Lafzullah

Tafsir Makhi — الطور 52:35 – النجم 53:45

المؤلف / المصدر: Tafsir Makhi

المحتويات
  1. الطور 52:35
  2. الطور 52:36
  3. الطور 52:37
  4. الطور 52:38
  5. الطور 52:39
  6. الطور 52:40
  7. الطور 52:41
  8. الطور 52:42
  9. الطور 52:43
  10. الطور 52:44
  11. الطور 52:45
  12. الطور 52:46
  13. الطور 52:47
  14. الطور 52:48
  15. الطور 52:49
  16. النجم 53:1
  17. النجم 53:2
  18. النجم 53:3
  19. النجم 53:4
  20. النجم 53:5
  21. النجم 53:6
  22. النجم 53:7
  23. النجم 53:8
  24. النجم 53:9
  25. النجم 53:10
  26. النجم 53:11
  27. النجم 53:12
  28. النجم 53:13
  29. النجم 53:14
  30. النجم 53:15
  31. النجم 53:16
  32. النجم 53:17
  33. النجم 53:18
  34. النجم 53:19
  35. النجم 53:20
  36. النجم 53:21
  37. النجم 53:22
  38. النجم 53:23
  39. النجم 53:24
  40. النجم 53:25
  41. النجم 53:26
  42. النجم 53:27
  43. النجم 53:28
  44. النجم 53:29
  45. النجم 53:30
  46. النجم 53:31
  47. النجم 53:32
  48. النجم 53:33
  49. النجم 53:34
  50. النجم 53:35
  51. النجم 53:36
  52. النجم 53:37
  53. النجم 53:38
  54. النجم 53:39
  55. النجم 53:40
  56. النجم 53:41
  57. النجم 53:42
  58. النجم 53:43
  59. النجم 53:44
  60. النجم 53:45

الطور 52:35

قوله: ﴿وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمَانٌ لَّهُمْ﴾ إلى آخر السورة الآيات. أي: يطوف على هؤلاء الذين تقدمت صفتهم غلمان لهم كأنهم اللؤلؤ المكنون في بياضه وصفائه. والمكنون: المصون، أي: يطوفون عليهم في الجنة بكؤوس الشراب الذي تقدمت صفته. قال قتادة: ذكر لنا أن رجلاً قال: يا نبي الله هذا الخادم فكيف المخدوم؟ فقال: والذي نفسي بيده إن فضل الخدوم على الخادم كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب ثم قال: ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ يَتَسَآءَلُونَ﴾ أي: أقبل بعض المؤمنين يسأل عن حال بعض. قال ابن عباس: يتساءلون حين بعثوا في النفخة الثانية. قيل: إنهم يقول بعضهم لبعض ما صيرك إلى هذه المنزلة الرفيعة. * * ثم قال: ﴿قَالُوۤاْ إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِيۤ أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ﴾ أي: قال بعضهم لبعض: إنا كنا من قبل في الدنيا مشفقين خائفين من عذاب الله عز وجل فمنَّ الله علينا بفضله، فغفر الصغائر وترك المحاسبة على النعم المستغرقة للأعمال. قال النبي ﷺ: "لا يدخل أحد الجنة بعمله" قيل: ولا أنت يا رسول الله، قال: "ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته" ثم قال: ﴿وَوَقَانَا عَذَابَ ٱلسَّمُومِ﴾ أي: (عذاب النار) وأدخلنا الجنة. وقيل معناه إذا أمر الكفار بالانطلاق إلى ظل ذي ثلاث شعب من دخان النار أمر بالمؤمنين إلى ظل من ظل الله، فتقف كل طائفة في الظل الذي أمرت به إليه حتى يفرغ من الحساب، فعند ذلك يقول المؤمنون: ﴿فَمَنَّ ٱللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ ٱلسَّمُومِ﴾ وهو الظل ذو ثلاث شعب. * * ثم قال: ﴿إِنَّا كُنَّا مِن قَبْلُ نَدْعُوهُ﴾ هذا كله قول المؤمنين، أي: كنا في الدنيا نعبده، ونخلص العمل له ﴿إِنَّهُ هُوَ ٱلْبَرُّ﴾ أي: اللطيف بعباده، الرحيم بخلقه أن يعذبهم بعد توبتهم. * * ثم قال: ﴿فَذَكِّرْ فَمَآ أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلاَ مَجْنُونٍ﴾ أي: فذكر يا محمد من أرسلناك إليهم من قومك وعظهم فلست بفضل ربك عليك بكاهن كما يقول المشركون ولا بمجنون، ولكن رسول الله. * * ثم قال: ﴿أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَّتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ ٱلْمَنُونِ﴾ أي: بل يقول المشركون في محمد ﷺ هو شاعر نتربص به حوادث الدهر تكفيناه بموت أو بحادثة متلفة. قال ابن عباس: إن قريشاً اجتمعوا في دار الندوة في أمر النبي ﷺ، فقال قائل منهم: احبسوه في وثاق ثم تربصوا به الموت حتى يهلك كما هلك قبله من الشعراء، إنما هو كأحدهم، فأنزل الله عز وجل: ﴿أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَّتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ ٱلْمَنُونِ﴾ والمنون: الموت، وهو واحد لا جمع له، قاله الأصمعي. وقال الأخفش: المنون: جمع لا واحد له. وقال الفراء: هو الواحد والجمع. والدهر يسمى بالمنون لأنه يذهب بمنة الحيوان، أي: بقوتها. وقال أبو عبيدة: قيل للدهر "منون" لأنه مضعف من قولهم "حبل منين" إذا كان بالياً ضعيفاً. * * ثم قال: ﴿قُلْ تَرَبَّصُواْ فَإِنِّي مَعَكُمْ مِّنَ ٱلْمُتَرَبِّصِينَ﴾ أي: قل لهم يا محمد انتظروا وتمهلوا في ريب المنون، فإني متربص معكم حتى يأتي أمر الله تعالى فيكم وفيّ. * * ثم قال: ﴿أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلاَمُهُمْ بِهَـٰذَآ﴾ أي: أم تأمرهم عقولهم وألبابهم بأن يقولوا لمن جاءهم بالحق شاعر ومجنون، بل هم قوم طاغون. وقيل: المعنى: أم تأمرهم عقولهم بأن يعبدوا الأصنام ويتركوا عبادة خالقهم ورازقهم بل هم قوم قد طغوا وبغوا فتجاوزوا أمر ربهم و "أَمْ" في هذا كله بمعنى "بل". * * ثم قال: ﴿فَلْيَأْتُواْ بِحَدِيثٍ مِّثْلِهِ إِن كَانُواْ صَادِقِينَ﴾ أي: فليأت قائلو ذلك من المشركين بقرآن مثله فيكونوا صادقين في قولهم أن محمداً تقَوَّلَهُ. * * ثم قال: ﴿أَمْ خُلِقُواْ مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ ٱلْخَالِقُونَ﴾ "أم" في موضع الألف، والتقدير: أخلق هؤلاء المشركون من غير آباء وأمهات، فهم كالجماد لا يعقلون ولا يفقهون لله حجة، ولا يتَّعظون بموعظة. وقيل المعنى: أخلقوا من غير صانع صنعهم ودبرهم، فهم لا يقبلون من أحد، أم هم الخالقون للأشياء، فلذلك لا يأتمرون لأمر الله سبحانه. وقيل المعنى: أم هم الخالقون لأنفسهم. وقيل معنى الآية: أم خلقوا لغير شيء؛ أي: أَخلقوا عبثاً لا يؤمرون ولا ينهون. * * ثم قال: ﴿أَمْ خَلَقُواْ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ بَل لاَّ يُوقِنُونَ﴾ أي: أفعلوا ذلك فيكونوا هم الخالقون. ومعناه لم يخلقوا ذلك [بل] لا يوقنون؛ أي: لا يعلمون ما يلزمهم. وقيل المعنى: لم يتركوا قبول أمر ربهم لأنهم خلقوا السماوات والأرض ولكنهم تركوه لأنهم لا يوقنون بوعيد الله سبحانه، وما أعد من العذاب لمن عصى أمره، فهم يكفرون ويعصون؛ لأنهم لا يوقنون بالعقاب والمجازات. * * ثم قال: ﴿أَمْ عِندَهُمْ خَزَآئِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ ٱلْمُصَيْطِرُونَ﴾ أي: أعندهم عطاء ربك فيستغنوا عنه، فيعرضوا عن أمره ونهيه أم هم المصيطرون. قال ابن عباس: المصيطرون: المسلطون، وعنه: المتولون. وقال أبو عبيدة: أم هم الأرباب، يقال: تسيطرت علي، أي: أتَّخذتني خولاً لَكَ. وقيل المعنى: أم هم الجبارون. * * ثم قال: ﴿أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُم بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ﴾ أي: ألهم سلم (يرتقون) فيه إلى السماء يستمعون الوحي فيكونوا قد سمعوا صواب ما هم عليه من الكفر فيستمسكوا به، فإن كانوا يدعون ذلك، فليأتِ من يزعم أنه استمع بحجة تبين أنها حق. ثم قال: ﴿أَمْ لَهُ ٱلْبَنَاتُ وَلَكُمُ ٱلْبَنُونَ﴾ أي: ألِربكم أيها المشركون البنات ولكم البنون كما تزعمون، هذه قسمة ضيزى. * * ثم قال: ﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْراً فَهُم مِّن مَّغْرَمٍ مُّثْقَلُونَ﴾ أي: أتسألهم يا محمد جعلاً على دعائك إياهم فتثقل عليهم إجابتك لذلك. قال قتادة: معناه هل سألت يا محمد هؤلاء القوم أجراً فجهدتهم فلا يستطيعون الإسلام. * * ثم قال: ﴿أَمْ عِندَهُمُ ٱلْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ﴾ أي: هم لا يعلمون الغيب فكيف يقولون لا نؤمن برسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق ويقولون شاعر نتربص به ريب المنون، فهم يكتبون؛ أي: يكتبون للناس ما أرادوا ويخبرونهم به. * * ثم قال: ﴿أَمْ يُرِيدُونَ كَيْداً﴾ أي: أراد هؤلاء المشركون بدين الله وبرسوله كيداً، أي: مكراً وخديعة. ﴿فَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ هُمُ ٱلْمَكِيدُونَ﴾ أي: هم الممكور بهم المهلكون دون محمد ودينه ومن آمن به. * * ثم قال: ﴿أَمْ لَهُمْ إِلَـٰهٌ غَيْرُ ٱللَّهِ سُبْحَانَ ٱللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ أي: ألهم معبود يرزقهم ويخلقهم وينفعهم ويضرهم غير الله، سبحان الله عما يشركون. * * ثم قال: ﴿وَإِن يَرَوْاْ كِسْفاً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ سَاقِطاً يَقُولُواْ سَحَابٌ مَّرْكُومٌ﴾ أي: وإن ير هؤلاء المشركون قطعاً من السماء ساقطاً يقولوا هذا سحاب بعضه فوق بعض وهذا إنما عني به قول المشركين للنبي ﷺ: لن نؤمن لك حتى تفعل كذا وكذا وتسقط السماء كما زعمت علينا كسفاً، فقال جل ذكره لنبيه عليه السلام وإن ير هؤلاء المشركون (ما سألوا من الآيات) لم ينتقلوا عمّا هم عليه من التكذيب، ولقالوا: إنما هو سحاب مركوم؛ أي: سحاب بعضه فوق بعض. * * ثم قال: ﴿فَذَرْهُمْ حَتَّىٰ يُلَـٰقُواْ يَوْمَهُمُ ٱلَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ﴾ أي: فدع يا محمد هؤلاء الكفار حتى يلاقوا يوم موتهم، والصعق: الموت وذلك عند النفخة الأولى. ﴿يَوْمَ لاَ يُغْنِي عَنْهُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً﴾ أي: لا يغني عنهم مكرهم شيئاً، ولا ناصر لهم من عذاب الله عز وجل. * * ثم قال: ﴿وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ عَذَاباً دُونَ ذَلِكَ﴾ قال ابن عباس وغيره: هو عذاب القبر. وقال مجاهد: هو الجوع. وقال ابن زيد: هو مصائب الدنيا للمؤمن أجرٌ وللكافر تعجيل عذاب. فالمعنى: لهؤلاء المشركين عذاب آخر (قبل يوم القيامة) وهو ما ذكرنا فلا يستعجلون به. ﴿وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ ذلك أي: لا يؤمنون به فيعلمون أنه حال بهم. قال ابن الماجشون: سمعت محمد بن المنكدر يقول: بلغني أن الله تبارك وتعالى يسلط على الكافر في قبره دابة عمياء في يدها سوط من حديد في رأسه جمرة مثل غرب الجمل يضربه إلى يوم القيامة لا تراه ولا تسمع صوته فترحمه. ومعنى غرب الجمل: هو الدلو الذي يسقى به الجمل. * * ثم قال: ﴿وَٱصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ أي: امض يا محمد لأمر ربك وتبليغ ما أرسلت به فإنك بمرأى منا [ونحن نحوطك] ونحفظك. ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ﴾ أي: حين تقوم من نومك قال: سبحان الله وبحمده، قاله سفيان. وقيل المعنى: (إذا قمت إلى الصلاة) المفروضة فقل سبحان الله وبحمده. وقيل: تقول سبحانك اللهم وبحمدك. وقيل التسبيح هنا تكبيرة الإحرام. * * ثم قال: ﴿وَمِنَ ٱللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ ٱلنُّجُومِ﴾ يريد به صلاة العشاء الآخرة، وركعتا الفجر. وعن ابن عباس أنه التسبيح في أدبار الصلوات، وأكثرهم على أن ﴿وَإِدْبَارَ ٱلنُّجُومِ﴾: وركعتا الفجر. وعن النبي ﷺ أنه قال: "هما خير من الدنيا جميعاً وقال الضحاك وابن زيد ﴿وَإِدْبَارَ ٱلنُّجُومِ﴾: صلاة الصبح بعينها وهو اختيار الطبري.

الطور 52:36

قوله: ﴿وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمَانٌ لَّهُمْ﴾ إلى آخر السورة الآيات. أي: يطوف على هؤلاء الذين تقدمت صفتهم غلمان لهم كأنهم اللؤلؤ المكنون في بياضه وصفائه. والمكنون: المصون، أي: يطوفون عليهم في الجنة بكؤوس الشراب الذي تقدمت صفته. قال قتادة: ذكر لنا أن رجلاً قال: يا نبي الله هذا الخادم فكيف المخدوم؟ فقال: والذي نفسي بيده إن فضل الخدوم على الخادم كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب ثم قال: ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ يَتَسَآءَلُونَ﴾ أي: أقبل بعض المؤمنين يسأل عن حال بعض. قال ابن عباس: يتساءلون حين بعثوا في النفخة الثانية. قيل: إنهم يقول بعضهم لبعض ما صيرك إلى هذه المنزلة الرفيعة. * * ثم قال: ﴿قَالُوۤاْ إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِيۤ أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ﴾ أي: قال بعضهم لبعض: إنا كنا من قبل في الدنيا مشفقين خائفين من عذاب الله عز وجل فمنَّ الله علينا بفضله، فغفر الصغائر وترك المحاسبة على النعم المستغرقة للأعمال. قال النبي ﷺ: "لا يدخل أحد الجنة بعمله" قيل: ولا أنت يا رسول الله، قال: "ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته" ثم قال: ﴿وَوَقَانَا عَذَابَ ٱلسَّمُومِ﴾ أي: (عذاب النار) وأدخلنا الجنة. وقيل معناه إذا أمر الكفار بالانطلاق إلى ظل ذي ثلاث شعب من دخان النار أمر بالمؤمنين إلى ظل من ظل الله، فتقف كل طائفة في الظل الذي أمرت به إليه حتى يفرغ من الحساب، فعند ذلك يقول المؤمنون: ﴿فَمَنَّ ٱللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ ٱلسَّمُومِ﴾ وهو الظل ذو ثلاث شعب. * * ثم قال: ﴿إِنَّا كُنَّا مِن قَبْلُ نَدْعُوهُ﴾ هذا كله قول المؤمنين، أي: كنا في الدنيا نعبده، ونخلص العمل له ﴿إِنَّهُ هُوَ ٱلْبَرُّ﴾ أي: اللطيف بعباده، الرحيم بخلقه أن يعذبهم بعد توبتهم. * * ثم قال: ﴿فَذَكِّرْ فَمَآ أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلاَ مَجْنُونٍ﴾ أي: فذكر يا محمد من أرسلناك إليهم من قومك وعظهم فلست بفضل ربك عليك بكاهن كما يقول المشركون ولا بمجنون، ولكن رسول الله. * * ثم قال: ﴿أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَّتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ ٱلْمَنُونِ﴾ أي: بل يقول المشركون في محمد ﷺ هو شاعر نتربص به حوادث الدهر تكفيناه بموت أو بحادثة متلفة. قال ابن عباس: إن قريشاً اجتمعوا في دار الندوة في أمر النبي ﷺ، فقال قائل منهم: احبسوه في وثاق ثم تربصوا به الموت حتى يهلك كما هلك قبله من الشعراء، إنما هو كأحدهم، فأنزل الله عز وجل: ﴿أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَّتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ ٱلْمَنُونِ﴾ والمنون: الموت، وهو واحد لا جمع له، قاله الأصمعي. وقال الأخفش: المنون: جمع لا واحد له. وقال الفراء: هو الواحد والجمع. والدهر يسمى بالمنون لأنه يذهب بمنة الحيوان، أي: بقوتها. وقال أبو عبيدة: قيل للدهر "منون" لأنه مضعف من قولهم "حبل منين" إذا كان بالياً ضعيفاً. * * ثم قال: ﴿قُلْ تَرَبَّصُواْ فَإِنِّي مَعَكُمْ مِّنَ ٱلْمُتَرَبِّصِينَ﴾ أي: قل لهم يا محمد انتظروا وتمهلوا في ريب المنون، فإني متربص معكم حتى يأتي أمر الله تعالى فيكم وفيّ. * * ثم قال: ﴿أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلاَمُهُمْ بِهَـٰذَآ﴾ أي: أم تأمرهم عقولهم وألبابهم بأن يقولوا لمن جاءهم بالحق شاعر ومجنون، بل هم قوم طاغون. وقيل: المعنى: أم تأمرهم عقولهم بأن يعبدوا الأصنام ويتركوا عبادة خالقهم ورازقهم بل هم قوم قد طغوا وبغوا فتجاوزوا أمر ربهم و "أَمْ" في هذا كله بمعنى "بل". * * ثم قال: ﴿فَلْيَأْتُواْ بِحَدِيثٍ مِّثْلِهِ إِن كَانُواْ صَادِقِينَ﴾ أي: فليأت قائلو ذلك من المشركين بقرآن مثله فيكونوا صادقين في قولهم أن محمداً تقَوَّلَهُ. * * ثم قال: ﴿أَمْ خُلِقُواْ مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ ٱلْخَالِقُونَ﴾ "أم" في موضع الألف، والتقدير: أخلق هؤلاء المشركون من غير آباء وأمهات، فهم كالجماد لا يعقلون ولا يفقهون لله حجة، ولا يتَّعظون بموعظة. وقيل المعنى: أخلقوا من غير صانع صنعهم ودبرهم، فهم لا يقبلون من أحد، أم هم الخالقون للأشياء، فلذلك لا يأتمرون لأمر الله سبحانه. وقيل المعنى: أم هم الخالقون لأنفسهم. وقيل معنى الآية: أم خلقوا لغير شيء؛ أي: أَخلقوا عبثاً لا يؤمرون ولا ينهون. * * ثم قال: ﴿أَمْ خَلَقُواْ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ بَل لاَّ يُوقِنُونَ﴾ أي: أفعلوا ذلك فيكونوا هم الخالقون. ومعناه لم يخلقوا ذلك [بل] لا يوقنون؛ أي: لا يعلمون ما يلزمهم. وقيل المعنى: لم يتركوا قبول أمر ربهم لأنهم خلقوا السماوات والأرض ولكنهم تركوه لأنهم لا يوقنون بوعيد الله سبحانه، وما أعد من العذاب لمن عصى أمره، فهم يكفرون ويعصون؛ لأنهم لا يوقنون بالعقاب والمجازات. * * ثم قال: ﴿أَمْ عِندَهُمْ خَزَآئِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ ٱلْمُصَيْطِرُونَ﴾ أي: أعندهم عطاء ربك فيستغنوا عنه، فيعرضوا عن أمره ونهيه أم هم المصيطرون. قال ابن عباس: المصيطرون: المسلطون، وعنه: المتولون. وقال أبو عبيدة: أم هم الأرباب، يقال: تسيطرت علي، أي: أتَّخذتني خولاً لَكَ. وقيل المعنى: أم هم الجبارون. * * ثم قال: ﴿أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُم بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ﴾ أي: ألهم سلم (يرتقون) فيه إلى السماء يستمعون الوحي فيكونوا قد سمعوا صواب ما هم عليه من الكفر فيستمسكوا به، فإن كانوا يدعون ذلك، فليأتِ من يزعم أنه استمع بحجة تبين أنها حق. ثم قال: ﴿أَمْ لَهُ ٱلْبَنَاتُ وَلَكُمُ ٱلْبَنُونَ﴾ أي: ألِربكم أيها المشركون البنات ولكم البنون كما تزعمون، هذه قسمة ضيزى. * * ثم قال: ﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْراً فَهُم مِّن مَّغْرَمٍ مُّثْقَلُونَ﴾ أي: أتسألهم يا محمد جعلاً على دعائك إياهم فتثقل عليهم إجابتك لذلك. قال قتادة: معناه هل سألت يا محمد هؤلاء القوم أجراً فجهدتهم فلا يستطيعون الإسلام. * * ثم قال: ﴿أَمْ عِندَهُمُ ٱلْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ﴾ أي: هم لا يعلمون الغيب فكيف يقولون لا نؤمن برسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق ويقولون شاعر نتربص به ريب المنون، فهم يكتبون؛ أي: يكتبون للناس ما أرادوا ويخبرونهم به. * * ثم قال: ﴿أَمْ يُرِيدُونَ كَيْداً﴾ أي: أراد هؤلاء المشركون بدين الله وبرسوله كيداً، أي: مكراً وخديعة. ﴿فَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ هُمُ ٱلْمَكِيدُونَ﴾ أي: هم الممكور بهم المهلكون دون محمد ودينه ومن آمن به. * * ثم قال: ﴿أَمْ لَهُمْ إِلَـٰهٌ غَيْرُ ٱللَّهِ سُبْحَانَ ٱللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ أي: ألهم معبود يرزقهم ويخلقهم وينفعهم ويضرهم غير الله، سبحان الله عما يشركون. * * ثم قال: ﴿وَإِن يَرَوْاْ كِسْفاً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ سَاقِطاً يَقُولُواْ سَحَابٌ مَّرْكُومٌ﴾ أي: وإن ير هؤلاء المشركون قطعاً من السماء ساقطاً يقولوا هذا سحاب بعضه فوق بعض وهذا إنما عني به قول المشركين للنبي ﷺ: لن نؤمن لك حتى تفعل كذا وكذا وتسقط السماء كما زعمت علينا كسفاً، فقال جل ذكره لنبيه عليه السلام وإن ير هؤلاء المشركون (ما سألوا من الآيات) لم ينتقلوا عمّا هم عليه من التكذيب، ولقالوا: إنما هو سحاب مركوم؛ أي: سحاب بعضه فوق بعض. * * ثم قال: ﴿فَذَرْهُمْ حَتَّىٰ يُلَـٰقُواْ يَوْمَهُمُ ٱلَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ﴾ أي: فدع يا محمد هؤلاء الكفار حتى يلاقوا يوم موتهم، والصعق: الموت وذلك عند النفخة الأولى. ﴿يَوْمَ لاَ يُغْنِي عَنْهُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً﴾ أي: لا يغني عنهم مكرهم شيئاً، ولا ناصر لهم من عذاب الله عز وجل. * * ثم قال: ﴿وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ عَذَاباً دُونَ ذَلِكَ﴾ قال ابن عباس وغيره: هو عذاب القبر. وقال مجاهد: هو الجوع. وقال ابن زيد: هو مصائب الدنيا للمؤمن أجرٌ وللكافر تعجيل عذاب. فالمعنى: لهؤلاء المشركين عذاب آخر (قبل يوم القيامة) وهو ما ذكرنا فلا يستعجلون به. ﴿وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ ذلك أي: لا يؤمنون به فيعلمون أنه حال بهم. قال ابن الماجشون: سمعت محمد بن المنكدر يقول: بلغني أن الله تبارك وتعالى يسلط على الكافر في قبره دابة عمياء في يدها سوط من حديد في رأسه جمرة مثل غرب الجمل يضربه إلى يوم القيامة لا تراه ولا تسمع صوته فترحمه. ومعنى غرب الجمل: هو الدلو الذي يسقى به الجمل. * * ثم قال: ﴿وَٱصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ أي: امض يا محمد لأمر ربك وتبليغ ما أرسلت به فإنك بمرأى منا [ونحن نحوطك] ونحفظك. ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ﴾ أي: حين تقوم من نومك قال: سبحان الله وبحمده، قاله سفيان. وقيل المعنى: (إذا قمت إلى الصلاة) المفروضة فقل سبحان الله وبحمده. وقيل: تقول سبحانك اللهم وبحمدك. وقيل التسبيح هنا تكبيرة الإحرام. * * ثم قال: ﴿وَمِنَ ٱللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ ٱلنُّجُومِ﴾ يريد به صلاة العشاء الآخرة، وركعتا الفجر. وعن ابن عباس أنه التسبيح في أدبار الصلوات، وأكثرهم على أن ﴿وَإِدْبَارَ ٱلنُّجُومِ﴾: وركعتا الفجر. وعن النبي ﷺ أنه قال: "هما خير من الدنيا جميعاً وقال الضحاك وابن زيد ﴿وَإِدْبَارَ ٱلنُّجُومِ﴾: صلاة الصبح بعينها وهو اختيار الطبري.

الطور 52:37

قوله: ﴿وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمَانٌ لَّهُمْ﴾ إلى آخر السورة الآيات. أي: يطوف على هؤلاء الذين تقدمت صفتهم غلمان لهم كأنهم اللؤلؤ المكنون في بياضه وصفائه. والمكنون: المصون، أي: يطوفون عليهم في الجنة بكؤوس الشراب الذي تقدمت صفته. قال قتادة: ذكر لنا أن رجلاً قال: يا نبي الله هذا الخادم فكيف المخدوم؟ فقال: والذي نفسي بيده إن فضل الخدوم على الخادم كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب ثم قال: ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ يَتَسَآءَلُونَ﴾ أي: أقبل بعض المؤمنين يسأل عن حال بعض. قال ابن عباس: يتساءلون حين بعثوا في النفخة الثانية. قيل: إنهم يقول بعضهم لبعض ما صيرك إلى هذه المنزلة الرفيعة. * * ثم قال: ﴿قَالُوۤاْ إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِيۤ أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ﴾ أي: قال بعضهم لبعض: إنا كنا من قبل في الدنيا مشفقين خائفين من عذاب الله عز وجل فمنَّ الله علينا بفضله، فغفر الصغائر وترك المحاسبة على النعم المستغرقة للأعمال. قال النبي ﷺ: "لا يدخل أحد الجنة بعمله" قيل: ولا أنت يا رسول الله، قال: "ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته" ثم قال: ﴿وَوَقَانَا عَذَابَ ٱلسَّمُومِ﴾ أي: (عذاب النار) وأدخلنا الجنة. وقيل معناه إذا أمر الكفار بالانطلاق إلى ظل ذي ثلاث شعب من دخان النار أمر بالمؤمنين إلى ظل من ظل الله، فتقف كل طائفة في الظل الذي أمرت به إليه حتى يفرغ من الحساب، فعند ذلك يقول المؤمنون: ﴿فَمَنَّ ٱللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ ٱلسَّمُومِ﴾ وهو الظل ذو ثلاث شعب. * * ثم قال: ﴿إِنَّا كُنَّا مِن قَبْلُ نَدْعُوهُ﴾ هذا كله قول المؤمنين، أي: كنا في الدنيا نعبده، ونخلص العمل له ﴿إِنَّهُ هُوَ ٱلْبَرُّ﴾ أي: اللطيف بعباده، الرحيم بخلقه أن يعذبهم بعد توبتهم. * * ثم قال: ﴿فَذَكِّرْ فَمَآ أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلاَ مَجْنُونٍ﴾ أي: فذكر يا محمد من أرسلناك إليهم من قومك وعظهم فلست بفضل ربك عليك بكاهن كما يقول المشركون ولا بمجنون، ولكن رسول الله. * * ثم قال: ﴿أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَّتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ ٱلْمَنُونِ﴾ أي: بل يقول المشركون في محمد ﷺ هو شاعر نتربص به حوادث الدهر تكفيناه بموت أو بحادثة متلفة. قال ابن عباس: إن قريشاً اجتمعوا في دار الندوة في أمر النبي ﷺ، فقال قائل منهم: احبسوه في وثاق ثم تربصوا به الموت حتى يهلك كما هلك قبله من الشعراء، إنما هو كأحدهم، فأنزل الله عز وجل: ﴿أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَّتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ ٱلْمَنُونِ﴾ والمنون: الموت، وهو واحد لا جمع له، قاله الأصمعي. وقال الأخفش: المنون: جمع لا واحد له. وقال الفراء: هو الواحد والجمع. والدهر يسمى بالمنون لأنه يذهب بمنة الحيوان، أي: بقوتها. وقال أبو عبيدة: قيل للدهر "منون" لأنه مضعف من قولهم "حبل منين" إذا كان بالياً ضعيفاً. * * ثم قال: ﴿قُلْ تَرَبَّصُواْ فَإِنِّي مَعَكُمْ مِّنَ ٱلْمُتَرَبِّصِينَ﴾ أي: قل لهم يا محمد انتظروا وتمهلوا في ريب المنون، فإني متربص معكم حتى يأتي أمر الله تعالى فيكم وفيّ. * * ثم قال: ﴿أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلاَمُهُمْ بِهَـٰذَآ﴾ أي: أم تأمرهم عقولهم وألبابهم بأن يقولوا لمن جاءهم بالحق شاعر ومجنون، بل هم قوم طاغون. وقيل: المعنى: أم تأمرهم عقولهم بأن يعبدوا الأصنام ويتركوا عبادة خالقهم ورازقهم بل هم قوم قد طغوا وبغوا فتجاوزوا أمر ربهم و "أَمْ" في هذا كله بمعنى "بل". * * ثم قال: ﴿فَلْيَأْتُواْ بِحَدِيثٍ مِّثْلِهِ إِن كَانُواْ صَادِقِينَ﴾ أي: فليأت قائلو ذلك من المشركين بقرآن مثله فيكونوا صادقين في قولهم أن محمداً تقَوَّلَهُ. * * ثم قال: ﴿أَمْ خُلِقُواْ مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ ٱلْخَالِقُونَ﴾ "أم" في موضع الألف، والتقدير: أخلق هؤلاء المشركون من غير آباء وأمهات، فهم كالجماد لا يعقلون ولا يفقهون لله حجة، ولا يتَّعظون بموعظة. وقيل المعنى: أخلقوا من غير صانع صنعهم ودبرهم، فهم لا يقبلون من أحد، أم هم الخالقون للأشياء، فلذلك لا يأتمرون لأمر الله سبحانه. وقيل المعنى: أم هم الخالقون لأنفسهم. وقيل معنى الآية: أم خلقوا لغير شيء؛ أي: أَخلقوا عبثاً لا يؤمرون ولا ينهون. * * ثم قال: ﴿أَمْ خَلَقُواْ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ بَل لاَّ يُوقِنُونَ﴾ أي: أفعلوا ذلك فيكونوا هم الخالقون. ومعناه لم يخلقوا ذلك [بل] لا يوقنون؛ أي: لا يعلمون ما يلزمهم. وقيل المعنى: لم يتركوا قبول أمر ربهم لأنهم خلقوا السماوات والأرض ولكنهم تركوه لأنهم لا يوقنون بوعيد الله سبحانه، وما أعد من العذاب لمن عصى أمره، فهم يكفرون ويعصون؛ لأنهم لا يوقنون بالعقاب والمجازات. * * ثم قال: ﴿أَمْ عِندَهُمْ خَزَآئِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ ٱلْمُصَيْطِرُونَ﴾ أي: أعندهم عطاء ربك فيستغنوا عنه، فيعرضوا عن أمره ونهيه أم هم المصيطرون. قال ابن عباس: المصيطرون: المسلطون، وعنه: المتولون. وقال أبو عبيدة: أم هم الأرباب، يقال: تسيطرت علي، أي: أتَّخذتني خولاً لَكَ. وقيل المعنى: أم هم الجبارون. * * ثم قال: ﴿أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُم بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ﴾ أي: ألهم سلم (يرتقون) فيه إلى السماء يستمعون الوحي فيكونوا قد سمعوا صواب ما هم عليه من الكفر فيستمسكوا به، فإن كانوا يدعون ذلك، فليأتِ من يزعم أنه استمع بحجة تبين أنها حق. ثم قال: ﴿أَمْ لَهُ ٱلْبَنَاتُ وَلَكُمُ ٱلْبَنُونَ﴾ أي: ألِربكم أيها المشركون البنات ولكم البنون كما تزعمون، هذه قسمة ضيزى. * * ثم قال: ﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْراً فَهُم مِّن مَّغْرَمٍ مُّثْقَلُونَ﴾ أي: أتسألهم يا محمد جعلاً على دعائك إياهم فتثقل عليهم إجابتك لذلك. قال قتادة: معناه هل سألت يا محمد هؤلاء القوم أجراً فجهدتهم فلا يستطيعون الإسلام. * * ثم قال: ﴿أَمْ عِندَهُمُ ٱلْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ﴾ أي: هم لا يعلمون الغيب فكيف يقولون لا نؤمن برسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق ويقولون شاعر نتربص به ريب المنون، فهم يكتبون؛ أي: يكتبون للناس ما أرادوا ويخبرونهم به. * * ثم قال: ﴿أَمْ يُرِيدُونَ كَيْداً﴾ أي: أراد هؤلاء المشركون بدين الله وبرسوله كيداً، أي: مكراً وخديعة. ﴿فَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ هُمُ ٱلْمَكِيدُونَ﴾ أي: هم الممكور بهم المهلكون دون محمد ودينه ومن آمن به. * * ثم قال: ﴿أَمْ لَهُمْ إِلَـٰهٌ غَيْرُ ٱللَّهِ سُبْحَانَ ٱللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ أي: ألهم معبود يرزقهم ويخلقهم وينفعهم ويضرهم غير الله، سبحان الله عما يشركون. * * ثم قال: ﴿وَإِن يَرَوْاْ كِسْفاً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ سَاقِطاً يَقُولُواْ سَحَابٌ مَّرْكُومٌ﴾ أي: وإن ير هؤلاء المشركون قطعاً من السماء ساقطاً يقولوا هذا سحاب بعضه فوق بعض وهذا إنما عني به قول المشركين للنبي ﷺ: لن نؤمن لك حتى تفعل كذا وكذا وتسقط السماء كما زعمت علينا كسفاً، فقال جل ذكره لنبيه عليه السلام وإن ير هؤلاء المشركون (ما سألوا من الآيات) لم ينتقلوا عمّا هم عليه من التكذيب، ولقالوا: إنما هو سحاب مركوم؛ أي: سحاب بعضه فوق بعض. * * ثم قال: ﴿فَذَرْهُمْ حَتَّىٰ يُلَـٰقُواْ يَوْمَهُمُ ٱلَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ﴾ أي: فدع يا محمد هؤلاء الكفار حتى يلاقوا يوم موتهم، والصعق: الموت وذلك عند النفخة الأولى. ﴿يَوْمَ لاَ يُغْنِي عَنْهُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً﴾ أي: لا يغني عنهم مكرهم شيئاً، ولا ناصر لهم من عذاب الله عز وجل. * * ثم قال: ﴿وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ عَذَاباً دُونَ ذَلِكَ﴾ قال ابن عباس وغيره: هو عذاب القبر. وقال مجاهد: هو الجوع. وقال ابن زيد: هو مصائب الدنيا للمؤمن أجرٌ وللكافر تعجيل عذاب. فالمعنى: لهؤلاء المشركين عذاب آخر (قبل يوم القيامة) وهو ما ذكرنا فلا يستعجلون به. ﴿وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ ذلك أي: لا يؤمنون به فيعلمون أنه حال بهم. قال ابن الماجشون: سمعت محمد بن المنكدر يقول: بلغني أن الله تبارك وتعالى يسلط على الكافر في قبره دابة عمياء في يدها سوط من حديد في رأسه جمرة مثل غرب الجمل يضربه إلى يوم القيامة لا تراه ولا تسمع صوته فترحمه. ومعنى غرب الجمل: هو الدلو الذي يسقى به الجمل. * * ثم قال: ﴿وَٱصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ أي: امض يا محمد لأمر ربك وتبليغ ما أرسلت به فإنك بمرأى منا [ونحن نحوطك] ونحفظك. ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ﴾ أي: حين تقوم من نومك قال: سبحان الله وبحمده، قاله سفيان. وقيل المعنى: (إذا قمت إلى الصلاة) المفروضة فقل سبحان الله وبحمده. وقيل: تقول سبحانك اللهم وبحمدك. وقيل التسبيح هنا تكبيرة الإحرام. * * ثم قال: ﴿وَمِنَ ٱللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ ٱلنُّجُومِ﴾ يريد به صلاة العشاء الآخرة، وركعتا الفجر. وعن ابن عباس أنه التسبيح في أدبار الصلوات، وأكثرهم على أن ﴿وَإِدْبَارَ ٱلنُّجُومِ﴾: وركعتا الفجر. وعن النبي ﷺ أنه قال: "هما خير من الدنيا جميعاً وقال الضحاك وابن زيد ﴿وَإِدْبَارَ ٱلنُّجُومِ﴾: صلاة الصبح بعينها وهو اختيار الطبري.

الطور 52:38

قوله: ﴿وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمَانٌ لَّهُمْ﴾ إلى آخر السورة الآيات. أي: يطوف على هؤلاء الذين تقدمت صفتهم غلمان لهم كأنهم اللؤلؤ المكنون في بياضه وصفائه. والمكنون: المصون، أي: يطوفون عليهم في الجنة بكؤوس الشراب الذي تقدمت صفته. قال قتادة: ذكر لنا أن رجلاً قال: يا نبي الله هذا الخادم فكيف المخدوم؟ فقال: والذي نفسي بيده إن فضل الخدوم على الخادم كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب ثم قال: ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ يَتَسَآءَلُونَ﴾ أي: أقبل بعض المؤمنين يسأل عن حال بعض. قال ابن عباس: يتساءلون حين بعثوا في النفخة الثانية. قيل: إنهم يقول بعضهم لبعض ما صيرك إلى هذه المنزلة الرفيعة. * * ثم قال: ﴿قَالُوۤاْ إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِيۤ أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ﴾ أي: قال بعضهم لبعض: إنا كنا من قبل في الدنيا مشفقين خائفين من عذاب الله عز وجل فمنَّ الله علينا بفضله، فغفر الصغائر وترك المحاسبة على النعم المستغرقة للأعمال. قال النبي ﷺ: "لا يدخل أحد الجنة بعمله" قيل: ولا أنت يا رسول الله، قال: "ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته" ثم قال: ﴿وَوَقَانَا عَذَابَ ٱلسَّمُومِ﴾ أي: (عذاب النار) وأدخلنا الجنة. وقيل معناه إذا أمر الكفار بالانطلاق إلى ظل ذي ثلاث شعب من دخان النار أمر بالمؤمنين إلى ظل من ظل الله، فتقف كل طائفة في الظل الذي أمرت به إليه حتى يفرغ من الحساب، فعند ذلك يقول المؤمنون: ﴿فَمَنَّ ٱللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ ٱلسَّمُومِ﴾ وهو الظل ذو ثلاث شعب. * * ثم قال: ﴿إِنَّا كُنَّا مِن قَبْلُ نَدْعُوهُ﴾ هذا كله قول المؤمنين، أي: كنا في الدنيا نعبده، ونخلص العمل له ﴿إِنَّهُ هُوَ ٱلْبَرُّ﴾ أي: اللطيف بعباده، الرحيم بخلقه أن يعذبهم بعد توبتهم. * * ثم قال: ﴿فَذَكِّرْ فَمَآ أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلاَ مَجْنُونٍ﴾ أي: فذكر يا محمد من أرسلناك إليهم من قومك وعظهم فلست بفضل ربك عليك بكاهن كما يقول المشركون ولا بمجنون، ولكن رسول الله. * * ثم قال: ﴿أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَّتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ ٱلْمَنُونِ﴾ أي: بل يقول المشركون في محمد ﷺ هو شاعر نتربص به حوادث الدهر تكفيناه بموت أو بحادثة متلفة. قال ابن عباس: إن قريشاً اجتمعوا في دار الندوة في أمر النبي ﷺ، فقال قائل منهم: احبسوه في وثاق ثم تربصوا به الموت حتى يهلك كما هلك قبله من الشعراء، إنما هو كأحدهم، فأنزل الله عز وجل: ﴿أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَّتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ ٱلْمَنُونِ﴾ والمنون: الموت، وهو واحد لا جمع له، قاله الأصمعي. وقال الأخفش: المنون: جمع لا واحد له. وقال الفراء: هو الواحد والجمع. والدهر يسمى بالمنون لأنه يذهب بمنة الحيوان، أي: بقوتها. وقال أبو عبيدة: قيل للدهر "منون" لأنه مضعف من قولهم "حبل منين" إذا كان بالياً ضعيفاً. * * ثم قال: ﴿قُلْ تَرَبَّصُواْ فَإِنِّي مَعَكُمْ مِّنَ ٱلْمُتَرَبِّصِينَ﴾ أي: قل لهم يا محمد انتظروا وتمهلوا في ريب المنون، فإني متربص معكم حتى يأتي أمر الله تعالى فيكم وفيّ. * * ثم قال: ﴿أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلاَمُهُمْ بِهَـٰذَآ﴾ أي: أم تأمرهم عقولهم وألبابهم بأن يقولوا لمن جاءهم بالحق شاعر ومجنون، بل هم قوم طاغون. وقيل: المعنى: أم تأمرهم عقولهم بأن يعبدوا الأصنام ويتركوا عبادة خالقهم ورازقهم بل هم قوم قد طغوا وبغوا فتجاوزوا أمر ربهم و "أَمْ" في هذا كله بمعنى "بل". * * ثم قال: ﴿فَلْيَأْتُواْ بِحَدِيثٍ مِّثْلِهِ إِن كَانُواْ صَادِقِينَ﴾ أي: فليأت قائلو ذلك من المشركين بقرآن مثله فيكونوا صادقين في قولهم أن محمداً تقَوَّلَهُ. * * ثم قال: ﴿أَمْ خُلِقُواْ مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ ٱلْخَالِقُونَ﴾ "أم" في موضع الألف، والتقدير: أخلق هؤلاء المشركون من غير آباء وأمهات، فهم كالجماد لا يعقلون ولا يفقهون لله حجة، ولا يتَّعظون بموعظة. وقيل المعنى: أخلقوا من غير صانع صنعهم ودبرهم، فهم لا يقبلون من أحد، أم هم الخالقون للأشياء، فلذلك لا يأتمرون لأمر الله سبحانه. وقيل المعنى: أم هم الخالقون لأنفسهم. وقيل معنى الآية: أم خلقوا لغير شيء؛ أي: أَخلقوا عبثاً لا يؤمرون ولا ينهون. * * ثم قال: ﴿أَمْ خَلَقُواْ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ بَل لاَّ يُوقِنُونَ﴾ أي: أفعلوا ذلك فيكونوا هم الخالقون. ومعناه لم يخلقوا ذلك [بل] لا يوقنون؛ أي: لا يعلمون ما يلزمهم. وقيل المعنى: لم يتركوا قبول أمر ربهم لأنهم خلقوا السماوات والأرض ولكنهم تركوه لأنهم لا يوقنون بوعيد الله سبحانه، وما أعد من العذاب لمن عصى أمره، فهم يكفرون ويعصون؛ لأنهم لا يوقنون بالعقاب والمجازات. * * ثم قال: ﴿أَمْ عِندَهُمْ خَزَآئِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ ٱلْمُصَيْطِرُونَ﴾ أي: أعندهم عطاء ربك فيستغنوا عنه، فيعرضوا عن أمره ونهيه أم هم المصيطرون. قال ابن عباس: المصيطرون: المسلطون، وعنه: المتولون. وقال أبو عبيدة: أم هم الأرباب، يقال: تسيطرت علي، أي: أتَّخذتني خولاً لَكَ. وقيل المعنى: أم هم الجبارون. * * ثم قال: ﴿أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُم بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ﴾ أي: ألهم سلم (يرتقون) فيه إلى السماء يستمعون الوحي فيكونوا قد سمعوا صواب ما هم عليه من الكفر فيستمسكوا به، فإن كانوا يدعون ذلك، فليأتِ من يزعم أنه استمع بحجة تبين أنها حق. ثم قال: ﴿أَمْ لَهُ ٱلْبَنَاتُ وَلَكُمُ ٱلْبَنُونَ﴾ أي: ألِربكم أيها المشركون البنات ولكم البنون كما تزعمون، هذه قسمة ضيزى. * * ثم قال: ﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْراً فَهُم مِّن مَّغْرَمٍ مُّثْقَلُونَ﴾ أي: أتسألهم يا محمد جعلاً على دعائك إياهم فتثقل عليهم إجابتك لذلك. قال قتادة: معناه هل سألت يا محمد هؤلاء القوم أجراً فجهدتهم فلا يستطيعون الإسلام. * * ثم قال: ﴿أَمْ عِندَهُمُ ٱلْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ﴾ أي: هم لا يعلمون الغيب فكيف يقولون لا نؤمن برسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق ويقولون شاعر نتربص به ريب المنون، فهم يكتبون؛ أي: يكتبون للناس ما أرادوا ويخبرونهم به. * * ثم قال: ﴿أَمْ يُرِيدُونَ كَيْداً﴾ أي: أراد هؤلاء المشركون بدين الله وبرسوله كيداً، أي: مكراً وخديعة. ﴿فَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ هُمُ ٱلْمَكِيدُونَ﴾ أي: هم الممكور بهم المهلكون دون محمد ودينه ومن آمن به. * * ثم قال: ﴿أَمْ لَهُمْ إِلَـٰهٌ غَيْرُ ٱللَّهِ سُبْحَانَ ٱللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ أي: ألهم معبود يرزقهم ويخلقهم وينفعهم ويضرهم غير الله، سبحان الله عما يشركون. * * ثم قال: ﴿وَإِن يَرَوْاْ كِسْفاً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ سَاقِطاً يَقُولُواْ سَحَابٌ مَّرْكُومٌ﴾ أي: وإن ير هؤلاء المشركون قطعاً من السماء ساقطاً يقولوا هذا سحاب بعضه فوق بعض وهذا إنما عني به قول المشركين للنبي ﷺ: لن نؤمن لك حتى تفعل كذا وكذا وتسقط السماء كما زعمت علينا كسفاً، فقال جل ذكره لنبيه عليه السلام وإن ير هؤلاء المشركون (ما سألوا من الآيات) لم ينتقلوا عمّا هم عليه من التكذيب، ولقالوا: إنما هو سحاب مركوم؛ أي: سحاب بعضه فوق بعض. * * ثم قال: ﴿فَذَرْهُمْ حَتَّىٰ يُلَـٰقُواْ يَوْمَهُمُ ٱلَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ﴾ أي: فدع يا محمد هؤلاء الكفار حتى يلاقوا يوم موتهم، والصعق: الموت وذلك عند النفخة الأولى. ﴿يَوْمَ لاَ يُغْنِي عَنْهُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً﴾ أي: لا يغني عنهم مكرهم شيئاً، ولا ناصر لهم من عذاب الله عز وجل. * * ثم قال: ﴿وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ عَذَاباً دُونَ ذَلِكَ﴾ قال ابن عباس وغيره: هو عذاب القبر. وقال مجاهد: هو الجوع. وقال ابن زيد: هو مصائب الدنيا للمؤمن أجرٌ وللكافر تعجيل عذاب. فالمعنى: لهؤلاء المشركين عذاب آخر (قبل يوم القيامة) وهو ما ذكرنا فلا يستعجلون به. ﴿وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ ذلك أي: لا يؤمنون به فيعلمون أنه حال بهم. قال ابن الماجشون: سمعت محمد بن المنكدر يقول: بلغني أن الله تبارك وتعالى يسلط على الكافر في قبره دابة عمياء في يدها سوط من حديد في رأسه جمرة مثل غرب الجمل يضربه إلى يوم القيامة لا تراه ولا تسمع صوته فترحمه. ومعنى غرب الجمل: هو الدلو الذي يسقى به الجمل. * * ثم قال: ﴿وَٱصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ أي: امض يا محمد لأمر ربك وتبليغ ما أرسلت به فإنك بمرأى منا [ونحن نحوطك] ونحفظك. ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ﴾ أي: حين تقوم من نومك قال: سبحان الله وبحمده، قاله سفيان. وقيل المعنى: (إذا قمت إلى الصلاة) المفروضة فقل سبحان الله وبحمده. وقيل: تقول سبحانك اللهم وبحمدك. وقيل التسبيح هنا تكبيرة الإحرام. * * ثم قال: ﴿وَمِنَ ٱللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ ٱلنُّجُومِ﴾ يريد به صلاة العشاء الآخرة، وركعتا الفجر. وعن ابن عباس أنه التسبيح في أدبار الصلوات، وأكثرهم على أن ﴿وَإِدْبَارَ ٱلنُّجُومِ﴾: وركعتا الفجر. وعن النبي ﷺ أنه قال: "هما خير من الدنيا جميعاً وقال الضحاك وابن زيد ﴿وَإِدْبَارَ ٱلنُّجُومِ﴾: صلاة الصبح بعينها وهو اختيار الطبري.

الطور 52:39

قوله: ﴿وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمَانٌ لَّهُمْ﴾ إلى آخر السورة الآيات. أي: يطوف على هؤلاء الذين تقدمت صفتهم غلمان لهم كأنهم اللؤلؤ المكنون في بياضه وصفائه. والمكنون: المصون، أي: يطوفون عليهم في الجنة بكؤوس الشراب الذي تقدمت صفته. قال قتادة: ذكر لنا أن رجلاً قال: يا نبي الله هذا الخادم فكيف المخدوم؟ فقال: والذي نفسي بيده إن فضل الخدوم على الخادم كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب ثم قال: ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ يَتَسَآءَلُونَ﴾ أي: أقبل بعض المؤمنين يسأل عن حال بعض. قال ابن عباس: يتساءلون حين بعثوا في النفخة الثانية. قيل: إنهم يقول بعضهم لبعض ما صيرك إلى هذه المنزلة الرفيعة. * * ثم قال: ﴿قَالُوۤاْ إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِيۤ أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ﴾ أي: قال بعضهم لبعض: إنا كنا من قبل في الدنيا مشفقين خائفين من عذاب الله عز وجل فمنَّ الله علينا بفضله، فغفر الصغائر وترك المحاسبة على النعم المستغرقة للأعمال. قال النبي ﷺ: "لا يدخل أحد الجنة بعمله" قيل: ولا أنت يا رسول الله، قال: "ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته" ثم قال: ﴿وَوَقَانَا عَذَابَ ٱلسَّمُومِ﴾ أي: (عذاب النار) وأدخلنا الجنة. وقيل معناه إذا أمر الكفار بالانطلاق إلى ظل ذي ثلاث شعب من دخان النار أمر بالمؤمنين إلى ظل من ظل الله، فتقف كل طائفة في الظل الذي أمرت به إليه حتى يفرغ من الحساب، فعند ذلك يقول المؤمنون: ﴿فَمَنَّ ٱللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ ٱلسَّمُومِ﴾ وهو الظل ذو ثلاث شعب. * * ثم قال: ﴿إِنَّا كُنَّا مِن قَبْلُ نَدْعُوهُ﴾ هذا كله قول المؤمنين، أي: كنا في الدنيا نعبده، ونخلص العمل له ﴿إِنَّهُ هُوَ ٱلْبَرُّ﴾ أي: اللطيف بعباده، الرحيم بخلقه أن يعذبهم بعد توبتهم. * * ثم قال: ﴿فَذَكِّرْ فَمَآ أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلاَ مَجْنُونٍ﴾ أي: فذكر يا محمد من أرسلناك إليهم من قومك وعظهم فلست بفضل ربك عليك بكاهن كما يقول المشركون ولا بمجنون، ولكن رسول الله. * * ثم قال: ﴿أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَّتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ ٱلْمَنُونِ﴾ أي: بل يقول المشركون في محمد ﷺ هو شاعر نتربص به حوادث الدهر تكفيناه بموت أو بحادثة متلفة. قال ابن عباس: إن قريشاً اجتمعوا في دار الندوة في أمر النبي ﷺ، فقال قائل منهم: احبسوه في وثاق ثم تربصوا به الموت حتى يهلك كما هلك قبله من الشعراء، إنما هو كأحدهم، فأنزل الله عز وجل: ﴿أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَّتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ ٱلْمَنُونِ﴾ والمنون: الموت، وهو واحد لا جمع له، قاله الأصمعي. وقال الأخفش: المنون: جمع لا واحد له. وقال الفراء: هو الواحد والجمع. والدهر يسمى بالمنون لأنه يذهب بمنة الحيوان، أي: بقوتها. وقال أبو عبيدة: قيل للدهر "منون" لأنه مضعف من قولهم "حبل منين" إذا كان بالياً ضعيفاً. * * ثم قال: ﴿قُلْ تَرَبَّصُواْ فَإِنِّي مَعَكُمْ مِّنَ ٱلْمُتَرَبِّصِينَ﴾ أي: قل لهم يا محمد انتظروا وتمهلوا في ريب المنون، فإني متربص معكم حتى يأتي أمر الله تعالى فيكم وفيّ. * * ثم قال: ﴿أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلاَمُهُمْ بِهَـٰذَآ﴾ أي: أم تأمرهم عقولهم وألبابهم بأن يقولوا لمن جاءهم بالحق شاعر ومجنون، بل هم قوم طاغون. وقيل: المعنى: أم تأمرهم عقولهم بأن يعبدوا الأصنام ويتركوا عبادة خالقهم ورازقهم بل هم قوم قد طغوا وبغوا فتجاوزوا أمر ربهم و "أَمْ" في هذا كله بمعنى "بل". * * ثم قال: ﴿فَلْيَأْتُواْ بِحَدِيثٍ مِّثْلِهِ إِن كَانُواْ صَادِقِينَ﴾ أي: فليأت قائلو ذلك من المشركين بقرآن مثله فيكونوا صادقين في قولهم أن محمداً تقَوَّلَهُ. * * ثم قال: ﴿أَمْ خُلِقُواْ مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ ٱلْخَالِقُونَ﴾ "أم" في موضع الألف، والتقدير: أخلق هؤلاء المشركون من غير آباء وأمهات، فهم كالجماد لا يعقلون ولا يفقهون لله حجة، ولا يتَّعظون بموعظة. وقيل المعنى: أخلقوا من غير صانع صنعهم ودبرهم، فهم لا يقبلون من أحد، أم هم الخالقون للأشياء، فلذلك لا يأتمرون لأمر الله سبحانه. وقيل المعنى: أم هم الخالقون لأنفسهم. وقيل معنى الآية: أم خلقوا لغير شيء؛ أي: أَخلقوا عبثاً لا يؤمرون ولا ينهون. * * ثم قال: ﴿أَمْ خَلَقُواْ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ بَل لاَّ يُوقِنُونَ﴾ أي: أفعلوا ذلك فيكونوا هم الخالقون. ومعناه لم يخلقوا ذلك [بل] لا يوقنون؛ أي: لا يعلمون ما يلزمهم. وقيل المعنى: لم يتركوا قبول أمر ربهم لأنهم خلقوا السماوات والأرض ولكنهم تركوه لأنهم لا يوقنون بوعيد الله سبحانه، وما أعد من العذاب لمن عصى أمره، فهم يكفرون ويعصون؛ لأنهم لا يوقنون بالعقاب والمجازات. * * ثم قال: ﴿أَمْ عِندَهُمْ خَزَآئِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ ٱلْمُصَيْطِرُونَ﴾ أي: أعندهم عطاء ربك فيستغنوا عنه، فيعرضوا عن أمره ونهيه أم هم المصيطرون. قال ابن عباس: المصيطرون: المسلطون، وعنه: المتولون. وقال أبو عبيدة: أم هم الأرباب، يقال: تسيطرت علي، أي: أتَّخذتني خولاً لَكَ. وقيل المعنى: أم هم الجبارون. * * ثم قال: ﴿أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُم بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ﴾ أي: ألهم سلم (يرتقون) فيه إلى السماء يستمعون الوحي فيكونوا قد سمعوا صواب ما هم عليه من الكفر فيستمسكوا به، فإن كانوا يدعون ذلك، فليأتِ من يزعم أنه استمع بحجة تبين أنها حق. ثم قال: ﴿أَمْ لَهُ ٱلْبَنَاتُ وَلَكُمُ ٱلْبَنُونَ﴾ أي: ألِربكم أيها المشركون البنات ولكم البنون كما تزعمون، هذه قسمة ضيزى. * * ثم قال: ﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْراً فَهُم مِّن مَّغْرَمٍ مُّثْقَلُونَ﴾ أي: أتسألهم يا محمد جعلاً على دعائك إياهم فتثقل عليهم إجابتك لذلك. قال قتادة: معناه هل سألت يا محمد هؤلاء القوم أجراً فجهدتهم فلا يستطيعون الإسلام. * * ثم قال: ﴿أَمْ عِندَهُمُ ٱلْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ﴾ أي: هم لا يعلمون الغيب فكيف يقولون لا نؤمن برسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق ويقولون شاعر نتربص به ريب المنون، فهم يكتبون؛ أي: يكتبون للناس ما أرادوا ويخبرونهم به. * * ثم قال: ﴿أَمْ يُرِيدُونَ كَيْداً﴾ أي: أراد هؤلاء المشركون بدين الله وبرسوله كيداً، أي: مكراً وخديعة. ﴿فَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ هُمُ ٱلْمَكِيدُونَ﴾ أي: هم الممكور بهم المهلكون دون محمد ودينه ومن آمن به. * * ثم قال: ﴿أَمْ لَهُمْ إِلَـٰهٌ غَيْرُ ٱللَّهِ سُبْحَانَ ٱللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ أي: ألهم معبود يرزقهم ويخلقهم وينفعهم ويضرهم غير الله، سبحان الله عما يشركون. * * ثم قال: ﴿وَإِن يَرَوْاْ كِسْفاً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ سَاقِطاً يَقُولُواْ سَحَابٌ مَّرْكُومٌ﴾ أي: وإن ير هؤلاء المشركون قطعاً من السماء ساقطاً يقولوا هذا سحاب بعضه فوق بعض وهذا إنما عني به قول المشركين للنبي ﷺ: لن نؤمن لك حتى تفعل كذا وكذا وتسقط السماء كما زعمت علينا كسفاً، فقال جل ذكره لنبيه عليه السلام وإن ير هؤلاء المشركون (ما سألوا من الآيات) لم ينتقلوا عمّا هم عليه من التكذيب، ولقالوا: إنما هو سحاب مركوم؛ أي: سحاب بعضه فوق بعض. * * ثم قال: ﴿فَذَرْهُمْ حَتَّىٰ يُلَـٰقُواْ يَوْمَهُمُ ٱلَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ﴾ أي: فدع يا محمد هؤلاء الكفار حتى يلاقوا يوم موتهم، والصعق: الموت وذلك عند النفخة الأولى. ﴿يَوْمَ لاَ يُغْنِي عَنْهُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً﴾ أي: لا يغني عنهم مكرهم شيئاً، ولا ناصر لهم من عذاب الله عز وجل. * * ثم قال: ﴿وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ عَذَاباً دُونَ ذَلِكَ﴾ قال ابن عباس وغيره: هو عذاب القبر. وقال مجاهد: هو الجوع. وقال ابن زيد: هو مصائب الدنيا للمؤمن أجرٌ وللكافر تعجيل عذاب. فالمعنى: لهؤلاء المشركين عذاب آخر (قبل يوم القيامة) وهو ما ذكرنا فلا يستعجلون به. ﴿وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ ذلك أي: لا يؤمنون به فيعلمون أنه حال بهم. قال ابن الماجشون: سمعت محمد بن المنكدر يقول: بلغني أن الله تبارك وتعالى يسلط على الكافر في قبره دابة عمياء في يدها سوط من حديد في رأسه جمرة مثل غرب الجمل يضربه إلى يوم القيامة لا تراه ولا تسمع صوته فترحمه. ومعنى غرب الجمل: هو الدلو الذي يسقى به الجمل. * * ثم قال: ﴿وَٱصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ أي: امض يا محمد لأمر ربك وتبليغ ما أرسلت به فإنك بمرأى منا [ونحن نحوطك] ونحفظك. ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ﴾ أي: حين تقوم من نومك قال: سبحان الله وبحمده، قاله سفيان. وقيل المعنى: (إذا قمت إلى الصلاة) المفروضة فقل سبحان الله وبحمده. وقيل: تقول سبحانك اللهم وبحمدك. وقيل التسبيح هنا تكبيرة الإحرام. * * ثم قال: ﴿وَمِنَ ٱللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ ٱلنُّجُومِ﴾ يريد به صلاة العشاء الآخرة، وركعتا الفجر. وعن ابن عباس أنه التسبيح في أدبار الصلوات، وأكثرهم على أن ﴿وَإِدْبَارَ ٱلنُّجُومِ﴾: وركعتا الفجر. وعن النبي ﷺ أنه قال: "هما خير من الدنيا جميعاً وقال الضحاك وابن زيد ﴿وَإِدْبَارَ ٱلنُّجُومِ﴾: صلاة الصبح بعينها وهو اختيار الطبري.

الطور 52:40

قوله: ﴿وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمَانٌ لَّهُمْ﴾ إلى آخر السورة الآيات. أي: يطوف على هؤلاء الذين تقدمت صفتهم غلمان لهم كأنهم اللؤلؤ المكنون في بياضه وصفائه. والمكنون: المصون، أي: يطوفون عليهم في الجنة بكؤوس الشراب الذي تقدمت صفته. قال قتادة: ذكر لنا أن رجلاً قال: يا نبي الله هذا الخادم فكيف المخدوم؟ فقال: والذي نفسي بيده إن فضل الخدوم على الخادم كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب ثم قال: ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ يَتَسَآءَلُونَ﴾ أي: أقبل بعض المؤمنين يسأل عن حال بعض. قال ابن عباس: يتساءلون حين بعثوا في النفخة الثانية. قيل: إنهم يقول بعضهم لبعض ما صيرك إلى هذه المنزلة الرفيعة. * * ثم قال: ﴿قَالُوۤاْ إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِيۤ أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ﴾ أي: قال بعضهم لبعض: إنا كنا من قبل في الدنيا مشفقين خائفين من عذاب الله عز وجل فمنَّ الله علينا بفضله، فغفر الصغائر وترك المحاسبة على النعم المستغرقة للأعمال. قال النبي ﷺ: "لا يدخل أحد الجنة بعمله" قيل: ولا أنت يا رسول الله، قال: "ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته" ثم قال: ﴿وَوَقَانَا عَذَابَ ٱلسَّمُومِ﴾ أي: (عذاب النار) وأدخلنا الجنة. وقيل معناه إذا أمر الكفار بالانطلاق إلى ظل ذي ثلاث شعب من دخان النار أمر بالمؤمنين إلى ظل من ظل الله، فتقف كل طائفة في الظل الذي أمرت به إليه حتى يفرغ من الحساب، فعند ذلك يقول المؤمنون: ﴿فَمَنَّ ٱللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ ٱلسَّمُومِ﴾ وهو الظل ذو ثلاث شعب. * * ثم قال: ﴿إِنَّا كُنَّا مِن قَبْلُ نَدْعُوهُ﴾ هذا كله قول المؤمنين، أي: كنا في الدنيا نعبده، ونخلص العمل له ﴿إِنَّهُ هُوَ ٱلْبَرُّ﴾ أي: اللطيف بعباده، الرحيم بخلقه أن يعذبهم بعد توبتهم. * * ثم قال: ﴿فَذَكِّرْ فَمَآ أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلاَ مَجْنُونٍ﴾ أي: فذكر يا محمد من أرسلناك إليهم من قومك وعظهم فلست بفضل ربك عليك بكاهن كما يقول المشركون ولا بمجنون، ولكن رسول الله. * * ثم قال: ﴿أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَّتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ ٱلْمَنُونِ﴾ أي: بل يقول المشركون في محمد ﷺ هو شاعر نتربص به حوادث الدهر تكفيناه بموت أو بحادثة متلفة. قال ابن عباس: إن قريشاً اجتمعوا في دار الندوة في أمر النبي ﷺ، فقال قائل منهم: احبسوه في وثاق ثم تربصوا به الموت حتى يهلك كما هلك قبله من الشعراء، إنما هو كأحدهم، فأنزل الله عز وجل: ﴿أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَّتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ ٱلْمَنُونِ﴾ والمنون: الموت، وهو واحد لا جمع له، قاله الأصمعي. وقال الأخفش: المنون: جمع لا واحد له. وقال الفراء: هو الواحد والجمع. والدهر يسمى بالمنون لأنه يذهب بمنة الحيوان، أي: بقوتها. وقال أبو عبيدة: قيل للدهر "منون" لأنه مضعف من قولهم "حبل منين" إذا كان بالياً ضعيفاً. * * ثم قال: ﴿قُلْ تَرَبَّصُواْ فَإِنِّي مَعَكُمْ مِّنَ ٱلْمُتَرَبِّصِينَ﴾ أي: قل لهم يا محمد انتظروا وتمهلوا في ريب المنون، فإني متربص معكم حتى يأتي أمر الله تعالى فيكم وفيّ. * * ثم قال: ﴿أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلاَمُهُمْ بِهَـٰذَآ﴾ أي: أم تأمرهم عقولهم وألبابهم بأن يقولوا لمن جاءهم بالحق شاعر ومجنون، بل هم قوم طاغون. وقيل: المعنى: أم تأمرهم عقولهم بأن يعبدوا الأصنام ويتركوا عبادة خالقهم ورازقهم بل هم قوم قد طغوا وبغوا فتجاوزوا أمر ربهم و "أَمْ" في هذا كله بمعنى "بل". * * ثم قال: ﴿فَلْيَأْتُواْ بِحَدِيثٍ مِّثْلِهِ إِن كَانُواْ صَادِقِينَ﴾ أي: فليأت قائلو ذلك من المشركين بقرآن مثله فيكونوا صادقين في قولهم أن محمداً تقَوَّلَهُ. * * ثم قال: ﴿أَمْ خُلِقُواْ مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ ٱلْخَالِقُونَ﴾ "أم" في موضع الألف، والتقدير: أخلق هؤلاء المشركون من غير آباء وأمهات، فهم كالجماد لا يعقلون ولا يفقهون لله حجة، ولا يتَّعظون بموعظة. وقيل المعنى: أخلقوا من غير صانع صنعهم ودبرهم، فهم لا يقبلون من أحد، أم هم الخالقون للأشياء، فلذلك لا يأتمرون لأمر الله سبحانه. وقيل المعنى: أم هم الخالقون لأنفسهم. وقيل معنى الآية: أم خلقوا لغير شيء؛ أي: أَخلقوا عبثاً لا يؤمرون ولا ينهون. * * ثم قال: ﴿أَمْ خَلَقُواْ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ بَل لاَّ يُوقِنُونَ﴾ أي: أفعلوا ذلك فيكونوا هم الخالقون. ومعناه لم يخلقوا ذلك [بل] لا يوقنون؛ أي: لا يعلمون ما يلزمهم. وقيل المعنى: لم يتركوا قبول أمر ربهم لأنهم خلقوا السماوات والأرض ولكنهم تركوه لأنهم لا يوقنون بوعيد الله سبحانه، وما أعد من العذاب لمن عصى أمره، فهم يكفرون ويعصون؛ لأنهم لا يوقنون بالعقاب والمجازات. * * ثم قال: ﴿أَمْ عِندَهُمْ خَزَآئِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ ٱلْمُصَيْطِرُونَ﴾ أي: أعندهم عطاء ربك فيستغنوا عنه، فيعرضوا عن أمره ونهيه أم هم المصيطرون. قال ابن عباس: المصيطرون: المسلطون، وعنه: المتولون. وقال أبو عبيدة: أم هم الأرباب، يقال: تسيطرت علي، أي: أتَّخذتني خولاً لَكَ. وقيل المعنى: أم هم الجبارون. * * ثم قال: ﴿أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُم بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ﴾ أي: ألهم سلم (يرتقون) فيه إلى السماء يستمعون الوحي فيكونوا قد سمعوا صواب ما هم عليه من الكفر فيستمسكوا به، فإن كانوا يدعون ذلك، فليأتِ من يزعم أنه استمع بحجة تبين أنها حق. ثم قال: ﴿أَمْ لَهُ ٱلْبَنَاتُ وَلَكُمُ ٱلْبَنُونَ﴾ أي: ألِربكم أيها المشركون البنات ولكم البنون كما تزعمون، هذه قسمة ضيزى. * * ثم قال: ﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْراً فَهُم مِّن مَّغْرَمٍ مُّثْقَلُونَ﴾ أي: أتسألهم يا محمد جعلاً على دعائك إياهم فتثقل عليهم إجابتك لذلك. قال قتادة: معناه هل سألت يا محمد هؤلاء القوم أجراً فجهدتهم فلا يستطيعون الإسلام. * * ثم قال: ﴿أَمْ عِندَهُمُ ٱلْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ﴾ أي: هم لا يعلمون الغيب فكيف يقولون لا نؤمن برسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق ويقولون شاعر نتربص به ريب المنون، فهم يكتبون؛ أي: يكتبون للناس ما أرادوا ويخبرونهم به. * * ثم قال: ﴿أَمْ يُرِيدُونَ كَيْداً﴾ أي: أراد هؤلاء المشركون بدين الله وبرسوله كيداً، أي: مكراً وخديعة. ﴿فَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ هُمُ ٱلْمَكِيدُونَ﴾ أي: هم الممكور بهم المهلكون دون محمد ودينه ومن آمن به. * * ثم قال: ﴿أَمْ لَهُمْ إِلَـٰهٌ غَيْرُ ٱللَّهِ سُبْحَانَ ٱللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ أي: ألهم معبود يرزقهم ويخلقهم وينفعهم ويضرهم غير الله، سبحان الله عما يشركون. * * ثم قال: ﴿وَإِن يَرَوْاْ كِسْفاً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ سَاقِطاً يَقُولُواْ سَحَابٌ مَّرْكُومٌ﴾ أي: وإن ير هؤلاء المشركون قطعاً من السماء ساقطاً يقولوا هذا سحاب بعضه فوق بعض وهذا إنما عني به قول المشركين للنبي ﷺ: لن نؤمن لك حتى تفعل كذا وكذا وتسقط السماء كما زعمت علينا كسفاً، فقال جل ذكره لنبيه عليه السلام وإن ير هؤلاء المشركون (ما سألوا من الآيات) لم ينتقلوا عمّا هم عليه من التكذيب، ولقالوا: إنما هو سحاب مركوم؛ أي: سحاب بعضه فوق بعض. * * ثم قال: ﴿فَذَرْهُمْ حَتَّىٰ يُلَـٰقُواْ يَوْمَهُمُ ٱلَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ﴾ أي: فدع يا محمد هؤلاء الكفار حتى يلاقوا يوم موتهم، والصعق: الموت وذلك عند النفخة الأولى. ﴿يَوْمَ لاَ يُغْنِي عَنْهُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً﴾ أي: لا يغني عنهم مكرهم شيئاً، ولا ناصر لهم من عذاب الله عز وجل. * * ثم قال: ﴿وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ عَذَاباً دُونَ ذَلِكَ﴾ قال ابن عباس وغيره: هو عذاب القبر. وقال مجاهد: هو الجوع. وقال ابن زيد: هو مصائب الدنيا للمؤمن أجرٌ وللكافر تعجيل عذاب. فالمعنى: لهؤلاء المشركين عذاب آخر (قبل يوم القيامة) وهو ما ذكرنا فلا يستعجلون به. ﴿وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ ذلك أي: لا يؤمنون به فيعلمون أنه حال بهم. قال ابن الماجشون: سمعت محمد بن المنكدر يقول: بلغني أن الله تبارك وتعالى يسلط على الكافر في قبره دابة عمياء في يدها سوط من حديد في رأسه جمرة مثل غرب الجمل يضربه إلى يوم القيامة لا تراه ولا تسمع صوته فترحمه. ومعنى غرب الجمل: هو الدلو الذي يسقى به الجمل. * * ثم قال: ﴿وَٱصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ أي: امض يا محمد لأمر ربك وتبليغ ما أرسلت به فإنك بمرأى منا [ونحن نحوطك] ونحفظك. ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ﴾ أي: حين تقوم من نومك قال: سبحان الله وبحمده، قاله سفيان. وقيل المعنى: (إذا قمت إلى الصلاة) المفروضة فقل سبحان الله وبحمده. وقيل: تقول سبحانك اللهم وبحمدك. وقيل التسبيح هنا تكبيرة الإحرام. * * ثم قال: ﴿وَمِنَ ٱللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ ٱلنُّجُومِ﴾ يريد به صلاة العشاء الآخرة، وركعتا الفجر. وعن ابن عباس أنه التسبيح في أدبار الصلوات، وأكثرهم على أن ﴿وَإِدْبَارَ ٱلنُّجُومِ﴾: وركعتا الفجر. وعن النبي ﷺ أنه قال: "هما خير من الدنيا جميعاً وقال الضحاك وابن زيد ﴿وَإِدْبَارَ ٱلنُّجُومِ﴾: صلاة الصبح بعينها وهو اختيار الطبري.

الطور 52:41

قوله: ﴿وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمَانٌ لَّهُمْ﴾ إلى آخر السورة الآيات. أي: يطوف على هؤلاء الذين تقدمت صفتهم غلمان لهم كأنهم اللؤلؤ المكنون في بياضه وصفائه. والمكنون: المصون، أي: يطوفون عليهم في الجنة بكؤوس الشراب الذي تقدمت صفته. قال قتادة: ذكر لنا أن رجلاً قال: يا نبي الله هذا الخادم فكيف المخدوم؟ فقال: والذي نفسي بيده إن فضل الخدوم على الخادم كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب ثم قال: ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ يَتَسَآءَلُونَ﴾ أي: أقبل بعض المؤمنين يسأل عن حال بعض. قال ابن عباس: يتساءلون حين بعثوا في النفخة الثانية. قيل: إنهم يقول بعضهم لبعض ما صيرك إلى هذه المنزلة الرفيعة. * * ثم قال: ﴿قَالُوۤاْ إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِيۤ أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ﴾ أي: قال بعضهم لبعض: إنا كنا من قبل في الدنيا مشفقين خائفين من عذاب الله عز وجل فمنَّ الله علينا بفضله، فغفر الصغائر وترك المحاسبة على النعم المستغرقة للأعمال. قال النبي ﷺ: "لا يدخل أحد الجنة بعمله" قيل: ولا أنت يا رسول الله، قال: "ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته" ثم قال: ﴿وَوَقَانَا عَذَابَ ٱلسَّمُومِ﴾ أي: (عذاب النار) وأدخلنا الجنة. وقيل معناه إذا أمر الكفار بالانطلاق إلى ظل ذي ثلاث شعب من دخان النار أمر بالمؤمنين إلى ظل من ظل الله، فتقف كل طائفة في الظل الذي أمرت به إليه حتى يفرغ من الحساب، فعند ذلك يقول المؤمنون: ﴿فَمَنَّ ٱللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ ٱلسَّمُومِ﴾ وهو الظل ذو ثلاث شعب. * * ثم قال: ﴿إِنَّا كُنَّا مِن قَبْلُ نَدْعُوهُ﴾ هذا كله قول المؤمنين، أي: كنا في الدنيا نعبده، ونخلص العمل له ﴿إِنَّهُ هُوَ ٱلْبَرُّ﴾ أي: اللطيف بعباده، الرحيم بخلقه أن يعذبهم بعد توبتهم. * * ثم قال: ﴿فَذَكِّرْ فَمَآ أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلاَ مَجْنُونٍ﴾ أي: فذكر يا محمد من أرسلناك إليهم من قومك وعظهم فلست بفضل ربك عليك بكاهن كما يقول المشركون ولا بمجنون، ولكن رسول الله. * * ثم قال: ﴿أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَّتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ ٱلْمَنُونِ﴾ أي: بل يقول المشركون في محمد ﷺ هو شاعر نتربص به حوادث الدهر تكفيناه بموت أو بحادثة متلفة. قال ابن عباس: إن قريشاً اجتمعوا في دار الندوة في أمر النبي ﷺ، فقال قائل منهم: احبسوه في وثاق ثم تربصوا به الموت حتى يهلك كما هلك قبله من الشعراء، إنما هو كأحدهم، فأنزل الله عز وجل: ﴿أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَّتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ ٱلْمَنُونِ﴾ والمنون: الموت، وهو واحد لا جمع له، قاله الأصمعي. وقال الأخفش: المنون: جمع لا واحد له. وقال الفراء: هو الواحد والجمع. والدهر يسمى بالمنون لأنه يذهب بمنة الحيوان، أي: بقوتها. وقال أبو عبيدة: قيل للدهر "منون" لأنه مضعف من قولهم "حبل منين" إذا كان بالياً ضعيفاً. * * ثم قال: ﴿قُلْ تَرَبَّصُواْ فَإِنِّي مَعَكُمْ مِّنَ ٱلْمُتَرَبِّصِينَ﴾ أي: قل لهم يا محمد انتظروا وتمهلوا في ريب المنون، فإني متربص معكم حتى يأتي أمر الله تعالى فيكم وفيّ. * * ثم قال: ﴿أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلاَمُهُمْ بِهَـٰذَآ﴾ أي: أم تأمرهم عقولهم وألبابهم بأن يقولوا لمن جاءهم بالحق شاعر ومجنون، بل هم قوم طاغون. وقيل: المعنى: أم تأمرهم عقولهم بأن يعبدوا الأصنام ويتركوا عبادة خالقهم ورازقهم بل هم قوم قد طغوا وبغوا فتجاوزوا أمر ربهم و "أَمْ" في هذا كله بمعنى "بل". * * ثم قال: ﴿فَلْيَأْتُواْ بِحَدِيثٍ مِّثْلِهِ إِن كَانُواْ صَادِقِينَ﴾ أي: فليأت قائلو ذلك من المشركين بقرآن مثله فيكونوا صادقين في قولهم أن محمداً تقَوَّلَهُ. * * ثم قال: ﴿أَمْ خُلِقُواْ مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ ٱلْخَالِقُونَ﴾ "أم" في موضع الألف، والتقدير: أخلق هؤلاء المشركون من غير آباء وأمهات، فهم كالجماد لا يعقلون ولا يفقهون لله حجة، ولا يتَّعظون بموعظة. وقيل المعنى: أخلقوا من غير صانع صنعهم ودبرهم، فهم لا يقبلون من أحد، أم هم الخالقون للأشياء، فلذلك لا يأتمرون لأمر الله سبحانه. وقيل المعنى: أم هم الخالقون لأنفسهم. وقيل معنى الآية: أم خلقوا لغير شيء؛ أي: أَخلقوا عبثاً لا يؤمرون ولا ينهون. * * ثم قال: ﴿أَمْ خَلَقُواْ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ بَل لاَّ يُوقِنُونَ﴾ أي: أفعلوا ذلك فيكونوا هم الخالقون. ومعناه لم يخلقوا ذلك [بل] لا يوقنون؛ أي: لا يعلمون ما يلزمهم. وقيل المعنى: لم يتركوا قبول أمر ربهم لأنهم خلقوا السماوات والأرض ولكنهم تركوه لأنهم لا يوقنون بوعيد الله سبحانه، وما أعد من العذاب لمن عصى أمره، فهم يكفرون ويعصون؛ لأنهم لا يوقنون بالعقاب والمجازات. * * ثم قال: ﴿أَمْ عِندَهُمْ خَزَآئِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ ٱلْمُصَيْطِرُونَ﴾ أي: أعندهم عطاء ربك فيستغنوا عنه، فيعرضوا عن أمره ونهيه أم هم المصيطرون. قال ابن عباس: المصيطرون: المسلطون، وعنه: المتولون. وقال أبو عبيدة: أم هم الأرباب، يقال: تسيطرت علي، أي: أتَّخذتني خولاً لَكَ. وقيل المعنى: أم هم الجبارون. * * ثم قال: ﴿أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُم بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ﴾ أي: ألهم سلم (يرتقون) فيه إلى السماء يستمعون الوحي فيكونوا قد سمعوا صواب ما هم عليه من الكفر فيستمسكوا به، فإن كانوا يدعون ذلك، فليأتِ من يزعم أنه استمع بحجة تبين أنها حق. ثم قال: ﴿أَمْ لَهُ ٱلْبَنَاتُ وَلَكُمُ ٱلْبَنُونَ﴾ أي: ألِربكم أيها المشركون البنات ولكم البنون كما تزعمون، هذه قسمة ضيزى. * * ثم قال: ﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْراً فَهُم مِّن مَّغْرَمٍ مُّثْقَلُونَ﴾ أي: أتسألهم يا محمد جعلاً على دعائك إياهم فتثقل عليهم إجابتك لذلك. قال قتادة: معناه هل سألت يا محمد هؤلاء القوم أجراً فجهدتهم فلا يستطيعون الإسلام. * * ثم قال: ﴿أَمْ عِندَهُمُ ٱلْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ﴾ أي: هم لا يعلمون الغيب فكيف يقولون لا نؤمن برسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق ويقولون شاعر نتربص به ريب المنون، فهم يكتبون؛ أي: يكتبون للناس ما أرادوا ويخبرونهم به. * * ثم قال: ﴿أَمْ يُرِيدُونَ كَيْداً﴾ أي: أراد هؤلاء المشركون بدين الله وبرسوله كيداً، أي: مكراً وخديعة. ﴿فَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ هُمُ ٱلْمَكِيدُونَ﴾ أي: هم الممكور بهم المهلكون دون محمد ودينه ومن آمن به. * * ثم قال: ﴿أَمْ لَهُمْ إِلَـٰهٌ غَيْرُ ٱللَّهِ سُبْحَانَ ٱللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ أي: ألهم معبود يرزقهم ويخلقهم وينفعهم ويضرهم غير الله، سبحان الله عما يشركون. * * ثم قال: ﴿وَإِن يَرَوْاْ كِسْفاً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ سَاقِطاً يَقُولُواْ سَحَابٌ مَّرْكُومٌ﴾ أي: وإن ير هؤلاء المشركون قطعاً من السماء ساقطاً يقولوا هذا سحاب بعضه فوق بعض وهذا إنما عني به قول المشركين للنبي ﷺ: لن نؤمن لك حتى تفعل كذا وكذا وتسقط السماء كما زعمت علينا كسفاً، فقال جل ذكره لنبيه عليه السلام وإن ير هؤلاء المشركون (ما سألوا من الآيات) لم ينتقلوا عمّا هم عليه من التكذيب، ولقالوا: إنما هو سحاب مركوم؛ أي: سحاب بعضه فوق بعض. * * ثم قال: ﴿فَذَرْهُمْ حَتَّىٰ يُلَـٰقُواْ يَوْمَهُمُ ٱلَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ﴾ أي: فدع يا محمد هؤلاء الكفار حتى يلاقوا يوم موتهم، والصعق: الموت وذلك عند النفخة الأولى. ﴿يَوْمَ لاَ يُغْنِي عَنْهُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً﴾ أي: لا يغني عنهم مكرهم شيئاً، ولا ناصر لهم من عذاب الله عز وجل. * * ثم قال: ﴿وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ عَذَاباً دُونَ ذَلِكَ﴾ قال ابن عباس وغيره: هو عذاب القبر. وقال مجاهد: هو الجوع. وقال ابن زيد: هو مصائب الدنيا للمؤمن أجرٌ وللكافر تعجيل عذاب. فالمعنى: لهؤلاء المشركين عذاب آخر (قبل يوم القيامة) وهو ما ذكرنا فلا يستعجلون به. ﴿وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ ذلك أي: لا يؤمنون به فيعلمون أنه حال بهم. قال ابن الماجشون: سمعت محمد بن المنكدر يقول: بلغني أن الله تبارك وتعالى يسلط على الكافر في قبره دابة عمياء في يدها سوط من حديد في رأسه جمرة مثل غرب الجمل يضربه إلى يوم القيامة لا تراه ولا تسمع صوته فترحمه. ومعنى غرب الجمل: هو الدلو الذي يسقى به الجمل. * * ثم قال: ﴿وَٱصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ أي: امض يا محمد لأمر ربك وتبليغ ما أرسلت به فإنك بمرأى منا [ونحن نحوطك] ونحفظك. ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ﴾ أي: حين تقوم من نومك قال: سبحان الله وبحمده، قاله سفيان. وقيل المعنى: (إذا قمت إلى الصلاة) المفروضة فقل سبحان الله وبحمده. وقيل: تقول سبحانك اللهم وبحمدك. وقيل التسبيح هنا تكبيرة الإحرام. * * ثم قال: ﴿وَمِنَ ٱللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ ٱلنُّجُومِ﴾ يريد به صلاة العشاء الآخرة، وركعتا الفجر. وعن ابن عباس أنه التسبيح في أدبار الصلوات، وأكثرهم على أن ﴿وَإِدْبَارَ ٱلنُّجُومِ﴾: وركعتا الفجر. وعن النبي ﷺ أنه قال: "هما خير من الدنيا جميعاً وقال الضحاك وابن زيد ﴿وَإِدْبَارَ ٱلنُّجُومِ﴾: صلاة الصبح بعينها وهو اختيار الطبري.

الطور 52:42

قوله: ﴿وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمَانٌ لَّهُمْ﴾ إلى آخر السورة الآيات. أي: يطوف على هؤلاء الذين تقدمت صفتهم غلمان لهم كأنهم اللؤلؤ المكنون في بياضه وصفائه. والمكنون: المصون، أي: يطوفون عليهم في الجنة بكؤوس الشراب الذي تقدمت صفته. قال قتادة: ذكر لنا أن رجلاً قال: يا نبي الله هذا الخادم فكيف المخدوم؟ فقال: والذي نفسي بيده إن فضل الخدوم على الخادم كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب ثم قال: ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ يَتَسَآءَلُونَ﴾ أي: أقبل بعض المؤمنين يسأل عن حال بعض. قال ابن عباس: يتساءلون حين بعثوا في النفخة الثانية. قيل: إنهم يقول بعضهم لبعض ما صيرك إلى هذه المنزلة الرفيعة. * * ثم قال: ﴿قَالُوۤاْ إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِيۤ أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ﴾ أي: قال بعضهم لبعض: إنا كنا من قبل في الدنيا مشفقين خائفين من عذاب الله عز وجل فمنَّ الله علينا بفضله، فغفر الصغائر وترك المحاسبة على النعم المستغرقة للأعمال. قال النبي ﷺ: "لا يدخل أحد الجنة بعمله" قيل: ولا أنت يا رسول الله، قال: "ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته" ثم قال: ﴿وَوَقَانَا عَذَابَ ٱلسَّمُومِ﴾ أي: (عذاب النار) وأدخلنا الجنة. وقيل معناه إذا أمر الكفار بالانطلاق إلى ظل ذي ثلاث شعب من دخان النار أمر بالمؤمنين إلى ظل من ظل الله، فتقف كل طائفة في الظل الذي أمرت به إليه حتى يفرغ من الحساب، فعند ذلك يقول المؤمنون: ﴿فَمَنَّ ٱللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ ٱلسَّمُومِ﴾ وهو الظل ذو ثلاث شعب. * * ثم قال: ﴿إِنَّا كُنَّا مِن قَبْلُ نَدْعُوهُ﴾ هذا كله قول المؤمنين، أي: كنا في الدنيا نعبده، ونخلص العمل له ﴿إِنَّهُ هُوَ ٱلْبَرُّ﴾ أي: اللطيف بعباده، الرحيم بخلقه أن يعذبهم بعد توبتهم. * * ثم قال: ﴿فَذَكِّرْ فَمَآ أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلاَ مَجْنُونٍ﴾ أي: فذكر يا محمد من أرسلناك إليهم من قومك وعظهم فلست بفضل ربك عليك بكاهن كما يقول المشركون ولا بمجنون، ولكن رسول الله. * * ثم قال: ﴿أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَّتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ ٱلْمَنُونِ﴾ أي: بل يقول المشركون في محمد ﷺ هو شاعر نتربص به حوادث الدهر تكفيناه بموت أو بحادثة متلفة. قال ابن عباس: إن قريشاً اجتمعوا في دار الندوة في أمر النبي ﷺ، فقال قائل منهم: احبسوه في وثاق ثم تربصوا به الموت حتى يهلك كما هلك قبله من الشعراء، إنما هو كأحدهم، فأنزل الله عز وجل: ﴿أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَّتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ ٱلْمَنُونِ﴾ والمنون: الموت، وهو واحد لا جمع له، قاله الأصمعي. وقال الأخفش: المنون: جمع لا واحد له. وقال الفراء: هو الواحد والجمع. والدهر يسمى بالمنون لأنه يذهب بمنة الحيوان، أي: بقوتها. وقال أبو عبيدة: قيل للدهر "منون" لأنه مضعف من قولهم "حبل منين" إذا كان بالياً ضعيفاً. * * ثم قال: ﴿قُلْ تَرَبَّصُواْ فَإِنِّي مَعَكُمْ مِّنَ ٱلْمُتَرَبِّصِينَ﴾ أي: قل لهم يا محمد انتظروا وتمهلوا في ريب المنون، فإني متربص معكم حتى يأتي أمر الله تعالى فيكم وفيّ. * * ثم قال: ﴿أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلاَمُهُمْ بِهَـٰذَآ﴾ أي: أم تأمرهم عقولهم وألبابهم بأن يقولوا لمن جاءهم بالحق شاعر ومجنون، بل هم قوم طاغون. وقيل: المعنى: أم تأمرهم عقولهم بأن يعبدوا الأصنام ويتركوا عبادة خالقهم ورازقهم بل هم قوم قد طغوا وبغوا فتجاوزوا أمر ربهم و "أَمْ" في هذا كله بمعنى "بل". * * ثم قال: ﴿فَلْيَأْتُواْ بِحَدِيثٍ مِّثْلِهِ إِن كَانُواْ صَادِقِينَ﴾ أي: فليأت قائلو ذلك من المشركين بقرآن مثله فيكونوا صادقين في قولهم أن محمداً تقَوَّلَهُ. * * ثم قال: ﴿أَمْ خُلِقُواْ مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ ٱلْخَالِقُونَ﴾ "أم" في موضع الألف، والتقدير: أخلق هؤلاء المشركون من غير آباء وأمهات، فهم كالجماد لا يعقلون ولا يفقهون لله حجة، ولا يتَّعظون بموعظة. وقيل المعنى: أخلقوا من غير صانع صنعهم ودبرهم، فهم لا يقبلون من أحد، أم هم الخالقون للأشياء، فلذلك لا يأتمرون لأمر الله سبحانه. وقيل المعنى: أم هم الخالقون لأنفسهم. وقيل معنى الآية: أم خلقوا لغير شيء؛ أي: أَخلقوا عبثاً لا يؤمرون ولا ينهون. * * ثم قال: ﴿أَمْ خَلَقُواْ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ بَل لاَّ يُوقِنُونَ﴾ أي: أفعلوا ذلك فيكونوا هم الخالقون. ومعناه لم يخلقوا ذلك [بل] لا يوقنون؛ أي: لا يعلمون ما يلزمهم. وقيل المعنى: لم يتركوا قبول أمر ربهم لأنهم خلقوا السماوات والأرض ولكنهم تركوه لأنهم لا يوقنون بوعيد الله سبحانه، وما أعد من العذاب لمن عصى أمره، فهم يكفرون ويعصون؛ لأنهم لا يوقنون بالعقاب والمجازات. * * ثم قال: ﴿أَمْ عِندَهُمْ خَزَآئِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ ٱلْمُصَيْطِرُونَ﴾ أي: أعندهم عطاء ربك فيستغنوا عنه، فيعرضوا عن أمره ونهيه أم هم المصيطرون. قال ابن عباس: المصيطرون: المسلطون، وعنه: المتولون. وقال أبو عبيدة: أم هم الأرباب، يقال: تسيطرت علي، أي: أتَّخذتني خولاً لَكَ. وقيل المعنى: أم هم الجبارون. * * ثم قال: ﴿أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُم بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ﴾ أي: ألهم سلم (يرتقون) فيه إلى السماء يستمعون الوحي فيكونوا قد سمعوا صواب ما هم عليه من الكفر فيستمسكوا به، فإن كانوا يدعون ذلك، فليأتِ من يزعم أنه استمع بحجة تبين أنها حق. ثم قال: ﴿أَمْ لَهُ ٱلْبَنَاتُ وَلَكُمُ ٱلْبَنُونَ﴾ أي: ألِربكم أيها المشركون البنات ولكم البنون كما تزعمون، هذه قسمة ضيزى. * * ثم قال: ﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْراً فَهُم مِّن مَّغْرَمٍ مُّثْقَلُونَ﴾ أي: أتسألهم يا محمد جعلاً على دعائك إياهم فتثقل عليهم إجابتك لذلك. قال قتادة: معناه هل سألت يا محمد هؤلاء القوم أجراً فجهدتهم فلا يستطيعون الإسلام. * * ثم قال: ﴿أَمْ عِندَهُمُ ٱلْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ﴾ أي: هم لا يعلمون الغيب فكيف يقولون لا نؤمن برسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق ويقولون شاعر نتربص به ريب المنون، فهم يكتبون؛ أي: يكتبون للناس ما أرادوا ويخبرونهم به. * * ثم قال: ﴿أَمْ يُرِيدُونَ كَيْداً﴾ أي: أراد هؤلاء المشركون بدين الله وبرسوله كيداً، أي: مكراً وخديعة. ﴿فَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ هُمُ ٱلْمَكِيدُونَ﴾ أي: هم الممكور بهم المهلكون دون محمد ودينه ومن آمن به. * * ثم قال: ﴿أَمْ لَهُمْ إِلَـٰهٌ غَيْرُ ٱللَّهِ سُبْحَانَ ٱللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ أي: ألهم معبود يرزقهم ويخلقهم وينفعهم ويضرهم غير الله، سبحان الله عما يشركون. * * ثم قال: ﴿وَإِن يَرَوْاْ كِسْفاً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ سَاقِطاً يَقُولُواْ سَحَابٌ مَّرْكُومٌ﴾ أي: وإن ير هؤلاء المشركون قطعاً من السماء ساقطاً يقولوا هذا سحاب بعضه فوق بعض وهذا إنما عني به قول المشركين للنبي ﷺ: لن نؤمن لك حتى تفعل كذا وكذا وتسقط السماء كما زعمت علينا كسفاً، فقال جل ذكره لنبيه عليه السلام وإن ير هؤلاء المشركون (ما سألوا من الآيات) لم ينتقلوا عمّا هم عليه من التكذيب، ولقالوا: إنما هو سحاب مركوم؛ أي: سحاب بعضه فوق بعض. * * ثم قال: ﴿فَذَرْهُمْ حَتَّىٰ يُلَـٰقُواْ يَوْمَهُمُ ٱلَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ﴾ أي: فدع يا محمد هؤلاء الكفار حتى يلاقوا يوم موتهم، والصعق: الموت وذلك عند النفخة الأولى. ﴿يَوْمَ لاَ يُغْنِي عَنْهُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً﴾ أي: لا يغني عنهم مكرهم شيئاً، ولا ناصر لهم من عذاب الله عز وجل. * * ثم قال: ﴿وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ عَذَاباً دُونَ ذَلِكَ﴾ قال ابن عباس وغيره: هو عذاب القبر. وقال مجاهد: هو الجوع. وقال ابن زيد: هو مصائب الدنيا للمؤمن أجرٌ وللكافر تعجيل عذاب. فالمعنى: لهؤلاء المشركين عذاب آخر (قبل يوم القيامة) وهو ما ذكرنا فلا يستعجلون به. ﴿وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ ذلك أي: لا يؤمنون به فيعلمون أنه حال بهم. قال ابن الماجشون: سمعت محمد بن المنكدر يقول: بلغني أن الله تبارك وتعالى يسلط على الكافر في قبره دابة عمياء في يدها سوط من حديد في رأسه جمرة مثل غرب الجمل يضربه إلى يوم القيامة لا تراه ولا تسمع صوته فترحمه. ومعنى غرب الجمل: هو الدلو الذي يسقى به الجمل. * * ثم قال: ﴿وَٱصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ أي: امض يا محمد لأمر ربك وتبليغ ما أرسلت به فإنك بمرأى منا [ونحن نحوطك] ونحفظك. ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ﴾ أي: حين تقوم من نومك قال: سبحان الله وبحمده، قاله سفيان. وقيل المعنى: (إذا قمت إلى الصلاة) المفروضة فقل سبحان الله وبحمده. وقيل: تقول سبحانك اللهم وبحمدك. وقيل التسبيح هنا تكبيرة الإحرام. * * ثم قال: ﴿وَمِنَ ٱللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ ٱلنُّجُومِ﴾ يريد به صلاة العشاء الآخرة، وركعتا الفجر. وعن ابن عباس أنه التسبيح في أدبار الصلوات، وأكثرهم على أن ﴿وَإِدْبَارَ ٱلنُّجُومِ﴾: وركعتا الفجر. وعن النبي ﷺ أنه قال: "هما خير من الدنيا جميعاً وقال الضحاك وابن زيد ﴿وَإِدْبَارَ ٱلنُّجُومِ﴾: صلاة الصبح بعينها وهو اختيار الطبري.

الطور 52:43

قوله: ﴿وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمَانٌ لَّهُمْ﴾ إلى آخر السورة الآيات. أي: يطوف على هؤلاء الذين تقدمت صفتهم غلمان لهم كأنهم اللؤلؤ المكنون في بياضه وصفائه. والمكنون: المصون، أي: يطوفون عليهم في الجنة بكؤوس الشراب الذي تقدمت صفته. قال قتادة: ذكر لنا أن رجلاً قال: يا نبي الله هذا الخادم فكيف المخدوم؟ فقال: والذي نفسي بيده إن فضل الخدوم على الخادم كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب ثم قال: ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ يَتَسَآءَلُونَ﴾ أي: أقبل بعض المؤمنين يسأل عن حال بعض. قال ابن عباس: يتساءلون حين بعثوا في النفخة الثانية. قيل: إنهم يقول بعضهم لبعض ما صيرك إلى هذه المنزلة الرفيعة. * * ثم قال: ﴿قَالُوۤاْ إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِيۤ أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ﴾ أي: قال بعضهم لبعض: إنا كنا من قبل في الدنيا مشفقين خائفين من عذاب الله عز وجل فمنَّ الله علينا بفضله، فغفر الصغائر وترك المحاسبة على النعم المستغرقة للأعمال. قال النبي ﷺ: "لا يدخل أحد الجنة بعمله" قيل: ولا أنت يا رسول الله، قال: "ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته" ثم قال: ﴿وَوَقَانَا عَذَابَ ٱلسَّمُومِ﴾ أي: (عذاب النار) وأدخلنا الجنة. وقيل معناه إذا أمر الكفار بالانطلاق إلى ظل ذي ثلاث شعب من دخان النار أمر بالمؤمنين إلى ظل من ظل الله، فتقف كل طائفة في الظل الذي أمرت به إليه حتى يفرغ من الحساب، فعند ذلك يقول المؤمنون: ﴿فَمَنَّ ٱللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ ٱلسَّمُومِ﴾ وهو الظل ذو ثلاث شعب. * * ثم قال: ﴿إِنَّا كُنَّا مِن قَبْلُ نَدْعُوهُ﴾ هذا كله قول المؤمنين، أي: كنا في الدنيا نعبده، ونخلص العمل له ﴿إِنَّهُ هُوَ ٱلْبَرُّ﴾ أي: اللطيف بعباده، الرحيم بخلقه أن يعذبهم بعد توبتهم. * * ثم قال: ﴿فَذَكِّرْ فَمَآ أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلاَ مَجْنُونٍ﴾ أي: فذكر يا محمد من أرسلناك إليهم من قومك وعظهم فلست بفضل ربك عليك بكاهن كما يقول المشركون ولا بمجنون، ولكن رسول الله. * * ثم قال: ﴿أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَّتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ ٱلْمَنُونِ﴾ أي: بل يقول المشركون في محمد ﷺ هو شاعر نتربص به حوادث الدهر تكفيناه بموت أو بحادثة متلفة. قال ابن عباس: إن قريشاً اجتمعوا في دار الندوة في أمر النبي ﷺ، فقال قائل منهم: احبسوه في وثاق ثم تربصوا به الموت حتى يهلك كما هلك قبله من الشعراء، إنما هو كأحدهم، فأنزل الله عز وجل: ﴿أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَّتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ ٱلْمَنُونِ﴾ والمنون: الموت، وهو واحد لا جمع له، قاله الأصمعي. وقال الأخفش: المنون: جمع لا واحد له. وقال الفراء: هو الواحد والجمع. والدهر يسمى بالمنون لأنه يذهب بمنة الحيوان، أي: بقوتها. وقال أبو عبيدة: قيل للدهر "منون" لأنه مضعف من قولهم "حبل منين" إذا كان بالياً ضعيفاً. * * ثم قال: ﴿قُلْ تَرَبَّصُواْ فَإِنِّي مَعَكُمْ مِّنَ ٱلْمُتَرَبِّصِينَ﴾ أي: قل لهم يا محمد انتظروا وتمهلوا في ريب المنون، فإني متربص معكم حتى يأتي أمر الله تعالى فيكم وفيّ. * * ثم قال: ﴿أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلاَمُهُمْ بِهَـٰذَآ﴾ أي: أم تأمرهم عقولهم وألبابهم بأن يقولوا لمن جاءهم بالحق شاعر ومجنون، بل هم قوم طاغون. وقيل: المعنى: أم تأمرهم عقولهم بأن يعبدوا الأصنام ويتركوا عبادة خالقهم ورازقهم بل هم قوم قد طغوا وبغوا فتجاوزوا أمر ربهم و "أَمْ" في هذا كله بمعنى "بل". * * ثم قال: ﴿فَلْيَأْتُواْ بِحَدِيثٍ مِّثْلِهِ إِن كَانُواْ صَادِقِينَ﴾ أي: فليأت قائلو ذلك من المشركين بقرآن مثله فيكونوا صادقين في قولهم أن محمداً تقَوَّلَهُ. * * ثم قال: ﴿أَمْ خُلِقُواْ مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ ٱلْخَالِقُونَ﴾ "أم" في موضع الألف، والتقدير: أخلق هؤلاء المشركون من غير آباء وأمهات، فهم كالجماد لا يعقلون ولا يفقهون لله حجة، ولا يتَّعظون بموعظة. وقيل المعنى: أخلقوا من غير صانع صنعهم ودبرهم، فهم لا يقبلون من أحد، أم هم الخالقون للأشياء، فلذلك لا يأتمرون لأمر الله سبحانه. وقيل المعنى: أم هم الخالقون لأنفسهم. وقيل معنى الآية: أم خلقوا لغير شيء؛ أي: أَخلقوا عبثاً لا يؤمرون ولا ينهون. * * ثم قال: ﴿أَمْ خَلَقُواْ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ بَل لاَّ يُوقِنُونَ﴾ أي: أفعلوا ذلك فيكونوا هم الخالقون. ومعناه لم يخلقوا ذلك [بل] لا يوقنون؛ أي: لا يعلمون ما يلزمهم. وقيل المعنى: لم يتركوا قبول أمر ربهم لأنهم خلقوا السماوات والأرض ولكنهم تركوه لأنهم لا يوقنون بوعيد الله سبحانه، وما أعد من العذاب لمن عصى أمره، فهم يكفرون ويعصون؛ لأنهم لا يوقنون بالعقاب والمجازات. * * ثم قال: ﴿أَمْ عِندَهُمْ خَزَآئِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ ٱلْمُصَيْطِرُونَ﴾ أي: أعندهم عطاء ربك فيستغنوا عنه، فيعرضوا عن أمره ونهيه أم هم المصيطرون. قال ابن عباس: المصيطرون: المسلطون، وعنه: المتولون. وقال أبو عبيدة: أم هم الأرباب، يقال: تسيطرت علي، أي: أتَّخذتني خولاً لَكَ. وقيل المعنى: أم هم الجبارون. * * ثم قال: ﴿أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُم بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ﴾ أي: ألهم سلم (يرتقون) فيه إلى السماء يستمعون الوحي فيكونوا قد سمعوا صواب ما هم عليه من الكفر فيستمسكوا به، فإن كانوا يدعون ذلك، فليأتِ من يزعم أنه استمع بحجة تبين أنها حق. ثم قال: ﴿أَمْ لَهُ ٱلْبَنَاتُ وَلَكُمُ ٱلْبَنُونَ﴾ أي: ألِربكم أيها المشركون البنات ولكم البنون كما تزعمون، هذه قسمة ضيزى. * * ثم قال: ﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْراً فَهُم مِّن مَّغْرَمٍ مُّثْقَلُونَ﴾ أي: أتسألهم يا محمد جعلاً على دعائك إياهم فتثقل عليهم إجابتك لذلك. قال قتادة: معناه هل سألت يا محمد هؤلاء القوم أجراً فجهدتهم فلا يستطيعون الإسلام. * * ثم قال: ﴿أَمْ عِندَهُمُ ٱلْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ﴾ أي: هم لا يعلمون الغيب فكيف يقولون لا نؤمن برسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق ويقولون شاعر نتربص به ريب المنون، فهم يكتبون؛ أي: يكتبون للناس ما أرادوا ويخبرونهم به. * * ثم قال: ﴿أَمْ يُرِيدُونَ كَيْداً﴾ أي: أراد هؤلاء المشركون بدين الله وبرسوله كيداً، أي: مكراً وخديعة. ﴿فَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ هُمُ ٱلْمَكِيدُونَ﴾ أي: هم الممكور بهم المهلكون دون محمد ودينه ومن آمن به. * * ثم قال: ﴿أَمْ لَهُمْ إِلَـٰهٌ غَيْرُ ٱللَّهِ سُبْحَانَ ٱللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ أي: ألهم معبود يرزقهم ويخلقهم وينفعهم ويضرهم غير الله، سبحان الله عما يشركون. * * ثم قال: ﴿وَإِن يَرَوْاْ كِسْفاً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ سَاقِطاً يَقُولُواْ سَحَابٌ مَّرْكُومٌ﴾ أي: وإن ير هؤلاء المشركون قطعاً من السماء ساقطاً يقولوا هذا سحاب بعضه فوق بعض وهذا إنما عني به قول المشركين للنبي ﷺ: لن نؤمن لك حتى تفعل كذا وكذا وتسقط السماء كما زعمت علينا كسفاً، فقال جل ذكره لنبيه عليه السلام وإن ير هؤلاء المشركون (ما سألوا من الآيات) لم ينتقلوا عمّا هم عليه من التكذيب، ولقالوا: إنما هو سحاب مركوم؛ أي: سحاب بعضه فوق بعض. * * ثم قال: ﴿فَذَرْهُمْ حَتَّىٰ يُلَـٰقُواْ يَوْمَهُمُ ٱلَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ﴾ أي: فدع يا محمد هؤلاء الكفار حتى يلاقوا يوم موتهم، والصعق: الموت وذلك عند النفخة الأولى. ﴿يَوْمَ لاَ يُغْنِي عَنْهُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً﴾ أي: لا يغني عنهم مكرهم شيئاً، ولا ناصر لهم من عذاب الله عز وجل. * * ثم قال: ﴿وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ عَذَاباً دُونَ ذَلِكَ﴾ قال ابن عباس وغيره: هو عذاب القبر. وقال مجاهد: هو الجوع. وقال ابن زيد: هو مصائب الدنيا للمؤمن أجرٌ وللكافر تعجيل عذاب. فالمعنى: لهؤلاء المشركين عذاب آخر (قبل يوم القيامة) وهو ما ذكرنا فلا يستعجلون به. ﴿وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ ذلك أي: لا يؤمنون به فيعلمون أنه حال بهم. قال ابن الماجشون: سمعت محمد بن المنكدر يقول: بلغني أن الله تبارك وتعالى يسلط على الكافر في قبره دابة عمياء في يدها سوط من حديد في رأسه جمرة مثل غرب الجمل يضربه إلى يوم القيامة لا تراه ولا تسمع صوته فترحمه. ومعنى غرب الجمل: هو الدلو الذي يسقى به الجمل. * * ثم قال: ﴿وَٱصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ أي: امض يا محمد لأمر ربك وتبليغ ما أرسلت به فإنك بمرأى منا [ونحن نحوطك] ونحفظك. ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ﴾ أي: حين تقوم من نومك قال: سبحان الله وبحمده، قاله سفيان. وقيل المعنى: (إذا قمت إلى الصلاة) المفروضة فقل سبحان الله وبحمده. وقيل: تقول سبحانك اللهم وبحمدك. وقيل التسبيح هنا تكبيرة الإحرام. * * ثم قال: ﴿وَمِنَ ٱللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ ٱلنُّجُومِ﴾ يريد به صلاة العشاء الآخرة، وركعتا الفجر. وعن ابن عباس أنه التسبيح في أدبار الصلوات، وأكثرهم على أن ﴿وَإِدْبَارَ ٱلنُّجُومِ﴾: وركعتا الفجر. وعن النبي ﷺ أنه قال: "هما خير من الدنيا جميعاً وقال الضحاك وابن زيد ﴿وَإِدْبَارَ ٱلنُّجُومِ﴾: صلاة الصبح بعينها وهو اختيار الطبري.

الطور 52:44

قوله: ﴿وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمَانٌ لَّهُمْ﴾ إلى آخر السورة الآيات. أي: يطوف على هؤلاء الذين تقدمت صفتهم غلمان لهم كأنهم اللؤلؤ المكنون في بياضه وصفائه. والمكنون: المصون، أي: يطوفون عليهم في الجنة بكؤوس الشراب الذي تقدمت صفته. قال قتادة: ذكر لنا أن رجلاً قال: يا نبي الله هذا الخادم فكيف المخدوم؟ فقال: والذي نفسي بيده إن فضل الخدوم على الخادم كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب ثم قال: ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ يَتَسَآءَلُونَ﴾ أي: أقبل بعض المؤمنين يسأل عن حال بعض. قال ابن عباس: يتساءلون حين بعثوا في النفخة الثانية. قيل: إنهم يقول بعضهم لبعض ما صيرك إلى هذه المنزلة الرفيعة. * * ثم قال: ﴿قَالُوۤاْ إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِيۤ أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ﴾ أي: قال بعضهم لبعض: إنا كنا من قبل في الدنيا مشفقين خائفين من عذاب الله عز وجل فمنَّ الله علينا بفضله، فغفر الصغائر وترك المحاسبة على النعم المستغرقة للأعمال. قال النبي ﷺ: "لا يدخل أحد الجنة بعمله" قيل: ولا أنت يا رسول الله، قال: "ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته" ثم قال: ﴿وَوَقَانَا عَذَابَ ٱلسَّمُومِ﴾ أي: (عذاب النار) وأدخلنا الجنة. وقيل معناه إذا أمر الكفار بالانطلاق إلى ظل ذي ثلاث شعب من دخان النار أمر بالمؤمنين إلى ظل من ظل الله، فتقف كل طائفة في الظل الذي أمرت به إليه حتى يفرغ من الحساب، فعند ذلك يقول المؤمنون: ﴿فَمَنَّ ٱللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ ٱلسَّمُومِ﴾ وهو الظل ذو ثلاث شعب. * * ثم قال: ﴿إِنَّا كُنَّا مِن قَبْلُ نَدْعُوهُ﴾ هذا كله قول المؤمنين، أي: كنا في الدنيا نعبده، ونخلص العمل له ﴿إِنَّهُ هُوَ ٱلْبَرُّ﴾ أي: اللطيف بعباده، الرحيم بخلقه أن يعذبهم بعد توبتهم. * * ثم قال: ﴿فَذَكِّرْ فَمَآ أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلاَ مَجْنُونٍ﴾ أي: فذكر يا محمد من أرسلناك إليهم من قومك وعظهم فلست بفضل ربك عليك بكاهن كما يقول المشركون ولا بمجنون، ولكن رسول الله. * * ثم قال: ﴿أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَّتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ ٱلْمَنُونِ﴾ أي: بل يقول المشركون في محمد ﷺ هو شاعر نتربص به حوادث الدهر تكفيناه بموت أو بحادثة متلفة. قال ابن عباس: إن قريشاً اجتمعوا في دار الندوة في أمر النبي ﷺ، فقال قائل منهم: احبسوه في وثاق ثم تربصوا به الموت حتى يهلك كما هلك قبله من الشعراء، إنما هو كأحدهم، فأنزل الله عز وجل: ﴿أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَّتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ ٱلْمَنُونِ﴾ والمنون: الموت، وهو واحد لا جمع له، قاله الأصمعي. وقال الأخفش: المنون: جمع لا واحد له. وقال الفراء: هو الواحد والجمع. والدهر يسمى بالمنون لأنه يذهب بمنة الحيوان، أي: بقوتها. وقال أبو عبيدة: قيل للدهر "منون" لأنه مضعف من قولهم "حبل منين" إذا كان بالياً ضعيفاً. * * ثم قال: ﴿قُلْ تَرَبَّصُواْ فَإِنِّي مَعَكُمْ مِّنَ ٱلْمُتَرَبِّصِينَ﴾ أي: قل لهم يا محمد انتظروا وتمهلوا في ريب المنون، فإني متربص معكم حتى يأتي أمر الله تعالى فيكم وفيّ. * * ثم قال: ﴿أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلاَمُهُمْ بِهَـٰذَآ﴾ أي: أم تأمرهم عقولهم وألبابهم بأن يقولوا لمن جاءهم بالحق شاعر ومجنون، بل هم قوم طاغون. وقيل: المعنى: أم تأمرهم عقولهم بأن يعبدوا الأصنام ويتركوا عبادة خالقهم ورازقهم بل هم قوم قد طغوا وبغوا فتجاوزوا أمر ربهم و "أَمْ" في هذا كله بمعنى "بل". * * ثم قال: ﴿فَلْيَأْتُواْ بِحَدِيثٍ مِّثْلِهِ إِن كَانُواْ صَادِقِينَ﴾ أي: فليأت قائلو ذلك من المشركين بقرآن مثله فيكونوا صادقين في قولهم أن محمداً تقَوَّلَهُ. * * ثم قال: ﴿أَمْ خُلِقُواْ مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ ٱلْخَالِقُونَ﴾ "أم" في موضع الألف، والتقدير: أخلق هؤلاء المشركون من غير آباء وأمهات، فهم كالجماد لا يعقلون ولا يفقهون لله حجة، ولا يتَّعظون بموعظة. وقيل المعنى: أخلقوا من غير صانع صنعهم ودبرهم، فهم لا يقبلون من أحد، أم هم الخالقون للأشياء، فلذلك لا يأتمرون لأمر الله سبحانه. وقيل المعنى: أم هم الخالقون لأنفسهم. وقيل معنى الآية: أم خلقوا لغير شيء؛ أي: أَخلقوا عبثاً لا يؤمرون ولا ينهون. * * ثم قال: ﴿أَمْ خَلَقُواْ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ بَل لاَّ يُوقِنُونَ﴾ أي: أفعلوا ذلك فيكونوا هم الخالقون. ومعناه لم يخلقوا ذلك [بل] لا يوقنون؛ أي: لا يعلمون ما يلزمهم. وقيل المعنى: لم يتركوا قبول أمر ربهم لأنهم خلقوا السماوات والأرض ولكنهم تركوه لأنهم لا يوقنون بوعيد الله سبحانه، وما أعد من العذاب لمن عصى أمره، فهم يكفرون ويعصون؛ لأنهم لا يوقنون بالعقاب والمجازات. * * ثم قال: ﴿أَمْ عِندَهُمْ خَزَآئِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ ٱلْمُصَيْطِرُونَ﴾ أي: أعندهم عطاء ربك فيستغنوا عنه، فيعرضوا عن أمره ونهيه أم هم المصيطرون. قال ابن عباس: المصيطرون: المسلطون، وعنه: المتولون. وقال أبو عبيدة: أم هم الأرباب، يقال: تسيطرت علي، أي: أتَّخذتني خولاً لَكَ. وقيل المعنى: أم هم الجبارون. * * ثم قال: ﴿أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُم بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ﴾ أي: ألهم سلم (يرتقون) فيه إلى السماء يستمعون الوحي فيكونوا قد سمعوا صواب ما هم عليه من الكفر فيستمسكوا به، فإن كانوا يدعون ذلك، فليأتِ من يزعم أنه استمع بحجة تبين أنها حق. ثم قال: ﴿أَمْ لَهُ ٱلْبَنَاتُ وَلَكُمُ ٱلْبَنُونَ﴾ أي: ألِربكم أيها المشركون البنات ولكم البنون كما تزعمون، هذه قسمة ضيزى. * * ثم قال: ﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْراً فَهُم مِّن مَّغْرَمٍ مُّثْقَلُونَ﴾ أي: أتسألهم يا محمد جعلاً على دعائك إياهم فتثقل عليهم إجابتك لذلك. قال قتادة: معناه هل سألت يا محمد هؤلاء القوم أجراً فجهدتهم فلا يستطيعون الإسلام. * * ثم قال: ﴿أَمْ عِندَهُمُ ٱلْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ﴾ أي: هم لا يعلمون الغيب فكيف يقولون لا نؤمن برسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق ويقولون شاعر نتربص به ريب المنون، فهم يكتبون؛ أي: يكتبون للناس ما أرادوا ويخبرونهم به. * * ثم قال: ﴿أَمْ يُرِيدُونَ كَيْداً﴾ أي: أراد هؤلاء المشركون بدين الله وبرسوله كيداً، أي: مكراً وخديعة. ﴿فَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ هُمُ ٱلْمَكِيدُونَ﴾ أي: هم الممكور بهم المهلكون دون محمد ودينه ومن آمن به. * * ثم قال: ﴿أَمْ لَهُمْ إِلَـٰهٌ غَيْرُ ٱللَّهِ سُبْحَانَ ٱللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ أي: ألهم معبود يرزقهم ويخلقهم وينفعهم ويضرهم غير الله، سبحان الله عما يشركون. * * ثم قال: ﴿وَإِن يَرَوْاْ كِسْفاً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ سَاقِطاً يَقُولُواْ سَحَابٌ مَّرْكُومٌ﴾ أي: وإن ير هؤلاء المشركون قطعاً من السماء ساقطاً يقولوا هذا سحاب بعضه فوق بعض وهذا إنما عني به قول المشركين للنبي ﷺ: لن نؤمن لك حتى تفعل كذا وكذا وتسقط السماء كما زعمت علينا كسفاً، فقال جل ذكره لنبيه عليه السلام وإن ير هؤلاء المشركون (ما سألوا من الآيات) لم ينتقلوا عمّا هم عليه من التكذيب، ولقالوا: إنما هو سحاب مركوم؛ أي: سحاب بعضه فوق بعض. * * ثم قال: ﴿فَذَرْهُمْ حَتَّىٰ يُلَـٰقُواْ يَوْمَهُمُ ٱلَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ﴾ أي: فدع يا محمد هؤلاء الكفار حتى يلاقوا يوم موتهم، والصعق: الموت وذلك عند النفخة الأولى. ﴿يَوْمَ لاَ يُغْنِي عَنْهُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً﴾ أي: لا يغني عنهم مكرهم شيئاً، ولا ناصر لهم من عذاب الله عز وجل. * * ثم قال: ﴿وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ عَذَاباً دُونَ ذَلِكَ﴾ قال ابن عباس وغيره: هو عذاب القبر. وقال مجاهد: هو الجوع. وقال ابن زيد: هو مصائب الدنيا للمؤمن أجرٌ وللكافر تعجيل عذاب. فالمعنى: لهؤلاء المشركين عذاب آخر (قبل يوم القيامة) وهو ما ذكرنا فلا يستعجلون به. ﴿وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ ذلك أي: لا يؤمنون به فيعلمون أنه حال بهم. قال ابن الماجشون: سمعت محمد بن المنكدر يقول: بلغني أن الله تبارك وتعالى يسلط على الكافر في قبره دابة عمياء في يدها سوط من حديد في رأسه جمرة مثل غرب الجمل يضربه إلى يوم القيامة لا تراه ولا تسمع صوته فترحمه. ومعنى غرب الجمل: هو الدلو الذي يسقى به الجمل. * * ثم قال: ﴿وَٱصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ أي: امض يا محمد لأمر ربك وتبليغ ما أرسلت به فإنك بمرأى منا [ونحن نحوطك] ونحفظك. ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ﴾ أي: حين تقوم من نومك قال: سبحان الله وبحمده، قاله سفيان. وقيل المعنى: (إذا قمت إلى الصلاة) المفروضة فقل سبحان الله وبحمده. وقيل: تقول سبحانك اللهم وبحمدك. وقيل التسبيح هنا تكبيرة الإحرام. * * ثم قال: ﴿وَمِنَ ٱللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ ٱلنُّجُومِ﴾ يريد به صلاة العشاء الآخرة، وركعتا الفجر. وعن ابن عباس أنه التسبيح في أدبار الصلوات، وأكثرهم على أن ﴿وَإِدْبَارَ ٱلنُّجُومِ﴾: وركعتا الفجر. وعن النبي ﷺ أنه قال: "هما خير من الدنيا جميعاً وقال الضحاك وابن زيد ﴿وَإِدْبَارَ ٱلنُّجُومِ﴾: صلاة الصبح بعينها وهو اختيار الطبري.

الطور 52:45

قوله: ﴿وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمَانٌ لَّهُمْ﴾ إلى آخر السورة الآيات. أي: يطوف على هؤلاء الذين تقدمت صفتهم غلمان لهم كأنهم اللؤلؤ المكنون في بياضه وصفائه. والمكنون: المصون، أي: يطوفون عليهم في الجنة بكؤوس الشراب الذي تقدمت صفته. قال قتادة: ذكر لنا أن رجلاً قال: يا نبي الله هذا الخادم فكيف المخدوم؟ فقال: والذي نفسي بيده إن فضل الخدوم على الخادم كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب ثم قال: ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ يَتَسَآءَلُونَ﴾ أي: أقبل بعض المؤمنين يسأل عن حال بعض. قال ابن عباس: يتساءلون حين بعثوا في النفخة الثانية. قيل: إنهم يقول بعضهم لبعض ما صيرك إلى هذه المنزلة الرفيعة. * * ثم قال: ﴿قَالُوۤاْ إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِيۤ أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ﴾ أي: قال بعضهم لبعض: إنا كنا من قبل في الدنيا مشفقين خائفين من عذاب الله عز وجل فمنَّ الله علينا بفضله، فغفر الصغائر وترك المحاسبة على النعم المستغرقة للأعمال. قال النبي ﷺ: "لا يدخل أحد الجنة بعمله" قيل: ولا أنت يا رسول الله، قال: "ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته" ثم قال: ﴿وَوَقَانَا عَذَابَ ٱلسَّمُومِ﴾ أي: (عذاب النار) وأدخلنا الجنة. وقيل معناه إذا أمر الكفار بالانطلاق إلى ظل ذي ثلاث شعب من دخان النار أمر بالمؤمنين إلى ظل من ظل الله، فتقف كل طائفة في الظل الذي أمرت به إليه حتى يفرغ من الحساب، فعند ذلك يقول المؤمنون: ﴿فَمَنَّ ٱللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ ٱلسَّمُومِ﴾ وهو الظل ذو ثلاث شعب. * * ثم قال: ﴿إِنَّا كُنَّا مِن قَبْلُ نَدْعُوهُ﴾ هذا كله قول المؤمنين، أي: كنا في الدنيا نعبده، ونخلص العمل له ﴿إِنَّهُ هُوَ ٱلْبَرُّ﴾ أي: اللطيف بعباده، الرحيم بخلقه أن يعذبهم بعد توبتهم. * * ثم قال: ﴿فَذَكِّرْ فَمَآ أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلاَ مَجْنُونٍ﴾ أي: فذكر يا محمد من أرسلناك إليهم من قومك وعظهم فلست بفضل ربك عليك بكاهن كما يقول المشركون ولا بمجنون، ولكن رسول الله. * * ثم قال: ﴿أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَّتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ ٱلْمَنُونِ﴾ أي: بل يقول المشركون في محمد ﷺ هو شاعر نتربص به حوادث الدهر تكفيناه بموت أو بحادثة متلفة. قال ابن عباس: إن قريشاً اجتمعوا في دار الندوة في أمر النبي ﷺ، فقال قائل منهم: احبسوه في وثاق ثم تربصوا به الموت حتى يهلك كما هلك قبله من الشعراء، إنما هو كأحدهم، فأنزل الله عز وجل: ﴿أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَّتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ ٱلْمَنُونِ﴾ والمنون: الموت، وهو واحد لا جمع له، قاله الأصمعي. وقال الأخفش: المنون: جمع لا واحد له. وقال الفراء: هو الواحد والجمع. والدهر يسمى بالمنون لأنه يذهب بمنة الحيوان، أي: بقوتها. وقال أبو عبيدة: قيل للدهر "منون" لأنه مضعف من قولهم "حبل منين" إذا كان بالياً ضعيفاً. * * ثم قال: ﴿قُلْ تَرَبَّصُواْ فَإِنِّي مَعَكُمْ مِّنَ ٱلْمُتَرَبِّصِينَ﴾ أي: قل لهم يا محمد انتظروا وتمهلوا في ريب المنون، فإني متربص معكم حتى يأتي أمر الله تعالى فيكم وفيّ. * * ثم قال: ﴿أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلاَمُهُمْ بِهَـٰذَآ﴾ أي: أم تأمرهم عقولهم وألبابهم بأن يقولوا لمن جاءهم بالحق شاعر ومجنون، بل هم قوم طاغون. وقيل: المعنى: أم تأمرهم عقولهم بأن يعبدوا الأصنام ويتركوا عبادة خالقهم ورازقهم بل هم قوم قد طغوا وبغوا فتجاوزوا أمر ربهم و "أَمْ" في هذا كله بمعنى "بل". * * ثم قال: ﴿فَلْيَأْتُواْ بِحَدِيثٍ مِّثْلِهِ إِن كَانُواْ صَادِقِينَ﴾ أي: فليأت قائلو ذلك من المشركين بقرآن مثله فيكونوا صادقين في قولهم أن محمداً تقَوَّلَهُ. * * ثم قال: ﴿أَمْ خُلِقُواْ مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ ٱلْخَالِقُونَ﴾ "أم" في موضع الألف، والتقدير: أخلق هؤلاء المشركون من غير آباء وأمهات، فهم كالجماد لا يعقلون ولا يفقهون لله حجة، ولا يتَّعظون بموعظة. وقيل المعنى: أخلقوا من غير صانع صنعهم ودبرهم، فهم لا يقبلون من أحد، أم هم الخالقون للأشياء، فلذلك لا يأتمرون لأمر الله سبحانه. وقيل المعنى: أم هم الخالقون لأنفسهم. وقيل معنى الآية: أم خلقوا لغير شيء؛ أي: أَخلقوا عبثاً لا يؤمرون ولا ينهون. * * ثم قال: ﴿أَمْ خَلَقُواْ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ بَل لاَّ يُوقِنُونَ﴾ أي: أفعلوا ذلك فيكونوا هم الخالقون. ومعناه لم يخلقوا ذلك [بل] لا يوقنون؛ أي: لا يعلمون ما يلزمهم. وقيل المعنى: لم يتركوا قبول أمر ربهم لأنهم خلقوا السماوات والأرض ولكنهم تركوه لأنهم لا يوقنون بوعيد الله سبحانه، وما أعد من العذاب لمن عصى أمره، فهم يكفرون ويعصون؛ لأنهم لا يوقنون بالعقاب والمجازات. * * ثم قال: ﴿أَمْ عِندَهُمْ خَزَآئِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ ٱلْمُصَيْطِرُونَ﴾ أي: أعندهم عطاء ربك فيستغنوا عنه، فيعرضوا عن أمره ونهيه أم هم المصيطرون. قال ابن عباس: المصيطرون: المسلطون، وعنه: المتولون. وقال أبو عبيدة: أم هم الأرباب، يقال: تسيطرت علي، أي: أتَّخذتني خولاً لَكَ. وقيل المعنى: أم هم الجبارون. * * ثم قال: ﴿أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُم بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ﴾ أي: ألهم سلم (يرتقون) فيه إلى السماء يستمعون الوحي فيكونوا قد سمعوا صواب ما هم عليه من الكفر فيستمسكوا به، فإن كانوا يدعون ذلك، فليأتِ من يزعم أنه استمع بحجة تبين أنها حق. ثم قال: ﴿أَمْ لَهُ ٱلْبَنَاتُ وَلَكُمُ ٱلْبَنُونَ﴾ أي: ألِربكم أيها المشركون البنات ولكم البنون كما تزعمون، هذه قسمة ضيزى. * * ثم قال: ﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْراً فَهُم مِّن مَّغْرَمٍ مُّثْقَلُونَ﴾ أي: أتسألهم يا محمد جعلاً على دعائك إياهم فتثقل عليهم إجابتك لذلك. قال قتادة: معناه هل سألت يا محمد هؤلاء القوم أجراً فجهدتهم فلا يستطيعون الإسلام. * * ثم قال: ﴿أَمْ عِندَهُمُ ٱلْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ﴾ أي: هم لا يعلمون الغيب فكيف يقولون لا نؤمن برسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق ويقولون شاعر نتربص به ريب المنون، فهم يكتبون؛ أي: يكتبون للناس ما أرادوا ويخبرونهم به. * * ثم قال: ﴿أَمْ يُرِيدُونَ كَيْداً﴾ أي: أراد هؤلاء المشركون بدين الله وبرسوله كيداً، أي: مكراً وخديعة. ﴿فَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ هُمُ ٱلْمَكِيدُونَ﴾ أي: هم الممكور بهم المهلكون دون محمد ودينه ومن آمن به. * * ثم قال: ﴿أَمْ لَهُمْ إِلَـٰهٌ غَيْرُ ٱللَّهِ سُبْحَانَ ٱللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ أي: ألهم معبود يرزقهم ويخلقهم وينفعهم ويضرهم غير الله، سبحان الله عما يشركون. * * ثم قال: ﴿وَإِن يَرَوْاْ كِسْفاً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ سَاقِطاً يَقُولُواْ سَحَابٌ مَّرْكُومٌ﴾ أي: وإن ير هؤلاء المشركون قطعاً من السماء ساقطاً يقولوا هذا سحاب بعضه فوق بعض وهذا إنما عني به قول المشركين للنبي ﷺ: لن نؤمن لك حتى تفعل كذا وكذا وتسقط السماء كما زعمت علينا كسفاً، فقال جل ذكره لنبيه عليه السلام وإن ير هؤلاء المشركون (ما سألوا من الآيات) لم ينتقلوا عمّا هم عليه من التكذيب، ولقالوا: إنما هو سحاب مركوم؛ أي: سحاب بعضه فوق بعض. * * ثم قال: ﴿فَذَرْهُمْ حَتَّىٰ يُلَـٰقُواْ يَوْمَهُمُ ٱلَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ﴾ أي: فدع يا محمد هؤلاء الكفار حتى يلاقوا يوم موتهم، والصعق: الموت وذلك عند النفخة الأولى. ﴿يَوْمَ لاَ يُغْنِي عَنْهُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً﴾ أي: لا يغني عنهم مكرهم شيئاً، ولا ناصر لهم من عذاب الله عز وجل. * * ثم قال: ﴿وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ عَذَاباً دُونَ ذَلِكَ﴾ قال ابن عباس وغيره: هو عذاب القبر. وقال مجاهد: هو الجوع. وقال ابن زيد: هو مصائب الدنيا للمؤمن أجرٌ وللكافر تعجيل عذاب. فالمعنى: لهؤلاء المشركين عذاب آخر (قبل يوم القيامة) وهو ما ذكرنا فلا يستعجلون به. ﴿وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ ذلك أي: لا يؤمنون به فيعلمون أنه حال بهم. قال ابن الماجشون: سمعت محمد بن المنكدر يقول: بلغني أن الله تبارك وتعالى يسلط على الكافر في قبره دابة عمياء في يدها سوط من حديد في رأسه جمرة مثل غرب الجمل يضربه إلى يوم القيامة لا تراه ولا تسمع صوته فترحمه. ومعنى غرب الجمل: هو الدلو الذي يسقى به الجمل. * * ثم قال: ﴿وَٱصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ أي: امض يا محمد لأمر ربك وتبليغ ما أرسلت به فإنك بمرأى منا [ونحن نحوطك] ونحفظك. ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ﴾ أي: حين تقوم من نومك قال: سبحان الله وبحمده، قاله سفيان. وقيل المعنى: (إذا قمت إلى الصلاة) المفروضة فقل سبحان الله وبحمده. وقيل: تقول سبحانك اللهم وبحمدك. وقيل التسبيح هنا تكبيرة الإحرام. * * ثم قال: ﴿وَمِنَ ٱللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ ٱلنُّجُومِ﴾ يريد به صلاة العشاء الآخرة، وركعتا الفجر. وعن ابن عباس أنه التسبيح في أدبار الصلوات، وأكثرهم على أن ﴿وَإِدْبَارَ ٱلنُّجُومِ﴾: وركعتا الفجر. وعن النبي ﷺ أنه قال: "هما خير من الدنيا جميعاً وقال الضحاك وابن زيد ﴿وَإِدْبَارَ ٱلنُّجُومِ﴾: صلاة الصبح بعينها وهو اختيار الطبري.

الطور 52:46

قوله: ﴿وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمَانٌ لَّهُمْ﴾ إلى آخر السورة الآيات. أي: يطوف على هؤلاء الذين تقدمت صفتهم غلمان لهم كأنهم اللؤلؤ المكنون في بياضه وصفائه. والمكنون: المصون، أي: يطوفون عليهم في الجنة بكؤوس الشراب الذي تقدمت صفته. قال قتادة: ذكر لنا أن رجلاً قال: يا نبي الله هذا الخادم فكيف المخدوم؟ فقال: والذي نفسي بيده إن فضل الخدوم على الخادم كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب ثم قال: ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ يَتَسَآءَلُونَ﴾ أي: أقبل بعض المؤمنين يسأل عن حال بعض. قال ابن عباس: يتساءلون حين بعثوا في النفخة الثانية. قيل: إنهم يقول بعضهم لبعض ما صيرك إلى هذه المنزلة الرفيعة. * * ثم قال: ﴿قَالُوۤاْ إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِيۤ أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ﴾ أي: قال بعضهم لبعض: إنا كنا من قبل في الدنيا مشفقين خائفين من عذاب الله عز وجل فمنَّ الله علينا بفضله، فغفر الصغائر وترك المحاسبة على النعم المستغرقة للأعمال. قال النبي ﷺ: "لا يدخل أحد الجنة بعمله" قيل: ولا أنت يا رسول الله، قال: "ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته" ثم قال: ﴿وَوَقَانَا عَذَابَ ٱلسَّمُومِ﴾ أي: (عذاب النار) وأدخلنا الجنة. وقيل معناه إذا أمر الكفار بالانطلاق إلى ظل ذي ثلاث شعب من دخان النار أمر بالمؤمنين إلى ظل من ظل الله، فتقف كل طائفة في الظل الذي أمرت به إليه حتى يفرغ من الحساب، فعند ذلك يقول المؤمنون: ﴿فَمَنَّ ٱللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ ٱلسَّمُومِ﴾ وهو الظل ذو ثلاث شعب. * * ثم قال: ﴿إِنَّا كُنَّا مِن قَبْلُ نَدْعُوهُ﴾ هذا كله قول المؤمنين، أي: كنا في الدنيا نعبده، ونخلص العمل له ﴿إِنَّهُ هُوَ ٱلْبَرُّ﴾ أي: اللطيف بعباده، الرحيم بخلقه أن يعذبهم بعد توبتهم. * * ثم قال: ﴿فَذَكِّرْ فَمَآ أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلاَ مَجْنُونٍ﴾ أي: فذكر يا محمد من أرسلناك إليهم من قومك وعظهم فلست بفضل ربك عليك بكاهن كما يقول المشركون ولا بمجنون، ولكن رسول الله. * * ثم قال: ﴿أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَّتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ ٱلْمَنُونِ﴾ أي: بل يقول المشركون في محمد ﷺ هو شاعر نتربص به حوادث الدهر تكفيناه بموت أو بحادثة متلفة. قال ابن عباس: إن قريشاً اجتمعوا في دار الندوة في أمر النبي ﷺ، فقال قائل منهم: احبسوه في وثاق ثم تربصوا به الموت حتى يهلك كما هلك قبله من الشعراء، إنما هو كأحدهم، فأنزل الله عز وجل: ﴿أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَّتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ ٱلْمَنُونِ﴾ والمنون: الموت، وهو واحد لا جمع له، قاله الأصمعي. وقال الأخفش: المنون: جمع لا واحد له. وقال الفراء: هو الواحد والجمع. والدهر يسمى بالمنون لأنه يذهب بمنة الحيوان، أي: بقوتها. وقال أبو عبيدة: قيل للدهر "منون" لأنه مضعف من قولهم "حبل منين" إذا كان بالياً ضعيفاً. * * ثم قال: ﴿قُلْ تَرَبَّصُواْ فَإِنِّي مَعَكُمْ مِّنَ ٱلْمُتَرَبِّصِينَ﴾ أي: قل لهم يا محمد انتظروا وتمهلوا في ريب المنون، فإني متربص معكم حتى يأتي أمر الله تعالى فيكم وفيّ. * * ثم قال: ﴿أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلاَمُهُمْ بِهَـٰذَآ﴾ أي: أم تأمرهم عقولهم وألبابهم بأن يقولوا لمن جاءهم بالحق شاعر ومجنون، بل هم قوم طاغون. وقيل: المعنى: أم تأمرهم عقولهم بأن يعبدوا الأصنام ويتركوا عبادة خالقهم ورازقهم بل هم قوم قد طغوا وبغوا فتجاوزوا أمر ربهم و "أَمْ" في هذا كله بمعنى "بل". * * ثم قال: ﴿فَلْيَأْتُواْ بِحَدِيثٍ مِّثْلِهِ إِن كَانُواْ صَادِقِينَ﴾ أي: فليأت قائلو ذلك من المشركين بقرآن مثله فيكونوا صادقين في قولهم أن محمداً تقَوَّلَهُ. * * ثم قال: ﴿أَمْ خُلِقُواْ مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ ٱلْخَالِقُونَ﴾ "أم" في موضع الألف، والتقدير: أخلق هؤلاء المشركون من غير آباء وأمهات، فهم كالجماد لا يعقلون ولا يفقهون لله حجة، ولا يتَّعظون بموعظة. وقيل المعنى: أخلقوا من غير صانع صنعهم ودبرهم، فهم لا يقبلون من أحد، أم هم الخالقون للأشياء، فلذلك لا يأتمرون لأمر الله سبحانه. وقيل المعنى: أم هم الخالقون لأنفسهم. وقيل معنى الآية: أم خلقوا لغير شيء؛ أي: أَخلقوا عبثاً لا يؤمرون ولا ينهون. * * ثم قال: ﴿أَمْ خَلَقُواْ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ بَل لاَّ يُوقِنُونَ﴾ أي: أفعلوا ذلك فيكونوا هم الخالقون. ومعناه لم يخلقوا ذلك [بل] لا يوقنون؛ أي: لا يعلمون ما يلزمهم. وقيل المعنى: لم يتركوا قبول أمر ربهم لأنهم خلقوا السماوات والأرض ولكنهم تركوه لأنهم لا يوقنون بوعيد الله سبحانه، وما أعد من العذاب لمن عصى أمره، فهم يكفرون ويعصون؛ لأنهم لا يوقنون بالعقاب والمجازات. * * ثم قال: ﴿أَمْ عِندَهُمْ خَزَآئِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ ٱلْمُصَيْطِرُونَ﴾ أي: أعندهم عطاء ربك فيستغنوا عنه، فيعرضوا عن أمره ونهيه أم هم المصيطرون. قال ابن عباس: المصيطرون: المسلطون، وعنه: المتولون. وقال أبو عبيدة: أم هم الأرباب، يقال: تسيطرت علي، أي: أتَّخذتني خولاً لَكَ. وقيل المعنى: أم هم الجبارون. * * ثم قال: ﴿أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُم بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ﴾ أي: ألهم سلم (يرتقون) فيه إلى السماء يستمعون الوحي فيكونوا قد سمعوا صواب ما هم عليه من الكفر فيستمسكوا به، فإن كانوا يدعون ذلك، فليأتِ من يزعم أنه استمع بحجة تبين أنها حق. ثم قال: ﴿أَمْ لَهُ ٱلْبَنَاتُ وَلَكُمُ ٱلْبَنُونَ﴾ أي: ألِربكم أيها المشركون البنات ولكم البنون كما تزعمون، هذه قسمة ضيزى. * * ثم قال: ﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْراً فَهُم مِّن مَّغْرَمٍ مُّثْقَلُونَ﴾ أي: أتسألهم يا محمد جعلاً على دعائك إياهم فتثقل عليهم إجابتك لذلك. قال قتادة: معناه هل سألت يا محمد هؤلاء القوم أجراً فجهدتهم فلا يستطيعون الإسلام. * * ثم قال: ﴿أَمْ عِندَهُمُ ٱلْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ﴾ أي: هم لا يعلمون الغيب فكيف يقولون لا نؤمن برسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق ويقولون شاعر نتربص به ريب المنون، فهم يكتبون؛ أي: يكتبون للناس ما أرادوا ويخبرونهم به. * * ثم قال: ﴿أَمْ يُرِيدُونَ كَيْداً﴾ أي: أراد هؤلاء المشركون بدين الله وبرسوله كيداً، أي: مكراً وخديعة. ﴿فَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ هُمُ ٱلْمَكِيدُونَ﴾ أي: هم الممكور بهم المهلكون دون محمد ودينه ومن آمن به. * * ثم قال: ﴿أَمْ لَهُمْ إِلَـٰهٌ غَيْرُ ٱللَّهِ سُبْحَانَ ٱللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ أي: ألهم معبود يرزقهم ويخلقهم وينفعهم ويضرهم غير الله، سبحان الله عما يشركون. * * ثم قال: ﴿وَإِن يَرَوْاْ كِسْفاً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ سَاقِطاً يَقُولُواْ سَحَابٌ مَّرْكُومٌ﴾ أي: وإن ير هؤلاء المشركون قطعاً من السماء ساقطاً يقولوا هذا سحاب بعضه فوق بعض وهذا إنما عني به قول المشركين للنبي ﷺ: لن نؤمن لك حتى تفعل كذا وكذا وتسقط السماء كما زعمت علينا كسفاً، فقال جل ذكره لنبيه عليه السلام وإن ير هؤلاء المشركون (ما سألوا من الآيات) لم ينتقلوا عمّا هم عليه من التكذيب، ولقالوا: إنما هو سحاب مركوم؛ أي: سحاب بعضه فوق بعض. * * ثم قال: ﴿فَذَرْهُمْ حَتَّىٰ يُلَـٰقُواْ يَوْمَهُمُ ٱلَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ﴾ أي: فدع يا محمد هؤلاء الكفار حتى يلاقوا يوم موتهم، والصعق: الموت وذلك عند النفخة الأولى. ﴿يَوْمَ لاَ يُغْنِي عَنْهُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً﴾ أي: لا يغني عنهم مكرهم شيئاً، ولا ناصر لهم من عذاب الله عز وجل. * * ثم قال: ﴿وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ عَذَاباً دُونَ ذَلِكَ﴾ قال ابن عباس وغيره: هو عذاب القبر. وقال مجاهد: هو الجوع. وقال ابن زيد: هو مصائب الدنيا للمؤمن أجرٌ وللكافر تعجيل عذاب. فالمعنى: لهؤلاء المشركين عذاب آخر (قبل يوم القيامة) وهو ما ذكرنا فلا يستعجلون به. ﴿وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ ذلك أي: لا يؤمنون به فيعلمون أنه حال بهم. قال ابن الماجشون: سمعت محمد بن المنكدر يقول: بلغني أن الله تبارك وتعالى يسلط على الكافر في قبره دابة عمياء في يدها سوط من حديد في رأسه جمرة مثل غرب الجمل يضربه إلى يوم القيامة لا تراه ولا تسمع صوته فترحمه. ومعنى غرب الجمل: هو الدلو الذي يسقى به الجمل. * * ثم قال: ﴿وَٱصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ أي: امض يا محمد لأمر ربك وتبليغ ما أرسلت به فإنك بمرأى منا [ونحن نحوطك] ونحفظك. ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ﴾ أي: حين تقوم من نومك قال: سبحان الله وبحمده، قاله سفيان. وقيل المعنى: (إذا قمت إلى الصلاة) المفروضة فقل سبحان الله وبحمده. وقيل: تقول سبحانك اللهم وبحمدك. وقيل التسبيح هنا تكبيرة الإحرام. * * ثم قال: ﴿وَمِنَ ٱللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ ٱلنُّجُومِ﴾ يريد به صلاة العشاء الآخرة، وركعتا الفجر. وعن ابن عباس أنه التسبيح في أدبار الصلوات، وأكثرهم على أن ﴿وَإِدْبَارَ ٱلنُّجُومِ﴾: وركعتا الفجر. وعن النبي ﷺ أنه قال: "هما خير من الدنيا جميعاً وقال الضحاك وابن زيد ﴿وَإِدْبَارَ ٱلنُّجُومِ﴾: صلاة الصبح بعينها وهو اختيار الطبري.

الطور 52:47

قوله: ﴿وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمَانٌ لَّهُمْ﴾ إلى آخر السورة الآيات. أي: يطوف على هؤلاء الذين تقدمت صفتهم غلمان لهم كأنهم اللؤلؤ المكنون في بياضه وصفائه. والمكنون: المصون، أي: يطوفون عليهم في الجنة بكؤوس الشراب الذي تقدمت صفته. قال قتادة: ذكر لنا أن رجلاً قال: يا نبي الله هذا الخادم فكيف المخدوم؟ فقال: والذي نفسي بيده إن فضل الخدوم على الخادم كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب ثم قال: ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ يَتَسَآءَلُونَ﴾ أي: أقبل بعض المؤمنين يسأل عن حال بعض. قال ابن عباس: يتساءلون حين بعثوا في النفخة الثانية. قيل: إنهم يقول بعضهم لبعض ما صيرك إلى هذه المنزلة الرفيعة. * * ثم قال: ﴿قَالُوۤاْ إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِيۤ أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ﴾ أي: قال بعضهم لبعض: إنا كنا من قبل في الدنيا مشفقين خائفين من عذاب الله عز وجل فمنَّ الله علينا بفضله، فغفر الصغائر وترك المحاسبة على النعم المستغرقة للأعمال. قال النبي ﷺ: "لا يدخل أحد الجنة بعمله" قيل: ولا أنت يا رسول الله، قال: "ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته" ثم قال: ﴿وَوَقَانَا عَذَابَ ٱلسَّمُومِ﴾ أي: (عذاب النار) وأدخلنا الجنة. وقيل معناه إذا أمر الكفار بالانطلاق إلى ظل ذي ثلاث شعب من دخان النار أمر بالمؤمنين إلى ظل من ظل الله، فتقف كل طائفة في الظل الذي أمرت به إليه حتى يفرغ من الحساب، فعند ذلك يقول المؤمنون: ﴿فَمَنَّ ٱللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ ٱلسَّمُومِ﴾ وهو الظل ذو ثلاث شعب. * * ثم قال: ﴿إِنَّا كُنَّا مِن قَبْلُ نَدْعُوهُ﴾ هذا كله قول المؤمنين، أي: كنا في الدنيا نعبده، ونخلص العمل له ﴿إِنَّهُ هُوَ ٱلْبَرُّ﴾ أي: اللطيف بعباده، الرحيم بخلقه أن يعذبهم بعد توبتهم. * * ثم قال: ﴿فَذَكِّرْ فَمَآ أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلاَ مَجْنُونٍ﴾ أي: فذكر يا محمد من أرسلناك إليهم من قومك وعظهم فلست بفضل ربك عليك بكاهن كما يقول المشركون ولا بمجنون، ولكن رسول الله. * * ثم قال: ﴿أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَّتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ ٱلْمَنُونِ﴾ أي: بل يقول المشركون في محمد ﷺ هو شاعر نتربص به حوادث الدهر تكفيناه بموت أو بحادثة متلفة. قال ابن عباس: إن قريشاً اجتمعوا في دار الندوة في أمر النبي ﷺ، فقال قائل منهم: احبسوه في وثاق ثم تربصوا به الموت حتى يهلك كما هلك قبله من الشعراء، إنما هو كأحدهم، فأنزل الله عز وجل: ﴿أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَّتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ ٱلْمَنُونِ﴾ والمنون: الموت، وهو واحد لا جمع له، قاله الأصمعي. وقال الأخفش: المنون: جمع لا واحد له. وقال الفراء: هو الواحد والجمع. والدهر يسمى بالمنون لأنه يذهب بمنة الحيوان، أي: بقوتها. وقال أبو عبيدة: قيل للدهر "منون" لأنه مضعف من قولهم "حبل منين" إذا كان بالياً ضعيفاً. * * ثم قال: ﴿قُلْ تَرَبَّصُواْ فَإِنِّي مَعَكُمْ مِّنَ ٱلْمُتَرَبِّصِينَ﴾ أي: قل لهم يا محمد انتظروا وتمهلوا في ريب المنون، فإني متربص معكم حتى يأتي أمر الله تعالى فيكم وفيّ. * * ثم قال: ﴿أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلاَمُهُمْ بِهَـٰذَآ﴾ أي: أم تأمرهم عقولهم وألبابهم بأن يقولوا لمن جاءهم بالحق شاعر ومجنون، بل هم قوم طاغون. وقيل: المعنى: أم تأمرهم عقولهم بأن يعبدوا الأصنام ويتركوا عبادة خالقهم ورازقهم بل هم قوم قد طغوا وبغوا فتجاوزوا أمر ربهم و "أَمْ" في هذا كله بمعنى "بل". * * ثم قال: ﴿فَلْيَأْتُواْ بِحَدِيثٍ مِّثْلِهِ إِن كَانُواْ صَادِقِينَ﴾ أي: فليأت قائلو ذلك من المشركين بقرآن مثله فيكونوا صادقين في قولهم أن محمداً تقَوَّلَهُ. * * ثم قال: ﴿أَمْ خُلِقُواْ مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ ٱلْخَالِقُونَ﴾ "أم" في موضع الألف، والتقدير: أخلق هؤلاء المشركون من غير آباء وأمهات، فهم كالجماد لا يعقلون ولا يفقهون لله حجة، ولا يتَّعظون بموعظة. وقيل المعنى: أخلقوا من غير صانع صنعهم ودبرهم، فهم لا يقبلون من أحد، أم هم الخالقون للأشياء، فلذلك لا يأتمرون لأمر الله سبحانه. وقيل المعنى: أم هم الخالقون لأنفسهم. وقيل معنى الآية: أم خلقوا لغير شيء؛ أي: أَخلقوا عبثاً لا يؤمرون ولا ينهون. * * ثم قال: ﴿أَمْ خَلَقُواْ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ بَل لاَّ يُوقِنُونَ﴾ أي: أفعلوا ذلك فيكونوا هم الخالقون. ومعناه لم يخلقوا ذلك [بل] لا يوقنون؛ أي: لا يعلمون ما يلزمهم. وقيل المعنى: لم يتركوا قبول أمر ربهم لأنهم خلقوا السماوات والأرض ولكنهم تركوه لأنهم لا يوقنون بوعيد الله سبحانه، وما أعد من العذاب لمن عصى أمره، فهم يكفرون ويعصون؛ لأنهم لا يوقنون بالعقاب والمجازات. * * ثم قال: ﴿أَمْ عِندَهُمْ خَزَآئِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ ٱلْمُصَيْطِرُونَ﴾ أي: أعندهم عطاء ربك فيستغنوا عنه، فيعرضوا عن أمره ونهيه أم هم المصيطرون. قال ابن عباس: المصيطرون: المسلطون، وعنه: المتولون. وقال أبو عبيدة: أم هم الأرباب، يقال: تسيطرت علي، أي: أتَّخذتني خولاً لَكَ. وقيل المعنى: أم هم الجبارون. * * ثم قال: ﴿أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُم بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ﴾ أي: ألهم سلم (يرتقون) فيه إلى السماء يستمعون الوحي فيكونوا قد سمعوا صواب ما هم عليه من الكفر فيستمسكوا به، فإن كانوا يدعون ذلك، فليأتِ من يزعم أنه استمع بحجة تبين أنها حق. ثم قال: ﴿أَمْ لَهُ ٱلْبَنَاتُ وَلَكُمُ ٱلْبَنُونَ﴾ أي: ألِربكم أيها المشركون البنات ولكم البنون كما تزعمون، هذه قسمة ضيزى. * * ثم قال: ﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْراً فَهُم مِّن مَّغْرَمٍ مُّثْقَلُونَ﴾ أي: أتسألهم يا محمد جعلاً على دعائك إياهم فتثقل عليهم إجابتك لذلك. قال قتادة: معناه هل سألت يا محمد هؤلاء القوم أجراً فجهدتهم فلا يستطيعون الإسلام. * * ثم قال: ﴿أَمْ عِندَهُمُ ٱلْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ﴾ أي: هم لا يعلمون الغيب فكيف يقولون لا نؤمن برسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق ويقولون شاعر نتربص به ريب المنون، فهم يكتبون؛ أي: يكتبون للناس ما أرادوا ويخبرونهم به. * * ثم قال: ﴿أَمْ يُرِيدُونَ كَيْداً﴾ أي: أراد هؤلاء المشركون بدين الله وبرسوله كيداً، أي: مكراً وخديعة. ﴿فَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ هُمُ ٱلْمَكِيدُونَ﴾ أي: هم الممكور بهم المهلكون دون محمد ودينه ومن آمن به. * * ثم قال: ﴿أَمْ لَهُمْ إِلَـٰهٌ غَيْرُ ٱللَّهِ سُبْحَانَ ٱللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ أي: ألهم معبود يرزقهم ويخلقهم وينفعهم ويضرهم غير الله، سبحان الله عما يشركون. * * ثم قال: ﴿وَإِن يَرَوْاْ كِسْفاً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ سَاقِطاً يَقُولُواْ سَحَابٌ مَّرْكُومٌ﴾ أي: وإن ير هؤلاء المشركون قطعاً من السماء ساقطاً يقولوا هذا سحاب بعضه فوق بعض وهذا إنما عني به قول المشركين للنبي ﷺ: لن نؤمن لك حتى تفعل كذا وكذا وتسقط السماء كما زعمت علينا كسفاً، فقال جل ذكره لنبيه عليه السلام وإن ير هؤلاء المشركون (ما سألوا من الآيات) لم ينتقلوا عمّا هم عليه من التكذيب، ولقالوا: إنما هو سحاب مركوم؛ أي: سحاب بعضه فوق بعض. * * ثم قال: ﴿فَذَرْهُمْ حَتَّىٰ يُلَـٰقُواْ يَوْمَهُمُ ٱلَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ﴾ أي: فدع يا محمد هؤلاء الكفار حتى يلاقوا يوم موتهم، والصعق: الموت وذلك عند النفخة الأولى. ﴿يَوْمَ لاَ يُغْنِي عَنْهُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً﴾ أي: لا يغني عنهم مكرهم شيئاً، ولا ناصر لهم من عذاب الله عز وجل. * * ثم قال: ﴿وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ عَذَاباً دُونَ ذَلِكَ﴾ قال ابن عباس وغيره: هو عذاب القبر. وقال مجاهد: هو الجوع. وقال ابن زيد: هو مصائب الدنيا للمؤمن أجرٌ وللكافر تعجيل عذاب. فالمعنى: لهؤلاء المشركين عذاب آخر (قبل يوم القيامة) وهو ما ذكرنا فلا يستعجلون به. ﴿وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ ذلك أي: لا يؤمنون به فيعلمون أنه حال بهم. قال ابن الماجشون: سمعت محمد بن المنكدر يقول: بلغني أن الله تبارك وتعالى يسلط على الكافر في قبره دابة عمياء في يدها سوط من حديد في رأسه جمرة مثل غرب الجمل يضربه إلى يوم القيامة لا تراه ولا تسمع صوته فترحمه. ومعنى غرب الجمل: هو الدلو الذي يسقى به الجمل. * * ثم قال: ﴿وَٱصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ أي: امض يا محمد لأمر ربك وتبليغ ما أرسلت به فإنك بمرأى منا [ونحن نحوطك] ونحفظك. ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ﴾ أي: حين تقوم من نومك قال: سبحان الله وبحمده، قاله سفيان. وقيل المعنى: (إذا قمت إلى الصلاة) المفروضة فقل سبحان الله وبحمده. وقيل: تقول سبحانك اللهم وبحمدك. وقيل التسبيح هنا تكبيرة الإحرام. * * ثم قال: ﴿وَمِنَ ٱللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ ٱلنُّجُومِ﴾ يريد به صلاة العشاء الآخرة، وركعتا الفجر. وعن ابن عباس أنه التسبيح في أدبار الصلوات، وأكثرهم على أن ﴿وَإِدْبَارَ ٱلنُّجُومِ﴾: وركعتا الفجر. وعن النبي ﷺ أنه قال: "هما خير من الدنيا جميعاً وقال الضحاك وابن زيد ﴿وَإِدْبَارَ ٱلنُّجُومِ﴾: صلاة الصبح بعينها وهو اختيار الطبري.

الطور 52:48

قوله: ﴿وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمَانٌ لَّهُمْ﴾ إلى آخر السورة الآيات. أي: يطوف على هؤلاء الذين تقدمت صفتهم غلمان لهم كأنهم اللؤلؤ المكنون في بياضه وصفائه. والمكنون: المصون، أي: يطوفون عليهم في الجنة بكؤوس الشراب الذي تقدمت صفته. قال قتادة: ذكر لنا أن رجلاً قال: يا نبي الله هذا الخادم فكيف المخدوم؟ فقال: والذي نفسي بيده إن فضل الخدوم على الخادم كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب ثم قال: ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ يَتَسَآءَلُونَ﴾ أي: أقبل بعض المؤمنين يسأل عن حال بعض. قال ابن عباس: يتساءلون حين بعثوا في النفخة الثانية. قيل: إنهم يقول بعضهم لبعض ما صيرك إلى هذه المنزلة الرفيعة. * * ثم قال: ﴿قَالُوۤاْ إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِيۤ أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ﴾ أي: قال بعضهم لبعض: إنا كنا من قبل في الدنيا مشفقين خائفين من عذاب الله عز وجل فمنَّ الله علينا بفضله، فغفر الصغائر وترك المحاسبة على النعم المستغرقة للأعمال. قال النبي ﷺ: "لا يدخل أحد الجنة بعمله" قيل: ولا أنت يا رسول الله، قال: "ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته" ثم قال: ﴿وَوَقَانَا عَذَابَ ٱلسَّمُومِ﴾ أي: (عذاب النار) وأدخلنا الجنة. وقيل معناه إذا أمر الكفار بالانطلاق إلى ظل ذي ثلاث شعب من دخان النار أمر بالمؤمنين إلى ظل من ظل الله، فتقف كل طائفة في الظل الذي أمرت به إليه حتى يفرغ من الحساب، فعند ذلك يقول المؤمنون: ﴿فَمَنَّ ٱللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ ٱلسَّمُومِ﴾ وهو الظل ذو ثلاث شعب. * * ثم قال: ﴿إِنَّا كُنَّا مِن قَبْلُ نَدْعُوهُ﴾ هذا كله قول المؤمنين، أي: كنا في الدنيا نعبده، ونخلص العمل له ﴿إِنَّهُ هُوَ ٱلْبَرُّ﴾ أي: اللطيف بعباده، الرحيم بخلقه أن يعذبهم بعد توبتهم. * * ثم قال: ﴿فَذَكِّرْ فَمَآ أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلاَ مَجْنُونٍ﴾ أي: فذكر يا محمد من أرسلناك إليهم من قومك وعظهم فلست بفضل ربك عليك بكاهن كما يقول المشركون ولا بمجنون، ولكن رسول الله. * * ثم قال: ﴿أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَّتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ ٱلْمَنُونِ﴾ أي: بل يقول المشركون في محمد ﷺ هو شاعر نتربص به حوادث الدهر تكفيناه بموت أو بحادثة متلفة. قال ابن عباس: إن قريشاً اجتمعوا في دار الندوة في أمر النبي ﷺ، فقال قائل منهم: احبسوه في وثاق ثم تربصوا به الموت حتى يهلك كما هلك قبله من الشعراء، إنما هو كأحدهم، فأنزل الله عز وجل: ﴿أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَّتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ ٱلْمَنُونِ﴾ والمنون: الموت، وهو واحد لا جمع له، قاله الأصمعي. وقال الأخفش: المنون: جمع لا واحد له. وقال الفراء: هو الواحد والجمع. والدهر يسمى بالمنون لأنه يذهب بمنة الحيوان، أي: بقوتها. وقال أبو عبيدة: قيل للدهر "منون" لأنه مضعف من قولهم "حبل منين" إذا كان بالياً ضعيفاً. * * ثم قال: ﴿قُلْ تَرَبَّصُواْ فَإِنِّي مَعَكُمْ مِّنَ ٱلْمُتَرَبِّصِينَ﴾ أي: قل لهم يا محمد انتظروا وتمهلوا في ريب المنون، فإني متربص معكم حتى يأتي أمر الله تعالى فيكم وفيّ. * * ثم قال: ﴿أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلاَمُهُمْ بِهَـٰذَآ﴾ أي: أم تأمرهم عقولهم وألبابهم بأن يقولوا لمن جاءهم بالحق شاعر ومجنون، بل هم قوم طاغون. وقيل: المعنى: أم تأمرهم عقولهم بأن يعبدوا الأصنام ويتركوا عبادة خالقهم ورازقهم بل هم قوم قد طغوا وبغوا فتجاوزوا أمر ربهم و "أَمْ" في هذا كله بمعنى "بل". * * ثم قال: ﴿فَلْيَأْتُواْ بِحَدِيثٍ مِّثْلِهِ إِن كَانُواْ صَادِقِينَ﴾ أي: فليأت قائلو ذلك من المشركين بقرآن مثله فيكونوا صادقين في قولهم أن محمداً تقَوَّلَهُ. * * ثم قال: ﴿أَمْ خُلِقُواْ مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ ٱلْخَالِقُونَ﴾ "أم" في موضع الألف، والتقدير: أخلق هؤلاء المشركون من غير آباء وأمهات، فهم كالجماد لا يعقلون ولا يفقهون لله حجة، ولا يتَّعظون بموعظة. وقيل المعنى: أخلقوا من غير صانع صنعهم ودبرهم، فهم لا يقبلون من أحد، أم هم الخالقون للأشياء، فلذلك لا يأتمرون لأمر الله سبحانه. وقيل المعنى: أم هم الخالقون لأنفسهم. وقيل معنى الآية: أم خلقوا لغير شيء؛ أي: أَخلقوا عبثاً لا يؤمرون ولا ينهون. * * ثم قال: ﴿أَمْ خَلَقُواْ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ بَل لاَّ يُوقِنُونَ﴾ أي: أفعلوا ذلك فيكونوا هم الخالقون. ومعناه لم يخلقوا ذلك [بل] لا يوقنون؛ أي: لا يعلمون ما يلزمهم. وقيل المعنى: لم يتركوا قبول أمر ربهم لأنهم خلقوا السماوات والأرض ولكنهم تركوه لأنهم لا يوقنون بوعيد الله سبحانه، وما أعد من العذاب لمن عصى أمره، فهم يكفرون ويعصون؛ لأنهم لا يوقنون بالعقاب والمجازات. * * ثم قال: ﴿أَمْ عِندَهُمْ خَزَآئِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ ٱلْمُصَيْطِرُونَ﴾ أي: أعندهم عطاء ربك فيستغنوا عنه، فيعرضوا عن أمره ونهيه أم هم المصيطرون. قال ابن عباس: المصيطرون: المسلطون، وعنه: المتولون. وقال أبو عبيدة: أم هم الأرباب، يقال: تسيطرت علي، أي: أتَّخذتني خولاً لَكَ. وقيل المعنى: أم هم الجبارون. * * ثم قال: ﴿أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُم بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ﴾ أي: ألهم سلم (يرتقون) فيه إلى السماء يستمعون الوحي فيكونوا قد سمعوا صواب ما هم عليه من الكفر فيستمسكوا به، فإن كانوا يدعون ذلك، فليأتِ من يزعم أنه استمع بحجة تبين أنها حق. ثم قال: ﴿أَمْ لَهُ ٱلْبَنَاتُ وَلَكُمُ ٱلْبَنُونَ﴾ أي: ألِربكم أيها المشركون البنات ولكم البنون كما تزعمون، هذه قسمة ضيزى. * * ثم قال: ﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْراً فَهُم مِّن مَّغْرَمٍ مُّثْقَلُونَ﴾ أي: أتسألهم يا محمد جعلاً على دعائك إياهم فتثقل عليهم إجابتك لذلك. قال قتادة: معناه هل سألت يا محمد هؤلاء القوم أجراً فجهدتهم فلا يستطيعون الإسلام. * * ثم قال: ﴿أَمْ عِندَهُمُ ٱلْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ﴾ أي: هم لا يعلمون الغيب فكيف يقولون لا نؤمن برسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق ويقولون شاعر نتربص به ريب المنون، فهم يكتبون؛ أي: يكتبون للناس ما أرادوا ويخبرونهم به. * * ثم قال: ﴿أَمْ يُرِيدُونَ كَيْداً﴾ أي: أراد هؤلاء المشركون بدين الله وبرسوله كيداً، أي: مكراً وخديعة. ﴿فَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ هُمُ ٱلْمَكِيدُونَ﴾ أي: هم الممكور بهم المهلكون دون محمد ودينه ومن آمن به. * * ثم قال: ﴿أَمْ لَهُمْ إِلَـٰهٌ غَيْرُ ٱللَّهِ سُبْحَانَ ٱللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ أي: ألهم معبود يرزقهم ويخلقهم وينفعهم ويضرهم غير الله، سبحان الله عما يشركون. * * ثم قال: ﴿وَإِن يَرَوْاْ كِسْفاً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ سَاقِطاً يَقُولُواْ سَحَابٌ مَّرْكُومٌ﴾ أي: وإن ير هؤلاء المشركون قطعاً من السماء ساقطاً يقولوا هذا سحاب بعضه فوق بعض وهذا إنما عني به قول المشركين للنبي ﷺ: لن نؤمن لك حتى تفعل كذا وكذا وتسقط السماء كما زعمت علينا كسفاً، فقال جل ذكره لنبيه عليه السلام وإن ير هؤلاء المشركون (ما سألوا من الآيات) لم ينتقلوا عمّا هم عليه من التكذيب، ولقالوا: إنما هو سحاب مركوم؛ أي: سحاب بعضه فوق بعض. * * ثم قال: ﴿فَذَرْهُمْ حَتَّىٰ يُلَـٰقُواْ يَوْمَهُمُ ٱلَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ﴾ أي: فدع يا محمد هؤلاء الكفار حتى يلاقوا يوم موتهم، والصعق: الموت وذلك عند النفخة الأولى. ﴿يَوْمَ لاَ يُغْنِي عَنْهُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً﴾ أي: لا يغني عنهم مكرهم شيئاً، ولا ناصر لهم من عذاب الله عز وجل. * * ثم قال: ﴿وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ عَذَاباً دُونَ ذَلِكَ﴾ قال ابن عباس وغيره: هو عذاب القبر. وقال مجاهد: هو الجوع. وقال ابن زيد: هو مصائب الدنيا للمؤمن أجرٌ وللكافر تعجيل عذاب. فالمعنى: لهؤلاء المشركين عذاب آخر (قبل يوم القيامة) وهو ما ذكرنا فلا يستعجلون به. ﴿وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ ذلك أي: لا يؤمنون به فيعلمون أنه حال بهم. قال ابن الماجشون: سمعت محمد بن المنكدر يقول: بلغني أن الله تبارك وتعالى يسلط على الكافر في قبره دابة عمياء في يدها سوط من حديد في رأسه جمرة مثل غرب الجمل يضربه إلى يوم القيامة لا تراه ولا تسمع صوته فترحمه. ومعنى غرب الجمل: هو الدلو الذي يسقى به الجمل. * * ثم قال: ﴿وَٱصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ أي: امض يا محمد لأمر ربك وتبليغ ما أرسلت به فإنك بمرأى منا [ونحن نحوطك] ونحفظك. ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ﴾ أي: حين تقوم من نومك قال: سبحان الله وبحمده، قاله سفيان. وقيل المعنى: (إذا قمت إلى الصلاة) المفروضة فقل سبحان الله وبحمده. وقيل: تقول سبحانك اللهم وبحمدك. وقيل التسبيح هنا تكبيرة الإحرام. * * ثم قال: ﴿وَمِنَ ٱللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ ٱلنُّجُومِ﴾ يريد به صلاة العشاء الآخرة، وركعتا الفجر. وعن ابن عباس أنه التسبيح في أدبار الصلوات، وأكثرهم على أن ﴿وَإِدْبَارَ ٱلنُّجُومِ﴾: وركعتا الفجر. وعن النبي ﷺ أنه قال: "هما خير من الدنيا جميعاً وقال الضحاك وابن زيد ﴿وَإِدْبَارَ ٱلنُّجُومِ﴾: صلاة الصبح بعينها وهو اختيار الطبري.

الطور 52:49

قوله: ﴿وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمَانٌ لَّهُمْ﴾ إلى آخر السورة الآيات. أي: يطوف على هؤلاء الذين تقدمت صفتهم غلمان لهم كأنهم اللؤلؤ المكنون في بياضه وصفائه. والمكنون: المصون، أي: يطوفون عليهم في الجنة بكؤوس الشراب الذي تقدمت صفته. قال قتادة: ذكر لنا أن رجلاً قال: يا نبي الله هذا الخادم فكيف المخدوم؟ فقال: والذي نفسي بيده إن فضل الخدوم على الخادم كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب ثم قال: ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ يَتَسَآءَلُونَ﴾ أي: أقبل بعض المؤمنين يسأل عن حال بعض. قال ابن عباس: يتساءلون حين بعثوا في النفخة الثانية. قيل: إنهم يقول بعضهم لبعض ما صيرك إلى هذه المنزلة الرفيعة. * * ثم قال: ﴿قَالُوۤاْ إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِيۤ أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ﴾ أي: قال بعضهم لبعض: إنا كنا من قبل في الدنيا مشفقين خائفين من عذاب الله عز وجل فمنَّ الله علينا بفضله، فغفر الصغائر وترك المحاسبة على النعم المستغرقة للأعمال. قال النبي ﷺ: "لا يدخل أحد الجنة بعمله" قيل: ولا أنت يا رسول الله، قال: "ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته" ثم قال: ﴿وَوَقَانَا عَذَابَ ٱلسَّمُومِ﴾ أي: (عذاب النار) وأدخلنا الجنة. وقيل معناه إذا أمر الكفار بالانطلاق إلى ظل ذي ثلاث شعب من دخان النار أمر بالمؤمنين إلى ظل من ظل الله، فتقف كل طائفة في الظل الذي أمرت به إليه حتى يفرغ من الحساب، فعند ذلك يقول المؤمنون: ﴿فَمَنَّ ٱللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ ٱلسَّمُومِ﴾ وهو الظل ذو ثلاث شعب. * * ثم قال: ﴿إِنَّا كُنَّا مِن قَبْلُ نَدْعُوهُ﴾ هذا كله قول المؤمنين، أي: كنا في الدنيا نعبده، ونخلص العمل له ﴿إِنَّهُ هُوَ ٱلْبَرُّ﴾ أي: اللطيف بعباده، الرحيم بخلقه أن يعذبهم بعد توبتهم. * * ثم قال: ﴿فَذَكِّرْ فَمَآ أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلاَ مَجْنُونٍ﴾ أي: فذكر يا محمد من أرسلناك إليهم من قومك وعظهم فلست بفضل ربك عليك بكاهن كما يقول المشركون ولا بمجنون، ولكن رسول الله. * * ثم قال: ﴿أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَّتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ ٱلْمَنُونِ﴾ أي: بل يقول المشركون في محمد ﷺ هو شاعر نتربص به حوادث الدهر تكفيناه بموت أو بحادثة متلفة. قال ابن عباس: إن قريشاً اجتمعوا في دار الندوة في أمر النبي ﷺ، فقال قائل منهم: احبسوه في وثاق ثم تربصوا به الموت حتى يهلك كما هلك قبله من الشعراء، إنما هو كأحدهم، فأنزل الله عز وجل: ﴿أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَّتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ ٱلْمَنُونِ﴾ والمنون: الموت، وهو واحد لا جمع له، قاله الأصمعي. وقال الأخفش: المنون: جمع لا واحد له. وقال الفراء: هو الواحد والجمع. والدهر يسمى بالمنون لأنه يذهب بمنة الحيوان، أي: بقوتها. وقال أبو عبيدة: قيل للدهر "منون" لأنه مضعف من قولهم "حبل منين" إذا كان بالياً ضعيفاً. * * ثم قال: ﴿قُلْ تَرَبَّصُواْ فَإِنِّي مَعَكُمْ مِّنَ ٱلْمُتَرَبِّصِينَ﴾ أي: قل لهم يا محمد انتظروا وتمهلوا في ريب المنون، فإني متربص معكم حتى يأتي أمر الله تعالى فيكم وفيّ. * * ثم قال: ﴿أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلاَمُهُمْ بِهَـٰذَآ﴾ أي: أم تأمرهم عقولهم وألبابهم بأن يقولوا لمن جاءهم بالحق شاعر ومجنون، بل هم قوم طاغون. وقيل: المعنى: أم تأمرهم عقولهم بأن يعبدوا الأصنام ويتركوا عبادة خالقهم ورازقهم بل هم قوم قد طغوا وبغوا فتجاوزوا أمر ربهم و "أَمْ" في هذا كله بمعنى "بل". * * ثم قال: ﴿فَلْيَأْتُواْ بِحَدِيثٍ مِّثْلِهِ إِن كَانُواْ صَادِقِينَ﴾ أي: فليأت قائلو ذلك من المشركين بقرآن مثله فيكونوا صادقين في قولهم أن محمداً تقَوَّلَهُ. * * ثم قال: ﴿أَمْ خُلِقُواْ مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ ٱلْخَالِقُونَ﴾ "أم" في موضع الألف، والتقدير: أخلق هؤلاء المشركون من غير آباء وأمهات، فهم كالجماد لا يعقلون ولا يفقهون لله حجة، ولا يتَّعظون بموعظة. وقيل المعنى: أخلقوا من غير صانع صنعهم ودبرهم، فهم لا يقبلون من أحد، أم هم الخالقون للأشياء، فلذلك لا يأتمرون لأمر الله سبحانه. وقيل المعنى: أم هم الخالقون لأنفسهم. وقيل معنى الآية: أم خلقوا لغير شيء؛ أي: أَخلقوا عبثاً لا يؤمرون ولا ينهون. * * ثم قال: ﴿أَمْ خَلَقُواْ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ بَل لاَّ يُوقِنُونَ﴾ أي: أفعلوا ذلك فيكونوا هم الخالقون. ومعناه لم يخلقوا ذلك [بل] لا يوقنون؛ أي: لا يعلمون ما يلزمهم. وقيل المعنى: لم يتركوا قبول أمر ربهم لأنهم خلقوا السماوات والأرض ولكنهم تركوه لأنهم لا يوقنون بوعيد الله سبحانه، وما أعد من العذاب لمن عصى أمره، فهم يكفرون ويعصون؛ لأنهم لا يوقنون بالعقاب والمجازات. * * ثم قال: ﴿أَمْ عِندَهُمْ خَزَآئِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ ٱلْمُصَيْطِرُونَ﴾ أي: أعندهم عطاء ربك فيستغنوا عنه، فيعرضوا عن أمره ونهيه أم هم المصيطرون. قال ابن عباس: المصيطرون: المسلطون، وعنه: المتولون. وقال أبو عبيدة: أم هم الأرباب، يقال: تسيطرت علي، أي: أتَّخذتني خولاً لَكَ. وقيل المعنى: أم هم الجبارون. * * ثم قال: ﴿أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُم بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ﴾ أي: ألهم سلم (يرتقون) فيه إلى السماء يستمعون الوحي فيكونوا قد سمعوا صواب ما هم عليه من الكفر فيستمسكوا به، فإن كانوا يدعون ذلك، فليأتِ من يزعم أنه استمع بحجة تبين أنها حق. ثم قال: ﴿أَمْ لَهُ ٱلْبَنَاتُ وَلَكُمُ ٱلْبَنُونَ﴾ أي: ألِربكم أيها المشركون البنات ولكم البنون كما تزعمون، هذه قسمة ضيزى. * * ثم قال: ﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْراً فَهُم مِّن مَّغْرَمٍ مُّثْقَلُونَ﴾ أي: أتسألهم يا محمد جعلاً على دعائك إياهم فتثقل عليهم إجابتك لذلك. قال قتادة: معناه هل سألت يا محمد هؤلاء القوم أجراً فجهدتهم فلا يستطيعون الإسلام. * * ثم قال: ﴿أَمْ عِندَهُمُ ٱلْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ﴾ أي: هم لا يعلمون الغيب فكيف يقولون لا نؤمن برسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق ويقولون شاعر نتربص به ريب المنون، فهم يكتبون؛ أي: يكتبون للناس ما أرادوا ويخبرونهم به. * * ثم قال: ﴿أَمْ يُرِيدُونَ كَيْداً﴾ أي: أراد هؤلاء المشركون بدين الله وبرسوله كيداً، أي: مكراً وخديعة. ﴿فَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ هُمُ ٱلْمَكِيدُونَ﴾ أي: هم الممكور بهم المهلكون دون محمد ودينه ومن آمن به. * * ثم قال: ﴿أَمْ لَهُمْ إِلَـٰهٌ غَيْرُ ٱللَّهِ سُبْحَانَ ٱللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ أي: ألهم معبود يرزقهم ويخلقهم وينفعهم ويضرهم غير الله، سبحان الله عما يشركون. * * ثم قال: ﴿وَإِن يَرَوْاْ كِسْفاً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ سَاقِطاً يَقُولُواْ سَحَابٌ مَّرْكُومٌ﴾ أي: وإن ير هؤلاء المشركون قطعاً من السماء ساقطاً يقولوا هذا سحاب بعضه فوق بعض وهذا إنما عني به قول المشركين للنبي ﷺ: لن نؤمن لك حتى تفعل كذا وكذا وتسقط السماء كما زعمت علينا كسفاً، فقال جل ذكره لنبيه عليه السلام وإن ير هؤلاء المشركون (ما سألوا من الآيات) لم ينتقلوا عمّا هم عليه من التكذيب، ولقالوا: إنما هو سحاب مركوم؛ أي: سحاب بعضه فوق بعض. * * ثم قال: ﴿فَذَرْهُمْ حَتَّىٰ يُلَـٰقُواْ يَوْمَهُمُ ٱلَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ﴾ أي: فدع يا محمد هؤلاء الكفار حتى يلاقوا يوم موتهم، والصعق: الموت وذلك عند النفخة الأولى. ﴿يَوْمَ لاَ يُغْنِي عَنْهُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً﴾ أي: لا يغني عنهم مكرهم شيئاً، ولا ناصر لهم من عذاب الله عز وجل. * * ثم قال: ﴿وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ عَذَاباً دُونَ ذَلِكَ﴾ قال ابن عباس وغيره: هو عذاب القبر. وقال مجاهد: هو الجوع. وقال ابن زيد: هو مصائب الدنيا للمؤمن أجرٌ وللكافر تعجيل عذاب. فالمعنى: لهؤلاء المشركين عذاب آخر (قبل يوم القيامة) وهو ما ذكرنا فلا يستعجلون به. ﴿وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ ذلك أي: لا يؤمنون به فيعلمون أنه حال بهم. قال ابن الماجشون: سمعت محمد بن المنكدر يقول: بلغني أن الله تبارك وتعالى يسلط على الكافر في قبره دابة عمياء في يدها سوط من حديد في رأسه جمرة مثل غرب الجمل يضربه إلى يوم القيامة لا تراه ولا تسمع صوته فترحمه. ومعنى غرب الجمل: هو الدلو الذي يسقى به الجمل. * * ثم قال: ﴿وَٱصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ أي: امض يا محمد لأمر ربك وتبليغ ما أرسلت به فإنك بمرأى منا [ونحن نحوطك] ونحفظك. ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ﴾ أي: حين تقوم من نومك قال: سبحان الله وبحمده، قاله سفيان. وقيل المعنى: (إذا قمت إلى الصلاة) المفروضة فقل سبحان الله وبحمده. وقيل: تقول سبحانك اللهم وبحمدك. وقيل التسبيح هنا تكبيرة الإحرام. * * ثم قال: ﴿وَمِنَ ٱللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ ٱلنُّجُومِ﴾ يريد به صلاة العشاء الآخرة، وركعتا الفجر. وعن ابن عباس أنه التسبيح في أدبار الصلوات، وأكثرهم على أن ﴿وَإِدْبَارَ ٱلنُّجُومِ﴾: وركعتا الفجر. وعن النبي ﷺ أنه قال: "هما خير من الدنيا جميعاً وقال الضحاك وابن زيد ﴿وَإِدْبَارَ ٱلنُّجُومِ﴾: صلاة الصبح بعينها وهو اختيار الطبري.

النجم 53:1

قوله: ﴿وَٱلنَّجْمِ إِذَا هَوَىٰ﴾ إلى قوله: ﴿مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ ٱلْكُبْرَىٰ﴾ الآيات. قال مجاهد: النجم: الثريا، إذا هوى: إذا سقطت، فالمعنى: ورب الثريا، وعنه أن النجم هنا: القرآن، إذا هوى: إذا نزل، فالمعنى: والقرآن إذا نزل من السماء الدنيا. [قال ابن عباس: والنجم إذا هوى يعني به القرآن إذا نزل من السماء الدنيا]. مثل قوله: ﴿فَلاَ أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ ٱلنُّجُومِ﴾ [الواقعة: ٧٥] أي: أقسم بنزول القرآن من سماء الدنيا. وروى قتادة أن عتبة بن أبي لهب قال: كفرت برب النجم، فقال له النبي ﷺ: أما تخاف أن يأكلك كلب الله فخرج في تجارة إلى اليمن فبينما هم قد عَرَّسُوا إذا سمع صوت الأسد، فقال لأصحابه: أنا مأكول فحدّقوا به وضرب على أصمختهم فناموا فجاء الأسد حتى أخذه فما سمعوا إلا صوته وقال الحسن: أقسم الله تعالى بالنجم إذا غاب. وقال الفراء: أقسم بالقرآن لأنه نزل نجوماً. وقيل: يراد به النجم الذي ترمى به الشياطين. * * وقوله: ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَىٰ﴾ أي: ما جار محمد عن الحق ولا مال عنه، بل هو على استقامة وسداد. * * ومعنى ﴿وَمَا غَوَىٰ﴾: أي: ما خاب فيها طلبه من الرحمة. وقيل: معناه: ما صار غاوياً ولكنه رشيد سديد. يقال: غَوَى يَغْوِي مِنَ الغَيِّ، وغَوَى الفَصِيلُ يَغْوِي إِذَا لم يُرْوَ مِنْ لَبَن أُمِّهِ حَتَّى يَمُوتَ هَزَالاً. * * ثم قال: ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ ٱلْهَوَىٰ﴾ أي: ليس ينطق محمد ﷺ بهذا القرآن عن هواه، بل هو وحي أوحي إليه. وقيل: هو خبر عن القرآن، أي: ما ينطق القرآن عن الهوى، دليله قوله: ﴿إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَىٰ﴾ فهذا هو القرآن بلا اختلاف، وهو قوله: ﴿إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَىٰ﴾ أي: إن هذا القرآن إلا وحي يوحيه الله عز وجل إلى محمد ﷺ مع جبريل عليه السلام، وبين ذلك بقوله: ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ ٱلْقُوَىٰ﴾ أي: علَّم محمداً هذا القرآن ملك شديد القوى هو جبريل ﷺ. قال الفراء وغيره: قالت قريش إنما يقول من تلقائه فنزل تكذيبهم في هذه الآية وعلى هذا التفسير جميع المفسرين من الصحابة والتابعين ومن بعدهم في هذه الآية، والقوى جمع قوة، وقيل: شديد الأسباب. * * ثم قال: ﴿ذُو مِرَّةٍ﴾ قال ابن عباس: ذو منظر حسن. وقال قتادة: ذو خلق طويل حسن. وقال مجاهد: ذو مرة: ذو قوة، وكذلك [قال] سفيان وابن زيد يعني به جبريل ﷺ. وكان الحسن يقول ذو مرة: هو الله عز وجل. وتم الكلام عند قوله: ذو مرة، ثم ابتداء بالفاء فقال: ﴿فَٱسْتَوَىٰ﴾ (أي: استوى جبريل ومحمد بالأفق الأعلى. وقيل: هو الله سبحانه: أي: استوى) على العرش، وكذا أهل التفسير غير الحسن على أنه جبريل. وقيل: ذو مرة: ذو صحة جسم وسلامة من الآفات وهو اختيار الطبري ومنه قول النبي ﷺ: "لا تحل الصدقة لغني ولا لذي مِرَّةٍ سوى وقيل معناه: ذو قوة وشدة يعني جبريل ﷺ. روي: أن من قُوَّته اقتلع مدائن لوط الأربع، في كل مدينة مائة ألف من الناس بمساكنهم وأنعامهم بقادمتي جناحه حتى بلغ تخوم الأرض السابعة السفلى، فاقتلع المدائن من أصولها حتى بلغ بهن قرب سماء الدنيا، فسمع أهل السماء صياح الدجاج ونباح الكلاب ونهيق الحمير، ثم أهوى بها إلى الأرض ثم غشّاها بالحجارة، وهو قوله: ﴿جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ﴾ [هود: ٨٢] وهو قوله في جبريل: ﴿ذِي قُوَّةٍ عِندَ ذِي ٱلْعَرْشِ مَكِينٍ﴾ [التكوير: ٢٠]. * * وقوله: ﴿فَٱسْتَوَىٰ﴾ أي: فاستوى هذا الشديد القوي بصاحبكم محمد ﷺ بالأفق الأعلى، وذلك لما أسري به عليهما السلام، استوى هو وجبريل بمطلع الشمس الأعلى، وهو الأفق الأعلى، وهذا القول قال به الطبري والفراء. وفيه العطف على المضمر المرفوع من غير تأكيد، وهو قبيح عند البصريين. [لأن وهو بالأفق معطوف على المضمر في فاستوى وكان القياس عند البصريين] فاستوى هو، وهو، أي: جبريل والنبي ﷺ. وقال الزجاج: الضمير لجبريل، يعني الضمير في فاستوى، وضمير "هو" كلاهما لجبريل عليه السلام، فلا يلزم في هذا القول عطف على مضمر مرفوع لأن الضميرين لواحد. لكن يكون "وهو بالأفق الأعلى" جملة في موضع الحال من المضمر في "فاستوى" أي: استوى جبريل في حال كونه بالأفق الأعلى. والمعنى: فاستوى جبريل وهو بالأفق الأعلى على صورته لأنه كان يتمثل للنبي على صورة رجل فأحب رسول الله ﷺ أن يراه على صورته، فاستوى في أفق المشرق فملأ الأفق، فالمعنى: فاستوى جبريل عليه السلام في الأفق الأعلى على صورته على قول الزجاج، وأكثر المفسرين عليه، فالمضمر الذي هو في "استوى" لجبريل وقوله "وهو" لجبريل أيضاً، وعلى القول الأول الضمير في "استوى" لجبريل. وقوله: "وهو" لمحمد ﷺ، وقد وقع في العدد: "فاستوى وامرأته" فهذا يدل على أن "فاستوى" يتصل بما قبله. قال قتادة: الأفق: الذي يأتي منه النهار. وقال الحسن: أفق المشرق الأعلى بينهما. * * وقوله: ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّىٰ﴾ أي: ثم دنا جبريل من محمد ﷺ فتدلى إليه. وهو قول قتادة والحسن. وعن ابن عباس: ثم دنا الله تعالى ذكره من محمد فتدلى إليه؛ أي: أمره وحكمه. قال أنس: عرج جبريل برسول الله صلى الله عليهما وسلم ليلة الإسراء إلى السماء السابعة ثم علا به بما لا يعلمه إلا الله عز وجل حتى جاء به سدرة المنتهى ودنا الجبار رب العزة (سبحانه وتعالى) فتدلى حتى كان منه قاب قوسين أو أدنى فأوحى (إليه جل ذكره) ما شاء، وأوحى إليه فيما أوحى خمسين صلاة على أمته في كل يوم وليلة ثم ذكر الحديث بطوله. وقال الفراء: "الفاء" بمعنى "الواو" وتقديره عنده "ثم (دنا وتدلى"، ودنا) يعني جبريل ﷺ وهو عنده مثل قوله تعالى: ﴿ٱقْتَرَبَتِ ٱلسَّاعَةُ وَٱنشَقَّ ٱلْقَمَرُ﴾ [القمر: ١] [أي: انشق القمر واقتربت الساعة، لأن انشقاق القمر من علامة اقتراب الساعة]. وقيل: معناه فكان جبريل من محمد صلى الله عليهما وسلم قاب قوسين أو أدنى. وقاب: معناه قدر، أو أدنى: فمعناه أو أقرب منه، و "أو" هنا جيء بها على ما تعقل العرب من مخاطباتها، والمعنى: فكان على مقدار يقدره الرائي منكم قدر قوسين أو أقل [من] ذلك، فأوحى جبريل إلى محمد ﷺ ما أوحى [الله] إلى جبريل ﷺ. قال سفيان: قوسين: ذراعين، وكذلك روي عن ابن عباس. وقال مجاهد: وقتادة قاب قوسين: مقدار قوسين. وقيل معناه: كان منه على مقدار مثل، حيث يكون الوتر من القوس أو أقل من ذلك. قال عبد الله بن عمر: دنا منه جبريل حتى كان قدر ذراع وذراعين. (قال النبي ﷺ): رأيت جبريل له ست مائة جناح. وقال الكوفيون "أو" بمعنى "الواو". * * وقوله: ﴿فَأَوْحَىٰ إِلَىٰ عَبْدِهِ مَآ أَوْحَىٰ﴾ أوحى الله إلى محمد ﷺ ما شاء. وقيل: أوحى جبريل إلى عبد الله وهو محمد ﷺ ما شاء الله. وقيل معنى الآية: فكان الله جل ذكره من جبريل ﷺ قاب قوسين أو أدنى فأوحى الله إلى عبده جبريل ما شاء ليبلغه إلى محمد ﷺ. وقد تقدم قول من قال هو محمد قرب من ربه سبحانه هذا القرب. وروي أن النبي ﷺ سئل: هل رأيت ربك؟ فقال: لم أره بعيني ولكن رأيته بفؤادي. مرتين ثم تلا ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّىٰ﴾ عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ: لما عرج بي مضى جبريل حتى جاء الجنة قال: فدخلت فأعطيت الكوثر ثم مضى حتى جاء السدرة المنتهى فدنا ربك فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى ثم قال: ﴿مَا كَذَبَ ٱلْفُؤَادُ مَا رَأَىٰ﴾ أي: ما كذب فؤاد محمد على محمد فيما رآه ولكنه صدقه، ومن شدد فمعناه: ما كذب فؤاد محمد الذي رأى. قال ابن عباس: رأى ربه بفؤاده ولم يره بعينه، وقاله عكرمة. قال ابن عباس: اصطفى الله إبراهيم بالمَخَلَّة، واصطفى موسى بالكلام واصطفى محمد بالرؤية. وقال ابن مسعود: الذي رأى فؤاده جبريل، وقاله الحسن وقتادة. قالوا: وهو الذي أراه نزلة أخرى عند سدرة المنتهى. * * وقوله: ﴿أَفَتُمَارُونَهُ عَلَىٰ مَا يَرَىٰ﴾ أي: أفتجادلونه على ما يرى، وقيل: معناه أفتحاجونه على ما يرى، ومن قرأه بغير ألف فمعناه أفتجحدونه على ما يرى). يقال مراني حقي يمْرِيني مَريا، أي: جحدني. * * ثم قال: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَىٰ * عِندَ سِدْرَةِ ٱلْمُنتَهَىٰ﴾ أي: رأى محمد جبريل مرة أخرى في هذا الموضع على صورته قاله مجاهد. وقاله الربيع، وهو قول ابن مسعود. وروي: أن عائشة رضي الله عنها سألت رسول الله ﷺ عن رؤية جبريل فقال: لم أره على صورته إلا هاتين المرتين، رأيته منهبطاً من السماء ساداً عظيم خلقه بين السماء والأرض وقال ابن عباس: رأى ربه بقلبه، فقال له رجل عند ذلك أليس قد قال: ﴿لاَّ تُدْرِكُهُ ٱلأَبْصَٰرُ وَهُوَ يُدْرِكُ ٱلأَبْصَٰرَ﴾ [الأنعام: ١٠٣] فقال له عكرمة: أليس ترى السماء؟ فقال: بلى، قال: أفكلها ترى. ومعنى سدرة المنتهى أي: عند السدرة التي إليها ينتهي علم كل عالم. وقال كعب: هي سدرة في أصل العرش إليها ينتهي علم كل ملك مقرب أو نبي مرسل ما خلفها غيب لا يعلمه إلا الله. وعن كعب أنه قال: إنها سدرة على رؤوس حملة العرش فإليها ينتهي علم الخلائق. وقال عبد الله: هي سدرة في السماء السادسة إليها ينتهي من يعرج من الأرض وإليها ينتهي ما يهبط من فوقها. وقال الضحاك: في سدرة المنتهى: إليها ينتهي كل شيء من أمر الله جل ذكره لا يعدوها. وقيل هي الجنة التي آوى إليها آدم عليه السلام وإنها في السماء الرابعة. وقيل: هي سدرة إليها ينتهي كل من كان على سنّة رسول الله، روى ذلك عن النبي ﷺ وأنه لما انتهى إليها ليلة الإسراء قيل له: إلى هذه السدرة ينتهي كل أحد خلا من أمتك على سنتك. وروى علي بن أبي طالب رضي الله عنه: أن النبي ﷺ قال: في سدرة المنتهى: نَبَقُها كَقِلال هَجَر وقال الربيع بن أنس: إليها تنتهي أرواح الشهداء، فلذلك سميت سدرة المنتهى. وقال قتادة: أخبرني أنس بن مالك عن مالك بن صعصعة أن النبي ﷺ قال: رأيت سدرة منتهاها في السماء السابعة نَبَقُهَا كَقِلالٍ هَجَرَ وورقها كأذان الفيلة يخرج من ساقها نهران باطنان ونهران ظاهران فقال: يا جبريل ما هذا؟ فقال: أما الباطنان ففي الجنة وأما الظاهران فالنيل والفرات وعنه ﷺ أنه قال: في صفتها: يسير الراكب في ظلها سبعين عاماً لا يقطعها وقوله: ﴿عِندَهَا جَنَّةُ ٱلْمَأْوَىٰ﴾ أي: عند سدرة المنتهى جنة مأوى أرواح الشهداء. قال ابن عباس: هي عن يمين العرش وهي منزل الشهداء، وقاله قتادة وغيره. وقرأ ابن الزبير ﴿جَنَّةُ ٱلْمَأْوَىٰ﴾ بالهاء، أي جنهُ المساء عندها أي: عند السدرة. جنَّ المساء يجنُّ: أي: سَتَرَهُ. يقال جنَّه الليل وأَجَنَّه. وأنكر هذه القراءة ابن عباس ودعا على من يقرأ بها، وأنكرتها أيضاً عائشة رضي الله عنها. وقال الفراء هي شاذة. * * ثم قال: ﴿إِذْ يَغْشَىٰ ٱلسِّدْرَةَ مَا يَغْشَىٰ﴾ أي: ولقد رأى محمد جبريل ﷺ في صورته مرة أخرى حين يغشى السدرة ما يغشى. قال عبد الله ومسروق ومجاهد والنخعي: غشي السدرة فراش من ذهب. قال يعقوب بن زيد سئل النبي ﷺ عن قوله تعالى: ﴿إِذْ يَغْشَىٰ ٱلسِّدْرَةَ مَا يَغْشَىٰ﴾. فقال: رأيتها يغشاها فراش من ذهب، ورأيت على كل ورقة من ورقها ملكاً قائماً يسبح الله وقال ابن عباس: غشيها رب القوة. قال مجاهد: كانت (أغصان السدرة) لؤلؤاً وياقوتاً وزبرجداً فرآها محمد ورأى ربه بقلبه. وقال الربيع بن أنس: غشيها نور الرب والملائكة يقعون عليها كما تقع الغربان على الشجر. * * ثم قال: ﴿مَا زَاغَ ٱلْبَصَرُ وَمَا طَغَىٰ﴾ أي: ما مال بصر محمد ﷺ عن ما رأى ولا عدل ولا جاوز ما رأى. قال ابن عباس: معناه ما زاغ بصر محمد يميناً ولا شمالاً، وما طغى: ما جاوز أمر ربه. * * ثم قال: ﴿لَقَدْ رَأَىٰ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ ٱلْكُبْرَىٰ﴾ أي: لقد رأى محمد ﷺ هناك من أعلام ربه سبحانه وأدلته الأدلة الكبرى. إن جعلت "من" زائدة كانت "الكبرى" نعتاً للآيات على اللفظ أو على الموضع، وإن جعلت "من" للتبعيض كانت "الكبرى" في موضع نصب برأَى، والكبرى في الأصل نعت تقديره: لقد رأَى الآية الكبرى من آيات ربه. قال عبد الله: رأَى رفرفاً أخضر من الجنة قد سَدَّ الأُفُق. وقال ابن زيد: رأى جبريل في خلقته التي خلق عليها في السماوات والأرض بينه وبينه قدر قوسين أو أدنى.

النجم 53:2

قوله: ﴿وَٱلنَّجْمِ إِذَا هَوَىٰ﴾ إلى قوله: ﴿مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ ٱلْكُبْرَىٰ﴾ الآيات. قال مجاهد: النجم: الثريا، إذا هوى: إذا سقطت، فالمعنى: ورب الثريا، وعنه أن النجم هنا: القرآن، إذا هوى: إذا نزل، فالمعنى: والقرآن إذا نزل من السماء الدنيا. [قال ابن عباس: والنجم إذا هوى يعني به القرآن إذا نزل من السماء الدنيا]. مثل قوله: ﴿فَلاَ أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ ٱلنُّجُومِ﴾ [الواقعة: ٧٥] أي: أقسم بنزول القرآن من سماء الدنيا. وروى قتادة أن عتبة بن أبي لهب قال: كفرت برب النجم، فقال له النبي ﷺ: أما تخاف أن يأكلك كلب الله فخرج في تجارة إلى اليمن فبينما هم قد عَرَّسُوا إذا سمع صوت الأسد، فقال لأصحابه: أنا مأكول فحدّقوا به وضرب على أصمختهم فناموا فجاء الأسد حتى أخذه فما سمعوا إلا صوته وقال الحسن: أقسم الله تعالى بالنجم إذا غاب. وقال الفراء: أقسم بالقرآن لأنه نزل نجوماً. وقيل: يراد به النجم الذي ترمى به الشياطين. * * وقوله: ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَىٰ﴾ أي: ما جار محمد عن الحق ولا مال عنه، بل هو على استقامة وسداد. * * ومعنى ﴿وَمَا غَوَىٰ﴾: أي: ما خاب فيها طلبه من الرحمة. وقيل: معناه: ما صار غاوياً ولكنه رشيد سديد. يقال: غَوَى يَغْوِي مِنَ الغَيِّ، وغَوَى الفَصِيلُ يَغْوِي إِذَا لم يُرْوَ مِنْ لَبَن أُمِّهِ حَتَّى يَمُوتَ هَزَالاً. * * ثم قال: ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ ٱلْهَوَىٰ﴾ أي: ليس ينطق محمد ﷺ بهذا القرآن عن هواه، بل هو وحي أوحي إليه. وقيل: هو خبر عن القرآن، أي: ما ينطق القرآن عن الهوى، دليله قوله: ﴿إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَىٰ﴾ فهذا هو القرآن بلا اختلاف، وهو قوله: ﴿إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَىٰ﴾ أي: إن هذا القرآن إلا وحي يوحيه الله عز وجل إلى محمد ﷺ مع جبريل عليه السلام، وبين ذلك بقوله: ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ ٱلْقُوَىٰ﴾ أي: علَّم محمداً هذا القرآن ملك شديد القوى هو جبريل ﷺ. قال الفراء وغيره: قالت قريش إنما يقول من تلقائه فنزل تكذيبهم في هذه الآية وعلى هذا التفسير جميع المفسرين من الصحابة والتابعين ومن بعدهم في هذه الآية، والقوى جمع قوة، وقيل: شديد الأسباب. * * ثم قال: ﴿ذُو مِرَّةٍ﴾ قال ابن عباس: ذو منظر حسن. وقال قتادة: ذو خلق طويل حسن. وقال مجاهد: ذو مرة: ذو قوة، وكذلك [قال] سفيان وابن زيد يعني به جبريل ﷺ. وكان الحسن يقول ذو مرة: هو الله عز وجل. وتم الكلام عند قوله: ذو مرة، ثم ابتداء بالفاء فقال: ﴿فَٱسْتَوَىٰ﴾ (أي: استوى جبريل ومحمد بالأفق الأعلى. وقيل: هو الله سبحانه: أي: استوى) على العرش، وكذا أهل التفسير غير الحسن على أنه جبريل. وقيل: ذو مرة: ذو صحة جسم وسلامة من الآفات وهو اختيار الطبري ومنه قول النبي ﷺ: "لا تحل الصدقة لغني ولا لذي مِرَّةٍ سوى وقيل معناه: ذو قوة وشدة يعني جبريل ﷺ. روي: أن من قُوَّته اقتلع مدائن لوط الأربع، في كل مدينة مائة ألف من الناس بمساكنهم وأنعامهم بقادمتي جناحه حتى بلغ تخوم الأرض السابعة السفلى، فاقتلع المدائن من أصولها حتى بلغ بهن قرب سماء الدنيا، فسمع أهل السماء صياح الدجاج ونباح الكلاب ونهيق الحمير، ثم أهوى بها إلى الأرض ثم غشّاها بالحجارة، وهو قوله: ﴿جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ﴾ [هود: ٨٢] وهو قوله في جبريل: ﴿ذِي قُوَّةٍ عِندَ ذِي ٱلْعَرْشِ مَكِينٍ﴾ [التكوير: ٢٠]. * * وقوله: ﴿فَٱسْتَوَىٰ﴾ أي: فاستوى هذا الشديد القوي بصاحبكم محمد ﷺ بالأفق الأعلى، وذلك لما أسري به عليهما السلام، استوى هو وجبريل بمطلع الشمس الأعلى، وهو الأفق الأعلى، وهذا القول قال به الطبري والفراء. وفيه العطف على المضمر المرفوع من غير تأكيد، وهو قبيح عند البصريين. [لأن وهو بالأفق معطوف على المضمر في فاستوى وكان القياس عند البصريين] فاستوى هو، وهو، أي: جبريل والنبي ﷺ. وقال الزجاج: الضمير لجبريل، يعني الضمير في فاستوى، وضمير "هو" كلاهما لجبريل عليه السلام، فلا يلزم في هذا القول عطف على مضمر مرفوع لأن الضميرين لواحد. لكن يكون "وهو بالأفق الأعلى" جملة في موضع الحال من المضمر في "فاستوى" أي: استوى جبريل في حال كونه بالأفق الأعلى. والمعنى: فاستوى جبريل وهو بالأفق الأعلى على صورته لأنه كان يتمثل للنبي على صورة رجل فأحب رسول الله ﷺ أن يراه على صورته، فاستوى في أفق المشرق فملأ الأفق، فالمعنى: فاستوى جبريل عليه السلام في الأفق الأعلى على صورته على قول الزجاج، وأكثر المفسرين عليه، فالمضمر الذي هو في "استوى" لجبريل وقوله "وهو" لجبريل أيضاً، وعلى القول الأول الضمير في "استوى" لجبريل. وقوله: "وهو" لمحمد ﷺ، وقد وقع في العدد: "فاستوى وامرأته" فهذا يدل على أن "فاستوى" يتصل بما قبله. قال قتادة: الأفق: الذي يأتي منه النهار. وقال الحسن: أفق المشرق الأعلى بينهما. * * وقوله: ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّىٰ﴾ أي: ثم دنا جبريل من محمد ﷺ فتدلى إليه. وهو قول قتادة والحسن. وعن ابن عباس: ثم دنا الله تعالى ذكره من محمد فتدلى إليه؛ أي: أمره وحكمه. قال أنس: عرج جبريل برسول الله صلى الله عليهما وسلم ليلة الإسراء إلى السماء السابعة ثم علا به بما لا يعلمه إلا الله عز وجل حتى جاء به سدرة المنتهى ودنا الجبار رب العزة (سبحانه وتعالى) فتدلى حتى كان منه قاب قوسين أو أدنى فأوحى (إليه جل ذكره) ما شاء، وأوحى إليه فيما أوحى خمسين صلاة على أمته في كل يوم وليلة ثم ذكر الحديث بطوله. وقال الفراء: "الفاء" بمعنى "الواو" وتقديره عنده "ثم (دنا وتدلى"، ودنا) يعني جبريل ﷺ وهو عنده مثل قوله تعالى: ﴿ٱقْتَرَبَتِ ٱلسَّاعَةُ وَٱنشَقَّ ٱلْقَمَرُ﴾ [القمر: ١] [أي: انشق القمر واقتربت الساعة، لأن انشقاق القمر من علامة اقتراب الساعة]. وقيل: معناه فكان جبريل من محمد صلى الله عليهما وسلم قاب قوسين أو أدنى. وقاب: معناه قدر، أو أدنى: فمعناه أو أقرب منه، و "أو" هنا جيء بها على ما تعقل العرب من مخاطباتها، والمعنى: فكان على مقدار يقدره الرائي منكم قدر قوسين أو أقل [من] ذلك، فأوحى جبريل إلى محمد ﷺ ما أوحى [الله] إلى جبريل ﷺ. قال سفيان: قوسين: ذراعين، وكذلك روي عن ابن عباس. وقال مجاهد: وقتادة قاب قوسين: مقدار قوسين. وقيل معناه: كان منه على مقدار مثل، حيث يكون الوتر من القوس أو أقل من ذلك. قال عبد الله بن عمر: دنا منه جبريل حتى كان قدر ذراع وذراعين. (قال النبي ﷺ): رأيت جبريل له ست مائة جناح. وقال الكوفيون "أو" بمعنى "الواو". * * وقوله: ﴿فَأَوْحَىٰ إِلَىٰ عَبْدِهِ مَآ أَوْحَىٰ﴾ أوحى الله إلى محمد ﷺ ما شاء. وقيل: أوحى جبريل إلى عبد الله وهو محمد ﷺ ما شاء الله. وقيل معنى الآية: فكان الله جل ذكره من جبريل ﷺ قاب قوسين أو أدنى فأوحى الله إلى عبده جبريل ما شاء ليبلغه إلى محمد ﷺ. وقد تقدم قول من قال هو محمد قرب من ربه سبحانه هذا القرب. وروي أن النبي ﷺ سئل: هل رأيت ربك؟ فقال: لم أره بعيني ولكن رأيته بفؤادي. مرتين ثم تلا ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّىٰ﴾ عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ: لما عرج بي مضى جبريل حتى جاء الجنة قال: فدخلت فأعطيت الكوثر ثم مضى حتى جاء السدرة المنتهى فدنا ربك فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى ثم قال: ﴿مَا كَذَبَ ٱلْفُؤَادُ مَا رَأَىٰ﴾ أي: ما كذب فؤاد محمد على محمد فيما رآه ولكنه صدقه، ومن شدد فمعناه: ما كذب فؤاد محمد الذي رأى. قال ابن عباس: رأى ربه بفؤاده ولم يره بعينه، وقاله عكرمة. قال ابن عباس: اصطفى الله إبراهيم بالمَخَلَّة، واصطفى موسى بالكلام واصطفى محمد بالرؤية. وقال ابن مسعود: الذي رأى فؤاده جبريل، وقاله الحسن وقتادة. قالوا: وهو الذي أراه نزلة أخرى عند سدرة المنتهى. * * وقوله: ﴿أَفَتُمَارُونَهُ عَلَىٰ مَا يَرَىٰ﴾ أي: أفتجادلونه على ما يرى، وقيل: معناه أفتحاجونه على ما يرى، ومن قرأه بغير ألف فمعناه أفتجحدونه على ما يرى). يقال مراني حقي يمْرِيني مَريا، أي: جحدني. * * ثم قال: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَىٰ * عِندَ سِدْرَةِ ٱلْمُنتَهَىٰ﴾ أي: رأى محمد جبريل مرة أخرى في هذا الموضع على صورته قاله مجاهد. وقاله الربيع، وهو قول ابن مسعود. وروي: أن عائشة رضي الله عنها سألت رسول الله ﷺ عن رؤية جبريل فقال: لم أره على صورته إلا هاتين المرتين، رأيته منهبطاً من السماء ساداً عظيم خلقه بين السماء والأرض وقال ابن عباس: رأى ربه بقلبه، فقال له رجل عند ذلك أليس قد قال: ﴿لاَّ تُدْرِكُهُ ٱلأَبْصَٰرُ وَهُوَ يُدْرِكُ ٱلأَبْصَٰرَ﴾ [الأنعام: ١٠٣] فقال له عكرمة: أليس ترى السماء؟ فقال: بلى، قال: أفكلها ترى. ومعنى سدرة المنتهى أي: عند السدرة التي إليها ينتهي علم كل عالم. وقال كعب: هي سدرة في أصل العرش إليها ينتهي علم كل ملك مقرب أو نبي مرسل ما خلفها غيب لا يعلمه إلا الله. وعن كعب أنه قال: إنها سدرة على رؤوس حملة العرش فإليها ينتهي علم الخلائق. وقال عبد الله: هي سدرة في السماء السادسة إليها ينتهي من يعرج من الأرض وإليها ينتهي ما يهبط من فوقها. وقال الضحاك: في سدرة المنتهى: إليها ينتهي كل شيء من أمر الله جل ذكره لا يعدوها. وقيل هي الجنة التي آوى إليها آدم عليه السلام وإنها في السماء الرابعة. وقيل: هي سدرة إليها ينتهي كل من كان على سنّة رسول الله، روى ذلك عن النبي ﷺ وأنه لما انتهى إليها ليلة الإسراء قيل له: إلى هذه السدرة ينتهي كل أحد خلا من أمتك على سنتك. وروى علي بن أبي طالب رضي الله عنه: أن النبي ﷺ قال: في سدرة المنتهى: نَبَقُها كَقِلال هَجَر وقال الربيع بن أنس: إليها تنتهي أرواح الشهداء، فلذلك سميت سدرة المنتهى. وقال قتادة: أخبرني أنس بن مالك عن مالك بن صعصعة أن النبي ﷺ قال: رأيت سدرة منتهاها في السماء السابعة نَبَقُهَا كَقِلالٍ هَجَرَ وورقها كأذان الفيلة يخرج من ساقها نهران باطنان ونهران ظاهران فقال: يا جبريل ما هذا؟ فقال: أما الباطنان ففي الجنة وأما الظاهران فالنيل والفرات وعنه ﷺ أنه قال: في صفتها: يسير الراكب في ظلها سبعين عاماً لا يقطعها وقوله: ﴿عِندَهَا جَنَّةُ ٱلْمَأْوَىٰ﴾ أي: عند سدرة المنتهى جنة مأوى أرواح الشهداء. قال ابن عباس: هي عن يمين العرش وهي منزل الشهداء، وقاله قتادة وغيره. وقرأ ابن الزبير ﴿جَنَّةُ ٱلْمَأْوَىٰ﴾ بالهاء، أي جنهُ المساء عندها أي: عند السدرة. جنَّ المساء يجنُّ: أي: سَتَرَهُ. يقال جنَّه الليل وأَجَنَّه. وأنكر هذه القراءة ابن عباس ودعا على من يقرأ بها، وأنكرتها أيضاً عائشة رضي الله عنها. وقال الفراء هي شاذة. * * ثم قال: ﴿إِذْ يَغْشَىٰ ٱلسِّدْرَةَ مَا يَغْشَىٰ﴾ أي: ولقد رأى محمد جبريل ﷺ في صورته مرة أخرى حين يغشى السدرة ما يغشى. قال عبد الله ومسروق ومجاهد والنخعي: غشي السدرة فراش من ذهب. قال يعقوب بن زيد سئل النبي ﷺ عن قوله تعالى: ﴿إِذْ يَغْشَىٰ ٱلسِّدْرَةَ مَا يَغْشَىٰ﴾. فقال: رأيتها يغشاها فراش من ذهب، ورأيت على كل ورقة من ورقها ملكاً قائماً يسبح الله وقال ابن عباس: غشيها رب القوة. قال مجاهد: كانت (أغصان السدرة) لؤلؤاً وياقوتاً وزبرجداً فرآها محمد ورأى ربه بقلبه. وقال الربيع بن أنس: غشيها نور الرب والملائكة يقعون عليها كما تقع الغربان على الشجر. * * ثم قال: ﴿مَا زَاغَ ٱلْبَصَرُ وَمَا طَغَىٰ﴾ أي: ما مال بصر محمد ﷺ عن ما رأى ولا عدل ولا جاوز ما رأى. قال ابن عباس: معناه ما زاغ بصر محمد يميناً ولا شمالاً، وما طغى: ما جاوز أمر ربه. * * ثم قال: ﴿لَقَدْ رَأَىٰ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ ٱلْكُبْرَىٰ﴾ أي: لقد رأى محمد ﷺ هناك من أعلام ربه سبحانه وأدلته الأدلة الكبرى. إن جعلت "من" زائدة كانت "الكبرى" نعتاً للآيات على اللفظ أو على الموضع، وإن جعلت "من" للتبعيض كانت "الكبرى" في موضع نصب برأَى، والكبرى في الأصل نعت تقديره: لقد رأَى الآية الكبرى من آيات ربه. قال عبد الله: رأَى رفرفاً أخضر من الجنة قد سَدَّ الأُفُق. وقال ابن زيد: رأى جبريل في خلقته التي خلق عليها في السماوات والأرض بينه وبينه قدر قوسين أو أدنى.

النجم 53:3

قوله: ﴿وَٱلنَّجْمِ إِذَا هَوَىٰ﴾ إلى قوله: ﴿مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ ٱلْكُبْرَىٰ﴾ الآيات. قال مجاهد: النجم: الثريا، إذا هوى: إذا سقطت، فالمعنى: ورب الثريا، وعنه أن النجم هنا: القرآن، إذا هوى: إذا نزل، فالمعنى: والقرآن إذا نزل من السماء الدنيا. [قال ابن عباس: والنجم إذا هوى يعني به القرآن إذا نزل من السماء الدنيا]. مثل قوله: ﴿فَلاَ أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ ٱلنُّجُومِ﴾ [الواقعة: ٧٥] أي: أقسم بنزول القرآن من سماء الدنيا. وروى قتادة أن عتبة بن أبي لهب قال: كفرت برب النجم، فقال له النبي ﷺ: أما تخاف أن يأكلك كلب الله فخرج في تجارة إلى اليمن فبينما هم قد عَرَّسُوا إذا سمع صوت الأسد، فقال لأصحابه: أنا مأكول فحدّقوا به وضرب على أصمختهم فناموا فجاء الأسد حتى أخذه فما سمعوا إلا صوته وقال الحسن: أقسم الله تعالى بالنجم إذا غاب. وقال الفراء: أقسم بالقرآن لأنه نزل نجوماً. وقيل: يراد به النجم الذي ترمى به الشياطين. * * وقوله: ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَىٰ﴾ أي: ما جار محمد عن الحق ولا مال عنه، بل هو على استقامة وسداد. * * ومعنى ﴿وَمَا غَوَىٰ﴾: أي: ما خاب فيها طلبه من الرحمة. وقيل: معناه: ما صار غاوياً ولكنه رشيد سديد. يقال: غَوَى يَغْوِي مِنَ الغَيِّ، وغَوَى الفَصِيلُ يَغْوِي إِذَا لم يُرْوَ مِنْ لَبَن أُمِّهِ حَتَّى يَمُوتَ هَزَالاً. * * ثم قال: ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ ٱلْهَوَىٰ﴾ أي: ليس ينطق محمد ﷺ بهذا القرآن عن هواه، بل هو وحي أوحي إليه. وقيل: هو خبر عن القرآن، أي: ما ينطق القرآن عن الهوى، دليله قوله: ﴿إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَىٰ﴾ فهذا هو القرآن بلا اختلاف، وهو قوله: ﴿إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَىٰ﴾ أي: إن هذا القرآن إلا وحي يوحيه الله عز وجل إلى محمد ﷺ مع جبريل عليه السلام، وبين ذلك بقوله: ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ ٱلْقُوَىٰ﴾ أي: علَّم محمداً هذا القرآن ملك شديد القوى هو جبريل ﷺ. قال الفراء وغيره: قالت قريش إنما يقول من تلقائه فنزل تكذيبهم في هذه الآية وعلى هذا التفسير جميع المفسرين من الصحابة والتابعين ومن بعدهم في هذه الآية، والقوى جمع قوة، وقيل: شديد الأسباب. * * ثم قال: ﴿ذُو مِرَّةٍ﴾ قال ابن عباس: ذو منظر حسن. وقال قتادة: ذو خلق طويل حسن. وقال مجاهد: ذو مرة: ذو قوة، وكذلك [قال] سفيان وابن زيد يعني به جبريل ﷺ. وكان الحسن يقول ذو مرة: هو الله عز وجل. وتم الكلام عند قوله: ذو مرة، ثم ابتداء بالفاء فقال: ﴿فَٱسْتَوَىٰ﴾ (أي: استوى جبريل ومحمد بالأفق الأعلى. وقيل: هو الله سبحانه: أي: استوى) على العرش، وكذا أهل التفسير غير الحسن على أنه جبريل. وقيل: ذو مرة: ذو صحة جسم وسلامة من الآفات وهو اختيار الطبري ومنه قول النبي ﷺ: "لا تحل الصدقة لغني ولا لذي مِرَّةٍ سوى وقيل معناه: ذو قوة وشدة يعني جبريل ﷺ. روي: أن من قُوَّته اقتلع مدائن لوط الأربع، في كل مدينة مائة ألف من الناس بمساكنهم وأنعامهم بقادمتي جناحه حتى بلغ تخوم الأرض السابعة السفلى، فاقتلع المدائن من أصولها حتى بلغ بهن قرب سماء الدنيا، فسمع أهل السماء صياح الدجاج ونباح الكلاب ونهيق الحمير، ثم أهوى بها إلى الأرض ثم غشّاها بالحجارة، وهو قوله: ﴿جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ﴾ [هود: ٨٢] وهو قوله في جبريل: ﴿ذِي قُوَّةٍ عِندَ ذِي ٱلْعَرْشِ مَكِينٍ﴾ [التكوير: ٢٠]. * * وقوله: ﴿فَٱسْتَوَىٰ﴾ أي: فاستوى هذا الشديد القوي بصاحبكم محمد ﷺ بالأفق الأعلى، وذلك لما أسري به عليهما السلام، استوى هو وجبريل بمطلع الشمس الأعلى، وهو الأفق الأعلى، وهذا القول قال به الطبري والفراء. وفيه العطف على المضمر المرفوع من غير تأكيد، وهو قبيح عند البصريين. [لأن وهو بالأفق معطوف على المضمر في فاستوى وكان القياس عند البصريين] فاستوى هو، وهو، أي: جبريل والنبي ﷺ. وقال الزجاج: الضمير لجبريل، يعني الضمير في فاستوى، وضمير "هو" كلاهما لجبريل عليه السلام، فلا يلزم في هذا القول عطف على مضمر مرفوع لأن الضميرين لواحد. لكن يكون "وهو بالأفق الأعلى" جملة في موضع الحال من المضمر في "فاستوى" أي: استوى جبريل في حال كونه بالأفق الأعلى. والمعنى: فاستوى جبريل وهو بالأفق الأعلى على صورته لأنه كان يتمثل للنبي على صورة رجل فأحب رسول الله ﷺ أن يراه على صورته، فاستوى في أفق المشرق فملأ الأفق، فالمعنى: فاستوى جبريل عليه السلام في الأفق الأعلى على صورته على قول الزجاج، وأكثر المفسرين عليه، فالمضمر الذي هو في "استوى" لجبريل وقوله "وهو" لجبريل أيضاً، وعلى القول الأول الضمير في "استوى" لجبريل. وقوله: "وهو" لمحمد ﷺ، وقد وقع في العدد: "فاستوى وامرأته" فهذا يدل على أن "فاستوى" يتصل بما قبله. قال قتادة: الأفق: الذي يأتي منه النهار. وقال الحسن: أفق المشرق الأعلى بينهما. * * وقوله: ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّىٰ﴾ أي: ثم دنا جبريل من محمد ﷺ فتدلى إليه. وهو قول قتادة والحسن. وعن ابن عباس: ثم دنا الله تعالى ذكره من محمد فتدلى إليه؛ أي: أمره وحكمه. قال أنس: عرج جبريل برسول الله صلى الله عليهما وسلم ليلة الإسراء إلى السماء السابعة ثم علا به بما لا يعلمه إلا الله عز وجل حتى جاء به سدرة المنتهى ودنا الجبار رب العزة (سبحانه وتعالى) فتدلى حتى كان منه قاب قوسين أو أدنى فأوحى (إليه جل ذكره) ما شاء، وأوحى إليه فيما أوحى خمسين صلاة على أمته في كل يوم وليلة ثم ذكر الحديث بطوله. وقال الفراء: "الفاء" بمعنى "الواو" وتقديره عنده "ثم (دنا وتدلى"، ودنا) يعني جبريل ﷺ وهو عنده مثل قوله تعالى: ﴿ٱقْتَرَبَتِ ٱلسَّاعَةُ وَٱنشَقَّ ٱلْقَمَرُ﴾ [القمر: ١] [أي: انشق القمر واقتربت الساعة، لأن انشقاق القمر من علامة اقتراب الساعة]. وقيل: معناه فكان جبريل من محمد صلى الله عليهما وسلم قاب قوسين أو أدنى. وقاب: معناه قدر، أو أدنى: فمعناه أو أقرب منه، و "أو" هنا جيء بها على ما تعقل العرب من مخاطباتها، والمعنى: فكان على مقدار يقدره الرائي منكم قدر قوسين أو أقل [من] ذلك، فأوحى جبريل إلى محمد ﷺ ما أوحى [الله] إلى جبريل ﷺ. قال سفيان: قوسين: ذراعين، وكذلك روي عن ابن عباس. وقال مجاهد: وقتادة قاب قوسين: مقدار قوسين. وقيل معناه: كان منه على مقدار مثل، حيث يكون الوتر من القوس أو أقل من ذلك. قال عبد الله بن عمر: دنا منه جبريل حتى كان قدر ذراع وذراعين. (قال النبي ﷺ): رأيت جبريل له ست مائة جناح. وقال الكوفيون "أو" بمعنى "الواو". * * وقوله: ﴿فَأَوْحَىٰ إِلَىٰ عَبْدِهِ مَآ أَوْحَىٰ﴾ أوحى الله إلى محمد ﷺ ما شاء. وقيل: أوحى جبريل إلى عبد الله وهو محمد ﷺ ما شاء الله. وقيل معنى الآية: فكان الله جل ذكره من جبريل ﷺ قاب قوسين أو أدنى فأوحى الله إلى عبده جبريل ما شاء ليبلغه إلى محمد ﷺ. وقد تقدم قول من قال هو محمد قرب من ربه سبحانه هذا القرب. وروي أن النبي ﷺ سئل: هل رأيت ربك؟ فقال: لم أره بعيني ولكن رأيته بفؤادي. مرتين ثم تلا ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّىٰ﴾ عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ: لما عرج بي مضى جبريل حتى جاء الجنة قال: فدخلت فأعطيت الكوثر ثم مضى حتى جاء السدرة المنتهى فدنا ربك فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى ثم قال: ﴿مَا كَذَبَ ٱلْفُؤَادُ مَا رَأَىٰ﴾ أي: ما كذب فؤاد محمد على محمد فيما رآه ولكنه صدقه، ومن شدد فمعناه: ما كذب فؤاد محمد الذي رأى. قال ابن عباس: رأى ربه بفؤاده ولم يره بعينه، وقاله عكرمة. قال ابن عباس: اصطفى الله إبراهيم بالمَخَلَّة، واصطفى موسى بالكلام واصطفى محمد بالرؤية. وقال ابن مسعود: الذي رأى فؤاده جبريل، وقاله الحسن وقتادة. قالوا: وهو الذي أراه نزلة أخرى عند سدرة المنتهى. * * وقوله: ﴿أَفَتُمَارُونَهُ عَلَىٰ مَا يَرَىٰ﴾ أي: أفتجادلونه على ما يرى، وقيل: معناه أفتحاجونه على ما يرى، ومن قرأه بغير ألف فمعناه أفتجحدونه على ما يرى). يقال مراني حقي يمْرِيني مَريا، أي: جحدني. * * ثم قال: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَىٰ * عِندَ سِدْرَةِ ٱلْمُنتَهَىٰ﴾ أي: رأى محمد جبريل مرة أخرى في هذا الموضع على صورته قاله مجاهد. وقاله الربيع، وهو قول ابن مسعود. وروي: أن عائشة رضي الله عنها سألت رسول الله ﷺ عن رؤية جبريل فقال: لم أره على صورته إلا هاتين المرتين، رأيته منهبطاً من السماء ساداً عظيم خلقه بين السماء والأرض وقال ابن عباس: رأى ربه بقلبه، فقال له رجل عند ذلك أليس قد قال: ﴿لاَّ تُدْرِكُهُ ٱلأَبْصَٰرُ وَهُوَ يُدْرِكُ ٱلأَبْصَٰرَ﴾ [الأنعام: ١٠٣] فقال له عكرمة: أليس ترى السماء؟ فقال: بلى، قال: أفكلها ترى. ومعنى سدرة المنتهى أي: عند السدرة التي إليها ينتهي علم كل عالم. وقال كعب: هي سدرة في أصل العرش إليها ينتهي علم كل ملك مقرب أو نبي مرسل ما خلفها غيب لا يعلمه إلا الله. وعن كعب أنه قال: إنها سدرة على رؤوس حملة العرش فإليها ينتهي علم الخلائق. وقال عبد الله: هي سدرة في السماء السادسة إليها ينتهي من يعرج من الأرض وإليها ينتهي ما يهبط من فوقها. وقال الضحاك: في سدرة المنتهى: إليها ينتهي كل شيء من أمر الله جل ذكره لا يعدوها. وقيل هي الجنة التي آوى إليها آدم عليه السلام وإنها في السماء الرابعة. وقيل: هي سدرة إليها ينتهي كل من كان على سنّة رسول الله، روى ذلك عن النبي ﷺ وأنه لما انتهى إليها ليلة الإسراء قيل له: إلى هذه السدرة ينتهي كل أحد خلا من أمتك على سنتك. وروى علي بن أبي طالب رضي الله عنه: أن النبي ﷺ قال: في سدرة المنتهى: نَبَقُها كَقِلال هَجَر وقال الربيع بن أنس: إليها تنتهي أرواح الشهداء، فلذلك سميت سدرة المنتهى. وقال قتادة: أخبرني أنس بن مالك عن مالك بن صعصعة أن النبي ﷺ قال: رأيت سدرة منتهاها في السماء السابعة نَبَقُهَا كَقِلالٍ هَجَرَ وورقها كأذان الفيلة يخرج من ساقها نهران باطنان ونهران ظاهران فقال: يا جبريل ما هذا؟ فقال: أما الباطنان ففي الجنة وأما الظاهران فالنيل والفرات وعنه ﷺ أنه قال: في صفتها: يسير الراكب في ظلها سبعين عاماً لا يقطعها وقوله: ﴿عِندَهَا جَنَّةُ ٱلْمَأْوَىٰ﴾ أي: عند سدرة المنتهى جنة مأوى أرواح الشهداء. قال ابن عباس: هي عن يمين العرش وهي منزل الشهداء، وقاله قتادة وغيره. وقرأ ابن الزبير ﴿جَنَّةُ ٱلْمَأْوَىٰ﴾ بالهاء، أي جنهُ المساء عندها أي: عند السدرة. جنَّ المساء يجنُّ: أي: سَتَرَهُ. يقال جنَّه الليل وأَجَنَّه. وأنكر هذه القراءة ابن عباس ودعا على من يقرأ بها، وأنكرتها أيضاً عائشة رضي الله عنها. وقال الفراء هي شاذة. * * ثم قال: ﴿إِذْ يَغْشَىٰ ٱلسِّدْرَةَ مَا يَغْشَىٰ﴾ أي: ولقد رأى محمد جبريل ﷺ في صورته مرة أخرى حين يغشى السدرة ما يغشى. قال عبد الله ومسروق ومجاهد والنخعي: غشي السدرة فراش من ذهب. قال يعقوب بن زيد سئل النبي ﷺ عن قوله تعالى: ﴿إِذْ يَغْشَىٰ ٱلسِّدْرَةَ مَا يَغْشَىٰ﴾. فقال: رأيتها يغشاها فراش من ذهب، ورأيت على كل ورقة من ورقها ملكاً قائماً يسبح الله وقال ابن عباس: غشيها رب القوة. قال مجاهد: كانت (أغصان السدرة) لؤلؤاً وياقوتاً وزبرجداً فرآها محمد ورأى ربه بقلبه. وقال الربيع بن أنس: غشيها نور الرب والملائكة يقعون عليها كما تقع الغربان على الشجر. * * ثم قال: ﴿مَا زَاغَ ٱلْبَصَرُ وَمَا طَغَىٰ﴾ أي: ما مال بصر محمد ﷺ عن ما رأى ولا عدل ولا جاوز ما رأى. قال ابن عباس: معناه ما زاغ بصر محمد يميناً ولا شمالاً، وما طغى: ما جاوز أمر ربه. * * ثم قال: ﴿لَقَدْ رَأَىٰ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ ٱلْكُبْرَىٰ﴾ أي: لقد رأى محمد ﷺ هناك من أعلام ربه سبحانه وأدلته الأدلة الكبرى. إن جعلت "من" زائدة كانت "الكبرى" نعتاً للآيات على اللفظ أو على الموضع، وإن جعلت "من" للتبعيض كانت "الكبرى" في موضع نصب برأَى، والكبرى في الأصل نعت تقديره: لقد رأَى الآية الكبرى من آيات ربه. قال عبد الله: رأَى رفرفاً أخضر من الجنة قد سَدَّ الأُفُق. وقال ابن زيد: رأى جبريل في خلقته التي خلق عليها في السماوات والأرض بينه وبينه قدر قوسين أو أدنى.

النجم 53:4

قوله: ﴿وَٱلنَّجْمِ إِذَا هَوَىٰ﴾ إلى قوله: ﴿مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ ٱلْكُبْرَىٰ﴾ الآيات. قال مجاهد: النجم: الثريا، إذا هوى: إذا سقطت، فالمعنى: ورب الثريا، وعنه أن النجم هنا: القرآن، إذا هوى: إذا نزل، فالمعنى: والقرآن إذا نزل من السماء الدنيا. [قال ابن عباس: والنجم إذا هوى يعني به القرآن إذا نزل من السماء الدنيا]. مثل قوله: ﴿فَلاَ أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ ٱلنُّجُومِ﴾ [الواقعة: ٧٥] أي: أقسم بنزول القرآن من سماء الدنيا. وروى قتادة أن عتبة بن أبي لهب قال: كفرت برب النجم، فقال له النبي ﷺ: أما تخاف أن يأكلك كلب الله فخرج في تجارة إلى اليمن فبينما هم قد عَرَّسُوا إذا سمع صوت الأسد، فقال لأصحابه: أنا مأكول فحدّقوا به وضرب على أصمختهم فناموا فجاء الأسد حتى أخذه فما سمعوا إلا صوته وقال الحسن: أقسم الله تعالى بالنجم إذا غاب. وقال الفراء: أقسم بالقرآن لأنه نزل نجوماً. وقيل: يراد به النجم الذي ترمى به الشياطين. * * وقوله: ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَىٰ﴾ أي: ما جار محمد عن الحق ولا مال عنه، بل هو على استقامة وسداد. * * ومعنى ﴿وَمَا غَوَىٰ﴾: أي: ما خاب فيها طلبه من الرحمة. وقيل: معناه: ما صار غاوياً ولكنه رشيد سديد. يقال: غَوَى يَغْوِي مِنَ الغَيِّ، وغَوَى الفَصِيلُ يَغْوِي إِذَا لم يُرْوَ مِنْ لَبَن أُمِّهِ حَتَّى يَمُوتَ هَزَالاً. * * ثم قال: ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ ٱلْهَوَىٰ﴾ أي: ليس ينطق محمد ﷺ بهذا القرآن عن هواه، بل هو وحي أوحي إليه. وقيل: هو خبر عن القرآن، أي: ما ينطق القرآن عن الهوى، دليله قوله: ﴿إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَىٰ﴾ فهذا هو القرآن بلا اختلاف، وهو قوله: ﴿إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَىٰ﴾ أي: إن هذا القرآن إلا وحي يوحيه الله عز وجل إلى محمد ﷺ مع جبريل عليه السلام، وبين ذلك بقوله: ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ ٱلْقُوَىٰ﴾ أي: علَّم محمداً هذا القرآن ملك شديد القوى هو جبريل ﷺ. قال الفراء وغيره: قالت قريش إنما يقول من تلقائه فنزل تكذيبهم في هذه الآية وعلى هذا التفسير جميع المفسرين من الصحابة والتابعين ومن بعدهم في هذه الآية، والقوى جمع قوة، وقيل: شديد الأسباب. * * ثم قال: ﴿ذُو مِرَّةٍ﴾ قال ابن عباس: ذو منظر حسن. وقال قتادة: ذو خلق طويل حسن. وقال مجاهد: ذو مرة: ذو قوة، وكذلك [قال] سفيان وابن زيد يعني به جبريل ﷺ. وكان الحسن يقول ذو مرة: هو الله عز وجل. وتم الكلام عند قوله: ذو مرة، ثم ابتداء بالفاء فقال: ﴿فَٱسْتَوَىٰ﴾ (أي: استوى جبريل ومحمد بالأفق الأعلى. وقيل: هو الله سبحانه: أي: استوى) على العرش، وكذا أهل التفسير غير الحسن على أنه جبريل. وقيل: ذو مرة: ذو صحة جسم وسلامة من الآفات وهو اختيار الطبري ومنه قول النبي ﷺ: "لا تحل الصدقة لغني ولا لذي مِرَّةٍ سوى وقيل معناه: ذو قوة وشدة يعني جبريل ﷺ. روي: أن من قُوَّته اقتلع مدائن لوط الأربع، في كل مدينة مائة ألف من الناس بمساكنهم وأنعامهم بقادمتي جناحه حتى بلغ تخوم الأرض السابعة السفلى، فاقتلع المدائن من أصولها حتى بلغ بهن قرب سماء الدنيا، فسمع أهل السماء صياح الدجاج ونباح الكلاب ونهيق الحمير، ثم أهوى بها إلى الأرض ثم غشّاها بالحجارة، وهو قوله: ﴿جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ﴾ [هود: ٨٢] وهو قوله في جبريل: ﴿ذِي قُوَّةٍ عِندَ ذِي ٱلْعَرْشِ مَكِينٍ﴾ [التكوير: ٢٠]. * * وقوله: ﴿فَٱسْتَوَىٰ﴾ أي: فاستوى هذا الشديد القوي بصاحبكم محمد ﷺ بالأفق الأعلى، وذلك لما أسري به عليهما السلام، استوى هو وجبريل بمطلع الشمس الأعلى، وهو الأفق الأعلى، وهذا القول قال به الطبري والفراء. وفيه العطف على المضمر المرفوع من غير تأكيد، وهو قبيح عند البصريين. [لأن وهو بالأفق معطوف على المضمر في فاستوى وكان القياس عند البصريين] فاستوى هو، وهو، أي: جبريل والنبي ﷺ. وقال الزجاج: الضمير لجبريل، يعني الضمير في فاستوى، وضمير "هو" كلاهما لجبريل عليه السلام، فلا يلزم في هذا القول عطف على مضمر مرفوع لأن الضميرين لواحد. لكن يكون "وهو بالأفق الأعلى" جملة في موضع الحال من المضمر في "فاستوى" أي: استوى جبريل في حال كونه بالأفق الأعلى. والمعنى: فاستوى جبريل وهو بالأفق الأعلى على صورته لأنه كان يتمثل للنبي على صورة رجل فأحب رسول الله ﷺ أن يراه على صورته، فاستوى في أفق المشرق فملأ الأفق، فالمعنى: فاستوى جبريل عليه السلام في الأفق الأعلى على صورته على قول الزجاج، وأكثر المفسرين عليه، فالمضمر الذي هو في "استوى" لجبريل وقوله "وهو" لجبريل أيضاً، وعلى القول الأول الضمير في "استوى" لجبريل. وقوله: "وهو" لمحمد ﷺ، وقد وقع في العدد: "فاستوى وامرأته" فهذا يدل على أن "فاستوى" يتصل بما قبله. قال قتادة: الأفق: الذي يأتي منه النهار. وقال الحسن: أفق المشرق الأعلى بينهما. * * وقوله: ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّىٰ﴾ أي: ثم دنا جبريل من محمد ﷺ فتدلى إليه. وهو قول قتادة والحسن. وعن ابن عباس: ثم دنا الله تعالى ذكره من محمد فتدلى إليه؛ أي: أمره وحكمه. قال أنس: عرج جبريل برسول الله صلى الله عليهما وسلم ليلة الإسراء إلى السماء السابعة ثم علا به بما لا يعلمه إلا الله عز وجل حتى جاء به سدرة المنتهى ودنا الجبار رب العزة (سبحانه وتعالى) فتدلى حتى كان منه قاب قوسين أو أدنى فأوحى (إليه جل ذكره) ما شاء، وأوحى إليه فيما أوحى خمسين صلاة على أمته في كل يوم وليلة ثم ذكر الحديث بطوله. وقال الفراء: "الفاء" بمعنى "الواو" وتقديره عنده "ثم (دنا وتدلى"، ودنا) يعني جبريل ﷺ وهو عنده مثل قوله تعالى: ﴿ٱقْتَرَبَتِ ٱلسَّاعَةُ وَٱنشَقَّ ٱلْقَمَرُ﴾ [القمر: ١] [أي: انشق القمر واقتربت الساعة، لأن انشقاق القمر من علامة اقتراب الساعة]. وقيل: معناه فكان جبريل من محمد صلى الله عليهما وسلم قاب قوسين أو أدنى. وقاب: معناه قدر، أو أدنى: فمعناه أو أقرب منه، و "أو" هنا جيء بها على ما تعقل العرب من مخاطباتها، والمعنى: فكان على مقدار يقدره الرائي منكم قدر قوسين أو أقل [من] ذلك، فأوحى جبريل إلى محمد ﷺ ما أوحى [الله] إلى جبريل ﷺ. قال سفيان: قوسين: ذراعين، وكذلك روي عن ابن عباس. وقال مجاهد: وقتادة قاب قوسين: مقدار قوسين. وقيل معناه: كان منه على مقدار مثل، حيث يكون الوتر من القوس أو أقل من ذلك. قال عبد الله بن عمر: دنا منه جبريل حتى كان قدر ذراع وذراعين. (قال النبي ﷺ): رأيت جبريل له ست مائة جناح. وقال الكوفيون "أو" بمعنى "الواو". * * وقوله: ﴿فَأَوْحَىٰ إِلَىٰ عَبْدِهِ مَآ أَوْحَىٰ﴾ أوحى الله إلى محمد ﷺ ما شاء. وقيل: أوحى جبريل إلى عبد الله وهو محمد ﷺ ما شاء الله. وقيل معنى الآية: فكان الله جل ذكره من جبريل ﷺ قاب قوسين أو أدنى فأوحى الله إلى عبده جبريل ما شاء ليبلغه إلى محمد ﷺ. وقد تقدم قول من قال هو محمد قرب من ربه سبحانه هذا القرب. وروي أن النبي ﷺ سئل: هل رأيت ربك؟ فقال: لم أره بعيني ولكن رأيته بفؤادي. مرتين ثم تلا ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّىٰ﴾ عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ: لما عرج بي مضى جبريل حتى جاء الجنة قال: فدخلت فأعطيت الكوثر ثم مضى حتى جاء السدرة المنتهى فدنا ربك فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى ثم قال: ﴿مَا كَذَبَ ٱلْفُؤَادُ مَا رَأَىٰ﴾ أي: ما كذب فؤاد محمد على محمد فيما رآه ولكنه صدقه، ومن شدد فمعناه: ما كذب فؤاد محمد الذي رأى. قال ابن عباس: رأى ربه بفؤاده ولم يره بعينه، وقاله عكرمة. قال ابن عباس: اصطفى الله إبراهيم بالمَخَلَّة، واصطفى موسى بالكلام واصطفى محمد بالرؤية. وقال ابن مسعود: الذي رأى فؤاده جبريل، وقاله الحسن وقتادة. قالوا: وهو الذي أراه نزلة أخرى عند سدرة المنتهى. * * وقوله: ﴿أَفَتُمَارُونَهُ عَلَىٰ مَا يَرَىٰ﴾ أي: أفتجادلونه على ما يرى، وقيل: معناه أفتحاجونه على ما يرى، ومن قرأه بغير ألف فمعناه أفتجحدونه على ما يرى). يقال مراني حقي يمْرِيني مَريا، أي: جحدني. * * ثم قال: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَىٰ * عِندَ سِدْرَةِ ٱلْمُنتَهَىٰ﴾ أي: رأى محمد جبريل مرة أخرى في هذا الموضع على صورته قاله مجاهد. وقاله الربيع، وهو قول ابن مسعود. وروي: أن عائشة رضي الله عنها سألت رسول الله ﷺ عن رؤية جبريل فقال: لم أره على صورته إلا هاتين المرتين، رأيته منهبطاً من السماء ساداً عظيم خلقه بين السماء والأرض وقال ابن عباس: رأى ربه بقلبه، فقال له رجل عند ذلك أليس قد قال: ﴿لاَّ تُدْرِكُهُ ٱلأَبْصَٰرُ وَهُوَ يُدْرِكُ ٱلأَبْصَٰرَ﴾ [الأنعام: ١٠٣] فقال له عكرمة: أليس ترى السماء؟ فقال: بلى، قال: أفكلها ترى. ومعنى سدرة المنتهى أي: عند السدرة التي إليها ينتهي علم كل عالم. وقال كعب: هي سدرة في أصل العرش إليها ينتهي علم كل ملك مقرب أو نبي مرسل ما خلفها غيب لا يعلمه إلا الله. وعن كعب أنه قال: إنها سدرة على رؤوس حملة العرش فإليها ينتهي علم الخلائق. وقال عبد الله: هي سدرة في السماء السادسة إليها ينتهي من يعرج من الأرض وإليها ينتهي ما يهبط من فوقها. وقال الضحاك: في سدرة المنتهى: إليها ينتهي كل شيء من أمر الله جل ذكره لا يعدوها. وقيل هي الجنة التي آوى إليها آدم عليه السلام وإنها في السماء الرابعة. وقيل: هي سدرة إليها ينتهي كل من كان على سنّة رسول الله، روى ذلك عن النبي ﷺ وأنه لما انتهى إليها ليلة الإسراء قيل له: إلى هذه السدرة ينتهي كل أحد خلا من أمتك على سنتك. وروى علي بن أبي طالب رضي الله عنه: أن النبي ﷺ قال: في سدرة المنتهى: نَبَقُها كَقِلال هَجَر وقال الربيع بن أنس: إليها تنتهي أرواح الشهداء، فلذلك سميت سدرة المنتهى. وقال قتادة: أخبرني أنس بن مالك عن مالك بن صعصعة أن النبي ﷺ قال: رأيت سدرة منتهاها في السماء السابعة نَبَقُهَا كَقِلالٍ هَجَرَ وورقها كأذان الفيلة يخرج من ساقها نهران باطنان ونهران ظاهران فقال: يا جبريل ما هذا؟ فقال: أما الباطنان ففي الجنة وأما الظاهران فالنيل والفرات وعنه ﷺ أنه قال: في صفتها: يسير الراكب في ظلها سبعين عاماً لا يقطعها وقوله: ﴿عِندَهَا جَنَّةُ ٱلْمَأْوَىٰ﴾ أي: عند سدرة المنتهى جنة مأوى أرواح الشهداء. قال ابن عباس: هي عن يمين العرش وهي منزل الشهداء، وقاله قتادة وغيره. وقرأ ابن الزبير ﴿جَنَّةُ ٱلْمَأْوَىٰ﴾ بالهاء، أي جنهُ المساء عندها أي: عند السدرة. جنَّ المساء يجنُّ: أي: سَتَرَهُ. يقال جنَّه الليل وأَجَنَّه. وأنكر هذه القراءة ابن عباس ودعا على من يقرأ بها، وأنكرتها أيضاً عائشة رضي الله عنها. وقال الفراء هي شاذة. * * ثم قال: ﴿إِذْ يَغْشَىٰ ٱلسِّدْرَةَ مَا يَغْشَىٰ﴾ أي: ولقد رأى محمد جبريل ﷺ في صورته مرة أخرى حين يغشى السدرة ما يغشى. قال عبد الله ومسروق ومجاهد والنخعي: غشي السدرة فراش من ذهب. قال يعقوب بن زيد سئل النبي ﷺ عن قوله تعالى: ﴿إِذْ يَغْشَىٰ ٱلسِّدْرَةَ مَا يَغْشَىٰ﴾. فقال: رأيتها يغشاها فراش من ذهب، ورأيت على كل ورقة من ورقها ملكاً قائماً يسبح الله وقال ابن عباس: غشيها رب القوة. قال مجاهد: كانت (أغصان السدرة) لؤلؤاً وياقوتاً وزبرجداً فرآها محمد ورأى ربه بقلبه. وقال الربيع بن أنس: غشيها نور الرب والملائكة يقعون عليها كما تقع الغربان على الشجر. * * ثم قال: ﴿مَا زَاغَ ٱلْبَصَرُ وَمَا طَغَىٰ﴾ أي: ما مال بصر محمد ﷺ عن ما رأى ولا عدل ولا جاوز ما رأى. قال ابن عباس: معناه ما زاغ بصر محمد يميناً ولا شمالاً، وما طغى: ما جاوز أمر ربه. * * ثم قال: ﴿لَقَدْ رَأَىٰ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ ٱلْكُبْرَىٰ﴾ أي: لقد رأى محمد ﷺ هناك من أعلام ربه سبحانه وأدلته الأدلة الكبرى. إن جعلت "من" زائدة كانت "الكبرى" نعتاً للآيات على اللفظ أو على الموضع، وإن جعلت "من" للتبعيض كانت "الكبرى" في موضع نصب برأَى، والكبرى في الأصل نعت تقديره: لقد رأَى الآية الكبرى من آيات ربه. قال عبد الله: رأَى رفرفاً أخضر من الجنة قد سَدَّ الأُفُق. وقال ابن زيد: رأى جبريل في خلقته التي خلق عليها في السماوات والأرض بينه وبينه قدر قوسين أو أدنى.

النجم 53:5

قوله: ﴿وَٱلنَّجْمِ إِذَا هَوَىٰ﴾ إلى قوله: ﴿مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ ٱلْكُبْرَىٰ﴾ الآيات. قال مجاهد: النجم: الثريا، إذا هوى: إذا سقطت، فالمعنى: ورب الثريا، وعنه أن النجم هنا: القرآن، إذا هوى: إذا نزل، فالمعنى: والقرآن إذا نزل من السماء الدنيا. [قال ابن عباس: والنجم إذا هوى يعني به القرآن إذا نزل من السماء الدنيا]. مثل قوله: ﴿فَلاَ أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ ٱلنُّجُومِ﴾ [الواقعة: ٧٥] أي: أقسم بنزول القرآن من سماء الدنيا. وروى قتادة أن عتبة بن أبي لهب قال: كفرت برب النجم، فقال له النبي ﷺ: أما تخاف أن يأكلك كلب الله فخرج في تجارة إلى اليمن فبينما هم قد عَرَّسُوا إذا سمع صوت الأسد، فقال لأصحابه: أنا مأكول فحدّقوا به وضرب على أصمختهم فناموا فجاء الأسد حتى أخذه فما سمعوا إلا صوته وقال الحسن: أقسم الله تعالى بالنجم إذا غاب. وقال الفراء: أقسم بالقرآن لأنه نزل نجوماً. وقيل: يراد به النجم الذي ترمى به الشياطين. * * وقوله: ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَىٰ﴾ أي: ما جار محمد عن الحق ولا مال عنه، بل هو على استقامة وسداد. * * ومعنى ﴿وَمَا غَوَىٰ﴾: أي: ما خاب فيها طلبه من الرحمة. وقيل: معناه: ما صار غاوياً ولكنه رشيد سديد. يقال: غَوَى يَغْوِي مِنَ الغَيِّ، وغَوَى الفَصِيلُ يَغْوِي إِذَا لم يُرْوَ مِنْ لَبَن أُمِّهِ حَتَّى يَمُوتَ هَزَالاً. * * ثم قال: ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ ٱلْهَوَىٰ﴾ أي: ليس ينطق محمد ﷺ بهذا القرآن عن هواه، بل هو وحي أوحي إليه. وقيل: هو خبر عن القرآن، أي: ما ينطق القرآن عن الهوى، دليله قوله: ﴿إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَىٰ﴾ فهذا هو القرآن بلا اختلاف، وهو قوله: ﴿إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَىٰ﴾ أي: إن هذا القرآن إلا وحي يوحيه الله عز وجل إلى محمد ﷺ مع جبريل عليه السلام، وبين ذلك بقوله: ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ ٱلْقُوَىٰ﴾ أي: علَّم محمداً هذا القرآن ملك شديد القوى هو جبريل ﷺ. قال الفراء وغيره: قالت قريش إنما يقول من تلقائه فنزل تكذيبهم في هذه الآية وعلى هذا التفسير جميع المفسرين من الصحابة والتابعين ومن بعدهم في هذه الآية، والقوى جمع قوة، وقيل: شديد الأسباب. * * ثم قال: ﴿ذُو مِرَّةٍ﴾ قال ابن عباس: ذو منظر حسن. وقال قتادة: ذو خلق طويل حسن. وقال مجاهد: ذو مرة: ذو قوة، وكذلك [قال] سفيان وابن زيد يعني به جبريل ﷺ. وكان الحسن يقول ذو مرة: هو الله عز وجل. وتم الكلام عند قوله: ذو مرة، ثم ابتداء بالفاء فقال: ﴿فَٱسْتَوَىٰ﴾ (أي: استوى جبريل ومحمد بالأفق الأعلى. وقيل: هو الله سبحانه: أي: استوى) على العرش، وكذا أهل التفسير غير الحسن على أنه جبريل. وقيل: ذو مرة: ذو صحة جسم وسلامة من الآفات وهو اختيار الطبري ومنه قول النبي ﷺ: "لا تحل الصدقة لغني ولا لذي مِرَّةٍ سوى وقيل معناه: ذو قوة وشدة يعني جبريل ﷺ. روي: أن من قُوَّته اقتلع مدائن لوط الأربع، في كل مدينة مائة ألف من الناس بمساكنهم وأنعامهم بقادمتي جناحه حتى بلغ تخوم الأرض السابعة السفلى، فاقتلع المدائن من أصولها حتى بلغ بهن قرب سماء الدنيا، فسمع أهل السماء صياح الدجاج ونباح الكلاب ونهيق الحمير، ثم أهوى بها إلى الأرض ثم غشّاها بالحجارة، وهو قوله: ﴿جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ﴾ [هود: ٨٢] وهو قوله في جبريل: ﴿ذِي قُوَّةٍ عِندَ ذِي ٱلْعَرْشِ مَكِينٍ﴾ [التكوير: ٢٠]. * * وقوله: ﴿فَٱسْتَوَىٰ﴾ أي: فاستوى هذا الشديد القوي بصاحبكم محمد ﷺ بالأفق الأعلى، وذلك لما أسري به عليهما السلام، استوى هو وجبريل بمطلع الشمس الأعلى، وهو الأفق الأعلى، وهذا القول قال به الطبري والفراء. وفيه العطف على المضمر المرفوع من غير تأكيد، وهو قبيح عند البصريين. [لأن وهو بالأفق معطوف على المضمر في فاستوى وكان القياس عند البصريين] فاستوى هو، وهو، أي: جبريل والنبي ﷺ. وقال الزجاج: الضمير لجبريل، يعني الضمير في فاستوى، وضمير "هو" كلاهما لجبريل عليه السلام، فلا يلزم في هذا القول عطف على مضمر مرفوع لأن الضميرين لواحد. لكن يكون "وهو بالأفق الأعلى" جملة في موضع الحال من المضمر في "فاستوى" أي: استوى جبريل في حال كونه بالأفق الأعلى. والمعنى: فاستوى جبريل وهو بالأفق الأعلى على صورته لأنه كان يتمثل للنبي على صورة رجل فأحب رسول الله ﷺ أن يراه على صورته، فاستوى في أفق المشرق فملأ الأفق، فالمعنى: فاستوى جبريل عليه السلام في الأفق الأعلى على صورته على قول الزجاج، وأكثر المفسرين عليه، فالمضمر الذي هو في "استوى" لجبريل وقوله "وهو" لجبريل أيضاً، وعلى القول الأول الضمير في "استوى" لجبريل. وقوله: "وهو" لمحمد ﷺ، وقد وقع في العدد: "فاستوى وامرأته" فهذا يدل على أن "فاستوى" يتصل بما قبله. قال قتادة: الأفق: الذي يأتي منه النهار. وقال الحسن: أفق المشرق الأعلى بينهما. * * وقوله: ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّىٰ﴾ أي: ثم دنا جبريل من محمد ﷺ فتدلى إليه. وهو قول قتادة والحسن. وعن ابن عباس: ثم دنا الله تعالى ذكره من محمد فتدلى إليه؛ أي: أمره وحكمه. قال أنس: عرج جبريل برسول الله صلى الله عليهما وسلم ليلة الإسراء إلى السماء السابعة ثم علا به بما لا يعلمه إلا الله عز وجل حتى جاء به سدرة المنتهى ودنا الجبار رب العزة (سبحانه وتعالى) فتدلى حتى كان منه قاب قوسين أو أدنى فأوحى (إليه جل ذكره) ما شاء، وأوحى إليه فيما أوحى خمسين صلاة على أمته في كل يوم وليلة ثم ذكر الحديث بطوله. وقال الفراء: "الفاء" بمعنى "الواو" وتقديره عنده "ثم (دنا وتدلى"، ودنا) يعني جبريل ﷺ وهو عنده مثل قوله تعالى: ﴿ٱقْتَرَبَتِ ٱلسَّاعَةُ وَٱنشَقَّ ٱلْقَمَرُ﴾ [القمر: ١] [أي: انشق القمر واقتربت الساعة، لأن انشقاق القمر من علامة اقتراب الساعة]. وقيل: معناه فكان جبريل من محمد صلى الله عليهما وسلم قاب قوسين أو أدنى. وقاب: معناه قدر، أو أدنى: فمعناه أو أقرب منه، و "أو" هنا جيء بها على ما تعقل العرب من مخاطباتها، والمعنى: فكان على مقدار يقدره الرائي منكم قدر قوسين أو أقل [من] ذلك، فأوحى جبريل إلى محمد ﷺ ما أوحى [الله] إلى جبريل ﷺ. قال سفيان: قوسين: ذراعين، وكذلك روي عن ابن عباس. وقال مجاهد: وقتادة قاب قوسين: مقدار قوسين. وقيل معناه: كان منه على مقدار مثل، حيث يكون الوتر من القوس أو أقل من ذلك. قال عبد الله بن عمر: دنا منه جبريل حتى كان قدر ذراع وذراعين. (قال النبي ﷺ): رأيت جبريل له ست مائة جناح. وقال الكوفيون "أو" بمعنى "الواو". * * وقوله: ﴿فَأَوْحَىٰ إِلَىٰ عَبْدِهِ مَآ أَوْحَىٰ﴾ أوحى الله إلى محمد ﷺ ما شاء. وقيل: أوحى جبريل إلى عبد الله وهو محمد ﷺ ما شاء الله. وقيل معنى الآية: فكان الله جل ذكره من جبريل ﷺ قاب قوسين أو أدنى فأوحى الله إلى عبده جبريل ما شاء ليبلغه إلى محمد ﷺ. وقد تقدم قول من قال هو محمد قرب من ربه سبحانه هذا القرب. وروي أن النبي ﷺ سئل: هل رأيت ربك؟ فقال: لم أره بعيني ولكن رأيته بفؤادي. مرتين ثم تلا ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّىٰ﴾ عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ: لما عرج بي مضى جبريل حتى جاء الجنة قال: فدخلت فأعطيت الكوثر ثم مضى حتى جاء السدرة المنتهى فدنا ربك فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى ثم قال: ﴿مَا كَذَبَ ٱلْفُؤَادُ مَا رَأَىٰ﴾ أي: ما كذب فؤاد محمد على محمد فيما رآه ولكنه صدقه، ومن شدد فمعناه: ما كذب فؤاد محمد الذي رأى. قال ابن عباس: رأى ربه بفؤاده ولم يره بعينه، وقاله عكرمة. قال ابن عباس: اصطفى الله إبراهيم بالمَخَلَّة، واصطفى موسى بالكلام واصطفى محمد بالرؤية. وقال ابن مسعود: الذي رأى فؤاده جبريل، وقاله الحسن وقتادة. قالوا: وهو الذي أراه نزلة أخرى عند سدرة المنتهى. * * وقوله: ﴿أَفَتُمَارُونَهُ عَلَىٰ مَا يَرَىٰ﴾ أي: أفتجادلونه على ما يرى، وقيل: معناه أفتحاجونه على ما يرى، ومن قرأه بغير ألف فمعناه أفتجحدونه على ما يرى). يقال مراني حقي يمْرِيني مَريا، أي: جحدني. * * ثم قال: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَىٰ * عِندَ سِدْرَةِ ٱلْمُنتَهَىٰ﴾ أي: رأى محمد جبريل مرة أخرى في هذا الموضع على صورته قاله مجاهد. وقاله الربيع، وهو قول ابن مسعود. وروي: أن عائشة رضي الله عنها سألت رسول الله ﷺ عن رؤية جبريل فقال: لم أره على صورته إلا هاتين المرتين، رأيته منهبطاً من السماء ساداً عظيم خلقه بين السماء والأرض وقال ابن عباس: رأى ربه بقلبه، فقال له رجل عند ذلك أليس قد قال: ﴿لاَّ تُدْرِكُهُ ٱلأَبْصَٰرُ وَهُوَ يُدْرِكُ ٱلأَبْصَٰرَ﴾ [الأنعام: ١٠٣] فقال له عكرمة: أليس ترى السماء؟ فقال: بلى، قال: أفكلها ترى. ومعنى سدرة المنتهى أي: عند السدرة التي إليها ينتهي علم كل عالم. وقال كعب: هي سدرة في أصل العرش إليها ينتهي علم كل ملك مقرب أو نبي مرسل ما خلفها غيب لا يعلمه إلا الله. وعن كعب أنه قال: إنها سدرة على رؤوس حملة العرش فإليها ينتهي علم الخلائق. وقال عبد الله: هي سدرة في السماء السادسة إليها ينتهي من يعرج من الأرض وإليها ينتهي ما يهبط من فوقها. وقال الضحاك: في سدرة المنتهى: إليها ينتهي كل شيء من أمر الله جل ذكره لا يعدوها. وقيل هي الجنة التي آوى إليها آدم عليه السلام وإنها في السماء الرابعة. وقيل: هي سدرة إليها ينتهي كل من كان على سنّة رسول الله، روى ذلك عن النبي ﷺ وأنه لما انتهى إليها ليلة الإسراء قيل له: إلى هذه السدرة ينتهي كل أحد خلا من أمتك على سنتك. وروى علي بن أبي طالب رضي الله عنه: أن النبي ﷺ قال: في سدرة المنتهى: نَبَقُها كَقِلال هَجَر وقال الربيع بن أنس: إليها تنتهي أرواح الشهداء، فلذلك سميت سدرة المنتهى. وقال قتادة: أخبرني أنس بن مالك عن مالك بن صعصعة أن النبي ﷺ قال: رأيت سدرة منتهاها في السماء السابعة نَبَقُهَا كَقِلالٍ هَجَرَ وورقها كأذان الفيلة يخرج من ساقها نهران باطنان ونهران ظاهران فقال: يا جبريل ما هذا؟ فقال: أما الباطنان ففي الجنة وأما الظاهران فالنيل والفرات وعنه ﷺ أنه قال: في صفتها: يسير الراكب في ظلها سبعين عاماً لا يقطعها وقوله: ﴿عِندَهَا جَنَّةُ ٱلْمَأْوَىٰ﴾ أي: عند سدرة المنتهى جنة مأوى أرواح الشهداء. قال ابن عباس: هي عن يمين العرش وهي منزل الشهداء، وقاله قتادة وغيره. وقرأ ابن الزبير ﴿جَنَّةُ ٱلْمَأْوَىٰ﴾ بالهاء، أي جنهُ المساء عندها أي: عند السدرة. جنَّ المساء يجنُّ: أي: سَتَرَهُ. يقال جنَّه الليل وأَجَنَّه. وأنكر هذه القراءة ابن عباس ودعا على من يقرأ بها، وأنكرتها أيضاً عائشة رضي الله عنها. وقال الفراء هي شاذة. * * ثم قال: ﴿إِذْ يَغْشَىٰ ٱلسِّدْرَةَ مَا يَغْشَىٰ﴾ أي: ولقد رأى محمد جبريل ﷺ في صورته مرة أخرى حين يغشى السدرة ما يغشى. قال عبد الله ومسروق ومجاهد والنخعي: غشي السدرة فراش من ذهب. قال يعقوب بن زيد سئل النبي ﷺ عن قوله تعالى: ﴿إِذْ يَغْشَىٰ ٱلسِّدْرَةَ مَا يَغْشَىٰ﴾. فقال: رأيتها يغشاها فراش من ذهب، ورأيت على كل ورقة من ورقها ملكاً قائماً يسبح الله وقال ابن عباس: غشيها رب القوة. قال مجاهد: كانت (أغصان السدرة) لؤلؤاً وياقوتاً وزبرجداً فرآها محمد ورأى ربه بقلبه. وقال الربيع بن أنس: غشيها نور الرب والملائكة يقعون عليها كما تقع الغربان على الشجر. * * ثم قال: ﴿مَا زَاغَ ٱلْبَصَرُ وَمَا طَغَىٰ﴾ أي: ما مال بصر محمد ﷺ عن ما رأى ولا عدل ولا جاوز ما رأى. قال ابن عباس: معناه ما زاغ بصر محمد يميناً ولا شمالاً، وما طغى: ما جاوز أمر ربه. * * ثم قال: ﴿لَقَدْ رَأَىٰ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ ٱلْكُبْرَىٰ﴾ أي: لقد رأى محمد ﷺ هناك من أعلام ربه سبحانه وأدلته الأدلة الكبرى. إن جعلت "من" زائدة كانت "الكبرى" نعتاً للآيات على اللفظ أو على الموضع، وإن جعلت "من" للتبعيض كانت "الكبرى" في موضع نصب برأَى، والكبرى في الأصل نعت تقديره: لقد رأَى الآية الكبرى من آيات ربه. قال عبد الله: رأَى رفرفاً أخضر من الجنة قد سَدَّ الأُفُق. وقال ابن زيد: رأى جبريل في خلقته التي خلق عليها في السماوات والأرض بينه وبينه قدر قوسين أو أدنى.

النجم 53:6

قوله: ﴿وَٱلنَّجْمِ إِذَا هَوَىٰ﴾ إلى قوله: ﴿مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ ٱلْكُبْرَىٰ﴾ الآيات. قال مجاهد: النجم: الثريا، إذا هوى: إذا سقطت، فالمعنى: ورب الثريا، وعنه أن النجم هنا: القرآن، إذا هوى: إذا نزل، فالمعنى: والقرآن إذا نزل من السماء الدنيا. [قال ابن عباس: والنجم إذا هوى يعني به القرآن إذا نزل من السماء الدنيا]. مثل قوله: ﴿فَلاَ أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ ٱلنُّجُومِ﴾ [الواقعة: ٧٥] أي: أقسم بنزول القرآن من سماء الدنيا. وروى قتادة أن عتبة بن أبي لهب قال: كفرت برب النجم، فقال له النبي ﷺ: أما تخاف أن يأكلك كلب الله فخرج في تجارة إلى اليمن فبينما هم قد عَرَّسُوا إذا سمع صوت الأسد، فقال لأصحابه: أنا مأكول فحدّقوا به وضرب على أصمختهم فناموا فجاء الأسد حتى أخذه فما سمعوا إلا صوته وقال الحسن: أقسم الله تعالى بالنجم إذا غاب. وقال الفراء: أقسم بالقرآن لأنه نزل نجوماً. وقيل: يراد به النجم الذي ترمى به الشياطين. * * وقوله: ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَىٰ﴾ أي: ما جار محمد عن الحق ولا مال عنه، بل هو على استقامة وسداد. * * ومعنى ﴿وَمَا غَوَىٰ﴾: أي: ما خاب فيها طلبه من الرحمة. وقيل: معناه: ما صار غاوياً ولكنه رشيد سديد. يقال: غَوَى يَغْوِي مِنَ الغَيِّ، وغَوَى الفَصِيلُ يَغْوِي إِذَا لم يُرْوَ مِنْ لَبَن أُمِّهِ حَتَّى يَمُوتَ هَزَالاً. * * ثم قال: ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ ٱلْهَوَىٰ﴾ أي: ليس ينطق محمد ﷺ بهذا القرآن عن هواه، بل هو وحي أوحي إليه. وقيل: هو خبر عن القرآن، أي: ما ينطق القرآن عن الهوى، دليله قوله: ﴿إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَىٰ﴾ فهذا هو القرآن بلا اختلاف، وهو قوله: ﴿إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَىٰ﴾ أي: إن هذا القرآن إلا وحي يوحيه الله عز وجل إلى محمد ﷺ مع جبريل عليه السلام، وبين ذلك بقوله: ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ ٱلْقُوَىٰ﴾ أي: علَّم محمداً هذا القرآن ملك شديد القوى هو جبريل ﷺ. قال الفراء وغيره: قالت قريش إنما يقول من تلقائه فنزل تكذيبهم في هذه الآية وعلى هذا التفسير جميع المفسرين من الصحابة والتابعين ومن بعدهم في هذه الآية، والقوى جمع قوة، وقيل: شديد الأسباب. * * ثم قال: ﴿ذُو مِرَّةٍ﴾ قال ابن عباس: ذو منظر حسن. وقال قتادة: ذو خلق طويل حسن. وقال مجاهد: ذو مرة: ذو قوة، وكذلك [قال] سفيان وابن زيد يعني به جبريل ﷺ. وكان الحسن يقول ذو مرة: هو الله عز وجل. وتم الكلام عند قوله: ذو مرة، ثم ابتداء بالفاء فقال: ﴿فَٱسْتَوَىٰ﴾ (أي: استوى جبريل ومحمد بالأفق الأعلى. وقيل: هو الله سبحانه: أي: استوى) على العرش، وكذا أهل التفسير غير الحسن على أنه جبريل. وقيل: ذو مرة: ذو صحة جسم وسلامة من الآفات وهو اختيار الطبري ومنه قول النبي ﷺ: "لا تحل الصدقة لغني ولا لذي مِرَّةٍ سوى وقيل معناه: ذو قوة وشدة يعني جبريل ﷺ. روي: أن من قُوَّته اقتلع مدائن لوط الأربع، في كل مدينة مائة ألف من الناس بمساكنهم وأنعامهم بقادمتي جناحه حتى بلغ تخوم الأرض السابعة السفلى، فاقتلع المدائن من أصولها حتى بلغ بهن قرب سماء الدنيا، فسمع أهل السماء صياح الدجاج ونباح الكلاب ونهيق الحمير، ثم أهوى بها إلى الأرض ثم غشّاها بالحجارة، وهو قوله: ﴿جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ﴾ [هود: ٨٢] وهو قوله في جبريل: ﴿ذِي قُوَّةٍ عِندَ ذِي ٱلْعَرْشِ مَكِينٍ﴾ [التكوير: ٢٠]. * * وقوله: ﴿فَٱسْتَوَىٰ﴾ أي: فاستوى هذا الشديد القوي بصاحبكم محمد ﷺ بالأفق الأعلى، وذلك لما أسري به عليهما السلام، استوى هو وجبريل بمطلع الشمس الأعلى، وهو الأفق الأعلى، وهذا القول قال به الطبري والفراء. وفيه العطف على المضمر المرفوع من غير تأكيد، وهو قبيح عند البصريين. [لأن وهو بالأفق معطوف على المضمر في فاستوى وكان القياس عند البصريين] فاستوى هو، وهو، أي: جبريل والنبي ﷺ. وقال الزجاج: الضمير لجبريل، يعني الضمير في فاستوى، وضمير "هو" كلاهما لجبريل عليه السلام، فلا يلزم في هذا القول عطف على مضمر مرفوع لأن الضميرين لواحد. لكن يكون "وهو بالأفق الأعلى" جملة في موضع الحال من المضمر في "فاستوى" أي: استوى جبريل في حال كونه بالأفق الأعلى. والمعنى: فاستوى جبريل وهو بالأفق الأعلى على صورته لأنه كان يتمثل للنبي على صورة رجل فأحب رسول الله ﷺ أن يراه على صورته، فاستوى في أفق المشرق فملأ الأفق، فالمعنى: فاستوى جبريل عليه السلام في الأفق الأعلى على صورته على قول الزجاج، وأكثر المفسرين عليه، فالمضمر الذي هو في "استوى" لجبريل وقوله "وهو" لجبريل أيضاً، وعلى القول الأول الضمير في "استوى" لجبريل. وقوله: "وهو" لمحمد ﷺ، وقد وقع في العدد: "فاستوى وامرأته" فهذا يدل على أن "فاستوى" يتصل بما قبله. قال قتادة: الأفق: الذي يأتي منه النهار. وقال الحسن: أفق المشرق الأعلى بينهما. * * وقوله: ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّىٰ﴾ أي: ثم دنا جبريل من محمد ﷺ فتدلى إليه. وهو قول قتادة والحسن. وعن ابن عباس: ثم دنا الله تعالى ذكره من محمد فتدلى إليه؛ أي: أمره وحكمه. قال أنس: عرج جبريل برسول الله صلى الله عليهما وسلم ليلة الإسراء إلى السماء السابعة ثم علا به بما لا يعلمه إلا الله عز وجل حتى جاء به سدرة المنتهى ودنا الجبار رب العزة (سبحانه وتعالى) فتدلى حتى كان منه قاب قوسين أو أدنى فأوحى (إليه جل ذكره) ما شاء، وأوحى إليه فيما أوحى خمسين صلاة على أمته في كل يوم وليلة ثم ذكر الحديث بطوله. وقال الفراء: "الفاء" بمعنى "الواو" وتقديره عنده "ثم (دنا وتدلى"، ودنا) يعني جبريل ﷺ وهو عنده مثل قوله تعالى: ﴿ٱقْتَرَبَتِ ٱلسَّاعَةُ وَٱنشَقَّ ٱلْقَمَرُ﴾ [القمر: ١] [أي: انشق القمر واقتربت الساعة، لأن انشقاق القمر من علامة اقتراب الساعة]. وقيل: معناه فكان جبريل من محمد صلى الله عليهما وسلم قاب قوسين أو أدنى. وقاب: معناه قدر، أو أدنى: فمعناه أو أقرب منه، و "أو" هنا جيء بها على ما تعقل العرب من مخاطباتها، والمعنى: فكان على مقدار يقدره الرائي منكم قدر قوسين أو أقل [من] ذلك، فأوحى جبريل إلى محمد ﷺ ما أوحى [الله] إلى جبريل ﷺ. قال سفيان: قوسين: ذراعين، وكذلك روي عن ابن عباس. وقال مجاهد: وقتادة قاب قوسين: مقدار قوسين. وقيل معناه: كان منه على مقدار مثل، حيث يكون الوتر من القوس أو أقل من ذلك. قال عبد الله بن عمر: دنا منه جبريل حتى كان قدر ذراع وذراعين. (قال النبي ﷺ): رأيت جبريل له ست مائة جناح. وقال الكوفيون "أو" بمعنى "الواو". * * وقوله: ﴿فَأَوْحَىٰ إِلَىٰ عَبْدِهِ مَآ أَوْحَىٰ﴾ أوحى الله إلى محمد ﷺ ما شاء. وقيل: أوحى جبريل إلى عبد الله وهو محمد ﷺ ما شاء الله. وقيل معنى الآية: فكان الله جل ذكره من جبريل ﷺ قاب قوسين أو أدنى فأوحى الله إلى عبده جبريل ما شاء ليبلغه إلى محمد ﷺ. وقد تقدم قول من قال هو محمد قرب من ربه سبحانه هذا القرب. وروي أن النبي ﷺ سئل: هل رأيت ربك؟ فقال: لم أره بعيني ولكن رأيته بفؤادي. مرتين ثم تلا ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّىٰ﴾ عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ: لما عرج بي مضى جبريل حتى جاء الجنة قال: فدخلت فأعطيت الكوثر ثم مضى حتى جاء السدرة المنتهى فدنا ربك فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى ثم قال: ﴿مَا كَذَبَ ٱلْفُؤَادُ مَا رَأَىٰ﴾ أي: ما كذب فؤاد محمد على محمد فيما رآه ولكنه صدقه، ومن شدد فمعناه: ما كذب فؤاد محمد الذي رأى. قال ابن عباس: رأى ربه بفؤاده ولم يره بعينه، وقاله عكرمة. قال ابن عباس: اصطفى الله إبراهيم بالمَخَلَّة، واصطفى موسى بالكلام واصطفى محمد بالرؤية. وقال ابن مسعود: الذي رأى فؤاده جبريل، وقاله الحسن وقتادة. قالوا: وهو الذي أراه نزلة أخرى عند سدرة المنتهى. * * وقوله: ﴿أَفَتُمَارُونَهُ عَلَىٰ مَا يَرَىٰ﴾ أي: أفتجادلونه على ما يرى، وقيل: معناه أفتحاجونه على ما يرى، ومن قرأه بغير ألف فمعناه أفتجحدونه على ما يرى). يقال مراني حقي يمْرِيني مَريا، أي: جحدني. * * ثم قال: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَىٰ * عِندَ سِدْرَةِ ٱلْمُنتَهَىٰ﴾ أي: رأى محمد جبريل مرة أخرى في هذا الموضع على صورته قاله مجاهد. وقاله الربيع، وهو قول ابن مسعود. وروي: أن عائشة رضي الله عنها سألت رسول الله ﷺ عن رؤية جبريل فقال: لم أره على صورته إلا هاتين المرتين، رأيته منهبطاً من السماء ساداً عظيم خلقه بين السماء والأرض وقال ابن عباس: رأى ربه بقلبه، فقال له رجل عند ذلك أليس قد قال: ﴿لاَّ تُدْرِكُهُ ٱلأَبْصَٰرُ وَهُوَ يُدْرِكُ ٱلأَبْصَٰرَ﴾ [الأنعام: ١٠٣] فقال له عكرمة: أليس ترى السماء؟ فقال: بلى، قال: أفكلها ترى. ومعنى سدرة المنتهى أي: عند السدرة التي إليها ينتهي علم كل عالم. وقال كعب: هي سدرة في أصل العرش إليها ينتهي علم كل ملك مقرب أو نبي مرسل ما خلفها غيب لا يعلمه إلا الله. وعن كعب أنه قال: إنها سدرة على رؤوس حملة العرش فإليها ينتهي علم الخلائق. وقال عبد الله: هي سدرة في السماء السادسة إليها ينتهي من يعرج من الأرض وإليها ينتهي ما يهبط من فوقها. وقال الضحاك: في سدرة المنتهى: إليها ينتهي كل شيء من أمر الله جل ذكره لا يعدوها. وقيل هي الجنة التي آوى إليها آدم عليه السلام وإنها في السماء الرابعة. وقيل: هي سدرة إليها ينتهي كل من كان على سنّة رسول الله، روى ذلك عن النبي ﷺ وأنه لما انتهى إليها ليلة الإسراء قيل له: إلى هذه السدرة ينتهي كل أحد خلا من أمتك على سنتك. وروى علي بن أبي طالب رضي الله عنه: أن النبي ﷺ قال: في سدرة المنتهى: نَبَقُها كَقِلال هَجَر وقال الربيع بن أنس: إليها تنتهي أرواح الشهداء، فلذلك سميت سدرة المنتهى. وقال قتادة: أخبرني أنس بن مالك عن مالك بن صعصعة أن النبي ﷺ قال: رأيت سدرة منتهاها في السماء السابعة نَبَقُهَا كَقِلالٍ هَجَرَ وورقها كأذان الفيلة يخرج من ساقها نهران باطنان ونهران ظاهران فقال: يا جبريل ما هذا؟ فقال: أما الباطنان ففي الجنة وأما الظاهران فالنيل والفرات وعنه ﷺ أنه قال: في صفتها: يسير الراكب في ظلها سبعين عاماً لا يقطعها وقوله: ﴿عِندَهَا جَنَّةُ ٱلْمَأْوَىٰ﴾ أي: عند سدرة المنتهى جنة مأوى أرواح الشهداء. قال ابن عباس: هي عن يمين العرش وهي منزل الشهداء، وقاله قتادة وغيره. وقرأ ابن الزبير ﴿جَنَّةُ ٱلْمَأْوَىٰ﴾ بالهاء، أي جنهُ المساء عندها أي: عند السدرة. جنَّ المساء يجنُّ: أي: سَتَرَهُ. يقال جنَّه الليل وأَجَنَّه. وأنكر هذه القراءة ابن عباس ودعا على من يقرأ بها، وأنكرتها أيضاً عائشة رضي الله عنها. وقال الفراء هي شاذة. * * ثم قال: ﴿إِذْ يَغْشَىٰ ٱلسِّدْرَةَ مَا يَغْشَىٰ﴾ أي: ولقد رأى محمد جبريل ﷺ في صورته مرة أخرى حين يغشى السدرة ما يغشى. قال عبد الله ومسروق ومجاهد والنخعي: غشي السدرة فراش من ذهب. قال يعقوب بن زيد سئل النبي ﷺ عن قوله تعالى: ﴿إِذْ يَغْشَىٰ ٱلسِّدْرَةَ مَا يَغْشَىٰ﴾. فقال: رأيتها يغشاها فراش من ذهب، ورأيت على كل ورقة من ورقها ملكاً قائماً يسبح الله وقال ابن عباس: غشيها رب القوة. قال مجاهد: كانت (أغصان السدرة) لؤلؤاً وياقوتاً وزبرجداً فرآها محمد ورأى ربه بقلبه. وقال الربيع بن أنس: غشيها نور الرب والملائكة يقعون عليها كما تقع الغربان على الشجر. * * ثم قال: ﴿مَا زَاغَ ٱلْبَصَرُ وَمَا طَغَىٰ﴾ أي: ما مال بصر محمد ﷺ عن ما رأى ولا عدل ولا جاوز ما رأى. قال ابن عباس: معناه ما زاغ بصر محمد يميناً ولا شمالاً، وما طغى: ما جاوز أمر ربه. * * ثم قال: ﴿لَقَدْ رَأَىٰ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ ٱلْكُبْرَىٰ﴾ أي: لقد رأى محمد ﷺ هناك من أعلام ربه سبحانه وأدلته الأدلة الكبرى. إن جعلت "من" زائدة كانت "الكبرى" نعتاً للآيات على اللفظ أو على الموضع، وإن جعلت "من" للتبعيض كانت "الكبرى" في موضع نصب برأَى، والكبرى في الأصل نعت تقديره: لقد رأَى الآية الكبرى من آيات ربه. قال عبد الله: رأَى رفرفاً أخضر من الجنة قد سَدَّ الأُفُق. وقال ابن زيد: رأى جبريل في خلقته التي خلق عليها في السماوات والأرض بينه وبينه قدر قوسين أو أدنى.

النجم 53:7

قوله: ﴿وَٱلنَّجْمِ إِذَا هَوَىٰ﴾ إلى قوله: ﴿مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ ٱلْكُبْرَىٰ﴾ الآيات. قال مجاهد: النجم: الثريا، إذا هوى: إذا سقطت، فالمعنى: ورب الثريا، وعنه أن النجم هنا: القرآن، إذا هوى: إذا نزل، فالمعنى: والقرآن إذا نزل من السماء الدنيا. [قال ابن عباس: والنجم إذا هوى يعني به القرآن إذا نزل من السماء الدنيا]. مثل قوله: ﴿فَلاَ أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ ٱلنُّجُومِ﴾ [الواقعة: ٧٥] أي: أقسم بنزول القرآن من سماء الدنيا. وروى قتادة أن عتبة بن أبي لهب قال: كفرت برب النجم، فقال له النبي ﷺ: أما تخاف أن يأكلك كلب الله فخرج في تجارة إلى اليمن فبينما هم قد عَرَّسُوا إذا سمع صوت الأسد، فقال لأصحابه: أنا مأكول فحدّقوا به وضرب على أصمختهم فناموا فجاء الأسد حتى أخذه فما سمعوا إلا صوته وقال الحسن: أقسم الله تعالى بالنجم إذا غاب. وقال الفراء: أقسم بالقرآن لأنه نزل نجوماً. وقيل: يراد به النجم الذي ترمى به الشياطين. * * وقوله: ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَىٰ﴾ أي: ما جار محمد عن الحق ولا مال عنه، بل هو على استقامة وسداد. * * ومعنى ﴿وَمَا غَوَىٰ﴾: أي: ما خاب فيها طلبه من الرحمة. وقيل: معناه: ما صار غاوياً ولكنه رشيد سديد. يقال: غَوَى يَغْوِي مِنَ الغَيِّ، وغَوَى الفَصِيلُ يَغْوِي إِذَا لم يُرْوَ مِنْ لَبَن أُمِّهِ حَتَّى يَمُوتَ هَزَالاً. * * ثم قال: ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ ٱلْهَوَىٰ﴾ أي: ليس ينطق محمد ﷺ بهذا القرآن عن هواه، بل هو وحي أوحي إليه. وقيل: هو خبر عن القرآن، أي: ما ينطق القرآن عن الهوى، دليله قوله: ﴿إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَىٰ﴾ فهذا هو القرآن بلا اختلاف، وهو قوله: ﴿إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَىٰ﴾ أي: إن هذا القرآن إلا وحي يوحيه الله عز وجل إلى محمد ﷺ مع جبريل عليه السلام، وبين ذلك بقوله: ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ ٱلْقُوَىٰ﴾ أي: علَّم محمداً هذا القرآن ملك شديد القوى هو جبريل ﷺ. قال الفراء وغيره: قالت قريش إنما يقول من تلقائه فنزل تكذيبهم في هذه الآية وعلى هذا التفسير جميع المفسرين من الصحابة والتابعين ومن بعدهم في هذه الآية، والقوى جمع قوة، وقيل: شديد الأسباب. * * ثم قال: ﴿ذُو مِرَّةٍ﴾ قال ابن عباس: ذو منظر حسن. وقال قتادة: ذو خلق طويل حسن. وقال مجاهد: ذو مرة: ذو قوة، وكذلك [قال] سفيان وابن زيد يعني به جبريل ﷺ. وكان الحسن يقول ذو مرة: هو الله عز وجل. وتم الكلام عند قوله: ذو مرة، ثم ابتداء بالفاء فقال: ﴿فَٱسْتَوَىٰ﴾ (أي: استوى جبريل ومحمد بالأفق الأعلى. وقيل: هو الله سبحانه: أي: استوى) على العرش، وكذا أهل التفسير غير الحسن على أنه جبريل. وقيل: ذو مرة: ذو صحة جسم وسلامة من الآفات وهو اختيار الطبري ومنه قول النبي ﷺ: "لا تحل الصدقة لغني ولا لذي مِرَّةٍ سوى وقيل معناه: ذو قوة وشدة يعني جبريل ﷺ. روي: أن من قُوَّته اقتلع مدائن لوط الأربع، في كل مدينة مائة ألف من الناس بمساكنهم وأنعامهم بقادمتي جناحه حتى بلغ تخوم الأرض السابعة السفلى، فاقتلع المدائن من أصولها حتى بلغ بهن قرب سماء الدنيا، فسمع أهل السماء صياح الدجاج ونباح الكلاب ونهيق الحمير، ثم أهوى بها إلى الأرض ثم غشّاها بالحجارة، وهو قوله: ﴿جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ﴾ [هود: ٨٢] وهو قوله في جبريل: ﴿ذِي قُوَّةٍ عِندَ ذِي ٱلْعَرْشِ مَكِينٍ﴾ [التكوير: ٢٠]. * * وقوله: ﴿فَٱسْتَوَىٰ﴾ أي: فاستوى هذا الشديد القوي بصاحبكم محمد ﷺ بالأفق الأعلى، وذلك لما أسري به عليهما السلام، استوى هو وجبريل بمطلع الشمس الأعلى، وهو الأفق الأعلى، وهذا القول قال به الطبري والفراء. وفيه العطف على المضمر المرفوع من غير تأكيد، وهو قبيح عند البصريين. [لأن وهو بالأفق معطوف على المضمر في فاستوى وكان القياس عند البصريين] فاستوى هو، وهو، أي: جبريل والنبي ﷺ. وقال الزجاج: الضمير لجبريل، يعني الضمير في فاستوى، وضمير "هو" كلاهما لجبريل عليه السلام، فلا يلزم في هذا القول عطف على مضمر مرفوع لأن الضميرين لواحد. لكن يكون "وهو بالأفق الأعلى" جملة في موضع الحال من المضمر في "فاستوى" أي: استوى جبريل في حال كونه بالأفق الأعلى. والمعنى: فاستوى جبريل وهو بالأفق الأعلى على صورته لأنه كان يتمثل للنبي على صورة رجل فأحب رسول الله ﷺ أن يراه على صورته، فاستوى في أفق المشرق فملأ الأفق، فالمعنى: فاستوى جبريل عليه السلام في الأفق الأعلى على صورته على قول الزجاج، وأكثر المفسرين عليه، فالمضمر الذي هو في "استوى" لجبريل وقوله "وهو" لجبريل أيضاً، وعلى القول الأول الضمير في "استوى" لجبريل. وقوله: "وهو" لمحمد ﷺ، وقد وقع في العدد: "فاستوى وامرأته" فهذا يدل على أن "فاستوى" يتصل بما قبله. قال قتادة: الأفق: الذي يأتي منه النهار. وقال الحسن: أفق المشرق الأعلى بينهما. * * وقوله: ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّىٰ﴾ أي: ثم دنا جبريل من محمد ﷺ فتدلى إليه. وهو قول قتادة والحسن. وعن ابن عباس: ثم دنا الله تعالى ذكره من محمد فتدلى إليه؛ أي: أمره وحكمه. قال أنس: عرج جبريل برسول الله صلى الله عليهما وسلم ليلة الإسراء إلى السماء السابعة ثم علا به بما لا يعلمه إلا الله عز وجل حتى جاء به سدرة المنتهى ودنا الجبار رب العزة (سبحانه وتعالى) فتدلى حتى كان منه قاب قوسين أو أدنى فأوحى (إليه جل ذكره) ما شاء، وأوحى إليه فيما أوحى خمسين صلاة على أمته في كل يوم وليلة ثم ذكر الحديث بطوله. وقال الفراء: "الفاء" بمعنى "الواو" وتقديره عنده "ثم (دنا وتدلى"، ودنا) يعني جبريل ﷺ وهو عنده مثل قوله تعالى: ﴿ٱقْتَرَبَتِ ٱلسَّاعَةُ وَٱنشَقَّ ٱلْقَمَرُ﴾ [القمر: ١] [أي: انشق القمر واقتربت الساعة، لأن انشقاق القمر من علامة اقتراب الساعة]. وقيل: معناه فكان جبريل من محمد صلى الله عليهما وسلم قاب قوسين أو أدنى. وقاب: معناه قدر، أو أدنى: فمعناه أو أقرب منه، و "أو" هنا جيء بها على ما تعقل العرب من مخاطباتها، والمعنى: فكان على مقدار يقدره الرائي منكم قدر قوسين أو أقل [من] ذلك، فأوحى جبريل إلى محمد ﷺ ما أوحى [الله] إلى جبريل ﷺ. قال سفيان: قوسين: ذراعين، وكذلك روي عن ابن عباس. وقال مجاهد: وقتادة قاب قوسين: مقدار قوسين. وقيل معناه: كان منه على مقدار مثل، حيث يكون الوتر من القوس أو أقل من ذلك. قال عبد الله بن عمر: دنا منه جبريل حتى كان قدر ذراع وذراعين. (قال النبي ﷺ): رأيت جبريل له ست مائة جناح. وقال الكوفيون "أو" بمعنى "الواو". * * وقوله: ﴿فَأَوْحَىٰ إِلَىٰ عَبْدِهِ مَآ أَوْحَىٰ﴾ أوحى الله إلى محمد ﷺ ما شاء. وقيل: أوحى جبريل إلى عبد الله وهو محمد ﷺ ما شاء الله. وقيل معنى الآية: فكان الله جل ذكره من جبريل ﷺ قاب قوسين أو أدنى فأوحى الله إلى عبده جبريل ما شاء ليبلغه إلى محمد ﷺ. وقد تقدم قول من قال هو محمد قرب من ربه سبحانه هذا القرب. وروي أن النبي ﷺ سئل: هل رأيت ربك؟ فقال: لم أره بعيني ولكن رأيته بفؤادي. مرتين ثم تلا ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّىٰ﴾ عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ: لما عرج بي مضى جبريل حتى جاء الجنة قال: فدخلت فأعطيت الكوثر ثم مضى حتى جاء السدرة المنتهى فدنا ربك فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى ثم قال: ﴿مَا كَذَبَ ٱلْفُؤَادُ مَا رَأَىٰ﴾ أي: ما كذب فؤاد محمد على محمد فيما رآه ولكنه صدقه، ومن شدد فمعناه: ما كذب فؤاد محمد الذي رأى. قال ابن عباس: رأى ربه بفؤاده ولم يره بعينه، وقاله عكرمة. قال ابن عباس: اصطفى الله إبراهيم بالمَخَلَّة، واصطفى موسى بالكلام واصطفى محمد بالرؤية. وقال ابن مسعود: الذي رأى فؤاده جبريل، وقاله الحسن وقتادة. قالوا: وهو الذي أراه نزلة أخرى عند سدرة المنتهى. * * وقوله: ﴿أَفَتُمَارُونَهُ عَلَىٰ مَا يَرَىٰ﴾ أي: أفتجادلونه على ما يرى، وقيل: معناه أفتحاجونه على ما يرى، ومن قرأه بغير ألف فمعناه أفتجحدونه على ما يرى). يقال مراني حقي يمْرِيني مَريا، أي: جحدني. * * ثم قال: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَىٰ * عِندَ سِدْرَةِ ٱلْمُنتَهَىٰ﴾ أي: رأى محمد جبريل مرة أخرى في هذا الموضع على صورته قاله مجاهد. وقاله الربيع، وهو قول ابن مسعود. وروي: أن عائشة رضي الله عنها سألت رسول الله ﷺ عن رؤية جبريل فقال: لم أره على صورته إلا هاتين المرتين، رأيته منهبطاً من السماء ساداً عظيم خلقه بين السماء والأرض وقال ابن عباس: رأى ربه بقلبه، فقال له رجل عند ذلك أليس قد قال: ﴿لاَّ تُدْرِكُهُ ٱلأَبْصَٰرُ وَهُوَ يُدْرِكُ ٱلأَبْصَٰرَ﴾ [الأنعام: ١٠٣] فقال له عكرمة: أليس ترى السماء؟ فقال: بلى، قال: أفكلها ترى. ومعنى سدرة المنتهى أي: عند السدرة التي إليها ينتهي علم كل عالم. وقال كعب: هي سدرة في أصل العرش إليها ينتهي علم كل ملك مقرب أو نبي مرسل ما خلفها غيب لا يعلمه إلا الله. وعن كعب أنه قال: إنها سدرة على رؤوس حملة العرش فإليها ينتهي علم الخلائق. وقال عبد الله: هي سدرة في السماء السادسة إليها ينتهي من يعرج من الأرض وإليها ينتهي ما يهبط من فوقها. وقال الضحاك: في سدرة المنتهى: إليها ينتهي كل شيء من أمر الله جل ذكره لا يعدوها. وقيل هي الجنة التي آوى إليها آدم عليه السلام وإنها في السماء الرابعة. وقيل: هي سدرة إليها ينتهي كل من كان على سنّة رسول الله، روى ذلك عن النبي ﷺ وأنه لما انتهى إليها ليلة الإسراء قيل له: إلى هذه السدرة ينتهي كل أحد خلا من أمتك على سنتك. وروى علي بن أبي طالب رضي الله عنه: أن النبي ﷺ قال: في سدرة المنتهى: نَبَقُها كَقِلال هَجَر وقال الربيع بن أنس: إليها تنتهي أرواح الشهداء، فلذلك سميت سدرة المنتهى. وقال قتادة: أخبرني أنس بن مالك عن مالك بن صعصعة أن النبي ﷺ قال: رأيت سدرة منتهاها في السماء السابعة نَبَقُهَا كَقِلالٍ هَجَرَ وورقها كأذان الفيلة يخرج من ساقها نهران باطنان ونهران ظاهران فقال: يا جبريل ما هذا؟ فقال: أما الباطنان ففي الجنة وأما الظاهران فالنيل والفرات وعنه ﷺ أنه قال: في صفتها: يسير الراكب في ظلها سبعين عاماً لا يقطعها وقوله: ﴿عِندَهَا جَنَّةُ ٱلْمَأْوَىٰ﴾ أي: عند سدرة المنتهى جنة مأوى أرواح الشهداء. قال ابن عباس: هي عن يمين العرش وهي منزل الشهداء، وقاله قتادة وغيره. وقرأ ابن الزبير ﴿جَنَّةُ ٱلْمَأْوَىٰ﴾ بالهاء، أي جنهُ المساء عندها أي: عند السدرة. جنَّ المساء يجنُّ: أي: سَتَرَهُ. يقال جنَّه الليل وأَجَنَّه. وأنكر هذه القراءة ابن عباس ودعا على من يقرأ بها، وأنكرتها أيضاً عائشة رضي الله عنها. وقال الفراء هي شاذة. * * ثم قال: ﴿إِذْ يَغْشَىٰ ٱلسِّدْرَةَ مَا يَغْشَىٰ﴾ أي: ولقد رأى محمد جبريل ﷺ في صورته مرة أخرى حين يغشى السدرة ما يغشى. قال عبد الله ومسروق ومجاهد والنخعي: غشي السدرة فراش من ذهب. قال يعقوب بن زيد سئل النبي ﷺ عن قوله تعالى: ﴿إِذْ يَغْشَىٰ ٱلسِّدْرَةَ مَا يَغْشَىٰ﴾. فقال: رأيتها يغشاها فراش من ذهب، ورأيت على كل ورقة من ورقها ملكاً قائماً يسبح الله وقال ابن عباس: غشيها رب القوة. قال مجاهد: كانت (أغصان السدرة) لؤلؤاً وياقوتاً وزبرجداً فرآها محمد ورأى ربه بقلبه. وقال الربيع بن أنس: غشيها نور الرب والملائكة يقعون عليها كما تقع الغربان على الشجر. * * ثم قال: ﴿مَا زَاغَ ٱلْبَصَرُ وَمَا طَغَىٰ﴾ أي: ما مال بصر محمد ﷺ عن ما رأى ولا عدل ولا جاوز ما رأى. قال ابن عباس: معناه ما زاغ بصر محمد يميناً ولا شمالاً، وما طغى: ما جاوز أمر ربه. * * ثم قال: ﴿لَقَدْ رَأَىٰ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ ٱلْكُبْرَىٰ﴾ أي: لقد رأى محمد ﷺ هناك من أعلام ربه سبحانه وأدلته الأدلة الكبرى. إن جعلت "من" زائدة كانت "الكبرى" نعتاً للآيات على اللفظ أو على الموضع، وإن جعلت "من" للتبعيض كانت "الكبرى" في موضع نصب برأَى، والكبرى في الأصل نعت تقديره: لقد رأَى الآية الكبرى من آيات ربه. قال عبد الله: رأَى رفرفاً أخضر من الجنة قد سَدَّ الأُفُق. وقال ابن زيد: رأى جبريل في خلقته التي خلق عليها في السماوات والأرض بينه وبينه قدر قوسين أو أدنى.

النجم 53:8

قوله: ﴿وَٱلنَّجْمِ إِذَا هَوَىٰ﴾ إلى قوله: ﴿مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ ٱلْكُبْرَىٰ﴾ الآيات. قال مجاهد: النجم: الثريا، إذا هوى: إذا سقطت، فالمعنى: ورب الثريا، وعنه أن النجم هنا: القرآن، إذا هوى: إذا نزل، فالمعنى: والقرآن إذا نزل من السماء الدنيا. [قال ابن عباس: والنجم إذا هوى يعني به القرآن إذا نزل من السماء الدنيا]. مثل قوله: ﴿فَلاَ أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ ٱلنُّجُومِ﴾ [الواقعة: ٧٥] أي: أقسم بنزول القرآن من سماء الدنيا. وروى قتادة أن عتبة بن أبي لهب قال: كفرت برب النجم، فقال له النبي ﷺ: أما تخاف أن يأكلك كلب الله فخرج في تجارة إلى اليمن فبينما هم قد عَرَّسُوا إذا سمع صوت الأسد، فقال لأصحابه: أنا مأكول فحدّقوا به وضرب على أصمختهم فناموا فجاء الأسد حتى أخذه فما سمعوا إلا صوته وقال الحسن: أقسم الله تعالى بالنجم إذا غاب. وقال الفراء: أقسم بالقرآن لأنه نزل نجوماً. وقيل: يراد به النجم الذي ترمى به الشياطين. * * وقوله: ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَىٰ﴾ أي: ما جار محمد عن الحق ولا مال عنه، بل هو على استقامة وسداد. * * ومعنى ﴿وَمَا غَوَىٰ﴾: أي: ما خاب فيها طلبه من الرحمة. وقيل: معناه: ما صار غاوياً ولكنه رشيد سديد. يقال: غَوَى يَغْوِي مِنَ الغَيِّ، وغَوَى الفَصِيلُ يَغْوِي إِذَا لم يُرْوَ مِنْ لَبَن أُمِّهِ حَتَّى يَمُوتَ هَزَالاً. * * ثم قال: ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ ٱلْهَوَىٰ﴾ أي: ليس ينطق محمد ﷺ بهذا القرآن عن هواه، بل هو وحي أوحي إليه. وقيل: هو خبر عن القرآن، أي: ما ينطق القرآن عن الهوى، دليله قوله: ﴿إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَىٰ﴾ فهذا هو القرآن بلا اختلاف، وهو قوله: ﴿إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَىٰ﴾ أي: إن هذا القرآن إلا وحي يوحيه الله عز وجل إلى محمد ﷺ مع جبريل عليه السلام، وبين ذلك بقوله: ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ ٱلْقُوَىٰ﴾ أي: علَّم محمداً هذا القرآن ملك شديد القوى هو جبريل ﷺ. قال الفراء وغيره: قالت قريش إنما يقول من تلقائه فنزل تكذيبهم في هذه الآية وعلى هذا التفسير جميع المفسرين من الصحابة والتابعين ومن بعدهم في هذه الآية، والقوى جمع قوة، وقيل: شديد الأسباب. * * ثم قال: ﴿ذُو مِرَّةٍ﴾ قال ابن عباس: ذو منظر حسن. وقال قتادة: ذو خلق طويل حسن. وقال مجاهد: ذو مرة: ذو قوة، وكذلك [قال] سفيان وابن زيد يعني به جبريل ﷺ. وكان الحسن يقول ذو مرة: هو الله عز وجل. وتم الكلام عند قوله: ذو مرة، ثم ابتداء بالفاء فقال: ﴿فَٱسْتَوَىٰ﴾ (أي: استوى جبريل ومحمد بالأفق الأعلى. وقيل: هو الله سبحانه: أي: استوى) على العرش، وكذا أهل التفسير غير الحسن على أنه جبريل. وقيل: ذو مرة: ذو صحة جسم وسلامة من الآفات وهو اختيار الطبري ومنه قول النبي ﷺ: "لا تحل الصدقة لغني ولا لذي مِرَّةٍ سوى وقيل معناه: ذو قوة وشدة يعني جبريل ﷺ. روي: أن من قُوَّته اقتلع مدائن لوط الأربع، في كل مدينة مائة ألف من الناس بمساكنهم وأنعامهم بقادمتي جناحه حتى بلغ تخوم الأرض السابعة السفلى، فاقتلع المدائن من أصولها حتى بلغ بهن قرب سماء الدنيا، فسمع أهل السماء صياح الدجاج ونباح الكلاب ونهيق الحمير، ثم أهوى بها إلى الأرض ثم غشّاها بالحجارة، وهو قوله: ﴿جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ﴾ [هود: ٨٢] وهو قوله في جبريل: ﴿ذِي قُوَّةٍ عِندَ ذِي ٱلْعَرْشِ مَكِينٍ﴾ [التكوير: ٢٠]. * * وقوله: ﴿فَٱسْتَوَىٰ﴾ أي: فاستوى هذا الشديد القوي بصاحبكم محمد ﷺ بالأفق الأعلى، وذلك لما أسري به عليهما السلام، استوى هو وجبريل بمطلع الشمس الأعلى، وهو الأفق الأعلى، وهذا القول قال به الطبري والفراء. وفيه العطف على المضمر المرفوع من غير تأكيد، وهو قبيح عند البصريين. [لأن وهو بالأفق معطوف على المضمر في فاستوى وكان القياس عند البصريين] فاستوى هو، وهو، أي: جبريل والنبي ﷺ. وقال الزجاج: الضمير لجبريل، يعني الضمير في فاستوى، وضمير "هو" كلاهما لجبريل عليه السلام، فلا يلزم في هذا القول عطف على مضمر مرفوع لأن الضميرين لواحد. لكن يكون "وهو بالأفق الأعلى" جملة في موضع الحال من المضمر في "فاستوى" أي: استوى جبريل في حال كونه بالأفق الأعلى. والمعنى: فاستوى جبريل وهو بالأفق الأعلى على صورته لأنه كان يتمثل للنبي على صورة رجل فأحب رسول الله ﷺ أن يراه على صورته، فاستوى في أفق المشرق فملأ الأفق، فالمعنى: فاستوى جبريل عليه السلام في الأفق الأعلى على صورته على قول الزجاج، وأكثر المفسرين عليه، فالمضمر الذي هو في "استوى" لجبريل وقوله "وهو" لجبريل أيضاً، وعلى القول الأول الضمير في "استوى" لجبريل. وقوله: "وهو" لمحمد ﷺ، وقد وقع في العدد: "فاستوى وامرأته" فهذا يدل على أن "فاستوى" يتصل بما قبله. قال قتادة: الأفق: الذي يأتي منه النهار. وقال الحسن: أفق المشرق الأعلى بينهما. * * وقوله: ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّىٰ﴾ أي: ثم دنا جبريل من محمد ﷺ فتدلى إليه. وهو قول قتادة والحسن. وعن ابن عباس: ثم دنا الله تعالى ذكره من محمد فتدلى إليه؛ أي: أمره وحكمه. قال أنس: عرج جبريل برسول الله صلى الله عليهما وسلم ليلة الإسراء إلى السماء السابعة ثم علا به بما لا يعلمه إلا الله عز وجل حتى جاء به سدرة المنتهى ودنا الجبار رب العزة (سبحانه وتعالى) فتدلى حتى كان منه قاب قوسين أو أدنى فأوحى (إليه جل ذكره) ما شاء، وأوحى إليه فيما أوحى خمسين صلاة على أمته في كل يوم وليلة ثم ذكر الحديث بطوله. وقال الفراء: "الفاء" بمعنى "الواو" وتقديره عنده "ثم (دنا وتدلى"، ودنا) يعني جبريل ﷺ وهو عنده مثل قوله تعالى: ﴿ٱقْتَرَبَتِ ٱلسَّاعَةُ وَٱنشَقَّ ٱلْقَمَرُ﴾ [القمر: ١] [أي: انشق القمر واقتربت الساعة، لأن انشقاق القمر من علامة اقتراب الساعة]. وقيل: معناه فكان جبريل من محمد صلى الله عليهما وسلم قاب قوسين أو أدنى. وقاب: معناه قدر، أو أدنى: فمعناه أو أقرب منه، و "أو" هنا جيء بها على ما تعقل العرب من مخاطباتها، والمعنى: فكان على مقدار يقدره الرائي منكم قدر قوسين أو أقل [من] ذلك، فأوحى جبريل إلى محمد ﷺ ما أوحى [الله] إلى جبريل ﷺ. قال سفيان: قوسين: ذراعين، وكذلك روي عن ابن عباس. وقال مجاهد: وقتادة قاب قوسين: مقدار قوسين. وقيل معناه: كان منه على مقدار مثل، حيث يكون الوتر من القوس أو أقل من ذلك. قال عبد الله بن عمر: دنا منه جبريل حتى كان قدر ذراع وذراعين. (قال النبي ﷺ): رأيت جبريل له ست مائة جناح. وقال الكوفيون "أو" بمعنى "الواو". * * وقوله: ﴿فَأَوْحَىٰ إِلَىٰ عَبْدِهِ مَآ أَوْحَىٰ﴾ أوحى الله إلى محمد ﷺ ما شاء. وقيل: أوحى جبريل إلى عبد الله وهو محمد ﷺ ما شاء الله. وقيل معنى الآية: فكان الله جل ذكره من جبريل ﷺ قاب قوسين أو أدنى فأوحى الله إلى عبده جبريل ما شاء ليبلغه إلى محمد ﷺ. وقد تقدم قول من قال هو محمد قرب من ربه سبحانه هذا القرب. وروي أن النبي ﷺ سئل: هل رأيت ربك؟ فقال: لم أره بعيني ولكن رأيته بفؤادي. مرتين ثم تلا ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّىٰ﴾ عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ: لما عرج بي مضى جبريل حتى جاء الجنة قال: فدخلت فأعطيت الكوثر ثم مضى حتى جاء السدرة المنتهى فدنا ربك فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى ثم قال: ﴿مَا كَذَبَ ٱلْفُؤَادُ مَا رَأَىٰ﴾ أي: ما كذب فؤاد محمد على محمد فيما رآه ولكنه صدقه، ومن شدد فمعناه: ما كذب فؤاد محمد الذي رأى. قال ابن عباس: رأى ربه بفؤاده ولم يره بعينه، وقاله عكرمة. قال ابن عباس: اصطفى الله إبراهيم بالمَخَلَّة، واصطفى موسى بالكلام واصطفى محمد بالرؤية. وقال ابن مسعود: الذي رأى فؤاده جبريل، وقاله الحسن وقتادة. قالوا: وهو الذي أراه نزلة أخرى عند سدرة المنتهى. * * وقوله: ﴿أَفَتُمَارُونَهُ عَلَىٰ مَا يَرَىٰ﴾ أي: أفتجادلونه على ما يرى، وقيل: معناه أفتحاجونه على ما يرى، ومن قرأه بغير ألف فمعناه أفتجحدونه على ما يرى). يقال مراني حقي يمْرِيني مَريا، أي: جحدني. * * ثم قال: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَىٰ * عِندَ سِدْرَةِ ٱلْمُنتَهَىٰ﴾ أي: رأى محمد جبريل مرة أخرى في هذا الموضع على صورته قاله مجاهد. وقاله الربيع، وهو قول ابن مسعود. وروي: أن عائشة رضي الله عنها سألت رسول الله ﷺ عن رؤية جبريل فقال: لم أره على صورته إلا هاتين المرتين، رأيته منهبطاً من السماء ساداً عظيم خلقه بين السماء والأرض وقال ابن عباس: رأى ربه بقلبه، فقال له رجل عند ذلك أليس قد قال: ﴿لاَّ تُدْرِكُهُ ٱلأَبْصَٰرُ وَهُوَ يُدْرِكُ ٱلأَبْصَٰرَ﴾ [الأنعام: ١٠٣] فقال له عكرمة: أليس ترى السماء؟ فقال: بلى، قال: أفكلها ترى. ومعنى سدرة المنتهى أي: عند السدرة التي إليها ينتهي علم كل عالم. وقال كعب: هي سدرة في أصل العرش إليها ينتهي علم كل ملك مقرب أو نبي مرسل ما خلفها غيب لا يعلمه إلا الله. وعن كعب أنه قال: إنها سدرة على رؤوس حملة العرش فإليها ينتهي علم الخلائق. وقال عبد الله: هي سدرة في السماء السادسة إليها ينتهي من يعرج من الأرض وإليها ينتهي ما يهبط من فوقها. وقال الضحاك: في سدرة المنتهى: إليها ينتهي كل شيء من أمر الله جل ذكره لا يعدوها. وقيل هي الجنة التي آوى إليها آدم عليه السلام وإنها في السماء الرابعة. وقيل: هي سدرة إليها ينتهي كل من كان على سنّة رسول الله، روى ذلك عن النبي ﷺ وأنه لما انتهى إليها ليلة الإسراء قيل له: إلى هذه السدرة ينتهي كل أحد خلا من أمتك على سنتك. وروى علي بن أبي طالب رضي الله عنه: أن النبي ﷺ قال: في سدرة المنتهى: نَبَقُها كَقِلال هَجَر وقال الربيع بن أنس: إليها تنتهي أرواح الشهداء، فلذلك سميت سدرة المنتهى. وقال قتادة: أخبرني أنس بن مالك عن مالك بن صعصعة أن النبي ﷺ قال: رأيت سدرة منتهاها في السماء السابعة نَبَقُهَا كَقِلالٍ هَجَرَ وورقها كأذان الفيلة يخرج من ساقها نهران باطنان ونهران ظاهران فقال: يا جبريل ما هذا؟ فقال: أما الباطنان ففي الجنة وأما الظاهران فالنيل والفرات وعنه ﷺ أنه قال: في صفتها: يسير الراكب في ظلها سبعين عاماً لا يقطعها وقوله: ﴿عِندَهَا جَنَّةُ ٱلْمَأْوَىٰ﴾ أي: عند سدرة المنتهى جنة مأوى أرواح الشهداء. قال ابن عباس: هي عن يمين العرش وهي منزل الشهداء، وقاله قتادة وغيره. وقرأ ابن الزبير ﴿جَنَّةُ ٱلْمَأْوَىٰ﴾ بالهاء، أي جنهُ المساء عندها أي: عند السدرة. جنَّ المساء يجنُّ: أي: سَتَرَهُ. يقال جنَّه الليل وأَجَنَّه. وأنكر هذه القراءة ابن عباس ودعا على من يقرأ بها، وأنكرتها أيضاً عائشة رضي الله عنها. وقال الفراء هي شاذة. * * ثم قال: ﴿إِذْ يَغْشَىٰ ٱلسِّدْرَةَ مَا يَغْشَىٰ﴾ أي: ولقد رأى محمد جبريل ﷺ في صورته مرة أخرى حين يغشى السدرة ما يغشى. قال عبد الله ومسروق ومجاهد والنخعي: غشي السدرة فراش من ذهب. قال يعقوب بن زيد سئل النبي ﷺ عن قوله تعالى: ﴿إِذْ يَغْشَىٰ ٱلسِّدْرَةَ مَا يَغْشَىٰ﴾. فقال: رأيتها يغشاها فراش من ذهب، ورأيت على كل ورقة من ورقها ملكاً قائماً يسبح الله وقال ابن عباس: غشيها رب القوة. قال مجاهد: كانت (أغصان السدرة) لؤلؤاً وياقوتاً وزبرجداً فرآها محمد ورأى ربه بقلبه. وقال الربيع بن أنس: غشيها نور الرب والملائكة يقعون عليها كما تقع الغربان على الشجر. * * ثم قال: ﴿مَا زَاغَ ٱلْبَصَرُ وَمَا طَغَىٰ﴾ أي: ما مال بصر محمد ﷺ عن ما رأى ولا عدل ولا جاوز ما رأى. قال ابن عباس: معناه ما زاغ بصر محمد يميناً ولا شمالاً، وما طغى: ما جاوز أمر ربه. * * ثم قال: ﴿لَقَدْ رَأَىٰ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ ٱلْكُبْرَىٰ﴾ أي: لقد رأى محمد ﷺ هناك من أعلام ربه سبحانه وأدلته الأدلة الكبرى. إن جعلت "من" زائدة كانت "الكبرى" نعتاً للآيات على اللفظ أو على الموضع، وإن جعلت "من" للتبعيض كانت "الكبرى" في موضع نصب برأَى، والكبرى في الأصل نعت تقديره: لقد رأَى الآية الكبرى من آيات ربه. قال عبد الله: رأَى رفرفاً أخضر من الجنة قد سَدَّ الأُفُق. وقال ابن زيد: رأى جبريل في خلقته التي خلق عليها في السماوات والأرض بينه وبينه قدر قوسين أو أدنى.

النجم 53:9

قوله: ﴿وَٱلنَّجْمِ إِذَا هَوَىٰ﴾ إلى قوله: ﴿مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ ٱلْكُبْرَىٰ﴾ الآيات. قال مجاهد: النجم: الثريا، إذا هوى: إذا سقطت، فالمعنى: ورب الثريا، وعنه أن النجم هنا: القرآن، إذا هوى: إذا نزل، فالمعنى: والقرآن إذا نزل من السماء الدنيا. [قال ابن عباس: والنجم إذا هوى يعني به القرآن إذا نزل من السماء الدنيا]. مثل قوله: ﴿فَلاَ أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ ٱلنُّجُومِ﴾ [الواقعة: ٧٥] أي: أقسم بنزول القرآن من سماء الدنيا. وروى قتادة أن عتبة بن أبي لهب قال: كفرت برب النجم، فقال له النبي ﷺ: أما تخاف أن يأكلك كلب الله فخرج في تجارة إلى اليمن فبينما هم قد عَرَّسُوا إذا سمع صوت الأسد، فقال لأصحابه: أنا مأكول فحدّقوا به وضرب على أصمختهم فناموا فجاء الأسد حتى أخذه فما سمعوا إلا صوته وقال الحسن: أقسم الله تعالى بالنجم إذا غاب. وقال الفراء: أقسم بالقرآن لأنه نزل نجوماً. وقيل: يراد به النجم الذي ترمى به الشياطين. * * وقوله: ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَىٰ﴾ أي: ما جار محمد عن الحق ولا مال عنه، بل هو على استقامة وسداد. * * ومعنى ﴿وَمَا غَوَىٰ﴾: أي: ما خاب فيها طلبه من الرحمة. وقيل: معناه: ما صار غاوياً ولكنه رشيد سديد. يقال: غَوَى يَغْوِي مِنَ الغَيِّ، وغَوَى الفَصِيلُ يَغْوِي إِذَا لم يُرْوَ مِنْ لَبَن أُمِّهِ حَتَّى يَمُوتَ هَزَالاً. * * ثم قال: ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ ٱلْهَوَىٰ﴾ أي: ليس ينطق محمد ﷺ بهذا القرآن عن هواه، بل هو وحي أوحي إليه. وقيل: هو خبر عن القرآن، أي: ما ينطق القرآن عن الهوى، دليله قوله: ﴿إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَىٰ﴾ فهذا هو القرآن بلا اختلاف، وهو قوله: ﴿إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَىٰ﴾ أي: إن هذا القرآن إلا وحي يوحيه الله عز وجل إلى محمد ﷺ مع جبريل عليه السلام، وبين ذلك بقوله: ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ ٱلْقُوَىٰ﴾ أي: علَّم محمداً هذا القرآن ملك شديد القوى هو جبريل ﷺ. قال الفراء وغيره: قالت قريش إنما يقول من تلقائه فنزل تكذيبهم في هذه الآية وعلى هذا التفسير جميع المفسرين من الصحابة والتابعين ومن بعدهم في هذه الآية، والقوى جمع قوة، وقيل: شديد الأسباب. * * ثم قال: ﴿ذُو مِرَّةٍ﴾ قال ابن عباس: ذو منظر حسن. وقال قتادة: ذو خلق طويل حسن. وقال مجاهد: ذو مرة: ذو قوة، وكذلك [قال] سفيان وابن زيد يعني به جبريل ﷺ. وكان الحسن يقول ذو مرة: هو الله عز وجل. وتم الكلام عند قوله: ذو مرة، ثم ابتداء بالفاء فقال: ﴿فَٱسْتَوَىٰ﴾ (أي: استوى جبريل ومحمد بالأفق الأعلى. وقيل: هو الله سبحانه: أي: استوى) على العرش، وكذا أهل التفسير غير الحسن على أنه جبريل. وقيل: ذو مرة: ذو صحة جسم وسلامة من الآفات وهو اختيار الطبري ومنه قول النبي ﷺ: "لا تحل الصدقة لغني ولا لذي مِرَّةٍ سوى وقيل معناه: ذو قوة وشدة يعني جبريل ﷺ. روي: أن من قُوَّته اقتلع مدائن لوط الأربع، في كل مدينة مائة ألف من الناس بمساكنهم وأنعامهم بقادمتي جناحه حتى بلغ تخوم الأرض السابعة السفلى، فاقتلع المدائن من أصولها حتى بلغ بهن قرب سماء الدنيا، فسمع أهل السماء صياح الدجاج ونباح الكلاب ونهيق الحمير، ثم أهوى بها إلى الأرض ثم غشّاها بالحجارة، وهو قوله: ﴿جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ﴾ [هود: ٨٢] وهو قوله في جبريل: ﴿ذِي قُوَّةٍ عِندَ ذِي ٱلْعَرْشِ مَكِينٍ﴾ [التكوير: ٢٠]. * * وقوله: ﴿فَٱسْتَوَىٰ﴾ أي: فاستوى هذا الشديد القوي بصاحبكم محمد ﷺ بالأفق الأعلى، وذلك لما أسري به عليهما السلام، استوى هو وجبريل بمطلع الشمس الأعلى، وهو الأفق الأعلى، وهذا القول قال به الطبري والفراء. وفيه العطف على المضمر المرفوع من غير تأكيد، وهو قبيح عند البصريين. [لأن وهو بالأفق معطوف على المضمر في فاستوى وكان القياس عند البصريين] فاستوى هو، وهو، أي: جبريل والنبي ﷺ. وقال الزجاج: الضمير لجبريل، يعني الضمير في فاستوى، وضمير "هو" كلاهما لجبريل عليه السلام، فلا يلزم في هذا القول عطف على مضمر مرفوع لأن الضميرين لواحد. لكن يكون "وهو بالأفق الأعلى" جملة في موضع الحال من المضمر في "فاستوى" أي: استوى جبريل في حال كونه بالأفق الأعلى. والمعنى: فاستوى جبريل وهو بالأفق الأعلى على صورته لأنه كان يتمثل للنبي على صورة رجل فأحب رسول الله ﷺ أن يراه على صورته، فاستوى في أفق المشرق فملأ الأفق، فالمعنى: فاستوى جبريل عليه السلام في الأفق الأعلى على صورته على قول الزجاج، وأكثر المفسرين عليه، فالمضمر الذي هو في "استوى" لجبريل وقوله "وهو" لجبريل أيضاً، وعلى القول الأول الضمير في "استوى" لجبريل. وقوله: "وهو" لمحمد ﷺ، وقد وقع في العدد: "فاستوى وامرأته" فهذا يدل على أن "فاستوى" يتصل بما قبله. قال قتادة: الأفق: الذي يأتي منه النهار. وقال الحسن: أفق المشرق الأعلى بينهما. * * وقوله: ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّىٰ﴾ أي: ثم دنا جبريل من محمد ﷺ فتدلى إليه. وهو قول قتادة والحسن. وعن ابن عباس: ثم دنا الله تعالى ذكره من محمد فتدلى إليه؛ أي: أمره وحكمه. قال أنس: عرج جبريل برسول الله صلى الله عليهما وسلم ليلة الإسراء إلى السماء السابعة ثم علا به بما لا يعلمه إلا الله عز وجل حتى جاء به سدرة المنتهى ودنا الجبار رب العزة (سبحانه وتعالى) فتدلى حتى كان منه قاب قوسين أو أدنى فأوحى (إليه جل ذكره) ما شاء، وأوحى إليه فيما أوحى خمسين صلاة على أمته في كل يوم وليلة ثم ذكر الحديث بطوله. وقال الفراء: "الفاء" بمعنى "الواو" وتقديره عنده "ثم (دنا وتدلى"، ودنا) يعني جبريل ﷺ وهو عنده مثل قوله تعالى: ﴿ٱقْتَرَبَتِ ٱلسَّاعَةُ وَٱنشَقَّ ٱلْقَمَرُ﴾ [القمر: ١] [أي: انشق القمر واقتربت الساعة، لأن انشقاق القمر من علامة اقتراب الساعة]. وقيل: معناه فكان جبريل من محمد صلى الله عليهما وسلم قاب قوسين أو أدنى. وقاب: معناه قدر، أو أدنى: فمعناه أو أقرب منه، و "أو" هنا جيء بها على ما تعقل العرب من مخاطباتها، والمعنى: فكان على مقدار يقدره الرائي منكم قدر قوسين أو أقل [من] ذلك، فأوحى جبريل إلى محمد ﷺ ما أوحى [الله] إلى جبريل ﷺ. قال سفيان: قوسين: ذراعين، وكذلك روي عن ابن عباس. وقال مجاهد: وقتادة قاب قوسين: مقدار قوسين. وقيل معناه: كان منه على مقدار مثل، حيث يكون الوتر من القوس أو أقل من ذلك. قال عبد الله بن عمر: دنا منه جبريل حتى كان قدر ذراع وذراعين. (قال النبي ﷺ): رأيت جبريل له ست مائة جناح. وقال الكوفيون "أو" بمعنى "الواو". * * وقوله: ﴿فَأَوْحَىٰ إِلَىٰ عَبْدِهِ مَآ أَوْحَىٰ﴾ أوحى الله إلى محمد ﷺ ما شاء. وقيل: أوحى جبريل إلى عبد الله وهو محمد ﷺ ما شاء الله. وقيل معنى الآية: فكان الله جل ذكره من جبريل ﷺ قاب قوسين أو أدنى فأوحى الله إلى عبده جبريل ما شاء ليبلغه إلى محمد ﷺ. وقد تقدم قول من قال هو محمد قرب من ربه سبحانه هذا القرب. وروي أن النبي ﷺ سئل: هل رأيت ربك؟ فقال: لم أره بعيني ولكن رأيته بفؤادي. مرتين ثم تلا ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّىٰ﴾ عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ: لما عرج بي مضى جبريل حتى جاء الجنة قال: فدخلت فأعطيت الكوثر ثم مضى حتى جاء السدرة المنتهى فدنا ربك فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى ثم قال: ﴿مَا كَذَبَ ٱلْفُؤَادُ مَا رَأَىٰ﴾ أي: ما كذب فؤاد محمد على محمد فيما رآه ولكنه صدقه، ومن شدد فمعناه: ما كذب فؤاد محمد الذي رأى. قال ابن عباس: رأى ربه بفؤاده ولم يره بعينه، وقاله عكرمة. قال ابن عباس: اصطفى الله إبراهيم بالمَخَلَّة، واصطفى موسى بالكلام واصطفى محمد بالرؤية. وقال ابن مسعود: الذي رأى فؤاده جبريل، وقاله الحسن وقتادة. قالوا: وهو الذي أراه نزلة أخرى عند سدرة المنتهى. * * وقوله: ﴿أَفَتُمَارُونَهُ عَلَىٰ مَا يَرَىٰ﴾ أي: أفتجادلونه على ما يرى، وقيل: معناه أفتحاجونه على ما يرى، ومن قرأه بغير ألف فمعناه أفتجحدونه على ما يرى). يقال مراني حقي يمْرِيني مَريا، أي: جحدني. * * ثم قال: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَىٰ * عِندَ سِدْرَةِ ٱلْمُنتَهَىٰ﴾ أي: رأى محمد جبريل مرة أخرى في هذا الموضع على صورته قاله مجاهد. وقاله الربيع، وهو قول ابن مسعود. وروي: أن عائشة رضي الله عنها سألت رسول الله ﷺ عن رؤية جبريل فقال: لم أره على صورته إلا هاتين المرتين، رأيته منهبطاً من السماء ساداً عظيم خلقه بين السماء والأرض وقال ابن عباس: رأى ربه بقلبه، فقال له رجل عند ذلك أليس قد قال: ﴿لاَّ تُدْرِكُهُ ٱلأَبْصَٰرُ وَهُوَ يُدْرِكُ ٱلأَبْصَٰرَ﴾ [الأنعام: ١٠٣] فقال له عكرمة: أليس ترى السماء؟ فقال: بلى، قال: أفكلها ترى. ومعنى سدرة المنتهى أي: عند السدرة التي إليها ينتهي علم كل عالم. وقال كعب: هي سدرة في أصل العرش إليها ينتهي علم كل ملك مقرب أو نبي مرسل ما خلفها غيب لا يعلمه إلا الله. وعن كعب أنه قال: إنها سدرة على رؤوس حملة العرش فإليها ينتهي علم الخلائق. وقال عبد الله: هي سدرة في السماء السادسة إليها ينتهي من يعرج من الأرض وإليها ينتهي ما يهبط من فوقها. وقال الضحاك: في سدرة المنتهى: إليها ينتهي كل شيء من أمر الله جل ذكره لا يعدوها. وقيل هي الجنة التي آوى إليها آدم عليه السلام وإنها في السماء الرابعة. وقيل: هي سدرة إليها ينتهي كل من كان على سنّة رسول الله، روى ذلك عن النبي ﷺ وأنه لما انتهى إليها ليلة الإسراء قيل له: إلى هذه السدرة ينتهي كل أحد خلا من أمتك على سنتك. وروى علي بن أبي طالب رضي الله عنه: أن النبي ﷺ قال: في سدرة المنتهى: نَبَقُها كَقِلال هَجَر وقال الربيع بن أنس: إليها تنتهي أرواح الشهداء، فلذلك سميت سدرة المنتهى. وقال قتادة: أخبرني أنس بن مالك عن مالك بن صعصعة أن النبي ﷺ قال: رأيت سدرة منتهاها في السماء السابعة نَبَقُهَا كَقِلالٍ هَجَرَ وورقها كأذان الفيلة يخرج من ساقها نهران باطنان ونهران ظاهران فقال: يا جبريل ما هذا؟ فقال: أما الباطنان ففي الجنة وأما الظاهران فالنيل والفرات وعنه ﷺ أنه قال: في صفتها: يسير الراكب في ظلها سبعين عاماً لا يقطعها وقوله: ﴿عِندَهَا جَنَّةُ ٱلْمَأْوَىٰ﴾ أي: عند سدرة المنتهى جنة مأوى أرواح الشهداء. قال ابن عباس: هي عن يمين العرش وهي منزل الشهداء، وقاله قتادة وغيره. وقرأ ابن الزبير ﴿جَنَّةُ ٱلْمَأْوَىٰ﴾ بالهاء، أي جنهُ المساء عندها أي: عند السدرة. جنَّ المساء يجنُّ: أي: سَتَرَهُ. يقال جنَّه الليل وأَجَنَّه. وأنكر هذه القراءة ابن عباس ودعا على من يقرأ بها، وأنكرتها أيضاً عائشة رضي الله عنها. وقال الفراء هي شاذة. * * ثم قال: ﴿إِذْ يَغْشَىٰ ٱلسِّدْرَةَ مَا يَغْشَىٰ﴾ أي: ولقد رأى محمد جبريل ﷺ في صورته مرة أخرى حين يغشى السدرة ما يغشى. قال عبد الله ومسروق ومجاهد والنخعي: غشي السدرة فراش من ذهب. قال يعقوب بن زيد سئل النبي ﷺ عن قوله تعالى: ﴿إِذْ يَغْشَىٰ ٱلسِّدْرَةَ مَا يَغْشَىٰ﴾. فقال: رأيتها يغشاها فراش من ذهب، ورأيت على كل ورقة من ورقها ملكاً قائماً يسبح الله وقال ابن عباس: غشيها رب القوة. قال مجاهد: كانت (أغصان السدرة) لؤلؤاً وياقوتاً وزبرجداً فرآها محمد ورأى ربه بقلبه. وقال الربيع بن أنس: غشيها نور الرب والملائكة يقعون عليها كما تقع الغربان على الشجر. * * ثم قال: ﴿مَا زَاغَ ٱلْبَصَرُ وَمَا طَغَىٰ﴾ أي: ما مال بصر محمد ﷺ عن ما رأى ولا عدل ولا جاوز ما رأى. قال ابن عباس: معناه ما زاغ بصر محمد يميناً ولا شمالاً، وما طغى: ما جاوز أمر ربه. * * ثم قال: ﴿لَقَدْ رَأَىٰ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ ٱلْكُبْرَىٰ﴾ أي: لقد رأى محمد ﷺ هناك من أعلام ربه سبحانه وأدلته الأدلة الكبرى. إن جعلت "من" زائدة كانت "الكبرى" نعتاً للآيات على اللفظ أو على الموضع، وإن جعلت "من" للتبعيض كانت "الكبرى" في موضع نصب برأَى، والكبرى في الأصل نعت تقديره: لقد رأَى الآية الكبرى من آيات ربه. قال عبد الله: رأَى رفرفاً أخضر من الجنة قد سَدَّ الأُفُق. وقال ابن زيد: رأى جبريل في خلقته التي خلق عليها في السماوات والأرض بينه وبينه قدر قوسين أو أدنى.

النجم 53:10

قوله: ﴿وَٱلنَّجْمِ إِذَا هَوَىٰ﴾ إلى قوله: ﴿مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ ٱلْكُبْرَىٰ﴾ الآيات. قال مجاهد: النجم: الثريا، إذا هوى: إذا سقطت، فالمعنى: ورب الثريا، وعنه أن النجم هنا: القرآن، إذا هوى: إذا نزل، فالمعنى: والقرآن إذا نزل من السماء الدنيا. [قال ابن عباس: والنجم إذا هوى يعني به القرآن إذا نزل من السماء الدنيا]. مثل قوله: ﴿فَلاَ أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ ٱلنُّجُومِ﴾ [الواقعة: ٧٥] أي: أقسم بنزول القرآن من سماء الدنيا. وروى قتادة أن عتبة بن أبي لهب قال: كفرت برب النجم، فقال له النبي ﷺ: أما تخاف أن يأكلك كلب الله فخرج في تجارة إلى اليمن فبينما هم قد عَرَّسُوا إذا سمع صوت الأسد، فقال لأصحابه: أنا مأكول فحدّقوا به وضرب على أصمختهم فناموا فجاء الأسد حتى أخذه فما سمعوا إلا صوته وقال الحسن: أقسم الله تعالى بالنجم إذا غاب. وقال الفراء: أقسم بالقرآن لأنه نزل نجوماً. وقيل: يراد به النجم الذي ترمى به الشياطين. * * وقوله: ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَىٰ﴾ أي: ما جار محمد عن الحق ولا مال عنه، بل هو على استقامة وسداد. * * ومعنى ﴿وَمَا غَوَىٰ﴾: أي: ما خاب فيها طلبه من الرحمة. وقيل: معناه: ما صار غاوياً ولكنه رشيد سديد. يقال: غَوَى يَغْوِي مِنَ الغَيِّ، وغَوَى الفَصِيلُ يَغْوِي إِذَا لم يُرْوَ مِنْ لَبَن أُمِّهِ حَتَّى يَمُوتَ هَزَالاً. * * ثم قال: ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ ٱلْهَوَىٰ﴾ أي: ليس ينطق محمد ﷺ بهذا القرآن عن هواه، بل هو وحي أوحي إليه. وقيل: هو خبر عن القرآن، أي: ما ينطق القرآن عن الهوى، دليله قوله: ﴿إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَىٰ﴾ فهذا هو القرآن بلا اختلاف، وهو قوله: ﴿إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَىٰ﴾ أي: إن هذا القرآن إلا وحي يوحيه الله عز وجل إلى محمد ﷺ مع جبريل عليه السلام، وبين ذلك بقوله: ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ ٱلْقُوَىٰ﴾ أي: علَّم محمداً هذا القرآن ملك شديد القوى هو جبريل ﷺ. قال الفراء وغيره: قالت قريش إنما يقول من تلقائه فنزل تكذيبهم في هذه الآية وعلى هذا التفسير جميع المفسرين من الصحابة والتابعين ومن بعدهم في هذه الآية، والقوى جمع قوة، وقيل: شديد الأسباب. * * ثم قال: ﴿ذُو مِرَّةٍ﴾ قال ابن عباس: ذو منظر حسن. وقال قتادة: ذو خلق طويل حسن. وقال مجاهد: ذو مرة: ذو قوة، وكذلك [قال] سفيان وابن زيد يعني به جبريل ﷺ. وكان الحسن يقول ذو مرة: هو الله عز وجل. وتم الكلام عند قوله: ذو مرة، ثم ابتداء بالفاء فقال: ﴿فَٱسْتَوَىٰ﴾ (أي: استوى جبريل ومحمد بالأفق الأعلى. وقيل: هو الله سبحانه: أي: استوى) على العرش، وكذا أهل التفسير غير الحسن على أنه جبريل. وقيل: ذو مرة: ذو صحة جسم وسلامة من الآفات وهو اختيار الطبري ومنه قول النبي ﷺ: "لا تحل الصدقة لغني ولا لذي مِرَّةٍ سوى وقيل معناه: ذو قوة وشدة يعني جبريل ﷺ. روي: أن من قُوَّته اقتلع مدائن لوط الأربع، في كل مدينة مائة ألف من الناس بمساكنهم وأنعامهم بقادمتي جناحه حتى بلغ تخوم الأرض السابعة السفلى، فاقتلع المدائن من أصولها حتى بلغ بهن قرب سماء الدنيا، فسمع أهل السماء صياح الدجاج ونباح الكلاب ونهيق الحمير، ثم أهوى بها إلى الأرض ثم غشّاها بالحجارة، وهو قوله: ﴿جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ﴾ [هود: ٨٢] وهو قوله في جبريل: ﴿ذِي قُوَّةٍ عِندَ ذِي ٱلْعَرْشِ مَكِينٍ﴾ [التكوير: ٢٠]. * * وقوله: ﴿فَٱسْتَوَىٰ﴾ أي: فاستوى هذا الشديد القوي بصاحبكم محمد ﷺ بالأفق الأعلى، وذلك لما أسري به عليهما السلام، استوى هو وجبريل بمطلع الشمس الأعلى، وهو الأفق الأعلى، وهذا القول قال به الطبري والفراء. وفيه العطف على المضمر المرفوع من غير تأكيد، وهو قبيح عند البصريين. [لأن وهو بالأفق معطوف على المضمر في فاستوى وكان القياس عند البصريين] فاستوى هو، وهو، أي: جبريل والنبي ﷺ. وقال الزجاج: الضمير لجبريل، يعني الضمير في فاستوى، وضمير "هو" كلاهما لجبريل عليه السلام، فلا يلزم في هذا القول عطف على مضمر مرفوع لأن الضميرين لواحد. لكن يكون "وهو بالأفق الأعلى" جملة في موضع الحال من المضمر في "فاستوى" أي: استوى جبريل في حال كونه بالأفق الأعلى. والمعنى: فاستوى جبريل وهو بالأفق الأعلى على صورته لأنه كان يتمثل للنبي على صورة رجل فأحب رسول الله ﷺ أن يراه على صورته، فاستوى في أفق المشرق فملأ الأفق، فالمعنى: فاستوى جبريل عليه السلام في الأفق الأعلى على صورته على قول الزجاج، وأكثر المفسرين عليه، فالمضمر الذي هو في "استوى" لجبريل وقوله "وهو" لجبريل أيضاً، وعلى القول الأول الضمير في "استوى" لجبريل. وقوله: "وهو" لمحمد ﷺ، وقد وقع في العدد: "فاستوى وامرأته" فهذا يدل على أن "فاستوى" يتصل بما قبله. قال قتادة: الأفق: الذي يأتي منه النهار. وقال الحسن: أفق المشرق الأعلى بينهما. * * وقوله: ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّىٰ﴾ أي: ثم دنا جبريل من محمد ﷺ فتدلى إليه. وهو قول قتادة والحسن. وعن ابن عباس: ثم دنا الله تعالى ذكره من محمد فتدلى إليه؛ أي: أمره وحكمه. قال أنس: عرج جبريل برسول الله صلى الله عليهما وسلم ليلة الإسراء إلى السماء السابعة ثم علا به بما لا يعلمه إلا الله عز وجل حتى جاء به سدرة المنتهى ودنا الجبار رب العزة (سبحانه وتعالى) فتدلى حتى كان منه قاب قوسين أو أدنى فأوحى (إليه جل ذكره) ما شاء، وأوحى إليه فيما أوحى خمسين صلاة على أمته في كل يوم وليلة ثم ذكر الحديث بطوله. وقال الفراء: "الفاء" بمعنى "الواو" وتقديره عنده "ثم (دنا وتدلى"، ودنا) يعني جبريل ﷺ وهو عنده مثل قوله تعالى: ﴿ٱقْتَرَبَتِ ٱلسَّاعَةُ وَٱنشَقَّ ٱلْقَمَرُ﴾ [القمر: ١] [أي: انشق القمر واقتربت الساعة، لأن انشقاق القمر من علامة اقتراب الساعة]. وقيل: معناه فكان جبريل من محمد صلى الله عليهما وسلم قاب قوسين أو أدنى. وقاب: معناه قدر، أو أدنى: فمعناه أو أقرب منه، و "أو" هنا جيء بها على ما تعقل العرب من مخاطباتها، والمعنى: فكان على مقدار يقدره الرائي منكم قدر قوسين أو أقل [من] ذلك، فأوحى جبريل إلى محمد ﷺ ما أوحى [الله] إلى جبريل ﷺ. قال سفيان: قوسين: ذراعين، وكذلك روي عن ابن عباس. وقال مجاهد: وقتادة قاب قوسين: مقدار قوسين. وقيل معناه: كان منه على مقدار مثل، حيث يكون الوتر من القوس أو أقل من ذلك. قال عبد الله بن عمر: دنا منه جبريل حتى كان قدر ذراع وذراعين. (قال النبي ﷺ): رأيت جبريل له ست مائة جناح. وقال الكوفيون "أو" بمعنى "الواو". * * وقوله: ﴿فَأَوْحَىٰ إِلَىٰ عَبْدِهِ مَآ أَوْحَىٰ﴾ أوحى الله إلى محمد ﷺ ما شاء. وقيل: أوحى جبريل إلى عبد الله وهو محمد ﷺ ما شاء الله. وقيل معنى الآية: فكان الله جل ذكره من جبريل ﷺ قاب قوسين أو أدنى فأوحى الله إلى عبده جبريل ما شاء ليبلغه إلى محمد ﷺ. وقد تقدم قول من قال هو محمد قرب من ربه سبحانه هذا القرب. وروي أن النبي ﷺ سئل: هل رأيت ربك؟ فقال: لم أره بعيني ولكن رأيته بفؤادي. مرتين ثم تلا ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّىٰ﴾ عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ: لما عرج بي مضى جبريل حتى جاء الجنة قال: فدخلت فأعطيت الكوثر ثم مضى حتى جاء السدرة المنتهى فدنا ربك فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى ثم قال: ﴿مَا كَذَبَ ٱلْفُؤَادُ مَا رَأَىٰ﴾ أي: ما كذب فؤاد محمد على محمد فيما رآه ولكنه صدقه، ومن شدد فمعناه: ما كذب فؤاد محمد الذي رأى. قال ابن عباس: رأى ربه بفؤاده ولم يره بعينه، وقاله عكرمة. قال ابن عباس: اصطفى الله إبراهيم بالمَخَلَّة، واصطفى موسى بالكلام واصطفى محمد بالرؤية. وقال ابن مسعود: الذي رأى فؤاده جبريل، وقاله الحسن وقتادة. قالوا: وهو الذي أراه نزلة أخرى عند سدرة المنتهى. * * وقوله: ﴿أَفَتُمَارُونَهُ عَلَىٰ مَا يَرَىٰ﴾ أي: أفتجادلونه على ما يرى، وقيل: معناه أفتحاجونه على ما يرى، ومن قرأه بغير ألف فمعناه أفتجحدونه على ما يرى). يقال مراني حقي يمْرِيني مَريا، أي: جحدني. * * ثم قال: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَىٰ * عِندَ سِدْرَةِ ٱلْمُنتَهَىٰ﴾ أي: رأى محمد جبريل مرة أخرى في هذا الموضع على صورته قاله مجاهد. وقاله الربيع، وهو قول ابن مسعود. وروي: أن عائشة رضي الله عنها سألت رسول الله ﷺ عن رؤية جبريل فقال: لم أره على صورته إلا هاتين المرتين، رأيته منهبطاً من السماء ساداً عظيم خلقه بين السماء والأرض وقال ابن عباس: رأى ربه بقلبه، فقال له رجل عند ذلك أليس قد قال: ﴿لاَّ تُدْرِكُهُ ٱلأَبْصَٰرُ وَهُوَ يُدْرِكُ ٱلأَبْصَٰرَ﴾ [الأنعام: ١٠٣] فقال له عكرمة: أليس ترى السماء؟ فقال: بلى، قال: أفكلها ترى. ومعنى سدرة المنتهى أي: عند السدرة التي إليها ينتهي علم كل عالم. وقال كعب: هي سدرة في أصل العرش إليها ينتهي علم كل ملك مقرب أو نبي مرسل ما خلفها غيب لا يعلمه إلا الله. وعن كعب أنه قال: إنها سدرة على رؤوس حملة العرش فإليها ينتهي علم الخلائق. وقال عبد الله: هي سدرة في السماء السادسة إليها ينتهي من يعرج من الأرض وإليها ينتهي ما يهبط من فوقها. وقال الضحاك: في سدرة المنتهى: إليها ينتهي كل شيء من أمر الله جل ذكره لا يعدوها. وقيل هي الجنة التي آوى إليها آدم عليه السلام وإنها في السماء الرابعة. وقيل: هي سدرة إليها ينتهي كل من كان على سنّة رسول الله، روى ذلك عن النبي ﷺ وأنه لما انتهى إليها ليلة الإسراء قيل له: إلى هذه السدرة ينتهي كل أحد خلا من أمتك على سنتك. وروى علي بن أبي طالب رضي الله عنه: أن النبي ﷺ قال: في سدرة المنتهى: نَبَقُها كَقِلال هَجَر وقال الربيع بن أنس: إليها تنتهي أرواح الشهداء، فلذلك سميت سدرة المنتهى. وقال قتادة: أخبرني أنس بن مالك عن مالك بن صعصعة أن النبي ﷺ قال: رأيت سدرة منتهاها في السماء السابعة نَبَقُهَا كَقِلالٍ هَجَرَ وورقها كأذان الفيلة يخرج من ساقها نهران باطنان ونهران ظاهران فقال: يا جبريل ما هذا؟ فقال: أما الباطنان ففي الجنة وأما الظاهران فالنيل والفرات وعنه ﷺ أنه قال: في صفتها: يسير الراكب في ظلها سبعين عاماً لا يقطعها وقوله: ﴿عِندَهَا جَنَّةُ ٱلْمَأْوَىٰ﴾ أي: عند سدرة المنتهى جنة مأوى أرواح الشهداء. قال ابن عباس: هي عن يمين العرش وهي منزل الشهداء، وقاله قتادة وغيره. وقرأ ابن الزبير ﴿جَنَّةُ ٱلْمَأْوَىٰ﴾ بالهاء، أي جنهُ المساء عندها أي: عند السدرة. جنَّ المساء يجنُّ: أي: سَتَرَهُ. يقال جنَّه الليل وأَجَنَّه. وأنكر هذه القراءة ابن عباس ودعا على من يقرأ بها، وأنكرتها أيضاً عائشة رضي الله عنها. وقال الفراء هي شاذة. * * ثم قال: ﴿إِذْ يَغْشَىٰ ٱلسِّدْرَةَ مَا يَغْشَىٰ﴾ أي: ولقد رأى محمد جبريل ﷺ في صورته مرة أخرى حين يغشى السدرة ما يغشى. قال عبد الله ومسروق ومجاهد والنخعي: غشي السدرة فراش من ذهب. قال يعقوب بن زيد سئل النبي ﷺ عن قوله تعالى: ﴿إِذْ يَغْشَىٰ ٱلسِّدْرَةَ مَا يَغْشَىٰ﴾. فقال: رأيتها يغشاها فراش من ذهب، ورأيت على كل ورقة من ورقها ملكاً قائماً يسبح الله وقال ابن عباس: غشيها رب القوة. قال مجاهد: كانت (أغصان السدرة) لؤلؤاً وياقوتاً وزبرجداً فرآها محمد ورأى ربه بقلبه. وقال الربيع بن أنس: غشيها نور الرب والملائكة يقعون عليها كما تقع الغربان على الشجر. * * ثم قال: ﴿مَا زَاغَ ٱلْبَصَرُ وَمَا طَغَىٰ﴾ أي: ما مال بصر محمد ﷺ عن ما رأى ولا عدل ولا جاوز ما رأى. قال ابن عباس: معناه ما زاغ بصر محمد يميناً ولا شمالاً، وما طغى: ما جاوز أمر ربه. * * ثم قال: ﴿لَقَدْ رَأَىٰ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ ٱلْكُبْرَىٰ﴾ أي: لقد رأى محمد ﷺ هناك من أعلام ربه سبحانه وأدلته الأدلة الكبرى. إن جعلت "من" زائدة كانت "الكبرى" نعتاً للآيات على اللفظ أو على الموضع، وإن جعلت "من" للتبعيض كانت "الكبرى" في موضع نصب برأَى، والكبرى في الأصل نعت تقديره: لقد رأَى الآية الكبرى من آيات ربه. قال عبد الله: رأَى رفرفاً أخضر من الجنة قد سَدَّ الأُفُق. وقال ابن زيد: رأى جبريل في خلقته التي خلق عليها في السماوات والأرض بينه وبينه قدر قوسين أو أدنى.

النجم 53:11

قوله: ﴿وَٱلنَّجْمِ إِذَا هَوَىٰ﴾ إلى قوله: ﴿مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ ٱلْكُبْرَىٰ﴾ الآيات. قال مجاهد: النجم: الثريا، إذا هوى: إذا سقطت، فالمعنى: ورب الثريا، وعنه أن النجم هنا: القرآن، إذا هوى: إذا نزل، فالمعنى: والقرآن إذا نزل من السماء الدنيا. [قال ابن عباس: والنجم إذا هوى يعني به القرآن إذا نزل من السماء الدنيا]. مثل قوله: ﴿فَلاَ أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ ٱلنُّجُومِ﴾ [الواقعة: ٧٥] أي: أقسم بنزول القرآن من سماء الدنيا. وروى قتادة أن عتبة بن أبي لهب قال: كفرت برب النجم، فقال له النبي ﷺ: أما تخاف أن يأكلك كلب الله فخرج في تجارة إلى اليمن فبينما هم قد عَرَّسُوا إذا سمع صوت الأسد، فقال لأصحابه: أنا مأكول فحدّقوا به وضرب على أصمختهم فناموا فجاء الأسد حتى أخذه فما سمعوا إلا صوته وقال الحسن: أقسم الله تعالى بالنجم إذا غاب. وقال الفراء: أقسم بالقرآن لأنه نزل نجوماً. وقيل: يراد به النجم الذي ترمى به الشياطين. * * وقوله: ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَىٰ﴾ أي: ما جار محمد عن الحق ولا مال عنه، بل هو على استقامة وسداد. * * ومعنى ﴿وَمَا غَوَىٰ﴾: أي: ما خاب فيها طلبه من الرحمة. وقيل: معناه: ما صار غاوياً ولكنه رشيد سديد. يقال: غَوَى يَغْوِي مِنَ الغَيِّ، وغَوَى الفَصِيلُ يَغْوِي إِذَا لم يُرْوَ مِنْ لَبَن أُمِّهِ حَتَّى يَمُوتَ هَزَالاً. * * ثم قال: ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ ٱلْهَوَىٰ﴾ أي: ليس ينطق محمد ﷺ بهذا القرآن عن هواه، بل هو وحي أوحي إليه. وقيل: هو خبر عن القرآن، أي: ما ينطق القرآن عن الهوى، دليله قوله: ﴿إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَىٰ﴾ فهذا هو القرآن بلا اختلاف، وهو قوله: ﴿إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَىٰ﴾ أي: إن هذا القرآن إلا وحي يوحيه الله عز وجل إلى محمد ﷺ مع جبريل عليه السلام، وبين ذلك بقوله: ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ ٱلْقُوَىٰ﴾ أي: علَّم محمداً هذا القرآن ملك شديد القوى هو جبريل ﷺ. قال الفراء وغيره: قالت قريش إنما يقول من تلقائه فنزل تكذيبهم في هذه الآية وعلى هذا التفسير جميع المفسرين من الصحابة والتابعين ومن بعدهم في هذه الآية، والقوى جمع قوة، وقيل: شديد الأسباب. * * ثم قال: ﴿ذُو مِرَّةٍ﴾ قال ابن عباس: ذو منظر حسن. وقال قتادة: ذو خلق طويل حسن. وقال مجاهد: ذو مرة: ذو قوة، وكذلك [قال] سفيان وابن زيد يعني به جبريل ﷺ. وكان الحسن يقول ذو مرة: هو الله عز وجل. وتم الكلام عند قوله: ذو مرة، ثم ابتداء بالفاء فقال: ﴿فَٱسْتَوَىٰ﴾ (أي: استوى جبريل ومحمد بالأفق الأعلى. وقيل: هو الله سبحانه: أي: استوى) على العرش، وكذا أهل التفسير غير الحسن على أنه جبريل. وقيل: ذو مرة: ذو صحة جسم وسلامة من الآفات وهو اختيار الطبري ومنه قول النبي ﷺ: "لا تحل الصدقة لغني ولا لذي مِرَّةٍ سوى وقيل معناه: ذو قوة وشدة يعني جبريل ﷺ. روي: أن من قُوَّته اقتلع مدائن لوط الأربع، في كل مدينة مائة ألف من الناس بمساكنهم وأنعامهم بقادمتي جناحه حتى بلغ تخوم الأرض السابعة السفلى، فاقتلع المدائن من أصولها حتى بلغ بهن قرب سماء الدنيا، فسمع أهل السماء صياح الدجاج ونباح الكلاب ونهيق الحمير، ثم أهوى بها إلى الأرض ثم غشّاها بالحجارة، وهو قوله: ﴿جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ﴾ [هود: ٨٢] وهو قوله في جبريل: ﴿ذِي قُوَّةٍ عِندَ ذِي ٱلْعَرْشِ مَكِينٍ﴾ [التكوير: ٢٠]. * * وقوله: ﴿فَٱسْتَوَىٰ﴾ أي: فاستوى هذا الشديد القوي بصاحبكم محمد ﷺ بالأفق الأعلى، وذلك لما أسري به عليهما السلام، استوى هو وجبريل بمطلع الشمس الأعلى، وهو الأفق الأعلى، وهذا القول قال به الطبري والفراء. وفيه العطف على المضمر المرفوع من غير تأكيد، وهو قبيح عند البصريين. [لأن وهو بالأفق معطوف على المضمر في فاستوى وكان القياس عند البصريين] فاستوى هو، وهو، أي: جبريل والنبي ﷺ. وقال الزجاج: الضمير لجبريل، يعني الضمير في فاستوى، وضمير "هو" كلاهما لجبريل عليه السلام، فلا يلزم في هذا القول عطف على مضمر مرفوع لأن الضميرين لواحد. لكن يكون "وهو بالأفق الأعلى" جملة في موضع الحال من المضمر في "فاستوى" أي: استوى جبريل في حال كونه بالأفق الأعلى. والمعنى: فاستوى جبريل وهو بالأفق الأعلى على صورته لأنه كان يتمثل للنبي على صورة رجل فأحب رسول الله ﷺ أن يراه على صورته، فاستوى في أفق المشرق فملأ الأفق، فالمعنى: فاستوى جبريل عليه السلام في الأفق الأعلى على صورته على قول الزجاج، وأكثر المفسرين عليه، فالمضمر الذي هو في "استوى" لجبريل وقوله "وهو" لجبريل أيضاً، وعلى القول الأول الضمير في "استوى" لجبريل. وقوله: "وهو" لمحمد ﷺ، وقد وقع في العدد: "فاستوى وامرأته" فهذا يدل على أن "فاستوى" يتصل بما قبله. قال قتادة: الأفق: الذي يأتي منه النهار. وقال الحسن: أفق المشرق الأعلى بينهما. * * وقوله: ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّىٰ﴾ أي: ثم دنا جبريل من محمد ﷺ فتدلى إليه. وهو قول قتادة والحسن. وعن ابن عباس: ثم دنا الله تعالى ذكره من محمد فتدلى إليه؛ أي: أمره وحكمه. قال أنس: عرج جبريل برسول الله صلى الله عليهما وسلم ليلة الإسراء إلى السماء السابعة ثم علا به بما لا يعلمه إلا الله عز وجل حتى جاء به سدرة المنتهى ودنا الجبار رب العزة (سبحانه وتعالى) فتدلى حتى كان منه قاب قوسين أو أدنى فأوحى (إليه جل ذكره) ما شاء، وأوحى إليه فيما أوحى خمسين صلاة على أمته في كل يوم وليلة ثم ذكر الحديث بطوله. وقال الفراء: "الفاء" بمعنى "الواو" وتقديره عنده "ثم (دنا وتدلى"، ودنا) يعني جبريل ﷺ وهو عنده مثل قوله تعالى: ﴿ٱقْتَرَبَتِ ٱلسَّاعَةُ وَٱنشَقَّ ٱلْقَمَرُ﴾ [القمر: ١] [أي: انشق القمر واقتربت الساعة، لأن انشقاق القمر من علامة اقتراب الساعة]. وقيل: معناه فكان جبريل من محمد صلى الله عليهما وسلم قاب قوسين أو أدنى. وقاب: معناه قدر، أو أدنى: فمعناه أو أقرب منه، و "أو" هنا جيء بها على ما تعقل العرب من مخاطباتها، والمعنى: فكان على مقدار يقدره الرائي منكم قدر قوسين أو أقل [من] ذلك، فأوحى جبريل إلى محمد ﷺ ما أوحى [الله] إلى جبريل ﷺ. قال سفيان: قوسين: ذراعين، وكذلك روي عن ابن عباس. وقال مجاهد: وقتادة قاب قوسين: مقدار قوسين. وقيل معناه: كان منه على مقدار مثل، حيث يكون الوتر من القوس أو أقل من ذلك. قال عبد الله بن عمر: دنا منه جبريل حتى كان قدر ذراع وذراعين. (قال النبي ﷺ): رأيت جبريل له ست مائة جناح. وقال الكوفيون "أو" بمعنى "الواو". * * وقوله: ﴿فَأَوْحَىٰ إِلَىٰ عَبْدِهِ مَآ أَوْحَىٰ﴾ أوحى الله إلى محمد ﷺ ما شاء. وقيل: أوحى جبريل إلى عبد الله وهو محمد ﷺ ما شاء الله. وقيل معنى الآية: فكان الله جل ذكره من جبريل ﷺ قاب قوسين أو أدنى فأوحى الله إلى عبده جبريل ما شاء ليبلغه إلى محمد ﷺ. وقد تقدم قول من قال هو محمد قرب من ربه سبحانه هذا القرب. وروي أن النبي ﷺ سئل: هل رأيت ربك؟ فقال: لم أره بعيني ولكن رأيته بفؤادي. مرتين ثم تلا ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّىٰ﴾ عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ: لما عرج بي مضى جبريل حتى جاء الجنة قال: فدخلت فأعطيت الكوثر ثم مضى حتى جاء السدرة المنتهى فدنا ربك فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى ثم قال: ﴿مَا كَذَبَ ٱلْفُؤَادُ مَا رَأَىٰ﴾ أي: ما كذب فؤاد محمد على محمد فيما رآه ولكنه صدقه، ومن شدد فمعناه: ما كذب فؤاد محمد الذي رأى. قال ابن عباس: رأى ربه بفؤاده ولم يره بعينه، وقاله عكرمة. قال ابن عباس: اصطفى الله إبراهيم بالمَخَلَّة، واصطفى موسى بالكلام واصطفى محمد بالرؤية. وقال ابن مسعود: الذي رأى فؤاده جبريل، وقاله الحسن وقتادة. قالوا: وهو الذي أراه نزلة أخرى عند سدرة المنتهى. * * وقوله: ﴿أَفَتُمَارُونَهُ عَلَىٰ مَا يَرَىٰ﴾ أي: أفتجادلونه على ما يرى، وقيل: معناه أفتحاجونه على ما يرى، ومن قرأه بغير ألف فمعناه أفتجحدونه على ما يرى). يقال مراني حقي يمْرِيني مَريا، أي: جحدني. * * ثم قال: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَىٰ * عِندَ سِدْرَةِ ٱلْمُنتَهَىٰ﴾ أي: رأى محمد جبريل مرة أخرى في هذا الموضع على صورته قاله مجاهد. وقاله الربيع، وهو قول ابن مسعود. وروي: أن عائشة رضي الله عنها سألت رسول الله ﷺ عن رؤية جبريل فقال: لم أره على صورته إلا هاتين المرتين، رأيته منهبطاً من السماء ساداً عظيم خلقه بين السماء والأرض وقال ابن عباس: رأى ربه بقلبه، فقال له رجل عند ذلك أليس قد قال: ﴿لاَّ تُدْرِكُهُ ٱلأَبْصَٰرُ وَهُوَ يُدْرِكُ ٱلأَبْصَٰرَ﴾ [الأنعام: ١٠٣] فقال له عكرمة: أليس ترى السماء؟ فقال: بلى، قال: أفكلها ترى. ومعنى سدرة المنتهى أي: عند السدرة التي إليها ينتهي علم كل عالم. وقال كعب: هي سدرة في أصل العرش إليها ينتهي علم كل ملك مقرب أو نبي مرسل ما خلفها غيب لا يعلمه إلا الله. وعن كعب أنه قال: إنها سدرة على رؤوس حملة العرش فإليها ينتهي علم الخلائق. وقال عبد الله: هي سدرة في السماء السادسة إليها ينتهي من يعرج من الأرض وإليها ينتهي ما يهبط من فوقها. وقال الضحاك: في سدرة المنتهى: إليها ينتهي كل شيء من أمر الله جل ذكره لا يعدوها. وقيل هي الجنة التي آوى إليها آدم عليه السلام وإنها في السماء الرابعة. وقيل: هي سدرة إليها ينتهي كل من كان على سنّة رسول الله، روى ذلك عن النبي ﷺ وأنه لما انتهى إليها ليلة الإسراء قيل له: إلى هذه السدرة ينتهي كل أحد خلا من أمتك على سنتك. وروى علي بن أبي طالب رضي الله عنه: أن النبي ﷺ قال: في سدرة المنتهى: نَبَقُها كَقِلال هَجَر وقال الربيع بن أنس: إليها تنتهي أرواح الشهداء، فلذلك سميت سدرة المنتهى. وقال قتادة: أخبرني أنس بن مالك عن مالك بن صعصعة أن النبي ﷺ قال: رأيت سدرة منتهاها في السماء السابعة نَبَقُهَا كَقِلالٍ هَجَرَ وورقها كأذان الفيلة يخرج من ساقها نهران باطنان ونهران ظاهران فقال: يا جبريل ما هذا؟ فقال: أما الباطنان ففي الجنة وأما الظاهران فالنيل والفرات وعنه ﷺ أنه قال: في صفتها: يسير الراكب في ظلها سبعين عاماً لا يقطعها وقوله: ﴿عِندَهَا جَنَّةُ ٱلْمَأْوَىٰ﴾ أي: عند سدرة المنتهى جنة مأوى أرواح الشهداء. قال ابن عباس: هي عن يمين العرش وهي منزل الشهداء، وقاله قتادة وغيره. وقرأ ابن الزبير ﴿جَنَّةُ ٱلْمَأْوَىٰ﴾ بالهاء، أي جنهُ المساء عندها أي: عند السدرة. جنَّ المساء يجنُّ: أي: سَتَرَهُ. يقال جنَّه الليل وأَجَنَّه. وأنكر هذه القراءة ابن عباس ودعا على من يقرأ بها، وأنكرتها أيضاً عائشة رضي الله عنها. وقال الفراء هي شاذة. * * ثم قال: ﴿إِذْ يَغْشَىٰ ٱلسِّدْرَةَ مَا يَغْشَىٰ﴾ أي: ولقد رأى محمد جبريل ﷺ في صورته مرة أخرى حين يغشى السدرة ما يغشى. قال عبد الله ومسروق ومجاهد والنخعي: غشي السدرة فراش من ذهب. قال يعقوب بن زيد سئل النبي ﷺ عن قوله تعالى: ﴿إِذْ يَغْشَىٰ ٱلسِّدْرَةَ مَا يَغْشَىٰ﴾. فقال: رأيتها يغشاها فراش من ذهب، ورأيت على كل ورقة من ورقها ملكاً قائماً يسبح الله وقال ابن عباس: غشيها رب القوة. قال مجاهد: كانت (أغصان السدرة) لؤلؤاً وياقوتاً وزبرجداً فرآها محمد ورأى ربه بقلبه. وقال الربيع بن أنس: غشيها نور الرب والملائكة يقعون عليها كما تقع الغربان على الشجر. * * ثم قال: ﴿مَا زَاغَ ٱلْبَصَرُ وَمَا طَغَىٰ﴾ أي: ما مال بصر محمد ﷺ عن ما رأى ولا عدل ولا جاوز ما رأى. قال ابن عباس: معناه ما زاغ بصر محمد يميناً ولا شمالاً، وما طغى: ما جاوز أمر ربه. * * ثم قال: ﴿لَقَدْ رَأَىٰ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ ٱلْكُبْرَىٰ﴾ أي: لقد رأى محمد ﷺ هناك من أعلام ربه سبحانه وأدلته الأدلة الكبرى. إن جعلت "من" زائدة كانت "الكبرى" نعتاً للآيات على اللفظ أو على الموضع، وإن جعلت "من" للتبعيض كانت "الكبرى" في موضع نصب برأَى، والكبرى في الأصل نعت تقديره: لقد رأَى الآية الكبرى من آيات ربه. قال عبد الله: رأَى رفرفاً أخضر من الجنة قد سَدَّ الأُفُق. وقال ابن زيد: رأى جبريل في خلقته التي خلق عليها في السماوات والأرض بينه وبينه قدر قوسين أو أدنى.

النجم 53:12

قوله: ﴿وَٱلنَّجْمِ إِذَا هَوَىٰ﴾ إلى قوله: ﴿مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ ٱلْكُبْرَىٰ﴾ الآيات. قال مجاهد: النجم: الثريا، إذا هوى: إذا سقطت، فالمعنى: ورب الثريا، وعنه أن النجم هنا: القرآن، إذا هوى: إذا نزل، فالمعنى: والقرآن إذا نزل من السماء الدنيا. [قال ابن عباس: والنجم إذا هوى يعني به القرآن إذا نزل من السماء الدنيا]. مثل قوله: ﴿فَلاَ أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ ٱلنُّجُومِ﴾ [الواقعة: ٧٥] أي: أقسم بنزول القرآن من سماء الدنيا. وروى قتادة أن عتبة بن أبي لهب قال: كفرت برب النجم، فقال له النبي ﷺ: أما تخاف أن يأكلك كلب الله فخرج في تجارة إلى اليمن فبينما هم قد عَرَّسُوا إذا سمع صوت الأسد، فقال لأصحابه: أنا مأكول فحدّقوا به وضرب على أصمختهم فناموا فجاء الأسد حتى أخذه فما سمعوا إلا صوته وقال الحسن: أقسم الله تعالى بالنجم إذا غاب. وقال الفراء: أقسم بالقرآن لأنه نزل نجوماً. وقيل: يراد به النجم الذي ترمى به الشياطين. * * وقوله: ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَىٰ﴾ أي: ما جار محمد عن الحق ولا مال عنه، بل هو على استقامة وسداد. * * ومعنى ﴿وَمَا غَوَىٰ﴾: أي: ما خاب فيها طلبه من الرحمة. وقيل: معناه: ما صار غاوياً ولكنه رشيد سديد. يقال: غَوَى يَغْوِي مِنَ الغَيِّ، وغَوَى الفَصِيلُ يَغْوِي إِذَا لم يُرْوَ مِنْ لَبَن أُمِّهِ حَتَّى يَمُوتَ هَزَالاً. * * ثم قال: ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ ٱلْهَوَىٰ﴾ أي: ليس ينطق محمد ﷺ بهذا القرآن عن هواه، بل هو وحي أوحي إليه. وقيل: هو خبر عن القرآن، أي: ما ينطق القرآن عن الهوى، دليله قوله: ﴿إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَىٰ﴾ فهذا هو القرآن بلا اختلاف، وهو قوله: ﴿إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَىٰ﴾ أي: إن هذا القرآن إلا وحي يوحيه الله عز وجل إلى محمد ﷺ مع جبريل عليه السلام، وبين ذلك بقوله: ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ ٱلْقُوَىٰ﴾ أي: علَّم محمداً هذا القرآن ملك شديد القوى هو جبريل ﷺ. قال الفراء وغيره: قالت قريش إنما يقول من تلقائه فنزل تكذيبهم في هذه الآية وعلى هذا التفسير جميع المفسرين من الصحابة والتابعين ومن بعدهم في هذه الآية، والقوى جمع قوة، وقيل: شديد الأسباب. * * ثم قال: ﴿ذُو مِرَّةٍ﴾ قال ابن عباس: ذو منظر حسن. وقال قتادة: ذو خلق طويل حسن. وقال مجاهد: ذو مرة: ذو قوة، وكذلك [قال] سفيان وابن زيد يعني به جبريل ﷺ. وكان الحسن يقول ذو مرة: هو الله عز وجل. وتم الكلام عند قوله: ذو مرة، ثم ابتداء بالفاء فقال: ﴿فَٱسْتَوَىٰ﴾ (أي: استوى جبريل ومحمد بالأفق الأعلى. وقيل: هو الله سبحانه: أي: استوى) على العرش، وكذا أهل التفسير غير الحسن على أنه جبريل. وقيل: ذو مرة: ذو صحة جسم وسلامة من الآفات وهو اختيار الطبري ومنه قول النبي ﷺ: "لا تحل الصدقة لغني ولا لذي مِرَّةٍ سوى وقيل معناه: ذو قوة وشدة يعني جبريل ﷺ. روي: أن من قُوَّته اقتلع مدائن لوط الأربع، في كل مدينة مائة ألف من الناس بمساكنهم وأنعامهم بقادمتي جناحه حتى بلغ تخوم الأرض السابعة السفلى، فاقتلع المدائن من أصولها حتى بلغ بهن قرب سماء الدنيا، فسمع أهل السماء صياح الدجاج ونباح الكلاب ونهيق الحمير، ثم أهوى بها إلى الأرض ثم غشّاها بالحجارة، وهو قوله: ﴿جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ﴾ [هود: ٨٢] وهو قوله في جبريل: ﴿ذِي قُوَّةٍ عِندَ ذِي ٱلْعَرْشِ مَكِينٍ﴾ [التكوير: ٢٠]. * * وقوله: ﴿فَٱسْتَوَىٰ﴾ أي: فاستوى هذا الشديد القوي بصاحبكم محمد ﷺ بالأفق الأعلى، وذلك لما أسري به عليهما السلام، استوى هو وجبريل بمطلع الشمس الأعلى، وهو الأفق الأعلى، وهذا القول قال به الطبري والفراء. وفيه العطف على المضمر المرفوع من غير تأكيد، وهو قبيح عند البصريين. [لأن وهو بالأفق معطوف على المضمر في فاستوى وكان القياس عند البصريين] فاستوى هو، وهو، أي: جبريل والنبي ﷺ. وقال الزجاج: الضمير لجبريل، يعني الضمير في فاستوى، وضمير "هو" كلاهما لجبريل عليه السلام، فلا يلزم في هذا القول عطف على مضمر مرفوع لأن الضميرين لواحد. لكن يكون "وهو بالأفق الأعلى" جملة في موضع الحال من المضمر في "فاستوى" أي: استوى جبريل في حال كونه بالأفق الأعلى. والمعنى: فاستوى جبريل وهو بالأفق الأعلى على صورته لأنه كان يتمثل للنبي على صورة رجل فأحب رسول الله ﷺ أن يراه على صورته، فاستوى في أفق المشرق فملأ الأفق، فالمعنى: فاستوى جبريل عليه السلام في الأفق الأعلى على صورته على قول الزجاج، وأكثر المفسرين عليه، فالمضمر الذي هو في "استوى" لجبريل وقوله "وهو" لجبريل أيضاً، وعلى القول الأول الضمير في "استوى" لجبريل. وقوله: "وهو" لمحمد ﷺ، وقد وقع في العدد: "فاستوى وامرأته" فهذا يدل على أن "فاستوى" يتصل بما قبله. قال قتادة: الأفق: الذي يأتي منه النهار. وقال الحسن: أفق المشرق الأعلى بينهما. * * وقوله: ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّىٰ﴾ أي: ثم دنا جبريل من محمد ﷺ فتدلى إليه. وهو قول قتادة والحسن. وعن ابن عباس: ثم دنا الله تعالى ذكره من محمد فتدلى إليه؛ أي: أمره وحكمه. قال أنس: عرج جبريل برسول الله صلى الله عليهما وسلم ليلة الإسراء إلى السماء السابعة ثم علا به بما لا يعلمه إلا الله عز وجل حتى جاء به سدرة المنتهى ودنا الجبار رب العزة (سبحانه وتعالى) فتدلى حتى كان منه قاب قوسين أو أدنى فأوحى (إليه جل ذكره) ما شاء، وأوحى إليه فيما أوحى خمسين صلاة على أمته في كل يوم وليلة ثم ذكر الحديث بطوله. وقال الفراء: "الفاء" بمعنى "الواو" وتقديره عنده "ثم (دنا وتدلى"، ودنا) يعني جبريل ﷺ وهو عنده مثل قوله تعالى: ﴿ٱقْتَرَبَتِ ٱلسَّاعَةُ وَٱنشَقَّ ٱلْقَمَرُ﴾ [القمر: ١] [أي: انشق القمر واقتربت الساعة، لأن انشقاق القمر من علامة اقتراب الساعة]. وقيل: معناه فكان جبريل من محمد صلى الله عليهما وسلم قاب قوسين أو أدنى. وقاب: معناه قدر، أو أدنى: فمعناه أو أقرب منه، و "أو" هنا جيء بها على ما تعقل العرب من مخاطباتها، والمعنى: فكان على مقدار يقدره الرائي منكم قدر قوسين أو أقل [من] ذلك، فأوحى جبريل إلى محمد ﷺ ما أوحى [الله] إلى جبريل ﷺ. قال سفيان: قوسين: ذراعين، وكذلك روي عن ابن عباس. وقال مجاهد: وقتادة قاب قوسين: مقدار قوسين. وقيل معناه: كان منه على مقدار مثل، حيث يكون الوتر من القوس أو أقل من ذلك. قال عبد الله بن عمر: دنا منه جبريل حتى كان قدر ذراع وذراعين. (قال النبي ﷺ): رأيت جبريل له ست مائة جناح. وقال الكوفيون "أو" بمعنى "الواو". * * وقوله: ﴿فَأَوْحَىٰ إِلَىٰ عَبْدِهِ مَآ أَوْحَىٰ﴾ أوحى الله إلى محمد ﷺ ما شاء. وقيل: أوحى جبريل إلى عبد الله وهو محمد ﷺ ما شاء الله. وقيل معنى الآية: فكان الله جل ذكره من جبريل ﷺ قاب قوسين أو أدنى فأوحى الله إلى عبده جبريل ما شاء ليبلغه إلى محمد ﷺ. وقد تقدم قول من قال هو محمد قرب من ربه سبحانه هذا القرب. وروي أن النبي ﷺ سئل: هل رأيت ربك؟ فقال: لم أره بعيني ولكن رأيته بفؤادي. مرتين ثم تلا ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّىٰ﴾ عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ: لما عرج بي مضى جبريل حتى جاء الجنة قال: فدخلت فأعطيت الكوثر ثم مضى حتى جاء السدرة المنتهى فدنا ربك فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى ثم قال: ﴿مَا كَذَبَ ٱلْفُؤَادُ مَا رَأَىٰ﴾ أي: ما كذب فؤاد محمد على محمد فيما رآه ولكنه صدقه، ومن شدد فمعناه: ما كذب فؤاد محمد الذي رأى. قال ابن عباس: رأى ربه بفؤاده ولم يره بعينه، وقاله عكرمة. قال ابن عباس: اصطفى الله إبراهيم بالمَخَلَّة، واصطفى موسى بالكلام واصطفى محمد بالرؤية. وقال ابن مسعود: الذي رأى فؤاده جبريل، وقاله الحسن وقتادة. قالوا: وهو الذي أراه نزلة أخرى عند سدرة المنتهى. * * وقوله: ﴿أَفَتُمَارُونَهُ عَلَىٰ مَا يَرَىٰ﴾ أي: أفتجادلونه على ما يرى، وقيل: معناه أفتحاجونه على ما يرى، ومن قرأه بغير ألف فمعناه أفتجحدونه على ما يرى). يقال مراني حقي يمْرِيني مَريا، أي: جحدني. * * ثم قال: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَىٰ * عِندَ سِدْرَةِ ٱلْمُنتَهَىٰ﴾ أي: رأى محمد جبريل مرة أخرى في هذا الموضع على صورته قاله مجاهد. وقاله الربيع، وهو قول ابن مسعود. وروي: أن عائشة رضي الله عنها سألت رسول الله ﷺ عن رؤية جبريل فقال: لم أره على صورته إلا هاتين المرتين، رأيته منهبطاً من السماء ساداً عظيم خلقه بين السماء والأرض وقال ابن عباس: رأى ربه بقلبه، فقال له رجل عند ذلك أليس قد قال: ﴿لاَّ تُدْرِكُهُ ٱلأَبْصَٰرُ وَهُوَ يُدْرِكُ ٱلأَبْصَٰرَ﴾ [الأنعام: ١٠٣] فقال له عكرمة: أليس ترى السماء؟ فقال: بلى، قال: أفكلها ترى. ومعنى سدرة المنتهى أي: عند السدرة التي إليها ينتهي علم كل عالم. وقال كعب: هي سدرة في أصل العرش إليها ينتهي علم كل ملك مقرب أو نبي مرسل ما خلفها غيب لا يعلمه إلا الله. وعن كعب أنه قال: إنها سدرة على رؤوس حملة العرش فإليها ينتهي علم الخلائق. وقال عبد الله: هي سدرة في السماء السادسة إليها ينتهي من يعرج من الأرض وإليها ينتهي ما يهبط من فوقها. وقال الضحاك: في سدرة المنتهى: إليها ينتهي كل شيء من أمر الله جل ذكره لا يعدوها. وقيل هي الجنة التي آوى إليها آدم عليه السلام وإنها في السماء الرابعة. وقيل: هي سدرة إليها ينتهي كل من كان على سنّة رسول الله، روى ذلك عن النبي ﷺ وأنه لما انتهى إليها ليلة الإسراء قيل له: إلى هذه السدرة ينتهي كل أحد خلا من أمتك على سنتك. وروى علي بن أبي طالب رضي الله عنه: أن النبي ﷺ قال: في سدرة المنتهى: نَبَقُها كَقِلال هَجَر وقال الربيع بن أنس: إليها تنتهي أرواح الشهداء، فلذلك سميت سدرة المنتهى. وقال قتادة: أخبرني أنس بن مالك عن مالك بن صعصعة أن النبي ﷺ قال: رأيت سدرة منتهاها في السماء السابعة نَبَقُهَا كَقِلالٍ هَجَرَ وورقها كأذان الفيلة يخرج من ساقها نهران باطنان ونهران ظاهران فقال: يا جبريل ما هذا؟ فقال: أما الباطنان ففي الجنة وأما الظاهران فالنيل والفرات وعنه ﷺ أنه قال: في صفتها: يسير الراكب في ظلها سبعين عاماً لا يقطعها وقوله: ﴿عِندَهَا جَنَّةُ ٱلْمَأْوَىٰ﴾ أي: عند سدرة المنتهى جنة مأوى أرواح الشهداء. قال ابن عباس: هي عن يمين العرش وهي منزل الشهداء، وقاله قتادة وغيره. وقرأ ابن الزبير ﴿جَنَّةُ ٱلْمَأْوَىٰ﴾ بالهاء، أي جنهُ المساء عندها أي: عند السدرة. جنَّ المساء يجنُّ: أي: سَتَرَهُ. يقال جنَّه الليل وأَجَنَّه. وأنكر هذه القراءة ابن عباس ودعا على من يقرأ بها، وأنكرتها أيضاً عائشة رضي الله عنها. وقال الفراء هي شاذة. * * ثم قال: ﴿إِذْ يَغْشَىٰ ٱلسِّدْرَةَ مَا يَغْشَىٰ﴾ أي: ولقد رأى محمد جبريل ﷺ في صورته مرة أخرى حين يغشى السدرة ما يغشى. قال عبد الله ومسروق ومجاهد والنخعي: غشي السدرة فراش من ذهب. قال يعقوب بن زيد سئل النبي ﷺ عن قوله تعالى: ﴿إِذْ يَغْشَىٰ ٱلسِّدْرَةَ مَا يَغْشَىٰ﴾. فقال: رأيتها يغشاها فراش من ذهب، ورأيت على كل ورقة من ورقها ملكاً قائماً يسبح الله وقال ابن عباس: غشيها رب القوة. قال مجاهد: كانت (أغصان السدرة) لؤلؤاً وياقوتاً وزبرجداً فرآها محمد ورأى ربه بقلبه. وقال الربيع بن أنس: غشيها نور الرب والملائكة يقعون عليها كما تقع الغربان على الشجر. * * ثم قال: ﴿مَا زَاغَ ٱلْبَصَرُ وَمَا طَغَىٰ﴾ أي: ما مال بصر محمد ﷺ عن ما رأى ولا عدل ولا جاوز ما رأى. قال ابن عباس: معناه ما زاغ بصر محمد يميناً ولا شمالاً، وما طغى: ما جاوز أمر ربه. * * ثم قال: ﴿لَقَدْ رَأَىٰ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ ٱلْكُبْرَىٰ﴾ أي: لقد رأى محمد ﷺ هناك من أعلام ربه سبحانه وأدلته الأدلة الكبرى. إن جعلت "من" زائدة كانت "الكبرى" نعتاً للآيات على اللفظ أو على الموضع، وإن جعلت "من" للتبعيض كانت "الكبرى" في موضع نصب برأَى، والكبرى في الأصل نعت تقديره: لقد رأَى الآية الكبرى من آيات ربه. قال عبد الله: رأَى رفرفاً أخضر من الجنة قد سَدَّ الأُفُق. وقال ابن زيد: رأى جبريل في خلقته التي خلق عليها في السماوات والأرض بينه وبينه قدر قوسين أو أدنى.

النجم 53:13

قوله: ﴿وَٱلنَّجْمِ إِذَا هَوَىٰ﴾ إلى قوله: ﴿مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ ٱلْكُبْرَىٰ﴾ الآيات. قال مجاهد: النجم: الثريا، إذا هوى: إذا سقطت، فالمعنى: ورب الثريا، وعنه أن النجم هنا: القرآن، إذا هوى: إذا نزل، فالمعنى: والقرآن إذا نزل من السماء الدنيا. [قال ابن عباس: والنجم إذا هوى يعني به القرآن إذا نزل من السماء الدنيا]. مثل قوله: ﴿فَلاَ أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ ٱلنُّجُومِ﴾ [الواقعة: ٧٥] أي: أقسم بنزول القرآن من سماء الدنيا. وروى قتادة أن عتبة بن أبي لهب قال: كفرت برب النجم، فقال له النبي ﷺ: أما تخاف أن يأكلك كلب الله فخرج في تجارة إلى اليمن فبينما هم قد عَرَّسُوا إذا سمع صوت الأسد، فقال لأصحابه: أنا مأكول فحدّقوا به وضرب على أصمختهم فناموا فجاء الأسد حتى أخذه فما سمعوا إلا صوته وقال الحسن: أقسم الله تعالى بالنجم إذا غاب. وقال الفراء: أقسم بالقرآن لأنه نزل نجوماً. وقيل: يراد به النجم الذي ترمى به الشياطين. * * وقوله: ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَىٰ﴾ أي: ما جار محمد عن الحق ولا مال عنه، بل هو على استقامة وسداد. * * ومعنى ﴿وَمَا غَوَىٰ﴾: أي: ما خاب فيها طلبه من الرحمة. وقيل: معناه: ما صار غاوياً ولكنه رشيد سديد. يقال: غَوَى يَغْوِي مِنَ الغَيِّ، وغَوَى الفَصِيلُ يَغْوِي إِذَا لم يُرْوَ مِنْ لَبَن أُمِّهِ حَتَّى يَمُوتَ هَزَالاً. * * ثم قال: ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ ٱلْهَوَىٰ﴾ أي: ليس ينطق محمد ﷺ بهذا القرآن عن هواه، بل هو وحي أوحي إليه. وقيل: هو خبر عن القرآن، أي: ما ينطق القرآن عن الهوى، دليله قوله: ﴿إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَىٰ﴾ فهذا هو القرآن بلا اختلاف، وهو قوله: ﴿إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَىٰ﴾ أي: إن هذا القرآن إلا وحي يوحيه الله عز وجل إلى محمد ﷺ مع جبريل عليه السلام، وبين ذلك بقوله: ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ ٱلْقُوَىٰ﴾ أي: علَّم محمداً هذا القرآن ملك شديد القوى هو جبريل ﷺ. قال الفراء وغيره: قالت قريش إنما يقول من تلقائه فنزل تكذيبهم في هذه الآية وعلى هذا التفسير جميع المفسرين من الصحابة والتابعين ومن بعدهم في هذه الآية، والقوى جمع قوة، وقيل: شديد الأسباب. * * ثم قال: ﴿ذُو مِرَّةٍ﴾ قال ابن عباس: ذو منظر حسن. وقال قتادة: ذو خلق طويل حسن. وقال مجاهد: ذو مرة: ذو قوة، وكذلك [قال] سفيان وابن زيد يعني به جبريل ﷺ. وكان الحسن يقول ذو مرة: هو الله عز وجل. وتم الكلام عند قوله: ذو مرة، ثم ابتداء بالفاء فقال: ﴿فَٱسْتَوَىٰ﴾ (أي: استوى جبريل ومحمد بالأفق الأعلى. وقيل: هو الله سبحانه: أي: استوى) على العرش، وكذا أهل التفسير غير الحسن على أنه جبريل. وقيل: ذو مرة: ذو صحة جسم وسلامة من الآفات وهو اختيار الطبري ومنه قول النبي ﷺ: "لا تحل الصدقة لغني ولا لذي مِرَّةٍ سوى وقيل معناه: ذو قوة وشدة يعني جبريل ﷺ. روي: أن من قُوَّته اقتلع مدائن لوط الأربع، في كل مدينة مائة ألف من الناس بمساكنهم وأنعامهم بقادمتي جناحه حتى بلغ تخوم الأرض السابعة السفلى، فاقتلع المدائن من أصولها حتى بلغ بهن قرب سماء الدنيا، فسمع أهل السماء صياح الدجاج ونباح الكلاب ونهيق الحمير، ثم أهوى بها إلى الأرض ثم غشّاها بالحجارة، وهو قوله: ﴿جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ﴾ [هود: ٨٢] وهو قوله في جبريل: ﴿ذِي قُوَّةٍ عِندَ ذِي ٱلْعَرْشِ مَكِينٍ﴾ [التكوير: ٢٠]. * * وقوله: ﴿فَٱسْتَوَىٰ﴾ أي: فاستوى هذا الشديد القوي بصاحبكم محمد ﷺ بالأفق الأعلى، وذلك لما أسري به عليهما السلام، استوى هو وجبريل بمطلع الشمس الأعلى، وهو الأفق الأعلى، وهذا القول قال به الطبري والفراء. وفيه العطف على المضمر المرفوع من غير تأكيد، وهو قبيح عند البصريين. [لأن وهو بالأفق معطوف على المضمر في فاستوى وكان القياس عند البصريين] فاستوى هو، وهو، أي: جبريل والنبي ﷺ. وقال الزجاج: الضمير لجبريل، يعني الضمير في فاستوى، وضمير "هو" كلاهما لجبريل عليه السلام، فلا يلزم في هذا القول عطف على مضمر مرفوع لأن الضميرين لواحد. لكن يكون "وهو بالأفق الأعلى" جملة في موضع الحال من المضمر في "فاستوى" أي: استوى جبريل في حال كونه بالأفق الأعلى. والمعنى: فاستوى جبريل وهو بالأفق الأعلى على صورته لأنه كان يتمثل للنبي على صورة رجل فأحب رسول الله ﷺ أن يراه على صورته، فاستوى في أفق المشرق فملأ الأفق، فالمعنى: فاستوى جبريل عليه السلام في الأفق الأعلى على صورته على قول الزجاج، وأكثر المفسرين عليه، فالمضمر الذي هو في "استوى" لجبريل وقوله "وهو" لجبريل أيضاً، وعلى القول الأول الضمير في "استوى" لجبريل. وقوله: "وهو" لمحمد ﷺ، وقد وقع في العدد: "فاستوى وامرأته" فهذا يدل على أن "فاستوى" يتصل بما قبله. قال قتادة: الأفق: الذي يأتي منه النهار. وقال الحسن: أفق المشرق الأعلى بينهما. * * وقوله: ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّىٰ﴾ أي: ثم دنا جبريل من محمد ﷺ فتدلى إليه. وهو قول قتادة والحسن. وعن ابن عباس: ثم دنا الله تعالى ذكره من محمد فتدلى إليه؛ أي: أمره وحكمه. قال أنس: عرج جبريل برسول الله صلى الله عليهما وسلم ليلة الإسراء إلى السماء السابعة ثم علا به بما لا يعلمه إلا الله عز وجل حتى جاء به سدرة المنتهى ودنا الجبار رب العزة (سبحانه وتعالى) فتدلى حتى كان منه قاب قوسين أو أدنى فأوحى (إليه جل ذكره) ما شاء، وأوحى إليه فيما أوحى خمسين صلاة على أمته في كل يوم وليلة ثم ذكر الحديث بطوله. وقال الفراء: "الفاء" بمعنى "الواو" وتقديره عنده "ثم (دنا وتدلى"، ودنا) يعني جبريل ﷺ وهو عنده مثل قوله تعالى: ﴿ٱقْتَرَبَتِ ٱلسَّاعَةُ وَٱنشَقَّ ٱلْقَمَرُ﴾ [القمر: ١] [أي: انشق القمر واقتربت الساعة، لأن انشقاق القمر من علامة اقتراب الساعة]. وقيل: معناه فكان جبريل من محمد صلى الله عليهما وسلم قاب قوسين أو أدنى. وقاب: معناه قدر، أو أدنى: فمعناه أو أقرب منه، و "أو" هنا جيء بها على ما تعقل العرب من مخاطباتها، والمعنى: فكان على مقدار يقدره الرائي منكم قدر قوسين أو أقل [من] ذلك، فأوحى جبريل إلى محمد ﷺ ما أوحى [الله] إلى جبريل ﷺ. قال سفيان: قوسين: ذراعين، وكذلك روي عن ابن عباس. وقال مجاهد: وقتادة قاب قوسين: مقدار قوسين. وقيل معناه: كان منه على مقدار مثل، حيث يكون الوتر من القوس أو أقل من ذلك. قال عبد الله بن عمر: دنا منه جبريل حتى كان قدر ذراع وذراعين. (قال النبي ﷺ): رأيت جبريل له ست مائة جناح. وقال الكوفيون "أو" بمعنى "الواو". * * وقوله: ﴿فَأَوْحَىٰ إِلَىٰ عَبْدِهِ مَآ أَوْحَىٰ﴾ أوحى الله إلى محمد ﷺ ما شاء. وقيل: أوحى جبريل إلى عبد الله وهو محمد ﷺ ما شاء الله. وقيل معنى الآية: فكان الله جل ذكره من جبريل ﷺ قاب قوسين أو أدنى فأوحى الله إلى عبده جبريل ما شاء ليبلغه إلى محمد ﷺ. وقد تقدم قول من قال هو محمد قرب من ربه سبحانه هذا القرب. وروي أن النبي ﷺ سئل: هل رأيت ربك؟ فقال: لم أره بعيني ولكن رأيته بفؤادي. مرتين ثم تلا ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّىٰ﴾ عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ: لما عرج بي مضى جبريل حتى جاء الجنة قال: فدخلت فأعطيت الكوثر ثم مضى حتى جاء السدرة المنتهى فدنا ربك فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى ثم قال: ﴿مَا كَذَبَ ٱلْفُؤَادُ مَا رَأَىٰ﴾ أي: ما كذب فؤاد محمد على محمد فيما رآه ولكنه صدقه، ومن شدد فمعناه: ما كذب فؤاد محمد الذي رأى. قال ابن عباس: رأى ربه بفؤاده ولم يره بعينه، وقاله عكرمة. قال ابن عباس: اصطفى الله إبراهيم بالمَخَلَّة، واصطفى موسى بالكلام واصطفى محمد بالرؤية. وقال ابن مسعود: الذي رأى فؤاده جبريل، وقاله الحسن وقتادة. قالوا: وهو الذي أراه نزلة أخرى عند سدرة المنتهى. * * وقوله: ﴿أَفَتُمَارُونَهُ عَلَىٰ مَا يَرَىٰ﴾ أي: أفتجادلونه على ما يرى، وقيل: معناه أفتحاجونه على ما يرى، ومن قرأه بغير ألف فمعناه أفتجحدونه على ما يرى). يقال مراني حقي يمْرِيني مَريا، أي: جحدني. * * ثم قال: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَىٰ * عِندَ سِدْرَةِ ٱلْمُنتَهَىٰ﴾ أي: رأى محمد جبريل مرة أخرى في هذا الموضع على صورته قاله مجاهد. وقاله الربيع، وهو قول ابن مسعود. وروي: أن عائشة رضي الله عنها سألت رسول الله ﷺ عن رؤية جبريل فقال: لم أره على صورته إلا هاتين المرتين، رأيته منهبطاً من السماء ساداً عظيم خلقه بين السماء والأرض وقال ابن عباس: رأى ربه بقلبه، فقال له رجل عند ذلك أليس قد قال: ﴿لاَّ تُدْرِكُهُ ٱلأَبْصَٰرُ وَهُوَ يُدْرِكُ ٱلأَبْصَٰرَ﴾ [الأنعام: ١٠٣] فقال له عكرمة: أليس ترى السماء؟ فقال: بلى، قال: أفكلها ترى. ومعنى سدرة المنتهى أي: عند السدرة التي إليها ينتهي علم كل عالم. وقال كعب: هي سدرة في أصل العرش إليها ينتهي علم كل ملك مقرب أو نبي مرسل ما خلفها غيب لا يعلمه إلا الله. وعن كعب أنه قال: إنها سدرة على رؤوس حملة العرش فإليها ينتهي علم الخلائق. وقال عبد الله: هي سدرة في السماء السادسة إليها ينتهي من يعرج من الأرض وإليها ينتهي ما يهبط من فوقها. وقال الضحاك: في سدرة المنتهى: إليها ينتهي كل شيء من أمر الله جل ذكره لا يعدوها. وقيل هي الجنة التي آوى إليها آدم عليه السلام وإنها في السماء الرابعة. وقيل: هي سدرة إليها ينتهي كل من كان على سنّة رسول الله، روى ذلك عن النبي ﷺ وأنه لما انتهى إليها ليلة الإسراء قيل له: إلى هذه السدرة ينتهي كل أحد خلا من أمتك على سنتك. وروى علي بن أبي طالب رضي الله عنه: أن النبي ﷺ قال: في سدرة المنتهى: نَبَقُها كَقِلال هَجَر وقال الربيع بن أنس: إليها تنتهي أرواح الشهداء، فلذلك سميت سدرة المنتهى. وقال قتادة: أخبرني أنس بن مالك عن مالك بن صعصعة أن النبي ﷺ قال: رأيت سدرة منتهاها في السماء السابعة نَبَقُهَا كَقِلالٍ هَجَرَ وورقها كأذان الفيلة يخرج من ساقها نهران باطنان ونهران ظاهران فقال: يا جبريل ما هذا؟ فقال: أما الباطنان ففي الجنة وأما الظاهران فالنيل والفرات وعنه ﷺ أنه قال: في صفتها: يسير الراكب في ظلها سبعين عاماً لا يقطعها وقوله: ﴿عِندَهَا جَنَّةُ ٱلْمَأْوَىٰ﴾ أي: عند سدرة المنتهى جنة مأوى أرواح الشهداء. قال ابن عباس: هي عن يمين العرش وهي منزل الشهداء، وقاله قتادة وغيره. وقرأ ابن الزبير ﴿جَنَّةُ ٱلْمَأْوَىٰ﴾ بالهاء، أي جنهُ المساء عندها أي: عند السدرة. جنَّ المساء يجنُّ: أي: سَتَرَهُ. يقال جنَّه الليل وأَجَنَّه. وأنكر هذه القراءة ابن عباس ودعا على من يقرأ بها، وأنكرتها أيضاً عائشة رضي الله عنها. وقال الفراء هي شاذة. * * ثم قال: ﴿إِذْ يَغْشَىٰ ٱلسِّدْرَةَ مَا يَغْشَىٰ﴾ أي: ولقد رأى محمد جبريل ﷺ في صورته مرة أخرى حين يغشى السدرة ما يغشى. قال عبد الله ومسروق ومجاهد والنخعي: غشي السدرة فراش من ذهب. قال يعقوب بن زيد سئل النبي ﷺ عن قوله تعالى: ﴿إِذْ يَغْشَىٰ ٱلسِّدْرَةَ مَا يَغْشَىٰ﴾. فقال: رأيتها يغشاها فراش من ذهب، ورأيت على كل ورقة من ورقها ملكاً قائماً يسبح الله وقال ابن عباس: غشيها رب القوة. قال مجاهد: كانت (أغصان السدرة) لؤلؤاً وياقوتاً وزبرجداً فرآها محمد ورأى ربه بقلبه. وقال الربيع بن أنس: غشيها نور الرب والملائكة يقعون عليها كما تقع الغربان على الشجر. * * ثم قال: ﴿مَا زَاغَ ٱلْبَصَرُ وَمَا طَغَىٰ﴾ أي: ما مال بصر محمد ﷺ عن ما رأى ولا عدل ولا جاوز ما رأى. قال ابن عباس: معناه ما زاغ بصر محمد يميناً ولا شمالاً، وما طغى: ما جاوز أمر ربه. * * ثم قال: ﴿لَقَدْ رَأَىٰ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ ٱلْكُبْرَىٰ﴾ أي: لقد رأى محمد ﷺ هناك من أعلام ربه سبحانه وأدلته الأدلة الكبرى. إن جعلت "من" زائدة كانت "الكبرى" نعتاً للآيات على اللفظ أو على الموضع، وإن جعلت "من" للتبعيض كانت "الكبرى" في موضع نصب برأَى، والكبرى في الأصل نعت تقديره: لقد رأَى الآية الكبرى من آيات ربه. قال عبد الله: رأَى رفرفاً أخضر من الجنة قد سَدَّ الأُفُق. وقال ابن زيد: رأى جبريل في خلقته التي خلق عليها في السماوات والأرض بينه وبينه قدر قوسين أو أدنى.

النجم 53:14

قوله: ﴿وَٱلنَّجْمِ إِذَا هَوَىٰ﴾ إلى قوله: ﴿مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ ٱلْكُبْرَىٰ﴾ الآيات. قال مجاهد: النجم: الثريا، إذا هوى: إذا سقطت، فالمعنى: ورب الثريا، وعنه أن النجم هنا: القرآن، إذا هوى: إذا نزل، فالمعنى: والقرآن إذا نزل من السماء الدنيا. [قال ابن عباس: والنجم إذا هوى يعني به القرآن إذا نزل من السماء الدنيا]. مثل قوله: ﴿فَلاَ أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ ٱلنُّجُومِ﴾ [الواقعة: ٧٥] أي: أقسم بنزول القرآن من سماء الدنيا. وروى قتادة أن عتبة بن أبي لهب قال: كفرت برب النجم، فقال له النبي ﷺ: أما تخاف أن يأكلك كلب الله فخرج في تجارة إلى اليمن فبينما هم قد عَرَّسُوا إذا سمع صوت الأسد، فقال لأصحابه: أنا مأكول فحدّقوا به وضرب على أصمختهم فناموا فجاء الأسد حتى أخذه فما سمعوا إلا صوته وقال الحسن: أقسم الله تعالى بالنجم إذا غاب. وقال الفراء: أقسم بالقرآن لأنه نزل نجوماً. وقيل: يراد به النجم الذي ترمى به الشياطين. * * وقوله: ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَىٰ﴾ أي: ما جار محمد عن الحق ولا مال عنه، بل هو على استقامة وسداد. * * ومعنى ﴿وَمَا غَوَىٰ﴾: أي: ما خاب فيها طلبه من الرحمة. وقيل: معناه: ما صار غاوياً ولكنه رشيد سديد. يقال: غَوَى يَغْوِي مِنَ الغَيِّ، وغَوَى الفَصِيلُ يَغْوِي إِذَا لم يُرْوَ مِنْ لَبَن أُمِّهِ حَتَّى يَمُوتَ هَزَالاً. * * ثم قال: ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ ٱلْهَوَىٰ﴾ أي: ليس ينطق محمد ﷺ بهذا القرآن عن هواه، بل هو وحي أوحي إليه. وقيل: هو خبر عن القرآن، أي: ما ينطق القرآن عن الهوى، دليله قوله: ﴿إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَىٰ﴾ فهذا هو القرآن بلا اختلاف، وهو قوله: ﴿إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَىٰ﴾ أي: إن هذا القرآن إلا وحي يوحيه الله عز وجل إلى محمد ﷺ مع جبريل عليه السلام، وبين ذلك بقوله: ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ ٱلْقُوَىٰ﴾ أي: علَّم محمداً هذا القرآن ملك شديد القوى هو جبريل ﷺ. قال الفراء وغيره: قالت قريش إنما يقول من تلقائه فنزل تكذيبهم في هذه الآية وعلى هذا التفسير جميع المفسرين من الصحابة والتابعين ومن بعدهم في هذه الآية، والقوى جمع قوة، وقيل: شديد الأسباب. * * ثم قال: ﴿ذُو مِرَّةٍ﴾ قال ابن عباس: ذو منظر حسن. وقال قتادة: ذو خلق طويل حسن. وقال مجاهد: ذو مرة: ذو قوة، وكذلك [قال] سفيان وابن زيد يعني به جبريل ﷺ. وكان الحسن يقول ذو مرة: هو الله عز وجل. وتم الكلام عند قوله: ذو مرة، ثم ابتداء بالفاء فقال: ﴿فَٱسْتَوَىٰ﴾ (أي: استوى جبريل ومحمد بالأفق الأعلى. وقيل: هو الله سبحانه: أي: استوى) على العرش، وكذا أهل التفسير غير الحسن على أنه جبريل. وقيل: ذو مرة: ذو صحة جسم وسلامة من الآفات وهو اختيار الطبري ومنه قول النبي ﷺ: "لا تحل الصدقة لغني ولا لذي مِرَّةٍ سوى وقيل معناه: ذو قوة وشدة يعني جبريل ﷺ. روي: أن من قُوَّته اقتلع مدائن لوط الأربع، في كل مدينة مائة ألف من الناس بمساكنهم وأنعامهم بقادمتي جناحه حتى بلغ تخوم الأرض السابعة السفلى، فاقتلع المدائن من أصولها حتى بلغ بهن قرب سماء الدنيا، فسمع أهل السماء صياح الدجاج ونباح الكلاب ونهيق الحمير، ثم أهوى بها إلى الأرض ثم غشّاها بالحجارة، وهو قوله: ﴿جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ﴾ [هود: ٨٢] وهو قوله في جبريل: ﴿ذِي قُوَّةٍ عِندَ ذِي ٱلْعَرْشِ مَكِينٍ﴾ [التكوير: ٢٠]. * * وقوله: ﴿فَٱسْتَوَىٰ﴾ أي: فاستوى هذا الشديد القوي بصاحبكم محمد ﷺ بالأفق الأعلى، وذلك لما أسري به عليهما السلام، استوى هو وجبريل بمطلع الشمس الأعلى، وهو الأفق الأعلى، وهذا القول قال به الطبري والفراء. وفيه العطف على المضمر المرفوع من غير تأكيد، وهو قبيح عند البصريين. [لأن وهو بالأفق معطوف على المضمر في فاستوى وكان القياس عند البصريين] فاستوى هو، وهو، أي: جبريل والنبي ﷺ. وقال الزجاج: الضمير لجبريل، يعني الضمير في فاستوى، وضمير "هو" كلاهما لجبريل عليه السلام، فلا يلزم في هذا القول عطف على مضمر مرفوع لأن الضميرين لواحد. لكن يكون "وهو بالأفق الأعلى" جملة في موضع الحال من المضمر في "فاستوى" أي: استوى جبريل في حال كونه بالأفق الأعلى. والمعنى: فاستوى جبريل وهو بالأفق الأعلى على صورته لأنه كان يتمثل للنبي على صورة رجل فأحب رسول الله ﷺ أن يراه على صورته، فاستوى في أفق المشرق فملأ الأفق، فالمعنى: فاستوى جبريل عليه السلام في الأفق الأعلى على صورته على قول الزجاج، وأكثر المفسرين عليه، فالمضمر الذي هو في "استوى" لجبريل وقوله "وهو" لجبريل أيضاً، وعلى القول الأول الضمير في "استوى" لجبريل. وقوله: "وهو" لمحمد ﷺ، وقد وقع في العدد: "فاستوى وامرأته" فهذا يدل على أن "فاستوى" يتصل بما قبله. قال قتادة: الأفق: الذي يأتي منه النهار. وقال الحسن: أفق المشرق الأعلى بينهما. * * وقوله: ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّىٰ﴾ أي: ثم دنا جبريل من محمد ﷺ فتدلى إليه. وهو قول قتادة والحسن. وعن ابن عباس: ثم دنا الله تعالى ذكره من محمد فتدلى إليه؛ أي: أمره وحكمه. قال أنس: عرج جبريل برسول الله صلى الله عليهما وسلم ليلة الإسراء إلى السماء السابعة ثم علا به بما لا يعلمه إلا الله عز وجل حتى جاء به سدرة المنتهى ودنا الجبار رب العزة (سبحانه وتعالى) فتدلى حتى كان منه قاب قوسين أو أدنى فأوحى (إليه جل ذكره) ما شاء، وأوحى إليه فيما أوحى خمسين صلاة على أمته في كل يوم وليلة ثم ذكر الحديث بطوله. وقال الفراء: "الفاء" بمعنى "الواو" وتقديره عنده "ثم (دنا وتدلى"، ودنا) يعني جبريل ﷺ وهو عنده مثل قوله تعالى: ﴿ٱقْتَرَبَتِ ٱلسَّاعَةُ وَٱنشَقَّ ٱلْقَمَرُ﴾ [القمر: ١] [أي: انشق القمر واقتربت الساعة، لأن انشقاق القمر من علامة اقتراب الساعة]. وقيل: معناه فكان جبريل من محمد صلى الله عليهما وسلم قاب قوسين أو أدنى. وقاب: معناه قدر، أو أدنى: فمعناه أو أقرب منه، و "أو" هنا جيء بها على ما تعقل العرب من مخاطباتها، والمعنى: فكان على مقدار يقدره الرائي منكم قدر قوسين أو أقل [من] ذلك، فأوحى جبريل إلى محمد ﷺ ما أوحى [الله] إلى جبريل ﷺ. قال سفيان: قوسين: ذراعين، وكذلك روي عن ابن عباس. وقال مجاهد: وقتادة قاب قوسين: مقدار قوسين. وقيل معناه: كان منه على مقدار مثل، حيث يكون الوتر من القوس أو أقل من ذلك. قال عبد الله بن عمر: دنا منه جبريل حتى كان قدر ذراع وذراعين. (قال النبي ﷺ): رأيت جبريل له ست مائة جناح. وقال الكوفيون "أو" بمعنى "الواو". * * وقوله: ﴿فَأَوْحَىٰ إِلَىٰ عَبْدِهِ مَآ أَوْحَىٰ﴾ أوحى الله إلى محمد ﷺ ما شاء. وقيل: أوحى جبريل إلى عبد الله وهو محمد ﷺ ما شاء الله. وقيل معنى الآية: فكان الله جل ذكره من جبريل ﷺ قاب قوسين أو أدنى فأوحى الله إلى عبده جبريل ما شاء ليبلغه إلى محمد ﷺ. وقد تقدم قول من قال هو محمد قرب من ربه سبحانه هذا القرب. وروي أن النبي ﷺ سئل: هل رأيت ربك؟ فقال: لم أره بعيني ولكن رأيته بفؤادي. مرتين ثم تلا ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّىٰ﴾ عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ: لما عرج بي مضى جبريل حتى جاء الجنة قال: فدخلت فأعطيت الكوثر ثم مضى حتى جاء السدرة المنتهى فدنا ربك فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى ثم قال: ﴿مَا كَذَبَ ٱلْفُؤَادُ مَا رَأَىٰ﴾ أي: ما كذب فؤاد محمد على محمد فيما رآه ولكنه صدقه، ومن شدد فمعناه: ما كذب فؤاد محمد الذي رأى. قال ابن عباس: رأى ربه بفؤاده ولم يره بعينه، وقاله عكرمة. قال ابن عباس: اصطفى الله إبراهيم بالمَخَلَّة، واصطفى موسى بالكلام واصطفى محمد بالرؤية. وقال ابن مسعود: الذي رأى فؤاده جبريل، وقاله الحسن وقتادة. قالوا: وهو الذي أراه نزلة أخرى عند سدرة المنتهى. * * وقوله: ﴿أَفَتُمَارُونَهُ عَلَىٰ مَا يَرَىٰ﴾ أي: أفتجادلونه على ما يرى، وقيل: معناه أفتحاجونه على ما يرى، ومن قرأه بغير ألف فمعناه أفتجحدونه على ما يرى). يقال مراني حقي يمْرِيني مَريا، أي: جحدني. * * ثم قال: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَىٰ * عِندَ سِدْرَةِ ٱلْمُنتَهَىٰ﴾ أي: رأى محمد جبريل مرة أخرى في هذا الموضع على صورته قاله مجاهد. وقاله الربيع، وهو قول ابن مسعود. وروي: أن عائشة رضي الله عنها سألت رسول الله ﷺ عن رؤية جبريل فقال: لم أره على صورته إلا هاتين المرتين، رأيته منهبطاً من السماء ساداً عظيم خلقه بين السماء والأرض وقال ابن عباس: رأى ربه بقلبه، فقال له رجل عند ذلك أليس قد قال: ﴿لاَّ تُدْرِكُهُ ٱلأَبْصَٰرُ وَهُوَ يُدْرِكُ ٱلأَبْصَٰرَ﴾ [الأنعام: ١٠٣] فقال له عكرمة: أليس ترى السماء؟ فقال: بلى، قال: أفكلها ترى. ومعنى سدرة المنتهى أي: عند السدرة التي إليها ينتهي علم كل عالم. وقال كعب: هي سدرة في أصل العرش إليها ينتهي علم كل ملك مقرب أو نبي مرسل ما خلفها غيب لا يعلمه إلا الله. وعن كعب أنه قال: إنها سدرة على رؤوس حملة العرش فإليها ينتهي علم الخلائق. وقال عبد الله: هي سدرة في السماء السادسة إليها ينتهي من يعرج من الأرض وإليها ينتهي ما يهبط من فوقها. وقال الضحاك: في سدرة المنتهى: إليها ينتهي كل شيء من أمر الله جل ذكره لا يعدوها. وقيل هي الجنة التي آوى إليها آدم عليه السلام وإنها في السماء الرابعة. وقيل: هي سدرة إليها ينتهي كل من كان على سنّة رسول الله، روى ذلك عن النبي ﷺ وأنه لما انتهى إليها ليلة الإسراء قيل له: إلى هذه السدرة ينتهي كل أحد خلا من أمتك على سنتك. وروى علي بن أبي طالب رضي الله عنه: أن النبي ﷺ قال: في سدرة المنتهى: نَبَقُها كَقِلال هَجَر وقال الربيع بن أنس: إليها تنتهي أرواح الشهداء، فلذلك سميت سدرة المنتهى. وقال قتادة: أخبرني أنس بن مالك عن مالك بن صعصعة أن النبي ﷺ قال: رأيت سدرة منتهاها في السماء السابعة نَبَقُهَا كَقِلالٍ هَجَرَ وورقها كأذان الفيلة يخرج من ساقها نهران باطنان ونهران ظاهران فقال: يا جبريل ما هذا؟ فقال: أما الباطنان ففي الجنة وأما الظاهران فالنيل والفرات وعنه ﷺ أنه قال: في صفتها: يسير الراكب في ظلها سبعين عاماً لا يقطعها وقوله: ﴿عِندَهَا جَنَّةُ ٱلْمَأْوَىٰ﴾ أي: عند سدرة المنتهى جنة مأوى أرواح الشهداء. قال ابن عباس: هي عن يمين العرش وهي منزل الشهداء، وقاله قتادة وغيره. وقرأ ابن الزبير ﴿جَنَّةُ ٱلْمَأْوَىٰ﴾ بالهاء، أي جنهُ المساء عندها أي: عند السدرة. جنَّ المساء يجنُّ: أي: سَتَرَهُ. يقال جنَّه الليل وأَجَنَّه. وأنكر هذه القراءة ابن عباس ودعا على من يقرأ بها، وأنكرتها أيضاً عائشة رضي الله عنها. وقال الفراء هي شاذة. * * ثم قال: ﴿إِذْ يَغْشَىٰ ٱلسِّدْرَةَ مَا يَغْشَىٰ﴾ أي: ولقد رأى محمد جبريل ﷺ في صورته مرة أخرى حين يغشى السدرة ما يغشى. قال عبد الله ومسروق ومجاهد والنخعي: غشي السدرة فراش من ذهب. قال يعقوب بن زيد سئل النبي ﷺ عن قوله تعالى: ﴿إِذْ يَغْشَىٰ ٱلسِّدْرَةَ مَا يَغْشَىٰ﴾. فقال: رأيتها يغشاها فراش من ذهب، ورأيت على كل ورقة من ورقها ملكاً قائماً يسبح الله وقال ابن عباس: غشيها رب القوة. قال مجاهد: كانت (أغصان السدرة) لؤلؤاً وياقوتاً وزبرجداً فرآها محمد ورأى ربه بقلبه. وقال الربيع بن أنس: غشيها نور الرب والملائكة يقعون عليها كما تقع الغربان على الشجر. * * ثم قال: ﴿مَا زَاغَ ٱلْبَصَرُ وَمَا طَغَىٰ﴾ أي: ما مال بصر محمد ﷺ عن ما رأى ولا عدل ولا جاوز ما رأى. قال ابن عباس: معناه ما زاغ بصر محمد يميناً ولا شمالاً، وما طغى: ما جاوز أمر ربه. * * ثم قال: ﴿لَقَدْ رَأَىٰ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ ٱلْكُبْرَىٰ﴾ أي: لقد رأى محمد ﷺ هناك من أعلام ربه سبحانه وأدلته الأدلة الكبرى. إن جعلت "من" زائدة كانت "الكبرى" نعتاً للآيات على اللفظ أو على الموضع، وإن جعلت "من" للتبعيض كانت "الكبرى" في موضع نصب برأَى، والكبرى في الأصل نعت تقديره: لقد رأَى الآية الكبرى من آيات ربه. قال عبد الله: رأَى رفرفاً أخضر من الجنة قد سَدَّ الأُفُق. وقال ابن زيد: رأى جبريل في خلقته التي خلق عليها في السماوات والأرض بينه وبينه قدر قوسين أو أدنى.

النجم 53:15

قوله: ﴿وَٱلنَّجْمِ إِذَا هَوَىٰ﴾ إلى قوله: ﴿مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ ٱلْكُبْرَىٰ﴾ الآيات. قال مجاهد: النجم: الثريا، إذا هوى: إذا سقطت، فالمعنى: ورب الثريا، وعنه أن النجم هنا: القرآن، إذا هوى: إذا نزل، فالمعنى: والقرآن إذا نزل من السماء الدنيا. [قال ابن عباس: والنجم إذا هوى يعني به القرآن إذا نزل من السماء الدنيا]. مثل قوله: ﴿فَلاَ أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ ٱلنُّجُومِ﴾ [الواقعة: ٧٥] أي: أقسم بنزول القرآن من سماء الدنيا. وروى قتادة أن عتبة بن أبي لهب قال: كفرت برب النجم، فقال له النبي ﷺ: أما تخاف أن يأكلك كلب الله فخرج في تجارة إلى اليمن فبينما هم قد عَرَّسُوا إذا سمع صوت الأسد، فقال لأصحابه: أنا مأكول فحدّقوا به وضرب على أصمختهم فناموا فجاء الأسد حتى أخذه فما سمعوا إلا صوته وقال الحسن: أقسم الله تعالى بالنجم إذا غاب. وقال الفراء: أقسم بالقرآن لأنه نزل نجوماً. وقيل: يراد به النجم الذي ترمى به الشياطين. * * وقوله: ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَىٰ﴾ أي: ما جار محمد عن الحق ولا مال عنه، بل هو على استقامة وسداد. * * ومعنى ﴿وَمَا غَوَىٰ﴾: أي: ما خاب فيها طلبه من الرحمة. وقيل: معناه: ما صار غاوياً ولكنه رشيد سديد. يقال: غَوَى يَغْوِي مِنَ الغَيِّ، وغَوَى الفَصِيلُ يَغْوِي إِذَا لم يُرْوَ مِنْ لَبَن أُمِّهِ حَتَّى يَمُوتَ هَزَالاً. * * ثم قال: ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ ٱلْهَوَىٰ﴾ أي: ليس ينطق محمد ﷺ بهذا القرآن عن هواه، بل هو وحي أوحي إليه. وقيل: هو خبر عن القرآن، أي: ما ينطق القرآن عن الهوى، دليله قوله: ﴿إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَىٰ﴾ فهذا هو القرآن بلا اختلاف، وهو قوله: ﴿إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَىٰ﴾ أي: إن هذا القرآن إلا وحي يوحيه الله عز وجل إلى محمد ﷺ مع جبريل عليه السلام، وبين ذلك بقوله: ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ ٱلْقُوَىٰ﴾ أي: علَّم محمداً هذا القرآن ملك شديد القوى هو جبريل ﷺ. قال الفراء وغيره: قالت قريش إنما يقول من تلقائه فنزل تكذيبهم في هذه الآية وعلى هذا التفسير جميع المفسرين من الصحابة والتابعين ومن بعدهم في هذه الآية، والقوى جمع قوة، وقيل: شديد الأسباب. * * ثم قال: ﴿ذُو مِرَّةٍ﴾ قال ابن عباس: ذو منظر حسن. وقال قتادة: ذو خلق طويل حسن. وقال مجاهد: ذو مرة: ذو قوة، وكذلك [قال] سفيان وابن زيد يعني به جبريل ﷺ. وكان الحسن يقول ذو مرة: هو الله عز وجل. وتم الكلام عند قوله: ذو مرة، ثم ابتداء بالفاء فقال: ﴿فَٱسْتَوَىٰ﴾ (أي: استوى جبريل ومحمد بالأفق الأعلى. وقيل: هو الله سبحانه: أي: استوى) على العرش، وكذا أهل التفسير غير الحسن على أنه جبريل. وقيل: ذو مرة: ذو صحة جسم وسلامة من الآفات وهو اختيار الطبري ومنه قول النبي ﷺ: "لا تحل الصدقة لغني ولا لذي مِرَّةٍ سوى وقيل معناه: ذو قوة وشدة يعني جبريل ﷺ. روي: أن من قُوَّته اقتلع مدائن لوط الأربع، في كل مدينة مائة ألف من الناس بمساكنهم وأنعامهم بقادمتي جناحه حتى بلغ تخوم الأرض السابعة السفلى، فاقتلع المدائن من أصولها حتى بلغ بهن قرب سماء الدنيا، فسمع أهل السماء صياح الدجاج ونباح الكلاب ونهيق الحمير، ثم أهوى بها إلى الأرض ثم غشّاها بالحجارة، وهو قوله: ﴿جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ﴾ [هود: ٨٢] وهو قوله في جبريل: ﴿ذِي قُوَّةٍ عِندَ ذِي ٱلْعَرْشِ مَكِينٍ﴾ [التكوير: ٢٠]. * * وقوله: ﴿فَٱسْتَوَىٰ﴾ أي: فاستوى هذا الشديد القوي بصاحبكم محمد ﷺ بالأفق الأعلى، وذلك لما أسري به عليهما السلام، استوى هو وجبريل بمطلع الشمس الأعلى، وهو الأفق الأعلى، وهذا القول قال به الطبري والفراء. وفيه العطف على المضمر المرفوع من غير تأكيد، وهو قبيح عند البصريين. [لأن وهو بالأفق معطوف على المضمر في فاستوى وكان القياس عند البصريين] فاستوى هو، وهو، أي: جبريل والنبي ﷺ. وقال الزجاج: الضمير لجبريل، يعني الضمير في فاستوى، وضمير "هو" كلاهما لجبريل عليه السلام، فلا يلزم في هذا القول عطف على مضمر مرفوع لأن الضميرين لواحد. لكن يكون "وهو بالأفق الأعلى" جملة في موضع الحال من المضمر في "فاستوى" أي: استوى جبريل في حال كونه بالأفق الأعلى. والمعنى: فاستوى جبريل وهو بالأفق الأعلى على صورته لأنه كان يتمثل للنبي على صورة رجل فأحب رسول الله ﷺ أن يراه على صورته، فاستوى في أفق المشرق فملأ الأفق، فالمعنى: فاستوى جبريل عليه السلام في الأفق الأعلى على صورته على قول الزجاج، وأكثر المفسرين عليه، فالمضمر الذي هو في "استوى" لجبريل وقوله "وهو" لجبريل أيضاً، وعلى القول الأول الضمير في "استوى" لجبريل. وقوله: "وهو" لمحمد ﷺ، وقد وقع في العدد: "فاستوى وامرأته" فهذا يدل على أن "فاستوى" يتصل بما قبله. قال قتادة: الأفق: الذي يأتي منه النهار. وقال الحسن: أفق المشرق الأعلى بينهما. * * وقوله: ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّىٰ﴾ أي: ثم دنا جبريل من محمد ﷺ فتدلى إليه. وهو قول قتادة والحسن. وعن ابن عباس: ثم دنا الله تعالى ذكره من محمد فتدلى إليه؛ أي: أمره وحكمه. قال أنس: عرج جبريل برسول الله صلى الله عليهما وسلم ليلة الإسراء إلى السماء السابعة ثم علا به بما لا يعلمه إلا الله عز وجل حتى جاء به سدرة المنتهى ودنا الجبار رب العزة (سبحانه وتعالى) فتدلى حتى كان منه قاب قوسين أو أدنى فأوحى (إليه جل ذكره) ما شاء، وأوحى إليه فيما أوحى خمسين صلاة على أمته في كل يوم وليلة ثم ذكر الحديث بطوله. وقال الفراء: "الفاء" بمعنى "الواو" وتقديره عنده "ثم (دنا وتدلى"، ودنا) يعني جبريل ﷺ وهو عنده مثل قوله تعالى: ﴿ٱقْتَرَبَتِ ٱلسَّاعَةُ وَٱنشَقَّ ٱلْقَمَرُ﴾ [القمر: ١] [أي: انشق القمر واقتربت الساعة، لأن انشقاق القمر من علامة اقتراب الساعة]. وقيل: معناه فكان جبريل من محمد صلى الله عليهما وسلم قاب قوسين أو أدنى. وقاب: معناه قدر، أو أدنى: فمعناه أو أقرب منه، و "أو" هنا جيء بها على ما تعقل العرب من مخاطباتها، والمعنى: فكان على مقدار يقدره الرائي منكم قدر قوسين أو أقل [من] ذلك، فأوحى جبريل إلى محمد ﷺ ما أوحى [الله] إلى جبريل ﷺ. قال سفيان: قوسين: ذراعين، وكذلك روي عن ابن عباس. وقال مجاهد: وقتادة قاب قوسين: مقدار قوسين. وقيل معناه: كان منه على مقدار مثل، حيث يكون الوتر من القوس أو أقل من ذلك. قال عبد الله بن عمر: دنا منه جبريل حتى كان قدر ذراع وذراعين. (قال النبي ﷺ): رأيت جبريل له ست مائة جناح. وقال الكوفيون "أو" بمعنى "الواو". * * وقوله: ﴿فَأَوْحَىٰ إِلَىٰ عَبْدِهِ مَآ أَوْحَىٰ﴾ أوحى الله إلى محمد ﷺ ما شاء. وقيل: أوحى جبريل إلى عبد الله وهو محمد ﷺ ما شاء الله. وقيل معنى الآية: فكان الله جل ذكره من جبريل ﷺ قاب قوسين أو أدنى فأوحى الله إلى عبده جبريل ما شاء ليبلغه إلى محمد ﷺ. وقد تقدم قول من قال هو محمد قرب من ربه سبحانه هذا القرب. وروي أن النبي ﷺ سئل: هل رأيت ربك؟ فقال: لم أره بعيني ولكن رأيته بفؤادي. مرتين ثم تلا ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّىٰ﴾ عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ: لما عرج بي مضى جبريل حتى جاء الجنة قال: فدخلت فأعطيت الكوثر ثم مضى حتى جاء السدرة المنتهى فدنا ربك فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى ثم قال: ﴿مَا كَذَبَ ٱلْفُؤَادُ مَا رَأَىٰ﴾ أي: ما كذب فؤاد محمد على محمد فيما رآه ولكنه صدقه، ومن شدد فمعناه: ما كذب فؤاد محمد الذي رأى. قال ابن عباس: رأى ربه بفؤاده ولم يره بعينه، وقاله عكرمة. قال ابن عباس: اصطفى الله إبراهيم بالمَخَلَّة، واصطفى موسى بالكلام واصطفى محمد بالرؤية. وقال ابن مسعود: الذي رأى فؤاده جبريل، وقاله الحسن وقتادة. قالوا: وهو الذي أراه نزلة أخرى عند سدرة المنتهى. * * وقوله: ﴿أَفَتُمَارُونَهُ عَلَىٰ مَا يَرَىٰ﴾ أي: أفتجادلونه على ما يرى، وقيل: معناه أفتحاجونه على ما يرى، ومن قرأه بغير ألف فمعناه أفتجحدونه على ما يرى). يقال مراني حقي يمْرِيني مَريا، أي: جحدني. * * ثم قال: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَىٰ * عِندَ سِدْرَةِ ٱلْمُنتَهَىٰ﴾ أي: رأى محمد جبريل مرة أخرى في هذا الموضع على صورته قاله مجاهد. وقاله الربيع، وهو قول ابن مسعود. وروي: أن عائشة رضي الله عنها سألت رسول الله ﷺ عن رؤية جبريل فقال: لم أره على صورته إلا هاتين المرتين، رأيته منهبطاً من السماء ساداً عظيم خلقه بين السماء والأرض وقال ابن عباس: رأى ربه بقلبه، فقال له رجل عند ذلك أليس قد قال: ﴿لاَّ تُدْرِكُهُ ٱلأَبْصَٰرُ وَهُوَ يُدْرِكُ ٱلأَبْصَٰرَ﴾ [الأنعام: ١٠٣] فقال له عكرمة: أليس ترى السماء؟ فقال: بلى، قال: أفكلها ترى. ومعنى سدرة المنتهى أي: عند السدرة التي إليها ينتهي علم كل عالم. وقال كعب: هي سدرة في أصل العرش إليها ينتهي علم كل ملك مقرب أو نبي مرسل ما خلفها غيب لا يعلمه إلا الله. وعن كعب أنه قال: إنها سدرة على رؤوس حملة العرش فإليها ينتهي علم الخلائق. وقال عبد الله: هي سدرة في السماء السادسة إليها ينتهي من يعرج من الأرض وإليها ينتهي ما يهبط من فوقها. وقال الضحاك: في سدرة المنتهى: إليها ينتهي كل شيء من أمر الله جل ذكره لا يعدوها. وقيل هي الجنة التي آوى إليها آدم عليه السلام وإنها في السماء الرابعة. وقيل: هي سدرة إليها ينتهي كل من كان على سنّة رسول الله، روى ذلك عن النبي ﷺ وأنه لما انتهى إليها ليلة الإسراء قيل له: إلى هذه السدرة ينتهي كل أحد خلا من أمتك على سنتك. وروى علي بن أبي طالب رضي الله عنه: أن النبي ﷺ قال: في سدرة المنتهى: نَبَقُها كَقِلال هَجَر وقال الربيع بن أنس: إليها تنتهي أرواح الشهداء، فلذلك سميت سدرة المنتهى. وقال قتادة: أخبرني أنس بن مالك عن مالك بن صعصعة أن النبي ﷺ قال: رأيت سدرة منتهاها في السماء السابعة نَبَقُهَا كَقِلالٍ هَجَرَ وورقها كأذان الفيلة يخرج من ساقها نهران باطنان ونهران ظاهران فقال: يا جبريل ما هذا؟ فقال: أما الباطنان ففي الجنة وأما الظاهران فالنيل والفرات وعنه ﷺ أنه قال: في صفتها: يسير الراكب في ظلها سبعين عاماً لا يقطعها وقوله: ﴿عِندَهَا جَنَّةُ ٱلْمَأْوَىٰ﴾ أي: عند سدرة المنتهى جنة مأوى أرواح الشهداء. قال ابن عباس: هي عن يمين العرش وهي منزل الشهداء، وقاله قتادة وغيره. وقرأ ابن الزبير ﴿جَنَّةُ ٱلْمَأْوَىٰ﴾ بالهاء، أي جنهُ المساء عندها أي: عند السدرة. جنَّ المساء يجنُّ: أي: سَتَرَهُ. يقال جنَّه الليل وأَجَنَّه. وأنكر هذه القراءة ابن عباس ودعا على من يقرأ بها، وأنكرتها أيضاً عائشة رضي الله عنها. وقال الفراء هي شاذة. * * ثم قال: ﴿إِذْ يَغْشَىٰ ٱلسِّدْرَةَ مَا يَغْشَىٰ﴾ أي: ولقد رأى محمد جبريل ﷺ في صورته مرة أخرى حين يغشى السدرة ما يغشى. قال عبد الله ومسروق ومجاهد والنخعي: غشي السدرة فراش من ذهب. قال يعقوب بن زيد سئل النبي ﷺ عن قوله تعالى: ﴿إِذْ يَغْشَىٰ ٱلسِّدْرَةَ مَا يَغْشَىٰ﴾. فقال: رأيتها يغشاها فراش من ذهب، ورأيت على كل ورقة من ورقها ملكاً قائماً يسبح الله وقال ابن عباس: غشيها رب القوة. قال مجاهد: كانت (أغصان السدرة) لؤلؤاً وياقوتاً وزبرجداً فرآها محمد ورأى ربه بقلبه. وقال الربيع بن أنس: غشيها نور الرب والملائكة يقعون عليها كما تقع الغربان على الشجر. * * ثم قال: ﴿مَا زَاغَ ٱلْبَصَرُ وَمَا طَغَىٰ﴾ أي: ما مال بصر محمد ﷺ عن ما رأى ولا عدل ولا جاوز ما رأى. قال ابن عباس: معناه ما زاغ بصر محمد يميناً ولا شمالاً، وما طغى: ما جاوز أمر ربه. * * ثم قال: ﴿لَقَدْ رَأَىٰ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ ٱلْكُبْرَىٰ﴾ أي: لقد رأى محمد ﷺ هناك من أعلام ربه سبحانه وأدلته الأدلة الكبرى. إن جعلت "من" زائدة كانت "الكبرى" نعتاً للآيات على اللفظ أو على الموضع، وإن جعلت "من" للتبعيض كانت "الكبرى" في موضع نصب برأَى، والكبرى في الأصل نعت تقديره: لقد رأَى الآية الكبرى من آيات ربه. قال عبد الله: رأَى رفرفاً أخضر من الجنة قد سَدَّ الأُفُق. وقال ابن زيد: رأى جبريل في خلقته التي خلق عليها في السماوات والأرض بينه وبينه قدر قوسين أو أدنى.

النجم 53:16

قوله: ﴿وَٱلنَّجْمِ إِذَا هَوَىٰ﴾ إلى قوله: ﴿مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ ٱلْكُبْرَىٰ﴾ الآيات. قال مجاهد: النجم: الثريا، إذا هوى: إذا سقطت، فالمعنى: ورب الثريا، وعنه أن النجم هنا: القرآن، إذا هوى: إذا نزل، فالمعنى: والقرآن إذا نزل من السماء الدنيا. [قال ابن عباس: والنجم إذا هوى يعني به القرآن إذا نزل من السماء الدنيا]. مثل قوله: ﴿فَلاَ أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ ٱلنُّجُومِ﴾ [الواقعة: ٧٥] أي: أقسم بنزول القرآن من سماء الدنيا. وروى قتادة أن عتبة بن أبي لهب قال: كفرت برب النجم، فقال له النبي ﷺ: أما تخاف أن يأكلك كلب الله فخرج في تجارة إلى اليمن فبينما هم قد عَرَّسُوا إذا سمع صوت الأسد، فقال لأصحابه: أنا مأكول فحدّقوا به وضرب على أصمختهم فناموا فجاء الأسد حتى أخذه فما سمعوا إلا صوته وقال الحسن: أقسم الله تعالى بالنجم إذا غاب. وقال الفراء: أقسم بالقرآن لأنه نزل نجوماً. وقيل: يراد به النجم الذي ترمى به الشياطين. * * وقوله: ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَىٰ﴾ أي: ما جار محمد عن الحق ولا مال عنه، بل هو على استقامة وسداد. * * ومعنى ﴿وَمَا غَوَىٰ﴾: أي: ما خاب فيها طلبه من الرحمة. وقيل: معناه: ما صار غاوياً ولكنه رشيد سديد. يقال: غَوَى يَغْوِي مِنَ الغَيِّ، وغَوَى الفَصِيلُ يَغْوِي إِذَا لم يُرْوَ مِنْ لَبَن أُمِّهِ حَتَّى يَمُوتَ هَزَالاً. * * ثم قال: ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ ٱلْهَوَىٰ﴾ أي: ليس ينطق محمد ﷺ بهذا القرآن عن هواه، بل هو وحي أوحي إليه. وقيل: هو خبر عن القرآن، أي: ما ينطق القرآن عن الهوى، دليله قوله: ﴿إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَىٰ﴾ فهذا هو القرآن بلا اختلاف، وهو قوله: ﴿إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَىٰ﴾ أي: إن هذا القرآن إلا وحي يوحيه الله عز وجل إلى محمد ﷺ مع جبريل عليه السلام، وبين ذلك بقوله: ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ ٱلْقُوَىٰ﴾ أي: علَّم محمداً هذا القرآن ملك شديد القوى هو جبريل ﷺ. قال الفراء وغيره: قالت قريش إنما يقول من تلقائه فنزل تكذيبهم في هذه الآية وعلى هذا التفسير جميع المفسرين من الصحابة والتابعين ومن بعدهم في هذه الآية، والقوى جمع قوة، وقيل: شديد الأسباب. * * ثم قال: ﴿ذُو مِرَّةٍ﴾ قال ابن عباس: ذو منظر حسن. وقال قتادة: ذو خلق طويل حسن. وقال مجاهد: ذو مرة: ذو قوة، وكذلك [قال] سفيان وابن زيد يعني به جبريل ﷺ. وكان الحسن يقول ذو مرة: هو الله عز وجل. وتم الكلام عند قوله: ذو مرة، ثم ابتداء بالفاء فقال: ﴿فَٱسْتَوَىٰ﴾ (أي: استوى جبريل ومحمد بالأفق الأعلى. وقيل: هو الله سبحانه: أي: استوى) على العرش، وكذا أهل التفسير غير الحسن على أنه جبريل. وقيل: ذو مرة: ذو صحة جسم وسلامة من الآفات وهو اختيار الطبري ومنه قول النبي ﷺ: "لا تحل الصدقة لغني ولا لذي مِرَّةٍ سوى وقيل معناه: ذو قوة وشدة يعني جبريل ﷺ. روي: أن من قُوَّته اقتلع مدائن لوط الأربع، في كل مدينة مائة ألف من الناس بمساكنهم وأنعامهم بقادمتي جناحه حتى بلغ تخوم الأرض السابعة السفلى، فاقتلع المدائن من أصولها حتى بلغ بهن قرب سماء الدنيا، فسمع أهل السماء صياح الدجاج ونباح الكلاب ونهيق الحمير، ثم أهوى بها إلى الأرض ثم غشّاها بالحجارة، وهو قوله: ﴿جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ﴾ [هود: ٨٢] وهو قوله في جبريل: ﴿ذِي قُوَّةٍ عِندَ ذِي ٱلْعَرْشِ مَكِينٍ﴾ [التكوير: ٢٠]. * * وقوله: ﴿فَٱسْتَوَىٰ﴾ أي: فاستوى هذا الشديد القوي بصاحبكم محمد ﷺ بالأفق الأعلى، وذلك لما أسري به عليهما السلام، استوى هو وجبريل بمطلع الشمس الأعلى، وهو الأفق الأعلى، وهذا القول قال به الطبري والفراء. وفيه العطف على المضمر المرفوع من غير تأكيد، وهو قبيح عند البصريين. [لأن وهو بالأفق معطوف على المضمر في فاستوى وكان القياس عند البصريين] فاستوى هو، وهو، أي: جبريل والنبي ﷺ. وقال الزجاج: الضمير لجبريل، يعني الضمير في فاستوى، وضمير "هو" كلاهما لجبريل عليه السلام، فلا يلزم في هذا القول عطف على مضمر مرفوع لأن الضميرين لواحد. لكن يكون "وهو بالأفق الأعلى" جملة في موضع الحال من المضمر في "فاستوى" أي: استوى جبريل في حال كونه بالأفق الأعلى. والمعنى: فاستوى جبريل وهو بالأفق الأعلى على صورته لأنه كان يتمثل للنبي على صورة رجل فأحب رسول الله ﷺ أن يراه على صورته، فاستوى في أفق المشرق فملأ الأفق، فالمعنى: فاستوى جبريل عليه السلام في الأفق الأعلى على صورته على قول الزجاج، وأكثر المفسرين عليه، فالمضمر الذي هو في "استوى" لجبريل وقوله "وهو" لجبريل أيضاً، وعلى القول الأول الضمير في "استوى" لجبريل. وقوله: "وهو" لمحمد ﷺ، وقد وقع في العدد: "فاستوى وامرأته" فهذا يدل على أن "فاستوى" يتصل بما قبله. قال قتادة: الأفق: الذي يأتي منه النهار. وقال الحسن: أفق المشرق الأعلى بينهما. * * وقوله: ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّىٰ﴾ أي: ثم دنا جبريل من محمد ﷺ فتدلى إليه. وهو قول قتادة والحسن. وعن ابن عباس: ثم دنا الله تعالى ذكره من محمد فتدلى إليه؛ أي: أمره وحكمه. قال أنس: عرج جبريل برسول الله صلى الله عليهما وسلم ليلة الإسراء إلى السماء السابعة ثم علا به بما لا يعلمه إلا الله عز وجل حتى جاء به سدرة المنتهى ودنا الجبار رب العزة (سبحانه وتعالى) فتدلى حتى كان منه قاب قوسين أو أدنى فأوحى (إليه جل ذكره) ما شاء، وأوحى إليه فيما أوحى خمسين صلاة على أمته في كل يوم وليلة ثم ذكر الحديث بطوله. وقال الفراء: "الفاء" بمعنى "الواو" وتقديره عنده "ثم (دنا وتدلى"، ودنا) يعني جبريل ﷺ وهو عنده مثل قوله تعالى: ﴿ٱقْتَرَبَتِ ٱلسَّاعَةُ وَٱنشَقَّ ٱلْقَمَرُ﴾ [القمر: ١] [أي: انشق القمر واقتربت الساعة، لأن انشقاق القمر من علامة اقتراب الساعة]. وقيل: معناه فكان جبريل من محمد صلى الله عليهما وسلم قاب قوسين أو أدنى. وقاب: معناه قدر، أو أدنى: فمعناه أو أقرب منه، و "أو" هنا جيء بها على ما تعقل العرب من مخاطباتها، والمعنى: فكان على مقدار يقدره الرائي منكم قدر قوسين أو أقل [من] ذلك، فأوحى جبريل إلى محمد ﷺ ما أوحى [الله] إلى جبريل ﷺ. قال سفيان: قوسين: ذراعين، وكذلك روي عن ابن عباس. وقال مجاهد: وقتادة قاب قوسين: مقدار قوسين. وقيل معناه: كان منه على مقدار مثل، حيث يكون الوتر من القوس أو أقل من ذلك. قال عبد الله بن عمر: دنا منه جبريل حتى كان قدر ذراع وذراعين. (قال النبي ﷺ): رأيت جبريل له ست مائة جناح. وقال الكوفيون "أو" بمعنى "الواو". * * وقوله: ﴿فَأَوْحَىٰ إِلَىٰ عَبْدِهِ مَآ أَوْحَىٰ﴾ أوحى الله إلى محمد ﷺ ما شاء. وقيل: أوحى جبريل إلى عبد الله وهو محمد ﷺ ما شاء الله. وقيل معنى الآية: فكان الله جل ذكره من جبريل ﷺ قاب قوسين أو أدنى فأوحى الله إلى عبده جبريل ما شاء ليبلغه إلى محمد ﷺ. وقد تقدم قول من قال هو محمد قرب من ربه سبحانه هذا القرب. وروي أن النبي ﷺ سئل: هل رأيت ربك؟ فقال: لم أره بعيني ولكن رأيته بفؤادي. مرتين ثم تلا ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّىٰ﴾ عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ: لما عرج بي مضى جبريل حتى جاء الجنة قال: فدخلت فأعطيت الكوثر ثم مضى حتى جاء السدرة المنتهى فدنا ربك فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى ثم قال: ﴿مَا كَذَبَ ٱلْفُؤَادُ مَا رَأَىٰ﴾ أي: ما كذب فؤاد محمد على محمد فيما رآه ولكنه صدقه، ومن شدد فمعناه: ما كذب فؤاد محمد الذي رأى. قال ابن عباس: رأى ربه بفؤاده ولم يره بعينه، وقاله عكرمة. قال ابن عباس: اصطفى الله إبراهيم بالمَخَلَّة، واصطفى موسى بالكلام واصطفى محمد بالرؤية. وقال ابن مسعود: الذي رأى فؤاده جبريل، وقاله الحسن وقتادة. قالوا: وهو الذي أراه نزلة أخرى عند سدرة المنتهى. * * وقوله: ﴿أَفَتُمَارُونَهُ عَلَىٰ مَا يَرَىٰ﴾ أي: أفتجادلونه على ما يرى، وقيل: معناه أفتحاجونه على ما يرى، ومن قرأه بغير ألف فمعناه أفتجحدونه على ما يرى). يقال مراني حقي يمْرِيني مَريا، أي: جحدني. * * ثم قال: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَىٰ * عِندَ سِدْرَةِ ٱلْمُنتَهَىٰ﴾ أي: رأى محمد جبريل مرة أخرى في هذا الموضع على صورته قاله مجاهد. وقاله الربيع، وهو قول ابن مسعود. وروي: أن عائشة رضي الله عنها سألت رسول الله ﷺ عن رؤية جبريل فقال: لم أره على صورته إلا هاتين المرتين، رأيته منهبطاً من السماء ساداً عظيم خلقه بين السماء والأرض وقال ابن عباس: رأى ربه بقلبه، فقال له رجل عند ذلك أليس قد قال: ﴿لاَّ تُدْرِكُهُ ٱلأَبْصَٰرُ وَهُوَ يُدْرِكُ ٱلأَبْصَٰرَ﴾ [الأنعام: ١٠٣] فقال له عكرمة: أليس ترى السماء؟ فقال: بلى، قال: أفكلها ترى. ومعنى سدرة المنتهى أي: عند السدرة التي إليها ينتهي علم كل عالم. وقال كعب: هي سدرة في أصل العرش إليها ينتهي علم كل ملك مقرب أو نبي مرسل ما خلفها غيب لا يعلمه إلا الله. وعن كعب أنه قال: إنها سدرة على رؤوس حملة العرش فإليها ينتهي علم الخلائق. وقال عبد الله: هي سدرة في السماء السادسة إليها ينتهي من يعرج من الأرض وإليها ينتهي ما يهبط من فوقها. وقال الضحاك: في سدرة المنتهى: إليها ينتهي كل شيء من أمر الله جل ذكره لا يعدوها. وقيل هي الجنة التي آوى إليها آدم عليه السلام وإنها في السماء الرابعة. وقيل: هي سدرة إليها ينتهي كل من كان على سنّة رسول الله، روى ذلك عن النبي ﷺ وأنه لما انتهى إليها ليلة الإسراء قيل له: إلى هذه السدرة ينتهي كل أحد خلا من أمتك على سنتك. وروى علي بن أبي طالب رضي الله عنه: أن النبي ﷺ قال: في سدرة المنتهى: نَبَقُها كَقِلال هَجَر وقال الربيع بن أنس: إليها تنتهي أرواح الشهداء، فلذلك سميت سدرة المنتهى. وقال قتادة: أخبرني أنس بن مالك عن مالك بن صعصعة أن النبي ﷺ قال: رأيت سدرة منتهاها في السماء السابعة نَبَقُهَا كَقِلالٍ هَجَرَ وورقها كأذان الفيلة يخرج من ساقها نهران باطنان ونهران ظاهران فقال: يا جبريل ما هذا؟ فقال: أما الباطنان ففي الجنة وأما الظاهران فالنيل والفرات وعنه ﷺ أنه قال: في صفتها: يسير الراكب في ظلها سبعين عاماً لا يقطعها وقوله: ﴿عِندَهَا جَنَّةُ ٱلْمَأْوَىٰ﴾ أي: عند سدرة المنتهى جنة مأوى أرواح الشهداء. قال ابن عباس: هي عن يمين العرش وهي منزل الشهداء، وقاله قتادة وغيره. وقرأ ابن الزبير ﴿جَنَّةُ ٱلْمَأْوَىٰ﴾ بالهاء، أي جنهُ المساء عندها أي: عند السدرة. جنَّ المساء يجنُّ: أي: سَتَرَهُ. يقال جنَّه الليل وأَجَنَّه. وأنكر هذه القراءة ابن عباس ودعا على من يقرأ بها، وأنكرتها أيضاً عائشة رضي الله عنها. وقال الفراء هي شاذة. * * ثم قال: ﴿إِذْ يَغْشَىٰ ٱلسِّدْرَةَ مَا يَغْشَىٰ﴾ أي: ولقد رأى محمد جبريل ﷺ في صورته مرة أخرى حين يغشى السدرة ما يغشى. قال عبد الله ومسروق ومجاهد والنخعي: غشي السدرة فراش من ذهب. قال يعقوب بن زيد سئل النبي ﷺ عن قوله تعالى: ﴿إِذْ يَغْشَىٰ ٱلسِّدْرَةَ مَا يَغْشَىٰ﴾. فقال: رأيتها يغشاها فراش من ذهب، ورأيت على كل ورقة من ورقها ملكاً قائماً يسبح الله وقال ابن عباس: غشيها رب القوة. قال مجاهد: كانت (أغصان السدرة) لؤلؤاً وياقوتاً وزبرجداً فرآها محمد ورأى ربه بقلبه. وقال الربيع بن أنس: غشيها نور الرب والملائكة يقعون عليها كما تقع الغربان على الشجر. * * ثم قال: ﴿مَا زَاغَ ٱلْبَصَرُ وَمَا طَغَىٰ﴾ أي: ما مال بصر محمد ﷺ عن ما رأى ولا عدل ولا جاوز ما رأى. قال ابن عباس: معناه ما زاغ بصر محمد يميناً ولا شمالاً، وما طغى: ما جاوز أمر ربه. * * ثم قال: ﴿لَقَدْ رَأَىٰ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ ٱلْكُبْرَىٰ﴾ أي: لقد رأى محمد ﷺ هناك من أعلام ربه سبحانه وأدلته الأدلة الكبرى. إن جعلت "من" زائدة كانت "الكبرى" نعتاً للآيات على اللفظ أو على الموضع، وإن جعلت "من" للتبعيض كانت "الكبرى" في موضع نصب برأَى، والكبرى في الأصل نعت تقديره: لقد رأَى الآية الكبرى من آيات ربه. قال عبد الله: رأَى رفرفاً أخضر من الجنة قد سَدَّ الأُفُق. وقال ابن زيد: رأى جبريل في خلقته التي خلق عليها في السماوات والأرض بينه وبينه قدر قوسين أو أدنى.

النجم 53:17

قوله: ﴿وَٱلنَّجْمِ إِذَا هَوَىٰ﴾ إلى قوله: ﴿مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ ٱلْكُبْرَىٰ﴾ الآيات. قال مجاهد: النجم: الثريا، إذا هوى: إذا سقطت، فالمعنى: ورب الثريا، وعنه أن النجم هنا: القرآن، إذا هوى: إذا نزل، فالمعنى: والقرآن إذا نزل من السماء الدنيا. [قال ابن عباس: والنجم إذا هوى يعني به القرآن إذا نزل من السماء الدنيا]. مثل قوله: ﴿فَلاَ أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ ٱلنُّجُومِ﴾ [الواقعة: ٧٥] أي: أقسم بنزول القرآن من سماء الدنيا. وروى قتادة أن عتبة بن أبي لهب قال: كفرت برب النجم، فقال له النبي ﷺ: أما تخاف أن يأكلك كلب الله فخرج في تجارة إلى اليمن فبينما هم قد عَرَّسُوا إذا سمع صوت الأسد، فقال لأصحابه: أنا مأكول فحدّقوا به وضرب على أصمختهم فناموا فجاء الأسد حتى أخذه فما سمعوا إلا صوته وقال الحسن: أقسم الله تعالى بالنجم إذا غاب. وقال الفراء: أقسم بالقرآن لأنه نزل نجوماً. وقيل: يراد به النجم الذي ترمى به الشياطين. * * وقوله: ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَىٰ﴾ أي: ما جار محمد عن الحق ولا مال عنه، بل هو على استقامة وسداد. * * ومعنى ﴿وَمَا غَوَىٰ﴾: أي: ما خاب فيها طلبه من الرحمة. وقيل: معناه: ما صار غاوياً ولكنه رشيد سديد. يقال: غَوَى يَغْوِي مِنَ الغَيِّ، وغَوَى الفَصِيلُ يَغْوِي إِذَا لم يُرْوَ مِنْ لَبَن أُمِّهِ حَتَّى يَمُوتَ هَزَالاً. * * ثم قال: ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ ٱلْهَوَىٰ﴾ أي: ليس ينطق محمد ﷺ بهذا القرآن عن هواه، بل هو وحي أوحي إليه. وقيل: هو خبر عن القرآن، أي: ما ينطق القرآن عن الهوى، دليله قوله: ﴿إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَىٰ﴾ فهذا هو القرآن بلا اختلاف، وهو قوله: ﴿إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَىٰ﴾ أي: إن هذا القرآن إلا وحي يوحيه الله عز وجل إلى محمد ﷺ مع جبريل عليه السلام، وبين ذلك بقوله: ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ ٱلْقُوَىٰ﴾ أي: علَّم محمداً هذا القرآن ملك شديد القوى هو جبريل ﷺ. قال الفراء وغيره: قالت قريش إنما يقول من تلقائه فنزل تكذيبهم في هذه الآية وعلى هذا التفسير جميع المفسرين من الصحابة والتابعين ومن بعدهم في هذه الآية، والقوى جمع قوة، وقيل: شديد الأسباب. * * ثم قال: ﴿ذُو مِرَّةٍ﴾ قال ابن عباس: ذو منظر حسن. وقال قتادة: ذو خلق طويل حسن. وقال مجاهد: ذو مرة: ذو قوة، وكذلك [قال] سفيان وابن زيد يعني به جبريل ﷺ. وكان الحسن يقول ذو مرة: هو الله عز وجل. وتم الكلام عند قوله: ذو مرة، ثم ابتداء بالفاء فقال: ﴿فَٱسْتَوَىٰ﴾ (أي: استوى جبريل ومحمد بالأفق الأعلى. وقيل: هو الله سبحانه: أي: استوى) على العرش، وكذا أهل التفسير غير الحسن على أنه جبريل. وقيل: ذو مرة: ذو صحة جسم وسلامة من الآفات وهو اختيار الطبري ومنه قول النبي ﷺ: "لا تحل الصدقة لغني ولا لذي مِرَّةٍ سوى وقيل معناه: ذو قوة وشدة يعني جبريل ﷺ. روي: أن من قُوَّته اقتلع مدائن لوط الأربع، في كل مدينة مائة ألف من الناس بمساكنهم وأنعامهم بقادمتي جناحه حتى بلغ تخوم الأرض السابعة السفلى، فاقتلع المدائن من أصولها حتى بلغ بهن قرب سماء الدنيا، فسمع أهل السماء صياح الدجاج ونباح الكلاب ونهيق الحمير، ثم أهوى بها إلى الأرض ثم غشّاها بالحجارة، وهو قوله: ﴿جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ﴾ [هود: ٨٢] وهو قوله في جبريل: ﴿ذِي قُوَّةٍ عِندَ ذِي ٱلْعَرْشِ مَكِينٍ﴾ [التكوير: ٢٠]. * * وقوله: ﴿فَٱسْتَوَىٰ﴾ أي: فاستوى هذا الشديد القوي بصاحبكم محمد ﷺ بالأفق الأعلى، وذلك لما أسري به عليهما السلام، استوى هو وجبريل بمطلع الشمس الأعلى، وهو الأفق الأعلى، وهذا القول قال به الطبري والفراء. وفيه العطف على المضمر المرفوع من غير تأكيد، وهو قبيح عند البصريين. [لأن وهو بالأفق معطوف على المضمر في فاستوى وكان القياس عند البصريين] فاستوى هو، وهو، أي: جبريل والنبي ﷺ. وقال الزجاج: الضمير لجبريل، يعني الضمير في فاستوى، وضمير "هو" كلاهما لجبريل عليه السلام، فلا يلزم في هذا القول عطف على مضمر مرفوع لأن الضميرين لواحد. لكن يكون "وهو بالأفق الأعلى" جملة في موضع الحال من المضمر في "فاستوى" أي: استوى جبريل في حال كونه بالأفق الأعلى. والمعنى: فاستوى جبريل وهو بالأفق الأعلى على صورته لأنه كان يتمثل للنبي على صورة رجل فأحب رسول الله ﷺ أن يراه على صورته، فاستوى في أفق المشرق فملأ الأفق، فالمعنى: فاستوى جبريل عليه السلام في الأفق الأعلى على صورته على قول الزجاج، وأكثر المفسرين عليه، فالمضمر الذي هو في "استوى" لجبريل وقوله "وهو" لجبريل أيضاً، وعلى القول الأول الضمير في "استوى" لجبريل. وقوله: "وهو" لمحمد ﷺ، وقد وقع في العدد: "فاستوى وامرأته" فهذا يدل على أن "فاستوى" يتصل بما قبله. قال قتادة: الأفق: الذي يأتي منه النهار. وقال الحسن: أفق المشرق الأعلى بينهما. * * وقوله: ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّىٰ﴾ أي: ثم دنا جبريل من محمد ﷺ فتدلى إليه. وهو قول قتادة والحسن. وعن ابن عباس: ثم دنا الله تعالى ذكره من محمد فتدلى إليه؛ أي: أمره وحكمه. قال أنس: عرج جبريل برسول الله صلى الله عليهما وسلم ليلة الإسراء إلى السماء السابعة ثم علا به بما لا يعلمه إلا الله عز وجل حتى جاء به سدرة المنتهى ودنا الجبار رب العزة (سبحانه وتعالى) فتدلى حتى كان منه قاب قوسين أو أدنى فأوحى (إليه جل ذكره) ما شاء، وأوحى إليه فيما أوحى خمسين صلاة على أمته في كل يوم وليلة ثم ذكر الحديث بطوله. وقال الفراء: "الفاء" بمعنى "الواو" وتقديره عنده "ثم (دنا وتدلى"، ودنا) يعني جبريل ﷺ وهو عنده مثل قوله تعالى: ﴿ٱقْتَرَبَتِ ٱلسَّاعَةُ وَٱنشَقَّ ٱلْقَمَرُ﴾ [القمر: ١] [أي: انشق القمر واقتربت الساعة، لأن انشقاق القمر من علامة اقتراب الساعة]. وقيل: معناه فكان جبريل من محمد صلى الله عليهما وسلم قاب قوسين أو أدنى. وقاب: معناه قدر، أو أدنى: فمعناه أو أقرب منه، و "أو" هنا جيء بها على ما تعقل العرب من مخاطباتها، والمعنى: فكان على مقدار يقدره الرائي منكم قدر قوسين أو أقل [من] ذلك، فأوحى جبريل إلى محمد ﷺ ما أوحى [الله] إلى جبريل ﷺ. قال سفيان: قوسين: ذراعين، وكذلك روي عن ابن عباس. وقال مجاهد: وقتادة قاب قوسين: مقدار قوسين. وقيل معناه: كان منه على مقدار مثل، حيث يكون الوتر من القوس أو أقل من ذلك. قال عبد الله بن عمر: دنا منه جبريل حتى كان قدر ذراع وذراعين. (قال النبي ﷺ): رأيت جبريل له ست مائة جناح. وقال الكوفيون "أو" بمعنى "الواو". * * وقوله: ﴿فَأَوْحَىٰ إِلَىٰ عَبْدِهِ مَآ أَوْحَىٰ﴾ أوحى الله إلى محمد ﷺ ما شاء. وقيل: أوحى جبريل إلى عبد الله وهو محمد ﷺ ما شاء الله. وقيل معنى الآية: فكان الله جل ذكره من جبريل ﷺ قاب قوسين أو أدنى فأوحى الله إلى عبده جبريل ما شاء ليبلغه إلى محمد ﷺ. وقد تقدم قول من قال هو محمد قرب من ربه سبحانه هذا القرب. وروي أن النبي ﷺ سئل: هل رأيت ربك؟ فقال: لم أره بعيني ولكن رأيته بفؤادي. مرتين ثم تلا ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّىٰ﴾ عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ: لما عرج بي مضى جبريل حتى جاء الجنة قال: فدخلت فأعطيت الكوثر ثم مضى حتى جاء السدرة المنتهى فدنا ربك فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى ثم قال: ﴿مَا كَذَبَ ٱلْفُؤَادُ مَا رَأَىٰ﴾ أي: ما كذب فؤاد محمد على محمد فيما رآه ولكنه صدقه، ومن شدد فمعناه: ما كذب فؤاد محمد الذي رأى. قال ابن عباس: رأى ربه بفؤاده ولم يره بعينه، وقاله عكرمة. قال ابن عباس: اصطفى الله إبراهيم بالمَخَلَّة، واصطفى موسى بالكلام واصطفى محمد بالرؤية. وقال ابن مسعود: الذي رأى فؤاده جبريل، وقاله الحسن وقتادة. قالوا: وهو الذي أراه نزلة أخرى عند سدرة المنتهى. * * وقوله: ﴿أَفَتُمَارُونَهُ عَلَىٰ مَا يَرَىٰ﴾ أي: أفتجادلونه على ما يرى، وقيل: معناه أفتحاجونه على ما يرى، ومن قرأه بغير ألف فمعناه أفتجحدونه على ما يرى). يقال مراني حقي يمْرِيني مَريا، أي: جحدني. * * ثم قال: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَىٰ * عِندَ سِدْرَةِ ٱلْمُنتَهَىٰ﴾ أي: رأى محمد جبريل مرة أخرى في هذا الموضع على صورته قاله مجاهد. وقاله الربيع، وهو قول ابن مسعود. وروي: أن عائشة رضي الله عنها سألت رسول الله ﷺ عن رؤية جبريل فقال: لم أره على صورته إلا هاتين المرتين، رأيته منهبطاً من السماء ساداً عظيم خلقه بين السماء والأرض وقال ابن عباس: رأى ربه بقلبه، فقال له رجل عند ذلك أليس قد قال: ﴿لاَّ تُدْرِكُهُ ٱلأَبْصَٰرُ وَهُوَ يُدْرِكُ ٱلأَبْصَٰرَ﴾ [الأنعام: ١٠٣] فقال له عكرمة: أليس ترى السماء؟ فقال: بلى، قال: أفكلها ترى. ومعنى سدرة المنتهى أي: عند السدرة التي إليها ينتهي علم كل عالم. وقال كعب: هي سدرة في أصل العرش إليها ينتهي علم كل ملك مقرب أو نبي مرسل ما خلفها غيب لا يعلمه إلا الله. وعن كعب أنه قال: إنها سدرة على رؤوس حملة العرش فإليها ينتهي علم الخلائق. وقال عبد الله: هي سدرة في السماء السادسة إليها ينتهي من يعرج من الأرض وإليها ينتهي ما يهبط من فوقها. وقال الضحاك: في سدرة المنتهى: إليها ينتهي كل شيء من أمر الله جل ذكره لا يعدوها. وقيل هي الجنة التي آوى إليها آدم عليه السلام وإنها في السماء الرابعة. وقيل: هي سدرة إليها ينتهي كل من كان على سنّة رسول الله، روى ذلك عن النبي ﷺ وأنه لما انتهى إليها ليلة الإسراء قيل له: إلى هذه السدرة ينتهي كل أحد خلا من أمتك على سنتك. وروى علي بن أبي طالب رضي الله عنه: أن النبي ﷺ قال: في سدرة المنتهى: نَبَقُها كَقِلال هَجَر وقال الربيع بن أنس: إليها تنتهي أرواح الشهداء، فلذلك سميت سدرة المنتهى. وقال قتادة: أخبرني أنس بن مالك عن مالك بن صعصعة أن النبي ﷺ قال: رأيت سدرة منتهاها في السماء السابعة نَبَقُهَا كَقِلالٍ هَجَرَ وورقها كأذان الفيلة يخرج من ساقها نهران باطنان ونهران ظاهران فقال: يا جبريل ما هذا؟ فقال: أما الباطنان ففي الجنة وأما الظاهران فالنيل والفرات وعنه ﷺ أنه قال: في صفتها: يسير الراكب في ظلها سبعين عاماً لا يقطعها وقوله: ﴿عِندَهَا جَنَّةُ ٱلْمَأْوَىٰ﴾ أي: عند سدرة المنتهى جنة مأوى أرواح الشهداء. قال ابن عباس: هي عن يمين العرش وهي منزل الشهداء، وقاله قتادة وغيره. وقرأ ابن الزبير ﴿جَنَّةُ ٱلْمَأْوَىٰ﴾ بالهاء، أي جنهُ المساء عندها أي: عند السدرة. جنَّ المساء يجنُّ: أي: سَتَرَهُ. يقال جنَّه الليل وأَجَنَّه. وأنكر هذه القراءة ابن عباس ودعا على من يقرأ بها، وأنكرتها أيضاً عائشة رضي الله عنها. وقال الفراء هي شاذة. * * ثم قال: ﴿إِذْ يَغْشَىٰ ٱلسِّدْرَةَ مَا يَغْشَىٰ﴾ أي: ولقد رأى محمد جبريل ﷺ في صورته مرة أخرى حين يغشى السدرة ما يغشى. قال عبد الله ومسروق ومجاهد والنخعي: غشي السدرة فراش من ذهب. قال يعقوب بن زيد سئل النبي ﷺ عن قوله تعالى: ﴿إِذْ يَغْشَىٰ ٱلسِّدْرَةَ مَا يَغْشَىٰ﴾. فقال: رأيتها يغشاها فراش من ذهب، ورأيت على كل ورقة من ورقها ملكاً قائماً يسبح الله وقال ابن عباس: غشيها رب القوة. قال مجاهد: كانت (أغصان السدرة) لؤلؤاً وياقوتاً وزبرجداً فرآها محمد ورأى ربه بقلبه. وقال الربيع بن أنس: غشيها نور الرب والملائكة يقعون عليها كما تقع الغربان على الشجر. * * ثم قال: ﴿مَا زَاغَ ٱلْبَصَرُ وَمَا طَغَىٰ﴾ أي: ما مال بصر محمد ﷺ عن ما رأى ولا عدل ولا جاوز ما رأى. قال ابن عباس: معناه ما زاغ بصر محمد يميناً ولا شمالاً، وما طغى: ما جاوز أمر ربه. * * ثم قال: ﴿لَقَدْ رَأَىٰ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ ٱلْكُبْرَىٰ﴾ أي: لقد رأى محمد ﷺ هناك من أعلام ربه سبحانه وأدلته الأدلة الكبرى. إن جعلت "من" زائدة كانت "الكبرى" نعتاً للآيات على اللفظ أو على الموضع، وإن جعلت "من" للتبعيض كانت "الكبرى" في موضع نصب برأَى، والكبرى في الأصل نعت تقديره: لقد رأَى الآية الكبرى من آيات ربه. قال عبد الله: رأَى رفرفاً أخضر من الجنة قد سَدَّ الأُفُق. وقال ابن زيد: رأى جبريل في خلقته التي خلق عليها في السماوات والأرض بينه وبينه قدر قوسين أو أدنى.

النجم 53:18

قوله: ﴿وَٱلنَّجْمِ إِذَا هَوَىٰ﴾ إلى قوله: ﴿مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ ٱلْكُبْرَىٰ﴾ الآيات. قال مجاهد: النجم: الثريا، إذا هوى: إذا سقطت، فالمعنى: ورب الثريا، وعنه أن النجم هنا: القرآن، إذا هوى: إذا نزل، فالمعنى: والقرآن إذا نزل من السماء الدنيا. [قال ابن عباس: والنجم إذا هوى يعني به القرآن إذا نزل من السماء الدنيا]. مثل قوله: ﴿فَلاَ أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ ٱلنُّجُومِ﴾ [الواقعة: ٧٥] أي: أقسم بنزول القرآن من سماء الدنيا. وروى قتادة أن عتبة بن أبي لهب قال: كفرت برب النجم، فقال له النبي ﷺ: أما تخاف أن يأكلك كلب الله فخرج في تجارة إلى اليمن فبينما هم قد عَرَّسُوا إذا سمع صوت الأسد، فقال لأصحابه: أنا مأكول فحدّقوا به وضرب على أصمختهم فناموا فجاء الأسد حتى أخذه فما سمعوا إلا صوته وقال الحسن: أقسم الله تعالى بالنجم إذا غاب. وقال الفراء: أقسم بالقرآن لأنه نزل نجوماً. وقيل: يراد به النجم الذي ترمى به الشياطين. * * وقوله: ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَىٰ﴾ أي: ما جار محمد عن الحق ولا مال عنه، بل هو على استقامة وسداد. * * ومعنى ﴿وَمَا غَوَىٰ﴾: أي: ما خاب فيها طلبه من الرحمة. وقيل: معناه: ما صار غاوياً ولكنه رشيد سديد. يقال: غَوَى يَغْوِي مِنَ الغَيِّ، وغَوَى الفَصِيلُ يَغْوِي إِذَا لم يُرْوَ مِنْ لَبَن أُمِّهِ حَتَّى يَمُوتَ هَزَالاً. * * ثم قال: ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ ٱلْهَوَىٰ﴾ أي: ليس ينطق محمد ﷺ بهذا القرآن عن هواه، بل هو وحي أوحي إليه. وقيل: هو خبر عن القرآن، أي: ما ينطق القرآن عن الهوى، دليله قوله: ﴿إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَىٰ﴾ فهذا هو القرآن بلا اختلاف، وهو قوله: ﴿إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَىٰ﴾ أي: إن هذا القرآن إلا وحي يوحيه الله عز وجل إلى محمد ﷺ مع جبريل عليه السلام، وبين ذلك بقوله: ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ ٱلْقُوَىٰ﴾ أي: علَّم محمداً هذا القرآن ملك شديد القوى هو جبريل ﷺ. قال الفراء وغيره: قالت قريش إنما يقول من تلقائه فنزل تكذيبهم في هذه الآية وعلى هذا التفسير جميع المفسرين من الصحابة والتابعين ومن بعدهم في هذه الآية، والقوى جمع قوة، وقيل: شديد الأسباب. * * ثم قال: ﴿ذُو مِرَّةٍ﴾ قال ابن عباس: ذو منظر حسن. وقال قتادة: ذو خلق طويل حسن. وقال مجاهد: ذو مرة: ذو قوة، وكذلك [قال] سفيان وابن زيد يعني به جبريل ﷺ. وكان الحسن يقول ذو مرة: هو الله عز وجل. وتم الكلام عند قوله: ذو مرة، ثم ابتداء بالفاء فقال: ﴿فَٱسْتَوَىٰ﴾ (أي: استوى جبريل ومحمد بالأفق الأعلى. وقيل: هو الله سبحانه: أي: استوى) على العرش، وكذا أهل التفسير غير الحسن على أنه جبريل. وقيل: ذو مرة: ذو صحة جسم وسلامة من الآفات وهو اختيار الطبري ومنه قول النبي ﷺ: "لا تحل الصدقة لغني ولا لذي مِرَّةٍ سوى وقيل معناه: ذو قوة وشدة يعني جبريل ﷺ. روي: أن من قُوَّته اقتلع مدائن لوط الأربع، في كل مدينة مائة ألف من الناس بمساكنهم وأنعامهم بقادمتي جناحه حتى بلغ تخوم الأرض السابعة السفلى، فاقتلع المدائن من أصولها حتى بلغ بهن قرب سماء الدنيا، فسمع أهل السماء صياح الدجاج ونباح الكلاب ونهيق الحمير، ثم أهوى بها إلى الأرض ثم غشّاها بالحجارة، وهو قوله: ﴿جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ﴾ [هود: ٨٢] وهو قوله في جبريل: ﴿ذِي قُوَّةٍ عِندَ ذِي ٱلْعَرْشِ مَكِينٍ﴾ [التكوير: ٢٠]. * * وقوله: ﴿فَٱسْتَوَىٰ﴾ أي: فاستوى هذا الشديد القوي بصاحبكم محمد ﷺ بالأفق الأعلى، وذلك لما أسري به عليهما السلام، استوى هو وجبريل بمطلع الشمس الأعلى، وهو الأفق الأعلى، وهذا القول قال به الطبري والفراء. وفيه العطف على المضمر المرفوع من غير تأكيد، وهو قبيح عند البصريين. [لأن وهو بالأفق معطوف على المضمر في فاستوى وكان القياس عند البصريين] فاستوى هو، وهو، أي: جبريل والنبي ﷺ. وقال الزجاج: الضمير لجبريل، يعني الضمير في فاستوى، وضمير "هو" كلاهما لجبريل عليه السلام، فلا يلزم في هذا القول عطف على مضمر مرفوع لأن الضميرين لواحد. لكن يكون "وهو بالأفق الأعلى" جملة في موضع الحال من المضمر في "فاستوى" أي: استوى جبريل في حال كونه بالأفق الأعلى. والمعنى: فاستوى جبريل وهو بالأفق الأعلى على صورته لأنه كان يتمثل للنبي على صورة رجل فأحب رسول الله ﷺ أن يراه على صورته، فاستوى في أفق المشرق فملأ الأفق، فالمعنى: فاستوى جبريل عليه السلام في الأفق الأعلى على صورته على قول الزجاج، وأكثر المفسرين عليه، فالمضمر الذي هو في "استوى" لجبريل وقوله "وهو" لجبريل أيضاً، وعلى القول الأول الضمير في "استوى" لجبريل. وقوله: "وهو" لمحمد ﷺ، وقد وقع في العدد: "فاستوى وامرأته" فهذا يدل على أن "فاستوى" يتصل بما قبله. قال قتادة: الأفق: الذي يأتي منه النهار. وقال الحسن: أفق المشرق الأعلى بينهما. * * وقوله: ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّىٰ﴾ أي: ثم دنا جبريل من محمد ﷺ فتدلى إليه. وهو قول قتادة والحسن. وعن ابن عباس: ثم دنا الله تعالى ذكره من محمد فتدلى إليه؛ أي: أمره وحكمه. قال أنس: عرج جبريل برسول الله صلى الله عليهما وسلم ليلة الإسراء إلى السماء السابعة ثم علا به بما لا يعلمه إلا الله عز وجل حتى جاء به سدرة المنتهى ودنا الجبار رب العزة (سبحانه وتعالى) فتدلى حتى كان منه قاب قوسين أو أدنى فأوحى (إليه جل ذكره) ما شاء، وأوحى إليه فيما أوحى خمسين صلاة على أمته في كل يوم وليلة ثم ذكر الحديث بطوله. وقال الفراء: "الفاء" بمعنى "الواو" وتقديره عنده "ثم (دنا وتدلى"، ودنا) يعني جبريل ﷺ وهو عنده مثل قوله تعالى: ﴿ٱقْتَرَبَتِ ٱلسَّاعَةُ وَٱنشَقَّ ٱلْقَمَرُ﴾ [القمر: ١] [أي: انشق القمر واقتربت الساعة، لأن انشقاق القمر من علامة اقتراب الساعة]. وقيل: معناه فكان جبريل من محمد صلى الله عليهما وسلم قاب قوسين أو أدنى. وقاب: معناه قدر، أو أدنى: فمعناه أو أقرب منه، و "أو" هنا جيء بها على ما تعقل العرب من مخاطباتها، والمعنى: فكان على مقدار يقدره الرائي منكم قدر قوسين أو أقل [من] ذلك، فأوحى جبريل إلى محمد ﷺ ما أوحى [الله] إلى جبريل ﷺ. قال سفيان: قوسين: ذراعين، وكذلك روي عن ابن عباس. وقال مجاهد: وقتادة قاب قوسين: مقدار قوسين. وقيل معناه: كان منه على مقدار مثل، حيث يكون الوتر من القوس أو أقل من ذلك. قال عبد الله بن عمر: دنا منه جبريل حتى كان قدر ذراع وذراعين. (قال النبي ﷺ): رأيت جبريل له ست مائة جناح. وقال الكوفيون "أو" بمعنى "الواو". * * وقوله: ﴿فَأَوْحَىٰ إِلَىٰ عَبْدِهِ مَآ أَوْحَىٰ﴾ أوحى الله إلى محمد ﷺ ما شاء. وقيل: أوحى جبريل إلى عبد الله وهو محمد ﷺ ما شاء الله. وقيل معنى الآية: فكان الله جل ذكره من جبريل ﷺ قاب قوسين أو أدنى فأوحى الله إلى عبده جبريل ما شاء ليبلغه إلى محمد ﷺ. وقد تقدم قول من قال هو محمد قرب من ربه سبحانه هذا القرب. وروي أن النبي ﷺ سئل: هل رأيت ربك؟ فقال: لم أره بعيني ولكن رأيته بفؤادي. مرتين ثم تلا ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّىٰ﴾ عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ: لما عرج بي مضى جبريل حتى جاء الجنة قال: فدخلت فأعطيت الكوثر ثم مضى حتى جاء السدرة المنتهى فدنا ربك فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى ثم قال: ﴿مَا كَذَبَ ٱلْفُؤَادُ مَا رَأَىٰ﴾ أي: ما كذب فؤاد محمد على محمد فيما رآه ولكنه صدقه، ومن شدد فمعناه: ما كذب فؤاد محمد الذي رأى. قال ابن عباس: رأى ربه بفؤاده ولم يره بعينه، وقاله عكرمة. قال ابن عباس: اصطفى الله إبراهيم بالمَخَلَّة، واصطفى موسى بالكلام واصطفى محمد بالرؤية. وقال ابن مسعود: الذي رأى فؤاده جبريل، وقاله الحسن وقتادة. قالوا: وهو الذي أراه نزلة أخرى عند سدرة المنتهى. * * وقوله: ﴿أَفَتُمَارُونَهُ عَلَىٰ مَا يَرَىٰ﴾ أي: أفتجادلونه على ما يرى، وقيل: معناه أفتحاجونه على ما يرى، ومن قرأه بغير ألف فمعناه أفتجحدونه على ما يرى). يقال مراني حقي يمْرِيني مَريا، أي: جحدني. * * ثم قال: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَىٰ * عِندَ سِدْرَةِ ٱلْمُنتَهَىٰ﴾ أي: رأى محمد جبريل مرة أخرى في هذا الموضع على صورته قاله مجاهد. وقاله الربيع، وهو قول ابن مسعود. وروي: أن عائشة رضي الله عنها سألت رسول الله ﷺ عن رؤية جبريل فقال: لم أره على صورته إلا هاتين المرتين، رأيته منهبطاً من السماء ساداً عظيم خلقه بين السماء والأرض وقال ابن عباس: رأى ربه بقلبه، فقال له رجل عند ذلك أليس قد قال: ﴿لاَّ تُدْرِكُهُ ٱلأَبْصَٰرُ وَهُوَ يُدْرِكُ ٱلأَبْصَٰرَ﴾ [الأنعام: ١٠٣] فقال له عكرمة: أليس ترى السماء؟ فقال: بلى، قال: أفكلها ترى. ومعنى سدرة المنتهى أي: عند السدرة التي إليها ينتهي علم كل عالم. وقال كعب: هي سدرة في أصل العرش إليها ينتهي علم كل ملك مقرب أو نبي مرسل ما خلفها غيب لا يعلمه إلا الله. وعن كعب أنه قال: إنها سدرة على رؤوس حملة العرش فإليها ينتهي علم الخلائق. وقال عبد الله: هي سدرة في السماء السادسة إليها ينتهي من يعرج من الأرض وإليها ينتهي ما يهبط من فوقها. وقال الضحاك: في سدرة المنتهى: إليها ينتهي كل شيء من أمر الله جل ذكره لا يعدوها. وقيل هي الجنة التي آوى إليها آدم عليه السلام وإنها في السماء الرابعة. وقيل: هي سدرة إليها ينتهي كل من كان على سنّة رسول الله، روى ذلك عن النبي ﷺ وأنه لما انتهى إليها ليلة الإسراء قيل له: إلى هذه السدرة ينتهي كل أحد خلا من أمتك على سنتك. وروى علي بن أبي طالب رضي الله عنه: أن النبي ﷺ قال: في سدرة المنتهى: نَبَقُها كَقِلال هَجَر وقال الربيع بن أنس: إليها تنتهي أرواح الشهداء، فلذلك سميت سدرة المنتهى. وقال قتادة: أخبرني أنس بن مالك عن مالك بن صعصعة أن النبي ﷺ قال: رأيت سدرة منتهاها في السماء السابعة نَبَقُهَا كَقِلالٍ هَجَرَ وورقها كأذان الفيلة يخرج من ساقها نهران باطنان ونهران ظاهران فقال: يا جبريل ما هذا؟ فقال: أما الباطنان ففي الجنة وأما الظاهران فالنيل والفرات وعنه ﷺ أنه قال: في صفتها: يسير الراكب في ظلها سبعين عاماً لا يقطعها وقوله: ﴿عِندَهَا جَنَّةُ ٱلْمَأْوَىٰ﴾ أي: عند سدرة المنتهى جنة مأوى أرواح الشهداء. قال ابن عباس: هي عن يمين العرش وهي منزل الشهداء، وقاله قتادة وغيره. وقرأ ابن الزبير ﴿جَنَّةُ ٱلْمَأْوَىٰ﴾ بالهاء، أي جنهُ المساء عندها أي: عند السدرة. جنَّ المساء يجنُّ: أي: سَتَرَهُ. يقال جنَّه الليل وأَجَنَّه. وأنكر هذه القراءة ابن عباس ودعا على من يقرأ بها، وأنكرتها أيضاً عائشة رضي الله عنها. وقال الفراء هي شاذة. * * ثم قال: ﴿إِذْ يَغْشَىٰ ٱلسِّدْرَةَ مَا يَغْشَىٰ﴾ أي: ولقد رأى محمد جبريل ﷺ في صورته مرة أخرى حين يغشى السدرة ما يغشى. قال عبد الله ومسروق ومجاهد والنخعي: غشي السدرة فراش من ذهب. قال يعقوب بن زيد سئل النبي ﷺ عن قوله تعالى: ﴿إِذْ يَغْشَىٰ ٱلسِّدْرَةَ مَا يَغْشَىٰ﴾. فقال: رأيتها يغشاها فراش من ذهب، ورأيت على كل ورقة من ورقها ملكاً قائماً يسبح الله وقال ابن عباس: غشيها رب القوة. قال مجاهد: كانت (أغصان السدرة) لؤلؤاً وياقوتاً وزبرجداً فرآها محمد ورأى ربه بقلبه. وقال الربيع بن أنس: غشيها نور الرب والملائكة يقعون عليها كما تقع الغربان على الشجر. * * ثم قال: ﴿مَا زَاغَ ٱلْبَصَرُ وَمَا طَغَىٰ﴾ أي: ما مال بصر محمد ﷺ عن ما رأى ولا عدل ولا جاوز ما رأى. قال ابن عباس: معناه ما زاغ بصر محمد يميناً ولا شمالاً، وما طغى: ما جاوز أمر ربه. * * ثم قال: ﴿لَقَدْ رَأَىٰ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ ٱلْكُبْرَىٰ﴾ أي: لقد رأى محمد ﷺ هناك من أعلام ربه سبحانه وأدلته الأدلة الكبرى. إن جعلت "من" زائدة كانت "الكبرى" نعتاً للآيات على اللفظ أو على الموضع، وإن جعلت "من" للتبعيض كانت "الكبرى" في موضع نصب برأَى، والكبرى في الأصل نعت تقديره: لقد رأَى الآية الكبرى من آيات ربه. قال عبد الله: رأَى رفرفاً أخضر من الجنة قد سَدَّ الأُفُق. وقال ابن زيد: رأى جبريل في خلقته التي خلق عليها في السماوات والأرض بينه وبينه قدر قوسين أو أدنى.

النجم 53:19

قوله: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ ٱللاَّتَ وَٱلْعُزَّىٰ﴾ إلى قوله: ﴿أَعْلَمُ بِمَنِ ٱتَّقَىٰ﴾ الآيات. رأيت من رؤية العين، ولذلك نصب بها، ولو كانت التي للسؤال والاستفتاء لم تتعدد نحو قوله ﴿أَرَأَيْتَ إِن كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ﴾ [العلق: ١٣] فالمعنى: أفرأيتم أيها المشركون هذه الأصنام التي جعلتموها بنات الله. ﴿أَلَكُمُ ٱلذَّكَرُ وَلَهُ ٱلأُنْثَىٰ﴾ أي: أتجعلون له البنات ولكم الذكور (أي: هذه إذاً). ﴿قِسْمَةٌ ضِيزَىٰ﴾ أي: قسمة جائرة على الحق، وذلك أن المشركين أخذوا اسم الباري وهو الله، وزادوا فيه التأنيث وسموا به أصنامهم فقالوا اللات، وكذلك أخذوا العزى من العزيز وأخذوا منات من: منى الله الشيء: إذا قدره، وزعموا أنها بنات الله تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً، فجعلوا لله ما لا يرضون لأنفسهم. قال أبو عبيدة: هي أصنام كانت في جوف الكعبة يعبدونها. وقرأ مجاهد "اللات" بالتشديد، وكذلك قرأ ابن عباس، وقالا: كان رجلاً يلِت السَّويق أيام الحج فلما مات عكفوا على قبره فعبدوه. وقيل: كان يقوم على ألهتهم ويلِت السويق لهم، وكان بالطائف قاله أبو صالح والسدي. وقيل: كان يلِت السويق ويبيعه عند ذلك الصنم، فسمى الصنم اللات بتشديد التاء. وحكى خلف عن سليم عن حمزة وأبو عبد الرحمن عن (اليزيدي) عن أبي عمرو أنهما وقفا على اللات بالتاء، اتباعاً للمصحف، وكذلك وقف نافع. وروي عن الكسائي أنه وقف بالهاء، والمشهور عن جميعهم الوقف على التاء اتباعاً للمصحف وإبعاداً أن يشبه الوقف على الله. والعُزّى: حجر أبيض كانوا يعبدونه قاله ابن جبير. وقال مجاهد: العُزى شجرة كانوا يعبدونها. وقال ابن زيد: العُزى بيت بالطائف لثقيف كانوا يعبدونه. وقال قتادة: هو نبت كان ببطن نخلة، وأما منات فصنم كان لخزاعة. وقال قتادة: [التقدير] آلهة يعبدونها وهي اللات والعزى ومنات. قال أبو إسحاق: "منات" صخرة لهذيل وخزاعة كانوا يعبدونها من دون الله جل وعز وتعالى عن ذلك. وقيل: الَّلات صنم كان لثقيف، والعزى سمرة عبدوها. * * وقوله: ﴿تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزَىٰ﴾ أي: قسمة جائرة ناقصة إذ رضيتم أن تجعلوا لخالقكم ورازقكم ما تكرهونه لأنفسكم وآثرتم أنفسكم بما تحبون. (وضيزى فُعلى) ولكن كسرت، وإنما كان أصلها الضم إذ ليس في الكلام فعلى صفة وفيه (فُعلى وفَعلى) فكسرت الضاد لتصح الياء، كما قالوا بيضٌ وأصله بوض. ومن همزه فهي لغة يقال ضَازَهُ يَضِيزُهُ ويَضُوزُهُ وضَأَزَهُ يَضْأَزَهُ. ويقال: ضِزتَهُ وضَزْته إذا نَقَصتَهُ حَقَّهُ، فيقال على هذا ضِئزَى بالهمز وضُؤْزَى أيضاً. وجواب الاستفهام محذوف، والتقدير: أفرأيتم هذه الأصنام هل لها من هذه القدرة التي تقدم ذكرها شيء. وقال أبو عبيدة: التقدير أَلَكُمْ الذكر وله الأُنثى كيف يكون هذا لأنهم قالوا الملائكة بنات الله جل ذكره. وقيل الجواب: ﴿تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزَىٰ﴾. * * ثم قال: ﴿إِنْ هِيَ إِلاَّ أَسْمَآءٌ سَمَّيْتُمُوهَآ أَنتُمْ وَآبَآؤُكُم﴾ أي: ما اللات والعزى ومنات الثالثة الأخرى إلا أسماء أحدثتموها أيها المشركون أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بهذه الأسماء من سلطان أي: من حجة في هذه الأسماء. * * ثم قال: ﴿إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ ٱلظَّنَّ﴾؛ أي: ما يتبع هؤلاء المشركون في هذه [الأسماء] إلا الظن، وهوى أنفسهم فاخترقوا ما لم يؤمروا به من قبل أنفسهم، ومن ما وجدوا عليه آباءهم الكفار بالله عز وجل. * * ثم قال: ﴿وَلَقَدْ جَآءَهُم مِّن رَّبِّهِمُ ٱلْهُدَىٰ﴾ أي: جاءهم محمد من عند ربهم عز وجل بالبيان والوحي الحق. * * ثم قال: ﴿أَمْ لِلإِنسَانِ مَا تَمَنَّىٰ﴾ أي: ليس ذلك فيكون الأمر على ما يشتهون، بل الله عز وجل يعطي من يشاء ما شاء، إذ له الآخرة والأولى. * * ثم قال: ﴿وَكَمْ مِّن مَّلَكٍ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ لاَ تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً﴾ أي: وكثير من الملائكة في السماوات لا تنفع شفاعتهم لمن شفعوا إلا من بعد أن يأذن الله عز وجل لهم فتنفع شفاعتهم إذا رضي الله سبحانه بها، وهذا توبيخ لعبدة الأوثان والملائكة من قريش وغيرهم لأنهم قالوا ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى، فأخبر تعالى ذكره أن الملائكة مع فضلهم وكثرة طاعتهم لا تنفع أحداً شفاعتهم إلا من (بعد إذن الله عز وجل لهم) ورضاه، فكيف تشفع الأصنام لكم. * * ثم قال: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ ٱلْمَلاَئِكَةَ تَسْمِيَةَ ٱلأُنْثَىٰ * [وَمَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ]﴾. أي: أن الذين لا يصدقون بالبعث ليسمون الملائكة تسمية الإناث لأنهم كانوا يقولون هم بنات الله تعالى (الله عن ذلك علواً كبيراً). ﴿وَمَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ ٱلظَّنَّ﴾ أي: ما يقولون [ذلك] إلا ظناً بغير علم، والهاء تعود على الأسماء لأن التسمية والأسماء واحد، ﴿وَإِنَّ ٱلظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ ٱلْحَقِّ شَيْئاً﴾ [أي] يقوم مقام الحق. * * ثم قال: ﴿فَأَعْرِضْ عَن مَّن تَوَلَّىٰ عَن ذِكْرِنَا﴾ أي: فدع من أدبر عن الإيمان بما جئته به من القرآن. ﴿وَلَمْ يُرِدْ إِلاَّ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَا﴾ أي: طلب الدنيا ولم يطلب ما عند الله. ﴿ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِّنَ ٱلْعِلْمِ﴾ أي: ليس لهم علم إلا علم معائشهم وإلا إيثار الدنيا على الآخرة وقولهم الملائكة بنات الله. * * ثم قال: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ﴾ أي: هو عالم لهم قد علمهم في سابق علمه أنهم لا يؤمنون، وهو أعلم في سابق علمه بمن يهتدي فيؤمن. * * ثم قال: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ لِيَجْزِيَ ٱلَّذِينَ أَسَاءُواْ بِمَا عَمِلُواْ﴾ أي: لله ملكهما وما فيهما. ولام ليجزي (متعلقة بقوله: ﴿إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَىٰ﴾ ﴿لِيَجْزِيَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ﴾. وقيل المعنى: ولله ما في السماوات وما في الأرض يضل من يشاء ويهدي من يشاء، فهو أعلم بهم ليجزي الذين أساءوا ويجزي الذين أطاعوا. وقيل هي متعلقة بقوله: ﴿وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ ٱهْتَدَىٰ... لِيَجْزِيَ﴾. * * وقوله: ﴿بِٱلْحُسْنَى﴾ يعني بالجنة. قال زيد بن أسلم: ﴿ٱلَّذِينَ أَسَاءُواْ﴾: المشركون، ﴿ٱلَّذِينَ أَحْسَنُواْ﴾ المؤمنون. ثم بيَّن المؤمنين ونعتهم فقال: ﴿ٱلَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ ٱلإِثْمِ وَٱلْفَوَاحِشَ﴾ أي: يبعدون عن ارتكاب الكبائر التي نهى الله عنها، وقد تقدم القول فيها في "النساء". ويبعدون عن ارتكاب الفواحش التي نهى الله عنها وهي الزنا وشبهه مما أوجب الله فيه حداً. * * وقوله: ﴿إِلاَّ ٱللَّمَمَ﴾ قال ابن عباس: إلا ما سلف منهم في الجاهلية قبل الإسلام. وقال زيد بن أسلم: الكبائر: الشرك، والفواحش، والزنا، تركوا ذلك حين أسلموا فغفر الله عز وجل لهم ما كانوا أتوا به وأصابوه من ذلك قبل الإسلام. وقيل: اللمم: الصغائر. وقيل: هي أن تلم بالشيء ولا تفعله. وقيل اللمم كنظر العين والتقبيل والجس. وقال الشعبي: هو ما دون الزنا، وقيل: "إلا" بمعنى الواو، وليس بشيء هذا نقض كلام العرب. وقال أبو هريرة: هو مثل القبلة والغمزة والنظرة والمباشرة. وعن ابن عباس أن اللمم أن تأتي الذنب ثم تتوب منه ولا تعود. وعن أبي هريرة أيضاً مثله، (وهو قول أهل اللغة قالوا: اللمم بالذنب أن تناول منه ولا تمر عليه، ويقال ألْمَمْتُ أتيت ونزلت عليه). (وعن ابن عباس وابن الزبير) هو ما بين الحدين، حد الدنيا والآخرة وبه قال عكرمة وقتادة والضحاك. وروى ابن وهب عن عبد الله بن عمر وابن العاص أنه قال: اللَّمم ما دون الشرك. * * ثم قال: ﴿إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ ٱلْمَغْفِرَةِ﴾ أي: لمن اجتنب الكبائر. ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنشَأَكُمْ مِّنَ ٱلأَرْضِ﴾ يعني آدم عليه السلام. ﴿وَإِذْ أَنتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ﴾ أجنّة: جمع جنين، أي: أعلم بكم في ذلك الوقت وفي كل وقت، وهو أعلم بمن أتقى. وقيل اللمم هو الذنب [بين] الحدين مما لم يأت عليه حد في الدنيا، ولا توعد عليه بنار في الآخرة تكفره الصلوات الخمس. والكبائر مثل الزنا وقتل النفس التي حرم الله، وشرب الخمر وعقوق الوالدين، (وأكل مال اليتيم). وقال نفطويه: اللمم هو أن تأتي ذنباً لم يكن لك بعادة، والعرب تقول: ما تَأْتِينَا إلاَّ لِماماً: أي: في الحين بعد الحين. قال: ولا يكون اللمم أن تهم ولا تفعل؛ لأن العرب إذا قالت: ألم بنا فلان معناه فعل الإتيان لا أنه همَّ ولم يفعل، ويدل على أنه فعل الذنب قوله ﴿وَاسِعُ ٱلْمَغْفِرَةِ﴾ فهل تكون المغفرة إلا لمن فعل ذنباً ، وهل يغفر ما لم يفعل. وروى الحسن أنه قال: اللمم هو أن يلم الرجل اللمة من الخمر واللمة من الزنا، واللمة من السرقة ثم لا يعوده. قال عمرو بن العاص: اللمم ما دون الشرك. * * وقوله: ﴿إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [النساء: ٣١] يدل على أن اللمم: الصغائر يغفرها الله لمن اجتنب الكبائر حتماً. * * وقوله: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ﴾ [النساء: ٤٨] هذه المغفرة ليست بحتم إنما هي إلى مشيئة الله يفعلها لمن يشاء، ومغفرة الصغائر لمن أجتنب الكبائر حتم من الله جل ذكره (فعلها). * * ثم قال: ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنشَأَكُمْ مِّنَ ٱلأَرْضِ﴾ أي: الله عالم بما تعملون حين خلق أباكم آدم من الأرض، وحين أنتم أجنة في بطون أمهاتكم يعلم ما تصير إليه أموركم، وما أنتم عاملون، فلا تزكوا أنفسكم فإن الله يعلم المتقي من الفساد. وأجنة جمع جنين.

النجم 53:20

قوله: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ ٱللاَّتَ وَٱلْعُزَّىٰ﴾ إلى قوله: ﴿أَعْلَمُ بِمَنِ ٱتَّقَىٰ﴾ الآيات. رأيت من رؤية العين، ولذلك نصب بها، ولو كانت التي للسؤال والاستفتاء لم تتعدد نحو قوله ﴿أَرَأَيْتَ إِن كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ﴾ [العلق: ١٣] فالمعنى: أفرأيتم أيها المشركون هذه الأصنام التي جعلتموها بنات الله. ﴿أَلَكُمُ ٱلذَّكَرُ وَلَهُ ٱلأُنْثَىٰ﴾ أي: أتجعلون له البنات ولكم الذكور (أي: هذه إذاً). ﴿قِسْمَةٌ ضِيزَىٰ﴾ أي: قسمة جائرة على الحق، وذلك أن المشركين أخذوا اسم الباري وهو الله، وزادوا فيه التأنيث وسموا به أصنامهم فقالوا اللات، وكذلك أخذوا العزى من العزيز وأخذوا منات من: منى الله الشيء: إذا قدره، وزعموا أنها بنات الله تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً، فجعلوا لله ما لا يرضون لأنفسهم. قال أبو عبيدة: هي أصنام كانت في جوف الكعبة يعبدونها. وقرأ مجاهد "اللات" بالتشديد، وكذلك قرأ ابن عباس، وقالا: كان رجلاً يلِت السَّويق أيام الحج فلما مات عكفوا على قبره فعبدوه. وقيل: كان يقوم على ألهتهم ويلِت السويق لهم، وكان بالطائف قاله أبو صالح والسدي. وقيل: كان يلِت السويق ويبيعه عند ذلك الصنم، فسمى الصنم اللات بتشديد التاء. وحكى خلف عن سليم عن حمزة وأبو عبد الرحمن عن (اليزيدي) عن أبي عمرو أنهما وقفا على اللات بالتاء، اتباعاً للمصحف، وكذلك وقف نافع. وروي عن الكسائي أنه وقف بالهاء، والمشهور عن جميعهم الوقف على التاء اتباعاً للمصحف وإبعاداً أن يشبه الوقف على الله. والعُزّى: حجر أبيض كانوا يعبدونه قاله ابن جبير. وقال مجاهد: العُزى شجرة كانوا يعبدونها. وقال ابن زيد: العُزى بيت بالطائف لثقيف كانوا يعبدونه. وقال قتادة: هو نبت كان ببطن نخلة، وأما منات فصنم كان لخزاعة. وقال قتادة: [التقدير] آلهة يعبدونها وهي اللات والعزى ومنات. قال أبو إسحاق: "منات" صخرة لهذيل وخزاعة كانوا يعبدونها من دون الله جل وعز وتعالى عن ذلك. وقيل: الَّلات صنم كان لثقيف، والعزى سمرة عبدوها. * * وقوله: ﴿تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزَىٰ﴾ أي: قسمة جائرة ناقصة إذ رضيتم أن تجعلوا لخالقكم ورازقكم ما تكرهونه لأنفسكم وآثرتم أنفسكم بما تحبون. (وضيزى فُعلى) ولكن كسرت، وإنما كان أصلها الضم إذ ليس في الكلام فعلى صفة وفيه (فُعلى وفَعلى) فكسرت الضاد لتصح الياء، كما قالوا بيضٌ وأصله بوض. ومن همزه فهي لغة يقال ضَازَهُ يَضِيزُهُ ويَضُوزُهُ وضَأَزَهُ يَضْأَزَهُ. ويقال: ضِزتَهُ وضَزْته إذا نَقَصتَهُ حَقَّهُ، فيقال على هذا ضِئزَى بالهمز وضُؤْزَى أيضاً. وجواب الاستفهام محذوف، والتقدير: أفرأيتم هذه الأصنام هل لها من هذه القدرة التي تقدم ذكرها شيء. وقال أبو عبيدة: التقدير أَلَكُمْ الذكر وله الأُنثى كيف يكون هذا لأنهم قالوا الملائكة بنات الله جل ذكره. وقيل الجواب: ﴿تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزَىٰ﴾. * * ثم قال: ﴿إِنْ هِيَ إِلاَّ أَسْمَآءٌ سَمَّيْتُمُوهَآ أَنتُمْ وَآبَآؤُكُم﴾ أي: ما اللات والعزى ومنات الثالثة الأخرى إلا أسماء أحدثتموها أيها المشركون أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بهذه الأسماء من سلطان أي: من حجة في هذه الأسماء. * * ثم قال: ﴿إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ ٱلظَّنَّ﴾؛ أي: ما يتبع هؤلاء المشركون في هذه [الأسماء] إلا الظن، وهوى أنفسهم فاخترقوا ما لم يؤمروا به من قبل أنفسهم، ومن ما وجدوا عليه آباءهم الكفار بالله عز وجل. * * ثم قال: ﴿وَلَقَدْ جَآءَهُم مِّن رَّبِّهِمُ ٱلْهُدَىٰ﴾ أي: جاءهم محمد من عند ربهم عز وجل بالبيان والوحي الحق. * * ثم قال: ﴿أَمْ لِلإِنسَانِ مَا تَمَنَّىٰ﴾ أي: ليس ذلك فيكون الأمر على ما يشتهون، بل الله عز وجل يعطي من يشاء ما شاء، إذ له الآخرة والأولى. * * ثم قال: ﴿وَكَمْ مِّن مَّلَكٍ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ لاَ تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً﴾ أي: وكثير من الملائكة في السماوات لا تنفع شفاعتهم لمن شفعوا إلا من بعد أن يأذن الله عز وجل لهم فتنفع شفاعتهم إذا رضي الله سبحانه بها، وهذا توبيخ لعبدة الأوثان والملائكة من قريش وغيرهم لأنهم قالوا ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى، فأخبر تعالى ذكره أن الملائكة مع فضلهم وكثرة طاعتهم لا تنفع أحداً شفاعتهم إلا من (بعد إذن الله عز وجل لهم) ورضاه، فكيف تشفع الأصنام لكم. * * ثم قال: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ ٱلْمَلاَئِكَةَ تَسْمِيَةَ ٱلأُنْثَىٰ * [وَمَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ]﴾. أي: أن الذين لا يصدقون بالبعث ليسمون الملائكة تسمية الإناث لأنهم كانوا يقولون هم بنات الله تعالى (الله عن ذلك علواً كبيراً). ﴿وَمَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ ٱلظَّنَّ﴾ أي: ما يقولون [ذلك] إلا ظناً بغير علم، والهاء تعود على الأسماء لأن التسمية والأسماء واحد، ﴿وَإِنَّ ٱلظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ ٱلْحَقِّ شَيْئاً﴾ [أي] يقوم مقام الحق. * * ثم قال: ﴿فَأَعْرِضْ عَن مَّن تَوَلَّىٰ عَن ذِكْرِنَا﴾ أي: فدع من أدبر عن الإيمان بما جئته به من القرآن. ﴿وَلَمْ يُرِدْ إِلاَّ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَا﴾ أي: طلب الدنيا ولم يطلب ما عند الله. ﴿ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِّنَ ٱلْعِلْمِ﴾ أي: ليس لهم علم إلا علم معائشهم وإلا إيثار الدنيا على الآخرة وقولهم الملائكة بنات الله. * * ثم قال: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ﴾ أي: هو عالم لهم قد علمهم في سابق علمه أنهم لا يؤمنون، وهو أعلم في سابق علمه بمن يهتدي فيؤمن. * * ثم قال: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ لِيَجْزِيَ ٱلَّذِينَ أَسَاءُواْ بِمَا عَمِلُواْ﴾ أي: لله ملكهما وما فيهما. ولام ليجزي (متعلقة بقوله: ﴿إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَىٰ﴾ ﴿لِيَجْزِيَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ﴾. وقيل المعنى: ولله ما في السماوات وما في الأرض يضل من يشاء ويهدي من يشاء، فهو أعلم بهم ليجزي الذين أساءوا ويجزي الذين أطاعوا. وقيل هي متعلقة بقوله: ﴿وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ ٱهْتَدَىٰ... لِيَجْزِيَ﴾. * * وقوله: ﴿بِٱلْحُسْنَى﴾ يعني بالجنة. قال زيد بن أسلم: ﴿ٱلَّذِينَ أَسَاءُواْ﴾: المشركون، ﴿ٱلَّذِينَ أَحْسَنُواْ﴾ المؤمنون. ثم بيَّن المؤمنين ونعتهم فقال: ﴿ٱلَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ ٱلإِثْمِ وَٱلْفَوَاحِشَ﴾ أي: يبعدون عن ارتكاب الكبائر التي نهى الله عنها، وقد تقدم القول فيها في "النساء". ويبعدون عن ارتكاب الفواحش التي نهى الله عنها وهي الزنا وشبهه مما أوجب الله فيه حداً. * * وقوله: ﴿إِلاَّ ٱللَّمَمَ﴾ قال ابن عباس: إلا ما سلف منهم في الجاهلية قبل الإسلام. وقال زيد بن أسلم: الكبائر: الشرك، والفواحش، والزنا، تركوا ذلك حين أسلموا فغفر الله عز وجل لهم ما كانوا أتوا به وأصابوه من ذلك قبل الإسلام. وقيل: اللمم: الصغائر. وقيل: هي أن تلم بالشيء ولا تفعله. وقيل اللمم كنظر العين والتقبيل والجس. وقال الشعبي: هو ما دون الزنا، وقيل: "إلا" بمعنى الواو، وليس بشيء هذا نقض كلام العرب. وقال أبو هريرة: هو مثل القبلة والغمزة والنظرة والمباشرة. وعن ابن عباس أن اللمم أن تأتي الذنب ثم تتوب منه ولا تعود. وعن أبي هريرة أيضاً مثله، (وهو قول أهل اللغة قالوا: اللمم بالذنب أن تناول منه ولا تمر عليه، ويقال ألْمَمْتُ أتيت ونزلت عليه). (وعن ابن عباس وابن الزبير) هو ما بين الحدين، حد الدنيا والآخرة وبه قال عكرمة وقتادة والضحاك. وروى ابن وهب عن عبد الله بن عمر وابن العاص أنه قال: اللَّمم ما دون الشرك. * * ثم قال: ﴿إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ ٱلْمَغْفِرَةِ﴾ أي: لمن اجتنب الكبائر. ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنشَأَكُمْ مِّنَ ٱلأَرْضِ﴾ يعني آدم عليه السلام. ﴿وَإِذْ أَنتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ﴾ أجنّة: جمع جنين، أي: أعلم بكم في ذلك الوقت وفي كل وقت، وهو أعلم بمن أتقى. وقيل اللمم هو الذنب [بين] الحدين مما لم يأت عليه حد في الدنيا، ولا توعد عليه بنار في الآخرة تكفره الصلوات الخمس. والكبائر مثل الزنا وقتل النفس التي حرم الله، وشرب الخمر وعقوق الوالدين، (وأكل مال اليتيم). وقال نفطويه: اللمم هو أن تأتي ذنباً لم يكن لك بعادة، والعرب تقول: ما تَأْتِينَا إلاَّ لِماماً: أي: في الحين بعد الحين. قال: ولا يكون اللمم أن تهم ولا تفعل؛ لأن العرب إذا قالت: ألم بنا فلان معناه فعل الإتيان لا أنه همَّ ولم يفعل، ويدل على أنه فعل الذنب قوله ﴿وَاسِعُ ٱلْمَغْفِرَةِ﴾ فهل تكون المغفرة إلا لمن فعل ذنباً ، وهل يغفر ما لم يفعل. وروى الحسن أنه قال: اللمم هو أن يلم الرجل اللمة من الخمر واللمة من الزنا، واللمة من السرقة ثم لا يعوده. قال عمرو بن العاص: اللمم ما دون الشرك. * * وقوله: ﴿إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [النساء: ٣١] يدل على أن اللمم: الصغائر يغفرها الله لمن اجتنب الكبائر حتماً. * * وقوله: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ﴾ [النساء: ٤٨] هذه المغفرة ليست بحتم إنما هي إلى مشيئة الله يفعلها لمن يشاء، ومغفرة الصغائر لمن أجتنب الكبائر حتم من الله جل ذكره (فعلها). * * ثم قال: ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنشَأَكُمْ مِّنَ ٱلأَرْضِ﴾ أي: الله عالم بما تعملون حين خلق أباكم آدم من الأرض، وحين أنتم أجنة في بطون أمهاتكم يعلم ما تصير إليه أموركم، وما أنتم عاملون، فلا تزكوا أنفسكم فإن الله يعلم المتقي من الفساد. وأجنة جمع جنين.

النجم 53:21

قوله: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ ٱللاَّتَ وَٱلْعُزَّىٰ﴾ إلى قوله: ﴿أَعْلَمُ بِمَنِ ٱتَّقَىٰ﴾ الآيات. رأيت من رؤية العين، ولذلك نصب بها، ولو كانت التي للسؤال والاستفتاء لم تتعدد نحو قوله ﴿أَرَأَيْتَ إِن كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ﴾ [العلق: ١٣] فالمعنى: أفرأيتم أيها المشركون هذه الأصنام التي جعلتموها بنات الله. ﴿أَلَكُمُ ٱلذَّكَرُ وَلَهُ ٱلأُنْثَىٰ﴾ أي: أتجعلون له البنات ولكم الذكور (أي: هذه إذاً). ﴿قِسْمَةٌ ضِيزَىٰ﴾ أي: قسمة جائرة على الحق، وذلك أن المشركين أخذوا اسم الباري وهو الله، وزادوا فيه التأنيث وسموا به أصنامهم فقالوا اللات، وكذلك أخذوا العزى من العزيز وأخذوا منات من: منى الله الشيء: إذا قدره، وزعموا أنها بنات الله تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً، فجعلوا لله ما لا يرضون لأنفسهم. قال أبو عبيدة: هي أصنام كانت في جوف الكعبة يعبدونها. وقرأ مجاهد "اللات" بالتشديد، وكذلك قرأ ابن عباس، وقالا: كان رجلاً يلِت السَّويق أيام الحج فلما مات عكفوا على قبره فعبدوه. وقيل: كان يقوم على ألهتهم ويلِت السويق لهم، وكان بالطائف قاله أبو صالح والسدي. وقيل: كان يلِت السويق ويبيعه عند ذلك الصنم، فسمى الصنم اللات بتشديد التاء. وحكى خلف عن سليم عن حمزة وأبو عبد الرحمن عن (اليزيدي) عن أبي عمرو أنهما وقفا على اللات بالتاء، اتباعاً للمصحف، وكذلك وقف نافع. وروي عن الكسائي أنه وقف بالهاء، والمشهور عن جميعهم الوقف على التاء اتباعاً للمصحف وإبعاداً أن يشبه الوقف على الله. والعُزّى: حجر أبيض كانوا يعبدونه قاله ابن جبير. وقال مجاهد: العُزى شجرة كانوا يعبدونها. وقال ابن زيد: العُزى بيت بالطائف لثقيف كانوا يعبدونه. وقال قتادة: هو نبت كان ببطن نخلة، وأما منات فصنم كان لخزاعة. وقال قتادة: [التقدير] آلهة يعبدونها وهي اللات والعزى ومنات. قال أبو إسحاق: "منات" صخرة لهذيل وخزاعة كانوا يعبدونها من دون الله جل وعز وتعالى عن ذلك. وقيل: الَّلات صنم كان لثقيف، والعزى سمرة عبدوها. * * وقوله: ﴿تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزَىٰ﴾ أي: قسمة جائرة ناقصة إذ رضيتم أن تجعلوا لخالقكم ورازقكم ما تكرهونه لأنفسكم وآثرتم أنفسكم بما تحبون. (وضيزى فُعلى) ولكن كسرت، وإنما كان أصلها الضم إذ ليس في الكلام فعلى صفة وفيه (فُعلى وفَعلى) فكسرت الضاد لتصح الياء، كما قالوا بيضٌ وأصله بوض. ومن همزه فهي لغة يقال ضَازَهُ يَضِيزُهُ ويَضُوزُهُ وضَأَزَهُ يَضْأَزَهُ. ويقال: ضِزتَهُ وضَزْته إذا نَقَصتَهُ حَقَّهُ، فيقال على هذا ضِئزَى بالهمز وضُؤْزَى أيضاً. وجواب الاستفهام محذوف، والتقدير: أفرأيتم هذه الأصنام هل لها من هذه القدرة التي تقدم ذكرها شيء. وقال أبو عبيدة: التقدير أَلَكُمْ الذكر وله الأُنثى كيف يكون هذا لأنهم قالوا الملائكة بنات الله جل ذكره. وقيل الجواب: ﴿تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزَىٰ﴾. * * ثم قال: ﴿إِنْ هِيَ إِلاَّ أَسْمَآءٌ سَمَّيْتُمُوهَآ أَنتُمْ وَآبَآؤُكُم﴾ أي: ما اللات والعزى ومنات الثالثة الأخرى إلا أسماء أحدثتموها أيها المشركون أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بهذه الأسماء من سلطان أي: من حجة في هذه الأسماء. * * ثم قال: ﴿إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ ٱلظَّنَّ﴾؛ أي: ما يتبع هؤلاء المشركون في هذه [الأسماء] إلا الظن، وهوى أنفسهم فاخترقوا ما لم يؤمروا به من قبل أنفسهم، ومن ما وجدوا عليه آباءهم الكفار بالله عز وجل. * * ثم قال: ﴿وَلَقَدْ جَآءَهُم مِّن رَّبِّهِمُ ٱلْهُدَىٰ﴾ أي: جاءهم محمد من عند ربهم عز وجل بالبيان والوحي الحق. * * ثم قال: ﴿أَمْ لِلإِنسَانِ مَا تَمَنَّىٰ﴾ أي: ليس ذلك فيكون الأمر على ما يشتهون، بل الله عز وجل يعطي من يشاء ما شاء، إذ له الآخرة والأولى. * * ثم قال: ﴿وَكَمْ مِّن مَّلَكٍ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ لاَ تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً﴾ أي: وكثير من الملائكة في السماوات لا تنفع شفاعتهم لمن شفعوا إلا من بعد أن يأذن الله عز وجل لهم فتنفع شفاعتهم إذا رضي الله سبحانه بها، وهذا توبيخ لعبدة الأوثان والملائكة من قريش وغيرهم لأنهم قالوا ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى، فأخبر تعالى ذكره أن الملائكة مع فضلهم وكثرة طاعتهم لا تنفع أحداً شفاعتهم إلا من (بعد إذن الله عز وجل لهم) ورضاه، فكيف تشفع الأصنام لكم. * * ثم قال: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ ٱلْمَلاَئِكَةَ تَسْمِيَةَ ٱلأُنْثَىٰ * [وَمَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ]﴾. أي: أن الذين لا يصدقون بالبعث ليسمون الملائكة تسمية الإناث لأنهم كانوا يقولون هم بنات الله تعالى (الله عن ذلك علواً كبيراً). ﴿وَمَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ ٱلظَّنَّ﴾ أي: ما يقولون [ذلك] إلا ظناً بغير علم، والهاء تعود على الأسماء لأن التسمية والأسماء واحد، ﴿وَإِنَّ ٱلظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ ٱلْحَقِّ شَيْئاً﴾ [أي] يقوم مقام الحق. * * ثم قال: ﴿فَأَعْرِضْ عَن مَّن تَوَلَّىٰ عَن ذِكْرِنَا﴾ أي: فدع من أدبر عن الإيمان بما جئته به من القرآن. ﴿وَلَمْ يُرِدْ إِلاَّ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَا﴾ أي: طلب الدنيا ولم يطلب ما عند الله. ﴿ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِّنَ ٱلْعِلْمِ﴾ أي: ليس لهم علم إلا علم معائشهم وإلا إيثار الدنيا على الآخرة وقولهم الملائكة بنات الله. * * ثم قال: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ﴾ أي: هو عالم لهم قد علمهم في سابق علمه أنهم لا يؤمنون، وهو أعلم في سابق علمه بمن يهتدي فيؤمن. * * ثم قال: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ لِيَجْزِيَ ٱلَّذِينَ أَسَاءُواْ بِمَا عَمِلُواْ﴾ أي: لله ملكهما وما فيهما. ولام ليجزي (متعلقة بقوله: ﴿إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَىٰ﴾ ﴿لِيَجْزِيَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ﴾. وقيل المعنى: ولله ما في السماوات وما في الأرض يضل من يشاء ويهدي من يشاء، فهو أعلم بهم ليجزي الذين أساءوا ويجزي الذين أطاعوا. وقيل هي متعلقة بقوله: ﴿وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ ٱهْتَدَىٰ... لِيَجْزِيَ﴾. * * وقوله: ﴿بِٱلْحُسْنَى﴾ يعني بالجنة. قال زيد بن أسلم: ﴿ٱلَّذِينَ أَسَاءُواْ﴾: المشركون، ﴿ٱلَّذِينَ أَحْسَنُواْ﴾ المؤمنون. ثم بيَّن المؤمنين ونعتهم فقال: ﴿ٱلَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ ٱلإِثْمِ وَٱلْفَوَاحِشَ﴾ أي: يبعدون عن ارتكاب الكبائر التي نهى الله عنها، وقد تقدم القول فيها في "النساء". ويبعدون عن ارتكاب الفواحش التي نهى الله عنها وهي الزنا وشبهه مما أوجب الله فيه حداً. * * وقوله: ﴿إِلاَّ ٱللَّمَمَ﴾ قال ابن عباس: إلا ما سلف منهم في الجاهلية قبل الإسلام. وقال زيد بن أسلم: الكبائر: الشرك، والفواحش، والزنا، تركوا ذلك حين أسلموا فغفر الله عز وجل لهم ما كانوا أتوا به وأصابوه من ذلك قبل الإسلام. وقيل: اللمم: الصغائر. وقيل: هي أن تلم بالشيء ولا تفعله. وقيل اللمم كنظر العين والتقبيل والجس. وقال الشعبي: هو ما دون الزنا، وقيل: "إلا" بمعنى الواو، وليس بشيء هذا نقض كلام العرب. وقال أبو هريرة: هو مثل القبلة والغمزة والنظرة والمباشرة. وعن ابن عباس أن اللمم أن تأتي الذنب ثم تتوب منه ولا تعود. وعن أبي هريرة أيضاً مثله، (وهو قول أهل اللغة قالوا: اللمم بالذنب أن تناول منه ولا تمر عليه، ويقال ألْمَمْتُ أتيت ونزلت عليه). (وعن ابن عباس وابن الزبير) هو ما بين الحدين، حد الدنيا والآخرة وبه قال عكرمة وقتادة والضحاك. وروى ابن وهب عن عبد الله بن عمر وابن العاص أنه قال: اللَّمم ما دون الشرك. * * ثم قال: ﴿إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ ٱلْمَغْفِرَةِ﴾ أي: لمن اجتنب الكبائر. ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنشَأَكُمْ مِّنَ ٱلأَرْضِ﴾ يعني آدم عليه السلام. ﴿وَإِذْ أَنتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ﴾ أجنّة: جمع جنين، أي: أعلم بكم في ذلك الوقت وفي كل وقت، وهو أعلم بمن أتقى. وقيل اللمم هو الذنب [بين] الحدين مما لم يأت عليه حد في الدنيا، ولا توعد عليه بنار في الآخرة تكفره الصلوات الخمس. والكبائر مثل الزنا وقتل النفس التي حرم الله، وشرب الخمر وعقوق الوالدين، (وأكل مال اليتيم). وقال نفطويه: اللمم هو أن تأتي ذنباً لم يكن لك بعادة، والعرب تقول: ما تَأْتِينَا إلاَّ لِماماً: أي: في الحين بعد الحين. قال: ولا يكون اللمم أن تهم ولا تفعل؛ لأن العرب إذا قالت: ألم بنا فلان معناه فعل الإتيان لا أنه همَّ ولم يفعل، ويدل على أنه فعل الذنب قوله ﴿وَاسِعُ ٱلْمَغْفِرَةِ﴾ فهل تكون المغفرة إلا لمن فعل ذنباً ، وهل يغفر ما لم يفعل. وروى الحسن أنه قال: اللمم هو أن يلم الرجل اللمة من الخمر واللمة من الزنا، واللمة من السرقة ثم لا يعوده. قال عمرو بن العاص: اللمم ما دون الشرك. * * وقوله: ﴿إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [النساء: ٣١] يدل على أن اللمم: الصغائر يغفرها الله لمن اجتنب الكبائر حتماً. * * وقوله: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ﴾ [النساء: ٤٨] هذه المغفرة ليست بحتم إنما هي إلى مشيئة الله يفعلها لمن يشاء، ومغفرة الصغائر لمن أجتنب الكبائر حتم من الله جل ذكره (فعلها). * * ثم قال: ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنشَأَكُمْ مِّنَ ٱلأَرْضِ﴾ أي: الله عالم بما تعملون حين خلق أباكم آدم من الأرض، وحين أنتم أجنة في بطون أمهاتكم يعلم ما تصير إليه أموركم، وما أنتم عاملون، فلا تزكوا أنفسكم فإن الله يعلم المتقي من الفساد. وأجنة جمع جنين.

النجم 53:22

قوله: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ ٱللاَّتَ وَٱلْعُزَّىٰ﴾ إلى قوله: ﴿أَعْلَمُ بِمَنِ ٱتَّقَىٰ﴾ الآيات. رأيت من رؤية العين، ولذلك نصب بها، ولو كانت التي للسؤال والاستفتاء لم تتعدد نحو قوله ﴿أَرَأَيْتَ إِن كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ﴾ [العلق: ١٣] فالمعنى: أفرأيتم أيها المشركون هذه الأصنام التي جعلتموها بنات الله. ﴿أَلَكُمُ ٱلذَّكَرُ وَلَهُ ٱلأُنْثَىٰ﴾ أي: أتجعلون له البنات ولكم الذكور (أي: هذه إذاً). ﴿قِسْمَةٌ ضِيزَىٰ﴾ أي: قسمة جائرة على الحق، وذلك أن المشركين أخذوا اسم الباري وهو الله، وزادوا فيه التأنيث وسموا به أصنامهم فقالوا اللات، وكذلك أخذوا العزى من العزيز وأخذوا منات من: منى الله الشيء: إذا قدره، وزعموا أنها بنات الله تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً، فجعلوا لله ما لا يرضون لأنفسهم. قال أبو عبيدة: هي أصنام كانت في جوف الكعبة يعبدونها. وقرأ مجاهد "اللات" بالتشديد، وكذلك قرأ ابن عباس، وقالا: كان رجلاً يلِت السَّويق أيام الحج فلما مات عكفوا على قبره فعبدوه. وقيل: كان يقوم على ألهتهم ويلِت السويق لهم، وكان بالطائف قاله أبو صالح والسدي. وقيل: كان يلِت السويق ويبيعه عند ذلك الصنم، فسمى الصنم اللات بتشديد التاء. وحكى خلف عن سليم عن حمزة وأبو عبد الرحمن عن (اليزيدي) عن أبي عمرو أنهما وقفا على اللات بالتاء، اتباعاً للمصحف، وكذلك وقف نافع. وروي عن الكسائي أنه وقف بالهاء، والمشهور عن جميعهم الوقف على التاء اتباعاً للمصحف وإبعاداً أن يشبه الوقف على الله. والعُزّى: حجر أبيض كانوا يعبدونه قاله ابن جبير. وقال مجاهد: العُزى شجرة كانوا يعبدونها. وقال ابن زيد: العُزى بيت بالطائف لثقيف كانوا يعبدونه. وقال قتادة: هو نبت كان ببطن نخلة، وأما منات فصنم كان لخزاعة. وقال قتادة: [التقدير] آلهة يعبدونها وهي اللات والعزى ومنات. قال أبو إسحاق: "منات" صخرة لهذيل وخزاعة كانوا يعبدونها من دون الله جل وعز وتعالى عن ذلك. وقيل: الَّلات صنم كان لثقيف، والعزى سمرة عبدوها. * * وقوله: ﴿تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزَىٰ﴾ أي: قسمة جائرة ناقصة إذ رضيتم أن تجعلوا لخالقكم ورازقكم ما تكرهونه لأنفسكم وآثرتم أنفسكم بما تحبون. (وضيزى فُعلى) ولكن كسرت، وإنما كان أصلها الضم إذ ليس في الكلام فعلى صفة وفيه (فُعلى وفَعلى) فكسرت الضاد لتصح الياء، كما قالوا بيضٌ وأصله بوض. ومن همزه فهي لغة يقال ضَازَهُ يَضِيزُهُ ويَضُوزُهُ وضَأَزَهُ يَضْأَزَهُ. ويقال: ضِزتَهُ وضَزْته إذا نَقَصتَهُ حَقَّهُ، فيقال على هذا ضِئزَى بالهمز وضُؤْزَى أيضاً. وجواب الاستفهام محذوف، والتقدير: أفرأيتم هذه الأصنام هل لها من هذه القدرة التي تقدم ذكرها شيء. وقال أبو عبيدة: التقدير أَلَكُمْ الذكر وله الأُنثى كيف يكون هذا لأنهم قالوا الملائكة بنات الله جل ذكره. وقيل الجواب: ﴿تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزَىٰ﴾. * * ثم قال: ﴿إِنْ هِيَ إِلاَّ أَسْمَآءٌ سَمَّيْتُمُوهَآ أَنتُمْ وَآبَآؤُكُم﴾ أي: ما اللات والعزى ومنات الثالثة الأخرى إلا أسماء أحدثتموها أيها المشركون أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بهذه الأسماء من سلطان أي: من حجة في هذه الأسماء. * * ثم قال: ﴿إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ ٱلظَّنَّ﴾؛ أي: ما يتبع هؤلاء المشركون في هذه [الأسماء] إلا الظن، وهوى أنفسهم فاخترقوا ما لم يؤمروا به من قبل أنفسهم، ومن ما وجدوا عليه آباءهم الكفار بالله عز وجل. * * ثم قال: ﴿وَلَقَدْ جَآءَهُم مِّن رَّبِّهِمُ ٱلْهُدَىٰ﴾ أي: جاءهم محمد من عند ربهم عز وجل بالبيان والوحي الحق. * * ثم قال: ﴿أَمْ لِلإِنسَانِ مَا تَمَنَّىٰ﴾ أي: ليس ذلك فيكون الأمر على ما يشتهون، بل الله عز وجل يعطي من يشاء ما شاء، إذ له الآخرة والأولى. * * ثم قال: ﴿وَكَمْ مِّن مَّلَكٍ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ لاَ تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً﴾ أي: وكثير من الملائكة في السماوات لا تنفع شفاعتهم لمن شفعوا إلا من بعد أن يأذن الله عز وجل لهم فتنفع شفاعتهم إذا رضي الله سبحانه بها، وهذا توبيخ لعبدة الأوثان والملائكة من قريش وغيرهم لأنهم قالوا ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى، فأخبر تعالى ذكره أن الملائكة مع فضلهم وكثرة طاعتهم لا تنفع أحداً شفاعتهم إلا من (بعد إذن الله عز وجل لهم) ورضاه، فكيف تشفع الأصنام لكم. * * ثم قال: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ ٱلْمَلاَئِكَةَ تَسْمِيَةَ ٱلأُنْثَىٰ * [وَمَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ]﴾. أي: أن الذين لا يصدقون بالبعث ليسمون الملائكة تسمية الإناث لأنهم كانوا يقولون هم بنات الله تعالى (الله عن ذلك علواً كبيراً). ﴿وَمَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ ٱلظَّنَّ﴾ أي: ما يقولون [ذلك] إلا ظناً بغير علم، والهاء تعود على الأسماء لأن التسمية والأسماء واحد، ﴿وَإِنَّ ٱلظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ ٱلْحَقِّ شَيْئاً﴾ [أي] يقوم مقام الحق. * * ثم قال: ﴿فَأَعْرِضْ عَن مَّن تَوَلَّىٰ عَن ذِكْرِنَا﴾ أي: فدع من أدبر عن الإيمان بما جئته به من القرآن. ﴿وَلَمْ يُرِدْ إِلاَّ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَا﴾ أي: طلب الدنيا ولم يطلب ما عند الله. ﴿ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِّنَ ٱلْعِلْمِ﴾ أي: ليس لهم علم إلا علم معائشهم وإلا إيثار الدنيا على الآخرة وقولهم الملائكة بنات الله. * * ثم قال: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ﴾ أي: هو عالم لهم قد علمهم في سابق علمه أنهم لا يؤمنون، وهو أعلم في سابق علمه بمن يهتدي فيؤمن. * * ثم قال: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ لِيَجْزِيَ ٱلَّذِينَ أَسَاءُواْ بِمَا عَمِلُواْ﴾ أي: لله ملكهما وما فيهما. ولام ليجزي (متعلقة بقوله: ﴿إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَىٰ﴾ ﴿لِيَجْزِيَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ﴾. وقيل المعنى: ولله ما في السماوات وما في الأرض يضل من يشاء ويهدي من يشاء، فهو أعلم بهم ليجزي الذين أساءوا ويجزي الذين أطاعوا. وقيل هي متعلقة بقوله: ﴿وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ ٱهْتَدَىٰ... لِيَجْزِيَ﴾. * * وقوله: ﴿بِٱلْحُسْنَى﴾ يعني بالجنة. قال زيد بن أسلم: ﴿ٱلَّذِينَ أَسَاءُواْ﴾: المشركون، ﴿ٱلَّذِينَ أَحْسَنُواْ﴾ المؤمنون. ثم بيَّن المؤمنين ونعتهم فقال: ﴿ٱلَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ ٱلإِثْمِ وَٱلْفَوَاحِشَ﴾ أي: يبعدون عن ارتكاب الكبائر التي نهى الله عنها، وقد تقدم القول فيها في "النساء". ويبعدون عن ارتكاب الفواحش التي نهى الله عنها وهي الزنا وشبهه مما أوجب الله فيه حداً. * * وقوله: ﴿إِلاَّ ٱللَّمَمَ﴾ قال ابن عباس: إلا ما سلف منهم في الجاهلية قبل الإسلام. وقال زيد بن أسلم: الكبائر: الشرك، والفواحش، والزنا، تركوا ذلك حين أسلموا فغفر الله عز وجل لهم ما كانوا أتوا به وأصابوه من ذلك قبل الإسلام. وقيل: اللمم: الصغائر. وقيل: هي أن تلم بالشيء ولا تفعله. وقيل اللمم كنظر العين والتقبيل والجس. وقال الشعبي: هو ما دون الزنا، وقيل: "إلا" بمعنى الواو، وليس بشيء هذا نقض كلام العرب. وقال أبو هريرة: هو مثل القبلة والغمزة والنظرة والمباشرة. وعن ابن عباس أن اللمم أن تأتي الذنب ثم تتوب منه ولا تعود. وعن أبي هريرة أيضاً مثله، (وهو قول أهل اللغة قالوا: اللمم بالذنب أن تناول منه ولا تمر عليه، ويقال ألْمَمْتُ أتيت ونزلت عليه). (وعن ابن عباس وابن الزبير) هو ما بين الحدين، حد الدنيا والآخرة وبه قال عكرمة وقتادة والضحاك. وروى ابن وهب عن عبد الله بن عمر وابن العاص أنه قال: اللَّمم ما دون الشرك. * * ثم قال: ﴿إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ ٱلْمَغْفِرَةِ﴾ أي: لمن اجتنب الكبائر. ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنشَأَكُمْ مِّنَ ٱلأَرْضِ﴾ يعني آدم عليه السلام. ﴿وَإِذْ أَنتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ﴾ أجنّة: جمع جنين، أي: أعلم بكم في ذلك الوقت وفي كل وقت، وهو أعلم بمن أتقى. وقيل اللمم هو الذنب [بين] الحدين مما لم يأت عليه حد في الدنيا، ولا توعد عليه بنار في الآخرة تكفره الصلوات الخمس. والكبائر مثل الزنا وقتل النفس التي حرم الله، وشرب الخمر وعقوق الوالدين، (وأكل مال اليتيم). وقال نفطويه: اللمم هو أن تأتي ذنباً لم يكن لك بعادة، والعرب تقول: ما تَأْتِينَا إلاَّ لِماماً: أي: في الحين بعد الحين. قال: ولا يكون اللمم أن تهم ولا تفعل؛ لأن العرب إذا قالت: ألم بنا فلان معناه فعل الإتيان لا أنه همَّ ولم يفعل، ويدل على أنه فعل الذنب قوله ﴿وَاسِعُ ٱلْمَغْفِرَةِ﴾ فهل تكون المغفرة إلا لمن فعل ذنباً ، وهل يغفر ما لم يفعل. وروى الحسن أنه قال: اللمم هو أن يلم الرجل اللمة من الخمر واللمة من الزنا، واللمة من السرقة ثم لا يعوده. قال عمرو بن العاص: اللمم ما دون الشرك. * * وقوله: ﴿إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [النساء: ٣١] يدل على أن اللمم: الصغائر يغفرها الله لمن اجتنب الكبائر حتماً. * * وقوله: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ﴾ [النساء: ٤٨] هذه المغفرة ليست بحتم إنما هي إلى مشيئة الله يفعلها لمن يشاء، ومغفرة الصغائر لمن أجتنب الكبائر حتم من الله جل ذكره (فعلها). * * ثم قال: ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنشَأَكُمْ مِّنَ ٱلأَرْضِ﴾ أي: الله عالم بما تعملون حين خلق أباكم آدم من الأرض، وحين أنتم أجنة في بطون أمهاتكم يعلم ما تصير إليه أموركم، وما أنتم عاملون، فلا تزكوا أنفسكم فإن الله يعلم المتقي من الفساد. وأجنة جمع جنين.

النجم 53:23

قوله: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ ٱللاَّتَ وَٱلْعُزَّىٰ﴾ إلى قوله: ﴿أَعْلَمُ بِمَنِ ٱتَّقَىٰ﴾ الآيات. رأيت من رؤية العين، ولذلك نصب بها، ولو كانت التي للسؤال والاستفتاء لم تتعدد نحو قوله ﴿أَرَأَيْتَ إِن كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ﴾ [العلق: ١٣] فالمعنى: أفرأيتم أيها المشركون هذه الأصنام التي جعلتموها بنات الله. ﴿أَلَكُمُ ٱلذَّكَرُ وَلَهُ ٱلأُنْثَىٰ﴾ أي: أتجعلون له البنات ولكم الذكور (أي: هذه إذاً). ﴿قِسْمَةٌ ضِيزَىٰ﴾ أي: قسمة جائرة على الحق، وذلك أن المشركين أخذوا اسم الباري وهو الله، وزادوا فيه التأنيث وسموا به أصنامهم فقالوا اللات، وكذلك أخذوا العزى من العزيز وأخذوا منات من: منى الله الشيء: إذا قدره، وزعموا أنها بنات الله تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً، فجعلوا لله ما لا يرضون لأنفسهم. قال أبو عبيدة: هي أصنام كانت في جوف الكعبة يعبدونها. وقرأ مجاهد "اللات" بالتشديد، وكذلك قرأ ابن عباس، وقالا: كان رجلاً يلِت السَّويق أيام الحج فلما مات عكفوا على قبره فعبدوه. وقيل: كان يقوم على ألهتهم ويلِت السويق لهم، وكان بالطائف قاله أبو صالح والسدي. وقيل: كان يلِت السويق ويبيعه عند ذلك الصنم، فسمى الصنم اللات بتشديد التاء. وحكى خلف عن سليم عن حمزة وأبو عبد الرحمن عن (اليزيدي) عن أبي عمرو أنهما وقفا على اللات بالتاء، اتباعاً للمصحف، وكذلك وقف نافع. وروي عن الكسائي أنه وقف بالهاء، والمشهور عن جميعهم الوقف على التاء اتباعاً للمصحف وإبعاداً أن يشبه الوقف على الله. والعُزّى: حجر أبيض كانوا يعبدونه قاله ابن جبير. وقال مجاهد: العُزى شجرة كانوا يعبدونها. وقال ابن زيد: العُزى بيت بالطائف لثقيف كانوا يعبدونه. وقال قتادة: هو نبت كان ببطن نخلة، وأما منات فصنم كان لخزاعة. وقال قتادة: [التقدير] آلهة يعبدونها وهي اللات والعزى ومنات. قال أبو إسحاق: "منات" صخرة لهذيل وخزاعة كانوا يعبدونها من دون الله جل وعز وتعالى عن ذلك. وقيل: الَّلات صنم كان لثقيف، والعزى سمرة عبدوها. * * وقوله: ﴿تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزَىٰ﴾ أي: قسمة جائرة ناقصة إذ رضيتم أن تجعلوا لخالقكم ورازقكم ما تكرهونه لأنفسكم وآثرتم أنفسكم بما تحبون. (وضيزى فُعلى) ولكن كسرت، وإنما كان أصلها الضم إذ ليس في الكلام فعلى صفة وفيه (فُعلى وفَعلى) فكسرت الضاد لتصح الياء، كما قالوا بيضٌ وأصله بوض. ومن همزه فهي لغة يقال ضَازَهُ يَضِيزُهُ ويَضُوزُهُ وضَأَزَهُ يَضْأَزَهُ. ويقال: ضِزتَهُ وضَزْته إذا نَقَصتَهُ حَقَّهُ، فيقال على هذا ضِئزَى بالهمز وضُؤْزَى أيضاً. وجواب الاستفهام محذوف، والتقدير: أفرأيتم هذه الأصنام هل لها من هذه القدرة التي تقدم ذكرها شيء. وقال أبو عبيدة: التقدير أَلَكُمْ الذكر وله الأُنثى كيف يكون هذا لأنهم قالوا الملائكة بنات الله جل ذكره. وقيل الجواب: ﴿تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزَىٰ﴾. * * ثم قال: ﴿إِنْ هِيَ إِلاَّ أَسْمَآءٌ سَمَّيْتُمُوهَآ أَنتُمْ وَآبَآؤُكُم﴾ أي: ما اللات والعزى ومنات الثالثة الأخرى إلا أسماء أحدثتموها أيها المشركون أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بهذه الأسماء من سلطان أي: من حجة في هذه الأسماء. * * ثم قال: ﴿إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ ٱلظَّنَّ﴾؛ أي: ما يتبع هؤلاء المشركون في هذه [الأسماء] إلا الظن، وهوى أنفسهم فاخترقوا ما لم يؤمروا به من قبل أنفسهم، ومن ما وجدوا عليه آباءهم الكفار بالله عز وجل. * * ثم قال: ﴿وَلَقَدْ جَآءَهُم مِّن رَّبِّهِمُ ٱلْهُدَىٰ﴾ أي: جاءهم محمد من عند ربهم عز وجل بالبيان والوحي الحق. * * ثم قال: ﴿أَمْ لِلإِنسَانِ مَا تَمَنَّىٰ﴾ أي: ليس ذلك فيكون الأمر على ما يشتهون، بل الله عز وجل يعطي من يشاء ما شاء، إذ له الآخرة والأولى. * * ثم قال: ﴿وَكَمْ مِّن مَّلَكٍ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ لاَ تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً﴾ أي: وكثير من الملائكة في السماوات لا تنفع شفاعتهم لمن شفعوا إلا من بعد أن يأذن الله عز وجل لهم فتنفع شفاعتهم إذا رضي الله سبحانه بها، وهذا توبيخ لعبدة الأوثان والملائكة من قريش وغيرهم لأنهم قالوا ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى، فأخبر تعالى ذكره أن الملائكة مع فضلهم وكثرة طاعتهم لا تنفع أحداً شفاعتهم إلا من (بعد إذن الله عز وجل لهم) ورضاه، فكيف تشفع الأصنام لكم. * * ثم قال: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ ٱلْمَلاَئِكَةَ تَسْمِيَةَ ٱلأُنْثَىٰ * [وَمَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ]﴾. أي: أن الذين لا يصدقون بالبعث ليسمون الملائكة تسمية الإناث لأنهم كانوا يقولون هم بنات الله تعالى (الله عن ذلك علواً كبيراً). ﴿وَمَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ ٱلظَّنَّ﴾ أي: ما يقولون [ذلك] إلا ظناً بغير علم، والهاء تعود على الأسماء لأن التسمية والأسماء واحد، ﴿وَإِنَّ ٱلظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ ٱلْحَقِّ شَيْئاً﴾ [أي] يقوم مقام الحق. * * ثم قال: ﴿فَأَعْرِضْ عَن مَّن تَوَلَّىٰ عَن ذِكْرِنَا﴾ أي: فدع من أدبر عن الإيمان بما جئته به من القرآن. ﴿وَلَمْ يُرِدْ إِلاَّ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَا﴾ أي: طلب الدنيا ولم يطلب ما عند الله. ﴿ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِّنَ ٱلْعِلْمِ﴾ أي: ليس لهم علم إلا علم معائشهم وإلا إيثار الدنيا على الآخرة وقولهم الملائكة بنات الله. * * ثم قال: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ﴾ أي: هو عالم لهم قد علمهم في سابق علمه أنهم لا يؤمنون، وهو أعلم في سابق علمه بمن يهتدي فيؤمن. * * ثم قال: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ لِيَجْزِيَ ٱلَّذِينَ أَسَاءُواْ بِمَا عَمِلُواْ﴾ أي: لله ملكهما وما فيهما. ولام ليجزي (متعلقة بقوله: ﴿إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَىٰ﴾ ﴿لِيَجْزِيَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ﴾. وقيل المعنى: ولله ما في السماوات وما في الأرض يضل من يشاء ويهدي من يشاء، فهو أعلم بهم ليجزي الذين أساءوا ويجزي الذين أطاعوا. وقيل هي متعلقة بقوله: ﴿وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ ٱهْتَدَىٰ... لِيَجْزِيَ﴾. * * وقوله: ﴿بِٱلْحُسْنَى﴾ يعني بالجنة. قال زيد بن أسلم: ﴿ٱلَّذِينَ أَسَاءُواْ﴾: المشركون، ﴿ٱلَّذِينَ أَحْسَنُواْ﴾ المؤمنون. ثم بيَّن المؤمنين ونعتهم فقال: ﴿ٱلَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ ٱلإِثْمِ وَٱلْفَوَاحِشَ﴾ أي: يبعدون عن ارتكاب الكبائر التي نهى الله عنها، وقد تقدم القول فيها في "النساء". ويبعدون عن ارتكاب الفواحش التي نهى الله عنها وهي الزنا وشبهه مما أوجب الله فيه حداً. * * وقوله: ﴿إِلاَّ ٱللَّمَمَ﴾ قال ابن عباس: إلا ما سلف منهم في الجاهلية قبل الإسلام. وقال زيد بن أسلم: الكبائر: الشرك، والفواحش، والزنا، تركوا ذلك حين أسلموا فغفر الله عز وجل لهم ما كانوا أتوا به وأصابوه من ذلك قبل الإسلام. وقيل: اللمم: الصغائر. وقيل: هي أن تلم بالشيء ولا تفعله. وقيل اللمم كنظر العين والتقبيل والجس. وقال الشعبي: هو ما دون الزنا، وقيل: "إلا" بمعنى الواو، وليس بشيء هذا نقض كلام العرب. وقال أبو هريرة: هو مثل القبلة والغمزة والنظرة والمباشرة. وعن ابن عباس أن اللمم أن تأتي الذنب ثم تتوب منه ولا تعود. وعن أبي هريرة أيضاً مثله، (وهو قول أهل اللغة قالوا: اللمم بالذنب أن تناول منه ولا تمر عليه، ويقال ألْمَمْتُ أتيت ونزلت عليه). (وعن ابن عباس وابن الزبير) هو ما بين الحدين، حد الدنيا والآخرة وبه قال عكرمة وقتادة والضحاك. وروى ابن وهب عن عبد الله بن عمر وابن العاص أنه قال: اللَّمم ما دون الشرك. * * ثم قال: ﴿إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ ٱلْمَغْفِرَةِ﴾ أي: لمن اجتنب الكبائر. ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنشَأَكُمْ مِّنَ ٱلأَرْضِ﴾ يعني آدم عليه السلام. ﴿وَإِذْ أَنتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ﴾ أجنّة: جمع جنين، أي: أعلم بكم في ذلك الوقت وفي كل وقت، وهو أعلم بمن أتقى. وقيل اللمم هو الذنب [بين] الحدين مما لم يأت عليه حد في الدنيا، ولا توعد عليه بنار في الآخرة تكفره الصلوات الخمس. والكبائر مثل الزنا وقتل النفس التي حرم الله، وشرب الخمر وعقوق الوالدين، (وأكل مال اليتيم). وقال نفطويه: اللمم هو أن تأتي ذنباً لم يكن لك بعادة، والعرب تقول: ما تَأْتِينَا إلاَّ لِماماً: أي: في الحين بعد الحين. قال: ولا يكون اللمم أن تهم ولا تفعل؛ لأن العرب إذا قالت: ألم بنا فلان معناه فعل الإتيان لا أنه همَّ ولم يفعل، ويدل على أنه فعل الذنب قوله ﴿وَاسِعُ ٱلْمَغْفِرَةِ﴾ فهل تكون المغفرة إلا لمن فعل ذنباً ، وهل يغفر ما لم يفعل. وروى الحسن أنه قال: اللمم هو أن يلم الرجل اللمة من الخمر واللمة من الزنا، واللمة من السرقة ثم لا يعوده. قال عمرو بن العاص: اللمم ما دون الشرك. * * وقوله: ﴿إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [النساء: ٣١] يدل على أن اللمم: الصغائر يغفرها الله لمن اجتنب الكبائر حتماً. * * وقوله: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ﴾ [النساء: ٤٨] هذه المغفرة ليست بحتم إنما هي إلى مشيئة الله يفعلها لمن يشاء، ومغفرة الصغائر لمن أجتنب الكبائر حتم من الله جل ذكره (فعلها). * * ثم قال: ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنشَأَكُمْ مِّنَ ٱلأَرْضِ﴾ أي: الله عالم بما تعملون حين خلق أباكم آدم من الأرض، وحين أنتم أجنة في بطون أمهاتكم يعلم ما تصير إليه أموركم، وما أنتم عاملون، فلا تزكوا أنفسكم فإن الله يعلم المتقي من الفساد. وأجنة جمع جنين.

النجم 53:24

قوله: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ ٱللاَّتَ وَٱلْعُزَّىٰ﴾ إلى قوله: ﴿أَعْلَمُ بِمَنِ ٱتَّقَىٰ﴾ الآيات. رأيت من رؤية العين، ولذلك نصب بها، ولو كانت التي للسؤال والاستفتاء لم تتعدد نحو قوله ﴿أَرَأَيْتَ إِن كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ﴾ [العلق: ١٣] فالمعنى: أفرأيتم أيها المشركون هذه الأصنام التي جعلتموها بنات الله. ﴿أَلَكُمُ ٱلذَّكَرُ وَلَهُ ٱلأُنْثَىٰ﴾ أي: أتجعلون له البنات ولكم الذكور (أي: هذه إذاً). ﴿قِسْمَةٌ ضِيزَىٰ﴾ أي: قسمة جائرة على الحق، وذلك أن المشركين أخذوا اسم الباري وهو الله، وزادوا فيه التأنيث وسموا به أصنامهم فقالوا اللات، وكذلك أخذوا العزى من العزيز وأخذوا منات من: منى الله الشيء: إذا قدره، وزعموا أنها بنات الله تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً، فجعلوا لله ما لا يرضون لأنفسهم. قال أبو عبيدة: هي أصنام كانت في جوف الكعبة يعبدونها. وقرأ مجاهد "اللات" بالتشديد، وكذلك قرأ ابن عباس، وقالا: كان رجلاً يلِت السَّويق أيام الحج فلما مات عكفوا على قبره فعبدوه. وقيل: كان يقوم على ألهتهم ويلِت السويق لهم، وكان بالطائف قاله أبو صالح والسدي. وقيل: كان يلِت السويق ويبيعه عند ذلك الصنم، فسمى الصنم اللات بتشديد التاء. وحكى خلف عن سليم عن حمزة وأبو عبد الرحمن عن (اليزيدي) عن أبي عمرو أنهما وقفا على اللات بالتاء، اتباعاً للمصحف، وكذلك وقف نافع. وروي عن الكسائي أنه وقف بالهاء، والمشهور عن جميعهم الوقف على التاء اتباعاً للمصحف وإبعاداً أن يشبه الوقف على الله. والعُزّى: حجر أبيض كانوا يعبدونه قاله ابن جبير. وقال مجاهد: العُزى شجرة كانوا يعبدونها. وقال ابن زيد: العُزى بيت بالطائف لثقيف كانوا يعبدونه. وقال قتادة: هو نبت كان ببطن نخلة، وأما منات فصنم كان لخزاعة. وقال قتادة: [التقدير] آلهة يعبدونها وهي اللات والعزى ومنات. قال أبو إسحاق: "منات" صخرة لهذيل وخزاعة كانوا يعبدونها من دون الله جل وعز وتعالى عن ذلك. وقيل: الَّلات صنم كان لثقيف، والعزى سمرة عبدوها. * * وقوله: ﴿تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزَىٰ﴾ أي: قسمة جائرة ناقصة إذ رضيتم أن تجعلوا لخالقكم ورازقكم ما تكرهونه لأنفسكم وآثرتم أنفسكم بما تحبون. (وضيزى فُعلى) ولكن كسرت، وإنما كان أصلها الضم إذ ليس في الكلام فعلى صفة وفيه (فُعلى وفَعلى) فكسرت الضاد لتصح الياء، كما قالوا بيضٌ وأصله بوض. ومن همزه فهي لغة يقال ضَازَهُ يَضِيزُهُ ويَضُوزُهُ وضَأَزَهُ يَضْأَزَهُ. ويقال: ضِزتَهُ وضَزْته إذا نَقَصتَهُ حَقَّهُ، فيقال على هذا ضِئزَى بالهمز وضُؤْزَى أيضاً. وجواب الاستفهام محذوف، والتقدير: أفرأيتم هذه الأصنام هل لها من هذه القدرة التي تقدم ذكرها شيء. وقال أبو عبيدة: التقدير أَلَكُمْ الذكر وله الأُنثى كيف يكون هذا لأنهم قالوا الملائكة بنات الله جل ذكره. وقيل الجواب: ﴿تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزَىٰ﴾. * * ثم قال: ﴿إِنْ هِيَ إِلاَّ أَسْمَآءٌ سَمَّيْتُمُوهَآ أَنتُمْ وَآبَآؤُكُم﴾ أي: ما اللات والعزى ومنات الثالثة الأخرى إلا أسماء أحدثتموها أيها المشركون أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بهذه الأسماء من سلطان أي: من حجة في هذه الأسماء. * * ثم قال: ﴿إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ ٱلظَّنَّ﴾؛ أي: ما يتبع هؤلاء المشركون في هذه [الأسماء] إلا الظن، وهوى أنفسهم فاخترقوا ما لم يؤمروا به من قبل أنفسهم، ومن ما وجدوا عليه آباءهم الكفار بالله عز وجل. * * ثم قال: ﴿وَلَقَدْ جَآءَهُم مِّن رَّبِّهِمُ ٱلْهُدَىٰ﴾ أي: جاءهم محمد من عند ربهم عز وجل بالبيان والوحي الحق. * * ثم قال: ﴿أَمْ لِلإِنسَانِ مَا تَمَنَّىٰ﴾ أي: ليس ذلك فيكون الأمر على ما يشتهون، بل الله عز وجل يعطي من يشاء ما شاء، إذ له الآخرة والأولى. * * ثم قال: ﴿وَكَمْ مِّن مَّلَكٍ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ لاَ تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً﴾ أي: وكثير من الملائكة في السماوات لا تنفع شفاعتهم لمن شفعوا إلا من بعد أن يأذن الله عز وجل لهم فتنفع شفاعتهم إذا رضي الله سبحانه بها، وهذا توبيخ لعبدة الأوثان والملائكة من قريش وغيرهم لأنهم قالوا ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى، فأخبر تعالى ذكره أن الملائكة مع فضلهم وكثرة طاعتهم لا تنفع أحداً شفاعتهم إلا من (بعد إذن الله عز وجل لهم) ورضاه، فكيف تشفع الأصنام لكم. * * ثم قال: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ ٱلْمَلاَئِكَةَ تَسْمِيَةَ ٱلأُنْثَىٰ * [وَمَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ]﴾. أي: أن الذين لا يصدقون بالبعث ليسمون الملائكة تسمية الإناث لأنهم كانوا يقولون هم بنات الله تعالى (الله عن ذلك علواً كبيراً). ﴿وَمَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ ٱلظَّنَّ﴾ أي: ما يقولون [ذلك] إلا ظناً بغير علم، والهاء تعود على الأسماء لأن التسمية والأسماء واحد، ﴿وَإِنَّ ٱلظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ ٱلْحَقِّ شَيْئاً﴾ [أي] يقوم مقام الحق. * * ثم قال: ﴿فَأَعْرِضْ عَن مَّن تَوَلَّىٰ عَن ذِكْرِنَا﴾ أي: فدع من أدبر عن الإيمان بما جئته به من القرآن. ﴿وَلَمْ يُرِدْ إِلاَّ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَا﴾ أي: طلب الدنيا ولم يطلب ما عند الله. ﴿ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِّنَ ٱلْعِلْمِ﴾ أي: ليس لهم علم إلا علم معائشهم وإلا إيثار الدنيا على الآخرة وقولهم الملائكة بنات الله. * * ثم قال: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ﴾ أي: هو عالم لهم قد علمهم في سابق علمه أنهم لا يؤمنون، وهو أعلم في سابق علمه بمن يهتدي فيؤمن. * * ثم قال: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ لِيَجْزِيَ ٱلَّذِينَ أَسَاءُواْ بِمَا عَمِلُواْ﴾ أي: لله ملكهما وما فيهما. ولام ليجزي (متعلقة بقوله: ﴿إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَىٰ﴾ ﴿لِيَجْزِيَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ﴾. وقيل المعنى: ولله ما في السماوات وما في الأرض يضل من يشاء ويهدي من يشاء، فهو أعلم بهم ليجزي الذين أساءوا ويجزي الذين أطاعوا. وقيل هي متعلقة بقوله: ﴿وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ ٱهْتَدَىٰ... لِيَجْزِيَ﴾. * * وقوله: ﴿بِٱلْحُسْنَى﴾ يعني بالجنة. قال زيد بن أسلم: ﴿ٱلَّذِينَ أَسَاءُواْ﴾: المشركون، ﴿ٱلَّذِينَ أَحْسَنُواْ﴾ المؤمنون. ثم بيَّن المؤمنين ونعتهم فقال: ﴿ٱلَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ ٱلإِثْمِ وَٱلْفَوَاحِشَ﴾ أي: يبعدون عن ارتكاب الكبائر التي نهى الله عنها، وقد تقدم القول فيها في "النساء". ويبعدون عن ارتكاب الفواحش التي نهى الله عنها وهي الزنا وشبهه مما أوجب الله فيه حداً. * * وقوله: ﴿إِلاَّ ٱللَّمَمَ﴾ قال ابن عباس: إلا ما سلف منهم في الجاهلية قبل الإسلام. وقال زيد بن أسلم: الكبائر: الشرك، والفواحش، والزنا، تركوا ذلك حين أسلموا فغفر الله عز وجل لهم ما كانوا أتوا به وأصابوه من ذلك قبل الإسلام. وقيل: اللمم: الصغائر. وقيل: هي أن تلم بالشيء ولا تفعله. وقيل اللمم كنظر العين والتقبيل والجس. وقال الشعبي: هو ما دون الزنا، وقيل: "إلا" بمعنى الواو، وليس بشيء هذا نقض كلام العرب. وقال أبو هريرة: هو مثل القبلة والغمزة والنظرة والمباشرة. وعن ابن عباس أن اللمم أن تأتي الذنب ثم تتوب منه ولا تعود. وعن أبي هريرة أيضاً مثله، (وهو قول أهل اللغة قالوا: اللمم بالذنب أن تناول منه ولا تمر عليه، ويقال ألْمَمْتُ أتيت ونزلت عليه). (وعن ابن عباس وابن الزبير) هو ما بين الحدين، حد الدنيا والآخرة وبه قال عكرمة وقتادة والضحاك. وروى ابن وهب عن عبد الله بن عمر وابن العاص أنه قال: اللَّمم ما دون الشرك. * * ثم قال: ﴿إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ ٱلْمَغْفِرَةِ﴾ أي: لمن اجتنب الكبائر. ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنشَأَكُمْ مِّنَ ٱلأَرْضِ﴾ يعني آدم عليه السلام. ﴿وَإِذْ أَنتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ﴾ أجنّة: جمع جنين، أي: أعلم بكم في ذلك الوقت وفي كل وقت، وهو أعلم بمن أتقى. وقيل اللمم هو الذنب [بين] الحدين مما لم يأت عليه حد في الدنيا، ولا توعد عليه بنار في الآخرة تكفره الصلوات الخمس. والكبائر مثل الزنا وقتل النفس التي حرم الله، وشرب الخمر وعقوق الوالدين، (وأكل مال اليتيم). وقال نفطويه: اللمم هو أن تأتي ذنباً لم يكن لك بعادة، والعرب تقول: ما تَأْتِينَا إلاَّ لِماماً: أي: في الحين بعد الحين. قال: ولا يكون اللمم أن تهم ولا تفعل؛ لأن العرب إذا قالت: ألم بنا فلان معناه فعل الإتيان لا أنه همَّ ولم يفعل، ويدل على أنه فعل الذنب قوله ﴿وَاسِعُ ٱلْمَغْفِرَةِ﴾ فهل تكون المغفرة إلا لمن فعل ذنباً ، وهل يغفر ما لم يفعل. وروى الحسن أنه قال: اللمم هو أن يلم الرجل اللمة من الخمر واللمة من الزنا، واللمة من السرقة ثم لا يعوده. قال عمرو بن العاص: اللمم ما دون الشرك. * * وقوله: ﴿إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [النساء: ٣١] يدل على أن اللمم: الصغائر يغفرها الله لمن اجتنب الكبائر حتماً. * * وقوله: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ﴾ [النساء: ٤٨] هذه المغفرة ليست بحتم إنما هي إلى مشيئة الله يفعلها لمن يشاء، ومغفرة الصغائر لمن أجتنب الكبائر حتم من الله جل ذكره (فعلها). * * ثم قال: ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنشَأَكُمْ مِّنَ ٱلأَرْضِ﴾ أي: الله عالم بما تعملون حين خلق أباكم آدم من الأرض، وحين أنتم أجنة في بطون أمهاتكم يعلم ما تصير إليه أموركم، وما أنتم عاملون، فلا تزكوا أنفسكم فإن الله يعلم المتقي من الفساد. وأجنة جمع جنين.

النجم 53:25

قوله: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ ٱللاَّتَ وَٱلْعُزَّىٰ﴾ إلى قوله: ﴿أَعْلَمُ بِمَنِ ٱتَّقَىٰ﴾ الآيات. رأيت من رؤية العين، ولذلك نصب بها، ولو كانت التي للسؤال والاستفتاء لم تتعدد نحو قوله ﴿أَرَأَيْتَ إِن كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ﴾ [العلق: ١٣] فالمعنى: أفرأيتم أيها المشركون هذه الأصنام التي جعلتموها بنات الله. ﴿أَلَكُمُ ٱلذَّكَرُ وَلَهُ ٱلأُنْثَىٰ﴾ أي: أتجعلون له البنات ولكم الذكور (أي: هذه إذاً). ﴿قِسْمَةٌ ضِيزَىٰ﴾ أي: قسمة جائرة على الحق، وذلك أن المشركين أخذوا اسم الباري وهو الله، وزادوا فيه التأنيث وسموا به أصنامهم فقالوا اللات، وكذلك أخذوا العزى من العزيز وأخذوا منات من: منى الله الشيء: إذا قدره، وزعموا أنها بنات الله تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً، فجعلوا لله ما لا يرضون لأنفسهم. قال أبو عبيدة: هي أصنام كانت في جوف الكعبة يعبدونها. وقرأ مجاهد "اللات" بالتشديد، وكذلك قرأ ابن عباس، وقالا: كان رجلاً يلِت السَّويق أيام الحج فلما مات عكفوا على قبره فعبدوه. وقيل: كان يقوم على ألهتهم ويلِت السويق لهم، وكان بالطائف قاله أبو صالح والسدي. وقيل: كان يلِت السويق ويبيعه عند ذلك الصنم، فسمى الصنم اللات بتشديد التاء. وحكى خلف عن سليم عن حمزة وأبو عبد الرحمن عن (اليزيدي) عن أبي عمرو أنهما وقفا على اللات بالتاء، اتباعاً للمصحف، وكذلك وقف نافع. وروي عن الكسائي أنه وقف بالهاء، والمشهور عن جميعهم الوقف على التاء اتباعاً للمصحف وإبعاداً أن يشبه الوقف على الله. والعُزّى: حجر أبيض كانوا يعبدونه قاله ابن جبير. وقال مجاهد: العُزى شجرة كانوا يعبدونها. وقال ابن زيد: العُزى بيت بالطائف لثقيف كانوا يعبدونه. وقال قتادة: هو نبت كان ببطن نخلة، وأما منات فصنم كان لخزاعة. وقال قتادة: [التقدير] آلهة يعبدونها وهي اللات والعزى ومنات. قال أبو إسحاق: "منات" صخرة لهذيل وخزاعة كانوا يعبدونها من دون الله جل وعز وتعالى عن ذلك. وقيل: الَّلات صنم كان لثقيف، والعزى سمرة عبدوها. * * وقوله: ﴿تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزَىٰ﴾ أي: قسمة جائرة ناقصة إذ رضيتم أن تجعلوا لخالقكم ورازقكم ما تكرهونه لأنفسكم وآثرتم أنفسكم بما تحبون. (وضيزى فُعلى) ولكن كسرت، وإنما كان أصلها الضم إذ ليس في الكلام فعلى صفة وفيه (فُعلى وفَعلى) فكسرت الضاد لتصح الياء، كما قالوا بيضٌ وأصله بوض. ومن همزه فهي لغة يقال ضَازَهُ يَضِيزُهُ ويَضُوزُهُ وضَأَزَهُ يَضْأَزَهُ. ويقال: ضِزتَهُ وضَزْته إذا نَقَصتَهُ حَقَّهُ، فيقال على هذا ضِئزَى بالهمز وضُؤْزَى أيضاً. وجواب الاستفهام محذوف، والتقدير: أفرأيتم هذه الأصنام هل لها من هذه القدرة التي تقدم ذكرها شيء. وقال أبو عبيدة: التقدير أَلَكُمْ الذكر وله الأُنثى كيف يكون هذا لأنهم قالوا الملائكة بنات الله جل ذكره. وقيل الجواب: ﴿تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزَىٰ﴾. * * ثم قال: ﴿إِنْ هِيَ إِلاَّ أَسْمَآءٌ سَمَّيْتُمُوهَآ أَنتُمْ وَآبَآؤُكُم﴾ أي: ما اللات والعزى ومنات الثالثة الأخرى إلا أسماء أحدثتموها أيها المشركون أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بهذه الأسماء من سلطان أي: من حجة في هذه الأسماء. * * ثم قال: ﴿إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ ٱلظَّنَّ﴾؛ أي: ما يتبع هؤلاء المشركون في هذه [الأسماء] إلا الظن، وهوى أنفسهم فاخترقوا ما لم يؤمروا به من قبل أنفسهم، ومن ما وجدوا عليه آباءهم الكفار بالله عز وجل. * * ثم قال: ﴿وَلَقَدْ جَآءَهُم مِّن رَّبِّهِمُ ٱلْهُدَىٰ﴾ أي: جاءهم محمد من عند ربهم عز وجل بالبيان والوحي الحق. * * ثم قال: ﴿أَمْ لِلإِنسَانِ مَا تَمَنَّىٰ﴾ أي: ليس ذلك فيكون الأمر على ما يشتهون، بل الله عز وجل يعطي من يشاء ما شاء، إذ له الآخرة والأولى. * * ثم قال: ﴿وَكَمْ مِّن مَّلَكٍ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ لاَ تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً﴾ أي: وكثير من الملائكة في السماوات لا تنفع شفاعتهم لمن شفعوا إلا من بعد أن يأذن الله عز وجل لهم فتنفع شفاعتهم إذا رضي الله سبحانه بها، وهذا توبيخ لعبدة الأوثان والملائكة من قريش وغيرهم لأنهم قالوا ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى، فأخبر تعالى ذكره أن الملائكة مع فضلهم وكثرة طاعتهم لا تنفع أحداً شفاعتهم إلا من (بعد إذن الله عز وجل لهم) ورضاه، فكيف تشفع الأصنام لكم. * * ثم قال: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ ٱلْمَلاَئِكَةَ تَسْمِيَةَ ٱلأُنْثَىٰ * [وَمَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ]﴾. أي: أن الذين لا يصدقون بالبعث ليسمون الملائكة تسمية الإناث لأنهم كانوا يقولون هم بنات الله تعالى (الله عن ذلك علواً كبيراً). ﴿وَمَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ ٱلظَّنَّ﴾ أي: ما يقولون [ذلك] إلا ظناً بغير علم، والهاء تعود على الأسماء لأن التسمية والأسماء واحد، ﴿وَإِنَّ ٱلظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ ٱلْحَقِّ شَيْئاً﴾ [أي] يقوم مقام الحق. * * ثم قال: ﴿فَأَعْرِضْ عَن مَّن تَوَلَّىٰ عَن ذِكْرِنَا﴾ أي: فدع من أدبر عن الإيمان بما جئته به من القرآن. ﴿وَلَمْ يُرِدْ إِلاَّ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَا﴾ أي: طلب الدنيا ولم يطلب ما عند الله. ﴿ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِّنَ ٱلْعِلْمِ﴾ أي: ليس لهم علم إلا علم معائشهم وإلا إيثار الدنيا على الآخرة وقولهم الملائكة بنات الله. * * ثم قال: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ﴾ أي: هو عالم لهم قد علمهم في سابق علمه أنهم لا يؤمنون، وهو أعلم في سابق علمه بمن يهتدي فيؤمن. * * ثم قال: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ لِيَجْزِيَ ٱلَّذِينَ أَسَاءُواْ بِمَا عَمِلُواْ﴾ أي: لله ملكهما وما فيهما. ولام ليجزي (متعلقة بقوله: ﴿إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَىٰ﴾ ﴿لِيَجْزِيَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ﴾. وقيل المعنى: ولله ما في السماوات وما في الأرض يضل من يشاء ويهدي من يشاء، فهو أعلم بهم ليجزي الذين أساءوا ويجزي الذين أطاعوا. وقيل هي متعلقة بقوله: ﴿وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ ٱهْتَدَىٰ... لِيَجْزِيَ﴾. * * وقوله: ﴿بِٱلْحُسْنَى﴾ يعني بالجنة. قال زيد بن أسلم: ﴿ٱلَّذِينَ أَسَاءُواْ﴾: المشركون، ﴿ٱلَّذِينَ أَحْسَنُواْ﴾ المؤمنون. ثم بيَّن المؤمنين ونعتهم فقال: ﴿ٱلَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ ٱلإِثْمِ وَٱلْفَوَاحِشَ﴾ أي: يبعدون عن ارتكاب الكبائر التي نهى الله عنها، وقد تقدم القول فيها في "النساء". ويبعدون عن ارتكاب الفواحش التي نهى الله عنها وهي الزنا وشبهه مما أوجب الله فيه حداً. * * وقوله: ﴿إِلاَّ ٱللَّمَمَ﴾ قال ابن عباس: إلا ما سلف منهم في الجاهلية قبل الإسلام. وقال زيد بن أسلم: الكبائر: الشرك، والفواحش، والزنا، تركوا ذلك حين أسلموا فغفر الله عز وجل لهم ما كانوا أتوا به وأصابوه من ذلك قبل الإسلام. وقيل: اللمم: الصغائر. وقيل: هي أن تلم بالشيء ولا تفعله. وقيل اللمم كنظر العين والتقبيل والجس. وقال الشعبي: هو ما دون الزنا، وقيل: "إلا" بمعنى الواو، وليس بشيء هذا نقض كلام العرب. وقال أبو هريرة: هو مثل القبلة والغمزة والنظرة والمباشرة. وعن ابن عباس أن اللمم أن تأتي الذنب ثم تتوب منه ولا تعود. وعن أبي هريرة أيضاً مثله، (وهو قول أهل اللغة قالوا: اللمم بالذنب أن تناول منه ولا تمر عليه، ويقال ألْمَمْتُ أتيت ونزلت عليه). (وعن ابن عباس وابن الزبير) هو ما بين الحدين، حد الدنيا والآخرة وبه قال عكرمة وقتادة والضحاك. وروى ابن وهب عن عبد الله بن عمر وابن العاص أنه قال: اللَّمم ما دون الشرك. * * ثم قال: ﴿إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ ٱلْمَغْفِرَةِ﴾ أي: لمن اجتنب الكبائر. ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنشَأَكُمْ مِّنَ ٱلأَرْضِ﴾ يعني آدم عليه السلام. ﴿وَإِذْ أَنتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ﴾ أجنّة: جمع جنين، أي: أعلم بكم في ذلك الوقت وفي كل وقت، وهو أعلم بمن أتقى. وقيل اللمم هو الذنب [بين] الحدين مما لم يأت عليه حد في الدنيا، ولا توعد عليه بنار في الآخرة تكفره الصلوات الخمس. والكبائر مثل الزنا وقتل النفس التي حرم الله، وشرب الخمر وعقوق الوالدين، (وأكل مال اليتيم). وقال نفطويه: اللمم هو أن تأتي ذنباً لم يكن لك بعادة، والعرب تقول: ما تَأْتِينَا إلاَّ لِماماً: أي: في الحين بعد الحين. قال: ولا يكون اللمم أن تهم ولا تفعل؛ لأن العرب إذا قالت: ألم بنا فلان معناه فعل الإتيان لا أنه همَّ ولم يفعل، ويدل على أنه فعل الذنب قوله ﴿وَاسِعُ ٱلْمَغْفِرَةِ﴾ فهل تكون المغفرة إلا لمن فعل ذنباً ، وهل يغفر ما لم يفعل. وروى الحسن أنه قال: اللمم هو أن يلم الرجل اللمة من الخمر واللمة من الزنا، واللمة من السرقة ثم لا يعوده. قال عمرو بن العاص: اللمم ما دون الشرك. * * وقوله: ﴿إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [النساء: ٣١] يدل على أن اللمم: الصغائر يغفرها الله لمن اجتنب الكبائر حتماً. * * وقوله: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ﴾ [النساء: ٤٨] هذه المغفرة ليست بحتم إنما هي إلى مشيئة الله يفعلها لمن يشاء، ومغفرة الصغائر لمن أجتنب الكبائر حتم من الله جل ذكره (فعلها). * * ثم قال: ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنشَأَكُمْ مِّنَ ٱلأَرْضِ﴾ أي: الله عالم بما تعملون حين خلق أباكم آدم من الأرض، وحين أنتم أجنة في بطون أمهاتكم يعلم ما تصير إليه أموركم، وما أنتم عاملون، فلا تزكوا أنفسكم فإن الله يعلم المتقي من الفساد. وأجنة جمع جنين.

النجم 53:26

قوله: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ ٱللاَّتَ وَٱلْعُزَّىٰ﴾ إلى قوله: ﴿أَعْلَمُ بِمَنِ ٱتَّقَىٰ﴾ الآيات. رأيت من رؤية العين، ولذلك نصب بها، ولو كانت التي للسؤال والاستفتاء لم تتعدد نحو قوله ﴿أَرَأَيْتَ إِن كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ﴾ [العلق: ١٣] فالمعنى: أفرأيتم أيها المشركون هذه الأصنام التي جعلتموها بنات الله. ﴿أَلَكُمُ ٱلذَّكَرُ وَلَهُ ٱلأُنْثَىٰ﴾ أي: أتجعلون له البنات ولكم الذكور (أي: هذه إذاً). ﴿قِسْمَةٌ ضِيزَىٰ﴾ أي: قسمة جائرة على الحق، وذلك أن المشركين أخذوا اسم الباري وهو الله، وزادوا فيه التأنيث وسموا به أصنامهم فقالوا اللات، وكذلك أخذوا العزى من العزيز وأخذوا منات من: منى الله الشيء: إذا قدره، وزعموا أنها بنات الله تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً، فجعلوا لله ما لا يرضون لأنفسهم. قال أبو عبيدة: هي أصنام كانت في جوف الكعبة يعبدونها. وقرأ مجاهد "اللات" بالتشديد، وكذلك قرأ ابن عباس، وقالا: كان رجلاً يلِت السَّويق أيام الحج فلما مات عكفوا على قبره فعبدوه. وقيل: كان يقوم على ألهتهم ويلِت السويق لهم، وكان بالطائف قاله أبو صالح والسدي. وقيل: كان يلِت السويق ويبيعه عند ذلك الصنم، فسمى الصنم اللات بتشديد التاء. وحكى خلف عن سليم عن حمزة وأبو عبد الرحمن عن (اليزيدي) عن أبي عمرو أنهما وقفا على اللات بالتاء، اتباعاً للمصحف، وكذلك وقف نافع. وروي عن الكسائي أنه وقف بالهاء، والمشهور عن جميعهم الوقف على التاء اتباعاً للمصحف وإبعاداً أن يشبه الوقف على الله. والعُزّى: حجر أبيض كانوا يعبدونه قاله ابن جبير. وقال مجاهد: العُزى شجرة كانوا يعبدونها. وقال ابن زيد: العُزى بيت بالطائف لثقيف كانوا يعبدونه. وقال قتادة: هو نبت كان ببطن نخلة، وأما منات فصنم كان لخزاعة. وقال قتادة: [التقدير] آلهة يعبدونها وهي اللات والعزى ومنات. قال أبو إسحاق: "منات" صخرة لهذيل وخزاعة كانوا يعبدونها من دون الله جل وعز وتعالى عن ذلك. وقيل: الَّلات صنم كان لثقيف، والعزى سمرة عبدوها. * * وقوله: ﴿تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزَىٰ﴾ أي: قسمة جائرة ناقصة إذ رضيتم أن تجعلوا لخالقكم ورازقكم ما تكرهونه لأنفسكم وآثرتم أنفسكم بما تحبون. (وضيزى فُعلى) ولكن كسرت، وإنما كان أصلها الضم إذ ليس في الكلام فعلى صفة وفيه (فُعلى وفَعلى) فكسرت الضاد لتصح الياء، كما قالوا بيضٌ وأصله بوض. ومن همزه فهي لغة يقال ضَازَهُ يَضِيزُهُ ويَضُوزُهُ وضَأَزَهُ يَضْأَزَهُ. ويقال: ضِزتَهُ وضَزْته إذا نَقَصتَهُ حَقَّهُ، فيقال على هذا ضِئزَى بالهمز وضُؤْزَى أيضاً. وجواب الاستفهام محذوف، والتقدير: أفرأيتم هذه الأصنام هل لها من هذه القدرة التي تقدم ذكرها شيء. وقال أبو عبيدة: التقدير أَلَكُمْ الذكر وله الأُنثى كيف يكون هذا لأنهم قالوا الملائكة بنات الله جل ذكره. وقيل الجواب: ﴿تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزَىٰ﴾. * * ثم قال: ﴿إِنْ هِيَ إِلاَّ أَسْمَآءٌ سَمَّيْتُمُوهَآ أَنتُمْ وَآبَآؤُكُم﴾ أي: ما اللات والعزى ومنات الثالثة الأخرى إلا أسماء أحدثتموها أيها المشركون أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بهذه الأسماء من سلطان أي: من حجة في هذه الأسماء. * * ثم قال: ﴿إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ ٱلظَّنَّ﴾؛ أي: ما يتبع هؤلاء المشركون في هذه [الأسماء] إلا الظن، وهوى أنفسهم فاخترقوا ما لم يؤمروا به من قبل أنفسهم، ومن ما وجدوا عليه آباءهم الكفار بالله عز وجل. * * ثم قال: ﴿وَلَقَدْ جَآءَهُم مِّن رَّبِّهِمُ ٱلْهُدَىٰ﴾ أي: جاءهم محمد من عند ربهم عز وجل بالبيان والوحي الحق. * * ثم قال: ﴿أَمْ لِلإِنسَانِ مَا تَمَنَّىٰ﴾ أي: ليس ذلك فيكون الأمر على ما يشتهون، بل الله عز وجل يعطي من يشاء ما شاء، إذ له الآخرة والأولى. * * ثم قال: ﴿وَكَمْ مِّن مَّلَكٍ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ لاَ تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً﴾ أي: وكثير من الملائكة في السماوات لا تنفع شفاعتهم لمن شفعوا إلا من بعد أن يأذن الله عز وجل لهم فتنفع شفاعتهم إذا رضي الله سبحانه بها، وهذا توبيخ لعبدة الأوثان والملائكة من قريش وغيرهم لأنهم قالوا ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى، فأخبر تعالى ذكره أن الملائكة مع فضلهم وكثرة طاعتهم لا تنفع أحداً شفاعتهم إلا من (بعد إذن الله عز وجل لهم) ورضاه، فكيف تشفع الأصنام لكم. * * ثم قال: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ ٱلْمَلاَئِكَةَ تَسْمِيَةَ ٱلأُنْثَىٰ * [وَمَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ]﴾. أي: أن الذين لا يصدقون بالبعث ليسمون الملائكة تسمية الإناث لأنهم كانوا يقولون هم بنات الله تعالى (الله عن ذلك علواً كبيراً). ﴿وَمَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ ٱلظَّنَّ﴾ أي: ما يقولون [ذلك] إلا ظناً بغير علم، والهاء تعود على الأسماء لأن التسمية والأسماء واحد، ﴿وَإِنَّ ٱلظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ ٱلْحَقِّ شَيْئاً﴾ [أي] يقوم مقام الحق. * * ثم قال: ﴿فَأَعْرِضْ عَن مَّن تَوَلَّىٰ عَن ذِكْرِنَا﴾ أي: فدع من أدبر عن الإيمان بما جئته به من القرآن. ﴿وَلَمْ يُرِدْ إِلاَّ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَا﴾ أي: طلب الدنيا ولم يطلب ما عند الله. ﴿ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِّنَ ٱلْعِلْمِ﴾ أي: ليس لهم علم إلا علم معائشهم وإلا إيثار الدنيا على الآخرة وقولهم الملائكة بنات الله. * * ثم قال: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ﴾ أي: هو عالم لهم قد علمهم في سابق علمه أنهم لا يؤمنون، وهو أعلم في سابق علمه بمن يهتدي فيؤمن. * * ثم قال: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ لِيَجْزِيَ ٱلَّذِينَ أَسَاءُواْ بِمَا عَمِلُواْ﴾ أي: لله ملكهما وما فيهما. ولام ليجزي (متعلقة بقوله: ﴿إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَىٰ﴾ ﴿لِيَجْزِيَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ﴾. وقيل المعنى: ولله ما في السماوات وما في الأرض يضل من يشاء ويهدي من يشاء، فهو أعلم بهم ليجزي الذين أساءوا ويجزي الذين أطاعوا. وقيل هي متعلقة بقوله: ﴿وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ ٱهْتَدَىٰ... لِيَجْزِيَ﴾. * * وقوله: ﴿بِٱلْحُسْنَى﴾ يعني بالجنة. قال زيد بن أسلم: ﴿ٱلَّذِينَ أَسَاءُواْ﴾: المشركون، ﴿ٱلَّذِينَ أَحْسَنُواْ﴾ المؤمنون. ثم بيَّن المؤمنين ونعتهم فقال: ﴿ٱلَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ ٱلإِثْمِ وَٱلْفَوَاحِشَ﴾ أي: يبعدون عن ارتكاب الكبائر التي نهى الله عنها، وقد تقدم القول فيها في "النساء". ويبعدون عن ارتكاب الفواحش التي نهى الله عنها وهي الزنا وشبهه مما أوجب الله فيه حداً. * * وقوله: ﴿إِلاَّ ٱللَّمَمَ﴾ قال ابن عباس: إلا ما سلف منهم في الجاهلية قبل الإسلام. وقال زيد بن أسلم: الكبائر: الشرك، والفواحش، والزنا، تركوا ذلك حين أسلموا فغفر الله عز وجل لهم ما كانوا أتوا به وأصابوه من ذلك قبل الإسلام. وقيل: اللمم: الصغائر. وقيل: هي أن تلم بالشيء ولا تفعله. وقيل اللمم كنظر العين والتقبيل والجس. وقال الشعبي: هو ما دون الزنا، وقيل: "إلا" بمعنى الواو، وليس بشيء هذا نقض كلام العرب. وقال أبو هريرة: هو مثل القبلة والغمزة والنظرة والمباشرة. وعن ابن عباس أن اللمم أن تأتي الذنب ثم تتوب منه ولا تعود. وعن أبي هريرة أيضاً مثله، (وهو قول أهل اللغة قالوا: اللمم بالذنب أن تناول منه ولا تمر عليه، ويقال ألْمَمْتُ أتيت ونزلت عليه). (وعن ابن عباس وابن الزبير) هو ما بين الحدين، حد الدنيا والآخرة وبه قال عكرمة وقتادة والضحاك. وروى ابن وهب عن عبد الله بن عمر وابن العاص أنه قال: اللَّمم ما دون الشرك. * * ثم قال: ﴿إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ ٱلْمَغْفِرَةِ﴾ أي: لمن اجتنب الكبائر. ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنشَأَكُمْ مِّنَ ٱلأَرْضِ﴾ يعني آدم عليه السلام. ﴿وَإِذْ أَنتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ﴾ أجنّة: جمع جنين، أي: أعلم بكم في ذلك الوقت وفي كل وقت، وهو أعلم بمن أتقى. وقيل اللمم هو الذنب [بين] الحدين مما لم يأت عليه حد في الدنيا، ولا توعد عليه بنار في الآخرة تكفره الصلوات الخمس. والكبائر مثل الزنا وقتل النفس التي حرم الله، وشرب الخمر وعقوق الوالدين، (وأكل مال اليتيم). وقال نفطويه: اللمم هو أن تأتي ذنباً لم يكن لك بعادة، والعرب تقول: ما تَأْتِينَا إلاَّ لِماماً: أي: في الحين بعد الحين. قال: ولا يكون اللمم أن تهم ولا تفعل؛ لأن العرب إذا قالت: ألم بنا فلان معناه فعل الإتيان لا أنه همَّ ولم يفعل، ويدل على أنه فعل الذنب قوله ﴿وَاسِعُ ٱلْمَغْفِرَةِ﴾ فهل تكون المغفرة إلا لمن فعل ذنباً ، وهل يغفر ما لم يفعل. وروى الحسن أنه قال: اللمم هو أن يلم الرجل اللمة من الخمر واللمة من الزنا، واللمة من السرقة ثم لا يعوده. قال عمرو بن العاص: اللمم ما دون الشرك. * * وقوله: ﴿إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [النساء: ٣١] يدل على أن اللمم: الصغائر يغفرها الله لمن اجتنب الكبائر حتماً. * * وقوله: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ﴾ [النساء: ٤٨] هذه المغفرة ليست بحتم إنما هي إلى مشيئة الله يفعلها لمن يشاء، ومغفرة الصغائر لمن أجتنب الكبائر حتم من الله جل ذكره (فعلها). * * ثم قال: ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنشَأَكُمْ مِّنَ ٱلأَرْضِ﴾ أي: الله عالم بما تعملون حين خلق أباكم آدم من الأرض، وحين أنتم أجنة في بطون أمهاتكم يعلم ما تصير إليه أموركم، وما أنتم عاملون، فلا تزكوا أنفسكم فإن الله يعلم المتقي من الفساد. وأجنة جمع جنين.

النجم 53:27

قوله: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ ٱللاَّتَ وَٱلْعُزَّىٰ﴾ إلى قوله: ﴿أَعْلَمُ بِمَنِ ٱتَّقَىٰ﴾ الآيات. رأيت من رؤية العين، ولذلك نصب بها، ولو كانت التي للسؤال والاستفتاء لم تتعدد نحو قوله ﴿أَرَأَيْتَ إِن كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ﴾ [العلق: ١٣] فالمعنى: أفرأيتم أيها المشركون هذه الأصنام التي جعلتموها بنات الله. ﴿أَلَكُمُ ٱلذَّكَرُ وَلَهُ ٱلأُنْثَىٰ﴾ أي: أتجعلون له البنات ولكم الذكور (أي: هذه إذاً). ﴿قِسْمَةٌ ضِيزَىٰ﴾ أي: قسمة جائرة على الحق، وذلك أن المشركين أخذوا اسم الباري وهو الله، وزادوا فيه التأنيث وسموا به أصنامهم فقالوا اللات، وكذلك أخذوا العزى من العزيز وأخذوا منات من: منى الله الشيء: إذا قدره، وزعموا أنها بنات الله تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً، فجعلوا لله ما لا يرضون لأنفسهم. قال أبو عبيدة: هي أصنام كانت في جوف الكعبة يعبدونها. وقرأ مجاهد "اللات" بالتشديد، وكذلك قرأ ابن عباس، وقالا: كان رجلاً يلِت السَّويق أيام الحج فلما مات عكفوا على قبره فعبدوه. وقيل: كان يقوم على ألهتهم ويلِت السويق لهم، وكان بالطائف قاله أبو صالح والسدي. وقيل: كان يلِت السويق ويبيعه عند ذلك الصنم، فسمى الصنم اللات بتشديد التاء. وحكى خلف عن سليم عن حمزة وأبو عبد الرحمن عن (اليزيدي) عن أبي عمرو أنهما وقفا على اللات بالتاء، اتباعاً للمصحف، وكذلك وقف نافع. وروي عن الكسائي أنه وقف بالهاء، والمشهور عن جميعهم الوقف على التاء اتباعاً للمصحف وإبعاداً أن يشبه الوقف على الله. والعُزّى: حجر أبيض كانوا يعبدونه قاله ابن جبير. وقال مجاهد: العُزى شجرة كانوا يعبدونها. وقال ابن زيد: العُزى بيت بالطائف لثقيف كانوا يعبدونه. وقال قتادة: هو نبت كان ببطن نخلة، وأما منات فصنم كان لخزاعة. وقال قتادة: [التقدير] آلهة يعبدونها وهي اللات والعزى ومنات. قال أبو إسحاق: "منات" صخرة لهذيل وخزاعة كانوا يعبدونها من دون الله جل وعز وتعالى عن ذلك. وقيل: الَّلات صنم كان لثقيف، والعزى سمرة عبدوها. * * وقوله: ﴿تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزَىٰ﴾ أي: قسمة جائرة ناقصة إذ رضيتم أن تجعلوا لخالقكم ورازقكم ما تكرهونه لأنفسكم وآثرتم أنفسكم بما تحبون. (وضيزى فُعلى) ولكن كسرت، وإنما كان أصلها الضم إذ ليس في الكلام فعلى صفة وفيه (فُعلى وفَعلى) فكسرت الضاد لتصح الياء، كما قالوا بيضٌ وأصله بوض. ومن همزه فهي لغة يقال ضَازَهُ يَضِيزُهُ ويَضُوزُهُ وضَأَزَهُ يَضْأَزَهُ. ويقال: ضِزتَهُ وضَزْته إذا نَقَصتَهُ حَقَّهُ، فيقال على هذا ضِئزَى بالهمز وضُؤْزَى أيضاً. وجواب الاستفهام محذوف، والتقدير: أفرأيتم هذه الأصنام هل لها من هذه القدرة التي تقدم ذكرها شيء. وقال أبو عبيدة: التقدير أَلَكُمْ الذكر وله الأُنثى كيف يكون هذا لأنهم قالوا الملائكة بنات الله جل ذكره. وقيل الجواب: ﴿تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزَىٰ﴾. * * ثم قال: ﴿إِنْ هِيَ إِلاَّ أَسْمَآءٌ سَمَّيْتُمُوهَآ أَنتُمْ وَآبَآؤُكُم﴾ أي: ما اللات والعزى ومنات الثالثة الأخرى إلا أسماء أحدثتموها أيها المشركون أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بهذه الأسماء من سلطان أي: من حجة في هذه الأسماء. * * ثم قال: ﴿إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ ٱلظَّنَّ﴾؛ أي: ما يتبع هؤلاء المشركون في هذه [الأسماء] إلا الظن، وهوى أنفسهم فاخترقوا ما لم يؤمروا به من قبل أنفسهم، ومن ما وجدوا عليه آباءهم الكفار بالله عز وجل. * * ثم قال: ﴿وَلَقَدْ جَآءَهُم مِّن رَّبِّهِمُ ٱلْهُدَىٰ﴾ أي: جاءهم محمد من عند ربهم عز وجل بالبيان والوحي الحق. * * ثم قال: ﴿أَمْ لِلإِنسَانِ مَا تَمَنَّىٰ﴾ أي: ليس ذلك فيكون الأمر على ما يشتهون، بل الله عز وجل يعطي من يشاء ما شاء، إذ له الآخرة والأولى. * * ثم قال: ﴿وَكَمْ مِّن مَّلَكٍ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ لاَ تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً﴾ أي: وكثير من الملائكة في السماوات لا تنفع شفاعتهم لمن شفعوا إلا من بعد أن يأذن الله عز وجل لهم فتنفع شفاعتهم إذا رضي الله سبحانه بها، وهذا توبيخ لعبدة الأوثان والملائكة من قريش وغيرهم لأنهم قالوا ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى، فأخبر تعالى ذكره أن الملائكة مع فضلهم وكثرة طاعتهم لا تنفع أحداً شفاعتهم إلا من (بعد إذن الله عز وجل لهم) ورضاه، فكيف تشفع الأصنام لكم. * * ثم قال: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ ٱلْمَلاَئِكَةَ تَسْمِيَةَ ٱلأُنْثَىٰ * [وَمَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ]﴾. أي: أن الذين لا يصدقون بالبعث ليسمون الملائكة تسمية الإناث لأنهم كانوا يقولون هم بنات الله تعالى (الله عن ذلك علواً كبيراً). ﴿وَمَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ ٱلظَّنَّ﴾ أي: ما يقولون [ذلك] إلا ظناً بغير علم، والهاء تعود على الأسماء لأن التسمية والأسماء واحد، ﴿وَإِنَّ ٱلظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ ٱلْحَقِّ شَيْئاً﴾ [أي] يقوم مقام الحق. * * ثم قال: ﴿فَأَعْرِضْ عَن مَّن تَوَلَّىٰ عَن ذِكْرِنَا﴾ أي: فدع من أدبر عن الإيمان بما جئته به من القرآن. ﴿وَلَمْ يُرِدْ إِلاَّ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَا﴾ أي: طلب الدنيا ولم يطلب ما عند الله. ﴿ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِّنَ ٱلْعِلْمِ﴾ أي: ليس لهم علم إلا علم معائشهم وإلا إيثار الدنيا على الآخرة وقولهم الملائكة بنات الله. * * ثم قال: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ﴾ أي: هو عالم لهم قد علمهم في سابق علمه أنهم لا يؤمنون، وهو أعلم في سابق علمه بمن يهتدي فيؤمن. * * ثم قال: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ لِيَجْزِيَ ٱلَّذِينَ أَسَاءُواْ بِمَا عَمِلُواْ﴾ أي: لله ملكهما وما فيهما. ولام ليجزي (متعلقة بقوله: ﴿إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَىٰ﴾ ﴿لِيَجْزِيَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ﴾. وقيل المعنى: ولله ما في السماوات وما في الأرض يضل من يشاء ويهدي من يشاء، فهو أعلم بهم ليجزي الذين أساءوا ويجزي الذين أطاعوا. وقيل هي متعلقة بقوله: ﴿وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ ٱهْتَدَىٰ... لِيَجْزِيَ﴾. * * وقوله: ﴿بِٱلْحُسْنَى﴾ يعني بالجنة. قال زيد بن أسلم: ﴿ٱلَّذِينَ أَسَاءُواْ﴾: المشركون، ﴿ٱلَّذِينَ أَحْسَنُواْ﴾ المؤمنون. ثم بيَّن المؤمنين ونعتهم فقال: ﴿ٱلَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ ٱلإِثْمِ وَٱلْفَوَاحِشَ﴾ أي: يبعدون عن ارتكاب الكبائر التي نهى الله عنها، وقد تقدم القول فيها في "النساء". ويبعدون عن ارتكاب الفواحش التي نهى الله عنها وهي الزنا وشبهه مما أوجب الله فيه حداً. * * وقوله: ﴿إِلاَّ ٱللَّمَمَ﴾ قال ابن عباس: إلا ما سلف منهم في الجاهلية قبل الإسلام. وقال زيد بن أسلم: الكبائر: الشرك، والفواحش، والزنا، تركوا ذلك حين أسلموا فغفر الله عز وجل لهم ما كانوا أتوا به وأصابوه من ذلك قبل الإسلام. وقيل: اللمم: الصغائر. وقيل: هي أن تلم بالشيء ولا تفعله. وقيل اللمم كنظر العين والتقبيل والجس. وقال الشعبي: هو ما دون الزنا، وقيل: "إلا" بمعنى الواو، وليس بشيء هذا نقض كلام العرب. وقال أبو هريرة: هو مثل القبلة والغمزة والنظرة والمباشرة. وعن ابن عباس أن اللمم أن تأتي الذنب ثم تتوب منه ولا تعود. وعن أبي هريرة أيضاً مثله، (وهو قول أهل اللغة قالوا: اللمم بالذنب أن تناول منه ولا تمر عليه، ويقال ألْمَمْتُ أتيت ونزلت عليه). (وعن ابن عباس وابن الزبير) هو ما بين الحدين، حد الدنيا والآخرة وبه قال عكرمة وقتادة والضحاك. وروى ابن وهب عن عبد الله بن عمر وابن العاص أنه قال: اللَّمم ما دون الشرك. * * ثم قال: ﴿إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ ٱلْمَغْفِرَةِ﴾ أي: لمن اجتنب الكبائر. ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنشَأَكُمْ مِّنَ ٱلأَرْضِ﴾ يعني آدم عليه السلام. ﴿وَإِذْ أَنتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ﴾ أجنّة: جمع جنين، أي: أعلم بكم في ذلك الوقت وفي كل وقت، وهو أعلم بمن أتقى. وقيل اللمم هو الذنب [بين] الحدين مما لم يأت عليه حد في الدنيا، ولا توعد عليه بنار في الآخرة تكفره الصلوات الخمس. والكبائر مثل الزنا وقتل النفس التي حرم الله، وشرب الخمر وعقوق الوالدين، (وأكل مال اليتيم). وقال نفطويه: اللمم هو أن تأتي ذنباً لم يكن لك بعادة، والعرب تقول: ما تَأْتِينَا إلاَّ لِماماً: أي: في الحين بعد الحين. قال: ولا يكون اللمم أن تهم ولا تفعل؛ لأن العرب إذا قالت: ألم بنا فلان معناه فعل الإتيان لا أنه همَّ ولم يفعل، ويدل على أنه فعل الذنب قوله ﴿وَاسِعُ ٱلْمَغْفِرَةِ﴾ فهل تكون المغفرة إلا لمن فعل ذنباً ، وهل يغفر ما لم يفعل. وروى الحسن أنه قال: اللمم هو أن يلم الرجل اللمة من الخمر واللمة من الزنا، واللمة من السرقة ثم لا يعوده. قال عمرو بن العاص: اللمم ما دون الشرك. * * وقوله: ﴿إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [النساء: ٣١] يدل على أن اللمم: الصغائر يغفرها الله لمن اجتنب الكبائر حتماً. * * وقوله: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ﴾ [النساء: ٤٨] هذه المغفرة ليست بحتم إنما هي إلى مشيئة الله يفعلها لمن يشاء، ومغفرة الصغائر لمن أجتنب الكبائر حتم من الله جل ذكره (فعلها). * * ثم قال: ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنشَأَكُمْ مِّنَ ٱلأَرْضِ﴾ أي: الله عالم بما تعملون حين خلق أباكم آدم من الأرض، وحين أنتم أجنة في بطون أمهاتكم يعلم ما تصير إليه أموركم، وما أنتم عاملون، فلا تزكوا أنفسكم فإن الله يعلم المتقي من الفساد. وأجنة جمع جنين.

النجم 53:28

قوله: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ ٱللاَّتَ وَٱلْعُزَّىٰ﴾ إلى قوله: ﴿أَعْلَمُ بِمَنِ ٱتَّقَىٰ﴾ الآيات. رأيت من رؤية العين، ولذلك نصب بها، ولو كانت التي للسؤال والاستفتاء لم تتعدد نحو قوله ﴿أَرَأَيْتَ إِن كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ﴾ [العلق: ١٣] فالمعنى: أفرأيتم أيها المشركون هذه الأصنام التي جعلتموها بنات الله. ﴿أَلَكُمُ ٱلذَّكَرُ وَلَهُ ٱلأُنْثَىٰ﴾ أي: أتجعلون له البنات ولكم الذكور (أي: هذه إذاً). ﴿قِسْمَةٌ ضِيزَىٰ﴾ أي: قسمة جائرة على الحق، وذلك أن المشركين أخذوا اسم الباري وهو الله، وزادوا فيه التأنيث وسموا به أصنامهم فقالوا اللات، وكذلك أخذوا العزى من العزيز وأخذوا منات من: منى الله الشيء: إذا قدره، وزعموا أنها بنات الله تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً، فجعلوا لله ما لا يرضون لأنفسهم. قال أبو عبيدة: هي أصنام كانت في جوف الكعبة يعبدونها. وقرأ مجاهد "اللات" بالتشديد، وكذلك قرأ ابن عباس، وقالا: كان رجلاً يلِت السَّويق أيام الحج فلما مات عكفوا على قبره فعبدوه. وقيل: كان يقوم على ألهتهم ويلِت السويق لهم، وكان بالطائف قاله أبو صالح والسدي. وقيل: كان يلِت السويق ويبيعه عند ذلك الصنم، فسمى الصنم اللات بتشديد التاء. وحكى خلف عن سليم عن حمزة وأبو عبد الرحمن عن (اليزيدي) عن أبي عمرو أنهما وقفا على اللات بالتاء، اتباعاً للمصحف، وكذلك وقف نافع. وروي عن الكسائي أنه وقف بالهاء، والمشهور عن جميعهم الوقف على التاء اتباعاً للمصحف وإبعاداً أن يشبه الوقف على الله. والعُزّى: حجر أبيض كانوا يعبدونه قاله ابن جبير. وقال مجاهد: العُزى شجرة كانوا يعبدونها. وقال ابن زيد: العُزى بيت بالطائف لثقيف كانوا يعبدونه. وقال قتادة: هو نبت كان ببطن نخلة، وأما منات فصنم كان لخزاعة. وقال قتادة: [التقدير] آلهة يعبدونها وهي اللات والعزى ومنات. قال أبو إسحاق: "منات" صخرة لهذيل وخزاعة كانوا يعبدونها من دون الله جل وعز وتعالى عن ذلك. وقيل: الَّلات صنم كان لثقيف، والعزى سمرة عبدوها. * * وقوله: ﴿تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزَىٰ﴾ أي: قسمة جائرة ناقصة إذ رضيتم أن تجعلوا لخالقكم ورازقكم ما تكرهونه لأنفسكم وآثرتم أنفسكم بما تحبون. (وضيزى فُعلى) ولكن كسرت، وإنما كان أصلها الضم إذ ليس في الكلام فعلى صفة وفيه (فُعلى وفَعلى) فكسرت الضاد لتصح الياء، كما قالوا بيضٌ وأصله بوض. ومن همزه فهي لغة يقال ضَازَهُ يَضِيزُهُ ويَضُوزُهُ وضَأَزَهُ يَضْأَزَهُ. ويقال: ضِزتَهُ وضَزْته إذا نَقَصتَهُ حَقَّهُ، فيقال على هذا ضِئزَى بالهمز وضُؤْزَى أيضاً. وجواب الاستفهام محذوف، والتقدير: أفرأيتم هذه الأصنام هل لها من هذه القدرة التي تقدم ذكرها شيء. وقال أبو عبيدة: التقدير أَلَكُمْ الذكر وله الأُنثى كيف يكون هذا لأنهم قالوا الملائكة بنات الله جل ذكره. وقيل الجواب: ﴿تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزَىٰ﴾. * * ثم قال: ﴿إِنْ هِيَ إِلاَّ أَسْمَآءٌ سَمَّيْتُمُوهَآ أَنتُمْ وَآبَآؤُكُم﴾ أي: ما اللات والعزى ومنات الثالثة الأخرى إلا أسماء أحدثتموها أيها المشركون أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بهذه الأسماء من سلطان أي: من حجة في هذه الأسماء. * * ثم قال: ﴿إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ ٱلظَّنَّ﴾؛ أي: ما يتبع هؤلاء المشركون في هذه [الأسماء] إلا الظن، وهوى أنفسهم فاخترقوا ما لم يؤمروا به من قبل أنفسهم، ومن ما وجدوا عليه آباءهم الكفار بالله عز وجل. * * ثم قال: ﴿وَلَقَدْ جَآءَهُم مِّن رَّبِّهِمُ ٱلْهُدَىٰ﴾ أي: جاءهم محمد من عند ربهم عز وجل بالبيان والوحي الحق. * * ثم قال: ﴿أَمْ لِلإِنسَانِ مَا تَمَنَّىٰ﴾ أي: ليس ذلك فيكون الأمر على ما يشتهون، بل الله عز وجل يعطي من يشاء ما شاء، إذ له الآخرة والأولى. * * ثم قال: ﴿وَكَمْ مِّن مَّلَكٍ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ لاَ تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً﴾ أي: وكثير من الملائكة في السماوات لا تنفع شفاعتهم لمن شفعوا إلا من بعد أن يأذن الله عز وجل لهم فتنفع شفاعتهم إذا رضي الله سبحانه بها، وهذا توبيخ لعبدة الأوثان والملائكة من قريش وغيرهم لأنهم قالوا ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى، فأخبر تعالى ذكره أن الملائكة مع فضلهم وكثرة طاعتهم لا تنفع أحداً شفاعتهم إلا من (بعد إذن الله عز وجل لهم) ورضاه، فكيف تشفع الأصنام لكم. * * ثم قال: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ ٱلْمَلاَئِكَةَ تَسْمِيَةَ ٱلأُنْثَىٰ * [وَمَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ]﴾. أي: أن الذين لا يصدقون بالبعث ليسمون الملائكة تسمية الإناث لأنهم كانوا يقولون هم بنات الله تعالى (الله عن ذلك علواً كبيراً). ﴿وَمَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ ٱلظَّنَّ﴾ أي: ما يقولون [ذلك] إلا ظناً بغير علم، والهاء تعود على الأسماء لأن التسمية والأسماء واحد، ﴿وَإِنَّ ٱلظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ ٱلْحَقِّ شَيْئاً﴾ [أي] يقوم مقام الحق. * * ثم قال: ﴿فَأَعْرِضْ عَن مَّن تَوَلَّىٰ عَن ذِكْرِنَا﴾ أي: فدع من أدبر عن الإيمان بما جئته به من القرآن. ﴿وَلَمْ يُرِدْ إِلاَّ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَا﴾ أي: طلب الدنيا ولم يطلب ما عند الله. ﴿ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِّنَ ٱلْعِلْمِ﴾ أي: ليس لهم علم إلا علم معائشهم وإلا إيثار الدنيا على الآخرة وقولهم الملائكة بنات الله. * * ثم قال: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ﴾ أي: هو عالم لهم قد علمهم في سابق علمه أنهم لا يؤمنون، وهو أعلم في سابق علمه بمن يهتدي فيؤمن. * * ثم قال: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ لِيَجْزِيَ ٱلَّذِينَ أَسَاءُواْ بِمَا عَمِلُواْ﴾ أي: لله ملكهما وما فيهما. ولام ليجزي (متعلقة بقوله: ﴿إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَىٰ﴾ ﴿لِيَجْزِيَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ﴾. وقيل المعنى: ولله ما في السماوات وما في الأرض يضل من يشاء ويهدي من يشاء، فهو أعلم بهم ليجزي الذين أساءوا ويجزي الذين أطاعوا. وقيل هي متعلقة بقوله: ﴿وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ ٱهْتَدَىٰ... لِيَجْزِيَ﴾. * * وقوله: ﴿بِٱلْحُسْنَى﴾ يعني بالجنة. قال زيد بن أسلم: ﴿ٱلَّذِينَ أَسَاءُواْ﴾: المشركون، ﴿ٱلَّذِينَ أَحْسَنُواْ﴾ المؤمنون. ثم بيَّن المؤمنين ونعتهم فقال: ﴿ٱلَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ ٱلإِثْمِ وَٱلْفَوَاحِشَ﴾ أي: يبعدون عن ارتكاب الكبائر التي نهى الله عنها، وقد تقدم القول فيها في "النساء". ويبعدون عن ارتكاب الفواحش التي نهى الله عنها وهي الزنا وشبهه مما أوجب الله فيه حداً. * * وقوله: ﴿إِلاَّ ٱللَّمَمَ﴾ قال ابن عباس: إلا ما سلف منهم في الجاهلية قبل الإسلام. وقال زيد بن أسلم: الكبائر: الشرك، والفواحش، والزنا، تركوا ذلك حين أسلموا فغفر الله عز وجل لهم ما كانوا أتوا به وأصابوه من ذلك قبل الإسلام. وقيل: اللمم: الصغائر. وقيل: هي أن تلم بالشيء ولا تفعله. وقيل اللمم كنظر العين والتقبيل والجس. وقال الشعبي: هو ما دون الزنا، وقيل: "إلا" بمعنى الواو، وليس بشيء هذا نقض كلام العرب. وقال أبو هريرة: هو مثل القبلة والغمزة والنظرة والمباشرة. وعن ابن عباس أن اللمم أن تأتي الذنب ثم تتوب منه ولا تعود. وعن أبي هريرة أيضاً مثله، (وهو قول أهل اللغة قالوا: اللمم بالذنب أن تناول منه ولا تمر عليه، ويقال ألْمَمْتُ أتيت ونزلت عليه). (وعن ابن عباس وابن الزبير) هو ما بين الحدين، حد الدنيا والآخرة وبه قال عكرمة وقتادة والضحاك. وروى ابن وهب عن عبد الله بن عمر وابن العاص أنه قال: اللَّمم ما دون الشرك. * * ثم قال: ﴿إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ ٱلْمَغْفِرَةِ﴾ أي: لمن اجتنب الكبائر. ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنشَأَكُمْ مِّنَ ٱلأَرْضِ﴾ يعني آدم عليه السلام. ﴿وَإِذْ أَنتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ﴾ أجنّة: جمع جنين، أي: أعلم بكم في ذلك الوقت وفي كل وقت، وهو أعلم بمن أتقى. وقيل اللمم هو الذنب [بين] الحدين مما لم يأت عليه حد في الدنيا، ولا توعد عليه بنار في الآخرة تكفره الصلوات الخمس. والكبائر مثل الزنا وقتل النفس التي حرم الله، وشرب الخمر وعقوق الوالدين، (وأكل مال اليتيم). وقال نفطويه: اللمم هو أن تأتي ذنباً لم يكن لك بعادة، والعرب تقول: ما تَأْتِينَا إلاَّ لِماماً: أي: في الحين بعد الحين. قال: ولا يكون اللمم أن تهم ولا تفعل؛ لأن العرب إذا قالت: ألم بنا فلان معناه فعل الإتيان لا أنه همَّ ولم يفعل، ويدل على أنه فعل الذنب قوله ﴿وَاسِعُ ٱلْمَغْفِرَةِ﴾ فهل تكون المغفرة إلا لمن فعل ذنباً ، وهل يغفر ما لم يفعل. وروى الحسن أنه قال: اللمم هو أن يلم الرجل اللمة من الخمر واللمة من الزنا، واللمة من السرقة ثم لا يعوده. قال عمرو بن العاص: اللمم ما دون الشرك. * * وقوله: ﴿إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [النساء: ٣١] يدل على أن اللمم: الصغائر يغفرها الله لمن اجتنب الكبائر حتماً. * * وقوله: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ﴾ [النساء: ٤٨] هذه المغفرة ليست بحتم إنما هي إلى مشيئة الله يفعلها لمن يشاء، ومغفرة الصغائر لمن أجتنب الكبائر حتم من الله جل ذكره (فعلها). * * ثم قال: ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنشَأَكُمْ مِّنَ ٱلأَرْضِ﴾ أي: الله عالم بما تعملون حين خلق أباكم آدم من الأرض، وحين أنتم أجنة في بطون أمهاتكم يعلم ما تصير إليه أموركم، وما أنتم عاملون، فلا تزكوا أنفسكم فإن الله يعلم المتقي من الفساد. وأجنة جمع جنين.

النجم 53:29

قوله: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ ٱللاَّتَ وَٱلْعُزَّىٰ﴾ إلى قوله: ﴿أَعْلَمُ بِمَنِ ٱتَّقَىٰ﴾ الآيات. رأيت من رؤية العين، ولذلك نصب بها، ولو كانت التي للسؤال والاستفتاء لم تتعدد نحو قوله ﴿أَرَأَيْتَ إِن كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ﴾ [العلق: ١٣] فالمعنى: أفرأيتم أيها المشركون هذه الأصنام التي جعلتموها بنات الله. ﴿أَلَكُمُ ٱلذَّكَرُ وَلَهُ ٱلأُنْثَىٰ﴾ أي: أتجعلون له البنات ولكم الذكور (أي: هذه إذاً). ﴿قِسْمَةٌ ضِيزَىٰ﴾ أي: قسمة جائرة على الحق، وذلك أن المشركين أخذوا اسم الباري وهو الله، وزادوا فيه التأنيث وسموا به أصنامهم فقالوا اللات، وكذلك أخذوا العزى من العزيز وأخذوا منات من: منى الله الشيء: إذا قدره، وزعموا أنها بنات الله تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً، فجعلوا لله ما لا يرضون لأنفسهم. قال أبو عبيدة: هي أصنام كانت في جوف الكعبة يعبدونها. وقرأ مجاهد "اللات" بالتشديد، وكذلك قرأ ابن عباس، وقالا: كان رجلاً يلِت السَّويق أيام الحج فلما مات عكفوا على قبره فعبدوه. وقيل: كان يقوم على ألهتهم ويلِت السويق لهم، وكان بالطائف قاله أبو صالح والسدي. وقيل: كان يلِت السويق ويبيعه عند ذلك الصنم، فسمى الصنم اللات بتشديد التاء. وحكى خلف عن سليم عن حمزة وأبو عبد الرحمن عن (اليزيدي) عن أبي عمرو أنهما وقفا على اللات بالتاء، اتباعاً للمصحف، وكذلك وقف نافع. وروي عن الكسائي أنه وقف بالهاء، والمشهور عن جميعهم الوقف على التاء اتباعاً للمصحف وإبعاداً أن يشبه الوقف على الله. والعُزّى: حجر أبيض كانوا يعبدونه قاله ابن جبير. وقال مجاهد: العُزى شجرة كانوا يعبدونها. وقال ابن زيد: العُزى بيت بالطائف لثقيف كانوا يعبدونه. وقال قتادة: هو نبت كان ببطن نخلة، وأما منات فصنم كان لخزاعة. وقال قتادة: [التقدير] آلهة يعبدونها وهي اللات والعزى ومنات. قال أبو إسحاق: "منات" صخرة لهذيل وخزاعة كانوا يعبدونها من دون الله جل وعز وتعالى عن ذلك. وقيل: الَّلات صنم كان لثقيف، والعزى سمرة عبدوها. * * وقوله: ﴿تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزَىٰ﴾ أي: قسمة جائرة ناقصة إذ رضيتم أن تجعلوا لخالقكم ورازقكم ما تكرهونه لأنفسكم وآثرتم أنفسكم بما تحبون. (وضيزى فُعلى) ولكن كسرت، وإنما كان أصلها الضم إذ ليس في الكلام فعلى صفة وفيه (فُعلى وفَعلى) فكسرت الضاد لتصح الياء، كما قالوا بيضٌ وأصله بوض. ومن همزه فهي لغة يقال ضَازَهُ يَضِيزُهُ ويَضُوزُهُ وضَأَزَهُ يَضْأَزَهُ. ويقال: ضِزتَهُ وضَزْته إذا نَقَصتَهُ حَقَّهُ، فيقال على هذا ضِئزَى بالهمز وضُؤْزَى أيضاً. وجواب الاستفهام محذوف، والتقدير: أفرأيتم هذه الأصنام هل لها من هذه القدرة التي تقدم ذكرها شيء. وقال أبو عبيدة: التقدير أَلَكُمْ الذكر وله الأُنثى كيف يكون هذا لأنهم قالوا الملائكة بنات الله جل ذكره. وقيل الجواب: ﴿تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزَىٰ﴾. * * ثم قال: ﴿إِنْ هِيَ إِلاَّ أَسْمَآءٌ سَمَّيْتُمُوهَآ أَنتُمْ وَآبَآؤُكُم﴾ أي: ما اللات والعزى ومنات الثالثة الأخرى إلا أسماء أحدثتموها أيها المشركون أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بهذه الأسماء من سلطان أي: من حجة في هذه الأسماء. * * ثم قال: ﴿إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ ٱلظَّنَّ﴾؛ أي: ما يتبع هؤلاء المشركون في هذه [الأسماء] إلا الظن، وهوى أنفسهم فاخترقوا ما لم يؤمروا به من قبل أنفسهم، ومن ما وجدوا عليه آباءهم الكفار بالله عز وجل. * * ثم قال: ﴿وَلَقَدْ جَآءَهُم مِّن رَّبِّهِمُ ٱلْهُدَىٰ﴾ أي: جاءهم محمد من عند ربهم عز وجل بالبيان والوحي الحق. * * ثم قال: ﴿أَمْ لِلإِنسَانِ مَا تَمَنَّىٰ﴾ أي: ليس ذلك فيكون الأمر على ما يشتهون، بل الله عز وجل يعطي من يشاء ما شاء، إذ له الآخرة والأولى. * * ثم قال: ﴿وَكَمْ مِّن مَّلَكٍ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ لاَ تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً﴾ أي: وكثير من الملائكة في السماوات لا تنفع شفاعتهم لمن شفعوا إلا من بعد أن يأذن الله عز وجل لهم فتنفع شفاعتهم إذا رضي الله سبحانه بها، وهذا توبيخ لعبدة الأوثان والملائكة من قريش وغيرهم لأنهم قالوا ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى، فأخبر تعالى ذكره أن الملائكة مع فضلهم وكثرة طاعتهم لا تنفع أحداً شفاعتهم إلا من (بعد إذن الله عز وجل لهم) ورضاه، فكيف تشفع الأصنام لكم. * * ثم قال: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ ٱلْمَلاَئِكَةَ تَسْمِيَةَ ٱلأُنْثَىٰ * [وَمَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ]﴾. أي: أن الذين لا يصدقون بالبعث ليسمون الملائكة تسمية الإناث لأنهم كانوا يقولون هم بنات الله تعالى (الله عن ذلك علواً كبيراً). ﴿وَمَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ ٱلظَّنَّ﴾ أي: ما يقولون [ذلك] إلا ظناً بغير علم، والهاء تعود على الأسماء لأن التسمية والأسماء واحد، ﴿وَإِنَّ ٱلظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ ٱلْحَقِّ شَيْئاً﴾ [أي] يقوم مقام الحق. * * ثم قال: ﴿فَأَعْرِضْ عَن مَّن تَوَلَّىٰ عَن ذِكْرِنَا﴾ أي: فدع من أدبر عن الإيمان بما جئته به من القرآن. ﴿وَلَمْ يُرِدْ إِلاَّ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَا﴾ أي: طلب الدنيا ولم يطلب ما عند الله. ﴿ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِّنَ ٱلْعِلْمِ﴾ أي: ليس لهم علم إلا علم معائشهم وإلا إيثار الدنيا على الآخرة وقولهم الملائكة بنات الله. * * ثم قال: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ﴾ أي: هو عالم لهم قد علمهم في سابق علمه أنهم لا يؤمنون، وهو أعلم في سابق علمه بمن يهتدي فيؤمن. * * ثم قال: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ لِيَجْزِيَ ٱلَّذِينَ أَسَاءُواْ بِمَا عَمِلُواْ﴾ أي: لله ملكهما وما فيهما. ولام ليجزي (متعلقة بقوله: ﴿إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَىٰ﴾ ﴿لِيَجْزِيَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ﴾. وقيل المعنى: ولله ما في السماوات وما في الأرض يضل من يشاء ويهدي من يشاء، فهو أعلم بهم ليجزي الذين أساءوا ويجزي الذين أطاعوا. وقيل هي متعلقة بقوله: ﴿وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ ٱهْتَدَىٰ... لِيَجْزِيَ﴾. * * وقوله: ﴿بِٱلْحُسْنَى﴾ يعني بالجنة. قال زيد بن أسلم: ﴿ٱلَّذِينَ أَسَاءُواْ﴾: المشركون، ﴿ٱلَّذِينَ أَحْسَنُواْ﴾ المؤمنون. ثم بيَّن المؤمنين ونعتهم فقال: ﴿ٱلَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ ٱلإِثْمِ وَٱلْفَوَاحِشَ﴾ أي: يبعدون عن ارتكاب الكبائر التي نهى الله عنها، وقد تقدم القول فيها في "النساء". ويبعدون عن ارتكاب الفواحش التي نهى الله عنها وهي الزنا وشبهه مما أوجب الله فيه حداً. * * وقوله: ﴿إِلاَّ ٱللَّمَمَ﴾ قال ابن عباس: إلا ما سلف منهم في الجاهلية قبل الإسلام. وقال زيد بن أسلم: الكبائر: الشرك، والفواحش، والزنا، تركوا ذلك حين أسلموا فغفر الله عز وجل لهم ما كانوا أتوا به وأصابوه من ذلك قبل الإسلام. وقيل: اللمم: الصغائر. وقيل: هي أن تلم بالشيء ولا تفعله. وقيل اللمم كنظر العين والتقبيل والجس. وقال الشعبي: هو ما دون الزنا، وقيل: "إلا" بمعنى الواو، وليس بشيء هذا نقض كلام العرب. وقال أبو هريرة: هو مثل القبلة والغمزة والنظرة والمباشرة. وعن ابن عباس أن اللمم أن تأتي الذنب ثم تتوب منه ولا تعود. وعن أبي هريرة أيضاً مثله، (وهو قول أهل اللغة قالوا: اللمم بالذنب أن تناول منه ولا تمر عليه، ويقال ألْمَمْتُ أتيت ونزلت عليه). (وعن ابن عباس وابن الزبير) هو ما بين الحدين، حد الدنيا والآخرة وبه قال عكرمة وقتادة والضحاك. وروى ابن وهب عن عبد الله بن عمر وابن العاص أنه قال: اللَّمم ما دون الشرك. * * ثم قال: ﴿إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ ٱلْمَغْفِرَةِ﴾ أي: لمن اجتنب الكبائر. ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنشَأَكُمْ مِّنَ ٱلأَرْضِ﴾ يعني آدم عليه السلام. ﴿وَإِذْ أَنتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ﴾ أجنّة: جمع جنين، أي: أعلم بكم في ذلك الوقت وفي كل وقت، وهو أعلم بمن أتقى. وقيل اللمم هو الذنب [بين] الحدين مما لم يأت عليه حد في الدنيا، ولا توعد عليه بنار في الآخرة تكفره الصلوات الخمس. والكبائر مثل الزنا وقتل النفس التي حرم الله، وشرب الخمر وعقوق الوالدين، (وأكل مال اليتيم). وقال نفطويه: اللمم هو أن تأتي ذنباً لم يكن لك بعادة، والعرب تقول: ما تَأْتِينَا إلاَّ لِماماً: أي: في الحين بعد الحين. قال: ولا يكون اللمم أن تهم ولا تفعل؛ لأن العرب إذا قالت: ألم بنا فلان معناه فعل الإتيان لا أنه همَّ ولم يفعل، ويدل على أنه فعل الذنب قوله ﴿وَاسِعُ ٱلْمَغْفِرَةِ﴾ فهل تكون المغفرة إلا لمن فعل ذنباً ، وهل يغفر ما لم يفعل. وروى الحسن أنه قال: اللمم هو أن يلم الرجل اللمة من الخمر واللمة من الزنا، واللمة من السرقة ثم لا يعوده. قال عمرو بن العاص: اللمم ما دون الشرك. * * وقوله: ﴿إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [النساء: ٣١] يدل على أن اللمم: الصغائر يغفرها الله لمن اجتنب الكبائر حتماً. * * وقوله: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ﴾ [النساء: ٤٨] هذه المغفرة ليست بحتم إنما هي إلى مشيئة الله يفعلها لمن يشاء، ومغفرة الصغائر لمن أجتنب الكبائر حتم من الله جل ذكره (فعلها). * * ثم قال: ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنشَأَكُمْ مِّنَ ٱلأَرْضِ﴾ أي: الله عالم بما تعملون حين خلق أباكم آدم من الأرض، وحين أنتم أجنة في بطون أمهاتكم يعلم ما تصير إليه أموركم، وما أنتم عاملون، فلا تزكوا أنفسكم فإن الله يعلم المتقي من الفساد. وأجنة جمع جنين.

النجم 53:30

قوله: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ ٱللاَّتَ وَٱلْعُزَّىٰ﴾ إلى قوله: ﴿أَعْلَمُ بِمَنِ ٱتَّقَىٰ﴾ الآيات. رأيت من رؤية العين، ولذلك نصب بها، ولو كانت التي للسؤال والاستفتاء لم تتعدد نحو قوله ﴿أَرَأَيْتَ إِن كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ﴾ [العلق: ١٣] فالمعنى: أفرأيتم أيها المشركون هذه الأصنام التي جعلتموها بنات الله. ﴿أَلَكُمُ ٱلذَّكَرُ وَلَهُ ٱلأُنْثَىٰ﴾ أي: أتجعلون له البنات ولكم الذكور (أي: هذه إذاً). ﴿قِسْمَةٌ ضِيزَىٰ﴾ أي: قسمة جائرة على الحق، وذلك أن المشركين أخذوا اسم الباري وهو الله، وزادوا فيه التأنيث وسموا به أصنامهم فقالوا اللات، وكذلك أخذوا العزى من العزيز وأخذوا منات من: منى الله الشيء: إذا قدره، وزعموا أنها بنات الله تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً، فجعلوا لله ما لا يرضون لأنفسهم. قال أبو عبيدة: هي أصنام كانت في جوف الكعبة يعبدونها. وقرأ مجاهد "اللات" بالتشديد، وكذلك قرأ ابن عباس، وقالا: كان رجلاً يلِت السَّويق أيام الحج فلما مات عكفوا على قبره فعبدوه. وقيل: كان يقوم على ألهتهم ويلِت السويق لهم، وكان بالطائف قاله أبو صالح والسدي. وقيل: كان يلِت السويق ويبيعه عند ذلك الصنم، فسمى الصنم اللات بتشديد التاء. وحكى خلف عن سليم عن حمزة وأبو عبد الرحمن عن (اليزيدي) عن أبي عمرو أنهما وقفا على اللات بالتاء، اتباعاً للمصحف، وكذلك وقف نافع. وروي عن الكسائي أنه وقف بالهاء، والمشهور عن جميعهم الوقف على التاء اتباعاً للمصحف وإبعاداً أن يشبه الوقف على الله. والعُزّى: حجر أبيض كانوا يعبدونه قاله ابن جبير. وقال مجاهد: العُزى شجرة كانوا يعبدونها. وقال ابن زيد: العُزى بيت بالطائف لثقيف كانوا يعبدونه. وقال قتادة: هو نبت كان ببطن نخلة، وأما منات فصنم كان لخزاعة. وقال قتادة: [التقدير] آلهة يعبدونها وهي اللات والعزى ومنات. قال أبو إسحاق: "منات" صخرة لهذيل وخزاعة كانوا يعبدونها من دون الله جل وعز وتعالى عن ذلك. وقيل: الَّلات صنم كان لثقيف، والعزى سمرة عبدوها. * * وقوله: ﴿تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزَىٰ﴾ أي: قسمة جائرة ناقصة إذ رضيتم أن تجعلوا لخالقكم ورازقكم ما تكرهونه لأنفسكم وآثرتم أنفسكم بما تحبون. (وضيزى فُعلى) ولكن كسرت، وإنما كان أصلها الضم إذ ليس في الكلام فعلى صفة وفيه (فُعلى وفَعلى) فكسرت الضاد لتصح الياء، كما قالوا بيضٌ وأصله بوض. ومن همزه فهي لغة يقال ضَازَهُ يَضِيزُهُ ويَضُوزُهُ وضَأَزَهُ يَضْأَزَهُ. ويقال: ضِزتَهُ وضَزْته إذا نَقَصتَهُ حَقَّهُ، فيقال على هذا ضِئزَى بالهمز وضُؤْزَى أيضاً. وجواب الاستفهام محذوف، والتقدير: أفرأيتم هذه الأصنام هل لها من هذه القدرة التي تقدم ذكرها شيء. وقال أبو عبيدة: التقدير أَلَكُمْ الذكر وله الأُنثى كيف يكون هذا لأنهم قالوا الملائكة بنات الله جل ذكره. وقيل الجواب: ﴿تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزَىٰ﴾. * * ثم قال: ﴿إِنْ هِيَ إِلاَّ أَسْمَآءٌ سَمَّيْتُمُوهَآ أَنتُمْ وَآبَآؤُكُم﴾ أي: ما اللات والعزى ومنات الثالثة الأخرى إلا أسماء أحدثتموها أيها المشركون أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بهذه الأسماء من سلطان أي: من حجة في هذه الأسماء. * * ثم قال: ﴿إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ ٱلظَّنَّ﴾؛ أي: ما يتبع هؤلاء المشركون في هذه [الأسماء] إلا الظن، وهوى أنفسهم فاخترقوا ما لم يؤمروا به من قبل أنفسهم، ومن ما وجدوا عليه آباءهم الكفار بالله عز وجل. * * ثم قال: ﴿وَلَقَدْ جَآءَهُم مِّن رَّبِّهِمُ ٱلْهُدَىٰ﴾ أي: جاءهم محمد من عند ربهم عز وجل بالبيان والوحي الحق. * * ثم قال: ﴿أَمْ لِلإِنسَانِ مَا تَمَنَّىٰ﴾ أي: ليس ذلك فيكون الأمر على ما يشتهون، بل الله عز وجل يعطي من يشاء ما شاء، إذ له الآخرة والأولى. * * ثم قال: ﴿وَكَمْ مِّن مَّلَكٍ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ لاَ تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً﴾ أي: وكثير من الملائكة في السماوات لا تنفع شفاعتهم لمن شفعوا إلا من بعد أن يأذن الله عز وجل لهم فتنفع شفاعتهم إذا رضي الله سبحانه بها، وهذا توبيخ لعبدة الأوثان والملائكة من قريش وغيرهم لأنهم قالوا ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى، فأخبر تعالى ذكره أن الملائكة مع فضلهم وكثرة طاعتهم لا تنفع أحداً شفاعتهم إلا من (بعد إذن الله عز وجل لهم) ورضاه، فكيف تشفع الأصنام لكم. * * ثم قال: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ ٱلْمَلاَئِكَةَ تَسْمِيَةَ ٱلأُنْثَىٰ * [وَمَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ]﴾. أي: أن الذين لا يصدقون بالبعث ليسمون الملائكة تسمية الإناث لأنهم كانوا يقولون هم بنات الله تعالى (الله عن ذلك علواً كبيراً). ﴿وَمَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ ٱلظَّنَّ﴾ أي: ما يقولون [ذلك] إلا ظناً بغير علم، والهاء تعود على الأسماء لأن التسمية والأسماء واحد، ﴿وَإِنَّ ٱلظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ ٱلْحَقِّ شَيْئاً﴾ [أي] يقوم مقام الحق. * * ثم قال: ﴿فَأَعْرِضْ عَن مَّن تَوَلَّىٰ عَن ذِكْرِنَا﴾ أي: فدع من أدبر عن الإيمان بما جئته به من القرآن. ﴿وَلَمْ يُرِدْ إِلاَّ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَا﴾ أي: طلب الدنيا ولم يطلب ما عند الله. ﴿ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِّنَ ٱلْعِلْمِ﴾ أي: ليس لهم علم إلا علم معائشهم وإلا إيثار الدنيا على الآخرة وقولهم الملائكة بنات الله. * * ثم قال: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ﴾ أي: هو عالم لهم قد علمهم في سابق علمه أنهم لا يؤمنون، وهو أعلم في سابق علمه بمن يهتدي فيؤمن. * * ثم قال: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ لِيَجْزِيَ ٱلَّذِينَ أَسَاءُواْ بِمَا عَمِلُواْ﴾ أي: لله ملكهما وما فيهما. ولام ليجزي (متعلقة بقوله: ﴿إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَىٰ﴾ ﴿لِيَجْزِيَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ﴾. وقيل المعنى: ولله ما في السماوات وما في الأرض يضل من يشاء ويهدي من يشاء، فهو أعلم بهم ليجزي الذين أساءوا ويجزي الذين أطاعوا. وقيل هي متعلقة بقوله: ﴿وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ ٱهْتَدَىٰ... لِيَجْزِيَ﴾. * * وقوله: ﴿بِٱلْحُسْنَى﴾ يعني بالجنة. قال زيد بن أسلم: ﴿ٱلَّذِينَ أَسَاءُواْ﴾: المشركون، ﴿ٱلَّذِينَ أَحْسَنُواْ﴾ المؤمنون. ثم بيَّن المؤمنين ونعتهم فقال: ﴿ٱلَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ ٱلإِثْمِ وَٱلْفَوَاحِشَ﴾ أي: يبعدون عن ارتكاب الكبائر التي نهى الله عنها، وقد تقدم القول فيها في "النساء". ويبعدون عن ارتكاب الفواحش التي نهى الله عنها وهي الزنا وشبهه مما أوجب الله فيه حداً. * * وقوله: ﴿إِلاَّ ٱللَّمَمَ﴾ قال ابن عباس: إلا ما سلف منهم في الجاهلية قبل الإسلام. وقال زيد بن أسلم: الكبائر: الشرك، والفواحش، والزنا، تركوا ذلك حين أسلموا فغفر الله عز وجل لهم ما كانوا أتوا به وأصابوه من ذلك قبل الإسلام. وقيل: اللمم: الصغائر. وقيل: هي أن تلم بالشيء ولا تفعله. وقيل اللمم كنظر العين والتقبيل والجس. وقال الشعبي: هو ما دون الزنا، وقيل: "إلا" بمعنى الواو، وليس بشيء هذا نقض كلام العرب. وقال أبو هريرة: هو مثل القبلة والغمزة والنظرة والمباشرة. وعن ابن عباس أن اللمم أن تأتي الذنب ثم تتوب منه ولا تعود. وعن أبي هريرة أيضاً مثله، (وهو قول أهل اللغة قالوا: اللمم بالذنب أن تناول منه ولا تمر عليه، ويقال ألْمَمْتُ أتيت ونزلت عليه). (وعن ابن عباس وابن الزبير) هو ما بين الحدين، حد الدنيا والآخرة وبه قال عكرمة وقتادة والضحاك. وروى ابن وهب عن عبد الله بن عمر وابن العاص أنه قال: اللَّمم ما دون الشرك. * * ثم قال: ﴿إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ ٱلْمَغْفِرَةِ﴾ أي: لمن اجتنب الكبائر. ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنشَأَكُمْ مِّنَ ٱلأَرْضِ﴾ يعني آدم عليه السلام. ﴿وَإِذْ أَنتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ﴾ أجنّة: جمع جنين، أي: أعلم بكم في ذلك الوقت وفي كل وقت، وهو أعلم بمن أتقى. وقيل اللمم هو الذنب [بين] الحدين مما لم يأت عليه حد في الدنيا، ولا توعد عليه بنار في الآخرة تكفره الصلوات الخمس. والكبائر مثل الزنا وقتل النفس التي حرم الله، وشرب الخمر وعقوق الوالدين، (وأكل مال اليتيم). وقال نفطويه: اللمم هو أن تأتي ذنباً لم يكن لك بعادة، والعرب تقول: ما تَأْتِينَا إلاَّ لِماماً: أي: في الحين بعد الحين. قال: ولا يكون اللمم أن تهم ولا تفعل؛ لأن العرب إذا قالت: ألم بنا فلان معناه فعل الإتيان لا أنه همَّ ولم يفعل، ويدل على أنه فعل الذنب قوله ﴿وَاسِعُ ٱلْمَغْفِرَةِ﴾ فهل تكون المغفرة إلا لمن فعل ذنباً ، وهل يغفر ما لم يفعل. وروى الحسن أنه قال: اللمم هو أن يلم الرجل اللمة من الخمر واللمة من الزنا، واللمة من السرقة ثم لا يعوده. قال عمرو بن العاص: اللمم ما دون الشرك. * * وقوله: ﴿إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [النساء: ٣١] يدل على أن اللمم: الصغائر يغفرها الله لمن اجتنب الكبائر حتماً. * * وقوله: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ﴾ [النساء: ٤٨] هذه المغفرة ليست بحتم إنما هي إلى مشيئة الله يفعلها لمن يشاء، ومغفرة الصغائر لمن أجتنب الكبائر حتم من الله جل ذكره (فعلها). * * ثم قال: ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنشَأَكُمْ مِّنَ ٱلأَرْضِ﴾ أي: الله عالم بما تعملون حين خلق أباكم آدم من الأرض، وحين أنتم أجنة في بطون أمهاتكم يعلم ما تصير إليه أموركم، وما أنتم عاملون، فلا تزكوا أنفسكم فإن الله يعلم المتقي من الفساد. وأجنة جمع جنين.

النجم 53:31

قوله: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ ٱللاَّتَ وَٱلْعُزَّىٰ﴾ إلى قوله: ﴿أَعْلَمُ بِمَنِ ٱتَّقَىٰ﴾ الآيات. رأيت من رؤية العين، ولذلك نصب بها، ولو كانت التي للسؤال والاستفتاء لم تتعدد نحو قوله ﴿أَرَأَيْتَ إِن كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ﴾ [العلق: ١٣] فالمعنى: أفرأيتم أيها المشركون هذه الأصنام التي جعلتموها بنات الله. ﴿أَلَكُمُ ٱلذَّكَرُ وَلَهُ ٱلأُنْثَىٰ﴾ أي: أتجعلون له البنات ولكم الذكور (أي: هذه إذاً). ﴿قِسْمَةٌ ضِيزَىٰ﴾ أي: قسمة جائرة على الحق، وذلك أن المشركين أخذوا اسم الباري وهو الله، وزادوا فيه التأنيث وسموا به أصنامهم فقالوا اللات، وكذلك أخذوا العزى من العزيز وأخذوا منات من: منى الله الشيء: إذا قدره، وزعموا أنها بنات الله تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً، فجعلوا لله ما لا يرضون لأنفسهم. قال أبو عبيدة: هي أصنام كانت في جوف الكعبة يعبدونها. وقرأ مجاهد "اللات" بالتشديد، وكذلك قرأ ابن عباس، وقالا: كان رجلاً يلِت السَّويق أيام الحج فلما مات عكفوا على قبره فعبدوه. وقيل: كان يقوم على ألهتهم ويلِت السويق لهم، وكان بالطائف قاله أبو صالح والسدي. وقيل: كان يلِت السويق ويبيعه عند ذلك الصنم، فسمى الصنم اللات بتشديد التاء. وحكى خلف عن سليم عن حمزة وأبو عبد الرحمن عن (اليزيدي) عن أبي عمرو أنهما وقفا على اللات بالتاء، اتباعاً للمصحف، وكذلك وقف نافع. وروي عن الكسائي أنه وقف بالهاء، والمشهور عن جميعهم الوقف على التاء اتباعاً للمصحف وإبعاداً أن يشبه الوقف على الله. والعُزّى: حجر أبيض كانوا يعبدونه قاله ابن جبير. وقال مجاهد: العُزى شجرة كانوا يعبدونها. وقال ابن زيد: العُزى بيت بالطائف لثقيف كانوا يعبدونه. وقال قتادة: هو نبت كان ببطن نخلة، وأما منات فصنم كان لخزاعة. وقال قتادة: [التقدير] آلهة يعبدونها وهي اللات والعزى ومنات. قال أبو إسحاق: "منات" صخرة لهذيل وخزاعة كانوا يعبدونها من دون الله جل وعز وتعالى عن ذلك. وقيل: الَّلات صنم كان لثقيف، والعزى سمرة عبدوها. * * وقوله: ﴿تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزَىٰ﴾ أي: قسمة جائرة ناقصة إذ رضيتم أن تجعلوا لخالقكم ورازقكم ما تكرهونه لأنفسكم وآثرتم أنفسكم بما تحبون. (وضيزى فُعلى) ولكن كسرت، وإنما كان أصلها الضم إذ ليس في الكلام فعلى صفة وفيه (فُعلى وفَعلى) فكسرت الضاد لتصح الياء، كما قالوا بيضٌ وأصله بوض. ومن همزه فهي لغة يقال ضَازَهُ يَضِيزُهُ ويَضُوزُهُ وضَأَزَهُ يَضْأَزَهُ. ويقال: ضِزتَهُ وضَزْته إذا نَقَصتَهُ حَقَّهُ، فيقال على هذا ضِئزَى بالهمز وضُؤْزَى أيضاً. وجواب الاستفهام محذوف، والتقدير: أفرأيتم هذه الأصنام هل لها من هذه القدرة التي تقدم ذكرها شيء. وقال أبو عبيدة: التقدير أَلَكُمْ الذكر وله الأُنثى كيف يكون هذا لأنهم قالوا الملائكة بنات الله جل ذكره. وقيل الجواب: ﴿تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزَىٰ﴾. * * ثم قال: ﴿إِنْ هِيَ إِلاَّ أَسْمَآءٌ سَمَّيْتُمُوهَآ أَنتُمْ وَآبَآؤُكُم﴾ أي: ما اللات والعزى ومنات الثالثة الأخرى إلا أسماء أحدثتموها أيها المشركون أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بهذه الأسماء من سلطان أي: من حجة في هذه الأسماء. * * ثم قال: ﴿إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ ٱلظَّنَّ﴾؛ أي: ما يتبع هؤلاء المشركون في هذه [الأسماء] إلا الظن، وهوى أنفسهم فاخترقوا ما لم يؤمروا به من قبل أنفسهم، ومن ما وجدوا عليه آباءهم الكفار بالله عز وجل. * * ثم قال: ﴿وَلَقَدْ جَآءَهُم مِّن رَّبِّهِمُ ٱلْهُدَىٰ﴾ أي: جاءهم محمد من عند ربهم عز وجل بالبيان والوحي الحق. * * ثم قال: ﴿أَمْ لِلإِنسَانِ مَا تَمَنَّىٰ﴾ أي: ليس ذلك فيكون الأمر على ما يشتهون، بل الله عز وجل يعطي من يشاء ما شاء، إذ له الآخرة والأولى. * * ثم قال: ﴿وَكَمْ مِّن مَّلَكٍ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ لاَ تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً﴾ أي: وكثير من الملائكة في السماوات لا تنفع شفاعتهم لمن شفعوا إلا من بعد أن يأذن الله عز وجل لهم فتنفع شفاعتهم إذا رضي الله سبحانه بها، وهذا توبيخ لعبدة الأوثان والملائكة من قريش وغيرهم لأنهم قالوا ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى، فأخبر تعالى ذكره أن الملائكة مع فضلهم وكثرة طاعتهم لا تنفع أحداً شفاعتهم إلا من (بعد إذن الله عز وجل لهم) ورضاه، فكيف تشفع الأصنام لكم. * * ثم قال: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ ٱلْمَلاَئِكَةَ تَسْمِيَةَ ٱلأُنْثَىٰ * [وَمَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ]﴾. أي: أن الذين لا يصدقون بالبعث ليسمون الملائكة تسمية الإناث لأنهم كانوا يقولون هم بنات الله تعالى (الله عن ذلك علواً كبيراً). ﴿وَمَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ ٱلظَّنَّ﴾ أي: ما يقولون [ذلك] إلا ظناً بغير علم، والهاء تعود على الأسماء لأن التسمية والأسماء واحد، ﴿وَإِنَّ ٱلظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ ٱلْحَقِّ شَيْئاً﴾ [أي] يقوم مقام الحق. * * ثم قال: ﴿فَأَعْرِضْ عَن مَّن تَوَلَّىٰ عَن ذِكْرِنَا﴾ أي: فدع من أدبر عن الإيمان بما جئته به من القرآن. ﴿وَلَمْ يُرِدْ إِلاَّ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَا﴾ أي: طلب الدنيا ولم يطلب ما عند الله. ﴿ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِّنَ ٱلْعِلْمِ﴾ أي: ليس لهم علم إلا علم معائشهم وإلا إيثار الدنيا على الآخرة وقولهم الملائكة بنات الله. * * ثم قال: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ﴾ أي: هو عالم لهم قد علمهم في سابق علمه أنهم لا يؤمنون، وهو أعلم في سابق علمه بمن يهتدي فيؤمن. * * ثم قال: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ لِيَجْزِيَ ٱلَّذِينَ أَسَاءُواْ بِمَا عَمِلُواْ﴾ أي: لله ملكهما وما فيهما. ولام ليجزي (متعلقة بقوله: ﴿إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَىٰ﴾ ﴿لِيَجْزِيَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ﴾. وقيل المعنى: ولله ما في السماوات وما في الأرض يضل من يشاء ويهدي من يشاء، فهو أعلم بهم ليجزي الذين أساءوا ويجزي الذين أطاعوا. وقيل هي متعلقة بقوله: ﴿وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ ٱهْتَدَىٰ... لِيَجْزِيَ﴾. * * وقوله: ﴿بِٱلْحُسْنَى﴾ يعني بالجنة. قال زيد بن أسلم: ﴿ٱلَّذِينَ أَسَاءُواْ﴾: المشركون، ﴿ٱلَّذِينَ أَحْسَنُواْ﴾ المؤمنون. ثم بيَّن المؤمنين ونعتهم فقال: ﴿ٱلَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ ٱلإِثْمِ وَٱلْفَوَاحِشَ﴾ أي: يبعدون عن ارتكاب الكبائر التي نهى الله عنها، وقد تقدم القول فيها في "النساء". ويبعدون عن ارتكاب الفواحش التي نهى الله عنها وهي الزنا وشبهه مما أوجب الله فيه حداً. * * وقوله: ﴿إِلاَّ ٱللَّمَمَ﴾ قال ابن عباس: إلا ما سلف منهم في الجاهلية قبل الإسلام. وقال زيد بن أسلم: الكبائر: الشرك، والفواحش، والزنا، تركوا ذلك حين أسلموا فغفر الله عز وجل لهم ما كانوا أتوا به وأصابوه من ذلك قبل الإسلام. وقيل: اللمم: الصغائر. وقيل: هي أن تلم بالشيء ولا تفعله. وقيل اللمم كنظر العين والتقبيل والجس. وقال الشعبي: هو ما دون الزنا، وقيل: "إلا" بمعنى الواو، وليس بشيء هذا نقض كلام العرب. وقال أبو هريرة: هو مثل القبلة والغمزة والنظرة والمباشرة. وعن ابن عباس أن اللمم أن تأتي الذنب ثم تتوب منه ولا تعود. وعن أبي هريرة أيضاً مثله، (وهو قول أهل اللغة قالوا: اللمم بالذنب أن تناول منه ولا تمر عليه، ويقال ألْمَمْتُ أتيت ونزلت عليه). (وعن ابن عباس وابن الزبير) هو ما بين الحدين، حد الدنيا والآخرة وبه قال عكرمة وقتادة والضحاك. وروى ابن وهب عن عبد الله بن عمر وابن العاص أنه قال: اللَّمم ما دون الشرك. * * ثم قال: ﴿إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ ٱلْمَغْفِرَةِ﴾ أي: لمن اجتنب الكبائر. ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنشَأَكُمْ مِّنَ ٱلأَرْضِ﴾ يعني آدم عليه السلام. ﴿وَإِذْ أَنتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ﴾ أجنّة: جمع جنين، أي: أعلم بكم في ذلك الوقت وفي كل وقت، وهو أعلم بمن أتقى. وقيل اللمم هو الذنب [بين] الحدين مما لم يأت عليه حد في الدنيا، ولا توعد عليه بنار في الآخرة تكفره الصلوات الخمس. والكبائر مثل الزنا وقتل النفس التي حرم الله، وشرب الخمر وعقوق الوالدين، (وأكل مال اليتيم). وقال نفطويه: اللمم هو أن تأتي ذنباً لم يكن لك بعادة، والعرب تقول: ما تَأْتِينَا إلاَّ لِماماً: أي: في الحين بعد الحين. قال: ولا يكون اللمم أن تهم ولا تفعل؛ لأن العرب إذا قالت: ألم بنا فلان معناه فعل الإتيان لا أنه همَّ ولم يفعل، ويدل على أنه فعل الذنب قوله ﴿وَاسِعُ ٱلْمَغْفِرَةِ﴾ فهل تكون المغفرة إلا لمن فعل ذنباً ، وهل يغفر ما لم يفعل. وروى الحسن أنه قال: اللمم هو أن يلم الرجل اللمة من الخمر واللمة من الزنا، واللمة من السرقة ثم لا يعوده. قال عمرو بن العاص: اللمم ما دون الشرك. * * وقوله: ﴿إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [النساء: ٣١] يدل على أن اللمم: الصغائر يغفرها الله لمن اجتنب الكبائر حتماً. * * وقوله: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ﴾ [النساء: ٤٨] هذه المغفرة ليست بحتم إنما هي إلى مشيئة الله يفعلها لمن يشاء، ومغفرة الصغائر لمن أجتنب الكبائر حتم من الله جل ذكره (فعلها). * * ثم قال: ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنشَأَكُمْ مِّنَ ٱلأَرْضِ﴾ أي: الله عالم بما تعملون حين خلق أباكم آدم من الأرض، وحين أنتم أجنة في بطون أمهاتكم يعلم ما تصير إليه أموركم، وما أنتم عاملون، فلا تزكوا أنفسكم فإن الله يعلم المتقي من الفساد. وأجنة جمع جنين.

النجم 53:32

قوله: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ ٱللاَّتَ وَٱلْعُزَّىٰ﴾ إلى قوله: ﴿أَعْلَمُ بِمَنِ ٱتَّقَىٰ﴾ الآيات. رأيت من رؤية العين، ولذلك نصب بها، ولو كانت التي للسؤال والاستفتاء لم تتعدد نحو قوله ﴿أَرَأَيْتَ إِن كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ﴾ [العلق: ١٣] فالمعنى: أفرأيتم أيها المشركون هذه الأصنام التي جعلتموها بنات الله. ﴿أَلَكُمُ ٱلذَّكَرُ وَلَهُ ٱلأُنْثَىٰ﴾ أي: أتجعلون له البنات ولكم الذكور (أي: هذه إذاً). ﴿قِسْمَةٌ ضِيزَىٰ﴾ أي: قسمة جائرة على الحق، وذلك أن المشركين أخذوا اسم الباري وهو الله، وزادوا فيه التأنيث وسموا به أصنامهم فقالوا اللات، وكذلك أخذوا العزى من العزيز وأخذوا منات من: منى الله الشيء: إذا قدره، وزعموا أنها بنات الله تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً، فجعلوا لله ما لا يرضون لأنفسهم. قال أبو عبيدة: هي أصنام كانت في جوف الكعبة يعبدونها. وقرأ مجاهد "اللات" بالتشديد، وكذلك قرأ ابن عباس، وقالا: كان رجلاً يلِت السَّويق أيام الحج فلما مات عكفوا على قبره فعبدوه. وقيل: كان يقوم على ألهتهم ويلِت السويق لهم، وكان بالطائف قاله أبو صالح والسدي. وقيل: كان يلِت السويق ويبيعه عند ذلك الصنم، فسمى الصنم اللات بتشديد التاء. وحكى خلف عن سليم عن حمزة وأبو عبد الرحمن عن (اليزيدي) عن أبي عمرو أنهما وقفا على اللات بالتاء، اتباعاً للمصحف، وكذلك وقف نافع. وروي عن الكسائي أنه وقف بالهاء، والمشهور عن جميعهم الوقف على التاء اتباعاً للمصحف وإبعاداً أن يشبه الوقف على الله. والعُزّى: حجر أبيض كانوا يعبدونه قاله ابن جبير. وقال مجاهد: العُزى شجرة كانوا يعبدونها. وقال ابن زيد: العُزى بيت بالطائف لثقيف كانوا يعبدونه. وقال قتادة: هو نبت كان ببطن نخلة، وأما منات فصنم كان لخزاعة. وقال قتادة: [التقدير] آلهة يعبدونها وهي اللات والعزى ومنات. قال أبو إسحاق: "منات" صخرة لهذيل وخزاعة كانوا يعبدونها من دون الله جل وعز وتعالى عن ذلك. وقيل: الَّلات صنم كان لثقيف، والعزى سمرة عبدوها. * * وقوله: ﴿تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزَىٰ﴾ أي: قسمة جائرة ناقصة إذ رضيتم أن تجعلوا لخالقكم ورازقكم ما تكرهونه لأنفسكم وآثرتم أنفسكم بما تحبون. (وضيزى فُعلى) ولكن كسرت، وإنما كان أصلها الضم إذ ليس في الكلام فعلى صفة وفيه (فُعلى وفَعلى) فكسرت الضاد لتصح الياء، كما قالوا بيضٌ وأصله بوض. ومن همزه فهي لغة يقال ضَازَهُ يَضِيزُهُ ويَضُوزُهُ وضَأَزَهُ يَضْأَزَهُ. ويقال: ضِزتَهُ وضَزْته إذا نَقَصتَهُ حَقَّهُ، فيقال على هذا ضِئزَى بالهمز وضُؤْزَى أيضاً. وجواب الاستفهام محذوف، والتقدير: أفرأيتم هذه الأصنام هل لها من هذه القدرة التي تقدم ذكرها شيء. وقال أبو عبيدة: التقدير أَلَكُمْ الذكر وله الأُنثى كيف يكون هذا لأنهم قالوا الملائكة بنات الله جل ذكره. وقيل الجواب: ﴿تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزَىٰ﴾. * * ثم قال: ﴿إِنْ هِيَ إِلاَّ أَسْمَآءٌ سَمَّيْتُمُوهَآ أَنتُمْ وَآبَآؤُكُم﴾ أي: ما اللات والعزى ومنات الثالثة الأخرى إلا أسماء أحدثتموها أيها المشركون أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بهذه الأسماء من سلطان أي: من حجة في هذه الأسماء. * * ثم قال: ﴿إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ ٱلظَّنَّ﴾؛ أي: ما يتبع هؤلاء المشركون في هذه [الأسماء] إلا الظن، وهوى أنفسهم فاخترقوا ما لم يؤمروا به من قبل أنفسهم، ومن ما وجدوا عليه آباءهم الكفار بالله عز وجل. * * ثم قال: ﴿وَلَقَدْ جَآءَهُم مِّن رَّبِّهِمُ ٱلْهُدَىٰ﴾ أي: جاءهم محمد من عند ربهم عز وجل بالبيان والوحي الحق. * * ثم قال: ﴿أَمْ لِلإِنسَانِ مَا تَمَنَّىٰ﴾ أي: ليس ذلك فيكون الأمر على ما يشتهون، بل الله عز وجل يعطي من يشاء ما شاء، إذ له الآخرة والأولى. * * ثم قال: ﴿وَكَمْ مِّن مَّلَكٍ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ لاَ تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً﴾ أي: وكثير من الملائكة في السماوات لا تنفع شفاعتهم لمن شفعوا إلا من بعد أن يأذن الله عز وجل لهم فتنفع شفاعتهم إذا رضي الله سبحانه بها، وهذا توبيخ لعبدة الأوثان والملائكة من قريش وغيرهم لأنهم قالوا ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى، فأخبر تعالى ذكره أن الملائكة مع فضلهم وكثرة طاعتهم لا تنفع أحداً شفاعتهم إلا من (بعد إذن الله عز وجل لهم) ورضاه، فكيف تشفع الأصنام لكم. * * ثم قال: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ ٱلْمَلاَئِكَةَ تَسْمِيَةَ ٱلأُنْثَىٰ * [وَمَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ]﴾. أي: أن الذين لا يصدقون بالبعث ليسمون الملائكة تسمية الإناث لأنهم كانوا يقولون هم بنات الله تعالى (الله عن ذلك علواً كبيراً). ﴿وَمَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ ٱلظَّنَّ﴾ أي: ما يقولون [ذلك] إلا ظناً بغير علم، والهاء تعود على الأسماء لأن التسمية والأسماء واحد، ﴿وَإِنَّ ٱلظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ ٱلْحَقِّ شَيْئاً﴾ [أي] يقوم مقام الحق. * * ثم قال: ﴿فَأَعْرِضْ عَن مَّن تَوَلَّىٰ عَن ذِكْرِنَا﴾ أي: فدع من أدبر عن الإيمان بما جئته به من القرآن. ﴿وَلَمْ يُرِدْ إِلاَّ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَا﴾ أي: طلب الدنيا ولم يطلب ما عند الله. ﴿ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِّنَ ٱلْعِلْمِ﴾ أي: ليس لهم علم إلا علم معائشهم وإلا إيثار الدنيا على الآخرة وقولهم الملائكة بنات الله. * * ثم قال: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ﴾ أي: هو عالم لهم قد علمهم في سابق علمه أنهم لا يؤمنون، وهو أعلم في سابق علمه بمن يهتدي فيؤمن. * * ثم قال: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ لِيَجْزِيَ ٱلَّذِينَ أَسَاءُواْ بِمَا عَمِلُواْ﴾ أي: لله ملكهما وما فيهما. ولام ليجزي (متعلقة بقوله: ﴿إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَىٰ﴾ ﴿لِيَجْزِيَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ﴾. وقيل المعنى: ولله ما في السماوات وما في الأرض يضل من يشاء ويهدي من يشاء، فهو أعلم بهم ليجزي الذين أساءوا ويجزي الذين أطاعوا. وقيل هي متعلقة بقوله: ﴿وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ ٱهْتَدَىٰ... لِيَجْزِيَ﴾. * * وقوله: ﴿بِٱلْحُسْنَى﴾ يعني بالجنة. قال زيد بن أسلم: ﴿ٱلَّذِينَ أَسَاءُواْ﴾: المشركون، ﴿ٱلَّذِينَ أَحْسَنُواْ﴾ المؤمنون. ثم بيَّن المؤمنين ونعتهم فقال: ﴿ٱلَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ ٱلإِثْمِ وَٱلْفَوَاحِشَ﴾ أي: يبعدون عن ارتكاب الكبائر التي نهى الله عنها، وقد تقدم القول فيها في "النساء". ويبعدون عن ارتكاب الفواحش التي نهى الله عنها وهي الزنا وشبهه مما أوجب الله فيه حداً. * * وقوله: ﴿إِلاَّ ٱللَّمَمَ﴾ قال ابن عباس: إلا ما سلف منهم في الجاهلية قبل الإسلام. وقال زيد بن أسلم: الكبائر: الشرك، والفواحش، والزنا، تركوا ذلك حين أسلموا فغفر الله عز وجل لهم ما كانوا أتوا به وأصابوه من ذلك قبل الإسلام. وقيل: اللمم: الصغائر. وقيل: هي أن تلم بالشيء ولا تفعله. وقيل اللمم كنظر العين والتقبيل والجس. وقال الشعبي: هو ما دون الزنا، وقيل: "إلا" بمعنى الواو، وليس بشيء هذا نقض كلام العرب. وقال أبو هريرة: هو مثل القبلة والغمزة والنظرة والمباشرة. وعن ابن عباس أن اللمم أن تأتي الذنب ثم تتوب منه ولا تعود. وعن أبي هريرة أيضاً مثله، (وهو قول أهل اللغة قالوا: اللمم بالذنب أن تناول منه ولا تمر عليه، ويقال ألْمَمْتُ أتيت ونزلت عليه). (وعن ابن عباس وابن الزبير) هو ما بين الحدين، حد الدنيا والآخرة وبه قال عكرمة وقتادة والضحاك. وروى ابن وهب عن عبد الله بن عمر وابن العاص أنه قال: اللَّمم ما دون الشرك. * * ثم قال: ﴿إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ ٱلْمَغْفِرَةِ﴾ أي: لمن اجتنب الكبائر. ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنشَأَكُمْ مِّنَ ٱلأَرْضِ﴾ يعني آدم عليه السلام. ﴿وَإِذْ أَنتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ﴾ أجنّة: جمع جنين، أي: أعلم بكم في ذلك الوقت وفي كل وقت، وهو أعلم بمن أتقى. وقيل اللمم هو الذنب [بين] الحدين مما لم يأت عليه حد في الدنيا، ولا توعد عليه بنار في الآخرة تكفره الصلوات الخمس. والكبائر مثل الزنا وقتل النفس التي حرم الله، وشرب الخمر وعقوق الوالدين، (وأكل مال اليتيم). وقال نفطويه: اللمم هو أن تأتي ذنباً لم يكن لك بعادة، والعرب تقول: ما تَأْتِينَا إلاَّ لِماماً: أي: في الحين بعد الحين. قال: ولا يكون اللمم أن تهم ولا تفعل؛ لأن العرب إذا قالت: ألم بنا فلان معناه فعل الإتيان لا أنه همَّ ولم يفعل، ويدل على أنه فعل الذنب قوله ﴿وَاسِعُ ٱلْمَغْفِرَةِ﴾ فهل تكون المغفرة إلا لمن فعل ذنباً ، وهل يغفر ما لم يفعل. وروى الحسن أنه قال: اللمم هو أن يلم الرجل اللمة من الخمر واللمة من الزنا، واللمة من السرقة ثم لا يعوده. قال عمرو بن العاص: اللمم ما دون الشرك. * * وقوله: ﴿إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [النساء: ٣١] يدل على أن اللمم: الصغائر يغفرها الله لمن اجتنب الكبائر حتماً. * * وقوله: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ﴾ [النساء: ٤٨] هذه المغفرة ليست بحتم إنما هي إلى مشيئة الله يفعلها لمن يشاء، ومغفرة الصغائر لمن أجتنب الكبائر حتم من الله جل ذكره (فعلها). * * ثم قال: ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنشَأَكُمْ مِّنَ ٱلأَرْضِ﴾ أي: الله عالم بما تعملون حين خلق أباكم آدم من الأرض، وحين أنتم أجنة في بطون أمهاتكم يعلم ما تصير إليه أموركم، وما أنتم عاملون، فلا تزكوا أنفسكم فإن الله يعلم المتقي من الفساد. وأجنة جمع جنين.

النجم 53:33

قوله: ﴿أَفَرَأَيْتَ ٱلَّذِي تَوَلَّىٰ﴾ إلى قوله: ﴿ٱلْجَزَآءَ ٱلأَوْفَىٰ﴾ الآيات. أي: أفرأيت يا محمد الذي أدبر عن الإيمان بالله عز وجل وأعرض وأعطى صاحبه قليلاً من ماله ثم منعه فلم يعطه وبخل عليه. هذه الآية نزلت في الوليد بن المغيرة وذلك أنه عاتبه بعض المشركين لما أتبع رسول الله ﷺ على ما جاء به فضمن له الذي عاتبه إن هو أعطاه شيئاً من ماله ورجع إلى شركه أن يتحمل عنه عذاب الآخرة ففعل وأعطى الذي عاتبه على ذلك بعض ما كان ضمن له ثم بخل ومنعه تمام ما ضمن له. ومعنى وأكدى: قطع العطية ولم يتمها قاله ابن عباس ومجاهد، وقتادة. * * ثم قال: ﴿أَعِندَهُ عِلْمُ ٱلْغَيْبِ فَهُوَ يَرَىٰ﴾ أي: أعند هذا الذي ضمن له العذاب أن يتحمله عنه في الآخرة علم الغيب فهو يرى حقيقة قوله ووفائه بما وعده. وقيل: المعنى أعَلِمَ الوليد أن هذا الذي يتحمل عنه العذاب في الآخرة كما قال: ويرى: بمعنى: يعلم. * * ثم قال: ﴿أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَىٰ﴾ أي: أم لم يخبر هذا المضمون له أن يحتمل عنه العذاب في الآخرة بالذي في صحف موسى. ﴿وَإِبْرَاهِيمَ ٱلَّذِي وَفَّىٰ﴾ أي: وفي الرسالة وبلغها إلى من أرسلت إليه. وقيل معناه: وَفَّى ما عهد إليه ربه من تبليغ الرسالة وهو ﴿أَلاَّ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ﴾ أي: بلغ ألا يحمل أحد ذنب أحد. قال ابن عباس: كانوا قبل إبراهيم يأخذون الولي بالولي حتى كان إبراهيم عليه السلام فبلغ ﴿أَلاَّ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ﴾، ﴿وَأَنَّ عَلَيْهِ ٱلنَّشْأَةَ ٱلأُخْرَىٰ﴾. وقال قتادة: وفى طاعة الله ورسوله إلى خلقه. وقال ابن جبير: بلَّغ ما أمره به ربه وهو قول (ابن زيد وسفيان) والنخعي. وعن ابن عباس أيضاً: أن إبراهيم ﷺ وفَّى بما أمره ربه عز وجل من الذبح والرؤيا، والذي في صحف موسى: ﴿أَلاَّ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ﴾. وعن ابن عباس أيضاً: أن إبراهيم وفى شرائع الإسلام ثلاثين سهماً، وما ابتلي بهذا الدين أحد فأقامه إلاَّ إبراهيم فإنه وفَّى به. وقال مجاهد: وفي ما فرض عليه، وعن النبي ﷺ أنه قال: "ألا أخبركم لم سمَّ الله جل ذكره إبراهيم خليله "الذي وفَّى". لأنه كان يقول كلما أصبح وكلما أمسى ﴿فَسُبْحَانَ ٱللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ * وَلَهُ ٱلْحَمْدُ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ﴾ الآية وعنه ﷺ أنه قال: وفى إبراهيم بحمد ربه أربع ركعات في النهار وقوله: ﴿أَلاَّ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ﴾ أكثر المفسرين على أنه ما في صحف موسى وإبراهيم، وفَّى بالشرائع والأوامر على ما تقدم من الاختلاف. قال أبو مالك الغفاري: ﴿أَلاَّ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ﴾ إلى قوله: ﴿هَـٰذَا نَذِيرٌ مِّنَ ٱلنُّذُرِ ٱلأُوْلَىٰ﴾ هذا كله في مصحف إبراهيم وموسى. وعنى بقوله: ﴿أَلاَّ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ﴾ الذي ضمن للوليد أن يتحمل عنه عذاب الآخرة يقول الله ألم نخبر هذا المضمون. أي: بهذا الذي في صحف إبراهيم وموسى أن أحداً لا يحمل ذنب أحد. * * ثم قال: ﴿وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَىٰ﴾. قال ابن عباس الآية منسوخة لأن الله عز وجل أنزل بعد ذلك ﴿وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَٱتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ [الطور: ٢١] فرفع الله الأبناء في درجات الآباء بعمل الآباء، وهو اختيار الطبري. وروى ابن عباس عن النبي ﷺ أنه قال إن الله جل ذكره ليرفع ذرية المؤمن معه في درجته إن كان لم يبلغها بعمله لِتَقَرَّبِهِم عينه وقال قوم: الآية محكمة، ولا ينفع أحداً عمل أحد لا من صدقة ولا من حج ولا صلاة ولا غير ذلك، وقد أجمع العلماء أن الصلاة لا يجوز فيها أن يصلي أحد عن أحد وقد أتت أخبار عن النبي ﷺ في إجازة الحج عن الحي والميت والصيام عن الميت والصدقة عن الميت. ومذهب مالك أن عمل الأبدان لا يجوز أن يعمله أحد عن أحد، فإن أوصى بالحج ومات جاز أن يحج عنه. وقال تعالى: ﴿وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَىٰ﴾ أي: وإن عمل كل عامل سوف يراه الله يوم القيامة، فيجازيه عليه الجزاء الأوفى من خير أو شر يثاب على عمله.

النجم 53:34

قوله: ﴿أَفَرَأَيْتَ ٱلَّذِي تَوَلَّىٰ﴾ إلى قوله: ﴿ٱلْجَزَآءَ ٱلأَوْفَىٰ﴾ الآيات. أي: أفرأيت يا محمد الذي أدبر عن الإيمان بالله عز وجل وأعرض وأعطى صاحبه قليلاً من ماله ثم منعه فلم يعطه وبخل عليه. هذه الآية نزلت في الوليد بن المغيرة وذلك أنه عاتبه بعض المشركين لما أتبع رسول الله ﷺ على ما جاء به فضمن له الذي عاتبه إن هو أعطاه شيئاً من ماله ورجع إلى شركه أن يتحمل عنه عذاب الآخرة ففعل وأعطى الذي عاتبه على ذلك بعض ما كان ضمن له ثم بخل ومنعه تمام ما ضمن له. ومعنى وأكدى: قطع العطية ولم يتمها قاله ابن عباس ومجاهد، وقتادة. * * ثم قال: ﴿أَعِندَهُ عِلْمُ ٱلْغَيْبِ فَهُوَ يَرَىٰ﴾ أي: أعند هذا الذي ضمن له العذاب أن يتحمله عنه في الآخرة علم الغيب فهو يرى حقيقة قوله ووفائه بما وعده. وقيل: المعنى أعَلِمَ الوليد أن هذا الذي يتحمل عنه العذاب في الآخرة كما قال: ويرى: بمعنى: يعلم. * * ثم قال: ﴿أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَىٰ﴾ أي: أم لم يخبر هذا المضمون له أن يحتمل عنه العذاب في الآخرة بالذي في صحف موسى. ﴿وَإِبْرَاهِيمَ ٱلَّذِي وَفَّىٰ﴾ أي: وفي الرسالة وبلغها إلى من أرسلت إليه. وقيل معناه: وَفَّى ما عهد إليه ربه من تبليغ الرسالة وهو ﴿أَلاَّ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ﴾ أي: بلغ ألا يحمل أحد ذنب أحد. قال ابن عباس: كانوا قبل إبراهيم يأخذون الولي بالولي حتى كان إبراهيم عليه السلام فبلغ ﴿أَلاَّ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ﴾، ﴿وَأَنَّ عَلَيْهِ ٱلنَّشْأَةَ ٱلأُخْرَىٰ﴾. وقال قتادة: وفى طاعة الله ورسوله إلى خلقه. وقال ابن جبير: بلَّغ ما أمره به ربه وهو قول (ابن زيد وسفيان) والنخعي. وعن ابن عباس أيضاً: أن إبراهيم ﷺ وفَّى بما أمره ربه عز وجل من الذبح والرؤيا، والذي في صحف موسى: ﴿أَلاَّ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ﴾. وعن ابن عباس أيضاً: أن إبراهيم وفى شرائع الإسلام ثلاثين سهماً، وما ابتلي بهذا الدين أحد فأقامه إلاَّ إبراهيم فإنه وفَّى به. وقال مجاهد: وفي ما فرض عليه، وعن النبي ﷺ أنه قال: "ألا أخبركم لم سمَّ الله جل ذكره إبراهيم خليله "الذي وفَّى". لأنه كان يقول كلما أصبح وكلما أمسى ﴿فَسُبْحَانَ ٱللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ * وَلَهُ ٱلْحَمْدُ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ﴾ الآية وعنه ﷺ أنه قال: وفى إبراهيم بحمد ربه أربع ركعات في النهار وقوله: ﴿أَلاَّ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ﴾ أكثر المفسرين على أنه ما في صحف موسى وإبراهيم، وفَّى بالشرائع والأوامر على ما تقدم من الاختلاف. قال أبو مالك الغفاري: ﴿أَلاَّ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ﴾ إلى قوله: ﴿هَـٰذَا نَذِيرٌ مِّنَ ٱلنُّذُرِ ٱلأُوْلَىٰ﴾ هذا كله في مصحف إبراهيم وموسى. وعنى بقوله: ﴿أَلاَّ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ﴾ الذي ضمن للوليد أن يتحمل عنه عذاب الآخرة يقول الله ألم نخبر هذا المضمون. أي: بهذا الذي في صحف إبراهيم وموسى أن أحداً لا يحمل ذنب أحد. * * ثم قال: ﴿وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَىٰ﴾. قال ابن عباس الآية منسوخة لأن الله عز وجل أنزل بعد ذلك ﴿وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَٱتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ [الطور: ٢١] فرفع الله الأبناء في درجات الآباء بعمل الآباء، وهو اختيار الطبري. وروى ابن عباس عن النبي ﷺ أنه قال إن الله جل ذكره ليرفع ذرية المؤمن معه في درجته إن كان لم يبلغها بعمله لِتَقَرَّبِهِم عينه وقال قوم: الآية محكمة، ولا ينفع أحداً عمل أحد لا من صدقة ولا من حج ولا صلاة ولا غير ذلك، وقد أجمع العلماء أن الصلاة لا يجوز فيها أن يصلي أحد عن أحد وقد أتت أخبار عن النبي ﷺ في إجازة الحج عن الحي والميت والصيام عن الميت والصدقة عن الميت. ومذهب مالك أن عمل الأبدان لا يجوز أن يعمله أحد عن أحد، فإن أوصى بالحج ومات جاز أن يحج عنه. وقال تعالى: ﴿وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَىٰ﴾ أي: وإن عمل كل عامل سوف يراه الله يوم القيامة، فيجازيه عليه الجزاء الأوفى من خير أو شر يثاب على عمله.

النجم 53:35

قوله: ﴿أَفَرَأَيْتَ ٱلَّذِي تَوَلَّىٰ﴾ إلى قوله: ﴿ٱلْجَزَآءَ ٱلأَوْفَىٰ﴾ الآيات. أي: أفرأيت يا محمد الذي أدبر عن الإيمان بالله عز وجل وأعرض وأعطى صاحبه قليلاً من ماله ثم منعه فلم يعطه وبخل عليه. هذه الآية نزلت في الوليد بن المغيرة وذلك أنه عاتبه بعض المشركين لما أتبع رسول الله ﷺ على ما جاء به فضمن له الذي عاتبه إن هو أعطاه شيئاً من ماله ورجع إلى شركه أن يتحمل عنه عذاب الآخرة ففعل وأعطى الذي عاتبه على ذلك بعض ما كان ضمن له ثم بخل ومنعه تمام ما ضمن له. ومعنى وأكدى: قطع العطية ولم يتمها قاله ابن عباس ومجاهد، وقتادة. * * ثم قال: ﴿أَعِندَهُ عِلْمُ ٱلْغَيْبِ فَهُوَ يَرَىٰ﴾ أي: أعند هذا الذي ضمن له العذاب أن يتحمله عنه في الآخرة علم الغيب فهو يرى حقيقة قوله ووفائه بما وعده. وقيل: المعنى أعَلِمَ الوليد أن هذا الذي يتحمل عنه العذاب في الآخرة كما قال: ويرى: بمعنى: يعلم. * * ثم قال: ﴿أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَىٰ﴾ أي: أم لم يخبر هذا المضمون له أن يحتمل عنه العذاب في الآخرة بالذي في صحف موسى. ﴿وَإِبْرَاهِيمَ ٱلَّذِي وَفَّىٰ﴾ أي: وفي الرسالة وبلغها إلى من أرسلت إليه. وقيل معناه: وَفَّى ما عهد إليه ربه من تبليغ الرسالة وهو ﴿أَلاَّ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ﴾ أي: بلغ ألا يحمل أحد ذنب أحد. قال ابن عباس: كانوا قبل إبراهيم يأخذون الولي بالولي حتى كان إبراهيم عليه السلام فبلغ ﴿أَلاَّ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ﴾، ﴿وَأَنَّ عَلَيْهِ ٱلنَّشْأَةَ ٱلأُخْرَىٰ﴾. وقال قتادة: وفى طاعة الله ورسوله إلى خلقه. وقال ابن جبير: بلَّغ ما أمره به ربه وهو قول (ابن زيد وسفيان) والنخعي. وعن ابن عباس أيضاً: أن إبراهيم ﷺ وفَّى بما أمره ربه عز وجل من الذبح والرؤيا، والذي في صحف موسى: ﴿أَلاَّ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ﴾. وعن ابن عباس أيضاً: أن إبراهيم وفى شرائع الإسلام ثلاثين سهماً، وما ابتلي بهذا الدين أحد فأقامه إلاَّ إبراهيم فإنه وفَّى به. وقال مجاهد: وفي ما فرض عليه، وعن النبي ﷺ أنه قال: "ألا أخبركم لم سمَّ الله جل ذكره إبراهيم خليله "الذي وفَّى". لأنه كان يقول كلما أصبح وكلما أمسى ﴿فَسُبْحَانَ ٱللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ * وَلَهُ ٱلْحَمْدُ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ﴾ الآية وعنه ﷺ أنه قال: وفى إبراهيم بحمد ربه أربع ركعات في النهار وقوله: ﴿أَلاَّ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ﴾ أكثر المفسرين على أنه ما في صحف موسى وإبراهيم، وفَّى بالشرائع والأوامر على ما تقدم من الاختلاف. قال أبو مالك الغفاري: ﴿أَلاَّ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ﴾ إلى قوله: ﴿هَـٰذَا نَذِيرٌ مِّنَ ٱلنُّذُرِ ٱلأُوْلَىٰ﴾ هذا كله في مصحف إبراهيم وموسى. وعنى بقوله: ﴿أَلاَّ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ﴾ الذي ضمن للوليد أن يتحمل عنه عذاب الآخرة يقول الله ألم نخبر هذا المضمون. أي: بهذا الذي في صحف إبراهيم وموسى أن أحداً لا يحمل ذنب أحد. * * ثم قال: ﴿وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَىٰ﴾. قال ابن عباس الآية منسوخة لأن الله عز وجل أنزل بعد ذلك ﴿وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَٱتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ [الطور: ٢١] فرفع الله الأبناء في درجات الآباء بعمل الآباء، وهو اختيار الطبري. وروى ابن عباس عن النبي ﷺ أنه قال إن الله جل ذكره ليرفع ذرية المؤمن معه في درجته إن كان لم يبلغها بعمله لِتَقَرَّبِهِم عينه وقال قوم: الآية محكمة، ولا ينفع أحداً عمل أحد لا من صدقة ولا من حج ولا صلاة ولا غير ذلك، وقد أجمع العلماء أن الصلاة لا يجوز فيها أن يصلي أحد عن أحد وقد أتت أخبار عن النبي ﷺ في إجازة الحج عن الحي والميت والصيام عن الميت والصدقة عن الميت. ومذهب مالك أن عمل الأبدان لا يجوز أن يعمله أحد عن أحد، فإن أوصى بالحج ومات جاز أن يحج عنه. وقال تعالى: ﴿وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَىٰ﴾ أي: وإن عمل كل عامل سوف يراه الله يوم القيامة، فيجازيه عليه الجزاء الأوفى من خير أو شر يثاب على عمله.

النجم 53:36

قوله: ﴿أَفَرَأَيْتَ ٱلَّذِي تَوَلَّىٰ﴾ إلى قوله: ﴿ٱلْجَزَآءَ ٱلأَوْفَىٰ﴾ الآيات. أي: أفرأيت يا محمد الذي أدبر عن الإيمان بالله عز وجل وأعرض وأعطى صاحبه قليلاً من ماله ثم منعه فلم يعطه وبخل عليه. هذه الآية نزلت في الوليد بن المغيرة وذلك أنه عاتبه بعض المشركين لما أتبع رسول الله ﷺ على ما جاء به فضمن له الذي عاتبه إن هو أعطاه شيئاً من ماله ورجع إلى شركه أن يتحمل عنه عذاب الآخرة ففعل وأعطى الذي عاتبه على ذلك بعض ما كان ضمن له ثم بخل ومنعه تمام ما ضمن له. ومعنى وأكدى: قطع العطية ولم يتمها قاله ابن عباس ومجاهد، وقتادة. * * ثم قال: ﴿أَعِندَهُ عِلْمُ ٱلْغَيْبِ فَهُوَ يَرَىٰ﴾ أي: أعند هذا الذي ضمن له العذاب أن يتحمله عنه في الآخرة علم الغيب فهو يرى حقيقة قوله ووفائه بما وعده. وقيل: المعنى أعَلِمَ الوليد أن هذا الذي يتحمل عنه العذاب في الآخرة كما قال: ويرى: بمعنى: يعلم. * * ثم قال: ﴿أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَىٰ﴾ أي: أم لم يخبر هذا المضمون له أن يحتمل عنه العذاب في الآخرة بالذي في صحف موسى. ﴿وَإِبْرَاهِيمَ ٱلَّذِي وَفَّىٰ﴾ أي: وفي الرسالة وبلغها إلى من أرسلت إليه. وقيل معناه: وَفَّى ما عهد إليه ربه من تبليغ الرسالة وهو ﴿أَلاَّ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ﴾ أي: بلغ ألا يحمل أحد ذنب أحد. قال ابن عباس: كانوا قبل إبراهيم يأخذون الولي بالولي حتى كان إبراهيم عليه السلام فبلغ ﴿أَلاَّ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ﴾، ﴿وَأَنَّ عَلَيْهِ ٱلنَّشْأَةَ ٱلأُخْرَىٰ﴾. وقال قتادة: وفى طاعة الله ورسوله إلى خلقه. وقال ابن جبير: بلَّغ ما أمره به ربه وهو قول (ابن زيد وسفيان) والنخعي. وعن ابن عباس أيضاً: أن إبراهيم ﷺ وفَّى بما أمره ربه عز وجل من الذبح والرؤيا، والذي في صحف موسى: ﴿أَلاَّ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ﴾. وعن ابن عباس أيضاً: أن إبراهيم وفى شرائع الإسلام ثلاثين سهماً، وما ابتلي بهذا الدين أحد فأقامه إلاَّ إبراهيم فإنه وفَّى به. وقال مجاهد: وفي ما فرض عليه، وعن النبي ﷺ أنه قال: "ألا أخبركم لم سمَّ الله جل ذكره إبراهيم خليله "الذي وفَّى". لأنه كان يقول كلما أصبح وكلما أمسى ﴿فَسُبْحَانَ ٱللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ * وَلَهُ ٱلْحَمْدُ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ﴾ الآية وعنه ﷺ أنه قال: وفى إبراهيم بحمد ربه أربع ركعات في النهار وقوله: ﴿أَلاَّ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ﴾ أكثر المفسرين على أنه ما في صحف موسى وإبراهيم، وفَّى بالشرائع والأوامر على ما تقدم من الاختلاف. قال أبو مالك الغفاري: ﴿أَلاَّ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ﴾ إلى قوله: ﴿هَـٰذَا نَذِيرٌ مِّنَ ٱلنُّذُرِ ٱلأُوْلَىٰ﴾ هذا كله في مصحف إبراهيم وموسى. وعنى بقوله: ﴿أَلاَّ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ﴾ الذي ضمن للوليد أن يتحمل عنه عذاب الآخرة يقول الله ألم نخبر هذا المضمون. أي: بهذا الذي في صحف إبراهيم وموسى أن أحداً لا يحمل ذنب أحد. * * ثم قال: ﴿وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَىٰ﴾. قال ابن عباس الآية منسوخة لأن الله عز وجل أنزل بعد ذلك ﴿وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَٱتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ [الطور: ٢١] فرفع الله الأبناء في درجات الآباء بعمل الآباء، وهو اختيار الطبري. وروى ابن عباس عن النبي ﷺ أنه قال إن الله جل ذكره ليرفع ذرية المؤمن معه في درجته إن كان لم يبلغها بعمله لِتَقَرَّبِهِم عينه وقال قوم: الآية محكمة، ولا ينفع أحداً عمل أحد لا من صدقة ولا من حج ولا صلاة ولا غير ذلك، وقد أجمع العلماء أن الصلاة لا يجوز فيها أن يصلي أحد عن أحد وقد أتت أخبار عن النبي ﷺ في إجازة الحج عن الحي والميت والصيام عن الميت والصدقة عن الميت. ومذهب مالك أن عمل الأبدان لا يجوز أن يعمله أحد عن أحد، فإن أوصى بالحج ومات جاز أن يحج عنه. وقال تعالى: ﴿وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَىٰ﴾ أي: وإن عمل كل عامل سوف يراه الله يوم القيامة، فيجازيه عليه الجزاء الأوفى من خير أو شر يثاب على عمله.

النجم 53:37

قوله: ﴿أَفَرَأَيْتَ ٱلَّذِي تَوَلَّىٰ﴾ إلى قوله: ﴿ٱلْجَزَآءَ ٱلأَوْفَىٰ﴾ الآيات. أي: أفرأيت يا محمد الذي أدبر عن الإيمان بالله عز وجل وأعرض وأعطى صاحبه قليلاً من ماله ثم منعه فلم يعطه وبخل عليه. هذه الآية نزلت في الوليد بن المغيرة وذلك أنه عاتبه بعض المشركين لما أتبع رسول الله ﷺ على ما جاء به فضمن له الذي عاتبه إن هو أعطاه شيئاً من ماله ورجع إلى شركه أن يتحمل عنه عذاب الآخرة ففعل وأعطى الذي عاتبه على ذلك بعض ما كان ضمن له ثم بخل ومنعه تمام ما ضمن له. ومعنى وأكدى: قطع العطية ولم يتمها قاله ابن عباس ومجاهد، وقتادة. * * ثم قال: ﴿أَعِندَهُ عِلْمُ ٱلْغَيْبِ فَهُوَ يَرَىٰ﴾ أي: أعند هذا الذي ضمن له العذاب أن يتحمله عنه في الآخرة علم الغيب فهو يرى حقيقة قوله ووفائه بما وعده. وقيل: المعنى أعَلِمَ الوليد أن هذا الذي يتحمل عنه العذاب في الآخرة كما قال: ويرى: بمعنى: يعلم. * * ثم قال: ﴿أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَىٰ﴾ أي: أم لم يخبر هذا المضمون له أن يحتمل عنه العذاب في الآخرة بالذي في صحف موسى. ﴿وَإِبْرَاهِيمَ ٱلَّذِي وَفَّىٰ﴾ أي: وفي الرسالة وبلغها إلى من أرسلت إليه. وقيل معناه: وَفَّى ما عهد إليه ربه من تبليغ الرسالة وهو ﴿أَلاَّ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ﴾ أي: بلغ ألا يحمل أحد ذنب أحد. قال ابن عباس: كانوا قبل إبراهيم يأخذون الولي بالولي حتى كان إبراهيم عليه السلام فبلغ ﴿أَلاَّ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ﴾، ﴿وَأَنَّ عَلَيْهِ ٱلنَّشْأَةَ ٱلأُخْرَىٰ﴾. وقال قتادة: وفى طاعة الله ورسوله إلى خلقه. وقال ابن جبير: بلَّغ ما أمره به ربه وهو قول (ابن زيد وسفيان) والنخعي. وعن ابن عباس أيضاً: أن إبراهيم ﷺ وفَّى بما أمره ربه عز وجل من الذبح والرؤيا، والذي في صحف موسى: ﴿أَلاَّ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ﴾. وعن ابن عباس أيضاً: أن إبراهيم وفى شرائع الإسلام ثلاثين سهماً، وما ابتلي بهذا الدين أحد فأقامه إلاَّ إبراهيم فإنه وفَّى به. وقال مجاهد: وفي ما فرض عليه، وعن النبي ﷺ أنه قال: "ألا أخبركم لم سمَّ الله جل ذكره إبراهيم خليله "الذي وفَّى". لأنه كان يقول كلما أصبح وكلما أمسى ﴿فَسُبْحَانَ ٱللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ * وَلَهُ ٱلْحَمْدُ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ﴾ الآية وعنه ﷺ أنه قال: وفى إبراهيم بحمد ربه أربع ركعات في النهار وقوله: ﴿أَلاَّ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ﴾ أكثر المفسرين على أنه ما في صحف موسى وإبراهيم، وفَّى بالشرائع والأوامر على ما تقدم من الاختلاف. قال أبو مالك الغفاري: ﴿أَلاَّ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ﴾ إلى قوله: ﴿هَـٰذَا نَذِيرٌ مِّنَ ٱلنُّذُرِ ٱلأُوْلَىٰ﴾ هذا كله في مصحف إبراهيم وموسى. وعنى بقوله: ﴿أَلاَّ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ﴾ الذي ضمن للوليد أن يتحمل عنه عذاب الآخرة يقول الله ألم نخبر هذا المضمون. أي: بهذا الذي في صحف إبراهيم وموسى أن أحداً لا يحمل ذنب أحد. * * ثم قال: ﴿وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَىٰ﴾. قال ابن عباس الآية منسوخة لأن الله عز وجل أنزل بعد ذلك ﴿وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَٱتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ [الطور: ٢١] فرفع الله الأبناء في درجات الآباء بعمل الآباء، وهو اختيار الطبري. وروى ابن عباس عن النبي ﷺ أنه قال إن الله جل ذكره ليرفع ذرية المؤمن معه في درجته إن كان لم يبلغها بعمله لِتَقَرَّبِهِم عينه وقال قوم: الآية محكمة، ولا ينفع أحداً عمل أحد لا من صدقة ولا من حج ولا صلاة ولا غير ذلك، وقد أجمع العلماء أن الصلاة لا يجوز فيها أن يصلي أحد عن أحد وقد أتت أخبار عن النبي ﷺ في إجازة الحج عن الحي والميت والصيام عن الميت والصدقة عن الميت. ومذهب مالك أن عمل الأبدان لا يجوز أن يعمله أحد عن أحد، فإن أوصى بالحج ومات جاز أن يحج عنه. وقال تعالى: ﴿وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَىٰ﴾ أي: وإن عمل كل عامل سوف يراه الله يوم القيامة، فيجازيه عليه الجزاء الأوفى من خير أو شر يثاب على عمله.

النجم 53:38

قوله: ﴿أَفَرَأَيْتَ ٱلَّذِي تَوَلَّىٰ﴾ إلى قوله: ﴿ٱلْجَزَآءَ ٱلأَوْفَىٰ﴾ الآيات. أي: أفرأيت يا محمد الذي أدبر عن الإيمان بالله عز وجل وأعرض وأعطى صاحبه قليلاً من ماله ثم منعه فلم يعطه وبخل عليه. هذه الآية نزلت في الوليد بن المغيرة وذلك أنه عاتبه بعض المشركين لما أتبع رسول الله ﷺ على ما جاء به فضمن له الذي عاتبه إن هو أعطاه شيئاً من ماله ورجع إلى شركه أن يتحمل عنه عذاب الآخرة ففعل وأعطى الذي عاتبه على ذلك بعض ما كان ضمن له ثم بخل ومنعه تمام ما ضمن له. ومعنى وأكدى: قطع العطية ولم يتمها قاله ابن عباس ومجاهد، وقتادة. * * ثم قال: ﴿أَعِندَهُ عِلْمُ ٱلْغَيْبِ فَهُوَ يَرَىٰ﴾ أي: أعند هذا الذي ضمن له العذاب أن يتحمله عنه في الآخرة علم الغيب فهو يرى حقيقة قوله ووفائه بما وعده. وقيل: المعنى أعَلِمَ الوليد أن هذا الذي يتحمل عنه العذاب في الآخرة كما قال: ويرى: بمعنى: يعلم. * * ثم قال: ﴿أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَىٰ﴾ أي: أم لم يخبر هذا المضمون له أن يحتمل عنه العذاب في الآخرة بالذي في صحف موسى. ﴿وَإِبْرَاهِيمَ ٱلَّذِي وَفَّىٰ﴾ أي: وفي الرسالة وبلغها إلى من أرسلت إليه. وقيل معناه: وَفَّى ما عهد إليه ربه من تبليغ الرسالة وهو ﴿أَلاَّ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ﴾ أي: بلغ ألا يحمل أحد ذنب أحد. قال ابن عباس: كانوا قبل إبراهيم يأخذون الولي بالولي حتى كان إبراهيم عليه السلام فبلغ ﴿أَلاَّ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ﴾، ﴿وَأَنَّ عَلَيْهِ ٱلنَّشْأَةَ ٱلأُخْرَىٰ﴾. وقال قتادة: وفى طاعة الله ورسوله إلى خلقه. وقال ابن جبير: بلَّغ ما أمره به ربه وهو قول (ابن زيد وسفيان) والنخعي. وعن ابن عباس أيضاً: أن إبراهيم ﷺ وفَّى بما أمره ربه عز وجل من الذبح والرؤيا، والذي في صحف موسى: ﴿أَلاَّ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ﴾. وعن ابن عباس أيضاً: أن إبراهيم وفى شرائع الإسلام ثلاثين سهماً، وما ابتلي بهذا الدين أحد فأقامه إلاَّ إبراهيم فإنه وفَّى به. وقال مجاهد: وفي ما فرض عليه، وعن النبي ﷺ أنه قال: "ألا أخبركم لم سمَّ الله جل ذكره إبراهيم خليله "الذي وفَّى". لأنه كان يقول كلما أصبح وكلما أمسى ﴿فَسُبْحَانَ ٱللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ * وَلَهُ ٱلْحَمْدُ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ﴾ الآية وعنه ﷺ أنه قال: وفى إبراهيم بحمد ربه أربع ركعات في النهار وقوله: ﴿أَلاَّ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ﴾ أكثر المفسرين على أنه ما في صحف موسى وإبراهيم، وفَّى بالشرائع والأوامر على ما تقدم من الاختلاف. قال أبو مالك الغفاري: ﴿أَلاَّ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ﴾ إلى قوله: ﴿هَـٰذَا نَذِيرٌ مِّنَ ٱلنُّذُرِ ٱلأُوْلَىٰ﴾ هذا كله في مصحف إبراهيم وموسى. وعنى بقوله: ﴿أَلاَّ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ﴾ الذي ضمن للوليد أن يتحمل عنه عذاب الآخرة يقول الله ألم نخبر هذا المضمون. أي: بهذا الذي في صحف إبراهيم وموسى أن أحداً لا يحمل ذنب أحد. * * ثم قال: ﴿وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَىٰ﴾. قال ابن عباس الآية منسوخة لأن الله عز وجل أنزل بعد ذلك ﴿وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَٱتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ [الطور: ٢١] فرفع الله الأبناء في درجات الآباء بعمل الآباء، وهو اختيار الطبري. وروى ابن عباس عن النبي ﷺ أنه قال إن الله جل ذكره ليرفع ذرية المؤمن معه في درجته إن كان لم يبلغها بعمله لِتَقَرَّبِهِم عينه وقال قوم: الآية محكمة، ولا ينفع أحداً عمل أحد لا من صدقة ولا من حج ولا صلاة ولا غير ذلك، وقد أجمع العلماء أن الصلاة لا يجوز فيها أن يصلي أحد عن أحد وقد أتت أخبار عن النبي ﷺ في إجازة الحج عن الحي والميت والصيام عن الميت والصدقة عن الميت. ومذهب مالك أن عمل الأبدان لا يجوز أن يعمله أحد عن أحد، فإن أوصى بالحج ومات جاز أن يحج عنه. وقال تعالى: ﴿وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَىٰ﴾ أي: وإن عمل كل عامل سوف يراه الله يوم القيامة، فيجازيه عليه الجزاء الأوفى من خير أو شر يثاب على عمله.

النجم 53:39

قوله: ﴿أَفَرَأَيْتَ ٱلَّذِي تَوَلَّىٰ﴾ إلى قوله: ﴿ٱلْجَزَآءَ ٱلأَوْفَىٰ﴾ الآيات. أي: أفرأيت يا محمد الذي أدبر عن الإيمان بالله عز وجل وأعرض وأعطى صاحبه قليلاً من ماله ثم منعه فلم يعطه وبخل عليه. هذه الآية نزلت في الوليد بن المغيرة وذلك أنه عاتبه بعض المشركين لما أتبع رسول الله ﷺ على ما جاء به فضمن له الذي عاتبه إن هو أعطاه شيئاً من ماله ورجع إلى شركه أن يتحمل عنه عذاب الآخرة ففعل وأعطى الذي عاتبه على ذلك بعض ما كان ضمن له ثم بخل ومنعه تمام ما ضمن له. ومعنى وأكدى: قطع العطية ولم يتمها قاله ابن عباس ومجاهد، وقتادة. * * ثم قال: ﴿أَعِندَهُ عِلْمُ ٱلْغَيْبِ فَهُوَ يَرَىٰ﴾ أي: أعند هذا الذي ضمن له العذاب أن يتحمله عنه في الآخرة علم الغيب فهو يرى حقيقة قوله ووفائه بما وعده. وقيل: المعنى أعَلِمَ الوليد أن هذا الذي يتحمل عنه العذاب في الآخرة كما قال: ويرى: بمعنى: يعلم. * * ثم قال: ﴿أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَىٰ﴾ أي: أم لم يخبر هذا المضمون له أن يحتمل عنه العذاب في الآخرة بالذي في صحف موسى. ﴿وَإِبْرَاهِيمَ ٱلَّذِي وَفَّىٰ﴾ أي: وفي الرسالة وبلغها إلى من أرسلت إليه. وقيل معناه: وَفَّى ما عهد إليه ربه من تبليغ الرسالة وهو ﴿أَلاَّ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ﴾ أي: بلغ ألا يحمل أحد ذنب أحد. قال ابن عباس: كانوا قبل إبراهيم يأخذون الولي بالولي حتى كان إبراهيم عليه السلام فبلغ ﴿أَلاَّ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ﴾، ﴿وَأَنَّ عَلَيْهِ ٱلنَّشْأَةَ ٱلأُخْرَىٰ﴾. وقال قتادة: وفى طاعة الله ورسوله إلى خلقه. وقال ابن جبير: بلَّغ ما أمره به ربه وهو قول (ابن زيد وسفيان) والنخعي. وعن ابن عباس أيضاً: أن إبراهيم ﷺ وفَّى بما أمره ربه عز وجل من الذبح والرؤيا، والذي في صحف موسى: ﴿أَلاَّ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ﴾. وعن ابن عباس أيضاً: أن إبراهيم وفى شرائع الإسلام ثلاثين سهماً، وما ابتلي بهذا الدين أحد فأقامه إلاَّ إبراهيم فإنه وفَّى به. وقال مجاهد: وفي ما فرض عليه، وعن النبي ﷺ أنه قال: "ألا أخبركم لم سمَّ الله جل ذكره إبراهيم خليله "الذي وفَّى". لأنه كان يقول كلما أصبح وكلما أمسى ﴿فَسُبْحَانَ ٱللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ * وَلَهُ ٱلْحَمْدُ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ﴾ الآية وعنه ﷺ أنه قال: وفى إبراهيم بحمد ربه أربع ركعات في النهار وقوله: ﴿أَلاَّ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ﴾ أكثر المفسرين على أنه ما في صحف موسى وإبراهيم، وفَّى بالشرائع والأوامر على ما تقدم من الاختلاف. قال أبو مالك الغفاري: ﴿أَلاَّ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ﴾ إلى قوله: ﴿هَـٰذَا نَذِيرٌ مِّنَ ٱلنُّذُرِ ٱلأُوْلَىٰ﴾ هذا كله في مصحف إبراهيم وموسى. وعنى بقوله: ﴿أَلاَّ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ﴾ الذي ضمن للوليد أن يتحمل عنه عذاب الآخرة يقول الله ألم نخبر هذا المضمون. أي: بهذا الذي في صحف إبراهيم وموسى أن أحداً لا يحمل ذنب أحد. * * ثم قال: ﴿وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَىٰ﴾. قال ابن عباس الآية منسوخة لأن الله عز وجل أنزل بعد ذلك ﴿وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَٱتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ [الطور: ٢١] فرفع الله الأبناء في درجات الآباء بعمل الآباء، وهو اختيار الطبري. وروى ابن عباس عن النبي ﷺ أنه قال إن الله جل ذكره ليرفع ذرية المؤمن معه في درجته إن كان لم يبلغها بعمله لِتَقَرَّبِهِم عينه وقال قوم: الآية محكمة، ولا ينفع أحداً عمل أحد لا من صدقة ولا من حج ولا صلاة ولا غير ذلك، وقد أجمع العلماء أن الصلاة لا يجوز فيها أن يصلي أحد عن أحد وقد أتت أخبار عن النبي ﷺ في إجازة الحج عن الحي والميت والصيام عن الميت والصدقة عن الميت. ومذهب مالك أن عمل الأبدان لا يجوز أن يعمله أحد عن أحد، فإن أوصى بالحج ومات جاز أن يحج عنه. وقال تعالى: ﴿وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَىٰ﴾ أي: وإن عمل كل عامل سوف يراه الله يوم القيامة، فيجازيه عليه الجزاء الأوفى من خير أو شر يثاب على عمله.

النجم 53:40

قوله: ﴿أَفَرَأَيْتَ ٱلَّذِي تَوَلَّىٰ﴾ إلى قوله: ﴿ٱلْجَزَآءَ ٱلأَوْفَىٰ﴾ الآيات. أي: أفرأيت يا محمد الذي أدبر عن الإيمان بالله عز وجل وأعرض وأعطى صاحبه قليلاً من ماله ثم منعه فلم يعطه وبخل عليه. هذه الآية نزلت في الوليد بن المغيرة وذلك أنه عاتبه بعض المشركين لما أتبع رسول الله ﷺ على ما جاء به فضمن له الذي عاتبه إن هو أعطاه شيئاً من ماله ورجع إلى شركه أن يتحمل عنه عذاب الآخرة ففعل وأعطى الذي عاتبه على ذلك بعض ما كان ضمن له ثم بخل ومنعه تمام ما ضمن له. ومعنى وأكدى: قطع العطية ولم يتمها قاله ابن عباس ومجاهد، وقتادة. * * ثم قال: ﴿أَعِندَهُ عِلْمُ ٱلْغَيْبِ فَهُوَ يَرَىٰ﴾ أي: أعند هذا الذي ضمن له العذاب أن يتحمله عنه في الآخرة علم الغيب فهو يرى حقيقة قوله ووفائه بما وعده. وقيل: المعنى أعَلِمَ الوليد أن هذا الذي يتحمل عنه العذاب في الآخرة كما قال: ويرى: بمعنى: يعلم. * * ثم قال: ﴿أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَىٰ﴾ أي: أم لم يخبر هذا المضمون له أن يحتمل عنه العذاب في الآخرة بالذي في صحف موسى. ﴿وَإِبْرَاهِيمَ ٱلَّذِي وَفَّىٰ﴾ أي: وفي الرسالة وبلغها إلى من أرسلت إليه. وقيل معناه: وَفَّى ما عهد إليه ربه من تبليغ الرسالة وهو ﴿أَلاَّ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ﴾ أي: بلغ ألا يحمل أحد ذنب أحد. قال ابن عباس: كانوا قبل إبراهيم يأخذون الولي بالولي حتى كان إبراهيم عليه السلام فبلغ ﴿أَلاَّ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ﴾، ﴿وَأَنَّ عَلَيْهِ ٱلنَّشْأَةَ ٱلأُخْرَىٰ﴾. وقال قتادة: وفى طاعة الله ورسوله إلى خلقه. وقال ابن جبير: بلَّغ ما أمره به ربه وهو قول (ابن زيد وسفيان) والنخعي. وعن ابن عباس أيضاً: أن إبراهيم ﷺ وفَّى بما أمره ربه عز وجل من الذبح والرؤيا، والذي في صحف موسى: ﴿أَلاَّ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ﴾. وعن ابن عباس أيضاً: أن إبراهيم وفى شرائع الإسلام ثلاثين سهماً، وما ابتلي بهذا الدين أحد فأقامه إلاَّ إبراهيم فإنه وفَّى به. وقال مجاهد: وفي ما فرض عليه، وعن النبي ﷺ أنه قال: "ألا أخبركم لم سمَّ الله جل ذكره إبراهيم خليله "الذي وفَّى". لأنه كان يقول كلما أصبح وكلما أمسى ﴿فَسُبْحَانَ ٱللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ * وَلَهُ ٱلْحَمْدُ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ﴾ الآية وعنه ﷺ أنه قال: وفى إبراهيم بحمد ربه أربع ركعات في النهار وقوله: ﴿أَلاَّ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ﴾ أكثر المفسرين على أنه ما في صحف موسى وإبراهيم، وفَّى بالشرائع والأوامر على ما تقدم من الاختلاف. قال أبو مالك الغفاري: ﴿أَلاَّ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ﴾ إلى قوله: ﴿هَـٰذَا نَذِيرٌ مِّنَ ٱلنُّذُرِ ٱلأُوْلَىٰ﴾ هذا كله في مصحف إبراهيم وموسى. وعنى بقوله: ﴿أَلاَّ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ﴾ الذي ضمن للوليد أن يتحمل عنه عذاب الآخرة يقول الله ألم نخبر هذا المضمون. أي: بهذا الذي في صحف إبراهيم وموسى أن أحداً لا يحمل ذنب أحد. * * ثم قال: ﴿وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَىٰ﴾. قال ابن عباس الآية منسوخة لأن الله عز وجل أنزل بعد ذلك ﴿وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَٱتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ [الطور: ٢١] فرفع الله الأبناء في درجات الآباء بعمل الآباء، وهو اختيار الطبري. وروى ابن عباس عن النبي ﷺ أنه قال إن الله جل ذكره ليرفع ذرية المؤمن معه في درجته إن كان لم يبلغها بعمله لِتَقَرَّبِهِم عينه وقال قوم: الآية محكمة، ولا ينفع أحداً عمل أحد لا من صدقة ولا من حج ولا صلاة ولا غير ذلك، وقد أجمع العلماء أن الصلاة لا يجوز فيها أن يصلي أحد عن أحد وقد أتت أخبار عن النبي ﷺ في إجازة الحج عن الحي والميت والصيام عن الميت والصدقة عن الميت. ومذهب مالك أن عمل الأبدان لا يجوز أن يعمله أحد عن أحد، فإن أوصى بالحج ومات جاز أن يحج عنه. وقال تعالى: ﴿وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَىٰ﴾ أي: وإن عمل كل عامل سوف يراه الله يوم القيامة، فيجازيه عليه الجزاء الأوفى من خير أو شر يثاب على عمله.

النجم 53:41

قوله: ﴿أَفَرَأَيْتَ ٱلَّذِي تَوَلَّىٰ﴾ إلى قوله: ﴿ٱلْجَزَآءَ ٱلأَوْفَىٰ﴾ الآيات. أي: أفرأيت يا محمد الذي أدبر عن الإيمان بالله عز وجل وأعرض وأعطى صاحبه قليلاً من ماله ثم منعه فلم يعطه وبخل عليه. هذه الآية نزلت في الوليد بن المغيرة وذلك أنه عاتبه بعض المشركين لما أتبع رسول الله ﷺ على ما جاء به فضمن له الذي عاتبه إن هو أعطاه شيئاً من ماله ورجع إلى شركه أن يتحمل عنه عذاب الآخرة ففعل وأعطى الذي عاتبه على ذلك بعض ما كان ضمن له ثم بخل ومنعه تمام ما ضمن له. ومعنى وأكدى: قطع العطية ولم يتمها قاله ابن عباس ومجاهد، وقتادة. * * ثم قال: ﴿أَعِندَهُ عِلْمُ ٱلْغَيْبِ فَهُوَ يَرَىٰ﴾ أي: أعند هذا الذي ضمن له العذاب أن يتحمله عنه في الآخرة علم الغيب فهو يرى حقيقة قوله ووفائه بما وعده. وقيل: المعنى أعَلِمَ الوليد أن هذا الذي يتحمل عنه العذاب في الآخرة كما قال: ويرى: بمعنى: يعلم. * * ثم قال: ﴿أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَىٰ﴾ أي: أم لم يخبر هذا المضمون له أن يحتمل عنه العذاب في الآخرة بالذي في صحف موسى. ﴿وَإِبْرَاهِيمَ ٱلَّذِي وَفَّىٰ﴾ أي: وفي الرسالة وبلغها إلى من أرسلت إليه. وقيل معناه: وَفَّى ما عهد إليه ربه من تبليغ الرسالة وهو ﴿أَلاَّ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ﴾ أي: بلغ ألا يحمل أحد ذنب أحد. قال ابن عباس: كانوا قبل إبراهيم يأخذون الولي بالولي حتى كان إبراهيم عليه السلام فبلغ ﴿أَلاَّ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ﴾، ﴿وَأَنَّ عَلَيْهِ ٱلنَّشْأَةَ ٱلأُخْرَىٰ﴾. وقال قتادة: وفى طاعة الله ورسوله إلى خلقه. وقال ابن جبير: بلَّغ ما أمره به ربه وهو قول (ابن زيد وسفيان) والنخعي. وعن ابن عباس أيضاً: أن إبراهيم ﷺ وفَّى بما أمره ربه عز وجل من الذبح والرؤيا، والذي في صحف موسى: ﴿أَلاَّ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ﴾. وعن ابن عباس أيضاً: أن إبراهيم وفى شرائع الإسلام ثلاثين سهماً، وما ابتلي بهذا الدين أحد فأقامه إلاَّ إبراهيم فإنه وفَّى به. وقال مجاهد: وفي ما فرض عليه، وعن النبي ﷺ أنه قال: "ألا أخبركم لم سمَّ الله جل ذكره إبراهيم خليله "الذي وفَّى". لأنه كان يقول كلما أصبح وكلما أمسى ﴿فَسُبْحَانَ ٱللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ * وَلَهُ ٱلْحَمْدُ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ﴾ الآية وعنه ﷺ أنه قال: وفى إبراهيم بحمد ربه أربع ركعات في النهار وقوله: ﴿أَلاَّ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ﴾ أكثر المفسرين على أنه ما في صحف موسى وإبراهيم، وفَّى بالشرائع والأوامر على ما تقدم من الاختلاف. قال أبو مالك الغفاري: ﴿أَلاَّ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ﴾ إلى قوله: ﴿هَـٰذَا نَذِيرٌ مِّنَ ٱلنُّذُرِ ٱلأُوْلَىٰ﴾ هذا كله في مصحف إبراهيم وموسى. وعنى بقوله: ﴿أَلاَّ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ﴾ الذي ضمن للوليد أن يتحمل عنه عذاب الآخرة يقول الله ألم نخبر هذا المضمون. أي: بهذا الذي في صحف إبراهيم وموسى أن أحداً لا يحمل ذنب أحد. * * ثم قال: ﴿وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَىٰ﴾. قال ابن عباس الآية منسوخة لأن الله عز وجل أنزل بعد ذلك ﴿وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَٱتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ [الطور: ٢١] فرفع الله الأبناء في درجات الآباء بعمل الآباء، وهو اختيار الطبري. وروى ابن عباس عن النبي ﷺ أنه قال إن الله جل ذكره ليرفع ذرية المؤمن معه في درجته إن كان لم يبلغها بعمله لِتَقَرَّبِهِم عينه وقال قوم: الآية محكمة، ولا ينفع أحداً عمل أحد لا من صدقة ولا من حج ولا صلاة ولا غير ذلك، وقد أجمع العلماء أن الصلاة لا يجوز فيها أن يصلي أحد عن أحد وقد أتت أخبار عن النبي ﷺ في إجازة الحج عن الحي والميت والصيام عن الميت والصدقة عن الميت. ومذهب مالك أن عمل الأبدان لا يجوز أن يعمله أحد عن أحد، فإن أوصى بالحج ومات جاز أن يحج عنه. وقال تعالى: ﴿وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَىٰ﴾ أي: وإن عمل كل عامل سوف يراه الله يوم القيامة، فيجازيه عليه الجزاء الأوفى من خير أو شر يثاب على عمله.

النجم 53:42

قوله: ﴿وَأَنَّ إِلَىٰ رَبِّكَ ٱلْمُنتَهَىٰ﴾ إلى قوله: ﴿أَهْلَكَ عَاداً ٱلأُولَىٰ﴾ الآيات. أي: وإن إلى ربك يا محمد انتهاء جميع خلقه ومرجعهم، وهو المجازي جميعهم بأعمالهم صالحهم وطالحهم. * * ثم قال: ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَىٰ﴾ أي: أضحك أهل الجنة بالجنة، وأبكى أهل النار بالنار. وقيل معناه أضحك من شاء في الدنيا بأن سره، وأبكى من شاء بأن غمه. * * ثم قال: ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا﴾ أي: هو أمات من أمات من خلقه، وهو أحيا من أحيا منهم. * * ثم قال: ﴿وَأَنَّهُ خَلَقَ ٱلزَّوْجَيْنِ ٱلذَّكَرَ وَٱلأُنثَىٰ﴾ أي: ابتدع إنشاء الذكر والأنثى. يقال لكل واحد من الذكر والأنثى زوج. خلقهما: ﴿مِن نُّطْفَةٍ إِذَا تُمْنَىٰ﴾ أي: إذا أمناها الرجل والمرأة. وقيل معناه: إذا مناها الله عز وجل، أي: قدرها أن تكون نسمة. * * ثم قال: ﴿وَأَنَّ عَلَيْهِ ٱلنَّشْأَةَ ٱلأُخْرَىٰ﴾ أي: عليه إعادتهم بعد موتهم خلقاً جديداً. * * ثم قال: ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَىٰ وَأَقْنَىٰ﴾ أي: أغنى بالمال من شاء، وأقناه: أي: جعله يقتني الأشياء ويدخرها. وقيل أقنى: ادخر. وهو قول مجاهد والحسن وقتادة. وعن ابن عباس (وأقنى: أي: أرضى، وأغنى: وأعطى). وعن مجاهد أيضاً: أغنى: تولى، وأقنى: أرضى. وقال السدي: اقنى من القنية، يعني ادخار الأشياء. وقال سفيان بن عيينة معناه: أغنى ورضي. وقال أبو صفوان بن عوانة: أغنى وأقنى: (أخذ من الغنيمة). وقال المعتمر بن سليمان: أغنى الإنسان وأقنى أي: أفقر الخلق إليه. وقال ابن زيد "أعنى وأقنى أي: أغنى من شاء من خلقه وأفقر من شاء. * * ثم قال: ﴿وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ ٱلشِّعْرَىٰ﴾ أي: وإن ربك يا محمد هو رب الشعرى، وهو نجم يسمى بهذا الاسم كان بعض أهل الجاهلية يعبده. قال مجاهد: هو الكوكب الذي خلف الجوزاء كانوا يعبدونه، فقيل لهم: اتركوا عبادته واعبدوا ربه وهو الشعرى: العبور الخارج عن المجرة عبدت في الجاهلية، وقالوا: رأينا ما (عبرت عن المنازل) فأعلم الله أنه ربها وأنه خالقها الذي تجب له العبادة. * * ثم قال: ﴿وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَاداً ٱلأُولَىٰ﴾ وهو عاد بن آدم بن عوص بن سام بن نوح وعاد الثانية من ولد عاد الأكبر، وكانت عاد الآخرة ساكنة بمكة مع أخوالهم من العمالقة ولد عمليق بن لاود بن سام بن نوح، فلم يصبهم من العذاب ما أصابه عاداً الأولى ثم هلكت [عاد] الآخرة بعد ذلك بغى بعضهم على بعض فتفانوا بالقتل، وعادٌ الأولى هي التي هلكت بالريح. وقال ابن زيد: إنما قيل لها عاد الأولى لأنها أول الأمم هلاكاً بعد نوح. وقيل: إن عاداً الآخرة هي ثمود. وقد قال زهير: "كَأَحْمُرِ عَادٍ ثُمَّ تُرْضِعُ فَتَفْطَم" يريد عاقر الناقة فسمى ثمود عاداً.

النجم 53:43

قوله: ﴿وَأَنَّ إِلَىٰ رَبِّكَ ٱلْمُنتَهَىٰ﴾ إلى قوله: ﴿أَهْلَكَ عَاداً ٱلأُولَىٰ﴾ الآيات. أي: وإن إلى ربك يا محمد انتهاء جميع خلقه ومرجعهم، وهو المجازي جميعهم بأعمالهم صالحهم وطالحهم. * * ثم قال: ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَىٰ﴾ أي: أضحك أهل الجنة بالجنة، وأبكى أهل النار بالنار. وقيل معناه أضحك من شاء في الدنيا بأن سره، وأبكى من شاء بأن غمه. * * ثم قال: ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا﴾ أي: هو أمات من أمات من خلقه، وهو أحيا من أحيا منهم. * * ثم قال: ﴿وَأَنَّهُ خَلَقَ ٱلزَّوْجَيْنِ ٱلذَّكَرَ وَٱلأُنثَىٰ﴾ أي: ابتدع إنشاء الذكر والأنثى. يقال لكل واحد من الذكر والأنثى زوج. خلقهما: ﴿مِن نُّطْفَةٍ إِذَا تُمْنَىٰ﴾ أي: إذا أمناها الرجل والمرأة. وقيل معناه: إذا مناها الله عز وجل، أي: قدرها أن تكون نسمة. * * ثم قال: ﴿وَأَنَّ عَلَيْهِ ٱلنَّشْأَةَ ٱلأُخْرَىٰ﴾ أي: عليه إعادتهم بعد موتهم خلقاً جديداً. * * ثم قال: ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَىٰ وَأَقْنَىٰ﴾ أي: أغنى بالمال من شاء، وأقناه: أي: جعله يقتني الأشياء ويدخرها. وقيل أقنى: ادخر. وهو قول مجاهد والحسن وقتادة. وعن ابن عباس (وأقنى: أي: أرضى، وأغنى: وأعطى). وعن مجاهد أيضاً: أغنى: تولى، وأقنى: أرضى. وقال السدي: اقنى من القنية، يعني ادخار الأشياء. وقال سفيان بن عيينة معناه: أغنى ورضي. وقال أبو صفوان بن عوانة: أغنى وأقنى: (أخذ من الغنيمة). وقال المعتمر بن سليمان: أغنى الإنسان وأقنى أي: أفقر الخلق إليه. وقال ابن زيد "أعنى وأقنى أي: أغنى من شاء من خلقه وأفقر من شاء. * * ثم قال: ﴿وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ ٱلشِّعْرَىٰ﴾ أي: وإن ربك يا محمد هو رب الشعرى، وهو نجم يسمى بهذا الاسم كان بعض أهل الجاهلية يعبده. قال مجاهد: هو الكوكب الذي خلف الجوزاء كانوا يعبدونه، فقيل لهم: اتركوا عبادته واعبدوا ربه وهو الشعرى: العبور الخارج عن المجرة عبدت في الجاهلية، وقالوا: رأينا ما (عبرت عن المنازل) فأعلم الله أنه ربها وأنه خالقها الذي تجب له العبادة. * * ثم قال: ﴿وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَاداً ٱلأُولَىٰ﴾ وهو عاد بن آدم بن عوص بن سام بن نوح وعاد الثانية من ولد عاد الأكبر، وكانت عاد الآخرة ساكنة بمكة مع أخوالهم من العمالقة ولد عمليق بن لاود بن سام بن نوح، فلم يصبهم من العذاب ما أصابه عاداً الأولى ثم هلكت [عاد] الآخرة بعد ذلك بغى بعضهم على بعض فتفانوا بالقتل، وعادٌ الأولى هي التي هلكت بالريح. وقال ابن زيد: إنما قيل لها عاد الأولى لأنها أول الأمم هلاكاً بعد نوح. وقيل: إن عاداً الآخرة هي ثمود. وقد قال زهير: "كَأَحْمُرِ عَادٍ ثُمَّ تُرْضِعُ فَتَفْطَم" يريد عاقر الناقة فسمى ثمود عاداً.

النجم 53:44

قوله: ﴿وَأَنَّ إِلَىٰ رَبِّكَ ٱلْمُنتَهَىٰ﴾ إلى قوله: ﴿أَهْلَكَ عَاداً ٱلأُولَىٰ﴾ الآيات. أي: وإن إلى ربك يا محمد انتهاء جميع خلقه ومرجعهم، وهو المجازي جميعهم بأعمالهم صالحهم وطالحهم. * * ثم قال: ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَىٰ﴾ أي: أضحك أهل الجنة بالجنة، وأبكى أهل النار بالنار. وقيل معناه أضحك من شاء في الدنيا بأن سره، وأبكى من شاء بأن غمه. * * ثم قال: ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا﴾ أي: هو أمات من أمات من خلقه، وهو أحيا من أحيا منهم. * * ثم قال: ﴿وَأَنَّهُ خَلَقَ ٱلزَّوْجَيْنِ ٱلذَّكَرَ وَٱلأُنثَىٰ﴾ أي: ابتدع إنشاء الذكر والأنثى. يقال لكل واحد من الذكر والأنثى زوج. خلقهما: ﴿مِن نُّطْفَةٍ إِذَا تُمْنَىٰ﴾ أي: إذا أمناها الرجل والمرأة. وقيل معناه: إذا مناها الله عز وجل، أي: قدرها أن تكون نسمة. * * ثم قال: ﴿وَأَنَّ عَلَيْهِ ٱلنَّشْأَةَ ٱلأُخْرَىٰ﴾ أي: عليه إعادتهم بعد موتهم خلقاً جديداً. * * ثم قال: ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَىٰ وَأَقْنَىٰ﴾ أي: أغنى بالمال من شاء، وأقناه: أي: جعله يقتني الأشياء ويدخرها. وقيل أقنى: ادخر. وهو قول مجاهد والحسن وقتادة. وعن ابن عباس (وأقنى: أي: أرضى، وأغنى: وأعطى). وعن مجاهد أيضاً: أغنى: تولى، وأقنى: أرضى. وقال السدي: اقنى من القنية، يعني ادخار الأشياء. وقال سفيان بن عيينة معناه: أغنى ورضي. وقال أبو صفوان بن عوانة: أغنى وأقنى: (أخذ من الغنيمة). وقال المعتمر بن سليمان: أغنى الإنسان وأقنى أي: أفقر الخلق إليه. وقال ابن زيد "أعنى وأقنى أي: أغنى من شاء من خلقه وأفقر من شاء. * * ثم قال: ﴿وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ ٱلشِّعْرَىٰ﴾ أي: وإن ربك يا محمد هو رب الشعرى، وهو نجم يسمى بهذا الاسم كان بعض أهل الجاهلية يعبده. قال مجاهد: هو الكوكب الذي خلف الجوزاء كانوا يعبدونه، فقيل لهم: اتركوا عبادته واعبدوا ربه وهو الشعرى: العبور الخارج عن المجرة عبدت في الجاهلية، وقالوا: رأينا ما (عبرت عن المنازل) فأعلم الله أنه ربها وأنه خالقها الذي تجب له العبادة. * * ثم قال: ﴿وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَاداً ٱلأُولَىٰ﴾ وهو عاد بن آدم بن عوص بن سام بن نوح وعاد الثانية من ولد عاد الأكبر، وكانت عاد الآخرة ساكنة بمكة مع أخوالهم من العمالقة ولد عمليق بن لاود بن سام بن نوح، فلم يصبهم من العذاب ما أصابه عاداً الأولى ثم هلكت [عاد] الآخرة بعد ذلك بغى بعضهم على بعض فتفانوا بالقتل، وعادٌ الأولى هي التي هلكت بالريح. وقال ابن زيد: إنما قيل لها عاد الأولى لأنها أول الأمم هلاكاً بعد نوح. وقيل: إن عاداً الآخرة هي ثمود. وقد قال زهير: "كَأَحْمُرِ عَادٍ ثُمَّ تُرْضِعُ فَتَفْطَم" يريد عاقر الناقة فسمى ثمود عاداً.

النجم 53:45

قوله: ﴿وَأَنَّ إِلَىٰ رَبِّكَ ٱلْمُنتَهَىٰ﴾ إلى قوله: ﴿أَهْلَكَ عَاداً ٱلأُولَىٰ﴾ الآيات. أي: وإن إلى ربك يا محمد انتهاء جميع خلقه ومرجعهم، وهو المجازي جميعهم بأعمالهم صالحهم وطالحهم. * * ثم قال: ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَىٰ﴾ أي: أضحك أهل الجنة بالجنة، وأبكى أهل النار بالنار. وقيل معناه أضحك من شاء في الدنيا بأن سره، وأبكى من شاء بأن غمه. * * ثم قال: ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا﴾ أي: هو أمات من أمات من خلقه، وهو أحيا من أحيا منهم. * * ثم قال: ﴿وَأَنَّهُ خَلَقَ ٱلزَّوْجَيْنِ ٱلذَّكَرَ وَٱلأُنثَىٰ﴾ أي: ابتدع إنشاء الذكر والأنثى. يقال لكل واحد من الذكر والأنثى زوج. خلقهما: ﴿مِن نُّطْفَةٍ إِذَا تُمْنَىٰ﴾ أي: إذا أمناها الرجل والمرأة. وقيل معناه: إذا مناها الله عز وجل، أي: قدرها أن تكون نسمة. * * ثم قال: ﴿وَأَنَّ عَلَيْهِ ٱلنَّشْأَةَ ٱلأُخْرَىٰ﴾ أي: عليه إعادتهم بعد موتهم خلقاً جديداً. * * ثم قال: ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَىٰ وَأَقْنَىٰ﴾ أي: أغنى بالمال من شاء، وأقناه: أي: جعله يقتني الأشياء ويدخرها. وقيل أقنى: ادخر. وهو قول مجاهد والحسن وقتادة. وعن ابن عباس (وأقنى: أي: أرضى، وأغنى: وأعطى). وعن مجاهد أيضاً: أغنى: تولى، وأقنى: أرضى. وقال السدي: اقنى من القنية، يعني ادخار الأشياء. وقال سفيان بن عيينة معناه: أغنى ورضي. وقال أبو صفوان بن عوانة: أغنى وأقنى: (أخذ من الغنيمة). وقال المعتمر بن سليمان: أغنى الإنسان وأقنى أي: أفقر الخلق إليه. وقال ابن زيد "أعنى وأقنى أي: أغنى من شاء من خلقه وأفقر من شاء. * * ثم قال: ﴿وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ ٱلشِّعْرَىٰ﴾ أي: وإن ربك يا محمد هو رب الشعرى، وهو نجم يسمى بهذا الاسم كان بعض أهل الجاهلية يعبده. قال مجاهد: هو الكوكب الذي خلف الجوزاء كانوا يعبدونه، فقيل لهم: اتركوا عبادته واعبدوا ربه وهو الشعرى: العبور الخارج عن المجرة عبدت في الجاهلية، وقالوا: رأينا ما (عبرت عن المنازل) فأعلم الله أنه ربها وأنه خالقها الذي تجب له العبادة. * * ثم قال: ﴿وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَاداً ٱلأُولَىٰ﴾ وهو عاد بن آدم بن عوص بن سام بن نوح وعاد الثانية من ولد عاد الأكبر، وكانت عاد الآخرة ساكنة بمكة مع أخوالهم من العمالقة ولد عمليق بن لاود بن سام بن نوح، فلم يصبهم من العذاب ما أصابه عاداً الأولى ثم هلكت [عاد] الآخرة بعد ذلك بغى بعضهم على بعض فتفانوا بالقتل، وعادٌ الأولى هي التي هلكت بالريح. وقال ابن زيد: إنما قيل لها عاد الأولى لأنها أول الأمم هلاكاً بعد نوح. وقيل: إن عاداً الآخرة هي ثمود. وقد قال زهير: "كَأَحْمُرِ عَادٍ ثُمَّ تُرْضِعُ فَتَفْطَم" يريد عاقر الناقة فسمى ثمود عاداً.