".
وقيل: العامل فيه فعل مضمر، تقديره: اذكر يا محمد يوم نبطش. وهو الأحسن، لأن الظرف لا يعمل فيه ما بعد أن عند البصريين.
وقيل التقدير: ننتقم يوم نبطش، ودل عليه "منتقمون".
وفيه أيضاً بُعْدٌ لأن ما بعد "إنَّ" لا يفسر ما قبلها كما لا يفعل (ما بعدها) فيه.
فإضمار "اذكر" أحسن الوجوه، وذلك أن الله جل ذكره كشف عنهم ما كانوا فيه من الجهد فعادوا إلى كفرهم فأهلكهم قتلا بالسيف يوم بدر. فيكون العامل في "يوم نبطش" فعلاً مضمراً يفسره "إنا منتقمون".
ولا يحسن أن يعمل فيه "منتقمون"، لأن ما بعد "أن" لا يعمل فيما قبلها. ويجوز أن يكون العامل "اذكر" مضمرة.
وقال عكرمة: البطشة الكبرى هي بطشة الله عز وجل بأعدائه يوم القيامة.
وكذلك روى قتادة عن الحسن.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ﴾، أي اختبرناهم وابتليناهم قبل مشركي قومك يا محمد.
﴿وَجَآءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ﴾ يعني موسى ﷺ أي "كريم عند ربه عز وجل. وقيل كريم من قومه. وقيل: الفتنة في هذا العذاب.
وفي الكلام تقدير وتأخير، والتقدير، ولقد جاء قوم فرعون رسول كريم.
وفتناهم، أي: عذبناهم بالغرق، لأن العذاب - وهو الغرق - كان بعد مجيء موسى إليهم وإنذاره إياهم وكفرهم
* *
ثم قال تعالى: ﴿أَنْ أَدُّوۤاْ إِلَيَّ عِبَادَ ٱللَّهِ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ﴾.
قال ابن عباس معناه: (أن اتبعوني) إلى ما أدعوكم إليه يا عباد الله فيكون "عباد": نصب على النداء المضاف على هذا القول.
وقال مجاهد معناه: أن أرسلوا معي عباد الله وخلوا سبيلهم، يعني بني إسرائيل. فينتصب "عباد" على أنه مفعول به "بأدوا" على هذا القول.
قال قتادة: قال موسى لفرعون: (على من) تحبس هؤلاء القوم، قوما أحراراً (اتخدتهم عبيداً، خَلِّ) سبيلهم.
قال ابن زيد معناه: أرسل عباد الله معي، يعني بني إسرائيل، وهو مثل قوله: ﴿فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ وَلاَ تُعَذِّبْهُمْ﴾ [طه: ٤٧].
وقيل التقدير: وجاءهم رسول أمين يقول لهم: أدوا إِليِّ عباد الله أي: خلوا سبيلهم إني لكم رسول من الله إليكم، أنذركم بأسه إن لم تؤمنوا، أمين على وحيه ورسالته إليكم.
* *
ثم قال: ﴿وَأَن لاَّ تَعْلُواْ عَلَى ٱللَّهِ إِنِّيۤ آتِيكُمْ بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ﴾، أي: وجاءكم رسول كريم بأن أدوا إلي عباد الله وبألا تعلوا على الله، أي: لا تطغوا على ربكم فتكفروا به.
﴿إِنِّيۤ آتِيكُمْ بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ﴾، أي: بحجة ظاهرة تدل على صحة ما جئتكم به.
* *
ثم قال: ﴿وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَن تَرْجُمُونِ * وَإِن لَّمْ تُؤْمِنُواْ لِي فَٱعْتَزِلُونِ﴾، أي: قال لهم موسى": وإني اعتصمت واستعذت بربي وربكم من أن تشتمون بألسنتكم، قاله ابن عباس والضحاك.
وقال أبو صالح: أن ترجمون معناه: أن تقولوا لي شاعر (أو كاهن) أو ساحر.
وقال قتادة معناه: "أن ترجمون بالحجارة".
وقال الفراء: "الرجم - هنا - القتل". استجار بالله عز وجل واعتصم به سبحانه من أن يقتلوه.
ثم قال لهم: ﴿وَإِن لَّمْ تُؤْمِنُواْ لِي فَٱعْتَزِلُونِ﴾، أي: إذا أنتم لم تصدقون فيما أقول لكم فخلوا سبيلي (ولا تؤذون).
وقيل معناه: فدعوني كفافاً، لا عَلَيَّ ولا لي.
قال: ﴿فَدَعَا رَبَّهُ أَنَّ هَـٰؤُلاَءِ قَوْمٌ مُّجْرِمُونَ﴾، أي: فدعا موسى ربه إذ كذبوه ولم يؤمنوا وهموا بقتله. وفي الكلام حذف تتصل الفاء به. والتقدير: فكفروا فدعا ربه ولو لم يكن هذا الإضمار لم تتصل الفاء بشيء ومثله الفاء في قوله: ﴿فَأَسْرِ بِعِبَادِي﴾.
* *
قوله: ﴿أَنَّ هَـٰؤُلاَءِ﴾، أي فدعا ربه فقال إن هؤلاء قوم مجرمون لا يؤمنون بما جئتهم به.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَأَسْرِ بِعِبَادِي لَيْلاً إِنَّكُم مُّتَّبَعُونَ﴾.
في هذا الكلام حذف. والتقدير: فأجابه ربه عز وجل بأن قال له: فأسر بعبادي ليلاً، يعني: بني إسرائيل، أي: فأسر بعبادي الذين صدقوك وآمنوا بك ليلاً إنهم متبعون، أي: إن فرعون وجنوده من القبط يتبعونكم إذا سريتم من عندهم.
* *
ثم قال: ﴿وَٱتْرُكِ ٱلْبَحْرَ رَهْواً﴾، أي: إذا قطعت البحر (أنت وأصحابك) فاتركه ساكناً على حاله حين دخلته. هذا لفظه لفظ الأمر ومعناه الخبر.
لم يكن في (وسع موسى) ترك ذلك، ولم يكن الله عز وجل ليأمره بما لا يقدر عليه، فهو وعد من الله عز وجل لموسى أن يفعله له، وكأنه قال: ويبقى البحر على حاله ساكنا حتى يدخله فرعون وجنوده فيغرقون.
قال ابن عباس، معناه: واتركه طريقاً. وقال الضحاك: سهلاً.
وقال مجاهد معناه: واتركه ساكناً لا يرجع إلى ما كان عليه حتى يحصل فيه آخرهم، وهو معنى قول ابن عباس: اتركه طريقاً، وروي عن مجاهد أيضاً "رهواً": يابساً، وحكى المبرد: عيش (راهٍ، أي): خفض وادع.
قال: فمعنى رهواً: ساكناً، حتى يحصلوا فيه وهو ساكن فلا (ينفروا منه).
وقيل الرهو: المتفرق ويقال: جاء القوم رهواً، أي: على نظام واحد.
وروي أن الله جل ذكره قال هذا لموسى بعد أن قطع البحر بنو إسرائيل.
فعلى هذا القول يكون في الكلام حذف. والتقدير: فسرى موسى بعبادي ليلاً وقطع بهم البحر فقلنا له بعدما قطعه وأراد رد البحر إلى هيئته التي كان عليها قبل انفلاقه: اتركه رهواً، أي: ساكناً على حاله لا ترده إلى (هيئته الأولى) حتى يدخلوا كلهم فيه ويطمئنوا. هذا القول هو قول قتادة.
قال قتادة: لما خرج آخر بني إسرائيل أراد نبي الله موسى عليه السلام أن يضرب بالبحر بعصاه حتى يعود كما كان مخافة أن يتبعه فرعون وجنوده، فقيل له: اتركه ساكناً على حاله إنهم جند مغرقون، فغرقهم الله عز وجل في البحر.
* *
ثم قال تعالى: ﴿كَمْ تَرَكُواْ مِن جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَزُرُوعٍ﴾، أي: كم ترك آل فرعون - يعني: القبط المغرقين - من بساتين وينابيع ماء تتفجر في بساتينهم وزروع قائمة.
﴿وَمَقَامٍ كَرِيمٍ﴾، يعني: مقام الملوك والأمراء، كانوا يعظمونه ويشرفونه، يعني به المنابر، (قاله ابن عباس وقيل: هي المنازل الحسنة. ومعنى كريم: حسن).
* *
ثم قال: ﴿وَنَعْمَةٍ كَانُواْ فِيهَا فَاكِهِينَ﴾، أي: وأخرجوا من نعمة كانوا فيها متفكهين. قال قتادة: فاكهين: ناعمين. وعن ابن عباس: فاكهين: فرحين والنعمة - بالفتح - التنعم.
وقرأ أبو رجاء العطاردي والحسن "فَكِهينَ" بغير ألف، على معنى: كانوا فيها بطرين أشرين.
* *
ثم قال: ﴿كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْماً آخَرِينَ﴾، أي: هكذا فعلنا بهم أيها الناس، وأورثنا ما تركوا مما تقدم وصفه قوماً آخرين يعني: بني إسرائيل.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ ٱلسَّمَآءُ وَٱلأَرْضُ﴾، أي: ما بكى عليهم حين هلكوا بالغرق أهل السماء، ولا أهل الأرض. ثم حذف.
وقيل: إن بكاء السماء حمرة أطرافها.
قال السدي: "لما قُتل الحسين بن علي عليه السلام بكت السماء عليه وبكاؤها حمرتها". وقال عطاء: "بكاؤها: حمرة أطرافها".
وقيل: معنى ذلك أن المؤمن إذا مات بكت عليه السماء والأرض أربعين صباحاً، فأعلمنا الله عز وجل أنهم لم يكونوا مؤمنين فتبكي عليهم السماء والأرض.
وروي عن النبي ﷺ أنه قال: "بَدَأَ الإسْلاَمُ غَرِيباً وَسَيَعُودُ غَرِيباً، أَلاَ لاَ غُرْبَةَ عَلَى المُؤْمِنِ [مَا] مَاتَ مُؤْمِنٌ في غُرْبَةٍ غَابَتْ عَنْهُ فِيهَا بَوَاكِيهِ إِلاَّ بَكَتْ عَلَيْهِ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ. ثُمَّ قَرَأَ: ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ ٱلسَّمَآءُ وَٱلأَرْضُ﴾ ثم قال: إِنَّهُمَا لاَ يَبْكِيَانِ عَلَى الكَافِرِ
وممن قال أن السماء والأرض تبكيان على المؤمن ولا تبكيان على الكافر، علي بن أبي طالب (رضي الله عنه) وابن عباس والحسن والضحاك وقتادة.
قال ابن عباس: ليس أحد من الخلائق إلا له باب في السماء (ينزل منه) رزقه وفيه يصعد عمله، فإذا مات المؤمن فأغلق بابه من السماء ففقده بكى عليه، وإذا أفقده مصلاه من الأرض والموضع الذي كان يذكر الله عز وجل فيه بكى عليه. وإن قوم فرعون لم يكن لهم عمل صالح في الأرض ولا في السماء فلم يبك عليهم شيء حين هلكوا هذا معنى قوله.
* *
وقوله: ﴿وَمَا كَانُواْ مُنظَرِينَ﴾، معناه: لم يكونوا مؤخرين حين أتاهم العذاب وتم الأجل.
الدخان 44:24
قوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ ٱلْبَطْشَةَ ٱلْكُبْرَىٰ﴾ - إلى قوله - ﴿وَمَا كَانُواْ مُنظَرِينَ﴾، أي: ننتقم منكم إن عدتم إلى كفركم عند كشفنا عنكم ما أنتم فيه من الجهد يوم نبطش البطشة الكبرى، وهو يوم بدر عند أكثر المفسرين، قاله ابن مسعود وابن عباس ومجاهد والضحاك وابن زيد وأبو العالية، وهو قول وهو قول أُبي بن كعب، أمكن الله عز وجل منهم المؤمنين يوم بدر فقتلوا منهم سبعين وأسروا سبعين.
والعامل في "يوم نبطش": "منتقمون".
وقيل: العامل فيه فعل مضمر، تقديره: اذكر يا محمد يوم نبطش. وهو الأحسن، لأن الظرف لا يعمل فيه ما بعد أن عند البصريين.
وقيل التقدير: ننتقم يوم نبطش، ودل عليه "منتقمون".
وفيه أيضاً بُعْدٌ لأن ما بعد "إنَّ" لا يفسر ما قبلها كما لا يفعل (ما بعدها) فيه.
فإضمار "اذكر" أحسن الوجوه، وذلك أن الله جل ذكره كشف عنهم ما كانوا فيه من الجهد فعادوا إلى كفرهم فأهلكهم قتلا بالسيف يوم بدر. فيكون العامل في "يوم نبطش" فعلاً مضمراً يفسره "إنا منتقمون".
ولا يحسن أن يعمل فيه "منتقمون"، لأن ما بعد "أن" لا يعمل فيما قبلها. ويجوز أن يكون العامل "اذكر" مضمرة.
وقال عكرمة: البطشة الكبرى هي بطشة الله عز وجل بأعدائه يوم القيامة.
وكذلك روى قتادة عن الحسن.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ﴾، أي اختبرناهم وابتليناهم قبل مشركي قومك يا محمد.
﴿وَجَآءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ﴾ يعني موسى ﷺ أي "كريم عند ربه عز وجل. وقيل كريم من قومه. وقيل: الفتنة في هذا العذاب.
وفي الكلام تقدير وتأخير، والتقدير، ولقد جاء قوم فرعون رسول كريم.
وفتناهم، أي: عذبناهم بالغرق، لأن العذاب - وهو الغرق - كان بعد مجيء موسى إليهم وإنذاره إياهم وكفرهم
* *
ثم قال تعالى: ﴿أَنْ أَدُّوۤاْ إِلَيَّ عِبَادَ ٱللَّهِ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ﴾.
قال ابن عباس معناه: (أن اتبعوني) إلى ما أدعوكم إليه يا عباد الله فيكون "عباد": نصب على النداء المضاف على هذا القول.
وقال مجاهد معناه: أن أرسلوا معي عباد الله وخلوا سبيلهم، يعني بني إسرائيل. فينتصب "عباد" على أنه مفعول به "بأدوا" على هذا القول.
قال قتادة: قال موسى لفرعون: (على من) تحبس هؤلاء القوم، قوما أحراراً (اتخدتهم عبيداً، خَلِّ) سبيلهم.
قال ابن زيد معناه: أرسل عباد الله معي، يعني بني إسرائيل، وهو مثل قوله: ﴿فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ وَلاَ تُعَذِّبْهُمْ﴾ [طه: ٤٧].
وقيل التقدير: وجاءهم رسول أمين يقول لهم: أدوا إِليِّ عباد الله أي: خلوا سبيلهم إني لكم رسول من الله إليكم، أنذركم بأسه إن لم تؤمنوا، أمين على وحيه ورسالته إليكم.
* *
ثم قال: ﴿وَأَن لاَّ تَعْلُواْ عَلَى ٱللَّهِ إِنِّيۤ آتِيكُمْ بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ﴾، أي: وجاءكم رسول كريم بأن أدوا إلي عباد الله وبألا تعلوا على الله، أي: لا تطغوا على ربكم فتكفروا به.
﴿إِنِّيۤ آتِيكُمْ بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ﴾، أي: بحجة ظاهرة تدل على صحة ما جئتكم به.
* *
ثم قال: ﴿وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَن تَرْجُمُونِ * وَإِن لَّمْ تُؤْمِنُواْ لِي فَٱعْتَزِلُونِ﴾، أي: قال لهم موسى": وإني اعتصمت واستعذت بربي وربكم من أن تشتمون بألسنتكم، قاله ابن عباس والضحاك.
وقال أبو صالح: أن ترجمون معناه: أن تقولوا لي شاعر (أو كاهن) أو ساحر.
وقال قتادة معناه: "أن ترجمون بالحجارة".
وقال الفراء: "الرجم - هنا - القتل". استجار بالله عز وجل واعتصم به سبحانه من أن يقتلوه.
ثم قال لهم: ﴿وَإِن لَّمْ تُؤْمِنُواْ لِي فَٱعْتَزِلُونِ﴾، أي: إذا أنتم لم تصدقون فيما أقول لكم فخلوا سبيلي (ولا تؤذون).
وقيل معناه: فدعوني كفافاً، لا عَلَيَّ ولا لي.
قال: ﴿فَدَعَا رَبَّهُ أَنَّ هَـٰؤُلاَءِ قَوْمٌ مُّجْرِمُونَ﴾، أي: فدعا موسى ربه إذ كذبوه ولم يؤمنوا وهموا بقتله. وفي الكلام حذف تتصل الفاء به. والتقدير: فكفروا فدعا ربه ولو لم يكن هذا الإضمار لم تتصل الفاء بشيء ومثله الفاء في قوله: ﴿فَأَسْرِ بِعِبَادِي﴾.
* *
قوله: ﴿أَنَّ هَـٰؤُلاَءِ﴾، أي فدعا ربه فقال إن هؤلاء قوم مجرمون لا يؤمنون بما جئتهم به.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَأَسْرِ بِعِبَادِي لَيْلاً إِنَّكُم مُّتَّبَعُونَ﴾.
في هذا الكلام حذف. والتقدير: فأجابه ربه عز وجل بأن قال له: فأسر بعبادي ليلاً، يعني: بني إسرائيل، أي: فأسر بعبادي الذين صدقوك وآمنوا بك ليلاً إنهم متبعون، أي: إن فرعون وجنوده من القبط يتبعونكم إذا سريتم من عندهم.
* *
ثم قال: ﴿وَٱتْرُكِ ٱلْبَحْرَ رَهْواً﴾، أي: إذا قطعت البحر (أنت وأصحابك) فاتركه ساكناً على حاله حين دخلته. هذا لفظه لفظ الأمر ومعناه الخبر.
لم يكن في (وسع موسى) ترك ذلك، ولم يكن الله عز وجل ليأمره بما لا يقدر عليه، فهو وعد من الله عز وجل لموسى أن يفعله له، وكأنه قال: ويبقى البحر على حاله ساكنا حتى يدخله فرعون وجنوده فيغرقون.
قال ابن عباس، معناه: واتركه طريقاً. وقال الضحاك: سهلاً.
وقال مجاهد معناه: واتركه ساكناً لا يرجع إلى ما كان عليه حتى يحصل فيه آخرهم، وهو معنى قول ابن عباس: اتركه طريقاً، وروي عن مجاهد أيضاً "رهواً": يابساً، وحكى المبرد: عيش (راهٍ، أي): خفض وادع.
قال: فمعنى رهواً: ساكناً، حتى يحصلوا فيه وهو ساكن فلا (ينفروا منه).
وقيل الرهو: المتفرق ويقال: جاء القوم رهواً، أي: على نظام واحد.
وروي أن الله جل ذكره قال هذا لموسى بعد أن قطع البحر بنو إسرائيل.
فعلى هذا القول يكون في الكلام حذف. والتقدير: فسرى موسى بعبادي ليلاً وقطع بهم البحر فقلنا له بعدما قطعه وأراد رد البحر إلى هيئته التي كان عليها قبل انفلاقه: اتركه رهواً، أي: ساكناً على حاله لا ترده إلى (هيئته الأولى) حتى يدخلوا كلهم فيه ويطمئنوا. هذا القول هو قول قتادة.
قال قتادة: لما خرج آخر بني إسرائيل أراد نبي الله موسى عليه السلام أن يضرب بالبحر بعصاه حتى يعود كما كان مخافة أن يتبعه فرعون وجنوده، فقيل له: اتركه ساكناً على حاله إنهم جند مغرقون، فغرقهم الله عز وجل في البحر.
* *
ثم قال تعالى: ﴿كَمْ تَرَكُواْ مِن جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَزُرُوعٍ﴾، أي: كم ترك آل فرعون - يعني: القبط المغرقين - من بساتين وينابيع ماء تتفجر في بساتينهم وزروع قائمة.
﴿وَمَقَامٍ كَرِيمٍ﴾، يعني: مقام الملوك والأمراء، كانوا يعظمونه ويشرفونه، يعني به المنابر، (قاله ابن عباس وقيل: هي المنازل الحسنة. ومعنى كريم: حسن).
* *
ثم قال: ﴿وَنَعْمَةٍ كَانُواْ فِيهَا فَاكِهِينَ﴾، أي: وأخرجوا من نعمة كانوا فيها متفكهين. قال قتادة: فاكهين: ناعمين. وعن ابن عباس: فاكهين: فرحين والنعمة - بالفتح - التنعم.
وقرأ أبو رجاء العطاردي والحسن "فَكِهينَ" بغير ألف، على معنى: كانوا فيها بطرين أشرين.
* *
ثم قال: ﴿كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْماً آخَرِينَ﴾، أي: هكذا فعلنا بهم أيها الناس، وأورثنا ما تركوا مما تقدم وصفه قوماً آخرين يعني: بني إسرائيل.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ ٱلسَّمَآءُ وَٱلأَرْضُ﴾، أي: ما بكى عليهم حين هلكوا بالغرق أهل السماء، ولا أهل الأرض. ثم حذف.
وقيل: إن بكاء السماء حمرة أطرافها.
قال السدي: "لما قُتل الحسين بن علي عليه السلام بكت السماء عليه وبكاؤها حمرتها". وقال عطاء: "بكاؤها: حمرة أطرافها".
وقيل: معنى ذلك أن المؤمن إذا مات بكت عليه السماء والأرض أربعين صباحاً، فأعلمنا الله عز وجل أنهم لم يكونوا مؤمنين فتبكي عليهم السماء والأرض.
وروي عن النبي ﷺ أنه قال: "بَدَأَ الإسْلاَمُ غَرِيباً وَسَيَعُودُ غَرِيباً، أَلاَ لاَ غُرْبَةَ عَلَى المُؤْمِنِ [مَا] مَاتَ مُؤْمِنٌ في غُرْبَةٍ غَابَتْ عَنْهُ فِيهَا بَوَاكِيهِ إِلاَّ بَكَتْ عَلَيْهِ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ. ثُمَّ قَرَأَ: ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ ٱلسَّمَآءُ وَٱلأَرْضُ﴾ ثم قال: إِنَّهُمَا لاَ يَبْكِيَانِ عَلَى الكَافِرِ
وممن قال أن السماء والأرض تبكيان على المؤمن ولا تبكيان على الكافر، علي بن أبي طالب (رضي الله عنه) وابن عباس والحسن والضحاك وقتادة.
قال ابن عباس: ليس أحد من الخلائق إلا له باب في السماء (ينزل منه) رزقه وفيه يصعد عمله، فإذا مات المؤمن فأغلق بابه من السماء ففقده بكى عليه، وإذا أفقده مصلاه من الأرض والموضع الذي كان يذكر الله عز وجل فيه بكى عليه. وإن قوم فرعون لم يكن لهم عمل صالح في الأرض ولا في السماء فلم يبك عليهم شيء حين هلكوا هذا معنى قوله.
* *
وقوله: ﴿وَمَا كَانُواْ مُنظَرِينَ﴾، معناه: لم يكونوا مؤخرين حين أتاهم العذاب وتم الأجل.
الدخان 44:25
قوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ ٱلْبَطْشَةَ ٱلْكُبْرَىٰ﴾ - إلى قوله - ﴿وَمَا كَانُواْ مُنظَرِينَ﴾، أي: ننتقم منكم إن عدتم إلى كفركم عند كشفنا عنكم ما أنتم فيه من الجهد يوم نبطش البطشة الكبرى، وهو يوم بدر عند أكثر المفسرين، قاله ابن مسعود وابن عباس ومجاهد والضحاك وابن زيد وأبو العالية، وهو قول وهو قول أُبي بن كعب، أمكن الله عز وجل منهم المؤمنين يوم بدر فقتلوا منهم سبعين وأسروا سبعين.
والعامل في "يوم نبطش": "منتقمون".
وقيل: العامل فيه فعل مضمر، تقديره: اذكر يا محمد يوم نبطش. وهو الأحسن، لأن الظرف لا يعمل فيه ما بعد أن عند البصريين.
وقيل التقدير: ننتقم يوم نبطش، ودل عليه "منتقمون".
وفيه أيضاً بُعْدٌ لأن ما بعد "إنَّ" لا يفسر ما قبلها كما لا يفعل (ما بعدها) فيه.
فإضمار "اذكر" أحسن الوجوه، وذلك أن الله جل ذكره كشف عنهم ما كانوا فيه من الجهد فعادوا إلى كفرهم فأهلكهم قتلا بالسيف يوم بدر. فيكون العامل في "يوم نبطش" فعلاً مضمراً يفسره "إنا منتقمون".
ولا يحسن أن يعمل فيه "منتقمون"، لأن ما بعد "أن" لا يعمل فيما قبلها. ويجوز أن يكون العامل "اذكر" مضمرة.
وقال عكرمة: البطشة الكبرى هي بطشة الله عز وجل بأعدائه يوم القيامة.
وكذلك روى قتادة عن الحسن.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ﴾، أي اختبرناهم وابتليناهم قبل مشركي قومك يا محمد.
﴿وَجَآءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ﴾ يعني موسى ﷺ أي "كريم عند ربه عز وجل. وقيل كريم من قومه. وقيل: الفتنة في هذا العذاب.
وفي الكلام تقدير وتأخير، والتقدير، ولقد جاء قوم فرعون رسول كريم.
وفتناهم، أي: عذبناهم بالغرق، لأن العذاب - وهو الغرق - كان بعد مجيء موسى إليهم وإنذاره إياهم وكفرهم
* *
ثم قال تعالى: ﴿أَنْ أَدُّوۤاْ إِلَيَّ عِبَادَ ٱللَّهِ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ﴾.
قال ابن عباس معناه: (أن اتبعوني) إلى ما أدعوكم إليه يا عباد الله فيكون "عباد": نصب على النداء المضاف على هذا القول.
وقال مجاهد معناه: أن أرسلوا معي عباد الله وخلوا سبيلهم، يعني بني إسرائيل. فينتصب "عباد" على أنه مفعول به "بأدوا" على هذا القول.
قال قتادة: قال موسى لفرعون: (على من) تحبس هؤلاء القوم، قوما أحراراً (اتخدتهم عبيداً، خَلِّ) سبيلهم.
قال ابن زيد معناه: أرسل عباد الله معي، يعني بني إسرائيل، وهو مثل قوله: ﴿فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ وَلاَ تُعَذِّبْهُمْ﴾ [طه: ٤٧].
وقيل التقدير: وجاءهم رسول أمين يقول لهم: أدوا إِليِّ عباد الله أي: خلوا سبيلهم إني لكم رسول من الله إليكم، أنذركم بأسه إن لم تؤمنوا، أمين على وحيه ورسالته إليكم.
* *
ثم قال: ﴿وَأَن لاَّ تَعْلُواْ عَلَى ٱللَّهِ إِنِّيۤ آتِيكُمْ بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ﴾، أي: وجاءكم رسول كريم بأن أدوا إلي عباد الله وبألا تعلوا على الله، أي: لا تطغوا على ربكم فتكفروا به.
﴿إِنِّيۤ آتِيكُمْ بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ﴾، أي: بحجة ظاهرة تدل على صحة ما جئتكم به.
* *
ثم قال: ﴿وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَن تَرْجُمُونِ * وَإِن لَّمْ تُؤْمِنُواْ لِي فَٱعْتَزِلُونِ﴾، أي: قال لهم موسى": وإني اعتصمت واستعذت بربي وربكم من أن تشتمون بألسنتكم، قاله ابن عباس والضحاك.
وقال أبو صالح: أن ترجمون معناه: أن تقولوا لي شاعر (أو كاهن) أو ساحر.
وقال قتادة معناه: "أن ترجمون بالحجارة".
وقال الفراء: "الرجم - هنا - القتل". استجار بالله عز وجل واعتصم به سبحانه من أن يقتلوه.
ثم قال لهم: ﴿وَإِن لَّمْ تُؤْمِنُواْ لِي فَٱعْتَزِلُونِ﴾، أي: إذا أنتم لم تصدقون فيما أقول لكم فخلوا سبيلي (ولا تؤذون).
وقيل معناه: فدعوني كفافاً، لا عَلَيَّ ولا لي.
قال: ﴿فَدَعَا رَبَّهُ أَنَّ هَـٰؤُلاَءِ قَوْمٌ مُّجْرِمُونَ﴾، أي: فدعا موسى ربه إذ كذبوه ولم يؤمنوا وهموا بقتله. وفي الكلام حذف تتصل الفاء به. والتقدير: فكفروا فدعا ربه ولو لم يكن هذا الإضمار لم تتصل الفاء بشيء ومثله الفاء في قوله: ﴿فَأَسْرِ بِعِبَادِي﴾.
* *
قوله: ﴿أَنَّ هَـٰؤُلاَءِ﴾، أي فدعا ربه فقال إن هؤلاء قوم مجرمون لا يؤمنون بما جئتهم به.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَأَسْرِ بِعِبَادِي لَيْلاً إِنَّكُم مُّتَّبَعُونَ﴾.
في هذا الكلام حذف. والتقدير: فأجابه ربه عز وجل بأن قال له: فأسر بعبادي ليلاً، يعني: بني إسرائيل، أي: فأسر بعبادي الذين صدقوك وآمنوا بك ليلاً إنهم متبعون، أي: إن فرعون وجنوده من القبط يتبعونكم إذا سريتم من عندهم.
* *
ثم قال: ﴿وَٱتْرُكِ ٱلْبَحْرَ رَهْواً﴾، أي: إذا قطعت البحر (أنت وأصحابك) فاتركه ساكناً على حاله حين دخلته. هذا لفظه لفظ الأمر ومعناه الخبر.
لم يكن في (وسع موسى) ترك ذلك، ولم يكن الله عز وجل ليأمره بما لا يقدر عليه، فهو وعد من الله عز وجل لموسى أن يفعله له، وكأنه قال: ويبقى البحر على حاله ساكنا حتى يدخله فرعون وجنوده فيغرقون.
قال ابن عباس، معناه: واتركه طريقاً. وقال الضحاك: سهلاً.
وقال مجاهد معناه: واتركه ساكناً لا يرجع إلى ما كان عليه حتى يحصل فيه آخرهم، وهو معنى قول ابن عباس: اتركه طريقاً، وروي عن مجاهد أيضاً "رهواً": يابساً، وحكى المبرد: عيش (راهٍ، أي): خفض وادع.
قال: فمعنى رهواً: ساكناً، حتى يحصلوا فيه وهو ساكن فلا (ينفروا منه).
وقيل الرهو: المتفرق ويقال: جاء القوم رهواً، أي: على نظام واحد.
وروي أن الله جل ذكره قال هذا لموسى بعد أن قطع البحر بنو إسرائيل.
فعلى هذا القول يكون في الكلام حذف. والتقدير: فسرى موسى بعبادي ليلاً وقطع بهم البحر فقلنا له بعدما قطعه وأراد رد البحر إلى هيئته التي كان عليها قبل انفلاقه: اتركه رهواً، أي: ساكناً على حاله لا ترده إلى (هيئته الأولى) حتى يدخلوا كلهم فيه ويطمئنوا. هذا القول هو قول قتادة.
قال قتادة: لما خرج آخر بني إسرائيل أراد نبي الله موسى عليه السلام أن يضرب بالبحر بعصاه حتى يعود كما كان مخافة أن يتبعه فرعون وجنوده، فقيل له: اتركه ساكناً على حاله إنهم جند مغرقون، فغرقهم الله عز وجل في البحر.
* *
ثم قال تعالى: ﴿كَمْ تَرَكُواْ مِن جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَزُرُوعٍ﴾، أي: كم ترك آل فرعون - يعني: القبط المغرقين - من بساتين وينابيع ماء تتفجر في بساتينهم وزروع قائمة.
﴿وَمَقَامٍ كَرِيمٍ﴾، يعني: مقام الملوك والأمراء، كانوا يعظمونه ويشرفونه، يعني به المنابر، (قاله ابن عباس وقيل: هي المنازل الحسنة. ومعنى كريم: حسن).
* *
ثم قال: ﴿وَنَعْمَةٍ كَانُواْ فِيهَا فَاكِهِينَ﴾، أي: وأخرجوا من نعمة كانوا فيها متفكهين. قال قتادة: فاكهين: ناعمين. وعن ابن عباس: فاكهين: فرحين والنعمة - بالفتح - التنعم.
وقرأ أبو رجاء العطاردي والحسن "فَكِهينَ" بغير ألف، على معنى: كانوا فيها بطرين أشرين.
* *
ثم قال: ﴿كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْماً آخَرِينَ﴾، أي: هكذا فعلنا بهم أيها الناس، وأورثنا ما تركوا مما تقدم وصفه قوماً آخرين يعني: بني إسرائيل.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ ٱلسَّمَآءُ وَٱلأَرْضُ﴾، أي: ما بكى عليهم حين هلكوا بالغرق أهل السماء، ولا أهل الأرض. ثم حذف.
وقيل: إن بكاء السماء حمرة أطرافها.
قال السدي: "لما قُتل الحسين بن علي عليه السلام بكت السماء عليه وبكاؤها حمرتها". وقال عطاء: "بكاؤها: حمرة أطرافها".
وقيل: معنى ذلك أن المؤمن إذا مات بكت عليه السماء والأرض أربعين صباحاً، فأعلمنا الله عز وجل أنهم لم يكونوا مؤمنين فتبكي عليهم السماء والأرض.
وروي عن النبي ﷺ أنه قال: "بَدَأَ الإسْلاَمُ غَرِيباً وَسَيَعُودُ غَرِيباً، أَلاَ لاَ غُرْبَةَ عَلَى المُؤْمِنِ [مَا] مَاتَ مُؤْمِنٌ في غُرْبَةٍ غَابَتْ عَنْهُ فِيهَا بَوَاكِيهِ إِلاَّ بَكَتْ عَلَيْهِ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ. ثُمَّ قَرَأَ: ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ ٱلسَّمَآءُ وَٱلأَرْضُ﴾ ثم قال: إِنَّهُمَا لاَ يَبْكِيَانِ عَلَى الكَافِرِ
وممن قال أن السماء والأرض تبكيان على المؤمن ولا تبكيان على الكافر، علي بن أبي طالب (رضي الله عنه) وابن عباس والحسن والضحاك وقتادة.
قال ابن عباس: ليس أحد من الخلائق إلا له باب في السماء (ينزل منه) رزقه وفيه يصعد عمله، فإذا مات المؤمن فأغلق بابه من السماء ففقده بكى عليه، وإذا أفقده مصلاه من الأرض والموضع الذي كان يذكر الله عز وجل فيه بكى عليه. وإن قوم فرعون لم يكن لهم عمل صالح في الأرض ولا في السماء فلم يبك عليهم شيء حين هلكوا هذا معنى قوله.
* *
وقوله: ﴿وَمَا كَانُواْ مُنظَرِينَ﴾، معناه: لم يكونوا مؤخرين حين أتاهم العذاب وتم الأجل.
الدخان 44:26
قوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ ٱلْبَطْشَةَ ٱلْكُبْرَىٰ﴾ - إلى قوله - ﴿وَمَا كَانُواْ مُنظَرِينَ﴾، أي: ننتقم منكم إن عدتم إلى كفركم عند كشفنا عنكم ما أنتم فيه من الجهد يوم نبطش البطشة الكبرى، وهو يوم بدر عند أكثر المفسرين، قاله ابن مسعود وابن عباس ومجاهد والضحاك وابن زيد وأبو العالية، وهو قول وهو قول أُبي بن كعب، أمكن الله عز وجل منهم المؤمنين يوم بدر فقتلوا منهم سبعين وأسروا سبعين.
والعامل في "يوم نبطش": "منتقمون".
وقيل: العامل فيه فعل مضمر، تقديره: اذكر يا محمد يوم نبطش. وهو الأحسن، لأن الظرف لا يعمل فيه ما بعد أن عند البصريين.
وقيل التقدير: ننتقم يوم نبطش، ودل عليه "منتقمون".
وفيه أيضاً بُعْدٌ لأن ما بعد "إنَّ" لا يفسر ما قبلها كما لا يفعل (ما بعدها) فيه.
فإضمار "اذكر" أحسن الوجوه، وذلك أن الله جل ذكره كشف عنهم ما كانوا فيه من الجهد فعادوا إلى كفرهم فأهلكهم قتلا بالسيف يوم بدر. فيكون العامل في "يوم نبطش" فعلاً مضمراً يفسره "إنا منتقمون".
ولا يحسن أن يعمل فيه "منتقمون"، لأن ما بعد "أن" لا يعمل فيما قبلها. ويجوز أن يكون العامل "اذكر" مضمرة.
وقال عكرمة: البطشة الكبرى هي بطشة الله عز وجل بأعدائه يوم القيامة.
وكذلك روى قتادة عن الحسن.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ﴾، أي اختبرناهم وابتليناهم قبل مشركي قومك يا محمد.
﴿وَجَآءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ﴾ يعني موسى ﷺ أي "كريم عند ربه عز وجل. وقيل كريم من قومه. وقيل: الفتنة في هذا العذاب.
وفي الكلام تقدير وتأخير، والتقدير، ولقد جاء قوم فرعون رسول كريم.
وفتناهم، أي: عذبناهم بالغرق، لأن العذاب - وهو الغرق - كان بعد مجيء موسى إليهم وإنذاره إياهم وكفرهم
* *
ثم قال تعالى: ﴿أَنْ أَدُّوۤاْ إِلَيَّ عِبَادَ ٱللَّهِ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ﴾.
قال ابن عباس معناه: (أن اتبعوني) إلى ما أدعوكم إليه يا عباد الله فيكون "عباد": نصب على النداء المضاف على هذا القول.
وقال مجاهد معناه: أن أرسلوا معي عباد الله وخلوا سبيلهم، يعني بني إسرائيل. فينتصب "عباد" على أنه مفعول به "بأدوا" على هذا القول.
قال قتادة: قال موسى لفرعون: (على من) تحبس هؤلاء القوم، قوما أحراراً (اتخدتهم عبيداً، خَلِّ) سبيلهم.
قال ابن زيد معناه: أرسل عباد الله معي، يعني بني إسرائيل، وهو مثل قوله: ﴿فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ وَلاَ تُعَذِّبْهُمْ﴾ [طه: ٤٧].
وقيل التقدير: وجاءهم رسول أمين يقول لهم: أدوا إِليِّ عباد الله أي: خلوا سبيلهم إني لكم رسول من الله إليكم، أنذركم بأسه إن لم تؤمنوا، أمين على وحيه ورسالته إليكم.
* *
ثم قال: ﴿وَأَن لاَّ تَعْلُواْ عَلَى ٱللَّهِ إِنِّيۤ آتِيكُمْ بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ﴾، أي: وجاءكم رسول كريم بأن أدوا إلي عباد الله وبألا تعلوا على الله، أي: لا تطغوا على ربكم فتكفروا به.
﴿إِنِّيۤ آتِيكُمْ بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ﴾، أي: بحجة ظاهرة تدل على صحة ما جئتكم به.
* *
ثم قال: ﴿وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَن تَرْجُمُونِ * وَإِن لَّمْ تُؤْمِنُواْ لِي فَٱعْتَزِلُونِ﴾، أي: قال لهم موسى": وإني اعتصمت واستعذت بربي وربكم من أن تشتمون بألسنتكم، قاله ابن عباس والضحاك.
وقال أبو صالح: أن ترجمون معناه: أن تقولوا لي شاعر (أو كاهن) أو ساحر.
وقال قتادة معناه: "أن ترجمون بالحجارة".
وقال الفراء: "الرجم - هنا - القتل". استجار بالله عز وجل واعتصم به سبحانه من أن يقتلوه.
ثم قال لهم: ﴿وَإِن لَّمْ تُؤْمِنُواْ لِي فَٱعْتَزِلُونِ﴾، أي: إذا أنتم لم تصدقون فيما أقول لكم فخلوا سبيلي (ولا تؤذون).
وقيل معناه: فدعوني كفافاً، لا عَلَيَّ ولا لي.
قال: ﴿فَدَعَا رَبَّهُ أَنَّ هَـٰؤُلاَءِ قَوْمٌ مُّجْرِمُونَ﴾، أي: فدعا موسى ربه إذ كذبوه ولم يؤمنوا وهموا بقتله. وفي الكلام حذف تتصل الفاء به. والتقدير: فكفروا فدعا ربه ولو لم يكن هذا الإضمار لم تتصل الفاء بشيء ومثله الفاء في قوله: ﴿فَأَسْرِ بِعِبَادِي﴾.
* *
قوله: ﴿أَنَّ هَـٰؤُلاَءِ﴾، أي فدعا ربه فقال إن هؤلاء قوم مجرمون لا يؤمنون بما جئتهم به.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَأَسْرِ بِعِبَادِي لَيْلاً إِنَّكُم مُّتَّبَعُونَ﴾.
في هذا الكلام حذف. والتقدير: فأجابه ربه عز وجل بأن قال له: فأسر بعبادي ليلاً، يعني: بني إسرائيل، أي: فأسر بعبادي الذين صدقوك وآمنوا بك ليلاً إنهم متبعون، أي: إن فرعون وجنوده من القبط يتبعونكم إذا سريتم من عندهم.
* *
ثم قال: ﴿وَٱتْرُكِ ٱلْبَحْرَ رَهْواً﴾، أي: إذا قطعت البحر (أنت وأصحابك) فاتركه ساكناً على حاله حين دخلته. هذا لفظه لفظ الأمر ومعناه الخبر.
لم يكن في (وسع موسى) ترك ذلك، ولم يكن الله عز وجل ليأمره بما لا يقدر عليه، فهو وعد من الله عز وجل لموسى أن يفعله له، وكأنه قال: ويبقى البحر على حاله ساكنا حتى يدخله فرعون وجنوده فيغرقون.
قال ابن عباس، معناه: واتركه طريقاً. وقال الضحاك: سهلاً.
وقال مجاهد معناه: واتركه ساكناً لا يرجع إلى ما كان عليه حتى يحصل فيه آخرهم، وهو معنى قول ابن عباس: اتركه طريقاً، وروي عن مجاهد أيضاً "رهواً": يابساً، وحكى المبرد: عيش (راهٍ، أي): خفض وادع.
قال: فمعنى رهواً: ساكناً، حتى يحصلوا فيه وهو ساكن فلا (ينفروا منه).
وقيل الرهو: المتفرق ويقال: جاء القوم رهواً، أي: على نظام واحد.
وروي أن الله جل ذكره قال هذا لموسى بعد أن قطع البحر بنو إسرائيل.
فعلى هذا القول يكون في الكلام حذف. والتقدير: فسرى موسى بعبادي ليلاً وقطع بهم البحر فقلنا له بعدما قطعه وأراد رد البحر إلى هيئته التي كان عليها قبل انفلاقه: اتركه رهواً، أي: ساكناً على حاله لا ترده إلى (هيئته الأولى) حتى يدخلوا كلهم فيه ويطمئنوا. هذا القول هو قول قتادة.
قال قتادة: لما خرج آخر بني إسرائيل أراد نبي الله موسى عليه السلام أن يضرب بالبحر بعصاه حتى يعود كما كان مخافة أن يتبعه فرعون وجنوده، فقيل له: اتركه ساكناً على حاله إنهم جند مغرقون، فغرقهم الله عز وجل في البحر.
* *
ثم قال تعالى: ﴿كَمْ تَرَكُواْ مِن جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَزُرُوعٍ﴾، أي: كم ترك آل فرعون - يعني: القبط المغرقين - من بساتين وينابيع ماء تتفجر في بساتينهم وزروع قائمة.
﴿وَمَقَامٍ كَرِيمٍ﴾، يعني: مقام الملوك والأمراء، كانوا يعظمونه ويشرفونه، يعني به المنابر، (قاله ابن عباس وقيل: هي المنازل الحسنة. ومعنى كريم: حسن).
* *
ثم قال: ﴿وَنَعْمَةٍ كَانُواْ فِيهَا فَاكِهِينَ﴾، أي: وأخرجوا من نعمة كانوا فيها متفكهين. قال قتادة: فاكهين: ناعمين. وعن ابن عباس: فاكهين: فرحين والنعمة - بالفتح - التنعم.
وقرأ أبو رجاء العطاردي والحسن "فَكِهينَ" بغير ألف، على معنى: كانوا فيها بطرين أشرين.
* *
ثم قال: ﴿كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْماً آخَرِينَ﴾، أي: هكذا فعلنا بهم أيها الناس، وأورثنا ما تركوا مما تقدم وصفه قوماً آخرين يعني: بني إسرائيل.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ ٱلسَّمَآءُ وَٱلأَرْضُ﴾، أي: ما بكى عليهم حين هلكوا بالغرق أهل السماء، ولا أهل الأرض. ثم حذف.
وقيل: إن بكاء السماء حمرة أطرافها.
قال السدي: "لما قُتل الحسين بن علي عليه السلام بكت السماء عليه وبكاؤها حمرتها". وقال عطاء: "بكاؤها: حمرة أطرافها".
وقيل: معنى ذلك أن المؤمن إذا مات بكت عليه السماء والأرض أربعين صباحاً، فأعلمنا الله عز وجل أنهم لم يكونوا مؤمنين فتبكي عليهم السماء والأرض.
وروي عن النبي ﷺ أنه قال: "بَدَأَ الإسْلاَمُ غَرِيباً وَسَيَعُودُ غَرِيباً، أَلاَ لاَ غُرْبَةَ عَلَى المُؤْمِنِ [مَا] مَاتَ مُؤْمِنٌ في غُرْبَةٍ غَابَتْ عَنْهُ فِيهَا بَوَاكِيهِ إِلاَّ بَكَتْ عَلَيْهِ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ. ثُمَّ قَرَأَ: ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ ٱلسَّمَآءُ وَٱلأَرْضُ﴾ ثم قال: إِنَّهُمَا لاَ يَبْكِيَانِ عَلَى الكَافِرِ
وممن قال أن السماء والأرض تبكيان على المؤمن ولا تبكيان على الكافر، علي بن أبي طالب (رضي الله عنه) وابن عباس والحسن والضحاك وقتادة.
قال ابن عباس: ليس أحد من الخلائق إلا له باب في السماء (ينزل منه) رزقه وفيه يصعد عمله، فإذا مات المؤمن فأغلق بابه من السماء ففقده بكى عليه، وإذا أفقده مصلاه من الأرض والموضع الذي كان يذكر الله عز وجل فيه بكى عليه. وإن قوم فرعون لم يكن لهم عمل صالح في الأرض ولا في السماء فلم يبك عليهم شيء حين هلكوا هذا معنى قوله.
* *
وقوله: ﴿وَمَا كَانُواْ مُنظَرِينَ﴾، معناه: لم يكونوا مؤخرين حين أتاهم العذاب وتم الأجل.
الدخان 44:27
قوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ ٱلْبَطْشَةَ ٱلْكُبْرَىٰ﴾ - إلى قوله - ﴿وَمَا كَانُواْ مُنظَرِينَ﴾، أي: ننتقم منكم إن عدتم إلى كفركم عند كشفنا عنكم ما أنتم فيه من الجهد يوم نبطش البطشة الكبرى، وهو يوم بدر عند أكثر المفسرين، قاله ابن مسعود وابن عباس ومجاهد والضحاك وابن زيد وأبو العالية، وهو قول وهو قول أُبي بن كعب، أمكن الله عز وجل منهم المؤمنين يوم بدر فقتلوا منهم سبعين وأسروا سبعين.
والعامل في "يوم نبطش": "منتقمون".
وقيل: العامل فيه فعل مضمر، تقديره: اذكر يا محمد يوم نبطش. وهو الأحسن، لأن الظرف لا يعمل فيه ما بعد أن عند البصريين.
وقيل التقدير: ننتقم يوم نبطش، ودل عليه "منتقمون".
وفيه أيضاً بُعْدٌ لأن ما بعد "إنَّ" لا يفسر ما قبلها كما لا يفعل (ما بعدها) فيه.
فإضمار "اذكر" أحسن الوجوه، وذلك أن الله جل ذكره كشف عنهم ما كانوا فيه من الجهد فعادوا إلى كفرهم فأهلكهم قتلا بالسيف يوم بدر. فيكون العامل في "يوم نبطش" فعلاً مضمراً يفسره "إنا منتقمون".
ولا يحسن أن يعمل فيه "منتقمون"، لأن ما بعد "أن" لا يعمل فيما قبلها. ويجوز أن يكون العامل "اذكر" مضمرة.
وقال عكرمة: البطشة الكبرى هي بطشة الله عز وجل بأعدائه يوم القيامة.
وكذلك روى قتادة عن الحسن.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ﴾، أي اختبرناهم وابتليناهم قبل مشركي قومك يا محمد.
﴿وَجَآءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ﴾ يعني موسى ﷺ أي "كريم عند ربه عز وجل. وقيل كريم من قومه. وقيل: الفتنة في هذا العذاب.
وفي الكلام تقدير وتأخير، والتقدير، ولقد جاء قوم فرعون رسول كريم.
وفتناهم، أي: عذبناهم بالغرق، لأن العذاب - وهو الغرق - كان بعد مجيء موسى إليهم وإنذاره إياهم وكفرهم
* *
ثم قال تعالى: ﴿أَنْ أَدُّوۤاْ إِلَيَّ عِبَادَ ٱللَّهِ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ﴾.
قال ابن عباس معناه: (أن اتبعوني) إلى ما أدعوكم إليه يا عباد الله فيكون "عباد": نصب على النداء المضاف على هذا القول.
وقال مجاهد معناه: أن أرسلوا معي عباد الله وخلوا سبيلهم، يعني بني إسرائيل. فينتصب "عباد" على أنه مفعول به "بأدوا" على هذا القول.
قال قتادة: قال موسى لفرعون: (على من) تحبس هؤلاء القوم، قوما أحراراً (اتخدتهم عبيداً، خَلِّ) سبيلهم.
قال ابن زيد معناه: أرسل عباد الله معي، يعني بني إسرائيل، وهو مثل قوله: ﴿فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ وَلاَ تُعَذِّبْهُمْ﴾ [طه: ٤٧].
وقيل التقدير: وجاءهم رسول أمين يقول لهم: أدوا إِليِّ عباد الله أي: خلوا سبيلهم إني لكم رسول من الله إليكم، أنذركم بأسه إن لم تؤمنوا، أمين على وحيه ورسالته إليكم.
* *
ثم قال: ﴿وَأَن لاَّ تَعْلُواْ عَلَى ٱللَّهِ إِنِّيۤ آتِيكُمْ بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ﴾، أي: وجاءكم رسول كريم بأن أدوا إلي عباد الله وبألا تعلوا على الله، أي: لا تطغوا على ربكم فتكفروا به.
﴿إِنِّيۤ آتِيكُمْ بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ﴾، أي: بحجة ظاهرة تدل على صحة ما جئتكم به.
* *
ثم قال: ﴿وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَن تَرْجُمُونِ * وَإِن لَّمْ تُؤْمِنُواْ لِي فَٱعْتَزِلُونِ﴾، أي: قال لهم موسى": وإني اعتصمت واستعذت بربي وربكم من أن تشتمون بألسنتكم، قاله ابن عباس والضحاك.
وقال أبو صالح: أن ترجمون معناه: أن تقولوا لي شاعر (أو كاهن) أو ساحر.
وقال قتادة معناه: "أن ترجمون بالحجارة".
وقال الفراء: "الرجم - هنا - القتل". استجار بالله عز وجل واعتصم به سبحانه من أن يقتلوه.
ثم قال لهم: ﴿وَإِن لَّمْ تُؤْمِنُواْ لِي فَٱعْتَزِلُونِ﴾، أي: إذا أنتم لم تصدقون فيما أقول لكم فخلوا سبيلي (ولا تؤذون).
وقيل معناه: فدعوني كفافاً، لا عَلَيَّ ولا لي.
قال: ﴿فَدَعَا رَبَّهُ أَنَّ هَـٰؤُلاَءِ قَوْمٌ مُّجْرِمُونَ﴾، أي: فدعا موسى ربه إذ كذبوه ولم يؤمنوا وهموا بقتله. وفي الكلام حذف تتصل الفاء به. والتقدير: فكفروا فدعا ربه ولو لم يكن هذا الإضمار لم تتصل الفاء بشيء ومثله الفاء في قوله: ﴿فَأَسْرِ بِعِبَادِي﴾.
* *
قوله: ﴿أَنَّ هَـٰؤُلاَءِ﴾، أي فدعا ربه فقال إن هؤلاء قوم مجرمون لا يؤمنون بما جئتهم به.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَأَسْرِ بِعِبَادِي لَيْلاً إِنَّكُم مُّتَّبَعُونَ﴾.
في هذا الكلام حذف. والتقدير: فأجابه ربه عز وجل بأن قال له: فأسر بعبادي ليلاً، يعني: بني إسرائيل، أي: فأسر بعبادي الذين صدقوك وآمنوا بك ليلاً إنهم متبعون، أي: إن فرعون وجنوده من القبط يتبعونكم إذا سريتم من عندهم.
* *
ثم قال: ﴿وَٱتْرُكِ ٱلْبَحْرَ رَهْواً﴾، أي: إذا قطعت البحر (أنت وأصحابك) فاتركه ساكناً على حاله حين دخلته. هذا لفظه لفظ الأمر ومعناه الخبر.
لم يكن في (وسع موسى) ترك ذلك، ولم يكن الله عز وجل ليأمره بما لا يقدر عليه، فهو وعد من الله عز وجل لموسى أن يفعله له، وكأنه قال: ويبقى البحر على حاله ساكنا حتى يدخله فرعون وجنوده فيغرقون.
قال ابن عباس، معناه: واتركه طريقاً. وقال الضحاك: سهلاً.
وقال مجاهد معناه: واتركه ساكناً لا يرجع إلى ما كان عليه حتى يحصل فيه آخرهم، وهو معنى قول ابن عباس: اتركه طريقاً، وروي عن مجاهد أيضاً "رهواً": يابساً، وحكى المبرد: عيش (راهٍ، أي): خفض وادع.
قال: فمعنى رهواً: ساكناً، حتى يحصلوا فيه وهو ساكن فلا (ينفروا منه).
وقيل الرهو: المتفرق ويقال: جاء القوم رهواً، أي: على نظام واحد.
وروي أن الله جل ذكره قال هذا لموسى بعد أن قطع البحر بنو إسرائيل.
فعلى هذا القول يكون في الكلام حذف. والتقدير: فسرى موسى بعبادي ليلاً وقطع بهم البحر فقلنا له بعدما قطعه وأراد رد البحر إلى هيئته التي كان عليها قبل انفلاقه: اتركه رهواً، أي: ساكناً على حاله لا ترده إلى (هيئته الأولى) حتى يدخلوا كلهم فيه ويطمئنوا. هذا القول هو قول قتادة.
قال قتادة: لما خرج آخر بني إسرائيل أراد نبي الله موسى عليه السلام أن يضرب بالبحر بعصاه حتى يعود كما كان مخافة أن يتبعه فرعون وجنوده، فقيل له: اتركه ساكناً على حاله إنهم جند مغرقون، فغرقهم الله عز وجل في البحر.
* *
ثم قال تعالى: ﴿كَمْ تَرَكُواْ مِن جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَزُرُوعٍ﴾، أي: كم ترك آل فرعون - يعني: القبط المغرقين - من بساتين وينابيع ماء تتفجر في بساتينهم وزروع قائمة.
﴿وَمَقَامٍ كَرِيمٍ﴾، يعني: مقام الملوك والأمراء، كانوا يعظمونه ويشرفونه، يعني به المنابر، (قاله ابن عباس وقيل: هي المنازل الحسنة. ومعنى كريم: حسن).
* *
ثم قال: ﴿وَنَعْمَةٍ كَانُواْ فِيهَا فَاكِهِينَ﴾، أي: وأخرجوا من نعمة كانوا فيها متفكهين. قال قتادة: فاكهين: ناعمين. وعن ابن عباس: فاكهين: فرحين والنعمة - بالفتح - التنعم.
وقرأ أبو رجاء العطاردي والحسن "فَكِهينَ" بغير ألف، على معنى: كانوا فيها بطرين أشرين.
* *
ثم قال: ﴿كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْماً آخَرِينَ﴾، أي: هكذا فعلنا بهم أيها الناس، وأورثنا ما تركوا مما تقدم وصفه قوماً آخرين يعني: بني إسرائيل.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ ٱلسَّمَآءُ وَٱلأَرْضُ﴾، أي: ما بكى عليهم حين هلكوا بالغرق أهل السماء، ولا أهل الأرض. ثم حذف.
وقيل: إن بكاء السماء حمرة أطرافها.
قال السدي: "لما قُتل الحسين بن علي عليه السلام بكت السماء عليه وبكاؤها حمرتها". وقال عطاء: "بكاؤها: حمرة أطرافها".
وقيل: معنى ذلك أن المؤمن إذا مات بكت عليه السماء والأرض أربعين صباحاً، فأعلمنا الله عز وجل أنهم لم يكونوا مؤمنين فتبكي عليهم السماء والأرض.
وروي عن النبي ﷺ أنه قال: "بَدَأَ الإسْلاَمُ غَرِيباً وَسَيَعُودُ غَرِيباً، أَلاَ لاَ غُرْبَةَ عَلَى المُؤْمِنِ [مَا] مَاتَ مُؤْمِنٌ في غُرْبَةٍ غَابَتْ عَنْهُ فِيهَا بَوَاكِيهِ إِلاَّ بَكَتْ عَلَيْهِ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ. ثُمَّ قَرَأَ: ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ ٱلسَّمَآءُ وَٱلأَرْضُ﴾ ثم قال: إِنَّهُمَا لاَ يَبْكِيَانِ عَلَى الكَافِرِ
وممن قال أن السماء والأرض تبكيان على المؤمن ولا تبكيان على الكافر، علي بن أبي طالب (رضي الله عنه) وابن عباس والحسن والضحاك وقتادة.
قال ابن عباس: ليس أحد من الخلائق إلا له باب في السماء (ينزل منه) رزقه وفيه يصعد عمله، فإذا مات المؤمن فأغلق بابه من السماء ففقده بكى عليه، وإذا أفقده مصلاه من الأرض والموضع الذي كان يذكر الله عز وجل فيه بكى عليه. وإن قوم فرعون لم يكن لهم عمل صالح في الأرض ولا في السماء فلم يبك عليهم شيء حين هلكوا هذا معنى قوله.
* *
وقوله: ﴿وَمَا كَانُواْ مُنظَرِينَ﴾، معناه: لم يكونوا مؤخرين حين أتاهم العذاب وتم الأجل.
الدخان 44:28
قوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ ٱلْبَطْشَةَ ٱلْكُبْرَىٰ﴾ - إلى قوله - ﴿وَمَا كَانُواْ مُنظَرِينَ﴾، أي: ننتقم منكم إن عدتم إلى كفركم عند كشفنا عنكم ما أنتم فيه من الجهد يوم نبطش البطشة الكبرى، وهو يوم بدر عند أكثر المفسرين، قاله ابن مسعود وابن عباس ومجاهد والضحاك وابن زيد وأبو العالية، وهو قول وهو قول أُبي بن كعب، أمكن الله عز وجل منهم المؤمنين يوم بدر فقتلوا منهم سبعين وأسروا سبعين.
والعامل في "يوم نبطش": "منتقمون".
وقيل: العامل فيه فعل مضمر، تقديره: اذكر يا محمد يوم نبطش. وهو الأحسن، لأن الظرف لا يعمل فيه ما بعد أن عند البصريين.
وقيل التقدير: ننتقم يوم نبطش، ودل عليه "منتقمون".
وفيه أيضاً بُعْدٌ لأن ما بعد "إنَّ" لا يفسر ما قبلها كما لا يفعل (ما بعدها) فيه.
فإضمار "اذكر" أحسن الوجوه، وذلك أن الله جل ذكره كشف عنهم ما كانوا فيه من الجهد فعادوا إلى كفرهم فأهلكهم قتلا بالسيف يوم بدر. فيكون العامل في "يوم نبطش" فعلاً مضمراً يفسره "إنا منتقمون".
ولا يحسن أن يعمل فيه "منتقمون"، لأن ما بعد "أن" لا يعمل فيما قبلها. ويجوز أن يكون العامل "اذكر" مضمرة.
وقال عكرمة: البطشة الكبرى هي بطشة الله عز وجل بأعدائه يوم القيامة.
وكذلك روى قتادة عن الحسن.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ﴾، أي اختبرناهم وابتليناهم قبل مشركي قومك يا محمد.
﴿وَجَآءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ﴾ يعني موسى ﷺ أي "كريم عند ربه عز وجل. وقيل كريم من قومه. وقيل: الفتنة في هذا العذاب.
وفي الكلام تقدير وتأخير، والتقدير، ولقد جاء قوم فرعون رسول كريم.
وفتناهم، أي: عذبناهم بالغرق، لأن العذاب - وهو الغرق - كان بعد مجيء موسى إليهم وإنذاره إياهم وكفرهم
* *
ثم قال تعالى: ﴿أَنْ أَدُّوۤاْ إِلَيَّ عِبَادَ ٱللَّهِ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ﴾.
قال ابن عباس معناه: (أن اتبعوني) إلى ما أدعوكم إليه يا عباد الله فيكون "عباد": نصب على النداء المضاف على هذا القول.
وقال مجاهد معناه: أن أرسلوا معي عباد الله وخلوا سبيلهم، يعني بني إسرائيل. فينتصب "عباد" على أنه مفعول به "بأدوا" على هذا القول.
قال قتادة: قال موسى لفرعون: (على من) تحبس هؤلاء القوم، قوما أحراراً (اتخدتهم عبيداً، خَلِّ) سبيلهم.
قال ابن زيد معناه: أرسل عباد الله معي، يعني بني إسرائيل، وهو مثل قوله: ﴿فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ وَلاَ تُعَذِّبْهُمْ﴾ [طه: ٤٧].
وقيل التقدير: وجاءهم رسول أمين يقول لهم: أدوا إِليِّ عباد الله أي: خلوا سبيلهم إني لكم رسول من الله إليكم، أنذركم بأسه إن لم تؤمنوا، أمين على وحيه ورسالته إليكم.
* *
ثم قال: ﴿وَأَن لاَّ تَعْلُواْ عَلَى ٱللَّهِ إِنِّيۤ آتِيكُمْ بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ﴾، أي: وجاءكم رسول كريم بأن أدوا إلي عباد الله وبألا تعلوا على الله، أي: لا تطغوا على ربكم فتكفروا به.
﴿إِنِّيۤ آتِيكُمْ بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ﴾، أي: بحجة ظاهرة تدل على صحة ما جئتكم به.
* *
ثم قال: ﴿وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَن تَرْجُمُونِ * وَإِن لَّمْ تُؤْمِنُواْ لِي فَٱعْتَزِلُونِ﴾، أي: قال لهم موسى": وإني اعتصمت واستعذت بربي وربكم من أن تشتمون بألسنتكم، قاله ابن عباس والضحاك.
وقال أبو صالح: أن ترجمون معناه: أن تقولوا لي شاعر (أو كاهن) أو ساحر.
وقال قتادة معناه: "أن ترجمون بالحجارة".
وقال الفراء: "الرجم - هنا - القتل". استجار بالله عز وجل واعتصم به سبحانه من أن يقتلوه.
ثم قال لهم: ﴿وَإِن لَّمْ تُؤْمِنُواْ لِي فَٱعْتَزِلُونِ﴾، أي: إذا أنتم لم تصدقون فيما أقول لكم فخلوا سبيلي (ولا تؤذون).
وقيل معناه: فدعوني كفافاً، لا عَلَيَّ ولا لي.
قال: ﴿فَدَعَا رَبَّهُ أَنَّ هَـٰؤُلاَءِ قَوْمٌ مُّجْرِمُونَ﴾، أي: فدعا موسى ربه إذ كذبوه ولم يؤمنوا وهموا بقتله. وفي الكلام حذف تتصل الفاء به. والتقدير: فكفروا فدعا ربه ولو لم يكن هذا الإضمار لم تتصل الفاء بشيء ومثله الفاء في قوله: ﴿فَأَسْرِ بِعِبَادِي﴾.
* *
قوله: ﴿أَنَّ هَـٰؤُلاَءِ﴾، أي فدعا ربه فقال إن هؤلاء قوم مجرمون لا يؤمنون بما جئتهم به.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَأَسْرِ بِعِبَادِي لَيْلاً إِنَّكُم مُّتَّبَعُونَ﴾.
في هذا الكلام حذف. والتقدير: فأجابه ربه عز وجل بأن قال له: فأسر بعبادي ليلاً، يعني: بني إسرائيل، أي: فأسر بعبادي الذين صدقوك وآمنوا بك ليلاً إنهم متبعون، أي: إن فرعون وجنوده من القبط يتبعونكم إذا سريتم من عندهم.
* *
ثم قال: ﴿وَٱتْرُكِ ٱلْبَحْرَ رَهْواً﴾، أي: إذا قطعت البحر (أنت وأصحابك) فاتركه ساكناً على حاله حين دخلته. هذا لفظه لفظ الأمر ومعناه الخبر.
لم يكن في (وسع موسى) ترك ذلك، ولم يكن الله عز وجل ليأمره بما لا يقدر عليه، فهو وعد من الله عز وجل لموسى أن يفعله له، وكأنه قال: ويبقى البحر على حاله ساكنا حتى يدخله فرعون وجنوده فيغرقون.
قال ابن عباس، معناه: واتركه طريقاً. وقال الضحاك: سهلاً.
وقال مجاهد معناه: واتركه ساكناً لا يرجع إلى ما كان عليه حتى يحصل فيه آخرهم، وهو معنى قول ابن عباس: اتركه طريقاً، وروي عن مجاهد أيضاً "رهواً": يابساً، وحكى المبرد: عيش (راهٍ، أي): خفض وادع.
قال: فمعنى رهواً: ساكناً، حتى يحصلوا فيه وهو ساكن فلا (ينفروا منه).
وقيل الرهو: المتفرق ويقال: جاء القوم رهواً، أي: على نظام واحد.
وروي أن الله جل ذكره قال هذا لموسى بعد أن قطع البحر بنو إسرائيل.
فعلى هذا القول يكون في الكلام حذف. والتقدير: فسرى موسى بعبادي ليلاً وقطع بهم البحر فقلنا له بعدما قطعه وأراد رد البحر إلى هيئته التي كان عليها قبل انفلاقه: اتركه رهواً، أي: ساكناً على حاله لا ترده إلى (هيئته الأولى) حتى يدخلوا كلهم فيه ويطمئنوا. هذا القول هو قول قتادة.
قال قتادة: لما خرج آخر بني إسرائيل أراد نبي الله موسى عليه السلام أن يضرب بالبحر بعصاه حتى يعود كما كان مخافة أن يتبعه فرعون وجنوده، فقيل له: اتركه ساكناً على حاله إنهم جند مغرقون، فغرقهم الله عز وجل في البحر.
* *
ثم قال تعالى: ﴿كَمْ تَرَكُواْ مِن جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَزُرُوعٍ﴾، أي: كم ترك آل فرعون - يعني: القبط المغرقين - من بساتين وينابيع ماء تتفجر في بساتينهم وزروع قائمة.
﴿وَمَقَامٍ كَرِيمٍ﴾، يعني: مقام الملوك والأمراء، كانوا يعظمونه ويشرفونه، يعني به المنابر، (قاله ابن عباس وقيل: هي المنازل الحسنة. ومعنى كريم: حسن).
* *
ثم قال: ﴿وَنَعْمَةٍ كَانُواْ فِيهَا فَاكِهِينَ﴾، أي: وأخرجوا من نعمة كانوا فيها متفكهين. قال قتادة: فاكهين: ناعمين. وعن ابن عباس: فاكهين: فرحين والنعمة - بالفتح - التنعم.
وقرأ أبو رجاء العطاردي والحسن "فَكِهينَ" بغير ألف، على معنى: كانوا فيها بطرين أشرين.
* *
ثم قال: ﴿كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْماً آخَرِينَ﴾، أي: هكذا فعلنا بهم أيها الناس، وأورثنا ما تركوا مما تقدم وصفه قوماً آخرين يعني: بني إسرائيل.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ ٱلسَّمَآءُ وَٱلأَرْضُ﴾، أي: ما بكى عليهم حين هلكوا بالغرق أهل السماء، ولا أهل الأرض. ثم حذف.
وقيل: إن بكاء السماء حمرة أطرافها.
قال السدي: "لما قُتل الحسين بن علي عليه السلام بكت السماء عليه وبكاؤها حمرتها". وقال عطاء: "بكاؤها: حمرة أطرافها".
وقيل: معنى ذلك أن المؤمن إذا مات بكت عليه السماء والأرض أربعين صباحاً، فأعلمنا الله عز وجل أنهم لم يكونوا مؤمنين فتبكي عليهم السماء والأرض.
وروي عن النبي ﷺ أنه قال: "بَدَأَ الإسْلاَمُ غَرِيباً وَسَيَعُودُ غَرِيباً، أَلاَ لاَ غُرْبَةَ عَلَى المُؤْمِنِ [مَا] مَاتَ مُؤْمِنٌ في غُرْبَةٍ غَابَتْ عَنْهُ فِيهَا بَوَاكِيهِ إِلاَّ بَكَتْ عَلَيْهِ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ. ثُمَّ قَرَأَ: ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ ٱلسَّمَآءُ وَٱلأَرْضُ﴾ ثم قال: إِنَّهُمَا لاَ يَبْكِيَانِ عَلَى الكَافِرِ
وممن قال أن السماء والأرض تبكيان على المؤمن ولا تبكيان على الكافر، علي بن أبي طالب (رضي الله عنه) وابن عباس والحسن والضحاك وقتادة.
قال ابن عباس: ليس أحد من الخلائق إلا له باب في السماء (ينزل منه) رزقه وفيه يصعد عمله، فإذا مات المؤمن فأغلق بابه من السماء ففقده بكى عليه، وإذا أفقده مصلاه من الأرض والموضع الذي كان يذكر الله عز وجل فيه بكى عليه. وإن قوم فرعون لم يكن لهم عمل صالح في الأرض ولا في السماء فلم يبك عليهم شيء حين هلكوا هذا معنى قوله.
* *
وقوله: ﴿وَمَا كَانُواْ مُنظَرِينَ﴾، معناه: لم يكونوا مؤخرين حين أتاهم العذاب وتم الأجل.
الدخان 44:29
قوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ ٱلْبَطْشَةَ ٱلْكُبْرَىٰ﴾ - إلى قوله - ﴿وَمَا كَانُواْ مُنظَرِينَ﴾، أي: ننتقم منكم إن عدتم إلى كفركم عند كشفنا عنكم ما أنتم فيه من الجهد يوم نبطش البطشة الكبرى، وهو يوم بدر عند أكثر المفسرين، قاله ابن مسعود وابن عباس ومجاهد والضحاك وابن زيد وأبو العالية، وهو قول وهو قول أُبي بن كعب، أمكن الله عز وجل منهم المؤمنين يوم بدر فقتلوا منهم سبعين وأسروا سبعين.
والعامل في "يوم نبطش": "منتقمون".
وقيل: العامل فيه فعل مضمر، تقديره: اذكر يا محمد يوم نبطش. وهو الأحسن، لأن الظرف لا يعمل فيه ما بعد أن عند البصريين.
وقيل التقدير: ننتقم يوم نبطش، ودل عليه "منتقمون".
وفيه أيضاً بُعْدٌ لأن ما بعد "إنَّ" لا يفسر ما قبلها كما لا يفعل (ما بعدها) فيه.
فإضمار "اذكر" أحسن الوجوه، وذلك أن الله جل ذكره كشف عنهم ما كانوا فيه من الجهد فعادوا إلى كفرهم فأهلكهم قتلا بالسيف يوم بدر. فيكون العامل في "يوم نبطش" فعلاً مضمراً يفسره "إنا منتقمون".
ولا يحسن أن يعمل فيه "منتقمون"، لأن ما بعد "أن" لا يعمل فيما قبلها. ويجوز أن يكون العامل "اذكر" مضمرة.
وقال عكرمة: البطشة الكبرى هي بطشة الله عز وجل بأعدائه يوم القيامة.
وكذلك روى قتادة عن الحسن.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ﴾، أي اختبرناهم وابتليناهم قبل مشركي قومك يا محمد.
﴿وَجَآءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ﴾ يعني موسى ﷺ أي "كريم عند ربه عز وجل. وقيل كريم من قومه. وقيل: الفتنة في هذا العذاب.
وفي الكلام تقدير وتأخير، والتقدير، ولقد جاء قوم فرعون رسول كريم.
وفتناهم، أي: عذبناهم بالغرق، لأن العذاب - وهو الغرق - كان بعد مجيء موسى إليهم وإنذاره إياهم وكفرهم
* *
ثم قال تعالى: ﴿أَنْ أَدُّوۤاْ إِلَيَّ عِبَادَ ٱللَّهِ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ﴾.
قال ابن عباس معناه: (أن اتبعوني) إلى ما أدعوكم إليه يا عباد الله فيكون "عباد": نصب على النداء المضاف على هذا القول.
وقال مجاهد معناه: أن أرسلوا معي عباد الله وخلوا سبيلهم، يعني بني إسرائيل. فينتصب "عباد" على أنه مفعول به "بأدوا" على هذا القول.
قال قتادة: قال موسى لفرعون: (على من) تحبس هؤلاء القوم، قوما أحراراً (اتخدتهم عبيداً، خَلِّ) سبيلهم.
قال ابن زيد معناه: أرسل عباد الله معي، يعني بني إسرائيل، وهو مثل قوله: ﴿فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ وَلاَ تُعَذِّبْهُمْ﴾ [طه: ٤٧].
وقيل التقدير: وجاءهم رسول أمين يقول لهم: أدوا إِليِّ عباد الله أي: خلوا سبيلهم إني لكم رسول من الله إليكم، أنذركم بأسه إن لم تؤمنوا، أمين على وحيه ورسالته إليكم.
* *
ثم قال: ﴿وَأَن لاَّ تَعْلُواْ عَلَى ٱللَّهِ إِنِّيۤ آتِيكُمْ بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ﴾، أي: وجاءكم رسول كريم بأن أدوا إلي عباد الله وبألا تعلوا على الله، أي: لا تطغوا على ربكم فتكفروا به.
﴿إِنِّيۤ آتِيكُمْ بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ﴾، أي: بحجة ظاهرة تدل على صحة ما جئتكم به.
* *
ثم قال: ﴿وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَن تَرْجُمُونِ * وَإِن لَّمْ تُؤْمِنُواْ لِي فَٱعْتَزِلُونِ﴾، أي: قال لهم موسى": وإني اعتصمت واستعذت بربي وربكم من أن تشتمون بألسنتكم، قاله ابن عباس والضحاك.
وقال أبو صالح: أن ترجمون معناه: أن تقولوا لي شاعر (أو كاهن) أو ساحر.
وقال قتادة معناه: "أن ترجمون بالحجارة".
وقال الفراء: "الرجم - هنا - القتل". استجار بالله عز وجل واعتصم به سبحانه من أن يقتلوه.
ثم قال لهم: ﴿وَإِن لَّمْ تُؤْمِنُواْ لِي فَٱعْتَزِلُونِ﴾، أي: إذا أنتم لم تصدقون فيما أقول لكم فخلوا سبيلي (ولا تؤذون).
وقيل معناه: فدعوني كفافاً، لا عَلَيَّ ولا لي.
قال: ﴿فَدَعَا رَبَّهُ أَنَّ هَـٰؤُلاَءِ قَوْمٌ مُّجْرِمُونَ﴾، أي: فدعا موسى ربه إذ كذبوه ولم يؤمنوا وهموا بقتله. وفي الكلام حذف تتصل الفاء به. والتقدير: فكفروا فدعا ربه ولو لم يكن هذا الإضمار لم تتصل الفاء بشيء ومثله الفاء في قوله: ﴿فَأَسْرِ بِعِبَادِي﴾.
* *
قوله: ﴿أَنَّ هَـٰؤُلاَءِ﴾، أي فدعا ربه فقال إن هؤلاء قوم مجرمون لا يؤمنون بما جئتهم به.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَأَسْرِ بِعِبَادِي لَيْلاً إِنَّكُم مُّتَّبَعُونَ﴾.
في هذا الكلام حذف. والتقدير: فأجابه ربه عز وجل بأن قال له: فأسر بعبادي ليلاً، يعني: بني إسرائيل، أي: فأسر بعبادي الذين صدقوك وآمنوا بك ليلاً إنهم متبعون، أي: إن فرعون وجنوده من القبط يتبعونكم إذا سريتم من عندهم.
* *
ثم قال: ﴿وَٱتْرُكِ ٱلْبَحْرَ رَهْواً﴾، أي: إذا قطعت البحر (أنت وأصحابك) فاتركه ساكناً على حاله حين دخلته. هذا لفظه لفظ الأمر ومعناه الخبر.
لم يكن في (وسع موسى) ترك ذلك، ولم يكن الله عز وجل ليأمره بما لا يقدر عليه، فهو وعد من الله عز وجل لموسى أن يفعله له، وكأنه قال: ويبقى البحر على حاله ساكنا حتى يدخله فرعون وجنوده فيغرقون.
قال ابن عباس، معناه: واتركه طريقاً. وقال الضحاك: سهلاً.
وقال مجاهد معناه: واتركه ساكناً لا يرجع إلى ما كان عليه حتى يحصل فيه آخرهم، وهو معنى قول ابن عباس: اتركه طريقاً، وروي عن مجاهد أيضاً "رهواً": يابساً، وحكى المبرد: عيش (راهٍ، أي): خفض وادع.
قال: فمعنى رهواً: ساكناً، حتى يحصلوا فيه وهو ساكن فلا (ينفروا منه).
وقيل الرهو: المتفرق ويقال: جاء القوم رهواً، أي: على نظام واحد.
وروي أن الله جل ذكره قال هذا لموسى بعد أن قطع البحر بنو إسرائيل.
فعلى هذا القول يكون في الكلام حذف. والتقدير: فسرى موسى بعبادي ليلاً وقطع بهم البحر فقلنا له بعدما قطعه وأراد رد البحر إلى هيئته التي كان عليها قبل انفلاقه: اتركه رهواً، أي: ساكناً على حاله لا ترده إلى (هيئته الأولى) حتى يدخلوا كلهم فيه ويطمئنوا. هذا القول هو قول قتادة.
قال قتادة: لما خرج آخر بني إسرائيل أراد نبي الله موسى عليه السلام أن يضرب بالبحر بعصاه حتى يعود كما كان مخافة أن يتبعه فرعون وجنوده، فقيل له: اتركه ساكناً على حاله إنهم جند مغرقون، فغرقهم الله عز وجل في البحر.
* *
ثم قال تعالى: ﴿كَمْ تَرَكُواْ مِن جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَزُرُوعٍ﴾، أي: كم ترك آل فرعون - يعني: القبط المغرقين - من بساتين وينابيع ماء تتفجر في بساتينهم وزروع قائمة.
﴿وَمَقَامٍ كَرِيمٍ﴾، يعني: مقام الملوك والأمراء، كانوا يعظمونه ويشرفونه، يعني به المنابر، (قاله ابن عباس وقيل: هي المنازل الحسنة. ومعنى كريم: حسن).
* *
ثم قال: ﴿وَنَعْمَةٍ كَانُواْ فِيهَا فَاكِهِينَ﴾، أي: وأخرجوا من نعمة كانوا فيها متفكهين. قال قتادة: فاكهين: ناعمين. وعن ابن عباس: فاكهين: فرحين والنعمة - بالفتح - التنعم.
وقرأ أبو رجاء العطاردي والحسن "فَكِهينَ" بغير ألف، على معنى: كانوا فيها بطرين أشرين.
* *
ثم قال: ﴿كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْماً آخَرِينَ﴾، أي: هكذا فعلنا بهم أيها الناس، وأورثنا ما تركوا مما تقدم وصفه قوماً آخرين يعني: بني إسرائيل.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ ٱلسَّمَآءُ وَٱلأَرْضُ﴾، أي: ما بكى عليهم حين هلكوا بالغرق أهل السماء، ولا أهل الأرض. ثم حذف.
وقيل: إن بكاء السماء حمرة أطرافها.
قال السدي: "لما قُتل الحسين بن علي عليه السلام بكت السماء عليه وبكاؤها حمرتها". وقال عطاء: "بكاؤها: حمرة أطرافها".
وقيل: معنى ذلك أن المؤمن إذا مات بكت عليه السماء والأرض أربعين صباحاً، فأعلمنا الله عز وجل أنهم لم يكونوا مؤمنين فتبكي عليهم السماء والأرض.
وروي عن النبي ﷺ أنه قال: "بَدَأَ الإسْلاَمُ غَرِيباً وَسَيَعُودُ غَرِيباً، أَلاَ لاَ غُرْبَةَ عَلَى المُؤْمِنِ [مَا] مَاتَ مُؤْمِنٌ في غُرْبَةٍ غَابَتْ عَنْهُ فِيهَا بَوَاكِيهِ إِلاَّ بَكَتْ عَلَيْهِ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ. ثُمَّ قَرَأَ: ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ ٱلسَّمَآءُ وَٱلأَرْضُ﴾ ثم قال: إِنَّهُمَا لاَ يَبْكِيَانِ عَلَى الكَافِرِ
وممن قال أن السماء والأرض تبكيان على المؤمن ولا تبكيان على الكافر، علي بن أبي طالب (رضي الله عنه) وابن عباس والحسن والضحاك وقتادة.
قال ابن عباس: ليس أحد من الخلائق إلا له باب في السماء (ينزل منه) رزقه وفيه يصعد عمله، فإذا مات المؤمن فأغلق بابه من السماء ففقده بكى عليه، وإذا أفقده مصلاه من الأرض والموضع الذي كان يذكر الله عز وجل فيه بكى عليه. وإن قوم فرعون لم يكن لهم عمل صالح في الأرض ولا في السماء فلم يبك عليهم شيء حين هلكوا هذا معنى قوله.
* *
وقوله: ﴿وَمَا كَانُواْ مُنظَرِينَ﴾، معناه: لم يكونوا مؤخرين حين أتاهم العذاب وتم الأجل.
الدخان 44:30
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَجَّيْنَا بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ﴾ - إلى قوله - ﴿هُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ﴾، أي: ولقد نجى الله عز وجل بني إسرائيل من العذاب المذل والإهانة التي كان فرعون وقومه يعذبونهم بها. قال قتادة: عذابهم لبني إسرائيل هو قتلهم أبناؤهم واستحياء نساءهم.
* *
ثم قال: ﴿إِنَّهُ كَانَ عَالِياً مِّنَ ٱلْمُسْرِفِينَ﴾ أي: إن فرعون كان جباراً مستكبراً على ربه سبحانه مسرفاً متجاوزاً إلى غير ما يحب له من الكفر والطغيان.
قال ابن عباس: من المسرفين: من المشركين. وقال الضحاك: من القتالين.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدِ ٱخْتَرْنَاهُمْ عَلَىٰ عِلْمٍ عَلَى ٱلْعَالَمِينَ﴾، أي: ولقد اخترنا بني إسرائيل على علم منا بهم على عالم زمانهم وقيل معناه: اخترناهم للرسالة والتشريف على علم منا بهم فذكر تعالى أنه أختارهم لكثرة الأنبياء منهم.
قال قتادة ومجاهد معناه: اخترناهم على أهل زمانهم ذلك ولكل زمان عالم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُم مِّنَ ٱلآيَاتِ مَا فِيهِ بَلاَءٌ مُّبِينٌ﴾، أي: وأعطيناهم من العبر والعظات ما فيه اختبار يبين لمن تأمله أنه اختبار اختبرهم الله عز وجل به.
وقيل المعنى: آتيناهم نعماً عظيمة وعبراً ظاهرةً.
روي أن الله عز وجل أنزل ببيت المقدس سلسلة معلقة من السماء فكانوا يتحاكمون في حقوقهم وخصوماتهم ودعاويهم إلى السلسلة. فمن كان محقاً أدرك بيده مس السلسلة، ومن كان مبطلاً لم يدرك بيده مسها، فلم يزالوا كذلك حتى مكروا فرفعت، وذلك فيما روي أن رجلاً منهم أودع رجلاً مالاً فجحده المودع عنده، فتحاكما إلى السلسلة فعمد الذي جحد الوديعة إلى كلخ فقأ داخله، ثم أدخل فيه الوديعة. فلما أتيا إلى السلسة قال الجاحد للوديعة لرب المال: أمسك لي هذه الكلخة (في يدك) حتى أمس السلسة، فأمسكها رب المال وهو لا يعلم بما فيها. ثم تقدم الجاحد بحضرة الناس، وقال: اللهم إن كنت تعلم أني قد وضعت ماله في يده وقبضه مني فأسألك ألا تفضحني ومَدَّ يده فأدرك السلسة فأقبل صاحب المال يقول: والله يا بني إسرائيل (إن هذه السلسلة لباطل وزور، فرفع الله السلسلة من ذلك الوقت.
ويروى أنه كان لهم عمودان، فإذا أتهم أحد بزنى فَأَقَرَّ رُجِمَ، وإن جحد أدخل بين) العمودين فإن كان كاذباً انضما عليه فقتلاه، وإن (كان بريئاً) سلم.
وكان الرجل منهم يعمل الذنب لا يعلم به أحد فيصبح ويجده مكتوباً على بابه.
قال قتادة: البلاء هو أنه (تعالى نجاهم) من عدوهم، ثم أقطعهم البحر وظلل عليهم الغمام، وأنزل عليهم المن والسلوى. فيكون البلاء هنا على قول قتادة، النعمة.
وقال ابن زيد: ابتلاهم بالخير والشر، يختبرهم فيما آتاهم من الآيات، من يؤمن بها ومن يكفر.
* *
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ هَـٰؤُلاَءِ لَيَقُولُونَ * إِنْ هِيَ إِلاَّ مَوْتَتُنَا ٱلأُوْلَىٰ وَمَا نَحْنُ بِمُنشَرِينَ﴾، أي: إن مشركي قريش يا محمد ليقولن ما هي إلا موتتنا التي نموتها، وما نحن بعد مماتنا بمبعوثين تكذيباً منهم للبعث والثواب والعقاب.
* *
ثم قال: ﴿فَأْتُواْ بِآبَآئِنَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾، أي: قالوا لمحمد عليه السلام ومن آمن به فأتوا بآبائنا، أي: فأحيهم لنا لنسألهم عن صدقكم إن كنتم صادقين.
* *
ثم قال تعالى: ﴿أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾، أي: أهؤلاء المشركون يا محمد خير أم قوم تبع الحميري.
وقالت عائشة رضي الله عنها: كان "تبع" رجلاً صالحاً، فذم الله قومه ولم يذمه.
قال كعب: كان "تبع" ملكاً من الملوك، وكان قومه كُهَّاناً، وكان معه قوم من أهل الكتاب [فكان قومه يكذبون على أهل الكتاب عنده.
فقال لهم جميعاً: قربوا قرباناً فَقَرَّبُوا. فتقبل قربان أهل الكتاب] ولم يتقبل قربان قومه فأسلم، فلذلك ذكر الله عز وجل قومه ولم يذكره.
قال أبو عبيدة: "تبع" اسم ملك من ملوك اليمن، سمي بذلك لأنه يتبع صاحبه.
وروى سهل بن سعد الساعدي أن النبي ﷺ قال: "لاَ تَلْعَنُوا تُبَّعاً فَإِنَّهُ (قَدْ كَانَ) "أَسْلَمَ"
وقوله: ﴿وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾، أي: من قبل قوم تُبَّع من الأمم الكافرة بربها. يقول الله جل ذكره: فليس هؤلاء المشركون من قومك يا محمد بخير من أولئك الذين أهلكوا بكفرهم، فطمعوا أن (نصفح عنهم) ولا نعذبهم وننتقم منهم بكفرهم.
* *
وقوله: ﴿أَهْلَكْنَاهُمْ إِنَّهُمْ كَانُواْ مُجْرِمِينَ﴾، أي: أهلكنا قوم تبع والذين من قبلهم من الأمم الكافرة إنهم كانوا قوماً مجرمين. فإذا انتقمنا من الأفضل لكفره فما ظنك بالأدون.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَـٰعِبِينَ﴾، أي: لم نخلق ذلك لعبا، بل خلقناه لإقامة العمل والحق الذي لا يصلح التدبير إلا به.
ينبه جل ذكره خلقه على صحة كون البعث والثواب والعقاب، وأنه لم يخلق الخلق عبثا، بل خلقهم ليبلوهم أيهم أحسن عملا وأقبل للطاعة، فيجازي المحسن بالإحسان والمسيء بما أراد، وهو قوله: ﴿مَا خَلَقْنَاهُمَآ إِلاَّ بِٱلْحَقّ﴾، أي للحق والعدل.
﴿وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ﴾، أي: أكثر هؤلاء المشركين لا يعلمون أن الله خلق (ذلك لذلك) فهم لا يخافون عقاباً (ولا يرجعون لتكذيبهم) بالمعاد والثواب والعقاب.
وذهب أبو حاتم إلى جواز الوقف على "تبع". يقدر أن قوله: "والذين من قبلهم أهلكناهم" مبتدأ وخبره. كأنه يجعل المهلكين هم الذين كانوا من قبل قوم تبع (لا قوم تبع). والوقف عند غيره "أهلكناهم" على أن يكون الذين عطف على "قوم" وَأَتَمُّ منه "مجرمين".
(ثم قال: ﴿إِنَّ يَوْمَ ٱلْفَصْلِ مِيقَاتُهُمْ أَجْمَعِينَ﴾، أي: إن يوم فصل الله بين خلقه وقت لجميع الخلق يجتمعون فيه للفصل بينهم).
* *
ثم قال تعالى: ﴿يَوْمَ لاَ يُغْنِي مَوْلًى عَن مَّوْلًى شَيْئاً﴾. "يوم" بدل من "يوم" الأول. ومعناه إن يوم لا يغني ولي عن ولي شيئاً وقت لجميع الخلق يجتمعون فيه للفصل بينهم، أي: يوم لا يدفع ابن عم عن ابن عم، ولا صاحب عن صاحب شيئاً من العذاب.
﴿وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ﴾، أي: ولا ينصرهم أحد مما حَلَّ بهم من النقمة بكفرهم.
قال قتادة: "انقطعت الأسباب يومئذ يا ابن آدم، وصار الناس يومئذ إلى أعمالهم، فمن أصاب يومئذ خيراً سَعِدَ به، ومن أصاب يومئذ شراً شقي به".
والمولى والولي في اللغة: الناصر.
وقول النبي ﷺ: "مَنْ كُنْتُ مَوْلاَهُ فَعَلِيٌّ مَوْلاَهُ" في تفسيره ثلاثة أقوال:
- أحدها: إن معناه: من كنت أتولاه فعلي يتولاه.
- والثاني: من كان (يتولاني، يتولاه) علي.
- والثالث: إنه كان قوله ذلك في سبب، وذلك أن أسامة بن زيد قال لعلي: لست مولاي، إنما مولاي رسول الله فقال رسول الله ﷺ: "من كنت مولاه فعلي مولاه
ثم قال تعالى: ﴿إِلاَّ مَن رَّحِمَ ٱللَّهُ إِنَّهُ هُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ﴾ "من" عند الأخفش في موضع رفع على البدل على المعنى كأن التقدير: (ولا ينصر) أحد إلا من رحم الله.
وأجاز أن تكون في موضع رفع على الابتداء. كأنه في التقدير: إلا من رحم الله فيغني عن غيره، أي: يشفع لغيره ممن أراد الله عز وجل له الشفاعة كما قال: ﴿وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ٱرْتَضَىٰ﴾ [الأنبياء: ٢٨].
وقيل: "من" رفع لفعلها، أي لا يغني إلا من رحم الله ("فمن" على هذا القول بدل من "مولى" أي: لا يشفع إلا من رحم الله).
وقد صح عن النبي ﷺ أن المؤمنين يشفعون. وقال الكسائي "من" في موضع نصب على الاستثناء المنقطع وهو قول الفراء. وتقف على "ينصرون" إن جعلت "من" (ابتداء، ويكون) التقدير: إلا من رحم الله فإنه تغني شفاعته.
فإن جعلت "من" بدلاً أو استثناء منقطعاً لم تقف على ينصرون.
وروى أنس عن النبي ﷺ أنه قال: "إِنَّ الرَّجُلَ مِنَ المُؤْمِنِينَ يُقَامُ في صَفِّ أَهْلِ الجَنَّةِ حَتَّى يَرَى رَجُلاً مِنَ المُوَحِّدِينَ قَائِماً (فِي صَفِّ) أَهْلِ النَّارِ (قدْ أَحْسَنَ إِلَيْهِ) في الدُّنْيَا فَيُذَكِّرُهُ ذَلِكَ فَيَذْكُرُ، فَيَشفَعُ فِيهِ فَيُحَوَّلُ إِلى صَفِّ أَهْلِ الجَنَّةِ
وقوله: ﴿إِنَّهُ هُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ﴾، أي: العزيز في انتقامه من أعدائه، الرحيم بأوليائه وأهل طاعته.
الدخان 44:31
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَجَّيْنَا بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ﴾ - إلى قوله - ﴿هُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ﴾، أي: ولقد نجى الله عز وجل بني إسرائيل من العذاب المذل والإهانة التي كان فرعون وقومه يعذبونهم بها. قال قتادة: عذابهم لبني إسرائيل هو قتلهم أبناؤهم واستحياء نساءهم.
* *
ثم قال: ﴿إِنَّهُ كَانَ عَالِياً مِّنَ ٱلْمُسْرِفِينَ﴾ أي: إن فرعون كان جباراً مستكبراً على ربه سبحانه مسرفاً متجاوزاً إلى غير ما يحب له من الكفر والطغيان.
قال ابن عباس: من المسرفين: من المشركين. وقال الضحاك: من القتالين.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدِ ٱخْتَرْنَاهُمْ عَلَىٰ عِلْمٍ عَلَى ٱلْعَالَمِينَ﴾، أي: ولقد اخترنا بني إسرائيل على علم منا بهم على عالم زمانهم وقيل معناه: اخترناهم للرسالة والتشريف على علم منا بهم فذكر تعالى أنه أختارهم لكثرة الأنبياء منهم.
قال قتادة ومجاهد معناه: اخترناهم على أهل زمانهم ذلك ولكل زمان عالم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُم مِّنَ ٱلآيَاتِ مَا فِيهِ بَلاَءٌ مُّبِينٌ﴾، أي: وأعطيناهم من العبر والعظات ما فيه اختبار يبين لمن تأمله أنه اختبار اختبرهم الله عز وجل به.
وقيل المعنى: آتيناهم نعماً عظيمة وعبراً ظاهرةً.
روي أن الله عز وجل أنزل ببيت المقدس سلسلة معلقة من السماء فكانوا يتحاكمون في حقوقهم وخصوماتهم ودعاويهم إلى السلسلة. فمن كان محقاً أدرك بيده مس السلسلة، ومن كان مبطلاً لم يدرك بيده مسها، فلم يزالوا كذلك حتى مكروا فرفعت، وذلك فيما روي أن رجلاً منهم أودع رجلاً مالاً فجحده المودع عنده، فتحاكما إلى السلسلة فعمد الذي جحد الوديعة إلى كلخ فقأ داخله، ثم أدخل فيه الوديعة. فلما أتيا إلى السلسة قال الجاحد للوديعة لرب المال: أمسك لي هذه الكلخة (في يدك) حتى أمس السلسة، فأمسكها رب المال وهو لا يعلم بما فيها. ثم تقدم الجاحد بحضرة الناس، وقال: اللهم إن كنت تعلم أني قد وضعت ماله في يده وقبضه مني فأسألك ألا تفضحني ومَدَّ يده فأدرك السلسة فأقبل صاحب المال يقول: والله يا بني إسرائيل (إن هذه السلسلة لباطل وزور، فرفع الله السلسلة من ذلك الوقت.
ويروى أنه كان لهم عمودان، فإذا أتهم أحد بزنى فَأَقَرَّ رُجِمَ، وإن جحد أدخل بين) العمودين فإن كان كاذباً انضما عليه فقتلاه، وإن (كان بريئاً) سلم.
وكان الرجل منهم يعمل الذنب لا يعلم به أحد فيصبح ويجده مكتوباً على بابه.
قال قتادة: البلاء هو أنه (تعالى نجاهم) من عدوهم، ثم أقطعهم البحر وظلل عليهم الغمام، وأنزل عليهم المن والسلوى. فيكون البلاء هنا على قول قتادة، النعمة.
وقال ابن زيد: ابتلاهم بالخير والشر، يختبرهم فيما آتاهم من الآيات، من يؤمن بها ومن يكفر.
* *
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ هَـٰؤُلاَءِ لَيَقُولُونَ * إِنْ هِيَ إِلاَّ مَوْتَتُنَا ٱلأُوْلَىٰ وَمَا نَحْنُ بِمُنشَرِينَ﴾، أي: إن مشركي قريش يا محمد ليقولن ما هي إلا موتتنا التي نموتها، وما نحن بعد مماتنا بمبعوثين تكذيباً منهم للبعث والثواب والعقاب.
* *
ثم قال: ﴿فَأْتُواْ بِآبَآئِنَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾، أي: قالوا لمحمد عليه السلام ومن آمن به فأتوا بآبائنا، أي: فأحيهم لنا لنسألهم عن صدقكم إن كنتم صادقين.
* *
ثم قال تعالى: ﴿أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾، أي: أهؤلاء المشركون يا محمد خير أم قوم تبع الحميري.
وقالت عائشة رضي الله عنها: كان "تبع" رجلاً صالحاً، فذم الله قومه ولم يذمه.
قال كعب: كان "تبع" ملكاً من الملوك، وكان قومه كُهَّاناً، وكان معه قوم من أهل الكتاب [فكان قومه يكذبون على أهل الكتاب عنده.
فقال لهم جميعاً: قربوا قرباناً فَقَرَّبُوا. فتقبل قربان أهل الكتاب] ولم يتقبل قربان قومه فأسلم، فلذلك ذكر الله عز وجل قومه ولم يذكره.
قال أبو عبيدة: "تبع" اسم ملك من ملوك اليمن، سمي بذلك لأنه يتبع صاحبه.
وروى سهل بن سعد الساعدي أن النبي ﷺ قال: "لاَ تَلْعَنُوا تُبَّعاً فَإِنَّهُ (قَدْ كَانَ) "أَسْلَمَ"
وقوله: ﴿وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾، أي: من قبل قوم تُبَّع من الأمم الكافرة بربها. يقول الله جل ذكره: فليس هؤلاء المشركون من قومك يا محمد بخير من أولئك الذين أهلكوا بكفرهم، فطمعوا أن (نصفح عنهم) ولا نعذبهم وننتقم منهم بكفرهم.
* *
وقوله: ﴿أَهْلَكْنَاهُمْ إِنَّهُمْ كَانُواْ مُجْرِمِينَ﴾، أي: أهلكنا قوم تبع والذين من قبلهم من الأمم الكافرة إنهم كانوا قوماً مجرمين. فإذا انتقمنا من الأفضل لكفره فما ظنك بالأدون.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَـٰعِبِينَ﴾، أي: لم نخلق ذلك لعبا، بل خلقناه لإقامة العمل والحق الذي لا يصلح التدبير إلا به.
ينبه جل ذكره خلقه على صحة كون البعث والثواب والعقاب، وأنه لم يخلق الخلق عبثا، بل خلقهم ليبلوهم أيهم أحسن عملا وأقبل للطاعة، فيجازي المحسن بالإحسان والمسيء بما أراد، وهو قوله: ﴿مَا خَلَقْنَاهُمَآ إِلاَّ بِٱلْحَقّ﴾، أي للحق والعدل.
﴿وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ﴾، أي: أكثر هؤلاء المشركين لا يعلمون أن الله خلق (ذلك لذلك) فهم لا يخافون عقاباً (ولا يرجعون لتكذيبهم) بالمعاد والثواب والعقاب.
وذهب أبو حاتم إلى جواز الوقف على "تبع". يقدر أن قوله: "والذين من قبلهم أهلكناهم" مبتدأ وخبره. كأنه يجعل المهلكين هم الذين كانوا من قبل قوم تبع (لا قوم تبع). والوقف عند غيره "أهلكناهم" على أن يكون الذين عطف على "قوم" وَأَتَمُّ منه "مجرمين".
(ثم قال: ﴿إِنَّ يَوْمَ ٱلْفَصْلِ مِيقَاتُهُمْ أَجْمَعِينَ﴾، أي: إن يوم فصل الله بين خلقه وقت لجميع الخلق يجتمعون فيه للفصل بينهم).
* *
ثم قال تعالى: ﴿يَوْمَ لاَ يُغْنِي مَوْلًى عَن مَّوْلًى شَيْئاً﴾. "يوم" بدل من "يوم" الأول. ومعناه إن يوم لا يغني ولي عن ولي شيئاً وقت لجميع الخلق يجتمعون فيه للفصل بينهم، أي: يوم لا يدفع ابن عم عن ابن عم، ولا صاحب عن صاحب شيئاً من العذاب.
﴿وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ﴾، أي: ولا ينصرهم أحد مما حَلَّ بهم من النقمة بكفرهم.
قال قتادة: "انقطعت الأسباب يومئذ يا ابن آدم، وصار الناس يومئذ إلى أعمالهم، فمن أصاب يومئذ خيراً سَعِدَ به، ومن أصاب يومئذ شراً شقي به".
والمولى والولي في اللغة: الناصر.
وقول النبي ﷺ: "مَنْ كُنْتُ مَوْلاَهُ فَعَلِيٌّ مَوْلاَهُ" في تفسيره ثلاثة أقوال:
- أحدها: إن معناه: من كنت أتولاه فعلي يتولاه.
- والثاني: من كان (يتولاني، يتولاه) علي.
- والثالث: إنه كان قوله ذلك في سبب، وذلك أن أسامة بن زيد قال لعلي: لست مولاي، إنما مولاي رسول الله فقال رسول الله ﷺ: "من كنت مولاه فعلي مولاه
ثم قال تعالى: ﴿إِلاَّ مَن رَّحِمَ ٱللَّهُ إِنَّهُ هُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ﴾ "من" عند الأخفش في موضع رفع على البدل على المعنى كأن التقدير: (ولا ينصر) أحد إلا من رحم الله.
وأجاز أن تكون في موضع رفع على الابتداء. كأنه في التقدير: إلا من رحم الله فيغني عن غيره، أي: يشفع لغيره ممن أراد الله عز وجل له الشفاعة كما قال: ﴿وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ٱرْتَضَىٰ﴾ [الأنبياء: ٢٨].
وقيل: "من" رفع لفعلها، أي لا يغني إلا من رحم الله ("فمن" على هذا القول بدل من "مولى" أي: لا يشفع إلا من رحم الله).
وقد صح عن النبي ﷺ أن المؤمنين يشفعون. وقال الكسائي "من" في موضع نصب على الاستثناء المنقطع وهو قول الفراء. وتقف على "ينصرون" إن جعلت "من" (ابتداء، ويكون) التقدير: إلا من رحم الله فإنه تغني شفاعته.
فإن جعلت "من" بدلاً أو استثناء منقطعاً لم تقف على ينصرون.
وروى أنس عن النبي ﷺ أنه قال: "إِنَّ الرَّجُلَ مِنَ المُؤْمِنِينَ يُقَامُ في صَفِّ أَهْلِ الجَنَّةِ حَتَّى يَرَى رَجُلاً مِنَ المُوَحِّدِينَ قَائِماً (فِي صَفِّ) أَهْلِ النَّارِ (قدْ أَحْسَنَ إِلَيْهِ) في الدُّنْيَا فَيُذَكِّرُهُ ذَلِكَ فَيَذْكُرُ، فَيَشفَعُ فِيهِ فَيُحَوَّلُ إِلى صَفِّ أَهْلِ الجَنَّةِ
وقوله: ﴿إِنَّهُ هُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ﴾، أي: العزيز في انتقامه من أعدائه، الرحيم بأوليائه وأهل طاعته.
الدخان 44:32
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَجَّيْنَا بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ﴾ - إلى قوله - ﴿هُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ﴾، أي: ولقد نجى الله عز وجل بني إسرائيل من العذاب المذل والإهانة التي كان فرعون وقومه يعذبونهم بها. قال قتادة: عذابهم لبني إسرائيل هو قتلهم أبناؤهم واستحياء نساءهم.
* *
ثم قال: ﴿إِنَّهُ كَانَ عَالِياً مِّنَ ٱلْمُسْرِفِينَ﴾ أي: إن فرعون كان جباراً مستكبراً على ربه سبحانه مسرفاً متجاوزاً إلى غير ما يحب له من الكفر والطغيان.
قال ابن عباس: من المسرفين: من المشركين. وقال الضحاك: من القتالين.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدِ ٱخْتَرْنَاهُمْ عَلَىٰ عِلْمٍ عَلَى ٱلْعَالَمِينَ﴾، أي: ولقد اخترنا بني إسرائيل على علم منا بهم على عالم زمانهم وقيل معناه: اخترناهم للرسالة والتشريف على علم منا بهم فذكر تعالى أنه أختارهم لكثرة الأنبياء منهم.
قال قتادة ومجاهد معناه: اخترناهم على أهل زمانهم ذلك ولكل زمان عالم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُم مِّنَ ٱلآيَاتِ مَا فِيهِ بَلاَءٌ مُّبِينٌ﴾، أي: وأعطيناهم من العبر والعظات ما فيه اختبار يبين لمن تأمله أنه اختبار اختبرهم الله عز وجل به.
وقيل المعنى: آتيناهم نعماً عظيمة وعبراً ظاهرةً.
روي أن الله عز وجل أنزل ببيت المقدس سلسلة معلقة من السماء فكانوا يتحاكمون في حقوقهم وخصوماتهم ودعاويهم إلى السلسلة. فمن كان محقاً أدرك بيده مس السلسلة، ومن كان مبطلاً لم يدرك بيده مسها، فلم يزالوا كذلك حتى مكروا فرفعت، وذلك فيما روي أن رجلاً منهم أودع رجلاً مالاً فجحده المودع عنده، فتحاكما إلى السلسلة فعمد الذي جحد الوديعة إلى كلخ فقأ داخله، ثم أدخل فيه الوديعة. فلما أتيا إلى السلسة قال الجاحد للوديعة لرب المال: أمسك لي هذه الكلخة (في يدك) حتى أمس السلسة، فأمسكها رب المال وهو لا يعلم بما فيها. ثم تقدم الجاحد بحضرة الناس، وقال: اللهم إن كنت تعلم أني قد وضعت ماله في يده وقبضه مني فأسألك ألا تفضحني ومَدَّ يده فأدرك السلسة فأقبل صاحب المال يقول: والله يا بني إسرائيل (إن هذه السلسلة لباطل وزور، فرفع الله السلسلة من ذلك الوقت.
ويروى أنه كان لهم عمودان، فإذا أتهم أحد بزنى فَأَقَرَّ رُجِمَ، وإن جحد أدخل بين) العمودين فإن كان كاذباً انضما عليه فقتلاه، وإن (كان بريئاً) سلم.
وكان الرجل منهم يعمل الذنب لا يعلم به أحد فيصبح ويجده مكتوباً على بابه.
قال قتادة: البلاء هو أنه (تعالى نجاهم) من عدوهم، ثم أقطعهم البحر وظلل عليهم الغمام، وأنزل عليهم المن والسلوى. فيكون البلاء هنا على قول قتادة، النعمة.
وقال ابن زيد: ابتلاهم بالخير والشر، يختبرهم فيما آتاهم من الآيات، من يؤمن بها ومن يكفر.
* *
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ هَـٰؤُلاَءِ لَيَقُولُونَ * إِنْ هِيَ إِلاَّ مَوْتَتُنَا ٱلأُوْلَىٰ وَمَا نَحْنُ بِمُنشَرِينَ﴾، أي: إن مشركي قريش يا محمد ليقولن ما هي إلا موتتنا التي نموتها، وما نحن بعد مماتنا بمبعوثين تكذيباً منهم للبعث والثواب والعقاب.
* *
ثم قال: ﴿فَأْتُواْ بِآبَآئِنَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾، أي: قالوا لمحمد عليه السلام ومن آمن به فأتوا بآبائنا، أي: فأحيهم لنا لنسألهم عن صدقكم إن كنتم صادقين.
* *
ثم قال تعالى: ﴿أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾، أي: أهؤلاء المشركون يا محمد خير أم قوم تبع الحميري.
وقالت عائشة رضي الله عنها: كان "تبع" رجلاً صالحاً، فذم الله قومه ولم يذمه.
قال كعب: كان "تبع" ملكاً من الملوك، وكان قومه كُهَّاناً، وكان معه قوم من أهل الكتاب [فكان قومه يكذبون على أهل الكتاب عنده.
فقال لهم جميعاً: قربوا قرباناً فَقَرَّبُوا. فتقبل قربان أهل الكتاب] ولم يتقبل قربان قومه فأسلم، فلذلك ذكر الله عز وجل قومه ولم يذكره.
قال أبو عبيدة: "تبع" اسم ملك من ملوك اليمن، سمي بذلك لأنه يتبع صاحبه.
وروى سهل بن سعد الساعدي أن النبي ﷺ قال: "لاَ تَلْعَنُوا تُبَّعاً فَإِنَّهُ (قَدْ كَانَ) "أَسْلَمَ"
وقوله: ﴿وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾، أي: من قبل قوم تُبَّع من الأمم الكافرة بربها. يقول الله جل ذكره: فليس هؤلاء المشركون من قومك يا محمد بخير من أولئك الذين أهلكوا بكفرهم، فطمعوا أن (نصفح عنهم) ولا نعذبهم وننتقم منهم بكفرهم.
* *
وقوله: ﴿أَهْلَكْنَاهُمْ إِنَّهُمْ كَانُواْ مُجْرِمِينَ﴾، أي: أهلكنا قوم تبع والذين من قبلهم من الأمم الكافرة إنهم كانوا قوماً مجرمين. فإذا انتقمنا من الأفضل لكفره فما ظنك بالأدون.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَـٰعِبِينَ﴾، أي: لم نخلق ذلك لعبا، بل خلقناه لإقامة العمل والحق الذي لا يصلح التدبير إلا به.
ينبه جل ذكره خلقه على صحة كون البعث والثواب والعقاب، وأنه لم يخلق الخلق عبثا، بل خلقهم ليبلوهم أيهم أحسن عملا وأقبل للطاعة، فيجازي المحسن بالإحسان والمسيء بما أراد، وهو قوله: ﴿مَا خَلَقْنَاهُمَآ إِلاَّ بِٱلْحَقّ﴾، أي للحق والعدل.
﴿وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ﴾، أي: أكثر هؤلاء المشركين لا يعلمون أن الله خلق (ذلك لذلك) فهم لا يخافون عقاباً (ولا يرجعون لتكذيبهم) بالمعاد والثواب والعقاب.
وذهب أبو حاتم إلى جواز الوقف على "تبع". يقدر أن قوله: "والذين من قبلهم أهلكناهم" مبتدأ وخبره. كأنه يجعل المهلكين هم الذين كانوا من قبل قوم تبع (لا قوم تبع). والوقف عند غيره "أهلكناهم" على أن يكون الذين عطف على "قوم" وَأَتَمُّ منه "مجرمين".
(ثم قال: ﴿إِنَّ يَوْمَ ٱلْفَصْلِ مِيقَاتُهُمْ أَجْمَعِينَ﴾، أي: إن يوم فصل الله بين خلقه وقت لجميع الخلق يجتمعون فيه للفصل بينهم).
* *
ثم قال تعالى: ﴿يَوْمَ لاَ يُغْنِي مَوْلًى عَن مَّوْلًى شَيْئاً﴾. "يوم" بدل من "يوم" الأول. ومعناه إن يوم لا يغني ولي عن ولي شيئاً وقت لجميع الخلق يجتمعون فيه للفصل بينهم، أي: يوم لا يدفع ابن عم عن ابن عم، ولا صاحب عن صاحب شيئاً من العذاب.
﴿وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ﴾، أي: ولا ينصرهم أحد مما حَلَّ بهم من النقمة بكفرهم.
قال قتادة: "انقطعت الأسباب يومئذ يا ابن آدم، وصار الناس يومئذ إلى أعمالهم، فمن أصاب يومئذ خيراً سَعِدَ به، ومن أصاب يومئذ شراً شقي به".
والمولى والولي في اللغة: الناصر.
وقول النبي ﷺ: "مَنْ كُنْتُ مَوْلاَهُ فَعَلِيٌّ مَوْلاَهُ" في تفسيره ثلاثة أقوال:
- أحدها: إن معناه: من كنت أتولاه فعلي يتولاه.
- والثاني: من كان (يتولاني، يتولاه) علي.
- والثالث: إنه كان قوله ذلك في سبب، وذلك أن أسامة بن زيد قال لعلي: لست مولاي، إنما مولاي رسول الله فقال رسول الله ﷺ: "من كنت مولاه فعلي مولاه
ثم قال تعالى: ﴿إِلاَّ مَن رَّحِمَ ٱللَّهُ إِنَّهُ هُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ﴾ "من" عند الأخفش في موضع رفع على البدل على المعنى كأن التقدير: (ولا ينصر) أحد إلا من رحم الله.
وأجاز أن تكون في موضع رفع على الابتداء. كأنه في التقدير: إلا من رحم الله فيغني عن غيره، أي: يشفع لغيره ممن أراد الله عز وجل له الشفاعة كما قال: ﴿وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ٱرْتَضَىٰ﴾ [الأنبياء: ٢٨].
وقيل: "من" رفع لفعلها، أي لا يغني إلا من رحم الله ("فمن" على هذا القول بدل من "مولى" أي: لا يشفع إلا من رحم الله).
وقد صح عن النبي ﷺ أن المؤمنين يشفعون. وقال الكسائي "من" في موضع نصب على الاستثناء المنقطع وهو قول الفراء. وتقف على "ينصرون" إن جعلت "من" (ابتداء، ويكون) التقدير: إلا من رحم الله فإنه تغني شفاعته.
فإن جعلت "من" بدلاً أو استثناء منقطعاً لم تقف على ينصرون.
وروى أنس عن النبي ﷺ أنه قال: "إِنَّ الرَّجُلَ مِنَ المُؤْمِنِينَ يُقَامُ في صَفِّ أَهْلِ الجَنَّةِ حَتَّى يَرَى رَجُلاً مِنَ المُوَحِّدِينَ قَائِماً (فِي صَفِّ) أَهْلِ النَّارِ (قدْ أَحْسَنَ إِلَيْهِ) في الدُّنْيَا فَيُذَكِّرُهُ ذَلِكَ فَيَذْكُرُ، فَيَشفَعُ فِيهِ فَيُحَوَّلُ إِلى صَفِّ أَهْلِ الجَنَّةِ
وقوله: ﴿إِنَّهُ هُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ﴾، أي: العزيز في انتقامه من أعدائه، الرحيم بأوليائه وأهل طاعته.
الدخان 44:33
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَجَّيْنَا بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ﴾ - إلى قوله - ﴿هُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ﴾، أي: ولقد نجى الله عز وجل بني إسرائيل من العذاب المذل والإهانة التي كان فرعون وقومه يعذبونهم بها. قال قتادة: عذابهم لبني إسرائيل هو قتلهم أبناؤهم واستحياء نساءهم.
* *
ثم قال: ﴿إِنَّهُ كَانَ عَالِياً مِّنَ ٱلْمُسْرِفِينَ﴾ أي: إن فرعون كان جباراً مستكبراً على ربه سبحانه مسرفاً متجاوزاً إلى غير ما يحب له من الكفر والطغيان.
قال ابن عباس: من المسرفين: من المشركين. وقال الضحاك: من القتالين.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدِ ٱخْتَرْنَاهُمْ عَلَىٰ عِلْمٍ عَلَى ٱلْعَالَمِينَ﴾، أي: ولقد اخترنا بني إسرائيل على علم منا بهم على عالم زمانهم وقيل معناه: اخترناهم للرسالة والتشريف على علم منا بهم فذكر تعالى أنه أختارهم لكثرة الأنبياء منهم.
قال قتادة ومجاهد معناه: اخترناهم على أهل زمانهم ذلك ولكل زمان عالم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُم مِّنَ ٱلآيَاتِ مَا فِيهِ بَلاَءٌ مُّبِينٌ﴾، أي: وأعطيناهم من العبر والعظات ما فيه اختبار يبين لمن تأمله أنه اختبار اختبرهم الله عز وجل به.
وقيل المعنى: آتيناهم نعماً عظيمة وعبراً ظاهرةً.
روي أن الله عز وجل أنزل ببيت المقدس سلسلة معلقة من السماء فكانوا يتحاكمون في حقوقهم وخصوماتهم ودعاويهم إلى السلسلة. فمن كان محقاً أدرك بيده مس السلسلة، ومن كان مبطلاً لم يدرك بيده مسها، فلم يزالوا كذلك حتى مكروا فرفعت، وذلك فيما روي أن رجلاً منهم أودع رجلاً مالاً فجحده المودع عنده، فتحاكما إلى السلسلة فعمد الذي جحد الوديعة إلى كلخ فقأ داخله، ثم أدخل فيه الوديعة. فلما أتيا إلى السلسة قال الجاحد للوديعة لرب المال: أمسك لي هذه الكلخة (في يدك) حتى أمس السلسة، فأمسكها رب المال وهو لا يعلم بما فيها. ثم تقدم الجاحد بحضرة الناس، وقال: اللهم إن كنت تعلم أني قد وضعت ماله في يده وقبضه مني فأسألك ألا تفضحني ومَدَّ يده فأدرك السلسة فأقبل صاحب المال يقول: والله يا بني إسرائيل (إن هذه السلسلة لباطل وزور، فرفع الله السلسلة من ذلك الوقت.
ويروى أنه كان لهم عمودان، فإذا أتهم أحد بزنى فَأَقَرَّ رُجِمَ، وإن جحد أدخل بين) العمودين فإن كان كاذباً انضما عليه فقتلاه، وإن (كان بريئاً) سلم.
وكان الرجل منهم يعمل الذنب لا يعلم به أحد فيصبح ويجده مكتوباً على بابه.
قال قتادة: البلاء هو أنه (تعالى نجاهم) من عدوهم، ثم أقطعهم البحر وظلل عليهم الغمام، وأنزل عليهم المن والسلوى. فيكون البلاء هنا على قول قتادة، النعمة.
وقال ابن زيد: ابتلاهم بالخير والشر، يختبرهم فيما آتاهم من الآيات، من يؤمن بها ومن يكفر.
* *
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ هَـٰؤُلاَءِ لَيَقُولُونَ * إِنْ هِيَ إِلاَّ مَوْتَتُنَا ٱلأُوْلَىٰ وَمَا نَحْنُ بِمُنشَرِينَ﴾، أي: إن مشركي قريش يا محمد ليقولن ما هي إلا موتتنا التي نموتها، وما نحن بعد مماتنا بمبعوثين تكذيباً منهم للبعث والثواب والعقاب.
* *
ثم قال: ﴿فَأْتُواْ بِآبَآئِنَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾، أي: قالوا لمحمد عليه السلام ومن آمن به فأتوا بآبائنا، أي: فأحيهم لنا لنسألهم عن صدقكم إن كنتم صادقين.
* *
ثم قال تعالى: ﴿أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾، أي: أهؤلاء المشركون يا محمد خير أم قوم تبع الحميري.
وقالت عائشة رضي الله عنها: كان "تبع" رجلاً صالحاً، فذم الله قومه ولم يذمه.
قال كعب: كان "تبع" ملكاً من الملوك، وكان قومه كُهَّاناً، وكان معه قوم من أهل الكتاب [فكان قومه يكذبون على أهل الكتاب عنده.
فقال لهم جميعاً: قربوا قرباناً فَقَرَّبُوا. فتقبل قربان أهل الكتاب] ولم يتقبل قربان قومه فأسلم، فلذلك ذكر الله عز وجل قومه ولم يذكره.
قال أبو عبيدة: "تبع" اسم ملك من ملوك اليمن، سمي بذلك لأنه يتبع صاحبه.
وروى سهل بن سعد الساعدي أن النبي ﷺ قال: "لاَ تَلْعَنُوا تُبَّعاً فَإِنَّهُ (قَدْ كَانَ) "أَسْلَمَ"
وقوله: ﴿وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾، أي: من قبل قوم تُبَّع من الأمم الكافرة بربها. يقول الله جل ذكره: فليس هؤلاء المشركون من قومك يا محمد بخير من أولئك الذين أهلكوا بكفرهم، فطمعوا أن (نصفح عنهم) ولا نعذبهم وننتقم منهم بكفرهم.
* *
وقوله: ﴿أَهْلَكْنَاهُمْ إِنَّهُمْ كَانُواْ مُجْرِمِينَ﴾، أي: أهلكنا قوم تبع والذين من قبلهم من الأمم الكافرة إنهم كانوا قوماً مجرمين. فإذا انتقمنا من الأفضل لكفره فما ظنك بالأدون.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَـٰعِبِينَ﴾، أي: لم نخلق ذلك لعبا، بل خلقناه لإقامة العمل والحق الذي لا يصلح التدبير إلا به.
ينبه جل ذكره خلقه على صحة كون البعث والثواب والعقاب، وأنه لم يخلق الخلق عبثا، بل خلقهم ليبلوهم أيهم أحسن عملا وأقبل للطاعة، فيجازي المحسن بالإحسان والمسيء بما أراد، وهو قوله: ﴿مَا خَلَقْنَاهُمَآ إِلاَّ بِٱلْحَقّ﴾، أي للحق والعدل.
﴿وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ﴾، أي: أكثر هؤلاء المشركين لا يعلمون أن الله خلق (ذلك لذلك) فهم لا يخافون عقاباً (ولا يرجعون لتكذيبهم) بالمعاد والثواب والعقاب.
وذهب أبو حاتم إلى جواز الوقف على "تبع". يقدر أن قوله: "والذين من قبلهم أهلكناهم" مبتدأ وخبره. كأنه يجعل المهلكين هم الذين كانوا من قبل قوم تبع (لا قوم تبع). والوقف عند غيره "أهلكناهم" على أن يكون الذين عطف على "قوم" وَأَتَمُّ منه "مجرمين".
(ثم قال: ﴿إِنَّ يَوْمَ ٱلْفَصْلِ مِيقَاتُهُمْ أَجْمَعِينَ﴾، أي: إن يوم فصل الله بين خلقه وقت لجميع الخلق يجتمعون فيه للفصل بينهم).
* *
ثم قال تعالى: ﴿يَوْمَ لاَ يُغْنِي مَوْلًى عَن مَّوْلًى شَيْئاً﴾. "يوم" بدل من "يوم" الأول. ومعناه إن يوم لا يغني ولي عن ولي شيئاً وقت لجميع الخلق يجتمعون فيه للفصل بينهم، أي: يوم لا يدفع ابن عم عن ابن عم، ولا صاحب عن صاحب شيئاً من العذاب.
﴿وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ﴾، أي: ولا ينصرهم أحد مما حَلَّ بهم من النقمة بكفرهم.
قال قتادة: "انقطعت الأسباب يومئذ يا ابن آدم، وصار الناس يومئذ إلى أعمالهم، فمن أصاب يومئذ خيراً سَعِدَ به، ومن أصاب يومئذ شراً شقي به".
والمولى والولي في اللغة: الناصر.
وقول النبي ﷺ: "مَنْ كُنْتُ مَوْلاَهُ فَعَلِيٌّ مَوْلاَهُ" في تفسيره ثلاثة أقوال:
- أحدها: إن معناه: من كنت أتولاه فعلي يتولاه.
- والثاني: من كان (يتولاني، يتولاه) علي.
- والثالث: إنه كان قوله ذلك في سبب، وذلك أن أسامة بن زيد قال لعلي: لست مولاي، إنما مولاي رسول الله فقال رسول الله ﷺ: "من كنت مولاه فعلي مولاه
ثم قال تعالى: ﴿إِلاَّ مَن رَّحِمَ ٱللَّهُ إِنَّهُ هُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ﴾ "من" عند الأخفش في موضع رفع على البدل على المعنى كأن التقدير: (ولا ينصر) أحد إلا من رحم الله.
وأجاز أن تكون في موضع رفع على الابتداء. كأنه في التقدير: إلا من رحم الله فيغني عن غيره، أي: يشفع لغيره ممن أراد الله عز وجل له الشفاعة كما قال: ﴿وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ٱرْتَضَىٰ﴾ [الأنبياء: ٢٨].
وقيل: "من" رفع لفعلها، أي لا يغني إلا من رحم الله ("فمن" على هذا القول بدل من "مولى" أي: لا يشفع إلا من رحم الله).
وقد صح عن النبي ﷺ أن المؤمنين يشفعون. وقال الكسائي "من" في موضع نصب على الاستثناء المنقطع وهو قول الفراء. وتقف على "ينصرون" إن جعلت "من" (ابتداء، ويكون) التقدير: إلا من رحم الله فإنه تغني شفاعته.
فإن جعلت "من" بدلاً أو استثناء منقطعاً لم تقف على ينصرون.
وروى أنس عن النبي ﷺ أنه قال: "إِنَّ الرَّجُلَ مِنَ المُؤْمِنِينَ يُقَامُ في صَفِّ أَهْلِ الجَنَّةِ حَتَّى يَرَى رَجُلاً مِنَ المُوَحِّدِينَ قَائِماً (فِي صَفِّ) أَهْلِ النَّارِ (قدْ أَحْسَنَ إِلَيْهِ) في الدُّنْيَا فَيُذَكِّرُهُ ذَلِكَ فَيَذْكُرُ، فَيَشفَعُ فِيهِ فَيُحَوَّلُ إِلى صَفِّ أَهْلِ الجَنَّةِ
وقوله: ﴿إِنَّهُ هُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ﴾، أي: العزيز في انتقامه من أعدائه، الرحيم بأوليائه وأهل طاعته.
الدخان 44:34
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَجَّيْنَا بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ﴾ - إلى قوله - ﴿هُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ﴾، أي: ولقد نجى الله عز وجل بني إسرائيل من العذاب المذل والإهانة التي كان فرعون وقومه يعذبونهم بها. قال قتادة: عذابهم لبني إسرائيل هو قتلهم أبناؤهم واستحياء نساءهم.
* *
ثم قال: ﴿إِنَّهُ كَانَ عَالِياً مِّنَ ٱلْمُسْرِفِينَ﴾ أي: إن فرعون كان جباراً مستكبراً على ربه سبحانه مسرفاً متجاوزاً إلى غير ما يحب له من الكفر والطغيان.
قال ابن عباس: من المسرفين: من المشركين. وقال الضحاك: من القتالين.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدِ ٱخْتَرْنَاهُمْ عَلَىٰ عِلْمٍ عَلَى ٱلْعَالَمِينَ﴾، أي: ولقد اخترنا بني إسرائيل على علم منا بهم على عالم زمانهم وقيل معناه: اخترناهم للرسالة والتشريف على علم منا بهم فذكر تعالى أنه أختارهم لكثرة الأنبياء منهم.
قال قتادة ومجاهد معناه: اخترناهم على أهل زمانهم ذلك ولكل زمان عالم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُم مِّنَ ٱلآيَاتِ مَا فِيهِ بَلاَءٌ مُّبِينٌ﴾، أي: وأعطيناهم من العبر والعظات ما فيه اختبار يبين لمن تأمله أنه اختبار اختبرهم الله عز وجل به.
وقيل المعنى: آتيناهم نعماً عظيمة وعبراً ظاهرةً.
روي أن الله عز وجل أنزل ببيت المقدس سلسلة معلقة من السماء فكانوا يتحاكمون في حقوقهم وخصوماتهم ودعاويهم إلى السلسلة. فمن كان محقاً أدرك بيده مس السلسلة، ومن كان مبطلاً لم يدرك بيده مسها، فلم يزالوا كذلك حتى مكروا فرفعت، وذلك فيما روي أن رجلاً منهم أودع رجلاً مالاً فجحده المودع عنده، فتحاكما إلى السلسلة فعمد الذي جحد الوديعة إلى كلخ فقأ داخله، ثم أدخل فيه الوديعة. فلما أتيا إلى السلسة قال الجاحد للوديعة لرب المال: أمسك لي هذه الكلخة (في يدك) حتى أمس السلسة، فأمسكها رب المال وهو لا يعلم بما فيها. ثم تقدم الجاحد بحضرة الناس، وقال: اللهم إن كنت تعلم أني قد وضعت ماله في يده وقبضه مني فأسألك ألا تفضحني ومَدَّ يده فأدرك السلسة فأقبل صاحب المال يقول: والله يا بني إسرائيل (إن هذه السلسلة لباطل وزور، فرفع الله السلسلة من ذلك الوقت.
ويروى أنه كان لهم عمودان، فإذا أتهم أحد بزنى فَأَقَرَّ رُجِمَ، وإن جحد أدخل بين) العمودين فإن كان كاذباً انضما عليه فقتلاه، وإن (كان بريئاً) سلم.
وكان الرجل منهم يعمل الذنب لا يعلم به أحد فيصبح ويجده مكتوباً على بابه.
قال قتادة: البلاء هو أنه (تعالى نجاهم) من عدوهم، ثم أقطعهم البحر وظلل عليهم الغمام، وأنزل عليهم المن والسلوى. فيكون البلاء هنا على قول قتادة، النعمة.
وقال ابن زيد: ابتلاهم بالخير والشر، يختبرهم فيما آتاهم من الآيات، من يؤمن بها ومن يكفر.
* *
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ هَـٰؤُلاَءِ لَيَقُولُونَ * إِنْ هِيَ إِلاَّ مَوْتَتُنَا ٱلأُوْلَىٰ وَمَا نَحْنُ بِمُنشَرِينَ﴾، أي: إن مشركي قريش يا محمد ليقولن ما هي إلا موتتنا التي نموتها، وما نحن بعد مماتنا بمبعوثين تكذيباً منهم للبعث والثواب والعقاب.
* *
ثم قال: ﴿فَأْتُواْ بِآبَآئِنَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾، أي: قالوا لمحمد عليه السلام ومن آمن به فأتوا بآبائنا، أي: فأحيهم لنا لنسألهم عن صدقكم إن كنتم صادقين.
* *
ثم قال تعالى: ﴿أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾، أي: أهؤلاء المشركون يا محمد خير أم قوم تبع الحميري.
وقالت عائشة رضي الله عنها: كان "تبع" رجلاً صالحاً، فذم الله قومه ولم يذمه.
قال كعب: كان "تبع" ملكاً من الملوك، وكان قومه كُهَّاناً، وكان معه قوم من أهل الكتاب [فكان قومه يكذبون على أهل الكتاب عنده.
فقال لهم جميعاً: قربوا قرباناً فَقَرَّبُوا. فتقبل قربان أهل الكتاب] ولم يتقبل قربان قومه فأسلم، فلذلك ذكر الله عز وجل قومه ولم يذكره.
قال أبو عبيدة: "تبع" اسم ملك من ملوك اليمن، سمي بذلك لأنه يتبع صاحبه.
وروى سهل بن سعد الساعدي أن النبي ﷺ قال: "لاَ تَلْعَنُوا تُبَّعاً فَإِنَّهُ (قَدْ كَانَ) "أَسْلَمَ"
وقوله: ﴿وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾، أي: من قبل قوم تُبَّع من الأمم الكافرة بربها. يقول الله جل ذكره: فليس هؤلاء المشركون من قومك يا محمد بخير من أولئك الذين أهلكوا بكفرهم، فطمعوا أن (نصفح عنهم) ولا نعذبهم وننتقم منهم بكفرهم.
* *
وقوله: ﴿أَهْلَكْنَاهُمْ إِنَّهُمْ كَانُواْ مُجْرِمِينَ﴾، أي: أهلكنا قوم تبع والذين من قبلهم من الأمم الكافرة إنهم كانوا قوماً مجرمين. فإذا انتقمنا من الأفضل لكفره فما ظنك بالأدون.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَـٰعِبِينَ﴾، أي: لم نخلق ذلك لعبا، بل خلقناه لإقامة العمل والحق الذي لا يصلح التدبير إلا به.
ينبه جل ذكره خلقه على صحة كون البعث والثواب والعقاب، وأنه لم يخلق الخلق عبثا، بل خلقهم ليبلوهم أيهم أحسن عملا وأقبل للطاعة، فيجازي المحسن بالإحسان والمسيء بما أراد، وهو قوله: ﴿مَا خَلَقْنَاهُمَآ إِلاَّ بِٱلْحَقّ﴾، أي للحق والعدل.
﴿وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ﴾، أي: أكثر هؤلاء المشركين لا يعلمون أن الله خلق (ذلك لذلك) فهم لا يخافون عقاباً (ولا يرجعون لتكذيبهم) بالمعاد والثواب والعقاب.
وذهب أبو حاتم إلى جواز الوقف على "تبع". يقدر أن قوله: "والذين من قبلهم أهلكناهم" مبتدأ وخبره. كأنه يجعل المهلكين هم الذين كانوا من قبل قوم تبع (لا قوم تبع). والوقف عند غيره "أهلكناهم" على أن يكون الذين عطف على "قوم" وَأَتَمُّ منه "مجرمين".
(ثم قال: ﴿إِنَّ يَوْمَ ٱلْفَصْلِ مِيقَاتُهُمْ أَجْمَعِينَ﴾، أي: إن يوم فصل الله بين خلقه وقت لجميع الخلق يجتمعون فيه للفصل بينهم).
* *
ثم قال تعالى: ﴿يَوْمَ لاَ يُغْنِي مَوْلًى عَن مَّوْلًى شَيْئاً﴾. "يوم" بدل من "يوم" الأول. ومعناه إن يوم لا يغني ولي عن ولي شيئاً وقت لجميع الخلق يجتمعون فيه للفصل بينهم، أي: يوم لا يدفع ابن عم عن ابن عم، ولا صاحب عن صاحب شيئاً من العذاب.
﴿وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ﴾، أي: ولا ينصرهم أحد مما حَلَّ بهم من النقمة بكفرهم.
قال قتادة: "انقطعت الأسباب يومئذ يا ابن آدم، وصار الناس يومئذ إلى أعمالهم، فمن أصاب يومئذ خيراً سَعِدَ به، ومن أصاب يومئذ شراً شقي به".
والمولى والولي في اللغة: الناصر.
وقول النبي ﷺ: "مَنْ كُنْتُ مَوْلاَهُ فَعَلِيٌّ مَوْلاَهُ" في تفسيره ثلاثة أقوال:
- أحدها: إن معناه: من كنت أتولاه فعلي يتولاه.
- والثاني: من كان (يتولاني، يتولاه) علي.
- والثالث: إنه كان قوله ذلك في سبب، وذلك أن أسامة بن زيد قال لعلي: لست مولاي، إنما مولاي رسول الله فقال رسول الله ﷺ: "من كنت مولاه فعلي مولاه
ثم قال تعالى: ﴿إِلاَّ مَن رَّحِمَ ٱللَّهُ إِنَّهُ هُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ﴾ "من" عند الأخفش في موضع رفع على البدل على المعنى كأن التقدير: (ولا ينصر) أحد إلا من رحم الله.
وأجاز أن تكون في موضع رفع على الابتداء. كأنه في التقدير: إلا من رحم الله فيغني عن غيره، أي: يشفع لغيره ممن أراد الله عز وجل له الشفاعة كما قال: ﴿وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ٱرْتَضَىٰ﴾ [الأنبياء: ٢٨].
وقيل: "من" رفع لفعلها، أي لا يغني إلا من رحم الله ("فمن" على هذا القول بدل من "مولى" أي: لا يشفع إلا من رحم الله).
وقد صح عن النبي ﷺ أن المؤمنين يشفعون. وقال الكسائي "من" في موضع نصب على الاستثناء المنقطع وهو قول الفراء. وتقف على "ينصرون" إن جعلت "من" (ابتداء، ويكون) التقدير: إلا من رحم الله فإنه تغني شفاعته.
فإن جعلت "من" بدلاً أو استثناء منقطعاً لم تقف على ينصرون.
وروى أنس عن النبي ﷺ أنه قال: "إِنَّ الرَّجُلَ مِنَ المُؤْمِنِينَ يُقَامُ في صَفِّ أَهْلِ الجَنَّةِ حَتَّى يَرَى رَجُلاً مِنَ المُوَحِّدِينَ قَائِماً (فِي صَفِّ) أَهْلِ النَّارِ (قدْ أَحْسَنَ إِلَيْهِ) في الدُّنْيَا فَيُذَكِّرُهُ ذَلِكَ فَيَذْكُرُ، فَيَشفَعُ فِيهِ فَيُحَوَّلُ إِلى صَفِّ أَهْلِ الجَنَّةِ
وقوله: ﴿إِنَّهُ هُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ﴾، أي: العزيز في انتقامه من أعدائه، الرحيم بأوليائه وأهل طاعته.
الدخان 44:35
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَجَّيْنَا بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ﴾ - إلى قوله - ﴿هُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ﴾، أي: ولقد نجى الله عز وجل بني إسرائيل من العذاب المذل والإهانة التي كان فرعون وقومه يعذبونهم بها. قال قتادة: عذابهم لبني إسرائيل هو قتلهم أبناؤهم واستحياء نساءهم.
* *
ثم قال: ﴿إِنَّهُ كَانَ عَالِياً مِّنَ ٱلْمُسْرِفِينَ﴾ أي: إن فرعون كان جباراً مستكبراً على ربه سبحانه مسرفاً متجاوزاً إلى غير ما يحب له من الكفر والطغيان.
قال ابن عباس: من المسرفين: من المشركين. وقال الضحاك: من القتالين.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدِ ٱخْتَرْنَاهُمْ عَلَىٰ عِلْمٍ عَلَى ٱلْعَالَمِينَ﴾، أي: ولقد اخترنا بني إسرائيل على علم منا بهم على عالم زمانهم وقيل معناه: اخترناهم للرسالة والتشريف على علم منا بهم فذكر تعالى أنه أختارهم لكثرة الأنبياء منهم.
قال قتادة ومجاهد معناه: اخترناهم على أهل زمانهم ذلك ولكل زمان عالم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُم مِّنَ ٱلآيَاتِ مَا فِيهِ بَلاَءٌ مُّبِينٌ﴾، أي: وأعطيناهم من العبر والعظات ما فيه اختبار يبين لمن تأمله أنه اختبار اختبرهم الله عز وجل به.
وقيل المعنى: آتيناهم نعماً عظيمة وعبراً ظاهرةً.
روي أن الله عز وجل أنزل ببيت المقدس سلسلة معلقة من السماء فكانوا يتحاكمون في حقوقهم وخصوماتهم ودعاويهم إلى السلسلة. فمن كان محقاً أدرك بيده مس السلسلة، ومن كان مبطلاً لم يدرك بيده مسها، فلم يزالوا كذلك حتى مكروا فرفعت، وذلك فيما روي أن رجلاً منهم أودع رجلاً مالاً فجحده المودع عنده، فتحاكما إلى السلسلة فعمد الذي جحد الوديعة إلى كلخ فقأ داخله، ثم أدخل فيه الوديعة. فلما أتيا إلى السلسة قال الجاحد للوديعة لرب المال: أمسك لي هذه الكلخة (في يدك) حتى أمس السلسة، فأمسكها رب المال وهو لا يعلم بما فيها. ثم تقدم الجاحد بحضرة الناس، وقال: اللهم إن كنت تعلم أني قد وضعت ماله في يده وقبضه مني فأسألك ألا تفضحني ومَدَّ يده فأدرك السلسة فأقبل صاحب المال يقول: والله يا بني إسرائيل (إن هذه السلسلة لباطل وزور، فرفع الله السلسلة من ذلك الوقت.
ويروى أنه كان لهم عمودان، فإذا أتهم أحد بزنى فَأَقَرَّ رُجِمَ، وإن جحد أدخل بين) العمودين فإن كان كاذباً انضما عليه فقتلاه، وإن (كان بريئاً) سلم.
وكان الرجل منهم يعمل الذنب لا يعلم به أحد فيصبح ويجده مكتوباً على بابه.
قال قتادة: البلاء هو أنه (تعالى نجاهم) من عدوهم، ثم أقطعهم البحر وظلل عليهم الغمام، وأنزل عليهم المن والسلوى. فيكون البلاء هنا على قول قتادة، النعمة.
وقال ابن زيد: ابتلاهم بالخير والشر، يختبرهم فيما آتاهم من الآيات، من يؤمن بها ومن يكفر.
* *
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ هَـٰؤُلاَءِ لَيَقُولُونَ * إِنْ هِيَ إِلاَّ مَوْتَتُنَا ٱلأُوْلَىٰ وَمَا نَحْنُ بِمُنشَرِينَ﴾، أي: إن مشركي قريش يا محمد ليقولن ما هي إلا موتتنا التي نموتها، وما نحن بعد مماتنا بمبعوثين تكذيباً منهم للبعث والثواب والعقاب.
* *
ثم قال: ﴿فَأْتُواْ بِآبَآئِنَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾، أي: قالوا لمحمد عليه السلام ومن آمن به فأتوا بآبائنا، أي: فأحيهم لنا لنسألهم عن صدقكم إن كنتم صادقين.
* *
ثم قال تعالى: ﴿أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾، أي: أهؤلاء المشركون يا محمد خير أم قوم تبع الحميري.
وقالت عائشة رضي الله عنها: كان "تبع" رجلاً صالحاً، فذم الله قومه ولم يذمه.
قال كعب: كان "تبع" ملكاً من الملوك، وكان قومه كُهَّاناً، وكان معه قوم من أهل الكتاب [فكان قومه يكذبون على أهل الكتاب عنده.
فقال لهم جميعاً: قربوا قرباناً فَقَرَّبُوا. فتقبل قربان أهل الكتاب] ولم يتقبل قربان قومه فأسلم، فلذلك ذكر الله عز وجل قومه ولم يذكره.
قال أبو عبيدة: "تبع" اسم ملك من ملوك اليمن، سمي بذلك لأنه يتبع صاحبه.
وروى سهل بن سعد الساعدي أن النبي ﷺ قال: "لاَ تَلْعَنُوا تُبَّعاً فَإِنَّهُ (قَدْ كَانَ) "أَسْلَمَ"
وقوله: ﴿وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾، أي: من قبل قوم تُبَّع من الأمم الكافرة بربها. يقول الله جل ذكره: فليس هؤلاء المشركون من قومك يا محمد بخير من أولئك الذين أهلكوا بكفرهم، فطمعوا أن (نصفح عنهم) ولا نعذبهم وننتقم منهم بكفرهم.
* *
وقوله: ﴿أَهْلَكْنَاهُمْ إِنَّهُمْ كَانُواْ مُجْرِمِينَ﴾، أي: أهلكنا قوم تبع والذين من قبلهم من الأمم الكافرة إنهم كانوا قوماً مجرمين. فإذا انتقمنا من الأفضل لكفره فما ظنك بالأدون.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَـٰعِبِينَ﴾، أي: لم نخلق ذلك لعبا، بل خلقناه لإقامة العمل والحق الذي لا يصلح التدبير إلا به.
ينبه جل ذكره خلقه على صحة كون البعث والثواب والعقاب، وأنه لم يخلق الخلق عبثا، بل خلقهم ليبلوهم أيهم أحسن عملا وأقبل للطاعة، فيجازي المحسن بالإحسان والمسيء بما أراد، وهو قوله: ﴿مَا خَلَقْنَاهُمَآ إِلاَّ بِٱلْحَقّ﴾، أي للحق والعدل.
﴿وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ﴾، أي: أكثر هؤلاء المشركين لا يعلمون أن الله خلق (ذلك لذلك) فهم لا يخافون عقاباً (ولا يرجعون لتكذيبهم) بالمعاد والثواب والعقاب.
وذهب أبو حاتم إلى جواز الوقف على "تبع". يقدر أن قوله: "والذين من قبلهم أهلكناهم" مبتدأ وخبره. كأنه يجعل المهلكين هم الذين كانوا من قبل قوم تبع (لا قوم تبع). والوقف عند غيره "أهلكناهم" على أن يكون الذين عطف على "قوم" وَأَتَمُّ منه "مجرمين".
(ثم قال: ﴿إِنَّ يَوْمَ ٱلْفَصْلِ مِيقَاتُهُمْ أَجْمَعِينَ﴾، أي: إن يوم فصل الله بين خلقه وقت لجميع الخلق يجتمعون فيه للفصل بينهم).
* *
ثم قال تعالى: ﴿يَوْمَ لاَ يُغْنِي مَوْلًى عَن مَّوْلًى شَيْئاً﴾. "يوم" بدل من "يوم" الأول. ومعناه إن يوم لا يغني ولي عن ولي شيئاً وقت لجميع الخلق يجتمعون فيه للفصل بينهم، أي: يوم لا يدفع ابن عم عن ابن عم، ولا صاحب عن صاحب شيئاً من العذاب.
﴿وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ﴾، أي: ولا ينصرهم أحد مما حَلَّ بهم من النقمة بكفرهم.
قال قتادة: "انقطعت الأسباب يومئذ يا ابن آدم، وصار الناس يومئذ إلى أعمالهم، فمن أصاب يومئذ خيراً سَعِدَ به، ومن أصاب يومئذ شراً شقي به".
والمولى والولي في اللغة: الناصر.
وقول النبي ﷺ: "مَنْ كُنْتُ مَوْلاَهُ فَعَلِيٌّ مَوْلاَهُ" في تفسيره ثلاثة أقوال:
- أحدها: إن معناه: من كنت أتولاه فعلي يتولاه.
- والثاني: من كان (يتولاني، يتولاه) علي.
- والثالث: إنه كان قوله ذلك في سبب، وذلك أن أسامة بن زيد قال لعلي: لست مولاي، إنما مولاي رسول الله فقال رسول الله ﷺ: "من كنت مولاه فعلي مولاه
ثم قال تعالى: ﴿إِلاَّ مَن رَّحِمَ ٱللَّهُ إِنَّهُ هُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ﴾ "من" عند الأخفش في موضع رفع على البدل على المعنى كأن التقدير: (ولا ينصر) أحد إلا من رحم الله.
وأجاز أن تكون في موضع رفع على الابتداء. كأنه في التقدير: إلا من رحم الله فيغني عن غيره، أي: يشفع لغيره ممن أراد الله عز وجل له الشفاعة كما قال: ﴿وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ٱرْتَضَىٰ﴾ [الأنبياء: ٢٨].
وقيل: "من" رفع لفعلها، أي لا يغني إلا من رحم الله ("فمن" على هذا القول بدل من "مولى" أي: لا يشفع إلا من رحم الله).
وقد صح عن النبي ﷺ أن المؤمنين يشفعون. وقال الكسائي "من" في موضع نصب على الاستثناء المنقطع وهو قول الفراء. وتقف على "ينصرون" إن جعلت "من" (ابتداء، ويكون) التقدير: إلا من رحم الله فإنه تغني شفاعته.
فإن جعلت "من" بدلاً أو استثناء منقطعاً لم تقف على ينصرون.
وروى أنس عن النبي ﷺ أنه قال: "إِنَّ الرَّجُلَ مِنَ المُؤْمِنِينَ يُقَامُ في صَفِّ أَهْلِ الجَنَّةِ حَتَّى يَرَى رَجُلاً مِنَ المُوَحِّدِينَ قَائِماً (فِي صَفِّ) أَهْلِ النَّارِ (قدْ أَحْسَنَ إِلَيْهِ) في الدُّنْيَا فَيُذَكِّرُهُ ذَلِكَ فَيَذْكُرُ، فَيَشفَعُ فِيهِ فَيُحَوَّلُ إِلى صَفِّ أَهْلِ الجَنَّةِ
وقوله: ﴿إِنَّهُ هُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ﴾، أي: العزيز في انتقامه من أعدائه، الرحيم بأوليائه وأهل طاعته.
الدخان 44:36
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَجَّيْنَا بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ﴾ - إلى قوله - ﴿هُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ﴾، أي: ولقد نجى الله عز وجل بني إسرائيل من العذاب المذل والإهانة التي كان فرعون وقومه يعذبونهم بها. قال قتادة: عذابهم لبني إسرائيل هو قتلهم أبناؤهم واستحياء نساءهم.
* *
ثم قال: ﴿إِنَّهُ كَانَ عَالِياً مِّنَ ٱلْمُسْرِفِينَ﴾ أي: إن فرعون كان جباراً مستكبراً على ربه سبحانه مسرفاً متجاوزاً إلى غير ما يحب له من الكفر والطغيان.
قال ابن عباس: من المسرفين: من المشركين. وقال الضحاك: من القتالين.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدِ ٱخْتَرْنَاهُمْ عَلَىٰ عِلْمٍ عَلَى ٱلْعَالَمِينَ﴾، أي: ولقد اخترنا بني إسرائيل على علم منا بهم على عالم زمانهم وقيل معناه: اخترناهم للرسالة والتشريف على علم منا بهم فذكر تعالى أنه أختارهم لكثرة الأنبياء منهم.
قال قتادة ومجاهد معناه: اخترناهم على أهل زمانهم ذلك ولكل زمان عالم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُم مِّنَ ٱلآيَاتِ مَا فِيهِ بَلاَءٌ مُّبِينٌ﴾، أي: وأعطيناهم من العبر والعظات ما فيه اختبار يبين لمن تأمله أنه اختبار اختبرهم الله عز وجل به.
وقيل المعنى: آتيناهم نعماً عظيمة وعبراً ظاهرةً.
روي أن الله عز وجل أنزل ببيت المقدس سلسلة معلقة من السماء فكانوا يتحاكمون في حقوقهم وخصوماتهم ودعاويهم إلى السلسلة. فمن كان محقاً أدرك بيده مس السلسلة، ومن كان مبطلاً لم يدرك بيده مسها، فلم يزالوا كذلك حتى مكروا فرفعت، وذلك فيما روي أن رجلاً منهم أودع رجلاً مالاً فجحده المودع عنده، فتحاكما إلى السلسلة فعمد الذي جحد الوديعة إلى كلخ فقأ داخله، ثم أدخل فيه الوديعة. فلما أتيا إلى السلسة قال الجاحد للوديعة لرب المال: أمسك لي هذه الكلخة (في يدك) حتى أمس السلسة، فأمسكها رب المال وهو لا يعلم بما فيها. ثم تقدم الجاحد بحضرة الناس، وقال: اللهم إن كنت تعلم أني قد وضعت ماله في يده وقبضه مني فأسألك ألا تفضحني ومَدَّ يده فأدرك السلسة فأقبل صاحب المال يقول: والله يا بني إسرائيل (إن هذه السلسلة لباطل وزور، فرفع الله السلسلة من ذلك الوقت.
ويروى أنه كان لهم عمودان، فإذا أتهم أحد بزنى فَأَقَرَّ رُجِمَ، وإن جحد أدخل بين) العمودين فإن كان كاذباً انضما عليه فقتلاه، وإن (كان بريئاً) سلم.
وكان الرجل منهم يعمل الذنب لا يعلم به أحد فيصبح ويجده مكتوباً على بابه.
قال قتادة: البلاء هو أنه (تعالى نجاهم) من عدوهم، ثم أقطعهم البحر وظلل عليهم الغمام، وأنزل عليهم المن والسلوى. فيكون البلاء هنا على قول قتادة، النعمة.
وقال ابن زيد: ابتلاهم بالخير والشر، يختبرهم فيما آتاهم من الآيات، من يؤمن بها ومن يكفر.
* *
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ هَـٰؤُلاَءِ لَيَقُولُونَ * إِنْ هِيَ إِلاَّ مَوْتَتُنَا ٱلأُوْلَىٰ وَمَا نَحْنُ بِمُنشَرِينَ﴾، أي: إن مشركي قريش يا محمد ليقولن ما هي إلا موتتنا التي نموتها، وما نحن بعد مماتنا بمبعوثين تكذيباً منهم للبعث والثواب والعقاب.
* *
ثم قال: ﴿فَأْتُواْ بِآبَآئِنَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾، أي: قالوا لمحمد عليه السلام ومن آمن به فأتوا بآبائنا، أي: فأحيهم لنا لنسألهم عن صدقكم إن كنتم صادقين.
* *
ثم قال تعالى: ﴿أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾، أي: أهؤلاء المشركون يا محمد خير أم قوم تبع الحميري.
وقالت عائشة رضي الله عنها: كان "تبع" رجلاً صالحاً، فذم الله قومه ولم يذمه.
قال كعب: كان "تبع" ملكاً من الملوك، وكان قومه كُهَّاناً، وكان معه قوم من أهل الكتاب [فكان قومه يكذبون على أهل الكتاب عنده.
فقال لهم جميعاً: قربوا قرباناً فَقَرَّبُوا. فتقبل قربان أهل الكتاب] ولم يتقبل قربان قومه فأسلم، فلذلك ذكر الله عز وجل قومه ولم يذكره.
قال أبو عبيدة: "تبع" اسم ملك من ملوك اليمن، سمي بذلك لأنه يتبع صاحبه.
وروى سهل بن سعد الساعدي أن النبي ﷺ قال: "لاَ تَلْعَنُوا تُبَّعاً فَإِنَّهُ (قَدْ كَانَ) "أَسْلَمَ"
وقوله: ﴿وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾، أي: من قبل قوم تُبَّع من الأمم الكافرة بربها. يقول الله جل ذكره: فليس هؤلاء المشركون من قومك يا محمد بخير من أولئك الذين أهلكوا بكفرهم، فطمعوا أن (نصفح عنهم) ولا نعذبهم وننتقم منهم بكفرهم.
* *
وقوله: ﴿أَهْلَكْنَاهُمْ إِنَّهُمْ كَانُواْ مُجْرِمِينَ﴾، أي: أهلكنا قوم تبع والذين من قبلهم من الأمم الكافرة إنهم كانوا قوماً مجرمين. فإذا انتقمنا من الأفضل لكفره فما ظنك بالأدون.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَـٰعِبِينَ﴾، أي: لم نخلق ذلك لعبا، بل خلقناه لإقامة العمل والحق الذي لا يصلح التدبير إلا به.
ينبه جل ذكره خلقه على صحة كون البعث والثواب والعقاب، وأنه لم يخلق الخلق عبثا، بل خلقهم ليبلوهم أيهم أحسن عملا وأقبل للطاعة، فيجازي المحسن بالإحسان والمسيء بما أراد، وهو قوله: ﴿مَا خَلَقْنَاهُمَآ إِلاَّ بِٱلْحَقّ﴾، أي للحق والعدل.
﴿وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ﴾، أي: أكثر هؤلاء المشركين لا يعلمون أن الله خلق (ذلك لذلك) فهم لا يخافون عقاباً (ولا يرجعون لتكذيبهم) بالمعاد والثواب والعقاب.
وذهب أبو حاتم إلى جواز الوقف على "تبع". يقدر أن قوله: "والذين من قبلهم أهلكناهم" مبتدأ وخبره. كأنه يجعل المهلكين هم الذين كانوا من قبل قوم تبع (لا قوم تبع). والوقف عند غيره "أهلكناهم" على أن يكون الذين عطف على "قوم" وَأَتَمُّ منه "مجرمين".
(ثم قال: ﴿إِنَّ يَوْمَ ٱلْفَصْلِ مِيقَاتُهُمْ أَجْمَعِينَ﴾، أي: إن يوم فصل الله بين خلقه وقت لجميع الخلق يجتمعون فيه للفصل بينهم).
* *
ثم قال تعالى: ﴿يَوْمَ لاَ يُغْنِي مَوْلًى عَن مَّوْلًى شَيْئاً﴾. "يوم" بدل من "يوم" الأول. ومعناه إن يوم لا يغني ولي عن ولي شيئاً وقت لجميع الخلق يجتمعون فيه للفصل بينهم، أي: يوم لا يدفع ابن عم عن ابن عم، ولا صاحب عن صاحب شيئاً من العذاب.
﴿وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ﴾، أي: ولا ينصرهم أحد مما حَلَّ بهم من النقمة بكفرهم.
قال قتادة: "انقطعت الأسباب يومئذ يا ابن آدم، وصار الناس يومئذ إلى أعمالهم، فمن أصاب يومئذ خيراً سَعِدَ به، ومن أصاب يومئذ شراً شقي به".
والمولى والولي في اللغة: الناصر.
وقول النبي ﷺ: "مَنْ كُنْتُ مَوْلاَهُ فَعَلِيٌّ مَوْلاَهُ" في تفسيره ثلاثة أقوال:
- أحدها: إن معناه: من كنت أتولاه فعلي يتولاه.
- والثاني: من كان (يتولاني، يتولاه) علي.
- والثالث: إنه كان قوله ذلك في سبب، وذلك أن أسامة بن زيد قال لعلي: لست مولاي، إنما مولاي رسول الله فقال رسول الله ﷺ: "من كنت مولاه فعلي مولاه
ثم قال تعالى: ﴿إِلاَّ مَن رَّحِمَ ٱللَّهُ إِنَّهُ هُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ﴾ "من" عند الأخفش في موضع رفع على البدل على المعنى كأن التقدير: (ولا ينصر) أحد إلا من رحم الله.
وأجاز أن تكون في موضع رفع على الابتداء. كأنه في التقدير: إلا من رحم الله فيغني عن غيره، أي: يشفع لغيره ممن أراد الله عز وجل له الشفاعة كما قال: ﴿وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ٱرْتَضَىٰ﴾ [الأنبياء: ٢٨].
وقيل: "من" رفع لفعلها، أي لا يغني إلا من رحم الله ("فمن" على هذا القول بدل من "مولى" أي: لا يشفع إلا من رحم الله).
وقد صح عن النبي ﷺ أن المؤمنين يشفعون. وقال الكسائي "من" في موضع نصب على الاستثناء المنقطع وهو قول الفراء. وتقف على "ينصرون" إن جعلت "من" (ابتداء، ويكون) التقدير: إلا من رحم الله فإنه تغني شفاعته.
فإن جعلت "من" بدلاً أو استثناء منقطعاً لم تقف على ينصرون.
وروى أنس عن النبي ﷺ أنه قال: "إِنَّ الرَّجُلَ مِنَ المُؤْمِنِينَ يُقَامُ في صَفِّ أَهْلِ الجَنَّةِ حَتَّى يَرَى رَجُلاً مِنَ المُوَحِّدِينَ قَائِماً (فِي صَفِّ) أَهْلِ النَّارِ (قدْ أَحْسَنَ إِلَيْهِ) في الدُّنْيَا فَيُذَكِّرُهُ ذَلِكَ فَيَذْكُرُ، فَيَشفَعُ فِيهِ فَيُحَوَّلُ إِلى صَفِّ أَهْلِ الجَنَّةِ
وقوله: ﴿إِنَّهُ هُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ﴾، أي: العزيز في انتقامه من أعدائه، الرحيم بأوليائه وأهل طاعته.
الدخان 44:37
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَجَّيْنَا بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ﴾ - إلى قوله - ﴿هُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ﴾، أي: ولقد نجى الله عز وجل بني إسرائيل من العذاب المذل والإهانة التي كان فرعون وقومه يعذبونهم بها. قال قتادة: عذابهم لبني إسرائيل هو قتلهم أبناؤهم واستحياء نساءهم.
* *
ثم قال: ﴿إِنَّهُ كَانَ عَالِياً مِّنَ ٱلْمُسْرِفِينَ﴾ أي: إن فرعون كان جباراً مستكبراً على ربه سبحانه مسرفاً متجاوزاً إلى غير ما يحب له من الكفر والطغيان.
قال ابن عباس: من المسرفين: من المشركين. وقال الضحاك: من القتالين.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدِ ٱخْتَرْنَاهُمْ عَلَىٰ عِلْمٍ عَلَى ٱلْعَالَمِينَ﴾، أي: ولقد اخترنا بني إسرائيل على علم منا بهم على عالم زمانهم وقيل معناه: اخترناهم للرسالة والتشريف على علم منا بهم فذكر تعالى أنه أختارهم لكثرة الأنبياء منهم.
قال قتادة ومجاهد معناه: اخترناهم على أهل زمانهم ذلك ولكل زمان عالم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُم مِّنَ ٱلآيَاتِ مَا فِيهِ بَلاَءٌ مُّبِينٌ﴾، أي: وأعطيناهم من العبر والعظات ما فيه اختبار يبين لمن تأمله أنه اختبار اختبرهم الله عز وجل به.
وقيل المعنى: آتيناهم نعماً عظيمة وعبراً ظاهرةً.
روي أن الله عز وجل أنزل ببيت المقدس سلسلة معلقة من السماء فكانوا يتحاكمون في حقوقهم وخصوماتهم ودعاويهم إلى السلسلة. فمن كان محقاً أدرك بيده مس السلسلة، ومن كان مبطلاً لم يدرك بيده مسها، فلم يزالوا كذلك حتى مكروا فرفعت، وذلك فيما روي أن رجلاً منهم أودع رجلاً مالاً فجحده المودع عنده، فتحاكما إلى السلسلة فعمد الذي جحد الوديعة إلى كلخ فقأ داخله، ثم أدخل فيه الوديعة. فلما أتيا إلى السلسة قال الجاحد للوديعة لرب المال: أمسك لي هذه الكلخة (في يدك) حتى أمس السلسة، فأمسكها رب المال وهو لا يعلم بما فيها. ثم تقدم الجاحد بحضرة الناس، وقال: اللهم إن كنت تعلم أني قد وضعت ماله في يده وقبضه مني فأسألك ألا تفضحني ومَدَّ يده فأدرك السلسة فأقبل صاحب المال يقول: والله يا بني إسرائيل (إن هذه السلسلة لباطل وزور، فرفع الله السلسلة من ذلك الوقت.
ويروى أنه كان لهم عمودان، فإذا أتهم أحد بزنى فَأَقَرَّ رُجِمَ، وإن جحد أدخل بين) العمودين فإن كان كاذباً انضما عليه فقتلاه، وإن (كان بريئاً) سلم.
وكان الرجل منهم يعمل الذنب لا يعلم به أحد فيصبح ويجده مكتوباً على بابه.
قال قتادة: البلاء هو أنه (تعالى نجاهم) من عدوهم، ثم أقطعهم البحر وظلل عليهم الغمام، وأنزل عليهم المن والسلوى. فيكون البلاء هنا على قول قتادة، النعمة.
وقال ابن زيد: ابتلاهم بالخير والشر، يختبرهم فيما آتاهم من الآيات، من يؤمن بها ومن يكفر.
* *
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ هَـٰؤُلاَءِ لَيَقُولُونَ * إِنْ هِيَ إِلاَّ مَوْتَتُنَا ٱلأُوْلَىٰ وَمَا نَحْنُ بِمُنشَرِينَ﴾، أي: إن مشركي قريش يا محمد ليقولن ما هي إلا موتتنا التي نموتها، وما نحن بعد مماتنا بمبعوثين تكذيباً منهم للبعث والثواب والعقاب.
* *
ثم قال: ﴿فَأْتُواْ بِآبَآئِنَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾، أي: قالوا لمحمد عليه السلام ومن آمن به فأتوا بآبائنا، أي: فأحيهم لنا لنسألهم عن صدقكم إن كنتم صادقين.
* *
ثم قال تعالى: ﴿أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾، أي: أهؤلاء المشركون يا محمد خير أم قوم تبع الحميري.
وقالت عائشة رضي الله عنها: كان "تبع" رجلاً صالحاً، فذم الله قومه ولم يذمه.
قال كعب: كان "تبع" ملكاً من الملوك، وكان قومه كُهَّاناً، وكان معه قوم من أهل الكتاب [فكان قومه يكذبون على أهل الكتاب عنده.
فقال لهم جميعاً: قربوا قرباناً فَقَرَّبُوا. فتقبل قربان أهل الكتاب] ولم يتقبل قربان قومه فأسلم، فلذلك ذكر الله عز وجل قومه ولم يذكره.
قال أبو عبيدة: "تبع" اسم ملك من ملوك اليمن، سمي بذلك لأنه يتبع صاحبه.
وروى سهل بن سعد الساعدي أن النبي ﷺ قال: "لاَ تَلْعَنُوا تُبَّعاً فَإِنَّهُ (قَدْ كَانَ) "أَسْلَمَ"
وقوله: ﴿وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾، أي: من قبل قوم تُبَّع من الأمم الكافرة بربها. يقول الله جل ذكره: فليس هؤلاء المشركون من قومك يا محمد بخير من أولئك الذين أهلكوا بكفرهم، فطمعوا أن (نصفح عنهم) ولا نعذبهم وننتقم منهم بكفرهم.
* *
وقوله: ﴿أَهْلَكْنَاهُمْ إِنَّهُمْ كَانُواْ مُجْرِمِينَ﴾، أي: أهلكنا قوم تبع والذين من قبلهم من الأمم الكافرة إنهم كانوا قوماً مجرمين. فإذا انتقمنا من الأفضل لكفره فما ظنك بالأدون.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَـٰعِبِينَ﴾، أي: لم نخلق ذلك لعبا، بل خلقناه لإقامة العمل والحق الذي لا يصلح التدبير إلا به.
ينبه جل ذكره خلقه على صحة كون البعث والثواب والعقاب، وأنه لم يخلق الخلق عبثا، بل خلقهم ليبلوهم أيهم أحسن عملا وأقبل للطاعة، فيجازي المحسن بالإحسان والمسيء بما أراد، وهو قوله: ﴿مَا خَلَقْنَاهُمَآ إِلاَّ بِٱلْحَقّ﴾، أي للحق والعدل.
﴿وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ﴾، أي: أكثر هؤلاء المشركين لا يعلمون أن الله خلق (ذلك لذلك) فهم لا يخافون عقاباً (ولا يرجعون لتكذيبهم) بالمعاد والثواب والعقاب.
وذهب أبو حاتم إلى جواز الوقف على "تبع". يقدر أن قوله: "والذين من قبلهم أهلكناهم" مبتدأ وخبره. كأنه يجعل المهلكين هم الذين كانوا من قبل قوم تبع (لا قوم تبع). والوقف عند غيره "أهلكناهم" على أن يكون الذين عطف على "قوم" وَأَتَمُّ منه "مجرمين".
(ثم قال: ﴿إِنَّ يَوْمَ ٱلْفَصْلِ مِيقَاتُهُمْ أَجْمَعِينَ﴾، أي: إن يوم فصل الله بين خلقه وقت لجميع الخلق يجتمعون فيه للفصل بينهم).
* *
ثم قال تعالى: ﴿يَوْمَ لاَ يُغْنِي مَوْلًى عَن مَّوْلًى شَيْئاً﴾. "يوم" بدل من "يوم" الأول. ومعناه إن يوم لا يغني ولي عن ولي شيئاً وقت لجميع الخلق يجتمعون فيه للفصل بينهم، أي: يوم لا يدفع ابن عم عن ابن عم، ولا صاحب عن صاحب شيئاً من العذاب.
﴿وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ﴾، أي: ولا ينصرهم أحد مما حَلَّ بهم من النقمة بكفرهم.
قال قتادة: "انقطعت الأسباب يومئذ يا ابن آدم، وصار الناس يومئذ إلى أعمالهم، فمن أصاب يومئذ خيراً سَعِدَ به، ومن أصاب يومئذ شراً شقي به".
والمولى والولي في اللغة: الناصر.
وقول النبي ﷺ: "مَنْ كُنْتُ مَوْلاَهُ فَعَلِيٌّ مَوْلاَهُ" في تفسيره ثلاثة أقوال:
- أحدها: إن معناه: من كنت أتولاه فعلي يتولاه.
- والثاني: من كان (يتولاني، يتولاه) علي.
- والثالث: إنه كان قوله ذلك في سبب، وذلك أن أسامة بن زيد قال لعلي: لست مولاي، إنما مولاي رسول الله فقال رسول الله ﷺ: "من كنت مولاه فعلي مولاه
ثم قال تعالى: ﴿إِلاَّ مَن رَّحِمَ ٱللَّهُ إِنَّهُ هُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ﴾ "من" عند الأخفش في موضع رفع على البدل على المعنى كأن التقدير: (ولا ينصر) أحد إلا من رحم الله.
وأجاز أن تكون في موضع رفع على الابتداء. كأنه في التقدير: إلا من رحم الله فيغني عن غيره، أي: يشفع لغيره ممن أراد الله عز وجل له الشفاعة كما قال: ﴿وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ٱرْتَضَىٰ﴾ [الأنبياء: ٢٨].
وقيل: "من" رفع لفعلها، أي لا يغني إلا من رحم الله ("فمن" على هذا القول بدل من "مولى" أي: لا يشفع إلا من رحم الله).
وقد صح عن النبي ﷺ أن المؤمنين يشفعون. وقال الكسائي "من" في موضع نصب على الاستثناء المنقطع وهو قول الفراء. وتقف على "ينصرون" إن جعلت "من" (ابتداء، ويكون) التقدير: إلا من رحم الله فإنه تغني شفاعته.
فإن جعلت "من" بدلاً أو استثناء منقطعاً لم تقف على ينصرون.
وروى أنس عن النبي ﷺ أنه قال: "إِنَّ الرَّجُلَ مِنَ المُؤْمِنِينَ يُقَامُ في صَفِّ أَهْلِ الجَنَّةِ حَتَّى يَرَى رَجُلاً مِنَ المُوَحِّدِينَ قَائِماً (فِي صَفِّ) أَهْلِ النَّارِ (قدْ أَحْسَنَ إِلَيْهِ) في الدُّنْيَا فَيُذَكِّرُهُ ذَلِكَ فَيَذْكُرُ، فَيَشفَعُ فِيهِ فَيُحَوَّلُ إِلى صَفِّ أَهْلِ الجَنَّةِ
وقوله: ﴿إِنَّهُ هُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ﴾، أي: العزيز في انتقامه من أعدائه، الرحيم بأوليائه وأهل طاعته.
الدخان 44:38
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَجَّيْنَا بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ﴾ - إلى قوله - ﴿هُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ﴾، أي: ولقد نجى الله عز وجل بني إسرائيل من العذاب المذل والإهانة التي كان فرعون وقومه يعذبونهم بها. قال قتادة: عذابهم لبني إسرائيل هو قتلهم أبناؤهم واستحياء نساءهم.
* *
ثم قال: ﴿إِنَّهُ كَانَ عَالِياً مِّنَ ٱلْمُسْرِفِينَ﴾ أي: إن فرعون كان جباراً مستكبراً على ربه سبحانه مسرفاً متجاوزاً إلى غير ما يحب له من الكفر والطغيان.
قال ابن عباس: من المسرفين: من المشركين. وقال الضحاك: من القتالين.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدِ ٱخْتَرْنَاهُمْ عَلَىٰ عِلْمٍ عَلَى ٱلْعَالَمِينَ﴾، أي: ولقد اخترنا بني إسرائيل على علم منا بهم على عالم زمانهم وقيل معناه: اخترناهم للرسالة والتشريف على علم منا بهم فذكر تعالى أنه أختارهم لكثرة الأنبياء منهم.
قال قتادة ومجاهد معناه: اخترناهم على أهل زمانهم ذلك ولكل زمان عالم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُم مِّنَ ٱلآيَاتِ مَا فِيهِ بَلاَءٌ مُّبِينٌ﴾، أي: وأعطيناهم من العبر والعظات ما فيه اختبار يبين لمن تأمله أنه اختبار اختبرهم الله عز وجل به.
وقيل المعنى: آتيناهم نعماً عظيمة وعبراً ظاهرةً.
روي أن الله عز وجل أنزل ببيت المقدس سلسلة معلقة من السماء فكانوا يتحاكمون في حقوقهم وخصوماتهم ودعاويهم إلى السلسلة. فمن كان محقاً أدرك بيده مس السلسلة، ومن كان مبطلاً لم يدرك بيده مسها، فلم يزالوا كذلك حتى مكروا فرفعت، وذلك فيما روي أن رجلاً منهم أودع رجلاً مالاً فجحده المودع عنده، فتحاكما إلى السلسلة فعمد الذي جحد الوديعة إلى كلخ فقأ داخله، ثم أدخل فيه الوديعة. فلما أتيا إلى السلسة قال الجاحد للوديعة لرب المال: أمسك لي هذه الكلخة (في يدك) حتى أمس السلسة، فأمسكها رب المال وهو لا يعلم بما فيها. ثم تقدم الجاحد بحضرة الناس، وقال: اللهم إن كنت تعلم أني قد وضعت ماله في يده وقبضه مني فأسألك ألا تفضحني ومَدَّ يده فأدرك السلسة فأقبل صاحب المال يقول: والله يا بني إسرائيل (إن هذه السلسلة لباطل وزور، فرفع الله السلسلة من ذلك الوقت.
ويروى أنه كان لهم عمودان، فإذا أتهم أحد بزنى فَأَقَرَّ رُجِمَ، وإن جحد أدخل بين) العمودين فإن كان كاذباً انضما عليه فقتلاه، وإن (كان بريئاً) سلم.
وكان الرجل منهم يعمل الذنب لا يعلم به أحد فيصبح ويجده مكتوباً على بابه.
قال قتادة: البلاء هو أنه (تعالى نجاهم) من عدوهم، ثم أقطعهم البحر وظلل عليهم الغمام، وأنزل عليهم المن والسلوى. فيكون البلاء هنا على قول قتادة، النعمة.
وقال ابن زيد: ابتلاهم بالخير والشر، يختبرهم فيما آتاهم من الآيات، من يؤمن بها ومن يكفر.
* *
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ هَـٰؤُلاَءِ لَيَقُولُونَ * إِنْ هِيَ إِلاَّ مَوْتَتُنَا ٱلأُوْلَىٰ وَمَا نَحْنُ بِمُنشَرِينَ﴾، أي: إن مشركي قريش يا محمد ليقولن ما هي إلا موتتنا التي نموتها، وما نحن بعد مماتنا بمبعوثين تكذيباً منهم للبعث والثواب والعقاب.
* *
ثم قال: ﴿فَأْتُواْ بِآبَآئِنَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾، أي: قالوا لمحمد عليه السلام ومن آمن به فأتوا بآبائنا، أي: فأحيهم لنا لنسألهم عن صدقكم إن كنتم صادقين.
* *
ثم قال تعالى: ﴿أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾، أي: أهؤلاء المشركون يا محمد خير أم قوم تبع الحميري.
وقالت عائشة رضي الله عنها: كان "تبع" رجلاً صالحاً، فذم الله قومه ولم يذمه.
قال كعب: كان "تبع" ملكاً من الملوك، وكان قومه كُهَّاناً، وكان معه قوم من أهل الكتاب [فكان قومه يكذبون على أهل الكتاب عنده.
فقال لهم جميعاً: قربوا قرباناً فَقَرَّبُوا. فتقبل قربان أهل الكتاب] ولم يتقبل قربان قومه فأسلم، فلذلك ذكر الله عز وجل قومه ولم يذكره.
قال أبو عبيدة: "تبع" اسم ملك من ملوك اليمن، سمي بذلك لأنه يتبع صاحبه.
وروى سهل بن سعد الساعدي أن النبي ﷺ قال: "لاَ تَلْعَنُوا تُبَّعاً فَإِنَّهُ (قَدْ كَانَ) "أَسْلَمَ"
وقوله: ﴿وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾، أي: من قبل قوم تُبَّع من الأمم الكافرة بربها. يقول الله جل ذكره: فليس هؤلاء المشركون من قومك يا محمد بخير من أولئك الذين أهلكوا بكفرهم، فطمعوا أن (نصفح عنهم) ولا نعذبهم وننتقم منهم بكفرهم.
* *
وقوله: ﴿أَهْلَكْنَاهُمْ إِنَّهُمْ كَانُواْ مُجْرِمِينَ﴾، أي: أهلكنا قوم تبع والذين من قبلهم من الأمم الكافرة إنهم كانوا قوماً مجرمين. فإذا انتقمنا من الأفضل لكفره فما ظنك بالأدون.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَـٰعِبِينَ﴾، أي: لم نخلق ذلك لعبا، بل خلقناه لإقامة العمل والحق الذي لا يصلح التدبير إلا به.
ينبه جل ذكره خلقه على صحة كون البعث والثواب والعقاب، وأنه لم يخلق الخلق عبثا، بل خلقهم ليبلوهم أيهم أحسن عملا وأقبل للطاعة، فيجازي المحسن بالإحسان والمسيء بما أراد، وهو قوله: ﴿مَا خَلَقْنَاهُمَآ إِلاَّ بِٱلْحَقّ﴾، أي للحق والعدل.
﴿وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ﴾، أي: أكثر هؤلاء المشركين لا يعلمون أن الله خلق (ذلك لذلك) فهم لا يخافون عقاباً (ولا يرجعون لتكذيبهم) بالمعاد والثواب والعقاب.
وذهب أبو حاتم إلى جواز الوقف على "تبع". يقدر أن قوله: "والذين من قبلهم أهلكناهم" مبتدأ وخبره. كأنه يجعل المهلكين هم الذين كانوا من قبل قوم تبع (لا قوم تبع). والوقف عند غيره "أهلكناهم" على أن يكون الذين عطف على "قوم" وَأَتَمُّ منه "مجرمين".
(ثم قال: ﴿إِنَّ يَوْمَ ٱلْفَصْلِ مِيقَاتُهُمْ أَجْمَعِينَ﴾، أي: إن يوم فصل الله بين خلقه وقت لجميع الخلق يجتمعون فيه للفصل بينهم).
* *
ثم قال تعالى: ﴿يَوْمَ لاَ يُغْنِي مَوْلًى عَن مَّوْلًى شَيْئاً﴾. "يوم" بدل من "يوم" الأول. ومعناه إن يوم لا يغني ولي عن ولي شيئاً وقت لجميع الخلق يجتمعون فيه للفصل بينهم، أي: يوم لا يدفع ابن عم عن ابن عم، ولا صاحب عن صاحب شيئاً من العذاب.
﴿وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ﴾، أي: ولا ينصرهم أحد مما حَلَّ بهم من النقمة بكفرهم.
قال قتادة: "انقطعت الأسباب يومئذ يا ابن آدم، وصار الناس يومئذ إلى أعمالهم، فمن أصاب يومئذ خيراً سَعِدَ به، ومن أصاب يومئذ شراً شقي به".
والمولى والولي في اللغة: الناصر.
وقول النبي ﷺ: "مَنْ كُنْتُ مَوْلاَهُ فَعَلِيٌّ مَوْلاَهُ" في تفسيره ثلاثة أقوال:
- أحدها: إن معناه: من كنت أتولاه فعلي يتولاه.
- والثاني: من كان (يتولاني، يتولاه) علي.
- والثالث: إنه كان قوله ذلك في سبب، وذلك أن أسامة بن زيد قال لعلي: لست مولاي، إنما مولاي رسول الله فقال رسول الله ﷺ: "من كنت مولاه فعلي مولاه
ثم قال تعالى: ﴿إِلاَّ مَن رَّحِمَ ٱللَّهُ إِنَّهُ هُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ﴾ "من" عند الأخفش في موضع رفع على البدل على المعنى كأن التقدير: (ولا ينصر) أحد إلا من رحم الله.
وأجاز أن تكون في موضع رفع على الابتداء. كأنه في التقدير: إلا من رحم الله فيغني عن غيره، أي: يشفع لغيره ممن أراد الله عز وجل له الشفاعة كما قال: ﴿وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ٱرْتَضَىٰ﴾ [الأنبياء: ٢٨].
وقيل: "من" رفع لفعلها، أي لا يغني إلا من رحم الله ("فمن" على هذا القول بدل من "مولى" أي: لا يشفع إلا من رحم الله).
وقد صح عن النبي ﷺ أن المؤمنين يشفعون. وقال الكسائي "من" في موضع نصب على الاستثناء المنقطع وهو قول الفراء. وتقف على "ينصرون" إن جعلت "من" (ابتداء، ويكون) التقدير: إلا من رحم الله فإنه تغني شفاعته.
فإن جعلت "من" بدلاً أو استثناء منقطعاً لم تقف على ينصرون.
وروى أنس عن النبي ﷺ أنه قال: "إِنَّ الرَّجُلَ مِنَ المُؤْمِنِينَ يُقَامُ في صَفِّ أَهْلِ الجَنَّةِ حَتَّى يَرَى رَجُلاً مِنَ المُوَحِّدِينَ قَائِماً (فِي صَفِّ) أَهْلِ النَّارِ (قدْ أَحْسَنَ إِلَيْهِ) في الدُّنْيَا فَيُذَكِّرُهُ ذَلِكَ فَيَذْكُرُ، فَيَشفَعُ فِيهِ فَيُحَوَّلُ إِلى صَفِّ أَهْلِ الجَنَّةِ
وقوله: ﴿إِنَّهُ هُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ﴾، أي: العزيز في انتقامه من أعدائه، الرحيم بأوليائه وأهل طاعته.
الدخان 44:39
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَجَّيْنَا بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ﴾ - إلى قوله - ﴿هُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ﴾، أي: ولقد نجى الله عز وجل بني إسرائيل من العذاب المذل والإهانة التي كان فرعون وقومه يعذبونهم بها. قال قتادة: عذابهم لبني إسرائيل هو قتلهم أبناؤهم واستحياء نساءهم.
* *
ثم قال: ﴿إِنَّهُ كَانَ عَالِياً مِّنَ ٱلْمُسْرِفِينَ﴾ أي: إن فرعون كان جباراً مستكبراً على ربه سبحانه مسرفاً متجاوزاً إلى غير ما يحب له من الكفر والطغيان.
قال ابن عباس: من المسرفين: من المشركين. وقال الضحاك: من القتالين.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدِ ٱخْتَرْنَاهُمْ عَلَىٰ عِلْمٍ عَلَى ٱلْعَالَمِينَ﴾، أي: ولقد اخترنا بني إسرائيل على علم منا بهم على عالم زمانهم وقيل معناه: اخترناهم للرسالة والتشريف على علم منا بهم فذكر تعالى أنه أختارهم لكثرة الأنبياء منهم.
قال قتادة ومجاهد معناه: اخترناهم على أهل زمانهم ذلك ولكل زمان عالم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُم مِّنَ ٱلآيَاتِ مَا فِيهِ بَلاَءٌ مُّبِينٌ﴾، أي: وأعطيناهم من العبر والعظات ما فيه اختبار يبين لمن تأمله أنه اختبار اختبرهم الله عز وجل به.
وقيل المعنى: آتيناهم نعماً عظيمة وعبراً ظاهرةً.
روي أن الله عز وجل أنزل ببيت المقدس سلسلة معلقة من السماء فكانوا يتحاكمون في حقوقهم وخصوماتهم ودعاويهم إلى السلسلة. فمن كان محقاً أدرك بيده مس السلسلة، ومن كان مبطلاً لم يدرك بيده مسها، فلم يزالوا كذلك حتى مكروا فرفعت، وذلك فيما روي أن رجلاً منهم أودع رجلاً مالاً فجحده المودع عنده، فتحاكما إلى السلسلة فعمد الذي جحد الوديعة إلى كلخ فقأ داخله، ثم أدخل فيه الوديعة. فلما أتيا إلى السلسة قال الجاحد للوديعة لرب المال: أمسك لي هذه الكلخة (في يدك) حتى أمس السلسة، فأمسكها رب المال وهو لا يعلم بما فيها. ثم تقدم الجاحد بحضرة الناس، وقال: اللهم إن كنت تعلم أني قد وضعت ماله في يده وقبضه مني فأسألك ألا تفضحني ومَدَّ يده فأدرك السلسة فأقبل صاحب المال يقول: والله يا بني إسرائيل (إن هذه السلسلة لباطل وزور، فرفع الله السلسلة من ذلك الوقت.
ويروى أنه كان لهم عمودان، فإذا أتهم أحد بزنى فَأَقَرَّ رُجِمَ، وإن جحد أدخل بين) العمودين فإن كان كاذباً انضما عليه فقتلاه، وإن (كان بريئاً) سلم.
وكان الرجل منهم يعمل الذنب لا يعلم به أحد فيصبح ويجده مكتوباً على بابه.
قال قتادة: البلاء هو أنه (تعالى نجاهم) من عدوهم، ثم أقطعهم البحر وظلل عليهم الغمام، وأنزل عليهم المن والسلوى. فيكون البلاء هنا على قول قتادة، النعمة.
وقال ابن زيد: ابتلاهم بالخير والشر، يختبرهم فيما آتاهم من الآيات، من يؤمن بها ومن يكفر.
* *
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ هَـٰؤُلاَءِ لَيَقُولُونَ * إِنْ هِيَ إِلاَّ مَوْتَتُنَا ٱلأُوْلَىٰ وَمَا نَحْنُ بِمُنشَرِينَ﴾، أي: إن مشركي قريش يا محمد ليقولن ما هي إلا موتتنا التي نموتها، وما نحن بعد مماتنا بمبعوثين تكذيباً منهم للبعث والثواب والعقاب.
* *
ثم قال: ﴿فَأْتُواْ بِآبَآئِنَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾، أي: قالوا لمحمد عليه السلام ومن آمن به فأتوا بآبائنا، أي: فأحيهم لنا لنسألهم عن صدقكم إن كنتم صادقين.
* *
ثم قال تعالى: ﴿أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾، أي: أهؤلاء المشركون يا محمد خير أم قوم تبع الحميري.
وقالت عائشة رضي الله عنها: كان "تبع" رجلاً صالحاً، فذم الله قومه ولم يذمه.
قال كعب: كان "تبع" ملكاً من الملوك، وكان قومه كُهَّاناً، وكان معه قوم من أهل الكتاب [فكان قومه يكذبون على أهل الكتاب عنده.
فقال لهم جميعاً: قربوا قرباناً فَقَرَّبُوا. فتقبل قربان أهل الكتاب] ولم يتقبل قربان قومه فأسلم، فلذلك ذكر الله عز وجل قومه ولم يذكره.
قال أبو عبيدة: "تبع" اسم ملك من ملوك اليمن، سمي بذلك لأنه يتبع صاحبه.
وروى سهل بن سعد الساعدي أن النبي ﷺ قال: "لاَ تَلْعَنُوا تُبَّعاً فَإِنَّهُ (قَدْ كَانَ) "أَسْلَمَ"
وقوله: ﴿وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾، أي: من قبل قوم تُبَّع من الأمم الكافرة بربها. يقول الله جل ذكره: فليس هؤلاء المشركون من قومك يا محمد بخير من أولئك الذين أهلكوا بكفرهم، فطمعوا أن (نصفح عنهم) ولا نعذبهم وننتقم منهم بكفرهم.
* *
وقوله: ﴿أَهْلَكْنَاهُمْ إِنَّهُمْ كَانُواْ مُجْرِمِينَ﴾، أي: أهلكنا قوم تبع والذين من قبلهم من الأمم الكافرة إنهم كانوا قوماً مجرمين. فإذا انتقمنا من الأفضل لكفره فما ظنك بالأدون.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَـٰعِبِينَ﴾، أي: لم نخلق ذلك لعبا، بل خلقناه لإقامة العمل والحق الذي لا يصلح التدبير إلا به.
ينبه جل ذكره خلقه على صحة كون البعث والثواب والعقاب، وأنه لم يخلق الخلق عبثا، بل خلقهم ليبلوهم أيهم أحسن عملا وأقبل للطاعة، فيجازي المحسن بالإحسان والمسيء بما أراد، وهو قوله: ﴿مَا خَلَقْنَاهُمَآ إِلاَّ بِٱلْحَقّ﴾، أي للحق والعدل.
﴿وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ﴾، أي: أكثر هؤلاء المشركين لا يعلمون أن الله خلق (ذلك لذلك) فهم لا يخافون عقاباً (ولا يرجعون لتكذيبهم) بالمعاد والثواب والعقاب.
وذهب أبو حاتم إلى جواز الوقف على "تبع". يقدر أن قوله: "والذين من قبلهم أهلكناهم" مبتدأ وخبره. كأنه يجعل المهلكين هم الذين كانوا من قبل قوم تبع (لا قوم تبع). والوقف عند غيره "أهلكناهم" على أن يكون الذين عطف على "قوم" وَأَتَمُّ منه "مجرمين".
(ثم قال: ﴿إِنَّ يَوْمَ ٱلْفَصْلِ مِيقَاتُهُمْ أَجْمَعِينَ﴾، أي: إن يوم فصل الله بين خلقه وقت لجميع الخلق يجتمعون فيه للفصل بينهم).
* *
ثم قال تعالى: ﴿يَوْمَ لاَ يُغْنِي مَوْلًى عَن مَّوْلًى شَيْئاً﴾. "يوم" بدل من "يوم" الأول. ومعناه إن يوم لا يغني ولي عن ولي شيئاً وقت لجميع الخلق يجتمعون فيه للفصل بينهم، أي: يوم لا يدفع ابن عم عن ابن عم، ولا صاحب عن صاحب شيئاً من العذاب.
﴿وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ﴾، أي: ولا ينصرهم أحد مما حَلَّ بهم من النقمة بكفرهم.
قال قتادة: "انقطعت الأسباب يومئذ يا ابن آدم، وصار الناس يومئذ إلى أعمالهم، فمن أصاب يومئذ خيراً سَعِدَ به، ومن أصاب يومئذ شراً شقي به".
والمولى والولي في اللغة: الناصر.
وقول النبي ﷺ: "مَنْ كُنْتُ مَوْلاَهُ فَعَلِيٌّ مَوْلاَهُ" في تفسيره ثلاثة أقوال:
- أحدها: إن معناه: من كنت أتولاه فعلي يتولاه.
- والثاني: من كان (يتولاني، يتولاه) علي.
- والثالث: إنه كان قوله ذلك في سبب، وذلك أن أسامة بن زيد قال لعلي: لست مولاي، إنما مولاي رسول الله فقال رسول الله ﷺ: "من كنت مولاه فعلي مولاه
ثم قال تعالى: ﴿إِلاَّ مَن رَّحِمَ ٱللَّهُ إِنَّهُ هُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ﴾ "من" عند الأخفش في موضع رفع على البدل على المعنى كأن التقدير: (ولا ينصر) أحد إلا من رحم الله.
وأجاز أن تكون في موضع رفع على الابتداء. كأنه في التقدير: إلا من رحم الله فيغني عن غيره، أي: يشفع لغيره ممن أراد الله عز وجل له الشفاعة كما قال: ﴿وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ٱرْتَضَىٰ﴾ [الأنبياء: ٢٨].
وقيل: "من" رفع لفعلها، أي لا يغني إلا من رحم الله ("فمن" على هذا القول بدل من "مولى" أي: لا يشفع إلا من رحم الله).
وقد صح عن النبي ﷺ أن المؤمنين يشفعون. وقال الكسائي "من" في موضع نصب على الاستثناء المنقطع وهو قول الفراء. وتقف على "ينصرون" إن جعلت "من" (ابتداء، ويكون) التقدير: إلا من رحم الله فإنه تغني شفاعته.
فإن جعلت "من" بدلاً أو استثناء منقطعاً لم تقف على ينصرون.
وروى أنس عن النبي ﷺ أنه قال: "إِنَّ الرَّجُلَ مِنَ المُؤْمِنِينَ يُقَامُ في صَفِّ أَهْلِ الجَنَّةِ حَتَّى يَرَى رَجُلاً مِنَ المُوَحِّدِينَ قَائِماً (فِي صَفِّ) أَهْلِ النَّارِ (قدْ أَحْسَنَ إِلَيْهِ) في الدُّنْيَا فَيُذَكِّرُهُ ذَلِكَ فَيَذْكُرُ، فَيَشفَعُ فِيهِ فَيُحَوَّلُ إِلى صَفِّ أَهْلِ الجَنَّةِ
وقوله: ﴿إِنَّهُ هُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ﴾، أي: العزيز في انتقامه من أعدائه، الرحيم بأوليائه وأهل طاعته.
الدخان 44:40
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَجَّيْنَا بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ﴾ - إلى قوله - ﴿هُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ﴾، أي: ولقد نجى الله عز وجل بني إسرائيل من العذاب المذل والإهانة التي كان فرعون وقومه يعذبونهم بها. قال قتادة: عذابهم لبني إسرائيل هو قتلهم أبناؤهم واستحياء نساءهم.
* *
ثم قال: ﴿إِنَّهُ كَانَ عَالِياً مِّنَ ٱلْمُسْرِفِينَ﴾ أي: إن فرعون كان جباراً مستكبراً على ربه سبحانه مسرفاً متجاوزاً إلى غير ما يحب له من الكفر والطغيان.
قال ابن عباس: من المسرفين: من المشركين. وقال الضحاك: من القتالين.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدِ ٱخْتَرْنَاهُمْ عَلَىٰ عِلْمٍ عَلَى ٱلْعَالَمِينَ﴾، أي: ولقد اخترنا بني إسرائيل على علم منا بهم على عالم زمانهم وقيل معناه: اخترناهم للرسالة والتشريف على علم منا بهم فذكر تعالى أنه أختارهم لكثرة الأنبياء منهم.
قال قتادة ومجاهد معناه: اخترناهم على أهل زمانهم ذلك ولكل زمان عالم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُم مِّنَ ٱلآيَاتِ مَا فِيهِ بَلاَءٌ مُّبِينٌ﴾، أي: وأعطيناهم من العبر والعظات ما فيه اختبار يبين لمن تأمله أنه اختبار اختبرهم الله عز وجل به.
وقيل المعنى: آتيناهم نعماً عظيمة وعبراً ظاهرةً.
روي أن الله عز وجل أنزل ببيت المقدس سلسلة معلقة من السماء فكانوا يتحاكمون في حقوقهم وخصوماتهم ودعاويهم إلى السلسلة. فمن كان محقاً أدرك بيده مس السلسلة، ومن كان مبطلاً لم يدرك بيده مسها، فلم يزالوا كذلك حتى مكروا فرفعت، وذلك فيما روي أن رجلاً منهم أودع رجلاً مالاً فجحده المودع عنده، فتحاكما إلى السلسلة فعمد الذي جحد الوديعة إلى كلخ فقأ داخله، ثم أدخل فيه الوديعة. فلما أتيا إلى السلسة قال الجاحد للوديعة لرب المال: أمسك لي هذه الكلخة (في يدك) حتى أمس السلسة، فأمسكها رب المال وهو لا يعلم بما فيها. ثم تقدم الجاحد بحضرة الناس، وقال: اللهم إن كنت تعلم أني قد وضعت ماله في يده وقبضه مني فأسألك ألا تفضحني ومَدَّ يده فأدرك السلسة فأقبل صاحب المال يقول: والله يا بني إسرائيل (إن هذه السلسلة لباطل وزور، فرفع الله السلسلة من ذلك الوقت.
ويروى أنه كان لهم عمودان، فإذا أتهم أحد بزنى فَأَقَرَّ رُجِمَ، وإن جحد أدخل بين) العمودين فإن كان كاذباً انضما عليه فقتلاه، وإن (كان بريئاً) سلم.
وكان الرجل منهم يعمل الذنب لا يعلم به أحد فيصبح ويجده مكتوباً على بابه.
قال قتادة: البلاء هو أنه (تعالى نجاهم) من عدوهم، ثم أقطعهم البحر وظلل عليهم الغمام، وأنزل عليهم المن والسلوى. فيكون البلاء هنا على قول قتادة، النعمة.
وقال ابن زيد: ابتلاهم بالخير والشر، يختبرهم فيما آتاهم من الآيات، من يؤمن بها ومن يكفر.
* *
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ هَـٰؤُلاَءِ لَيَقُولُونَ * إِنْ هِيَ إِلاَّ مَوْتَتُنَا ٱلأُوْلَىٰ وَمَا نَحْنُ بِمُنشَرِينَ﴾، أي: إن مشركي قريش يا محمد ليقولن ما هي إلا موتتنا التي نموتها، وما نحن بعد مماتنا بمبعوثين تكذيباً منهم للبعث والثواب والعقاب.
* *
ثم قال: ﴿فَأْتُواْ بِآبَآئِنَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾، أي: قالوا لمحمد عليه السلام ومن آمن به فأتوا بآبائنا، أي: فأحيهم لنا لنسألهم عن صدقكم إن كنتم صادقين.
* *
ثم قال تعالى: ﴿أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾، أي: أهؤلاء المشركون يا محمد خير أم قوم تبع الحميري.
وقالت عائشة رضي الله عنها: كان "تبع" رجلاً صالحاً، فذم الله قومه ولم يذمه.
قال كعب: كان "تبع" ملكاً من الملوك، وكان قومه كُهَّاناً، وكان معه قوم من أهل الكتاب [فكان قومه يكذبون على أهل الكتاب عنده.
فقال لهم جميعاً: قربوا قرباناً فَقَرَّبُوا. فتقبل قربان أهل الكتاب] ولم يتقبل قربان قومه فأسلم، فلذلك ذكر الله عز وجل قومه ولم يذكره.
قال أبو عبيدة: "تبع" اسم ملك من ملوك اليمن، سمي بذلك لأنه يتبع صاحبه.
وروى سهل بن سعد الساعدي أن النبي ﷺ قال: "لاَ تَلْعَنُوا تُبَّعاً فَإِنَّهُ (قَدْ كَانَ) "أَسْلَمَ"
وقوله: ﴿وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾، أي: من قبل قوم تُبَّع من الأمم الكافرة بربها. يقول الله جل ذكره: فليس هؤلاء المشركون من قومك يا محمد بخير من أولئك الذين أهلكوا بكفرهم، فطمعوا أن (نصفح عنهم) ولا نعذبهم وننتقم منهم بكفرهم.
* *
وقوله: ﴿أَهْلَكْنَاهُمْ إِنَّهُمْ كَانُواْ مُجْرِمِينَ﴾، أي: أهلكنا قوم تبع والذين من قبلهم من الأمم الكافرة إنهم كانوا قوماً مجرمين. فإذا انتقمنا من الأفضل لكفره فما ظنك بالأدون.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَـٰعِبِينَ﴾، أي: لم نخلق ذلك لعبا، بل خلقناه لإقامة العمل والحق الذي لا يصلح التدبير إلا به.
ينبه جل ذكره خلقه على صحة كون البعث والثواب والعقاب، وأنه لم يخلق الخلق عبثا، بل خلقهم ليبلوهم أيهم أحسن عملا وأقبل للطاعة، فيجازي المحسن بالإحسان والمسيء بما أراد، وهو قوله: ﴿مَا خَلَقْنَاهُمَآ إِلاَّ بِٱلْحَقّ﴾، أي للحق والعدل.
﴿وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ﴾، أي: أكثر هؤلاء المشركين لا يعلمون أن الله خلق (ذلك لذلك) فهم لا يخافون عقاباً (ولا يرجعون لتكذيبهم) بالمعاد والثواب والعقاب.
وذهب أبو حاتم إلى جواز الوقف على "تبع". يقدر أن قوله: "والذين من قبلهم أهلكناهم" مبتدأ وخبره. كأنه يجعل المهلكين هم الذين كانوا من قبل قوم تبع (لا قوم تبع). والوقف عند غيره "أهلكناهم" على أن يكون الذين عطف على "قوم" وَأَتَمُّ منه "مجرمين".
(ثم قال: ﴿إِنَّ يَوْمَ ٱلْفَصْلِ مِيقَاتُهُمْ أَجْمَعِينَ﴾، أي: إن يوم فصل الله بين خلقه وقت لجميع الخلق يجتمعون فيه للفصل بينهم).
* *
ثم قال تعالى: ﴿يَوْمَ لاَ يُغْنِي مَوْلًى عَن مَّوْلًى شَيْئاً﴾. "يوم" بدل من "يوم" الأول. ومعناه إن يوم لا يغني ولي عن ولي شيئاً وقت لجميع الخلق يجتمعون فيه للفصل بينهم، أي: يوم لا يدفع ابن عم عن ابن عم، ولا صاحب عن صاحب شيئاً من العذاب.
﴿وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ﴾، أي: ولا ينصرهم أحد مما حَلَّ بهم من النقمة بكفرهم.
قال قتادة: "انقطعت الأسباب يومئذ يا ابن آدم، وصار الناس يومئذ إلى أعمالهم، فمن أصاب يومئذ خيراً سَعِدَ به، ومن أصاب يومئذ شراً شقي به".
والمولى والولي في اللغة: الناصر.
وقول النبي ﷺ: "مَنْ كُنْتُ مَوْلاَهُ فَعَلِيٌّ مَوْلاَهُ" في تفسيره ثلاثة أقوال:
- أحدها: إن معناه: من كنت أتولاه فعلي يتولاه.
- والثاني: من كان (يتولاني، يتولاه) علي.
- والثالث: إنه كان قوله ذلك في سبب، وذلك أن أسامة بن زيد قال لعلي: لست مولاي، إنما مولاي رسول الله فقال رسول الله ﷺ: "من كنت مولاه فعلي مولاه
ثم قال تعالى: ﴿إِلاَّ مَن رَّحِمَ ٱللَّهُ إِنَّهُ هُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ﴾ "من" عند الأخفش في موضع رفع على البدل على المعنى كأن التقدير: (ولا ينصر) أحد إلا من رحم الله.
وأجاز أن تكون في موضع رفع على الابتداء. كأنه في التقدير: إلا من رحم الله فيغني عن غيره، أي: يشفع لغيره ممن أراد الله عز وجل له الشفاعة كما قال: ﴿وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ٱرْتَضَىٰ﴾ [الأنبياء: ٢٨].
وقيل: "من" رفع لفعلها، أي لا يغني إلا من رحم الله ("فمن" على هذا القول بدل من "مولى" أي: لا يشفع إلا من رحم الله).
وقد صح عن النبي ﷺ أن المؤمنين يشفعون. وقال الكسائي "من" في موضع نصب على الاستثناء المنقطع وهو قول الفراء. وتقف على "ينصرون" إن جعلت "من" (ابتداء، ويكون) التقدير: إلا من رحم الله فإنه تغني شفاعته.
فإن جعلت "من" بدلاً أو استثناء منقطعاً لم تقف على ينصرون.
وروى أنس عن النبي ﷺ أنه قال: "إِنَّ الرَّجُلَ مِنَ المُؤْمِنِينَ يُقَامُ في صَفِّ أَهْلِ الجَنَّةِ حَتَّى يَرَى رَجُلاً مِنَ المُوَحِّدِينَ قَائِماً (فِي صَفِّ) أَهْلِ النَّارِ (قدْ أَحْسَنَ إِلَيْهِ) في الدُّنْيَا فَيُذَكِّرُهُ ذَلِكَ فَيَذْكُرُ، فَيَشفَعُ فِيهِ فَيُحَوَّلُ إِلى صَفِّ أَهْلِ الجَنَّةِ
وقوله: ﴿إِنَّهُ هُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ﴾، أي: العزيز في انتقامه من أعدائه، الرحيم بأوليائه وأهل طاعته.
الدخان 44:41
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَجَّيْنَا بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ﴾ - إلى قوله - ﴿هُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ﴾، أي: ولقد نجى الله عز وجل بني إسرائيل من العذاب المذل والإهانة التي كان فرعون وقومه يعذبونهم بها. قال قتادة: عذابهم لبني إسرائيل هو قتلهم أبناؤهم واستحياء نساءهم.
* *
ثم قال: ﴿إِنَّهُ كَانَ عَالِياً مِّنَ ٱلْمُسْرِفِينَ﴾ أي: إن فرعون كان جباراً مستكبراً على ربه سبحانه مسرفاً متجاوزاً إلى غير ما يحب له من الكفر والطغيان.
قال ابن عباس: من المسرفين: من المشركين. وقال الضحاك: من القتالين.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدِ ٱخْتَرْنَاهُمْ عَلَىٰ عِلْمٍ عَلَى ٱلْعَالَمِينَ﴾، أي: ولقد اخترنا بني إسرائيل على علم منا بهم على عالم زمانهم وقيل معناه: اخترناهم للرسالة والتشريف على علم منا بهم فذكر تعالى أنه أختارهم لكثرة الأنبياء منهم.
قال قتادة ومجاهد معناه: اخترناهم على أهل زمانهم ذلك ولكل زمان عالم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُم مِّنَ ٱلآيَاتِ مَا فِيهِ بَلاَءٌ مُّبِينٌ﴾، أي: وأعطيناهم من العبر والعظات ما فيه اختبار يبين لمن تأمله أنه اختبار اختبرهم الله عز وجل به.
وقيل المعنى: آتيناهم نعماً عظيمة وعبراً ظاهرةً.
روي أن الله عز وجل أنزل ببيت المقدس سلسلة معلقة من السماء فكانوا يتحاكمون في حقوقهم وخصوماتهم ودعاويهم إلى السلسلة. فمن كان محقاً أدرك بيده مس السلسلة، ومن كان مبطلاً لم يدرك بيده مسها، فلم يزالوا كذلك حتى مكروا فرفعت، وذلك فيما روي أن رجلاً منهم أودع رجلاً مالاً فجحده المودع عنده، فتحاكما إلى السلسلة فعمد الذي جحد الوديعة إلى كلخ فقأ داخله، ثم أدخل فيه الوديعة. فلما أتيا إلى السلسة قال الجاحد للوديعة لرب المال: أمسك لي هذه الكلخة (في يدك) حتى أمس السلسة، فأمسكها رب المال وهو لا يعلم بما فيها. ثم تقدم الجاحد بحضرة الناس، وقال: اللهم إن كنت تعلم أني قد وضعت ماله في يده وقبضه مني فأسألك ألا تفضحني ومَدَّ يده فأدرك السلسة فأقبل صاحب المال يقول: والله يا بني إسرائيل (إن هذه السلسلة لباطل وزور، فرفع الله السلسلة من ذلك الوقت.
ويروى أنه كان لهم عمودان، فإذا أتهم أحد بزنى فَأَقَرَّ رُجِمَ، وإن جحد أدخل بين) العمودين فإن كان كاذباً انضما عليه فقتلاه، وإن (كان بريئاً) سلم.
وكان الرجل منهم يعمل الذنب لا يعلم به أحد فيصبح ويجده مكتوباً على بابه.
قال قتادة: البلاء هو أنه (تعالى نجاهم) من عدوهم، ثم أقطعهم البحر وظلل عليهم الغمام، وأنزل عليهم المن والسلوى. فيكون البلاء هنا على قول قتادة، النعمة.
وقال ابن زيد: ابتلاهم بالخير والشر، يختبرهم فيما آتاهم من الآيات، من يؤمن بها ومن يكفر.
* *
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ هَـٰؤُلاَءِ لَيَقُولُونَ * إِنْ هِيَ إِلاَّ مَوْتَتُنَا ٱلأُوْلَىٰ وَمَا نَحْنُ بِمُنشَرِينَ﴾، أي: إن مشركي قريش يا محمد ليقولن ما هي إلا موتتنا التي نموتها، وما نحن بعد مماتنا بمبعوثين تكذيباً منهم للبعث والثواب والعقاب.
* *
ثم قال: ﴿فَأْتُواْ بِآبَآئِنَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾، أي: قالوا لمحمد عليه السلام ومن آمن به فأتوا بآبائنا، أي: فأحيهم لنا لنسألهم عن صدقكم إن كنتم صادقين.
* *
ثم قال تعالى: ﴿أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾، أي: أهؤلاء المشركون يا محمد خير أم قوم تبع الحميري.
وقالت عائشة رضي الله عنها: كان "تبع" رجلاً صالحاً، فذم الله قومه ولم يذمه.
قال كعب: كان "تبع" ملكاً من الملوك، وكان قومه كُهَّاناً، وكان معه قوم من أهل الكتاب [فكان قومه يكذبون على أهل الكتاب عنده.
فقال لهم جميعاً: قربوا قرباناً فَقَرَّبُوا. فتقبل قربان أهل الكتاب] ولم يتقبل قربان قومه فأسلم، فلذلك ذكر الله عز وجل قومه ولم يذكره.
قال أبو عبيدة: "تبع" اسم ملك من ملوك اليمن، سمي بذلك لأنه يتبع صاحبه.
وروى سهل بن سعد الساعدي أن النبي ﷺ قال: "لاَ تَلْعَنُوا تُبَّعاً فَإِنَّهُ (قَدْ كَانَ) "أَسْلَمَ"
وقوله: ﴿وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾، أي: من قبل قوم تُبَّع من الأمم الكافرة بربها. يقول الله جل ذكره: فليس هؤلاء المشركون من قومك يا محمد بخير من أولئك الذين أهلكوا بكفرهم، فطمعوا أن (نصفح عنهم) ولا نعذبهم وننتقم منهم بكفرهم.
* *
وقوله: ﴿أَهْلَكْنَاهُمْ إِنَّهُمْ كَانُواْ مُجْرِمِينَ﴾، أي: أهلكنا قوم تبع والذين من قبلهم من الأمم الكافرة إنهم كانوا قوماً مجرمين. فإذا انتقمنا من الأفضل لكفره فما ظنك بالأدون.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَـٰعِبِينَ﴾، أي: لم نخلق ذلك لعبا، بل خلقناه لإقامة العمل والحق الذي لا يصلح التدبير إلا به.
ينبه جل ذكره خلقه على صحة كون البعث والثواب والعقاب، وأنه لم يخلق الخلق عبثا، بل خلقهم ليبلوهم أيهم أحسن عملا وأقبل للطاعة، فيجازي المحسن بالإحسان والمسيء بما أراد، وهو قوله: ﴿مَا خَلَقْنَاهُمَآ إِلاَّ بِٱلْحَقّ﴾، أي للحق والعدل.
﴿وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ﴾، أي: أكثر هؤلاء المشركين لا يعلمون أن الله خلق (ذلك لذلك) فهم لا يخافون عقاباً (ولا يرجعون لتكذيبهم) بالمعاد والثواب والعقاب.
وذهب أبو حاتم إلى جواز الوقف على "تبع". يقدر أن قوله: "والذين من قبلهم أهلكناهم" مبتدأ وخبره. كأنه يجعل المهلكين هم الذين كانوا من قبل قوم تبع (لا قوم تبع). والوقف عند غيره "أهلكناهم" على أن يكون الذين عطف على "قوم" وَأَتَمُّ منه "مجرمين".
(ثم قال: ﴿إِنَّ يَوْمَ ٱلْفَصْلِ مِيقَاتُهُمْ أَجْمَعِينَ﴾، أي: إن يوم فصل الله بين خلقه وقت لجميع الخلق يجتمعون فيه للفصل بينهم).
* *
ثم قال تعالى: ﴿يَوْمَ لاَ يُغْنِي مَوْلًى عَن مَّوْلًى شَيْئاً﴾. "يوم" بدل من "يوم" الأول. ومعناه إن يوم لا يغني ولي عن ولي شيئاً وقت لجميع الخلق يجتمعون فيه للفصل بينهم، أي: يوم لا يدفع ابن عم عن ابن عم، ولا صاحب عن صاحب شيئاً من العذاب.
﴿وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ﴾، أي: ولا ينصرهم أحد مما حَلَّ بهم من النقمة بكفرهم.
قال قتادة: "انقطعت الأسباب يومئذ يا ابن آدم، وصار الناس يومئذ إلى أعمالهم، فمن أصاب يومئذ خيراً سَعِدَ به، ومن أصاب يومئذ شراً شقي به".
والمولى والولي في اللغة: الناصر.
وقول النبي ﷺ: "مَنْ كُنْتُ مَوْلاَهُ فَعَلِيٌّ مَوْلاَهُ" في تفسيره ثلاثة أقوال:
- أحدها: إن معناه: من كنت أتولاه فعلي يتولاه.
- والثاني: من كان (يتولاني، يتولاه) علي.
- والثالث: إنه كان قوله ذلك في سبب، وذلك أن أسامة بن زيد قال لعلي: لست مولاي، إنما مولاي رسول الله فقال رسول الله ﷺ: "من كنت مولاه فعلي مولاه
ثم قال تعالى: ﴿إِلاَّ مَن رَّحِمَ ٱللَّهُ إِنَّهُ هُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ﴾ "من" عند الأخفش في موضع رفع على البدل على المعنى كأن التقدير: (ولا ينصر) أحد إلا من رحم الله.
وأجاز أن تكون في موضع رفع على الابتداء. كأنه في التقدير: إلا من رحم الله فيغني عن غيره، أي: يشفع لغيره ممن أراد الله عز وجل له الشفاعة كما قال: ﴿وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ٱرْتَضَىٰ﴾ [الأنبياء: ٢٨].
وقيل: "من" رفع لفعلها، أي لا يغني إلا من رحم الله ("فمن" على هذا القول بدل من "مولى" أي: لا يشفع إلا من رحم الله).
وقد صح عن النبي ﷺ أن المؤمنين يشفعون. وقال الكسائي "من" في موضع نصب على الاستثناء المنقطع وهو قول الفراء. وتقف على "ينصرون" إن جعلت "من" (ابتداء، ويكون) التقدير: إلا من رحم الله فإنه تغني شفاعته.
فإن جعلت "من" بدلاً أو استثناء منقطعاً لم تقف على ينصرون.
وروى أنس عن النبي ﷺ أنه قال: "إِنَّ الرَّجُلَ مِنَ المُؤْمِنِينَ يُقَامُ في صَفِّ أَهْلِ الجَنَّةِ حَتَّى يَرَى رَجُلاً مِنَ المُوَحِّدِينَ قَائِماً (فِي صَفِّ) أَهْلِ النَّارِ (قدْ أَحْسَنَ إِلَيْهِ) في الدُّنْيَا فَيُذَكِّرُهُ ذَلِكَ فَيَذْكُرُ، فَيَشفَعُ فِيهِ فَيُحَوَّلُ إِلى صَفِّ أَهْلِ الجَنَّةِ
وقوله: ﴿إِنَّهُ هُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ﴾، أي: العزيز في انتقامه من أعدائه، الرحيم بأوليائه وأهل طاعته.
الدخان 44:42
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَجَّيْنَا بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ﴾ - إلى قوله - ﴿هُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ﴾، أي: ولقد نجى الله عز وجل بني إسرائيل من العذاب المذل والإهانة التي كان فرعون وقومه يعذبونهم بها. قال قتادة: عذابهم لبني إسرائيل هو قتلهم أبناؤهم واستحياء نساءهم.
* *
ثم قال: ﴿إِنَّهُ كَانَ عَالِياً مِّنَ ٱلْمُسْرِفِينَ﴾ أي: إن فرعون كان جباراً مستكبراً على ربه سبحانه مسرفاً متجاوزاً إلى غير ما يحب له من الكفر والطغيان.
قال ابن عباس: من المسرفين: من المشركين. وقال الضحاك: من القتالين.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدِ ٱخْتَرْنَاهُمْ عَلَىٰ عِلْمٍ عَلَى ٱلْعَالَمِينَ﴾، أي: ولقد اخترنا بني إسرائيل على علم منا بهم على عالم زمانهم وقيل معناه: اخترناهم للرسالة والتشريف على علم منا بهم فذكر تعالى أنه أختارهم لكثرة الأنبياء منهم.
قال قتادة ومجاهد معناه: اخترناهم على أهل زمانهم ذلك ولكل زمان عالم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُم مِّنَ ٱلآيَاتِ مَا فِيهِ بَلاَءٌ مُّبِينٌ﴾، أي: وأعطيناهم من العبر والعظات ما فيه اختبار يبين لمن تأمله أنه اختبار اختبرهم الله عز وجل به.
وقيل المعنى: آتيناهم نعماً عظيمة وعبراً ظاهرةً.
روي أن الله عز وجل أنزل ببيت المقدس سلسلة معلقة من السماء فكانوا يتحاكمون في حقوقهم وخصوماتهم ودعاويهم إلى السلسلة. فمن كان محقاً أدرك بيده مس السلسلة، ومن كان مبطلاً لم يدرك بيده مسها، فلم يزالوا كذلك حتى مكروا فرفعت، وذلك فيما روي أن رجلاً منهم أودع رجلاً مالاً فجحده المودع عنده، فتحاكما إلى السلسلة فعمد الذي جحد الوديعة إلى كلخ فقأ داخله، ثم أدخل فيه الوديعة. فلما أتيا إلى السلسة قال الجاحد للوديعة لرب المال: أمسك لي هذه الكلخة (في يدك) حتى أمس السلسة، فأمسكها رب المال وهو لا يعلم بما فيها. ثم تقدم الجاحد بحضرة الناس، وقال: اللهم إن كنت تعلم أني قد وضعت ماله في يده وقبضه مني فأسألك ألا تفضحني ومَدَّ يده فأدرك السلسة فأقبل صاحب المال يقول: والله يا بني إسرائيل (إن هذه السلسلة لباطل وزور، فرفع الله السلسلة من ذلك الوقت.
ويروى أنه كان لهم عمودان، فإذا أتهم أحد بزنى فَأَقَرَّ رُجِمَ، وإن جحد أدخل بين) العمودين فإن كان كاذباً انضما عليه فقتلاه، وإن (كان بريئاً) سلم.
وكان الرجل منهم يعمل الذنب لا يعلم به أحد فيصبح ويجده مكتوباً على بابه.
قال قتادة: البلاء هو أنه (تعالى نجاهم) من عدوهم، ثم أقطعهم البحر وظلل عليهم الغمام، وأنزل عليهم المن والسلوى. فيكون البلاء هنا على قول قتادة، النعمة.
وقال ابن زيد: ابتلاهم بالخير والشر، يختبرهم فيما آتاهم من الآيات، من يؤمن بها ومن يكفر.
* *
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ هَـٰؤُلاَءِ لَيَقُولُونَ * إِنْ هِيَ إِلاَّ مَوْتَتُنَا ٱلأُوْلَىٰ وَمَا نَحْنُ بِمُنشَرِينَ﴾، أي: إن مشركي قريش يا محمد ليقولن ما هي إلا موتتنا التي نموتها، وما نحن بعد مماتنا بمبعوثين تكذيباً منهم للبعث والثواب والعقاب.
* *
ثم قال: ﴿فَأْتُواْ بِآبَآئِنَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾، أي: قالوا لمحمد عليه السلام ومن آمن به فأتوا بآبائنا، أي: فأحيهم لنا لنسألهم عن صدقكم إن كنتم صادقين.
* *
ثم قال تعالى: ﴿أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾، أي: أهؤلاء المشركون يا محمد خير أم قوم تبع الحميري.
وقالت عائشة رضي الله عنها: كان "تبع" رجلاً صالحاً، فذم الله قومه ولم يذمه.
قال كعب: كان "تبع" ملكاً من الملوك، وكان قومه كُهَّاناً، وكان معه قوم من أهل الكتاب [فكان قومه يكذبون على أهل الكتاب عنده.
فقال لهم جميعاً: قربوا قرباناً فَقَرَّبُوا. فتقبل قربان أهل الكتاب] ولم يتقبل قربان قومه فأسلم، فلذلك ذكر الله عز وجل قومه ولم يذكره.
قال أبو عبيدة: "تبع" اسم ملك من ملوك اليمن، سمي بذلك لأنه يتبع صاحبه.
وروى سهل بن سعد الساعدي أن النبي ﷺ قال: "لاَ تَلْعَنُوا تُبَّعاً فَإِنَّهُ (قَدْ كَانَ) "أَسْلَمَ"
وقوله: ﴿وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾، أي: من قبل قوم تُبَّع من الأمم الكافرة بربها. يقول الله جل ذكره: فليس هؤلاء المشركون من قومك يا محمد بخير من أولئك الذين أهلكوا بكفرهم، فطمعوا أن (نصفح عنهم) ولا نعذبهم وننتقم منهم بكفرهم.
* *
وقوله: ﴿أَهْلَكْنَاهُمْ إِنَّهُمْ كَانُواْ مُجْرِمِينَ﴾، أي: أهلكنا قوم تبع والذين من قبلهم من الأمم الكافرة إنهم كانوا قوماً مجرمين. فإذا انتقمنا من الأفضل لكفره فما ظنك بالأدون.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَـٰعِبِينَ﴾، أي: لم نخلق ذلك لعبا، بل خلقناه لإقامة العمل والحق الذي لا يصلح التدبير إلا به.
ينبه جل ذكره خلقه على صحة كون البعث والثواب والعقاب، وأنه لم يخلق الخلق عبثا، بل خلقهم ليبلوهم أيهم أحسن عملا وأقبل للطاعة، فيجازي المحسن بالإحسان والمسيء بما أراد، وهو قوله: ﴿مَا خَلَقْنَاهُمَآ إِلاَّ بِٱلْحَقّ﴾، أي للحق والعدل.
﴿وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ﴾، أي: أكثر هؤلاء المشركين لا يعلمون أن الله خلق (ذلك لذلك) فهم لا يخافون عقاباً (ولا يرجعون لتكذيبهم) بالمعاد والثواب والعقاب.
وذهب أبو حاتم إلى جواز الوقف على "تبع". يقدر أن قوله: "والذين من قبلهم أهلكناهم" مبتدأ وخبره. كأنه يجعل المهلكين هم الذين كانوا من قبل قوم تبع (لا قوم تبع). والوقف عند غيره "أهلكناهم" على أن يكون الذين عطف على "قوم" وَأَتَمُّ منه "مجرمين".
(ثم قال: ﴿إِنَّ يَوْمَ ٱلْفَصْلِ مِيقَاتُهُمْ أَجْمَعِينَ﴾، أي: إن يوم فصل الله بين خلقه وقت لجميع الخلق يجتمعون فيه للفصل بينهم).
* *
ثم قال تعالى: ﴿يَوْمَ لاَ يُغْنِي مَوْلًى عَن مَّوْلًى شَيْئاً﴾. "يوم" بدل من "يوم" الأول. ومعناه إن يوم لا يغني ولي عن ولي شيئاً وقت لجميع الخلق يجتمعون فيه للفصل بينهم، أي: يوم لا يدفع ابن عم عن ابن عم، ولا صاحب عن صاحب شيئاً من العذاب.
﴿وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ﴾، أي: ولا ينصرهم أحد مما حَلَّ بهم من النقمة بكفرهم.
قال قتادة: "انقطعت الأسباب يومئذ يا ابن آدم، وصار الناس يومئذ إلى أعمالهم، فمن أصاب يومئذ خيراً سَعِدَ به، ومن أصاب يومئذ شراً شقي به".
والمولى والولي في اللغة: الناصر.
وقول النبي ﷺ: "مَنْ كُنْتُ مَوْلاَهُ فَعَلِيٌّ مَوْلاَهُ" في تفسيره ثلاثة أقوال:
- أحدها: إن معناه: من كنت أتولاه فعلي يتولاه.
- والثاني: من كان (يتولاني، يتولاه) علي.
- والثالث: إنه كان قوله ذلك في سبب، وذلك أن أسامة بن زيد قال لعلي: لست مولاي، إنما مولاي رسول الله فقال رسول الله ﷺ: "من كنت مولاه فعلي مولاه
ثم قال تعالى: ﴿إِلاَّ مَن رَّحِمَ ٱللَّهُ إِنَّهُ هُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ﴾ "من" عند الأخفش في موضع رفع على البدل على المعنى كأن التقدير: (ولا ينصر) أحد إلا من رحم الله.
وأجاز أن تكون في موضع رفع على الابتداء. كأنه في التقدير: إلا من رحم الله فيغني عن غيره، أي: يشفع لغيره ممن أراد الله عز وجل له الشفاعة كما قال: ﴿وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ٱرْتَضَىٰ﴾ [الأنبياء: ٢٨].
وقيل: "من" رفع لفعلها، أي لا يغني إلا من رحم الله ("فمن" على هذا القول بدل من "مولى" أي: لا يشفع إلا من رحم الله).
وقد صح عن النبي ﷺ أن المؤمنين يشفعون. وقال الكسائي "من" في موضع نصب على الاستثناء المنقطع وهو قول الفراء. وتقف على "ينصرون" إن جعلت "من" (ابتداء، ويكون) التقدير: إلا من رحم الله فإنه تغني شفاعته.
فإن جعلت "من" بدلاً أو استثناء منقطعاً لم تقف على ينصرون.
وروى أنس عن النبي ﷺ أنه قال: "إِنَّ الرَّجُلَ مِنَ المُؤْمِنِينَ يُقَامُ في صَفِّ أَهْلِ الجَنَّةِ حَتَّى يَرَى رَجُلاً مِنَ المُوَحِّدِينَ قَائِماً (فِي صَفِّ) أَهْلِ النَّارِ (قدْ أَحْسَنَ إِلَيْهِ) في الدُّنْيَا فَيُذَكِّرُهُ ذَلِكَ فَيَذْكُرُ، فَيَشفَعُ فِيهِ فَيُحَوَّلُ إِلى صَفِّ أَهْلِ الجَنَّةِ
وقوله: ﴿إِنَّهُ هُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ﴾، أي: العزيز في انتقامه من أعدائه، الرحيم بأوليائه وأهل طاعته.
الدخان 44:43
قال تعالى: ﴿إِنَّ شَجَرَةَ ٱلزَّقُّومِ﴾ - إلى آخر السورة أي: إن شجرة الزقوم التي أخبر تعالى أنها تنبت في أصل الجحيم هي طعام الكافر في جهنم، والأثيم: الآثم وهو في هذا أبو جهل ومن كان مثله.
ولما نزلت هذه الآية دعا أبو جهل بزبد وتمر ودعا أصحابه (فقال: تَعَالَوْا، تَزَقَّمُوا)، فهذا الذي يَعِدُنَا به محمد أنه طعامنا في الجحيم.
وذكر ابن هشام أن أبا جهل لما سمع قول الله جل ذكره ﴿إِنَّ شَجَرَةَ ٱلزَّقُّومِ * طَعَامُ ٱلأَثِيمِ﴾ قال: يا معشر قريش هل تدرون ما شجرة الزقوم) التي يخوفكم بها محمد؟، قالوا: لا. قال: هي عَجْوَةُ يَثْرِب بِالزَّبد.
والعجوة صنف من التمر طيب.
ورُوي أن أبا الدرداء كان يُقْرِئُ رَجُلاً ﴿إِنَّ شَجَرَةَ ٱلزَّقُّومِ * طَعَامُ ٱلأَثِيمِ﴾ فكان الرجل يقول: طعام اليتيم. فلما أكثر عليه أبو الدرداء ولم يفهم الرجل، قال له: إن شجرة الزقوم طعام) الفاجر.
فهذه قراءة على التفسير لا يحسن أن يُقْرَأَ بها.
وقال ابن عباس: "لو أن قطرة من زقوم جهنم أنزلت على الدنيا لأفسدت على الناس معائشهم". وقال ابن زيد: الأثيم هنا: أبو جهل.
قال: ﴿كَٱلْمُهْلِ يَغْلِي فِي ٱلْبُطُونِ﴾، أي: شجرة الزقوم - التي جعلنا ثمرها طعام الكافر في جهنم - كالرصاص أو الفضة المذابة إذا ما تناهت حرارتها.
وقال ابن عباس: "كالمهل: كُدْردِيِّ الزيت".
(وروي عنه أنه رأى فضة قد أذيبت فقال: هذا المُهْلُ وروى) الخدري عن النبي ﷺ أنه قال: "كَالمُهَلِ: كَعَكِرِ الزَّيْتِ، إِذَا قرب إلى وَجْهِ الكَافِرِ سَقَطَتْ (فَرْوَةُ) وَجْهِهِ فِيهِ". وقيل: "المهل" عكر القطران. وقيل: هو الصديد من الحميم.
* *
وقوله: ﴿كَغَلْيِ ٱلْحَمِيمِ﴾، أي: (يغلي) ذلك في بطون الكفار كغلي الماء المحموم، وهو الذي قد أوقد عليه حتى تناهت شدة حره، والحميم بمعنى: (محموم، كقتيل) بمعنى: مقتول.
* *
ثم قال تعالى: ﴿خُذُوهُ فَٱعْتِلُوهُ﴾: يعني الأثيم، وهو الكافر، يقال للملائكة: خذوا الكافر فاعتلوه، أي: (فادفعوه وسوقوه) على عنف.
يقال عتله: إذا ساقه بالدفع والجذب.
* *
وقوله: ﴿إِلَىٰ سَوَآءِ ٱلْجَحِيمِ﴾، أي: إلى وسطها، أي: ادفعوه إلى وسط النار.
* *
ثم قال: ﴿ثُمَّ صُبُّواْ فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ ٱلْحَمِيمِ﴾، أي: صبوا على رأس هذا الأثيم - وهو الكافر - من عذاب الجحيم.
* *
ثم قال: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْكَرِيمُ﴾، أي: يقال له ذق هذا العذاب إنك أنت كنت العزيز في قومك.
قال قتادة: نزلت هذه الآية في أبي جهل عدو الله لقي النبي ﷺ فأخذ النبي ﷺ فَهَزَّهُ، ثم قال: "أَوْلَى لَكَ يَا أَبَا جَهْلٍ، ثُمَّ أَوْلَى لَك فَأَوْلَى" فقال أبو جهلٍ أيوعدني محمد، لأنا أعز من يمشي بين جبليها. فنزلت ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْكَرِيمُ﴾ أي: المدعي ذلك، وفيه نزلت: ﴿وَلاَ تُطِعْ مِنْهُمْ ءَاثِماً أَوْ كَفُوراً﴾ [الإنسان: ٢٤] ، وفيه نزلت: ﴿كَلاَّ لاَ تُطِعْهُ وَٱسْجُدْ وَٱقْتَرِب﴾ [العلق: ١٩].
فالمعنى: ذُقْ عذاب الله، إنك أنت العزيز عند نفسك، الكريم فيما كنت تقول.
وقوله "ذق" عند من كسر "إن" واقع على محذوف وهو العذاب. فأما من فتح "أن" فمعناه مثل ذلك: ذق العذاب لأنك وبأنك كنت تقول: أنا العزيز الكريم.
وهذا كلام معناه التقريع والتوبيخ وليس بمدح له، إنما هو على طريق الحكاية لما كان يدعي في الدنيا من العزة والكرم، إذ كان يقول: أنا العزيز الكريم، فقرع به عند حلول العذاب به إذ صار في ذلة وهوان. فكأنه قيل له: ذق هذا العذاب إنك كنت تقول: أنا العزيز الكريم، فأنت الآن الذليل المهان. فأين ما كنت تقول في الدنيا. وذلك أشد لنكا له وحسرته.
وروي أن النبي ﷺ لقي أبا جهل فقال له: "إِنَّ الله أَمَرَنِي أَنْ أَقُولَ لَكَ ﴿أَوْلَىٰ لَكَ فَأَوْلَىٰ * ثُمَّ أَوْلَىٰ لَكَ فَأَوْلَىٰ﴾ فَقَالَ لَهُ أَبُو جَهْلٍ: واللاَّتِ لاَ تَمْلِكُ لِي نفعاً ولا ضراً وَإِنِّي لأَمْنَعُ أَهْلِ البِطْحَاءِ، وَإِنِّي لأَعَزُّ وَأَكْرَمُ فَأَنْزَلَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى مَا هُوَ صَانِعٌ بِهِ يِوْمَ القِيَامَةِ، وَمَا يُقَالُ لَهُ جَوَاباً لِقَوْلِهِ: أنا أعز وأكرم، فقال له: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْكَرِيمُ﴾ عند نفسك، وأنت الذليل المهان عند الله
ثم قال: ﴿إِنَّ هَـٰذَا مَا كُنتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ﴾، أي: يقال لهم إن هذا العذاب الذي كنتم تَشُكُّونَ.
* *
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ﴾، أي: إن الذين اتقوا الله عز وجل فأدوا طاعته (واجتنبوا معصيته) في موضع إقامة آمنين فيه من السوء كله. وكل من (تقبل الله) له عملاً وإن قل فهو من المتقين بدلالة قوله: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ ٱللَّهُ مِنَ ٱلْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة: ٢٧].
قال علي (بن أبي طالب) رضي الله عنه: مَا قَلَّ عَمَلٌ مع تقوى وكيف يَقِلُّ ما يتقبل.
ويروى أن سائلاً سأل ابن عمر فأمر ولده أن يعطيَه ديناراً فأعطاه وقال له: تقبل الله منك يا أبتاه، فقال ابن عمر: لو علمت أن الله عز وجل تقبل مني سجدة واحدة، أو صدقة درهم واحد، لم يكن غائب أحب إلي من الموت. أتدري ممن يتقبل؟! إنما يتقبل الله من المتقين! ذكر ذلك أبو عبيد في كتاب الشواهد.
ووصف المقام "بأمين" لأنه يؤمن فيه.
والمقام - بالفتح - اسم المكان من قام، وبالضم اسم المكان (من أقام).
ثم بين تعالى ذكره ذلك المقام قال: ﴿فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾، أي: في بساتين وعيون من الماء متطرداً في أصول أشجار الجنات.
* *
ثم قال تعالى: ﴿يَلْبَسُونَ مِن سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُّتَقَابِلِينَ﴾.
السندس: مَا رَقَّ من الديباج. والإستبرق: ما غَلُظَ منه: وقيل: السندس: الخِزُّ المُوَشَّى.
وقوله: "متقابلين، أي: هم على سررهم لا يستدبر بعضهم بعضاً.
* *
ثم قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ وَزَوَّجْنَاهُم بِحُورٍ عِينٍ﴾، أي: كما أدخلناهم الجنات، وألبسناهم السندس والإستبرق، كذلك أكرمناهم بأن زوجناهم أيضاً فيها بحور عين، وهن النقيات (البياض، والواحدة) حوراء.
وقال مجاهد: ﴿وَزَوَّجْنَاهُم بِحُورٍ عِينٍ﴾، أي: "أنكحناهم حوراً. والحور التي يحار فيهن الطرف، بادٍ مُخُّ سوقهن من (وراء ثيابهن). يرى الناظر وجهه في كبد إحداهن كالمرآة من رقة الجلد وصفاء اللون".
والحَوَرُ في اللغة: البياض، كما قيل للدقيق الصافي البياض الحُوَّارَى وفي حرف ابن مسعود: "زوجناهم بعيس عين"، والعيس جمع عيساء وهي البيضاء من الإبل. والعين جمع عيناء وهي العظيمة العينين من النساء.
ومن العرب من يقول: بحير عين على الاتباع للثاني. ومثله من الحديث رواية من روى "اُرْجِعْنَ مَأْزُورَاتٍ غَيْرَ مَأْجُورَاتٍ" والفصيح: ارجعن موزورات.
* *
ثم قال: ﴿فِيهَا بِكلِّ فَاكِهَةٍ آمِنِينَ﴾، أي: يدعو هؤلاء المتقون من في الجنة بكل نوع من الفاكهة اشتهوه آمنين فيها من انقطاع ذلك عنهم، ونفاده، وغائلة (أذاه) (ومن كل) سوء يحذر في الدنيا.
* *
ثم قال تعالى: ﴿لاَ يَذُوقُونَ فِيهَا ٱلْمَوْتَ إِلاَّ ٱلْمَوْتَةَ ٱلأُولَىٰ﴾، أي: بعد الموتة الأولى، أي: لا يذوقون فيها موتاً بعد موتهم في الدنيا. فـ "إلا" ها هنا قريبة المعنى من "بعد".
وقال بعض النحويين "إلا" هنا بمعنى "سوى" أي: لا يذوقون في الجنة الموت سوى الموتة الأولى التي كانت في الدنيا، ومثله عنده ﴿إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء: ٢٢ و ٢٣].
وطُعِنَ في هذا القول، لأن القائل لو قال (لا أذوق) اليوم الطعام إلا الطعام الذي ذقته قبل اليوم بمعنى "سوى"، لجاز أن يريد أن عنده طعاماً من نوع الطعام الذي ذاق بالأمس، وإنه ذائقه اليوم دون سائر الأطعمة.
فيحتمل معنى الآية إذا كانت "إلا" بمعنى "سوى" أن يكون ثم موت من جنس الموت الأول (يحل بهم) وهذا محال.
وقال النحاس: المعنى لا يذوقون فيها الموت البتة. ثم قال: ﴿إِلاَّ ٱلْمَوْتَةَ ٱلأُولَىٰ﴾ على الاستثناء المنقطع.
ولذلك أجاز بعضهم الوقف على "الموت" (لأن ما) بعده منقطع. وأكثرهم على أن "إلا" بمعنى "بعد"، كما تقول: ما كلمت رجلاً اليوم إلا رجلاً عندك، أي: بعد رجل عندك.
(والأحسن أن يكون "إلا" بمعنى "غير"، أي: لا يذوقون فيها موتاً غير الموتة الأولى التي كانت في الدنيا).
* *
ثم قال: ﴿وَوَقَاهُمْ عَذَابَ ٱلْجَحِيمِ﴾، أي: نجاهم منه.
* *
ثم قال: ﴿فَضْلاً مِّن رَّبِّكَ﴾، أي: تفضلاً منه. وهو مصدر والعامل فيه فعل مضمر.
وقيل العامل: ﴿يَدْعُونَ فِيهَا بِكلِّ فَاكِهَةٍ آمِنِينَ﴾.
(وقيل العامل: ﴿إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ﴾).
وقيل العامل: ﴿وَوَقَاهُمْ عَذَابَ ٱلْجَحِيمِ﴾.
وقيل: الكلام كله الذي قبله عامل فيه، لأنه تفضل منه عليهم إذ وفقهم في الدنيا إلى أعمال يدخلون بها الجنة.
وقيل: سماه "تفضلاً" لأنه غفر لهم صغائر لو أخذهم بها لم يدخلوا الجنة.
وقيل: إنما سماه "تفضلاً" لأن نعمه عليهم في الدنيا تستغرق حسناتهم فأدخلهم الجنة بفضله ورحمته لا بأعمالهم.
روي عن النبي ﷺ أنه قال: "مَا أَحَدٌ يَدْخُلُ الجَنَّةِ بِعَمَلِهِ.
قِيلَ: وَلاَ أَنْتَ يَا رَسُولَ الله؟! قَالَ: (وَلاَ أَنَا) إِلاَّ أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللهُ بِرَحْمَتِهِ
ثم قال تعالى: ﴿ذَلِكَ هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ﴾، (أي: هذا الذي تقدم وصفه للمتقين هو النجاء العظيم والظفر) الكبير.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ﴾ أي أنزلنا القرآن بلسان العرب لعلهم يفهمون (فيتذكرون ويتعظون).
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَٱرْتَقِبْ إِنَّهُمْ مُّرْتَقِبُونَ﴾، أي: فانتظر أن يحكم الله بينك وبينهم، إنهم منتظرون بك ريب الحدثان. وقيل المعنى: فانتظر الفتح والنصر فإنهم منتظرون عند أنفسهم قهرك وغلبتك.
الدخان 44:44
قال تعالى: ﴿إِنَّ شَجَرَةَ ٱلزَّقُّومِ﴾ - إلى آخر السورة أي: إن شجرة الزقوم التي أخبر تعالى أنها تنبت في أصل الجحيم هي طعام الكافر في جهنم، والأثيم: الآثم وهو في هذا أبو جهل ومن كان مثله.
ولما نزلت هذه الآية دعا أبو جهل بزبد وتمر ودعا أصحابه (فقال: تَعَالَوْا، تَزَقَّمُوا)، فهذا الذي يَعِدُنَا به محمد أنه طعامنا في الجحيم.
وذكر ابن هشام أن أبا جهل لما سمع قول الله جل ذكره ﴿إِنَّ شَجَرَةَ ٱلزَّقُّومِ * طَعَامُ ٱلأَثِيمِ﴾ قال: يا معشر قريش هل تدرون ما شجرة الزقوم) التي يخوفكم بها محمد؟، قالوا: لا. قال: هي عَجْوَةُ يَثْرِب بِالزَّبد.
والعجوة صنف من التمر طيب.
ورُوي أن أبا الدرداء كان يُقْرِئُ رَجُلاً ﴿إِنَّ شَجَرَةَ ٱلزَّقُّومِ * طَعَامُ ٱلأَثِيمِ﴾ فكان الرجل يقول: طعام اليتيم. فلما أكثر عليه أبو الدرداء ولم يفهم الرجل، قال له: إن شجرة الزقوم طعام) الفاجر.
فهذه قراءة على التفسير لا يحسن أن يُقْرَأَ بها.
وقال ابن عباس: "لو أن قطرة من زقوم جهنم أنزلت على الدنيا لأفسدت على الناس معائشهم". وقال ابن زيد: الأثيم هنا: أبو جهل.
قال: ﴿كَٱلْمُهْلِ يَغْلِي فِي ٱلْبُطُونِ﴾، أي: شجرة الزقوم - التي جعلنا ثمرها طعام الكافر في جهنم - كالرصاص أو الفضة المذابة إذا ما تناهت حرارتها.
وقال ابن عباس: "كالمهل: كُدْردِيِّ الزيت".
(وروي عنه أنه رأى فضة قد أذيبت فقال: هذا المُهْلُ وروى) الخدري عن النبي ﷺ أنه قال: "كَالمُهَلِ: كَعَكِرِ الزَّيْتِ، إِذَا قرب إلى وَجْهِ الكَافِرِ سَقَطَتْ (فَرْوَةُ) وَجْهِهِ فِيهِ". وقيل: "المهل" عكر القطران. وقيل: هو الصديد من الحميم.
* *
وقوله: ﴿كَغَلْيِ ٱلْحَمِيمِ﴾، أي: (يغلي) ذلك في بطون الكفار كغلي الماء المحموم، وهو الذي قد أوقد عليه حتى تناهت شدة حره، والحميم بمعنى: (محموم، كقتيل) بمعنى: مقتول.
* *
ثم قال تعالى: ﴿خُذُوهُ فَٱعْتِلُوهُ﴾: يعني الأثيم، وهو الكافر، يقال للملائكة: خذوا الكافر فاعتلوه، أي: (فادفعوه وسوقوه) على عنف.
يقال عتله: إذا ساقه بالدفع والجذب.
* *
وقوله: ﴿إِلَىٰ سَوَآءِ ٱلْجَحِيمِ﴾، أي: إلى وسطها، أي: ادفعوه إلى وسط النار.
* *
ثم قال: ﴿ثُمَّ صُبُّواْ فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ ٱلْحَمِيمِ﴾، أي: صبوا على رأس هذا الأثيم - وهو الكافر - من عذاب الجحيم.
* *
ثم قال: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْكَرِيمُ﴾، أي: يقال له ذق هذا العذاب إنك أنت كنت العزيز في قومك.
قال قتادة: نزلت هذه الآية في أبي جهل عدو الله لقي النبي ﷺ فأخذ النبي ﷺ فَهَزَّهُ، ثم قال: "أَوْلَى لَكَ يَا أَبَا جَهْلٍ، ثُمَّ أَوْلَى لَك فَأَوْلَى" فقال أبو جهلٍ أيوعدني محمد، لأنا أعز من يمشي بين جبليها. فنزلت ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْكَرِيمُ﴾ أي: المدعي ذلك، وفيه نزلت: ﴿وَلاَ تُطِعْ مِنْهُمْ ءَاثِماً أَوْ كَفُوراً﴾ [الإنسان: ٢٤] ، وفيه نزلت: ﴿كَلاَّ لاَ تُطِعْهُ وَٱسْجُدْ وَٱقْتَرِب﴾ [العلق: ١٩].
فالمعنى: ذُقْ عذاب الله، إنك أنت العزيز عند نفسك، الكريم فيما كنت تقول.
وقوله "ذق" عند من كسر "إن" واقع على محذوف وهو العذاب. فأما من فتح "أن" فمعناه مثل ذلك: ذق العذاب لأنك وبأنك كنت تقول: أنا العزيز الكريم.
وهذا كلام معناه التقريع والتوبيخ وليس بمدح له، إنما هو على طريق الحكاية لما كان يدعي في الدنيا من العزة والكرم، إذ كان يقول: أنا العزيز الكريم، فقرع به عند حلول العذاب به إذ صار في ذلة وهوان. فكأنه قيل له: ذق هذا العذاب إنك كنت تقول: أنا العزيز الكريم، فأنت الآن الذليل المهان. فأين ما كنت تقول في الدنيا. وذلك أشد لنكا له وحسرته.
وروي أن النبي ﷺ لقي أبا جهل فقال له: "إِنَّ الله أَمَرَنِي أَنْ أَقُولَ لَكَ ﴿أَوْلَىٰ لَكَ فَأَوْلَىٰ * ثُمَّ أَوْلَىٰ لَكَ فَأَوْلَىٰ﴾ فَقَالَ لَهُ أَبُو جَهْلٍ: واللاَّتِ لاَ تَمْلِكُ لِي نفعاً ولا ضراً وَإِنِّي لأَمْنَعُ أَهْلِ البِطْحَاءِ، وَإِنِّي لأَعَزُّ وَأَكْرَمُ فَأَنْزَلَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى مَا هُوَ صَانِعٌ بِهِ يِوْمَ القِيَامَةِ، وَمَا يُقَالُ لَهُ جَوَاباً لِقَوْلِهِ: أنا أعز وأكرم، فقال له: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْكَرِيمُ﴾ عند نفسك، وأنت الذليل المهان عند الله
ثم قال: ﴿إِنَّ هَـٰذَا مَا كُنتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ﴾، أي: يقال لهم إن هذا العذاب الذي كنتم تَشُكُّونَ.
* *
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ﴾، أي: إن الذين اتقوا الله عز وجل فأدوا طاعته (واجتنبوا معصيته) في موضع إقامة آمنين فيه من السوء كله. وكل من (تقبل الله) له عملاً وإن قل فهو من المتقين بدلالة قوله: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ ٱللَّهُ مِنَ ٱلْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة: ٢٧].
قال علي (بن أبي طالب) رضي الله عنه: مَا قَلَّ عَمَلٌ مع تقوى وكيف يَقِلُّ ما يتقبل.
ويروى أن سائلاً سأل ابن عمر فأمر ولده أن يعطيَه ديناراً فأعطاه وقال له: تقبل الله منك يا أبتاه، فقال ابن عمر: لو علمت أن الله عز وجل تقبل مني سجدة واحدة، أو صدقة درهم واحد، لم يكن غائب أحب إلي من الموت. أتدري ممن يتقبل؟! إنما يتقبل الله من المتقين! ذكر ذلك أبو عبيد في كتاب الشواهد.
ووصف المقام "بأمين" لأنه يؤمن فيه.
والمقام - بالفتح - اسم المكان من قام، وبالضم اسم المكان (من أقام).
ثم بين تعالى ذكره ذلك المقام قال: ﴿فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾، أي: في بساتين وعيون من الماء متطرداً في أصول أشجار الجنات.
* *
ثم قال تعالى: ﴿يَلْبَسُونَ مِن سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُّتَقَابِلِينَ﴾.
السندس: مَا رَقَّ من الديباج. والإستبرق: ما غَلُظَ منه: وقيل: السندس: الخِزُّ المُوَشَّى.
وقوله: "متقابلين، أي: هم على سررهم لا يستدبر بعضهم بعضاً.
* *
ثم قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ وَزَوَّجْنَاهُم بِحُورٍ عِينٍ﴾، أي: كما أدخلناهم الجنات، وألبسناهم السندس والإستبرق، كذلك أكرمناهم بأن زوجناهم أيضاً فيها بحور عين، وهن النقيات (البياض، والواحدة) حوراء.
وقال مجاهد: ﴿وَزَوَّجْنَاهُم بِحُورٍ عِينٍ﴾، أي: "أنكحناهم حوراً. والحور التي يحار فيهن الطرف، بادٍ مُخُّ سوقهن من (وراء ثيابهن). يرى الناظر وجهه في كبد إحداهن كالمرآة من رقة الجلد وصفاء اللون".
والحَوَرُ في اللغة: البياض، كما قيل للدقيق الصافي البياض الحُوَّارَى وفي حرف ابن مسعود: "زوجناهم بعيس عين"، والعيس جمع عيساء وهي البيضاء من الإبل. والعين جمع عيناء وهي العظيمة العينين من النساء.
ومن العرب من يقول: بحير عين على الاتباع للثاني. ومثله من الحديث رواية من روى "اُرْجِعْنَ مَأْزُورَاتٍ غَيْرَ مَأْجُورَاتٍ" والفصيح: ارجعن موزورات.
* *
ثم قال: ﴿فِيهَا بِكلِّ فَاكِهَةٍ آمِنِينَ﴾، أي: يدعو هؤلاء المتقون من في الجنة بكل نوع من الفاكهة اشتهوه آمنين فيها من انقطاع ذلك عنهم، ونفاده، وغائلة (أذاه) (ومن كل) سوء يحذر في الدنيا.
* *
ثم قال تعالى: ﴿لاَ يَذُوقُونَ فِيهَا ٱلْمَوْتَ إِلاَّ ٱلْمَوْتَةَ ٱلأُولَىٰ﴾، أي: بعد الموتة الأولى، أي: لا يذوقون فيها موتاً بعد موتهم في الدنيا. فـ "إلا" ها هنا قريبة المعنى من "بعد".
وقال بعض النحويين "إلا" هنا بمعنى "سوى" أي: لا يذوقون في الجنة الموت سوى الموتة الأولى التي كانت في الدنيا، ومثله عنده ﴿إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء: ٢٢ و ٢٣].
وطُعِنَ في هذا القول، لأن القائل لو قال (لا أذوق) اليوم الطعام إلا الطعام الذي ذقته قبل اليوم بمعنى "سوى"، لجاز أن يريد أن عنده طعاماً من نوع الطعام الذي ذاق بالأمس، وإنه ذائقه اليوم دون سائر الأطعمة.
فيحتمل معنى الآية إذا كانت "إلا" بمعنى "سوى" أن يكون ثم موت من جنس الموت الأول (يحل بهم) وهذا محال.
وقال النحاس: المعنى لا يذوقون فيها الموت البتة. ثم قال: ﴿إِلاَّ ٱلْمَوْتَةَ ٱلأُولَىٰ﴾ على الاستثناء المنقطع.
ولذلك أجاز بعضهم الوقف على "الموت" (لأن ما) بعده منقطع. وأكثرهم على أن "إلا" بمعنى "بعد"، كما تقول: ما كلمت رجلاً اليوم إلا رجلاً عندك، أي: بعد رجل عندك.
(والأحسن أن يكون "إلا" بمعنى "غير"، أي: لا يذوقون فيها موتاً غير الموتة الأولى التي كانت في الدنيا).
* *
ثم قال: ﴿وَوَقَاهُمْ عَذَابَ ٱلْجَحِيمِ﴾، أي: نجاهم منه.
* *
ثم قال: ﴿فَضْلاً مِّن رَّبِّكَ﴾، أي: تفضلاً منه. وهو مصدر والعامل فيه فعل مضمر.
وقيل العامل: ﴿يَدْعُونَ فِيهَا بِكلِّ فَاكِهَةٍ آمِنِينَ﴾.
(وقيل العامل: ﴿إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ﴾).
وقيل العامل: ﴿وَوَقَاهُمْ عَذَابَ ٱلْجَحِيمِ﴾.
وقيل: الكلام كله الذي قبله عامل فيه، لأنه تفضل منه عليهم إذ وفقهم في الدنيا إلى أعمال يدخلون بها الجنة.
وقيل: سماه "تفضلاً" لأنه غفر لهم صغائر لو أخذهم بها لم يدخلوا الجنة.
وقيل: إنما سماه "تفضلاً" لأن نعمه عليهم في الدنيا تستغرق حسناتهم فأدخلهم الجنة بفضله ورحمته لا بأعمالهم.
روي عن النبي ﷺ أنه قال: "مَا أَحَدٌ يَدْخُلُ الجَنَّةِ بِعَمَلِهِ.
قِيلَ: وَلاَ أَنْتَ يَا رَسُولَ الله؟! قَالَ: (وَلاَ أَنَا) إِلاَّ أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللهُ بِرَحْمَتِهِ
ثم قال تعالى: ﴿ذَلِكَ هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ﴾، (أي: هذا الذي تقدم وصفه للمتقين هو النجاء العظيم والظفر) الكبير.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ﴾ أي أنزلنا القرآن بلسان العرب لعلهم يفهمون (فيتذكرون ويتعظون).
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَٱرْتَقِبْ إِنَّهُمْ مُّرْتَقِبُونَ﴾، أي: فانتظر أن يحكم الله بينك وبينهم، إنهم منتظرون بك ريب الحدثان. وقيل المعنى: فانتظر الفتح والنصر فإنهم منتظرون عند أنفسهم قهرك وغلبتك.
الدخان 44:45
قال تعالى: ﴿إِنَّ شَجَرَةَ ٱلزَّقُّومِ﴾ - إلى آخر السورة أي: إن شجرة الزقوم التي أخبر تعالى أنها تنبت في أصل الجحيم هي طعام الكافر في جهنم، والأثيم: الآثم وهو في هذا أبو جهل ومن كان مثله.
ولما نزلت هذه الآية دعا أبو جهل بزبد وتمر ودعا أصحابه (فقال: تَعَالَوْا، تَزَقَّمُوا)، فهذا الذي يَعِدُنَا به محمد أنه طعامنا في الجحيم.
وذكر ابن هشام أن أبا جهل لما سمع قول الله جل ذكره ﴿إِنَّ شَجَرَةَ ٱلزَّقُّومِ * طَعَامُ ٱلأَثِيمِ﴾ قال: يا معشر قريش هل تدرون ما شجرة الزقوم) التي يخوفكم بها محمد؟، قالوا: لا. قال: هي عَجْوَةُ يَثْرِب بِالزَّبد.
والعجوة صنف من التمر طيب.
ورُوي أن أبا الدرداء كان يُقْرِئُ رَجُلاً ﴿إِنَّ شَجَرَةَ ٱلزَّقُّومِ * طَعَامُ ٱلأَثِيمِ﴾ فكان الرجل يقول: طعام اليتيم. فلما أكثر عليه أبو الدرداء ولم يفهم الرجل، قال له: إن شجرة الزقوم طعام) الفاجر.
فهذه قراءة على التفسير لا يحسن أن يُقْرَأَ بها.
وقال ابن عباس: "لو أن قطرة من زقوم جهنم أنزلت على الدنيا لأفسدت على الناس معائشهم". وقال ابن زيد: الأثيم هنا: أبو جهل.
قال: ﴿كَٱلْمُهْلِ يَغْلِي فِي ٱلْبُطُونِ﴾، أي: شجرة الزقوم - التي جعلنا ثمرها طعام الكافر في جهنم - كالرصاص أو الفضة المذابة إذا ما تناهت حرارتها.
وقال ابن عباس: "كالمهل: كُدْردِيِّ الزيت".
(وروي عنه أنه رأى فضة قد أذيبت فقال: هذا المُهْلُ وروى) الخدري عن النبي ﷺ أنه قال: "كَالمُهَلِ: كَعَكِرِ الزَّيْتِ، إِذَا قرب إلى وَجْهِ الكَافِرِ سَقَطَتْ (فَرْوَةُ) وَجْهِهِ فِيهِ". وقيل: "المهل" عكر القطران. وقيل: هو الصديد من الحميم.
* *
وقوله: ﴿كَغَلْيِ ٱلْحَمِيمِ﴾، أي: (يغلي) ذلك في بطون الكفار كغلي الماء المحموم، وهو الذي قد أوقد عليه حتى تناهت شدة حره، والحميم بمعنى: (محموم، كقتيل) بمعنى: مقتول.
* *
ثم قال تعالى: ﴿خُذُوهُ فَٱعْتِلُوهُ﴾: يعني الأثيم، وهو الكافر، يقال للملائكة: خذوا الكافر فاعتلوه، أي: (فادفعوه وسوقوه) على عنف.
يقال عتله: إذا ساقه بالدفع والجذب.
* *
وقوله: ﴿إِلَىٰ سَوَآءِ ٱلْجَحِيمِ﴾، أي: إلى وسطها، أي: ادفعوه إلى وسط النار.
* *
ثم قال: ﴿ثُمَّ صُبُّواْ فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ ٱلْحَمِيمِ﴾، أي: صبوا على رأس هذا الأثيم - وهو الكافر - من عذاب الجحيم.
* *
ثم قال: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْكَرِيمُ﴾، أي: يقال له ذق هذا العذاب إنك أنت كنت العزيز في قومك.
قال قتادة: نزلت هذه الآية في أبي جهل عدو الله لقي النبي ﷺ فأخذ النبي ﷺ فَهَزَّهُ، ثم قال: "أَوْلَى لَكَ يَا أَبَا جَهْلٍ، ثُمَّ أَوْلَى لَك فَأَوْلَى" فقال أبو جهلٍ أيوعدني محمد، لأنا أعز من يمشي بين جبليها. فنزلت ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْكَرِيمُ﴾ أي: المدعي ذلك، وفيه نزلت: ﴿وَلاَ تُطِعْ مِنْهُمْ ءَاثِماً أَوْ كَفُوراً﴾ [الإنسان: ٢٤] ، وفيه نزلت: ﴿كَلاَّ لاَ تُطِعْهُ وَٱسْجُدْ وَٱقْتَرِب﴾ [العلق: ١٩].
فالمعنى: ذُقْ عذاب الله، إنك أنت العزيز عند نفسك، الكريم فيما كنت تقول.
وقوله "ذق" عند من كسر "إن" واقع على محذوف وهو العذاب. فأما من فتح "أن" فمعناه مثل ذلك: ذق العذاب لأنك وبأنك كنت تقول: أنا العزيز الكريم.
وهذا كلام معناه التقريع والتوبيخ وليس بمدح له، إنما هو على طريق الحكاية لما كان يدعي في الدنيا من العزة والكرم، إذ كان يقول: أنا العزيز الكريم، فقرع به عند حلول العذاب به إذ صار في ذلة وهوان. فكأنه قيل له: ذق هذا العذاب إنك كنت تقول: أنا العزيز الكريم، فأنت الآن الذليل المهان. فأين ما كنت تقول في الدنيا. وذلك أشد لنكا له وحسرته.
وروي أن النبي ﷺ لقي أبا جهل فقال له: "إِنَّ الله أَمَرَنِي أَنْ أَقُولَ لَكَ ﴿أَوْلَىٰ لَكَ فَأَوْلَىٰ * ثُمَّ أَوْلَىٰ لَكَ فَأَوْلَىٰ﴾ فَقَالَ لَهُ أَبُو جَهْلٍ: واللاَّتِ لاَ تَمْلِكُ لِي نفعاً ولا ضراً وَإِنِّي لأَمْنَعُ أَهْلِ البِطْحَاءِ، وَإِنِّي لأَعَزُّ وَأَكْرَمُ فَأَنْزَلَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى مَا هُوَ صَانِعٌ بِهِ يِوْمَ القِيَامَةِ، وَمَا يُقَالُ لَهُ جَوَاباً لِقَوْلِهِ: أنا أعز وأكرم، فقال له: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْكَرِيمُ﴾ عند نفسك، وأنت الذليل المهان عند الله
ثم قال: ﴿إِنَّ هَـٰذَا مَا كُنتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ﴾، أي: يقال لهم إن هذا العذاب الذي كنتم تَشُكُّونَ.
* *
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ﴾، أي: إن الذين اتقوا الله عز وجل فأدوا طاعته (واجتنبوا معصيته) في موضع إقامة آمنين فيه من السوء كله. وكل من (تقبل الله) له عملاً وإن قل فهو من المتقين بدلالة قوله: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ ٱللَّهُ مِنَ ٱلْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة: ٢٧].
قال علي (بن أبي طالب) رضي الله عنه: مَا قَلَّ عَمَلٌ مع تقوى وكيف يَقِلُّ ما يتقبل.
ويروى أن سائلاً سأل ابن عمر فأمر ولده أن يعطيَه ديناراً فأعطاه وقال له: تقبل الله منك يا أبتاه، فقال ابن عمر: لو علمت أن الله عز وجل تقبل مني سجدة واحدة، أو صدقة درهم واحد، لم يكن غائب أحب إلي من الموت. أتدري ممن يتقبل؟! إنما يتقبل الله من المتقين! ذكر ذلك أبو عبيد في كتاب الشواهد.
ووصف المقام "بأمين" لأنه يؤمن فيه.
والمقام - بالفتح - اسم المكان من قام، وبالضم اسم المكان (من أقام).
ثم بين تعالى ذكره ذلك المقام قال: ﴿فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾، أي: في بساتين وعيون من الماء متطرداً في أصول أشجار الجنات.
* *
ثم قال تعالى: ﴿يَلْبَسُونَ مِن سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُّتَقَابِلِينَ﴾.
السندس: مَا رَقَّ من الديباج. والإستبرق: ما غَلُظَ منه: وقيل: السندس: الخِزُّ المُوَشَّى.
وقوله: "متقابلين، أي: هم على سررهم لا يستدبر بعضهم بعضاً.
* *
ثم قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ وَزَوَّجْنَاهُم بِحُورٍ عِينٍ﴾، أي: كما أدخلناهم الجنات، وألبسناهم السندس والإستبرق، كذلك أكرمناهم بأن زوجناهم أيضاً فيها بحور عين، وهن النقيات (البياض، والواحدة) حوراء.
وقال مجاهد: ﴿وَزَوَّجْنَاهُم بِحُورٍ عِينٍ﴾، أي: "أنكحناهم حوراً. والحور التي يحار فيهن الطرف، بادٍ مُخُّ سوقهن من (وراء ثيابهن). يرى الناظر وجهه في كبد إحداهن كالمرآة من رقة الجلد وصفاء اللون".
والحَوَرُ في اللغة: البياض، كما قيل للدقيق الصافي البياض الحُوَّارَى وفي حرف ابن مسعود: "زوجناهم بعيس عين"، والعيس جمع عيساء وهي البيضاء من الإبل. والعين جمع عيناء وهي العظيمة العينين من النساء.
ومن العرب من يقول: بحير عين على الاتباع للثاني. ومثله من الحديث رواية من روى "اُرْجِعْنَ مَأْزُورَاتٍ غَيْرَ مَأْجُورَاتٍ" والفصيح: ارجعن موزورات.
* *
ثم قال: ﴿فِيهَا بِكلِّ فَاكِهَةٍ آمِنِينَ﴾، أي: يدعو هؤلاء المتقون من في الجنة بكل نوع من الفاكهة اشتهوه آمنين فيها من انقطاع ذلك عنهم، ونفاده، وغائلة (أذاه) (ومن كل) سوء يحذر في الدنيا.
* *
ثم قال تعالى: ﴿لاَ يَذُوقُونَ فِيهَا ٱلْمَوْتَ إِلاَّ ٱلْمَوْتَةَ ٱلأُولَىٰ﴾، أي: بعد الموتة الأولى، أي: لا يذوقون فيها موتاً بعد موتهم في الدنيا. فـ "إلا" ها هنا قريبة المعنى من "بعد".
وقال بعض النحويين "إلا" هنا بمعنى "سوى" أي: لا يذوقون في الجنة الموت سوى الموتة الأولى التي كانت في الدنيا، ومثله عنده ﴿إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء: ٢٢ و ٢٣].
وطُعِنَ في هذا القول، لأن القائل لو قال (لا أذوق) اليوم الطعام إلا الطعام الذي ذقته قبل اليوم بمعنى "سوى"، لجاز أن يريد أن عنده طعاماً من نوع الطعام الذي ذاق بالأمس، وإنه ذائقه اليوم دون سائر الأطعمة.
فيحتمل معنى الآية إذا كانت "إلا" بمعنى "سوى" أن يكون ثم موت من جنس الموت الأول (يحل بهم) وهذا محال.
وقال النحاس: المعنى لا يذوقون فيها الموت البتة. ثم قال: ﴿إِلاَّ ٱلْمَوْتَةَ ٱلأُولَىٰ﴾ على الاستثناء المنقطع.
ولذلك أجاز بعضهم الوقف على "الموت" (لأن ما) بعده منقطع. وأكثرهم على أن "إلا" بمعنى "بعد"، كما تقول: ما كلمت رجلاً اليوم إلا رجلاً عندك، أي: بعد رجل عندك.
(والأحسن أن يكون "إلا" بمعنى "غير"، أي: لا يذوقون فيها موتاً غير الموتة الأولى التي كانت في الدنيا).
* *
ثم قال: ﴿وَوَقَاهُمْ عَذَابَ ٱلْجَحِيمِ﴾، أي: نجاهم منه.
* *
ثم قال: ﴿فَضْلاً مِّن رَّبِّكَ﴾، أي: تفضلاً منه. وهو مصدر والعامل فيه فعل مضمر.
وقيل العامل: ﴿يَدْعُونَ فِيهَا بِكلِّ فَاكِهَةٍ آمِنِينَ﴾.
(وقيل العامل: ﴿إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ﴾).
وقيل العامل: ﴿وَوَقَاهُمْ عَذَابَ ٱلْجَحِيمِ﴾.
وقيل: الكلام كله الذي قبله عامل فيه، لأنه تفضل منه عليهم إذ وفقهم في الدنيا إلى أعمال يدخلون بها الجنة.
وقيل: سماه "تفضلاً" لأنه غفر لهم صغائر لو أخذهم بها لم يدخلوا الجنة.
وقيل: إنما سماه "تفضلاً" لأن نعمه عليهم في الدنيا تستغرق حسناتهم فأدخلهم الجنة بفضله ورحمته لا بأعمالهم.
روي عن النبي ﷺ أنه قال: "مَا أَحَدٌ يَدْخُلُ الجَنَّةِ بِعَمَلِهِ.
قِيلَ: وَلاَ أَنْتَ يَا رَسُولَ الله؟! قَالَ: (وَلاَ أَنَا) إِلاَّ أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللهُ بِرَحْمَتِهِ
ثم قال تعالى: ﴿ذَلِكَ هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ﴾، (أي: هذا الذي تقدم وصفه للمتقين هو النجاء العظيم والظفر) الكبير.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ﴾ أي أنزلنا القرآن بلسان العرب لعلهم يفهمون (فيتذكرون ويتعظون).
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَٱرْتَقِبْ إِنَّهُمْ مُّرْتَقِبُونَ﴾، أي: فانتظر أن يحكم الله بينك وبينهم، إنهم منتظرون بك ريب الحدثان. وقيل المعنى: فانتظر الفتح والنصر فإنهم منتظرون عند أنفسهم قهرك وغلبتك.
الدخان 44:46
قال تعالى: ﴿إِنَّ شَجَرَةَ ٱلزَّقُّومِ﴾ - إلى آخر السورة أي: إن شجرة الزقوم التي أخبر تعالى أنها تنبت في أصل الجحيم هي طعام الكافر في جهنم، والأثيم: الآثم وهو في هذا أبو جهل ومن كان مثله.
ولما نزلت هذه الآية دعا أبو جهل بزبد وتمر ودعا أصحابه (فقال: تَعَالَوْا، تَزَقَّمُوا)، فهذا الذي يَعِدُنَا به محمد أنه طعامنا في الجحيم.
وذكر ابن هشام أن أبا جهل لما سمع قول الله جل ذكره ﴿إِنَّ شَجَرَةَ ٱلزَّقُّومِ * طَعَامُ ٱلأَثِيمِ﴾ قال: يا معشر قريش هل تدرون ما شجرة الزقوم) التي يخوفكم بها محمد؟، قالوا: لا. قال: هي عَجْوَةُ يَثْرِب بِالزَّبد.
والعجوة صنف من التمر طيب.
ورُوي أن أبا الدرداء كان يُقْرِئُ رَجُلاً ﴿إِنَّ شَجَرَةَ ٱلزَّقُّومِ * طَعَامُ ٱلأَثِيمِ﴾ فكان الرجل يقول: طعام اليتيم. فلما أكثر عليه أبو الدرداء ولم يفهم الرجل، قال له: إن شجرة الزقوم طعام) الفاجر.
فهذه قراءة على التفسير لا يحسن أن يُقْرَأَ بها.
وقال ابن عباس: "لو أن قطرة من زقوم جهنم أنزلت على الدنيا لأفسدت على الناس معائشهم". وقال ابن زيد: الأثيم هنا: أبو جهل.
قال: ﴿كَٱلْمُهْلِ يَغْلِي فِي ٱلْبُطُونِ﴾، أي: شجرة الزقوم - التي جعلنا ثمرها طعام الكافر في جهنم - كالرصاص أو الفضة المذابة إذا ما تناهت حرارتها.
وقال ابن عباس: "كالمهل: كُدْردِيِّ الزيت".
(وروي عنه أنه رأى فضة قد أذيبت فقال: هذا المُهْلُ وروى) الخدري عن النبي ﷺ أنه قال: "كَالمُهَلِ: كَعَكِرِ الزَّيْتِ، إِذَا قرب إلى وَجْهِ الكَافِرِ سَقَطَتْ (فَرْوَةُ) وَجْهِهِ فِيهِ". وقيل: "المهل" عكر القطران. وقيل: هو الصديد من الحميم.
* *
وقوله: ﴿كَغَلْيِ ٱلْحَمِيمِ﴾، أي: (يغلي) ذلك في بطون الكفار كغلي الماء المحموم، وهو الذي قد أوقد عليه حتى تناهت شدة حره، والحميم بمعنى: (محموم، كقتيل) بمعنى: مقتول.
* *
ثم قال تعالى: ﴿خُذُوهُ فَٱعْتِلُوهُ﴾: يعني الأثيم، وهو الكافر، يقال للملائكة: خذوا الكافر فاعتلوه، أي: (فادفعوه وسوقوه) على عنف.
يقال عتله: إذا ساقه بالدفع والجذب.
* *
وقوله: ﴿إِلَىٰ سَوَآءِ ٱلْجَحِيمِ﴾، أي: إلى وسطها، أي: ادفعوه إلى وسط النار.
* *
ثم قال: ﴿ثُمَّ صُبُّواْ فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ ٱلْحَمِيمِ﴾، أي: صبوا على رأس هذا الأثيم - وهو الكافر - من عذاب الجحيم.
* *
ثم قال: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْكَرِيمُ﴾، أي: يقال له ذق هذا العذاب إنك أنت كنت العزيز في قومك.
قال قتادة: نزلت هذه الآية في أبي جهل عدو الله لقي النبي ﷺ فأخذ النبي ﷺ فَهَزَّهُ، ثم قال: "أَوْلَى لَكَ يَا أَبَا جَهْلٍ، ثُمَّ أَوْلَى لَك فَأَوْلَى" فقال أبو جهلٍ أيوعدني محمد، لأنا أعز من يمشي بين جبليها. فنزلت ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْكَرِيمُ﴾ أي: المدعي ذلك، وفيه نزلت: ﴿وَلاَ تُطِعْ مِنْهُمْ ءَاثِماً أَوْ كَفُوراً﴾ [الإنسان: ٢٤] ، وفيه نزلت: ﴿كَلاَّ لاَ تُطِعْهُ وَٱسْجُدْ وَٱقْتَرِب﴾ [العلق: ١٩].
فالمعنى: ذُقْ عذاب الله، إنك أنت العزيز عند نفسك، الكريم فيما كنت تقول.
وقوله "ذق" عند من كسر "إن" واقع على محذوف وهو العذاب. فأما من فتح "أن" فمعناه مثل ذلك: ذق العذاب لأنك وبأنك كنت تقول: أنا العزيز الكريم.
وهذا كلام معناه التقريع والتوبيخ وليس بمدح له، إنما هو على طريق الحكاية لما كان يدعي في الدنيا من العزة والكرم، إذ كان يقول: أنا العزيز الكريم، فقرع به عند حلول العذاب به إذ صار في ذلة وهوان. فكأنه قيل له: ذق هذا العذاب إنك كنت تقول: أنا العزيز الكريم، فأنت الآن الذليل المهان. فأين ما كنت تقول في الدنيا. وذلك أشد لنكا له وحسرته.
وروي أن النبي ﷺ لقي أبا جهل فقال له: "إِنَّ الله أَمَرَنِي أَنْ أَقُولَ لَكَ ﴿أَوْلَىٰ لَكَ فَأَوْلَىٰ * ثُمَّ أَوْلَىٰ لَكَ فَأَوْلَىٰ﴾ فَقَالَ لَهُ أَبُو جَهْلٍ: واللاَّتِ لاَ تَمْلِكُ لِي نفعاً ولا ضراً وَإِنِّي لأَمْنَعُ أَهْلِ البِطْحَاءِ، وَإِنِّي لأَعَزُّ وَأَكْرَمُ فَأَنْزَلَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى مَا هُوَ صَانِعٌ بِهِ يِوْمَ القِيَامَةِ، وَمَا يُقَالُ لَهُ جَوَاباً لِقَوْلِهِ: أنا أعز وأكرم، فقال له: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْكَرِيمُ﴾ عند نفسك، وأنت الذليل المهان عند الله
ثم قال: ﴿إِنَّ هَـٰذَا مَا كُنتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ﴾، أي: يقال لهم إن هذا العذاب الذي كنتم تَشُكُّونَ.
* *
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ﴾، أي: إن الذين اتقوا الله عز وجل فأدوا طاعته (واجتنبوا معصيته) في موضع إقامة آمنين فيه من السوء كله. وكل من (تقبل الله) له عملاً وإن قل فهو من المتقين بدلالة قوله: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ ٱللَّهُ مِنَ ٱلْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة: ٢٧].
قال علي (بن أبي طالب) رضي الله عنه: مَا قَلَّ عَمَلٌ مع تقوى وكيف يَقِلُّ ما يتقبل.
ويروى أن سائلاً سأل ابن عمر فأمر ولده أن يعطيَه ديناراً فأعطاه وقال له: تقبل الله منك يا أبتاه، فقال ابن عمر: لو علمت أن الله عز وجل تقبل مني سجدة واحدة، أو صدقة درهم واحد، لم يكن غائب أحب إلي من الموت. أتدري ممن يتقبل؟! إنما يتقبل الله من المتقين! ذكر ذلك أبو عبيد في كتاب الشواهد.
ووصف المقام "بأمين" لأنه يؤمن فيه.
والمقام - بالفتح - اسم المكان من قام، وبالضم اسم المكان (من أقام).
ثم بين تعالى ذكره ذلك المقام قال: ﴿فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾، أي: في بساتين وعيون من الماء متطرداً في أصول أشجار الجنات.
* *
ثم قال تعالى: ﴿يَلْبَسُونَ مِن سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُّتَقَابِلِينَ﴾.
السندس: مَا رَقَّ من الديباج. والإستبرق: ما غَلُظَ منه: وقيل: السندس: الخِزُّ المُوَشَّى.
وقوله: "متقابلين، أي: هم على سررهم لا يستدبر بعضهم بعضاً.
* *
ثم قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ وَزَوَّجْنَاهُم بِحُورٍ عِينٍ﴾، أي: كما أدخلناهم الجنات، وألبسناهم السندس والإستبرق، كذلك أكرمناهم بأن زوجناهم أيضاً فيها بحور عين، وهن النقيات (البياض، والواحدة) حوراء.
وقال مجاهد: ﴿وَزَوَّجْنَاهُم بِحُورٍ عِينٍ﴾، أي: "أنكحناهم حوراً. والحور التي يحار فيهن الطرف، بادٍ مُخُّ سوقهن من (وراء ثيابهن). يرى الناظر وجهه في كبد إحداهن كالمرآة من رقة الجلد وصفاء اللون".
والحَوَرُ في اللغة: البياض، كما قيل للدقيق الصافي البياض الحُوَّارَى وفي حرف ابن مسعود: "زوجناهم بعيس عين"، والعيس جمع عيساء وهي البيضاء من الإبل. والعين جمع عيناء وهي العظيمة العينين من النساء.
ومن العرب من يقول: بحير عين على الاتباع للثاني. ومثله من الحديث رواية من روى "اُرْجِعْنَ مَأْزُورَاتٍ غَيْرَ مَأْجُورَاتٍ" والفصيح: ارجعن موزورات.
* *
ثم قال: ﴿فِيهَا بِكلِّ فَاكِهَةٍ آمِنِينَ﴾، أي: يدعو هؤلاء المتقون من في الجنة بكل نوع من الفاكهة اشتهوه آمنين فيها من انقطاع ذلك عنهم، ونفاده، وغائلة (أذاه) (ومن كل) سوء يحذر في الدنيا.
* *
ثم قال تعالى: ﴿لاَ يَذُوقُونَ فِيهَا ٱلْمَوْتَ إِلاَّ ٱلْمَوْتَةَ ٱلأُولَىٰ﴾، أي: بعد الموتة الأولى، أي: لا يذوقون فيها موتاً بعد موتهم في الدنيا. فـ "إلا" ها هنا قريبة المعنى من "بعد".
وقال بعض النحويين "إلا" هنا بمعنى "سوى" أي: لا يذوقون في الجنة الموت سوى الموتة الأولى التي كانت في الدنيا، ومثله عنده ﴿إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء: ٢٢ و ٢٣].
وطُعِنَ في هذا القول، لأن القائل لو قال (لا أذوق) اليوم الطعام إلا الطعام الذي ذقته قبل اليوم بمعنى "سوى"، لجاز أن يريد أن عنده طعاماً من نوع الطعام الذي ذاق بالأمس، وإنه ذائقه اليوم دون سائر الأطعمة.
فيحتمل معنى الآية إذا كانت "إلا" بمعنى "سوى" أن يكون ثم موت من جنس الموت الأول (يحل بهم) وهذا محال.
وقال النحاس: المعنى لا يذوقون فيها الموت البتة. ثم قال: ﴿إِلاَّ ٱلْمَوْتَةَ ٱلأُولَىٰ﴾ على الاستثناء المنقطع.
ولذلك أجاز بعضهم الوقف على "الموت" (لأن ما) بعده منقطع. وأكثرهم على أن "إلا" بمعنى "بعد"، كما تقول: ما كلمت رجلاً اليوم إلا رجلاً عندك، أي: بعد رجل عندك.
(والأحسن أن يكون "إلا" بمعنى "غير"، أي: لا يذوقون فيها موتاً غير الموتة الأولى التي كانت في الدنيا).
* *
ثم قال: ﴿وَوَقَاهُمْ عَذَابَ ٱلْجَحِيمِ﴾، أي: نجاهم منه.
* *
ثم قال: ﴿فَضْلاً مِّن رَّبِّكَ﴾، أي: تفضلاً منه. وهو مصدر والعامل فيه فعل مضمر.
وقيل العامل: ﴿يَدْعُونَ فِيهَا بِكلِّ فَاكِهَةٍ آمِنِينَ﴾.
(وقيل العامل: ﴿إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ﴾).
وقيل العامل: ﴿وَوَقَاهُمْ عَذَابَ ٱلْجَحِيمِ﴾.
وقيل: الكلام كله الذي قبله عامل فيه، لأنه تفضل منه عليهم إذ وفقهم في الدنيا إلى أعمال يدخلون بها الجنة.
وقيل: سماه "تفضلاً" لأنه غفر لهم صغائر لو أخذهم بها لم يدخلوا الجنة.
وقيل: إنما سماه "تفضلاً" لأن نعمه عليهم في الدنيا تستغرق حسناتهم فأدخلهم الجنة بفضله ورحمته لا بأعمالهم.
روي عن النبي ﷺ أنه قال: "مَا أَحَدٌ يَدْخُلُ الجَنَّةِ بِعَمَلِهِ.
قِيلَ: وَلاَ أَنْتَ يَا رَسُولَ الله؟! قَالَ: (وَلاَ أَنَا) إِلاَّ أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللهُ بِرَحْمَتِهِ
ثم قال تعالى: ﴿ذَلِكَ هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ﴾، (أي: هذا الذي تقدم وصفه للمتقين هو النجاء العظيم والظفر) الكبير.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ﴾ أي أنزلنا القرآن بلسان العرب لعلهم يفهمون (فيتذكرون ويتعظون).
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَٱرْتَقِبْ إِنَّهُمْ مُّرْتَقِبُونَ﴾، أي: فانتظر أن يحكم الله بينك وبينهم، إنهم منتظرون بك ريب الحدثان. وقيل المعنى: فانتظر الفتح والنصر فإنهم منتظرون عند أنفسهم قهرك وغلبتك.
الدخان 44:47
قال تعالى: ﴿إِنَّ شَجَرَةَ ٱلزَّقُّومِ﴾ - إلى آخر السورة أي: إن شجرة الزقوم التي أخبر تعالى أنها تنبت في أصل الجحيم هي طعام الكافر في جهنم، والأثيم: الآثم وهو في هذا أبو جهل ومن كان مثله.
ولما نزلت هذه الآية دعا أبو جهل بزبد وتمر ودعا أصحابه (فقال: تَعَالَوْا، تَزَقَّمُوا)، فهذا الذي يَعِدُنَا به محمد أنه طعامنا في الجحيم.
وذكر ابن هشام أن أبا جهل لما سمع قول الله جل ذكره ﴿إِنَّ شَجَرَةَ ٱلزَّقُّومِ * طَعَامُ ٱلأَثِيمِ﴾ قال: يا معشر قريش هل تدرون ما شجرة الزقوم) التي يخوفكم بها محمد؟، قالوا: لا. قال: هي عَجْوَةُ يَثْرِب بِالزَّبد.
والعجوة صنف من التمر طيب.
ورُوي أن أبا الدرداء كان يُقْرِئُ رَجُلاً ﴿إِنَّ شَجَرَةَ ٱلزَّقُّومِ * طَعَامُ ٱلأَثِيمِ﴾ فكان الرجل يقول: طعام اليتيم. فلما أكثر عليه أبو الدرداء ولم يفهم الرجل، قال له: إن شجرة الزقوم طعام) الفاجر.
فهذه قراءة على التفسير لا يحسن أن يُقْرَأَ بها.
وقال ابن عباس: "لو أن قطرة من زقوم جهنم أنزلت على الدنيا لأفسدت على الناس معائشهم". وقال ابن زيد: الأثيم هنا: أبو جهل.
قال: ﴿كَٱلْمُهْلِ يَغْلِي فِي ٱلْبُطُونِ﴾، أي: شجرة الزقوم - التي جعلنا ثمرها طعام الكافر في جهنم - كالرصاص أو الفضة المذابة إذا ما تناهت حرارتها.
وقال ابن عباس: "كالمهل: كُدْردِيِّ الزيت".
(وروي عنه أنه رأى فضة قد أذيبت فقال: هذا المُهْلُ وروى) الخدري عن النبي ﷺ أنه قال: "كَالمُهَلِ: كَعَكِرِ الزَّيْتِ، إِذَا قرب إلى وَجْهِ الكَافِرِ سَقَطَتْ (فَرْوَةُ) وَجْهِهِ فِيهِ". وقيل: "المهل" عكر القطران. وقيل: هو الصديد من الحميم.
* *
وقوله: ﴿كَغَلْيِ ٱلْحَمِيمِ﴾، أي: (يغلي) ذلك في بطون الكفار كغلي الماء المحموم، وهو الذي قد أوقد عليه حتى تناهت شدة حره، والحميم بمعنى: (محموم، كقتيل) بمعنى: مقتول.
* *
ثم قال تعالى: ﴿خُذُوهُ فَٱعْتِلُوهُ﴾: يعني الأثيم، وهو الكافر، يقال للملائكة: خذوا الكافر فاعتلوه، أي: (فادفعوه وسوقوه) على عنف.
يقال عتله: إذا ساقه بالدفع والجذب.
* *
وقوله: ﴿إِلَىٰ سَوَآءِ ٱلْجَحِيمِ﴾، أي: إلى وسطها، أي: ادفعوه إلى وسط النار.
* *
ثم قال: ﴿ثُمَّ صُبُّواْ فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ ٱلْحَمِيمِ﴾، أي: صبوا على رأس هذا الأثيم - وهو الكافر - من عذاب الجحيم.
* *
ثم قال: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْكَرِيمُ﴾، أي: يقال له ذق هذا العذاب إنك أنت كنت العزيز في قومك.
قال قتادة: نزلت هذه الآية في أبي جهل عدو الله لقي النبي ﷺ فأخذ النبي ﷺ فَهَزَّهُ، ثم قال: "أَوْلَى لَكَ يَا أَبَا جَهْلٍ، ثُمَّ أَوْلَى لَك فَأَوْلَى" فقال أبو جهلٍ أيوعدني محمد، لأنا أعز من يمشي بين جبليها. فنزلت ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْكَرِيمُ﴾ أي: المدعي ذلك، وفيه نزلت: ﴿وَلاَ تُطِعْ مِنْهُمْ ءَاثِماً أَوْ كَفُوراً﴾ [الإنسان: ٢٤] ، وفيه نزلت: ﴿كَلاَّ لاَ تُطِعْهُ وَٱسْجُدْ وَٱقْتَرِب﴾ [العلق: ١٩].
فالمعنى: ذُقْ عذاب الله، إنك أنت العزيز عند نفسك، الكريم فيما كنت تقول.
وقوله "ذق" عند من كسر "إن" واقع على محذوف وهو العذاب. فأما من فتح "أن" فمعناه مثل ذلك: ذق العذاب لأنك وبأنك كنت تقول: أنا العزيز الكريم.
وهذا كلام معناه التقريع والتوبيخ وليس بمدح له، إنما هو على طريق الحكاية لما كان يدعي في الدنيا من العزة والكرم، إذ كان يقول: أنا العزيز الكريم، فقرع به عند حلول العذاب به إذ صار في ذلة وهوان. فكأنه قيل له: ذق هذا العذاب إنك كنت تقول: أنا العزيز الكريم، فأنت الآن الذليل المهان. فأين ما كنت تقول في الدنيا. وذلك أشد لنكا له وحسرته.
وروي أن النبي ﷺ لقي أبا جهل فقال له: "إِنَّ الله أَمَرَنِي أَنْ أَقُولَ لَكَ ﴿أَوْلَىٰ لَكَ فَأَوْلَىٰ * ثُمَّ أَوْلَىٰ لَكَ فَأَوْلَىٰ﴾ فَقَالَ لَهُ أَبُو جَهْلٍ: واللاَّتِ لاَ تَمْلِكُ لِي نفعاً ولا ضراً وَإِنِّي لأَمْنَعُ أَهْلِ البِطْحَاءِ، وَإِنِّي لأَعَزُّ وَأَكْرَمُ فَأَنْزَلَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى مَا هُوَ صَانِعٌ بِهِ يِوْمَ القِيَامَةِ، وَمَا يُقَالُ لَهُ جَوَاباً لِقَوْلِهِ: أنا أعز وأكرم، فقال له: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْكَرِيمُ﴾ عند نفسك، وأنت الذليل المهان عند الله
ثم قال: ﴿إِنَّ هَـٰذَا مَا كُنتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ﴾، أي: يقال لهم إن هذا العذاب الذي كنتم تَشُكُّونَ.
* *
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ﴾، أي: إن الذين اتقوا الله عز وجل فأدوا طاعته (واجتنبوا معصيته) في موضع إقامة آمنين فيه من السوء كله. وكل من (تقبل الله) له عملاً وإن قل فهو من المتقين بدلالة قوله: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ ٱللَّهُ مِنَ ٱلْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة: ٢٧].
قال علي (بن أبي طالب) رضي الله عنه: مَا قَلَّ عَمَلٌ مع تقوى وكيف يَقِلُّ ما يتقبل.
ويروى أن سائلاً سأل ابن عمر فأمر ولده أن يعطيَه ديناراً فأعطاه وقال له: تقبل الله منك يا أبتاه، فقال ابن عمر: لو علمت أن الله عز وجل تقبل مني سجدة واحدة، أو صدقة درهم واحد، لم يكن غائب أحب إلي من الموت. أتدري ممن يتقبل؟! إنما يتقبل الله من المتقين! ذكر ذلك أبو عبيد في كتاب الشواهد.
ووصف المقام "بأمين" لأنه يؤمن فيه.
والمقام - بالفتح - اسم المكان من قام، وبالضم اسم المكان (من أقام).
ثم بين تعالى ذكره ذلك المقام قال: ﴿فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾، أي: في بساتين وعيون من الماء متطرداً في أصول أشجار الجنات.
* *
ثم قال تعالى: ﴿يَلْبَسُونَ مِن سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُّتَقَابِلِينَ﴾.
السندس: مَا رَقَّ من الديباج. والإستبرق: ما غَلُظَ منه: وقيل: السندس: الخِزُّ المُوَشَّى.
وقوله: "متقابلين، أي: هم على سررهم لا يستدبر بعضهم بعضاً.
* *
ثم قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ وَزَوَّجْنَاهُم بِحُورٍ عِينٍ﴾، أي: كما أدخلناهم الجنات، وألبسناهم السندس والإستبرق، كذلك أكرمناهم بأن زوجناهم أيضاً فيها بحور عين، وهن النقيات (البياض، والواحدة) حوراء.
وقال مجاهد: ﴿وَزَوَّجْنَاهُم بِحُورٍ عِينٍ﴾، أي: "أنكحناهم حوراً. والحور التي يحار فيهن الطرف، بادٍ مُخُّ سوقهن من (وراء ثيابهن). يرى الناظر وجهه في كبد إحداهن كالمرآة من رقة الجلد وصفاء اللون".
والحَوَرُ في اللغة: البياض، كما قيل للدقيق الصافي البياض الحُوَّارَى وفي حرف ابن مسعود: "زوجناهم بعيس عين"، والعيس جمع عيساء وهي البيضاء من الإبل. والعين جمع عيناء وهي العظيمة العينين من النساء.
ومن العرب من يقول: بحير عين على الاتباع للثاني. ومثله من الحديث رواية من روى "اُرْجِعْنَ مَأْزُورَاتٍ غَيْرَ مَأْجُورَاتٍ" والفصيح: ارجعن موزورات.
* *
ثم قال: ﴿فِيهَا بِكلِّ فَاكِهَةٍ آمِنِينَ﴾، أي: يدعو هؤلاء المتقون من في الجنة بكل نوع من الفاكهة اشتهوه آمنين فيها من انقطاع ذلك عنهم، ونفاده، وغائلة (أذاه) (ومن كل) سوء يحذر في الدنيا.
* *
ثم قال تعالى: ﴿لاَ يَذُوقُونَ فِيهَا ٱلْمَوْتَ إِلاَّ ٱلْمَوْتَةَ ٱلأُولَىٰ﴾، أي: بعد الموتة الأولى، أي: لا يذوقون فيها موتاً بعد موتهم في الدنيا. فـ "إلا" ها هنا قريبة المعنى من "بعد".
وقال بعض النحويين "إلا" هنا بمعنى "سوى" أي: لا يذوقون في الجنة الموت سوى الموتة الأولى التي كانت في الدنيا، ومثله عنده ﴿إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء: ٢٢ و ٢٣].
وطُعِنَ في هذا القول، لأن القائل لو قال (لا أذوق) اليوم الطعام إلا الطعام الذي ذقته قبل اليوم بمعنى "سوى"، لجاز أن يريد أن عنده طعاماً من نوع الطعام الذي ذاق بالأمس، وإنه ذائقه اليوم دون سائر الأطعمة.
فيحتمل معنى الآية إذا كانت "إلا" بمعنى "سوى" أن يكون ثم موت من جنس الموت الأول (يحل بهم) وهذا محال.
وقال النحاس: المعنى لا يذوقون فيها الموت البتة. ثم قال: ﴿إِلاَّ ٱلْمَوْتَةَ ٱلأُولَىٰ﴾ على الاستثناء المنقطع.
ولذلك أجاز بعضهم الوقف على "الموت" (لأن ما) بعده منقطع. وأكثرهم على أن "إلا" بمعنى "بعد"، كما تقول: ما كلمت رجلاً اليوم إلا رجلاً عندك، أي: بعد رجل عندك.
(والأحسن أن يكون "إلا" بمعنى "غير"، أي: لا يذوقون فيها موتاً غير الموتة الأولى التي كانت في الدنيا).
* *
ثم قال: ﴿وَوَقَاهُمْ عَذَابَ ٱلْجَحِيمِ﴾، أي: نجاهم منه.
* *
ثم قال: ﴿فَضْلاً مِّن رَّبِّكَ﴾، أي: تفضلاً منه. وهو مصدر والعامل فيه فعل مضمر.
وقيل العامل: ﴿يَدْعُونَ فِيهَا بِكلِّ فَاكِهَةٍ آمِنِينَ﴾.
(وقيل العامل: ﴿إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ﴾).
وقيل العامل: ﴿وَوَقَاهُمْ عَذَابَ ٱلْجَحِيمِ﴾.
وقيل: الكلام كله الذي قبله عامل فيه، لأنه تفضل منه عليهم إذ وفقهم في الدنيا إلى أعمال يدخلون بها الجنة.
وقيل: سماه "تفضلاً" لأنه غفر لهم صغائر لو أخذهم بها لم يدخلوا الجنة.
وقيل: إنما سماه "تفضلاً" لأن نعمه عليهم في الدنيا تستغرق حسناتهم فأدخلهم الجنة بفضله ورحمته لا بأعمالهم.
روي عن النبي ﷺ أنه قال: "مَا أَحَدٌ يَدْخُلُ الجَنَّةِ بِعَمَلِهِ.
قِيلَ: وَلاَ أَنْتَ يَا رَسُولَ الله؟! قَالَ: (وَلاَ أَنَا) إِلاَّ أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللهُ بِرَحْمَتِهِ
ثم قال تعالى: ﴿ذَلِكَ هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ﴾، (أي: هذا الذي تقدم وصفه للمتقين هو النجاء العظيم والظفر) الكبير.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ﴾ أي أنزلنا القرآن بلسان العرب لعلهم يفهمون (فيتذكرون ويتعظون).
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَٱرْتَقِبْ إِنَّهُمْ مُّرْتَقِبُونَ﴾، أي: فانتظر أن يحكم الله بينك وبينهم، إنهم منتظرون بك ريب الحدثان. وقيل المعنى: فانتظر الفتح والنصر فإنهم منتظرون عند أنفسهم قهرك وغلبتك.
الدخان 44:48
قال تعالى: ﴿إِنَّ شَجَرَةَ ٱلزَّقُّومِ﴾ - إلى آخر السورة أي: إن شجرة الزقوم التي أخبر تعالى أنها تنبت في أصل الجحيم هي طعام الكافر في جهنم، والأثيم: الآثم وهو في هذا أبو جهل ومن كان مثله.
ولما نزلت هذه الآية دعا أبو جهل بزبد وتمر ودعا أصحابه (فقال: تَعَالَوْا، تَزَقَّمُوا)، فهذا الذي يَعِدُنَا به محمد أنه طعامنا في الجحيم.
وذكر ابن هشام أن أبا جهل لما سمع قول الله جل ذكره ﴿إِنَّ شَجَرَةَ ٱلزَّقُّومِ * طَعَامُ ٱلأَثِيمِ﴾ قال: يا معشر قريش هل تدرون ما شجرة الزقوم) التي يخوفكم بها محمد؟، قالوا: لا. قال: هي عَجْوَةُ يَثْرِب بِالزَّبد.
والعجوة صنف من التمر طيب.
ورُوي أن أبا الدرداء كان يُقْرِئُ رَجُلاً ﴿إِنَّ شَجَرَةَ ٱلزَّقُّومِ * طَعَامُ ٱلأَثِيمِ﴾ فكان الرجل يقول: طعام اليتيم. فلما أكثر عليه أبو الدرداء ولم يفهم الرجل، قال له: إن شجرة الزقوم طعام) الفاجر.
فهذه قراءة على التفسير لا يحسن أن يُقْرَأَ بها.
وقال ابن عباس: "لو أن قطرة من زقوم جهنم أنزلت على الدنيا لأفسدت على الناس معائشهم". وقال ابن زيد: الأثيم هنا: أبو جهل.
قال: ﴿كَٱلْمُهْلِ يَغْلِي فِي ٱلْبُطُونِ﴾، أي: شجرة الزقوم - التي جعلنا ثمرها طعام الكافر في جهنم - كالرصاص أو الفضة المذابة إذا ما تناهت حرارتها.
وقال ابن عباس: "كالمهل: كُدْردِيِّ الزيت".
(وروي عنه أنه رأى فضة قد أذيبت فقال: هذا المُهْلُ وروى) الخدري عن النبي ﷺ أنه قال: "كَالمُهَلِ: كَعَكِرِ الزَّيْتِ، إِذَا قرب إلى وَجْهِ الكَافِرِ سَقَطَتْ (فَرْوَةُ) وَجْهِهِ فِيهِ". وقيل: "المهل" عكر القطران. وقيل: هو الصديد من الحميم.
* *
وقوله: ﴿كَغَلْيِ ٱلْحَمِيمِ﴾، أي: (يغلي) ذلك في بطون الكفار كغلي الماء المحموم، وهو الذي قد أوقد عليه حتى تناهت شدة حره، والحميم بمعنى: (محموم، كقتيل) بمعنى: مقتول.
* *
ثم قال تعالى: ﴿خُذُوهُ فَٱعْتِلُوهُ﴾: يعني الأثيم، وهو الكافر، يقال للملائكة: خذوا الكافر فاعتلوه، أي: (فادفعوه وسوقوه) على عنف.
يقال عتله: إذا ساقه بالدفع والجذب.
* *
وقوله: ﴿إِلَىٰ سَوَآءِ ٱلْجَحِيمِ﴾، أي: إلى وسطها، أي: ادفعوه إلى وسط النار.
* *
ثم قال: ﴿ثُمَّ صُبُّواْ فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ ٱلْحَمِيمِ﴾، أي: صبوا على رأس هذا الأثيم - وهو الكافر - من عذاب الجحيم.
* *
ثم قال: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْكَرِيمُ﴾، أي: يقال له ذق هذا العذاب إنك أنت كنت العزيز في قومك.
قال قتادة: نزلت هذه الآية في أبي جهل عدو الله لقي النبي ﷺ فأخذ النبي ﷺ فَهَزَّهُ، ثم قال: "أَوْلَى لَكَ يَا أَبَا جَهْلٍ، ثُمَّ أَوْلَى لَك فَأَوْلَى" فقال أبو جهلٍ أيوعدني محمد، لأنا أعز من يمشي بين جبليها. فنزلت ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْكَرِيمُ﴾ أي: المدعي ذلك، وفيه نزلت: ﴿وَلاَ تُطِعْ مِنْهُمْ ءَاثِماً أَوْ كَفُوراً﴾ [الإنسان: ٢٤] ، وفيه نزلت: ﴿كَلاَّ لاَ تُطِعْهُ وَٱسْجُدْ وَٱقْتَرِب﴾ [العلق: ١٩].
فالمعنى: ذُقْ عذاب الله، إنك أنت العزيز عند نفسك، الكريم فيما كنت تقول.
وقوله "ذق" عند من كسر "إن" واقع على محذوف وهو العذاب. فأما من فتح "أن" فمعناه مثل ذلك: ذق العذاب لأنك وبأنك كنت تقول: أنا العزيز الكريم.
وهذا كلام معناه التقريع والتوبيخ وليس بمدح له، إنما هو على طريق الحكاية لما كان يدعي في الدنيا من العزة والكرم، إذ كان يقول: أنا العزيز الكريم، فقرع به عند حلول العذاب به إذ صار في ذلة وهوان. فكأنه قيل له: ذق هذا العذاب إنك كنت تقول: أنا العزيز الكريم، فأنت الآن الذليل المهان. فأين ما كنت تقول في الدنيا. وذلك أشد لنكا له وحسرته.
وروي أن النبي ﷺ لقي أبا جهل فقال له: "إِنَّ الله أَمَرَنِي أَنْ أَقُولَ لَكَ ﴿أَوْلَىٰ لَكَ فَأَوْلَىٰ * ثُمَّ أَوْلَىٰ لَكَ فَأَوْلَىٰ﴾ فَقَالَ لَهُ أَبُو جَهْلٍ: واللاَّتِ لاَ تَمْلِكُ لِي نفعاً ولا ضراً وَإِنِّي لأَمْنَعُ أَهْلِ البِطْحَاءِ، وَإِنِّي لأَعَزُّ وَأَكْرَمُ فَأَنْزَلَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى مَا هُوَ صَانِعٌ بِهِ يِوْمَ القِيَامَةِ، وَمَا يُقَالُ لَهُ جَوَاباً لِقَوْلِهِ: أنا أعز وأكرم، فقال له: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْكَرِيمُ﴾ عند نفسك، وأنت الذليل المهان عند الله
ثم قال: ﴿إِنَّ هَـٰذَا مَا كُنتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ﴾، أي: يقال لهم إن هذا العذاب الذي كنتم تَشُكُّونَ.
* *
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ﴾، أي: إن الذين اتقوا الله عز وجل فأدوا طاعته (واجتنبوا معصيته) في موضع إقامة آمنين فيه من السوء كله. وكل من (تقبل الله) له عملاً وإن قل فهو من المتقين بدلالة قوله: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ ٱللَّهُ مِنَ ٱلْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة: ٢٧].
قال علي (بن أبي طالب) رضي الله عنه: مَا قَلَّ عَمَلٌ مع تقوى وكيف يَقِلُّ ما يتقبل.
ويروى أن سائلاً سأل ابن عمر فأمر ولده أن يعطيَه ديناراً فأعطاه وقال له: تقبل الله منك يا أبتاه، فقال ابن عمر: لو علمت أن الله عز وجل تقبل مني سجدة واحدة، أو صدقة درهم واحد، لم يكن غائب أحب إلي من الموت. أتدري ممن يتقبل؟! إنما يتقبل الله من المتقين! ذكر ذلك أبو عبيد في كتاب الشواهد.
ووصف المقام "بأمين" لأنه يؤمن فيه.
والمقام - بالفتح - اسم المكان من قام، وبالضم اسم المكان (من أقام).
ثم بين تعالى ذكره ذلك المقام قال: ﴿فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾، أي: في بساتين وعيون من الماء متطرداً في أصول أشجار الجنات.
* *
ثم قال تعالى: ﴿يَلْبَسُونَ مِن سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُّتَقَابِلِينَ﴾.
السندس: مَا رَقَّ من الديباج. والإستبرق: ما غَلُظَ منه: وقيل: السندس: الخِزُّ المُوَشَّى.
وقوله: "متقابلين، أي: هم على سررهم لا يستدبر بعضهم بعضاً.
* *
ثم قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ وَزَوَّجْنَاهُم بِحُورٍ عِينٍ﴾، أي: كما أدخلناهم الجنات، وألبسناهم السندس والإستبرق، كذلك أكرمناهم بأن زوجناهم أيضاً فيها بحور عين، وهن النقيات (البياض، والواحدة) حوراء.
وقال مجاهد: ﴿وَزَوَّجْنَاهُم بِحُورٍ عِينٍ﴾، أي: "أنكحناهم حوراً. والحور التي يحار فيهن الطرف، بادٍ مُخُّ سوقهن من (وراء ثيابهن). يرى الناظر وجهه في كبد إحداهن كالمرآة من رقة الجلد وصفاء اللون".
والحَوَرُ في اللغة: البياض، كما قيل للدقيق الصافي البياض الحُوَّارَى وفي حرف ابن مسعود: "زوجناهم بعيس عين"، والعيس جمع عيساء وهي البيضاء من الإبل. والعين جمع عيناء وهي العظيمة العينين من النساء.
ومن العرب من يقول: بحير عين على الاتباع للثاني. ومثله من الحديث رواية من روى "اُرْجِعْنَ مَأْزُورَاتٍ غَيْرَ مَأْجُورَاتٍ" والفصيح: ارجعن موزورات.
* *
ثم قال: ﴿فِيهَا بِكلِّ فَاكِهَةٍ آمِنِينَ﴾، أي: يدعو هؤلاء المتقون من في الجنة بكل نوع من الفاكهة اشتهوه آمنين فيها من انقطاع ذلك عنهم، ونفاده، وغائلة (أذاه) (ومن كل) سوء يحذر في الدنيا.
* *
ثم قال تعالى: ﴿لاَ يَذُوقُونَ فِيهَا ٱلْمَوْتَ إِلاَّ ٱلْمَوْتَةَ ٱلأُولَىٰ﴾، أي: بعد الموتة الأولى، أي: لا يذوقون فيها موتاً بعد موتهم في الدنيا. فـ "إلا" ها هنا قريبة المعنى من "بعد".
وقال بعض النحويين "إلا" هنا بمعنى "سوى" أي: لا يذوقون في الجنة الموت سوى الموتة الأولى التي كانت في الدنيا، ومثله عنده ﴿إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء: ٢٢ و ٢٣].
وطُعِنَ في هذا القول، لأن القائل لو قال (لا أذوق) اليوم الطعام إلا الطعام الذي ذقته قبل اليوم بمعنى "سوى"، لجاز أن يريد أن عنده طعاماً من نوع الطعام الذي ذاق بالأمس، وإنه ذائقه اليوم دون سائر الأطعمة.
فيحتمل معنى الآية إذا كانت "إلا" بمعنى "سوى" أن يكون ثم موت من جنس الموت الأول (يحل بهم) وهذا محال.
وقال النحاس: المعنى لا يذوقون فيها الموت البتة. ثم قال: ﴿إِلاَّ ٱلْمَوْتَةَ ٱلأُولَىٰ﴾ على الاستثناء المنقطع.
ولذلك أجاز بعضهم الوقف على "الموت" (لأن ما) بعده منقطع. وأكثرهم على أن "إلا" بمعنى "بعد"، كما تقول: ما كلمت رجلاً اليوم إلا رجلاً عندك، أي: بعد رجل عندك.
(والأحسن أن يكون "إلا" بمعنى "غير"، أي: لا يذوقون فيها موتاً غير الموتة الأولى التي كانت في الدنيا).
* *
ثم قال: ﴿وَوَقَاهُمْ عَذَابَ ٱلْجَحِيمِ﴾، أي: نجاهم منه.
* *
ثم قال: ﴿فَضْلاً مِّن رَّبِّكَ﴾، أي: تفضلاً منه. وهو مصدر والعامل فيه فعل مضمر.
وقيل العامل: ﴿يَدْعُونَ فِيهَا بِكلِّ فَاكِهَةٍ آمِنِينَ﴾.
(وقيل العامل: ﴿إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ﴾).
وقيل العامل: ﴿وَوَقَاهُمْ عَذَابَ ٱلْجَحِيمِ﴾.
وقيل: الكلام كله الذي قبله عامل فيه، لأنه تفضل منه عليهم إذ وفقهم في الدنيا إلى أعمال يدخلون بها الجنة.
وقيل: سماه "تفضلاً" لأنه غفر لهم صغائر لو أخذهم بها لم يدخلوا الجنة.
وقيل: إنما سماه "تفضلاً" لأن نعمه عليهم في الدنيا تستغرق حسناتهم فأدخلهم الجنة بفضله ورحمته لا بأعمالهم.
روي عن النبي ﷺ أنه قال: "مَا أَحَدٌ يَدْخُلُ الجَنَّةِ بِعَمَلِهِ.
قِيلَ: وَلاَ أَنْتَ يَا رَسُولَ الله؟! قَالَ: (وَلاَ أَنَا) إِلاَّ أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللهُ بِرَحْمَتِهِ
ثم قال تعالى: ﴿ذَلِكَ هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ﴾، (أي: هذا الذي تقدم وصفه للمتقين هو النجاء العظيم والظفر) الكبير.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ﴾ أي أنزلنا القرآن بلسان العرب لعلهم يفهمون (فيتذكرون ويتعظون).
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَٱرْتَقِبْ إِنَّهُمْ مُّرْتَقِبُونَ﴾، أي: فانتظر أن يحكم الله بينك وبينهم، إنهم منتظرون بك ريب الحدثان. وقيل المعنى: فانتظر الفتح والنصر فإنهم منتظرون عند أنفسهم قهرك وغلبتك.