Lafzullah

Tafsir Makhi — الحجرات 49:1 – ق 50:45

المؤلف / المصدر: Tafsir Makhi

المحتويات
  1. الحجرات 49:1
  2. الحجرات 49:2
  3. الحجرات 49:3
  4. الحجرات 49:4
  5. الحجرات 49:5
  6. الحجرات 49:6
  7. الحجرات 49:7
  8. الحجرات 49:8
  9. الحجرات 49:9
  10. الحجرات 49:10
  11. الحجرات 49:11
  12. الحجرات 49:12
  13. الحجرات 49:13
  14. الحجرات 49:14
  15. الحجرات 49:15
  16. الحجرات 49:16
  17. الحجرات 49:17
  18. الحجرات 49:18
  19. ق 50:1
  20. ق 50:2
  21. ق 50:3
  22. ق 50:4
  23. ق 50:5
  24. ق 50:6
  25. ق 50:7
  26. ق 50:8
  27. ق 50:9
  28. ق 50:10
  29. ق 50:11
  30. ق 50:12
  31. ق 50:13
  32. ق 50:14
  33. ق 50:15
  34. ق 50:16
  35. ق 50:17
  36. ق 50:18
  37. ق 50:19
  38. ق 50:20
  39. ق 50:21
  40. ق 50:22
  41. ق 50:23
  42. ق 50:24
  43. ق 50:25
  44. ق 50:26
  45. ق 50:27
  46. ق 50:28
  47. ق 50:29
  48. ق 50:30
  49. ق 50:31
  50. ق 50:32
  51. ق 50:33
  52. ق 50:34
  53. ق 50:35
  54. ق 50:36
  55. ق 50:37
  56. ق 50:38
  57. ق 50:39
  58. ق 50:40
  59. ق 50:41
  60. ق 50:42
  61. ق 50:43
  62. ق 50:44
  63. ق 50:45

الحجرات 49:1

قوله: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُقَدِّمُواْ﴾ إلى قوله: ﴿بَيْنَ يَدَيِ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ الآية. روى سفيان عن الأعمش عن خيثمة قال: هل تقرؤون ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ﴾ إِلا وهي في التوراة "يا أيها المساكين". فالمعنى: يا أيها الذين صدقوا محمداً ﷺ لا تعجلوا بقضاء أمركم في دينكم قبل أن يقضي الله عز وجل ورسوله لكم فيه. حكي عن العرب: فلان تقدم بين يدي إمامه؛ أي: تعجل الأمر والنهي دونه. قال ابن عباس معناه: لا تقولوا خلاف الكتاب والسنة. وعنه أنه قال: نهوا أن يتكلموا بين يدي كلامه. وقال مجاهد معناه: لا تفتاتوا على رسول الله ﷺ بشيء حتى يقضيه الله عز وجل على لسان رسوله. وقال قتادة: كان أناس يقولون لو نزل في كذا، أو صنع كذا وكذا، فكره الله عز وجل ذلك. وقال الحسن: ذبح أناس من المسلمين قبل صلاة رسول الله ﷺ يوم النحر، فأمرهم النبي ﷺ أن يعيدوا ذبحاً آخر لتقدمهم. ففي هذا دليل أنه لا يجوز أن يؤدى فرض قبل وقته. قال الضحاك: لا تقدموا بين يدي الله ورسوله: يعني بذلك في القتال، وما كان من أمر دينهم، لا يصلح لهم أن يتقدموا في أمر حتى يأمر فيه النبي ﷺ. وروى ابن أبي مليكة: أن الآية نزلت في رأي، أشار به عمر على النبي ﷺ، وذلك أن النبي ﷺ أراد أن يستخلف على المدينة رجلاً إذ مضى إلى خيبر، فأشار عليه عمر برجل آخر. وقيل: نزلت في سبب كلام دار بين أبي بكر وعمر رضي الله عنهما وذلك أن (وفداً من بني تميم) قدموا على النبي ﷺ، فقال له أبو بكر: أمِّر القعقاع بن معبد، وقال عمر: بل أمِّر الأقرع بن حابس، فقال له أبو بكر: ما أردت إلا خلافي، فقال له عمر: ما أردت خلافك، فتماريا حتى ارتفعت أصواتهما فنزلت هذه الآية في ذلك. * * ثم قال: ﴿وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [أي: يسمع قولكم ويعلم فعلكم فاتقوه وخافوه].

الحجرات 49:2

قوله تعالى: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَرْفَعُوۤاْ أَصْوَاتَكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ الآيات. أي: لا تسابقوه بالكلام وتغلظوا له في الخطاب. * * ﴿وَلاَ تَجْهَرُواْ لَهُ بِٱلْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ﴾. أي: لا تنادوه باسمه كما ينادي بعضكم بعضاً باسمه، ولكن عظموه ووقروه ونادوه بأشرف ما يحب أن ينادى، قولوا: يا رسول الله، يا نبي الله. وهذا كله أمر من الله عز وجل للمؤمنين بتعظيم النبي ﷺ وإجلاله، وهو مثل قوله: ﴿لاَّ تَجْعَلُواْ دُعَآءَ ٱلرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَآءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً﴾ [النور: ٦٣]. روي: أن أبا بكر لما نزلت هذه الآية قال: أقسمت بالله ألا أكلم رسول الله ﷺ إلا كأخي السرار. وقد كره جماعة من العلماء رفع الصوت عند قبر رسول الله ﷺ وبحضرة العلماء اتباعاً لأدب الله عز وجل وتعظيماً لرسول الله بعد موته كما كان يحب في حياته، وتشريفاً للعلم، إذ العلماء ورثة الأنبياء. وقد روى عبادة بن الصامت عن النبي ﷺ أنه قال: "ليس منا من لم يجل كبيرنا ويرحم صغيرنا ويعرف بعالمنا وروي: أن هذه الآية نزلت في ثابت بن قيس بن شماس الأنصاري وكان خطيب رسول الله ﷺ في مفاخرة بني تميم للأقرع بن حابس وكان في أذنيه صمم، فكان إذا تكلم أعلى صوته، فلما نزلت هذه الآية أقام في منزله، وخشي أن يكون حبط عمله. فعند ذلك شاكى أبو بكر ألا يكلم النبي ﷺ إلا كأخي السرار فأنزل الله عز وجل في أبي بكر ومن فعل فعله. * * ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِندَ رَسُولِ ٱللَّهِ أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ ٱمْتَحَنَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَىٰ﴾. أي: طهرها من كل دنس وجعل فيها التقوى. وثابت هذا هو الذي وقعت جويرية: أم المؤمنين في سهمه فكاتبته على نفسها. قالت عائشة رضي الله عنها: وكانت جويرية امرأة حلوة مليحة لا يراها أحد إلا أخذت بنفسه، قالت عائشة رضي الله عنها: فأتت إلى النبي ﷺ تستعينه في كتابتها، قالت عائشة: فوالله ما هو - إلا أن رأيتها على باب حجرتي كرهتها وعلمت أن النبي ﷺ سيرى منها ما رأيت، تريد من حسنها وحلاوتها. قالت عائشة: فدخلت جويرية على النبي ﷺ، فقالت: يا رسول الله أنا جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار سيد قومه، وقد أصابني من البلاء ما لم يخف عنك، فوقعت في السهم لثابت بن قيس، وكاتبته عن نفسي فجئتك أستعينك على كتابتي، فقال لها النبي ﷺ: فهل (لك خير) من ذلك، قالت: وما هو يا رسول الله، قال: أقض كتابتك وأتزوجك، قالت: نعم يا رسول الله، قال: قد فعلت، فخرج الخبر في الناس أن رسول الله ﷺ تزوج جويرية، فقال الناس: أصهار رسول الله، فأرسلوا ما بأيديهم من الأسرى إجلالاً لرسول الله ﷺ. قالت عائشة: فلقد أعتق الناس بتزويجها إياها مائة أهل بيت من بني المصطلق، قالت: فما أعلم امرأة كانت أعظم بركة على قومها من جويرية. * * ثم قال: ﴿أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تَشْعُرُونَ﴾. أي: مخافة أن تبطل أعمالكم وأنتم ﴿لاَ تَشْعُرُونَ﴾ أي: لا تعملون. وقال الزجاج تقديره "لأن تحبط"، وهو عنده مثل ﴿فَٱلْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً﴾ [القصص: ٨] وسمى هذه اللام لام الصيرورة أي: التقطه ليصير أمرهم إلى ذلك؛ لأنهم قصدوا التصيّر إلى ذلك ولكنه في المقدر، وفيما سبقه من علم الله، فالمعنى لا ترفعوا أصواتكم فيكون ذلك سبباً لإبطال أعمالكم. وفي قراءة عبد الله: "فَتَحْبَطَ أَعْمَالُكُم". * * ثم قال: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِندَ رَسُولِ ٱللَّهِ﴾ أي: يكفون رفع أصواتهم عند حضور رسول الله ﷺ. ﴿أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ ٱمْتَحَنَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَىٰ﴾ (أي: اختبرها فاصطفاها) وأخلصها للتقوى كما يمتحن الذهِب بالنار فيخلصن جيده ويبطل خبيثه. قال مجاهد: اختبرها فوجدها خالصة للتقوى. وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه: امتحنها للتقوى: أي: أذهب الشهوات منها. * * ثم قال: ﴿لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ أي: لهم ستر وعفو من الله عز وجل يوم القيامة، ولهم أجر عظيم: وهو الجنة والخلود فيها. ثم قال:﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن وَرَآءِ ٱلْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ﴾. روي: أن هذه الآية نزلت في قوم من الأعراب نادوا رسول الله ﷺ من وراء حجراته يا محمد أخرج إلينا. قال مجاهد: هم أعراب من بني تميم. وقيل: هو الأقرع بن حابس نادى رسول الله ﷺ من وراء الحجرات وقال: يا محمد (إن مدحي زين وإن ذمي شين)، فقال النبي ﷺ: ذلك الله جل ذكره وقوله: ﴿لاَ يَعْقِلُونَ﴾ أي: لا يعقلون أن فعلهم ذلك قبيح. * * ثم قال: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُواْ حَتَّىٰ تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ﴾. أي: لو تركوا نداءك من وراء الحجرات، وصبروا حتى تخرج إليهم لكان ذلك عند الله خيراً لهم، لأن الله عز وجل قد أمرهم بتوقيرك وتعظيمك، والله غفور لمن ناداك وجهل أن تاب عن ذلك، رحيم به أن يعذبه بعد توبته . وقيل: بل غفر الله لهم فعلهم ورحمهم لأنهم لم يقصدوا بفعلهم الاستخفاف بحق النبي ﷺ، إنما كان فعلهم سوء أدب منهم. * * ثم قال: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِن جَآءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوۤاْ﴾. روي عن أم سلمة زوج النبي ﷺ أنها قالت: أن هذه الآية نزلت في الوليد بن عقبة بن أبي معيط، قالت: بعث النبي ﷺ رجلاً في صدقات بني المصطلق، فسمع بذلك القوم، فتلقوه يعظمون بذلك أمر رسول الله ﷺ، فحدثهم الشيطان أنهم يريدون قتله فرجع إلى (رسول الله ﷺ) وقال: إن بني المصطلق قد منعوا صدقاتهم، فغضب رسول الله ﷺ، فبلغ القوم رجوعه، فأتوا رسول الله ﷺ فخضعوا له حين [صلُّوا] الظهر، وقالوا: نعوذ بالله من سخط رسول الله، بعث إلينا رجلاً مصدقاً فسررنا به، وقرت به أعيننا. ثم إنه رجع من بعض الطريق فخشينا أن يكون ذلك غضباً من الله عز وجل ومن رسوله ﷺ، فلم يزالوا يكلمونه حتى جاء بلال فأذن بصلاة العصر فنزلت: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِن جَآءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ [فَتَبَيَّنُوۤاْ أَن تُصِيبُواْ]﴾ الآية. وكذلك قال ابن عباس ومجاهد وقتادة إلا أن مجاهداً قال: إنه الوليد قال للنبي ﷺ إنهم ارتدوا عن الإسلام فبعث النبي ﷺ خالد بن الوليد وأمره أن يتبين ولا يعجل، فانطلق حتى أتاهم ليلاً فبعث عيونه فأتوه وأخبروه أنهم مستمسكون بالإسلام وسمع صلاتهم وآذانهم، فلما أصبحوا أتاهم (خالد فرأى) الذي يعجبه فرجع إلى النبي ﷺ وأخبره الخبر، فأنزل الله عز وجل الآية، فكان النبي ﷺ يقول: "التبين من الله والعجلة من الشيطان قوله: ﴿أَن تُصِيبُواْ قَوْمًا بِجَهَالَةٍ﴾ أي: قوم براء مما قُذفوا به فتندموا على ما فعلتم بهم. * * ثم قال: ﴿وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ ٱللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِّنَ ٱلأَمْرِ لَعَنِتُّمْ﴾. أي: إعلموا أن نبي الله عز وجل بين ظهركم فلا تقولوا الباطل فإن الله يخبره بأخباركم فلو أطاعكم رسول الله ﷺ فيما تقولون له لنالكم عنت وشدة ومشقة، لأنه كان يخطئ في أفعاله كما لو قبل من الوليد قوله في بني المصطلق إنهم ارتدوا ومنعوا الزكاة لغزاهم وأصابهم بالقتل والسباء وهم براء، فكنتم تقتلون وتسبون من لا يحل قتله ولا سباؤه، فيدخل عليكم الإثم والمشقة في إخراج الدّيات والعنت والفساد والهلاك. * * ثم قال: ﴿وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ ٱلإِيمَانَ﴾ أي: وفقكم له وزينه في قلوبكم. وقيل معناه: أمركم أن تحبوا الإيمان، وزينه في قلوبكم فأحببتموه وهذا قول مردود لأن الكفار قد أمرهم الله بمحبة الإيمان أيضاً، فلا فرق بين كافر ولا مؤمن في ذلك. وقيل معناه: فعل بكم أفاعيل تحبون معها الإيمان، وهي التوفيق. ﴿وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ ٱلْكُفْرَ وَٱلْفُسُوقَ وَٱلْعِصْيَانَ﴾ أي: فعل بكم أفاعيل كرهتم معها ذلك. قال ابن زيد: حببه إليكم: حسنه في قلوبكم، قال العصيان: عصيان النبي ﷺ، والفسوق: الكذب. والعصيان: ركوب ما نهى الله عز وجل عنه. * * ثم قال: ﴿أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلرَّاشِدُونَ﴾ أي: هؤلاء الذين حبّب إليهم الإيمان وكرّه إليهم الكفر والكذب، وفعل ما نهاهم عنه هم السالكون طريق الحق. * * ثم قال: ﴿فَضْلاً مِّنَ ٱللَّهِ وَنِعْمَةً﴾ أي: فعل ذلك بهم للفضل والنعمة، فانتهيا عند الزجاج على أنهما مفعولان من أجلهما. * * ثم قال: ﴿وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ أي: ذو علم بالمحسن منكم والمسيء ، ومن هو أهل الفضل والنعمة ممن لا يستحق ذلك ذو حكمة في تدبيره خلقه. قال الزجاج قوله: ﴿وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾: معناه أنه دلهم عليه بالحجج القاطعة، والآيات المعجزات. ويجوز أن يكون زينه في قلوبهم بتوفيقه إياهم إلى طريقِ الحق في سبيل الرشاد.

الحجرات 49:3

قوله تعالى: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَرْفَعُوۤاْ أَصْوَاتَكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ الآيات. أي: لا تسابقوه بالكلام وتغلظوا له في الخطاب. * * ﴿وَلاَ تَجْهَرُواْ لَهُ بِٱلْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ﴾. أي: لا تنادوه باسمه كما ينادي بعضكم بعضاً باسمه، ولكن عظموه ووقروه ونادوه بأشرف ما يحب أن ينادى، قولوا: يا رسول الله، يا نبي الله. وهذا كله أمر من الله عز وجل للمؤمنين بتعظيم النبي ﷺ وإجلاله، وهو مثل قوله: ﴿لاَّ تَجْعَلُواْ دُعَآءَ ٱلرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَآءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً﴾ [النور: ٦٣]. روي: أن أبا بكر لما نزلت هذه الآية قال: أقسمت بالله ألا أكلم رسول الله ﷺ إلا كأخي السرار. وقد كره جماعة من العلماء رفع الصوت عند قبر رسول الله ﷺ وبحضرة العلماء اتباعاً لأدب الله عز وجل وتعظيماً لرسول الله بعد موته كما كان يحب في حياته، وتشريفاً للعلم، إذ العلماء ورثة الأنبياء. وقد روى عبادة بن الصامت عن النبي ﷺ أنه قال: "ليس منا من لم يجل كبيرنا ويرحم صغيرنا ويعرف بعالمنا وروي: أن هذه الآية نزلت في ثابت بن قيس بن شماس الأنصاري وكان خطيب رسول الله ﷺ في مفاخرة بني تميم للأقرع بن حابس وكان في أذنيه صمم، فكان إذا تكلم أعلى صوته، فلما نزلت هذه الآية أقام في منزله، وخشي أن يكون حبط عمله. فعند ذلك شاكى أبو بكر ألا يكلم النبي ﷺ إلا كأخي السرار فأنزل الله عز وجل في أبي بكر ومن فعل فعله. * * ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِندَ رَسُولِ ٱللَّهِ أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ ٱمْتَحَنَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَىٰ﴾. أي: طهرها من كل دنس وجعل فيها التقوى. وثابت هذا هو الذي وقعت جويرية: أم المؤمنين في سهمه فكاتبته على نفسها. قالت عائشة رضي الله عنها: وكانت جويرية امرأة حلوة مليحة لا يراها أحد إلا أخذت بنفسه، قالت عائشة رضي الله عنها: فأتت إلى النبي ﷺ تستعينه في كتابتها، قالت عائشة: فوالله ما هو - إلا أن رأيتها على باب حجرتي كرهتها وعلمت أن النبي ﷺ سيرى منها ما رأيت، تريد من حسنها وحلاوتها. قالت عائشة: فدخلت جويرية على النبي ﷺ، فقالت: يا رسول الله أنا جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار سيد قومه، وقد أصابني من البلاء ما لم يخف عنك، فوقعت في السهم لثابت بن قيس، وكاتبته عن نفسي فجئتك أستعينك على كتابتي، فقال لها النبي ﷺ: فهل (لك خير) من ذلك، قالت: وما هو يا رسول الله، قال: أقض كتابتك وأتزوجك، قالت: نعم يا رسول الله، قال: قد فعلت، فخرج الخبر في الناس أن رسول الله ﷺ تزوج جويرية، فقال الناس: أصهار رسول الله، فأرسلوا ما بأيديهم من الأسرى إجلالاً لرسول الله ﷺ. قالت عائشة: فلقد أعتق الناس بتزويجها إياها مائة أهل بيت من بني المصطلق، قالت: فما أعلم امرأة كانت أعظم بركة على قومها من جويرية. * * ثم قال: ﴿أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تَشْعُرُونَ﴾. أي: مخافة أن تبطل أعمالكم وأنتم ﴿لاَ تَشْعُرُونَ﴾ أي: لا تعملون. وقال الزجاج تقديره "لأن تحبط"، وهو عنده مثل ﴿فَٱلْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً﴾ [القصص: ٨] وسمى هذه اللام لام الصيرورة أي: التقطه ليصير أمرهم إلى ذلك؛ لأنهم قصدوا التصيّر إلى ذلك ولكنه في المقدر، وفيما سبقه من علم الله، فالمعنى لا ترفعوا أصواتكم فيكون ذلك سبباً لإبطال أعمالكم. وفي قراءة عبد الله: "فَتَحْبَطَ أَعْمَالُكُم". * * ثم قال: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِندَ رَسُولِ ٱللَّهِ﴾ أي: يكفون رفع أصواتهم عند حضور رسول الله ﷺ. ﴿أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ ٱمْتَحَنَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَىٰ﴾ (أي: اختبرها فاصطفاها) وأخلصها للتقوى كما يمتحن الذهِب بالنار فيخلصن جيده ويبطل خبيثه. قال مجاهد: اختبرها فوجدها خالصة للتقوى. وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه: امتحنها للتقوى: أي: أذهب الشهوات منها. * * ثم قال: ﴿لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ أي: لهم ستر وعفو من الله عز وجل يوم القيامة، ولهم أجر عظيم: وهو الجنة والخلود فيها. ثم قال:﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن وَرَآءِ ٱلْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ﴾. روي: أن هذه الآية نزلت في قوم من الأعراب نادوا رسول الله ﷺ من وراء حجراته يا محمد أخرج إلينا. قال مجاهد: هم أعراب من بني تميم. وقيل: هو الأقرع بن حابس نادى رسول الله ﷺ من وراء الحجرات وقال: يا محمد (إن مدحي زين وإن ذمي شين)، فقال النبي ﷺ: ذلك الله جل ذكره وقوله: ﴿لاَ يَعْقِلُونَ﴾ أي: لا يعقلون أن فعلهم ذلك قبيح. * * ثم قال: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُواْ حَتَّىٰ تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ﴾. أي: لو تركوا نداءك من وراء الحجرات، وصبروا حتى تخرج إليهم لكان ذلك عند الله خيراً لهم، لأن الله عز وجل قد أمرهم بتوقيرك وتعظيمك، والله غفور لمن ناداك وجهل أن تاب عن ذلك، رحيم به أن يعذبه بعد توبته . وقيل: بل غفر الله لهم فعلهم ورحمهم لأنهم لم يقصدوا بفعلهم الاستخفاف بحق النبي ﷺ، إنما كان فعلهم سوء أدب منهم. * * ثم قال: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِن جَآءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوۤاْ﴾. روي عن أم سلمة زوج النبي ﷺ أنها قالت: أن هذه الآية نزلت في الوليد بن عقبة بن أبي معيط، قالت: بعث النبي ﷺ رجلاً في صدقات بني المصطلق، فسمع بذلك القوم، فتلقوه يعظمون بذلك أمر رسول الله ﷺ، فحدثهم الشيطان أنهم يريدون قتله فرجع إلى (رسول الله ﷺ) وقال: إن بني المصطلق قد منعوا صدقاتهم، فغضب رسول الله ﷺ، فبلغ القوم رجوعه، فأتوا رسول الله ﷺ فخضعوا له حين [صلُّوا] الظهر، وقالوا: نعوذ بالله من سخط رسول الله، بعث إلينا رجلاً مصدقاً فسررنا به، وقرت به أعيننا. ثم إنه رجع من بعض الطريق فخشينا أن يكون ذلك غضباً من الله عز وجل ومن رسوله ﷺ، فلم يزالوا يكلمونه حتى جاء بلال فأذن بصلاة العصر فنزلت: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِن جَآءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ [فَتَبَيَّنُوۤاْ أَن تُصِيبُواْ]﴾ الآية. وكذلك قال ابن عباس ومجاهد وقتادة إلا أن مجاهداً قال: إنه الوليد قال للنبي ﷺ إنهم ارتدوا عن الإسلام فبعث النبي ﷺ خالد بن الوليد وأمره أن يتبين ولا يعجل، فانطلق حتى أتاهم ليلاً فبعث عيونه فأتوه وأخبروه أنهم مستمسكون بالإسلام وسمع صلاتهم وآذانهم، فلما أصبحوا أتاهم (خالد فرأى) الذي يعجبه فرجع إلى النبي ﷺ وأخبره الخبر، فأنزل الله عز وجل الآية، فكان النبي ﷺ يقول: "التبين من الله والعجلة من الشيطان قوله: ﴿أَن تُصِيبُواْ قَوْمًا بِجَهَالَةٍ﴾ أي: قوم براء مما قُذفوا به فتندموا على ما فعلتم بهم. * * ثم قال: ﴿وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ ٱللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِّنَ ٱلأَمْرِ لَعَنِتُّمْ﴾. أي: إعلموا أن نبي الله عز وجل بين ظهركم فلا تقولوا الباطل فإن الله يخبره بأخباركم فلو أطاعكم رسول الله ﷺ فيما تقولون له لنالكم عنت وشدة ومشقة، لأنه كان يخطئ في أفعاله كما لو قبل من الوليد قوله في بني المصطلق إنهم ارتدوا ومنعوا الزكاة لغزاهم وأصابهم بالقتل والسباء وهم براء، فكنتم تقتلون وتسبون من لا يحل قتله ولا سباؤه، فيدخل عليكم الإثم والمشقة في إخراج الدّيات والعنت والفساد والهلاك. * * ثم قال: ﴿وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ ٱلإِيمَانَ﴾ أي: وفقكم له وزينه في قلوبكم. وقيل معناه: أمركم أن تحبوا الإيمان، وزينه في قلوبكم فأحببتموه وهذا قول مردود لأن الكفار قد أمرهم الله بمحبة الإيمان أيضاً، فلا فرق بين كافر ولا مؤمن في ذلك. وقيل معناه: فعل بكم أفاعيل تحبون معها الإيمان، وهي التوفيق. ﴿وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ ٱلْكُفْرَ وَٱلْفُسُوقَ وَٱلْعِصْيَانَ﴾ أي: فعل بكم أفاعيل كرهتم معها ذلك. قال ابن زيد: حببه إليكم: حسنه في قلوبكم، قال العصيان: عصيان النبي ﷺ، والفسوق: الكذب. والعصيان: ركوب ما نهى الله عز وجل عنه. * * ثم قال: ﴿أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلرَّاشِدُونَ﴾ أي: هؤلاء الذين حبّب إليهم الإيمان وكرّه إليهم الكفر والكذب، وفعل ما نهاهم عنه هم السالكون طريق الحق. * * ثم قال: ﴿فَضْلاً مِّنَ ٱللَّهِ وَنِعْمَةً﴾ أي: فعل ذلك بهم للفضل والنعمة، فانتهيا عند الزجاج على أنهما مفعولان من أجلهما. * * ثم قال: ﴿وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ أي: ذو علم بالمحسن منكم والمسيء ، ومن هو أهل الفضل والنعمة ممن لا يستحق ذلك ذو حكمة في تدبيره خلقه. قال الزجاج قوله: ﴿وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾: معناه أنه دلهم عليه بالحجج القاطعة، والآيات المعجزات. ويجوز أن يكون زينه في قلوبهم بتوفيقه إياهم إلى طريقِ الحق في سبيل الرشاد.

الحجرات 49:4

قوله تعالى: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَرْفَعُوۤاْ أَصْوَاتَكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ الآيات. أي: لا تسابقوه بالكلام وتغلظوا له في الخطاب. * * ﴿وَلاَ تَجْهَرُواْ لَهُ بِٱلْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ﴾. أي: لا تنادوه باسمه كما ينادي بعضكم بعضاً باسمه، ولكن عظموه ووقروه ونادوه بأشرف ما يحب أن ينادى، قولوا: يا رسول الله، يا نبي الله. وهذا كله أمر من الله عز وجل للمؤمنين بتعظيم النبي ﷺ وإجلاله، وهو مثل قوله: ﴿لاَّ تَجْعَلُواْ دُعَآءَ ٱلرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَآءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً﴾ [النور: ٦٣]. روي: أن أبا بكر لما نزلت هذه الآية قال: أقسمت بالله ألا أكلم رسول الله ﷺ إلا كأخي السرار. وقد كره جماعة من العلماء رفع الصوت عند قبر رسول الله ﷺ وبحضرة العلماء اتباعاً لأدب الله عز وجل وتعظيماً لرسول الله بعد موته كما كان يحب في حياته، وتشريفاً للعلم، إذ العلماء ورثة الأنبياء. وقد روى عبادة بن الصامت عن النبي ﷺ أنه قال: "ليس منا من لم يجل كبيرنا ويرحم صغيرنا ويعرف بعالمنا وروي: أن هذه الآية نزلت في ثابت بن قيس بن شماس الأنصاري وكان خطيب رسول الله ﷺ في مفاخرة بني تميم للأقرع بن حابس وكان في أذنيه صمم، فكان إذا تكلم أعلى صوته، فلما نزلت هذه الآية أقام في منزله، وخشي أن يكون حبط عمله. فعند ذلك شاكى أبو بكر ألا يكلم النبي ﷺ إلا كأخي السرار فأنزل الله عز وجل في أبي بكر ومن فعل فعله. * * ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِندَ رَسُولِ ٱللَّهِ أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ ٱمْتَحَنَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَىٰ﴾. أي: طهرها من كل دنس وجعل فيها التقوى. وثابت هذا هو الذي وقعت جويرية: أم المؤمنين في سهمه فكاتبته على نفسها. قالت عائشة رضي الله عنها: وكانت جويرية امرأة حلوة مليحة لا يراها أحد إلا أخذت بنفسه، قالت عائشة رضي الله عنها: فأتت إلى النبي ﷺ تستعينه في كتابتها، قالت عائشة: فوالله ما هو - إلا أن رأيتها على باب حجرتي كرهتها وعلمت أن النبي ﷺ سيرى منها ما رأيت، تريد من حسنها وحلاوتها. قالت عائشة: فدخلت جويرية على النبي ﷺ، فقالت: يا رسول الله أنا جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار سيد قومه، وقد أصابني من البلاء ما لم يخف عنك، فوقعت في السهم لثابت بن قيس، وكاتبته عن نفسي فجئتك أستعينك على كتابتي، فقال لها النبي ﷺ: فهل (لك خير) من ذلك، قالت: وما هو يا رسول الله، قال: أقض كتابتك وأتزوجك، قالت: نعم يا رسول الله، قال: قد فعلت، فخرج الخبر في الناس أن رسول الله ﷺ تزوج جويرية، فقال الناس: أصهار رسول الله، فأرسلوا ما بأيديهم من الأسرى إجلالاً لرسول الله ﷺ. قالت عائشة: فلقد أعتق الناس بتزويجها إياها مائة أهل بيت من بني المصطلق، قالت: فما أعلم امرأة كانت أعظم بركة على قومها من جويرية. * * ثم قال: ﴿أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تَشْعُرُونَ﴾. أي: مخافة أن تبطل أعمالكم وأنتم ﴿لاَ تَشْعُرُونَ﴾ أي: لا تعملون. وقال الزجاج تقديره "لأن تحبط"، وهو عنده مثل ﴿فَٱلْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً﴾ [القصص: ٨] وسمى هذه اللام لام الصيرورة أي: التقطه ليصير أمرهم إلى ذلك؛ لأنهم قصدوا التصيّر إلى ذلك ولكنه في المقدر، وفيما سبقه من علم الله، فالمعنى لا ترفعوا أصواتكم فيكون ذلك سبباً لإبطال أعمالكم. وفي قراءة عبد الله: "فَتَحْبَطَ أَعْمَالُكُم". * * ثم قال: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِندَ رَسُولِ ٱللَّهِ﴾ أي: يكفون رفع أصواتهم عند حضور رسول الله ﷺ. ﴿أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ ٱمْتَحَنَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَىٰ﴾ (أي: اختبرها فاصطفاها) وأخلصها للتقوى كما يمتحن الذهِب بالنار فيخلصن جيده ويبطل خبيثه. قال مجاهد: اختبرها فوجدها خالصة للتقوى. وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه: امتحنها للتقوى: أي: أذهب الشهوات منها. * * ثم قال: ﴿لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ أي: لهم ستر وعفو من الله عز وجل يوم القيامة، ولهم أجر عظيم: وهو الجنة والخلود فيها. ثم قال:﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن وَرَآءِ ٱلْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ﴾. روي: أن هذه الآية نزلت في قوم من الأعراب نادوا رسول الله ﷺ من وراء حجراته يا محمد أخرج إلينا. قال مجاهد: هم أعراب من بني تميم. وقيل: هو الأقرع بن حابس نادى رسول الله ﷺ من وراء الحجرات وقال: يا محمد (إن مدحي زين وإن ذمي شين)، فقال النبي ﷺ: ذلك الله جل ذكره وقوله: ﴿لاَ يَعْقِلُونَ﴾ أي: لا يعقلون أن فعلهم ذلك قبيح. * * ثم قال: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُواْ حَتَّىٰ تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ﴾. أي: لو تركوا نداءك من وراء الحجرات، وصبروا حتى تخرج إليهم لكان ذلك عند الله خيراً لهم، لأن الله عز وجل قد أمرهم بتوقيرك وتعظيمك، والله غفور لمن ناداك وجهل أن تاب عن ذلك، رحيم به أن يعذبه بعد توبته . وقيل: بل غفر الله لهم فعلهم ورحمهم لأنهم لم يقصدوا بفعلهم الاستخفاف بحق النبي ﷺ، إنما كان فعلهم سوء أدب منهم. * * ثم قال: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِن جَآءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوۤاْ﴾. روي عن أم سلمة زوج النبي ﷺ أنها قالت: أن هذه الآية نزلت في الوليد بن عقبة بن أبي معيط، قالت: بعث النبي ﷺ رجلاً في صدقات بني المصطلق، فسمع بذلك القوم، فتلقوه يعظمون بذلك أمر رسول الله ﷺ، فحدثهم الشيطان أنهم يريدون قتله فرجع إلى (رسول الله ﷺ) وقال: إن بني المصطلق قد منعوا صدقاتهم، فغضب رسول الله ﷺ، فبلغ القوم رجوعه، فأتوا رسول الله ﷺ فخضعوا له حين [صلُّوا] الظهر، وقالوا: نعوذ بالله من سخط رسول الله، بعث إلينا رجلاً مصدقاً فسررنا به، وقرت به أعيننا. ثم إنه رجع من بعض الطريق فخشينا أن يكون ذلك غضباً من الله عز وجل ومن رسوله ﷺ، فلم يزالوا يكلمونه حتى جاء بلال فأذن بصلاة العصر فنزلت: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِن جَآءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ [فَتَبَيَّنُوۤاْ أَن تُصِيبُواْ]﴾ الآية. وكذلك قال ابن عباس ومجاهد وقتادة إلا أن مجاهداً قال: إنه الوليد قال للنبي ﷺ إنهم ارتدوا عن الإسلام فبعث النبي ﷺ خالد بن الوليد وأمره أن يتبين ولا يعجل، فانطلق حتى أتاهم ليلاً فبعث عيونه فأتوه وأخبروه أنهم مستمسكون بالإسلام وسمع صلاتهم وآذانهم، فلما أصبحوا أتاهم (خالد فرأى) الذي يعجبه فرجع إلى النبي ﷺ وأخبره الخبر، فأنزل الله عز وجل الآية، فكان النبي ﷺ يقول: "التبين من الله والعجلة من الشيطان قوله: ﴿أَن تُصِيبُواْ قَوْمًا بِجَهَالَةٍ﴾ أي: قوم براء مما قُذفوا به فتندموا على ما فعلتم بهم. * * ثم قال: ﴿وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ ٱللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِّنَ ٱلأَمْرِ لَعَنِتُّمْ﴾. أي: إعلموا أن نبي الله عز وجل بين ظهركم فلا تقولوا الباطل فإن الله يخبره بأخباركم فلو أطاعكم رسول الله ﷺ فيما تقولون له لنالكم عنت وشدة ومشقة، لأنه كان يخطئ في أفعاله كما لو قبل من الوليد قوله في بني المصطلق إنهم ارتدوا ومنعوا الزكاة لغزاهم وأصابهم بالقتل والسباء وهم براء، فكنتم تقتلون وتسبون من لا يحل قتله ولا سباؤه، فيدخل عليكم الإثم والمشقة في إخراج الدّيات والعنت والفساد والهلاك. * * ثم قال: ﴿وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ ٱلإِيمَانَ﴾ أي: وفقكم له وزينه في قلوبكم. وقيل معناه: أمركم أن تحبوا الإيمان، وزينه في قلوبكم فأحببتموه وهذا قول مردود لأن الكفار قد أمرهم الله بمحبة الإيمان أيضاً، فلا فرق بين كافر ولا مؤمن في ذلك. وقيل معناه: فعل بكم أفاعيل تحبون معها الإيمان، وهي التوفيق. ﴿وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ ٱلْكُفْرَ وَٱلْفُسُوقَ وَٱلْعِصْيَانَ﴾ أي: فعل بكم أفاعيل كرهتم معها ذلك. قال ابن زيد: حببه إليكم: حسنه في قلوبكم، قال العصيان: عصيان النبي ﷺ، والفسوق: الكذب. والعصيان: ركوب ما نهى الله عز وجل عنه. * * ثم قال: ﴿أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلرَّاشِدُونَ﴾ أي: هؤلاء الذين حبّب إليهم الإيمان وكرّه إليهم الكفر والكذب، وفعل ما نهاهم عنه هم السالكون طريق الحق. * * ثم قال: ﴿فَضْلاً مِّنَ ٱللَّهِ وَنِعْمَةً﴾ أي: فعل ذلك بهم للفضل والنعمة، فانتهيا عند الزجاج على أنهما مفعولان من أجلهما. * * ثم قال: ﴿وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ أي: ذو علم بالمحسن منكم والمسيء ، ومن هو أهل الفضل والنعمة ممن لا يستحق ذلك ذو حكمة في تدبيره خلقه. قال الزجاج قوله: ﴿وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾: معناه أنه دلهم عليه بالحجج القاطعة، والآيات المعجزات. ويجوز أن يكون زينه في قلوبهم بتوفيقه إياهم إلى طريقِ الحق في سبيل الرشاد.

الحجرات 49:5

قوله تعالى: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَرْفَعُوۤاْ أَصْوَاتَكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ الآيات. أي: لا تسابقوه بالكلام وتغلظوا له في الخطاب. * * ﴿وَلاَ تَجْهَرُواْ لَهُ بِٱلْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ﴾. أي: لا تنادوه باسمه كما ينادي بعضكم بعضاً باسمه، ولكن عظموه ووقروه ونادوه بأشرف ما يحب أن ينادى، قولوا: يا رسول الله، يا نبي الله. وهذا كله أمر من الله عز وجل للمؤمنين بتعظيم النبي ﷺ وإجلاله، وهو مثل قوله: ﴿لاَّ تَجْعَلُواْ دُعَآءَ ٱلرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَآءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً﴾ [النور: ٦٣]. روي: أن أبا بكر لما نزلت هذه الآية قال: أقسمت بالله ألا أكلم رسول الله ﷺ إلا كأخي السرار. وقد كره جماعة من العلماء رفع الصوت عند قبر رسول الله ﷺ وبحضرة العلماء اتباعاً لأدب الله عز وجل وتعظيماً لرسول الله بعد موته كما كان يحب في حياته، وتشريفاً للعلم، إذ العلماء ورثة الأنبياء. وقد روى عبادة بن الصامت عن النبي ﷺ أنه قال: "ليس منا من لم يجل كبيرنا ويرحم صغيرنا ويعرف بعالمنا وروي: أن هذه الآية نزلت في ثابت بن قيس بن شماس الأنصاري وكان خطيب رسول الله ﷺ في مفاخرة بني تميم للأقرع بن حابس وكان في أذنيه صمم، فكان إذا تكلم أعلى صوته، فلما نزلت هذه الآية أقام في منزله، وخشي أن يكون حبط عمله. فعند ذلك شاكى أبو بكر ألا يكلم النبي ﷺ إلا كأخي السرار فأنزل الله عز وجل في أبي بكر ومن فعل فعله. * * ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِندَ رَسُولِ ٱللَّهِ أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ ٱمْتَحَنَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَىٰ﴾. أي: طهرها من كل دنس وجعل فيها التقوى. وثابت هذا هو الذي وقعت جويرية: أم المؤمنين في سهمه فكاتبته على نفسها. قالت عائشة رضي الله عنها: وكانت جويرية امرأة حلوة مليحة لا يراها أحد إلا أخذت بنفسه، قالت عائشة رضي الله عنها: فأتت إلى النبي ﷺ تستعينه في كتابتها، قالت عائشة: فوالله ما هو - إلا أن رأيتها على باب حجرتي كرهتها وعلمت أن النبي ﷺ سيرى منها ما رأيت، تريد من حسنها وحلاوتها. قالت عائشة: فدخلت جويرية على النبي ﷺ، فقالت: يا رسول الله أنا جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار سيد قومه، وقد أصابني من البلاء ما لم يخف عنك، فوقعت في السهم لثابت بن قيس، وكاتبته عن نفسي فجئتك أستعينك على كتابتي، فقال لها النبي ﷺ: فهل (لك خير) من ذلك، قالت: وما هو يا رسول الله، قال: أقض كتابتك وأتزوجك، قالت: نعم يا رسول الله، قال: قد فعلت، فخرج الخبر في الناس أن رسول الله ﷺ تزوج جويرية، فقال الناس: أصهار رسول الله، فأرسلوا ما بأيديهم من الأسرى إجلالاً لرسول الله ﷺ. قالت عائشة: فلقد أعتق الناس بتزويجها إياها مائة أهل بيت من بني المصطلق، قالت: فما أعلم امرأة كانت أعظم بركة على قومها من جويرية. * * ثم قال: ﴿أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تَشْعُرُونَ﴾. أي: مخافة أن تبطل أعمالكم وأنتم ﴿لاَ تَشْعُرُونَ﴾ أي: لا تعملون. وقال الزجاج تقديره "لأن تحبط"، وهو عنده مثل ﴿فَٱلْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً﴾ [القصص: ٨] وسمى هذه اللام لام الصيرورة أي: التقطه ليصير أمرهم إلى ذلك؛ لأنهم قصدوا التصيّر إلى ذلك ولكنه في المقدر، وفيما سبقه من علم الله، فالمعنى لا ترفعوا أصواتكم فيكون ذلك سبباً لإبطال أعمالكم. وفي قراءة عبد الله: "فَتَحْبَطَ أَعْمَالُكُم". * * ثم قال: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِندَ رَسُولِ ٱللَّهِ﴾ أي: يكفون رفع أصواتهم عند حضور رسول الله ﷺ. ﴿أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ ٱمْتَحَنَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَىٰ﴾ (أي: اختبرها فاصطفاها) وأخلصها للتقوى كما يمتحن الذهِب بالنار فيخلصن جيده ويبطل خبيثه. قال مجاهد: اختبرها فوجدها خالصة للتقوى. وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه: امتحنها للتقوى: أي: أذهب الشهوات منها. * * ثم قال: ﴿لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ أي: لهم ستر وعفو من الله عز وجل يوم القيامة، ولهم أجر عظيم: وهو الجنة والخلود فيها. ثم قال:﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن وَرَآءِ ٱلْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ﴾. روي: أن هذه الآية نزلت في قوم من الأعراب نادوا رسول الله ﷺ من وراء حجراته يا محمد أخرج إلينا. قال مجاهد: هم أعراب من بني تميم. وقيل: هو الأقرع بن حابس نادى رسول الله ﷺ من وراء الحجرات وقال: يا محمد (إن مدحي زين وإن ذمي شين)، فقال النبي ﷺ: ذلك الله جل ذكره وقوله: ﴿لاَ يَعْقِلُونَ﴾ أي: لا يعقلون أن فعلهم ذلك قبيح. * * ثم قال: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُواْ حَتَّىٰ تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ﴾. أي: لو تركوا نداءك من وراء الحجرات، وصبروا حتى تخرج إليهم لكان ذلك عند الله خيراً لهم، لأن الله عز وجل قد أمرهم بتوقيرك وتعظيمك، والله غفور لمن ناداك وجهل أن تاب عن ذلك، رحيم به أن يعذبه بعد توبته . وقيل: بل غفر الله لهم فعلهم ورحمهم لأنهم لم يقصدوا بفعلهم الاستخفاف بحق النبي ﷺ، إنما كان فعلهم سوء أدب منهم. * * ثم قال: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِن جَآءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوۤاْ﴾. روي عن أم سلمة زوج النبي ﷺ أنها قالت: أن هذه الآية نزلت في الوليد بن عقبة بن أبي معيط، قالت: بعث النبي ﷺ رجلاً في صدقات بني المصطلق، فسمع بذلك القوم، فتلقوه يعظمون بذلك أمر رسول الله ﷺ، فحدثهم الشيطان أنهم يريدون قتله فرجع إلى (رسول الله ﷺ) وقال: إن بني المصطلق قد منعوا صدقاتهم، فغضب رسول الله ﷺ، فبلغ القوم رجوعه، فأتوا رسول الله ﷺ فخضعوا له حين [صلُّوا] الظهر، وقالوا: نعوذ بالله من سخط رسول الله، بعث إلينا رجلاً مصدقاً فسررنا به، وقرت به أعيننا. ثم إنه رجع من بعض الطريق فخشينا أن يكون ذلك غضباً من الله عز وجل ومن رسوله ﷺ، فلم يزالوا يكلمونه حتى جاء بلال فأذن بصلاة العصر فنزلت: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِن جَآءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ [فَتَبَيَّنُوۤاْ أَن تُصِيبُواْ]﴾ الآية. وكذلك قال ابن عباس ومجاهد وقتادة إلا أن مجاهداً قال: إنه الوليد قال للنبي ﷺ إنهم ارتدوا عن الإسلام فبعث النبي ﷺ خالد بن الوليد وأمره أن يتبين ولا يعجل، فانطلق حتى أتاهم ليلاً فبعث عيونه فأتوه وأخبروه أنهم مستمسكون بالإسلام وسمع صلاتهم وآذانهم، فلما أصبحوا أتاهم (خالد فرأى) الذي يعجبه فرجع إلى النبي ﷺ وأخبره الخبر، فأنزل الله عز وجل الآية، فكان النبي ﷺ يقول: "التبين من الله والعجلة من الشيطان قوله: ﴿أَن تُصِيبُواْ قَوْمًا بِجَهَالَةٍ﴾ أي: قوم براء مما قُذفوا به فتندموا على ما فعلتم بهم. * * ثم قال: ﴿وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ ٱللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِّنَ ٱلأَمْرِ لَعَنِتُّمْ﴾. أي: إعلموا أن نبي الله عز وجل بين ظهركم فلا تقولوا الباطل فإن الله يخبره بأخباركم فلو أطاعكم رسول الله ﷺ فيما تقولون له لنالكم عنت وشدة ومشقة، لأنه كان يخطئ في أفعاله كما لو قبل من الوليد قوله في بني المصطلق إنهم ارتدوا ومنعوا الزكاة لغزاهم وأصابهم بالقتل والسباء وهم براء، فكنتم تقتلون وتسبون من لا يحل قتله ولا سباؤه، فيدخل عليكم الإثم والمشقة في إخراج الدّيات والعنت والفساد والهلاك. * * ثم قال: ﴿وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ ٱلإِيمَانَ﴾ أي: وفقكم له وزينه في قلوبكم. وقيل معناه: أمركم أن تحبوا الإيمان، وزينه في قلوبكم فأحببتموه وهذا قول مردود لأن الكفار قد أمرهم الله بمحبة الإيمان أيضاً، فلا فرق بين كافر ولا مؤمن في ذلك. وقيل معناه: فعل بكم أفاعيل تحبون معها الإيمان، وهي التوفيق. ﴿وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ ٱلْكُفْرَ وَٱلْفُسُوقَ وَٱلْعِصْيَانَ﴾ أي: فعل بكم أفاعيل كرهتم معها ذلك. قال ابن زيد: حببه إليكم: حسنه في قلوبكم، قال العصيان: عصيان النبي ﷺ، والفسوق: الكذب. والعصيان: ركوب ما نهى الله عز وجل عنه. * * ثم قال: ﴿أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلرَّاشِدُونَ﴾ أي: هؤلاء الذين حبّب إليهم الإيمان وكرّه إليهم الكفر والكذب، وفعل ما نهاهم عنه هم السالكون طريق الحق. * * ثم قال: ﴿فَضْلاً مِّنَ ٱللَّهِ وَنِعْمَةً﴾ أي: فعل ذلك بهم للفضل والنعمة، فانتهيا عند الزجاج على أنهما مفعولان من أجلهما. * * ثم قال: ﴿وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ أي: ذو علم بالمحسن منكم والمسيء ، ومن هو أهل الفضل والنعمة ممن لا يستحق ذلك ذو حكمة في تدبيره خلقه. قال الزجاج قوله: ﴿وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾: معناه أنه دلهم عليه بالحجج القاطعة، والآيات المعجزات. ويجوز أن يكون زينه في قلوبهم بتوفيقه إياهم إلى طريقِ الحق في سبيل الرشاد.

الحجرات 49:6

قوله تعالى: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَرْفَعُوۤاْ أَصْوَاتَكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ الآيات. أي: لا تسابقوه بالكلام وتغلظوا له في الخطاب. * * ﴿وَلاَ تَجْهَرُواْ لَهُ بِٱلْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ﴾. أي: لا تنادوه باسمه كما ينادي بعضكم بعضاً باسمه، ولكن عظموه ووقروه ونادوه بأشرف ما يحب أن ينادى، قولوا: يا رسول الله، يا نبي الله. وهذا كله أمر من الله عز وجل للمؤمنين بتعظيم النبي ﷺ وإجلاله، وهو مثل قوله: ﴿لاَّ تَجْعَلُواْ دُعَآءَ ٱلرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَآءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً﴾ [النور: ٦٣]. روي: أن أبا بكر لما نزلت هذه الآية قال: أقسمت بالله ألا أكلم رسول الله ﷺ إلا كأخي السرار. وقد كره جماعة من العلماء رفع الصوت عند قبر رسول الله ﷺ وبحضرة العلماء اتباعاً لأدب الله عز وجل وتعظيماً لرسول الله بعد موته كما كان يحب في حياته، وتشريفاً للعلم، إذ العلماء ورثة الأنبياء. وقد روى عبادة بن الصامت عن النبي ﷺ أنه قال: "ليس منا من لم يجل كبيرنا ويرحم صغيرنا ويعرف بعالمنا وروي: أن هذه الآية نزلت في ثابت بن قيس بن شماس الأنصاري وكان خطيب رسول الله ﷺ في مفاخرة بني تميم للأقرع بن حابس وكان في أذنيه صمم، فكان إذا تكلم أعلى صوته، فلما نزلت هذه الآية أقام في منزله، وخشي أن يكون حبط عمله. فعند ذلك شاكى أبو بكر ألا يكلم النبي ﷺ إلا كأخي السرار فأنزل الله عز وجل في أبي بكر ومن فعل فعله. * * ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِندَ رَسُولِ ٱللَّهِ أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ ٱمْتَحَنَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَىٰ﴾. أي: طهرها من كل دنس وجعل فيها التقوى. وثابت هذا هو الذي وقعت جويرية: أم المؤمنين في سهمه فكاتبته على نفسها. قالت عائشة رضي الله عنها: وكانت جويرية امرأة حلوة مليحة لا يراها أحد إلا أخذت بنفسه، قالت عائشة رضي الله عنها: فأتت إلى النبي ﷺ تستعينه في كتابتها، قالت عائشة: فوالله ما هو - إلا أن رأيتها على باب حجرتي كرهتها وعلمت أن النبي ﷺ سيرى منها ما رأيت، تريد من حسنها وحلاوتها. قالت عائشة: فدخلت جويرية على النبي ﷺ، فقالت: يا رسول الله أنا جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار سيد قومه، وقد أصابني من البلاء ما لم يخف عنك، فوقعت في السهم لثابت بن قيس، وكاتبته عن نفسي فجئتك أستعينك على كتابتي، فقال لها النبي ﷺ: فهل (لك خير) من ذلك، قالت: وما هو يا رسول الله، قال: أقض كتابتك وأتزوجك، قالت: نعم يا رسول الله، قال: قد فعلت، فخرج الخبر في الناس أن رسول الله ﷺ تزوج جويرية، فقال الناس: أصهار رسول الله، فأرسلوا ما بأيديهم من الأسرى إجلالاً لرسول الله ﷺ. قالت عائشة: فلقد أعتق الناس بتزويجها إياها مائة أهل بيت من بني المصطلق، قالت: فما أعلم امرأة كانت أعظم بركة على قومها من جويرية. * * ثم قال: ﴿أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تَشْعُرُونَ﴾. أي: مخافة أن تبطل أعمالكم وأنتم ﴿لاَ تَشْعُرُونَ﴾ أي: لا تعملون. وقال الزجاج تقديره "لأن تحبط"، وهو عنده مثل ﴿فَٱلْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً﴾ [القصص: ٨] وسمى هذه اللام لام الصيرورة أي: التقطه ليصير أمرهم إلى ذلك؛ لأنهم قصدوا التصيّر إلى ذلك ولكنه في المقدر، وفيما سبقه من علم الله، فالمعنى لا ترفعوا أصواتكم فيكون ذلك سبباً لإبطال أعمالكم. وفي قراءة عبد الله: "فَتَحْبَطَ أَعْمَالُكُم". * * ثم قال: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِندَ رَسُولِ ٱللَّهِ﴾ أي: يكفون رفع أصواتهم عند حضور رسول الله ﷺ. ﴿أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ ٱمْتَحَنَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَىٰ﴾ (أي: اختبرها فاصطفاها) وأخلصها للتقوى كما يمتحن الذهِب بالنار فيخلصن جيده ويبطل خبيثه. قال مجاهد: اختبرها فوجدها خالصة للتقوى. وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه: امتحنها للتقوى: أي: أذهب الشهوات منها. * * ثم قال: ﴿لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ أي: لهم ستر وعفو من الله عز وجل يوم القيامة، ولهم أجر عظيم: وهو الجنة والخلود فيها. ثم قال:﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن وَرَآءِ ٱلْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ﴾. روي: أن هذه الآية نزلت في قوم من الأعراب نادوا رسول الله ﷺ من وراء حجراته يا محمد أخرج إلينا. قال مجاهد: هم أعراب من بني تميم. وقيل: هو الأقرع بن حابس نادى رسول الله ﷺ من وراء الحجرات وقال: يا محمد (إن مدحي زين وإن ذمي شين)، فقال النبي ﷺ: ذلك الله جل ذكره وقوله: ﴿لاَ يَعْقِلُونَ﴾ أي: لا يعقلون أن فعلهم ذلك قبيح. * * ثم قال: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُواْ حَتَّىٰ تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ﴾. أي: لو تركوا نداءك من وراء الحجرات، وصبروا حتى تخرج إليهم لكان ذلك عند الله خيراً لهم، لأن الله عز وجل قد أمرهم بتوقيرك وتعظيمك، والله غفور لمن ناداك وجهل أن تاب عن ذلك، رحيم به أن يعذبه بعد توبته . وقيل: بل غفر الله لهم فعلهم ورحمهم لأنهم لم يقصدوا بفعلهم الاستخفاف بحق النبي ﷺ، إنما كان فعلهم سوء أدب منهم. * * ثم قال: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِن جَآءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوۤاْ﴾. روي عن أم سلمة زوج النبي ﷺ أنها قالت: أن هذه الآية نزلت في الوليد بن عقبة بن أبي معيط، قالت: بعث النبي ﷺ رجلاً في صدقات بني المصطلق، فسمع بذلك القوم، فتلقوه يعظمون بذلك أمر رسول الله ﷺ، فحدثهم الشيطان أنهم يريدون قتله فرجع إلى (رسول الله ﷺ) وقال: إن بني المصطلق قد منعوا صدقاتهم، فغضب رسول الله ﷺ، فبلغ القوم رجوعه، فأتوا رسول الله ﷺ فخضعوا له حين [صلُّوا] الظهر، وقالوا: نعوذ بالله من سخط رسول الله، بعث إلينا رجلاً مصدقاً فسررنا به، وقرت به أعيننا. ثم إنه رجع من بعض الطريق فخشينا أن يكون ذلك غضباً من الله عز وجل ومن رسوله ﷺ، فلم يزالوا يكلمونه حتى جاء بلال فأذن بصلاة العصر فنزلت: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِن جَآءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ [فَتَبَيَّنُوۤاْ أَن تُصِيبُواْ]﴾ الآية. وكذلك قال ابن عباس ومجاهد وقتادة إلا أن مجاهداً قال: إنه الوليد قال للنبي ﷺ إنهم ارتدوا عن الإسلام فبعث النبي ﷺ خالد بن الوليد وأمره أن يتبين ولا يعجل، فانطلق حتى أتاهم ليلاً فبعث عيونه فأتوه وأخبروه أنهم مستمسكون بالإسلام وسمع صلاتهم وآذانهم، فلما أصبحوا أتاهم (خالد فرأى) الذي يعجبه فرجع إلى النبي ﷺ وأخبره الخبر، فأنزل الله عز وجل الآية، فكان النبي ﷺ يقول: "التبين من الله والعجلة من الشيطان قوله: ﴿أَن تُصِيبُواْ قَوْمًا بِجَهَالَةٍ﴾ أي: قوم براء مما قُذفوا به فتندموا على ما فعلتم بهم. * * ثم قال: ﴿وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ ٱللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِّنَ ٱلأَمْرِ لَعَنِتُّمْ﴾. أي: إعلموا أن نبي الله عز وجل بين ظهركم فلا تقولوا الباطل فإن الله يخبره بأخباركم فلو أطاعكم رسول الله ﷺ فيما تقولون له لنالكم عنت وشدة ومشقة، لأنه كان يخطئ في أفعاله كما لو قبل من الوليد قوله في بني المصطلق إنهم ارتدوا ومنعوا الزكاة لغزاهم وأصابهم بالقتل والسباء وهم براء، فكنتم تقتلون وتسبون من لا يحل قتله ولا سباؤه، فيدخل عليكم الإثم والمشقة في إخراج الدّيات والعنت والفساد والهلاك. * * ثم قال: ﴿وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ ٱلإِيمَانَ﴾ أي: وفقكم له وزينه في قلوبكم. وقيل معناه: أمركم أن تحبوا الإيمان، وزينه في قلوبكم فأحببتموه وهذا قول مردود لأن الكفار قد أمرهم الله بمحبة الإيمان أيضاً، فلا فرق بين كافر ولا مؤمن في ذلك. وقيل معناه: فعل بكم أفاعيل تحبون معها الإيمان، وهي التوفيق. ﴿وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ ٱلْكُفْرَ وَٱلْفُسُوقَ وَٱلْعِصْيَانَ﴾ أي: فعل بكم أفاعيل كرهتم معها ذلك. قال ابن زيد: حببه إليكم: حسنه في قلوبكم، قال العصيان: عصيان النبي ﷺ، والفسوق: الكذب. والعصيان: ركوب ما نهى الله عز وجل عنه. * * ثم قال: ﴿أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلرَّاشِدُونَ﴾ أي: هؤلاء الذين حبّب إليهم الإيمان وكرّه إليهم الكفر والكذب، وفعل ما نهاهم عنه هم السالكون طريق الحق. * * ثم قال: ﴿فَضْلاً مِّنَ ٱللَّهِ وَنِعْمَةً﴾ أي: فعل ذلك بهم للفضل والنعمة، فانتهيا عند الزجاج على أنهما مفعولان من أجلهما. * * ثم قال: ﴿وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ أي: ذو علم بالمحسن منكم والمسيء ، ومن هو أهل الفضل والنعمة ممن لا يستحق ذلك ذو حكمة في تدبيره خلقه. قال الزجاج قوله: ﴿وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾: معناه أنه دلهم عليه بالحجج القاطعة، والآيات المعجزات. ويجوز أن يكون زينه في قلوبهم بتوفيقه إياهم إلى طريقِ الحق في سبيل الرشاد.

الحجرات 49:7

قوله تعالى: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَرْفَعُوۤاْ أَصْوَاتَكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ الآيات. أي: لا تسابقوه بالكلام وتغلظوا له في الخطاب. * * ﴿وَلاَ تَجْهَرُواْ لَهُ بِٱلْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ﴾. أي: لا تنادوه باسمه كما ينادي بعضكم بعضاً باسمه، ولكن عظموه ووقروه ونادوه بأشرف ما يحب أن ينادى، قولوا: يا رسول الله، يا نبي الله. وهذا كله أمر من الله عز وجل للمؤمنين بتعظيم النبي ﷺ وإجلاله، وهو مثل قوله: ﴿لاَّ تَجْعَلُواْ دُعَآءَ ٱلرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَآءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً﴾ [النور: ٦٣]. روي: أن أبا بكر لما نزلت هذه الآية قال: أقسمت بالله ألا أكلم رسول الله ﷺ إلا كأخي السرار. وقد كره جماعة من العلماء رفع الصوت عند قبر رسول الله ﷺ وبحضرة العلماء اتباعاً لأدب الله عز وجل وتعظيماً لرسول الله بعد موته كما كان يحب في حياته، وتشريفاً للعلم، إذ العلماء ورثة الأنبياء. وقد روى عبادة بن الصامت عن النبي ﷺ أنه قال: "ليس منا من لم يجل كبيرنا ويرحم صغيرنا ويعرف بعالمنا وروي: أن هذه الآية نزلت في ثابت بن قيس بن شماس الأنصاري وكان خطيب رسول الله ﷺ في مفاخرة بني تميم للأقرع بن حابس وكان في أذنيه صمم، فكان إذا تكلم أعلى صوته، فلما نزلت هذه الآية أقام في منزله، وخشي أن يكون حبط عمله. فعند ذلك شاكى أبو بكر ألا يكلم النبي ﷺ إلا كأخي السرار فأنزل الله عز وجل في أبي بكر ومن فعل فعله. * * ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِندَ رَسُولِ ٱللَّهِ أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ ٱمْتَحَنَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَىٰ﴾. أي: طهرها من كل دنس وجعل فيها التقوى. وثابت هذا هو الذي وقعت جويرية: أم المؤمنين في سهمه فكاتبته على نفسها. قالت عائشة رضي الله عنها: وكانت جويرية امرأة حلوة مليحة لا يراها أحد إلا أخذت بنفسه، قالت عائشة رضي الله عنها: فأتت إلى النبي ﷺ تستعينه في كتابتها، قالت عائشة: فوالله ما هو - إلا أن رأيتها على باب حجرتي كرهتها وعلمت أن النبي ﷺ سيرى منها ما رأيت، تريد من حسنها وحلاوتها. قالت عائشة: فدخلت جويرية على النبي ﷺ، فقالت: يا رسول الله أنا جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار سيد قومه، وقد أصابني من البلاء ما لم يخف عنك، فوقعت في السهم لثابت بن قيس، وكاتبته عن نفسي فجئتك أستعينك على كتابتي، فقال لها النبي ﷺ: فهل (لك خير) من ذلك، قالت: وما هو يا رسول الله، قال: أقض كتابتك وأتزوجك، قالت: نعم يا رسول الله، قال: قد فعلت، فخرج الخبر في الناس أن رسول الله ﷺ تزوج جويرية، فقال الناس: أصهار رسول الله، فأرسلوا ما بأيديهم من الأسرى إجلالاً لرسول الله ﷺ. قالت عائشة: فلقد أعتق الناس بتزويجها إياها مائة أهل بيت من بني المصطلق، قالت: فما أعلم امرأة كانت أعظم بركة على قومها من جويرية. * * ثم قال: ﴿أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تَشْعُرُونَ﴾. أي: مخافة أن تبطل أعمالكم وأنتم ﴿لاَ تَشْعُرُونَ﴾ أي: لا تعملون. وقال الزجاج تقديره "لأن تحبط"، وهو عنده مثل ﴿فَٱلْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً﴾ [القصص: ٨] وسمى هذه اللام لام الصيرورة أي: التقطه ليصير أمرهم إلى ذلك؛ لأنهم قصدوا التصيّر إلى ذلك ولكنه في المقدر، وفيما سبقه من علم الله، فالمعنى لا ترفعوا أصواتكم فيكون ذلك سبباً لإبطال أعمالكم. وفي قراءة عبد الله: "فَتَحْبَطَ أَعْمَالُكُم". * * ثم قال: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِندَ رَسُولِ ٱللَّهِ﴾ أي: يكفون رفع أصواتهم عند حضور رسول الله ﷺ. ﴿أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ ٱمْتَحَنَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَىٰ﴾ (أي: اختبرها فاصطفاها) وأخلصها للتقوى كما يمتحن الذهِب بالنار فيخلصن جيده ويبطل خبيثه. قال مجاهد: اختبرها فوجدها خالصة للتقوى. وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه: امتحنها للتقوى: أي: أذهب الشهوات منها. * * ثم قال: ﴿لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ أي: لهم ستر وعفو من الله عز وجل يوم القيامة، ولهم أجر عظيم: وهو الجنة والخلود فيها. ثم قال:﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن وَرَآءِ ٱلْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ﴾. روي: أن هذه الآية نزلت في قوم من الأعراب نادوا رسول الله ﷺ من وراء حجراته يا محمد أخرج إلينا. قال مجاهد: هم أعراب من بني تميم. وقيل: هو الأقرع بن حابس نادى رسول الله ﷺ من وراء الحجرات وقال: يا محمد (إن مدحي زين وإن ذمي شين)، فقال النبي ﷺ: ذلك الله جل ذكره وقوله: ﴿لاَ يَعْقِلُونَ﴾ أي: لا يعقلون أن فعلهم ذلك قبيح. * * ثم قال: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُواْ حَتَّىٰ تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ﴾. أي: لو تركوا نداءك من وراء الحجرات، وصبروا حتى تخرج إليهم لكان ذلك عند الله خيراً لهم، لأن الله عز وجل قد أمرهم بتوقيرك وتعظيمك، والله غفور لمن ناداك وجهل أن تاب عن ذلك، رحيم به أن يعذبه بعد توبته . وقيل: بل غفر الله لهم فعلهم ورحمهم لأنهم لم يقصدوا بفعلهم الاستخفاف بحق النبي ﷺ، إنما كان فعلهم سوء أدب منهم. * * ثم قال: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِن جَآءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوۤاْ﴾. روي عن أم سلمة زوج النبي ﷺ أنها قالت: أن هذه الآية نزلت في الوليد بن عقبة بن أبي معيط، قالت: بعث النبي ﷺ رجلاً في صدقات بني المصطلق، فسمع بذلك القوم، فتلقوه يعظمون بذلك أمر رسول الله ﷺ، فحدثهم الشيطان أنهم يريدون قتله فرجع إلى (رسول الله ﷺ) وقال: إن بني المصطلق قد منعوا صدقاتهم، فغضب رسول الله ﷺ، فبلغ القوم رجوعه، فأتوا رسول الله ﷺ فخضعوا له حين [صلُّوا] الظهر، وقالوا: نعوذ بالله من سخط رسول الله، بعث إلينا رجلاً مصدقاً فسررنا به، وقرت به أعيننا. ثم إنه رجع من بعض الطريق فخشينا أن يكون ذلك غضباً من الله عز وجل ومن رسوله ﷺ، فلم يزالوا يكلمونه حتى جاء بلال فأذن بصلاة العصر فنزلت: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِن جَآءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ [فَتَبَيَّنُوۤاْ أَن تُصِيبُواْ]﴾ الآية. وكذلك قال ابن عباس ومجاهد وقتادة إلا أن مجاهداً قال: إنه الوليد قال للنبي ﷺ إنهم ارتدوا عن الإسلام فبعث النبي ﷺ خالد بن الوليد وأمره أن يتبين ولا يعجل، فانطلق حتى أتاهم ليلاً فبعث عيونه فأتوه وأخبروه أنهم مستمسكون بالإسلام وسمع صلاتهم وآذانهم، فلما أصبحوا أتاهم (خالد فرأى) الذي يعجبه فرجع إلى النبي ﷺ وأخبره الخبر، فأنزل الله عز وجل الآية، فكان النبي ﷺ يقول: "التبين من الله والعجلة من الشيطان قوله: ﴿أَن تُصِيبُواْ قَوْمًا بِجَهَالَةٍ﴾ أي: قوم براء مما قُذفوا به فتندموا على ما فعلتم بهم. * * ثم قال: ﴿وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ ٱللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِّنَ ٱلأَمْرِ لَعَنِتُّمْ﴾. أي: إعلموا أن نبي الله عز وجل بين ظهركم فلا تقولوا الباطل فإن الله يخبره بأخباركم فلو أطاعكم رسول الله ﷺ فيما تقولون له لنالكم عنت وشدة ومشقة، لأنه كان يخطئ في أفعاله كما لو قبل من الوليد قوله في بني المصطلق إنهم ارتدوا ومنعوا الزكاة لغزاهم وأصابهم بالقتل والسباء وهم براء، فكنتم تقتلون وتسبون من لا يحل قتله ولا سباؤه، فيدخل عليكم الإثم والمشقة في إخراج الدّيات والعنت والفساد والهلاك. * * ثم قال: ﴿وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ ٱلإِيمَانَ﴾ أي: وفقكم له وزينه في قلوبكم. وقيل معناه: أمركم أن تحبوا الإيمان، وزينه في قلوبكم فأحببتموه وهذا قول مردود لأن الكفار قد أمرهم الله بمحبة الإيمان أيضاً، فلا فرق بين كافر ولا مؤمن في ذلك. وقيل معناه: فعل بكم أفاعيل تحبون معها الإيمان، وهي التوفيق. ﴿وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ ٱلْكُفْرَ وَٱلْفُسُوقَ وَٱلْعِصْيَانَ﴾ أي: فعل بكم أفاعيل كرهتم معها ذلك. قال ابن زيد: حببه إليكم: حسنه في قلوبكم، قال العصيان: عصيان النبي ﷺ، والفسوق: الكذب. والعصيان: ركوب ما نهى الله عز وجل عنه. * * ثم قال: ﴿أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلرَّاشِدُونَ﴾ أي: هؤلاء الذين حبّب إليهم الإيمان وكرّه إليهم الكفر والكذب، وفعل ما نهاهم عنه هم السالكون طريق الحق. * * ثم قال: ﴿فَضْلاً مِّنَ ٱللَّهِ وَنِعْمَةً﴾ أي: فعل ذلك بهم للفضل والنعمة، فانتهيا عند الزجاج على أنهما مفعولان من أجلهما. * * ثم قال: ﴿وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ أي: ذو علم بالمحسن منكم والمسيء ، ومن هو أهل الفضل والنعمة ممن لا يستحق ذلك ذو حكمة في تدبيره خلقه. قال الزجاج قوله: ﴿وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾: معناه أنه دلهم عليه بالحجج القاطعة، والآيات المعجزات. ويجوز أن يكون زينه في قلوبهم بتوفيقه إياهم إلى طريقِ الحق في سبيل الرشاد.

الحجرات 49:8

قوله تعالى: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَرْفَعُوۤاْ أَصْوَاتَكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ الآيات. أي: لا تسابقوه بالكلام وتغلظوا له في الخطاب. * * ﴿وَلاَ تَجْهَرُواْ لَهُ بِٱلْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ﴾. أي: لا تنادوه باسمه كما ينادي بعضكم بعضاً باسمه، ولكن عظموه ووقروه ونادوه بأشرف ما يحب أن ينادى، قولوا: يا رسول الله، يا نبي الله. وهذا كله أمر من الله عز وجل للمؤمنين بتعظيم النبي ﷺ وإجلاله، وهو مثل قوله: ﴿لاَّ تَجْعَلُواْ دُعَآءَ ٱلرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَآءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً﴾ [النور: ٦٣]. روي: أن أبا بكر لما نزلت هذه الآية قال: أقسمت بالله ألا أكلم رسول الله ﷺ إلا كأخي السرار. وقد كره جماعة من العلماء رفع الصوت عند قبر رسول الله ﷺ وبحضرة العلماء اتباعاً لأدب الله عز وجل وتعظيماً لرسول الله بعد موته كما كان يحب في حياته، وتشريفاً للعلم، إذ العلماء ورثة الأنبياء. وقد روى عبادة بن الصامت عن النبي ﷺ أنه قال: "ليس منا من لم يجل كبيرنا ويرحم صغيرنا ويعرف بعالمنا وروي: أن هذه الآية نزلت في ثابت بن قيس بن شماس الأنصاري وكان خطيب رسول الله ﷺ في مفاخرة بني تميم للأقرع بن حابس وكان في أذنيه صمم، فكان إذا تكلم أعلى صوته، فلما نزلت هذه الآية أقام في منزله، وخشي أن يكون حبط عمله. فعند ذلك شاكى أبو بكر ألا يكلم النبي ﷺ إلا كأخي السرار فأنزل الله عز وجل في أبي بكر ومن فعل فعله. * * ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِندَ رَسُولِ ٱللَّهِ أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ ٱمْتَحَنَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَىٰ﴾. أي: طهرها من كل دنس وجعل فيها التقوى. وثابت هذا هو الذي وقعت جويرية: أم المؤمنين في سهمه فكاتبته على نفسها. قالت عائشة رضي الله عنها: وكانت جويرية امرأة حلوة مليحة لا يراها أحد إلا أخذت بنفسه، قالت عائشة رضي الله عنها: فأتت إلى النبي ﷺ تستعينه في كتابتها، قالت عائشة: فوالله ما هو - إلا أن رأيتها على باب حجرتي كرهتها وعلمت أن النبي ﷺ سيرى منها ما رأيت، تريد من حسنها وحلاوتها. قالت عائشة: فدخلت جويرية على النبي ﷺ، فقالت: يا رسول الله أنا جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار سيد قومه، وقد أصابني من البلاء ما لم يخف عنك، فوقعت في السهم لثابت بن قيس، وكاتبته عن نفسي فجئتك أستعينك على كتابتي، فقال لها النبي ﷺ: فهل (لك خير) من ذلك، قالت: وما هو يا رسول الله، قال: أقض كتابتك وأتزوجك، قالت: نعم يا رسول الله، قال: قد فعلت، فخرج الخبر في الناس أن رسول الله ﷺ تزوج جويرية، فقال الناس: أصهار رسول الله، فأرسلوا ما بأيديهم من الأسرى إجلالاً لرسول الله ﷺ. قالت عائشة: فلقد أعتق الناس بتزويجها إياها مائة أهل بيت من بني المصطلق، قالت: فما أعلم امرأة كانت أعظم بركة على قومها من جويرية. * * ثم قال: ﴿أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تَشْعُرُونَ﴾. أي: مخافة أن تبطل أعمالكم وأنتم ﴿لاَ تَشْعُرُونَ﴾ أي: لا تعملون. وقال الزجاج تقديره "لأن تحبط"، وهو عنده مثل ﴿فَٱلْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً﴾ [القصص: ٨] وسمى هذه اللام لام الصيرورة أي: التقطه ليصير أمرهم إلى ذلك؛ لأنهم قصدوا التصيّر إلى ذلك ولكنه في المقدر، وفيما سبقه من علم الله، فالمعنى لا ترفعوا أصواتكم فيكون ذلك سبباً لإبطال أعمالكم. وفي قراءة عبد الله: "فَتَحْبَطَ أَعْمَالُكُم". * * ثم قال: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِندَ رَسُولِ ٱللَّهِ﴾ أي: يكفون رفع أصواتهم عند حضور رسول الله ﷺ. ﴿أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ ٱمْتَحَنَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَىٰ﴾ (أي: اختبرها فاصطفاها) وأخلصها للتقوى كما يمتحن الذهِب بالنار فيخلصن جيده ويبطل خبيثه. قال مجاهد: اختبرها فوجدها خالصة للتقوى. وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه: امتحنها للتقوى: أي: أذهب الشهوات منها. * * ثم قال: ﴿لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ أي: لهم ستر وعفو من الله عز وجل يوم القيامة، ولهم أجر عظيم: وهو الجنة والخلود فيها. ثم قال:﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن وَرَآءِ ٱلْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ﴾. روي: أن هذه الآية نزلت في قوم من الأعراب نادوا رسول الله ﷺ من وراء حجراته يا محمد أخرج إلينا. قال مجاهد: هم أعراب من بني تميم. وقيل: هو الأقرع بن حابس نادى رسول الله ﷺ من وراء الحجرات وقال: يا محمد (إن مدحي زين وإن ذمي شين)، فقال النبي ﷺ: ذلك الله جل ذكره وقوله: ﴿لاَ يَعْقِلُونَ﴾ أي: لا يعقلون أن فعلهم ذلك قبيح. * * ثم قال: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُواْ حَتَّىٰ تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ﴾. أي: لو تركوا نداءك من وراء الحجرات، وصبروا حتى تخرج إليهم لكان ذلك عند الله خيراً لهم، لأن الله عز وجل قد أمرهم بتوقيرك وتعظيمك، والله غفور لمن ناداك وجهل أن تاب عن ذلك، رحيم به أن يعذبه بعد توبته . وقيل: بل غفر الله لهم فعلهم ورحمهم لأنهم لم يقصدوا بفعلهم الاستخفاف بحق النبي ﷺ، إنما كان فعلهم سوء أدب منهم. * * ثم قال: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِن جَآءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوۤاْ﴾. روي عن أم سلمة زوج النبي ﷺ أنها قالت: أن هذه الآية نزلت في الوليد بن عقبة بن أبي معيط، قالت: بعث النبي ﷺ رجلاً في صدقات بني المصطلق، فسمع بذلك القوم، فتلقوه يعظمون بذلك أمر رسول الله ﷺ، فحدثهم الشيطان أنهم يريدون قتله فرجع إلى (رسول الله ﷺ) وقال: إن بني المصطلق قد منعوا صدقاتهم، فغضب رسول الله ﷺ، فبلغ القوم رجوعه، فأتوا رسول الله ﷺ فخضعوا له حين [صلُّوا] الظهر، وقالوا: نعوذ بالله من سخط رسول الله، بعث إلينا رجلاً مصدقاً فسررنا به، وقرت به أعيننا. ثم إنه رجع من بعض الطريق فخشينا أن يكون ذلك غضباً من الله عز وجل ومن رسوله ﷺ، فلم يزالوا يكلمونه حتى جاء بلال فأذن بصلاة العصر فنزلت: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِن جَآءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ [فَتَبَيَّنُوۤاْ أَن تُصِيبُواْ]﴾ الآية. وكذلك قال ابن عباس ومجاهد وقتادة إلا أن مجاهداً قال: إنه الوليد قال للنبي ﷺ إنهم ارتدوا عن الإسلام فبعث النبي ﷺ خالد بن الوليد وأمره أن يتبين ولا يعجل، فانطلق حتى أتاهم ليلاً فبعث عيونه فأتوه وأخبروه أنهم مستمسكون بالإسلام وسمع صلاتهم وآذانهم، فلما أصبحوا أتاهم (خالد فرأى) الذي يعجبه فرجع إلى النبي ﷺ وأخبره الخبر، فأنزل الله عز وجل الآية، فكان النبي ﷺ يقول: "التبين من الله والعجلة من الشيطان قوله: ﴿أَن تُصِيبُواْ قَوْمًا بِجَهَالَةٍ﴾ أي: قوم براء مما قُذفوا به فتندموا على ما فعلتم بهم. * * ثم قال: ﴿وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ ٱللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِّنَ ٱلأَمْرِ لَعَنِتُّمْ﴾. أي: إعلموا أن نبي الله عز وجل بين ظهركم فلا تقولوا الباطل فإن الله يخبره بأخباركم فلو أطاعكم رسول الله ﷺ فيما تقولون له لنالكم عنت وشدة ومشقة، لأنه كان يخطئ في أفعاله كما لو قبل من الوليد قوله في بني المصطلق إنهم ارتدوا ومنعوا الزكاة لغزاهم وأصابهم بالقتل والسباء وهم براء، فكنتم تقتلون وتسبون من لا يحل قتله ولا سباؤه، فيدخل عليكم الإثم والمشقة في إخراج الدّيات والعنت والفساد والهلاك. * * ثم قال: ﴿وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ ٱلإِيمَانَ﴾ أي: وفقكم له وزينه في قلوبكم. وقيل معناه: أمركم أن تحبوا الإيمان، وزينه في قلوبكم فأحببتموه وهذا قول مردود لأن الكفار قد أمرهم الله بمحبة الإيمان أيضاً، فلا فرق بين كافر ولا مؤمن في ذلك. وقيل معناه: فعل بكم أفاعيل تحبون معها الإيمان، وهي التوفيق. ﴿وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ ٱلْكُفْرَ وَٱلْفُسُوقَ وَٱلْعِصْيَانَ﴾ أي: فعل بكم أفاعيل كرهتم معها ذلك. قال ابن زيد: حببه إليكم: حسنه في قلوبكم، قال العصيان: عصيان النبي ﷺ، والفسوق: الكذب. والعصيان: ركوب ما نهى الله عز وجل عنه. * * ثم قال: ﴿أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلرَّاشِدُونَ﴾ أي: هؤلاء الذين حبّب إليهم الإيمان وكرّه إليهم الكفر والكذب، وفعل ما نهاهم عنه هم السالكون طريق الحق. * * ثم قال: ﴿فَضْلاً مِّنَ ٱللَّهِ وَنِعْمَةً﴾ أي: فعل ذلك بهم للفضل والنعمة، فانتهيا عند الزجاج على أنهما مفعولان من أجلهما. * * ثم قال: ﴿وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ أي: ذو علم بالمحسن منكم والمسيء ، ومن هو أهل الفضل والنعمة ممن لا يستحق ذلك ذو حكمة في تدبيره خلقه. قال الزجاج قوله: ﴿وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾: معناه أنه دلهم عليه بالحجج القاطعة، والآيات المعجزات. ويجوز أن يكون زينه في قلوبهم بتوفيقه إياهم إلى طريقِ الحق في سبيل الرشاد.

الحجرات 49:9

قوله: ﴿وَإِن طَآئِفَتَانِ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱقْتَتَلُواْ﴾ إلى قوله: ﴿تَوَّابٌ رَّحِيمٌ﴾ الآيات. طائفتان عند البصريين رفع بفعلهم، والتقدير: وإن اقتتل طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما. وهما رفع بالابتداء عند الكوفيين، والخبر: اقتتلوا، وله نظائر (كثيرة في القرآن) وقد تقدم ذكرها، وسيأتي نظائرها فيما بعد إن شاء الله والمعنى: أصلحوا بينهما أيها المؤمنون بالدعاء إلى كتاب الله وسنة رسوله. * * ﴿فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَىٰ ٱلأُخْرَىٰ فَقَاتِلُواْ ٱلَّتِي تَبْغِي حَتَّىٰ تَفِيۤءَ إِلَىٰ أَمْرِ ٱللَّهِ﴾. أي: فإن أبت إحداهما الرضا بحكم الله عز وجل وحكم رسوله فقاتلوا الفئة التي أبت وبغت حتى ترجع إلى أمر الله، فإن رجعت الباغية إلى حكم الله بعد قتالكم إياها، فأصلِحوا بينها وبين الطائفة الأخرى بالإنصاف والعدل بينهما قال ابن زيد لا يقاتل الفئة الباغية إلا الولاة. وروي أن هذه الآية نزلت في طائفتين من الأوس والخزرج اقتتلا في أمر تنازعا فيه. وروي عن أنس أنه قال: قيل للنبي عليه السلام لو أتيت عبد الله بن أُبي، قال: فانطلق النبي ﷺ إليه وركب حماراً وانطلق معه المسلمون، فلما أتاه النبي ﷺ قال عبد الله المنافق: إليك عني، فوالله لقد آتاني نتن حمارك، فقال رجل من الأنصار: والله لحمار رسول الله ﷺ أطيب ريحاً منك فغضب لعبد الله بن أبي رجل من قومه فرد عليه وغضب لكل واحد منهما أصحابه فكان بينهما ضرب بالجريد والأيدي والنعال فنزلت هذه الآية فيهم. وقال السدي: كانت امرأة من الأنصار يقال: لها أم زيد تحت رجل من غيرهم فكان بينها وبين زوجها خصومة، فبلغ قومها فجاؤوا وجاء قومه، فاقتتلوا بالأيدي [وبالنعال]، فبلغ ذلك النبي ﷺ فجاء ليصلح بينهم فنزل القرآن في ذلك. وعن قتادة أنه قال: ذكر لنا أنها نزلت في رجلين من الأنصار كانت بينهما خصومة وكان أحدهما أكثر عشيرة من الآخر فأبى أن يحاكمه إلى النبي ﷺ فتدافعا وتقاتلا بالأيدي والنعال فنزلت الآية فيهما. * * قوله: ﴿وَأَقْسِطُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُقْسِطِينَ﴾. [أي: أعدلوا في حكمكم بينهم إن الله يحب المقسطين] العادلين في أحكامهم. يقال قسط الرجل: إذا جار، وأقسط إذا عدل. * * ثم قال: ﴿إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾. أي: إنما المؤمنون إخوة في الدين فأصْلِحوا بينهم إذا اقتتِلوا بأن تحملوهم على حكم كتاب الله عز وجل. ﴿وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ﴾ أي: وخافوه في حكمكم فلا تحيفوا. ﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ أي: افعلوا ذلك ليرحمكم ربكم. * * ثم قال: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَىٰ أَن يَكُونُواْ خَيْراً مِّنْهُمْ﴾. أي: لا يهزأ قوم مؤمنون من قوم مؤمنين لعل (المستهزئ منه خير من الهازئ)، وكذلك النساء. "وقوم" في كلام العرب يقع للمذكرين خاصة، ويجوز أن يكون فيهم نساء على المجاز. وقال بعض أهل اللغة: إنما قيل لجماعة المذكرين قوم لأنه أريد جمع قائم فهذا أصله ثم استعمل في كل جماعة وإن لم يكونوا قائمين. فقوم عنده جمع قائم "كَزائِرٍ وزُوَر، وصَائِم وصَوْم، ونَائِم ونَوم". وقيل: سميت الجماعة قوماً لأنهم يقومون مع داعيهم في النوائب والشدائد ومثل ذلك قولهم لقوم الرجل نفره، فهو جمع نافِر؛ لأنهم ينفرون معه إذا استنفرهم، قال مجاهد: لا يسخر قوم من قوم هو سخرية الغني بالفقير لفقره، ولعل الفقير أفضل عند الله من الغني. وقال ابن زيد: معناه لا يسخر من ستر الله على ذنوبه ممن (كشف الله سبحانه) في الدنيا ستره، لعل ما أظهر الله عز وجل على هذا في الدنيا خير له في الآخرة من أن يسترها عليه في الدنيا، فلست أيها الهازئ على يقين أنك أفضل منه بستر الله عز وجل عليك في الدنيا هذا معنى قوله. ويروى أن هذه الآية نزلت في عكرمة بن أبي جهل بن هشام قدم المدينة مسلماً فكان يمر بالمؤمنين فيقولون: هذا ابن فرعون هذه الأمة، فشكا ذلك إلى النبي ﷺ فنهاهم أن يقولوا ذلك ، ونزلت الآية عامة فيه وفي غيره. * * ثم قال: ﴿وَلاَ تَلْمِزُوۤاْ أَنفُسَكُمْ﴾ أي: لا يطعن بعضكم على بعض. وقال: أنفسكم لأن المؤمنين كرجل واحد. قال النبي ﷺ: "إنما المؤمنون كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر جسده بالحمى والسهر يقال: "لَمَزهُ يَلْمِزُهُ وَيَلْمِزُهُ لُمزاً إِذَا عَابَهُ وَتَنَقَّمَهُ". قال علي بن سليمان: اللمز الطعن على الإنسان بالحضرة، والهمز في الغيبة. قال المبرد: اللمز يكون باللسان، والعين (تعيبه وتجدد) إليه النظر وتشير إليه بالاستنقاص، والهمز لا يكون إلا باللسان في الحضرة والغيبة وأكثر ما يكون في الغيبة، وقال النبز: اللقب الثابت، والمنابزة: الإشاعة والإذاعة. قال الطبري: النبز واللقب واحد. قال الضحاك: نزلت هذه الآية في بني سلمة قدم النبي ﷺ المدينة وما منهم رجل إلا وله إسمان وثلاثة، فكان إذا دعي الرجل بالاسم قالوا إنه يغضب من هذا، فنزلت ﴿وَلاَ تَنَابَزُواْ بِٱلأَلْقَابِ﴾. وقيل معناه: قول الرجل للرجل يا فاسق يا زاني، يا كافر يا منافق قاله عكرمة ومجاهد وقتادة وابن زيد. وقال ابن عباس: هو تسمية الرجل بالكفر بعد الإسلام، وبالفسق بعد التوبة. وقال الحسن: هو اليهودي والنصراني يسلمان فنهي أن يقال لهما يا يهودي يا نصراني بعد إسلامه. وقيل: هو دعاء الرجل للرجل بما يكره من إسم أو صفة أو لقب، وهذا قول جامع لما تقدم. * * ثم قال: ﴿بِئْسَ ٱلاسْمُ ٱلْفُسُوقُ بَعْدَ ٱلإَيمَانِ﴾. أي: من فعل هذا الذي نهي عنه فسخر من أخيه المؤمن ونبزه بالألقاب فهو فاسق. وبين الاسم الفسوق بعد الإيمان، فلا تفعلوا ذلك فتستحقوا أن تسموا فساقاً، ففي الكلام حذف وتقديره ما ذكرنا. وقال ابن زيد: معناه بئس أن يسمى الرجل كافراً أو زانياً بعد إسلامه وتوبته. * * ثم قال: ﴿وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلظَّالِمُونَ﴾. أي: ومن لم يتب عن نبزه أخاه وسخريته منه فهو ظالم نفسه. * * ثم قال: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱجْتَنِبُواْ كَثِيراً مِّنَ ٱلظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ ٱلظَّنِّ إِثْمٌ﴾. أي: تجنبوا أن تظنوا بالمؤمنين شراً، فإن الظن غير محق، وإنما قال: "كثيراً" ولم يقل: اجتنبوا الظن كله؛ لأن الظن قد يكون في الخير فتظن بأخيك المؤمن خيراً، وذلك حسن، فلو قال: اجتنبوا الظن كله يمنع أن يظن الإنسان بأخيه خيراً، ولذلك قال: إن بعض الظن إثم، أي: إن ظنك بأخيك المؤمن الشر لا الخير إثم لأن الله عز وجل قد نهاك عنه. روى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: "إياكم والظن فإنه أكذب الحديث فلا ينبغي لأحد أن يظن شراً بمن ظاهره حسن، ولا بأس أن نظن شراً بمن ظاهره قبيح قال مجاهد: خذوا ما ظهر واتركوا ما ستره الله عز وجل. * * ثم قال: ﴿وَلاَ تَجَسَّسُواْ وَلاَ يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضاً﴾. أي: ولا يتبع بعضكم عورة بعض، فيبحث عن سرائره ليطلع على عيوبه. قال ابن عباس: نهى الله عز وجل المؤمن أن يتبع عورات المؤمن. قال مجاهد: ولا تجسسوا: خذوا ما ظهر لكم ودعوا ما ستره الله وهو معنى قول قتادة. والتجسس والتحسس (سواء في اللغة). * * وقوله: ﴿وَلاَ يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضاً﴾. أي: لا يقل بعضكم في بعض بظهر الغيب ما يكره أن يقال له في وجهه، وسأل النبي ﷺ عن الغيبة فقال: "هو أن تقول لأخيك ما فيه، فإن كنت صادقاً فقد اغتبته، وإن كنت كاذباً فقد بهته قال مسروق: إذا ذكرت الرجل بأسوأ ما فيه فقد اغتبته، وإن ذكرته بما ليس فيه فقد بهته. قال الحسن: الغيبة أن تذكر من أخيك ما تعلم فيه من مساوئ أعماله، فإذا ذكرت بما ليس فيه فذلك البهتان. قال ابن سيرين: إن علمت أن أخاك يكره أن تقول ما أشر سواد شعره ثم قلته من ورائه فقد اغتبته. وقالت عائشة رضي الله عنها: قلت بحضرة النبي ﷺ في امرأة: ما أطول ذراعها، فقال: قد اغتبتها فاستحلي منها. وروى جابر أن النبي ﷺ قال: "الغيبة أشد من الزنا لأن الرجل يزني فيتوب الله عليه، [والرجل يغتاب الرجل فيتوب، فلا يتاب عليه حتى يستحله] ثم قال: ﴿أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً﴾. أي: أنتم تحبون أن تأكلوا لحم الميتة، وتكرهونه فكذلك يجب أن تكرهوا الغيبة للحي فإن الله حرم غيبة المؤمن حياً كما حرم أكل لحمه ميتاً. قال ابن عباس: معناه كما أنت كاره أكل لحم الميتة المدودة فاكره غيبة أخيك كذلك، فأكل الميتة حرام في الشريعة مكروه في النفوس مستقذر فضرب الله مثلاً للغيبة، فجعل المغتاب كآكل لحم الميتة. والعرب تقول: ألحمتك فلاناً: أي: أمكنتك من عرضه. * * وقوله: ﴿فَكَرِهْتُمُوهُ﴾. [أتى] بالماضي على تقدير فقد كرهتموه، ففيه معنى الأمر، ودل على ذلك قوله: ﴿وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ﴾ عطف عليه وهو أمر. وقال الكسائي: فكرهتموه معناه: فينبغي أن تكرهوه. قال المبرد: معناه فكرهتم أن تأكلوه. * * ثم قال: ﴿وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ إِنَّ ٱللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ﴾. أي: وخافوا الله أن تقدموا على فعل ما نهاكم عنه من الظن السوء وتتبع عورات المسلم والتجسس على ما خفي عنك باغتياب أخيك المسلم وغير ذلك مما نهاك عنه، إن الله تواب على من تاب إليه: أي: رجع إليه، رحيم به أن يعاقبه على ذنوبه بعد توبته منها.

الحجرات 49:10

قوله: ﴿وَإِن طَآئِفَتَانِ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱقْتَتَلُواْ﴾ إلى قوله: ﴿تَوَّابٌ رَّحِيمٌ﴾ الآيات. طائفتان عند البصريين رفع بفعلهم، والتقدير: وإن اقتتل طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما. وهما رفع بالابتداء عند الكوفيين، والخبر: اقتتلوا، وله نظائر (كثيرة في القرآن) وقد تقدم ذكرها، وسيأتي نظائرها فيما بعد إن شاء الله والمعنى: أصلحوا بينهما أيها المؤمنون بالدعاء إلى كتاب الله وسنة رسوله. * * ﴿فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَىٰ ٱلأُخْرَىٰ فَقَاتِلُواْ ٱلَّتِي تَبْغِي حَتَّىٰ تَفِيۤءَ إِلَىٰ أَمْرِ ٱللَّهِ﴾. أي: فإن أبت إحداهما الرضا بحكم الله عز وجل وحكم رسوله فقاتلوا الفئة التي أبت وبغت حتى ترجع إلى أمر الله، فإن رجعت الباغية إلى حكم الله بعد قتالكم إياها، فأصلِحوا بينها وبين الطائفة الأخرى بالإنصاف والعدل بينهما قال ابن زيد لا يقاتل الفئة الباغية إلا الولاة. وروي أن هذه الآية نزلت في طائفتين من الأوس والخزرج اقتتلا في أمر تنازعا فيه. وروي عن أنس أنه قال: قيل للنبي عليه السلام لو أتيت عبد الله بن أُبي، قال: فانطلق النبي ﷺ إليه وركب حماراً وانطلق معه المسلمون، فلما أتاه النبي ﷺ قال عبد الله المنافق: إليك عني، فوالله لقد آتاني نتن حمارك، فقال رجل من الأنصار: والله لحمار رسول الله ﷺ أطيب ريحاً منك فغضب لعبد الله بن أبي رجل من قومه فرد عليه وغضب لكل واحد منهما أصحابه فكان بينهما ضرب بالجريد والأيدي والنعال فنزلت هذه الآية فيهم. وقال السدي: كانت امرأة من الأنصار يقال: لها أم زيد تحت رجل من غيرهم فكان بينها وبين زوجها خصومة، فبلغ قومها فجاؤوا وجاء قومه، فاقتتلوا بالأيدي [وبالنعال]، فبلغ ذلك النبي ﷺ فجاء ليصلح بينهم فنزل القرآن في ذلك. وعن قتادة أنه قال: ذكر لنا أنها نزلت في رجلين من الأنصار كانت بينهما خصومة وكان أحدهما أكثر عشيرة من الآخر فأبى أن يحاكمه إلى النبي ﷺ فتدافعا وتقاتلا بالأيدي والنعال فنزلت الآية فيهما. * * قوله: ﴿وَأَقْسِطُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُقْسِطِينَ﴾. [أي: أعدلوا في حكمكم بينهم إن الله يحب المقسطين] العادلين في أحكامهم. يقال قسط الرجل: إذا جار، وأقسط إذا عدل. * * ثم قال: ﴿إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾. أي: إنما المؤمنون إخوة في الدين فأصْلِحوا بينهم إذا اقتتِلوا بأن تحملوهم على حكم كتاب الله عز وجل. ﴿وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ﴾ أي: وخافوه في حكمكم فلا تحيفوا. ﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ أي: افعلوا ذلك ليرحمكم ربكم. * * ثم قال: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَىٰ أَن يَكُونُواْ خَيْراً مِّنْهُمْ﴾. أي: لا يهزأ قوم مؤمنون من قوم مؤمنين لعل (المستهزئ منه خير من الهازئ)، وكذلك النساء. "وقوم" في كلام العرب يقع للمذكرين خاصة، ويجوز أن يكون فيهم نساء على المجاز. وقال بعض أهل اللغة: إنما قيل لجماعة المذكرين قوم لأنه أريد جمع قائم فهذا أصله ثم استعمل في كل جماعة وإن لم يكونوا قائمين. فقوم عنده جمع قائم "كَزائِرٍ وزُوَر، وصَائِم وصَوْم، ونَائِم ونَوم". وقيل: سميت الجماعة قوماً لأنهم يقومون مع داعيهم في النوائب والشدائد ومثل ذلك قولهم لقوم الرجل نفره، فهو جمع نافِر؛ لأنهم ينفرون معه إذا استنفرهم، قال مجاهد: لا يسخر قوم من قوم هو سخرية الغني بالفقير لفقره، ولعل الفقير أفضل عند الله من الغني. وقال ابن زيد: معناه لا يسخر من ستر الله على ذنوبه ممن (كشف الله سبحانه) في الدنيا ستره، لعل ما أظهر الله عز وجل على هذا في الدنيا خير له في الآخرة من أن يسترها عليه في الدنيا، فلست أيها الهازئ على يقين أنك أفضل منه بستر الله عز وجل عليك في الدنيا هذا معنى قوله. ويروى أن هذه الآية نزلت في عكرمة بن أبي جهل بن هشام قدم المدينة مسلماً فكان يمر بالمؤمنين فيقولون: هذا ابن فرعون هذه الأمة، فشكا ذلك إلى النبي ﷺ فنهاهم أن يقولوا ذلك ، ونزلت الآية عامة فيه وفي غيره. * * ثم قال: ﴿وَلاَ تَلْمِزُوۤاْ أَنفُسَكُمْ﴾ أي: لا يطعن بعضكم على بعض. وقال: أنفسكم لأن المؤمنين كرجل واحد. قال النبي ﷺ: "إنما المؤمنون كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر جسده بالحمى والسهر يقال: "لَمَزهُ يَلْمِزُهُ وَيَلْمِزُهُ لُمزاً إِذَا عَابَهُ وَتَنَقَّمَهُ". قال علي بن سليمان: اللمز الطعن على الإنسان بالحضرة، والهمز في الغيبة. قال المبرد: اللمز يكون باللسان، والعين (تعيبه وتجدد) إليه النظر وتشير إليه بالاستنقاص، والهمز لا يكون إلا باللسان في الحضرة والغيبة وأكثر ما يكون في الغيبة، وقال النبز: اللقب الثابت، والمنابزة: الإشاعة والإذاعة. قال الطبري: النبز واللقب واحد. قال الضحاك: نزلت هذه الآية في بني سلمة قدم النبي ﷺ المدينة وما منهم رجل إلا وله إسمان وثلاثة، فكان إذا دعي الرجل بالاسم قالوا إنه يغضب من هذا، فنزلت ﴿وَلاَ تَنَابَزُواْ بِٱلأَلْقَابِ﴾. وقيل معناه: قول الرجل للرجل يا فاسق يا زاني، يا كافر يا منافق قاله عكرمة ومجاهد وقتادة وابن زيد. وقال ابن عباس: هو تسمية الرجل بالكفر بعد الإسلام، وبالفسق بعد التوبة. وقال الحسن: هو اليهودي والنصراني يسلمان فنهي أن يقال لهما يا يهودي يا نصراني بعد إسلامه. وقيل: هو دعاء الرجل للرجل بما يكره من إسم أو صفة أو لقب، وهذا قول جامع لما تقدم. * * ثم قال: ﴿بِئْسَ ٱلاسْمُ ٱلْفُسُوقُ بَعْدَ ٱلإَيمَانِ﴾. أي: من فعل هذا الذي نهي عنه فسخر من أخيه المؤمن ونبزه بالألقاب فهو فاسق. وبين الاسم الفسوق بعد الإيمان، فلا تفعلوا ذلك فتستحقوا أن تسموا فساقاً، ففي الكلام حذف وتقديره ما ذكرنا. وقال ابن زيد: معناه بئس أن يسمى الرجل كافراً أو زانياً بعد إسلامه وتوبته. * * ثم قال: ﴿وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلظَّالِمُونَ﴾. أي: ومن لم يتب عن نبزه أخاه وسخريته منه فهو ظالم نفسه. * * ثم قال: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱجْتَنِبُواْ كَثِيراً مِّنَ ٱلظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ ٱلظَّنِّ إِثْمٌ﴾. أي: تجنبوا أن تظنوا بالمؤمنين شراً، فإن الظن غير محق، وإنما قال: "كثيراً" ولم يقل: اجتنبوا الظن كله؛ لأن الظن قد يكون في الخير فتظن بأخيك المؤمن خيراً، وذلك حسن، فلو قال: اجتنبوا الظن كله يمنع أن يظن الإنسان بأخيه خيراً، ولذلك قال: إن بعض الظن إثم، أي: إن ظنك بأخيك المؤمن الشر لا الخير إثم لأن الله عز وجل قد نهاك عنه. روى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: "إياكم والظن فإنه أكذب الحديث فلا ينبغي لأحد أن يظن شراً بمن ظاهره حسن، ولا بأس أن نظن شراً بمن ظاهره قبيح قال مجاهد: خذوا ما ظهر واتركوا ما ستره الله عز وجل. * * ثم قال: ﴿وَلاَ تَجَسَّسُواْ وَلاَ يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضاً﴾. أي: ولا يتبع بعضكم عورة بعض، فيبحث عن سرائره ليطلع على عيوبه. قال ابن عباس: نهى الله عز وجل المؤمن أن يتبع عورات المؤمن. قال مجاهد: ولا تجسسوا: خذوا ما ظهر لكم ودعوا ما ستره الله وهو معنى قول قتادة. والتجسس والتحسس (سواء في اللغة). * * وقوله: ﴿وَلاَ يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضاً﴾. أي: لا يقل بعضكم في بعض بظهر الغيب ما يكره أن يقال له في وجهه، وسأل النبي ﷺ عن الغيبة فقال: "هو أن تقول لأخيك ما فيه، فإن كنت صادقاً فقد اغتبته، وإن كنت كاذباً فقد بهته قال مسروق: إذا ذكرت الرجل بأسوأ ما فيه فقد اغتبته، وإن ذكرته بما ليس فيه فقد بهته. قال الحسن: الغيبة أن تذكر من أخيك ما تعلم فيه من مساوئ أعماله، فإذا ذكرت بما ليس فيه فذلك البهتان. قال ابن سيرين: إن علمت أن أخاك يكره أن تقول ما أشر سواد شعره ثم قلته من ورائه فقد اغتبته. وقالت عائشة رضي الله عنها: قلت بحضرة النبي ﷺ في امرأة: ما أطول ذراعها، فقال: قد اغتبتها فاستحلي منها. وروى جابر أن النبي ﷺ قال: "الغيبة أشد من الزنا لأن الرجل يزني فيتوب الله عليه، [والرجل يغتاب الرجل فيتوب، فلا يتاب عليه حتى يستحله] ثم قال: ﴿أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً﴾. أي: أنتم تحبون أن تأكلوا لحم الميتة، وتكرهونه فكذلك يجب أن تكرهوا الغيبة للحي فإن الله حرم غيبة المؤمن حياً كما حرم أكل لحمه ميتاً. قال ابن عباس: معناه كما أنت كاره أكل لحم الميتة المدودة فاكره غيبة أخيك كذلك، فأكل الميتة حرام في الشريعة مكروه في النفوس مستقذر فضرب الله مثلاً للغيبة، فجعل المغتاب كآكل لحم الميتة. والعرب تقول: ألحمتك فلاناً: أي: أمكنتك من عرضه. * * وقوله: ﴿فَكَرِهْتُمُوهُ﴾. [أتى] بالماضي على تقدير فقد كرهتموه، ففيه معنى الأمر، ودل على ذلك قوله: ﴿وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ﴾ عطف عليه وهو أمر. وقال الكسائي: فكرهتموه معناه: فينبغي أن تكرهوه. قال المبرد: معناه فكرهتم أن تأكلوه. * * ثم قال: ﴿وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ إِنَّ ٱللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ﴾. أي: وخافوا الله أن تقدموا على فعل ما نهاكم عنه من الظن السوء وتتبع عورات المسلم والتجسس على ما خفي عنك باغتياب أخيك المسلم وغير ذلك مما نهاك عنه، إن الله تواب على من تاب إليه: أي: رجع إليه، رحيم به أن يعاقبه على ذنوبه بعد توبته منها.

الحجرات 49:11

قوله: ﴿وَإِن طَآئِفَتَانِ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱقْتَتَلُواْ﴾ إلى قوله: ﴿تَوَّابٌ رَّحِيمٌ﴾ الآيات. طائفتان عند البصريين رفع بفعلهم، والتقدير: وإن اقتتل طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما. وهما رفع بالابتداء عند الكوفيين، والخبر: اقتتلوا، وله نظائر (كثيرة في القرآن) وقد تقدم ذكرها، وسيأتي نظائرها فيما بعد إن شاء الله والمعنى: أصلحوا بينهما أيها المؤمنون بالدعاء إلى كتاب الله وسنة رسوله. * * ﴿فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَىٰ ٱلأُخْرَىٰ فَقَاتِلُواْ ٱلَّتِي تَبْغِي حَتَّىٰ تَفِيۤءَ إِلَىٰ أَمْرِ ٱللَّهِ﴾. أي: فإن أبت إحداهما الرضا بحكم الله عز وجل وحكم رسوله فقاتلوا الفئة التي أبت وبغت حتى ترجع إلى أمر الله، فإن رجعت الباغية إلى حكم الله بعد قتالكم إياها، فأصلِحوا بينها وبين الطائفة الأخرى بالإنصاف والعدل بينهما قال ابن زيد لا يقاتل الفئة الباغية إلا الولاة. وروي أن هذه الآية نزلت في طائفتين من الأوس والخزرج اقتتلا في أمر تنازعا فيه. وروي عن أنس أنه قال: قيل للنبي عليه السلام لو أتيت عبد الله بن أُبي، قال: فانطلق النبي ﷺ إليه وركب حماراً وانطلق معه المسلمون، فلما أتاه النبي ﷺ قال عبد الله المنافق: إليك عني، فوالله لقد آتاني نتن حمارك، فقال رجل من الأنصار: والله لحمار رسول الله ﷺ أطيب ريحاً منك فغضب لعبد الله بن أبي رجل من قومه فرد عليه وغضب لكل واحد منهما أصحابه فكان بينهما ضرب بالجريد والأيدي والنعال فنزلت هذه الآية فيهم. وقال السدي: كانت امرأة من الأنصار يقال: لها أم زيد تحت رجل من غيرهم فكان بينها وبين زوجها خصومة، فبلغ قومها فجاؤوا وجاء قومه، فاقتتلوا بالأيدي [وبالنعال]، فبلغ ذلك النبي ﷺ فجاء ليصلح بينهم فنزل القرآن في ذلك. وعن قتادة أنه قال: ذكر لنا أنها نزلت في رجلين من الأنصار كانت بينهما خصومة وكان أحدهما أكثر عشيرة من الآخر فأبى أن يحاكمه إلى النبي ﷺ فتدافعا وتقاتلا بالأيدي والنعال فنزلت الآية فيهما. * * قوله: ﴿وَأَقْسِطُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُقْسِطِينَ﴾. [أي: أعدلوا في حكمكم بينهم إن الله يحب المقسطين] العادلين في أحكامهم. يقال قسط الرجل: إذا جار، وأقسط إذا عدل. * * ثم قال: ﴿إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾. أي: إنما المؤمنون إخوة في الدين فأصْلِحوا بينهم إذا اقتتِلوا بأن تحملوهم على حكم كتاب الله عز وجل. ﴿وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ﴾ أي: وخافوه في حكمكم فلا تحيفوا. ﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ أي: افعلوا ذلك ليرحمكم ربكم. * * ثم قال: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَىٰ أَن يَكُونُواْ خَيْراً مِّنْهُمْ﴾. أي: لا يهزأ قوم مؤمنون من قوم مؤمنين لعل (المستهزئ منه خير من الهازئ)، وكذلك النساء. "وقوم" في كلام العرب يقع للمذكرين خاصة، ويجوز أن يكون فيهم نساء على المجاز. وقال بعض أهل اللغة: إنما قيل لجماعة المذكرين قوم لأنه أريد جمع قائم فهذا أصله ثم استعمل في كل جماعة وإن لم يكونوا قائمين. فقوم عنده جمع قائم "كَزائِرٍ وزُوَر، وصَائِم وصَوْم، ونَائِم ونَوم". وقيل: سميت الجماعة قوماً لأنهم يقومون مع داعيهم في النوائب والشدائد ومثل ذلك قولهم لقوم الرجل نفره، فهو جمع نافِر؛ لأنهم ينفرون معه إذا استنفرهم، قال مجاهد: لا يسخر قوم من قوم هو سخرية الغني بالفقير لفقره، ولعل الفقير أفضل عند الله من الغني. وقال ابن زيد: معناه لا يسخر من ستر الله على ذنوبه ممن (كشف الله سبحانه) في الدنيا ستره، لعل ما أظهر الله عز وجل على هذا في الدنيا خير له في الآخرة من أن يسترها عليه في الدنيا، فلست أيها الهازئ على يقين أنك أفضل منه بستر الله عز وجل عليك في الدنيا هذا معنى قوله. ويروى أن هذه الآية نزلت في عكرمة بن أبي جهل بن هشام قدم المدينة مسلماً فكان يمر بالمؤمنين فيقولون: هذا ابن فرعون هذه الأمة، فشكا ذلك إلى النبي ﷺ فنهاهم أن يقولوا ذلك ، ونزلت الآية عامة فيه وفي غيره. * * ثم قال: ﴿وَلاَ تَلْمِزُوۤاْ أَنفُسَكُمْ﴾ أي: لا يطعن بعضكم على بعض. وقال: أنفسكم لأن المؤمنين كرجل واحد. قال النبي ﷺ: "إنما المؤمنون كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر جسده بالحمى والسهر يقال: "لَمَزهُ يَلْمِزُهُ وَيَلْمِزُهُ لُمزاً إِذَا عَابَهُ وَتَنَقَّمَهُ". قال علي بن سليمان: اللمز الطعن على الإنسان بالحضرة، والهمز في الغيبة. قال المبرد: اللمز يكون باللسان، والعين (تعيبه وتجدد) إليه النظر وتشير إليه بالاستنقاص، والهمز لا يكون إلا باللسان في الحضرة والغيبة وأكثر ما يكون في الغيبة، وقال النبز: اللقب الثابت، والمنابزة: الإشاعة والإذاعة. قال الطبري: النبز واللقب واحد. قال الضحاك: نزلت هذه الآية في بني سلمة قدم النبي ﷺ المدينة وما منهم رجل إلا وله إسمان وثلاثة، فكان إذا دعي الرجل بالاسم قالوا إنه يغضب من هذا، فنزلت ﴿وَلاَ تَنَابَزُواْ بِٱلأَلْقَابِ﴾. وقيل معناه: قول الرجل للرجل يا فاسق يا زاني، يا كافر يا منافق قاله عكرمة ومجاهد وقتادة وابن زيد. وقال ابن عباس: هو تسمية الرجل بالكفر بعد الإسلام، وبالفسق بعد التوبة. وقال الحسن: هو اليهودي والنصراني يسلمان فنهي أن يقال لهما يا يهودي يا نصراني بعد إسلامه. وقيل: هو دعاء الرجل للرجل بما يكره من إسم أو صفة أو لقب، وهذا قول جامع لما تقدم. * * ثم قال: ﴿بِئْسَ ٱلاسْمُ ٱلْفُسُوقُ بَعْدَ ٱلإَيمَانِ﴾. أي: من فعل هذا الذي نهي عنه فسخر من أخيه المؤمن ونبزه بالألقاب فهو فاسق. وبين الاسم الفسوق بعد الإيمان، فلا تفعلوا ذلك فتستحقوا أن تسموا فساقاً، ففي الكلام حذف وتقديره ما ذكرنا. وقال ابن زيد: معناه بئس أن يسمى الرجل كافراً أو زانياً بعد إسلامه وتوبته. * * ثم قال: ﴿وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلظَّالِمُونَ﴾. أي: ومن لم يتب عن نبزه أخاه وسخريته منه فهو ظالم نفسه. * * ثم قال: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱجْتَنِبُواْ كَثِيراً مِّنَ ٱلظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ ٱلظَّنِّ إِثْمٌ﴾. أي: تجنبوا أن تظنوا بالمؤمنين شراً، فإن الظن غير محق، وإنما قال: "كثيراً" ولم يقل: اجتنبوا الظن كله؛ لأن الظن قد يكون في الخير فتظن بأخيك المؤمن خيراً، وذلك حسن، فلو قال: اجتنبوا الظن كله يمنع أن يظن الإنسان بأخيه خيراً، ولذلك قال: إن بعض الظن إثم، أي: إن ظنك بأخيك المؤمن الشر لا الخير إثم لأن الله عز وجل قد نهاك عنه. روى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: "إياكم والظن فإنه أكذب الحديث فلا ينبغي لأحد أن يظن شراً بمن ظاهره حسن، ولا بأس أن نظن شراً بمن ظاهره قبيح قال مجاهد: خذوا ما ظهر واتركوا ما ستره الله عز وجل. * * ثم قال: ﴿وَلاَ تَجَسَّسُواْ وَلاَ يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضاً﴾. أي: ولا يتبع بعضكم عورة بعض، فيبحث عن سرائره ليطلع على عيوبه. قال ابن عباس: نهى الله عز وجل المؤمن أن يتبع عورات المؤمن. قال مجاهد: ولا تجسسوا: خذوا ما ظهر لكم ودعوا ما ستره الله وهو معنى قول قتادة. والتجسس والتحسس (سواء في اللغة). * * وقوله: ﴿وَلاَ يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضاً﴾. أي: لا يقل بعضكم في بعض بظهر الغيب ما يكره أن يقال له في وجهه، وسأل النبي ﷺ عن الغيبة فقال: "هو أن تقول لأخيك ما فيه، فإن كنت صادقاً فقد اغتبته، وإن كنت كاذباً فقد بهته قال مسروق: إذا ذكرت الرجل بأسوأ ما فيه فقد اغتبته، وإن ذكرته بما ليس فيه فقد بهته. قال الحسن: الغيبة أن تذكر من أخيك ما تعلم فيه من مساوئ أعماله، فإذا ذكرت بما ليس فيه فذلك البهتان. قال ابن سيرين: إن علمت أن أخاك يكره أن تقول ما أشر سواد شعره ثم قلته من ورائه فقد اغتبته. وقالت عائشة رضي الله عنها: قلت بحضرة النبي ﷺ في امرأة: ما أطول ذراعها، فقال: قد اغتبتها فاستحلي منها. وروى جابر أن النبي ﷺ قال: "الغيبة أشد من الزنا لأن الرجل يزني فيتوب الله عليه، [والرجل يغتاب الرجل فيتوب، فلا يتاب عليه حتى يستحله] ثم قال: ﴿أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً﴾. أي: أنتم تحبون أن تأكلوا لحم الميتة، وتكرهونه فكذلك يجب أن تكرهوا الغيبة للحي فإن الله حرم غيبة المؤمن حياً كما حرم أكل لحمه ميتاً. قال ابن عباس: معناه كما أنت كاره أكل لحم الميتة المدودة فاكره غيبة أخيك كذلك، فأكل الميتة حرام في الشريعة مكروه في النفوس مستقذر فضرب الله مثلاً للغيبة، فجعل المغتاب كآكل لحم الميتة. والعرب تقول: ألحمتك فلاناً: أي: أمكنتك من عرضه. * * وقوله: ﴿فَكَرِهْتُمُوهُ﴾. [أتى] بالماضي على تقدير فقد كرهتموه، ففيه معنى الأمر، ودل على ذلك قوله: ﴿وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ﴾ عطف عليه وهو أمر. وقال الكسائي: فكرهتموه معناه: فينبغي أن تكرهوه. قال المبرد: معناه فكرهتم أن تأكلوه. * * ثم قال: ﴿وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ إِنَّ ٱللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ﴾. أي: وخافوا الله أن تقدموا على فعل ما نهاكم عنه من الظن السوء وتتبع عورات المسلم والتجسس على ما خفي عنك باغتياب أخيك المسلم وغير ذلك مما نهاك عنه، إن الله تواب على من تاب إليه: أي: رجع إليه، رحيم به أن يعاقبه على ذنوبه بعد توبته منها.

الحجرات 49:12

قوله: ﴿وَإِن طَآئِفَتَانِ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱقْتَتَلُواْ﴾ إلى قوله: ﴿تَوَّابٌ رَّحِيمٌ﴾ الآيات. طائفتان عند البصريين رفع بفعلهم، والتقدير: وإن اقتتل طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما. وهما رفع بالابتداء عند الكوفيين، والخبر: اقتتلوا، وله نظائر (كثيرة في القرآن) وقد تقدم ذكرها، وسيأتي نظائرها فيما بعد إن شاء الله والمعنى: أصلحوا بينهما أيها المؤمنون بالدعاء إلى كتاب الله وسنة رسوله. * * ﴿فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَىٰ ٱلأُخْرَىٰ فَقَاتِلُواْ ٱلَّتِي تَبْغِي حَتَّىٰ تَفِيۤءَ إِلَىٰ أَمْرِ ٱللَّهِ﴾. أي: فإن أبت إحداهما الرضا بحكم الله عز وجل وحكم رسوله فقاتلوا الفئة التي أبت وبغت حتى ترجع إلى أمر الله، فإن رجعت الباغية إلى حكم الله بعد قتالكم إياها، فأصلِحوا بينها وبين الطائفة الأخرى بالإنصاف والعدل بينهما قال ابن زيد لا يقاتل الفئة الباغية إلا الولاة. وروي أن هذه الآية نزلت في طائفتين من الأوس والخزرج اقتتلا في أمر تنازعا فيه. وروي عن أنس أنه قال: قيل للنبي عليه السلام لو أتيت عبد الله بن أُبي، قال: فانطلق النبي ﷺ إليه وركب حماراً وانطلق معه المسلمون، فلما أتاه النبي ﷺ قال عبد الله المنافق: إليك عني، فوالله لقد آتاني نتن حمارك، فقال رجل من الأنصار: والله لحمار رسول الله ﷺ أطيب ريحاً منك فغضب لعبد الله بن أبي رجل من قومه فرد عليه وغضب لكل واحد منهما أصحابه فكان بينهما ضرب بالجريد والأيدي والنعال فنزلت هذه الآية فيهم. وقال السدي: كانت امرأة من الأنصار يقال: لها أم زيد تحت رجل من غيرهم فكان بينها وبين زوجها خصومة، فبلغ قومها فجاؤوا وجاء قومه، فاقتتلوا بالأيدي [وبالنعال]، فبلغ ذلك النبي ﷺ فجاء ليصلح بينهم فنزل القرآن في ذلك. وعن قتادة أنه قال: ذكر لنا أنها نزلت في رجلين من الأنصار كانت بينهما خصومة وكان أحدهما أكثر عشيرة من الآخر فأبى أن يحاكمه إلى النبي ﷺ فتدافعا وتقاتلا بالأيدي والنعال فنزلت الآية فيهما. * * قوله: ﴿وَأَقْسِطُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُقْسِطِينَ﴾. [أي: أعدلوا في حكمكم بينهم إن الله يحب المقسطين] العادلين في أحكامهم. يقال قسط الرجل: إذا جار، وأقسط إذا عدل. * * ثم قال: ﴿إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾. أي: إنما المؤمنون إخوة في الدين فأصْلِحوا بينهم إذا اقتتِلوا بأن تحملوهم على حكم كتاب الله عز وجل. ﴿وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ﴾ أي: وخافوه في حكمكم فلا تحيفوا. ﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ أي: افعلوا ذلك ليرحمكم ربكم. * * ثم قال: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَىٰ أَن يَكُونُواْ خَيْراً مِّنْهُمْ﴾. أي: لا يهزأ قوم مؤمنون من قوم مؤمنين لعل (المستهزئ منه خير من الهازئ)، وكذلك النساء. "وقوم" في كلام العرب يقع للمذكرين خاصة، ويجوز أن يكون فيهم نساء على المجاز. وقال بعض أهل اللغة: إنما قيل لجماعة المذكرين قوم لأنه أريد جمع قائم فهذا أصله ثم استعمل في كل جماعة وإن لم يكونوا قائمين. فقوم عنده جمع قائم "كَزائِرٍ وزُوَر، وصَائِم وصَوْم، ونَائِم ونَوم". وقيل: سميت الجماعة قوماً لأنهم يقومون مع داعيهم في النوائب والشدائد ومثل ذلك قولهم لقوم الرجل نفره، فهو جمع نافِر؛ لأنهم ينفرون معه إذا استنفرهم، قال مجاهد: لا يسخر قوم من قوم هو سخرية الغني بالفقير لفقره، ولعل الفقير أفضل عند الله من الغني. وقال ابن زيد: معناه لا يسخر من ستر الله على ذنوبه ممن (كشف الله سبحانه) في الدنيا ستره، لعل ما أظهر الله عز وجل على هذا في الدنيا خير له في الآخرة من أن يسترها عليه في الدنيا، فلست أيها الهازئ على يقين أنك أفضل منه بستر الله عز وجل عليك في الدنيا هذا معنى قوله. ويروى أن هذه الآية نزلت في عكرمة بن أبي جهل بن هشام قدم المدينة مسلماً فكان يمر بالمؤمنين فيقولون: هذا ابن فرعون هذه الأمة، فشكا ذلك إلى النبي ﷺ فنهاهم أن يقولوا ذلك ، ونزلت الآية عامة فيه وفي غيره. * * ثم قال: ﴿وَلاَ تَلْمِزُوۤاْ أَنفُسَكُمْ﴾ أي: لا يطعن بعضكم على بعض. وقال: أنفسكم لأن المؤمنين كرجل واحد. قال النبي ﷺ: "إنما المؤمنون كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر جسده بالحمى والسهر يقال: "لَمَزهُ يَلْمِزُهُ وَيَلْمِزُهُ لُمزاً إِذَا عَابَهُ وَتَنَقَّمَهُ". قال علي بن سليمان: اللمز الطعن على الإنسان بالحضرة، والهمز في الغيبة. قال المبرد: اللمز يكون باللسان، والعين (تعيبه وتجدد) إليه النظر وتشير إليه بالاستنقاص، والهمز لا يكون إلا باللسان في الحضرة والغيبة وأكثر ما يكون في الغيبة، وقال النبز: اللقب الثابت، والمنابزة: الإشاعة والإذاعة. قال الطبري: النبز واللقب واحد. قال الضحاك: نزلت هذه الآية في بني سلمة قدم النبي ﷺ المدينة وما منهم رجل إلا وله إسمان وثلاثة، فكان إذا دعي الرجل بالاسم قالوا إنه يغضب من هذا، فنزلت ﴿وَلاَ تَنَابَزُواْ بِٱلأَلْقَابِ﴾. وقيل معناه: قول الرجل للرجل يا فاسق يا زاني، يا كافر يا منافق قاله عكرمة ومجاهد وقتادة وابن زيد. وقال ابن عباس: هو تسمية الرجل بالكفر بعد الإسلام، وبالفسق بعد التوبة. وقال الحسن: هو اليهودي والنصراني يسلمان فنهي أن يقال لهما يا يهودي يا نصراني بعد إسلامه. وقيل: هو دعاء الرجل للرجل بما يكره من إسم أو صفة أو لقب، وهذا قول جامع لما تقدم. * * ثم قال: ﴿بِئْسَ ٱلاسْمُ ٱلْفُسُوقُ بَعْدَ ٱلإَيمَانِ﴾. أي: من فعل هذا الذي نهي عنه فسخر من أخيه المؤمن ونبزه بالألقاب فهو فاسق. وبين الاسم الفسوق بعد الإيمان، فلا تفعلوا ذلك فتستحقوا أن تسموا فساقاً، ففي الكلام حذف وتقديره ما ذكرنا. وقال ابن زيد: معناه بئس أن يسمى الرجل كافراً أو زانياً بعد إسلامه وتوبته. * * ثم قال: ﴿وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلظَّالِمُونَ﴾. أي: ومن لم يتب عن نبزه أخاه وسخريته منه فهو ظالم نفسه. * * ثم قال: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱجْتَنِبُواْ كَثِيراً مِّنَ ٱلظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ ٱلظَّنِّ إِثْمٌ﴾. أي: تجنبوا أن تظنوا بالمؤمنين شراً، فإن الظن غير محق، وإنما قال: "كثيراً" ولم يقل: اجتنبوا الظن كله؛ لأن الظن قد يكون في الخير فتظن بأخيك المؤمن خيراً، وذلك حسن، فلو قال: اجتنبوا الظن كله يمنع أن يظن الإنسان بأخيه خيراً، ولذلك قال: إن بعض الظن إثم، أي: إن ظنك بأخيك المؤمن الشر لا الخير إثم لأن الله عز وجل قد نهاك عنه. روى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: "إياكم والظن فإنه أكذب الحديث فلا ينبغي لأحد أن يظن شراً بمن ظاهره حسن، ولا بأس أن نظن شراً بمن ظاهره قبيح قال مجاهد: خذوا ما ظهر واتركوا ما ستره الله عز وجل. * * ثم قال: ﴿وَلاَ تَجَسَّسُواْ وَلاَ يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضاً﴾. أي: ولا يتبع بعضكم عورة بعض، فيبحث عن سرائره ليطلع على عيوبه. قال ابن عباس: نهى الله عز وجل المؤمن أن يتبع عورات المؤمن. قال مجاهد: ولا تجسسوا: خذوا ما ظهر لكم ودعوا ما ستره الله وهو معنى قول قتادة. والتجسس والتحسس (سواء في اللغة). * * وقوله: ﴿وَلاَ يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضاً﴾. أي: لا يقل بعضكم في بعض بظهر الغيب ما يكره أن يقال له في وجهه، وسأل النبي ﷺ عن الغيبة فقال: "هو أن تقول لأخيك ما فيه، فإن كنت صادقاً فقد اغتبته، وإن كنت كاذباً فقد بهته قال مسروق: إذا ذكرت الرجل بأسوأ ما فيه فقد اغتبته، وإن ذكرته بما ليس فيه فقد بهته. قال الحسن: الغيبة أن تذكر من أخيك ما تعلم فيه من مساوئ أعماله، فإذا ذكرت بما ليس فيه فذلك البهتان. قال ابن سيرين: إن علمت أن أخاك يكره أن تقول ما أشر سواد شعره ثم قلته من ورائه فقد اغتبته. وقالت عائشة رضي الله عنها: قلت بحضرة النبي ﷺ في امرأة: ما أطول ذراعها، فقال: قد اغتبتها فاستحلي منها. وروى جابر أن النبي ﷺ قال: "الغيبة أشد من الزنا لأن الرجل يزني فيتوب الله عليه، [والرجل يغتاب الرجل فيتوب، فلا يتاب عليه حتى يستحله] ثم قال: ﴿أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً﴾. أي: أنتم تحبون أن تأكلوا لحم الميتة، وتكرهونه فكذلك يجب أن تكرهوا الغيبة للحي فإن الله حرم غيبة المؤمن حياً كما حرم أكل لحمه ميتاً. قال ابن عباس: معناه كما أنت كاره أكل لحم الميتة المدودة فاكره غيبة أخيك كذلك، فأكل الميتة حرام في الشريعة مكروه في النفوس مستقذر فضرب الله مثلاً للغيبة، فجعل المغتاب كآكل لحم الميتة. والعرب تقول: ألحمتك فلاناً: أي: أمكنتك من عرضه. * * وقوله: ﴿فَكَرِهْتُمُوهُ﴾. [أتى] بالماضي على تقدير فقد كرهتموه، ففيه معنى الأمر، ودل على ذلك قوله: ﴿وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ﴾ عطف عليه وهو أمر. وقال الكسائي: فكرهتموه معناه: فينبغي أن تكرهوه. قال المبرد: معناه فكرهتم أن تأكلوه. * * ثم قال: ﴿وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ إِنَّ ٱللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ﴾. أي: وخافوا الله أن تقدموا على فعل ما نهاكم عنه من الظن السوء وتتبع عورات المسلم والتجسس على ما خفي عنك باغتياب أخيك المسلم وغير ذلك مما نهاك عنه، إن الله تواب على من تاب إليه: أي: رجع إليه، رحيم به أن يعاقبه على ذنوبه بعد توبته منها.

الحجرات 49:13

قوله: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنْثَىٰ﴾ إلى آخر السورة الآيات. أي: خلقناكم من آدم وحواء، يعني من ماء ذكر وماء أنثى. قال مجاهد: خلق الله عز وجل الولد من ماء الرجل وماء المرأة. * * ثم قال: ﴿وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَآئِلَ لِتَعَارَفُوۤاْ﴾. أي: وجعلناكم متناسبين يناسب بعضكم بعضاً فيعرف بعضكم بعضاً، فيقال فلان ابن فلان من بني فلان فيعرف قرب نسبه من بعده فالأفخاذ أقرب [من القبائل والقبائل أقرب] من الشعوب. قال مجاهد: شعوباً هو النسب البعيد، والقبائل دون ذلك. وكذلك قال قتادة والضحاك. قال ابن عباس: الشعوب الجماع، والقبائل البطون. وقال ابن جبير: الشعوب الجمهور، والقبائل الأفخاذ. وواحد الشعوب شعب بالفتح، والشعب عند أهل اللغة: الجمهور مثل مضر تقسمت وتفرقت، ثم يليه القبيلة لأنها يقابل بعضها بعضاً، ثم العمارة ثم البطن ثم الفخذ وهو أقربها. وقيل: إن الشعوب الموالي، والقبائل العرب. * * ثم قال: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عَندَ ٱللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾. أي: أفضلكم عند الله أتقاكم لارتكاب ما نهى الله سبحانه عنه، وأعمالكم لما أمر الله تعالى به ليس فضلكم بأنسابكم إنما الفضل لمن كثر تقاه. قال النبي ﷺ وقد سأل عن غير الناس فقال: "آمرهم بالمعروف وأنهاهم عن المنكر وأوصلهم للرحم وأتقاهم قال أبو هريرة: ينادي مناد يوم القيامة إنا جعلنا نسباً وجعلتم نسباً إن أكرمكم عند الله أتقاكم ليقم المتقون، فلا يقوم إلا من كان كذلك. وعن النبي ﷺ أنه قال: "أخير الناس من طال عمره وحسن عمله وروي عن ابن عباس أنه قرأ: "لتعرفوا أن أكرمكم عند الله بفتح "أن" وتعرفوا على مقال تضربوا، على معنى جعلهم شعوباً وقبائل لكي يعرفوا أن أكرمهم عند الله أتقاهم، ومجاز هذه القراءة: جعلهم كذلك ليعرفوا أنسابهم؛ لأن أكرمهم عند الله أتقاهم؛ لأن: "تَعْرِفُوا" عملت في: "أن" لأنه لم يجعلهم شعوباً وقبائل ليعرفوا أن أكرمهم عند الله أتقاهم، إنما جعلهم كذلك ليعرفوا أنسابهم. وكسر "أن" أولى وأتم في المعنى المقصود إليه بالآية. * * ثم قال: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾. أي: ذو علم، بأتقاكم عنده وأكرمكم، وذو خبر بكم وبمصالحكم. * * ثم قال: ﴿قَالَتِ ٱلأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُواْ وَلَـٰكِن قُولُوۤاْ أَسْلَمْنَا﴾. أي: قالت جماعة الأعراب صدقنا بالله وبرسوله، قل لهم يا محمد لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا وخضعنا وتذللنا. والإسلام في اللغة الخضوع والتذلل لأمر الله جل ذكره والتسليم له. والإيمان: التصديق بكل ما جاء من عند الله. وللإسلام موضع آخر وهو الاستسلام خوف القتل، قد يقع الإسلام بمعنى الإيمان وقد يكون بمعنى الاستسلام. والإيمان والإسلام يتعرفان على وجهين إيمان ظاهر لا باطن معه نحو قوله: ﴿وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِٱللَّهِ وَبِٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٨] وإيمان باطن وظاهر وهو المتقبل، وإسلام ظاهر لا باطن معه كالذي في هذه السورة. والإسلام أعم من الإيمان لأن الإسلام ما صدق به باطن [ونطق به الظاهر والإيمان ما صدق به الباطن]، فإن كان الإسلام ظاهراً غير باطن فليس بإيمان إنما هو استسلام ولا هو إسلام صحيح. وهذه الآية نزلت في أعراب من بني أسد، وهم من المؤلفة قلوبهم أسلموا بألسنتهم خوف القتل والسباء ولم تصدق قلوبهم ألسنتهم. فرد الله عليهم قولهم "آمنا" إذ لم يصدقوه بقلوبهم، وقال بل قولوا أسلمنا: أي: استسلمنا في الظاهر خوف القتل، فالإسلام قول، والإيمان قول وعمل. قال الزهري: الإسلام قول والإيمان عمل. قال ابن زيد قوله: ﴿قُل لَّمْ تُؤْمِنُواْ﴾ أي: لم تصدقوا قولكم بعملكم. ثم أخبر تعالى بصفة المؤمنين فقال: ﴿إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُواْ﴾. قال النخعي: ولكن قولوا أسلمنا: أي: استسلمنا. وعن ابن عباس: أن هذه الآية نزلت في أعراب أرادوا أن يتسموا باسم الهجرة قبل أن يهاجروا فأعلمهم الله عز وجل أن لهم أسماء الأعراب لا أسماء المهاجرين. وقيل إنهم منوا على النبي ﷺ بإيمانهم فأعلمهم الله عز وجل أن هذا ليس من خلق المؤمنين إنما هو من خلق من استسلم خوف السباء والقتل، ولو دخل الإيمان في قلوبهم ما منّوا به، ودليله قوله بعد ذلك ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُواْ﴾. وقال قتادة: لم تعم هذه الآية كل الأعراب، بل فيهم المؤمنون حقاً، إنما نزلت في حي من أحياء العرب امتنوا بإسلامهم على نبي الله فقالوا آمنا ولم نقاتلك كما قاتلك بنو فلان وبنو فلان. ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَلَمَّا يَدْخُلِ ٱلإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾. أي: ولما يدخل العلم بشرائع الإيمان وحقائقه في قلوبكم، وهو نفي قد دخل. * * ثم قال: ﴿وَإِن تُطِيعُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ لاَ يَلِتْكُمْ مِّنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئاً﴾. أي: إن أطعتم الله ورسوله فيما تؤمرون به لا ينقصكم الله (من ثواب أعمالكم شيئاً في الآخرة) ولا يظلمكم. قال ابن زيد معناه: "إن تصدقوا قلوبكم بفعلكم يقبل ذلك منكم، وتجاوزا عليه". يقال: أَلَتَهُ ويَأَلِتْهُ وَلآتَهُ يَلِيتُه لغتان بمعنى: نَقَصَه، فمن قرأ "لاَ يَلِتْكُمْ" فهو من لاَتَ يَلِيتَ، وتصديقها في المصحف أنها بغير ألف بعد الياء، ولو كانت همزة لم تختصر من الخط. ومن قرأ "يَأْلِتْكُمْ" فهو من أَلَتَ يَأْلِتُ. فأما قوله: ﴿وَمَآ أَلَتْنَاهُمْ مِّنْ عَمَلِهِم﴾ [الطور: ٢١] فهو من أَلَتَ يَأْلَتُ، (ولو جاء على اللغة) الأخرى لقيل، وما أَلَتْنَاهُمْ. وهذه لغة هذيل. وبذلك قرأ ابن مسعود وأُبي، وهذه القراءة شاهدة لقراءة من قرأ هنا "يَلِتْكُمْ" من لاَتَ يَلِيْتُ، لكنها مخالفة للخط؛ لأن الخط في "والطور" بألف قبل اللام، لكن من جعله هنا من لات وفي "الطور من ألت" فإنما جمع بين اللغتين واتبع الخط في الموضعين، ومثله مما أجمع عليه قوله: ﴿فَهِيَ تُمْلَىٰ عَلَيْهِ﴾ [الفرقان: ٥]، فهذا من أَمْلَى يُمْلِي. ثم قال في موضع آخر: ﴿فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، فهذا من أمثال، يقال أَمْلَى عليه وَأَمَال عَلَيْه: لغتان، ومثله قوله: ﴿سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَاراً﴾ [النساء: ٥٦] فهذا من أمليت. وقال في موضع آخر ﴿ثُمَّ ٱلْجَحِيمَ صَلُّوهُ﴾ [الحاقة: ٣١] فهذا من صليت. ومثله قوله: ﴿كَيْفَ يُبْدِئُ ٱللَّهُ ٱلْخَلْقَ﴾ [العنكبوت: ١٨] من أبدأ، وقال: ﴿كَيْفَ بَدَأَ ٱلْخَلْقَ﴾ [العنكبوت: ١٩] من بدأته، يقال: أَبْدَأَهُ وَبَدَأَهُ لغتان. وقد قرأ ابن كثير: أَلِتْنَاهُمْ بكسر اللام، وهي لغة أيضاً. يقال: أَلِتَ يَأْلِتُ وَأَلَتَ يَألَتُ. * * ثم قال: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾. أي: غفور للذنوب لمن تاب منها رحيم أن يعذب أحداً بعد توبته. * * ثم قال: ﴿إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾. أي: صدقوا بما أنزل الله، وبرسول الله بقلوبهم، وأقروا به بألسنتهم، وقبلوا ما أمروا به، وانتهوا عما نهوا عنه، ثم لم يُشكوا في ذلك. ﴿وَجَاهَدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلصَّادِقُونَ﴾ أي: هم الذين صدقوا في قولهم إنا مؤمنون. * * ثم قال: ﴿قُلْ أَتُعَلِّمُونَ ٱللَّهَ بِدِينِكُمْ﴾ أي: أتعلمونه بطاعتكم وما أضمرت قلوبكم، وهو يعلم ما غاب عنكم في السماوات والأرض. لا يخفى عليه شيء من ذلك، فكيف يخفى عليه ما تخفي صدوركم. ﴿وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ أي: ذو علم بجميع الأشياء. * * ثم قال: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُواْ﴾. أي: يمنون عليك يا محمد بإسلامهم، قل لهم: لا تمنوا علي إسلامكم بل الله يمن عليكم بهدايته لكم إلى الإيمان، ولولا توفيقه لكم ما أسلمتم، فالمنة له لا إله إلا هو إن كنتم صادقين في قولكم (أنكم آمنتم)، فالمنة في ذلك عليكم لله عز وجل، ولا منة لكم على الله، وذلك أن النبي ﷺ كان يفضل المهاجرين بالعطاء ليستألفهم على الإسلام فكرهت الأنصار ذلك وتكلمت، فأنزل الله عز وجل ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُواْ﴾ الآية، فلما نزلت أتى الأنصار إلى النبي ﷺ يبكون فقالوا يا رسول الله جئتنا ونحن ضلال فهدانا الله بك، وجئتنا ونحن أذلة فهدانا الله بك، فقال لهم النبي ﷺ لئن قلتم إنك جئتنا ذليلاً فأعززناك ومطروداً فآويناك، فقالت الأنصار بل لله ورسوله المنة علينا فقال النبي ﷺ: "الناس دثاري وأنتم شعاري، ولو سلك الناس وادياً وسلكت الأنصار وادياً لسلكت وادي الأنصار ولولا الهجرة لكنت أحداً من الأنصار" ثم قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ غَيْبَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ﴾ أي: يعلم ما غاب فيها لا يخفى عليه [شيء]، فهو يعلم الصادق منكم من الكاذب في دعواه، فلا يخفى عليه ما تكنه صدوركم. * * ثم قال: ﴿وَٱللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ أي: ذو بصر بأعمالكم لا يخفى عليه منها شيء فهو محصيها عليكم حتى يجازيكم بها إن خيراً فخير وإن شراً فشر.

الحجرات 49:14

قوله: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنْثَىٰ﴾ إلى آخر السورة الآيات. أي: خلقناكم من آدم وحواء، يعني من ماء ذكر وماء أنثى. قال مجاهد: خلق الله عز وجل الولد من ماء الرجل وماء المرأة. * * ثم قال: ﴿وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَآئِلَ لِتَعَارَفُوۤاْ﴾. أي: وجعلناكم متناسبين يناسب بعضكم بعضاً فيعرف بعضكم بعضاً، فيقال فلان ابن فلان من بني فلان فيعرف قرب نسبه من بعده فالأفخاذ أقرب [من القبائل والقبائل أقرب] من الشعوب. قال مجاهد: شعوباً هو النسب البعيد، والقبائل دون ذلك. وكذلك قال قتادة والضحاك. قال ابن عباس: الشعوب الجماع، والقبائل البطون. وقال ابن جبير: الشعوب الجمهور، والقبائل الأفخاذ. وواحد الشعوب شعب بالفتح، والشعب عند أهل اللغة: الجمهور مثل مضر تقسمت وتفرقت، ثم يليه القبيلة لأنها يقابل بعضها بعضاً، ثم العمارة ثم البطن ثم الفخذ وهو أقربها. وقيل: إن الشعوب الموالي، والقبائل العرب. * * ثم قال: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عَندَ ٱللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾. أي: أفضلكم عند الله أتقاكم لارتكاب ما نهى الله سبحانه عنه، وأعمالكم لما أمر الله تعالى به ليس فضلكم بأنسابكم إنما الفضل لمن كثر تقاه. قال النبي ﷺ وقد سأل عن غير الناس فقال: "آمرهم بالمعروف وأنهاهم عن المنكر وأوصلهم للرحم وأتقاهم قال أبو هريرة: ينادي مناد يوم القيامة إنا جعلنا نسباً وجعلتم نسباً إن أكرمكم عند الله أتقاكم ليقم المتقون، فلا يقوم إلا من كان كذلك. وعن النبي ﷺ أنه قال: "أخير الناس من طال عمره وحسن عمله وروي عن ابن عباس أنه قرأ: "لتعرفوا أن أكرمكم عند الله بفتح "أن" وتعرفوا على مقال تضربوا، على معنى جعلهم شعوباً وقبائل لكي يعرفوا أن أكرمهم عند الله أتقاهم، ومجاز هذه القراءة: جعلهم كذلك ليعرفوا أنسابهم؛ لأن أكرمهم عند الله أتقاهم؛ لأن: "تَعْرِفُوا" عملت في: "أن" لأنه لم يجعلهم شعوباً وقبائل ليعرفوا أن أكرمهم عند الله أتقاهم، إنما جعلهم كذلك ليعرفوا أنسابهم. وكسر "أن" أولى وأتم في المعنى المقصود إليه بالآية. * * ثم قال: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾. أي: ذو علم، بأتقاكم عنده وأكرمكم، وذو خبر بكم وبمصالحكم. * * ثم قال: ﴿قَالَتِ ٱلأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُواْ وَلَـٰكِن قُولُوۤاْ أَسْلَمْنَا﴾. أي: قالت جماعة الأعراب صدقنا بالله وبرسوله، قل لهم يا محمد لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا وخضعنا وتذللنا. والإسلام في اللغة الخضوع والتذلل لأمر الله جل ذكره والتسليم له. والإيمان: التصديق بكل ما جاء من عند الله. وللإسلام موضع آخر وهو الاستسلام خوف القتل، قد يقع الإسلام بمعنى الإيمان وقد يكون بمعنى الاستسلام. والإيمان والإسلام يتعرفان على وجهين إيمان ظاهر لا باطن معه نحو قوله: ﴿وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِٱللَّهِ وَبِٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٨] وإيمان باطن وظاهر وهو المتقبل، وإسلام ظاهر لا باطن معه كالذي في هذه السورة. والإسلام أعم من الإيمان لأن الإسلام ما صدق به باطن [ونطق به الظاهر والإيمان ما صدق به الباطن]، فإن كان الإسلام ظاهراً غير باطن فليس بإيمان إنما هو استسلام ولا هو إسلام صحيح. وهذه الآية نزلت في أعراب من بني أسد، وهم من المؤلفة قلوبهم أسلموا بألسنتهم خوف القتل والسباء ولم تصدق قلوبهم ألسنتهم. فرد الله عليهم قولهم "آمنا" إذ لم يصدقوه بقلوبهم، وقال بل قولوا أسلمنا: أي: استسلمنا في الظاهر خوف القتل، فالإسلام قول، والإيمان قول وعمل. قال الزهري: الإسلام قول والإيمان عمل. قال ابن زيد قوله: ﴿قُل لَّمْ تُؤْمِنُواْ﴾ أي: لم تصدقوا قولكم بعملكم. ثم أخبر تعالى بصفة المؤمنين فقال: ﴿إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُواْ﴾. قال النخعي: ولكن قولوا أسلمنا: أي: استسلمنا. وعن ابن عباس: أن هذه الآية نزلت في أعراب أرادوا أن يتسموا باسم الهجرة قبل أن يهاجروا فأعلمهم الله عز وجل أن لهم أسماء الأعراب لا أسماء المهاجرين. وقيل إنهم منوا على النبي ﷺ بإيمانهم فأعلمهم الله عز وجل أن هذا ليس من خلق المؤمنين إنما هو من خلق من استسلم خوف السباء والقتل، ولو دخل الإيمان في قلوبهم ما منّوا به، ودليله قوله بعد ذلك ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُواْ﴾. وقال قتادة: لم تعم هذه الآية كل الأعراب، بل فيهم المؤمنون حقاً، إنما نزلت في حي من أحياء العرب امتنوا بإسلامهم على نبي الله فقالوا آمنا ولم نقاتلك كما قاتلك بنو فلان وبنو فلان. ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَلَمَّا يَدْخُلِ ٱلإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾. أي: ولما يدخل العلم بشرائع الإيمان وحقائقه في قلوبكم، وهو نفي قد دخل. * * ثم قال: ﴿وَإِن تُطِيعُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ لاَ يَلِتْكُمْ مِّنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئاً﴾. أي: إن أطعتم الله ورسوله فيما تؤمرون به لا ينقصكم الله (من ثواب أعمالكم شيئاً في الآخرة) ولا يظلمكم. قال ابن زيد معناه: "إن تصدقوا قلوبكم بفعلكم يقبل ذلك منكم، وتجاوزا عليه". يقال: أَلَتَهُ ويَأَلِتْهُ وَلآتَهُ يَلِيتُه لغتان بمعنى: نَقَصَه، فمن قرأ "لاَ يَلِتْكُمْ" فهو من لاَتَ يَلِيتَ، وتصديقها في المصحف أنها بغير ألف بعد الياء، ولو كانت همزة لم تختصر من الخط. ومن قرأ "يَأْلِتْكُمْ" فهو من أَلَتَ يَأْلِتُ. فأما قوله: ﴿وَمَآ أَلَتْنَاهُمْ مِّنْ عَمَلِهِم﴾ [الطور: ٢١] فهو من أَلَتَ يَأْلَتُ، (ولو جاء على اللغة) الأخرى لقيل، وما أَلَتْنَاهُمْ. وهذه لغة هذيل. وبذلك قرأ ابن مسعود وأُبي، وهذه القراءة شاهدة لقراءة من قرأ هنا "يَلِتْكُمْ" من لاَتَ يَلِيْتُ، لكنها مخالفة للخط؛ لأن الخط في "والطور" بألف قبل اللام، لكن من جعله هنا من لات وفي "الطور من ألت" فإنما جمع بين اللغتين واتبع الخط في الموضعين، ومثله مما أجمع عليه قوله: ﴿فَهِيَ تُمْلَىٰ عَلَيْهِ﴾ [الفرقان: ٥]، فهذا من أَمْلَى يُمْلِي. ثم قال في موضع آخر: ﴿فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، فهذا من أمثال، يقال أَمْلَى عليه وَأَمَال عَلَيْه: لغتان، ومثله قوله: ﴿سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَاراً﴾ [النساء: ٥٦] فهذا من أمليت. وقال في موضع آخر ﴿ثُمَّ ٱلْجَحِيمَ صَلُّوهُ﴾ [الحاقة: ٣١] فهذا من صليت. ومثله قوله: ﴿كَيْفَ يُبْدِئُ ٱللَّهُ ٱلْخَلْقَ﴾ [العنكبوت: ١٨] من أبدأ، وقال: ﴿كَيْفَ بَدَأَ ٱلْخَلْقَ﴾ [العنكبوت: ١٩] من بدأته، يقال: أَبْدَأَهُ وَبَدَأَهُ لغتان. وقد قرأ ابن كثير: أَلِتْنَاهُمْ بكسر اللام، وهي لغة أيضاً. يقال: أَلِتَ يَأْلِتُ وَأَلَتَ يَألَتُ. * * ثم قال: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾. أي: غفور للذنوب لمن تاب منها رحيم أن يعذب أحداً بعد توبته. * * ثم قال: ﴿إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾. أي: صدقوا بما أنزل الله، وبرسول الله بقلوبهم، وأقروا به بألسنتهم، وقبلوا ما أمروا به، وانتهوا عما نهوا عنه، ثم لم يُشكوا في ذلك. ﴿وَجَاهَدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلصَّادِقُونَ﴾ أي: هم الذين صدقوا في قولهم إنا مؤمنون. * * ثم قال: ﴿قُلْ أَتُعَلِّمُونَ ٱللَّهَ بِدِينِكُمْ﴾ أي: أتعلمونه بطاعتكم وما أضمرت قلوبكم، وهو يعلم ما غاب عنكم في السماوات والأرض. لا يخفى عليه شيء من ذلك، فكيف يخفى عليه ما تخفي صدوركم. ﴿وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ أي: ذو علم بجميع الأشياء. * * ثم قال: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُواْ﴾. أي: يمنون عليك يا محمد بإسلامهم، قل لهم: لا تمنوا علي إسلامكم بل الله يمن عليكم بهدايته لكم إلى الإيمان، ولولا توفيقه لكم ما أسلمتم، فالمنة له لا إله إلا هو إن كنتم صادقين في قولكم (أنكم آمنتم)، فالمنة في ذلك عليكم لله عز وجل، ولا منة لكم على الله، وذلك أن النبي ﷺ كان يفضل المهاجرين بالعطاء ليستألفهم على الإسلام فكرهت الأنصار ذلك وتكلمت، فأنزل الله عز وجل ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُواْ﴾ الآية، فلما نزلت أتى الأنصار إلى النبي ﷺ يبكون فقالوا يا رسول الله جئتنا ونحن ضلال فهدانا الله بك، وجئتنا ونحن أذلة فهدانا الله بك، فقال لهم النبي ﷺ لئن قلتم إنك جئتنا ذليلاً فأعززناك ومطروداً فآويناك، فقالت الأنصار بل لله ورسوله المنة علينا فقال النبي ﷺ: "الناس دثاري وأنتم شعاري، ولو سلك الناس وادياً وسلكت الأنصار وادياً لسلكت وادي الأنصار ولولا الهجرة لكنت أحداً من الأنصار" ثم قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ غَيْبَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ﴾ أي: يعلم ما غاب فيها لا يخفى عليه [شيء]، فهو يعلم الصادق منكم من الكاذب في دعواه، فلا يخفى عليه ما تكنه صدوركم. * * ثم قال: ﴿وَٱللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ أي: ذو بصر بأعمالكم لا يخفى عليه منها شيء فهو محصيها عليكم حتى يجازيكم بها إن خيراً فخير وإن شراً فشر.

الحجرات 49:15

قوله: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنْثَىٰ﴾ إلى آخر السورة الآيات. أي: خلقناكم من آدم وحواء، يعني من ماء ذكر وماء أنثى. قال مجاهد: خلق الله عز وجل الولد من ماء الرجل وماء المرأة. * * ثم قال: ﴿وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَآئِلَ لِتَعَارَفُوۤاْ﴾. أي: وجعلناكم متناسبين يناسب بعضكم بعضاً فيعرف بعضكم بعضاً، فيقال فلان ابن فلان من بني فلان فيعرف قرب نسبه من بعده فالأفخاذ أقرب [من القبائل والقبائل أقرب] من الشعوب. قال مجاهد: شعوباً هو النسب البعيد، والقبائل دون ذلك. وكذلك قال قتادة والضحاك. قال ابن عباس: الشعوب الجماع، والقبائل البطون. وقال ابن جبير: الشعوب الجمهور، والقبائل الأفخاذ. وواحد الشعوب شعب بالفتح، والشعب عند أهل اللغة: الجمهور مثل مضر تقسمت وتفرقت، ثم يليه القبيلة لأنها يقابل بعضها بعضاً، ثم العمارة ثم البطن ثم الفخذ وهو أقربها. وقيل: إن الشعوب الموالي، والقبائل العرب. * * ثم قال: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عَندَ ٱللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾. أي: أفضلكم عند الله أتقاكم لارتكاب ما نهى الله سبحانه عنه، وأعمالكم لما أمر الله تعالى به ليس فضلكم بأنسابكم إنما الفضل لمن كثر تقاه. قال النبي ﷺ وقد سأل عن غير الناس فقال: "آمرهم بالمعروف وأنهاهم عن المنكر وأوصلهم للرحم وأتقاهم قال أبو هريرة: ينادي مناد يوم القيامة إنا جعلنا نسباً وجعلتم نسباً إن أكرمكم عند الله أتقاكم ليقم المتقون، فلا يقوم إلا من كان كذلك. وعن النبي ﷺ أنه قال: "أخير الناس من طال عمره وحسن عمله وروي عن ابن عباس أنه قرأ: "لتعرفوا أن أكرمكم عند الله بفتح "أن" وتعرفوا على مقال تضربوا، على معنى جعلهم شعوباً وقبائل لكي يعرفوا أن أكرمهم عند الله أتقاهم، ومجاز هذه القراءة: جعلهم كذلك ليعرفوا أنسابهم؛ لأن أكرمهم عند الله أتقاهم؛ لأن: "تَعْرِفُوا" عملت في: "أن" لأنه لم يجعلهم شعوباً وقبائل ليعرفوا أن أكرمهم عند الله أتقاهم، إنما جعلهم كذلك ليعرفوا أنسابهم. وكسر "أن" أولى وأتم في المعنى المقصود إليه بالآية. * * ثم قال: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾. أي: ذو علم، بأتقاكم عنده وأكرمكم، وذو خبر بكم وبمصالحكم. * * ثم قال: ﴿قَالَتِ ٱلأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُواْ وَلَـٰكِن قُولُوۤاْ أَسْلَمْنَا﴾. أي: قالت جماعة الأعراب صدقنا بالله وبرسوله، قل لهم يا محمد لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا وخضعنا وتذللنا. والإسلام في اللغة الخضوع والتذلل لأمر الله جل ذكره والتسليم له. والإيمان: التصديق بكل ما جاء من عند الله. وللإسلام موضع آخر وهو الاستسلام خوف القتل، قد يقع الإسلام بمعنى الإيمان وقد يكون بمعنى الاستسلام. والإيمان والإسلام يتعرفان على وجهين إيمان ظاهر لا باطن معه نحو قوله: ﴿وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِٱللَّهِ وَبِٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٨] وإيمان باطن وظاهر وهو المتقبل، وإسلام ظاهر لا باطن معه كالذي في هذه السورة. والإسلام أعم من الإيمان لأن الإسلام ما صدق به باطن [ونطق به الظاهر والإيمان ما صدق به الباطن]، فإن كان الإسلام ظاهراً غير باطن فليس بإيمان إنما هو استسلام ولا هو إسلام صحيح. وهذه الآية نزلت في أعراب من بني أسد، وهم من المؤلفة قلوبهم أسلموا بألسنتهم خوف القتل والسباء ولم تصدق قلوبهم ألسنتهم. فرد الله عليهم قولهم "آمنا" إذ لم يصدقوه بقلوبهم، وقال بل قولوا أسلمنا: أي: استسلمنا في الظاهر خوف القتل، فالإسلام قول، والإيمان قول وعمل. قال الزهري: الإسلام قول والإيمان عمل. قال ابن زيد قوله: ﴿قُل لَّمْ تُؤْمِنُواْ﴾ أي: لم تصدقوا قولكم بعملكم. ثم أخبر تعالى بصفة المؤمنين فقال: ﴿إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُواْ﴾. قال النخعي: ولكن قولوا أسلمنا: أي: استسلمنا. وعن ابن عباس: أن هذه الآية نزلت في أعراب أرادوا أن يتسموا باسم الهجرة قبل أن يهاجروا فأعلمهم الله عز وجل أن لهم أسماء الأعراب لا أسماء المهاجرين. وقيل إنهم منوا على النبي ﷺ بإيمانهم فأعلمهم الله عز وجل أن هذا ليس من خلق المؤمنين إنما هو من خلق من استسلم خوف السباء والقتل، ولو دخل الإيمان في قلوبهم ما منّوا به، ودليله قوله بعد ذلك ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُواْ﴾. وقال قتادة: لم تعم هذه الآية كل الأعراب، بل فيهم المؤمنون حقاً، إنما نزلت في حي من أحياء العرب امتنوا بإسلامهم على نبي الله فقالوا آمنا ولم نقاتلك كما قاتلك بنو فلان وبنو فلان. ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَلَمَّا يَدْخُلِ ٱلإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾. أي: ولما يدخل العلم بشرائع الإيمان وحقائقه في قلوبكم، وهو نفي قد دخل. * * ثم قال: ﴿وَإِن تُطِيعُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ لاَ يَلِتْكُمْ مِّنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئاً﴾. أي: إن أطعتم الله ورسوله فيما تؤمرون به لا ينقصكم الله (من ثواب أعمالكم شيئاً في الآخرة) ولا يظلمكم. قال ابن زيد معناه: "إن تصدقوا قلوبكم بفعلكم يقبل ذلك منكم، وتجاوزا عليه". يقال: أَلَتَهُ ويَأَلِتْهُ وَلآتَهُ يَلِيتُه لغتان بمعنى: نَقَصَه، فمن قرأ "لاَ يَلِتْكُمْ" فهو من لاَتَ يَلِيتَ، وتصديقها في المصحف أنها بغير ألف بعد الياء، ولو كانت همزة لم تختصر من الخط. ومن قرأ "يَأْلِتْكُمْ" فهو من أَلَتَ يَأْلِتُ. فأما قوله: ﴿وَمَآ أَلَتْنَاهُمْ مِّنْ عَمَلِهِم﴾ [الطور: ٢١] فهو من أَلَتَ يَأْلَتُ، (ولو جاء على اللغة) الأخرى لقيل، وما أَلَتْنَاهُمْ. وهذه لغة هذيل. وبذلك قرأ ابن مسعود وأُبي، وهذه القراءة شاهدة لقراءة من قرأ هنا "يَلِتْكُمْ" من لاَتَ يَلِيْتُ، لكنها مخالفة للخط؛ لأن الخط في "والطور" بألف قبل اللام، لكن من جعله هنا من لات وفي "الطور من ألت" فإنما جمع بين اللغتين واتبع الخط في الموضعين، ومثله مما أجمع عليه قوله: ﴿فَهِيَ تُمْلَىٰ عَلَيْهِ﴾ [الفرقان: ٥]، فهذا من أَمْلَى يُمْلِي. ثم قال في موضع آخر: ﴿فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، فهذا من أمثال، يقال أَمْلَى عليه وَأَمَال عَلَيْه: لغتان، ومثله قوله: ﴿سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَاراً﴾ [النساء: ٥٦] فهذا من أمليت. وقال في موضع آخر ﴿ثُمَّ ٱلْجَحِيمَ صَلُّوهُ﴾ [الحاقة: ٣١] فهذا من صليت. ومثله قوله: ﴿كَيْفَ يُبْدِئُ ٱللَّهُ ٱلْخَلْقَ﴾ [العنكبوت: ١٨] من أبدأ، وقال: ﴿كَيْفَ بَدَأَ ٱلْخَلْقَ﴾ [العنكبوت: ١٩] من بدأته، يقال: أَبْدَأَهُ وَبَدَأَهُ لغتان. وقد قرأ ابن كثير: أَلِتْنَاهُمْ بكسر اللام، وهي لغة أيضاً. يقال: أَلِتَ يَأْلِتُ وَأَلَتَ يَألَتُ. * * ثم قال: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾. أي: غفور للذنوب لمن تاب منها رحيم أن يعذب أحداً بعد توبته. * * ثم قال: ﴿إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾. أي: صدقوا بما أنزل الله، وبرسول الله بقلوبهم، وأقروا به بألسنتهم، وقبلوا ما أمروا به، وانتهوا عما نهوا عنه، ثم لم يُشكوا في ذلك. ﴿وَجَاهَدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلصَّادِقُونَ﴾ أي: هم الذين صدقوا في قولهم إنا مؤمنون. * * ثم قال: ﴿قُلْ أَتُعَلِّمُونَ ٱللَّهَ بِدِينِكُمْ﴾ أي: أتعلمونه بطاعتكم وما أضمرت قلوبكم، وهو يعلم ما غاب عنكم في السماوات والأرض. لا يخفى عليه شيء من ذلك، فكيف يخفى عليه ما تخفي صدوركم. ﴿وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ أي: ذو علم بجميع الأشياء. * * ثم قال: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُواْ﴾. أي: يمنون عليك يا محمد بإسلامهم، قل لهم: لا تمنوا علي إسلامكم بل الله يمن عليكم بهدايته لكم إلى الإيمان، ولولا توفيقه لكم ما أسلمتم، فالمنة له لا إله إلا هو إن كنتم صادقين في قولكم (أنكم آمنتم)، فالمنة في ذلك عليكم لله عز وجل، ولا منة لكم على الله، وذلك أن النبي ﷺ كان يفضل المهاجرين بالعطاء ليستألفهم على الإسلام فكرهت الأنصار ذلك وتكلمت، فأنزل الله عز وجل ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُواْ﴾ الآية، فلما نزلت أتى الأنصار إلى النبي ﷺ يبكون فقالوا يا رسول الله جئتنا ونحن ضلال فهدانا الله بك، وجئتنا ونحن أذلة فهدانا الله بك، فقال لهم النبي ﷺ لئن قلتم إنك جئتنا ذليلاً فأعززناك ومطروداً فآويناك، فقالت الأنصار بل لله ورسوله المنة علينا فقال النبي ﷺ: "الناس دثاري وأنتم شعاري، ولو سلك الناس وادياً وسلكت الأنصار وادياً لسلكت وادي الأنصار ولولا الهجرة لكنت أحداً من الأنصار" ثم قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ غَيْبَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ﴾ أي: يعلم ما غاب فيها لا يخفى عليه [شيء]، فهو يعلم الصادق منكم من الكاذب في دعواه، فلا يخفى عليه ما تكنه صدوركم. * * ثم قال: ﴿وَٱللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ أي: ذو بصر بأعمالكم لا يخفى عليه منها شيء فهو محصيها عليكم حتى يجازيكم بها إن خيراً فخير وإن شراً فشر.

الحجرات 49:16

قوله: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنْثَىٰ﴾ إلى آخر السورة الآيات. أي: خلقناكم من آدم وحواء، يعني من ماء ذكر وماء أنثى. قال مجاهد: خلق الله عز وجل الولد من ماء الرجل وماء المرأة. * * ثم قال: ﴿وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَآئِلَ لِتَعَارَفُوۤاْ﴾. أي: وجعلناكم متناسبين يناسب بعضكم بعضاً فيعرف بعضكم بعضاً، فيقال فلان ابن فلان من بني فلان فيعرف قرب نسبه من بعده فالأفخاذ أقرب [من القبائل والقبائل أقرب] من الشعوب. قال مجاهد: شعوباً هو النسب البعيد، والقبائل دون ذلك. وكذلك قال قتادة والضحاك. قال ابن عباس: الشعوب الجماع، والقبائل البطون. وقال ابن جبير: الشعوب الجمهور، والقبائل الأفخاذ. وواحد الشعوب شعب بالفتح، والشعب عند أهل اللغة: الجمهور مثل مضر تقسمت وتفرقت، ثم يليه القبيلة لأنها يقابل بعضها بعضاً، ثم العمارة ثم البطن ثم الفخذ وهو أقربها. وقيل: إن الشعوب الموالي، والقبائل العرب. * * ثم قال: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عَندَ ٱللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾. أي: أفضلكم عند الله أتقاكم لارتكاب ما نهى الله سبحانه عنه، وأعمالكم لما أمر الله تعالى به ليس فضلكم بأنسابكم إنما الفضل لمن كثر تقاه. قال النبي ﷺ وقد سأل عن غير الناس فقال: "آمرهم بالمعروف وأنهاهم عن المنكر وأوصلهم للرحم وأتقاهم قال أبو هريرة: ينادي مناد يوم القيامة إنا جعلنا نسباً وجعلتم نسباً إن أكرمكم عند الله أتقاكم ليقم المتقون، فلا يقوم إلا من كان كذلك. وعن النبي ﷺ أنه قال: "أخير الناس من طال عمره وحسن عمله وروي عن ابن عباس أنه قرأ: "لتعرفوا أن أكرمكم عند الله بفتح "أن" وتعرفوا على مقال تضربوا، على معنى جعلهم شعوباً وقبائل لكي يعرفوا أن أكرمهم عند الله أتقاهم، ومجاز هذه القراءة: جعلهم كذلك ليعرفوا أنسابهم؛ لأن أكرمهم عند الله أتقاهم؛ لأن: "تَعْرِفُوا" عملت في: "أن" لأنه لم يجعلهم شعوباً وقبائل ليعرفوا أن أكرمهم عند الله أتقاهم، إنما جعلهم كذلك ليعرفوا أنسابهم. وكسر "أن" أولى وأتم في المعنى المقصود إليه بالآية. * * ثم قال: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾. أي: ذو علم، بأتقاكم عنده وأكرمكم، وذو خبر بكم وبمصالحكم. * * ثم قال: ﴿قَالَتِ ٱلأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُواْ وَلَـٰكِن قُولُوۤاْ أَسْلَمْنَا﴾. أي: قالت جماعة الأعراب صدقنا بالله وبرسوله، قل لهم يا محمد لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا وخضعنا وتذللنا. والإسلام في اللغة الخضوع والتذلل لأمر الله جل ذكره والتسليم له. والإيمان: التصديق بكل ما جاء من عند الله. وللإسلام موضع آخر وهو الاستسلام خوف القتل، قد يقع الإسلام بمعنى الإيمان وقد يكون بمعنى الاستسلام. والإيمان والإسلام يتعرفان على وجهين إيمان ظاهر لا باطن معه نحو قوله: ﴿وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِٱللَّهِ وَبِٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٨] وإيمان باطن وظاهر وهو المتقبل، وإسلام ظاهر لا باطن معه كالذي في هذه السورة. والإسلام أعم من الإيمان لأن الإسلام ما صدق به باطن [ونطق به الظاهر والإيمان ما صدق به الباطن]، فإن كان الإسلام ظاهراً غير باطن فليس بإيمان إنما هو استسلام ولا هو إسلام صحيح. وهذه الآية نزلت في أعراب من بني أسد، وهم من المؤلفة قلوبهم أسلموا بألسنتهم خوف القتل والسباء ولم تصدق قلوبهم ألسنتهم. فرد الله عليهم قولهم "آمنا" إذ لم يصدقوه بقلوبهم، وقال بل قولوا أسلمنا: أي: استسلمنا في الظاهر خوف القتل، فالإسلام قول، والإيمان قول وعمل. قال الزهري: الإسلام قول والإيمان عمل. قال ابن زيد قوله: ﴿قُل لَّمْ تُؤْمِنُواْ﴾ أي: لم تصدقوا قولكم بعملكم. ثم أخبر تعالى بصفة المؤمنين فقال: ﴿إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُواْ﴾. قال النخعي: ولكن قولوا أسلمنا: أي: استسلمنا. وعن ابن عباس: أن هذه الآية نزلت في أعراب أرادوا أن يتسموا باسم الهجرة قبل أن يهاجروا فأعلمهم الله عز وجل أن لهم أسماء الأعراب لا أسماء المهاجرين. وقيل إنهم منوا على النبي ﷺ بإيمانهم فأعلمهم الله عز وجل أن هذا ليس من خلق المؤمنين إنما هو من خلق من استسلم خوف السباء والقتل، ولو دخل الإيمان في قلوبهم ما منّوا به، ودليله قوله بعد ذلك ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُواْ﴾. وقال قتادة: لم تعم هذه الآية كل الأعراب، بل فيهم المؤمنون حقاً، إنما نزلت في حي من أحياء العرب امتنوا بإسلامهم على نبي الله فقالوا آمنا ولم نقاتلك كما قاتلك بنو فلان وبنو فلان. ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَلَمَّا يَدْخُلِ ٱلإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾. أي: ولما يدخل العلم بشرائع الإيمان وحقائقه في قلوبكم، وهو نفي قد دخل. * * ثم قال: ﴿وَإِن تُطِيعُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ لاَ يَلِتْكُمْ مِّنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئاً﴾. أي: إن أطعتم الله ورسوله فيما تؤمرون به لا ينقصكم الله (من ثواب أعمالكم شيئاً في الآخرة) ولا يظلمكم. قال ابن زيد معناه: "إن تصدقوا قلوبكم بفعلكم يقبل ذلك منكم، وتجاوزا عليه". يقال: أَلَتَهُ ويَأَلِتْهُ وَلآتَهُ يَلِيتُه لغتان بمعنى: نَقَصَه، فمن قرأ "لاَ يَلِتْكُمْ" فهو من لاَتَ يَلِيتَ، وتصديقها في المصحف أنها بغير ألف بعد الياء، ولو كانت همزة لم تختصر من الخط. ومن قرأ "يَأْلِتْكُمْ" فهو من أَلَتَ يَأْلِتُ. فأما قوله: ﴿وَمَآ أَلَتْنَاهُمْ مِّنْ عَمَلِهِم﴾ [الطور: ٢١] فهو من أَلَتَ يَأْلَتُ، (ولو جاء على اللغة) الأخرى لقيل، وما أَلَتْنَاهُمْ. وهذه لغة هذيل. وبذلك قرأ ابن مسعود وأُبي، وهذه القراءة شاهدة لقراءة من قرأ هنا "يَلِتْكُمْ" من لاَتَ يَلِيْتُ، لكنها مخالفة للخط؛ لأن الخط في "والطور" بألف قبل اللام، لكن من جعله هنا من لات وفي "الطور من ألت" فإنما جمع بين اللغتين واتبع الخط في الموضعين، ومثله مما أجمع عليه قوله: ﴿فَهِيَ تُمْلَىٰ عَلَيْهِ﴾ [الفرقان: ٥]، فهذا من أَمْلَى يُمْلِي. ثم قال في موضع آخر: ﴿فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، فهذا من أمثال، يقال أَمْلَى عليه وَأَمَال عَلَيْه: لغتان، ومثله قوله: ﴿سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَاراً﴾ [النساء: ٥٦] فهذا من أمليت. وقال في موضع آخر ﴿ثُمَّ ٱلْجَحِيمَ صَلُّوهُ﴾ [الحاقة: ٣١] فهذا من صليت. ومثله قوله: ﴿كَيْفَ يُبْدِئُ ٱللَّهُ ٱلْخَلْقَ﴾ [العنكبوت: ١٨] من أبدأ، وقال: ﴿كَيْفَ بَدَأَ ٱلْخَلْقَ﴾ [العنكبوت: ١٩] من بدأته، يقال: أَبْدَأَهُ وَبَدَأَهُ لغتان. وقد قرأ ابن كثير: أَلِتْنَاهُمْ بكسر اللام، وهي لغة أيضاً. يقال: أَلِتَ يَأْلِتُ وَأَلَتَ يَألَتُ. * * ثم قال: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾. أي: غفور للذنوب لمن تاب منها رحيم أن يعذب أحداً بعد توبته. * * ثم قال: ﴿إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾. أي: صدقوا بما أنزل الله، وبرسول الله بقلوبهم، وأقروا به بألسنتهم، وقبلوا ما أمروا به، وانتهوا عما نهوا عنه، ثم لم يُشكوا في ذلك. ﴿وَجَاهَدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلصَّادِقُونَ﴾ أي: هم الذين صدقوا في قولهم إنا مؤمنون. * * ثم قال: ﴿قُلْ أَتُعَلِّمُونَ ٱللَّهَ بِدِينِكُمْ﴾ أي: أتعلمونه بطاعتكم وما أضمرت قلوبكم، وهو يعلم ما غاب عنكم في السماوات والأرض. لا يخفى عليه شيء من ذلك، فكيف يخفى عليه ما تخفي صدوركم. ﴿وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ أي: ذو علم بجميع الأشياء. * * ثم قال: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُواْ﴾. أي: يمنون عليك يا محمد بإسلامهم، قل لهم: لا تمنوا علي إسلامكم بل الله يمن عليكم بهدايته لكم إلى الإيمان، ولولا توفيقه لكم ما أسلمتم، فالمنة له لا إله إلا هو إن كنتم صادقين في قولكم (أنكم آمنتم)، فالمنة في ذلك عليكم لله عز وجل، ولا منة لكم على الله، وذلك أن النبي ﷺ كان يفضل المهاجرين بالعطاء ليستألفهم على الإسلام فكرهت الأنصار ذلك وتكلمت، فأنزل الله عز وجل ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُواْ﴾ الآية، فلما نزلت أتى الأنصار إلى النبي ﷺ يبكون فقالوا يا رسول الله جئتنا ونحن ضلال فهدانا الله بك، وجئتنا ونحن أذلة فهدانا الله بك، فقال لهم النبي ﷺ لئن قلتم إنك جئتنا ذليلاً فأعززناك ومطروداً فآويناك، فقالت الأنصار بل لله ورسوله المنة علينا فقال النبي ﷺ: "الناس دثاري وأنتم شعاري، ولو سلك الناس وادياً وسلكت الأنصار وادياً لسلكت وادي الأنصار ولولا الهجرة لكنت أحداً من الأنصار" ثم قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ غَيْبَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ﴾ أي: يعلم ما غاب فيها لا يخفى عليه [شيء]، فهو يعلم الصادق منكم من الكاذب في دعواه، فلا يخفى عليه ما تكنه صدوركم. * * ثم قال: ﴿وَٱللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ أي: ذو بصر بأعمالكم لا يخفى عليه منها شيء فهو محصيها عليكم حتى يجازيكم بها إن خيراً فخير وإن شراً فشر.

الحجرات 49:17

قوله: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنْثَىٰ﴾ إلى آخر السورة الآيات. أي: خلقناكم من آدم وحواء، يعني من ماء ذكر وماء أنثى. قال مجاهد: خلق الله عز وجل الولد من ماء الرجل وماء المرأة. * * ثم قال: ﴿وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَآئِلَ لِتَعَارَفُوۤاْ﴾. أي: وجعلناكم متناسبين يناسب بعضكم بعضاً فيعرف بعضكم بعضاً، فيقال فلان ابن فلان من بني فلان فيعرف قرب نسبه من بعده فالأفخاذ أقرب [من القبائل والقبائل أقرب] من الشعوب. قال مجاهد: شعوباً هو النسب البعيد، والقبائل دون ذلك. وكذلك قال قتادة والضحاك. قال ابن عباس: الشعوب الجماع، والقبائل البطون. وقال ابن جبير: الشعوب الجمهور، والقبائل الأفخاذ. وواحد الشعوب شعب بالفتح، والشعب عند أهل اللغة: الجمهور مثل مضر تقسمت وتفرقت، ثم يليه القبيلة لأنها يقابل بعضها بعضاً، ثم العمارة ثم البطن ثم الفخذ وهو أقربها. وقيل: إن الشعوب الموالي، والقبائل العرب. * * ثم قال: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عَندَ ٱللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾. أي: أفضلكم عند الله أتقاكم لارتكاب ما نهى الله سبحانه عنه، وأعمالكم لما أمر الله تعالى به ليس فضلكم بأنسابكم إنما الفضل لمن كثر تقاه. قال النبي ﷺ وقد سأل عن غير الناس فقال: "آمرهم بالمعروف وأنهاهم عن المنكر وأوصلهم للرحم وأتقاهم قال أبو هريرة: ينادي مناد يوم القيامة إنا جعلنا نسباً وجعلتم نسباً إن أكرمكم عند الله أتقاكم ليقم المتقون، فلا يقوم إلا من كان كذلك. وعن النبي ﷺ أنه قال: "أخير الناس من طال عمره وحسن عمله وروي عن ابن عباس أنه قرأ: "لتعرفوا أن أكرمكم عند الله بفتح "أن" وتعرفوا على مقال تضربوا، على معنى جعلهم شعوباً وقبائل لكي يعرفوا أن أكرمهم عند الله أتقاهم، ومجاز هذه القراءة: جعلهم كذلك ليعرفوا أنسابهم؛ لأن أكرمهم عند الله أتقاهم؛ لأن: "تَعْرِفُوا" عملت في: "أن" لأنه لم يجعلهم شعوباً وقبائل ليعرفوا أن أكرمهم عند الله أتقاهم، إنما جعلهم كذلك ليعرفوا أنسابهم. وكسر "أن" أولى وأتم في المعنى المقصود إليه بالآية. * * ثم قال: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾. أي: ذو علم، بأتقاكم عنده وأكرمكم، وذو خبر بكم وبمصالحكم. * * ثم قال: ﴿قَالَتِ ٱلأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُواْ وَلَـٰكِن قُولُوۤاْ أَسْلَمْنَا﴾. أي: قالت جماعة الأعراب صدقنا بالله وبرسوله، قل لهم يا محمد لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا وخضعنا وتذللنا. والإسلام في اللغة الخضوع والتذلل لأمر الله جل ذكره والتسليم له. والإيمان: التصديق بكل ما جاء من عند الله. وللإسلام موضع آخر وهو الاستسلام خوف القتل، قد يقع الإسلام بمعنى الإيمان وقد يكون بمعنى الاستسلام. والإيمان والإسلام يتعرفان على وجهين إيمان ظاهر لا باطن معه نحو قوله: ﴿وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِٱللَّهِ وَبِٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٨] وإيمان باطن وظاهر وهو المتقبل، وإسلام ظاهر لا باطن معه كالذي في هذه السورة. والإسلام أعم من الإيمان لأن الإسلام ما صدق به باطن [ونطق به الظاهر والإيمان ما صدق به الباطن]، فإن كان الإسلام ظاهراً غير باطن فليس بإيمان إنما هو استسلام ولا هو إسلام صحيح. وهذه الآية نزلت في أعراب من بني أسد، وهم من المؤلفة قلوبهم أسلموا بألسنتهم خوف القتل والسباء ولم تصدق قلوبهم ألسنتهم. فرد الله عليهم قولهم "آمنا" إذ لم يصدقوه بقلوبهم، وقال بل قولوا أسلمنا: أي: استسلمنا في الظاهر خوف القتل، فالإسلام قول، والإيمان قول وعمل. قال الزهري: الإسلام قول والإيمان عمل. قال ابن زيد قوله: ﴿قُل لَّمْ تُؤْمِنُواْ﴾ أي: لم تصدقوا قولكم بعملكم. ثم أخبر تعالى بصفة المؤمنين فقال: ﴿إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُواْ﴾. قال النخعي: ولكن قولوا أسلمنا: أي: استسلمنا. وعن ابن عباس: أن هذه الآية نزلت في أعراب أرادوا أن يتسموا باسم الهجرة قبل أن يهاجروا فأعلمهم الله عز وجل أن لهم أسماء الأعراب لا أسماء المهاجرين. وقيل إنهم منوا على النبي ﷺ بإيمانهم فأعلمهم الله عز وجل أن هذا ليس من خلق المؤمنين إنما هو من خلق من استسلم خوف السباء والقتل، ولو دخل الإيمان في قلوبهم ما منّوا به، ودليله قوله بعد ذلك ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُواْ﴾. وقال قتادة: لم تعم هذه الآية كل الأعراب، بل فيهم المؤمنون حقاً، إنما نزلت في حي من أحياء العرب امتنوا بإسلامهم على نبي الله فقالوا آمنا ولم نقاتلك كما قاتلك بنو فلان وبنو فلان. ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَلَمَّا يَدْخُلِ ٱلإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾. أي: ولما يدخل العلم بشرائع الإيمان وحقائقه في قلوبكم، وهو نفي قد دخل. * * ثم قال: ﴿وَإِن تُطِيعُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ لاَ يَلِتْكُمْ مِّنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئاً﴾. أي: إن أطعتم الله ورسوله فيما تؤمرون به لا ينقصكم الله (من ثواب أعمالكم شيئاً في الآخرة) ولا يظلمكم. قال ابن زيد معناه: "إن تصدقوا قلوبكم بفعلكم يقبل ذلك منكم، وتجاوزا عليه". يقال: أَلَتَهُ ويَأَلِتْهُ وَلآتَهُ يَلِيتُه لغتان بمعنى: نَقَصَه، فمن قرأ "لاَ يَلِتْكُمْ" فهو من لاَتَ يَلِيتَ، وتصديقها في المصحف أنها بغير ألف بعد الياء، ولو كانت همزة لم تختصر من الخط. ومن قرأ "يَأْلِتْكُمْ" فهو من أَلَتَ يَأْلِتُ. فأما قوله: ﴿وَمَآ أَلَتْنَاهُمْ مِّنْ عَمَلِهِم﴾ [الطور: ٢١] فهو من أَلَتَ يَأْلَتُ، (ولو جاء على اللغة) الأخرى لقيل، وما أَلَتْنَاهُمْ. وهذه لغة هذيل. وبذلك قرأ ابن مسعود وأُبي، وهذه القراءة شاهدة لقراءة من قرأ هنا "يَلِتْكُمْ" من لاَتَ يَلِيْتُ، لكنها مخالفة للخط؛ لأن الخط في "والطور" بألف قبل اللام، لكن من جعله هنا من لات وفي "الطور من ألت" فإنما جمع بين اللغتين واتبع الخط في الموضعين، ومثله مما أجمع عليه قوله: ﴿فَهِيَ تُمْلَىٰ عَلَيْهِ﴾ [الفرقان: ٥]، فهذا من أَمْلَى يُمْلِي. ثم قال في موضع آخر: ﴿فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، فهذا من أمثال، يقال أَمْلَى عليه وَأَمَال عَلَيْه: لغتان، ومثله قوله: ﴿سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَاراً﴾ [النساء: ٥٦] فهذا من أمليت. وقال في موضع آخر ﴿ثُمَّ ٱلْجَحِيمَ صَلُّوهُ﴾ [الحاقة: ٣١] فهذا من صليت. ومثله قوله: ﴿كَيْفَ يُبْدِئُ ٱللَّهُ ٱلْخَلْقَ﴾ [العنكبوت: ١٨] من أبدأ، وقال: ﴿كَيْفَ بَدَأَ ٱلْخَلْقَ﴾ [العنكبوت: ١٩] من بدأته، يقال: أَبْدَأَهُ وَبَدَأَهُ لغتان. وقد قرأ ابن كثير: أَلِتْنَاهُمْ بكسر اللام، وهي لغة أيضاً. يقال: أَلِتَ يَأْلِتُ وَأَلَتَ يَألَتُ. * * ثم قال: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾. أي: غفور للذنوب لمن تاب منها رحيم أن يعذب أحداً بعد توبته. * * ثم قال: ﴿إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾. أي: صدقوا بما أنزل الله، وبرسول الله بقلوبهم، وأقروا به بألسنتهم، وقبلوا ما أمروا به، وانتهوا عما نهوا عنه، ثم لم يُشكوا في ذلك. ﴿وَجَاهَدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلصَّادِقُونَ﴾ أي: هم الذين صدقوا في قولهم إنا مؤمنون. * * ثم قال: ﴿قُلْ أَتُعَلِّمُونَ ٱللَّهَ بِدِينِكُمْ﴾ أي: أتعلمونه بطاعتكم وما أضمرت قلوبكم، وهو يعلم ما غاب عنكم في السماوات والأرض. لا يخفى عليه شيء من ذلك، فكيف يخفى عليه ما تخفي صدوركم. ﴿وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ أي: ذو علم بجميع الأشياء. * * ثم قال: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُواْ﴾. أي: يمنون عليك يا محمد بإسلامهم، قل لهم: لا تمنوا علي إسلامكم بل الله يمن عليكم بهدايته لكم إلى الإيمان، ولولا توفيقه لكم ما أسلمتم، فالمنة له لا إله إلا هو إن كنتم صادقين في قولكم (أنكم آمنتم)، فالمنة في ذلك عليكم لله عز وجل، ولا منة لكم على الله، وذلك أن النبي ﷺ كان يفضل المهاجرين بالعطاء ليستألفهم على الإسلام فكرهت الأنصار ذلك وتكلمت، فأنزل الله عز وجل ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُواْ﴾ الآية، فلما نزلت أتى الأنصار إلى النبي ﷺ يبكون فقالوا يا رسول الله جئتنا ونحن ضلال فهدانا الله بك، وجئتنا ونحن أذلة فهدانا الله بك، فقال لهم النبي ﷺ لئن قلتم إنك جئتنا ذليلاً فأعززناك ومطروداً فآويناك، فقالت الأنصار بل لله ورسوله المنة علينا فقال النبي ﷺ: "الناس دثاري وأنتم شعاري، ولو سلك الناس وادياً وسلكت الأنصار وادياً لسلكت وادي الأنصار ولولا الهجرة لكنت أحداً من الأنصار" ثم قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ غَيْبَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ﴾ أي: يعلم ما غاب فيها لا يخفى عليه [شيء]، فهو يعلم الصادق منكم من الكاذب في دعواه، فلا يخفى عليه ما تكنه صدوركم. * * ثم قال: ﴿وَٱللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ أي: ذو بصر بأعمالكم لا يخفى عليه منها شيء فهو محصيها عليكم حتى يجازيكم بها إن خيراً فخير وإن شراً فشر.

الحجرات 49:18

قوله: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنْثَىٰ﴾ إلى آخر السورة الآيات. أي: خلقناكم من آدم وحواء، يعني من ماء ذكر وماء أنثى. قال مجاهد: خلق الله عز وجل الولد من ماء الرجل وماء المرأة. * * ثم قال: ﴿وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَآئِلَ لِتَعَارَفُوۤاْ﴾. أي: وجعلناكم متناسبين يناسب بعضكم بعضاً فيعرف بعضكم بعضاً، فيقال فلان ابن فلان من بني فلان فيعرف قرب نسبه من بعده فالأفخاذ أقرب [من القبائل والقبائل أقرب] من الشعوب. قال مجاهد: شعوباً هو النسب البعيد، والقبائل دون ذلك. وكذلك قال قتادة والضحاك. قال ابن عباس: الشعوب الجماع، والقبائل البطون. وقال ابن جبير: الشعوب الجمهور، والقبائل الأفخاذ. وواحد الشعوب شعب بالفتح، والشعب عند أهل اللغة: الجمهور مثل مضر تقسمت وتفرقت، ثم يليه القبيلة لأنها يقابل بعضها بعضاً، ثم العمارة ثم البطن ثم الفخذ وهو أقربها. وقيل: إن الشعوب الموالي، والقبائل العرب. * * ثم قال: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عَندَ ٱللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾. أي: أفضلكم عند الله أتقاكم لارتكاب ما نهى الله سبحانه عنه، وأعمالكم لما أمر الله تعالى به ليس فضلكم بأنسابكم إنما الفضل لمن كثر تقاه. قال النبي ﷺ وقد سأل عن غير الناس فقال: "آمرهم بالمعروف وأنهاهم عن المنكر وأوصلهم للرحم وأتقاهم قال أبو هريرة: ينادي مناد يوم القيامة إنا جعلنا نسباً وجعلتم نسباً إن أكرمكم عند الله أتقاكم ليقم المتقون، فلا يقوم إلا من كان كذلك. وعن النبي ﷺ أنه قال: "أخير الناس من طال عمره وحسن عمله وروي عن ابن عباس أنه قرأ: "لتعرفوا أن أكرمكم عند الله بفتح "أن" وتعرفوا على مقال تضربوا، على معنى جعلهم شعوباً وقبائل لكي يعرفوا أن أكرمهم عند الله أتقاهم، ومجاز هذه القراءة: جعلهم كذلك ليعرفوا أنسابهم؛ لأن أكرمهم عند الله أتقاهم؛ لأن: "تَعْرِفُوا" عملت في: "أن" لأنه لم يجعلهم شعوباً وقبائل ليعرفوا أن أكرمهم عند الله أتقاهم، إنما جعلهم كذلك ليعرفوا أنسابهم. وكسر "أن" أولى وأتم في المعنى المقصود إليه بالآية. * * ثم قال: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾. أي: ذو علم، بأتقاكم عنده وأكرمكم، وذو خبر بكم وبمصالحكم. * * ثم قال: ﴿قَالَتِ ٱلأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُواْ وَلَـٰكِن قُولُوۤاْ أَسْلَمْنَا﴾. أي: قالت جماعة الأعراب صدقنا بالله وبرسوله، قل لهم يا محمد لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا وخضعنا وتذللنا. والإسلام في اللغة الخضوع والتذلل لأمر الله جل ذكره والتسليم له. والإيمان: التصديق بكل ما جاء من عند الله. وللإسلام موضع آخر وهو الاستسلام خوف القتل، قد يقع الإسلام بمعنى الإيمان وقد يكون بمعنى الاستسلام. والإيمان والإسلام يتعرفان على وجهين إيمان ظاهر لا باطن معه نحو قوله: ﴿وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِٱللَّهِ وَبِٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٨] وإيمان باطن وظاهر وهو المتقبل، وإسلام ظاهر لا باطن معه كالذي في هذه السورة. والإسلام أعم من الإيمان لأن الإسلام ما صدق به باطن [ونطق به الظاهر والإيمان ما صدق به الباطن]، فإن كان الإسلام ظاهراً غير باطن فليس بإيمان إنما هو استسلام ولا هو إسلام صحيح. وهذه الآية نزلت في أعراب من بني أسد، وهم من المؤلفة قلوبهم أسلموا بألسنتهم خوف القتل والسباء ولم تصدق قلوبهم ألسنتهم. فرد الله عليهم قولهم "آمنا" إذ لم يصدقوه بقلوبهم، وقال بل قولوا أسلمنا: أي: استسلمنا في الظاهر خوف القتل، فالإسلام قول، والإيمان قول وعمل. قال الزهري: الإسلام قول والإيمان عمل. قال ابن زيد قوله: ﴿قُل لَّمْ تُؤْمِنُواْ﴾ أي: لم تصدقوا قولكم بعملكم. ثم أخبر تعالى بصفة المؤمنين فقال: ﴿إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُواْ﴾. قال النخعي: ولكن قولوا أسلمنا: أي: استسلمنا. وعن ابن عباس: أن هذه الآية نزلت في أعراب أرادوا أن يتسموا باسم الهجرة قبل أن يهاجروا فأعلمهم الله عز وجل أن لهم أسماء الأعراب لا أسماء المهاجرين. وقيل إنهم منوا على النبي ﷺ بإيمانهم فأعلمهم الله عز وجل أن هذا ليس من خلق المؤمنين إنما هو من خلق من استسلم خوف السباء والقتل، ولو دخل الإيمان في قلوبهم ما منّوا به، ودليله قوله بعد ذلك ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُواْ﴾. وقال قتادة: لم تعم هذه الآية كل الأعراب، بل فيهم المؤمنون حقاً، إنما نزلت في حي من أحياء العرب امتنوا بإسلامهم على نبي الله فقالوا آمنا ولم نقاتلك كما قاتلك بنو فلان وبنو فلان. ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَلَمَّا يَدْخُلِ ٱلإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾. أي: ولما يدخل العلم بشرائع الإيمان وحقائقه في قلوبكم، وهو نفي قد دخل. * * ثم قال: ﴿وَإِن تُطِيعُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ لاَ يَلِتْكُمْ مِّنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئاً﴾. أي: إن أطعتم الله ورسوله فيما تؤمرون به لا ينقصكم الله (من ثواب أعمالكم شيئاً في الآخرة) ولا يظلمكم. قال ابن زيد معناه: "إن تصدقوا قلوبكم بفعلكم يقبل ذلك منكم، وتجاوزا عليه". يقال: أَلَتَهُ ويَأَلِتْهُ وَلآتَهُ يَلِيتُه لغتان بمعنى: نَقَصَه، فمن قرأ "لاَ يَلِتْكُمْ" فهو من لاَتَ يَلِيتَ، وتصديقها في المصحف أنها بغير ألف بعد الياء، ولو كانت همزة لم تختصر من الخط. ومن قرأ "يَأْلِتْكُمْ" فهو من أَلَتَ يَأْلِتُ. فأما قوله: ﴿وَمَآ أَلَتْنَاهُمْ مِّنْ عَمَلِهِم﴾ [الطور: ٢١] فهو من أَلَتَ يَأْلَتُ، (ولو جاء على اللغة) الأخرى لقيل، وما أَلَتْنَاهُمْ. وهذه لغة هذيل. وبذلك قرأ ابن مسعود وأُبي، وهذه القراءة شاهدة لقراءة من قرأ هنا "يَلِتْكُمْ" من لاَتَ يَلِيْتُ، لكنها مخالفة للخط؛ لأن الخط في "والطور" بألف قبل اللام، لكن من جعله هنا من لات وفي "الطور من ألت" فإنما جمع بين اللغتين واتبع الخط في الموضعين، ومثله مما أجمع عليه قوله: ﴿فَهِيَ تُمْلَىٰ عَلَيْهِ﴾ [الفرقان: ٥]، فهذا من أَمْلَى يُمْلِي. ثم قال في موضع آخر: ﴿فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، فهذا من أمثال، يقال أَمْلَى عليه وَأَمَال عَلَيْه: لغتان، ومثله قوله: ﴿سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَاراً﴾ [النساء: ٥٦] فهذا من أمليت. وقال في موضع آخر ﴿ثُمَّ ٱلْجَحِيمَ صَلُّوهُ﴾ [الحاقة: ٣١] فهذا من صليت. ومثله قوله: ﴿كَيْفَ يُبْدِئُ ٱللَّهُ ٱلْخَلْقَ﴾ [العنكبوت: ١٨] من أبدأ، وقال: ﴿كَيْفَ بَدَأَ ٱلْخَلْقَ﴾ [العنكبوت: ١٩] من بدأته، يقال: أَبْدَأَهُ وَبَدَأَهُ لغتان. وقد قرأ ابن كثير: أَلِتْنَاهُمْ بكسر اللام، وهي لغة أيضاً. يقال: أَلِتَ يَأْلِتُ وَأَلَتَ يَألَتُ. * * ثم قال: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾. أي: غفور للذنوب لمن تاب منها رحيم أن يعذب أحداً بعد توبته. * * ثم قال: ﴿إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾. أي: صدقوا بما أنزل الله، وبرسول الله بقلوبهم، وأقروا به بألسنتهم، وقبلوا ما أمروا به، وانتهوا عما نهوا عنه، ثم لم يُشكوا في ذلك. ﴿وَجَاهَدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلصَّادِقُونَ﴾ أي: هم الذين صدقوا في قولهم إنا مؤمنون. * * ثم قال: ﴿قُلْ أَتُعَلِّمُونَ ٱللَّهَ بِدِينِكُمْ﴾ أي: أتعلمونه بطاعتكم وما أضمرت قلوبكم، وهو يعلم ما غاب عنكم في السماوات والأرض. لا يخفى عليه شيء من ذلك، فكيف يخفى عليه ما تخفي صدوركم. ﴿وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ أي: ذو علم بجميع الأشياء. * * ثم قال: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُواْ﴾. أي: يمنون عليك يا محمد بإسلامهم، قل لهم: لا تمنوا علي إسلامكم بل الله يمن عليكم بهدايته لكم إلى الإيمان، ولولا توفيقه لكم ما أسلمتم، فالمنة له لا إله إلا هو إن كنتم صادقين في قولكم (أنكم آمنتم)، فالمنة في ذلك عليكم لله عز وجل، ولا منة لكم على الله، وذلك أن النبي ﷺ كان يفضل المهاجرين بالعطاء ليستألفهم على الإسلام فكرهت الأنصار ذلك وتكلمت، فأنزل الله عز وجل ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُواْ﴾ الآية، فلما نزلت أتى الأنصار إلى النبي ﷺ يبكون فقالوا يا رسول الله جئتنا ونحن ضلال فهدانا الله بك، وجئتنا ونحن أذلة فهدانا الله بك، فقال لهم النبي ﷺ لئن قلتم إنك جئتنا ذليلاً فأعززناك ومطروداً فآويناك، فقالت الأنصار بل لله ورسوله المنة علينا فقال النبي ﷺ: "الناس دثاري وأنتم شعاري، ولو سلك الناس وادياً وسلكت الأنصار وادياً لسلكت وادي الأنصار ولولا الهجرة لكنت أحداً من الأنصار" ثم قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ غَيْبَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ﴾ أي: يعلم ما غاب فيها لا يخفى عليه [شيء]، فهو يعلم الصادق منكم من الكاذب في دعواه، فلا يخفى عليه ما تكنه صدوركم. * * ثم قال: ﴿وَٱللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ أي: ذو بصر بأعمالكم لا يخفى عليه منها شيء فهو محصيها عليكم حتى يجازيكم بها إن خيراً فخير وإن شراً فشر.

ق 50:1

قوله تعالى: ﴿قۤ وَٱلْقُرْآنِ ٱلْمَجِيدِ﴾ إلى قوله: ﴿فَحَقَّ وَعِيدِ﴾ الآيات. روى عطاء والضحاك عن ابن عباس: أن قۤ اسم جبل محيط بالدنيا من زبرجدة خضراء وأن السماء عليه مقبية أقسم الله جل ذكره به. وقال ابن عباس: "قۤ" و "نۤ" وأشباه هذا قسم أقسم الله به، وهو اسم من أسماء الله. وقال قتادة: اسم من أسماء القرآن، وعنه: أنه اسم من أسماء السور، والوقف على ق، في هذه الثلاثة تقديرات، حسن. وقال الفراء: معنى قۤ، "قُفِيَ الأَمْرُ واللهَّ"، فاكتفى بالقاف عن الجملة كما قال: "قُلْتُ لَهَا قِفِي لَنَا، فَقَالَتْ قَافْ"، أي: قَد وقَفْتُ، أي: فاكتفى بالقاف عن الجملة، وتَقِفُ على "قاف" في هذا القول إِلاَّ أن تَجْعَلَه جواباً للقسم بعده فلا تقِفُ عليه، فإن أضمرتَ الجواب وقفتَ على قاف، وكذلك التقدير في القول الذي بعده، وهو قول مجاهد. وقال مجاهد: قۤ جبل محيط بالأرض، وقيل: إنه من زمردة خضراء وإن خضرة السماء والبحر منه. * * وقوله: ﴿وَٱلْقُرْآنِ ٱلْمَجِيدِ﴾ قسم، والمجيد: الكريم. وقيل: الرفيع القدر. واختُلف في جواب القسم، فقيل: الجواب ﴿بَلْ عَجِبُوۤاْ﴾ لأن "بل" تُؤَكد وتُوجِب وقوع ما بعدها. مثل "أن" و "اللام"، وقولُك "لَقَدْ عَجِبُوا" و "بَلْ عَجِبُوا" واحد. وقال الأخفش سعيد، الجواب: قد علمنا ما تنقص الأرض، أي: قد علمنا ذلك، وهو قول الكسائي. وقال الزجاج: الجواب محذوف، والتقدير: والقرآن المجيد لتُبعثُن. وقيل التقدير: والقرآن المجيد لتعلمن عاقبة تكذيبكم بالبعث، ودل على ذلك مَا حكى الله عنهم من قولهم ﴿أَءِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾. وقيل الجواب (قۤ لأنه) بمعنى قُفِيَ الأَمْرُ والقرآن المجيد. وقيل الجواب (قۤ): وعلى تقدير هو "قۤ" والقرآن المجيد، وهذا على قول ابن زيد ووهب بن منبه لأنهما قالا "قاف" اسم للجبل المحيط بالأرض. وقيل الجواب ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَىٰ﴾. * * ثم قال تعالى: ﴿بَلْ عَجِبُوۤاْ أَن جَآءَهُمْ مُّنذِرٌ مِّنْهُمْ﴾. أي: لم يكذبك قريش يا محمد لأنهم لا يعرفونك بل لتعجبهم وإنكارهم من بشر مثلهم ينذرهم بأمر الله عز وجل. * * ﴿فَقَالَ ٱلْكَافِرُونَ هَـٰذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ﴾. قال بعض أهل المعاني: (العجب وقع من المؤمنين) والكافرين فقيل بل عجبوا أن جاءهم منذر منهم. ثم ميز الله الكافرين من المؤمنين [فقال تعالى]: ﴿فَقَالَ ٱلْكَافِرُونَ هَـٰذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ * أَءِذَا مِتْنَا﴾ الآية فوصفهم بإنكار البعث، ولم يقل: بل عجبوا أن جاءهم منذر منهم فقالوا هذا شيء عجيب. ثم بيَّن قول الكافرين من جميع من تعجب من إرسال منذر، فآمن المؤمنون مما تعجبوا منه، وكفر الكافرون به. ثم قال تعالى حكاية عن قولهم أنهم قالوا: ﴿أَءِذَا مِتْنَا﴾، وإنما هو جواب منهم لإعلام النبي ﷺ لهم، أنهم يبعثون، فأنكروا ذلك فقالوا: ﴿أَءِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾ أي: أَنُبعَثُ إذا كنا في قبورنا تراباً؟ وقوله: ﴿أَءِذَا مِتْنَا﴾: إنما هو جواب منهم لإعلام النبي ﷺ لهم أنهم يبعثون ويجازون بأعمالهم. ودل على ذلك قوله: ﴿أَن جَآءَهُمْ مُّنذِرٌ مِّنْهُمْ﴾ لأن المنذر أعلمهم أنهم يبعثون فأنكروا ذلك، فقالوا: أئِذا متنا وكنا ترابا، واكتفى بدلالة الكلام على حكاية ما قال لهم المنذر وهو النبي ﷺ. وقيل: إنما أتى هذا الإنكار ولم يتقدم قبله شيء للجواب المضمر المحذوف، والتقدير: والقرآن المجيد لتبعثن، ففهموا ذلك فقالوا جزاباً: أنبعث إذا كنا تراباً، إنكاراً للبعث. وقيل: أن "أئذا متنا" جواب لِما قيل لهم، إذ أنكروا إتيان منذر منهم، وقالوا هذا شيء عجيب، فقيل لهم ستعلمون عاقبة إنكارهم إذا بعثتم بعد موتكم، فقالوا منكرين: أئذا متنا وكنا تراباً نبعث. ومعنى: ﴿ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾ أي: ذلك بعث لا يكون. * * ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنقُصُ ٱلأَرْضُ مِنْهُمْ﴾. أي: قد علمنا ما تأكل الأرض من أجسامهم [بعد موتهم، وعندنا كتاب محفوظ بما تأكل الأرض منهم. قال مجاهد: ما تأكل الأرض منهم أي: عظامهم]. وقال ابن عباس: من لحومهم وأبشارهم وعظامهم وأشعارهم، وما يبقى، فالذي يبقى من الإنسان هو عجب الذنب ومنه يتركب عند النشور. وروى أبو سعيد الخدري: أن النبي ﷺ قال: يأكل التراب كل شيء من الإنسان إلا عَجُبُ الذَّنَبِ، فقيل: وما هو يا رسول الله، فقال مثل حبة خردل منه تنشرون وقيل معناه: وقد علمنا ما يدخل (في الإسلام من بلدان المشركين). * * ثم قال: ﴿بَلْ كَذَّبُواْ بِٱلْحَقِّ لَمَّا جَآءَهُمْ﴾ يعني بالقرآن. ﴿فَهُمْ فِيۤ أَمْرٍ مَّرِيجٍ﴾ أي: مختلط ملتبس لا يعرفون حقه من باطله. وقال ابن عباس: المريج الشيء المنكر، وعنه مريج: مختلف، وعنه في أمر ضلالة. وقال (ابن جبير ومجاهد) مريج: ملتبس. وقال ابن زيد في المختلط: يقال مرج الخاتم في أصبعه: إذا اضطرب من الهزال، فتقديره: فهم في أمر مختلط مختلف، لا يثبتون على رأي: واحد ولا على قول، يقولون مرة ساحر، ومرة معلم، ومرة كاهن، ومرة مجنون ، ثم دلهم جل ذكره على وحدانيته وآياته فقال: * * ﴿أَفَلَمْ يَنظُرُوۤاْ إِلَى ٱلسَّمَآءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا﴾. أي: أفلم ينظر هؤلاء المنكرون للبعث بعد الموت كيف خَلقنا السماء فوقهم بغير عمد يرونها، وكيف زيناها بالنجوم وليس فيها فتوق ولا شقوق فيعلمون أن من قدر على هذا الأمر العظيم الجليل وأحدثه لا يتعذر عليه إحياء الموتى على صغر خلقهم وقد نبه على هذا بقوله تعالى: ﴿لَخَلْقُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ أَكْـبَرُ مِنْ خَلْقِ ٱلنَّاسِ﴾ [غافر: ٥٦]. * * ثم قال: ﴿وَٱلأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ﴾. أي: وينظرون إلى الأرض كيف مددناها مسطحة لا اعوجاج فيها وجعلنا على جوانبها جبالاً تمسكها لئلا تميد بأهلها، وكيف أنبتنا فيها من كل جنس من النبات فيبهج من رآه ويسره، فمن قدر على اختراع هذا كله كيف يعجز عن إحياء الموتى بعد موتهم. وقيل بهيج: حسن، قاله ابن عباس. * * ثم قال: ﴿تَبْصِرَةً وَذِكْرَىٰ لِكُلِّ عَبْدٍ مُّنِيبٍ﴾. أي: فعل ذلك نعمة منه يبصرها العباد فيستدلون على عظيم قدرته، وأنه لا يعجزه شيء أراده، ويتذكرون به فيتَّعظون ويزدجرون عن مخالفة أمره ونهيه. والمنيب: التائب، قاله قتادة. وقيل منيب: مخبت، قاله مجاهد. و ﴿تَبْصِرَةً وَذِكْرَىٰ﴾: مصدران أو مفعولان من أجلهما؛ أي: فعلنا ذلك "ليبصركم الله" القدرة، ولتتذكروا عظمة الله فتعلموا أنه قادر على ما يشاء من إحياء الموتى وغير ذلك. * * ثم قال: ﴿وَنَزَّلْنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً مُّبَٰرَكاً﴾ أي: مطراً مباركاً فأنبتا به جنات، أي: بساتين، و "حب الحصيد" يعني الزرع من البر والشعير وسائر أنواع الحبوب. قال الفراء: الحصيد: هو إضافة الشيء إلى نفسه، لأن الحب هو الحصيد. والتقدير عند البصريين، وحب النبت الحصيد. * * ثم قال: ﴿وَٱلنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَّهَا طَلْعٌ نَّضِيدٌ﴾ أي: وأنبتنا النخل طوالا، وهي حال مقدرة، ونضيد بمعنى منضود أي: مكتنز منضم متراكب. * * ثم قال: ﴿رِّزْقاً لِّلْعِبَادِ﴾ "رزقاً" مصدر أو مفعول من أجله. * * ثم قال: ﴿وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَّيْتاً﴾ أي: أحيينا بالمطر بلدة قد أجذبت وقحطت فلا نبات فيها. * * ثم قال: ﴿كَذَلِكَ ٱلْخُرُوجُ﴾ أي: كذلك تخرجون من قبوركم يبعث الله جل ذكره ماء ينبت به الناس كما [ينبت به الزرع، أي: كما أحيينا هذه الأرض بعد موتها فأخرجنا فيها النبات والزرع بالمطر]. كذلك يبعث عليكم مطراً فتحيون للبعث يوم القيامة. * * ثم قال: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ﴾ أي: كذبت قبل قومك يا محمد قوم نوح. ﴿وَأَصْحَابُ ٱلرَّسِّ وَثَمُودُ * وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوَانُ لُوطٍ * وَأَصْحَابُ ٱلأَيْكَةِ وَقَوْمُ تُّبَّعٍ كُلٌّ كَذَّبَ ٱلرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ﴾ أصحاب الأيكة: قوم شعيب. والرس: بير قتل فيها صاحب يسۤ، قاله الضحاك. وقال كعب: أصحاب الأخدود، وهم الذين أرسل إليهم اثنان وعزز بثالث، قال: والرس: الأخدود. قال قتادة: الأيكة: الشجر الملتف. قال عبد الله بن سلام: كان تبع رجل من العرب ظهر على الناس فاختار فتية من الأحبار فاستبطنهم واستدخلهم حتى أخذ منهم وتابعهم فاستنكر ذلك قومه وقالوا قد ترك دينكم وتابع الفِتيَة فلما فشا ذلك قام الفتية فقالوا بيننا وبينهم النار تحرق الكاذب وينجو منها الصادق ففعلوا فعلق الفتية مصاحفهم في أعناقهم ثم غدوا إلى النار فدخلوها فانفرجت عنهم ثم دخلت الفرقة الأخرى فأحرقتهم فأسلم تبع، وكان رجلاً صالحاً. * * وقوله: ﴿كُلٌّ كَذَّبَ ٱلرُّسُلَ﴾ أي: كلهم كذب الرسل فوجب عليهم وعيد الله عز وجل وهو النقمة بالعذاب، وهو تخويف من الله عز وجل لقريش أنهم إن تمادوا على كفرهم حق عليهم الوعيد أيضاً.

ق 50:2

قوله تعالى: ﴿قۤ وَٱلْقُرْآنِ ٱلْمَجِيدِ﴾ إلى قوله: ﴿فَحَقَّ وَعِيدِ﴾ الآيات. روى عطاء والضحاك عن ابن عباس: أن قۤ اسم جبل محيط بالدنيا من زبرجدة خضراء وأن السماء عليه مقبية أقسم الله جل ذكره به. وقال ابن عباس: "قۤ" و "نۤ" وأشباه هذا قسم أقسم الله به، وهو اسم من أسماء الله. وقال قتادة: اسم من أسماء القرآن، وعنه: أنه اسم من أسماء السور، والوقف على ق، في هذه الثلاثة تقديرات، حسن. وقال الفراء: معنى قۤ، "قُفِيَ الأَمْرُ واللهَّ"، فاكتفى بالقاف عن الجملة كما قال: "قُلْتُ لَهَا قِفِي لَنَا، فَقَالَتْ قَافْ"، أي: قَد وقَفْتُ، أي: فاكتفى بالقاف عن الجملة، وتَقِفُ على "قاف" في هذا القول إِلاَّ أن تَجْعَلَه جواباً للقسم بعده فلا تقِفُ عليه، فإن أضمرتَ الجواب وقفتَ على قاف، وكذلك التقدير في القول الذي بعده، وهو قول مجاهد. وقال مجاهد: قۤ جبل محيط بالأرض، وقيل: إنه من زمردة خضراء وإن خضرة السماء والبحر منه. * * وقوله: ﴿وَٱلْقُرْآنِ ٱلْمَجِيدِ﴾ قسم، والمجيد: الكريم. وقيل: الرفيع القدر. واختُلف في جواب القسم، فقيل: الجواب ﴿بَلْ عَجِبُوۤاْ﴾ لأن "بل" تُؤَكد وتُوجِب وقوع ما بعدها. مثل "أن" و "اللام"، وقولُك "لَقَدْ عَجِبُوا" و "بَلْ عَجِبُوا" واحد. وقال الأخفش سعيد، الجواب: قد علمنا ما تنقص الأرض، أي: قد علمنا ذلك، وهو قول الكسائي. وقال الزجاج: الجواب محذوف، والتقدير: والقرآن المجيد لتُبعثُن. وقيل التقدير: والقرآن المجيد لتعلمن عاقبة تكذيبكم بالبعث، ودل على ذلك مَا حكى الله عنهم من قولهم ﴿أَءِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾. وقيل الجواب (قۤ لأنه) بمعنى قُفِيَ الأَمْرُ والقرآن المجيد. وقيل الجواب (قۤ): وعلى تقدير هو "قۤ" والقرآن المجيد، وهذا على قول ابن زيد ووهب بن منبه لأنهما قالا "قاف" اسم للجبل المحيط بالأرض. وقيل الجواب ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَىٰ﴾. * * ثم قال تعالى: ﴿بَلْ عَجِبُوۤاْ أَن جَآءَهُمْ مُّنذِرٌ مِّنْهُمْ﴾. أي: لم يكذبك قريش يا محمد لأنهم لا يعرفونك بل لتعجبهم وإنكارهم من بشر مثلهم ينذرهم بأمر الله عز وجل. * * ﴿فَقَالَ ٱلْكَافِرُونَ هَـٰذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ﴾. قال بعض أهل المعاني: (العجب وقع من المؤمنين) والكافرين فقيل بل عجبوا أن جاءهم منذر منهم. ثم ميز الله الكافرين من المؤمنين [فقال تعالى]: ﴿فَقَالَ ٱلْكَافِرُونَ هَـٰذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ * أَءِذَا مِتْنَا﴾ الآية فوصفهم بإنكار البعث، ولم يقل: بل عجبوا أن جاءهم منذر منهم فقالوا هذا شيء عجيب. ثم بيَّن قول الكافرين من جميع من تعجب من إرسال منذر، فآمن المؤمنون مما تعجبوا منه، وكفر الكافرون به. ثم قال تعالى حكاية عن قولهم أنهم قالوا: ﴿أَءِذَا مِتْنَا﴾، وإنما هو جواب منهم لإعلام النبي ﷺ لهم، أنهم يبعثون، فأنكروا ذلك فقالوا: ﴿أَءِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾ أي: أَنُبعَثُ إذا كنا في قبورنا تراباً؟ وقوله: ﴿أَءِذَا مِتْنَا﴾: إنما هو جواب منهم لإعلام النبي ﷺ لهم أنهم يبعثون ويجازون بأعمالهم. ودل على ذلك قوله: ﴿أَن جَآءَهُمْ مُّنذِرٌ مِّنْهُمْ﴾ لأن المنذر أعلمهم أنهم يبعثون فأنكروا ذلك، فقالوا: أئِذا متنا وكنا ترابا، واكتفى بدلالة الكلام على حكاية ما قال لهم المنذر وهو النبي ﷺ. وقيل: إنما أتى هذا الإنكار ولم يتقدم قبله شيء للجواب المضمر المحذوف، والتقدير: والقرآن المجيد لتبعثن، ففهموا ذلك فقالوا جزاباً: أنبعث إذا كنا تراباً، إنكاراً للبعث. وقيل: أن "أئذا متنا" جواب لِما قيل لهم، إذ أنكروا إتيان منذر منهم، وقالوا هذا شيء عجيب، فقيل لهم ستعلمون عاقبة إنكارهم إذا بعثتم بعد موتكم، فقالوا منكرين: أئذا متنا وكنا تراباً نبعث. ومعنى: ﴿ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾ أي: ذلك بعث لا يكون. * * ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنقُصُ ٱلأَرْضُ مِنْهُمْ﴾. أي: قد علمنا ما تأكل الأرض من أجسامهم [بعد موتهم، وعندنا كتاب محفوظ بما تأكل الأرض منهم. قال مجاهد: ما تأكل الأرض منهم أي: عظامهم]. وقال ابن عباس: من لحومهم وأبشارهم وعظامهم وأشعارهم، وما يبقى، فالذي يبقى من الإنسان هو عجب الذنب ومنه يتركب عند النشور. وروى أبو سعيد الخدري: أن النبي ﷺ قال: يأكل التراب كل شيء من الإنسان إلا عَجُبُ الذَّنَبِ، فقيل: وما هو يا رسول الله، فقال مثل حبة خردل منه تنشرون وقيل معناه: وقد علمنا ما يدخل (في الإسلام من بلدان المشركين). * * ثم قال: ﴿بَلْ كَذَّبُواْ بِٱلْحَقِّ لَمَّا جَآءَهُمْ﴾ يعني بالقرآن. ﴿فَهُمْ فِيۤ أَمْرٍ مَّرِيجٍ﴾ أي: مختلط ملتبس لا يعرفون حقه من باطله. وقال ابن عباس: المريج الشيء المنكر، وعنه مريج: مختلف، وعنه في أمر ضلالة. وقال (ابن جبير ومجاهد) مريج: ملتبس. وقال ابن زيد في المختلط: يقال مرج الخاتم في أصبعه: إذا اضطرب من الهزال، فتقديره: فهم في أمر مختلط مختلف، لا يثبتون على رأي: واحد ولا على قول، يقولون مرة ساحر، ومرة معلم، ومرة كاهن، ومرة مجنون ، ثم دلهم جل ذكره على وحدانيته وآياته فقال: * * ﴿أَفَلَمْ يَنظُرُوۤاْ إِلَى ٱلسَّمَآءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا﴾. أي: أفلم ينظر هؤلاء المنكرون للبعث بعد الموت كيف خَلقنا السماء فوقهم بغير عمد يرونها، وكيف زيناها بالنجوم وليس فيها فتوق ولا شقوق فيعلمون أن من قدر على هذا الأمر العظيم الجليل وأحدثه لا يتعذر عليه إحياء الموتى على صغر خلقهم وقد نبه على هذا بقوله تعالى: ﴿لَخَلْقُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ أَكْـبَرُ مِنْ خَلْقِ ٱلنَّاسِ﴾ [غافر: ٥٦]. * * ثم قال: ﴿وَٱلأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ﴾. أي: وينظرون إلى الأرض كيف مددناها مسطحة لا اعوجاج فيها وجعلنا على جوانبها جبالاً تمسكها لئلا تميد بأهلها، وكيف أنبتنا فيها من كل جنس من النبات فيبهج من رآه ويسره، فمن قدر على اختراع هذا كله كيف يعجز عن إحياء الموتى بعد موتهم. وقيل بهيج: حسن، قاله ابن عباس. * * ثم قال: ﴿تَبْصِرَةً وَذِكْرَىٰ لِكُلِّ عَبْدٍ مُّنِيبٍ﴾. أي: فعل ذلك نعمة منه يبصرها العباد فيستدلون على عظيم قدرته، وأنه لا يعجزه شيء أراده، ويتذكرون به فيتَّعظون ويزدجرون عن مخالفة أمره ونهيه. والمنيب: التائب، قاله قتادة. وقيل منيب: مخبت، قاله مجاهد. و ﴿تَبْصِرَةً وَذِكْرَىٰ﴾: مصدران أو مفعولان من أجلهما؛ أي: فعلنا ذلك "ليبصركم الله" القدرة، ولتتذكروا عظمة الله فتعلموا أنه قادر على ما يشاء من إحياء الموتى وغير ذلك. * * ثم قال: ﴿وَنَزَّلْنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً مُّبَٰرَكاً﴾ أي: مطراً مباركاً فأنبتا به جنات، أي: بساتين، و "حب الحصيد" يعني الزرع من البر والشعير وسائر أنواع الحبوب. قال الفراء: الحصيد: هو إضافة الشيء إلى نفسه، لأن الحب هو الحصيد. والتقدير عند البصريين، وحب النبت الحصيد. * * ثم قال: ﴿وَٱلنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَّهَا طَلْعٌ نَّضِيدٌ﴾ أي: وأنبتنا النخل طوالا، وهي حال مقدرة، ونضيد بمعنى منضود أي: مكتنز منضم متراكب. * * ثم قال: ﴿رِّزْقاً لِّلْعِبَادِ﴾ "رزقاً" مصدر أو مفعول من أجله. * * ثم قال: ﴿وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَّيْتاً﴾ أي: أحيينا بالمطر بلدة قد أجذبت وقحطت فلا نبات فيها. * * ثم قال: ﴿كَذَلِكَ ٱلْخُرُوجُ﴾ أي: كذلك تخرجون من قبوركم يبعث الله جل ذكره ماء ينبت به الناس كما [ينبت به الزرع، أي: كما أحيينا هذه الأرض بعد موتها فأخرجنا فيها النبات والزرع بالمطر]. كذلك يبعث عليكم مطراً فتحيون للبعث يوم القيامة. * * ثم قال: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ﴾ أي: كذبت قبل قومك يا محمد قوم نوح. ﴿وَأَصْحَابُ ٱلرَّسِّ وَثَمُودُ * وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوَانُ لُوطٍ * وَأَصْحَابُ ٱلأَيْكَةِ وَقَوْمُ تُّبَّعٍ كُلٌّ كَذَّبَ ٱلرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ﴾ أصحاب الأيكة: قوم شعيب. والرس: بير قتل فيها صاحب يسۤ، قاله الضحاك. وقال كعب: أصحاب الأخدود، وهم الذين أرسل إليهم اثنان وعزز بثالث، قال: والرس: الأخدود. قال قتادة: الأيكة: الشجر الملتف. قال عبد الله بن سلام: كان تبع رجل من العرب ظهر على الناس فاختار فتية من الأحبار فاستبطنهم واستدخلهم حتى أخذ منهم وتابعهم فاستنكر ذلك قومه وقالوا قد ترك دينكم وتابع الفِتيَة فلما فشا ذلك قام الفتية فقالوا بيننا وبينهم النار تحرق الكاذب وينجو منها الصادق ففعلوا فعلق الفتية مصاحفهم في أعناقهم ثم غدوا إلى النار فدخلوها فانفرجت عنهم ثم دخلت الفرقة الأخرى فأحرقتهم فأسلم تبع، وكان رجلاً صالحاً. * * وقوله: ﴿كُلٌّ كَذَّبَ ٱلرُّسُلَ﴾ أي: كلهم كذب الرسل فوجب عليهم وعيد الله عز وجل وهو النقمة بالعذاب، وهو تخويف من الله عز وجل لقريش أنهم إن تمادوا على كفرهم حق عليهم الوعيد أيضاً.

ق 50:3

قوله تعالى: ﴿قۤ وَٱلْقُرْآنِ ٱلْمَجِيدِ﴾ إلى قوله: ﴿فَحَقَّ وَعِيدِ﴾ الآيات. روى عطاء والضحاك عن ابن عباس: أن قۤ اسم جبل محيط بالدنيا من زبرجدة خضراء وأن السماء عليه مقبية أقسم الله جل ذكره به. وقال ابن عباس: "قۤ" و "نۤ" وأشباه هذا قسم أقسم الله به، وهو اسم من أسماء الله. وقال قتادة: اسم من أسماء القرآن، وعنه: أنه اسم من أسماء السور، والوقف على ق، في هذه الثلاثة تقديرات، حسن. وقال الفراء: معنى قۤ، "قُفِيَ الأَمْرُ واللهَّ"، فاكتفى بالقاف عن الجملة كما قال: "قُلْتُ لَهَا قِفِي لَنَا، فَقَالَتْ قَافْ"، أي: قَد وقَفْتُ، أي: فاكتفى بالقاف عن الجملة، وتَقِفُ على "قاف" في هذا القول إِلاَّ أن تَجْعَلَه جواباً للقسم بعده فلا تقِفُ عليه، فإن أضمرتَ الجواب وقفتَ على قاف، وكذلك التقدير في القول الذي بعده، وهو قول مجاهد. وقال مجاهد: قۤ جبل محيط بالأرض، وقيل: إنه من زمردة خضراء وإن خضرة السماء والبحر منه. * * وقوله: ﴿وَٱلْقُرْآنِ ٱلْمَجِيدِ﴾ قسم، والمجيد: الكريم. وقيل: الرفيع القدر. واختُلف في جواب القسم، فقيل: الجواب ﴿بَلْ عَجِبُوۤاْ﴾ لأن "بل" تُؤَكد وتُوجِب وقوع ما بعدها. مثل "أن" و "اللام"، وقولُك "لَقَدْ عَجِبُوا" و "بَلْ عَجِبُوا" واحد. وقال الأخفش سعيد، الجواب: قد علمنا ما تنقص الأرض، أي: قد علمنا ذلك، وهو قول الكسائي. وقال الزجاج: الجواب محذوف، والتقدير: والقرآن المجيد لتُبعثُن. وقيل التقدير: والقرآن المجيد لتعلمن عاقبة تكذيبكم بالبعث، ودل على ذلك مَا حكى الله عنهم من قولهم ﴿أَءِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾. وقيل الجواب (قۤ لأنه) بمعنى قُفِيَ الأَمْرُ والقرآن المجيد. وقيل الجواب (قۤ): وعلى تقدير هو "قۤ" والقرآن المجيد، وهذا على قول ابن زيد ووهب بن منبه لأنهما قالا "قاف" اسم للجبل المحيط بالأرض. وقيل الجواب ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَىٰ﴾. * * ثم قال تعالى: ﴿بَلْ عَجِبُوۤاْ أَن جَآءَهُمْ مُّنذِرٌ مِّنْهُمْ﴾. أي: لم يكذبك قريش يا محمد لأنهم لا يعرفونك بل لتعجبهم وإنكارهم من بشر مثلهم ينذرهم بأمر الله عز وجل. * * ﴿فَقَالَ ٱلْكَافِرُونَ هَـٰذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ﴾. قال بعض أهل المعاني: (العجب وقع من المؤمنين) والكافرين فقيل بل عجبوا أن جاءهم منذر منهم. ثم ميز الله الكافرين من المؤمنين [فقال تعالى]: ﴿فَقَالَ ٱلْكَافِرُونَ هَـٰذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ * أَءِذَا مِتْنَا﴾ الآية فوصفهم بإنكار البعث، ولم يقل: بل عجبوا أن جاءهم منذر منهم فقالوا هذا شيء عجيب. ثم بيَّن قول الكافرين من جميع من تعجب من إرسال منذر، فآمن المؤمنون مما تعجبوا منه، وكفر الكافرون به. ثم قال تعالى حكاية عن قولهم أنهم قالوا: ﴿أَءِذَا مِتْنَا﴾، وإنما هو جواب منهم لإعلام النبي ﷺ لهم، أنهم يبعثون، فأنكروا ذلك فقالوا: ﴿أَءِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾ أي: أَنُبعَثُ إذا كنا في قبورنا تراباً؟ وقوله: ﴿أَءِذَا مِتْنَا﴾: إنما هو جواب منهم لإعلام النبي ﷺ لهم أنهم يبعثون ويجازون بأعمالهم. ودل على ذلك قوله: ﴿أَن جَآءَهُمْ مُّنذِرٌ مِّنْهُمْ﴾ لأن المنذر أعلمهم أنهم يبعثون فأنكروا ذلك، فقالوا: أئِذا متنا وكنا ترابا، واكتفى بدلالة الكلام على حكاية ما قال لهم المنذر وهو النبي ﷺ. وقيل: إنما أتى هذا الإنكار ولم يتقدم قبله شيء للجواب المضمر المحذوف، والتقدير: والقرآن المجيد لتبعثن، ففهموا ذلك فقالوا جزاباً: أنبعث إذا كنا تراباً، إنكاراً للبعث. وقيل: أن "أئذا متنا" جواب لِما قيل لهم، إذ أنكروا إتيان منذر منهم، وقالوا هذا شيء عجيب، فقيل لهم ستعلمون عاقبة إنكارهم إذا بعثتم بعد موتكم، فقالوا منكرين: أئذا متنا وكنا تراباً نبعث. ومعنى: ﴿ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾ أي: ذلك بعث لا يكون. * * ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنقُصُ ٱلأَرْضُ مِنْهُمْ﴾. أي: قد علمنا ما تأكل الأرض من أجسامهم [بعد موتهم، وعندنا كتاب محفوظ بما تأكل الأرض منهم. قال مجاهد: ما تأكل الأرض منهم أي: عظامهم]. وقال ابن عباس: من لحومهم وأبشارهم وعظامهم وأشعارهم، وما يبقى، فالذي يبقى من الإنسان هو عجب الذنب ومنه يتركب عند النشور. وروى أبو سعيد الخدري: أن النبي ﷺ قال: يأكل التراب كل شيء من الإنسان إلا عَجُبُ الذَّنَبِ، فقيل: وما هو يا رسول الله، فقال مثل حبة خردل منه تنشرون وقيل معناه: وقد علمنا ما يدخل (في الإسلام من بلدان المشركين). * * ثم قال: ﴿بَلْ كَذَّبُواْ بِٱلْحَقِّ لَمَّا جَآءَهُمْ﴾ يعني بالقرآن. ﴿فَهُمْ فِيۤ أَمْرٍ مَّرِيجٍ﴾ أي: مختلط ملتبس لا يعرفون حقه من باطله. وقال ابن عباس: المريج الشيء المنكر، وعنه مريج: مختلف، وعنه في أمر ضلالة. وقال (ابن جبير ومجاهد) مريج: ملتبس. وقال ابن زيد في المختلط: يقال مرج الخاتم في أصبعه: إذا اضطرب من الهزال، فتقديره: فهم في أمر مختلط مختلف، لا يثبتون على رأي: واحد ولا على قول، يقولون مرة ساحر، ومرة معلم، ومرة كاهن، ومرة مجنون ، ثم دلهم جل ذكره على وحدانيته وآياته فقال: * * ﴿أَفَلَمْ يَنظُرُوۤاْ إِلَى ٱلسَّمَآءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا﴾. أي: أفلم ينظر هؤلاء المنكرون للبعث بعد الموت كيف خَلقنا السماء فوقهم بغير عمد يرونها، وكيف زيناها بالنجوم وليس فيها فتوق ولا شقوق فيعلمون أن من قدر على هذا الأمر العظيم الجليل وأحدثه لا يتعذر عليه إحياء الموتى على صغر خلقهم وقد نبه على هذا بقوله تعالى: ﴿لَخَلْقُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ أَكْـبَرُ مِنْ خَلْقِ ٱلنَّاسِ﴾ [غافر: ٥٦]. * * ثم قال: ﴿وَٱلأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ﴾. أي: وينظرون إلى الأرض كيف مددناها مسطحة لا اعوجاج فيها وجعلنا على جوانبها جبالاً تمسكها لئلا تميد بأهلها، وكيف أنبتنا فيها من كل جنس من النبات فيبهج من رآه ويسره، فمن قدر على اختراع هذا كله كيف يعجز عن إحياء الموتى بعد موتهم. وقيل بهيج: حسن، قاله ابن عباس. * * ثم قال: ﴿تَبْصِرَةً وَذِكْرَىٰ لِكُلِّ عَبْدٍ مُّنِيبٍ﴾. أي: فعل ذلك نعمة منه يبصرها العباد فيستدلون على عظيم قدرته، وأنه لا يعجزه شيء أراده، ويتذكرون به فيتَّعظون ويزدجرون عن مخالفة أمره ونهيه. والمنيب: التائب، قاله قتادة. وقيل منيب: مخبت، قاله مجاهد. و ﴿تَبْصِرَةً وَذِكْرَىٰ﴾: مصدران أو مفعولان من أجلهما؛ أي: فعلنا ذلك "ليبصركم الله" القدرة، ولتتذكروا عظمة الله فتعلموا أنه قادر على ما يشاء من إحياء الموتى وغير ذلك. * * ثم قال: ﴿وَنَزَّلْنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً مُّبَٰرَكاً﴾ أي: مطراً مباركاً فأنبتا به جنات، أي: بساتين، و "حب الحصيد" يعني الزرع من البر والشعير وسائر أنواع الحبوب. قال الفراء: الحصيد: هو إضافة الشيء إلى نفسه، لأن الحب هو الحصيد. والتقدير عند البصريين، وحب النبت الحصيد. * * ثم قال: ﴿وَٱلنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَّهَا طَلْعٌ نَّضِيدٌ﴾ أي: وأنبتنا النخل طوالا، وهي حال مقدرة، ونضيد بمعنى منضود أي: مكتنز منضم متراكب. * * ثم قال: ﴿رِّزْقاً لِّلْعِبَادِ﴾ "رزقاً" مصدر أو مفعول من أجله. * * ثم قال: ﴿وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَّيْتاً﴾ أي: أحيينا بالمطر بلدة قد أجذبت وقحطت فلا نبات فيها. * * ثم قال: ﴿كَذَلِكَ ٱلْخُرُوجُ﴾ أي: كذلك تخرجون من قبوركم يبعث الله جل ذكره ماء ينبت به الناس كما [ينبت به الزرع، أي: كما أحيينا هذه الأرض بعد موتها فأخرجنا فيها النبات والزرع بالمطر]. كذلك يبعث عليكم مطراً فتحيون للبعث يوم القيامة. * * ثم قال: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ﴾ أي: كذبت قبل قومك يا محمد قوم نوح. ﴿وَأَصْحَابُ ٱلرَّسِّ وَثَمُودُ * وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوَانُ لُوطٍ * وَأَصْحَابُ ٱلأَيْكَةِ وَقَوْمُ تُّبَّعٍ كُلٌّ كَذَّبَ ٱلرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ﴾ أصحاب الأيكة: قوم شعيب. والرس: بير قتل فيها صاحب يسۤ، قاله الضحاك. وقال كعب: أصحاب الأخدود، وهم الذين أرسل إليهم اثنان وعزز بثالث، قال: والرس: الأخدود. قال قتادة: الأيكة: الشجر الملتف. قال عبد الله بن سلام: كان تبع رجل من العرب ظهر على الناس فاختار فتية من الأحبار فاستبطنهم واستدخلهم حتى أخذ منهم وتابعهم فاستنكر ذلك قومه وقالوا قد ترك دينكم وتابع الفِتيَة فلما فشا ذلك قام الفتية فقالوا بيننا وبينهم النار تحرق الكاذب وينجو منها الصادق ففعلوا فعلق الفتية مصاحفهم في أعناقهم ثم غدوا إلى النار فدخلوها فانفرجت عنهم ثم دخلت الفرقة الأخرى فأحرقتهم فأسلم تبع، وكان رجلاً صالحاً. * * وقوله: ﴿كُلٌّ كَذَّبَ ٱلرُّسُلَ﴾ أي: كلهم كذب الرسل فوجب عليهم وعيد الله عز وجل وهو النقمة بالعذاب، وهو تخويف من الله عز وجل لقريش أنهم إن تمادوا على كفرهم حق عليهم الوعيد أيضاً.

ق 50:4

قوله تعالى: ﴿قۤ وَٱلْقُرْآنِ ٱلْمَجِيدِ﴾ إلى قوله: ﴿فَحَقَّ وَعِيدِ﴾ الآيات. روى عطاء والضحاك عن ابن عباس: أن قۤ اسم جبل محيط بالدنيا من زبرجدة خضراء وأن السماء عليه مقبية أقسم الله جل ذكره به. وقال ابن عباس: "قۤ" و "نۤ" وأشباه هذا قسم أقسم الله به، وهو اسم من أسماء الله. وقال قتادة: اسم من أسماء القرآن، وعنه: أنه اسم من أسماء السور، والوقف على ق، في هذه الثلاثة تقديرات، حسن. وقال الفراء: معنى قۤ، "قُفِيَ الأَمْرُ واللهَّ"، فاكتفى بالقاف عن الجملة كما قال: "قُلْتُ لَهَا قِفِي لَنَا، فَقَالَتْ قَافْ"، أي: قَد وقَفْتُ، أي: فاكتفى بالقاف عن الجملة، وتَقِفُ على "قاف" في هذا القول إِلاَّ أن تَجْعَلَه جواباً للقسم بعده فلا تقِفُ عليه، فإن أضمرتَ الجواب وقفتَ على قاف، وكذلك التقدير في القول الذي بعده، وهو قول مجاهد. وقال مجاهد: قۤ جبل محيط بالأرض، وقيل: إنه من زمردة خضراء وإن خضرة السماء والبحر منه. * * وقوله: ﴿وَٱلْقُرْآنِ ٱلْمَجِيدِ﴾ قسم، والمجيد: الكريم. وقيل: الرفيع القدر. واختُلف في جواب القسم، فقيل: الجواب ﴿بَلْ عَجِبُوۤاْ﴾ لأن "بل" تُؤَكد وتُوجِب وقوع ما بعدها. مثل "أن" و "اللام"، وقولُك "لَقَدْ عَجِبُوا" و "بَلْ عَجِبُوا" واحد. وقال الأخفش سعيد، الجواب: قد علمنا ما تنقص الأرض، أي: قد علمنا ذلك، وهو قول الكسائي. وقال الزجاج: الجواب محذوف، والتقدير: والقرآن المجيد لتُبعثُن. وقيل التقدير: والقرآن المجيد لتعلمن عاقبة تكذيبكم بالبعث، ودل على ذلك مَا حكى الله عنهم من قولهم ﴿أَءِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾. وقيل الجواب (قۤ لأنه) بمعنى قُفِيَ الأَمْرُ والقرآن المجيد. وقيل الجواب (قۤ): وعلى تقدير هو "قۤ" والقرآن المجيد، وهذا على قول ابن زيد ووهب بن منبه لأنهما قالا "قاف" اسم للجبل المحيط بالأرض. وقيل الجواب ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَىٰ﴾. * * ثم قال تعالى: ﴿بَلْ عَجِبُوۤاْ أَن جَآءَهُمْ مُّنذِرٌ مِّنْهُمْ﴾. أي: لم يكذبك قريش يا محمد لأنهم لا يعرفونك بل لتعجبهم وإنكارهم من بشر مثلهم ينذرهم بأمر الله عز وجل. * * ﴿فَقَالَ ٱلْكَافِرُونَ هَـٰذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ﴾. قال بعض أهل المعاني: (العجب وقع من المؤمنين) والكافرين فقيل بل عجبوا أن جاءهم منذر منهم. ثم ميز الله الكافرين من المؤمنين [فقال تعالى]: ﴿فَقَالَ ٱلْكَافِرُونَ هَـٰذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ * أَءِذَا مِتْنَا﴾ الآية فوصفهم بإنكار البعث، ولم يقل: بل عجبوا أن جاءهم منذر منهم فقالوا هذا شيء عجيب. ثم بيَّن قول الكافرين من جميع من تعجب من إرسال منذر، فآمن المؤمنون مما تعجبوا منه، وكفر الكافرون به. ثم قال تعالى حكاية عن قولهم أنهم قالوا: ﴿أَءِذَا مِتْنَا﴾، وإنما هو جواب منهم لإعلام النبي ﷺ لهم، أنهم يبعثون، فأنكروا ذلك فقالوا: ﴿أَءِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾ أي: أَنُبعَثُ إذا كنا في قبورنا تراباً؟ وقوله: ﴿أَءِذَا مِتْنَا﴾: إنما هو جواب منهم لإعلام النبي ﷺ لهم أنهم يبعثون ويجازون بأعمالهم. ودل على ذلك قوله: ﴿أَن جَآءَهُمْ مُّنذِرٌ مِّنْهُمْ﴾ لأن المنذر أعلمهم أنهم يبعثون فأنكروا ذلك، فقالوا: أئِذا متنا وكنا ترابا، واكتفى بدلالة الكلام على حكاية ما قال لهم المنذر وهو النبي ﷺ. وقيل: إنما أتى هذا الإنكار ولم يتقدم قبله شيء للجواب المضمر المحذوف، والتقدير: والقرآن المجيد لتبعثن، ففهموا ذلك فقالوا جزاباً: أنبعث إذا كنا تراباً، إنكاراً للبعث. وقيل: أن "أئذا متنا" جواب لِما قيل لهم، إذ أنكروا إتيان منذر منهم، وقالوا هذا شيء عجيب، فقيل لهم ستعلمون عاقبة إنكارهم إذا بعثتم بعد موتكم، فقالوا منكرين: أئذا متنا وكنا تراباً نبعث. ومعنى: ﴿ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾ أي: ذلك بعث لا يكون. * * ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنقُصُ ٱلأَرْضُ مِنْهُمْ﴾. أي: قد علمنا ما تأكل الأرض من أجسامهم [بعد موتهم، وعندنا كتاب محفوظ بما تأكل الأرض منهم. قال مجاهد: ما تأكل الأرض منهم أي: عظامهم]. وقال ابن عباس: من لحومهم وأبشارهم وعظامهم وأشعارهم، وما يبقى، فالذي يبقى من الإنسان هو عجب الذنب ومنه يتركب عند النشور. وروى أبو سعيد الخدري: أن النبي ﷺ قال: يأكل التراب كل شيء من الإنسان إلا عَجُبُ الذَّنَبِ، فقيل: وما هو يا رسول الله، فقال مثل حبة خردل منه تنشرون وقيل معناه: وقد علمنا ما يدخل (في الإسلام من بلدان المشركين). * * ثم قال: ﴿بَلْ كَذَّبُواْ بِٱلْحَقِّ لَمَّا جَآءَهُمْ﴾ يعني بالقرآن. ﴿فَهُمْ فِيۤ أَمْرٍ مَّرِيجٍ﴾ أي: مختلط ملتبس لا يعرفون حقه من باطله. وقال ابن عباس: المريج الشيء المنكر، وعنه مريج: مختلف، وعنه في أمر ضلالة. وقال (ابن جبير ومجاهد) مريج: ملتبس. وقال ابن زيد في المختلط: يقال مرج الخاتم في أصبعه: إذا اضطرب من الهزال، فتقديره: فهم في أمر مختلط مختلف، لا يثبتون على رأي: واحد ولا على قول، يقولون مرة ساحر، ومرة معلم، ومرة كاهن، ومرة مجنون ، ثم دلهم جل ذكره على وحدانيته وآياته فقال: * * ﴿أَفَلَمْ يَنظُرُوۤاْ إِلَى ٱلسَّمَآءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا﴾. أي: أفلم ينظر هؤلاء المنكرون للبعث بعد الموت كيف خَلقنا السماء فوقهم بغير عمد يرونها، وكيف زيناها بالنجوم وليس فيها فتوق ولا شقوق فيعلمون أن من قدر على هذا الأمر العظيم الجليل وأحدثه لا يتعذر عليه إحياء الموتى على صغر خلقهم وقد نبه على هذا بقوله تعالى: ﴿لَخَلْقُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ أَكْـبَرُ مِنْ خَلْقِ ٱلنَّاسِ﴾ [غافر: ٥٦]. * * ثم قال: ﴿وَٱلأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ﴾. أي: وينظرون إلى الأرض كيف مددناها مسطحة لا اعوجاج فيها وجعلنا على جوانبها جبالاً تمسكها لئلا تميد بأهلها، وكيف أنبتنا فيها من كل جنس من النبات فيبهج من رآه ويسره، فمن قدر على اختراع هذا كله كيف يعجز عن إحياء الموتى بعد موتهم. وقيل بهيج: حسن، قاله ابن عباس. * * ثم قال: ﴿تَبْصِرَةً وَذِكْرَىٰ لِكُلِّ عَبْدٍ مُّنِيبٍ﴾. أي: فعل ذلك نعمة منه يبصرها العباد فيستدلون على عظيم قدرته، وأنه لا يعجزه شيء أراده، ويتذكرون به فيتَّعظون ويزدجرون عن مخالفة أمره ونهيه. والمنيب: التائب، قاله قتادة. وقيل منيب: مخبت، قاله مجاهد. و ﴿تَبْصِرَةً وَذِكْرَىٰ﴾: مصدران أو مفعولان من أجلهما؛ أي: فعلنا ذلك "ليبصركم الله" القدرة، ولتتذكروا عظمة الله فتعلموا أنه قادر على ما يشاء من إحياء الموتى وغير ذلك. * * ثم قال: ﴿وَنَزَّلْنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً مُّبَٰرَكاً﴾ أي: مطراً مباركاً فأنبتا به جنات، أي: بساتين، و "حب الحصيد" يعني الزرع من البر والشعير وسائر أنواع الحبوب. قال الفراء: الحصيد: هو إضافة الشيء إلى نفسه، لأن الحب هو الحصيد. والتقدير عند البصريين، وحب النبت الحصيد. * * ثم قال: ﴿وَٱلنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَّهَا طَلْعٌ نَّضِيدٌ﴾ أي: وأنبتنا النخل طوالا، وهي حال مقدرة، ونضيد بمعنى منضود أي: مكتنز منضم متراكب. * * ثم قال: ﴿رِّزْقاً لِّلْعِبَادِ﴾ "رزقاً" مصدر أو مفعول من أجله. * * ثم قال: ﴿وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَّيْتاً﴾ أي: أحيينا بالمطر بلدة قد أجذبت وقحطت فلا نبات فيها. * * ثم قال: ﴿كَذَلِكَ ٱلْخُرُوجُ﴾ أي: كذلك تخرجون من قبوركم يبعث الله جل ذكره ماء ينبت به الناس كما [ينبت به الزرع، أي: كما أحيينا هذه الأرض بعد موتها فأخرجنا فيها النبات والزرع بالمطر]. كذلك يبعث عليكم مطراً فتحيون للبعث يوم القيامة. * * ثم قال: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ﴾ أي: كذبت قبل قومك يا محمد قوم نوح. ﴿وَأَصْحَابُ ٱلرَّسِّ وَثَمُودُ * وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوَانُ لُوطٍ * وَأَصْحَابُ ٱلأَيْكَةِ وَقَوْمُ تُّبَّعٍ كُلٌّ كَذَّبَ ٱلرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ﴾ أصحاب الأيكة: قوم شعيب. والرس: بير قتل فيها صاحب يسۤ، قاله الضحاك. وقال كعب: أصحاب الأخدود، وهم الذين أرسل إليهم اثنان وعزز بثالث، قال: والرس: الأخدود. قال قتادة: الأيكة: الشجر الملتف. قال عبد الله بن سلام: كان تبع رجل من العرب ظهر على الناس فاختار فتية من الأحبار فاستبطنهم واستدخلهم حتى أخذ منهم وتابعهم فاستنكر ذلك قومه وقالوا قد ترك دينكم وتابع الفِتيَة فلما فشا ذلك قام الفتية فقالوا بيننا وبينهم النار تحرق الكاذب وينجو منها الصادق ففعلوا فعلق الفتية مصاحفهم في أعناقهم ثم غدوا إلى النار فدخلوها فانفرجت عنهم ثم دخلت الفرقة الأخرى فأحرقتهم فأسلم تبع، وكان رجلاً صالحاً. * * وقوله: ﴿كُلٌّ كَذَّبَ ٱلرُّسُلَ﴾ أي: كلهم كذب الرسل فوجب عليهم وعيد الله عز وجل وهو النقمة بالعذاب، وهو تخويف من الله عز وجل لقريش أنهم إن تمادوا على كفرهم حق عليهم الوعيد أيضاً.

ق 50:5

قوله تعالى: ﴿قۤ وَٱلْقُرْآنِ ٱلْمَجِيدِ﴾ إلى قوله: ﴿فَحَقَّ وَعِيدِ﴾ الآيات. روى عطاء والضحاك عن ابن عباس: أن قۤ اسم جبل محيط بالدنيا من زبرجدة خضراء وأن السماء عليه مقبية أقسم الله جل ذكره به. وقال ابن عباس: "قۤ" و "نۤ" وأشباه هذا قسم أقسم الله به، وهو اسم من أسماء الله. وقال قتادة: اسم من أسماء القرآن، وعنه: أنه اسم من أسماء السور، والوقف على ق، في هذه الثلاثة تقديرات، حسن. وقال الفراء: معنى قۤ، "قُفِيَ الأَمْرُ واللهَّ"، فاكتفى بالقاف عن الجملة كما قال: "قُلْتُ لَهَا قِفِي لَنَا، فَقَالَتْ قَافْ"، أي: قَد وقَفْتُ، أي: فاكتفى بالقاف عن الجملة، وتَقِفُ على "قاف" في هذا القول إِلاَّ أن تَجْعَلَه جواباً للقسم بعده فلا تقِفُ عليه، فإن أضمرتَ الجواب وقفتَ على قاف، وكذلك التقدير في القول الذي بعده، وهو قول مجاهد. وقال مجاهد: قۤ جبل محيط بالأرض، وقيل: إنه من زمردة خضراء وإن خضرة السماء والبحر منه. * * وقوله: ﴿وَٱلْقُرْآنِ ٱلْمَجِيدِ﴾ قسم، والمجيد: الكريم. وقيل: الرفيع القدر. واختُلف في جواب القسم، فقيل: الجواب ﴿بَلْ عَجِبُوۤاْ﴾ لأن "بل" تُؤَكد وتُوجِب وقوع ما بعدها. مثل "أن" و "اللام"، وقولُك "لَقَدْ عَجِبُوا" و "بَلْ عَجِبُوا" واحد. وقال الأخفش سعيد، الجواب: قد علمنا ما تنقص الأرض، أي: قد علمنا ذلك، وهو قول الكسائي. وقال الزجاج: الجواب محذوف، والتقدير: والقرآن المجيد لتُبعثُن. وقيل التقدير: والقرآن المجيد لتعلمن عاقبة تكذيبكم بالبعث، ودل على ذلك مَا حكى الله عنهم من قولهم ﴿أَءِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾. وقيل الجواب (قۤ لأنه) بمعنى قُفِيَ الأَمْرُ والقرآن المجيد. وقيل الجواب (قۤ): وعلى تقدير هو "قۤ" والقرآن المجيد، وهذا على قول ابن زيد ووهب بن منبه لأنهما قالا "قاف" اسم للجبل المحيط بالأرض. وقيل الجواب ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَىٰ﴾. * * ثم قال تعالى: ﴿بَلْ عَجِبُوۤاْ أَن جَآءَهُمْ مُّنذِرٌ مِّنْهُمْ﴾. أي: لم يكذبك قريش يا محمد لأنهم لا يعرفونك بل لتعجبهم وإنكارهم من بشر مثلهم ينذرهم بأمر الله عز وجل. * * ﴿فَقَالَ ٱلْكَافِرُونَ هَـٰذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ﴾. قال بعض أهل المعاني: (العجب وقع من المؤمنين) والكافرين فقيل بل عجبوا أن جاءهم منذر منهم. ثم ميز الله الكافرين من المؤمنين [فقال تعالى]: ﴿فَقَالَ ٱلْكَافِرُونَ هَـٰذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ * أَءِذَا مِتْنَا﴾ الآية فوصفهم بإنكار البعث، ولم يقل: بل عجبوا أن جاءهم منذر منهم فقالوا هذا شيء عجيب. ثم بيَّن قول الكافرين من جميع من تعجب من إرسال منذر، فآمن المؤمنون مما تعجبوا منه، وكفر الكافرون به. ثم قال تعالى حكاية عن قولهم أنهم قالوا: ﴿أَءِذَا مِتْنَا﴾، وإنما هو جواب منهم لإعلام النبي ﷺ لهم، أنهم يبعثون، فأنكروا ذلك فقالوا: ﴿أَءِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾ أي: أَنُبعَثُ إذا كنا في قبورنا تراباً؟ وقوله: ﴿أَءِذَا مِتْنَا﴾: إنما هو جواب منهم لإعلام النبي ﷺ لهم أنهم يبعثون ويجازون بأعمالهم. ودل على ذلك قوله: ﴿أَن جَآءَهُمْ مُّنذِرٌ مِّنْهُمْ﴾ لأن المنذر أعلمهم أنهم يبعثون فأنكروا ذلك، فقالوا: أئِذا متنا وكنا ترابا، واكتفى بدلالة الكلام على حكاية ما قال لهم المنذر وهو النبي ﷺ. وقيل: إنما أتى هذا الإنكار ولم يتقدم قبله شيء للجواب المضمر المحذوف، والتقدير: والقرآن المجيد لتبعثن، ففهموا ذلك فقالوا جزاباً: أنبعث إذا كنا تراباً، إنكاراً للبعث. وقيل: أن "أئذا متنا" جواب لِما قيل لهم، إذ أنكروا إتيان منذر منهم، وقالوا هذا شيء عجيب، فقيل لهم ستعلمون عاقبة إنكارهم إذا بعثتم بعد موتكم، فقالوا منكرين: أئذا متنا وكنا تراباً نبعث. ومعنى: ﴿ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾ أي: ذلك بعث لا يكون. * * ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنقُصُ ٱلأَرْضُ مِنْهُمْ﴾. أي: قد علمنا ما تأكل الأرض من أجسامهم [بعد موتهم، وعندنا كتاب محفوظ بما تأكل الأرض منهم. قال مجاهد: ما تأكل الأرض منهم أي: عظامهم]. وقال ابن عباس: من لحومهم وأبشارهم وعظامهم وأشعارهم، وما يبقى، فالذي يبقى من الإنسان هو عجب الذنب ومنه يتركب عند النشور. وروى أبو سعيد الخدري: أن النبي ﷺ قال: يأكل التراب كل شيء من الإنسان إلا عَجُبُ الذَّنَبِ، فقيل: وما هو يا رسول الله، فقال مثل حبة خردل منه تنشرون وقيل معناه: وقد علمنا ما يدخل (في الإسلام من بلدان المشركين). * * ثم قال: ﴿بَلْ كَذَّبُواْ بِٱلْحَقِّ لَمَّا جَآءَهُمْ﴾ يعني بالقرآن. ﴿فَهُمْ فِيۤ أَمْرٍ مَّرِيجٍ﴾ أي: مختلط ملتبس لا يعرفون حقه من باطله. وقال ابن عباس: المريج الشيء المنكر، وعنه مريج: مختلف، وعنه في أمر ضلالة. وقال (ابن جبير ومجاهد) مريج: ملتبس. وقال ابن زيد في المختلط: يقال مرج الخاتم في أصبعه: إذا اضطرب من الهزال، فتقديره: فهم في أمر مختلط مختلف، لا يثبتون على رأي: واحد ولا على قول، يقولون مرة ساحر، ومرة معلم، ومرة كاهن، ومرة مجنون ، ثم دلهم جل ذكره على وحدانيته وآياته فقال: * * ﴿أَفَلَمْ يَنظُرُوۤاْ إِلَى ٱلسَّمَآءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا﴾. أي: أفلم ينظر هؤلاء المنكرون للبعث بعد الموت كيف خَلقنا السماء فوقهم بغير عمد يرونها، وكيف زيناها بالنجوم وليس فيها فتوق ولا شقوق فيعلمون أن من قدر على هذا الأمر العظيم الجليل وأحدثه لا يتعذر عليه إحياء الموتى على صغر خلقهم وقد نبه على هذا بقوله تعالى: ﴿لَخَلْقُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ أَكْـبَرُ مِنْ خَلْقِ ٱلنَّاسِ﴾ [غافر: ٥٦]. * * ثم قال: ﴿وَٱلأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ﴾. أي: وينظرون إلى الأرض كيف مددناها مسطحة لا اعوجاج فيها وجعلنا على جوانبها جبالاً تمسكها لئلا تميد بأهلها، وكيف أنبتنا فيها من كل جنس من النبات فيبهج من رآه ويسره، فمن قدر على اختراع هذا كله كيف يعجز عن إحياء الموتى بعد موتهم. وقيل بهيج: حسن، قاله ابن عباس. * * ثم قال: ﴿تَبْصِرَةً وَذِكْرَىٰ لِكُلِّ عَبْدٍ مُّنِيبٍ﴾. أي: فعل ذلك نعمة منه يبصرها العباد فيستدلون على عظيم قدرته، وأنه لا يعجزه شيء أراده، ويتذكرون به فيتَّعظون ويزدجرون عن مخالفة أمره ونهيه. والمنيب: التائب، قاله قتادة. وقيل منيب: مخبت، قاله مجاهد. و ﴿تَبْصِرَةً وَذِكْرَىٰ﴾: مصدران أو مفعولان من أجلهما؛ أي: فعلنا ذلك "ليبصركم الله" القدرة، ولتتذكروا عظمة الله فتعلموا أنه قادر على ما يشاء من إحياء الموتى وغير ذلك. * * ثم قال: ﴿وَنَزَّلْنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً مُّبَٰرَكاً﴾ أي: مطراً مباركاً فأنبتا به جنات، أي: بساتين، و "حب الحصيد" يعني الزرع من البر والشعير وسائر أنواع الحبوب. قال الفراء: الحصيد: هو إضافة الشيء إلى نفسه، لأن الحب هو الحصيد. والتقدير عند البصريين، وحب النبت الحصيد. * * ثم قال: ﴿وَٱلنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَّهَا طَلْعٌ نَّضِيدٌ﴾ أي: وأنبتنا النخل طوالا، وهي حال مقدرة، ونضيد بمعنى منضود أي: مكتنز منضم متراكب. * * ثم قال: ﴿رِّزْقاً لِّلْعِبَادِ﴾ "رزقاً" مصدر أو مفعول من أجله. * * ثم قال: ﴿وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَّيْتاً﴾ أي: أحيينا بالمطر بلدة قد أجذبت وقحطت فلا نبات فيها. * * ثم قال: ﴿كَذَلِكَ ٱلْخُرُوجُ﴾ أي: كذلك تخرجون من قبوركم يبعث الله جل ذكره ماء ينبت به الناس كما [ينبت به الزرع، أي: كما أحيينا هذه الأرض بعد موتها فأخرجنا فيها النبات والزرع بالمطر]. كذلك يبعث عليكم مطراً فتحيون للبعث يوم القيامة. * * ثم قال: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ﴾ أي: كذبت قبل قومك يا محمد قوم نوح. ﴿وَأَصْحَابُ ٱلرَّسِّ وَثَمُودُ * وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوَانُ لُوطٍ * وَأَصْحَابُ ٱلأَيْكَةِ وَقَوْمُ تُّبَّعٍ كُلٌّ كَذَّبَ ٱلرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ﴾ أصحاب الأيكة: قوم شعيب. والرس: بير قتل فيها صاحب يسۤ، قاله الضحاك. وقال كعب: أصحاب الأخدود، وهم الذين أرسل إليهم اثنان وعزز بثالث، قال: والرس: الأخدود. قال قتادة: الأيكة: الشجر الملتف. قال عبد الله بن سلام: كان تبع رجل من العرب ظهر على الناس فاختار فتية من الأحبار فاستبطنهم واستدخلهم حتى أخذ منهم وتابعهم فاستنكر ذلك قومه وقالوا قد ترك دينكم وتابع الفِتيَة فلما فشا ذلك قام الفتية فقالوا بيننا وبينهم النار تحرق الكاذب وينجو منها الصادق ففعلوا فعلق الفتية مصاحفهم في أعناقهم ثم غدوا إلى النار فدخلوها فانفرجت عنهم ثم دخلت الفرقة الأخرى فأحرقتهم فأسلم تبع، وكان رجلاً صالحاً. * * وقوله: ﴿كُلٌّ كَذَّبَ ٱلرُّسُلَ﴾ أي: كلهم كذب الرسل فوجب عليهم وعيد الله عز وجل وهو النقمة بالعذاب، وهو تخويف من الله عز وجل لقريش أنهم إن تمادوا على كفرهم حق عليهم الوعيد أيضاً.

ق 50:6

قوله تعالى: ﴿قۤ وَٱلْقُرْآنِ ٱلْمَجِيدِ﴾ إلى قوله: ﴿فَحَقَّ وَعِيدِ﴾ الآيات. روى عطاء والضحاك عن ابن عباس: أن قۤ اسم جبل محيط بالدنيا من زبرجدة خضراء وأن السماء عليه مقبية أقسم الله جل ذكره به. وقال ابن عباس: "قۤ" و "نۤ" وأشباه هذا قسم أقسم الله به، وهو اسم من أسماء الله. وقال قتادة: اسم من أسماء القرآن، وعنه: أنه اسم من أسماء السور، والوقف على ق، في هذه الثلاثة تقديرات، حسن. وقال الفراء: معنى قۤ، "قُفِيَ الأَمْرُ واللهَّ"، فاكتفى بالقاف عن الجملة كما قال: "قُلْتُ لَهَا قِفِي لَنَا، فَقَالَتْ قَافْ"، أي: قَد وقَفْتُ، أي: فاكتفى بالقاف عن الجملة، وتَقِفُ على "قاف" في هذا القول إِلاَّ أن تَجْعَلَه جواباً للقسم بعده فلا تقِفُ عليه، فإن أضمرتَ الجواب وقفتَ على قاف، وكذلك التقدير في القول الذي بعده، وهو قول مجاهد. وقال مجاهد: قۤ جبل محيط بالأرض، وقيل: إنه من زمردة خضراء وإن خضرة السماء والبحر منه. * * وقوله: ﴿وَٱلْقُرْآنِ ٱلْمَجِيدِ﴾ قسم، والمجيد: الكريم. وقيل: الرفيع القدر. واختُلف في جواب القسم، فقيل: الجواب ﴿بَلْ عَجِبُوۤاْ﴾ لأن "بل" تُؤَكد وتُوجِب وقوع ما بعدها. مثل "أن" و "اللام"، وقولُك "لَقَدْ عَجِبُوا" و "بَلْ عَجِبُوا" واحد. وقال الأخفش سعيد، الجواب: قد علمنا ما تنقص الأرض، أي: قد علمنا ذلك، وهو قول الكسائي. وقال الزجاج: الجواب محذوف، والتقدير: والقرآن المجيد لتُبعثُن. وقيل التقدير: والقرآن المجيد لتعلمن عاقبة تكذيبكم بالبعث، ودل على ذلك مَا حكى الله عنهم من قولهم ﴿أَءِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾. وقيل الجواب (قۤ لأنه) بمعنى قُفِيَ الأَمْرُ والقرآن المجيد. وقيل الجواب (قۤ): وعلى تقدير هو "قۤ" والقرآن المجيد، وهذا على قول ابن زيد ووهب بن منبه لأنهما قالا "قاف" اسم للجبل المحيط بالأرض. وقيل الجواب ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَىٰ﴾. * * ثم قال تعالى: ﴿بَلْ عَجِبُوۤاْ أَن جَآءَهُمْ مُّنذِرٌ مِّنْهُمْ﴾. أي: لم يكذبك قريش يا محمد لأنهم لا يعرفونك بل لتعجبهم وإنكارهم من بشر مثلهم ينذرهم بأمر الله عز وجل. * * ﴿فَقَالَ ٱلْكَافِرُونَ هَـٰذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ﴾. قال بعض أهل المعاني: (العجب وقع من المؤمنين) والكافرين فقيل بل عجبوا أن جاءهم منذر منهم. ثم ميز الله الكافرين من المؤمنين [فقال تعالى]: ﴿فَقَالَ ٱلْكَافِرُونَ هَـٰذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ * أَءِذَا مِتْنَا﴾ الآية فوصفهم بإنكار البعث، ولم يقل: بل عجبوا أن جاءهم منذر منهم فقالوا هذا شيء عجيب. ثم بيَّن قول الكافرين من جميع من تعجب من إرسال منذر، فآمن المؤمنون مما تعجبوا منه، وكفر الكافرون به. ثم قال تعالى حكاية عن قولهم أنهم قالوا: ﴿أَءِذَا مِتْنَا﴾، وإنما هو جواب منهم لإعلام النبي ﷺ لهم، أنهم يبعثون، فأنكروا ذلك فقالوا: ﴿أَءِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾ أي: أَنُبعَثُ إذا كنا في قبورنا تراباً؟ وقوله: ﴿أَءِذَا مِتْنَا﴾: إنما هو جواب منهم لإعلام النبي ﷺ لهم أنهم يبعثون ويجازون بأعمالهم. ودل على ذلك قوله: ﴿أَن جَآءَهُمْ مُّنذِرٌ مِّنْهُمْ﴾ لأن المنذر أعلمهم أنهم يبعثون فأنكروا ذلك، فقالوا: أئِذا متنا وكنا ترابا، واكتفى بدلالة الكلام على حكاية ما قال لهم المنذر وهو النبي ﷺ. وقيل: إنما أتى هذا الإنكار ولم يتقدم قبله شيء للجواب المضمر المحذوف، والتقدير: والقرآن المجيد لتبعثن، ففهموا ذلك فقالوا جزاباً: أنبعث إذا كنا تراباً، إنكاراً للبعث. وقيل: أن "أئذا متنا" جواب لِما قيل لهم، إذ أنكروا إتيان منذر منهم، وقالوا هذا شيء عجيب، فقيل لهم ستعلمون عاقبة إنكارهم إذا بعثتم بعد موتكم، فقالوا منكرين: أئذا متنا وكنا تراباً نبعث. ومعنى: ﴿ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾ أي: ذلك بعث لا يكون. * * ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنقُصُ ٱلأَرْضُ مِنْهُمْ﴾. أي: قد علمنا ما تأكل الأرض من أجسامهم [بعد موتهم، وعندنا كتاب محفوظ بما تأكل الأرض منهم. قال مجاهد: ما تأكل الأرض منهم أي: عظامهم]. وقال ابن عباس: من لحومهم وأبشارهم وعظامهم وأشعارهم، وما يبقى، فالذي يبقى من الإنسان هو عجب الذنب ومنه يتركب عند النشور. وروى أبو سعيد الخدري: أن النبي ﷺ قال: يأكل التراب كل شيء من الإنسان إلا عَجُبُ الذَّنَبِ، فقيل: وما هو يا رسول الله، فقال مثل حبة خردل منه تنشرون وقيل معناه: وقد علمنا ما يدخل (في الإسلام من بلدان المشركين). * * ثم قال: ﴿بَلْ كَذَّبُواْ بِٱلْحَقِّ لَمَّا جَآءَهُمْ﴾ يعني بالقرآن. ﴿فَهُمْ فِيۤ أَمْرٍ مَّرِيجٍ﴾ أي: مختلط ملتبس لا يعرفون حقه من باطله. وقال ابن عباس: المريج الشيء المنكر، وعنه مريج: مختلف، وعنه في أمر ضلالة. وقال (ابن جبير ومجاهد) مريج: ملتبس. وقال ابن زيد في المختلط: يقال مرج الخاتم في أصبعه: إذا اضطرب من الهزال، فتقديره: فهم في أمر مختلط مختلف، لا يثبتون على رأي: واحد ولا على قول، يقولون مرة ساحر، ومرة معلم، ومرة كاهن، ومرة مجنون ، ثم دلهم جل ذكره على وحدانيته وآياته فقال: * * ﴿أَفَلَمْ يَنظُرُوۤاْ إِلَى ٱلسَّمَآءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا﴾. أي: أفلم ينظر هؤلاء المنكرون للبعث بعد الموت كيف خَلقنا السماء فوقهم بغير عمد يرونها، وكيف زيناها بالنجوم وليس فيها فتوق ولا شقوق فيعلمون أن من قدر على هذا الأمر العظيم الجليل وأحدثه لا يتعذر عليه إحياء الموتى على صغر خلقهم وقد نبه على هذا بقوله تعالى: ﴿لَخَلْقُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ أَكْـبَرُ مِنْ خَلْقِ ٱلنَّاسِ﴾ [غافر: ٥٦]. * * ثم قال: ﴿وَٱلأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ﴾. أي: وينظرون إلى الأرض كيف مددناها مسطحة لا اعوجاج فيها وجعلنا على جوانبها جبالاً تمسكها لئلا تميد بأهلها، وكيف أنبتنا فيها من كل جنس من النبات فيبهج من رآه ويسره، فمن قدر على اختراع هذا كله كيف يعجز عن إحياء الموتى بعد موتهم. وقيل بهيج: حسن، قاله ابن عباس. * * ثم قال: ﴿تَبْصِرَةً وَذِكْرَىٰ لِكُلِّ عَبْدٍ مُّنِيبٍ﴾. أي: فعل ذلك نعمة منه يبصرها العباد فيستدلون على عظيم قدرته، وأنه لا يعجزه شيء أراده، ويتذكرون به فيتَّعظون ويزدجرون عن مخالفة أمره ونهيه. والمنيب: التائب، قاله قتادة. وقيل منيب: مخبت، قاله مجاهد. و ﴿تَبْصِرَةً وَذِكْرَىٰ﴾: مصدران أو مفعولان من أجلهما؛ أي: فعلنا ذلك "ليبصركم الله" القدرة، ولتتذكروا عظمة الله فتعلموا أنه قادر على ما يشاء من إحياء الموتى وغير ذلك. * * ثم قال: ﴿وَنَزَّلْنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً مُّبَٰرَكاً﴾ أي: مطراً مباركاً فأنبتا به جنات، أي: بساتين، و "حب الحصيد" يعني الزرع من البر والشعير وسائر أنواع الحبوب. قال الفراء: الحصيد: هو إضافة الشيء إلى نفسه، لأن الحب هو الحصيد. والتقدير عند البصريين، وحب النبت الحصيد. * * ثم قال: ﴿وَٱلنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَّهَا طَلْعٌ نَّضِيدٌ﴾ أي: وأنبتنا النخل طوالا، وهي حال مقدرة، ونضيد بمعنى منضود أي: مكتنز منضم متراكب. * * ثم قال: ﴿رِّزْقاً لِّلْعِبَادِ﴾ "رزقاً" مصدر أو مفعول من أجله. * * ثم قال: ﴿وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَّيْتاً﴾ أي: أحيينا بالمطر بلدة قد أجذبت وقحطت فلا نبات فيها. * * ثم قال: ﴿كَذَلِكَ ٱلْخُرُوجُ﴾ أي: كذلك تخرجون من قبوركم يبعث الله جل ذكره ماء ينبت به الناس كما [ينبت به الزرع، أي: كما أحيينا هذه الأرض بعد موتها فأخرجنا فيها النبات والزرع بالمطر]. كذلك يبعث عليكم مطراً فتحيون للبعث يوم القيامة. * * ثم قال: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ﴾ أي: كذبت قبل قومك يا محمد قوم نوح. ﴿وَأَصْحَابُ ٱلرَّسِّ وَثَمُودُ * وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوَانُ لُوطٍ * وَأَصْحَابُ ٱلأَيْكَةِ وَقَوْمُ تُّبَّعٍ كُلٌّ كَذَّبَ ٱلرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ﴾ أصحاب الأيكة: قوم شعيب. والرس: بير قتل فيها صاحب يسۤ، قاله الضحاك. وقال كعب: أصحاب الأخدود، وهم الذين أرسل إليهم اثنان وعزز بثالث، قال: والرس: الأخدود. قال قتادة: الأيكة: الشجر الملتف. قال عبد الله بن سلام: كان تبع رجل من العرب ظهر على الناس فاختار فتية من الأحبار فاستبطنهم واستدخلهم حتى أخذ منهم وتابعهم فاستنكر ذلك قومه وقالوا قد ترك دينكم وتابع الفِتيَة فلما فشا ذلك قام الفتية فقالوا بيننا وبينهم النار تحرق الكاذب وينجو منها الصادق ففعلوا فعلق الفتية مصاحفهم في أعناقهم ثم غدوا إلى النار فدخلوها فانفرجت عنهم ثم دخلت الفرقة الأخرى فأحرقتهم فأسلم تبع، وكان رجلاً صالحاً. * * وقوله: ﴿كُلٌّ كَذَّبَ ٱلرُّسُلَ﴾ أي: كلهم كذب الرسل فوجب عليهم وعيد الله عز وجل وهو النقمة بالعذاب، وهو تخويف من الله عز وجل لقريش أنهم إن تمادوا على كفرهم حق عليهم الوعيد أيضاً.

ق 50:7

قوله تعالى: ﴿قۤ وَٱلْقُرْآنِ ٱلْمَجِيدِ﴾ إلى قوله: ﴿فَحَقَّ وَعِيدِ﴾ الآيات. روى عطاء والضحاك عن ابن عباس: أن قۤ اسم جبل محيط بالدنيا من زبرجدة خضراء وأن السماء عليه مقبية أقسم الله جل ذكره به. وقال ابن عباس: "قۤ" و "نۤ" وأشباه هذا قسم أقسم الله به، وهو اسم من أسماء الله. وقال قتادة: اسم من أسماء القرآن، وعنه: أنه اسم من أسماء السور، والوقف على ق، في هذه الثلاثة تقديرات، حسن. وقال الفراء: معنى قۤ، "قُفِيَ الأَمْرُ واللهَّ"، فاكتفى بالقاف عن الجملة كما قال: "قُلْتُ لَهَا قِفِي لَنَا، فَقَالَتْ قَافْ"، أي: قَد وقَفْتُ، أي: فاكتفى بالقاف عن الجملة، وتَقِفُ على "قاف" في هذا القول إِلاَّ أن تَجْعَلَه جواباً للقسم بعده فلا تقِفُ عليه، فإن أضمرتَ الجواب وقفتَ على قاف، وكذلك التقدير في القول الذي بعده، وهو قول مجاهد. وقال مجاهد: قۤ جبل محيط بالأرض، وقيل: إنه من زمردة خضراء وإن خضرة السماء والبحر منه. * * وقوله: ﴿وَٱلْقُرْآنِ ٱلْمَجِيدِ﴾ قسم، والمجيد: الكريم. وقيل: الرفيع القدر. واختُلف في جواب القسم، فقيل: الجواب ﴿بَلْ عَجِبُوۤاْ﴾ لأن "بل" تُؤَكد وتُوجِب وقوع ما بعدها. مثل "أن" و "اللام"، وقولُك "لَقَدْ عَجِبُوا" و "بَلْ عَجِبُوا" واحد. وقال الأخفش سعيد، الجواب: قد علمنا ما تنقص الأرض، أي: قد علمنا ذلك، وهو قول الكسائي. وقال الزجاج: الجواب محذوف، والتقدير: والقرآن المجيد لتُبعثُن. وقيل التقدير: والقرآن المجيد لتعلمن عاقبة تكذيبكم بالبعث، ودل على ذلك مَا حكى الله عنهم من قولهم ﴿أَءِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾. وقيل الجواب (قۤ لأنه) بمعنى قُفِيَ الأَمْرُ والقرآن المجيد. وقيل الجواب (قۤ): وعلى تقدير هو "قۤ" والقرآن المجيد، وهذا على قول ابن زيد ووهب بن منبه لأنهما قالا "قاف" اسم للجبل المحيط بالأرض. وقيل الجواب ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَىٰ﴾. * * ثم قال تعالى: ﴿بَلْ عَجِبُوۤاْ أَن جَآءَهُمْ مُّنذِرٌ مِّنْهُمْ﴾. أي: لم يكذبك قريش يا محمد لأنهم لا يعرفونك بل لتعجبهم وإنكارهم من بشر مثلهم ينذرهم بأمر الله عز وجل. * * ﴿فَقَالَ ٱلْكَافِرُونَ هَـٰذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ﴾. قال بعض أهل المعاني: (العجب وقع من المؤمنين) والكافرين فقيل بل عجبوا أن جاءهم منذر منهم. ثم ميز الله الكافرين من المؤمنين [فقال تعالى]: ﴿فَقَالَ ٱلْكَافِرُونَ هَـٰذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ * أَءِذَا مِتْنَا﴾ الآية فوصفهم بإنكار البعث، ولم يقل: بل عجبوا أن جاءهم منذر منهم فقالوا هذا شيء عجيب. ثم بيَّن قول الكافرين من جميع من تعجب من إرسال منذر، فآمن المؤمنون مما تعجبوا منه، وكفر الكافرون به. ثم قال تعالى حكاية عن قولهم أنهم قالوا: ﴿أَءِذَا مِتْنَا﴾، وإنما هو جواب منهم لإعلام النبي ﷺ لهم، أنهم يبعثون، فأنكروا ذلك فقالوا: ﴿أَءِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾ أي: أَنُبعَثُ إذا كنا في قبورنا تراباً؟ وقوله: ﴿أَءِذَا مِتْنَا﴾: إنما هو جواب منهم لإعلام النبي ﷺ لهم أنهم يبعثون ويجازون بأعمالهم. ودل على ذلك قوله: ﴿أَن جَآءَهُمْ مُّنذِرٌ مِّنْهُمْ﴾ لأن المنذر أعلمهم أنهم يبعثون فأنكروا ذلك، فقالوا: أئِذا متنا وكنا ترابا، واكتفى بدلالة الكلام على حكاية ما قال لهم المنذر وهو النبي ﷺ. وقيل: إنما أتى هذا الإنكار ولم يتقدم قبله شيء للجواب المضمر المحذوف، والتقدير: والقرآن المجيد لتبعثن، ففهموا ذلك فقالوا جزاباً: أنبعث إذا كنا تراباً، إنكاراً للبعث. وقيل: أن "أئذا متنا" جواب لِما قيل لهم، إذ أنكروا إتيان منذر منهم، وقالوا هذا شيء عجيب، فقيل لهم ستعلمون عاقبة إنكارهم إذا بعثتم بعد موتكم، فقالوا منكرين: أئذا متنا وكنا تراباً نبعث. ومعنى: ﴿ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾ أي: ذلك بعث لا يكون. * * ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنقُصُ ٱلأَرْضُ مِنْهُمْ﴾. أي: قد علمنا ما تأكل الأرض من أجسامهم [بعد موتهم، وعندنا كتاب محفوظ بما تأكل الأرض منهم. قال مجاهد: ما تأكل الأرض منهم أي: عظامهم]. وقال ابن عباس: من لحومهم وأبشارهم وعظامهم وأشعارهم، وما يبقى، فالذي يبقى من الإنسان هو عجب الذنب ومنه يتركب عند النشور. وروى أبو سعيد الخدري: أن النبي ﷺ قال: يأكل التراب كل شيء من الإنسان إلا عَجُبُ الذَّنَبِ، فقيل: وما هو يا رسول الله، فقال مثل حبة خردل منه تنشرون وقيل معناه: وقد علمنا ما يدخل (في الإسلام من بلدان المشركين). * * ثم قال: ﴿بَلْ كَذَّبُواْ بِٱلْحَقِّ لَمَّا جَآءَهُمْ﴾ يعني بالقرآن. ﴿فَهُمْ فِيۤ أَمْرٍ مَّرِيجٍ﴾ أي: مختلط ملتبس لا يعرفون حقه من باطله. وقال ابن عباس: المريج الشيء المنكر، وعنه مريج: مختلف، وعنه في أمر ضلالة. وقال (ابن جبير ومجاهد) مريج: ملتبس. وقال ابن زيد في المختلط: يقال مرج الخاتم في أصبعه: إذا اضطرب من الهزال، فتقديره: فهم في أمر مختلط مختلف، لا يثبتون على رأي: واحد ولا على قول، يقولون مرة ساحر، ومرة معلم، ومرة كاهن، ومرة مجنون ، ثم دلهم جل ذكره على وحدانيته وآياته فقال: * * ﴿أَفَلَمْ يَنظُرُوۤاْ إِلَى ٱلسَّمَآءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا﴾. أي: أفلم ينظر هؤلاء المنكرون للبعث بعد الموت كيف خَلقنا السماء فوقهم بغير عمد يرونها، وكيف زيناها بالنجوم وليس فيها فتوق ولا شقوق فيعلمون أن من قدر على هذا الأمر العظيم الجليل وأحدثه لا يتعذر عليه إحياء الموتى على صغر خلقهم وقد نبه على هذا بقوله تعالى: ﴿لَخَلْقُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ أَكْـبَرُ مِنْ خَلْقِ ٱلنَّاسِ﴾ [غافر: ٥٦]. * * ثم قال: ﴿وَٱلأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ﴾. أي: وينظرون إلى الأرض كيف مددناها مسطحة لا اعوجاج فيها وجعلنا على جوانبها جبالاً تمسكها لئلا تميد بأهلها، وكيف أنبتنا فيها من كل جنس من النبات فيبهج من رآه ويسره، فمن قدر على اختراع هذا كله كيف يعجز عن إحياء الموتى بعد موتهم. وقيل بهيج: حسن، قاله ابن عباس. * * ثم قال: ﴿تَبْصِرَةً وَذِكْرَىٰ لِكُلِّ عَبْدٍ مُّنِيبٍ﴾. أي: فعل ذلك نعمة منه يبصرها العباد فيستدلون على عظيم قدرته، وأنه لا يعجزه شيء أراده، ويتذكرون به فيتَّعظون ويزدجرون عن مخالفة أمره ونهيه. والمنيب: التائب، قاله قتادة. وقيل منيب: مخبت، قاله مجاهد. و ﴿تَبْصِرَةً وَذِكْرَىٰ﴾: مصدران أو مفعولان من أجلهما؛ أي: فعلنا ذلك "ليبصركم الله" القدرة، ولتتذكروا عظمة الله فتعلموا أنه قادر على ما يشاء من إحياء الموتى وغير ذلك. * * ثم قال: ﴿وَنَزَّلْنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً مُّبَٰرَكاً﴾ أي: مطراً مباركاً فأنبتا به جنات، أي: بساتين، و "حب الحصيد" يعني الزرع من البر والشعير وسائر أنواع الحبوب. قال الفراء: الحصيد: هو إضافة الشيء إلى نفسه، لأن الحب هو الحصيد. والتقدير عند البصريين، وحب النبت الحصيد. * * ثم قال: ﴿وَٱلنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَّهَا طَلْعٌ نَّضِيدٌ﴾ أي: وأنبتنا النخل طوالا، وهي حال مقدرة، ونضيد بمعنى منضود أي: مكتنز منضم متراكب. * * ثم قال: ﴿رِّزْقاً لِّلْعِبَادِ﴾ "رزقاً" مصدر أو مفعول من أجله. * * ثم قال: ﴿وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَّيْتاً﴾ أي: أحيينا بالمطر بلدة قد أجذبت وقحطت فلا نبات فيها. * * ثم قال: ﴿كَذَلِكَ ٱلْخُرُوجُ﴾ أي: كذلك تخرجون من قبوركم يبعث الله جل ذكره ماء ينبت به الناس كما [ينبت به الزرع، أي: كما أحيينا هذه الأرض بعد موتها فأخرجنا فيها النبات والزرع بالمطر]. كذلك يبعث عليكم مطراً فتحيون للبعث يوم القيامة. * * ثم قال: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ﴾ أي: كذبت قبل قومك يا محمد قوم نوح. ﴿وَأَصْحَابُ ٱلرَّسِّ وَثَمُودُ * وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوَانُ لُوطٍ * وَأَصْحَابُ ٱلأَيْكَةِ وَقَوْمُ تُّبَّعٍ كُلٌّ كَذَّبَ ٱلرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ﴾ أصحاب الأيكة: قوم شعيب. والرس: بير قتل فيها صاحب يسۤ، قاله الضحاك. وقال كعب: أصحاب الأخدود، وهم الذين أرسل إليهم اثنان وعزز بثالث، قال: والرس: الأخدود. قال قتادة: الأيكة: الشجر الملتف. قال عبد الله بن سلام: كان تبع رجل من العرب ظهر على الناس فاختار فتية من الأحبار فاستبطنهم واستدخلهم حتى أخذ منهم وتابعهم فاستنكر ذلك قومه وقالوا قد ترك دينكم وتابع الفِتيَة فلما فشا ذلك قام الفتية فقالوا بيننا وبينهم النار تحرق الكاذب وينجو منها الصادق ففعلوا فعلق الفتية مصاحفهم في أعناقهم ثم غدوا إلى النار فدخلوها فانفرجت عنهم ثم دخلت الفرقة الأخرى فأحرقتهم فأسلم تبع، وكان رجلاً صالحاً. * * وقوله: ﴿كُلٌّ كَذَّبَ ٱلرُّسُلَ﴾ أي: كلهم كذب الرسل فوجب عليهم وعيد الله عز وجل وهو النقمة بالعذاب، وهو تخويف من الله عز وجل لقريش أنهم إن تمادوا على كفرهم حق عليهم الوعيد أيضاً.

ق 50:8

قوله تعالى: ﴿قۤ وَٱلْقُرْآنِ ٱلْمَجِيدِ﴾ إلى قوله: ﴿فَحَقَّ وَعِيدِ﴾ الآيات. روى عطاء والضحاك عن ابن عباس: أن قۤ اسم جبل محيط بالدنيا من زبرجدة خضراء وأن السماء عليه مقبية أقسم الله جل ذكره به. وقال ابن عباس: "قۤ" و "نۤ" وأشباه هذا قسم أقسم الله به، وهو اسم من أسماء الله. وقال قتادة: اسم من أسماء القرآن، وعنه: أنه اسم من أسماء السور، والوقف على ق، في هذه الثلاثة تقديرات، حسن. وقال الفراء: معنى قۤ، "قُفِيَ الأَمْرُ واللهَّ"، فاكتفى بالقاف عن الجملة كما قال: "قُلْتُ لَهَا قِفِي لَنَا، فَقَالَتْ قَافْ"، أي: قَد وقَفْتُ، أي: فاكتفى بالقاف عن الجملة، وتَقِفُ على "قاف" في هذا القول إِلاَّ أن تَجْعَلَه جواباً للقسم بعده فلا تقِفُ عليه، فإن أضمرتَ الجواب وقفتَ على قاف، وكذلك التقدير في القول الذي بعده، وهو قول مجاهد. وقال مجاهد: قۤ جبل محيط بالأرض، وقيل: إنه من زمردة خضراء وإن خضرة السماء والبحر منه. * * وقوله: ﴿وَٱلْقُرْآنِ ٱلْمَجِيدِ﴾ قسم، والمجيد: الكريم. وقيل: الرفيع القدر. واختُلف في جواب القسم، فقيل: الجواب ﴿بَلْ عَجِبُوۤاْ﴾ لأن "بل" تُؤَكد وتُوجِب وقوع ما بعدها. مثل "أن" و "اللام"، وقولُك "لَقَدْ عَجِبُوا" و "بَلْ عَجِبُوا" واحد. وقال الأخفش سعيد، الجواب: قد علمنا ما تنقص الأرض، أي: قد علمنا ذلك، وهو قول الكسائي. وقال الزجاج: الجواب محذوف، والتقدير: والقرآن المجيد لتُبعثُن. وقيل التقدير: والقرآن المجيد لتعلمن عاقبة تكذيبكم بالبعث، ودل على ذلك مَا حكى الله عنهم من قولهم ﴿أَءِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾. وقيل الجواب (قۤ لأنه) بمعنى قُفِيَ الأَمْرُ والقرآن المجيد. وقيل الجواب (قۤ): وعلى تقدير هو "قۤ" والقرآن المجيد، وهذا على قول ابن زيد ووهب بن منبه لأنهما قالا "قاف" اسم للجبل المحيط بالأرض. وقيل الجواب ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَىٰ﴾. * * ثم قال تعالى: ﴿بَلْ عَجِبُوۤاْ أَن جَآءَهُمْ مُّنذِرٌ مِّنْهُمْ﴾. أي: لم يكذبك قريش يا محمد لأنهم لا يعرفونك بل لتعجبهم وإنكارهم من بشر مثلهم ينذرهم بأمر الله عز وجل. * * ﴿فَقَالَ ٱلْكَافِرُونَ هَـٰذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ﴾. قال بعض أهل المعاني: (العجب وقع من المؤمنين) والكافرين فقيل بل عجبوا أن جاءهم منذر منهم. ثم ميز الله الكافرين من المؤمنين [فقال تعالى]: ﴿فَقَالَ ٱلْكَافِرُونَ هَـٰذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ * أَءِذَا مِتْنَا﴾ الآية فوصفهم بإنكار البعث، ولم يقل: بل عجبوا أن جاءهم منذر منهم فقالوا هذا شيء عجيب. ثم بيَّن قول الكافرين من جميع من تعجب من إرسال منذر، فآمن المؤمنون مما تعجبوا منه، وكفر الكافرون به. ثم قال تعالى حكاية عن قولهم أنهم قالوا: ﴿أَءِذَا مِتْنَا﴾، وإنما هو جواب منهم لإعلام النبي ﷺ لهم، أنهم يبعثون، فأنكروا ذلك فقالوا: ﴿أَءِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾ أي: أَنُبعَثُ إذا كنا في قبورنا تراباً؟ وقوله: ﴿أَءِذَا مِتْنَا﴾: إنما هو جواب منهم لإعلام النبي ﷺ لهم أنهم يبعثون ويجازون بأعمالهم. ودل على ذلك قوله: ﴿أَن جَآءَهُمْ مُّنذِرٌ مِّنْهُمْ﴾ لأن المنذر أعلمهم أنهم يبعثون فأنكروا ذلك، فقالوا: أئِذا متنا وكنا ترابا، واكتفى بدلالة الكلام على حكاية ما قال لهم المنذر وهو النبي ﷺ. وقيل: إنما أتى هذا الإنكار ولم يتقدم قبله شيء للجواب المضمر المحذوف، والتقدير: والقرآن المجيد لتبعثن، ففهموا ذلك فقالوا جزاباً: أنبعث إذا كنا تراباً، إنكاراً للبعث. وقيل: أن "أئذا متنا" جواب لِما قيل لهم، إذ أنكروا إتيان منذر منهم، وقالوا هذا شيء عجيب، فقيل لهم ستعلمون عاقبة إنكارهم إذا بعثتم بعد موتكم، فقالوا منكرين: أئذا متنا وكنا تراباً نبعث. ومعنى: ﴿ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾ أي: ذلك بعث لا يكون. * * ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنقُصُ ٱلأَرْضُ مِنْهُمْ﴾. أي: قد علمنا ما تأكل الأرض من أجسامهم [بعد موتهم، وعندنا كتاب محفوظ بما تأكل الأرض منهم. قال مجاهد: ما تأكل الأرض منهم أي: عظامهم]. وقال ابن عباس: من لحومهم وأبشارهم وعظامهم وأشعارهم، وما يبقى، فالذي يبقى من الإنسان هو عجب الذنب ومنه يتركب عند النشور. وروى أبو سعيد الخدري: أن النبي ﷺ قال: يأكل التراب كل شيء من الإنسان إلا عَجُبُ الذَّنَبِ، فقيل: وما هو يا رسول الله، فقال مثل حبة خردل منه تنشرون وقيل معناه: وقد علمنا ما يدخل (في الإسلام من بلدان المشركين). * * ثم قال: ﴿بَلْ كَذَّبُواْ بِٱلْحَقِّ لَمَّا جَآءَهُمْ﴾ يعني بالقرآن. ﴿فَهُمْ فِيۤ أَمْرٍ مَّرِيجٍ﴾ أي: مختلط ملتبس لا يعرفون حقه من باطله. وقال ابن عباس: المريج الشيء المنكر، وعنه مريج: مختلف، وعنه في أمر ضلالة. وقال (ابن جبير ومجاهد) مريج: ملتبس. وقال ابن زيد في المختلط: يقال مرج الخاتم في أصبعه: إذا اضطرب من الهزال، فتقديره: فهم في أمر مختلط مختلف، لا يثبتون على رأي: واحد ولا على قول، يقولون مرة ساحر، ومرة معلم، ومرة كاهن، ومرة مجنون ، ثم دلهم جل ذكره على وحدانيته وآياته فقال: * * ﴿أَفَلَمْ يَنظُرُوۤاْ إِلَى ٱلسَّمَآءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا﴾. أي: أفلم ينظر هؤلاء المنكرون للبعث بعد الموت كيف خَلقنا السماء فوقهم بغير عمد يرونها، وكيف زيناها بالنجوم وليس فيها فتوق ولا شقوق فيعلمون أن من قدر على هذا الأمر العظيم الجليل وأحدثه لا يتعذر عليه إحياء الموتى على صغر خلقهم وقد نبه على هذا بقوله تعالى: ﴿لَخَلْقُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ أَكْـبَرُ مِنْ خَلْقِ ٱلنَّاسِ﴾ [غافر: ٥٦]. * * ثم قال: ﴿وَٱلأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ﴾. أي: وينظرون إلى الأرض كيف مددناها مسطحة لا اعوجاج فيها وجعلنا على جوانبها جبالاً تمسكها لئلا تميد بأهلها، وكيف أنبتنا فيها من كل جنس من النبات فيبهج من رآه ويسره، فمن قدر على اختراع هذا كله كيف يعجز عن إحياء الموتى بعد موتهم. وقيل بهيج: حسن، قاله ابن عباس. * * ثم قال: ﴿تَبْصِرَةً وَذِكْرَىٰ لِكُلِّ عَبْدٍ مُّنِيبٍ﴾. أي: فعل ذلك نعمة منه يبصرها العباد فيستدلون على عظيم قدرته، وأنه لا يعجزه شيء أراده، ويتذكرون به فيتَّعظون ويزدجرون عن مخالفة أمره ونهيه. والمنيب: التائب، قاله قتادة. وقيل منيب: مخبت، قاله مجاهد. و ﴿تَبْصِرَةً وَذِكْرَىٰ﴾: مصدران أو مفعولان من أجلهما؛ أي: فعلنا ذلك "ليبصركم الله" القدرة، ولتتذكروا عظمة الله فتعلموا أنه قادر على ما يشاء من إحياء الموتى وغير ذلك. * * ثم قال: ﴿وَنَزَّلْنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً مُّبَٰرَكاً﴾ أي: مطراً مباركاً فأنبتا به جنات، أي: بساتين، و "حب الحصيد" يعني الزرع من البر والشعير وسائر أنواع الحبوب. قال الفراء: الحصيد: هو إضافة الشيء إلى نفسه، لأن الحب هو الحصيد. والتقدير عند البصريين، وحب النبت الحصيد. * * ثم قال: ﴿وَٱلنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَّهَا طَلْعٌ نَّضِيدٌ﴾ أي: وأنبتنا النخل طوالا، وهي حال مقدرة، ونضيد بمعنى منضود أي: مكتنز منضم متراكب. * * ثم قال: ﴿رِّزْقاً لِّلْعِبَادِ﴾ "رزقاً" مصدر أو مفعول من أجله. * * ثم قال: ﴿وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَّيْتاً﴾ أي: أحيينا بالمطر بلدة قد أجذبت وقحطت فلا نبات فيها. * * ثم قال: ﴿كَذَلِكَ ٱلْخُرُوجُ﴾ أي: كذلك تخرجون من قبوركم يبعث الله جل ذكره ماء ينبت به الناس كما [ينبت به الزرع، أي: كما أحيينا هذه الأرض بعد موتها فأخرجنا فيها النبات والزرع بالمطر]. كذلك يبعث عليكم مطراً فتحيون للبعث يوم القيامة. * * ثم قال: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ﴾ أي: كذبت قبل قومك يا محمد قوم نوح. ﴿وَأَصْحَابُ ٱلرَّسِّ وَثَمُودُ * وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوَانُ لُوطٍ * وَأَصْحَابُ ٱلأَيْكَةِ وَقَوْمُ تُّبَّعٍ كُلٌّ كَذَّبَ ٱلرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ﴾ أصحاب الأيكة: قوم شعيب. والرس: بير قتل فيها صاحب يسۤ، قاله الضحاك. وقال كعب: أصحاب الأخدود، وهم الذين أرسل إليهم اثنان وعزز بثالث، قال: والرس: الأخدود. قال قتادة: الأيكة: الشجر الملتف. قال عبد الله بن سلام: كان تبع رجل من العرب ظهر على الناس فاختار فتية من الأحبار فاستبطنهم واستدخلهم حتى أخذ منهم وتابعهم فاستنكر ذلك قومه وقالوا قد ترك دينكم وتابع الفِتيَة فلما فشا ذلك قام الفتية فقالوا بيننا وبينهم النار تحرق الكاذب وينجو منها الصادق ففعلوا فعلق الفتية مصاحفهم في أعناقهم ثم غدوا إلى النار فدخلوها فانفرجت عنهم ثم دخلت الفرقة الأخرى فأحرقتهم فأسلم تبع، وكان رجلاً صالحاً. * * وقوله: ﴿كُلٌّ كَذَّبَ ٱلرُّسُلَ﴾ أي: كلهم كذب الرسل فوجب عليهم وعيد الله عز وجل وهو النقمة بالعذاب، وهو تخويف من الله عز وجل لقريش أنهم إن تمادوا على كفرهم حق عليهم الوعيد أيضاً.

ق 50:9

قوله تعالى: ﴿قۤ وَٱلْقُرْآنِ ٱلْمَجِيدِ﴾ إلى قوله: ﴿فَحَقَّ وَعِيدِ﴾ الآيات. روى عطاء والضحاك عن ابن عباس: أن قۤ اسم جبل محيط بالدنيا من زبرجدة خضراء وأن السماء عليه مقبية أقسم الله جل ذكره به. وقال ابن عباس: "قۤ" و "نۤ" وأشباه هذا قسم أقسم الله به، وهو اسم من أسماء الله. وقال قتادة: اسم من أسماء القرآن، وعنه: أنه اسم من أسماء السور، والوقف على ق، في هذه الثلاثة تقديرات، حسن. وقال الفراء: معنى قۤ، "قُفِيَ الأَمْرُ واللهَّ"، فاكتفى بالقاف عن الجملة كما قال: "قُلْتُ لَهَا قِفِي لَنَا، فَقَالَتْ قَافْ"، أي: قَد وقَفْتُ، أي: فاكتفى بالقاف عن الجملة، وتَقِفُ على "قاف" في هذا القول إِلاَّ أن تَجْعَلَه جواباً للقسم بعده فلا تقِفُ عليه، فإن أضمرتَ الجواب وقفتَ على قاف، وكذلك التقدير في القول الذي بعده، وهو قول مجاهد. وقال مجاهد: قۤ جبل محيط بالأرض، وقيل: إنه من زمردة خضراء وإن خضرة السماء والبحر منه. * * وقوله: ﴿وَٱلْقُرْآنِ ٱلْمَجِيدِ﴾ قسم، والمجيد: الكريم. وقيل: الرفيع القدر. واختُلف في جواب القسم، فقيل: الجواب ﴿بَلْ عَجِبُوۤاْ﴾ لأن "بل" تُؤَكد وتُوجِب وقوع ما بعدها. مثل "أن" و "اللام"، وقولُك "لَقَدْ عَجِبُوا" و "بَلْ عَجِبُوا" واحد. وقال الأخفش سعيد، الجواب: قد علمنا ما تنقص الأرض، أي: قد علمنا ذلك، وهو قول الكسائي. وقال الزجاج: الجواب محذوف، والتقدير: والقرآن المجيد لتُبعثُن. وقيل التقدير: والقرآن المجيد لتعلمن عاقبة تكذيبكم بالبعث، ودل على ذلك مَا حكى الله عنهم من قولهم ﴿أَءِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾. وقيل الجواب (قۤ لأنه) بمعنى قُفِيَ الأَمْرُ والقرآن المجيد. وقيل الجواب (قۤ): وعلى تقدير هو "قۤ" والقرآن المجيد، وهذا على قول ابن زيد ووهب بن منبه لأنهما قالا "قاف" اسم للجبل المحيط بالأرض. وقيل الجواب ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَىٰ﴾. * * ثم قال تعالى: ﴿بَلْ عَجِبُوۤاْ أَن جَآءَهُمْ مُّنذِرٌ مِّنْهُمْ﴾. أي: لم يكذبك قريش يا محمد لأنهم لا يعرفونك بل لتعجبهم وإنكارهم من بشر مثلهم ينذرهم بأمر الله عز وجل. * * ﴿فَقَالَ ٱلْكَافِرُونَ هَـٰذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ﴾. قال بعض أهل المعاني: (العجب وقع من المؤمنين) والكافرين فقيل بل عجبوا أن جاءهم منذر منهم. ثم ميز الله الكافرين من المؤمنين [فقال تعالى]: ﴿فَقَالَ ٱلْكَافِرُونَ هَـٰذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ * أَءِذَا مِتْنَا﴾ الآية فوصفهم بإنكار البعث، ولم يقل: بل عجبوا أن جاءهم منذر منهم فقالوا هذا شيء عجيب. ثم بيَّن قول الكافرين من جميع من تعجب من إرسال منذر، فآمن المؤمنون مما تعجبوا منه، وكفر الكافرون به. ثم قال تعالى حكاية عن قولهم أنهم قالوا: ﴿أَءِذَا مِتْنَا﴾، وإنما هو جواب منهم لإعلام النبي ﷺ لهم، أنهم يبعثون، فأنكروا ذلك فقالوا: ﴿أَءِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾ أي: أَنُبعَثُ إذا كنا في قبورنا تراباً؟ وقوله: ﴿أَءِذَا مِتْنَا﴾: إنما هو جواب منهم لإعلام النبي ﷺ لهم أنهم يبعثون ويجازون بأعمالهم. ودل على ذلك قوله: ﴿أَن جَآءَهُمْ مُّنذِرٌ مِّنْهُمْ﴾ لأن المنذر أعلمهم أنهم يبعثون فأنكروا ذلك، فقالوا: أئِذا متنا وكنا ترابا، واكتفى بدلالة الكلام على حكاية ما قال لهم المنذر وهو النبي ﷺ. وقيل: إنما أتى هذا الإنكار ولم يتقدم قبله شيء للجواب المضمر المحذوف، والتقدير: والقرآن المجيد لتبعثن، ففهموا ذلك فقالوا جزاباً: أنبعث إذا كنا تراباً، إنكاراً للبعث. وقيل: أن "أئذا متنا" جواب لِما قيل لهم، إذ أنكروا إتيان منذر منهم، وقالوا هذا شيء عجيب، فقيل لهم ستعلمون عاقبة إنكارهم إذا بعثتم بعد موتكم، فقالوا منكرين: أئذا متنا وكنا تراباً نبعث. ومعنى: ﴿ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾ أي: ذلك بعث لا يكون. * * ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنقُصُ ٱلأَرْضُ مِنْهُمْ﴾. أي: قد علمنا ما تأكل الأرض من أجسامهم [بعد موتهم، وعندنا كتاب محفوظ بما تأكل الأرض منهم. قال مجاهد: ما تأكل الأرض منهم أي: عظامهم]. وقال ابن عباس: من لحومهم وأبشارهم وعظامهم وأشعارهم، وما يبقى، فالذي يبقى من الإنسان هو عجب الذنب ومنه يتركب عند النشور. وروى أبو سعيد الخدري: أن النبي ﷺ قال: يأكل التراب كل شيء من الإنسان إلا عَجُبُ الذَّنَبِ، فقيل: وما هو يا رسول الله، فقال مثل حبة خردل منه تنشرون وقيل معناه: وقد علمنا ما يدخل (في الإسلام من بلدان المشركين). * * ثم قال: ﴿بَلْ كَذَّبُواْ بِٱلْحَقِّ لَمَّا جَآءَهُمْ﴾ يعني بالقرآن. ﴿فَهُمْ فِيۤ أَمْرٍ مَّرِيجٍ﴾ أي: مختلط ملتبس لا يعرفون حقه من باطله. وقال ابن عباس: المريج الشيء المنكر، وعنه مريج: مختلف، وعنه في أمر ضلالة. وقال (ابن جبير ومجاهد) مريج: ملتبس. وقال ابن زيد في المختلط: يقال مرج الخاتم في أصبعه: إذا اضطرب من الهزال، فتقديره: فهم في أمر مختلط مختلف، لا يثبتون على رأي: واحد ولا على قول، يقولون مرة ساحر، ومرة معلم، ومرة كاهن، ومرة مجنون ، ثم دلهم جل ذكره على وحدانيته وآياته فقال: * * ﴿أَفَلَمْ يَنظُرُوۤاْ إِلَى ٱلسَّمَآءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا﴾. أي: أفلم ينظر هؤلاء المنكرون للبعث بعد الموت كيف خَلقنا السماء فوقهم بغير عمد يرونها، وكيف زيناها بالنجوم وليس فيها فتوق ولا شقوق فيعلمون أن من قدر على هذا الأمر العظيم الجليل وأحدثه لا يتعذر عليه إحياء الموتى على صغر خلقهم وقد نبه على هذا بقوله تعالى: ﴿لَخَلْقُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ أَكْـبَرُ مِنْ خَلْقِ ٱلنَّاسِ﴾ [غافر: ٥٦]. * * ثم قال: ﴿وَٱلأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ﴾. أي: وينظرون إلى الأرض كيف مددناها مسطحة لا اعوجاج فيها وجعلنا على جوانبها جبالاً تمسكها لئلا تميد بأهلها، وكيف أنبتنا فيها من كل جنس من النبات فيبهج من رآه ويسره، فمن قدر على اختراع هذا كله كيف يعجز عن إحياء الموتى بعد موتهم. وقيل بهيج: حسن، قاله ابن عباس. * * ثم قال: ﴿تَبْصِرَةً وَذِكْرَىٰ لِكُلِّ عَبْدٍ مُّنِيبٍ﴾. أي: فعل ذلك نعمة منه يبصرها العباد فيستدلون على عظيم قدرته، وأنه لا يعجزه شيء أراده، ويتذكرون به فيتَّعظون ويزدجرون عن مخالفة أمره ونهيه. والمنيب: التائب، قاله قتادة. وقيل منيب: مخبت، قاله مجاهد. و ﴿تَبْصِرَةً وَذِكْرَىٰ﴾: مصدران أو مفعولان من أجلهما؛ أي: فعلنا ذلك "ليبصركم الله" القدرة، ولتتذكروا عظمة الله فتعلموا أنه قادر على ما يشاء من إحياء الموتى وغير ذلك. * * ثم قال: ﴿وَنَزَّلْنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً مُّبَٰرَكاً﴾ أي: مطراً مباركاً فأنبتا به جنات، أي: بساتين، و "حب الحصيد" يعني الزرع من البر والشعير وسائر أنواع الحبوب. قال الفراء: الحصيد: هو إضافة الشيء إلى نفسه، لأن الحب هو الحصيد. والتقدير عند البصريين، وحب النبت الحصيد. * * ثم قال: ﴿وَٱلنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَّهَا طَلْعٌ نَّضِيدٌ﴾ أي: وأنبتنا النخل طوالا، وهي حال مقدرة، ونضيد بمعنى منضود أي: مكتنز منضم متراكب. * * ثم قال: ﴿رِّزْقاً لِّلْعِبَادِ﴾ "رزقاً" مصدر أو مفعول من أجله. * * ثم قال: ﴿وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَّيْتاً﴾ أي: أحيينا بالمطر بلدة قد أجذبت وقحطت فلا نبات فيها. * * ثم قال: ﴿كَذَلِكَ ٱلْخُرُوجُ﴾ أي: كذلك تخرجون من قبوركم يبعث الله جل ذكره ماء ينبت به الناس كما [ينبت به الزرع، أي: كما أحيينا هذه الأرض بعد موتها فأخرجنا فيها النبات والزرع بالمطر]. كذلك يبعث عليكم مطراً فتحيون للبعث يوم القيامة. * * ثم قال: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ﴾ أي: كذبت قبل قومك يا محمد قوم نوح. ﴿وَأَصْحَابُ ٱلرَّسِّ وَثَمُودُ * وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوَانُ لُوطٍ * وَأَصْحَابُ ٱلأَيْكَةِ وَقَوْمُ تُّبَّعٍ كُلٌّ كَذَّبَ ٱلرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ﴾ أصحاب الأيكة: قوم شعيب. والرس: بير قتل فيها صاحب يسۤ، قاله الضحاك. وقال كعب: أصحاب الأخدود، وهم الذين أرسل إليهم اثنان وعزز بثالث، قال: والرس: الأخدود. قال قتادة: الأيكة: الشجر الملتف. قال عبد الله بن سلام: كان تبع رجل من العرب ظهر على الناس فاختار فتية من الأحبار فاستبطنهم واستدخلهم حتى أخذ منهم وتابعهم فاستنكر ذلك قومه وقالوا قد ترك دينكم وتابع الفِتيَة فلما فشا ذلك قام الفتية فقالوا بيننا وبينهم النار تحرق الكاذب وينجو منها الصادق ففعلوا فعلق الفتية مصاحفهم في أعناقهم ثم غدوا إلى النار فدخلوها فانفرجت عنهم ثم دخلت الفرقة الأخرى فأحرقتهم فأسلم تبع، وكان رجلاً صالحاً. * * وقوله: ﴿كُلٌّ كَذَّبَ ٱلرُّسُلَ﴾ أي: كلهم كذب الرسل فوجب عليهم وعيد الله عز وجل وهو النقمة بالعذاب، وهو تخويف من الله عز وجل لقريش أنهم إن تمادوا على كفرهم حق عليهم الوعيد أيضاً.

ق 50:10

قوله تعالى: ﴿قۤ وَٱلْقُرْآنِ ٱلْمَجِيدِ﴾ إلى قوله: ﴿فَحَقَّ وَعِيدِ﴾ الآيات. روى عطاء والضحاك عن ابن عباس: أن قۤ اسم جبل محيط بالدنيا من زبرجدة خضراء وأن السماء عليه مقبية أقسم الله جل ذكره به. وقال ابن عباس: "قۤ" و "نۤ" وأشباه هذا قسم أقسم الله به، وهو اسم من أسماء الله. وقال قتادة: اسم من أسماء القرآن، وعنه: أنه اسم من أسماء السور، والوقف على ق، في هذه الثلاثة تقديرات، حسن. وقال الفراء: معنى قۤ، "قُفِيَ الأَمْرُ واللهَّ"، فاكتفى بالقاف عن الجملة كما قال: "قُلْتُ لَهَا قِفِي لَنَا، فَقَالَتْ قَافْ"، أي: قَد وقَفْتُ، أي: فاكتفى بالقاف عن الجملة، وتَقِفُ على "قاف" في هذا القول إِلاَّ أن تَجْعَلَه جواباً للقسم بعده فلا تقِفُ عليه، فإن أضمرتَ الجواب وقفتَ على قاف، وكذلك التقدير في القول الذي بعده، وهو قول مجاهد. وقال مجاهد: قۤ جبل محيط بالأرض، وقيل: إنه من زمردة خضراء وإن خضرة السماء والبحر منه. * * وقوله: ﴿وَٱلْقُرْآنِ ٱلْمَجِيدِ﴾ قسم، والمجيد: الكريم. وقيل: الرفيع القدر. واختُلف في جواب القسم، فقيل: الجواب ﴿بَلْ عَجِبُوۤاْ﴾ لأن "بل" تُؤَكد وتُوجِب وقوع ما بعدها. مثل "أن" و "اللام"، وقولُك "لَقَدْ عَجِبُوا" و "بَلْ عَجِبُوا" واحد. وقال الأخفش سعيد، الجواب: قد علمنا ما تنقص الأرض، أي: قد علمنا ذلك، وهو قول الكسائي. وقال الزجاج: الجواب محذوف، والتقدير: والقرآن المجيد لتُبعثُن. وقيل التقدير: والقرآن المجيد لتعلمن عاقبة تكذيبكم بالبعث، ودل على ذلك مَا حكى الله عنهم من قولهم ﴿أَءِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾. وقيل الجواب (قۤ لأنه) بمعنى قُفِيَ الأَمْرُ والقرآن المجيد. وقيل الجواب (قۤ): وعلى تقدير هو "قۤ" والقرآن المجيد، وهذا على قول ابن زيد ووهب بن منبه لأنهما قالا "قاف" اسم للجبل المحيط بالأرض. وقيل الجواب ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَىٰ﴾. * * ثم قال تعالى: ﴿بَلْ عَجِبُوۤاْ أَن جَآءَهُمْ مُّنذِرٌ مِّنْهُمْ﴾. أي: لم يكذبك قريش يا محمد لأنهم لا يعرفونك بل لتعجبهم وإنكارهم من بشر مثلهم ينذرهم بأمر الله عز وجل. * * ﴿فَقَالَ ٱلْكَافِرُونَ هَـٰذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ﴾. قال بعض أهل المعاني: (العجب وقع من المؤمنين) والكافرين فقيل بل عجبوا أن جاءهم منذر منهم. ثم ميز الله الكافرين من المؤمنين [فقال تعالى]: ﴿فَقَالَ ٱلْكَافِرُونَ هَـٰذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ * أَءِذَا مِتْنَا﴾ الآية فوصفهم بإنكار البعث، ولم يقل: بل عجبوا أن جاءهم منذر منهم فقالوا هذا شيء عجيب. ثم بيَّن قول الكافرين من جميع من تعجب من إرسال منذر، فآمن المؤمنون مما تعجبوا منه، وكفر الكافرون به. ثم قال تعالى حكاية عن قولهم أنهم قالوا: ﴿أَءِذَا مِتْنَا﴾، وإنما هو جواب منهم لإعلام النبي ﷺ لهم، أنهم يبعثون، فأنكروا ذلك فقالوا: ﴿أَءِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾ أي: أَنُبعَثُ إذا كنا في قبورنا تراباً؟ وقوله: ﴿أَءِذَا مِتْنَا﴾: إنما هو جواب منهم لإعلام النبي ﷺ لهم أنهم يبعثون ويجازون بأعمالهم. ودل على ذلك قوله: ﴿أَن جَآءَهُمْ مُّنذِرٌ مِّنْهُمْ﴾ لأن المنذر أعلمهم أنهم يبعثون فأنكروا ذلك، فقالوا: أئِذا متنا وكنا ترابا، واكتفى بدلالة الكلام على حكاية ما قال لهم المنذر وهو النبي ﷺ. وقيل: إنما أتى هذا الإنكار ولم يتقدم قبله شيء للجواب المضمر المحذوف، والتقدير: والقرآن المجيد لتبعثن، ففهموا ذلك فقالوا جزاباً: أنبعث إذا كنا تراباً، إنكاراً للبعث. وقيل: أن "أئذا متنا" جواب لِما قيل لهم، إذ أنكروا إتيان منذر منهم، وقالوا هذا شيء عجيب، فقيل لهم ستعلمون عاقبة إنكارهم إذا بعثتم بعد موتكم، فقالوا منكرين: أئذا متنا وكنا تراباً نبعث. ومعنى: ﴿ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾ أي: ذلك بعث لا يكون. * * ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنقُصُ ٱلأَرْضُ مِنْهُمْ﴾. أي: قد علمنا ما تأكل الأرض من أجسامهم [بعد موتهم، وعندنا كتاب محفوظ بما تأكل الأرض منهم. قال مجاهد: ما تأكل الأرض منهم أي: عظامهم]. وقال ابن عباس: من لحومهم وأبشارهم وعظامهم وأشعارهم، وما يبقى، فالذي يبقى من الإنسان هو عجب الذنب ومنه يتركب عند النشور. وروى أبو سعيد الخدري: أن النبي ﷺ قال: يأكل التراب كل شيء من الإنسان إلا عَجُبُ الذَّنَبِ، فقيل: وما هو يا رسول الله، فقال مثل حبة خردل منه تنشرون وقيل معناه: وقد علمنا ما يدخل (في الإسلام من بلدان المشركين). * * ثم قال: ﴿بَلْ كَذَّبُواْ بِٱلْحَقِّ لَمَّا جَآءَهُمْ﴾ يعني بالقرآن. ﴿فَهُمْ فِيۤ أَمْرٍ مَّرِيجٍ﴾ أي: مختلط ملتبس لا يعرفون حقه من باطله. وقال ابن عباس: المريج الشيء المنكر، وعنه مريج: مختلف، وعنه في أمر ضلالة. وقال (ابن جبير ومجاهد) مريج: ملتبس. وقال ابن زيد في المختلط: يقال مرج الخاتم في أصبعه: إذا اضطرب من الهزال، فتقديره: فهم في أمر مختلط مختلف، لا يثبتون على رأي: واحد ولا على قول، يقولون مرة ساحر، ومرة معلم، ومرة كاهن، ومرة مجنون ، ثم دلهم جل ذكره على وحدانيته وآياته فقال: * * ﴿أَفَلَمْ يَنظُرُوۤاْ إِلَى ٱلسَّمَآءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا﴾. أي: أفلم ينظر هؤلاء المنكرون للبعث بعد الموت كيف خَلقنا السماء فوقهم بغير عمد يرونها، وكيف زيناها بالنجوم وليس فيها فتوق ولا شقوق فيعلمون أن من قدر على هذا الأمر العظيم الجليل وأحدثه لا يتعذر عليه إحياء الموتى على صغر خلقهم وقد نبه على هذا بقوله تعالى: ﴿لَخَلْقُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ أَكْـبَرُ مِنْ خَلْقِ ٱلنَّاسِ﴾ [غافر: ٥٦]. * * ثم قال: ﴿وَٱلأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ﴾. أي: وينظرون إلى الأرض كيف مددناها مسطحة لا اعوجاج فيها وجعلنا على جوانبها جبالاً تمسكها لئلا تميد بأهلها، وكيف أنبتنا فيها من كل جنس من النبات فيبهج من رآه ويسره، فمن قدر على اختراع هذا كله كيف يعجز عن إحياء الموتى بعد موتهم. وقيل بهيج: حسن، قاله ابن عباس. * * ثم قال: ﴿تَبْصِرَةً وَذِكْرَىٰ لِكُلِّ عَبْدٍ مُّنِيبٍ﴾. أي: فعل ذلك نعمة منه يبصرها العباد فيستدلون على عظيم قدرته، وأنه لا يعجزه شيء أراده، ويتذكرون به فيتَّعظون ويزدجرون عن مخالفة أمره ونهيه. والمنيب: التائب، قاله قتادة. وقيل منيب: مخبت، قاله مجاهد. و ﴿تَبْصِرَةً وَذِكْرَىٰ﴾: مصدران أو مفعولان من أجلهما؛ أي: فعلنا ذلك "ليبصركم الله" القدرة، ولتتذكروا عظمة الله فتعلموا أنه قادر على ما يشاء من إحياء الموتى وغير ذلك. * * ثم قال: ﴿وَنَزَّلْنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً مُّبَٰرَكاً﴾ أي: مطراً مباركاً فأنبتا به جنات، أي: بساتين، و "حب الحصيد" يعني الزرع من البر والشعير وسائر أنواع الحبوب. قال الفراء: الحصيد: هو إضافة الشيء إلى نفسه، لأن الحب هو الحصيد. والتقدير عند البصريين، وحب النبت الحصيد. * * ثم قال: ﴿وَٱلنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَّهَا طَلْعٌ نَّضِيدٌ﴾ أي: وأنبتنا النخل طوالا، وهي حال مقدرة، ونضيد بمعنى منضود أي: مكتنز منضم متراكب. * * ثم قال: ﴿رِّزْقاً لِّلْعِبَادِ﴾ "رزقاً" مصدر أو مفعول من أجله. * * ثم قال: ﴿وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَّيْتاً﴾ أي: أحيينا بالمطر بلدة قد أجذبت وقحطت فلا نبات فيها. * * ثم قال: ﴿كَذَلِكَ ٱلْخُرُوجُ﴾ أي: كذلك تخرجون من قبوركم يبعث الله جل ذكره ماء ينبت به الناس كما [ينبت به الزرع، أي: كما أحيينا هذه الأرض بعد موتها فأخرجنا فيها النبات والزرع بالمطر]. كذلك يبعث عليكم مطراً فتحيون للبعث يوم القيامة. * * ثم قال: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ﴾ أي: كذبت قبل قومك يا محمد قوم نوح. ﴿وَأَصْحَابُ ٱلرَّسِّ وَثَمُودُ * وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوَانُ لُوطٍ * وَأَصْحَابُ ٱلأَيْكَةِ وَقَوْمُ تُّبَّعٍ كُلٌّ كَذَّبَ ٱلرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ﴾ أصحاب الأيكة: قوم شعيب. والرس: بير قتل فيها صاحب يسۤ، قاله الضحاك. وقال كعب: أصحاب الأخدود، وهم الذين أرسل إليهم اثنان وعزز بثالث، قال: والرس: الأخدود. قال قتادة: الأيكة: الشجر الملتف. قال عبد الله بن سلام: كان تبع رجل من العرب ظهر على الناس فاختار فتية من الأحبار فاستبطنهم واستدخلهم حتى أخذ منهم وتابعهم فاستنكر ذلك قومه وقالوا قد ترك دينكم وتابع الفِتيَة فلما فشا ذلك قام الفتية فقالوا بيننا وبينهم النار تحرق الكاذب وينجو منها الصادق ففعلوا فعلق الفتية مصاحفهم في أعناقهم ثم غدوا إلى النار فدخلوها فانفرجت عنهم ثم دخلت الفرقة الأخرى فأحرقتهم فأسلم تبع، وكان رجلاً صالحاً. * * وقوله: ﴿كُلٌّ كَذَّبَ ٱلرُّسُلَ﴾ أي: كلهم كذب الرسل فوجب عليهم وعيد الله عز وجل وهو النقمة بالعذاب، وهو تخويف من الله عز وجل لقريش أنهم إن تمادوا على كفرهم حق عليهم الوعيد أيضاً.

ق 50:11

قوله تعالى: ﴿قۤ وَٱلْقُرْآنِ ٱلْمَجِيدِ﴾ إلى قوله: ﴿فَحَقَّ وَعِيدِ﴾ الآيات. روى عطاء والضحاك عن ابن عباس: أن قۤ اسم جبل محيط بالدنيا من زبرجدة خضراء وأن السماء عليه مقبية أقسم الله جل ذكره به. وقال ابن عباس: "قۤ" و "نۤ" وأشباه هذا قسم أقسم الله به، وهو اسم من أسماء الله. وقال قتادة: اسم من أسماء القرآن، وعنه: أنه اسم من أسماء السور، والوقف على ق، في هذه الثلاثة تقديرات، حسن. وقال الفراء: معنى قۤ، "قُفِيَ الأَمْرُ واللهَّ"، فاكتفى بالقاف عن الجملة كما قال: "قُلْتُ لَهَا قِفِي لَنَا، فَقَالَتْ قَافْ"، أي: قَد وقَفْتُ، أي: فاكتفى بالقاف عن الجملة، وتَقِفُ على "قاف" في هذا القول إِلاَّ أن تَجْعَلَه جواباً للقسم بعده فلا تقِفُ عليه، فإن أضمرتَ الجواب وقفتَ على قاف، وكذلك التقدير في القول الذي بعده، وهو قول مجاهد. وقال مجاهد: قۤ جبل محيط بالأرض، وقيل: إنه من زمردة خضراء وإن خضرة السماء والبحر منه. * * وقوله: ﴿وَٱلْقُرْآنِ ٱلْمَجِيدِ﴾ قسم، والمجيد: الكريم. وقيل: الرفيع القدر. واختُلف في جواب القسم، فقيل: الجواب ﴿بَلْ عَجِبُوۤاْ﴾ لأن "بل" تُؤَكد وتُوجِب وقوع ما بعدها. مثل "أن" و "اللام"، وقولُك "لَقَدْ عَجِبُوا" و "بَلْ عَجِبُوا" واحد. وقال الأخفش سعيد، الجواب: قد علمنا ما تنقص الأرض، أي: قد علمنا ذلك، وهو قول الكسائي. وقال الزجاج: الجواب محذوف، والتقدير: والقرآن المجيد لتُبعثُن. وقيل التقدير: والقرآن المجيد لتعلمن عاقبة تكذيبكم بالبعث، ودل على ذلك مَا حكى الله عنهم من قولهم ﴿أَءِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾. وقيل الجواب (قۤ لأنه) بمعنى قُفِيَ الأَمْرُ والقرآن المجيد. وقيل الجواب (قۤ): وعلى تقدير هو "قۤ" والقرآن المجيد، وهذا على قول ابن زيد ووهب بن منبه لأنهما قالا "قاف" اسم للجبل المحيط بالأرض. وقيل الجواب ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَىٰ﴾. * * ثم قال تعالى: ﴿بَلْ عَجِبُوۤاْ أَن جَآءَهُمْ مُّنذِرٌ مِّنْهُمْ﴾. أي: لم يكذبك قريش يا محمد لأنهم لا يعرفونك بل لتعجبهم وإنكارهم من بشر مثلهم ينذرهم بأمر الله عز وجل. * * ﴿فَقَالَ ٱلْكَافِرُونَ هَـٰذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ﴾. قال بعض أهل المعاني: (العجب وقع من المؤمنين) والكافرين فقيل بل عجبوا أن جاءهم منذر منهم. ثم ميز الله الكافرين من المؤمنين [فقال تعالى]: ﴿فَقَالَ ٱلْكَافِرُونَ هَـٰذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ * أَءِذَا مِتْنَا﴾ الآية فوصفهم بإنكار البعث، ولم يقل: بل عجبوا أن جاءهم منذر منهم فقالوا هذا شيء عجيب. ثم بيَّن قول الكافرين من جميع من تعجب من إرسال منذر، فآمن المؤمنون مما تعجبوا منه، وكفر الكافرون به. ثم قال تعالى حكاية عن قولهم أنهم قالوا: ﴿أَءِذَا مِتْنَا﴾، وإنما هو جواب منهم لإعلام النبي ﷺ لهم، أنهم يبعثون، فأنكروا ذلك فقالوا: ﴿أَءِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾ أي: أَنُبعَثُ إذا كنا في قبورنا تراباً؟ وقوله: ﴿أَءِذَا مِتْنَا﴾: إنما هو جواب منهم لإعلام النبي ﷺ لهم أنهم يبعثون ويجازون بأعمالهم. ودل على ذلك قوله: ﴿أَن جَآءَهُمْ مُّنذِرٌ مِّنْهُمْ﴾ لأن المنذر أعلمهم أنهم يبعثون فأنكروا ذلك، فقالوا: أئِذا متنا وكنا ترابا، واكتفى بدلالة الكلام على حكاية ما قال لهم المنذر وهو النبي ﷺ. وقيل: إنما أتى هذا الإنكار ولم يتقدم قبله شيء للجواب المضمر المحذوف، والتقدير: والقرآن المجيد لتبعثن، ففهموا ذلك فقالوا جزاباً: أنبعث إذا كنا تراباً، إنكاراً للبعث. وقيل: أن "أئذا متنا" جواب لِما قيل لهم، إذ أنكروا إتيان منذر منهم، وقالوا هذا شيء عجيب، فقيل لهم ستعلمون عاقبة إنكارهم إذا بعثتم بعد موتكم، فقالوا منكرين: أئذا متنا وكنا تراباً نبعث. ومعنى: ﴿ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾ أي: ذلك بعث لا يكون. * * ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنقُصُ ٱلأَرْضُ مِنْهُمْ﴾. أي: قد علمنا ما تأكل الأرض من أجسامهم [بعد موتهم، وعندنا كتاب محفوظ بما تأكل الأرض منهم. قال مجاهد: ما تأكل الأرض منهم أي: عظامهم]. وقال ابن عباس: من لحومهم وأبشارهم وعظامهم وأشعارهم، وما يبقى، فالذي يبقى من الإنسان هو عجب الذنب ومنه يتركب عند النشور. وروى أبو سعيد الخدري: أن النبي ﷺ قال: يأكل التراب كل شيء من الإنسان إلا عَجُبُ الذَّنَبِ، فقيل: وما هو يا رسول الله، فقال مثل حبة خردل منه تنشرون وقيل معناه: وقد علمنا ما يدخل (في الإسلام من بلدان المشركين). * * ثم قال: ﴿بَلْ كَذَّبُواْ بِٱلْحَقِّ لَمَّا جَآءَهُمْ﴾ يعني بالقرآن. ﴿فَهُمْ فِيۤ أَمْرٍ مَّرِيجٍ﴾ أي: مختلط ملتبس لا يعرفون حقه من باطله. وقال ابن عباس: المريج الشيء المنكر، وعنه مريج: مختلف، وعنه في أمر ضلالة. وقال (ابن جبير ومجاهد) مريج: ملتبس. وقال ابن زيد في المختلط: يقال مرج الخاتم في أصبعه: إذا اضطرب من الهزال، فتقديره: فهم في أمر مختلط مختلف، لا يثبتون على رأي: واحد ولا على قول، يقولون مرة ساحر، ومرة معلم، ومرة كاهن، ومرة مجنون ، ثم دلهم جل ذكره على وحدانيته وآياته فقال: * * ﴿أَفَلَمْ يَنظُرُوۤاْ إِلَى ٱلسَّمَآءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا﴾. أي: أفلم ينظر هؤلاء المنكرون للبعث بعد الموت كيف خَلقنا السماء فوقهم بغير عمد يرونها، وكيف زيناها بالنجوم وليس فيها فتوق ولا شقوق فيعلمون أن من قدر على هذا الأمر العظيم الجليل وأحدثه لا يتعذر عليه إحياء الموتى على صغر خلقهم وقد نبه على هذا بقوله تعالى: ﴿لَخَلْقُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ أَكْـبَرُ مِنْ خَلْقِ ٱلنَّاسِ﴾ [غافر: ٥٦]. * * ثم قال: ﴿وَٱلأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ﴾. أي: وينظرون إلى الأرض كيف مددناها مسطحة لا اعوجاج فيها وجعلنا على جوانبها جبالاً تمسكها لئلا تميد بأهلها، وكيف أنبتنا فيها من كل جنس من النبات فيبهج من رآه ويسره، فمن قدر على اختراع هذا كله كيف يعجز عن إحياء الموتى بعد موتهم. وقيل بهيج: حسن، قاله ابن عباس. * * ثم قال: ﴿تَبْصِرَةً وَذِكْرَىٰ لِكُلِّ عَبْدٍ مُّنِيبٍ﴾. أي: فعل ذلك نعمة منه يبصرها العباد فيستدلون على عظيم قدرته، وأنه لا يعجزه شيء أراده، ويتذكرون به فيتَّعظون ويزدجرون عن مخالفة أمره ونهيه. والمنيب: التائب، قاله قتادة. وقيل منيب: مخبت، قاله مجاهد. و ﴿تَبْصِرَةً وَذِكْرَىٰ﴾: مصدران أو مفعولان من أجلهما؛ أي: فعلنا ذلك "ليبصركم الله" القدرة، ولتتذكروا عظمة الله فتعلموا أنه قادر على ما يشاء من إحياء الموتى وغير ذلك. * * ثم قال: ﴿وَنَزَّلْنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً مُّبَٰرَكاً﴾ أي: مطراً مباركاً فأنبتا به جنات، أي: بساتين، و "حب الحصيد" يعني الزرع من البر والشعير وسائر أنواع الحبوب. قال الفراء: الحصيد: هو إضافة الشيء إلى نفسه، لأن الحب هو الحصيد. والتقدير عند البصريين، وحب النبت الحصيد. * * ثم قال: ﴿وَٱلنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَّهَا طَلْعٌ نَّضِيدٌ﴾ أي: وأنبتنا النخل طوالا، وهي حال مقدرة، ونضيد بمعنى منضود أي: مكتنز منضم متراكب. * * ثم قال: ﴿رِّزْقاً لِّلْعِبَادِ﴾ "رزقاً" مصدر أو مفعول من أجله. * * ثم قال: ﴿وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَّيْتاً﴾ أي: أحيينا بالمطر بلدة قد أجذبت وقحطت فلا نبات فيها. * * ثم قال: ﴿كَذَلِكَ ٱلْخُرُوجُ﴾ أي: كذلك تخرجون من قبوركم يبعث الله جل ذكره ماء ينبت به الناس كما [ينبت به الزرع، أي: كما أحيينا هذه الأرض بعد موتها فأخرجنا فيها النبات والزرع بالمطر]. كذلك يبعث عليكم مطراً فتحيون للبعث يوم القيامة. * * ثم قال: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ﴾ أي: كذبت قبل قومك يا محمد قوم نوح. ﴿وَأَصْحَابُ ٱلرَّسِّ وَثَمُودُ * وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوَانُ لُوطٍ * وَأَصْحَابُ ٱلأَيْكَةِ وَقَوْمُ تُّبَّعٍ كُلٌّ كَذَّبَ ٱلرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ﴾ أصحاب الأيكة: قوم شعيب. والرس: بير قتل فيها صاحب يسۤ، قاله الضحاك. وقال كعب: أصحاب الأخدود، وهم الذين أرسل إليهم اثنان وعزز بثالث، قال: والرس: الأخدود. قال قتادة: الأيكة: الشجر الملتف. قال عبد الله بن سلام: كان تبع رجل من العرب ظهر على الناس فاختار فتية من الأحبار فاستبطنهم واستدخلهم حتى أخذ منهم وتابعهم فاستنكر ذلك قومه وقالوا قد ترك دينكم وتابع الفِتيَة فلما فشا ذلك قام الفتية فقالوا بيننا وبينهم النار تحرق الكاذب وينجو منها الصادق ففعلوا فعلق الفتية مصاحفهم في أعناقهم ثم غدوا إلى النار فدخلوها فانفرجت عنهم ثم دخلت الفرقة الأخرى فأحرقتهم فأسلم تبع، وكان رجلاً صالحاً. * * وقوله: ﴿كُلٌّ كَذَّبَ ٱلرُّسُلَ﴾ أي: كلهم كذب الرسل فوجب عليهم وعيد الله عز وجل وهو النقمة بالعذاب، وهو تخويف من الله عز وجل لقريش أنهم إن تمادوا على كفرهم حق عليهم الوعيد أيضاً.

ق 50:12

قوله تعالى: ﴿قۤ وَٱلْقُرْآنِ ٱلْمَجِيدِ﴾ إلى قوله: ﴿فَحَقَّ وَعِيدِ﴾ الآيات. روى عطاء والضحاك عن ابن عباس: أن قۤ اسم جبل محيط بالدنيا من زبرجدة خضراء وأن السماء عليه مقبية أقسم الله جل ذكره به. وقال ابن عباس: "قۤ" و "نۤ" وأشباه هذا قسم أقسم الله به، وهو اسم من أسماء الله. وقال قتادة: اسم من أسماء القرآن، وعنه: أنه اسم من أسماء السور، والوقف على ق، في هذه الثلاثة تقديرات، حسن. وقال الفراء: معنى قۤ، "قُفِيَ الأَمْرُ واللهَّ"، فاكتفى بالقاف عن الجملة كما قال: "قُلْتُ لَهَا قِفِي لَنَا، فَقَالَتْ قَافْ"، أي: قَد وقَفْتُ، أي: فاكتفى بالقاف عن الجملة، وتَقِفُ على "قاف" في هذا القول إِلاَّ أن تَجْعَلَه جواباً للقسم بعده فلا تقِفُ عليه، فإن أضمرتَ الجواب وقفتَ على قاف، وكذلك التقدير في القول الذي بعده، وهو قول مجاهد. وقال مجاهد: قۤ جبل محيط بالأرض، وقيل: إنه من زمردة خضراء وإن خضرة السماء والبحر منه. * * وقوله: ﴿وَٱلْقُرْآنِ ٱلْمَجِيدِ﴾ قسم، والمجيد: الكريم. وقيل: الرفيع القدر. واختُلف في جواب القسم، فقيل: الجواب ﴿بَلْ عَجِبُوۤاْ﴾ لأن "بل" تُؤَكد وتُوجِب وقوع ما بعدها. مثل "أن" و "اللام"، وقولُك "لَقَدْ عَجِبُوا" و "بَلْ عَجِبُوا" واحد. وقال الأخفش سعيد، الجواب: قد علمنا ما تنقص الأرض، أي: قد علمنا ذلك، وهو قول الكسائي. وقال الزجاج: الجواب محذوف، والتقدير: والقرآن المجيد لتُبعثُن. وقيل التقدير: والقرآن المجيد لتعلمن عاقبة تكذيبكم بالبعث، ودل على ذلك مَا حكى الله عنهم من قولهم ﴿أَءِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾. وقيل الجواب (قۤ لأنه) بمعنى قُفِيَ الأَمْرُ والقرآن المجيد. وقيل الجواب (قۤ): وعلى تقدير هو "قۤ" والقرآن المجيد، وهذا على قول ابن زيد ووهب بن منبه لأنهما قالا "قاف" اسم للجبل المحيط بالأرض. وقيل الجواب ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَىٰ﴾. * * ثم قال تعالى: ﴿بَلْ عَجِبُوۤاْ أَن جَآءَهُمْ مُّنذِرٌ مِّنْهُمْ﴾. أي: لم يكذبك قريش يا محمد لأنهم لا يعرفونك بل لتعجبهم وإنكارهم من بشر مثلهم ينذرهم بأمر الله عز وجل. * * ﴿فَقَالَ ٱلْكَافِرُونَ هَـٰذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ﴾. قال بعض أهل المعاني: (العجب وقع من المؤمنين) والكافرين فقيل بل عجبوا أن جاءهم منذر منهم. ثم ميز الله الكافرين من المؤمنين [فقال تعالى]: ﴿فَقَالَ ٱلْكَافِرُونَ هَـٰذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ * أَءِذَا مِتْنَا﴾ الآية فوصفهم بإنكار البعث، ولم يقل: بل عجبوا أن جاءهم منذر منهم فقالوا هذا شيء عجيب. ثم بيَّن قول الكافرين من جميع من تعجب من إرسال منذر، فآمن المؤمنون مما تعجبوا منه، وكفر الكافرون به. ثم قال تعالى حكاية عن قولهم أنهم قالوا: ﴿أَءِذَا مِتْنَا﴾، وإنما هو جواب منهم لإعلام النبي ﷺ لهم، أنهم يبعثون، فأنكروا ذلك فقالوا: ﴿أَءِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾ أي: أَنُبعَثُ إذا كنا في قبورنا تراباً؟ وقوله: ﴿أَءِذَا مِتْنَا﴾: إنما هو جواب منهم لإعلام النبي ﷺ لهم أنهم يبعثون ويجازون بأعمالهم. ودل على ذلك قوله: ﴿أَن جَآءَهُمْ مُّنذِرٌ مِّنْهُمْ﴾ لأن المنذر أعلمهم أنهم يبعثون فأنكروا ذلك، فقالوا: أئِذا متنا وكنا ترابا، واكتفى بدلالة الكلام على حكاية ما قال لهم المنذر وهو النبي ﷺ. وقيل: إنما أتى هذا الإنكار ولم يتقدم قبله شيء للجواب المضمر المحذوف، والتقدير: والقرآن المجيد لتبعثن، ففهموا ذلك فقالوا جزاباً: أنبعث إذا كنا تراباً، إنكاراً للبعث. وقيل: أن "أئذا متنا" جواب لِما قيل لهم، إذ أنكروا إتيان منذر منهم، وقالوا هذا شيء عجيب، فقيل لهم ستعلمون عاقبة إنكارهم إذا بعثتم بعد موتكم، فقالوا منكرين: أئذا متنا وكنا تراباً نبعث. ومعنى: ﴿ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾ أي: ذلك بعث لا يكون. * * ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنقُصُ ٱلأَرْضُ مِنْهُمْ﴾. أي: قد علمنا ما تأكل الأرض من أجسامهم [بعد موتهم، وعندنا كتاب محفوظ بما تأكل الأرض منهم. قال مجاهد: ما تأكل الأرض منهم أي: عظامهم]. وقال ابن عباس: من لحومهم وأبشارهم وعظامهم وأشعارهم، وما يبقى، فالذي يبقى من الإنسان هو عجب الذنب ومنه يتركب عند النشور. وروى أبو سعيد الخدري: أن النبي ﷺ قال: يأكل التراب كل شيء من الإنسان إلا عَجُبُ الذَّنَبِ، فقيل: وما هو يا رسول الله، فقال مثل حبة خردل منه تنشرون وقيل معناه: وقد علمنا ما يدخل (في الإسلام من بلدان المشركين). * * ثم قال: ﴿بَلْ كَذَّبُواْ بِٱلْحَقِّ لَمَّا جَآءَهُمْ﴾ يعني بالقرآن. ﴿فَهُمْ فِيۤ أَمْرٍ مَّرِيجٍ﴾ أي: مختلط ملتبس لا يعرفون حقه من باطله. وقال ابن عباس: المريج الشيء المنكر، وعنه مريج: مختلف، وعنه في أمر ضلالة. وقال (ابن جبير ومجاهد) مريج: ملتبس. وقال ابن زيد في المختلط: يقال مرج الخاتم في أصبعه: إذا اضطرب من الهزال، فتقديره: فهم في أمر مختلط مختلف، لا يثبتون على رأي: واحد ولا على قول، يقولون مرة ساحر، ومرة معلم، ومرة كاهن، ومرة مجنون ، ثم دلهم جل ذكره على وحدانيته وآياته فقال: * * ﴿أَفَلَمْ يَنظُرُوۤاْ إِلَى ٱلسَّمَآءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا﴾. أي: أفلم ينظر هؤلاء المنكرون للبعث بعد الموت كيف خَلقنا السماء فوقهم بغير عمد يرونها، وكيف زيناها بالنجوم وليس فيها فتوق ولا شقوق فيعلمون أن من قدر على هذا الأمر العظيم الجليل وأحدثه لا يتعذر عليه إحياء الموتى على صغر خلقهم وقد نبه على هذا بقوله تعالى: ﴿لَخَلْقُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ أَكْـبَرُ مِنْ خَلْقِ ٱلنَّاسِ﴾ [غافر: ٥٦]. * * ثم قال: ﴿وَٱلأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ﴾. أي: وينظرون إلى الأرض كيف مددناها مسطحة لا اعوجاج فيها وجعلنا على جوانبها جبالاً تمسكها لئلا تميد بأهلها، وكيف أنبتنا فيها من كل جنس من النبات فيبهج من رآه ويسره، فمن قدر على اختراع هذا كله كيف يعجز عن إحياء الموتى بعد موتهم. وقيل بهيج: حسن، قاله ابن عباس. * * ثم قال: ﴿تَبْصِرَةً وَذِكْرَىٰ لِكُلِّ عَبْدٍ مُّنِيبٍ﴾. أي: فعل ذلك نعمة منه يبصرها العباد فيستدلون على عظيم قدرته، وأنه لا يعجزه شيء أراده، ويتذكرون به فيتَّعظون ويزدجرون عن مخالفة أمره ونهيه. والمنيب: التائب، قاله قتادة. وقيل منيب: مخبت، قاله مجاهد. و ﴿تَبْصِرَةً وَذِكْرَىٰ﴾: مصدران أو مفعولان من أجلهما؛ أي: فعلنا ذلك "ليبصركم الله" القدرة، ولتتذكروا عظمة الله فتعلموا أنه قادر على ما يشاء من إحياء الموتى وغير ذلك. * * ثم قال: ﴿وَنَزَّلْنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً مُّبَٰرَكاً﴾ أي: مطراً مباركاً فأنبتا به جنات، أي: بساتين، و "حب الحصيد" يعني الزرع من البر والشعير وسائر أنواع الحبوب. قال الفراء: الحصيد: هو إضافة الشيء إلى نفسه، لأن الحب هو الحصيد. والتقدير عند البصريين، وحب النبت الحصيد. * * ثم قال: ﴿وَٱلنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَّهَا طَلْعٌ نَّضِيدٌ﴾ أي: وأنبتنا النخل طوالا، وهي حال مقدرة، ونضيد بمعنى منضود أي: مكتنز منضم متراكب. * * ثم قال: ﴿رِّزْقاً لِّلْعِبَادِ﴾ "رزقاً" مصدر أو مفعول من أجله. * * ثم قال: ﴿وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَّيْتاً﴾ أي: أحيينا بالمطر بلدة قد أجذبت وقحطت فلا نبات فيها. * * ثم قال: ﴿كَذَلِكَ ٱلْخُرُوجُ﴾ أي: كذلك تخرجون من قبوركم يبعث الله جل ذكره ماء ينبت به الناس كما [ينبت به الزرع، أي: كما أحيينا هذه الأرض بعد موتها فأخرجنا فيها النبات والزرع بالمطر]. كذلك يبعث عليكم مطراً فتحيون للبعث يوم القيامة. * * ثم قال: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ﴾ أي: كذبت قبل قومك يا محمد قوم نوح. ﴿وَأَصْحَابُ ٱلرَّسِّ وَثَمُودُ * وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوَانُ لُوطٍ * وَأَصْحَابُ ٱلأَيْكَةِ وَقَوْمُ تُّبَّعٍ كُلٌّ كَذَّبَ ٱلرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ﴾ أصحاب الأيكة: قوم شعيب. والرس: بير قتل فيها صاحب يسۤ، قاله الضحاك. وقال كعب: أصحاب الأخدود، وهم الذين أرسل إليهم اثنان وعزز بثالث، قال: والرس: الأخدود. قال قتادة: الأيكة: الشجر الملتف. قال عبد الله بن سلام: كان تبع رجل من العرب ظهر على الناس فاختار فتية من الأحبار فاستبطنهم واستدخلهم حتى أخذ منهم وتابعهم فاستنكر ذلك قومه وقالوا قد ترك دينكم وتابع الفِتيَة فلما فشا ذلك قام الفتية فقالوا بيننا وبينهم النار تحرق الكاذب وينجو منها الصادق ففعلوا فعلق الفتية مصاحفهم في أعناقهم ثم غدوا إلى النار فدخلوها فانفرجت عنهم ثم دخلت الفرقة الأخرى فأحرقتهم فأسلم تبع، وكان رجلاً صالحاً. * * وقوله: ﴿كُلٌّ كَذَّبَ ٱلرُّسُلَ﴾ أي: كلهم كذب الرسل فوجب عليهم وعيد الله عز وجل وهو النقمة بالعذاب، وهو تخويف من الله عز وجل لقريش أنهم إن تمادوا على كفرهم حق عليهم الوعيد أيضاً.

ق 50:13

قوله تعالى: ﴿قۤ وَٱلْقُرْآنِ ٱلْمَجِيدِ﴾ إلى قوله: ﴿فَحَقَّ وَعِيدِ﴾ الآيات. روى عطاء والضحاك عن ابن عباس: أن قۤ اسم جبل محيط بالدنيا من زبرجدة خضراء وأن السماء عليه مقبية أقسم الله جل ذكره به. وقال ابن عباس: "قۤ" و "نۤ" وأشباه هذا قسم أقسم الله به، وهو اسم من أسماء الله. وقال قتادة: اسم من أسماء القرآن، وعنه: أنه اسم من أسماء السور، والوقف على ق، في هذه الثلاثة تقديرات، حسن. وقال الفراء: معنى قۤ، "قُفِيَ الأَمْرُ واللهَّ"، فاكتفى بالقاف عن الجملة كما قال: "قُلْتُ لَهَا قِفِي لَنَا، فَقَالَتْ قَافْ"، أي: قَد وقَفْتُ، أي: فاكتفى بالقاف عن الجملة، وتَقِفُ على "قاف" في هذا القول إِلاَّ أن تَجْعَلَه جواباً للقسم بعده فلا تقِفُ عليه، فإن أضمرتَ الجواب وقفتَ على قاف، وكذلك التقدير في القول الذي بعده، وهو قول مجاهد. وقال مجاهد: قۤ جبل محيط بالأرض، وقيل: إنه من زمردة خضراء وإن خضرة السماء والبحر منه. * * وقوله: ﴿وَٱلْقُرْآنِ ٱلْمَجِيدِ﴾ قسم، والمجيد: الكريم. وقيل: الرفيع القدر. واختُلف في جواب القسم، فقيل: الجواب ﴿بَلْ عَجِبُوۤاْ﴾ لأن "بل" تُؤَكد وتُوجِب وقوع ما بعدها. مثل "أن" و "اللام"، وقولُك "لَقَدْ عَجِبُوا" و "بَلْ عَجِبُوا" واحد. وقال الأخفش سعيد، الجواب: قد علمنا ما تنقص الأرض، أي: قد علمنا ذلك، وهو قول الكسائي. وقال الزجاج: الجواب محذوف، والتقدير: والقرآن المجيد لتُبعثُن. وقيل التقدير: والقرآن المجيد لتعلمن عاقبة تكذيبكم بالبعث، ودل على ذلك مَا حكى الله عنهم من قولهم ﴿أَءِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾. وقيل الجواب (قۤ لأنه) بمعنى قُفِيَ الأَمْرُ والقرآن المجيد. وقيل الجواب (قۤ): وعلى تقدير هو "قۤ" والقرآن المجيد، وهذا على قول ابن زيد ووهب بن منبه لأنهما قالا "قاف" اسم للجبل المحيط بالأرض. وقيل الجواب ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَىٰ﴾. * * ثم قال تعالى: ﴿بَلْ عَجِبُوۤاْ أَن جَآءَهُمْ مُّنذِرٌ مِّنْهُمْ﴾. أي: لم يكذبك قريش يا محمد لأنهم لا يعرفونك بل لتعجبهم وإنكارهم من بشر مثلهم ينذرهم بأمر الله عز وجل. * * ﴿فَقَالَ ٱلْكَافِرُونَ هَـٰذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ﴾. قال بعض أهل المعاني: (العجب وقع من المؤمنين) والكافرين فقيل بل عجبوا أن جاءهم منذر منهم. ثم ميز الله الكافرين من المؤمنين [فقال تعالى]: ﴿فَقَالَ ٱلْكَافِرُونَ هَـٰذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ * أَءِذَا مِتْنَا﴾ الآية فوصفهم بإنكار البعث، ولم يقل: بل عجبوا أن جاءهم منذر منهم فقالوا هذا شيء عجيب. ثم بيَّن قول الكافرين من جميع من تعجب من إرسال منذر، فآمن المؤمنون مما تعجبوا منه، وكفر الكافرون به. ثم قال تعالى حكاية عن قولهم أنهم قالوا: ﴿أَءِذَا مِتْنَا﴾، وإنما هو جواب منهم لإعلام النبي ﷺ لهم، أنهم يبعثون، فأنكروا ذلك فقالوا: ﴿أَءِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾ أي: أَنُبعَثُ إذا كنا في قبورنا تراباً؟ وقوله: ﴿أَءِذَا مِتْنَا﴾: إنما هو جواب منهم لإعلام النبي ﷺ لهم أنهم يبعثون ويجازون بأعمالهم. ودل على ذلك قوله: ﴿أَن جَآءَهُمْ مُّنذِرٌ مِّنْهُمْ﴾ لأن المنذر أعلمهم أنهم يبعثون فأنكروا ذلك، فقالوا: أئِذا متنا وكنا ترابا، واكتفى بدلالة الكلام على حكاية ما قال لهم المنذر وهو النبي ﷺ. وقيل: إنما أتى هذا الإنكار ولم يتقدم قبله شيء للجواب المضمر المحذوف، والتقدير: والقرآن المجيد لتبعثن، ففهموا ذلك فقالوا جزاباً: أنبعث إذا كنا تراباً، إنكاراً للبعث. وقيل: أن "أئذا متنا" جواب لِما قيل لهم، إذ أنكروا إتيان منذر منهم، وقالوا هذا شيء عجيب، فقيل لهم ستعلمون عاقبة إنكارهم إذا بعثتم بعد موتكم، فقالوا منكرين: أئذا متنا وكنا تراباً نبعث. ومعنى: ﴿ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾ أي: ذلك بعث لا يكون. * * ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنقُصُ ٱلأَرْضُ مِنْهُمْ﴾. أي: قد علمنا ما تأكل الأرض من أجسامهم [بعد موتهم، وعندنا كتاب محفوظ بما تأكل الأرض منهم. قال مجاهد: ما تأكل الأرض منهم أي: عظامهم]. وقال ابن عباس: من لحومهم وأبشارهم وعظامهم وأشعارهم، وما يبقى، فالذي يبقى من الإنسان هو عجب الذنب ومنه يتركب عند النشور. وروى أبو سعيد الخدري: أن النبي ﷺ قال: يأكل التراب كل شيء من الإنسان إلا عَجُبُ الذَّنَبِ، فقيل: وما هو يا رسول الله، فقال مثل حبة خردل منه تنشرون وقيل معناه: وقد علمنا ما يدخل (في الإسلام من بلدان المشركين). * * ثم قال: ﴿بَلْ كَذَّبُواْ بِٱلْحَقِّ لَمَّا جَآءَهُمْ﴾ يعني بالقرآن. ﴿فَهُمْ فِيۤ أَمْرٍ مَّرِيجٍ﴾ أي: مختلط ملتبس لا يعرفون حقه من باطله. وقال ابن عباس: المريج الشيء المنكر، وعنه مريج: مختلف، وعنه في أمر ضلالة. وقال (ابن جبير ومجاهد) مريج: ملتبس. وقال ابن زيد في المختلط: يقال مرج الخاتم في أصبعه: إذا اضطرب من الهزال، فتقديره: فهم في أمر مختلط مختلف، لا يثبتون على رأي: واحد ولا على قول، يقولون مرة ساحر، ومرة معلم، ومرة كاهن، ومرة مجنون ، ثم دلهم جل ذكره على وحدانيته وآياته فقال: * * ﴿أَفَلَمْ يَنظُرُوۤاْ إِلَى ٱلسَّمَآءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا﴾. أي: أفلم ينظر هؤلاء المنكرون للبعث بعد الموت كيف خَلقنا السماء فوقهم بغير عمد يرونها، وكيف زيناها بالنجوم وليس فيها فتوق ولا شقوق فيعلمون أن من قدر على هذا الأمر العظيم الجليل وأحدثه لا يتعذر عليه إحياء الموتى على صغر خلقهم وقد نبه على هذا بقوله تعالى: ﴿لَخَلْقُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ أَكْـبَرُ مِنْ خَلْقِ ٱلنَّاسِ﴾ [غافر: ٥٦]. * * ثم قال: ﴿وَٱلأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ﴾. أي: وينظرون إلى الأرض كيف مددناها مسطحة لا اعوجاج فيها وجعلنا على جوانبها جبالاً تمسكها لئلا تميد بأهلها، وكيف أنبتنا فيها من كل جنس من النبات فيبهج من رآه ويسره، فمن قدر على اختراع هذا كله كيف يعجز عن إحياء الموتى بعد موتهم. وقيل بهيج: حسن، قاله ابن عباس. * * ثم قال: ﴿تَبْصِرَةً وَذِكْرَىٰ لِكُلِّ عَبْدٍ مُّنِيبٍ﴾. أي: فعل ذلك نعمة منه يبصرها العباد فيستدلون على عظيم قدرته، وأنه لا يعجزه شيء أراده، ويتذكرون به فيتَّعظون ويزدجرون عن مخالفة أمره ونهيه. والمنيب: التائب، قاله قتادة. وقيل منيب: مخبت، قاله مجاهد. و ﴿تَبْصِرَةً وَذِكْرَىٰ﴾: مصدران أو مفعولان من أجلهما؛ أي: فعلنا ذلك "ليبصركم الله" القدرة، ولتتذكروا عظمة الله فتعلموا أنه قادر على ما يشاء من إحياء الموتى وغير ذلك. * * ثم قال: ﴿وَنَزَّلْنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً مُّبَٰرَكاً﴾ أي: مطراً مباركاً فأنبتا به جنات، أي: بساتين، و "حب الحصيد" يعني الزرع من البر والشعير وسائر أنواع الحبوب. قال الفراء: الحصيد: هو إضافة الشيء إلى نفسه، لأن الحب هو الحصيد. والتقدير عند البصريين، وحب النبت الحصيد. * * ثم قال: ﴿وَٱلنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَّهَا طَلْعٌ نَّضِيدٌ﴾ أي: وأنبتنا النخل طوالا، وهي حال مقدرة، ونضيد بمعنى منضود أي: مكتنز منضم متراكب. * * ثم قال: ﴿رِّزْقاً لِّلْعِبَادِ﴾ "رزقاً" مصدر أو مفعول من أجله. * * ثم قال: ﴿وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَّيْتاً﴾ أي: أحيينا بالمطر بلدة قد أجذبت وقحطت فلا نبات فيها. * * ثم قال: ﴿كَذَلِكَ ٱلْخُرُوجُ﴾ أي: كذلك تخرجون من قبوركم يبعث الله جل ذكره ماء ينبت به الناس كما [ينبت به الزرع، أي: كما أحيينا هذه الأرض بعد موتها فأخرجنا فيها النبات والزرع بالمطر]. كذلك يبعث عليكم مطراً فتحيون للبعث يوم القيامة. * * ثم قال: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ﴾ أي: كذبت قبل قومك يا محمد قوم نوح. ﴿وَأَصْحَابُ ٱلرَّسِّ وَثَمُودُ * وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوَانُ لُوطٍ * وَأَصْحَابُ ٱلأَيْكَةِ وَقَوْمُ تُّبَّعٍ كُلٌّ كَذَّبَ ٱلرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ﴾ أصحاب الأيكة: قوم شعيب. والرس: بير قتل فيها صاحب يسۤ، قاله الضحاك. وقال كعب: أصحاب الأخدود، وهم الذين أرسل إليهم اثنان وعزز بثالث، قال: والرس: الأخدود. قال قتادة: الأيكة: الشجر الملتف. قال عبد الله بن سلام: كان تبع رجل من العرب ظهر على الناس فاختار فتية من الأحبار فاستبطنهم واستدخلهم حتى أخذ منهم وتابعهم فاستنكر ذلك قومه وقالوا قد ترك دينكم وتابع الفِتيَة فلما فشا ذلك قام الفتية فقالوا بيننا وبينهم النار تحرق الكاذب وينجو منها الصادق ففعلوا فعلق الفتية مصاحفهم في أعناقهم ثم غدوا إلى النار فدخلوها فانفرجت عنهم ثم دخلت الفرقة الأخرى فأحرقتهم فأسلم تبع، وكان رجلاً صالحاً. * * وقوله: ﴿كُلٌّ كَذَّبَ ٱلرُّسُلَ﴾ أي: كلهم كذب الرسل فوجب عليهم وعيد الله عز وجل وهو النقمة بالعذاب، وهو تخويف من الله عز وجل لقريش أنهم إن تمادوا على كفرهم حق عليهم الوعيد أيضاً.

ق 50:14

قوله تعالى: ﴿قۤ وَٱلْقُرْآنِ ٱلْمَجِيدِ﴾ إلى قوله: ﴿فَحَقَّ وَعِيدِ﴾ الآيات. روى عطاء والضحاك عن ابن عباس: أن قۤ اسم جبل محيط بالدنيا من زبرجدة خضراء وأن السماء عليه مقبية أقسم الله جل ذكره به. وقال ابن عباس: "قۤ" و "نۤ" وأشباه هذا قسم أقسم الله به، وهو اسم من أسماء الله. وقال قتادة: اسم من أسماء القرآن، وعنه: أنه اسم من أسماء السور، والوقف على ق، في هذه الثلاثة تقديرات، حسن. وقال الفراء: معنى قۤ، "قُفِيَ الأَمْرُ واللهَّ"، فاكتفى بالقاف عن الجملة كما قال: "قُلْتُ لَهَا قِفِي لَنَا، فَقَالَتْ قَافْ"، أي: قَد وقَفْتُ، أي: فاكتفى بالقاف عن الجملة، وتَقِفُ على "قاف" في هذا القول إِلاَّ أن تَجْعَلَه جواباً للقسم بعده فلا تقِفُ عليه، فإن أضمرتَ الجواب وقفتَ على قاف، وكذلك التقدير في القول الذي بعده، وهو قول مجاهد. وقال مجاهد: قۤ جبل محيط بالأرض، وقيل: إنه من زمردة خضراء وإن خضرة السماء والبحر منه. * * وقوله: ﴿وَٱلْقُرْآنِ ٱلْمَجِيدِ﴾ قسم، والمجيد: الكريم. وقيل: الرفيع القدر. واختُلف في جواب القسم، فقيل: الجواب ﴿بَلْ عَجِبُوۤاْ﴾ لأن "بل" تُؤَكد وتُوجِب وقوع ما بعدها. مثل "أن" و "اللام"، وقولُك "لَقَدْ عَجِبُوا" و "بَلْ عَجِبُوا" واحد. وقال الأخفش سعيد، الجواب: قد علمنا ما تنقص الأرض، أي: قد علمنا ذلك، وهو قول الكسائي. وقال الزجاج: الجواب محذوف، والتقدير: والقرآن المجيد لتُبعثُن. وقيل التقدير: والقرآن المجيد لتعلمن عاقبة تكذيبكم بالبعث، ودل على ذلك مَا حكى الله عنهم من قولهم ﴿أَءِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾. وقيل الجواب (قۤ لأنه) بمعنى قُفِيَ الأَمْرُ والقرآن المجيد. وقيل الجواب (قۤ): وعلى تقدير هو "قۤ" والقرآن المجيد، وهذا على قول ابن زيد ووهب بن منبه لأنهما قالا "قاف" اسم للجبل المحيط بالأرض. وقيل الجواب ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَىٰ﴾. * * ثم قال تعالى: ﴿بَلْ عَجِبُوۤاْ أَن جَآءَهُمْ مُّنذِرٌ مِّنْهُمْ﴾. أي: لم يكذبك قريش يا محمد لأنهم لا يعرفونك بل لتعجبهم وإنكارهم من بشر مثلهم ينذرهم بأمر الله عز وجل. * * ﴿فَقَالَ ٱلْكَافِرُونَ هَـٰذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ﴾. قال بعض أهل المعاني: (العجب وقع من المؤمنين) والكافرين فقيل بل عجبوا أن جاءهم منذر منهم. ثم ميز الله الكافرين من المؤمنين [فقال تعالى]: ﴿فَقَالَ ٱلْكَافِرُونَ هَـٰذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ * أَءِذَا مِتْنَا﴾ الآية فوصفهم بإنكار البعث، ولم يقل: بل عجبوا أن جاءهم منذر منهم فقالوا هذا شيء عجيب. ثم بيَّن قول الكافرين من جميع من تعجب من إرسال منذر، فآمن المؤمنون مما تعجبوا منه، وكفر الكافرون به. ثم قال تعالى حكاية عن قولهم أنهم قالوا: ﴿أَءِذَا مِتْنَا﴾، وإنما هو جواب منهم لإعلام النبي ﷺ لهم، أنهم يبعثون، فأنكروا ذلك فقالوا: ﴿أَءِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾ أي: أَنُبعَثُ إذا كنا في قبورنا تراباً؟ وقوله: ﴿أَءِذَا مِتْنَا﴾: إنما هو جواب منهم لإعلام النبي ﷺ لهم أنهم يبعثون ويجازون بأعمالهم. ودل على ذلك قوله: ﴿أَن جَآءَهُمْ مُّنذِرٌ مِّنْهُمْ﴾ لأن المنذر أعلمهم أنهم يبعثون فأنكروا ذلك، فقالوا: أئِذا متنا وكنا ترابا، واكتفى بدلالة الكلام على حكاية ما قال لهم المنذر وهو النبي ﷺ. وقيل: إنما أتى هذا الإنكار ولم يتقدم قبله شيء للجواب المضمر المحذوف، والتقدير: والقرآن المجيد لتبعثن، ففهموا ذلك فقالوا جزاباً: أنبعث إذا كنا تراباً، إنكاراً للبعث. وقيل: أن "أئذا متنا" جواب لِما قيل لهم، إذ أنكروا إتيان منذر منهم، وقالوا هذا شيء عجيب، فقيل لهم ستعلمون عاقبة إنكارهم إذا بعثتم بعد موتكم، فقالوا منكرين: أئذا متنا وكنا تراباً نبعث. ومعنى: ﴿ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾ أي: ذلك بعث لا يكون. * * ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنقُصُ ٱلأَرْضُ مِنْهُمْ﴾. أي: قد علمنا ما تأكل الأرض من أجسامهم [بعد موتهم، وعندنا كتاب محفوظ بما تأكل الأرض منهم. قال مجاهد: ما تأكل الأرض منهم أي: عظامهم]. وقال ابن عباس: من لحومهم وأبشارهم وعظامهم وأشعارهم، وما يبقى، فالذي يبقى من الإنسان هو عجب الذنب ومنه يتركب عند النشور. وروى أبو سعيد الخدري: أن النبي ﷺ قال: يأكل التراب كل شيء من الإنسان إلا عَجُبُ الذَّنَبِ، فقيل: وما هو يا رسول الله، فقال مثل حبة خردل منه تنشرون وقيل معناه: وقد علمنا ما يدخل (في الإسلام من بلدان المشركين). * * ثم قال: ﴿بَلْ كَذَّبُواْ بِٱلْحَقِّ لَمَّا جَآءَهُمْ﴾ يعني بالقرآن. ﴿فَهُمْ فِيۤ أَمْرٍ مَّرِيجٍ﴾ أي: مختلط ملتبس لا يعرفون حقه من باطله. وقال ابن عباس: المريج الشيء المنكر، وعنه مريج: مختلف، وعنه في أمر ضلالة. وقال (ابن جبير ومجاهد) مريج: ملتبس. وقال ابن زيد في المختلط: يقال مرج الخاتم في أصبعه: إذا اضطرب من الهزال، فتقديره: فهم في أمر مختلط مختلف، لا يثبتون على رأي: واحد ولا على قول، يقولون مرة ساحر، ومرة معلم، ومرة كاهن، ومرة مجنون ، ثم دلهم جل ذكره على وحدانيته وآياته فقال: * * ﴿أَفَلَمْ يَنظُرُوۤاْ إِلَى ٱلسَّمَآءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا﴾. أي: أفلم ينظر هؤلاء المنكرون للبعث بعد الموت كيف خَلقنا السماء فوقهم بغير عمد يرونها، وكيف زيناها بالنجوم وليس فيها فتوق ولا شقوق فيعلمون أن من قدر على هذا الأمر العظيم الجليل وأحدثه لا يتعذر عليه إحياء الموتى على صغر خلقهم وقد نبه على هذا بقوله تعالى: ﴿لَخَلْقُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ أَكْـبَرُ مِنْ خَلْقِ ٱلنَّاسِ﴾ [غافر: ٥٦]. * * ثم قال: ﴿وَٱلأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ﴾. أي: وينظرون إلى الأرض كيف مددناها مسطحة لا اعوجاج فيها وجعلنا على جوانبها جبالاً تمسكها لئلا تميد بأهلها، وكيف أنبتنا فيها من كل جنس من النبات فيبهج من رآه ويسره، فمن قدر على اختراع هذا كله كيف يعجز عن إحياء الموتى بعد موتهم. وقيل بهيج: حسن، قاله ابن عباس. * * ثم قال: ﴿تَبْصِرَةً وَذِكْرَىٰ لِكُلِّ عَبْدٍ مُّنِيبٍ﴾. أي: فعل ذلك نعمة منه يبصرها العباد فيستدلون على عظيم قدرته، وأنه لا يعجزه شيء أراده، ويتذكرون به فيتَّعظون ويزدجرون عن مخالفة أمره ونهيه. والمنيب: التائب، قاله قتادة. وقيل منيب: مخبت، قاله مجاهد. و ﴿تَبْصِرَةً وَذِكْرَىٰ﴾: مصدران أو مفعولان من أجلهما؛ أي: فعلنا ذلك "ليبصركم الله" القدرة، ولتتذكروا عظمة الله فتعلموا أنه قادر على ما يشاء من إحياء الموتى وغير ذلك. * * ثم قال: ﴿وَنَزَّلْنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً مُّبَٰرَكاً﴾ أي: مطراً مباركاً فأنبتا به جنات، أي: بساتين، و "حب الحصيد" يعني الزرع من البر والشعير وسائر أنواع الحبوب. قال الفراء: الحصيد: هو إضافة الشيء إلى نفسه، لأن الحب هو الحصيد. والتقدير عند البصريين، وحب النبت الحصيد. * * ثم قال: ﴿وَٱلنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَّهَا طَلْعٌ نَّضِيدٌ﴾ أي: وأنبتنا النخل طوالا، وهي حال مقدرة، ونضيد بمعنى منضود أي: مكتنز منضم متراكب. * * ثم قال: ﴿رِّزْقاً لِّلْعِبَادِ﴾ "رزقاً" مصدر أو مفعول من أجله. * * ثم قال: ﴿وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَّيْتاً﴾ أي: أحيينا بالمطر بلدة قد أجذبت وقحطت فلا نبات فيها. * * ثم قال: ﴿كَذَلِكَ ٱلْخُرُوجُ﴾ أي: كذلك تخرجون من قبوركم يبعث الله جل ذكره ماء ينبت به الناس كما [ينبت به الزرع، أي: كما أحيينا هذه الأرض بعد موتها فأخرجنا فيها النبات والزرع بالمطر]. كذلك يبعث عليكم مطراً فتحيون للبعث يوم القيامة. * * ثم قال: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ﴾ أي: كذبت قبل قومك يا محمد قوم نوح. ﴿وَأَصْحَابُ ٱلرَّسِّ وَثَمُودُ * وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوَانُ لُوطٍ * وَأَصْحَابُ ٱلأَيْكَةِ وَقَوْمُ تُّبَّعٍ كُلٌّ كَذَّبَ ٱلرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ﴾ أصحاب الأيكة: قوم شعيب. والرس: بير قتل فيها صاحب يسۤ، قاله الضحاك. وقال كعب: أصحاب الأخدود، وهم الذين أرسل إليهم اثنان وعزز بثالث، قال: والرس: الأخدود. قال قتادة: الأيكة: الشجر الملتف. قال عبد الله بن سلام: كان تبع رجل من العرب ظهر على الناس فاختار فتية من الأحبار فاستبطنهم واستدخلهم حتى أخذ منهم وتابعهم فاستنكر ذلك قومه وقالوا قد ترك دينكم وتابع الفِتيَة فلما فشا ذلك قام الفتية فقالوا بيننا وبينهم النار تحرق الكاذب وينجو منها الصادق ففعلوا فعلق الفتية مصاحفهم في أعناقهم ثم غدوا إلى النار فدخلوها فانفرجت عنهم ثم دخلت الفرقة الأخرى فأحرقتهم فأسلم تبع، وكان رجلاً صالحاً. * * وقوله: ﴿كُلٌّ كَذَّبَ ٱلرُّسُلَ﴾ أي: كلهم كذب الرسل فوجب عليهم وعيد الله عز وجل وهو النقمة بالعذاب، وهو تخويف من الله عز وجل لقريش أنهم إن تمادوا على كفرهم حق عليهم الوعيد أيضاً.

ق 50:15

قوله: ﴿أَفَعَيِينَا بِٱلْخَلْقِ ٱلأَوَّلِ﴾ إلى قوله: ﴿فَبَصَرُكَ ٱلْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ الآيات. هذا توبيخ وتقريع لمن أنكر البعث بعد الموت، والمعنى: أفعيينا بابتداع الخلق الذي خلقناه ولم يكن شيئاً، فنعيا بإعادتهم خلقاً كما كانوا بعد فنائهم. أي: ليس يعيينا ذلك، بل نحن قادِرون عليه. * * ثم قال: ﴿بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِّنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾. أي: بل هم في شك من إعادة الخلق بعد فنائهم فلذلك أنكروا البعث بعد الموت. * * ثم قال: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾ أي: ما تحدثه به نفسه لا تخفى عليه سرائره. وقيل: هو مخصوص بآدم عليه السلام وما وحرمت به نفسه من أكل الشجرة التي نهي عنها، ثم هي عامة في جميع الخلق لا يخفى عليه شيء من وسواس أنفسهم إليهم. * * ثم قال: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ ٱلْوَرِيدِ﴾ أي: ونحن أقرب إلى الإنسان من فتل العاتق. وقيل معناه: ونحن أملك به وأقرب إليه. وقيل معناه: ونحن أقرب إليه في العلم بما توسوس به نفسه من حبل الوريد. وهنا من الله جلّ ذكره زجر للإنسان عن إضمار المعصية. قال الفراء: الوريد: عرق بين الحلقوم والعلباوين. وقال ابن عباس: "مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ" أي: من عرق العنق. وقال أبو عبيدة: حبل الوريد: حبل العاتق، والوريد عرق في العنق متصل بالقلب، وهو نياط القلب، والوريد والوتين ما في القلب. قال الأقرع: هو نهر الجسد يمتد من الخنصر أو الإبهام، فإذا كان في الفخذ أو الساق فهو الساق وإذا كان في البطن فهو الحالب وإذا كان في القلب فهو الأبهر وإذا كان في اليد فهو الأكحل وإذا كان في العنق فهو الوريد وإذا كان في العين فهو الناظر وإذا كان في القلب فهو الوتين. * * ثم قال: ﴿إِذْ يَتَلَقَّى ٱلْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ ٱلْيَمِينِ وَعَنِ ٱلشِّمَالِ قَعِيدٌ﴾. العامل في "إذ أقرب"، أي: ونحن أقرب إليه من حبل الوريد حين يتلقى المتلقيان، وهما الملكان عن اليمين وعن الشمال قعيد أي: قاعد، وتقديره عند سيبويه: "عن اليمين قعيد وعن الشمال قعيد". ثم حذف الأول لدلالة الثاني عليه. فلذلك لم يقل، قعيدان، وهو قول الكسائي. ومذهب الأخفش والفراء: أن قعيداً يؤدى عن اثنين وأكثر منهما كقوله: ﴿يُخْرِجُكُمْ طِفْلاً﴾ [غافر: ٦٧]. ومذهب المبرد: أن "قعيداً" ينوي به التقديم والتأخير، والتقدير عنده: "عن اليمين قعيد وعن الشمال قعيد" فاكتفى بالأول عن الثاني ومثله ﴿وَٱللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ﴾ [التوبة: ٦٢]. وقيل: قعيد بمعنى الجماعة، كما قال: ﴿وَالْمَلاَئِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾ [التحريم: ٤]. قال قتادة وغيره: المتلقيان الملكان الحافظان على الإنسان جميع أعماله وألفاظه. قال مجاهد: الذي عن اليمين يكتب الحسنات، والذي عن الشمال يكتب السيئات. * * ثم قال: ﴿مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾. أي: ما يلفظ بكلام من خير أو شر إلا كتب عليه، قاله عكرمة وغيره. قال الحسن وقتادة: يكتب الملكان ما يلفظ به من جميع الأشياء. قال سفيان: بلغني أن كاتب الحسنات أمين على كاتب السيئات فإذا أذنب قال لا تعجل لعله يستغفر. وروي: أن الله جل ذكره جعل لصاحب اليمين على صاحب الشمال سلطاناً يطيعه به، فإذا كان الليل قال: صاحب اليمين لصاحب الشمال ألاقيك، أطرح أنا حسنة واطرح أنت عشر سيئات، حتى يصعد صاحب الحسنات لا سيئات معه. ويروى أن مجلس الملك على باب الإنسان الذي وكل به، وقلم الملك لسان الإنسان، ومداده ريق الإنسان، وهذا تمثيل في القرب، والله أعلم (بكيفية ذلك). ويروى أن رجلاً قال لبعيره: حَلْ، فقال صاحب الحسنات، ما هي بحسنة فاكتبها وقال صاحب السيئات: ما هي بسيئة فاكتبها، فأوحى الله عز وجل إلى صاحب الشمال: ما ترك صاحب اليمين فاكتب. (وروت أم حبيبة: أن النبي ﷺ قال: كلام ابن آدم عليه السلام عليه لاَ لَه إِلا أمر بمعروف أو نهي عن منكر، أو ذكر الله عز وجل) وقال [عمرو بن الحارث]: بلغني أن رجلاً إذا عمل سيئة قال كاتب اليمين لصاحب الشمال أكتب فيقول لا بل أنت فيمتنعان فينادي منادياً صاحب الشمال: أكتب ما ترك صاحب اليمين. وقال أبو صالح: في قول الله جل ذكره: ﴿يَمْحُواْ ٱللَّهُ مَا يَشَآءُ وَيُثْبِتُ﴾ [الرعد: ٣٩] أن الملائكة تكتب كل ما تكلم به الإنسان فيمحو الله عز وجل منه ما ليس له وما ليس عليه ويثبت ما له وما عليه، وهذا القول موافق لقول الحسن وقتادة أن الملكين يكتبان كل ما يقول الإنسان ويعمل من جميع الأشياء. * * وقوله: ﴿رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ معناه حافظ حاضر يكتب عليه ويحفظه. وقيل: عتيد معناه معد، وفعيل يأتي بمعنى فاعل نحو قدير بمعنى قادر وهو كثير، ويأتي بمعنى مفعول نحو سميع بمعنى مسمع. وأليم بمعنى مؤلم، ويأتي بمعنى مفعول، نحو قتيل بمعنى مقتول وهو كثير، ويأتي بمعنى الجمع نحو ما ذكرنا من قعيد وله نظائر. (وروى أنس أن النبي ﷺ قال: إن الله عز وجل وكل بعبده ملكين يكتبان عمله، فإذا مات قال الملكان اللذان وكلا به: ربنا قد مات عبدك فلان بن فلان فتأذن لنا فنصعد إلى السماء فيقول سمائي مملوءة من ملائكتي، فيقولان ربنا فنقيم في الأرض، فيقول الله عز وجل أرضي مملوءة من خلقي فيقولان ربنا فأين، فيقول قُومَا عند قبر عبدي فسبحاني واحمداني وكبراني وهللالي واكتبا ذلك لعبدي إلى يوم يبعثون) ثم قال: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ﴾. أي: وجاءت شدة الموت وغلبته على فهم الإنسان بالحق من أمر الآخرة. وقيل المعنى: (وجاءت سكرة الموت بحقيقة الموت). وفي قراءة عبد الله: "وجاءت سكرة الحق بالموت"، وكذلك [قال] أبو بكر رضي الله عنه في مرضه الذي مات فيه لعائشة رضي الله عنها. ومعنى هذه القراءة: أن الحق هو الله، فالمعنى وجاءته سكرة الله بالموت. وقيل: الحق هنا الموت، فالتقدير وجاءت سكرة الموت بالموت فالحق هو الموت الذي حتمه الله على جميع خلقه. * * ثم قال: ﴿ذَلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ أي: السكرة التي جاءتك أيها الإنسان، والموت الذي أتاك هو الذي كنت منه تهرب، وعنه تروع. * * ثم قال: ﴿وَنُفِخَ فِي ٱلصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ ٱلْوَعِيدِ﴾. قد تقدم صفة النفخ في الصور، ومعنى الصور، والاختلاف فيه في غير موضع. فالمعنى ذلك اليوم الذي ينفخ فيه في الصور، وهو اليوم الذي وعدكم الله عز وجل فيه أن يبعثكم ويجازيكم بأعمالكم. * * ثم قال: ﴿وَجَآءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّعَهَا سَآئِقٌ وَشَهِيدٌ﴾. أي: وجاءت يوم القيامة كل نفس معها سائق يسوقها إلى الله عز وجل حتى يوردها الموقف، وشهيد يشهد عليها بما عملت في الدنيا من خير وشر، قاله الحسين والربيع وقتادة وغيرهم. قال ابن عباس: السائق من الملائكة، والشهيد شاهد عليه من نفسه. وقال مجاهد: هما الملكان. وقال الضحاك: السائق من الملائكة والشهيد من أنفسهم الأيدي والأرجل، والملائكة أيضاً تشهد عليهم، والأنبياء يشهدون عليهم. وقال ابن زيد: يوكل به ملك يحصي عليه عمله، ويشهد به عليه وملك يسوقه إلى محشره. وقال أبو هريرة: السائق والشهيد نفسه. وقيل: السائق شيطان النفس يكون خلفها، والشهيد ملكه. وهذه الآية إلى "حديدٌ" في قول أكثر العلماء يراد بها البر والفاجر، وهو اختيار الطبري. وقيل: عني بها النبي ﷺ. وقيل: عني بها المشركون وهو قول الضحاك، والقول الثاني روي عن زيد بن أسلم: يريد به استنقاذ الله عز وجل النبي ﷺ مما كان عليه في الجاهلية، ودلّ على ذلك قوله: ﴿وَوَجَدَكَ ضَآلاًّ فَهَدَىٰ﴾ [الضحى: ٧] والقول الأول أولى بالصواب والله أعلم. * * ثم قال: ﴿لَّقَدْ كُنتَ فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَـٰذَا فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَآءَكَ فَبَصَرُكَ ٱلْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾. أي: لقد كنت أيها الإنسان في غفلة في الدنيا عما يراد بك وعما يحصى عليك إذ لم تعاينه، فكشفنا عنك الغطاء الآن فنظرت إلى الأهوال والشدائد فزالت الغفلة. قال ابن عباس: هذا للكافر خاصة، لأن المؤمن قد آمن بجميع ما يقدم عليه فلم يكن عليه غطاء، وكذلك قال مجاهد وسفيان. وقال ابن زيد هو للنبي ﷺ خاصة أي: كنت مع القوم في جاهليتهم فهديناك إلى الإسلام، وأعلمناك ما يراد بك فكشفنا عنك الغطاء الذي كان عليك في الجاهلية. وقد احتج زيد بن أسلم في هذه الآيات أنها للنبي ﷺ ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوَىٰ * وَوَجَدَكَ ضَآلاًّ فَهَدَىٰ﴾ [الضحى: ٦-٧] فيكون الكشف على قوله في الدنيا، وعلى قول ابن عباس ومجاهد وسفيان يوم القيامة. وقيل: بل هذا لجميع الخلق، البر والفاجر، لأن المعاينة ليست كالخبر. وعن ابن عباس: ﴿فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَآءَكَ﴾ قال: هو الحياة بعد الموت. * * ثم قال: ﴿فَبَصَرُكَ ٱلْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾. أي: فأنت اليوم حاد النظر، عالم بما كنت تخبر به علم معاينة لا علم خبر. والبصر هنا يراد به بصر القلب، كما يقال: فلان بصير بالفقه.

ق 50:16

قوله: ﴿أَفَعَيِينَا بِٱلْخَلْقِ ٱلأَوَّلِ﴾ إلى قوله: ﴿فَبَصَرُكَ ٱلْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ الآيات. هذا توبيخ وتقريع لمن أنكر البعث بعد الموت، والمعنى: أفعيينا بابتداع الخلق الذي خلقناه ولم يكن شيئاً، فنعيا بإعادتهم خلقاً كما كانوا بعد فنائهم. أي: ليس يعيينا ذلك، بل نحن قادِرون عليه. * * ثم قال: ﴿بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِّنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾. أي: بل هم في شك من إعادة الخلق بعد فنائهم فلذلك أنكروا البعث بعد الموت. * * ثم قال: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾ أي: ما تحدثه به نفسه لا تخفى عليه سرائره. وقيل: هو مخصوص بآدم عليه السلام وما وحرمت به نفسه من أكل الشجرة التي نهي عنها، ثم هي عامة في جميع الخلق لا يخفى عليه شيء من وسواس أنفسهم إليهم. * * ثم قال: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ ٱلْوَرِيدِ﴾ أي: ونحن أقرب إلى الإنسان من فتل العاتق. وقيل معناه: ونحن أملك به وأقرب إليه. وقيل معناه: ونحن أقرب إليه في العلم بما توسوس به نفسه من حبل الوريد. وهنا من الله جلّ ذكره زجر للإنسان عن إضمار المعصية. قال الفراء: الوريد: عرق بين الحلقوم والعلباوين. وقال ابن عباس: "مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ" أي: من عرق العنق. وقال أبو عبيدة: حبل الوريد: حبل العاتق، والوريد عرق في العنق متصل بالقلب، وهو نياط القلب، والوريد والوتين ما في القلب. قال الأقرع: هو نهر الجسد يمتد من الخنصر أو الإبهام، فإذا كان في الفخذ أو الساق فهو الساق وإذا كان في البطن فهو الحالب وإذا كان في القلب فهو الأبهر وإذا كان في اليد فهو الأكحل وإذا كان في العنق فهو الوريد وإذا كان في العين فهو الناظر وإذا كان في القلب فهو الوتين. * * ثم قال: ﴿إِذْ يَتَلَقَّى ٱلْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ ٱلْيَمِينِ وَعَنِ ٱلشِّمَالِ قَعِيدٌ﴾. العامل في "إذ أقرب"، أي: ونحن أقرب إليه من حبل الوريد حين يتلقى المتلقيان، وهما الملكان عن اليمين وعن الشمال قعيد أي: قاعد، وتقديره عند سيبويه: "عن اليمين قعيد وعن الشمال قعيد". ثم حذف الأول لدلالة الثاني عليه. فلذلك لم يقل، قعيدان، وهو قول الكسائي. ومذهب الأخفش والفراء: أن قعيداً يؤدى عن اثنين وأكثر منهما كقوله: ﴿يُخْرِجُكُمْ طِفْلاً﴾ [غافر: ٦٧]. ومذهب المبرد: أن "قعيداً" ينوي به التقديم والتأخير، والتقدير عنده: "عن اليمين قعيد وعن الشمال قعيد" فاكتفى بالأول عن الثاني ومثله ﴿وَٱللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ﴾ [التوبة: ٦٢]. وقيل: قعيد بمعنى الجماعة، كما قال: ﴿وَالْمَلاَئِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾ [التحريم: ٤]. قال قتادة وغيره: المتلقيان الملكان الحافظان على الإنسان جميع أعماله وألفاظه. قال مجاهد: الذي عن اليمين يكتب الحسنات، والذي عن الشمال يكتب السيئات. * * ثم قال: ﴿مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾. أي: ما يلفظ بكلام من خير أو شر إلا كتب عليه، قاله عكرمة وغيره. قال الحسن وقتادة: يكتب الملكان ما يلفظ به من جميع الأشياء. قال سفيان: بلغني أن كاتب الحسنات أمين على كاتب السيئات فإذا أذنب قال لا تعجل لعله يستغفر. وروي: أن الله جل ذكره جعل لصاحب اليمين على صاحب الشمال سلطاناً يطيعه به، فإذا كان الليل قال: صاحب اليمين لصاحب الشمال ألاقيك، أطرح أنا حسنة واطرح أنت عشر سيئات، حتى يصعد صاحب الحسنات لا سيئات معه. ويروى أن مجلس الملك على باب الإنسان الذي وكل به، وقلم الملك لسان الإنسان، ومداده ريق الإنسان، وهذا تمثيل في القرب، والله أعلم (بكيفية ذلك). ويروى أن رجلاً قال لبعيره: حَلْ، فقال صاحب الحسنات، ما هي بحسنة فاكتبها وقال صاحب السيئات: ما هي بسيئة فاكتبها، فأوحى الله عز وجل إلى صاحب الشمال: ما ترك صاحب اليمين فاكتب. (وروت أم حبيبة: أن النبي ﷺ قال: كلام ابن آدم عليه السلام عليه لاَ لَه إِلا أمر بمعروف أو نهي عن منكر، أو ذكر الله عز وجل) وقال [عمرو بن الحارث]: بلغني أن رجلاً إذا عمل سيئة قال كاتب اليمين لصاحب الشمال أكتب فيقول لا بل أنت فيمتنعان فينادي منادياً صاحب الشمال: أكتب ما ترك صاحب اليمين. وقال أبو صالح: في قول الله جل ذكره: ﴿يَمْحُواْ ٱللَّهُ مَا يَشَآءُ وَيُثْبِتُ﴾ [الرعد: ٣٩] أن الملائكة تكتب كل ما تكلم به الإنسان فيمحو الله عز وجل منه ما ليس له وما ليس عليه ويثبت ما له وما عليه، وهذا القول موافق لقول الحسن وقتادة أن الملكين يكتبان كل ما يقول الإنسان ويعمل من جميع الأشياء. * * وقوله: ﴿رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ معناه حافظ حاضر يكتب عليه ويحفظه. وقيل: عتيد معناه معد، وفعيل يأتي بمعنى فاعل نحو قدير بمعنى قادر وهو كثير، ويأتي بمعنى مفعول نحو سميع بمعنى مسمع. وأليم بمعنى مؤلم، ويأتي بمعنى مفعول، نحو قتيل بمعنى مقتول وهو كثير، ويأتي بمعنى الجمع نحو ما ذكرنا من قعيد وله نظائر. (وروى أنس أن النبي ﷺ قال: إن الله عز وجل وكل بعبده ملكين يكتبان عمله، فإذا مات قال الملكان اللذان وكلا به: ربنا قد مات عبدك فلان بن فلان فتأذن لنا فنصعد إلى السماء فيقول سمائي مملوءة من ملائكتي، فيقولان ربنا فنقيم في الأرض، فيقول الله عز وجل أرضي مملوءة من خلقي فيقولان ربنا فأين، فيقول قُومَا عند قبر عبدي فسبحاني واحمداني وكبراني وهللالي واكتبا ذلك لعبدي إلى يوم يبعثون) ثم قال: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ﴾. أي: وجاءت شدة الموت وغلبته على فهم الإنسان بالحق من أمر الآخرة. وقيل المعنى: (وجاءت سكرة الموت بحقيقة الموت). وفي قراءة عبد الله: "وجاءت سكرة الحق بالموت"، وكذلك [قال] أبو بكر رضي الله عنه في مرضه الذي مات فيه لعائشة رضي الله عنها. ومعنى هذه القراءة: أن الحق هو الله، فالمعنى وجاءته سكرة الله بالموت. وقيل: الحق هنا الموت، فالتقدير وجاءت سكرة الموت بالموت فالحق هو الموت الذي حتمه الله على جميع خلقه. * * ثم قال: ﴿ذَلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ أي: السكرة التي جاءتك أيها الإنسان، والموت الذي أتاك هو الذي كنت منه تهرب، وعنه تروع. * * ثم قال: ﴿وَنُفِخَ فِي ٱلصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ ٱلْوَعِيدِ﴾. قد تقدم صفة النفخ في الصور، ومعنى الصور، والاختلاف فيه في غير موضع. فالمعنى ذلك اليوم الذي ينفخ فيه في الصور، وهو اليوم الذي وعدكم الله عز وجل فيه أن يبعثكم ويجازيكم بأعمالكم. * * ثم قال: ﴿وَجَآءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّعَهَا سَآئِقٌ وَشَهِيدٌ﴾. أي: وجاءت يوم القيامة كل نفس معها سائق يسوقها إلى الله عز وجل حتى يوردها الموقف، وشهيد يشهد عليها بما عملت في الدنيا من خير وشر، قاله الحسين والربيع وقتادة وغيرهم. قال ابن عباس: السائق من الملائكة، والشهيد شاهد عليه من نفسه. وقال مجاهد: هما الملكان. وقال الضحاك: السائق من الملائكة والشهيد من أنفسهم الأيدي والأرجل، والملائكة أيضاً تشهد عليهم، والأنبياء يشهدون عليهم. وقال ابن زيد: يوكل به ملك يحصي عليه عمله، ويشهد به عليه وملك يسوقه إلى محشره. وقال أبو هريرة: السائق والشهيد نفسه. وقيل: السائق شيطان النفس يكون خلفها، والشهيد ملكه. وهذه الآية إلى "حديدٌ" في قول أكثر العلماء يراد بها البر والفاجر، وهو اختيار الطبري. وقيل: عني بها النبي ﷺ. وقيل: عني بها المشركون وهو قول الضحاك، والقول الثاني روي عن زيد بن أسلم: يريد به استنقاذ الله عز وجل النبي ﷺ مما كان عليه في الجاهلية، ودلّ على ذلك قوله: ﴿وَوَجَدَكَ ضَآلاًّ فَهَدَىٰ﴾ [الضحى: ٧] والقول الأول أولى بالصواب والله أعلم. * * ثم قال: ﴿لَّقَدْ كُنتَ فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَـٰذَا فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَآءَكَ فَبَصَرُكَ ٱلْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾. أي: لقد كنت أيها الإنسان في غفلة في الدنيا عما يراد بك وعما يحصى عليك إذ لم تعاينه، فكشفنا عنك الغطاء الآن فنظرت إلى الأهوال والشدائد فزالت الغفلة. قال ابن عباس: هذا للكافر خاصة، لأن المؤمن قد آمن بجميع ما يقدم عليه فلم يكن عليه غطاء، وكذلك قال مجاهد وسفيان. وقال ابن زيد هو للنبي ﷺ خاصة أي: كنت مع القوم في جاهليتهم فهديناك إلى الإسلام، وأعلمناك ما يراد بك فكشفنا عنك الغطاء الذي كان عليك في الجاهلية. وقد احتج زيد بن أسلم في هذه الآيات أنها للنبي ﷺ ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوَىٰ * وَوَجَدَكَ ضَآلاًّ فَهَدَىٰ﴾ [الضحى: ٦-٧] فيكون الكشف على قوله في الدنيا، وعلى قول ابن عباس ومجاهد وسفيان يوم القيامة. وقيل: بل هذا لجميع الخلق، البر والفاجر، لأن المعاينة ليست كالخبر. وعن ابن عباس: ﴿فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَآءَكَ﴾ قال: هو الحياة بعد الموت. * * ثم قال: ﴿فَبَصَرُكَ ٱلْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾. أي: فأنت اليوم حاد النظر، عالم بما كنت تخبر به علم معاينة لا علم خبر. والبصر هنا يراد به بصر القلب، كما يقال: فلان بصير بالفقه.

ق 50:17

قوله: ﴿أَفَعَيِينَا بِٱلْخَلْقِ ٱلأَوَّلِ﴾ إلى قوله: ﴿فَبَصَرُكَ ٱلْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ الآيات. هذا توبيخ وتقريع لمن أنكر البعث بعد الموت، والمعنى: أفعيينا بابتداع الخلق الذي خلقناه ولم يكن شيئاً، فنعيا بإعادتهم خلقاً كما كانوا بعد فنائهم. أي: ليس يعيينا ذلك، بل نحن قادِرون عليه. * * ثم قال: ﴿بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِّنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾. أي: بل هم في شك من إعادة الخلق بعد فنائهم فلذلك أنكروا البعث بعد الموت. * * ثم قال: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾ أي: ما تحدثه به نفسه لا تخفى عليه سرائره. وقيل: هو مخصوص بآدم عليه السلام وما وحرمت به نفسه من أكل الشجرة التي نهي عنها، ثم هي عامة في جميع الخلق لا يخفى عليه شيء من وسواس أنفسهم إليهم. * * ثم قال: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ ٱلْوَرِيدِ﴾ أي: ونحن أقرب إلى الإنسان من فتل العاتق. وقيل معناه: ونحن أملك به وأقرب إليه. وقيل معناه: ونحن أقرب إليه في العلم بما توسوس به نفسه من حبل الوريد. وهنا من الله جلّ ذكره زجر للإنسان عن إضمار المعصية. قال الفراء: الوريد: عرق بين الحلقوم والعلباوين. وقال ابن عباس: "مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ" أي: من عرق العنق. وقال أبو عبيدة: حبل الوريد: حبل العاتق، والوريد عرق في العنق متصل بالقلب، وهو نياط القلب، والوريد والوتين ما في القلب. قال الأقرع: هو نهر الجسد يمتد من الخنصر أو الإبهام، فإذا كان في الفخذ أو الساق فهو الساق وإذا كان في البطن فهو الحالب وإذا كان في القلب فهو الأبهر وإذا كان في اليد فهو الأكحل وإذا كان في العنق فهو الوريد وإذا كان في العين فهو الناظر وإذا كان في القلب فهو الوتين. * * ثم قال: ﴿إِذْ يَتَلَقَّى ٱلْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ ٱلْيَمِينِ وَعَنِ ٱلشِّمَالِ قَعِيدٌ﴾. العامل في "إذ أقرب"، أي: ونحن أقرب إليه من حبل الوريد حين يتلقى المتلقيان، وهما الملكان عن اليمين وعن الشمال قعيد أي: قاعد، وتقديره عند سيبويه: "عن اليمين قعيد وعن الشمال قعيد". ثم حذف الأول لدلالة الثاني عليه. فلذلك لم يقل، قعيدان، وهو قول الكسائي. ومذهب الأخفش والفراء: أن قعيداً يؤدى عن اثنين وأكثر منهما كقوله: ﴿يُخْرِجُكُمْ طِفْلاً﴾ [غافر: ٦٧]. ومذهب المبرد: أن "قعيداً" ينوي به التقديم والتأخير، والتقدير عنده: "عن اليمين قعيد وعن الشمال قعيد" فاكتفى بالأول عن الثاني ومثله ﴿وَٱللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ﴾ [التوبة: ٦٢]. وقيل: قعيد بمعنى الجماعة، كما قال: ﴿وَالْمَلاَئِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾ [التحريم: ٤]. قال قتادة وغيره: المتلقيان الملكان الحافظان على الإنسان جميع أعماله وألفاظه. قال مجاهد: الذي عن اليمين يكتب الحسنات، والذي عن الشمال يكتب السيئات. * * ثم قال: ﴿مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾. أي: ما يلفظ بكلام من خير أو شر إلا كتب عليه، قاله عكرمة وغيره. قال الحسن وقتادة: يكتب الملكان ما يلفظ به من جميع الأشياء. قال سفيان: بلغني أن كاتب الحسنات أمين على كاتب السيئات فإذا أذنب قال لا تعجل لعله يستغفر. وروي: أن الله جل ذكره جعل لصاحب اليمين على صاحب الشمال سلطاناً يطيعه به، فإذا كان الليل قال: صاحب اليمين لصاحب الشمال ألاقيك، أطرح أنا حسنة واطرح أنت عشر سيئات، حتى يصعد صاحب الحسنات لا سيئات معه. ويروى أن مجلس الملك على باب الإنسان الذي وكل به، وقلم الملك لسان الإنسان، ومداده ريق الإنسان، وهذا تمثيل في القرب، والله أعلم (بكيفية ذلك). ويروى أن رجلاً قال لبعيره: حَلْ، فقال صاحب الحسنات، ما هي بحسنة فاكتبها وقال صاحب السيئات: ما هي بسيئة فاكتبها، فأوحى الله عز وجل إلى صاحب الشمال: ما ترك صاحب اليمين فاكتب. (وروت أم حبيبة: أن النبي ﷺ قال: كلام ابن آدم عليه السلام عليه لاَ لَه إِلا أمر بمعروف أو نهي عن منكر، أو ذكر الله عز وجل) وقال [عمرو بن الحارث]: بلغني أن رجلاً إذا عمل سيئة قال كاتب اليمين لصاحب الشمال أكتب فيقول لا بل أنت فيمتنعان فينادي منادياً صاحب الشمال: أكتب ما ترك صاحب اليمين. وقال أبو صالح: في قول الله جل ذكره: ﴿يَمْحُواْ ٱللَّهُ مَا يَشَآءُ وَيُثْبِتُ﴾ [الرعد: ٣٩] أن الملائكة تكتب كل ما تكلم به الإنسان فيمحو الله عز وجل منه ما ليس له وما ليس عليه ويثبت ما له وما عليه، وهذا القول موافق لقول الحسن وقتادة أن الملكين يكتبان كل ما يقول الإنسان ويعمل من جميع الأشياء. * * وقوله: ﴿رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ معناه حافظ حاضر يكتب عليه ويحفظه. وقيل: عتيد معناه معد، وفعيل يأتي بمعنى فاعل نحو قدير بمعنى قادر وهو كثير، ويأتي بمعنى مفعول نحو سميع بمعنى مسمع. وأليم بمعنى مؤلم، ويأتي بمعنى مفعول، نحو قتيل بمعنى مقتول وهو كثير، ويأتي بمعنى الجمع نحو ما ذكرنا من قعيد وله نظائر. (وروى أنس أن النبي ﷺ قال: إن الله عز وجل وكل بعبده ملكين يكتبان عمله، فإذا مات قال الملكان اللذان وكلا به: ربنا قد مات عبدك فلان بن فلان فتأذن لنا فنصعد إلى السماء فيقول سمائي مملوءة من ملائكتي، فيقولان ربنا فنقيم في الأرض، فيقول الله عز وجل أرضي مملوءة من خلقي فيقولان ربنا فأين، فيقول قُومَا عند قبر عبدي فسبحاني واحمداني وكبراني وهللالي واكتبا ذلك لعبدي إلى يوم يبعثون) ثم قال: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ﴾. أي: وجاءت شدة الموت وغلبته على فهم الإنسان بالحق من أمر الآخرة. وقيل المعنى: (وجاءت سكرة الموت بحقيقة الموت). وفي قراءة عبد الله: "وجاءت سكرة الحق بالموت"، وكذلك [قال] أبو بكر رضي الله عنه في مرضه الذي مات فيه لعائشة رضي الله عنها. ومعنى هذه القراءة: أن الحق هو الله، فالمعنى وجاءته سكرة الله بالموت. وقيل: الحق هنا الموت، فالتقدير وجاءت سكرة الموت بالموت فالحق هو الموت الذي حتمه الله على جميع خلقه. * * ثم قال: ﴿ذَلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ أي: السكرة التي جاءتك أيها الإنسان، والموت الذي أتاك هو الذي كنت منه تهرب، وعنه تروع. * * ثم قال: ﴿وَنُفِخَ فِي ٱلصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ ٱلْوَعِيدِ﴾. قد تقدم صفة النفخ في الصور، ومعنى الصور، والاختلاف فيه في غير موضع. فالمعنى ذلك اليوم الذي ينفخ فيه في الصور، وهو اليوم الذي وعدكم الله عز وجل فيه أن يبعثكم ويجازيكم بأعمالكم. * * ثم قال: ﴿وَجَآءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّعَهَا سَآئِقٌ وَشَهِيدٌ﴾. أي: وجاءت يوم القيامة كل نفس معها سائق يسوقها إلى الله عز وجل حتى يوردها الموقف، وشهيد يشهد عليها بما عملت في الدنيا من خير وشر، قاله الحسين والربيع وقتادة وغيرهم. قال ابن عباس: السائق من الملائكة، والشهيد شاهد عليه من نفسه. وقال مجاهد: هما الملكان. وقال الضحاك: السائق من الملائكة والشهيد من أنفسهم الأيدي والأرجل، والملائكة أيضاً تشهد عليهم، والأنبياء يشهدون عليهم. وقال ابن زيد: يوكل به ملك يحصي عليه عمله، ويشهد به عليه وملك يسوقه إلى محشره. وقال أبو هريرة: السائق والشهيد نفسه. وقيل: السائق شيطان النفس يكون خلفها، والشهيد ملكه. وهذه الآية إلى "حديدٌ" في قول أكثر العلماء يراد بها البر والفاجر، وهو اختيار الطبري. وقيل: عني بها النبي ﷺ. وقيل: عني بها المشركون وهو قول الضحاك، والقول الثاني روي عن زيد بن أسلم: يريد به استنقاذ الله عز وجل النبي ﷺ مما كان عليه في الجاهلية، ودلّ على ذلك قوله: ﴿وَوَجَدَكَ ضَآلاًّ فَهَدَىٰ﴾ [الضحى: ٧] والقول الأول أولى بالصواب والله أعلم. * * ثم قال: ﴿لَّقَدْ كُنتَ فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَـٰذَا فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَآءَكَ فَبَصَرُكَ ٱلْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾. أي: لقد كنت أيها الإنسان في غفلة في الدنيا عما يراد بك وعما يحصى عليك إذ لم تعاينه، فكشفنا عنك الغطاء الآن فنظرت إلى الأهوال والشدائد فزالت الغفلة. قال ابن عباس: هذا للكافر خاصة، لأن المؤمن قد آمن بجميع ما يقدم عليه فلم يكن عليه غطاء، وكذلك قال مجاهد وسفيان. وقال ابن زيد هو للنبي ﷺ خاصة أي: كنت مع القوم في جاهليتهم فهديناك إلى الإسلام، وأعلمناك ما يراد بك فكشفنا عنك الغطاء الذي كان عليك في الجاهلية. وقد احتج زيد بن أسلم في هذه الآيات أنها للنبي ﷺ ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوَىٰ * وَوَجَدَكَ ضَآلاًّ فَهَدَىٰ﴾ [الضحى: ٦-٧] فيكون الكشف على قوله في الدنيا، وعلى قول ابن عباس ومجاهد وسفيان يوم القيامة. وقيل: بل هذا لجميع الخلق، البر والفاجر، لأن المعاينة ليست كالخبر. وعن ابن عباس: ﴿فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَآءَكَ﴾ قال: هو الحياة بعد الموت. * * ثم قال: ﴿فَبَصَرُكَ ٱلْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾. أي: فأنت اليوم حاد النظر، عالم بما كنت تخبر به علم معاينة لا علم خبر. والبصر هنا يراد به بصر القلب، كما يقال: فلان بصير بالفقه.

ق 50:18

قوله: ﴿أَفَعَيِينَا بِٱلْخَلْقِ ٱلأَوَّلِ﴾ إلى قوله: ﴿فَبَصَرُكَ ٱلْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ الآيات. هذا توبيخ وتقريع لمن أنكر البعث بعد الموت، والمعنى: أفعيينا بابتداع الخلق الذي خلقناه ولم يكن شيئاً، فنعيا بإعادتهم خلقاً كما كانوا بعد فنائهم. أي: ليس يعيينا ذلك، بل نحن قادِرون عليه. * * ثم قال: ﴿بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِّنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾. أي: بل هم في شك من إعادة الخلق بعد فنائهم فلذلك أنكروا البعث بعد الموت. * * ثم قال: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾ أي: ما تحدثه به نفسه لا تخفى عليه سرائره. وقيل: هو مخصوص بآدم عليه السلام وما وحرمت به نفسه من أكل الشجرة التي نهي عنها، ثم هي عامة في جميع الخلق لا يخفى عليه شيء من وسواس أنفسهم إليهم. * * ثم قال: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ ٱلْوَرِيدِ﴾ أي: ونحن أقرب إلى الإنسان من فتل العاتق. وقيل معناه: ونحن أملك به وأقرب إليه. وقيل معناه: ونحن أقرب إليه في العلم بما توسوس به نفسه من حبل الوريد. وهنا من الله جلّ ذكره زجر للإنسان عن إضمار المعصية. قال الفراء: الوريد: عرق بين الحلقوم والعلباوين. وقال ابن عباس: "مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ" أي: من عرق العنق. وقال أبو عبيدة: حبل الوريد: حبل العاتق، والوريد عرق في العنق متصل بالقلب، وهو نياط القلب، والوريد والوتين ما في القلب. قال الأقرع: هو نهر الجسد يمتد من الخنصر أو الإبهام، فإذا كان في الفخذ أو الساق فهو الساق وإذا كان في البطن فهو الحالب وإذا كان في القلب فهو الأبهر وإذا كان في اليد فهو الأكحل وإذا كان في العنق فهو الوريد وإذا كان في العين فهو الناظر وإذا كان في القلب فهو الوتين. * * ثم قال: ﴿إِذْ يَتَلَقَّى ٱلْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ ٱلْيَمِينِ وَعَنِ ٱلشِّمَالِ قَعِيدٌ﴾. العامل في "إذ أقرب"، أي: ونحن أقرب إليه من حبل الوريد حين يتلقى المتلقيان، وهما الملكان عن اليمين وعن الشمال قعيد أي: قاعد، وتقديره عند سيبويه: "عن اليمين قعيد وعن الشمال قعيد". ثم حذف الأول لدلالة الثاني عليه. فلذلك لم يقل، قعيدان، وهو قول الكسائي. ومذهب الأخفش والفراء: أن قعيداً يؤدى عن اثنين وأكثر منهما كقوله: ﴿يُخْرِجُكُمْ طِفْلاً﴾ [غافر: ٦٧]. ومذهب المبرد: أن "قعيداً" ينوي به التقديم والتأخير، والتقدير عنده: "عن اليمين قعيد وعن الشمال قعيد" فاكتفى بالأول عن الثاني ومثله ﴿وَٱللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ﴾ [التوبة: ٦٢]. وقيل: قعيد بمعنى الجماعة، كما قال: ﴿وَالْمَلاَئِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾ [التحريم: ٤]. قال قتادة وغيره: المتلقيان الملكان الحافظان على الإنسان جميع أعماله وألفاظه. قال مجاهد: الذي عن اليمين يكتب الحسنات، والذي عن الشمال يكتب السيئات. * * ثم قال: ﴿مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾. أي: ما يلفظ بكلام من خير أو شر إلا كتب عليه، قاله عكرمة وغيره. قال الحسن وقتادة: يكتب الملكان ما يلفظ به من جميع الأشياء. قال سفيان: بلغني أن كاتب الحسنات أمين على كاتب السيئات فإذا أذنب قال لا تعجل لعله يستغفر. وروي: أن الله جل ذكره جعل لصاحب اليمين على صاحب الشمال سلطاناً يطيعه به، فإذا كان الليل قال: صاحب اليمين لصاحب الشمال ألاقيك، أطرح أنا حسنة واطرح أنت عشر سيئات، حتى يصعد صاحب الحسنات لا سيئات معه. ويروى أن مجلس الملك على باب الإنسان الذي وكل به، وقلم الملك لسان الإنسان، ومداده ريق الإنسان، وهذا تمثيل في القرب، والله أعلم (بكيفية ذلك). ويروى أن رجلاً قال لبعيره: حَلْ، فقال صاحب الحسنات، ما هي بحسنة فاكتبها وقال صاحب السيئات: ما هي بسيئة فاكتبها، فأوحى الله عز وجل إلى صاحب الشمال: ما ترك صاحب اليمين فاكتب. (وروت أم حبيبة: أن النبي ﷺ قال: كلام ابن آدم عليه السلام عليه لاَ لَه إِلا أمر بمعروف أو نهي عن منكر، أو ذكر الله عز وجل) وقال [عمرو بن الحارث]: بلغني أن رجلاً إذا عمل سيئة قال كاتب اليمين لصاحب الشمال أكتب فيقول لا بل أنت فيمتنعان فينادي منادياً صاحب الشمال: أكتب ما ترك صاحب اليمين. وقال أبو صالح: في قول الله جل ذكره: ﴿يَمْحُواْ ٱللَّهُ مَا يَشَآءُ وَيُثْبِتُ﴾ [الرعد: ٣٩] أن الملائكة تكتب كل ما تكلم به الإنسان فيمحو الله عز وجل منه ما ليس له وما ليس عليه ويثبت ما له وما عليه، وهذا القول موافق لقول الحسن وقتادة أن الملكين يكتبان كل ما يقول الإنسان ويعمل من جميع الأشياء. * * وقوله: ﴿رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ معناه حافظ حاضر يكتب عليه ويحفظه. وقيل: عتيد معناه معد، وفعيل يأتي بمعنى فاعل نحو قدير بمعنى قادر وهو كثير، ويأتي بمعنى مفعول نحو سميع بمعنى مسمع. وأليم بمعنى مؤلم، ويأتي بمعنى مفعول، نحو قتيل بمعنى مقتول وهو كثير، ويأتي بمعنى الجمع نحو ما ذكرنا من قعيد وله نظائر. (وروى أنس أن النبي ﷺ قال: إن الله عز وجل وكل بعبده ملكين يكتبان عمله، فإذا مات قال الملكان اللذان وكلا به: ربنا قد مات عبدك فلان بن فلان فتأذن لنا فنصعد إلى السماء فيقول سمائي مملوءة من ملائكتي، فيقولان ربنا فنقيم في الأرض، فيقول الله عز وجل أرضي مملوءة من خلقي فيقولان ربنا فأين، فيقول قُومَا عند قبر عبدي فسبحاني واحمداني وكبراني وهللالي واكتبا ذلك لعبدي إلى يوم يبعثون) ثم قال: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ﴾. أي: وجاءت شدة الموت وغلبته على فهم الإنسان بالحق من أمر الآخرة. وقيل المعنى: (وجاءت سكرة الموت بحقيقة الموت). وفي قراءة عبد الله: "وجاءت سكرة الحق بالموت"، وكذلك [قال] أبو بكر رضي الله عنه في مرضه الذي مات فيه لعائشة رضي الله عنها. ومعنى هذه القراءة: أن الحق هو الله، فالمعنى وجاءته سكرة الله بالموت. وقيل: الحق هنا الموت، فالتقدير وجاءت سكرة الموت بالموت فالحق هو الموت الذي حتمه الله على جميع خلقه. * * ثم قال: ﴿ذَلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ أي: السكرة التي جاءتك أيها الإنسان، والموت الذي أتاك هو الذي كنت منه تهرب، وعنه تروع. * * ثم قال: ﴿وَنُفِخَ فِي ٱلصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ ٱلْوَعِيدِ﴾. قد تقدم صفة النفخ في الصور، ومعنى الصور، والاختلاف فيه في غير موضع. فالمعنى ذلك اليوم الذي ينفخ فيه في الصور، وهو اليوم الذي وعدكم الله عز وجل فيه أن يبعثكم ويجازيكم بأعمالكم. * * ثم قال: ﴿وَجَآءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّعَهَا سَآئِقٌ وَشَهِيدٌ﴾. أي: وجاءت يوم القيامة كل نفس معها سائق يسوقها إلى الله عز وجل حتى يوردها الموقف، وشهيد يشهد عليها بما عملت في الدنيا من خير وشر، قاله الحسين والربيع وقتادة وغيرهم. قال ابن عباس: السائق من الملائكة، والشهيد شاهد عليه من نفسه. وقال مجاهد: هما الملكان. وقال الضحاك: السائق من الملائكة والشهيد من أنفسهم الأيدي والأرجل، والملائكة أيضاً تشهد عليهم، والأنبياء يشهدون عليهم. وقال ابن زيد: يوكل به ملك يحصي عليه عمله، ويشهد به عليه وملك يسوقه إلى محشره. وقال أبو هريرة: السائق والشهيد نفسه. وقيل: السائق شيطان النفس يكون خلفها، والشهيد ملكه. وهذه الآية إلى "حديدٌ" في قول أكثر العلماء يراد بها البر والفاجر، وهو اختيار الطبري. وقيل: عني بها النبي ﷺ. وقيل: عني بها المشركون وهو قول الضحاك، والقول الثاني روي عن زيد بن أسلم: يريد به استنقاذ الله عز وجل النبي ﷺ مما كان عليه في الجاهلية، ودلّ على ذلك قوله: ﴿وَوَجَدَكَ ضَآلاًّ فَهَدَىٰ﴾ [الضحى: ٧] والقول الأول أولى بالصواب والله أعلم. * * ثم قال: ﴿لَّقَدْ كُنتَ فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَـٰذَا فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَآءَكَ فَبَصَرُكَ ٱلْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾. أي: لقد كنت أيها الإنسان في غفلة في الدنيا عما يراد بك وعما يحصى عليك إذ لم تعاينه، فكشفنا عنك الغطاء الآن فنظرت إلى الأهوال والشدائد فزالت الغفلة. قال ابن عباس: هذا للكافر خاصة، لأن المؤمن قد آمن بجميع ما يقدم عليه فلم يكن عليه غطاء، وكذلك قال مجاهد وسفيان. وقال ابن زيد هو للنبي ﷺ خاصة أي: كنت مع القوم في جاهليتهم فهديناك إلى الإسلام، وأعلمناك ما يراد بك فكشفنا عنك الغطاء الذي كان عليك في الجاهلية. وقد احتج زيد بن أسلم في هذه الآيات أنها للنبي ﷺ ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوَىٰ * وَوَجَدَكَ ضَآلاًّ فَهَدَىٰ﴾ [الضحى: ٦-٧] فيكون الكشف على قوله في الدنيا، وعلى قول ابن عباس ومجاهد وسفيان يوم القيامة. وقيل: بل هذا لجميع الخلق، البر والفاجر، لأن المعاينة ليست كالخبر. وعن ابن عباس: ﴿فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَآءَكَ﴾ قال: هو الحياة بعد الموت. * * ثم قال: ﴿فَبَصَرُكَ ٱلْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾. أي: فأنت اليوم حاد النظر، عالم بما كنت تخبر به علم معاينة لا علم خبر. والبصر هنا يراد به بصر القلب، كما يقال: فلان بصير بالفقه.

ق 50:19

قوله: ﴿أَفَعَيِينَا بِٱلْخَلْقِ ٱلأَوَّلِ﴾ إلى قوله: ﴿فَبَصَرُكَ ٱلْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ الآيات. هذا توبيخ وتقريع لمن أنكر البعث بعد الموت، والمعنى: أفعيينا بابتداع الخلق الذي خلقناه ولم يكن شيئاً، فنعيا بإعادتهم خلقاً كما كانوا بعد فنائهم. أي: ليس يعيينا ذلك، بل نحن قادِرون عليه. * * ثم قال: ﴿بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِّنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾. أي: بل هم في شك من إعادة الخلق بعد فنائهم فلذلك أنكروا البعث بعد الموت. * * ثم قال: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾ أي: ما تحدثه به نفسه لا تخفى عليه سرائره. وقيل: هو مخصوص بآدم عليه السلام وما وحرمت به نفسه من أكل الشجرة التي نهي عنها، ثم هي عامة في جميع الخلق لا يخفى عليه شيء من وسواس أنفسهم إليهم. * * ثم قال: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ ٱلْوَرِيدِ﴾ أي: ونحن أقرب إلى الإنسان من فتل العاتق. وقيل معناه: ونحن أملك به وأقرب إليه. وقيل معناه: ونحن أقرب إليه في العلم بما توسوس به نفسه من حبل الوريد. وهنا من الله جلّ ذكره زجر للإنسان عن إضمار المعصية. قال الفراء: الوريد: عرق بين الحلقوم والعلباوين. وقال ابن عباس: "مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ" أي: من عرق العنق. وقال أبو عبيدة: حبل الوريد: حبل العاتق، والوريد عرق في العنق متصل بالقلب، وهو نياط القلب، والوريد والوتين ما في القلب. قال الأقرع: هو نهر الجسد يمتد من الخنصر أو الإبهام، فإذا كان في الفخذ أو الساق فهو الساق وإذا كان في البطن فهو الحالب وإذا كان في القلب فهو الأبهر وإذا كان في اليد فهو الأكحل وإذا كان في العنق فهو الوريد وإذا كان في العين فهو الناظر وإذا كان في القلب فهو الوتين. * * ثم قال: ﴿إِذْ يَتَلَقَّى ٱلْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ ٱلْيَمِينِ وَعَنِ ٱلشِّمَالِ قَعِيدٌ﴾. العامل في "إذ أقرب"، أي: ونحن أقرب إليه من حبل الوريد حين يتلقى المتلقيان، وهما الملكان عن اليمين وعن الشمال قعيد أي: قاعد، وتقديره عند سيبويه: "عن اليمين قعيد وعن الشمال قعيد". ثم حذف الأول لدلالة الثاني عليه. فلذلك لم يقل، قعيدان، وهو قول الكسائي. ومذهب الأخفش والفراء: أن قعيداً يؤدى عن اثنين وأكثر منهما كقوله: ﴿يُخْرِجُكُمْ طِفْلاً﴾ [غافر: ٦٧]. ومذهب المبرد: أن "قعيداً" ينوي به التقديم والتأخير، والتقدير عنده: "عن اليمين قعيد وعن الشمال قعيد" فاكتفى بالأول عن الثاني ومثله ﴿وَٱللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ﴾ [التوبة: ٦٢]. وقيل: قعيد بمعنى الجماعة، كما قال: ﴿وَالْمَلاَئِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾ [التحريم: ٤]. قال قتادة وغيره: المتلقيان الملكان الحافظان على الإنسان جميع أعماله وألفاظه. قال مجاهد: الذي عن اليمين يكتب الحسنات، والذي عن الشمال يكتب السيئات. * * ثم قال: ﴿مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾. أي: ما يلفظ بكلام من خير أو شر إلا كتب عليه، قاله عكرمة وغيره. قال الحسن وقتادة: يكتب الملكان ما يلفظ به من جميع الأشياء. قال سفيان: بلغني أن كاتب الحسنات أمين على كاتب السيئات فإذا أذنب قال لا تعجل لعله يستغفر. وروي: أن الله جل ذكره جعل لصاحب اليمين على صاحب الشمال سلطاناً يطيعه به، فإذا كان الليل قال: صاحب اليمين لصاحب الشمال ألاقيك، أطرح أنا حسنة واطرح أنت عشر سيئات، حتى يصعد صاحب الحسنات لا سيئات معه. ويروى أن مجلس الملك على باب الإنسان الذي وكل به، وقلم الملك لسان الإنسان، ومداده ريق الإنسان، وهذا تمثيل في القرب، والله أعلم (بكيفية ذلك). ويروى أن رجلاً قال لبعيره: حَلْ، فقال صاحب الحسنات، ما هي بحسنة فاكتبها وقال صاحب السيئات: ما هي بسيئة فاكتبها، فأوحى الله عز وجل إلى صاحب الشمال: ما ترك صاحب اليمين فاكتب. (وروت أم حبيبة: أن النبي ﷺ قال: كلام ابن آدم عليه السلام عليه لاَ لَه إِلا أمر بمعروف أو نهي عن منكر، أو ذكر الله عز وجل) وقال [عمرو بن الحارث]: بلغني أن رجلاً إذا عمل سيئة قال كاتب اليمين لصاحب الشمال أكتب فيقول لا بل أنت فيمتنعان فينادي منادياً صاحب الشمال: أكتب ما ترك صاحب اليمين. وقال أبو صالح: في قول الله جل ذكره: ﴿يَمْحُواْ ٱللَّهُ مَا يَشَآءُ وَيُثْبِتُ﴾ [الرعد: ٣٩] أن الملائكة تكتب كل ما تكلم به الإنسان فيمحو الله عز وجل منه ما ليس له وما ليس عليه ويثبت ما له وما عليه، وهذا القول موافق لقول الحسن وقتادة أن الملكين يكتبان كل ما يقول الإنسان ويعمل من جميع الأشياء. * * وقوله: ﴿رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ معناه حافظ حاضر يكتب عليه ويحفظه. وقيل: عتيد معناه معد، وفعيل يأتي بمعنى فاعل نحو قدير بمعنى قادر وهو كثير، ويأتي بمعنى مفعول نحو سميع بمعنى مسمع. وأليم بمعنى مؤلم، ويأتي بمعنى مفعول، نحو قتيل بمعنى مقتول وهو كثير، ويأتي بمعنى الجمع نحو ما ذكرنا من قعيد وله نظائر. (وروى أنس أن النبي ﷺ قال: إن الله عز وجل وكل بعبده ملكين يكتبان عمله، فإذا مات قال الملكان اللذان وكلا به: ربنا قد مات عبدك فلان بن فلان فتأذن لنا فنصعد إلى السماء فيقول سمائي مملوءة من ملائكتي، فيقولان ربنا فنقيم في الأرض، فيقول الله عز وجل أرضي مملوءة من خلقي فيقولان ربنا فأين، فيقول قُومَا عند قبر عبدي فسبحاني واحمداني وكبراني وهللالي واكتبا ذلك لعبدي إلى يوم يبعثون) ثم قال: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ﴾. أي: وجاءت شدة الموت وغلبته على فهم الإنسان بالحق من أمر الآخرة. وقيل المعنى: (وجاءت سكرة الموت بحقيقة الموت). وفي قراءة عبد الله: "وجاءت سكرة الحق بالموت"، وكذلك [قال] أبو بكر رضي الله عنه في مرضه الذي مات فيه لعائشة رضي الله عنها. ومعنى هذه القراءة: أن الحق هو الله، فالمعنى وجاءته سكرة الله بالموت. وقيل: الحق هنا الموت، فالتقدير وجاءت سكرة الموت بالموت فالحق هو الموت الذي حتمه الله على جميع خلقه. * * ثم قال: ﴿ذَلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ أي: السكرة التي جاءتك أيها الإنسان، والموت الذي أتاك هو الذي كنت منه تهرب، وعنه تروع. * * ثم قال: ﴿وَنُفِخَ فِي ٱلصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ ٱلْوَعِيدِ﴾. قد تقدم صفة النفخ في الصور، ومعنى الصور، والاختلاف فيه في غير موضع. فالمعنى ذلك اليوم الذي ينفخ فيه في الصور، وهو اليوم الذي وعدكم الله عز وجل فيه أن يبعثكم ويجازيكم بأعمالكم. * * ثم قال: ﴿وَجَآءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّعَهَا سَآئِقٌ وَشَهِيدٌ﴾. أي: وجاءت يوم القيامة كل نفس معها سائق يسوقها إلى الله عز وجل حتى يوردها الموقف، وشهيد يشهد عليها بما عملت في الدنيا من خير وشر، قاله الحسين والربيع وقتادة وغيرهم. قال ابن عباس: السائق من الملائكة، والشهيد شاهد عليه من نفسه. وقال مجاهد: هما الملكان. وقال الضحاك: السائق من الملائكة والشهيد من أنفسهم الأيدي والأرجل، والملائكة أيضاً تشهد عليهم، والأنبياء يشهدون عليهم. وقال ابن زيد: يوكل به ملك يحصي عليه عمله، ويشهد به عليه وملك يسوقه إلى محشره. وقال أبو هريرة: السائق والشهيد نفسه. وقيل: السائق شيطان النفس يكون خلفها، والشهيد ملكه. وهذه الآية إلى "حديدٌ" في قول أكثر العلماء يراد بها البر والفاجر، وهو اختيار الطبري. وقيل: عني بها النبي ﷺ. وقيل: عني بها المشركون وهو قول الضحاك، والقول الثاني روي عن زيد بن أسلم: يريد به استنقاذ الله عز وجل النبي ﷺ مما كان عليه في الجاهلية، ودلّ على ذلك قوله: ﴿وَوَجَدَكَ ضَآلاًّ فَهَدَىٰ﴾ [الضحى: ٧] والقول الأول أولى بالصواب والله أعلم. * * ثم قال: ﴿لَّقَدْ كُنتَ فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَـٰذَا فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَآءَكَ فَبَصَرُكَ ٱلْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾. أي: لقد كنت أيها الإنسان في غفلة في الدنيا عما يراد بك وعما يحصى عليك إذ لم تعاينه، فكشفنا عنك الغطاء الآن فنظرت إلى الأهوال والشدائد فزالت الغفلة. قال ابن عباس: هذا للكافر خاصة، لأن المؤمن قد آمن بجميع ما يقدم عليه فلم يكن عليه غطاء، وكذلك قال مجاهد وسفيان. وقال ابن زيد هو للنبي ﷺ خاصة أي: كنت مع القوم في جاهليتهم فهديناك إلى الإسلام، وأعلمناك ما يراد بك فكشفنا عنك الغطاء الذي كان عليك في الجاهلية. وقد احتج زيد بن أسلم في هذه الآيات أنها للنبي ﷺ ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوَىٰ * وَوَجَدَكَ ضَآلاًّ فَهَدَىٰ﴾ [الضحى: ٦-٧] فيكون الكشف على قوله في الدنيا، وعلى قول ابن عباس ومجاهد وسفيان يوم القيامة. وقيل: بل هذا لجميع الخلق، البر والفاجر، لأن المعاينة ليست كالخبر. وعن ابن عباس: ﴿فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَآءَكَ﴾ قال: هو الحياة بعد الموت. * * ثم قال: ﴿فَبَصَرُكَ ٱلْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾. أي: فأنت اليوم حاد النظر، عالم بما كنت تخبر به علم معاينة لا علم خبر. والبصر هنا يراد به بصر القلب، كما يقال: فلان بصير بالفقه.

ق 50:20

قوله: ﴿أَفَعَيِينَا بِٱلْخَلْقِ ٱلأَوَّلِ﴾ إلى قوله: ﴿فَبَصَرُكَ ٱلْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ الآيات. هذا توبيخ وتقريع لمن أنكر البعث بعد الموت، والمعنى: أفعيينا بابتداع الخلق الذي خلقناه ولم يكن شيئاً، فنعيا بإعادتهم خلقاً كما كانوا بعد فنائهم. أي: ليس يعيينا ذلك، بل نحن قادِرون عليه. * * ثم قال: ﴿بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِّنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾. أي: بل هم في شك من إعادة الخلق بعد فنائهم فلذلك أنكروا البعث بعد الموت. * * ثم قال: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾ أي: ما تحدثه به نفسه لا تخفى عليه سرائره. وقيل: هو مخصوص بآدم عليه السلام وما وحرمت به نفسه من أكل الشجرة التي نهي عنها، ثم هي عامة في جميع الخلق لا يخفى عليه شيء من وسواس أنفسهم إليهم. * * ثم قال: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ ٱلْوَرِيدِ﴾ أي: ونحن أقرب إلى الإنسان من فتل العاتق. وقيل معناه: ونحن أملك به وأقرب إليه. وقيل معناه: ونحن أقرب إليه في العلم بما توسوس به نفسه من حبل الوريد. وهنا من الله جلّ ذكره زجر للإنسان عن إضمار المعصية. قال الفراء: الوريد: عرق بين الحلقوم والعلباوين. وقال ابن عباس: "مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ" أي: من عرق العنق. وقال أبو عبيدة: حبل الوريد: حبل العاتق، والوريد عرق في العنق متصل بالقلب، وهو نياط القلب، والوريد والوتين ما في القلب. قال الأقرع: هو نهر الجسد يمتد من الخنصر أو الإبهام، فإذا كان في الفخذ أو الساق فهو الساق وإذا كان في البطن فهو الحالب وإذا كان في القلب فهو الأبهر وإذا كان في اليد فهو الأكحل وإذا كان في العنق فهو الوريد وإذا كان في العين فهو الناظر وإذا كان في القلب فهو الوتين. * * ثم قال: ﴿إِذْ يَتَلَقَّى ٱلْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ ٱلْيَمِينِ وَعَنِ ٱلشِّمَالِ قَعِيدٌ﴾. العامل في "إذ أقرب"، أي: ونحن أقرب إليه من حبل الوريد حين يتلقى المتلقيان، وهما الملكان عن اليمين وعن الشمال قعيد أي: قاعد، وتقديره عند سيبويه: "عن اليمين قعيد وعن الشمال قعيد". ثم حذف الأول لدلالة الثاني عليه. فلذلك لم يقل، قعيدان، وهو قول الكسائي. ومذهب الأخفش والفراء: أن قعيداً يؤدى عن اثنين وأكثر منهما كقوله: ﴿يُخْرِجُكُمْ طِفْلاً﴾ [غافر: ٦٧]. ومذهب المبرد: أن "قعيداً" ينوي به التقديم والتأخير، والتقدير عنده: "عن اليمين قعيد وعن الشمال قعيد" فاكتفى بالأول عن الثاني ومثله ﴿وَٱللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ﴾ [التوبة: ٦٢]. وقيل: قعيد بمعنى الجماعة، كما قال: ﴿وَالْمَلاَئِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾ [التحريم: ٤]. قال قتادة وغيره: المتلقيان الملكان الحافظان على الإنسان جميع أعماله وألفاظه. قال مجاهد: الذي عن اليمين يكتب الحسنات، والذي عن الشمال يكتب السيئات. * * ثم قال: ﴿مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾. أي: ما يلفظ بكلام من خير أو شر إلا كتب عليه، قاله عكرمة وغيره. قال الحسن وقتادة: يكتب الملكان ما يلفظ به من جميع الأشياء. قال سفيان: بلغني أن كاتب الحسنات أمين على كاتب السيئات فإذا أذنب قال لا تعجل لعله يستغفر. وروي: أن الله جل ذكره جعل لصاحب اليمين على صاحب الشمال سلطاناً يطيعه به، فإذا كان الليل قال: صاحب اليمين لصاحب الشمال ألاقيك، أطرح أنا حسنة واطرح أنت عشر سيئات، حتى يصعد صاحب الحسنات لا سيئات معه. ويروى أن مجلس الملك على باب الإنسان الذي وكل به، وقلم الملك لسان الإنسان، ومداده ريق الإنسان، وهذا تمثيل في القرب، والله أعلم (بكيفية ذلك). ويروى أن رجلاً قال لبعيره: حَلْ، فقال صاحب الحسنات، ما هي بحسنة فاكتبها وقال صاحب السيئات: ما هي بسيئة فاكتبها، فأوحى الله عز وجل إلى صاحب الشمال: ما ترك صاحب اليمين فاكتب. (وروت أم حبيبة: أن النبي ﷺ قال: كلام ابن آدم عليه السلام عليه لاَ لَه إِلا أمر بمعروف أو نهي عن منكر، أو ذكر الله عز وجل) وقال [عمرو بن الحارث]: بلغني أن رجلاً إذا عمل سيئة قال كاتب اليمين لصاحب الشمال أكتب فيقول لا بل أنت فيمتنعان فينادي منادياً صاحب الشمال: أكتب ما ترك صاحب اليمين. وقال أبو صالح: في قول الله جل ذكره: ﴿يَمْحُواْ ٱللَّهُ مَا يَشَآءُ وَيُثْبِتُ﴾ [الرعد: ٣٩] أن الملائكة تكتب كل ما تكلم به الإنسان فيمحو الله عز وجل منه ما ليس له وما ليس عليه ويثبت ما له وما عليه، وهذا القول موافق لقول الحسن وقتادة أن الملكين يكتبان كل ما يقول الإنسان ويعمل من جميع الأشياء. * * وقوله: ﴿رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ معناه حافظ حاضر يكتب عليه ويحفظه. وقيل: عتيد معناه معد، وفعيل يأتي بمعنى فاعل نحو قدير بمعنى قادر وهو كثير، ويأتي بمعنى مفعول نحو سميع بمعنى مسمع. وأليم بمعنى مؤلم، ويأتي بمعنى مفعول، نحو قتيل بمعنى مقتول وهو كثير، ويأتي بمعنى الجمع نحو ما ذكرنا من قعيد وله نظائر. (وروى أنس أن النبي ﷺ قال: إن الله عز وجل وكل بعبده ملكين يكتبان عمله، فإذا مات قال الملكان اللذان وكلا به: ربنا قد مات عبدك فلان بن فلان فتأذن لنا فنصعد إلى السماء فيقول سمائي مملوءة من ملائكتي، فيقولان ربنا فنقيم في الأرض، فيقول الله عز وجل أرضي مملوءة من خلقي فيقولان ربنا فأين، فيقول قُومَا عند قبر عبدي فسبحاني واحمداني وكبراني وهللالي واكتبا ذلك لعبدي إلى يوم يبعثون) ثم قال: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ﴾. أي: وجاءت شدة الموت وغلبته على فهم الإنسان بالحق من أمر الآخرة. وقيل المعنى: (وجاءت سكرة الموت بحقيقة الموت). وفي قراءة عبد الله: "وجاءت سكرة الحق بالموت"، وكذلك [قال] أبو بكر رضي الله عنه في مرضه الذي مات فيه لعائشة رضي الله عنها. ومعنى هذه القراءة: أن الحق هو الله، فالمعنى وجاءته سكرة الله بالموت. وقيل: الحق هنا الموت، فالتقدير وجاءت سكرة الموت بالموت فالحق هو الموت الذي حتمه الله على جميع خلقه. * * ثم قال: ﴿ذَلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ أي: السكرة التي جاءتك أيها الإنسان، والموت الذي أتاك هو الذي كنت منه تهرب، وعنه تروع. * * ثم قال: ﴿وَنُفِخَ فِي ٱلصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ ٱلْوَعِيدِ﴾. قد تقدم صفة النفخ في الصور، ومعنى الصور، والاختلاف فيه في غير موضع. فالمعنى ذلك اليوم الذي ينفخ فيه في الصور، وهو اليوم الذي وعدكم الله عز وجل فيه أن يبعثكم ويجازيكم بأعمالكم. * * ثم قال: ﴿وَجَآءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّعَهَا سَآئِقٌ وَشَهِيدٌ﴾. أي: وجاءت يوم القيامة كل نفس معها سائق يسوقها إلى الله عز وجل حتى يوردها الموقف، وشهيد يشهد عليها بما عملت في الدنيا من خير وشر، قاله الحسين والربيع وقتادة وغيرهم. قال ابن عباس: السائق من الملائكة، والشهيد شاهد عليه من نفسه. وقال مجاهد: هما الملكان. وقال الضحاك: السائق من الملائكة والشهيد من أنفسهم الأيدي والأرجل، والملائكة أيضاً تشهد عليهم، والأنبياء يشهدون عليهم. وقال ابن زيد: يوكل به ملك يحصي عليه عمله، ويشهد به عليه وملك يسوقه إلى محشره. وقال أبو هريرة: السائق والشهيد نفسه. وقيل: السائق شيطان النفس يكون خلفها، والشهيد ملكه. وهذه الآية إلى "حديدٌ" في قول أكثر العلماء يراد بها البر والفاجر، وهو اختيار الطبري. وقيل: عني بها النبي ﷺ. وقيل: عني بها المشركون وهو قول الضحاك، والقول الثاني روي عن زيد بن أسلم: يريد به استنقاذ الله عز وجل النبي ﷺ مما كان عليه في الجاهلية، ودلّ على ذلك قوله: ﴿وَوَجَدَكَ ضَآلاًّ فَهَدَىٰ﴾ [الضحى: ٧] والقول الأول أولى بالصواب والله أعلم. * * ثم قال: ﴿لَّقَدْ كُنتَ فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَـٰذَا فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَآءَكَ فَبَصَرُكَ ٱلْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾. أي: لقد كنت أيها الإنسان في غفلة في الدنيا عما يراد بك وعما يحصى عليك إذ لم تعاينه، فكشفنا عنك الغطاء الآن فنظرت إلى الأهوال والشدائد فزالت الغفلة. قال ابن عباس: هذا للكافر خاصة، لأن المؤمن قد آمن بجميع ما يقدم عليه فلم يكن عليه غطاء، وكذلك قال مجاهد وسفيان. وقال ابن زيد هو للنبي ﷺ خاصة أي: كنت مع القوم في جاهليتهم فهديناك إلى الإسلام، وأعلمناك ما يراد بك فكشفنا عنك الغطاء الذي كان عليك في الجاهلية. وقد احتج زيد بن أسلم في هذه الآيات أنها للنبي ﷺ ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوَىٰ * وَوَجَدَكَ ضَآلاًّ فَهَدَىٰ﴾ [الضحى: ٦-٧] فيكون الكشف على قوله في الدنيا، وعلى قول ابن عباس ومجاهد وسفيان يوم القيامة. وقيل: بل هذا لجميع الخلق، البر والفاجر، لأن المعاينة ليست كالخبر. وعن ابن عباس: ﴿فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَآءَكَ﴾ قال: هو الحياة بعد الموت. * * ثم قال: ﴿فَبَصَرُكَ ٱلْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾. أي: فأنت اليوم حاد النظر، عالم بما كنت تخبر به علم معاينة لا علم خبر. والبصر هنا يراد به بصر القلب، كما يقال: فلان بصير بالفقه.

ق 50:21

قوله: ﴿أَفَعَيِينَا بِٱلْخَلْقِ ٱلأَوَّلِ﴾ إلى قوله: ﴿فَبَصَرُكَ ٱلْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ الآيات. هذا توبيخ وتقريع لمن أنكر البعث بعد الموت، والمعنى: أفعيينا بابتداع الخلق الذي خلقناه ولم يكن شيئاً، فنعيا بإعادتهم خلقاً كما كانوا بعد فنائهم. أي: ليس يعيينا ذلك، بل نحن قادِرون عليه. * * ثم قال: ﴿بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِّنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾. أي: بل هم في شك من إعادة الخلق بعد فنائهم فلذلك أنكروا البعث بعد الموت. * * ثم قال: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾ أي: ما تحدثه به نفسه لا تخفى عليه سرائره. وقيل: هو مخصوص بآدم عليه السلام وما وحرمت به نفسه من أكل الشجرة التي نهي عنها، ثم هي عامة في جميع الخلق لا يخفى عليه شيء من وسواس أنفسهم إليهم. * * ثم قال: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ ٱلْوَرِيدِ﴾ أي: ونحن أقرب إلى الإنسان من فتل العاتق. وقيل معناه: ونحن أملك به وأقرب إليه. وقيل معناه: ونحن أقرب إليه في العلم بما توسوس به نفسه من حبل الوريد. وهنا من الله جلّ ذكره زجر للإنسان عن إضمار المعصية. قال الفراء: الوريد: عرق بين الحلقوم والعلباوين. وقال ابن عباس: "مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ" أي: من عرق العنق. وقال أبو عبيدة: حبل الوريد: حبل العاتق، والوريد عرق في العنق متصل بالقلب، وهو نياط القلب، والوريد والوتين ما في القلب. قال الأقرع: هو نهر الجسد يمتد من الخنصر أو الإبهام، فإذا كان في الفخذ أو الساق فهو الساق وإذا كان في البطن فهو الحالب وإذا كان في القلب فهو الأبهر وإذا كان في اليد فهو الأكحل وإذا كان في العنق فهو الوريد وإذا كان في العين فهو الناظر وإذا كان في القلب فهو الوتين. * * ثم قال: ﴿إِذْ يَتَلَقَّى ٱلْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ ٱلْيَمِينِ وَعَنِ ٱلشِّمَالِ قَعِيدٌ﴾. العامل في "إذ أقرب"، أي: ونحن أقرب إليه من حبل الوريد حين يتلقى المتلقيان، وهما الملكان عن اليمين وعن الشمال قعيد أي: قاعد، وتقديره عند سيبويه: "عن اليمين قعيد وعن الشمال قعيد". ثم حذف الأول لدلالة الثاني عليه. فلذلك لم يقل، قعيدان، وهو قول الكسائي. ومذهب الأخفش والفراء: أن قعيداً يؤدى عن اثنين وأكثر منهما كقوله: ﴿يُخْرِجُكُمْ طِفْلاً﴾ [غافر: ٦٧]. ومذهب المبرد: أن "قعيداً" ينوي به التقديم والتأخير، والتقدير عنده: "عن اليمين قعيد وعن الشمال قعيد" فاكتفى بالأول عن الثاني ومثله ﴿وَٱللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ﴾ [التوبة: ٦٢]. وقيل: قعيد بمعنى الجماعة، كما قال: ﴿وَالْمَلاَئِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾ [التحريم: ٤]. قال قتادة وغيره: المتلقيان الملكان الحافظان على الإنسان جميع أعماله وألفاظه. قال مجاهد: الذي عن اليمين يكتب الحسنات، والذي عن الشمال يكتب السيئات. * * ثم قال: ﴿مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾. أي: ما يلفظ بكلام من خير أو شر إلا كتب عليه، قاله عكرمة وغيره. قال الحسن وقتادة: يكتب الملكان ما يلفظ به من جميع الأشياء. قال سفيان: بلغني أن كاتب الحسنات أمين على كاتب السيئات فإذا أذنب قال لا تعجل لعله يستغفر. وروي: أن الله جل ذكره جعل لصاحب اليمين على صاحب الشمال سلطاناً يطيعه به، فإذا كان الليل قال: صاحب اليمين لصاحب الشمال ألاقيك، أطرح أنا حسنة واطرح أنت عشر سيئات، حتى يصعد صاحب الحسنات لا سيئات معه. ويروى أن مجلس الملك على باب الإنسان الذي وكل به، وقلم الملك لسان الإنسان، ومداده ريق الإنسان، وهذا تمثيل في القرب، والله أعلم (بكيفية ذلك). ويروى أن رجلاً قال لبعيره: حَلْ، فقال صاحب الحسنات، ما هي بحسنة فاكتبها وقال صاحب السيئات: ما هي بسيئة فاكتبها، فأوحى الله عز وجل إلى صاحب الشمال: ما ترك صاحب اليمين فاكتب. (وروت أم حبيبة: أن النبي ﷺ قال: كلام ابن آدم عليه السلام عليه لاَ لَه إِلا أمر بمعروف أو نهي عن منكر، أو ذكر الله عز وجل) وقال [عمرو بن الحارث]: بلغني أن رجلاً إذا عمل سيئة قال كاتب اليمين لصاحب الشمال أكتب فيقول لا بل أنت فيمتنعان فينادي منادياً صاحب الشمال: أكتب ما ترك صاحب اليمين. وقال أبو صالح: في قول الله جل ذكره: ﴿يَمْحُواْ ٱللَّهُ مَا يَشَآءُ وَيُثْبِتُ﴾ [الرعد: ٣٩] أن الملائكة تكتب كل ما تكلم به الإنسان فيمحو الله عز وجل منه ما ليس له وما ليس عليه ويثبت ما له وما عليه، وهذا القول موافق لقول الحسن وقتادة أن الملكين يكتبان كل ما يقول الإنسان ويعمل من جميع الأشياء. * * وقوله: ﴿رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ معناه حافظ حاضر يكتب عليه ويحفظه. وقيل: عتيد معناه معد، وفعيل يأتي بمعنى فاعل نحو قدير بمعنى قادر وهو كثير، ويأتي بمعنى مفعول نحو سميع بمعنى مسمع. وأليم بمعنى مؤلم، ويأتي بمعنى مفعول، نحو قتيل بمعنى مقتول وهو كثير، ويأتي بمعنى الجمع نحو ما ذكرنا من قعيد وله نظائر. (وروى أنس أن النبي ﷺ قال: إن الله عز وجل وكل بعبده ملكين يكتبان عمله، فإذا مات قال الملكان اللذان وكلا به: ربنا قد مات عبدك فلان بن فلان فتأذن لنا فنصعد إلى السماء فيقول سمائي مملوءة من ملائكتي، فيقولان ربنا فنقيم في الأرض، فيقول الله عز وجل أرضي مملوءة من خلقي فيقولان ربنا فأين، فيقول قُومَا عند قبر عبدي فسبحاني واحمداني وكبراني وهللالي واكتبا ذلك لعبدي إلى يوم يبعثون) ثم قال: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ﴾. أي: وجاءت شدة الموت وغلبته على فهم الإنسان بالحق من أمر الآخرة. وقيل المعنى: (وجاءت سكرة الموت بحقيقة الموت). وفي قراءة عبد الله: "وجاءت سكرة الحق بالموت"، وكذلك [قال] أبو بكر رضي الله عنه في مرضه الذي مات فيه لعائشة رضي الله عنها. ومعنى هذه القراءة: أن الحق هو الله، فالمعنى وجاءته سكرة الله بالموت. وقيل: الحق هنا الموت، فالتقدير وجاءت سكرة الموت بالموت فالحق هو الموت الذي حتمه الله على جميع خلقه. * * ثم قال: ﴿ذَلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ أي: السكرة التي جاءتك أيها الإنسان، والموت الذي أتاك هو الذي كنت منه تهرب، وعنه تروع. * * ثم قال: ﴿وَنُفِخَ فِي ٱلصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ ٱلْوَعِيدِ﴾. قد تقدم صفة النفخ في الصور، ومعنى الصور، والاختلاف فيه في غير موضع. فالمعنى ذلك اليوم الذي ينفخ فيه في الصور، وهو اليوم الذي وعدكم الله عز وجل فيه أن يبعثكم ويجازيكم بأعمالكم. * * ثم قال: ﴿وَجَآءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّعَهَا سَآئِقٌ وَشَهِيدٌ﴾. أي: وجاءت يوم القيامة كل نفس معها سائق يسوقها إلى الله عز وجل حتى يوردها الموقف، وشهيد يشهد عليها بما عملت في الدنيا من خير وشر، قاله الحسين والربيع وقتادة وغيرهم. قال ابن عباس: السائق من الملائكة، والشهيد شاهد عليه من نفسه. وقال مجاهد: هما الملكان. وقال الضحاك: السائق من الملائكة والشهيد من أنفسهم الأيدي والأرجل، والملائكة أيضاً تشهد عليهم، والأنبياء يشهدون عليهم. وقال ابن زيد: يوكل به ملك يحصي عليه عمله، ويشهد به عليه وملك يسوقه إلى محشره. وقال أبو هريرة: السائق والشهيد نفسه. وقيل: السائق شيطان النفس يكون خلفها، والشهيد ملكه. وهذه الآية إلى "حديدٌ" في قول أكثر العلماء يراد بها البر والفاجر، وهو اختيار الطبري. وقيل: عني بها النبي ﷺ. وقيل: عني بها المشركون وهو قول الضحاك، والقول الثاني روي عن زيد بن أسلم: يريد به استنقاذ الله عز وجل النبي ﷺ مما كان عليه في الجاهلية، ودلّ على ذلك قوله: ﴿وَوَجَدَكَ ضَآلاًّ فَهَدَىٰ﴾ [الضحى: ٧] والقول الأول أولى بالصواب والله أعلم. * * ثم قال: ﴿لَّقَدْ كُنتَ فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَـٰذَا فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَآءَكَ فَبَصَرُكَ ٱلْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾. أي: لقد كنت أيها الإنسان في غفلة في الدنيا عما يراد بك وعما يحصى عليك إذ لم تعاينه، فكشفنا عنك الغطاء الآن فنظرت إلى الأهوال والشدائد فزالت الغفلة. قال ابن عباس: هذا للكافر خاصة، لأن المؤمن قد آمن بجميع ما يقدم عليه فلم يكن عليه غطاء، وكذلك قال مجاهد وسفيان. وقال ابن زيد هو للنبي ﷺ خاصة أي: كنت مع القوم في جاهليتهم فهديناك إلى الإسلام، وأعلمناك ما يراد بك فكشفنا عنك الغطاء الذي كان عليك في الجاهلية. وقد احتج زيد بن أسلم في هذه الآيات أنها للنبي ﷺ ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوَىٰ * وَوَجَدَكَ ضَآلاًّ فَهَدَىٰ﴾ [الضحى: ٦-٧] فيكون الكشف على قوله في الدنيا، وعلى قول ابن عباس ومجاهد وسفيان يوم القيامة. وقيل: بل هذا لجميع الخلق، البر والفاجر، لأن المعاينة ليست كالخبر. وعن ابن عباس: ﴿فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَآءَكَ﴾ قال: هو الحياة بعد الموت. * * ثم قال: ﴿فَبَصَرُكَ ٱلْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾. أي: فأنت اليوم حاد النظر، عالم بما كنت تخبر به علم معاينة لا علم خبر. والبصر هنا يراد به بصر القلب، كما يقال: فلان بصير بالفقه.

ق 50:22

قوله: ﴿أَفَعَيِينَا بِٱلْخَلْقِ ٱلأَوَّلِ﴾ إلى قوله: ﴿فَبَصَرُكَ ٱلْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ الآيات. هذا توبيخ وتقريع لمن أنكر البعث بعد الموت، والمعنى: أفعيينا بابتداع الخلق الذي خلقناه ولم يكن شيئاً، فنعيا بإعادتهم خلقاً كما كانوا بعد فنائهم. أي: ليس يعيينا ذلك، بل نحن قادِرون عليه. * * ثم قال: ﴿بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِّنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾. أي: بل هم في شك من إعادة الخلق بعد فنائهم فلذلك أنكروا البعث بعد الموت. * * ثم قال: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾ أي: ما تحدثه به نفسه لا تخفى عليه سرائره. وقيل: هو مخصوص بآدم عليه السلام وما وحرمت به نفسه من أكل الشجرة التي نهي عنها، ثم هي عامة في جميع الخلق لا يخفى عليه شيء من وسواس أنفسهم إليهم. * * ثم قال: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ ٱلْوَرِيدِ﴾ أي: ونحن أقرب إلى الإنسان من فتل العاتق. وقيل معناه: ونحن أملك به وأقرب إليه. وقيل معناه: ونحن أقرب إليه في العلم بما توسوس به نفسه من حبل الوريد. وهنا من الله جلّ ذكره زجر للإنسان عن إضمار المعصية. قال الفراء: الوريد: عرق بين الحلقوم والعلباوين. وقال ابن عباس: "مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ" أي: من عرق العنق. وقال أبو عبيدة: حبل الوريد: حبل العاتق، والوريد عرق في العنق متصل بالقلب، وهو نياط القلب، والوريد والوتين ما في القلب. قال الأقرع: هو نهر الجسد يمتد من الخنصر أو الإبهام، فإذا كان في الفخذ أو الساق فهو الساق وإذا كان في البطن فهو الحالب وإذا كان في القلب فهو الأبهر وإذا كان في اليد فهو الأكحل وإذا كان في العنق فهو الوريد وإذا كان في العين فهو الناظر وإذا كان في القلب فهو الوتين. * * ثم قال: ﴿إِذْ يَتَلَقَّى ٱلْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ ٱلْيَمِينِ وَعَنِ ٱلشِّمَالِ قَعِيدٌ﴾. العامل في "إذ أقرب"، أي: ونحن أقرب إليه من حبل الوريد حين يتلقى المتلقيان، وهما الملكان عن اليمين وعن الشمال قعيد أي: قاعد، وتقديره عند سيبويه: "عن اليمين قعيد وعن الشمال قعيد". ثم حذف الأول لدلالة الثاني عليه. فلذلك لم يقل، قعيدان، وهو قول الكسائي. ومذهب الأخفش والفراء: أن قعيداً يؤدى عن اثنين وأكثر منهما كقوله: ﴿يُخْرِجُكُمْ طِفْلاً﴾ [غافر: ٦٧]. ومذهب المبرد: أن "قعيداً" ينوي به التقديم والتأخير، والتقدير عنده: "عن اليمين قعيد وعن الشمال قعيد" فاكتفى بالأول عن الثاني ومثله ﴿وَٱللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ﴾ [التوبة: ٦٢]. وقيل: قعيد بمعنى الجماعة، كما قال: ﴿وَالْمَلاَئِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾ [التحريم: ٤]. قال قتادة وغيره: المتلقيان الملكان الحافظان على الإنسان جميع أعماله وألفاظه. قال مجاهد: الذي عن اليمين يكتب الحسنات، والذي عن الشمال يكتب السيئات. * * ثم قال: ﴿مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾. أي: ما يلفظ بكلام من خير أو شر إلا كتب عليه، قاله عكرمة وغيره. قال الحسن وقتادة: يكتب الملكان ما يلفظ به من جميع الأشياء. قال سفيان: بلغني أن كاتب الحسنات أمين على كاتب السيئات فإذا أذنب قال لا تعجل لعله يستغفر. وروي: أن الله جل ذكره جعل لصاحب اليمين على صاحب الشمال سلطاناً يطيعه به، فإذا كان الليل قال: صاحب اليمين لصاحب الشمال ألاقيك، أطرح أنا حسنة واطرح أنت عشر سيئات، حتى يصعد صاحب الحسنات لا سيئات معه. ويروى أن مجلس الملك على باب الإنسان الذي وكل به، وقلم الملك لسان الإنسان، ومداده ريق الإنسان، وهذا تمثيل في القرب، والله أعلم (بكيفية ذلك). ويروى أن رجلاً قال لبعيره: حَلْ، فقال صاحب الحسنات، ما هي بحسنة فاكتبها وقال صاحب السيئات: ما هي بسيئة فاكتبها، فأوحى الله عز وجل إلى صاحب الشمال: ما ترك صاحب اليمين فاكتب. (وروت أم حبيبة: أن النبي ﷺ قال: كلام ابن آدم عليه السلام عليه لاَ لَه إِلا أمر بمعروف أو نهي عن منكر، أو ذكر الله عز وجل) وقال [عمرو بن الحارث]: بلغني أن رجلاً إذا عمل سيئة قال كاتب اليمين لصاحب الشمال أكتب فيقول لا بل أنت فيمتنعان فينادي منادياً صاحب الشمال: أكتب ما ترك صاحب اليمين. وقال أبو صالح: في قول الله جل ذكره: ﴿يَمْحُواْ ٱللَّهُ مَا يَشَآءُ وَيُثْبِتُ﴾ [الرعد: ٣٩] أن الملائكة تكتب كل ما تكلم به الإنسان فيمحو الله عز وجل منه ما ليس له وما ليس عليه ويثبت ما له وما عليه، وهذا القول موافق لقول الحسن وقتادة أن الملكين يكتبان كل ما يقول الإنسان ويعمل من جميع الأشياء. * * وقوله: ﴿رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ معناه حافظ حاضر يكتب عليه ويحفظه. وقيل: عتيد معناه معد، وفعيل يأتي بمعنى فاعل نحو قدير بمعنى قادر وهو كثير، ويأتي بمعنى مفعول نحو سميع بمعنى مسمع. وأليم بمعنى مؤلم، ويأتي بمعنى مفعول، نحو قتيل بمعنى مقتول وهو كثير، ويأتي بمعنى الجمع نحو ما ذكرنا من قعيد وله نظائر. (وروى أنس أن النبي ﷺ قال: إن الله عز وجل وكل بعبده ملكين يكتبان عمله، فإذا مات قال الملكان اللذان وكلا به: ربنا قد مات عبدك فلان بن فلان فتأذن لنا فنصعد إلى السماء فيقول سمائي مملوءة من ملائكتي، فيقولان ربنا فنقيم في الأرض، فيقول الله عز وجل أرضي مملوءة من خلقي فيقولان ربنا فأين، فيقول قُومَا عند قبر عبدي فسبحاني واحمداني وكبراني وهللالي واكتبا ذلك لعبدي إلى يوم يبعثون) ثم قال: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ﴾. أي: وجاءت شدة الموت وغلبته على فهم الإنسان بالحق من أمر الآخرة. وقيل المعنى: (وجاءت سكرة الموت بحقيقة الموت). وفي قراءة عبد الله: "وجاءت سكرة الحق بالموت"، وكذلك [قال] أبو بكر رضي الله عنه في مرضه الذي مات فيه لعائشة رضي الله عنها. ومعنى هذه القراءة: أن الحق هو الله، فالمعنى وجاءته سكرة الله بالموت. وقيل: الحق هنا الموت، فالتقدير وجاءت سكرة الموت بالموت فالحق هو الموت الذي حتمه الله على جميع خلقه. * * ثم قال: ﴿ذَلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ أي: السكرة التي جاءتك أيها الإنسان، والموت الذي أتاك هو الذي كنت منه تهرب، وعنه تروع. * * ثم قال: ﴿وَنُفِخَ فِي ٱلصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ ٱلْوَعِيدِ﴾. قد تقدم صفة النفخ في الصور، ومعنى الصور، والاختلاف فيه في غير موضع. فالمعنى ذلك اليوم الذي ينفخ فيه في الصور، وهو اليوم الذي وعدكم الله عز وجل فيه أن يبعثكم ويجازيكم بأعمالكم. * * ثم قال: ﴿وَجَآءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّعَهَا سَآئِقٌ وَشَهِيدٌ﴾. أي: وجاءت يوم القيامة كل نفس معها سائق يسوقها إلى الله عز وجل حتى يوردها الموقف، وشهيد يشهد عليها بما عملت في الدنيا من خير وشر، قاله الحسين والربيع وقتادة وغيرهم. قال ابن عباس: السائق من الملائكة، والشهيد شاهد عليه من نفسه. وقال مجاهد: هما الملكان. وقال الضحاك: السائق من الملائكة والشهيد من أنفسهم الأيدي والأرجل، والملائكة أيضاً تشهد عليهم، والأنبياء يشهدون عليهم. وقال ابن زيد: يوكل به ملك يحصي عليه عمله، ويشهد به عليه وملك يسوقه إلى محشره. وقال أبو هريرة: السائق والشهيد نفسه. وقيل: السائق شيطان النفس يكون خلفها، والشهيد ملكه. وهذه الآية إلى "حديدٌ" في قول أكثر العلماء يراد بها البر والفاجر، وهو اختيار الطبري. وقيل: عني بها النبي ﷺ. وقيل: عني بها المشركون وهو قول الضحاك، والقول الثاني روي عن زيد بن أسلم: يريد به استنقاذ الله عز وجل النبي ﷺ مما كان عليه في الجاهلية، ودلّ على ذلك قوله: ﴿وَوَجَدَكَ ضَآلاًّ فَهَدَىٰ﴾ [الضحى: ٧] والقول الأول أولى بالصواب والله أعلم. * * ثم قال: ﴿لَّقَدْ كُنتَ فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَـٰذَا فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَآءَكَ فَبَصَرُكَ ٱلْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾. أي: لقد كنت أيها الإنسان في غفلة في الدنيا عما يراد بك وعما يحصى عليك إذ لم تعاينه، فكشفنا عنك الغطاء الآن فنظرت إلى الأهوال والشدائد فزالت الغفلة. قال ابن عباس: هذا للكافر خاصة، لأن المؤمن قد آمن بجميع ما يقدم عليه فلم يكن عليه غطاء، وكذلك قال مجاهد وسفيان. وقال ابن زيد هو للنبي ﷺ خاصة أي: كنت مع القوم في جاهليتهم فهديناك إلى الإسلام، وأعلمناك ما يراد بك فكشفنا عنك الغطاء الذي كان عليك في الجاهلية. وقد احتج زيد بن أسلم في هذه الآيات أنها للنبي ﷺ ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوَىٰ * وَوَجَدَكَ ضَآلاًّ فَهَدَىٰ﴾ [الضحى: ٦-٧] فيكون الكشف على قوله في الدنيا، وعلى قول ابن عباس ومجاهد وسفيان يوم القيامة. وقيل: بل هذا لجميع الخلق، البر والفاجر، لأن المعاينة ليست كالخبر. وعن ابن عباس: ﴿فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَآءَكَ﴾ قال: هو الحياة بعد الموت. * * ثم قال: ﴿فَبَصَرُكَ ٱلْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾. أي: فأنت اليوم حاد النظر، عالم بما كنت تخبر به علم معاينة لا علم خبر. والبصر هنا يراد به بصر القلب، كما يقال: فلان بصير بالفقه.

ق 50:23

قوله: ﴿وَقَالَ قَرِينُهُ هَـٰذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ﴾ إلى قوله: ﴿وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ الآيات. أي: وقال قرين هذا الإنسان الذي جاء به ربه يوم القيامة ومعه سائق وشهيد: هذا ما عندي حاضر مما كتبت عليه. قال ابن زيد: هو سائق الذي وكل به. قال قتادة قرينه: الملك. وقيل قرينه: شيطانه. وقيل معنى عتيد: معد. وقيل معناه: قال قرين الكافر هذا ما عندي من العذاب له حاضر. [وقيل معناه: قال قرينه من زبانية جهنم هذا ما عندي من العذاب حاضر]. * * ثم قال: ﴿أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ﴾. قال الفراء والكسائي: "أَلْقِيَا" مخاطبة للقرين. قال الفراء: والعرب تخاطب الواحد مخاطبة الاثنين، فتقول: "يا رجل قوما". وأنشد: ؎ خَلِيلَيَّ مُرَّا بِي عَلَى أُمِّ جُنْدُبٍ ∗∗∗ [لِنَقْضِي لُبَانَاتِ] الفُؤادِ المُعَذَّبِ وإنما خاطب واحداً، واستدل على ذلك بقوله في القصيدة: ؎ أَلَمْ تَرَيَانِي كُلَّمَا جئتُ طارقاً ∗∗∗ وجدتُ بها طِيباً وإن لم تَطِبِ وقيل: إنما ثني (ألقيا)، لأن قريناً يقع للجماعة والاثنين كقوله: ﴿وَالْمَلاَئِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾ [التحريم: ٤]، وكقوله: ﴿عَنِ ٱلْيَمِينِ وَعَنِ ٱلشِّمَالِ قَعِيدٌ﴾ [ق: ١٧]، على قول من رأى ذلك، وقد تقدم ذكره. وقيل: إنما قال ألقيا على شرط تكرير الفعل كأنه قال: أَلْقِ، أَلْقِ، فالألف تدل على التكرير ، وهو قول المبرد. وقيل: هو مخاطبة للملكين، السائق والشهيد، والعنيد: المعاند للحق المجانب له. وقيل العنيد: الجاحد للتوحيد. * * وقوله: ﴿مَّنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُّرِيبٍ﴾. قال قتادة: مناع للخير: أي: للزكاة المفروضة. معتد: متعد على حدود الله، مريب: شاك في الله وفي قدرته. وقيل مريب: يأتي الأمور القبيحة. وقيل الخير هنا: المال، يمنع أن يخرجه في حقه، معتد: متعد على الناس بلسانه وبطشه ظلماً. مريب: شاك. ثم بينه تعالى فقال: ﴿ٱلَّذِي جَعَلَ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهاً آخَرَ﴾ أي: هو الذي أشرك بالله غيره فجعل معه إلهاً آخر يعبده. ثم قال : ﴿قَالَ قرِينُهُ رَبَّنَا مَآ أَطْغَيْتُهُ وَلَـٰكِن كَانَ فِي ضَلاَلٍ بَعِيدٍ﴾. أي: قال قرين هذا الكافر الذي عبد مع الله غيره، وقرينه شيطانه، قاله ابن عباس وغيره. قال ابن زيد: قال قرينه من الجن ربنا ما أطغيته، تبرأ منه، والمعنى أنه تبرأ من كفره، وقال ما أجبرته على الكفر، إنما دعوته فاستجاب لي، لأنه كان على طريق جائر عن الصواب، فأعلم الله عز وجل عباده بتبري بعضهم من بعض يوم القيامة، وقد مضى ذلك في مواضع. * * ثم قال تعالى: ﴿قَالَ لاَ تَخْتَصِمُواْ لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُم بِٱلْوَعِيدِ﴾. (أي: قال لهما عز وجل) لا تختصما إِليَّ اليوم وقد قدمت إليكم في الدنيا بالوعيد على الكفر على لسان رسلي وكتبي. قال ابن عباس: اعتذروا بغير عذر فأبطل الله حجتهم ورد عليهم قولهم، وإنما قال لهم "لا تختصموا" ولم يتقدم إلاَّ ذكرُ الاثنين؛ لأن قبله الأخبار عن جماعة في قوله: ﴿كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ﴾، وفي قوله: ﴿وَجَآءَتْ كُلُّ نَفْسٍ﴾ [ق: ٢١]، وبعده خطاب للجماعة في قوله: ﴿وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُم﴾. فالمراد كل من اختصم مع قرينه، فهم جماعة ليس المراد به اثنين فقط، بل كل كافر اختصم مع قرينه، ويجوز أن يكون جمع تختصموا؛ لأن الاثنين جماعة والأول أبين. * * ثم قال: ﴿مَا يُبَدَّلُ ٱلْقَوْلُ لَدَيَّ﴾ أي: ما يغير القول الذي قلته لكم في الدنيا، وهو قوله: ﴿لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [هود: ١١٨]. قال مجاهد معناه قد قضيت ما أنا قاض. وقيل: معناه قد قضيت الحسنة بعشر أمثالها والسيئة بمثلها. * * ثم قال ﴿وَمَآ أَنَاْ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ﴾ أي: لا آخد أحداً بجرم أحد. * * ثم قال ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ ٱمْتَلأَتِ وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ﴾ أي: يوم يقول لجهنم هل أمتلئت لما سبق من وعيده في قوله: ﴿لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [هود: ١١٨] وذلك يوم القيامة. وقوله: ﴿وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ﴾. قال ابن عباس: إن الله قد سبقت كلمته لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين، فلما بعث الناس يوم القيامة، وسيق أعداء الله إلى النار زمراً، جعلوا يقتحمون في جهنم فوجاً، لا يلقى في جهنم فوج إلا ذهب فيها لا يملؤها شيء فقالت: ألست [قد] أقسمت لتملأني من الجنة والناس أجمعين، قال: فوضع قدمه عليها، فقالت حين وضع قدمه عليها: [قد امتلأتُ فليس من مزيد ولم يكن يملؤها شيء حتى وجدت مس ما وضع عليها] فتضايقت حين جعل عليها ما جعل فامتلأت فما فيها موضع إبرة. قال مجاهد: وتقول هل من مزيد، قال: وعدها ليملأنها فقال هلا وفيتك (قالت وهل من مسلك)، فمعنى ﴿هَلْ مِن مَّزِيدٍ﴾ ما من مزيد على هذين القولين. وحكي عن النبي ﷺ أنه قيل له بمكة: ألاّ تنزل داراً من دورك فقال: "وهل ترك لنا عقيل من دار" أي: ما ترك لنا داراً حين باعها وقت. الهجرة فالتقدير: هل فيّ من مسلك (وقد امتلأت). فلا زيادة فيّ. وقال أنس بن مالك: يلقي في جهنم وتقول هل من مزيد؛ أي: زدني ثلاثا، حتى يضع قدمه فيها فتنزوي بعضها إلى بعض فتقول: قط ثلاثاً، وهو قول ابن زيد. فمعنى ﴿هَلْ مِن مَّزِيدٍ﴾ على هذين القولين: زدني، تسأله أن يزيد فيها من الخلق، وعلى. القولين الأولين: لا مزيد فيّ قد امتلأت، فلا موضع لأحد في وقد روي عن النبي ﷺ أنه قال: "لا تَزَالُ جَهَنَّمَ تَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ فَيَقُومُ رَبّ العَالَمِين فَيَجْعَلَ قَدَمَهُ فِيها فَتَقُول قَط قط ومعنى قدمه: أي: من تقدم في علمه أنه يدخله النار، ومنه قوله تعالى ﴿وَبَشِّرِ ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَبِّهِمْ﴾ [يونس: ٢] [أي] سابقة خير. ومن روى الحديث "حَتَّى يَضَعَ الجَبَّارَ فِيها قَدَمه"احتمل التفسير الأول، أي: حتى يضع لها من تقدم في علمنه أنه يدخل النار، ويحتمل أن يكون المعنى: حتى يضع الجبارون المتكبرون على الله فيها أقدامهم بأجمعهم، والواحد يدل على الجمع. وقال أبو هريرة: "اخْتَصَمَت الجَنَّة وَالنَّار، فَقَالَتْ: الجَنّة مَا لِي إِنَّمَا يَدْخُلُنِي فُقَرَاء المُسْلِمين وَسقاطهم، وقالت النار: ما لي إنما يدخلني الجبارون والمتكبرون". فقال تعالى ذكره: أنت رحمتي أصيب بك من أشاء [وأنت عذابي أصيب به من أشاء] ولكل واحدة منكما ملؤها، فأما الجنة فإن الله ينشئ لها من خلقه ما شاء، وأما النار فيلقون فيها فتقول هل من مزيد ويلقون فيها فتقول هل من مزيد، حتى يضع فيها قدمه، فهناك تملأ وتنزوي بعضها إلى بعض وتقول: قط قط. * * ثم قال: ﴿وَأُزْلِفَتِ ٱلْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ﴾ أي: أدنيت الجنة وقربت للذين آتقوا ربهم. * * ثم قال ﴿هَـٰذَا مَا تُوعَدُونَ﴾ أي: يقال لهم هذا الذي كنتم توعدونه أيها المتقون. ﴿لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ﴾ أي: لكل راجع عن معصية الله عز وجل تائب من ذنوبه. وقيل هو المسبِّح، قال أبن عباس، قال: لكل أواب: لكل مسبِّح، وهو قول مجاهد. وعن مجاهد أنه قال هو الذي يذكر ذنوبه في الخلا، فيستغفر منها، وكذا روى عن الشعبي. (وقال الحسن: الأواب: الرجل معلق قلبه عند الله). وقال قتادة لكل أواب حفيظ: أي: لكل مطيع لله عز وجل، كثير الصلاة. وقال ابن زيد الأواب الثواب. قال ابن عباس حفيظ: أي: حفظ ذنوبه حتى تاب منها. وقيل: معناه حفيظ على فرائض الله، أي: محافظ عليها. وقال قتادة: حفيظ: ما استودعه الله عز وجل من حقه ونعمته. * * ثم قال: ﴿مَّنْ خَشِيَ ٱلرَّحْمَـٰنَ﴾ "من" بدل من "أواب" أو من "كل"، والمعنى: من خاف الرحمن في الدنيا وخشي عذابه. ﴿وَجَآءَ بِقَلْبٍ مُّنِيبٍ﴾ قال قتادة: بقلب منيب إلى ربه؛ أي: راجع إلى رضا ربه. قال فضيل: المنيب: الذي يذكر ذنوبه في الخلا ويستغفر منها. * * ثم قال ﴿ٱدْخُلُوهَا بِسَلاَمٍ ذَلِكَ﴾ أي: ادخلوا الجنة بسلامة وبأمان من الهم والنصب والعذاب والموت وجميع المكاره والأحزان. * * ثم قال ﴿ذَلِكَ يَوْمُ ٱلُخُلُودِ﴾ أي: ذلك اليوم الذي يدخلون فيه الجنة هو يوم المكث في النعيم المقيم. * * ثم قال ﴿لَهُم مَّا يَشَآءُونَ فِيهَا﴾ أي: لهم في الجنة ما تشتهيه أنفسهم. ﴿وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ أي: وعندنا ما أعطيناهم زيادة، قيل: هو النظر إلى الله جل ذكره. وقيل بل يزادون ما لم يخطر على قلوبهم. وروى أنس بن مالك عن النبي ﷺ أنه قال: النظر إلى الله في كل يوم، وذكر حديثا طويلا.

ق 50:24

قوله: ﴿وَقَالَ قَرِينُهُ هَـٰذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ﴾ إلى قوله: ﴿وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ الآيات. أي: وقال قرين هذا الإنسان الذي جاء به ربه يوم القيامة ومعه سائق وشهيد: هذا ما عندي حاضر مما كتبت عليه. قال ابن زيد: هو سائق الذي وكل به. قال قتادة قرينه: الملك. وقيل قرينه: شيطانه. وقيل معنى عتيد: معد. وقيل معناه: قال قرين الكافر هذا ما عندي من العذاب له حاضر. [وقيل معناه: قال قرينه من زبانية جهنم هذا ما عندي من العذاب حاضر]. * * ثم قال: ﴿أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ﴾. قال الفراء والكسائي: "أَلْقِيَا" مخاطبة للقرين. قال الفراء: والعرب تخاطب الواحد مخاطبة الاثنين، فتقول: "يا رجل قوما". وأنشد: ؎ خَلِيلَيَّ مُرَّا بِي عَلَى أُمِّ جُنْدُبٍ ∗∗∗ [لِنَقْضِي لُبَانَاتِ] الفُؤادِ المُعَذَّبِ وإنما خاطب واحداً، واستدل على ذلك بقوله في القصيدة: ؎ أَلَمْ تَرَيَانِي كُلَّمَا جئتُ طارقاً ∗∗∗ وجدتُ بها طِيباً وإن لم تَطِبِ وقيل: إنما ثني (ألقيا)، لأن قريناً يقع للجماعة والاثنين كقوله: ﴿وَالْمَلاَئِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾ [التحريم: ٤]، وكقوله: ﴿عَنِ ٱلْيَمِينِ وَعَنِ ٱلشِّمَالِ قَعِيدٌ﴾ [ق: ١٧]، على قول من رأى ذلك، وقد تقدم ذكره. وقيل: إنما قال ألقيا على شرط تكرير الفعل كأنه قال: أَلْقِ، أَلْقِ، فالألف تدل على التكرير ، وهو قول المبرد. وقيل: هو مخاطبة للملكين، السائق والشهيد، والعنيد: المعاند للحق المجانب له. وقيل العنيد: الجاحد للتوحيد. * * وقوله: ﴿مَّنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُّرِيبٍ﴾. قال قتادة: مناع للخير: أي: للزكاة المفروضة. معتد: متعد على حدود الله، مريب: شاك في الله وفي قدرته. وقيل مريب: يأتي الأمور القبيحة. وقيل الخير هنا: المال، يمنع أن يخرجه في حقه، معتد: متعد على الناس بلسانه وبطشه ظلماً. مريب: شاك. ثم بينه تعالى فقال: ﴿ٱلَّذِي جَعَلَ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهاً آخَرَ﴾ أي: هو الذي أشرك بالله غيره فجعل معه إلهاً آخر يعبده. ثم قال : ﴿قَالَ قرِينُهُ رَبَّنَا مَآ أَطْغَيْتُهُ وَلَـٰكِن كَانَ فِي ضَلاَلٍ بَعِيدٍ﴾. أي: قال قرين هذا الكافر الذي عبد مع الله غيره، وقرينه شيطانه، قاله ابن عباس وغيره. قال ابن زيد: قال قرينه من الجن ربنا ما أطغيته، تبرأ منه، والمعنى أنه تبرأ من كفره، وقال ما أجبرته على الكفر، إنما دعوته فاستجاب لي، لأنه كان على طريق جائر عن الصواب، فأعلم الله عز وجل عباده بتبري بعضهم من بعض يوم القيامة، وقد مضى ذلك في مواضع. * * ثم قال تعالى: ﴿قَالَ لاَ تَخْتَصِمُواْ لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُم بِٱلْوَعِيدِ﴾. (أي: قال لهما عز وجل) لا تختصما إِليَّ اليوم وقد قدمت إليكم في الدنيا بالوعيد على الكفر على لسان رسلي وكتبي. قال ابن عباس: اعتذروا بغير عذر فأبطل الله حجتهم ورد عليهم قولهم، وإنما قال لهم "لا تختصموا" ولم يتقدم إلاَّ ذكرُ الاثنين؛ لأن قبله الأخبار عن جماعة في قوله: ﴿كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ﴾، وفي قوله: ﴿وَجَآءَتْ كُلُّ نَفْسٍ﴾ [ق: ٢١]، وبعده خطاب للجماعة في قوله: ﴿وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُم﴾. فالمراد كل من اختصم مع قرينه، فهم جماعة ليس المراد به اثنين فقط، بل كل كافر اختصم مع قرينه، ويجوز أن يكون جمع تختصموا؛ لأن الاثنين جماعة والأول أبين. * * ثم قال: ﴿مَا يُبَدَّلُ ٱلْقَوْلُ لَدَيَّ﴾ أي: ما يغير القول الذي قلته لكم في الدنيا، وهو قوله: ﴿لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [هود: ١١٨]. قال مجاهد معناه قد قضيت ما أنا قاض. وقيل: معناه قد قضيت الحسنة بعشر أمثالها والسيئة بمثلها. * * ثم قال ﴿وَمَآ أَنَاْ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ﴾ أي: لا آخد أحداً بجرم أحد. * * ثم قال ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ ٱمْتَلأَتِ وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ﴾ أي: يوم يقول لجهنم هل أمتلئت لما سبق من وعيده في قوله: ﴿لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [هود: ١١٨] وذلك يوم القيامة. وقوله: ﴿وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ﴾. قال ابن عباس: إن الله قد سبقت كلمته لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين، فلما بعث الناس يوم القيامة، وسيق أعداء الله إلى النار زمراً، جعلوا يقتحمون في جهنم فوجاً، لا يلقى في جهنم فوج إلا ذهب فيها لا يملؤها شيء فقالت: ألست [قد] أقسمت لتملأني من الجنة والناس أجمعين، قال: فوضع قدمه عليها، فقالت حين وضع قدمه عليها: [قد امتلأتُ فليس من مزيد ولم يكن يملؤها شيء حتى وجدت مس ما وضع عليها] فتضايقت حين جعل عليها ما جعل فامتلأت فما فيها موضع إبرة. قال مجاهد: وتقول هل من مزيد، قال: وعدها ليملأنها فقال هلا وفيتك (قالت وهل من مسلك)، فمعنى ﴿هَلْ مِن مَّزِيدٍ﴾ ما من مزيد على هذين القولين. وحكي عن النبي ﷺ أنه قيل له بمكة: ألاّ تنزل داراً من دورك فقال: "وهل ترك لنا عقيل من دار" أي: ما ترك لنا داراً حين باعها وقت. الهجرة فالتقدير: هل فيّ من مسلك (وقد امتلأت). فلا زيادة فيّ. وقال أنس بن مالك: يلقي في جهنم وتقول هل من مزيد؛ أي: زدني ثلاثا، حتى يضع قدمه فيها فتنزوي بعضها إلى بعض فتقول: قط ثلاثاً، وهو قول ابن زيد. فمعنى ﴿هَلْ مِن مَّزِيدٍ﴾ على هذين القولين: زدني، تسأله أن يزيد فيها من الخلق، وعلى. القولين الأولين: لا مزيد فيّ قد امتلأت، فلا موضع لأحد في وقد روي عن النبي ﷺ أنه قال: "لا تَزَالُ جَهَنَّمَ تَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ فَيَقُومُ رَبّ العَالَمِين فَيَجْعَلَ قَدَمَهُ فِيها فَتَقُول قَط قط ومعنى قدمه: أي: من تقدم في علمه أنه يدخله النار، ومنه قوله تعالى ﴿وَبَشِّرِ ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَبِّهِمْ﴾ [يونس: ٢] [أي] سابقة خير. ومن روى الحديث "حَتَّى يَضَعَ الجَبَّارَ فِيها قَدَمه"احتمل التفسير الأول، أي: حتى يضع لها من تقدم في علمنه أنه يدخل النار، ويحتمل أن يكون المعنى: حتى يضع الجبارون المتكبرون على الله فيها أقدامهم بأجمعهم، والواحد يدل على الجمع. وقال أبو هريرة: "اخْتَصَمَت الجَنَّة وَالنَّار، فَقَالَتْ: الجَنّة مَا لِي إِنَّمَا يَدْخُلُنِي فُقَرَاء المُسْلِمين وَسقاطهم، وقالت النار: ما لي إنما يدخلني الجبارون والمتكبرون". فقال تعالى ذكره: أنت رحمتي أصيب بك من أشاء [وأنت عذابي أصيب به من أشاء] ولكل واحدة منكما ملؤها، فأما الجنة فإن الله ينشئ لها من خلقه ما شاء، وأما النار فيلقون فيها فتقول هل من مزيد ويلقون فيها فتقول هل من مزيد، حتى يضع فيها قدمه، فهناك تملأ وتنزوي بعضها إلى بعض وتقول: قط قط. * * ثم قال: ﴿وَأُزْلِفَتِ ٱلْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ﴾ أي: أدنيت الجنة وقربت للذين آتقوا ربهم. * * ثم قال ﴿هَـٰذَا مَا تُوعَدُونَ﴾ أي: يقال لهم هذا الذي كنتم توعدونه أيها المتقون. ﴿لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ﴾ أي: لكل راجع عن معصية الله عز وجل تائب من ذنوبه. وقيل هو المسبِّح، قال أبن عباس، قال: لكل أواب: لكل مسبِّح، وهو قول مجاهد. وعن مجاهد أنه قال هو الذي يذكر ذنوبه في الخلا، فيستغفر منها، وكذا روى عن الشعبي. (وقال الحسن: الأواب: الرجل معلق قلبه عند الله). وقال قتادة لكل أواب حفيظ: أي: لكل مطيع لله عز وجل، كثير الصلاة. وقال ابن زيد الأواب الثواب. قال ابن عباس حفيظ: أي: حفظ ذنوبه حتى تاب منها. وقيل: معناه حفيظ على فرائض الله، أي: محافظ عليها. وقال قتادة: حفيظ: ما استودعه الله عز وجل من حقه ونعمته. * * ثم قال: ﴿مَّنْ خَشِيَ ٱلرَّحْمَـٰنَ﴾ "من" بدل من "أواب" أو من "كل"، والمعنى: من خاف الرحمن في الدنيا وخشي عذابه. ﴿وَجَآءَ بِقَلْبٍ مُّنِيبٍ﴾ قال قتادة: بقلب منيب إلى ربه؛ أي: راجع إلى رضا ربه. قال فضيل: المنيب: الذي يذكر ذنوبه في الخلا ويستغفر منها. * * ثم قال ﴿ٱدْخُلُوهَا بِسَلاَمٍ ذَلِكَ﴾ أي: ادخلوا الجنة بسلامة وبأمان من الهم والنصب والعذاب والموت وجميع المكاره والأحزان. * * ثم قال ﴿ذَلِكَ يَوْمُ ٱلُخُلُودِ﴾ أي: ذلك اليوم الذي يدخلون فيه الجنة هو يوم المكث في النعيم المقيم. * * ثم قال ﴿لَهُم مَّا يَشَآءُونَ فِيهَا﴾ أي: لهم في الجنة ما تشتهيه أنفسهم. ﴿وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ أي: وعندنا ما أعطيناهم زيادة، قيل: هو النظر إلى الله جل ذكره. وقيل بل يزادون ما لم يخطر على قلوبهم. وروى أنس بن مالك عن النبي ﷺ أنه قال: النظر إلى الله في كل يوم، وذكر حديثا طويلا.

ق 50:25

قوله: ﴿وَقَالَ قَرِينُهُ هَـٰذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ﴾ إلى قوله: ﴿وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ الآيات. أي: وقال قرين هذا الإنسان الذي جاء به ربه يوم القيامة ومعه سائق وشهيد: هذا ما عندي حاضر مما كتبت عليه. قال ابن زيد: هو سائق الذي وكل به. قال قتادة قرينه: الملك. وقيل قرينه: شيطانه. وقيل معنى عتيد: معد. وقيل معناه: قال قرين الكافر هذا ما عندي من العذاب له حاضر. [وقيل معناه: قال قرينه من زبانية جهنم هذا ما عندي من العذاب حاضر]. * * ثم قال: ﴿أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ﴾. قال الفراء والكسائي: "أَلْقِيَا" مخاطبة للقرين. قال الفراء: والعرب تخاطب الواحد مخاطبة الاثنين، فتقول: "يا رجل قوما". وأنشد: ؎ خَلِيلَيَّ مُرَّا بِي عَلَى أُمِّ جُنْدُبٍ ∗∗∗ [لِنَقْضِي لُبَانَاتِ] الفُؤادِ المُعَذَّبِ وإنما خاطب واحداً، واستدل على ذلك بقوله في القصيدة: ؎ أَلَمْ تَرَيَانِي كُلَّمَا جئتُ طارقاً ∗∗∗ وجدتُ بها طِيباً وإن لم تَطِبِ وقيل: إنما ثني (ألقيا)، لأن قريناً يقع للجماعة والاثنين كقوله: ﴿وَالْمَلاَئِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾ [التحريم: ٤]، وكقوله: ﴿عَنِ ٱلْيَمِينِ وَعَنِ ٱلشِّمَالِ قَعِيدٌ﴾ [ق: ١٧]، على قول من رأى ذلك، وقد تقدم ذكره. وقيل: إنما قال ألقيا على شرط تكرير الفعل كأنه قال: أَلْقِ، أَلْقِ، فالألف تدل على التكرير ، وهو قول المبرد. وقيل: هو مخاطبة للملكين، السائق والشهيد، والعنيد: المعاند للحق المجانب له. وقيل العنيد: الجاحد للتوحيد. * * وقوله: ﴿مَّنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُّرِيبٍ﴾. قال قتادة: مناع للخير: أي: للزكاة المفروضة. معتد: متعد على حدود الله، مريب: شاك في الله وفي قدرته. وقيل مريب: يأتي الأمور القبيحة. وقيل الخير هنا: المال، يمنع أن يخرجه في حقه، معتد: متعد على الناس بلسانه وبطشه ظلماً. مريب: شاك. ثم بينه تعالى فقال: ﴿ٱلَّذِي جَعَلَ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهاً آخَرَ﴾ أي: هو الذي أشرك بالله غيره فجعل معه إلهاً آخر يعبده. ثم قال : ﴿قَالَ قرِينُهُ رَبَّنَا مَآ أَطْغَيْتُهُ وَلَـٰكِن كَانَ فِي ضَلاَلٍ بَعِيدٍ﴾. أي: قال قرين هذا الكافر الذي عبد مع الله غيره، وقرينه شيطانه، قاله ابن عباس وغيره. قال ابن زيد: قال قرينه من الجن ربنا ما أطغيته، تبرأ منه، والمعنى أنه تبرأ من كفره، وقال ما أجبرته على الكفر، إنما دعوته فاستجاب لي، لأنه كان على طريق جائر عن الصواب، فأعلم الله عز وجل عباده بتبري بعضهم من بعض يوم القيامة، وقد مضى ذلك في مواضع. * * ثم قال تعالى: ﴿قَالَ لاَ تَخْتَصِمُواْ لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُم بِٱلْوَعِيدِ﴾. (أي: قال لهما عز وجل) لا تختصما إِليَّ اليوم وقد قدمت إليكم في الدنيا بالوعيد على الكفر على لسان رسلي وكتبي. قال ابن عباس: اعتذروا بغير عذر فأبطل الله حجتهم ورد عليهم قولهم، وإنما قال لهم "لا تختصموا" ولم يتقدم إلاَّ ذكرُ الاثنين؛ لأن قبله الأخبار عن جماعة في قوله: ﴿كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ﴾، وفي قوله: ﴿وَجَآءَتْ كُلُّ نَفْسٍ﴾ [ق: ٢١]، وبعده خطاب للجماعة في قوله: ﴿وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُم﴾. فالمراد كل من اختصم مع قرينه، فهم جماعة ليس المراد به اثنين فقط، بل كل كافر اختصم مع قرينه، ويجوز أن يكون جمع تختصموا؛ لأن الاثنين جماعة والأول أبين. * * ثم قال: ﴿مَا يُبَدَّلُ ٱلْقَوْلُ لَدَيَّ﴾ أي: ما يغير القول الذي قلته لكم في الدنيا، وهو قوله: ﴿لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [هود: ١١٨]. قال مجاهد معناه قد قضيت ما أنا قاض. وقيل: معناه قد قضيت الحسنة بعشر أمثالها والسيئة بمثلها. * * ثم قال ﴿وَمَآ أَنَاْ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ﴾ أي: لا آخد أحداً بجرم أحد. * * ثم قال ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ ٱمْتَلأَتِ وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ﴾ أي: يوم يقول لجهنم هل أمتلئت لما سبق من وعيده في قوله: ﴿لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [هود: ١١٨] وذلك يوم القيامة. وقوله: ﴿وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ﴾. قال ابن عباس: إن الله قد سبقت كلمته لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين، فلما بعث الناس يوم القيامة، وسيق أعداء الله إلى النار زمراً، جعلوا يقتحمون في جهنم فوجاً، لا يلقى في جهنم فوج إلا ذهب فيها لا يملؤها شيء فقالت: ألست [قد] أقسمت لتملأني من الجنة والناس أجمعين، قال: فوضع قدمه عليها، فقالت حين وضع قدمه عليها: [قد امتلأتُ فليس من مزيد ولم يكن يملؤها شيء حتى وجدت مس ما وضع عليها] فتضايقت حين جعل عليها ما جعل فامتلأت فما فيها موضع إبرة. قال مجاهد: وتقول هل من مزيد، قال: وعدها ليملأنها فقال هلا وفيتك (قالت وهل من مسلك)، فمعنى ﴿هَلْ مِن مَّزِيدٍ﴾ ما من مزيد على هذين القولين. وحكي عن النبي ﷺ أنه قيل له بمكة: ألاّ تنزل داراً من دورك فقال: "وهل ترك لنا عقيل من دار" أي: ما ترك لنا داراً حين باعها وقت. الهجرة فالتقدير: هل فيّ من مسلك (وقد امتلأت). فلا زيادة فيّ. وقال أنس بن مالك: يلقي في جهنم وتقول هل من مزيد؛ أي: زدني ثلاثا، حتى يضع قدمه فيها فتنزوي بعضها إلى بعض فتقول: قط ثلاثاً، وهو قول ابن زيد. فمعنى ﴿هَلْ مِن مَّزِيدٍ﴾ على هذين القولين: زدني، تسأله أن يزيد فيها من الخلق، وعلى. القولين الأولين: لا مزيد فيّ قد امتلأت، فلا موضع لأحد في وقد روي عن النبي ﷺ أنه قال: "لا تَزَالُ جَهَنَّمَ تَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ فَيَقُومُ رَبّ العَالَمِين فَيَجْعَلَ قَدَمَهُ فِيها فَتَقُول قَط قط ومعنى قدمه: أي: من تقدم في علمه أنه يدخله النار، ومنه قوله تعالى ﴿وَبَشِّرِ ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَبِّهِمْ﴾ [يونس: ٢] [أي] سابقة خير. ومن روى الحديث "حَتَّى يَضَعَ الجَبَّارَ فِيها قَدَمه"احتمل التفسير الأول، أي: حتى يضع لها من تقدم في علمنه أنه يدخل النار، ويحتمل أن يكون المعنى: حتى يضع الجبارون المتكبرون على الله فيها أقدامهم بأجمعهم، والواحد يدل على الجمع. وقال أبو هريرة: "اخْتَصَمَت الجَنَّة وَالنَّار، فَقَالَتْ: الجَنّة مَا لِي إِنَّمَا يَدْخُلُنِي فُقَرَاء المُسْلِمين وَسقاطهم، وقالت النار: ما لي إنما يدخلني الجبارون والمتكبرون". فقال تعالى ذكره: أنت رحمتي أصيب بك من أشاء [وأنت عذابي أصيب به من أشاء] ولكل واحدة منكما ملؤها، فأما الجنة فإن الله ينشئ لها من خلقه ما شاء، وأما النار فيلقون فيها فتقول هل من مزيد ويلقون فيها فتقول هل من مزيد، حتى يضع فيها قدمه، فهناك تملأ وتنزوي بعضها إلى بعض وتقول: قط قط. * * ثم قال: ﴿وَأُزْلِفَتِ ٱلْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ﴾ أي: أدنيت الجنة وقربت للذين آتقوا ربهم. * * ثم قال ﴿هَـٰذَا مَا تُوعَدُونَ﴾ أي: يقال لهم هذا الذي كنتم توعدونه أيها المتقون. ﴿لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ﴾ أي: لكل راجع عن معصية الله عز وجل تائب من ذنوبه. وقيل هو المسبِّح، قال أبن عباس، قال: لكل أواب: لكل مسبِّح، وهو قول مجاهد. وعن مجاهد أنه قال هو الذي يذكر ذنوبه في الخلا، فيستغفر منها، وكذا روى عن الشعبي. (وقال الحسن: الأواب: الرجل معلق قلبه عند الله). وقال قتادة لكل أواب حفيظ: أي: لكل مطيع لله عز وجل، كثير الصلاة. وقال ابن زيد الأواب الثواب. قال ابن عباس حفيظ: أي: حفظ ذنوبه حتى تاب منها. وقيل: معناه حفيظ على فرائض الله، أي: محافظ عليها. وقال قتادة: حفيظ: ما استودعه الله عز وجل من حقه ونعمته. * * ثم قال: ﴿مَّنْ خَشِيَ ٱلرَّحْمَـٰنَ﴾ "من" بدل من "أواب" أو من "كل"، والمعنى: من خاف الرحمن في الدنيا وخشي عذابه. ﴿وَجَآءَ بِقَلْبٍ مُّنِيبٍ﴾ قال قتادة: بقلب منيب إلى ربه؛ أي: راجع إلى رضا ربه. قال فضيل: المنيب: الذي يذكر ذنوبه في الخلا ويستغفر منها. * * ثم قال ﴿ٱدْخُلُوهَا بِسَلاَمٍ ذَلِكَ﴾ أي: ادخلوا الجنة بسلامة وبأمان من الهم والنصب والعذاب والموت وجميع المكاره والأحزان. * * ثم قال ﴿ذَلِكَ يَوْمُ ٱلُخُلُودِ﴾ أي: ذلك اليوم الذي يدخلون فيه الجنة هو يوم المكث في النعيم المقيم. * * ثم قال ﴿لَهُم مَّا يَشَآءُونَ فِيهَا﴾ أي: لهم في الجنة ما تشتهيه أنفسهم. ﴿وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ أي: وعندنا ما أعطيناهم زيادة، قيل: هو النظر إلى الله جل ذكره. وقيل بل يزادون ما لم يخطر على قلوبهم. وروى أنس بن مالك عن النبي ﷺ أنه قال: النظر إلى الله في كل يوم، وذكر حديثا طويلا.

ق 50:26

قوله: ﴿وَقَالَ قَرِينُهُ هَـٰذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ﴾ إلى قوله: ﴿وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ الآيات. أي: وقال قرين هذا الإنسان الذي جاء به ربه يوم القيامة ومعه سائق وشهيد: هذا ما عندي حاضر مما كتبت عليه. قال ابن زيد: هو سائق الذي وكل به. قال قتادة قرينه: الملك. وقيل قرينه: شيطانه. وقيل معنى عتيد: معد. وقيل معناه: قال قرين الكافر هذا ما عندي من العذاب له حاضر. [وقيل معناه: قال قرينه من زبانية جهنم هذا ما عندي من العذاب حاضر]. * * ثم قال: ﴿أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ﴾. قال الفراء والكسائي: "أَلْقِيَا" مخاطبة للقرين. قال الفراء: والعرب تخاطب الواحد مخاطبة الاثنين، فتقول: "يا رجل قوما". وأنشد: ؎ خَلِيلَيَّ مُرَّا بِي عَلَى أُمِّ جُنْدُبٍ ∗∗∗ [لِنَقْضِي لُبَانَاتِ] الفُؤادِ المُعَذَّبِ وإنما خاطب واحداً، واستدل على ذلك بقوله في القصيدة: ؎ أَلَمْ تَرَيَانِي كُلَّمَا جئتُ طارقاً ∗∗∗ وجدتُ بها طِيباً وإن لم تَطِبِ وقيل: إنما ثني (ألقيا)، لأن قريناً يقع للجماعة والاثنين كقوله: ﴿وَالْمَلاَئِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾ [التحريم: ٤]، وكقوله: ﴿عَنِ ٱلْيَمِينِ وَعَنِ ٱلشِّمَالِ قَعِيدٌ﴾ [ق: ١٧]، على قول من رأى ذلك، وقد تقدم ذكره. وقيل: إنما قال ألقيا على شرط تكرير الفعل كأنه قال: أَلْقِ، أَلْقِ، فالألف تدل على التكرير ، وهو قول المبرد. وقيل: هو مخاطبة للملكين، السائق والشهيد، والعنيد: المعاند للحق المجانب له. وقيل العنيد: الجاحد للتوحيد. * * وقوله: ﴿مَّنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُّرِيبٍ﴾. قال قتادة: مناع للخير: أي: للزكاة المفروضة. معتد: متعد على حدود الله، مريب: شاك في الله وفي قدرته. وقيل مريب: يأتي الأمور القبيحة. وقيل الخير هنا: المال، يمنع أن يخرجه في حقه، معتد: متعد على الناس بلسانه وبطشه ظلماً. مريب: شاك. ثم بينه تعالى فقال: ﴿ٱلَّذِي جَعَلَ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهاً آخَرَ﴾ أي: هو الذي أشرك بالله غيره فجعل معه إلهاً آخر يعبده. ثم قال : ﴿قَالَ قرِينُهُ رَبَّنَا مَآ أَطْغَيْتُهُ وَلَـٰكِن كَانَ فِي ضَلاَلٍ بَعِيدٍ﴾. أي: قال قرين هذا الكافر الذي عبد مع الله غيره، وقرينه شيطانه، قاله ابن عباس وغيره. قال ابن زيد: قال قرينه من الجن ربنا ما أطغيته، تبرأ منه، والمعنى أنه تبرأ من كفره، وقال ما أجبرته على الكفر، إنما دعوته فاستجاب لي، لأنه كان على طريق جائر عن الصواب، فأعلم الله عز وجل عباده بتبري بعضهم من بعض يوم القيامة، وقد مضى ذلك في مواضع. * * ثم قال تعالى: ﴿قَالَ لاَ تَخْتَصِمُواْ لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُم بِٱلْوَعِيدِ﴾. (أي: قال لهما عز وجل) لا تختصما إِليَّ اليوم وقد قدمت إليكم في الدنيا بالوعيد على الكفر على لسان رسلي وكتبي. قال ابن عباس: اعتذروا بغير عذر فأبطل الله حجتهم ورد عليهم قولهم، وإنما قال لهم "لا تختصموا" ولم يتقدم إلاَّ ذكرُ الاثنين؛ لأن قبله الأخبار عن جماعة في قوله: ﴿كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ﴾، وفي قوله: ﴿وَجَآءَتْ كُلُّ نَفْسٍ﴾ [ق: ٢١]، وبعده خطاب للجماعة في قوله: ﴿وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُم﴾. فالمراد كل من اختصم مع قرينه، فهم جماعة ليس المراد به اثنين فقط، بل كل كافر اختصم مع قرينه، ويجوز أن يكون جمع تختصموا؛ لأن الاثنين جماعة والأول أبين. * * ثم قال: ﴿مَا يُبَدَّلُ ٱلْقَوْلُ لَدَيَّ﴾ أي: ما يغير القول الذي قلته لكم في الدنيا، وهو قوله: ﴿لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [هود: ١١٨]. قال مجاهد معناه قد قضيت ما أنا قاض. وقيل: معناه قد قضيت الحسنة بعشر أمثالها والسيئة بمثلها. * * ثم قال ﴿وَمَآ أَنَاْ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ﴾ أي: لا آخد أحداً بجرم أحد. * * ثم قال ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ ٱمْتَلأَتِ وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ﴾ أي: يوم يقول لجهنم هل أمتلئت لما سبق من وعيده في قوله: ﴿لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [هود: ١١٨] وذلك يوم القيامة. وقوله: ﴿وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ﴾. قال ابن عباس: إن الله قد سبقت كلمته لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين، فلما بعث الناس يوم القيامة، وسيق أعداء الله إلى النار زمراً، جعلوا يقتحمون في جهنم فوجاً، لا يلقى في جهنم فوج إلا ذهب فيها لا يملؤها شيء فقالت: ألست [قد] أقسمت لتملأني من الجنة والناس أجمعين، قال: فوضع قدمه عليها، فقالت حين وضع قدمه عليها: [قد امتلأتُ فليس من مزيد ولم يكن يملؤها شيء حتى وجدت مس ما وضع عليها] فتضايقت حين جعل عليها ما جعل فامتلأت فما فيها موضع إبرة. قال مجاهد: وتقول هل من مزيد، قال: وعدها ليملأنها فقال هلا وفيتك (قالت وهل من مسلك)، فمعنى ﴿هَلْ مِن مَّزِيدٍ﴾ ما من مزيد على هذين القولين. وحكي عن النبي ﷺ أنه قيل له بمكة: ألاّ تنزل داراً من دورك فقال: "وهل ترك لنا عقيل من دار" أي: ما ترك لنا داراً حين باعها وقت. الهجرة فالتقدير: هل فيّ من مسلك (وقد امتلأت). فلا زيادة فيّ. وقال أنس بن مالك: يلقي في جهنم وتقول هل من مزيد؛ أي: زدني ثلاثا، حتى يضع قدمه فيها فتنزوي بعضها إلى بعض فتقول: قط ثلاثاً، وهو قول ابن زيد. فمعنى ﴿هَلْ مِن مَّزِيدٍ﴾ على هذين القولين: زدني، تسأله أن يزيد فيها من الخلق، وعلى. القولين الأولين: لا مزيد فيّ قد امتلأت، فلا موضع لأحد في وقد روي عن النبي ﷺ أنه قال: "لا تَزَالُ جَهَنَّمَ تَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ فَيَقُومُ رَبّ العَالَمِين فَيَجْعَلَ قَدَمَهُ فِيها فَتَقُول قَط قط ومعنى قدمه: أي: من تقدم في علمه أنه يدخله النار، ومنه قوله تعالى ﴿وَبَشِّرِ ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَبِّهِمْ﴾ [يونس: ٢] [أي] سابقة خير. ومن روى الحديث "حَتَّى يَضَعَ الجَبَّارَ فِيها قَدَمه"احتمل التفسير الأول، أي: حتى يضع لها من تقدم في علمنه أنه يدخل النار، ويحتمل أن يكون المعنى: حتى يضع الجبارون المتكبرون على الله فيها أقدامهم بأجمعهم، والواحد يدل على الجمع. وقال أبو هريرة: "اخْتَصَمَت الجَنَّة وَالنَّار، فَقَالَتْ: الجَنّة مَا لِي إِنَّمَا يَدْخُلُنِي فُقَرَاء المُسْلِمين وَسقاطهم، وقالت النار: ما لي إنما يدخلني الجبارون والمتكبرون". فقال تعالى ذكره: أنت رحمتي أصيب بك من أشاء [وأنت عذابي أصيب به من أشاء] ولكل واحدة منكما ملؤها، فأما الجنة فإن الله ينشئ لها من خلقه ما شاء، وأما النار فيلقون فيها فتقول هل من مزيد ويلقون فيها فتقول هل من مزيد، حتى يضع فيها قدمه، فهناك تملأ وتنزوي بعضها إلى بعض وتقول: قط قط. * * ثم قال: ﴿وَأُزْلِفَتِ ٱلْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ﴾ أي: أدنيت الجنة وقربت للذين آتقوا ربهم. * * ثم قال ﴿هَـٰذَا مَا تُوعَدُونَ﴾ أي: يقال لهم هذا الذي كنتم توعدونه أيها المتقون. ﴿لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ﴾ أي: لكل راجع عن معصية الله عز وجل تائب من ذنوبه. وقيل هو المسبِّح، قال أبن عباس، قال: لكل أواب: لكل مسبِّح، وهو قول مجاهد. وعن مجاهد أنه قال هو الذي يذكر ذنوبه في الخلا، فيستغفر منها، وكذا روى عن الشعبي. (وقال الحسن: الأواب: الرجل معلق قلبه عند الله). وقال قتادة لكل أواب حفيظ: أي: لكل مطيع لله عز وجل، كثير الصلاة. وقال ابن زيد الأواب الثواب. قال ابن عباس حفيظ: أي: حفظ ذنوبه حتى تاب منها. وقيل: معناه حفيظ على فرائض الله، أي: محافظ عليها. وقال قتادة: حفيظ: ما استودعه الله عز وجل من حقه ونعمته. * * ثم قال: ﴿مَّنْ خَشِيَ ٱلرَّحْمَـٰنَ﴾ "من" بدل من "أواب" أو من "كل"، والمعنى: من خاف الرحمن في الدنيا وخشي عذابه. ﴿وَجَآءَ بِقَلْبٍ مُّنِيبٍ﴾ قال قتادة: بقلب منيب إلى ربه؛ أي: راجع إلى رضا ربه. قال فضيل: المنيب: الذي يذكر ذنوبه في الخلا ويستغفر منها. * * ثم قال ﴿ٱدْخُلُوهَا بِسَلاَمٍ ذَلِكَ﴾ أي: ادخلوا الجنة بسلامة وبأمان من الهم والنصب والعذاب والموت وجميع المكاره والأحزان. * * ثم قال ﴿ذَلِكَ يَوْمُ ٱلُخُلُودِ﴾ أي: ذلك اليوم الذي يدخلون فيه الجنة هو يوم المكث في النعيم المقيم. * * ثم قال ﴿لَهُم مَّا يَشَآءُونَ فِيهَا﴾ أي: لهم في الجنة ما تشتهيه أنفسهم. ﴿وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ أي: وعندنا ما أعطيناهم زيادة، قيل: هو النظر إلى الله جل ذكره. وقيل بل يزادون ما لم يخطر على قلوبهم. وروى أنس بن مالك عن النبي ﷺ أنه قال: النظر إلى الله في كل يوم، وذكر حديثا طويلا.

ق 50:27

قوله: ﴿وَقَالَ قَرِينُهُ هَـٰذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ﴾ إلى قوله: ﴿وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ الآيات. أي: وقال قرين هذا الإنسان الذي جاء به ربه يوم القيامة ومعه سائق وشهيد: هذا ما عندي حاضر مما كتبت عليه. قال ابن زيد: هو سائق الذي وكل به. قال قتادة قرينه: الملك. وقيل قرينه: شيطانه. وقيل معنى عتيد: معد. وقيل معناه: قال قرين الكافر هذا ما عندي من العذاب له حاضر. [وقيل معناه: قال قرينه من زبانية جهنم هذا ما عندي من العذاب حاضر]. * * ثم قال: ﴿أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ﴾. قال الفراء والكسائي: "أَلْقِيَا" مخاطبة للقرين. قال الفراء: والعرب تخاطب الواحد مخاطبة الاثنين، فتقول: "يا رجل قوما". وأنشد: ؎ خَلِيلَيَّ مُرَّا بِي عَلَى أُمِّ جُنْدُبٍ ∗∗∗ [لِنَقْضِي لُبَانَاتِ] الفُؤادِ المُعَذَّبِ وإنما خاطب واحداً، واستدل على ذلك بقوله في القصيدة: ؎ أَلَمْ تَرَيَانِي كُلَّمَا جئتُ طارقاً ∗∗∗ وجدتُ بها طِيباً وإن لم تَطِبِ وقيل: إنما ثني (ألقيا)، لأن قريناً يقع للجماعة والاثنين كقوله: ﴿وَالْمَلاَئِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾ [التحريم: ٤]، وكقوله: ﴿عَنِ ٱلْيَمِينِ وَعَنِ ٱلشِّمَالِ قَعِيدٌ﴾ [ق: ١٧]، على قول من رأى ذلك، وقد تقدم ذكره. وقيل: إنما قال ألقيا على شرط تكرير الفعل كأنه قال: أَلْقِ، أَلْقِ، فالألف تدل على التكرير ، وهو قول المبرد. وقيل: هو مخاطبة للملكين، السائق والشهيد، والعنيد: المعاند للحق المجانب له. وقيل العنيد: الجاحد للتوحيد. * * وقوله: ﴿مَّنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُّرِيبٍ﴾. قال قتادة: مناع للخير: أي: للزكاة المفروضة. معتد: متعد على حدود الله، مريب: شاك في الله وفي قدرته. وقيل مريب: يأتي الأمور القبيحة. وقيل الخير هنا: المال، يمنع أن يخرجه في حقه، معتد: متعد على الناس بلسانه وبطشه ظلماً. مريب: شاك. ثم بينه تعالى فقال: ﴿ٱلَّذِي جَعَلَ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهاً آخَرَ﴾ أي: هو الذي أشرك بالله غيره فجعل معه إلهاً آخر يعبده. ثم قال : ﴿قَالَ قرِينُهُ رَبَّنَا مَآ أَطْغَيْتُهُ وَلَـٰكِن كَانَ فِي ضَلاَلٍ بَعِيدٍ﴾. أي: قال قرين هذا الكافر الذي عبد مع الله غيره، وقرينه شيطانه، قاله ابن عباس وغيره. قال ابن زيد: قال قرينه من الجن ربنا ما أطغيته، تبرأ منه، والمعنى أنه تبرأ من كفره، وقال ما أجبرته على الكفر، إنما دعوته فاستجاب لي، لأنه كان على طريق جائر عن الصواب، فأعلم الله عز وجل عباده بتبري بعضهم من بعض يوم القيامة، وقد مضى ذلك في مواضع. * * ثم قال تعالى: ﴿قَالَ لاَ تَخْتَصِمُواْ لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُم بِٱلْوَعِيدِ﴾. (أي: قال لهما عز وجل) لا تختصما إِليَّ اليوم وقد قدمت إليكم في الدنيا بالوعيد على الكفر على لسان رسلي وكتبي. قال ابن عباس: اعتذروا بغير عذر فأبطل الله حجتهم ورد عليهم قولهم، وإنما قال لهم "لا تختصموا" ولم يتقدم إلاَّ ذكرُ الاثنين؛ لأن قبله الأخبار عن جماعة في قوله: ﴿كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ﴾، وفي قوله: ﴿وَجَآءَتْ كُلُّ نَفْسٍ﴾ [ق: ٢١]، وبعده خطاب للجماعة في قوله: ﴿وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُم﴾. فالمراد كل من اختصم مع قرينه، فهم جماعة ليس المراد به اثنين فقط، بل كل كافر اختصم مع قرينه، ويجوز أن يكون جمع تختصموا؛ لأن الاثنين جماعة والأول أبين. * * ثم قال: ﴿مَا يُبَدَّلُ ٱلْقَوْلُ لَدَيَّ﴾ أي: ما يغير القول الذي قلته لكم في الدنيا، وهو قوله: ﴿لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [هود: ١١٨]. قال مجاهد معناه قد قضيت ما أنا قاض. وقيل: معناه قد قضيت الحسنة بعشر أمثالها والسيئة بمثلها. * * ثم قال ﴿وَمَآ أَنَاْ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ﴾ أي: لا آخد أحداً بجرم أحد. * * ثم قال ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ ٱمْتَلأَتِ وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ﴾ أي: يوم يقول لجهنم هل أمتلئت لما سبق من وعيده في قوله: ﴿لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [هود: ١١٨] وذلك يوم القيامة. وقوله: ﴿وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ﴾. قال ابن عباس: إن الله قد سبقت كلمته لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين، فلما بعث الناس يوم القيامة، وسيق أعداء الله إلى النار زمراً، جعلوا يقتحمون في جهنم فوجاً، لا يلقى في جهنم فوج إلا ذهب فيها لا يملؤها شيء فقالت: ألست [قد] أقسمت لتملأني من الجنة والناس أجمعين، قال: فوضع قدمه عليها، فقالت حين وضع قدمه عليها: [قد امتلأتُ فليس من مزيد ولم يكن يملؤها شيء حتى وجدت مس ما وضع عليها] فتضايقت حين جعل عليها ما جعل فامتلأت فما فيها موضع إبرة. قال مجاهد: وتقول هل من مزيد، قال: وعدها ليملأنها فقال هلا وفيتك (قالت وهل من مسلك)، فمعنى ﴿هَلْ مِن مَّزِيدٍ﴾ ما من مزيد على هذين القولين. وحكي عن النبي ﷺ أنه قيل له بمكة: ألاّ تنزل داراً من دورك فقال: "وهل ترك لنا عقيل من دار" أي: ما ترك لنا داراً حين باعها وقت. الهجرة فالتقدير: هل فيّ من مسلك (وقد امتلأت). فلا زيادة فيّ. وقال أنس بن مالك: يلقي في جهنم وتقول هل من مزيد؛ أي: زدني ثلاثا، حتى يضع قدمه فيها فتنزوي بعضها إلى بعض فتقول: قط ثلاثاً، وهو قول ابن زيد. فمعنى ﴿هَلْ مِن مَّزِيدٍ﴾ على هذين القولين: زدني، تسأله أن يزيد فيها من الخلق، وعلى. القولين الأولين: لا مزيد فيّ قد امتلأت، فلا موضع لأحد في وقد روي عن النبي ﷺ أنه قال: "لا تَزَالُ جَهَنَّمَ تَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ فَيَقُومُ رَبّ العَالَمِين فَيَجْعَلَ قَدَمَهُ فِيها فَتَقُول قَط قط ومعنى قدمه: أي: من تقدم في علمه أنه يدخله النار، ومنه قوله تعالى ﴿وَبَشِّرِ ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَبِّهِمْ﴾ [يونس: ٢] [أي] سابقة خير. ومن روى الحديث "حَتَّى يَضَعَ الجَبَّارَ فِيها قَدَمه"احتمل التفسير الأول، أي: حتى يضع لها من تقدم في علمنه أنه يدخل النار، ويحتمل أن يكون المعنى: حتى يضع الجبارون المتكبرون على الله فيها أقدامهم بأجمعهم، والواحد يدل على الجمع. وقال أبو هريرة: "اخْتَصَمَت الجَنَّة وَالنَّار، فَقَالَتْ: الجَنّة مَا لِي إِنَّمَا يَدْخُلُنِي فُقَرَاء المُسْلِمين وَسقاطهم، وقالت النار: ما لي إنما يدخلني الجبارون والمتكبرون". فقال تعالى ذكره: أنت رحمتي أصيب بك من أشاء [وأنت عذابي أصيب به من أشاء] ولكل واحدة منكما ملؤها، فأما الجنة فإن الله ينشئ لها من خلقه ما شاء، وأما النار فيلقون فيها فتقول هل من مزيد ويلقون فيها فتقول هل من مزيد، حتى يضع فيها قدمه، فهناك تملأ وتنزوي بعضها إلى بعض وتقول: قط قط. * * ثم قال: ﴿وَأُزْلِفَتِ ٱلْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ﴾ أي: أدنيت الجنة وقربت للذين آتقوا ربهم. * * ثم قال ﴿هَـٰذَا مَا تُوعَدُونَ﴾ أي: يقال لهم هذا الذي كنتم توعدونه أيها المتقون. ﴿لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ﴾ أي: لكل راجع عن معصية الله عز وجل تائب من ذنوبه. وقيل هو المسبِّح، قال أبن عباس، قال: لكل أواب: لكل مسبِّح، وهو قول مجاهد. وعن مجاهد أنه قال هو الذي يذكر ذنوبه في الخلا، فيستغفر منها، وكذا روى عن الشعبي. (وقال الحسن: الأواب: الرجل معلق قلبه عند الله). وقال قتادة لكل أواب حفيظ: أي: لكل مطيع لله عز وجل، كثير الصلاة. وقال ابن زيد الأواب الثواب. قال ابن عباس حفيظ: أي: حفظ ذنوبه حتى تاب منها. وقيل: معناه حفيظ على فرائض الله، أي: محافظ عليها. وقال قتادة: حفيظ: ما استودعه الله عز وجل من حقه ونعمته. * * ثم قال: ﴿مَّنْ خَشِيَ ٱلرَّحْمَـٰنَ﴾ "من" بدل من "أواب" أو من "كل"، والمعنى: من خاف الرحمن في الدنيا وخشي عذابه. ﴿وَجَآءَ بِقَلْبٍ مُّنِيبٍ﴾ قال قتادة: بقلب منيب إلى ربه؛ أي: راجع إلى رضا ربه. قال فضيل: المنيب: الذي يذكر ذنوبه في الخلا ويستغفر منها. * * ثم قال ﴿ٱدْخُلُوهَا بِسَلاَمٍ ذَلِكَ﴾ أي: ادخلوا الجنة بسلامة وبأمان من الهم والنصب والعذاب والموت وجميع المكاره والأحزان. * * ثم قال ﴿ذَلِكَ يَوْمُ ٱلُخُلُودِ﴾ أي: ذلك اليوم الذي يدخلون فيه الجنة هو يوم المكث في النعيم المقيم. * * ثم قال ﴿لَهُم مَّا يَشَآءُونَ فِيهَا﴾ أي: لهم في الجنة ما تشتهيه أنفسهم. ﴿وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ أي: وعندنا ما أعطيناهم زيادة، قيل: هو النظر إلى الله جل ذكره. وقيل بل يزادون ما لم يخطر على قلوبهم. وروى أنس بن مالك عن النبي ﷺ أنه قال: النظر إلى الله في كل يوم، وذكر حديثا طويلا.

ق 50:28

قوله: ﴿وَقَالَ قَرِينُهُ هَـٰذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ﴾ إلى قوله: ﴿وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ الآيات. أي: وقال قرين هذا الإنسان الذي جاء به ربه يوم القيامة ومعه سائق وشهيد: هذا ما عندي حاضر مما كتبت عليه. قال ابن زيد: هو سائق الذي وكل به. قال قتادة قرينه: الملك. وقيل قرينه: شيطانه. وقيل معنى عتيد: معد. وقيل معناه: قال قرين الكافر هذا ما عندي من العذاب له حاضر. [وقيل معناه: قال قرينه من زبانية جهنم هذا ما عندي من العذاب حاضر]. * * ثم قال: ﴿أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ﴾. قال الفراء والكسائي: "أَلْقِيَا" مخاطبة للقرين. قال الفراء: والعرب تخاطب الواحد مخاطبة الاثنين، فتقول: "يا رجل قوما". وأنشد: ؎ خَلِيلَيَّ مُرَّا بِي عَلَى أُمِّ جُنْدُبٍ ∗∗∗ [لِنَقْضِي لُبَانَاتِ] الفُؤادِ المُعَذَّبِ وإنما خاطب واحداً، واستدل على ذلك بقوله في القصيدة: ؎ أَلَمْ تَرَيَانِي كُلَّمَا جئتُ طارقاً ∗∗∗ وجدتُ بها طِيباً وإن لم تَطِبِ وقيل: إنما ثني (ألقيا)، لأن قريناً يقع للجماعة والاثنين كقوله: ﴿وَالْمَلاَئِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾ [التحريم: ٤]، وكقوله: ﴿عَنِ ٱلْيَمِينِ وَعَنِ ٱلشِّمَالِ قَعِيدٌ﴾ [ق: ١٧]، على قول من رأى ذلك، وقد تقدم ذكره. وقيل: إنما قال ألقيا على شرط تكرير الفعل كأنه قال: أَلْقِ، أَلْقِ، فالألف تدل على التكرير ، وهو قول المبرد. وقيل: هو مخاطبة للملكين، السائق والشهيد، والعنيد: المعاند للحق المجانب له. وقيل العنيد: الجاحد للتوحيد. * * وقوله: ﴿مَّنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُّرِيبٍ﴾. قال قتادة: مناع للخير: أي: للزكاة المفروضة. معتد: متعد على حدود الله، مريب: شاك في الله وفي قدرته. وقيل مريب: يأتي الأمور القبيحة. وقيل الخير هنا: المال، يمنع أن يخرجه في حقه، معتد: متعد على الناس بلسانه وبطشه ظلماً. مريب: شاك. ثم بينه تعالى فقال: ﴿ٱلَّذِي جَعَلَ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهاً آخَرَ﴾ أي: هو الذي أشرك بالله غيره فجعل معه إلهاً آخر يعبده. ثم قال : ﴿قَالَ قرِينُهُ رَبَّنَا مَآ أَطْغَيْتُهُ وَلَـٰكِن كَانَ فِي ضَلاَلٍ بَعِيدٍ﴾. أي: قال قرين هذا الكافر الذي عبد مع الله غيره، وقرينه شيطانه، قاله ابن عباس وغيره. قال ابن زيد: قال قرينه من الجن ربنا ما أطغيته، تبرأ منه، والمعنى أنه تبرأ من كفره، وقال ما أجبرته على الكفر، إنما دعوته فاستجاب لي، لأنه كان على طريق جائر عن الصواب، فأعلم الله عز وجل عباده بتبري بعضهم من بعض يوم القيامة، وقد مضى ذلك في مواضع. * * ثم قال تعالى: ﴿قَالَ لاَ تَخْتَصِمُواْ لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُم بِٱلْوَعِيدِ﴾. (أي: قال لهما عز وجل) لا تختصما إِليَّ اليوم وقد قدمت إليكم في الدنيا بالوعيد على الكفر على لسان رسلي وكتبي. قال ابن عباس: اعتذروا بغير عذر فأبطل الله حجتهم ورد عليهم قولهم، وإنما قال لهم "لا تختصموا" ولم يتقدم إلاَّ ذكرُ الاثنين؛ لأن قبله الأخبار عن جماعة في قوله: ﴿كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ﴾، وفي قوله: ﴿وَجَآءَتْ كُلُّ نَفْسٍ﴾ [ق: ٢١]، وبعده خطاب للجماعة في قوله: ﴿وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُم﴾. فالمراد كل من اختصم مع قرينه، فهم جماعة ليس المراد به اثنين فقط، بل كل كافر اختصم مع قرينه، ويجوز أن يكون جمع تختصموا؛ لأن الاثنين جماعة والأول أبين. * * ثم قال: ﴿مَا يُبَدَّلُ ٱلْقَوْلُ لَدَيَّ﴾ أي: ما يغير القول الذي قلته لكم في الدنيا، وهو قوله: ﴿لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [هود: ١١٨]. قال مجاهد معناه قد قضيت ما أنا قاض. وقيل: معناه قد قضيت الحسنة بعشر أمثالها والسيئة بمثلها. * * ثم قال ﴿وَمَآ أَنَاْ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ﴾ أي: لا آخد أحداً بجرم أحد. * * ثم قال ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ ٱمْتَلأَتِ وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ﴾ أي: يوم يقول لجهنم هل أمتلئت لما سبق من وعيده في قوله: ﴿لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [هود: ١١٨] وذلك يوم القيامة. وقوله: ﴿وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ﴾. قال ابن عباس: إن الله قد سبقت كلمته لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين، فلما بعث الناس يوم القيامة، وسيق أعداء الله إلى النار زمراً، جعلوا يقتحمون في جهنم فوجاً، لا يلقى في جهنم فوج إلا ذهب فيها لا يملؤها شيء فقالت: ألست [قد] أقسمت لتملأني من الجنة والناس أجمعين، قال: فوضع قدمه عليها، فقالت حين وضع قدمه عليها: [قد امتلأتُ فليس من مزيد ولم يكن يملؤها شيء حتى وجدت مس ما وضع عليها] فتضايقت حين جعل عليها ما جعل فامتلأت فما فيها موضع إبرة. قال مجاهد: وتقول هل من مزيد، قال: وعدها ليملأنها فقال هلا وفيتك (قالت وهل من مسلك)، فمعنى ﴿هَلْ مِن مَّزِيدٍ﴾ ما من مزيد على هذين القولين. وحكي عن النبي ﷺ أنه قيل له بمكة: ألاّ تنزل داراً من دورك فقال: "وهل ترك لنا عقيل من دار" أي: ما ترك لنا داراً حين باعها وقت. الهجرة فالتقدير: هل فيّ من مسلك (وقد امتلأت). فلا زيادة فيّ. وقال أنس بن مالك: يلقي في جهنم وتقول هل من مزيد؛ أي: زدني ثلاثا، حتى يضع قدمه فيها فتنزوي بعضها إلى بعض فتقول: قط ثلاثاً، وهو قول ابن زيد. فمعنى ﴿هَلْ مِن مَّزِيدٍ﴾ على هذين القولين: زدني، تسأله أن يزيد فيها من الخلق، وعلى. القولين الأولين: لا مزيد فيّ قد امتلأت، فلا موضع لأحد في وقد روي عن النبي ﷺ أنه قال: "لا تَزَالُ جَهَنَّمَ تَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ فَيَقُومُ رَبّ العَالَمِين فَيَجْعَلَ قَدَمَهُ فِيها فَتَقُول قَط قط ومعنى قدمه: أي: من تقدم في علمه أنه يدخله النار، ومنه قوله تعالى ﴿وَبَشِّرِ ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَبِّهِمْ﴾ [يونس: ٢] [أي] سابقة خير. ومن روى الحديث "حَتَّى يَضَعَ الجَبَّارَ فِيها قَدَمه"احتمل التفسير الأول، أي: حتى يضع لها من تقدم في علمنه أنه يدخل النار، ويحتمل أن يكون المعنى: حتى يضع الجبارون المتكبرون على الله فيها أقدامهم بأجمعهم، والواحد يدل على الجمع. وقال أبو هريرة: "اخْتَصَمَت الجَنَّة وَالنَّار، فَقَالَتْ: الجَنّة مَا لِي إِنَّمَا يَدْخُلُنِي فُقَرَاء المُسْلِمين وَسقاطهم، وقالت النار: ما لي إنما يدخلني الجبارون والمتكبرون". فقال تعالى ذكره: أنت رحمتي أصيب بك من أشاء [وأنت عذابي أصيب به من أشاء] ولكل واحدة منكما ملؤها، فأما الجنة فإن الله ينشئ لها من خلقه ما شاء، وأما النار فيلقون فيها فتقول هل من مزيد ويلقون فيها فتقول هل من مزيد، حتى يضع فيها قدمه، فهناك تملأ وتنزوي بعضها إلى بعض وتقول: قط قط. * * ثم قال: ﴿وَأُزْلِفَتِ ٱلْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ﴾ أي: أدنيت الجنة وقربت للذين آتقوا ربهم. * * ثم قال ﴿هَـٰذَا مَا تُوعَدُونَ﴾ أي: يقال لهم هذا الذي كنتم توعدونه أيها المتقون. ﴿لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ﴾ أي: لكل راجع عن معصية الله عز وجل تائب من ذنوبه. وقيل هو المسبِّح، قال أبن عباس، قال: لكل أواب: لكل مسبِّح، وهو قول مجاهد. وعن مجاهد أنه قال هو الذي يذكر ذنوبه في الخلا، فيستغفر منها، وكذا روى عن الشعبي. (وقال الحسن: الأواب: الرجل معلق قلبه عند الله). وقال قتادة لكل أواب حفيظ: أي: لكل مطيع لله عز وجل، كثير الصلاة. وقال ابن زيد الأواب الثواب. قال ابن عباس حفيظ: أي: حفظ ذنوبه حتى تاب منها. وقيل: معناه حفيظ على فرائض الله، أي: محافظ عليها. وقال قتادة: حفيظ: ما استودعه الله عز وجل من حقه ونعمته. * * ثم قال: ﴿مَّنْ خَشِيَ ٱلرَّحْمَـٰنَ﴾ "من" بدل من "أواب" أو من "كل"، والمعنى: من خاف الرحمن في الدنيا وخشي عذابه. ﴿وَجَآءَ بِقَلْبٍ مُّنِيبٍ﴾ قال قتادة: بقلب منيب إلى ربه؛ أي: راجع إلى رضا ربه. قال فضيل: المنيب: الذي يذكر ذنوبه في الخلا ويستغفر منها. * * ثم قال ﴿ٱدْخُلُوهَا بِسَلاَمٍ ذَلِكَ﴾ أي: ادخلوا الجنة بسلامة وبأمان من الهم والنصب والعذاب والموت وجميع المكاره والأحزان. * * ثم قال ﴿ذَلِكَ يَوْمُ ٱلُخُلُودِ﴾ أي: ذلك اليوم الذي يدخلون فيه الجنة هو يوم المكث في النعيم المقيم. * * ثم قال ﴿لَهُم مَّا يَشَآءُونَ فِيهَا﴾ أي: لهم في الجنة ما تشتهيه أنفسهم. ﴿وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ أي: وعندنا ما أعطيناهم زيادة، قيل: هو النظر إلى الله جل ذكره. وقيل بل يزادون ما لم يخطر على قلوبهم. وروى أنس بن مالك عن النبي ﷺ أنه قال: النظر إلى الله في كل يوم، وذكر حديثا طويلا.

ق 50:29

قوله: ﴿وَقَالَ قَرِينُهُ هَـٰذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ﴾ إلى قوله: ﴿وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ الآيات. أي: وقال قرين هذا الإنسان الذي جاء به ربه يوم القيامة ومعه سائق وشهيد: هذا ما عندي حاضر مما كتبت عليه. قال ابن زيد: هو سائق الذي وكل به. قال قتادة قرينه: الملك. وقيل قرينه: شيطانه. وقيل معنى عتيد: معد. وقيل معناه: قال قرين الكافر هذا ما عندي من العذاب له حاضر. [وقيل معناه: قال قرينه من زبانية جهنم هذا ما عندي من العذاب حاضر]. * * ثم قال: ﴿أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ﴾. قال الفراء والكسائي: "أَلْقِيَا" مخاطبة للقرين. قال الفراء: والعرب تخاطب الواحد مخاطبة الاثنين، فتقول: "يا رجل قوما". وأنشد: ؎ خَلِيلَيَّ مُرَّا بِي عَلَى أُمِّ جُنْدُبٍ ∗∗∗ [لِنَقْضِي لُبَانَاتِ] الفُؤادِ المُعَذَّبِ وإنما خاطب واحداً، واستدل على ذلك بقوله في القصيدة: ؎ أَلَمْ تَرَيَانِي كُلَّمَا جئتُ طارقاً ∗∗∗ وجدتُ بها طِيباً وإن لم تَطِبِ وقيل: إنما ثني (ألقيا)، لأن قريناً يقع للجماعة والاثنين كقوله: ﴿وَالْمَلاَئِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾ [التحريم: ٤]، وكقوله: ﴿عَنِ ٱلْيَمِينِ وَعَنِ ٱلشِّمَالِ قَعِيدٌ﴾ [ق: ١٧]، على قول من رأى ذلك، وقد تقدم ذكره. وقيل: إنما قال ألقيا على شرط تكرير الفعل كأنه قال: أَلْقِ، أَلْقِ، فالألف تدل على التكرير ، وهو قول المبرد. وقيل: هو مخاطبة للملكين، السائق والشهيد، والعنيد: المعاند للحق المجانب له. وقيل العنيد: الجاحد للتوحيد. * * وقوله: ﴿مَّنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُّرِيبٍ﴾. قال قتادة: مناع للخير: أي: للزكاة المفروضة. معتد: متعد على حدود الله، مريب: شاك في الله وفي قدرته. وقيل مريب: يأتي الأمور القبيحة. وقيل الخير هنا: المال، يمنع أن يخرجه في حقه، معتد: متعد على الناس بلسانه وبطشه ظلماً. مريب: شاك. ثم بينه تعالى فقال: ﴿ٱلَّذِي جَعَلَ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهاً آخَرَ﴾ أي: هو الذي أشرك بالله غيره فجعل معه إلهاً آخر يعبده. ثم قال : ﴿قَالَ قرِينُهُ رَبَّنَا مَآ أَطْغَيْتُهُ وَلَـٰكِن كَانَ فِي ضَلاَلٍ بَعِيدٍ﴾. أي: قال قرين هذا الكافر الذي عبد مع الله غيره، وقرينه شيطانه، قاله ابن عباس وغيره. قال ابن زيد: قال قرينه من الجن ربنا ما أطغيته، تبرأ منه، والمعنى أنه تبرأ من كفره، وقال ما أجبرته على الكفر، إنما دعوته فاستجاب لي، لأنه كان على طريق جائر عن الصواب، فأعلم الله عز وجل عباده بتبري بعضهم من بعض يوم القيامة، وقد مضى ذلك في مواضع. * * ثم قال تعالى: ﴿قَالَ لاَ تَخْتَصِمُواْ لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُم بِٱلْوَعِيدِ﴾. (أي: قال لهما عز وجل) لا تختصما إِليَّ اليوم وقد قدمت إليكم في الدنيا بالوعيد على الكفر على لسان رسلي وكتبي. قال ابن عباس: اعتذروا بغير عذر فأبطل الله حجتهم ورد عليهم قولهم، وإنما قال لهم "لا تختصموا" ولم يتقدم إلاَّ ذكرُ الاثنين؛ لأن قبله الأخبار عن جماعة في قوله: ﴿كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ﴾، وفي قوله: ﴿وَجَآءَتْ كُلُّ نَفْسٍ﴾ [ق: ٢١]، وبعده خطاب للجماعة في قوله: ﴿وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُم﴾. فالمراد كل من اختصم مع قرينه، فهم جماعة ليس المراد به اثنين فقط، بل كل كافر اختصم مع قرينه، ويجوز أن يكون جمع تختصموا؛ لأن الاثنين جماعة والأول أبين. * * ثم قال: ﴿مَا يُبَدَّلُ ٱلْقَوْلُ لَدَيَّ﴾ أي: ما يغير القول الذي قلته لكم في الدنيا، وهو قوله: ﴿لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [هود: ١١٨]. قال مجاهد معناه قد قضيت ما أنا قاض. وقيل: معناه قد قضيت الحسنة بعشر أمثالها والسيئة بمثلها. * * ثم قال ﴿وَمَآ أَنَاْ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ﴾ أي: لا آخد أحداً بجرم أحد. * * ثم قال ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ ٱمْتَلأَتِ وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ﴾ أي: يوم يقول لجهنم هل أمتلئت لما سبق من وعيده في قوله: ﴿لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [هود: ١١٨] وذلك يوم القيامة. وقوله: ﴿وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ﴾. قال ابن عباس: إن الله قد سبقت كلمته لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين، فلما بعث الناس يوم القيامة، وسيق أعداء الله إلى النار زمراً، جعلوا يقتحمون في جهنم فوجاً، لا يلقى في جهنم فوج إلا ذهب فيها لا يملؤها شيء فقالت: ألست [قد] أقسمت لتملأني من الجنة والناس أجمعين، قال: فوضع قدمه عليها، فقالت حين وضع قدمه عليها: [قد امتلأتُ فليس من مزيد ولم يكن يملؤها شيء حتى وجدت مس ما وضع عليها] فتضايقت حين جعل عليها ما جعل فامتلأت فما فيها موضع إبرة. قال مجاهد: وتقول هل من مزيد، قال: وعدها ليملأنها فقال هلا وفيتك (قالت وهل من مسلك)، فمعنى ﴿هَلْ مِن مَّزِيدٍ﴾ ما من مزيد على هذين القولين. وحكي عن النبي ﷺ أنه قيل له بمكة: ألاّ تنزل داراً من دورك فقال: "وهل ترك لنا عقيل من دار" أي: ما ترك لنا داراً حين باعها وقت. الهجرة فالتقدير: هل فيّ من مسلك (وقد امتلأت). فلا زيادة فيّ. وقال أنس بن مالك: يلقي في جهنم وتقول هل من مزيد؛ أي: زدني ثلاثا، حتى يضع قدمه فيها فتنزوي بعضها إلى بعض فتقول: قط ثلاثاً، وهو قول ابن زيد. فمعنى ﴿هَلْ مِن مَّزِيدٍ﴾ على هذين القولين: زدني، تسأله أن يزيد فيها من الخلق، وعلى. القولين الأولين: لا مزيد فيّ قد امتلأت، فلا موضع لأحد في وقد روي عن النبي ﷺ أنه قال: "لا تَزَالُ جَهَنَّمَ تَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ فَيَقُومُ رَبّ العَالَمِين فَيَجْعَلَ قَدَمَهُ فِيها فَتَقُول قَط قط ومعنى قدمه: أي: من تقدم في علمه أنه يدخله النار، ومنه قوله تعالى ﴿وَبَشِّرِ ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَبِّهِمْ﴾ [يونس: ٢] [أي] سابقة خير. ومن روى الحديث "حَتَّى يَضَعَ الجَبَّارَ فِيها قَدَمه"احتمل التفسير الأول، أي: حتى يضع لها من تقدم في علمنه أنه يدخل النار، ويحتمل أن يكون المعنى: حتى يضع الجبارون المتكبرون على الله فيها أقدامهم بأجمعهم، والواحد يدل على الجمع. وقال أبو هريرة: "اخْتَصَمَت الجَنَّة وَالنَّار، فَقَالَتْ: الجَنّة مَا لِي إِنَّمَا يَدْخُلُنِي فُقَرَاء المُسْلِمين وَسقاطهم، وقالت النار: ما لي إنما يدخلني الجبارون والمتكبرون". فقال تعالى ذكره: أنت رحمتي أصيب بك من أشاء [وأنت عذابي أصيب به من أشاء] ولكل واحدة منكما ملؤها، فأما الجنة فإن الله ينشئ لها من خلقه ما شاء، وأما النار فيلقون فيها فتقول هل من مزيد ويلقون فيها فتقول هل من مزيد، حتى يضع فيها قدمه، فهناك تملأ وتنزوي بعضها إلى بعض وتقول: قط قط. * * ثم قال: ﴿وَأُزْلِفَتِ ٱلْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ﴾ أي: أدنيت الجنة وقربت للذين آتقوا ربهم. * * ثم قال ﴿هَـٰذَا مَا تُوعَدُونَ﴾ أي: يقال لهم هذا الذي كنتم توعدونه أيها المتقون. ﴿لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ﴾ أي: لكل راجع عن معصية الله عز وجل تائب من ذنوبه. وقيل هو المسبِّح، قال أبن عباس، قال: لكل أواب: لكل مسبِّح، وهو قول مجاهد. وعن مجاهد أنه قال هو الذي يذكر ذنوبه في الخلا، فيستغفر منها، وكذا روى عن الشعبي. (وقال الحسن: الأواب: الرجل معلق قلبه عند الله). وقال قتادة لكل أواب حفيظ: أي: لكل مطيع لله عز وجل، كثير الصلاة. وقال ابن زيد الأواب الثواب. قال ابن عباس حفيظ: أي: حفظ ذنوبه حتى تاب منها. وقيل: معناه حفيظ على فرائض الله، أي: محافظ عليها. وقال قتادة: حفيظ: ما استودعه الله عز وجل من حقه ونعمته. * * ثم قال: ﴿مَّنْ خَشِيَ ٱلرَّحْمَـٰنَ﴾ "من" بدل من "أواب" أو من "كل"، والمعنى: من خاف الرحمن في الدنيا وخشي عذابه. ﴿وَجَآءَ بِقَلْبٍ مُّنِيبٍ﴾ قال قتادة: بقلب منيب إلى ربه؛ أي: راجع إلى رضا ربه. قال فضيل: المنيب: الذي يذكر ذنوبه في الخلا ويستغفر منها. * * ثم قال ﴿ٱدْخُلُوهَا بِسَلاَمٍ ذَلِكَ﴾ أي: ادخلوا الجنة بسلامة وبأمان من الهم والنصب والعذاب والموت وجميع المكاره والأحزان. * * ثم قال ﴿ذَلِكَ يَوْمُ ٱلُخُلُودِ﴾ أي: ذلك اليوم الذي يدخلون فيه الجنة هو يوم المكث في النعيم المقيم. * * ثم قال ﴿لَهُم مَّا يَشَآءُونَ فِيهَا﴾ أي: لهم في الجنة ما تشتهيه أنفسهم. ﴿وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ أي: وعندنا ما أعطيناهم زيادة، قيل: هو النظر إلى الله جل ذكره. وقيل بل يزادون ما لم يخطر على قلوبهم. وروى أنس بن مالك عن النبي ﷺ أنه قال: النظر إلى الله في كل يوم، وذكر حديثا طويلا.

ق 50:30

قوله: ﴿وَقَالَ قَرِينُهُ هَـٰذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ﴾ إلى قوله: ﴿وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ الآيات. أي: وقال قرين هذا الإنسان الذي جاء به ربه يوم القيامة ومعه سائق وشهيد: هذا ما عندي حاضر مما كتبت عليه. قال ابن زيد: هو سائق الذي وكل به. قال قتادة قرينه: الملك. وقيل قرينه: شيطانه. وقيل معنى عتيد: معد. وقيل معناه: قال قرين الكافر هذا ما عندي من العذاب له حاضر. [وقيل معناه: قال قرينه من زبانية جهنم هذا ما عندي من العذاب حاضر]. * * ثم قال: ﴿أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ﴾. قال الفراء والكسائي: "أَلْقِيَا" مخاطبة للقرين. قال الفراء: والعرب تخاطب الواحد مخاطبة الاثنين، فتقول: "يا رجل قوما". وأنشد: ؎ خَلِيلَيَّ مُرَّا بِي عَلَى أُمِّ جُنْدُبٍ ∗∗∗ [لِنَقْضِي لُبَانَاتِ] الفُؤادِ المُعَذَّبِ وإنما خاطب واحداً، واستدل على ذلك بقوله في القصيدة: ؎ أَلَمْ تَرَيَانِي كُلَّمَا جئتُ طارقاً ∗∗∗ وجدتُ بها طِيباً وإن لم تَطِبِ وقيل: إنما ثني (ألقيا)، لأن قريناً يقع للجماعة والاثنين كقوله: ﴿وَالْمَلاَئِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾ [التحريم: ٤]، وكقوله: ﴿عَنِ ٱلْيَمِينِ وَعَنِ ٱلشِّمَالِ قَعِيدٌ﴾ [ق: ١٧]، على قول من رأى ذلك، وقد تقدم ذكره. وقيل: إنما قال ألقيا على شرط تكرير الفعل كأنه قال: أَلْقِ، أَلْقِ، فالألف تدل على التكرير ، وهو قول المبرد. وقيل: هو مخاطبة للملكين، السائق والشهيد، والعنيد: المعاند للحق المجانب له. وقيل العنيد: الجاحد للتوحيد. * * وقوله: ﴿مَّنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُّرِيبٍ﴾. قال قتادة: مناع للخير: أي: للزكاة المفروضة. معتد: متعد على حدود الله، مريب: شاك في الله وفي قدرته. وقيل مريب: يأتي الأمور القبيحة. وقيل الخير هنا: المال، يمنع أن يخرجه في حقه، معتد: متعد على الناس بلسانه وبطشه ظلماً. مريب: شاك. ثم بينه تعالى فقال: ﴿ٱلَّذِي جَعَلَ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهاً آخَرَ﴾ أي: هو الذي أشرك بالله غيره فجعل معه إلهاً آخر يعبده. ثم قال : ﴿قَالَ قرِينُهُ رَبَّنَا مَآ أَطْغَيْتُهُ وَلَـٰكِن كَانَ فِي ضَلاَلٍ بَعِيدٍ﴾. أي: قال قرين هذا الكافر الذي عبد مع الله غيره، وقرينه شيطانه، قاله ابن عباس وغيره. قال ابن زيد: قال قرينه من الجن ربنا ما أطغيته، تبرأ منه، والمعنى أنه تبرأ من كفره، وقال ما أجبرته على الكفر، إنما دعوته فاستجاب لي، لأنه كان على طريق جائر عن الصواب، فأعلم الله عز وجل عباده بتبري بعضهم من بعض يوم القيامة، وقد مضى ذلك في مواضع. * * ثم قال تعالى: ﴿قَالَ لاَ تَخْتَصِمُواْ لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُم بِٱلْوَعِيدِ﴾. (أي: قال لهما عز وجل) لا تختصما إِليَّ اليوم وقد قدمت إليكم في الدنيا بالوعيد على الكفر على لسان رسلي وكتبي. قال ابن عباس: اعتذروا بغير عذر فأبطل الله حجتهم ورد عليهم قولهم، وإنما قال لهم "لا تختصموا" ولم يتقدم إلاَّ ذكرُ الاثنين؛ لأن قبله الأخبار عن جماعة في قوله: ﴿كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ﴾، وفي قوله: ﴿وَجَآءَتْ كُلُّ نَفْسٍ﴾ [ق: ٢١]، وبعده خطاب للجماعة في قوله: ﴿وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُم﴾. فالمراد كل من اختصم مع قرينه، فهم جماعة ليس المراد به اثنين فقط، بل كل كافر اختصم مع قرينه، ويجوز أن يكون جمع تختصموا؛ لأن الاثنين جماعة والأول أبين. * * ثم قال: ﴿مَا يُبَدَّلُ ٱلْقَوْلُ لَدَيَّ﴾ أي: ما يغير القول الذي قلته لكم في الدنيا، وهو قوله: ﴿لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [هود: ١١٨]. قال مجاهد معناه قد قضيت ما أنا قاض. وقيل: معناه قد قضيت الحسنة بعشر أمثالها والسيئة بمثلها. * * ثم قال ﴿وَمَآ أَنَاْ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ﴾ أي: لا آخد أحداً بجرم أحد. * * ثم قال ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ ٱمْتَلأَتِ وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ﴾ أي: يوم يقول لجهنم هل أمتلئت لما سبق من وعيده في قوله: ﴿لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [هود: ١١٨] وذلك يوم القيامة. وقوله: ﴿وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ﴾. قال ابن عباس: إن الله قد سبقت كلمته لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين، فلما بعث الناس يوم القيامة، وسيق أعداء الله إلى النار زمراً، جعلوا يقتحمون في جهنم فوجاً، لا يلقى في جهنم فوج إلا ذهب فيها لا يملؤها شيء فقالت: ألست [قد] أقسمت لتملأني من الجنة والناس أجمعين، قال: فوضع قدمه عليها، فقالت حين وضع قدمه عليها: [قد امتلأتُ فليس من مزيد ولم يكن يملؤها شيء حتى وجدت مس ما وضع عليها] فتضايقت حين جعل عليها ما جعل فامتلأت فما فيها موضع إبرة. قال مجاهد: وتقول هل من مزيد، قال: وعدها ليملأنها فقال هلا وفيتك (قالت وهل من مسلك)، فمعنى ﴿هَلْ مِن مَّزِيدٍ﴾ ما من مزيد على هذين القولين. وحكي عن النبي ﷺ أنه قيل له بمكة: ألاّ تنزل داراً من دورك فقال: "وهل ترك لنا عقيل من دار" أي: ما ترك لنا داراً حين باعها وقت. الهجرة فالتقدير: هل فيّ من مسلك (وقد امتلأت). فلا زيادة فيّ. وقال أنس بن مالك: يلقي في جهنم وتقول هل من مزيد؛ أي: زدني ثلاثا، حتى يضع قدمه فيها فتنزوي بعضها إلى بعض فتقول: قط ثلاثاً، وهو قول ابن زيد. فمعنى ﴿هَلْ مِن مَّزِيدٍ﴾ على هذين القولين: زدني، تسأله أن يزيد فيها من الخلق، وعلى. القولين الأولين: لا مزيد فيّ قد امتلأت، فلا موضع لأحد في وقد روي عن النبي ﷺ أنه قال: "لا تَزَالُ جَهَنَّمَ تَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ فَيَقُومُ رَبّ العَالَمِين فَيَجْعَلَ قَدَمَهُ فِيها فَتَقُول قَط قط ومعنى قدمه: أي: من تقدم في علمه أنه يدخله النار، ومنه قوله تعالى ﴿وَبَشِّرِ ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَبِّهِمْ﴾ [يونس: ٢] [أي] سابقة خير. ومن روى الحديث "حَتَّى يَضَعَ الجَبَّارَ فِيها قَدَمه"احتمل التفسير الأول، أي: حتى يضع لها من تقدم في علمنه أنه يدخل النار، ويحتمل أن يكون المعنى: حتى يضع الجبارون المتكبرون على الله فيها أقدامهم بأجمعهم، والواحد يدل على الجمع. وقال أبو هريرة: "اخْتَصَمَت الجَنَّة وَالنَّار، فَقَالَتْ: الجَنّة مَا لِي إِنَّمَا يَدْخُلُنِي فُقَرَاء المُسْلِمين وَسقاطهم، وقالت النار: ما لي إنما يدخلني الجبارون والمتكبرون". فقال تعالى ذكره: أنت رحمتي أصيب بك من أشاء [وأنت عذابي أصيب به من أشاء] ولكل واحدة منكما ملؤها، فأما الجنة فإن الله ينشئ لها من خلقه ما شاء، وأما النار فيلقون فيها فتقول هل من مزيد ويلقون فيها فتقول هل من مزيد، حتى يضع فيها قدمه، فهناك تملأ وتنزوي بعضها إلى بعض وتقول: قط قط. * * ثم قال: ﴿وَأُزْلِفَتِ ٱلْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ﴾ أي: أدنيت الجنة وقربت للذين آتقوا ربهم. * * ثم قال ﴿هَـٰذَا مَا تُوعَدُونَ﴾ أي: يقال لهم هذا الذي كنتم توعدونه أيها المتقون. ﴿لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ﴾ أي: لكل راجع عن معصية الله عز وجل تائب من ذنوبه. وقيل هو المسبِّح، قال أبن عباس، قال: لكل أواب: لكل مسبِّح، وهو قول مجاهد. وعن مجاهد أنه قال هو الذي يذكر ذنوبه في الخلا، فيستغفر منها، وكذا روى عن الشعبي. (وقال الحسن: الأواب: الرجل معلق قلبه عند الله). وقال قتادة لكل أواب حفيظ: أي: لكل مطيع لله عز وجل، كثير الصلاة. وقال ابن زيد الأواب الثواب. قال ابن عباس حفيظ: أي: حفظ ذنوبه حتى تاب منها. وقيل: معناه حفيظ على فرائض الله، أي: محافظ عليها. وقال قتادة: حفيظ: ما استودعه الله عز وجل من حقه ونعمته. * * ثم قال: ﴿مَّنْ خَشِيَ ٱلرَّحْمَـٰنَ﴾ "من" بدل من "أواب" أو من "كل"، والمعنى: من خاف الرحمن في الدنيا وخشي عذابه. ﴿وَجَآءَ بِقَلْبٍ مُّنِيبٍ﴾ قال قتادة: بقلب منيب إلى ربه؛ أي: راجع إلى رضا ربه. قال فضيل: المنيب: الذي يذكر ذنوبه في الخلا ويستغفر منها. * * ثم قال ﴿ٱدْخُلُوهَا بِسَلاَمٍ ذَلِكَ﴾ أي: ادخلوا الجنة بسلامة وبأمان من الهم والنصب والعذاب والموت وجميع المكاره والأحزان. * * ثم قال ﴿ذَلِكَ يَوْمُ ٱلُخُلُودِ﴾ أي: ذلك اليوم الذي يدخلون فيه الجنة هو يوم المكث في النعيم المقيم. * * ثم قال ﴿لَهُم مَّا يَشَآءُونَ فِيهَا﴾ أي: لهم في الجنة ما تشتهيه أنفسهم. ﴿وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ أي: وعندنا ما أعطيناهم زيادة، قيل: هو النظر إلى الله جل ذكره. وقيل بل يزادون ما لم يخطر على قلوبهم. وروى أنس بن مالك عن النبي ﷺ أنه قال: النظر إلى الله في كل يوم، وذكر حديثا طويلا.

ق 50:31

قوله: ﴿وَقَالَ قَرِينُهُ هَـٰذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ﴾ إلى قوله: ﴿وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ الآيات. أي: وقال قرين هذا الإنسان الذي جاء به ربه يوم القيامة ومعه سائق وشهيد: هذا ما عندي حاضر مما كتبت عليه. قال ابن زيد: هو سائق الذي وكل به. قال قتادة قرينه: الملك. وقيل قرينه: شيطانه. وقيل معنى عتيد: معد. وقيل معناه: قال قرين الكافر هذا ما عندي من العذاب له حاضر. [وقيل معناه: قال قرينه من زبانية جهنم هذا ما عندي من العذاب حاضر]. * * ثم قال: ﴿أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ﴾. قال الفراء والكسائي: "أَلْقِيَا" مخاطبة للقرين. قال الفراء: والعرب تخاطب الواحد مخاطبة الاثنين، فتقول: "يا رجل قوما". وأنشد: ؎ خَلِيلَيَّ مُرَّا بِي عَلَى أُمِّ جُنْدُبٍ ∗∗∗ [لِنَقْضِي لُبَانَاتِ] الفُؤادِ المُعَذَّبِ وإنما خاطب واحداً، واستدل على ذلك بقوله في القصيدة: ؎ أَلَمْ تَرَيَانِي كُلَّمَا جئتُ طارقاً ∗∗∗ وجدتُ بها طِيباً وإن لم تَطِبِ وقيل: إنما ثني (ألقيا)، لأن قريناً يقع للجماعة والاثنين كقوله: ﴿وَالْمَلاَئِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾ [التحريم: ٤]، وكقوله: ﴿عَنِ ٱلْيَمِينِ وَعَنِ ٱلشِّمَالِ قَعِيدٌ﴾ [ق: ١٧]، على قول من رأى ذلك، وقد تقدم ذكره. وقيل: إنما قال ألقيا على شرط تكرير الفعل كأنه قال: أَلْقِ، أَلْقِ، فالألف تدل على التكرير ، وهو قول المبرد. وقيل: هو مخاطبة للملكين، السائق والشهيد، والعنيد: المعاند للحق المجانب له. وقيل العنيد: الجاحد للتوحيد. * * وقوله: ﴿مَّنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُّرِيبٍ﴾. قال قتادة: مناع للخير: أي: للزكاة المفروضة. معتد: متعد على حدود الله، مريب: شاك في الله وفي قدرته. وقيل مريب: يأتي الأمور القبيحة. وقيل الخير هنا: المال، يمنع أن يخرجه في حقه، معتد: متعد على الناس بلسانه وبطشه ظلماً. مريب: شاك. ثم بينه تعالى فقال: ﴿ٱلَّذِي جَعَلَ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهاً آخَرَ﴾ أي: هو الذي أشرك بالله غيره فجعل معه إلهاً آخر يعبده. ثم قال : ﴿قَالَ قرِينُهُ رَبَّنَا مَآ أَطْغَيْتُهُ وَلَـٰكِن كَانَ فِي ضَلاَلٍ بَعِيدٍ﴾. أي: قال قرين هذا الكافر الذي عبد مع الله غيره، وقرينه شيطانه، قاله ابن عباس وغيره. قال ابن زيد: قال قرينه من الجن ربنا ما أطغيته، تبرأ منه، والمعنى أنه تبرأ من كفره، وقال ما أجبرته على الكفر، إنما دعوته فاستجاب لي، لأنه كان على طريق جائر عن الصواب، فأعلم الله عز وجل عباده بتبري بعضهم من بعض يوم القيامة، وقد مضى ذلك في مواضع. * * ثم قال تعالى: ﴿قَالَ لاَ تَخْتَصِمُواْ لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُم بِٱلْوَعِيدِ﴾. (أي: قال لهما عز وجل) لا تختصما إِليَّ اليوم وقد قدمت إليكم في الدنيا بالوعيد على الكفر على لسان رسلي وكتبي. قال ابن عباس: اعتذروا بغير عذر فأبطل الله حجتهم ورد عليهم قولهم، وإنما قال لهم "لا تختصموا" ولم يتقدم إلاَّ ذكرُ الاثنين؛ لأن قبله الأخبار عن جماعة في قوله: ﴿كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ﴾، وفي قوله: ﴿وَجَآءَتْ كُلُّ نَفْسٍ﴾ [ق: ٢١]، وبعده خطاب للجماعة في قوله: ﴿وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُم﴾. فالمراد كل من اختصم مع قرينه، فهم جماعة ليس المراد به اثنين فقط، بل كل كافر اختصم مع قرينه، ويجوز أن يكون جمع تختصموا؛ لأن الاثنين جماعة والأول أبين. * * ثم قال: ﴿مَا يُبَدَّلُ ٱلْقَوْلُ لَدَيَّ﴾ أي: ما يغير القول الذي قلته لكم في الدنيا، وهو قوله: ﴿لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [هود: ١١٨]. قال مجاهد معناه قد قضيت ما أنا قاض. وقيل: معناه قد قضيت الحسنة بعشر أمثالها والسيئة بمثلها. * * ثم قال ﴿وَمَآ أَنَاْ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ﴾ أي: لا آخد أحداً بجرم أحد. * * ثم قال ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ ٱمْتَلأَتِ وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ﴾ أي: يوم يقول لجهنم هل أمتلئت لما سبق من وعيده في قوله: ﴿لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [هود: ١١٨] وذلك يوم القيامة. وقوله: ﴿وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ﴾. قال ابن عباس: إن الله قد سبقت كلمته لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين، فلما بعث الناس يوم القيامة، وسيق أعداء الله إلى النار زمراً، جعلوا يقتحمون في جهنم فوجاً، لا يلقى في جهنم فوج إلا ذهب فيها لا يملؤها شيء فقالت: ألست [قد] أقسمت لتملأني من الجنة والناس أجمعين، قال: فوضع قدمه عليها، فقالت حين وضع قدمه عليها: [قد امتلأتُ فليس من مزيد ولم يكن يملؤها شيء حتى وجدت مس ما وضع عليها] فتضايقت حين جعل عليها ما جعل فامتلأت فما فيها موضع إبرة. قال مجاهد: وتقول هل من مزيد، قال: وعدها ليملأنها فقال هلا وفيتك (قالت وهل من مسلك)، فمعنى ﴿هَلْ مِن مَّزِيدٍ﴾ ما من مزيد على هذين القولين. وحكي عن النبي ﷺ أنه قيل له بمكة: ألاّ تنزل داراً من دورك فقال: "وهل ترك لنا عقيل من دار" أي: ما ترك لنا داراً حين باعها وقت. الهجرة فالتقدير: هل فيّ من مسلك (وقد امتلأت). فلا زيادة فيّ. وقال أنس بن مالك: يلقي في جهنم وتقول هل من مزيد؛ أي: زدني ثلاثا، حتى يضع قدمه فيها فتنزوي بعضها إلى بعض فتقول: قط ثلاثاً، وهو قول ابن زيد. فمعنى ﴿هَلْ مِن مَّزِيدٍ﴾ على هذين القولين: زدني، تسأله أن يزيد فيها من الخلق، وعلى. القولين الأولين: لا مزيد فيّ قد امتلأت، فلا موضع لأحد في وقد روي عن النبي ﷺ أنه قال: "لا تَزَالُ جَهَنَّمَ تَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ فَيَقُومُ رَبّ العَالَمِين فَيَجْعَلَ قَدَمَهُ فِيها فَتَقُول قَط قط ومعنى قدمه: أي: من تقدم في علمه أنه يدخله النار، ومنه قوله تعالى ﴿وَبَشِّرِ ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَبِّهِمْ﴾ [يونس: ٢] [أي] سابقة خير. ومن روى الحديث "حَتَّى يَضَعَ الجَبَّارَ فِيها قَدَمه"احتمل التفسير الأول، أي: حتى يضع لها من تقدم في علمنه أنه يدخل النار، ويحتمل أن يكون المعنى: حتى يضع الجبارون المتكبرون على الله فيها أقدامهم بأجمعهم، والواحد يدل على الجمع. وقال أبو هريرة: "اخْتَصَمَت الجَنَّة وَالنَّار، فَقَالَتْ: الجَنّة مَا لِي إِنَّمَا يَدْخُلُنِي فُقَرَاء المُسْلِمين وَسقاطهم، وقالت النار: ما لي إنما يدخلني الجبارون والمتكبرون". فقال تعالى ذكره: أنت رحمتي أصيب بك من أشاء [وأنت عذابي أصيب به من أشاء] ولكل واحدة منكما ملؤها، فأما الجنة فإن الله ينشئ لها من خلقه ما شاء، وأما النار فيلقون فيها فتقول هل من مزيد ويلقون فيها فتقول هل من مزيد، حتى يضع فيها قدمه، فهناك تملأ وتنزوي بعضها إلى بعض وتقول: قط قط. * * ثم قال: ﴿وَأُزْلِفَتِ ٱلْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ﴾ أي: أدنيت الجنة وقربت للذين آتقوا ربهم. * * ثم قال ﴿هَـٰذَا مَا تُوعَدُونَ﴾ أي: يقال لهم هذا الذي كنتم توعدونه أيها المتقون. ﴿لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ﴾ أي: لكل راجع عن معصية الله عز وجل تائب من ذنوبه. وقيل هو المسبِّح، قال أبن عباس، قال: لكل أواب: لكل مسبِّح، وهو قول مجاهد. وعن مجاهد أنه قال هو الذي يذكر ذنوبه في الخلا، فيستغفر منها، وكذا روى عن الشعبي. (وقال الحسن: الأواب: الرجل معلق قلبه عند الله). وقال قتادة لكل أواب حفيظ: أي: لكل مطيع لله عز وجل، كثير الصلاة. وقال ابن زيد الأواب الثواب. قال ابن عباس حفيظ: أي: حفظ ذنوبه حتى تاب منها. وقيل: معناه حفيظ على فرائض الله، أي: محافظ عليها. وقال قتادة: حفيظ: ما استودعه الله عز وجل من حقه ونعمته. * * ثم قال: ﴿مَّنْ خَشِيَ ٱلرَّحْمَـٰنَ﴾ "من" بدل من "أواب" أو من "كل"، والمعنى: من خاف الرحمن في الدنيا وخشي عذابه. ﴿وَجَآءَ بِقَلْبٍ مُّنِيبٍ﴾ قال قتادة: بقلب منيب إلى ربه؛ أي: راجع إلى رضا ربه. قال فضيل: المنيب: الذي يذكر ذنوبه في الخلا ويستغفر منها. * * ثم قال ﴿ٱدْخُلُوهَا بِسَلاَمٍ ذَلِكَ﴾ أي: ادخلوا الجنة بسلامة وبأمان من الهم والنصب والعذاب والموت وجميع المكاره والأحزان. * * ثم قال ﴿ذَلِكَ يَوْمُ ٱلُخُلُودِ﴾ أي: ذلك اليوم الذي يدخلون فيه الجنة هو يوم المكث في النعيم المقيم. * * ثم قال ﴿لَهُم مَّا يَشَآءُونَ فِيهَا﴾ أي: لهم في الجنة ما تشتهيه أنفسهم. ﴿وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ أي: وعندنا ما أعطيناهم زيادة، قيل: هو النظر إلى الله جل ذكره. وقيل بل يزادون ما لم يخطر على قلوبهم. وروى أنس بن مالك عن النبي ﷺ أنه قال: النظر إلى الله في كل يوم، وذكر حديثا طويلا.

ق 50:32

قوله: ﴿وَقَالَ قَرِينُهُ هَـٰذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ﴾ إلى قوله: ﴿وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ الآيات. أي: وقال قرين هذا الإنسان الذي جاء به ربه يوم القيامة ومعه سائق وشهيد: هذا ما عندي حاضر مما كتبت عليه. قال ابن زيد: هو سائق الذي وكل به. قال قتادة قرينه: الملك. وقيل قرينه: شيطانه. وقيل معنى عتيد: معد. وقيل معناه: قال قرين الكافر هذا ما عندي من العذاب له حاضر. [وقيل معناه: قال قرينه من زبانية جهنم هذا ما عندي من العذاب حاضر]. * * ثم قال: ﴿أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ﴾. قال الفراء والكسائي: "أَلْقِيَا" مخاطبة للقرين. قال الفراء: والعرب تخاطب الواحد مخاطبة الاثنين، فتقول: "يا رجل قوما". وأنشد: ؎ خَلِيلَيَّ مُرَّا بِي عَلَى أُمِّ جُنْدُبٍ ∗∗∗ [لِنَقْضِي لُبَانَاتِ] الفُؤادِ المُعَذَّبِ وإنما خاطب واحداً، واستدل على ذلك بقوله في القصيدة: ؎ أَلَمْ تَرَيَانِي كُلَّمَا جئتُ طارقاً ∗∗∗ وجدتُ بها طِيباً وإن لم تَطِبِ وقيل: إنما ثني (ألقيا)، لأن قريناً يقع للجماعة والاثنين كقوله: ﴿وَالْمَلاَئِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾ [التحريم: ٤]، وكقوله: ﴿عَنِ ٱلْيَمِينِ وَعَنِ ٱلشِّمَالِ قَعِيدٌ﴾ [ق: ١٧]، على قول من رأى ذلك، وقد تقدم ذكره. وقيل: إنما قال ألقيا على شرط تكرير الفعل كأنه قال: أَلْقِ، أَلْقِ، فالألف تدل على التكرير ، وهو قول المبرد. وقيل: هو مخاطبة للملكين، السائق والشهيد، والعنيد: المعاند للحق المجانب له. وقيل العنيد: الجاحد للتوحيد. * * وقوله: ﴿مَّنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُّرِيبٍ﴾. قال قتادة: مناع للخير: أي: للزكاة المفروضة. معتد: متعد على حدود الله، مريب: شاك في الله وفي قدرته. وقيل مريب: يأتي الأمور القبيحة. وقيل الخير هنا: المال، يمنع أن يخرجه في حقه، معتد: متعد على الناس بلسانه وبطشه ظلماً. مريب: شاك. ثم بينه تعالى فقال: ﴿ٱلَّذِي جَعَلَ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهاً آخَرَ﴾ أي: هو الذي أشرك بالله غيره فجعل معه إلهاً آخر يعبده. ثم قال : ﴿قَالَ قرِينُهُ رَبَّنَا مَآ أَطْغَيْتُهُ وَلَـٰكِن كَانَ فِي ضَلاَلٍ بَعِيدٍ﴾. أي: قال قرين هذا الكافر الذي عبد مع الله غيره، وقرينه شيطانه، قاله ابن عباس وغيره. قال ابن زيد: قال قرينه من الجن ربنا ما أطغيته، تبرأ منه، والمعنى أنه تبرأ من كفره، وقال ما أجبرته على الكفر، إنما دعوته فاستجاب لي، لأنه كان على طريق جائر عن الصواب، فأعلم الله عز وجل عباده بتبري بعضهم من بعض يوم القيامة، وقد مضى ذلك في مواضع. * * ثم قال تعالى: ﴿قَالَ لاَ تَخْتَصِمُواْ لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُم بِٱلْوَعِيدِ﴾. (أي: قال لهما عز وجل) لا تختصما إِليَّ اليوم وقد قدمت إليكم في الدنيا بالوعيد على الكفر على لسان رسلي وكتبي. قال ابن عباس: اعتذروا بغير عذر فأبطل الله حجتهم ورد عليهم قولهم، وإنما قال لهم "لا تختصموا" ولم يتقدم إلاَّ ذكرُ الاثنين؛ لأن قبله الأخبار عن جماعة في قوله: ﴿كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ﴾، وفي قوله: ﴿وَجَآءَتْ كُلُّ نَفْسٍ﴾ [ق: ٢١]، وبعده خطاب للجماعة في قوله: ﴿وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُم﴾. فالمراد كل من اختصم مع قرينه، فهم جماعة ليس المراد به اثنين فقط، بل كل كافر اختصم مع قرينه، ويجوز أن يكون جمع تختصموا؛ لأن الاثنين جماعة والأول أبين. * * ثم قال: ﴿مَا يُبَدَّلُ ٱلْقَوْلُ لَدَيَّ﴾ أي: ما يغير القول الذي قلته لكم في الدنيا، وهو قوله: ﴿لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [هود: ١١٨]. قال مجاهد معناه قد قضيت ما أنا قاض. وقيل: معناه قد قضيت الحسنة بعشر أمثالها والسيئة بمثلها. * * ثم قال ﴿وَمَآ أَنَاْ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ﴾ أي: لا آخد أحداً بجرم أحد. * * ثم قال ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ ٱمْتَلأَتِ وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ﴾ أي: يوم يقول لجهنم هل أمتلئت لما سبق من وعيده في قوله: ﴿لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [هود: ١١٨] وذلك يوم القيامة. وقوله: ﴿وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ﴾. قال ابن عباس: إن الله قد سبقت كلمته لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين، فلما بعث الناس يوم القيامة، وسيق أعداء الله إلى النار زمراً، جعلوا يقتحمون في جهنم فوجاً، لا يلقى في جهنم فوج إلا ذهب فيها لا يملؤها شيء فقالت: ألست [قد] أقسمت لتملأني من الجنة والناس أجمعين، قال: فوضع قدمه عليها، فقالت حين وضع قدمه عليها: [قد امتلأتُ فليس من مزيد ولم يكن يملؤها شيء حتى وجدت مس ما وضع عليها] فتضايقت حين جعل عليها ما جعل فامتلأت فما فيها موضع إبرة. قال مجاهد: وتقول هل من مزيد، قال: وعدها ليملأنها فقال هلا وفيتك (قالت وهل من مسلك)، فمعنى ﴿هَلْ مِن مَّزِيدٍ﴾ ما من مزيد على هذين القولين. وحكي عن النبي ﷺ أنه قيل له بمكة: ألاّ تنزل داراً من دورك فقال: "وهل ترك لنا عقيل من دار" أي: ما ترك لنا داراً حين باعها وقت. الهجرة فالتقدير: هل فيّ من مسلك (وقد امتلأت). فلا زيادة فيّ. وقال أنس بن مالك: يلقي في جهنم وتقول هل من مزيد؛ أي: زدني ثلاثا، حتى يضع قدمه فيها فتنزوي بعضها إلى بعض فتقول: قط ثلاثاً، وهو قول ابن زيد. فمعنى ﴿هَلْ مِن مَّزِيدٍ﴾ على هذين القولين: زدني، تسأله أن يزيد فيها من الخلق، وعلى. القولين الأولين: لا مزيد فيّ قد امتلأت، فلا موضع لأحد في وقد روي عن النبي ﷺ أنه قال: "لا تَزَالُ جَهَنَّمَ تَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ فَيَقُومُ رَبّ العَالَمِين فَيَجْعَلَ قَدَمَهُ فِيها فَتَقُول قَط قط ومعنى قدمه: أي: من تقدم في علمه أنه يدخله النار، ومنه قوله تعالى ﴿وَبَشِّرِ ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَبِّهِمْ﴾ [يونس: ٢] [أي] سابقة خير. ومن روى الحديث "حَتَّى يَضَعَ الجَبَّارَ فِيها قَدَمه"احتمل التفسير الأول، أي: حتى يضع لها من تقدم في علمنه أنه يدخل النار، ويحتمل أن يكون المعنى: حتى يضع الجبارون المتكبرون على الله فيها أقدامهم بأجمعهم، والواحد يدل على الجمع. وقال أبو هريرة: "اخْتَصَمَت الجَنَّة وَالنَّار، فَقَالَتْ: الجَنّة مَا لِي إِنَّمَا يَدْخُلُنِي فُقَرَاء المُسْلِمين وَسقاطهم، وقالت النار: ما لي إنما يدخلني الجبارون والمتكبرون". فقال تعالى ذكره: أنت رحمتي أصيب بك من أشاء [وأنت عذابي أصيب به من أشاء] ولكل واحدة منكما ملؤها، فأما الجنة فإن الله ينشئ لها من خلقه ما شاء، وأما النار فيلقون فيها فتقول هل من مزيد ويلقون فيها فتقول هل من مزيد، حتى يضع فيها قدمه، فهناك تملأ وتنزوي بعضها إلى بعض وتقول: قط قط. * * ثم قال: ﴿وَأُزْلِفَتِ ٱلْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ﴾ أي: أدنيت الجنة وقربت للذين آتقوا ربهم. * * ثم قال ﴿هَـٰذَا مَا تُوعَدُونَ﴾ أي: يقال لهم هذا الذي كنتم توعدونه أيها المتقون. ﴿لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ﴾ أي: لكل راجع عن معصية الله عز وجل تائب من ذنوبه. وقيل هو المسبِّح، قال أبن عباس، قال: لكل أواب: لكل مسبِّح، وهو قول مجاهد. وعن مجاهد أنه قال هو الذي يذكر ذنوبه في الخلا، فيستغفر منها، وكذا روى عن الشعبي. (وقال الحسن: الأواب: الرجل معلق قلبه عند الله). وقال قتادة لكل أواب حفيظ: أي: لكل مطيع لله عز وجل، كثير الصلاة. وقال ابن زيد الأواب الثواب. قال ابن عباس حفيظ: أي: حفظ ذنوبه حتى تاب منها. وقيل: معناه حفيظ على فرائض الله، أي: محافظ عليها. وقال قتادة: حفيظ: ما استودعه الله عز وجل من حقه ونعمته. * * ثم قال: ﴿مَّنْ خَشِيَ ٱلرَّحْمَـٰنَ﴾ "من" بدل من "أواب" أو من "كل"، والمعنى: من خاف الرحمن في الدنيا وخشي عذابه. ﴿وَجَآءَ بِقَلْبٍ مُّنِيبٍ﴾ قال قتادة: بقلب منيب إلى ربه؛ أي: راجع إلى رضا ربه. قال فضيل: المنيب: الذي يذكر ذنوبه في الخلا ويستغفر منها. * * ثم قال ﴿ٱدْخُلُوهَا بِسَلاَمٍ ذَلِكَ﴾ أي: ادخلوا الجنة بسلامة وبأمان من الهم والنصب والعذاب والموت وجميع المكاره والأحزان. * * ثم قال ﴿ذَلِكَ يَوْمُ ٱلُخُلُودِ﴾ أي: ذلك اليوم الذي يدخلون فيه الجنة هو يوم المكث في النعيم المقيم. * * ثم قال ﴿لَهُم مَّا يَشَآءُونَ فِيهَا﴾ أي: لهم في الجنة ما تشتهيه أنفسهم. ﴿وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ أي: وعندنا ما أعطيناهم زيادة، قيل: هو النظر إلى الله جل ذكره. وقيل بل يزادون ما لم يخطر على قلوبهم. وروى أنس بن مالك عن النبي ﷺ أنه قال: النظر إلى الله في كل يوم، وذكر حديثا طويلا.

ق 50:33

قوله: ﴿وَقَالَ قَرِينُهُ هَـٰذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ﴾ إلى قوله: ﴿وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ الآيات. أي: وقال قرين هذا الإنسان الذي جاء به ربه يوم القيامة ومعه سائق وشهيد: هذا ما عندي حاضر مما كتبت عليه. قال ابن زيد: هو سائق الذي وكل به. قال قتادة قرينه: الملك. وقيل قرينه: شيطانه. وقيل معنى عتيد: معد. وقيل معناه: قال قرين الكافر هذا ما عندي من العذاب له حاضر. [وقيل معناه: قال قرينه من زبانية جهنم هذا ما عندي من العذاب حاضر]. * * ثم قال: ﴿أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ﴾. قال الفراء والكسائي: "أَلْقِيَا" مخاطبة للقرين. قال الفراء: والعرب تخاطب الواحد مخاطبة الاثنين، فتقول: "يا رجل قوما". وأنشد: ؎ خَلِيلَيَّ مُرَّا بِي عَلَى أُمِّ جُنْدُبٍ ∗∗∗ [لِنَقْضِي لُبَانَاتِ] الفُؤادِ المُعَذَّبِ وإنما خاطب واحداً، واستدل على ذلك بقوله في القصيدة: ؎ أَلَمْ تَرَيَانِي كُلَّمَا جئتُ طارقاً ∗∗∗ وجدتُ بها طِيباً وإن لم تَطِبِ وقيل: إنما ثني (ألقيا)، لأن قريناً يقع للجماعة والاثنين كقوله: ﴿وَالْمَلاَئِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾ [التحريم: ٤]، وكقوله: ﴿عَنِ ٱلْيَمِينِ وَعَنِ ٱلشِّمَالِ قَعِيدٌ﴾ [ق: ١٧]، على قول من رأى ذلك، وقد تقدم ذكره. وقيل: إنما قال ألقيا على شرط تكرير الفعل كأنه قال: أَلْقِ، أَلْقِ، فالألف تدل على التكرير ، وهو قول المبرد. وقيل: هو مخاطبة للملكين، السائق والشهيد، والعنيد: المعاند للحق المجانب له. وقيل العنيد: الجاحد للتوحيد. * * وقوله: ﴿مَّنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُّرِيبٍ﴾. قال قتادة: مناع للخير: أي: للزكاة المفروضة. معتد: متعد على حدود الله، مريب: شاك في الله وفي قدرته. وقيل مريب: يأتي الأمور القبيحة. وقيل الخير هنا: المال، يمنع أن يخرجه في حقه، معتد: متعد على الناس بلسانه وبطشه ظلماً. مريب: شاك. ثم بينه تعالى فقال: ﴿ٱلَّذِي جَعَلَ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهاً آخَرَ﴾ أي: هو الذي أشرك بالله غيره فجعل معه إلهاً آخر يعبده. ثم قال : ﴿قَالَ قرِينُهُ رَبَّنَا مَآ أَطْغَيْتُهُ وَلَـٰكِن كَانَ فِي ضَلاَلٍ بَعِيدٍ﴾. أي: قال قرين هذا الكافر الذي عبد مع الله غيره، وقرينه شيطانه، قاله ابن عباس وغيره. قال ابن زيد: قال قرينه من الجن ربنا ما أطغيته، تبرأ منه، والمعنى أنه تبرأ من كفره، وقال ما أجبرته على الكفر، إنما دعوته فاستجاب لي، لأنه كان على طريق جائر عن الصواب، فأعلم الله عز وجل عباده بتبري بعضهم من بعض يوم القيامة، وقد مضى ذلك في مواضع. * * ثم قال تعالى: ﴿قَالَ لاَ تَخْتَصِمُواْ لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُم بِٱلْوَعِيدِ﴾. (أي: قال لهما عز وجل) لا تختصما إِليَّ اليوم وقد قدمت إليكم في الدنيا بالوعيد على الكفر على لسان رسلي وكتبي. قال ابن عباس: اعتذروا بغير عذر فأبطل الله حجتهم ورد عليهم قولهم، وإنما قال لهم "لا تختصموا" ولم يتقدم إلاَّ ذكرُ الاثنين؛ لأن قبله الأخبار عن جماعة في قوله: ﴿كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ﴾، وفي قوله: ﴿وَجَآءَتْ كُلُّ نَفْسٍ﴾ [ق: ٢١]، وبعده خطاب للجماعة في قوله: ﴿وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُم﴾. فالمراد كل من اختصم مع قرينه، فهم جماعة ليس المراد به اثنين فقط، بل كل كافر اختصم مع قرينه، ويجوز أن يكون جمع تختصموا؛ لأن الاثنين جماعة والأول أبين. * * ثم قال: ﴿مَا يُبَدَّلُ ٱلْقَوْلُ لَدَيَّ﴾ أي: ما يغير القول الذي قلته لكم في الدنيا، وهو قوله: ﴿لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [هود: ١١٨]. قال مجاهد معناه قد قضيت ما أنا قاض. وقيل: معناه قد قضيت الحسنة بعشر أمثالها والسيئة بمثلها. * * ثم قال ﴿وَمَآ أَنَاْ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ﴾ أي: لا آخد أحداً بجرم أحد. * * ثم قال ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ ٱمْتَلأَتِ وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ﴾ أي: يوم يقول لجهنم هل أمتلئت لما سبق من وعيده في قوله: ﴿لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [هود: ١١٨] وذلك يوم القيامة. وقوله: ﴿وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ﴾. قال ابن عباس: إن الله قد سبقت كلمته لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين، فلما بعث الناس يوم القيامة، وسيق أعداء الله إلى النار زمراً، جعلوا يقتحمون في جهنم فوجاً، لا يلقى في جهنم فوج إلا ذهب فيها لا يملؤها شيء فقالت: ألست [قد] أقسمت لتملأني من الجنة والناس أجمعين، قال: فوضع قدمه عليها، فقالت حين وضع قدمه عليها: [قد امتلأتُ فليس من مزيد ولم يكن يملؤها شيء حتى وجدت مس ما وضع عليها] فتضايقت حين جعل عليها ما جعل فامتلأت فما فيها موضع إبرة. قال مجاهد: وتقول هل من مزيد، قال: وعدها ليملأنها فقال هلا وفيتك (قالت وهل من مسلك)، فمعنى ﴿هَلْ مِن مَّزِيدٍ﴾ ما من مزيد على هذين القولين. وحكي عن النبي ﷺ أنه قيل له بمكة: ألاّ تنزل داراً من دورك فقال: "وهل ترك لنا عقيل من دار" أي: ما ترك لنا داراً حين باعها وقت. الهجرة فالتقدير: هل فيّ من مسلك (وقد امتلأت). فلا زيادة فيّ. وقال أنس بن مالك: يلقي في جهنم وتقول هل من مزيد؛ أي: زدني ثلاثا، حتى يضع قدمه فيها فتنزوي بعضها إلى بعض فتقول: قط ثلاثاً، وهو قول ابن زيد. فمعنى ﴿هَلْ مِن مَّزِيدٍ﴾ على هذين القولين: زدني، تسأله أن يزيد فيها من الخلق، وعلى. القولين الأولين: لا مزيد فيّ قد امتلأت، فلا موضع لأحد في وقد روي عن النبي ﷺ أنه قال: "لا تَزَالُ جَهَنَّمَ تَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ فَيَقُومُ رَبّ العَالَمِين فَيَجْعَلَ قَدَمَهُ فِيها فَتَقُول قَط قط ومعنى قدمه: أي: من تقدم في علمه أنه يدخله النار، ومنه قوله تعالى ﴿وَبَشِّرِ ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَبِّهِمْ﴾ [يونس: ٢] [أي] سابقة خير. ومن روى الحديث "حَتَّى يَضَعَ الجَبَّارَ فِيها قَدَمه"احتمل التفسير الأول، أي: حتى يضع لها من تقدم في علمنه أنه يدخل النار، ويحتمل أن يكون المعنى: حتى يضع الجبارون المتكبرون على الله فيها أقدامهم بأجمعهم، والواحد يدل على الجمع. وقال أبو هريرة: "اخْتَصَمَت الجَنَّة وَالنَّار، فَقَالَتْ: الجَنّة مَا لِي إِنَّمَا يَدْخُلُنِي فُقَرَاء المُسْلِمين وَسقاطهم، وقالت النار: ما لي إنما يدخلني الجبارون والمتكبرون". فقال تعالى ذكره: أنت رحمتي أصيب بك من أشاء [وأنت عذابي أصيب به من أشاء] ولكل واحدة منكما ملؤها، فأما الجنة فإن الله ينشئ لها من خلقه ما شاء، وأما النار فيلقون فيها فتقول هل من مزيد ويلقون فيها فتقول هل من مزيد، حتى يضع فيها قدمه، فهناك تملأ وتنزوي بعضها إلى بعض وتقول: قط قط. * * ثم قال: ﴿وَأُزْلِفَتِ ٱلْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ﴾ أي: أدنيت الجنة وقربت للذين آتقوا ربهم. * * ثم قال ﴿هَـٰذَا مَا تُوعَدُونَ﴾ أي: يقال لهم هذا الذي كنتم توعدونه أيها المتقون. ﴿لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ﴾ أي: لكل راجع عن معصية الله عز وجل تائب من ذنوبه. وقيل هو المسبِّح، قال أبن عباس، قال: لكل أواب: لكل مسبِّح، وهو قول مجاهد. وعن مجاهد أنه قال هو الذي يذكر ذنوبه في الخلا، فيستغفر منها، وكذا روى عن الشعبي. (وقال الحسن: الأواب: الرجل معلق قلبه عند الله). وقال قتادة لكل أواب حفيظ: أي: لكل مطيع لله عز وجل، كثير الصلاة. وقال ابن زيد الأواب الثواب. قال ابن عباس حفيظ: أي: حفظ ذنوبه حتى تاب منها. وقيل: معناه حفيظ على فرائض الله، أي: محافظ عليها. وقال قتادة: حفيظ: ما استودعه الله عز وجل من حقه ونعمته. * * ثم قال: ﴿مَّنْ خَشِيَ ٱلرَّحْمَـٰنَ﴾ "من" بدل من "أواب" أو من "كل"، والمعنى: من خاف الرحمن في الدنيا وخشي عذابه. ﴿وَجَآءَ بِقَلْبٍ مُّنِيبٍ﴾ قال قتادة: بقلب منيب إلى ربه؛ أي: راجع إلى رضا ربه. قال فضيل: المنيب: الذي يذكر ذنوبه في الخلا ويستغفر منها. * * ثم قال ﴿ٱدْخُلُوهَا بِسَلاَمٍ ذَلِكَ﴾ أي: ادخلوا الجنة بسلامة وبأمان من الهم والنصب والعذاب والموت وجميع المكاره والأحزان. * * ثم قال ﴿ذَلِكَ يَوْمُ ٱلُخُلُودِ﴾ أي: ذلك اليوم الذي يدخلون فيه الجنة هو يوم المكث في النعيم المقيم. * * ثم قال ﴿لَهُم مَّا يَشَآءُونَ فِيهَا﴾ أي: لهم في الجنة ما تشتهيه أنفسهم. ﴿وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ أي: وعندنا ما أعطيناهم زيادة، قيل: هو النظر إلى الله جل ذكره. وقيل بل يزادون ما لم يخطر على قلوبهم. وروى أنس بن مالك عن النبي ﷺ أنه قال: النظر إلى الله في كل يوم، وذكر حديثا طويلا.

ق 50:34

قوله: ﴿وَقَالَ قَرِينُهُ هَـٰذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ﴾ إلى قوله: ﴿وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ الآيات. أي: وقال قرين هذا الإنسان الذي جاء به ربه يوم القيامة ومعه سائق وشهيد: هذا ما عندي حاضر مما كتبت عليه. قال ابن زيد: هو سائق الذي وكل به. قال قتادة قرينه: الملك. وقيل قرينه: شيطانه. وقيل معنى عتيد: معد. وقيل معناه: قال قرين الكافر هذا ما عندي من العذاب له حاضر. [وقيل معناه: قال قرينه من زبانية جهنم هذا ما عندي من العذاب حاضر]. * * ثم قال: ﴿أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ﴾. قال الفراء والكسائي: "أَلْقِيَا" مخاطبة للقرين. قال الفراء: والعرب تخاطب الواحد مخاطبة الاثنين، فتقول: "يا رجل قوما". وأنشد: ؎ خَلِيلَيَّ مُرَّا بِي عَلَى أُمِّ جُنْدُبٍ ∗∗∗ [لِنَقْضِي لُبَانَاتِ] الفُؤادِ المُعَذَّبِ وإنما خاطب واحداً، واستدل على ذلك بقوله في القصيدة: ؎ أَلَمْ تَرَيَانِي كُلَّمَا جئتُ طارقاً ∗∗∗ وجدتُ بها طِيباً وإن لم تَطِبِ وقيل: إنما ثني (ألقيا)، لأن قريناً يقع للجماعة والاثنين كقوله: ﴿وَالْمَلاَئِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾ [التحريم: ٤]، وكقوله: ﴿عَنِ ٱلْيَمِينِ وَعَنِ ٱلشِّمَالِ قَعِيدٌ﴾ [ق: ١٧]، على قول من رأى ذلك، وقد تقدم ذكره. وقيل: إنما قال ألقيا على شرط تكرير الفعل كأنه قال: أَلْقِ، أَلْقِ، فالألف تدل على التكرير ، وهو قول المبرد. وقيل: هو مخاطبة للملكين، السائق والشهيد، والعنيد: المعاند للحق المجانب له. وقيل العنيد: الجاحد للتوحيد. * * وقوله: ﴿مَّنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُّرِيبٍ﴾. قال قتادة: مناع للخير: أي: للزكاة المفروضة. معتد: متعد على حدود الله، مريب: شاك في الله وفي قدرته. وقيل مريب: يأتي الأمور القبيحة. وقيل الخير هنا: المال، يمنع أن يخرجه في حقه، معتد: متعد على الناس بلسانه وبطشه ظلماً. مريب: شاك. ثم بينه تعالى فقال: ﴿ٱلَّذِي جَعَلَ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهاً آخَرَ﴾ أي: هو الذي أشرك بالله غيره فجعل معه إلهاً آخر يعبده. ثم قال : ﴿قَالَ قرِينُهُ رَبَّنَا مَآ أَطْغَيْتُهُ وَلَـٰكِن كَانَ فِي ضَلاَلٍ بَعِيدٍ﴾. أي: قال قرين هذا الكافر الذي عبد مع الله غيره، وقرينه شيطانه، قاله ابن عباس وغيره. قال ابن زيد: قال قرينه من الجن ربنا ما أطغيته، تبرأ منه، والمعنى أنه تبرأ من كفره، وقال ما أجبرته على الكفر، إنما دعوته فاستجاب لي، لأنه كان على طريق جائر عن الصواب، فأعلم الله عز وجل عباده بتبري بعضهم من بعض يوم القيامة، وقد مضى ذلك في مواضع. * * ثم قال تعالى: ﴿قَالَ لاَ تَخْتَصِمُواْ لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُم بِٱلْوَعِيدِ﴾. (أي: قال لهما عز وجل) لا تختصما إِليَّ اليوم وقد قدمت إليكم في الدنيا بالوعيد على الكفر على لسان رسلي وكتبي. قال ابن عباس: اعتذروا بغير عذر فأبطل الله حجتهم ورد عليهم قولهم، وإنما قال لهم "لا تختصموا" ولم يتقدم إلاَّ ذكرُ الاثنين؛ لأن قبله الأخبار عن جماعة في قوله: ﴿كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ﴾، وفي قوله: ﴿وَجَآءَتْ كُلُّ نَفْسٍ﴾ [ق: ٢١]، وبعده خطاب للجماعة في قوله: ﴿وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُم﴾. فالمراد كل من اختصم مع قرينه، فهم جماعة ليس المراد به اثنين فقط، بل كل كافر اختصم مع قرينه، ويجوز أن يكون جمع تختصموا؛ لأن الاثنين جماعة والأول أبين. * * ثم قال: ﴿مَا يُبَدَّلُ ٱلْقَوْلُ لَدَيَّ﴾ أي: ما يغير القول الذي قلته لكم في الدنيا، وهو قوله: ﴿لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [هود: ١١٨]. قال مجاهد معناه قد قضيت ما أنا قاض. وقيل: معناه قد قضيت الحسنة بعشر أمثالها والسيئة بمثلها. * * ثم قال ﴿وَمَآ أَنَاْ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ﴾ أي: لا آخد أحداً بجرم أحد. * * ثم قال ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ ٱمْتَلأَتِ وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ﴾ أي: يوم يقول لجهنم هل أمتلئت لما سبق من وعيده في قوله: ﴿لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [هود: ١١٨] وذلك يوم القيامة. وقوله: ﴿وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ﴾. قال ابن عباس: إن الله قد سبقت كلمته لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين، فلما بعث الناس يوم القيامة، وسيق أعداء الله إلى النار زمراً، جعلوا يقتحمون في جهنم فوجاً، لا يلقى في جهنم فوج إلا ذهب فيها لا يملؤها شيء فقالت: ألست [قد] أقسمت لتملأني من الجنة والناس أجمعين، قال: فوضع قدمه عليها، فقالت حين وضع قدمه عليها: [قد امتلأتُ فليس من مزيد ولم يكن يملؤها شيء حتى وجدت مس ما وضع عليها] فتضايقت حين جعل عليها ما جعل فامتلأت فما فيها موضع إبرة. قال مجاهد: وتقول هل من مزيد، قال: وعدها ليملأنها فقال هلا وفيتك (قالت وهل من مسلك)، فمعنى ﴿هَلْ مِن مَّزِيدٍ﴾ ما من مزيد على هذين القولين. وحكي عن النبي ﷺ أنه قيل له بمكة: ألاّ تنزل داراً من دورك فقال: "وهل ترك لنا عقيل من دار" أي: ما ترك لنا داراً حين باعها وقت. الهجرة فالتقدير: هل فيّ من مسلك (وقد امتلأت). فلا زيادة فيّ. وقال أنس بن مالك: يلقي في جهنم وتقول هل من مزيد؛ أي: زدني ثلاثا، حتى يضع قدمه فيها فتنزوي بعضها إلى بعض فتقول: قط ثلاثاً، وهو قول ابن زيد. فمعنى ﴿هَلْ مِن مَّزِيدٍ﴾ على هذين القولين: زدني، تسأله أن يزيد فيها من الخلق، وعلى. القولين الأولين: لا مزيد فيّ قد امتلأت، فلا موضع لأحد في وقد روي عن النبي ﷺ أنه قال: "لا تَزَالُ جَهَنَّمَ تَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ فَيَقُومُ رَبّ العَالَمِين فَيَجْعَلَ قَدَمَهُ فِيها فَتَقُول قَط قط ومعنى قدمه: أي: من تقدم في علمه أنه يدخله النار، ومنه قوله تعالى ﴿وَبَشِّرِ ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَبِّهِمْ﴾ [يونس: ٢] [أي] سابقة خير. ومن روى الحديث "حَتَّى يَضَعَ الجَبَّارَ فِيها قَدَمه"احتمل التفسير الأول، أي: حتى يضع لها من تقدم في علمنه أنه يدخل النار، ويحتمل أن يكون المعنى: حتى يضع الجبارون المتكبرون على الله فيها أقدامهم بأجمعهم، والواحد يدل على الجمع. وقال أبو هريرة: "اخْتَصَمَت الجَنَّة وَالنَّار، فَقَالَتْ: الجَنّة مَا لِي إِنَّمَا يَدْخُلُنِي فُقَرَاء المُسْلِمين وَسقاطهم، وقالت النار: ما لي إنما يدخلني الجبارون والمتكبرون". فقال تعالى ذكره: أنت رحمتي أصيب بك من أشاء [وأنت عذابي أصيب به من أشاء] ولكل واحدة منكما ملؤها، فأما الجنة فإن الله ينشئ لها من خلقه ما شاء، وأما النار فيلقون فيها فتقول هل من مزيد ويلقون فيها فتقول هل من مزيد، حتى يضع فيها قدمه، فهناك تملأ وتنزوي بعضها إلى بعض وتقول: قط قط. * * ثم قال: ﴿وَأُزْلِفَتِ ٱلْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ﴾ أي: أدنيت الجنة وقربت للذين آتقوا ربهم. * * ثم قال ﴿هَـٰذَا مَا تُوعَدُونَ﴾ أي: يقال لهم هذا الذي كنتم توعدونه أيها المتقون. ﴿لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ﴾ أي: لكل راجع عن معصية الله عز وجل تائب من ذنوبه. وقيل هو المسبِّح، قال أبن عباس، قال: لكل أواب: لكل مسبِّح، وهو قول مجاهد. وعن مجاهد أنه قال هو الذي يذكر ذنوبه في الخلا، فيستغفر منها، وكذا روى عن الشعبي. (وقال الحسن: الأواب: الرجل معلق قلبه عند الله). وقال قتادة لكل أواب حفيظ: أي: لكل مطيع لله عز وجل، كثير الصلاة. وقال ابن زيد الأواب الثواب. قال ابن عباس حفيظ: أي: حفظ ذنوبه حتى تاب منها. وقيل: معناه حفيظ على فرائض الله، أي: محافظ عليها. وقال قتادة: حفيظ: ما استودعه الله عز وجل من حقه ونعمته. * * ثم قال: ﴿مَّنْ خَشِيَ ٱلرَّحْمَـٰنَ﴾ "من" بدل من "أواب" أو من "كل"، والمعنى: من خاف الرحمن في الدنيا وخشي عذابه. ﴿وَجَآءَ بِقَلْبٍ مُّنِيبٍ﴾ قال قتادة: بقلب منيب إلى ربه؛ أي: راجع إلى رضا ربه. قال فضيل: المنيب: الذي يذكر ذنوبه في الخلا ويستغفر منها. * * ثم قال ﴿ٱدْخُلُوهَا بِسَلاَمٍ ذَلِكَ﴾ أي: ادخلوا الجنة بسلامة وبأمان من الهم والنصب والعذاب والموت وجميع المكاره والأحزان. * * ثم قال ﴿ذَلِكَ يَوْمُ ٱلُخُلُودِ﴾ أي: ذلك اليوم الذي يدخلون فيه الجنة هو يوم المكث في النعيم المقيم. * * ثم قال ﴿لَهُم مَّا يَشَآءُونَ فِيهَا﴾ أي: لهم في الجنة ما تشتهيه أنفسهم. ﴿وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ أي: وعندنا ما أعطيناهم زيادة، قيل: هو النظر إلى الله جل ذكره. وقيل بل يزادون ما لم يخطر على قلوبهم. وروى أنس بن مالك عن النبي ﷺ أنه قال: النظر إلى الله في كل يوم، وذكر حديثا طويلا.

ق 50:35

قوله: ﴿وَقَالَ قَرِينُهُ هَـٰذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ﴾ إلى قوله: ﴿وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ الآيات. أي: وقال قرين هذا الإنسان الذي جاء به ربه يوم القيامة ومعه سائق وشهيد: هذا ما عندي حاضر مما كتبت عليه. قال ابن زيد: هو سائق الذي وكل به. قال قتادة قرينه: الملك. وقيل قرينه: شيطانه. وقيل معنى عتيد: معد. وقيل معناه: قال قرين الكافر هذا ما عندي من العذاب له حاضر. [وقيل معناه: قال قرينه من زبانية جهنم هذا ما عندي من العذاب حاضر]. * * ثم قال: ﴿أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ﴾. قال الفراء والكسائي: "أَلْقِيَا" مخاطبة للقرين. قال الفراء: والعرب تخاطب الواحد مخاطبة الاثنين، فتقول: "يا رجل قوما". وأنشد: ؎ خَلِيلَيَّ مُرَّا بِي عَلَى أُمِّ جُنْدُبٍ ∗∗∗ [لِنَقْضِي لُبَانَاتِ] الفُؤادِ المُعَذَّبِ وإنما خاطب واحداً، واستدل على ذلك بقوله في القصيدة: ؎ أَلَمْ تَرَيَانِي كُلَّمَا جئتُ طارقاً ∗∗∗ وجدتُ بها طِيباً وإن لم تَطِبِ وقيل: إنما ثني (ألقيا)، لأن قريناً يقع للجماعة والاثنين كقوله: ﴿وَالْمَلاَئِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾ [التحريم: ٤]، وكقوله: ﴿عَنِ ٱلْيَمِينِ وَعَنِ ٱلشِّمَالِ قَعِيدٌ﴾ [ق: ١٧]، على قول من رأى ذلك، وقد تقدم ذكره. وقيل: إنما قال ألقيا على شرط تكرير الفعل كأنه قال: أَلْقِ، أَلْقِ، فالألف تدل على التكرير ، وهو قول المبرد. وقيل: هو مخاطبة للملكين، السائق والشهيد، والعنيد: المعاند للحق المجانب له. وقيل العنيد: الجاحد للتوحيد. * * وقوله: ﴿مَّنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُّرِيبٍ﴾. قال قتادة: مناع للخير: أي: للزكاة المفروضة. معتد: متعد على حدود الله، مريب: شاك في الله وفي قدرته. وقيل مريب: يأتي الأمور القبيحة. وقيل الخير هنا: المال، يمنع أن يخرجه في حقه، معتد: متعد على الناس بلسانه وبطشه ظلماً. مريب: شاك. ثم بينه تعالى فقال: ﴿ٱلَّذِي جَعَلَ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهاً آخَرَ﴾ أي: هو الذي أشرك بالله غيره فجعل معه إلهاً آخر يعبده. ثم قال : ﴿قَالَ قرِينُهُ رَبَّنَا مَآ أَطْغَيْتُهُ وَلَـٰكِن كَانَ فِي ضَلاَلٍ بَعِيدٍ﴾. أي: قال قرين هذا الكافر الذي عبد مع الله غيره، وقرينه شيطانه، قاله ابن عباس وغيره. قال ابن زيد: قال قرينه من الجن ربنا ما أطغيته، تبرأ منه، والمعنى أنه تبرأ من كفره، وقال ما أجبرته على الكفر، إنما دعوته فاستجاب لي، لأنه كان على طريق جائر عن الصواب، فأعلم الله عز وجل عباده بتبري بعضهم من بعض يوم القيامة، وقد مضى ذلك في مواضع. * * ثم قال تعالى: ﴿قَالَ لاَ تَخْتَصِمُواْ لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُم بِٱلْوَعِيدِ﴾. (أي: قال لهما عز وجل) لا تختصما إِليَّ اليوم وقد قدمت إليكم في الدنيا بالوعيد على الكفر على لسان رسلي وكتبي. قال ابن عباس: اعتذروا بغير عذر فأبطل الله حجتهم ورد عليهم قولهم، وإنما قال لهم "لا تختصموا" ولم يتقدم إلاَّ ذكرُ الاثنين؛ لأن قبله الأخبار عن جماعة في قوله: ﴿كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ﴾، وفي قوله: ﴿وَجَآءَتْ كُلُّ نَفْسٍ﴾ [ق: ٢١]، وبعده خطاب للجماعة في قوله: ﴿وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُم﴾. فالمراد كل من اختصم مع قرينه، فهم جماعة ليس المراد به اثنين فقط، بل كل كافر اختصم مع قرينه، ويجوز أن يكون جمع تختصموا؛ لأن الاثنين جماعة والأول أبين. * * ثم قال: ﴿مَا يُبَدَّلُ ٱلْقَوْلُ لَدَيَّ﴾ أي: ما يغير القول الذي قلته لكم في الدنيا، وهو قوله: ﴿لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [هود: ١١٨]. قال مجاهد معناه قد قضيت ما أنا قاض. وقيل: معناه قد قضيت الحسنة بعشر أمثالها والسيئة بمثلها. * * ثم قال ﴿وَمَآ أَنَاْ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ﴾ أي: لا آخد أحداً بجرم أحد. * * ثم قال ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ ٱمْتَلأَتِ وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ﴾ أي: يوم يقول لجهنم هل أمتلئت لما سبق من وعيده في قوله: ﴿لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [هود: ١١٨] وذلك يوم القيامة. وقوله: ﴿وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ﴾. قال ابن عباس: إن الله قد سبقت كلمته لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين، فلما بعث الناس يوم القيامة، وسيق أعداء الله إلى النار زمراً، جعلوا يقتحمون في جهنم فوجاً، لا يلقى في جهنم فوج إلا ذهب فيها لا يملؤها شيء فقالت: ألست [قد] أقسمت لتملأني من الجنة والناس أجمعين، قال: فوضع قدمه عليها، فقالت حين وضع قدمه عليها: [قد امتلأتُ فليس من مزيد ولم يكن يملؤها شيء حتى وجدت مس ما وضع عليها] فتضايقت حين جعل عليها ما جعل فامتلأت فما فيها موضع إبرة. قال مجاهد: وتقول هل من مزيد، قال: وعدها ليملأنها فقال هلا وفيتك (قالت وهل من مسلك)، فمعنى ﴿هَلْ مِن مَّزِيدٍ﴾ ما من مزيد على هذين القولين. وحكي عن النبي ﷺ أنه قيل له بمكة: ألاّ تنزل داراً من دورك فقال: "وهل ترك لنا عقيل من دار" أي: ما ترك لنا داراً حين باعها وقت. الهجرة فالتقدير: هل فيّ من مسلك (وقد امتلأت). فلا زيادة فيّ. وقال أنس بن مالك: يلقي في جهنم وتقول هل من مزيد؛ أي: زدني ثلاثا، حتى يضع قدمه فيها فتنزوي بعضها إلى بعض فتقول: قط ثلاثاً، وهو قول ابن زيد. فمعنى ﴿هَلْ مِن مَّزِيدٍ﴾ على هذين القولين: زدني، تسأله أن يزيد فيها من الخلق، وعلى. القولين الأولين: لا مزيد فيّ قد امتلأت، فلا موضع لأحد في وقد روي عن النبي ﷺ أنه قال: "لا تَزَالُ جَهَنَّمَ تَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ فَيَقُومُ رَبّ العَالَمِين فَيَجْعَلَ قَدَمَهُ فِيها فَتَقُول قَط قط ومعنى قدمه: أي: من تقدم في علمه أنه يدخله النار، ومنه قوله تعالى ﴿وَبَشِّرِ ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَبِّهِمْ﴾ [يونس: ٢] [أي] سابقة خير. ومن روى الحديث "حَتَّى يَضَعَ الجَبَّارَ فِيها قَدَمه"احتمل التفسير الأول، أي: حتى يضع لها من تقدم في علمنه أنه يدخل النار، ويحتمل أن يكون المعنى: حتى يضع الجبارون المتكبرون على الله فيها أقدامهم بأجمعهم، والواحد يدل على الجمع. وقال أبو هريرة: "اخْتَصَمَت الجَنَّة وَالنَّار، فَقَالَتْ: الجَنّة مَا لِي إِنَّمَا يَدْخُلُنِي فُقَرَاء المُسْلِمين وَسقاطهم، وقالت النار: ما لي إنما يدخلني الجبارون والمتكبرون". فقال تعالى ذكره: أنت رحمتي أصيب بك من أشاء [وأنت عذابي أصيب به من أشاء] ولكل واحدة منكما ملؤها، فأما الجنة فإن الله ينشئ لها من خلقه ما شاء، وأما النار فيلقون فيها فتقول هل من مزيد ويلقون فيها فتقول هل من مزيد، حتى يضع فيها قدمه، فهناك تملأ وتنزوي بعضها إلى بعض وتقول: قط قط. * * ثم قال: ﴿وَأُزْلِفَتِ ٱلْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ﴾ أي: أدنيت الجنة وقربت للذين آتقوا ربهم. * * ثم قال ﴿هَـٰذَا مَا تُوعَدُونَ﴾ أي: يقال لهم هذا الذي كنتم توعدونه أيها المتقون. ﴿لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ﴾ أي: لكل راجع عن معصية الله عز وجل تائب من ذنوبه. وقيل هو المسبِّح، قال أبن عباس، قال: لكل أواب: لكل مسبِّح، وهو قول مجاهد. وعن مجاهد أنه قال هو الذي يذكر ذنوبه في الخلا، فيستغفر منها، وكذا روى عن الشعبي. (وقال الحسن: الأواب: الرجل معلق قلبه عند الله). وقال قتادة لكل أواب حفيظ: أي: لكل مطيع لله عز وجل، كثير الصلاة. وقال ابن زيد الأواب الثواب. قال ابن عباس حفيظ: أي: حفظ ذنوبه حتى تاب منها. وقيل: معناه حفيظ على فرائض الله، أي: محافظ عليها. وقال قتادة: حفيظ: ما استودعه الله عز وجل من حقه ونعمته. * * ثم قال: ﴿مَّنْ خَشِيَ ٱلرَّحْمَـٰنَ﴾ "من" بدل من "أواب" أو من "كل"، والمعنى: من خاف الرحمن في الدنيا وخشي عذابه. ﴿وَجَآءَ بِقَلْبٍ مُّنِيبٍ﴾ قال قتادة: بقلب منيب إلى ربه؛ أي: راجع إلى رضا ربه. قال فضيل: المنيب: الذي يذكر ذنوبه في الخلا ويستغفر منها. * * ثم قال ﴿ٱدْخُلُوهَا بِسَلاَمٍ ذَلِكَ﴾ أي: ادخلوا الجنة بسلامة وبأمان من الهم والنصب والعذاب والموت وجميع المكاره والأحزان. * * ثم قال ﴿ذَلِكَ يَوْمُ ٱلُخُلُودِ﴾ أي: ذلك اليوم الذي يدخلون فيه الجنة هو يوم المكث في النعيم المقيم. * * ثم قال ﴿لَهُم مَّا يَشَآءُونَ فِيهَا﴾ أي: لهم في الجنة ما تشتهيه أنفسهم. ﴿وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ أي: وعندنا ما أعطيناهم زيادة، قيل: هو النظر إلى الله جل ذكره. وقيل بل يزادون ما لم يخطر على قلوبهم. وروى أنس بن مالك عن النبي ﷺ أنه قال: النظر إلى الله في كل يوم، وذكر حديثا طويلا.

ق 50:36

قوله ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِّن قَرْنٍ﴾ إلى آخر السورة الآيات. أي: وكثيراً من القرون الماضية أهلكنا قبل هؤلاء المشركين من قريش هم أشد من قريش بطشاً. * * ثم قال: ﴿فَنَقَّبُواْ فِي ٱلْبِلاَدِ﴾ قال ابن عباس معناه فأثروا في البلاد. وقال مجاهد ضربوا في الأرض. وقيل معناه ضربوا وتوغلوا في البلاد (يلتمسون محيصاً) من الموت فلم يجدوا منه مخلصاً. والقرن مأخوذ من الأقران وهو مقدار أكثر ما يعيش أهل ذلك الزمان. قال الفراء: ﴿هَلْ مِن مَّحِيصٍ﴾ (أي: فهل كان لهم من الموت محيص) وحذف "كان" للدلالة. وقرأ يحيى بن يعمر فنقِّبوا: على الأمر، ومعناه: التهدد والوعيد لقريش، أي: فطوفوا في البلاد وتوغلوا وفروا بأنفسكم فيها هل تجدون محيصاً من الموت. وقراءة الجماعة إنما هي على الإخبار عما فعلت القرون الماضية فالوقف على (قراءة الجماعة على محيص). وعلى قراءة ابن يعمر على "بطشاً". * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَىٰ لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ﴾. أي: إن في إهلاكنا القرون الماضية قبل قريش بكفرهم لذكرى يتذكر بها ويتعظ بها من كان له عقل من قريش وغيرهم، فينتهي عن الفعل الذي أهلكت القرون الماضية من أجله وهو الكفر بالله ورسله عليهم السلام وكتبه. قال قتادة: ﴿لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ﴾ يعني من هذه الأمة. قال: يعني بذلك القلب الحي. فالتقدير لمن كان له عقل يعقل به ما ينفعه وكني عن العقل بالقلب لأنه محله. * * ثم قال: ﴿أَوْ أَلْقَى ٱلسَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ (أي: وألقى بسمعه لأخبار الجزاء عن القرون الماضية التي أهلكت بكفرها وعصيانها). وهو شهيد: أي: متفهم لما يخبر به عنهم معرض عما يخبر به، هذا معنى قول أبن عباس والضحاك وغيرهما. وقال قتادة: عني بذلك أهل الكتاب، فالمعنى وهو شهيد على ما يقرأ في كتاب الله من نعمة محمد ﷺ، وهو قول معمر. وقال الحسن هو منافق استمع ولم ينتفع. وقال أبو صالح هو المؤمن يسمع القرآن وهو شهيد على ذلك. * * ثم قال ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍ﴾ أي: خلقنا جميع ذلك في ستة أيام، أولها الأحد، وآخرها الجمعة وما مسنا من إعياء. روي: أن هذه الآية نزلت في يهود أتوا النبي ﷺ فقالوا: أخبرنا ما خلق الله (من الخلق) في هذه الأيام الستة، فقال (خلق يوم الأحد والاثنين الأرض)، وخلق الجبال يوم الثلاثاء [وخلق المدائن والأقوات والأنهار وعمراتها وخرابها يوم الأربعاء وخلق السماوات] والملائكة يوم الخميس إلى ثلاث ساعات، يعني من يوم الجمعة، وخلق في أول الثلاث ساعات الآجال وفي الثانية الآفات وفي الثالثة آدم، قالوا صدقت إذا أتممت، فعرف النبي ﷺ ما يريدون فغضب، فأنزل الله ﴿وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍ * فَٱصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ﴾ قال قتادة: أكذب الله جل وعز اليهود والنصارى وأهل الفِراء على الله جل ذكره، وذلك أنهم قالوا: خلق الله جل وعز السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استراح يوم السابع. وذلك عندهم يوم السبت، وهم يسمونه الراحة. قال الضحاك: كان مقدار كل يوم ألف سنة مما تعدون. قال مجاهد: ﴿مِن لُّغُوبٍ﴾ من نصب. وقال قتادة: من إعياء. واللغوب في اللغة: التعب. يقال لغب يلغب لغوباً: إذا تعب. * * ثم قال: ﴿فَٱصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ﴾ أي: اصبر يا محمد على قولهم لك ثم استراح. وهذه الآية عند جماعة منسوخة بقوله ﴿قَاتِلُواْ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ﴾ [التوبة: ٢٩]. * * وقوله: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ ٱلشَّمْسِ وَقَبْلَ ٱلْغُرُوبِ﴾. قال قتادة: قبل طلوع الشمس: صلاة الفجر، وقبل الغروب: صلاة العصر، وهو قول ابن زيد. قال ابن زيد: ﴿وَمِنَ ٱللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ﴾: يعني صلاة العتمة. وقال مجاهد: هي الصلاة بالليل، في أي وقت صلى. * * وقوله: ﴿وَأَدْبَارَ ٱلسُّجُودِ﴾. قال علي أبي طالب رضي الله عنه: الركعتان بعد المغرب. وكذلك عن عمر رضي الله عنه. وهو قول ابن عباس وابن مسعود والحسن ومجاهد والشعبي وقتادة والضحاك. وقد روي ذلك عن النبي ﷺ، وهو اختيار الطبري. وقيل: هو على الندب. وعن ابن عباس: ﴿وَأَدْبَارَ ٱلسُّجُودِ﴾ هو التسبيح بعد الصلاة، وأدبار النجوم علامة الصبح. وقال: ابن زيد وأدبار السجود: النوافل بعد الصلوات المكتوبات. * * ثم قال: ﴿وَٱسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ ٱلْمُنَادِ مِن مَّكَانٍ قَرِيبٍ﴾ أي: واستمع يا محمد حين ينادي المنادي من صخرة بيت المقدس وهو المكان القريب، قاله كعب، قال: ينادي بصوت عال يا أيتها العظام البالية، والأوصال المنقطعة اجتمعي لفصل القضاء. قال قتادة: كما نحدث أنه من بيت المقدس من الصخرة وهي أوسط الأرض. قال: وحدثنا أن كعبا قال هي أقرب الأرض إلى السماء بثمانية عشر ميلا. وقال بريدة: هو ملك يقوم على صخرة المقدس يقول: يا أيها الناس هلموا إلى الحساب قال فيقبلون كما قال الله عز وجل ﴿كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُّنتَشِرٌ﴾ [القمر: ٧]. [وإنما] قيل له مكان قريب: لأنه يسمع كل أحد. * * ثم قال: ﴿يَوْمَ يَسْمَعُونَ ٱلصَّيْحَةَ بِٱلْحَقِّ﴾ أي: يوم يسمع الخلائق صيحة البعث من القبور بالحق أي: بالاجتماع للحساب. * * ثم قال: ﴿ذَلِكَ يَوْمُ ٱلْخُرُوجِ﴾ أي: ذلك يوم خروج أهل القبور من قبورهم. * * ثم قال: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِـي وَنُمِيتُ وَإِلَيْنَا ٱلْمَصِيرُ﴾ أي: نحيى الموتى، ونميت الأجبار، وإلينا رجوع جميع الخلق يوم القيامة. * * ثم قال: ﴿يَوْمَ تَشَقَّقُ ٱلأَرْضُ عَنْهُمْ سِرَاعاً﴾ أي: وإلينا مصيرهم في يوم تشقق الأرض عن جميع الخلق، أي: تتصدع عنهم فيخرجون سراعاً. * * ثم قال: ﴿ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ﴾ أي: جمعهم جمعا علينا سهل. ثم قال: ﴿نَّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ وَمَآ أَنتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ﴾ أي: نحن أعلم يا محمد بما يقول هؤلاء المشركون من كذبهم على الله سبحانه، وتكذيبهم بآياته، وإنكارهم للبعث، ولست يا محمد [عليهم] بمسلط على أن تجبرهم على الإيمان، إنما أنت منذر. قال الفراء: "وضع الجبَّار في موضع السلطان من الجبرية". ثم قال مجاهد: وما أنت عليهم بجبار: أي: لست تتجبر عليهم، وهو معنى قول قتادة. وجبار من أجبرته على كذا، وحكى أهل اللغة أن العرب لا تأتي بفعال من أفعلت، إنما تأتي به من فعلت غير حرف، وأخرجا فعَّال من أفعلت، وهو درّاك من أدركت، وهو شاذ. وحكى عن العرب: جبره على الأمر، فجبَّار من هذا. وقد يقال أجبره بمعنى جبره، لكن الجبار من جبره مأخوذ. * * ثم قال: ﴿فَذَكِّرْ بِٱلْقُرْآنِ مَن يَخَافُ وَعِيدِ﴾ أي: فذكر يا محمد بهذا القرآن من يخاف وعيدي الذي أوعدته من عقابي. قال ابن عباس: قالوا يا رسول الله لو خوفتنا، فنزلت ﴿فَذَكِّرْ بِٱلْقُرْآنِ مَن يَخَافُ وَعِيدِ﴾.

ق 50:37

قوله ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِّن قَرْنٍ﴾ إلى آخر السورة الآيات. أي: وكثيراً من القرون الماضية أهلكنا قبل هؤلاء المشركين من قريش هم أشد من قريش بطشاً. * * ثم قال: ﴿فَنَقَّبُواْ فِي ٱلْبِلاَدِ﴾ قال ابن عباس معناه فأثروا في البلاد. وقال مجاهد ضربوا في الأرض. وقيل معناه ضربوا وتوغلوا في البلاد (يلتمسون محيصاً) من الموت فلم يجدوا منه مخلصاً. والقرن مأخوذ من الأقران وهو مقدار أكثر ما يعيش أهل ذلك الزمان. قال الفراء: ﴿هَلْ مِن مَّحِيصٍ﴾ (أي: فهل كان لهم من الموت محيص) وحذف "كان" للدلالة. وقرأ يحيى بن يعمر فنقِّبوا: على الأمر، ومعناه: التهدد والوعيد لقريش، أي: فطوفوا في البلاد وتوغلوا وفروا بأنفسكم فيها هل تجدون محيصاً من الموت. وقراءة الجماعة إنما هي على الإخبار عما فعلت القرون الماضية فالوقف على (قراءة الجماعة على محيص). وعلى قراءة ابن يعمر على "بطشاً". * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَىٰ لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ﴾. أي: إن في إهلاكنا القرون الماضية قبل قريش بكفرهم لذكرى يتذكر بها ويتعظ بها من كان له عقل من قريش وغيرهم، فينتهي عن الفعل الذي أهلكت القرون الماضية من أجله وهو الكفر بالله ورسله عليهم السلام وكتبه. قال قتادة: ﴿لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ﴾ يعني من هذه الأمة. قال: يعني بذلك القلب الحي. فالتقدير لمن كان له عقل يعقل به ما ينفعه وكني عن العقل بالقلب لأنه محله. * * ثم قال: ﴿أَوْ أَلْقَى ٱلسَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ (أي: وألقى بسمعه لأخبار الجزاء عن القرون الماضية التي أهلكت بكفرها وعصيانها). وهو شهيد: أي: متفهم لما يخبر به عنهم معرض عما يخبر به، هذا معنى قول أبن عباس والضحاك وغيرهما. وقال قتادة: عني بذلك أهل الكتاب، فالمعنى وهو شهيد على ما يقرأ في كتاب الله من نعمة محمد ﷺ، وهو قول معمر. وقال الحسن هو منافق استمع ولم ينتفع. وقال أبو صالح هو المؤمن يسمع القرآن وهو شهيد على ذلك. * * ثم قال ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍ﴾ أي: خلقنا جميع ذلك في ستة أيام، أولها الأحد، وآخرها الجمعة وما مسنا من إعياء. روي: أن هذه الآية نزلت في يهود أتوا النبي ﷺ فقالوا: أخبرنا ما خلق الله (من الخلق) في هذه الأيام الستة، فقال (خلق يوم الأحد والاثنين الأرض)، وخلق الجبال يوم الثلاثاء [وخلق المدائن والأقوات والأنهار وعمراتها وخرابها يوم الأربعاء وخلق السماوات] والملائكة يوم الخميس إلى ثلاث ساعات، يعني من يوم الجمعة، وخلق في أول الثلاث ساعات الآجال وفي الثانية الآفات وفي الثالثة آدم، قالوا صدقت إذا أتممت، فعرف النبي ﷺ ما يريدون فغضب، فأنزل الله ﴿وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍ * فَٱصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ﴾ قال قتادة: أكذب الله جل وعز اليهود والنصارى وأهل الفِراء على الله جل ذكره، وذلك أنهم قالوا: خلق الله جل وعز السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استراح يوم السابع. وذلك عندهم يوم السبت، وهم يسمونه الراحة. قال الضحاك: كان مقدار كل يوم ألف سنة مما تعدون. قال مجاهد: ﴿مِن لُّغُوبٍ﴾ من نصب. وقال قتادة: من إعياء. واللغوب في اللغة: التعب. يقال لغب يلغب لغوباً: إذا تعب. * * ثم قال: ﴿فَٱصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ﴾ أي: اصبر يا محمد على قولهم لك ثم استراح. وهذه الآية عند جماعة منسوخة بقوله ﴿قَاتِلُواْ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ﴾ [التوبة: ٢٩]. * * وقوله: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ ٱلشَّمْسِ وَقَبْلَ ٱلْغُرُوبِ﴾. قال قتادة: قبل طلوع الشمس: صلاة الفجر، وقبل الغروب: صلاة العصر، وهو قول ابن زيد. قال ابن زيد: ﴿وَمِنَ ٱللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ﴾: يعني صلاة العتمة. وقال مجاهد: هي الصلاة بالليل، في أي وقت صلى. * * وقوله: ﴿وَأَدْبَارَ ٱلسُّجُودِ﴾. قال علي أبي طالب رضي الله عنه: الركعتان بعد المغرب. وكذلك عن عمر رضي الله عنه. وهو قول ابن عباس وابن مسعود والحسن ومجاهد والشعبي وقتادة والضحاك. وقد روي ذلك عن النبي ﷺ، وهو اختيار الطبري. وقيل: هو على الندب. وعن ابن عباس: ﴿وَأَدْبَارَ ٱلسُّجُودِ﴾ هو التسبيح بعد الصلاة، وأدبار النجوم علامة الصبح. وقال: ابن زيد وأدبار السجود: النوافل بعد الصلوات المكتوبات. * * ثم قال: ﴿وَٱسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ ٱلْمُنَادِ مِن مَّكَانٍ قَرِيبٍ﴾ أي: واستمع يا محمد حين ينادي المنادي من صخرة بيت المقدس وهو المكان القريب، قاله كعب، قال: ينادي بصوت عال يا أيتها العظام البالية، والأوصال المنقطعة اجتمعي لفصل القضاء. قال قتادة: كما نحدث أنه من بيت المقدس من الصخرة وهي أوسط الأرض. قال: وحدثنا أن كعبا قال هي أقرب الأرض إلى السماء بثمانية عشر ميلا. وقال بريدة: هو ملك يقوم على صخرة المقدس يقول: يا أيها الناس هلموا إلى الحساب قال فيقبلون كما قال الله عز وجل ﴿كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُّنتَشِرٌ﴾ [القمر: ٧]. [وإنما] قيل له مكان قريب: لأنه يسمع كل أحد. * * ثم قال: ﴿يَوْمَ يَسْمَعُونَ ٱلصَّيْحَةَ بِٱلْحَقِّ﴾ أي: يوم يسمع الخلائق صيحة البعث من القبور بالحق أي: بالاجتماع للحساب. * * ثم قال: ﴿ذَلِكَ يَوْمُ ٱلْخُرُوجِ﴾ أي: ذلك يوم خروج أهل القبور من قبورهم. * * ثم قال: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِـي وَنُمِيتُ وَإِلَيْنَا ٱلْمَصِيرُ﴾ أي: نحيى الموتى، ونميت الأجبار، وإلينا رجوع جميع الخلق يوم القيامة. * * ثم قال: ﴿يَوْمَ تَشَقَّقُ ٱلأَرْضُ عَنْهُمْ سِرَاعاً﴾ أي: وإلينا مصيرهم في يوم تشقق الأرض عن جميع الخلق، أي: تتصدع عنهم فيخرجون سراعاً. * * ثم قال: ﴿ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ﴾ أي: جمعهم جمعا علينا سهل. ثم قال: ﴿نَّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ وَمَآ أَنتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ﴾ أي: نحن أعلم يا محمد بما يقول هؤلاء المشركون من كذبهم على الله سبحانه، وتكذيبهم بآياته، وإنكارهم للبعث، ولست يا محمد [عليهم] بمسلط على أن تجبرهم على الإيمان، إنما أنت منذر. قال الفراء: "وضع الجبَّار في موضع السلطان من الجبرية". ثم قال مجاهد: وما أنت عليهم بجبار: أي: لست تتجبر عليهم، وهو معنى قول قتادة. وجبار من أجبرته على كذا، وحكى أهل اللغة أن العرب لا تأتي بفعال من أفعلت، إنما تأتي به من فعلت غير حرف، وأخرجا فعَّال من أفعلت، وهو درّاك من أدركت، وهو شاذ. وحكى عن العرب: جبره على الأمر، فجبَّار من هذا. وقد يقال أجبره بمعنى جبره، لكن الجبار من جبره مأخوذ. * * ثم قال: ﴿فَذَكِّرْ بِٱلْقُرْآنِ مَن يَخَافُ وَعِيدِ﴾ أي: فذكر يا محمد بهذا القرآن من يخاف وعيدي الذي أوعدته من عقابي. قال ابن عباس: قالوا يا رسول الله لو خوفتنا، فنزلت ﴿فَذَكِّرْ بِٱلْقُرْآنِ مَن يَخَافُ وَعِيدِ﴾.

ق 50:38

قوله ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِّن قَرْنٍ﴾ إلى آخر السورة الآيات. أي: وكثيراً من القرون الماضية أهلكنا قبل هؤلاء المشركين من قريش هم أشد من قريش بطشاً. * * ثم قال: ﴿فَنَقَّبُواْ فِي ٱلْبِلاَدِ﴾ قال ابن عباس معناه فأثروا في البلاد. وقال مجاهد ضربوا في الأرض. وقيل معناه ضربوا وتوغلوا في البلاد (يلتمسون محيصاً) من الموت فلم يجدوا منه مخلصاً. والقرن مأخوذ من الأقران وهو مقدار أكثر ما يعيش أهل ذلك الزمان. قال الفراء: ﴿هَلْ مِن مَّحِيصٍ﴾ (أي: فهل كان لهم من الموت محيص) وحذف "كان" للدلالة. وقرأ يحيى بن يعمر فنقِّبوا: على الأمر، ومعناه: التهدد والوعيد لقريش، أي: فطوفوا في البلاد وتوغلوا وفروا بأنفسكم فيها هل تجدون محيصاً من الموت. وقراءة الجماعة إنما هي على الإخبار عما فعلت القرون الماضية فالوقف على (قراءة الجماعة على محيص). وعلى قراءة ابن يعمر على "بطشاً". * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَىٰ لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ﴾. أي: إن في إهلاكنا القرون الماضية قبل قريش بكفرهم لذكرى يتذكر بها ويتعظ بها من كان له عقل من قريش وغيرهم، فينتهي عن الفعل الذي أهلكت القرون الماضية من أجله وهو الكفر بالله ورسله عليهم السلام وكتبه. قال قتادة: ﴿لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ﴾ يعني من هذه الأمة. قال: يعني بذلك القلب الحي. فالتقدير لمن كان له عقل يعقل به ما ينفعه وكني عن العقل بالقلب لأنه محله. * * ثم قال: ﴿أَوْ أَلْقَى ٱلسَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ (أي: وألقى بسمعه لأخبار الجزاء عن القرون الماضية التي أهلكت بكفرها وعصيانها). وهو شهيد: أي: متفهم لما يخبر به عنهم معرض عما يخبر به، هذا معنى قول أبن عباس والضحاك وغيرهما. وقال قتادة: عني بذلك أهل الكتاب، فالمعنى وهو شهيد على ما يقرأ في كتاب الله من نعمة محمد ﷺ، وهو قول معمر. وقال الحسن هو منافق استمع ولم ينتفع. وقال أبو صالح هو المؤمن يسمع القرآن وهو شهيد على ذلك. * * ثم قال ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍ﴾ أي: خلقنا جميع ذلك في ستة أيام، أولها الأحد، وآخرها الجمعة وما مسنا من إعياء. روي: أن هذه الآية نزلت في يهود أتوا النبي ﷺ فقالوا: أخبرنا ما خلق الله (من الخلق) في هذه الأيام الستة، فقال (خلق يوم الأحد والاثنين الأرض)، وخلق الجبال يوم الثلاثاء [وخلق المدائن والأقوات والأنهار وعمراتها وخرابها يوم الأربعاء وخلق السماوات] والملائكة يوم الخميس إلى ثلاث ساعات، يعني من يوم الجمعة، وخلق في أول الثلاث ساعات الآجال وفي الثانية الآفات وفي الثالثة آدم، قالوا صدقت إذا أتممت، فعرف النبي ﷺ ما يريدون فغضب، فأنزل الله ﴿وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍ * فَٱصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ﴾ قال قتادة: أكذب الله جل وعز اليهود والنصارى وأهل الفِراء على الله جل ذكره، وذلك أنهم قالوا: خلق الله جل وعز السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استراح يوم السابع. وذلك عندهم يوم السبت، وهم يسمونه الراحة. قال الضحاك: كان مقدار كل يوم ألف سنة مما تعدون. قال مجاهد: ﴿مِن لُّغُوبٍ﴾ من نصب. وقال قتادة: من إعياء. واللغوب في اللغة: التعب. يقال لغب يلغب لغوباً: إذا تعب. * * ثم قال: ﴿فَٱصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ﴾ أي: اصبر يا محمد على قولهم لك ثم استراح. وهذه الآية عند جماعة منسوخة بقوله ﴿قَاتِلُواْ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ﴾ [التوبة: ٢٩]. * * وقوله: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ ٱلشَّمْسِ وَقَبْلَ ٱلْغُرُوبِ﴾. قال قتادة: قبل طلوع الشمس: صلاة الفجر، وقبل الغروب: صلاة العصر، وهو قول ابن زيد. قال ابن زيد: ﴿وَمِنَ ٱللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ﴾: يعني صلاة العتمة. وقال مجاهد: هي الصلاة بالليل، في أي وقت صلى. * * وقوله: ﴿وَأَدْبَارَ ٱلسُّجُودِ﴾. قال علي أبي طالب رضي الله عنه: الركعتان بعد المغرب. وكذلك عن عمر رضي الله عنه. وهو قول ابن عباس وابن مسعود والحسن ومجاهد والشعبي وقتادة والضحاك. وقد روي ذلك عن النبي ﷺ، وهو اختيار الطبري. وقيل: هو على الندب. وعن ابن عباس: ﴿وَأَدْبَارَ ٱلسُّجُودِ﴾ هو التسبيح بعد الصلاة، وأدبار النجوم علامة الصبح. وقال: ابن زيد وأدبار السجود: النوافل بعد الصلوات المكتوبات. * * ثم قال: ﴿وَٱسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ ٱلْمُنَادِ مِن مَّكَانٍ قَرِيبٍ﴾ أي: واستمع يا محمد حين ينادي المنادي من صخرة بيت المقدس وهو المكان القريب، قاله كعب، قال: ينادي بصوت عال يا أيتها العظام البالية، والأوصال المنقطعة اجتمعي لفصل القضاء. قال قتادة: كما نحدث أنه من بيت المقدس من الصخرة وهي أوسط الأرض. قال: وحدثنا أن كعبا قال هي أقرب الأرض إلى السماء بثمانية عشر ميلا. وقال بريدة: هو ملك يقوم على صخرة المقدس يقول: يا أيها الناس هلموا إلى الحساب قال فيقبلون كما قال الله عز وجل ﴿كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُّنتَشِرٌ﴾ [القمر: ٧]. [وإنما] قيل له مكان قريب: لأنه يسمع كل أحد. * * ثم قال: ﴿يَوْمَ يَسْمَعُونَ ٱلصَّيْحَةَ بِٱلْحَقِّ﴾ أي: يوم يسمع الخلائق صيحة البعث من القبور بالحق أي: بالاجتماع للحساب. * * ثم قال: ﴿ذَلِكَ يَوْمُ ٱلْخُرُوجِ﴾ أي: ذلك يوم خروج أهل القبور من قبورهم. * * ثم قال: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِـي وَنُمِيتُ وَإِلَيْنَا ٱلْمَصِيرُ﴾ أي: نحيى الموتى، ونميت الأجبار، وإلينا رجوع جميع الخلق يوم القيامة. * * ثم قال: ﴿يَوْمَ تَشَقَّقُ ٱلأَرْضُ عَنْهُمْ سِرَاعاً﴾ أي: وإلينا مصيرهم في يوم تشقق الأرض عن جميع الخلق، أي: تتصدع عنهم فيخرجون سراعاً. * * ثم قال: ﴿ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ﴾ أي: جمعهم جمعا علينا سهل. ثم قال: ﴿نَّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ وَمَآ أَنتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ﴾ أي: نحن أعلم يا محمد بما يقول هؤلاء المشركون من كذبهم على الله سبحانه، وتكذيبهم بآياته، وإنكارهم للبعث، ولست يا محمد [عليهم] بمسلط على أن تجبرهم على الإيمان، إنما أنت منذر. قال الفراء: "وضع الجبَّار في موضع السلطان من الجبرية". ثم قال مجاهد: وما أنت عليهم بجبار: أي: لست تتجبر عليهم، وهو معنى قول قتادة. وجبار من أجبرته على كذا، وحكى أهل اللغة أن العرب لا تأتي بفعال من أفعلت، إنما تأتي به من فعلت غير حرف، وأخرجا فعَّال من أفعلت، وهو درّاك من أدركت، وهو شاذ. وحكى عن العرب: جبره على الأمر، فجبَّار من هذا. وقد يقال أجبره بمعنى جبره، لكن الجبار من جبره مأخوذ. * * ثم قال: ﴿فَذَكِّرْ بِٱلْقُرْآنِ مَن يَخَافُ وَعِيدِ﴾ أي: فذكر يا محمد بهذا القرآن من يخاف وعيدي الذي أوعدته من عقابي. قال ابن عباس: قالوا يا رسول الله لو خوفتنا، فنزلت ﴿فَذَكِّرْ بِٱلْقُرْآنِ مَن يَخَافُ وَعِيدِ﴾.

ق 50:39

قوله ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِّن قَرْنٍ﴾ إلى آخر السورة الآيات. أي: وكثيراً من القرون الماضية أهلكنا قبل هؤلاء المشركين من قريش هم أشد من قريش بطشاً. * * ثم قال: ﴿فَنَقَّبُواْ فِي ٱلْبِلاَدِ﴾ قال ابن عباس معناه فأثروا في البلاد. وقال مجاهد ضربوا في الأرض. وقيل معناه ضربوا وتوغلوا في البلاد (يلتمسون محيصاً) من الموت فلم يجدوا منه مخلصاً. والقرن مأخوذ من الأقران وهو مقدار أكثر ما يعيش أهل ذلك الزمان. قال الفراء: ﴿هَلْ مِن مَّحِيصٍ﴾ (أي: فهل كان لهم من الموت محيص) وحذف "كان" للدلالة. وقرأ يحيى بن يعمر فنقِّبوا: على الأمر، ومعناه: التهدد والوعيد لقريش، أي: فطوفوا في البلاد وتوغلوا وفروا بأنفسكم فيها هل تجدون محيصاً من الموت. وقراءة الجماعة إنما هي على الإخبار عما فعلت القرون الماضية فالوقف على (قراءة الجماعة على محيص). وعلى قراءة ابن يعمر على "بطشاً". * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَىٰ لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ﴾. أي: إن في إهلاكنا القرون الماضية قبل قريش بكفرهم لذكرى يتذكر بها ويتعظ بها من كان له عقل من قريش وغيرهم، فينتهي عن الفعل الذي أهلكت القرون الماضية من أجله وهو الكفر بالله ورسله عليهم السلام وكتبه. قال قتادة: ﴿لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ﴾ يعني من هذه الأمة. قال: يعني بذلك القلب الحي. فالتقدير لمن كان له عقل يعقل به ما ينفعه وكني عن العقل بالقلب لأنه محله. * * ثم قال: ﴿أَوْ أَلْقَى ٱلسَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ (أي: وألقى بسمعه لأخبار الجزاء عن القرون الماضية التي أهلكت بكفرها وعصيانها). وهو شهيد: أي: متفهم لما يخبر به عنهم معرض عما يخبر به، هذا معنى قول أبن عباس والضحاك وغيرهما. وقال قتادة: عني بذلك أهل الكتاب، فالمعنى وهو شهيد على ما يقرأ في كتاب الله من نعمة محمد ﷺ، وهو قول معمر. وقال الحسن هو منافق استمع ولم ينتفع. وقال أبو صالح هو المؤمن يسمع القرآن وهو شهيد على ذلك. * * ثم قال ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍ﴾ أي: خلقنا جميع ذلك في ستة أيام، أولها الأحد، وآخرها الجمعة وما مسنا من إعياء. روي: أن هذه الآية نزلت في يهود أتوا النبي ﷺ فقالوا: أخبرنا ما خلق الله (من الخلق) في هذه الأيام الستة، فقال (خلق يوم الأحد والاثنين الأرض)، وخلق الجبال يوم الثلاثاء [وخلق المدائن والأقوات والأنهار وعمراتها وخرابها يوم الأربعاء وخلق السماوات] والملائكة يوم الخميس إلى ثلاث ساعات، يعني من يوم الجمعة، وخلق في أول الثلاث ساعات الآجال وفي الثانية الآفات وفي الثالثة آدم، قالوا صدقت إذا أتممت، فعرف النبي ﷺ ما يريدون فغضب، فأنزل الله ﴿وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍ * فَٱصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ﴾ قال قتادة: أكذب الله جل وعز اليهود والنصارى وأهل الفِراء على الله جل ذكره، وذلك أنهم قالوا: خلق الله جل وعز السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استراح يوم السابع. وذلك عندهم يوم السبت، وهم يسمونه الراحة. قال الضحاك: كان مقدار كل يوم ألف سنة مما تعدون. قال مجاهد: ﴿مِن لُّغُوبٍ﴾ من نصب. وقال قتادة: من إعياء. واللغوب في اللغة: التعب. يقال لغب يلغب لغوباً: إذا تعب. * * ثم قال: ﴿فَٱصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ﴾ أي: اصبر يا محمد على قولهم لك ثم استراح. وهذه الآية عند جماعة منسوخة بقوله ﴿قَاتِلُواْ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ﴾ [التوبة: ٢٩]. * * وقوله: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ ٱلشَّمْسِ وَقَبْلَ ٱلْغُرُوبِ﴾. قال قتادة: قبل طلوع الشمس: صلاة الفجر، وقبل الغروب: صلاة العصر، وهو قول ابن زيد. قال ابن زيد: ﴿وَمِنَ ٱللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ﴾: يعني صلاة العتمة. وقال مجاهد: هي الصلاة بالليل، في أي وقت صلى. * * وقوله: ﴿وَأَدْبَارَ ٱلسُّجُودِ﴾. قال علي أبي طالب رضي الله عنه: الركعتان بعد المغرب. وكذلك عن عمر رضي الله عنه. وهو قول ابن عباس وابن مسعود والحسن ومجاهد والشعبي وقتادة والضحاك. وقد روي ذلك عن النبي ﷺ، وهو اختيار الطبري. وقيل: هو على الندب. وعن ابن عباس: ﴿وَأَدْبَارَ ٱلسُّجُودِ﴾ هو التسبيح بعد الصلاة، وأدبار النجوم علامة الصبح. وقال: ابن زيد وأدبار السجود: النوافل بعد الصلوات المكتوبات. * * ثم قال: ﴿وَٱسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ ٱلْمُنَادِ مِن مَّكَانٍ قَرِيبٍ﴾ أي: واستمع يا محمد حين ينادي المنادي من صخرة بيت المقدس وهو المكان القريب، قاله كعب، قال: ينادي بصوت عال يا أيتها العظام البالية، والأوصال المنقطعة اجتمعي لفصل القضاء. قال قتادة: كما نحدث أنه من بيت المقدس من الصخرة وهي أوسط الأرض. قال: وحدثنا أن كعبا قال هي أقرب الأرض إلى السماء بثمانية عشر ميلا. وقال بريدة: هو ملك يقوم على صخرة المقدس يقول: يا أيها الناس هلموا إلى الحساب قال فيقبلون كما قال الله عز وجل ﴿كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُّنتَشِرٌ﴾ [القمر: ٧]. [وإنما] قيل له مكان قريب: لأنه يسمع كل أحد. * * ثم قال: ﴿يَوْمَ يَسْمَعُونَ ٱلصَّيْحَةَ بِٱلْحَقِّ﴾ أي: يوم يسمع الخلائق صيحة البعث من القبور بالحق أي: بالاجتماع للحساب. * * ثم قال: ﴿ذَلِكَ يَوْمُ ٱلْخُرُوجِ﴾ أي: ذلك يوم خروج أهل القبور من قبورهم. * * ثم قال: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِـي وَنُمِيتُ وَإِلَيْنَا ٱلْمَصِيرُ﴾ أي: نحيى الموتى، ونميت الأجبار، وإلينا رجوع جميع الخلق يوم القيامة. * * ثم قال: ﴿يَوْمَ تَشَقَّقُ ٱلأَرْضُ عَنْهُمْ سِرَاعاً﴾ أي: وإلينا مصيرهم في يوم تشقق الأرض عن جميع الخلق، أي: تتصدع عنهم فيخرجون سراعاً. * * ثم قال: ﴿ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ﴾ أي: جمعهم جمعا علينا سهل. ثم قال: ﴿نَّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ وَمَآ أَنتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ﴾ أي: نحن أعلم يا محمد بما يقول هؤلاء المشركون من كذبهم على الله سبحانه، وتكذيبهم بآياته، وإنكارهم للبعث، ولست يا محمد [عليهم] بمسلط على أن تجبرهم على الإيمان، إنما أنت منذر. قال الفراء: "وضع الجبَّار في موضع السلطان من الجبرية". ثم قال مجاهد: وما أنت عليهم بجبار: أي: لست تتجبر عليهم، وهو معنى قول قتادة. وجبار من أجبرته على كذا، وحكى أهل اللغة أن العرب لا تأتي بفعال من أفعلت، إنما تأتي به من فعلت غير حرف، وأخرجا فعَّال من أفعلت، وهو درّاك من أدركت، وهو شاذ. وحكى عن العرب: جبره على الأمر، فجبَّار من هذا. وقد يقال أجبره بمعنى جبره، لكن الجبار من جبره مأخوذ. * * ثم قال: ﴿فَذَكِّرْ بِٱلْقُرْآنِ مَن يَخَافُ وَعِيدِ﴾ أي: فذكر يا محمد بهذا القرآن من يخاف وعيدي الذي أوعدته من عقابي. قال ابن عباس: قالوا يا رسول الله لو خوفتنا، فنزلت ﴿فَذَكِّرْ بِٱلْقُرْآنِ مَن يَخَافُ وَعِيدِ﴾.

ق 50:40

قوله ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِّن قَرْنٍ﴾ إلى آخر السورة الآيات. أي: وكثيراً من القرون الماضية أهلكنا قبل هؤلاء المشركين من قريش هم أشد من قريش بطشاً. * * ثم قال: ﴿فَنَقَّبُواْ فِي ٱلْبِلاَدِ﴾ قال ابن عباس معناه فأثروا في البلاد. وقال مجاهد ضربوا في الأرض. وقيل معناه ضربوا وتوغلوا في البلاد (يلتمسون محيصاً) من الموت فلم يجدوا منه مخلصاً. والقرن مأخوذ من الأقران وهو مقدار أكثر ما يعيش أهل ذلك الزمان. قال الفراء: ﴿هَلْ مِن مَّحِيصٍ﴾ (أي: فهل كان لهم من الموت محيص) وحذف "كان" للدلالة. وقرأ يحيى بن يعمر فنقِّبوا: على الأمر، ومعناه: التهدد والوعيد لقريش، أي: فطوفوا في البلاد وتوغلوا وفروا بأنفسكم فيها هل تجدون محيصاً من الموت. وقراءة الجماعة إنما هي على الإخبار عما فعلت القرون الماضية فالوقف على (قراءة الجماعة على محيص). وعلى قراءة ابن يعمر على "بطشاً". * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَىٰ لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ﴾. أي: إن في إهلاكنا القرون الماضية قبل قريش بكفرهم لذكرى يتذكر بها ويتعظ بها من كان له عقل من قريش وغيرهم، فينتهي عن الفعل الذي أهلكت القرون الماضية من أجله وهو الكفر بالله ورسله عليهم السلام وكتبه. قال قتادة: ﴿لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ﴾ يعني من هذه الأمة. قال: يعني بذلك القلب الحي. فالتقدير لمن كان له عقل يعقل به ما ينفعه وكني عن العقل بالقلب لأنه محله. * * ثم قال: ﴿أَوْ أَلْقَى ٱلسَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ (أي: وألقى بسمعه لأخبار الجزاء عن القرون الماضية التي أهلكت بكفرها وعصيانها). وهو شهيد: أي: متفهم لما يخبر به عنهم معرض عما يخبر به، هذا معنى قول أبن عباس والضحاك وغيرهما. وقال قتادة: عني بذلك أهل الكتاب، فالمعنى وهو شهيد على ما يقرأ في كتاب الله من نعمة محمد ﷺ، وهو قول معمر. وقال الحسن هو منافق استمع ولم ينتفع. وقال أبو صالح هو المؤمن يسمع القرآن وهو شهيد على ذلك. * * ثم قال ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍ﴾ أي: خلقنا جميع ذلك في ستة أيام، أولها الأحد، وآخرها الجمعة وما مسنا من إعياء. روي: أن هذه الآية نزلت في يهود أتوا النبي ﷺ فقالوا: أخبرنا ما خلق الله (من الخلق) في هذه الأيام الستة، فقال (خلق يوم الأحد والاثنين الأرض)، وخلق الجبال يوم الثلاثاء [وخلق المدائن والأقوات والأنهار وعمراتها وخرابها يوم الأربعاء وخلق السماوات] والملائكة يوم الخميس إلى ثلاث ساعات، يعني من يوم الجمعة، وخلق في أول الثلاث ساعات الآجال وفي الثانية الآفات وفي الثالثة آدم، قالوا صدقت إذا أتممت، فعرف النبي ﷺ ما يريدون فغضب، فأنزل الله ﴿وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍ * فَٱصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ﴾ قال قتادة: أكذب الله جل وعز اليهود والنصارى وأهل الفِراء على الله جل ذكره، وذلك أنهم قالوا: خلق الله جل وعز السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استراح يوم السابع. وذلك عندهم يوم السبت، وهم يسمونه الراحة. قال الضحاك: كان مقدار كل يوم ألف سنة مما تعدون. قال مجاهد: ﴿مِن لُّغُوبٍ﴾ من نصب. وقال قتادة: من إعياء. واللغوب في اللغة: التعب. يقال لغب يلغب لغوباً: إذا تعب. * * ثم قال: ﴿فَٱصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ﴾ أي: اصبر يا محمد على قولهم لك ثم استراح. وهذه الآية عند جماعة منسوخة بقوله ﴿قَاتِلُواْ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ﴾ [التوبة: ٢٩]. * * وقوله: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ ٱلشَّمْسِ وَقَبْلَ ٱلْغُرُوبِ﴾. قال قتادة: قبل طلوع الشمس: صلاة الفجر، وقبل الغروب: صلاة العصر، وهو قول ابن زيد. قال ابن زيد: ﴿وَمِنَ ٱللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ﴾: يعني صلاة العتمة. وقال مجاهد: هي الصلاة بالليل، في أي وقت صلى. * * وقوله: ﴿وَأَدْبَارَ ٱلسُّجُودِ﴾. قال علي أبي طالب رضي الله عنه: الركعتان بعد المغرب. وكذلك عن عمر رضي الله عنه. وهو قول ابن عباس وابن مسعود والحسن ومجاهد والشعبي وقتادة والضحاك. وقد روي ذلك عن النبي ﷺ، وهو اختيار الطبري. وقيل: هو على الندب. وعن ابن عباس: ﴿وَأَدْبَارَ ٱلسُّجُودِ﴾ هو التسبيح بعد الصلاة، وأدبار النجوم علامة الصبح. وقال: ابن زيد وأدبار السجود: النوافل بعد الصلوات المكتوبات. * * ثم قال: ﴿وَٱسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ ٱلْمُنَادِ مِن مَّكَانٍ قَرِيبٍ﴾ أي: واستمع يا محمد حين ينادي المنادي من صخرة بيت المقدس وهو المكان القريب، قاله كعب، قال: ينادي بصوت عال يا أيتها العظام البالية، والأوصال المنقطعة اجتمعي لفصل القضاء. قال قتادة: كما نحدث أنه من بيت المقدس من الصخرة وهي أوسط الأرض. قال: وحدثنا أن كعبا قال هي أقرب الأرض إلى السماء بثمانية عشر ميلا. وقال بريدة: هو ملك يقوم على صخرة المقدس يقول: يا أيها الناس هلموا إلى الحساب قال فيقبلون كما قال الله عز وجل ﴿كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُّنتَشِرٌ﴾ [القمر: ٧]. [وإنما] قيل له مكان قريب: لأنه يسمع كل أحد. * * ثم قال: ﴿يَوْمَ يَسْمَعُونَ ٱلصَّيْحَةَ بِٱلْحَقِّ﴾ أي: يوم يسمع الخلائق صيحة البعث من القبور بالحق أي: بالاجتماع للحساب. * * ثم قال: ﴿ذَلِكَ يَوْمُ ٱلْخُرُوجِ﴾ أي: ذلك يوم خروج أهل القبور من قبورهم. * * ثم قال: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِـي وَنُمِيتُ وَإِلَيْنَا ٱلْمَصِيرُ﴾ أي: نحيى الموتى، ونميت الأجبار، وإلينا رجوع جميع الخلق يوم القيامة. * * ثم قال: ﴿يَوْمَ تَشَقَّقُ ٱلأَرْضُ عَنْهُمْ سِرَاعاً﴾ أي: وإلينا مصيرهم في يوم تشقق الأرض عن جميع الخلق، أي: تتصدع عنهم فيخرجون سراعاً. * * ثم قال: ﴿ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ﴾ أي: جمعهم جمعا علينا سهل. ثم قال: ﴿نَّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ وَمَآ أَنتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ﴾ أي: نحن أعلم يا محمد بما يقول هؤلاء المشركون من كذبهم على الله سبحانه، وتكذيبهم بآياته، وإنكارهم للبعث، ولست يا محمد [عليهم] بمسلط على أن تجبرهم على الإيمان، إنما أنت منذر. قال الفراء: "وضع الجبَّار في موضع السلطان من الجبرية". ثم قال مجاهد: وما أنت عليهم بجبار: أي: لست تتجبر عليهم، وهو معنى قول قتادة. وجبار من أجبرته على كذا، وحكى أهل اللغة أن العرب لا تأتي بفعال من أفعلت، إنما تأتي به من فعلت غير حرف، وأخرجا فعَّال من أفعلت، وهو درّاك من أدركت، وهو شاذ. وحكى عن العرب: جبره على الأمر، فجبَّار من هذا. وقد يقال أجبره بمعنى جبره، لكن الجبار من جبره مأخوذ. * * ثم قال: ﴿فَذَكِّرْ بِٱلْقُرْآنِ مَن يَخَافُ وَعِيدِ﴾ أي: فذكر يا محمد بهذا القرآن من يخاف وعيدي الذي أوعدته من عقابي. قال ابن عباس: قالوا يا رسول الله لو خوفتنا، فنزلت ﴿فَذَكِّرْ بِٱلْقُرْآنِ مَن يَخَافُ وَعِيدِ﴾.

ق 50:41

قوله ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِّن قَرْنٍ﴾ إلى آخر السورة الآيات. أي: وكثيراً من القرون الماضية أهلكنا قبل هؤلاء المشركين من قريش هم أشد من قريش بطشاً. * * ثم قال: ﴿فَنَقَّبُواْ فِي ٱلْبِلاَدِ﴾ قال ابن عباس معناه فأثروا في البلاد. وقال مجاهد ضربوا في الأرض. وقيل معناه ضربوا وتوغلوا في البلاد (يلتمسون محيصاً) من الموت فلم يجدوا منه مخلصاً. والقرن مأخوذ من الأقران وهو مقدار أكثر ما يعيش أهل ذلك الزمان. قال الفراء: ﴿هَلْ مِن مَّحِيصٍ﴾ (أي: فهل كان لهم من الموت محيص) وحذف "كان" للدلالة. وقرأ يحيى بن يعمر فنقِّبوا: على الأمر، ومعناه: التهدد والوعيد لقريش، أي: فطوفوا في البلاد وتوغلوا وفروا بأنفسكم فيها هل تجدون محيصاً من الموت. وقراءة الجماعة إنما هي على الإخبار عما فعلت القرون الماضية فالوقف على (قراءة الجماعة على محيص). وعلى قراءة ابن يعمر على "بطشاً". * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَىٰ لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ﴾. أي: إن في إهلاكنا القرون الماضية قبل قريش بكفرهم لذكرى يتذكر بها ويتعظ بها من كان له عقل من قريش وغيرهم، فينتهي عن الفعل الذي أهلكت القرون الماضية من أجله وهو الكفر بالله ورسله عليهم السلام وكتبه. قال قتادة: ﴿لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ﴾ يعني من هذه الأمة. قال: يعني بذلك القلب الحي. فالتقدير لمن كان له عقل يعقل به ما ينفعه وكني عن العقل بالقلب لأنه محله. * * ثم قال: ﴿أَوْ أَلْقَى ٱلسَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ (أي: وألقى بسمعه لأخبار الجزاء عن القرون الماضية التي أهلكت بكفرها وعصيانها). وهو شهيد: أي: متفهم لما يخبر به عنهم معرض عما يخبر به، هذا معنى قول أبن عباس والضحاك وغيرهما. وقال قتادة: عني بذلك أهل الكتاب، فالمعنى وهو شهيد على ما يقرأ في كتاب الله من نعمة محمد ﷺ، وهو قول معمر. وقال الحسن هو منافق استمع ولم ينتفع. وقال أبو صالح هو المؤمن يسمع القرآن وهو شهيد على ذلك. * * ثم قال ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍ﴾ أي: خلقنا جميع ذلك في ستة أيام، أولها الأحد، وآخرها الجمعة وما مسنا من إعياء. روي: أن هذه الآية نزلت في يهود أتوا النبي ﷺ فقالوا: أخبرنا ما خلق الله (من الخلق) في هذه الأيام الستة، فقال (خلق يوم الأحد والاثنين الأرض)، وخلق الجبال يوم الثلاثاء [وخلق المدائن والأقوات والأنهار وعمراتها وخرابها يوم الأربعاء وخلق السماوات] والملائكة يوم الخميس إلى ثلاث ساعات، يعني من يوم الجمعة، وخلق في أول الثلاث ساعات الآجال وفي الثانية الآفات وفي الثالثة آدم، قالوا صدقت إذا أتممت، فعرف النبي ﷺ ما يريدون فغضب، فأنزل الله ﴿وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍ * فَٱصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ﴾ قال قتادة: أكذب الله جل وعز اليهود والنصارى وأهل الفِراء على الله جل ذكره، وذلك أنهم قالوا: خلق الله جل وعز السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استراح يوم السابع. وذلك عندهم يوم السبت، وهم يسمونه الراحة. قال الضحاك: كان مقدار كل يوم ألف سنة مما تعدون. قال مجاهد: ﴿مِن لُّغُوبٍ﴾ من نصب. وقال قتادة: من إعياء. واللغوب في اللغة: التعب. يقال لغب يلغب لغوباً: إذا تعب. * * ثم قال: ﴿فَٱصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ﴾ أي: اصبر يا محمد على قولهم لك ثم استراح. وهذه الآية عند جماعة منسوخة بقوله ﴿قَاتِلُواْ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ﴾ [التوبة: ٢٩]. * * وقوله: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ ٱلشَّمْسِ وَقَبْلَ ٱلْغُرُوبِ﴾. قال قتادة: قبل طلوع الشمس: صلاة الفجر، وقبل الغروب: صلاة العصر، وهو قول ابن زيد. قال ابن زيد: ﴿وَمِنَ ٱللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ﴾: يعني صلاة العتمة. وقال مجاهد: هي الصلاة بالليل، في أي وقت صلى. * * وقوله: ﴿وَأَدْبَارَ ٱلسُّجُودِ﴾. قال علي أبي طالب رضي الله عنه: الركعتان بعد المغرب. وكذلك عن عمر رضي الله عنه. وهو قول ابن عباس وابن مسعود والحسن ومجاهد والشعبي وقتادة والضحاك. وقد روي ذلك عن النبي ﷺ، وهو اختيار الطبري. وقيل: هو على الندب. وعن ابن عباس: ﴿وَأَدْبَارَ ٱلسُّجُودِ﴾ هو التسبيح بعد الصلاة، وأدبار النجوم علامة الصبح. وقال: ابن زيد وأدبار السجود: النوافل بعد الصلوات المكتوبات. * * ثم قال: ﴿وَٱسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ ٱلْمُنَادِ مِن مَّكَانٍ قَرِيبٍ﴾ أي: واستمع يا محمد حين ينادي المنادي من صخرة بيت المقدس وهو المكان القريب، قاله كعب، قال: ينادي بصوت عال يا أيتها العظام البالية، والأوصال المنقطعة اجتمعي لفصل القضاء. قال قتادة: كما نحدث أنه من بيت المقدس من الصخرة وهي أوسط الأرض. قال: وحدثنا أن كعبا قال هي أقرب الأرض إلى السماء بثمانية عشر ميلا. وقال بريدة: هو ملك يقوم على صخرة المقدس يقول: يا أيها الناس هلموا إلى الحساب قال فيقبلون كما قال الله عز وجل ﴿كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُّنتَشِرٌ﴾ [القمر: ٧]. [وإنما] قيل له مكان قريب: لأنه يسمع كل أحد. * * ثم قال: ﴿يَوْمَ يَسْمَعُونَ ٱلصَّيْحَةَ بِٱلْحَقِّ﴾ أي: يوم يسمع الخلائق صيحة البعث من القبور بالحق أي: بالاجتماع للحساب. * * ثم قال: ﴿ذَلِكَ يَوْمُ ٱلْخُرُوجِ﴾ أي: ذلك يوم خروج أهل القبور من قبورهم. * * ثم قال: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِـي وَنُمِيتُ وَإِلَيْنَا ٱلْمَصِيرُ﴾ أي: نحيى الموتى، ونميت الأجبار، وإلينا رجوع جميع الخلق يوم القيامة. * * ثم قال: ﴿يَوْمَ تَشَقَّقُ ٱلأَرْضُ عَنْهُمْ سِرَاعاً﴾ أي: وإلينا مصيرهم في يوم تشقق الأرض عن جميع الخلق، أي: تتصدع عنهم فيخرجون سراعاً. * * ثم قال: ﴿ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ﴾ أي: جمعهم جمعا علينا سهل. ثم قال: ﴿نَّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ وَمَآ أَنتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ﴾ أي: نحن أعلم يا محمد بما يقول هؤلاء المشركون من كذبهم على الله سبحانه، وتكذيبهم بآياته، وإنكارهم للبعث، ولست يا محمد [عليهم] بمسلط على أن تجبرهم على الإيمان، إنما أنت منذر. قال الفراء: "وضع الجبَّار في موضع السلطان من الجبرية". ثم قال مجاهد: وما أنت عليهم بجبار: أي: لست تتجبر عليهم، وهو معنى قول قتادة. وجبار من أجبرته على كذا، وحكى أهل اللغة أن العرب لا تأتي بفعال من أفعلت، إنما تأتي به من فعلت غير حرف، وأخرجا فعَّال من أفعلت، وهو درّاك من أدركت، وهو شاذ. وحكى عن العرب: جبره على الأمر، فجبَّار من هذا. وقد يقال أجبره بمعنى جبره، لكن الجبار من جبره مأخوذ. * * ثم قال: ﴿فَذَكِّرْ بِٱلْقُرْآنِ مَن يَخَافُ وَعِيدِ﴾ أي: فذكر يا محمد بهذا القرآن من يخاف وعيدي الذي أوعدته من عقابي. قال ابن عباس: قالوا يا رسول الله لو خوفتنا، فنزلت ﴿فَذَكِّرْ بِٱلْقُرْآنِ مَن يَخَافُ وَعِيدِ﴾.

ق 50:42

قوله ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِّن قَرْنٍ﴾ إلى آخر السورة الآيات. أي: وكثيراً من القرون الماضية أهلكنا قبل هؤلاء المشركين من قريش هم أشد من قريش بطشاً. * * ثم قال: ﴿فَنَقَّبُواْ فِي ٱلْبِلاَدِ﴾ قال ابن عباس معناه فأثروا في البلاد. وقال مجاهد ضربوا في الأرض. وقيل معناه ضربوا وتوغلوا في البلاد (يلتمسون محيصاً) من الموت فلم يجدوا منه مخلصاً. والقرن مأخوذ من الأقران وهو مقدار أكثر ما يعيش أهل ذلك الزمان. قال الفراء: ﴿هَلْ مِن مَّحِيصٍ﴾ (أي: فهل كان لهم من الموت محيص) وحذف "كان" للدلالة. وقرأ يحيى بن يعمر فنقِّبوا: على الأمر، ومعناه: التهدد والوعيد لقريش، أي: فطوفوا في البلاد وتوغلوا وفروا بأنفسكم فيها هل تجدون محيصاً من الموت. وقراءة الجماعة إنما هي على الإخبار عما فعلت القرون الماضية فالوقف على (قراءة الجماعة على محيص). وعلى قراءة ابن يعمر على "بطشاً". * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَىٰ لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ﴾. أي: إن في إهلاكنا القرون الماضية قبل قريش بكفرهم لذكرى يتذكر بها ويتعظ بها من كان له عقل من قريش وغيرهم، فينتهي عن الفعل الذي أهلكت القرون الماضية من أجله وهو الكفر بالله ورسله عليهم السلام وكتبه. قال قتادة: ﴿لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ﴾ يعني من هذه الأمة. قال: يعني بذلك القلب الحي. فالتقدير لمن كان له عقل يعقل به ما ينفعه وكني عن العقل بالقلب لأنه محله. * * ثم قال: ﴿أَوْ أَلْقَى ٱلسَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ (أي: وألقى بسمعه لأخبار الجزاء عن القرون الماضية التي أهلكت بكفرها وعصيانها). وهو شهيد: أي: متفهم لما يخبر به عنهم معرض عما يخبر به، هذا معنى قول أبن عباس والضحاك وغيرهما. وقال قتادة: عني بذلك أهل الكتاب، فالمعنى وهو شهيد على ما يقرأ في كتاب الله من نعمة محمد ﷺ، وهو قول معمر. وقال الحسن هو منافق استمع ولم ينتفع. وقال أبو صالح هو المؤمن يسمع القرآن وهو شهيد على ذلك. * * ثم قال ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍ﴾ أي: خلقنا جميع ذلك في ستة أيام، أولها الأحد، وآخرها الجمعة وما مسنا من إعياء. روي: أن هذه الآية نزلت في يهود أتوا النبي ﷺ فقالوا: أخبرنا ما خلق الله (من الخلق) في هذه الأيام الستة، فقال (خلق يوم الأحد والاثنين الأرض)، وخلق الجبال يوم الثلاثاء [وخلق المدائن والأقوات والأنهار وعمراتها وخرابها يوم الأربعاء وخلق السماوات] والملائكة يوم الخميس إلى ثلاث ساعات، يعني من يوم الجمعة، وخلق في أول الثلاث ساعات الآجال وفي الثانية الآفات وفي الثالثة آدم، قالوا صدقت إذا أتممت، فعرف النبي ﷺ ما يريدون فغضب، فأنزل الله ﴿وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍ * فَٱصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ﴾ قال قتادة: أكذب الله جل وعز اليهود والنصارى وأهل الفِراء على الله جل ذكره، وذلك أنهم قالوا: خلق الله جل وعز السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استراح يوم السابع. وذلك عندهم يوم السبت، وهم يسمونه الراحة. قال الضحاك: كان مقدار كل يوم ألف سنة مما تعدون. قال مجاهد: ﴿مِن لُّغُوبٍ﴾ من نصب. وقال قتادة: من إعياء. واللغوب في اللغة: التعب. يقال لغب يلغب لغوباً: إذا تعب. * * ثم قال: ﴿فَٱصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ﴾ أي: اصبر يا محمد على قولهم لك ثم استراح. وهذه الآية عند جماعة منسوخة بقوله ﴿قَاتِلُواْ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ﴾ [التوبة: ٢٩]. * * وقوله: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ ٱلشَّمْسِ وَقَبْلَ ٱلْغُرُوبِ﴾. قال قتادة: قبل طلوع الشمس: صلاة الفجر، وقبل الغروب: صلاة العصر، وهو قول ابن زيد. قال ابن زيد: ﴿وَمِنَ ٱللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ﴾: يعني صلاة العتمة. وقال مجاهد: هي الصلاة بالليل، في أي وقت صلى. * * وقوله: ﴿وَأَدْبَارَ ٱلسُّجُودِ﴾. قال علي أبي طالب رضي الله عنه: الركعتان بعد المغرب. وكذلك عن عمر رضي الله عنه. وهو قول ابن عباس وابن مسعود والحسن ومجاهد والشعبي وقتادة والضحاك. وقد روي ذلك عن النبي ﷺ، وهو اختيار الطبري. وقيل: هو على الندب. وعن ابن عباس: ﴿وَأَدْبَارَ ٱلسُّجُودِ﴾ هو التسبيح بعد الصلاة، وأدبار النجوم علامة الصبح. وقال: ابن زيد وأدبار السجود: النوافل بعد الصلوات المكتوبات. * * ثم قال: ﴿وَٱسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ ٱلْمُنَادِ مِن مَّكَانٍ قَرِيبٍ﴾ أي: واستمع يا محمد حين ينادي المنادي من صخرة بيت المقدس وهو المكان القريب، قاله كعب، قال: ينادي بصوت عال يا أيتها العظام البالية، والأوصال المنقطعة اجتمعي لفصل القضاء. قال قتادة: كما نحدث أنه من بيت المقدس من الصخرة وهي أوسط الأرض. قال: وحدثنا أن كعبا قال هي أقرب الأرض إلى السماء بثمانية عشر ميلا. وقال بريدة: هو ملك يقوم على صخرة المقدس يقول: يا أيها الناس هلموا إلى الحساب قال فيقبلون كما قال الله عز وجل ﴿كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُّنتَشِرٌ﴾ [القمر: ٧]. [وإنما] قيل له مكان قريب: لأنه يسمع كل أحد. * * ثم قال: ﴿يَوْمَ يَسْمَعُونَ ٱلصَّيْحَةَ بِٱلْحَقِّ﴾ أي: يوم يسمع الخلائق صيحة البعث من القبور بالحق أي: بالاجتماع للحساب. * * ثم قال: ﴿ذَلِكَ يَوْمُ ٱلْخُرُوجِ﴾ أي: ذلك يوم خروج أهل القبور من قبورهم. * * ثم قال: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِـي وَنُمِيتُ وَإِلَيْنَا ٱلْمَصِيرُ﴾ أي: نحيى الموتى، ونميت الأجبار، وإلينا رجوع جميع الخلق يوم القيامة. * * ثم قال: ﴿يَوْمَ تَشَقَّقُ ٱلأَرْضُ عَنْهُمْ سِرَاعاً﴾ أي: وإلينا مصيرهم في يوم تشقق الأرض عن جميع الخلق، أي: تتصدع عنهم فيخرجون سراعاً. * * ثم قال: ﴿ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ﴾ أي: جمعهم جمعا علينا سهل. ثم قال: ﴿نَّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ وَمَآ أَنتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ﴾ أي: نحن أعلم يا محمد بما يقول هؤلاء المشركون من كذبهم على الله سبحانه، وتكذيبهم بآياته، وإنكارهم للبعث، ولست يا محمد [عليهم] بمسلط على أن تجبرهم على الإيمان، إنما أنت منذر. قال الفراء: "وضع الجبَّار في موضع السلطان من الجبرية". ثم قال مجاهد: وما أنت عليهم بجبار: أي: لست تتجبر عليهم، وهو معنى قول قتادة. وجبار من أجبرته على كذا، وحكى أهل اللغة أن العرب لا تأتي بفعال من أفعلت، إنما تأتي به من فعلت غير حرف، وأخرجا فعَّال من أفعلت، وهو درّاك من أدركت، وهو شاذ. وحكى عن العرب: جبره على الأمر، فجبَّار من هذا. وقد يقال أجبره بمعنى جبره، لكن الجبار من جبره مأخوذ. * * ثم قال: ﴿فَذَكِّرْ بِٱلْقُرْآنِ مَن يَخَافُ وَعِيدِ﴾ أي: فذكر يا محمد بهذا القرآن من يخاف وعيدي الذي أوعدته من عقابي. قال ابن عباس: قالوا يا رسول الله لو خوفتنا، فنزلت ﴿فَذَكِّرْ بِٱلْقُرْآنِ مَن يَخَافُ وَعِيدِ﴾.

ق 50:43

قوله ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِّن قَرْنٍ﴾ إلى آخر السورة الآيات. أي: وكثيراً من القرون الماضية أهلكنا قبل هؤلاء المشركين من قريش هم أشد من قريش بطشاً. * * ثم قال: ﴿فَنَقَّبُواْ فِي ٱلْبِلاَدِ﴾ قال ابن عباس معناه فأثروا في البلاد. وقال مجاهد ضربوا في الأرض. وقيل معناه ضربوا وتوغلوا في البلاد (يلتمسون محيصاً) من الموت فلم يجدوا منه مخلصاً. والقرن مأخوذ من الأقران وهو مقدار أكثر ما يعيش أهل ذلك الزمان. قال الفراء: ﴿هَلْ مِن مَّحِيصٍ﴾ (أي: فهل كان لهم من الموت محيص) وحذف "كان" للدلالة. وقرأ يحيى بن يعمر فنقِّبوا: على الأمر، ومعناه: التهدد والوعيد لقريش، أي: فطوفوا في البلاد وتوغلوا وفروا بأنفسكم فيها هل تجدون محيصاً من الموت. وقراءة الجماعة إنما هي على الإخبار عما فعلت القرون الماضية فالوقف على (قراءة الجماعة على محيص). وعلى قراءة ابن يعمر على "بطشاً". * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَىٰ لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ﴾. أي: إن في إهلاكنا القرون الماضية قبل قريش بكفرهم لذكرى يتذكر بها ويتعظ بها من كان له عقل من قريش وغيرهم، فينتهي عن الفعل الذي أهلكت القرون الماضية من أجله وهو الكفر بالله ورسله عليهم السلام وكتبه. قال قتادة: ﴿لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ﴾ يعني من هذه الأمة. قال: يعني بذلك القلب الحي. فالتقدير لمن كان له عقل يعقل به ما ينفعه وكني عن العقل بالقلب لأنه محله. * * ثم قال: ﴿أَوْ أَلْقَى ٱلسَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ (أي: وألقى بسمعه لأخبار الجزاء عن القرون الماضية التي أهلكت بكفرها وعصيانها). وهو شهيد: أي: متفهم لما يخبر به عنهم معرض عما يخبر به، هذا معنى قول أبن عباس والضحاك وغيرهما. وقال قتادة: عني بذلك أهل الكتاب، فالمعنى وهو شهيد على ما يقرأ في كتاب الله من نعمة محمد ﷺ، وهو قول معمر. وقال الحسن هو منافق استمع ولم ينتفع. وقال أبو صالح هو المؤمن يسمع القرآن وهو شهيد على ذلك. * * ثم قال ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍ﴾ أي: خلقنا جميع ذلك في ستة أيام، أولها الأحد، وآخرها الجمعة وما مسنا من إعياء. روي: أن هذه الآية نزلت في يهود أتوا النبي ﷺ فقالوا: أخبرنا ما خلق الله (من الخلق) في هذه الأيام الستة، فقال (خلق يوم الأحد والاثنين الأرض)، وخلق الجبال يوم الثلاثاء [وخلق المدائن والأقوات والأنهار وعمراتها وخرابها يوم الأربعاء وخلق السماوات] والملائكة يوم الخميس إلى ثلاث ساعات، يعني من يوم الجمعة، وخلق في أول الثلاث ساعات الآجال وفي الثانية الآفات وفي الثالثة آدم، قالوا صدقت إذا أتممت، فعرف النبي ﷺ ما يريدون فغضب، فأنزل الله ﴿وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍ * فَٱصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ﴾ قال قتادة: أكذب الله جل وعز اليهود والنصارى وأهل الفِراء على الله جل ذكره، وذلك أنهم قالوا: خلق الله جل وعز السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استراح يوم السابع. وذلك عندهم يوم السبت، وهم يسمونه الراحة. قال الضحاك: كان مقدار كل يوم ألف سنة مما تعدون. قال مجاهد: ﴿مِن لُّغُوبٍ﴾ من نصب. وقال قتادة: من إعياء. واللغوب في اللغة: التعب. يقال لغب يلغب لغوباً: إذا تعب. * * ثم قال: ﴿فَٱصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ﴾ أي: اصبر يا محمد على قولهم لك ثم استراح. وهذه الآية عند جماعة منسوخة بقوله ﴿قَاتِلُواْ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ﴾ [التوبة: ٢٩]. * * وقوله: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ ٱلشَّمْسِ وَقَبْلَ ٱلْغُرُوبِ﴾. قال قتادة: قبل طلوع الشمس: صلاة الفجر، وقبل الغروب: صلاة العصر، وهو قول ابن زيد. قال ابن زيد: ﴿وَمِنَ ٱللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ﴾: يعني صلاة العتمة. وقال مجاهد: هي الصلاة بالليل، في أي وقت صلى. * * وقوله: ﴿وَأَدْبَارَ ٱلسُّجُودِ﴾. قال علي أبي طالب رضي الله عنه: الركعتان بعد المغرب. وكذلك عن عمر رضي الله عنه. وهو قول ابن عباس وابن مسعود والحسن ومجاهد والشعبي وقتادة والضحاك. وقد روي ذلك عن النبي ﷺ، وهو اختيار الطبري. وقيل: هو على الندب. وعن ابن عباس: ﴿وَأَدْبَارَ ٱلسُّجُودِ﴾ هو التسبيح بعد الصلاة، وأدبار النجوم علامة الصبح. وقال: ابن زيد وأدبار السجود: النوافل بعد الصلوات المكتوبات. * * ثم قال: ﴿وَٱسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ ٱلْمُنَادِ مِن مَّكَانٍ قَرِيبٍ﴾ أي: واستمع يا محمد حين ينادي المنادي من صخرة بيت المقدس وهو المكان القريب، قاله كعب، قال: ينادي بصوت عال يا أيتها العظام البالية، والأوصال المنقطعة اجتمعي لفصل القضاء. قال قتادة: كما نحدث أنه من بيت المقدس من الصخرة وهي أوسط الأرض. قال: وحدثنا أن كعبا قال هي أقرب الأرض إلى السماء بثمانية عشر ميلا. وقال بريدة: هو ملك يقوم على صخرة المقدس يقول: يا أيها الناس هلموا إلى الحساب قال فيقبلون كما قال الله عز وجل ﴿كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُّنتَشِرٌ﴾ [القمر: ٧]. [وإنما] قيل له مكان قريب: لأنه يسمع كل أحد. * * ثم قال: ﴿يَوْمَ يَسْمَعُونَ ٱلصَّيْحَةَ بِٱلْحَقِّ﴾ أي: يوم يسمع الخلائق صيحة البعث من القبور بالحق أي: بالاجتماع للحساب. * * ثم قال: ﴿ذَلِكَ يَوْمُ ٱلْخُرُوجِ﴾ أي: ذلك يوم خروج أهل القبور من قبورهم. * * ثم قال: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِـي وَنُمِيتُ وَإِلَيْنَا ٱلْمَصِيرُ﴾ أي: نحيى الموتى، ونميت الأجبار، وإلينا رجوع جميع الخلق يوم القيامة. * * ثم قال: ﴿يَوْمَ تَشَقَّقُ ٱلأَرْضُ عَنْهُمْ سِرَاعاً﴾ أي: وإلينا مصيرهم في يوم تشقق الأرض عن جميع الخلق، أي: تتصدع عنهم فيخرجون سراعاً. * * ثم قال: ﴿ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ﴾ أي: جمعهم جمعا علينا سهل. ثم قال: ﴿نَّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ وَمَآ أَنتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ﴾ أي: نحن أعلم يا محمد بما يقول هؤلاء المشركون من كذبهم على الله سبحانه، وتكذيبهم بآياته، وإنكارهم للبعث، ولست يا محمد [عليهم] بمسلط على أن تجبرهم على الإيمان، إنما أنت منذر. قال الفراء: "وضع الجبَّار في موضع السلطان من الجبرية". ثم قال مجاهد: وما أنت عليهم بجبار: أي: لست تتجبر عليهم، وهو معنى قول قتادة. وجبار من أجبرته على كذا، وحكى أهل اللغة أن العرب لا تأتي بفعال من أفعلت، إنما تأتي به من فعلت غير حرف، وأخرجا فعَّال من أفعلت، وهو درّاك من أدركت، وهو شاذ. وحكى عن العرب: جبره على الأمر، فجبَّار من هذا. وقد يقال أجبره بمعنى جبره، لكن الجبار من جبره مأخوذ. * * ثم قال: ﴿فَذَكِّرْ بِٱلْقُرْآنِ مَن يَخَافُ وَعِيدِ﴾ أي: فذكر يا محمد بهذا القرآن من يخاف وعيدي الذي أوعدته من عقابي. قال ابن عباس: قالوا يا رسول الله لو خوفتنا، فنزلت ﴿فَذَكِّرْ بِٱلْقُرْآنِ مَن يَخَافُ وَعِيدِ﴾.

ق 50:44

قوله ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِّن قَرْنٍ﴾ إلى آخر السورة الآيات. أي: وكثيراً من القرون الماضية أهلكنا قبل هؤلاء المشركين من قريش هم أشد من قريش بطشاً. * * ثم قال: ﴿فَنَقَّبُواْ فِي ٱلْبِلاَدِ﴾ قال ابن عباس معناه فأثروا في البلاد. وقال مجاهد ضربوا في الأرض. وقيل معناه ضربوا وتوغلوا في البلاد (يلتمسون محيصاً) من الموت فلم يجدوا منه مخلصاً. والقرن مأخوذ من الأقران وهو مقدار أكثر ما يعيش أهل ذلك الزمان. قال الفراء: ﴿هَلْ مِن مَّحِيصٍ﴾ (أي: فهل كان لهم من الموت محيص) وحذف "كان" للدلالة. وقرأ يحيى بن يعمر فنقِّبوا: على الأمر، ومعناه: التهدد والوعيد لقريش، أي: فطوفوا في البلاد وتوغلوا وفروا بأنفسكم فيها هل تجدون محيصاً من الموت. وقراءة الجماعة إنما هي على الإخبار عما فعلت القرون الماضية فالوقف على (قراءة الجماعة على محيص). وعلى قراءة ابن يعمر على "بطشاً". * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَىٰ لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ﴾. أي: إن في إهلاكنا القرون الماضية قبل قريش بكفرهم لذكرى يتذكر بها ويتعظ بها من كان له عقل من قريش وغيرهم، فينتهي عن الفعل الذي أهلكت القرون الماضية من أجله وهو الكفر بالله ورسله عليهم السلام وكتبه. قال قتادة: ﴿لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ﴾ يعني من هذه الأمة. قال: يعني بذلك القلب الحي. فالتقدير لمن كان له عقل يعقل به ما ينفعه وكني عن العقل بالقلب لأنه محله. * * ثم قال: ﴿أَوْ أَلْقَى ٱلسَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ (أي: وألقى بسمعه لأخبار الجزاء عن القرون الماضية التي أهلكت بكفرها وعصيانها). وهو شهيد: أي: متفهم لما يخبر به عنهم معرض عما يخبر به، هذا معنى قول أبن عباس والضحاك وغيرهما. وقال قتادة: عني بذلك أهل الكتاب، فالمعنى وهو شهيد على ما يقرأ في كتاب الله من نعمة محمد ﷺ، وهو قول معمر. وقال الحسن هو منافق استمع ولم ينتفع. وقال أبو صالح هو المؤمن يسمع القرآن وهو شهيد على ذلك. * * ثم قال ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍ﴾ أي: خلقنا جميع ذلك في ستة أيام، أولها الأحد، وآخرها الجمعة وما مسنا من إعياء. روي: أن هذه الآية نزلت في يهود أتوا النبي ﷺ فقالوا: أخبرنا ما خلق الله (من الخلق) في هذه الأيام الستة، فقال (خلق يوم الأحد والاثنين الأرض)، وخلق الجبال يوم الثلاثاء [وخلق المدائن والأقوات والأنهار وعمراتها وخرابها يوم الأربعاء وخلق السماوات] والملائكة يوم الخميس إلى ثلاث ساعات، يعني من يوم الجمعة، وخلق في أول الثلاث ساعات الآجال وفي الثانية الآفات وفي الثالثة آدم، قالوا صدقت إذا أتممت، فعرف النبي ﷺ ما يريدون فغضب، فأنزل الله ﴿وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍ * فَٱصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ﴾ قال قتادة: أكذب الله جل وعز اليهود والنصارى وأهل الفِراء على الله جل ذكره، وذلك أنهم قالوا: خلق الله جل وعز السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استراح يوم السابع. وذلك عندهم يوم السبت، وهم يسمونه الراحة. قال الضحاك: كان مقدار كل يوم ألف سنة مما تعدون. قال مجاهد: ﴿مِن لُّغُوبٍ﴾ من نصب. وقال قتادة: من إعياء. واللغوب في اللغة: التعب. يقال لغب يلغب لغوباً: إذا تعب. * * ثم قال: ﴿فَٱصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ﴾ أي: اصبر يا محمد على قولهم لك ثم استراح. وهذه الآية عند جماعة منسوخة بقوله ﴿قَاتِلُواْ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ﴾ [التوبة: ٢٩]. * * وقوله: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ ٱلشَّمْسِ وَقَبْلَ ٱلْغُرُوبِ﴾. قال قتادة: قبل طلوع الشمس: صلاة الفجر، وقبل الغروب: صلاة العصر، وهو قول ابن زيد. قال ابن زيد: ﴿وَمِنَ ٱللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ﴾: يعني صلاة العتمة. وقال مجاهد: هي الصلاة بالليل، في أي وقت صلى. * * وقوله: ﴿وَأَدْبَارَ ٱلسُّجُودِ﴾. قال علي أبي طالب رضي الله عنه: الركعتان بعد المغرب. وكذلك عن عمر رضي الله عنه. وهو قول ابن عباس وابن مسعود والحسن ومجاهد والشعبي وقتادة والضحاك. وقد روي ذلك عن النبي ﷺ، وهو اختيار الطبري. وقيل: هو على الندب. وعن ابن عباس: ﴿وَأَدْبَارَ ٱلسُّجُودِ﴾ هو التسبيح بعد الصلاة، وأدبار النجوم علامة الصبح. وقال: ابن زيد وأدبار السجود: النوافل بعد الصلوات المكتوبات. * * ثم قال: ﴿وَٱسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ ٱلْمُنَادِ مِن مَّكَانٍ قَرِيبٍ﴾ أي: واستمع يا محمد حين ينادي المنادي من صخرة بيت المقدس وهو المكان القريب، قاله كعب، قال: ينادي بصوت عال يا أيتها العظام البالية، والأوصال المنقطعة اجتمعي لفصل القضاء. قال قتادة: كما نحدث أنه من بيت المقدس من الصخرة وهي أوسط الأرض. قال: وحدثنا أن كعبا قال هي أقرب الأرض إلى السماء بثمانية عشر ميلا. وقال بريدة: هو ملك يقوم على صخرة المقدس يقول: يا أيها الناس هلموا إلى الحساب قال فيقبلون كما قال الله عز وجل ﴿كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُّنتَشِرٌ﴾ [القمر: ٧]. [وإنما] قيل له مكان قريب: لأنه يسمع كل أحد. * * ثم قال: ﴿يَوْمَ يَسْمَعُونَ ٱلصَّيْحَةَ بِٱلْحَقِّ﴾ أي: يوم يسمع الخلائق صيحة البعث من القبور بالحق أي: بالاجتماع للحساب. * * ثم قال: ﴿ذَلِكَ يَوْمُ ٱلْخُرُوجِ﴾ أي: ذلك يوم خروج أهل القبور من قبورهم. * * ثم قال: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِـي وَنُمِيتُ وَإِلَيْنَا ٱلْمَصِيرُ﴾ أي: نحيى الموتى، ونميت الأجبار، وإلينا رجوع جميع الخلق يوم القيامة. * * ثم قال: ﴿يَوْمَ تَشَقَّقُ ٱلأَرْضُ عَنْهُمْ سِرَاعاً﴾ أي: وإلينا مصيرهم في يوم تشقق الأرض عن جميع الخلق، أي: تتصدع عنهم فيخرجون سراعاً. * * ثم قال: ﴿ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ﴾ أي: جمعهم جمعا علينا سهل. ثم قال: ﴿نَّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ وَمَآ أَنتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ﴾ أي: نحن أعلم يا محمد بما يقول هؤلاء المشركون من كذبهم على الله سبحانه، وتكذيبهم بآياته، وإنكارهم للبعث، ولست يا محمد [عليهم] بمسلط على أن تجبرهم على الإيمان، إنما أنت منذر. قال الفراء: "وضع الجبَّار في موضع السلطان من الجبرية". ثم قال مجاهد: وما أنت عليهم بجبار: أي: لست تتجبر عليهم، وهو معنى قول قتادة. وجبار من أجبرته على كذا، وحكى أهل اللغة أن العرب لا تأتي بفعال من أفعلت، إنما تأتي به من فعلت غير حرف، وأخرجا فعَّال من أفعلت، وهو درّاك من أدركت، وهو شاذ. وحكى عن العرب: جبره على الأمر، فجبَّار من هذا. وقد يقال أجبره بمعنى جبره، لكن الجبار من جبره مأخوذ. * * ثم قال: ﴿فَذَكِّرْ بِٱلْقُرْآنِ مَن يَخَافُ وَعِيدِ﴾ أي: فذكر يا محمد بهذا القرآن من يخاف وعيدي الذي أوعدته من عقابي. قال ابن عباس: قالوا يا رسول الله لو خوفتنا، فنزلت ﴿فَذَكِّرْ بِٱلْقُرْآنِ مَن يَخَافُ وَعِيدِ﴾.

ق 50:45

قوله ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِّن قَرْنٍ﴾ إلى آخر السورة الآيات. أي: وكثيراً من القرون الماضية أهلكنا قبل هؤلاء المشركين من قريش هم أشد من قريش بطشاً. * * ثم قال: ﴿فَنَقَّبُواْ فِي ٱلْبِلاَدِ﴾ قال ابن عباس معناه فأثروا في البلاد. وقال مجاهد ضربوا في الأرض. وقيل معناه ضربوا وتوغلوا في البلاد (يلتمسون محيصاً) من الموت فلم يجدوا منه مخلصاً. والقرن مأخوذ من الأقران وهو مقدار أكثر ما يعيش أهل ذلك الزمان. قال الفراء: ﴿هَلْ مِن مَّحِيصٍ﴾ (أي: فهل كان لهم من الموت محيص) وحذف "كان" للدلالة. وقرأ يحيى بن يعمر فنقِّبوا: على الأمر، ومعناه: التهدد والوعيد لقريش، أي: فطوفوا في البلاد وتوغلوا وفروا بأنفسكم فيها هل تجدون محيصاً من الموت. وقراءة الجماعة إنما هي على الإخبار عما فعلت القرون الماضية فالوقف على (قراءة الجماعة على محيص). وعلى قراءة ابن يعمر على "بطشاً". * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَىٰ لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ﴾. أي: إن في إهلاكنا القرون الماضية قبل قريش بكفرهم لذكرى يتذكر بها ويتعظ بها من كان له عقل من قريش وغيرهم، فينتهي عن الفعل الذي أهلكت القرون الماضية من أجله وهو الكفر بالله ورسله عليهم السلام وكتبه. قال قتادة: ﴿لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ﴾ يعني من هذه الأمة. قال: يعني بذلك القلب الحي. فالتقدير لمن كان له عقل يعقل به ما ينفعه وكني عن العقل بالقلب لأنه محله. * * ثم قال: ﴿أَوْ أَلْقَى ٱلسَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ (أي: وألقى بسمعه لأخبار الجزاء عن القرون الماضية التي أهلكت بكفرها وعصيانها). وهو شهيد: أي: متفهم لما يخبر به عنهم معرض عما يخبر به، هذا معنى قول أبن عباس والضحاك وغيرهما. وقال قتادة: عني بذلك أهل الكتاب، فالمعنى وهو شهيد على ما يقرأ في كتاب الله من نعمة محمد ﷺ، وهو قول معمر. وقال الحسن هو منافق استمع ولم ينتفع. وقال أبو صالح هو المؤمن يسمع القرآن وهو شهيد على ذلك. * * ثم قال ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍ﴾ أي: خلقنا جميع ذلك في ستة أيام، أولها الأحد، وآخرها الجمعة وما مسنا من إعياء. روي: أن هذه الآية نزلت في يهود أتوا النبي ﷺ فقالوا: أخبرنا ما خلق الله (من الخلق) في هذه الأيام الستة، فقال (خلق يوم الأحد والاثنين الأرض)، وخلق الجبال يوم الثلاثاء [وخلق المدائن والأقوات والأنهار وعمراتها وخرابها يوم الأربعاء وخلق السماوات] والملائكة يوم الخميس إلى ثلاث ساعات، يعني من يوم الجمعة، وخلق في أول الثلاث ساعات الآجال وفي الثانية الآفات وفي الثالثة آدم، قالوا صدقت إذا أتممت، فعرف النبي ﷺ ما يريدون فغضب، فأنزل الله ﴿وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍ * فَٱصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ﴾ قال قتادة: أكذب الله جل وعز اليهود والنصارى وأهل الفِراء على الله جل ذكره، وذلك أنهم قالوا: خلق الله جل وعز السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استراح يوم السابع. وذلك عندهم يوم السبت، وهم يسمونه الراحة. قال الضحاك: كان مقدار كل يوم ألف سنة مما تعدون. قال مجاهد: ﴿مِن لُّغُوبٍ﴾ من نصب. وقال قتادة: من إعياء. واللغوب في اللغة: التعب. يقال لغب يلغب لغوباً: إذا تعب. * * ثم قال: ﴿فَٱصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ﴾ أي: اصبر يا محمد على قولهم لك ثم استراح. وهذه الآية عند جماعة منسوخة بقوله ﴿قَاتِلُواْ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ﴾ [التوبة: ٢٩]. * * وقوله: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ ٱلشَّمْسِ وَقَبْلَ ٱلْغُرُوبِ﴾. قال قتادة: قبل طلوع الشمس: صلاة الفجر، وقبل الغروب: صلاة العصر، وهو قول ابن زيد. قال ابن زيد: ﴿وَمِنَ ٱللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ﴾: يعني صلاة العتمة. وقال مجاهد: هي الصلاة بالليل، في أي وقت صلى. * * وقوله: ﴿وَأَدْبَارَ ٱلسُّجُودِ﴾. قال علي أبي طالب رضي الله عنه: الركعتان بعد المغرب. وكذلك عن عمر رضي الله عنه. وهو قول ابن عباس وابن مسعود والحسن ومجاهد والشعبي وقتادة والضحاك. وقد روي ذلك عن النبي ﷺ، وهو اختيار الطبري. وقيل: هو على الندب. وعن ابن عباس: ﴿وَأَدْبَارَ ٱلسُّجُودِ﴾ هو التسبيح بعد الصلاة، وأدبار النجوم علامة الصبح. وقال: ابن زيد وأدبار السجود: النوافل بعد الصلوات المكتوبات. * * ثم قال: ﴿وَٱسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ ٱلْمُنَادِ مِن مَّكَانٍ قَرِيبٍ﴾ أي: واستمع يا محمد حين ينادي المنادي من صخرة بيت المقدس وهو المكان القريب، قاله كعب، قال: ينادي بصوت عال يا أيتها العظام البالية، والأوصال المنقطعة اجتمعي لفصل القضاء. قال قتادة: كما نحدث أنه من بيت المقدس من الصخرة وهي أوسط الأرض. قال: وحدثنا أن كعبا قال هي أقرب الأرض إلى السماء بثمانية عشر ميلا. وقال بريدة: هو ملك يقوم على صخرة المقدس يقول: يا أيها الناس هلموا إلى الحساب قال فيقبلون كما قال الله عز وجل ﴿كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُّنتَشِرٌ﴾ [القمر: ٧]. [وإنما] قيل له مكان قريب: لأنه يسمع كل أحد. * * ثم قال: ﴿يَوْمَ يَسْمَعُونَ ٱلصَّيْحَةَ بِٱلْحَقِّ﴾ أي: يوم يسمع الخلائق صيحة البعث من القبور بالحق أي: بالاجتماع للحساب. * * ثم قال: ﴿ذَلِكَ يَوْمُ ٱلْخُرُوجِ﴾ أي: ذلك يوم خروج أهل القبور من قبورهم. * * ثم قال: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِـي وَنُمِيتُ وَإِلَيْنَا ٱلْمَصِيرُ﴾ أي: نحيى الموتى، ونميت الأجبار، وإلينا رجوع جميع الخلق يوم القيامة. * * ثم قال: ﴿يَوْمَ تَشَقَّقُ ٱلأَرْضُ عَنْهُمْ سِرَاعاً﴾ أي: وإلينا مصيرهم في يوم تشقق الأرض عن جميع الخلق، أي: تتصدع عنهم فيخرجون سراعاً. * * ثم قال: ﴿ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ﴾ أي: جمعهم جمعا علينا سهل. ثم قال: ﴿نَّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ وَمَآ أَنتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ﴾ أي: نحن أعلم يا محمد بما يقول هؤلاء المشركون من كذبهم على الله سبحانه، وتكذيبهم بآياته، وإنكارهم للبعث، ولست يا محمد [عليهم] بمسلط على أن تجبرهم على الإيمان، إنما أنت منذر. قال الفراء: "وضع الجبَّار في موضع السلطان من الجبرية". ثم قال مجاهد: وما أنت عليهم بجبار: أي: لست تتجبر عليهم، وهو معنى قول قتادة. وجبار من أجبرته على كذا، وحكى أهل اللغة أن العرب لا تأتي بفعال من أفعلت، إنما تأتي به من فعلت غير حرف، وأخرجا فعَّال من أفعلت، وهو درّاك من أدركت، وهو شاذ. وحكى عن العرب: جبره على الأمر، فجبَّار من هذا. وقد يقال أجبره بمعنى جبره، لكن الجبار من جبره مأخوذ. * * ثم قال: ﴿فَذَكِّرْ بِٱلْقُرْآنِ مَن يَخَافُ وَعِيدِ﴾ أي: فذكر يا محمد بهذا القرآن من يخاف وعيدي الذي أوعدته من عقابي. قال ابن عباس: قالوا يا رسول الله لو خوفتنا، فنزلت ﴿فَذَكِّرْ بِٱلْقُرْآنِ مَن يَخَافُ وَعِيدِ﴾.