Tafsir Makhi — الدخان 44:49 – الجاثية 45:37
المحتويات
- الدخان 44:49
- الدخان 44:50
- الدخان 44:51
- الدخان 44:52
- الدخان 44:53
- الدخان 44:54
- الدخان 44:55
- الدخان 44:56
- الدخان 44:57
- الدخان 44:58
- الدخان 44:59
- الجاثية 45:1
- الجاثية 45:2
- الجاثية 45:3
- الجاثية 45:4
- الجاثية 45:5
- الجاثية 45:6
- الجاثية 45:7
- الجاثية 45:8
- الجاثية 45:9
- الجاثية 45:10
- الجاثية 45:11
- الجاثية 45:12
- الجاثية 45:13
- الجاثية 45:14
- الجاثية 45:15
- الجاثية 45:16
- الجاثية 45:17
- الجاثية 45:18
- الجاثية 45:19
- الجاثية 45:20
- الجاثية 45:21
- الجاثية 45:22
- الجاثية 45:23
- الجاثية 45:24
- الجاثية 45:25
- الجاثية 45:26
- الجاثية 45:27
- الجاثية 45:28
- الجاثية 45:29
- الجاثية 45:30
- الجاثية 45:31
- الجاثية 45:32
- الجاثية 45:33
- الجاثية 45:34
- الجاثية 45:35
- الجاثية 45:36
- الجاثية 45:37
الدخان 44:49
قال تعالى: ﴿إِنَّ شَجَرَةَ ٱلزَّقُّومِ﴾ - إلى آخر السورة أي: إن شجرة الزقوم التي أخبر تعالى أنها تنبت في أصل الجحيم هي طعام الكافر في جهنم، والأثيم: الآثم وهو في هذا أبو جهل ومن كان مثله.
ولما نزلت هذه الآية دعا أبو جهل بزبد وتمر ودعا أصحابه (فقال: تَعَالَوْا، تَزَقَّمُوا)، فهذا الذي يَعِدُنَا به محمد أنه طعامنا في الجحيم.
وذكر ابن هشام أن أبا جهل لما سمع قول الله جل ذكره ﴿إِنَّ شَجَرَةَ ٱلزَّقُّومِ * طَعَامُ ٱلأَثِيمِ﴾ قال: يا معشر قريش هل تدرون ما شجرة الزقوم) التي يخوفكم بها محمد؟، قالوا: لا. قال: هي عَجْوَةُ يَثْرِب بِالزَّبد.
والعجوة صنف من التمر طيب.
ورُوي أن أبا الدرداء كان يُقْرِئُ رَجُلاً ﴿إِنَّ شَجَرَةَ ٱلزَّقُّومِ * طَعَامُ ٱلأَثِيمِ﴾ فكان الرجل يقول: طعام اليتيم. فلما أكثر عليه أبو الدرداء ولم يفهم الرجل، قال له: إن شجرة الزقوم طعام) الفاجر.
فهذه قراءة على التفسير لا يحسن أن يُقْرَأَ بها.
وقال ابن عباس: "لو أن قطرة من زقوم جهنم أنزلت على الدنيا لأفسدت على الناس معائشهم". وقال ابن زيد: الأثيم هنا: أبو جهل.
قال: ﴿كَٱلْمُهْلِ يَغْلِي فِي ٱلْبُطُونِ﴾، أي: شجرة الزقوم - التي جعلنا ثمرها طعام الكافر في جهنم - كالرصاص أو الفضة المذابة إذا ما تناهت حرارتها.
وقال ابن عباس: "كالمهل: كُدْردِيِّ الزيت".
(وروي عنه أنه رأى فضة قد أذيبت فقال: هذا المُهْلُ وروى) الخدري عن النبي ﷺ أنه قال: "كَالمُهَلِ: كَعَكِرِ الزَّيْتِ، إِذَا قرب إلى وَجْهِ الكَافِرِ سَقَطَتْ (فَرْوَةُ) وَجْهِهِ فِيهِ". وقيل: "المهل" عكر القطران. وقيل: هو الصديد من الحميم.
* *
وقوله: ﴿كَغَلْيِ ٱلْحَمِيمِ﴾، أي: (يغلي) ذلك في بطون الكفار كغلي الماء المحموم، وهو الذي قد أوقد عليه حتى تناهت شدة حره، والحميم بمعنى: (محموم، كقتيل) بمعنى: مقتول.
* *
ثم قال تعالى: ﴿خُذُوهُ فَٱعْتِلُوهُ﴾: يعني الأثيم، وهو الكافر، يقال للملائكة: خذوا الكافر فاعتلوه، أي: (فادفعوه وسوقوه) على عنف.
يقال عتله: إذا ساقه بالدفع والجذب.
* *
وقوله: ﴿إِلَىٰ سَوَآءِ ٱلْجَحِيمِ﴾، أي: إلى وسطها، أي: ادفعوه إلى وسط النار.
* *
ثم قال: ﴿ثُمَّ صُبُّواْ فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ ٱلْحَمِيمِ﴾، أي: صبوا على رأس هذا الأثيم - وهو الكافر - من عذاب الجحيم.
* *
ثم قال: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْكَرِيمُ﴾، أي: يقال له ذق هذا العذاب إنك أنت كنت العزيز في قومك.
قال قتادة: نزلت هذه الآية في أبي جهل عدو الله لقي النبي ﷺ فأخذ النبي ﷺ فَهَزَّهُ، ثم قال: "أَوْلَى لَكَ يَا أَبَا جَهْلٍ، ثُمَّ أَوْلَى لَك فَأَوْلَى" فقال أبو جهلٍ أيوعدني محمد، لأنا أعز من يمشي بين جبليها. فنزلت ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْكَرِيمُ﴾ أي: المدعي ذلك، وفيه نزلت: ﴿وَلاَ تُطِعْ مِنْهُمْ ءَاثِماً أَوْ كَفُوراً﴾ [الإنسان: ٢٤] ، وفيه نزلت: ﴿كَلاَّ لاَ تُطِعْهُ وَٱسْجُدْ وَٱقْتَرِب﴾ [العلق: ١٩].
فالمعنى: ذُقْ عذاب الله، إنك أنت العزيز عند نفسك، الكريم فيما كنت تقول.
وقوله "ذق" عند من كسر "إن" واقع على محذوف وهو العذاب. فأما من فتح "أن" فمعناه مثل ذلك: ذق العذاب لأنك وبأنك كنت تقول: أنا العزيز الكريم.
وهذا كلام معناه التقريع والتوبيخ وليس بمدح له، إنما هو على طريق الحكاية لما كان يدعي في الدنيا من العزة والكرم، إذ كان يقول: أنا العزيز الكريم، فقرع به عند حلول العذاب به إذ صار في ذلة وهوان. فكأنه قيل له: ذق هذا العذاب إنك كنت تقول: أنا العزيز الكريم، فأنت الآن الذليل المهان. فأين ما كنت تقول في الدنيا. وذلك أشد لنكا له وحسرته.
وروي أن النبي ﷺ لقي أبا جهل فقال له: "إِنَّ الله أَمَرَنِي أَنْ أَقُولَ لَكَ ﴿أَوْلَىٰ لَكَ فَأَوْلَىٰ * ثُمَّ أَوْلَىٰ لَكَ فَأَوْلَىٰ﴾ فَقَالَ لَهُ أَبُو جَهْلٍ: واللاَّتِ لاَ تَمْلِكُ لِي نفعاً ولا ضراً وَإِنِّي لأَمْنَعُ أَهْلِ البِطْحَاءِ، وَإِنِّي لأَعَزُّ وَأَكْرَمُ فَأَنْزَلَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى مَا هُوَ صَانِعٌ بِهِ يِوْمَ القِيَامَةِ، وَمَا يُقَالُ لَهُ جَوَاباً لِقَوْلِهِ: أنا أعز وأكرم، فقال له: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْكَرِيمُ﴾ عند نفسك، وأنت الذليل المهان عند الله
ثم قال: ﴿إِنَّ هَـٰذَا مَا كُنتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ﴾، أي: يقال لهم إن هذا العذاب الذي كنتم تَشُكُّونَ.
* *
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ﴾، أي: إن الذين اتقوا الله عز وجل فأدوا طاعته (واجتنبوا معصيته) في موضع إقامة آمنين فيه من السوء كله. وكل من (تقبل الله) له عملاً وإن قل فهو من المتقين بدلالة قوله: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ ٱللَّهُ مِنَ ٱلْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة: ٢٧].
قال علي (بن أبي طالب) رضي الله عنه: مَا قَلَّ عَمَلٌ مع تقوى وكيف يَقِلُّ ما يتقبل.
ويروى أن سائلاً سأل ابن عمر فأمر ولده أن يعطيَه ديناراً فأعطاه وقال له: تقبل الله منك يا أبتاه، فقال ابن عمر: لو علمت أن الله عز وجل تقبل مني سجدة واحدة، أو صدقة درهم واحد، لم يكن غائب أحب إلي من الموت. أتدري ممن يتقبل؟! إنما يتقبل الله من المتقين! ذكر ذلك أبو عبيد في كتاب الشواهد.
ووصف المقام "بأمين" لأنه يؤمن فيه.
والمقام - بالفتح - اسم المكان من قام، وبالضم اسم المكان (من أقام).
ثم بين تعالى ذكره ذلك المقام قال: ﴿فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾، أي: في بساتين وعيون من الماء متطرداً في أصول أشجار الجنات.
* *
ثم قال تعالى: ﴿يَلْبَسُونَ مِن سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُّتَقَابِلِينَ﴾.
السندس: مَا رَقَّ من الديباج. والإستبرق: ما غَلُظَ منه: وقيل: السندس: الخِزُّ المُوَشَّى.
وقوله: "متقابلين، أي: هم على سررهم لا يستدبر بعضهم بعضاً.
* *
ثم قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ وَزَوَّجْنَاهُم بِحُورٍ عِينٍ﴾، أي: كما أدخلناهم الجنات، وألبسناهم السندس والإستبرق، كذلك أكرمناهم بأن زوجناهم أيضاً فيها بحور عين، وهن النقيات (البياض، والواحدة) حوراء.
وقال مجاهد: ﴿وَزَوَّجْنَاهُم بِحُورٍ عِينٍ﴾، أي: "أنكحناهم حوراً. والحور التي يحار فيهن الطرف، بادٍ مُخُّ سوقهن من (وراء ثيابهن). يرى الناظر وجهه في كبد إحداهن كالمرآة من رقة الجلد وصفاء اللون".
والحَوَرُ في اللغة: البياض، كما قيل للدقيق الصافي البياض الحُوَّارَى وفي حرف ابن مسعود: "زوجناهم بعيس عين"، والعيس جمع عيساء وهي البيضاء من الإبل. والعين جمع عيناء وهي العظيمة العينين من النساء.
ومن العرب من يقول: بحير عين على الاتباع للثاني. ومثله من الحديث رواية من روى "اُرْجِعْنَ مَأْزُورَاتٍ غَيْرَ مَأْجُورَاتٍ" والفصيح: ارجعن موزورات.
* *
ثم قال: ﴿فِيهَا بِكلِّ فَاكِهَةٍ آمِنِينَ﴾، أي: يدعو هؤلاء المتقون من في الجنة بكل نوع من الفاكهة اشتهوه آمنين فيها من انقطاع ذلك عنهم، ونفاده، وغائلة (أذاه) (ومن كل) سوء يحذر في الدنيا.
* *
ثم قال تعالى: ﴿لاَ يَذُوقُونَ فِيهَا ٱلْمَوْتَ إِلاَّ ٱلْمَوْتَةَ ٱلأُولَىٰ﴾، أي: بعد الموتة الأولى، أي: لا يذوقون فيها موتاً بعد موتهم في الدنيا. فـ "إلا" ها هنا قريبة المعنى من "بعد".
وقال بعض النحويين "إلا" هنا بمعنى "سوى" أي: لا يذوقون في الجنة الموت سوى الموتة الأولى التي كانت في الدنيا، ومثله عنده ﴿إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء: ٢٢ و ٢٣].
وطُعِنَ في هذا القول، لأن القائل لو قال (لا أذوق) اليوم الطعام إلا الطعام الذي ذقته قبل اليوم بمعنى "سوى"، لجاز أن يريد أن عنده طعاماً من نوع الطعام الذي ذاق بالأمس، وإنه ذائقه اليوم دون سائر الأطعمة.
فيحتمل معنى الآية إذا كانت "إلا" بمعنى "سوى" أن يكون ثم موت من جنس الموت الأول (يحل بهم) وهذا محال.
وقال النحاس: المعنى لا يذوقون فيها الموت البتة. ثم قال: ﴿إِلاَّ ٱلْمَوْتَةَ ٱلأُولَىٰ﴾ على الاستثناء المنقطع.
ولذلك أجاز بعضهم الوقف على "الموت" (لأن ما) بعده منقطع. وأكثرهم على أن "إلا" بمعنى "بعد"، كما تقول: ما كلمت رجلاً اليوم إلا رجلاً عندك، أي: بعد رجل عندك.
(والأحسن أن يكون "إلا" بمعنى "غير"، أي: لا يذوقون فيها موتاً غير الموتة الأولى التي كانت في الدنيا).
* *
ثم قال: ﴿وَوَقَاهُمْ عَذَابَ ٱلْجَحِيمِ﴾، أي: نجاهم منه.
* *
ثم قال: ﴿فَضْلاً مِّن رَّبِّكَ﴾، أي: تفضلاً منه. وهو مصدر والعامل فيه فعل مضمر.
وقيل العامل: ﴿يَدْعُونَ فِيهَا بِكلِّ فَاكِهَةٍ آمِنِينَ﴾.
(وقيل العامل: ﴿إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ﴾).
وقيل العامل: ﴿وَوَقَاهُمْ عَذَابَ ٱلْجَحِيمِ﴾.
وقيل: الكلام كله الذي قبله عامل فيه، لأنه تفضل منه عليهم إذ وفقهم في الدنيا إلى أعمال يدخلون بها الجنة.
وقيل: سماه "تفضلاً" لأنه غفر لهم صغائر لو أخذهم بها لم يدخلوا الجنة.
وقيل: إنما سماه "تفضلاً" لأن نعمه عليهم في الدنيا تستغرق حسناتهم فأدخلهم الجنة بفضله ورحمته لا بأعمالهم.
روي عن النبي ﷺ أنه قال: "مَا أَحَدٌ يَدْخُلُ الجَنَّةِ بِعَمَلِهِ.
قِيلَ: وَلاَ أَنْتَ يَا رَسُولَ الله؟! قَالَ: (وَلاَ أَنَا) إِلاَّ أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللهُ بِرَحْمَتِهِ
ثم قال تعالى: ﴿ذَلِكَ هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ﴾، (أي: هذا الذي تقدم وصفه للمتقين هو النجاء العظيم والظفر) الكبير.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ﴾ أي أنزلنا القرآن بلسان العرب لعلهم يفهمون (فيتذكرون ويتعظون).
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَٱرْتَقِبْ إِنَّهُمْ مُّرْتَقِبُونَ﴾، أي: فانتظر أن يحكم الله بينك وبينهم، إنهم منتظرون بك ريب الحدثان. وقيل المعنى: فانتظر الفتح والنصر فإنهم منتظرون عند أنفسهم قهرك وغلبتك.
الدخان 44:50
قال تعالى: ﴿إِنَّ شَجَرَةَ ٱلزَّقُّومِ﴾ - إلى آخر السورة أي: إن شجرة الزقوم التي أخبر تعالى أنها تنبت في أصل الجحيم هي طعام الكافر في جهنم، والأثيم: الآثم وهو في هذا أبو جهل ومن كان مثله.
ولما نزلت هذه الآية دعا أبو جهل بزبد وتمر ودعا أصحابه (فقال: تَعَالَوْا، تَزَقَّمُوا)، فهذا الذي يَعِدُنَا به محمد أنه طعامنا في الجحيم.
وذكر ابن هشام أن أبا جهل لما سمع قول الله جل ذكره ﴿إِنَّ شَجَرَةَ ٱلزَّقُّومِ * طَعَامُ ٱلأَثِيمِ﴾ قال: يا معشر قريش هل تدرون ما شجرة الزقوم) التي يخوفكم بها محمد؟، قالوا: لا. قال: هي عَجْوَةُ يَثْرِب بِالزَّبد.
والعجوة صنف من التمر طيب.
ورُوي أن أبا الدرداء كان يُقْرِئُ رَجُلاً ﴿إِنَّ شَجَرَةَ ٱلزَّقُّومِ * طَعَامُ ٱلأَثِيمِ﴾ فكان الرجل يقول: طعام اليتيم. فلما أكثر عليه أبو الدرداء ولم يفهم الرجل، قال له: إن شجرة الزقوم طعام) الفاجر.
فهذه قراءة على التفسير لا يحسن أن يُقْرَأَ بها.
وقال ابن عباس: "لو أن قطرة من زقوم جهنم أنزلت على الدنيا لأفسدت على الناس معائشهم". وقال ابن زيد: الأثيم هنا: أبو جهل.
قال: ﴿كَٱلْمُهْلِ يَغْلِي فِي ٱلْبُطُونِ﴾، أي: شجرة الزقوم - التي جعلنا ثمرها طعام الكافر في جهنم - كالرصاص أو الفضة المذابة إذا ما تناهت حرارتها.
وقال ابن عباس: "كالمهل: كُدْردِيِّ الزيت".
(وروي عنه أنه رأى فضة قد أذيبت فقال: هذا المُهْلُ وروى) الخدري عن النبي ﷺ أنه قال: "كَالمُهَلِ: كَعَكِرِ الزَّيْتِ، إِذَا قرب إلى وَجْهِ الكَافِرِ سَقَطَتْ (فَرْوَةُ) وَجْهِهِ فِيهِ". وقيل: "المهل" عكر القطران. وقيل: هو الصديد من الحميم.
* *
وقوله: ﴿كَغَلْيِ ٱلْحَمِيمِ﴾، أي: (يغلي) ذلك في بطون الكفار كغلي الماء المحموم، وهو الذي قد أوقد عليه حتى تناهت شدة حره، والحميم بمعنى: (محموم، كقتيل) بمعنى: مقتول.
* *
ثم قال تعالى: ﴿خُذُوهُ فَٱعْتِلُوهُ﴾: يعني الأثيم، وهو الكافر، يقال للملائكة: خذوا الكافر فاعتلوه، أي: (فادفعوه وسوقوه) على عنف.
يقال عتله: إذا ساقه بالدفع والجذب.
* *
وقوله: ﴿إِلَىٰ سَوَآءِ ٱلْجَحِيمِ﴾، أي: إلى وسطها، أي: ادفعوه إلى وسط النار.
* *
ثم قال: ﴿ثُمَّ صُبُّواْ فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ ٱلْحَمِيمِ﴾، أي: صبوا على رأس هذا الأثيم - وهو الكافر - من عذاب الجحيم.
* *
ثم قال: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْكَرِيمُ﴾، أي: يقال له ذق هذا العذاب إنك أنت كنت العزيز في قومك.
قال قتادة: نزلت هذه الآية في أبي جهل عدو الله لقي النبي ﷺ فأخذ النبي ﷺ فَهَزَّهُ، ثم قال: "أَوْلَى لَكَ يَا أَبَا جَهْلٍ، ثُمَّ أَوْلَى لَك فَأَوْلَى" فقال أبو جهلٍ أيوعدني محمد، لأنا أعز من يمشي بين جبليها. فنزلت ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْكَرِيمُ﴾ أي: المدعي ذلك، وفيه نزلت: ﴿وَلاَ تُطِعْ مِنْهُمْ ءَاثِماً أَوْ كَفُوراً﴾ [الإنسان: ٢٤] ، وفيه نزلت: ﴿كَلاَّ لاَ تُطِعْهُ وَٱسْجُدْ وَٱقْتَرِب﴾ [العلق: ١٩].
فالمعنى: ذُقْ عذاب الله، إنك أنت العزيز عند نفسك، الكريم فيما كنت تقول.
وقوله "ذق" عند من كسر "إن" واقع على محذوف وهو العذاب. فأما من فتح "أن" فمعناه مثل ذلك: ذق العذاب لأنك وبأنك كنت تقول: أنا العزيز الكريم.
وهذا كلام معناه التقريع والتوبيخ وليس بمدح له، إنما هو على طريق الحكاية لما كان يدعي في الدنيا من العزة والكرم، إذ كان يقول: أنا العزيز الكريم، فقرع به عند حلول العذاب به إذ صار في ذلة وهوان. فكأنه قيل له: ذق هذا العذاب إنك كنت تقول: أنا العزيز الكريم، فأنت الآن الذليل المهان. فأين ما كنت تقول في الدنيا. وذلك أشد لنكا له وحسرته.
وروي أن النبي ﷺ لقي أبا جهل فقال له: "إِنَّ الله أَمَرَنِي أَنْ أَقُولَ لَكَ ﴿أَوْلَىٰ لَكَ فَأَوْلَىٰ * ثُمَّ أَوْلَىٰ لَكَ فَأَوْلَىٰ﴾ فَقَالَ لَهُ أَبُو جَهْلٍ: واللاَّتِ لاَ تَمْلِكُ لِي نفعاً ولا ضراً وَإِنِّي لأَمْنَعُ أَهْلِ البِطْحَاءِ، وَإِنِّي لأَعَزُّ وَأَكْرَمُ فَأَنْزَلَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى مَا هُوَ صَانِعٌ بِهِ يِوْمَ القِيَامَةِ، وَمَا يُقَالُ لَهُ جَوَاباً لِقَوْلِهِ: أنا أعز وأكرم، فقال له: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْكَرِيمُ﴾ عند نفسك، وأنت الذليل المهان عند الله
ثم قال: ﴿إِنَّ هَـٰذَا مَا كُنتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ﴾، أي: يقال لهم إن هذا العذاب الذي كنتم تَشُكُّونَ.
* *
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ﴾، أي: إن الذين اتقوا الله عز وجل فأدوا طاعته (واجتنبوا معصيته) في موضع إقامة آمنين فيه من السوء كله. وكل من (تقبل الله) له عملاً وإن قل فهو من المتقين بدلالة قوله: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ ٱللَّهُ مِنَ ٱلْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة: ٢٧].
قال علي (بن أبي طالب) رضي الله عنه: مَا قَلَّ عَمَلٌ مع تقوى وكيف يَقِلُّ ما يتقبل.
ويروى أن سائلاً سأل ابن عمر فأمر ولده أن يعطيَه ديناراً فأعطاه وقال له: تقبل الله منك يا أبتاه، فقال ابن عمر: لو علمت أن الله عز وجل تقبل مني سجدة واحدة، أو صدقة درهم واحد، لم يكن غائب أحب إلي من الموت. أتدري ممن يتقبل؟! إنما يتقبل الله من المتقين! ذكر ذلك أبو عبيد في كتاب الشواهد.
ووصف المقام "بأمين" لأنه يؤمن فيه.
والمقام - بالفتح - اسم المكان من قام، وبالضم اسم المكان (من أقام).
ثم بين تعالى ذكره ذلك المقام قال: ﴿فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾، أي: في بساتين وعيون من الماء متطرداً في أصول أشجار الجنات.
* *
ثم قال تعالى: ﴿يَلْبَسُونَ مِن سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُّتَقَابِلِينَ﴾.
السندس: مَا رَقَّ من الديباج. والإستبرق: ما غَلُظَ منه: وقيل: السندس: الخِزُّ المُوَشَّى.
وقوله: "متقابلين، أي: هم على سررهم لا يستدبر بعضهم بعضاً.
* *
ثم قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ وَزَوَّجْنَاهُم بِحُورٍ عِينٍ﴾، أي: كما أدخلناهم الجنات، وألبسناهم السندس والإستبرق، كذلك أكرمناهم بأن زوجناهم أيضاً فيها بحور عين، وهن النقيات (البياض، والواحدة) حوراء.
وقال مجاهد: ﴿وَزَوَّجْنَاهُم بِحُورٍ عِينٍ﴾، أي: "أنكحناهم حوراً. والحور التي يحار فيهن الطرف، بادٍ مُخُّ سوقهن من (وراء ثيابهن). يرى الناظر وجهه في كبد إحداهن كالمرآة من رقة الجلد وصفاء اللون".
والحَوَرُ في اللغة: البياض، كما قيل للدقيق الصافي البياض الحُوَّارَى وفي حرف ابن مسعود: "زوجناهم بعيس عين"، والعيس جمع عيساء وهي البيضاء من الإبل. والعين جمع عيناء وهي العظيمة العينين من النساء.
ومن العرب من يقول: بحير عين على الاتباع للثاني. ومثله من الحديث رواية من روى "اُرْجِعْنَ مَأْزُورَاتٍ غَيْرَ مَأْجُورَاتٍ" والفصيح: ارجعن موزورات.
* *
ثم قال: ﴿فِيهَا بِكلِّ فَاكِهَةٍ آمِنِينَ﴾، أي: يدعو هؤلاء المتقون من في الجنة بكل نوع من الفاكهة اشتهوه آمنين فيها من انقطاع ذلك عنهم، ونفاده، وغائلة (أذاه) (ومن كل) سوء يحذر في الدنيا.
* *
ثم قال تعالى: ﴿لاَ يَذُوقُونَ فِيهَا ٱلْمَوْتَ إِلاَّ ٱلْمَوْتَةَ ٱلأُولَىٰ﴾، أي: بعد الموتة الأولى، أي: لا يذوقون فيها موتاً بعد موتهم في الدنيا. فـ "إلا" ها هنا قريبة المعنى من "بعد".
وقال بعض النحويين "إلا" هنا بمعنى "سوى" أي: لا يذوقون في الجنة الموت سوى الموتة الأولى التي كانت في الدنيا، ومثله عنده ﴿إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء: ٢٢ و ٢٣].
وطُعِنَ في هذا القول، لأن القائل لو قال (لا أذوق) اليوم الطعام إلا الطعام الذي ذقته قبل اليوم بمعنى "سوى"، لجاز أن يريد أن عنده طعاماً من نوع الطعام الذي ذاق بالأمس، وإنه ذائقه اليوم دون سائر الأطعمة.
فيحتمل معنى الآية إذا كانت "إلا" بمعنى "سوى" أن يكون ثم موت من جنس الموت الأول (يحل بهم) وهذا محال.
وقال النحاس: المعنى لا يذوقون فيها الموت البتة. ثم قال: ﴿إِلاَّ ٱلْمَوْتَةَ ٱلأُولَىٰ﴾ على الاستثناء المنقطع.
ولذلك أجاز بعضهم الوقف على "الموت" (لأن ما) بعده منقطع. وأكثرهم على أن "إلا" بمعنى "بعد"، كما تقول: ما كلمت رجلاً اليوم إلا رجلاً عندك، أي: بعد رجل عندك.
(والأحسن أن يكون "إلا" بمعنى "غير"، أي: لا يذوقون فيها موتاً غير الموتة الأولى التي كانت في الدنيا).
* *
ثم قال: ﴿وَوَقَاهُمْ عَذَابَ ٱلْجَحِيمِ﴾، أي: نجاهم منه.
* *
ثم قال: ﴿فَضْلاً مِّن رَّبِّكَ﴾، أي: تفضلاً منه. وهو مصدر والعامل فيه فعل مضمر.
وقيل العامل: ﴿يَدْعُونَ فِيهَا بِكلِّ فَاكِهَةٍ آمِنِينَ﴾.
(وقيل العامل: ﴿إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ﴾).
وقيل العامل: ﴿وَوَقَاهُمْ عَذَابَ ٱلْجَحِيمِ﴾.
وقيل: الكلام كله الذي قبله عامل فيه، لأنه تفضل منه عليهم إذ وفقهم في الدنيا إلى أعمال يدخلون بها الجنة.
وقيل: سماه "تفضلاً" لأنه غفر لهم صغائر لو أخذهم بها لم يدخلوا الجنة.
وقيل: إنما سماه "تفضلاً" لأن نعمه عليهم في الدنيا تستغرق حسناتهم فأدخلهم الجنة بفضله ورحمته لا بأعمالهم.
روي عن النبي ﷺ أنه قال: "مَا أَحَدٌ يَدْخُلُ الجَنَّةِ بِعَمَلِهِ.
قِيلَ: وَلاَ أَنْتَ يَا رَسُولَ الله؟! قَالَ: (وَلاَ أَنَا) إِلاَّ أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللهُ بِرَحْمَتِهِ
ثم قال تعالى: ﴿ذَلِكَ هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ﴾، (أي: هذا الذي تقدم وصفه للمتقين هو النجاء العظيم والظفر) الكبير.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ﴾ أي أنزلنا القرآن بلسان العرب لعلهم يفهمون (فيتذكرون ويتعظون).
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَٱرْتَقِبْ إِنَّهُمْ مُّرْتَقِبُونَ﴾، أي: فانتظر أن يحكم الله بينك وبينهم، إنهم منتظرون بك ريب الحدثان. وقيل المعنى: فانتظر الفتح والنصر فإنهم منتظرون عند أنفسهم قهرك وغلبتك.
الدخان 44:51
قال تعالى: ﴿إِنَّ شَجَرَةَ ٱلزَّقُّومِ﴾ - إلى آخر السورة أي: إن شجرة الزقوم التي أخبر تعالى أنها تنبت في أصل الجحيم هي طعام الكافر في جهنم، والأثيم: الآثم وهو في هذا أبو جهل ومن كان مثله.
ولما نزلت هذه الآية دعا أبو جهل بزبد وتمر ودعا أصحابه (فقال: تَعَالَوْا، تَزَقَّمُوا)، فهذا الذي يَعِدُنَا به محمد أنه طعامنا في الجحيم.
وذكر ابن هشام أن أبا جهل لما سمع قول الله جل ذكره ﴿إِنَّ شَجَرَةَ ٱلزَّقُّومِ * طَعَامُ ٱلأَثِيمِ﴾ قال: يا معشر قريش هل تدرون ما شجرة الزقوم) التي يخوفكم بها محمد؟، قالوا: لا. قال: هي عَجْوَةُ يَثْرِب بِالزَّبد.
والعجوة صنف من التمر طيب.
ورُوي أن أبا الدرداء كان يُقْرِئُ رَجُلاً ﴿إِنَّ شَجَرَةَ ٱلزَّقُّومِ * طَعَامُ ٱلأَثِيمِ﴾ فكان الرجل يقول: طعام اليتيم. فلما أكثر عليه أبو الدرداء ولم يفهم الرجل، قال له: إن شجرة الزقوم طعام) الفاجر.
فهذه قراءة على التفسير لا يحسن أن يُقْرَأَ بها.
وقال ابن عباس: "لو أن قطرة من زقوم جهنم أنزلت على الدنيا لأفسدت على الناس معائشهم". وقال ابن زيد: الأثيم هنا: أبو جهل.
قال: ﴿كَٱلْمُهْلِ يَغْلِي فِي ٱلْبُطُونِ﴾، أي: شجرة الزقوم - التي جعلنا ثمرها طعام الكافر في جهنم - كالرصاص أو الفضة المذابة إذا ما تناهت حرارتها.
وقال ابن عباس: "كالمهل: كُدْردِيِّ الزيت".
(وروي عنه أنه رأى فضة قد أذيبت فقال: هذا المُهْلُ وروى) الخدري عن النبي ﷺ أنه قال: "كَالمُهَلِ: كَعَكِرِ الزَّيْتِ، إِذَا قرب إلى وَجْهِ الكَافِرِ سَقَطَتْ (فَرْوَةُ) وَجْهِهِ فِيهِ". وقيل: "المهل" عكر القطران. وقيل: هو الصديد من الحميم.
* *
وقوله: ﴿كَغَلْيِ ٱلْحَمِيمِ﴾، أي: (يغلي) ذلك في بطون الكفار كغلي الماء المحموم، وهو الذي قد أوقد عليه حتى تناهت شدة حره، والحميم بمعنى: (محموم، كقتيل) بمعنى: مقتول.
* *
ثم قال تعالى: ﴿خُذُوهُ فَٱعْتِلُوهُ﴾: يعني الأثيم، وهو الكافر، يقال للملائكة: خذوا الكافر فاعتلوه، أي: (فادفعوه وسوقوه) على عنف.
يقال عتله: إذا ساقه بالدفع والجذب.
* *
وقوله: ﴿إِلَىٰ سَوَآءِ ٱلْجَحِيمِ﴾، أي: إلى وسطها، أي: ادفعوه إلى وسط النار.
* *
ثم قال: ﴿ثُمَّ صُبُّواْ فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ ٱلْحَمِيمِ﴾، أي: صبوا على رأس هذا الأثيم - وهو الكافر - من عذاب الجحيم.
* *
ثم قال: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْكَرِيمُ﴾، أي: يقال له ذق هذا العذاب إنك أنت كنت العزيز في قومك.
قال قتادة: نزلت هذه الآية في أبي جهل عدو الله لقي النبي ﷺ فأخذ النبي ﷺ فَهَزَّهُ، ثم قال: "أَوْلَى لَكَ يَا أَبَا جَهْلٍ، ثُمَّ أَوْلَى لَك فَأَوْلَى" فقال أبو جهلٍ أيوعدني محمد، لأنا أعز من يمشي بين جبليها. فنزلت ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْكَرِيمُ﴾ أي: المدعي ذلك، وفيه نزلت: ﴿وَلاَ تُطِعْ مِنْهُمْ ءَاثِماً أَوْ كَفُوراً﴾ [الإنسان: ٢٤] ، وفيه نزلت: ﴿كَلاَّ لاَ تُطِعْهُ وَٱسْجُدْ وَٱقْتَرِب﴾ [العلق: ١٩].
فالمعنى: ذُقْ عذاب الله، إنك أنت العزيز عند نفسك، الكريم فيما كنت تقول.
وقوله "ذق" عند من كسر "إن" واقع على محذوف وهو العذاب. فأما من فتح "أن" فمعناه مثل ذلك: ذق العذاب لأنك وبأنك كنت تقول: أنا العزيز الكريم.
وهذا كلام معناه التقريع والتوبيخ وليس بمدح له، إنما هو على طريق الحكاية لما كان يدعي في الدنيا من العزة والكرم، إذ كان يقول: أنا العزيز الكريم، فقرع به عند حلول العذاب به إذ صار في ذلة وهوان. فكأنه قيل له: ذق هذا العذاب إنك كنت تقول: أنا العزيز الكريم، فأنت الآن الذليل المهان. فأين ما كنت تقول في الدنيا. وذلك أشد لنكا له وحسرته.
وروي أن النبي ﷺ لقي أبا جهل فقال له: "إِنَّ الله أَمَرَنِي أَنْ أَقُولَ لَكَ ﴿أَوْلَىٰ لَكَ فَأَوْلَىٰ * ثُمَّ أَوْلَىٰ لَكَ فَأَوْلَىٰ﴾ فَقَالَ لَهُ أَبُو جَهْلٍ: واللاَّتِ لاَ تَمْلِكُ لِي نفعاً ولا ضراً وَإِنِّي لأَمْنَعُ أَهْلِ البِطْحَاءِ، وَإِنِّي لأَعَزُّ وَأَكْرَمُ فَأَنْزَلَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى مَا هُوَ صَانِعٌ بِهِ يِوْمَ القِيَامَةِ، وَمَا يُقَالُ لَهُ جَوَاباً لِقَوْلِهِ: أنا أعز وأكرم، فقال له: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْكَرِيمُ﴾ عند نفسك، وأنت الذليل المهان عند الله
ثم قال: ﴿إِنَّ هَـٰذَا مَا كُنتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ﴾، أي: يقال لهم إن هذا العذاب الذي كنتم تَشُكُّونَ.
* *
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ﴾، أي: إن الذين اتقوا الله عز وجل فأدوا طاعته (واجتنبوا معصيته) في موضع إقامة آمنين فيه من السوء كله. وكل من (تقبل الله) له عملاً وإن قل فهو من المتقين بدلالة قوله: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ ٱللَّهُ مِنَ ٱلْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة: ٢٧].
قال علي (بن أبي طالب) رضي الله عنه: مَا قَلَّ عَمَلٌ مع تقوى وكيف يَقِلُّ ما يتقبل.
ويروى أن سائلاً سأل ابن عمر فأمر ولده أن يعطيَه ديناراً فأعطاه وقال له: تقبل الله منك يا أبتاه، فقال ابن عمر: لو علمت أن الله عز وجل تقبل مني سجدة واحدة، أو صدقة درهم واحد، لم يكن غائب أحب إلي من الموت. أتدري ممن يتقبل؟! إنما يتقبل الله من المتقين! ذكر ذلك أبو عبيد في كتاب الشواهد.
ووصف المقام "بأمين" لأنه يؤمن فيه.
والمقام - بالفتح - اسم المكان من قام، وبالضم اسم المكان (من أقام).
ثم بين تعالى ذكره ذلك المقام قال: ﴿فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾، أي: في بساتين وعيون من الماء متطرداً في أصول أشجار الجنات.
* *
ثم قال تعالى: ﴿يَلْبَسُونَ مِن سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُّتَقَابِلِينَ﴾.
السندس: مَا رَقَّ من الديباج. والإستبرق: ما غَلُظَ منه: وقيل: السندس: الخِزُّ المُوَشَّى.
وقوله: "متقابلين، أي: هم على سررهم لا يستدبر بعضهم بعضاً.
* *
ثم قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ وَزَوَّجْنَاهُم بِحُورٍ عِينٍ﴾، أي: كما أدخلناهم الجنات، وألبسناهم السندس والإستبرق، كذلك أكرمناهم بأن زوجناهم أيضاً فيها بحور عين، وهن النقيات (البياض، والواحدة) حوراء.
وقال مجاهد: ﴿وَزَوَّجْنَاهُم بِحُورٍ عِينٍ﴾، أي: "أنكحناهم حوراً. والحور التي يحار فيهن الطرف، بادٍ مُخُّ سوقهن من (وراء ثيابهن). يرى الناظر وجهه في كبد إحداهن كالمرآة من رقة الجلد وصفاء اللون".
والحَوَرُ في اللغة: البياض، كما قيل للدقيق الصافي البياض الحُوَّارَى وفي حرف ابن مسعود: "زوجناهم بعيس عين"، والعيس جمع عيساء وهي البيضاء من الإبل. والعين جمع عيناء وهي العظيمة العينين من النساء.
ومن العرب من يقول: بحير عين على الاتباع للثاني. ومثله من الحديث رواية من روى "اُرْجِعْنَ مَأْزُورَاتٍ غَيْرَ مَأْجُورَاتٍ" والفصيح: ارجعن موزورات.
* *
ثم قال: ﴿فِيهَا بِكلِّ فَاكِهَةٍ آمِنِينَ﴾، أي: يدعو هؤلاء المتقون من في الجنة بكل نوع من الفاكهة اشتهوه آمنين فيها من انقطاع ذلك عنهم، ونفاده، وغائلة (أذاه) (ومن كل) سوء يحذر في الدنيا.
* *
ثم قال تعالى: ﴿لاَ يَذُوقُونَ فِيهَا ٱلْمَوْتَ إِلاَّ ٱلْمَوْتَةَ ٱلأُولَىٰ﴾، أي: بعد الموتة الأولى، أي: لا يذوقون فيها موتاً بعد موتهم في الدنيا. فـ "إلا" ها هنا قريبة المعنى من "بعد".
وقال بعض النحويين "إلا" هنا بمعنى "سوى" أي: لا يذوقون في الجنة الموت سوى الموتة الأولى التي كانت في الدنيا، ومثله عنده ﴿إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء: ٢٢ و ٢٣].
وطُعِنَ في هذا القول، لأن القائل لو قال (لا أذوق) اليوم الطعام إلا الطعام الذي ذقته قبل اليوم بمعنى "سوى"، لجاز أن يريد أن عنده طعاماً من نوع الطعام الذي ذاق بالأمس، وإنه ذائقه اليوم دون سائر الأطعمة.
فيحتمل معنى الآية إذا كانت "إلا" بمعنى "سوى" أن يكون ثم موت من جنس الموت الأول (يحل بهم) وهذا محال.
وقال النحاس: المعنى لا يذوقون فيها الموت البتة. ثم قال: ﴿إِلاَّ ٱلْمَوْتَةَ ٱلأُولَىٰ﴾ على الاستثناء المنقطع.
ولذلك أجاز بعضهم الوقف على "الموت" (لأن ما) بعده منقطع. وأكثرهم على أن "إلا" بمعنى "بعد"، كما تقول: ما كلمت رجلاً اليوم إلا رجلاً عندك، أي: بعد رجل عندك.
(والأحسن أن يكون "إلا" بمعنى "غير"، أي: لا يذوقون فيها موتاً غير الموتة الأولى التي كانت في الدنيا).
* *
ثم قال: ﴿وَوَقَاهُمْ عَذَابَ ٱلْجَحِيمِ﴾، أي: نجاهم منه.
* *
ثم قال: ﴿فَضْلاً مِّن رَّبِّكَ﴾، أي: تفضلاً منه. وهو مصدر والعامل فيه فعل مضمر.
وقيل العامل: ﴿يَدْعُونَ فِيهَا بِكلِّ فَاكِهَةٍ آمِنِينَ﴾.
(وقيل العامل: ﴿إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ﴾).
وقيل العامل: ﴿وَوَقَاهُمْ عَذَابَ ٱلْجَحِيمِ﴾.
وقيل: الكلام كله الذي قبله عامل فيه، لأنه تفضل منه عليهم إذ وفقهم في الدنيا إلى أعمال يدخلون بها الجنة.
وقيل: سماه "تفضلاً" لأنه غفر لهم صغائر لو أخذهم بها لم يدخلوا الجنة.
وقيل: إنما سماه "تفضلاً" لأن نعمه عليهم في الدنيا تستغرق حسناتهم فأدخلهم الجنة بفضله ورحمته لا بأعمالهم.
روي عن النبي ﷺ أنه قال: "مَا أَحَدٌ يَدْخُلُ الجَنَّةِ بِعَمَلِهِ.
قِيلَ: وَلاَ أَنْتَ يَا رَسُولَ الله؟! قَالَ: (وَلاَ أَنَا) إِلاَّ أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللهُ بِرَحْمَتِهِ
ثم قال تعالى: ﴿ذَلِكَ هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ﴾، (أي: هذا الذي تقدم وصفه للمتقين هو النجاء العظيم والظفر) الكبير.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ﴾ أي أنزلنا القرآن بلسان العرب لعلهم يفهمون (فيتذكرون ويتعظون).
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَٱرْتَقِبْ إِنَّهُمْ مُّرْتَقِبُونَ﴾، أي: فانتظر أن يحكم الله بينك وبينهم، إنهم منتظرون بك ريب الحدثان. وقيل المعنى: فانتظر الفتح والنصر فإنهم منتظرون عند أنفسهم قهرك وغلبتك.
الدخان 44:52
قال تعالى: ﴿إِنَّ شَجَرَةَ ٱلزَّقُّومِ﴾ - إلى آخر السورة أي: إن شجرة الزقوم التي أخبر تعالى أنها تنبت في أصل الجحيم هي طعام الكافر في جهنم، والأثيم: الآثم وهو في هذا أبو جهل ومن كان مثله.
ولما نزلت هذه الآية دعا أبو جهل بزبد وتمر ودعا أصحابه (فقال: تَعَالَوْا، تَزَقَّمُوا)، فهذا الذي يَعِدُنَا به محمد أنه طعامنا في الجحيم.
وذكر ابن هشام أن أبا جهل لما سمع قول الله جل ذكره ﴿إِنَّ شَجَرَةَ ٱلزَّقُّومِ * طَعَامُ ٱلأَثِيمِ﴾ قال: يا معشر قريش هل تدرون ما شجرة الزقوم) التي يخوفكم بها محمد؟، قالوا: لا. قال: هي عَجْوَةُ يَثْرِب بِالزَّبد.
والعجوة صنف من التمر طيب.
ورُوي أن أبا الدرداء كان يُقْرِئُ رَجُلاً ﴿إِنَّ شَجَرَةَ ٱلزَّقُّومِ * طَعَامُ ٱلأَثِيمِ﴾ فكان الرجل يقول: طعام اليتيم. فلما أكثر عليه أبو الدرداء ولم يفهم الرجل، قال له: إن شجرة الزقوم طعام) الفاجر.
فهذه قراءة على التفسير لا يحسن أن يُقْرَأَ بها.
وقال ابن عباس: "لو أن قطرة من زقوم جهنم أنزلت على الدنيا لأفسدت على الناس معائشهم". وقال ابن زيد: الأثيم هنا: أبو جهل.
قال: ﴿كَٱلْمُهْلِ يَغْلِي فِي ٱلْبُطُونِ﴾، أي: شجرة الزقوم - التي جعلنا ثمرها طعام الكافر في جهنم - كالرصاص أو الفضة المذابة إذا ما تناهت حرارتها.
وقال ابن عباس: "كالمهل: كُدْردِيِّ الزيت".
(وروي عنه أنه رأى فضة قد أذيبت فقال: هذا المُهْلُ وروى) الخدري عن النبي ﷺ أنه قال: "كَالمُهَلِ: كَعَكِرِ الزَّيْتِ، إِذَا قرب إلى وَجْهِ الكَافِرِ سَقَطَتْ (فَرْوَةُ) وَجْهِهِ فِيهِ". وقيل: "المهل" عكر القطران. وقيل: هو الصديد من الحميم.
* *
وقوله: ﴿كَغَلْيِ ٱلْحَمِيمِ﴾، أي: (يغلي) ذلك في بطون الكفار كغلي الماء المحموم، وهو الذي قد أوقد عليه حتى تناهت شدة حره، والحميم بمعنى: (محموم، كقتيل) بمعنى: مقتول.
* *
ثم قال تعالى: ﴿خُذُوهُ فَٱعْتِلُوهُ﴾: يعني الأثيم، وهو الكافر، يقال للملائكة: خذوا الكافر فاعتلوه، أي: (فادفعوه وسوقوه) على عنف.
يقال عتله: إذا ساقه بالدفع والجذب.
* *
وقوله: ﴿إِلَىٰ سَوَآءِ ٱلْجَحِيمِ﴾، أي: إلى وسطها، أي: ادفعوه إلى وسط النار.
* *
ثم قال: ﴿ثُمَّ صُبُّواْ فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ ٱلْحَمِيمِ﴾، أي: صبوا على رأس هذا الأثيم - وهو الكافر - من عذاب الجحيم.
* *
ثم قال: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْكَرِيمُ﴾، أي: يقال له ذق هذا العذاب إنك أنت كنت العزيز في قومك.
قال قتادة: نزلت هذه الآية في أبي جهل عدو الله لقي النبي ﷺ فأخذ النبي ﷺ فَهَزَّهُ، ثم قال: "أَوْلَى لَكَ يَا أَبَا جَهْلٍ، ثُمَّ أَوْلَى لَك فَأَوْلَى" فقال أبو جهلٍ أيوعدني محمد، لأنا أعز من يمشي بين جبليها. فنزلت ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْكَرِيمُ﴾ أي: المدعي ذلك، وفيه نزلت: ﴿وَلاَ تُطِعْ مِنْهُمْ ءَاثِماً أَوْ كَفُوراً﴾ [الإنسان: ٢٤] ، وفيه نزلت: ﴿كَلاَّ لاَ تُطِعْهُ وَٱسْجُدْ وَٱقْتَرِب﴾ [العلق: ١٩].
فالمعنى: ذُقْ عذاب الله، إنك أنت العزيز عند نفسك، الكريم فيما كنت تقول.
وقوله "ذق" عند من كسر "إن" واقع على محذوف وهو العذاب. فأما من فتح "أن" فمعناه مثل ذلك: ذق العذاب لأنك وبأنك كنت تقول: أنا العزيز الكريم.
وهذا كلام معناه التقريع والتوبيخ وليس بمدح له، إنما هو على طريق الحكاية لما كان يدعي في الدنيا من العزة والكرم، إذ كان يقول: أنا العزيز الكريم، فقرع به عند حلول العذاب به إذ صار في ذلة وهوان. فكأنه قيل له: ذق هذا العذاب إنك كنت تقول: أنا العزيز الكريم، فأنت الآن الذليل المهان. فأين ما كنت تقول في الدنيا. وذلك أشد لنكا له وحسرته.
وروي أن النبي ﷺ لقي أبا جهل فقال له: "إِنَّ الله أَمَرَنِي أَنْ أَقُولَ لَكَ ﴿أَوْلَىٰ لَكَ فَأَوْلَىٰ * ثُمَّ أَوْلَىٰ لَكَ فَأَوْلَىٰ﴾ فَقَالَ لَهُ أَبُو جَهْلٍ: واللاَّتِ لاَ تَمْلِكُ لِي نفعاً ولا ضراً وَإِنِّي لأَمْنَعُ أَهْلِ البِطْحَاءِ، وَإِنِّي لأَعَزُّ وَأَكْرَمُ فَأَنْزَلَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى مَا هُوَ صَانِعٌ بِهِ يِوْمَ القِيَامَةِ، وَمَا يُقَالُ لَهُ جَوَاباً لِقَوْلِهِ: أنا أعز وأكرم، فقال له: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْكَرِيمُ﴾ عند نفسك، وأنت الذليل المهان عند الله
ثم قال: ﴿إِنَّ هَـٰذَا مَا كُنتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ﴾، أي: يقال لهم إن هذا العذاب الذي كنتم تَشُكُّونَ.
* *
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ﴾، أي: إن الذين اتقوا الله عز وجل فأدوا طاعته (واجتنبوا معصيته) في موضع إقامة آمنين فيه من السوء كله. وكل من (تقبل الله) له عملاً وإن قل فهو من المتقين بدلالة قوله: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ ٱللَّهُ مِنَ ٱلْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة: ٢٧].
قال علي (بن أبي طالب) رضي الله عنه: مَا قَلَّ عَمَلٌ مع تقوى وكيف يَقِلُّ ما يتقبل.
ويروى أن سائلاً سأل ابن عمر فأمر ولده أن يعطيَه ديناراً فأعطاه وقال له: تقبل الله منك يا أبتاه، فقال ابن عمر: لو علمت أن الله عز وجل تقبل مني سجدة واحدة، أو صدقة درهم واحد، لم يكن غائب أحب إلي من الموت. أتدري ممن يتقبل؟! إنما يتقبل الله من المتقين! ذكر ذلك أبو عبيد في كتاب الشواهد.
ووصف المقام "بأمين" لأنه يؤمن فيه.
والمقام - بالفتح - اسم المكان من قام، وبالضم اسم المكان (من أقام).
ثم بين تعالى ذكره ذلك المقام قال: ﴿فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾، أي: في بساتين وعيون من الماء متطرداً في أصول أشجار الجنات.
* *
ثم قال تعالى: ﴿يَلْبَسُونَ مِن سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُّتَقَابِلِينَ﴾.
السندس: مَا رَقَّ من الديباج. والإستبرق: ما غَلُظَ منه: وقيل: السندس: الخِزُّ المُوَشَّى.
وقوله: "متقابلين، أي: هم على سررهم لا يستدبر بعضهم بعضاً.
* *
ثم قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ وَزَوَّجْنَاهُم بِحُورٍ عِينٍ﴾، أي: كما أدخلناهم الجنات، وألبسناهم السندس والإستبرق، كذلك أكرمناهم بأن زوجناهم أيضاً فيها بحور عين، وهن النقيات (البياض، والواحدة) حوراء.
وقال مجاهد: ﴿وَزَوَّجْنَاهُم بِحُورٍ عِينٍ﴾، أي: "أنكحناهم حوراً. والحور التي يحار فيهن الطرف، بادٍ مُخُّ سوقهن من (وراء ثيابهن). يرى الناظر وجهه في كبد إحداهن كالمرآة من رقة الجلد وصفاء اللون".
والحَوَرُ في اللغة: البياض، كما قيل للدقيق الصافي البياض الحُوَّارَى وفي حرف ابن مسعود: "زوجناهم بعيس عين"، والعيس جمع عيساء وهي البيضاء من الإبل. والعين جمع عيناء وهي العظيمة العينين من النساء.
ومن العرب من يقول: بحير عين على الاتباع للثاني. ومثله من الحديث رواية من روى "اُرْجِعْنَ مَأْزُورَاتٍ غَيْرَ مَأْجُورَاتٍ" والفصيح: ارجعن موزورات.
* *
ثم قال: ﴿فِيهَا بِكلِّ فَاكِهَةٍ آمِنِينَ﴾، أي: يدعو هؤلاء المتقون من في الجنة بكل نوع من الفاكهة اشتهوه آمنين فيها من انقطاع ذلك عنهم، ونفاده، وغائلة (أذاه) (ومن كل) سوء يحذر في الدنيا.
* *
ثم قال تعالى: ﴿لاَ يَذُوقُونَ فِيهَا ٱلْمَوْتَ إِلاَّ ٱلْمَوْتَةَ ٱلأُولَىٰ﴾، أي: بعد الموتة الأولى، أي: لا يذوقون فيها موتاً بعد موتهم في الدنيا. فـ "إلا" ها هنا قريبة المعنى من "بعد".
وقال بعض النحويين "إلا" هنا بمعنى "سوى" أي: لا يذوقون في الجنة الموت سوى الموتة الأولى التي كانت في الدنيا، ومثله عنده ﴿إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء: ٢٢ و ٢٣].
وطُعِنَ في هذا القول، لأن القائل لو قال (لا أذوق) اليوم الطعام إلا الطعام الذي ذقته قبل اليوم بمعنى "سوى"، لجاز أن يريد أن عنده طعاماً من نوع الطعام الذي ذاق بالأمس، وإنه ذائقه اليوم دون سائر الأطعمة.
فيحتمل معنى الآية إذا كانت "إلا" بمعنى "سوى" أن يكون ثم موت من جنس الموت الأول (يحل بهم) وهذا محال.
وقال النحاس: المعنى لا يذوقون فيها الموت البتة. ثم قال: ﴿إِلاَّ ٱلْمَوْتَةَ ٱلأُولَىٰ﴾ على الاستثناء المنقطع.
ولذلك أجاز بعضهم الوقف على "الموت" (لأن ما) بعده منقطع. وأكثرهم على أن "إلا" بمعنى "بعد"، كما تقول: ما كلمت رجلاً اليوم إلا رجلاً عندك، أي: بعد رجل عندك.
(والأحسن أن يكون "إلا" بمعنى "غير"، أي: لا يذوقون فيها موتاً غير الموتة الأولى التي كانت في الدنيا).
* *
ثم قال: ﴿وَوَقَاهُمْ عَذَابَ ٱلْجَحِيمِ﴾، أي: نجاهم منه.
* *
ثم قال: ﴿فَضْلاً مِّن رَّبِّكَ﴾، أي: تفضلاً منه. وهو مصدر والعامل فيه فعل مضمر.
وقيل العامل: ﴿يَدْعُونَ فِيهَا بِكلِّ فَاكِهَةٍ آمِنِينَ﴾.
(وقيل العامل: ﴿إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ﴾).
وقيل العامل: ﴿وَوَقَاهُمْ عَذَابَ ٱلْجَحِيمِ﴾.
وقيل: الكلام كله الذي قبله عامل فيه، لأنه تفضل منه عليهم إذ وفقهم في الدنيا إلى أعمال يدخلون بها الجنة.
وقيل: سماه "تفضلاً" لأنه غفر لهم صغائر لو أخذهم بها لم يدخلوا الجنة.
وقيل: إنما سماه "تفضلاً" لأن نعمه عليهم في الدنيا تستغرق حسناتهم فأدخلهم الجنة بفضله ورحمته لا بأعمالهم.
روي عن النبي ﷺ أنه قال: "مَا أَحَدٌ يَدْخُلُ الجَنَّةِ بِعَمَلِهِ.
قِيلَ: وَلاَ أَنْتَ يَا رَسُولَ الله؟! قَالَ: (وَلاَ أَنَا) إِلاَّ أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللهُ بِرَحْمَتِهِ
ثم قال تعالى: ﴿ذَلِكَ هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ﴾، (أي: هذا الذي تقدم وصفه للمتقين هو النجاء العظيم والظفر) الكبير.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ﴾ أي أنزلنا القرآن بلسان العرب لعلهم يفهمون (فيتذكرون ويتعظون).
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَٱرْتَقِبْ إِنَّهُمْ مُّرْتَقِبُونَ﴾، أي: فانتظر أن يحكم الله بينك وبينهم، إنهم منتظرون بك ريب الحدثان. وقيل المعنى: فانتظر الفتح والنصر فإنهم منتظرون عند أنفسهم قهرك وغلبتك.
الدخان 44:53
قال تعالى: ﴿إِنَّ شَجَرَةَ ٱلزَّقُّومِ﴾ - إلى آخر السورة أي: إن شجرة الزقوم التي أخبر تعالى أنها تنبت في أصل الجحيم هي طعام الكافر في جهنم، والأثيم: الآثم وهو في هذا أبو جهل ومن كان مثله.
ولما نزلت هذه الآية دعا أبو جهل بزبد وتمر ودعا أصحابه (فقال: تَعَالَوْا، تَزَقَّمُوا)، فهذا الذي يَعِدُنَا به محمد أنه طعامنا في الجحيم.
وذكر ابن هشام أن أبا جهل لما سمع قول الله جل ذكره ﴿إِنَّ شَجَرَةَ ٱلزَّقُّومِ * طَعَامُ ٱلأَثِيمِ﴾ قال: يا معشر قريش هل تدرون ما شجرة الزقوم) التي يخوفكم بها محمد؟، قالوا: لا. قال: هي عَجْوَةُ يَثْرِب بِالزَّبد.
والعجوة صنف من التمر طيب.
ورُوي أن أبا الدرداء كان يُقْرِئُ رَجُلاً ﴿إِنَّ شَجَرَةَ ٱلزَّقُّومِ * طَعَامُ ٱلأَثِيمِ﴾ فكان الرجل يقول: طعام اليتيم. فلما أكثر عليه أبو الدرداء ولم يفهم الرجل، قال له: إن شجرة الزقوم طعام) الفاجر.
فهذه قراءة على التفسير لا يحسن أن يُقْرَأَ بها.
وقال ابن عباس: "لو أن قطرة من زقوم جهنم أنزلت على الدنيا لأفسدت على الناس معائشهم". وقال ابن زيد: الأثيم هنا: أبو جهل.
قال: ﴿كَٱلْمُهْلِ يَغْلِي فِي ٱلْبُطُونِ﴾، أي: شجرة الزقوم - التي جعلنا ثمرها طعام الكافر في جهنم - كالرصاص أو الفضة المذابة إذا ما تناهت حرارتها.
وقال ابن عباس: "كالمهل: كُدْردِيِّ الزيت".
(وروي عنه أنه رأى فضة قد أذيبت فقال: هذا المُهْلُ وروى) الخدري عن النبي ﷺ أنه قال: "كَالمُهَلِ: كَعَكِرِ الزَّيْتِ، إِذَا قرب إلى وَجْهِ الكَافِرِ سَقَطَتْ (فَرْوَةُ) وَجْهِهِ فِيهِ". وقيل: "المهل" عكر القطران. وقيل: هو الصديد من الحميم.
* *
وقوله: ﴿كَغَلْيِ ٱلْحَمِيمِ﴾، أي: (يغلي) ذلك في بطون الكفار كغلي الماء المحموم، وهو الذي قد أوقد عليه حتى تناهت شدة حره، والحميم بمعنى: (محموم، كقتيل) بمعنى: مقتول.
* *
ثم قال تعالى: ﴿خُذُوهُ فَٱعْتِلُوهُ﴾: يعني الأثيم، وهو الكافر، يقال للملائكة: خذوا الكافر فاعتلوه، أي: (فادفعوه وسوقوه) على عنف.
يقال عتله: إذا ساقه بالدفع والجذب.
* *
وقوله: ﴿إِلَىٰ سَوَآءِ ٱلْجَحِيمِ﴾، أي: إلى وسطها، أي: ادفعوه إلى وسط النار.
* *
ثم قال: ﴿ثُمَّ صُبُّواْ فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ ٱلْحَمِيمِ﴾، أي: صبوا على رأس هذا الأثيم - وهو الكافر - من عذاب الجحيم.
* *
ثم قال: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْكَرِيمُ﴾، أي: يقال له ذق هذا العذاب إنك أنت كنت العزيز في قومك.
قال قتادة: نزلت هذه الآية في أبي جهل عدو الله لقي النبي ﷺ فأخذ النبي ﷺ فَهَزَّهُ، ثم قال: "أَوْلَى لَكَ يَا أَبَا جَهْلٍ، ثُمَّ أَوْلَى لَك فَأَوْلَى" فقال أبو جهلٍ أيوعدني محمد، لأنا أعز من يمشي بين جبليها. فنزلت ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْكَرِيمُ﴾ أي: المدعي ذلك، وفيه نزلت: ﴿وَلاَ تُطِعْ مِنْهُمْ ءَاثِماً أَوْ كَفُوراً﴾ [الإنسان: ٢٤] ، وفيه نزلت: ﴿كَلاَّ لاَ تُطِعْهُ وَٱسْجُدْ وَٱقْتَرِب﴾ [العلق: ١٩].
فالمعنى: ذُقْ عذاب الله، إنك أنت العزيز عند نفسك، الكريم فيما كنت تقول.
وقوله "ذق" عند من كسر "إن" واقع على محذوف وهو العذاب. فأما من فتح "أن" فمعناه مثل ذلك: ذق العذاب لأنك وبأنك كنت تقول: أنا العزيز الكريم.
وهذا كلام معناه التقريع والتوبيخ وليس بمدح له، إنما هو على طريق الحكاية لما كان يدعي في الدنيا من العزة والكرم، إذ كان يقول: أنا العزيز الكريم، فقرع به عند حلول العذاب به إذ صار في ذلة وهوان. فكأنه قيل له: ذق هذا العذاب إنك كنت تقول: أنا العزيز الكريم، فأنت الآن الذليل المهان. فأين ما كنت تقول في الدنيا. وذلك أشد لنكا له وحسرته.
وروي أن النبي ﷺ لقي أبا جهل فقال له: "إِنَّ الله أَمَرَنِي أَنْ أَقُولَ لَكَ ﴿أَوْلَىٰ لَكَ فَأَوْلَىٰ * ثُمَّ أَوْلَىٰ لَكَ فَأَوْلَىٰ﴾ فَقَالَ لَهُ أَبُو جَهْلٍ: واللاَّتِ لاَ تَمْلِكُ لِي نفعاً ولا ضراً وَإِنِّي لأَمْنَعُ أَهْلِ البِطْحَاءِ، وَإِنِّي لأَعَزُّ وَأَكْرَمُ فَأَنْزَلَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى مَا هُوَ صَانِعٌ بِهِ يِوْمَ القِيَامَةِ، وَمَا يُقَالُ لَهُ جَوَاباً لِقَوْلِهِ: أنا أعز وأكرم، فقال له: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْكَرِيمُ﴾ عند نفسك، وأنت الذليل المهان عند الله
ثم قال: ﴿إِنَّ هَـٰذَا مَا كُنتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ﴾، أي: يقال لهم إن هذا العذاب الذي كنتم تَشُكُّونَ.
* *
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ﴾، أي: إن الذين اتقوا الله عز وجل فأدوا طاعته (واجتنبوا معصيته) في موضع إقامة آمنين فيه من السوء كله. وكل من (تقبل الله) له عملاً وإن قل فهو من المتقين بدلالة قوله: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ ٱللَّهُ مِنَ ٱلْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة: ٢٧].
قال علي (بن أبي طالب) رضي الله عنه: مَا قَلَّ عَمَلٌ مع تقوى وكيف يَقِلُّ ما يتقبل.
ويروى أن سائلاً سأل ابن عمر فأمر ولده أن يعطيَه ديناراً فأعطاه وقال له: تقبل الله منك يا أبتاه، فقال ابن عمر: لو علمت أن الله عز وجل تقبل مني سجدة واحدة، أو صدقة درهم واحد، لم يكن غائب أحب إلي من الموت. أتدري ممن يتقبل؟! إنما يتقبل الله من المتقين! ذكر ذلك أبو عبيد في كتاب الشواهد.
ووصف المقام "بأمين" لأنه يؤمن فيه.
والمقام - بالفتح - اسم المكان من قام، وبالضم اسم المكان (من أقام).
ثم بين تعالى ذكره ذلك المقام قال: ﴿فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾، أي: في بساتين وعيون من الماء متطرداً في أصول أشجار الجنات.
* *
ثم قال تعالى: ﴿يَلْبَسُونَ مِن سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُّتَقَابِلِينَ﴾.
السندس: مَا رَقَّ من الديباج. والإستبرق: ما غَلُظَ منه: وقيل: السندس: الخِزُّ المُوَشَّى.
وقوله: "متقابلين، أي: هم على سررهم لا يستدبر بعضهم بعضاً.
* *
ثم قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ وَزَوَّجْنَاهُم بِحُورٍ عِينٍ﴾، أي: كما أدخلناهم الجنات، وألبسناهم السندس والإستبرق، كذلك أكرمناهم بأن زوجناهم أيضاً فيها بحور عين، وهن النقيات (البياض، والواحدة) حوراء.
وقال مجاهد: ﴿وَزَوَّجْنَاهُم بِحُورٍ عِينٍ﴾، أي: "أنكحناهم حوراً. والحور التي يحار فيهن الطرف، بادٍ مُخُّ سوقهن من (وراء ثيابهن). يرى الناظر وجهه في كبد إحداهن كالمرآة من رقة الجلد وصفاء اللون".
والحَوَرُ في اللغة: البياض، كما قيل للدقيق الصافي البياض الحُوَّارَى وفي حرف ابن مسعود: "زوجناهم بعيس عين"، والعيس جمع عيساء وهي البيضاء من الإبل. والعين جمع عيناء وهي العظيمة العينين من النساء.
ومن العرب من يقول: بحير عين على الاتباع للثاني. ومثله من الحديث رواية من روى "اُرْجِعْنَ مَأْزُورَاتٍ غَيْرَ مَأْجُورَاتٍ" والفصيح: ارجعن موزورات.
* *
ثم قال: ﴿فِيهَا بِكلِّ فَاكِهَةٍ آمِنِينَ﴾، أي: يدعو هؤلاء المتقون من في الجنة بكل نوع من الفاكهة اشتهوه آمنين فيها من انقطاع ذلك عنهم، ونفاده، وغائلة (أذاه) (ومن كل) سوء يحذر في الدنيا.
* *
ثم قال تعالى: ﴿لاَ يَذُوقُونَ فِيهَا ٱلْمَوْتَ إِلاَّ ٱلْمَوْتَةَ ٱلأُولَىٰ﴾، أي: بعد الموتة الأولى، أي: لا يذوقون فيها موتاً بعد موتهم في الدنيا. فـ "إلا" ها هنا قريبة المعنى من "بعد".
وقال بعض النحويين "إلا" هنا بمعنى "سوى" أي: لا يذوقون في الجنة الموت سوى الموتة الأولى التي كانت في الدنيا، ومثله عنده ﴿إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء: ٢٢ و ٢٣].
وطُعِنَ في هذا القول، لأن القائل لو قال (لا أذوق) اليوم الطعام إلا الطعام الذي ذقته قبل اليوم بمعنى "سوى"، لجاز أن يريد أن عنده طعاماً من نوع الطعام الذي ذاق بالأمس، وإنه ذائقه اليوم دون سائر الأطعمة.
فيحتمل معنى الآية إذا كانت "إلا" بمعنى "سوى" أن يكون ثم موت من جنس الموت الأول (يحل بهم) وهذا محال.
وقال النحاس: المعنى لا يذوقون فيها الموت البتة. ثم قال: ﴿إِلاَّ ٱلْمَوْتَةَ ٱلأُولَىٰ﴾ على الاستثناء المنقطع.
ولذلك أجاز بعضهم الوقف على "الموت" (لأن ما) بعده منقطع. وأكثرهم على أن "إلا" بمعنى "بعد"، كما تقول: ما كلمت رجلاً اليوم إلا رجلاً عندك، أي: بعد رجل عندك.
(والأحسن أن يكون "إلا" بمعنى "غير"، أي: لا يذوقون فيها موتاً غير الموتة الأولى التي كانت في الدنيا).
* *
ثم قال: ﴿وَوَقَاهُمْ عَذَابَ ٱلْجَحِيمِ﴾، أي: نجاهم منه.
* *
ثم قال: ﴿فَضْلاً مِّن رَّبِّكَ﴾، أي: تفضلاً منه. وهو مصدر والعامل فيه فعل مضمر.
وقيل العامل: ﴿يَدْعُونَ فِيهَا بِكلِّ فَاكِهَةٍ آمِنِينَ﴾.
(وقيل العامل: ﴿إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ﴾).
وقيل العامل: ﴿وَوَقَاهُمْ عَذَابَ ٱلْجَحِيمِ﴾.
وقيل: الكلام كله الذي قبله عامل فيه، لأنه تفضل منه عليهم إذ وفقهم في الدنيا إلى أعمال يدخلون بها الجنة.
وقيل: سماه "تفضلاً" لأنه غفر لهم صغائر لو أخذهم بها لم يدخلوا الجنة.
وقيل: إنما سماه "تفضلاً" لأن نعمه عليهم في الدنيا تستغرق حسناتهم فأدخلهم الجنة بفضله ورحمته لا بأعمالهم.
روي عن النبي ﷺ أنه قال: "مَا أَحَدٌ يَدْخُلُ الجَنَّةِ بِعَمَلِهِ.
قِيلَ: وَلاَ أَنْتَ يَا رَسُولَ الله؟! قَالَ: (وَلاَ أَنَا) إِلاَّ أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللهُ بِرَحْمَتِهِ
ثم قال تعالى: ﴿ذَلِكَ هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ﴾، (أي: هذا الذي تقدم وصفه للمتقين هو النجاء العظيم والظفر) الكبير.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ﴾ أي أنزلنا القرآن بلسان العرب لعلهم يفهمون (فيتذكرون ويتعظون).
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَٱرْتَقِبْ إِنَّهُمْ مُّرْتَقِبُونَ﴾، أي: فانتظر أن يحكم الله بينك وبينهم، إنهم منتظرون بك ريب الحدثان. وقيل المعنى: فانتظر الفتح والنصر فإنهم منتظرون عند أنفسهم قهرك وغلبتك.
الدخان 44:54
قال تعالى: ﴿إِنَّ شَجَرَةَ ٱلزَّقُّومِ﴾ - إلى آخر السورة أي: إن شجرة الزقوم التي أخبر تعالى أنها تنبت في أصل الجحيم هي طعام الكافر في جهنم، والأثيم: الآثم وهو في هذا أبو جهل ومن كان مثله.
ولما نزلت هذه الآية دعا أبو جهل بزبد وتمر ودعا أصحابه (فقال: تَعَالَوْا، تَزَقَّمُوا)، فهذا الذي يَعِدُنَا به محمد أنه طعامنا في الجحيم.
وذكر ابن هشام أن أبا جهل لما سمع قول الله جل ذكره ﴿إِنَّ شَجَرَةَ ٱلزَّقُّومِ * طَعَامُ ٱلأَثِيمِ﴾ قال: يا معشر قريش هل تدرون ما شجرة الزقوم) التي يخوفكم بها محمد؟، قالوا: لا. قال: هي عَجْوَةُ يَثْرِب بِالزَّبد.
والعجوة صنف من التمر طيب.
ورُوي أن أبا الدرداء كان يُقْرِئُ رَجُلاً ﴿إِنَّ شَجَرَةَ ٱلزَّقُّومِ * طَعَامُ ٱلأَثِيمِ﴾ فكان الرجل يقول: طعام اليتيم. فلما أكثر عليه أبو الدرداء ولم يفهم الرجل، قال له: إن شجرة الزقوم طعام) الفاجر.
فهذه قراءة على التفسير لا يحسن أن يُقْرَأَ بها.
وقال ابن عباس: "لو أن قطرة من زقوم جهنم أنزلت على الدنيا لأفسدت على الناس معائشهم". وقال ابن زيد: الأثيم هنا: أبو جهل.
قال: ﴿كَٱلْمُهْلِ يَغْلِي فِي ٱلْبُطُونِ﴾، أي: شجرة الزقوم - التي جعلنا ثمرها طعام الكافر في جهنم - كالرصاص أو الفضة المذابة إذا ما تناهت حرارتها.
وقال ابن عباس: "كالمهل: كُدْردِيِّ الزيت".
(وروي عنه أنه رأى فضة قد أذيبت فقال: هذا المُهْلُ وروى) الخدري عن النبي ﷺ أنه قال: "كَالمُهَلِ: كَعَكِرِ الزَّيْتِ، إِذَا قرب إلى وَجْهِ الكَافِرِ سَقَطَتْ (فَرْوَةُ) وَجْهِهِ فِيهِ". وقيل: "المهل" عكر القطران. وقيل: هو الصديد من الحميم.
* *
وقوله: ﴿كَغَلْيِ ٱلْحَمِيمِ﴾، أي: (يغلي) ذلك في بطون الكفار كغلي الماء المحموم، وهو الذي قد أوقد عليه حتى تناهت شدة حره، والحميم بمعنى: (محموم، كقتيل) بمعنى: مقتول.
* *
ثم قال تعالى: ﴿خُذُوهُ فَٱعْتِلُوهُ﴾: يعني الأثيم، وهو الكافر، يقال للملائكة: خذوا الكافر فاعتلوه، أي: (فادفعوه وسوقوه) على عنف.
يقال عتله: إذا ساقه بالدفع والجذب.
* *
وقوله: ﴿إِلَىٰ سَوَآءِ ٱلْجَحِيمِ﴾، أي: إلى وسطها، أي: ادفعوه إلى وسط النار.
* *
ثم قال: ﴿ثُمَّ صُبُّواْ فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ ٱلْحَمِيمِ﴾، أي: صبوا على رأس هذا الأثيم - وهو الكافر - من عذاب الجحيم.
* *
ثم قال: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْكَرِيمُ﴾، أي: يقال له ذق هذا العذاب إنك أنت كنت العزيز في قومك.
قال قتادة: نزلت هذه الآية في أبي جهل عدو الله لقي النبي ﷺ فأخذ النبي ﷺ فَهَزَّهُ، ثم قال: "أَوْلَى لَكَ يَا أَبَا جَهْلٍ، ثُمَّ أَوْلَى لَك فَأَوْلَى" فقال أبو جهلٍ أيوعدني محمد، لأنا أعز من يمشي بين جبليها. فنزلت ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْكَرِيمُ﴾ أي: المدعي ذلك، وفيه نزلت: ﴿وَلاَ تُطِعْ مِنْهُمْ ءَاثِماً أَوْ كَفُوراً﴾ [الإنسان: ٢٤] ، وفيه نزلت: ﴿كَلاَّ لاَ تُطِعْهُ وَٱسْجُدْ وَٱقْتَرِب﴾ [العلق: ١٩].
فالمعنى: ذُقْ عذاب الله، إنك أنت العزيز عند نفسك، الكريم فيما كنت تقول.
وقوله "ذق" عند من كسر "إن" واقع على محذوف وهو العذاب. فأما من فتح "أن" فمعناه مثل ذلك: ذق العذاب لأنك وبأنك كنت تقول: أنا العزيز الكريم.
وهذا كلام معناه التقريع والتوبيخ وليس بمدح له، إنما هو على طريق الحكاية لما كان يدعي في الدنيا من العزة والكرم، إذ كان يقول: أنا العزيز الكريم، فقرع به عند حلول العذاب به إذ صار في ذلة وهوان. فكأنه قيل له: ذق هذا العذاب إنك كنت تقول: أنا العزيز الكريم، فأنت الآن الذليل المهان. فأين ما كنت تقول في الدنيا. وذلك أشد لنكا له وحسرته.
وروي أن النبي ﷺ لقي أبا جهل فقال له: "إِنَّ الله أَمَرَنِي أَنْ أَقُولَ لَكَ ﴿أَوْلَىٰ لَكَ فَأَوْلَىٰ * ثُمَّ أَوْلَىٰ لَكَ فَأَوْلَىٰ﴾ فَقَالَ لَهُ أَبُو جَهْلٍ: واللاَّتِ لاَ تَمْلِكُ لِي نفعاً ولا ضراً وَإِنِّي لأَمْنَعُ أَهْلِ البِطْحَاءِ، وَإِنِّي لأَعَزُّ وَأَكْرَمُ فَأَنْزَلَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى مَا هُوَ صَانِعٌ بِهِ يِوْمَ القِيَامَةِ، وَمَا يُقَالُ لَهُ جَوَاباً لِقَوْلِهِ: أنا أعز وأكرم، فقال له: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْكَرِيمُ﴾ عند نفسك، وأنت الذليل المهان عند الله
ثم قال: ﴿إِنَّ هَـٰذَا مَا كُنتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ﴾، أي: يقال لهم إن هذا العذاب الذي كنتم تَشُكُّونَ.
* *
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ﴾، أي: إن الذين اتقوا الله عز وجل فأدوا طاعته (واجتنبوا معصيته) في موضع إقامة آمنين فيه من السوء كله. وكل من (تقبل الله) له عملاً وإن قل فهو من المتقين بدلالة قوله: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ ٱللَّهُ مِنَ ٱلْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة: ٢٧].
قال علي (بن أبي طالب) رضي الله عنه: مَا قَلَّ عَمَلٌ مع تقوى وكيف يَقِلُّ ما يتقبل.
ويروى أن سائلاً سأل ابن عمر فأمر ولده أن يعطيَه ديناراً فأعطاه وقال له: تقبل الله منك يا أبتاه، فقال ابن عمر: لو علمت أن الله عز وجل تقبل مني سجدة واحدة، أو صدقة درهم واحد، لم يكن غائب أحب إلي من الموت. أتدري ممن يتقبل؟! إنما يتقبل الله من المتقين! ذكر ذلك أبو عبيد في كتاب الشواهد.
ووصف المقام "بأمين" لأنه يؤمن فيه.
والمقام - بالفتح - اسم المكان من قام، وبالضم اسم المكان (من أقام).
ثم بين تعالى ذكره ذلك المقام قال: ﴿فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾، أي: في بساتين وعيون من الماء متطرداً في أصول أشجار الجنات.
* *
ثم قال تعالى: ﴿يَلْبَسُونَ مِن سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُّتَقَابِلِينَ﴾.
السندس: مَا رَقَّ من الديباج. والإستبرق: ما غَلُظَ منه: وقيل: السندس: الخِزُّ المُوَشَّى.
وقوله: "متقابلين، أي: هم على سررهم لا يستدبر بعضهم بعضاً.
* *
ثم قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ وَزَوَّجْنَاهُم بِحُورٍ عِينٍ﴾، أي: كما أدخلناهم الجنات، وألبسناهم السندس والإستبرق، كذلك أكرمناهم بأن زوجناهم أيضاً فيها بحور عين، وهن النقيات (البياض، والواحدة) حوراء.
وقال مجاهد: ﴿وَزَوَّجْنَاهُم بِحُورٍ عِينٍ﴾، أي: "أنكحناهم حوراً. والحور التي يحار فيهن الطرف، بادٍ مُخُّ سوقهن من (وراء ثيابهن). يرى الناظر وجهه في كبد إحداهن كالمرآة من رقة الجلد وصفاء اللون".
والحَوَرُ في اللغة: البياض، كما قيل للدقيق الصافي البياض الحُوَّارَى وفي حرف ابن مسعود: "زوجناهم بعيس عين"، والعيس جمع عيساء وهي البيضاء من الإبل. والعين جمع عيناء وهي العظيمة العينين من النساء.
ومن العرب من يقول: بحير عين على الاتباع للثاني. ومثله من الحديث رواية من روى "اُرْجِعْنَ مَأْزُورَاتٍ غَيْرَ مَأْجُورَاتٍ" والفصيح: ارجعن موزورات.
* *
ثم قال: ﴿فِيهَا بِكلِّ فَاكِهَةٍ آمِنِينَ﴾، أي: يدعو هؤلاء المتقون من في الجنة بكل نوع من الفاكهة اشتهوه آمنين فيها من انقطاع ذلك عنهم، ونفاده، وغائلة (أذاه) (ومن كل) سوء يحذر في الدنيا.
* *
ثم قال تعالى: ﴿لاَ يَذُوقُونَ فِيهَا ٱلْمَوْتَ إِلاَّ ٱلْمَوْتَةَ ٱلأُولَىٰ﴾، أي: بعد الموتة الأولى، أي: لا يذوقون فيها موتاً بعد موتهم في الدنيا. فـ "إلا" ها هنا قريبة المعنى من "بعد".
وقال بعض النحويين "إلا" هنا بمعنى "سوى" أي: لا يذوقون في الجنة الموت سوى الموتة الأولى التي كانت في الدنيا، ومثله عنده ﴿إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء: ٢٢ و ٢٣].
وطُعِنَ في هذا القول، لأن القائل لو قال (لا أذوق) اليوم الطعام إلا الطعام الذي ذقته قبل اليوم بمعنى "سوى"، لجاز أن يريد أن عنده طعاماً من نوع الطعام الذي ذاق بالأمس، وإنه ذائقه اليوم دون سائر الأطعمة.
فيحتمل معنى الآية إذا كانت "إلا" بمعنى "سوى" أن يكون ثم موت من جنس الموت الأول (يحل بهم) وهذا محال.
وقال النحاس: المعنى لا يذوقون فيها الموت البتة. ثم قال: ﴿إِلاَّ ٱلْمَوْتَةَ ٱلأُولَىٰ﴾ على الاستثناء المنقطع.
ولذلك أجاز بعضهم الوقف على "الموت" (لأن ما) بعده منقطع. وأكثرهم على أن "إلا" بمعنى "بعد"، كما تقول: ما كلمت رجلاً اليوم إلا رجلاً عندك، أي: بعد رجل عندك.
(والأحسن أن يكون "إلا" بمعنى "غير"، أي: لا يذوقون فيها موتاً غير الموتة الأولى التي كانت في الدنيا).
* *
ثم قال: ﴿وَوَقَاهُمْ عَذَابَ ٱلْجَحِيمِ﴾، أي: نجاهم منه.
* *
ثم قال: ﴿فَضْلاً مِّن رَّبِّكَ﴾، أي: تفضلاً منه. وهو مصدر والعامل فيه فعل مضمر.
وقيل العامل: ﴿يَدْعُونَ فِيهَا بِكلِّ فَاكِهَةٍ آمِنِينَ﴾.
(وقيل العامل: ﴿إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ﴾).
وقيل العامل: ﴿وَوَقَاهُمْ عَذَابَ ٱلْجَحِيمِ﴾.
وقيل: الكلام كله الذي قبله عامل فيه، لأنه تفضل منه عليهم إذ وفقهم في الدنيا إلى أعمال يدخلون بها الجنة.
وقيل: سماه "تفضلاً" لأنه غفر لهم صغائر لو أخذهم بها لم يدخلوا الجنة.
وقيل: إنما سماه "تفضلاً" لأن نعمه عليهم في الدنيا تستغرق حسناتهم فأدخلهم الجنة بفضله ورحمته لا بأعمالهم.
روي عن النبي ﷺ أنه قال: "مَا أَحَدٌ يَدْخُلُ الجَنَّةِ بِعَمَلِهِ.
قِيلَ: وَلاَ أَنْتَ يَا رَسُولَ الله؟! قَالَ: (وَلاَ أَنَا) إِلاَّ أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللهُ بِرَحْمَتِهِ
ثم قال تعالى: ﴿ذَلِكَ هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ﴾، (أي: هذا الذي تقدم وصفه للمتقين هو النجاء العظيم والظفر) الكبير.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ﴾ أي أنزلنا القرآن بلسان العرب لعلهم يفهمون (فيتذكرون ويتعظون).
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَٱرْتَقِبْ إِنَّهُمْ مُّرْتَقِبُونَ﴾، أي: فانتظر أن يحكم الله بينك وبينهم، إنهم منتظرون بك ريب الحدثان. وقيل المعنى: فانتظر الفتح والنصر فإنهم منتظرون عند أنفسهم قهرك وغلبتك.
الدخان 44:55
قال تعالى: ﴿إِنَّ شَجَرَةَ ٱلزَّقُّومِ﴾ - إلى آخر السورة أي: إن شجرة الزقوم التي أخبر تعالى أنها تنبت في أصل الجحيم هي طعام الكافر في جهنم، والأثيم: الآثم وهو في هذا أبو جهل ومن كان مثله.
ولما نزلت هذه الآية دعا أبو جهل بزبد وتمر ودعا أصحابه (فقال: تَعَالَوْا، تَزَقَّمُوا)، فهذا الذي يَعِدُنَا به محمد أنه طعامنا في الجحيم.
وذكر ابن هشام أن أبا جهل لما سمع قول الله جل ذكره ﴿إِنَّ شَجَرَةَ ٱلزَّقُّومِ * طَعَامُ ٱلأَثِيمِ﴾ قال: يا معشر قريش هل تدرون ما شجرة الزقوم) التي يخوفكم بها محمد؟، قالوا: لا. قال: هي عَجْوَةُ يَثْرِب بِالزَّبد.
والعجوة صنف من التمر طيب.
ورُوي أن أبا الدرداء كان يُقْرِئُ رَجُلاً ﴿إِنَّ شَجَرَةَ ٱلزَّقُّومِ * طَعَامُ ٱلأَثِيمِ﴾ فكان الرجل يقول: طعام اليتيم. فلما أكثر عليه أبو الدرداء ولم يفهم الرجل، قال له: إن شجرة الزقوم طعام) الفاجر.
فهذه قراءة على التفسير لا يحسن أن يُقْرَأَ بها.
وقال ابن عباس: "لو أن قطرة من زقوم جهنم أنزلت على الدنيا لأفسدت على الناس معائشهم". وقال ابن زيد: الأثيم هنا: أبو جهل.
قال: ﴿كَٱلْمُهْلِ يَغْلِي فِي ٱلْبُطُونِ﴾، أي: شجرة الزقوم - التي جعلنا ثمرها طعام الكافر في جهنم - كالرصاص أو الفضة المذابة إذا ما تناهت حرارتها.
وقال ابن عباس: "كالمهل: كُدْردِيِّ الزيت".
(وروي عنه أنه رأى فضة قد أذيبت فقال: هذا المُهْلُ وروى) الخدري عن النبي ﷺ أنه قال: "كَالمُهَلِ: كَعَكِرِ الزَّيْتِ، إِذَا قرب إلى وَجْهِ الكَافِرِ سَقَطَتْ (فَرْوَةُ) وَجْهِهِ فِيهِ". وقيل: "المهل" عكر القطران. وقيل: هو الصديد من الحميم.
* *
وقوله: ﴿كَغَلْيِ ٱلْحَمِيمِ﴾، أي: (يغلي) ذلك في بطون الكفار كغلي الماء المحموم، وهو الذي قد أوقد عليه حتى تناهت شدة حره، والحميم بمعنى: (محموم، كقتيل) بمعنى: مقتول.
* *
ثم قال تعالى: ﴿خُذُوهُ فَٱعْتِلُوهُ﴾: يعني الأثيم، وهو الكافر، يقال للملائكة: خذوا الكافر فاعتلوه، أي: (فادفعوه وسوقوه) على عنف.
يقال عتله: إذا ساقه بالدفع والجذب.
* *
وقوله: ﴿إِلَىٰ سَوَآءِ ٱلْجَحِيمِ﴾، أي: إلى وسطها، أي: ادفعوه إلى وسط النار.
* *
ثم قال: ﴿ثُمَّ صُبُّواْ فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ ٱلْحَمِيمِ﴾، أي: صبوا على رأس هذا الأثيم - وهو الكافر - من عذاب الجحيم.
* *
ثم قال: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْكَرِيمُ﴾، أي: يقال له ذق هذا العذاب إنك أنت كنت العزيز في قومك.
قال قتادة: نزلت هذه الآية في أبي جهل عدو الله لقي النبي ﷺ فأخذ النبي ﷺ فَهَزَّهُ، ثم قال: "أَوْلَى لَكَ يَا أَبَا جَهْلٍ، ثُمَّ أَوْلَى لَك فَأَوْلَى" فقال أبو جهلٍ أيوعدني محمد، لأنا أعز من يمشي بين جبليها. فنزلت ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْكَرِيمُ﴾ أي: المدعي ذلك، وفيه نزلت: ﴿وَلاَ تُطِعْ مِنْهُمْ ءَاثِماً أَوْ كَفُوراً﴾ [الإنسان: ٢٤] ، وفيه نزلت: ﴿كَلاَّ لاَ تُطِعْهُ وَٱسْجُدْ وَٱقْتَرِب﴾ [العلق: ١٩].
فالمعنى: ذُقْ عذاب الله، إنك أنت العزيز عند نفسك، الكريم فيما كنت تقول.
وقوله "ذق" عند من كسر "إن" واقع على محذوف وهو العذاب. فأما من فتح "أن" فمعناه مثل ذلك: ذق العذاب لأنك وبأنك كنت تقول: أنا العزيز الكريم.
وهذا كلام معناه التقريع والتوبيخ وليس بمدح له، إنما هو على طريق الحكاية لما كان يدعي في الدنيا من العزة والكرم، إذ كان يقول: أنا العزيز الكريم، فقرع به عند حلول العذاب به إذ صار في ذلة وهوان. فكأنه قيل له: ذق هذا العذاب إنك كنت تقول: أنا العزيز الكريم، فأنت الآن الذليل المهان. فأين ما كنت تقول في الدنيا. وذلك أشد لنكا له وحسرته.
وروي أن النبي ﷺ لقي أبا جهل فقال له: "إِنَّ الله أَمَرَنِي أَنْ أَقُولَ لَكَ ﴿أَوْلَىٰ لَكَ فَأَوْلَىٰ * ثُمَّ أَوْلَىٰ لَكَ فَأَوْلَىٰ﴾ فَقَالَ لَهُ أَبُو جَهْلٍ: واللاَّتِ لاَ تَمْلِكُ لِي نفعاً ولا ضراً وَإِنِّي لأَمْنَعُ أَهْلِ البِطْحَاءِ، وَإِنِّي لأَعَزُّ وَأَكْرَمُ فَأَنْزَلَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى مَا هُوَ صَانِعٌ بِهِ يِوْمَ القِيَامَةِ، وَمَا يُقَالُ لَهُ جَوَاباً لِقَوْلِهِ: أنا أعز وأكرم، فقال له: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْكَرِيمُ﴾ عند نفسك، وأنت الذليل المهان عند الله
ثم قال: ﴿إِنَّ هَـٰذَا مَا كُنتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ﴾، أي: يقال لهم إن هذا العذاب الذي كنتم تَشُكُّونَ.
* *
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ﴾، أي: إن الذين اتقوا الله عز وجل فأدوا طاعته (واجتنبوا معصيته) في موضع إقامة آمنين فيه من السوء كله. وكل من (تقبل الله) له عملاً وإن قل فهو من المتقين بدلالة قوله: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ ٱللَّهُ مِنَ ٱلْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة: ٢٧].
قال علي (بن أبي طالب) رضي الله عنه: مَا قَلَّ عَمَلٌ مع تقوى وكيف يَقِلُّ ما يتقبل.
ويروى أن سائلاً سأل ابن عمر فأمر ولده أن يعطيَه ديناراً فأعطاه وقال له: تقبل الله منك يا أبتاه، فقال ابن عمر: لو علمت أن الله عز وجل تقبل مني سجدة واحدة، أو صدقة درهم واحد، لم يكن غائب أحب إلي من الموت. أتدري ممن يتقبل؟! إنما يتقبل الله من المتقين! ذكر ذلك أبو عبيد في كتاب الشواهد.
ووصف المقام "بأمين" لأنه يؤمن فيه.
والمقام - بالفتح - اسم المكان من قام، وبالضم اسم المكان (من أقام).
ثم بين تعالى ذكره ذلك المقام قال: ﴿فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾، أي: في بساتين وعيون من الماء متطرداً في أصول أشجار الجنات.
* *
ثم قال تعالى: ﴿يَلْبَسُونَ مِن سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُّتَقَابِلِينَ﴾.
السندس: مَا رَقَّ من الديباج. والإستبرق: ما غَلُظَ منه: وقيل: السندس: الخِزُّ المُوَشَّى.
وقوله: "متقابلين، أي: هم على سررهم لا يستدبر بعضهم بعضاً.
* *
ثم قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ وَزَوَّجْنَاهُم بِحُورٍ عِينٍ﴾، أي: كما أدخلناهم الجنات، وألبسناهم السندس والإستبرق، كذلك أكرمناهم بأن زوجناهم أيضاً فيها بحور عين، وهن النقيات (البياض، والواحدة) حوراء.
وقال مجاهد: ﴿وَزَوَّجْنَاهُم بِحُورٍ عِينٍ﴾، أي: "أنكحناهم حوراً. والحور التي يحار فيهن الطرف، بادٍ مُخُّ سوقهن من (وراء ثيابهن). يرى الناظر وجهه في كبد إحداهن كالمرآة من رقة الجلد وصفاء اللون".
والحَوَرُ في اللغة: البياض، كما قيل للدقيق الصافي البياض الحُوَّارَى وفي حرف ابن مسعود: "زوجناهم بعيس عين"، والعيس جمع عيساء وهي البيضاء من الإبل. والعين جمع عيناء وهي العظيمة العينين من النساء.
ومن العرب من يقول: بحير عين على الاتباع للثاني. ومثله من الحديث رواية من روى "اُرْجِعْنَ مَأْزُورَاتٍ غَيْرَ مَأْجُورَاتٍ" والفصيح: ارجعن موزورات.
* *
ثم قال: ﴿فِيهَا بِكلِّ فَاكِهَةٍ آمِنِينَ﴾، أي: يدعو هؤلاء المتقون من في الجنة بكل نوع من الفاكهة اشتهوه آمنين فيها من انقطاع ذلك عنهم، ونفاده، وغائلة (أذاه) (ومن كل) سوء يحذر في الدنيا.
* *
ثم قال تعالى: ﴿لاَ يَذُوقُونَ فِيهَا ٱلْمَوْتَ إِلاَّ ٱلْمَوْتَةَ ٱلأُولَىٰ﴾، أي: بعد الموتة الأولى، أي: لا يذوقون فيها موتاً بعد موتهم في الدنيا. فـ "إلا" ها هنا قريبة المعنى من "بعد".
وقال بعض النحويين "إلا" هنا بمعنى "سوى" أي: لا يذوقون في الجنة الموت سوى الموتة الأولى التي كانت في الدنيا، ومثله عنده ﴿إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء: ٢٢ و ٢٣].
وطُعِنَ في هذا القول، لأن القائل لو قال (لا أذوق) اليوم الطعام إلا الطعام الذي ذقته قبل اليوم بمعنى "سوى"، لجاز أن يريد أن عنده طعاماً من نوع الطعام الذي ذاق بالأمس، وإنه ذائقه اليوم دون سائر الأطعمة.
فيحتمل معنى الآية إذا كانت "إلا" بمعنى "سوى" أن يكون ثم موت من جنس الموت الأول (يحل بهم) وهذا محال.
وقال النحاس: المعنى لا يذوقون فيها الموت البتة. ثم قال: ﴿إِلاَّ ٱلْمَوْتَةَ ٱلأُولَىٰ﴾ على الاستثناء المنقطع.
ولذلك أجاز بعضهم الوقف على "الموت" (لأن ما) بعده منقطع. وأكثرهم على أن "إلا" بمعنى "بعد"، كما تقول: ما كلمت رجلاً اليوم إلا رجلاً عندك، أي: بعد رجل عندك.
(والأحسن أن يكون "إلا" بمعنى "غير"، أي: لا يذوقون فيها موتاً غير الموتة الأولى التي كانت في الدنيا).
* *
ثم قال: ﴿وَوَقَاهُمْ عَذَابَ ٱلْجَحِيمِ﴾، أي: نجاهم منه.
* *
ثم قال: ﴿فَضْلاً مِّن رَّبِّكَ﴾، أي: تفضلاً منه. وهو مصدر والعامل فيه فعل مضمر.
وقيل العامل: ﴿يَدْعُونَ فِيهَا بِكلِّ فَاكِهَةٍ آمِنِينَ﴾.
(وقيل العامل: ﴿إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ﴾).
وقيل العامل: ﴿وَوَقَاهُمْ عَذَابَ ٱلْجَحِيمِ﴾.
وقيل: الكلام كله الذي قبله عامل فيه، لأنه تفضل منه عليهم إذ وفقهم في الدنيا إلى أعمال يدخلون بها الجنة.
وقيل: سماه "تفضلاً" لأنه غفر لهم صغائر لو أخذهم بها لم يدخلوا الجنة.
وقيل: إنما سماه "تفضلاً" لأن نعمه عليهم في الدنيا تستغرق حسناتهم فأدخلهم الجنة بفضله ورحمته لا بأعمالهم.
روي عن النبي ﷺ أنه قال: "مَا أَحَدٌ يَدْخُلُ الجَنَّةِ بِعَمَلِهِ.
قِيلَ: وَلاَ أَنْتَ يَا رَسُولَ الله؟! قَالَ: (وَلاَ أَنَا) إِلاَّ أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللهُ بِرَحْمَتِهِ
ثم قال تعالى: ﴿ذَلِكَ هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ﴾، (أي: هذا الذي تقدم وصفه للمتقين هو النجاء العظيم والظفر) الكبير.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ﴾ أي أنزلنا القرآن بلسان العرب لعلهم يفهمون (فيتذكرون ويتعظون).
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَٱرْتَقِبْ إِنَّهُمْ مُّرْتَقِبُونَ﴾، أي: فانتظر أن يحكم الله بينك وبينهم، إنهم منتظرون بك ريب الحدثان. وقيل المعنى: فانتظر الفتح والنصر فإنهم منتظرون عند أنفسهم قهرك وغلبتك.
الدخان 44:56
قال تعالى: ﴿إِنَّ شَجَرَةَ ٱلزَّقُّومِ﴾ - إلى آخر السورة أي: إن شجرة الزقوم التي أخبر تعالى أنها تنبت في أصل الجحيم هي طعام الكافر في جهنم، والأثيم: الآثم وهو في هذا أبو جهل ومن كان مثله.
ولما نزلت هذه الآية دعا أبو جهل بزبد وتمر ودعا أصحابه (فقال: تَعَالَوْا، تَزَقَّمُوا)، فهذا الذي يَعِدُنَا به محمد أنه طعامنا في الجحيم.
وذكر ابن هشام أن أبا جهل لما سمع قول الله جل ذكره ﴿إِنَّ شَجَرَةَ ٱلزَّقُّومِ * طَعَامُ ٱلأَثِيمِ﴾ قال: يا معشر قريش هل تدرون ما شجرة الزقوم) التي يخوفكم بها محمد؟، قالوا: لا. قال: هي عَجْوَةُ يَثْرِب بِالزَّبد.
والعجوة صنف من التمر طيب.
ورُوي أن أبا الدرداء كان يُقْرِئُ رَجُلاً ﴿إِنَّ شَجَرَةَ ٱلزَّقُّومِ * طَعَامُ ٱلأَثِيمِ﴾ فكان الرجل يقول: طعام اليتيم. فلما أكثر عليه أبو الدرداء ولم يفهم الرجل، قال له: إن شجرة الزقوم طعام) الفاجر.
فهذه قراءة على التفسير لا يحسن أن يُقْرَأَ بها.
وقال ابن عباس: "لو أن قطرة من زقوم جهنم أنزلت على الدنيا لأفسدت على الناس معائشهم". وقال ابن زيد: الأثيم هنا: أبو جهل.
قال: ﴿كَٱلْمُهْلِ يَغْلِي فِي ٱلْبُطُونِ﴾، أي: شجرة الزقوم - التي جعلنا ثمرها طعام الكافر في جهنم - كالرصاص أو الفضة المذابة إذا ما تناهت حرارتها.
وقال ابن عباس: "كالمهل: كُدْردِيِّ الزيت".
(وروي عنه أنه رأى فضة قد أذيبت فقال: هذا المُهْلُ وروى) الخدري عن النبي ﷺ أنه قال: "كَالمُهَلِ: كَعَكِرِ الزَّيْتِ، إِذَا قرب إلى وَجْهِ الكَافِرِ سَقَطَتْ (فَرْوَةُ) وَجْهِهِ فِيهِ". وقيل: "المهل" عكر القطران. وقيل: هو الصديد من الحميم.
* *
وقوله: ﴿كَغَلْيِ ٱلْحَمِيمِ﴾، أي: (يغلي) ذلك في بطون الكفار كغلي الماء المحموم، وهو الذي قد أوقد عليه حتى تناهت شدة حره، والحميم بمعنى: (محموم، كقتيل) بمعنى: مقتول.
* *
ثم قال تعالى: ﴿خُذُوهُ فَٱعْتِلُوهُ﴾: يعني الأثيم، وهو الكافر، يقال للملائكة: خذوا الكافر فاعتلوه، أي: (فادفعوه وسوقوه) على عنف.
يقال عتله: إذا ساقه بالدفع والجذب.
* *
وقوله: ﴿إِلَىٰ سَوَآءِ ٱلْجَحِيمِ﴾، أي: إلى وسطها، أي: ادفعوه إلى وسط النار.
* *
ثم قال: ﴿ثُمَّ صُبُّواْ فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ ٱلْحَمِيمِ﴾، أي: صبوا على رأس هذا الأثيم - وهو الكافر - من عذاب الجحيم.
* *
ثم قال: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْكَرِيمُ﴾، أي: يقال له ذق هذا العذاب إنك أنت كنت العزيز في قومك.
قال قتادة: نزلت هذه الآية في أبي جهل عدو الله لقي النبي ﷺ فأخذ النبي ﷺ فَهَزَّهُ، ثم قال: "أَوْلَى لَكَ يَا أَبَا جَهْلٍ، ثُمَّ أَوْلَى لَك فَأَوْلَى" فقال أبو جهلٍ أيوعدني محمد، لأنا أعز من يمشي بين جبليها. فنزلت ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْكَرِيمُ﴾ أي: المدعي ذلك، وفيه نزلت: ﴿وَلاَ تُطِعْ مِنْهُمْ ءَاثِماً أَوْ كَفُوراً﴾ [الإنسان: ٢٤] ، وفيه نزلت: ﴿كَلاَّ لاَ تُطِعْهُ وَٱسْجُدْ وَٱقْتَرِب﴾ [العلق: ١٩].
فالمعنى: ذُقْ عذاب الله، إنك أنت العزيز عند نفسك، الكريم فيما كنت تقول.
وقوله "ذق" عند من كسر "إن" واقع على محذوف وهو العذاب. فأما من فتح "أن" فمعناه مثل ذلك: ذق العذاب لأنك وبأنك كنت تقول: أنا العزيز الكريم.
وهذا كلام معناه التقريع والتوبيخ وليس بمدح له، إنما هو على طريق الحكاية لما كان يدعي في الدنيا من العزة والكرم، إذ كان يقول: أنا العزيز الكريم، فقرع به عند حلول العذاب به إذ صار في ذلة وهوان. فكأنه قيل له: ذق هذا العذاب إنك كنت تقول: أنا العزيز الكريم، فأنت الآن الذليل المهان. فأين ما كنت تقول في الدنيا. وذلك أشد لنكا له وحسرته.
وروي أن النبي ﷺ لقي أبا جهل فقال له: "إِنَّ الله أَمَرَنِي أَنْ أَقُولَ لَكَ ﴿أَوْلَىٰ لَكَ فَأَوْلَىٰ * ثُمَّ أَوْلَىٰ لَكَ فَأَوْلَىٰ﴾ فَقَالَ لَهُ أَبُو جَهْلٍ: واللاَّتِ لاَ تَمْلِكُ لِي نفعاً ولا ضراً وَإِنِّي لأَمْنَعُ أَهْلِ البِطْحَاءِ، وَإِنِّي لأَعَزُّ وَأَكْرَمُ فَأَنْزَلَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى مَا هُوَ صَانِعٌ بِهِ يِوْمَ القِيَامَةِ، وَمَا يُقَالُ لَهُ جَوَاباً لِقَوْلِهِ: أنا أعز وأكرم، فقال له: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْكَرِيمُ﴾ عند نفسك، وأنت الذليل المهان عند الله
ثم قال: ﴿إِنَّ هَـٰذَا مَا كُنتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ﴾، أي: يقال لهم إن هذا العذاب الذي كنتم تَشُكُّونَ.
* *
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ﴾، أي: إن الذين اتقوا الله عز وجل فأدوا طاعته (واجتنبوا معصيته) في موضع إقامة آمنين فيه من السوء كله. وكل من (تقبل الله) له عملاً وإن قل فهو من المتقين بدلالة قوله: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ ٱللَّهُ مِنَ ٱلْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة: ٢٧].
قال علي (بن أبي طالب) رضي الله عنه: مَا قَلَّ عَمَلٌ مع تقوى وكيف يَقِلُّ ما يتقبل.
ويروى أن سائلاً سأل ابن عمر فأمر ولده أن يعطيَه ديناراً فأعطاه وقال له: تقبل الله منك يا أبتاه، فقال ابن عمر: لو علمت أن الله عز وجل تقبل مني سجدة واحدة، أو صدقة درهم واحد، لم يكن غائب أحب إلي من الموت. أتدري ممن يتقبل؟! إنما يتقبل الله من المتقين! ذكر ذلك أبو عبيد في كتاب الشواهد.
ووصف المقام "بأمين" لأنه يؤمن فيه.
والمقام - بالفتح - اسم المكان من قام، وبالضم اسم المكان (من أقام).
ثم بين تعالى ذكره ذلك المقام قال: ﴿فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾، أي: في بساتين وعيون من الماء متطرداً في أصول أشجار الجنات.
* *
ثم قال تعالى: ﴿يَلْبَسُونَ مِن سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُّتَقَابِلِينَ﴾.
السندس: مَا رَقَّ من الديباج. والإستبرق: ما غَلُظَ منه: وقيل: السندس: الخِزُّ المُوَشَّى.
وقوله: "متقابلين، أي: هم على سررهم لا يستدبر بعضهم بعضاً.
* *
ثم قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ وَزَوَّجْنَاهُم بِحُورٍ عِينٍ﴾، أي: كما أدخلناهم الجنات، وألبسناهم السندس والإستبرق، كذلك أكرمناهم بأن زوجناهم أيضاً فيها بحور عين، وهن النقيات (البياض، والواحدة) حوراء.
وقال مجاهد: ﴿وَزَوَّجْنَاهُم بِحُورٍ عِينٍ﴾، أي: "أنكحناهم حوراً. والحور التي يحار فيهن الطرف، بادٍ مُخُّ سوقهن من (وراء ثيابهن). يرى الناظر وجهه في كبد إحداهن كالمرآة من رقة الجلد وصفاء اللون".
والحَوَرُ في اللغة: البياض، كما قيل للدقيق الصافي البياض الحُوَّارَى وفي حرف ابن مسعود: "زوجناهم بعيس عين"، والعيس جمع عيساء وهي البيضاء من الإبل. والعين جمع عيناء وهي العظيمة العينين من النساء.
ومن العرب من يقول: بحير عين على الاتباع للثاني. ومثله من الحديث رواية من روى "اُرْجِعْنَ مَأْزُورَاتٍ غَيْرَ مَأْجُورَاتٍ" والفصيح: ارجعن موزورات.
* *
ثم قال: ﴿فِيهَا بِكلِّ فَاكِهَةٍ آمِنِينَ﴾، أي: يدعو هؤلاء المتقون من في الجنة بكل نوع من الفاكهة اشتهوه آمنين فيها من انقطاع ذلك عنهم، ونفاده، وغائلة (أذاه) (ومن كل) سوء يحذر في الدنيا.
* *
ثم قال تعالى: ﴿لاَ يَذُوقُونَ فِيهَا ٱلْمَوْتَ إِلاَّ ٱلْمَوْتَةَ ٱلأُولَىٰ﴾، أي: بعد الموتة الأولى، أي: لا يذوقون فيها موتاً بعد موتهم في الدنيا. فـ "إلا" ها هنا قريبة المعنى من "بعد".
وقال بعض النحويين "إلا" هنا بمعنى "سوى" أي: لا يذوقون في الجنة الموت سوى الموتة الأولى التي كانت في الدنيا، ومثله عنده ﴿إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء: ٢٢ و ٢٣].
وطُعِنَ في هذا القول، لأن القائل لو قال (لا أذوق) اليوم الطعام إلا الطعام الذي ذقته قبل اليوم بمعنى "سوى"، لجاز أن يريد أن عنده طعاماً من نوع الطعام الذي ذاق بالأمس، وإنه ذائقه اليوم دون سائر الأطعمة.
فيحتمل معنى الآية إذا كانت "إلا" بمعنى "سوى" أن يكون ثم موت من جنس الموت الأول (يحل بهم) وهذا محال.
وقال النحاس: المعنى لا يذوقون فيها الموت البتة. ثم قال: ﴿إِلاَّ ٱلْمَوْتَةَ ٱلأُولَىٰ﴾ على الاستثناء المنقطع.
ولذلك أجاز بعضهم الوقف على "الموت" (لأن ما) بعده منقطع. وأكثرهم على أن "إلا" بمعنى "بعد"، كما تقول: ما كلمت رجلاً اليوم إلا رجلاً عندك، أي: بعد رجل عندك.
(والأحسن أن يكون "إلا" بمعنى "غير"، أي: لا يذوقون فيها موتاً غير الموتة الأولى التي كانت في الدنيا).
* *
ثم قال: ﴿وَوَقَاهُمْ عَذَابَ ٱلْجَحِيمِ﴾، أي: نجاهم منه.
* *
ثم قال: ﴿فَضْلاً مِّن رَّبِّكَ﴾، أي: تفضلاً منه. وهو مصدر والعامل فيه فعل مضمر.
وقيل العامل: ﴿يَدْعُونَ فِيهَا بِكلِّ فَاكِهَةٍ آمِنِينَ﴾.
(وقيل العامل: ﴿إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ﴾).
وقيل العامل: ﴿وَوَقَاهُمْ عَذَابَ ٱلْجَحِيمِ﴾.
وقيل: الكلام كله الذي قبله عامل فيه، لأنه تفضل منه عليهم إذ وفقهم في الدنيا إلى أعمال يدخلون بها الجنة.
وقيل: سماه "تفضلاً" لأنه غفر لهم صغائر لو أخذهم بها لم يدخلوا الجنة.
وقيل: إنما سماه "تفضلاً" لأن نعمه عليهم في الدنيا تستغرق حسناتهم فأدخلهم الجنة بفضله ورحمته لا بأعمالهم.
روي عن النبي ﷺ أنه قال: "مَا أَحَدٌ يَدْخُلُ الجَنَّةِ بِعَمَلِهِ.
قِيلَ: وَلاَ أَنْتَ يَا رَسُولَ الله؟! قَالَ: (وَلاَ أَنَا) إِلاَّ أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللهُ بِرَحْمَتِهِ
ثم قال تعالى: ﴿ذَلِكَ هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ﴾، (أي: هذا الذي تقدم وصفه للمتقين هو النجاء العظيم والظفر) الكبير.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ﴾ أي أنزلنا القرآن بلسان العرب لعلهم يفهمون (فيتذكرون ويتعظون).
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَٱرْتَقِبْ إِنَّهُمْ مُّرْتَقِبُونَ﴾، أي: فانتظر أن يحكم الله بينك وبينهم، إنهم منتظرون بك ريب الحدثان. وقيل المعنى: فانتظر الفتح والنصر فإنهم منتظرون عند أنفسهم قهرك وغلبتك.
الدخان 44:57
قال تعالى: ﴿إِنَّ شَجَرَةَ ٱلزَّقُّومِ﴾ - إلى آخر السورة أي: إن شجرة الزقوم التي أخبر تعالى أنها تنبت في أصل الجحيم هي طعام الكافر في جهنم، والأثيم: الآثم وهو في هذا أبو جهل ومن كان مثله.
ولما نزلت هذه الآية دعا أبو جهل بزبد وتمر ودعا أصحابه (فقال: تَعَالَوْا، تَزَقَّمُوا)، فهذا الذي يَعِدُنَا به محمد أنه طعامنا في الجحيم.
وذكر ابن هشام أن أبا جهل لما سمع قول الله جل ذكره ﴿إِنَّ شَجَرَةَ ٱلزَّقُّومِ * طَعَامُ ٱلأَثِيمِ﴾ قال: يا معشر قريش هل تدرون ما شجرة الزقوم) التي يخوفكم بها محمد؟، قالوا: لا. قال: هي عَجْوَةُ يَثْرِب بِالزَّبد.
والعجوة صنف من التمر طيب.
ورُوي أن أبا الدرداء كان يُقْرِئُ رَجُلاً ﴿إِنَّ شَجَرَةَ ٱلزَّقُّومِ * طَعَامُ ٱلأَثِيمِ﴾ فكان الرجل يقول: طعام اليتيم. فلما أكثر عليه أبو الدرداء ولم يفهم الرجل، قال له: إن شجرة الزقوم طعام) الفاجر.
فهذه قراءة على التفسير لا يحسن أن يُقْرَأَ بها.
وقال ابن عباس: "لو أن قطرة من زقوم جهنم أنزلت على الدنيا لأفسدت على الناس معائشهم". وقال ابن زيد: الأثيم هنا: أبو جهل.
قال: ﴿كَٱلْمُهْلِ يَغْلِي فِي ٱلْبُطُونِ﴾، أي: شجرة الزقوم - التي جعلنا ثمرها طعام الكافر في جهنم - كالرصاص أو الفضة المذابة إذا ما تناهت حرارتها.
وقال ابن عباس: "كالمهل: كُدْردِيِّ الزيت".
(وروي عنه أنه رأى فضة قد أذيبت فقال: هذا المُهْلُ وروى) الخدري عن النبي ﷺ أنه قال: "كَالمُهَلِ: كَعَكِرِ الزَّيْتِ، إِذَا قرب إلى وَجْهِ الكَافِرِ سَقَطَتْ (فَرْوَةُ) وَجْهِهِ فِيهِ". وقيل: "المهل" عكر القطران. وقيل: هو الصديد من الحميم.
* *
وقوله: ﴿كَغَلْيِ ٱلْحَمِيمِ﴾، أي: (يغلي) ذلك في بطون الكفار كغلي الماء المحموم، وهو الذي قد أوقد عليه حتى تناهت شدة حره، والحميم بمعنى: (محموم، كقتيل) بمعنى: مقتول.
* *
ثم قال تعالى: ﴿خُذُوهُ فَٱعْتِلُوهُ﴾: يعني الأثيم، وهو الكافر، يقال للملائكة: خذوا الكافر فاعتلوه، أي: (فادفعوه وسوقوه) على عنف.
يقال عتله: إذا ساقه بالدفع والجذب.
* *
وقوله: ﴿إِلَىٰ سَوَآءِ ٱلْجَحِيمِ﴾، أي: إلى وسطها، أي: ادفعوه إلى وسط النار.
* *
ثم قال: ﴿ثُمَّ صُبُّواْ فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ ٱلْحَمِيمِ﴾، أي: صبوا على رأس هذا الأثيم - وهو الكافر - من عذاب الجحيم.
* *
ثم قال: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْكَرِيمُ﴾، أي: يقال له ذق هذا العذاب إنك أنت كنت العزيز في قومك.
قال قتادة: نزلت هذه الآية في أبي جهل عدو الله لقي النبي ﷺ فأخذ النبي ﷺ فَهَزَّهُ، ثم قال: "أَوْلَى لَكَ يَا أَبَا جَهْلٍ، ثُمَّ أَوْلَى لَك فَأَوْلَى" فقال أبو جهلٍ أيوعدني محمد، لأنا أعز من يمشي بين جبليها. فنزلت ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْكَرِيمُ﴾ أي: المدعي ذلك، وفيه نزلت: ﴿وَلاَ تُطِعْ مِنْهُمْ ءَاثِماً أَوْ كَفُوراً﴾ [الإنسان: ٢٤] ، وفيه نزلت: ﴿كَلاَّ لاَ تُطِعْهُ وَٱسْجُدْ وَٱقْتَرِب﴾ [العلق: ١٩].
فالمعنى: ذُقْ عذاب الله، إنك أنت العزيز عند نفسك، الكريم فيما كنت تقول.
وقوله "ذق" عند من كسر "إن" واقع على محذوف وهو العذاب. فأما من فتح "أن" فمعناه مثل ذلك: ذق العذاب لأنك وبأنك كنت تقول: أنا العزيز الكريم.
وهذا كلام معناه التقريع والتوبيخ وليس بمدح له، إنما هو على طريق الحكاية لما كان يدعي في الدنيا من العزة والكرم، إذ كان يقول: أنا العزيز الكريم، فقرع به عند حلول العذاب به إذ صار في ذلة وهوان. فكأنه قيل له: ذق هذا العذاب إنك كنت تقول: أنا العزيز الكريم، فأنت الآن الذليل المهان. فأين ما كنت تقول في الدنيا. وذلك أشد لنكا له وحسرته.
وروي أن النبي ﷺ لقي أبا جهل فقال له: "إِنَّ الله أَمَرَنِي أَنْ أَقُولَ لَكَ ﴿أَوْلَىٰ لَكَ فَأَوْلَىٰ * ثُمَّ أَوْلَىٰ لَكَ فَأَوْلَىٰ﴾ فَقَالَ لَهُ أَبُو جَهْلٍ: واللاَّتِ لاَ تَمْلِكُ لِي نفعاً ولا ضراً وَإِنِّي لأَمْنَعُ أَهْلِ البِطْحَاءِ، وَإِنِّي لأَعَزُّ وَأَكْرَمُ فَأَنْزَلَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى مَا هُوَ صَانِعٌ بِهِ يِوْمَ القِيَامَةِ، وَمَا يُقَالُ لَهُ جَوَاباً لِقَوْلِهِ: أنا أعز وأكرم، فقال له: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْكَرِيمُ﴾ عند نفسك، وأنت الذليل المهان عند الله
ثم قال: ﴿إِنَّ هَـٰذَا مَا كُنتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ﴾، أي: يقال لهم إن هذا العذاب الذي كنتم تَشُكُّونَ.
* *
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ﴾، أي: إن الذين اتقوا الله عز وجل فأدوا طاعته (واجتنبوا معصيته) في موضع إقامة آمنين فيه من السوء كله. وكل من (تقبل الله) له عملاً وإن قل فهو من المتقين بدلالة قوله: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ ٱللَّهُ مِنَ ٱلْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة: ٢٧].
قال علي (بن أبي طالب) رضي الله عنه: مَا قَلَّ عَمَلٌ مع تقوى وكيف يَقِلُّ ما يتقبل.
ويروى أن سائلاً سأل ابن عمر فأمر ولده أن يعطيَه ديناراً فأعطاه وقال له: تقبل الله منك يا أبتاه، فقال ابن عمر: لو علمت أن الله عز وجل تقبل مني سجدة واحدة، أو صدقة درهم واحد، لم يكن غائب أحب إلي من الموت. أتدري ممن يتقبل؟! إنما يتقبل الله من المتقين! ذكر ذلك أبو عبيد في كتاب الشواهد.
ووصف المقام "بأمين" لأنه يؤمن فيه.
والمقام - بالفتح - اسم المكان من قام، وبالضم اسم المكان (من أقام).
ثم بين تعالى ذكره ذلك المقام قال: ﴿فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾، أي: في بساتين وعيون من الماء متطرداً في أصول أشجار الجنات.
* *
ثم قال تعالى: ﴿يَلْبَسُونَ مِن سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُّتَقَابِلِينَ﴾.
السندس: مَا رَقَّ من الديباج. والإستبرق: ما غَلُظَ منه: وقيل: السندس: الخِزُّ المُوَشَّى.
وقوله: "متقابلين، أي: هم على سررهم لا يستدبر بعضهم بعضاً.
* *
ثم قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ وَزَوَّجْنَاهُم بِحُورٍ عِينٍ﴾، أي: كما أدخلناهم الجنات، وألبسناهم السندس والإستبرق، كذلك أكرمناهم بأن زوجناهم أيضاً فيها بحور عين، وهن النقيات (البياض، والواحدة) حوراء.
وقال مجاهد: ﴿وَزَوَّجْنَاهُم بِحُورٍ عِينٍ﴾، أي: "أنكحناهم حوراً. والحور التي يحار فيهن الطرف، بادٍ مُخُّ سوقهن من (وراء ثيابهن). يرى الناظر وجهه في كبد إحداهن كالمرآة من رقة الجلد وصفاء اللون".
والحَوَرُ في اللغة: البياض، كما قيل للدقيق الصافي البياض الحُوَّارَى وفي حرف ابن مسعود: "زوجناهم بعيس عين"، والعيس جمع عيساء وهي البيضاء من الإبل. والعين جمع عيناء وهي العظيمة العينين من النساء.
ومن العرب من يقول: بحير عين على الاتباع للثاني. ومثله من الحديث رواية من روى "اُرْجِعْنَ مَأْزُورَاتٍ غَيْرَ مَأْجُورَاتٍ" والفصيح: ارجعن موزورات.
* *
ثم قال: ﴿فِيهَا بِكلِّ فَاكِهَةٍ آمِنِينَ﴾، أي: يدعو هؤلاء المتقون من في الجنة بكل نوع من الفاكهة اشتهوه آمنين فيها من انقطاع ذلك عنهم، ونفاده، وغائلة (أذاه) (ومن كل) سوء يحذر في الدنيا.
* *
ثم قال تعالى: ﴿لاَ يَذُوقُونَ فِيهَا ٱلْمَوْتَ إِلاَّ ٱلْمَوْتَةَ ٱلأُولَىٰ﴾، أي: بعد الموتة الأولى، أي: لا يذوقون فيها موتاً بعد موتهم في الدنيا. فـ "إلا" ها هنا قريبة المعنى من "بعد".
وقال بعض النحويين "إلا" هنا بمعنى "سوى" أي: لا يذوقون في الجنة الموت سوى الموتة الأولى التي كانت في الدنيا، ومثله عنده ﴿إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء: ٢٢ و ٢٣].
وطُعِنَ في هذا القول، لأن القائل لو قال (لا أذوق) اليوم الطعام إلا الطعام الذي ذقته قبل اليوم بمعنى "سوى"، لجاز أن يريد أن عنده طعاماً من نوع الطعام الذي ذاق بالأمس، وإنه ذائقه اليوم دون سائر الأطعمة.
فيحتمل معنى الآية إذا كانت "إلا" بمعنى "سوى" أن يكون ثم موت من جنس الموت الأول (يحل بهم) وهذا محال.
وقال النحاس: المعنى لا يذوقون فيها الموت البتة. ثم قال: ﴿إِلاَّ ٱلْمَوْتَةَ ٱلأُولَىٰ﴾ على الاستثناء المنقطع.
ولذلك أجاز بعضهم الوقف على "الموت" (لأن ما) بعده منقطع. وأكثرهم على أن "إلا" بمعنى "بعد"، كما تقول: ما كلمت رجلاً اليوم إلا رجلاً عندك، أي: بعد رجل عندك.
(والأحسن أن يكون "إلا" بمعنى "غير"، أي: لا يذوقون فيها موتاً غير الموتة الأولى التي كانت في الدنيا).
* *
ثم قال: ﴿وَوَقَاهُمْ عَذَابَ ٱلْجَحِيمِ﴾، أي: نجاهم منه.
* *
ثم قال: ﴿فَضْلاً مِّن رَّبِّكَ﴾، أي: تفضلاً منه. وهو مصدر والعامل فيه فعل مضمر.
وقيل العامل: ﴿يَدْعُونَ فِيهَا بِكلِّ فَاكِهَةٍ آمِنِينَ﴾.
(وقيل العامل: ﴿إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ﴾).
وقيل العامل: ﴿وَوَقَاهُمْ عَذَابَ ٱلْجَحِيمِ﴾.
وقيل: الكلام كله الذي قبله عامل فيه، لأنه تفضل منه عليهم إذ وفقهم في الدنيا إلى أعمال يدخلون بها الجنة.
وقيل: سماه "تفضلاً" لأنه غفر لهم صغائر لو أخذهم بها لم يدخلوا الجنة.
وقيل: إنما سماه "تفضلاً" لأن نعمه عليهم في الدنيا تستغرق حسناتهم فأدخلهم الجنة بفضله ورحمته لا بأعمالهم.
روي عن النبي ﷺ أنه قال: "مَا أَحَدٌ يَدْخُلُ الجَنَّةِ بِعَمَلِهِ.
قِيلَ: وَلاَ أَنْتَ يَا رَسُولَ الله؟! قَالَ: (وَلاَ أَنَا) إِلاَّ أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللهُ بِرَحْمَتِهِ
ثم قال تعالى: ﴿ذَلِكَ هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ﴾، (أي: هذا الذي تقدم وصفه للمتقين هو النجاء العظيم والظفر) الكبير.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ﴾ أي أنزلنا القرآن بلسان العرب لعلهم يفهمون (فيتذكرون ويتعظون).
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَٱرْتَقِبْ إِنَّهُمْ مُّرْتَقِبُونَ﴾، أي: فانتظر أن يحكم الله بينك وبينهم، إنهم منتظرون بك ريب الحدثان. وقيل المعنى: فانتظر الفتح والنصر فإنهم منتظرون عند أنفسهم قهرك وغلبتك.
الدخان 44:58
قال تعالى: ﴿إِنَّ شَجَرَةَ ٱلزَّقُّومِ﴾ - إلى آخر السورة أي: إن شجرة الزقوم التي أخبر تعالى أنها تنبت في أصل الجحيم هي طعام الكافر في جهنم، والأثيم: الآثم وهو في هذا أبو جهل ومن كان مثله.
ولما نزلت هذه الآية دعا أبو جهل بزبد وتمر ودعا أصحابه (فقال: تَعَالَوْا، تَزَقَّمُوا)، فهذا الذي يَعِدُنَا به محمد أنه طعامنا في الجحيم.
وذكر ابن هشام أن أبا جهل لما سمع قول الله جل ذكره ﴿إِنَّ شَجَرَةَ ٱلزَّقُّومِ * طَعَامُ ٱلأَثِيمِ﴾ قال: يا معشر قريش هل تدرون ما شجرة الزقوم) التي يخوفكم بها محمد؟، قالوا: لا. قال: هي عَجْوَةُ يَثْرِب بِالزَّبد.
والعجوة صنف من التمر طيب.
ورُوي أن أبا الدرداء كان يُقْرِئُ رَجُلاً ﴿إِنَّ شَجَرَةَ ٱلزَّقُّومِ * طَعَامُ ٱلأَثِيمِ﴾ فكان الرجل يقول: طعام اليتيم. فلما أكثر عليه أبو الدرداء ولم يفهم الرجل، قال له: إن شجرة الزقوم طعام) الفاجر.
فهذه قراءة على التفسير لا يحسن أن يُقْرَأَ بها.
وقال ابن عباس: "لو أن قطرة من زقوم جهنم أنزلت على الدنيا لأفسدت على الناس معائشهم". وقال ابن زيد: الأثيم هنا: أبو جهل.
قال: ﴿كَٱلْمُهْلِ يَغْلِي فِي ٱلْبُطُونِ﴾، أي: شجرة الزقوم - التي جعلنا ثمرها طعام الكافر في جهنم - كالرصاص أو الفضة المذابة إذا ما تناهت حرارتها.
وقال ابن عباس: "كالمهل: كُدْردِيِّ الزيت".
(وروي عنه أنه رأى فضة قد أذيبت فقال: هذا المُهْلُ وروى) الخدري عن النبي ﷺ أنه قال: "كَالمُهَلِ: كَعَكِرِ الزَّيْتِ، إِذَا قرب إلى وَجْهِ الكَافِرِ سَقَطَتْ (فَرْوَةُ) وَجْهِهِ فِيهِ". وقيل: "المهل" عكر القطران. وقيل: هو الصديد من الحميم.
* *
وقوله: ﴿كَغَلْيِ ٱلْحَمِيمِ﴾، أي: (يغلي) ذلك في بطون الكفار كغلي الماء المحموم، وهو الذي قد أوقد عليه حتى تناهت شدة حره، والحميم بمعنى: (محموم، كقتيل) بمعنى: مقتول.
* *
ثم قال تعالى: ﴿خُذُوهُ فَٱعْتِلُوهُ﴾: يعني الأثيم، وهو الكافر، يقال للملائكة: خذوا الكافر فاعتلوه، أي: (فادفعوه وسوقوه) على عنف.
يقال عتله: إذا ساقه بالدفع والجذب.
* *
وقوله: ﴿إِلَىٰ سَوَآءِ ٱلْجَحِيمِ﴾، أي: إلى وسطها، أي: ادفعوه إلى وسط النار.
* *
ثم قال: ﴿ثُمَّ صُبُّواْ فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ ٱلْحَمِيمِ﴾، أي: صبوا على رأس هذا الأثيم - وهو الكافر - من عذاب الجحيم.
* *
ثم قال: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْكَرِيمُ﴾، أي: يقال له ذق هذا العذاب إنك أنت كنت العزيز في قومك.
قال قتادة: نزلت هذه الآية في أبي جهل عدو الله لقي النبي ﷺ فأخذ النبي ﷺ فَهَزَّهُ، ثم قال: "أَوْلَى لَكَ يَا أَبَا جَهْلٍ، ثُمَّ أَوْلَى لَك فَأَوْلَى" فقال أبو جهلٍ أيوعدني محمد، لأنا أعز من يمشي بين جبليها. فنزلت ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْكَرِيمُ﴾ أي: المدعي ذلك، وفيه نزلت: ﴿وَلاَ تُطِعْ مِنْهُمْ ءَاثِماً أَوْ كَفُوراً﴾ [الإنسان: ٢٤] ، وفيه نزلت: ﴿كَلاَّ لاَ تُطِعْهُ وَٱسْجُدْ وَٱقْتَرِب﴾ [العلق: ١٩].
فالمعنى: ذُقْ عذاب الله، إنك أنت العزيز عند نفسك، الكريم فيما كنت تقول.
وقوله "ذق" عند من كسر "إن" واقع على محذوف وهو العذاب. فأما من فتح "أن" فمعناه مثل ذلك: ذق العذاب لأنك وبأنك كنت تقول: أنا العزيز الكريم.
وهذا كلام معناه التقريع والتوبيخ وليس بمدح له، إنما هو على طريق الحكاية لما كان يدعي في الدنيا من العزة والكرم، إذ كان يقول: أنا العزيز الكريم، فقرع به عند حلول العذاب به إذ صار في ذلة وهوان. فكأنه قيل له: ذق هذا العذاب إنك كنت تقول: أنا العزيز الكريم، فأنت الآن الذليل المهان. فأين ما كنت تقول في الدنيا. وذلك أشد لنكا له وحسرته.
وروي أن النبي ﷺ لقي أبا جهل فقال له: "إِنَّ الله أَمَرَنِي أَنْ أَقُولَ لَكَ ﴿أَوْلَىٰ لَكَ فَأَوْلَىٰ * ثُمَّ أَوْلَىٰ لَكَ فَأَوْلَىٰ﴾ فَقَالَ لَهُ أَبُو جَهْلٍ: واللاَّتِ لاَ تَمْلِكُ لِي نفعاً ولا ضراً وَإِنِّي لأَمْنَعُ أَهْلِ البِطْحَاءِ، وَإِنِّي لأَعَزُّ وَأَكْرَمُ فَأَنْزَلَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى مَا هُوَ صَانِعٌ بِهِ يِوْمَ القِيَامَةِ، وَمَا يُقَالُ لَهُ جَوَاباً لِقَوْلِهِ: أنا أعز وأكرم، فقال له: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْكَرِيمُ﴾ عند نفسك، وأنت الذليل المهان عند الله
ثم قال: ﴿إِنَّ هَـٰذَا مَا كُنتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ﴾، أي: يقال لهم إن هذا العذاب الذي كنتم تَشُكُّونَ.
* *
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ﴾، أي: إن الذين اتقوا الله عز وجل فأدوا طاعته (واجتنبوا معصيته) في موضع إقامة آمنين فيه من السوء كله. وكل من (تقبل الله) له عملاً وإن قل فهو من المتقين بدلالة قوله: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ ٱللَّهُ مِنَ ٱلْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة: ٢٧].
قال علي (بن أبي طالب) رضي الله عنه: مَا قَلَّ عَمَلٌ مع تقوى وكيف يَقِلُّ ما يتقبل.
ويروى أن سائلاً سأل ابن عمر فأمر ولده أن يعطيَه ديناراً فأعطاه وقال له: تقبل الله منك يا أبتاه، فقال ابن عمر: لو علمت أن الله عز وجل تقبل مني سجدة واحدة، أو صدقة درهم واحد، لم يكن غائب أحب إلي من الموت. أتدري ممن يتقبل؟! إنما يتقبل الله من المتقين! ذكر ذلك أبو عبيد في كتاب الشواهد.
ووصف المقام "بأمين" لأنه يؤمن فيه.
والمقام - بالفتح - اسم المكان من قام، وبالضم اسم المكان (من أقام).
ثم بين تعالى ذكره ذلك المقام قال: ﴿فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾، أي: في بساتين وعيون من الماء متطرداً في أصول أشجار الجنات.
* *
ثم قال تعالى: ﴿يَلْبَسُونَ مِن سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُّتَقَابِلِينَ﴾.
السندس: مَا رَقَّ من الديباج. والإستبرق: ما غَلُظَ منه: وقيل: السندس: الخِزُّ المُوَشَّى.
وقوله: "متقابلين، أي: هم على سررهم لا يستدبر بعضهم بعضاً.
* *
ثم قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ وَزَوَّجْنَاهُم بِحُورٍ عِينٍ﴾، أي: كما أدخلناهم الجنات، وألبسناهم السندس والإستبرق، كذلك أكرمناهم بأن زوجناهم أيضاً فيها بحور عين، وهن النقيات (البياض، والواحدة) حوراء.
وقال مجاهد: ﴿وَزَوَّجْنَاهُم بِحُورٍ عِينٍ﴾، أي: "أنكحناهم حوراً. والحور التي يحار فيهن الطرف، بادٍ مُخُّ سوقهن من (وراء ثيابهن). يرى الناظر وجهه في كبد إحداهن كالمرآة من رقة الجلد وصفاء اللون".
والحَوَرُ في اللغة: البياض، كما قيل للدقيق الصافي البياض الحُوَّارَى وفي حرف ابن مسعود: "زوجناهم بعيس عين"، والعيس جمع عيساء وهي البيضاء من الإبل. والعين جمع عيناء وهي العظيمة العينين من النساء.
ومن العرب من يقول: بحير عين على الاتباع للثاني. ومثله من الحديث رواية من روى "اُرْجِعْنَ مَأْزُورَاتٍ غَيْرَ مَأْجُورَاتٍ" والفصيح: ارجعن موزورات.
* *
ثم قال: ﴿فِيهَا بِكلِّ فَاكِهَةٍ آمِنِينَ﴾، أي: يدعو هؤلاء المتقون من في الجنة بكل نوع من الفاكهة اشتهوه آمنين فيها من انقطاع ذلك عنهم، ونفاده، وغائلة (أذاه) (ومن كل) سوء يحذر في الدنيا.
* *
ثم قال تعالى: ﴿لاَ يَذُوقُونَ فِيهَا ٱلْمَوْتَ إِلاَّ ٱلْمَوْتَةَ ٱلأُولَىٰ﴾، أي: بعد الموتة الأولى، أي: لا يذوقون فيها موتاً بعد موتهم في الدنيا. فـ "إلا" ها هنا قريبة المعنى من "بعد".
وقال بعض النحويين "إلا" هنا بمعنى "سوى" أي: لا يذوقون في الجنة الموت سوى الموتة الأولى التي كانت في الدنيا، ومثله عنده ﴿إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء: ٢٢ و ٢٣].
وطُعِنَ في هذا القول، لأن القائل لو قال (لا أذوق) اليوم الطعام إلا الطعام الذي ذقته قبل اليوم بمعنى "سوى"، لجاز أن يريد أن عنده طعاماً من نوع الطعام الذي ذاق بالأمس، وإنه ذائقه اليوم دون سائر الأطعمة.
فيحتمل معنى الآية إذا كانت "إلا" بمعنى "سوى" أن يكون ثم موت من جنس الموت الأول (يحل بهم) وهذا محال.
وقال النحاس: المعنى لا يذوقون فيها الموت البتة. ثم قال: ﴿إِلاَّ ٱلْمَوْتَةَ ٱلأُولَىٰ﴾ على الاستثناء المنقطع.
ولذلك أجاز بعضهم الوقف على "الموت" (لأن ما) بعده منقطع. وأكثرهم على أن "إلا" بمعنى "بعد"، كما تقول: ما كلمت رجلاً اليوم إلا رجلاً عندك، أي: بعد رجل عندك.
(والأحسن أن يكون "إلا" بمعنى "غير"، أي: لا يذوقون فيها موتاً غير الموتة الأولى التي كانت في الدنيا).
* *
ثم قال: ﴿وَوَقَاهُمْ عَذَابَ ٱلْجَحِيمِ﴾، أي: نجاهم منه.
* *
ثم قال: ﴿فَضْلاً مِّن رَّبِّكَ﴾، أي: تفضلاً منه. وهو مصدر والعامل فيه فعل مضمر.
وقيل العامل: ﴿يَدْعُونَ فِيهَا بِكلِّ فَاكِهَةٍ آمِنِينَ﴾.
(وقيل العامل: ﴿إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ﴾).
وقيل العامل: ﴿وَوَقَاهُمْ عَذَابَ ٱلْجَحِيمِ﴾.
وقيل: الكلام كله الذي قبله عامل فيه، لأنه تفضل منه عليهم إذ وفقهم في الدنيا إلى أعمال يدخلون بها الجنة.
وقيل: سماه "تفضلاً" لأنه غفر لهم صغائر لو أخذهم بها لم يدخلوا الجنة.
وقيل: إنما سماه "تفضلاً" لأن نعمه عليهم في الدنيا تستغرق حسناتهم فأدخلهم الجنة بفضله ورحمته لا بأعمالهم.
روي عن النبي ﷺ أنه قال: "مَا أَحَدٌ يَدْخُلُ الجَنَّةِ بِعَمَلِهِ.
قِيلَ: وَلاَ أَنْتَ يَا رَسُولَ الله؟! قَالَ: (وَلاَ أَنَا) إِلاَّ أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللهُ بِرَحْمَتِهِ
ثم قال تعالى: ﴿ذَلِكَ هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ﴾، (أي: هذا الذي تقدم وصفه للمتقين هو النجاء العظيم والظفر) الكبير.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ﴾ أي أنزلنا القرآن بلسان العرب لعلهم يفهمون (فيتذكرون ويتعظون).
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَٱرْتَقِبْ إِنَّهُمْ مُّرْتَقِبُونَ﴾، أي: فانتظر أن يحكم الله بينك وبينهم، إنهم منتظرون بك ريب الحدثان. وقيل المعنى: فانتظر الفتح والنصر فإنهم منتظرون عند أنفسهم قهرك وغلبتك.
الدخان 44:59
قال تعالى: ﴿إِنَّ شَجَرَةَ ٱلزَّقُّومِ﴾ - إلى آخر السورة أي: إن شجرة الزقوم التي أخبر تعالى أنها تنبت في أصل الجحيم هي طعام الكافر في جهنم، والأثيم: الآثم وهو في هذا أبو جهل ومن كان مثله.
ولما نزلت هذه الآية دعا أبو جهل بزبد وتمر ودعا أصحابه (فقال: تَعَالَوْا، تَزَقَّمُوا)، فهذا الذي يَعِدُنَا به محمد أنه طعامنا في الجحيم.
وذكر ابن هشام أن أبا جهل لما سمع قول الله جل ذكره ﴿إِنَّ شَجَرَةَ ٱلزَّقُّومِ * طَعَامُ ٱلأَثِيمِ﴾ قال: يا معشر قريش هل تدرون ما شجرة الزقوم) التي يخوفكم بها محمد؟، قالوا: لا. قال: هي عَجْوَةُ يَثْرِب بِالزَّبد.
والعجوة صنف من التمر طيب.
ورُوي أن أبا الدرداء كان يُقْرِئُ رَجُلاً ﴿إِنَّ شَجَرَةَ ٱلزَّقُّومِ * طَعَامُ ٱلأَثِيمِ﴾ فكان الرجل يقول: طعام اليتيم. فلما أكثر عليه أبو الدرداء ولم يفهم الرجل، قال له: إن شجرة الزقوم طعام) الفاجر.
فهذه قراءة على التفسير لا يحسن أن يُقْرَأَ بها.
وقال ابن عباس: "لو أن قطرة من زقوم جهنم أنزلت على الدنيا لأفسدت على الناس معائشهم". وقال ابن زيد: الأثيم هنا: أبو جهل.
قال: ﴿كَٱلْمُهْلِ يَغْلِي فِي ٱلْبُطُونِ﴾، أي: شجرة الزقوم - التي جعلنا ثمرها طعام الكافر في جهنم - كالرصاص أو الفضة المذابة إذا ما تناهت حرارتها.
وقال ابن عباس: "كالمهل: كُدْردِيِّ الزيت".
(وروي عنه أنه رأى فضة قد أذيبت فقال: هذا المُهْلُ وروى) الخدري عن النبي ﷺ أنه قال: "كَالمُهَلِ: كَعَكِرِ الزَّيْتِ، إِذَا قرب إلى وَجْهِ الكَافِرِ سَقَطَتْ (فَرْوَةُ) وَجْهِهِ فِيهِ". وقيل: "المهل" عكر القطران. وقيل: هو الصديد من الحميم.
* *
وقوله: ﴿كَغَلْيِ ٱلْحَمِيمِ﴾، أي: (يغلي) ذلك في بطون الكفار كغلي الماء المحموم، وهو الذي قد أوقد عليه حتى تناهت شدة حره، والحميم بمعنى: (محموم، كقتيل) بمعنى: مقتول.
* *
ثم قال تعالى: ﴿خُذُوهُ فَٱعْتِلُوهُ﴾: يعني الأثيم، وهو الكافر، يقال للملائكة: خذوا الكافر فاعتلوه، أي: (فادفعوه وسوقوه) على عنف.
يقال عتله: إذا ساقه بالدفع والجذب.
* *
وقوله: ﴿إِلَىٰ سَوَآءِ ٱلْجَحِيمِ﴾، أي: إلى وسطها، أي: ادفعوه إلى وسط النار.
* *
ثم قال: ﴿ثُمَّ صُبُّواْ فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ ٱلْحَمِيمِ﴾، أي: صبوا على رأس هذا الأثيم - وهو الكافر - من عذاب الجحيم.
* *
ثم قال: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْكَرِيمُ﴾، أي: يقال له ذق هذا العذاب إنك أنت كنت العزيز في قومك.
قال قتادة: نزلت هذه الآية في أبي جهل عدو الله لقي النبي ﷺ فأخذ النبي ﷺ فَهَزَّهُ، ثم قال: "أَوْلَى لَكَ يَا أَبَا جَهْلٍ، ثُمَّ أَوْلَى لَك فَأَوْلَى" فقال أبو جهلٍ أيوعدني محمد، لأنا أعز من يمشي بين جبليها. فنزلت ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْكَرِيمُ﴾ أي: المدعي ذلك، وفيه نزلت: ﴿وَلاَ تُطِعْ مِنْهُمْ ءَاثِماً أَوْ كَفُوراً﴾ [الإنسان: ٢٤] ، وفيه نزلت: ﴿كَلاَّ لاَ تُطِعْهُ وَٱسْجُدْ وَٱقْتَرِب﴾ [العلق: ١٩].
فالمعنى: ذُقْ عذاب الله، إنك أنت العزيز عند نفسك، الكريم فيما كنت تقول.
وقوله "ذق" عند من كسر "إن" واقع على محذوف وهو العذاب. فأما من فتح "أن" فمعناه مثل ذلك: ذق العذاب لأنك وبأنك كنت تقول: أنا العزيز الكريم.
وهذا كلام معناه التقريع والتوبيخ وليس بمدح له، إنما هو على طريق الحكاية لما كان يدعي في الدنيا من العزة والكرم، إذ كان يقول: أنا العزيز الكريم، فقرع به عند حلول العذاب به إذ صار في ذلة وهوان. فكأنه قيل له: ذق هذا العذاب إنك كنت تقول: أنا العزيز الكريم، فأنت الآن الذليل المهان. فأين ما كنت تقول في الدنيا. وذلك أشد لنكا له وحسرته.
وروي أن النبي ﷺ لقي أبا جهل فقال له: "إِنَّ الله أَمَرَنِي أَنْ أَقُولَ لَكَ ﴿أَوْلَىٰ لَكَ فَأَوْلَىٰ * ثُمَّ أَوْلَىٰ لَكَ فَأَوْلَىٰ﴾ فَقَالَ لَهُ أَبُو جَهْلٍ: واللاَّتِ لاَ تَمْلِكُ لِي نفعاً ولا ضراً وَإِنِّي لأَمْنَعُ أَهْلِ البِطْحَاءِ، وَإِنِّي لأَعَزُّ وَأَكْرَمُ فَأَنْزَلَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى مَا هُوَ صَانِعٌ بِهِ يِوْمَ القِيَامَةِ، وَمَا يُقَالُ لَهُ جَوَاباً لِقَوْلِهِ: أنا أعز وأكرم، فقال له: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْكَرِيمُ﴾ عند نفسك، وأنت الذليل المهان عند الله
ثم قال: ﴿إِنَّ هَـٰذَا مَا كُنتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ﴾، أي: يقال لهم إن هذا العذاب الذي كنتم تَشُكُّونَ.
* *
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ﴾، أي: إن الذين اتقوا الله عز وجل فأدوا طاعته (واجتنبوا معصيته) في موضع إقامة آمنين فيه من السوء كله. وكل من (تقبل الله) له عملاً وإن قل فهو من المتقين بدلالة قوله: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ ٱللَّهُ مِنَ ٱلْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة: ٢٧].
قال علي (بن أبي طالب) رضي الله عنه: مَا قَلَّ عَمَلٌ مع تقوى وكيف يَقِلُّ ما يتقبل.
ويروى أن سائلاً سأل ابن عمر فأمر ولده أن يعطيَه ديناراً فأعطاه وقال له: تقبل الله منك يا أبتاه، فقال ابن عمر: لو علمت أن الله عز وجل تقبل مني سجدة واحدة، أو صدقة درهم واحد، لم يكن غائب أحب إلي من الموت. أتدري ممن يتقبل؟! إنما يتقبل الله من المتقين! ذكر ذلك أبو عبيد في كتاب الشواهد.
ووصف المقام "بأمين" لأنه يؤمن فيه.
والمقام - بالفتح - اسم المكان من قام، وبالضم اسم المكان (من أقام).
ثم بين تعالى ذكره ذلك المقام قال: ﴿فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾، أي: في بساتين وعيون من الماء متطرداً في أصول أشجار الجنات.
* *
ثم قال تعالى: ﴿يَلْبَسُونَ مِن سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُّتَقَابِلِينَ﴾.
السندس: مَا رَقَّ من الديباج. والإستبرق: ما غَلُظَ منه: وقيل: السندس: الخِزُّ المُوَشَّى.
وقوله: "متقابلين، أي: هم على سررهم لا يستدبر بعضهم بعضاً.
* *
ثم قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ وَزَوَّجْنَاهُم بِحُورٍ عِينٍ﴾، أي: كما أدخلناهم الجنات، وألبسناهم السندس والإستبرق، كذلك أكرمناهم بأن زوجناهم أيضاً فيها بحور عين، وهن النقيات (البياض، والواحدة) حوراء.
وقال مجاهد: ﴿وَزَوَّجْنَاهُم بِحُورٍ عِينٍ﴾، أي: "أنكحناهم حوراً. والحور التي يحار فيهن الطرف، بادٍ مُخُّ سوقهن من (وراء ثيابهن). يرى الناظر وجهه في كبد إحداهن كالمرآة من رقة الجلد وصفاء اللون".
والحَوَرُ في اللغة: البياض، كما قيل للدقيق الصافي البياض الحُوَّارَى وفي حرف ابن مسعود: "زوجناهم بعيس عين"، والعيس جمع عيساء وهي البيضاء من الإبل. والعين جمع عيناء وهي العظيمة العينين من النساء.
ومن العرب من يقول: بحير عين على الاتباع للثاني. ومثله من الحديث رواية من روى "اُرْجِعْنَ مَأْزُورَاتٍ غَيْرَ مَأْجُورَاتٍ" والفصيح: ارجعن موزورات.
* *
ثم قال: ﴿فِيهَا بِكلِّ فَاكِهَةٍ آمِنِينَ﴾، أي: يدعو هؤلاء المتقون من في الجنة بكل نوع من الفاكهة اشتهوه آمنين فيها من انقطاع ذلك عنهم، ونفاده، وغائلة (أذاه) (ومن كل) سوء يحذر في الدنيا.
* *
ثم قال تعالى: ﴿لاَ يَذُوقُونَ فِيهَا ٱلْمَوْتَ إِلاَّ ٱلْمَوْتَةَ ٱلأُولَىٰ﴾، أي: بعد الموتة الأولى، أي: لا يذوقون فيها موتاً بعد موتهم في الدنيا. فـ "إلا" ها هنا قريبة المعنى من "بعد".
وقال بعض النحويين "إلا" هنا بمعنى "سوى" أي: لا يذوقون في الجنة الموت سوى الموتة الأولى التي كانت في الدنيا، ومثله عنده ﴿إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء: ٢٢ و ٢٣].
وطُعِنَ في هذا القول، لأن القائل لو قال (لا أذوق) اليوم الطعام إلا الطعام الذي ذقته قبل اليوم بمعنى "سوى"، لجاز أن يريد أن عنده طعاماً من نوع الطعام الذي ذاق بالأمس، وإنه ذائقه اليوم دون سائر الأطعمة.
فيحتمل معنى الآية إذا كانت "إلا" بمعنى "سوى" أن يكون ثم موت من جنس الموت الأول (يحل بهم) وهذا محال.
وقال النحاس: المعنى لا يذوقون فيها الموت البتة. ثم قال: ﴿إِلاَّ ٱلْمَوْتَةَ ٱلأُولَىٰ﴾ على الاستثناء المنقطع.
ولذلك أجاز بعضهم الوقف على "الموت" (لأن ما) بعده منقطع. وأكثرهم على أن "إلا" بمعنى "بعد"، كما تقول: ما كلمت رجلاً اليوم إلا رجلاً عندك، أي: بعد رجل عندك.
(والأحسن أن يكون "إلا" بمعنى "غير"، أي: لا يذوقون فيها موتاً غير الموتة الأولى التي كانت في الدنيا).
* *
ثم قال: ﴿وَوَقَاهُمْ عَذَابَ ٱلْجَحِيمِ﴾، أي: نجاهم منه.
* *
ثم قال: ﴿فَضْلاً مِّن رَّبِّكَ﴾، أي: تفضلاً منه. وهو مصدر والعامل فيه فعل مضمر.
وقيل العامل: ﴿يَدْعُونَ فِيهَا بِكلِّ فَاكِهَةٍ آمِنِينَ﴾.
(وقيل العامل: ﴿إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ﴾).
وقيل العامل: ﴿وَوَقَاهُمْ عَذَابَ ٱلْجَحِيمِ﴾.
وقيل: الكلام كله الذي قبله عامل فيه، لأنه تفضل منه عليهم إذ وفقهم في الدنيا إلى أعمال يدخلون بها الجنة.
وقيل: سماه "تفضلاً" لأنه غفر لهم صغائر لو أخذهم بها لم يدخلوا الجنة.
وقيل: إنما سماه "تفضلاً" لأن نعمه عليهم في الدنيا تستغرق حسناتهم فأدخلهم الجنة بفضله ورحمته لا بأعمالهم.
روي عن النبي ﷺ أنه قال: "مَا أَحَدٌ يَدْخُلُ الجَنَّةِ بِعَمَلِهِ.
قِيلَ: وَلاَ أَنْتَ يَا رَسُولَ الله؟! قَالَ: (وَلاَ أَنَا) إِلاَّ أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللهُ بِرَحْمَتِهِ
ثم قال تعالى: ﴿ذَلِكَ هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ﴾، (أي: هذا الذي تقدم وصفه للمتقين هو النجاء العظيم والظفر) الكبير.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ﴾ أي أنزلنا القرآن بلسان العرب لعلهم يفهمون (فيتذكرون ويتعظون).
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَٱرْتَقِبْ إِنَّهُمْ مُّرْتَقِبُونَ﴾، أي: فانتظر أن يحكم الله بينك وبينهم، إنهم منتظرون بك ريب الحدثان. وقيل المعنى: فانتظر الفتح والنصر فإنهم منتظرون عند أنفسهم قهرك وغلبتك.
الجاثية 45:1
قوله تعالى: ﴿حـمۤ * تَنزِيلُ ٱلْكِتَابِ مِنَ ٱللَّهِ﴾ - إلى قوله - ﴿مِّن رِّجْزٍ أَلِيمٌ﴾، قد تقدم ذكر الاختلاف في "حم".
والمعنى: هذا تنزيل القرآن من عند العزيز في انتقامه من أعدائه الحكيم في تدبيره.
* *
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ لأيَٰتٍ لِّلْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: إن فيها لعبراً وحُججاً للمصدقين بها، أي: إن لها خالقاً لم يخلقها عبثاً.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِن دَآبَّةٍ ءَايَٰتٌ لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾، أي: وإن في خلقكم أيها الناس، وما ينشر الله عز وجل في الأرض من دابة تدب عليها من غير جنسكم آيات لقوم يوقنون بحقائق الخلق، وأن الله عز وجل اخترع جميع ذلك.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَٱخْتِلاَفِ ٱللَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ وَمَآ أَنَزَلَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَّن رِّزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ ٱلأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾، أي: وإن في تعاقب الليل والنهار، وما ينزل من السماء من مطر يكون عنه من النبات رزقكم. وسمي الماء رزقا لأن عنه يتكون الرزق في الأرض.
* *
وقوله: ﴿فَأَحْيَا بِهِ ٱلأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾، أي: أنزل الماء فاهتزت الأرض بالنبات بعد أن كانت لا نبات فيها.
* *
ثم قال: ﴿وَتَصْرِيفِ ٱلرِّيَاحِ﴾، أي: وكون الرياح مرة شمالاً ومرة جنوباً، ومرة صبّاً ومرة دَبُوراً، ونحو ذلك من اختلافها لمنافع الخلق.
﴿ءَايَٰتٌ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾، أي عبراً وحججاً لقوم يعقلون عن الله عز وجل أمره ونهيه، فيتبعون رسله، ويفهمون عنهم وحيه.
* *
وقوله: ﴿وَمَا يَبُثُّ مِن دَآبَّةٍ ءَايَٰتٌ﴾ النصب في "ءايات" حسن على معنى: وإن في خلقكم آيات. وحسن ذلك لإعادة حرف الجر مع خلقكم.
ويجوز الرفع من ثلاثة أوجه.
أحدها: أن (تعطفها على الموضع) مثل قراءة الجماعة: ﴿وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ وَٱلسَّاعَةُ﴾ [الجاثية: ٣٢] بالرفع، عطف على موضع ﴿وعْدَ﴾.
والوجه الثاني: ترفع "الآيات" بالابتداء، وما قبلها خبرها. وتكون قد عطفت (جملة على) جملة منقطعة كما تقول إن زيداً خارج، وأن أجيئك غداً.
والوجه الثالث: أن ترفع على الإبتداء والخبر والجملة في موضع الحال. مثل قوله: ﴿يَغْشَىٰ طَآئِفَةً مِّنْكُمْ وَطَآئِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٤].
وأما قوله: ﴿وَٱخْتِلاَفِ ٱللَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ﴾ - إلى قوله - ﴿ءَايَٰتٌ﴾، فالرفع حسن على ما تقدم من الأوجه.
والنصب عند سيبويه (والأخفش والكسائي) جائز على العطف على عاملين وهما "إن" وحرف الجر لأنك لم تُعِدْ" في مع "الاختلاف" كما أعدت أولا "في" مع "خلقكم". فصرت تعطف بالواو على ما عملت فيه "إن" وعلى ما عمل فيه حرف الجر. فتخفض "الاختلاف" وتنصب "الآيات".
ونظير هذا من الكلام قولك: في الدار زيد والحجرة عمرو فتعطف بالواو على ما عملت فيه "في" وعلى ما عمل فيه الابتداء فتخفض الحجرة وترفع عمراً، فتعطف على عاملين (بحذف واحد. ولو أعدت "في" لم يكن عطف على عاملين.
ومنع المبرد القراءة بالنصب وقال: لا يجوز العطف على عاملين.
وكان الزجاج يحتج لسيبويه بأن قال: إن من رفع يقول: إنما قطعته مما قبله فرفعته بالابتداء وما قبله رفع فهو أيضاً عطف على عاملين لأنه عطف "واختلاف" على "خلقكم" وعطف "آيات" على موضع "آيات" الأولى.
قال: فقد صار العطف على عاملين إجماعاً.
وهذا، لا يلزم، لأن من رفع يقول: إنما قطعته مما قبله فرفعته بالابتداء وما قبله خبره.
وحكى الفراء رفع "الاختلاف" ورفع "الآيات". جعل "الآيات" هو "الاختلاف". وهذا وجه حسن ظاهر لولا أن القراءة سنة.
وإنما بعد العطف على عاملين (عند المبرد وغيره لأن حرف العطف إنما أتى به لينوب مناب العامل للاختصار. فلم يقرأ أن يجعل ينوب مناب عاملين مختلفين، ولو جاز أن ينوب مناب عاملين) لجاز أن ينوب مناب ثلاثة وأكثر (وهذا لا يقوله أحد) لأنه لو ناب مناب رافع وناصب لكان [رافعاً (ناصباً) في حال، وللزوم أن ينوب مناب رافع وناصب وجار فيكون] ناصباً ورافعاً جاراً في حال. وهذا محال ظاهر على أنهم قد أجمعوا أنه لا يجوز إذا تأخر المجرور، نحو قولك: زيد في الدار وعمرو الحجرة، وإنما أجازه من أجازه إذا كان المجرور يلي حرف العطف. وهذا تحكم بغير علة.
* *
ثم قال تعالى: ﴿تَلْكَ ءَايَٰتُ ٱللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِٱلْحَقِّ﴾، أي: تلك حجج الله نتلوها عليك يا محمد، أي: نخبرك عنها بالحق لا الباطل كما يخبر مشركو قريش عن آلهتهم بالباطل يقولون: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ﴾ [الزمر: ٣].
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ ٱللَّهِ وَءَايَٰتِهِ يُؤْمِنُونَ﴾، أي: فبأي حديث يا محمد بعد قرآن الله عز وجل وكتابه وآياته يؤمن هؤلاء المشركون.
ومن قرأه بالتاء فمعناه: فبأي حديث بعد قرآن الله سبحانه وكتابه تؤمنون أيها المشركون.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَيْلٌ لِّكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ * يَسْمَعُ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ تُتْلَىٰ عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِراً﴾؟
روي: أنها نزلت في النضر بن الحارث كان يخلف النبي ﷺ في مجلسه ويحدث قريشاً. بأخبار ملوك العجم ويقول: أنا أحسن حديثاً من محمد ﷺ.
فالمعنى: الواد السائل من صديد أهل جهنم لكل كذاب، ذي إثم سامع لآيات الله تُقرأ عليه ثم يتمادى على تكبره وتجبره على ربه سبحانه، فلا يذعن لأمره ونهيه كأن لم يسمع ما قرئ عليه ﴿كَأَنَّ فِيۤ أُذُنَيْهِ وَقْراً﴾ [لقمان: ٧]، أي: صمماً، فلا يسمع شيئاً لإصراره على كفره.
فبشره يا محمد بعذاب مؤلم، أي: موجع يوم القيامة. قال ابن عباس نزلت في الحارث بن كلدة".
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَا عَلِمَ مِنْ ءَايَٰتِنَا شَيْئاً ٱتَّخَذَهَا هُزُواً﴾، أي: وإذا علم هذا الأفاك الأثيم من آيات الله شيئاً اتخذها هزوا، أي: يسخر منها، وذلك كفعل أبي جهل حين نزلت: ﴿إِنَّ شَجَرَةَ ٱلزَّقُّومِ * طَعَامُ ٱلأَثِيمِ﴾ [الدخان: ٤٣ و ٤٤]، إذ دعا بزبد (وثمر) فقال: تزقموا من هذا، فما يفزعكم محمد إلا بهذا.
* *
ثم قال: ﴿أُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾، أي: لهم في الآخرة عذاب يهينهم، ويذلهم في نار جهنم.
وجمع في قوله: ﴿أُوْلَـٰئِكَ﴾ رداً على قوله: ﴿لِّكُلِّ أَفَّاكٍ﴾.
* *
ثم قال تعالى: ﴿مِّن وَرَآئِهِمْ جَهَنَّمُ﴾، أي: أمامهم جهنم.
﴿وَلاَ يُغْنِي عَنْهُم﴾ من عذابها. ﴿مَّا كَسَبُواْ﴾ في الدنيا من الأموال والأولاد شيئاً.
﴿وَلاَ مَا ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَوْلِيَآءَ﴾ أي: ولا تغني عنهم آلهتهم التي اتخذوها أولياء من دون الله فعبدوها، ولا رؤساؤهم الذين أطاعوهم في الكفر فاتخذوهم أولياء على ذلك من عذاب الله شيئاً.
* *
ثم قال: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾، يعني: نار جهنم وما فيها من أصناف العذاب.
* *
ثم قال تعالى: ﴿هَـٰذَا هُدًى وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِآيَٰتِ رَبِّهِمْ لَهُمْ عَذَابٌ مِّن رِّجْزٍ أَلِيمٌ﴾، أي: هذا القرآن الذي أنزلنا هدى لمن وفقه الله إلى الإيمان به والعمل بما فيه. والذين جحدوا آيات ربهم ولم يؤمنوا بها، لهم عذاب مؤلم من الرجز.
قال المبرد: "الرجز: أغلظ العذاب وأشده".
الجاثية 45:2
قوله تعالى: ﴿حـمۤ * تَنزِيلُ ٱلْكِتَابِ مِنَ ٱللَّهِ﴾ - إلى قوله - ﴿مِّن رِّجْزٍ أَلِيمٌ﴾، قد تقدم ذكر الاختلاف في "حم".
والمعنى: هذا تنزيل القرآن من عند العزيز في انتقامه من أعدائه الحكيم في تدبيره.
* *
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ لأيَٰتٍ لِّلْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: إن فيها لعبراً وحُججاً للمصدقين بها، أي: إن لها خالقاً لم يخلقها عبثاً.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِن دَآبَّةٍ ءَايَٰتٌ لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾، أي: وإن في خلقكم أيها الناس، وما ينشر الله عز وجل في الأرض من دابة تدب عليها من غير جنسكم آيات لقوم يوقنون بحقائق الخلق، وأن الله عز وجل اخترع جميع ذلك.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَٱخْتِلاَفِ ٱللَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ وَمَآ أَنَزَلَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَّن رِّزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ ٱلأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾، أي: وإن في تعاقب الليل والنهار، وما ينزل من السماء من مطر يكون عنه من النبات رزقكم. وسمي الماء رزقا لأن عنه يتكون الرزق في الأرض.
* *
وقوله: ﴿فَأَحْيَا بِهِ ٱلأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾، أي: أنزل الماء فاهتزت الأرض بالنبات بعد أن كانت لا نبات فيها.
* *
ثم قال: ﴿وَتَصْرِيفِ ٱلرِّيَاحِ﴾، أي: وكون الرياح مرة شمالاً ومرة جنوباً، ومرة صبّاً ومرة دَبُوراً، ونحو ذلك من اختلافها لمنافع الخلق.
﴿ءَايَٰتٌ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾، أي عبراً وحججاً لقوم يعقلون عن الله عز وجل أمره ونهيه، فيتبعون رسله، ويفهمون عنهم وحيه.
* *
وقوله: ﴿وَمَا يَبُثُّ مِن دَآبَّةٍ ءَايَٰتٌ﴾ النصب في "ءايات" حسن على معنى: وإن في خلقكم آيات. وحسن ذلك لإعادة حرف الجر مع خلقكم.
ويجوز الرفع من ثلاثة أوجه.
أحدها: أن (تعطفها على الموضع) مثل قراءة الجماعة: ﴿وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ وَٱلسَّاعَةُ﴾ [الجاثية: ٣٢] بالرفع، عطف على موضع ﴿وعْدَ﴾.
والوجه الثاني: ترفع "الآيات" بالابتداء، وما قبلها خبرها. وتكون قد عطفت (جملة على) جملة منقطعة كما تقول إن زيداً خارج، وأن أجيئك غداً.
والوجه الثالث: أن ترفع على الإبتداء والخبر والجملة في موضع الحال. مثل قوله: ﴿يَغْشَىٰ طَآئِفَةً مِّنْكُمْ وَطَآئِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٤].
وأما قوله: ﴿وَٱخْتِلاَفِ ٱللَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ﴾ - إلى قوله - ﴿ءَايَٰتٌ﴾، فالرفع حسن على ما تقدم من الأوجه.
والنصب عند سيبويه (والأخفش والكسائي) جائز على العطف على عاملين وهما "إن" وحرف الجر لأنك لم تُعِدْ" في مع "الاختلاف" كما أعدت أولا "في" مع "خلقكم". فصرت تعطف بالواو على ما عملت فيه "إن" وعلى ما عمل فيه حرف الجر. فتخفض "الاختلاف" وتنصب "الآيات".
ونظير هذا من الكلام قولك: في الدار زيد والحجرة عمرو فتعطف بالواو على ما عملت فيه "في" وعلى ما عمل فيه الابتداء فتخفض الحجرة وترفع عمراً، فتعطف على عاملين (بحذف واحد. ولو أعدت "في" لم يكن عطف على عاملين.
ومنع المبرد القراءة بالنصب وقال: لا يجوز العطف على عاملين.
وكان الزجاج يحتج لسيبويه بأن قال: إن من رفع يقول: إنما قطعته مما قبله فرفعته بالابتداء وما قبله رفع فهو أيضاً عطف على عاملين لأنه عطف "واختلاف" على "خلقكم" وعطف "آيات" على موضع "آيات" الأولى.
قال: فقد صار العطف على عاملين إجماعاً.
وهذا، لا يلزم، لأن من رفع يقول: إنما قطعته مما قبله فرفعته بالابتداء وما قبله خبره.
وحكى الفراء رفع "الاختلاف" ورفع "الآيات". جعل "الآيات" هو "الاختلاف". وهذا وجه حسن ظاهر لولا أن القراءة سنة.
وإنما بعد العطف على عاملين (عند المبرد وغيره لأن حرف العطف إنما أتى به لينوب مناب العامل للاختصار. فلم يقرأ أن يجعل ينوب مناب عاملين مختلفين، ولو جاز أن ينوب مناب عاملين) لجاز أن ينوب مناب ثلاثة وأكثر (وهذا لا يقوله أحد) لأنه لو ناب مناب رافع وناصب لكان [رافعاً (ناصباً) في حال، وللزوم أن ينوب مناب رافع وناصب وجار فيكون] ناصباً ورافعاً جاراً في حال. وهذا محال ظاهر على أنهم قد أجمعوا أنه لا يجوز إذا تأخر المجرور، نحو قولك: زيد في الدار وعمرو الحجرة، وإنما أجازه من أجازه إذا كان المجرور يلي حرف العطف. وهذا تحكم بغير علة.
* *
ثم قال تعالى: ﴿تَلْكَ ءَايَٰتُ ٱللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِٱلْحَقِّ﴾، أي: تلك حجج الله نتلوها عليك يا محمد، أي: نخبرك عنها بالحق لا الباطل كما يخبر مشركو قريش عن آلهتهم بالباطل يقولون: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ﴾ [الزمر: ٣].
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ ٱللَّهِ وَءَايَٰتِهِ يُؤْمِنُونَ﴾، أي: فبأي حديث يا محمد بعد قرآن الله عز وجل وكتابه وآياته يؤمن هؤلاء المشركون.
ومن قرأه بالتاء فمعناه: فبأي حديث بعد قرآن الله سبحانه وكتابه تؤمنون أيها المشركون.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَيْلٌ لِّكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ * يَسْمَعُ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ تُتْلَىٰ عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِراً﴾؟
روي: أنها نزلت في النضر بن الحارث كان يخلف النبي ﷺ في مجلسه ويحدث قريشاً. بأخبار ملوك العجم ويقول: أنا أحسن حديثاً من محمد ﷺ.
فالمعنى: الواد السائل من صديد أهل جهنم لكل كذاب، ذي إثم سامع لآيات الله تُقرأ عليه ثم يتمادى على تكبره وتجبره على ربه سبحانه، فلا يذعن لأمره ونهيه كأن لم يسمع ما قرئ عليه ﴿كَأَنَّ فِيۤ أُذُنَيْهِ وَقْراً﴾ [لقمان: ٧]، أي: صمماً، فلا يسمع شيئاً لإصراره على كفره.
فبشره يا محمد بعذاب مؤلم، أي: موجع يوم القيامة. قال ابن عباس نزلت في الحارث بن كلدة".
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَا عَلِمَ مِنْ ءَايَٰتِنَا شَيْئاً ٱتَّخَذَهَا هُزُواً﴾، أي: وإذا علم هذا الأفاك الأثيم من آيات الله شيئاً اتخذها هزوا، أي: يسخر منها، وذلك كفعل أبي جهل حين نزلت: ﴿إِنَّ شَجَرَةَ ٱلزَّقُّومِ * طَعَامُ ٱلأَثِيمِ﴾ [الدخان: ٤٣ و ٤٤]، إذ دعا بزبد (وثمر) فقال: تزقموا من هذا، فما يفزعكم محمد إلا بهذا.
* *
ثم قال: ﴿أُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾، أي: لهم في الآخرة عذاب يهينهم، ويذلهم في نار جهنم.
وجمع في قوله: ﴿أُوْلَـٰئِكَ﴾ رداً على قوله: ﴿لِّكُلِّ أَفَّاكٍ﴾.
* *
ثم قال تعالى: ﴿مِّن وَرَآئِهِمْ جَهَنَّمُ﴾، أي: أمامهم جهنم.
﴿وَلاَ يُغْنِي عَنْهُم﴾ من عذابها. ﴿مَّا كَسَبُواْ﴾ في الدنيا من الأموال والأولاد شيئاً.
﴿وَلاَ مَا ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَوْلِيَآءَ﴾ أي: ولا تغني عنهم آلهتهم التي اتخذوها أولياء من دون الله فعبدوها، ولا رؤساؤهم الذين أطاعوهم في الكفر فاتخذوهم أولياء على ذلك من عذاب الله شيئاً.
* *
ثم قال: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾، يعني: نار جهنم وما فيها من أصناف العذاب.
* *
ثم قال تعالى: ﴿هَـٰذَا هُدًى وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِآيَٰتِ رَبِّهِمْ لَهُمْ عَذَابٌ مِّن رِّجْزٍ أَلِيمٌ﴾، أي: هذا القرآن الذي أنزلنا هدى لمن وفقه الله إلى الإيمان به والعمل بما فيه. والذين جحدوا آيات ربهم ولم يؤمنوا بها، لهم عذاب مؤلم من الرجز.
قال المبرد: "الرجز: أغلظ العذاب وأشده".
الجاثية 45:3
قوله تعالى: ﴿حـمۤ * تَنزِيلُ ٱلْكِتَابِ مِنَ ٱللَّهِ﴾ - إلى قوله - ﴿مِّن رِّجْزٍ أَلِيمٌ﴾، قد تقدم ذكر الاختلاف في "حم".
والمعنى: هذا تنزيل القرآن من عند العزيز في انتقامه من أعدائه الحكيم في تدبيره.
* *
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ لأيَٰتٍ لِّلْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: إن فيها لعبراً وحُججاً للمصدقين بها، أي: إن لها خالقاً لم يخلقها عبثاً.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِن دَآبَّةٍ ءَايَٰتٌ لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾، أي: وإن في خلقكم أيها الناس، وما ينشر الله عز وجل في الأرض من دابة تدب عليها من غير جنسكم آيات لقوم يوقنون بحقائق الخلق، وأن الله عز وجل اخترع جميع ذلك.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَٱخْتِلاَفِ ٱللَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ وَمَآ أَنَزَلَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَّن رِّزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ ٱلأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾، أي: وإن في تعاقب الليل والنهار، وما ينزل من السماء من مطر يكون عنه من النبات رزقكم. وسمي الماء رزقا لأن عنه يتكون الرزق في الأرض.
* *
وقوله: ﴿فَأَحْيَا بِهِ ٱلأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾، أي: أنزل الماء فاهتزت الأرض بالنبات بعد أن كانت لا نبات فيها.
* *
ثم قال: ﴿وَتَصْرِيفِ ٱلرِّيَاحِ﴾، أي: وكون الرياح مرة شمالاً ومرة جنوباً، ومرة صبّاً ومرة دَبُوراً، ونحو ذلك من اختلافها لمنافع الخلق.
﴿ءَايَٰتٌ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾، أي عبراً وحججاً لقوم يعقلون عن الله عز وجل أمره ونهيه، فيتبعون رسله، ويفهمون عنهم وحيه.
* *
وقوله: ﴿وَمَا يَبُثُّ مِن دَآبَّةٍ ءَايَٰتٌ﴾ النصب في "ءايات" حسن على معنى: وإن في خلقكم آيات. وحسن ذلك لإعادة حرف الجر مع خلقكم.
ويجوز الرفع من ثلاثة أوجه.
أحدها: أن (تعطفها على الموضع) مثل قراءة الجماعة: ﴿وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ وَٱلسَّاعَةُ﴾ [الجاثية: ٣٢] بالرفع، عطف على موضع ﴿وعْدَ﴾.
والوجه الثاني: ترفع "الآيات" بالابتداء، وما قبلها خبرها. وتكون قد عطفت (جملة على) جملة منقطعة كما تقول إن زيداً خارج، وأن أجيئك غداً.
والوجه الثالث: أن ترفع على الإبتداء والخبر والجملة في موضع الحال. مثل قوله: ﴿يَغْشَىٰ طَآئِفَةً مِّنْكُمْ وَطَآئِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٤].
وأما قوله: ﴿وَٱخْتِلاَفِ ٱللَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ﴾ - إلى قوله - ﴿ءَايَٰتٌ﴾، فالرفع حسن على ما تقدم من الأوجه.
والنصب عند سيبويه (والأخفش والكسائي) جائز على العطف على عاملين وهما "إن" وحرف الجر لأنك لم تُعِدْ" في مع "الاختلاف" كما أعدت أولا "في" مع "خلقكم". فصرت تعطف بالواو على ما عملت فيه "إن" وعلى ما عمل فيه حرف الجر. فتخفض "الاختلاف" وتنصب "الآيات".
ونظير هذا من الكلام قولك: في الدار زيد والحجرة عمرو فتعطف بالواو على ما عملت فيه "في" وعلى ما عمل فيه الابتداء فتخفض الحجرة وترفع عمراً، فتعطف على عاملين (بحذف واحد. ولو أعدت "في" لم يكن عطف على عاملين.
ومنع المبرد القراءة بالنصب وقال: لا يجوز العطف على عاملين.
وكان الزجاج يحتج لسيبويه بأن قال: إن من رفع يقول: إنما قطعته مما قبله فرفعته بالابتداء وما قبله رفع فهو أيضاً عطف على عاملين لأنه عطف "واختلاف" على "خلقكم" وعطف "آيات" على موضع "آيات" الأولى.
قال: فقد صار العطف على عاملين إجماعاً.
وهذا، لا يلزم، لأن من رفع يقول: إنما قطعته مما قبله فرفعته بالابتداء وما قبله خبره.
وحكى الفراء رفع "الاختلاف" ورفع "الآيات". جعل "الآيات" هو "الاختلاف". وهذا وجه حسن ظاهر لولا أن القراءة سنة.
وإنما بعد العطف على عاملين (عند المبرد وغيره لأن حرف العطف إنما أتى به لينوب مناب العامل للاختصار. فلم يقرأ أن يجعل ينوب مناب عاملين مختلفين، ولو جاز أن ينوب مناب عاملين) لجاز أن ينوب مناب ثلاثة وأكثر (وهذا لا يقوله أحد) لأنه لو ناب مناب رافع وناصب لكان [رافعاً (ناصباً) في حال، وللزوم أن ينوب مناب رافع وناصب وجار فيكون] ناصباً ورافعاً جاراً في حال. وهذا محال ظاهر على أنهم قد أجمعوا أنه لا يجوز إذا تأخر المجرور، نحو قولك: زيد في الدار وعمرو الحجرة، وإنما أجازه من أجازه إذا كان المجرور يلي حرف العطف. وهذا تحكم بغير علة.
* *
ثم قال تعالى: ﴿تَلْكَ ءَايَٰتُ ٱللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِٱلْحَقِّ﴾، أي: تلك حجج الله نتلوها عليك يا محمد، أي: نخبرك عنها بالحق لا الباطل كما يخبر مشركو قريش عن آلهتهم بالباطل يقولون: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ﴾ [الزمر: ٣].
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ ٱللَّهِ وَءَايَٰتِهِ يُؤْمِنُونَ﴾، أي: فبأي حديث يا محمد بعد قرآن الله عز وجل وكتابه وآياته يؤمن هؤلاء المشركون.
ومن قرأه بالتاء فمعناه: فبأي حديث بعد قرآن الله سبحانه وكتابه تؤمنون أيها المشركون.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَيْلٌ لِّكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ * يَسْمَعُ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ تُتْلَىٰ عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِراً﴾؟
روي: أنها نزلت في النضر بن الحارث كان يخلف النبي ﷺ في مجلسه ويحدث قريشاً. بأخبار ملوك العجم ويقول: أنا أحسن حديثاً من محمد ﷺ.
فالمعنى: الواد السائل من صديد أهل جهنم لكل كذاب، ذي إثم سامع لآيات الله تُقرأ عليه ثم يتمادى على تكبره وتجبره على ربه سبحانه، فلا يذعن لأمره ونهيه كأن لم يسمع ما قرئ عليه ﴿كَأَنَّ فِيۤ أُذُنَيْهِ وَقْراً﴾ [لقمان: ٧]، أي: صمماً، فلا يسمع شيئاً لإصراره على كفره.
فبشره يا محمد بعذاب مؤلم، أي: موجع يوم القيامة. قال ابن عباس نزلت في الحارث بن كلدة".
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَا عَلِمَ مِنْ ءَايَٰتِنَا شَيْئاً ٱتَّخَذَهَا هُزُواً﴾، أي: وإذا علم هذا الأفاك الأثيم من آيات الله شيئاً اتخذها هزوا، أي: يسخر منها، وذلك كفعل أبي جهل حين نزلت: ﴿إِنَّ شَجَرَةَ ٱلزَّقُّومِ * طَعَامُ ٱلأَثِيمِ﴾ [الدخان: ٤٣ و ٤٤]، إذ دعا بزبد (وثمر) فقال: تزقموا من هذا، فما يفزعكم محمد إلا بهذا.
* *
ثم قال: ﴿أُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾، أي: لهم في الآخرة عذاب يهينهم، ويذلهم في نار جهنم.
وجمع في قوله: ﴿أُوْلَـٰئِكَ﴾ رداً على قوله: ﴿لِّكُلِّ أَفَّاكٍ﴾.
* *
ثم قال تعالى: ﴿مِّن وَرَآئِهِمْ جَهَنَّمُ﴾، أي: أمامهم جهنم.
﴿وَلاَ يُغْنِي عَنْهُم﴾ من عذابها. ﴿مَّا كَسَبُواْ﴾ في الدنيا من الأموال والأولاد شيئاً.
﴿وَلاَ مَا ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَوْلِيَآءَ﴾ أي: ولا تغني عنهم آلهتهم التي اتخذوها أولياء من دون الله فعبدوها، ولا رؤساؤهم الذين أطاعوهم في الكفر فاتخذوهم أولياء على ذلك من عذاب الله شيئاً.
* *
ثم قال: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾، يعني: نار جهنم وما فيها من أصناف العذاب.
* *
ثم قال تعالى: ﴿هَـٰذَا هُدًى وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِآيَٰتِ رَبِّهِمْ لَهُمْ عَذَابٌ مِّن رِّجْزٍ أَلِيمٌ﴾، أي: هذا القرآن الذي أنزلنا هدى لمن وفقه الله إلى الإيمان به والعمل بما فيه. والذين جحدوا آيات ربهم ولم يؤمنوا بها، لهم عذاب مؤلم من الرجز.
قال المبرد: "الرجز: أغلظ العذاب وأشده".
الجاثية 45:4
قوله تعالى: ﴿حـمۤ * تَنزِيلُ ٱلْكِتَابِ مِنَ ٱللَّهِ﴾ - إلى قوله - ﴿مِّن رِّجْزٍ أَلِيمٌ﴾، قد تقدم ذكر الاختلاف في "حم".
والمعنى: هذا تنزيل القرآن من عند العزيز في انتقامه من أعدائه الحكيم في تدبيره.
* *
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ لأيَٰتٍ لِّلْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: إن فيها لعبراً وحُججاً للمصدقين بها، أي: إن لها خالقاً لم يخلقها عبثاً.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِن دَآبَّةٍ ءَايَٰتٌ لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾، أي: وإن في خلقكم أيها الناس، وما ينشر الله عز وجل في الأرض من دابة تدب عليها من غير جنسكم آيات لقوم يوقنون بحقائق الخلق، وأن الله عز وجل اخترع جميع ذلك.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَٱخْتِلاَفِ ٱللَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ وَمَآ أَنَزَلَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَّن رِّزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ ٱلأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾، أي: وإن في تعاقب الليل والنهار، وما ينزل من السماء من مطر يكون عنه من النبات رزقكم. وسمي الماء رزقا لأن عنه يتكون الرزق في الأرض.
* *
وقوله: ﴿فَأَحْيَا بِهِ ٱلأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾، أي: أنزل الماء فاهتزت الأرض بالنبات بعد أن كانت لا نبات فيها.
* *
ثم قال: ﴿وَتَصْرِيفِ ٱلرِّيَاحِ﴾، أي: وكون الرياح مرة شمالاً ومرة جنوباً، ومرة صبّاً ومرة دَبُوراً، ونحو ذلك من اختلافها لمنافع الخلق.
﴿ءَايَٰتٌ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾، أي عبراً وحججاً لقوم يعقلون عن الله عز وجل أمره ونهيه، فيتبعون رسله، ويفهمون عنهم وحيه.
* *
وقوله: ﴿وَمَا يَبُثُّ مِن دَآبَّةٍ ءَايَٰتٌ﴾ النصب في "ءايات" حسن على معنى: وإن في خلقكم آيات. وحسن ذلك لإعادة حرف الجر مع خلقكم.
ويجوز الرفع من ثلاثة أوجه.
أحدها: أن (تعطفها على الموضع) مثل قراءة الجماعة: ﴿وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ وَٱلسَّاعَةُ﴾ [الجاثية: ٣٢] بالرفع، عطف على موضع ﴿وعْدَ﴾.
والوجه الثاني: ترفع "الآيات" بالابتداء، وما قبلها خبرها. وتكون قد عطفت (جملة على) جملة منقطعة كما تقول إن زيداً خارج، وأن أجيئك غداً.
والوجه الثالث: أن ترفع على الإبتداء والخبر والجملة في موضع الحال. مثل قوله: ﴿يَغْشَىٰ طَآئِفَةً مِّنْكُمْ وَطَآئِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٤].
وأما قوله: ﴿وَٱخْتِلاَفِ ٱللَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ﴾ - إلى قوله - ﴿ءَايَٰتٌ﴾، فالرفع حسن على ما تقدم من الأوجه.
والنصب عند سيبويه (والأخفش والكسائي) جائز على العطف على عاملين وهما "إن" وحرف الجر لأنك لم تُعِدْ" في مع "الاختلاف" كما أعدت أولا "في" مع "خلقكم". فصرت تعطف بالواو على ما عملت فيه "إن" وعلى ما عمل فيه حرف الجر. فتخفض "الاختلاف" وتنصب "الآيات".
ونظير هذا من الكلام قولك: في الدار زيد والحجرة عمرو فتعطف بالواو على ما عملت فيه "في" وعلى ما عمل فيه الابتداء فتخفض الحجرة وترفع عمراً، فتعطف على عاملين (بحذف واحد. ولو أعدت "في" لم يكن عطف على عاملين.
ومنع المبرد القراءة بالنصب وقال: لا يجوز العطف على عاملين.
وكان الزجاج يحتج لسيبويه بأن قال: إن من رفع يقول: إنما قطعته مما قبله فرفعته بالابتداء وما قبله رفع فهو أيضاً عطف على عاملين لأنه عطف "واختلاف" على "خلقكم" وعطف "آيات" على موضع "آيات" الأولى.
قال: فقد صار العطف على عاملين إجماعاً.
وهذا، لا يلزم، لأن من رفع يقول: إنما قطعته مما قبله فرفعته بالابتداء وما قبله خبره.
وحكى الفراء رفع "الاختلاف" ورفع "الآيات". جعل "الآيات" هو "الاختلاف". وهذا وجه حسن ظاهر لولا أن القراءة سنة.
وإنما بعد العطف على عاملين (عند المبرد وغيره لأن حرف العطف إنما أتى به لينوب مناب العامل للاختصار. فلم يقرأ أن يجعل ينوب مناب عاملين مختلفين، ولو جاز أن ينوب مناب عاملين) لجاز أن ينوب مناب ثلاثة وأكثر (وهذا لا يقوله أحد) لأنه لو ناب مناب رافع وناصب لكان [رافعاً (ناصباً) في حال، وللزوم أن ينوب مناب رافع وناصب وجار فيكون] ناصباً ورافعاً جاراً في حال. وهذا محال ظاهر على أنهم قد أجمعوا أنه لا يجوز إذا تأخر المجرور، نحو قولك: زيد في الدار وعمرو الحجرة، وإنما أجازه من أجازه إذا كان المجرور يلي حرف العطف. وهذا تحكم بغير علة.
* *
ثم قال تعالى: ﴿تَلْكَ ءَايَٰتُ ٱللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِٱلْحَقِّ﴾، أي: تلك حجج الله نتلوها عليك يا محمد، أي: نخبرك عنها بالحق لا الباطل كما يخبر مشركو قريش عن آلهتهم بالباطل يقولون: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ﴾ [الزمر: ٣].
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ ٱللَّهِ وَءَايَٰتِهِ يُؤْمِنُونَ﴾، أي: فبأي حديث يا محمد بعد قرآن الله عز وجل وكتابه وآياته يؤمن هؤلاء المشركون.
ومن قرأه بالتاء فمعناه: فبأي حديث بعد قرآن الله سبحانه وكتابه تؤمنون أيها المشركون.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَيْلٌ لِّكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ * يَسْمَعُ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ تُتْلَىٰ عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِراً﴾؟
روي: أنها نزلت في النضر بن الحارث كان يخلف النبي ﷺ في مجلسه ويحدث قريشاً. بأخبار ملوك العجم ويقول: أنا أحسن حديثاً من محمد ﷺ.
فالمعنى: الواد السائل من صديد أهل جهنم لكل كذاب، ذي إثم سامع لآيات الله تُقرأ عليه ثم يتمادى على تكبره وتجبره على ربه سبحانه، فلا يذعن لأمره ونهيه كأن لم يسمع ما قرئ عليه ﴿كَأَنَّ فِيۤ أُذُنَيْهِ وَقْراً﴾ [لقمان: ٧]، أي: صمماً، فلا يسمع شيئاً لإصراره على كفره.
فبشره يا محمد بعذاب مؤلم، أي: موجع يوم القيامة. قال ابن عباس نزلت في الحارث بن كلدة".
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَا عَلِمَ مِنْ ءَايَٰتِنَا شَيْئاً ٱتَّخَذَهَا هُزُواً﴾، أي: وإذا علم هذا الأفاك الأثيم من آيات الله شيئاً اتخذها هزوا، أي: يسخر منها، وذلك كفعل أبي جهل حين نزلت: ﴿إِنَّ شَجَرَةَ ٱلزَّقُّومِ * طَعَامُ ٱلأَثِيمِ﴾ [الدخان: ٤٣ و ٤٤]، إذ دعا بزبد (وثمر) فقال: تزقموا من هذا، فما يفزعكم محمد إلا بهذا.
* *
ثم قال: ﴿أُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾، أي: لهم في الآخرة عذاب يهينهم، ويذلهم في نار جهنم.
وجمع في قوله: ﴿أُوْلَـٰئِكَ﴾ رداً على قوله: ﴿لِّكُلِّ أَفَّاكٍ﴾.
* *
ثم قال تعالى: ﴿مِّن وَرَآئِهِمْ جَهَنَّمُ﴾، أي: أمامهم جهنم.
﴿وَلاَ يُغْنِي عَنْهُم﴾ من عذابها. ﴿مَّا كَسَبُواْ﴾ في الدنيا من الأموال والأولاد شيئاً.
﴿وَلاَ مَا ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَوْلِيَآءَ﴾ أي: ولا تغني عنهم آلهتهم التي اتخذوها أولياء من دون الله فعبدوها، ولا رؤساؤهم الذين أطاعوهم في الكفر فاتخذوهم أولياء على ذلك من عذاب الله شيئاً.
* *
ثم قال: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾، يعني: نار جهنم وما فيها من أصناف العذاب.
* *
ثم قال تعالى: ﴿هَـٰذَا هُدًى وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِآيَٰتِ رَبِّهِمْ لَهُمْ عَذَابٌ مِّن رِّجْزٍ أَلِيمٌ﴾، أي: هذا القرآن الذي أنزلنا هدى لمن وفقه الله إلى الإيمان به والعمل بما فيه. والذين جحدوا آيات ربهم ولم يؤمنوا بها، لهم عذاب مؤلم من الرجز.
قال المبرد: "الرجز: أغلظ العذاب وأشده".
الجاثية 45:5
قوله تعالى: ﴿حـمۤ * تَنزِيلُ ٱلْكِتَابِ مِنَ ٱللَّهِ﴾ - إلى قوله - ﴿مِّن رِّجْزٍ أَلِيمٌ﴾، قد تقدم ذكر الاختلاف في "حم".
والمعنى: هذا تنزيل القرآن من عند العزيز في انتقامه من أعدائه الحكيم في تدبيره.
* *
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ لأيَٰتٍ لِّلْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: إن فيها لعبراً وحُججاً للمصدقين بها، أي: إن لها خالقاً لم يخلقها عبثاً.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِن دَآبَّةٍ ءَايَٰتٌ لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾، أي: وإن في خلقكم أيها الناس، وما ينشر الله عز وجل في الأرض من دابة تدب عليها من غير جنسكم آيات لقوم يوقنون بحقائق الخلق، وأن الله عز وجل اخترع جميع ذلك.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَٱخْتِلاَفِ ٱللَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ وَمَآ أَنَزَلَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَّن رِّزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ ٱلأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾، أي: وإن في تعاقب الليل والنهار، وما ينزل من السماء من مطر يكون عنه من النبات رزقكم. وسمي الماء رزقا لأن عنه يتكون الرزق في الأرض.
* *
وقوله: ﴿فَأَحْيَا بِهِ ٱلأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾، أي: أنزل الماء فاهتزت الأرض بالنبات بعد أن كانت لا نبات فيها.
* *
ثم قال: ﴿وَتَصْرِيفِ ٱلرِّيَاحِ﴾، أي: وكون الرياح مرة شمالاً ومرة جنوباً، ومرة صبّاً ومرة دَبُوراً، ونحو ذلك من اختلافها لمنافع الخلق.
﴿ءَايَٰتٌ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾، أي عبراً وحججاً لقوم يعقلون عن الله عز وجل أمره ونهيه، فيتبعون رسله، ويفهمون عنهم وحيه.
* *
وقوله: ﴿وَمَا يَبُثُّ مِن دَآبَّةٍ ءَايَٰتٌ﴾ النصب في "ءايات" حسن على معنى: وإن في خلقكم آيات. وحسن ذلك لإعادة حرف الجر مع خلقكم.
ويجوز الرفع من ثلاثة أوجه.
أحدها: أن (تعطفها على الموضع) مثل قراءة الجماعة: ﴿وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ وَٱلسَّاعَةُ﴾ [الجاثية: ٣٢] بالرفع، عطف على موضع ﴿وعْدَ﴾.
والوجه الثاني: ترفع "الآيات" بالابتداء، وما قبلها خبرها. وتكون قد عطفت (جملة على) جملة منقطعة كما تقول إن زيداً خارج، وأن أجيئك غداً.
والوجه الثالث: أن ترفع على الإبتداء والخبر والجملة في موضع الحال. مثل قوله: ﴿يَغْشَىٰ طَآئِفَةً مِّنْكُمْ وَطَآئِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٤].
وأما قوله: ﴿وَٱخْتِلاَفِ ٱللَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ﴾ - إلى قوله - ﴿ءَايَٰتٌ﴾، فالرفع حسن على ما تقدم من الأوجه.
والنصب عند سيبويه (والأخفش والكسائي) جائز على العطف على عاملين وهما "إن" وحرف الجر لأنك لم تُعِدْ" في مع "الاختلاف" كما أعدت أولا "في" مع "خلقكم". فصرت تعطف بالواو على ما عملت فيه "إن" وعلى ما عمل فيه حرف الجر. فتخفض "الاختلاف" وتنصب "الآيات".
ونظير هذا من الكلام قولك: في الدار زيد والحجرة عمرو فتعطف بالواو على ما عملت فيه "في" وعلى ما عمل فيه الابتداء فتخفض الحجرة وترفع عمراً، فتعطف على عاملين (بحذف واحد. ولو أعدت "في" لم يكن عطف على عاملين.
ومنع المبرد القراءة بالنصب وقال: لا يجوز العطف على عاملين.
وكان الزجاج يحتج لسيبويه بأن قال: إن من رفع يقول: إنما قطعته مما قبله فرفعته بالابتداء وما قبله رفع فهو أيضاً عطف على عاملين لأنه عطف "واختلاف" على "خلقكم" وعطف "آيات" على موضع "آيات" الأولى.
قال: فقد صار العطف على عاملين إجماعاً.
وهذا، لا يلزم، لأن من رفع يقول: إنما قطعته مما قبله فرفعته بالابتداء وما قبله خبره.
وحكى الفراء رفع "الاختلاف" ورفع "الآيات". جعل "الآيات" هو "الاختلاف". وهذا وجه حسن ظاهر لولا أن القراءة سنة.
وإنما بعد العطف على عاملين (عند المبرد وغيره لأن حرف العطف إنما أتى به لينوب مناب العامل للاختصار. فلم يقرأ أن يجعل ينوب مناب عاملين مختلفين، ولو جاز أن ينوب مناب عاملين) لجاز أن ينوب مناب ثلاثة وأكثر (وهذا لا يقوله أحد) لأنه لو ناب مناب رافع وناصب لكان [رافعاً (ناصباً) في حال، وللزوم أن ينوب مناب رافع وناصب وجار فيكون] ناصباً ورافعاً جاراً في حال. وهذا محال ظاهر على أنهم قد أجمعوا أنه لا يجوز إذا تأخر المجرور، نحو قولك: زيد في الدار وعمرو الحجرة، وإنما أجازه من أجازه إذا كان المجرور يلي حرف العطف. وهذا تحكم بغير علة.
* *
ثم قال تعالى: ﴿تَلْكَ ءَايَٰتُ ٱللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِٱلْحَقِّ﴾، أي: تلك حجج الله نتلوها عليك يا محمد، أي: نخبرك عنها بالحق لا الباطل كما يخبر مشركو قريش عن آلهتهم بالباطل يقولون: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ﴾ [الزمر: ٣].
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ ٱللَّهِ وَءَايَٰتِهِ يُؤْمِنُونَ﴾، أي: فبأي حديث يا محمد بعد قرآن الله عز وجل وكتابه وآياته يؤمن هؤلاء المشركون.
ومن قرأه بالتاء فمعناه: فبأي حديث بعد قرآن الله سبحانه وكتابه تؤمنون أيها المشركون.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَيْلٌ لِّكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ * يَسْمَعُ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ تُتْلَىٰ عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِراً﴾؟
روي: أنها نزلت في النضر بن الحارث كان يخلف النبي ﷺ في مجلسه ويحدث قريشاً. بأخبار ملوك العجم ويقول: أنا أحسن حديثاً من محمد ﷺ.
فالمعنى: الواد السائل من صديد أهل جهنم لكل كذاب، ذي إثم سامع لآيات الله تُقرأ عليه ثم يتمادى على تكبره وتجبره على ربه سبحانه، فلا يذعن لأمره ونهيه كأن لم يسمع ما قرئ عليه ﴿كَأَنَّ فِيۤ أُذُنَيْهِ وَقْراً﴾ [لقمان: ٧]، أي: صمماً، فلا يسمع شيئاً لإصراره على كفره.
فبشره يا محمد بعذاب مؤلم، أي: موجع يوم القيامة. قال ابن عباس نزلت في الحارث بن كلدة".
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَا عَلِمَ مِنْ ءَايَٰتِنَا شَيْئاً ٱتَّخَذَهَا هُزُواً﴾، أي: وإذا علم هذا الأفاك الأثيم من آيات الله شيئاً اتخذها هزوا، أي: يسخر منها، وذلك كفعل أبي جهل حين نزلت: ﴿إِنَّ شَجَرَةَ ٱلزَّقُّومِ * طَعَامُ ٱلأَثِيمِ﴾ [الدخان: ٤٣ و ٤٤]، إذ دعا بزبد (وثمر) فقال: تزقموا من هذا، فما يفزعكم محمد إلا بهذا.
* *
ثم قال: ﴿أُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾، أي: لهم في الآخرة عذاب يهينهم، ويذلهم في نار جهنم.
وجمع في قوله: ﴿أُوْلَـٰئِكَ﴾ رداً على قوله: ﴿لِّكُلِّ أَفَّاكٍ﴾.
* *
ثم قال تعالى: ﴿مِّن وَرَآئِهِمْ جَهَنَّمُ﴾، أي: أمامهم جهنم.
﴿وَلاَ يُغْنِي عَنْهُم﴾ من عذابها. ﴿مَّا كَسَبُواْ﴾ في الدنيا من الأموال والأولاد شيئاً.
﴿وَلاَ مَا ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَوْلِيَآءَ﴾ أي: ولا تغني عنهم آلهتهم التي اتخذوها أولياء من دون الله فعبدوها، ولا رؤساؤهم الذين أطاعوهم في الكفر فاتخذوهم أولياء على ذلك من عذاب الله شيئاً.
* *
ثم قال: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾، يعني: نار جهنم وما فيها من أصناف العذاب.
* *
ثم قال تعالى: ﴿هَـٰذَا هُدًى وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِآيَٰتِ رَبِّهِمْ لَهُمْ عَذَابٌ مِّن رِّجْزٍ أَلِيمٌ﴾، أي: هذا القرآن الذي أنزلنا هدى لمن وفقه الله إلى الإيمان به والعمل بما فيه. والذين جحدوا آيات ربهم ولم يؤمنوا بها، لهم عذاب مؤلم من الرجز.
قال المبرد: "الرجز: أغلظ العذاب وأشده".
الجاثية 45:6
قوله تعالى: ﴿حـمۤ * تَنزِيلُ ٱلْكِتَابِ مِنَ ٱللَّهِ﴾ - إلى قوله - ﴿مِّن رِّجْزٍ أَلِيمٌ﴾، قد تقدم ذكر الاختلاف في "حم".
والمعنى: هذا تنزيل القرآن من عند العزيز في انتقامه من أعدائه الحكيم في تدبيره.
* *
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ لأيَٰتٍ لِّلْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: إن فيها لعبراً وحُججاً للمصدقين بها، أي: إن لها خالقاً لم يخلقها عبثاً.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِن دَآبَّةٍ ءَايَٰتٌ لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾، أي: وإن في خلقكم أيها الناس، وما ينشر الله عز وجل في الأرض من دابة تدب عليها من غير جنسكم آيات لقوم يوقنون بحقائق الخلق، وأن الله عز وجل اخترع جميع ذلك.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَٱخْتِلاَفِ ٱللَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ وَمَآ أَنَزَلَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَّن رِّزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ ٱلأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾، أي: وإن في تعاقب الليل والنهار، وما ينزل من السماء من مطر يكون عنه من النبات رزقكم. وسمي الماء رزقا لأن عنه يتكون الرزق في الأرض.
* *
وقوله: ﴿فَأَحْيَا بِهِ ٱلأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾، أي: أنزل الماء فاهتزت الأرض بالنبات بعد أن كانت لا نبات فيها.
* *
ثم قال: ﴿وَتَصْرِيفِ ٱلرِّيَاحِ﴾، أي: وكون الرياح مرة شمالاً ومرة جنوباً، ومرة صبّاً ومرة دَبُوراً، ونحو ذلك من اختلافها لمنافع الخلق.
﴿ءَايَٰتٌ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾، أي عبراً وحججاً لقوم يعقلون عن الله عز وجل أمره ونهيه، فيتبعون رسله، ويفهمون عنهم وحيه.
* *
وقوله: ﴿وَمَا يَبُثُّ مِن دَآبَّةٍ ءَايَٰتٌ﴾ النصب في "ءايات" حسن على معنى: وإن في خلقكم آيات. وحسن ذلك لإعادة حرف الجر مع خلقكم.
ويجوز الرفع من ثلاثة أوجه.
أحدها: أن (تعطفها على الموضع) مثل قراءة الجماعة: ﴿وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ وَٱلسَّاعَةُ﴾ [الجاثية: ٣٢] بالرفع، عطف على موضع ﴿وعْدَ﴾.
والوجه الثاني: ترفع "الآيات" بالابتداء، وما قبلها خبرها. وتكون قد عطفت (جملة على) جملة منقطعة كما تقول إن زيداً خارج، وأن أجيئك غداً.
والوجه الثالث: أن ترفع على الإبتداء والخبر والجملة في موضع الحال. مثل قوله: ﴿يَغْشَىٰ طَآئِفَةً مِّنْكُمْ وَطَآئِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٤].
وأما قوله: ﴿وَٱخْتِلاَفِ ٱللَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ﴾ - إلى قوله - ﴿ءَايَٰتٌ﴾، فالرفع حسن على ما تقدم من الأوجه.
والنصب عند سيبويه (والأخفش والكسائي) جائز على العطف على عاملين وهما "إن" وحرف الجر لأنك لم تُعِدْ" في مع "الاختلاف" كما أعدت أولا "في" مع "خلقكم". فصرت تعطف بالواو على ما عملت فيه "إن" وعلى ما عمل فيه حرف الجر. فتخفض "الاختلاف" وتنصب "الآيات".
ونظير هذا من الكلام قولك: في الدار زيد والحجرة عمرو فتعطف بالواو على ما عملت فيه "في" وعلى ما عمل فيه الابتداء فتخفض الحجرة وترفع عمراً، فتعطف على عاملين (بحذف واحد. ولو أعدت "في" لم يكن عطف على عاملين.
ومنع المبرد القراءة بالنصب وقال: لا يجوز العطف على عاملين.
وكان الزجاج يحتج لسيبويه بأن قال: إن من رفع يقول: إنما قطعته مما قبله فرفعته بالابتداء وما قبله رفع فهو أيضاً عطف على عاملين لأنه عطف "واختلاف" على "خلقكم" وعطف "آيات" على موضع "آيات" الأولى.
قال: فقد صار العطف على عاملين إجماعاً.
وهذا، لا يلزم، لأن من رفع يقول: إنما قطعته مما قبله فرفعته بالابتداء وما قبله خبره.
وحكى الفراء رفع "الاختلاف" ورفع "الآيات". جعل "الآيات" هو "الاختلاف". وهذا وجه حسن ظاهر لولا أن القراءة سنة.
وإنما بعد العطف على عاملين (عند المبرد وغيره لأن حرف العطف إنما أتى به لينوب مناب العامل للاختصار. فلم يقرأ أن يجعل ينوب مناب عاملين مختلفين، ولو جاز أن ينوب مناب عاملين) لجاز أن ينوب مناب ثلاثة وأكثر (وهذا لا يقوله أحد) لأنه لو ناب مناب رافع وناصب لكان [رافعاً (ناصباً) في حال، وللزوم أن ينوب مناب رافع وناصب وجار فيكون] ناصباً ورافعاً جاراً في حال. وهذا محال ظاهر على أنهم قد أجمعوا أنه لا يجوز إذا تأخر المجرور، نحو قولك: زيد في الدار وعمرو الحجرة، وإنما أجازه من أجازه إذا كان المجرور يلي حرف العطف. وهذا تحكم بغير علة.
* *
ثم قال تعالى: ﴿تَلْكَ ءَايَٰتُ ٱللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِٱلْحَقِّ﴾، أي: تلك حجج الله نتلوها عليك يا محمد، أي: نخبرك عنها بالحق لا الباطل كما يخبر مشركو قريش عن آلهتهم بالباطل يقولون: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ﴾ [الزمر: ٣].
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ ٱللَّهِ وَءَايَٰتِهِ يُؤْمِنُونَ﴾، أي: فبأي حديث يا محمد بعد قرآن الله عز وجل وكتابه وآياته يؤمن هؤلاء المشركون.
ومن قرأه بالتاء فمعناه: فبأي حديث بعد قرآن الله سبحانه وكتابه تؤمنون أيها المشركون.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَيْلٌ لِّكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ * يَسْمَعُ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ تُتْلَىٰ عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِراً﴾؟
روي: أنها نزلت في النضر بن الحارث كان يخلف النبي ﷺ في مجلسه ويحدث قريشاً. بأخبار ملوك العجم ويقول: أنا أحسن حديثاً من محمد ﷺ.
فالمعنى: الواد السائل من صديد أهل جهنم لكل كذاب، ذي إثم سامع لآيات الله تُقرأ عليه ثم يتمادى على تكبره وتجبره على ربه سبحانه، فلا يذعن لأمره ونهيه كأن لم يسمع ما قرئ عليه ﴿كَأَنَّ فِيۤ أُذُنَيْهِ وَقْراً﴾ [لقمان: ٧]، أي: صمماً، فلا يسمع شيئاً لإصراره على كفره.
فبشره يا محمد بعذاب مؤلم، أي: موجع يوم القيامة. قال ابن عباس نزلت في الحارث بن كلدة".
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَا عَلِمَ مِنْ ءَايَٰتِنَا شَيْئاً ٱتَّخَذَهَا هُزُواً﴾، أي: وإذا علم هذا الأفاك الأثيم من آيات الله شيئاً اتخذها هزوا، أي: يسخر منها، وذلك كفعل أبي جهل حين نزلت: ﴿إِنَّ شَجَرَةَ ٱلزَّقُّومِ * طَعَامُ ٱلأَثِيمِ﴾ [الدخان: ٤٣ و ٤٤]، إذ دعا بزبد (وثمر) فقال: تزقموا من هذا، فما يفزعكم محمد إلا بهذا.
* *
ثم قال: ﴿أُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾، أي: لهم في الآخرة عذاب يهينهم، ويذلهم في نار جهنم.
وجمع في قوله: ﴿أُوْلَـٰئِكَ﴾ رداً على قوله: ﴿لِّكُلِّ أَفَّاكٍ﴾.
* *
ثم قال تعالى: ﴿مِّن وَرَآئِهِمْ جَهَنَّمُ﴾، أي: أمامهم جهنم.
﴿وَلاَ يُغْنِي عَنْهُم﴾ من عذابها. ﴿مَّا كَسَبُواْ﴾ في الدنيا من الأموال والأولاد شيئاً.
﴿وَلاَ مَا ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَوْلِيَآءَ﴾ أي: ولا تغني عنهم آلهتهم التي اتخذوها أولياء من دون الله فعبدوها، ولا رؤساؤهم الذين أطاعوهم في الكفر فاتخذوهم أولياء على ذلك من عذاب الله شيئاً.
* *
ثم قال: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾، يعني: نار جهنم وما فيها من أصناف العذاب.
* *
ثم قال تعالى: ﴿هَـٰذَا هُدًى وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِآيَٰتِ رَبِّهِمْ لَهُمْ عَذَابٌ مِّن رِّجْزٍ أَلِيمٌ﴾، أي: هذا القرآن الذي أنزلنا هدى لمن وفقه الله إلى الإيمان به والعمل بما فيه. والذين جحدوا آيات ربهم ولم يؤمنوا بها، لهم عذاب مؤلم من الرجز.
قال المبرد: "الرجز: أغلظ العذاب وأشده".
الجاثية 45:7
قوله تعالى: ﴿حـمۤ * تَنزِيلُ ٱلْكِتَابِ مِنَ ٱللَّهِ﴾ - إلى قوله - ﴿مِّن رِّجْزٍ أَلِيمٌ﴾، قد تقدم ذكر الاختلاف في "حم".
والمعنى: هذا تنزيل القرآن من عند العزيز في انتقامه من أعدائه الحكيم في تدبيره.
* *
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ لأيَٰتٍ لِّلْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: إن فيها لعبراً وحُججاً للمصدقين بها، أي: إن لها خالقاً لم يخلقها عبثاً.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِن دَآبَّةٍ ءَايَٰتٌ لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾، أي: وإن في خلقكم أيها الناس، وما ينشر الله عز وجل في الأرض من دابة تدب عليها من غير جنسكم آيات لقوم يوقنون بحقائق الخلق، وأن الله عز وجل اخترع جميع ذلك.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَٱخْتِلاَفِ ٱللَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ وَمَآ أَنَزَلَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَّن رِّزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ ٱلأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾، أي: وإن في تعاقب الليل والنهار، وما ينزل من السماء من مطر يكون عنه من النبات رزقكم. وسمي الماء رزقا لأن عنه يتكون الرزق في الأرض.
* *
وقوله: ﴿فَأَحْيَا بِهِ ٱلأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾، أي: أنزل الماء فاهتزت الأرض بالنبات بعد أن كانت لا نبات فيها.
* *
ثم قال: ﴿وَتَصْرِيفِ ٱلرِّيَاحِ﴾، أي: وكون الرياح مرة شمالاً ومرة جنوباً، ومرة صبّاً ومرة دَبُوراً، ونحو ذلك من اختلافها لمنافع الخلق.
﴿ءَايَٰتٌ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾، أي عبراً وحججاً لقوم يعقلون عن الله عز وجل أمره ونهيه، فيتبعون رسله، ويفهمون عنهم وحيه.
* *
وقوله: ﴿وَمَا يَبُثُّ مِن دَآبَّةٍ ءَايَٰتٌ﴾ النصب في "ءايات" حسن على معنى: وإن في خلقكم آيات. وحسن ذلك لإعادة حرف الجر مع خلقكم.
ويجوز الرفع من ثلاثة أوجه.
أحدها: أن (تعطفها على الموضع) مثل قراءة الجماعة: ﴿وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ وَٱلسَّاعَةُ﴾ [الجاثية: ٣٢] بالرفع، عطف على موضع ﴿وعْدَ﴾.
والوجه الثاني: ترفع "الآيات" بالابتداء، وما قبلها خبرها. وتكون قد عطفت (جملة على) جملة منقطعة كما تقول إن زيداً خارج، وأن أجيئك غداً.
والوجه الثالث: أن ترفع على الإبتداء والخبر والجملة في موضع الحال. مثل قوله: ﴿يَغْشَىٰ طَآئِفَةً مِّنْكُمْ وَطَآئِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٤].
وأما قوله: ﴿وَٱخْتِلاَفِ ٱللَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ﴾ - إلى قوله - ﴿ءَايَٰتٌ﴾، فالرفع حسن على ما تقدم من الأوجه.
والنصب عند سيبويه (والأخفش والكسائي) جائز على العطف على عاملين وهما "إن" وحرف الجر لأنك لم تُعِدْ" في مع "الاختلاف" كما أعدت أولا "في" مع "خلقكم". فصرت تعطف بالواو على ما عملت فيه "إن" وعلى ما عمل فيه حرف الجر. فتخفض "الاختلاف" وتنصب "الآيات".
ونظير هذا من الكلام قولك: في الدار زيد والحجرة عمرو فتعطف بالواو على ما عملت فيه "في" وعلى ما عمل فيه الابتداء فتخفض الحجرة وترفع عمراً، فتعطف على عاملين (بحذف واحد. ولو أعدت "في" لم يكن عطف على عاملين.
ومنع المبرد القراءة بالنصب وقال: لا يجوز العطف على عاملين.
وكان الزجاج يحتج لسيبويه بأن قال: إن من رفع يقول: إنما قطعته مما قبله فرفعته بالابتداء وما قبله رفع فهو أيضاً عطف على عاملين لأنه عطف "واختلاف" على "خلقكم" وعطف "آيات" على موضع "آيات" الأولى.
قال: فقد صار العطف على عاملين إجماعاً.
وهذا، لا يلزم، لأن من رفع يقول: إنما قطعته مما قبله فرفعته بالابتداء وما قبله خبره.
وحكى الفراء رفع "الاختلاف" ورفع "الآيات". جعل "الآيات" هو "الاختلاف". وهذا وجه حسن ظاهر لولا أن القراءة سنة.
وإنما بعد العطف على عاملين (عند المبرد وغيره لأن حرف العطف إنما أتى به لينوب مناب العامل للاختصار. فلم يقرأ أن يجعل ينوب مناب عاملين مختلفين، ولو جاز أن ينوب مناب عاملين) لجاز أن ينوب مناب ثلاثة وأكثر (وهذا لا يقوله أحد) لأنه لو ناب مناب رافع وناصب لكان [رافعاً (ناصباً) في حال، وللزوم أن ينوب مناب رافع وناصب وجار فيكون] ناصباً ورافعاً جاراً في حال. وهذا محال ظاهر على أنهم قد أجمعوا أنه لا يجوز إذا تأخر المجرور، نحو قولك: زيد في الدار وعمرو الحجرة، وإنما أجازه من أجازه إذا كان المجرور يلي حرف العطف. وهذا تحكم بغير علة.
* *
ثم قال تعالى: ﴿تَلْكَ ءَايَٰتُ ٱللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِٱلْحَقِّ﴾، أي: تلك حجج الله نتلوها عليك يا محمد، أي: نخبرك عنها بالحق لا الباطل كما يخبر مشركو قريش عن آلهتهم بالباطل يقولون: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ﴾ [الزمر: ٣].
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ ٱللَّهِ وَءَايَٰتِهِ يُؤْمِنُونَ﴾، أي: فبأي حديث يا محمد بعد قرآن الله عز وجل وكتابه وآياته يؤمن هؤلاء المشركون.
ومن قرأه بالتاء فمعناه: فبأي حديث بعد قرآن الله سبحانه وكتابه تؤمنون أيها المشركون.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَيْلٌ لِّكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ * يَسْمَعُ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ تُتْلَىٰ عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِراً﴾؟
روي: أنها نزلت في النضر بن الحارث كان يخلف النبي ﷺ في مجلسه ويحدث قريشاً. بأخبار ملوك العجم ويقول: أنا أحسن حديثاً من محمد ﷺ.
فالمعنى: الواد السائل من صديد أهل جهنم لكل كذاب، ذي إثم سامع لآيات الله تُقرأ عليه ثم يتمادى على تكبره وتجبره على ربه سبحانه، فلا يذعن لأمره ونهيه كأن لم يسمع ما قرئ عليه ﴿كَأَنَّ فِيۤ أُذُنَيْهِ وَقْراً﴾ [لقمان: ٧]، أي: صمماً، فلا يسمع شيئاً لإصراره على كفره.
فبشره يا محمد بعذاب مؤلم، أي: موجع يوم القيامة. قال ابن عباس نزلت في الحارث بن كلدة".
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَا عَلِمَ مِنْ ءَايَٰتِنَا شَيْئاً ٱتَّخَذَهَا هُزُواً﴾، أي: وإذا علم هذا الأفاك الأثيم من آيات الله شيئاً اتخذها هزوا، أي: يسخر منها، وذلك كفعل أبي جهل حين نزلت: ﴿إِنَّ شَجَرَةَ ٱلزَّقُّومِ * طَعَامُ ٱلأَثِيمِ﴾ [الدخان: ٤٣ و ٤٤]، إذ دعا بزبد (وثمر) فقال: تزقموا من هذا، فما يفزعكم محمد إلا بهذا.
* *
ثم قال: ﴿أُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾، أي: لهم في الآخرة عذاب يهينهم، ويذلهم في نار جهنم.
وجمع في قوله: ﴿أُوْلَـٰئِكَ﴾ رداً على قوله: ﴿لِّكُلِّ أَفَّاكٍ﴾.
* *
ثم قال تعالى: ﴿مِّن وَرَآئِهِمْ جَهَنَّمُ﴾، أي: أمامهم جهنم.
﴿وَلاَ يُغْنِي عَنْهُم﴾ من عذابها. ﴿مَّا كَسَبُواْ﴾ في الدنيا من الأموال والأولاد شيئاً.
﴿وَلاَ مَا ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَوْلِيَآءَ﴾ أي: ولا تغني عنهم آلهتهم التي اتخذوها أولياء من دون الله فعبدوها، ولا رؤساؤهم الذين أطاعوهم في الكفر فاتخذوهم أولياء على ذلك من عذاب الله شيئاً.
* *
ثم قال: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾، يعني: نار جهنم وما فيها من أصناف العذاب.
* *
ثم قال تعالى: ﴿هَـٰذَا هُدًى وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِآيَٰتِ رَبِّهِمْ لَهُمْ عَذَابٌ مِّن رِّجْزٍ أَلِيمٌ﴾، أي: هذا القرآن الذي أنزلنا هدى لمن وفقه الله إلى الإيمان به والعمل بما فيه. والذين جحدوا آيات ربهم ولم يؤمنوا بها، لهم عذاب مؤلم من الرجز.
قال المبرد: "الرجز: أغلظ العذاب وأشده".
الجاثية 45:8
قوله تعالى: ﴿حـمۤ * تَنزِيلُ ٱلْكِتَابِ مِنَ ٱللَّهِ﴾ - إلى قوله - ﴿مِّن رِّجْزٍ أَلِيمٌ﴾، قد تقدم ذكر الاختلاف في "حم".
والمعنى: هذا تنزيل القرآن من عند العزيز في انتقامه من أعدائه الحكيم في تدبيره.
* *
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ لأيَٰتٍ لِّلْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: إن فيها لعبراً وحُججاً للمصدقين بها، أي: إن لها خالقاً لم يخلقها عبثاً.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِن دَآبَّةٍ ءَايَٰتٌ لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾، أي: وإن في خلقكم أيها الناس، وما ينشر الله عز وجل في الأرض من دابة تدب عليها من غير جنسكم آيات لقوم يوقنون بحقائق الخلق، وأن الله عز وجل اخترع جميع ذلك.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَٱخْتِلاَفِ ٱللَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ وَمَآ أَنَزَلَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَّن رِّزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ ٱلأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾، أي: وإن في تعاقب الليل والنهار، وما ينزل من السماء من مطر يكون عنه من النبات رزقكم. وسمي الماء رزقا لأن عنه يتكون الرزق في الأرض.
* *
وقوله: ﴿فَأَحْيَا بِهِ ٱلأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾، أي: أنزل الماء فاهتزت الأرض بالنبات بعد أن كانت لا نبات فيها.
* *
ثم قال: ﴿وَتَصْرِيفِ ٱلرِّيَاحِ﴾، أي: وكون الرياح مرة شمالاً ومرة جنوباً، ومرة صبّاً ومرة دَبُوراً، ونحو ذلك من اختلافها لمنافع الخلق.
﴿ءَايَٰتٌ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾، أي عبراً وحججاً لقوم يعقلون عن الله عز وجل أمره ونهيه، فيتبعون رسله، ويفهمون عنهم وحيه.
* *
وقوله: ﴿وَمَا يَبُثُّ مِن دَآبَّةٍ ءَايَٰتٌ﴾ النصب في "ءايات" حسن على معنى: وإن في خلقكم آيات. وحسن ذلك لإعادة حرف الجر مع خلقكم.
ويجوز الرفع من ثلاثة أوجه.
أحدها: أن (تعطفها على الموضع) مثل قراءة الجماعة: ﴿وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ وَٱلسَّاعَةُ﴾ [الجاثية: ٣٢] بالرفع، عطف على موضع ﴿وعْدَ﴾.
والوجه الثاني: ترفع "الآيات" بالابتداء، وما قبلها خبرها. وتكون قد عطفت (جملة على) جملة منقطعة كما تقول إن زيداً خارج، وأن أجيئك غداً.
والوجه الثالث: أن ترفع على الإبتداء والخبر والجملة في موضع الحال. مثل قوله: ﴿يَغْشَىٰ طَآئِفَةً مِّنْكُمْ وَطَآئِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٤].
وأما قوله: ﴿وَٱخْتِلاَفِ ٱللَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ﴾ - إلى قوله - ﴿ءَايَٰتٌ﴾، فالرفع حسن على ما تقدم من الأوجه.
والنصب عند سيبويه (والأخفش والكسائي) جائز على العطف على عاملين وهما "إن" وحرف الجر لأنك لم تُعِدْ" في مع "الاختلاف" كما أعدت أولا "في" مع "خلقكم". فصرت تعطف بالواو على ما عملت فيه "إن" وعلى ما عمل فيه حرف الجر. فتخفض "الاختلاف" وتنصب "الآيات".
ونظير هذا من الكلام قولك: في الدار زيد والحجرة عمرو فتعطف بالواو على ما عملت فيه "في" وعلى ما عمل فيه الابتداء فتخفض الحجرة وترفع عمراً، فتعطف على عاملين (بحذف واحد. ولو أعدت "في" لم يكن عطف على عاملين.
ومنع المبرد القراءة بالنصب وقال: لا يجوز العطف على عاملين.
وكان الزجاج يحتج لسيبويه بأن قال: إن من رفع يقول: إنما قطعته مما قبله فرفعته بالابتداء وما قبله رفع فهو أيضاً عطف على عاملين لأنه عطف "واختلاف" على "خلقكم" وعطف "آيات" على موضع "آيات" الأولى.
قال: فقد صار العطف على عاملين إجماعاً.
وهذا، لا يلزم، لأن من رفع يقول: إنما قطعته مما قبله فرفعته بالابتداء وما قبله خبره.
وحكى الفراء رفع "الاختلاف" ورفع "الآيات". جعل "الآيات" هو "الاختلاف". وهذا وجه حسن ظاهر لولا أن القراءة سنة.
وإنما بعد العطف على عاملين (عند المبرد وغيره لأن حرف العطف إنما أتى به لينوب مناب العامل للاختصار. فلم يقرأ أن يجعل ينوب مناب عاملين مختلفين، ولو جاز أن ينوب مناب عاملين) لجاز أن ينوب مناب ثلاثة وأكثر (وهذا لا يقوله أحد) لأنه لو ناب مناب رافع وناصب لكان [رافعاً (ناصباً) في حال، وللزوم أن ينوب مناب رافع وناصب وجار فيكون] ناصباً ورافعاً جاراً في حال. وهذا محال ظاهر على أنهم قد أجمعوا أنه لا يجوز إذا تأخر المجرور، نحو قولك: زيد في الدار وعمرو الحجرة، وإنما أجازه من أجازه إذا كان المجرور يلي حرف العطف. وهذا تحكم بغير علة.
* *
ثم قال تعالى: ﴿تَلْكَ ءَايَٰتُ ٱللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِٱلْحَقِّ﴾، أي: تلك حجج الله نتلوها عليك يا محمد، أي: نخبرك عنها بالحق لا الباطل كما يخبر مشركو قريش عن آلهتهم بالباطل يقولون: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ﴾ [الزمر: ٣].
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ ٱللَّهِ وَءَايَٰتِهِ يُؤْمِنُونَ﴾، أي: فبأي حديث يا محمد بعد قرآن الله عز وجل وكتابه وآياته يؤمن هؤلاء المشركون.
ومن قرأه بالتاء فمعناه: فبأي حديث بعد قرآن الله سبحانه وكتابه تؤمنون أيها المشركون.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَيْلٌ لِّكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ * يَسْمَعُ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ تُتْلَىٰ عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِراً﴾؟
روي: أنها نزلت في النضر بن الحارث كان يخلف النبي ﷺ في مجلسه ويحدث قريشاً. بأخبار ملوك العجم ويقول: أنا أحسن حديثاً من محمد ﷺ.
فالمعنى: الواد السائل من صديد أهل جهنم لكل كذاب، ذي إثم سامع لآيات الله تُقرأ عليه ثم يتمادى على تكبره وتجبره على ربه سبحانه، فلا يذعن لأمره ونهيه كأن لم يسمع ما قرئ عليه ﴿كَأَنَّ فِيۤ أُذُنَيْهِ وَقْراً﴾ [لقمان: ٧]، أي: صمماً، فلا يسمع شيئاً لإصراره على كفره.
فبشره يا محمد بعذاب مؤلم، أي: موجع يوم القيامة. قال ابن عباس نزلت في الحارث بن كلدة".
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَا عَلِمَ مِنْ ءَايَٰتِنَا شَيْئاً ٱتَّخَذَهَا هُزُواً﴾، أي: وإذا علم هذا الأفاك الأثيم من آيات الله شيئاً اتخذها هزوا، أي: يسخر منها، وذلك كفعل أبي جهل حين نزلت: ﴿إِنَّ شَجَرَةَ ٱلزَّقُّومِ * طَعَامُ ٱلأَثِيمِ﴾ [الدخان: ٤٣ و ٤٤]، إذ دعا بزبد (وثمر) فقال: تزقموا من هذا، فما يفزعكم محمد إلا بهذا.
* *
ثم قال: ﴿أُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾، أي: لهم في الآخرة عذاب يهينهم، ويذلهم في نار جهنم.
وجمع في قوله: ﴿أُوْلَـٰئِكَ﴾ رداً على قوله: ﴿لِّكُلِّ أَفَّاكٍ﴾.
* *
ثم قال تعالى: ﴿مِّن وَرَآئِهِمْ جَهَنَّمُ﴾، أي: أمامهم جهنم.
﴿وَلاَ يُغْنِي عَنْهُم﴾ من عذابها. ﴿مَّا كَسَبُواْ﴾ في الدنيا من الأموال والأولاد شيئاً.
﴿وَلاَ مَا ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَوْلِيَآءَ﴾ أي: ولا تغني عنهم آلهتهم التي اتخذوها أولياء من دون الله فعبدوها، ولا رؤساؤهم الذين أطاعوهم في الكفر فاتخذوهم أولياء على ذلك من عذاب الله شيئاً.
* *
ثم قال: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾، يعني: نار جهنم وما فيها من أصناف العذاب.
* *
ثم قال تعالى: ﴿هَـٰذَا هُدًى وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِآيَٰتِ رَبِّهِمْ لَهُمْ عَذَابٌ مِّن رِّجْزٍ أَلِيمٌ﴾، أي: هذا القرآن الذي أنزلنا هدى لمن وفقه الله إلى الإيمان به والعمل بما فيه. والذين جحدوا آيات ربهم ولم يؤمنوا بها، لهم عذاب مؤلم من الرجز.
قال المبرد: "الرجز: أغلظ العذاب وأشده".
الجاثية 45:9
قوله تعالى: ﴿حـمۤ * تَنزِيلُ ٱلْكِتَابِ مِنَ ٱللَّهِ﴾ - إلى قوله - ﴿مِّن رِّجْزٍ أَلِيمٌ﴾، قد تقدم ذكر الاختلاف في "حم".
والمعنى: هذا تنزيل القرآن من عند العزيز في انتقامه من أعدائه الحكيم في تدبيره.
* *
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ لأيَٰتٍ لِّلْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: إن فيها لعبراً وحُججاً للمصدقين بها، أي: إن لها خالقاً لم يخلقها عبثاً.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِن دَآبَّةٍ ءَايَٰتٌ لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾، أي: وإن في خلقكم أيها الناس، وما ينشر الله عز وجل في الأرض من دابة تدب عليها من غير جنسكم آيات لقوم يوقنون بحقائق الخلق، وأن الله عز وجل اخترع جميع ذلك.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَٱخْتِلاَفِ ٱللَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ وَمَآ أَنَزَلَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَّن رِّزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ ٱلأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾، أي: وإن في تعاقب الليل والنهار، وما ينزل من السماء من مطر يكون عنه من النبات رزقكم. وسمي الماء رزقا لأن عنه يتكون الرزق في الأرض.
* *
وقوله: ﴿فَأَحْيَا بِهِ ٱلأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾، أي: أنزل الماء فاهتزت الأرض بالنبات بعد أن كانت لا نبات فيها.
* *
ثم قال: ﴿وَتَصْرِيفِ ٱلرِّيَاحِ﴾، أي: وكون الرياح مرة شمالاً ومرة جنوباً، ومرة صبّاً ومرة دَبُوراً، ونحو ذلك من اختلافها لمنافع الخلق.
﴿ءَايَٰتٌ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾، أي عبراً وحججاً لقوم يعقلون عن الله عز وجل أمره ونهيه، فيتبعون رسله، ويفهمون عنهم وحيه.
* *
وقوله: ﴿وَمَا يَبُثُّ مِن دَآبَّةٍ ءَايَٰتٌ﴾ النصب في "ءايات" حسن على معنى: وإن في خلقكم آيات. وحسن ذلك لإعادة حرف الجر مع خلقكم.
ويجوز الرفع من ثلاثة أوجه.
أحدها: أن (تعطفها على الموضع) مثل قراءة الجماعة: ﴿وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ وَٱلسَّاعَةُ﴾ [الجاثية: ٣٢] بالرفع، عطف على موضع ﴿وعْدَ﴾.
والوجه الثاني: ترفع "الآيات" بالابتداء، وما قبلها خبرها. وتكون قد عطفت (جملة على) جملة منقطعة كما تقول إن زيداً خارج، وأن أجيئك غداً.
والوجه الثالث: أن ترفع على الإبتداء والخبر والجملة في موضع الحال. مثل قوله: ﴿يَغْشَىٰ طَآئِفَةً مِّنْكُمْ وَطَآئِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٤].
وأما قوله: ﴿وَٱخْتِلاَفِ ٱللَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ﴾ - إلى قوله - ﴿ءَايَٰتٌ﴾، فالرفع حسن على ما تقدم من الأوجه.
والنصب عند سيبويه (والأخفش والكسائي) جائز على العطف على عاملين وهما "إن" وحرف الجر لأنك لم تُعِدْ" في مع "الاختلاف" كما أعدت أولا "في" مع "خلقكم". فصرت تعطف بالواو على ما عملت فيه "إن" وعلى ما عمل فيه حرف الجر. فتخفض "الاختلاف" وتنصب "الآيات".
ونظير هذا من الكلام قولك: في الدار زيد والحجرة عمرو فتعطف بالواو على ما عملت فيه "في" وعلى ما عمل فيه الابتداء فتخفض الحجرة وترفع عمراً، فتعطف على عاملين (بحذف واحد. ولو أعدت "في" لم يكن عطف على عاملين.
ومنع المبرد القراءة بالنصب وقال: لا يجوز العطف على عاملين.
وكان الزجاج يحتج لسيبويه بأن قال: إن من رفع يقول: إنما قطعته مما قبله فرفعته بالابتداء وما قبله رفع فهو أيضاً عطف على عاملين لأنه عطف "واختلاف" على "خلقكم" وعطف "آيات" على موضع "آيات" الأولى.
قال: فقد صار العطف على عاملين إجماعاً.
وهذا، لا يلزم، لأن من رفع يقول: إنما قطعته مما قبله فرفعته بالابتداء وما قبله خبره.
وحكى الفراء رفع "الاختلاف" ورفع "الآيات". جعل "الآيات" هو "الاختلاف". وهذا وجه حسن ظاهر لولا أن القراءة سنة.
وإنما بعد العطف على عاملين (عند المبرد وغيره لأن حرف العطف إنما أتى به لينوب مناب العامل للاختصار. فلم يقرأ أن يجعل ينوب مناب عاملين مختلفين، ولو جاز أن ينوب مناب عاملين) لجاز أن ينوب مناب ثلاثة وأكثر (وهذا لا يقوله أحد) لأنه لو ناب مناب رافع وناصب لكان [رافعاً (ناصباً) في حال، وللزوم أن ينوب مناب رافع وناصب وجار فيكون] ناصباً ورافعاً جاراً في حال. وهذا محال ظاهر على أنهم قد أجمعوا أنه لا يجوز إذا تأخر المجرور، نحو قولك: زيد في الدار وعمرو الحجرة، وإنما أجازه من أجازه إذا كان المجرور يلي حرف العطف. وهذا تحكم بغير علة.
* *
ثم قال تعالى: ﴿تَلْكَ ءَايَٰتُ ٱللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِٱلْحَقِّ﴾، أي: تلك حجج الله نتلوها عليك يا محمد، أي: نخبرك عنها بالحق لا الباطل كما يخبر مشركو قريش عن آلهتهم بالباطل يقولون: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ﴾ [الزمر: ٣].
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ ٱللَّهِ وَءَايَٰتِهِ يُؤْمِنُونَ﴾، أي: فبأي حديث يا محمد بعد قرآن الله عز وجل وكتابه وآياته يؤمن هؤلاء المشركون.
ومن قرأه بالتاء فمعناه: فبأي حديث بعد قرآن الله سبحانه وكتابه تؤمنون أيها المشركون.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَيْلٌ لِّكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ * يَسْمَعُ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ تُتْلَىٰ عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِراً﴾؟
روي: أنها نزلت في النضر بن الحارث كان يخلف النبي ﷺ في مجلسه ويحدث قريشاً. بأخبار ملوك العجم ويقول: أنا أحسن حديثاً من محمد ﷺ.
فالمعنى: الواد السائل من صديد أهل جهنم لكل كذاب، ذي إثم سامع لآيات الله تُقرأ عليه ثم يتمادى على تكبره وتجبره على ربه سبحانه، فلا يذعن لأمره ونهيه كأن لم يسمع ما قرئ عليه ﴿كَأَنَّ فِيۤ أُذُنَيْهِ وَقْراً﴾ [لقمان: ٧]، أي: صمماً، فلا يسمع شيئاً لإصراره على كفره.
فبشره يا محمد بعذاب مؤلم، أي: موجع يوم القيامة. قال ابن عباس نزلت في الحارث بن كلدة".
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَا عَلِمَ مِنْ ءَايَٰتِنَا شَيْئاً ٱتَّخَذَهَا هُزُواً﴾، أي: وإذا علم هذا الأفاك الأثيم من آيات الله شيئاً اتخذها هزوا، أي: يسخر منها، وذلك كفعل أبي جهل حين نزلت: ﴿إِنَّ شَجَرَةَ ٱلزَّقُّومِ * طَعَامُ ٱلأَثِيمِ﴾ [الدخان: ٤٣ و ٤٤]، إذ دعا بزبد (وثمر) فقال: تزقموا من هذا، فما يفزعكم محمد إلا بهذا.
* *
ثم قال: ﴿أُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾، أي: لهم في الآخرة عذاب يهينهم، ويذلهم في نار جهنم.
وجمع في قوله: ﴿أُوْلَـٰئِكَ﴾ رداً على قوله: ﴿لِّكُلِّ أَفَّاكٍ﴾.
* *
ثم قال تعالى: ﴿مِّن وَرَآئِهِمْ جَهَنَّمُ﴾، أي: أمامهم جهنم.
﴿وَلاَ يُغْنِي عَنْهُم﴾ من عذابها. ﴿مَّا كَسَبُواْ﴾ في الدنيا من الأموال والأولاد شيئاً.
﴿وَلاَ مَا ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَوْلِيَآءَ﴾ أي: ولا تغني عنهم آلهتهم التي اتخذوها أولياء من دون الله فعبدوها، ولا رؤساؤهم الذين أطاعوهم في الكفر فاتخذوهم أولياء على ذلك من عذاب الله شيئاً.
* *
ثم قال: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾، يعني: نار جهنم وما فيها من أصناف العذاب.
* *
ثم قال تعالى: ﴿هَـٰذَا هُدًى وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِآيَٰتِ رَبِّهِمْ لَهُمْ عَذَابٌ مِّن رِّجْزٍ أَلِيمٌ﴾، أي: هذا القرآن الذي أنزلنا هدى لمن وفقه الله إلى الإيمان به والعمل بما فيه. والذين جحدوا آيات ربهم ولم يؤمنوا بها، لهم عذاب مؤلم من الرجز.
قال المبرد: "الرجز: أغلظ العذاب وأشده".
الجاثية 45:10
قوله تعالى: ﴿حـمۤ * تَنزِيلُ ٱلْكِتَابِ مِنَ ٱللَّهِ﴾ - إلى قوله - ﴿مِّن رِّجْزٍ أَلِيمٌ﴾، قد تقدم ذكر الاختلاف في "حم".
والمعنى: هذا تنزيل القرآن من عند العزيز في انتقامه من أعدائه الحكيم في تدبيره.
* *
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ لأيَٰتٍ لِّلْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: إن فيها لعبراً وحُججاً للمصدقين بها، أي: إن لها خالقاً لم يخلقها عبثاً.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِن دَآبَّةٍ ءَايَٰتٌ لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾، أي: وإن في خلقكم أيها الناس، وما ينشر الله عز وجل في الأرض من دابة تدب عليها من غير جنسكم آيات لقوم يوقنون بحقائق الخلق، وأن الله عز وجل اخترع جميع ذلك.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَٱخْتِلاَفِ ٱللَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ وَمَآ أَنَزَلَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَّن رِّزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ ٱلأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾، أي: وإن في تعاقب الليل والنهار، وما ينزل من السماء من مطر يكون عنه من النبات رزقكم. وسمي الماء رزقا لأن عنه يتكون الرزق في الأرض.
* *
وقوله: ﴿فَأَحْيَا بِهِ ٱلأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾، أي: أنزل الماء فاهتزت الأرض بالنبات بعد أن كانت لا نبات فيها.
* *
ثم قال: ﴿وَتَصْرِيفِ ٱلرِّيَاحِ﴾، أي: وكون الرياح مرة شمالاً ومرة جنوباً، ومرة صبّاً ومرة دَبُوراً، ونحو ذلك من اختلافها لمنافع الخلق.
﴿ءَايَٰتٌ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾، أي عبراً وحججاً لقوم يعقلون عن الله عز وجل أمره ونهيه، فيتبعون رسله، ويفهمون عنهم وحيه.
* *
وقوله: ﴿وَمَا يَبُثُّ مِن دَآبَّةٍ ءَايَٰتٌ﴾ النصب في "ءايات" حسن على معنى: وإن في خلقكم آيات. وحسن ذلك لإعادة حرف الجر مع خلقكم.
ويجوز الرفع من ثلاثة أوجه.
أحدها: أن (تعطفها على الموضع) مثل قراءة الجماعة: ﴿وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ وَٱلسَّاعَةُ﴾ [الجاثية: ٣٢] بالرفع، عطف على موضع ﴿وعْدَ﴾.
والوجه الثاني: ترفع "الآيات" بالابتداء، وما قبلها خبرها. وتكون قد عطفت (جملة على) جملة منقطعة كما تقول إن زيداً خارج، وأن أجيئك غداً.
والوجه الثالث: أن ترفع على الإبتداء والخبر والجملة في موضع الحال. مثل قوله: ﴿يَغْشَىٰ طَآئِفَةً مِّنْكُمْ وَطَآئِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٤].
وأما قوله: ﴿وَٱخْتِلاَفِ ٱللَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ﴾ - إلى قوله - ﴿ءَايَٰتٌ﴾، فالرفع حسن على ما تقدم من الأوجه.
والنصب عند سيبويه (والأخفش والكسائي) جائز على العطف على عاملين وهما "إن" وحرف الجر لأنك لم تُعِدْ" في مع "الاختلاف" كما أعدت أولا "في" مع "خلقكم". فصرت تعطف بالواو على ما عملت فيه "إن" وعلى ما عمل فيه حرف الجر. فتخفض "الاختلاف" وتنصب "الآيات".
ونظير هذا من الكلام قولك: في الدار زيد والحجرة عمرو فتعطف بالواو على ما عملت فيه "في" وعلى ما عمل فيه الابتداء فتخفض الحجرة وترفع عمراً، فتعطف على عاملين (بحذف واحد. ولو أعدت "في" لم يكن عطف على عاملين.
ومنع المبرد القراءة بالنصب وقال: لا يجوز العطف على عاملين.
وكان الزجاج يحتج لسيبويه بأن قال: إن من رفع يقول: إنما قطعته مما قبله فرفعته بالابتداء وما قبله رفع فهو أيضاً عطف على عاملين لأنه عطف "واختلاف" على "خلقكم" وعطف "آيات" على موضع "آيات" الأولى.
قال: فقد صار العطف على عاملين إجماعاً.
وهذا، لا يلزم، لأن من رفع يقول: إنما قطعته مما قبله فرفعته بالابتداء وما قبله خبره.
وحكى الفراء رفع "الاختلاف" ورفع "الآيات". جعل "الآيات" هو "الاختلاف". وهذا وجه حسن ظاهر لولا أن القراءة سنة.
وإنما بعد العطف على عاملين (عند المبرد وغيره لأن حرف العطف إنما أتى به لينوب مناب العامل للاختصار. فلم يقرأ أن يجعل ينوب مناب عاملين مختلفين، ولو جاز أن ينوب مناب عاملين) لجاز أن ينوب مناب ثلاثة وأكثر (وهذا لا يقوله أحد) لأنه لو ناب مناب رافع وناصب لكان [رافعاً (ناصباً) في حال، وللزوم أن ينوب مناب رافع وناصب وجار فيكون] ناصباً ورافعاً جاراً في حال. وهذا محال ظاهر على أنهم قد أجمعوا أنه لا يجوز إذا تأخر المجرور، نحو قولك: زيد في الدار وعمرو الحجرة، وإنما أجازه من أجازه إذا كان المجرور يلي حرف العطف. وهذا تحكم بغير علة.
* *
ثم قال تعالى: ﴿تَلْكَ ءَايَٰتُ ٱللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِٱلْحَقِّ﴾، أي: تلك حجج الله نتلوها عليك يا محمد، أي: نخبرك عنها بالحق لا الباطل كما يخبر مشركو قريش عن آلهتهم بالباطل يقولون: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ﴾ [الزمر: ٣].
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ ٱللَّهِ وَءَايَٰتِهِ يُؤْمِنُونَ﴾، أي: فبأي حديث يا محمد بعد قرآن الله عز وجل وكتابه وآياته يؤمن هؤلاء المشركون.
ومن قرأه بالتاء فمعناه: فبأي حديث بعد قرآن الله سبحانه وكتابه تؤمنون أيها المشركون.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَيْلٌ لِّكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ * يَسْمَعُ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ تُتْلَىٰ عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِراً﴾؟
روي: أنها نزلت في النضر بن الحارث كان يخلف النبي ﷺ في مجلسه ويحدث قريشاً. بأخبار ملوك العجم ويقول: أنا أحسن حديثاً من محمد ﷺ.
فالمعنى: الواد السائل من صديد أهل جهنم لكل كذاب، ذي إثم سامع لآيات الله تُقرأ عليه ثم يتمادى على تكبره وتجبره على ربه سبحانه، فلا يذعن لأمره ونهيه كأن لم يسمع ما قرئ عليه ﴿كَأَنَّ فِيۤ أُذُنَيْهِ وَقْراً﴾ [لقمان: ٧]، أي: صمماً، فلا يسمع شيئاً لإصراره على كفره.
فبشره يا محمد بعذاب مؤلم، أي: موجع يوم القيامة. قال ابن عباس نزلت في الحارث بن كلدة".
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَا عَلِمَ مِنْ ءَايَٰتِنَا شَيْئاً ٱتَّخَذَهَا هُزُواً﴾، أي: وإذا علم هذا الأفاك الأثيم من آيات الله شيئاً اتخذها هزوا، أي: يسخر منها، وذلك كفعل أبي جهل حين نزلت: ﴿إِنَّ شَجَرَةَ ٱلزَّقُّومِ * طَعَامُ ٱلأَثِيمِ﴾ [الدخان: ٤٣ و ٤٤]، إذ دعا بزبد (وثمر) فقال: تزقموا من هذا، فما يفزعكم محمد إلا بهذا.
* *
ثم قال: ﴿أُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾، أي: لهم في الآخرة عذاب يهينهم، ويذلهم في نار جهنم.
وجمع في قوله: ﴿أُوْلَـٰئِكَ﴾ رداً على قوله: ﴿لِّكُلِّ أَفَّاكٍ﴾.
* *
ثم قال تعالى: ﴿مِّن وَرَآئِهِمْ جَهَنَّمُ﴾، أي: أمامهم جهنم.
﴿وَلاَ يُغْنِي عَنْهُم﴾ من عذابها. ﴿مَّا كَسَبُواْ﴾ في الدنيا من الأموال والأولاد شيئاً.
﴿وَلاَ مَا ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَوْلِيَآءَ﴾ أي: ولا تغني عنهم آلهتهم التي اتخذوها أولياء من دون الله فعبدوها، ولا رؤساؤهم الذين أطاعوهم في الكفر فاتخذوهم أولياء على ذلك من عذاب الله شيئاً.
* *
ثم قال: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾، يعني: نار جهنم وما فيها من أصناف العذاب.
* *
ثم قال تعالى: ﴿هَـٰذَا هُدًى وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِآيَٰتِ رَبِّهِمْ لَهُمْ عَذَابٌ مِّن رِّجْزٍ أَلِيمٌ﴾، أي: هذا القرآن الذي أنزلنا هدى لمن وفقه الله إلى الإيمان به والعمل بما فيه. والذين جحدوا آيات ربهم ولم يؤمنوا بها، لهم عذاب مؤلم من الرجز.
قال المبرد: "الرجز: أغلظ العذاب وأشده".
الجاثية 45:11
قوله تعالى: ﴿حـمۤ * تَنزِيلُ ٱلْكِتَابِ مِنَ ٱللَّهِ﴾ - إلى قوله - ﴿مِّن رِّجْزٍ أَلِيمٌ﴾، قد تقدم ذكر الاختلاف في "حم".
والمعنى: هذا تنزيل القرآن من عند العزيز في انتقامه من أعدائه الحكيم في تدبيره.
* *
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ لأيَٰتٍ لِّلْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: إن فيها لعبراً وحُججاً للمصدقين بها، أي: إن لها خالقاً لم يخلقها عبثاً.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِن دَآبَّةٍ ءَايَٰتٌ لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾، أي: وإن في خلقكم أيها الناس، وما ينشر الله عز وجل في الأرض من دابة تدب عليها من غير جنسكم آيات لقوم يوقنون بحقائق الخلق، وأن الله عز وجل اخترع جميع ذلك.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَٱخْتِلاَفِ ٱللَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ وَمَآ أَنَزَلَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَّن رِّزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ ٱلأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾، أي: وإن في تعاقب الليل والنهار، وما ينزل من السماء من مطر يكون عنه من النبات رزقكم. وسمي الماء رزقا لأن عنه يتكون الرزق في الأرض.
* *
وقوله: ﴿فَأَحْيَا بِهِ ٱلأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾، أي: أنزل الماء فاهتزت الأرض بالنبات بعد أن كانت لا نبات فيها.
* *
ثم قال: ﴿وَتَصْرِيفِ ٱلرِّيَاحِ﴾، أي: وكون الرياح مرة شمالاً ومرة جنوباً، ومرة صبّاً ومرة دَبُوراً، ونحو ذلك من اختلافها لمنافع الخلق.
﴿ءَايَٰتٌ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾، أي عبراً وحججاً لقوم يعقلون عن الله عز وجل أمره ونهيه، فيتبعون رسله، ويفهمون عنهم وحيه.
* *
وقوله: ﴿وَمَا يَبُثُّ مِن دَآبَّةٍ ءَايَٰتٌ﴾ النصب في "ءايات" حسن على معنى: وإن في خلقكم آيات. وحسن ذلك لإعادة حرف الجر مع خلقكم.
ويجوز الرفع من ثلاثة أوجه.
أحدها: أن (تعطفها على الموضع) مثل قراءة الجماعة: ﴿وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ وَٱلسَّاعَةُ﴾ [الجاثية: ٣٢] بالرفع، عطف على موضع ﴿وعْدَ﴾.
والوجه الثاني: ترفع "الآيات" بالابتداء، وما قبلها خبرها. وتكون قد عطفت (جملة على) جملة منقطعة كما تقول إن زيداً خارج، وأن أجيئك غداً.
والوجه الثالث: أن ترفع على الإبتداء والخبر والجملة في موضع الحال. مثل قوله: ﴿يَغْشَىٰ طَآئِفَةً مِّنْكُمْ وَطَآئِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٤].
وأما قوله: ﴿وَٱخْتِلاَفِ ٱللَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ﴾ - إلى قوله - ﴿ءَايَٰتٌ﴾، فالرفع حسن على ما تقدم من الأوجه.
والنصب عند سيبويه (والأخفش والكسائي) جائز على العطف على عاملين وهما "إن" وحرف الجر لأنك لم تُعِدْ" في مع "الاختلاف" كما أعدت أولا "في" مع "خلقكم". فصرت تعطف بالواو على ما عملت فيه "إن" وعلى ما عمل فيه حرف الجر. فتخفض "الاختلاف" وتنصب "الآيات".
ونظير هذا من الكلام قولك: في الدار زيد والحجرة عمرو فتعطف بالواو على ما عملت فيه "في" وعلى ما عمل فيه الابتداء فتخفض الحجرة وترفع عمراً، فتعطف على عاملين (بحذف واحد. ولو أعدت "في" لم يكن عطف على عاملين.
ومنع المبرد القراءة بالنصب وقال: لا يجوز العطف على عاملين.
وكان الزجاج يحتج لسيبويه بأن قال: إن من رفع يقول: إنما قطعته مما قبله فرفعته بالابتداء وما قبله رفع فهو أيضاً عطف على عاملين لأنه عطف "واختلاف" على "خلقكم" وعطف "آيات" على موضع "آيات" الأولى.
قال: فقد صار العطف على عاملين إجماعاً.
وهذا، لا يلزم، لأن من رفع يقول: إنما قطعته مما قبله فرفعته بالابتداء وما قبله خبره.
وحكى الفراء رفع "الاختلاف" ورفع "الآيات". جعل "الآيات" هو "الاختلاف". وهذا وجه حسن ظاهر لولا أن القراءة سنة.
وإنما بعد العطف على عاملين (عند المبرد وغيره لأن حرف العطف إنما أتى به لينوب مناب العامل للاختصار. فلم يقرأ أن يجعل ينوب مناب عاملين مختلفين، ولو جاز أن ينوب مناب عاملين) لجاز أن ينوب مناب ثلاثة وأكثر (وهذا لا يقوله أحد) لأنه لو ناب مناب رافع وناصب لكان [رافعاً (ناصباً) في حال، وللزوم أن ينوب مناب رافع وناصب وجار فيكون] ناصباً ورافعاً جاراً في حال. وهذا محال ظاهر على أنهم قد أجمعوا أنه لا يجوز إذا تأخر المجرور، نحو قولك: زيد في الدار وعمرو الحجرة، وإنما أجازه من أجازه إذا كان المجرور يلي حرف العطف. وهذا تحكم بغير علة.
* *
ثم قال تعالى: ﴿تَلْكَ ءَايَٰتُ ٱللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِٱلْحَقِّ﴾، أي: تلك حجج الله نتلوها عليك يا محمد، أي: نخبرك عنها بالحق لا الباطل كما يخبر مشركو قريش عن آلهتهم بالباطل يقولون: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ﴾ [الزمر: ٣].
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ ٱللَّهِ وَءَايَٰتِهِ يُؤْمِنُونَ﴾، أي: فبأي حديث يا محمد بعد قرآن الله عز وجل وكتابه وآياته يؤمن هؤلاء المشركون.
ومن قرأه بالتاء فمعناه: فبأي حديث بعد قرآن الله سبحانه وكتابه تؤمنون أيها المشركون.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَيْلٌ لِّكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ * يَسْمَعُ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ تُتْلَىٰ عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِراً﴾؟
روي: أنها نزلت في النضر بن الحارث كان يخلف النبي ﷺ في مجلسه ويحدث قريشاً. بأخبار ملوك العجم ويقول: أنا أحسن حديثاً من محمد ﷺ.
فالمعنى: الواد السائل من صديد أهل جهنم لكل كذاب، ذي إثم سامع لآيات الله تُقرأ عليه ثم يتمادى على تكبره وتجبره على ربه سبحانه، فلا يذعن لأمره ونهيه كأن لم يسمع ما قرئ عليه ﴿كَأَنَّ فِيۤ أُذُنَيْهِ وَقْراً﴾ [لقمان: ٧]، أي: صمماً، فلا يسمع شيئاً لإصراره على كفره.
فبشره يا محمد بعذاب مؤلم، أي: موجع يوم القيامة. قال ابن عباس نزلت في الحارث بن كلدة".
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَا عَلِمَ مِنْ ءَايَٰتِنَا شَيْئاً ٱتَّخَذَهَا هُزُواً﴾، أي: وإذا علم هذا الأفاك الأثيم من آيات الله شيئاً اتخذها هزوا، أي: يسخر منها، وذلك كفعل أبي جهل حين نزلت: ﴿إِنَّ شَجَرَةَ ٱلزَّقُّومِ * طَعَامُ ٱلأَثِيمِ﴾ [الدخان: ٤٣ و ٤٤]، إذ دعا بزبد (وثمر) فقال: تزقموا من هذا، فما يفزعكم محمد إلا بهذا.
* *
ثم قال: ﴿أُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾، أي: لهم في الآخرة عذاب يهينهم، ويذلهم في نار جهنم.
وجمع في قوله: ﴿أُوْلَـٰئِكَ﴾ رداً على قوله: ﴿لِّكُلِّ أَفَّاكٍ﴾.
* *
ثم قال تعالى: ﴿مِّن وَرَآئِهِمْ جَهَنَّمُ﴾، أي: أمامهم جهنم.
﴿وَلاَ يُغْنِي عَنْهُم﴾ من عذابها. ﴿مَّا كَسَبُواْ﴾ في الدنيا من الأموال والأولاد شيئاً.
﴿وَلاَ مَا ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَوْلِيَآءَ﴾ أي: ولا تغني عنهم آلهتهم التي اتخذوها أولياء من دون الله فعبدوها، ولا رؤساؤهم الذين أطاعوهم في الكفر فاتخذوهم أولياء على ذلك من عذاب الله شيئاً.
* *
ثم قال: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾، يعني: نار جهنم وما فيها من أصناف العذاب.
* *
ثم قال تعالى: ﴿هَـٰذَا هُدًى وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِآيَٰتِ رَبِّهِمْ لَهُمْ عَذَابٌ مِّن رِّجْزٍ أَلِيمٌ﴾، أي: هذا القرآن الذي أنزلنا هدى لمن وفقه الله إلى الإيمان به والعمل بما فيه. والذين جحدوا آيات ربهم ولم يؤمنوا بها، لهم عذاب مؤلم من الرجز.
قال المبرد: "الرجز: أغلظ العذاب وأشده".
الجاثية 45:12
قوله تعالى: ﴿ٱللَّهُ ٱلَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ﴾ - إلى قوله - ﴿سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾، أي: الذي تجب له العبادة والخضوع والطاعة هو الله الذي سخر لكم البحر لتجري السفن فيه بأمره وبقدرته فتنتفعون بذلك لمتجركم، ومعائشكم، وتصرفكم في البلدان، وتبتغون من فضله فهو الذي يجب له الشكر على نعمه دون غيره.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَّا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً مِّنْهُ﴾، أي: سخر لكم أيضاً - أيها الناس - ما في السماوات من شمس وقمر ونجوم وليل ونهار وما في الأرض من دابة وشجر وجبل وغير ذلك لمنافعكم ومصالحكم جميعاً منه، أي: نعمة منه عليكم، فإياه فاحمدوا واشكروا.
وقرئت: "جميعا منة"، أي من (عليكم بذلك منة).
* *
ثم قال: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لأيَٰتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾، أي: إن في تسخير ما تقدم ذكره لمنافع الخلق ومصالحهم لعبراً لقوم يتفكرون في آيات الله عز وجل وحججه سبحانه وأدلته فيعتبرون بها ويتعظون.
و ﴿جَمِيعاً مِّنْهُ﴾ (وقف جيد).
ومن قرأ "منة" وقف على "جميعاً"، ثم ابتدأ "منة" إن في ذلك"، أي: من عليكم بذلك منة.
* *
ثم قال تعالى: ﴿قُل لِّلَّذِينَ آمَنُواْ يَغْفِرُواْ لِلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ أَيَّامَ ٱللَّهِ﴾، أي: قل لهم اغفروا يغفروا. فهو جواب أمر محمول على المعنى.
والمعنى: قل يا محمد للذين صدقوك: اغفروا للذين لا يخافون أيام الله، أي: بأس الله ووقائعه فيمن كفر به ونقمه منهم يغفروا.
﴿لِيَجْزِيَ قَوْماً بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ﴾، أي: ليجزي الله عز وجل في الآخرة هؤلاء الذين يؤذون المؤمنين بما اكتسبوا في الدنيا من أذى المؤمنين (ومن غير) ذلك.
وروي عن عاصم أنه قرأ ﴿لِيَجْزِيَ قَوْماً﴾ بنصب قوم والفعل لما لم يسم فاعله. وهذا بعيد جداً لم يجزه سيبويه ولا جميع البصريين.
وإنما تقديره عنده: ليجزي الجزاء قوماً. فيقيم المصدر مقام ما لم يسم فاعله ويضمره وينصب الاسم المقصود بالمعنى وهو شاذ بعيد في النظر والقياس.
ولم يجز النحويون: "ضُرِبَ الضربُ زيداً" برفع الضرب ونصب زيد، ولو جاز هذا لجازت هذه القراءة ولكن لا يجيزونه إلا في شعر على بعد.
قال ابن عباس: كان النبي ﷺ يعرض عن المشركين إذا آذوه، وكانوا يستهزؤون به ويكذبونه، ثم أمره الله عز وجل أن يقاتلهم كافة. فكان هذا من المنسوخ. وعن ابن عباس أيضاً، وهو قول الضحاك: إن الآية نزلت في عمر بن الخطاب رضي الله عنه شتمه رجل من المشركين بمكة قبل الهجرة، فأراد أن يبطش به فنزلت: ﴿قُل لِّلَّذِينَ آمَنُواْ﴾ - يعني عمر - ﴿يَغْفِرُواْ لِلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ أَيَّامَ ٱللَّهِ﴾، ثم نسخ هذا في "براءة" بالأمر بالقتال والقتل للمشركين، وهو أيضاً قول قتادة، إلا أنه قال: نسخها قوله: ﴿فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي ٱلْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِم مَّنْ خَلْفَهُمْ﴾ [الأنفال: ٥٧] وقاله الضحاك.
وعن أبي هريرة أنه قال نسخها قوله: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُواْ﴾ [الحج: ٣٩].
وقيل: معنى "لا يرجون أيام الله": لا يخافون البعث.
* *
ثم قال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَـٰلِحاً فَلِنَفْسِهِ﴾، أي: لخلاص نفسه يعمل، والله عز وجل غني عن عمله، إنما عمله له.
﴿وَمَنْ أَسَآءَ فَعَلَيْهَا﴾، أي: ومن عمل عملاً سيئا فعلى نفسه جنى وفي عطبها سعى، لا يضر الله سبحانه ذلك ولا ينقصه من ملكه. ﴿ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُمْ﴾ أيها الناس.
﴿تُرْجَعُونَ﴾، (أي: تردون) في الآخرة فيجازي المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ ٱلْكِتَابَ وَٱلْحُكْمَ وَٱلنُّبُوَّةَ﴾، أي: ولقد أعطينا بني إسرائيل التوراة والإنجيل.
﴿وَٱلْحُكْمَ﴾ يعني: الفهم بالكتاب والعلم بما فيه من السنن التي لم تنزل في كتاب. قال مجاهد: "الحكم: اللب".
* *
وقوله: ﴿وَٱلنُّبُوَّةَ﴾، أي: وجعلنا منهم الأنبياء والرسل إلى الخلق، فأكثر الأنبياء والرسل من بني إسرائيل.
* *
ثم قال: ﴿وَرَزَقْنَاهُمْ مِّنَ ٱلطَّيِّبَاتِ﴾، يعني: المَنَّ والسَّلْوَى وغير ذلك من المطاعم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى ٱلْعَالَمينَ﴾، أي: على عالم زمانهم.
* *
ثم قال: ﴿وَآتَيْنَاهُم بَيِّنَاتٍ مِّنَ ٱلأَمْرِ﴾، أي: وأعطيناهم واضحات من أمرنا بتنزيلنا التوراة عليهم فيها تفصيل كل شيء.
* *
ثم قال: ﴿فَمَا ٱخْتَلَفُوۤاْ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ ٱلْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ﴾ أي: لم يختلفوا في دينهم إلا من بعد ﴿مَا جَآءَهُمُ ٱلْعِلْمُ﴾، أي: إلا من بعد ما أنزلت عليهم التوراة فاختلفوا للرياسة بعد علمهم بالحق مما اختلفوا فيه فتنافسوا في الدنيا ورياستها فبغوا بغياً فيما بينهم، وتركوا تبيين ما أنزل الله عليهم.
* *
ثم قال: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بِيْنَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ﴾، أي: يحكم (ويفصل بينهم) فيما اختلفوا فيه يوم القيامة، فيعلي المحق على المبطل.
* *
ثم قال تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَىٰ شَرِيعَةٍ مِّنَ ٱلأَمْرِ فَٱتَّبِعْهَا﴾، أي: ثم جعلناك يا محمد بعد بني إسرائيل على طريقة وسنة ومنهاج من أمرنا الذي أمرنا به من قبلك من الرسل، فاتبع تلك الشريعة ﴿وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَآءَ ٱلَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ﴾، أي: ولا تتبع ما يدعوك إليه الجاهلون بالله.
قال ابن عباس: ﴿عَلَىٰ شَرِيعَةٍ﴾: "على هدى من الأمر وبينة".
وقال قتادة: "الشريعة: الفرائض والحدود والأمر والنهي".
وقال ابن زيد: الشريعة: الدين، وقرأ ﴿شَرَعَ لَكُم مِّنَ ٱلدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحاً وَٱلَّذِيۤ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ﴾ [الشورى: ١٣] فنوح أولهم ومحمد آخرهم صلى الله على جميع النبيين وسلم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ لَن يُغْنُواْ عَنكَ مِنَ ٱللَّهِ شَيْئاً﴾ أي إن هؤلاء الجاهلين بربهم لن ينفعوك من الله شيئا إن اتبعت أهواءهم وما يدعونك إليه.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَإِنَّ ٱلظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ﴾، أي: وإن الكافرين بعضهم أنصار بعض وأعوانهم على أهل الإيمان بالله عز وجل.
﴿وَٱللَّهُ وَلِيُّ ٱلْمُتَّقِينَ﴾، أي: هو ولي من اتقاه بأداء فرائضه واجتناب معاصيه.
* *
ثم قال تعالى: ﴿هَـٰذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ﴾، أي: هذا القرآن بصائر يبصر به من العمى وهو الضلالة، ويهتدي به من جار عن طريق الحق، وتاه في ميدان الباطل ﴿وَرَحْمَةٌ﴾، أي: وهو رحمة لمن آمن به واتبعه.
(وقوله: ﴿لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾، أي هو نور ورشاد ورحمة لمن أيقن أنه من عند الله فآمن به واتبعه).
* *
ثم قال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ ٱلَّذِينَ ٱجْتَرَحُواْ ٱلسَّيِّئَاتِ أَن نَّجْعَلَهُمْ كَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ﴾، أي: أيحسب الكفار بالله عز وجل المكتسبون الكبائر أن يكونوا كالمؤمنين بالله عز وجل المجتنبين للكبائر.
ويدل على أن المراد بالمكتسبين السيئات في هذه الآية الكفار قوله: "كالذين ءامنوا وعملوا الصالحات". فذكر الإيمان مع العمل، ولو كانوا مؤمنين لقال: كالذين عملوا الصالحات ولم يذكر الإيمان.
* *
ثم قال: ﴿سَوَآءً مَّحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾.
قال مجاهد معناه: إن المؤمن يموت على إيمانه ويبعث على إيمانه والكافر يموت على كفره ويبعث عليه. وقال أبو الدرداء: "يبعث الناس على ما ماتوا عليه".
هذا معنى قراءة من رفع "سواء" فجعله مبتدأ "ومحياهم" خبر، ومماتهم عطف على "محياهم".
وإنما حَسُنَ الرفع في "سواء" (لأن الفعل) قد استوفى مفعوليه فارتفع "سواء" على الابتداء، كما قيل "سَوَاءُ العَاكِفُ فِيهِ وَالبَادِي".
وإنما اختير الرفع في "سواء" لأنه اسم في معنى المصدر فلم يحسن جريه على الأول فارتفع بالإبتداء إذ الفعل قد تعدى إلى مفعوليه.
ولو كان في موضع "سواء" مستو لحسن النصب لأنه يجري على الأول، فينصب مع المعرفة على الحال وهذا هو الاختيار عند سيبويه وجميع النحويين.
ويجوز النصب عند سيبويه وغيره كما أجاز: مررت برجل سواءً عليه الخير والشر، فإذا نصبت على الحال، إذ قبله معرفة.
فكما جاز أن يكون صفة للنكرة جاز أن يكون حالاً للمعرفة وهو بعيد، لأن الأسماء التي ليست بجارية على الفعل، الرفع الاختيار فيها عند النحويين إذا رفعت ظاهراً بعدها.
وبالنصب قرأ حفص وحمزة والكسائي على الحال من الهاء والميم في "نجعلهم".
وقرأ الأعمش ﴿سَوَآءً مَّحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ﴾ بالنصب في ذلك كله ينصب "سوا" على الحال، وينصب "محياهم ومماتهم" على تقدير في محياهم ومماتهم كأنه يجعله ظرفاً.
ويجوز أن يكون ﴿مَّحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ﴾ بدلا من الهاء والميم في ﴿نَّجْعَلَهُمْ﴾ فيصير المعنى: (أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعل محياهم ومماتهم سواء)، أي كمحيى الذين آمنوا ومماتهم. والوقف على "الصالحات" حسن عند نافع وأبي عبيدة على قراءة من رفع.
وقال غيرهما: من نصب سواء وقف عليه. وهو بعيد لا وجه له، لأن "محياهم" مرتفع "بسواء". والتمام عند الأخفش: "ومماتهم" وعند غيره "يحكمون".
ومعنى "ساء ما يحكمون: "بيس الحكم يحكمون إن حسبوا ذلك وظنوه.
و "ما" في موضع رفع إن جعلتها معرفة. وفي موضع نصب على البيان إن جعلتها نكرة.
قال مجاهد في معنى الآية: محيى المسلمين ومماتهم، كلاهما محمود، محيى الكفار ومماتهم مذموم، فلا يستويان.
الجاثية 45:13
قوله تعالى: ﴿ٱللَّهُ ٱلَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ﴾ - إلى قوله - ﴿سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾، أي: الذي تجب له العبادة والخضوع والطاعة هو الله الذي سخر لكم البحر لتجري السفن فيه بأمره وبقدرته فتنتفعون بذلك لمتجركم، ومعائشكم، وتصرفكم في البلدان، وتبتغون من فضله فهو الذي يجب له الشكر على نعمه دون غيره.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَّا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً مِّنْهُ﴾، أي: سخر لكم أيضاً - أيها الناس - ما في السماوات من شمس وقمر ونجوم وليل ونهار وما في الأرض من دابة وشجر وجبل وغير ذلك لمنافعكم ومصالحكم جميعاً منه، أي: نعمة منه عليكم، فإياه فاحمدوا واشكروا.
وقرئت: "جميعا منة"، أي من (عليكم بذلك منة).
* *
ثم قال: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لأيَٰتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾، أي: إن في تسخير ما تقدم ذكره لمنافع الخلق ومصالحهم لعبراً لقوم يتفكرون في آيات الله عز وجل وحججه سبحانه وأدلته فيعتبرون بها ويتعظون.
و ﴿جَمِيعاً مِّنْهُ﴾ (وقف جيد).
ومن قرأ "منة" وقف على "جميعاً"، ثم ابتدأ "منة" إن في ذلك"، أي: من عليكم بذلك منة.
* *
ثم قال تعالى: ﴿قُل لِّلَّذِينَ آمَنُواْ يَغْفِرُواْ لِلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ أَيَّامَ ٱللَّهِ﴾، أي: قل لهم اغفروا يغفروا. فهو جواب أمر محمول على المعنى.
والمعنى: قل يا محمد للذين صدقوك: اغفروا للذين لا يخافون أيام الله، أي: بأس الله ووقائعه فيمن كفر به ونقمه منهم يغفروا.
﴿لِيَجْزِيَ قَوْماً بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ﴾، أي: ليجزي الله عز وجل في الآخرة هؤلاء الذين يؤذون المؤمنين بما اكتسبوا في الدنيا من أذى المؤمنين (ومن غير) ذلك.
وروي عن عاصم أنه قرأ ﴿لِيَجْزِيَ قَوْماً﴾ بنصب قوم والفعل لما لم يسم فاعله. وهذا بعيد جداً لم يجزه سيبويه ولا جميع البصريين.
وإنما تقديره عنده: ليجزي الجزاء قوماً. فيقيم المصدر مقام ما لم يسم فاعله ويضمره وينصب الاسم المقصود بالمعنى وهو شاذ بعيد في النظر والقياس.
ولم يجز النحويون: "ضُرِبَ الضربُ زيداً" برفع الضرب ونصب زيد، ولو جاز هذا لجازت هذه القراءة ولكن لا يجيزونه إلا في شعر على بعد.
قال ابن عباس: كان النبي ﷺ يعرض عن المشركين إذا آذوه، وكانوا يستهزؤون به ويكذبونه، ثم أمره الله عز وجل أن يقاتلهم كافة. فكان هذا من المنسوخ. وعن ابن عباس أيضاً، وهو قول الضحاك: إن الآية نزلت في عمر بن الخطاب رضي الله عنه شتمه رجل من المشركين بمكة قبل الهجرة، فأراد أن يبطش به فنزلت: ﴿قُل لِّلَّذِينَ آمَنُواْ﴾ - يعني عمر - ﴿يَغْفِرُواْ لِلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ أَيَّامَ ٱللَّهِ﴾، ثم نسخ هذا في "براءة" بالأمر بالقتال والقتل للمشركين، وهو أيضاً قول قتادة، إلا أنه قال: نسخها قوله: ﴿فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي ٱلْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِم مَّنْ خَلْفَهُمْ﴾ [الأنفال: ٥٧] وقاله الضحاك.
وعن أبي هريرة أنه قال نسخها قوله: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُواْ﴾ [الحج: ٣٩].
وقيل: معنى "لا يرجون أيام الله": لا يخافون البعث.
* *
ثم قال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَـٰلِحاً فَلِنَفْسِهِ﴾، أي: لخلاص نفسه يعمل، والله عز وجل غني عن عمله، إنما عمله له.
﴿وَمَنْ أَسَآءَ فَعَلَيْهَا﴾، أي: ومن عمل عملاً سيئا فعلى نفسه جنى وفي عطبها سعى، لا يضر الله سبحانه ذلك ولا ينقصه من ملكه. ﴿ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُمْ﴾ أيها الناس.
﴿تُرْجَعُونَ﴾، (أي: تردون) في الآخرة فيجازي المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ ٱلْكِتَابَ وَٱلْحُكْمَ وَٱلنُّبُوَّةَ﴾، أي: ولقد أعطينا بني إسرائيل التوراة والإنجيل.
﴿وَٱلْحُكْمَ﴾ يعني: الفهم بالكتاب والعلم بما فيه من السنن التي لم تنزل في كتاب. قال مجاهد: "الحكم: اللب".
* *
وقوله: ﴿وَٱلنُّبُوَّةَ﴾، أي: وجعلنا منهم الأنبياء والرسل إلى الخلق، فأكثر الأنبياء والرسل من بني إسرائيل.
* *
ثم قال: ﴿وَرَزَقْنَاهُمْ مِّنَ ٱلطَّيِّبَاتِ﴾، يعني: المَنَّ والسَّلْوَى وغير ذلك من المطاعم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى ٱلْعَالَمينَ﴾، أي: على عالم زمانهم.
* *
ثم قال: ﴿وَآتَيْنَاهُم بَيِّنَاتٍ مِّنَ ٱلأَمْرِ﴾، أي: وأعطيناهم واضحات من أمرنا بتنزيلنا التوراة عليهم فيها تفصيل كل شيء.
* *
ثم قال: ﴿فَمَا ٱخْتَلَفُوۤاْ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ ٱلْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ﴾ أي: لم يختلفوا في دينهم إلا من بعد ﴿مَا جَآءَهُمُ ٱلْعِلْمُ﴾، أي: إلا من بعد ما أنزلت عليهم التوراة فاختلفوا للرياسة بعد علمهم بالحق مما اختلفوا فيه فتنافسوا في الدنيا ورياستها فبغوا بغياً فيما بينهم، وتركوا تبيين ما أنزل الله عليهم.
* *
ثم قال: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بِيْنَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ﴾، أي: يحكم (ويفصل بينهم) فيما اختلفوا فيه يوم القيامة، فيعلي المحق على المبطل.
* *
ثم قال تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَىٰ شَرِيعَةٍ مِّنَ ٱلأَمْرِ فَٱتَّبِعْهَا﴾، أي: ثم جعلناك يا محمد بعد بني إسرائيل على طريقة وسنة ومنهاج من أمرنا الذي أمرنا به من قبلك من الرسل، فاتبع تلك الشريعة ﴿وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَآءَ ٱلَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ﴾، أي: ولا تتبع ما يدعوك إليه الجاهلون بالله.
قال ابن عباس: ﴿عَلَىٰ شَرِيعَةٍ﴾: "على هدى من الأمر وبينة".
وقال قتادة: "الشريعة: الفرائض والحدود والأمر والنهي".
وقال ابن زيد: الشريعة: الدين، وقرأ ﴿شَرَعَ لَكُم مِّنَ ٱلدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحاً وَٱلَّذِيۤ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ﴾ [الشورى: ١٣] فنوح أولهم ومحمد آخرهم صلى الله على جميع النبيين وسلم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ لَن يُغْنُواْ عَنكَ مِنَ ٱللَّهِ شَيْئاً﴾ أي إن هؤلاء الجاهلين بربهم لن ينفعوك من الله شيئا إن اتبعت أهواءهم وما يدعونك إليه.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَإِنَّ ٱلظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ﴾، أي: وإن الكافرين بعضهم أنصار بعض وأعوانهم على أهل الإيمان بالله عز وجل.
﴿وَٱللَّهُ وَلِيُّ ٱلْمُتَّقِينَ﴾، أي: هو ولي من اتقاه بأداء فرائضه واجتناب معاصيه.
* *
ثم قال تعالى: ﴿هَـٰذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ﴾، أي: هذا القرآن بصائر يبصر به من العمى وهو الضلالة، ويهتدي به من جار عن طريق الحق، وتاه في ميدان الباطل ﴿وَرَحْمَةٌ﴾، أي: وهو رحمة لمن آمن به واتبعه.
(وقوله: ﴿لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾، أي هو نور ورشاد ورحمة لمن أيقن أنه من عند الله فآمن به واتبعه).
* *
ثم قال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ ٱلَّذِينَ ٱجْتَرَحُواْ ٱلسَّيِّئَاتِ أَن نَّجْعَلَهُمْ كَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ﴾، أي: أيحسب الكفار بالله عز وجل المكتسبون الكبائر أن يكونوا كالمؤمنين بالله عز وجل المجتنبين للكبائر.
ويدل على أن المراد بالمكتسبين السيئات في هذه الآية الكفار قوله: "كالذين ءامنوا وعملوا الصالحات". فذكر الإيمان مع العمل، ولو كانوا مؤمنين لقال: كالذين عملوا الصالحات ولم يذكر الإيمان.
* *
ثم قال: ﴿سَوَآءً مَّحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾.
قال مجاهد معناه: إن المؤمن يموت على إيمانه ويبعث على إيمانه والكافر يموت على كفره ويبعث عليه. وقال أبو الدرداء: "يبعث الناس على ما ماتوا عليه".
هذا معنى قراءة من رفع "سواء" فجعله مبتدأ "ومحياهم" خبر، ومماتهم عطف على "محياهم".
وإنما حَسُنَ الرفع في "سواء" (لأن الفعل) قد استوفى مفعوليه فارتفع "سواء" على الابتداء، كما قيل "سَوَاءُ العَاكِفُ فِيهِ وَالبَادِي".
وإنما اختير الرفع في "سواء" لأنه اسم في معنى المصدر فلم يحسن جريه على الأول فارتفع بالإبتداء إذ الفعل قد تعدى إلى مفعوليه.
ولو كان في موضع "سواء" مستو لحسن النصب لأنه يجري على الأول، فينصب مع المعرفة على الحال وهذا هو الاختيار عند سيبويه وجميع النحويين.
ويجوز النصب عند سيبويه وغيره كما أجاز: مررت برجل سواءً عليه الخير والشر، فإذا نصبت على الحال، إذ قبله معرفة.
فكما جاز أن يكون صفة للنكرة جاز أن يكون حالاً للمعرفة وهو بعيد، لأن الأسماء التي ليست بجارية على الفعل، الرفع الاختيار فيها عند النحويين إذا رفعت ظاهراً بعدها.
وبالنصب قرأ حفص وحمزة والكسائي على الحال من الهاء والميم في "نجعلهم".
وقرأ الأعمش ﴿سَوَآءً مَّحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ﴾ بالنصب في ذلك كله ينصب "سوا" على الحال، وينصب "محياهم ومماتهم" على تقدير في محياهم ومماتهم كأنه يجعله ظرفاً.
ويجوز أن يكون ﴿مَّحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ﴾ بدلا من الهاء والميم في ﴿نَّجْعَلَهُمْ﴾ فيصير المعنى: (أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعل محياهم ومماتهم سواء)، أي كمحيى الذين آمنوا ومماتهم. والوقف على "الصالحات" حسن عند نافع وأبي عبيدة على قراءة من رفع.
وقال غيرهما: من نصب سواء وقف عليه. وهو بعيد لا وجه له، لأن "محياهم" مرتفع "بسواء". والتمام عند الأخفش: "ومماتهم" وعند غيره "يحكمون".
ومعنى "ساء ما يحكمون: "بيس الحكم يحكمون إن حسبوا ذلك وظنوه.
و "ما" في موضع رفع إن جعلتها معرفة. وفي موضع نصب على البيان إن جعلتها نكرة.
قال مجاهد في معنى الآية: محيى المسلمين ومماتهم، كلاهما محمود، محيى الكفار ومماتهم مذموم، فلا يستويان.
الجاثية 45:14
قوله تعالى: ﴿ٱللَّهُ ٱلَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ﴾ - إلى قوله - ﴿سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾، أي: الذي تجب له العبادة والخضوع والطاعة هو الله الذي سخر لكم البحر لتجري السفن فيه بأمره وبقدرته فتنتفعون بذلك لمتجركم، ومعائشكم، وتصرفكم في البلدان، وتبتغون من فضله فهو الذي يجب له الشكر على نعمه دون غيره.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَّا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً مِّنْهُ﴾، أي: سخر لكم أيضاً - أيها الناس - ما في السماوات من شمس وقمر ونجوم وليل ونهار وما في الأرض من دابة وشجر وجبل وغير ذلك لمنافعكم ومصالحكم جميعاً منه، أي: نعمة منه عليكم، فإياه فاحمدوا واشكروا.
وقرئت: "جميعا منة"، أي من (عليكم بذلك منة).
* *
ثم قال: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لأيَٰتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾، أي: إن في تسخير ما تقدم ذكره لمنافع الخلق ومصالحهم لعبراً لقوم يتفكرون في آيات الله عز وجل وحججه سبحانه وأدلته فيعتبرون بها ويتعظون.
و ﴿جَمِيعاً مِّنْهُ﴾ (وقف جيد).
ومن قرأ "منة" وقف على "جميعاً"، ثم ابتدأ "منة" إن في ذلك"، أي: من عليكم بذلك منة.
* *
ثم قال تعالى: ﴿قُل لِّلَّذِينَ آمَنُواْ يَغْفِرُواْ لِلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ أَيَّامَ ٱللَّهِ﴾، أي: قل لهم اغفروا يغفروا. فهو جواب أمر محمول على المعنى.
والمعنى: قل يا محمد للذين صدقوك: اغفروا للذين لا يخافون أيام الله، أي: بأس الله ووقائعه فيمن كفر به ونقمه منهم يغفروا.
﴿لِيَجْزِيَ قَوْماً بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ﴾، أي: ليجزي الله عز وجل في الآخرة هؤلاء الذين يؤذون المؤمنين بما اكتسبوا في الدنيا من أذى المؤمنين (ومن غير) ذلك.
وروي عن عاصم أنه قرأ ﴿لِيَجْزِيَ قَوْماً﴾ بنصب قوم والفعل لما لم يسم فاعله. وهذا بعيد جداً لم يجزه سيبويه ولا جميع البصريين.
وإنما تقديره عنده: ليجزي الجزاء قوماً. فيقيم المصدر مقام ما لم يسم فاعله ويضمره وينصب الاسم المقصود بالمعنى وهو شاذ بعيد في النظر والقياس.
ولم يجز النحويون: "ضُرِبَ الضربُ زيداً" برفع الضرب ونصب زيد، ولو جاز هذا لجازت هذه القراءة ولكن لا يجيزونه إلا في شعر على بعد.
قال ابن عباس: كان النبي ﷺ يعرض عن المشركين إذا آذوه، وكانوا يستهزؤون به ويكذبونه، ثم أمره الله عز وجل أن يقاتلهم كافة. فكان هذا من المنسوخ. وعن ابن عباس أيضاً، وهو قول الضحاك: إن الآية نزلت في عمر بن الخطاب رضي الله عنه شتمه رجل من المشركين بمكة قبل الهجرة، فأراد أن يبطش به فنزلت: ﴿قُل لِّلَّذِينَ آمَنُواْ﴾ - يعني عمر - ﴿يَغْفِرُواْ لِلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ أَيَّامَ ٱللَّهِ﴾، ثم نسخ هذا في "براءة" بالأمر بالقتال والقتل للمشركين، وهو أيضاً قول قتادة، إلا أنه قال: نسخها قوله: ﴿فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي ٱلْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِم مَّنْ خَلْفَهُمْ﴾ [الأنفال: ٥٧] وقاله الضحاك.
وعن أبي هريرة أنه قال نسخها قوله: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُواْ﴾ [الحج: ٣٩].
وقيل: معنى "لا يرجون أيام الله": لا يخافون البعث.
* *
ثم قال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَـٰلِحاً فَلِنَفْسِهِ﴾، أي: لخلاص نفسه يعمل، والله عز وجل غني عن عمله، إنما عمله له.
﴿وَمَنْ أَسَآءَ فَعَلَيْهَا﴾، أي: ومن عمل عملاً سيئا فعلى نفسه جنى وفي عطبها سعى، لا يضر الله سبحانه ذلك ولا ينقصه من ملكه. ﴿ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُمْ﴾ أيها الناس.
﴿تُرْجَعُونَ﴾، (أي: تردون) في الآخرة فيجازي المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ ٱلْكِتَابَ وَٱلْحُكْمَ وَٱلنُّبُوَّةَ﴾، أي: ولقد أعطينا بني إسرائيل التوراة والإنجيل.
﴿وَٱلْحُكْمَ﴾ يعني: الفهم بالكتاب والعلم بما فيه من السنن التي لم تنزل في كتاب. قال مجاهد: "الحكم: اللب".
* *
وقوله: ﴿وَٱلنُّبُوَّةَ﴾، أي: وجعلنا منهم الأنبياء والرسل إلى الخلق، فأكثر الأنبياء والرسل من بني إسرائيل.
* *
ثم قال: ﴿وَرَزَقْنَاهُمْ مِّنَ ٱلطَّيِّبَاتِ﴾، يعني: المَنَّ والسَّلْوَى وغير ذلك من المطاعم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى ٱلْعَالَمينَ﴾، أي: على عالم زمانهم.
* *
ثم قال: ﴿وَآتَيْنَاهُم بَيِّنَاتٍ مِّنَ ٱلأَمْرِ﴾، أي: وأعطيناهم واضحات من أمرنا بتنزيلنا التوراة عليهم فيها تفصيل كل شيء.
* *
ثم قال: ﴿فَمَا ٱخْتَلَفُوۤاْ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ ٱلْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ﴾ أي: لم يختلفوا في دينهم إلا من بعد ﴿مَا جَآءَهُمُ ٱلْعِلْمُ﴾، أي: إلا من بعد ما أنزلت عليهم التوراة فاختلفوا للرياسة بعد علمهم بالحق مما اختلفوا فيه فتنافسوا في الدنيا ورياستها فبغوا بغياً فيما بينهم، وتركوا تبيين ما أنزل الله عليهم.
* *
ثم قال: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بِيْنَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ﴾، أي: يحكم (ويفصل بينهم) فيما اختلفوا فيه يوم القيامة، فيعلي المحق على المبطل.
* *
ثم قال تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَىٰ شَرِيعَةٍ مِّنَ ٱلأَمْرِ فَٱتَّبِعْهَا﴾، أي: ثم جعلناك يا محمد بعد بني إسرائيل على طريقة وسنة ومنهاج من أمرنا الذي أمرنا به من قبلك من الرسل، فاتبع تلك الشريعة ﴿وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَآءَ ٱلَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ﴾، أي: ولا تتبع ما يدعوك إليه الجاهلون بالله.
قال ابن عباس: ﴿عَلَىٰ شَرِيعَةٍ﴾: "على هدى من الأمر وبينة".
وقال قتادة: "الشريعة: الفرائض والحدود والأمر والنهي".
وقال ابن زيد: الشريعة: الدين، وقرأ ﴿شَرَعَ لَكُم مِّنَ ٱلدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحاً وَٱلَّذِيۤ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ﴾ [الشورى: ١٣] فنوح أولهم ومحمد آخرهم صلى الله على جميع النبيين وسلم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ لَن يُغْنُواْ عَنكَ مِنَ ٱللَّهِ شَيْئاً﴾ أي إن هؤلاء الجاهلين بربهم لن ينفعوك من الله شيئا إن اتبعت أهواءهم وما يدعونك إليه.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَإِنَّ ٱلظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ﴾، أي: وإن الكافرين بعضهم أنصار بعض وأعوانهم على أهل الإيمان بالله عز وجل.
﴿وَٱللَّهُ وَلِيُّ ٱلْمُتَّقِينَ﴾، أي: هو ولي من اتقاه بأداء فرائضه واجتناب معاصيه.
* *
ثم قال تعالى: ﴿هَـٰذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ﴾، أي: هذا القرآن بصائر يبصر به من العمى وهو الضلالة، ويهتدي به من جار عن طريق الحق، وتاه في ميدان الباطل ﴿وَرَحْمَةٌ﴾، أي: وهو رحمة لمن آمن به واتبعه.
(وقوله: ﴿لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾، أي هو نور ورشاد ورحمة لمن أيقن أنه من عند الله فآمن به واتبعه).
* *
ثم قال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ ٱلَّذِينَ ٱجْتَرَحُواْ ٱلسَّيِّئَاتِ أَن نَّجْعَلَهُمْ كَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ﴾، أي: أيحسب الكفار بالله عز وجل المكتسبون الكبائر أن يكونوا كالمؤمنين بالله عز وجل المجتنبين للكبائر.
ويدل على أن المراد بالمكتسبين السيئات في هذه الآية الكفار قوله: "كالذين ءامنوا وعملوا الصالحات". فذكر الإيمان مع العمل، ولو كانوا مؤمنين لقال: كالذين عملوا الصالحات ولم يذكر الإيمان.
* *
ثم قال: ﴿سَوَآءً مَّحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾.
قال مجاهد معناه: إن المؤمن يموت على إيمانه ويبعث على إيمانه والكافر يموت على كفره ويبعث عليه. وقال أبو الدرداء: "يبعث الناس على ما ماتوا عليه".
هذا معنى قراءة من رفع "سواء" فجعله مبتدأ "ومحياهم" خبر، ومماتهم عطف على "محياهم".
وإنما حَسُنَ الرفع في "سواء" (لأن الفعل) قد استوفى مفعوليه فارتفع "سواء" على الابتداء، كما قيل "سَوَاءُ العَاكِفُ فِيهِ وَالبَادِي".
وإنما اختير الرفع في "سواء" لأنه اسم في معنى المصدر فلم يحسن جريه على الأول فارتفع بالإبتداء إذ الفعل قد تعدى إلى مفعوليه.
ولو كان في موضع "سواء" مستو لحسن النصب لأنه يجري على الأول، فينصب مع المعرفة على الحال وهذا هو الاختيار عند سيبويه وجميع النحويين.
ويجوز النصب عند سيبويه وغيره كما أجاز: مررت برجل سواءً عليه الخير والشر، فإذا نصبت على الحال، إذ قبله معرفة.
فكما جاز أن يكون صفة للنكرة جاز أن يكون حالاً للمعرفة وهو بعيد، لأن الأسماء التي ليست بجارية على الفعل، الرفع الاختيار فيها عند النحويين إذا رفعت ظاهراً بعدها.
وبالنصب قرأ حفص وحمزة والكسائي على الحال من الهاء والميم في "نجعلهم".
وقرأ الأعمش ﴿سَوَآءً مَّحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ﴾ بالنصب في ذلك كله ينصب "سوا" على الحال، وينصب "محياهم ومماتهم" على تقدير في محياهم ومماتهم كأنه يجعله ظرفاً.
ويجوز أن يكون ﴿مَّحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ﴾ بدلا من الهاء والميم في ﴿نَّجْعَلَهُمْ﴾ فيصير المعنى: (أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعل محياهم ومماتهم سواء)، أي كمحيى الذين آمنوا ومماتهم. والوقف على "الصالحات" حسن عند نافع وأبي عبيدة على قراءة من رفع.
وقال غيرهما: من نصب سواء وقف عليه. وهو بعيد لا وجه له، لأن "محياهم" مرتفع "بسواء". والتمام عند الأخفش: "ومماتهم" وعند غيره "يحكمون".
ومعنى "ساء ما يحكمون: "بيس الحكم يحكمون إن حسبوا ذلك وظنوه.
و "ما" في موضع رفع إن جعلتها معرفة. وفي موضع نصب على البيان إن جعلتها نكرة.
قال مجاهد في معنى الآية: محيى المسلمين ومماتهم، كلاهما محمود، محيى الكفار ومماتهم مذموم، فلا يستويان.
الجاثية 45:15
قوله تعالى: ﴿ٱللَّهُ ٱلَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ﴾ - إلى قوله - ﴿سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾، أي: الذي تجب له العبادة والخضوع والطاعة هو الله الذي سخر لكم البحر لتجري السفن فيه بأمره وبقدرته فتنتفعون بذلك لمتجركم، ومعائشكم، وتصرفكم في البلدان، وتبتغون من فضله فهو الذي يجب له الشكر على نعمه دون غيره.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَّا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً مِّنْهُ﴾، أي: سخر لكم أيضاً - أيها الناس - ما في السماوات من شمس وقمر ونجوم وليل ونهار وما في الأرض من دابة وشجر وجبل وغير ذلك لمنافعكم ومصالحكم جميعاً منه، أي: نعمة منه عليكم، فإياه فاحمدوا واشكروا.
وقرئت: "جميعا منة"، أي من (عليكم بذلك منة).
* *
ثم قال: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لأيَٰتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾، أي: إن في تسخير ما تقدم ذكره لمنافع الخلق ومصالحهم لعبراً لقوم يتفكرون في آيات الله عز وجل وحججه سبحانه وأدلته فيعتبرون بها ويتعظون.
و ﴿جَمِيعاً مِّنْهُ﴾ (وقف جيد).
ومن قرأ "منة" وقف على "جميعاً"، ثم ابتدأ "منة" إن في ذلك"، أي: من عليكم بذلك منة.
* *
ثم قال تعالى: ﴿قُل لِّلَّذِينَ آمَنُواْ يَغْفِرُواْ لِلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ أَيَّامَ ٱللَّهِ﴾، أي: قل لهم اغفروا يغفروا. فهو جواب أمر محمول على المعنى.
والمعنى: قل يا محمد للذين صدقوك: اغفروا للذين لا يخافون أيام الله، أي: بأس الله ووقائعه فيمن كفر به ونقمه منهم يغفروا.
﴿لِيَجْزِيَ قَوْماً بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ﴾، أي: ليجزي الله عز وجل في الآخرة هؤلاء الذين يؤذون المؤمنين بما اكتسبوا في الدنيا من أذى المؤمنين (ومن غير) ذلك.
وروي عن عاصم أنه قرأ ﴿لِيَجْزِيَ قَوْماً﴾ بنصب قوم والفعل لما لم يسم فاعله. وهذا بعيد جداً لم يجزه سيبويه ولا جميع البصريين.
وإنما تقديره عنده: ليجزي الجزاء قوماً. فيقيم المصدر مقام ما لم يسم فاعله ويضمره وينصب الاسم المقصود بالمعنى وهو شاذ بعيد في النظر والقياس.
ولم يجز النحويون: "ضُرِبَ الضربُ زيداً" برفع الضرب ونصب زيد، ولو جاز هذا لجازت هذه القراءة ولكن لا يجيزونه إلا في شعر على بعد.
قال ابن عباس: كان النبي ﷺ يعرض عن المشركين إذا آذوه، وكانوا يستهزؤون به ويكذبونه، ثم أمره الله عز وجل أن يقاتلهم كافة. فكان هذا من المنسوخ. وعن ابن عباس أيضاً، وهو قول الضحاك: إن الآية نزلت في عمر بن الخطاب رضي الله عنه شتمه رجل من المشركين بمكة قبل الهجرة، فأراد أن يبطش به فنزلت: ﴿قُل لِّلَّذِينَ آمَنُواْ﴾ - يعني عمر - ﴿يَغْفِرُواْ لِلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ أَيَّامَ ٱللَّهِ﴾، ثم نسخ هذا في "براءة" بالأمر بالقتال والقتل للمشركين، وهو أيضاً قول قتادة، إلا أنه قال: نسخها قوله: ﴿فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي ٱلْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِم مَّنْ خَلْفَهُمْ﴾ [الأنفال: ٥٧] وقاله الضحاك.
وعن أبي هريرة أنه قال نسخها قوله: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُواْ﴾ [الحج: ٣٩].
وقيل: معنى "لا يرجون أيام الله": لا يخافون البعث.
* *
ثم قال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَـٰلِحاً فَلِنَفْسِهِ﴾، أي: لخلاص نفسه يعمل، والله عز وجل غني عن عمله، إنما عمله له.
﴿وَمَنْ أَسَآءَ فَعَلَيْهَا﴾، أي: ومن عمل عملاً سيئا فعلى نفسه جنى وفي عطبها سعى، لا يضر الله سبحانه ذلك ولا ينقصه من ملكه. ﴿ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُمْ﴾ أيها الناس.
﴿تُرْجَعُونَ﴾، (أي: تردون) في الآخرة فيجازي المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ ٱلْكِتَابَ وَٱلْحُكْمَ وَٱلنُّبُوَّةَ﴾، أي: ولقد أعطينا بني إسرائيل التوراة والإنجيل.
﴿وَٱلْحُكْمَ﴾ يعني: الفهم بالكتاب والعلم بما فيه من السنن التي لم تنزل في كتاب. قال مجاهد: "الحكم: اللب".
* *
وقوله: ﴿وَٱلنُّبُوَّةَ﴾، أي: وجعلنا منهم الأنبياء والرسل إلى الخلق، فأكثر الأنبياء والرسل من بني إسرائيل.
* *
ثم قال: ﴿وَرَزَقْنَاهُمْ مِّنَ ٱلطَّيِّبَاتِ﴾، يعني: المَنَّ والسَّلْوَى وغير ذلك من المطاعم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى ٱلْعَالَمينَ﴾، أي: على عالم زمانهم.
* *
ثم قال: ﴿وَآتَيْنَاهُم بَيِّنَاتٍ مِّنَ ٱلأَمْرِ﴾، أي: وأعطيناهم واضحات من أمرنا بتنزيلنا التوراة عليهم فيها تفصيل كل شيء.
* *
ثم قال: ﴿فَمَا ٱخْتَلَفُوۤاْ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ ٱلْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ﴾ أي: لم يختلفوا في دينهم إلا من بعد ﴿مَا جَآءَهُمُ ٱلْعِلْمُ﴾، أي: إلا من بعد ما أنزلت عليهم التوراة فاختلفوا للرياسة بعد علمهم بالحق مما اختلفوا فيه فتنافسوا في الدنيا ورياستها فبغوا بغياً فيما بينهم، وتركوا تبيين ما أنزل الله عليهم.
* *
ثم قال: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بِيْنَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ﴾، أي: يحكم (ويفصل بينهم) فيما اختلفوا فيه يوم القيامة، فيعلي المحق على المبطل.
* *
ثم قال تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَىٰ شَرِيعَةٍ مِّنَ ٱلأَمْرِ فَٱتَّبِعْهَا﴾، أي: ثم جعلناك يا محمد بعد بني إسرائيل على طريقة وسنة ومنهاج من أمرنا الذي أمرنا به من قبلك من الرسل، فاتبع تلك الشريعة ﴿وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَآءَ ٱلَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ﴾، أي: ولا تتبع ما يدعوك إليه الجاهلون بالله.
قال ابن عباس: ﴿عَلَىٰ شَرِيعَةٍ﴾: "على هدى من الأمر وبينة".
وقال قتادة: "الشريعة: الفرائض والحدود والأمر والنهي".
وقال ابن زيد: الشريعة: الدين، وقرأ ﴿شَرَعَ لَكُم مِّنَ ٱلدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحاً وَٱلَّذِيۤ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ﴾ [الشورى: ١٣] فنوح أولهم ومحمد آخرهم صلى الله على جميع النبيين وسلم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ لَن يُغْنُواْ عَنكَ مِنَ ٱللَّهِ شَيْئاً﴾ أي إن هؤلاء الجاهلين بربهم لن ينفعوك من الله شيئا إن اتبعت أهواءهم وما يدعونك إليه.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَإِنَّ ٱلظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ﴾، أي: وإن الكافرين بعضهم أنصار بعض وأعوانهم على أهل الإيمان بالله عز وجل.
﴿وَٱللَّهُ وَلِيُّ ٱلْمُتَّقِينَ﴾، أي: هو ولي من اتقاه بأداء فرائضه واجتناب معاصيه.
* *
ثم قال تعالى: ﴿هَـٰذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ﴾، أي: هذا القرآن بصائر يبصر به من العمى وهو الضلالة، ويهتدي به من جار عن طريق الحق، وتاه في ميدان الباطل ﴿وَرَحْمَةٌ﴾، أي: وهو رحمة لمن آمن به واتبعه.
(وقوله: ﴿لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾، أي هو نور ورشاد ورحمة لمن أيقن أنه من عند الله فآمن به واتبعه).
* *
ثم قال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ ٱلَّذِينَ ٱجْتَرَحُواْ ٱلسَّيِّئَاتِ أَن نَّجْعَلَهُمْ كَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ﴾، أي: أيحسب الكفار بالله عز وجل المكتسبون الكبائر أن يكونوا كالمؤمنين بالله عز وجل المجتنبين للكبائر.
ويدل على أن المراد بالمكتسبين السيئات في هذه الآية الكفار قوله: "كالذين ءامنوا وعملوا الصالحات". فذكر الإيمان مع العمل، ولو كانوا مؤمنين لقال: كالذين عملوا الصالحات ولم يذكر الإيمان.
* *
ثم قال: ﴿سَوَآءً مَّحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾.
قال مجاهد معناه: إن المؤمن يموت على إيمانه ويبعث على إيمانه والكافر يموت على كفره ويبعث عليه. وقال أبو الدرداء: "يبعث الناس على ما ماتوا عليه".
هذا معنى قراءة من رفع "سواء" فجعله مبتدأ "ومحياهم" خبر، ومماتهم عطف على "محياهم".
وإنما حَسُنَ الرفع في "سواء" (لأن الفعل) قد استوفى مفعوليه فارتفع "سواء" على الابتداء، كما قيل "سَوَاءُ العَاكِفُ فِيهِ وَالبَادِي".
وإنما اختير الرفع في "سواء" لأنه اسم في معنى المصدر فلم يحسن جريه على الأول فارتفع بالإبتداء إذ الفعل قد تعدى إلى مفعوليه.
ولو كان في موضع "سواء" مستو لحسن النصب لأنه يجري على الأول، فينصب مع المعرفة على الحال وهذا هو الاختيار عند سيبويه وجميع النحويين.
ويجوز النصب عند سيبويه وغيره كما أجاز: مررت برجل سواءً عليه الخير والشر، فإذا نصبت على الحال، إذ قبله معرفة.
فكما جاز أن يكون صفة للنكرة جاز أن يكون حالاً للمعرفة وهو بعيد، لأن الأسماء التي ليست بجارية على الفعل، الرفع الاختيار فيها عند النحويين إذا رفعت ظاهراً بعدها.
وبالنصب قرأ حفص وحمزة والكسائي على الحال من الهاء والميم في "نجعلهم".
وقرأ الأعمش ﴿سَوَآءً مَّحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ﴾ بالنصب في ذلك كله ينصب "سوا" على الحال، وينصب "محياهم ومماتهم" على تقدير في محياهم ومماتهم كأنه يجعله ظرفاً.
ويجوز أن يكون ﴿مَّحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ﴾ بدلا من الهاء والميم في ﴿نَّجْعَلَهُمْ﴾ فيصير المعنى: (أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعل محياهم ومماتهم سواء)، أي كمحيى الذين آمنوا ومماتهم. والوقف على "الصالحات" حسن عند نافع وأبي عبيدة على قراءة من رفع.
وقال غيرهما: من نصب سواء وقف عليه. وهو بعيد لا وجه له، لأن "محياهم" مرتفع "بسواء". والتمام عند الأخفش: "ومماتهم" وعند غيره "يحكمون".
ومعنى "ساء ما يحكمون: "بيس الحكم يحكمون إن حسبوا ذلك وظنوه.
و "ما" في موضع رفع إن جعلتها معرفة. وفي موضع نصب على البيان إن جعلتها نكرة.
قال مجاهد في معنى الآية: محيى المسلمين ومماتهم، كلاهما محمود، محيى الكفار ومماتهم مذموم، فلا يستويان.
الجاثية 45:16
قوله تعالى: ﴿ٱللَّهُ ٱلَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ﴾ - إلى قوله - ﴿سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾، أي: الذي تجب له العبادة والخضوع والطاعة هو الله الذي سخر لكم البحر لتجري السفن فيه بأمره وبقدرته فتنتفعون بذلك لمتجركم، ومعائشكم، وتصرفكم في البلدان، وتبتغون من فضله فهو الذي يجب له الشكر على نعمه دون غيره.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَّا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً مِّنْهُ﴾، أي: سخر لكم أيضاً - أيها الناس - ما في السماوات من شمس وقمر ونجوم وليل ونهار وما في الأرض من دابة وشجر وجبل وغير ذلك لمنافعكم ومصالحكم جميعاً منه، أي: نعمة منه عليكم، فإياه فاحمدوا واشكروا.
وقرئت: "جميعا منة"، أي من (عليكم بذلك منة).
* *
ثم قال: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لأيَٰتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾، أي: إن في تسخير ما تقدم ذكره لمنافع الخلق ومصالحهم لعبراً لقوم يتفكرون في آيات الله عز وجل وحججه سبحانه وأدلته فيعتبرون بها ويتعظون.
و ﴿جَمِيعاً مِّنْهُ﴾ (وقف جيد).
ومن قرأ "منة" وقف على "جميعاً"، ثم ابتدأ "منة" إن في ذلك"، أي: من عليكم بذلك منة.
* *
ثم قال تعالى: ﴿قُل لِّلَّذِينَ آمَنُواْ يَغْفِرُواْ لِلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ أَيَّامَ ٱللَّهِ﴾، أي: قل لهم اغفروا يغفروا. فهو جواب أمر محمول على المعنى.
والمعنى: قل يا محمد للذين صدقوك: اغفروا للذين لا يخافون أيام الله، أي: بأس الله ووقائعه فيمن كفر به ونقمه منهم يغفروا.
﴿لِيَجْزِيَ قَوْماً بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ﴾، أي: ليجزي الله عز وجل في الآخرة هؤلاء الذين يؤذون المؤمنين بما اكتسبوا في الدنيا من أذى المؤمنين (ومن غير) ذلك.
وروي عن عاصم أنه قرأ ﴿لِيَجْزِيَ قَوْماً﴾ بنصب قوم والفعل لما لم يسم فاعله. وهذا بعيد جداً لم يجزه سيبويه ولا جميع البصريين.
وإنما تقديره عنده: ليجزي الجزاء قوماً. فيقيم المصدر مقام ما لم يسم فاعله ويضمره وينصب الاسم المقصود بالمعنى وهو شاذ بعيد في النظر والقياس.
ولم يجز النحويون: "ضُرِبَ الضربُ زيداً" برفع الضرب ونصب زيد، ولو جاز هذا لجازت هذه القراءة ولكن لا يجيزونه إلا في شعر على بعد.
قال ابن عباس: كان النبي ﷺ يعرض عن المشركين إذا آذوه، وكانوا يستهزؤون به ويكذبونه، ثم أمره الله عز وجل أن يقاتلهم كافة. فكان هذا من المنسوخ. وعن ابن عباس أيضاً، وهو قول الضحاك: إن الآية نزلت في عمر بن الخطاب رضي الله عنه شتمه رجل من المشركين بمكة قبل الهجرة، فأراد أن يبطش به فنزلت: ﴿قُل لِّلَّذِينَ آمَنُواْ﴾ - يعني عمر - ﴿يَغْفِرُواْ لِلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ أَيَّامَ ٱللَّهِ﴾، ثم نسخ هذا في "براءة" بالأمر بالقتال والقتل للمشركين، وهو أيضاً قول قتادة، إلا أنه قال: نسخها قوله: ﴿فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي ٱلْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِم مَّنْ خَلْفَهُمْ﴾ [الأنفال: ٥٧] وقاله الضحاك.
وعن أبي هريرة أنه قال نسخها قوله: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُواْ﴾ [الحج: ٣٩].
وقيل: معنى "لا يرجون أيام الله": لا يخافون البعث.
* *
ثم قال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَـٰلِحاً فَلِنَفْسِهِ﴾، أي: لخلاص نفسه يعمل، والله عز وجل غني عن عمله، إنما عمله له.
﴿وَمَنْ أَسَآءَ فَعَلَيْهَا﴾، أي: ومن عمل عملاً سيئا فعلى نفسه جنى وفي عطبها سعى، لا يضر الله سبحانه ذلك ولا ينقصه من ملكه. ﴿ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُمْ﴾ أيها الناس.
﴿تُرْجَعُونَ﴾، (أي: تردون) في الآخرة فيجازي المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ ٱلْكِتَابَ وَٱلْحُكْمَ وَٱلنُّبُوَّةَ﴾، أي: ولقد أعطينا بني إسرائيل التوراة والإنجيل.
﴿وَٱلْحُكْمَ﴾ يعني: الفهم بالكتاب والعلم بما فيه من السنن التي لم تنزل في كتاب. قال مجاهد: "الحكم: اللب".
* *
وقوله: ﴿وَٱلنُّبُوَّةَ﴾، أي: وجعلنا منهم الأنبياء والرسل إلى الخلق، فأكثر الأنبياء والرسل من بني إسرائيل.
* *
ثم قال: ﴿وَرَزَقْنَاهُمْ مِّنَ ٱلطَّيِّبَاتِ﴾، يعني: المَنَّ والسَّلْوَى وغير ذلك من المطاعم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى ٱلْعَالَمينَ﴾، أي: على عالم زمانهم.
* *
ثم قال: ﴿وَآتَيْنَاهُم بَيِّنَاتٍ مِّنَ ٱلأَمْرِ﴾، أي: وأعطيناهم واضحات من أمرنا بتنزيلنا التوراة عليهم فيها تفصيل كل شيء.
* *
ثم قال: ﴿فَمَا ٱخْتَلَفُوۤاْ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ ٱلْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ﴾ أي: لم يختلفوا في دينهم إلا من بعد ﴿مَا جَآءَهُمُ ٱلْعِلْمُ﴾، أي: إلا من بعد ما أنزلت عليهم التوراة فاختلفوا للرياسة بعد علمهم بالحق مما اختلفوا فيه فتنافسوا في الدنيا ورياستها فبغوا بغياً فيما بينهم، وتركوا تبيين ما أنزل الله عليهم.
* *
ثم قال: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بِيْنَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ﴾، أي: يحكم (ويفصل بينهم) فيما اختلفوا فيه يوم القيامة، فيعلي المحق على المبطل.
* *
ثم قال تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَىٰ شَرِيعَةٍ مِّنَ ٱلأَمْرِ فَٱتَّبِعْهَا﴾، أي: ثم جعلناك يا محمد بعد بني إسرائيل على طريقة وسنة ومنهاج من أمرنا الذي أمرنا به من قبلك من الرسل، فاتبع تلك الشريعة ﴿وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَآءَ ٱلَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ﴾، أي: ولا تتبع ما يدعوك إليه الجاهلون بالله.
قال ابن عباس: ﴿عَلَىٰ شَرِيعَةٍ﴾: "على هدى من الأمر وبينة".
وقال قتادة: "الشريعة: الفرائض والحدود والأمر والنهي".
وقال ابن زيد: الشريعة: الدين، وقرأ ﴿شَرَعَ لَكُم مِّنَ ٱلدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحاً وَٱلَّذِيۤ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ﴾ [الشورى: ١٣] فنوح أولهم ومحمد آخرهم صلى الله على جميع النبيين وسلم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ لَن يُغْنُواْ عَنكَ مِنَ ٱللَّهِ شَيْئاً﴾ أي إن هؤلاء الجاهلين بربهم لن ينفعوك من الله شيئا إن اتبعت أهواءهم وما يدعونك إليه.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَإِنَّ ٱلظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ﴾، أي: وإن الكافرين بعضهم أنصار بعض وأعوانهم على أهل الإيمان بالله عز وجل.
﴿وَٱللَّهُ وَلِيُّ ٱلْمُتَّقِينَ﴾، أي: هو ولي من اتقاه بأداء فرائضه واجتناب معاصيه.
* *
ثم قال تعالى: ﴿هَـٰذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ﴾، أي: هذا القرآن بصائر يبصر به من العمى وهو الضلالة، ويهتدي به من جار عن طريق الحق، وتاه في ميدان الباطل ﴿وَرَحْمَةٌ﴾، أي: وهو رحمة لمن آمن به واتبعه.
(وقوله: ﴿لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾، أي هو نور ورشاد ورحمة لمن أيقن أنه من عند الله فآمن به واتبعه).
* *
ثم قال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ ٱلَّذِينَ ٱجْتَرَحُواْ ٱلسَّيِّئَاتِ أَن نَّجْعَلَهُمْ كَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ﴾، أي: أيحسب الكفار بالله عز وجل المكتسبون الكبائر أن يكونوا كالمؤمنين بالله عز وجل المجتنبين للكبائر.
ويدل على أن المراد بالمكتسبين السيئات في هذه الآية الكفار قوله: "كالذين ءامنوا وعملوا الصالحات". فذكر الإيمان مع العمل، ولو كانوا مؤمنين لقال: كالذين عملوا الصالحات ولم يذكر الإيمان.
* *
ثم قال: ﴿سَوَآءً مَّحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾.
قال مجاهد معناه: إن المؤمن يموت على إيمانه ويبعث على إيمانه والكافر يموت على كفره ويبعث عليه. وقال أبو الدرداء: "يبعث الناس على ما ماتوا عليه".
هذا معنى قراءة من رفع "سواء" فجعله مبتدأ "ومحياهم" خبر، ومماتهم عطف على "محياهم".
وإنما حَسُنَ الرفع في "سواء" (لأن الفعل) قد استوفى مفعوليه فارتفع "سواء" على الابتداء، كما قيل "سَوَاءُ العَاكِفُ فِيهِ وَالبَادِي".
وإنما اختير الرفع في "سواء" لأنه اسم في معنى المصدر فلم يحسن جريه على الأول فارتفع بالإبتداء إذ الفعل قد تعدى إلى مفعوليه.
ولو كان في موضع "سواء" مستو لحسن النصب لأنه يجري على الأول، فينصب مع المعرفة على الحال وهذا هو الاختيار عند سيبويه وجميع النحويين.
ويجوز النصب عند سيبويه وغيره كما أجاز: مررت برجل سواءً عليه الخير والشر، فإذا نصبت على الحال، إذ قبله معرفة.
فكما جاز أن يكون صفة للنكرة جاز أن يكون حالاً للمعرفة وهو بعيد، لأن الأسماء التي ليست بجارية على الفعل، الرفع الاختيار فيها عند النحويين إذا رفعت ظاهراً بعدها.
وبالنصب قرأ حفص وحمزة والكسائي على الحال من الهاء والميم في "نجعلهم".
وقرأ الأعمش ﴿سَوَآءً مَّحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ﴾ بالنصب في ذلك كله ينصب "سوا" على الحال، وينصب "محياهم ومماتهم" على تقدير في محياهم ومماتهم كأنه يجعله ظرفاً.
ويجوز أن يكون ﴿مَّحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ﴾ بدلا من الهاء والميم في ﴿نَّجْعَلَهُمْ﴾ فيصير المعنى: (أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعل محياهم ومماتهم سواء)، أي كمحيى الذين آمنوا ومماتهم. والوقف على "الصالحات" حسن عند نافع وأبي عبيدة على قراءة من رفع.
وقال غيرهما: من نصب سواء وقف عليه. وهو بعيد لا وجه له، لأن "محياهم" مرتفع "بسواء". والتمام عند الأخفش: "ومماتهم" وعند غيره "يحكمون".
ومعنى "ساء ما يحكمون: "بيس الحكم يحكمون إن حسبوا ذلك وظنوه.
و "ما" في موضع رفع إن جعلتها معرفة. وفي موضع نصب على البيان إن جعلتها نكرة.
قال مجاهد في معنى الآية: محيى المسلمين ومماتهم، كلاهما محمود، محيى الكفار ومماتهم مذموم، فلا يستويان.
الجاثية 45:17
قوله تعالى: ﴿ٱللَّهُ ٱلَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ﴾ - إلى قوله - ﴿سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾، أي: الذي تجب له العبادة والخضوع والطاعة هو الله الذي سخر لكم البحر لتجري السفن فيه بأمره وبقدرته فتنتفعون بذلك لمتجركم، ومعائشكم، وتصرفكم في البلدان، وتبتغون من فضله فهو الذي يجب له الشكر على نعمه دون غيره.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَّا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً مِّنْهُ﴾، أي: سخر لكم أيضاً - أيها الناس - ما في السماوات من شمس وقمر ونجوم وليل ونهار وما في الأرض من دابة وشجر وجبل وغير ذلك لمنافعكم ومصالحكم جميعاً منه، أي: نعمة منه عليكم، فإياه فاحمدوا واشكروا.
وقرئت: "جميعا منة"، أي من (عليكم بذلك منة).
* *
ثم قال: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لأيَٰتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾، أي: إن في تسخير ما تقدم ذكره لمنافع الخلق ومصالحهم لعبراً لقوم يتفكرون في آيات الله عز وجل وحججه سبحانه وأدلته فيعتبرون بها ويتعظون.
و ﴿جَمِيعاً مِّنْهُ﴾ (وقف جيد).
ومن قرأ "منة" وقف على "جميعاً"، ثم ابتدأ "منة" إن في ذلك"، أي: من عليكم بذلك منة.
* *
ثم قال تعالى: ﴿قُل لِّلَّذِينَ آمَنُواْ يَغْفِرُواْ لِلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ أَيَّامَ ٱللَّهِ﴾، أي: قل لهم اغفروا يغفروا. فهو جواب أمر محمول على المعنى.
والمعنى: قل يا محمد للذين صدقوك: اغفروا للذين لا يخافون أيام الله، أي: بأس الله ووقائعه فيمن كفر به ونقمه منهم يغفروا.
﴿لِيَجْزِيَ قَوْماً بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ﴾، أي: ليجزي الله عز وجل في الآخرة هؤلاء الذين يؤذون المؤمنين بما اكتسبوا في الدنيا من أذى المؤمنين (ومن غير) ذلك.
وروي عن عاصم أنه قرأ ﴿لِيَجْزِيَ قَوْماً﴾ بنصب قوم والفعل لما لم يسم فاعله. وهذا بعيد جداً لم يجزه سيبويه ولا جميع البصريين.
وإنما تقديره عنده: ليجزي الجزاء قوماً. فيقيم المصدر مقام ما لم يسم فاعله ويضمره وينصب الاسم المقصود بالمعنى وهو شاذ بعيد في النظر والقياس.
ولم يجز النحويون: "ضُرِبَ الضربُ زيداً" برفع الضرب ونصب زيد، ولو جاز هذا لجازت هذه القراءة ولكن لا يجيزونه إلا في شعر على بعد.
قال ابن عباس: كان النبي ﷺ يعرض عن المشركين إذا آذوه، وكانوا يستهزؤون به ويكذبونه، ثم أمره الله عز وجل أن يقاتلهم كافة. فكان هذا من المنسوخ. وعن ابن عباس أيضاً، وهو قول الضحاك: إن الآية نزلت في عمر بن الخطاب رضي الله عنه شتمه رجل من المشركين بمكة قبل الهجرة، فأراد أن يبطش به فنزلت: ﴿قُل لِّلَّذِينَ آمَنُواْ﴾ - يعني عمر - ﴿يَغْفِرُواْ لِلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ أَيَّامَ ٱللَّهِ﴾، ثم نسخ هذا في "براءة" بالأمر بالقتال والقتل للمشركين، وهو أيضاً قول قتادة، إلا أنه قال: نسخها قوله: ﴿فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي ٱلْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِم مَّنْ خَلْفَهُمْ﴾ [الأنفال: ٥٧] وقاله الضحاك.
وعن أبي هريرة أنه قال نسخها قوله: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُواْ﴾ [الحج: ٣٩].
وقيل: معنى "لا يرجون أيام الله": لا يخافون البعث.
* *
ثم قال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَـٰلِحاً فَلِنَفْسِهِ﴾، أي: لخلاص نفسه يعمل، والله عز وجل غني عن عمله، إنما عمله له.
﴿وَمَنْ أَسَآءَ فَعَلَيْهَا﴾، أي: ومن عمل عملاً سيئا فعلى نفسه جنى وفي عطبها سعى، لا يضر الله سبحانه ذلك ولا ينقصه من ملكه. ﴿ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُمْ﴾ أيها الناس.
﴿تُرْجَعُونَ﴾، (أي: تردون) في الآخرة فيجازي المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ ٱلْكِتَابَ وَٱلْحُكْمَ وَٱلنُّبُوَّةَ﴾، أي: ولقد أعطينا بني إسرائيل التوراة والإنجيل.
﴿وَٱلْحُكْمَ﴾ يعني: الفهم بالكتاب والعلم بما فيه من السنن التي لم تنزل في كتاب. قال مجاهد: "الحكم: اللب".
* *
وقوله: ﴿وَٱلنُّبُوَّةَ﴾، أي: وجعلنا منهم الأنبياء والرسل إلى الخلق، فأكثر الأنبياء والرسل من بني إسرائيل.
* *
ثم قال: ﴿وَرَزَقْنَاهُمْ مِّنَ ٱلطَّيِّبَاتِ﴾، يعني: المَنَّ والسَّلْوَى وغير ذلك من المطاعم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى ٱلْعَالَمينَ﴾، أي: على عالم زمانهم.
* *
ثم قال: ﴿وَآتَيْنَاهُم بَيِّنَاتٍ مِّنَ ٱلأَمْرِ﴾، أي: وأعطيناهم واضحات من أمرنا بتنزيلنا التوراة عليهم فيها تفصيل كل شيء.
* *
ثم قال: ﴿فَمَا ٱخْتَلَفُوۤاْ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ ٱلْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ﴾ أي: لم يختلفوا في دينهم إلا من بعد ﴿مَا جَآءَهُمُ ٱلْعِلْمُ﴾، أي: إلا من بعد ما أنزلت عليهم التوراة فاختلفوا للرياسة بعد علمهم بالحق مما اختلفوا فيه فتنافسوا في الدنيا ورياستها فبغوا بغياً فيما بينهم، وتركوا تبيين ما أنزل الله عليهم.
* *
ثم قال: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بِيْنَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ﴾، أي: يحكم (ويفصل بينهم) فيما اختلفوا فيه يوم القيامة، فيعلي المحق على المبطل.
* *
ثم قال تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَىٰ شَرِيعَةٍ مِّنَ ٱلأَمْرِ فَٱتَّبِعْهَا﴾، أي: ثم جعلناك يا محمد بعد بني إسرائيل على طريقة وسنة ومنهاج من أمرنا الذي أمرنا به من قبلك من الرسل، فاتبع تلك الشريعة ﴿وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَآءَ ٱلَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ﴾، أي: ولا تتبع ما يدعوك إليه الجاهلون بالله.
قال ابن عباس: ﴿عَلَىٰ شَرِيعَةٍ﴾: "على هدى من الأمر وبينة".
وقال قتادة: "الشريعة: الفرائض والحدود والأمر والنهي".
وقال ابن زيد: الشريعة: الدين، وقرأ ﴿شَرَعَ لَكُم مِّنَ ٱلدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحاً وَٱلَّذِيۤ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ﴾ [الشورى: ١٣] فنوح أولهم ومحمد آخرهم صلى الله على جميع النبيين وسلم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ لَن يُغْنُواْ عَنكَ مِنَ ٱللَّهِ شَيْئاً﴾ أي إن هؤلاء الجاهلين بربهم لن ينفعوك من الله شيئا إن اتبعت أهواءهم وما يدعونك إليه.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَإِنَّ ٱلظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ﴾، أي: وإن الكافرين بعضهم أنصار بعض وأعوانهم على أهل الإيمان بالله عز وجل.
﴿وَٱللَّهُ وَلِيُّ ٱلْمُتَّقِينَ﴾، أي: هو ولي من اتقاه بأداء فرائضه واجتناب معاصيه.
* *
ثم قال تعالى: ﴿هَـٰذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ﴾، أي: هذا القرآن بصائر يبصر به من العمى وهو الضلالة، ويهتدي به من جار عن طريق الحق، وتاه في ميدان الباطل ﴿وَرَحْمَةٌ﴾، أي: وهو رحمة لمن آمن به واتبعه.
(وقوله: ﴿لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾، أي هو نور ورشاد ورحمة لمن أيقن أنه من عند الله فآمن به واتبعه).
* *
ثم قال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ ٱلَّذِينَ ٱجْتَرَحُواْ ٱلسَّيِّئَاتِ أَن نَّجْعَلَهُمْ كَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ﴾، أي: أيحسب الكفار بالله عز وجل المكتسبون الكبائر أن يكونوا كالمؤمنين بالله عز وجل المجتنبين للكبائر.
ويدل على أن المراد بالمكتسبين السيئات في هذه الآية الكفار قوله: "كالذين ءامنوا وعملوا الصالحات". فذكر الإيمان مع العمل، ولو كانوا مؤمنين لقال: كالذين عملوا الصالحات ولم يذكر الإيمان.
* *
ثم قال: ﴿سَوَآءً مَّحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾.
قال مجاهد معناه: إن المؤمن يموت على إيمانه ويبعث على إيمانه والكافر يموت على كفره ويبعث عليه. وقال أبو الدرداء: "يبعث الناس على ما ماتوا عليه".
هذا معنى قراءة من رفع "سواء" فجعله مبتدأ "ومحياهم" خبر، ومماتهم عطف على "محياهم".
وإنما حَسُنَ الرفع في "سواء" (لأن الفعل) قد استوفى مفعوليه فارتفع "سواء" على الابتداء، كما قيل "سَوَاءُ العَاكِفُ فِيهِ وَالبَادِي".
وإنما اختير الرفع في "سواء" لأنه اسم في معنى المصدر فلم يحسن جريه على الأول فارتفع بالإبتداء إذ الفعل قد تعدى إلى مفعوليه.
ولو كان في موضع "سواء" مستو لحسن النصب لأنه يجري على الأول، فينصب مع المعرفة على الحال وهذا هو الاختيار عند سيبويه وجميع النحويين.
ويجوز النصب عند سيبويه وغيره كما أجاز: مررت برجل سواءً عليه الخير والشر، فإذا نصبت على الحال، إذ قبله معرفة.
فكما جاز أن يكون صفة للنكرة جاز أن يكون حالاً للمعرفة وهو بعيد، لأن الأسماء التي ليست بجارية على الفعل، الرفع الاختيار فيها عند النحويين إذا رفعت ظاهراً بعدها.
وبالنصب قرأ حفص وحمزة والكسائي على الحال من الهاء والميم في "نجعلهم".
وقرأ الأعمش ﴿سَوَآءً مَّحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ﴾ بالنصب في ذلك كله ينصب "سوا" على الحال، وينصب "محياهم ومماتهم" على تقدير في محياهم ومماتهم كأنه يجعله ظرفاً.
ويجوز أن يكون ﴿مَّحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ﴾ بدلا من الهاء والميم في ﴿نَّجْعَلَهُمْ﴾ فيصير المعنى: (أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعل محياهم ومماتهم سواء)، أي كمحيى الذين آمنوا ومماتهم. والوقف على "الصالحات" حسن عند نافع وأبي عبيدة على قراءة من رفع.
وقال غيرهما: من نصب سواء وقف عليه. وهو بعيد لا وجه له، لأن "محياهم" مرتفع "بسواء". والتمام عند الأخفش: "ومماتهم" وعند غيره "يحكمون".
ومعنى "ساء ما يحكمون: "بيس الحكم يحكمون إن حسبوا ذلك وظنوه.
و "ما" في موضع رفع إن جعلتها معرفة. وفي موضع نصب على البيان إن جعلتها نكرة.
قال مجاهد في معنى الآية: محيى المسلمين ومماتهم، كلاهما محمود، محيى الكفار ومماتهم مذموم، فلا يستويان.
الجاثية 45:18
قوله تعالى: ﴿ٱللَّهُ ٱلَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ﴾ - إلى قوله - ﴿سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾، أي: الذي تجب له العبادة والخضوع والطاعة هو الله الذي سخر لكم البحر لتجري السفن فيه بأمره وبقدرته فتنتفعون بذلك لمتجركم، ومعائشكم، وتصرفكم في البلدان، وتبتغون من فضله فهو الذي يجب له الشكر على نعمه دون غيره.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَّا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً مِّنْهُ﴾، أي: سخر لكم أيضاً - أيها الناس - ما في السماوات من شمس وقمر ونجوم وليل ونهار وما في الأرض من دابة وشجر وجبل وغير ذلك لمنافعكم ومصالحكم جميعاً منه، أي: نعمة منه عليكم، فإياه فاحمدوا واشكروا.
وقرئت: "جميعا منة"، أي من (عليكم بذلك منة).
* *
ثم قال: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لأيَٰتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾، أي: إن في تسخير ما تقدم ذكره لمنافع الخلق ومصالحهم لعبراً لقوم يتفكرون في آيات الله عز وجل وحججه سبحانه وأدلته فيعتبرون بها ويتعظون.
و ﴿جَمِيعاً مِّنْهُ﴾ (وقف جيد).
ومن قرأ "منة" وقف على "جميعاً"، ثم ابتدأ "منة" إن في ذلك"، أي: من عليكم بذلك منة.
* *
ثم قال تعالى: ﴿قُل لِّلَّذِينَ آمَنُواْ يَغْفِرُواْ لِلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ أَيَّامَ ٱللَّهِ﴾، أي: قل لهم اغفروا يغفروا. فهو جواب أمر محمول على المعنى.
والمعنى: قل يا محمد للذين صدقوك: اغفروا للذين لا يخافون أيام الله، أي: بأس الله ووقائعه فيمن كفر به ونقمه منهم يغفروا.
﴿لِيَجْزِيَ قَوْماً بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ﴾، أي: ليجزي الله عز وجل في الآخرة هؤلاء الذين يؤذون المؤمنين بما اكتسبوا في الدنيا من أذى المؤمنين (ومن غير) ذلك.
وروي عن عاصم أنه قرأ ﴿لِيَجْزِيَ قَوْماً﴾ بنصب قوم والفعل لما لم يسم فاعله. وهذا بعيد جداً لم يجزه سيبويه ولا جميع البصريين.
وإنما تقديره عنده: ليجزي الجزاء قوماً. فيقيم المصدر مقام ما لم يسم فاعله ويضمره وينصب الاسم المقصود بالمعنى وهو شاذ بعيد في النظر والقياس.
ولم يجز النحويون: "ضُرِبَ الضربُ زيداً" برفع الضرب ونصب زيد، ولو جاز هذا لجازت هذه القراءة ولكن لا يجيزونه إلا في شعر على بعد.
قال ابن عباس: كان النبي ﷺ يعرض عن المشركين إذا آذوه، وكانوا يستهزؤون به ويكذبونه، ثم أمره الله عز وجل أن يقاتلهم كافة. فكان هذا من المنسوخ. وعن ابن عباس أيضاً، وهو قول الضحاك: إن الآية نزلت في عمر بن الخطاب رضي الله عنه شتمه رجل من المشركين بمكة قبل الهجرة، فأراد أن يبطش به فنزلت: ﴿قُل لِّلَّذِينَ آمَنُواْ﴾ - يعني عمر - ﴿يَغْفِرُواْ لِلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ أَيَّامَ ٱللَّهِ﴾، ثم نسخ هذا في "براءة" بالأمر بالقتال والقتل للمشركين، وهو أيضاً قول قتادة، إلا أنه قال: نسخها قوله: ﴿فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي ٱلْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِم مَّنْ خَلْفَهُمْ﴾ [الأنفال: ٥٧] وقاله الضحاك.
وعن أبي هريرة أنه قال نسخها قوله: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُواْ﴾ [الحج: ٣٩].
وقيل: معنى "لا يرجون أيام الله": لا يخافون البعث.
* *
ثم قال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَـٰلِحاً فَلِنَفْسِهِ﴾، أي: لخلاص نفسه يعمل، والله عز وجل غني عن عمله، إنما عمله له.
﴿وَمَنْ أَسَآءَ فَعَلَيْهَا﴾، أي: ومن عمل عملاً سيئا فعلى نفسه جنى وفي عطبها سعى، لا يضر الله سبحانه ذلك ولا ينقصه من ملكه. ﴿ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُمْ﴾ أيها الناس.
﴿تُرْجَعُونَ﴾، (أي: تردون) في الآخرة فيجازي المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ ٱلْكِتَابَ وَٱلْحُكْمَ وَٱلنُّبُوَّةَ﴾، أي: ولقد أعطينا بني إسرائيل التوراة والإنجيل.
﴿وَٱلْحُكْمَ﴾ يعني: الفهم بالكتاب والعلم بما فيه من السنن التي لم تنزل في كتاب. قال مجاهد: "الحكم: اللب".
* *
وقوله: ﴿وَٱلنُّبُوَّةَ﴾، أي: وجعلنا منهم الأنبياء والرسل إلى الخلق، فأكثر الأنبياء والرسل من بني إسرائيل.
* *
ثم قال: ﴿وَرَزَقْنَاهُمْ مِّنَ ٱلطَّيِّبَاتِ﴾، يعني: المَنَّ والسَّلْوَى وغير ذلك من المطاعم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى ٱلْعَالَمينَ﴾، أي: على عالم زمانهم.
* *
ثم قال: ﴿وَآتَيْنَاهُم بَيِّنَاتٍ مِّنَ ٱلأَمْرِ﴾، أي: وأعطيناهم واضحات من أمرنا بتنزيلنا التوراة عليهم فيها تفصيل كل شيء.
* *
ثم قال: ﴿فَمَا ٱخْتَلَفُوۤاْ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ ٱلْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ﴾ أي: لم يختلفوا في دينهم إلا من بعد ﴿مَا جَآءَهُمُ ٱلْعِلْمُ﴾، أي: إلا من بعد ما أنزلت عليهم التوراة فاختلفوا للرياسة بعد علمهم بالحق مما اختلفوا فيه فتنافسوا في الدنيا ورياستها فبغوا بغياً فيما بينهم، وتركوا تبيين ما أنزل الله عليهم.
* *
ثم قال: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بِيْنَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ﴾، أي: يحكم (ويفصل بينهم) فيما اختلفوا فيه يوم القيامة، فيعلي المحق على المبطل.
* *
ثم قال تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَىٰ شَرِيعَةٍ مِّنَ ٱلأَمْرِ فَٱتَّبِعْهَا﴾، أي: ثم جعلناك يا محمد بعد بني إسرائيل على طريقة وسنة ومنهاج من أمرنا الذي أمرنا به من قبلك من الرسل، فاتبع تلك الشريعة ﴿وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَآءَ ٱلَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ﴾، أي: ولا تتبع ما يدعوك إليه الجاهلون بالله.
قال ابن عباس: ﴿عَلَىٰ شَرِيعَةٍ﴾: "على هدى من الأمر وبينة".
وقال قتادة: "الشريعة: الفرائض والحدود والأمر والنهي".
وقال ابن زيد: الشريعة: الدين، وقرأ ﴿شَرَعَ لَكُم مِّنَ ٱلدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحاً وَٱلَّذِيۤ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ﴾ [الشورى: ١٣] فنوح أولهم ومحمد آخرهم صلى الله على جميع النبيين وسلم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ لَن يُغْنُواْ عَنكَ مِنَ ٱللَّهِ شَيْئاً﴾ أي إن هؤلاء الجاهلين بربهم لن ينفعوك من الله شيئا إن اتبعت أهواءهم وما يدعونك إليه.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَإِنَّ ٱلظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ﴾، أي: وإن الكافرين بعضهم أنصار بعض وأعوانهم على أهل الإيمان بالله عز وجل.
﴿وَٱللَّهُ وَلِيُّ ٱلْمُتَّقِينَ﴾، أي: هو ولي من اتقاه بأداء فرائضه واجتناب معاصيه.
* *
ثم قال تعالى: ﴿هَـٰذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ﴾، أي: هذا القرآن بصائر يبصر به من العمى وهو الضلالة، ويهتدي به من جار عن طريق الحق، وتاه في ميدان الباطل ﴿وَرَحْمَةٌ﴾، أي: وهو رحمة لمن آمن به واتبعه.
(وقوله: ﴿لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾، أي هو نور ورشاد ورحمة لمن أيقن أنه من عند الله فآمن به واتبعه).
* *
ثم قال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ ٱلَّذِينَ ٱجْتَرَحُواْ ٱلسَّيِّئَاتِ أَن نَّجْعَلَهُمْ كَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ﴾، أي: أيحسب الكفار بالله عز وجل المكتسبون الكبائر أن يكونوا كالمؤمنين بالله عز وجل المجتنبين للكبائر.
ويدل على أن المراد بالمكتسبين السيئات في هذه الآية الكفار قوله: "كالذين ءامنوا وعملوا الصالحات". فذكر الإيمان مع العمل، ولو كانوا مؤمنين لقال: كالذين عملوا الصالحات ولم يذكر الإيمان.
* *
ثم قال: ﴿سَوَآءً مَّحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾.
قال مجاهد معناه: إن المؤمن يموت على إيمانه ويبعث على إيمانه والكافر يموت على كفره ويبعث عليه. وقال أبو الدرداء: "يبعث الناس على ما ماتوا عليه".
هذا معنى قراءة من رفع "سواء" فجعله مبتدأ "ومحياهم" خبر، ومماتهم عطف على "محياهم".
وإنما حَسُنَ الرفع في "سواء" (لأن الفعل) قد استوفى مفعوليه فارتفع "سواء" على الابتداء، كما قيل "سَوَاءُ العَاكِفُ فِيهِ وَالبَادِي".
وإنما اختير الرفع في "سواء" لأنه اسم في معنى المصدر فلم يحسن جريه على الأول فارتفع بالإبتداء إذ الفعل قد تعدى إلى مفعوليه.
ولو كان في موضع "سواء" مستو لحسن النصب لأنه يجري على الأول، فينصب مع المعرفة على الحال وهذا هو الاختيار عند سيبويه وجميع النحويين.
ويجوز النصب عند سيبويه وغيره كما أجاز: مررت برجل سواءً عليه الخير والشر، فإذا نصبت على الحال، إذ قبله معرفة.
فكما جاز أن يكون صفة للنكرة جاز أن يكون حالاً للمعرفة وهو بعيد، لأن الأسماء التي ليست بجارية على الفعل، الرفع الاختيار فيها عند النحويين إذا رفعت ظاهراً بعدها.
وبالنصب قرأ حفص وحمزة والكسائي على الحال من الهاء والميم في "نجعلهم".
وقرأ الأعمش ﴿سَوَآءً مَّحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ﴾ بالنصب في ذلك كله ينصب "سوا" على الحال، وينصب "محياهم ومماتهم" على تقدير في محياهم ومماتهم كأنه يجعله ظرفاً.
ويجوز أن يكون ﴿مَّحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ﴾ بدلا من الهاء والميم في ﴿نَّجْعَلَهُمْ﴾ فيصير المعنى: (أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعل محياهم ومماتهم سواء)، أي كمحيى الذين آمنوا ومماتهم. والوقف على "الصالحات" حسن عند نافع وأبي عبيدة على قراءة من رفع.
وقال غيرهما: من نصب سواء وقف عليه. وهو بعيد لا وجه له، لأن "محياهم" مرتفع "بسواء". والتمام عند الأخفش: "ومماتهم" وعند غيره "يحكمون".
ومعنى "ساء ما يحكمون: "بيس الحكم يحكمون إن حسبوا ذلك وظنوه.
و "ما" في موضع رفع إن جعلتها معرفة. وفي موضع نصب على البيان إن جعلتها نكرة.
قال مجاهد في معنى الآية: محيى المسلمين ومماتهم، كلاهما محمود، محيى الكفار ومماتهم مذموم، فلا يستويان.
الجاثية 45:19
قوله تعالى: ﴿ٱللَّهُ ٱلَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ﴾ - إلى قوله - ﴿سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾، أي: الذي تجب له العبادة والخضوع والطاعة هو الله الذي سخر لكم البحر لتجري السفن فيه بأمره وبقدرته فتنتفعون بذلك لمتجركم، ومعائشكم، وتصرفكم في البلدان، وتبتغون من فضله فهو الذي يجب له الشكر على نعمه دون غيره.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَّا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً مِّنْهُ﴾، أي: سخر لكم أيضاً - أيها الناس - ما في السماوات من شمس وقمر ونجوم وليل ونهار وما في الأرض من دابة وشجر وجبل وغير ذلك لمنافعكم ومصالحكم جميعاً منه، أي: نعمة منه عليكم، فإياه فاحمدوا واشكروا.
وقرئت: "جميعا منة"، أي من (عليكم بذلك منة).
* *
ثم قال: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لأيَٰتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾، أي: إن في تسخير ما تقدم ذكره لمنافع الخلق ومصالحهم لعبراً لقوم يتفكرون في آيات الله عز وجل وحججه سبحانه وأدلته فيعتبرون بها ويتعظون.
و ﴿جَمِيعاً مِّنْهُ﴾ (وقف جيد).
ومن قرأ "منة" وقف على "جميعاً"، ثم ابتدأ "منة" إن في ذلك"، أي: من عليكم بذلك منة.
* *
ثم قال تعالى: ﴿قُل لِّلَّذِينَ آمَنُواْ يَغْفِرُواْ لِلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ أَيَّامَ ٱللَّهِ﴾، أي: قل لهم اغفروا يغفروا. فهو جواب أمر محمول على المعنى.
والمعنى: قل يا محمد للذين صدقوك: اغفروا للذين لا يخافون أيام الله، أي: بأس الله ووقائعه فيمن كفر به ونقمه منهم يغفروا.
﴿لِيَجْزِيَ قَوْماً بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ﴾، أي: ليجزي الله عز وجل في الآخرة هؤلاء الذين يؤذون المؤمنين بما اكتسبوا في الدنيا من أذى المؤمنين (ومن غير) ذلك.
وروي عن عاصم أنه قرأ ﴿لِيَجْزِيَ قَوْماً﴾ بنصب قوم والفعل لما لم يسم فاعله. وهذا بعيد جداً لم يجزه سيبويه ولا جميع البصريين.
وإنما تقديره عنده: ليجزي الجزاء قوماً. فيقيم المصدر مقام ما لم يسم فاعله ويضمره وينصب الاسم المقصود بالمعنى وهو شاذ بعيد في النظر والقياس.
ولم يجز النحويون: "ضُرِبَ الضربُ زيداً" برفع الضرب ونصب زيد، ولو جاز هذا لجازت هذه القراءة ولكن لا يجيزونه إلا في شعر على بعد.
قال ابن عباس: كان النبي ﷺ يعرض عن المشركين إذا آذوه، وكانوا يستهزؤون به ويكذبونه، ثم أمره الله عز وجل أن يقاتلهم كافة. فكان هذا من المنسوخ. وعن ابن عباس أيضاً، وهو قول الضحاك: إن الآية نزلت في عمر بن الخطاب رضي الله عنه شتمه رجل من المشركين بمكة قبل الهجرة، فأراد أن يبطش به فنزلت: ﴿قُل لِّلَّذِينَ آمَنُواْ﴾ - يعني عمر - ﴿يَغْفِرُواْ لِلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ أَيَّامَ ٱللَّهِ﴾، ثم نسخ هذا في "براءة" بالأمر بالقتال والقتل للمشركين، وهو أيضاً قول قتادة، إلا أنه قال: نسخها قوله: ﴿فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي ٱلْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِم مَّنْ خَلْفَهُمْ﴾ [الأنفال: ٥٧] وقاله الضحاك.
وعن أبي هريرة أنه قال نسخها قوله: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُواْ﴾ [الحج: ٣٩].
وقيل: معنى "لا يرجون أيام الله": لا يخافون البعث.
* *
ثم قال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَـٰلِحاً فَلِنَفْسِهِ﴾، أي: لخلاص نفسه يعمل، والله عز وجل غني عن عمله، إنما عمله له.
﴿وَمَنْ أَسَآءَ فَعَلَيْهَا﴾، أي: ومن عمل عملاً سيئا فعلى نفسه جنى وفي عطبها سعى، لا يضر الله سبحانه ذلك ولا ينقصه من ملكه. ﴿ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُمْ﴾ أيها الناس.
﴿تُرْجَعُونَ﴾، (أي: تردون) في الآخرة فيجازي المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ ٱلْكِتَابَ وَٱلْحُكْمَ وَٱلنُّبُوَّةَ﴾، أي: ولقد أعطينا بني إسرائيل التوراة والإنجيل.
﴿وَٱلْحُكْمَ﴾ يعني: الفهم بالكتاب والعلم بما فيه من السنن التي لم تنزل في كتاب. قال مجاهد: "الحكم: اللب".
* *
وقوله: ﴿وَٱلنُّبُوَّةَ﴾، أي: وجعلنا منهم الأنبياء والرسل إلى الخلق، فأكثر الأنبياء والرسل من بني إسرائيل.
* *
ثم قال: ﴿وَرَزَقْنَاهُمْ مِّنَ ٱلطَّيِّبَاتِ﴾، يعني: المَنَّ والسَّلْوَى وغير ذلك من المطاعم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى ٱلْعَالَمينَ﴾، أي: على عالم زمانهم.
* *
ثم قال: ﴿وَآتَيْنَاهُم بَيِّنَاتٍ مِّنَ ٱلأَمْرِ﴾، أي: وأعطيناهم واضحات من أمرنا بتنزيلنا التوراة عليهم فيها تفصيل كل شيء.
* *
ثم قال: ﴿فَمَا ٱخْتَلَفُوۤاْ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ ٱلْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ﴾ أي: لم يختلفوا في دينهم إلا من بعد ﴿مَا جَآءَهُمُ ٱلْعِلْمُ﴾، أي: إلا من بعد ما أنزلت عليهم التوراة فاختلفوا للرياسة بعد علمهم بالحق مما اختلفوا فيه فتنافسوا في الدنيا ورياستها فبغوا بغياً فيما بينهم، وتركوا تبيين ما أنزل الله عليهم.
* *
ثم قال: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بِيْنَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ﴾، أي: يحكم (ويفصل بينهم) فيما اختلفوا فيه يوم القيامة، فيعلي المحق على المبطل.
* *
ثم قال تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَىٰ شَرِيعَةٍ مِّنَ ٱلأَمْرِ فَٱتَّبِعْهَا﴾، أي: ثم جعلناك يا محمد بعد بني إسرائيل على طريقة وسنة ومنهاج من أمرنا الذي أمرنا به من قبلك من الرسل، فاتبع تلك الشريعة ﴿وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَآءَ ٱلَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ﴾، أي: ولا تتبع ما يدعوك إليه الجاهلون بالله.
قال ابن عباس: ﴿عَلَىٰ شَرِيعَةٍ﴾: "على هدى من الأمر وبينة".
وقال قتادة: "الشريعة: الفرائض والحدود والأمر والنهي".
وقال ابن زيد: الشريعة: الدين، وقرأ ﴿شَرَعَ لَكُم مِّنَ ٱلدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحاً وَٱلَّذِيۤ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ﴾ [الشورى: ١٣] فنوح أولهم ومحمد آخرهم صلى الله على جميع النبيين وسلم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ لَن يُغْنُواْ عَنكَ مِنَ ٱللَّهِ شَيْئاً﴾ أي إن هؤلاء الجاهلين بربهم لن ينفعوك من الله شيئا إن اتبعت أهواءهم وما يدعونك إليه.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَإِنَّ ٱلظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ﴾، أي: وإن الكافرين بعضهم أنصار بعض وأعوانهم على أهل الإيمان بالله عز وجل.
﴿وَٱللَّهُ وَلِيُّ ٱلْمُتَّقِينَ﴾، أي: هو ولي من اتقاه بأداء فرائضه واجتناب معاصيه.
* *
ثم قال تعالى: ﴿هَـٰذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ﴾، أي: هذا القرآن بصائر يبصر به من العمى وهو الضلالة، ويهتدي به من جار عن طريق الحق، وتاه في ميدان الباطل ﴿وَرَحْمَةٌ﴾، أي: وهو رحمة لمن آمن به واتبعه.
(وقوله: ﴿لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾، أي هو نور ورشاد ورحمة لمن أيقن أنه من عند الله فآمن به واتبعه).
* *
ثم قال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ ٱلَّذِينَ ٱجْتَرَحُواْ ٱلسَّيِّئَاتِ أَن نَّجْعَلَهُمْ كَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ﴾، أي: أيحسب الكفار بالله عز وجل المكتسبون الكبائر أن يكونوا كالمؤمنين بالله عز وجل المجتنبين للكبائر.
ويدل على أن المراد بالمكتسبين السيئات في هذه الآية الكفار قوله: "كالذين ءامنوا وعملوا الصالحات". فذكر الإيمان مع العمل، ولو كانوا مؤمنين لقال: كالذين عملوا الصالحات ولم يذكر الإيمان.
* *
ثم قال: ﴿سَوَآءً مَّحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾.
قال مجاهد معناه: إن المؤمن يموت على إيمانه ويبعث على إيمانه والكافر يموت على كفره ويبعث عليه. وقال أبو الدرداء: "يبعث الناس على ما ماتوا عليه".
هذا معنى قراءة من رفع "سواء" فجعله مبتدأ "ومحياهم" خبر، ومماتهم عطف على "محياهم".
وإنما حَسُنَ الرفع في "سواء" (لأن الفعل) قد استوفى مفعوليه فارتفع "سواء" على الابتداء، كما قيل "سَوَاءُ العَاكِفُ فِيهِ وَالبَادِي".
وإنما اختير الرفع في "سواء" لأنه اسم في معنى المصدر فلم يحسن جريه على الأول فارتفع بالإبتداء إذ الفعل قد تعدى إلى مفعوليه.
ولو كان في موضع "سواء" مستو لحسن النصب لأنه يجري على الأول، فينصب مع المعرفة على الحال وهذا هو الاختيار عند سيبويه وجميع النحويين.
ويجوز النصب عند سيبويه وغيره كما أجاز: مررت برجل سواءً عليه الخير والشر، فإذا نصبت على الحال، إذ قبله معرفة.
فكما جاز أن يكون صفة للنكرة جاز أن يكون حالاً للمعرفة وهو بعيد، لأن الأسماء التي ليست بجارية على الفعل، الرفع الاختيار فيها عند النحويين إذا رفعت ظاهراً بعدها.
وبالنصب قرأ حفص وحمزة والكسائي على الحال من الهاء والميم في "نجعلهم".
وقرأ الأعمش ﴿سَوَآءً مَّحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ﴾ بالنصب في ذلك كله ينصب "سوا" على الحال، وينصب "محياهم ومماتهم" على تقدير في محياهم ومماتهم كأنه يجعله ظرفاً.
ويجوز أن يكون ﴿مَّحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ﴾ بدلا من الهاء والميم في ﴿نَّجْعَلَهُمْ﴾ فيصير المعنى: (أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعل محياهم ومماتهم سواء)، أي كمحيى الذين آمنوا ومماتهم. والوقف على "الصالحات" حسن عند نافع وأبي عبيدة على قراءة من رفع.
وقال غيرهما: من نصب سواء وقف عليه. وهو بعيد لا وجه له، لأن "محياهم" مرتفع "بسواء". والتمام عند الأخفش: "ومماتهم" وعند غيره "يحكمون".
ومعنى "ساء ما يحكمون: "بيس الحكم يحكمون إن حسبوا ذلك وظنوه.
و "ما" في موضع رفع إن جعلتها معرفة. وفي موضع نصب على البيان إن جعلتها نكرة.
قال مجاهد في معنى الآية: محيى المسلمين ومماتهم، كلاهما محمود، محيى الكفار ومماتهم مذموم، فلا يستويان.
الجاثية 45:20
قوله تعالى: ﴿ٱللَّهُ ٱلَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ﴾ - إلى قوله - ﴿سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾، أي: الذي تجب له العبادة والخضوع والطاعة هو الله الذي سخر لكم البحر لتجري السفن فيه بأمره وبقدرته فتنتفعون بذلك لمتجركم، ومعائشكم، وتصرفكم في البلدان، وتبتغون من فضله فهو الذي يجب له الشكر على نعمه دون غيره.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَّا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً مِّنْهُ﴾، أي: سخر لكم أيضاً - أيها الناس - ما في السماوات من شمس وقمر ونجوم وليل ونهار وما في الأرض من دابة وشجر وجبل وغير ذلك لمنافعكم ومصالحكم جميعاً منه، أي: نعمة منه عليكم، فإياه فاحمدوا واشكروا.
وقرئت: "جميعا منة"، أي من (عليكم بذلك منة).
* *
ثم قال: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لأيَٰتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾، أي: إن في تسخير ما تقدم ذكره لمنافع الخلق ومصالحهم لعبراً لقوم يتفكرون في آيات الله عز وجل وحججه سبحانه وأدلته فيعتبرون بها ويتعظون.
و ﴿جَمِيعاً مِّنْهُ﴾ (وقف جيد).
ومن قرأ "منة" وقف على "جميعاً"، ثم ابتدأ "منة" إن في ذلك"، أي: من عليكم بذلك منة.
* *
ثم قال تعالى: ﴿قُل لِّلَّذِينَ آمَنُواْ يَغْفِرُواْ لِلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ أَيَّامَ ٱللَّهِ﴾، أي: قل لهم اغفروا يغفروا. فهو جواب أمر محمول على المعنى.
والمعنى: قل يا محمد للذين صدقوك: اغفروا للذين لا يخافون أيام الله، أي: بأس الله ووقائعه فيمن كفر به ونقمه منهم يغفروا.
﴿لِيَجْزِيَ قَوْماً بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ﴾، أي: ليجزي الله عز وجل في الآخرة هؤلاء الذين يؤذون المؤمنين بما اكتسبوا في الدنيا من أذى المؤمنين (ومن غير) ذلك.
وروي عن عاصم أنه قرأ ﴿لِيَجْزِيَ قَوْماً﴾ بنصب قوم والفعل لما لم يسم فاعله. وهذا بعيد جداً لم يجزه سيبويه ولا جميع البصريين.
وإنما تقديره عنده: ليجزي الجزاء قوماً. فيقيم المصدر مقام ما لم يسم فاعله ويضمره وينصب الاسم المقصود بالمعنى وهو شاذ بعيد في النظر والقياس.
ولم يجز النحويون: "ضُرِبَ الضربُ زيداً" برفع الضرب ونصب زيد، ولو جاز هذا لجازت هذه القراءة ولكن لا يجيزونه إلا في شعر على بعد.
قال ابن عباس: كان النبي ﷺ يعرض عن المشركين إذا آذوه، وكانوا يستهزؤون به ويكذبونه، ثم أمره الله عز وجل أن يقاتلهم كافة. فكان هذا من المنسوخ. وعن ابن عباس أيضاً، وهو قول الضحاك: إن الآية نزلت في عمر بن الخطاب رضي الله عنه شتمه رجل من المشركين بمكة قبل الهجرة، فأراد أن يبطش به فنزلت: ﴿قُل لِّلَّذِينَ آمَنُواْ﴾ - يعني عمر - ﴿يَغْفِرُواْ لِلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ أَيَّامَ ٱللَّهِ﴾، ثم نسخ هذا في "براءة" بالأمر بالقتال والقتل للمشركين، وهو أيضاً قول قتادة، إلا أنه قال: نسخها قوله: ﴿فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي ٱلْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِم مَّنْ خَلْفَهُمْ﴾ [الأنفال: ٥٧] وقاله الضحاك.
وعن أبي هريرة أنه قال نسخها قوله: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُواْ﴾ [الحج: ٣٩].
وقيل: معنى "لا يرجون أيام الله": لا يخافون البعث.
* *
ثم قال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَـٰلِحاً فَلِنَفْسِهِ﴾، أي: لخلاص نفسه يعمل، والله عز وجل غني عن عمله، إنما عمله له.
﴿وَمَنْ أَسَآءَ فَعَلَيْهَا﴾، أي: ومن عمل عملاً سيئا فعلى نفسه جنى وفي عطبها سعى، لا يضر الله سبحانه ذلك ولا ينقصه من ملكه. ﴿ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُمْ﴾ أيها الناس.
﴿تُرْجَعُونَ﴾، (أي: تردون) في الآخرة فيجازي المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ ٱلْكِتَابَ وَٱلْحُكْمَ وَٱلنُّبُوَّةَ﴾، أي: ولقد أعطينا بني إسرائيل التوراة والإنجيل.
﴿وَٱلْحُكْمَ﴾ يعني: الفهم بالكتاب والعلم بما فيه من السنن التي لم تنزل في كتاب. قال مجاهد: "الحكم: اللب".
* *
وقوله: ﴿وَٱلنُّبُوَّةَ﴾، أي: وجعلنا منهم الأنبياء والرسل إلى الخلق، فأكثر الأنبياء والرسل من بني إسرائيل.
* *
ثم قال: ﴿وَرَزَقْنَاهُمْ مِّنَ ٱلطَّيِّبَاتِ﴾، يعني: المَنَّ والسَّلْوَى وغير ذلك من المطاعم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى ٱلْعَالَمينَ﴾، أي: على عالم زمانهم.
* *
ثم قال: ﴿وَآتَيْنَاهُم بَيِّنَاتٍ مِّنَ ٱلأَمْرِ﴾، أي: وأعطيناهم واضحات من أمرنا بتنزيلنا التوراة عليهم فيها تفصيل كل شيء.
* *
ثم قال: ﴿فَمَا ٱخْتَلَفُوۤاْ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ ٱلْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ﴾ أي: لم يختلفوا في دينهم إلا من بعد ﴿مَا جَآءَهُمُ ٱلْعِلْمُ﴾، أي: إلا من بعد ما أنزلت عليهم التوراة فاختلفوا للرياسة بعد علمهم بالحق مما اختلفوا فيه فتنافسوا في الدنيا ورياستها فبغوا بغياً فيما بينهم، وتركوا تبيين ما أنزل الله عليهم.
* *
ثم قال: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بِيْنَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ﴾، أي: يحكم (ويفصل بينهم) فيما اختلفوا فيه يوم القيامة، فيعلي المحق على المبطل.
* *
ثم قال تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَىٰ شَرِيعَةٍ مِّنَ ٱلأَمْرِ فَٱتَّبِعْهَا﴾، أي: ثم جعلناك يا محمد بعد بني إسرائيل على طريقة وسنة ومنهاج من أمرنا الذي أمرنا به من قبلك من الرسل، فاتبع تلك الشريعة ﴿وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَآءَ ٱلَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ﴾، أي: ولا تتبع ما يدعوك إليه الجاهلون بالله.
قال ابن عباس: ﴿عَلَىٰ شَرِيعَةٍ﴾: "على هدى من الأمر وبينة".
وقال قتادة: "الشريعة: الفرائض والحدود والأمر والنهي".
وقال ابن زيد: الشريعة: الدين، وقرأ ﴿شَرَعَ لَكُم مِّنَ ٱلدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحاً وَٱلَّذِيۤ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ﴾ [الشورى: ١٣] فنوح أولهم ومحمد آخرهم صلى الله على جميع النبيين وسلم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ لَن يُغْنُواْ عَنكَ مِنَ ٱللَّهِ شَيْئاً﴾ أي إن هؤلاء الجاهلين بربهم لن ينفعوك من الله شيئا إن اتبعت أهواءهم وما يدعونك إليه.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَإِنَّ ٱلظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ﴾، أي: وإن الكافرين بعضهم أنصار بعض وأعوانهم على أهل الإيمان بالله عز وجل.
﴿وَٱللَّهُ وَلِيُّ ٱلْمُتَّقِينَ﴾، أي: هو ولي من اتقاه بأداء فرائضه واجتناب معاصيه.
* *
ثم قال تعالى: ﴿هَـٰذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ﴾، أي: هذا القرآن بصائر يبصر به من العمى وهو الضلالة، ويهتدي به من جار عن طريق الحق، وتاه في ميدان الباطل ﴿وَرَحْمَةٌ﴾، أي: وهو رحمة لمن آمن به واتبعه.
(وقوله: ﴿لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾، أي هو نور ورشاد ورحمة لمن أيقن أنه من عند الله فآمن به واتبعه).
* *
ثم قال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ ٱلَّذِينَ ٱجْتَرَحُواْ ٱلسَّيِّئَاتِ أَن نَّجْعَلَهُمْ كَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ﴾، أي: أيحسب الكفار بالله عز وجل المكتسبون الكبائر أن يكونوا كالمؤمنين بالله عز وجل المجتنبين للكبائر.
ويدل على أن المراد بالمكتسبين السيئات في هذه الآية الكفار قوله: "كالذين ءامنوا وعملوا الصالحات". فذكر الإيمان مع العمل، ولو كانوا مؤمنين لقال: كالذين عملوا الصالحات ولم يذكر الإيمان.
* *
ثم قال: ﴿سَوَآءً مَّحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾.
قال مجاهد معناه: إن المؤمن يموت على إيمانه ويبعث على إيمانه والكافر يموت على كفره ويبعث عليه. وقال أبو الدرداء: "يبعث الناس على ما ماتوا عليه".
هذا معنى قراءة من رفع "سواء" فجعله مبتدأ "ومحياهم" خبر، ومماتهم عطف على "محياهم".
وإنما حَسُنَ الرفع في "سواء" (لأن الفعل) قد استوفى مفعوليه فارتفع "سواء" على الابتداء، كما قيل "سَوَاءُ العَاكِفُ فِيهِ وَالبَادِي".
وإنما اختير الرفع في "سواء" لأنه اسم في معنى المصدر فلم يحسن جريه على الأول فارتفع بالإبتداء إذ الفعل قد تعدى إلى مفعوليه.
ولو كان في موضع "سواء" مستو لحسن النصب لأنه يجري على الأول، فينصب مع المعرفة على الحال وهذا هو الاختيار عند سيبويه وجميع النحويين.
ويجوز النصب عند سيبويه وغيره كما أجاز: مررت برجل سواءً عليه الخير والشر، فإذا نصبت على الحال، إذ قبله معرفة.
فكما جاز أن يكون صفة للنكرة جاز أن يكون حالاً للمعرفة وهو بعيد، لأن الأسماء التي ليست بجارية على الفعل، الرفع الاختيار فيها عند النحويين إذا رفعت ظاهراً بعدها.
وبالنصب قرأ حفص وحمزة والكسائي على الحال من الهاء والميم في "نجعلهم".
وقرأ الأعمش ﴿سَوَآءً مَّحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ﴾ بالنصب في ذلك كله ينصب "سوا" على الحال، وينصب "محياهم ومماتهم" على تقدير في محياهم ومماتهم كأنه يجعله ظرفاً.
ويجوز أن يكون ﴿مَّحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ﴾ بدلا من الهاء والميم في ﴿نَّجْعَلَهُمْ﴾ فيصير المعنى: (أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعل محياهم ومماتهم سواء)، أي كمحيى الذين آمنوا ومماتهم. والوقف على "الصالحات" حسن عند نافع وأبي عبيدة على قراءة من رفع.
وقال غيرهما: من نصب سواء وقف عليه. وهو بعيد لا وجه له، لأن "محياهم" مرتفع "بسواء". والتمام عند الأخفش: "ومماتهم" وعند غيره "يحكمون".
ومعنى "ساء ما يحكمون: "بيس الحكم يحكمون إن حسبوا ذلك وظنوه.
و "ما" في موضع رفع إن جعلتها معرفة. وفي موضع نصب على البيان إن جعلتها نكرة.
قال مجاهد في معنى الآية: محيى المسلمين ومماتهم، كلاهما محمود، محيى الكفار ومماتهم مذموم، فلا يستويان.
الجاثية 45:21
قوله تعالى: ﴿ٱللَّهُ ٱلَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ﴾ - إلى قوله - ﴿سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾، أي: الذي تجب له العبادة والخضوع والطاعة هو الله الذي سخر لكم البحر لتجري السفن فيه بأمره وبقدرته فتنتفعون بذلك لمتجركم، ومعائشكم، وتصرفكم في البلدان، وتبتغون من فضله فهو الذي يجب له الشكر على نعمه دون غيره.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَّا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً مِّنْهُ﴾، أي: سخر لكم أيضاً - أيها الناس - ما في السماوات من شمس وقمر ونجوم وليل ونهار وما في الأرض من دابة وشجر وجبل وغير ذلك لمنافعكم ومصالحكم جميعاً منه، أي: نعمة منه عليكم، فإياه فاحمدوا واشكروا.
وقرئت: "جميعا منة"، أي من (عليكم بذلك منة).
* *
ثم قال: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لأيَٰتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾، أي: إن في تسخير ما تقدم ذكره لمنافع الخلق ومصالحهم لعبراً لقوم يتفكرون في آيات الله عز وجل وحججه سبحانه وأدلته فيعتبرون بها ويتعظون.
و ﴿جَمِيعاً مِّنْهُ﴾ (وقف جيد).
ومن قرأ "منة" وقف على "جميعاً"، ثم ابتدأ "منة" إن في ذلك"، أي: من عليكم بذلك منة.
* *
ثم قال تعالى: ﴿قُل لِّلَّذِينَ آمَنُواْ يَغْفِرُواْ لِلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ أَيَّامَ ٱللَّهِ﴾، أي: قل لهم اغفروا يغفروا. فهو جواب أمر محمول على المعنى.
والمعنى: قل يا محمد للذين صدقوك: اغفروا للذين لا يخافون أيام الله، أي: بأس الله ووقائعه فيمن كفر به ونقمه منهم يغفروا.
﴿لِيَجْزِيَ قَوْماً بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ﴾، أي: ليجزي الله عز وجل في الآخرة هؤلاء الذين يؤذون المؤمنين بما اكتسبوا في الدنيا من أذى المؤمنين (ومن غير) ذلك.
وروي عن عاصم أنه قرأ ﴿لِيَجْزِيَ قَوْماً﴾ بنصب قوم والفعل لما لم يسم فاعله. وهذا بعيد جداً لم يجزه سيبويه ولا جميع البصريين.
وإنما تقديره عنده: ليجزي الجزاء قوماً. فيقيم المصدر مقام ما لم يسم فاعله ويضمره وينصب الاسم المقصود بالمعنى وهو شاذ بعيد في النظر والقياس.
ولم يجز النحويون: "ضُرِبَ الضربُ زيداً" برفع الضرب ونصب زيد، ولو جاز هذا لجازت هذه القراءة ولكن لا يجيزونه إلا في شعر على بعد.
قال ابن عباس: كان النبي ﷺ يعرض عن المشركين إذا آذوه، وكانوا يستهزؤون به ويكذبونه، ثم أمره الله عز وجل أن يقاتلهم كافة. فكان هذا من المنسوخ. وعن ابن عباس أيضاً، وهو قول الضحاك: إن الآية نزلت في عمر بن الخطاب رضي الله عنه شتمه رجل من المشركين بمكة قبل الهجرة، فأراد أن يبطش به فنزلت: ﴿قُل لِّلَّذِينَ آمَنُواْ﴾ - يعني عمر - ﴿يَغْفِرُواْ لِلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ أَيَّامَ ٱللَّهِ﴾، ثم نسخ هذا في "براءة" بالأمر بالقتال والقتل للمشركين، وهو أيضاً قول قتادة، إلا أنه قال: نسخها قوله: ﴿فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي ٱلْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِم مَّنْ خَلْفَهُمْ﴾ [الأنفال: ٥٧] وقاله الضحاك.
وعن أبي هريرة أنه قال نسخها قوله: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُواْ﴾ [الحج: ٣٩].
وقيل: معنى "لا يرجون أيام الله": لا يخافون البعث.
* *
ثم قال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَـٰلِحاً فَلِنَفْسِهِ﴾، أي: لخلاص نفسه يعمل، والله عز وجل غني عن عمله، إنما عمله له.
﴿وَمَنْ أَسَآءَ فَعَلَيْهَا﴾، أي: ومن عمل عملاً سيئا فعلى نفسه جنى وفي عطبها سعى، لا يضر الله سبحانه ذلك ولا ينقصه من ملكه. ﴿ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُمْ﴾ أيها الناس.
﴿تُرْجَعُونَ﴾، (أي: تردون) في الآخرة فيجازي المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ ٱلْكِتَابَ وَٱلْحُكْمَ وَٱلنُّبُوَّةَ﴾، أي: ولقد أعطينا بني إسرائيل التوراة والإنجيل.
﴿وَٱلْحُكْمَ﴾ يعني: الفهم بالكتاب والعلم بما فيه من السنن التي لم تنزل في كتاب. قال مجاهد: "الحكم: اللب".
* *
وقوله: ﴿وَٱلنُّبُوَّةَ﴾، أي: وجعلنا منهم الأنبياء والرسل إلى الخلق، فأكثر الأنبياء والرسل من بني إسرائيل.
* *
ثم قال: ﴿وَرَزَقْنَاهُمْ مِّنَ ٱلطَّيِّبَاتِ﴾، يعني: المَنَّ والسَّلْوَى وغير ذلك من المطاعم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى ٱلْعَالَمينَ﴾، أي: على عالم زمانهم.
* *
ثم قال: ﴿وَآتَيْنَاهُم بَيِّنَاتٍ مِّنَ ٱلأَمْرِ﴾، أي: وأعطيناهم واضحات من أمرنا بتنزيلنا التوراة عليهم فيها تفصيل كل شيء.
* *
ثم قال: ﴿فَمَا ٱخْتَلَفُوۤاْ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ ٱلْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ﴾ أي: لم يختلفوا في دينهم إلا من بعد ﴿مَا جَآءَهُمُ ٱلْعِلْمُ﴾، أي: إلا من بعد ما أنزلت عليهم التوراة فاختلفوا للرياسة بعد علمهم بالحق مما اختلفوا فيه فتنافسوا في الدنيا ورياستها فبغوا بغياً فيما بينهم، وتركوا تبيين ما أنزل الله عليهم.
* *
ثم قال: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بِيْنَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ﴾، أي: يحكم (ويفصل بينهم) فيما اختلفوا فيه يوم القيامة، فيعلي المحق على المبطل.
* *
ثم قال تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَىٰ شَرِيعَةٍ مِّنَ ٱلأَمْرِ فَٱتَّبِعْهَا﴾، أي: ثم جعلناك يا محمد بعد بني إسرائيل على طريقة وسنة ومنهاج من أمرنا الذي أمرنا به من قبلك من الرسل، فاتبع تلك الشريعة ﴿وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَآءَ ٱلَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ﴾، أي: ولا تتبع ما يدعوك إليه الجاهلون بالله.
قال ابن عباس: ﴿عَلَىٰ شَرِيعَةٍ﴾: "على هدى من الأمر وبينة".
وقال قتادة: "الشريعة: الفرائض والحدود والأمر والنهي".
وقال ابن زيد: الشريعة: الدين، وقرأ ﴿شَرَعَ لَكُم مِّنَ ٱلدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحاً وَٱلَّذِيۤ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ﴾ [الشورى: ١٣] فنوح أولهم ومحمد آخرهم صلى الله على جميع النبيين وسلم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ لَن يُغْنُواْ عَنكَ مِنَ ٱللَّهِ شَيْئاً﴾ أي إن هؤلاء الجاهلين بربهم لن ينفعوك من الله شيئا إن اتبعت أهواءهم وما يدعونك إليه.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَإِنَّ ٱلظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ﴾، أي: وإن الكافرين بعضهم أنصار بعض وأعوانهم على أهل الإيمان بالله عز وجل.
﴿وَٱللَّهُ وَلِيُّ ٱلْمُتَّقِينَ﴾، أي: هو ولي من اتقاه بأداء فرائضه واجتناب معاصيه.
* *
ثم قال تعالى: ﴿هَـٰذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ﴾، أي: هذا القرآن بصائر يبصر به من العمى وهو الضلالة، ويهتدي به من جار عن طريق الحق، وتاه في ميدان الباطل ﴿وَرَحْمَةٌ﴾، أي: وهو رحمة لمن آمن به واتبعه.
(وقوله: ﴿لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾، أي هو نور ورشاد ورحمة لمن أيقن أنه من عند الله فآمن به واتبعه).
* *
ثم قال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ ٱلَّذِينَ ٱجْتَرَحُواْ ٱلسَّيِّئَاتِ أَن نَّجْعَلَهُمْ كَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ﴾، أي: أيحسب الكفار بالله عز وجل المكتسبون الكبائر أن يكونوا كالمؤمنين بالله عز وجل المجتنبين للكبائر.
ويدل على أن المراد بالمكتسبين السيئات في هذه الآية الكفار قوله: "كالذين ءامنوا وعملوا الصالحات". فذكر الإيمان مع العمل، ولو كانوا مؤمنين لقال: كالذين عملوا الصالحات ولم يذكر الإيمان.
* *
ثم قال: ﴿سَوَآءً مَّحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾.
قال مجاهد معناه: إن المؤمن يموت على إيمانه ويبعث على إيمانه والكافر يموت على كفره ويبعث عليه. وقال أبو الدرداء: "يبعث الناس على ما ماتوا عليه".
هذا معنى قراءة من رفع "سواء" فجعله مبتدأ "ومحياهم" خبر، ومماتهم عطف على "محياهم".
وإنما حَسُنَ الرفع في "سواء" (لأن الفعل) قد استوفى مفعوليه فارتفع "سواء" على الابتداء، كما قيل "سَوَاءُ العَاكِفُ فِيهِ وَالبَادِي".
وإنما اختير الرفع في "سواء" لأنه اسم في معنى المصدر فلم يحسن جريه على الأول فارتفع بالإبتداء إذ الفعل قد تعدى إلى مفعوليه.
ولو كان في موضع "سواء" مستو لحسن النصب لأنه يجري على الأول، فينصب مع المعرفة على الحال وهذا هو الاختيار عند سيبويه وجميع النحويين.
ويجوز النصب عند سيبويه وغيره كما أجاز: مررت برجل سواءً عليه الخير والشر، فإذا نصبت على الحال، إذ قبله معرفة.
فكما جاز أن يكون صفة للنكرة جاز أن يكون حالاً للمعرفة وهو بعيد، لأن الأسماء التي ليست بجارية على الفعل، الرفع الاختيار فيها عند النحويين إذا رفعت ظاهراً بعدها.
وبالنصب قرأ حفص وحمزة والكسائي على الحال من الهاء والميم في "نجعلهم".
وقرأ الأعمش ﴿سَوَآءً مَّحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ﴾ بالنصب في ذلك كله ينصب "سوا" على الحال، وينصب "محياهم ومماتهم" على تقدير في محياهم ومماتهم كأنه يجعله ظرفاً.
ويجوز أن يكون ﴿مَّحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ﴾ بدلا من الهاء والميم في ﴿نَّجْعَلَهُمْ﴾ فيصير المعنى: (أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعل محياهم ومماتهم سواء)، أي كمحيى الذين آمنوا ومماتهم. والوقف على "الصالحات" حسن عند نافع وأبي عبيدة على قراءة من رفع.
وقال غيرهما: من نصب سواء وقف عليه. وهو بعيد لا وجه له، لأن "محياهم" مرتفع "بسواء". والتمام عند الأخفش: "ومماتهم" وعند غيره "يحكمون".
ومعنى "ساء ما يحكمون: "بيس الحكم يحكمون إن حسبوا ذلك وظنوه.
و "ما" في موضع رفع إن جعلتها معرفة. وفي موضع نصب على البيان إن جعلتها نكرة.
قال مجاهد في معنى الآية: محيى المسلمين ومماتهم، كلاهما محمود، محيى الكفار ومماتهم مذموم، فلا يستويان.
الجاثية 45:22
قوله تعالى: ﴿وَخَلَقَ ٱللَّهُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ بِٱلْحَقِّ﴾ - إلى قوله -: ﴿مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾، أي: خلق ذلك للعدل والحق لا لما يحسب هؤلاء الجاهلون بالله عز وجل من أن يجعل من اكتسب السيئات بالكفر كمن آمن بالله تعالى وعمل صالحا في المحيى والممات، لأن هذا من فعل غير أهل العدل والإنصاف. فمن الحق والعدل عند الذي خلق السماوات والأرض لهما، أن يخالف بين حكم من كفر ومن آمن في العاجل والآجل.
* *
ثم قال: ﴿وَلِتُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾، أي: وخلق ذلك لتجزى كل نفس في الآخرة بما كسبت في الدنيا من خير وشر. ﴿وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ﴾، أي: لا يظلمون جزاء أعمالهم.
وروى أبو هريرة حديثاً يرفعه إلى النبي ﷺ أنه قال: "إِذَا كانَ يَوْمَ القِيَامَةِ بَعَثَ اللهُ عز وجل مَعْ كَلِّ امْرِئٍ عَمَلَهُ، فَلاَ يَرَى المُؤْمِنُ شَيْئاً (يُرَوِّعُهُ وُلا شَيْئاً) يَخَافُهُ إِلاَّ قَالَ لَهُ عَمَلُهُ: لاَ تَخَفْ إِنَّكَ وَالله مَا أَنْتَ بِالَّذِي هُوَ يُرَادُ بِالَّذِي هَا هُنَا، وَلاَ أَنْتَ المَعْنِي بِهِ. فَإِذَا قَالَ لَهُ ذَلِكَ مِرَاراً قَالَ لَهُ المُؤْمِنُ: مَنْ أَنْتَ رَحِمَكَ اللهُ، فَوَالله مَا رَأَيْتُ شَيْئاً قَطْ هُوَ أَحْسَنُ مِنْكَ وَجْهاً وَلاَ أَطْيَبُ مِنْكَ رِيحاً وَلاَ أَحْسَنُ منك لَفْظاً. فَيقول: أَتَعْجَبُ مِنْ حُسْنِي؟ إِنَّ عَمَلَكَ وَالله -، كَانَ حُسْناً في الدُّنْيا، وَإِنِّي أَنَا عَمَلُكَ، وَإِنَّكَ كُنْتَ تَحْمِلُنِي في الدُّنْيا عَلَى ثِقْلِي، وَإِنِّي وَالله لأَحْمُلَكَ اليَوْمَ وَأُدَافِعُ عَنْكَ، قال: (وَإِنَّهَا لِلَّتِي) يَقُولُ اللهُ جَلَّ ذِكْرُهُ: ﴿وَيُنَجِّي ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْاْ بِمَفَازَتِهِمْ لاَ يَمَسُّهُمُ ٱلسُّوۤءُ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ﴾
ثم قال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَـٰهَهُ هَوَاهُ﴾.
قال ابن عباس: "ذلك الكافر اتخذ بغير هدى من الله ولا برهان".
قال قتادة: "لا يهوى شيئاً إلا ركبه، لا يخاف الله".
وقال ابن جبير: "كانت قريش تعبد العزى - وهو حجر أبيض - حيناً من الدهر، فإذا وجدوا ما هو أحسن منه طرحوا الأول وعبدوا الآخر فأنزل الله عز وجل: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَـٰهَهُ هَوَاهُ﴾.
قال الحسن: "هو الذي كلما اشتهى شيئاً لم يمتنع منه".
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَأَضَلَّهُ ٱللَّهُ عَلَىٰ عِلْمٍ﴾، أي: وخذ له الله عن طريق الحق في سابق علمه على علم منه بأنه لا يهتدي ولو جاءته كل آية.
قال ابن عباس: "أضله الله في سابق علمه".
وقال ابن جبير: "أضله على عدم قد علمه منه".
وقيل المعنى: أضله الله عن الثواب على علم منه بأنه لا يستحقه.
وقيل المعنى: "على علم منه بأن عبادته لا تنفعه".
ثم قال تعالى: جل ذكره: ﴿وَخَتَمَ عَلَىٰ سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَىٰ بَصَرِهِ غِشَاوَةً﴾، أي: وطبع على سمعه أن يسمع (مواعظ الله وما) ينتفع به، وطبع على قلبه (فلا يعي) شيئاً من الخير، وجعل على بصره غطاءً أن يبصر به حجج الله عز وجل، يعني: بصر قلبه. فهو لا يهتدي لخير، نسأل الله ألا يخذلنا عما فيه رشدنا عنده.
* *
ثم قال: ﴿فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ ٱللَّهِ﴾، أي: فمن يوفقه لإصابة الحق بعد إضلال الله عز وجل له، وخذلانه إياه.
﴿أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ﴾ أيها الناس ما يذكر لكم وما توعظون به.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَقَالُواْ مَا هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا ٱلدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا﴾، وقال هؤلاء المشركون ما حياتنا إلا حياتنا الدنيا التي نحن فيها، لا حياة سواها، تكذيباً بالبعث والجزاء. قال قتادة: "هذا قول مشركي العرب".
* *
وقوله: ﴿نَمُوتُ وَنَحْيَا﴾ أي نموت نحن ويحيى أبناؤنا بعدنا.
وقيل: هو كلام فيه تقديم وتأخير. والتقدير: نحيى ونموت.
وقيل المعنى: نكون أمواتاً، يعني: النطق، ثم نحيى، أي: نصير أحياء في الدنيا ثم لا يهلكنا إلا الدهر، أي: إلا مرور الزمان وطول العمر.
وقيل المعنى: نموت (ونحيا على قولكم أيها المؤمنون) - على طريق الاستبعاد للبعث - بعد الموت، قاله علي بن سليمان.
وهؤلاء قوم لم يكونوا يعرفون الله فنسبوا ما يلحقهم من الموت إلى الدهر.
وقيل: بل كانوا يعرفون الله سبحانه، ولكن نسبوا الآفات والعلل التي تلحقهم فيموتون بها إلى الدهر.
جهلوا أن الآفات مقدرة من عند الله عز وجل.
وروي عن النبي ﷺ أنه قال: "لاَ تَسُبُّوا الدَّهْرَ، فَإِنَّ الدَّهْرَ هُوَ اللهُ
ومعنى ذلك: أنهم كانوا يسبون الدهر ويقولون: هو يهلكنا فنهى النبي ﷺ عن ذلك.
فيكون معنى نهيه: لا تسبوا الدهر فإن الله هو مهلككم لا الدهر الذي نسبتم ذلك إليه.
وقيل المعنى: لا تسبوا خلقاً من خلق الله فيما لا ذنب له، فإن الله عز وجل هو خالق الدهر. فيكون على حذف مثل ﴿وَسْئَلِ ٱلْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢].
وقيل معنى ذلك، فإن الله مقيم الدهر، أي: مقيم أبداً لا يزول.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ﴾، أي: وما لهم - بقولهم: لا نبعث - من علم، إنما ينكرون ذلك ويقولون: ما هي إلا حياتنا الدنيا - تخرصاً بغير خبر أتاهم من الله عز وجل. ما هم إلا في ظنون، أي: في شك من ذلك وحيرة.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ ءَايَٰتُنَا بَيِّنَاتٍ﴾، أي: وإذا تتلى على هؤلاء المكذبين بالبعث آيات الله عز وجل ظاهرات تخبرهم بالبعث بعد الموت. لم تكن حجتهم على رسول الله ﷺ إلا قولهم: جئ بآبائنا الذين هلكوا وانشرهم لنا إن كنت صادقاً في قولك: إنا نبعث بعد الموت.
وروى هارون وحسين عن أبي بكر عن عاصم: "ما كان حجتهم" بالرفع.
* *
ثم قال تعالى: ﴿قُلِ ٱللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ﴾، أي: قل لهم يا محمد: الله يحييكم ما شاء أن يحييكم في الدنيا ثم يميتكم فيها إذا شاء، ثم يجمعكم إلى يوم القيامة، أولكم وآخركم لا شك في ذلك، فلا تشكوا فيه.
* *
ثم قال: ﴿وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ أي: أكثر الناس الذين هم أهل تكذيب بالبعث لا يعلمون حقيقة ذلك.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ﴾، أي: سلطان ذلك دون من تدعون من دون الله من الآلهة.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاَعةُ﴾، أي: وله الملك يوم تقوم الساعة.
والعامل في "يومئذ": "يخسر". وقيل: العامل في "يوم تقوم": "يخسر" و "يومئذ" بدل منه. فيبتدئ بـ "يوم تقوم الساعة".
* *
قوله: ﴿يَخْسَرُ ٱلْمُبْطِلُونَ﴾، أي: يغبن ذلك اليوم الذين أبطلوا في الدنيا في أقوالهم ودعواهم أن (لله شريكا) فيخسرون منازلهم في الجنة، ويبدلون بها منازل في النار كانت للمحقين في أقوالهم ودعواهم أن الله لا شريك له فأبدلوا منها بمنازلهم في الجنة. فمفعول "يخسر" محذوف، وهو المنازل.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَتَرَىٰ كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أمَّةٍ تُدْعَىٰ إِلَىٰ كِتَابِهَا﴾، أي: وترى يا محمد ذلك اليوم أهل كل أمة ودين جاثية على رُكَبِها مجتمعة (مستوفرة) من هول ذلك اليوم.
قال مجاهد: جاثية على الركب (مستوفزين): وهو قول الضحاك وابن زيد وغيرهما.
وعن مجاهد أن "الأمة هنا: الواحد".
* *
ثم قال تعالى: ﴿كُلُّ أمَّةٍ تُدْعَىٰ إِلَىٰ كِتَابِهَا ٱلْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾، أي أهل كل أمة يدعون إلى كتابهم الذي أَمْلَت حفظتهم في الدنيا من أعمالهم وألفاظهم، يقال لهم: اليوم تجزون ثواب أعمالكم في الدنيا، إن خيراً فخير وإن شراً فشر.
فالمعنى: كل يجزى بما تضمنه كتابه من عمله في الدنيا، وهو مثل قوله: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَآئِرَهُ فِي عُنُقِهِ﴾ [الإسراء: ١٣].
ويدل على صحة هذا التفسير قوله بعد ذلك: ﴿إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾.
وقيل معنى الآية: كل أمة تدعى إلى كتابها الذي فرض عليها من حلال وحرام فتجازى بما عملت فيه.
قال ابن عباس: يعرض من خميس إلى خميس ما كتبته الملائكة عليهم السلام من أفعال بني آدم. فينسخ منه ما يُجْزَى عليه من الخير والشر، ويُلغى سائره.
* *
ثم قال: ﴿هَـٰذَا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُم بِٱلْحَقِّ﴾، أي يقال لهم في ذلك اليوم إذا عُرِضَتْ عليهم أعمالهم في كتبهم التي أحصتها عليهم الحفظة: هذا كتابنا ينطق عليكم بما أسلفتم في الدنيا من الأعمال، قد أحصته عليكم الحفظة، فاقرؤوه.
﴿إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾، أي: كانت حفظتنا تكتب أعمالهم فتثبتها في الكتب عليكم.
وقال ابن عباس: هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق، (هو أم) الكتاب فيه أعمال بني آدم.
* *
وقوله: ﴿إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾، قال هم الملائكة يستنسخون أعمال بني آدم من اللوح المحفوظ قبل أن يَعمَلوها، ثم يقابلون بذلك أعمال بني آدم فلا يزيدون شيئاً ولا ينقصون شيئاً قد كتب الله عز وجل ذلك قبل خلقهم وعلمه وقضاه.
قال ابن عباس: إن الله جل ذكره خلق النون - وهي الدواة - وخلق القلم فقال: اكتب قال: ما أكتب، فقال: اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة من عمل معمول، بر أو فجور ورزق مقسوم من حلال (أو حرام)، ثم الزم كل شيء من ذلك شأنه: دخوله في الدنيا ومقامه فيها كم، وخروجه منها كم هو، ثم جعل على العباد حفظة، وعلى الكتاب خزاناً، فالحفظة ينسخون كل يوم من الخزان عَمَلَ ذلك اليوم فإذا فنى الرزق وانقطع الأثر، وانقضى الأجل أتت الحفظة الخزنة يطلبون عمل ذلك اليوم (من الخزنة) فتقول لهم الخزنة: ما نجد لصاحبكم عندنا شيئاً، فترجع الحفظة فيجدونهم قد ماتوا.
قال ابن عباس: "ألستم قوماً عرباً تسمعون الحفظة تقول: إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون، وهل يكون الاستنساخ إلا من أصل".
وعنه أيضاً أنه قال: فرغ الله عز وجل مما هو كائن فتنسخ الملائكة ما يعمل يوماً بيوم من اللوح المحفوظ، فيقابل به عمل الإنسان لا يزيد على ذلك ولا ينقص.
وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: "إن الملائكة ينزلون في كل يوم بشيء يكتبون فيه أعمال بني آدم".
وقيل لابن عباس: ما توهمنا إلا أنهم يكتبونه بعدما يعمل. فقال: أنتم قوم عرب والله يقول: إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون" وهل يكون الاستنساخ إلا من نسخة.
وروى مجاهد عن عبد الله بن عمر أن النبي ﷺ قال: "أَوَّلَ شَيْءٍ خَلَقَهُ اللهُ عز وجل القَلَمُ، فَأَخَذَهُ بِيَمِينِهِ - وَكِلْتَا يَدَيْهِ يَمِين - فَكَتَبَ: الدُّنْيَا وَمَا يَكُونَ فِيها مِنْ عَمَلٍ (مَعْمُولٌ بِرٍّ) أَوْ فُجُورٍ، رَطْبٍ أَو يَابِسٍ، فَأَمْضَاهُ عِنْدَهُ (فِي الذِّكْرِ). ثُمَّ قَالَ: اقْرَؤُوا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿هَـٰذَا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُم بِٱلْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ فَهَلْ تَكُونُ النَّسْخَةُ إِلاَّ مِنْ شَيْءٍ قَدْ فُرِغَ مِنْهُ
الجاثية 45:23
قوله تعالى: ﴿وَخَلَقَ ٱللَّهُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ بِٱلْحَقِّ﴾ - إلى قوله -: ﴿مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾، أي: خلق ذلك للعدل والحق لا لما يحسب هؤلاء الجاهلون بالله عز وجل من أن يجعل من اكتسب السيئات بالكفر كمن آمن بالله تعالى وعمل صالحا في المحيى والممات، لأن هذا من فعل غير أهل العدل والإنصاف. فمن الحق والعدل عند الذي خلق السماوات والأرض لهما، أن يخالف بين حكم من كفر ومن آمن في العاجل والآجل.
* *
ثم قال: ﴿وَلِتُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾، أي: وخلق ذلك لتجزى كل نفس في الآخرة بما كسبت في الدنيا من خير وشر. ﴿وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ﴾، أي: لا يظلمون جزاء أعمالهم.
وروى أبو هريرة حديثاً يرفعه إلى النبي ﷺ أنه قال: "إِذَا كانَ يَوْمَ القِيَامَةِ بَعَثَ اللهُ عز وجل مَعْ كَلِّ امْرِئٍ عَمَلَهُ، فَلاَ يَرَى المُؤْمِنُ شَيْئاً (يُرَوِّعُهُ وُلا شَيْئاً) يَخَافُهُ إِلاَّ قَالَ لَهُ عَمَلُهُ: لاَ تَخَفْ إِنَّكَ وَالله مَا أَنْتَ بِالَّذِي هُوَ يُرَادُ بِالَّذِي هَا هُنَا، وَلاَ أَنْتَ المَعْنِي بِهِ. فَإِذَا قَالَ لَهُ ذَلِكَ مِرَاراً قَالَ لَهُ المُؤْمِنُ: مَنْ أَنْتَ رَحِمَكَ اللهُ، فَوَالله مَا رَأَيْتُ شَيْئاً قَطْ هُوَ أَحْسَنُ مِنْكَ وَجْهاً وَلاَ أَطْيَبُ مِنْكَ رِيحاً وَلاَ أَحْسَنُ منك لَفْظاً. فَيقول: أَتَعْجَبُ مِنْ حُسْنِي؟ إِنَّ عَمَلَكَ وَالله -، كَانَ حُسْناً في الدُّنْيا، وَإِنِّي أَنَا عَمَلُكَ، وَإِنَّكَ كُنْتَ تَحْمِلُنِي في الدُّنْيا عَلَى ثِقْلِي، وَإِنِّي وَالله لأَحْمُلَكَ اليَوْمَ وَأُدَافِعُ عَنْكَ، قال: (وَإِنَّهَا لِلَّتِي) يَقُولُ اللهُ جَلَّ ذِكْرُهُ: ﴿وَيُنَجِّي ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْاْ بِمَفَازَتِهِمْ لاَ يَمَسُّهُمُ ٱلسُّوۤءُ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ﴾
ثم قال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَـٰهَهُ هَوَاهُ﴾.
قال ابن عباس: "ذلك الكافر اتخذ بغير هدى من الله ولا برهان".
قال قتادة: "لا يهوى شيئاً إلا ركبه، لا يخاف الله".
وقال ابن جبير: "كانت قريش تعبد العزى - وهو حجر أبيض - حيناً من الدهر، فإذا وجدوا ما هو أحسن منه طرحوا الأول وعبدوا الآخر فأنزل الله عز وجل: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَـٰهَهُ هَوَاهُ﴾.
قال الحسن: "هو الذي كلما اشتهى شيئاً لم يمتنع منه".
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَأَضَلَّهُ ٱللَّهُ عَلَىٰ عِلْمٍ﴾، أي: وخذ له الله عن طريق الحق في سابق علمه على علم منه بأنه لا يهتدي ولو جاءته كل آية.
قال ابن عباس: "أضله الله في سابق علمه".
وقال ابن جبير: "أضله على عدم قد علمه منه".
وقيل المعنى: أضله الله عن الثواب على علم منه بأنه لا يستحقه.
وقيل المعنى: "على علم منه بأن عبادته لا تنفعه".
ثم قال تعالى: جل ذكره: ﴿وَخَتَمَ عَلَىٰ سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَىٰ بَصَرِهِ غِشَاوَةً﴾، أي: وطبع على سمعه أن يسمع (مواعظ الله وما) ينتفع به، وطبع على قلبه (فلا يعي) شيئاً من الخير، وجعل على بصره غطاءً أن يبصر به حجج الله عز وجل، يعني: بصر قلبه. فهو لا يهتدي لخير، نسأل الله ألا يخذلنا عما فيه رشدنا عنده.
* *
ثم قال: ﴿فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ ٱللَّهِ﴾، أي: فمن يوفقه لإصابة الحق بعد إضلال الله عز وجل له، وخذلانه إياه.
﴿أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ﴾ أيها الناس ما يذكر لكم وما توعظون به.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَقَالُواْ مَا هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا ٱلدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا﴾، وقال هؤلاء المشركون ما حياتنا إلا حياتنا الدنيا التي نحن فيها، لا حياة سواها، تكذيباً بالبعث والجزاء. قال قتادة: "هذا قول مشركي العرب".
* *
وقوله: ﴿نَمُوتُ وَنَحْيَا﴾ أي نموت نحن ويحيى أبناؤنا بعدنا.
وقيل: هو كلام فيه تقديم وتأخير. والتقدير: نحيى ونموت.
وقيل المعنى: نكون أمواتاً، يعني: النطق، ثم نحيى، أي: نصير أحياء في الدنيا ثم لا يهلكنا إلا الدهر، أي: إلا مرور الزمان وطول العمر.
وقيل المعنى: نموت (ونحيا على قولكم أيها المؤمنون) - على طريق الاستبعاد للبعث - بعد الموت، قاله علي بن سليمان.
وهؤلاء قوم لم يكونوا يعرفون الله فنسبوا ما يلحقهم من الموت إلى الدهر.
وقيل: بل كانوا يعرفون الله سبحانه، ولكن نسبوا الآفات والعلل التي تلحقهم فيموتون بها إلى الدهر.
جهلوا أن الآفات مقدرة من عند الله عز وجل.
وروي عن النبي ﷺ أنه قال: "لاَ تَسُبُّوا الدَّهْرَ، فَإِنَّ الدَّهْرَ هُوَ اللهُ
ومعنى ذلك: أنهم كانوا يسبون الدهر ويقولون: هو يهلكنا فنهى النبي ﷺ عن ذلك.
فيكون معنى نهيه: لا تسبوا الدهر فإن الله هو مهلككم لا الدهر الذي نسبتم ذلك إليه.
وقيل المعنى: لا تسبوا خلقاً من خلق الله فيما لا ذنب له، فإن الله عز وجل هو خالق الدهر. فيكون على حذف مثل ﴿وَسْئَلِ ٱلْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢].
وقيل معنى ذلك، فإن الله مقيم الدهر، أي: مقيم أبداً لا يزول.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ﴾، أي: وما لهم - بقولهم: لا نبعث - من علم، إنما ينكرون ذلك ويقولون: ما هي إلا حياتنا الدنيا - تخرصاً بغير خبر أتاهم من الله عز وجل. ما هم إلا في ظنون، أي: في شك من ذلك وحيرة.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ ءَايَٰتُنَا بَيِّنَاتٍ﴾، أي: وإذا تتلى على هؤلاء المكذبين بالبعث آيات الله عز وجل ظاهرات تخبرهم بالبعث بعد الموت. لم تكن حجتهم على رسول الله ﷺ إلا قولهم: جئ بآبائنا الذين هلكوا وانشرهم لنا إن كنت صادقاً في قولك: إنا نبعث بعد الموت.
وروى هارون وحسين عن أبي بكر عن عاصم: "ما كان حجتهم" بالرفع.
* *
ثم قال تعالى: ﴿قُلِ ٱللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ﴾، أي: قل لهم يا محمد: الله يحييكم ما شاء أن يحييكم في الدنيا ثم يميتكم فيها إذا شاء، ثم يجمعكم إلى يوم القيامة، أولكم وآخركم لا شك في ذلك، فلا تشكوا فيه.
* *
ثم قال: ﴿وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ أي: أكثر الناس الذين هم أهل تكذيب بالبعث لا يعلمون حقيقة ذلك.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ﴾، أي: سلطان ذلك دون من تدعون من دون الله من الآلهة.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاَعةُ﴾، أي: وله الملك يوم تقوم الساعة.
والعامل في "يومئذ": "يخسر". وقيل: العامل في "يوم تقوم": "يخسر" و "يومئذ" بدل منه. فيبتدئ بـ "يوم تقوم الساعة".
* *
قوله: ﴿يَخْسَرُ ٱلْمُبْطِلُونَ﴾، أي: يغبن ذلك اليوم الذين أبطلوا في الدنيا في أقوالهم ودعواهم أن (لله شريكا) فيخسرون منازلهم في الجنة، ويبدلون بها منازل في النار كانت للمحقين في أقوالهم ودعواهم أن الله لا شريك له فأبدلوا منها بمنازلهم في الجنة. فمفعول "يخسر" محذوف، وهو المنازل.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَتَرَىٰ كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أمَّةٍ تُدْعَىٰ إِلَىٰ كِتَابِهَا﴾، أي: وترى يا محمد ذلك اليوم أهل كل أمة ودين جاثية على رُكَبِها مجتمعة (مستوفرة) من هول ذلك اليوم.
قال مجاهد: جاثية على الركب (مستوفزين): وهو قول الضحاك وابن زيد وغيرهما.
وعن مجاهد أن "الأمة هنا: الواحد".
* *
ثم قال تعالى: ﴿كُلُّ أمَّةٍ تُدْعَىٰ إِلَىٰ كِتَابِهَا ٱلْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾، أي أهل كل أمة يدعون إلى كتابهم الذي أَمْلَت حفظتهم في الدنيا من أعمالهم وألفاظهم، يقال لهم: اليوم تجزون ثواب أعمالكم في الدنيا، إن خيراً فخير وإن شراً فشر.
فالمعنى: كل يجزى بما تضمنه كتابه من عمله في الدنيا، وهو مثل قوله: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَآئِرَهُ فِي عُنُقِهِ﴾ [الإسراء: ١٣].
ويدل على صحة هذا التفسير قوله بعد ذلك: ﴿إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾.
وقيل معنى الآية: كل أمة تدعى إلى كتابها الذي فرض عليها من حلال وحرام فتجازى بما عملت فيه.
قال ابن عباس: يعرض من خميس إلى خميس ما كتبته الملائكة عليهم السلام من أفعال بني آدم. فينسخ منه ما يُجْزَى عليه من الخير والشر، ويُلغى سائره.
* *
ثم قال: ﴿هَـٰذَا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُم بِٱلْحَقِّ﴾، أي يقال لهم في ذلك اليوم إذا عُرِضَتْ عليهم أعمالهم في كتبهم التي أحصتها عليهم الحفظة: هذا كتابنا ينطق عليكم بما أسلفتم في الدنيا من الأعمال، قد أحصته عليكم الحفظة، فاقرؤوه.
﴿إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾، أي: كانت حفظتنا تكتب أعمالهم فتثبتها في الكتب عليكم.
وقال ابن عباس: هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق، (هو أم) الكتاب فيه أعمال بني آدم.
* *
وقوله: ﴿إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾، قال هم الملائكة يستنسخون أعمال بني آدم من اللوح المحفوظ قبل أن يَعمَلوها، ثم يقابلون بذلك أعمال بني آدم فلا يزيدون شيئاً ولا ينقصون شيئاً قد كتب الله عز وجل ذلك قبل خلقهم وعلمه وقضاه.
قال ابن عباس: إن الله جل ذكره خلق النون - وهي الدواة - وخلق القلم فقال: اكتب قال: ما أكتب، فقال: اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة من عمل معمول، بر أو فجور ورزق مقسوم من حلال (أو حرام)، ثم الزم كل شيء من ذلك شأنه: دخوله في الدنيا ومقامه فيها كم، وخروجه منها كم هو، ثم جعل على العباد حفظة، وعلى الكتاب خزاناً، فالحفظة ينسخون كل يوم من الخزان عَمَلَ ذلك اليوم فإذا فنى الرزق وانقطع الأثر، وانقضى الأجل أتت الحفظة الخزنة يطلبون عمل ذلك اليوم (من الخزنة) فتقول لهم الخزنة: ما نجد لصاحبكم عندنا شيئاً، فترجع الحفظة فيجدونهم قد ماتوا.
قال ابن عباس: "ألستم قوماً عرباً تسمعون الحفظة تقول: إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون، وهل يكون الاستنساخ إلا من أصل".
وعنه أيضاً أنه قال: فرغ الله عز وجل مما هو كائن فتنسخ الملائكة ما يعمل يوماً بيوم من اللوح المحفوظ، فيقابل به عمل الإنسان لا يزيد على ذلك ولا ينقص.
وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: "إن الملائكة ينزلون في كل يوم بشيء يكتبون فيه أعمال بني آدم".
وقيل لابن عباس: ما توهمنا إلا أنهم يكتبونه بعدما يعمل. فقال: أنتم قوم عرب والله يقول: إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون" وهل يكون الاستنساخ إلا من نسخة.
وروى مجاهد عن عبد الله بن عمر أن النبي ﷺ قال: "أَوَّلَ شَيْءٍ خَلَقَهُ اللهُ عز وجل القَلَمُ، فَأَخَذَهُ بِيَمِينِهِ - وَكِلْتَا يَدَيْهِ يَمِين - فَكَتَبَ: الدُّنْيَا وَمَا يَكُونَ فِيها مِنْ عَمَلٍ (مَعْمُولٌ بِرٍّ) أَوْ فُجُورٍ، رَطْبٍ أَو يَابِسٍ، فَأَمْضَاهُ عِنْدَهُ (فِي الذِّكْرِ). ثُمَّ قَالَ: اقْرَؤُوا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿هَـٰذَا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُم بِٱلْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ فَهَلْ تَكُونُ النَّسْخَةُ إِلاَّ مِنْ شَيْءٍ قَدْ فُرِغَ مِنْهُ
الجاثية 45:24
قوله تعالى: ﴿وَخَلَقَ ٱللَّهُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ بِٱلْحَقِّ﴾ - إلى قوله -: ﴿مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾، أي: خلق ذلك للعدل والحق لا لما يحسب هؤلاء الجاهلون بالله عز وجل من أن يجعل من اكتسب السيئات بالكفر كمن آمن بالله تعالى وعمل صالحا في المحيى والممات، لأن هذا من فعل غير أهل العدل والإنصاف. فمن الحق والعدل عند الذي خلق السماوات والأرض لهما، أن يخالف بين حكم من كفر ومن آمن في العاجل والآجل.
* *
ثم قال: ﴿وَلِتُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾، أي: وخلق ذلك لتجزى كل نفس في الآخرة بما كسبت في الدنيا من خير وشر. ﴿وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ﴾، أي: لا يظلمون جزاء أعمالهم.
وروى أبو هريرة حديثاً يرفعه إلى النبي ﷺ أنه قال: "إِذَا كانَ يَوْمَ القِيَامَةِ بَعَثَ اللهُ عز وجل مَعْ كَلِّ امْرِئٍ عَمَلَهُ، فَلاَ يَرَى المُؤْمِنُ شَيْئاً (يُرَوِّعُهُ وُلا شَيْئاً) يَخَافُهُ إِلاَّ قَالَ لَهُ عَمَلُهُ: لاَ تَخَفْ إِنَّكَ وَالله مَا أَنْتَ بِالَّذِي هُوَ يُرَادُ بِالَّذِي هَا هُنَا، وَلاَ أَنْتَ المَعْنِي بِهِ. فَإِذَا قَالَ لَهُ ذَلِكَ مِرَاراً قَالَ لَهُ المُؤْمِنُ: مَنْ أَنْتَ رَحِمَكَ اللهُ، فَوَالله مَا رَأَيْتُ شَيْئاً قَطْ هُوَ أَحْسَنُ مِنْكَ وَجْهاً وَلاَ أَطْيَبُ مِنْكَ رِيحاً وَلاَ أَحْسَنُ منك لَفْظاً. فَيقول: أَتَعْجَبُ مِنْ حُسْنِي؟ إِنَّ عَمَلَكَ وَالله -، كَانَ حُسْناً في الدُّنْيا، وَإِنِّي أَنَا عَمَلُكَ، وَإِنَّكَ كُنْتَ تَحْمِلُنِي في الدُّنْيا عَلَى ثِقْلِي، وَإِنِّي وَالله لأَحْمُلَكَ اليَوْمَ وَأُدَافِعُ عَنْكَ، قال: (وَإِنَّهَا لِلَّتِي) يَقُولُ اللهُ جَلَّ ذِكْرُهُ: ﴿وَيُنَجِّي ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْاْ بِمَفَازَتِهِمْ لاَ يَمَسُّهُمُ ٱلسُّوۤءُ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ﴾
ثم قال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَـٰهَهُ هَوَاهُ﴾.
قال ابن عباس: "ذلك الكافر اتخذ بغير هدى من الله ولا برهان".
قال قتادة: "لا يهوى شيئاً إلا ركبه، لا يخاف الله".
وقال ابن جبير: "كانت قريش تعبد العزى - وهو حجر أبيض - حيناً من الدهر، فإذا وجدوا ما هو أحسن منه طرحوا الأول وعبدوا الآخر فأنزل الله عز وجل: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَـٰهَهُ هَوَاهُ﴾.
قال الحسن: "هو الذي كلما اشتهى شيئاً لم يمتنع منه".
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَأَضَلَّهُ ٱللَّهُ عَلَىٰ عِلْمٍ﴾، أي: وخذ له الله عن طريق الحق في سابق علمه على علم منه بأنه لا يهتدي ولو جاءته كل آية.
قال ابن عباس: "أضله الله في سابق علمه".
وقال ابن جبير: "أضله على عدم قد علمه منه".
وقيل المعنى: أضله الله عن الثواب على علم منه بأنه لا يستحقه.
وقيل المعنى: "على علم منه بأن عبادته لا تنفعه".
ثم قال تعالى: جل ذكره: ﴿وَخَتَمَ عَلَىٰ سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَىٰ بَصَرِهِ غِشَاوَةً﴾، أي: وطبع على سمعه أن يسمع (مواعظ الله وما) ينتفع به، وطبع على قلبه (فلا يعي) شيئاً من الخير، وجعل على بصره غطاءً أن يبصر به حجج الله عز وجل، يعني: بصر قلبه. فهو لا يهتدي لخير، نسأل الله ألا يخذلنا عما فيه رشدنا عنده.
* *
ثم قال: ﴿فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ ٱللَّهِ﴾، أي: فمن يوفقه لإصابة الحق بعد إضلال الله عز وجل له، وخذلانه إياه.
﴿أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ﴾ أيها الناس ما يذكر لكم وما توعظون به.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَقَالُواْ مَا هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا ٱلدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا﴾، وقال هؤلاء المشركون ما حياتنا إلا حياتنا الدنيا التي نحن فيها، لا حياة سواها، تكذيباً بالبعث والجزاء. قال قتادة: "هذا قول مشركي العرب".
* *
وقوله: ﴿نَمُوتُ وَنَحْيَا﴾ أي نموت نحن ويحيى أبناؤنا بعدنا.
وقيل: هو كلام فيه تقديم وتأخير. والتقدير: نحيى ونموت.
وقيل المعنى: نكون أمواتاً، يعني: النطق، ثم نحيى، أي: نصير أحياء في الدنيا ثم لا يهلكنا إلا الدهر، أي: إلا مرور الزمان وطول العمر.
وقيل المعنى: نموت (ونحيا على قولكم أيها المؤمنون) - على طريق الاستبعاد للبعث - بعد الموت، قاله علي بن سليمان.
وهؤلاء قوم لم يكونوا يعرفون الله فنسبوا ما يلحقهم من الموت إلى الدهر.
وقيل: بل كانوا يعرفون الله سبحانه، ولكن نسبوا الآفات والعلل التي تلحقهم فيموتون بها إلى الدهر.
جهلوا أن الآفات مقدرة من عند الله عز وجل.
وروي عن النبي ﷺ أنه قال: "لاَ تَسُبُّوا الدَّهْرَ، فَإِنَّ الدَّهْرَ هُوَ اللهُ
ومعنى ذلك: أنهم كانوا يسبون الدهر ويقولون: هو يهلكنا فنهى النبي ﷺ عن ذلك.
فيكون معنى نهيه: لا تسبوا الدهر فإن الله هو مهلككم لا الدهر الذي نسبتم ذلك إليه.
وقيل المعنى: لا تسبوا خلقاً من خلق الله فيما لا ذنب له، فإن الله عز وجل هو خالق الدهر. فيكون على حذف مثل ﴿وَسْئَلِ ٱلْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢].
وقيل معنى ذلك، فإن الله مقيم الدهر، أي: مقيم أبداً لا يزول.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ﴾، أي: وما لهم - بقولهم: لا نبعث - من علم، إنما ينكرون ذلك ويقولون: ما هي إلا حياتنا الدنيا - تخرصاً بغير خبر أتاهم من الله عز وجل. ما هم إلا في ظنون، أي: في شك من ذلك وحيرة.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ ءَايَٰتُنَا بَيِّنَاتٍ﴾، أي: وإذا تتلى على هؤلاء المكذبين بالبعث آيات الله عز وجل ظاهرات تخبرهم بالبعث بعد الموت. لم تكن حجتهم على رسول الله ﷺ إلا قولهم: جئ بآبائنا الذين هلكوا وانشرهم لنا إن كنت صادقاً في قولك: إنا نبعث بعد الموت.
وروى هارون وحسين عن أبي بكر عن عاصم: "ما كان حجتهم" بالرفع.
* *
ثم قال تعالى: ﴿قُلِ ٱللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ﴾، أي: قل لهم يا محمد: الله يحييكم ما شاء أن يحييكم في الدنيا ثم يميتكم فيها إذا شاء، ثم يجمعكم إلى يوم القيامة، أولكم وآخركم لا شك في ذلك، فلا تشكوا فيه.
* *
ثم قال: ﴿وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ أي: أكثر الناس الذين هم أهل تكذيب بالبعث لا يعلمون حقيقة ذلك.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ﴾، أي: سلطان ذلك دون من تدعون من دون الله من الآلهة.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاَعةُ﴾، أي: وله الملك يوم تقوم الساعة.
والعامل في "يومئذ": "يخسر". وقيل: العامل في "يوم تقوم": "يخسر" و "يومئذ" بدل منه. فيبتدئ بـ "يوم تقوم الساعة".
* *
قوله: ﴿يَخْسَرُ ٱلْمُبْطِلُونَ﴾، أي: يغبن ذلك اليوم الذين أبطلوا في الدنيا في أقوالهم ودعواهم أن (لله شريكا) فيخسرون منازلهم في الجنة، ويبدلون بها منازل في النار كانت للمحقين في أقوالهم ودعواهم أن الله لا شريك له فأبدلوا منها بمنازلهم في الجنة. فمفعول "يخسر" محذوف، وهو المنازل.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَتَرَىٰ كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أمَّةٍ تُدْعَىٰ إِلَىٰ كِتَابِهَا﴾، أي: وترى يا محمد ذلك اليوم أهل كل أمة ودين جاثية على رُكَبِها مجتمعة (مستوفرة) من هول ذلك اليوم.
قال مجاهد: جاثية على الركب (مستوفزين): وهو قول الضحاك وابن زيد وغيرهما.
وعن مجاهد أن "الأمة هنا: الواحد".
* *
ثم قال تعالى: ﴿كُلُّ أمَّةٍ تُدْعَىٰ إِلَىٰ كِتَابِهَا ٱلْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾، أي أهل كل أمة يدعون إلى كتابهم الذي أَمْلَت حفظتهم في الدنيا من أعمالهم وألفاظهم، يقال لهم: اليوم تجزون ثواب أعمالكم في الدنيا، إن خيراً فخير وإن شراً فشر.
فالمعنى: كل يجزى بما تضمنه كتابه من عمله في الدنيا، وهو مثل قوله: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَآئِرَهُ فِي عُنُقِهِ﴾ [الإسراء: ١٣].
ويدل على صحة هذا التفسير قوله بعد ذلك: ﴿إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾.
وقيل معنى الآية: كل أمة تدعى إلى كتابها الذي فرض عليها من حلال وحرام فتجازى بما عملت فيه.
قال ابن عباس: يعرض من خميس إلى خميس ما كتبته الملائكة عليهم السلام من أفعال بني آدم. فينسخ منه ما يُجْزَى عليه من الخير والشر، ويُلغى سائره.
* *
ثم قال: ﴿هَـٰذَا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُم بِٱلْحَقِّ﴾، أي يقال لهم في ذلك اليوم إذا عُرِضَتْ عليهم أعمالهم في كتبهم التي أحصتها عليهم الحفظة: هذا كتابنا ينطق عليكم بما أسلفتم في الدنيا من الأعمال، قد أحصته عليكم الحفظة، فاقرؤوه.
﴿إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾، أي: كانت حفظتنا تكتب أعمالهم فتثبتها في الكتب عليكم.
وقال ابن عباس: هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق، (هو أم) الكتاب فيه أعمال بني آدم.
* *
وقوله: ﴿إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾، قال هم الملائكة يستنسخون أعمال بني آدم من اللوح المحفوظ قبل أن يَعمَلوها، ثم يقابلون بذلك أعمال بني آدم فلا يزيدون شيئاً ولا ينقصون شيئاً قد كتب الله عز وجل ذلك قبل خلقهم وعلمه وقضاه.
قال ابن عباس: إن الله جل ذكره خلق النون - وهي الدواة - وخلق القلم فقال: اكتب قال: ما أكتب، فقال: اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة من عمل معمول، بر أو فجور ورزق مقسوم من حلال (أو حرام)، ثم الزم كل شيء من ذلك شأنه: دخوله في الدنيا ومقامه فيها كم، وخروجه منها كم هو، ثم جعل على العباد حفظة، وعلى الكتاب خزاناً، فالحفظة ينسخون كل يوم من الخزان عَمَلَ ذلك اليوم فإذا فنى الرزق وانقطع الأثر، وانقضى الأجل أتت الحفظة الخزنة يطلبون عمل ذلك اليوم (من الخزنة) فتقول لهم الخزنة: ما نجد لصاحبكم عندنا شيئاً، فترجع الحفظة فيجدونهم قد ماتوا.
قال ابن عباس: "ألستم قوماً عرباً تسمعون الحفظة تقول: إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون، وهل يكون الاستنساخ إلا من أصل".
وعنه أيضاً أنه قال: فرغ الله عز وجل مما هو كائن فتنسخ الملائكة ما يعمل يوماً بيوم من اللوح المحفوظ، فيقابل به عمل الإنسان لا يزيد على ذلك ولا ينقص.
وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: "إن الملائكة ينزلون في كل يوم بشيء يكتبون فيه أعمال بني آدم".
وقيل لابن عباس: ما توهمنا إلا أنهم يكتبونه بعدما يعمل. فقال: أنتم قوم عرب والله يقول: إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون" وهل يكون الاستنساخ إلا من نسخة.
وروى مجاهد عن عبد الله بن عمر أن النبي ﷺ قال: "أَوَّلَ شَيْءٍ خَلَقَهُ اللهُ عز وجل القَلَمُ، فَأَخَذَهُ بِيَمِينِهِ - وَكِلْتَا يَدَيْهِ يَمِين - فَكَتَبَ: الدُّنْيَا وَمَا يَكُونَ فِيها مِنْ عَمَلٍ (مَعْمُولٌ بِرٍّ) أَوْ فُجُورٍ، رَطْبٍ أَو يَابِسٍ، فَأَمْضَاهُ عِنْدَهُ (فِي الذِّكْرِ). ثُمَّ قَالَ: اقْرَؤُوا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿هَـٰذَا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُم بِٱلْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ فَهَلْ تَكُونُ النَّسْخَةُ إِلاَّ مِنْ شَيْءٍ قَدْ فُرِغَ مِنْهُ
الجاثية 45:25
قوله تعالى: ﴿وَخَلَقَ ٱللَّهُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ بِٱلْحَقِّ﴾ - إلى قوله -: ﴿مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾، أي: خلق ذلك للعدل والحق لا لما يحسب هؤلاء الجاهلون بالله عز وجل من أن يجعل من اكتسب السيئات بالكفر كمن آمن بالله تعالى وعمل صالحا في المحيى والممات، لأن هذا من فعل غير أهل العدل والإنصاف. فمن الحق والعدل عند الذي خلق السماوات والأرض لهما، أن يخالف بين حكم من كفر ومن آمن في العاجل والآجل.
* *
ثم قال: ﴿وَلِتُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾، أي: وخلق ذلك لتجزى كل نفس في الآخرة بما كسبت في الدنيا من خير وشر. ﴿وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ﴾، أي: لا يظلمون جزاء أعمالهم.
وروى أبو هريرة حديثاً يرفعه إلى النبي ﷺ أنه قال: "إِذَا كانَ يَوْمَ القِيَامَةِ بَعَثَ اللهُ عز وجل مَعْ كَلِّ امْرِئٍ عَمَلَهُ، فَلاَ يَرَى المُؤْمِنُ شَيْئاً (يُرَوِّعُهُ وُلا شَيْئاً) يَخَافُهُ إِلاَّ قَالَ لَهُ عَمَلُهُ: لاَ تَخَفْ إِنَّكَ وَالله مَا أَنْتَ بِالَّذِي هُوَ يُرَادُ بِالَّذِي هَا هُنَا، وَلاَ أَنْتَ المَعْنِي بِهِ. فَإِذَا قَالَ لَهُ ذَلِكَ مِرَاراً قَالَ لَهُ المُؤْمِنُ: مَنْ أَنْتَ رَحِمَكَ اللهُ، فَوَالله مَا رَأَيْتُ شَيْئاً قَطْ هُوَ أَحْسَنُ مِنْكَ وَجْهاً وَلاَ أَطْيَبُ مِنْكَ رِيحاً وَلاَ أَحْسَنُ منك لَفْظاً. فَيقول: أَتَعْجَبُ مِنْ حُسْنِي؟ إِنَّ عَمَلَكَ وَالله -، كَانَ حُسْناً في الدُّنْيا، وَإِنِّي أَنَا عَمَلُكَ، وَإِنَّكَ كُنْتَ تَحْمِلُنِي في الدُّنْيا عَلَى ثِقْلِي، وَإِنِّي وَالله لأَحْمُلَكَ اليَوْمَ وَأُدَافِعُ عَنْكَ، قال: (وَإِنَّهَا لِلَّتِي) يَقُولُ اللهُ جَلَّ ذِكْرُهُ: ﴿وَيُنَجِّي ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْاْ بِمَفَازَتِهِمْ لاَ يَمَسُّهُمُ ٱلسُّوۤءُ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ﴾
ثم قال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَـٰهَهُ هَوَاهُ﴾.
قال ابن عباس: "ذلك الكافر اتخذ بغير هدى من الله ولا برهان".
قال قتادة: "لا يهوى شيئاً إلا ركبه، لا يخاف الله".
وقال ابن جبير: "كانت قريش تعبد العزى - وهو حجر أبيض - حيناً من الدهر، فإذا وجدوا ما هو أحسن منه طرحوا الأول وعبدوا الآخر فأنزل الله عز وجل: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَـٰهَهُ هَوَاهُ﴾.
قال الحسن: "هو الذي كلما اشتهى شيئاً لم يمتنع منه".
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَأَضَلَّهُ ٱللَّهُ عَلَىٰ عِلْمٍ﴾، أي: وخذ له الله عن طريق الحق في سابق علمه على علم منه بأنه لا يهتدي ولو جاءته كل آية.
قال ابن عباس: "أضله الله في سابق علمه".
وقال ابن جبير: "أضله على عدم قد علمه منه".
وقيل المعنى: أضله الله عن الثواب على علم منه بأنه لا يستحقه.
وقيل المعنى: "على علم منه بأن عبادته لا تنفعه".
ثم قال تعالى: جل ذكره: ﴿وَخَتَمَ عَلَىٰ سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَىٰ بَصَرِهِ غِشَاوَةً﴾، أي: وطبع على سمعه أن يسمع (مواعظ الله وما) ينتفع به، وطبع على قلبه (فلا يعي) شيئاً من الخير، وجعل على بصره غطاءً أن يبصر به حجج الله عز وجل، يعني: بصر قلبه. فهو لا يهتدي لخير، نسأل الله ألا يخذلنا عما فيه رشدنا عنده.
* *
ثم قال: ﴿فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ ٱللَّهِ﴾، أي: فمن يوفقه لإصابة الحق بعد إضلال الله عز وجل له، وخذلانه إياه.
﴿أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ﴾ أيها الناس ما يذكر لكم وما توعظون به.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَقَالُواْ مَا هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا ٱلدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا﴾، وقال هؤلاء المشركون ما حياتنا إلا حياتنا الدنيا التي نحن فيها، لا حياة سواها، تكذيباً بالبعث والجزاء. قال قتادة: "هذا قول مشركي العرب".
* *
وقوله: ﴿نَمُوتُ وَنَحْيَا﴾ أي نموت نحن ويحيى أبناؤنا بعدنا.
وقيل: هو كلام فيه تقديم وتأخير. والتقدير: نحيى ونموت.
وقيل المعنى: نكون أمواتاً، يعني: النطق، ثم نحيى، أي: نصير أحياء في الدنيا ثم لا يهلكنا إلا الدهر، أي: إلا مرور الزمان وطول العمر.
وقيل المعنى: نموت (ونحيا على قولكم أيها المؤمنون) - على طريق الاستبعاد للبعث - بعد الموت، قاله علي بن سليمان.
وهؤلاء قوم لم يكونوا يعرفون الله فنسبوا ما يلحقهم من الموت إلى الدهر.
وقيل: بل كانوا يعرفون الله سبحانه، ولكن نسبوا الآفات والعلل التي تلحقهم فيموتون بها إلى الدهر.
جهلوا أن الآفات مقدرة من عند الله عز وجل.
وروي عن النبي ﷺ أنه قال: "لاَ تَسُبُّوا الدَّهْرَ، فَإِنَّ الدَّهْرَ هُوَ اللهُ
ومعنى ذلك: أنهم كانوا يسبون الدهر ويقولون: هو يهلكنا فنهى النبي ﷺ عن ذلك.
فيكون معنى نهيه: لا تسبوا الدهر فإن الله هو مهلككم لا الدهر الذي نسبتم ذلك إليه.
وقيل المعنى: لا تسبوا خلقاً من خلق الله فيما لا ذنب له، فإن الله عز وجل هو خالق الدهر. فيكون على حذف مثل ﴿وَسْئَلِ ٱلْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢].
وقيل معنى ذلك، فإن الله مقيم الدهر، أي: مقيم أبداً لا يزول.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ﴾، أي: وما لهم - بقولهم: لا نبعث - من علم، إنما ينكرون ذلك ويقولون: ما هي إلا حياتنا الدنيا - تخرصاً بغير خبر أتاهم من الله عز وجل. ما هم إلا في ظنون، أي: في شك من ذلك وحيرة.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ ءَايَٰتُنَا بَيِّنَاتٍ﴾، أي: وإذا تتلى على هؤلاء المكذبين بالبعث آيات الله عز وجل ظاهرات تخبرهم بالبعث بعد الموت. لم تكن حجتهم على رسول الله ﷺ إلا قولهم: جئ بآبائنا الذين هلكوا وانشرهم لنا إن كنت صادقاً في قولك: إنا نبعث بعد الموت.
وروى هارون وحسين عن أبي بكر عن عاصم: "ما كان حجتهم" بالرفع.
* *
ثم قال تعالى: ﴿قُلِ ٱللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ﴾، أي: قل لهم يا محمد: الله يحييكم ما شاء أن يحييكم في الدنيا ثم يميتكم فيها إذا شاء، ثم يجمعكم إلى يوم القيامة، أولكم وآخركم لا شك في ذلك، فلا تشكوا فيه.
* *
ثم قال: ﴿وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ أي: أكثر الناس الذين هم أهل تكذيب بالبعث لا يعلمون حقيقة ذلك.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ﴾، أي: سلطان ذلك دون من تدعون من دون الله من الآلهة.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاَعةُ﴾، أي: وله الملك يوم تقوم الساعة.
والعامل في "يومئذ": "يخسر". وقيل: العامل في "يوم تقوم": "يخسر" و "يومئذ" بدل منه. فيبتدئ بـ "يوم تقوم الساعة".
* *
قوله: ﴿يَخْسَرُ ٱلْمُبْطِلُونَ﴾، أي: يغبن ذلك اليوم الذين أبطلوا في الدنيا في أقوالهم ودعواهم أن (لله شريكا) فيخسرون منازلهم في الجنة، ويبدلون بها منازل في النار كانت للمحقين في أقوالهم ودعواهم أن الله لا شريك له فأبدلوا منها بمنازلهم في الجنة. فمفعول "يخسر" محذوف، وهو المنازل.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَتَرَىٰ كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أمَّةٍ تُدْعَىٰ إِلَىٰ كِتَابِهَا﴾، أي: وترى يا محمد ذلك اليوم أهل كل أمة ودين جاثية على رُكَبِها مجتمعة (مستوفرة) من هول ذلك اليوم.
قال مجاهد: جاثية على الركب (مستوفزين): وهو قول الضحاك وابن زيد وغيرهما.
وعن مجاهد أن "الأمة هنا: الواحد".
* *
ثم قال تعالى: ﴿كُلُّ أمَّةٍ تُدْعَىٰ إِلَىٰ كِتَابِهَا ٱلْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾، أي أهل كل أمة يدعون إلى كتابهم الذي أَمْلَت حفظتهم في الدنيا من أعمالهم وألفاظهم، يقال لهم: اليوم تجزون ثواب أعمالكم في الدنيا، إن خيراً فخير وإن شراً فشر.
فالمعنى: كل يجزى بما تضمنه كتابه من عمله في الدنيا، وهو مثل قوله: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَآئِرَهُ فِي عُنُقِهِ﴾ [الإسراء: ١٣].
ويدل على صحة هذا التفسير قوله بعد ذلك: ﴿إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾.
وقيل معنى الآية: كل أمة تدعى إلى كتابها الذي فرض عليها من حلال وحرام فتجازى بما عملت فيه.
قال ابن عباس: يعرض من خميس إلى خميس ما كتبته الملائكة عليهم السلام من أفعال بني آدم. فينسخ منه ما يُجْزَى عليه من الخير والشر، ويُلغى سائره.
* *
ثم قال: ﴿هَـٰذَا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُم بِٱلْحَقِّ﴾، أي يقال لهم في ذلك اليوم إذا عُرِضَتْ عليهم أعمالهم في كتبهم التي أحصتها عليهم الحفظة: هذا كتابنا ينطق عليكم بما أسلفتم في الدنيا من الأعمال، قد أحصته عليكم الحفظة، فاقرؤوه.
﴿إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾، أي: كانت حفظتنا تكتب أعمالهم فتثبتها في الكتب عليكم.
وقال ابن عباس: هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق، (هو أم) الكتاب فيه أعمال بني آدم.
* *
وقوله: ﴿إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾، قال هم الملائكة يستنسخون أعمال بني آدم من اللوح المحفوظ قبل أن يَعمَلوها، ثم يقابلون بذلك أعمال بني آدم فلا يزيدون شيئاً ولا ينقصون شيئاً قد كتب الله عز وجل ذلك قبل خلقهم وعلمه وقضاه.
قال ابن عباس: إن الله جل ذكره خلق النون - وهي الدواة - وخلق القلم فقال: اكتب قال: ما أكتب، فقال: اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة من عمل معمول، بر أو فجور ورزق مقسوم من حلال (أو حرام)، ثم الزم كل شيء من ذلك شأنه: دخوله في الدنيا ومقامه فيها كم، وخروجه منها كم هو، ثم جعل على العباد حفظة، وعلى الكتاب خزاناً، فالحفظة ينسخون كل يوم من الخزان عَمَلَ ذلك اليوم فإذا فنى الرزق وانقطع الأثر، وانقضى الأجل أتت الحفظة الخزنة يطلبون عمل ذلك اليوم (من الخزنة) فتقول لهم الخزنة: ما نجد لصاحبكم عندنا شيئاً، فترجع الحفظة فيجدونهم قد ماتوا.
قال ابن عباس: "ألستم قوماً عرباً تسمعون الحفظة تقول: إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون، وهل يكون الاستنساخ إلا من أصل".
وعنه أيضاً أنه قال: فرغ الله عز وجل مما هو كائن فتنسخ الملائكة ما يعمل يوماً بيوم من اللوح المحفوظ، فيقابل به عمل الإنسان لا يزيد على ذلك ولا ينقص.
وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: "إن الملائكة ينزلون في كل يوم بشيء يكتبون فيه أعمال بني آدم".
وقيل لابن عباس: ما توهمنا إلا أنهم يكتبونه بعدما يعمل. فقال: أنتم قوم عرب والله يقول: إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون" وهل يكون الاستنساخ إلا من نسخة.
وروى مجاهد عن عبد الله بن عمر أن النبي ﷺ قال: "أَوَّلَ شَيْءٍ خَلَقَهُ اللهُ عز وجل القَلَمُ، فَأَخَذَهُ بِيَمِينِهِ - وَكِلْتَا يَدَيْهِ يَمِين - فَكَتَبَ: الدُّنْيَا وَمَا يَكُونَ فِيها مِنْ عَمَلٍ (مَعْمُولٌ بِرٍّ) أَوْ فُجُورٍ، رَطْبٍ أَو يَابِسٍ، فَأَمْضَاهُ عِنْدَهُ (فِي الذِّكْرِ). ثُمَّ قَالَ: اقْرَؤُوا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿هَـٰذَا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُم بِٱلْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ فَهَلْ تَكُونُ النَّسْخَةُ إِلاَّ مِنْ شَيْءٍ قَدْ فُرِغَ مِنْهُ
الجاثية 45:26
قوله تعالى: ﴿وَخَلَقَ ٱللَّهُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ بِٱلْحَقِّ﴾ - إلى قوله -: ﴿مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾، أي: خلق ذلك للعدل والحق لا لما يحسب هؤلاء الجاهلون بالله عز وجل من أن يجعل من اكتسب السيئات بالكفر كمن آمن بالله تعالى وعمل صالحا في المحيى والممات، لأن هذا من فعل غير أهل العدل والإنصاف. فمن الحق والعدل عند الذي خلق السماوات والأرض لهما، أن يخالف بين حكم من كفر ومن آمن في العاجل والآجل.
* *
ثم قال: ﴿وَلِتُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾، أي: وخلق ذلك لتجزى كل نفس في الآخرة بما كسبت في الدنيا من خير وشر. ﴿وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ﴾، أي: لا يظلمون جزاء أعمالهم.
وروى أبو هريرة حديثاً يرفعه إلى النبي ﷺ أنه قال: "إِذَا كانَ يَوْمَ القِيَامَةِ بَعَثَ اللهُ عز وجل مَعْ كَلِّ امْرِئٍ عَمَلَهُ، فَلاَ يَرَى المُؤْمِنُ شَيْئاً (يُرَوِّعُهُ وُلا شَيْئاً) يَخَافُهُ إِلاَّ قَالَ لَهُ عَمَلُهُ: لاَ تَخَفْ إِنَّكَ وَالله مَا أَنْتَ بِالَّذِي هُوَ يُرَادُ بِالَّذِي هَا هُنَا، وَلاَ أَنْتَ المَعْنِي بِهِ. فَإِذَا قَالَ لَهُ ذَلِكَ مِرَاراً قَالَ لَهُ المُؤْمِنُ: مَنْ أَنْتَ رَحِمَكَ اللهُ، فَوَالله مَا رَأَيْتُ شَيْئاً قَطْ هُوَ أَحْسَنُ مِنْكَ وَجْهاً وَلاَ أَطْيَبُ مِنْكَ رِيحاً وَلاَ أَحْسَنُ منك لَفْظاً. فَيقول: أَتَعْجَبُ مِنْ حُسْنِي؟ إِنَّ عَمَلَكَ وَالله -، كَانَ حُسْناً في الدُّنْيا، وَإِنِّي أَنَا عَمَلُكَ، وَإِنَّكَ كُنْتَ تَحْمِلُنِي في الدُّنْيا عَلَى ثِقْلِي، وَإِنِّي وَالله لأَحْمُلَكَ اليَوْمَ وَأُدَافِعُ عَنْكَ، قال: (وَإِنَّهَا لِلَّتِي) يَقُولُ اللهُ جَلَّ ذِكْرُهُ: ﴿وَيُنَجِّي ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْاْ بِمَفَازَتِهِمْ لاَ يَمَسُّهُمُ ٱلسُّوۤءُ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ﴾
ثم قال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَـٰهَهُ هَوَاهُ﴾.
قال ابن عباس: "ذلك الكافر اتخذ بغير هدى من الله ولا برهان".
قال قتادة: "لا يهوى شيئاً إلا ركبه، لا يخاف الله".
وقال ابن جبير: "كانت قريش تعبد العزى - وهو حجر أبيض - حيناً من الدهر، فإذا وجدوا ما هو أحسن منه طرحوا الأول وعبدوا الآخر فأنزل الله عز وجل: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَـٰهَهُ هَوَاهُ﴾.
قال الحسن: "هو الذي كلما اشتهى شيئاً لم يمتنع منه".
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَأَضَلَّهُ ٱللَّهُ عَلَىٰ عِلْمٍ﴾، أي: وخذ له الله عن طريق الحق في سابق علمه على علم منه بأنه لا يهتدي ولو جاءته كل آية.
قال ابن عباس: "أضله الله في سابق علمه".
وقال ابن جبير: "أضله على عدم قد علمه منه".
وقيل المعنى: أضله الله عن الثواب على علم منه بأنه لا يستحقه.
وقيل المعنى: "على علم منه بأن عبادته لا تنفعه".
ثم قال تعالى: جل ذكره: ﴿وَخَتَمَ عَلَىٰ سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَىٰ بَصَرِهِ غِشَاوَةً﴾، أي: وطبع على سمعه أن يسمع (مواعظ الله وما) ينتفع به، وطبع على قلبه (فلا يعي) شيئاً من الخير، وجعل على بصره غطاءً أن يبصر به حجج الله عز وجل، يعني: بصر قلبه. فهو لا يهتدي لخير، نسأل الله ألا يخذلنا عما فيه رشدنا عنده.
* *
ثم قال: ﴿فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ ٱللَّهِ﴾، أي: فمن يوفقه لإصابة الحق بعد إضلال الله عز وجل له، وخذلانه إياه.
﴿أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ﴾ أيها الناس ما يذكر لكم وما توعظون به.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَقَالُواْ مَا هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا ٱلدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا﴾، وقال هؤلاء المشركون ما حياتنا إلا حياتنا الدنيا التي نحن فيها، لا حياة سواها، تكذيباً بالبعث والجزاء. قال قتادة: "هذا قول مشركي العرب".
* *
وقوله: ﴿نَمُوتُ وَنَحْيَا﴾ أي نموت نحن ويحيى أبناؤنا بعدنا.
وقيل: هو كلام فيه تقديم وتأخير. والتقدير: نحيى ونموت.
وقيل المعنى: نكون أمواتاً، يعني: النطق، ثم نحيى، أي: نصير أحياء في الدنيا ثم لا يهلكنا إلا الدهر، أي: إلا مرور الزمان وطول العمر.
وقيل المعنى: نموت (ونحيا على قولكم أيها المؤمنون) - على طريق الاستبعاد للبعث - بعد الموت، قاله علي بن سليمان.
وهؤلاء قوم لم يكونوا يعرفون الله فنسبوا ما يلحقهم من الموت إلى الدهر.
وقيل: بل كانوا يعرفون الله سبحانه، ولكن نسبوا الآفات والعلل التي تلحقهم فيموتون بها إلى الدهر.
جهلوا أن الآفات مقدرة من عند الله عز وجل.
وروي عن النبي ﷺ أنه قال: "لاَ تَسُبُّوا الدَّهْرَ، فَإِنَّ الدَّهْرَ هُوَ اللهُ
ومعنى ذلك: أنهم كانوا يسبون الدهر ويقولون: هو يهلكنا فنهى النبي ﷺ عن ذلك.
فيكون معنى نهيه: لا تسبوا الدهر فإن الله هو مهلككم لا الدهر الذي نسبتم ذلك إليه.
وقيل المعنى: لا تسبوا خلقاً من خلق الله فيما لا ذنب له، فإن الله عز وجل هو خالق الدهر. فيكون على حذف مثل ﴿وَسْئَلِ ٱلْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢].
وقيل معنى ذلك، فإن الله مقيم الدهر، أي: مقيم أبداً لا يزول.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ﴾، أي: وما لهم - بقولهم: لا نبعث - من علم، إنما ينكرون ذلك ويقولون: ما هي إلا حياتنا الدنيا - تخرصاً بغير خبر أتاهم من الله عز وجل. ما هم إلا في ظنون، أي: في شك من ذلك وحيرة.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ ءَايَٰتُنَا بَيِّنَاتٍ﴾، أي: وإذا تتلى على هؤلاء المكذبين بالبعث آيات الله عز وجل ظاهرات تخبرهم بالبعث بعد الموت. لم تكن حجتهم على رسول الله ﷺ إلا قولهم: جئ بآبائنا الذين هلكوا وانشرهم لنا إن كنت صادقاً في قولك: إنا نبعث بعد الموت.
وروى هارون وحسين عن أبي بكر عن عاصم: "ما كان حجتهم" بالرفع.
* *
ثم قال تعالى: ﴿قُلِ ٱللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ﴾، أي: قل لهم يا محمد: الله يحييكم ما شاء أن يحييكم في الدنيا ثم يميتكم فيها إذا شاء، ثم يجمعكم إلى يوم القيامة، أولكم وآخركم لا شك في ذلك، فلا تشكوا فيه.
* *
ثم قال: ﴿وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ أي: أكثر الناس الذين هم أهل تكذيب بالبعث لا يعلمون حقيقة ذلك.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ﴾، أي: سلطان ذلك دون من تدعون من دون الله من الآلهة.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاَعةُ﴾، أي: وله الملك يوم تقوم الساعة.
والعامل في "يومئذ": "يخسر". وقيل: العامل في "يوم تقوم": "يخسر" و "يومئذ" بدل منه. فيبتدئ بـ "يوم تقوم الساعة".
* *
قوله: ﴿يَخْسَرُ ٱلْمُبْطِلُونَ﴾، أي: يغبن ذلك اليوم الذين أبطلوا في الدنيا في أقوالهم ودعواهم أن (لله شريكا) فيخسرون منازلهم في الجنة، ويبدلون بها منازل في النار كانت للمحقين في أقوالهم ودعواهم أن الله لا شريك له فأبدلوا منها بمنازلهم في الجنة. فمفعول "يخسر" محذوف، وهو المنازل.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَتَرَىٰ كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أمَّةٍ تُدْعَىٰ إِلَىٰ كِتَابِهَا﴾، أي: وترى يا محمد ذلك اليوم أهل كل أمة ودين جاثية على رُكَبِها مجتمعة (مستوفرة) من هول ذلك اليوم.
قال مجاهد: جاثية على الركب (مستوفزين): وهو قول الضحاك وابن زيد وغيرهما.
وعن مجاهد أن "الأمة هنا: الواحد".
* *
ثم قال تعالى: ﴿كُلُّ أمَّةٍ تُدْعَىٰ إِلَىٰ كِتَابِهَا ٱلْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾، أي أهل كل أمة يدعون إلى كتابهم الذي أَمْلَت حفظتهم في الدنيا من أعمالهم وألفاظهم، يقال لهم: اليوم تجزون ثواب أعمالكم في الدنيا، إن خيراً فخير وإن شراً فشر.
فالمعنى: كل يجزى بما تضمنه كتابه من عمله في الدنيا، وهو مثل قوله: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَآئِرَهُ فِي عُنُقِهِ﴾ [الإسراء: ١٣].
ويدل على صحة هذا التفسير قوله بعد ذلك: ﴿إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾.
وقيل معنى الآية: كل أمة تدعى إلى كتابها الذي فرض عليها من حلال وحرام فتجازى بما عملت فيه.
قال ابن عباس: يعرض من خميس إلى خميس ما كتبته الملائكة عليهم السلام من أفعال بني آدم. فينسخ منه ما يُجْزَى عليه من الخير والشر، ويُلغى سائره.
* *
ثم قال: ﴿هَـٰذَا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُم بِٱلْحَقِّ﴾، أي يقال لهم في ذلك اليوم إذا عُرِضَتْ عليهم أعمالهم في كتبهم التي أحصتها عليهم الحفظة: هذا كتابنا ينطق عليكم بما أسلفتم في الدنيا من الأعمال، قد أحصته عليكم الحفظة، فاقرؤوه.
﴿إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾، أي: كانت حفظتنا تكتب أعمالهم فتثبتها في الكتب عليكم.
وقال ابن عباس: هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق، (هو أم) الكتاب فيه أعمال بني آدم.
* *
وقوله: ﴿إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾، قال هم الملائكة يستنسخون أعمال بني آدم من اللوح المحفوظ قبل أن يَعمَلوها، ثم يقابلون بذلك أعمال بني آدم فلا يزيدون شيئاً ولا ينقصون شيئاً قد كتب الله عز وجل ذلك قبل خلقهم وعلمه وقضاه.
قال ابن عباس: إن الله جل ذكره خلق النون - وهي الدواة - وخلق القلم فقال: اكتب قال: ما أكتب، فقال: اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة من عمل معمول، بر أو فجور ورزق مقسوم من حلال (أو حرام)، ثم الزم كل شيء من ذلك شأنه: دخوله في الدنيا ومقامه فيها كم، وخروجه منها كم هو، ثم جعل على العباد حفظة، وعلى الكتاب خزاناً، فالحفظة ينسخون كل يوم من الخزان عَمَلَ ذلك اليوم فإذا فنى الرزق وانقطع الأثر، وانقضى الأجل أتت الحفظة الخزنة يطلبون عمل ذلك اليوم (من الخزنة) فتقول لهم الخزنة: ما نجد لصاحبكم عندنا شيئاً، فترجع الحفظة فيجدونهم قد ماتوا.
قال ابن عباس: "ألستم قوماً عرباً تسمعون الحفظة تقول: إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون، وهل يكون الاستنساخ إلا من أصل".
وعنه أيضاً أنه قال: فرغ الله عز وجل مما هو كائن فتنسخ الملائكة ما يعمل يوماً بيوم من اللوح المحفوظ، فيقابل به عمل الإنسان لا يزيد على ذلك ولا ينقص.
وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: "إن الملائكة ينزلون في كل يوم بشيء يكتبون فيه أعمال بني آدم".
وقيل لابن عباس: ما توهمنا إلا أنهم يكتبونه بعدما يعمل. فقال: أنتم قوم عرب والله يقول: إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون" وهل يكون الاستنساخ إلا من نسخة.
وروى مجاهد عن عبد الله بن عمر أن النبي ﷺ قال: "أَوَّلَ شَيْءٍ خَلَقَهُ اللهُ عز وجل القَلَمُ، فَأَخَذَهُ بِيَمِينِهِ - وَكِلْتَا يَدَيْهِ يَمِين - فَكَتَبَ: الدُّنْيَا وَمَا يَكُونَ فِيها مِنْ عَمَلٍ (مَعْمُولٌ بِرٍّ) أَوْ فُجُورٍ، رَطْبٍ أَو يَابِسٍ، فَأَمْضَاهُ عِنْدَهُ (فِي الذِّكْرِ). ثُمَّ قَالَ: اقْرَؤُوا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿هَـٰذَا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُم بِٱلْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ فَهَلْ تَكُونُ النَّسْخَةُ إِلاَّ مِنْ شَيْءٍ قَدْ فُرِغَ مِنْهُ
الجاثية 45:27
قوله تعالى: ﴿وَخَلَقَ ٱللَّهُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ بِٱلْحَقِّ﴾ - إلى قوله -: ﴿مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾، أي: خلق ذلك للعدل والحق لا لما يحسب هؤلاء الجاهلون بالله عز وجل من أن يجعل من اكتسب السيئات بالكفر كمن آمن بالله تعالى وعمل صالحا في المحيى والممات، لأن هذا من فعل غير أهل العدل والإنصاف. فمن الحق والعدل عند الذي خلق السماوات والأرض لهما، أن يخالف بين حكم من كفر ومن آمن في العاجل والآجل.
* *
ثم قال: ﴿وَلِتُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾، أي: وخلق ذلك لتجزى كل نفس في الآخرة بما كسبت في الدنيا من خير وشر. ﴿وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ﴾، أي: لا يظلمون جزاء أعمالهم.
وروى أبو هريرة حديثاً يرفعه إلى النبي ﷺ أنه قال: "إِذَا كانَ يَوْمَ القِيَامَةِ بَعَثَ اللهُ عز وجل مَعْ كَلِّ امْرِئٍ عَمَلَهُ، فَلاَ يَرَى المُؤْمِنُ شَيْئاً (يُرَوِّعُهُ وُلا شَيْئاً) يَخَافُهُ إِلاَّ قَالَ لَهُ عَمَلُهُ: لاَ تَخَفْ إِنَّكَ وَالله مَا أَنْتَ بِالَّذِي هُوَ يُرَادُ بِالَّذِي هَا هُنَا، وَلاَ أَنْتَ المَعْنِي بِهِ. فَإِذَا قَالَ لَهُ ذَلِكَ مِرَاراً قَالَ لَهُ المُؤْمِنُ: مَنْ أَنْتَ رَحِمَكَ اللهُ، فَوَالله مَا رَأَيْتُ شَيْئاً قَطْ هُوَ أَحْسَنُ مِنْكَ وَجْهاً وَلاَ أَطْيَبُ مِنْكَ رِيحاً وَلاَ أَحْسَنُ منك لَفْظاً. فَيقول: أَتَعْجَبُ مِنْ حُسْنِي؟ إِنَّ عَمَلَكَ وَالله -، كَانَ حُسْناً في الدُّنْيا، وَإِنِّي أَنَا عَمَلُكَ، وَإِنَّكَ كُنْتَ تَحْمِلُنِي في الدُّنْيا عَلَى ثِقْلِي، وَإِنِّي وَالله لأَحْمُلَكَ اليَوْمَ وَأُدَافِعُ عَنْكَ، قال: (وَإِنَّهَا لِلَّتِي) يَقُولُ اللهُ جَلَّ ذِكْرُهُ: ﴿وَيُنَجِّي ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْاْ بِمَفَازَتِهِمْ لاَ يَمَسُّهُمُ ٱلسُّوۤءُ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ﴾
ثم قال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَـٰهَهُ هَوَاهُ﴾.
قال ابن عباس: "ذلك الكافر اتخذ بغير هدى من الله ولا برهان".
قال قتادة: "لا يهوى شيئاً إلا ركبه، لا يخاف الله".
وقال ابن جبير: "كانت قريش تعبد العزى - وهو حجر أبيض - حيناً من الدهر، فإذا وجدوا ما هو أحسن منه طرحوا الأول وعبدوا الآخر فأنزل الله عز وجل: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَـٰهَهُ هَوَاهُ﴾.
قال الحسن: "هو الذي كلما اشتهى شيئاً لم يمتنع منه".
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَأَضَلَّهُ ٱللَّهُ عَلَىٰ عِلْمٍ﴾، أي: وخذ له الله عن طريق الحق في سابق علمه على علم منه بأنه لا يهتدي ولو جاءته كل آية.
قال ابن عباس: "أضله الله في سابق علمه".
وقال ابن جبير: "أضله على عدم قد علمه منه".
وقيل المعنى: أضله الله عن الثواب على علم منه بأنه لا يستحقه.
وقيل المعنى: "على علم منه بأن عبادته لا تنفعه".
ثم قال تعالى: جل ذكره: ﴿وَخَتَمَ عَلَىٰ سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَىٰ بَصَرِهِ غِشَاوَةً﴾، أي: وطبع على سمعه أن يسمع (مواعظ الله وما) ينتفع به، وطبع على قلبه (فلا يعي) شيئاً من الخير، وجعل على بصره غطاءً أن يبصر به حجج الله عز وجل، يعني: بصر قلبه. فهو لا يهتدي لخير، نسأل الله ألا يخذلنا عما فيه رشدنا عنده.
* *
ثم قال: ﴿فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ ٱللَّهِ﴾، أي: فمن يوفقه لإصابة الحق بعد إضلال الله عز وجل له، وخذلانه إياه.
﴿أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ﴾ أيها الناس ما يذكر لكم وما توعظون به.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَقَالُواْ مَا هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا ٱلدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا﴾، وقال هؤلاء المشركون ما حياتنا إلا حياتنا الدنيا التي نحن فيها، لا حياة سواها، تكذيباً بالبعث والجزاء. قال قتادة: "هذا قول مشركي العرب".
* *
وقوله: ﴿نَمُوتُ وَنَحْيَا﴾ أي نموت نحن ويحيى أبناؤنا بعدنا.
وقيل: هو كلام فيه تقديم وتأخير. والتقدير: نحيى ونموت.
وقيل المعنى: نكون أمواتاً، يعني: النطق، ثم نحيى، أي: نصير أحياء في الدنيا ثم لا يهلكنا إلا الدهر، أي: إلا مرور الزمان وطول العمر.
وقيل المعنى: نموت (ونحيا على قولكم أيها المؤمنون) - على طريق الاستبعاد للبعث - بعد الموت، قاله علي بن سليمان.
وهؤلاء قوم لم يكونوا يعرفون الله فنسبوا ما يلحقهم من الموت إلى الدهر.
وقيل: بل كانوا يعرفون الله سبحانه، ولكن نسبوا الآفات والعلل التي تلحقهم فيموتون بها إلى الدهر.
جهلوا أن الآفات مقدرة من عند الله عز وجل.
وروي عن النبي ﷺ أنه قال: "لاَ تَسُبُّوا الدَّهْرَ، فَإِنَّ الدَّهْرَ هُوَ اللهُ
ومعنى ذلك: أنهم كانوا يسبون الدهر ويقولون: هو يهلكنا فنهى النبي ﷺ عن ذلك.
فيكون معنى نهيه: لا تسبوا الدهر فإن الله هو مهلككم لا الدهر الذي نسبتم ذلك إليه.
وقيل المعنى: لا تسبوا خلقاً من خلق الله فيما لا ذنب له، فإن الله عز وجل هو خالق الدهر. فيكون على حذف مثل ﴿وَسْئَلِ ٱلْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢].
وقيل معنى ذلك، فإن الله مقيم الدهر، أي: مقيم أبداً لا يزول.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ﴾، أي: وما لهم - بقولهم: لا نبعث - من علم، إنما ينكرون ذلك ويقولون: ما هي إلا حياتنا الدنيا - تخرصاً بغير خبر أتاهم من الله عز وجل. ما هم إلا في ظنون، أي: في شك من ذلك وحيرة.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ ءَايَٰتُنَا بَيِّنَاتٍ﴾، أي: وإذا تتلى على هؤلاء المكذبين بالبعث آيات الله عز وجل ظاهرات تخبرهم بالبعث بعد الموت. لم تكن حجتهم على رسول الله ﷺ إلا قولهم: جئ بآبائنا الذين هلكوا وانشرهم لنا إن كنت صادقاً في قولك: إنا نبعث بعد الموت.
وروى هارون وحسين عن أبي بكر عن عاصم: "ما كان حجتهم" بالرفع.
* *
ثم قال تعالى: ﴿قُلِ ٱللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ﴾، أي: قل لهم يا محمد: الله يحييكم ما شاء أن يحييكم في الدنيا ثم يميتكم فيها إذا شاء، ثم يجمعكم إلى يوم القيامة، أولكم وآخركم لا شك في ذلك، فلا تشكوا فيه.
* *
ثم قال: ﴿وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ أي: أكثر الناس الذين هم أهل تكذيب بالبعث لا يعلمون حقيقة ذلك.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ﴾، أي: سلطان ذلك دون من تدعون من دون الله من الآلهة.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاَعةُ﴾، أي: وله الملك يوم تقوم الساعة.
والعامل في "يومئذ": "يخسر". وقيل: العامل في "يوم تقوم": "يخسر" و "يومئذ" بدل منه. فيبتدئ بـ "يوم تقوم الساعة".
* *
قوله: ﴿يَخْسَرُ ٱلْمُبْطِلُونَ﴾، أي: يغبن ذلك اليوم الذين أبطلوا في الدنيا في أقوالهم ودعواهم أن (لله شريكا) فيخسرون منازلهم في الجنة، ويبدلون بها منازل في النار كانت للمحقين في أقوالهم ودعواهم أن الله لا شريك له فأبدلوا منها بمنازلهم في الجنة. فمفعول "يخسر" محذوف، وهو المنازل.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَتَرَىٰ كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أمَّةٍ تُدْعَىٰ إِلَىٰ كِتَابِهَا﴾، أي: وترى يا محمد ذلك اليوم أهل كل أمة ودين جاثية على رُكَبِها مجتمعة (مستوفرة) من هول ذلك اليوم.
قال مجاهد: جاثية على الركب (مستوفزين): وهو قول الضحاك وابن زيد وغيرهما.
وعن مجاهد أن "الأمة هنا: الواحد".
* *
ثم قال تعالى: ﴿كُلُّ أمَّةٍ تُدْعَىٰ إِلَىٰ كِتَابِهَا ٱلْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾، أي أهل كل أمة يدعون إلى كتابهم الذي أَمْلَت حفظتهم في الدنيا من أعمالهم وألفاظهم، يقال لهم: اليوم تجزون ثواب أعمالكم في الدنيا، إن خيراً فخير وإن شراً فشر.
فالمعنى: كل يجزى بما تضمنه كتابه من عمله في الدنيا، وهو مثل قوله: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَآئِرَهُ فِي عُنُقِهِ﴾ [الإسراء: ١٣].
ويدل على صحة هذا التفسير قوله بعد ذلك: ﴿إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾.
وقيل معنى الآية: كل أمة تدعى إلى كتابها الذي فرض عليها من حلال وحرام فتجازى بما عملت فيه.
قال ابن عباس: يعرض من خميس إلى خميس ما كتبته الملائكة عليهم السلام من أفعال بني آدم. فينسخ منه ما يُجْزَى عليه من الخير والشر، ويُلغى سائره.
* *
ثم قال: ﴿هَـٰذَا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُم بِٱلْحَقِّ﴾، أي يقال لهم في ذلك اليوم إذا عُرِضَتْ عليهم أعمالهم في كتبهم التي أحصتها عليهم الحفظة: هذا كتابنا ينطق عليكم بما أسلفتم في الدنيا من الأعمال، قد أحصته عليكم الحفظة، فاقرؤوه.
﴿إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾، أي: كانت حفظتنا تكتب أعمالهم فتثبتها في الكتب عليكم.
وقال ابن عباس: هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق، (هو أم) الكتاب فيه أعمال بني آدم.
* *
وقوله: ﴿إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾، قال هم الملائكة يستنسخون أعمال بني آدم من اللوح المحفوظ قبل أن يَعمَلوها، ثم يقابلون بذلك أعمال بني آدم فلا يزيدون شيئاً ولا ينقصون شيئاً قد كتب الله عز وجل ذلك قبل خلقهم وعلمه وقضاه.
قال ابن عباس: إن الله جل ذكره خلق النون - وهي الدواة - وخلق القلم فقال: اكتب قال: ما أكتب، فقال: اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة من عمل معمول، بر أو فجور ورزق مقسوم من حلال (أو حرام)، ثم الزم كل شيء من ذلك شأنه: دخوله في الدنيا ومقامه فيها كم، وخروجه منها كم هو، ثم جعل على العباد حفظة، وعلى الكتاب خزاناً، فالحفظة ينسخون كل يوم من الخزان عَمَلَ ذلك اليوم فإذا فنى الرزق وانقطع الأثر، وانقضى الأجل أتت الحفظة الخزنة يطلبون عمل ذلك اليوم (من الخزنة) فتقول لهم الخزنة: ما نجد لصاحبكم عندنا شيئاً، فترجع الحفظة فيجدونهم قد ماتوا.
قال ابن عباس: "ألستم قوماً عرباً تسمعون الحفظة تقول: إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون، وهل يكون الاستنساخ إلا من أصل".
وعنه أيضاً أنه قال: فرغ الله عز وجل مما هو كائن فتنسخ الملائكة ما يعمل يوماً بيوم من اللوح المحفوظ، فيقابل به عمل الإنسان لا يزيد على ذلك ولا ينقص.
وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: "إن الملائكة ينزلون في كل يوم بشيء يكتبون فيه أعمال بني آدم".
وقيل لابن عباس: ما توهمنا إلا أنهم يكتبونه بعدما يعمل. فقال: أنتم قوم عرب والله يقول: إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون" وهل يكون الاستنساخ إلا من نسخة.
وروى مجاهد عن عبد الله بن عمر أن النبي ﷺ قال: "أَوَّلَ شَيْءٍ خَلَقَهُ اللهُ عز وجل القَلَمُ، فَأَخَذَهُ بِيَمِينِهِ - وَكِلْتَا يَدَيْهِ يَمِين - فَكَتَبَ: الدُّنْيَا وَمَا يَكُونَ فِيها مِنْ عَمَلٍ (مَعْمُولٌ بِرٍّ) أَوْ فُجُورٍ، رَطْبٍ أَو يَابِسٍ، فَأَمْضَاهُ عِنْدَهُ (فِي الذِّكْرِ). ثُمَّ قَالَ: اقْرَؤُوا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿هَـٰذَا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُم بِٱلْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ فَهَلْ تَكُونُ النَّسْخَةُ إِلاَّ مِنْ شَيْءٍ قَدْ فُرِغَ مِنْهُ
الجاثية 45:28
قوله تعالى: ﴿وَخَلَقَ ٱللَّهُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ بِٱلْحَقِّ﴾ - إلى قوله -: ﴿مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾، أي: خلق ذلك للعدل والحق لا لما يحسب هؤلاء الجاهلون بالله عز وجل من أن يجعل من اكتسب السيئات بالكفر كمن آمن بالله تعالى وعمل صالحا في المحيى والممات، لأن هذا من فعل غير أهل العدل والإنصاف. فمن الحق والعدل عند الذي خلق السماوات والأرض لهما، أن يخالف بين حكم من كفر ومن آمن في العاجل والآجل.
* *
ثم قال: ﴿وَلِتُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾، أي: وخلق ذلك لتجزى كل نفس في الآخرة بما كسبت في الدنيا من خير وشر. ﴿وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ﴾، أي: لا يظلمون جزاء أعمالهم.
وروى أبو هريرة حديثاً يرفعه إلى النبي ﷺ أنه قال: "إِذَا كانَ يَوْمَ القِيَامَةِ بَعَثَ اللهُ عز وجل مَعْ كَلِّ امْرِئٍ عَمَلَهُ، فَلاَ يَرَى المُؤْمِنُ شَيْئاً (يُرَوِّعُهُ وُلا شَيْئاً) يَخَافُهُ إِلاَّ قَالَ لَهُ عَمَلُهُ: لاَ تَخَفْ إِنَّكَ وَالله مَا أَنْتَ بِالَّذِي هُوَ يُرَادُ بِالَّذِي هَا هُنَا، وَلاَ أَنْتَ المَعْنِي بِهِ. فَإِذَا قَالَ لَهُ ذَلِكَ مِرَاراً قَالَ لَهُ المُؤْمِنُ: مَنْ أَنْتَ رَحِمَكَ اللهُ، فَوَالله مَا رَأَيْتُ شَيْئاً قَطْ هُوَ أَحْسَنُ مِنْكَ وَجْهاً وَلاَ أَطْيَبُ مِنْكَ رِيحاً وَلاَ أَحْسَنُ منك لَفْظاً. فَيقول: أَتَعْجَبُ مِنْ حُسْنِي؟ إِنَّ عَمَلَكَ وَالله -، كَانَ حُسْناً في الدُّنْيا، وَإِنِّي أَنَا عَمَلُكَ، وَإِنَّكَ كُنْتَ تَحْمِلُنِي في الدُّنْيا عَلَى ثِقْلِي، وَإِنِّي وَالله لأَحْمُلَكَ اليَوْمَ وَأُدَافِعُ عَنْكَ، قال: (وَإِنَّهَا لِلَّتِي) يَقُولُ اللهُ جَلَّ ذِكْرُهُ: ﴿وَيُنَجِّي ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْاْ بِمَفَازَتِهِمْ لاَ يَمَسُّهُمُ ٱلسُّوۤءُ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ﴾
ثم قال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَـٰهَهُ هَوَاهُ﴾.
قال ابن عباس: "ذلك الكافر اتخذ بغير هدى من الله ولا برهان".
قال قتادة: "لا يهوى شيئاً إلا ركبه، لا يخاف الله".
وقال ابن جبير: "كانت قريش تعبد العزى - وهو حجر أبيض - حيناً من الدهر، فإذا وجدوا ما هو أحسن منه طرحوا الأول وعبدوا الآخر فأنزل الله عز وجل: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَـٰهَهُ هَوَاهُ﴾.
قال الحسن: "هو الذي كلما اشتهى شيئاً لم يمتنع منه".
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَأَضَلَّهُ ٱللَّهُ عَلَىٰ عِلْمٍ﴾، أي: وخذ له الله عن طريق الحق في سابق علمه على علم منه بأنه لا يهتدي ولو جاءته كل آية.
قال ابن عباس: "أضله الله في سابق علمه".
وقال ابن جبير: "أضله على عدم قد علمه منه".
وقيل المعنى: أضله الله عن الثواب على علم منه بأنه لا يستحقه.
وقيل المعنى: "على علم منه بأن عبادته لا تنفعه".
ثم قال تعالى: جل ذكره: ﴿وَخَتَمَ عَلَىٰ سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَىٰ بَصَرِهِ غِشَاوَةً﴾، أي: وطبع على سمعه أن يسمع (مواعظ الله وما) ينتفع به، وطبع على قلبه (فلا يعي) شيئاً من الخير، وجعل على بصره غطاءً أن يبصر به حجج الله عز وجل، يعني: بصر قلبه. فهو لا يهتدي لخير، نسأل الله ألا يخذلنا عما فيه رشدنا عنده.
* *
ثم قال: ﴿فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ ٱللَّهِ﴾، أي: فمن يوفقه لإصابة الحق بعد إضلال الله عز وجل له، وخذلانه إياه.
﴿أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ﴾ أيها الناس ما يذكر لكم وما توعظون به.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَقَالُواْ مَا هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا ٱلدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا﴾، وقال هؤلاء المشركون ما حياتنا إلا حياتنا الدنيا التي نحن فيها، لا حياة سواها، تكذيباً بالبعث والجزاء. قال قتادة: "هذا قول مشركي العرب".
* *
وقوله: ﴿نَمُوتُ وَنَحْيَا﴾ أي نموت نحن ويحيى أبناؤنا بعدنا.
وقيل: هو كلام فيه تقديم وتأخير. والتقدير: نحيى ونموت.
وقيل المعنى: نكون أمواتاً، يعني: النطق، ثم نحيى، أي: نصير أحياء في الدنيا ثم لا يهلكنا إلا الدهر، أي: إلا مرور الزمان وطول العمر.
وقيل المعنى: نموت (ونحيا على قولكم أيها المؤمنون) - على طريق الاستبعاد للبعث - بعد الموت، قاله علي بن سليمان.
وهؤلاء قوم لم يكونوا يعرفون الله فنسبوا ما يلحقهم من الموت إلى الدهر.
وقيل: بل كانوا يعرفون الله سبحانه، ولكن نسبوا الآفات والعلل التي تلحقهم فيموتون بها إلى الدهر.
جهلوا أن الآفات مقدرة من عند الله عز وجل.
وروي عن النبي ﷺ أنه قال: "لاَ تَسُبُّوا الدَّهْرَ، فَإِنَّ الدَّهْرَ هُوَ اللهُ
ومعنى ذلك: أنهم كانوا يسبون الدهر ويقولون: هو يهلكنا فنهى النبي ﷺ عن ذلك.
فيكون معنى نهيه: لا تسبوا الدهر فإن الله هو مهلككم لا الدهر الذي نسبتم ذلك إليه.
وقيل المعنى: لا تسبوا خلقاً من خلق الله فيما لا ذنب له، فإن الله عز وجل هو خالق الدهر. فيكون على حذف مثل ﴿وَسْئَلِ ٱلْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢].
وقيل معنى ذلك، فإن الله مقيم الدهر، أي: مقيم أبداً لا يزول.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ﴾، أي: وما لهم - بقولهم: لا نبعث - من علم، إنما ينكرون ذلك ويقولون: ما هي إلا حياتنا الدنيا - تخرصاً بغير خبر أتاهم من الله عز وجل. ما هم إلا في ظنون، أي: في شك من ذلك وحيرة.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ ءَايَٰتُنَا بَيِّنَاتٍ﴾، أي: وإذا تتلى على هؤلاء المكذبين بالبعث آيات الله عز وجل ظاهرات تخبرهم بالبعث بعد الموت. لم تكن حجتهم على رسول الله ﷺ إلا قولهم: جئ بآبائنا الذين هلكوا وانشرهم لنا إن كنت صادقاً في قولك: إنا نبعث بعد الموت.
وروى هارون وحسين عن أبي بكر عن عاصم: "ما كان حجتهم" بالرفع.
* *
ثم قال تعالى: ﴿قُلِ ٱللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ﴾، أي: قل لهم يا محمد: الله يحييكم ما شاء أن يحييكم في الدنيا ثم يميتكم فيها إذا شاء، ثم يجمعكم إلى يوم القيامة، أولكم وآخركم لا شك في ذلك، فلا تشكوا فيه.
* *
ثم قال: ﴿وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ أي: أكثر الناس الذين هم أهل تكذيب بالبعث لا يعلمون حقيقة ذلك.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ﴾، أي: سلطان ذلك دون من تدعون من دون الله من الآلهة.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاَعةُ﴾، أي: وله الملك يوم تقوم الساعة.
والعامل في "يومئذ": "يخسر". وقيل: العامل في "يوم تقوم": "يخسر" و "يومئذ" بدل منه. فيبتدئ بـ "يوم تقوم الساعة".
* *
قوله: ﴿يَخْسَرُ ٱلْمُبْطِلُونَ﴾، أي: يغبن ذلك اليوم الذين أبطلوا في الدنيا في أقوالهم ودعواهم أن (لله شريكا) فيخسرون منازلهم في الجنة، ويبدلون بها منازل في النار كانت للمحقين في أقوالهم ودعواهم أن الله لا شريك له فأبدلوا منها بمنازلهم في الجنة. فمفعول "يخسر" محذوف، وهو المنازل.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَتَرَىٰ كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أمَّةٍ تُدْعَىٰ إِلَىٰ كِتَابِهَا﴾، أي: وترى يا محمد ذلك اليوم أهل كل أمة ودين جاثية على رُكَبِها مجتمعة (مستوفرة) من هول ذلك اليوم.
قال مجاهد: جاثية على الركب (مستوفزين): وهو قول الضحاك وابن زيد وغيرهما.
وعن مجاهد أن "الأمة هنا: الواحد".
* *
ثم قال تعالى: ﴿كُلُّ أمَّةٍ تُدْعَىٰ إِلَىٰ كِتَابِهَا ٱلْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾، أي أهل كل أمة يدعون إلى كتابهم الذي أَمْلَت حفظتهم في الدنيا من أعمالهم وألفاظهم، يقال لهم: اليوم تجزون ثواب أعمالكم في الدنيا، إن خيراً فخير وإن شراً فشر.
فالمعنى: كل يجزى بما تضمنه كتابه من عمله في الدنيا، وهو مثل قوله: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَآئِرَهُ فِي عُنُقِهِ﴾ [الإسراء: ١٣].
ويدل على صحة هذا التفسير قوله بعد ذلك: ﴿إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾.
وقيل معنى الآية: كل أمة تدعى إلى كتابها الذي فرض عليها من حلال وحرام فتجازى بما عملت فيه.
قال ابن عباس: يعرض من خميس إلى خميس ما كتبته الملائكة عليهم السلام من أفعال بني آدم. فينسخ منه ما يُجْزَى عليه من الخير والشر، ويُلغى سائره.
* *
ثم قال: ﴿هَـٰذَا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُم بِٱلْحَقِّ﴾، أي يقال لهم في ذلك اليوم إذا عُرِضَتْ عليهم أعمالهم في كتبهم التي أحصتها عليهم الحفظة: هذا كتابنا ينطق عليكم بما أسلفتم في الدنيا من الأعمال، قد أحصته عليكم الحفظة، فاقرؤوه.
﴿إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾، أي: كانت حفظتنا تكتب أعمالهم فتثبتها في الكتب عليكم.
وقال ابن عباس: هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق، (هو أم) الكتاب فيه أعمال بني آدم.
* *
وقوله: ﴿إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾، قال هم الملائكة يستنسخون أعمال بني آدم من اللوح المحفوظ قبل أن يَعمَلوها، ثم يقابلون بذلك أعمال بني آدم فلا يزيدون شيئاً ولا ينقصون شيئاً قد كتب الله عز وجل ذلك قبل خلقهم وعلمه وقضاه.
قال ابن عباس: إن الله جل ذكره خلق النون - وهي الدواة - وخلق القلم فقال: اكتب قال: ما أكتب، فقال: اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة من عمل معمول، بر أو فجور ورزق مقسوم من حلال (أو حرام)، ثم الزم كل شيء من ذلك شأنه: دخوله في الدنيا ومقامه فيها كم، وخروجه منها كم هو، ثم جعل على العباد حفظة، وعلى الكتاب خزاناً، فالحفظة ينسخون كل يوم من الخزان عَمَلَ ذلك اليوم فإذا فنى الرزق وانقطع الأثر، وانقضى الأجل أتت الحفظة الخزنة يطلبون عمل ذلك اليوم (من الخزنة) فتقول لهم الخزنة: ما نجد لصاحبكم عندنا شيئاً، فترجع الحفظة فيجدونهم قد ماتوا.
قال ابن عباس: "ألستم قوماً عرباً تسمعون الحفظة تقول: إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون، وهل يكون الاستنساخ إلا من أصل".
وعنه أيضاً أنه قال: فرغ الله عز وجل مما هو كائن فتنسخ الملائكة ما يعمل يوماً بيوم من اللوح المحفوظ، فيقابل به عمل الإنسان لا يزيد على ذلك ولا ينقص.
وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: "إن الملائكة ينزلون في كل يوم بشيء يكتبون فيه أعمال بني آدم".
وقيل لابن عباس: ما توهمنا إلا أنهم يكتبونه بعدما يعمل. فقال: أنتم قوم عرب والله يقول: إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون" وهل يكون الاستنساخ إلا من نسخة.
وروى مجاهد عن عبد الله بن عمر أن النبي ﷺ قال: "أَوَّلَ شَيْءٍ خَلَقَهُ اللهُ عز وجل القَلَمُ، فَأَخَذَهُ بِيَمِينِهِ - وَكِلْتَا يَدَيْهِ يَمِين - فَكَتَبَ: الدُّنْيَا وَمَا يَكُونَ فِيها مِنْ عَمَلٍ (مَعْمُولٌ بِرٍّ) أَوْ فُجُورٍ، رَطْبٍ أَو يَابِسٍ، فَأَمْضَاهُ عِنْدَهُ (فِي الذِّكْرِ). ثُمَّ قَالَ: اقْرَؤُوا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿هَـٰذَا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُم بِٱلْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ فَهَلْ تَكُونُ النَّسْخَةُ إِلاَّ مِنْ شَيْءٍ قَدْ فُرِغَ مِنْهُ
الجاثية 45:29
قوله تعالى: ﴿وَخَلَقَ ٱللَّهُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ بِٱلْحَقِّ﴾ - إلى قوله -: ﴿مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾، أي: خلق ذلك للعدل والحق لا لما يحسب هؤلاء الجاهلون بالله عز وجل من أن يجعل من اكتسب السيئات بالكفر كمن آمن بالله تعالى وعمل صالحا في المحيى والممات، لأن هذا من فعل غير أهل العدل والإنصاف. فمن الحق والعدل عند الذي خلق السماوات والأرض لهما، أن يخالف بين حكم من كفر ومن آمن في العاجل والآجل.
* *
ثم قال: ﴿وَلِتُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾، أي: وخلق ذلك لتجزى كل نفس في الآخرة بما كسبت في الدنيا من خير وشر. ﴿وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ﴾، أي: لا يظلمون جزاء أعمالهم.
وروى أبو هريرة حديثاً يرفعه إلى النبي ﷺ أنه قال: "إِذَا كانَ يَوْمَ القِيَامَةِ بَعَثَ اللهُ عز وجل مَعْ كَلِّ امْرِئٍ عَمَلَهُ، فَلاَ يَرَى المُؤْمِنُ شَيْئاً (يُرَوِّعُهُ وُلا شَيْئاً) يَخَافُهُ إِلاَّ قَالَ لَهُ عَمَلُهُ: لاَ تَخَفْ إِنَّكَ وَالله مَا أَنْتَ بِالَّذِي هُوَ يُرَادُ بِالَّذِي هَا هُنَا، وَلاَ أَنْتَ المَعْنِي بِهِ. فَإِذَا قَالَ لَهُ ذَلِكَ مِرَاراً قَالَ لَهُ المُؤْمِنُ: مَنْ أَنْتَ رَحِمَكَ اللهُ، فَوَالله مَا رَأَيْتُ شَيْئاً قَطْ هُوَ أَحْسَنُ مِنْكَ وَجْهاً وَلاَ أَطْيَبُ مِنْكَ رِيحاً وَلاَ أَحْسَنُ منك لَفْظاً. فَيقول: أَتَعْجَبُ مِنْ حُسْنِي؟ إِنَّ عَمَلَكَ وَالله -، كَانَ حُسْناً في الدُّنْيا، وَإِنِّي أَنَا عَمَلُكَ، وَإِنَّكَ كُنْتَ تَحْمِلُنِي في الدُّنْيا عَلَى ثِقْلِي، وَإِنِّي وَالله لأَحْمُلَكَ اليَوْمَ وَأُدَافِعُ عَنْكَ، قال: (وَإِنَّهَا لِلَّتِي) يَقُولُ اللهُ جَلَّ ذِكْرُهُ: ﴿وَيُنَجِّي ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْاْ بِمَفَازَتِهِمْ لاَ يَمَسُّهُمُ ٱلسُّوۤءُ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ﴾
ثم قال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَـٰهَهُ هَوَاهُ﴾.
قال ابن عباس: "ذلك الكافر اتخذ بغير هدى من الله ولا برهان".
قال قتادة: "لا يهوى شيئاً إلا ركبه، لا يخاف الله".
وقال ابن جبير: "كانت قريش تعبد العزى - وهو حجر أبيض - حيناً من الدهر، فإذا وجدوا ما هو أحسن منه طرحوا الأول وعبدوا الآخر فأنزل الله عز وجل: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَـٰهَهُ هَوَاهُ﴾.
قال الحسن: "هو الذي كلما اشتهى شيئاً لم يمتنع منه".
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَأَضَلَّهُ ٱللَّهُ عَلَىٰ عِلْمٍ﴾، أي: وخذ له الله عن طريق الحق في سابق علمه على علم منه بأنه لا يهتدي ولو جاءته كل آية.
قال ابن عباس: "أضله الله في سابق علمه".
وقال ابن جبير: "أضله على عدم قد علمه منه".
وقيل المعنى: أضله الله عن الثواب على علم منه بأنه لا يستحقه.
وقيل المعنى: "على علم منه بأن عبادته لا تنفعه".
ثم قال تعالى: جل ذكره: ﴿وَخَتَمَ عَلَىٰ سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَىٰ بَصَرِهِ غِشَاوَةً﴾، أي: وطبع على سمعه أن يسمع (مواعظ الله وما) ينتفع به، وطبع على قلبه (فلا يعي) شيئاً من الخير، وجعل على بصره غطاءً أن يبصر به حجج الله عز وجل، يعني: بصر قلبه. فهو لا يهتدي لخير، نسأل الله ألا يخذلنا عما فيه رشدنا عنده.
* *
ثم قال: ﴿فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ ٱللَّهِ﴾، أي: فمن يوفقه لإصابة الحق بعد إضلال الله عز وجل له، وخذلانه إياه.
﴿أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ﴾ أيها الناس ما يذكر لكم وما توعظون به.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَقَالُواْ مَا هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا ٱلدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا﴾، وقال هؤلاء المشركون ما حياتنا إلا حياتنا الدنيا التي نحن فيها، لا حياة سواها، تكذيباً بالبعث والجزاء. قال قتادة: "هذا قول مشركي العرب".
* *
وقوله: ﴿نَمُوتُ وَنَحْيَا﴾ أي نموت نحن ويحيى أبناؤنا بعدنا.
وقيل: هو كلام فيه تقديم وتأخير. والتقدير: نحيى ونموت.
وقيل المعنى: نكون أمواتاً، يعني: النطق، ثم نحيى، أي: نصير أحياء في الدنيا ثم لا يهلكنا إلا الدهر، أي: إلا مرور الزمان وطول العمر.
وقيل المعنى: نموت (ونحيا على قولكم أيها المؤمنون) - على طريق الاستبعاد للبعث - بعد الموت، قاله علي بن سليمان.
وهؤلاء قوم لم يكونوا يعرفون الله فنسبوا ما يلحقهم من الموت إلى الدهر.
وقيل: بل كانوا يعرفون الله سبحانه، ولكن نسبوا الآفات والعلل التي تلحقهم فيموتون بها إلى الدهر.
جهلوا أن الآفات مقدرة من عند الله عز وجل.
وروي عن النبي ﷺ أنه قال: "لاَ تَسُبُّوا الدَّهْرَ، فَإِنَّ الدَّهْرَ هُوَ اللهُ
ومعنى ذلك: أنهم كانوا يسبون الدهر ويقولون: هو يهلكنا فنهى النبي ﷺ عن ذلك.
فيكون معنى نهيه: لا تسبوا الدهر فإن الله هو مهلككم لا الدهر الذي نسبتم ذلك إليه.
وقيل المعنى: لا تسبوا خلقاً من خلق الله فيما لا ذنب له، فإن الله عز وجل هو خالق الدهر. فيكون على حذف مثل ﴿وَسْئَلِ ٱلْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢].
وقيل معنى ذلك، فإن الله مقيم الدهر، أي: مقيم أبداً لا يزول.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ﴾، أي: وما لهم - بقولهم: لا نبعث - من علم، إنما ينكرون ذلك ويقولون: ما هي إلا حياتنا الدنيا - تخرصاً بغير خبر أتاهم من الله عز وجل. ما هم إلا في ظنون، أي: في شك من ذلك وحيرة.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ ءَايَٰتُنَا بَيِّنَاتٍ﴾، أي: وإذا تتلى على هؤلاء المكذبين بالبعث آيات الله عز وجل ظاهرات تخبرهم بالبعث بعد الموت. لم تكن حجتهم على رسول الله ﷺ إلا قولهم: جئ بآبائنا الذين هلكوا وانشرهم لنا إن كنت صادقاً في قولك: إنا نبعث بعد الموت.
وروى هارون وحسين عن أبي بكر عن عاصم: "ما كان حجتهم" بالرفع.
* *
ثم قال تعالى: ﴿قُلِ ٱللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ﴾، أي: قل لهم يا محمد: الله يحييكم ما شاء أن يحييكم في الدنيا ثم يميتكم فيها إذا شاء، ثم يجمعكم إلى يوم القيامة، أولكم وآخركم لا شك في ذلك، فلا تشكوا فيه.
* *
ثم قال: ﴿وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ أي: أكثر الناس الذين هم أهل تكذيب بالبعث لا يعلمون حقيقة ذلك.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ﴾، أي: سلطان ذلك دون من تدعون من دون الله من الآلهة.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاَعةُ﴾، أي: وله الملك يوم تقوم الساعة.
والعامل في "يومئذ": "يخسر". وقيل: العامل في "يوم تقوم": "يخسر" و "يومئذ" بدل منه. فيبتدئ بـ "يوم تقوم الساعة".
* *
قوله: ﴿يَخْسَرُ ٱلْمُبْطِلُونَ﴾، أي: يغبن ذلك اليوم الذين أبطلوا في الدنيا في أقوالهم ودعواهم أن (لله شريكا) فيخسرون منازلهم في الجنة، ويبدلون بها منازل في النار كانت للمحقين في أقوالهم ودعواهم أن الله لا شريك له فأبدلوا منها بمنازلهم في الجنة. فمفعول "يخسر" محذوف، وهو المنازل.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَتَرَىٰ كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أمَّةٍ تُدْعَىٰ إِلَىٰ كِتَابِهَا﴾، أي: وترى يا محمد ذلك اليوم أهل كل أمة ودين جاثية على رُكَبِها مجتمعة (مستوفرة) من هول ذلك اليوم.
قال مجاهد: جاثية على الركب (مستوفزين): وهو قول الضحاك وابن زيد وغيرهما.
وعن مجاهد أن "الأمة هنا: الواحد".
* *
ثم قال تعالى: ﴿كُلُّ أمَّةٍ تُدْعَىٰ إِلَىٰ كِتَابِهَا ٱلْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾، أي أهل كل أمة يدعون إلى كتابهم الذي أَمْلَت حفظتهم في الدنيا من أعمالهم وألفاظهم، يقال لهم: اليوم تجزون ثواب أعمالكم في الدنيا، إن خيراً فخير وإن شراً فشر.
فالمعنى: كل يجزى بما تضمنه كتابه من عمله في الدنيا، وهو مثل قوله: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَآئِرَهُ فِي عُنُقِهِ﴾ [الإسراء: ١٣].
ويدل على صحة هذا التفسير قوله بعد ذلك: ﴿إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾.
وقيل معنى الآية: كل أمة تدعى إلى كتابها الذي فرض عليها من حلال وحرام فتجازى بما عملت فيه.
قال ابن عباس: يعرض من خميس إلى خميس ما كتبته الملائكة عليهم السلام من أفعال بني آدم. فينسخ منه ما يُجْزَى عليه من الخير والشر، ويُلغى سائره.
* *
ثم قال: ﴿هَـٰذَا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُم بِٱلْحَقِّ﴾، أي يقال لهم في ذلك اليوم إذا عُرِضَتْ عليهم أعمالهم في كتبهم التي أحصتها عليهم الحفظة: هذا كتابنا ينطق عليكم بما أسلفتم في الدنيا من الأعمال، قد أحصته عليكم الحفظة، فاقرؤوه.
﴿إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾، أي: كانت حفظتنا تكتب أعمالهم فتثبتها في الكتب عليكم.
وقال ابن عباس: هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق، (هو أم) الكتاب فيه أعمال بني آدم.
* *
وقوله: ﴿إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾، قال هم الملائكة يستنسخون أعمال بني آدم من اللوح المحفوظ قبل أن يَعمَلوها، ثم يقابلون بذلك أعمال بني آدم فلا يزيدون شيئاً ولا ينقصون شيئاً قد كتب الله عز وجل ذلك قبل خلقهم وعلمه وقضاه.
قال ابن عباس: إن الله جل ذكره خلق النون - وهي الدواة - وخلق القلم فقال: اكتب قال: ما أكتب، فقال: اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة من عمل معمول، بر أو فجور ورزق مقسوم من حلال (أو حرام)، ثم الزم كل شيء من ذلك شأنه: دخوله في الدنيا ومقامه فيها كم، وخروجه منها كم هو، ثم جعل على العباد حفظة، وعلى الكتاب خزاناً، فالحفظة ينسخون كل يوم من الخزان عَمَلَ ذلك اليوم فإذا فنى الرزق وانقطع الأثر، وانقضى الأجل أتت الحفظة الخزنة يطلبون عمل ذلك اليوم (من الخزنة) فتقول لهم الخزنة: ما نجد لصاحبكم عندنا شيئاً، فترجع الحفظة فيجدونهم قد ماتوا.
قال ابن عباس: "ألستم قوماً عرباً تسمعون الحفظة تقول: إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون، وهل يكون الاستنساخ إلا من أصل".
وعنه أيضاً أنه قال: فرغ الله عز وجل مما هو كائن فتنسخ الملائكة ما يعمل يوماً بيوم من اللوح المحفوظ، فيقابل به عمل الإنسان لا يزيد على ذلك ولا ينقص.
وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: "إن الملائكة ينزلون في كل يوم بشيء يكتبون فيه أعمال بني آدم".
وقيل لابن عباس: ما توهمنا إلا أنهم يكتبونه بعدما يعمل. فقال: أنتم قوم عرب والله يقول: إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون" وهل يكون الاستنساخ إلا من نسخة.
وروى مجاهد عن عبد الله بن عمر أن النبي ﷺ قال: "أَوَّلَ شَيْءٍ خَلَقَهُ اللهُ عز وجل القَلَمُ، فَأَخَذَهُ بِيَمِينِهِ - وَكِلْتَا يَدَيْهِ يَمِين - فَكَتَبَ: الدُّنْيَا وَمَا يَكُونَ فِيها مِنْ عَمَلٍ (مَعْمُولٌ بِرٍّ) أَوْ فُجُورٍ، رَطْبٍ أَو يَابِسٍ، فَأَمْضَاهُ عِنْدَهُ (فِي الذِّكْرِ). ثُمَّ قَالَ: اقْرَؤُوا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿هَـٰذَا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُم بِٱلْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ فَهَلْ تَكُونُ النَّسْخَةُ إِلاَّ مِنْ شَيْءٍ قَدْ فُرِغَ مِنْهُ
الجاثية 45:30
قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِي رَحْمَتِهِ﴾ - إلى آخر السورة، أي: فأما الذين وحدوا الله عز وجل وعملوا بطاعته فيدخلهم ربهم في رحمته، يعني: في جنته يوم القيامة.
﴿ذَلِكَ هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْمُبِينُ﴾، أي: دخولهم في رحمته يومئذ هو الظفر الظاهر.
* *
ثم قال: ﴿وَأَمَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَفَلَمْ تَكُنْ ءَايَٰتِى تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ﴾، جواب "أما" محذوف، والتقدير: فيقال لهم ألم تكن آياتي تتلى عليكم، أي تقرأ عليكم فاستكبرتم عن اتباعها والإيمان بها. والاستكبار في اللغة: الأنفة عن اتباع الحق.
وروي عن النبي ﷺ أنه قال: "قَالَ اللهُ جَلَّ ذِكْرُهُ: الكِبْرِيَاءُ رِدَّائِي، وَالعَظَمَةُ إِزَارِي، فَمَنْ نَازَعَنِي وَاحِداً مَنْهُمَا أَلْقَيْتُهُ فِي جَهَنَّمَ
قوله: ﴿وَكُنتُمْ قَوْماً مُّجْرِمِينَ﴾، أي: قوماً تكسبون الآثام والكفر بالله سبحانه، لا تؤمنون بمعادٍ ولا بثواب ولا عقاب.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ وَٱلسَّاعَةُ لاَ رَيْبَ فِيهَا قُلْتُم مَّا نَدْرِي مَا ٱلسَّاعَةُ﴾، أي: ويقال لهم يومئذ: وإذا قيل لكم إن وعد الله حق في بعثكم ومجازاتكم على أعمالكم، قلتم مجيبين: ما ندري ما الساعة، أي: ما ندري ما البعث والجزاء تكذيباً منكم بوعيد الله ووعده وإنكار القدرة على إحيائكم بعد موتكم.
﴿إِن نَّظُنُّ إِلاَّ ظَنّاً﴾، أي: وقلتم (ما نظن) أن الساعة آتية إلا ظناً.
﴿وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ﴾ أنها جائية.
وتقديره في العربية: إن نحن إلا نظن ظنا ونظيره من الكلام ما حكاه (أبو عمرو) بن العلاء وسيبويه من قولهم: ليس الطيب إلا المسك، (على تقدير: ليس إلا الطيب المسك). هذا مذهب المبرد وتقديره.
وسيبويه يقول (إن "ليس") في هذا جرت مجرى "ما" فارتفع ما بعد "إلا" كما يرتفع مع "ما"
وقيل التقدير في الآية: إن نظن إلا أنكم تظنون ظناً. وإنما احتيج إلى هذا التقدير لأنه لا يجوز في الكلام: ما ضربت إلا ضرباً، وما ظننت إلا ظناً، إذ فائدة المصدر فائدة الفعل فكما لا يجوز: ما ضربت إلا ضربت، وما ظننت إلا ظننت، كذلك لا يجوز مع المصدر، فكذلك لا تجوز إن نظن إلا نظن.
وإذا لم يجز مع الفعل لم يجز مع المصدر، فلا فائدة في المصدر أن يقع بعد حرف الإيجاب وليس قبله اسم، كما لا فائدة في الفعل أن يقع بعده. فلذلك احتيج إلى تقدير محذوف ليقع بعد الحرف اسم أو فعل قبله اسم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُواْ﴾، أي: وظهر لهؤلاء المكذبين بالبعث عقاب سيئات أعمالهم في الآخرة.
﴿وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾، أي: وحل بهم من عذاب الله عقاب استهزائهم بآيات الله عز وجل في الدنيا.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَقِيلَ ٱلْيَوْمَ نَنسَاكُمْ﴾، أي: نترككم في نار جهنم كما تركتم العمل للقاء يومكم هذا، وتشاغلتم بلذاتكم في الدنيا، واتبعتم أهواءكم.
* *
ثم قال: ﴿وَمَأْوَاكُمُ ٱلنَّارُ﴾، أي: ومنزلكم الذي تأوون إليه نار جهنم.
وما لكم من ناصر ينصركم من العذاب فينقذكم منه.
* *
ثم قال تعالى: ﴿ذَلِكُم بِأَنَّكُمُ ٱتَّخَذْتُمْ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ هُزُواً﴾، أي: هذا الذي حل بكم من (العذاب والهوان) باتخاذكم آيات الله - (في الدنيا) - هزؤا تسخرون منها.
* *
ثم قال: ﴿وَغَرَّتْكُمُ ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا﴾، أي: وخدعتكم الحياة الدنيا فآثرتموها على العمل بما ينجيكم من العذاب.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَٱلْيَوْمَ لاَ يُخْرَجُونَ مِنْهَا وَلاَ هُمْ يُسْتَعَتَبُونَ﴾، لا يخرجون من نار جهنم، ولا يستعتبون فيردون إلى الدنيا ليعملوا صالحاً ويتوبوا من كفرهم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَلِلَّهِ ٱلْحَمْدُ رَبِّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَرَبِّ ٱلأَرْضِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ﴾، أي: فلله على نعمه وأياديه عند خلقه الحمد، فإياه فاحمدوا أيها الناس، فهو رب السماوات ورب الأرض، أي: مالكها ومالك العالمين، وهم جميع أصناف الخلائق.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَلَهُ ٱلْكِبْرِيَآءُ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ﴾، أي: وله العظمة والسلطان والجلال في السماوات السبع والأرضين السبع.
﴿وَهُوَ ٱلْعِزِيزُ ٱلْحَكِيمُ ﴾، أي: وهو العزيز في نقمته من أعدائه، القاهر كل ما دونه، الحكيم في تدبيره خلقه وتصريفه إياهم فيما شاء كيف شاء لا يقدر (على ذلك) ولا على شيء منه أحد غيره، لا إله إلا هو.
الجاثية 45:31
قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِي رَحْمَتِهِ﴾ - إلى آخر السورة، أي: فأما الذين وحدوا الله عز وجل وعملوا بطاعته فيدخلهم ربهم في رحمته، يعني: في جنته يوم القيامة.
﴿ذَلِكَ هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْمُبِينُ﴾، أي: دخولهم في رحمته يومئذ هو الظفر الظاهر.
* *
ثم قال: ﴿وَأَمَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَفَلَمْ تَكُنْ ءَايَٰتِى تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ﴾، جواب "أما" محذوف، والتقدير: فيقال لهم ألم تكن آياتي تتلى عليكم، أي تقرأ عليكم فاستكبرتم عن اتباعها والإيمان بها. والاستكبار في اللغة: الأنفة عن اتباع الحق.
وروي عن النبي ﷺ أنه قال: "قَالَ اللهُ جَلَّ ذِكْرُهُ: الكِبْرِيَاءُ رِدَّائِي، وَالعَظَمَةُ إِزَارِي، فَمَنْ نَازَعَنِي وَاحِداً مَنْهُمَا أَلْقَيْتُهُ فِي جَهَنَّمَ
قوله: ﴿وَكُنتُمْ قَوْماً مُّجْرِمِينَ﴾، أي: قوماً تكسبون الآثام والكفر بالله سبحانه، لا تؤمنون بمعادٍ ولا بثواب ولا عقاب.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ وَٱلسَّاعَةُ لاَ رَيْبَ فِيهَا قُلْتُم مَّا نَدْرِي مَا ٱلسَّاعَةُ﴾، أي: ويقال لهم يومئذ: وإذا قيل لكم إن وعد الله حق في بعثكم ومجازاتكم على أعمالكم، قلتم مجيبين: ما ندري ما الساعة، أي: ما ندري ما البعث والجزاء تكذيباً منكم بوعيد الله ووعده وإنكار القدرة على إحيائكم بعد موتكم.
﴿إِن نَّظُنُّ إِلاَّ ظَنّاً﴾، أي: وقلتم (ما نظن) أن الساعة آتية إلا ظناً.
﴿وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ﴾ أنها جائية.
وتقديره في العربية: إن نحن إلا نظن ظنا ونظيره من الكلام ما حكاه (أبو عمرو) بن العلاء وسيبويه من قولهم: ليس الطيب إلا المسك، (على تقدير: ليس إلا الطيب المسك). هذا مذهب المبرد وتقديره.
وسيبويه يقول (إن "ليس") في هذا جرت مجرى "ما" فارتفع ما بعد "إلا" كما يرتفع مع "ما"
وقيل التقدير في الآية: إن نظن إلا أنكم تظنون ظناً. وإنما احتيج إلى هذا التقدير لأنه لا يجوز في الكلام: ما ضربت إلا ضرباً، وما ظننت إلا ظناً، إذ فائدة المصدر فائدة الفعل فكما لا يجوز: ما ضربت إلا ضربت، وما ظننت إلا ظننت، كذلك لا يجوز مع المصدر، فكذلك لا تجوز إن نظن إلا نظن.
وإذا لم يجز مع الفعل لم يجز مع المصدر، فلا فائدة في المصدر أن يقع بعد حرف الإيجاب وليس قبله اسم، كما لا فائدة في الفعل أن يقع بعده. فلذلك احتيج إلى تقدير محذوف ليقع بعد الحرف اسم أو فعل قبله اسم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُواْ﴾، أي: وظهر لهؤلاء المكذبين بالبعث عقاب سيئات أعمالهم في الآخرة.
﴿وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾، أي: وحل بهم من عذاب الله عقاب استهزائهم بآيات الله عز وجل في الدنيا.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَقِيلَ ٱلْيَوْمَ نَنسَاكُمْ﴾، أي: نترككم في نار جهنم كما تركتم العمل للقاء يومكم هذا، وتشاغلتم بلذاتكم في الدنيا، واتبعتم أهواءكم.
* *
ثم قال: ﴿وَمَأْوَاكُمُ ٱلنَّارُ﴾، أي: ومنزلكم الذي تأوون إليه نار جهنم.
وما لكم من ناصر ينصركم من العذاب فينقذكم منه.
* *
ثم قال تعالى: ﴿ذَلِكُم بِأَنَّكُمُ ٱتَّخَذْتُمْ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ هُزُواً﴾، أي: هذا الذي حل بكم من (العذاب والهوان) باتخاذكم آيات الله - (في الدنيا) - هزؤا تسخرون منها.
* *
ثم قال: ﴿وَغَرَّتْكُمُ ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا﴾، أي: وخدعتكم الحياة الدنيا فآثرتموها على العمل بما ينجيكم من العذاب.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَٱلْيَوْمَ لاَ يُخْرَجُونَ مِنْهَا وَلاَ هُمْ يُسْتَعَتَبُونَ﴾، لا يخرجون من نار جهنم، ولا يستعتبون فيردون إلى الدنيا ليعملوا صالحاً ويتوبوا من كفرهم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَلِلَّهِ ٱلْحَمْدُ رَبِّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَرَبِّ ٱلأَرْضِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ﴾، أي: فلله على نعمه وأياديه عند خلقه الحمد، فإياه فاحمدوا أيها الناس، فهو رب السماوات ورب الأرض، أي: مالكها ومالك العالمين، وهم جميع أصناف الخلائق.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَلَهُ ٱلْكِبْرِيَآءُ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ﴾، أي: وله العظمة والسلطان والجلال في السماوات السبع والأرضين السبع.
﴿وَهُوَ ٱلْعِزِيزُ ٱلْحَكِيمُ ﴾، أي: وهو العزيز في نقمته من أعدائه، القاهر كل ما دونه، الحكيم في تدبيره خلقه وتصريفه إياهم فيما شاء كيف شاء لا يقدر (على ذلك) ولا على شيء منه أحد غيره، لا إله إلا هو.
الجاثية 45:32
قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِي رَحْمَتِهِ﴾ - إلى آخر السورة، أي: فأما الذين وحدوا الله عز وجل وعملوا بطاعته فيدخلهم ربهم في رحمته، يعني: في جنته يوم القيامة.
﴿ذَلِكَ هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْمُبِينُ﴾، أي: دخولهم في رحمته يومئذ هو الظفر الظاهر.
* *
ثم قال: ﴿وَأَمَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَفَلَمْ تَكُنْ ءَايَٰتِى تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ﴾، جواب "أما" محذوف، والتقدير: فيقال لهم ألم تكن آياتي تتلى عليكم، أي تقرأ عليكم فاستكبرتم عن اتباعها والإيمان بها. والاستكبار في اللغة: الأنفة عن اتباع الحق.
وروي عن النبي ﷺ أنه قال: "قَالَ اللهُ جَلَّ ذِكْرُهُ: الكِبْرِيَاءُ رِدَّائِي، وَالعَظَمَةُ إِزَارِي، فَمَنْ نَازَعَنِي وَاحِداً مَنْهُمَا أَلْقَيْتُهُ فِي جَهَنَّمَ
قوله: ﴿وَكُنتُمْ قَوْماً مُّجْرِمِينَ﴾، أي: قوماً تكسبون الآثام والكفر بالله سبحانه، لا تؤمنون بمعادٍ ولا بثواب ولا عقاب.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ وَٱلسَّاعَةُ لاَ رَيْبَ فِيهَا قُلْتُم مَّا نَدْرِي مَا ٱلسَّاعَةُ﴾، أي: ويقال لهم يومئذ: وإذا قيل لكم إن وعد الله حق في بعثكم ومجازاتكم على أعمالكم، قلتم مجيبين: ما ندري ما الساعة، أي: ما ندري ما البعث والجزاء تكذيباً منكم بوعيد الله ووعده وإنكار القدرة على إحيائكم بعد موتكم.
﴿إِن نَّظُنُّ إِلاَّ ظَنّاً﴾، أي: وقلتم (ما نظن) أن الساعة آتية إلا ظناً.
﴿وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ﴾ أنها جائية.
وتقديره في العربية: إن نحن إلا نظن ظنا ونظيره من الكلام ما حكاه (أبو عمرو) بن العلاء وسيبويه من قولهم: ليس الطيب إلا المسك، (على تقدير: ليس إلا الطيب المسك). هذا مذهب المبرد وتقديره.
وسيبويه يقول (إن "ليس") في هذا جرت مجرى "ما" فارتفع ما بعد "إلا" كما يرتفع مع "ما"
وقيل التقدير في الآية: إن نظن إلا أنكم تظنون ظناً. وإنما احتيج إلى هذا التقدير لأنه لا يجوز في الكلام: ما ضربت إلا ضرباً، وما ظننت إلا ظناً، إذ فائدة المصدر فائدة الفعل فكما لا يجوز: ما ضربت إلا ضربت، وما ظننت إلا ظننت، كذلك لا يجوز مع المصدر، فكذلك لا تجوز إن نظن إلا نظن.
وإذا لم يجز مع الفعل لم يجز مع المصدر، فلا فائدة في المصدر أن يقع بعد حرف الإيجاب وليس قبله اسم، كما لا فائدة في الفعل أن يقع بعده. فلذلك احتيج إلى تقدير محذوف ليقع بعد الحرف اسم أو فعل قبله اسم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُواْ﴾، أي: وظهر لهؤلاء المكذبين بالبعث عقاب سيئات أعمالهم في الآخرة.
﴿وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾، أي: وحل بهم من عذاب الله عقاب استهزائهم بآيات الله عز وجل في الدنيا.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَقِيلَ ٱلْيَوْمَ نَنسَاكُمْ﴾، أي: نترككم في نار جهنم كما تركتم العمل للقاء يومكم هذا، وتشاغلتم بلذاتكم في الدنيا، واتبعتم أهواءكم.
* *
ثم قال: ﴿وَمَأْوَاكُمُ ٱلنَّارُ﴾، أي: ومنزلكم الذي تأوون إليه نار جهنم.
وما لكم من ناصر ينصركم من العذاب فينقذكم منه.
* *
ثم قال تعالى: ﴿ذَلِكُم بِأَنَّكُمُ ٱتَّخَذْتُمْ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ هُزُواً﴾، أي: هذا الذي حل بكم من (العذاب والهوان) باتخاذكم آيات الله - (في الدنيا) - هزؤا تسخرون منها.
* *
ثم قال: ﴿وَغَرَّتْكُمُ ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا﴾، أي: وخدعتكم الحياة الدنيا فآثرتموها على العمل بما ينجيكم من العذاب.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَٱلْيَوْمَ لاَ يُخْرَجُونَ مِنْهَا وَلاَ هُمْ يُسْتَعَتَبُونَ﴾، لا يخرجون من نار جهنم، ولا يستعتبون فيردون إلى الدنيا ليعملوا صالحاً ويتوبوا من كفرهم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَلِلَّهِ ٱلْحَمْدُ رَبِّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَرَبِّ ٱلأَرْضِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ﴾، أي: فلله على نعمه وأياديه عند خلقه الحمد، فإياه فاحمدوا أيها الناس، فهو رب السماوات ورب الأرض، أي: مالكها ومالك العالمين، وهم جميع أصناف الخلائق.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَلَهُ ٱلْكِبْرِيَآءُ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ﴾، أي: وله العظمة والسلطان والجلال في السماوات السبع والأرضين السبع.
﴿وَهُوَ ٱلْعِزِيزُ ٱلْحَكِيمُ ﴾، أي: وهو العزيز في نقمته من أعدائه، القاهر كل ما دونه، الحكيم في تدبيره خلقه وتصريفه إياهم فيما شاء كيف شاء لا يقدر (على ذلك) ولا على شيء منه أحد غيره، لا إله إلا هو.
الجاثية 45:33
قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِي رَحْمَتِهِ﴾ - إلى آخر السورة، أي: فأما الذين وحدوا الله عز وجل وعملوا بطاعته فيدخلهم ربهم في رحمته، يعني: في جنته يوم القيامة.
﴿ذَلِكَ هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْمُبِينُ﴾، أي: دخولهم في رحمته يومئذ هو الظفر الظاهر.
* *
ثم قال: ﴿وَأَمَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَفَلَمْ تَكُنْ ءَايَٰتِى تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ﴾، جواب "أما" محذوف، والتقدير: فيقال لهم ألم تكن آياتي تتلى عليكم، أي تقرأ عليكم فاستكبرتم عن اتباعها والإيمان بها. والاستكبار في اللغة: الأنفة عن اتباع الحق.
وروي عن النبي ﷺ أنه قال: "قَالَ اللهُ جَلَّ ذِكْرُهُ: الكِبْرِيَاءُ رِدَّائِي، وَالعَظَمَةُ إِزَارِي، فَمَنْ نَازَعَنِي وَاحِداً مَنْهُمَا أَلْقَيْتُهُ فِي جَهَنَّمَ
قوله: ﴿وَكُنتُمْ قَوْماً مُّجْرِمِينَ﴾، أي: قوماً تكسبون الآثام والكفر بالله سبحانه، لا تؤمنون بمعادٍ ولا بثواب ولا عقاب.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ وَٱلسَّاعَةُ لاَ رَيْبَ فِيهَا قُلْتُم مَّا نَدْرِي مَا ٱلسَّاعَةُ﴾، أي: ويقال لهم يومئذ: وإذا قيل لكم إن وعد الله حق في بعثكم ومجازاتكم على أعمالكم، قلتم مجيبين: ما ندري ما الساعة، أي: ما ندري ما البعث والجزاء تكذيباً منكم بوعيد الله ووعده وإنكار القدرة على إحيائكم بعد موتكم.
﴿إِن نَّظُنُّ إِلاَّ ظَنّاً﴾، أي: وقلتم (ما نظن) أن الساعة آتية إلا ظناً.
﴿وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ﴾ أنها جائية.
وتقديره في العربية: إن نحن إلا نظن ظنا ونظيره من الكلام ما حكاه (أبو عمرو) بن العلاء وسيبويه من قولهم: ليس الطيب إلا المسك، (على تقدير: ليس إلا الطيب المسك). هذا مذهب المبرد وتقديره.
وسيبويه يقول (إن "ليس") في هذا جرت مجرى "ما" فارتفع ما بعد "إلا" كما يرتفع مع "ما"
وقيل التقدير في الآية: إن نظن إلا أنكم تظنون ظناً. وإنما احتيج إلى هذا التقدير لأنه لا يجوز في الكلام: ما ضربت إلا ضرباً، وما ظننت إلا ظناً، إذ فائدة المصدر فائدة الفعل فكما لا يجوز: ما ضربت إلا ضربت، وما ظننت إلا ظننت، كذلك لا يجوز مع المصدر، فكذلك لا تجوز إن نظن إلا نظن.
وإذا لم يجز مع الفعل لم يجز مع المصدر، فلا فائدة في المصدر أن يقع بعد حرف الإيجاب وليس قبله اسم، كما لا فائدة في الفعل أن يقع بعده. فلذلك احتيج إلى تقدير محذوف ليقع بعد الحرف اسم أو فعل قبله اسم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُواْ﴾، أي: وظهر لهؤلاء المكذبين بالبعث عقاب سيئات أعمالهم في الآخرة.
﴿وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾، أي: وحل بهم من عذاب الله عقاب استهزائهم بآيات الله عز وجل في الدنيا.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَقِيلَ ٱلْيَوْمَ نَنسَاكُمْ﴾، أي: نترككم في نار جهنم كما تركتم العمل للقاء يومكم هذا، وتشاغلتم بلذاتكم في الدنيا، واتبعتم أهواءكم.
* *
ثم قال: ﴿وَمَأْوَاكُمُ ٱلنَّارُ﴾، أي: ومنزلكم الذي تأوون إليه نار جهنم.
وما لكم من ناصر ينصركم من العذاب فينقذكم منه.
* *
ثم قال تعالى: ﴿ذَلِكُم بِأَنَّكُمُ ٱتَّخَذْتُمْ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ هُزُواً﴾، أي: هذا الذي حل بكم من (العذاب والهوان) باتخاذكم آيات الله - (في الدنيا) - هزؤا تسخرون منها.
* *
ثم قال: ﴿وَغَرَّتْكُمُ ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا﴾، أي: وخدعتكم الحياة الدنيا فآثرتموها على العمل بما ينجيكم من العذاب.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَٱلْيَوْمَ لاَ يُخْرَجُونَ مِنْهَا وَلاَ هُمْ يُسْتَعَتَبُونَ﴾، لا يخرجون من نار جهنم، ولا يستعتبون فيردون إلى الدنيا ليعملوا صالحاً ويتوبوا من كفرهم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَلِلَّهِ ٱلْحَمْدُ رَبِّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَرَبِّ ٱلأَرْضِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ﴾، أي: فلله على نعمه وأياديه عند خلقه الحمد، فإياه فاحمدوا أيها الناس، فهو رب السماوات ورب الأرض، أي: مالكها ومالك العالمين، وهم جميع أصناف الخلائق.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَلَهُ ٱلْكِبْرِيَآءُ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ﴾، أي: وله العظمة والسلطان والجلال في السماوات السبع والأرضين السبع.
﴿وَهُوَ ٱلْعِزِيزُ ٱلْحَكِيمُ ﴾، أي: وهو العزيز في نقمته من أعدائه، القاهر كل ما دونه، الحكيم في تدبيره خلقه وتصريفه إياهم فيما شاء كيف شاء لا يقدر (على ذلك) ولا على شيء منه أحد غيره، لا إله إلا هو.
الجاثية 45:34
قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِي رَحْمَتِهِ﴾ - إلى آخر السورة، أي: فأما الذين وحدوا الله عز وجل وعملوا بطاعته فيدخلهم ربهم في رحمته، يعني: في جنته يوم القيامة.
﴿ذَلِكَ هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْمُبِينُ﴾، أي: دخولهم في رحمته يومئذ هو الظفر الظاهر.
* *
ثم قال: ﴿وَأَمَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَفَلَمْ تَكُنْ ءَايَٰتِى تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ﴾، جواب "أما" محذوف، والتقدير: فيقال لهم ألم تكن آياتي تتلى عليكم، أي تقرأ عليكم فاستكبرتم عن اتباعها والإيمان بها. والاستكبار في اللغة: الأنفة عن اتباع الحق.
وروي عن النبي ﷺ أنه قال: "قَالَ اللهُ جَلَّ ذِكْرُهُ: الكِبْرِيَاءُ رِدَّائِي، وَالعَظَمَةُ إِزَارِي، فَمَنْ نَازَعَنِي وَاحِداً مَنْهُمَا أَلْقَيْتُهُ فِي جَهَنَّمَ
قوله: ﴿وَكُنتُمْ قَوْماً مُّجْرِمِينَ﴾، أي: قوماً تكسبون الآثام والكفر بالله سبحانه، لا تؤمنون بمعادٍ ولا بثواب ولا عقاب.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ وَٱلسَّاعَةُ لاَ رَيْبَ فِيهَا قُلْتُم مَّا نَدْرِي مَا ٱلسَّاعَةُ﴾، أي: ويقال لهم يومئذ: وإذا قيل لكم إن وعد الله حق في بعثكم ومجازاتكم على أعمالكم، قلتم مجيبين: ما ندري ما الساعة، أي: ما ندري ما البعث والجزاء تكذيباً منكم بوعيد الله ووعده وإنكار القدرة على إحيائكم بعد موتكم.
﴿إِن نَّظُنُّ إِلاَّ ظَنّاً﴾، أي: وقلتم (ما نظن) أن الساعة آتية إلا ظناً.
﴿وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ﴾ أنها جائية.
وتقديره في العربية: إن نحن إلا نظن ظنا ونظيره من الكلام ما حكاه (أبو عمرو) بن العلاء وسيبويه من قولهم: ليس الطيب إلا المسك، (على تقدير: ليس إلا الطيب المسك). هذا مذهب المبرد وتقديره.
وسيبويه يقول (إن "ليس") في هذا جرت مجرى "ما" فارتفع ما بعد "إلا" كما يرتفع مع "ما"
وقيل التقدير في الآية: إن نظن إلا أنكم تظنون ظناً. وإنما احتيج إلى هذا التقدير لأنه لا يجوز في الكلام: ما ضربت إلا ضرباً، وما ظننت إلا ظناً، إذ فائدة المصدر فائدة الفعل فكما لا يجوز: ما ضربت إلا ضربت، وما ظننت إلا ظننت، كذلك لا يجوز مع المصدر، فكذلك لا تجوز إن نظن إلا نظن.
وإذا لم يجز مع الفعل لم يجز مع المصدر، فلا فائدة في المصدر أن يقع بعد حرف الإيجاب وليس قبله اسم، كما لا فائدة في الفعل أن يقع بعده. فلذلك احتيج إلى تقدير محذوف ليقع بعد الحرف اسم أو فعل قبله اسم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُواْ﴾، أي: وظهر لهؤلاء المكذبين بالبعث عقاب سيئات أعمالهم في الآخرة.
﴿وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾، أي: وحل بهم من عذاب الله عقاب استهزائهم بآيات الله عز وجل في الدنيا.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَقِيلَ ٱلْيَوْمَ نَنسَاكُمْ﴾، أي: نترككم في نار جهنم كما تركتم العمل للقاء يومكم هذا، وتشاغلتم بلذاتكم في الدنيا، واتبعتم أهواءكم.
* *
ثم قال: ﴿وَمَأْوَاكُمُ ٱلنَّارُ﴾، أي: ومنزلكم الذي تأوون إليه نار جهنم.
وما لكم من ناصر ينصركم من العذاب فينقذكم منه.
* *
ثم قال تعالى: ﴿ذَلِكُم بِأَنَّكُمُ ٱتَّخَذْتُمْ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ هُزُواً﴾، أي: هذا الذي حل بكم من (العذاب والهوان) باتخاذكم آيات الله - (في الدنيا) - هزؤا تسخرون منها.
* *
ثم قال: ﴿وَغَرَّتْكُمُ ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا﴾، أي: وخدعتكم الحياة الدنيا فآثرتموها على العمل بما ينجيكم من العذاب.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَٱلْيَوْمَ لاَ يُخْرَجُونَ مِنْهَا وَلاَ هُمْ يُسْتَعَتَبُونَ﴾، لا يخرجون من نار جهنم، ولا يستعتبون فيردون إلى الدنيا ليعملوا صالحاً ويتوبوا من كفرهم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَلِلَّهِ ٱلْحَمْدُ رَبِّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَرَبِّ ٱلأَرْضِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ﴾، أي: فلله على نعمه وأياديه عند خلقه الحمد، فإياه فاحمدوا أيها الناس، فهو رب السماوات ورب الأرض، أي: مالكها ومالك العالمين، وهم جميع أصناف الخلائق.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَلَهُ ٱلْكِبْرِيَآءُ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ﴾، أي: وله العظمة والسلطان والجلال في السماوات السبع والأرضين السبع.
﴿وَهُوَ ٱلْعِزِيزُ ٱلْحَكِيمُ ﴾، أي: وهو العزيز في نقمته من أعدائه، القاهر كل ما دونه، الحكيم في تدبيره خلقه وتصريفه إياهم فيما شاء كيف شاء لا يقدر (على ذلك) ولا على شيء منه أحد غيره، لا إله إلا هو.
الجاثية 45:35
قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِي رَحْمَتِهِ﴾ - إلى آخر السورة، أي: فأما الذين وحدوا الله عز وجل وعملوا بطاعته فيدخلهم ربهم في رحمته، يعني: في جنته يوم القيامة.
﴿ذَلِكَ هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْمُبِينُ﴾، أي: دخولهم في رحمته يومئذ هو الظفر الظاهر.
* *
ثم قال: ﴿وَأَمَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَفَلَمْ تَكُنْ ءَايَٰتِى تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ﴾، جواب "أما" محذوف، والتقدير: فيقال لهم ألم تكن آياتي تتلى عليكم، أي تقرأ عليكم فاستكبرتم عن اتباعها والإيمان بها. والاستكبار في اللغة: الأنفة عن اتباع الحق.
وروي عن النبي ﷺ أنه قال: "قَالَ اللهُ جَلَّ ذِكْرُهُ: الكِبْرِيَاءُ رِدَّائِي، وَالعَظَمَةُ إِزَارِي، فَمَنْ نَازَعَنِي وَاحِداً مَنْهُمَا أَلْقَيْتُهُ فِي جَهَنَّمَ
قوله: ﴿وَكُنتُمْ قَوْماً مُّجْرِمِينَ﴾، أي: قوماً تكسبون الآثام والكفر بالله سبحانه، لا تؤمنون بمعادٍ ولا بثواب ولا عقاب.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ وَٱلسَّاعَةُ لاَ رَيْبَ فِيهَا قُلْتُم مَّا نَدْرِي مَا ٱلسَّاعَةُ﴾، أي: ويقال لهم يومئذ: وإذا قيل لكم إن وعد الله حق في بعثكم ومجازاتكم على أعمالكم، قلتم مجيبين: ما ندري ما الساعة، أي: ما ندري ما البعث والجزاء تكذيباً منكم بوعيد الله ووعده وإنكار القدرة على إحيائكم بعد موتكم.
﴿إِن نَّظُنُّ إِلاَّ ظَنّاً﴾، أي: وقلتم (ما نظن) أن الساعة آتية إلا ظناً.
﴿وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ﴾ أنها جائية.
وتقديره في العربية: إن نحن إلا نظن ظنا ونظيره من الكلام ما حكاه (أبو عمرو) بن العلاء وسيبويه من قولهم: ليس الطيب إلا المسك، (على تقدير: ليس إلا الطيب المسك). هذا مذهب المبرد وتقديره.
وسيبويه يقول (إن "ليس") في هذا جرت مجرى "ما" فارتفع ما بعد "إلا" كما يرتفع مع "ما"
وقيل التقدير في الآية: إن نظن إلا أنكم تظنون ظناً. وإنما احتيج إلى هذا التقدير لأنه لا يجوز في الكلام: ما ضربت إلا ضرباً، وما ظننت إلا ظناً، إذ فائدة المصدر فائدة الفعل فكما لا يجوز: ما ضربت إلا ضربت، وما ظننت إلا ظننت، كذلك لا يجوز مع المصدر، فكذلك لا تجوز إن نظن إلا نظن.
وإذا لم يجز مع الفعل لم يجز مع المصدر، فلا فائدة في المصدر أن يقع بعد حرف الإيجاب وليس قبله اسم، كما لا فائدة في الفعل أن يقع بعده. فلذلك احتيج إلى تقدير محذوف ليقع بعد الحرف اسم أو فعل قبله اسم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُواْ﴾، أي: وظهر لهؤلاء المكذبين بالبعث عقاب سيئات أعمالهم في الآخرة.
﴿وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾، أي: وحل بهم من عذاب الله عقاب استهزائهم بآيات الله عز وجل في الدنيا.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَقِيلَ ٱلْيَوْمَ نَنسَاكُمْ﴾، أي: نترككم في نار جهنم كما تركتم العمل للقاء يومكم هذا، وتشاغلتم بلذاتكم في الدنيا، واتبعتم أهواءكم.
* *
ثم قال: ﴿وَمَأْوَاكُمُ ٱلنَّارُ﴾، أي: ومنزلكم الذي تأوون إليه نار جهنم.
وما لكم من ناصر ينصركم من العذاب فينقذكم منه.
* *
ثم قال تعالى: ﴿ذَلِكُم بِأَنَّكُمُ ٱتَّخَذْتُمْ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ هُزُواً﴾، أي: هذا الذي حل بكم من (العذاب والهوان) باتخاذكم آيات الله - (في الدنيا) - هزؤا تسخرون منها.
* *
ثم قال: ﴿وَغَرَّتْكُمُ ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا﴾، أي: وخدعتكم الحياة الدنيا فآثرتموها على العمل بما ينجيكم من العذاب.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَٱلْيَوْمَ لاَ يُخْرَجُونَ مِنْهَا وَلاَ هُمْ يُسْتَعَتَبُونَ﴾، لا يخرجون من نار جهنم، ولا يستعتبون فيردون إلى الدنيا ليعملوا صالحاً ويتوبوا من كفرهم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَلِلَّهِ ٱلْحَمْدُ رَبِّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَرَبِّ ٱلأَرْضِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ﴾، أي: فلله على نعمه وأياديه عند خلقه الحمد، فإياه فاحمدوا أيها الناس، فهو رب السماوات ورب الأرض، أي: مالكها ومالك العالمين، وهم جميع أصناف الخلائق.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَلَهُ ٱلْكِبْرِيَآءُ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ﴾، أي: وله العظمة والسلطان والجلال في السماوات السبع والأرضين السبع.
﴿وَهُوَ ٱلْعِزِيزُ ٱلْحَكِيمُ ﴾، أي: وهو العزيز في نقمته من أعدائه، القاهر كل ما دونه، الحكيم في تدبيره خلقه وتصريفه إياهم فيما شاء كيف شاء لا يقدر (على ذلك) ولا على شيء منه أحد غيره، لا إله إلا هو.
الجاثية 45:36
قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِي رَحْمَتِهِ﴾ - إلى آخر السورة، أي: فأما الذين وحدوا الله عز وجل وعملوا بطاعته فيدخلهم ربهم في رحمته، يعني: في جنته يوم القيامة.
﴿ذَلِكَ هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْمُبِينُ﴾، أي: دخولهم في رحمته يومئذ هو الظفر الظاهر.
* *
ثم قال: ﴿وَأَمَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَفَلَمْ تَكُنْ ءَايَٰتِى تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ﴾، جواب "أما" محذوف، والتقدير: فيقال لهم ألم تكن آياتي تتلى عليكم، أي تقرأ عليكم فاستكبرتم عن اتباعها والإيمان بها. والاستكبار في اللغة: الأنفة عن اتباع الحق.
وروي عن النبي ﷺ أنه قال: "قَالَ اللهُ جَلَّ ذِكْرُهُ: الكِبْرِيَاءُ رِدَّائِي، وَالعَظَمَةُ إِزَارِي، فَمَنْ نَازَعَنِي وَاحِداً مَنْهُمَا أَلْقَيْتُهُ فِي جَهَنَّمَ
قوله: ﴿وَكُنتُمْ قَوْماً مُّجْرِمِينَ﴾، أي: قوماً تكسبون الآثام والكفر بالله سبحانه، لا تؤمنون بمعادٍ ولا بثواب ولا عقاب.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ وَٱلسَّاعَةُ لاَ رَيْبَ فِيهَا قُلْتُم مَّا نَدْرِي مَا ٱلسَّاعَةُ﴾، أي: ويقال لهم يومئذ: وإذا قيل لكم إن وعد الله حق في بعثكم ومجازاتكم على أعمالكم، قلتم مجيبين: ما ندري ما الساعة، أي: ما ندري ما البعث والجزاء تكذيباً منكم بوعيد الله ووعده وإنكار القدرة على إحيائكم بعد موتكم.
﴿إِن نَّظُنُّ إِلاَّ ظَنّاً﴾، أي: وقلتم (ما نظن) أن الساعة آتية إلا ظناً.
﴿وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ﴾ أنها جائية.
وتقديره في العربية: إن نحن إلا نظن ظنا ونظيره من الكلام ما حكاه (أبو عمرو) بن العلاء وسيبويه من قولهم: ليس الطيب إلا المسك، (على تقدير: ليس إلا الطيب المسك). هذا مذهب المبرد وتقديره.
وسيبويه يقول (إن "ليس") في هذا جرت مجرى "ما" فارتفع ما بعد "إلا" كما يرتفع مع "ما"
وقيل التقدير في الآية: إن نظن إلا أنكم تظنون ظناً. وإنما احتيج إلى هذا التقدير لأنه لا يجوز في الكلام: ما ضربت إلا ضرباً، وما ظننت إلا ظناً، إذ فائدة المصدر فائدة الفعل فكما لا يجوز: ما ضربت إلا ضربت، وما ظننت إلا ظننت، كذلك لا يجوز مع المصدر، فكذلك لا تجوز إن نظن إلا نظن.
وإذا لم يجز مع الفعل لم يجز مع المصدر، فلا فائدة في المصدر أن يقع بعد حرف الإيجاب وليس قبله اسم، كما لا فائدة في الفعل أن يقع بعده. فلذلك احتيج إلى تقدير محذوف ليقع بعد الحرف اسم أو فعل قبله اسم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُواْ﴾، أي: وظهر لهؤلاء المكذبين بالبعث عقاب سيئات أعمالهم في الآخرة.
﴿وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾، أي: وحل بهم من عذاب الله عقاب استهزائهم بآيات الله عز وجل في الدنيا.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَقِيلَ ٱلْيَوْمَ نَنسَاكُمْ﴾، أي: نترككم في نار جهنم كما تركتم العمل للقاء يومكم هذا، وتشاغلتم بلذاتكم في الدنيا، واتبعتم أهواءكم.
* *
ثم قال: ﴿وَمَأْوَاكُمُ ٱلنَّارُ﴾، أي: ومنزلكم الذي تأوون إليه نار جهنم.
وما لكم من ناصر ينصركم من العذاب فينقذكم منه.
* *
ثم قال تعالى: ﴿ذَلِكُم بِأَنَّكُمُ ٱتَّخَذْتُمْ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ هُزُواً﴾، أي: هذا الذي حل بكم من (العذاب والهوان) باتخاذكم آيات الله - (في الدنيا) - هزؤا تسخرون منها.
* *
ثم قال: ﴿وَغَرَّتْكُمُ ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا﴾، أي: وخدعتكم الحياة الدنيا فآثرتموها على العمل بما ينجيكم من العذاب.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَٱلْيَوْمَ لاَ يُخْرَجُونَ مِنْهَا وَلاَ هُمْ يُسْتَعَتَبُونَ﴾، لا يخرجون من نار جهنم، ولا يستعتبون فيردون إلى الدنيا ليعملوا صالحاً ويتوبوا من كفرهم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَلِلَّهِ ٱلْحَمْدُ رَبِّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَرَبِّ ٱلأَرْضِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ﴾، أي: فلله على نعمه وأياديه عند خلقه الحمد، فإياه فاحمدوا أيها الناس، فهو رب السماوات ورب الأرض، أي: مالكها ومالك العالمين، وهم جميع أصناف الخلائق.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَلَهُ ٱلْكِبْرِيَآءُ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ﴾، أي: وله العظمة والسلطان والجلال في السماوات السبع والأرضين السبع.
﴿وَهُوَ ٱلْعِزِيزُ ٱلْحَكِيمُ ﴾، أي: وهو العزيز في نقمته من أعدائه، القاهر كل ما دونه، الحكيم في تدبيره خلقه وتصريفه إياهم فيما شاء كيف شاء لا يقدر (على ذلك) ولا على شيء منه أحد غيره، لا إله إلا هو.
الجاثية 45:37
قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِي رَحْمَتِهِ﴾ - إلى آخر السورة، أي: فأما الذين وحدوا الله عز وجل وعملوا بطاعته فيدخلهم ربهم في رحمته، يعني: في جنته يوم القيامة.
﴿ذَلِكَ هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْمُبِينُ﴾، أي: دخولهم في رحمته يومئذ هو الظفر الظاهر.
* *
ثم قال: ﴿وَأَمَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَفَلَمْ تَكُنْ ءَايَٰتِى تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ﴾، جواب "أما" محذوف، والتقدير: فيقال لهم ألم تكن آياتي تتلى عليكم، أي تقرأ عليكم فاستكبرتم عن اتباعها والإيمان بها. والاستكبار في اللغة: الأنفة عن اتباع الحق.
وروي عن النبي ﷺ أنه قال: "قَالَ اللهُ جَلَّ ذِكْرُهُ: الكِبْرِيَاءُ رِدَّائِي، وَالعَظَمَةُ إِزَارِي، فَمَنْ نَازَعَنِي وَاحِداً مَنْهُمَا أَلْقَيْتُهُ فِي جَهَنَّمَ
قوله: ﴿وَكُنتُمْ قَوْماً مُّجْرِمِينَ﴾، أي: قوماً تكسبون الآثام والكفر بالله سبحانه، لا تؤمنون بمعادٍ ولا بثواب ولا عقاب.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ وَٱلسَّاعَةُ لاَ رَيْبَ فِيهَا قُلْتُم مَّا نَدْرِي مَا ٱلسَّاعَةُ﴾، أي: ويقال لهم يومئذ: وإذا قيل لكم إن وعد الله حق في بعثكم ومجازاتكم على أعمالكم، قلتم مجيبين: ما ندري ما الساعة، أي: ما ندري ما البعث والجزاء تكذيباً منكم بوعيد الله ووعده وإنكار القدرة على إحيائكم بعد موتكم.
﴿إِن نَّظُنُّ إِلاَّ ظَنّاً﴾، أي: وقلتم (ما نظن) أن الساعة آتية إلا ظناً.
﴿وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ﴾ أنها جائية.
وتقديره في العربية: إن نحن إلا نظن ظنا ونظيره من الكلام ما حكاه (أبو عمرو) بن العلاء وسيبويه من قولهم: ليس الطيب إلا المسك، (على تقدير: ليس إلا الطيب المسك). هذا مذهب المبرد وتقديره.
وسيبويه يقول (إن "ليس") في هذا جرت مجرى "ما" فارتفع ما بعد "إلا" كما يرتفع مع "ما"
وقيل التقدير في الآية: إن نظن إلا أنكم تظنون ظناً. وإنما احتيج إلى هذا التقدير لأنه لا يجوز في الكلام: ما ضربت إلا ضرباً، وما ظننت إلا ظناً، إذ فائدة المصدر فائدة الفعل فكما لا يجوز: ما ضربت إلا ضربت، وما ظننت إلا ظننت، كذلك لا يجوز مع المصدر، فكذلك لا تجوز إن نظن إلا نظن.
وإذا لم يجز مع الفعل لم يجز مع المصدر، فلا فائدة في المصدر أن يقع بعد حرف الإيجاب وليس قبله اسم، كما لا فائدة في الفعل أن يقع بعده. فلذلك احتيج إلى تقدير محذوف ليقع بعد الحرف اسم أو فعل قبله اسم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُواْ﴾، أي: وظهر لهؤلاء المكذبين بالبعث عقاب سيئات أعمالهم في الآخرة.
﴿وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾، أي: وحل بهم من عذاب الله عقاب استهزائهم بآيات الله عز وجل في الدنيا.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَقِيلَ ٱلْيَوْمَ نَنسَاكُمْ﴾، أي: نترككم في نار جهنم كما تركتم العمل للقاء يومكم هذا، وتشاغلتم بلذاتكم في الدنيا، واتبعتم أهواءكم.
* *
ثم قال: ﴿وَمَأْوَاكُمُ ٱلنَّارُ﴾، أي: ومنزلكم الذي تأوون إليه نار جهنم.
وما لكم من ناصر ينصركم من العذاب فينقذكم منه.
* *
ثم قال تعالى: ﴿ذَلِكُم بِأَنَّكُمُ ٱتَّخَذْتُمْ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ هُزُواً﴾، أي: هذا الذي حل بكم من (العذاب والهوان) باتخاذكم آيات الله - (في الدنيا) - هزؤا تسخرون منها.
* *
ثم قال: ﴿وَغَرَّتْكُمُ ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا﴾، أي: وخدعتكم الحياة الدنيا فآثرتموها على العمل بما ينجيكم من العذاب.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَٱلْيَوْمَ لاَ يُخْرَجُونَ مِنْهَا وَلاَ هُمْ يُسْتَعَتَبُونَ﴾، لا يخرجون من نار جهنم، ولا يستعتبون فيردون إلى الدنيا ليعملوا صالحاً ويتوبوا من كفرهم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَلِلَّهِ ٱلْحَمْدُ رَبِّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَرَبِّ ٱلأَرْضِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ﴾، أي: فلله على نعمه وأياديه عند خلقه الحمد، فإياه فاحمدوا أيها الناس، فهو رب السماوات ورب الأرض، أي: مالكها ومالك العالمين، وهم جميع أصناف الخلائق.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَلَهُ ٱلْكِبْرِيَآءُ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ﴾، أي: وله العظمة والسلطان والجلال في السماوات السبع والأرضين السبع.
﴿وَهُوَ ٱلْعِزِيزُ ٱلْحَكِيمُ ﴾، أي: وهو العزيز في نقمته من أعدائه، القاهر كل ما دونه، الحكيم في تدبيره خلقه وتصريفه إياهم فيما شاء كيف شاء لا يقدر (على ذلك) ولا على شيء منه أحد غيره، لا إله إلا هو.