Lafzullah

Tafsir Makhi — المزمل 73:1 – المدثر 74:18

المؤلف / المصدر: Tafsir Makhi

المحتويات
  1. المزمل 73:1
  2. المزمل 73:2
  3. المزمل 73:3
  4. المزمل 73:4
  5. المزمل 73:5
  6. المزمل 73:6
  7. المزمل 73:7
  8. المزمل 73:8
  9. المزمل 73:9
  10. المزمل 73:10
  11. المزمل 73:11
  12. المزمل 73:12
  13. المزمل 73:13
  14. المزمل 73:14
  15. المزمل 73:15
  16. المزمل 73:16
  17. المزمل 73:17
  18. المزمل 73:18
  19. المزمل 73:19
  20. المزمل 73:20
  21. المدثر 74:1
  22. المدثر 74:2
  23. المدثر 74:3
  24. المدثر 74:4
  25. المدثر 74:5
  26. المدثر 74:6
  27. المدثر 74:7
  28. المدثر 74:8
  29. المدثر 74:9
  30. المدثر 74:10
  31. المدثر 74:11
  32. المدثر 74:12
  33. المدثر 74:13
  34. المدثر 74:14
  35. المدثر 74:15
  36. المدثر 74:16
  37. المدثر 74:17
  38. المدثر 74:18

المزمل 73:1

قوله: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلْمُزَّمِّلُ * قُمِ ٱلَّيلَ﴾ إلى قوله ﴿وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلاً﴾. معناه: يا أيها الملتف بثيابه، يعني النبي - ﷺ -. وأصله: المتزمل ثم أدغمت التاء في [الزاي]. قال قتادة: إنما قيل له: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلْمُزَّمِّلُ﴾؛ لأنه كان متزملاً في ثيابه، كأنه متأهب للصلاة؛ ودل على ذلك قوله: ﴿قُمِ ٱلَّيلَ إِلاَّ قَلِيلاً﴾. قال ابن عباس: كان النبي - ﷺ - يَفْرقَ من جبريل فيتزمل بالثياب في أول ما جاءه حتى أنس به. وقال عكرمة: زمل هذا الأمر، يعني: النبوة والرسالة. قال: الزهري: التف النبي - ﷺ - بثيابه من [فزع] أصابه أول ما رأى الملك فنودي بصفة فعله. وقيل: كان يتزمل بالثياب، من شدة ما يلقى من قريش من تكذيبهم له [وتخويفهم] وأَذاَهُم. قال [النخعي] كان متزملاً في قطيفة. * * - وقوله: ﴿قُمِ ٱلَّيلَ إِلاَّ قَلِيلاً ﴾. أي: قم الليل كله للصلاة إلا قليلاً ثم أبدل من الليل بدل البعض من الكل فقال: * * - ﴿نِّصْفَهُ أَوِ ٱنقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً﴾. أي: قم نصفه أو أقل من النصف. * * - ﴿أَوْ زِدْ عَلَيْهِ﴾ [أي]: أو زد على النصف. فهذا كله تخيير من الله لرسوله بين أن يفعل ما شاء من هذه الثلاث المنازل: يقوم النصف أو أقل أو أكثر. وكان هذا فرضاً عليه وعلى المؤمنين فكانوا يقومون ثم خففه عنهم الآيتين في آخر السورة فَفَسَخَتَا هَذَا، وهو قول أكثر العلماء. وقيل: إن ذلك كان ندباً ولم يكن فَرِْضاً. وقيل: بل كان فرضاً على النبي - ﷺ - وحده. قال ابن عباس: كان بين أولها وآخرها سنة. وقالت عائشة رضي الله عنها: لما نزل ﴿يٰأَيُّهَا ٱلْمُزَّمِّلُ﴾ كان الرجل يربط الحبل ويتعلق به فمكثوا بذلك ثمانية أشهر، فرأى الله ما يبتغون من رضوانه فرحمهم فردهم إلى الفريضة وترك قيام الليل. وقال ابن جبير: مكث النبي - ﷺ - يقوم الليل كما أمره (الله) عشر سنين ثم خفف عنهم بعد ذلك. قال عكرمة: ﴿قُمِ ٱلَّيلَ إِلاَّ قَلِيلاً...﴾ الآية نسختها الآية التي في آخرها ﴿عَلِمَ أَن لَّن تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَٱقْرَءُواْ مَا تَيَسَّرَ مِنَ ٱلْقُرْآنِ﴾ [المزمل: ٢٠]. وقال قتادة: قاموا حولاً أو حولين حتى انتفخت سوقهم وأقدامهم، فأنزل الله تخفيفها في آخر السورة. قال الحسن: لما نزلت: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلْمُزَّمِّلُ﴾ "قام المسلمون حولاً، فمنهم من أطاقه ومنهم من لم يطقه، حتى نزلت الرخصة". قال ابن زيد: أول ما افترض الله على رسوله والمؤمنين صلاة الليل وقرأ أول هذه السورة. * * - قوله: ﴿وَرَتِّلِ ٱلْقُرْآنَ تَرْتِيلاً﴾ أي: وبيّن القرآن إذا قرأته في صلاتك تبييناً (وترسل فيه ترسلاً)، قاله قتادة. قال الحسن: معناه (اقرأه) قراءة بينة). وقال مجاهد: "اقرأه بعضه على إثر بعض على تؤدة". والرتل في اللغة: الضعف واللين، فالمعنى: لين القراءة، ولا تستعجل بانكماش. والرتل في [الأسنان] أن يكون بينها الفرج ولا يركب بعضها بعضاً، يقال: "ثغر ورتل" إذا كان كذلك. * * - ثم قال: ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً﴾. أي: ثقيلاً العمل به وبحدود(ه) فرائضه أي: صعباً. قال الحسن: إن الرجل ليعد السورة، ولكن العمل بها ثقيل. وقال قتادة: "ثقيل والله فرائض القرآن وحدوده". وقيل: معناه: إن القوْل بعيْنِه ثقيل. وروى عروة "أن النبي - ﷺ - [كان] إذا أُوحِيَ إليه وهو على ناقته وَضَعَتْ جِرَانَهَا - يعني صدرها - فما تستطيع أن تحرك حتى يسرى عنه وقال ابن زيد: "هو - والله - ثقيل مبارك كما ثقل في الدنيا ثقل في الموازين يوم القيامة". * * - ثم قال: ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ ٱللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْأً﴾ قال ابن عمر وأنس بن مالك وعلي بن الحسين، ناشئة الليل: ما بين المغرب والعشاء. وقال الحسن والحكم: ناشئة الليل من العشاء الآخرة إلى الصبح، وقال ابن عباس و (ابن) الزبير: الليل كله ناشئة. وهو قول ابن جبير ومجاهد. وأصله من نشأ إذا ابتدأ. فعلى هذا بناه من قال إنه من المغرب إلى العشاء الآخرة. وقد قال الكسائي: ناشئة الليل أوله. * * - قوله: ﴿أَشَدُّ وَطْأً﴾ معناه: أثبت قياماً. قال المفسرون: هي أثبت في الخير وأحفظ للقلب، لأن النهار يضطرب فيه الناس لمعاشهم، والليل أخلى وأثبته في القيام. وقيل: معناه: إن صلاة ناشئة الليل هي أشد (وطئاً) على المصلى من صلاة النهار لأن الليل للنوم، فهي وإن كانت أصعب [فهي] أقوم قيلاً [أي]: أصوب قولا لأن القارئ لا يشغله عن قراءته في الليل شيء ويشغله في النهار ما يرى من التصرف وما [يعرض] له من الأمور. وقيل: معنى ﴿أَشَدُّ وَطْأً﴾: أشد أمراً وأشد [مكابدة] واحتمالاً ومنه قول النبي - ﷺ -: "اللهم اشدد وطأتك على مضر"، وَطِئْتَ وَطْأً، مثل شَرِبت شُرْبًا ولَقِمْتُ لَقْمًا. فأما من قرأ "وِطَاءَ" فإنه جعله مصدر مواطأة ووطاء. ومعناه: أشد مواطأة للسمع والقلب، أي: يواطئ فيه السمع القلب فلا يشتعل القلب بشيء عن فهم ما يقرأ وسماعه. وقيل: معناه: أشد علاجاً. قال ابن عباس: ﴿أَشَدُّ وَطْأً﴾ أي: أجدر أن يحصوا ما فرض الله عليهم من القيام. قال: وكانت صلاتهم أول الليل. وقال الضحاك: معناه: قراءة القرآن بالليل أثبت منها في النهار. وقال مجاهد: ﴿أَشَدُّ وَطْأً﴾ أي يتواطأ قلبك وسمعك وبصرك بعضه بعضا. * * - وقوله: ﴿وَأَقْوَمُ قِيلاً﴾. أي: وأصوب قراءة. قال مجاهد: وأثبت قراءة. وقال ابن عباس: معناه: يقول: أدنى أن يفقهوا في القول. وقال قتادة: "[أحفظ] للقراءة". وقال ابن زيد: "وقوم قراءة لفراغه من الدنيا". * * - ثم قال: ﴿إِنَّ لَكَ فِي ٱلنَّهَارِ سَبْحَاً طَوِيلاً﴾. أي: فراغاً طويلاً، قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة. وقال ابن زيد: (سبحاً لحوائجك) فَأَفْرِغْ أذنك بالليل. وقرأ يحيى بن يعمر: "سَبْخاً" بالخاء المعجمة، ومعناه راحة [نوماً]. * * - ثم قال: ﴿وَٱذْكُرِ ٱسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلاً﴾. أي: واذكر ربك يا محمد فادعه وانقطع إليه انقطاعاً لحوائجك وعبادتك دون سائر الأشياء غيره. يقال: بتلت هذا الأمر قطعته. ومنه قيل لمريم البتول لانقطاعها إلى الله جل ذكره. قال ابن عباس: ﴿وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلاً﴾ أي: أُخْلِص له إخلاصاً" وهو قول مجاهد والضحاك. وقال الحسن: أَبْتِلْ إليه نفسك واجتهد. وقال قتادة: "أخلص له العبادة والدعوة". وقال ابن زيد: تفرغ لعبادته، [تَعَبّدْ] بالتبتل] إلى الله. * * - ثم قال: ﴿رَّبُّ ٱلْمَشْرِقِ وَٱلْمَغْرِبِ﴾. أي: هو رب ذلك لا معبود تصلح له العبادة غيره. * * - ﴿فَٱتَّخِذْهُ وَكِيلاً﴾. أي: فوض (إليه أسبابك) والمعنى: اتخذه كافياً لك. وقيل معناه: اتخده كفيلاً لك بأمورك كلها. وقيل: المعنى: اتخده رباً. فالوكيل يكون بمعنى الكافي وبمعنى الكافل وبمعنى الرب. * * - ثم قال: ﴿وَٱصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ﴾ أي: واصبر على ما يقول هؤلاء المشركون من قومك واحتمل أذاهم. * * - ﴿وَٱهْجُرْهُمْ هَجْراً جَمِيلاً﴾. (أي: اهجرهم في الله هجراً جميلاً). قال قتادة: كان هذا قبل أن يؤمر بالقتال، ثم أُمِرَ بقتالهم (وقتلهم) فنَسخت آيةُ القتال ما كان قبلها من الترك. * * ثم قال: ﴿وَذَرْنِي وَٱلْمُكَذِّبِينَ أُوْلِي ٱلنَّعْمَةِ﴾ هذا وعيد وتَهَدُّدٌ من الله جل ذكره للمشركين أي: ودعني يا محمد والمكذبين بآياتي أصحاب التنعم في الدنيا. * * - ﴿وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلاً﴾. أي: أمهلهم بالعذاب حتى يبلغ الكتاب أجله. وكان بين نزول هذه الآية وَبَدْرٍ يسير [قالته] عائشة رضي الله عنها.

المزمل 73:2

قوله: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلْمُزَّمِّلُ * قُمِ ٱلَّيلَ﴾ إلى قوله ﴿وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلاً﴾. معناه: يا أيها الملتف بثيابه، يعني النبي - ﷺ -. وأصله: المتزمل ثم أدغمت التاء في [الزاي]. قال قتادة: إنما قيل له: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلْمُزَّمِّلُ﴾؛ لأنه كان متزملاً في ثيابه، كأنه متأهب للصلاة؛ ودل على ذلك قوله: ﴿قُمِ ٱلَّيلَ إِلاَّ قَلِيلاً﴾. قال ابن عباس: كان النبي - ﷺ - يَفْرقَ من جبريل فيتزمل بالثياب في أول ما جاءه حتى أنس به. وقال عكرمة: زمل هذا الأمر، يعني: النبوة والرسالة. قال: الزهري: التف النبي - ﷺ - بثيابه من [فزع] أصابه أول ما رأى الملك فنودي بصفة فعله. وقيل: كان يتزمل بالثياب، من شدة ما يلقى من قريش من تكذيبهم له [وتخويفهم] وأَذاَهُم. قال [النخعي] كان متزملاً في قطيفة. * * - وقوله: ﴿قُمِ ٱلَّيلَ إِلاَّ قَلِيلاً ﴾. أي: قم الليل كله للصلاة إلا قليلاً ثم أبدل من الليل بدل البعض من الكل فقال: * * - ﴿نِّصْفَهُ أَوِ ٱنقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً﴾. أي: قم نصفه أو أقل من النصف. * * - ﴿أَوْ زِدْ عَلَيْهِ﴾ [أي]: أو زد على النصف. فهذا كله تخيير من الله لرسوله بين أن يفعل ما شاء من هذه الثلاث المنازل: يقوم النصف أو أقل أو أكثر. وكان هذا فرضاً عليه وعلى المؤمنين فكانوا يقومون ثم خففه عنهم الآيتين في آخر السورة فَفَسَخَتَا هَذَا، وهو قول أكثر العلماء. وقيل: إن ذلك كان ندباً ولم يكن فَرِْضاً. وقيل: بل كان فرضاً على النبي - ﷺ - وحده. قال ابن عباس: كان بين أولها وآخرها سنة. وقالت عائشة رضي الله عنها: لما نزل ﴿يٰأَيُّهَا ٱلْمُزَّمِّلُ﴾ كان الرجل يربط الحبل ويتعلق به فمكثوا بذلك ثمانية أشهر، فرأى الله ما يبتغون من رضوانه فرحمهم فردهم إلى الفريضة وترك قيام الليل. وقال ابن جبير: مكث النبي - ﷺ - يقوم الليل كما أمره (الله) عشر سنين ثم خفف عنهم بعد ذلك. قال عكرمة: ﴿قُمِ ٱلَّيلَ إِلاَّ قَلِيلاً...﴾ الآية نسختها الآية التي في آخرها ﴿عَلِمَ أَن لَّن تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَٱقْرَءُواْ مَا تَيَسَّرَ مِنَ ٱلْقُرْآنِ﴾ [المزمل: ٢٠]. وقال قتادة: قاموا حولاً أو حولين حتى انتفخت سوقهم وأقدامهم، فأنزل الله تخفيفها في آخر السورة. قال الحسن: لما نزلت: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلْمُزَّمِّلُ﴾ "قام المسلمون حولاً، فمنهم من أطاقه ومنهم من لم يطقه، حتى نزلت الرخصة". قال ابن زيد: أول ما افترض الله على رسوله والمؤمنين صلاة الليل وقرأ أول هذه السورة. * * - قوله: ﴿وَرَتِّلِ ٱلْقُرْآنَ تَرْتِيلاً﴾ أي: وبيّن القرآن إذا قرأته في صلاتك تبييناً (وترسل فيه ترسلاً)، قاله قتادة. قال الحسن: معناه (اقرأه) قراءة بينة). وقال مجاهد: "اقرأه بعضه على إثر بعض على تؤدة". والرتل في اللغة: الضعف واللين، فالمعنى: لين القراءة، ولا تستعجل بانكماش. والرتل في [الأسنان] أن يكون بينها الفرج ولا يركب بعضها بعضاً، يقال: "ثغر ورتل" إذا كان كذلك. * * - ثم قال: ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً﴾. أي: ثقيلاً العمل به وبحدود(ه) فرائضه أي: صعباً. قال الحسن: إن الرجل ليعد السورة، ولكن العمل بها ثقيل. وقال قتادة: "ثقيل والله فرائض القرآن وحدوده". وقيل: معناه: إن القوْل بعيْنِه ثقيل. وروى عروة "أن النبي - ﷺ - [كان] إذا أُوحِيَ إليه وهو على ناقته وَضَعَتْ جِرَانَهَا - يعني صدرها - فما تستطيع أن تحرك حتى يسرى عنه وقال ابن زيد: "هو - والله - ثقيل مبارك كما ثقل في الدنيا ثقل في الموازين يوم القيامة". * * - ثم قال: ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ ٱللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْأً﴾ قال ابن عمر وأنس بن مالك وعلي بن الحسين، ناشئة الليل: ما بين المغرب والعشاء. وقال الحسن والحكم: ناشئة الليل من العشاء الآخرة إلى الصبح، وقال ابن عباس و (ابن) الزبير: الليل كله ناشئة. وهو قول ابن جبير ومجاهد. وأصله من نشأ إذا ابتدأ. فعلى هذا بناه من قال إنه من المغرب إلى العشاء الآخرة. وقد قال الكسائي: ناشئة الليل أوله. * * - قوله: ﴿أَشَدُّ وَطْأً﴾ معناه: أثبت قياماً. قال المفسرون: هي أثبت في الخير وأحفظ للقلب، لأن النهار يضطرب فيه الناس لمعاشهم، والليل أخلى وأثبته في القيام. وقيل: معناه: إن صلاة ناشئة الليل هي أشد (وطئاً) على المصلى من صلاة النهار لأن الليل للنوم، فهي وإن كانت أصعب [فهي] أقوم قيلاً [أي]: أصوب قولا لأن القارئ لا يشغله عن قراءته في الليل شيء ويشغله في النهار ما يرى من التصرف وما [يعرض] له من الأمور. وقيل: معنى ﴿أَشَدُّ وَطْأً﴾: أشد أمراً وأشد [مكابدة] واحتمالاً ومنه قول النبي - ﷺ -: "اللهم اشدد وطأتك على مضر"، وَطِئْتَ وَطْأً، مثل شَرِبت شُرْبًا ولَقِمْتُ لَقْمًا. فأما من قرأ "وِطَاءَ" فإنه جعله مصدر مواطأة ووطاء. ومعناه: أشد مواطأة للسمع والقلب، أي: يواطئ فيه السمع القلب فلا يشتعل القلب بشيء عن فهم ما يقرأ وسماعه. وقيل: معناه: أشد علاجاً. قال ابن عباس: ﴿أَشَدُّ وَطْأً﴾ أي: أجدر أن يحصوا ما فرض الله عليهم من القيام. قال: وكانت صلاتهم أول الليل. وقال الضحاك: معناه: قراءة القرآن بالليل أثبت منها في النهار. وقال مجاهد: ﴿أَشَدُّ وَطْأً﴾ أي يتواطأ قلبك وسمعك وبصرك بعضه بعضا. * * - وقوله: ﴿وَأَقْوَمُ قِيلاً﴾. أي: وأصوب قراءة. قال مجاهد: وأثبت قراءة. وقال ابن عباس: معناه: يقول: أدنى أن يفقهوا في القول. وقال قتادة: "[أحفظ] للقراءة". وقال ابن زيد: "وقوم قراءة لفراغه من الدنيا". * * - ثم قال: ﴿إِنَّ لَكَ فِي ٱلنَّهَارِ سَبْحَاً طَوِيلاً﴾. أي: فراغاً طويلاً، قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة. وقال ابن زيد: (سبحاً لحوائجك) فَأَفْرِغْ أذنك بالليل. وقرأ يحيى بن يعمر: "سَبْخاً" بالخاء المعجمة، ومعناه راحة [نوماً]. * * - ثم قال: ﴿وَٱذْكُرِ ٱسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلاً﴾. أي: واذكر ربك يا محمد فادعه وانقطع إليه انقطاعاً لحوائجك وعبادتك دون سائر الأشياء غيره. يقال: بتلت هذا الأمر قطعته. ومنه قيل لمريم البتول لانقطاعها إلى الله جل ذكره. قال ابن عباس: ﴿وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلاً﴾ أي: أُخْلِص له إخلاصاً" وهو قول مجاهد والضحاك. وقال الحسن: أَبْتِلْ إليه نفسك واجتهد. وقال قتادة: "أخلص له العبادة والدعوة". وقال ابن زيد: تفرغ لعبادته، [تَعَبّدْ] بالتبتل] إلى الله. * * - ثم قال: ﴿رَّبُّ ٱلْمَشْرِقِ وَٱلْمَغْرِبِ﴾. أي: هو رب ذلك لا معبود تصلح له العبادة غيره. * * - ﴿فَٱتَّخِذْهُ وَكِيلاً﴾. أي: فوض (إليه أسبابك) والمعنى: اتخذه كافياً لك. وقيل معناه: اتخده كفيلاً لك بأمورك كلها. وقيل: المعنى: اتخده رباً. فالوكيل يكون بمعنى الكافي وبمعنى الكافل وبمعنى الرب. * * - ثم قال: ﴿وَٱصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ﴾ أي: واصبر على ما يقول هؤلاء المشركون من قومك واحتمل أذاهم. * * - ﴿وَٱهْجُرْهُمْ هَجْراً جَمِيلاً﴾. (أي: اهجرهم في الله هجراً جميلاً). قال قتادة: كان هذا قبل أن يؤمر بالقتال، ثم أُمِرَ بقتالهم (وقتلهم) فنَسخت آيةُ القتال ما كان قبلها من الترك. * * ثم قال: ﴿وَذَرْنِي وَٱلْمُكَذِّبِينَ أُوْلِي ٱلنَّعْمَةِ﴾ هذا وعيد وتَهَدُّدٌ من الله جل ذكره للمشركين أي: ودعني يا محمد والمكذبين بآياتي أصحاب التنعم في الدنيا. * * - ﴿وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلاً﴾. أي: أمهلهم بالعذاب حتى يبلغ الكتاب أجله. وكان بين نزول هذه الآية وَبَدْرٍ يسير [قالته] عائشة رضي الله عنها.

المزمل 73:3

قوله: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلْمُزَّمِّلُ * قُمِ ٱلَّيلَ﴾ إلى قوله ﴿وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلاً﴾. معناه: يا أيها الملتف بثيابه، يعني النبي - ﷺ -. وأصله: المتزمل ثم أدغمت التاء في [الزاي]. قال قتادة: إنما قيل له: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلْمُزَّمِّلُ﴾؛ لأنه كان متزملاً في ثيابه، كأنه متأهب للصلاة؛ ودل على ذلك قوله: ﴿قُمِ ٱلَّيلَ إِلاَّ قَلِيلاً﴾. قال ابن عباس: كان النبي - ﷺ - يَفْرقَ من جبريل فيتزمل بالثياب في أول ما جاءه حتى أنس به. وقال عكرمة: زمل هذا الأمر، يعني: النبوة والرسالة. قال: الزهري: التف النبي - ﷺ - بثيابه من [فزع] أصابه أول ما رأى الملك فنودي بصفة فعله. وقيل: كان يتزمل بالثياب، من شدة ما يلقى من قريش من تكذيبهم له [وتخويفهم] وأَذاَهُم. قال [النخعي] كان متزملاً في قطيفة. * * - وقوله: ﴿قُمِ ٱلَّيلَ إِلاَّ قَلِيلاً ﴾. أي: قم الليل كله للصلاة إلا قليلاً ثم أبدل من الليل بدل البعض من الكل فقال: * * - ﴿نِّصْفَهُ أَوِ ٱنقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً﴾. أي: قم نصفه أو أقل من النصف. * * - ﴿أَوْ زِدْ عَلَيْهِ﴾ [أي]: أو زد على النصف. فهذا كله تخيير من الله لرسوله بين أن يفعل ما شاء من هذه الثلاث المنازل: يقوم النصف أو أقل أو أكثر. وكان هذا فرضاً عليه وعلى المؤمنين فكانوا يقومون ثم خففه عنهم الآيتين في آخر السورة فَفَسَخَتَا هَذَا، وهو قول أكثر العلماء. وقيل: إن ذلك كان ندباً ولم يكن فَرِْضاً. وقيل: بل كان فرضاً على النبي - ﷺ - وحده. قال ابن عباس: كان بين أولها وآخرها سنة. وقالت عائشة رضي الله عنها: لما نزل ﴿يٰأَيُّهَا ٱلْمُزَّمِّلُ﴾ كان الرجل يربط الحبل ويتعلق به فمكثوا بذلك ثمانية أشهر، فرأى الله ما يبتغون من رضوانه فرحمهم فردهم إلى الفريضة وترك قيام الليل. وقال ابن جبير: مكث النبي - ﷺ - يقوم الليل كما أمره (الله) عشر سنين ثم خفف عنهم بعد ذلك. قال عكرمة: ﴿قُمِ ٱلَّيلَ إِلاَّ قَلِيلاً...﴾ الآية نسختها الآية التي في آخرها ﴿عَلِمَ أَن لَّن تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَٱقْرَءُواْ مَا تَيَسَّرَ مِنَ ٱلْقُرْآنِ﴾ [المزمل: ٢٠]. وقال قتادة: قاموا حولاً أو حولين حتى انتفخت سوقهم وأقدامهم، فأنزل الله تخفيفها في آخر السورة. قال الحسن: لما نزلت: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلْمُزَّمِّلُ﴾ "قام المسلمون حولاً، فمنهم من أطاقه ومنهم من لم يطقه، حتى نزلت الرخصة". قال ابن زيد: أول ما افترض الله على رسوله والمؤمنين صلاة الليل وقرأ أول هذه السورة. * * - قوله: ﴿وَرَتِّلِ ٱلْقُرْآنَ تَرْتِيلاً﴾ أي: وبيّن القرآن إذا قرأته في صلاتك تبييناً (وترسل فيه ترسلاً)، قاله قتادة. قال الحسن: معناه (اقرأه) قراءة بينة). وقال مجاهد: "اقرأه بعضه على إثر بعض على تؤدة". والرتل في اللغة: الضعف واللين، فالمعنى: لين القراءة، ولا تستعجل بانكماش. والرتل في [الأسنان] أن يكون بينها الفرج ولا يركب بعضها بعضاً، يقال: "ثغر ورتل" إذا كان كذلك. * * - ثم قال: ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً﴾. أي: ثقيلاً العمل به وبحدود(ه) فرائضه أي: صعباً. قال الحسن: إن الرجل ليعد السورة، ولكن العمل بها ثقيل. وقال قتادة: "ثقيل والله فرائض القرآن وحدوده". وقيل: معناه: إن القوْل بعيْنِه ثقيل. وروى عروة "أن النبي - ﷺ - [كان] إذا أُوحِيَ إليه وهو على ناقته وَضَعَتْ جِرَانَهَا - يعني صدرها - فما تستطيع أن تحرك حتى يسرى عنه وقال ابن زيد: "هو - والله - ثقيل مبارك كما ثقل في الدنيا ثقل في الموازين يوم القيامة". * * - ثم قال: ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ ٱللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْأً﴾ قال ابن عمر وأنس بن مالك وعلي بن الحسين، ناشئة الليل: ما بين المغرب والعشاء. وقال الحسن والحكم: ناشئة الليل من العشاء الآخرة إلى الصبح، وقال ابن عباس و (ابن) الزبير: الليل كله ناشئة. وهو قول ابن جبير ومجاهد. وأصله من نشأ إذا ابتدأ. فعلى هذا بناه من قال إنه من المغرب إلى العشاء الآخرة. وقد قال الكسائي: ناشئة الليل أوله. * * - قوله: ﴿أَشَدُّ وَطْأً﴾ معناه: أثبت قياماً. قال المفسرون: هي أثبت في الخير وأحفظ للقلب، لأن النهار يضطرب فيه الناس لمعاشهم، والليل أخلى وأثبته في القيام. وقيل: معناه: إن صلاة ناشئة الليل هي أشد (وطئاً) على المصلى من صلاة النهار لأن الليل للنوم، فهي وإن كانت أصعب [فهي] أقوم قيلاً [أي]: أصوب قولا لأن القارئ لا يشغله عن قراءته في الليل شيء ويشغله في النهار ما يرى من التصرف وما [يعرض] له من الأمور. وقيل: معنى ﴿أَشَدُّ وَطْأً﴾: أشد أمراً وأشد [مكابدة] واحتمالاً ومنه قول النبي - ﷺ -: "اللهم اشدد وطأتك على مضر"، وَطِئْتَ وَطْأً، مثل شَرِبت شُرْبًا ولَقِمْتُ لَقْمًا. فأما من قرأ "وِطَاءَ" فإنه جعله مصدر مواطأة ووطاء. ومعناه: أشد مواطأة للسمع والقلب، أي: يواطئ فيه السمع القلب فلا يشتعل القلب بشيء عن فهم ما يقرأ وسماعه. وقيل: معناه: أشد علاجاً. قال ابن عباس: ﴿أَشَدُّ وَطْأً﴾ أي: أجدر أن يحصوا ما فرض الله عليهم من القيام. قال: وكانت صلاتهم أول الليل. وقال الضحاك: معناه: قراءة القرآن بالليل أثبت منها في النهار. وقال مجاهد: ﴿أَشَدُّ وَطْأً﴾ أي يتواطأ قلبك وسمعك وبصرك بعضه بعضا. * * - وقوله: ﴿وَأَقْوَمُ قِيلاً﴾. أي: وأصوب قراءة. قال مجاهد: وأثبت قراءة. وقال ابن عباس: معناه: يقول: أدنى أن يفقهوا في القول. وقال قتادة: "[أحفظ] للقراءة". وقال ابن زيد: "وقوم قراءة لفراغه من الدنيا". * * - ثم قال: ﴿إِنَّ لَكَ فِي ٱلنَّهَارِ سَبْحَاً طَوِيلاً﴾. أي: فراغاً طويلاً، قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة. وقال ابن زيد: (سبحاً لحوائجك) فَأَفْرِغْ أذنك بالليل. وقرأ يحيى بن يعمر: "سَبْخاً" بالخاء المعجمة، ومعناه راحة [نوماً]. * * - ثم قال: ﴿وَٱذْكُرِ ٱسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلاً﴾. أي: واذكر ربك يا محمد فادعه وانقطع إليه انقطاعاً لحوائجك وعبادتك دون سائر الأشياء غيره. يقال: بتلت هذا الأمر قطعته. ومنه قيل لمريم البتول لانقطاعها إلى الله جل ذكره. قال ابن عباس: ﴿وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلاً﴾ أي: أُخْلِص له إخلاصاً" وهو قول مجاهد والضحاك. وقال الحسن: أَبْتِلْ إليه نفسك واجتهد. وقال قتادة: "أخلص له العبادة والدعوة". وقال ابن زيد: تفرغ لعبادته، [تَعَبّدْ] بالتبتل] إلى الله. * * - ثم قال: ﴿رَّبُّ ٱلْمَشْرِقِ وَٱلْمَغْرِبِ﴾. أي: هو رب ذلك لا معبود تصلح له العبادة غيره. * * - ﴿فَٱتَّخِذْهُ وَكِيلاً﴾. أي: فوض (إليه أسبابك) والمعنى: اتخذه كافياً لك. وقيل معناه: اتخده كفيلاً لك بأمورك كلها. وقيل: المعنى: اتخده رباً. فالوكيل يكون بمعنى الكافي وبمعنى الكافل وبمعنى الرب. * * - ثم قال: ﴿وَٱصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ﴾ أي: واصبر على ما يقول هؤلاء المشركون من قومك واحتمل أذاهم. * * - ﴿وَٱهْجُرْهُمْ هَجْراً جَمِيلاً﴾. (أي: اهجرهم في الله هجراً جميلاً). قال قتادة: كان هذا قبل أن يؤمر بالقتال، ثم أُمِرَ بقتالهم (وقتلهم) فنَسخت آيةُ القتال ما كان قبلها من الترك. * * ثم قال: ﴿وَذَرْنِي وَٱلْمُكَذِّبِينَ أُوْلِي ٱلنَّعْمَةِ﴾ هذا وعيد وتَهَدُّدٌ من الله جل ذكره للمشركين أي: ودعني يا محمد والمكذبين بآياتي أصحاب التنعم في الدنيا. * * - ﴿وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلاً﴾. أي: أمهلهم بالعذاب حتى يبلغ الكتاب أجله. وكان بين نزول هذه الآية وَبَدْرٍ يسير [قالته] عائشة رضي الله عنها.

المزمل 73:4

قوله: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلْمُزَّمِّلُ * قُمِ ٱلَّيلَ﴾ إلى قوله ﴿وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلاً﴾. معناه: يا أيها الملتف بثيابه، يعني النبي - ﷺ -. وأصله: المتزمل ثم أدغمت التاء في [الزاي]. قال قتادة: إنما قيل له: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلْمُزَّمِّلُ﴾؛ لأنه كان متزملاً في ثيابه، كأنه متأهب للصلاة؛ ودل على ذلك قوله: ﴿قُمِ ٱلَّيلَ إِلاَّ قَلِيلاً﴾. قال ابن عباس: كان النبي - ﷺ - يَفْرقَ من جبريل فيتزمل بالثياب في أول ما جاءه حتى أنس به. وقال عكرمة: زمل هذا الأمر، يعني: النبوة والرسالة. قال: الزهري: التف النبي - ﷺ - بثيابه من [فزع] أصابه أول ما رأى الملك فنودي بصفة فعله. وقيل: كان يتزمل بالثياب، من شدة ما يلقى من قريش من تكذيبهم له [وتخويفهم] وأَذاَهُم. قال [النخعي] كان متزملاً في قطيفة. * * - وقوله: ﴿قُمِ ٱلَّيلَ إِلاَّ قَلِيلاً ﴾. أي: قم الليل كله للصلاة إلا قليلاً ثم أبدل من الليل بدل البعض من الكل فقال: * * - ﴿نِّصْفَهُ أَوِ ٱنقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً﴾. أي: قم نصفه أو أقل من النصف. * * - ﴿أَوْ زِدْ عَلَيْهِ﴾ [أي]: أو زد على النصف. فهذا كله تخيير من الله لرسوله بين أن يفعل ما شاء من هذه الثلاث المنازل: يقوم النصف أو أقل أو أكثر. وكان هذا فرضاً عليه وعلى المؤمنين فكانوا يقومون ثم خففه عنهم الآيتين في آخر السورة فَفَسَخَتَا هَذَا، وهو قول أكثر العلماء. وقيل: إن ذلك كان ندباً ولم يكن فَرِْضاً. وقيل: بل كان فرضاً على النبي - ﷺ - وحده. قال ابن عباس: كان بين أولها وآخرها سنة. وقالت عائشة رضي الله عنها: لما نزل ﴿يٰأَيُّهَا ٱلْمُزَّمِّلُ﴾ كان الرجل يربط الحبل ويتعلق به فمكثوا بذلك ثمانية أشهر، فرأى الله ما يبتغون من رضوانه فرحمهم فردهم إلى الفريضة وترك قيام الليل. وقال ابن جبير: مكث النبي - ﷺ - يقوم الليل كما أمره (الله) عشر سنين ثم خفف عنهم بعد ذلك. قال عكرمة: ﴿قُمِ ٱلَّيلَ إِلاَّ قَلِيلاً...﴾ الآية نسختها الآية التي في آخرها ﴿عَلِمَ أَن لَّن تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَٱقْرَءُواْ مَا تَيَسَّرَ مِنَ ٱلْقُرْآنِ﴾ [المزمل: ٢٠]. وقال قتادة: قاموا حولاً أو حولين حتى انتفخت سوقهم وأقدامهم، فأنزل الله تخفيفها في آخر السورة. قال الحسن: لما نزلت: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلْمُزَّمِّلُ﴾ "قام المسلمون حولاً، فمنهم من أطاقه ومنهم من لم يطقه، حتى نزلت الرخصة". قال ابن زيد: أول ما افترض الله على رسوله والمؤمنين صلاة الليل وقرأ أول هذه السورة. * * - قوله: ﴿وَرَتِّلِ ٱلْقُرْآنَ تَرْتِيلاً﴾ أي: وبيّن القرآن إذا قرأته في صلاتك تبييناً (وترسل فيه ترسلاً)، قاله قتادة. قال الحسن: معناه (اقرأه) قراءة بينة). وقال مجاهد: "اقرأه بعضه على إثر بعض على تؤدة". والرتل في اللغة: الضعف واللين، فالمعنى: لين القراءة، ولا تستعجل بانكماش. والرتل في [الأسنان] أن يكون بينها الفرج ولا يركب بعضها بعضاً، يقال: "ثغر ورتل" إذا كان كذلك. * * - ثم قال: ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً﴾. أي: ثقيلاً العمل به وبحدود(ه) فرائضه أي: صعباً. قال الحسن: إن الرجل ليعد السورة، ولكن العمل بها ثقيل. وقال قتادة: "ثقيل والله فرائض القرآن وحدوده". وقيل: معناه: إن القوْل بعيْنِه ثقيل. وروى عروة "أن النبي - ﷺ - [كان] إذا أُوحِيَ إليه وهو على ناقته وَضَعَتْ جِرَانَهَا - يعني صدرها - فما تستطيع أن تحرك حتى يسرى عنه وقال ابن زيد: "هو - والله - ثقيل مبارك كما ثقل في الدنيا ثقل في الموازين يوم القيامة". * * - ثم قال: ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ ٱللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْأً﴾ قال ابن عمر وأنس بن مالك وعلي بن الحسين، ناشئة الليل: ما بين المغرب والعشاء. وقال الحسن والحكم: ناشئة الليل من العشاء الآخرة إلى الصبح، وقال ابن عباس و (ابن) الزبير: الليل كله ناشئة. وهو قول ابن جبير ومجاهد. وأصله من نشأ إذا ابتدأ. فعلى هذا بناه من قال إنه من المغرب إلى العشاء الآخرة. وقد قال الكسائي: ناشئة الليل أوله. * * - قوله: ﴿أَشَدُّ وَطْأً﴾ معناه: أثبت قياماً. قال المفسرون: هي أثبت في الخير وأحفظ للقلب، لأن النهار يضطرب فيه الناس لمعاشهم، والليل أخلى وأثبته في القيام. وقيل: معناه: إن صلاة ناشئة الليل هي أشد (وطئاً) على المصلى من صلاة النهار لأن الليل للنوم، فهي وإن كانت أصعب [فهي] أقوم قيلاً [أي]: أصوب قولا لأن القارئ لا يشغله عن قراءته في الليل شيء ويشغله في النهار ما يرى من التصرف وما [يعرض] له من الأمور. وقيل: معنى ﴿أَشَدُّ وَطْأً﴾: أشد أمراً وأشد [مكابدة] واحتمالاً ومنه قول النبي - ﷺ -: "اللهم اشدد وطأتك على مضر"، وَطِئْتَ وَطْأً، مثل شَرِبت شُرْبًا ولَقِمْتُ لَقْمًا. فأما من قرأ "وِطَاءَ" فإنه جعله مصدر مواطأة ووطاء. ومعناه: أشد مواطأة للسمع والقلب، أي: يواطئ فيه السمع القلب فلا يشتعل القلب بشيء عن فهم ما يقرأ وسماعه. وقيل: معناه: أشد علاجاً. قال ابن عباس: ﴿أَشَدُّ وَطْأً﴾ أي: أجدر أن يحصوا ما فرض الله عليهم من القيام. قال: وكانت صلاتهم أول الليل. وقال الضحاك: معناه: قراءة القرآن بالليل أثبت منها في النهار. وقال مجاهد: ﴿أَشَدُّ وَطْأً﴾ أي يتواطأ قلبك وسمعك وبصرك بعضه بعضا. * * - وقوله: ﴿وَأَقْوَمُ قِيلاً﴾. أي: وأصوب قراءة. قال مجاهد: وأثبت قراءة. وقال ابن عباس: معناه: يقول: أدنى أن يفقهوا في القول. وقال قتادة: "[أحفظ] للقراءة". وقال ابن زيد: "وقوم قراءة لفراغه من الدنيا". * * - ثم قال: ﴿إِنَّ لَكَ فِي ٱلنَّهَارِ سَبْحَاً طَوِيلاً﴾. أي: فراغاً طويلاً، قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة. وقال ابن زيد: (سبحاً لحوائجك) فَأَفْرِغْ أذنك بالليل. وقرأ يحيى بن يعمر: "سَبْخاً" بالخاء المعجمة، ومعناه راحة [نوماً]. * * - ثم قال: ﴿وَٱذْكُرِ ٱسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلاً﴾. أي: واذكر ربك يا محمد فادعه وانقطع إليه انقطاعاً لحوائجك وعبادتك دون سائر الأشياء غيره. يقال: بتلت هذا الأمر قطعته. ومنه قيل لمريم البتول لانقطاعها إلى الله جل ذكره. قال ابن عباس: ﴿وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلاً﴾ أي: أُخْلِص له إخلاصاً" وهو قول مجاهد والضحاك. وقال الحسن: أَبْتِلْ إليه نفسك واجتهد. وقال قتادة: "أخلص له العبادة والدعوة". وقال ابن زيد: تفرغ لعبادته، [تَعَبّدْ] بالتبتل] إلى الله. * * - ثم قال: ﴿رَّبُّ ٱلْمَشْرِقِ وَٱلْمَغْرِبِ﴾. أي: هو رب ذلك لا معبود تصلح له العبادة غيره. * * - ﴿فَٱتَّخِذْهُ وَكِيلاً﴾. أي: فوض (إليه أسبابك) والمعنى: اتخذه كافياً لك. وقيل معناه: اتخده كفيلاً لك بأمورك كلها. وقيل: المعنى: اتخده رباً. فالوكيل يكون بمعنى الكافي وبمعنى الكافل وبمعنى الرب. * * - ثم قال: ﴿وَٱصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ﴾ أي: واصبر على ما يقول هؤلاء المشركون من قومك واحتمل أذاهم. * * - ﴿وَٱهْجُرْهُمْ هَجْراً جَمِيلاً﴾. (أي: اهجرهم في الله هجراً جميلاً). قال قتادة: كان هذا قبل أن يؤمر بالقتال، ثم أُمِرَ بقتالهم (وقتلهم) فنَسخت آيةُ القتال ما كان قبلها من الترك. * * ثم قال: ﴿وَذَرْنِي وَٱلْمُكَذِّبِينَ أُوْلِي ٱلنَّعْمَةِ﴾ هذا وعيد وتَهَدُّدٌ من الله جل ذكره للمشركين أي: ودعني يا محمد والمكذبين بآياتي أصحاب التنعم في الدنيا. * * - ﴿وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلاً﴾. أي: أمهلهم بالعذاب حتى يبلغ الكتاب أجله. وكان بين نزول هذه الآية وَبَدْرٍ يسير [قالته] عائشة رضي الله عنها.

المزمل 73:5

قوله: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلْمُزَّمِّلُ * قُمِ ٱلَّيلَ﴾ إلى قوله ﴿وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلاً﴾. معناه: يا أيها الملتف بثيابه، يعني النبي - ﷺ -. وأصله: المتزمل ثم أدغمت التاء في [الزاي]. قال قتادة: إنما قيل له: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلْمُزَّمِّلُ﴾؛ لأنه كان متزملاً في ثيابه، كأنه متأهب للصلاة؛ ودل على ذلك قوله: ﴿قُمِ ٱلَّيلَ إِلاَّ قَلِيلاً﴾. قال ابن عباس: كان النبي - ﷺ - يَفْرقَ من جبريل فيتزمل بالثياب في أول ما جاءه حتى أنس به. وقال عكرمة: زمل هذا الأمر، يعني: النبوة والرسالة. قال: الزهري: التف النبي - ﷺ - بثيابه من [فزع] أصابه أول ما رأى الملك فنودي بصفة فعله. وقيل: كان يتزمل بالثياب، من شدة ما يلقى من قريش من تكذيبهم له [وتخويفهم] وأَذاَهُم. قال [النخعي] كان متزملاً في قطيفة. * * - وقوله: ﴿قُمِ ٱلَّيلَ إِلاَّ قَلِيلاً ﴾. أي: قم الليل كله للصلاة إلا قليلاً ثم أبدل من الليل بدل البعض من الكل فقال: * * - ﴿نِّصْفَهُ أَوِ ٱنقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً﴾. أي: قم نصفه أو أقل من النصف. * * - ﴿أَوْ زِدْ عَلَيْهِ﴾ [أي]: أو زد على النصف. فهذا كله تخيير من الله لرسوله بين أن يفعل ما شاء من هذه الثلاث المنازل: يقوم النصف أو أقل أو أكثر. وكان هذا فرضاً عليه وعلى المؤمنين فكانوا يقومون ثم خففه عنهم الآيتين في آخر السورة فَفَسَخَتَا هَذَا، وهو قول أكثر العلماء. وقيل: إن ذلك كان ندباً ولم يكن فَرِْضاً. وقيل: بل كان فرضاً على النبي - ﷺ - وحده. قال ابن عباس: كان بين أولها وآخرها سنة. وقالت عائشة رضي الله عنها: لما نزل ﴿يٰأَيُّهَا ٱلْمُزَّمِّلُ﴾ كان الرجل يربط الحبل ويتعلق به فمكثوا بذلك ثمانية أشهر، فرأى الله ما يبتغون من رضوانه فرحمهم فردهم إلى الفريضة وترك قيام الليل. وقال ابن جبير: مكث النبي - ﷺ - يقوم الليل كما أمره (الله) عشر سنين ثم خفف عنهم بعد ذلك. قال عكرمة: ﴿قُمِ ٱلَّيلَ إِلاَّ قَلِيلاً...﴾ الآية نسختها الآية التي في آخرها ﴿عَلِمَ أَن لَّن تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَٱقْرَءُواْ مَا تَيَسَّرَ مِنَ ٱلْقُرْآنِ﴾ [المزمل: ٢٠]. وقال قتادة: قاموا حولاً أو حولين حتى انتفخت سوقهم وأقدامهم، فأنزل الله تخفيفها في آخر السورة. قال الحسن: لما نزلت: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلْمُزَّمِّلُ﴾ "قام المسلمون حولاً، فمنهم من أطاقه ومنهم من لم يطقه، حتى نزلت الرخصة". قال ابن زيد: أول ما افترض الله على رسوله والمؤمنين صلاة الليل وقرأ أول هذه السورة. * * - قوله: ﴿وَرَتِّلِ ٱلْقُرْآنَ تَرْتِيلاً﴾ أي: وبيّن القرآن إذا قرأته في صلاتك تبييناً (وترسل فيه ترسلاً)، قاله قتادة. قال الحسن: معناه (اقرأه) قراءة بينة). وقال مجاهد: "اقرأه بعضه على إثر بعض على تؤدة". والرتل في اللغة: الضعف واللين، فالمعنى: لين القراءة، ولا تستعجل بانكماش. والرتل في [الأسنان] أن يكون بينها الفرج ولا يركب بعضها بعضاً، يقال: "ثغر ورتل" إذا كان كذلك. * * - ثم قال: ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً﴾. أي: ثقيلاً العمل به وبحدود(ه) فرائضه أي: صعباً. قال الحسن: إن الرجل ليعد السورة، ولكن العمل بها ثقيل. وقال قتادة: "ثقيل والله فرائض القرآن وحدوده". وقيل: معناه: إن القوْل بعيْنِه ثقيل. وروى عروة "أن النبي - ﷺ - [كان] إذا أُوحِيَ إليه وهو على ناقته وَضَعَتْ جِرَانَهَا - يعني صدرها - فما تستطيع أن تحرك حتى يسرى عنه وقال ابن زيد: "هو - والله - ثقيل مبارك كما ثقل في الدنيا ثقل في الموازين يوم القيامة". * * - ثم قال: ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ ٱللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْأً﴾ قال ابن عمر وأنس بن مالك وعلي بن الحسين، ناشئة الليل: ما بين المغرب والعشاء. وقال الحسن والحكم: ناشئة الليل من العشاء الآخرة إلى الصبح، وقال ابن عباس و (ابن) الزبير: الليل كله ناشئة. وهو قول ابن جبير ومجاهد. وأصله من نشأ إذا ابتدأ. فعلى هذا بناه من قال إنه من المغرب إلى العشاء الآخرة. وقد قال الكسائي: ناشئة الليل أوله. * * - قوله: ﴿أَشَدُّ وَطْأً﴾ معناه: أثبت قياماً. قال المفسرون: هي أثبت في الخير وأحفظ للقلب، لأن النهار يضطرب فيه الناس لمعاشهم، والليل أخلى وأثبته في القيام. وقيل: معناه: إن صلاة ناشئة الليل هي أشد (وطئاً) على المصلى من صلاة النهار لأن الليل للنوم، فهي وإن كانت أصعب [فهي] أقوم قيلاً [أي]: أصوب قولا لأن القارئ لا يشغله عن قراءته في الليل شيء ويشغله في النهار ما يرى من التصرف وما [يعرض] له من الأمور. وقيل: معنى ﴿أَشَدُّ وَطْأً﴾: أشد أمراً وأشد [مكابدة] واحتمالاً ومنه قول النبي - ﷺ -: "اللهم اشدد وطأتك على مضر"، وَطِئْتَ وَطْأً، مثل شَرِبت شُرْبًا ولَقِمْتُ لَقْمًا. فأما من قرأ "وِطَاءَ" فإنه جعله مصدر مواطأة ووطاء. ومعناه: أشد مواطأة للسمع والقلب، أي: يواطئ فيه السمع القلب فلا يشتعل القلب بشيء عن فهم ما يقرأ وسماعه. وقيل: معناه: أشد علاجاً. قال ابن عباس: ﴿أَشَدُّ وَطْأً﴾ أي: أجدر أن يحصوا ما فرض الله عليهم من القيام. قال: وكانت صلاتهم أول الليل. وقال الضحاك: معناه: قراءة القرآن بالليل أثبت منها في النهار. وقال مجاهد: ﴿أَشَدُّ وَطْأً﴾ أي يتواطأ قلبك وسمعك وبصرك بعضه بعضا. * * - وقوله: ﴿وَأَقْوَمُ قِيلاً﴾. أي: وأصوب قراءة. قال مجاهد: وأثبت قراءة. وقال ابن عباس: معناه: يقول: أدنى أن يفقهوا في القول. وقال قتادة: "[أحفظ] للقراءة". وقال ابن زيد: "وقوم قراءة لفراغه من الدنيا". * * - ثم قال: ﴿إِنَّ لَكَ فِي ٱلنَّهَارِ سَبْحَاً طَوِيلاً﴾. أي: فراغاً طويلاً، قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة. وقال ابن زيد: (سبحاً لحوائجك) فَأَفْرِغْ أذنك بالليل. وقرأ يحيى بن يعمر: "سَبْخاً" بالخاء المعجمة، ومعناه راحة [نوماً]. * * - ثم قال: ﴿وَٱذْكُرِ ٱسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلاً﴾. أي: واذكر ربك يا محمد فادعه وانقطع إليه انقطاعاً لحوائجك وعبادتك دون سائر الأشياء غيره. يقال: بتلت هذا الأمر قطعته. ومنه قيل لمريم البتول لانقطاعها إلى الله جل ذكره. قال ابن عباس: ﴿وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلاً﴾ أي: أُخْلِص له إخلاصاً" وهو قول مجاهد والضحاك. وقال الحسن: أَبْتِلْ إليه نفسك واجتهد. وقال قتادة: "أخلص له العبادة والدعوة". وقال ابن زيد: تفرغ لعبادته، [تَعَبّدْ] بالتبتل] إلى الله. * * - ثم قال: ﴿رَّبُّ ٱلْمَشْرِقِ وَٱلْمَغْرِبِ﴾. أي: هو رب ذلك لا معبود تصلح له العبادة غيره. * * - ﴿فَٱتَّخِذْهُ وَكِيلاً﴾. أي: فوض (إليه أسبابك) والمعنى: اتخذه كافياً لك. وقيل معناه: اتخده كفيلاً لك بأمورك كلها. وقيل: المعنى: اتخده رباً. فالوكيل يكون بمعنى الكافي وبمعنى الكافل وبمعنى الرب. * * - ثم قال: ﴿وَٱصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ﴾ أي: واصبر على ما يقول هؤلاء المشركون من قومك واحتمل أذاهم. * * - ﴿وَٱهْجُرْهُمْ هَجْراً جَمِيلاً﴾. (أي: اهجرهم في الله هجراً جميلاً). قال قتادة: كان هذا قبل أن يؤمر بالقتال، ثم أُمِرَ بقتالهم (وقتلهم) فنَسخت آيةُ القتال ما كان قبلها من الترك. * * ثم قال: ﴿وَذَرْنِي وَٱلْمُكَذِّبِينَ أُوْلِي ٱلنَّعْمَةِ﴾ هذا وعيد وتَهَدُّدٌ من الله جل ذكره للمشركين أي: ودعني يا محمد والمكذبين بآياتي أصحاب التنعم في الدنيا. * * - ﴿وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلاً﴾. أي: أمهلهم بالعذاب حتى يبلغ الكتاب أجله. وكان بين نزول هذه الآية وَبَدْرٍ يسير [قالته] عائشة رضي الله عنها.

المزمل 73:6

قوله: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلْمُزَّمِّلُ * قُمِ ٱلَّيلَ﴾ إلى قوله ﴿وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلاً﴾. معناه: يا أيها الملتف بثيابه، يعني النبي - ﷺ -. وأصله: المتزمل ثم أدغمت التاء في [الزاي]. قال قتادة: إنما قيل له: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلْمُزَّمِّلُ﴾؛ لأنه كان متزملاً في ثيابه، كأنه متأهب للصلاة؛ ودل على ذلك قوله: ﴿قُمِ ٱلَّيلَ إِلاَّ قَلِيلاً﴾. قال ابن عباس: كان النبي - ﷺ - يَفْرقَ من جبريل فيتزمل بالثياب في أول ما جاءه حتى أنس به. وقال عكرمة: زمل هذا الأمر، يعني: النبوة والرسالة. قال: الزهري: التف النبي - ﷺ - بثيابه من [فزع] أصابه أول ما رأى الملك فنودي بصفة فعله. وقيل: كان يتزمل بالثياب، من شدة ما يلقى من قريش من تكذيبهم له [وتخويفهم] وأَذاَهُم. قال [النخعي] كان متزملاً في قطيفة. * * - وقوله: ﴿قُمِ ٱلَّيلَ إِلاَّ قَلِيلاً ﴾. أي: قم الليل كله للصلاة إلا قليلاً ثم أبدل من الليل بدل البعض من الكل فقال: * * - ﴿نِّصْفَهُ أَوِ ٱنقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً﴾. أي: قم نصفه أو أقل من النصف. * * - ﴿أَوْ زِدْ عَلَيْهِ﴾ [أي]: أو زد على النصف. فهذا كله تخيير من الله لرسوله بين أن يفعل ما شاء من هذه الثلاث المنازل: يقوم النصف أو أقل أو أكثر. وكان هذا فرضاً عليه وعلى المؤمنين فكانوا يقومون ثم خففه عنهم الآيتين في آخر السورة فَفَسَخَتَا هَذَا، وهو قول أكثر العلماء. وقيل: إن ذلك كان ندباً ولم يكن فَرِْضاً. وقيل: بل كان فرضاً على النبي - ﷺ - وحده. قال ابن عباس: كان بين أولها وآخرها سنة. وقالت عائشة رضي الله عنها: لما نزل ﴿يٰأَيُّهَا ٱلْمُزَّمِّلُ﴾ كان الرجل يربط الحبل ويتعلق به فمكثوا بذلك ثمانية أشهر، فرأى الله ما يبتغون من رضوانه فرحمهم فردهم إلى الفريضة وترك قيام الليل. وقال ابن جبير: مكث النبي - ﷺ - يقوم الليل كما أمره (الله) عشر سنين ثم خفف عنهم بعد ذلك. قال عكرمة: ﴿قُمِ ٱلَّيلَ إِلاَّ قَلِيلاً...﴾ الآية نسختها الآية التي في آخرها ﴿عَلِمَ أَن لَّن تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَٱقْرَءُواْ مَا تَيَسَّرَ مِنَ ٱلْقُرْآنِ﴾ [المزمل: ٢٠]. وقال قتادة: قاموا حولاً أو حولين حتى انتفخت سوقهم وأقدامهم، فأنزل الله تخفيفها في آخر السورة. قال الحسن: لما نزلت: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلْمُزَّمِّلُ﴾ "قام المسلمون حولاً، فمنهم من أطاقه ومنهم من لم يطقه، حتى نزلت الرخصة". قال ابن زيد: أول ما افترض الله على رسوله والمؤمنين صلاة الليل وقرأ أول هذه السورة. * * - قوله: ﴿وَرَتِّلِ ٱلْقُرْآنَ تَرْتِيلاً﴾ أي: وبيّن القرآن إذا قرأته في صلاتك تبييناً (وترسل فيه ترسلاً)، قاله قتادة. قال الحسن: معناه (اقرأه) قراءة بينة). وقال مجاهد: "اقرأه بعضه على إثر بعض على تؤدة". والرتل في اللغة: الضعف واللين، فالمعنى: لين القراءة، ولا تستعجل بانكماش. والرتل في [الأسنان] أن يكون بينها الفرج ولا يركب بعضها بعضاً، يقال: "ثغر ورتل" إذا كان كذلك. * * - ثم قال: ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً﴾. أي: ثقيلاً العمل به وبحدود(ه) فرائضه أي: صعباً. قال الحسن: إن الرجل ليعد السورة، ولكن العمل بها ثقيل. وقال قتادة: "ثقيل والله فرائض القرآن وحدوده". وقيل: معناه: إن القوْل بعيْنِه ثقيل. وروى عروة "أن النبي - ﷺ - [كان] إذا أُوحِيَ إليه وهو على ناقته وَضَعَتْ جِرَانَهَا - يعني صدرها - فما تستطيع أن تحرك حتى يسرى عنه وقال ابن زيد: "هو - والله - ثقيل مبارك كما ثقل في الدنيا ثقل في الموازين يوم القيامة". * * - ثم قال: ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ ٱللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْأً﴾ قال ابن عمر وأنس بن مالك وعلي بن الحسين، ناشئة الليل: ما بين المغرب والعشاء. وقال الحسن والحكم: ناشئة الليل من العشاء الآخرة إلى الصبح، وقال ابن عباس و (ابن) الزبير: الليل كله ناشئة. وهو قول ابن جبير ومجاهد. وأصله من نشأ إذا ابتدأ. فعلى هذا بناه من قال إنه من المغرب إلى العشاء الآخرة. وقد قال الكسائي: ناشئة الليل أوله. * * - قوله: ﴿أَشَدُّ وَطْأً﴾ معناه: أثبت قياماً. قال المفسرون: هي أثبت في الخير وأحفظ للقلب، لأن النهار يضطرب فيه الناس لمعاشهم، والليل أخلى وأثبته في القيام. وقيل: معناه: إن صلاة ناشئة الليل هي أشد (وطئاً) على المصلى من صلاة النهار لأن الليل للنوم، فهي وإن كانت أصعب [فهي] أقوم قيلاً [أي]: أصوب قولا لأن القارئ لا يشغله عن قراءته في الليل شيء ويشغله في النهار ما يرى من التصرف وما [يعرض] له من الأمور. وقيل: معنى ﴿أَشَدُّ وَطْأً﴾: أشد أمراً وأشد [مكابدة] واحتمالاً ومنه قول النبي - ﷺ -: "اللهم اشدد وطأتك على مضر"، وَطِئْتَ وَطْأً، مثل شَرِبت شُرْبًا ولَقِمْتُ لَقْمًا. فأما من قرأ "وِطَاءَ" فإنه جعله مصدر مواطأة ووطاء. ومعناه: أشد مواطأة للسمع والقلب، أي: يواطئ فيه السمع القلب فلا يشتعل القلب بشيء عن فهم ما يقرأ وسماعه. وقيل: معناه: أشد علاجاً. قال ابن عباس: ﴿أَشَدُّ وَطْأً﴾ أي: أجدر أن يحصوا ما فرض الله عليهم من القيام. قال: وكانت صلاتهم أول الليل. وقال الضحاك: معناه: قراءة القرآن بالليل أثبت منها في النهار. وقال مجاهد: ﴿أَشَدُّ وَطْأً﴾ أي يتواطأ قلبك وسمعك وبصرك بعضه بعضا. * * - وقوله: ﴿وَأَقْوَمُ قِيلاً﴾. أي: وأصوب قراءة. قال مجاهد: وأثبت قراءة. وقال ابن عباس: معناه: يقول: أدنى أن يفقهوا في القول. وقال قتادة: "[أحفظ] للقراءة". وقال ابن زيد: "وقوم قراءة لفراغه من الدنيا". * * - ثم قال: ﴿إِنَّ لَكَ فِي ٱلنَّهَارِ سَبْحَاً طَوِيلاً﴾. أي: فراغاً طويلاً، قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة. وقال ابن زيد: (سبحاً لحوائجك) فَأَفْرِغْ أذنك بالليل. وقرأ يحيى بن يعمر: "سَبْخاً" بالخاء المعجمة، ومعناه راحة [نوماً]. * * - ثم قال: ﴿وَٱذْكُرِ ٱسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلاً﴾. أي: واذكر ربك يا محمد فادعه وانقطع إليه انقطاعاً لحوائجك وعبادتك دون سائر الأشياء غيره. يقال: بتلت هذا الأمر قطعته. ومنه قيل لمريم البتول لانقطاعها إلى الله جل ذكره. قال ابن عباس: ﴿وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلاً﴾ أي: أُخْلِص له إخلاصاً" وهو قول مجاهد والضحاك. وقال الحسن: أَبْتِلْ إليه نفسك واجتهد. وقال قتادة: "أخلص له العبادة والدعوة". وقال ابن زيد: تفرغ لعبادته، [تَعَبّدْ] بالتبتل] إلى الله. * * - ثم قال: ﴿رَّبُّ ٱلْمَشْرِقِ وَٱلْمَغْرِبِ﴾. أي: هو رب ذلك لا معبود تصلح له العبادة غيره. * * - ﴿فَٱتَّخِذْهُ وَكِيلاً﴾. أي: فوض (إليه أسبابك) والمعنى: اتخذه كافياً لك. وقيل معناه: اتخده كفيلاً لك بأمورك كلها. وقيل: المعنى: اتخده رباً. فالوكيل يكون بمعنى الكافي وبمعنى الكافل وبمعنى الرب. * * - ثم قال: ﴿وَٱصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ﴾ أي: واصبر على ما يقول هؤلاء المشركون من قومك واحتمل أذاهم. * * - ﴿وَٱهْجُرْهُمْ هَجْراً جَمِيلاً﴾. (أي: اهجرهم في الله هجراً جميلاً). قال قتادة: كان هذا قبل أن يؤمر بالقتال، ثم أُمِرَ بقتالهم (وقتلهم) فنَسخت آيةُ القتال ما كان قبلها من الترك. * * ثم قال: ﴿وَذَرْنِي وَٱلْمُكَذِّبِينَ أُوْلِي ٱلنَّعْمَةِ﴾ هذا وعيد وتَهَدُّدٌ من الله جل ذكره للمشركين أي: ودعني يا محمد والمكذبين بآياتي أصحاب التنعم في الدنيا. * * - ﴿وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلاً﴾. أي: أمهلهم بالعذاب حتى يبلغ الكتاب أجله. وكان بين نزول هذه الآية وَبَدْرٍ يسير [قالته] عائشة رضي الله عنها.

المزمل 73:7

قوله: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلْمُزَّمِّلُ * قُمِ ٱلَّيلَ﴾ إلى قوله ﴿وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلاً﴾. معناه: يا أيها الملتف بثيابه، يعني النبي - ﷺ -. وأصله: المتزمل ثم أدغمت التاء في [الزاي]. قال قتادة: إنما قيل له: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلْمُزَّمِّلُ﴾؛ لأنه كان متزملاً في ثيابه، كأنه متأهب للصلاة؛ ودل على ذلك قوله: ﴿قُمِ ٱلَّيلَ إِلاَّ قَلِيلاً﴾. قال ابن عباس: كان النبي - ﷺ - يَفْرقَ من جبريل فيتزمل بالثياب في أول ما جاءه حتى أنس به. وقال عكرمة: زمل هذا الأمر، يعني: النبوة والرسالة. قال: الزهري: التف النبي - ﷺ - بثيابه من [فزع] أصابه أول ما رأى الملك فنودي بصفة فعله. وقيل: كان يتزمل بالثياب، من شدة ما يلقى من قريش من تكذيبهم له [وتخويفهم] وأَذاَهُم. قال [النخعي] كان متزملاً في قطيفة. * * - وقوله: ﴿قُمِ ٱلَّيلَ إِلاَّ قَلِيلاً ﴾. أي: قم الليل كله للصلاة إلا قليلاً ثم أبدل من الليل بدل البعض من الكل فقال: * * - ﴿نِّصْفَهُ أَوِ ٱنقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً﴾. أي: قم نصفه أو أقل من النصف. * * - ﴿أَوْ زِدْ عَلَيْهِ﴾ [أي]: أو زد على النصف. فهذا كله تخيير من الله لرسوله بين أن يفعل ما شاء من هذه الثلاث المنازل: يقوم النصف أو أقل أو أكثر. وكان هذا فرضاً عليه وعلى المؤمنين فكانوا يقومون ثم خففه عنهم الآيتين في آخر السورة فَفَسَخَتَا هَذَا، وهو قول أكثر العلماء. وقيل: إن ذلك كان ندباً ولم يكن فَرِْضاً. وقيل: بل كان فرضاً على النبي - ﷺ - وحده. قال ابن عباس: كان بين أولها وآخرها سنة. وقالت عائشة رضي الله عنها: لما نزل ﴿يٰأَيُّهَا ٱلْمُزَّمِّلُ﴾ كان الرجل يربط الحبل ويتعلق به فمكثوا بذلك ثمانية أشهر، فرأى الله ما يبتغون من رضوانه فرحمهم فردهم إلى الفريضة وترك قيام الليل. وقال ابن جبير: مكث النبي - ﷺ - يقوم الليل كما أمره (الله) عشر سنين ثم خفف عنهم بعد ذلك. قال عكرمة: ﴿قُمِ ٱلَّيلَ إِلاَّ قَلِيلاً...﴾ الآية نسختها الآية التي في آخرها ﴿عَلِمَ أَن لَّن تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَٱقْرَءُواْ مَا تَيَسَّرَ مِنَ ٱلْقُرْآنِ﴾ [المزمل: ٢٠]. وقال قتادة: قاموا حولاً أو حولين حتى انتفخت سوقهم وأقدامهم، فأنزل الله تخفيفها في آخر السورة. قال الحسن: لما نزلت: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلْمُزَّمِّلُ﴾ "قام المسلمون حولاً، فمنهم من أطاقه ومنهم من لم يطقه، حتى نزلت الرخصة". قال ابن زيد: أول ما افترض الله على رسوله والمؤمنين صلاة الليل وقرأ أول هذه السورة. * * - قوله: ﴿وَرَتِّلِ ٱلْقُرْآنَ تَرْتِيلاً﴾ أي: وبيّن القرآن إذا قرأته في صلاتك تبييناً (وترسل فيه ترسلاً)، قاله قتادة. قال الحسن: معناه (اقرأه) قراءة بينة). وقال مجاهد: "اقرأه بعضه على إثر بعض على تؤدة". والرتل في اللغة: الضعف واللين، فالمعنى: لين القراءة، ولا تستعجل بانكماش. والرتل في [الأسنان] أن يكون بينها الفرج ولا يركب بعضها بعضاً، يقال: "ثغر ورتل" إذا كان كذلك. * * - ثم قال: ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً﴾. أي: ثقيلاً العمل به وبحدود(ه) فرائضه أي: صعباً. قال الحسن: إن الرجل ليعد السورة، ولكن العمل بها ثقيل. وقال قتادة: "ثقيل والله فرائض القرآن وحدوده". وقيل: معناه: إن القوْل بعيْنِه ثقيل. وروى عروة "أن النبي - ﷺ - [كان] إذا أُوحِيَ إليه وهو على ناقته وَضَعَتْ جِرَانَهَا - يعني صدرها - فما تستطيع أن تحرك حتى يسرى عنه وقال ابن زيد: "هو - والله - ثقيل مبارك كما ثقل في الدنيا ثقل في الموازين يوم القيامة". * * - ثم قال: ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ ٱللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْأً﴾ قال ابن عمر وأنس بن مالك وعلي بن الحسين، ناشئة الليل: ما بين المغرب والعشاء. وقال الحسن والحكم: ناشئة الليل من العشاء الآخرة إلى الصبح، وقال ابن عباس و (ابن) الزبير: الليل كله ناشئة. وهو قول ابن جبير ومجاهد. وأصله من نشأ إذا ابتدأ. فعلى هذا بناه من قال إنه من المغرب إلى العشاء الآخرة. وقد قال الكسائي: ناشئة الليل أوله. * * - قوله: ﴿أَشَدُّ وَطْأً﴾ معناه: أثبت قياماً. قال المفسرون: هي أثبت في الخير وأحفظ للقلب، لأن النهار يضطرب فيه الناس لمعاشهم، والليل أخلى وأثبته في القيام. وقيل: معناه: إن صلاة ناشئة الليل هي أشد (وطئاً) على المصلى من صلاة النهار لأن الليل للنوم، فهي وإن كانت أصعب [فهي] أقوم قيلاً [أي]: أصوب قولا لأن القارئ لا يشغله عن قراءته في الليل شيء ويشغله في النهار ما يرى من التصرف وما [يعرض] له من الأمور. وقيل: معنى ﴿أَشَدُّ وَطْأً﴾: أشد أمراً وأشد [مكابدة] واحتمالاً ومنه قول النبي - ﷺ -: "اللهم اشدد وطأتك على مضر"، وَطِئْتَ وَطْأً، مثل شَرِبت شُرْبًا ولَقِمْتُ لَقْمًا. فأما من قرأ "وِطَاءَ" فإنه جعله مصدر مواطأة ووطاء. ومعناه: أشد مواطأة للسمع والقلب، أي: يواطئ فيه السمع القلب فلا يشتعل القلب بشيء عن فهم ما يقرأ وسماعه. وقيل: معناه: أشد علاجاً. قال ابن عباس: ﴿أَشَدُّ وَطْأً﴾ أي: أجدر أن يحصوا ما فرض الله عليهم من القيام. قال: وكانت صلاتهم أول الليل. وقال الضحاك: معناه: قراءة القرآن بالليل أثبت منها في النهار. وقال مجاهد: ﴿أَشَدُّ وَطْأً﴾ أي يتواطأ قلبك وسمعك وبصرك بعضه بعضا. * * - وقوله: ﴿وَأَقْوَمُ قِيلاً﴾. أي: وأصوب قراءة. قال مجاهد: وأثبت قراءة. وقال ابن عباس: معناه: يقول: أدنى أن يفقهوا في القول. وقال قتادة: "[أحفظ] للقراءة". وقال ابن زيد: "وقوم قراءة لفراغه من الدنيا". * * - ثم قال: ﴿إِنَّ لَكَ فِي ٱلنَّهَارِ سَبْحَاً طَوِيلاً﴾. أي: فراغاً طويلاً، قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة. وقال ابن زيد: (سبحاً لحوائجك) فَأَفْرِغْ أذنك بالليل. وقرأ يحيى بن يعمر: "سَبْخاً" بالخاء المعجمة، ومعناه راحة [نوماً]. * * - ثم قال: ﴿وَٱذْكُرِ ٱسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلاً﴾. أي: واذكر ربك يا محمد فادعه وانقطع إليه انقطاعاً لحوائجك وعبادتك دون سائر الأشياء غيره. يقال: بتلت هذا الأمر قطعته. ومنه قيل لمريم البتول لانقطاعها إلى الله جل ذكره. قال ابن عباس: ﴿وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلاً﴾ أي: أُخْلِص له إخلاصاً" وهو قول مجاهد والضحاك. وقال الحسن: أَبْتِلْ إليه نفسك واجتهد. وقال قتادة: "أخلص له العبادة والدعوة". وقال ابن زيد: تفرغ لعبادته، [تَعَبّدْ] بالتبتل] إلى الله. * * - ثم قال: ﴿رَّبُّ ٱلْمَشْرِقِ وَٱلْمَغْرِبِ﴾. أي: هو رب ذلك لا معبود تصلح له العبادة غيره. * * - ﴿فَٱتَّخِذْهُ وَكِيلاً﴾. أي: فوض (إليه أسبابك) والمعنى: اتخذه كافياً لك. وقيل معناه: اتخده كفيلاً لك بأمورك كلها. وقيل: المعنى: اتخده رباً. فالوكيل يكون بمعنى الكافي وبمعنى الكافل وبمعنى الرب. * * - ثم قال: ﴿وَٱصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ﴾ أي: واصبر على ما يقول هؤلاء المشركون من قومك واحتمل أذاهم. * * - ﴿وَٱهْجُرْهُمْ هَجْراً جَمِيلاً﴾. (أي: اهجرهم في الله هجراً جميلاً). قال قتادة: كان هذا قبل أن يؤمر بالقتال، ثم أُمِرَ بقتالهم (وقتلهم) فنَسخت آيةُ القتال ما كان قبلها من الترك. * * ثم قال: ﴿وَذَرْنِي وَٱلْمُكَذِّبِينَ أُوْلِي ٱلنَّعْمَةِ﴾ هذا وعيد وتَهَدُّدٌ من الله جل ذكره للمشركين أي: ودعني يا محمد والمكذبين بآياتي أصحاب التنعم في الدنيا. * * - ﴿وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلاً﴾. أي: أمهلهم بالعذاب حتى يبلغ الكتاب أجله. وكان بين نزول هذه الآية وَبَدْرٍ يسير [قالته] عائشة رضي الله عنها.

المزمل 73:8

قوله: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلْمُزَّمِّلُ * قُمِ ٱلَّيلَ﴾ إلى قوله ﴿وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلاً﴾. معناه: يا أيها الملتف بثيابه، يعني النبي - ﷺ -. وأصله: المتزمل ثم أدغمت التاء في [الزاي]. قال قتادة: إنما قيل له: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلْمُزَّمِّلُ﴾؛ لأنه كان متزملاً في ثيابه، كأنه متأهب للصلاة؛ ودل على ذلك قوله: ﴿قُمِ ٱلَّيلَ إِلاَّ قَلِيلاً﴾. قال ابن عباس: كان النبي - ﷺ - يَفْرقَ من جبريل فيتزمل بالثياب في أول ما جاءه حتى أنس به. وقال عكرمة: زمل هذا الأمر، يعني: النبوة والرسالة. قال: الزهري: التف النبي - ﷺ - بثيابه من [فزع] أصابه أول ما رأى الملك فنودي بصفة فعله. وقيل: كان يتزمل بالثياب، من شدة ما يلقى من قريش من تكذيبهم له [وتخويفهم] وأَذاَهُم. قال [النخعي] كان متزملاً في قطيفة. * * - وقوله: ﴿قُمِ ٱلَّيلَ إِلاَّ قَلِيلاً ﴾. أي: قم الليل كله للصلاة إلا قليلاً ثم أبدل من الليل بدل البعض من الكل فقال: * * - ﴿نِّصْفَهُ أَوِ ٱنقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً﴾. أي: قم نصفه أو أقل من النصف. * * - ﴿أَوْ زِدْ عَلَيْهِ﴾ [أي]: أو زد على النصف. فهذا كله تخيير من الله لرسوله بين أن يفعل ما شاء من هذه الثلاث المنازل: يقوم النصف أو أقل أو أكثر. وكان هذا فرضاً عليه وعلى المؤمنين فكانوا يقومون ثم خففه عنهم الآيتين في آخر السورة فَفَسَخَتَا هَذَا، وهو قول أكثر العلماء. وقيل: إن ذلك كان ندباً ولم يكن فَرِْضاً. وقيل: بل كان فرضاً على النبي - ﷺ - وحده. قال ابن عباس: كان بين أولها وآخرها سنة. وقالت عائشة رضي الله عنها: لما نزل ﴿يٰأَيُّهَا ٱلْمُزَّمِّلُ﴾ كان الرجل يربط الحبل ويتعلق به فمكثوا بذلك ثمانية أشهر، فرأى الله ما يبتغون من رضوانه فرحمهم فردهم إلى الفريضة وترك قيام الليل. وقال ابن جبير: مكث النبي - ﷺ - يقوم الليل كما أمره (الله) عشر سنين ثم خفف عنهم بعد ذلك. قال عكرمة: ﴿قُمِ ٱلَّيلَ إِلاَّ قَلِيلاً...﴾ الآية نسختها الآية التي في آخرها ﴿عَلِمَ أَن لَّن تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَٱقْرَءُواْ مَا تَيَسَّرَ مِنَ ٱلْقُرْآنِ﴾ [المزمل: ٢٠]. وقال قتادة: قاموا حولاً أو حولين حتى انتفخت سوقهم وأقدامهم، فأنزل الله تخفيفها في آخر السورة. قال الحسن: لما نزلت: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلْمُزَّمِّلُ﴾ "قام المسلمون حولاً، فمنهم من أطاقه ومنهم من لم يطقه، حتى نزلت الرخصة". قال ابن زيد: أول ما افترض الله على رسوله والمؤمنين صلاة الليل وقرأ أول هذه السورة. * * - قوله: ﴿وَرَتِّلِ ٱلْقُرْآنَ تَرْتِيلاً﴾ أي: وبيّن القرآن إذا قرأته في صلاتك تبييناً (وترسل فيه ترسلاً)، قاله قتادة. قال الحسن: معناه (اقرأه) قراءة بينة). وقال مجاهد: "اقرأه بعضه على إثر بعض على تؤدة". والرتل في اللغة: الضعف واللين، فالمعنى: لين القراءة، ولا تستعجل بانكماش. والرتل في [الأسنان] أن يكون بينها الفرج ولا يركب بعضها بعضاً، يقال: "ثغر ورتل" إذا كان كذلك. * * - ثم قال: ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً﴾. أي: ثقيلاً العمل به وبحدود(ه) فرائضه أي: صعباً. قال الحسن: إن الرجل ليعد السورة، ولكن العمل بها ثقيل. وقال قتادة: "ثقيل والله فرائض القرآن وحدوده". وقيل: معناه: إن القوْل بعيْنِه ثقيل. وروى عروة "أن النبي - ﷺ - [كان] إذا أُوحِيَ إليه وهو على ناقته وَضَعَتْ جِرَانَهَا - يعني صدرها - فما تستطيع أن تحرك حتى يسرى عنه وقال ابن زيد: "هو - والله - ثقيل مبارك كما ثقل في الدنيا ثقل في الموازين يوم القيامة". * * - ثم قال: ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ ٱللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْأً﴾ قال ابن عمر وأنس بن مالك وعلي بن الحسين، ناشئة الليل: ما بين المغرب والعشاء. وقال الحسن والحكم: ناشئة الليل من العشاء الآخرة إلى الصبح، وقال ابن عباس و (ابن) الزبير: الليل كله ناشئة. وهو قول ابن جبير ومجاهد. وأصله من نشأ إذا ابتدأ. فعلى هذا بناه من قال إنه من المغرب إلى العشاء الآخرة. وقد قال الكسائي: ناشئة الليل أوله. * * - قوله: ﴿أَشَدُّ وَطْأً﴾ معناه: أثبت قياماً. قال المفسرون: هي أثبت في الخير وأحفظ للقلب، لأن النهار يضطرب فيه الناس لمعاشهم، والليل أخلى وأثبته في القيام. وقيل: معناه: إن صلاة ناشئة الليل هي أشد (وطئاً) على المصلى من صلاة النهار لأن الليل للنوم، فهي وإن كانت أصعب [فهي] أقوم قيلاً [أي]: أصوب قولا لأن القارئ لا يشغله عن قراءته في الليل شيء ويشغله في النهار ما يرى من التصرف وما [يعرض] له من الأمور. وقيل: معنى ﴿أَشَدُّ وَطْأً﴾: أشد أمراً وأشد [مكابدة] واحتمالاً ومنه قول النبي - ﷺ -: "اللهم اشدد وطأتك على مضر"، وَطِئْتَ وَطْأً، مثل شَرِبت شُرْبًا ولَقِمْتُ لَقْمًا. فأما من قرأ "وِطَاءَ" فإنه جعله مصدر مواطأة ووطاء. ومعناه: أشد مواطأة للسمع والقلب، أي: يواطئ فيه السمع القلب فلا يشتعل القلب بشيء عن فهم ما يقرأ وسماعه. وقيل: معناه: أشد علاجاً. قال ابن عباس: ﴿أَشَدُّ وَطْأً﴾ أي: أجدر أن يحصوا ما فرض الله عليهم من القيام. قال: وكانت صلاتهم أول الليل. وقال الضحاك: معناه: قراءة القرآن بالليل أثبت منها في النهار. وقال مجاهد: ﴿أَشَدُّ وَطْأً﴾ أي يتواطأ قلبك وسمعك وبصرك بعضه بعضا. * * - وقوله: ﴿وَأَقْوَمُ قِيلاً﴾. أي: وأصوب قراءة. قال مجاهد: وأثبت قراءة. وقال ابن عباس: معناه: يقول: أدنى أن يفقهوا في القول. وقال قتادة: "[أحفظ] للقراءة". وقال ابن زيد: "وقوم قراءة لفراغه من الدنيا". * * - ثم قال: ﴿إِنَّ لَكَ فِي ٱلنَّهَارِ سَبْحَاً طَوِيلاً﴾. أي: فراغاً طويلاً، قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة. وقال ابن زيد: (سبحاً لحوائجك) فَأَفْرِغْ أذنك بالليل. وقرأ يحيى بن يعمر: "سَبْخاً" بالخاء المعجمة، ومعناه راحة [نوماً]. * * - ثم قال: ﴿وَٱذْكُرِ ٱسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلاً﴾. أي: واذكر ربك يا محمد فادعه وانقطع إليه انقطاعاً لحوائجك وعبادتك دون سائر الأشياء غيره. يقال: بتلت هذا الأمر قطعته. ومنه قيل لمريم البتول لانقطاعها إلى الله جل ذكره. قال ابن عباس: ﴿وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلاً﴾ أي: أُخْلِص له إخلاصاً" وهو قول مجاهد والضحاك. وقال الحسن: أَبْتِلْ إليه نفسك واجتهد. وقال قتادة: "أخلص له العبادة والدعوة". وقال ابن زيد: تفرغ لعبادته، [تَعَبّدْ] بالتبتل] إلى الله. * * - ثم قال: ﴿رَّبُّ ٱلْمَشْرِقِ وَٱلْمَغْرِبِ﴾. أي: هو رب ذلك لا معبود تصلح له العبادة غيره. * * - ﴿فَٱتَّخِذْهُ وَكِيلاً﴾. أي: فوض (إليه أسبابك) والمعنى: اتخذه كافياً لك. وقيل معناه: اتخده كفيلاً لك بأمورك كلها. وقيل: المعنى: اتخده رباً. فالوكيل يكون بمعنى الكافي وبمعنى الكافل وبمعنى الرب. * * - ثم قال: ﴿وَٱصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ﴾ أي: واصبر على ما يقول هؤلاء المشركون من قومك واحتمل أذاهم. * * - ﴿وَٱهْجُرْهُمْ هَجْراً جَمِيلاً﴾. (أي: اهجرهم في الله هجراً جميلاً). قال قتادة: كان هذا قبل أن يؤمر بالقتال، ثم أُمِرَ بقتالهم (وقتلهم) فنَسخت آيةُ القتال ما كان قبلها من الترك. * * ثم قال: ﴿وَذَرْنِي وَٱلْمُكَذِّبِينَ أُوْلِي ٱلنَّعْمَةِ﴾ هذا وعيد وتَهَدُّدٌ من الله جل ذكره للمشركين أي: ودعني يا محمد والمكذبين بآياتي أصحاب التنعم في الدنيا. * * - ﴿وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلاً﴾. أي: أمهلهم بالعذاب حتى يبلغ الكتاب أجله. وكان بين نزول هذه الآية وَبَدْرٍ يسير [قالته] عائشة رضي الله عنها.

المزمل 73:9

قوله: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلْمُزَّمِّلُ * قُمِ ٱلَّيلَ﴾ إلى قوله ﴿وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلاً﴾. معناه: يا أيها الملتف بثيابه، يعني النبي - ﷺ -. وأصله: المتزمل ثم أدغمت التاء في [الزاي]. قال قتادة: إنما قيل له: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلْمُزَّمِّلُ﴾؛ لأنه كان متزملاً في ثيابه، كأنه متأهب للصلاة؛ ودل على ذلك قوله: ﴿قُمِ ٱلَّيلَ إِلاَّ قَلِيلاً﴾. قال ابن عباس: كان النبي - ﷺ - يَفْرقَ من جبريل فيتزمل بالثياب في أول ما جاءه حتى أنس به. وقال عكرمة: زمل هذا الأمر، يعني: النبوة والرسالة. قال: الزهري: التف النبي - ﷺ - بثيابه من [فزع] أصابه أول ما رأى الملك فنودي بصفة فعله. وقيل: كان يتزمل بالثياب، من شدة ما يلقى من قريش من تكذيبهم له [وتخويفهم] وأَذاَهُم. قال [النخعي] كان متزملاً في قطيفة. * * - وقوله: ﴿قُمِ ٱلَّيلَ إِلاَّ قَلِيلاً ﴾. أي: قم الليل كله للصلاة إلا قليلاً ثم أبدل من الليل بدل البعض من الكل فقال: * * - ﴿نِّصْفَهُ أَوِ ٱنقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً﴾. أي: قم نصفه أو أقل من النصف. * * - ﴿أَوْ زِدْ عَلَيْهِ﴾ [أي]: أو زد على النصف. فهذا كله تخيير من الله لرسوله بين أن يفعل ما شاء من هذه الثلاث المنازل: يقوم النصف أو أقل أو أكثر. وكان هذا فرضاً عليه وعلى المؤمنين فكانوا يقومون ثم خففه عنهم الآيتين في آخر السورة فَفَسَخَتَا هَذَا، وهو قول أكثر العلماء. وقيل: إن ذلك كان ندباً ولم يكن فَرِْضاً. وقيل: بل كان فرضاً على النبي - ﷺ - وحده. قال ابن عباس: كان بين أولها وآخرها سنة. وقالت عائشة رضي الله عنها: لما نزل ﴿يٰأَيُّهَا ٱلْمُزَّمِّلُ﴾ كان الرجل يربط الحبل ويتعلق به فمكثوا بذلك ثمانية أشهر، فرأى الله ما يبتغون من رضوانه فرحمهم فردهم إلى الفريضة وترك قيام الليل. وقال ابن جبير: مكث النبي - ﷺ - يقوم الليل كما أمره (الله) عشر سنين ثم خفف عنهم بعد ذلك. قال عكرمة: ﴿قُمِ ٱلَّيلَ إِلاَّ قَلِيلاً...﴾ الآية نسختها الآية التي في آخرها ﴿عَلِمَ أَن لَّن تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَٱقْرَءُواْ مَا تَيَسَّرَ مِنَ ٱلْقُرْآنِ﴾ [المزمل: ٢٠]. وقال قتادة: قاموا حولاً أو حولين حتى انتفخت سوقهم وأقدامهم، فأنزل الله تخفيفها في آخر السورة. قال الحسن: لما نزلت: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلْمُزَّمِّلُ﴾ "قام المسلمون حولاً، فمنهم من أطاقه ومنهم من لم يطقه، حتى نزلت الرخصة". قال ابن زيد: أول ما افترض الله على رسوله والمؤمنين صلاة الليل وقرأ أول هذه السورة. * * - قوله: ﴿وَرَتِّلِ ٱلْقُرْآنَ تَرْتِيلاً﴾ أي: وبيّن القرآن إذا قرأته في صلاتك تبييناً (وترسل فيه ترسلاً)، قاله قتادة. قال الحسن: معناه (اقرأه) قراءة بينة). وقال مجاهد: "اقرأه بعضه على إثر بعض على تؤدة". والرتل في اللغة: الضعف واللين، فالمعنى: لين القراءة، ولا تستعجل بانكماش. والرتل في [الأسنان] أن يكون بينها الفرج ولا يركب بعضها بعضاً، يقال: "ثغر ورتل" إذا كان كذلك. * * - ثم قال: ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً﴾. أي: ثقيلاً العمل به وبحدود(ه) فرائضه أي: صعباً. قال الحسن: إن الرجل ليعد السورة، ولكن العمل بها ثقيل. وقال قتادة: "ثقيل والله فرائض القرآن وحدوده". وقيل: معناه: إن القوْل بعيْنِه ثقيل. وروى عروة "أن النبي - ﷺ - [كان] إذا أُوحِيَ إليه وهو على ناقته وَضَعَتْ جِرَانَهَا - يعني صدرها - فما تستطيع أن تحرك حتى يسرى عنه وقال ابن زيد: "هو - والله - ثقيل مبارك كما ثقل في الدنيا ثقل في الموازين يوم القيامة". * * - ثم قال: ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ ٱللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْأً﴾ قال ابن عمر وأنس بن مالك وعلي بن الحسين، ناشئة الليل: ما بين المغرب والعشاء. وقال الحسن والحكم: ناشئة الليل من العشاء الآخرة إلى الصبح، وقال ابن عباس و (ابن) الزبير: الليل كله ناشئة. وهو قول ابن جبير ومجاهد. وأصله من نشأ إذا ابتدأ. فعلى هذا بناه من قال إنه من المغرب إلى العشاء الآخرة. وقد قال الكسائي: ناشئة الليل أوله. * * - قوله: ﴿أَشَدُّ وَطْأً﴾ معناه: أثبت قياماً. قال المفسرون: هي أثبت في الخير وأحفظ للقلب، لأن النهار يضطرب فيه الناس لمعاشهم، والليل أخلى وأثبته في القيام. وقيل: معناه: إن صلاة ناشئة الليل هي أشد (وطئاً) على المصلى من صلاة النهار لأن الليل للنوم، فهي وإن كانت أصعب [فهي] أقوم قيلاً [أي]: أصوب قولا لأن القارئ لا يشغله عن قراءته في الليل شيء ويشغله في النهار ما يرى من التصرف وما [يعرض] له من الأمور. وقيل: معنى ﴿أَشَدُّ وَطْأً﴾: أشد أمراً وأشد [مكابدة] واحتمالاً ومنه قول النبي - ﷺ -: "اللهم اشدد وطأتك على مضر"، وَطِئْتَ وَطْأً، مثل شَرِبت شُرْبًا ولَقِمْتُ لَقْمًا. فأما من قرأ "وِطَاءَ" فإنه جعله مصدر مواطأة ووطاء. ومعناه: أشد مواطأة للسمع والقلب، أي: يواطئ فيه السمع القلب فلا يشتعل القلب بشيء عن فهم ما يقرأ وسماعه. وقيل: معناه: أشد علاجاً. قال ابن عباس: ﴿أَشَدُّ وَطْأً﴾ أي: أجدر أن يحصوا ما فرض الله عليهم من القيام. قال: وكانت صلاتهم أول الليل. وقال الضحاك: معناه: قراءة القرآن بالليل أثبت منها في النهار. وقال مجاهد: ﴿أَشَدُّ وَطْأً﴾ أي يتواطأ قلبك وسمعك وبصرك بعضه بعضا. * * - وقوله: ﴿وَأَقْوَمُ قِيلاً﴾. أي: وأصوب قراءة. قال مجاهد: وأثبت قراءة. وقال ابن عباس: معناه: يقول: أدنى أن يفقهوا في القول. وقال قتادة: "[أحفظ] للقراءة". وقال ابن زيد: "وقوم قراءة لفراغه من الدنيا". * * - ثم قال: ﴿إِنَّ لَكَ فِي ٱلنَّهَارِ سَبْحَاً طَوِيلاً﴾. أي: فراغاً طويلاً، قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة. وقال ابن زيد: (سبحاً لحوائجك) فَأَفْرِغْ أذنك بالليل. وقرأ يحيى بن يعمر: "سَبْخاً" بالخاء المعجمة، ومعناه راحة [نوماً]. * * - ثم قال: ﴿وَٱذْكُرِ ٱسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلاً﴾. أي: واذكر ربك يا محمد فادعه وانقطع إليه انقطاعاً لحوائجك وعبادتك دون سائر الأشياء غيره. يقال: بتلت هذا الأمر قطعته. ومنه قيل لمريم البتول لانقطاعها إلى الله جل ذكره. قال ابن عباس: ﴿وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلاً﴾ أي: أُخْلِص له إخلاصاً" وهو قول مجاهد والضحاك. وقال الحسن: أَبْتِلْ إليه نفسك واجتهد. وقال قتادة: "أخلص له العبادة والدعوة". وقال ابن زيد: تفرغ لعبادته، [تَعَبّدْ] بالتبتل] إلى الله. * * - ثم قال: ﴿رَّبُّ ٱلْمَشْرِقِ وَٱلْمَغْرِبِ﴾. أي: هو رب ذلك لا معبود تصلح له العبادة غيره. * * - ﴿فَٱتَّخِذْهُ وَكِيلاً﴾. أي: فوض (إليه أسبابك) والمعنى: اتخذه كافياً لك. وقيل معناه: اتخده كفيلاً لك بأمورك كلها. وقيل: المعنى: اتخده رباً. فالوكيل يكون بمعنى الكافي وبمعنى الكافل وبمعنى الرب. * * - ثم قال: ﴿وَٱصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ﴾ أي: واصبر على ما يقول هؤلاء المشركون من قومك واحتمل أذاهم. * * - ﴿وَٱهْجُرْهُمْ هَجْراً جَمِيلاً﴾. (أي: اهجرهم في الله هجراً جميلاً). قال قتادة: كان هذا قبل أن يؤمر بالقتال، ثم أُمِرَ بقتالهم (وقتلهم) فنَسخت آيةُ القتال ما كان قبلها من الترك. * * ثم قال: ﴿وَذَرْنِي وَٱلْمُكَذِّبِينَ أُوْلِي ٱلنَّعْمَةِ﴾ هذا وعيد وتَهَدُّدٌ من الله جل ذكره للمشركين أي: ودعني يا محمد والمكذبين بآياتي أصحاب التنعم في الدنيا. * * - ﴿وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلاً﴾. أي: أمهلهم بالعذاب حتى يبلغ الكتاب أجله. وكان بين نزول هذه الآية وَبَدْرٍ يسير [قالته] عائشة رضي الله عنها.

المزمل 73:10

قوله: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلْمُزَّمِّلُ * قُمِ ٱلَّيلَ﴾ إلى قوله ﴿وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلاً﴾. معناه: يا أيها الملتف بثيابه، يعني النبي - ﷺ -. وأصله: المتزمل ثم أدغمت التاء في [الزاي]. قال قتادة: إنما قيل له: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلْمُزَّمِّلُ﴾؛ لأنه كان متزملاً في ثيابه، كأنه متأهب للصلاة؛ ودل على ذلك قوله: ﴿قُمِ ٱلَّيلَ إِلاَّ قَلِيلاً﴾. قال ابن عباس: كان النبي - ﷺ - يَفْرقَ من جبريل فيتزمل بالثياب في أول ما جاءه حتى أنس به. وقال عكرمة: زمل هذا الأمر، يعني: النبوة والرسالة. قال: الزهري: التف النبي - ﷺ - بثيابه من [فزع] أصابه أول ما رأى الملك فنودي بصفة فعله. وقيل: كان يتزمل بالثياب، من شدة ما يلقى من قريش من تكذيبهم له [وتخويفهم] وأَذاَهُم. قال [النخعي] كان متزملاً في قطيفة. * * - وقوله: ﴿قُمِ ٱلَّيلَ إِلاَّ قَلِيلاً ﴾. أي: قم الليل كله للصلاة إلا قليلاً ثم أبدل من الليل بدل البعض من الكل فقال: * * - ﴿نِّصْفَهُ أَوِ ٱنقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً﴾. أي: قم نصفه أو أقل من النصف. * * - ﴿أَوْ زِدْ عَلَيْهِ﴾ [أي]: أو زد على النصف. فهذا كله تخيير من الله لرسوله بين أن يفعل ما شاء من هذه الثلاث المنازل: يقوم النصف أو أقل أو أكثر. وكان هذا فرضاً عليه وعلى المؤمنين فكانوا يقومون ثم خففه عنهم الآيتين في آخر السورة فَفَسَخَتَا هَذَا، وهو قول أكثر العلماء. وقيل: إن ذلك كان ندباً ولم يكن فَرِْضاً. وقيل: بل كان فرضاً على النبي - ﷺ - وحده. قال ابن عباس: كان بين أولها وآخرها سنة. وقالت عائشة رضي الله عنها: لما نزل ﴿يٰأَيُّهَا ٱلْمُزَّمِّلُ﴾ كان الرجل يربط الحبل ويتعلق به فمكثوا بذلك ثمانية أشهر، فرأى الله ما يبتغون من رضوانه فرحمهم فردهم إلى الفريضة وترك قيام الليل. وقال ابن جبير: مكث النبي - ﷺ - يقوم الليل كما أمره (الله) عشر سنين ثم خفف عنهم بعد ذلك. قال عكرمة: ﴿قُمِ ٱلَّيلَ إِلاَّ قَلِيلاً...﴾ الآية نسختها الآية التي في آخرها ﴿عَلِمَ أَن لَّن تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَٱقْرَءُواْ مَا تَيَسَّرَ مِنَ ٱلْقُرْآنِ﴾ [المزمل: ٢٠]. وقال قتادة: قاموا حولاً أو حولين حتى انتفخت سوقهم وأقدامهم، فأنزل الله تخفيفها في آخر السورة. قال الحسن: لما نزلت: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلْمُزَّمِّلُ﴾ "قام المسلمون حولاً، فمنهم من أطاقه ومنهم من لم يطقه، حتى نزلت الرخصة". قال ابن زيد: أول ما افترض الله على رسوله والمؤمنين صلاة الليل وقرأ أول هذه السورة. * * - قوله: ﴿وَرَتِّلِ ٱلْقُرْآنَ تَرْتِيلاً﴾ أي: وبيّن القرآن إذا قرأته في صلاتك تبييناً (وترسل فيه ترسلاً)، قاله قتادة. قال الحسن: معناه (اقرأه) قراءة بينة). وقال مجاهد: "اقرأه بعضه على إثر بعض على تؤدة". والرتل في اللغة: الضعف واللين، فالمعنى: لين القراءة، ولا تستعجل بانكماش. والرتل في [الأسنان] أن يكون بينها الفرج ولا يركب بعضها بعضاً، يقال: "ثغر ورتل" إذا كان كذلك. * * - ثم قال: ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً﴾. أي: ثقيلاً العمل به وبحدود(ه) فرائضه أي: صعباً. قال الحسن: إن الرجل ليعد السورة، ولكن العمل بها ثقيل. وقال قتادة: "ثقيل والله فرائض القرآن وحدوده". وقيل: معناه: إن القوْل بعيْنِه ثقيل. وروى عروة "أن النبي - ﷺ - [كان] إذا أُوحِيَ إليه وهو على ناقته وَضَعَتْ جِرَانَهَا - يعني صدرها - فما تستطيع أن تحرك حتى يسرى عنه وقال ابن زيد: "هو - والله - ثقيل مبارك كما ثقل في الدنيا ثقل في الموازين يوم القيامة". * * - ثم قال: ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ ٱللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْأً﴾ قال ابن عمر وأنس بن مالك وعلي بن الحسين، ناشئة الليل: ما بين المغرب والعشاء. وقال الحسن والحكم: ناشئة الليل من العشاء الآخرة إلى الصبح، وقال ابن عباس و (ابن) الزبير: الليل كله ناشئة. وهو قول ابن جبير ومجاهد. وأصله من نشأ إذا ابتدأ. فعلى هذا بناه من قال إنه من المغرب إلى العشاء الآخرة. وقد قال الكسائي: ناشئة الليل أوله. * * - قوله: ﴿أَشَدُّ وَطْأً﴾ معناه: أثبت قياماً. قال المفسرون: هي أثبت في الخير وأحفظ للقلب، لأن النهار يضطرب فيه الناس لمعاشهم، والليل أخلى وأثبته في القيام. وقيل: معناه: إن صلاة ناشئة الليل هي أشد (وطئاً) على المصلى من صلاة النهار لأن الليل للنوم، فهي وإن كانت أصعب [فهي] أقوم قيلاً [أي]: أصوب قولا لأن القارئ لا يشغله عن قراءته في الليل شيء ويشغله في النهار ما يرى من التصرف وما [يعرض] له من الأمور. وقيل: معنى ﴿أَشَدُّ وَطْأً﴾: أشد أمراً وأشد [مكابدة] واحتمالاً ومنه قول النبي - ﷺ -: "اللهم اشدد وطأتك على مضر"، وَطِئْتَ وَطْأً، مثل شَرِبت شُرْبًا ولَقِمْتُ لَقْمًا. فأما من قرأ "وِطَاءَ" فإنه جعله مصدر مواطأة ووطاء. ومعناه: أشد مواطأة للسمع والقلب، أي: يواطئ فيه السمع القلب فلا يشتعل القلب بشيء عن فهم ما يقرأ وسماعه. وقيل: معناه: أشد علاجاً. قال ابن عباس: ﴿أَشَدُّ وَطْأً﴾ أي: أجدر أن يحصوا ما فرض الله عليهم من القيام. قال: وكانت صلاتهم أول الليل. وقال الضحاك: معناه: قراءة القرآن بالليل أثبت منها في النهار. وقال مجاهد: ﴿أَشَدُّ وَطْأً﴾ أي يتواطأ قلبك وسمعك وبصرك بعضه بعضا. * * - وقوله: ﴿وَأَقْوَمُ قِيلاً﴾. أي: وأصوب قراءة. قال مجاهد: وأثبت قراءة. وقال ابن عباس: معناه: يقول: أدنى أن يفقهوا في القول. وقال قتادة: "[أحفظ] للقراءة". وقال ابن زيد: "وقوم قراءة لفراغه من الدنيا". * * - ثم قال: ﴿إِنَّ لَكَ فِي ٱلنَّهَارِ سَبْحَاً طَوِيلاً﴾. أي: فراغاً طويلاً، قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة. وقال ابن زيد: (سبحاً لحوائجك) فَأَفْرِغْ أذنك بالليل. وقرأ يحيى بن يعمر: "سَبْخاً" بالخاء المعجمة، ومعناه راحة [نوماً]. * * - ثم قال: ﴿وَٱذْكُرِ ٱسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلاً﴾. أي: واذكر ربك يا محمد فادعه وانقطع إليه انقطاعاً لحوائجك وعبادتك دون سائر الأشياء غيره. يقال: بتلت هذا الأمر قطعته. ومنه قيل لمريم البتول لانقطاعها إلى الله جل ذكره. قال ابن عباس: ﴿وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلاً﴾ أي: أُخْلِص له إخلاصاً" وهو قول مجاهد والضحاك. وقال الحسن: أَبْتِلْ إليه نفسك واجتهد. وقال قتادة: "أخلص له العبادة والدعوة". وقال ابن زيد: تفرغ لعبادته، [تَعَبّدْ] بالتبتل] إلى الله. * * - ثم قال: ﴿رَّبُّ ٱلْمَشْرِقِ وَٱلْمَغْرِبِ﴾. أي: هو رب ذلك لا معبود تصلح له العبادة غيره. * * - ﴿فَٱتَّخِذْهُ وَكِيلاً﴾. أي: فوض (إليه أسبابك) والمعنى: اتخذه كافياً لك. وقيل معناه: اتخده كفيلاً لك بأمورك كلها. وقيل: المعنى: اتخده رباً. فالوكيل يكون بمعنى الكافي وبمعنى الكافل وبمعنى الرب. * * - ثم قال: ﴿وَٱصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ﴾ أي: واصبر على ما يقول هؤلاء المشركون من قومك واحتمل أذاهم. * * - ﴿وَٱهْجُرْهُمْ هَجْراً جَمِيلاً﴾. (أي: اهجرهم في الله هجراً جميلاً). قال قتادة: كان هذا قبل أن يؤمر بالقتال، ثم أُمِرَ بقتالهم (وقتلهم) فنَسخت آيةُ القتال ما كان قبلها من الترك. * * ثم قال: ﴿وَذَرْنِي وَٱلْمُكَذِّبِينَ أُوْلِي ٱلنَّعْمَةِ﴾ هذا وعيد وتَهَدُّدٌ من الله جل ذكره للمشركين أي: ودعني يا محمد والمكذبين بآياتي أصحاب التنعم في الدنيا. * * - ﴿وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلاً﴾. أي: أمهلهم بالعذاب حتى يبلغ الكتاب أجله. وكان بين نزول هذه الآية وَبَدْرٍ يسير [قالته] عائشة رضي الله عنها.

المزمل 73:11

قوله: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلْمُزَّمِّلُ * قُمِ ٱلَّيلَ﴾ إلى قوله ﴿وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلاً﴾. معناه: يا أيها الملتف بثيابه، يعني النبي - ﷺ -. وأصله: المتزمل ثم أدغمت التاء في [الزاي]. قال قتادة: إنما قيل له: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلْمُزَّمِّلُ﴾؛ لأنه كان متزملاً في ثيابه، كأنه متأهب للصلاة؛ ودل على ذلك قوله: ﴿قُمِ ٱلَّيلَ إِلاَّ قَلِيلاً﴾. قال ابن عباس: كان النبي - ﷺ - يَفْرقَ من جبريل فيتزمل بالثياب في أول ما جاءه حتى أنس به. وقال عكرمة: زمل هذا الأمر، يعني: النبوة والرسالة. قال: الزهري: التف النبي - ﷺ - بثيابه من [فزع] أصابه أول ما رأى الملك فنودي بصفة فعله. وقيل: كان يتزمل بالثياب، من شدة ما يلقى من قريش من تكذيبهم له [وتخويفهم] وأَذاَهُم. قال [النخعي] كان متزملاً في قطيفة. * * - وقوله: ﴿قُمِ ٱلَّيلَ إِلاَّ قَلِيلاً ﴾. أي: قم الليل كله للصلاة إلا قليلاً ثم أبدل من الليل بدل البعض من الكل فقال: * * - ﴿نِّصْفَهُ أَوِ ٱنقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً﴾. أي: قم نصفه أو أقل من النصف. * * - ﴿أَوْ زِدْ عَلَيْهِ﴾ [أي]: أو زد على النصف. فهذا كله تخيير من الله لرسوله بين أن يفعل ما شاء من هذه الثلاث المنازل: يقوم النصف أو أقل أو أكثر. وكان هذا فرضاً عليه وعلى المؤمنين فكانوا يقومون ثم خففه عنهم الآيتين في آخر السورة فَفَسَخَتَا هَذَا، وهو قول أكثر العلماء. وقيل: إن ذلك كان ندباً ولم يكن فَرِْضاً. وقيل: بل كان فرضاً على النبي - ﷺ - وحده. قال ابن عباس: كان بين أولها وآخرها سنة. وقالت عائشة رضي الله عنها: لما نزل ﴿يٰأَيُّهَا ٱلْمُزَّمِّلُ﴾ كان الرجل يربط الحبل ويتعلق به فمكثوا بذلك ثمانية أشهر، فرأى الله ما يبتغون من رضوانه فرحمهم فردهم إلى الفريضة وترك قيام الليل. وقال ابن جبير: مكث النبي - ﷺ - يقوم الليل كما أمره (الله) عشر سنين ثم خفف عنهم بعد ذلك. قال عكرمة: ﴿قُمِ ٱلَّيلَ إِلاَّ قَلِيلاً...﴾ الآية نسختها الآية التي في آخرها ﴿عَلِمَ أَن لَّن تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَٱقْرَءُواْ مَا تَيَسَّرَ مِنَ ٱلْقُرْآنِ﴾ [المزمل: ٢٠]. وقال قتادة: قاموا حولاً أو حولين حتى انتفخت سوقهم وأقدامهم، فأنزل الله تخفيفها في آخر السورة. قال الحسن: لما نزلت: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلْمُزَّمِّلُ﴾ "قام المسلمون حولاً، فمنهم من أطاقه ومنهم من لم يطقه، حتى نزلت الرخصة". قال ابن زيد: أول ما افترض الله على رسوله والمؤمنين صلاة الليل وقرأ أول هذه السورة. * * - قوله: ﴿وَرَتِّلِ ٱلْقُرْآنَ تَرْتِيلاً﴾ أي: وبيّن القرآن إذا قرأته في صلاتك تبييناً (وترسل فيه ترسلاً)، قاله قتادة. قال الحسن: معناه (اقرأه) قراءة بينة). وقال مجاهد: "اقرأه بعضه على إثر بعض على تؤدة". والرتل في اللغة: الضعف واللين، فالمعنى: لين القراءة، ولا تستعجل بانكماش. والرتل في [الأسنان] أن يكون بينها الفرج ولا يركب بعضها بعضاً، يقال: "ثغر ورتل" إذا كان كذلك. * * - ثم قال: ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً﴾. أي: ثقيلاً العمل به وبحدود(ه) فرائضه أي: صعباً. قال الحسن: إن الرجل ليعد السورة، ولكن العمل بها ثقيل. وقال قتادة: "ثقيل والله فرائض القرآن وحدوده". وقيل: معناه: إن القوْل بعيْنِه ثقيل. وروى عروة "أن النبي - ﷺ - [كان] إذا أُوحِيَ إليه وهو على ناقته وَضَعَتْ جِرَانَهَا - يعني صدرها - فما تستطيع أن تحرك حتى يسرى عنه وقال ابن زيد: "هو - والله - ثقيل مبارك كما ثقل في الدنيا ثقل في الموازين يوم القيامة". * * - ثم قال: ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ ٱللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْأً﴾ قال ابن عمر وأنس بن مالك وعلي بن الحسين، ناشئة الليل: ما بين المغرب والعشاء. وقال الحسن والحكم: ناشئة الليل من العشاء الآخرة إلى الصبح، وقال ابن عباس و (ابن) الزبير: الليل كله ناشئة. وهو قول ابن جبير ومجاهد. وأصله من نشأ إذا ابتدأ. فعلى هذا بناه من قال إنه من المغرب إلى العشاء الآخرة. وقد قال الكسائي: ناشئة الليل أوله. * * - قوله: ﴿أَشَدُّ وَطْأً﴾ معناه: أثبت قياماً. قال المفسرون: هي أثبت في الخير وأحفظ للقلب، لأن النهار يضطرب فيه الناس لمعاشهم، والليل أخلى وأثبته في القيام. وقيل: معناه: إن صلاة ناشئة الليل هي أشد (وطئاً) على المصلى من صلاة النهار لأن الليل للنوم، فهي وإن كانت أصعب [فهي] أقوم قيلاً [أي]: أصوب قولا لأن القارئ لا يشغله عن قراءته في الليل شيء ويشغله في النهار ما يرى من التصرف وما [يعرض] له من الأمور. وقيل: معنى ﴿أَشَدُّ وَطْأً﴾: أشد أمراً وأشد [مكابدة] واحتمالاً ومنه قول النبي - ﷺ -: "اللهم اشدد وطأتك على مضر"، وَطِئْتَ وَطْأً، مثل شَرِبت شُرْبًا ولَقِمْتُ لَقْمًا. فأما من قرأ "وِطَاءَ" فإنه جعله مصدر مواطأة ووطاء. ومعناه: أشد مواطأة للسمع والقلب، أي: يواطئ فيه السمع القلب فلا يشتعل القلب بشيء عن فهم ما يقرأ وسماعه. وقيل: معناه: أشد علاجاً. قال ابن عباس: ﴿أَشَدُّ وَطْأً﴾ أي: أجدر أن يحصوا ما فرض الله عليهم من القيام. قال: وكانت صلاتهم أول الليل. وقال الضحاك: معناه: قراءة القرآن بالليل أثبت منها في النهار. وقال مجاهد: ﴿أَشَدُّ وَطْأً﴾ أي يتواطأ قلبك وسمعك وبصرك بعضه بعضا. * * - وقوله: ﴿وَأَقْوَمُ قِيلاً﴾. أي: وأصوب قراءة. قال مجاهد: وأثبت قراءة. وقال ابن عباس: معناه: يقول: أدنى أن يفقهوا في القول. وقال قتادة: "[أحفظ] للقراءة". وقال ابن زيد: "وقوم قراءة لفراغه من الدنيا". * * - ثم قال: ﴿إِنَّ لَكَ فِي ٱلنَّهَارِ سَبْحَاً طَوِيلاً﴾. أي: فراغاً طويلاً، قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة. وقال ابن زيد: (سبحاً لحوائجك) فَأَفْرِغْ أذنك بالليل. وقرأ يحيى بن يعمر: "سَبْخاً" بالخاء المعجمة، ومعناه راحة [نوماً]. * * - ثم قال: ﴿وَٱذْكُرِ ٱسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلاً﴾. أي: واذكر ربك يا محمد فادعه وانقطع إليه انقطاعاً لحوائجك وعبادتك دون سائر الأشياء غيره. يقال: بتلت هذا الأمر قطعته. ومنه قيل لمريم البتول لانقطاعها إلى الله جل ذكره. قال ابن عباس: ﴿وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلاً﴾ أي: أُخْلِص له إخلاصاً" وهو قول مجاهد والضحاك. وقال الحسن: أَبْتِلْ إليه نفسك واجتهد. وقال قتادة: "أخلص له العبادة والدعوة". وقال ابن زيد: تفرغ لعبادته، [تَعَبّدْ] بالتبتل] إلى الله. * * - ثم قال: ﴿رَّبُّ ٱلْمَشْرِقِ وَٱلْمَغْرِبِ﴾. أي: هو رب ذلك لا معبود تصلح له العبادة غيره. * * - ﴿فَٱتَّخِذْهُ وَكِيلاً﴾. أي: فوض (إليه أسبابك) والمعنى: اتخذه كافياً لك. وقيل معناه: اتخده كفيلاً لك بأمورك كلها. وقيل: المعنى: اتخده رباً. فالوكيل يكون بمعنى الكافي وبمعنى الكافل وبمعنى الرب. * * - ثم قال: ﴿وَٱصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ﴾ أي: واصبر على ما يقول هؤلاء المشركون من قومك واحتمل أذاهم. * * - ﴿وَٱهْجُرْهُمْ هَجْراً جَمِيلاً﴾. (أي: اهجرهم في الله هجراً جميلاً). قال قتادة: كان هذا قبل أن يؤمر بالقتال، ثم أُمِرَ بقتالهم (وقتلهم) فنَسخت آيةُ القتال ما كان قبلها من الترك. * * ثم قال: ﴿وَذَرْنِي وَٱلْمُكَذِّبِينَ أُوْلِي ٱلنَّعْمَةِ﴾ هذا وعيد وتَهَدُّدٌ من الله جل ذكره للمشركين أي: ودعني يا محمد والمكذبين بآياتي أصحاب التنعم في الدنيا. * * - ﴿وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلاً﴾. أي: أمهلهم بالعذاب حتى يبلغ الكتاب أجله. وكان بين نزول هذه الآية وَبَدْرٍ يسير [قالته] عائشة رضي الله عنها.

المزمل 73:12

قوله: ﴿إِنَّ لَدَيْنَآ أَنكَالاً وَجَحِيماً...﴾ إلى آخر السورة. أي: إن عندنا لهؤلاء المكذبين قيوداً [وناراً] تسعر وطعاماً يُغَصُّ آكِلُهُ به، فلا هو نازل من حلقه ولا هو خارج منه. * * - ﴿وَعَذَاباً أَلِيماً﴾. أي: وصنوفاً من العذاب [مؤلمة] موجعة. وواحد الأنكال نِكل. قال حماد ﴿أَنكَالاً﴾ قيوداً سوداً من نار جهنم". قال ابن عباس: ﴿وَطَعَاماً ذَا غُصَّةٍ﴾ قال: "هو شوك يَأْخُذُ بالحلق فلا يدخل ولا يخرج". وقال مجاهد: هو "شجرة الزقوم". وروى حمزة [الزيات] أن [حُمْرَانَ بن أَعْيَنَ] قال: قرأ النبي - ﷺ - هذة الآية فصعق - ﷺ -. * * - ثم قال تعالى: ﴿يَوْمَ (تَرْجُفُ) ٱلأَرْضُ (وَٱلْجِبَالُ)﴾ أي: أعتدنا هذا العذاب في يوم تضطرب فيه الأرض والجبال، وذلك يوم القيامة. * * - ثم قال: ﴿وَكَانَتِ ٱلْجِبَالُ كَثِيباً مَّهِيلاً﴾. أي: وصارت الجبال ذلك اليوم رملاً سائلاً. (متناثراً). يقال: هِلْتُ التراب إذا [حركت أسفله] (فسقط أعلاه). قاله الفراء. وقال أبو عبيدة: يقال لكل شيء [أرسلته] إرسالاً من رمل أو تراب أو طعام أو نحو ذلك قد هلته [أهيله] هيلا فهو مهيل. قال ابن عباس: ﴿كَثِيباً مَّهِيلاً﴾: رملاً سائلاً. والأصل في مهيل [مهيول] فألقيت حركت الياء [على الهاء وبقيت] الياء ساكنة وبعدها الواو ساكنة. فمذهب الخليل وسيبويه أن الواو حذفت لأنها زائدة وكسرت الهاء لمجاورتها الياء فصار مَهِيلاً. ومذهب الكسائي والفراء والأخفش أن الياء هي المحذوفة لأن الواو جاءت لمعنى فلا تحذف، ولكن الهاء لما جاورت الياء كسرت، فلما حذفت الياء لالتقاء الساكنين انقلبت الواو (ياء) [لانكسار] ما قبلها وسكونها. وكلهم يجيز أن يأتي على الأصل فيقال: مهيول. ولا يجيز البصريون ذلك في ذوات الواو ولا يجيزون: "كلام مقول" لثقل ذلك. وكلهم أجاز: "رجل مهول" و "ثوب مبوع" على لغة من قال: بوع الثوب. * * - ثم قال: ﴿إِنَّآ أَرْسَلْنَآ إِلَيْكُمْ رَسُولاً شَاهِداً عَلَيْكُمْ﴾. يعني محمداً، والخطاب لجميع الخلق أي يشهد لمن آمن به وعلى من كذبه في الآخرة. * * - ثم قال: ﴿كَمَآ أَرْسَلْنَآ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ رَسُولاً﴾. أي: أرسلنا محمداً [إرسالاً (كما) أي]: مثلما أرسلنا موسى إلى فرعون. * * - ﴿فَعَصَىٰ فِرْعَوْنُ...﴾ موسى ﴿فَأَخَذْنَاهُ أَخْذاً وَبِيلاً﴾. أي: شديداً، فغرَّقناه ومن معه في البحر وأقررناه في عذاب مستقر حتى يصير إلى النار يوم القيامة، فكذلك يأخذكم بالعذاب أيها الخلق إن عصيتم رسولكم. ودخلت الألف واللام في لفظ "رسول" الثاني لتقدم ذكره، وعلى هذا يختار في أول الكتب: "سَلاَمٌ عَلَيْكَ" وفي آخرها: والسْلاَمُ عَلَيْكَ. وعلى هذا اختار بعض العلماء (في التسليم)، في التسليمة الأولى: سْلاَمٌ عَلَيْكَم، وفي الثانية: السْلاَمُ عَلَيْكَم. فأَعْلَمَ الله قريشاً أنه أرسل إليهم محمداً رسولاً كما أرسل موسى إلى فرعون رسولاً. وقد كان أمرُ موسى ورسالاته مشهورة عندهم ولذلك قال الشاعر في النبي - ﷺ -. ؎ شَهِدْتُ بِإذْنِ اللهِْ أَنَّ مُحَمَداً ∗∗∗ رَسُولٌ كَمُوسَى (أُوتِيَ) الصُحْفَ والْكُتْبَا ؎ لَهُ دَعْوَةٌ مَيْمُونَةٌ رِيحُها الصِّبَا ∗∗∗ بِهَا يُنْبِتُ اللهَ [الحَصِيدَةَ] وَالأَبَّا ثم قال: ﴿فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِن كَفَرْتُمْ يَوْماً يَجْعَلُ ٱلْوِلْدَانَ شِيباً﴾. أي: كيف (لا) تخافون أيها الناس يوماً يجعل الولدان الصغار أصحاب شيب من هَوْلِهِ وصعوبته إن كفرتم بالله ولم تصدقوا رسولكم؟!. قال قتادة: معناه: كيف تتقون يوماً هذه صعوبته وأنتم قد كفرتم به. * * - ﴿السَّمَآءُ مُنفَطِرٌ بِهِ﴾ قال ابن عباس تشقق السماء حين ينزل الرحمن جل ذكره. وقال مجاهد: السماء مثقلة به أي بيوم القيامة. وقال الحسن: مثقلة. أي: محزونة بيوم القيامة. وقال عكرمة: ممتلئة [به]. وقيل: (به) بمعنى "فيه"، (أي): السماء منفطرة في يوم القيامة، والضمير في (يجعل) ليوم القيامة، ويجوز أن يكون لله جل ذكره. * * - ثم قال: ﴿كَانَ وَعْدُهُ مَفْعُولاً﴾. أي: ليس لوعده خُلْفٌ. قال ابن مسعود: إذا كان يوم القيامة دعا ربُّنَا المَلِكُ آدمَ عليه السلام فيقول: يا آدم، قم فابعث (بعث) النار، فيقول: (أي) رب! لا علم لي إلا ما علمتني، فيقول الله جل ذكره: أخرج من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين: فيساقون إلى النار سوداً مقرنين زُرْقاً فيشيب هنالك كل وليد. قال ابن زيد: يشيب الصغار من كرب ذلك اليوم. * * - ثم قال: ﴿إِنَّ هَـٰذِهِ تَذْكِرَةٌ﴾ أي: هذه الآيات - في ذكر هول القيامة - عبرة وعظة لمن اتعظ. * * - ﴿فَمَن شَآءَ ٱتَّخَذَ إِلَىٰ رَبِّهِ سَبِيلاً﴾ هذا تهدد، والمعنى: فمن شاء اتخذ إلى (رحمة) ربه طريقا بتركه العصيان وقبوله للإيمانِ، ومن لم يشاء ذلك فالله له بالمرصاد. * * - ثم قال: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَىٰ مِن ثُلُثَيِ ٱلَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَآئِفَةٌ مِّنَ ٱلَّذِينَ مَعَكَ﴾ هذا حين فرض الله عليهم قيام الليل بقوله: ﴿قُمِ ٱلَّيلَ إِلاَّ قَلِيلاً * نِّصْفَهُ أَوِ ٱنقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ﴾. فالمعنى على قراءة من خفض ﴿وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ﴾: إن ربك يا محمد يعلم أنك تقوم للصلاة أحيانا أدنى من ثلثي الليل [وأحيانا أدنى] من نصفه وأحيانا أدنى من ثلثه، فأَعْلَمَهُ أنه [لا] علم له بالمقدار وأن الله هو العالم بمقدار الوقت الذي يقوم فيه. ودل على ذلك ﴿عَلِمَ أَن لَّن تُحْصُوهُ﴾ أي: علم الله أنك لا تعرف مقدار قيامك. فأما من قرأ بنصب (نصفه وثلثه) فمعناه: إن ربك يا محمد يعلم أنك تقوم للصلاة أدنى من ثلثي الليل وتقوم نصفَه وتقوم ثلثَه، فيكون المعنى أن النبي قد أصاب المقدار في قيامه النصِّفَ: (و) الثُّلَثَ، ويكون قوله ﴿قُمِ ٱلَّيلَ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ هو أدنى من الثلثين، ﴿نِّصْفَهُ﴾ هو النصف المذكور هنا، ﴿أَوِ ٱنقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً﴾ هو الثلث المذكور هنا، ﴿أَوْ زِدْ عَلَيْهِ﴾ هو أدنى من الثلثين أيضا المذكور هنا. ويكون على هذا التأويل معنى ﴿أَن لَّن تُحْصُوهُ﴾ أي تطيقوه. وعلى القول الأول معناه: [أن] لن تعرفوا مقداره. * * - وقوله: ﴿فَتَابَ عَلَيْكُمْ﴾ أي تاب عليكم من فرض القيام إذ عجزتم وضعفتم عنه أي: رجع لكم إلى التخفيف عنكم. هذا كله ناسخ لفرض القيام في أول السورة. * * - ثم قال: ﴿فَٱقْرَءُواْ مَا تَيَسَّرَ مِنَ ٱلْقُرْآنِ﴾ أي: ما خف عليكم مما هو دون الثلث. * * - ثم قال: ﴿عَلِمَ أَن سَيَكُونُ مِنكُمْ مَّرْضَىٰ﴾ أي: أنه سيكون منكم مرضى (فلا يقدرون) على القيام فخفف عنكم ذلك. ثم قال : ﴿وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي ٱلأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ ٱللَّهِ﴾ أي: وعلم أنه سيكون منكم مسافرون للتجارة فيَشِقَّ عليهم القيام [لشغلهم] مع تعبهم من سفرهم، وعلم أنه سيكون منكم آخرون يجاهدون العدو فيشق عليهم القيام لشغلهم مع عدوهم فخفف عنهم القيام لذلك. * * - ثم قال: ﴿فَٱقْرَءُواْ مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ أي: من القرآن، أي ما خف عليكم. قال الحسن وابن سيرين: صلاة الليل فرض على كل مسلم لو قَدْرَ حَلْبَ شاةٍ بقوله ﴿فَٱقْرَءُواْ مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ قال الحسن: ولو خمسين آية. وسئل الحسن عن رجل استظهر القرآن ولا يقوم به فقال: يتوسد القرآن، لعن الله ذلك. وقال السدي ﴿مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾: "مائة آية". وقال الحسن: (من قرأ مائة آية في ليلة لم يحاجه القرآن). قال كعب: من قرأ مائة في ليلة كتب من القانتين. وقيل: الآية منسوخة لأنه ثبت عن النبي - ﷺ - أنه لا فرض إلا خمس صلوات، وعلى ذلك أجمع المسلمون وهو الصواب إن شاء الله. * * - ثم قال: ﴿وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَٰوةَ وَآتُواْ ٱلزَّكَٰوةَ﴾. يعني الفرض من ذلك، أي: أقيموا ذلك بحدوده وفروضه في أوقاته. * * - ثم قال: ﴿وَأَقْرِضُواُ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً﴾ أي: أنفقوا في سبيله من أموالكم. قال ابن زيد: القرض هنا: النواف سوى الزكاة. * * - ثم قال: ﴿وَمَا تُقَدِّمُواْ لأَنفُسِكُمْ مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ ٱللَّهِ﴾ أي: ما تقدموا في الدنيا من صدقة أو نفقة في سبيل الله أو غير ذلك من فعل الخير لطلب ما عند الله تجدوه في [معادكم] يجازيكم به الله. * * - ثم قال: ﴿هُوَ خَيْراً وَأَعْظَمَ أَجْراً﴾. أي: هو [خير] مما عملتم في الدنيا للدنيا، وأعظم ثوابا عند الله. * * - ثم قال: ﴿وَٱسْتَغْفِرُواْ ٱللَّهَ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾. أي: واسألوا الله المغفرة، إنه (غفور)، أي: ذو غفران لذنوب المؤمنين وستر عليهم (رحيم) بهم أن يعذبهم [على ذنوبهم] بعد توبتهم منها وغفرانه لهم.

المزمل 73:13

قوله: ﴿إِنَّ لَدَيْنَآ أَنكَالاً وَجَحِيماً...﴾ إلى آخر السورة. أي: إن عندنا لهؤلاء المكذبين قيوداً [وناراً] تسعر وطعاماً يُغَصُّ آكِلُهُ به، فلا هو نازل من حلقه ولا هو خارج منه. * * - ﴿وَعَذَاباً أَلِيماً﴾. أي: وصنوفاً من العذاب [مؤلمة] موجعة. وواحد الأنكال نِكل. قال حماد ﴿أَنكَالاً﴾ قيوداً سوداً من نار جهنم". قال ابن عباس: ﴿وَطَعَاماً ذَا غُصَّةٍ﴾ قال: "هو شوك يَأْخُذُ بالحلق فلا يدخل ولا يخرج". وقال مجاهد: هو "شجرة الزقوم". وروى حمزة [الزيات] أن [حُمْرَانَ بن أَعْيَنَ] قال: قرأ النبي - ﷺ - هذة الآية فصعق - ﷺ -. * * - ثم قال تعالى: ﴿يَوْمَ (تَرْجُفُ) ٱلأَرْضُ (وَٱلْجِبَالُ)﴾ أي: أعتدنا هذا العذاب في يوم تضطرب فيه الأرض والجبال، وذلك يوم القيامة. * * - ثم قال: ﴿وَكَانَتِ ٱلْجِبَالُ كَثِيباً مَّهِيلاً﴾. أي: وصارت الجبال ذلك اليوم رملاً سائلاً. (متناثراً). يقال: هِلْتُ التراب إذا [حركت أسفله] (فسقط أعلاه). قاله الفراء. وقال أبو عبيدة: يقال لكل شيء [أرسلته] إرسالاً من رمل أو تراب أو طعام أو نحو ذلك قد هلته [أهيله] هيلا فهو مهيل. قال ابن عباس: ﴿كَثِيباً مَّهِيلاً﴾: رملاً سائلاً. والأصل في مهيل [مهيول] فألقيت حركت الياء [على الهاء وبقيت] الياء ساكنة وبعدها الواو ساكنة. فمذهب الخليل وسيبويه أن الواو حذفت لأنها زائدة وكسرت الهاء لمجاورتها الياء فصار مَهِيلاً. ومذهب الكسائي والفراء والأخفش أن الياء هي المحذوفة لأن الواو جاءت لمعنى فلا تحذف، ولكن الهاء لما جاورت الياء كسرت، فلما حذفت الياء لالتقاء الساكنين انقلبت الواو (ياء) [لانكسار] ما قبلها وسكونها. وكلهم يجيز أن يأتي على الأصل فيقال: مهيول. ولا يجيز البصريون ذلك في ذوات الواو ولا يجيزون: "كلام مقول" لثقل ذلك. وكلهم أجاز: "رجل مهول" و "ثوب مبوع" على لغة من قال: بوع الثوب. * * - ثم قال: ﴿إِنَّآ أَرْسَلْنَآ إِلَيْكُمْ رَسُولاً شَاهِداً عَلَيْكُمْ﴾. يعني محمداً، والخطاب لجميع الخلق أي يشهد لمن آمن به وعلى من كذبه في الآخرة. * * - ثم قال: ﴿كَمَآ أَرْسَلْنَآ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ رَسُولاً﴾. أي: أرسلنا محمداً [إرسالاً (كما) أي]: مثلما أرسلنا موسى إلى فرعون. * * - ﴿فَعَصَىٰ فِرْعَوْنُ...﴾ موسى ﴿فَأَخَذْنَاهُ أَخْذاً وَبِيلاً﴾. أي: شديداً، فغرَّقناه ومن معه في البحر وأقررناه في عذاب مستقر حتى يصير إلى النار يوم القيامة، فكذلك يأخذكم بالعذاب أيها الخلق إن عصيتم رسولكم. ودخلت الألف واللام في لفظ "رسول" الثاني لتقدم ذكره، وعلى هذا يختار في أول الكتب: "سَلاَمٌ عَلَيْكَ" وفي آخرها: والسْلاَمُ عَلَيْكَ. وعلى هذا اختار بعض العلماء (في التسليم)، في التسليمة الأولى: سْلاَمٌ عَلَيْكَم، وفي الثانية: السْلاَمُ عَلَيْكَم. فأَعْلَمَ الله قريشاً أنه أرسل إليهم محمداً رسولاً كما أرسل موسى إلى فرعون رسولاً. وقد كان أمرُ موسى ورسالاته مشهورة عندهم ولذلك قال الشاعر في النبي - ﷺ -. ؎ شَهِدْتُ بِإذْنِ اللهِْ أَنَّ مُحَمَداً ∗∗∗ رَسُولٌ كَمُوسَى (أُوتِيَ) الصُحْفَ والْكُتْبَا ؎ لَهُ دَعْوَةٌ مَيْمُونَةٌ رِيحُها الصِّبَا ∗∗∗ بِهَا يُنْبِتُ اللهَ [الحَصِيدَةَ] وَالأَبَّا ثم قال: ﴿فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِن كَفَرْتُمْ يَوْماً يَجْعَلُ ٱلْوِلْدَانَ شِيباً﴾. أي: كيف (لا) تخافون أيها الناس يوماً يجعل الولدان الصغار أصحاب شيب من هَوْلِهِ وصعوبته إن كفرتم بالله ولم تصدقوا رسولكم؟!. قال قتادة: معناه: كيف تتقون يوماً هذه صعوبته وأنتم قد كفرتم به. * * - ﴿السَّمَآءُ مُنفَطِرٌ بِهِ﴾ قال ابن عباس تشقق السماء حين ينزل الرحمن جل ذكره. وقال مجاهد: السماء مثقلة به أي بيوم القيامة. وقال الحسن: مثقلة. أي: محزونة بيوم القيامة. وقال عكرمة: ممتلئة [به]. وقيل: (به) بمعنى "فيه"، (أي): السماء منفطرة في يوم القيامة، والضمير في (يجعل) ليوم القيامة، ويجوز أن يكون لله جل ذكره. * * - ثم قال: ﴿كَانَ وَعْدُهُ مَفْعُولاً﴾. أي: ليس لوعده خُلْفٌ. قال ابن مسعود: إذا كان يوم القيامة دعا ربُّنَا المَلِكُ آدمَ عليه السلام فيقول: يا آدم، قم فابعث (بعث) النار، فيقول: (أي) رب! لا علم لي إلا ما علمتني، فيقول الله جل ذكره: أخرج من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين: فيساقون إلى النار سوداً مقرنين زُرْقاً فيشيب هنالك كل وليد. قال ابن زيد: يشيب الصغار من كرب ذلك اليوم. * * - ثم قال: ﴿إِنَّ هَـٰذِهِ تَذْكِرَةٌ﴾ أي: هذه الآيات - في ذكر هول القيامة - عبرة وعظة لمن اتعظ. * * - ﴿فَمَن شَآءَ ٱتَّخَذَ إِلَىٰ رَبِّهِ سَبِيلاً﴾ هذا تهدد، والمعنى: فمن شاء اتخذ إلى (رحمة) ربه طريقا بتركه العصيان وقبوله للإيمانِ، ومن لم يشاء ذلك فالله له بالمرصاد. * * - ثم قال: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَىٰ مِن ثُلُثَيِ ٱلَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَآئِفَةٌ مِّنَ ٱلَّذِينَ مَعَكَ﴾ هذا حين فرض الله عليهم قيام الليل بقوله: ﴿قُمِ ٱلَّيلَ إِلاَّ قَلِيلاً * نِّصْفَهُ أَوِ ٱنقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ﴾. فالمعنى على قراءة من خفض ﴿وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ﴾: إن ربك يا محمد يعلم أنك تقوم للصلاة أحيانا أدنى من ثلثي الليل [وأحيانا أدنى] من نصفه وأحيانا أدنى من ثلثه، فأَعْلَمَهُ أنه [لا] علم له بالمقدار وأن الله هو العالم بمقدار الوقت الذي يقوم فيه. ودل على ذلك ﴿عَلِمَ أَن لَّن تُحْصُوهُ﴾ أي: علم الله أنك لا تعرف مقدار قيامك. فأما من قرأ بنصب (نصفه وثلثه) فمعناه: إن ربك يا محمد يعلم أنك تقوم للصلاة أدنى من ثلثي الليل وتقوم نصفَه وتقوم ثلثَه، فيكون المعنى أن النبي قد أصاب المقدار في قيامه النصِّفَ: (و) الثُّلَثَ، ويكون قوله ﴿قُمِ ٱلَّيلَ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ هو أدنى من الثلثين، ﴿نِّصْفَهُ﴾ هو النصف المذكور هنا، ﴿أَوِ ٱنقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً﴾ هو الثلث المذكور هنا، ﴿أَوْ زِدْ عَلَيْهِ﴾ هو أدنى من الثلثين أيضا المذكور هنا. ويكون على هذا التأويل معنى ﴿أَن لَّن تُحْصُوهُ﴾ أي تطيقوه. وعلى القول الأول معناه: [أن] لن تعرفوا مقداره. * * - وقوله: ﴿فَتَابَ عَلَيْكُمْ﴾ أي تاب عليكم من فرض القيام إذ عجزتم وضعفتم عنه أي: رجع لكم إلى التخفيف عنكم. هذا كله ناسخ لفرض القيام في أول السورة. * * - ثم قال: ﴿فَٱقْرَءُواْ مَا تَيَسَّرَ مِنَ ٱلْقُرْآنِ﴾ أي: ما خف عليكم مما هو دون الثلث. * * - ثم قال: ﴿عَلِمَ أَن سَيَكُونُ مِنكُمْ مَّرْضَىٰ﴾ أي: أنه سيكون منكم مرضى (فلا يقدرون) على القيام فخفف عنكم ذلك. ثم قال : ﴿وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي ٱلأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ ٱللَّهِ﴾ أي: وعلم أنه سيكون منكم مسافرون للتجارة فيَشِقَّ عليهم القيام [لشغلهم] مع تعبهم من سفرهم، وعلم أنه سيكون منكم آخرون يجاهدون العدو فيشق عليهم القيام لشغلهم مع عدوهم فخفف عنهم القيام لذلك. * * - ثم قال: ﴿فَٱقْرَءُواْ مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ أي: من القرآن، أي ما خف عليكم. قال الحسن وابن سيرين: صلاة الليل فرض على كل مسلم لو قَدْرَ حَلْبَ شاةٍ بقوله ﴿فَٱقْرَءُواْ مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ قال الحسن: ولو خمسين آية. وسئل الحسن عن رجل استظهر القرآن ولا يقوم به فقال: يتوسد القرآن، لعن الله ذلك. وقال السدي ﴿مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾: "مائة آية". وقال الحسن: (من قرأ مائة آية في ليلة لم يحاجه القرآن). قال كعب: من قرأ مائة في ليلة كتب من القانتين. وقيل: الآية منسوخة لأنه ثبت عن النبي - ﷺ - أنه لا فرض إلا خمس صلوات، وعلى ذلك أجمع المسلمون وهو الصواب إن شاء الله. * * - ثم قال: ﴿وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَٰوةَ وَآتُواْ ٱلزَّكَٰوةَ﴾. يعني الفرض من ذلك، أي: أقيموا ذلك بحدوده وفروضه في أوقاته. * * - ثم قال: ﴿وَأَقْرِضُواُ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً﴾ أي: أنفقوا في سبيله من أموالكم. قال ابن زيد: القرض هنا: النواف سوى الزكاة. * * - ثم قال: ﴿وَمَا تُقَدِّمُواْ لأَنفُسِكُمْ مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ ٱللَّهِ﴾ أي: ما تقدموا في الدنيا من صدقة أو نفقة في سبيل الله أو غير ذلك من فعل الخير لطلب ما عند الله تجدوه في [معادكم] يجازيكم به الله. * * - ثم قال: ﴿هُوَ خَيْراً وَأَعْظَمَ أَجْراً﴾. أي: هو [خير] مما عملتم في الدنيا للدنيا، وأعظم ثوابا عند الله. * * - ثم قال: ﴿وَٱسْتَغْفِرُواْ ٱللَّهَ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾. أي: واسألوا الله المغفرة، إنه (غفور)، أي: ذو غفران لذنوب المؤمنين وستر عليهم (رحيم) بهم أن يعذبهم [على ذنوبهم] بعد توبتهم منها وغفرانه لهم.

المزمل 73:14

قوله: ﴿إِنَّ لَدَيْنَآ أَنكَالاً وَجَحِيماً...﴾ إلى آخر السورة. أي: إن عندنا لهؤلاء المكذبين قيوداً [وناراً] تسعر وطعاماً يُغَصُّ آكِلُهُ به، فلا هو نازل من حلقه ولا هو خارج منه. * * - ﴿وَعَذَاباً أَلِيماً﴾. أي: وصنوفاً من العذاب [مؤلمة] موجعة. وواحد الأنكال نِكل. قال حماد ﴿أَنكَالاً﴾ قيوداً سوداً من نار جهنم". قال ابن عباس: ﴿وَطَعَاماً ذَا غُصَّةٍ﴾ قال: "هو شوك يَأْخُذُ بالحلق فلا يدخل ولا يخرج". وقال مجاهد: هو "شجرة الزقوم". وروى حمزة [الزيات] أن [حُمْرَانَ بن أَعْيَنَ] قال: قرأ النبي - ﷺ - هذة الآية فصعق - ﷺ -. * * - ثم قال تعالى: ﴿يَوْمَ (تَرْجُفُ) ٱلأَرْضُ (وَٱلْجِبَالُ)﴾ أي: أعتدنا هذا العذاب في يوم تضطرب فيه الأرض والجبال، وذلك يوم القيامة. * * - ثم قال: ﴿وَكَانَتِ ٱلْجِبَالُ كَثِيباً مَّهِيلاً﴾. أي: وصارت الجبال ذلك اليوم رملاً سائلاً. (متناثراً). يقال: هِلْتُ التراب إذا [حركت أسفله] (فسقط أعلاه). قاله الفراء. وقال أبو عبيدة: يقال لكل شيء [أرسلته] إرسالاً من رمل أو تراب أو طعام أو نحو ذلك قد هلته [أهيله] هيلا فهو مهيل. قال ابن عباس: ﴿كَثِيباً مَّهِيلاً﴾: رملاً سائلاً. والأصل في مهيل [مهيول] فألقيت حركت الياء [على الهاء وبقيت] الياء ساكنة وبعدها الواو ساكنة. فمذهب الخليل وسيبويه أن الواو حذفت لأنها زائدة وكسرت الهاء لمجاورتها الياء فصار مَهِيلاً. ومذهب الكسائي والفراء والأخفش أن الياء هي المحذوفة لأن الواو جاءت لمعنى فلا تحذف، ولكن الهاء لما جاورت الياء كسرت، فلما حذفت الياء لالتقاء الساكنين انقلبت الواو (ياء) [لانكسار] ما قبلها وسكونها. وكلهم يجيز أن يأتي على الأصل فيقال: مهيول. ولا يجيز البصريون ذلك في ذوات الواو ولا يجيزون: "كلام مقول" لثقل ذلك. وكلهم أجاز: "رجل مهول" و "ثوب مبوع" على لغة من قال: بوع الثوب. * * - ثم قال: ﴿إِنَّآ أَرْسَلْنَآ إِلَيْكُمْ رَسُولاً شَاهِداً عَلَيْكُمْ﴾. يعني محمداً، والخطاب لجميع الخلق أي يشهد لمن آمن به وعلى من كذبه في الآخرة. * * - ثم قال: ﴿كَمَآ أَرْسَلْنَآ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ رَسُولاً﴾. أي: أرسلنا محمداً [إرسالاً (كما) أي]: مثلما أرسلنا موسى إلى فرعون. * * - ﴿فَعَصَىٰ فِرْعَوْنُ...﴾ موسى ﴿فَأَخَذْنَاهُ أَخْذاً وَبِيلاً﴾. أي: شديداً، فغرَّقناه ومن معه في البحر وأقررناه في عذاب مستقر حتى يصير إلى النار يوم القيامة، فكذلك يأخذكم بالعذاب أيها الخلق إن عصيتم رسولكم. ودخلت الألف واللام في لفظ "رسول" الثاني لتقدم ذكره، وعلى هذا يختار في أول الكتب: "سَلاَمٌ عَلَيْكَ" وفي آخرها: والسْلاَمُ عَلَيْكَ. وعلى هذا اختار بعض العلماء (في التسليم)، في التسليمة الأولى: سْلاَمٌ عَلَيْكَم، وفي الثانية: السْلاَمُ عَلَيْكَم. فأَعْلَمَ الله قريشاً أنه أرسل إليهم محمداً رسولاً كما أرسل موسى إلى فرعون رسولاً. وقد كان أمرُ موسى ورسالاته مشهورة عندهم ولذلك قال الشاعر في النبي - ﷺ -. ؎ شَهِدْتُ بِإذْنِ اللهِْ أَنَّ مُحَمَداً ∗∗∗ رَسُولٌ كَمُوسَى (أُوتِيَ) الصُحْفَ والْكُتْبَا ؎ لَهُ دَعْوَةٌ مَيْمُونَةٌ رِيحُها الصِّبَا ∗∗∗ بِهَا يُنْبِتُ اللهَ [الحَصِيدَةَ] وَالأَبَّا ثم قال: ﴿فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِن كَفَرْتُمْ يَوْماً يَجْعَلُ ٱلْوِلْدَانَ شِيباً﴾. أي: كيف (لا) تخافون أيها الناس يوماً يجعل الولدان الصغار أصحاب شيب من هَوْلِهِ وصعوبته إن كفرتم بالله ولم تصدقوا رسولكم؟!. قال قتادة: معناه: كيف تتقون يوماً هذه صعوبته وأنتم قد كفرتم به. * * - ﴿السَّمَآءُ مُنفَطِرٌ بِهِ﴾ قال ابن عباس تشقق السماء حين ينزل الرحمن جل ذكره. وقال مجاهد: السماء مثقلة به أي بيوم القيامة. وقال الحسن: مثقلة. أي: محزونة بيوم القيامة. وقال عكرمة: ممتلئة [به]. وقيل: (به) بمعنى "فيه"، (أي): السماء منفطرة في يوم القيامة، والضمير في (يجعل) ليوم القيامة، ويجوز أن يكون لله جل ذكره. * * - ثم قال: ﴿كَانَ وَعْدُهُ مَفْعُولاً﴾. أي: ليس لوعده خُلْفٌ. قال ابن مسعود: إذا كان يوم القيامة دعا ربُّنَا المَلِكُ آدمَ عليه السلام فيقول: يا آدم، قم فابعث (بعث) النار، فيقول: (أي) رب! لا علم لي إلا ما علمتني، فيقول الله جل ذكره: أخرج من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين: فيساقون إلى النار سوداً مقرنين زُرْقاً فيشيب هنالك كل وليد. قال ابن زيد: يشيب الصغار من كرب ذلك اليوم. * * - ثم قال: ﴿إِنَّ هَـٰذِهِ تَذْكِرَةٌ﴾ أي: هذه الآيات - في ذكر هول القيامة - عبرة وعظة لمن اتعظ. * * - ﴿فَمَن شَآءَ ٱتَّخَذَ إِلَىٰ رَبِّهِ سَبِيلاً﴾ هذا تهدد، والمعنى: فمن شاء اتخذ إلى (رحمة) ربه طريقا بتركه العصيان وقبوله للإيمانِ، ومن لم يشاء ذلك فالله له بالمرصاد. * * - ثم قال: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَىٰ مِن ثُلُثَيِ ٱلَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَآئِفَةٌ مِّنَ ٱلَّذِينَ مَعَكَ﴾ هذا حين فرض الله عليهم قيام الليل بقوله: ﴿قُمِ ٱلَّيلَ إِلاَّ قَلِيلاً * نِّصْفَهُ أَوِ ٱنقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ﴾. فالمعنى على قراءة من خفض ﴿وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ﴾: إن ربك يا محمد يعلم أنك تقوم للصلاة أحيانا أدنى من ثلثي الليل [وأحيانا أدنى] من نصفه وأحيانا أدنى من ثلثه، فأَعْلَمَهُ أنه [لا] علم له بالمقدار وأن الله هو العالم بمقدار الوقت الذي يقوم فيه. ودل على ذلك ﴿عَلِمَ أَن لَّن تُحْصُوهُ﴾ أي: علم الله أنك لا تعرف مقدار قيامك. فأما من قرأ بنصب (نصفه وثلثه) فمعناه: إن ربك يا محمد يعلم أنك تقوم للصلاة أدنى من ثلثي الليل وتقوم نصفَه وتقوم ثلثَه، فيكون المعنى أن النبي قد أصاب المقدار في قيامه النصِّفَ: (و) الثُّلَثَ، ويكون قوله ﴿قُمِ ٱلَّيلَ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ هو أدنى من الثلثين، ﴿نِّصْفَهُ﴾ هو النصف المذكور هنا، ﴿أَوِ ٱنقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً﴾ هو الثلث المذكور هنا، ﴿أَوْ زِدْ عَلَيْهِ﴾ هو أدنى من الثلثين أيضا المذكور هنا. ويكون على هذا التأويل معنى ﴿أَن لَّن تُحْصُوهُ﴾ أي تطيقوه. وعلى القول الأول معناه: [أن] لن تعرفوا مقداره. * * - وقوله: ﴿فَتَابَ عَلَيْكُمْ﴾ أي تاب عليكم من فرض القيام إذ عجزتم وضعفتم عنه أي: رجع لكم إلى التخفيف عنكم. هذا كله ناسخ لفرض القيام في أول السورة. * * - ثم قال: ﴿فَٱقْرَءُواْ مَا تَيَسَّرَ مِنَ ٱلْقُرْآنِ﴾ أي: ما خف عليكم مما هو دون الثلث. * * - ثم قال: ﴿عَلِمَ أَن سَيَكُونُ مِنكُمْ مَّرْضَىٰ﴾ أي: أنه سيكون منكم مرضى (فلا يقدرون) على القيام فخفف عنكم ذلك. ثم قال : ﴿وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي ٱلأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ ٱللَّهِ﴾ أي: وعلم أنه سيكون منكم مسافرون للتجارة فيَشِقَّ عليهم القيام [لشغلهم] مع تعبهم من سفرهم، وعلم أنه سيكون منكم آخرون يجاهدون العدو فيشق عليهم القيام لشغلهم مع عدوهم فخفف عنهم القيام لذلك. * * - ثم قال: ﴿فَٱقْرَءُواْ مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ أي: من القرآن، أي ما خف عليكم. قال الحسن وابن سيرين: صلاة الليل فرض على كل مسلم لو قَدْرَ حَلْبَ شاةٍ بقوله ﴿فَٱقْرَءُواْ مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ قال الحسن: ولو خمسين آية. وسئل الحسن عن رجل استظهر القرآن ولا يقوم به فقال: يتوسد القرآن، لعن الله ذلك. وقال السدي ﴿مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾: "مائة آية". وقال الحسن: (من قرأ مائة آية في ليلة لم يحاجه القرآن). قال كعب: من قرأ مائة في ليلة كتب من القانتين. وقيل: الآية منسوخة لأنه ثبت عن النبي - ﷺ - أنه لا فرض إلا خمس صلوات، وعلى ذلك أجمع المسلمون وهو الصواب إن شاء الله. * * - ثم قال: ﴿وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَٰوةَ وَآتُواْ ٱلزَّكَٰوةَ﴾. يعني الفرض من ذلك، أي: أقيموا ذلك بحدوده وفروضه في أوقاته. * * - ثم قال: ﴿وَأَقْرِضُواُ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً﴾ أي: أنفقوا في سبيله من أموالكم. قال ابن زيد: القرض هنا: النواف سوى الزكاة. * * - ثم قال: ﴿وَمَا تُقَدِّمُواْ لأَنفُسِكُمْ مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ ٱللَّهِ﴾ أي: ما تقدموا في الدنيا من صدقة أو نفقة في سبيل الله أو غير ذلك من فعل الخير لطلب ما عند الله تجدوه في [معادكم] يجازيكم به الله. * * - ثم قال: ﴿هُوَ خَيْراً وَأَعْظَمَ أَجْراً﴾. أي: هو [خير] مما عملتم في الدنيا للدنيا، وأعظم ثوابا عند الله. * * - ثم قال: ﴿وَٱسْتَغْفِرُواْ ٱللَّهَ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾. أي: واسألوا الله المغفرة، إنه (غفور)، أي: ذو غفران لذنوب المؤمنين وستر عليهم (رحيم) بهم أن يعذبهم [على ذنوبهم] بعد توبتهم منها وغفرانه لهم.

المزمل 73:15

قوله: ﴿إِنَّ لَدَيْنَآ أَنكَالاً وَجَحِيماً...﴾ إلى آخر السورة. أي: إن عندنا لهؤلاء المكذبين قيوداً [وناراً] تسعر وطعاماً يُغَصُّ آكِلُهُ به، فلا هو نازل من حلقه ولا هو خارج منه. * * - ﴿وَعَذَاباً أَلِيماً﴾. أي: وصنوفاً من العذاب [مؤلمة] موجعة. وواحد الأنكال نِكل. قال حماد ﴿أَنكَالاً﴾ قيوداً سوداً من نار جهنم". قال ابن عباس: ﴿وَطَعَاماً ذَا غُصَّةٍ﴾ قال: "هو شوك يَأْخُذُ بالحلق فلا يدخل ولا يخرج". وقال مجاهد: هو "شجرة الزقوم". وروى حمزة [الزيات] أن [حُمْرَانَ بن أَعْيَنَ] قال: قرأ النبي - ﷺ - هذة الآية فصعق - ﷺ -. * * - ثم قال تعالى: ﴿يَوْمَ (تَرْجُفُ) ٱلأَرْضُ (وَٱلْجِبَالُ)﴾ أي: أعتدنا هذا العذاب في يوم تضطرب فيه الأرض والجبال، وذلك يوم القيامة. * * - ثم قال: ﴿وَكَانَتِ ٱلْجِبَالُ كَثِيباً مَّهِيلاً﴾. أي: وصارت الجبال ذلك اليوم رملاً سائلاً. (متناثراً). يقال: هِلْتُ التراب إذا [حركت أسفله] (فسقط أعلاه). قاله الفراء. وقال أبو عبيدة: يقال لكل شيء [أرسلته] إرسالاً من رمل أو تراب أو طعام أو نحو ذلك قد هلته [أهيله] هيلا فهو مهيل. قال ابن عباس: ﴿كَثِيباً مَّهِيلاً﴾: رملاً سائلاً. والأصل في مهيل [مهيول] فألقيت حركت الياء [على الهاء وبقيت] الياء ساكنة وبعدها الواو ساكنة. فمذهب الخليل وسيبويه أن الواو حذفت لأنها زائدة وكسرت الهاء لمجاورتها الياء فصار مَهِيلاً. ومذهب الكسائي والفراء والأخفش أن الياء هي المحذوفة لأن الواو جاءت لمعنى فلا تحذف، ولكن الهاء لما جاورت الياء كسرت، فلما حذفت الياء لالتقاء الساكنين انقلبت الواو (ياء) [لانكسار] ما قبلها وسكونها. وكلهم يجيز أن يأتي على الأصل فيقال: مهيول. ولا يجيز البصريون ذلك في ذوات الواو ولا يجيزون: "كلام مقول" لثقل ذلك. وكلهم أجاز: "رجل مهول" و "ثوب مبوع" على لغة من قال: بوع الثوب. * * - ثم قال: ﴿إِنَّآ أَرْسَلْنَآ إِلَيْكُمْ رَسُولاً شَاهِداً عَلَيْكُمْ﴾. يعني محمداً، والخطاب لجميع الخلق أي يشهد لمن آمن به وعلى من كذبه في الآخرة. * * - ثم قال: ﴿كَمَآ أَرْسَلْنَآ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ رَسُولاً﴾. أي: أرسلنا محمداً [إرسالاً (كما) أي]: مثلما أرسلنا موسى إلى فرعون. * * - ﴿فَعَصَىٰ فِرْعَوْنُ...﴾ موسى ﴿فَأَخَذْنَاهُ أَخْذاً وَبِيلاً﴾. أي: شديداً، فغرَّقناه ومن معه في البحر وأقررناه في عذاب مستقر حتى يصير إلى النار يوم القيامة، فكذلك يأخذكم بالعذاب أيها الخلق إن عصيتم رسولكم. ودخلت الألف واللام في لفظ "رسول" الثاني لتقدم ذكره، وعلى هذا يختار في أول الكتب: "سَلاَمٌ عَلَيْكَ" وفي آخرها: والسْلاَمُ عَلَيْكَ. وعلى هذا اختار بعض العلماء (في التسليم)، في التسليمة الأولى: سْلاَمٌ عَلَيْكَم، وفي الثانية: السْلاَمُ عَلَيْكَم. فأَعْلَمَ الله قريشاً أنه أرسل إليهم محمداً رسولاً كما أرسل موسى إلى فرعون رسولاً. وقد كان أمرُ موسى ورسالاته مشهورة عندهم ولذلك قال الشاعر في النبي - ﷺ -. ؎ شَهِدْتُ بِإذْنِ اللهِْ أَنَّ مُحَمَداً ∗∗∗ رَسُولٌ كَمُوسَى (أُوتِيَ) الصُحْفَ والْكُتْبَا ؎ لَهُ دَعْوَةٌ مَيْمُونَةٌ رِيحُها الصِّبَا ∗∗∗ بِهَا يُنْبِتُ اللهَ [الحَصِيدَةَ] وَالأَبَّا ثم قال: ﴿فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِن كَفَرْتُمْ يَوْماً يَجْعَلُ ٱلْوِلْدَانَ شِيباً﴾. أي: كيف (لا) تخافون أيها الناس يوماً يجعل الولدان الصغار أصحاب شيب من هَوْلِهِ وصعوبته إن كفرتم بالله ولم تصدقوا رسولكم؟!. قال قتادة: معناه: كيف تتقون يوماً هذه صعوبته وأنتم قد كفرتم به. * * - ﴿السَّمَآءُ مُنفَطِرٌ بِهِ﴾ قال ابن عباس تشقق السماء حين ينزل الرحمن جل ذكره. وقال مجاهد: السماء مثقلة به أي بيوم القيامة. وقال الحسن: مثقلة. أي: محزونة بيوم القيامة. وقال عكرمة: ممتلئة [به]. وقيل: (به) بمعنى "فيه"، (أي): السماء منفطرة في يوم القيامة، والضمير في (يجعل) ليوم القيامة، ويجوز أن يكون لله جل ذكره. * * - ثم قال: ﴿كَانَ وَعْدُهُ مَفْعُولاً﴾. أي: ليس لوعده خُلْفٌ. قال ابن مسعود: إذا كان يوم القيامة دعا ربُّنَا المَلِكُ آدمَ عليه السلام فيقول: يا آدم، قم فابعث (بعث) النار، فيقول: (أي) رب! لا علم لي إلا ما علمتني، فيقول الله جل ذكره: أخرج من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين: فيساقون إلى النار سوداً مقرنين زُرْقاً فيشيب هنالك كل وليد. قال ابن زيد: يشيب الصغار من كرب ذلك اليوم. * * - ثم قال: ﴿إِنَّ هَـٰذِهِ تَذْكِرَةٌ﴾ أي: هذه الآيات - في ذكر هول القيامة - عبرة وعظة لمن اتعظ. * * - ﴿فَمَن شَآءَ ٱتَّخَذَ إِلَىٰ رَبِّهِ سَبِيلاً﴾ هذا تهدد، والمعنى: فمن شاء اتخذ إلى (رحمة) ربه طريقا بتركه العصيان وقبوله للإيمانِ، ومن لم يشاء ذلك فالله له بالمرصاد. * * - ثم قال: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَىٰ مِن ثُلُثَيِ ٱلَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَآئِفَةٌ مِّنَ ٱلَّذِينَ مَعَكَ﴾ هذا حين فرض الله عليهم قيام الليل بقوله: ﴿قُمِ ٱلَّيلَ إِلاَّ قَلِيلاً * نِّصْفَهُ أَوِ ٱنقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ﴾. فالمعنى على قراءة من خفض ﴿وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ﴾: إن ربك يا محمد يعلم أنك تقوم للصلاة أحيانا أدنى من ثلثي الليل [وأحيانا أدنى] من نصفه وأحيانا أدنى من ثلثه، فأَعْلَمَهُ أنه [لا] علم له بالمقدار وأن الله هو العالم بمقدار الوقت الذي يقوم فيه. ودل على ذلك ﴿عَلِمَ أَن لَّن تُحْصُوهُ﴾ أي: علم الله أنك لا تعرف مقدار قيامك. فأما من قرأ بنصب (نصفه وثلثه) فمعناه: إن ربك يا محمد يعلم أنك تقوم للصلاة أدنى من ثلثي الليل وتقوم نصفَه وتقوم ثلثَه، فيكون المعنى أن النبي قد أصاب المقدار في قيامه النصِّفَ: (و) الثُّلَثَ، ويكون قوله ﴿قُمِ ٱلَّيلَ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ هو أدنى من الثلثين، ﴿نِّصْفَهُ﴾ هو النصف المذكور هنا، ﴿أَوِ ٱنقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً﴾ هو الثلث المذكور هنا، ﴿أَوْ زِدْ عَلَيْهِ﴾ هو أدنى من الثلثين أيضا المذكور هنا. ويكون على هذا التأويل معنى ﴿أَن لَّن تُحْصُوهُ﴾ أي تطيقوه. وعلى القول الأول معناه: [أن] لن تعرفوا مقداره. * * - وقوله: ﴿فَتَابَ عَلَيْكُمْ﴾ أي تاب عليكم من فرض القيام إذ عجزتم وضعفتم عنه أي: رجع لكم إلى التخفيف عنكم. هذا كله ناسخ لفرض القيام في أول السورة. * * - ثم قال: ﴿فَٱقْرَءُواْ مَا تَيَسَّرَ مِنَ ٱلْقُرْآنِ﴾ أي: ما خف عليكم مما هو دون الثلث. * * - ثم قال: ﴿عَلِمَ أَن سَيَكُونُ مِنكُمْ مَّرْضَىٰ﴾ أي: أنه سيكون منكم مرضى (فلا يقدرون) على القيام فخفف عنكم ذلك. ثم قال : ﴿وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي ٱلأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ ٱللَّهِ﴾ أي: وعلم أنه سيكون منكم مسافرون للتجارة فيَشِقَّ عليهم القيام [لشغلهم] مع تعبهم من سفرهم، وعلم أنه سيكون منكم آخرون يجاهدون العدو فيشق عليهم القيام لشغلهم مع عدوهم فخفف عنهم القيام لذلك. * * - ثم قال: ﴿فَٱقْرَءُواْ مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ أي: من القرآن، أي ما خف عليكم. قال الحسن وابن سيرين: صلاة الليل فرض على كل مسلم لو قَدْرَ حَلْبَ شاةٍ بقوله ﴿فَٱقْرَءُواْ مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ قال الحسن: ولو خمسين آية. وسئل الحسن عن رجل استظهر القرآن ولا يقوم به فقال: يتوسد القرآن، لعن الله ذلك. وقال السدي ﴿مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾: "مائة آية". وقال الحسن: (من قرأ مائة آية في ليلة لم يحاجه القرآن). قال كعب: من قرأ مائة في ليلة كتب من القانتين. وقيل: الآية منسوخة لأنه ثبت عن النبي - ﷺ - أنه لا فرض إلا خمس صلوات، وعلى ذلك أجمع المسلمون وهو الصواب إن شاء الله. * * - ثم قال: ﴿وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَٰوةَ وَآتُواْ ٱلزَّكَٰوةَ﴾. يعني الفرض من ذلك، أي: أقيموا ذلك بحدوده وفروضه في أوقاته. * * - ثم قال: ﴿وَأَقْرِضُواُ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً﴾ أي: أنفقوا في سبيله من أموالكم. قال ابن زيد: القرض هنا: النواف سوى الزكاة. * * - ثم قال: ﴿وَمَا تُقَدِّمُواْ لأَنفُسِكُمْ مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ ٱللَّهِ﴾ أي: ما تقدموا في الدنيا من صدقة أو نفقة في سبيل الله أو غير ذلك من فعل الخير لطلب ما عند الله تجدوه في [معادكم] يجازيكم به الله. * * - ثم قال: ﴿هُوَ خَيْراً وَأَعْظَمَ أَجْراً﴾. أي: هو [خير] مما عملتم في الدنيا للدنيا، وأعظم ثوابا عند الله. * * - ثم قال: ﴿وَٱسْتَغْفِرُواْ ٱللَّهَ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾. أي: واسألوا الله المغفرة، إنه (غفور)، أي: ذو غفران لذنوب المؤمنين وستر عليهم (رحيم) بهم أن يعذبهم [على ذنوبهم] بعد توبتهم منها وغفرانه لهم.

المزمل 73:16

قوله: ﴿إِنَّ لَدَيْنَآ أَنكَالاً وَجَحِيماً...﴾ إلى آخر السورة. أي: إن عندنا لهؤلاء المكذبين قيوداً [وناراً] تسعر وطعاماً يُغَصُّ آكِلُهُ به، فلا هو نازل من حلقه ولا هو خارج منه. * * - ﴿وَعَذَاباً أَلِيماً﴾. أي: وصنوفاً من العذاب [مؤلمة] موجعة. وواحد الأنكال نِكل. قال حماد ﴿أَنكَالاً﴾ قيوداً سوداً من نار جهنم". قال ابن عباس: ﴿وَطَعَاماً ذَا غُصَّةٍ﴾ قال: "هو شوك يَأْخُذُ بالحلق فلا يدخل ولا يخرج". وقال مجاهد: هو "شجرة الزقوم". وروى حمزة [الزيات] أن [حُمْرَانَ بن أَعْيَنَ] قال: قرأ النبي - ﷺ - هذة الآية فصعق - ﷺ -. * * - ثم قال تعالى: ﴿يَوْمَ (تَرْجُفُ) ٱلأَرْضُ (وَٱلْجِبَالُ)﴾ أي: أعتدنا هذا العذاب في يوم تضطرب فيه الأرض والجبال، وذلك يوم القيامة. * * - ثم قال: ﴿وَكَانَتِ ٱلْجِبَالُ كَثِيباً مَّهِيلاً﴾. أي: وصارت الجبال ذلك اليوم رملاً سائلاً. (متناثراً). يقال: هِلْتُ التراب إذا [حركت أسفله] (فسقط أعلاه). قاله الفراء. وقال أبو عبيدة: يقال لكل شيء [أرسلته] إرسالاً من رمل أو تراب أو طعام أو نحو ذلك قد هلته [أهيله] هيلا فهو مهيل. قال ابن عباس: ﴿كَثِيباً مَّهِيلاً﴾: رملاً سائلاً. والأصل في مهيل [مهيول] فألقيت حركت الياء [على الهاء وبقيت] الياء ساكنة وبعدها الواو ساكنة. فمذهب الخليل وسيبويه أن الواو حذفت لأنها زائدة وكسرت الهاء لمجاورتها الياء فصار مَهِيلاً. ومذهب الكسائي والفراء والأخفش أن الياء هي المحذوفة لأن الواو جاءت لمعنى فلا تحذف، ولكن الهاء لما جاورت الياء كسرت، فلما حذفت الياء لالتقاء الساكنين انقلبت الواو (ياء) [لانكسار] ما قبلها وسكونها. وكلهم يجيز أن يأتي على الأصل فيقال: مهيول. ولا يجيز البصريون ذلك في ذوات الواو ولا يجيزون: "كلام مقول" لثقل ذلك. وكلهم أجاز: "رجل مهول" و "ثوب مبوع" على لغة من قال: بوع الثوب. * * - ثم قال: ﴿إِنَّآ أَرْسَلْنَآ إِلَيْكُمْ رَسُولاً شَاهِداً عَلَيْكُمْ﴾. يعني محمداً، والخطاب لجميع الخلق أي يشهد لمن آمن به وعلى من كذبه في الآخرة. * * - ثم قال: ﴿كَمَآ أَرْسَلْنَآ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ رَسُولاً﴾. أي: أرسلنا محمداً [إرسالاً (كما) أي]: مثلما أرسلنا موسى إلى فرعون. * * - ﴿فَعَصَىٰ فِرْعَوْنُ...﴾ موسى ﴿فَأَخَذْنَاهُ أَخْذاً وَبِيلاً﴾. أي: شديداً، فغرَّقناه ومن معه في البحر وأقررناه في عذاب مستقر حتى يصير إلى النار يوم القيامة، فكذلك يأخذكم بالعذاب أيها الخلق إن عصيتم رسولكم. ودخلت الألف واللام في لفظ "رسول" الثاني لتقدم ذكره، وعلى هذا يختار في أول الكتب: "سَلاَمٌ عَلَيْكَ" وفي آخرها: والسْلاَمُ عَلَيْكَ. وعلى هذا اختار بعض العلماء (في التسليم)، في التسليمة الأولى: سْلاَمٌ عَلَيْكَم، وفي الثانية: السْلاَمُ عَلَيْكَم. فأَعْلَمَ الله قريشاً أنه أرسل إليهم محمداً رسولاً كما أرسل موسى إلى فرعون رسولاً. وقد كان أمرُ موسى ورسالاته مشهورة عندهم ولذلك قال الشاعر في النبي - ﷺ -. ؎ شَهِدْتُ بِإذْنِ اللهِْ أَنَّ مُحَمَداً ∗∗∗ رَسُولٌ كَمُوسَى (أُوتِيَ) الصُحْفَ والْكُتْبَا ؎ لَهُ دَعْوَةٌ مَيْمُونَةٌ رِيحُها الصِّبَا ∗∗∗ بِهَا يُنْبِتُ اللهَ [الحَصِيدَةَ] وَالأَبَّا ثم قال: ﴿فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِن كَفَرْتُمْ يَوْماً يَجْعَلُ ٱلْوِلْدَانَ شِيباً﴾. أي: كيف (لا) تخافون أيها الناس يوماً يجعل الولدان الصغار أصحاب شيب من هَوْلِهِ وصعوبته إن كفرتم بالله ولم تصدقوا رسولكم؟!. قال قتادة: معناه: كيف تتقون يوماً هذه صعوبته وأنتم قد كفرتم به. * * - ﴿السَّمَآءُ مُنفَطِرٌ بِهِ﴾ قال ابن عباس تشقق السماء حين ينزل الرحمن جل ذكره. وقال مجاهد: السماء مثقلة به أي بيوم القيامة. وقال الحسن: مثقلة. أي: محزونة بيوم القيامة. وقال عكرمة: ممتلئة [به]. وقيل: (به) بمعنى "فيه"، (أي): السماء منفطرة في يوم القيامة، والضمير في (يجعل) ليوم القيامة، ويجوز أن يكون لله جل ذكره. * * - ثم قال: ﴿كَانَ وَعْدُهُ مَفْعُولاً﴾. أي: ليس لوعده خُلْفٌ. قال ابن مسعود: إذا كان يوم القيامة دعا ربُّنَا المَلِكُ آدمَ عليه السلام فيقول: يا آدم، قم فابعث (بعث) النار، فيقول: (أي) رب! لا علم لي إلا ما علمتني، فيقول الله جل ذكره: أخرج من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين: فيساقون إلى النار سوداً مقرنين زُرْقاً فيشيب هنالك كل وليد. قال ابن زيد: يشيب الصغار من كرب ذلك اليوم. * * - ثم قال: ﴿إِنَّ هَـٰذِهِ تَذْكِرَةٌ﴾ أي: هذه الآيات - في ذكر هول القيامة - عبرة وعظة لمن اتعظ. * * - ﴿فَمَن شَآءَ ٱتَّخَذَ إِلَىٰ رَبِّهِ سَبِيلاً﴾ هذا تهدد، والمعنى: فمن شاء اتخذ إلى (رحمة) ربه طريقا بتركه العصيان وقبوله للإيمانِ، ومن لم يشاء ذلك فالله له بالمرصاد. * * - ثم قال: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَىٰ مِن ثُلُثَيِ ٱلَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَآئِفَةٌ مِّنَ ٱلَّذِينَ مَعَكَ﴾ هذا حين فرض الله عليهم قيام الليل بقوله: ﴿قُمِ ٱلَّيلَ إِلاَّ قَلِيلاً * نِّصْفَهُ أَوِ ٱنقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ﴾. فالمعنى على قراءة من خفض ﴿وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ﴾: إن ربك يا محمد يعلم أنك تقوم للصلاة أحيانا أدنى من ثلثي الليل [وأحيانا أدنى] من نصفه وأحيانا أدنى من ثلثه، فأَعْلَمَهُ أنه [لا] علم له بالمقدار وأن الله هو العالم بمقدار الوقت الذي يقوم فيه. ودل على ذلك ﴿عَلِمَ أَن لَّن تُحْصُوهُ﴾ أي: علم الله أنك لا تعرف مقدار قيامك. فأما من قرأ بنصب (نصفه وثلثه) فمعناه: إن ربك يا محمد يعلم أنك تقوم للصلاة أدنى من ثلثي الليل وتقوم نصفَه وتقوم ثلثَه، فيكون المعنى أن النبي قد أصاب المقدار في قيامه النصِّفَ: (و) الثُّلَثَ، ويكون قوله ﴿قُمِ ٱلَّيلَ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ هو أدنى من الثلثين، ﴿نِّصْفَهُ﴾ هو النصف المذكور هنا، ﴿أَوِ ٱنقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً﴾ هو الثلث المذكور هنا، ﴿أَوْ زِدْ عَلَيْهِ﴾ هو أدنى من الثلثين أيضا المذكور هنا. ويكون على هذا التأويل معنى ﴿أَن لَّن تُحْصُوهُ﴾ أي تطيقوه. وعلى القول الأول معناه: [أن] لن تعرفوا مقداره. * * - وقوله: ﴿فَتَابَ عَلَيْكُمْ﴾ أي تاب عليكم من فرض القيام إذ عجزتم وضعفتم عنه أي: رجع لكم إلى التخفيف عنكم. هذا كله ناسخ لفرض القيام في أول السورة. * * - ثم قال: ﴿فَٱقْرَءُواْ مَا تَيَسَّرَ مِنَ ٱلْقُرْآنِ﴾ أي: ما خف عليكم مما هو دون الثلث. * * - ثم قال: ﴿عَلِمَ أَن سَيَكُونُ مِنكُمْ مَّرْضَىٰ﴾ أي: أنه سيكون منكم مرضى (فلا يقدرون) على القيام فخفف عنكم ذلك. ثم قال : ﴿وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي ٱلأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ ٱللَّهِ﴾ أي: وعلم أنه سيكون منكم مسافرون للتجارة فيَشِقَّ عليهم القيام [لشغلهم] مع تعبهم من سفرهم، وعلم أنه سيكون منكم آخرون يجاهدون العدو فيشق عليهم القيام لشغلهم مع عدوهم فخفف عنهم القيام لذلك. * * - ثم قال: ﴿فَٱقْرَءُواْ مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ أي: من القرآن، أي ما خف عليكم. قال الحسن وابن سيرين: صلاة الليل فرض على كل مسلم لو قَدْرَ حَلْبَ شاةٍ بقوله ﴿فَٱقْرَءُواْ مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ قال الحسن: ولو خمسين آية. وسئل الحسن عن رجل استظهر القرآن ولا يقوم به فقال: يتوسد القرآن، لعن الله ذلك. وقال السدي ﴿مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾: "مائة آية". وقال الحسن: (من قرأ مائة آية في ليلة لم يحاجه القرآن). قال كعب: من قرأ مائة في ليلة كتب من القانتين. وقيل: الآية منسوخة لأنه ثبت عن النبي - ﷺ - أنه لا فرض إلا خمس صلوات، وعلى ذلك أجمع المسلمون وهو الصواب إن شاء الله. * * - ثم قال: ﴿وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَٰوةَ وَآتُواْ ٱلزَّكَٰوةَ﴾. يعني الفرض من ذلك، أي: أقيموا ذلك بحدوده وفروضه في أوقاته. * * - ثم قال: ﴿وَأَقْرِضُواُ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً﴾ أي: أنفقوا في سبيله من أموالكم. قال ابن زيد: القرض هنا: النواف سوى الزكاة. * * - ثم قال: ﴿وَمَا تُقَدِّمُواْ لأَنفُسِكُمْ مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ ٱللَّهِ﴾ أي: ما تقدموا في الدنيا من صدقة أو نفقة في سبيل الله أو غير ذلك من فعل الخير لطلب ما عند الله تجدوه في [معادكم] يجازيكم به الله. * * - ثم قال: ﴿هُوَ خَيْراً وَأَعْظَمَ أَجْراً﴾. أي: هو [خير] مما عملتم في الدنيا للدنيا، وأعظم ثوابا عند الله. * * - ثم قال: ﴿وَٱسْتَغْفِرُواْ ٱللَّهَ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾. أي: واسألوا الله المغفرة، إنه (غفور)، أي: ذو غفران لذنوب المؤمنين وستر عليهم (رحيم) بهم أن يعذبهم [على ذنوبهم] بعد توبتهم منها وغفرانه لهم.

المزمل 73:17

قوله: ﴿إِنَّ لَدَيْنَآ أَنكَالاً وَجَحِيماً...﴾ إلى آخر السورة. أي: إن عندنا لهؤلاء المكذبين قيوداً [وناراً] تسعر وطعاماً يُغَصُّ آكِلُهُ به، فلا هو نازل من حلقه ولا هو خارج منه. * * - ﴿وَعَذَاباً أَلِيماً﴾. أي: وصنوفاً من العذاب [مؤلمة] موجعة. وواحد الأنكال نِكل. قال حماد ﴿أَنكَالاً﴾ قيوداً سوداً من نار جهنم". قال ابن عباس: ﴿وَطَعَاماً ذَا غُصَّةٍ﴾ قال: "هو شوك يَأْخُذُ بالحلق فلا يدخل ولا يخرج". وقال مجاهد: هو "شجرة الزقوم". وروى حمزة [الزيات] أن [حُمْرَانَ بن أَعْيَنَ] قال: قرأ النبي - ﷺ - هذة الآية فصعق - ﷺ -. * * - ثم قال تعالى: ﴿يَوْمَ (تَرْجُفُ) ٱلأَرْضُ (وَٱلْجِبَالُ)﴾ أي: أعتدنا هذا العذاب في يوم تضطرب فيه الأرض والجبال، وذلك يوم القيامة. * * - ثم قال: ﴿وَكَانَتِ ٱلْجِبَالُ كَثِيباً مَّهِيلاً﴾. أي: وصارت الجبال ذلك اليوم رملاً سائلاً. (متناثراً). يقال: هِلْتُ التراب إذا [حركت أسفله] (فسقط أعلاه). قاله الفراء. وقال أبو عبيدة: يقال لكل شيء [أرسلته] إرسالاً من رمل أو تراب أو طعام أو نحو ذلك قد هلته [أهيله] هيلا فهو مهيل. قال ابن عباس: ﴿كَثِيباً مَّهِيلاً﴾: رملاً سائلاً. والأصل في مهيل [مهيول] فألقيت حركت الياء [على الهاء وبقيت] الياء ساكنة وبعدها الواو ساكنة. فمذهب الخليل وسيبويه أن الواو حذفت لأنها زائدة وكسرت الهاء لمجاورتها الياء فصار مَهِيلاً. ومذهب الكسائي والفراء والأخفش أن الياء هي المحذوفة لأن الواو جاءت لمعنى فلا تحذف، ولكن الهاء لما جاورت الياء كسرت، فلما حذفت الياء لالتقاء الساكنين انقلبت الواو (ياء) [لانكسار] ما قبلها وسكونها. وكلهم يجيز أن يأتي على الأصل فيقال: مهيول. ولا يجيز البصريون ذلك في ذوات الواو ولا يجيزون: "كلام مقول" لثقل ذلك. وكلهم أجاز: "رجل مهول" و "ثوب مبوع" على لغة من قال: بوع الثوب. * * - ثم قال: ﴿إِنَّآ أَرْسَلْنَآ إِلَيْكُمْ رَسُولاً شَاهِداً عَلَيْكُمْ﴾. يعني محمداً، والخطاب لجميع الخلق أي يشهد لمن آمن به وعلى من كذبه في الآخرة. * * - ثم قال: ﴿كَمَآ أَرْسَلْنَآ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ رَسُولاً﴾. أي: أرسلنا محمداً [إرسالاً (كما) أي]: مثلما أرسلنا موسى إلى فرعون. * * - ﴿فَعَصَىٰ فِرْعَوْنُ...﴾ موسى ﴿فَأَخَذْنَاهُ أَخْذاً وَبِيلاً﴾. أي: شديداً، فغرَّقناه ومن معه في البحر وأقررناه في عذاب مستقر حتى يصير إلى النار يوم القيامة، فكذلك يأخذكم بالعذاب أيها الخلق إن عصيتم رسولكم. ودخلت الألف واللام في لفظ "رسول" الثاني لتقدم ذكره، وعلى هذا يختار في أول الكتب: "سَلاَمٌ عَلَيْكَ" وفي آخرها: والسْلاَمُ عَلَيْكَ. وعلى هذا اختار بعض العلماء (في التسليم)، في التسليمة الأولى: سْلاَمٌ عَلَيْكَم، وفي الثانية: السْلاَمُ عَلَيْكَم. فأَعْلَمَ الله قريشاً أنه أرسل إليهم محمداً رسولاً كما أرسل موسى إلى فرعون رسولاً. وقد كان أمرُ موسى ورسالاته مشهورة عندهم ولذلك قال الشاعر في النبي - ﷺ -. ؎ شَهِدْتُ بِإذْنِ اللهِْ أَنَّ مُحَمَداً ∗∗∗ رَسُولٌ كَمُوسَى (أُوتِيَ) الصُحْفَ والْكُتْبَا ؎ لَهُ دَعْوَةٌ مَيْمُونَةٌ رِيحُها الصِّبَا ∗∗∗ بِهَا يُنْبِتُ اللهَ [الحَصِيدَةَ] وَالأَبَّا ثم قال: ﴿فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِن كَفَرْتُمْ يَوْماً يَجْعَلُ ٱلْوِلْدَانَ شِيباً﴾. أي: كيف (لا) تخافون أيها الناس يوماً يجعل الولدان الصغار أصحاب شيب من هَوْلِهِ وصعوبته إن كفرتم بالله ولم تصدقوا رسولكم؟!. قال قتادة: معناه: كيف تتقون يوماً هذه صعوبته وأنتم قد كفرتم به. * * - ﴿السَّمَآءُ مُنفَطِرٌ بِهِ﴾ قال ابن عباس تشقق السماء حين ينزل الرحمن جل ذكره. وقال مجاهد: السماء مثقلة به أي بيوم القيامة. وقال الحسن: مثقلة. أي: محزونة بيوم القيامة. وقال عكرمة: ممتلئة [به]. وقيل: (به) بمعنى "فيه"، (أي): السماء منفطرة في يوم القيامة، والضمير في (يجعل) ليوم القيامة، ويجوز أن يكون لله جل ذكره. * * - ثم قال: ﴿كَانَ وَعْدُهُ مَفْعُولاً﴾. أي: ليس لوعده خُلْفٌ. قال ابن مسعود: إذا كان يوم القيامة دعا ربُّنَا المَلِكُ آدمَ عليه السلام فيقول: يا آدم، قم فابعث (بعث) النار، فيقول: (أي) رب! لا علم لي إلا ما علمتني، فيقول الله جل ذكره: أخرج من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين: فيساقون إلى النار سوداً مقرنين زُرْقاً فيشيب هنالك كل وليد. قال ابن زيد: يشيب الصغار من كرب ذلك اليوم. * * - ثم قال: ﴿إِنَّ هَـٰذِهِ تَذْكِرَةٌ﴾ أي: هذه الآيات - في ذكر هول القيامة - عبرة وعظة لمن اتعظ. * * - ﴿فَمَن شَآءَ ٱتَّخَذَ إِلَىٰ رَبِّهِ سَبِيلاً﴾ هذا تهدد، والمعنى: فمن شاء اتخذ إلى (رحمة) ربه طريقا بتركه العصيان وقبوله للإيمانِ، ومن لم يشاء ذلك فالله له بالمرصاد. * * - ثم قال: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَىٰ مِن ثُلُثَيِ ٱلَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَآئِفَةٌ مِّنَ ٱلَّذِينَ مَعَكَ﴾ هذا حين فرض الله عليهم قيام الليل بقوله: ﴿قُمِ ٱلَّيلَ إِلاَّ قَلِيلاً * نِّصْفَهُ أَوِ ٱنقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ﴾. فالمعنى على قراءة من خفض ﴿وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ﴾: إن ربك يا محمد يعلم أنك تقوم للصلاة أحيانا أدنى من ثلثي الليل [وأحيانا أدنى] من نصفه وأحيانا أدنى من ثلثه، فأَعْلَمَهُ أنه [لا] علم له بالمقدار وأن الله هو العالم بمقدار الوقت الذي يقوم فيه. ودل على ذلك ﴿عَلِمَ أَن لَّن تُحْصُوهُ﴾ أي: علم الله أنك لا تعرف مقدار قيامك. فأما من قرأ بنصب (نصفه وثلثه) فمعناه: إن ربك يا محمد يعلم أنك تقوم للصلاة أدنى من ثلثي الليل وتقوم نصفَه وتقوم ثلثَه، فيكون المعنى أن النبي قد أصاب المقدار في قيامه النصِّفَ: (و) الثُّلَثَ، ويكون قوله ﴿قُمِ ٱلَّيلَ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ هو أدنى من الثلثين، ﴿نِّصْفَهُ﴾ هو النصف المذكور هنا، ﴿أَوِ ٱنقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً﴾ هو الثلث المذكور هنا، ﴿أَوْ زِدْ عَلَيْهِ﴾ هو أدنى من الثلثين أيضا المذكور هنا. ويكون على هذا التأويل معنى ﴿أَن لَّن تُحْصُوهُ﴾ أي تطيقوه. وعلى القول الأول معناه: [أن] لن تعرفوا مقداره. * * - وقوله: ﴿فَتَابَ عَلَيْكُمْ﴾ أي تاب عليكم من فرض القيام إذ عجزتم وضعفتم عنه أي: رجع لكم إلى التخفيف عنكم. هذا كله ناسخ لفرض القيام في أول السورة. * * - ثم قال: ﴿فَٱقْرَءُواْ مَا تَيَسَّرَ مِنَ ٱلْقُرْآنِ﴾ أي: ما خف عليكم مما هو دون الثلث. * * - ثم قال: ﴿عَلِمَ أَن سَيَكُونُ مِنكُمْ مَّرْضَىٰ﴾ أي: أنه سيكون منكم مرضى (فلا يقدرون) على القيام فخفف عنكم ذلك. ثم قال : ﴿وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي ٱلأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ ٱللَّهِ﴾ أي: وعلم أنه سيكون منكم مسافرون للتجارة فيَشِقَّ عليهم القيام [لشغلهم] مع تعبهم من سفرهم، وعلم أنه سيكون منكم آخرون يجاهدون العدو فيشق عليهم القيام لشغلهم مع عدوهم فخفف عنهم القيام لذلك. * * - ثم قال: ﴿فَٱقْرَءُواْ مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ أي: من القرآن، أي ما خف عليكم. قال الحسن وابن سيرين: صلاة الليل فرض على كل مسلم لو قَدْرَ حَلْبَ شاةٍ بقوله ﴿فَٱقْرَءُواْ مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ قال الحسن: ولو خمسين آية. وسئل الحسن عن رجل استظهر القرآن ولا يقوم به فقال: يتوسد القرآن، لعن الله ذلك. وقال السدي ﴿مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾: "مائة آية". وقال الحسن: (من قرأ مائة آية في ليلة لم يحاجه القرآن). قال كعب: من قرأ مائة في ليلة كتب من القانتين. وقيل: الآية منسوخة لأنه ثبت عن النبي - ﷺ - أنه لا فرض إلا خمس صلوات، وعلى ذلك أجمع المسلمون وهو الصواب إن شاء الله. * * - ثم قال: ﴿وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَٰوةَ وَآتُواْ ٱلزَّكَٰوةَ﴾. يعني الفرض من ذلك، أي: أقيموا ذلك بحدوده وفروضه في أوقاته. * * - ثم قال: ﴿وَأَقْرِضُواُ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً﴾ أي: أنفقوا في سبيله من أموالكم. قال ابن زيد: القرض هنا: النواف سوى الزكاة. * * - ثم قال: ﴿وَمَا تُقَدِّمُواْ لأَنفُسِكُمْ مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ ٱللَّهِ﴾ أي: ما تقدموا في الدنيا من صدقة أو نفقة في سبيل الله أو غير ذلك من فعل الخير لطلب ما عند الله تجدوه في [معادكم] يجازيكم به الله. * * - ثم قال: ﴿هُوَ خَيْراً وَأَعْظَمَ أَجْراً﴾. أي: هو [خير] مما عملتم في الدنيا للدنيا، وأعظم ثوابا عند الله. * * - ثم قال: ﴿وَٱسْتَغْفِرُواْ ٱللَّهَ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾. أي: واسألوا الله المغفرة، إنه (غفور)، أي: ذو غفران لذنوب المؤمنين وستر عليهم (رحيم) بهم أن يعذبهم [على ذنوبهم] بعد توبتهم منها وغفرانه لهم.

المزمل 73:18

قوله: ﴿إِنَّ لَدَيْنَآ أَنكَالاً وَجَحِيماً...﴾ إلى آخر السورة. أي: إن عندنا لهؤلاء المكذبين قيوداً [وناراً] تسعر وطعاماً يُغَصُّ آكِلُهُ به، فلا هو نازل من حلقه ولا هو خارج منه. * * - ﴿وَعَذَاباً أَلِيماً﴾. أي: وصنوفاً من العذاب [مؤلمة] موجعة. وواحد الأنكال نِكل. قال حماد ﴿أَنكَالاً﴾ قيوداً سوداً من نار جهنم". قال ابن عباس: ﴿وَطَعَاماً ذَا غُصَّةٍ﴾ قال: "هو شوك يَأْخُذُ بالحلق فلا يدخل ولا يخرج". وقال مجاهد: هو "شجرة الزقوم". وروى حمزة [الزيات] أن [حُمْرَانَ بن أَعْيَنَ] قال: قرأ النبي - ﷺ - هذة الآية فصعق - ﷺ -. * * - ثم قال تعالى: ﴿يَوْمَ (تَرْجُفُ) ٱلأَرْضُ (وَٱلْجِبَالُ)﴾ أي: أعتدنا هذا العذاب في يوم تضطرب فيه الأرض والجبال، وذلك يوم القيامة. * * - ثم قال: ﴿وَكَانَتِ ٱلْجِبَالُ كَثِيباً مَّهِيلاً﴾. أي: وصارت الجبال ذلك اليوم رملاً سائلاً. (متناثراً). يقال: هِلْتُ التراب إذا [حركت أسفله] (فسقط أعلاه). قاله الفراء. وقال أبو عبيدة: يقال لكل شيء [أرسلته] إرسالاً من رمل أو تراب أو طعام أو نحو ذلك قد هلته [أهيله] هيلا فهو مهيل. قال ابن عباس: ﴿كَثِيباً مَّهِيلاً﴾: رملاً سائلاً. والأصل في مهيل [مهيول] فألقيت حركت الياء [على الهاء وبقيت] الياء ساكنة وبعدها الواو ساكنة. فمذهب الخليل وسيبويه أن الواو حذفت لأنها زائدة وكسرت الهاء لمجاورتها الياء فصار مَهِيلاً. ومذهب الكسائي والفراء والأخفش أن الياء هي المحذوفة لأن الواو جاءت لمعنى فلا تحذف، ولكن الهاء لما جاورت الياء كسرت، فلما حذفت الياء لالتقاء الساكنين انقلبت الواو (ياء) [لانكسار] ما قبلها وسكونها. وكلهم يجيز أن يأتي على الأصل فيقال: مهيول. ولا يجيز البصريون ذلك في ذوات الواو ولا يجيزون: "كلام مقول" لثقل ذلك. وكلهم أجاز: "رجل مهول" و "ثوب مبوع" على لغة من قال: بوع الثوب. * * - ثم قال: ﴿إِنَّآ أَرْسَلْنَآ إِلَيْكُمْ رَسُولاً شَاهِداً عَلَيْكُمْ﴾. يعني محمداً، والخطاب لجميع الخلق أي يشهد لمن آمن به وعلى من كذبه في الآخرة. * * - ثم قال: ﴿كَمَآ أَرْسَلْنَآ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ رَسُولاً﴾. أي: أرسلنا محمداً [إرسالاً (كما) أي]: مثلما أرسلنا موسى إلى فرعون. * * - ﴿فَعَصَىٰ فِرْعَوْنُ...﴾ موسى ﴿فَأَخَذْنَاهُ أَخْذاً وَبِيلاً﴾. أي: شديداً، فغرَّقناه ومن معه في البحر وأقررناه في عذاب مستقر حتى يصير إلى النار يوم القيامة، فكذلك يأخذكم بالعذاب أيها الخلق إن عصيتم رسولكم. ودخلت الألف واللام في لفظ "رسول" الثاني لتقدم ذكره، وعلى هذا يختار في أول الكتب: "سَلاَمٌ عَلَيْكَ" وفي آخرها: والسْلاَمُ عَلَيْكَ. وعلى هذا اختار بعض العلماء (في التسليم)، في التسليمة الأولى: سْلاَمٌ عَلَيْكَم، وفي الثانية: السْلاَمُ عَلَيْكَم. فأَعْلَمَ الله قريشاً أنه أرسل إليهم محمداً رسولاً كما أرسل موسى إلى فرعون رسولاً. وقد كان أمرُ موسى ورسالاته مشهورة عندهم ولذلك قال الشاعر في النبي - ﷺ -. ؎ شَهِدْتُ بِإذْنِ اللهِْ أَنَّ مُحَمَداً ∗∗∗ رَسُولٌ كَمُوسَى (أُوتِيَ) الصُحْفَ والْكُتْبَا ؎ لَهُ دَعْوَةٌ مَيْمُونَةٌ رِيحُها الصِّبَا ∗∗∗ بِهَا يُنْبِتُ اللهَ [الحَصِيدَةَ] وَالأَبَّا ثم قال: ﴿فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِن كَفَرْتُمْ يَوْماً يَجْعَلُ ٱلْوِلْدَانَ شِيباً﴾. أي: كيف (لا) تخافون أيها الناس يوماً يجعل الولدان الصغار أصحاب شيب من هَوْلِهِ وصعوبته إن كفرتم بالله ولم تصدقوا رسولكم؟!. قال قتادة: معناه: كيف تتقون يوماً هذه صعوبته وأنتم قد كفرتم به. * * - ﴿السَّمَآءُ مُنفَطِرٌ بِهِ﴾ قال ابن عباس تشقق السماء حين ينزل الرحمن جل ذكره. وقال مجاهد: السماء مثقلة به أي بيوم القيامة. وقال الحسن: مثقلة. أي: محزونة بيوم القيامة. وقال عكرمة: ممتلئة [به]. وقيل: (به) بمعنى "فيه"، (أي): السماء منفطرة في يوم القيامة، والضمير في (يجعل) ليوم القيامة، ويجوز أن يكون لله جل ذكره. * * - ثم قال: ﴿كَانَ وَعْدُهُ مَفْعُولاً﴾. أي: ليس لوعده خُلْفٌ. قال ابن مسعود: إذا كان يوم القيامة دعا ربُّنَا المَلِكُ آدمَ عليه السلام فيقول: يا آدم، قم فابعث (بعث) النار، فيقول: (أي) رب! لا علم لي إلا ما علمتني، فيقول الله جل ذكره: أخرج من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين: فيساقون إلى النار سوداً مقرنين زُرْقاً فيشيب هنالك كل وليد. قال ابن زيد: يشيب الصغار من كرب ذلك اليوم. * * - ثم قال: ﴿إِنَّ هَـٰذِهِ تَذْكِرَةٌ﴾ أي: هذه الآيات - في ذكر هول القيامة - عبرة وعظة لمن اتعظ. * * - ﴿فَمَن شَآءَ ٱتَّخَذَ إِلَىٰ رَبِّهِ سَبِيلاً﴾ هذا تهدد، والمعنى: فمن شاء اتخذ إلى (رحمة) ربه طريقا بتركه العصيان وقبوله للإيمانِ، ومن لم يشاء ذلك فالله له بالمرصاد. * * - ثم قال: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَىٰ مِن ثُلُثَيِ ٱلَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَآئِفَةٌ مِّنَ ٱلَّذِينَ مَعَكَ﴾ هذا حين فرض الله عليهم قيام الليل بقوله: ﴿قُمِ ٱلَّيلَ إِلاَّ قَلِيلاً * نِّصْفَهُ أَوِ ٱنقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ﴾. فالمعنى على قراءة من خفض ﴿وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ﴾: إن ربك يا محمد يعلم أنك تقوم للصلاة أحيانا أدنى من ثلثي الليل [وأحيانا أدنى] من نصفه وأحيانا أدنى من ثلثه، فأَعْلَمَهُ أنه [لا] علم له بالمقدار وأن الله هو العالم بمقدار الوقت الذي يقوم فيه. ودل على ذلك ﴿عَلِمَ أَن لَّن تُحْصُوهُ﴾ أي: علم الله أنك لا تعرف مقدار قيامك. فأما من قرأ بنصب (نصفه وثلثه) فمعناه: إن ربك يا محمد يعلم أنك تقوم للصلاة أدنى من ثلثي الليل وتقوم نصفَه وتقوم ثلثَه، فيكون المعنى أن النبي قد أصاب المقدار في قيامه النصِّفَ: (و) الثُّلَثَ، ويكون قوله ﴿قُمِ ٱلَّيلَ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ هو أدنى من الثلثين، ﴿نِّصْفَهُ﴾ هو النصف المذكور هنا، ﴿أَوِ ٱنقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً﴾ هو الثلث المذكور هنا، ﴿أَوْ زِدْ عَلَيْهِ﴾ هو أدنى من الثلثين أيضا المذكور هنا. ويكون على هذا التأويل معنى ﴿أَن لَّن تُحْصُوهُ﴾ أي تطيقوه. وعلى القول الأول معناه: [أن] لن تعرفوا مقداره. * * - وقوله: ﴿فَتَابَ عَلَيْكُمْ﴾ أي تاب عليكم من فرض القيام إذ عجزتم وضعفتم عنه أي: رجع لكم إلى التخفيف عنكم. هذا كله ناسخ لفرض القيام في أول السورة. * * - ثم قال: ﴿فَٱقْرَءُواْ مَا تَيَسَّرَ مِنَ ٱلْقُرْآنِ﴾ أي: ما خف عليكم مما هو دون الثلث. * * - ثم قال: ﴿عَلِمَ أَن سَيَكُونُ مِنكُمْ مَّرْضَىٰ﴾ أي: أنه سيكون منكم مرضى (فلا يقدرون) على القيام فخفف عنكم ذلك. ثم قال : ﴿وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي ٱلأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ ٱللَّهِ﴾ أي: وعلم أنه سيكون منكم مسافرون للتجارة فيَشِقَّ عليهم القيام [لشغلهم] مع تعبهم من سفرهم، وعلم أنه سيكون منكم آخرون يجاهدون العدو فيشق عليهم القيام لشغلهم مع عدوهم فخفف عنهم القيام لذلك. * * - ثم قال: ﴿فَٱقْرَءُواْ مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ أي: من القرآن، أي ما خف عليكم. قال الحسن وابن سيرين: صلاة الليل فرض على كل مسلم لو قَدْرَ حَلْبَ شاةٍ بقوله ﴿فَٱقْرَءُواْ مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ قال الحسن: ولو خمسين آية. وسئل الحسن عن رجل استظهر القرآن ولا يقوم به فقال: يتوسد القرآن، لعن الله ذلك. وقال السدي ﴿مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾: "مائة آية". وقال الحسن: (من قرأ مائة آية في ليلة لم يحاجه القرآن). قال كعب: من قرأ مائة في ليلة كتب من القانتين. وقيل: الآية منسوخة لأنه ثبت عن النبي - ﷺ - أنه لا فرض إلا خمس صلوات، وعلى ذلك أجمع المسلمون وهو الصواب إن شاء الله. * * - ثم قال: ﴿وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَٰوةَ وَآتُواْ ٱلزَّكَٰوةَ﴾. يعني الفرض من ذلك، أي: أقيموا ذلك بحدوده وفروضه في أوقاته. * * - ثم قال: ﴿وَأَقْرِضُواُ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً﴾ أي: أنفقوا في سبيله من أموالكم. قال ابن زيد: القرض هنا: النواف سوى الزكاة. * * - ثم قال: ﴿وَمَا تُقَدِّمُواْ لأَنفُسِكُمْ مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ ٱللَّهِ﴾ أي: ما تقدموا في الدنيا من صدقة أو نفقة في سبيل الله أو غير ذلك من فعل الخير لطلب ما عند الله تجدوه في [معادكم] يجازيكم به الله. * * - ثم قال: ﴿هُوَ خَيْراً وَأَعْظَمَ أَجْراً﴾. أي: هو [خير] مما عملتم في الدنيا للدنيا، وأعظم ثوابا عند الله. * * - ثم قال: ﴿وَٱسْتَغْفِرُواْ ٱللَّهَ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾. أي: واسألوا الله المغفرة، إنه (غفور)، أي: ذو غفران لذنوب المؤمنين وستر عليهم (رحيم) بهم أن يعذبهم [على ذنوبهم] بعد توبتهم منها وغفرانه لهم.

المزمل 73:19

قوله: ﴿إِنَّ لَدَيْنَآ أَنكَالاً وَجَحِيماً...﴾ إلى آخر السورة. أي: إن عندنا لهؤلاء المكذبين قيوداً [وناراً] تسعر وطعاماً يُغَصُّ آكِلُهُ به، فلا هو نازل من حلقه ولا هو خارج منه. * * - ﴿وَعَذَاباً أَلِيماً﴾. أي: وصنوفاً من العذاب [مؤلمة] موجعة. وواحد الأنكال نِكل. قال حماد ﴿أَنكَالاً﴾ قيوداً سوداً من نار جهنم". قال ابن عباس: ﴿وَطَعَاماً ذَا غُصَّةٍ﴾ قال: "هو شوك يَأْخُذُ بالحلق فلا يدخل ولا يخرج". وقال مجاهد: هو "شجرة الزقوم". وروى حمزة [الزيات] أن [حُمْرَانَ بن أَعْيَنَ] قال: قرأ النبي - ﷺ - هذة الآية فصعق - ﷺ -. * * - ثم قال تعالى: ﴿يَوْمَ (تَرْجُفُ) ٱلأَرْضُ (وَٱلْجِبَالُ)﴾ أي: أعتدنا هذا العذاب في يوم تضطرب فيه الأرض والجبال، وذلك يوم القيامة. * * - ثم قال: ﴿وَكَانَتِ ٱلْجِبَالُ كَثِيباً مَّهِيلاً﴾. أي: وصارت الجبال ذلك اليوم رملاً سائلاً. (متناثراً). يقال: هِلْتُ التراب إذا [حركت أسفله] (فسقط أعلاه). قاله الفراء. وقال أبو عبيدة: يقال لكل شيء [أرسلته] إرسالاً من رمل أو تراب أو طعام أو نحو ذلك قد هلته [أهيله] هيلا فهو مهيل. قال ابن عباس: ﴿كَثِيباً مَّهِيلاً﴾: رملاً سائلاً. والأصل في مهيل [مهيول] فألقيت حركت الياء [على الهاء وبقيت] الياء ساكنة وبعدها الواو ساكنة. فمذهب الخليل وسيبويه أن الواو حذفت لأنها زائدة وكسرت الهاء لمجاورتها الياء فصار مَهِيلاً. ومذهب الكسائي والفراء والأخفش أن الياء هي المحذوفة لأن الواو جاءت لمعنى فلا تحذف، ولكن الهاء لما جاورت الياء كسرت، فلما حذفت الياء لالتقاء الساكنين انقلبت الواو (ياء) [لانكسار] ما قبلها وسكونها. وكلهم يجيز أن يأتي على الأصل فيقال: مهيول. ولا يجيز البصريون ذلك في ذوات الواو ولا يجيزون: "كلام مقول" لثقل ذلك. وكلهم أجاز: "رجل مهول" و "ثوب مبوع" على لغة من قال: بوع الثوب. * * - ثم قال: ﴿إِنَّآ أَرْسَلْنَآ إِلَيْكُمْ رَسُولاً شَاهِداً عَلَيْكُمْ﴾. يعني محمداً، والخطاب لجميع الخلق أي يشهد لمن آمن به وعلى من كذبه في الآخرة. * * - ثم قال: ﴿كَمَآ أَرْسَلْنَآ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ رَسُولاً﴾. أي: أرسلنا محمداً [إرسالاً (كما) أي]: مثلما أرسلنا موسى إلى فرعون. * * - ﴿فَعَصَىٰ فِرْعَوْنُ...﴾ موسى ﴿فَأَخَذْنَاهُ أَخْذاً وَبِيلاً﴾. أي: شديداً، فغرَّقناه ومن معه في البحر وأقررناه في عذاب مستقر حتى يصير إلى النار يوم القيامة، فكذلك يأخذكم بالعذاب أيها الخلق إن عصيتم رسولكم. ودخلت الألف واللام في لفظ "رسول" الثاني لتقدم ذكره، وعلى هذا يختار في أول الكتب: "سَلاَمٌ عَلَيْكَ" وفي آخرها: والسْلاَمُ عَلَيْكَ. وعلى هذا اختار بعض العلماء (في التسليم)، في التسليمة الأولى: سْلاَمٌ عَلَيْكَم، وفي الثانية: السْلاَمُ عَلَيْكَم. فأَعْلَمَ الله قريشاً أنه أرسل إليهم محمداً رسولاً كما أرسل موسى إلى فرعون رسولاً. وقد كان أمرُ موسى ورسالاته مشهورة عندهم ولذلك قال الشاعر في النبي - ﷺ -. ؎ شَهِدْتُ بِإذْنِ اللهِْ أَنَّ مُحَمَداً ∗∗∗ رَسُولٌ كَمُوسَى (أُوتِيَ) الصُحْفَ والْكُتْبَا ؎ لَهُ دَعْوَةٌ مَيْمُونَةٌ رِيحُها الصِّبَا ∗∗∗ بِهَا يُنْبِتُ اللهَ [الحَصِيدَةَ] وَالأَبَّا ثم قال: ﴿فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِن كَفَرْتُمْ يَوْماً يَجْعَلُ ٱلْوِلْدَانَ شِيباً﴾. أي: كيف (لا) تخافون أيها الناس يوماً يجعل الولدان الصغار أصحاب شيب من هَوْلِهِ وصعوبته إن كفرتم بالله ولم تصدقوا رسولكم؟!. قال قتادة: معناه: كيف تتقون يوماً هذه صعوبته وأنتم قد كفرتم به. * * - ﴿السَّمَآءُ مُنفَطِرٌ بِهِ﴾ قال ابن عباس تشقق السماء حين ينزل الرحمن جل ذكره. وقال مجاهد: السماء مثقلة به أي بيوم القيامة. وقال الحسن: مثقلة. أي: محزونة بيوم القيامة. وقال عكرمة: ممتلئة [به]. وقيل: (به) بمعنى "فيه"، (أي): السماء منفطرة في يوم القيامة، والضمير في (يجعل) ليوم القيامة، ويجوز أن يكون لله جل ذكره. * * - ثم قال: ﴿كَانَ وَعْدُهُ مَفْعُولاً﴾. أي: ليس لوعده خُلْفٌ. قال ابن مسعود: إذا كان يوم القيامة دعا ربُّنَا المَلِكُ آدمَ عليه السلام فيقول: يا آدم، قم فابعث (بعث) النار، فيقول: (أي) رب! لا علم لي إلا ما علمتني، فيقول الله جل ذكره: أخرج من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين: فيساقون إلى النار سوداً مقرنين زُرْقاً فيشيب هنالك كل وليد. قال ابن زيد: يشيب الصغار من كرب ذلك اليوم. * * - ثم قال: ﴿إِنَّ هَـٰذِهِ تَذْكِرَةٌ﴾ أي: هذه الآيات - في ذكر هول القيامة - عبرة وعظة لمن اتعظ. * * - ﴿فَمَن شَآءَ ٱتَّخَذَ إِلَىٰ رَبِّهِ سَبِيلاً﴾ هذا تهدد، والمعنى: فمن شاء اتخذ إلى (رحمة) ربه طريقا بتركه العصيان وقبوله للإيمانِ، ومن لم يشاء ذلك فالله له بالمرصاد. * * - ثم قال: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَىٰ مِن ثُلُثَيِ ٱلَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَآئِفَةٌ مِّنَ ٱلَّذِينَ مَعَكَ﴾ هذا حين فرض الله عليهم قيام الليل بقوله: ﴿قُمِ ٱلَّيلَ إِلاَّ قَلِيلاً * نِّصْفَهُ أَوِ ٱنقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ﴾. فالمعنى على قراءة من خفض ﴿وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ﴾: إن ربك يا محمد يعلم أنك تقوم للصلاة أحيانا أدنى من ثلثي الليل [وأحيانا أدنى] من نصفه وأحيانا أدنى من ثلثه، فأَعْلَمَهُ أنه [لا] علم له بالمقدار وأن الله هو العالم بمقدار الوقت الذي يقوم فيه. ودل على ذلك ﴿عَلِمَ أَن لَّن تُحْصُوهُ﴾ أي: علم الله أنك لا تعرف مقدار قيامك. فأما من قرأ بنصب (نصفه وثلثه) فمعناه: إن ربك يا محمد يعلم أنك تقوم للصلاة أدنى من ثلثي الليل وتقوم نصفَه وتقوم ثلثَه، فيكون المعنى أن النبي قد أصاب المقدار في قيامه النصِّفَ: (و) الثُّلَثَ، ويكون قوله ﴿قُمِ ٱلَّيلَ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ هو أدنى من الثلثين، ﴿نِّصْفَهُ﴾ هو النصف المذكور هنا، ﴿أَوِ ٱنقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً﴾ هو الثلث المذكور هنا، ﴿أَوْ زِدْ عَلَيْهِ﴾ هو أدنى من الثلثين أيضا المذكور هنا. ويكون على هذا التأويل معنى ﴿أَن لَّن تُحْصُوهُ﴾ أي تطيقوه. وعلى القول الأول معناه: [أن] لن تعرفوا مقداره. * * - وقوله: ﴿فَتَابَ عَلَيْكُمْ﴾ أي تاب عليكم من فرض القيام إذ عجزتم وضعفتم عنه أي: رجع لكم إلى التخفيف عنكم. هذا كله ناسخ لفرض القيام في أول السورة. * * - ثم قال: ﴿فَٱقْرَءُواْ مَا تَيَسَّرَ مِنَ ٱلْقُرْآنِ﴾ أي: ما خف عليكم مما هو دون الثلث. * * - ثم قال: ﴿عَلِمَ أَن سَيَكُونُ مِنكُمْ مَّرْضَىٰ﴾ أي: أنه سيكون منكم مرضى (فلا يقدرون) على القيام فخفف عنكم ذلك. ثم قال : ﴿وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي ٱلأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ ٱللَّهِ﴾ أي: وعلم أنه سيكون منكم مسافرون للتجارة فيَشِقَّ عليهم القيام [لشغلهم] مع تعبهم من سفرهم، وعلم أنه سيكون منكم آخرون يجاهدون العدو فيشق عليهم القيام لشغلهم مع عدوهم فخفف عنهم القيام لذلك. * * - ثم قال: ﴿فَٱقْرَءُواْ مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ أي: من القرآن، أي ما خف عليكم. قال الحسن وابن سيرين: صلاة الليل فرض على كل مسلم لو قَدْرَ حَلْبَ شاةٍ بقوله ﴿فَٱقْرَءُواْ مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ قال الحسن: ولو خمسين آية. وسئل الحسن عن رجل استظهر القرآن ولا يقوم به فقال: يتوسد القرآن، لعن الله ذلك. وقال السدي ﴿مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾: "مائة آية". وقال الحسن: (من قرأ مائة آية في ليلة لم يحاجه القرآن). قال كعب: من قرأ مائة في ليلة كتب من القانتين. وقيل: الآية منسوخة لأنه ثبت عن النبي - ﷺ - أنه لا فرض إلا خمس صلوات، وعلى ذلك أجمع المسلمون وهو الصواب إن شاء الله. * * - ثم قال: ﴿وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَٰوةَ وَآتُواْ ٱلزَّكَٰوةَ﴾. يعني الفرض من ذلك، أي: أقيموا ذلك بحدوده وفروضه في أوقاته. * * - ثم قال: ﴿وَأَقْرِضُواُ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً﴾ أي: أنفقوا في سبيله من أموالكم. قال ابن زيد: القرض هنا: النواف سوى الزكاة. * * - ثم قال: ﴿وَمَا تُقَدِّمُواْ لأَنفُسِكُمْ مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ ٱللَّهِ﴾ أي: ما تقدموا في الدنيا من صدقة أو نفقة في سبيل الله أو غير ذلك من فعل الخير لطلب ما عند الله تجدوه في [معادكم] يجازيكم به الله. * * - ثم قال: ﴿هُوَ خَيْراً وَأَعْظَمَ أَجْراً﴾. أي: هو [خير] مما عملتم في الدنيا للدنيا، وأعظم ثوابا عند الله. * * - ثم قال: ﴿وَٱسْتَغْفِرُواْ ٱللَّهَ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾. أي: واسألوا الله المغفرة، إنه (غفور)، أي: ذو غفران لذنوب المؤمنين وستر عليهم (رحيم) بهم أن يعذبهم [على ذنوبهم] بعد توبتهم منها وغفرانه لهم.

المزمل 73:20

قوله: ﴿إِنَّ لَدَيْنَآ أَنكَالاً وَجَحِيماً...﴾ إلى آخر السورة. أي: إن عندنا لهؤلاء المكذبين قيوداً [وناراً] تسعر وطعاماً يُغَصُّ آكِلُهُ به، فلا هو نازل من حلقه ولا هو خارج منه. * * - ﴿وَعَذَاباً أَلِيماً﴾. أي: وصنوفاً من العذاب [مؤلمة] موجعة. وواحد الأنكال نِكل. قال حماد ﴿أَنكَالاً﴾ قيوداً سوداً من نار جهنم". قال ابن عباس: ﴿وَطَعَاماً ذَا غُصَّةٍ﴾ قال: "هو شوك يَأْخُذُ بالحلق فلا يدخل ولا يخرج". وقال مجاهد: هو "شجرة الزقوم". وروى حمزة [الزيات] أن [حُمْرَانَ بن أَعْيَنَ] قال: قرأ النبي - ﷺ - هذة الآية فصعق - ﷺ -. * * - ثم قال تعالى: ﴿يَوْمَ (تَرْجُفُ) ٱلأَرْضُ (وَٱلْجِبَالُ)﴾ أي: أعتدنا هذا العذاب في يوم تضطرب فيه الأرض والجبال، وذلك يوم القيامة. * * - ثم قال: ﴿وَكَانَتِ ٱلْجِبَالُ كَثِيباً مَّهِيلاً﴾. أي: وصارت الجبال ذلك اليوم رملاً سائلاً. (متناثراً). يقال: هِلْتُ التراب إذا [حركت أسفله] (فسقط أعلاه). قاله الفراء. وقال أبو عبيدة: يقال لكل شيء [أرسلته] إرسالاً من رمل أو تراب أو طعام أو نحو ذلك قد هلته [أهيله] هيلا فهو مهيل. قال ابن عباس: ﴿كَثِيباً مَّهِيلاً﴾: رملاً سائلاً. والأصل في مهيل [مهيول] فألقيت حركت الياء [على الهاء وبقيت] الياء ساكنة وبعدها الواو ساكنة. فمذهب الخليل وسيبويه أن الواو حذفت لأنها زائدة وكسرت الهاء لمجاورتها الياء فصار مَهِيلاً. ومذهب الكسائي والفراء والأخفش أن الياء هي المحذوفة لأن الواو جاءت لمعنى فلا تحذف، ولكن الهاء لما جاورت الياء كسرت، فلما حذفت الياء لالتقاء الساكنين انقلبت الواو (ياء) [لانكسار] ما قبلها وسكونها. وكلهم يجيز أن يأتي على الأصل فيقال: مهيول. ولا يجيز البصريون ذلك في ذوات الواو ولا يجيزون: "كلام مقول" لثقل ذلك. وكلهم أجاز: "رجل مهول" و "ثوب مبوع" على لغة من قال: بوع الثوب. * * - ثم قال: ﴿إِنَّآ أَرْسَلْنَآ إِلَيْكُمْ رَسُولاً شَاهِداً عَلَيْكُمْ﴾. يعني محمداً، والخطاب لجميع الخلق أي يشهد لمن آمن به وعلى من كذبه في الآخرة. * * - ثم قال: ﴿كَمَآ أَرْسَلْنَآ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ رَسُولاً﴾. أي: أرسلنا محمداً [إرسالاً (كما) أي]: مثلما أرسلنا موسى إلى فرعون. * * - ﴿فَعَصَىٰ فِرْعَوْنُ...﴾ موسى ﴿فَأَخَذْنَاهُ أَخْذاً وَبِيلاً﴾. أي: شديداً، فغرَّقناه ومن معه في البحر وأقررناه في عذاب مستقر حتى يصير إلى النار يوم القيامة، فكذلك يأخذكم بالعذاب أيها الخلق إن عصيتم رسولكم. ودخلت الألف واللام في لفظ "رسول" الثاني لتقدم ذكره، وعلى هذا يختار في أول الكتب: "سَلاَمٌ عَلَيْكَ" وفي آخرها: والسْلاَمُ عَلَيْكَ. وعلى هذا اختار بعض العلماء (في التسليم)، في التسليمة الأولى: سْلاَمٌ عَلَيْكَم، وفي الثانية: السْلاَمُ عَلَيْكَم. فأَعْلَمَ الله قريشاً أنه أرسل إليهم محمداً رسولاً كما أرسل موسى إلى فرعون رسولاً. وقد كان أمرُ موسى ورسالاته مشهورة عندهم ولذلك قال الشاعر في النبي - ﷺ -. ؎ شَهِدْتُ بِإذْنِ اللهِْ أَنَّ مُحَمَداً ∗∗∗ رَسُولٌ كَمُوسَى (أُوتِيَ) الصُحْفَ والْكُتْبَا ؎ لَهُ دَعْوَةٌ مَيْمُونَةٌ رِيحُها الصِّبَا ∗∗∗ بِهَا يُنْبِتُ اللهَ [الحَصِيدَةَ] وَالأَبَّا ثم قال: ﴿فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِن كَفَرْتُمْ يَوْماً يَجْعَلُ ٱلْوِلْدَانَ شِيباً﴾. أي: كيف (لا) تخافون أيها الناس يوماً يجعل الولدان الصغار أصحاب شيب من هَوْلِهِ وصعوبته إن كفرتم بالله ولم تصدقوا رسولكم؟!. قال قتادة: معناه: كيف تتقون يوماً هذه صعوبته وأنتم قد كفرتم به. * * - ﴿السَّمَآءُ مُنفَطِرٌ بِهِ﴾ قال ابن عباس تشقق السماء حين ينزل الرحمن جل ذكره. وقال مجاهد: السماء مثقلة به أي بيوم القيامة. وقال الحسن: مثقلة. أي: محزونة بيوم القيامة. وقال عكرمة: ممتلئة [به]. وقيل: (به) بمعنى "فيه"، (أي): السماء منفطرة في يوم القيامة، والضمير في (يجعل) ليوم القيامة، ويجوز أن يكون لله جل ذكره. * * - ثم قال: ﴿كَانَ وَعْدُهُ مَفْعُولاً﴾. أي: ليس لوعده خُلْفٌ. قال ابن مسعود: إذا كان يوم القيامة دعا ربُّنَا المَلِكُ آدمَ عليه السلام فيقول: يا آدم، قم فابعث (بعث) النار، فيقول: (أي) رب! لا علم لي إلا ما علمتني، فيقول الله جل ذكره: أخرج من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين: فيساقون إلى النار سوداً مقرنين زُرْقاً فيشيب هنالك كل وليد. قال ابن زيد: يشيب الصغار من كرب ذلك اليوم. * * - ثم قال: ﴿إِنَّ هَـٰذِهِ تَذْكِرَةٌ﴾ أي: هذه الآيات - في ذكر هول القيامة - عبرة وعظة لمن اتعظ. * * - ﴿فَمَن شَآءَ ٱتَّخَذَ إِلَىٰ رَبِّهِ سَبِيلاً﴾ هذا تهدد، والمعنى: فمن شاء اتخذ إلى (رحمة) ربه طريقا بتركه العصيان وقبوله للإيمانِ، ومن لم يشاء ذلك فالله له بالمرصاد. * * - ثم قال: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَىٰ مِن ثُلُثَيِ ٱلَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَآئِفَةٌ مِّنَ ٱلَّذِينَ مَعَكَ﴾ هذا حين فرض الله عليهم قيام الليل بقوله: ﴿قُمِ ٱلَّيلَ إِلاَّ قَلِيلاً * نِّصْفَهُ أَوِ ٱنقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ﴾. فالمعنى على قراءة من خفض ﴿وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ﴾: إن ربك يا محمد يعلم أنك تقوم للصلاة أحيانا أدنى من ثلثي الليل [وأحيانا أدنى] من نصفه وأحيانا أدنى من ثلثه، فأَعْلَمَهُ أنه [لا] علم له بالمقدار وأن الله هو العالم بمقدار الوقت الذي يقوم فيه. ودل على ذلك ﴿عَلِمَ أَن لَّن تُحْصُوهُ﴾ أي: علم الله أنك لا تعرف مقدار قيامك. فأما من قرأ بنصب (نصفه وثلثه) فمعناه: إن ربك يا محمد يعلم أنك تقوم للصلاة أدنى من ثلثي الليل وتقوم نصفَه وتقوم ثلثَه، فيكون المعنى أن النبي قد أصاب المقدار في قيامه النصِّفَ: (و) الثُّلَثَ، ويكون قوله ﴿قُمِ ٱلَّيلَ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ هو أدنى من الثلثين، ﴿نِّصْفَهُ﴾ هو النصف المذكور هنا، ﴿أَوِ ٱنقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً﴾ هو الثلث المذكور هنا، ﴿أَوْ زِدْ عَلَيْهِ﴾ هو أدنى من الثلثين أيضا المذكور هنا. ويكون على هذا التأويل معنى ﴿أَن لَّن تُحْصُوهُ﴾ أي تطيقوه. وعلى القول الأول معناه: [أن] لن تعرفوا مقداره. * * - وقوله: ﴿فَتَابَ عَلَيْكُمْ﴾ أي تاب عليكم من فرض القيام إذ عجزتم وضعفتم عنه أي: رجع لكم إلى التخفيف عنكم. هذا كله ناسخ لفرض القيام في أول السورة. * * - ثم قال: ﴿فَٱقْرَءُواْ مَا تَيَسَّرَ مِنَ ٱلْقُرْآنِ﴾ أي: ما خف عليكم مما هو دون الثلث. * * - ثم قال: ﴿عَلِمَ أَن سَيَكُونُ مِنكُمْ مَّرْضَىٰ﴾ أي: أنه سيكون منكم مرضى (فلا يقدرون) على القيام فخفف عنكم ذلك. ثم قال : ﴿وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي ٱلأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ ٱللَّهِ﴾ أي: وعلم أنه سيكون منكم مسافرون للتجارة فيَشِقَّ عليهم القيام [لشغلهم] مع تعبهم من سفرهم، وعلم أنه سيكون منكم آخرون يجاهدون العدو فيشق عليهم القيام لشغلهم مع عدوهم فخفف عنهم القيام لذلك. * * - ثم قال: ﴿فَٱقْرَءُواْ مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ أي: من القرآن، أي ما خف عليكم. قال الحسن وابن سيرين: صلاة الليل فرض على كل مسلم لو قَدْرَ حَلْبَ شاةٍ بقوله ﴿فَٱقْرَءُواْ مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ قال الحسن: ولو خمسين آية. وسئل الحسن عن رجل استظهر القرآن ولا يقوم به فقال: يتوسد القرآن، لعن الله ذلك. وقال السدي ﴿مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾: "مائة آية". وقال الحسن: (من قرأ مائة آية في ليلة لم يحاجه القرآن). قال كعب: من قرأ مائة في ليلة كتب من القانتين. وقيل: الآية منسوخة لأنه ثبت عن النبي - ﷺ - أنه لا فرض إلا خمس صلوات، وعلى ذلك أجمع المسلمون وهو الصواب إن شاء الله. * * - ثم قال: ﴿وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَٰوةَ وَآتُواْ ٱلزَّكَٰوةَ﴾. يعني الفرض من ذلك، أي: أقيموا ذلك بحدوده وفروضه في أوقاته. * * - ثم قال: ﴿وَأَقْرِضُواُ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً﴾ أي: أنفقوا في سبيله من أموالكم. قال ابن زيد: القرض هنا: النواف سوى الزكاة. * * - ثم قال: ﴿وَمَا تُقَدِّمُواْ لأَنفُسِكُمْ مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ ٱللَّهِ﴾ أي: ما تقدموا في الدنيا من صدقة أو نفقة في سبيل الله أو غير ذلك من فعل الخير لطلب ما عند الله تجدوه في [معادكم] يجازيكم به الله. * * - ثم قال: ﴿هُوَ خَيْراً وَأَعْظَمَ أَجْراً﴾. أي: هو [خير] مما عملتم في الدنيا للدنيا، وأعظم ثوابا عند الله. * * - ثم قال: ﴿وَٱسْتَغْفِرُواْ ٱللَّهَ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾. أي: واسألوا الله المغفرة، إنه (غفور)، أي: ذو غفران لذنوب المؤمنين وستر عليهم (رحيم) بهم أن يعذبهم [على ذنوبهم] بعد توبتهم منها وغفرانه لهم.

المدثر 74:1

قوله تعالى: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنذِرْ﴾ إلى قوله: ﴿نَذِيراً لِّلْبَشَرِ﴾. أي: يا أيها المدثر بثيابه عند نومه. وروي أن النبي ﷺ [قيل له ذلك] وهو متدثر بقطيفة. ذكره النخعي. وروي أن هذا أول ما نزل على النبي ﷺ. رواه جابر بن عبد الله قال: حَدَّثَنِي النَّبِيُّ ﷺ، قَالَ: جَاوَرْتُ فِي حِرَاءَ، فَلَمَّا قَضَيْتُ [جِوَارِي] هَبَطْتُ فَاسْتَبْطَنْتُ [الوَادِيَ]، فَنُودِيتُ فَنَظَرْتُ عَنْ يَمِينِي وَعَنْ شِمَالِي وَخَلْفِي (وَقُدَّامِي) فَلَمْ أَرَ شَيْئاً، فَنَظَرْتُ فَوْقَ رَأْسِي فَإِذَا هُوَ - يَعْنِي المَلَكَ - جَالِسٌ عَلَى عَرْشٍ بَيْنَ السَّمَاءِ والأَرْضِ [فَجُثِثْتُ] مِنْهُ. فَأَتَيْتُ خَدِيجَةَ فَقُلْتُ: دَثِّرُونِي، (دَثِّرُونِي)، وَصُبُّوا عَلَيَّ مَاءً. وَأُنْزِلَ عَلَيَّ ﴿يٰأَيُّهَا ٱلْمُدَّثِّرُ﴾ وقال الزهري: كان أول شيء أنزل عليه: ﴿ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق: ١] حتى بلغ ﴿(عَلَّمَ ٱلإِنسَانَ) مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: ٥]. قال ابن عباس: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلْمُدَّثِّرُ﴾: "يأ أيها النائم". وقال قتادة: المدثر في ثيابه. وقال عكرمة: معناه: "دُثرت هذا الأَمر فقم به"، يعني النبوة. * * - وقوله: ﴿قُمْ فَأَنذِرْ﴾. أي: قم من نومك فأنذر قومك عذاب الله على شركهم بالله. * * - ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾. أي: فعظم. * * - ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾. أي: لا تلبسها على معصية ولا [غدرة]. قاله ابن عباس. وعنه أيضاً: فطَهِّرْها من الإثم. وقال النخعي: فطهرها من الذنوب. والعرب تقول لرجل إذا نكث ولم يف بعهده: إنه لدنس الثياب، وإذا أوفى بعهده وأصلح: إنه لمُطَهَّر الثياب. وقال الضحاك: معناه: "لا تلبس ثيابك على معصية". وقال ابن زيد: معناه: "وعملك فأصلحه"، قال: والعرب تقول للرجل الخبيث العمل: فلان خبيث الثياب. وإذا كان حسن العمل (قالوا: فلان طاهر الثياب. وعن ابن عباس أيضاً أن معناه: "لا تلبس ثيابك) من [مكسب] غير طيب. وعن مجاهد أن معناه: "لست بكاهن ولا ساحر، فأَعْرِض عما قالوا". (وقال) ابن سيرين: معناه: اغسل ثيابك من النجاسة. وهو قول ابن زيد، وبهذا احتج الشافعي في وجوب طهارة الثوب (وأنه فرض. ومذهب مالك أن طهارة الثوب ليس بفرض، وهو قول أهل المدينة وإنما طهارة الثوب) سنة. ولذلك، من صلى بثوب نجس ولا يعلم أعاد في الوقت. ولو كانت طهارة الثوب فرضاً لأعاد أبداً. وكذلك البدن تقع فيه النجاسة ليست طهارته فرضاً. يدل على ذلك إجماع المسلمين على أن صلاة من استجمر بالحجارة من الغائط جائزة، مع أن موضع خروج الأذى لم يغسل بالماء. * * - ثم قال ﴿وَٱلرُّجْزَ [فَٱهْجُرْ]﴾. أي: والأَوْثَانَ فاهجر عبادتها. والضم والكسر في الراء لغتان عند الفراء. وقيل: الكسر معناه العَذاب. فتكون الأوثان سميت بالعذاب. لأنها سببه. والضم معناه الأوثان. وأول من فرق بينهما الكسائي. وأكثر الناس على أنه لا فرق بينهما وأنه يراد به الأوثان، [ضَمَمْتَ] الراءَ أو كَسَرْتَهَا. قال ابن عباس: الرجز: "السخط، وهو الأصنام". وقال مجاهد وعكرمة: الرجز: "الأوثان. وقاله الزهري. وقال قتادة: "الرجز: صنمان كانا عند البيت: [إساف ونائلة]، يَمْسَحُ وُجُوهَهُمَا من أتى عليهما، فأمر الله نبيه أن [يجتنبهما] ويعتزلهما". قال ابن زيد: "الرجز آلهتهم التي كانوا يعبدون، (أمره الله) أن يهجرها [فلا يأتيها ولا يقربها]". وقال النَّخعي: المعنى: والمعصية [فاهجر]. * * - ثم قال تعالى ﴿وَلاَ تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ﴾. قال ابن عباس: معناه: ولا تعط يا محمد عطية لتعطى أكثر منها. وهو (معنى) قول أكثر [المفسرين]. وهذا خصوص للنبي ﷺ، وهو مباح لأمته إلا أنه لا أجر [لهم] في ذلك. وهو قوله تعالى: ﴿وَمَآ آتَيْتُمْ مِّن رِّباً لِّيَرْبُوَاْ فِي أَمْوَالِ ٱلنَّاسِ فَلاَ يَرْبُواْ عِندَ ٱللَّهِ﴾ [الروم: ٣٩] وقد قال الضحاك: هو الربا (في) الحلال [قال]: وهما ربوان: حرام وحلال. فأما الحلال فالهدايا. وأما الحرام فالربا بعينه. وقال الحسن: معناه: لا تستكثر عملك الصالح. وهو اختيار الطبري. وقال الربيع بن أنس: معناه: "لاَ يَكْثُرَنْ عملُك في عينك، فإنه فيما أنعم الله [عليك] وأعطاك قليل". وعن مجاهد أن معناه: لا تضعف أن تستكثر من الخير من قولهم: "حبل منين" إذا كان ضعيفاً. وفي قراءة ابن مسعود: "وَلاَ تَمْنُنْ أَنْ تَسْتَكْثِرَ". قال الكسائي: فإذا حذف "أن" رفع، وهو حال (عند) البصريين. وقال ابن زيد: معناه: لا تمنن بالقرآن والنبوة فتستكثرهم به، تأخذ على ذلك عوضاً من الدنيا. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَلِرَبِّكَ فَٱصْبِرْ﴾. أي: اصبر على ما تَلْقَى من قومك لربك [واحتمل] أذاهم. وقال ابن زيد: معناه، اصبر على محاربة العرب والعجم، قال: "حُمِّلَ أمراً عظيماً، مُحَارَبَةَ العرب ثم العجم من بعد العرب في الله". وقال النخعي: معناه: ولربك فاصبر على عطيتك، ولا تعطها لتأخذ أكثر منها، بل احتسبها الله. * * - ثم قال تعالى: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي ٱلنَّاقُورِ * فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾. يقال: [عَسُرَ] الأمرُ إذا صَعُبَ فهو عَسِيرٌ، [وعَسِرَ] فهو عَسِرٌِ. والمعنى: فإذا نفخ في الصور فذلك [يوم] شديد صعب غير سهل على الكافرين. روى ابن عباس أنَّ النبي ﷺ قَالَ: "كَيْفَ أَنْعَمُ وَصَاحِبُ القَرْنِ قَدِ التَقَمَ القَرْنُ [وَحَنَى] جَبْهَتَهُ لِيَسْتَمِعَ مَتَى يُؤْمَرُ، يَنْفُخُ فِيهِ. قَالَ: فَاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلى أَصْحَابِهِ فَأَمَرَهُمْ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَقُولُوا ﴿حَسْبُنَا ٱللَّهُ وَنِعْمَ ٱلْوَكِيلُ﴾ ﴿عَلَى ٱللَّهِ تَوَكَّلْنَا﴾ قال عكرمة: الناقور: الصور. قال مجاهد: (هو) شَيْءٌ كَهَيْئَةِ [البُوقِ]. * * - ثم قال: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً﴾. أي: كِلْ - يا محمد - أَمْرَ هذا الذي خلقته في بطن أمه وحيداً لا شيء له من مال ولا ولد، يعني بذلك الوليد بن المغيرة المخزومي. قال ابن عباس: "أَنْزَلَ اللهُ فِي الوَليدِ بِنْ المُغِيرَةِ ﴿ذَرْنِي﴾ ﴿وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً﴾. [وقوله: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ...﴾ [الحجر: ٩٢] إلى آخرها". وقيل: معناه: دعني يا محمد ومجازاة من خلقته وحده، فيكون "وحيداً"] على القول الأول حالاً من الهاء المحذوفة في "خلقته". وعلى (هذا) القول الآخر حالاً من التاء في "خلقته". وفي هذا الكلام تهدد عظيم ووعيد. والعرب تقول: ذرني وزيداً، أي: كِلْ عقوبته ومُطالَبَتَهُ إلي. فالمعنى: كِلْ - يا محمد - عقوبة هؤلاء إلي، فلست أحتاج [في ذلك] إلى معين ولا ظهير. ويُرْوى أنه كان يقول: أنا الواحد بن الوحيد، ليس لي من العرب نظير ولا لأبي المغيرة نظير. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَجَعَلْتُ لَهُ مَالاً مَّمْدُوداً﴾. قال مجاهد وابن جبير: هو ألف دينار. وقال سفيان: (بلغني) أنه أربعة آلاف دينار. وقيل: هو الأرض يزرع فيها. قاله النعمان بن سالم. وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: هو غَلَّةٌ شهر [بشهر]. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَبَنِينَ شُهُوداً﴾. أي: وجعلت له بنين شهوداً، أي: [حضوراً]. روي أنه كان له عشرة من الولد. وقد قاله مجاهد وغيره. وروي أنه ما زاد بعد نزول هذه الآية إلا [ارتكاساً] في ماله وولده ونفسه. * * - ثم قال: ﴿وَمَهَّدتُّ لَهُ تَمْهِيداً﴾. أي: بسطت له في العيش بسطاً. قاله سفيان. وقال مجاهد: "من المال والولد". * * - ثم قال: ﴿ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ * كَلاَّ﴾ ثم يَأْمَلُ أن أزيده من المال والولد على ما أعطيته ﴿كَلاَّ﴾: أي: ليس الأمر على ما يُؤَمِّلُ، أي: لا يكون ذلك]. * * - ثم قال: ﴿إِنَّهُ كان لآيَاتِنَا عَنِيداً﴾. أي: إنه كان لرد حجتنا وآياتنا معانداً، مجانباً. يقال: عَنُدَ البَعيرُ [يَعْنِدُ عُنُوداً]، [وبَعِيرٌ عَنُودُ]: إذَا مشى مجانباً للإبل لا يمشي معها. قال ابن عباس: ﴿عَنِيداً﴾ "جحوداً". وهو قول قتادة. وقال مجاهد: "معانداً للحق، مجانباً له". وقال سفيان: ﴿عَنِيداً﴾ "مشاقاً لنا". * * - ثم قال: ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً﴾. أي: سأكلفه مشقة من العذاب لا راحة منها. وقيل: الصعود جبل من نار (يكلفون) أن يصعدوه، فإذا وضع يده عليه ذابت، فإذا رفعها عادت، وإذا وضع رجله كذلك. وروى أبو سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: "الصُّعُودُ جَبَلٌ مِنْ نَارٍ يَصْعَدُ فِيهِ سَبْعينَ خَرِيفاً ثُمَّ يَهْوِي كَذلِكَ أَبَدَاً قال مجاهد: ﴿صَعُوداً﴾: "عذاباً لا راحة منه". وقال قتادة: "مشقة من العذاب". * * - ثم قال: ﴿إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ * [فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ]﴾. أي: فكر فيما أنزل الله على نبيه من القرآن، وَقَدَّرَ فيما يقول فيه، فَلُعِنَ كيف قدَّر ما هو قائل، ثم لعن كيف قَدَّرَ القولَ فيه. ﴿ثُمَّ نَظَرَ﴾. أي: ثم تَأَنّى في ذلك. * * ﴿ثُمَّ عَبَسَ﴾ أي: قبض ما بين عينيه. * * ﴿وَبَسَرَ﴾. أي: كلح وكَرَّهَ وجهه. قال عكرمة: جَاءَ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ إلى النبي ﷺ فَقَرَأَ عليه النبي القرآنَ، فكأنه رَقَّ لَهُ، فبلغَ ذلك أبا جهل. فأتاه فقال: أيْ عَمِّ، إِنَّ قومَكَ يُريدون أن يَجْمَعُوا لَكَ مَالاً. قَالَ: لِمَ؟ قَالَ: يُعْطُونَكَ! فإنك أتيت محمداً تَتَعَرَّضُ لِمَا قِبَلَهُ. قال: قد علمت قريش أني أكثرها مالاً! قال: فقل فيه قولاً يَعْلَمُ قومُكَ أَنَّكَ مُنْكِرٌ" [لِمَا قَالَ]، وَأَنَّكَ كارِهٌ له، قال: فماذا أقول فيه؟ فوَالله مَا مِنْكُمْ رَجُلٌ أَعْلَمُ مِنِّي بِالأَشْعَارِ ولاَ أَعْلَمُ بِرَجَزِهِ وَلاَ بِقَصدِهِ، وَلاَ بِأَشْعَارِ الجِنِّ، وَ (اللهِ) لاَ يُشْبِهُ الذِي يَقُولُ شَيْئاً مِنْ هَذَا، وَاللهِ إِنَّ لِقَوْلِهِ الذِي يَقُولُ لَحَلاَوَةً! وَإِنهُ لَيَحْطِمُ مَا تَحْتَهُ! وَإِنَّهُ لَيَعْلُو وَمَا يُعْلَى! قَالَ أَبُو جَهْلٍ: وَاللهِ لاَ يَرْضَى قَوْمُكَ حَتَّى تَقُولَ فِيهِ. قَالَ: فَدَعْنِي حَتَّى أُفَكِّرَ فِيهِ. (فَلَمَّا فَكَّرَ فِيهِ) قَالَ: هَذَا سِحْرٌ يَأْثُرُهُ [عن] غيره، فنزلت ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً﴾ قال ابن عباس: دَخَلَ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ عَلَى أَبِي بَكْرٍ يَسُأَلُهُ عَنِ القُرآن، فَلَمَّا أَخْبَرَهُ خَرَجَ عَلَى قُرَيْشٍ فَقَالَ: يَا عَحَبَاً لِمَا يقول ابْنُ أَبِي كَبْشَةَ! فَوَاللهِ، ما هُوَ بِشِعْرٍ وَلاَ بِسِحْرٍ وَلاَ [بِهَذْيٍ] مِنْ جُنُونٍ، وَإِنهُ لَمِنْ كَلاَمِ اللهِ - جَلَّ وَعَز - فَلَمَّا سَمِعَ بِذلِكَ النَّفَرُ (مِنْ قُرَيْشٍ) [ائْتَمَرُوا] بَيْنَهُمْ، وَقَالُوا: وَاللهِ لَئِنْ صَبَأَ الوَلِيْدُ لَتَصْبُؤَنَّ قُرَيْشٌ، فَلَمَّا سَمِعَ بِذلِكَ أَبُو جَهْلٍ بْنُ هِشَامٍ قَالَ: أَنَا وَالله أَكْفِيكُمْ شَأْنَهُ. فَانْطَلَقَ حَتَى دَخَلَ عَلَيْهِ بَيْتَهُ، فَقَالَ: [أَلَمْ تَرَ] قَوْمَكَ قَدْ جَمَعُوا لَكَ الصَّدَقَةَ؟! قَالَ: أَلَسْتُ أَكْثَرَهُمْ مَالاً وَوَلَداً؟! فَقَالَ لَهُ أَبُو جَهْلٍ: يَتَحَدَّثُونَ أَنَّكَ تَدْخُلُ عَلَى ابْنِ أَبِي قُحَافَةَ لِتُصِيبَ مِنْ طَعَامِهِ! قَالَ الوَلِيدُ: [أَقَدْ] تَحَدَّثَتْ بِذَلِك عَشِيرَتِي؟! فَلاَ وَأَيْمُ جَابِرِ بْنُ قُصَيَّ، لاَ أَقْرَبُ أَبَا بَكْرٍ (وَلاَ عُمَرَ) وَلاَ ابْنَ أَبِي كَبْشَةَ، [وَمَا قَوْلُهُ إِلاَّ سِحْرٌ] يُؤْثَرُ. فَأَنْزَلَ اللهُ ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً...﴾ إلى ﴿لاَ تُبْقِي (وَلاَ) تَذَرُ﴾ قال قتادة: ذكر أنه قال: والله، لقد نظرت [فيما قال هذا الرجل]، [فإذا] هو ليس بشعر، وإن له لحَلاَوَةً، وإن عليه لَطُلاَوَةً، وإنه لَيَعْلُو وما يُعْلَى، ومَا أَشُكُّ أَنَّهُ سِحْرٌ. وقال الضحاك: دعاه النبي ﷺ إلى الإسلام، فقال: حتى أنظر! فَفَكَّرَ، ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ، ثُمَّ أَدْبَرَ واسْتَكبر، فقال: إن هذا إلا سحر يؤثر، فجعل الله له سقر. قال أبو رزين (سحر) (أي): يَأْثُرُهُ من غيره. * * - ﴿إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ قَوْلُ ٱلْبَشَرِ﴾. أي: ما هذا الذي يتلوه محمد إلا قول بني آدم وما هو بكلام الله. [فهذا أول من قال: القرآن مخلوق، قاله الوليد بن المغيرة فأدخله الله سقر. قال بعض العلماء: فكذا يُفْعَلُ بكل من قال: القرآن مخلوقٌ، قاله أحمد بن زيد]. * * - ثم قال: ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾. أي: [سأورده] سقر، وهو باب من أبواب جهنم. يروى أنه الباب السادس منها، نعوذ بالله منها. * * - ﴿وَمَآ أَدْرَاكَ مَا (سَقَرُ)﴾. أي: وأي شيء أدراك ما سقر؟، ثم بَيَّنَهُ وأَدْرَاهُ به [فقال] في صفة سقر. * * - ﴿لاَ تُبْقِي وَلاَ تَذَرُ﴾. أي: هي نارٌ لا تُبْقي من فيها حياً، ولا تَذَرُ من فيها ميتاً، لكنها تحرقهم، كلما احترقوا جُدِّدَ خَلْقُهُمْ. قال مجاهد: ﴿لاَ تُبْقِي وَلاَ تَذَرُ﴾ أي: لا تُحْيِي وَلاَ تُمِيتُ وقيل: ﴿لاَ تُبْقِي وَلاَ تَذَرُ﴾: لا تبقي الكافر حتى يصير فحمة ثم يُعاد خلقاً جديداً ثم لا تذره حتى يعود عليه العذاب بِأَشَدِّ مِمَّا كان هكذا أبداً، نعوذ بالله من ذلك. * * - ثم قال تعالى: ﴿لَوَّاحَةٌ لِّلْبَشَرِ﴾. أي: مغيرة لبشرة من فيها. قال مجاهد: ﴿لَوَّاحَةٌ لِّلْبَشَرِ﴾، أي: مُغَيِّرَةٌ للجلد. وقال قتادة: "خَرَّاقَةٌ للجلد". وقيل: معناه: تَلُوحُ لأَهْلِها من مسيرة خمسمائة عام. وعلى القول الأول أكثر الناس أنها تُغَيِّرُ البَشَرَةَ. قال [أبو رزين]: تلفح الجلد لفحة تَدَعُهُ أَشَدَّ سواداً من الليل. وقال ابن عباس: "تحرق بَشَرَةَ الإنسان". * * - ثم قال: ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾. أي: من الخزنة. ذكر ابن عباس أَنَّ هَذَا لما نَزَلَ عَلَى النبي ﷺ، قَالَ أَبُو جَهْلٍ لِقُرَيْشٍ: ثَكِلَتْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ! أَسْمَعُ ابْنَ أَبِي كَبْشَةَ يُخْبِرُكُمْ أَنَّ خَزَنَةَ النَّارِ تِسْعَةَ عَشَرَ. وَأَنْتُمْ [الدَّهْمُ] أَفَتَعْجَزُ كُلُّ عَشَرَةٍ مِنْكُمْ أَنْ تَبْطِشَ بِرَجُلٍ مِنْ [خَزَنَةِ] جَهَنَّمَ؟! فَأَوْحَى اللهُ إلى نَبِيِّهِ أَنْ يَأْتِيَ أَبَا جَهْلٍ فَيَأْخُذَ بِيَدِهِ فِي بَطْحَاءِ مَكَّةَ فَيقُولَ ﴿أَوْلَىٰ لَكَ فَأَوْلَىٰ * ثُمَّ أَوْلَىٰ لَكَ فَأَوْلَىٰ﴾ [القيامة: ٣٤-٣٥]. فَلَمَّا فَعَلَ بِهِ ذَلكَ رَسُولُ اللهِ قَالَ لَهُ أَبُو جَهْلٍ: وَاللهِ، لاَ تَفْعَلُ أَنْتَ وَرَبُّكَ شَيْئا. فَأَخْزَاهُ - جَلَّ ذِكْرُهُ - يَوْمَ بَدْرٍ فَقُتِلَ. قال كعب الأحبار: ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾: ما منهم ملك إلا ومعه عمود ذو شعبتين يدفع به الدفعة فيلقي في النار تسعين ألفاً. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَآ أَصْحَٰبَ ٱلنَّارِ إِلاَّ مَلَٰئِكَةً﴾ أي: لم نجعل أصحاب النار رجالاً مثلكم فتطمعوا بالتغلب عليهم كما قال أبو جهل لقريش: أفلا يستطيع كل عشرة منكم أن يغلبوا منهم واحداً؟!. فإذا كانت الخزنة ملائكة، فمن ذا يطيق الملائكة؟!. * * - ثم قال: ﴿وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلاَّ فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾. أي: لم نجعلهم تسعة عشر فقط لقلة الملائكة؛ ولكن جعلناهم كذلك ليفتتن الذين كفروا ويستقلوا عدتهم ويُحدثوا أنفسهم بالتغلب على الخزنة حتى قال [أبو الأشد الجمحي]: أنا [أُجْهِضُهُمْ] [عن] النار. وقيل: إن كَلَدَةَ بن أسيد بن خلف قال: أنا أكفيكم سبعة عشر، واكفوني اثنين. * * - ثم قال تعالى: ﴿لِيَسْتَيْقِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَٰبَ﴾. أي: فعلنا ذلك ليفتتن الذين كفروا [وليتيقن] الذين أُوتوا التوراة والإنجيل حقيقة ما في كتبهم من الخبر عن عدة خزنة جهنم، لأنه كذلك عدتهم في التوراة (والإنجيل). هذا معنى قول ابن عباس وغيره. وهو قول مجاهد. قال قتادة: يُصَدِّقُ القرآنُ الكُتُبَ التي كانت قبله، فيها كُلِّها خَزَنَةُ النَّارِ تِسْعَةَ عَشَرَ. وهو قول الضحاك. وقال ابن زيد: ﴿لِيَسْتَيْقِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَٰبَ...﴾ "أنك رسول الله". * * ثم قال تعالى: ﴿وَيَزْدَادَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوۤاْ إِيمَٰناً﴾ أي: تصديقاً إلى تصديقهم بعدة خزنة جهنم. * * - ثم قال: ﴿وَلاَ يَرْتَابَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَٰبَ وَٱلْمُؤْمِنُونَ﴾ أي: ولا يشك أهل الكتاب [و] المؤمنون في حقيقة ذلك. * * - ثم قال: ﴿وَلِيَقُولَ ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ﴾ أي: نفاق. * * ﴿وَٱلْكَٰفِرُونَ﴾ يعني: مشركي قريش. * * - ﴿مَاذَآ أَرَادَ ٱللَّهُ بِهَـٰذَا مَثَلاً﴾. أي: ماذا أراد الله بهذا حين يخوفنا بهؤلاء التسعة عشر. - قال الله: ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ ٱللَّهُ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ﴾. أي: كما أضل هؤلاء المنافقين والمشركين القائلين: أي شيء أراد الله بهذا مثلاً؟! كذلك يضل الله من يشاء] من خلقه فَيَخْذُلُهُ عن إصابة الحق، ويهدي من يشاء فيوفقه للحق. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ﴾ أي: لا يعلم (مقدار) كثرة جنود ربك يا محمد إلا رَبُّكَ. روي عن النبي ﷺ أنه قال: "إِنَّ لله مَلاَئِكَةٌ تَرْعَدُ فَرَائِصَهُمْ مَخَافَةً مِنْهُ، وَإِنَّ مِنْهُمْ مَنْ لاَ تَقْطُرُ مِنْ عَيْنَيْهِ دَمْعَةً إِلاَّ وَقَعَتْ مَلَكاً يُسَبِّحُ، وَمَلاَئِكَةٌ سُجُودٌ مِنْذُ خَلَقَ اللهُ السَّمَواتِ لَمْ يَرْفَعُوا رُؤوسَهِمْ وَلاَ يَرْفَعُونَهَا إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ، وَمِنْهُمْ [مَلاَئِكَةٌ] وُقُوفٌ لم يَنْصَرِفُوا وَلاَ يَنْصَرِفُونَ إلى يوم القيامة. فإذا كان يوم القيامة، تَجَلَّى لَهُمْ رَبُّهُمْ - جَلَّ ذِكْرُهُ - فَقَالوا: سُبْحَانَكَ! مَا عَبَدْنَاكَ حَقَّ عِبَادَتِكَ! وقال كعب: إن لله عز وجل ملائكة من يوم خلقهم قياماً، [ما] ثنوا أصلابهم، وآخرين ركوعاً ما رفعوا أصلابهم، وآخرين [سجوداً] ما رفعوا رؤوسهم حتى يُنْفَخَ في الصور النفخةَ الآخرة فيقولون جميعاً: سبحانك! ما عبدناك كما ينبغي أن تُعْبَدَ. ثم قال كعب: والله، لو أن رجلاً عَمِلَ عَمَلَ سبعين نبيّاً، [لاسْتَقَلَ] عمله يوم القيامة من شدة ما يرى يومئذ. والله، لو دلي من [غسلين] دلو واحد من مطلع الشمس، لغلت منه جماجم قوم في مغربها. والله، [لَتَزْفَرَنَّ] جهنم زَفْرَةً لا يبقى ملك مقرب إلا خَرَّ جَاثِياً عَلَى رُكْبَتَيهِ. وروى ابن المبارك حديثاً - رفعه - أن ملكاً سجد لما استوى الرب [تعالى] على عرشه، فلم يرفع رأسه [و] لا يرفعه إلى يوم القيامة، فيقول يوم القيامة: لم أعبدك حق عبادتك، إلا أني لم أشرك بك شيئاً، ولم أتخذ من دونك ولياً. وقد وصفهم الله في كتابه فقال: ﴿يُسَبِّحُونَ ٱلَّيلَ وَٱلنَّهَارَ لاَ يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٠]. قال كعب: التسبيح للملائكة بمنزلة النَّفَسِ لبَنِي آدم، أُلْهِمُوا التسبيح كما ألهمتم الطَّرْفَ والنَّفَسَ. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَمَا هِيَ إِلاَّ ذِكْرَىٰ لِلْبَشَرِ﴾. يعني النار التي وصفها. يقول: ليس ما وصفتها به من تغييرها للبشر وعدة خزنتها إلا عظةً وعبرة للناس يتعظون بها. * * - ثم قال: ﴿كَلاَّ وَٱلْقَمَرِ﴾. أجاز الطبري الوقف على "كَلاَّ"، [جعله] رَدَّاً لِمَا قبلها. والمعنى عنده: ليس القول كما يقول من زعم أنه يكفي أصحابه المشركين خزنة جهنم التسعة عشر حتى يجهضهم عنها. وقال الفراء: تقديره: "إي والقمر، وقيل: تقديره: "حقاً" (وقيل): "أَلاَ". * * - ﴿وَٱلْقَمَرِ..﴾. أي: ورب القمر ورب الليل إذا أدبر، أي: ولى. * * - ﴿وَٱلصُّبْحِ إِذَآ أَسْفَرَ﴾. أي: أضاءَ وأقبل. يقال: أسفر الصبح إذا أضاء وانكشف. ومنه: سفرت المرأة عن وجهها إذا كشفته. ومنه قيل: "سفر" للكتاب الذي فيه العلم، لأنه يبين ويكشف. ومنه سفرت الريح الغمام: كشفته. ومنه: سفرت البيت: أي كنسته، ومنه قيل: "سفير" للذي يسعى في الصلح، لأنه يكشف المكروه ويزيله. وحكى بعض البصريين: دبرني إذا جاء خلفي. وأدبر إذا ولى. واختار [أبو عبيد] [إِذَا اَدْبَرَ]، لأن بعده: ﴿إِذَآ أَسْفَرَ﴾. وحكي: دبر وأدبر: لغتان بمعنى، يقال: دبر النهار وأدبر. ودبر الصيف وأدبر، وكذلك قبل وأقبل. فإذا قالوا: أقبل الراكب و "أدبر" لم يُقَلْ إلا بالألف. وقيل: معنى ﴿إِذْ أَدْبَرَ﴾ أي: إذ أدبر النهار، وكان في آخره. وسأل رجل ابن عباس عن قوله: ﴿وَٱللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ﴾ فقال: امكث، فلما سمع الأذان [الأول] قال: هذا حين دبر الليل. * * - ثم قال: ﴿إِنَّهَا لإِحْدَى ٱلْكُبَرِ﴾. يعني جهنم، أي: هي إحدى الأمور العظام. و (إحدى): فُعْلَى، نَعْتٌ، وهو قليل، إنما تأتي هذه النعوت غير المصادر بضم الأول أو بفتحه. * * - ثم قال: ﴿نَذِيراً لِّلْبَشَرِ﴾. قال أبو رزين: يقول الله جل ذكره: أنا نذير للبشر. وقال [ابن زيد]: معناه: محمد نذير للبشر. ونصبها على الحال من المضمر في "إنها" [أَوْ مِنْ] "إِحْدَى". وهذان القولان يدلان على أن النار هي النذير، وهو قول الحسن. ويجوز أن تكون حالاً من "هو" في قوله: ﴿إِلاَّ هُوَ﴾، أو على إضمار فعل تقديره: صَيَّرَهَا ﴿نَذِيراً﴾، وهذا على قول أبي رزين. وقال الكسائي: هي حال من المضمر في ﴿قُمْ﴾ أي: قم نذيراً، من أول السورة. وهو يرجع إلى قول ابن زيد. وقيل: ﴿نَذِيراً﴾ بمعنى إنذار، فنصبه على المصدر. (وقيل: نصبه على المصدر) [وقيل: نصبه على أعني]. ومن جعله للنار حذف [الياء] من "نذير" لأنه بمعنى النسب.

المدثر 74:2

قوله تعالى: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنذِرْ﴾ إلى قوله: ﴿نَذِيراً لِّلْبَشَرِ﴾. أي: يا أيها المدثر بثيابه عند نومه. وروي أن النبي ﷺ [قيل له ذلك] وهو متدثر بقطيفة. ذكره النخعي. وروي أن هذا أول ما نزل على النبي ﷺ. رواه جابر بن عبد الله قال: حَدَّثَنِي النَّبِيُّ ﷺ، قَالَ: جَاوَرْتُ فِي حِرَاءَ، فَلَمَّا قَضَيْتُ [جِوَارِي] هَبَطْتُ فَاسْتَبْطَنْتُ [الوَادِيَ]، فَنُودِيتُ فَنَظَرْتُ عَنْ يَمِينِي وَعَنْ شِمَالِي وَخَلْفِي (وَقُدَّامِي) فَلَمْ أَرَ شَيْئاً، فَنَظَرْتُ فَوْقَ رَأْسِي فَإِذَا هُوَ - يَعْنِي المَلَكَ - جَالِسٌ عَلَى عَرْشٍ بَيْنَ السَّمَاءِ والأَرْضِ [فَجُثِثْتُ] مِنْهُ. فَأَتَيْتُ خَدِيجَةَ فَقُلْتُ: دَثِّرُونِي، (دَثِّرُونِي)، وَصُبُّوا عَلَيَّ مَاءً. وَأُنْزِلَ عَلَيَّ ﴿يٰأَيُّهَا ٱلْمُدَّثِّرُ﴾ وقال الزهري: كان أول شيء أنزل عليه: ﴿ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق: ١] حتى بلغ ﴿(عَلَّمَ ٱلإِنسَانَ) مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: ٥]. قال ابن عباس: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلْمُدَّثِّرُ﴾: "يأ أيها النائم". وقال قتادة: المدثر في ثيابه. وقال عكرمة: معناه: "دُثرت هذا الأَمر فقم به"، يعني النبوة. * * - وقوله: ﴿قُمْ فَأَنذِرْ﴾. أي: قم من نومك فأنذر قومك عذاب الله على شركهم بالله. * * - ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾. أي: فعظم. * * - ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾. أي: لا تلبسها على معصية ولا [غدرة]. قاله ابن عباس. وعنه أيضاً: فطَهِّرْها من الإثم. وقال النخعي: فطهرها من الذنوب. والعرب تقول لرجل إذا نكث ولم يف بعهده: إنه لدنس الثياب، وإذا أوفى بعهده وأصلح: إنه لمُطَهَّر الثياب. وقال الضحاك: معناه: "لا تلبس ثيابك على معصية". وقال ابن زيد: معناه: "وعملك فأصلحه"، قال: والعرب تقول للرجل الخبيث العمل: فلان خبيث الثياب. وإذا كان حسن العمل (قالوا: فلان طاهر الثياب. وعن ابن عباس أيضاً أن معناه: "لا تلبس ثيابك) من [مكسب] غير طيب. وعن مجاهد أن معناه: "لست بكاهن ولا ساحر، فأَعْرِض عما قالوا". (وقال) ابن سيرين: معناه: اغسل ثيابك من النجاسة. وهو قول ابن زيد، وبهذا احتج الشافعي في وجوب طهارة الثوب (وأنه فرض. ومذهب مالك أن طهارة الثوب ليس بفرض، وهو قول أهل المدينة وإنما طهارة الثوب) سنة. ولذلك، من صلى بثوب نجس ولا يعلم أعاد في الوقت. ولو كانت طهارة الثوب فرضاً لأعاد أبداً. وكذلك البدن تقع فيه النجاسة ليست طهارته فرضاً. يدل على ذلك إجماع المسلمين على أن صلاة من استجمر بالحجارة من الغائط جائزة، مع أن موضع خروج الأذى لم يغسل بالماء. * * - ثم قال ﴿وَٱلرُّجْزَ [فَٱهْجُرْ]﴾. أي: والأَوْثَانَ فاهجر عبادتها. والضم والكسر في الراء لغتان عند الفراء. وقيل: الكسر معناه العَذاب. فتكون الأوثان سميت بالعذاب. لأنها سببه. والضم معناه الأوثان. وأول من فرق بينهما الكسائي. وأكثر الناس على أنه لا فرق بينهما وأنه يراد به الأوثان، [ضَمَمْتَ] الراءَ أو كَسَرْتَهَا. قال ابن عباس: الرجز: "السخط، وهو الأصنام". وقال مجاهد وعكرمة: الرجز: "الأوثان. وقاله الزهري. وقال قتادة: "الرجز: صنمان كانا عند البيت: [إساف ونائلة]، يَمْسَحُ وُجُوهَهُمَا من أتى عليهما، فأمر الله نبيه أن [يجتنبهما] ويعتزلهما". قال ابن زيد: "الرجز آلهتهم التي كانوا يعبدون، (أمره الله) أن يهجرها [فلا يأتيها ولا يقربها]". وقال النَّخعي: المعنى: والمعصية [فاهجر]. * * - ثم قال تعالى ﴿وَلاَ تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ﴾. قال ابن عباس: معناه: ولا تعط يا محمد عطية لتعطى أكثر منها. وهو (معنى) قول أكثر [المفسرين]. وهذا خصوص للنبي ﷺ، وهو مباح لأمته إلا أنه لا أجر [لهم] في ذلك. وهو قوله تعالى: ﴿وَمَآ آتَيْتُمْ مِّن رِّباً لِّيَرْبُوَاْ فِي أَمْوَالِ ٱلنَّاسِ فَلاَ يَرْبُواْ عِندَ ٱللَّهِ﴾ [الروم: ٣٩] وقد قال الضحاك: هو الربا (في) الحلال [قال]: وهما ربوان: حرام وحلال. فأما الحلال فالهدايا. وأما الحرام فالربا بعينه. وقال الحسن: معناه: لا تستكثر عملك الصالح. وهو اختيار الطبري. وقال الربيع بن أنس: معناه: "لاَ يَكْثُرَنْ عملُك في عينك، فإنه فيما أنعم الله [عليك] وأعطاك قليل". وعن مجاهد أن معناه: لا تضعف أن تستكثر من الخير من قولهم: "حبل منين" إذا كان ضعيفاً. وفي قراءة ابن مسعود: "وَلاَ تَمْنُنْ أَنْ تَسْتَكْثِرَ". قال الكسائي: فإذا حذف "أن" رفع، وهو حال (عند) البصريين. وقال ابن زيد: معناه: لا تمنن بالقرآن والنبوة فتستكثرهم به، تأخذ على ذلك عوضاً من الدنيا. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَلِرَبِّكَ فَٱصْبِرْ﴾. أي: اصبر على ما تَلْقَى من قومك لربك [واحتمل] أذاهم. وقال ابن زيد: معناه، اصبر على محاربة العرب والعجم، قال: "حُمِّلَ أمراً عظيماً، مُحَارَبَةَ العرب ثم العجم من بعد العرب في الله". وقال النخعي: معناه: ولربك فاصبر على عطيتك، ولا تعطها لتأخذ أكثر منها، بل احتسبها الله. * * - ثم قال تعالى: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي ٱلنَّاقُورِ * فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾. يقال: [عَسُرَ] الأمرُ إذا صَعُبَ فهو عَسِيرٌ، [وعَسِرَ] فهو عَسِرٌِ. والمعنى: فإذا نفخ في الصور فذلك [يوم] شديد صعب غير سهل على الكافرين. روى ابن عباس أنَّ النبي ﷺ قَالَ: "كَيْفَ أَنْعَمُ وَصَاحِبُ القَرْنِ قَدِ التَقَمَ القَرْنُ [وَحَنَى] جَبْهَتَهُ لِيَسْتَمِعَ مَتَى يُؤْمَرُ، يَنْفُخُ فِيهِ. قَالَ: فَاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلى أَصْحَابِهِ فَأَمَرَهُمْ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَقُولُوا ﴿حَسْبُنَا ٱللَّهُ وَنِعْمَ ٱلْوَكِيلُ﴾ ﴿عَلَى ٱللَّهِ تَوَكَّلْنَا﴾ قال عكرمة: الناقور: الصور. قال مجاهد: (هو) شَيْءٌ كَهَيْئَةِ [البُوقِ]. * * - ثم قال: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً﴾. أي: كِلْ - يا محمد - أَمْرَ هذا الذي خلقته في بطن أمه وحيداً لا شيء له من مال ولا ولد، يعني بذلك الوليد بن المغيرة المخزومي. قال ابن عباس: "أَنْزَلَ اللهُ فِي الوَليدِ بِنْ المُغِيرَةِ ﴿ذَرْنِي﴾ ﴿وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً﴾. [وقوله: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ...﴾ [الحجر: ٩٢] إلى آخرها". وقيل: معناه: دعني يا محمد ومجازاة من خلقته وحده، فيكون "وحيداً"] على القول الأول حالاً من الهاء المحذوفة في "خلقته". وعلى (هذا) القول الآخر حالاً من التاء في "خلقته". وفي هذا الكلام تهدد عظيم ووعيد. والعرب تقول: ذرني وزيداً، أي: كِلْ عقوبته ومُطالَبَتَهُ إلي. فالمعنى: كِلْ - يا محمد - عقوبة هؤلاء إلي، فلست أحتاج [في ذلك] إلى معين ولا ظهير. ويُرْوى أنه كان يقول: أنا الواحد بن الوحيد، ليس لي من العرب نظير ولا لأبي المغيرة نظير. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَجَعَلْتُ لَهُ مَالاً مَّمْدُوداً﴾. قال مجاهد وابن جبير: هو ألف دينار. وقال سفيان: (بلغني) أنه أربعة آلاف دينار. وقيل: هو الأرض يزرع فيها. قاله النعمان بن سالم. وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: هو غَلَّةٌ شهر [بشهر]. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَبَنِينَ شُهُوداً﴾. أي: وجعلت له بنين شهوداً، أي: [حضوراً]. روي أنه كان له عشرة من الولد. وقد قاله مجاهد وغيره. وروي أنه ما زاد بعد نزول هذه الآية إلا [ارتكاساً] في ماله وولده ونفسه. * * - ثم قال: ﴿وَمَهَّدتُّ لَهُ تَمْهِيداً﴾. أي: بسطت له في العيش بسطاً. قاله سفيان. وقال مجاهد: "من المال والولد". * * - ثم قال: ﴿ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ * كَلاَّ﴾ ثم يَأْمَلُ أن أزيده من المال والولد على ما أعطيته ﴿كَلاَّ﴾: أي: ليس الأمر على ما يُؤَمِّلُ، أي: لا يكون ذلك]. * * - ثم قال: ﴿إِنَّهُ كان لآيَاتِنَا عَنِيداً﴾. أي: إنه كان لرد حجتنا وآياتنا معانداً، مجانباً. يقال: عَنُدَ البَعيرُ [يَعْنِدُ عُنُوداً]، [وبَعِيرٌ عَنُودُ]: إذَا مشى مجانباً للإبل لا يمشي معها. قال ابن عباس: ﴿عَنِيداً﴾ "جحوداً". وهو قول قتادة. وقال مجاهد: "معانداً للحق، مجانباً له". وقال سفيان: ﴿عَنِيداً﴾ "مشاقاً لنا". * * - ثم قال: ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً﴾. أي: سأكلفه مشقة من العذاب لا راحة منها. وقيل: الصعود جبل من نار (يكلفون) أن يصعدوه، فإذا وضع يده عليه ذابت، فإذا رفعها عادت، وإذا وضع رجله كذلك. وروى أبو سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: "الصُّعُودُ جَبَلٌ مِنْ نَارٍ يَصْعَدُ فِيهِ سَبْعينَ خَرِيفاً ثُمَّ يَهْوِي كَذلِكَ أَبَدَاً قال مجاهد: ﴿صَعُوداً﴾: "عذاباً لا راحة منه". وقال قتادة: "مشقة من العذاب". * * - ثم قال: ﴿إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ * [فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ]﴾. أي: فكر فيما أنزل الله على نبيه من القرآن، وَقَدَّرَ فيما يقول فيه، فَلُعِنَ كيف قدَّر ما هو قائل، ثم لعن كيف قَدَّرَ القولَ فيه. ﴿ثُمَّ نَظَرَ﴾. أي: ثم تَأَنّى في ذلك. * * ﴿ثُمَّ عَبَسَ﴾ أي: قبض ما بين عينيه. * * ﴿وَبَسَرَ﴾. أي: كلح وكَرَّهَ وجهه. قال عكرمة: جَاءَ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ إلى النبي ﷺ فَقَرَأَ عليه النبي القرآنَ، فكأنه رَقَّ لَهُ، فبلغَ ذلك أبا جهل. فأتاه فقال: أيْ عَمِّ، إِنَّ قومَكَ يُريدون أن يَجْمَعُوا لَكَ مَالاً. قَالَ: لِمَ؟ قَالَ: يُعْطُونَكَ! فإنك أتيت محمداً تَتَعَرَّضُ لِمَا قِبَلَهُ. قال: قد علمت قريش أني أكثرها مالاً! قال: فقل فيه قولاً يَعْلَمُ قومُكَ أَنَّكَ مُنْكِرٌ" [لِمَا قَالَ]، وَأَنَّكَ كارِهٌ له، قال: فماذا أقول فيه؟ فوَالله مَا مِنْكُمْ رَجُلٌ أَعْلَمُ مِنِّي بِالأَشْعَارِ ولاَ أَعْلَمُ بِرَجَزِهِ وَلاَ بِقَصدِهِ، وَلاَ بِأَشْعَارِ الجِنِّ، وَ (اللهِ) لاَ يُشْبِهُ الذِي يَقُولُ شَيْئاً مِنْ هَذَا، وَاللهِ إِنَّ لِقَوْلِهِ الذِي يَقُولُ لَحَلاَوَةً! وَإِنهُ لَيَحْطِمُ مَا تَحْتَهُ! وَإِنَّهُ لَيَعْلُو وَمَا يُعْلَى! قَالَ أَبُو جَهْلٍ: وَاللهِ لاَ يَرْضَى قَوْمُكَ حَتَّى تَقُولَ فِيهِ. قَالَ: فَدَعْنِي حَتَّى أُفَكِّرَ فِيهِ. (فَلَمَّا فَكَّرَ فِيهِ) قَالَ: هَذَا سِحْرٌ يَأْثُرُهُ [عن] غيره، فنزلت ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً﴾ قال ابن عباس: دَخَلَ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ عَلَى أَبِي بَكْرٍ يَسُأَلُهُ عَنِ القُرآن، فَلَمَّا أَخْبَرَهُ خَرَجَ عَلَى قُرَيْشٍ فَقَالَ: يَا عَحَبَاً لِمَا يقول ابْنُ أَبِي كَبْشَةَ! فَوَاللهِ، ما هُوَ بِشِعْرٍ وَلاَ بِسِحْرٍ وَلاَ [بِهَذْيٍ] مِنْ جُنُونٍ، وَإِنهُ لَمِنْ كَلاَمِ اللهِ - جَلَّ وَعَز - فَلَمَّا سَمِعَ بِذلِكَ النَّفَرُ (مِنْ قُرَيْشٍ) [ائْتَمَرُوا] بَيْنَهُمْ، وَقَالُوا: وَاللهِ لَئِنْ صَبَأَ الوَلِيْدُ لَتَصْبُؤَنَّ قُرَيْشٌ، فَلَمَّا سَمِعَ بِذلِكَ أَبُو جَهْلٍ بْنُ هِشَامٍ قَالَ: أَنَا وَالله أَكْفِيكُمْ شَأْنَهُ. فَانْطَلَقَ حَتَى دَخَلَ عَلَيْهِ بَيْتَهُ، فَقَالَ: [أَلَمْ تَرَ] قَوْمَكَ قَدْ جَمَعُوا لَكَ الصَّدَقَةَ؟! قَالَ: أَلَسْتُ أَكْثَرَهُمْ مَالاً وَوَلَداً؟! فَقَالَ لَهُ أَبُو جَهْلٍ: يَتَحَدَّثُونَ أَنَّكَ تَدْخُلُ عَلَى ابْنِ أَبِي قُحَافَةَ لِتُصِيبَ مِنْ طَعَامِهِ! قَالَ الوَلِيدُ: [أَقَدْ] تَحَدَّثَتْ بِذَلِك عَشِيرَتِي؟! فَلاَ وَأَيْمُ جَابِرِ بْنُ قُصَيَّ، لاَ أَقْرَبُ أَبَا بَكْرٍ (وَلاَ عُمَرَ) وَلاَ ابْنَ أَبِي كَبْشَةَ، [وَمَا قَوْلُهُ إِلاَّ سِحْرٌ] يُؤْثَرُ. فَأَنْزَلَ اللهُ ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً...﴾ إلى ﴿لاَ تُبْقِي (وَلاَ) تَذَرُ﴾ قال قتادة: ذكر أنه قال: والله، لقد نظرت [فيما قال هذا الرجل]، [فإذا] هو ليس بشعر، وإن له لحَلاَوَةً، وإن عليه لَطُلاَوَةً، وإنه لَيَعْلُو وما يُعْلَى، ومَا أَشُكُّ أَنَّهُ سِحْرٌ. وقال الضحاك: دعاه النبي ﷺ إلى الإسلام، فقال: حتى أنظر! فَفَكَّرَ، ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ، ثُمَّ أَدْبَرَ واسْتَكبر، فقال: إن هذا إلا سحر يؤثر، فجعل الله له سقر. قال أبو رزين (سحر) (أي): يَأْثُرُهُ من غيره. * * - ﴿إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ قَوْلُ ٱلْبَشَرِ﴾. أي: ما هذا الذي يتلوه محمد إلا قول بني آدم وما هو بكلام الله. [فهذا أول من قال: القرآن مخلوق، قاله الوليد بن المغيرة فأدخله الله سقر. قال بعض العلماء: فكذا يُفْعَلُ بكل من قال: القرآن مخلوقٌ، قاله أحمد بن زيد]. * * - ثم قال: ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾. أي: [سأورده] سقر، وهو باب من أبواب جهنم. يروى أنه الباب السادس منها، نعوذ بالله منها. * * - ﴿وَمَآ أَدْرَاكَ مَا (سَقَرُ)﴾. أي: وأي شيء أدراك ما سقر؟، ثم بَيَّنَهُ وأَدْرَاهُ به [فقال] في صفة سقر. * * - ﴿لاَ تُبْقِي وَلاَ تَذَرُ﴾. أي: هي نارٌ لا تُبْقي من فيها حياً، ولا تَذَرُ من فيها ميتاً، لكنها تحرقهم، كلما احترقوا جُدِّدَ خَلْقُهُمْ. قال مجاهد: ﴿لاَ تُبْقِي وَلاَ تَذَرُ﴾ أي: لا تُحْيِي وَلاَ تُمِيتُ وقيل: ﴿لاَ تُبْقِي وَلاَ تَذَرُ﴾: لا تبقي الكافر حتى يصير فحمة ثم يُعاد خلقاً جديداً ثم لا تذره حتى يعود عليه العذاب بِأَشَدِّ مِمَّا كان هكذا أبداً، نعوذ بالله من ذلك. * * - ثم قال تعالى: ﴿لَوَّاحَةٌ لِّلْبَشَرِ﴾. أي: مغيرة لبشرة من فيها. قال مجاهد: ﴿لَوَّاحَةٌ لِّلْبَشَرِ﴾، أي: مُغَيِّرَةٌ للجلد. وقال قتادة: "خَرَّاقَةٌ للجلد". وقيل: معناه: تَلُوحُ لأَهْلِها من مسيرة خمسمائة عام. وعلى القول الأول أكثر الناس أنها تُغَيِّرُ البَشَرَةَ. قال [أبو رزين]: تلفح الجلد لفحة تَدَعُهُ أَشَدَّ سواداً من الليل. وقال ابن عباس: "تحرق بَشَرَةَ الإنسان". * * - ثم قال: ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾. أي: من الخزنة. ذكر ابن عباس أَنَّ هَذَا لما نَزَلَ عَلَى النبي ﷺ، قَالَ أَبُو جَهْلٍ لِقُرَيْشٍ: ثَكِلَتْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ! أَسْمَعُ ابْنَ أَبِي كَبْشَةَ يُخْبِرُكُمْ أَنَّ خَزَنَةَ النَّارِ تِسْعَةَ عَشَرَ. وَأَنْتُمْ [الدَّهْمُ] أَفَتَعْجَزُ كُلُّ عَشَرَةٍ مِنْكُمْ أَنْ تَبْطِشَ بِرَجُلٍ مِنْ [خَزَنَةِ] جَهَنَّمَ؟! فَأَوْحَى اللهُ إلى نَبِيِّهِ أَنْ يَأْتِيَ أَبَا جَهْلٍ فَيَأْخُذَ بِيَدِهِ فِي بَطْحَاءِ مَكَّةَ فَيقُولَ ﴿أَوْلَىٰ لَكَ فَأَوْلَىٰ * ثُمَّ أَوْلَىٰ لَكَ فَأَوْلَىٰ﴾ [القيامة: ٣٤-٣٥]. فَلَمَّا فَعَلَ بِهِ ذَلكَ رَسُولُ اللهِ قَالَ لَهُ أَبُو جَهْلٍ: وَاللهِ، لاَ تَفْعَلُ أَنْتَ وَرَبُّكَ شَيْئا. فَأَخْزَاهُ - جَلَّ ذِكْرُهُ - يَوْمَ بَدْرٍ فَقُتِلَ. قال كعب الأحبار: ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾: ما منهم ملك إلا ومعه عمود ذو شعبتين يدفع به الدفعة فيلقي في النار تسعين ألفاً. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَآ أَصْحَٰبَ ٱلنَّارِ إِلاَّ مَلَٰئِكَةً﴾ أي: لم نجعل أصحاب النار رجالاً مثلكم فتطمعوا بالتغلب عليهم كما قال أبو جهل لقريش: أفلا يستطيع كل عشرة منكم أن يغلبوا منهم واحداً؟!. فإذا كانت الخزنة ملائكة، فمن ذا يطيق الملائكة؟!. * * - ثم قال: ﴿وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلاَّ فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾. أي: لم نجعلهم تسعة عشر فقط لقلة الملائكة؛ ولكن جعلناهم كذلك ليفتتن الذين كفروا ويستقلوا عدتهم ويُحدثوا أنفسهم بالتغلب على الخزنة حتى قال [أبو الأشد الجمحي]: أنا [أُجْهِضُهُمْ] [عن] النار. وقيل: إن كَلَدَةَ بن أسيد بن خلف قال: أنا أكفيكم سبعة عشر، واكفوني اثنين. * * - ثم قال تعالى: ﴿لِيَسْتَيْقِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَٰبَ﴾. أي: فعلنا ذلك ليفتتن الذين كفروا [وليتيقن] الذين أُوتوا التوراة والإنجيل حقيقة ما في كتبهم من الخبر عن عدة خزنة جهنم، لأنه كذلك عدتهم في التوراة (والإنجيل). هذا معنى قول ابن عباس وغيره. وهو قول مجاهد. قال قتادة: يُصَدِّقُ القرآنُ الكُتُبَ التي كانت قبله، فيها كُلِّها خَزَنَةُ النَّارِ تِسْعَةَ عَشَرَ. وهو قول الضحاك. وقال ابن زيد: ﴿لِيَسْتَيْقِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَٰبَ...﴾ "أنك رسول الله". * * ثم قال تعالى: ﴿وَيَزْدَادَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوۤاْ إِيمَٰناً﴾ أي: تصديقاً إلى تصديقهم بعدة خزنة جهنم. * * - ثم قال: ﴿وَلاَ يَرْتَابَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَٰبَ وَٱلْمُؤْمِنُونَ﴾ أي: ولا يشك أهل الكتاب [و] المؤمنون في حقيقة ذلك. * * - ثم قال: ﴿وَلِيَقُولَ ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ﴾ أي: نفاق. * * ﴿وَٱلْكَٰفِرُونَ﴾ يعني: مشركي قريش. * * - ﴿مَاذَآ أَرَادَ ٱللَّهُ بِهَـٰذَا مَثَلاً﴾. أي: ماذا أراد الله بهذا حين يخوفنا بهؤلاء التسعة عشر. - قال الله: ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ ٱللَّهُ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ﴾. أي: كما أضل هؤلاء المنافقين والمشركين القائلين: أي شيء أراد الله بهذا مثلاً؟! كذلك يضل الله من يشاء] من خلقه فَيَخْذُلُهُ عن إصابة الحق، ويهدي من يشاء فيوفقه للحق. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ﴾ أي: لا يعلم (مقدار) كثرة جنود ربك يا محمد إلا رَبُّكَ. روي عن النبي ﷺ أنه قال: "إِنَّ لله مَلاَئِكَةٌ تَرْعَدُ فَرَائِصَهُمْ مَخَافَةً مِنْهُ، وَإِنَّ مِنْهُمْ مَنْ لاَ تَقْطُرُ مِنْ عَيْنَيْهِ دَمْعَةً إِلاَّ وَقَعَتْ مَلَكاً يُسَبِّحُ، وَمَلاَئِكَةٌ سُجُودٌ مِنْذُ خَلَقَ اللهُ السَّمَواتِ لَمْ يَرْفَعُوا رُؤوسَهِمْ وَلاَ يَرْفَعُونَهَا إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ، وَمِنْهُمْ [مَلاَئِكَةٌ] وُقُوفٌ لم يَنْصَرِفُوا وَلاَ يَنْصَرِفُونَ إلى يوم القيامة. فإذا كان يوم القيامة، تَجَلَّى لَهُمْ رَبُّهُمْ - جَلَّ ذِكْرُهُ - فَقَالوا: سُبْحَانَكَ! مَا عَبَدْنَاكَ حَقَّ عِبَادَتِكَ! وقال كعب: إن لله عز وجل ملائكة من يوم خلقهم قياماً، [ما] ثنوا أصلابهم، وآخرين ركوعاً ما رفعوا أصلابهم، وآخرين [سجوداً] ما رفعوا رؤوسهم حتى يُنْفَخَ في الصور النفخةَ الآخرة فيقولون جميعاً: سبحانك! ما عبدناك كما ينبغي أن تُعْبَدَ. ثم قال كعب: والله، لو أن رجلاً عَمِلَ عَمَلَ سبعين نبيّاً، [لاسْتَقَلَ] عمله يوم القيامة من شدة ما يرى يومئذ. والله، لو دلي من [غسلين] دلو واحد من مطلع الشمس، لغلت منه جماجم قوم في مغربها. والله، [لَتَزْفَرَنَّ] جهنم زَفْرَةً لا يبقى ملك مقرب إلا خَرَّ جَاثِياً عَلَى رُكْبَتَيهِ. وروى ابن المبارك حديثاً - رفعه - أن ملكاً سجد لما استوى الرب [تعالى] على عرشه، فلم يرفع رأسه [و] لا يرفعه إلى يوم القيامة، فيقول يوم القيامة: لم أعبدك حق عبادتك، إلا أني لم أشرك بك شيئاً، ولم أتخذ من دونك ولياً. وقد وصفهم الله في كتابه فقال: ﴿يُسَبِّحُونَ ٱلَّيلَ وَٱلنَّهَارَ لاَ يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٠]. قال كعب: التسبيح للملائكة بمنزلة النَّفَسِ لبَنِي آدم، أُلْهِمُوا التسبيح كما ألهمتم الطَّرْفَ والنَّفَسَ. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَمَا هِيَ إِلاَّ ذِكْرَىٰ لِلْبَشَرِ﴾. يعني النار التي وصفها. يقول: ليس ما وصفتها به من تغييرها للبشر وعدة خزنتها إلا عظةً وعبرة للناس يتعظون بها. * * - ثم قال: ﴿كَلاَّ وَٱلْقَمَرِ﴾. أجاز الطبري الوقف على "كَلاَّ"، [جعله] رَدَّاً لِمَا قبلها. والمعنى عنده: ليس القول كما يقول من زعم أنه يكفي أصحابه المشركين خزنة جهنم التسعة عشر حتى يجهضهم عنها. وقال الفراء: تقديره: "إي والقمر، وقيل: تقديره: "حقاً" (وقيل): "أَلاَ". * * - ﴿وَٱلْقَمَرِ..﴾. أي: ورب القمر ورب الليل إذا أدبر، أي: ولى. * * - ﴿وَٱلصُّبْحِ إِذَآ أَسْفَرَ﴾. أي: أضاءَ وأقبل. يقال: أسفر الصبح إذا أضاء وانكشف. ومنه: سفرت المرأة عن وجهها إذا كشفته. ومنه قيل: "سفر" للكتاب الذي فيه العلم، لأنه يبين ويكشف. ومنه سفرت الريح الغمام: كشفته. ومنه: سفرت البيت: أي كنسته، ومنه قيل: "سفير" للذي يسعى في الصلح، لأنه يكشف المكروه ويزيله. وحكى بعض البصريين: دبرني إذا جاء خلفي. وأدبر إذا ولى. واختار [أبو عبيد] [إِذَا اَدْبَرَ]، لأن بعده: ﴿إِذَآ أَسْفَرَ﴾. وحكي: دبر وأدبر: لغتان بمعنى، يقال: دبر النهار وأدبر. ودبر الصيف وأدبر، وكذلك قبل وأقبل. فإذا قالوا: أقبل الراكب و "أدبر" لم يُقَلْ إلا بالألف. وقيل: معنى ﴿إِذْ أَدْبَرَ﴾ أي: إذ أدبر النهار، وكان في آخره. وسأل رجل ابن عباس عن قوله: ﴿وَٱللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ﴾ فقال: امكث، فلما سمع الأذان [الأول] قال: هذا حين دبر الليل. * * - ثم قال: ﴿إِنَّهَا لإِحْدَى ٱلْكُبَرِ﴾. يعني جهنم، أي: هي إحدى الأمور العظام. و (إحدى): فُعْلَى، نَعْتٌ، وهو قليل، إنما تأتي هذه النعوت غير المصادر بضم الأول أو بفتحه. * * - ثم قال: ﴿نَذِيراً لِّلْبَشَرِ﴾. قال أبو رزين: يقول الله جل ذكره: أنا نذير للبشر. وقال [ابن زيد]: معناه: محمد نذير للبشر. ونصبها على الحال من المضمر في "إنها" [أَوْ مِنْ] "إِحْدَى". وهذان القولان يدلان على أن النار هي النذير، وهو قول الحسن. ويجوز أن تكون حالاً من "هو" في قوله: ﴿إِلاَّ هُوَ﴾، أو على إضمار فعل تقديره: صَيَّرَهَا ﴿نَذِيراً﴾، وهذا على قول أبي رزين. وقال الكسائي: هي حال من المضمر في ﴿قُمْ﴾ أي: قم نذيراً، من أول السورة. وهو يرجع إلى قول ابن زيد. وقيل: ﴿نَذِيراً﴾ بمعنى إنذار، فنصبه على المصدر. (وقيل: نصبه على المصدر) [وقيل: نصبه على أعني]. ومن جعله للنار حذف [الياء] من "نذير" لأنه بمعنى النسب.

المدثر 74:3

قوله تعالى: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنذِرْ﴾ إلى قوله: ﴿نَذِيراً لِّلْبَشَرِ﴾. أي: يا أيها المدثر بثيابه عند نومه. وروي أن النبي ﷺ [قيل له ذلك] وهو متدثر بقطيفة. ذكره النخعي. وروي أن هذا أول ما نزل على النبي ﷺ. رواه جابر بن عبد الله قال: حَدَّثَنِي النَّبِيُّ ﷺ، قَالَ: جَاوَرْتُ فِي حِرَاءَ، فَلَمَّا قَضَيْتُ [جِوَارِي] هَبَطْتُ فَاسْتَبْطَنْتُ [الوَادِيَ]، فَنُودِيتُ فَنَظَرْتُ عَنْ يَمِينِي وَعَنْ شِمَالِي وَخَلْفِي (وَقُدَّامِي) فَلَمْ أَرَ شَيْئاً، فَنَظَرْتُ فَوْقَ رَأْسِي فَإِذَا هُوَ - يَعْنِي المَلَكَ - جَالِسٌ عَلَى عَرْشٍ بَيْنَ السَّمَاءِ والأَرْضِ [فَجُثِثْتُ] مِنْهُ. فَأَتَيْتُ خَدِيجَةَ فَقُلْتُ: دَثِّرُونِي، (دَثِّرُونِي)، وَصُبُّوا عَلَيَّ مَاءً. وَأُنْزِلَ عَلَيَّ ﴿يٰأَيُّهَا ٱلْمُدَّثِّرُ﴾ وقال الزهري: كان أول شيء أنزل عليه: ﴿ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق: ١] حتى بلغ ﴿(عَلَّمَ ٱلإِنسَانَ) مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: ٥]. قال ابن عباس: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلْمُدَّثِّرُ﴾: "يأ أيها النائم". وقال قتادة: المدثر في ثيابه. وقال عكرمة: معناه: "دُثرت هذا الأَمر فقم به"، يعني النبوة. * * - وقوله: ﴿قُمْ فَأَنذِرْ﴾. أي: قم من نومك فأنذر قومك عذاب الله على شركهم بالله. * * - ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾. أي: فعظم. * * - ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾. أي: لا تلبسها على معصية ولا [غدرة]. قاله ابن عباس. وعنه أيضاً: فطَهِّرْها من الإثم. وقال النخعي: فطهرها من الذنوب. والعرب تقول لرجل إذا نكث ولم يف بعهده: إنه لدنس الثياب، وإذا أوفى بعهده وأصلح: إنه لمُطَهَّر الثياب. وقال الضحاك: معناه: "لا تلبس ثيابك على معصية". وقال ابن زيد: معناه: "وعملك فأصلحه"، قال: والعرب تقول للرجل الخبيث العمل: فلان خبيث الثياب. وإذا كان حسن العمل (قالوا: فلان طاهر الثياب. وعن ابن عباس أيضاً أن معناه: "لا تلبس ثيابك) من [مكسب] غير طيب. وعن مجاهد أن معناه: "لست بكاهن ولا ساحر، فأَعْرِض عما قالوا". (وقال) ابن سيرين: معناه: اغسل ثيابك من النجاسة. وهو قول ابن زيد، وبهذا احتج الشافعي في وجوب طهارة الثوب (وأنه فرض. ومذهب مالك أن طهارة الثوب ليس بفرض، وهو قول أهل المدينة وإنما طهارة الثوب) سنة. ولذلك، من صلى بثوب نجس ولا يعلم أعاد في الوقت. ولو كانت طهارة الثوب فرضاً لأعاد أبداً. وكذلك البدن تقع فيه النجاسة ليست طهارته فرضاً. يدل على ذلك إجماع المسلمين على أن صلاة من استجمر بالحجارة من الغائط جائزة، مع أن موضع خروج الأذى لم يغسل بالماء. * * - ثم قال ﴿وَٱلرُّجْزَ [فَٱهْجُرْ]﴾. أي: والأَوْثَانَ فاهجر عبادتها. والضم والكسر في الراء لغتان عند الفراء. وقيل: الكسر معناه العَذاب. فتكون الأوثان سميت بالعذاب. لأنها سببه. والضم معناه الأوثان. وأول من فرق بينهما الكسائي. وأكثر الناس على أنه لا فرق بينهما وأنه يراد به الأوثان، [ضَمَمْتَ] الراءَ أو كَسَرْتَهَا. قال ابن عباس: الرجز: "السخط، وهو الأصنام". وقال مجاهد وعكرمة: الرجز: "الأوثان. وقاله الزهري. وقال قتادة: "الرجز: صنمان كانا عند البيت: [إساف ونائلة]، يَمْسَحُ وُجُوهَهُمَا من أتى عليهما، فأمر الله نبيه أن [يجتنبهما] ويعتزلهما". قال ابن زيد: "الرجز آلهتهم التي كانوا يعبدون، (أمره الله) أن يهجرها [فلا يأتيها ولا يقربها]". وقال النَّخعي: المعنى: والمعصية [فاهجر]. * * - ثم قال تعالى ﴿وَلاَ تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ﴾. قال ابن عباس: معناه: ولا تعط يا محمد عطية لتعطى أكثر منها. وهو (معنى) قول أكثر [المفسرين]. وهذا خصوص للنبي ﷺ، وهو مباح لأمته إلا أنه لا أجر [لهم] في ذلك. وهو قوله تعالى: ﴿وَمَآ آتَيْتُمْ مِّن رِّباً لِّيَرْبُوَاْ فِي أَمْوَالِ ٱلنَّاسِ فَلاَ يَرْبُواْ عِندَ ٱللَّهِ﴾ [الروم: ٣٩] وقد قال الضحاك: هو الربا (في) الحلال [قال]: وهما ربوان: حرام وحلال. فأما الحلال فالهدايا. وأما الحرام فالربا بعينه. وقال الحسن: معناه: لا تستكثر عملك الصالح. وهو اختيار الطبري. وقال الربيع بن أنس: معناه: "لاَ يَكْثُرَنْ عملُك في عينك، فإنه فيما أنعم الله [عليك] وأعطاك قليل". وعن مجاهد أن معناه: لا تضعف أن تستكثر من الخير من قولهم: "حبل منين" إذا كان ضعيفاً. وفي قراءة ابن مسعود: "وَلاَ تَمْنُنْ أَنْ تَسْتَكْثِرَ". قال الكسائي: فإذا حذف "أن" رفع، وهو حال (عند) البصريين. وقال ابن زيد: معناه: لا تمنن بالقرآن والنبوة فتستكثرهم به، تأخذ على ذلك عوضاً من الدنيا. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَلِرَبِّكَ فَٱصْبِرْ﴾. أي: اصبر على ما تَلْقَى من قومك لربك [واحتمل] أذاهم. وقال ابن زيد: معناه، اصبر على محاربة العرب والعجم، قال: "حُمِّلَ أمراً عظيماً، مُحَارَبَةَ العرب ثم العجم من بعد العرب في الله". وقال النخعي: معناه: ولربك فاصبر على عطيتك، ولا تعطها لتأخذ أكثر منها، بل احتسبها الله. * * - ثم قال تعالى: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي ٱلنَّاقُورِ * فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾. يقال: [عَسُرَ] الأمرُ إذا صَعُبَ فهو عَسِيرٌ، [وعَسِرَ] فهو عَسِرٌِ. والمعنى: فإذا نفخ في الصور فذلك [يوم] شديد صعب غير سهل على الكافرين. روى ابن عباس أنَّ النبي ﷺ قَالَ: "كَيْفَ أَنْعَمُ وَصَاحِبُ القَرْنِ قَدِ التَقَمَ القَرْنُ [وَحَنَى] جَبْهَتَهُ لِيَسْتَمِعَ مَتَى يُؤْمَرُ، يَنْفُخُ فِيهِ. قَالَ: فَاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلى أَصْحَابِهِ فَأَمَرَهُمْ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَقُولُوا ﴿حَسْبُنَا ٱللَّهُ وَنِعْمَ ٱلْوَكِيلُ﴾ ﴿عَلَى ٱللَّهِ تَوَكَّلْنَا﴾ قال عكرمة: الناقور: الصور. قال مجاهد: (هو) شَيْءٌ كَهَيْئَةِ [البُوقِ]. * * - ثم قال: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً﴾. أي: كِلْ - يا محمد - أَمْرَ هذا الذي خلقته في بطن أمه وحيداً لا شيء له من مال ولا ولد، يعني بذلك الوليد بن المغيرة المخزومي. قال ابن عباس: "أَنْزَلَ اللهُ فِي الوَليدِ بِنْ المُغِيرَةِ ﴿ذَرْنِي﴾ ﴿وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً﴾. [وقوله: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ...﴾ [الحجر: ٩٢] إلى آخرها". وقيل: معناه: دعني يا محمد ومجازاة من خلقته وحده، فيكون "وحيداً"] على القول الأول حالاً من الهاء المحذوفة في "خلقته". وعلى (هذا) القول الآخر حالاً من التاء في "خلقته". وفي هذا الكلام تهدد عظيم ووعيد. والعرب تقول: ذرني وزيداً، أي: كِلْ عقوبته ومُطالَبَتَهُ إلي. فالمعنى: كِلْ - يا محمد - عقوبة هؤلاء إلي، فلست أحتاج [في ذلك] إلى معين ولا ظهير. ويُرْوى أنه كان يقول: أنا الواحد بن الوحيد، ليس لي من العرب نظير ولا لأبي المغيرة نظير. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَجَعَلْتُ لَهُ مَالاً مَّمْدُوداً﴾. قال مجاهد وابن جبير: هو ألف دينار. وقال سفيان: (بلغني) أنه أربعة آلاف دينار. وقيل: هو الأرض يزرع فيها. قاله النعمان بن سالم. وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: هو غَلَّةٌ شهر [بشهر]. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَبَنِينَ شُهُوداً﴾. أي: وجعلت له بنين شهوداً، أي: [حضوراً]. روي أنه كان له عشرة من الولد. وقد قاله مجاهد وغيره. وروي أنه ما زاد بعد نزول هذه الآية إلا [ارتكاساً] في ماله وولده ونفسه. * * - ثم قال: ﴿وَمَهَّدتُّ لَهُ تَمْهِيداً﴾. أي: بسطت له في العيش بسطاً. قاله سفيان. وقال مجاهد: "من المال والولد". * * - ثم قال: ﴿ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ * كَلاَّ﴾ ثم يَأْمَلُ أن أزيده من المال والولد على ما أعطيته ﴿كَلاَّ﴾: أي: ليس الأمر على ما يُؤَمِّلُ، أي: لا يكون ذلك]. * * - ثم قال: ﴿إِنَّهُ كان لآيَاتِنَا عَنِيداً﴾. أي: إنه كان لرد حجتنا وآياتنا معانداً، مجانباً. يقال: عَنُدَ البَعيرُ [يَعْنِدُ عُنُوداً]، [وبَعِيرٌ عَنُودُ]: إذَا مشى مجانباً للإبل لا يمشي معها. قال ابن عباس: ﴿عَنِيداً﴾ "جحوداً". وهو قول قتادة. وقال مجاهد: "معانداً للحق، مجانباً له". وقال سفيان: ﴿عَنِيداً﴾ "مشاقاً لنا". * * - ثم قال: ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً﴾. أي: سأكلفه مشقة من العذاب لا راحة منها. وقيل: الصعود جبل من نار (يكلفون) أن يصعدوه، فإذا وضع يده عليه ذابت، فإذا رفعها عادت، وإذا وضع رجله كذلك. وروى أبو سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: "الصُّعُودُ جَبَلٌ مِنْ نَارٍ يَصْعَدُ فِيهِ سَبْعينَ خَرِيفاً ثُمَّ يَهْوِي كَذلِكَ أَبَدَاً قال مجاهد: ﴿صَعُوداً﴾: "عذاباً لا راحة منه". وقال قتادة: "مشقة من العذاب". * * - ثم قال: ﴿إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ * [فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ]﴾. أي: فكر فيما أنزل الله على نبيه من القرآن، وَقَدَّرَ فيما يقول فيه، فَلُعِنَ كيف قدَّر ما هو قائل، ثم لعن كيف قَدَّرَ القولَ فيه. ﴿ثُمَّ نَظَرَ﴾. أي: ثم تَأَنّى في ذلك. * * ﴿ثُمَّ عَبَسَ﴾ أي: قبض ما بين عينيه. * * ﴿وَبَسَرَ﴾. أي: كلح وكَرَّهَ وجهه. قال عكرمة: جَاءَ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ إلى النبي ﷺ فَقَرَأَ عليه النبي القرآنَ، فكأنه رَقَّ لَهُ، فبلغَ ذلك أبا جهل. فأتاه فقال: أيْ عَمِّ، إِنَّ قومَكَ يُريدون أن يَجْمَعُوا لَكَ مَالاً. قَالَ: لِمَ؟ قَالَ: يُعْطُونَكَ! فإنك أتيت محمداً تَتَعَرَّضُ لِمَا قِبَلَهُ. قال: قد علمت قريش أني أكثرها مالاً! قال: فقل فيه قولاً يَعْلَمُ قومُكَ أَنَّكَ مُنْكِرٌ" [لِمَا قَالَ]، وَأَنَّكَ كارِهٌ له، قال: فماذا أقول فيه؟ فوَالله مَا مِنْكُمْ رَجُلٌ أَعْلَمُ مِنِّي بِالأَشْعَارِ ولاَ أَعْلَمُ بِرَجَزِهِ وَلاَ بِقَصدِهِ، وَلاَ بِأَشْعَارِ الجِنِّ، وَ (اللهِ) لاَ يُشْبِهُ الذِي يَقُولُ شَيْئاً مِنْ هَذَا، وَاللهِ إِنَّ لِقَوْلِهِ الذِي يَقُولُ لَحَلاَوَةً! وَإِنهُ لَيَحْطِمُ مَا تَحْتَهُ! وَإِنَّهُ لَيَعْلُو وَمَا يُعْلَى! قَالَ أَبُو جَهْلٍ: وَاللهِ لاَ يَرْضَى قَوْمُكَ حَتَّى تَقُولَ فِيهِ. قَالَ: فَدَعْنِي حَتَّى أُفَكِّرَ فِيهِ. (فَلَمَّا فَكَّرَ فِيهِ) قَالَ: هَذَا سِحْرٌ يَأْثُرُهُ [عن] غيره، فنزلت ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً﴾ قال ابن عباس: دَخَلَ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ عَلَى أَبِي بَكْرٍ يَسُأَلُهُ عَنِ القُرآن، فَلَمَّا أَخْبَرَهُ خَرَجَ عَلَى قُرَيْشٍ فَقَالَ: يَا عَحَبَاً لِمَا يقول ابْنُ أَبِي كَبْشَةَ! فَوَاللهِ، ما هُوَ بِشِعْرٍ وَلاَ بِسِحْرٍ وَلاَ [بِهَذْيٍ] مِنْ جُنُونٍ، وَإِنهُ لَمِنْ كَلاَمِ اللهِ - جَلَّ وَعَز - فَلَمَّا سَمِعَ بِذلِكَ النَّفَرُ (مِنْ قُرَيْشٍ) [ائْتَمَرُوا] بَيْنَهُمْ، وَقَالُوا: وَاللهِ لَئِنْ صَبَأَ الوَلِيْدُ لَتَصْبُؤَنَّ قُرَيْشٌ، فَلَمَّا سَمِعَ بِذلِكَ أَبُو جَهْلٍ بْنُ هِشَامٍ قَالَ: أَنَا وَالله أَكْفِيكُمْ شَأْنَهُ. فَانْطَلَقَ حَتَى دَخَلَ عَلَيْهِ بَيْتَهُ، فَقَالَ: [أَلَمْ تَرَ] قَوْمَكَ قَدْ جَمَعُوا لَكَ الصَّدَقَةَ؟! قَالَ: أَلَسْتُ أَكْثَرَهُمْ مَالاً وَوَلَداً؟! فَقَالَ لَهُ أَبُو جَهْلٍ: يَتَحَدَّثُونَ أَنَّكَ تَدْخُلُ عَلَى ابْنِ أَبِي قُحَافَةَ لِتُصِيبَ مِنْ طَعَامِهِ! قَالَ الوَلِيدُ: [أَقَدْ] تَحَدَّثَتْ بِذَلِك عَشِيرَتِي؟! فَلاَ وَأَيْمُ جَابِرِ بْنُ قُصَيَّ، لاَ أَقْرَبُ أَبَا بَكْرٍ (وَلاَ عُمَرَ) وَلاَ ابْنَ أَبِي كَبْشَةَ، [وَمَا قَوْلُهُ إِلاَّ سِحْرٌ] يُؤْثَرُ. فَأَنْزَلَ اللهُ ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً...﴾ إلى ﴿لاَ تُبْقِي (وَلاَ) تَذَرُ﴾ قال قتادة: ذكر أنه قال: والله، لقد نظرت [فيما قال هذا الرجل]، [فإذا] هو ليس بشعر، وإن له لحَلاَوَةً، وإن عليه لَطُلاَوَةً، وإنه لَيَعْلُو وما يُعْلَى، ومَا أَشُكُّ أَنَّهُ سِحْرٌ. وقال الضحاك: دعاه النبي ﷺ إلى الإسلام، فقال: حتى أنظر! فَفَكَّرَ، ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ، ثُمَّ أَدْبَرَ واسْتَكبر، فقال: إن هذا إلا سحر يؤثر، فجعل الله له سقر. قال أبو رزين (سحر) (أي): يَأْثُرُهُ من غيره. * * - ﴿إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ قَوْلُ ٱلْبَشَرِ﴾. أي: ما هذا الذي يتلوه محمد إلا قول بني آدم وما هو بكلام الله. [فهذا أول من قال: القرآن مخلوق، قاله الوليد بن المغيرة فأدخله الله سقر. قال بعض العلماء: فكذا يُفْعَلُ بكل من قال: القرآن مخلوقٌ، قاله أحمد بن زيد]. * * - ثم قال: ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾. أي: [سأورده] سقر، وهو باب من أبواب جهنم. يروى أنه الباب السادس منها، نعوذ بالله منها. * * - ﴿وَمَآ أَدْرَاكَ مَا (سَقَرُ)﴾. أي: وأي شيء أدراك ما سقر؟، ثم بَيَّنَهُ وأَدْرَاهُ به [فقال] في صفة سقر. * * - ﴿لاَ تُبْقِي وَلاَ تَذَرُ﴾. أي: هي نارٌ لا تُبْقي من فيها حياً، ولا تَذَرُ من فيها ميتاً، لكنها تحرقهم، كلما احترقوا جُدِّدَ خَلْقُهُمْ. قال مجاهد: ﴿لاَ تُبْقِي وَلاَ تَذَرُ﴾ أي: لا تُحْيِي وَلاَ تُمِيتُ وقيل: ﴿لاَ تُبْقِي وَلاَ تَذَرُ﴾: لا تبقي الكافر حتى يصير فحمة ثم يُعاد خلقاً جديداً ثم لا تذره حتى يعود عليه العذاب بِأَشَدِّ مِمَّا كان هكذا أبداً، نعوذ بالله من ذلك. * * - ثم قال تعالى: ﴿لَوَّاحَةٌ لِّلْبَشَرِ﴾. أي: مغيرة لبشرة من فيها. قال مجاهد: ﴿لَوَّاحَةٌ لِّلْبَشَرِ﴾، أي: مُغَيِّرَةٌ للجلد. وقال قتادة: "خَرَّاقَةٌ للجلد". وقيل: معناه: تَلُوحُ لأَهْلِها من مسيرة خمسمائة عام. وعلى القول الأول أكثر الناس أنها تُغَيِّرُ البَشَرَةَ. قال [أبو رزين]: تلفح الجلد لفحة تَدَعُهُ أَشَدَّ سواداً من الليل. وقال ابن عباس: "تحرق بَشَرَةَ الإنسان". * * - ثم قال: ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾. أي: من الخزنة. ذكر ابن عباس أَنَّ هَذَا لما نَزَلَ عَلَى النبي ﷺ، قَالَ أَبُو جَهْلٍ لِقُرَيْشٍ: ثَكِلَتْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ! أَسْمَعُ ابْنَ أَبِي كَبْشَةَ يُخْبِرُكُمْ أَنَّ خَزَنَةَ النَّارِ تِسْعَةَ عَشَرَ. وَأَنْتُمْ [الدَّهْمُ] أَفَتَعْجَزُ كُلُّ عَشَرَةٍ مِنْكُمْ أَنْ تَبْطِشَ بِرَجُلٍ مِنْ [خَزَنَةِ] جَهَنَّمَ؟! فَأَوْحَى اللهُ إلى نَبِيِّهِ أَنْ يَأْتِيَ أَبَا جَهْلٍ فَيَأْخُذَ بِيَدِهِ فِي بَطْحَاءِ مَكَّةَ فَيقُولَ ﴿أَوْلَىٰ لَكَ فَأَوْلَىٰ * ثُمَّ أَوْلَىٰ لَكَ فَأَوْلَىٰ﴾ [القيامة: ٣٤-٣٥]. فَلَمَّا فَعَلَ بِهِ ذَلكَ رَسُولُ اللهِ قَالَ لَهُ أَبُو جَهْلٍ: وَاللهِ، لاَ تَفْعَلُ أَنْتَ وَرَبُّكَ شَيْئا. فَأَخْزَاهُ - جَلَّ ذِكْرُهُ - يَوْمَ بَدْرٍ فَقُتِلَ. قال كعب الأحبار: ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾: ما منهم ملك إلا ومعه عمود ذو شعبتين يدفع به الدفعة فيلقي في النار تسعين ألفاً. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَآ أَصْحَٰبَ ٱلنَّارِ إِلاَّ مَلَٰئِكَةً﴾ أي: لم نجعل أصحاب النار رجالاً مثلكم فتطمعوا بالتغلب عليهم كما قال أبو جهل لقريش: أفلا يستطيع كل عشرة منكم أن يغلبوا منهم واحداً؟!. فإذا كانت الخزنة ملائكة، فمن ذا يطيق الملائكة؟!. * * - ثم قال: ﴿وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلاَّ فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾. أي: لم نجعلهم تسعة عشر فقط لقلة الملائكة؛ ولكن جعلناهم كذلك ليفتتن الذين كفروا ويستقلوا عدتهم ويُحدثوا أنفسهم بالتغلب على الخزنة حتى قال [أبو الأشد الجمحي]: أنا [أُجْهِضُهُمْ] [عن] النار. وقيل: إن كَلَدَةَ بن أسيد بن خلف قال: أنا أكفيكم سبعة عشر، واكفوني اثنين. * * - ثم قال تعالى: ﴿لِيَسْتَيْقِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَٰبَ﴾. أي: فعلنا ذلك ليفتتن الذين كفروا [وليتيقن] الذين أُوتوا التوراة والإنجيل حقيقة ما في كتبهم من الخبر عن عدة خزنة جهنم، لأنه كذلك عدتهم في التوراة (والإنجيل). هذا معنى قول ابن عباس وغيره. وهو قول مجاهد. قال قتادة: يُصَدِّقُ القرآنُ الكُتُبَ التي كانت قبله، فيها كُلِّها خَزَنَةُ النَّارِ تِسْعَةَ عَشَرَ. وهو قول الضحاك. وقال ابن زيد: ﴿لِيَسْتَيْقِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَٰبَ...﴾ "أنك رسول الله". * * ثم قال تعالى: ﴿وَيَزْدَادَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوۤاْ إِيمَٰناً﴾ أي: تصديقاً إلى تصديقهم بعدة خزنة جهنم. * * - ثم قال: ﴿وَلاَ يَرْتَابَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَٰبَ وَٱلْمُؤْمِنُونَ﴾ أي: ولا يشك أهل الكتاب [و] المؤمنون في حقيقة ذلك. * * - ثم قال: ﴿وَلِيَقُولَ ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ﴾ أي: نفاق. * * ﴿وَٱلْكَٰفِرُونَ﴾ يعني: مشركي قريش. * * - ﴿مَاذَآ أَرَادَ ٱللَّهُ بِهَـٰذَا مَثَلاً﴾. أي: ماذا أراد الله بهذا حين يخوفنا بهؤلاء التسعة عشر. - قال الله: ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ ٱللَّهُ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ﴾. أي: كما أضل هؤلاء المنافقين والمشركين القائلين: أي شيء أراد الله بهذا مثلاً؟! كذلك يضل الله من يشاء] من خلقه فَيَخْذُلُهُ عن إصابة الحق، ويهدي من يشاء فيوفقه للحق. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ﴾ أي: لا يعلم (مقدار) كثرة جنود ربك يا محمد إلا رَبُّكَ. روي عن النبي ﷺ أنه قال: "إِنَّ لله مَلاَئِكَةٌ تَرْعَدُ فَرَائِصَهُمْ مَخَافَةً مِنْهُ، وَإِنَّ مِنْهُمْ مَنْ لاَ تَقْطُرُ مِنْ عَيْنَيْهِ دَمْعَةً إِلاَّ وَقَعَتْ مَلَكاً يُسَبِّحُ، وَمَلاَئِكَةٌ سُجُودٌ مِنْذُ خَلَقَ اللهُ السَّمَواتِ لَمْ يَرْفَعُوا رُؤوسَهِمْ وَلاَ يَرْفَعُونَهَا إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ، وَمِنْهُمْ [مَلاَئِكَةٌ] وُقُوفٌ لم يَنْصَرِفُوا وَلاَ يَنْصَرِفُونَ إلى يوم القيامة. فإذا كان يوم القيامة، تَجَلَّى لَهُمْ رَبُّهُمْ - جَلَّ ذِكْرُهُ - فَقَالوا: سُبْحَانَكَ! مَا عَبَدْنَاكَ حَقَّ عِبَادَتِكَ! وقال كعب: إن لله عز وجل ملائكة من يوم خلقهم قياماً، [ما] ثنوا أصلابهم، وآخرين ركوعاً ما رفعوا أصلابهم، وآخرين [سجوداً] ما رفعوا رؤوسهم حتى يُنْفَخَ في الصور النفخةَ الآخرة فيقولون جميعاً: سبحانك! ما عبدناك كما ينبغي أن تُعْبَدَ. ثم قال كعب: والله، لو أن رجلاً عَمِلَ عَمَلَ سبعين نبيّاً، [لاسْتَقَلَ] عمله يوم القيامة من شدة ما يرى يومئذ. والله، لو دلي من [غسلين] دلو واحد من مطلع الشمس، لغلت منه جماجم قوم في مغربها. والله، [لَتَزْفَرَنَّ] جهنم زَفْرَةً لا يبقى ملك مقرب إلا خَرَّ جَاثِياً عَلَى رُكْبَتَيهِ. وروى ابن المبارك حديثاً - رفعه - أن ملكاً سجد لما استوى الرب [تعالى] على عرشه، فلم يرفع رأسه [و] لا يرفعه إلى يوم القيامة، فيقول يوم القيامة: لم أعبدك حق عبادتك، إلا أني لم أشرك بك شيئاً، ولم أتخذ من دونك ولياً. وقد وصفهم الله في كتابه فقال: ﴿يُسَبِّحُونَ ٱلَّيلَ وَٱلنَّهَارَ لاَ يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٠]. قال كعب: التسبيح للملائكة بمنزلة النَّفَسِ لبَنِي آدم، أُلْهِمُوا التسبيح كما ألهمتم الطَّرْفَ والنَّفَسَ. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَمَا هِيَ إِلاَّ ذِكْرَىٰ لِلْبَشَرِ﴾. يعني النار التي وصفها. يقول: ليس ما وصفتها به من تغييرها للبشر وعدة خزنتها إلا عظةً وعبرة للناس يتعظون بها. * * - ثم قال: ﴿كَلاَّ وَٱلْقَمَرِ﴾. أجاز الطبري الوقف على "كَلاَّ"، [جعله] رَدَّاً لِمَا قبلها. والمعنى عنده: ليس القول كما يقول من زعم أنه يكفي أصحابه المشركين خزنة جهنم التسعة عشر حتى يجهضهم عنها. وقال الفراء: تقديره: "إي والقمر، وقيل: تقديره: "حقاً" (وقيل): "أَلاَ". * * - ﴿وَٱلْقَمَرِ..﴾. أي: ورب القمر ورب الليل إذا أدبر، أي: ولى. * * - ﴿وَٱلصُّبْحِ إِذَآ أَسْفَرَ﴾. أي: أضاءَ وأقبل. يقال: أسفر الصبح إذا أضاء وانكشف. ومنه: سفرت المرأة عن وجهها إذا كشفته. ومنه قيل: "سفر" للكتاب الذي فيه العلم، لأنه يبين ويكشف. ومنه سفرت الريح الغمام: كشفته. ومنه: سفرت البيت: أي كنسته، ومنه قيل: "سفير" للذي يسعى في الصلح، لأنه يكشف المكروه ويزيله. وحكى بعض البصريين: دبرني إذا جاء خلفي. وأدبر إذا ولى. واختار [أبو عبيد] [إِذَا اَدْبَرَ]، لأن بعده: ﴿إِذَآ أَسْفَرَ﴾. وحكي: دبر وأدبر: لغتان بمعنى، يقال: دبر النهار وأدبر. ودبر الصيف وأدبر، وكذلك قبل وأقبل. فإذا قالوا: أقبل الراكب و "أدبر" لم يُقَلْ إلا بالألف. وقيل: معنى ﴿إِذْ أَدْبَرَ﴾ أي: إذ أدبر النهار، وكان في آخره. وسأل رجل ابن عباس عن قوله: ﴿وَٱللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ﴾ فقال: امكث، فلما سمع الأذان [الأول] قال: هذا حين دبر الليل. * * - ثم قال: ﴿إِنَّهَا لإِحْدَى ٱلْكُبَرِ﴾. يعني جهنم، أي: هي إحدى الأمور العظام. و (إحدى): فُعْلَى، نَعْتٌ، وهو قليل، إنما تأتي هذه النعوت غير المصادر بضم الأول أو بفتحه. * * - ثم قال: ﴿نَذِيراً لِّلْبَشَرِ﴾. قال أبو رزين: يقول الله جل ذكره: أنا نذير للبشر. وقال [ابن زيد]: معناه: محمد نذير للبشر. ونصبها على الحال من المضمر في "إنها" [أَوْ مِنْ] "إِحْدَى". وهذان القولان يدلان على أن النار هي النذير، وهو قول الحسن. ويجوز أن تكون حالاً من "هو" في قوله: ﴿إِلاَّ هُوَ﴾، أو على إضمار فعل تقديره: صَيَّرَهَا ﴿نَذِيراً﴾، وهذا على قول أبي رزين. وقال الكسائي: هي حال من المضمر في ﴿قُمْ﴾ أي: قم نذيراً، من أول السورة. وهو يرجع إلى قول ابن زيد. وقيل: ﴿نَذِيراً﴾ بمعنى إنذار، فنصبه على المصدر. (وقيل: نصبه على المصدر) [وقيل: نصبه على أعني]. ومن جعله للنار حذف [الياء] من "نذير" لأنه بمعنى النسب.

المدثر 74:4

قوله تعالى: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنذِرْ﴾ إلى قوله: ﴿نَذِيراً لِّلْبَشَرِ﴾. أي: يا أيها المدثر بثيابه عند نومه. وروي أن النبي ﷺ [قيل له ذلك] وهو متدثر بقطيفة. ذكره النخعي. وروي أن هذا أول ما نزل على النبي ﷺ. رواه جابر بن عبد الله قال: حَدَّثَنِي النَّبِيُّ ﷺ، قَالَ: جَاوَرْتُ فِي حِرَاءَ، فَلَمَّا قَضَيْتُ [جِوَارِي] هَبَطْتُ فَاسْتَبْطَنْتُ [الوَادِيَ]، فَنُودِيتُ فَنَظَرْتُ عَنْ يَمِينِي وَعَنْ شِمَالِي وَخَلْفِي (وَقُدَّامِي) فَلَمْ أَرَ شَيْئاً، فَنَظَرْتُ فَوْقَ رَأْسِي فَإِذَا هُوَ - يَعْنِي المَلَكَ - جَالِسٌ عَلَى عَرْشٍ بَيْنَ السَّمَاءِ والأَرْضِ [فَجُثِثْتُ] مِنْهُ. فَأَتَيْتُ خَدِيجَةَ فَقُلْتُ: دَثِّرُونِي، (دَثِّرُونِي)، وَصُبُّوا عَلَيَّ مَاءً. وَأُنْزِلَ عَلَيَّ ﴿يٰأَيُّهَا ٱلْمُدَّثِّرُ﴾ وقال الزهري: كان أول شيء أنزل عليه: ﴿ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق: ١] حتى بلغ ﴿(عَلَّمَ ٱلإِنسَانَ) مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: ٥]. قال ابن عباس: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلْمُدَّثِّرُ﴾: "يأ أيها النائم". وقال قتادة: المدثر في ثيابه. وقال عكرمة: معناه: "دُثرت هذا الأَمر فقم به"، يعني النبوة. * * - وقوله: ﴿قُمْ فَأَنذِرْ﴾. أي: قم من نومك فأنذر قومك عذاب الله على شركهم بالله. * * - ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾. أي: فعظم. * * - ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾. أي: لا تلبسها على معصية ولا [غدرة]. قاله ابن عباس. وعنه أيضاً: فطَهِّرْها من الإثم. وقال النخعي: فطهرها من الذنوب. والعرب تقول لرجل إذا نكث ولم يف بعهده: إنه لدنس الثياب، وإذا أوفى بعهده وأصلح: إنه لمُطَهَّر الثياب. وقال الضحاك: معناه: "لا تلبس ثيابك على معصية". وقال ابن زيد: معناه: "وعملك فأصلحه"، قال: والعرب تقول للرجل الخبيث العمل: فلان خبيث الثياب. وإذا كان حسن العمل (قالوا: فلان طاهر الثياب. وعن ابن عباس أيضاً أن معناه: "لا تلبس ثيابك) من [مكسب] غير طيب. وعن مجاهد أن معناه: "لست بكاهن ولا ساحر، فأَعْرِض عما قالوا". (وقال) ابن سيرين: معناه: اغسل ثيابك من النجاسة. وهو قول ابن زيد، وبهذا احتج الشافعي في وجوب طهارة الثوب (وأنه فرض. ومذهب مالك أن طهارة الثوب ليس بفرض، وهو قول أهل المدينة وإنما طهارة الثوب) سنة. ولذلك، من صلى بثوب نجس ولا يعلم أعاد في الوقت. ولو كانت طهارة الثوب فرضاً لأعاد أبداً. وكذلك البدن تقع فيه النجاسة ليست طهارته فرضاً. يدل على ذلك إجماع المسلمين على أن صلاة من استجمر بالحجارة من الغائط جائزة، مع أن موضع خروج الأذى لم يغسل بالماء. * * - ثم قال ﴿وَٱلرُّجْزَ [فَٱهْجُرْ]﴾. أي: والأَوْثَانَ فاهجر عبادتها. والضم والكسر في الراء لغتان عند الفراء. وقيل: الكسر معناه العَذاب. فتكون الأوثان سميت بالعذاب. لأنها سببه. والضم معناه الأوثان. وأول من فرق بينهما الكسائي. وأكثر الناس على أنه لا فرق بينهما وأنه يراد به الأوثان، [ضَمَمْتَ] الراءَ أو كَسَرْتَهَا. قال ابن عباس: الرجز: "السخط، وهو الأصنام". وقال مجاهد وعكرمة: الرجز: "الأوثان. وقاله الزهري. وقال قتادة: "الرجز: صنمان كانا عند البيت: [إساف ونائلة]، يَمْسَحُ وُجُوهَهُمَا من أتى عليهما، فأمر الله نبيه أن [يجتنبهما] ويعتزلهما". قال ابن زيد: "الرجز آلهتهم التي كانوا يعبدون، (أمره الله) أن يهجرها [فلا يأتيها ولا يقربها]". وقال النَّخعي: المعنى: والمعصية [فاهجر]. * * - ثم قال تعالى ﴿وَلاَ تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ﴾. قال ابن عباس: معناه: ولا تعط يا محمد عطية لتعطى أكثر منها. وهو (معنى) قول أكثر [المفسرين]. وهذا خصوص للنبي ﷺ، وهو مباح لأمته إلا أنه لا أجر [لهم] في ذلك. وهو قوله تعالى: ﴿وَمَآ آتَيْتُمْ مِّن رِّباً لِّيَرْبُوَاْ فِي أَمْوَالِ ٱلنَّاسِ فَلاَ يَرْبُواْ عِندَ ٱللَّهِ﴾ [الروم: ٣٩] وقد قال الضحاك: هو الربا (في) الحلال [قال]: وهما ربوان: حرام وحلال. فأما الحلال فالهدايا. وأما الحرام فالربا بعينه. وقال الحسن: معناه: لا تستكثر عملك الصالح. وهو اختيار الطبري. وقال الربيع بن أنس: معناه: "لاَ يَكْثُرَنْ عملُك في عينك، فإنه فيما أنعم الله [عليك] وأعطاك قليل". وعن مجاهد أن معناه: لا تضعف أن تستكثر من الخير من قولهم: "حبل منين" إذا كان ضعيفاً. وفي قراءة ابن مسعود: "وَلاَ تَمْنُنْ أَنْ تَسْتَكْثِرَ". قال الكسائي: فإذا حذف "أن" رفع، وهو حال (عند) البصريين. وقال ابن زيد: معناه: لا تمنن بالقرآن والنبوة فتستكثرهم به، تأخذ على ذلك عوضاً من الدنيا. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَلِرَبِّكَ فَٱصْبِرْ﴾. أي: اصبر على ما تَلْقَى من قومك لربك [واحتمل] أذاهم. وقال ابن زيد: معناه، اصبر على محاربة العرب والعجم، قال: "حُمِّلَ أمراً عظيماً، مُحَارَبَةَ العرب ثم العجم من بعد العرب في الله". وقال النخعي: معناه: ولربك فاصبر على عطيتك، ولا تعطها لتأخذ أكثر منها، بل احتسبها الله. * * - ثم قال تعالى: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي ٱلنَّاقُورِ * فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾. يقال: [عَسُرَ] الأمرُ إذا صَعُبَ فهو عَسِيرٌ، [وعَسِرَ] فهو عَسِرٌِ. والمعنى: فإذا نفخ في الصور فذلك [يوم] شديد صعب غير سهل على الكافرين. روى ابن عباس أنَّ النبي ﷺ قَالَ: "كَيْفَ أَنْعَمُ وَصَاحِبُ القَرْنِ قَدِ التَقَمَ القَرْنُ [وَحَنَى] جَبْهَتَهُ لِيَسْتَمِعَ مَتَى يُؤْمَرُ، يَنْفُخُ فِيهِ. قَالَ: فَاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلى أَصْحَابِهِ فَأَمَرَهُمْ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَقُولُوا ﴿حَسْبُنَا ٱللَّهُ وَنِعْمَ ٱلْوَكِيلُ﴾ ﴿عَلَى ٱللَّهِ تَوَكَّلْنَا﴾ قال عكرمة: الناقور: الصور. قال مجاهد: (هو) شَيْءٌ كَهَيْئَةِ [البُوقِ]. * * - ثم قال: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً﴾. أي: كِلْ - يا محمد - أَمْرَ هذا الذي خلقته في بطن أمه وحيداً لا شيء له من مال ولا ولد، يعني بذلك الوليد بن المغيرة المخزومي. قال ابن عباس: "أَنْزَلَ اللهُ فِي الوَليدِ بِنْ المُغِيرَةِ ﴿ذَرْنِي﴾ ﴿وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً﴾. [وقوله: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ...﴾ [الحجر: ٩٢] إلى آخرها". وقيل: معناه: دعني يا محمد ومجازاة من خلقته وحده، فيكون "وحيداً"] على القول الأول حالاً من الهاء المحذوفة في "خلقته". وعلى (هذا) القول الآخر حالاً من التاء في "خلقته". وفي هذا الكلام تهدد عظيم ووعيد. والعرب تقول: ذرني وزيداً، أي: كِلْ عقوبته ومُطالَبَتَهُ إلي. فالمعنى: كِلْ - يا محمد - عقوبة هؤلاء إلي، فلست أحتاج [في ذلك] إلى معين ولا ظهير. ويُرْوى أنه كان يقول: أنا الواحد بن الوحيد، ليس لي من العرب نظير ولا لأبي المغيرة نظير. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَجَعَلْتُ لَهُ مَالاً مَّمْدُوداً﴾. قال مجاهد وابن جبير: هو ألف دينار. وقال سفيان: (بلغني) أنه أربعة آلاف دينار. وقيل: هو الأرض يزرع فيها. قاله النعمان بن سالم. وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: هو غَلَّةٌ شهر [بشهر]. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَبَنِينَ شُهُوداً﴾. أي: وجعلت له بنين شهوداً، أي: [حضوراً]. روي أنه كان له عشرة من الولد. وقد قاله مجاهد وغيره. وروي أنه ما زاد بعد نزول هذه الآية إلا [ارتكاساً] في ماله وولده ونفسه. * * - ثم قال: ﴿وَمَهَّدتُّ لَهُ تَمْهِيداً﴾. أي: بسطت له في العيش بسطاً. قاله سفيان. وقال مجاهد: "من المال والولد". * * - ثم قال: ﴿ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ * كَلاَّ﴾ ثم يَأْمَلُ أن أزيده من المال والولد على ما أعطيته ﴿كَلاَّ﴾: أي: ليس الأمر على ما يُؤَمِّلُ، أي: لا يكون ذلك]. * * - ثم قال: ﴿إِنَّهُ كان لآيَاتِنَا عَنِيداً﴾. أي: إنه كان لرد حجتنا وآياتنا معانداً، مجانباً. يقال: عَنُدَ البَعيرُ [يَعْنِدُ عُنُوداً]، [وبَعِيرٌ عَنُودُ]: إذَا مشى مجانباً للإبل لا يمشي معها. قال ابن عباس: ﴿عَنِيداً﴾ "جحوداً". وهو قول قتادة. وقال مجاهد: "معانداً للحق، مجانباً له". وقال سفيان: ﴿عَنِيداً﴾ "مشاقاً لنا". * * - ثم قال: ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً﴾. أي: سأكلفه مشقة من العذاب لا راحة منها. وقيل: الصعود جبل من نار (يكلفون) أن يصعدوه، فإذا وضع يده عليه ذابت، فإذا رفعها عادت، وإذا وضع رجله كذلك. وروى أبو سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: "الصُّعُودُ جَبَلٌ مِنْ نَارٍ يَصْعَدُ فِيهِ سَبْعينَ خَرِيفاً ثُمَّ يَهْوِي كَذلِكَ أَبَدَاً قال مجاهد: ﴿صَعُوداً﴾: "عذاباً لا راحة منه". وقال قتادة: "مشقة من العذاب". * * - ثم قال: ﴿إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ * [فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ]﴾. أي: فكر فيما أنزل الله على نبيه من القرآن، وَقَدَّرَ فيما يقول فيه، فَلُعِنَ كيف قدَّر ما هو قائل، ثم لعن كيف قَدَّرَ القولَ فيه. ﴿ثُمَّ نَظَرَ﴾. أي: ثم تَأَنّى في ذلك. * * ﴿ثُمَّ عَبَسَ﴾ أي: قبض ما بين عينيه. * * ﴿وَبَسَرَ﴾. أي: كلح وكَرَّهَ وجهه. قال عكرمة: جَاءَ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ إلى النبي ﷺ فَقَرَأَ عليه النبي القرآنَ، فكأنه رَقَّ لَهُ، فبلغَ ذلك أبا جهل. فأتاه فقال: أيْ عَمِّ، إِنَّ قومَكَ يُريدون أن يَجْمَعُوا لَكَ مَالاً. قَالَ: لِمَ؟ قَالَ: يُعْطُونَكَ! فإنك أتيت محمداً تَتَعَرَّضُ لِمَا قِبَلَهُ. قال: قد علمت قريش أني أكثرها مالاً! قال: فقل فيه قولاً يَعْلَمُ قومُكَ أَنَّكَ مُنْكِرٌ" [لِمَا قَالَ]، وَأَنَّكَ كارِهٌ له، قال: فماذا أقول فيه؟ فوَالله مَا مِنْكُمْ رَجُلٌ أَعْلَمُ مِنِّي بِالأَشْعَارِ ولاَ أَعْلَمُ بِرَجَزِهِ وَلاَ بِقَصدِهِ، وَلاَ بِأَشْعَارِ الجِنِّ، وَ (اللهِ) لاَ يُشْبِهُ الذِي يَقُولُ شَيْئاً مِنْ هَذَا، وَاللهِ إِنَّ لِقَوْلِهِ الذِي يَقُولُ لَحَلاَوَةً! وَإِنهُ لَيَحْطِمُ مَا تَحْتَهُ! وَإِنَّهُ لَيَعْلُو وَمَا يُعْلَى! قَالَ أَبُو جَهْلٍ: وَاللهِ لاَ يَرْضَى قَوْمُكَ حَتَّى تَقُولَ فِيهِ. قَالَ: فَدَعْنِي حَتَّى أُفَكِّرَ فِيهِ. (فَلَمَّا فَكَّرَ فِيهِ) قَالَ: هَذَا سِحْرٌ يَأْثُرُهُ [عن] غيره، فنزلت ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً﴾ قال ابن عباس: دَخَلَ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ عَلَى أَبِي بَكْرٍ يَسُأَلُهُ عَنِ القُرآن، فَلَمَّا أَخْبَرَهُ خَرَجَ عَلَى قُرَيْشٍ فَقَالَ: يَا عَحَبَاً لِمَا يقول ابْنُ أَبِي كَبْشَةَ! فَوَاللهِ، ما هُوَ بِشِعْرٍ وَلاَ بِسِحْرٍ وَلاَ [بِهَذْيٍ] مِنْ جُنُونٍ، وَإِنهُ لَمِنْ كَلاَمِ اللهِ - جَلَّ وَعَز - فَلَمَّا سَمِعَ بِذلِكَ النَّفَرُ (مِنْ قُرَيْشٍ) [ائْتَمَرُوا] بَيْنَهُمْ، وَقَالُوا: وَاللهِ لَئِنْ صَبَأَ الوَلِيْدُ لَتَصْبُؤَنَّ قُرَيْشٌ، فَلَمَّا سَمِعَ بِذلِكَ أَبُو جَهْلٍ بْنُ هِشَامٍ قَالَ: أَنَا وَالله أَكْفِيكُمْ شَأْنَهُ. فَانْطَلَقَ حَتَى دَخَلَ عَلَيْهِ بَيْتَهُ، فَقَالَ: [أَلَمْ تَرَ] قَوْمَكَ قَدْ جَمَعُوا لَكَ الصَّدَقَةَ؟! قَالَ: أَلَسْتُ أَكْثَرَهُمْ مَالاً وَوَلَداً؟! فَقَالَ لَهُ أَبُو جَهْلٍ: يَتَحَدَّثُونَ أَنَّكَ تَدْخُلُ عَلَى ابْنِ أَبِي قُحَافَةَ لِتُصِيبَ مِنْ طَعَامِهِ! قَالَ الوَلِيدُ: [أَقَدْ] تَحَدَّثَتْ بِذَلِك عَشِيرَتِي؟! فَلاَ وَأَيْمُ جَابِرِ بْنُ قُصَيَّ، لاَ أَقْرَبُ أَبَا بَكْرٍ (وَلاَ عُمَرَ) وَلاَ ابْنَ أَبِي كَبْشَةَ، [وَمَا قَوْلُهُ إِلاَّ سِحْرٌ] يُؤْثَرُ. فَأَنْزَلَ اللهُ ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً...﴾ إلى ﴿لاَ تُبْقِي (وَلاَ) تَذَرُ﴾ قال قتادة: ذكر أنه قال: والله، لقد نظرت [فيما قال هذا الرجل]، [فإذا] هو ليس بشعر، وإن له لحَلاَوَةً، وإن عليه لَطُلاَوَةً، وإنه لَيَعْلُو وما يُعْلَى، ومَا أَشُكُّ أَنَّهُ سِحْرٌ. وقال الضحاك: دعاه النبي ﷺ إلى الإسلام، فقال: حتى أنظر! فَفَكَّرَ، ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ، ثُمَّ أَدْبَرَ واسْتَكبر، فقال: إن هذا إلا سحر يؤثر، فجعل الله له سقر. قال أبو رزين (سحر) (أي): يَأْثُرُهُ من غيره. * * - ﴿إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ قَوْلُ ٱلْبَشَرِ﴾. أي: ما هذا الذي يتلوه محمد إلا قول بني آدم وما هو بكلام الله. [فهذا أول من قال: القرآن مخلوق، قاله الوليد بن المغيرة فأدخله الله سقر. قال بعض العلماء: فكذا يُفْعَلُ بكل من قال: القرآن مخلوقٌ، قاله أحمد بن زيد]. * * - ثم قال: ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾. أي: [سأورده] سقر، وهو باب من أبواب جهنم. يروى أنه الباب السادس منها، نعوذ بالله منها. * * - ﴿وَمَآ أَدْرَاكَ مَا (سَقَرُ)﴾. أي: وأي شيء أدراك ما سقر؟، ثم بَيَّنَهُ وأَدْرَاهُ به [فقال] في صفة سقر. * * - ﴿لاَ تُبْقِي وَلاَ تَذَرُ﴾. أي: هي نارٌ لا تُبْقي من فيها حياً، ولا تَذَرُ من فيها ميتاً، لكنها تحرقهم، كلما احترقوا جُدِّدَ خَلْقُهُمْ. قال مجاهد: ﴿لاَ تُبْقِي وَلاَ تَذَرُ﴾ أي: لا تُحْيِي وَلاَ تُمِيتُ وقيل: ﴿لاَ تُبْقِي وَلاَ تَذَرُ﴾: لا تبقي الكافر حتى يصير فحمة ثم يُعاد خلقاً جديداً ثم لا تذره حتى يعود عليه العذاب بِأَشَدِّ مِمَّا كان هكذا أبداً، نعوذ بالله من ذلك. * * - ثم قال تعالى: ﴿لَوَّاحَةٌ لِّلْبَشَرِ﴾. أي: مغيرة لبشرة من فيها. قال مجاهد: ﴿لَوَّاحَةٌ لِّلْبَشَرِ﴾، أي: مُغَيِّرَةٌ للجلد. وقال قتادة: "خَرَّاقَةٌ للجلد". وقيل: معناه: تَلُوحُ لأَهْلِها من مسيرة خمسمائة عام. وعلى القول الأول أكثر الناس أنها تُغَيِّرُ البَشَرَةَ. قال [أبو رزين]: تلفح الجلد لفحة تَدَعُهُ أَشَدَّ سواداً من الليل. وقال ابن عباس: "تحرق بَشَرَةَ الإنسان". * * - ثم قال: ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾. أي: من الخزنة. ذكر ابن عباس أَنَّ هَذَا لما نَزَلَ عَلَى النبي ﷺ، قَالَ أَبُو جَهْلٍ لِقُرَيْشٍ: ثَكِلَتْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ! أَسْمَعُ ابْنَ أَبِي كَبْشَةَ يُخْبِرُكُمْ أَنَّ خَزَنَةَ النَّارِ تِسْعَةَ عَشَرَ. وَأَنْتُمْ [الدَّهْمُ] أَفَتَعْجَزُ كُلُّ عَشَرَةٍ مِنْكُمْ أَنْ تَبْطِشَ بِرَجُلٍ مِنْ [خَزَنَةِ] جَهَنَّمَ؟! فَأَوْحَى اللهُ إلى نَبِيِّهِ أَنْ يَأْتِيَ أَبَا جَهْلٍ فَيَأْخُذَ بِيَدِهِ فِي بَطْحَاءِ مَكَّةَ فَيقُولَ ﴿أَوْلَىٰ لَكَ فَأَوْلَىٰ * ثُمَّ أَوْلَىٰ لَكَ فَأَوْلَىٰ﴾ [القيامة: ٣٤-٣٥]. فَلَمَّا فَعَلَ بِهِ ذَلكَ رَسُولُ اللهِ قَالَ لَهُ أَبُو جَهْلٍ: وَاللهِ، لاَ تَفْعَلُ أَنْتَ وَرَبُّكَ شَيْئا. فَأَخْزَاهُ - جَلَّ ذِكْرُهُ - يَوْمَ بَدْرٍ فَقُتِلَ. قال كعب الأحبار: ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾: ما منهم ملك إلا ومعه عمود ذو شعبتين يدفع به الدفعة فيلقي في النار تسعين ألفاً. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَآ أَصْحَٰبَ ٱلنَّارِ إِلاَّ مَلَٰئِكَةً﴾ أي: لم نجعل أصحاب النار رجالاً مثلكم فتطمعوا بالتغلب عليهم كما قال أبو جهل لقريش: أفلا يستطيع كل عشرة منكم أن يغلبوا منهم واحداً؟!. فإذا كانت الخزنة ملائكة، فمن ذا يطيق الملائكة؟!. * * - ثم قال: ﴿وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلاَّ فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾. أي: لم نجعلهم تسعة عشر فقط لقلة الملائكة؛ ولكن جعلناهم كذلك ليفتتن الذين كفروا ويستقلوا عدتهم ويُحدثوا أنفسهم بالتغلب على الخزنة حتى قال [أبو الأشد الجمحي]: أنا [أُجْهِضُهُمْ] [عن] النار. وقيل: إن كَلَدَةَ بن أسيد بن خلف قال: أنا أكفيكم سبعة عشر، واكفوني اثنين. * * - ثم قال تعالى: ﴿لِيَسْتَيْقِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَٰبَ﴾. أي: فعلنا ذلك ليفتتن الذين كفروا [وليتيقن] الذين أُوتوا التوراة والإنجيل حقيقة ما في كتبهم من الخبر عن عدة خزنة جهنم، لأنه كذلك عدتهم في التوراة (والإنجيل). هذا معنى قول ابن عباس وغيره. وهو قول مجاهد. قال قتادة: يُصَدِّقُ القرآنُ الكُتُبَ التي كانت قبله، فيها كُلِّها خَزَنَةُ النَّارِ تِسْعَةَ عَشَرَ. وهو قول الضحاك. وقال ابن زيد: ﴿لِيَسْتَيْقِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَٰبَ...﴾ "أنك رسول الله". * * ثم قال تعالى: ﴿وَيَزْدَادَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوۤاْ إِيمَٰناً﴾ أي: تصديقاً إلى تصديقهم بعدة خزنة جهنم. * * - ثم قال: ﴿وَلاَ يَرْتَابَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَٰبَ وَٱلْمُؤْمِنُونَ﴾ أي: ولا يشك أهل الكتاب [و] المؤمنون في حقيقة ذلك. * * - ثم قال: ﴿وَلِيَقُولَ ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ﴾ أي: نفاق. * * ﴿وَٱلْكَٰفِرُونَ﴾ يعني: مشركي قريش. * * - ﴿مَاذَآ أَرَادَ ٱللَّهُ بِهَـٰذَا مَثَلاً﴾. أي: ماذا أراد الله بهذا حين يخوفنا بهؤلاء التسعة عشر. - قال الله: ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ ٱللَّهُ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ﴾. أي: كما أضل هؤلاء المنافقين والمشركين القائلين: أي شيء أراد الله بهذا مثلاً؟! كذلك يضل الله من يشاء] من خلقه فَيَخْذُلُهُ عن إصابة الحق، ويهدي من يشاء فيوفقه للحق. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ﴾ أي: لا يعلم (مقدار) كثرة جنود ربك يا محمد إلا رَبُّكَ. روي عن النبي ﷺ أنه قال: "إِنَّ لله مَلاَئِكَةٌ تَرْعَدُ فَرَائِصَهُمْ مَخَافَةً مِنْهُ، وَإِنَّ مِنْهُمْ مَنْ لاَ تَقْطُرُ مِنْ عَيْنَيْهِ دَمْعَةً إِلاَّ وَقَعَتْ مَلَكاً يُسَبِّحُ، وَمَلاَئِكَةٌ سُجُودٌ مِنْذُ خَلَقَ اللهُ السَّمَواتِ لَمْ يَرْفَعُوا رُؤوسَهِمْ وَلاَ يَرْفَعُونَهَا إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ، وَمِنْهُمْ [مَلاَئِكَةٌ] وُقُوفٌ لم يَنْصَرِفُوا وَلاَ يَنْصَرِفُونَ إلى يوم القيامة. فإذا كان يوم القيامة، تَجَلَّى لَهُمْ رَبُّهُمْ - جَلَّ ذِكْرُهُ - فَقَالوا: سُبْحَانَكَ! مَا عَبَدْنَاكَ حَقَّ عِبَادَتِكَ! وقال كعب: إن لله عز وجل ملائكة من يوم خلقهم قياماً، [ما] ثنوا أصلابهم، وآخرين ركوعاً ما رفعوا أصلابهم، وآخرين [سجوداً] ما رفعوا رؤوسهم حتى يُنْفَخَ في الصور النفخةَ الآخرة فيقولون جميعاً: سبحانك! ما عبدناك كما ينبغي أن تُعْبَدَ. ثم قال كعب: والله، لو أن رجلاً عَمِلَ عَمَلَ سبعين نبيّاً، [لاسْتَقَلَ] عمله يوم القيامة من شدة ما يرى يومئذ. والله، لو دلي من [غسلين] دلو واحد من مطلع الشمس، لغلت منه جماجم قوم في مغربها. والله، [لَتَزْفَرَنَّ] جهنم زَفْرَةً لا يبقى ملك مقرب إلا خَرَّ جَاثِياً عَلَى رُكْبَتَيهِ. وروى ابن المبارك حديثاً - رفعه - أن ملكاً سجد لما استوى الرب [تعالى] على عرشه، فلم يرفع رأسه [و] لا يرفعه إلى يوم القيامة، فيقول يوم القيامة: لم أعبدك حق عبادتك، إلا أني لم أشرك بك شيئاً، ولم أتخذ من دونك ولياً. وقد وصفهم الله في كتابه فقال: ﴿يُسَبِّحُونَ ٱلَّيلَ وَٱلنَّهَارَ لاَ يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٠]. قال كعب: التسبيح للملائكة بمنزلة النَّفَسِ لبَنِي آدم، أُلْهِمُوا التسبيح كما ألهمتم الطَّرْفَ والنَّفَسَ. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَمَا هِيَ إِلاَّ ذِكْرَىٰ لِلْبَشَرِ﴾. يعني النار التي وصفها. يقول: ليس ما وصفتها به من تغييرها للبشر وعدة خزنتها إلا عظةً وعبرة للناس يتعظون بها. * * - ثم قال: ﴿كَلاَّ وَٱلْقَمَرِ﴾. أجاز الطبري الوقف على "كَلاَّ"، [جعله] رَدَّاً لِمَا قبلها. والمعنى عنده: ليس القول كما يقول من زعم أنه يكفي أصحابه المشركين خزنة جهنم التسعة عشر حتى يجهضهم عنها. وقال الفراء: تقديره: "إي والقمر، وقيل: تقديره: "حقاً" (وقيل): "أَلاَ". * * - ﴿وَٱلْقَمَرِ..﴾. أي: ورب القمر ورب الليل إذا أدبر، أي: ولى. * * - ﴿وَٱلصُّبْحِ إِذَآ أَسْفَرَ﴾. أي: أضاءَ وأقبل. يقال: أسفر الصبح إذا أضاء وانكشف. ومنه: سفرت المرأة عن وجهها إذا كشفته. ومنه قيل: "سفر" للكتاب الذي فيه العلم، لأنه يبين ويكشف. ومنه سفرت الريح الغمام: كشفته. ومنه: سفرت البيت: أي كنسته، ومنه قيل: "سفير" للذي يسعى في الصلح، لأنه يكشف المكروه ويزيله. وحكى بعض البصريين: دبرني إذا جاء خلفي. وأدبر إذا ولى. واختار [أبو عبيد] [إِذَا اَدْبَرَ]، لأن بعده: ﴿إِذَآ أَسْفَرَ﴾. وحكي: دبر وأدبر: لغتان بمعنى، يقال: دبر النهار وأدبر. ودبر الصيف وأدبر، وكذلك قبل وأقبل. فإذا قالوا: أقبل الراكب و "أدبر" لم يُقَلْ إلا بالألف. وقيل: معنى ﴿إِذْ أَدْبَرَ﴾ أي: إذ أدبر النهار، وكان في آخره. وسأل رجل ابن عباس عن قوله: ﴿وَٱللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ﴾ فقال: امكث، فلما سمع الأذان [الأول] قال: هذا حين دبر الليل. * * - ثم قال: ﴿إِنَّهَا لإِحْدَى ٱلْكُبَرِ﴾. يعني جهنم، أي: هي إحدى الأمور العظام. و (إحدى): فُعْلَى، نَعْتٌ، وهو قليل، إنما تأتي هذه النعوت غير المصادر بضم الأول أو بفتحه. * * - ثم قال: ﴿نَذِيراً لِّلْبَشَرِ﴾. قال أبو رزين: يقول الله جل ذكره: أنا نذير للبشر. وقال [ابن زيد]: معناه: محمد نذير للبشر. ونصبها على الحال من المضمر في "إنها" [أَوْ مِنْ] "إِحْدَى". وهذان القولان يدلان على أن النار هي النذير، وهو قول الحسن. ويجوز أن تكون حالاً من "هو" في قوله: ﴿إِلاَّ هُوَ﴾، أو على إضمار فعل تقديره: صَيَّرَهَا ﴿نَذِيراً﴾، وهذا على قول أبي رزين. وقال الكسائي: هي حال من المضمر في ﴿قُمْ﴾ أي: قم نذيراً، من أول السورة. وهو يرجع إلى قول ابن زيد. وقيل: ﴿نَذِيراً﴾ بمعنى إنذار، فنصبه على المصدر. (وقيل: نصبه على المصدر) [وقيل: نصبه على أعني]. ومن جعله للنار حذف [الياء] من "نذير" لأنه بمعنى النسب.

المدثر 74:5

قوله تعالى: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنذِرْ﴾ إلى قوله: ﴿نَذِيراً لِّلْبَشَرِ﴾. أي: يا أيها المدثر بثيابه عند نومه. وروي أن النبي ﷺ [قيل له ذلك] وهو متدثر بقطيفة. ذكره النخعي. وروي أن هذا أول ما نزل على النبي ﷺ. رواه جابر بن عبد الله قال: حَدَّثَنِي النَّبِيُّ ﷺ، قَالَ: جَاوَرْتُ فِي حِرَاءَ، فَلَمَّا قَضَيْتُ [جِوَارِي] هَبَطْتُ فَاسْتَبْطَنْتُ [الوَادِيَ]، فَنُودِيتُ فَنَظَرْتُ عَنْ يَمِينِي وَعَنْ شِمَالِي وَخَلْفِي (وَقُدَّامِي) فَلَمْ أَرَ شَيْئاً، فَنَظَرْتُ فَوْقَ رَأْسِي فَإِذَا هُوَ - يَعْنِي المَلَكَ - جَالِسٌ عَلَى عَرْشٍ بَيْنَ السَّمَاءِ والأَرْضِ [فَجُثِثْتُ] مِنْهُ. فَأَتَيْتُ خَدِيجَةَ فَقُلْتُ: دَثِّرُونِي، (دَثِّرُونِي)، وَصُبُّوا عَلَيَّ مَاءً. وَأُنْزِلَ عَلَيَّ ﴿يٰأَيُّهَا ٱلْمُدَّثِّرُ﴾ وقال الزهري: كان أول شيء أنزل عليه: ﴿ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق: ١] حتى بلغ ﴿(عَلَّمَ ٱلإِنسَانَ) مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: ٥]. قال ابن عباس: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلْمُدَّثِّرُ﴾: "يأ أيها النائم". وقال قتادة: المدثر في ثيابه. وقال عكرمة: معناه: "دُثرت هذا الأَمر فقم به"، يعني النبوة. * * - وقوله: ﴿قُمْ فَأَنذِرْ﴾. أي: قم من نومك فأنذر قومك عذاب الله على شركهم بالله. * * - ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾. أي: فعظم. * * - ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾. أي: لا تلبسها على معصية ولا [غدرة]. قاله ابن عباس. وعنه أيضاً: فطَهِّرْها من الإثم. وقال النخعي: فطهرها من الذنوب. والعرب تقول لرجل إذا نكث ولم يف بعهده: إنه لدنس الثياب، وإذا أوفى بعهده وأصلح: إنه لمُطَهَّر الثياب. وقال الضحاك: معناه: "لا تلبس ثيابك على معصية". وقال ابن زيد: معناه: "وعملك فأصلحه"، قال: والعرب تقول للرجل الخبيث العمل: فلان خبيث الثياب. وإذا كان حسن العمل (قالوا: فلان طاهر الثياب. وعن ابن عباس أيضاً أن معناه: "لا تلبس ثيابك) من [مكسب] غير طيب. وعن مجاهد أن معناه: "لست بكاهن ولا ساحر، فأَعْرِض عما قالوا". (وقال) ابن سيرين: معناه: اغسل ثيابك من النجاسة. وهو قول ابن زيد، وبهذا احتج الشافعي في وجوب طهارة الثوب (وأنه فرض. ومذهب مالك أن طهارة الثوب ليس بفرض، وهو قول أهل المدينة وإنما طهارة الثوب) سنة. ولذلك، من صلى بثوب نجس ولا يعلم أعاد في الوقت. ولو كانت طهارة الثوب فرضاً لأعاد أبداً. وكذلك البدن تقع فيه النجاسة ليست طهارته فرضاً. يدل على ذلك إجماع المسلمين على أن صلاة من استجمر بالحجارة من الغائط جائزة، مع أن موضع خروج الأذى لم يغسل بالماء. * * - ثم قال ﴿وَٱلرُّجْزَ [فَٱهْجُرْ]﴾. أي: والأَوْثَانَ فاهجر عبادتها. والضم والكسر في الراء لغتان عند الفراء. وقيل: الكسر معناه العَذاب. فتكون الأوثان سميت بالعذاب. لأنها سببه. والضم معناه الأوثان. وأول من فرق بينهما الكسائي. وأكثر الناس على أنه لا فرق بينهما وأنه يراد به الأوثان، [ضَمَمْتَ] الراءَ أو كَسَرْتَهَا. قال ابن عباس: الرجز: "السخط، وهو الأصنام". وقال مجاهد وعكرمة: الرجز: "الأوثان. وقاله الزهري. وقال قتادة: "الرجز: صنمان كانا عند البيت: [إساف ونائلة]، يَمْسَحُ وُجُوهَهُمَا من أتى عليهما، فأمر الله نبيه أن [يجتنبهما] ويعتزلهما". قال ابن زيد: "الرجز آلهتهم التي كانوا يعبدون، (أمره الله) أن يهجرها [فلا يأتيها ولا يقربها]". وقال النَّخعي: المعنى: والمعصية [فاهجر]. * * - ثم قال تعالى ﴿وَلاَ تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ﴾. قال ابن عباس: معناه: ولا تعط يا محمد عطية لتعطى أكثر منها. وهو (معنى) قول أكثر [المفسرين]. وهذا خصوص للنبي ﷺ، وهو مباح لأمته إلا أنه لا أجر [لهم] في ذلك. وهو قوله تعالى: ﴿وَمَآ آتَيْتُمْ مِّن رِّباً لِّيَرْبُوَاْ فِي أَمْوَالِ ٱلنَّاسِ فَلاَ يَرْبُواْ عِندَ ٱللَّهِ﴾ [الروم: ٣٩] وقد قال الضحاك: هو الربا (في) الحلال [قال]: وهما ربوان: حرام وحلال. فأما الحلال فالهدايا. وأما الحرام فالربا بعينه. وقال الحسن: معناه: لا تستكثر عملك الصالح. وهو اختيار الطبري. وقال الربيع بن أنس: معناه: "لاَ يَكْثُرَنْ عملُك في عينك، فإنه فيما أنعم الله [عليك] وأعطاك قليل". وعن مجاهد أن معناه: لا تضعف أن تستكثر من الخير من قولهم: "حبل منين" إذا كان ضعيفاً. وفي قراءة ابن مسعود: "وَلاَ تَمْنُنْ أَنْ تَسْتَكْثِرَ". قال الكسائي: فإذا حذف "أن" رفع، وهو حال (عند) البصريين. وقال ابن زيد: معناه: لا تمنن بالقرآن والنبوة فتستكثرهم به، تأخذ على ذلك عوضاً من الدنيا. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَلِرَبِّكَ فَٱصْبِرْ﴾. أي: اصبر على ما تَلْقَى من قومك لربك [واحتمل] أذاهم. وقال ابن زيد: معناه، اصبر على محاربة العرب والعجم، قال: "حُمِّلَ أمراً عظيماً، مُحَارَبَةَ العرب ثم العجم من بعد العرب في الله". وقال النخعي: معناه: ولربك فاصبر على عطيتك، ولا تعطها لتأخذ أكثر منها، بل احتسبها الله. * * - ثم قال تعالى: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي ٱلنَّاقُورِ * فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾. يقال: [عَسُرَ] الأمرُ إذا صَعُبَ فهو عَسِيرٌ، [وعَسِرَ] فهو عَسِرٌِ. والمعنى: فإذا نفخ في الصور فذلك [يوم] شديد صعب غير سهل على الكافرين. روى ابن عباس أنَّ النبي ﷺ قَالَ: "كَيْفَ أَنْعَمُ وَصَاحِبُ القَرْنِ قَدِ التَقَمَ القَرْنُ [وَحَنَى] جَبْهَتَهُ لِيَسْتَمِعَ مَتَى يُؤْمَرُ، يَنْفُخُ فِيهِ. قَالَ: فَاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلى أَصْحَابِهِ فَأَمَرَهُمْ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَقُولُوا ﴿حَسْبُنَا ٱللَّهُ وَنِعْمَ ٱلْوَكِيلُ﴾ ﴿عَلَى ٱللَّهِ تَوَكَّلْنَا﴾ قال عكرمة: الناقور: الصور. قال مجاهد: (هو) شَيْءٌ كَهَيْئَةِ [البُوقِ]. * * - ثم قال: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً﴾. أي: كِلْ - يا محمد - أَمْرَ هذا الذي خلقته في بطن أمه وحيداً لا شيء له من مال ولا ولد، يعني بذلك الوليد بن المغيرة المخزومي. قال ابن عباس: "أَنْزَلَ اللهُ فِي الوَليدِ بِنْ المُغِيرَةِ ﴿ذَرْنِي﴾ ﴿وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً﴾. [وقوله: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ...﴾ [الحجر: ٩٢] إلى آخرها". وقيل: معناه: دعني يا محمد ومجازاة من خلقته وحده، فيكون "وحيداً"] على القول الأول حالاً من الهاء المحذوفة في "خلقته". وعلى (هذا) القول الآخر حالاً من التاء في "خلقته". وفي هذا الكلام تهدد عظيم ووعيد. والعرب تقول: ذرني وزيداً، أي: كِلْ عقوبته ومُطالَبَتَهُ إلي. فالمعنى: كِلْ - يا محمد - عقوبة هؤلاء إلي، فلست أحتاج [في ذلك] إلى معين ولا ظهير. ويُرْوى أنه كان يقول: أنا الواحد بن الوحيد، ليس لي من العرب نظير ولا لأبي المغيرة نظير. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَجَعَلْتُ لَهُ مَالاً مَّمْدُوداً﴾. قال مجاهد وابن جبير: هو ألف دينار. وقال سفيان: (بلغني) أنه أربعة آلاف دينار. وقيل: هو الأرض يزرع فيها. قاله النعمان بن سالم. وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: هو غَلَّةٌ شهر [بشهر]. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَبَنِينَ شُهُوداً﴾. أي: وجعلت له بنين شهوداً، أي: [حضوراً]. روي أنه كان له عشرة من الولد. وقد قاله مجاهد وغيره. وروي أنه ما زاد بعد نزول هذه الآية إلا [ارتكاساً] في ماله وولده ونفسه. * * - ثم قال: ﴿وَمَهَّدتُّ لَهُ تَمْهِيداً﴾. أي: بسطت له في العيش بسطاً. قاله سفيان. وقال مجاهد: "من المال والولد". * * - ثم قال: ﴿ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ * كَلاَّ﴾ ثم يَأْمَلُ أن أزيده من المال والولد على ما أعطيته ﴿كَلاَّ﴾: أي: ليس الأمر على ما يُؤَمِّلُ، أي: لا يكون ذلك]. * * - ثم قال: ﴿إِنَّهُ كان لآيَاتِنَا عَنِيداً﴾. أي: إنه كان لرد حجتنا وآياتنا معانداً، مجانباً. يقال: عَنُدَ البَعيرُ [يَعْنِدُ عُنُوداً]، [وبَعِيرٌ عَنُودُ]: إذَا مشى مجانباً للإبل لا يمشي معها. قال ابن عباس: ﴿عَنِيداً﴾ "جحوداً". وهو قول قتادة. وقال مجاهد: "معانداً للحق، مجانباً له". وقال سفيان: ﴿عَنِيداً﴾ "مشاقاً لنا". * * - ثم قال: ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً﴾. أي: سأكلفه مشقة من العذاب لا راحة منها. وقيل: الصعود جبل من نار (يكلفون) أن يصعدوه، فإذا وضع يده عليه ذابت، فإذا رفعها عادت، وإذا وضع رجله كذلك. وروى أبو سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: "الصُّعُودُ جَبَلٌ مِنْ نَارٍ يَصْعَدُ فِيهِ سَبْعينَ خَرِيفاً ثُمَّ يَهْوِي كَذلِكَ أَبَدَاً قال مجاهد: ﴿صَعُوداً﴾: "عذاباً لا راحة منه". وقال قتادة: "مشقة من العذاب". * * - ثم قال: ﴿إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ * [فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ]﴾. أي: فكر فيما أنزل الله على نبيه من القرآن، وَقَدَّرَ فيما يقول فيه، فَلُعِنَ كيف قدَّر ما هو قائل، ثم لعن كيف قَدَّرَ القولَ فيه. ﴿ثُمَّ نَظَرَ﴾. أي: ثم تَأَنّى في ذلك. * * ﴿ثُمَّ عَبَسَ﴾ أي: قبض ما بين عينيه. * * ﴿وَبَسَرَ﴾. أي: كلح وكَرَّهَ وجهه. قال عكرمة: جَاءَ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ إلى النبي ﷺ فَقَرَأَ عليه النبي القرآنَ، فكأنه رَقَّ لَهُ، فبلغَ ذلك أبا جهل. فأتاه فقال: أيْ عَمِّ، إِنَّ قومَكَ يُريدون أن يَجْمَعُوا لَكَ مَالاً. قَالَ: لِمَ؟ قَالَ: يُعْطُونَكَ! فإنك أتيت محمداً تَتَعَرَّضُ لِمَا قِبَلَهُ. قال: قد علمت قريش أني أكثرها مالاً! قال: فقل فيه قولاً يَعْلَمُ قومُكَ أَنَّكَ مُنْكِرٌ" [لِمَا قَالَ]، وَأَنَّكَ كارِهٌ له، قال: فماذا أقول فيه؟ فوَالله مَا مِنْكُمْ رَجُلٌ أَعْلَمُ مِنِّي بِالأَشْعَارِ ولاَ أَعْلَمُ بِرَجَزِهِ وَلاَ بِقَصدِهِ، وَلاَ بِأَشْعَارِ الجِنِّ، وَ (اللهِ) لاَ يُشْبِهُ الذِي يَقُولُ شَيْئاً مِنْ هَذَا، وَاللهِ إِنَّ لِقَوْلِهِ الذِي يَقُولُ لَحَلاَوَةً! وَإِنهُ لَيَحْطِمُ مَا تَحْتَهُ! وَإِنَّهُ لَيَعْلُو وَمَا يُعْلَى! قَالَ أَبُو جَهْلٍ: وَاللهِ لاَ يَرْضَى قَوْمُكَ حَتَّى تَقُولَ فِيهِ. قَالَ: فَدَعْنِي حَتَّى أُفَكِّرَ فِيهِ. (فَلَمَّا فَكَّرَ فِيهِ) قَالَ: هَذَا سِحْرٌ يَأْثُرُهُ [عن] غيره، فنزلت ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً﴾ قال ابن عباس: دَخَلَ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ عَلَى أَبِي بَكْرٍ يَسُأَلُهُ عَنِ القُرآن، فَلَمَّا أَخْبَرَهُ خَرَجَ عَلَى قُرَيْشٍ فَقَالَ: يَا عَحَبَاً لِمَا يقول ابْنُ أَبِي كَبْشَةَ! فَوَاللهِ، ما هُوَ بِشِعْرٍ وَلاَ بِسِحْرٍ وَلاَ [بِهَذْيٍ] مِنْ جُنُونٍ، وَإِنهُ لَمِنْ كَلاَمِ اللهِ - جَلَّ وَعَز - فَلَمَّا سَمِعَ بِذلِكَ النَّفَرُ (مِنْ قُرَيْشٍ) [ائْتَمَرُوا] بَيْنَهُمْ، وَقَالُوا: وَاللهِ لَئِنْ صَبَأَ الوَلِيْدُ لَتَصْبُؤَنَّ قُرَيْشٌ، فَلَمَّا سَمِعَ بِذلِكَ أَبُو جَهْلٍ بْنُ هِشَامٍ قَالَ: أَنَا وَالله أَكْفِيكُمْ شَأْنَهُ. فَانْطَلَقَ حَتَى دَخَلَ عَلَيْهِ بَيْتَهُ، فَقَالَ: [أَلَمْ تَرَ] قَوْمَكَ قَدْ جَمَعُوا لَكَ الصَّدَقَةَ؟! قَالَ: أَلَسْتُ أَكْثَرَهُمْ مَالاً وَوَلَداً؟! فَقَالَ لَهُ أَبُو جَهْلٍ: يَتَحَدَّثُونَ أَنَّكَ تَدْخُلُ عَلَى ابْنِ أَبِي قُحَافَةَ لِتُصِيبَ مِنْ طَعَامِهِ! قَالَ الوَلِيدُ: [أَقَدْ] تَحَدَّثَتْ بِذَلِك عَشِيرَتِي؟! فَلاَ وَأَيْمُ جَابِرِ بْنُ قُصَيَّ، لاَ أَقْرَبُ أَبَا بَكْرٍ (وَلاَ عُمَرَ) وَلاَ ابْنَ أَبِي كَبْشَةَ، [وَمَا قَوْلُهُ إِلاَّ سِحْرٌ] يُؤْثَرُ. فَأَنْزَلَ اللهُ ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً...﴾ إلى ﴿لاَ تُبْقِي (وَلاَ) تَذَرُ﴾ قال قتادة: ذكر أنه قال: والله، لقد نظرت [فيما قال هذا الرجل]، [فإذا] هو ليس بشعر، وإن له لحَلاَوَةً، وإن عليه لَطُلاَوَةً، وإنه لَيَعْلُو وما يُعْلَى، ومَا أَشُكُّ أَنَّهُ سِحْرٌ. وقال الضحاك: دعاه النبي ﷺ إلى الإسلام، فقال: حتى أنظر! فَفَكَّرَ، ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ، ثُمَّ أَدْبَرَ واسْتَكبر، فقال: إن هذا إلا سحر يؤثر، فجعل الله له سقر. قال أبو رزين (سحر) (أي): يَأْثُرُهُ من غيره. * * - ﴿إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ قَوْلُ ٱلْبَشَرِ﴾. أي: ما هذا الذي يتلوه محمد إلا قول بني آدم وما هو بكلام الله. [فهذا أول من قال: القرآن مخلوق، قاله الوليد بن المغيرة فأدخله الله سقر. قال بعض العلماء: فكذا يُفْعَلُ بكل من قال: القرآن مخلوقٌ، قاله أحمد بن زيد]. * * - ثم قال: ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾. أي: [سأورده] سقر، وهو باب من أبواب جهنم. يروى أنه الباب السادس منها، نعوذ بالله منها. * * - ﴿وَمَآ أَدْرَاكَ مَا (سَقَرُ)﴾. أي: وأي شيء أدراك ما سقر؟، ثم بَيَّنَهُ وأَدْرَاهُ به [فقال] في صفة سقر. * * - ﴿لاَ تُبْقِي وَلاَ تَذَرُ﴾. أي: هي نارٌ لا تُبْقي من فيها حياً، ولا تَذَرُ من فيها ميتاً، لكنها تحرقهم، كلما احترقوا جُدِّدَ خَلْقُهُمْ. قال مجاهد: ﴿لاَ تُبْقِي وَلاَ تَذَرُ﴾ أي: لا تُحْيِي وَلاَ تُمِيتُ وقيل: ﴿لاَ تُبْقِي وَلاَ تَذَرُ﴾: لا تبقي الكافر حتى يصير فحمة ثم يُعاد خلقاً جديداً ثم لا تذره حتى يعود عليه العذاب بِأَشَدِّ مِمَّا كان هكذا أبداً، نعوذ بالله من ذلك. * * - ثم قال تعالى: ﴿لَوَّاحَةٌ لِّلْبَشَرِ﴾. أي: مغيرة لبشرة من فيها. قال مجاهد: ﴿لَوَّاحَةٌ لِّلْبَشَرِ﴾، أي: مُغَيِّرَةٌ للجلد. وقال قتادة: "خَرَّاقَةٌ للجلد". وقيل: معناه: تَلُوحُ لأَهْلِها من مسيرة خمسمائة عام. وعلى القول الأول أكثر الناس أنها تُغَيِّرُ البَشَرَةَ. قال [أبو رزين]: تلفح الجلد لفحة تَدَعُهُ أَشَدَّ سواداً من الليل. وقال ابن عباس: "تحرق بَشَرَةَ الإنسان". * * - ثم قال: ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾. أي: من الخزنة. ذكر ابن عباس أَنَّ هَذَا لما نَزَلَ عَلَى النبي ﷺ، قَالَ أَبُو جَهْلٍ لِقُرَيْشٍ: ثَكِلَتْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ! أَسْمَعُ ابْنَ أَبِي كَبْشَةَ يُخْبِرُكُمْ أَنَّ خَزَنَةَ النَّارِ تِسْعَةَ عَشَرَ. وَأَنْتُمْ [الدَّهْمُ] أَفَتَعْجَزُ كُلُّ عَشَرَةٍ مِنْكُمْ أَنْ تَبْطِشَ بِرَجُلٍ مِنْ [خَزَنَةِ] جَهَنَّمَ؟! فَأَوْحَى اللهُ إلى نَبِيِّهِ أَنْ يَأْتِيَ أَبَا جَهْلٍ فَيَأْخُذَ بِيَدِهِ فِي بَطْحَاءِ مَكَّةَ فَيقُولَ ﴿أَوْلَىٰ لَكَ فَأَوْلَىٰ * ثُمَّ أَوْلَىٰ لَكَ فَأَوْلَىٰ﴾ [القيامة: ٣٤-٣٥]. فَلَمَّا فَعَلَ بِهِ ذَلكَ رَسُولُ اللهِ قَالَ لَهُ أَبُو جَهْلٍ: وَاللهِ، لاَ تَفْعَلُ أَنْتَ وَرَبُّكَ شَيْئا. فَأَخْزَاهُ - جَلَّ ذِكْرُهُ - يَوْمَ بَدْرٍ فَقُتِلَ. قال كعب الأحبار: ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾: ما منهم ملك إلا ومعه عمود ذو شعبتين يدفع به الدفعة فيلقي في النار تسعين ألفاً. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَآ أَصْحَٰبَ ٱلنَّارِ إِلاَّ مَلَٰئِكَةً﴾ أي: لم نجعل أصحاب النار رجالاً مثلكم فتطمعوا بالتغلب عليهم كما قال أبو جهل لقريش: أفلا يستطيع كل عشرة منكم أن يغلبوا منهم واحداً؟!. فإذا كانت الخزنة ملائكة، فمن ذا يطيق الملائكة؟!. * * - ثم قال: ﴿وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلاَّ فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾. أي: لم نجعلهم تسعة عشر فقط لقلة الملائكة؛ ولكن جعلناهم كذلك ليفتتن الذين كفروا ويستقلوا عدتهم ويُحدثوا أنفسهم بالتغلب على الخزنة حتى قال [أبو الأشد الجمحي]: أنا [أُجْهِضُهُمْ] [عن] النار. وقيل: إن كَلَدَةَ بن أسيد بن خلف قال: أنا أكفيكم سبعة عشر، واكفوني اثنين. * * - ثم قال تعالى: ﴿لِيَسْتَيْقِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَٰبَ﴾. أي: فعلنا ذلك ليفتتن الذين كفروا [وليتيقن] الذين أُوتوا التوراة والإنجيل حقيقة ما في كتبهم من الخبر عن عدة خزنة جهنم، لأنه كذلك عدتهم في التوراة (والإنجيل). هذا معنى قول ابن عباس وغيره. وهو قول مجاهد. قال قتادة: يُصَدِّقُ القرآنُ الكُتُبَ التي كانت قبله، فيها كُلِّها خَزَنَةُ النَّارِ تِسْعَةَ عَشَرَ. وهو قول الضحاك. وقال ابن زيد: ﴿لِيَسْتَيْقِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَٰبَ...﴾ "أنك رسول الله". * * ثم قال تعالى: ﴿وَيَزْدَادَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوۤاْ إِيمَٰناً﴾ أي: تصديقاً إلى تصديقهم بعدة خزنة جهنم. * * - ثم قال: ﴿وَلاَ يَرْتَابَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَٰبَ وَٱلْمُؤْمِنُونَ﴾ أي: ولا يشك أهل الكتاب [و] المؤمنون في حقيقة ذلك. * * - ثم قال: ﴿وَلِيَقُولَ ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ﴾ أي: نفاق. * * ﴿وَٱلْكَٰفِرُونَ﴾ يعني: مشركي قريش. * * - ﴿مَاذَآ أَرَادَ ٱللَّهُ بِهَـٰذَا مَثَلاً﴾. أي: ماذا أراد الله بهذا حين يخوفنا بهؤلاء التسعة عشر. - قال الله: ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ ٱللَّهُ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ﴾. أي: كما أضل هؤلاء المنافقين والمشركين القائلين: أي شيء أراد الله بهذا مثلاً؟! كذلك يضل الله من يشاء] من خلقه فَيَخْذُلُهُ عن إصابة الحق، ويهدي من يشاء فيوفقه للحق. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ﴾ أي: لا يعلم (مقدار) كثرة جنود ربك يا محمد إلا رَبُّكَ. روي عن النبي ﷺ أنه قال: "إِنَّ لله مَلاَئِكَةٌ تَرْعَدُ فَرَائِصَهُمْ مَخَافَةً مِنْهُ، وَإِنَّ مِنْهُمْ مَنْ لاَ تَقْطُرُ مِنْ عَيْنَيْهِ دَمْعَةً إِلاَّ وَقَعَتْ مَلَكاً يُسَبِّحُ، وَمَلاَئِكَةٌ سُجُودٌ مِنْذُ خَلَقَ اللهُ السَّمَواتِ لَمْ يَرْفَعُوا رُؤوسَهِمْ وَلاَ يَرْفَعُونَهَا إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ، وَمِنْهُمْ [مَلاَئِكَةٌ] وُقُوفٌ لم يَنْصَرِفُوا وَلاَ يَنْصَرِفُونَ إلى يوم القيامة. فإذا كان يوم القيامة، تَجَلَّى لَهُمْ رَبُّهُمْ - جَلَّ ذِكْرُهُ - فَقَالوا: سُبْحَانَكَ! مَا عَبَدْنَاكَ حَقَّ عِبَادَتِكَ! وقال كعب: إن لله عز وجل ملائكة من يوم خلقهم قياماً، [ما] ثنوا أصلابهم، وآخرين ركوعاً ما رفعوا أصلابهم، وآخرين [سجوداً] ما رفعوا رؤوسهم حتى يُنْفَخَ في الصور النفخةَ الآخرة فيقولون جميعاً: سبحانك! ما عبدناك كما ينبغي أن تُعْبَدَ. ثم قال كعب: والله، لو أن رجلاً عَمِلَ عَمَلَ سبعين نبيّاً، [لاسْتَقَلَ] عمله يوم القيامة من شدة ما يرى يومئذ. والله، لو دلي من [غسلين] دلو واحد من مطلع الشمس، لغلت منه جماجم قوم في مغربها. والله، [لَتَزْفَرَنَّ] جهنم زَفْرَةً لا يبقى ملك مقرب إلا خَرَّ جَاثِياً عَلَى رُكْبَتَيهِ. وروى ابن المبارك حديثاً - رفعه - أن ملكاً سجد لما استوى الرب [تعالى] على عرشه، فلم يرفع رأسه [و] لا يرفعه إلى يوم القيامة، فيقول يوم القيامة: لم أعبدك حق عبادتك، إلا أني لم أشرك بك شيئاً، ولم أتخذ من دونك ولياً. وقد وصفهم الله في كتابه فقال: ﴿يُسَبِّحُونَ ٱلَّيلَ وَٱلنَّهَارَ لاَ يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٠]. قال كعب: التسبيح للملائكة بمنزلة النَّفَسِ لبَنِي آدم، أُلْهِمُوا التسبيح كما ألهمتم الطَّرْفَ والنَّفَسَ. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَمَا هِيَ إِلاَّ ذِكْرَىٰ لِلْبَشَرِ﴾. يعني النار التي وصفها. يقول: ليس ما وصفتها به من تغييرها للبشر وعدة خزنتها إلا عظةً وعبرة للناس يتعظون بها. * * - ثم قال: ﴿كَلاَّ وَٱلْقَمَرِ﴾. أجاز الطبري الوقف على "كَلاَّ"، [جعله] رَدَّاً لِمَا قبلها. والمعنى عنده: ليس القول كما يقول من زعم أنه يكفي أصحابه المشركين خزنة جهنم التسعة عشر حتى يجهضهم عنها. وقال الفراء: تقديره: "إي والقمر، وقيل: تقديره: "حقاً" (وقيل): "أَلاَ". * * - ﴿وَٱلْقَمَرِ..﴾. أي: ورب القمر ورب الليل إذا أدبر، أي: ولى. * * - ﴿وَٱلصُّبْحِ إِذَآ أَسْفَرَ﴾. أي: أضاءَ وأقبل. يقال: أسفر الصبح إذا أضاء وانكشف. ومنه: سفرت المرأة عن وجهها إذا كشفته. ومنه قيل: "سفر" للكتاب الذي فيه العلم، لأنه يبين ويكشف. ومنه سفرت الريح الغمام: كشفته. ومنه: سفرت البيت: أي كنسته، ومنه قيل: "سفير" للذي يسعى في الصلح، لأنه يكشف المكروه ويزيله. وحكى بعض البصريين: دبرني إذا جاء خلفي. وأدبر إذا ولى. واختار [أبو عبيد] [إِذَا اَدْبَرَ]، لأن بعده: ﴿إِذَآ أَسْفَرَ﴾. وحكي: دبر وأدبر: لغتان بمعنى، يقال: دبر النهار وأدبر. ودبر الصيف وأدبر، وكذلك قبل وأقبل. فإذا قالوا: أقبل الراكب و "أدبر" لم يُقَلْ إلا بالألف. وقيل: معنى ﴿إِذْ أَدْبَرَ﴾ أي: إذ أدبر النهار، وكان في آخره. وسأل رجل ابن عباس عن قوله: ﴿وَٱللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ﴾ فقال: امكث، فلما سمع الأذان [الأول] قال: هذا حين دبر الليل. * * - ثم قال: ﴿إِنَّهَا لإِحْدَى ٱلْكُبَرِ﴾. يعني جهنم، أي: هي إحدى الأمور العظام. و (إحدى): فُعْلَى، نَعْتٌ، وهو قليل، إنما تأتي هذه النعوت غير المصادر بضم الأول أو بفتحه. * * - ثم قال: ﴿نَذِيراً لِّلْبَشَرِ﴾. قال أبو رزين: يقول الله جل ذكره: أنا نذير للبشر. وقال [ابن زيد]: معناه: محمد نذير للبشر. ونصبها على الحال من المضمر في "إنها" [أَوْ مِنْ] "إِحْدَى". وهذان القولان يدلان على أن النار هي النذير، وهو قول الحسن. ويجوز أن تكون حالاً من "هو" في قوله: ﴿إِلاَّ هُوَ﴾، أو على إضمار فعل تقديره: صَيَّرَهَا ﴿نَذِيراً﴾، وهذا على قول أبي رزين. وقال الكسائي: هي حال من المضمر في ﴿قُمْ﴾ أي: قم نذيراً، من أول السورة. وهو يرجع إلى قول ابن زيد. وقيل: ﴿نَذِيراً﴾ بمعنى إنذار، فنصبه على المصدر. (وقيل: نصبه على المصدر) [وقيل: نصبه على أعني]. ومن جعله للنار حذف [الياء] من "نذير" لأنه بمعنى النسب.

المدثر 74:6

قوله تعالى: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنذِرْ﴾ إلى قوله: ﴿نَذِيراً لِّلْبَشَرِ﴾. أي: يا أيها المدثر بثيابه عند نومه. وروي أن النبي ﷺ [قيل له ذلك] وهو متدثر بقطيفة. ذكره النخعي. وروي أن هذا أول ما نزل على النبي ﷺ. رواه جابر بن عبد الله قال: حَدَّثَنِي النَّبِيُّ ﷺ، قَالَ: جَاوَرْتُ فِي حِرَاءَ، فَلَمَّا قَضَيْتُ [جِوَارِي] هَبَطْتُ فَاسْتَبْطَنْتُ [الوَادِيَ]، فَنُودِيتُ فَنَظَرْتُ عَنْ يَمِينِي وَعَنْ شِمَالِي وَخَلْفِي (وَقُدَّامِي) فَلَمْ أَرَ شَيْئاً، فَنَظَرْتُ فَوْقَ رَأْسِي فَإِذَا هُوَ - يَعْنِي المَلَكَ - جَالِسٌ عَلَى عَرْشٍ بَيْنَ السَّمَاءِ والأَرْضِ [فَجُثِثْتُ] مِنْهُ. فَأَتَيْتُ خَدِيجَةَ فَقُلْتُ: دَثِّرُونِي، (دَثِّرُونِي)، وَصُبُّوا عَلَيَّ مَاءً. وَأُنْزِلَ عَلَيَّ ﴿يٰأَيُّهَا ٱلْمُدَّثِّرُ﴾ وقال الزهري: كان أول شيء أنزل عليه: ﴿ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق: ١] حتى بلغ ﴿(عَلَّمَ ٱلإِنسَانَ) مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: ٥]. قال ابن عباس: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلْمُدَّثِّرُ﴾: "يأ أيها النائم". وقال قتادة: المدثر في ثيابه. وقال عكرمة: معناه: "دُثرت هذا الأَمر فقم به"، يعني النبوة. * * - وقوله: ﴿قُمْ فَأَنذِرْ﴾. أي: قم من نومك فأنذر قومك عذاب الله على شركهم بالله. * * - ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾. أي: فعظم. * * - ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾. أي: لا تلبسها على معصية ولا [غدرة]. قاله ابن عباس. وعنه أيضاً: فطَهِّرْها من الإثم. وقال النخعي: فطهرها من الذنوب. والعرب تقول لرجل إذا نكث ولم يف بعهده: إنه لدنس الثياب، وإذا أوفى بعهده وأصلح: إنه لمُطَهَّر الثياب. وقال الضحاك: معناه: "لا تلبس ثيابك على معصية". وقال ابن زيد: معناه: "وعملك فأصلحه"، قال: والعرب تقول للرجل الخبيث العمل: فلان خبيث الثياب. وإذا كان حسن العمل (قالوا: فلان طاهر الثياب. وعن ابن عباس أيضاً أن معناه: "لا تلبس ثيابك) من [مكسب] غير طيب. وعن مجاهد أن معناه: "لست بكاهن ولا ساحر، فأَعْرِض عما قالوا". (وقال) ابن سيرين: معناه: اغسل ثيابك من النجاسة. وهو قول ابن زيد، وبهذا احتج الشافعي في وجوب طهارة الثوب (وأنه فرض. ومذهب مالك أن طهارة الثوب ليس بفرض، وهو قول أهل المدينة وإنما طهارة الثوب) سنة. ولذلك، من صلى بثوب نجس ولا يعلم أعاد في الوقت. ولو كانت طهارة الثوب فرضاً لأعاد أبداً. وكذلك البدن تقع فيه النجاسة ليست طهارته فرضاً. يدل على ذلك إجماع المسلمين على أن صلاة من استجمر بالحجارة من الغائط جائزة، مع أن موضع خروج الأذى لم يغسل بالماء. * * - ثم قال ﴿وَٱلرُّجْزَ [فَٱهْجُرْ]﴾. أي: والأَوْثَانَ فاهجر عبادتها. والضم والكسر في الراء لغتان عند الفراء. وقيل: الكسر معناه العَذاب. فتكون الأوثان سميت بالعذاب. لأنها سببه. والضم معناه الأوثان. وأول من فرق بينهما الكسائي. وأكثر الناس على أنه لا فرق بينهما وأنه يراد به الأوثان، [ضَمَمْتَ] الراءَ أو كَسَرْتَهَا. قال ابن عباس: الرجز: "السخط، وهو الأصنام". وقال مجاهد وعكرمة: الرجز: "الأوثان. وقاله الزهري. وقال قتادة: "الرجز: صنمان كانا عند البيت: [إساف ونائلة]، يَمْسَحُ وُجُوهَهُمَا من أتى عليهما، فأمر الله نبيه أن [يجتنبهما] ويعتزلهما". قال ابن زيد: "الرجز آلهتهم التي كانوا يعبدون، (أمره الله) أن يهجرها [فلا يأتيها ولا يقربها]". وقال النَّخعي: المعنى: والمعصية [فاهجر]. * * - ثم قال تعالى ﴿وَلاَ تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ﴾. قال ابن عباس: معناه: ولا تعط يا محمد عطية لتعطى أكثر منها. وهو (معنى) قول أكثر [المفسرين]. وهذا خصوص للنبي ﷺ، وهو مباح لأمته إلا أنه لا أجر [لهم] في ذلك. وهو قوله تعالى: ﴿وَمَآ آتَيْتُمْ مِّن رِّباً لِّيَرْبُوَاْ فِي أَمْوَالِ ٱلنَّاسِ فَلاَ يَرْبُواْ عِندَ ٱللَّهِ﴾ [الروم: ٣٩] وقد قال الضحاك: هو الربا (في) الحلال [قال]: وهما ربوان: حرام وحلال. فأما الحلال فالهدايا. وأما الحرام فالربا بعينه. وقال الحسن: معناه: لا تستكثر عملك الصالح. وهو اختيار الطبري. وقال الربيع بن أنس: معناه: "لاَ يَكْثُرَنْ عملُك في عينك، فإنه فيما أنعم الله [عليك] وأعطاك قليل". وعن مجاهد أن معناه: لا تضعف أن تستكثر من الخير من قولهم: "حبل منين" إذا كان ضعيفاً. وفي قراءة ابن مسعود: "وَلاَ تَمْنُنْ أَنْ تَسْتَكْثِرَ". قال الكسائي: فإذا حذف "أن" رفع، وهو حال (عند) البصريين. وقال ابن زيد: معناه: لا تمنن بالقرآن والنبوة فتستكثرهم به، تأخذ على ذلك عوضاً من الدنيا. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَلِرَبِّكَ فَٱصْبِرْ﴾. أي: اصبر على ما تَلْقَى من قومك لربك [واحتمل] أذاهم. وقال ابن زيد: معناه، اصبر على محاربة العرب والعجم، قال: "حُمِّلَ أمراً عظيماً، مُحَارَبَةَ العرب ثم العجم من بعد العرب في الله". وقال النخعي: معناه: ولربك فاصبر على عطيتك، ولا تعطها لتأخذ أكثر منها، بل احتسبها الله. * * - ثم قال تعالى: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي ٱلنَّاقُورِ * فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾. يقال: [عَسُرَ] الأمرُ إذا صَعُبَ فهو عَسِيرٌ، [وعَسِرَ] فهو عَسِرٌِ. والمعنى: فإذا نفخ في الصور فذلك [يوم] شديد صعب غير سهل على الكافرين. روى ابن عباس أنَّ النبي ﷺ قَالَ: "كَيْفَ أَنْعَمُ وَصَاحِبُ القَرْنِ قَدِ التَقَمَ القَرْنُ [وَحَنَى] جَبْهَتَهُ لِيَسْتَمِعَ مَتَى يُؤْمَرُ، يَنْفُخُ فِيهِ. قَالَ: فَاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلى أَصْحَابِهِ فَأَمَرَهُمْ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَقُولُوا ﴿حَسْبُنَا ٱللَّهُ وَنِعْمَ ٱلْوَكِيلُ﴾ ﴿عَلَى ٱللَّهِ تَوَكَّلْنَا﴾ قال عكرمة: الناقور: الصور. قال مجاهد: (هو) شَيْءٌ كَهَيْئَةِ [البُوقِ]. * * - ثم قال: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً﴾. أي: كِلْ - يا محمد - أَمْرَ هذا الذي خلقته في بطن أمه وحيداً لا شيء له من مال ولا ولد، يعني بذلك الوليد بن المغيرة المخزومي. قال ابن عباس: "أَنْزَلَ اللهُ فِي الوَليدِ بِنْ المُغِيرَةِ ﴿ذَرْنِي﴾ ﴿وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً﴾. [وقوله: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ...﴾ [الحجر: ٩٢] إلى آخرها". وقيل: معناه: دعني يا محمد ومجازاة من خلقته وحده، فيكون "وحيداً"] على القول الأول حالاً من الهاء المحذوفة في "خلقته". وعلى (هذا) القول الآخر حالاً من التاء في "خلقته". وفي هذا الكلام تهدد عظيم ووعيد. والعرب تقول: ذرني وزيداً، أي: كِلْ عقوبته ومُطالَبَتَهُ إلي. فالمعنى: كِلْ - يا محمد - عقوبة هؤلاء إلي، فلست أحتاج [في ذلك] إلى معين ولا ظهير. ويُرْوى أنه كان يقول: أنا الواحد بن الوحيد، ليس لي من العرب نظير ولا لأبي المغيرة نظير. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَجَعَلْتُ لَهُ مَالاً مَّمْدُوداً﴾. قال مجاهد وابن جبير: هو ألف دينار. وقال سفيان: (بلغني) أنه أربعة آلاف دينار. وقيل: هو الأرض يزرع فيها. قاله النعمان بن سالم. وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: هو غَلَّةٌ شهر [بشهر]. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَبَنِينَ شُهُوداً﴾. أي: وجعلت له بنين شهوداً، أي: [حضوراً]. روي أنه كان له عشرة من الولد. وقد قاله مجاهد وغيره. وروي أنه ما زاد بعد نزول هذه الآية إلا [ارتكاساً] في ماله وولده ونفسه. * * - ثم قال: ﴿وَمَهَّدتُّ لَهُ تَمْهِيداً﴾. أي: بسطت له في العيش بسطاً. قاله سفيان. وقال مجاهد: "من المال والولد". * * - ثم قال: ﴿ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ * كَلاَّ﴾ ثم يَأْمَلُ أن أزيده من المال والولد على ما أعطيته ﴿كَلاَّ﴾: أي: ليس الأمر على ما يُؤَمِّلُ، أي: لا يكون ذلك]. * * - ثم قال: ﴿إِنَّهُ كان لآيَاتِنَا عَنِيداً﴾. أي: إنه كان لرد حجتنا وآياتنا معانداً، مجانباً. يقال: عَنُدَ البَعيرُ [يَعْنِدُ عُنُوداً]، [وبَعِيرٌ عَنُودُ]: إذَا مشى مجانباً للإبل لا يمشي معها. قال ابن عباس: ﴿عَنِيداً﴾ "جحوداً". وهو قول قتادة. وقال مجاهد: "معانداً للحق، مجانباً له". وقال سفيان: ﴿عَنِيداً﴾ "مشاقاً لنا". * * - ثم قال: ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً﴾. أي: سأكلفه مشقة من العذاب لا راحة منها. وقيل: الصعود جبل من نار (يكلفون) أن يصعدوه، فإذا وضع يده عليه ذابت، فإذا رفعها عادت، وإذا وضع رجله كذلك. وروى أبو سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: "الصُّعُودُ جَبَلٌ مِنْ نَارٍ يَصْعَدُ فِيهِ سَبْعينَ خَرِيفاً ثُمَّ يَهْوِي كَذلِكَ أَبَدَاً قال مجاهد: ﴿صَعُوداً﴾: "عذاباً لا راحة منه". وقال قتادة: "مشقة من العذاب". * * - ثم قال: ﴿إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ * [فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ]﴾. أي: فكر فيما أنزل الله على نبيه من القرآن، وَقَدَّرَ فيما يقول فيه، فَلُعِنَ كيف قدَّر ما هو قائل، ثم لعن كيف قَدَّرَ القولَ فيه. ﴿ثُمَّ نَظَرَ﴾. أي: ثم تَأَنّى في ذلك. * * ﴿ثُمَّ عَبَسَ﴾ أي: قبض ما بين عينيه. * * ﴿وَبَسَرَ﴾. أي: كلح وكَرَّهَ وجهه. قال عكرمة: جَاءَ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ إلى النبي ﷺ فَقَرَأَ عليه النبي القرآنَ، فكأنه رَقَّ لَهُ، فبلغَ ذلك أبا جهل. فأتاه فقال: أيْ عَمِّ، إِنَّ قومَكَ يُريدون أن يَجْمَعُوا لَكَ مَالاً. قَالَ: لِمَ؟ قَالَ: يُعْطُونَكَ! فإنك أتيت محمداً تَتَعَرَّضُ لِمَا قِبَلَهُ. قال: قد علمت قريش أني أكثرها مالاً! قال: فقل فيه قولاً يَعْلَمُ قومُكَ أَنَّكَ مُنْكِرٌ" [لِمَا قَالَ]، وَأَنَّكَ كارِهٌ له، قال: فماذا أقول فيه؟ فوَالله مَا مِنْكُمْ رَجُلٌ أَعْلَمُ مِنِّي بِالأَشْعَارِ ولاَ أَعْلَمُ بِرَجَزِهِ وَلاَ بِقَصدِهِ، وَلاَ بِأَشْعَارِ الجِنِّ، وَ (اللهِ) لاَ يُشْبِهُ الذِي يَقُولُ شَيْئاً مِنْ هَذَا، وَاللهِ إِنَّ لِقَوْلِهِ الذِي يَقُولُ لَحَلاَوَةً! وَإِنهُ لَيَحْطِمُ مَا تَحْتَهُ! وَإِنَّهُ لَيَعْلُو وَمَا يُعْلَى! قَالَ أَبُو جَهْلٍ: وَاللهِ لاَ يَرْضَى قَوْمُكَ حَتَّى تَقُولَ فِيهِ. قَالَ: فَدَعْنِي حَتَّى أُفَكِّرَ فِيهِ. (فَلَمَّا فَكَّرَ فِيهِ) قَالَ: هَذَا سِحْرٌ يَأْثُرُهُ [عن] غيره، فنزلت ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً﴾ قال ابن عباس: دَخَلَ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ عَلَى أَبِي بَكْرٍ يَسُأَلُهُ عَنِ القُرآن، فَلَمَّا أَخْبَرَهُ خَرَجَ عَلَى قُرَيْشٍ فَقَالَ: يَا عَحَبَاً لِمَا يقول ابْنُ أَبِي كَبْشَةَ! فَوَاللهِ، ما هُوَ بِشِعْرٍ وَلاَ بِسِحْرٍ وَلاَ [بِهَذْيٍ] مِنْ جُنُونٍ، وَإِنهُ لَمِنْ كَلاَمِ اللهِ - جَلَّ وَعَز - فَلَمَّا سَمِعَ بِذلِكَ النَّفَرُ (مِنْ قُرَيْشٍ) [ائْتَمَرُوا] بَيْنَهُمْ، وَقَالُوا: وَاللهِ لَئِنْ صَبَأَ الوَلِيْدُ لَتَصْبُؤَنَّ قُرَيْشٌ، فَلَمَّا سَمِعَ بِذلِكَ أَبُو جَهْلٍ بْنُ هِشَامٍ قَالَ: أَنَا وَالله أَكْفِيكُمْ شَأْنَهُ. فَانْطَلَقَ حَتَى دَخَلَ عَلَيْهِ بَيْتَهُ، فَقَالَ: [أَلَمْ تَرَ] قَوْمَكَ قَدْ جَمَعُوا لَكَ الصَّدَقَةَ؟! قَالَ: أَلَسْتُ أَكْثَرَهُمْ مَالاً وَوَلَداً؟! فَقَالَ لَهُ أَبُو جَهْلٍ: يَتَحَدَّثُونَ أَنَّكَ تَدْخُلُ عَلَى ابْنِ أَبِي قُحَافَةَ لِتُصِيبَ مِنْ طَعَامِهِ! قَالَ الوَلِيدُ: [أَقَدْ] تَحَدَّثَتْ بِذَلِك عَشِيرَتِي؟! فَلاَ وَأَيْمُ جَابِرِ بْنُ قُصَيَّ، لاَ أَقْرَبُ أَبَا بَكْرٍ (وَلاَ عُمَرَ) وَلاَ ابْنَ أَبِي كَبْشَةَ، [وَمَا قَوْلُهُ إِلاَّ سِحْرٌ] يُؤْثَرُ. فَأَنْزَلَ اللهُ ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً...﴾ إلى ﴿لاَ تُبْقِي (وَلاَ) تَذَرُ﴾ قال قتادة: ذكر أنه قال: والله، لقد نظرت [فيما قال هذا الرجل]، [فإذا] هو ليس بشعر، وإن له لحَلاَوَةً، وإن عليه لَطُلاَوَةً، وإنه لَيَعْلُو وما يُعْلَى، ومَا أَشُكُّ أَنَّهُ سِحْرٌ. وقال الضحاك: دعاه النبي ﷺ إلى الإسلام، فقال: حتى أنظر! فَفَكَّرَ، ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ، ثُمَّ أَدْبَرَ واسْتَكبر، فقال: إن هذا إلا سحر يؤثر، فجعل الله له سقر. قال أبو رزين (سحر) (أي): يَأْثُرُهُ من غيره. * * - ﴿إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ قَوْلُ ٱلْبَشَرِ﴾. أي: ما هذا الذي يتلوه محمد إلا قول بني آدم وما هو بكلام الله. [فهذا أول من قال: القرآن مخلوق، قاله الوليد بن المغيرة فأدخله الله سقر. قال بعض العلماء: فكذا يُفْعَلُ بكل من قال: القرآن مخلوقٌ، قاله أحمد بن زيد]. * * - ثم قال: ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾. أي: [سأورده] سقر، وهو باب من أبواب جهنم. يروى أنه الباب السادس منها، نعوذ بالله منها. * * - ﴿وَمَآ أَدْرَاكَ مَا (سَقَرُ)﴾. أي: وأي شيء أدراك ما سقر؟، ثم بَيَّنَهُ وأَدْرَاهُ به [فقال] في صفة سقر. * * - ﴿لاَ تُبْقِي وَلاَ تَذَرُ﴾. أي: هي نارٌ لا تُبْقي من فيها حياً، ولا تَذَرُ من فيها ميتاً، لكنها تحرقهم، كلما احترقوا جُدِّدَ خَلْقُهُمْ. قال مجاهد: ﴿لاَ تُبْقِي وَلاَ تَذَرُ﴾ أي: لا تُحْيِي وَلاَ تُمِيتُ وقيل: ﴿لاَ تُبْقِي وَلاَ تَذَرُ﴾: لا تبقي الكافر حتى يصير فحمة ثم يُعاد خلقاً جديداً ثم لا تذره حتى يعود عليه العذاب بِأَشَدِّ مِمَّا كان هكذا أبداً، نعوذ بالله من ذلك. * * - ثم قال تعالى: ﴿لَوَّاحَةٌ لِّلْبَشَرِ﴾. أي: مغيرة لبشرة من فيها. قال مجاهد: ﴿لَوَّاحَةٌ لِّلْبَشَرِ﴾، أي: مُغَيِّرَةٌ للجلد. وقال قتادة: "خَرَّاقَةٌ للجلد". وقيل: معناه: تَلُوحُ لأَهْلِها من مسيرة خمسمائة عام. وعلى القول الأول أكثر الناس أنها تُغَيِّرُ البَشَرَةَ. قال [أبو رزين]: تلفح الجلد لفحة تَدَعُهُ أَشَدَّ سواداً من الليل. وقال ابن عباس: "تحرق بَشَرَةَ الإنسان". * * - ثم قال: ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾. أي: من الخزنة. ذكر ابن عباس أَنَّ هَذَا لما نَزَلَ عَلَى النبي ﷺ، قَالَ أَبُو جَهْلٍ لِقُرَيْشٍ: ثَكِلَتْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ! أَسْمَعُ ابْنَ أَبِي كَبْشَةَ يُخْبِرُكُمْ أَنَّ خَزَنَةَ النَّارِ تِسْعَةَ عَشَرَ. وَأَنْتُمْ [الدَّهْمُ] أَفَتَعْجَزُ كُلُّ عَشَرَةٍ مِنْكُمْ أَنْ تَبْطِشَ بِرَجُلٍ مِنْ [خَزَنَةِ] جَهَنَّمَ؟! فَأَوْحَى اللهُ إلى نَبِيِّهِ أَنْ يَأْتِيَ أَبَا جَهْلٍ فَيَأْخُذَ بِيَدِهِ فِي بَطْحَاءِ مَكَّةَ فَيقُولَ ﴿أَوْلَىٰ لَكَ فَأَوْلَىٰ * ثُمَّ أَوْلَىٰ لَكَ فَأَوْلَىٰ﴾ [القيامة: ٣٤-٣٥]. فَلَمَّا فَعَلَ بِهِ ذَلكَ رَسُولُ اللهِ قَالَ لَهُ أَبُو جَهْلٍ: وَاللهِ، لاَ تَفْعَلُ أَنْتَ وَرَبُّكَ شَيْئا. فَأَخْزَاهُ - جَلَّ ذِكْرُهُ - يَوْمَ بَدْرٍ فَقُتِلَ. قال كعب الأحبار: ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾: ما منهم ملك إلا ومعه عمود ذو شعبتين يدفع به الدفعة فيلقي في النار تسعين ألفاً. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَآ أَصْحَٰبَ ٱلنَّارِ إِلاَّ مَلَٰئِكَةً﴾ أي: لم نجعل أصحاب النار رجالاً مثلكم فتطمعوا بالتغلب عليهم كما قال أبو جهل لقريش: أفلا يستطيع كل عشرة منكم أن يغلبوا منهم واحداً؟!. فإذا كانت الخزنة ملائكة، فمن ذا يطيق الملائكة؟!. * * - ثم قال: ﴿وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلاَّ فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾. أي: لم نجعلهم تسعة عشر فقط لقلة الملائكة؛ ولكن جعلناهم كذلك ليفتتن الذين كفروا ويستقلوا عدتهم ويُحدثوا أنفسهم بالتغلب على الخزنة حتى قال [أبو الأشد الجمحي]: أنا [أُجْهِضُهُمْ] [عن] النار. وقيل: إن كَلَدَةَ بن أسيد بن خلف قال: أنا أكفيكم سبعة عشر، واكفوني اثنين. * * - ثم قال تعالى: ﴿لِيَسْتَيْقِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَٰبَ﴾. أي: فعلنا ذلك ليفتتن الذين كفروا [وليتيقن] الذين أُوتوا التوراة والإنجيل حقيقة ما في كتبهم من الخبر عن عدة خزنة جهنم، لأنه كذلك عدتهم في التوراة (والإنجيل). هذا معنى قول ابن عباس وغيره. وهو قول مجاهد. قال قتادة: يُصَدِّقُ القرآنُ الكُتُبَ التي كانت قبله، فيها كُلِّها خَزَنَةُ النَّارِ تِسْعَةَ عَشَرَ. وهو قول الضحاك. وقال ابن زيد: ﴿لِيَسْتَيْقِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَٰبَ...﴾ "أنك رسول الله". * * ثم قال تعالى: ﴿وَيَزْدَادَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوۤاْ إِيمَٰناً﴾ أي: تصديقاً إلى تصديقهم بعدة خزنة جهنم. * * - ثم قال: ﴿وَلاَ يَرْتَابَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَٰبَ وَٱلْمُؤْمِنُونَ﴾ أي: ولا يشك أهل الكتاب [و] المؤمنون في حقيقة ذلك. * * - ثم قال: ﴿وَلِيَقُولَ ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ﴾ أي: نفاق. * * ﴿وَٱلْكَٰفِرُونَ﴾ يعني: مشركي قريش. * * - ﴿مَاذَآ أَرَادَ ٱللَّهُ بِهَـٰذَا مَثَلاً﴾. أي: ماذا أراد الله بهذا حين يخوفنا بهؤلاء التسعة عشر. - قال الله: ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ ٱللَّهُ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ﴾. أي: كما أضل هؤلاء المنافقين والمشركين القائلين: أي شيء أراد الله بهذا مثلاً؟! كذلك يضل الله من يشاء] من خلقه فَيَخْذُلُهُ عن إصابة الحق، ويهدي من يشاء فيوفقه للحق. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ﴾ أي: لا يعلم (مقدار) كثرة جنود ربك يا محمد إلا رَبُّكَ. روي عن النبي ﷺ أنه قال: "إِنَّ لله مَلاَئِكَةٌ تَرْعَدُ فَرَائِصَهُمْ مَخَافَةً مِنْهُ، وَإِنَّ مِنْهُمْ مَنْ لاَ تَقْطُرُ مِنْ عَيْنَيْهِ دَمْعَةً إِلاَّ وَقَعَتْ مَلَكاً يُسَبِّحُ، وَمَلاَئِكَةٌ سُجُودٌ مِنْذُ خَلَقَ اللهُ السَّمَواتِ لَمْ يَرْفَعُوا رُؤوسَهِمْ وَلاَ يَرْفَعُونَهَا إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ، وَمِنْهُمْ [مَلاَئِكَةٌ] وُقُوفٌ لم يَنْصَرِفُوا وَلاَ يَنْصَرِفُونَ إلى يوم القيامة. فإذا كان يوم القيامة، تَجَلَّى لَهُمْ رَبُّهُمْ - جَلَّ ذِكْرُهُ - فَقَالوا: سُبْحَانَكَ! مَا عَبَدْنَاكَ حَقَّ عِبَادَتِكَ! وقال كعب: إن لله عز وجل ملائكة من يوم خلقهم قياماً، [ما] ثنوا أصلابهم، وآخرين ركوعاً ما رفعوا أصلابهم، وآخرين [سجوداً] ما رفعوا رؤوسهم حتى يُنْفَخَ في الصور النفخةَ الآخرة فيقولون جميعاً: سبحانك! ما عبدناك كما ينبغي أن تُعْبَدَ. ثم قال كعب: والله، لو أن رجلاً عَمِلَ عَمَلَ سبعين نبيّاً، [لاسْتَقَلَ] عمله يوم القيامة من شدة ما يرى يومئذ. والله، لو دلي من [غسلين] دلو واحد من مطلع الشمس، لغلت منه جماجم قوم في مغربها. والله، [لَتَزْفَرَنَّ] جهنم زَفْرَةً لا يبقى ملك مقرب إلا خَرَّ جَاثِياً عَلَى رُكْبَتَيهِ. وروى ابن المبارك حديثاً - رفعه - أن ملكاً سجد لما استوى الرب [تعالى] على عرشه، فلم يرفع رأسه [و] لا يرفعه إلى يوم القيامة، فيقول يوم القيامة: لم أعبدك حق عبادتك، إلا أني لم أشرك بك شيئاً، ولم أتخذ من دونك ولياً. وقد وصفهم الله في كتابه فقال: ﴿يُسَبِّحُونَ ٱلَّيلَ وَٱلنَّهَارَ لاَ يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٠]. قال كعب: التسبيح للملائكة بمنزلة النَّفَسِ لبَنِي آدم، أُلْهِمُوا التسبيح كما ألهمتم الطَّرْفَ والنَّفَسَ. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَمَا هِيَ إِلاَّ ذِكْرَىٰ لِلْبَشَرِ﴾. يعني النار التي وصفها. يقول: ليس ما وصفتها به من تغييرها للبشر وعدة خزنتها إلا عظةً وعبرة للناس يتعظون بها. * * - ثم قال: ﴿كَلاَّ وَٱلْقَمَرِ﴾. أجاز الطبري الوقف على "كَلاَّ"، [جعله] رَدَّاً لِمَا قبلها. والمعنى عنده: ليس القول كما يقول من زعم أنه يكفي أصحابه المشركين خزنة جهنم التسعة عشر حتى يجهضهم عنها. وقال الفراء: تقديره: "إي والقمر، وقيل: تقديره: "حقاً" (وقيل): "أَلاَ". * * - ﴿وَٱلْقَمَرِ..﴾. أي: ورب القمر ورب الليل إذا أدبر، أي: ولى. * * - ﴿وَٱلصُّبْحِ إِذَآ أَسْفَرَ﴾. أي: أضاءَ وأقبل. يقال: أسفر الصبح إذا أضاء وانكشف. ومنه: سفرت المرأة عن وجهها إذا كشفته. ومنه قيل: "سفر" للكتاب الذي فيه العلم، لأنه يبين ويكشف. ومنه سفرت الريح الغمام: كشفته. ومنه: سفرت البيت: أي كنسته، ومنه قيل: "سفير" للذي يسعى في الصلح، لأنه يكشف المكروه ويزيله. وحكى بعض البصريين: دبرني إذا جاء خلفي. وأدبر إذا ولى. واختار [أبو عبيد] [إِذَا اَدْبَرَ]، لأن بعده: ﴿إِذَآ أَسْفَرَ﴾. وحكي: دبر وأدبر: لغتان بمعنى، يقال: دبر النهار وأدبر. ودبر الصيف وأدبر، وكذلك قبل وأقبل. فإذا قالوا: أقبل الراكب و "أدبر" لم يُقَلْ إلا بالألف. وقيل: معنى ﴿إِذْ أَدْبَرَ﴾ أي: إذ أدبر النهار، وكان في آخره. وسأل رجل ابن عباس عن قوله: ﴿وَٱللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ﴾ فقال: امكث، فلما سمع الأذان [الأول] قال: هذا حين دبر الليل. * * - ثم قال: ﴿إِنَّهَا لإِحْدَى ٱلْكُبَرِ﴾. يعني جهنم، أي: هي إحدى الأمور العظام. و (إحدى): فُعْلَى، نَعْتٌ، وهو قليل، إنما تأتي هذه النعوت غير المصادر بضم الأول أو بفتحه. * * - ثم قال: ﴿نَذِيراً لِّلْبَشَرِ﴾. قال أبو رزين: يقول الله جل ذكره: أنا نذير للبشر. وقال [ابن زيد]: معناه: محمد نذير للبشر. ونصبها على الحال من المضمر في "إنها" [أَوْ مِنْ] "إِحْدَى". وهذان القولان يدلان على أن النار هي النذير، وهو قول الحسن. ويجوز أن تكون حالاً من "هو" في قوله: ﴿إِلاَّ هُوَ﴾، أو على إضمار فعل تقديره: صَيَّرَهَا ﴿نَذِيراً﴾، وهذا على قول أبي رزين. وقال الكسائي: هي حال من المضمر في ﴿قُمْ﴾ أي: قم نذيراً، من أول السورة. وهو يرجع إلى قول ابن زيد. وقيل: ﴿نَذِيراً﴾ بمعنى إنذار، فنصبه على المصدر. (وقيل: نصبه على المصدر) [وقيل: نصبه على أعني]. ومن جعله للنار حذف [الياء] من "نذير" لأنه بمعنى النسب.

المدثر 74:7

قوله تعالى: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنذِرْ﴾ إلى قوله: ﴿نَذِيراً لِّلْبَشَرِ﴾. أي: يا أيها المدثر بثيابه عند نومه. وروي أن النبي ﷺ [قيل له ذلك] وهو متدثر بقطيفة. ذكره النخعي. وروي أن هذا أول ما نزل على النبي ﷺ. رواه جابر بن عبد الله قال: حَدَّثَنِي النَّبِيُّ ﷺ، قَالَ: جَاوَرْتُ فِي حِرَاءَ، فَلَمَّا قَضَيْتُ [جِوَارِي] هَبَطْتُ فَاسْتَبْطَنْتُ [الوَادِيَ]، فَنُودِيتُ فَنَظَرْتُ عَنْ يَمِينِي وَعَنْ شِمَالِي وَخَلْفِي (وَقُدَّامِي) فَلَمْ أَرَ شَيْئاً، فَنَظَرْتُ فَوْقَ رَأْسِي فَإِذَا هُوَ - يَعْنِي المَلَكَ - جَالِسٌ عَلَى عَرْشٍ بَيْنَ السَّمَاءِ والأَرْضِ [فَجُثِثْتُ] مِنْهُ. فَأَتَيْتُ خَدِيجَةَ فَقُلْتُ: دَثِّرُونِي، (دَثِّرُونِي)، وَصُبُّوا عَلَيَّ مَاءً. وَأُنْزِلَ عَلَيَّ ﴿يٰأَيُّهَا ٱلْمُدَّثِّرُ﴾ وقال الزهري: كان أول شيء أنزل عليه: ﴿ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق: ١] حتى بلغ ﴿(عَلَّمَ ٱلإِنسَانَ) مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: ٥]. قال ابن عباس: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلْمُدَّثِّرُ﴾: "يأ أيها النائم". وقال قتادة: المدثر في ثيابه. وقال عكرمة: معناه: "دُثرت هذا الأَمر فقم به"، يعني النبوة. * * - وقوله: ﴿قُمْ فَأَنذِرْ﴾. أي: قم من نومك فأنذر قومك عذاب الله على شركهم بالله. * * - ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾. أي: فعظم. * * - ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾. أي: لا تلبسها على معصية ولا [غدرة]. قاله ابن عباس. وعنه أيضاً: فطَهِّرْها من الإثم. وقال النخعي: فطهرها من الذنوب. والعرب تقول لرجل إذا نكث ولم يف بعهده: إنه لدنس الثياب، وإذا أوفى بعهده وأصلح: إنه لمُطَهَّر الثياب. وقال الضحاك: معناه: "لا تلبس ثيابك على معصية". وقال ابن زيد: معناه: "وعملك فأصلحه"، قال: والعرب تقول للرجل الخبيث العمل: فلان خبيث الثياب. وإذا كان حسن العمل (قالوا: فلان طاهر الثياب. وعن ابن عباس أيضاً أن معناه: "لا تلبس ثيابك) من [مكسب] غير طيب. وعن مجاهد أن معناه: "لست بكاهن ولا ساحر، فأَعْرِض عما قالوا". (وقال) ابن سيرين: معناه: اغسل ثيابك من النجاسة. وهو قول ابن زيد، وبهذا احتج الشافعي في وجوب طهارة الثوب (وأنه فرض. ومذهب مالك أن طهارة الثوب ليس بفرض، وهو قول أهل المدينة وإنما طهارة الثوب) سنة. ولذلك، من صلى بثوب نجس ولا يعلم أعاد في الوقت. ولو كانت طهارة الثوب فرضاً لأعاد أبداً. وكذلك البدن تقع فيه النجاسة ليست طهارته فرضاً. يدل على ذلك إجماع المسلمين على أن صلاة من استجمر بالحجارة من الغائط جائزة، مع أن موضع خروج الأذى لم يغسل بالماء. * * - ثم قال ﴿وَٱلرُّجْزَ [فَٱهْجُرْ]﴾. أي: والأَوْثَانَ فاهجر عبادتها. والضم والكسر في الراء لغتان عند الفراء. وقيل: الكسر معناه العَذاب. فتكون الأوثان سميت بالعذاب. لأنها سببه. والضم معناه الأوثان. وأول من فرق بينهما الكسائي. وأكثر الناس على أنه لا فرق بينهما وأنه يراد به الأوثان، [ضَمَمْتَ] الراءَ أو كَسَرْتَهَا. قال ابن عباس: الرجز: "السخط، وهو الأصنام". وقال مجاهد وعكرمة: الرجز: "الأوثان. وقاله الزهري. وقال قتادة: "الرجز: صنمان كانا عند البيت: [إساف ونائلة]، يَمْسَحُ وُجُوهَهُمَا من أتى عليهما، فأمر الله نبيه أن [يجتنبهما] ويعتزلهما". قال ابن زيد: "الرجز آلهتهم التي كانوا يعبدون، (أمره الله) أن يهجرها [فلا يأتيها ولا يقربها]". وقال النَّخعي: المعنى: والمعصية [فاهجر]. * * - ثم قال تعالى ﴿وَلاَ تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ﴾. قال ابن عباس: معناه: ولا تعط يا محمد عطية لتعطى أكثر منها. وهو (معنى) قول أكثر [المفسرين]. وهذا خصوص للنبي ﷺ، وهو مباح لأمته إلا أنه لا أجر [لهم] في ذلك. وهو قوله تعالى: ﴿وَمَآ آتَيْتُمْ مِّن رِّباً لِّيَرْبُوَاْ فِي أَمْوَالِ ٱلنَّاسِ فَلاَ يَرْبُواْ عِندَ ٱللَّهِ﴾ [الروم: ٣٩] وقد قال الضحاك: هو الربا (في) الحلال [قال]: وهما ربوان: حرام وحلال. فأما الحلال فالهدايا. وأما الحرام فالربا بعينه. وقال الحسن: معناه: لا تستكثر عملك الصالح. وهو اختيار الطبري. وقال الربيع بن أنس: معناه: "لاَ يَكْثُرَنْ عملُك في عينك، فإنه فيما أنعم الله [عليك] وأعطاك قليل". وعن مجاهد أن معناه: لا تضعف أن تستكثر من الخير من قولهم: "حبل منين" إذا كان ضعيفاً. وفي قراءة ابن مسعود: "وَلاَ تَمْنُنْ أَنْ تَسْتَكْثِرَ". قال الكسائي: فإذا حذف "أن" رفع، وهو حال (عند) البصريين. وقال ابن زيد: معناه: لا تمنن بالقرآن والنبوة فتستكثرهم به، تأخذ على ذلك عوضاً من الدنيا. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَلِرَبِّكَ فَٱصْبِرْ﴾. أي: اصبر على ما تَلْقَى من قومك لربك [واحتمل] أذاهم. وقال ابن زيد: معناه، اصبر على محاربة العرب والعجم، قال: "حُمِّلَ أمراً عظيماً، مُحَارَبَةَ العرب ثم العجم من بعد العرب في الله". وقال النخعي: معناه: ولربك فاصبر على عطيتك، ولا تعطها لتأخذ أكثر منها، بل احتسبها الله. * * - ثم قال تعالى: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي ٱلنَّاقُورِ * فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾. يقال: [عَسُرَ] الأمرُ إذا صَعُبَ فهو عَسِيرٌ، [وعَسِرَ] فهو عَسِرٌِ. والمعنى: فإذا نفخ في الصور فذلك [يوم] شديد صعب غير سهل على الكافرين. روى ابن عباس أنَّ النبي ﷺ قَالَ: "كَيْفَ أَنْعَمُ وَصَاحِبُ القَرْنِ قَدِ التَقَمَ القَرْنُ [وَحَنَى] جَبْهَتَهُ لِيَسْتَمِعَ مَتَى يُؤْمَرُ، يَنْفُخُ فِيهِ. قَالَ: فَاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلى أَصْحَابِهِ فَأَمَرَهُمْ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَقُولُوا ﴿حَسْبُنَا ٱللَّهُ وَنِعْمَ ٱلْوَكِيلُ﴾ ﴿عَلَى ٱللَّهِ تَوَكَّلْنَا﴾ قال عكرمة: الناقور: الصور. قال مجاهد: (هو) شَيْءٌ كَهَيْئَةِ [البُوقِ]. * * - ثم قال: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً﴾. أي: كِلْ - يا محمد - أَمْرَ هذا الذي خلقته في بطن أمه وحيداً لا شيء له من مال ولا ولد، يعني بذلك الوليد بن المغيرة المخزومي. قال ابن عباس: "أَنْزَلَ اللهُ فِي الوَليدِ بِنْ المُغِيرَةِ ﴿ذَرْنِي﴾ ﴿وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً﴾. [وقوله: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ...﴾ [الحجر: ٩٢] إلى آخرها". وقيل: معناه: دعني يا محمد ومجازاة من خلقته وحده، فيكون "وحيداً"] على القول الأول حالاً من الهاء المحذوفة في "خلقته". وعلى (هذا) القول الآخر حالاً من التاء في "خلقته". وفي هذا الكلام تهدد عظيم ووعيد. والعرب تقول: ذرني وزيداً، أي: كِلْ عقوبته ومُطالَبَتَهُ إلي. فالمعنى: كِلْ - يا محمد - عقوبة هؤلاء إلي، فلست أحتاج [في ذلك] إلى معين ولا ظهير. ويُرْوى أنه كان يقول: أنا الواحد بن الوحيد، ليس لي من العرب نظير ولا لأبي المغيرة نظير. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَجَعَلْتُ لَهُ مَالاً مَّمْدُوداً﴾. قال مجاهد وابن جبير: هو ألف دينار. وقال سفيان: (بلغني) أنه أربعة آلاف دينار. وقيل: هو الأرض يزرع فيها. قاله النعمان بن سالم. وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: هو غَلَّةٌ شهر [بشهر]. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَبَنِينَ شُهُوداً﴾. أي: وجعلت له بنين شهوداً، أي: [حضوراً]. روي أنه كان له عشرة من الولد. وقد قاله مجاهد وغيره. وروي أنه ما زاد بعد نزول هذه الآية إلا [ارتكاساً] في ماله وولده ونفسه. * * - ثم قال: ﴿وَمَهَّدتُّ لَهُ تَمْهِيداً﴾. أي: بسطت له في العيش بسطاً. قاله سفيان. وقال مجاهد: "من المال والولد". * * - ثم قال: ﴿ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ * كَلاَّ﴾ ثم يَأْمَلُ أن أزيده من المال والولد على ما أعطيته ﴿كَلاَّ﴾: أي: ليس الأمر على ما يُؤَمِّلُ، أي: لا يكون ذلك]. * * - ثم قال: ﴿إِنَّهُ كان لآيَاتِنَا عَنِيداً﴾. أي: إنه كان لرد حجتنا وآياتنا معانداً، مجانباً. يقال: عَنُدَ البَعيرُ [يَعْنِدُ عُنُوداً]، [وبَعِيرٌ عَنُودُ]: إذَا مشى مجانباً للإبل لا يمشي معها. قال ابن عباس: ﴿عَنِيداً﴾ "جحوداً". وهو قول قتادة. وقال مجاهد: "معانداً للحق، مجانباً له". وقال سفيان: ﴿عَنِيداً﴾ "مشاقاً لنا". * * - ثم قال: ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً﴾. أي: سأكلفه مشقة من العذاب لا راحة منها. وقيل: الصعود جبل من نار (يكلفون) أن يصعدوه، فإذا وضع يده عليه ذابت، فإذا رفعها عادت، وإذا وضع رجله كذلك. وروى أبو سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: "الصُّعُودُ جَبَلٌ مِنْ نَارٍ يَصْعَدُ فِيهِ سَبْعينَ خَرِيفاً ثُمَّ يَهْوِي كَذلِكَ أَبَدَاً قال مجاهد: ﴿صَعُوداً﴾: "عذاباً لا راحة منه". وقال قتادة: "مشقة من العذاب". * * - ثم قال: ﴿إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ * [فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ]﴾. أي: فكر فيما أنزل الله على نبيه من القرآن، وَقَدَّرَ فيما يقول فيه، فَلُعِنَ كيف قدَّر ما هو قائل، ثم لعن كيف قَدَّرَ القولَ فيه. ﴿ثُمَّ نَظَرَ﴾. أي: ثم تَأَنّى في ذلك. * * ﴿ثُمَّ عَبَسَ﴾ أي: قبض ما بين عينيه. * * ﴿وَبَسَرَ﴾. أي: كلح وكَرَّهَ وجهه. قال عكرمة: جَاءَ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ إلى النبي ﷺ فَقَرَأَ عليه النبي القرآنَ، فكأنه رَقَّ لَهُ، فبلغَ ذلك أبا جهل. فأتاه فقال: أيْ عَمِّ، إِنَّ قومَكَ يُريدون أن يَجْمَعُوا لَكَ مَالاً. قَالَ: لِمَ؟ قَالَ: يُعْطُونَكَ! فإنك أتيت محمداً تَتَعَرَّضُ لِمَا قِبَلَهُ. قال: قد علمت قريش أني أكثرها مالاً! قال: فقل فيه قولاً يَعْلَمُ قومُكَ أَنَّكَ مُنْكِرٌ" [لِمَا قَالَ]، وَأَنَّكَ كارِهٌ له، قال: فماذا أقول فيه؟ فوَالله مَا مِنْكُمْ رَجُلٌ أَعْلَمُ مِنِّي بِالأَشْعَارِ ولاَ أَعْلَمُ بِرَجَزِهِ وَلاَ بِقَصدِهِ، وَلاَ بِأَشْعَارِ الجِنِّ، وَ (اللهِ) لاَ يُشْبِهُ الذِي يَقُولُ شَيْئاً مِنْ هَذَا، وَاللهِ إِنَّ لِقَوْلِهِ الذِي يَقُولُ لَحَلاَوَةً! وَإِنهُ لَيَحْطِمُ مَا تَحْتَهُ! وَإِنَّهُ لَيَعْلُو وَمَا يُعْلَى! قَالَ أَبُو جَهْلٍ: وَاللهِ لاَ يَرْضَى قَوْمُكَ حَتَّى تَقُولَ فِيهِ. قَالَ: فَدَعْنِي حَتَّى أُفَكِّرَ فِيهِ. (فَلَمَّا فَكَّرَ فِيهِ) قَالَ: هَذَا سِحْرٌ يَأْثُرُهُ [عن] غيره، فنزلت ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً﴾ قال ابن عباس: دَخَلَ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ عَلَى أَبِي بَكْرٍ يَسُأَلُهُ عَنِ القُرآن، فَلَمَّا أَخْبَرَهُ خَرَجَ عَلَى قُرَيْشٍ فَقَالَ: يَا عَحَبَاً لِمَا يقول ابْنُ أَبِي كَبْشَةَ! فَوَاللهِ، ما هُوَ بِشِعْرٍ وَلاَ بِسِحْرٍ وَلاَ [بِهَذْيٍ] مِنْ جُنُونٍ، وَإِنهُ لَمِنْ كَلاَمِ اللهِ - جَلَّ وَعَز - فَلَمَّا سَمِعَ بِذلِكَ النَّفَرُ (مِنْ قُرَيْشٍ) [ائْتَمَرُوا] بَيْنَهُمْ، وَقَالُوا: وَاللهِ لَئِنْ صَبَأَ الوَلِيْدُ لَتَصْبُؤَنَّ قُرَيْشٌ، فَلَمَّا سَمِعَ بِذلِكَ أَبُو جَهْلٍ بْنُ هِشَامٍ قَالَ: أَنَا وَالله أَكْفِيكُمْ شَأْنَهُ. فَانْطَلَقَ حَتَى دَخَلَ عَلَيْهِ بَيْتَهُ، فَقَالَ: [أَلَمْ تَرَ] قَوْمَكَ قَدْ جَمَعُوا لَكَ الصَّدَقَةَ؟! قَالَ: أَلَسْتُ أَكْثَرَهُمْ مَالاً وَوَلَداً؟! فَقَالَ لَهُ أَبُو جَهْلٍ: يَتَحَدَّثُونَ أَنَّكَ تَدْخُلُ عَلَى ابْنِ أَبِي قُحَافَةَ لِتُصِيبَ مِنْ طَعَامِهِ! قَالَ الوَلِيدُ: [أَقَدْ] تَحَدَّثَتْ بِذَلِك عَشِيرَتِي؟! فَلاَ وَأَيْمُ جَابِرِ بْنُ قُصَيَّ، لاَ أَقْرَبُ أَبَا بَكْرٍ (وَلاَ عُمَرَ) وَلاَ ابْنَ أَبِي كَبْشَةَ، [وَمَا قَوْلُهُ إِلاَّ سِحْرٌ] يُؤْثَرُ. فَأَنْزَلَ اللهُ ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً...﴾ إلى ﴿لاَ تُبْقِي (وَلاَ) تَذَرُ﴾ قال قتادة: ذكر أنه قال: والله، لقد نظرت [فيما قال هذا الرجل]، [فإذا] هو ليس بشعر، وإن له لحَلاَوَةً، وإن عليه لَطُلاَوَةً، وإنه لَيَعْلُو وما يُعْلَى، ومَا أَشُكُّ أَنَّهُ سِحْرٌ. وقال الضحاك: دعاه النبي ﷺ إلى الإسلام، فقال: حتى أنظر! فَفَكَّرَ، ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ، ثُمَّ أَدْبَرَ واسْتَكبر، فقال: إن هذا إلا سحر يؤثر، فجعل الله له سقر. قال أبو رزين (سحر) (أي): يَأْثُرُهُ من غيره. * * - ﴿إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ قَوْلُ ٱلْبَشَرِ﴾. أي: ما هذا الذي يتلوه محمد إلا قول بني آدم وما هو بكلام الله. [فهذا أول من قال: القرآن مخلوق، قاله الوليد بن المغيرة فأدخله الله سقر. قال بعض العلماء: فكذا يُفْعَلُ بكل من قال: القرآن مخلوقٌ، قاله أحمد بن زيد]. * * - ثم قال: ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾. أي: [سأورده] سقر، وهو باب من أبواب جهنم. يروى أنه الباب السادس منها، نعوذ بالله منها. * * - ﴿وَمَآ أَدْرَاكَ مَا (سَقَرُ)﴾. أي: وأي شيء أدراك ما سقر؟، ثم بَيَّنَهُ وأَدْرَاهُ به [فقال] في صفة سقر. * * - ﴿لاَ تُبْقِي وَلاَ تَذَرُ﴾. أي: هي نارٌ لا تُبْقي من فيها حياً، ولا تَذَرُ من فيها ميتاً، لكنها تحرقهم، كلما احترقوا جُدِّدَ خَلْقُهُمْ. قال مجاهد: ﴿لاَ تُبْقِي وَلاَ تَذَرُ﴾ أي: لا تُحْيِي وَلاَ تُمِيتُ وقيل: ﴿لاَ تُبْقِي وَلاَ تَذَرُ﴾: لا تبقي الكافر حتى يصير فحمة ثم يُعاد خلقاً جديداً ثم لا تذره حتى يعود عليه العذاب بِأَشَدِّ مِمَّا كان هكذا أبداً، نعوذ بالله من ذلك. * * - ثم قال تعالى: ﴿لَوَّاحَةٌ لِّلْبَشَرِ﴾. أي: مغيرة لبشرة من فيها. قال مجاهد: ﴿لَوَّاحَةٌ لِّلْبَشَرِ﴾، أي: مُغَيِّرَةٌ للجلد. وقال قتادة: "خَرَّاقَةٌ للجلد". وقيل: معناه: تَلُوحُ لأَهْلِها من مسيرة خمسمائة عام. وعلى القول الأول أكثر الناس أنها تُغَيِّرُ البَشَرَةَ. قال [أبو رزين]: تلفح الجلد لفحة تَدَعُهُ أَشَدَّ سواداً من الليل. وقال ابن عباس: "تحرق بَشَرَةَ الإنسان". * * - ثم قال: ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾. أي: من الخزنة. ذكر ابن عباس أَنَّ هَذَا لما نَزَلَ عَلَى النبي ﷺ، قَالَ أَبُو جَهْلٍ لِقُرَيْشٍ: ثَكِلَتْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ! أَسْمَعُ ابْنَ أَبِي كَبْشَةَ يُخْبِرُكُمْ أَنَّ خَزَنَةَ النَّارِ تِسْعَةَ عَشَرَ. وَأَنْتُمْ [الدَّهْمُ] أَفَتَعْجَزُ كُلُّ عَشَرَةٍ مِنْكُمْ أَنْ تَبْطِشَ بِرَجُلٍ مِنْ [خَزَنَةِ] جَهَنَّمَ؟! فَأَوْحَى اللهُ إلى نَبِيِّهِ أَنْ يَأْتِيَ أَبَا جَهْلٍ فَيَأْخُذَ بِيَدِهِ فِي بَطْحَاءِ مَكَّةَ فَيقُولَ ﴿أَوْلَىٰ لَكَ فَأَوْلَىٰ * ثُمَّ أَوْلَىٰ لَكَ فَأَوْلَىٰ﴾ [القيامة: ٣٤-٣٥]. فَلَمَّا فَعَلَ بِهِ ذَلكَ رَسُولُ اللهِ قَالَ لَهُ أَبُو جَهْلٍ: وَاللهِ، لاَ تَفْعَلُ أَنْتَ وَرَبُّكَ شَيْئا. فَأَخْزَاهُ - جَلَّ ذِكْرُهُ - يَوْمَ بَدْرٍ فَقُتِلَ. قال كعب الأحبار: ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾: ما منهم ملك إلا ومعه عمود ذو شعبتين يدفع به الدفعة فيلقي في النار تسعين ألفاً. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَآ أَصْحَٰبَ ٱلنَّارِ إِلاَّ مَلَٰئِكَةً﴾ أي: لم نجعل أصحاب النار رجالاً مثلكم فتطمعوا بالتغلب عليهم كما قال أبو جهل لقريش: أفلا يستطيع كل عشرة منكم أن يغلبوا منهم واحداً؟!. فإذا كانت الخزنة ملائكة، فمن ذا يطيق الملائكة؟!. * * - ثم قال: ﴿وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلاَّ فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾. أي: لم نجعلهم تسعة عشر فقط لقلة الملائكة؛ ولكن جعلناهم كذلك ليفتتن الذين كفروا ويستقلوا عدتهم ويُحدثوا أنفسهم بالتغلب على الخزنة حتى قال [أبو الأشد الجمحي]: أنا [أُجْهِضُهُمْ] [عن] النار. وقيل: إن كَلَدَةَ بن أسيد بن خلف قال: أنا أكفيكم سبعة عشر، واكفوني اثنين. * * - ثم قال تعالى: ﴿لِيَسْتَيْقِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَٰبَ﴾. أي: فعلنا ذلك ليفتتن الذين كفروا [وليتيقن] الذين أُوتوا التوراة والإنجيل حقيقة ما في كتبهم من الخبر عن عدة خزنة جهنم، لأنه كذلك عدتهم في التوراة (والإنجيل). هذا معنى قول ابن عباس وغيره. وهو قول مجاهد. قال قتادة: يُصَدِّقُ القرآنُ الكُتُبَ التي كانت قبله، فيها كُلِّها خَزَنَةُ النَّارِ تِسْعَةَ عَشَرَ. وهو قول الضحاك. وقال ابن زيد: ﴿لِيَسْتَيْقِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَٰبَ...﴾ "أنك رسول الله". * * ثم قال تعالى: ﴿وَيَزْدَادَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوۤاْ إِيمَٰناً﴾ أي: تصديقاً إلى تصديقهم بعدة خزنة جهنم. * * - ثم قال: ﴿وَلاَ يَرْتَابَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَٰبَ وَٱلْمُؤْمِنُونَ﴾ أي: ولا يشك أهل الكتاب [و] المؤمنون في حقيقة ذلك. * * - ثم قال: ﴿وَلِيَقُولَ ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ﴾ أي: نفاق. * * ﴿وَٱلْكَٰفِرُونَ﴾ يعني: مشركي قريش. * * - ﴿مَاذَآ أَرَادَ ٱللَّهُ بِهَـٰذَا مَثَلاً﴾. أي: ماذا أراد الله بهذا حين يخوفنا بهؤلاء التسعة عشر. - قال الله: ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ ٱللَّهُ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ﴾. أي: كما أضل هؤلاء المنافقين والمشركين القائلين: أي شيء أراد الله بهذا مثلاً؟! كذلك يضل الله من يشاء] من خلقه فَيَخْذُلُهُ عن إصابة الحق، ويهدي من يشاء فيوفقه للحق. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ﴾ أي: لا يعلم (مقدار) كثرة جنود ربك يا محمد إلا رَبُّكَ. روي عن النبي ﷺ أنه قال: "إِنَّ لله مَلاَئِكَةٌ تَرْعَدُ فَرَائِصَهُمْ مَخَافَةً مِنْهُ، وَإِنَّ مِنْهُمْ مَنْ لاَ تَقْطُرُ مِنْ عَيْنَيْهِ دَمْعَةً إِلاَّ وَقَعَتْ مَلَكاً يُسَبِّحُ، وَمَلاَئِكَةٌ سُجُودٌ مِنْذُ خَلَقَ اللهُ السَّمَواتِ لَمْ يَرْفَعُوا رُؤوسَهِمْ وَلاَ يَرْفَعُونَهَا إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ، وَمِنْهُمْ [مَلاَئِكَةٌ] وُقُوفٌ لم يَنْصَرِفُوا وَلاَ يَنْصَرِفُونَ إلى يوم القيامة. فإذا كان يوم القيامة، تَجَلَّى لَهُمْ رَبُّهُمْ - جَلَّ ذِكْرُهُ - فَقَالوا: سُبْحَانَكَ! مَا عَبَدْنَاكَ حَقَّ عِبَادَتِكَ! وقال كعب: إن لله عز وجل ملائكة من يوم خلقهم قياماً، [ما] ثنوا أصلابهم، وآخرين ركوعاً ما رفعوا أصلابهم، وآخرين [سجوداً] ما رفعوا رؤوسهم حتى يُنْفَخَ في الصور النفخةَ الآخرة فيقولون جميعاً: سبحانك! ما عبدناك كما ينبغي أن تُعْبَدَ. ثم قال كعب: والله، لو أن رجلاً عَمِلَ عَمَلَ سبعين نبيّاً، [لاسْتَقَلَ] عمله يوم القيامة من شدة ما يرى يومئذ. والله، لو دلي من [غسلين] دلو واحد من مطلع الشمس، لغلت منه جماجم قوم في مغربها. والله، [لَتَزْفَرَنَّ] جهنم زَفْرَةً لا يبقى ملك مقرب إلا خَرَّ جَاثِياً عَلَى رُكْبَتَيهِ. وروى ابن المبارك حديثاً - رفعه - أن ملكاً سجد لما استوى الرب [تعالى] على عرشه، فلم يرفع رأسه [و] لا يرفعه إلى يوم القيامة، فيقول يوم القيامة: لم أعبدك حق عبادتك، إلا أني لم أشرك بك شيئاً، ولم أتخذ من دونك ولياً. وقد وصفهم الله في كتابه فقال: ﴿يُسَبِّحُونَ ٱلَّيلَ وَٱلنَّهَارَ لاَ يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٠]. قال كعب: التسبيح للملائكة بمنزلة النَّفَسِ لبَنِي آدم، أُلْهِمُوا التسبيح كما ألهمتم الطَّرْفَ والنَّفَسَ. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَمَا هِيَ إِلاَّ ذِكْرَىٰ لِلْبَشَرِ﴾. يعني النار التي وصفها. يقول: ليس ما وصفتها به من تغييرها للبشر وعدة خزنتها إلا عظةً وعبرة للناس يتعظون بها. * * - ثم قال: ﴿كَلاَّ وَٱلْقَمَرِ﴾. أجاز الطبري الوقف على "كَلاَّ"، [جعله] رَدَّاً لِمَا قبلها. والمعنى عنده: ليس القول كما يقول من زعم أنه يكفي أصحابه المشركين خزنة جهنم التسعة عشر حتى يجهضهم عنها. وقال الفراء: تقديره: "إي والقمر، وقيل: تقديره: "حقاً" (وقيل): "أَلاَ". * * - ﴿وَٱلْقَمَرِ..﴾. أي: ورب القمر ورب الليل إذا أدبر، أي: ولى. * * - ﴿وَٱلصُّبْحِ إِذَآ أَسْفَرَ﴾. أي: أضاءَ وأقبل. يقال: أسفر الصبح إذا أضاء وانكشف. ومنه: سفرت المرأة عن وجهها إذا كشفته. ومنه قيل: "سفر" للكتاب الذي فيه العلم، لأنه يبين ويكشف. ومنه سفرت الريح الغمام: كشفته. ومنه: سفرت البيت: أي كنسته، ومنه قيل: "سفير" للذي يسعى في الصلح، لأنه يكشف المكروه ويزيله. وحكى بعض البصريين: دبرني إذا جاء خلفي. وأدبر إذا ولى. واختار [أبو عبيد] [إِذَا اَدْبَرَ]، لأن بعده: ﴿إِذَآ أَسْفَرَ﴾. وحكي: دبر وأدبر: لغتان بمعنى، يقال: دبر النهار وأدبر. ودبر الصيف وأدبر، وكذلك قبل وأقبل. فإذا قالوا: أقبل الراكب و "أدبر" لم يُقَلْ إلا بالألف. وقيل: معنى ﴿إِذْ أَدْبَرَ﴾ أي: إذ أدبر النهار، وكان في آخره. وسأل رجل ابن عباس عن قوله: ﴿وَٱللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ﴾ فقال: امكث، فلما سمع الأذان [الأول] قال: هذا حين دبر الليل. * * - ثم قال: ﴿إِنَّهَا لإِحْدَى ٱلْكُبَرِ﴾. يعني جهنم، أي: هي إحدى الأمور العظام. و (إحدى): فُعْلَى، نَعْتٌ، وهو قليل، إنما تأتي هذه النعوت غير المصادر بضم الأول أو بفتحه. * * - ثم قال: ﴿نَذِيراً لِّلْبَشَرِ﴾. قال أبو رزين: يقول الله جل ذكره: أنا نذير للبشر. وقال [ابن زيد]: معناه: محمد نذير للبشر. ونصبها على الحال من المضمر في "إنها" [أَوْ مِنْ] "إِحْدَى". وهذان القولان يدلان على أن النار هي النذير، وهو قول الحسن. ويجوز أن تكون حالاً من "هو" في قوله: ﴿إِلاَّ هُوَ﴾، أو على إضمار فعل تقديره: صَيَّرَهَا ﴿نَذِيراً﴾، وهذا على قول أبي رزين. وقال الكسائي: هي حال من المضمر في ﴿قُمْ﴾ أي: قم نذيراً، من أول السورة. وهو يرجع إلى قول ابن زيد. وقيل: ﴿نَذِيراً﴾ بمعنى إنذار، فنصبه على المصدر. (وقيل: نصبه على المصدر) [وقيل: نصبه على أعني]. ومن جعله للنار حذف [الياء] من "نذير" لأنه بمعنى النسب.

المدثر 74:8

قوله تعالى: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنذِرْ﴾ إلى قوله: ﴿نَذِيراً لِّلْبَشَرِ﴾. أي: يا أيها المدثر بثيابه عند نومه. وروي أن النبي ﷺ [قيل له ذلك] وهو متدثر بقطيفة. ذكره النخعي. وروي أن هذا أول ما نزل على النبي ﷺ. رواه جابر بن عبد الله قال: حَدَّثَنِي النَّبِيُّ ﷺ، قَالَ: جَاوَرْتُ فِي حِرَاءَ، فَلَمَّا قَضَيْتُ [جِوَارِي] هَبَطْتُ فَاسْتَبْطَنْتُ [الوَادِيَ]، فَنُودِيتُ فَنَظَرْتُ عَنْ يَمِينِي وَعَنْ شِمَالِي وَخَلْفِي (وَقُدَّامِي) فَلَمْ أَرَ شَيْئاً، فَنَظَرْتُ فَوْقَ رَأْسِي فَإِذَا هُوَ - يَعْنِي المَلَكَ - جَالِسٌ عَلَى عَرْشٍ بَيْنَ السَّمَاءِ والأَرْضِ [فَجُثِثْتُ] مِنْهُ. فَأَتَيْتُ خَدِيجَةَ فَقُلْتُ: دَثِّرُونِي، (دَثِّرُونِي)، وَصُبُّوا عَلَيَّ مَاءً. وَأُنْزِلَ عَلَيَّ ﴿يٰأَيُّهَا ٱلْمُدَّثِّرُ﴾ وقال الزهري: كان أول شيء أنزل عليه: ﴿ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق: ١] حتى بلغ ﴿(عَلَّمَ ٱلإِنسَانَ) مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: ٥]. قال ابن عباس: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلْمُدَّثِّرُ﴾: "يأ أيها النائم". وقال قتادة: المدثر في ثيابه. وقال عكرمة: معناه: "دُثرت هذا الأَمر فقم به"، يعني النبوة. * * - وقوله: ﴿قُمْ فَأَنذِرْ﴾. أي: قم من نومك فأنذر قومك عذاب الله على شركهم بالله. * * - ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾. أي: فعظم. * * - ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾. أي: لا تلبسها على معصية ولا [غدرة]. قاله ابن عباس. وعنه أيضاً: فطَهِّرْها من الإثم. وقال النخعي: فطهرها من الذنوب. والعرب تقول لرجل إذا نكث ولم يف بعهده: إنه لدنس الثياب، وإذا أوفى بعهده وأصلح: إنه لمُطَهَّر الثياب. وقال الضحاك: معناه: "لا تلبس ثيابك على معصية". وقال ابن زيد: معناه: "وعملك فأصلحه"، قال: والعرب تقول للرجل الخبيث العمل: فلان خبيث الثياب. وإذا كان حسن العمل (قالوا: فلان طاهر الثياب. وعن ابن عباس أيضاً أن معناه: "لا تلبس ثيابك) من [مكسب] غير طيب. وعن مجاهد أن معناه: "لست بكاهن ولا ساحر، فأَعْرِض عما قالوا". (وقال) ابن سيرين: معناه: اغسل ثيابك من النجاسة. وهو قول ابن زيد، وبهذا احتج الشافعي في وجوب طهارة الثوب (وأنه فرض. ومذهب مالك أن طهارة الثوب ليس بفرض، وهو قول أهل المدينة وإنما طهارة الثوب) سنة. ولذلك، من صلى بثوب نجس ولا يعلم أعاد في الوقت. ولو كانت طهارة الثوب فرضاً لأعاد أبداً. وكذلك البدن تقع فيه النجاسة ليست طهارته فرضاً. يدل على ذلك إجماع المسلمين على أن صلاة من استجمر بالحجارة من الغائط جائزة، مع أن موضع خروج الأذى لم يغسل بالماء. * * - ثم قال ﴿وَٱلرُّجْزَ [فَٱهْجُرْ]﴾. أي: والأَوْثَانَ فاهجر عبادتها. والضم والكسر في الراء لغتان عند الفراء. وقيل: الكسر معناه العَذاب. فتكون الأوثان سميت بالعذاب. لأنها سببه. والضم معناه الأوثان. وأول من فرق بينهما الكسائي. وأكثر الناس على أنه لا فرق بينهما وأنه يراد به الأوثان، [ضَمَمْتَ] الراءَ أو كَسَرْتَهَا. قال ابن عباس: الرجز: "السخط، وهو الأصنام". وقال مجاهد وعكرمة: الرجز: "الأوثان. وقاله الزهري. وقال قتادة: "الرجز: صنمان كانا عند البيت: [إساف ونائلة]، يَمْسَحُ وُجُوهَهُمَا من أتى عليهما، فأمر الله نبيه أن [يجتنبهما] ويعتزلهما". قال ابن زيد: "الرجز آلهتهم التي كانوا يعبدون، (أمره الله) أن يهجرها [فلا يأتيها ولا يقربها]". وقال النَّخعي: المعنى: والمعصية [فاهجر]. * * - ثم قال تعالى ﴿وَلاَ تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ﴾. قال ابن عباس: معناه: ولا تعط يا محمد عطية لتعطى أكثر منها. وهو (معنى) قول أكثر [المفسرين]. وهذا خصوص للنبي ﷺ، وهو مباح لأمته إلا أنه لا أجر [لهم] في ذلك. وهو قوله تعالى: ﴿وَمَآ آتَيْتُمْ مِّن رِّباً لِّيَرْبُوَاْ فِي أَمْوَالِ ٱلنَّاسِ فَلاَ يَرْبُواْ عِندَ ٱللَّهِ﴾ [الروم: ٣٩] وقد قال الضحاك: هو الربا (في) الحلال [قال]: وهما ربوان: حرام وحلال. فأما الحلال فالهدايا. وأما الحرام فالربا بعينه. وقال الحسن: معناه: لا تستكثر عملك الصالح. وهو اختيار الطبري. وقال الربيع بن أنس: معناه: "لاَ يَكْثُرَنْ عملُك في عينك، فإنه فيما أنعم الله [عليك] وأعطاك قليل". وعن مجاهد أن معناه: لا تضعف أن تستكثر من الخير من قولهم: "حبل منين" إذا كان ضعيفاً. وفي قراءة ابن مسعود: "وَلاَ تَمْنُنْ أَنْ تَسْتَكْثِرَ". قال الكسائي: فإذا حذف "أن" رفع، وهو حال (عند) البصريين. وقال ابن زيد: معناه: لا تمنن بالقرآن والنبوة فتستكثرهم به، تأخذ على ذلك عوضاً من الدنيا. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَلِرَبِّكَ فَٱصْبِرْ﴾. أي: اصبر على ما تَلْقَى من قومك لربك [واحتمل] أذاهم. وقال ابن زيد: معناه، اصبر على محاربة العرب والعجم، قال: "حُمِّلَ أمراً عظيماً، مُحَارَبَةَ العرب ثم العجم من بعد العرب في الله". وقال النخعي: معناه: ولربك فاصبر على عطيتك، ولا تعطها لتأخذ أكثر منها، بل احتسبها الله. * * - ثم قال تعالى: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي ٱلنَّاقُورِ * فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾. يقال: [عَسُرَ] الأمرُ إذا صَعُبَ فهو عَسِيرٌ، [وعَسِرَ] فهو عَسِرٌِ. والمعنى: فإذا نفخ في الصور فذلك [يوم] شديد صعب غير سهل على الكافرين. روى ابن عباس أنَّ النبي ﷺ قَالَ: "كَيْفَ أَنْعَمُ وَصَاحِبُ القَرْنِ قَدِ التَقَمَ القَرْنُ [وَحَنَى] جَبْهَتَهُ لِيَسْتَمِعَ مَتَى يُؤْمَرُ، يَنْفُخُ فِيهِ. قَالَ: فَاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلى أَصْحَابِهِ فَأَمَرَهُمْ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَقُولُوا ﴿حَسْبُنَا ٱللَّهُ وَنِعْمَ ٱلْوَكِيلُ﴾ ﴿عَلَى ٱللَّهِ تَوَكَّلْنَا﴾ قال عكرمة: الناقور: الصور. قال مجاهد: (هو) شَيْءٌ كَهَيْئَةِ [البُوقِ]. * * - ثم قال: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً﴾. أي: كِلْ - يا محمد - أَمْرَ هذا الذي خلقته في بطن أمه وحيداً لا شيء له من مال ولا ولد، يعني بذلك الوليد بن المغيرة المخزومي. قال ابن عباس: "أَنْزَلَ اللهُ فِي الوَليدِ بِنْ المُغِيرَةِ ﴿ذَرْنِي﴾ ﴿وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً﴾. [وقوله: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ...﴾ [الحجر: ٩٢] إلى آخرها". وقيل: معناه: دعني يا محمد ومجازاة من خلقته وحده، فيكون "وحيداً"] على القول الأول حالاً من الهاء المحذوفة في "خلقته". وعلى (هذا) القول الآخر حالاً من التاء في "خلقته". وفي هذا الكلام تهدد عظيم ووعيد. والعرب تقول: ذرني وزيداً، أي: كِلْ عقوبته ومُطالَبَتَهُ إلي. فالمعنى: كِلْ - يا محمد - عقوبة هؤلاء إلي، فلست أحتاج [في ذلك] إلى معين ولا ظهير. ويُرْوى أنه كان يقول: أنا الواحد بن الوحيد، ليس لي من العرب نظير ولا لأبي المغيرة نظير. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَجَعَلْتُ لَهُ مَالاً مَّمْدُوداً﴾. قال مجاهد وابن جبير: هو ألف دينار. وقال سفيان: (بلغني) أنه أربعة آلاف دينار. وقيل: هو الأرض يزرع فيها. قاله النعمان بن سالم. وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: هو غَلَّةٌ شهر [بشهر]. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَبَنِينَ شُهُوداً﴾. أي: وجعلت له بنين شهوداً، أي: [حضوراً]. روي أنه كان له عشرة من الولد. وقد قاله مجاهد وغيره. وروي أنه ما زاد بعد نزول هذه الآية إلا [ارتكاساً] في ماله وولده ونفسه. * * - ثم قال: ﴿وَمَهَّدتُّ لَهُ تَمْهِيداً﴾. أي: بسطت له في العيش بسطاً. قاله سفيان. وقال مجاهد: "من المال والولد". * * - ثم قال: ﴿ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ * كَلاَّ﴾ ثم يَأْمَلُ أن أزيده من المال والولد على ما أعطيته ﴿كَلاَّ﴾: أي: ليس الأمر على ما يُؤَمِّلُ، أي: لا يكون ذلك]. * * - ثم قال: ﴿إِنَّهُ كان لآيَاتِنَا عَنِيداً﴾. أي: إنه كان لرد حجتنا وآياتنا معانداً، مجانباً. يقال: عَنُدَ البَعيرُ [يَعْنِدُ عُنُوداً]، [وبَعِيرٌ عَنُودُ]: إذَا مشى مجانباً للإبل لا يمشي معها. قال ابن عباس: ﴿عَنِيداً﴾ "جحوداً". وهو قول قتادة. وقال مجاهد: "معانداً للحق، مجانباً له". وقال سفيان: ﴿عَنِيداً﴾ "مشاقاً لنا". * * - ثم قال: ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً﴾. أي: سأكلفه مشقة من العذاب لا راحة منها. وقيل: الصعود جبل من نار (يكلفون) أن يصعدوه، فإذا وضع يده عليه ذابت، فإذا رفعها عادت، وإذا وضع رجله كذلك. وروى أبو سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: "الصُّعُودُ جَبَلٌ مِنْ نَارٍ يَصْعَدُ فِيهِ سَبْعينَ خَرِيفاً ثُمَّ يَهْوِي كَذلِكَ أَبَدَاً قال مجاهد: ﴿صَعُوداً﴾: "عذاباً لا راحة منه". وقال قتادة: "مشقة من العذاب". * * - ثم قال: ﴿إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ * [فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ]﴾. أي: فكر فيما أنزل الله على نبيه من القرآن، وَقَدَّرَ فيما يقول فيه، فَلُعِنَ كيف قدَّر ما هو قائل، ثم لعن كيف قَدَّرَ القولَ فيه. ﴿ثُمَّ نَظَرَ﴾. أي: ثم تَأَنّى في ذلك. * * ﴿ثُمَّ عَبَسَ﴾ أي: قبض ما بين عينيه. * * ﴿وَبَسَرَ﴾. أي: كلح وكَرَّهَ وجهه. قال عكرمة: جَاءَ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ إلى النبي ﷺ فَقَرَأَ عليه النبي القرآنَ، فكأنه رَقَّ لَهُ، فبلغَ ذلك أبا جهل. فأتاه فقال: أيْ عَمِّ، إِنَّ قومَكَ يُريدون أن يَجْمَعُوا لَكَ مَالاً. قَالَ: لِمَ؟ قَالَ: يُعْطُونَكَ! فإنك أتيت محمداً تَتَعَرَّضُ لِمَا قِبَلَهُ. قال: قد علمت قريش أني أكثرها مالاً! قال: فقل فيه قولاً يَعْلَمُ قومُكَ أَنَّكَ مُنْكِرٌ" [لِمَا قَالَ]، وَأَنَّكَ كارِهٌ له، قال: فماذا أقول فيه؟ فوَالله مَا مِنْكُمْ رَجُلٌ أَعْلَمُ مِنِّي بِالأَشْعَارِ ولاَ أَعْلَمُ بِرَجَزِهِ وَلاَ بِقَصدِهِ، وَلاَ بِأَشْعَارِ الجِنِّ، وَ (اللهِ) لاَ يُشْبِهُ الذِي يَقُولُ شَيْئاً مِنْ هَذَا، وَاللهِ إِنَّ لِقَوْلِهِ الذِي يَقُولُ لَحَلاَوَةً! وَإِنهُ لَيَحْطِمُ مَا تَحْتَهُ! وَإِنَّهُ لَيَعْلُو وَمَا يُعْلَى! قَالَ أَبُو جَهْلٍ: وَاللهِ لاَ يَرْضَى قَوْمُكَ حَتَّى تَقُولَ فِيهِ. قَالَ: فَدَعْنِي حَتَّى أُفَكِّرَ فِيهِ. (فَلَمَّا فَكَّرَ فِيهِ) قَالَ: هَذَا سِحْرٌ يَأْثُرُهُ [عن] غيره، فنزلت ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً﴾ قال ابن عباس: دَخَلَ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ عَلَى أَبِي بَكْرٍ يَسُأَلُهُ عَنِ القُرآن، فَلَمَّا أَخْبَرَهُ خَرَجَ عَلَى قُرَيْشٍ فَقَالَ: يَا عَحَبَاً لِمَا يقول ابْنُ أَبِي كَبْشَةَ! فَوَاللهِ، ما هُوَ بِشِعْرٍ وَلاَ بِسِحْرٍ وَلاَ [بِهَذْيٍ] مِنْ جُنُونٍ، وَإِنهُ لَمِنْ كَلاَمِ اللهِ - جَلَّ وَعَز - فَلَمَّا سَمِعَ بِذلِكَ النَّفَرُ (مِنْ قُرَيْشٍ) [ائْتَمَرُوا] بَيْنَهُمْ، وَقَالُوا: وَاللهِ لَئِنْ صَبَأَ الوَلِيْدُ لَتَصْبُؤَنَّ قُرَيْشٌ، فَلَمَّا سَمِعَ بِذلِكَ أَبُو جَهْلٍ بْنُ هِشَامٍ قَالَ: أَنَا وَالله أَكْفِيكُمْ شَأْنَهُ. فَانْطَلَقَ حَتَى دَخَلَ عَلَيْهِ بَيْتَهُ، فَقَالَ: [أَلَمْ تَرَ] قَوْمَكَ قَدْ جَمَعُوا لَكَ الصَّدَقَةَ؟! قَالَ: أَلَسْتُ أَكْثَرَهُمْ مَالاً وَوَلَداً؟! فَقَالَ لَهُ أَبُو جَهْلٍ: يَتَحَدَّثُونَ أَنَّكَ تَدْخُلُ عَلَى ابْنِ أَبِي قُحَافَةَ لِتُصِيبَ مِنْ طَعَامِهِ! قَالَ الوَلِيدُ: [أَقَدْ] تَحَدَّثَتْ بِذَلِك عَشِيرَتِي؟! فَلاَ وَأَيْمُ جَابِرِ بْنُ قُصَيَّ، لاَ أَقْرَبُ أَبَا بَكْرٍ (وَلاَ عُمَرَ) وَلاَ ابْنَ أَبِي كَبْشَةَ، [وَمَا قَوْلُهُ إِلاَّ سِحْرٌ] يُؤْثَرُ. فَأَنْزَلَ اللهُ ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً...﴾ إلى ﴿لاَ تُبْقِي (وَلاَ) تَذَرُ﴾ قال قتادة: ذكر أنه قال: والله، لقد نظرت [فيما قال هذا الرجل]، [فإذا] هو ليس بشعر، وإن له لحَلاَوَةً، وإن عليه لَطُلاَوَةً، وإنه لَيَعْلُو وما يُعْلَى، ومَا أَشُكُّ أَنَّهُ سِحْرٌ. وقال الضحاك: دعاه النبي ﷺ إلى الإسلام، فقال: حتى أنظر! فَفَكَّرَ، ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ، ثُمَّ أَدْبَرَ واسْتَكبر، فقال: إن هذا إلا سحر يؤثر، فجعل الله له سقر. قال أبو رزين (سحر) (أي): يَأْثُرُهُ من غيره. * * - ﴿إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ قَوْلُ ٱلْبَشَرِ﴾. أي: ما هذا الذي يتلوه محمد إلا قول بني آدم وما هو بكلام الله. [فهذا أول من قال: القرآن مخلوق، قاله الوليد بن المغيرة فأدخله الله سقر. قال بعض العلماء: فكذا يُفْعَلُ بكل من قال: القرآن مخلوقٌ، قاله أحمد بن زيد]. * * - ثم قال: ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾. أي: [سأورده] سقر، وهو باب من أبواب جهنم. يروى أنه الباب السادس منها، نعوذ بالله منها. * * - ﴿وَمَآ أَدْرَاكَ مَا (سَقَرُ)﴾. أي: وأي شيء أدراك ما سقر؟، ثم بَيَّنَهُ وأَدْرَاهُ به [فقال] في صفة سقر. * * - ﴿لاَ تُبْقِي وَلاَ تَذَرُ﴾. أي: هي نارٌ لا تُبْقي من فيها حياً، ولا تَذَرُ من فيها ميتاً، لكنها تحرقهم، كلما احترقوا جُدِّدَ خَلْقُهُمْ. قال مجاهد: ﴿لاَ تُبْقِي وَلاَ تَذَرُ﴾ أي: لا تُحْيِي وَلاَ تُمِيتُ وقيل: ﴿لاَ تُبْقِي وَلاَ تَذَرُ﴾: لا تبقي الكافر حتى يصير فحمة ثم يُعاد خلقاً جديداً ثم لا تذره حتى يعود عليه العذاب بِأَشَدِّ مِمَّا كان هكذا أبداً، نعوذ بالله من ذلك. * * - ثم قال تعالى: ﴿لَوَّاحَةٌ لِّلْبَشَرِ﴾. أي: مغيرة لبشرة من فيها. قال مجاهد: ﴿لَوَّاحَةٌ لِّلْبَشَرِ﴾، أي: مُغَيِّرَةٌ للجلد. وقال قتادة: "خَرَّاقَةٌ للجلد". وقيل: معناه: تَلُوحُ لأَهْلِها من مسيرة خمسمائة عام. وعلى القول الأول أكثر الناس أنها تُغَيِّرُ البَشَرَةَ. قال [أبو رزين]: تلفح الجلد لفحة تَدَعُهُ أَشَدَّ سواداً من الليل. وقال ابن عباس: "تحرق بَشَرَةَ الإنسان". * * - ثم قال: ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾. أي: من الخزنة. ذكر ابن عباس أَنَّ هَذَا لما نَزَلَ عَلَى النبي ﷺ، قَالَ أَبُو جَهْلٍ لِقُرَيْشٍ: ثَكِلَتْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ! أَسْمَعُ ابْنَ أَبِي كَبْشَةَ يُخْبِرُكُمْ أَنَّ خَزَنَةَ النَّارِ تِسْعَةَ عَشَرَ. وَأَنْتُمْ [الدَّهْمُ] أَفَتَعْجَزُ كُلُّ عَشَرَةٍ مِنْكُمْ أَنْ تَبْطِشَ بِرَجُلٍ مِنْ [خَزَنَةِ] جَهَنَّمَ؟! فَأَوْحَى اللهُ إلى نَبِيِّهِ أَنْ يَأْتِيَ أَبَا جَهْلٍ فَيَأْخُذَ بِيَدِهِ فِي بَطْحَاءِ مَكَّةَ فَيقُولَ ﴿أَوْلَىٰ لَكَ فَأَوْلَىٰ * ثُمَّ أَوْلَىٰ لَكَ فَأَوْلَىٰ﴾ [القيامة: ٣٤-٣٥]. فَلَمَّا فَعَلَ بِهِ ذَلكَ رَسُولُ اللهِ قَالَ لَهُ أَبُو جَهْلٍ: وَاللهِ، لاَ تَفْعَلُ أَنْتَ وَرَبُّكَ شَيْئا. فَأَخْزَاهُ - جَلَّ ذِكْرُهُ - يَوْمَ بَدْرٍ فَقُتِلَ. قال كعب الأحبار: ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾: ما منهم ملك إلا ومعه عمود ذو شعبتين يدفع به الدفعة فيلقي في النار تسعين ألفاً. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَآ أَصْحَٰبَ ٱلنَّارِ إِلاَّ مَلَٰئِكَةً﴾ أي: لم نجعل أصحاب النار رجالاً مثلكم فتطمعوا بالتغلب عليهم كما قال أبو جهل لقريش: أفلا يستطيع كل عشرة منكم أن يغلبوا منهم واحداً؟!. فإذا كانت الخزنة ملائكة، فمن ذا يطيق الملائكة؟!. * * - ثم قال: ﴿وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلاَّ فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾. أي: لم نجعلهم تسعة عشر فقط لقلة الملائكة؛ ولكن جعلناهم كذلك ليفتتن الذين كفروا ويستقلوا عدتهم ويُحدثوا أنفسهم بالتغلب على الخزنة حتى قال [أبو الأشد الجمحي]: أنا [أُجْهِضُهُمْ] [عن] النار. وقيل: إن كَلَدَةَ بن أسيد بن خلف قال: أنا أكفيكم سبعة عشر، واكفوني اثنين. * * - ثم قال تعالى: ﴿لِيَسْتَيْقِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَٰبَ﴾. أي: فعلنا ذلك ليفتتن الذين كفروا [وليتيقن] الذين أُوتوا التوراة والإنجيل حقيقة ما في كتبهم من الخبر عن عدة خزنة جهنم، لأنه كذلك عدتهم في التوراة (والإنجيل). هذا معنى قول ابن عباس وغيره. وهو قول مجاهد. قال قتادة: يُصَدِّقُ القرآنُ الكُتُبَ التي كانت قبله، فيها كُلِّها خَزَنَةُ النَّارِ تِسْعَةَ عَشَرَ. وهو قول الضحاك. وقال ابن زيد: ﴿لِيَسْتَيْقِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَٰبَ...﴾ "أنك رسول الله". * * ثم قال تعالى: ﴿وَيَزْدَادَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوۤاْ إِيمَٰناً﴾ أي: تصديقاً إلى تصديقهم بعدة خزنة جهنم. * * - ثم قال: ﴿وَلاَ يَرْتَابَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَٰبَ وَٱلْمُؤْمِنُونَ﴾ أي: ولا يشك أهل الكتاب [و] المؤمنون في حقيقة ذلك. * * - ثم قال: ﴿وَلِيَقُولَ ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ﴾ أي: نفاق. * * ﴿وَٱلْكَٰفِرُونَ﴾ يعني: مشركي قريش. * * - ﴿مَاذَآ أَرَادَ ٱللَّهُ بِهَـٰذَا مَثَلاً﴾. أي: ماذا أراد الله بهذا حين يخوفنا بهؤلاء التسعة عشر. - قال الله: ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ ٱللَّهُ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ﴾. أي: كما أضل هؤلاء المنافقين والمشركين القائلين: أي شيء أراد الله بهذا مثلاً؟! كذلك يضل الله من يشاء] من خلقه فَيَخْذُلُهُ عن إصابة الحق، ويهدي من يشاء فيوفقه للحق. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ﴾ أي: لا يعلم (مقدار) كثرة جنود ربك يا محمد إلا رَبُّكَ. روي عن النبي ﷺ أنه قال: "إِنَّ لله مَلاَئِكَةٌ تَرْعَدُ فَرَائِصَهُمْ مَخَافَةً مِنْهُ، وَإِنَّ مِنْهُمْ مَنْ لاَ تَقْطُرُ مِنْ عَيْنَيْهِ دَمْعَةً إِلاَّ وَقَعَتْ مَلَكاً يُسَبِّحُ، وَمَلاَئِكَةٌ سُجُودٌ مِنْذُ خَلَقَ اللهُ السَّمَواتِ لَمْ يَرْفَعُوا رُؤوسَهِمْ وَلاَ يَرْفَعُونَهَا إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ، وَمِنْهُمْ [مَلاَئِكَةٌ] وُقُوفٌ لم يَنْصَرِفُوا وَلاَ يَنْصَرِفُونَ إلى يوم القيامة. فإذا كان يوم القيامة، تَجَلَّى لَهُمْ رَبُّهُمْ - جَلَّ ذِكْرُهُ - فَقَالوا: سُبْحَانَكَ! مَا عَبَدْنَاكَ حَقَّ عِبَادَتِكَ! وقال كعب: إن لله عز وجل ملائكة من يوم خلقهم قياماً، [ما] ثنوا أصلابهم، وآخرين ركوعاً ما رفعوا أصلابهم، وآخرين [سجوداً] ما رفعوا رؤوسهم حتى يُنْفَخَ في الصور النفخةَ الآخرة فيقولون جميعاً: سبحانك! ما عبدناك كما ينبغي أن تُعْبَدَ. ثم قال كعب: والله، لو أن رجلاً عَمِلَ عَمَلَ سبعين نبيّاً، [لاسْتَقَلَ] عمله يوم القيامة من شدة ما يرى يومئذ. والله، لو دلي من [غسلين] دلو واحد من مطلع الشمس، لغلت منه جماجم قوم في مغربها. والله، [لَتَزْفَرَنَّ] جهنم زَفْرَةً لا يبقى ملك مقرب إلا خَرَّ جَاثِياً عَلَى رُكْبَتَيهِ. وروى ابن المبارك حديثاً - رفعه - أن ملكاً سجد لما استوى الرب [تعالى] على عرشه، فلم يرفع رأسه [و] لا يرفعه إلى يوم القيامة، فيقول يوم القيامة: لم أعبدك حق عبادتك، إلا أني لم أشرك بك شيئاً، ولم أتخذ من دونك ولياً. وقد وصفهم الله في كتابه فقال: ﴿يُسَبِّحُونَ ٱلَّيلَ وَٱلنَّهَارَ لاَ يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٠]. قال كعب: التسبيح للملائكة بمنزلة النَّفَسِ لبَنِي آدم، أُلْهِمُوا التسبيح كما ألهمتم الطَّرْفَ والنَّفَسَ. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَمَا هِيَ إِلاَّ ذِكْرَىٰ لِلْبَشَرِ﴾. يعني النار التي وصفها. يقول: ليس ما وصفتها به من تغييرها للبشر وعدة خزنتها إلا عظةً وعبرة للناس يتعظون بها. * * - ثم قال: ﴿كَلاَّ وَٱلْقَمَرِ﴾. أجاز الطبري الوقف على "كَلاَّ"، [جعله] رَدَّاً لِمَا قبلها. والمعنى عنده: ليس القول كما يقول من زعم أنه يكفي أصحابه المشركين خزنة جهنم التسعة عشر حتى يجهضهم عنها. وقال الفراء: تقديره: "إي والقمر، وقيل: تقديره: "حقاً" (وقيل): "أَلاَ". * * - ﴿وَٱلْقَمَرِ..﴾. أي: ورب القمر ورب الليل إذا أدبر، أي: ولى. * * - ﴿وَٱلصُّبْحِ إِذَآ أَسْفَرَ﴾. أي: أضاءَ وأقبل. يقال: أسفر الصبح إذا أضاء وانكشف. ومنه: سفرت المرأة عن وجهها إذا كشفته. ومنه قيل: "سفر" للكتاب الذي فيه العلم، لأنه يبين ويكشف. ومنه سفرت الريح الغمام: كشفته. ومنه: سفرت البيت: أي كنسته، ومنه قيل: "سفير" للذي يسعى في الصلح، لأنه يكشف المكروه ويزيله. وحكى بعض البصريين: دبرني إذا جاء خلفي. وأدبر إذا ولى. واختار [أبو عبيد] [إِذَا اَدْبَرَ]، لأن بعده: ﴿إِذَآ أَسْفَرَ﴾. وحكي: دبر وأدبر: لغتان بمعنى، يقال: دبر النهار وأدبر. ودبر الصيف وأدبر، وكذلك قبل وأقبل. فإذا قالوا: أقبل الراكب و "أدبر" لم يُقَلْ إلا بالألف. وقيل: معنى ﴿إِذْ أَدْبَرَ﴾ أي: إذ أدبر النهار، وكان في آخره. وسأل رجل ابن عباس عن قوله: ﴿وَٱللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ﴾ فقال: امكث، فلما سمع الأذان [الأول] قال: هذا حين دبر الليل. * * - ثم قال: ﴿إِنَّهَا لإِحْدَى ٱلْكُبَرِ﴾. يعني جهنم، أي: هي إحدى الأمور العظام. و (إحدى): فُعْلَى، نَعْتٌ، وهو قليل، إنما تأتي هذه النعوت غير المصادر بضم الأول أو بفتحه. * * - ثم قال: ﴿نَذِيراً لِّلْبَشَرِ﴾. قال أبو رزين: يقول الله جل ذكره: أنا نذير للبشر. وقال [ابن زيد]: معناه: محمد نذير للبشر. ونصبها على الحال من المضمر في "إنها" [أَوْ مِنْ] "إِحْدَى". وهذان القولان يدلان على أن النار هي النذير، وهو قول الحسن. ويجوز أن تكون حالاً من "هو" في قوله: ﴿إِلاَّ هُوَ﴾، أو على إضمار فعل تقديره: صَيَّرَهَا ﴿نَذِيراً﴾، وهذا على قول أبي رزين. وقال الكسائي: هي حال من المضمر في ﴿قُمْ﴾ أي: قم نذيراً، من أول السورة. وهو يرجع إلى قول ابن زيد. وقيل: ﴿نَذِيراً﴾ بمعنى إنذار، فنصبه على المصدر. (وقيل: نصبه على المصدر) [وقيل: نصبه على أعني]. ومن جعله للنار حذف [الياء] من "نذير" لأنه بمعنى النسب.

المدثر 74:9

قوله تعالى: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنذِرْ﴾ إلى قوله: ﴿نَذِيراً لِّلْبَشَرِ﴾. أي: يا أيها المدثر بثيابه عند نومه. وروي أن النبي ﷺ [قيل له ذلك] وهو متدثر بقطيفة. ذكره النخعي. وروي أن هذا أول ما نزل على النبي ﷺ. رواه جابر بن عبد الله قال: حَدَّثَنِي النَّبِيُّ ﷺ، قَالَ: جَاوَرْتُ فِي حِرَاءَ، فَلَمَّا قَضَيْتُ [جِوَارِي] هَبَطْتُ فَاسْتَبْطَنْتُ [الوَادِيَ]، فَنُودِيتُ فَنَظَرْتُ عَنْ يَمِينِي وَعَنْ شِمَالِي وَخَلْفِي (وَقُدَّامِي) فَلَمْ أَرَ شَيْئاً، فَنَظَرْتُ فَوْقَ رَأْسِي فَإِذَا هُوَ - يَعْنِي المَلَكَ - جَالِسٌ عَلَى عَرْشٍ بَيْنَ السَّمَاءِ والأَرْضِ [فَجُثِثْتُ] مِنْهُ. فَأَتَيْتُ خَدِيجَةَ فَقُلْتُ: دَثِّرُونِي، (دَثِّرُونِي)، وَصُبُّوا عَلَيَّ مَاءً. وَأُنْزِلَ عَلَيَّ ﴿يٰأَيُّهَا ٱلْمُدَّثِّرُ﴾ وقال الزهري: كان أول شيء أنزل عليه: ﴿ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق: ١] حتى بلغ ﴿(عَلَّمَ ٱلإِنسَانَ) مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: ٥]. قال ابن عباس: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلْمُدَّثِّرُ﴾: "يأ أيها النائم". وقال قتادة: المدثر في ثيابه. وقال عكرمة: معناه: "دُثرت هذا الأَمر فقم به"، يعني النبوة. * * - وقوله: ﴿قُمْ فَأَنذِرْ﴾. أي: قم من نومك فأنذر قومك عذاب الله على شركهم بالله. * * - ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾. أي: فعظم. * * - ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾. أي: لا تلبسها على معصية ولا [غدرة]. قاله ابن عباس. وعنه أيضاً: فطَهِّرْها من الإثم. وقال النخعي: فطهرها من الذنوب. والعرب تقول لرجل إذا نكث ولم يف بعهده: إنه لدنس الثياب، وإذا أوفى بعهده وأصلح: إنه لمُطَهَّر الثياب. وقال الضحاك: معناه: "لا تلبس ثيابك على معصية". وقال ابن زيد: معناه: "وعملك فأصلحه"، قال: والعرب تقول للرجل الخبيث العمل: فلان خبيث الثياب. وإذا كان حسن العمل (قالوا: فلان طاهر الثياب. وعن ابن عباس أيضاً أن معناه: "لا تلبس ثيابك) من [مكسب] غير طيب. وعن مجاهد أن معناه: "لست بكاهن ولا ساحر، فأَعْرِض عما قالوا". (وقال) ابن سيرين: معناه: اغسل ثيابك من النجاسة. وهو قول ابن زيد، وبهذا احتج الشافعي في وجوب طهارة الثوب (وأنه فرض. ومذهب مالك أن طهارة الثوب ليس بفرض، وهو قول أهل المدينة وإنما طهارة الثوب) سنة. ولذلك، من صلى بثوب نجس ولا يعلم أعاد في الوقت. ولو كانت طهارة الثوب فرضاً لأعاد أبداً. وكذلك البدن تقع فيه النجاسة ليست طهارته فرضاً. يدل على ذلك إجماع المسلمين على أن صلاة من استجمر بالحجارة من الغائط جائزة، مع أن موضع خروج الأذى لم يغسل بالماء. * * - ثم قال ﴿وَٱلرُّجْزَ [فَٱهْجُرْ]﴾. أي: والأَوْثَانَ فاهجر عبادتها. والضم والكسر في الراء لغتان عند الفراء. وقيل: الكسر معناه العَذاب. فتكون الأوثان سميت بالعذاب. لأنها سببه. والضم معناه الأوثان. وأول من فرق بينهما الكسائي. وأكثر الناس على أنه لا فرق بينهما وأنه يراد به الأوثان، [ضَمَمْتَ] الراءَ أو كَسَرْتَهَا. قال ابن عباس: الرجز: "السخط، وهو الأصنام". وقال مجاهد وعكرمة: الرجز: "الأوثان. وقاله الزهري. وقال قتادة: "الرجز: صنمان كانا عند البيت: [إساف ونائلة]، يَمْسَحُ وُجُوهَهُمَا من أتى عليهما، فأمر الله نبيه أن [يجتنبهما] ويعتزلهما". قال ابن زيد: "الرجز آلهتهم التي كانوا يعبدون، (أمره الله) أن يهجرها [فلا يأتيها ولا يقربها]". وقال النَّخعي: المعنى: والمعصية [فاهجر]. * * - ثم قال تعالى ﴿وَلاَ تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ﴾. قال ابن عباس: معناه: ولا تعط يا محمد عطية لتعطى أكثر منها. وهو (معنى) قول أكثر [المفسرين]. وهذا خصوص للنبي ﷺ، وهو مباح لأمته إلا أنه لا أجر [لهم] في ذلك. وهو قوله تعالى: ﴿وَمَآ آتَيْتُمْ مِّن رِّباً لِّيَرْبُوَاْ فِي أَمْوَالِ ٱلنَّاسِ فَلاَ يَرْبُواْ عِندَ ٱللَّهِ﴾ [الروم: ٣٩] وقد قال الضحاك: هو الربا (في) الحلال [قال]: وهما ربوان: حرام وحلال. فأما الحلال فالهدايا. وأما الحرام فالربا بعينه. وقال الحسن: معناه: لا تستكثر عملك الصالح. وهو اختيار الطبري. وقال الربيع بن أنس: معناه: "لاَ يَكْثُرَنْ عملُك في عينك، فإنه فيما أنعم الله [عليك] وأعطاك قليل". وعن مجاهد أن معناه: لا تضعف أن تستكثر من الخير من قولهم: "حبل منين" إذا كان ضعيفاً. وفي قراءة ابن مسعود: "وَلاَ تَمْنُنْ أَنْ تَسْتَكْثِرَ". قال الكسائي: فإذا حذف "أن" رفع، وهو حال (عند) البصريين. وقال ابن زيد: معناه: لا تمنن بالقرآن والنبوة فتستكثرهم به، تأخذ على ذلك عوضاً من الدنيا. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَلِرَبِّكَ فَٱصْبِرْ﴾. أي: اصبر على ما تَلْقَى من قومك لربك [واحتمل] أذاهم. وقال ابن زيد: معناه، اصبر على محاربة العرب والعجم، قال: "حُمِّلَ أمراً عظيماً، مُحَارَبَةَ العرب ثم العجم من بعد العرب في الله". وقال النخعي: معناه: ولربك فاصبر على عطيتك، ولا تعطها لتأخذ أكثر منها، بل احتسبها الله. * * - ثم قال تعالى: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي ٱلنَّاقُورِ * فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾. يقال: [عَسُرَ] الأمرُ إذا صَعُبَ فهو عَسِيرٌ، [وعَسِرَ] فهو عَسِرٌِ. والمعنى: فإذا نفخ في الصور فذلك [يوم] شديد صعب غير سهل على الكافرين. روى ابن عباس أنَّ النبي ﷺ قَالَ: "كَيْفَ أَنْعَمُ وَصَاحِبُ القَرْنِ قَدِ التَقَمَ القَرْنُ [وَحَنَى] جَبْهَتَهُ لِيَسْتَمِعَ مَتَى يُؤْمَرُ، يَنْفُخُ فِيهِ. قَالَ: فَاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلى أَصْحَابِهِ فَأَمَرَهُمْ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَقُولُوا ﴿حَسْبُنَا ٱللَّهُ وَنِعْمَ ٱلْوَكِيلُ﴾ ﴿عَلَى ٱللَّهِ تَوَكَّلْنَا﴾ قال عكرمة: الناقور: الصور. قال مجاهد: (هو) شَيْءٌ كَهَيْئَةِ [البُوقِ]. * * - ثم قال: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً﴾. أي: كِلْ - يا محمد - أَمْرَ هذا الذي خلقته في بطن أمه وحيداً لا شيء له من مال ولا ولد، يعني بذلك الوليد بن المغيرة المخزومي. قال ابن عباس: "أَنْزَلَ اللهُ فِي الوَليدِ بِنْ المُغِيرَةِ ﴿ذَرْنِي﴾ ﴿وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً﴾. [وقوله: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ...﴾ [الحجر: ٩٢] إلى آخرها". وقيل: معناه: دعني يا محمد ومجازاة من خلقته وحده، فيكون "وحيداً"] على القول الأول حالاً من الهاء المحذوفة في "خلقته". وعلى (هذا) القول الآخر حالاً من التاء في "خلقته". وفي هذا الكلام تهدد عظيم ووعيد. والعرب تقول: ذرني وزيداً، أي: كِلْ عقوبته ومُطالَبَتَهُ إلي. فالمعنى: كِلْ - يا محمد - عقوبة هؤلاء إلي، فلست أحتاج [في ذلك] إلى معين ولا ظهير. ويُرْوى أنه كان يقول: أنا الواحد بن الوحيد، ليس لي من العرب نظير ولا لأبي المغيرة نظير. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَجَعَلْتُ لَهُ مَالاً مَّمْدُوداً﴾. قال مجاهد وابن جبير: هو ألف دينار. وقال سفيان: (بلغني) أنه أربعة آلاف دينار. وقيل: هو الأرض يزرع فيها. قاله النعمان بن سالم. وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: هو غَلَّةٌ شهر [بشهر]. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَبَنِينَ شُهُوداً﴾. أي: وجعلت له بنين شهوداً، أي: [حضوراً]. روي أنه كان له عشرة من الولد. وقد قاله مجاهد وغيره. وروي أنه ما زاد بعد نزول هذه الآية إلا [ارتكاساً] في ماله وولده ونفسه. * * - ثم قال: ﴿وَمَهَّدتُّ لَهُ تَمْهِيداً﴾. أي: بسطت له في العيش بسطاً. قاله سفيان. وقال مجاهد: "من المال والولد". * * - ثم قال: ﴿ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ * كَلاَّ﴾ ثم يَأْمَلُ أن أزيده من المال والولد على ما أعطيته ﴿كَلاَّ﴾: أي: ليس الأمر على ما يُؤَمِّلُ، أي: لا يكون ذلك]. * * - ثم قال: ﴿إِنَّهُ كان لآيَاتِنَا عَنِيداً﴾. أي: إنه كان لرد حجتنا وآياتنا معانداً، مجانباً. يقال: عَنُدَ البَعيرُ [يَعْنِدُ عُنُوداً]، [وبَعِيرٌ عَنُودُ]: إذَا مشى مجانباً للإبل لا يمشي معها. قال ابن عباس: ﴿عَنِيداً﴾ "جحوداً". وهو قول قتادة. وقال مجاهد: "معانداً للحق، مجانباً له". وقال سفيان: ﴿عَنِيداً﴾ "مشاقاً لنا". * * - ثم قال: ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً﴾. أي: سأكلفه مشقة من العذاب لا راحة منها. وقيل: الصعود جبل من نار (يكلفون) أن يصعدوه، فإذا وضع يده عليه ذابت، فإذا رفعها عادت، وإذا وضع رجله كذلك. وروى أبو سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: "الصُّعُودُ جَبَلٌ مِنْ نَارٍ يَصْعَدُ فِيهِ سَبْعينَ خَرِيفاً ثُمَّ يَهْوِي كَذلِكَ أَبَدَاً قال مجاهد: ﴿صَعُوداً﴾: "عذاباً لا راحة منه". وقال قتادة: "مشقة من العذاب". * * - ثم قال: ﴿إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ * [فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ]﴾. أي: فكر فيما أنزل الله على نبيه من القرآن، وَقَدَّرَ فيما يقول فيه، فَلُعِنَ كيف قدَّر ما هو قائل، ثم لعن كيف قَدَّرَ القولَ فيه. ﴿ثُمَّ نَظَرَ﴾. أي: ثم تَأَنّى في ذلك. * * ﴿ثُمَّ عَبَسَ﴾ أي: قبض ما بين عينيه. * * ﴿وَبَسَرَ﴾. أي: كلح وكَرَّهَ وجهه. قال عكرمة: جَاءَ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ إلى النبي ﷺ فَقَرَأَ عليه النبي القرآنَ، فكأنه رَقَّ لَهُ، فبلغَ ذلك أبا جهل. فأتاه فقال: أيْ عَمِّ، إِنَّ قومَكَ يُريدون أن يَجْمَعُوا لَكَ مَالاً. قَالَ: لِمَ؟ قَالَ: يُعْطُونَكَ! فإنك أتيت محمداً تَتَعَرَّضُ لِمَا قِبَلَهُ. قال: قد علمت قريش أني أكثرها مالاً! قال: فقل فيه قولاً يَعْلَمُ قومُكَ أَنَّكَ مُنْكِرٌ" [لِمَا قَالَ]، وَأَنَّكَ كارِهٌ له، قال: فماذا أقول فيه؟ فوَالله مَا مِنْكُمْ رَجُلٌ أَعْلَمُ مِنِّي بِالأَشْعَارِ ولاَ أَعْلَمُ بِرَجَزِهِ وَلاَ بِقَصدِهِ، وَلاَ بِأَشْعَارِ الجِنِّ، وَ (اللهِ) لاَ يُشْبِهُ الذِي يَقُولُ شَيْئاً مِنْ هَذَا، وَاللهِ إِنَّ لِقَوْلِهِ الذِي يَقُولُ لَحَلاَوَةً! وَإِنهُ لَيَحْطِمُ مَا تَحْتَهُ! وَإِنَّهُ لَيَعْلُو وَمَا يُعْلَى! قَالَ أَبُو جَهْلٍ: وَاللهِ لاَ يَرْضَى قَوْمُكَ حَتَّى تَقُولَ فِيهِ. قَالَ: فَدَعْنِي حَتَّى أُفَكِّرَ فِيهِ. (فَلَمَّا فَكَّرَ فِيهِ) قَالَ: هَذَا سِحْرٌ يَأْثُرُهُ [عن] غيره، فنزلت ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً﴾ قال ابن عباس: دَخَلَ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ عَلَى أَبِي بَكْرٍ يَسُأَلُهُ عَنِ القُرآن، فَلَمَّا أَخْبَرَهُ خَرَجَ عَلَى قُرَيْشٍ فَقَالَ: يَا عَحَبَاً لِمَا يقول ابْنُ أَبِي كَبْشَةَ! فَوَاللهِ، ما هُوَ بِشِعْرٍ وَلاَ بِسِحْرٍ وَلاَ [بِهَذْيٍ] مِنْ جُنُونٍ، وَإِنهُ لَمِنْ كَلاَمِ اللهِ - جَلَّ وَعَز - فَلَمَّا سَمِعَ بِذلِكَ النَّفَرُ (مِنْ قُرَيْشٍ) [ائْتَمَرُوا] بَيْنَهُمْ، وَقَالُوا: وَاللهِ لَئِنْ صَبَأَ الوَلِيْدُ لَتَصْبُؤَنَّ قُرَيْشٌ، فَلَمَّا سَمِعَ بِذلِكَ أَبُو جَهْلٍ بْنُ هِشَامٍ قَالَ: أَنَا وَالله أَكْفِيكُمْ شَأْنَهُ. فَانْطَلَقَ حَتَى دَخَلَ عَلَيْهِ بَيْتَهُ، فَقَالَ: [أَلَمْ تَرَ] قَوْمَكَ قَدْ جَمَعُوا لَكَ الصَّدَقَةَ؟! قَالَ: أَلَسْتُ أَكْثَرَهُمْ مَالاً وَوَلَداً؟! فَقَالَ لَهُ أَبُو جَهْلٍ: يَتَحَدَّثُونَ أَنَّكَ تَدْخُلُ عَلَى ابْنِ أَبِي قُحَافَةَ لِتُصِيبَ مِنْ طَعَامِهِ! قَالَ الوَلِيدُ: [أَقَدْ] تَحَدَّثَتْ بِذَلِك عَشِيرَتِي؟! فَلاَ وَأَيْمُ جَابِرِ بْنُ قُصَيَّ، لاَ أَقْرَبُ أَبَا بَكْرٍ (وَلاَ عُمَرَ) وَلاَ ابْنَ أَبِي كَبْشَةَ، [وَمَا قَوْلُهُ إِلاَّ سِحْرٌ] يُؤْثَرُ. فَأَنْزَلَ اللهُ ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً...﴾ إلى ﴿لاَ تُبْقِي (وَلاَ) تَذَرُ﴾ قال قتادة: ذكر أنه قال: والله، لقد نظرت [فيما قال هذا الرجل]، [فإذا] هو ليس بشعر، وإن له لحَلاَوَةً، وإن عليه لَطُلاَوَةً، وإنه لَيَعْلُو وما يُعْلَى، ومَا أَشُكُّ أَنَّهُ سِحْرٌ. وقال الضحاك: دعاه النبي ﷺ إلى الإسلام، فقال: حتى أنظر! فَفَكَّرَ، ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ، ثُمَّ أَدْبَرَ واسْتَكبر، فقال: إن هذا إلا سحر يؤثر، فجعل الله له سقر. قال أبو رزين (سحر) (أي): يَأْثُرُهُ من غيره. * * - ﴿إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ قَوْلُ ٱلْبَشَرِ﴾. أي: ما هذا الذي يتلوه محمد إلا قول بني آدم وما هو بكلام الله. [فهذا أول من قال: القرآن مخلوق، قاله الوليد بن المغيرة فأدخله الله سقر. قال بعض العلماء: فكذا يُفْعَلُ بكل من قال: القرآن مخلوقٌ، قاله أحمد بن زيد]. * * - ثم قال: ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾. أي: [سأورده] سقر، وهو باب من أبواب جهنم. يروى أنه الباب السادس منها، نعوذ بالله منها. * * - ﴿وَمَآ أَدْرَاكَ مَا (سَقَرُ)﴾. أي: وأي شيء أدراك ما سقر؟، ثم بَيَّنَهُ وأَدْرَاهُ به [فقال] في صفة سقر. * * - ﴿لاَ تُبْقِي وَلاَ تَذَرُ﴾. أي: هي نارٌ لا تُبْقي من فيها حياً، ولا تَذَرُ من فيها ميتاً، لكنها تحرقهم، كلما احترقوا جُدِّدَ خَلْقُهُمْ. قال مجاهد: ﴿لاَ تُبْقِي وَلاَ تَذَرُ﴾ أي: لا تُحْيِي وَلاَ تُمِيتُ وقيل: ﴿لاَ تُبْقِي وَلاَ تَذَرُ﴾: لا تبقي الكافر حتى يصير فحمة ثم يُعاد خلقاً جديداً ثم لا تذره حتى يعود عليه العذاب بِأَشَدِّ مِمَّا كان هكذا أبداً، نعوذ بالله من ذلك. * * - ثم قال تعالى: ﴿لَوَّاحَةٌ لِّلْبَشَرِ﴾. أي: مغيرة لبشرة من فيها. قال مجاهد: ﴿لَوَّاحَةٌ لِّلْبَشَرِ﴾، أي: مُغَيِّرَةٌ للجلد. وقال قتادة: "خَرَّاقَةٌ للجلد". وقيل: معناه: تَلُوحُ لأَهْلِها من مسيرة خمسمائة عام. وعلى القول الأول أكثر الناس أنها تُغَيِّرُ البَشَرَةَ. قال [أبو رزين]: تلفح الجلد لفحة تَدَعُهُ أَشَدَّ سواداً من الليل. وقال ابن عباس: "تحرق بَشَرَةَ الإنسان". * * - ثم قال: ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾. أي: من الخزنة. ذكر ابن عباس أَنَّ هَذَا لما نَزَلَ عَلَى النبي ﷺ، قَالَ أَبُو جَهْلٍ لِقُرَيْشٍ: ثَكِلَتْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ! أَسْمَعُ ابْنَ أَبِي كَبْشَةَ يُخْبِرُكُمْ أَنَّ خَزَنَةَ النَّارِ تِسْعَةَ عَشَرَ. وَأَنْتُمْ [الدَّهْمُ] أَفَتَعْجَزُ كُلُّ عَشَرَةٍ مِنْكُمْ أَنْ تَبْطِشَ بِرَجُلٍ مِنْ [خَزَنَةِ] جَهَنَّمَ؟! فَأَوْحَى اللهُ إلى نَبِيِّهِ أَنْ يَأْتِيَ أَبَا جَهْلٍ فَيَأْخُذَ بِيَدِهِ فِي بَطْحَاءِ مَكَّةَ فَيقُولَ ﴿أَوْلَىٰ لَكَ فَأَوْلَىٰ * ثُمَّ أَوْلَىٰ لَكَ فَأَوْلَىٰ﴾ [القيامة: ٣٤-٣٥]. فَلَمَّا فَعَلَ بِهِ ذَلكَ رَسُولُ اللهِ قَالَ لَهُ أَبُو جَهْلٍ: وَاللهِ، لاَ تَفْعَلُ أَنْتَ وَرَبُّكَ شَيْئا. فَأَخْزَاهُ - جَلَّ ذِكْرُهُ - يَوْمَ بَدْرٍ فَقُتِلَ. قال كعب الأحبار: ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾: ما منهم ملك إلا ومعه عمود ذو شعبتين يدفع به الدفعة فيلقي في النار تسعين ألفاً. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَآ أَصْحَٰبَ ٱلنَّارِ إِلاَّ مَلَٰئِكَةً﴾ أي: لم نجعل أصحاب النار رجالاً مثلكم فتطمعوا بالتغلب عليهم كما قال أبو جهل لقريش: أفلا يستطيع كل عشرة منكم أن يغلبوا منهم واحداً؟!. فإذا كانت الخزنة ملائكة، فمن ذا يطيق الملائكة؟!. * * - ثم قال: ﴿وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلاَّ فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾. أي: لم نجعلهم تسعة عشر فقط لقلة الملائكة؛ ولكن جعلناهم كذلك ليفتتن الذين كفروا ويستقلوا عدتهم ويُحدثوا أنفسهم بالتغلب على الخزنة حتى قال [أبو الأشد الجمحي]: أنا [أُجْهِضُهُمْ] [عن] النار. وقيل: إن كَلَدَةَ بن أسيد بن خلف قال: أنا أكفيكم سبعة عشر، واكفوني اثنين. * * - ثم قال تعالى: ﴿لِيَسْتَيْقِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَٰبَ﴾. أي: فعلنا ذلك ليفتتن الذين كفروا [وليتيقن] الذين أُوتوا التوراة والإنجيل حقيقة ما في كتبهم من الخبر عن عدة خزنة جهنم، لأنه كذلك عدتهم في التوراة (والإنجيل). هذا معنى قول ابن عباس وغيره. وهو قول مجاهد. قال قتادة: يُصَدِّقُ القرآنُ الكُتُبَ التي كانت قبله، فيها كُلِّها خَزَنَةُ النَّارِ تِسْعَةَ عَشَرَ. وهو قول الضحاك. وقال ابن زيد: ﴿لِيَسْتَيْقِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَٰبَ...﴾ "أنك رسول الله". * * ثم قال تعالى: ﴿وَيَزْدَادَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوۤاْ إِيمَٰناً﴾ أي: تصديقاً إلى تصديقهم بعدة خزنة جهنم. * * - ثم قال: ﴿وَلاَ يَرْتَابَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَٰبَ وَٱلْمُؤْمِنُونَ﴾ أي: ولا يشك أهل الكتاب [و] المؤمنون في حقيقة ذلك. * * - ثم قال: ﴿وَلِيَقُولَ ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ﴾ أي: نفاق. * * ﴿وَٱلْكَٰفِرُونَ﴾ يعني: مشركي قريش. * * - ﴿مَاذَآ أَرَادَ ٱللَّهُ بِهَـٰذَا مَثَلاً﴾. أي: ماذا أراد الله بهذا حين يخوفنا بهؤلاء التسعة عشر. - قال الله: ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ ٱللَّهُ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ﴾. أي: كما أضل هؤلاء المنافقين والمشركين القائلين: أي شيء أراد الله بهذا مثلاً؟! كذلك يضل الله من يشاء] من خلقه فَيَخْذُلُهُ عن إصابة الحق، ويهدي من يشاء فيوفقه للحق. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ﴾ أي: لا يعلم (مقدار) كثرة جنود ربك يا محمد إلا رَبُّكَ. روي عن النبي ﷺ أنه قال: "إِنَّ لله مَلاَئِكَةٌ تَرْعَدُ فَرَائِصَهُمْ مَخَافَةً مِنْهُ، وَإِنَّ مِنْهُمْ مَنْ لاَ تَقْطُرُ مِنْ عَيْنَيْهِ دَمْعَةً إِلاَّ وَقَعَتْ مَلَكاً يُسَبِّحُ، وَمَلاَئِكَةٌ سُجُودٌ مِنْذُ خَلَقَ اللهُ السَّمَواتِ لَمْ يَرْفَعُوا رُؤوسَهِمْ وَلاَ يَرْفَعُونَهَا إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ، وَمِنْهُمْ [مَلاَئِكَةٌ] وُقُوفٌ لم يَنْصَرِفُوا وَلاَ يَنْصَرِفُونَ إلى يوم القيامة. فإذا كان يوم القيامة، تَجَلَّى لَهُمْ رَبُّهُمْ - جَلَّ ذِكْرُهُ - فَقَالوا: سُبْحَانَكَ! مَا عَبَدْنَاكَ حَقَّ عِبَادَتِكَ! وقال كعب: إن لله عز وجل ملائكة من يوم خلقهم قياماً، [ما] ثنوا أصلابهم، وآخرين ركوعاً ما رفعوا أصلابهم، وآخرين [سجوداً] ما رفعوا رؤوسهم حتى يُنْفَخَ في الصور النفخةَ الآخرة فيقولون جميعاً: سبحانك! ما عبدناك كما ينبغي أن تُعْبَدَ. ثم قال كعب: والله، لو أن رجلاً عَمِلَ عَمَلَ سبعين نبيّاً، [لاسْتَقَلَ] عمله يوم القيامة من شدة ما يرى يومئذ. والله، لو دلي من [غسلين] دلو واحد من مطلع الشمس، لغلت منه جماجم قوم في مغربها. والله، [لَتَزْفَرَنَّ] جهنم زَفْرَةً لا يبقى ملك مقرب إلا خَرَّ جَاثِياً عَلَى رُكْبَتَيهِ. وروى ابن المبارك حديثاً - رفعه - أن ملكاً سجد لما استوى الرب [تعالى] على عرشه، فلم يرفع رأسه [و] لا يرفعه إلى يوم القيامة، فيقول يوم القيامة: لم أعبدك حق عبادتك، إلا أني لم أشرك بك شيئاً، ولم أتخذ من دونك ولياً. وقد وصفهم الله في كتابه فقال: ﴿يُسَبِّحُونَ ٱلَّيلَ وَٱلنَّهَارَ لاَ يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٠]. قال كعب: التسبيح للملائكة بمنزلة النَّفَسِ لبَنِي آدم، أُلْهِمُوا التسبيح كما ألهمتم الطَّرْفَ والنَّفَسَ. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَمَا هِيَ إِلاَّ ذِكْرَىٰ لِلْبَشَرِ﴾. يعني النار التي وصفها. يقول: ليس ما وصفتها به من تغييرها للبشر وعدة خزنتها إلا عظةً وعبرة للناس يتعظون بها. * * - ثم قال: ﴿كَلاَّ وَٱلْقَمَرِ﴾. أجاز الطبري الوقف على "كَلاَّ"، [جعله] رَدَّاً لِمَا قبلها. والمعنى عنده: ليس القول كما يقول من زعم أنه يكفي أصحابه المشركين خزنة جهنم التسعة عشر حتى يجهضهم عنها. وقال الفراء: تقديره: "إي والقمر، وقيل: تقديره: "حقاً" (وقيل): "أَلاَ". * * - ﴿وَٱلْقَمَرِ..﴾. أي: ورب القمر ورب الليل إذا أدبر، أي: ولى. * * - ﴿وَٱلصُّبْحِ إِذَآ أَسْفَرَ﴾. أي: أضاءَ وأقبل. يقال: أسفر الصبح إذا أضاء وانكشف. ومنه: سفرت المرأة عن وجهها إذا كشفته. ومنه قيل: "سفر" للكتاب الذي فيه العلم، لأنه يبين ويكشف. ومنه سفرت الريح الغمام: كشفته. ومنه: سفرت البيت: أي كنسته، ومنه قيل: "سفير" للذي يسعى في الصلح، لأنه يكشف المكروه ويزيله. وحكى بعض البصريين: دبرني إذا جاء خلفي. وأدبر إذا ولى. واختار [أبو عبيد] [إِذَا اَدْبَرَ]، لأن بعده: ﴿إِذَآ أَسْفَرَ﴾. وحكي: دبر وأدبر: لغتان بمعنى، يقال: دبر النهار وأدبر. ودبر الصيف وأدبر، وكذلك قبل وأقبل. فإذا قالوا: أقبل الراكب و "أدبر" لم يُقَلْ إلا بالألف. وقيل: معنى ﴿إِذْ أَدْبَرَ﴾ أي: إذ أدبر النهار، وكان في آخره. وسأل رجل ابن عباس عن قوله: ﴿وَٱللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ﴾ فقال: امكث، فلما سمع الأذان [الأول] قال: هذا حين دبر الليل. * * - ثم قال: ﴿إِنَّهَا لإِحْدَى ٱلْكُبَرِ﴾. يعني جهنم، أي: هي إحدى الأمور العظام. و (إحدى): فُعْلَى، نَعْتٌ، وهو قليل، إنما تأتي هذه النعوت غير المصادر بضم الأول أو بفتحه. * * - ثم قال: ﴿نَذِيراً لِّلْبَشَرِ﴾. قال أبو رزين: يقول الله جل ذكره: أنا نذير للبشر. وقال [ابن زيد]: معناه: محمد نذير للبشر. ونصبها على الحال من المضمر في "إنها" [أَوْ مِنْ] "إِحْدَى". وهذان القولان يدلان على أن النار هي النذير، وهو قول الحسن. ويجوز أن تكون حالاً من "هو" في قوله: ﴿إِلاَّ هُوَ﴾، أو على إضمار فعل تقديره: صَيَّرَهَا ﴿نَذِيراً﴾، وهذا على قول أبي رزين. وقال الكسائي: هي حال من المضمر في ﴿قُمْ﴾ أي: قم نذيراً، من أول السورة. وهو يرجع إلى قول ابن زيد. وقيل: ﴿نَذِيراً﴾ بمعنى إنذار، فنصبه على المصدر. (وقيل: نصبه على المصدر) [وقيل: نصبه على أعني]. ومن جعله للنار حذف [الياء] من "نذير" لأنه بمعنى النسب.

المدثر 74:10

قوله تعالى: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنذِرْ﴾ إلى قوله: ﴿نَذِيراً لِّلْبَشَرِ﴾. أي: يا أيها المدثر بثيابه عند نومه. وروي أن النبي ﷺ [قيل له ذلك] وهو متدثر بقطيفة. ذكره النخعي. وروي أن هذا أول ما نزل على النبي ﷺ. رواه جابر بن عبد الله قال: حَدَّثَنِي النَّبِيُّ ﷺ، قَالَ: جَاوَرْتُ فِي حِرَاءَ، فَلَمَّا قَضَيْتُ [جِوَارِي] هَبَطْتُ فَاسْتَبْطَنْتُ [الوَادِيَ]، فَنُودِيتُ فَنَظَرْتُ عَنْ يَمِينِي وَعَنْ شِمَالِي وَخَلْفِي (وَقُدَّامِي) فَلَمْ أَرَ شَيْئاً، فَنَظَرْتُ فَوْقَ رَأْسِي فَإِذَا هُوَ - يَعْنِي المَلَكَ - جَالِسٌ عَلَى عَرْشٍ بَيْنَ السَّمَاءِ والأَرْضِ [فَجُثِثْتُ] مِنْهُ. فَأَتَيْتُ خَدِيجَةَ فَقُلْتُ: دَثِّرُونِي، (دَثِّرُونِي)، وَصُبُّوا عَلَيَّ مَاءً. وَأُنْزِلَ عَلَيَّ ﴿يٰأَيُّهَا ٱلْمُدَّثِّرُ﴾ وقال الزهري: كان أول شيء أنزل عليه: ﴿ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق: ١] حتى بلغ ﴿(عَلَّمَ ٱلإِنسَانَ) مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: ٥]. قال ابن عباس: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلْمُدَّثِّرُ﴾: "يأ أيها النائم". وقال قتادة: المدثر في ثيابه. وقال عكرمة: معناه: "دُثرت هذا الأَمر فقم به"، يعني النبوة. * * - وقوله: ﴿قُمْ فَأَنذِرْ﴾. أي: قم من نومك فأنذر قومك عذاب الله على شركهم بالله. * * - ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾. أي: فعظم. * * - ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾. أي: لا تلبسها على معصية ولا [غدرة]. قاله ابن عباس. وعنه أيضاً: فطَهِّرْها من الإثم. وقال النخعي: فطهرها من الذنوب. والعرب تقول لرجل إذا نكث ولم يف بعهده: إنه لدنس الثياب، وإذا أوفى بعهده وأصلح: إنه لمُطَهَّر الثياب. وقال الضحاك: معناه: "لا تلبس ثيابك على معصية". وقال ابن زيد: معناه: "وعملك فأصلحه"، قال: والعرب تقول للرجل الخبيث العمل: فلان خبيث الثياب. وإذا كان حسن العمل (قالوا: فلان طاهر الثياب. وعن ابن عباس أيضاً أن معناه: "لا تلبس ثيابك) من [مكسب] غير طيب. وعن مجاهد أن معناه: "لست بكاهن ولا ساحر، فأَعْرِض عما قالوا". (وقال) ابن سيرين: معناه: اغسل ثيابك من النجاسة. وهو قول ابن زيد، وبهذا احتج الشافعي في وجوب طهارة الثوب (وأنه فرض. ومذهب مالك أن طهارة الثوب ليس بفرض، وهو قول أهل المدينة وإنما طهارة الثوب) سنة. ولذلك، من صلى بثوب نجس ولا يعلم أعاد في الوقت. ولو كانت طهارة الثوب فرضاً لأعاد أبداً. وكذلك البدن تقع فيه النجاسة ليست طهارته فرضاً. يدل على ذلك إجماع المسلمين على أن صلاة من استجمر بالحجارة من الغائط جائزة، مع أن موضع خروج الأذى لم يغسل بالماء. * * - ثم قال ﴿وَٱلرُّجْزَ [فَٱهْجُرْ]﴾. أي: والأَوْثَانَ فاهجر عبادتها. والضم والكسر في الراء لغتان عند الفراء. وقيل: الكسر معناه العَذاب. فتكون الأوثان سميت بالعذاب. لأنها سببه. والضم معناه الأوثان. وأول من فرق بينهما الكسائي. وأكثر الناس على أنه لا فرق بينهما وأنه يراد به الأوثان، [ضَمَمْتَ] الراءَ أو كَسَرْتَهَا. قال ابن عباس: الرجز: "السخط، وهو الأصنام". وقال مجاهد وعكرمة: الرجز: "الأوثان. وقاله الزهري. وقال قتادة: "الرجز: صنمان كانا عند البيت: [إساف ونائلة]، يَمْسَحُ وُجُوهَهُمَا من أتى عليهما، فأمر الله نبيه أن [يجتنبهما] ويعتزلهما". قال ابن زيد: "الرجز آلهتهم التي كانوا يعبدون، (أمره الله) أن يهجرها [فلا يأتيها ولا يقربها]". وقال النَّخعي: المعنى: والمعصية [فاهجر]. * * - ثم قال تعالى ﴿وَلاَ تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ﴾. قال ابن عباس: معناه: ولا تعط يا محمد عطية لتعطى أكثر منها. وهو (معنى) قول أكثر [المفسرين]. وهذا خصوص للنبي ﷺ، وهو مباح لأمته إلا أنه لا أجر [لهم] في ذلك. وهو قوله تعالى: ﴿وَمَآ آتَيْتُمْ مِّن رِّباً لِّيَرْبُوَاْ فِي أَمْوَالِ ٱلنَّاسِ فَلاَ يَرْبُواْ عِندَ ٱللَّهِ﴾ [الروم: ٣٩] وقد قال الضحاك: هو الربا (في) الحلال [قال]: وهما ربوان: حرام وحلال. فأما الحلال فالهدايا. وأما الحرام فالربا بعينه. وقال الحسن: معناه: لا تستكثر عملك الصالح. وهو اختيار الطبري. وقال الربيع بن أنس: معناه: "لاَ يَكْثُرَنْ عملُك في عينك، فإنه فيما أنعم الله [عليك] وأعطاك قليل". وعن مجاهد أن معناه: لا تضعف أن تستكثر من الخير من قولهم: "حبل منين" إذا كان ضعيفاً. وفي قراءة ابن مسعود: "وَلاَ تَمْنُنْ أَنْ تَسْتَكْثِرَ". قال الكسائي: فإذا حذف "أن" رفع، وهو حال (عند) البصريين. وقال ابن زيد: معناه: لا تمنن بالقرآن والنبوة فتستكثرهم به، تأخذ على ذلك عوضاً من الدنيا. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَلِرَبِّكَ فَٱصْبِرْ﴾. أي: اصبر على ما تَلْقَى من قومك لربك [واحتمل] أذاهم. وقال ابن زيد: معناه، اصبر على محاربة العرب والعجم، قال: "حُمِّلَ أمراً عظيماً، مُحَارَبَةَ العرب ثم العجم من بعد العرب في الله". وقال النخعي: معناه: ولربك فاصبر على عطيتك، ولا تعطها لتأخذ أكثر منها، بل احتسبها الله. * * - ثم قال تعالى: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي ٱلنَّاقُورِ * فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾. يقال: [عَسُرَ] الأمرُ إذا صَعُبَ فهو عَسِيرٌ، [وعَسِرَ] فهو عَسِرٌِ. والمعنى: فإذا نفخ في الصور فذلك [يوم] شديد صعب غير سهل على الكافرين. روى ابن عباس أنَّ النبي ﷺ قَالَ: "كَيْفَ أَنْعَمُ وَصَاحِبُ القَرْنِ قَدِ التَقَمَ القَرْنُ [وَحَنَى] جَبْهَتَهُ لِيَسْتَمِعَ مَتَى يُؤْمَرُ، يَنْفُخُ فِيهِ. قَالَ: فَاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلى أَصْحَابِهِ فَأَمَرَهُمْ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَقُولُوا ﴿حَسْبُنَا ٱللَّهُ وَنِعْمَ ٱلْوَكِيلُ﴾ ﴿عَلَى ٱللَّهِ تَوَكَّلْنَا﴾ قال عكرمة: الناقور: الصور. قال مجاهد: (هو) شَيْءٌ كَهَيْئَةِ [البُوقِ]. * * - ثم قال: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً﴾. أي: كِلْ - يا محمد - أَمْرَ هذا الذي خلقته في بطن أمه وحيداً لا شيء له من مال ولا ولد، يعني بذلك الوليد بن المغيرة المخزومي. قال ابن عباس: "أَنْزَلَ اللهُ فِي الوَليدِ بِنْ المُغِيرَةِ ﴿ذَرْنِي﴾ ﴿وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً﴾. [وقوله: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ...﴾ [الحجر: ٩٢] إلى آخرها". وقيل: معناه: دعني يا محمد ومجازاة من خلقته وحده، فيكون "وحيداً"] على القول الأول حالاً من الهاء المحذوفة في "خلقته". وعلى (هذا) القول الآخر حالاً من التاء في "خلقته". وفي هذا الكلام تهدد عظيم ووعيد. والعرب تقول: ذرني وزيداً، أي: كِلْ عقوبته ومُطالَبَتَهُ إلي. فالمعنى: كِلْ - يا محمد - عقوبة هؤلاء إلي، فلست أحتاج [في ذلك] إلى معين ولا ظهير. ويُرْوى أنه كان يقول: أنا الواحد بن الوحيد، ليس لي من العرب نظير ولا لأبي المغيرة نظير. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَجَعَلْتُ لَهُ مَالاً مَّمْدُوداً﴾. قال مجاهد وابن جبير: هو ألف دينار. وقال سفيان: (بلغني) أنه أربعة آلاف دينار. وقيل: هو الأرض يزرع فيها. قاله النعمان بن سالم. وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: هو غَلَّةٌ شهر [بشهر]. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَبَنِينَ شُهُوداً﴾. أي: وجعلت له بنين شهوداً، أي: [حضوراً]. روي أنه كان له عشرة من الولد. وقد قاله مجاهد وغيره. وروي أنه ما زاد بعد نزول هذه الآية إلا [ارتكاساً] في ماله وولده ونفسه. * * - ثم قال: ﴿وَمَهَّدتُّ لَهُ تَمْهِيداً﴾. أي: بسطت له في العيش بسطاً. قاله سفيان. وقال مجاهد: "من المال والولد". * * - ثم قال: ﴿ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ * كَلاَّ﴾ ثم يَأْمَلُ أن أزيده من المال والولد على ما أعطيته ﴿كَلاَّ﴾: أي: ليس الأمر على ما يُؤَمِّلُ، أي: لا يكون ذلك]. * * - ثم قال: ﴿إِنَّهُ كان لآيَاتِنَا عَنِيداً﴾. أي: إنه كان لرد حجتنا وآياتنا معانداً، مجانباً. يقال: عَنُدَ البَعيرُ [يَعْنِدُ عُنُوداً]، [وبَعِيرٌ عَنُودُ]: إذَا مشى مجانباً للإبل لا يمشي معها. قال ابن عباس: ﴿عَنِيداً﴾ "جحوداً". وهو قول قتادة. وقال مجاهد: "معانداً للحق، مجانباً له". وقال سفيان: ﴿عَنِيداً﴾ "مشاقاً لنا". * * - ثم قال: ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً﴾. أي: سأكلفه مشقة من العذاب لا راحة منها. وقيل: الصعود جبل من نار (يكلفون) أن يصعدوه، فإذا وضع يده عليه ذابت، فإذا رفعها عادت، وإذا وضع رجله كذلك. وروى أبو سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: "الصُّعُودُ جَبَلٌ مِنْ نَارٍ يَصْعَدُ فِيهِ سَبْعينَ خَرِيفاً ثُمَّ يَهْوِي كَذلِكَ أَبَدَاً قال مجاهد: ﴿صَعُوداً﴾: "عذاباً لا راحة منه". وقال قتادة: "مشقة من العذاب". * * - ثم قال: ﴿إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ * [فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ]﴾. أي: فكر فيما أنزل الله على نبيه من القرآن، وَقَدَّرَ فيما يقول فيه، فَلُعِنَ كيف قدَّر ما هو قائل، ثم لعن كيف قَدَّرَ القولَ فيه. ﴿ثُمَّ نَظَرَ﴾. أي: ثم تَأَنّى في ذلك. * * ﴿ثُمَّ عَبَسَ﴾ أي: قبض ما بين عينيه. * * ﴿وَبَسَرَ﴾. أي: كلح وكَرَّهَ وجهه. قال عكرمة: جَاءَ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ إلى النبي ﷺ فَقَرَأَ عليه النبي القرآنَ، فكأنه رَقَّ لَهُ، فبلغَ ذلك أبا جهل. فأتاه فقال: أيْ عَمِّ، إِنَّ قومَكَ يُريدون أن يَجْمَعُوا لَكَ مَالاً. قَالَ: لِمَ؟ قَالَ: يُعْطُونَكَ! فإنك أتيت محمداً تَتَعَرَّضُ لِمَا قِبَلَهُ. قال: قد علمت قريش أني أكثرها مالاً! قال: فقل فيه قولاً يَعْلَمُ قومُكَ أَنَّكَ مُنْكِرٌ" [لِمَا قَالَ]، وَأَنَّكَ كارِهٌ له، قال: فماذا أقول فيه؟ فوَالله مَا مِنْكُمْ رَجُلٌ أَعْلَمُ مِنِّي بِالأَشْعَارِ ولاَ أَعْلَمُ بِرَجَزِهِ وَلاَ بِقَصدِهِ، وَلاَ بِأَشْعَارِ الجِنِّ، وَ (اللهِ) لاَ يُشْبِهُ الذِي يَقُولُ شَيْئاً مِنْ هَذَا، وَاللهِ إِنَّ لِقَوْلِهِ الذِي يَقُولُ لَحَلاَوَةً! وَإِنهُ لَيَحْطِمُ مَا تَحْتَهُ! وَإِنَّهُ لَيَعْلُو وَمَا يُعْلَى! قَالَ أَبُو جَهْلٍ: وَاللهِ لاَ يَرْضَى قَوْمُكَ حَتَّى تَقُولَ فِيهِ. قَالَ: فَدَعْنِي حَتَّى أُفَكِّرَ فِيهِ. (فَلَمَّا فَكَّرَ فِيهِ) قَالَ: هَذَا سِحْرٌ يَأْثُرُهُ [عن] غيره، فنزلت ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً﴾ قال ابن عباس: دَخَلَ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ عَلَى أَبِي بَكْرٍ يَسُأَلُهُ عَنِ القُرآن، فَلَمَّا أَخْبَرَهُ خَرَجَ عَلَى قُرَيْشٍ فَقَالَ: يَا عَحَبَاً لِمَا يقول ابْنُ أَبِي كَبْشَةَ! فَوَاللهِ، ما هُوَ بِشِعْرٍ وَلاَ بِسِحْرٍ وَلاَ [بِهَذْيٍ] مِنْ جُنُونٍ، وَإِنهُ لَمِنْ كَلاَمِ اللهِ - جَلَّ وَعَز - فَلَمَّا سَمِعَ بِذلِكَ النَّفَرُ (مِنْ قُرَيْشٍ) [ائْتَمَرُوا] بَيْنَهُمْ، وَقَالُوا: وَاللهِ لَئِنْ صَبَأَ الوَلِيْدُ لَتَصْبُؤَنَّ قُرَيْشٌ، فَلَمَّا سَمِعَ بِذلِكَ أَبُو جَهْلٍ بْنُ هِشَامٍ قَالَ: أَنَا وَالله أَكْفِيكُمْ شَأْنَهُ. فَانْطَلَقَ حَتَى دَخَلَ عَلَيْهِ بَيْتَهُ، فَقَالَ: [أَلَمْ تَرَ] قَوْمَكَ قَدْ جَمَعُوا لَكَ الصَّدَقَةَ؟! قَالَ: أَلَسْتُ أَكْثَرَهُمْ مَالاً وَوَلَداً؟! فَقَالَ لَهُ أَبُو جَهْلٍ: يَتَحَدَّثُونَ أَنَّكَ تَدْخُلُ عَلَى ابْنِ أَبِي قُحَافَةَ لِتُصِيبَ مِنْ طَعَامِهِ! قَالَ الوَلِيدُ: [أَقَدْ] تَحَدَّثَتْ بِذَلِك عَشِيرَتِي؟! فَلاَ وَأَيْمُ جَابِرِ بْنُ قُصَيَّ، لاَ أَقْرَبُ أَبَا بَكْرٍ (وَلاَ عُمَرَ) وَلاَ ابْنَ أَبِي كَبْشَةَ، [وَمَا قَوْلُهُ إِلاَّ سِحْرٌ] يُؤْثَرُ. فَأَنْزَلَ اللهُ ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً...﴾ إلى ﴿لاَ تُبْقِي (وَلاَ) تَذَرُ﴾ قال قتادة: ذكر أنه قال: والله، لقد نظرت [فيما قال هذا الرجل]، [فإذا] هو ليس بشعر، وإن له لحَلاَوَةً، وإن عليه لَطُلاَوَةً، وإنه لَيَعْلُو وما يُعْلَى، ومَا أَشُكُّ أَنَّهُ سِحْرٌ. وقال الضحاك: دعاه النبي ﷺ إلى الإسلام، فقال: حتى أنظر! فَفَكَّرَ، ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ، ثُمَّ أَدْبَرَ واسْتَكبر، فقال: إن هذا إلا سحر يؤثر، فجعل الله له سقر. قال أبو رزين (سحر) (أي): يَأْثُرُهُ من غيره. * * - ﴿إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ قَوْلُ ٱلْبَشَرِ﴾. أي: ما هذا الذي يتلوه محمد إلا قول بني آدم وما هو بكلام الله. [فهذا أول من قال: القرآن مخلوق، قاله الوليد بن المغيرة فأدخله الله سقر. قال بعض العلماء: فكذا يُفْعَلُ بكل من قال: القرآن مخلوقٌ، قاله أحمد بن زيد]. * * - ثم قال: ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾. أي: [سأورده] سقر، وهو باب من أبواب جهنم. يروى أنه الباب السادس منها، نعوذ بالله منها. * * - ﴿وَمَآ أَدْرَاكَ مَا (سَقَرُ)﴾. أي: وأي شيء أدراك ما سقر؟، ثم بَيَّنَهُ وأَدْرَاهُ به [فقال] في صفة سقر. * * - ﴿لاَ تُبْقِي وَلاَ تَذَرُ﴾. أي: هي نارٌ لا تُبْقي من فيها حياً، ولا تَذَرُ من فيها ميتاً، لكنها تحرقهم، كلما احترقوا جُدِّدَ خَلْقُهُمْ. قال مجاهد: ﴿لاَ تُبْقِي وَلاَ تَذَرُ﴾ أي: لا تُحْيِي وَلاَ تُمِيتُ وقيل: ﴿لاَ تُبْقِي وَلاَ تَذَرُ﴾: لا تبقي الكافر حتى يصير فحمة ثم يُعاد خلقاً جديداً ثم لا تذره حتى يعود عليه العذاب بِأَشَدِّ مِمَّا كان هكذا أبداً، نعوذ بالله من ذلك. * * - ثم قال تعالى: ﴿لَوَّاحَةٌ لِّلْبَشَرِ﴾. أي: مغيرة لبشرة من فيها. قال مجاهد: ﴿لَوَّاحَةٌ لِّلْبَشَرِ﴾، أي: مُغَيِّرَةٌ للجلد. وقال قتادة: "خَرَّاقَةٌ للجلد". وقيل: معناه: تَلُوحُ لأَهْلِها من مسيرة خمسمائة عام. وعلى القول الأول أكثر الناس أنها تُغَيِّرُ البَشَرَةَ. قال [أبو رزين]: تلفح الجلد لفحة تَدَعُهُ أَشَدَّ سواداً من الليل. وقال ابن عباس: "تحرق بَشَرَةَ الإنسان". * * - ثم قال: ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾. أي: من الخزنة. ذكر ابن عباس أَنَّ هَذَا لما نَزَلَ عَلَى النبي ﷺ، قَالَ أَبُو جَهْلٍ لِقُرَيْشٍ: ثَكِلَتْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ! أَسْمَعُ ابْنَ أَبِي كَبْشَةَ يُخْبِرُكُمْ أَنَّ خَزَنَةَ النَّارِ تِسْعَةَ عَشَرَ. وَأَنْتُمْ [الدَّهْمُ] أَفَتَعْجَزُ كُلُّ عَشَرَةٍ مِنْكُمْ أَنْ تَبْطِشَ بِرَجُلٍ مِنْ [خَزَنَةِ] جَهَنَّمَ؟! فَأَوْحَى اللهُ إلى نَبِيِّهِ أَنْ يَأْتِيَ أَبَا جَهْلٍ فَيَأْخُذَ بِيَدِهِ فِي بَطْحَاءِ مَكَّةَ فَيقُولَ ﴿أَوْلَىٰ لَكَ فَأَوْلَىٰ * ثُمَّ أَوْلَىٰ لَكَ فَأَوْلَىٰ﴾ [القيامة: ٣٤-٣٥]. فَلَمَّا فَعَلَ بِهِ ذَلكَ رَسُولُ اللهِ قَالَ لَهُ أَبُو جَهْلٍ: وَاللهِ، لاَ تَفْعَلُ أَنْتَ وَرَبُّكَ شَيْئا. فَأَخْزَاهُ - جَلَّ ذِكْرُهُ - يَوْمَ بَدْرٍ فَقُتِلَ. قال كعب الأحبار: ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾: ما منهم ملك إلا ومعه عمود ذو شعبتين يدفع به الدفعة فيلقي في النار تسعين ألفاً. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَآ أَصْحَٰبَ ٱلنَّارِ إِلاَّ مَلَٰئِكَةً﴾ أي: لم نجعل أصحاب النار رجالاً مثلكم فتطمعوا بالتغلب عليهم كما قال أبو جهل لقريش: أفلا يستطيع كل عشرة منكم أن يغلبوا منهم واحداً؟!. فإذا كانت الخزنة ملائكة، فمن ذا يطيق الملائكة؟!. * * - ثم قال: ﴿وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلاَّ فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾. أي: لم نجعلهم تسعة عشر فقط لقلة الملائكة؛ ولكن جعلناهم كذلك ليفتتن الذين كفروا ويستقلوا عدتهم ويُحدثوا أنفسهم بالتغلب على الخزنة حتى قال [أبو الأشد الجمحي]: أنا [أُجْهِضُهُمْ] [عن] النار. وقيل: إن كَلَدَةَ بن أسيد بن خلف قال: أنا أكفيكم سبعة عشر، واكفوني اثنين. * * - ثم قال تعالى: ﴿لِيَسْتَيْقِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَٰبَ﴾. أي: فعلنا ذلك ليفتتن الذين كفروا [وليتيقن] الذين أُوتوا التوراة والإنجيل حقيقة ما في كتبهم من الخبر عن عدة خزنة جهنم، لأنه كذلك عدتهم في التوراة (والإنجيل). هذا معنى قول ابن عباس وغيره. وهو قول مجاهد. قال قتادة: يُصَدِّقُ القرآنُ الكُتُبَ التي كانت قبله، فيها كُلِّها خَزَنَةُ النَّارِ تِسْعَةَ عَشَرَ. وهو قول الضحاك. وقال ابن زيد: ﴿لِيَسْتَيْقِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَٰبَ...﴾ "أنك رسول الله". * * ثم قال تعالى: ﴿وَيَزْدَادَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوۤاْ إِيمَٰناً﴾ أي: تصديقاً إلى تصديقهم بعدة خزنة جهنم. * * - ثم قال: ﴿وَلاَ يَرْتَابَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَٰبَ وَٱلْمُؤْمِنُونَ﴾ أي: ولا يشك أهل الكتاب [و] المؤمنون في حقيقة ذلك. * * - ثم قال: ﴿وَلِيَقُولَ ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ﴾ أي: نفاق. * * ﴿وَٱلْكَٰفِرُونَ﴾ يعني: مشركي قريش. * * - ﴿مَاذَآ أَرَادَ ٱللَّهُ بِهَـٰذَا مَثَلاً﴾. أي: ماذا أراد الله بهذا حين يخوفنا بهؤلاء التسعة عشر. - قال الله: ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ ٱللَّهُ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ﴾. أي: كما أضل هؤلاء المنافقين والمشركين القائلين: أي شيء أراد الله بهذا مثلاً؟! كذلك يضل الله من يشاء] من خلقه فَيَخْذُلُهُ عن إصابة الحق، ويهدي من يشاء فيوفقه للحق. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ﴾ أي: لا يعلم (مقدار) كثرة جنود ربك يا محمد إلا رَبُّكَ. روي عن النبي ﷺ أنه قال: "إِنَّ لله مَلاَئِكَةٌ تَرْعَدُ فَرَائِصَهُمْ مَخَافَةً مِنْهُ، وَإِنَّ مِنْهُمْ مَنْ لاَ تَقْطُرُ مِنْ عَيْنَيْهِ دَمْعَةً إِلاَّ وَقَعَتْ مَلَكاً يُسَبِّحُ، وَمَلاَئِكَةٌ سُجُودٌ مِنْذُ خَلَقَ اللهُ السَّمَواتِ لَمْ يَرْفَعُوا رُؤوسَهِمْ وَلاَ يَرْفَعُونَهَا إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ، وَمِنْهُمْ [مَلاَئِكَةٌ] وُقُوفٌ لم يَنْصَرِفُوا وَلاَ يَنْصَرِفُونَ إلى يوم القيامة. فإذا كان يوم القيامة، تَجَلَّى لَهُمْ رَبُّهُمْ - جَلَّ ذِكْرُهُ - فَقَالوا: سُبْحَانَكَ! مَا عَبَدْنَاكَ حَقَّ عِبَادَتِكَ! وقال كعب: إن لله عز وجل ملائكة من يوم خلقهم قياماً، [ما] ثنوا أصلابهم، وآخرين ركوعاً ما رفعوا أصلابهم، وآخرين [سجوداً] ما رفعوا رؤوسهم حتى يُنْفَخَ في الصور النفخةَ الآخرة فيقولون جميعاً: سبحانك! ما عبدناك كما ينبغي أن تُعْبَدَ. ثم قال كعب: والله، لو أن رجلاً عَمِلَ عَمَلَ سبعين نبيّاً، [لاسْتَقَلَ] عمله يوم القيامة من شدة ما يرى يومئذ. والله، لو دلي من [غسلين] دلو واحد من مطلع الشمس، لغلت منه جماجم قوم في مغربها. والله، [لَتَزْفَرَنَّ] جهنم زَفْرَةً لا يبقى ملك مقرب إلا خَرَّ جَاثِياً عَلَى رُكْبَتَيهِ. وروى ابن المبارك حديثاً - رفعه - أن ملكاً سجد لما استوى الرب [تعالى] على عرشه، فلم يرفع رأسه [و] لا يرفعه إلى يوم القيامة، فيقول يوم القيامة: لم أعبدك حق عبادتك، إلا أني لم أشرك بك شيئاً، ولم أتخذ من دونك ولياً. وقد وصفهم الله في كتابه فقال: ﴿يُسَبِّحُونَ ٱلَّيلَ وَٱلنَّهَارَ لاَ يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٠]. قال كعب: التسبيح للملائكة بمنزلة النَّفَسِ لبَنِي آدم، أُلْهِمُوا التسبيح كما ألهمتم الطَّرْفَ والنَّفَسَ. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَمَا هِيَ إِلاَّ ذِكْرَىٰ لِلْبَشَرِ﴾. يعني النار التي وصفها. يقول: ليس ما وصفتها به من تغييرها للبشر وعدة خزنتها إلا عظةً وعبرة للناس يتعظون بها. * * - ثم قال: ﴿كَلاَّ وَٱلْقَمَرِ﴾. أجاز الطبري الوقف على "كَلاَّ"، [جعله] رَدَّاً لِمَا قبلها. والمعنى عنده: ليس القول كما يقول من زعم أنه يكفي أصحابه المشركين خزنة جهنم التسعة عشر حتى يجهضهم عنها. وقال الفراء: تقديره: "إي والقمر، وقيل: تقديره: "حقاً" (وقيل): "أَلاَ". * * - ﴿وَٱلْقَمَرِ..﴾. أي: ورب القمر ورب الليل إذا أدبر، أي: ولى. * * - ﴿وَٱلصُّبْحِ إِذَآ أَسْفَرَ﴾. أي: أضاءَ وأقبل. يقال: أسفر الصبح إذا أضاء وانكشف. ومنه: سفرت المرأة عن وجهها إذا كشفته. ومنه قيل: "سفر" للكتاب الذي فيه العلم، لأنه يبين ويكشف. ومنه سفرت الريح الغمام: كشفته. ومنه: سفرت البيت: أي كنسته، ومنه قيل: "سفير" للذي يسعى في الصلح، لأنه يكشف المكروه ويزيله. وحكى بعض البصريين: دبرني إذا جاء خلفي. وأدبر إذا ولى. واختار [أبو عبيد] [إِذَا اَدْبَرَ]، لأن بعده: ﴿إِذَآ أَسْفَرَ﴾. وحكي: دبر وأدبر: لغتان بمعنى، يقال: دبر النهار وأدبر. ودبر الصيف وأدبر، وكذلك قبل وأقبل. فإذا قالوا: أقبل الراكب و "أدبر" لم يُقَلْ إلا بالألف. وقيل: معنى ﴿إِذْ أَدْبَرَ﴾ أي: إذ أدبر النهار، وكان في آخره. وسأل رجل ابن عباس عن قوله: ﴿وَٱللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ﴾ فقال: امكث، فلما سمع الأذان [الأول] قال: هذا حين دبر الليل. * * - ثم قال: ﴿إِنَّهَا لإِحْدَى ٱلْكُبَرِ﴾. يعني جهنم، أي: هي إحدى الأمور العظام. و (إحدى): فُعْلَى، نَعْتٌ، وهو قليل، إنما تأتي هذه النعوت غير المصادر بضم الأول أو بفتحه. * * - ثم قال: ﴿نَذِيراً لِّلْبَشَرِ﴾. قال أبو رزين: يقول الله جل ذكره: أنا نذير للبشر. وقال [ابن زيد]: معناه: محمد نذير للبشر. ونصبها على الحال من المضمر في "إنها" [أَوْ مِنْ] "إِحْدَى". وهذان القولان يدلان على أن النار هي النذير، وهو قول الحسن. ويجوز أن تكون حالاً من "هو" في قوله: ﴿إِلاَّ هُوَ﴾، أو على إضمار فعل تقديره: صَيَّرَهَا ﴿نَذِيراً﴾، وهذا على قول أبي رزين. وقال الكسائي: هي حال من المضمر في ﴿قُمْ﴾ أي: قم نذيراً، من أول السورة. وهو يرجع إلى قول ابن زيد. وقيل: ﴿نَذِيراً﴾ بمعنى إنذار، فنصبه على المصدر. (وقيل: نصبه على المصدر) [وقيل: نصبه على أعني]. ومن جعله للنار حذف [الياء] من "نذير" لأنه بمعنى النسب.

المدثر 74:11

قوله تعالى: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنذِرْ﴾ إلى قوله: ﴿نَذِيراً لِّلْبَشَرِ﴾. أي: يا أيها المدثر بثيابه عند نومه. وروي أن النبي ﷺ [قيل له ذلك] وهو متدثر بقطيفة. ذكره النخعي. وروي أن هذا أول ما نزل على النبي ﷺ. رواه جابر بن عبد الله قال: حَدَّثَنِي النَّبِيُّ ﷺ، قَالَ: جَاوَرْتُ فِي حِرَاءَ، فَلَمَّا قَضَيْتُ [جِوَارِي] هَبَطْتُ فَاسْتَبْطَنْتُ [الوَادِيَ]، فَنُودِيتُ فَنَظَرْتُ عَنْ يَمِينِي وَعَنْ شِمَالِي وَخَلْفِي (وَقُدَّامِي) فَلَمْ أَرَ شَيْئاً، فَنَظَرْتُ فَوْقَ رَأْسِي فَإِذَا هُوَ - يَعْنِي المَلَكَ - جَالِسٌ عَلَى عَرْشٍ بَيْنَ السَّمَاءِ والأَرْضِ [فَجُثِثْتُ] مِنْهُ. فَأَتَيْتُ خَدِيجَةَ فَقُلْتُ: دَثِّرُونِي، (دَثِّرُونِي)، وَصُبُّوا عَلَيَّ مَاءً. وَأُنْزِلَ عَلَيَّ ﴿يٰأَيُّهَا ٱلْمُدَّثِّرُ﴾ وقال الزهري: كان أول شيء أنزل عليه: ﴿ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق: ١] حتى بلغ ﴿(عَلَّمَ ٱلإِنسَانَ) مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: ٥]. قال ابن عباس: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلْمُدَّثِّرُ﴾: "يأ أيها النائم". وقال قتادة: المدثر في ثيابه. وقال عكرمة: معناه: "دُثرت هذا الأَمر فقم به"، يعني النبوة. * * - وقوله: ﴿قُمْ فَأَنذِرْ﴾. أي: قم من نومك فأنذر قومك عذاب الله على شركهم بالله. * * - ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾. أي: فعظم. * * - ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾. أي: لا تلبسها على معصية ولا [غدرة]. قاله ابن عباس. وعنه أيضاً: فطَهِّرْها من الإثم. وقال النخعي: فطهرها من الذنوب. والعرب تقول لرجل إذا نكث ولم يف بعهده: إنه لدنس الثياب، وإذا أوفى بعهده وأصلح: إنه لمُطَهَّر الثياب. وقال الضحاك: معناه: "لا تلبس ثيابك على معصية". وقال ابن زيد: معناه: "وعملك فأصلحه"، قال: والعرب تقول للرجل الخبيث العمل: فلان خبيث الثياب. وإذا كان حسن العمل (قالوا: فلان طاهر الثياب. وعن ابن عباس أيضاً أن معناه: "لا تلبس ثيابك) من [مكسب] غير طيب. وعن مجاهد أن معناه: "لست بكاهن ولا ساحر، فأَعْرِض عما قالوا". (وقال) ابن سيرين: معناه: اغسل ثيابك من النجاسة. وهو قول ابن زيد، وبهذا احتج الشافعي في وجوب طهارة الثوب (وأنه فرض. ومذهب مالك أن طهارة الثوب ليس بفرض، وهو قول أهل المدينة وإنما طهارة الثوب) سنة. ولذلك، من صلى بثوب نجس ولا يعلم أعاد في الوقت. ولو كانت طهارة الثوب فرضاً لأعاد أبداً. وكذلك البدن تقع فيه النجاسة ليست طهارته فرضاً. يدل على ذلك إجماع المسلمين على أن صلاة من استجمر بالحجارة من الغائط جائزة، مع أن موضع خروج الأذى لم يغسل بالماء. * * - ثم قال ﴿وَٱلرُّجْزَ [فَٱهْجُرْ]﴾. أي: والأَوْثَانَ فاهجر عبادتها. والضم والكسر في الراء لغتان عند الفراء. وقيل: الكسر معناه العَذاب. فتكون الأوثان سميت بالعذاب. لأنها سببه. والضم معناه الأوثان. وأول من فرق بينهما الكسائي. وأكثر الناس على أنه لا فرق بينهما وأنه يراد به الأوثان، [ضَمَمْتَ] الراءَ أو كَسَرْتَهَا. قال ابن عباس: الرجز: "السخط، وهو الأصنام". وقال مجاهد وعكرمة: الرجز: "الأوثان. وقاله الزهري. وقال قتادة: "الرجز: صنمان كانا عند البيت: [إساف ونائلة]، يَمْسَحُ وُجُوهَهُمَا من أتى عليهما، فأمر الله نبيه أن [يجتنبهما] ويعتزلهما". قال ابن زيد: "الرجز آلهتهم التي كانوا يعبدون، (أمره الله) أن يهجرها [فلا يأتيها ولا يقربها]". وقال النَّخعي: المعنى: والمعصية [فاهجر]. * * - ثم قال تعالى ﴿وَلاَ تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ﴾. قال ابن عباس: معناه: ولا تعط يا محمد عطية لتعطى أكثر منها. وهو (معنى) قول أكثر [المفسرين]. وهذا خصوص للنبي ﷺ، وهو مباح لأمته إلا أنه لا أجر [لهم] في ذلك. وهو قوله تعالى: ﴿وَمَآ آتَيْتُمْ مِّن رِّباً لِّيَرْبُوَاْ فِي أَمْوَالِ ٱلنَّاسِ فَلاَ يَرْبُواْ عِندَ ٱللَّهِ﴾ [الروم: ٣٩] وقد قال الضحاك: هو الربا (في) الحلال [قال]: وهما ربوان: حرام وحلال. فأما الحلال فالهدايا. وأما الحرام فالربا بعينه. وقال الحسن: معناه: لا تستكثر عملك الصالح. وهو اختيار الطبري. وقال الربيع بن أنس: معناه: "لاَ يَكْثُرَنْ عملُك في عينك، فإنه فيما أنعم الله [عليك] وأعطاك قليل". وعن مجاهد أن معناه: لا تضعف أن تستكثر من الخير من قولهم: "حبل منين" إذا كان ضعيفاً. وفي قراءة ابن مسعود: "وَلاَ تَمْنُنْ أَنْ تَسْتَكْثِرَ". قال الكسائي: فإذا حذف "أن" رفع، وهو حال (عند) البصريين. وقال ابن زيد: معناه: لا تمنن بالقرآن والنبوة فتستكثرهم به، تأخذ على ذلك عوضاً من الدنيا. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَلِرَبِّكَ فَٱصْبِرْ﴾. أي: اصبر على ما تَلْقَى من قومك لربك [واحتمل] أذاهم. وقال ابن زيد: معناه، اصبر على محاربة العرب والعجم، قال: "حُمِّلَ أمراً عظيماً، مُحَارَبَةَ العرب ثم العجم من بعد العرب في الله". وقال النخعي: معناه: ولربك فاصبر على عطيتك، ولا تعطها لتأخذ أكثر منها، بل احتسبها الله. * * - ثم قال تعالى: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي ٱلنَّاقُورِ * فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾. يقال: [عَسُرَ] الأمرُ إذا صَعُبَ فهو عَسِيرٌ، [وعَسِرَ] فهو عَسِرٌِ. والمعنى: فإذا نفخ في الصور فذلك [يوم] شديد صعب غير سهل على الكافرين. روى ابن عباس أنَّ النبي ﷺ قَالَ: "كَيْفَ أَنْعَمُ وَصَاحِبُ القَرْنِ قَدِ التَقَمَ القَرْنُ [وَحَنَى] جَبْهَتَهُ لِيَسْتَمِعَ مَتَى يُؤْمَرُ، يَنْفُخُ فِيهِ. قَالَ: فَاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلى أَصْحَابِهِ فَأَمَرَهُمْ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَقُولُوا ﴿حَسْبُنَا ٱللَّهُ وَنِعْمَ ٱلْوَكِيلُ﴾ ﴿عَلَى ٱللَّهِ تَوَكَّلْنَا﴾ قال عكرمة: الناقور: الصور. قال مجاهد: (هو) شَيْءٌ كَهَيْئَةِ [البُوقِ]. * * - ثم قال: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً﴾. أي: كِلْ - يا محمد - أَمْرَ هذا الذي خلقته في بطن أمه وحيداً لا شيء له من مال ولا ولد، يعني بذلك الوليد بن المغيرة المخزومي. قال ابن عباس: "أَنْزَلَ اللهُ فِي الوَليدِ بِنْ المُغِيرَةِ ﴿ذَرْنِي﴾ ﴿وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً﴾. [وقوله: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ...﴾ [الحجر: ٩٢] إلى آخرها". وقيل: معناه: دعني يا محمد ومجازاة من خلقته وحده، فيكون "وحيداً"] على القول الأول حالاً من الهاء المحذوفة في "خلقته". وعلى (هذا) القول الآخر حالاً من التاء في "خلقته". وفي هذا الكلام تهدد عظيم ووعيد. والعرب تقول: ذرني وزيداً، أي: كِلْ عقوبته ومُطالَبَتَهُ إلي. فالمعنى: كِلْ - يا محمد - عقوبة هؤلاء إلي، فلست أحتاج [في ذلك] إلى معين ولا ظهير. ويُرْوى أنه كان يقول: أنا الواحد بن الوحيد، ليس لي من العرب نظير ولا لأبي المغيرة نظير. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَجَعَلْتُ لَهُ مَالاً مَّمْدُوداً﴾. قال مجاهد وابن جبير: هو ألف دينار. وقال سفيان: (بلغني) أنه أربعة آلاف دينار. وقيل: هو الأرض يزرع فيها. قاله النعمان بن سالم. وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: هو غَلَّةٌ شهر [بشهر]. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَبَنِينَ شُهُوداً﴾. أي: وجعلت له بنين شهوداً، أي: [حضوراً]. روي أنه كان له عشرة من الولد. وقد قاله مجاهد وغيره. وروي أنه ما زاد بعد نزول هذه الآية إلا [ارتكاساً] في ماله وولده ونفسه. * * - ثم قال: ﴿وَمَهَّدتُّ لَهُ تَمْهِيداً﴾. أي: بسطت له في العيش بسطاً. قاله سفيان. وقال مجاهد: "من المال والولد". * * - ثم قال: ﴿ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ * كَلاَّ﴾ ثم يَأْمَلُ أن أزيده من المال والولد على ما أعطيته ﴿كَلاَّ﴾: أي: ليس الأمر على ما يُؤَمِّلُ، أي: لا يكون ذلك]. * * - ثم قال: ﴿إِنَّهُ كان لآيَاتِنَا عَنِيداً﴾. أي: إنه كان لرد حجتنا وآياتنا معانداً، مجانباً. يقال: عَنُدَ البَعيرُ [يَعْنِدُ عُنُوداً]، [وبَعِيرٌ عَنُودُ]: إذَا مشى مجانباً للإبل لا يمشي معها. قال ابن عباس: ﴿عَنِيداً﴾ "جحوداً". وهو قول قتادة. وقال مجاهد: "معانداً للحق، مجانباً له". وقال سفيان: ﴿عَنِيداً﴾ "مشاقاً لنا". * * - ثم قال: ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً﴾. أي: سأكلفه مشقة من العذاب لا راحة منها. وقيل: الصعود جبل من نار (يكلفون) أن يصعدوه، فإذا وضع يده عليه ذابت، فإذا رفعها عادت، وإذا وضع رجله كذلك. وروى أبو سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: "الصُّعُودُ جَبَلٌ مِنْ نَارٍ يَصْعَدُ فِيهِ سَبْعينَ خَرِيفاً ثُمَّ يَهْوِي كَذلِكَ أَبَدَاً قال مجاهد: ﴿صَعُوداً﴾: "عذاباً لا راحة منه". وقال قتادة: "مشقة من العذاب". * * - ثم قال: ﴿إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ * [فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ]﴾. أي: فكر فيما أنزل الله على نبيه من القرآن، وَقَدَّرَ فيما يقول فيه، فَلُعِنَ كيف قدَّر ما هو قائل، ثم لعن كيف قَدَّرَ القولَ فيه. ﴿ثُمَّ نَظَرَ﴾. أي: ثم تَأَنّى في ذلك. * * ﴿ثُمَّ عَبَسَ﴾ أي: قبض ما بين عينيه. * * ﴿وَبَسَرَ﴾. أي: كلح وكَرَّهَ وجهه. قال عكرمة: جَاءَ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ إلى النبي ﷺ فَقَرَأَ عليه النبي القرآنَ، فكأنه رَقَّ لَهُ، فبلغَ ذلك أبا جهل. فأتاه فقال: أيْ عَمِّ، إِنَّ قومَكَ يُريدون أن يَجْمَعُوا لَكَ مَالاً. قَالَ: لِمَ؟ قَالَ: يُعْطُونَكَ! فإنك أتيت محمداً تَتَعَرَّضُ لِمَا قِبَلَهُ. قال: قد علمت قريش أني أكثرها مالاً! قال: فقل فيه قولاً يَعْلَمُ قومُكَ أَنَّكَ مُنْكِرٌ" [لِمَا قَالَ]، وَأَنَّكَ كارِهٌ له، قال: فماذا أقول فيه؟ فوَالله مَا مِنْكُمْ رَجُلٌ أَعْلَمُ مِنِّي بِالأَشْعَارِ ولاَ أَعْلَمُ بِرَجَزِهِ وَلاَ بِقَصدِهِ، وَلاَ بِأَشْعَارِ الجِنِّ، وَ (اللهِ) لاَ يُشْبِهُ الذِي يَقُولُ شَيْئاً مِنْ هَذَا، وَاللهِ إِنَّ لِقَوْلِهِ الذِي يَقُولُ لَحَلاَوَةً! وَإِنهُ لَيَحْطِمُ مَا تَحْتَهُ! وَإِنَّهُ لَيَعْلُو وَمَا يُعْلَى! قَالَ أَبُو جَهْلٍ: وَاللهِ لاَ يَرْضَى قَوْمُكَ حَتَّى تَقُولَ فِيهِ. قَالَ: فَدَعْنِي حَتَّى أُفَكِّرَ فِيهِ. (فَلَمَّا فَكَّرَ فِيهِ) قَالَ: هَذَا سِحْرٌ يَأْثُرُهُ [عن] غيره، فنزلت ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً﴾ قال ابن عباس: دَخَلَ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ عَلَى أَبِي بَكْرٍ يَسُأَلُهُ عَنِ القُرآن، فَلَمَّا أَخْبَرَهُ خَرَجَ عَلَى قُرَيْشٍ فَقَالَ: يَا عَحَبَاً لِمَا يقول ابْنُ أَبِي كَبْشَةَ! فَوَاللهِ، ما هُوَ بِشِعْرٍ وَلاَ بِسِحْرٍ وَلاَ [بِهَذْيٍ] مِنْ جُنُونٍ، وَإِنهُ لَمِنْ كَلاَمِ اللهِ - جَلَّ وَعَز - فَلَمَّا سَمِعَ بِذلِكَ النَّفَرُ (مِنْ قُرَيْشٍ) [ائْتَمَرُوا] بَيْنَهُمْ، وَقَالُوا: وَاللهِ لَئِنْ صَبَأَ الوَلِيْدُ لَتَصْبُؤَنَّ قُرَيْشٌ، فَلَمَّا سَمِعَ بِذلِكَ أَبُو جَهْلٍ بْنُ هِشَامٍ قَالَ: أَنَا وَالله أَكْفِيكُمْ شَأْنَهُ. فَانْطَلَقَ حَتَى دَخَلَ عَلَيْهِ بَيْتَهُ، فَقَالَ: [أَلَمْ تَرَ] قَوْمَكَ قَدْ جَمَعُوا لَكَ الصَّدَقَةَ؟! قَالَ: أَلَسْتُ أَكْثَرَهُمْ مَالاً وَوَلَداً؟! فَقَالَ لَهُ أَبُو جَهْلٍ: يَتَحَدَّثُونَ أَنَّكَ تَدْخُلُ عَلَى ابْنِ أَبِي قُحَافَةَ لِتُصِيبَ مِنْ طَعَامِهِ! قَالَ الوَلِيدُ: [أَقَدْ] تَحَدَّثَتْ بِذَلِك عَشِيرَتِي؟! فَلاَ وَأَيْمُ جَابِرِ بْنُ قُصَيَّ، لاَ أَقْرَبُ أَبَا بَكْرٍ (وَلاَ عُمَرَ) وَلاَ ابْنَ أَبِي كَبْشَةَ، [وَمَا قَوْلُهُ إِلاَّ سِحْرٌ] يُؤْثَرُ. فَأَنْزَلَ اللهُ ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً...﴾ إلى ﴿لاَ تُبْقِي (وَلاَ) تَذَرُ﴾ قال قتادة: ذكر أنه قال: والله، لقد نظرت [فيما قال هذا الرجل]، [فإذا] هو ليس بشعر، وإن له لحَلاَوَةً، وإن عليه لَطُلاَوَةً، وإنه لَيَعْلُو وما يُعْلَى، ومَا أَشُكُّ أَنَّهُ سِحْرٌ. وقال الضحاك: دعاه النبي ﷺ إلى الإسلام، فقال: حتى أنظر! فَفَكَّرَ، ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ، ثُمَّ أَدْبَرَ واسْتَكبر، فقال: إن هذا إلا سحر يؤثر، فجعل الله له سقر. قال أبو رزين (سحر) (أي): يَأْثُرُهُ من غيره. * * - ﴿إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ قَوْلُ ٱلْبَشَرِ﴾. أي: ما هذا الذي يتلوه محمد إلا قول بني آدم وما هو بكلام الله. [فهذا أول من قال: القرآن مخلوق، قاله الوليد بن المغيرة فأدخله الله سقر. قال بعض العلماء: فكذا يُفْعَلُ بكل من قال: القرآن مخلوقٌ، قاله أحمد بن زيد]. * * - ثم قال: ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾. أي: [سأورده] سقر، وهو باب من أبواب جهنم. يروى أنه الباب السادس منها، نعوذ بالله منها. * * - ﴿وَمَآ أَدْرَاكَ مَا (سَقَرُ)﴾. أي: وأي شيء أدراك ما سقر؟، ثم بَيَّنَهُ وأَدْرَاهُ به [فقال] في صفة سقر. * * - ﴿لاَ تُبْقِي وَلاَ تَذَرُ﴾. أي: هي نارٌ لا تُبْقي من فيها حياً، ولا تَذَرُ من فيها ميتاً، لكنها تحرقهم، كلما احترقوا جُدِّدَ خَلْقُهُمْ. قال مجاهد: ﴿لاَ تُبْقِي وَلاَ تَذَرُ﴾ أي: لا تُحْيِي وَلاَ تُمِيتُ وقيل: ﴿لاَ تُبْقِي وَلاَ تَذَرُ﴾: لا تبقي الكافر حتى يصير فحمة ثم يُعاد خلقاً جديداً ثم لا تذره حتى يعود عليه العذاب بِأَشَدِّ مِمَّا كان هكذا أبداً، نعوذ بالله من ذلك. * * - ثم قال تعالى: ﴿لَوَّاحَةٌ لِّلْبَشَرِ﴾. أي: مغيرة لبشرة من فيها. قال مجاهد: ﴿لَوَّاحَةٌ لِّلْبَشَرِ﴾، أي: مُغَيِّرَةٌ للجلد. وقال قتادة: "خَرَّاقَةٌ للجلد". وقيل: معناه: تَلُوحُ لأَهْلِها من مسيرة خمسمائة عام. وعلى القول الأول أكثر الناس أنها تُغَيِّرُ البَشَرَةَ. قال [أبو رزين]: تلفح الجلد لفحة تَدَعُهُ أَشَدَّ سواداً من الليل. وقال ابن عباس: "تحرق بَشَرَةَ الإنسان". * * - ثم قال: ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾. أي: من الخزنة. ذكر ابن عباس أَنَّ هَذَا لما نَزَلَ عَلَى النبي ﷺ، قَالَ أَبُو جَهْلٍ لِقُرَيْشٍ: ثَكِلَتْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ! أَسْمَعُ ابْنَ أَبِي كَبْشَةَ يُخْبِرُكُمْ أَنَّ خَزَنَةَ النَّارِ تِسْعَةَ عَشَرَ. وَأَنْتُمْ [الدَّهْمُ] أَفَتَعْجَزُ كُلُّ عَشَرَةٍ مِنْكُمْ أَنْ تَبْطِشَ بِرَجُلٍ مِنْ [خَزَنَةِ] جَهَنَّمَ؟! فَأَوْحَى اللهُ إلى نَبِيِّهِ أَنْ يَأْتِيَ أَبَا جَهْلٍ فَيَأْخُذَ بِيَدِهِ فِي بَطْحَاءِ مَكَّةَ فَيقُولَ ﴿أَوْلَىٰ لَكَ فَأَوْلَىٰ * ثُمَّ أَوْلَىٰ لَكَ فَأَوْلَىٰ﴾ [القيامة: ٣٤-٣٥]. فَلَمَّا فَعَلَ بِهِ ذَلكَ رَسُولُ اللهِ قَالَ لَهُ أَبُو جَهْلٍ: وَاللهِ، لاَ تَفْعَلُ أَنْتَ وَرَبُّكَ شَيْئا. فَأَخْزَاهُ - جَلَّ ذِكْرُهُ - يَوْمَ بَدْرٍ فَقُتِلَ. قال كعب الأحبار: ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾: ما منهم ملك إلا ومعه عمود ذو شعبتين يدفع به الدفعة فيلقي في النار تسعين ألفاً. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَآ أَصْحَٰبَ ٱلنَّارِ إِلاَّ مَلَٰئِكَةً﴾ أي: لم نجعل أصحاب النار رجالاً مثلكم فتطمعوا بالتغلب عليهم كما قال أبو جهل لقريش: أفلا يستطيع كل عشرة منكم أن يغلبوا منهم واحداً؟!. فإذا كانت الخزنة ملائكة، فمن ذا يطيق الملائكة؟!. * * - ثم قال: ﴿وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلاَّ فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾. أي: لم نجعلهم تسعة عشر فقط لقلة الملائكة؛ ولكن جعلناهم كذلك ليفتتن الذين كفروا ويستقلوا عدتهم ويُحدثوا أنفسهم بالتغلب على الخزنة حتى قال [أبو الأشد الجمحي]: أنا [أُجْهِضُهُمْ] [عن] النار. وقيل: إن كَلَدَةَ بن أسيد بن خلف قال: أنا أكفيكم سبعة عشر، واكفوني اثنين. * * - ثم قال تعالى: ﴿لِيَسْتَيْقِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَٰبَ﴾. أي: فعلنا ذلك ليفتتن الذين كفروا [وليتيقن] الذين أُوتوا التوراة والإنجيل حقيقة ما في كتبهم من الخبر عن عدة خزنة جهنم، لأنه كذلك عدتهم في التوراة (والإنجيل). هذا معنى قول ابن عباس وغيره. وهو قول مجاهد. قال قتادة: يُصَدِّقُ القرآنُ الكُتُبَ التي كانت قبله، فيها كُلِّها خَزَنَةُ النَّارِ تِسْعَةَ عَشَرَ. وهو قول الضحاك. وقال ابن زيد: ﴿لِيَسْتَيْقِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَٰبَ...﴾ "أنك رسول الله". * * ثم قال تعالى: ﴿وَيَزْدَادَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوۤاْ إِيمَٰناً﴾ أي: تصديقاً إلى تصديقهم بعدة خزنة جهنم. * * - ثم قال: ﴿وَلاَ يَرْتَابَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَٰبَ وَٱلْمُؤْمِنُونَ﴾ أي: ولا يشك أهل الكتاب [و] المؤمنون في حقيقة ذلك. * * - ثم قال: ﴿وَلِيَقُولَ ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ﴾ أي: نفاق. * * ﴿وَٱلْكَٰفِرُونَ﴾ يعني: مشركي قريش. * * - ﴿مَاذَآ أَرَادَ ٱللَّهُ بِهَـٰذَا مَثَلاً﴾. أي: ماذا أراد الله بهذا حين يخوفنا بهؤلاء التسعة عشر. - قال الله: ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ ٱللَّهُ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ﴾. أي: كما أضل هؤلاء المنافقين والمشركين القائلين: أي شيء أراد الله بهذا مثلاً؟! كذلك يضل الله من يشاء] من خلقه فَيَخْذُلُهُ عن إصابة الحق، ويهدي من يشاء فيوفقه للحق. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ﴾ أي: لا يعلم (مقدار) كثرة جنود ربك يا محمد إلا رَبُّكَ. روي عن النبي ﷺ أنه قال: "إِنَّ لله مَلاَئِكَةٌ تَرْعَدُ فَرَائِصَهُمْ مَخَافَةً مِنْهُ، وَإِنَّ مِنْهُمْ مَنْ لاَ تَقْطُرُ مِنْ عَيْنَيْهِ دَمْعَةً إِلاَّ وَقَعَتْ مَلَكاً يُسَبِّحُ، وَمَلاَئِكَةٌ سُجُودٌ مِنْذُ خَلَقَ اللهُ السَّمَواتِ لَمْ يَرْفَعُوا رُؤوسَهِمْ وَلاَ يَرْفَعُونَهَا إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ، وَمِنْهُمْ [مَلاَئِكَةٌ] وُقُوفٌ لم يَنْصَرِفُوا وَلاَ يَنْصَرِفُونَ إلى يوم القيامة. فإذا كان يوم القيامة، تَجَلَّى لَهُمْ رَبُّهُمْ - جَلَّ ذِكْرُهُ - فَقَالوا: سُبْحَانَكَ! مَا عَبَدْنَاكَ حَقَّ عِبَادَتِكَ! وقال كعب: إن لله عز وجل ملائكة من يوم خلقهم قياماً، [ما] ثنوا أصلابهم، وآخرين ركوعاً ما رفعوا أصلابهم، وآخرين [سجوداً] ما رفعوا رؤوسهم حتى يُنْفَخَ في الصور النفخةَ الآخرة فيقولون جميعاً: سبحانك! ما عبدناك كما ينبغي أن تُعْبَدَ. ثم قال كعب: والله، لو أن رجلاً عَمِلَ عَمَلَ سبعين نبيّاً، [لاسْتَقَلَ] عمله يوم القيامة من شدة ما يرى يومئذ. والله، لو دلي من [غسلين] دلو واحد من مطلع الشمس، لغلت منه جماجم قوم في مغربها. والله، [لَتَزْفَرَنَّ] جهنم زَفْرَةً لا يبقى ملك مقرب إلا خَرَّ جَاثِياً عَلَى رُكْبَتَيهِ. وروى ابن المبارك حديثاً - رفعه - أن ملكاً سجد لما استوى الرب [تعالى] على عرشه، فلم يرفع رأسه [و] لا يرفعه إلى يوم القيامة، فيقول يوم القيامة: لم أعبدك حق عبادتك، إلا أني لم أشرك بك شيئاً، ولم أتخذ من دونك ولياً. وقد وصفهم الله في كتابه فقال: ﴿يُسَبِّحُونَ ٱلَّيلَ وَٱلنَّهَارَ لاَ يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٠]. قال كعب: التسبيح للملائكة بمنزلة النَّفَسِ لبَنِي آدم، أُلْهِمُوا التسبيح كما ألهمتم الطَّرْفَ والنَّفَسَ. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَمَا هِيَ إِلاَّ ذِكْرَىٰ لِلْبَشَرِ﴾. يعني النار التي وصفها. يقول: ليس ما وصفتها به من تغييرها للبشر وعدة خزنتها إلا عظةً وعبرة للناس يتعظون بها. * * - ثم قال: ﴿كَلاَّ وَٱلْقَمَرِ﴾. أجاز الطبري الوقف على "كَلاَّ"، [جعله] رَدَّاً لِمَا قبلها. والمعنى عنده: ليس القول كما يقول من زعم أنه يكفي أصحابه المشركين خزنة جهنم التسعة عشر حتى يجهضهم عنها. وقال الفراء: تقديره: "إي والقمر، وقيل: تقديره: "حقاً" (وقيل): "أَلاَ". * * - ﴿وَٱلْقَمَرِ..﴾. أي: ورب القمر ورب الليل إذا أدبر، أي: ولى. * * - ﴿وَٱلصُّبْحِ إِذَآ أَسْفَرَ﴾. أي: أضاءَ وأقبل. يقال: أسفر الصبح إذا أضاء وانكشف. ومنه: سفرت المرأة عن وجهها إذا كشفته. ومنه قيل: "سفر" للكتاب الذي فيه العلم، لأنه يبين ويكشف. ومنه سفرت الريح الغمام: كشفته. ومنه: سفرت البيت: أي كنسته، ومنه قيل: "سفير" للذي يسعى في الصلح، لأنه يكشف المكروه ويزيله. وحكى بعض البصريين: دبرني إذا جاء خلفي. وأدبر إذا ولى. واختار [أبو عبيد] [إِذَا اَدْبَرَ]، لأن بعده: ﴿إِذَآ أَسْفَرَ﴾. وحكي: دبر وأدبر: لغتان بمعنى، يقال: دبر النهار وأدبر. ودبر الصيف وأدبر، وكذلك قبل وأقبل. فإذا قالوا: أقبل الراكب و "أدبر" لم يُقَلْ إلا بالألف. وقيل: معنى ﴿إِذْ أَدْبَرَ﴾ أي: إذ أدبر النهار، وكان في آخره. وسأل رجل ابن عباس عن قوله: ﴿وَٱللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ﴾ فقال: امكث، فلما سمع الأذان [الأول] قال: هذا حين دبر الليل. * * - ثم قال: ﴿إِنَّهَا لإِحْدَى ٱلْكُبَرِ﴾. يعني جهنم، أي: هي إحدى الأمور العظام. و (إحدى): فُعْلَى، نَعْتٌ، وهو قليل، إنما تأتي هذه النعوت غير المصادر بضم الأول أو بفتحه. * * - ثم قال: ﴿نَذِيراً لِّلْبَشَرِ﴾. قال أبو رزين: يقول الله جل ذكره: أنا نذير للبشر. وقال [ابن زيد]: معناه: محمد نذير للبشر. ونصبها على الحال من المضمر في "إنها" [أَوْ مِنْ] "إِحْدَى". وهذان القولان يدلان على أن النار هي النذير، وهو قول الحسن. ويجوز أن تكون حالاً من "هو" في قوله: ﴿إِلاَّ هُوَ﴾، أو على إضمار فعل تقديره: صَيَّرَهَا ﴿نَذِيراً﴾، وهذا على قول أبي رزين. وقال الكسائي: هي حال من المضمر في ﴿قُمْ﴾ أي: قم نذيراً، من أول السورة. وهو يرجع إلى قول ابن زيد. وقيل: ﴿نَذِيراً﴾ بمعنى إنذار، فنصبه على المصدر. (وقيل: نصبه على المصدر) [وقيل: نصبه على أعني]. ومن جعله للنار حذف [الياء] من "نذير" لأنه بمعنى النسب.

المدثر 74:12

قوله تعالى: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنذِرْ﴾ إلى قوله: ﴿نَذِيراً لِّلْبَشَرِ﴾. أي: يا أيها المدثر بثيابه عند نومه. وروي أن النبي ﷺ [قيل له ذلك] وهو متدثر بقطيفة. ذكره النخعي. وروي أن هذا أول ما نزل على النبي ﷺ. رواه جابر بن عبد الله قال: حَدَّثَنِي النَّبِيُّ ﷺ، قَالَ: جَاوَرْتُ فِي حِرَاءَ، فَلَمَّا قَضَيْتُ [جِوَارِي] هَبَطْتُ فَاسْتَبْطَنْتُ [الوَادِيَ]، فَنُودِيتُ فَنَظَرْتُ عَنْ يَمِينِي وَعَنْ شِمَالِي وَخَلْفِي (وَقُدَّامِي) فَلَمْ أَرَ شَيْئاً، فَنَظَرْتُ فَوْقَ رَأْسِي فَإِذَا هُوَ - يَعْنِي المَلَكَ - جَالِسٌ عَلَى عَرْشٍ بَيْنَ السَّمَاءِ والأَرْضِ [فَجُثِثْتُ] مِنْهُ. فَأَتَيْتُ خَدِيجَةَ فَقُلْتُ: دَثِّرُونِي، (دَثِّرُونِي)، وَصُبُّوا عَلَيَّ مَاءً. وَأُنْزِلَ عَلَيَّ ﴿يٰأَيُّهَا ٱلْمُدَّثِّرُ﴾ وقال الزهري: كان أول شيء أنزل عليه: ﴿ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق: ١] حتى بلغ ﴿(عَلَّمَ ٱلإِنسَانَ) مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: ٥]. قال ابن عباس: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلْمُدَّثِّرُ﴾: "يأ أيها النائم". وقال قتادة: المدثر في ثيابه. وقال عكرمة: معناه: "دُثرت هذا الأَمر فقم به"، يعني النبوة. * * - وقوله: ﴿قُمْ فَأَنذِرْ﴾. أي: قم من نومك فأنذر قومك عذاب الله على شركهم بالله. * * - ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾. أي: فعظم. * * - ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾. أي: لا تلبسها على معصية ولا [غدرة]. قاله ابن عباس. وعنه أيضاً: فطَهِّرْها من الإثم. وقال النخعي: فطهرها من الذنوب. والعرب تقول لرجل إذا نكث ولم يف بعهده: إنه لدنس الثياب، وإذا أوفى بعهده وأصلح: إنه لمُطَهَّر الثياب. وقال الضحاك: معناه: "لا تلبس ثيابك على معصية". وقال ابن زيد: معناه: "وعملك فأصلحه"، قال: والعرب تقول للرجل الخبيث العمل: فلان خبيث الثياب. وإذا كان حسن العمل (قالوا: فلان طاهر الثياب. وعن ابن عباس أيضاً أن معناه: "لا تلبس ثيابك) من [مكسب] غير طيب. وعن مجاهد أن معناه: "لست بكاهن ولا ساحر، فأَعْرِض عما قالوا". (وقال) ابن سيرين: معناه: اغسل ثيابك من النجاسة. وهو قول ابن زيد، وبهذا احتج الشافعي في وجوب طهارة الثوب (وأنه فرض. ومذهب مالك أن طهارة الثوب ليس بفرض، وهو قول أهل المدينة وإنما طهارة الثوب) سنة. ولذلك، من صلى بثوب نجس ولا يعلم أعاد في الوقت. ولو كانت طهارة الثوب فرضاً لأعاد أبداً. وكذلك البدن تقع فيه النجاسة ليست طهارته فرضاً. يدل على ذلك إجماع المسلمين على أن صلاة من استجمر بالحجارة من الغائط جائزة، مع أن موضع خروج الأذى لم يغسل بالماء. * * - ثم قال ﴿وَٱلرُّجْزَ [فَٱهْجُرْ]﴾. أي: والأَوْثَانَ فاهجر عبادتها. والضم والكسر في الراء لغتان عند الفراء. وقيل: الكسر معناه العَذاب. فتكون الأوثان سميت بالعذاب. لأنها سببه. والضم معناه الأوثان. وأول من فرق بينهما الكسائي. وأكثر الناس على أنه لا فرق بينهما وأنه يراد به الأوثان، [ضَمَمْتَ] الراءَ أو كَسَرْتَهَا. قال ابن عباس: الرجز: "السخط، وهو الأصنام". وقال مجاهد وعكرمة: الرجز: "الأوثان. وقاله الزهري. وقال قتادة: "الرجز: صنمان كانا عند البيت: [إساف ونائلة]، يَمْسَحُ وُجُوهَهُمَا من أتى عليهما، فأمر الله نبيه أن [يجتنبهما] ويعتزلهما". قال ابن زيد: "الرجز آلهتهم التي كانوا يعبدون، (أمره الله) أن يهجرها [فلا يأتيها ولا يقربها]". وقال النَّخعي: المعنى: والمعصية [فاهجر]. * * - ثم قال تعالى ﴿وَلاَ تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ﴾. قال ابن عباس: معناه: ولا تعط يا محمد عطية لتعطى أكثر منها. وهو (معنى) قول أكثر [المفسرين]. وهذا خصوص للنبي ﷺ، وهو مباح لأمته إلا أنه لا أجر [لهم] في ذلك. وهو قوله تعالى: ﴿وَمَآ آتَيْتُمْ مِّن رِّباً لِّيَرْبُوَاْ فِي أَمْوَالِ ٱلنَّاسِ فَلاَ يَرْبُواْ عِندَ ٱللَّهِ﴾ [الروم: ٣٩] وقد قال الضحاك: هو الربا (في) الحلال [قال]: وهما ربوان: حرام وحلال. فأما الحلال فالهدايا. وأما الحرام فالربا بعينه. وقال الحسن: معناه: لا تستكثر عملك الصالح. وهو اختيار الطبري. وقال الربيع بن أنس: معناه: "لاَ يَكْثُرَنْ عملُك في عينك، فإنه فيما أنعم الله [عليك] وأعطاك قليل". وعن مجاهد أن معناه: لا تضعف أن تستكثر من الخير من قولهم: "حبل منين" إذا كان ضعيفاً. وفي قراءة ابن مسعود: "وَلاَ تَمْنُنْ أَنْ تَسْتَكْثِرَ". قال الكسائي: فإذا حذف "أن" رفع، وهو حال (عند) البصريين. وقال ابن زيد: معناه: لا تمنن بالقرآن والنبوة فتستكثرهم به، تأخذ على ذلك عوضاً من الدنيا. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَلِرَبِّكَ فَٱصْبِرْ﴾. أي: اصبر على ما تَلْقَى من قومك لربك [واحتمل] أذاهم. وقال ابن زيد: معناه، اصبر على محاربة العرب والعجم، قال: "حُمِّلَ أمراً عظيماً، مُحَارَبَةَ العرب ثم العجم من بعد العرب في الله". وقال النخعي: معناه: ولربك فاصبر على عطيتك، ولا تعطها لتأخذ أكثر منها، بل احتسبها الله. * * - ثم قال تعالى: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي ٱلنَّاقُورِ * فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾. يقال: [عَسُرَ] الأمرُ إذا صَعُبَ فهو عَسِيرٌ، [وعَسِرَ] فهو عَسِرٌِ. والمعنى: فإذا نفخ في الصور فذلك [يوم] شديد صعب غير سهل على الكافرين. روى ابن عباس أنَّ النبي ﷺ قَالَ: "كَيْفَ أَنْعَمُ وَصَاحِبُ القَرْنِ قَدِ التَقَمَ القَرْنُ [وَحَنَى] جَبْهَتَهُ لِيَسْتَمِعَ مَتَى يُؤْمَرُ، يَنْفُخُ فِيهِ. قَالَ: فَاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلى أَصْحَابِهِ فَأَمَرَهُمْ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَقُولُوا ﴿حَسْبُنَا ٱللَّهُ وَنِعْمَ ٱلْوَكِيلُ﴾ ﴿عَلَى ٱللَّهِ تَوَكَّلْنَا﴾ قال عكرمة: الناقور: الصور. قال مجاهد: (هو) شَيْءٌ كَهَيْئَةِ [البُوقِ]. * * - ثم قال: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً﴾. أي: كِلْ - يا محمد - أَمْرَ هذا الذي خلقته في بطن أمه وحيداً لا شيء له من مال ولا ولد، يعني بذلك الوليد بن المغيرة المخزومي. قال ابن عباس: "أَنْزَلَ اللهُ فِي الوَليدِ بِنْ المُغِيرَةِ ﴿ذَرْنِي﴾ ﴿وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً﴾. [وقوله: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ...﴾ [الحجر: ٩٢] إلى آخرها". وقيل: معناه: دعني يا محمد ومجازاة من خلقته وحده، فيكون "وحيداً"] على القول الأول حالاً من الهاء المحذوفة في "خلقته". وعلى (هذا) القول الآخر حالاً من التاء في "خلقته". وفي هذا الكلام تهدد عظيم ووعيد. والعرب تقول: ذرني وزيداً، أي: كِلْ عقوبته ومُطالَبَتَهُ إلي. فالمعنى: كِلْ - يا محمد - عقوبة هؤلاء إلي، فلست أحتاج [في ذلك] إلى معين ولا ظهير. ويُرْوى أنه كان يقول: أنا الواحد بن الوحيد، ليس لي من العرب نظير ولا لأبي المغيرة نظير. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَجَعَلْتُ لَهُ مَالاً مَّمْدُوداً﴾. قال مجاهد وابن جبير: هو ألف دينار. وقال سفيان: (بلغني) أنه أربعة آلاف دينار. وقيل: هو الأرض يزرع فيها. قاله النعمان بن سالم. وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: هو غَلَّةٌ شهر [بشهر]. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَبَنِينَ شُهُوداً﴾. أي: وجعلت له بنين شهوداً، أي: [حضوراً]. روي أنه كان له عشرة من الولد. وقد قاله مجاهد وغيره. وروي أنه ما زاد بعد نزول هذه الآية إلا [ارتكاساً] في ماله وولده ونفسه. * * - ثم قال: ﴿وَمَهَّدتُّ لَهُ تَمْهِيداً﴾. أي: بسطت له في العيش بسطاً. قاله سفيان. وقال مجاهد: "من المال والولد". * * - ثم قال: ﴿ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ * كَلاَّ﴾ ثم يَأْمَلُ أن أزيده من المال والولد على ما أعطيته ﴿كَلاَّ﴾: أي: ليس الأمر على ما يُؤَمِّلُ، أي: لا يكون ذلك]. * * - ثم قال: ﴿إِنَّهُ كان لآيَاتِنَا عَنِيداً﴾. أي: إنه كان لرد حجتنا وآياتنا معانداً، مجانباً. يقال: عَنُدَ البَعيرُ [يَعْنِدُ عُنُوداً]، [وبَعِيرٌ عَنُودُ]: إذَا مشى مجانباً للإبل لا يمشي معها. قال ابن عباس: ﴿عَنِيداً﴾ "جحوداً". وهو قول قتادة. وقال مجاهد: "معانداً للحق، مجانباً له". وقال سفيان: ﴿عَنِيداً﴾ "مشاقاً لنا". * * - ثم قال: ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً﴾. أي: سأكلفه مشقة من العذاب لا راحة منها. وقيل: الصعود جبل من نار (يكلفون) أن يصعدوه، فإذا وضع يده عليه ذابت، فإذا رفعها عادت، وإذا وضع رجله كذلك. وروى أبو سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: "الصُّعُودُ جَبَلٌ مِنْ نَارٍ يَصْعَدُ فِيهِ سَبْعينَ خَرِيفاً ثُمَّ يَهْوِي كَذلِكَ أَبَدَاً قال مجاهد: ﴿صَعُوداً﴾: "عذاباً لا راحة منه". وقال قتادة: "مشقة من العذاب". * * - ثم قال: ﴿إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ * [فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ]﴾. أي: فكر فيما أنزل الله على نبيه من القرآن، وَقَدَّرَ فيما يقول فيه، فَلُعِنَ كيف قدَّر ما هو قائل، ثم لعن كيف قَدَّرَ القولَ فيه. ﴿ثُمَّ نَظَرَ﴾. أي: ثم تَأَنّى في ذلك. * * ﴿ثُمَّ عَبَسَ﴾ أي: قبض ما بين عينيه. * * ﴿وَبَسَرَ﴾. أي: كلح وكَرَّهَ وجهه. قال عكرمة: جَاءَ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ إلى النبي ﷺ فَقَرَأَ عليه النبي القرآنَ، فكأنه رَقَّ لَهُ، فبلغَ ذلك أبا جهل. فأتاه فقال: أيْ عَمِّ، إِنَّ قومَكَ يُريدون أن يَجْمَعُوا لَكَ مَالاً. قَالَ: لِمَ؟ قَالَ: يُعْطُونَكَ! فإنك أتيت محمداً تَتَعَرَّضُ لِمَا قِبَلَهُ. قال: قد علمت قريش أني أكثرها مالاً! قال: فقل فيه قولاً يَعْلَمُ قومُكَ أَنَّكَ مُنْكِرٌ" [لِمَا قَالَ]، وَأَنَّكَ كارِهٌ له، قال: فماذا أقول فيه؟ فوَالله مَا مِنْكُمْ رَجُلٌ أَعْلَمُ مِنِّي بِالأَشْعَارِ ولاَ أَعْلَمُ بِرَجَزِهِ وَلاَ بِقَصدِهِ، وَلاَ بِأَشْعَارِ الجِنِّ، وَ (اللهِ) لاَ يُشْبِهُ الذِي يَقُولُ شَيْئاً مِنْ هَذَا، وَاللهِ إِنَّ لِقَوْلِهِ الذِي يَقُولُ لَحَلاَوَةً! وَإِنهُ لَيَحْطِمُ مَا تَحْتَهُ! وَإِنَّهُ لَيَعْلُو وَمَا يُعْلَى! قَالَ أَبُو جَهْلٍ: وَاللهِ لاَ يَرْضَى قَوْمُكَ حَتَّى تَقُولَ فِيهِ. قَالَ: فَدَعْنِي حَتَّى أُفَكِّرَ فِيهِ. (فَلَمَّا فَكَّرَ فِيهِ) قَالَ: هَذَا سِحْرٌ يَأْثُرُهُ [عن] غيره، فنزلت ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً﴾ قال ابن عباس: دَخَلَ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ عَلَى أَبِي بَكْرٍ يَسُأَلُهُ عَنِ القُرآن، فَلَمَّا أَخْبَرَهُ خَرَجَ عَلَى قُرَيْشٍ فَقَالَ: يَا عَحَبَاً لِمَا يقول ابْنُ أَبِي كَبْشَةَ! فَوَاللهِ، ما هُوَ بِشِعْرٍ وَلاَ بِسِحْرٍ وَلاَ [بِهَذْيٍ] مِنْ جُنُونٍ، وَإِنهُ لَمِنْ كَلاَمِ اللهِ - جَلَّ وَعَز - فَلَمَّا سَمِعَ بِذلِكَ النَّفَرُ (مِنْ قُرَيْشٍ) [ائْتَمَرُوا] بَيْنَهُمْ، وَقَالُوا: وَاللهِ لَئِنْ صَبَأَ الوَلِيْدُ لَتَصْبُؤَنَّ قُرَيْشٌ، فَلَمَّا سَمِعَ بِذلِكَ أَبُو جَهْلٍ بْنُ هِشَامٍ قَالَ: أَنَا وَالله أَكْفِيكُمْ شَأْنَهُ. فَانْطَلَقَ حَتَى دَخَلَ عَلَيْهِ بَيْتَهُ، فَقَالَ: [أَلَمْ تَرَ] قَوْمَكَ قَدْ جَمَعُوا لَكَ الصَّدَقَةَ؟! قَالَ: أَلَسْتُ أَكْثَرَهُمْ مَالاً وَوَلَداً؟! فَقَالَ لَهُ أَبُو جَهْلٍ: يَتَحَدَّثُونَ أَنَّكَ تَدْخُلُ عَلَى ابْنِ أَبِي قُحَافَةَ لِتُصِيبَ مِنْ طَعَامِهِ! قَالَ الوَلِيدُ: [أَقَدْ] تَحَدَّثَتْ بِذَلِك عَشِيرَتِي؟! فَلاَ وَأَيْمُ جَابِرِ بْنُ قُصَيَّ، لاَ أَقْرَبُ أَبَا بَكْرٍ (وَلاَ عُمَرَ) وَلاَ ابْنَ أَبِي كَبْشَةَ، [وَمَا قَوْلُهُ إِلاَّ سِحْرٌ] يُؤْثَرُ. فَأَنْزَلَ اللهُ ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً...﴾ إلى ﴿لاَ تُبْقِي (وَلاَ) تَذَرُ﴾ قال قتادة: ذكر أنه قال: والله، لقد نظرت [فيما قال هذا الرجل]، [فإذا] هو ليس بشعر، وإن له لحَلاَوَةً، وإن عليه لَطُلاَوَةً، وإنه لَيَعْلُو وما يُعْلَى، ومَا أَشُكُّ أَنَّهُ سِحْرٌ. وقال الضحاك: دعاه النبي ﷺ إلى الإسلام، فقال: حتى أنظر! فَفَكَّرَ، ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ، ثُمَّ أَدْبَرَ واسْتَكبر، فقال: إن هذا إلا سحر يؤثر، فجعل الله له سقر. قال أبو رزين (سحر) (أي): يَأْثُرُهُ من غيره. * * - ﴿إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ قَوْلُ ٱلْبَشَرِ﴾. أي: ما هذا الذي يتلوه محمد إلا قول بني آدم وما هو بكلام الله. [فهذا أول من قال: القرآن مخلوق، قاله الوليد بن المغيرة فأدخله الله سقر. قال بعض العلماء: فكذا يُفْعَلُ بكل من قال: القرآن مخلوقٌ، قاله أحمد بن زيد]. * * - ثم قال: ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾. أي: [سأورده] سقر، وهو باب من أبواب جهنم. يروى أنه الباب السادس منها، نعوذ بالله منها. * * - ﴿وَمَآ أَدْرَاكَ مَا (سَقَرُ)﴾. أي: وأي شيء أدراك ما سقر؟، ثم بَيَّنَهُ وأَدْرَاهُ به [فقال] في صفة سقر. * * - ﴿لاَ تُبْقِي وَلاَ تَذَرُ﴾. أي: هي نارٌ لا تُبْقي من فيها حياً، ولا تَذَرُ من فيها ميتاً، لكنها تحرقهم، كلما احترقوا جُدِّدَ خَلْقُهُمْ. قال مجاهد: ﴿لاَ تُبْقِي وَلاَ تَذَرُ﴾ أي: لا تُحْيِي وَلاَ تُمِيتُ وقيل: ﴿لاَ تُبْقِي وَلاَ تَذَرُ﴾: لا تبقي الكافر حتى يصير فحمة ثم يُعاد خلقاً جديداً ثم لا تذره حتى يعود عليه العذاب بِأَشَدِّ مِمَّا كان هكذا أبداً، نعوذ بالله من ذلك. * * - ثم قال تعالى: ﴿لَوَّاحَةٌ لِّلْبَشَرِ﴾. أي: مغيرة لبشرة من فيها. قال مجاهد: ﴿لَوَّاحَةٌ لِّلْبَشَرِ﴾، أي: مُغَيِّرَةٌ للجلد. وقال قتادة: "خَرَّاقَةٌ للجلد". وقيل: معناه: تَلُوحُ لأَهْلِها من مسيرة خمسمائة عام. وعلى القول الأول أكثر الناس أنها تُغَيِّرُ البَشَرَةَ. قال [أبو رزين]: تلفح الجلد لفحة تَدَعُهُ أَشَدَّ سواداً من الليل. وقال ابن عباس: "تحرق بَشَرَةَ الإنسان". * * - ثم قال: ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾. أي: من الخزنة. ذكر ابن عباس أَنَّ هَذَا لما نَزَلَ عَلَى النبي ﷺ، قَالَ أَبُو جَهْلٍ لِقُرَيْشٍ: ثَكِلَتْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ! أَسْمَعُ ابْنَ أَبِي كَبْشَةَ يُخْبِرُكُمْ أَنَّ خَزَنَةَ النَّارِ تِسْعَةَ عَشَرَ. وَأَنْتُمْ [الدَّهْمُ] أَفَتَعْجَزُ كُلُّ عَشَرَةٍ مِنْكُمْ أَنْ تَبْطِشَ بِرَجُلٍ مِنْ [خَزَنَةِ] جَهَنَّمَ؟! فَأَوْحَى اللهُ إلى نَبِيِّهِ أَنْ يَأْتِيَ أَبَا جَهْلٍ فَيَأْخُذَ بِيَدِهِ فِي بَطْحَاءِ مَكَّةَ فَيقُولَ ﴿أَوْلَىٰ لَكَ فَأَوْلَىٰ * ثُمَّ أَوْلَىٰ لَكَ فَأَوْلَىٰ﴾ [القيامة: ٣٤-٣٥]. فَلَمَّا فَعَلَ بِهِ ذَلكَ رَسُولُ اللهِ قَالَ لَهُ أَبُو جَهْلٍ: وَاللهِ، لاَ تَفْعَلُ أَنْتَ وَرَبُّكَ شَيْئا. فَأَخْزَاهُ - جَلَّ ذِكْرُهُ - يَوْمَ بَدْرٍ فَقُتِلَ. قال كعب الأحبار: ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾: ما منهم ملك إلا ومعه عمود ذو شعبتين يدفع به الدفعة فيلقي في النار تسعين ألفاً. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَآ أَصْحَٰبَ ٱلنَّارِ إِلاَّ مَلَٰئِكَةً﴾ أي: لم نجعل أصحاب النار رجالاً مثلكم فتطمعوا بالتغلب عليهم كما قال أبو جهل لقريش: أفلا يستطيع كل عشرة منكم أن يغلبوا منهم واحداً؟!. فإذا كانت الخزنة ملائكة، فمن ذا يطيق الملائكة؟!. * * - ثم قال: ﴿وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلاَّ فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾. أي: لم نجعلهم تسعة عشر فقط لقلة الملائكة؛ ولكن جعلناهم كذلك ليفتتن الذين كفروا ويستقلوا عدتهم ويُحدثوا أنفسهم بالتغلب على الخزنة حتى قال [أبو الأشد الجمحي]: أنا [أُجْهِضُهُمْ] [عن] النار. وقيل: إن كَلَدَةَ بن أسيد بن خلف قال: أنا أكفيكم سبعة عشر، واكفوني اثنين. * * - ثم قال تعالى: ﴿لِيَسْتَيْقِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَٰبَ﴾. أي: فعلنا ذلك ليفتتن الذين كفروا [وليتيقن] الذين أُوتوا التوراة والإنجيل حقيقة ما في كتبهم من الخبر عن عدة خزنة جهنم، لأنه كذلك عدتهم في التوراة (والإنجيل). هذا معنى قول ابن عباس وغيره. وهو قول مجاهد. قال قتادة: يُصَدِّقُ القرآنُ الكُتُبَ التي كانت قبله، فيها كُلِّها خَزَنَةُ النَّارِ تِسْعَةَ عَشَرَ. وهو قول الضحاك. وقال ابن زيد: ﴿لِيَسْتَيْقِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَٰبَ...﴾ "أنك رسول الله". * * ثم قال تعالى: ﴿وَيَزْدَادَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوۤاْ إِيمَٰناً﴾ أي: تصديقاً إلى تصديقهم بعدة خزنة جهنم. * * - ثم قال: ﴿وَلاَ يَرْتَابَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَٰبَ وَٱلْمُؤْمِنُونَ﴾ أي: ولا يشك أهل الكتاب [و] المؤمنون في حقيقة ذلك. * * - ثم قال: ﴿وَلِيَقُولَ ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ﴾ أي: نفاق. * * ﴿وَٱلْكَٰفِرُونَ﴾ يعني: مشركي قريش. * * - ﴿مَاذَآ أَرَادَ ٱللَّهُ بِهَـٰذَا مَثَلاً﴾. أي: ماذا أراد الله بهذا حين يخوفنا بهؤلاء التسعة عشر. - قال الله: ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ ٱللَّهُ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ﴾. أي: كما أضل هؤلاء المنافقين والمشركين القائلين: أي شيء أراد الله بهذا مثلاً؟! كذلك يضل الله من يشاء] من خلقه فَيَخْذُلُهُ عن إصابة الحق، ويهدي من يشاء فيوفقه للحق. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ﴾ أي: لا يعلم (مقدار) كثرة جنود ربك يا محمد إلا رَبُّكَ. روي عن النبي ﷺ أنه قال: "إِنَّ لله مَلاَئِكَةٌ تَرْعَدُ فَرَائِصَهُمْ مَخَافَةً مِنْهُ، وَإِنَّ مِنْهُمْ مَنْ لاَ تَقْطُرُ مِنْ عَيْنَيْهِ دَمْعَةً إِلاَّ وَقَعَتْ مَلَكاً يُسَبِّحُ، وَمَلاَئِكَةٌ سُجُودٌ مِنْذُ خَلَقَ اللهُ السَّمَواتِ لَمْ يَرْفَعُوا رُؤوسَهِمْ وَلاَ يَرْفَعُونَهَا إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ، وَمِنْهُمْ [مَلاَئِكَةٌ] وُقُوفٌ لم يَنْصَرِفُوا وَلاَ يَنْصَرِفُونَ إلى يوم القيامة. فإذا كان يوم القيامة، تَجَلَّى لَهُمْ رَبُّهُمْ - جَلَّ ذِكْرُهُ - فَقَالوا: سُبْحَانَكَ! مَا عَبَدْنَاكَ حَقَّ عِبَادَتِكَ! وقال كعب: إن لله عز وجل ملائكة من يوم خلقهم قياماً، [ما] ثنوا أصلابهم، وآخرين ركوعاً ما رفعوا أصلابهم، وآخرين [سجوداً] ما رفعوا رؤوسهم حتى يُنْفَخَ في الصور النفخةَ الآخرة فيقولون جميعاً: سبحانك! ما عبدناك كما ينبغي أن تُعْبَدَ. ثم قال كعب: والله، لو أن رجلاً عَمِلَ عَمَلَ سبعين نبيّاً، [لاسْتَقَلَ] عمله يوم القيامة من شدة ما يرى يومئذ. والله، لو دلي من [غسلين] دلو واحد من مطلع الشمس، لغلت منه جماجم قوم في مغربها. والله، [لَتَزْفَرَنَّ] جهنم زَفْرَةً لا يبقى ملك مقرب إلا خَرَّ جَاثِياً عَلَى رُكْبَتَيهِ. وروى ابن المبارك حديثاً - رفعه - أن ملكاً سجد لما استوى الرب [تعالى] على عرشه، فلم يرفع رأسه [و] لا يرفعه إلى يوم القيامة، فيقول يوم القيامة: لم أعبدك حق عبادتك، إلا أني لم أشرك بك شيئاً، ولم أتخذ من دونك ولياً. وقد وصفهم الله في كتابه فقال: ﴿يُسَبِّحُونَ ٱلَّيلَ وَٱلنَّهَارَ لاَ يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٠]. قال كعب: التسبيح للملائكة بمنزلة النَّفَسِ لبَنِي آدم، أُلْهِمُوا التسبيح كما ألهمتم الطَّرْفَ والنَّفَسَ. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَمَا هِيَ إِلاَّ ذِكْرَىٰ لِلْبَشَرِ﴾. يعني النار التي وصفها. يقول: ليس ما وصفتها به من تغييرها للبشر وعدة خزنتها إلا عظةً وعبرة للناس يتعظون بها. * * - ثم قال: ﴿كَلاَّ وَٱلْقَمَرِ﴾. أجاز الطبري الوقف على "كَلاَّ"، [جعله] رَدَّاً لِمَا قبلها. والمعنى عنده: ليس القول كما يقول من زعم أنه يكفي أصحابه المشركين خزنة جهنم التسعة عشر حتى يجهضهم عنها. وقال الفراء: تقديره: "إي والقمر، وقيل: تقديره: "حقاً" (وقيل): "أَلاَ". * * - ﴿وَٱلْقَمَرِ..﴾. أي: ورب القمر ورب الليل إذا أدبر، أي: ولى. * * - ﴿وَٱلصُّبْحِ إِذَآ أَسْفَرَ﴾. أي: أضاءَ وأقبل. يقال: أسفر الصبح إذا أضاء وانكشف. ومنه: سفرت المرأة عن وجهها إذا كشفته. ومنه قيل: "سفر" للكتاب الذي فيه العلم، لأنه يبين ويكشف. ومنه سفرت الريح الغمام: كشفته. ومنه: سفرت البيت: أي كنسته، ومنه قيل: "سفير" للذي يسعى في الصلح، لأنه يكشف المكروه ويزيله. وحكى بعض البصريين: دبرني إذا جاء خلفي. وأدبر إذا ولى. واختار [أبو عبيد] [إِذَا اَدْبَرَ]، لأن بعده: ﴿إِذَآ أَسْفَرَ﴾. وحكي: دبر وأدبر: لغتان بمعنى، يقال: دبر النهار وأدبر. ودبر الصيف وأدبر، وكذلك قبل وأقبل. فإذا قالوا: أقبل الراكب و "أدبر" لم يُقَلْ إلا بالألف. وقيل: معنى ﴿إِذْ أَدْبَرَ﴾ أي: إذ أدبر النهار، وكان في آخره. وسأل رجل ابن عباس عن قوله: ﴿وَٱللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ﴾ فقال: امكث، فلما سمع الأذان [الأول] قال: هذا حين دبر الليل. * * - ثم قال: ﴿إِنَّهَا لإِحْدَى ٱلْكُبَرِ﴾. يعني جهنم، أي: هي إحدى الأمور العظام. و (إحدى): فُعْلَى، نَعْتٌ، وهو قليل، إنما تأتي هذه النعوت غير المصادر بضم الأول أو بفتحه. * * - ثم قال: ﴿نَذِيراً لِّلْبَشَرِ﴾. قال أبو رزين: يقول الله جل ذكره: أنا نذير للبشر. وقال [ابن زيد]: معناه: محمد نذير للبشر. ونصبها على الحال من المضمر في "إنها" [أَوْ مِنْ] "إِحْدَى". وهذان القولان يدلان على أن النار هي النذير، وهو قول الحسن. ويجوز أن تكون حالاً من "هو" في قوله: ﴿إِلاَّ هُوَ﴾، أو على إضمار فعل تقديره: صَيَّرَهَا ﴿نَذِيراً﴾، وهذا على قول أبي رزين. وقال الكسائي: هي حال من المضمر في ﴿قُمْ﴾ أي: قم نذيراً، من أول السورة. وهو يرجع إلى قول ابن زيد. وقيل: ﴿نَذِيراً﴾ بمعنى إنذار، فنصبه على المصدر. (وقيل: نصبه على المصدر) [وقيل: نصبه على أعني]. ومن جعله للنار حذف [الياء] من "نذير" لأنه بمعنى النسب.

المدثر 74:13

قوله تعالى: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنذِرْ﴾ إلى قوله: ﴿نَذِيراً لِّلْبَشَرِ﴾. أي: يا أيها المدثر بثيابه عند نومه. وروي أن النبي ﷺ [قيل له ذلك] وهو متدثر بقطيفة. ذكره النخعي. وروي أن هذا أول ما نزل على النبي ﷺ. رواه جابر بن عبد الله قال: حَدَّثَنِي النَّبِيُّ ﷺ، قَالَ: جَاوَرْتُ فِي حِرَاءَ، فَلَمَّا قَضَيْتُ [جِوَارِي] هَبَطْتُ فَاسْتَبْطَنْتُ [الوَادِيَ]، فَنُودِيتُ فَنَظَرْتُ عَنْ يَمِينِي وَعَنْ شِمَالِي وَخَلْفِي (وَقُدَّامِي) فَلَمْ أَرَ شَيْئاً، فَنَظَرْتُ فَوْقَ رَأْسِي فَإِذَا هُوَ - يَعْنِي المَلَكَ - جَالِسٌ عَلَى عَرْشٍ بَيْنَ السَّمَاءِ والأَرْضِ [فَجُثِثْتُ] مِنْهُ. فَأَتَيْتُ خَدِيجَةَ فَقُلْتُ: دَثِّرُونِي، (دَثِّرُونِي)، وَصُبُّوا عَلَيَّ مَاءً. وَأُنْزِلَ عَلَيَّ ﴿يٰأَيُّهَا ٱلْمُدَّثِّرُ﴾ وقال الزهري: كان أول شيء أنزل عليه: ﴿ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق: ١] حتى بلغ ﴿(عَلَّمَ ٱلإِنسَانَ) مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: ٥]. قال ابن عباس: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلْمُدَّثِّرُ﴾: "يأ أيها النائم". وقال قتادة: المدثر في ثيابه. وقال عكرمة: معناه: "دُثرت هذا الأَمر فقم به"، يعني النبوة. * * - وقوله: ﴿قُمْ فَأَنذِرْ﴾. أي: قم من نومك فأنذر قومك عذاب الله على شركهم بالله. * * - ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾. أي: فعظم. * * - ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾. أي: لا تلبسها على معصية ولا [غدرة]. قاله ابن عباس. وعنه أيضاً: فطَهِّرْها من الإثم. وقال النخعي: فطهرها من الذنوب. والعرب تقول لرجل إذا نكث ولم يف بعهده: إنه لدنس الثياب، وإذا أوفى بعهده وأصلح: إنه لمُطَهَّر الثياب. وقال الضحاك: معناه: "لا تلبس ثيابك على معصية". وقال ابن زيد: معناه: "وعملك فأصلحه"، قال: والعرب تقول للرجل الخبيث العمل: فلان خبيث الثياب. وإذا كان حسن العمل (قالوا: فلان طاهر الثياب. وعن ابن عباس أيضاً أن معناه: "لا تلبس ثيابك) من [مكسب] غير طيب. وعن مجاهد أن معناه: "لست بكاهن ولا ساحر، فأَعْرِض عما قالوا". (وقال) ابن سيرين: معناه: اغسل ثيابك من النجاسة. وهو قول ابن زيد، وبهذا احتج الشافعي في وجوب طهارة الثوب (وأنه فرض. ومذهب مالك أن طهارة الثوب ليس بفرض، وهو قول أهل المدينة وإنما طهارة الثوب) سنة. ولذلك، من صلى بثوب نجس ولا يعلم أعاد في الوقت. ولو كانت طهارة الثوب فرضاً لأعاد أبداً. وكذلك البدن تقع فيه النجاسة ليست طهارته فرضاً. يدل على ذلك إجماع المسلمين على أن صلاة من استجمر بالحجارة من الغائط جائزة، مع أن موضع خروج الأذى لم يغسل بالماء. * * - ثم قال ﴿وَٱلرُّجْزَ [فَٱهْجُرْ]﴾. أي: والأَوْثَانَ فاهجر عبادتها. والضم والكسر في الراء لغتان عند الفراء. وقيل: الكسر معناه العَذاب. فتكون الأوثان سميت بالعذاب. لأنها سببه. والضم معناه الأوثان. وأول من فرق بينهما الكسائي. وأكثر الناس على أنه لا فرق بينهما وأنه يراد به الأوثان، [ضَمَمْتَ] الراءَ أو كَسَرْتَهَا. قال ابن عباس: الرجز: "السخط، وهو الأصنام". وقال مجاهد وعكرمة: الرجز: "الأوثان. وقاله الزهري. وقال قتادة: "الرجز: صنمان كانا عند البيت: [إساف ونائلة]، يَمْسَحُ وُجُوهَهُمَا من أتى عليهما، فأمر الله نبيه أن [يجتنبهما] ويعتزلهما". قال ابن زيد: "الرجز آلهتهم التي كانوا يعبدون، (أمره الله) أن يهجرها [فلا يأتيها ولا يقربها]". وقال النَّخعي: المعنى: والمعصية [فاهجر]. * * - ثم قال تعالى ﴿وَلاَ تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ﴾. قال ابن عباس: معناه: ولا تعط يا محمد عطية لتعطى أكثر منها. وهو (معنى) قول أكثر [المفسرين]. وهذا خصوص للنبي ﷺ، وهو مباح لأمته إلا أنه لا أجر [لهم] في ذلك. وهو قوله تعالى: ﴿وَمَآ آتَيْتُمْ مِّن رِّباً لِّيَرْبُوَاْ فِي أَمْوَالِ ٱلنَّاسِ فَلاَ يَرْبُواْ عِندَ ٱللَّهِ﴾ [الروم: ٣٩] وقد قال الضحاك: هو الربا (في) الحلال [قال]: وهما ربوان: حرام وحلال. فأما الحلال فالهدايا. وأما الحرام فالربا بعينه. وقال الحسن: معناه: لا تستكثر عملك الصالح. وهو اختيار الطبري. وقال الربيع بن أنس: معناه: "لاَ يَكْثُرَنْ عملُك في عينك، فإنه فيما أنعم الله [عليك] وأعطاك قليل". وعن مجاهد أن معناه: لا تضعف أن تستكثر من الخير من قولهم: "حبل منين" إذا كان ضعيفاً. وفي قراءة ابن مسعود: "وَلاَ تَمْنُنْ أَنْ تَسْتَكْثِرَ". قال الكسائي: فإذا حذف "أن" رفع، وهو حال (عند) البصريين. وقال ابن زيد: معناه: لا تمنن بالقرآن والنبوة فتستكثرهم به، تأخذ على ذلك عوضاً من الدنيا. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَلِرَبِّكَ فَٱصْبِرْ﴾. أي: اصبر على ما تَلْقَى من قومك لربك [واحتمل] أذاهم. وقال ابن زيد: معناه، اصبر على محاربة العرب والعجم، قال: "حُمِّلَ أمراً عظيماً، مُحَارَبَةَ العرب ثم العجم من بعد العرب في الله". وقال النخعي: معناه: ولربك فاصبر على عطيتك، ولا تعطها لتأخذ أكثر منها، بل احتسبها الله. * * - ثم قال تعالى: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي ٱلنَّاقُورِ * فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾. يقال: [عَسُرَ] الأمرُ إذا صَعُبَ فهو عَسِيرٌ، [وعَسِرَ] فهو عَسِرٌِ. والمعنى: فإذا نفخ في الصور فذلك [يوم] شديد صعب غير سهل على الكافرين. روى ابن عباس أنَّ النبي ﷺ قَالَ: "كَيْفَ أَنْعَمُ وَصَاحِبُ القَرْنِ قَدِ التَقَمَ القَرْنُ [وَحَنَى] جَبْهَتَهُ لِيَسْتَمِعَ مَتَى يُؤْمَرُ، يَنْفُخُ فِيهِ. قَالَ: فَاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلى أَصْحَابِهِ فَأَمَرَهُمْ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَقُولُوا ﴿حَسْبُنَا ٱللَّهُ وَنِعْمَ ٱلْوَكِيلُ﴾ ﴿عَلَى ٱللَّهِ تَوَكَّلْنَا﴾ قال عكرمة: الناقور: الصور. قال مجاهد: (هو) شَيْءٌ كَهَيْئَةِ [البُوقِ]. * * - ثم قال: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً﴾. أي: كِلْ - يا محمد - أَمْرَ هذا الذي خلقته في بطن أمه وحيداً لا شيء له من مال ولا ولد، يعني بذلك الوليد بن المغيرة المخزومي. قال ابن عباس: "أَنْزَلَ اللهُ فِي الوَليدِ بِنْ المُغِيرَةِ ﴿ذَرْنِي﴾ ﴿وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً﴾. [وقوله: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ...﴾ [الحجر: ٩٢] إلى آخرها". وقيل: معناه: دعني يا محمد ومجازاة من خلقته وحده، فيكون "وحيداً"] على القول الأول حالاً من الهاء المحذوفة في "خلقته". وعلى (هذا) القول الآخر حالاً من التاء في "خلقته". وفي هذا الكلام تهدد عظيم ووعيد. والعرب تقول: ذرني وزيداً، أي: كِلْ عقوبته ومُطالَبَتَهُ إلي. فالمعنى: كِلْ - يا محمد - عقوبة هؤلاء إلي، فلست أحتاج [في ذلك] إلى معين ولا ظهير. ويُرْوى أنه كان يقول: أنا الواحد بن الوحيد، ليس لي من العرب نظير ولا لأبي المغيرة نظير. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَجَعَلْتُ لَهُ مَالاً مَّمْدُوداً﴾. قال مجاهد وابن جبير: هو ألف دينار. وقال سفيان: (بلغني) أنه أربعة آلاف دينار. وقيل: هو الأرض يزرع فيها. قاله النعمان بن سالم. وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: هو غَلَّةٌ شهر [بشهر]. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَبَنِينَ شُهُوداً﴾. أي: وجعلت له بنين شهوداً، أي: [حضوراً]. روي أنه كان له عشرة من الولد. وقد قاله مجاهد وغيره. وروي أنه ما زاد بعد نزول هذه الآية إلا [ارتكاساً] في ماله وولده ونفسه. * * - ثم قال: ﴿وَمَهَّدتُّ لَهُ تَمْهِيداً﴾. أي: بسطت له في العيش بسطاً. قاله سفيان. وقال مجاهد: "من المال والولد". * * - ثم قال: ﴿ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ * كَلاَّ﴾ ثم يَأْمَلُ أن أزيده من المال والولد على ما أعطيته ﴿كَلاَّ﴾: أي: ليس الأمر على ما يُؤَمِّلُ، أي: لا يكون ذلك]. * * - ثم قال: ﴿إِنَّهُ كان لآيَاتِنَا عَنِيداً﴾. أي: إنه كان لرد حجتنا وآياتنا معانداً، مجانباً. يقال: عَنُدَ البَعيرُ [يَعْنِدُ عُنُوداً]، [وبَعِيرٌ عَنُودُ]: إذَا مشى مجانباً للإبل لا يمشي معها. قال ابن عباس: ﴿عَنِيداً﴾ "جحوداً". وهو قول قتادة. وقال مجاهد: "معانداً للحق، مجانباً له". وقال سفيان: ﴿عَنِيداً﴾ "مشاقاً لنا". * * - ثم قال: ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً﴾. أي: سأكلفه مشقة من العذاب لا راحة منها. وقيل: الصعود جبل من نار (يكلفون) أن يصعدوه، فإذا وضع يده عليه ذابت، فإذا رفعها عادت، وإذا وضع رجله كذلك. وروى أبو سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: "الصُّعُودُ جَبَلٌ مِنْ نَارٍ يَصْعَدُ فِيهِ سَبْعينَ خَرِيفاً ثُمَّ يَهْوِي كَذلِكَ أَبَدَاً قال مجاهد: ﴿صَعُوداً﴾: "عذاباً لا راحة منه". وقال قتادة: "مشقة من العذاب". * * - ثم قال: ﴿إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ * [فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ]﴾. أي: فكر فيما أنزل الله على نبيه من القرآن، وَقَدَّرَ فيما يقول فيه، فَلُعِنَ كيف قدَّر ما هو قائل، ثم لعن كيف قَدَّرَ القولَ فيه. ﴿ثُمَّ نَظَرَ﴾. أي: ثم تَأَنّى في ذلك. * * ﴿ثُمَّ عَبَسَ﴾ أي: قبض ما بين عينيه. * * ﴿وَبَسَرَ﴾. أي: كلح وكَرَّهَ وجهه. قال عكرمة: جَاءَ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ إلى النبي ﷺ فَقَرَأَ عليه النبي القرآنَ، فكأنه رَقَّ لَهُ، فبلغَ ذلك أبا جهل. فأتاه فقال: أيْ عَمِّ، إِنَّ قومَكَ يُريدون أن يَجْمَعُوا لَكَ مَالاً. قَالَ: لِمَ؟ قَالَ: يُعْطُونَكَ! فإنك أتيت محمداً تَتَعَرَّضُ لِمَا قِبَلَهُ. قال: قد علمت قريش أني أكثرها مالاً! قال: فقل فيه قولاً يَعْلَمُ قومُكَ أَنَّكَ مُنْكِرٌ" [لِمَا قَالَ]، وَأَنَّكَ كارِهٌ له، قال: فماذا أقول فيه؟ فوَالله مَا مِنْكُمْ رَجُلٌ أَعْلَمُ مِنِّي بِالأَشْعَارِ ولاَ أَعْلَمُ بِرَجَزِهِ وَلاَ بِقَصدِهِ، وَلاَ بِأَشْعَارِ الجِنِّ، وَ (اللهِ) لاَ يُشْبِهُ الذِي يَقُولُ شَيْئاً مِنْ هَذَا، وَاللهِ إِنَّ لِقَوْلِهِ الذِي يَقُولُ لَحَلاَوَةً! وَإِنهُ لَيَحْطِمُ مَا تَحْتَهُ! وَإِنَّهُ لَيَعْلُو وَمَا يُعْلَى! قَالَ أَبُو جَهْلٍ: وَاللهِ لاَ يَرْضَى قَوْمُكَ حَتَّى تَقُولَ فِيهِ. قَالَ: فَدَعْنِي حَتَّى أُفَكِّرَ فِيهِ. (فَلَمَّا فَكَّرَ فِيهِ) قَالَ: هَذَا سِحْرٌ يَأْثُرُهُ [عن] غيره، فنزلت ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً﴾ قال ابن عباس: دَخَلَ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ عَلَى أَبِي بَكْرٍ يَسُأَلُهُ عَنِ القُرآن، فَلَمَّا أَخْبَرَهُ خَرَجَ عَلَى قُرَيْشٍ فَقَالَ: يَا عَحَبَاً لِمَا يقول ابْنُ أَبِي كَبْشَةَ! فَوَاللهِ، ما هُوَ بِشِعْرٍ وَلاَ بِسِحْرٍ وَلاَ [بِهَذْيٍ] مِنْ جُنُونٍ، وَإِنهُ لَمِنْ كَلاَمِ اللهِ - جَلَّ وَعَز - فَلَمَّا سَمِعَ بِذلِكَ النَّفَرُ (مِنْ قُرَيْشٍ) [ائْتَمَرُوا] بَيْنَهُمْ، وَقَالُوا: وَاللهِ لَئِنْ صَبَأَ الوَلِيْدُ لَتَصْبُؤَنَّ قُرَيْشٌ، فَلَمَّا سَمِعَ بِذلِكَ أَبُو جَهْلٍ بْنُ هِشَامٍ قَالَ: أَنَا وَالله أَكْفِيكُمْ شَأْنَهُ. فَانْطَلَقَ حَتَى دَخَلَ عَلَيْهِ بَيْتَهُ، فَقَالَ: [أَلَمْ تَرَ] قَوْمَكَ قَدْ جَمَعُوا لَكَ الصَّدَقَةَ؟! قَالَ: أَلَسْتُ أَكْثَرَهُمْ مَالاً وَوَلَداً؟! فَقَالَ لَهُ أَبُو جَهْلٍ: يَتَحَدَّثُونَ أَنَّكَ تَدْخُلُ عَلَى ابْنِ أَبِي قُحَافَةَ لِتُصِيبَ مِنْ طَعَامِهِ! قَالَ الوَلِيدُ: [أَقَدْ] تَحَدَّثَتْ بِذَلِك عَشِيرَتِي؟! فَلاَ وَأَيْمُ جَابِرِ بْنُ قُصَيَّ، لاَ أَقْرَبُ أَبَا بَكْرٍ (وَلاَ عُمَرَ) وَلاَ ابْنَ أَبِي كَبْشَةَ، [وَمَا قَوْلُهُ إِلاَّ سِحْرٌ] يُؤْثَرُ. فَأَنْزَلَ اللهُ ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً...﴾ إلى ﴿لاَ تُبْقِي (وَلاَ) تَذَرُ﴾ قال قتادة: ذكر أنه قال: والله، لقد نظرت [فيما قال هذا الرجل]، [فإذا] هو ليس بشعر، وإن له لحَلاَوَةً، وإن عليه لَطُلاَوَةً، وإنه لَيَعْلُو وما يُعْلَى، ومَا أَشُكُّ أَنَّهُ سِحْرٌ. وقال الضحاك: دعاه النبي ﷺ إلى الإسلام، فقال: حتى أنظر! فَفَكَّرَ، ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ، ثُمَّ أَدْبَرَ واسْتَكبر، فقال: إن هذا إلا سحر يؤثر، فجعل الله له سقر. قال أبو رزين (سحر) (أي): يَأْثُرُهُ من غيره. * * - ﴿إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ قَوْلُ ٱلْبَشَرِ﴾. أي: ما هذا الذي يتلوه محمد إلا قول بني آدم وما هو بكلام الله. [فهذا أول من قال: القرآن مخلوق، قاله الوليد بن المغيرة فأدخله الله سقر. قال بعض العلماء: فكذا يُفْعَلُ بكل من قال: القرآن مخلوقٌ، قاله أحمد بن زيد]. * * - ثم قال: ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾. أي: [سأورده] سقر، وهو باب من أبواب جهنم. يروى أنه الباب السادس منها، نعوذ بالله منها. * * - ﴿وَمَآ أَدْرَاكَ مَا (سَقَرُ)﴾. أي: وأي شيء أدراك ما سقر؟، ثم بَيَّنَهُ وأَدْرَاهُ به [فقال] في صفة سقر. * * - ﴿لاَ تُبْقِي وَلاَ تَذَرُ﴾. أي: هي نارٌ لا تُبْقي من فيها حياً، ولا تَذَرُ من فيها ميتاً، لكنها تحرقهم، كلما احترقوا جُدِّدَ خَلْقُهُمْ. قال مجاهد: ﴿لاَ تُبْقِي وَلاَ تَذَرُ﴾ أي: لا تُحْيِي وَلاَ تُمِيتُ وقيل: ﴿لاَ تُبْقِي وَلاَ تَذَرُ﴾: لا تبقي الكافر حتى يصير فحمة ثم يُعاد خلقاً جديداً ثم لا تذره حتى يعود عليه العذاب بِأَشَدِّ مِمَّا كان هكذا أبداً، نعوذ بالله من ذلك. * * - ثم قال تعالى: ﴿لَوَّاحَةٌ لِّلْبَشَرِ﴾. أي: مغيرة لبشرة من فيها. قال مجاهد: ﴿لَوَّاحَةٌ لِّلْبَشَرِ﴾، أي: مُغَيِّرَةٌ للجلد. وقال قتادة: "خَرَّاقَةٌ للجلد". وقيل: معناه: تَلُوحُ لأَهْلِها من مسيرة خمسمائة عام. وعلى القول الأول أكثر الناس أنها تُغَيِّرُ البَشَرَةَ. قال [أبو رزين]: تلفح الجلد لفحة تَدَعُهُ أَشَدَّ سواداً من الليل. وقال ابن عباس: "تحرق بَشَرَةَ الإنسان". * * - ثم قال: ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾. أي: من الخزنة. ذكر ابن عباس أَنَّ هَذَا لما نَزَلَ عَلَى النبي ﷺ، قَالَ أَبُو جَهْلٍ لِقُرَيْشٍ: ثَكِلَتْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ! أَسْمَعُ ابْنَ أَبِي كَبْشَةَ يُخْبِرُكُمْ أَنَّ خَزَنَةَ النَّارِ تِسْعَةَ عَشَرَ. وَأَنْتُمْ [الدَّهْمُ] أَفَتَعْجَزُ كُلُّ عَشَرَةٍ مِنْكُمْ أَنْ تَبْطِشَ بِرَجُلٍ مِنْ [خَزَنَةِ] جَهَنَّمَ؟! فَأَوْحَى اللهُ إلى نَبِيِّهِ أَنْ يَأْتِيَ أَبَا جَهْلٍ فَيَأْخُذَ بِيَدِهِ فِي بَطْحَاءِ مَكَّةَ فَيقُولَ ﴿أَوْلَىٰ لَكَ فَأَوْلَىٰ * ثُمَّ أَوْلَىٰ لَكَ فَأَوْلَىٰ﴾ [القيامة: ٣٤-٣٥]. فَلَمَّا فَعَلَ بِهِ ذَلكَ رَسُولُ اللهِ قَالَ لَهُ أَبُو جَهْلٍ: وَاللهِ، لاَ تَفْعَلُ أَنْتَ وَرَبُّكَ شَيْئا. فَأَخْزَاهُ - جَلَّ ذِكْرُهُ - يَوْمَ بَدْرٍ فَقُتِلَ. قال كعب الأحبار: ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾: ما منهم ملك إلا ومعه عمود ذو شعبتين يدفع به الدفعة فيلقي في النار تسعين ألفاً. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَآ أَصْحَٰبَ ٱلنَّارِ إِلاَّ مَلَٰئِكَةً﴾ أي: لم نجعل أصحاب النار رجالاً مثلكم فتطمعوا بالتغلب عليهم كما قال أبو جهل لقريش: أفلا يستطيع كل عشرة منكم أن يغلبوا منهم واحداً؟!. فإذا كانت الخزنة ملائكة، فمن ذا يطيق الملائكة؟!. * * - ثم قال: ﴿وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلاَّ فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾. أي: لم نجعلهم تسعة عشر فقط لقلة الملائكة؛ ولكن جعلناهم كذلك ليفتتن الذين كفروا ويستقلوا عدتهم ويُحدثوا أنفسهم بالتغلب على الخزنة حتى قال [أبو الأشد الجمحي]: أنا [أُجْهِضُهُمْ] [عن] النار. وقيل: إن كَلَدَةَ بن أسيد بن خلف قال: أنا أكفيكم سبعة عشر، واكفوني اثنين. * * - ثم قال تعالى: ﴿لِيَسْتَيْقِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَٰبَ﴾. أي: فعلنا ذلك ليفتتن الذين كفروا [وليتيقن] الذين أُوتوا التوراة والإنجيل حقيقة ما في كتبهم من الخبر عن عدة خزنة جهنم، لأنه كذلك عدتهم في التوراة (والإنجيل). هذا معنى قول ابن عباس وغيره. وهو قول مجاهد. قال قتادة: يُصَدِّقُ القرآنُ الكُتُبَ التي كانت قبله، فيها كُلِّها خَزَنَةُ النَّارِ تِسْعَةَ عَشَرَ. وهو قول الضحاك. وقال ابن زيد: ﴿لِيَسْتَيْقِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَٰبَ...﴾ "أنك رسول الله". * * ثم قال تعالى: ﴿وَيَزْدَادَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوۤاْ إِيمَٰناً﴾ أي: تصديقاً إلى تصديقهم بعدة خزنة جهنم. * * - ثم قال: ﴿وَلاَ يَرْتَابَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَٰبَ وَٱلْمُؤْمِنُونَ﴾ أي: ولا يشك أهل الكتاب [و] المؤمنون في حقيقة ذلك. * * - ثم قال: ﴿وَلِيَقُولَ ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ﴾ أي: نفاق. * * ﴿وَٱلْكَٰفِرُونَ﴾ يعني: مشركي قريش. * * - ﴿مَاذَآ أَرَادَ ٱللَّهُ بِهَـٰذَا مَثَلاً﴾. أي: ماذا أراد الله بهذا حين يخوفنا بهؤلاء التسعة عشر. - قال الله: ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ ٱللَّهُ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ﴾. أي: كما أضل هؤلاء المنافقين والمشركين القائلين: أي شيء أراد الله بهذا مثلاً؟! كذلك يضل الله من يشاء] من خلقه فَيَخْذُلُهُ عن إصابة الحق، ويهدي من يشاء فيوفقه للحق. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ﴾ أي: لا يعلم (مقدار) كثرة جنود ربك يا محمد إلا رَبُّكَ. روي عن النبي ﷺ أنه قال: "إِنَّ لله مَلاَئِكَةٌ تَرْعَدُ فَرَائِصَهُمْ مَخَافَةً مِنْهُ، وَإِنَّ مِنْهُمْ مَنْ لاَ تَقْطُرُ مِنْ عَيْنَيْهِ دَمْعَةً إِلاَّ وَقَعَتْ مَلَكاً يُسَبِّحُ، وَمَلاَئِكَةٌ سُجُودٌ مِنْذُ خَلَقَ اللهُ السَّمَواتِ لَمْ يَرْفَعُوا رُؤوسَهِمْ وَلاَ يَرْفَعُونَهَا إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ، وَمِنْهُمْ [مَلاَئِكَةٌ] وُقُوفٌ لم يَنْصَرِفُوا وَلاَ يَنْصَرِفُونَ إلى يوم القيامة. فإذا كان يوم القيامة، تَجَلَّى لَهُمْ رَبُّهُمْ - جَلَّ ذِكْرُهُ - فَقَالوا: سُبْحَانَكَ! مَا عَبَدْنَاكَ حَقَّ عِبَادَتِكَ! وقال كعب: إن لله عز وجل ملائكة من يوم خلقهم قياماً، [ما] ثنوا أصلابهم، وآخرين ركوعاً ما رفعوا أصلابهم، وآخرين [سجوداً] ما رفعوا رؤوسهم حتى يُنْفَخَ في الصور النفخةَ الآخرة فيقولون جميعاً: سبحانك! ما عبدناك كما ينبغي أن تُعْبَدَ. ثم قال كعب: والله، لو أن رجلاً عَمِلَ عَمَلَ سبعين نبيّاً، [لاسْتَقَلَ] عمله يوم القيامة من شدة ما يرى يومئذ. والله، لو دلي من [غسلين] دلو واحد من مطلع الشمس، لغلت منه جماجم قوم في مغربها. والله، [لَتَزْفَرَنَّ] جهنم زَفْرَةً لا يبقى ملك مقرب إلا خَرَّ جَاثِياً عَلَى رُكْبَتَيهِ. وروى ابن المبارك حديثاً - رفعه - أن ملكاً سجد لما استوى الرب [تعالى] على عرشه، فلم يرفع رأسه [و] لا يرفعه إلى يوم القيامة، فيقول يوم القيامة: لم أعبدك حق عبادتك، إلا أني لم أشرك بك شيئاً، ولم أتخذ من دونك ولياً. وقد وصفهم الله في كتابه فقال: ﴿يُسَبِّحُونَ ٱلَّيلَ وَٱلنَّهَارَ لاَ يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٠]. قال كعب: التسبيح للملائكة بمنزلة النَّفَسِ لبَنِي آدم، أُلْهِمُوا التسبيح كما ألهمتم الطَّرْفَ والنَّفَسَ. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَمَا هِيَ إِلاَّ ذِكْرَىٰ لِلْبَشَرِ﴾. يعني النار التي وصفها. يقول: ليس ما وصفتها به من تغييرها للبشر وعدة خزنتها إلا عظةً وعبرة للناس يتعظون بها. * * - ثم قال: ﴿كَلاَّ وَٱلْقَمَرِ﴾. أجاز الطبري الوقف على "كَلاَّ"، [جعله] رَدَّاً لِمَا قبلها. والمعنى عنده: ليس القول كما يقول من زعم أنه يكفي أصحابه المشركين خزنة جهنم التسعة عشر حتى يجهضهم عنها. وقال الفراء: تقديره: "إي والقمر، وقيل: تقديره: "حقاً" (وقيل): "أَلاَ". * * - ﴿وَٱلْقَمَرِ..﴾. أي: ورب القمر ورب الليل إذا أدبر، أي: ولى. * * - ﴿وَٱلصُّبْحِ إِذَآ أَسْفَرَ﴾. أي: أضاءَ وأقبل. يقال: أسفر الصبح إذا أضاء وانكشف. ومنه: سفرت المرأة عن وجهها إذا كشفته. ومنه قيل: "سفر" للكتاب الذي فيه العلم، لأنه يبين ويكشف. ومنه سفرت الريح الغمام: كشفته. ومنه: سفرت البيت: أي كنسته، ومنه قيل: "سفير" للذي يسعى في الصلح، لأنه يكشف المكروه ويزيله. وحكى بعض البصريين: دبرني إذا جاء خلفي. وأدبر إذا ولى. واختار [أبو عبيد] [إِذَا اَدْبَرَ]، لأن بعده: ﴿إِذَآ أَسْفَرَ﴾. وحكي: دبر وأدبر: لغتان بمعنى، يقال: دبر النهار وأدبر. ودبر الصيف وأدبر، وكذلك قبل وأقبل. فإذا قالوا: أقبل الراكب و "أدبر" لم يُقَلْ إلا بالألف. وقيل: معنى ﴿إِذْ أَدْبَرَ﴾ أي: إذ أدبر النهار، وكان في آخره. وسأل رجل ابن عباس عن قوله: ﴿وَٱللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ﴾ فقال: امكث، فلما سمع الأذان [الأول] قال: هذا حين دبر الليل. * * - ثم قال: ﴿إِنَّهَا لإِحْدَى ٱلْكُبَرِ﴾. يعني جهنم، أي: هي إحدى الأمور العظام. و (إحدى): فُعْلَى، نَعْتٌ، وهو قليل، إنما تأتي هذه النعوت غير المصادر بضم الأول أو بفتحه. * * - ثم قال: ﴿نَذِيراً لِّلْبَشَرِ﴾. قال أبو رزين: يقول الله جل ذكره: أنا نذير للبشر. وقال [ابن زيد]: معناه: محمد نذير للبشر. ونصبها على الحال من المضمر في "إنها" [أَوْ مِنْ] "إِحْدَى". وهذان القولان يدلان على أن النار هي النذير، وهو قول الحسن. ويجوز أن تكون حالاً من "هو" في قوله: ﴿إِلاَّ هُوَ﴾، أو على إضمار فعل تقديره: صَيَّرَهَا ﴿نَذِيراً﴾، وهذا على قول أبي رزين. وقال الكسائي: هي حال من المضمر في ﴿قُمْ﴾ أي: قم نذيراً، من أول السورة. وهو يرجع إلى قول ابن زيد. وقيل: ﴿نَذِيراً﴾ بمعنى إنذار، فنصبه على المصدر. (وقيل: نصبه على المصدر) [وقيل: نصبه على أعني]. ومن جعله للنار حذف [الياء] من "نذير" لأنه بمعنى النسب.

المدثر 74:14

قوله تعالى: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنذِرْ﴾ إلى قوله: ﴿نَذِيراً لِّلْبَشَرِ﴾. أي: يا أيها المدثر بثيابه عند نومه. وروي أن النبي ﷺ [قيل له ذلك] وهو متدثر بقطيفة. ذكره النخعي. وروي أن هذا أول ما نزل على النبي ﷺ. رواه جابر بن عبد الله قال: حَدَّثَنِي النَّبِيُّ ﷺ، قَالَ: جَاوَرْتُ فِي حِرَاءَ، فَلَمَّا قَضَيْتُ [جِوَارِي] هَبَطْتُ فَاسْتَبْطَنْتُ [الوَادِيَ]، فَنُودِيتُ فَنَظَرْتُ عَنْ يَمِينِي وَعَنْ شِمَالِي وَخَلْفِي (وَقُدَّامِي) فَلَمْ أَرَ شَيْئاً، فَنَظَرْتُ فَوْقَ رَأْسِي فَإِذَا هُوَ - يَعْنِي المَلَكَ - جَالِسٌ عَلَى عَرْشٍ بَيْنَ السَّمَاءِ والأَرْضِ [فَجُثِثْتُ] مِنْهُ. فَأَتَيْتُ خَدِيجَةَ فَقُلْتُ: دَثِّرُونِي، (دَثِّرُونِي)، وَصُبُّوا عَلَيَّ مَاءً. وَأُنْزِلَ عَلَيَّ ﴿يٰأَيُّهَا ٱلْمُدَّثِّرُ﴾ وقال الزهري: كان أول شيء أنزل عليه: ﴿ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق: ١] حتى بلغ ﴿(عَلَّمَ ٱلإِنسَانَ) مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: ٥]. قال ابن عباس: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلْمُدَّثِّرُ﴾: "يأ أيها النائم". وقال قتادة: المدثر في ثيابه. وقال عكرمة: معناه: "دُثرت هذا الأَمر فقم به"، يعني النبوة. * * - وقوله: ﴿قُمْ فَأَنذِرْ﴾. أي: قم من نومك فأنذر قومك عذاب الله على شركهم بالله. * * - ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾. أي: فعظم. * * - ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾. أي: لا تلبسها على معصية ولا [غدرة]. قاله ابن عباس. وعنه أيضاً: فطَهِّرْها من الإثم. وقال النخعي: فطهرها من الذنوب. والعرب تقول لرجل إذا نكث ولم يف بعهده: إنه لدنس الثياب، وإذا أوفى بعهده وأصلح: إنه لمُطَهَّر الثياب. وقال الضحاك: معناه: "لا تلبس ثيابك على معصية". وقال ابن زيد: معناه: "وعملك فأصلحه"، قال: والعرب تقول للرجل الخبيث العمل: فلان خبيث الثياب. وإذا كان حسن العمل (قالوا: فلان طاهر الثياب. وعن ابن عباس أيضاً أن معناه: "لا تلبس ثيابك) من [مكسب] غير طيب. وعن مجاهد أن معناه: "لست بكاهن ولا ساحر، فأَعْرِض عما قالوا". (وقال) ابن سيرين: معناه: اغسل ثيابك من النجاسة. وهو قول ابن زيد، وبهذا احتج الشافعي في وجوب طهارة الثوب (وأنه فرض. ومذهب مالك أن طهارة الثوب ليس بفرض، وهو قول أهل المدينة وإنما طهارة الثوب) سنة. ولذلك، من صلى بثوب نجس ولا يعلم أعاد في الوقت. ولو كانت طهارة الثوب فرضاً لأعاد أبداً. وكذلك البدن تقع فيه النجاسة ليست طهارته فرضاً. يدل على ذلك إجماع المسلمين على أن صلاة من استجمر بالحجارة من الغائط جائزة، مع أن موضع خروج الأذى لم يغسل بالماء. * * - ثم قال ﴿وَٱلرُّجْزَ [فَٱهْجُرْ]﴾. أي: والأَوْثَانَ فاهجر عبادتها. والضم والكسر في الراء لغتان عند الفراء. وقيل: الكسر معناه العَذاب. فتكون الأوثان سميت بالعذاب. لأنها سببه. والضم معناه الأوثان. وأول من فرق بينهما الكسائي. وأكثر الناس على أنه لا فرق بينهما وأنه يراد به الأوثان، [ضَمَمْتَ] الراءَ أو كَسَرْتَهَا. قال ابن عباس: الرجز: "السخط، وهو الأصنام". وقال مجاهد وعكرمة: الرجز: "الأوثان. وقاله الزهري. وقال قتادة: "الرجز: صنمان كانا عند البيت: [إساف ونائلة]، يَمْسَحُ وُجُوهَهُمَا من أتى عليهما، فأمر الله نبيه أن [يجتنبهما] ويعتزلهما". قال ابن زيد: "الرجز آلهتهم التي كانوا يعبدون، (أمره الله) أن يهجرها [فلا يأتيها ولا يقربها]". وقال النَّخعي: المعنى: والمعصية [فاهجر]. * * - ثم قال تعالى ﴿وَلاَ تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ﴾. قال ابن عباس: معناه: ولا تعط يا محمد عطية لتعطى أكثر منها. وهو (معنى) قول أكثر [المفسرين]. وهذا خصوص للنبي ﷺ، وهو مباح لأمته إلا أنه لا أجر [لهم] في ذلك. وهو قوله تعالى: ﴿وَمَآ آتَيْتُمْ مِّن رِّباً لِّيَرْبُوَاْ فِي أَمْوَالِ ٱلنَّاسِ فَلاَ يَرْبُواْ عِندَ ٱللَّهِ﴾ [الروم: ٣٩] وقد قال الضحاك: هو الربا (في) الحلال [قال]: وهما ربوان: حرام وحلال. فأما الحلال فالهدايا. وأما الحرام فالربا بعينه. وقال الحسن: معناه: لا تستكثر عملك الصالح. وهو اختيار الطبري. وقال الربيع بن أنس: معناه: "لاَ يَكْثُرَنْ عملُك في عينك، فإنه فيما أنعم الله [عليك] وأعطاك قليل". وعن مجاهد أن معناه: لا تضعف أن تستكثر من الخير من قولهم: "حبل منين" إذا كان ضعيفاً. وفي قراءة ابن مسعود: "وَلاَ تَمْنُنْ أَنْ تَسْتَكْثِرَ". قال الكسائي: فإذا حذف "أن" رفع، وهو حال (عند) البصريين. وقال ابن زيد: معناه: لا تمنن بالقرآن والنبوة فتستكثرهم به، تأخذ على ذلك عوضاً من الدنيا. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَلِرَبِّكَ فَٱصْبِرْ﴾. أي: اصبر على ما تَلْقَى من قومك لربك [واحتمل] أذاهم. وقال ابن زيد: معناه، اصبر على محاربة العرب والعجم، قال: "حُمِّلَ أمراً عظيماً، مُحَارَبَةَ العرب ثم العجم من بعد العرب في الله". وقال النخعي: معناه: ولربك فاصبر على عطيتك، ولا تعطها لتأخذ أكثر منها، بل احتسبها الله. * * - ثم قال تعالى: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي ٱلنَّاقُورِ * فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾. يقال: [عَسُرَ] الأمرُ إذا صَعُبَ فهو عَسِيرٌ، [وعَسِرَ] فهو عَسِرٌِ. والمعنى: فإذا نفخ في الصور فذلك [يوم] شديد صعب غير سهل على الكافرين. روى ابن عباس أنَّ النبي ﷺ قَالَ: "كَيْفَ أَنْعَمُ وَصَاحِبُ القَرْنِ قَدِ التَقَمَ القَرْنُ [وَحَنَى] جَبْهَتَهُ لِيَسْتَمِعَ مَتَى يُؤْمَرُ، يَنْفُخُ فِيهِ. قَالَ: فَاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلى أَصْحَابِهِ فَأَمَرَهُمْ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَقُولُوا ﴿حَسْبُنَا ٱللَّهُ وَنِعْمَ ٱلْوَكِيلُ﴾ ﴿عَلَى ٱللَّهِ تَوَكَّلْنَا﴾ قال عكرمة: الناقور: الصور. قال مجاهد: (هو) شَيْءٌ كَهَيْئَةِ [البُوقِ]. * * - ثم قال: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً﴾. أي: كِلْ - يا محمد - أَمْرَ هذا الذي خلقته في بطن أمه وحيداً لا شيء له من مال ولا ولد، يعني بذلك الوليد بن المغيرة المخزومي. قال ابن عباس: "أَنْزَلَ اللهُ فِي الوَليدِ بِنْ المُغِيرَةِ ﴿ذَرْنِي﴾ ﴿وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً﴾. [وقوله: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ...﴾ [الحجر: ٩٢] إلى آخرها". وقيل: معناه: دعني يا محمد ومجازاة من خلقته وحده، فيكون "وحيداً"] على القول الأول حالاً من الهاء المحذوفة في "خلقته". وعلى (هذا) القول الآخر حالاً من التاء في "خلقته". وفي هذا الكلام تهدد عظيم ووعيد. والعرب تقول: ذرني وزيداً، أي: كِلْ عقوبته ومُطالَبَتَهُ إلي. فالمعنى: كِلْ - يا محمد - عقوبة هؤلاء إلي، فلست أحتاج [في ذلك] إلى معين ولا ظهير. ويُرْوى أنه كان يقول: أنا الواحد بن الوحيد، ليس لي من العرب نظير ولا لأبي المغيرة نظير. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَجَعَلْتُ لَهُ مَالاً مَّمْدُوداً﴾. قال مجاهد وابن جبير: هو ألف دينار. وقال سفيان: (بلغني) أنه أربعة آلاف دينار. وقيل: هو الأرض يزرع فيها. قاله النعمان بن سالم. وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: هو غَلَّةٌ شهر [بشهر]. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَبَنِينَ شُهُوداً﴾. أي: وجعلت له بنين شهوداً، أي: [حضوراً]. روي أنه كان له عشرة من الولد. وقد قاله مجاهد وغيره. وروي أنه ما زاد بعد نزول هذه الآية إلا [ارتكاساً] في ماله وولده ونفسه. * * - ثم قال: ﴿وَمَهَّدتُّ لَهُ تَمْهِيداً﴾. أي: بسطت له في العيش بسطاً. قاله سفيان. وقال مجاهد: "من المال والولد". * * - ثم قال: ﴿ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ * كَلاَّ﴾ ثم يَأْمَلُ أن أزيده من المال والولد على ما أعطيته ﴿كَلاَّ﴾: أي: ليس الأمر على ما يُؤَمِّلُ، أي: لا يكون ذلك]. * * - ثم قال: ﴿إِنَّهُ كان لآيَاتِنَا عَنِيداً﴾. أي: إنه كان لرد حجتنا وآياتنا معانداً، مجانباً. يقال: عَنُدَ البَعيرُ [يَعْنِدُ عُنُوداً]، [وبَعِيرٌ عَنُودُ]: إذَا مشى مجانباً للإبل لا يمشي معها. قال ابن عباس: ﴿عَنِيداً﴾ "جحوداً". وهو قول قتادة. وقال مجاهد: "معانداً للحق، مجانباً له". وقال سفيان: ﴿عَنِيداً﴾ "مشاقاً لنا". * * - ثم قال: ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً﴾. أي: سأكلفه مشقة من العذاب لا راحة منها. وقيل: الصعود جبل من نار (يكلفون) أن يصعدوه، فإذا وضع يده عليه ذابت، فإذا رفعها عادت، وإذا وضع رجله كذلك. وروى أبو سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: "الصُّعُودُ جَبَلٌ مِنْ نَارٍ يَصْعَدُ فِيهِ سَبْعينَ خَرِيفاً ثُمَّ يَهْوِي كَذلِكَ أَبَدَاً قال مجاهد: ﴿صَعُوداً﴾: "عذاباً لا راحة منه". وقال قتادة: "مشقة من العذاب". * * - ثم قال: ﴿إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ * [فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ]﴾. أي: فكر فيما أنزل الله على نبيه من القرآن، وَقَدَّرَ فيما يقول فيه، فَلُعِنَ كيف قدَّر ما هو قائل، ثم لعن كيف قَدَّرَ القولَ فيه. ﴿ثُمَّ نَظَرَ﴾. أي: ثم تَأَنّى في ذلك. * * ﴿ثُمَّ عَبَسَ﴾ أي: قبض ما بين عينيه. * * ﴿وَبَسَرَ﴾. أي: كلح وكَرَّهَ وجهه. قال عكرمة: جَاءَ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ إلى النبي ﷺ فَقَرَأَ عليه النبي القرآنَ، فكأنه رَقَّ لَهُ، فبلغَ ذلك أبا جهل. فأتاه فقال: أيْ عَمِّ، إِنَّ قومَكَ يُريدون أن يَجْمَعُوا لَكَ مَالاً. قَالَ: لِمَ؟ قَالَ: يُعْطُونَكَ! فإنك أتيت محمداً تَتَعَرَّضُ لِمَا قِبَلَهُ. قال: قد علمت قريش أني أكثرها مالاً! قال: فقل فيه قولاً يَعْلَمُ قومُكَ أَنَّكَ مُنْكِرٌ" [لِمَا قَالَ]، وَأَنَّكَ كارِهٌ له، قال: فماذا أقول فيه؟ فوَالله مَا مِنْكُمْ رَجُلٌ أَعْلَمُ مِنِّي بِالأَشْعَارِ ولاَ أَعْلَمُ بِرَجَزِهِ وَلاَ بِقَصدِهِ، وَلاَ بِأَشْعَارِ الجِنِّ، وَ (اللهِ) لاَ يُشْبِهُ الذِي يَقُولُ شَيْئاً مِنْ هَذَا، وَاللهِ إِنَّ لِقَوْلِهِ الذِي يَقُولُ لَحَلاَوَةً! وَإِنهُ لَيَحْطِمُ مَا تَحْتَهُ! وَإِنَّهُ لَيَعْلُو وَمَا يُعْلَى! قَالَ أَبُو جَهْلٍ: وَاللهِ لاَ يَرْضَى قَوْمُكَ حَتَّى تَقُولَ فِيهِ. قَالَ: فَدَعْنِي حَتَّى أُفَكِّرَ فِيهِ. (فَلَمَّا فَكَّرَ فِيهِ) قَالَ: هَذَا سِحْرٌ يَأْثُرُهُ [عن] غيره، فنزلت ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً﴾ قال ابن عباس: دَخَلَ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ عَلَى أَبِي بَكْرٍ يَسُأَلُهُ عَنِ القُرآن، فَلَمَّا أَخْبَرَهُ خَرَجَ عَلَى قُرَيْشٍ فَقَالَ: يَا عَحَبَاً لِمَا يقول ابْنُ أَبِي كَبْشَةَ! فَوَاللهِ، ما هُوَ بِشِعْرٍ وَلاَ بِسِحْرٍ وَلاَ [بِهَذْيٍ] مِنْ جُنُونٍ، وَإِنهُ لَمِنْ كَلاَمِ اللهِ - جَلَّ وَعَز - فَلَمَّا سَمِعَ بِذلِكَ النَّفَرُ (مِنْ قُرَيْشٍ) [ائْتَمَرُوا] بَيْنَهُمْ، وَقَالُوا: وَاللهِ لَئِنْ صَبَأَ الوَلِيْدُ لَتَصْبُؤَنَّ قُرَيْشٌ، فَلَمَّا سَمِعَ بِذلِكَ أَبُو جَهْلٍ بْنُ هِشَامٍ قَالَ: أَنَا وَالله أَكْفِيكُمْ شَأْنَهُ. فَانْطَلَقَ حَتَى دَخَلَ عَلَيْهِ بَيْتَهُ، فَقَالَ: [أَلَمْ تَرَ] قَوْمَكَ قَدْ جَمَعُوا لَكَ الصَّدَقَةَ؟! قَالَ: أَلَسْتُ أَكْثَرَهُمْ مَالاً وَوَلَداً؟! فَقَالَ لَهُ أَبُو جَهْلٍ: يَتَحَدَّثُونَ أَنَّكَ تَدْخُلُ عَلَى ابْنِ أَبِي قُحَافَةَ لِتُصِيبَ مِنْ طَعَامِهِ! قَالَ الوَلِيدُ: [أَقَدْ] تَحَدَّثَتْ بِذَلِك عَشِيرَتِي؟! فَلاَ وَأَيْمُ جَابِرِ بْنُ قُصَيَّ، لاَ أَقْرَبُ أَبَا بَكْرٍ (وَلاَ عُمَرَ) وَلاَ ابْنَ أَبِي كَبْشَةَ، [وَمَا قَوْلُهُ إِلاَّ سِحْرٌ] يُؤْثَرُ. فَأَنْزَلَ اللهُ ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً...﴾ إلى ﴿لاَ تُبْقِي (وَلاَ) تَذَرُ﴾ قال قتادة: ذكر أنه قال: والله، لقد نظرت [فيما قال هذا الرجل]، [فإذا] هو ليس بشعر، وإن له لحَلاَوَةً، وإن عليه لَطُلاَوَةً، وإنه لَيَعْلُو وما يُعْلَى، ومَا أَشُكُّ أَنَّهُ سِحْرٌ. وقال الضحاك: دعاه النبي ﷺ إلى الإسلام، فقال: حتى أنظر! فَفَكَّرَ، ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ، ثُمَّ أَدْبَرَ واسْتَكبر، فقال: إن هذا إلا سحر يؤثر، فجعل الله له سقر. قال أبو رزين (سحر) (أي): يَأْثُرُهُ من غيره. * * - ﴿إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ قَوْلُ ٱلْبَشَرِ﴾. أي: ما هذا الذي يتلوه محمد إلا قول بني آدم وما هو بكلام الله. [فهذا أول من قال: القرآن مخلوق، قاله الوليد بن المغيرة فأدخله الله سقر. قال بعض العلماء: فكذا يُفْعَلُ بكل من قال: القرآن مخلوقٌ، قاله أحمد بن زيد]. * * - ثم قال: ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾. أي: [سأورده] سقر، وهو باب من أبواب جهنم. يروى أنه الباب السادس منها، نعوذ بالله منها. * * - ﴿وَمَآ أَدْرَاكَ مَا (سَقَرُ)﴾. أي: وأي شيء أدراك ما سقر؟، ثم بَيَّنَهُ وأَدْرَاهُ به [فقال] في صفة سقر. * * - ﴿لاَ تُبْقِي وَلاَ تَذَرُ﴾. أي: هي نارٌ لا تُبْقي من فيها حياً، ولا تَذَرُ من فيها ميتاً، لكنها تحرقهم، كلما احترقوا جُدِّدَ خَلْقُهُمْ. قال مجاهد: ﴿لاَ تُبْقِي وَلاَ تَذَرُ﴾ أي: لا تُحْيِي وَلاَ تُمِيتُ وقيل: ﴿لاَ تُبْقِي وَلاَ تَذَرُ﴾: لا تبقي الكافر حتى يصير فحمة ثم يُعاد خلقاً جديداً ثم لا تذره حتى يعود عليه العذاب بِأَشَدِّ مِمَّا كان هكذا أبداً، نعوذ بالله من ذلك. * * - ثم قال تعالى: ﴿لَوَّاحَةٌ لِّلْبَشَرِ﴾. أي: مغيرة لبشرة من فيها. قال مجاهد: ﴿لَوَّاحَةٌ لِّلْبَشَرِ﴾، أي: مُغَيِّرَةٌ للجلد. وقال قتادة: "خَرَّاقَةٌ للجلد". وقيل: معناه: تَلُوحُ لأَهْلِها من مسيرة خمسمائة عام. وعلى القول الأول أكثر الناس أنها تُغَيِّرُ البَشَرَةَ. قال [أبو رزين]: تلفح الجلد لفحة تَدَعُهُ أَشَدَّ سواداً من الليل. وقال ابن عباس: "تحرق بَشَرَةَ الإنسان". * * - ثم قال: ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾. أي: من الخزنة. ذكر ابن عباس أَنَّ هَذَا لما نَزَلَ عَلَى النبي ﷺ، قَالَ أَبُو جَهْلٍ لِقُرَيْشٍ: ثَكِلَتْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ! أَسْمَعُ ابْنَ أَبِي كَبْشَةَ يُخْبِرُكُمْ أَنَّ خَزَنَةَ النَّارِ تِسْعَةَ عَشَرَ. وَأَنْتُمْ [الدَّهْمُ] أَفَتَعْجَزُ كُلُّ عَشَرَةٍ مِنْكُمْ أَنْ تَبْطِشَ بِرَجُلٍ مِنْ [خَزَنَةِ] جَهَنَّمَ؟! فَأَوْحَى اللهُ إلى نَبِيِّهِ أَنْ يَأْتِيَ أَبَا جَهْلٍ فَيَأْخُذَ بِيَدِهِ فِي بَطْحَاءِ مَكَّةَ فَيقُولَ ﴿أَوْلَىٰ لَكَ فَأَوْلَىٰ * ثُمَّ أَوْلَىٰ لَكَ فَأَوْلَىٰ﴾ [القيامة: ٣٤-٣٥]. فَلَمَّا فَعَلَ بِهِ ذَلكَ رَسُولُ اللهِ قَالَ لَهُ أَبُو جَهْلٍ: وَاللهِ، لاَ تَفْعَلُ أَنْتَ وَرَبُّكَ شَيْئا. فَأَخْزَاهُ - جَلَّ ذِكْرُهُ - يَوْمَ بَدْرٍ فَقُتِلَ. قال كعب الأحبار: ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾: ما منهم ملك إلا ومعه عمود ذو شعبتين يدفع به الدفعة فيلقي في النار تسعين ألفاً. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَآ أَصْحَٰبَ ٱلنَّارِ إِلاَّ مَلَٰئِكَةً﴾ أي: لم نجعل أصحاب النار رجالاً مثلكم فتطمعوا بالتغلب عليهم كما قال أبو جهل لقريش: أفلا يستطيع كل عشرة منكم أن يغلبوا منهم واحداً؟!. فإذا كانت الخزنة ملائكة، فمن ذا يطيق الملائكة؟!. * * - ثم قال: ﴿وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلاَّ فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾. أي: لم نجعلهم تسعة عشر فقط لقلة الملائكة؛ ولكن جعلناهم كذلك ليفتتن الذين كفروا ويستقلوا عدتهم ويُحدثوا أنفسهم بالتغلب على الخزنة حتى قال [أبو الأشد الجمحي]: أنا [أُجْهِضُهُمْ] [عن] النار. وقيل: إن كَلَدَةَ بن أسيد بن خلف قال: أنا أكفيكم سبعة عشر، واكفوني اثنين. * * - ثم قال تعالى: ﴿لِيَسْتَيْقِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَٰبَ﴾. أي: فعلنا ذلك ليفتتن الذين كفروا [وليتيقن] الذين أُوتوا التوراة والإنجيل حقيقة ما في كتبهم من الخبر عن عدة خزنة جهنم، لأنه كذلك عدتهم في التوراة (والإنجيل). هذا معنى قول ابن عباس وغيره. وهو قول مجاهد. قال قتادة: يُصَدِّقُ القرآنُ الكُتُبَ التي كانت قبله، فيها كُلِّها خَزَنَةُ النَّارِ تِسْعَةَ عَشَرَ. وهو قول الضحاك. وقال ابن زيد: ﴿لِيَسْتَيْقِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَٰبَ...﴾ "أنك رسول الله". * * ثم قال تعالى: ﴿وَيَزْدَادَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوۤاْ إِيمَٰناً﴾ أي: تصديقاً إلى تصديقهم بعدة خزنة جهنم. * * - ثم قال: ﴿وَلاَ يَرْتَابَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَٰبَ وَٱلْمُؤْمِنُونَ﴾ أي: ولا يشك أهل الكتاب [و] المؤمنون في حقيقة ذلك. * * - ثم قال: ﴿وَلِيَقُولَ ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ﴾ أي: نفاق. * * ﴿وَٱلْكَٰفِرُونَ﴾ يعني: مشركي قريش. * * - ﴿مَاذَآ أَرَادَ ٱللَّهُ بِهَـٰذَا مَثَلاً﴾. أي: ماذا أراد الله بهذا حين يخوفنا بهؤلاء التسعة عشر. - قال الله: ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ ٱللَّهُ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ﴾. أي: كما أضل هؤلاء المنافقين والمشركين القائلين: أي شيء أراد الله بهذا مثلاً؟! كذلك يضل الله من يشاء] من خلقه فَيَخْذُلُهُ عن إصابة الحق، ويهدي من يشاء فيوفقه للحق. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ﴾ أي: لا يعلم (مقدار) كثرة جنود ربك يا محمد إلا رَبُّكَ. روي عن النبي ﷺ أنه قال: "إِنَّ لله مَلاَئِكَةٌ تَرْعَدُ فَرَائِصَهُمْ مَخَافَةً مِنْهُ، وَإِنَّ مِنْهُمْ مَنْ لاَ تَقْطُرُ مِنْ عَيْنَيْهِ دَمْعَةً إِلاَّ وَقَعَتْ مَلَكاً يُسَبِّحُ، وَمَلاَئِكَةٌ سُجُودٌ مِنْذُ خَلَقَ اللهُ السَّمَواتِ لَمْ يَرْفَعُوا رُؤوسَهِمْ وَلاَ يَرْفَعُونَهَا إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ، وَمِنْهُمْ [مَلاَئِكَةٌ] وُقُوفٌ لم يَنْصَرِفُوا وَلاَ يَنْصَرِفُونَ إلى يوم القيامة. فإذا كان يوم القيامة، تَجَلَّى لَهُمْ رَبُّهُمْ - جَلَّ ذِكْرُهُ - فَقَالوا: سُبْحَانَكَ! مَا عَبَدْنَاكَ حَقَّ عِبَادَتِكَ! وقال كعب: إن لله عز وجل ملائكة من يوم خلقهم قياماً، [ما] ثنوا أصلابهم، وآخرين ركوعاً ما رفعوا أصلابهم، وآخرين [سجوداً] ما رفعوا رؤوسهم حتى يُنْفَخَ في الصور النفخةَ الآخرة فيقولون جميعاً: سبحانك! ما عبدناك كما ينبغي أن تُعْبَدَ. ثم قال كعب: والله، لو أن رجلاً عَمِلَ عَمَلَ سبعين نبيّاً، [لاسْتَقَلَ] عمله يوم القيامة من شدة ما يرى يومئذ. والله، لو دلي من [غسلين] دلو واحد من مطلع الشمس، لغلت منه جماجم قوم في مغربها. والله، [لَتَزْفَرَنَّ] جهنم زَفْرَةً لا يبقى ملك مقرب إلا خَرَّ جَاثِياً عَلَى رُكْبَتَيهِ. وروى ابن المبارك حديثاً - رفعه - أن ملكاً سجد لما استوى الرب [تعالى] على عرشه، فلم يرفع رأسه [و] لا يرفعه إلى يوم القيامة، فيقول يوم القيامة: لم أعبدك حق عبادتك، إلا أني لم أشرك بك شيئاً، ولم أتخذ من دونك ولياً. وقد وصفهم الله في كتابه فقال: ﴿يُسَبِّحُونَ ٱلَّيلَ وَٱلنَّهَارَ لاَ يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٠]. قال كعب: التسبيح للملائكة بمنزلة النَّفَسِ لبَنِي آدم، أُلْهِمُوا التسبيح كما ألهمتم الطَّرْفَ والنَّفَسَ. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَمَا هِيَ إِلاَّ ذِكْرَىٰ لِلْبَشَرِ﴾. يعني النار التي وصفها. يقول: ليس ما وصفتها به من تغييرها للبشر وعدة خزنتها إلا عظةً وعبرة للناس يتعظون بها. * * - ثم قال: ﴿كَلاَّ وَٱلْقَمَرِ﴾. أجاز الطبري الوقف على "كَلاَّ"، [جعله] رَدَّاً لِمَا قبلها. والمعنى عنده: ليس القول كما يقول من زعم أنه يكفي أصحابه المشركين خزنة جهنم التسعة عشر حتى يجهضهم عنها. وقال الفراء: تقديره: "إي والقمر، وقيل: تقديره: "حقاً" (وقيل): "أَلاَ". * * - ﴿وَٱلْقَمَرِ..﴾. أي: ورب القمر ورب الليل إذا أدبر، أي: ولى. * * - ﴿وَٱلصُّبْحِ إِذَآ أَسْفَرَ﴾. أي: أضاءَ وأقبل. يقال: أسفر الصبح إذا أضاء وانكشف. ومنه: سفرت المرأة عن وجهها إذا كشفته. ومنه قيل: "سفر" للكتاب الذي فيه العلم، لأنه يبين ويكشف. ومنه سفرت الريح الغمام: كشفته. ومنه: سفرت البيت: أي كنسته، ومنه قيل: "سفير" للذي يسعى في الصلح، لأنه يكشف المكروه ويزيله. وحكى بعض البصريين: دبرني إذا جاء خلفي. وأدبر إذا ولى. واختار [أبو عبيد] [إِذَا اَدْبَرَ]، لأن بعده: ﴿إِذَآ أَسْفَرَ﴾. وحكي: دبر وأدبر: لغتان بمعنى، يقال: دبر النهار وأدبر. ودبر الصيف وأدبر، وكذلك قبل وأقبل. فإذا قالوا: أقبل الراكب و "أدبر" لم يُقَلْ إلا بالألف. وقيل: معنى ﴿إِذْ أَدْبَرَ﴾ أي: إذ أدبر النهار، وكان في آخره. وسأل رجل ابن عباس عن قوله: ﴿وَٱللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ﴾ فقال: امكث، فلما سمع الأذان [الأول] قال: هذا حين دبر الليل. * * - ثم قال: ﴿إِنَّهَا لإِحْدَى ٱلْكُبَرِ﴾. يعني جهنم، أي: هي إحدى الأمور العظام. و (إحدى): فُعْلَى، نَعْتٌ، وهو قليل، إنما تأتي هذه النعوت غير المصادر بضم الأول أو بفتحه. * * - ثم قال: ﴿نَذِيراً لِّلْبَشَرِ﴾. قال أبو رزين: يقول الله جل ذكره: أنا نذير للبشر. وقال [ابن زيد]: معناه: محمد نذير للبشر. ونصبها على الحال من المضمر في "إنها" [أَوْ مِنْ] "إِحْدَى". وهذان القولان يدلان على أن النار هي النذير، وهو قول الحسن. ويجوز أن تكون حالاً من "هو" في قوله: ﴿إِلاَّ هُوَ﴾، أو على إضمار فعل تقديره: صَيَّرَهَا ﴿نَذِيراً﴾، وهذا على قول أبي رزين. وقال الكسائي: هي حال من المضمر في ﴿قُمْ﴾ أي: قم نذيراً، من أول السورة. وهو يرجع إلى قول ابن زيد. وقيل: ﴿نَذِيراً﴾ بمعنى إنذار، فنصبه على المصدر. (وقيل: نصبه على المصدر) [وقيل: نصبه على أعني]. ومن جعله للنار حذف [الياء] من "نذير" لأنه بمعنى النسب.

المدثر 74:15

قوله تعالى: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنذِرْ﴾ إلى قوله: ﴿نَذِيراً لِّلْبَشَرِ﴾. أي: يا أيها المدثر بثيابه عند نومه. وروي أن النبي ﷺ [قيل له ذلك] وهو متدثر بقطيفة. ذكره النخعي. وروي أن هذا أول ما نزل على النبي ﷺ. رواه جابر بن عبد الله قال: حَدَّثَنِي النَّبِيُّ ﷺ، قَالَ: جَاوَرْتُ فِي حِرَاءَ، فَلَمَّا قَضَيْتُ [جِوَارِي] هَبَطْتُ فَاسْتَبْطَنْتُ [الوَادِيَ]، فَنُودِيتُ فَنَظَرْتُ عَنْ يَمِينِي وَعَنْ شِمَالِي وَخَلْفِي (وَقُدَّامِي) فَلَمْ أَرَ شَيْئاً، فَنَظَرْتُ فَوْقَ رَأْسِي فَإِذَا هُوَ - يَعْنِي المَلَكَ - جَالِسٌ عَلَى عَرْشٍ بَيْنَ السَّمَاءِ والأَرْضِ [فَجُثِثْتُ] مِنْهُ. فَأَتَيْتُ خَدِيجَةَ فَقُلْتُ: دَثِّرُونِي، (دَثِّرُونِي)، وَصُبُّوا عَلَيَّ مَاءً. وَأُنْزِلَ عَلَيَّ ﴿يٰأَيُّهَا ٱلْمُدَّثِّرُ﴾ وقال الزهري: كان أول شيء أنزل عليه: ﴿ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق: ١] حتى بلغ ﴿(عَلَّمَ ٱلإِنسَانَ) مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: ٥]. قال ابن عباس: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلْمُدَّثِّرُ﴾: "يأ أيها النائم". وقال قتادة: المدثر في ثيابه. وقال عكرمة: معناه: "دُثرت هذا الأَمر فقم به"، يعني النبوة. * * - وقوله: ﴿قُمْ فَأَنذِرْ﴾. أي: قم من نومك فأنذر قومك عذاب الله على شركهم بالله. * * - ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾. أي: فعظم. * * - ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾. أي: لا تلبسها على معصية ولا [غدرة]. قاله ابن عباس. وعنه أيضاً: فطَهِّرْها من الإثم. وقال النخعي: فطهرها من الذنوب. والعرب تقول لرجل إذا نكث ولم يف بعهده: إنه لدنس الثياب، وإذا أوفى بعهده وأصلح: إنه لمُطَهَّر الثياب. وقال الضحاك: معناه: "لا تلبس ثيابك على معصية". وقال ابن زيد: معناه: "وعملك فأصلحه"، قال: والعرب تقول للرجل الخبيث العمل: فلان خبيث الثياب. وإذا كان حسن العمل (قالوا: فلان طاهر الثياب. وعن ابن عباس أيضاً أن معناه: "لا تلبس ثيابك) من [مكسب] غير طيب. وعن مجاهد أن معناه: "لست بكاهن ولا ساحر، فأَعْرِض عما قالوا". (وقال) ابن سيرين: معناه: اغسل ثيابك من النجاسة. وهو قول ابن زيد، وبهذا احتج الشافعي في وجوب طهارة الثوب (وأنه فرض. ومذهب مالك أن طهارة الثوب ليس بفرض، وهو قول أهل المدينة وإنما طهارة الثوب) سنة. ولذلك، من صلى بثوب نجس ولا يعلم أعاد في الوقت. ولو كانت طهارة الثوب فرضاً لأعاد أبداً. وكذلك البدن تقع فيه النجاسة ليست طهارته فرضاً. يدل على ذلك إجماع المسلمين على أن صلاة من استجمر بالحجارة من الغائط جائزة، مع أن موضع خروج الأذى لم يغسل بالماء. * * - ثم قال ﴿وَٱلرُّجْزَ [فَٱهْجُرْ]﴾. أي: والأَوْثَانَ فاهجر عبادتها. والضم والكسر في الراء لغتان عند الفراء. وقيل: الكسر معناه العَذاب. فتكون الأوثان سميت بالعذاب. لأنها سببه. والضم معناه الأوثان. وأول من فرق بينهما الكسائي. وأكثر الناس على أنه لا فرق بينهما وأنه يراد به الأوثان، [ضَمَمْتَ] الراءَ أو كَسَرْتَهَا. قال ابن عباس: الرجز: "السخط، وهو الأصنام". وقال مجاهد وعكرمة: الرجز: "الأوثان. وقاله الزهري. وقال قتادة: "الرجز: صنمان كانا عند البيت: [إساف ونائلة]، يَمْسَحُ وُجُوهَهُمَا من أتى عليهما، فأمر الله نبيه أن [يجتنبهما] ويعتزلهما". قال ابن زيد: "الرجز آلهتهم التي كانوا يعبدون، (أمره الله) أن يهجرها [فلا يأتيها ولا يقربها]". وقال النَّخعي: المعنى: والمعصية [فاهجر]. * * - ثم قال تعالى ﴿وَلاَ تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ﴾. قال ابن عباس: معناه: ولا تعط يا محمد عطية لتعطى أكثر منها. وهو (معنى) قول أكثر [المفسرين]. وهذا خصوص للنبي ﷺ، وهو مباح لأمته إلا أنه لا أجر [لهم] في ذلك. وهو قوله تعالى: ﴿وَمَآ آتَيْتُمْ مِّن رِّباً لِّيَرْبُوَاْ فِي أَمْوَالِ ٱلنَّاسِ فَلاَ يَرْبُواْ عِندَ ٱللَّهِ﴾ [الروم: ٣٩] وقد قال الضحاك: هو الربا (في) الحلال [قال]: وهما ربوان: حرام وحلال. فأما الحلال فالهدايا. وأما الحرام فالربا بعينه. وقال الحسن: معناه: لا تستكثر عملك الصالح. وهو اختيار الطبري. وقال الربيع بن أنس: معناه: "لاَ يَكْثُرَنْ عملُك في عينك، فإنه فيما أنعم الله [عليك] وأعطاك قليل". وعن مجاهد أن معناه: لا تضعف أن تستكثر من الخير من قولهم: "حبل منين" إذا كان ضعيفاً. وفي قراءة ابن مسعود: "وَلاَ تَمْنُنْ أَنْ تَسْتَكْثِرَ". قال الكسائي: فإذا حذف "أن" رفع، وهو حال (عند) البصريين. وقال ابن زيد: معناه: لا تمنن بالقرآن والنبوة فتستكثرهم به، تأخذ على ذلك عوضاً من الدنيا. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَلِرَبِّكَ فَٱصْبِرْ﴾. أي: اصبر على ما تَلْقَى من قومك لربك [واحتمل] أذاهم. وقال ابن زيد: معناه، اصبر على محاربة العرب والعجم، قال: "حُمِّلَ أمراً عظيماً، مُحَارَبَةَ العرب ثم العجم من بعد العرب في الله". وقال النخعي: معناه: ولربك فاصبر على عطيتك، ولا تعطها لتأخذ أكثر منها، بل احتسبها الله. * * - ثم قال تعالى: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي ٱلنَّاقُورِ * فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾. يقال: [عَسُرَ] الأمرُ إذا صَعُبَ فهو عَسِيرٌ، [وعَسِرَ] فهو عَسِرٌِ. والمعنى: فإذا نفخ في الصور فذلك [يوم] شديد صعب غير سهل على الكافرين. روى ابن عباس أنَّ النبي ﷺ قَالَ: "كَيْفَ أَنْعَمُ وَصَاحِبُ القَرْنِ قَدِ التَقَمَ القَرْنُ [وَحَنَى] جَبْهَتَهُ لِيَسْتَمِعَ مَتَى يُؤْمَرُ، يَنْفُخُ فِيهِ. قَالَ: فَاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلى أَصْحَابِهِ فَأَمَرَهُمْ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَقُولُوا ﴿حَسْبُنَا ٱللَّهُ وَنِعْمَ ٱلْوَكِيلُ﴾ ﴿عَلَى ٱللَّهِ تَوَكَّلْنَا﴾ قال عكرمة: الناقور: الصور. قال مجاهد: (هو) شَيْءٌ كَهَيْئَةِ [البُوقِ]. * * - ثم قال: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً﴾. أي: كِلْ - يا محمد - أَمْرَ هذا الذي خلقته في بطن أمه وحيداً لا شيء له من مال ولا ولد، يعني بذلك الوليد بن المغيرة المخزومي. قال ابن عباس: "أَنْزَلَ اللهُ فِي الوَليدِ بِنْ المُغِيرَةِ ﴿ذَرْنِي﴾ ﴿وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً﴾. [وقوله: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ...﴾ [الحجر: ٩٢] إلى آخرها". وقيل: معناه: دعني يا محمد ومجازاة من خلقته وحده، فيكون "وحيداً"] على القول الأول حالاً من الهاء المحذوفة في "خلقته". وعلى (هذا) القول الآخر حالاً من التاء في "خلقته". وفي هذا الكلام تهدد عظيم ووعيد. والعرب تقول: ذرني وزيداً، أي: كِلْ عقوبته ومُطالَبَتَهُ إلي. فالمعنى: كِلْ - يا محمد - عقوبة هؤلاء إلي، فلست أحتاج [في ذلك] إلى معين ولا ظهير. ويُرْوى أنه كان يقول: أنا الواحد بن الوحيد، ليس لي من العرب نظير ولا لأبي المغيرة نظير. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَجَعَلْتُ لَهُ مَالاً مَّمْدُوداً﴾. قال مجاهد وابن جبير: هو ألف دينار. وقال سفيان: (بلغني) أنه أربعة آلاف دينار. وقيل: هو الأرض يزرع فيها. قاله النعمان بن سالم. وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: هو غَلَّةٌ شهر [بشهر]. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَبَنِينَ شُهُوداً﴾. أي: وجعلت له بنين شهوداً، أي: [حضوراً]. روي أنه كان له عشرة من الولد. وقد قاله مجاهد وغيره. وروي أنه ما زاد بعد نزول هذه الآية إلا [ارتكاساً] في ماله وولده ونفسه. * * - ثم قال: ﴿وَمَهَّدتُّ لَهُ تَمْهِيداً﴾. أي: بسطت له في العيش بسطاً. قاله سفيان. وقال مجاهد: "من المال والولد". * * - ثم قال: ﴿ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ * كَلاَّ﴾ ثم يَأْمَلُ أن أزيده من المال والولد على ما أعطيته ﴿كَلاَّ﴾: أي: ليس الأمر على ما يُؤَمِّلُ، أي: لا يكون ذلك]. * * - ثم قال: ﴿إِنَّهُ كان لآيَاتِنَا عَنِيداً﴾. أي: إنه كان لرد حجتنا وآياتنا معانداً، مجانباً. يقال: عَنُدَ البَعيرُ [يَعْنِدُ عُنُوداً]، [وبَعِيرٌ عَنُودُ]: إذَا مشى مجانباً للإبل لا يمشي معها. قال ابن عباس: ﴿عَنِيداً﴾ "جحوداً". وهو قول قتادة. وقال مجاهد: "معانداً للحق، مجانباً له". وقال سفيان: ﴿عَنِيداً﴾ "مشاقاً لنا". * * - ثم قال: ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً﴾. أي: سأكلفه مشقة من العذاب لا راحة منها. وقيل: الصعود جبل من نار (يكلفون) أن يصعدوه، فإذا وضع يده عليه ذابت، فإذا رفعها عادت، وإذا وضع رجله كذلك. وروى أبو سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: "الصُّعُودُ جَبَلٌ مِنْ نَارٍ يَصْعَدُ فِيهِ سَبْعينَ خَرِيفاً ثُمَّ يَهْوِي كَذلِكَ أَبَدَاً قال مجاهد: ﴿صَعُوداً﴾: "عذاباً لا راحة منه". وقال قتادة: "مشقة من العذاب". * * - ثم قال: ﴿إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ * [فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ]﴾. أي: فكر فيما أنزل الله على نبيه من القرآن، وَقَدَّرَ فيما يقول فيه، فَلُعِنَ كيف قدَّر ما هو قائل، ثم لعن كيف قَدَّرَ القولَ فيه. ﴿ثُمَّ نَظَرَ﴾. أي: ثم تَأَنّى في ذلك. * * ﴿ثُمَّ عَبَسَ﴾ أي: قبض ما بين عينيه. * * ﴿وَبَسَرَ﴾. أي: كلح وكَرَّهَ وجهه. قال عكرمة: جَاءَ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ إلى النبي ﷺ فَقَرَأَ عليه النبي القرآنَ، فكأنه رَقَّ لَهُ، فبلغَ ذلك أبا جهل. فأتاه فقال: أيْ عَمِّ، إِنَّ قومَكَ يُريدون أن يَجْمَعُوا لَكَ مَالاً. قَالَ: لِمَ؟ قَالَ: يُعْطُونَكَ! فإنك أتيت محمداً تَتَعَرَّضُ لِمَا قِبَلَهُ. قال: قد علمت قريش أني أكثرها مالاً! قال: فقل فيه قولاً يَعْلَمُ قومُكَ أَنَّكَ مُنْكِرٌ" [لِمَا قَالَ]، وَأَنَّكَ كارِهٌ له، قال: فماذا أقول فيه؟ فوَالله مَا مِنْكُمْ رَجُلٌ أَعْلَمُ مِنِّي بِالأَشْعَارِ ولاَ أَعْلَمُ بِرَجَزِهِ وَلاَ بِقَصدِهِ، وَلاَ بِأَشْعَارِ الجِنِّ، وَ (اللهِ) لاَ يُشْبِهُ الذِي يَقُولُ شَيْئاً مِنْ هَذَا، وَاللهِ إِنَّ لِقَوْلِهِ الذِي يَقُولُ لَحَلاَوَةً! وَإِنهُ لَيَحْطِمُ مَا تَحْتَهُ! وَإِنَّهُ لَيَعْلُو وَمَا يُعْلَى! قَالَ أَبُو جَهْلٍ: وَاللهِ لاَ يَرْضَى قَوْمُكَ حَتَّى تَقُولَ فِيهِ. قَالَ: فَدَعْنِي حَتَّى أُفَكِّرَ فِيهِ. (فَلَمَّا فَكَّرَ فِيهِ) قَالَ: هَذَا سِحْرٌ يَأْثُرُهُ [عن] غيره، فنزلت ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً﴾ قال ابن عباس: دَخَلَ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ عَلَى أَبِي بَكْرٍ يَسُأَلُهُ عَنِ القُرآن، فَلَمَّا أَخْبَرَهُ خَرَجَ عَلَى قُرَيْشٍ فَقَالَ: يَا عَحَبَاً لِمَا يقول ابْنُ أَبِي كَبْشَةَ! فَوَاللهِ، ما هُوَ بِشِعْرٍ وَلاَ بِسِحْرٍ وَلاَ [بِهَذْيٍ] مِنْ جُنُونٍ، وَإِنهُ لَمِنْ كَلاَمِ اللهِ - جَلَّ وَعَز - فَلَمَّا سَمِعَ بِذلِكَ النَّفَرُ (مِنْ قُرَيْشٍ) [ائْتَمَرُوا] بَيْنَهُمْ، وَقَالُوا: وَاللهِ لَئِنْ صَبَأَ الوَلِيْدُ لَتَصْبُؤَنَّ قُرَيْشٌ، فَلَمَّا سَمِعَ بِذلِكَ أَبُو جَهْلٍ بْنُ هِشَامٍ قَالَ: أَنَا وَالله أَكْفِيكُمْ شَأْنَهُ. فَانْطَلَقَ حَتَى دَخَلَ عَلَيْهِ بَيْتَهُ، فَقَالَ: [أَلَمْ تَرَ] قَوْمَكَ قَدْ جَمَعُوا لَكَ الصَّدَقَةَ؟! قَالَ: أَلَسْتُ أَكْثَرَهُمْ مَالاً وَوَلَداً؟! فَقَالَ لَهُ أَبُو جَهْلٍ: يَتَحَدَّثُونَ أَنَّكَ تَدْخُلُ عَلَى ابْنِ أَبِي قُحَافَةَ لِتُصِيبَ مِنْ طَعَامِهِ! قَالَ الوَلِيدُ: [أَقَدْ] تَحَدَّثَتْ بِذَلِك عَشِيرَتِي؟! فَلاَ وَأَيْمُ جَابِرِ بْنُ قُصَيَّ، لاَ أَقْرَبُ أَبَا بَكْرٍ (وَلاَ عُمَرَ) وَلاَ ابْنَ أَبِي كَبْشَةَ، [وَمَا قَوْلُهُ إِلاَّ سِحْرٌ] يُؤْثَرُ. فَأَنْزَلَ اللهُ ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً...﴾ إلى ﴿لاَ تُبْقِي (وَلاَ) تَذَرُ﴾ قال قتادة: ذكر أنه قال: والله، لقد نظرت [فيما قال هذا الرجل]، [فإذا] هو ليس بشعر، وإن له لحَلاَوَةً، وإن عليه لَطُلاَوَةً، وإنه لَيَعْلُو وما يُعْلَى، ومَا أَشُكُّ أَنَّهُ سِحْرٌ. وقال الضحاك: دعاه النبي ﷺ إلى الإسلام، فقال: حتى أنظر! فَفَكَّرَ، ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ، ثُمَّ أَدْبَرَ واسْتَكبر، فقال: إن هذا إلا سحر يؤثر، فجعل الله له سقر. قال أبو رزين (سحر) (أي): يَأْثُرُهُ من غيره. * * - ﴿إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ قَوْلُ ٱلْبَشَرِ﴾. أي: ما هذا الذي يتلوه محمد إلا قول بني آدم وما هو بكلام الله. [فهذا أول من قال: القرآن مخلوق، قاله الوليد بن المغيرة فأدخله الله سقر. قال بعض العلماء: فكذا يُفْعَلُ بكل من قال: القرآن مخلوقٌ، قاله أحمد بن زيد]. * * - ثم قال: ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾. أي: [سأورده] سقر، وهو باب من أبواب جهنم. يروى أنه الباب السادس منها، نعوذ بالله منها. * * - ﴿وَمَآ أَدْرَاكَ مَا (سَقَرُ)﴾. أي: وأي شيء أدراك ما سقر؟، ثم بَيَّنَهُ وأَدْرَاهُ به [فقال] في صفة سقر. * * - ﴿لاَ تُبْقِي وَلاَ تَذَرُ﴾. أي: هي نارٌ لا تُبْقي من فيها حياً، ولا تَذَرُ من فيها ميتاً، لكنها تحرقهم، كلما احترقوا جُدِّدَ خَلْقُهُمْ. قال مجاهد: ﴿لاَ تُبْقِي وَلاَ تَذَرُ﴾ أي: لا تُحْيِي وَلاَ تُمِيتُ وقيل: ﴿لاَ تُبْقِي وَلاَ تَذَرُ﴾: لا تبقي الكافر حتى يصير فحمة ثم يُعاد خلقاً جديداً ثم لا تذره حتى يعود عليه العذاب بِأَشَدِّ مِمَّا كان هكذا أبداً، نعوذ بالله من ذلك. * * - ثم قال تعالى: ﴿لَوَّاحَةٌ لِّلْبَشَرِ﴾. أي: مغيرة لبشرة من فيها. قال مجاهد: ﴿لَوَّاحَةٌ لِّلْبَشَرِ﴾، أي: مُغَيِّرَةٌ للجلد. وقال قتادة: "خَرَّاقَةٌ للجلد". وقيل: معناه: تَلُوحُ لأَهْلِها من مسيرة خمسمائة عام. وعلى القول الأول أكثر الناس أنها تُغَيِّرُ البَشَرَةَ. قال [أبو رزين]: تلفح الجلد لفحة تَدَعُهُ أَشَدَّ سواداً من الليل. وقال ابن عباس: "تحرق بَشَرَةَ الإنسان". * * - ثم قال: ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾. أي: من الخزنة. ذكر ابن عباس أَنَّ هَذَا لما نَزَلَ عَلَى النبي ﷺ، قَالَ أَبُو جَهْلٍ لِقُرَيْشٍ: ثَكِلَتْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ! أَسْمَعُ ابْنَ أَبِي كَبْشَةَ يُخْبِرُكُمْ أَنَّ خَزَنَةَ النَّارِ تِسْعَةَ عَشَرَ. وَأَنْتُمْ [الدَّهْمُ] أَفَتَعْجَزُ كُلُّ عَشَرَةٍ مِنْكُمْ أَنْ تَبْطِشَ بِرَجُلٍ مِنْ [خَزَنَةِ] جَهَنَّمَ؟! فَأَوْحَى اللهُ إلى نَبِيِّهِ أَنْ يَأْتِيَ أَبَا جَهْلٍ فَيَأْخُذَ بِيَدِهِ فِي بَطْحَاءِ مَكَّةَ فَيقُولَ ﴿أَوْلَىٰ لَكَ فَأَوْلَىٰ * ثُمَّ أَوْلَىٰ لَكَ فَأَوْلَىٰ﴾ [القيامة: ٣٤-٣٥]. فَلَمَّا فَعَلَ بِهِ ذَلكَ رَسُولُ اللهِ قَالَ لَهُ أَبُو جَهْلٍ: وَاللهِ، لاَ تَفْعَلُ أَنْتَ وَرَبُّكَ شَيْئا. فَأَخْزَاهُ - جَلَّ ذِكْرُهُ - يَوْمَ بَدْرٍ فَقُتِلَ. قال كعب الأحبار: ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾: ما منهم ملك إلا ومعه عمود ذو شعبتين يدفع به الدفعة فيلقي في النار تسعين ألفاً. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَآ أَصْحَٰبَ ٱلنَّارِ إِلاَّ مَلَٰئِكَةً﴾ أي: لم نجعل أصحاب النار رجالاً مثلكم فتطمعوا بالتغلب عليهم كما قال أبو جهل لقريش: أفلا يستطيع كل عشرة منكم أن يغلبوا منهم واحداً؟!. فإذا كانت الخزنة ملائكة، فمن ذا يطيق الملائكة؟!. * * - ثم قال: ﴿وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلاَّ فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾. أي: لم نجعلهم تسعة عشر فقط لقلة الملائكة؛ ولكن جعلناهم كذلك ليفتتن الذين كفروا ويستقلوا عدتهم ويُحدثوا أنفسهم بالتغلب على الخزنة حتى قال [أبو الأشد الجمحي]: أنا [أُجْهِضُهُمْ] [عن] النار. وقيل: إن كَلَدَةَ بن أسيد بن خلف قال: أنا أكفيكم سبعة عشر، واكفوني اثنين. * * - ثم قال تعالى: ﴿لِيَسْتَيْقِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَٰبَ﴾. أي: فعلنا ذلك ليفتتن الذين كفروا [وليتيقن] الذين أُوتوا التوراة والإنجيل حقيقة ما في كتبهم من الخبر عن عدة خزنة جهنم، لأنه كذلك عدتهم في التوراة (والإنجيل). هذا معنى قول ابن عباس وغيره. وهو قول مجاهد. قال قتادة: يُصَدِّقُ القرآنُ الكُتُبَ التي كانت قبله، فيها كُلِّها خَزَنَةُ النَّارِ تِسْعَةَ عَشَرَ. وهو قول الضحاك. وقال ابن زيد: ﴿لِيَسْتَيْقِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَٰبَ...﴾ "أنك رسول الله". * * ثم قال تعالى: ﴿وَيَزْدَادَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوۤاْ إِيمَٰناً﴾ أي: تصديقاً إلى تصديقهم بعدة خزنة جهنم. * * - ثم قال: ﴿وَلاَ يَرْتَابَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَٰبَ وَٱلْمُؤْمِنُونَ﴾ أي: ولا يشك أهل الكتاب [و] المؤمنون في حقيقة ذلك. * * - ثم قال: ﴿وَلِيَقُولَ ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ﴾ أي: نفاق. * * ﴿وَٱلْكَٰفِرُونَ﴾ يعني: مشركي قريش. * * - ﴿مَاذَآ أَرَادَ ٱللَّهُ بِهَـٰذَا مَثَلاً﴾. أي: ماذا أراد الله بهذا حين يخوفنا بهؤلاء التسعة عشر. - قال الله: ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ ٱللَّهُ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ﴾. أي: كما أضل هؤلاء المنافقين والمشركين القائلين: أي شيء أراد الله بهذا مثلاً؟! كذلك يضل الله من يشاء] من خلقه فَيَخْذُلُهُ عن إصابة الحق، ويهدي من يشاء فيوفقه للحق. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ﴾ أي: لا يعلم (مقدار) كثرة جنود ربك يا محمد إلا رَبُّكَ. روي عن النبي ﷺ أنه قال: "إِنَّ لله مَلاَئِكَةٌ تَرْعَدُ فَرَائِصَهُمْ مَخَافَةً مِنْهُ، وَإِنَّ مِنْهُمْ مَنْ لاَ تَقْطُرُ مِنْ عَيْنَيْهِ دَمْعَةً إِلاَّ وَقَعَتْ مَلَكاً يُسَبِّحُ، وَمَلاَئِكَةٌ سُجُودٌ مِنْذُ خَلَقَ اللهُ السَّمَواتِ لَمْ يَرْفَعُوا رُؤوسَهِمْ وَلاَ يَرْفَعُونَهَا إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ، وَمِنْهُمْ [مَلاَئِكَةٌ] وُقُوفٌ لم يَنْصَرِفُوا وَلاَ يَنْصَرِفُونَ إلى يوم القيامة. فإذا كان يوم القيامة، تَجَلَّى لَهُمْ رَبُّهُمْ - جَلَّ ذِكْرُهُ - فَقَالوا: سُبْحَانَكَ! مَا عَبَدْنَاكَ حَقَّ عِبَادَتِكَ! وقال كعب: إن لله عز وجل ملائكة من يوم خلقهم قياماً، [ما] ثنوا أصلابهم، وآخرين ركوعاً ما رفعوا أصلابهم، وآخرين [سجوداً] ما رفعوا رؤوسهم حتى يُنْفَخَ في الصور النفخةَ الآخرة فيقولون جميعاً: سبحانك! ما عبدناك كما ينبغي أن تُعْبَدَ. ثم قال كعب: والله، لو أن رجلاً عَمِلَ عَمَلَ سبعين نبيّاً، [لاسْتَقَلَ] عمله يوم القيامة من شدة ما يرى يومئذ. والله، لو دلي من [غسلين] دلو واحد من مطلع الشمس، لغلت منه جماجم قوم في مغربها. والله، [لَتَزْفَرَنَّ] جهنم زَفْرَةً لا يبقى ملك مقرب إلا خَرَّ جَاثِياً عَلَى رُكْبَتَيهِ. وروى ابن المبارك حديثاً - رفعه - أن ملكاً سجد لما استوى الرب [تعالى] على عرشه، فلم يرفع رأسه [و] لا يرفعه إلى يوم القيامة، فيقول يوم القيامة: لم أعبدك حق عبادتك، إلا أني لم أشرك بك شيئاً، ولم أتخذ من دونك ولياً. وقد وصفهم الله في كتابه فقال: ﴿يُسَبِّحُونَ ٱلَّيلَ وَٱلنَّهَارَ لاَ يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٠]. قال كعب: التسبيح للملائكة بمنزلة النَّفَسِ لبَنِي آدم، أُلْهِمُوا التسبيح كما ألهمتم الطَّرْفَ والنَّفَسَ. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَمَا هِيَ إِلاَّ ذِكْرَىٰ لِلْبَشَرِ﴾. يعني النار التي وصفها. يقول: ليس ما وصفتها به من تغييرها للبشر وعدة خزنتها إلا عظةً وعبرة للناس يتعظون بها. * * - ثم قال: ﴿كَلاَّ وَٱلْقَمَرِ﴾. أجاز الطبري الوقف على "كَلاَّ"، [جعله] رَدَّاً لِمَا قبلها. والمعنى عنده: ليس القول كما يقول من زعم أنه يكفي أصحابه المشركين خزنة جهنم التسعة عشر حتى يجهضهم عنها. وقال الفراء: تقديره: "إي والقمر، وقيل: تقديره: "حقاً" (وقيل): "أَلاَ". * * - ﴿وَٱلْقَمَرِ..﴾. أي: ورب القمر ورب الليل إذا أدبر، أي: ولى. * * - ﴿وَٱلصُّبْحِ إِذَآ أَسْفَرَ﴾. أي: أضاءَ وأقبل. يقال: أسفر الصبح إذا أضاء وانكشف. ومنه: سفرت المرأة عن وجهها إذا كشفته. ومنه قيل: "سفر" للكتاب الذي فيه العلم، لأنه يبين ويكشف. ومنه سفرت الريح الغمام: كشفته. ومنه: سفرت البيت: أي كنسته، ومنه قيل: "سفير" للذي يسعى في الصلح، لأنه يكشف المكروه ويزيله. وحكى بعض البصريين: دبرني إذا جاء خلفي. وأدبر إذا ولى. واختار [أبو عبيد] [إِذَا اَدْبَرَ]، لأن بعده: ﴿إِذَآ أَسْفَرَ﴾. وحكي: دبر وأدبر: لغتان بمعنى، يقال: دبر النهار وأدبر. ودبر الصيف وأدبر، وكذلك قبل وأقبل. فإذا قالوا: أقبل الراكب و "أدبر" لم يُقَلْ إلا بالألف. وقيل: معنى ﴿إِذْ أَدْبَرَ﴾ أي: إذ أدبر النهار، وكان في آخره. وسأل رجل ابن عباس عن قوله: ﴿وَٱللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ﴾ فقال: امكث، فلما سمع الأذان [الأول] قال: هذا حين دبر الليل. * * - ثم قال: ﴿إِنَّهَا لإِحْدَى ٱلْكُبَرِ﴾. يعني جهنم، أي: هي إحدى الأمور العظام. و (إحدى): فُعْلَى، نَعْتٌ، وهو قليل، إنما تأتي هذه النعوت غير المصادر بضم الأول أو بفتحه. * * - ثم قال: ﴿نَذِيراً لِّلْبَشَرِ﴾. قال أبو رزين: يقول الله جل ذكره: أنا نذير للبشر. وقال [ابن زيد]: معناه: محمد نذير للبشر. ونصبها على الحال من المضمر في "إنها" [أَوْ مِنْ] "إِحْدَى". وهذان القولان يدلان على أن النار هي النذير، وهو قول الحسن. ويجوز أن تكون حالاً من "هو" في قوله: ﴿إِلاَّ هُوَ﴾، أو على إضمار فعل تقديره: صَيَّرَهَا ﴿نَذِيراً﴾، وهذا على قول أبي رزين. وقال الكسائي: هي حال من المضمر في ﴿قُمْ﴾ أي: قم نذيراً، من أول السورة. وهو يرجع إلى قول ابن زيد. وقيل: ﴿نَذِيراً﴾ بمعنى إنذار، فنصبه على المصدر. (وقيل: نصبه على المصدر) [وقيل: نصبه على أعني]. ومن جعله للنار حذف [الياء] من "نذير" لأنه بمعنى النسب.

المدثر 74:16

قوله تعالى: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنذِرْ﴾ إلى قوله: ﴿نَذِيراً لِّلْبَشَرِ﴾. أي: يا أيها المدثر بثيابه عند نومه. وروي أن النبي ﷺ [قيل له ذلك] وهو متدثر بقطيفة. ذكره النخعي. وروي أن هذا أول ما نزل على النبي ﷺ. رواه جابر بن عبد الله قال: حَدَّثَنِي النَّبِيُّ ﷺ، قَالَ: جَاوَرْتُ فِي حِرَاءَ، فَلَمَّا قَضَيْتُ [جِوَارِي] هَبَطْتُ فَاسْتَبْطَنْتُ [الوَادِيَ]، فَنُودِيتُ فَنَظَرْتُ عَنْ يَمِينِي وَعَنْ شِمَالِي وَخَلْفِي (وَقُدَّامِي) فَلَمْ أَرَ شَيْئاً، فَنَظَرْتُ فَوْقَ رَأْسِي فَإِذَا هُوَ - يَعْنِي المَلَكَ - جَالِسٌ عَلَى عَرْشٍ بَيْنَ السَّمَاءِ والأَرْضِ [فَجُثِثْتُ] مِنْهُ. فَأَتَيْتُ خَدِيجَةَ فَقُلْتُ: دَثِّرُونِي، (دَثِّرُونِي)، وَصُبُّوا عَلَيَّ مَاءً. وَأُنْزِلَ عَلَيَّ ﴿يٰأَيُّهَا ٱلْمُدَّثِّرُ﴾ وقال الزهري: كان أول شيء أنزل عليه: ﴿ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق: ١] حتى بلغ ﴿(عَلَّمَ ٱلإِنسَانَ) مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: ٥]. قال ابن عباس: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلْمُدَّثِّرُ﴾: "يأ أيها النائم". وقال قتادة: المدثر في ثيابه. وقال عكرمة: معناه: "دُثرت هذا الأَمر فقم به"، يعني النبوة. * * - وقوله: ﴿قُمْ فَأَنذِرْ﴾. أي: قم من نومك فأنذر قومك عذاب الله على شركهم بالله. * * - ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾. أي: فعظم. * * - ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾. أي: لا تلبسها على معصية ولا [غدرة]. قاله ابن عباس. وعنه أيضاً: فطَهِّرْها من الإثم. وقال النخعي: فطهرها من الذنوب. والعرب تقول لرجل إذا نكث ولم يف بعهده: إنه لدنس الثياب، وإذا أوفى بعهده وأصلح: إنه لمُطَهَّر الثياب. وقال الضحاك: معناه: "لا تلبس ثيابك على معصية". وقال ابن زيد: معناه: "وعملك فأصلحه"، قال: والعرب تقول للرجل الخبيث العمل: فلان خبيث الثياب. وإذا كان حسن العمل (قالوا: فلان طاهر الثياب. وعن ابن عباس أيضاً أن معناه: "لا تلبس ثيابك) من [مكسب] غير طيب. وعن مجاهد أن معناه: "لست بكاهن ولا ساحر، فأَعْرِض عما قالوا". (وقال) ابن سيرين: معناه: اغسل ثيابك من النجاسة. وهو قول ابن زيد، وبهذا احتج الشافعي في وجوب طهارة الثوب (وأنه فرض. ومذهب مالك أن طهارة الثوب ليس بفرض، وهو قول أهل المدينة وإنما طهارة الثوب) سنة. ولذلك، من صلى بثوب نجس ولا يعلم أعاد في الوقت. ولو كانت طهارة الثوب فرضاً لأعاد أبداً. وكذلك البدن تقع فيه النجاسة ليست طهارته فرضاً. يدل على ذلك إجماع المسلمين على أن صلاة من استجمر بالحجارة من الغائط جائزة، مع أن موضع خروج الأذى لم يغسل بالماء. * * - ثم قال ﴿وَٱلرُّجْزَ [فَٱهْجُرْ]﴾. أي: والأَوْثَانَ فاهجر عبادتها. والضم والكسر في الراء لغتان عند الفراء. وقيل: الكسر معناه العَذاب. فتكون الأوثان سميت بالعذاب. لأنها سببه. والضم معناه الأوثان. وأول من فرق بينهما الكسائي. وأكثر الناس على أنه لا فرق بينهما وأنه يراد به الأوثان، [ضَمَمْتَ] الراءَ أو كَسَرْتَهَا. قال ابن عباس: الرجز: "السخط، وهو الأصنام". وقال مجاهد وعكرمة: الرجز: "الأوثان. وقاله الزهري. وقال قتادة: "الرجز: صنمان كانا عند البيت: [إساف ونائلة]، يَمْسَحُ وُجُوهَهُمَا من أتى عليهما، فأمر الله نبيه أن [يجتنبهما] ويعتزلهما". قال ابن زيد: "الرجز آلهتهم التي كانوا يعبدون، (أمره الله) أن يهجرها [فلا يأتيها ولا يقربها]". وقال النَّخعي: المعنى: والمعصية [فاهجر]. * * - ثم قال تعالى ﴿وَلاَ تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ﴾. قال ابن عباس: معناه: ولا تعط يا محمد عطية لتعطى أكثر منها. وهو (معنى) قول أكثر [المفسرين]. وهذا خصوص للنبي ﷺ، وهو مباح لأمته إلا أنه لا أجر [لهم] في ذلك. وهو قوله تعالى: ﴿وَمَآ آتَيْتُمْ مِّن رِّباً لِّيَرْبُوَاْ فِي أَمْوَالِ ٱلنَّاسِ فَلاَ يَرْبُواْ عِندَ ٱللَّهِ﴾ [الروم: ٣٩] وقد قال الضحاك: هو الربا (في) الحلال [قال]: وهما ربوان: حرام وحلال. فأما الحلال فالهدايا. وأما الحرام فالربا بعينه. وقال الحسن: معناه: لا تستكثر عملك الصالح. وهو اختيار الطبري. وقال الربيع بن أنس: معناه: "لاَ يَكْثُرَنْ عملُك في عينك، فإنه فيما أنعم الله [عليك] وأعطاك قليل". وعن مجاهد أن معناه: لا تضعف أن تستكثر من الخير من قولهم: "حبل منين" إذا كان ضعيفاً. وفي قراءة ابن مسعود: "وَلاَ تَمْنُنْ أَنْ تَسْتَكْثِرَ". قال الكسائي: فإذا حذف "أن" رفع، وهو حال (عند) البصريين. وقال ابن زيد: معناه: لا تمنن بالقرآن والنبوة فتستكثرهم به، تأخذ على ذلك عوضاً من الدنيا. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَلِرَبِّكَ فَٱصْبِرْ﴾. أي: اصبر على ما تَلْقَى من قومك لربك [واحتمل] أذاهم. وقال ابن زيد: معناه، اصبر على محاربة العرب والعجم، قال: "حُمِّلَ أمراً عظيماً، مُحَارَبَةَ العرب ثم العجم من بعد العرب في الله". وقال النخعي: معناه: ولربك فاصبر على عطيتك، ولا تعطها لتأخذ أكثر منها، بل احتسبها الله. * * - ثم قال تعالى: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي ٱلنَّاقُورِ * فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾. يقال: [عَسُرَ] الأمرُ إذا صَعُبَ فهو عَسِيرٌ، [وعَسِرَ] فهو عَسِرٌِ. والمعنى: فإذا نفخ في الصور فذلك [يوم] شديد صعب غير سهل على الكافرين. روى ابن عباس أنَّ النبي ﷺ قَالَ: "كَيْفَ أَنْعَمُ وَصَاحِبُ القَرْنِ قَدِ التَقَمَ القَرْنُ [وَحَنَى] جَبْهَتَهُ لِيَسْتَمِعَ مَتَى يُؤْمَرُ، يَنْفُخُ فِيهِ. قَالَ: فَاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلى أَصْحَابِهِ فَأَمَرَهُمْ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَقُولُوا ﴿حَسْبُنَا ٱللَّهُ وَنِعْمَ ٱلْوَكِيلُ﴾ ﴿عَلَى ٱللَّهِ تَوَكَّلْنَا﴾ قال عكرمة: الناقور: الصور. قال مجاهد: (هو) شَيْءٌ كَهَيْئَةِ [البُوقِ]. * * - ثم قال: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً﴾. أي: كِلْ - يا محمد - أَمْرَ هذا الذي خلقته في بطن أمه وحيداً لا شيء له من مال ولا ولد، يعني بذلك الوليد بن المغيرة المخزومي. قال ابن عباس: "أَنْزَلَ اللهُ فِي الوَليدِ بِنْ المُغِيرَةِ ﴿ذَرْنِي﴾ ﴿وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً﴾. [وقوله: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ...﴾ [الحجر: ٩٢] إلى آخرها". وقيل: معناه: دعني يا محمد ومجازاة من خلقته وحده، فيكون "وحيداً"] على القول الأول حالاً من الهاء المحذوفة في "خلقته". وعلى (هذا) القول الآخر حالاً من التاء في "خلقته". وفي هذا الكلام تهدد عظيم ووعيد. والعرب تقول: ذرني وزيداً، أي: كِلْ عقوبته ومُطالَبَتَهُ إلي. فالمعنى: كِلْ - يا محمد - عقوبة هؤلاء إلي، فلست أحتاج [في ذلك] إلى معين ولا ظهير. ويُرْوى أنه كان يقول: أنا الواحد بن الوحيد، ليس لي من العرب نظير ولا لأبي المغيرة نظير. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَجَعَلْتُ لَهُ مَالاً مَّمْدُوداً﴾. قال مجاهد وابن جبير: هو ألف دينار. وقال سفيان: (بلغني) أنه أربعة آلاف دينار. وقيل: هو الأرض يزرع فيها. قاله النعمان بن سالم. وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: هو غَلَّةٌ شهر [بشهر]. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَبَنِينَ شُهُوداً﴾. أي: وجعلت له بنين شهوداً، أي: [حضوراً]. روي أنه كان له عشرة من الولد. وقد قاله مجاهد وغيره. وروي أنه ما زاد بعد نزول هذه الآية إلا [ارتكاساً] في ماله وولده ونفسه. * * - ثم قال: ﴿وَمَهَّدتُّ لَهُ تَمْهِيداً﴾. أي: بسطت له في العيش بسطاً. قاله سفيان. وقال مجاهد: "من المال والولد". * * - ثم قال: ﴿ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ * كَلاَّ﴾ ثم يَأْمَلُ أن أزيده من المال والولد على ما أعطيته ﴿كَلاَّ﴾: أي: ليس الأمر على ما يُؤَمِّلُ، أي: لا يكون ذلك]. * * - ثم قال: ﴿إِنَّهُ كان لآيَاتِنَا عَنِيداً﴾. أي: إنه كان لرد حجتنا وآياتنا معانداً، مجانباً. يقال: عَنُدَ البَعيرُ [يَعْنِدُ عُنُوداً]، [وبَعِيرٌ عَنُودُ]: إذَا مشى مجانباً للإبل لا يمشي معها. قال ابن عباس: ﴿عَنِيداً﴾ "جحوداً". وهو قول قتادة. وقال مجاهد: "معانداً للحق، مجانباً له". وقال سفيان: ﴿عَنِيداً﴾ "مشاقاً لنا". * * - ثم قال: ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً﴾. أي: سأكلفه مشقة من العذاب لا راحة منها. وقيل: الصعود جبل من نار (يكلفون) أن يصعدوه، فإذا وضع يده عليه ذابت، فإذا رفعها عادت، وإذا وضع رجله كذلك. وروى أبو سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: "الصُّعُودُ جَبَلٌ مِنْ نَارٍ يَصْعَدُ فِيهِ سَبْعينَ خَرِيفاً ثُمَّ يَهْوِي كَذلِكَ أَبَدَاً قال مجاهد: ﴿صَعُوداً﴾: "عذاباً لا راحة منه". وقال قتادة: "مشقة من العذاب". * * - ثم قال: ﴿إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ * [فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ]﴾. أي: فكر فيما أنزل الله على نبيه من القرآن، وَقَدَّرَ فيما يقول فيه، فَلُعِنَ كيف قدَّر ما هو قائل، ثم لعن كيف قَدَّرَ القولَ فيه. ﴿ثُمَّ نَظَرَ﴾. أي: ثم تَأَنّى في ذلك. * * ﴿ثُمَّ عَبَسَ﴾ أي: قبض ما بين عينيه. * * ﴿وَبَسَرَ﴾. أي: كلح وكَرَّهَ وجهه. قال عكرمة: جَاءَ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ إلى النبي ﷺ فَقَرَأَ عليه النبي القرآنَ، فكأنه رَقَّ لَهُ، فبلغَ ذلك أبا جهل. فأتاه فقال: أيْ عَمِّ، إِنَّ قومَكَ يُريدون أن يَجْمَعُوا لَكَ مَالاً. قَالَ: لِمَ؟ قَالَ: يُعْطُونَكَ! فإنك أتيت محمداً تَتَعَرَّضُ لِمَا قِبَلَهُ. قال: قد علمت قريش أني أكثرها مالاً! قال: فقل فيه قولاً يَعْلَمُ قومُكَ أَنَّكَ مُنْكِرٌ" [لِمَا قَالَ]، وَأَنَّكَ كارِهٌ له، قال: فماذا أقول فيه؟ فوَالله مَا مِنْكُمْ رَجُلٌ أَعْلَمُ مِنِّي بِالأَشْعَارِ ولاَ أَعْلَمُ بِرَجَزِهِ وَلاَ بِقَصدِهِ، وَلاَ بِأَشْعَارِ الجِنِّ، وَ (اللهِ) لاَ يُشْبِهُ الذِي يَقُولُ شَيْئاً مِنْ هَذَا، وَاللهِ إِنَّ لِقَوْلِهِ الذِي يَقُولُ لَحَلاَوَةً! وَإِنهُ لَيَحْطِمُ مَا تَحْتَهُ! وَإِنَّهُ لَيَعْلُو وَمَا يُعْلَى! قَالَ أَبُو جَهْلٍ: وَاللهِ لاَ يَرْضَى قَوْمُكَ حَتَّى تَقُولَ فِيهِ. قَالَ: فَدَعْنِي حَتَّى أُفَكِّرَ فِيهِ. (فَلَمَّا فَكَّرَ فِيهِ) قَالَ: هَذَا سِحْرٌ يَأْثُرُهُ [عن] غيره، فنزلت ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً﴾ قال ابن عباس: دَخَلَ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ عَلَى أَبِي بَكْرٍ يَسُأَلُهُ عَنِ القُرآن، فَلَمَّا أَخْبَرَهُ خَرَجَ عَلَى قُرَيْشٍ فَقَالَ: يَا عَحَبَاً لِمَا يقول ابْنُ أَبِي كَبْشَةَ! فَوَاللهِ، ما هُوَ بِشِعْرٍ وَلاَ بِسِحْرٍ وَلاَ [بِهَذْيٍ] مِنْ جُنُونٍ، وَإِنهُ لَمِنْ كَلاَمِ اللهِ - جَلَّ وَعَز - فَلَمَّا سَمِعَ بِذلِكَ النَّفَرُ (مِنْ قُرَيْشٍ) [ائْتَمَرُوا] بَيْنَهُمْ، وَقَالُوا: وَاللهِ لَئِنْ صَبَأَ الوَلِيْدُ لَتَصْبُؤَنَّ قُرَيْشٌ، فَلَمَّا سَمِعَ بِذلِكَ أَبُو جَهْلٍ بْنُ هِشَامٍ قَالَ: أَنَا وَالله أَكْفِيكُمْ شَأْنَهُ. فَانْطَلَقَ حَتَى دَخَلَ عَلَيْهِ بَيْتَهُ، فَقَالَ: [أَلَمْ تَرَ] قَوْمَكَ قَدْ جَمَعُوا لَكَ الصَّدَقَةَ؟! قَالَ: أَلَسْتُ أَكْثَرَهُمْ مَالاً وَوَلَداً؟! فَقَالَ لَهُ أَبُو جَهْلٍ: يَتَحَدَّثُونَ أَنَّكَ تَدْخُلُ عَلَى ابْنِ أَبِي قُحَافَةَ لِتُصِيبَ مِنْ طَعَامِهِ! قَالَ الوَلِيدُ: [أَقَدْ] تَحَدَّثَتْ بِذَلِك عَشِيرَتِي؟! فَلاَ وَأَيْمُ جَابِرِ بْنُ قُصَيَّ، لاَ أَقْرَبُ أَبَا بَكْرٍ (وَلاَ عُمَرَ) وَلاَ ابْنَ أَبِي كَبْشَةَ، [وَمَا قَوْلُهُ إِلاَّ سِحْرٌ] يُؤْثَرُ. فَأَنْزَلَ اللهُ ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً...﴾ إلى ﴿لاَ تُبْقِي (وَلاَ) تَذَرُ﴾ قال قتادة: ذكر أنه قال: والله، لقد نظرت [فيما قال هذا الرجل]، [فإذا] هو ليس بشعر، وإن له لحَلاَوَةً، وإن عليه لَطُلاَوَةً، وإنه لَيَعْلُو وما يُعْلَى، ومَا أَشُكُّ أَنَّهُ سِحْرٌ. وقال الضحاك: دعاه النبي ﷺ إلى الإسلام، فقال: حتى أنظر! فَفَكَّرَ، ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ، ثُمَّ أَدْبَرَ واسْتَكبر، فقال: إن هذا إلا سحر يؤثر، فجعل الله له سقر. قال أبو رزين (سحر) (أي): يَأْثُرُهُ من غيره. * * - ﴿إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ قَوْلُ ٱلْبَشَرِ﴾. أي: ما هذا الذي يتلوه محمد إلا قول بني آدم وما هو بكلام الله. [فهذا أول من قال: القرآن مخلوق، قاله الوليد بن المغيرة فأدخله الله سقر. قال بعض العلماء: فكذا يُفْعَلُ بكل من قال: القرآن مخلوقٌ، قاله أحمد بن زيد]. * * - ثم قال: ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾. أي: [سأورده] سقر، وهو باب من أبواب جهنم. يروى أنه الباب السادس منها، نعوذ بالله منها. * * - ﴿وَمَآ أَدْرَاكَ مَا (سَقَرُ)﴾. أي: وأي شيء أدراك ما سقر؟، ثم بَيَّنَهُ وأَدْرَاهُ به [فقال] في صفة سقر. * * - ﴿لاَ تُبْقِي وَلاَ تَذَرُ﴾. أي: هي نارٌ لا تُبْقي من فيها حياً، ولا تَذَرُ من فيها ميتاً، لكنها تحرقهم، كلما احترقوا جُدِّدَ خَلْقُهُمْ. قال مجاهد: ﴿لاَ تُبْقِي وَلاَ تَذَرُ﴾ أي: لا تُحْيِي وَلاَ تُمِيتُ وقيل: ﴿لاَ تُبْقِي وَلاَ تَذَرُ﴾: لا تبقي الكافر حتى يصير فحمة ثم يُعاد خلقاً جديداً ثم لا تذره حتى يعود عليه العذاب بِأَشَدِّ مِمَّا كان هكذا أبداً، نعوذ بالله من ذلك. * * - ثم قال تعالى: ﴿لَوَّاحَةٌ لِّلْبَشَرِ﴾. أي: مغيرة لبشرة من فيها. قال مجاهد: ﴿لَوَّاحَةٌ لِّلْبَشَرِ﴾، أي: مُغَيِّرَةٌ للجلد. وقال قتادة: "خَرَّاقَةٌ للجلد". وقيل: معناه: تَلُوحُ لأَهْلِها من مسيرة خمسمائة عام. وعلى القول الأول أكثر الناس أنها تُغَيِّرُ البَشَرَةَ. قال [أبو رزين]: تلفح الجلد لفحة تَدَعُهُ أَشَدَّ سواداً من الليل. وقال ابن عباس: "تحرق بَشَرَةَ الإنسان". * * - ثم قال: ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾. أي: من الخزنة. ذكر ابن عباس أَنَّ هَذَا لما نَزَلَ عَلَى النبي ﷺ، قَالَ أَبُو جَهْلٍ لِقُرَيْشٍ: ثَكِلَتْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ! أَسْمَعُ ابْنَ أَبِي كَبْشَةَ يُخْبِرُكُمْ أَنَّ خَزَنَةَ النَّارِ تِسْعَةَ عَشَرَ. وَأَنْتُمْ [الدَّهْمُ] أَفَتَعْجَزُ كُلُّ عَشَرَةٍ مِنْكُمْ أَنْ تَبْطِشَ بِرَجُلٍ مِنْ [خَزَنَةِ] جَهَنَّمَ؟! فَأَوْحَى اللهُ إلى نَبِيِّهِ أَنْ يَأْتِيَ أَبَا جَهْلٍ فَيَأْخُذَ بِيَدِهِ فِي بَطْحَاءِ مَكَّةَ فَيقُولَ ﴿أَوْلَىٰ لَكَ فَأَوْلَىٰ * ثُمَّ أَوْلَىٰ لَكَ فَأَوْلَىٰ﴾ [القيامة: ٣٤-٣٥]. فَلَمَّا فَعَلَ بِهِ ذَلكَ رَسُولُ اللهِ قَالَ لَهُ أَبُو جَهْلٍ: وَاللهِ، لاَ تَفْعَلُ أَنْتَ وَرَبُّكَ شَيْئا. فَأَخْزَاهُ - جَلَّ ذِكْرُهُ - يَوْمَ بَدْرٍ فَقُتِلَ. قال كعب الأحبار: ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾: ما منهم ملك إلا ومعه عمود ذو شعبتين يدفع به الدفعة فيلقي في النار تسعين ألفاً. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَآ أَصْحَٰبَ ٱلنَّارِ إِلاَّ مَلَٰئِكَةً﴾ أي: لم نجعل أصحاب النار رجالاً مثلكم فتطمعوا بالتغلب عليهم كما قال أبو جهل لقريش: أفلا يستطيع كل عشرة منكم أن يغلبوا منهم واحداً؟!. فإذا كانت الخزنة ملائكة، فمن ذا يطيق الملائكة؟!. * * - ثم قال: ﴿وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلاَّ فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾. أي: لم نجعلهم تسعة عشر فقط لقلة الملائكة؛ ولكن جعلناهم كذلك ليفتتن الذين كفروا ويستقلوا عدتهم ويُحدثوا أنفسهم بالتغلب على الخزنة حتى قال [أبو الأشد الجمحي]: أنا [أُجْهِضُهُمْ] [عن] النار. وقيل: إن كَلَدَةَ بن أسيد بن خلف قال: أنا أكفيكم سبعة عشر، واكفوني اثنين. * * - ثم قال تعالى: ﴿لِيَسْتَيْقِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَٰبَ﴾. أي: فعلنا ذلك ليفتتن الذين كفروا [وليتيقن] الذين أُوتوا التوراة والإنجيل حقيقة ما في كتبهم من الخبر عن عدة خزنة جهنم، لأنه كذلك عدتهم في التوراة (والإنجيل). هذا معنى قول ابن عباس وغيره. وهو قول مجاهد. قال قتادة: يُصَدِّقُ القرآنُ الكُتُبَ التي كانت قبله، فيها كُلِّها خَزَنَةُ النَّارِ تِسْعَةَ عَشَرَ. وهو قول الضحاك. وقال ابن زيد: ﴿لِيَسْتَيْقِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَٰبَ...﴾ "أنك رسول الله". * * ثم قال تعالى: ﴿وَيَزْدَادَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوۤاْ إِيمَٰناً﴾ أي: تصديقاً إلى تصديقهم بعدة خزنة جهنم. * * - ثم قال: ﴿وَلاَ يَرْتَابَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَٰبَ وَٱلْمُؤْمِنُونَ﴾ أي: ولا يشك أهل الكتاب [و] المؤمنون في حقيقة ذلك. * * - ثم قال: ﴿وَلِيَقُولَ ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ﴾ أي: نفاق. * * ﴿وَٱلْكَٰفِرُونَ﴾ يعني: مشركي قريش. * * - ﴿مَاذَآ أَرَادَ ٱللَّهُ بِهَـٰذَا مَثَلاً﴾. أي: ماذا أراد الله بهذا حين يخوفنا بهؤلاء التسعة عشر. - قال الله: ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ ٱللَّهُ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ﴾. أي: كما أضل هؤلاء المنافقين والمشركين القائلين: أي شيء أراد الله بهذا مثلاً؟! كذلك يضل الله من يشاء] من خلقه فَيَخْذُلُهُ عن إصابة الحق، ويهدي من يشاء فيوفقه للحق. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ﴾ أي: لا يعلم (مقدار) كثرة جنود ربك يا محمد إلا رَبُّكَ. روي عن النبي ﷺ أنه قال: "إِنَّ لله مَلاَئِكَةٌ تَرْعَدُ فَرَائِصَهُمْ مَخَافَةً مِنْهُ، وَإِنَّ مِنْهُمْ مَنْ لاَ تَقْطُرُ مِنْ عَيْنَيْهِ دَمْعَةً إِلاَّ وَقَعَتْ مَلَكاً يُسَبِّحُ، وَمَلاَئِكَةٌ سُجُودٌ مِنْذُ خَلَقَ اللهُ السَّمَواتِ لَمْ يَرْفَعُوا رُؤوسَهِمْ وَلاَ يَرْفَعُونَهَا إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ، وَمِنْهُمْ [مَلاَئِكَةٌ] وُقُوفٌ لم يَنْصَرِفُوا وَلاَ يَنْصَرِفُونَ إلى يوم القيامة. فإذا كان يوم القيامة، تَجَلَّى لَهُمْ رَبُّهُمْ - جَلَّ ذِكْرُهُ - فَقَالوا: سُبْحَانَكَ! مَا عَبَدْنَاكَ حَقَّ عِبَادَتِكَ! وقال كعب: إن لله عز وجل ملائكة من يوم خلقهم قياماً، [ما] ثنوا أصلابهم، وآخرين ركوعاً ما رفعوا أصلابهم، وآخرين [سجوداً] ما رفعوا رؤوسهم حتى يُنْفَخَ في الصور النفخةَ الآخرة فيقولون جميعاً: سبحانك! ما عبدناك كما ينبغي أن تُعْبَدَ. ثم قال كعب: والله، لو أن رجلاً عَمِلَ عَمَلَ سبعين نبيّاً، [لاسْتَقَلَ] عمله يوم القيامة من شدة ما يرى يومئذ. والله، لو دلي من [غسلين] دلو واحد من مطلع الشمس، لغلت منه جماجم قوم في مغربها. والله، [لَتَزْفَرَنَّ] جهنم زَفْرَةً لا يبقى ملك مقرب إلا خَرَّ جَاثِياً عَلَى رُكْبَتَيهِ. وروى ابن المبارك حديثاً - رفعه - أن ملكاً سجد لما استوى الرب [تعالى] على عرشه، فلم يرفع رأسه [و] لا يرفعه إلى يوم القيامة، فيقول يوم القيامة: لم أعبدك حق عبادتك، إلا أني لم أشرك بك شيئاً، ولم أتخذ من دونك ولياً. وقد وصفهم الله في كتابه فقال: ﴿يُسَبِّحُونَ ٱلَّيلَ وَٱلنَّهَارَ لاَ يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٠]. قال كعب: التسبيح للملائكة بمنزلة النَّفَسِ لبَنِي آدم، أُلْهِمُوا التسبيح كما ألهمتم الطَّرْفَ والنَّفَسَ. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَمَا هِيَ إِلاَّ ذِكْرَىٰ لِلْبَشَرِ﴾. يعني النار التي وصفها. يقول: ليس ما وصفتها به من تغييرها للبشر وعدة خزنتها إلا عظةً وعبرة للناس يتعظون بها. * * - ثم قال: ﴿كَلاَّ وَٱلْقَمَرِ﴾. أجاز الطبري الوقف على "كَلاَّ"، [جعله] رَدَّاً لِمَا قبلها. والمعنى عنده: ليس القول كما يقول من زعم أنه يكفي أصحابه المشركين خزنة جهنم التسعة عشر حتى يجهضهم عنها. وقال الفراء: تقديره: "إي والقمر، وقيل: تقديره: "حقاً" (وقيل): "أَلاَ". * * - ﴿وَٱلْقَمَرِ..﴾. أي: ورب القمر ورب الليل إذا أدبر، أي: ولى. * * - ﴿وَٱلصُّبْحِ إِذَآ أَسْفَرَ﴾. أي: أضاءَ وأقبل. يقال: أسفر الصبح إذا أضاء وانكشف. ومنه: سفرت المرأة عن وجهها إذا كشفته. ومنه قيل: "سفر" للكتاب الذي فيه العلم، لأنه يبين ويكشف. ومنه سفرت الريح الغمام: كشفته. ومنه: سفرت البيت: أي كنسته، ومنه قيل: "سفير" للذي يسعى في الصلح، لأنه يكشف المكروه ويزيله. وحكى بعض البصريين: دبرني إذا جاء خلفي. وأدبر إذا ولى. واختار [أبو عبيد] [إِذَا اَدْبَرَ]، لأن بعده: ﴿إِذَآ أَسْفَرَ﴾. وحكي: دبر وأدبر: لغتان بمعنى، يقال: دبر النهار وأدبر. ودبر الصيف وأدبر، وكذلك قبل وأقبل. فإذا قالوا: أقبل الراكب و "أدبر" لم يُقَلْ إلا بالألف. وقيل: معنى ﴿إِذْ أَدْبَرَ﴾ أي: إذ أدبر النهار، وكان في آخره. وسأل رجل ابن عباس عن قوله: ﴿وَٱللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ﴾ فقال: امكث، فلما سمع الأذان [الأول] قال: هذا حين دبر الليل. * * - ثم قال: ﴿إِنَّهَا لإِحْدَى ٱلْكُبَرِ﴾. يعني جهنم، أي: هي إحدى الأمور العظام. و (إحدى): فُعْلَى، نَعْتٌ، وهو قليل، إنما تأتي هذه النعوت غير المصادر بضم الأول أو بفتحه. * * - ثم قال: ﴿نَذِيراً لِّلْبَشَرِ﴾. قال أبو رزين: يقول الله جل ذكره: أنا نذير للبشر. وقال [ابن زيد]: معناه: محمد نذير للبشر. ونصبها على الحال من المضمر في "إنها" [أَوْ مِنْ] "إِحْدَى". وهذان القولان يدلان على أن النار هي النذير، وهو قول الحسن. ويجوز أن تكون حالاً من "هو" في قوله: ﴿إِلاَّ هُوَ﴾، أو على إضمار فعل تقديره: صَيَّرَهَا ﴿نَذِيراً﴾، وهذا على قول أبي رزين. وقال الكسائي: هي حال من المضمر في ﴿قُمْ﴾ أي: قم نذيراً، من أول السورة. وهو يرجع إلى قول ابن زيد. وقيل: ﴿نَذِيراً﴾ بمعنى إنذار، فنصبه على المصدر. (وقيل: نصبه على المصدر) [وقيل: نصبه على أعني]. ومن جعله للنار حذف [الياء] من "نذير" لأنه بمعنى النسب.

المدثر 74:17

قوله تعالى: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنذِرْ﴾ إلى قوله: ﴿نَذِيراً لِّلْبَشَرِ﴾. أي: يا أيها المدثر بثيابه عند نومه. وروي أن النبي ﷺ [قيل له ذلك] وهو متدثر بقطيفة. ذكره النخعي. وروي أن هذا أول ما نزل على النبي ﷺ. رواه جابر بن عبد الله قال: حَدَّثَنِي النَّبِيُّ ﷺ، قَالَ: جَاوَرْتُ فِي حِرَاءَ، فَلَمَّا قَضَيْتُ [جِوَارِي] هَبَطْتُ فَاسْتَبْطَنْتُ [الوَادِيَ]، فَنُودِيتُ فَنَظَرْتُ عَنْ يَمِينِي وَعَنْ شِمَالِي وَخَلْفِي (وَقُدَّامِي) فَلَمْ أَرَ شَيْئاً، فَنَظَرْتُ فَوْقَ رَأْسِي فَإِذَا هُوَ - يَعْنِي المَلَكَ - جَالِسٌ عَلَى عَرْشٍ بَيْنَ السَّمَاءِ والأَرْضِ [فَجُثِثْتُ] مِنْهُ. فَأَتَيْتُ خَدِيجَةَ فَقُلْتُ: دَثِّرُونِي، (دَثِّرُونِي)، وَصُبُّوا عَلَيَّ مَاءً. وَأُنْزِلَ عَلَيَّ ﴿يٰأَيُّهَا ٱلْمُدَّثِّرُ﴾ وقال الزهري: كان أول شيء أنزل عليه: ﴿ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق: ١] حتى بلغ ﴿(عَلَّمَ ٱلإِنسَانَ) مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: ٥]. قال ابن عباس: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلْمُدَّثِّرُ﴾: "يأ أيها النائم". وقال قتادة: المدثر في ثيابه. وقال عكرمة: معناه: "دُثرت هذا الأَمر فقم به"، يعني النبوة. * * - وقوله: ﴿قُمْ فَأَنذِرْ﴾. أي: قم من نومك فأنذر قومك عذاب الله على شركهم بالله. * * - ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾. أي: فعظم. * * - ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾. أي: لا تلبسها على معصية ولا [غدرة]. قاله ابن عباس. وعنه أيضاً: فطَهِّرْها من الإثم. وقال النخعي: فطهرها من الذنوب. والعرب تقول لرجل إذا نكث ولم يف بعهده: إنه لدنس الثياب، وإذا أوفى بعهده وأصلح: إنه لمُطَهَّر الثياب. وقال الضحاك: معناه: "لا تلبس ثيابك على معصية". وقال ابن زيد: معناه: "وعملك فأصلحه"، قال: والعرب تقول للرجل الخبيث العمل: فلان خبيث الثياب. وإذا كان حسن العمل (قالوا: فلان طاهر الثياب. وعن ابن عباس أيضاً أن معناه: "لا تلبس ثيابك) من [مكسب] غير طيب. وعن مجاهد أن معناه: "لست بكاهن ولا ساحر، فأَعْرِض عما قالوا". (وقال) ابن سيرين: معناه: اغسل ثيابك من النجاسة. وهو قول ابن زيد، وبهذا احتج الشافعي في وجوب طهارة الثوب (وأنه فرض. ومذهب مالك أن طهارة الثوب ليس بفرض، وهو قول أهل المدينة وإنما طهارة الثوب) سنة. ولذلك، من صلى بثوب نجس ولا يعلم أعاد في الوقت. ولو كانت طهارة الثوب فرضاً لأعاد أبداً. وكذلك البدن تقع فيه النجاسة ليست طهارته فرضاً. يدل على ذلك إجماع المسلمين على أن صلاة من استجمر بالحجارة من الغائط جائزة، مع أن موضع خروج الأذى لم يغسل بالماء. * * - ثم قال ﴿وَٱلرُّجْزَ [فَٱهْجُرْ]﴾. أي: والأَوْثَانَ فاهجر عبادتها. والضم والكسر في الراء لغتان عند الفراء. وقيل: الكسر معناه العَذاب. فتكون الأوثان سميت بالعذاب. لأنها سببه. والضم معناه الأوثان. وأول من فرق بينهما الكسائي. وأكثر الناس على أنه لا فرق بينهما وأنه يراد به الأوثان، [ضَمَمْتَ] الراءَ أو كَسَرْتَهَا. قال ابن عباس: الرجز: "السخط، وهو الأصنام". وقال مجاهد وعكرمة: الرجز: "الأوثان. وقاله الزهري. وقال قتادة: "الرجز: صنمان كانا عند البيت: [إساف ونائلة]، يَمْسَحُ وُجُوهَهُمَا من أتى عليهما، فأمر الله نبيه أن [يجتنبهما] ويعتزلهما". قال ابن زيد: "الرجز آلهتهم التي كانوا يعبدون، (أمره الله) أن يهجرها [فلا يأتيها ولا يقربها]". وقال النَّخعي: المعنى: والمعصية [فاهجر]. * * - ثم قال تعالى ﴿وَلاَ تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ﴾. قال ابن عباس: معناه: ولا تعط يا محمد عطية لتعطى أكثر منها. وهو (معنى) قول أكثر [المفسرين]. وهذا خصوص للنبي ﷺ، وهو مباح لأمته إلا أنه لا أجر [لهم] في ذلك. وهو قوله تعالى: ﴿وَمَآ آتَيْتُمْ مِّن رِّباً لِّيَرْبُوَاْ فِي أَمْوَالِ ٱلنَّاسِ فَلاَ يَرْبُواْ عِندَ ٱللَّهِ﴾ [الروم: ٣٩] وقد قال الضحاك: هو الربا (في) الحلال [قال]: وهما ربوان: حرام وحلال. فأما الحلال فالهدايا. وأما الحرام فالربا بعينه. وقال الحسن: معناه: لا تستكثر عملك الصالح. وهو اختيار الطبري. وقال الربيع بن أنس: معناه: "لاَ يَكْثُرَنْ عملُك في عينك، فإنه فيما أنعم الله [عليك] وأعطاك قليل". وعن مجاهد أن معناه: لا تضعف أن تستكثر من الخير من قولهم: "حبل منين" إذا كان ضعيفاً. وفي قراءة ابن مسعود: "وَلاَ تَمْنُنْ أَنْ تَسْتَكْثِرَ". قال الكسائي: فإذا حذف "أن" رفع، وهو حال (عند) البصريين. وقال ابن زيد: معناه: لا تمنن بالقرآن والنبوة فتستكثرهم به، تأخذ على ذلك عوضاً من الدنيا. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَلِرَبِّكَ فَٱصْبِرْ﴾. أي: اصبر على ما تَلْقَى من قومك لربك [واحتمل] أذاهم. وقال ابن زيد: معناه، اصبر على محاربة العرب والعجم، قال: "حُمِّلَ أمراً عظيماً، مُحَارَبَةَ العرب ثم العجم من بعد العرب في الله". وقال النخعي: معناه: ولربك فاصبر على عطيتك، ولا تعطها لتأخذ أكثر منها، بل احتسبها الله. * * - ثم قال تعالى: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي ٱلنَّاقُورِ * فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾. يقال: [عَسُرَ] الأمرُ إذا صَعُبَ فهو عَسِيرٌ، [وعَسِرَ] فهو عَسِرٌِ. والمعنى: فإذا نفخ في الصور فذلك [يوم] شديد صعب غير سهل على الكافرين. روى ابن عباس أنَّ النبي ﷺ قَالَ: "كَيْفَ أَنْعَمُ وَصَاحِبُ القَرْنِ قَدِ التَقَمَ القَرْنُ [وَحَنَى] جَبْهَتَهُ لِيَسْتَمِعَ مَتَى يُؤْمَرُ، يَنْفُخُ فِيهِ. قَالَ: فَاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلى أَصْحَابِهِ فَأَمَرَهُمْ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَقُولُوا ﴿حَسْبُنَا ٱللَّهُ وَنِعْمَ ٱلْوَكِيلُ﴾ ﴿عَلَى ٱللَّهِ تَوَكَّلْنَا﴾ قال عكرمة: الناقور: الصور. قال مجاهد: (هو) شَيْءٌ كَهَيْئَةِ [البُوقِ]. * * - ثم قال: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً﴾. أي: كِلْ - يا محمد - أَمْرَ هذا الذي خلقته في بطن أمه وحيداً لا شيء له من مال ولا ولد، يعني بذلك الوليد بن المغيرة المخزومي. قال ابن عباس: "أَنْزَلَ اللهُ فِي الوَليدِ بِنْ المُغِيرَةِ ﴿ذَرْنِي﴾ ﴿وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً﴾. [وقوله: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ...﴾ [الحجر: ٩٢] إلى آخرها". وقيل: معناه: دعني يا محمد ومجازاة من خلقته وحده، فيكون "وحيداً"] على القول الأول حالاً من الهاء المحذوفة في "خلقته". وعلى (هذا) القول الآخر حالاً من التاء في "خلقته". وفي هذا الكلام تهدد عظيم ووعيد. والعرب تقول: ذرني وزيداً، أي: كِلْ عقوبته ومُطالَبَتَهُ إلي. فالمعنى: كِلْ - يا محمد - عقوبة هؤلاء إلي، فلست أحتاج [في ذلك] إلى معين ولا ظهير. ويُرْوى أنه كان يقول: أنا الواحد بن الوحيد، ليس لي من العرب نظير ولا لأبي المغيرة نظير. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَجَعَلْتُ لَهُ مَالاً مَّمْدُوداً﴾. قال مجاهد وابن جبير: هو ألف دينار. وقال سفيان: (بلغني) أنه أربعة آلاف دينار. وقيل: هو الأرض يزرع فيها. قاله النعمان بن سالم. وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: هو غَلَّةٌ شهر [بشهر]. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَبَنِينَ شُهُوداً﴾. أي: وجعلت له بنين شهوداً، أي: [حضوراً]. روي أنه كان له عشرة من الولد. وقد قاله مجاهد وغيره. وروي أنه ما زاد بعد نزول هذه الآية إلا [ارتكاساً] في ماله وولده ونفسه. * * - ثم قال: ﴿وَمَهَّدتُّ لَهُ تَمْهِيداً﴾. أي: بسطت له في العيش بسطاً. قاله سفيان. وقال مجاهد: "من المال والولد". * * - ثم قال: ﴿ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ * كَلاَّ﴾ ثم يَأْمَلُ أن أزيده من المال والولد على ما أعطيته ﴿كَلاَّ﴾: أي: ليس الأمر على ما يُؤَمِّلُ، أي: لا يكون ذلك]. * * - ثم قال: ﴿إِنَّهُ كان لآيَاتِنَا عَنِيداً﴾. أي: إنه كان لرد حجتنا وآياتنا معانداً، مجانباً. يقال: عَنُدَ البَعيرُ [يَعْنِدُ عُنُوداً]، [وبَعِيرٌ عَنُودُ]: إذَا مشى مجانباً للإبل لا يمشي معها. قال ابن عباس: ﴿عَنِيداً﴾ "جحوداً". وهو قول قتادة. وقال مجاهد: "معانداً للحق، مجانباً له". وقال سفيان: ﴿عَنِيداً﴾ "مشاقاً لنا". * * - ثم قال: ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً﴾. أي: سأكلفه مشقة من العذاب لا راحة منها. وقيل: الصعود جبل من نار (يكلفون) أن يصعدوه، فإذا وضع يده عليه ذابت، فإذا رفعها عادت، وإذا وضع رجله كذلك. وروى أبو سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: "الصُّعُودُ جَبَلٌ مِنْ نَارٍ يَصْعَدُ فِيهِ سَبْعينَ خَرِيفاً ثُمَّ يَهْوِي كَذلِكَ أَبَدَاً قال مجاهد: ﴿صَعُوداً﴾: "عذاباً لا راحة منه". وقال قتادة: "مشقة من العذاب". * * - ثم قال: ﴿إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ * [فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ]﴾. أي: فكر فيما أنزل الله على نبيه من القرآن، وَقَدَّرَ فيما يقول فيه، فَلُعِنَ كيف قدَّر ما هو قائل، ثم لعن كيف قَدَّرَ القولَ فيه. ﴿ثُمَّ نَظَرَ﴾. أي: ثم تَأَنّى في ذلك. * * ﴿ثُمَّ عَبَسَ﴾ أي: قبض ما بين عينيه. * * ﴿وَبَسَرَ﴾. أي: كلح وكَرَّهَ وجهه. قال عكرمة: جَاءَ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ إلى النبي ﷺ فَقَرَأَ عليه النبي القرآنَ، فكأنه رَقَّ لَهُ، فبلغَ ذلك أبا جهل. فأتاه فقال: أيْ عَمِّ، إِنَّ قومَكَ يُريدون أن يَجْمَعُوا لَكَ مَالاً. قَالَ: لِمَ؟ قَالَ: يُعْطُونَكَ! فإنك أتيت محمداً تَتَعَرَّضُ لِمَا قِبَلَهُ. قال: قد علمت قريش أني أكثرها مالاً! قال: فقل فيه قولاً يَعْلَمُ قومُكَ أَنَّكَ مُنْكِرٌ" [لِمَا قَالَ]، وَأَنَّكَ كارِهٌ له، قال: فماذا أقول فيه؟ فوَالله مَا مِنْكُمْ رَجُلٌ أَعْلَمُ مِنِّي بِالأَشْعَارِ ولاَ أَعْلَمُ بِرَجَزِهِ وَلاَ بِقَصدِهِ، وَلاَ بِأَشْعَارِ الجِنِّ، وَ (اللهِ) لاَ يُشْبِهُ الذِي يَقُولُ شَيْئاً مِنْ هَذَا، وَاللهِ إِنَّ لِقَوْلِهِ الذِي يَقُولُ لَحَلاَوَةً! وَإِنهُ لَيَحْطِمُ مَا تَحْتَهُ! وَإِنَّهُ لَيَعْلُو وَمَا يُعْلَى! قَالَ أَبُو جَهْلٍ: وَاللهِ لاَ يَرْضَى قَوْمُكَ حَتَّى تَقُولَ فِيهِ. قَالَ: فَدَعْنِي حَتَّى أُفَكِّرَ فِيهِ. (فَلَمَّا فَكَّرَ فِيهِ) قَالَ: هَذَا سِحْرٌ يَأْثُرُهُ [عن] غيره، فنزلت ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً﴾ قال ابن عباس: دَخَلَ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ عَلَى أَبِي بَكْرٍ يَسُأَلُهُ عَنِ القُرآن، فَلَمَّا أَخْبَرَهُ خَرَجَ عَلَى قُرَيْشٍ فَقَالَ: يَا عَحَبَاً لِمَا يقول ابْنُ أَبِي كَبْشَةَ! فَوَاللهِ، ما هُوَ بِشِعْرٍ وَلاَ بِسِحْرٍ وَلاَ [بِهَذْيٍ] مِنْ جُنُونٍ، وَإِنهُ لَمِنْ كَلاَمِ اللهِ - جَلَّ وَعَز - فَلَمَّا سَمِعَ بِذلِكَ النَّفَرُ (مِنْ قُرَيْشٍ) [ائْتَمَرُوا] بَيْنَهُمْ، وَقَالُوا: وَاللهِ لَئِنْ صَبَأَ الوَلِيْدُ لَتَصْبُؤَنَّ قُرَيْشٌ، فَلَمَّا سَمِعَ بِذلِكَ أَبُو جَهْلٍ بْنُ هِشَامٍ قَالَ: أَنَا وَالله أَكْفِيكُمْ شَأْنَهُ. فَانْطَلَقَ حَتَى دَخَلَ عَلَيْهِ بَيْتَهُ، فَقَالَ: [أَلَمْ تَرَ] قَوْمَكَ قَدْ جَمَعُوا لَكَ الصَّدَقَةَ؟! قَالَ: أَلَسْتُ أَكْثَرَهُمْ مَالاً وَوَلَداً؟! فَقَالَ لَهُ أَبُو جَهْلٍ: يَتَحَدَّثُونَ أَنَّكَ تَدْخُلُ عَلَى ابْنِ أَبِي قُحَافَةَ لِتُصِيبَ مِنْ طَعَامِهِ! قَالَ الوَلِيدُ: [أَقَدْ] تَحَدَّثَتْ بِذَلِك عَشِيرَتِي؟! فَلاَ وَأَيْمُ جَابِرِ بْنُ قُصَيَّ، لاَ أَقْرَبُ أَبَا بَكْرٍ (وَلاَ عُمَرَ) وَلاَ ابْنَ أَبِي كَبْشَةَ، [وَمَا قَوْلُهُ إِلاَّ سِحْرٌ] يُؤْثَرُ. فَأَنْزَلَ اللهُ ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً...﴾ إلى ﴿لاَ تُبْقِي (وَلاَ) تَذَرُ﴾ قال قتادة: ذكر أنه قال: والله، لقد نظرت [فيما قال هذا الرجل]، [فإذا] هو ليس بشعر، وإن له لحَلاَوَةً، وإن عليه لَطُلاَوَةً، وإنه لَيَعْلُو وما يُعْلَى، ومَا أَشُكُّ أَنَّهُ سِحْرٌ. وقال الضحاك: دعاه النبي ﷺ إلى الإسلام، فقال: حتى أنظر! فَفَكَّرَ، ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ، ثُمَّ أَدْبَرَ واسْتَكبر، فقال: إن هذا إلا سحر يؤثر، فجعل الله له سقر. قال أبو رزين (سحر) (أي): يَأْثُرُهُ من غيره. * * - ﴿إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ قَوْلُ ٱلْبَشَرِ﴾. أي: ما هذا الذي يتلوه محمد إلا قول بني آدم وما هو بكلام الله. [فهذا أول من قال: القرآن مخلوق، قاله الوليد بن المغيرة فأدخله الله سقر. قال بعض العلماء: فكذا يُفْعَلُ بكل من قال: القرآن مخلوقٌ، قاله أحمد بن زيد]. * * - ثم قال: ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾. أي: [سأورده] سقر، وهو باب من أبواب جهنم. يروى أنه الباب السادس منها، نعوذ بالله منها. * * - ﴿وَمَآ أَدْرَاكَ مَا (سَقَرُ)﴾. أي: وأي شيء أدراك ما سقر؟، ثم بَيَّنَهُ وأَدْرَاهُ به [فقال] في صفة سقر. * * - ﴿لاَ تُبْقِي وَلاَ تَذَرُ﴾. أي: هي نارٌ لا تُبْقي من فيها حياً، ولا تَذَرُ من فيها ميتاً، لكنها تحرقهم، كلما احترقوا جُدِّدَ خَلْقُهُمْ. قال مجاهد: ﴿لاَ تُبْقِي وَلاَ تَذَرُ﴾ أي: لا تُحْيِي وَلاَ تُمِيتُ وقيل: ﴿لاَ تُبْقِي وَلاَ تَذَرُ﴾: لا تبقي الكافر حتى يصير فحمة ثم يُعاد خلقاً جديداً ثم لا تذره حتى يعود عليه العذاب بِأَشَدِّ مِمَّا كان هكذا أبداً، نعوذ بالله من ذلك. * * - ثم قال تعالى: ﴿لَوَّاحَةٌ لِّلْبَشَرِ﴾. أي: مغيرة لبشرة من فيها. قال مجاهد: ﴿لَوَّاحَةٌ لِّلْبَشَرِ﴾، أي: مُغَيِّرَةٌ للجلد. وقال قتادة: "خَرَّاقَةٌ للجلد". وقيل: معناه: تَلُوحُ لأَهْلِها من مسيرة خمسمائة عام. وعلى القول الأول أكثر الناس أنها تُغَيِّرُ البَشَرَةَ. قال [أبو رزين]: تلفح الجلد لفحة تَدَعُهُ أَشَدَّ سواداً من الليل. وقال ابن عباس: "تحرق بَشَرَةَ الإنسان". * * - ثم قال: ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾. أي: من الخزنة. ذكر ابن عباس أَنَّ هَذَا لما نَزَلَ عَلَى النبي ﷺ، قَالَ أَبُو جَهْلٍ لِقُرَيْشٍ: ثَكِلَتْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ! أَسْمَعُ ابْنَ أَبِي كَبْشَةَ يُخْبِرُكُمْ أَنَّ خَزَنَةَ النَّارِ تِسْعَةَ عَشَرَ. وَأَنْتُمْ [الدَّهْمُ] أَفَتَعْجَزُ كُلُّ عَشَرَةٍ مِنْكُمْ أَنْ تَبْطِشَ بِرَجُلٍ مِنْ [خَزَنَةِ] جَهَنَّمَ؟! فَأَوْحَى اللهُ إلى نَبِيِّهِ أَنْ يَأْتِيَ أَبَا جَهْلٍ فَيَأْخُذَ بِيَدِهِ فِي بَطْحَاءِ مَكَّةَ فَيقُولَ ﴿أَوْلَىٰ لَكَ فَأَوْلَىٰ * ثُمَّ أَوْلَىٰ لَكَ فَأَوْلَىٰ﴾ [القيامة: ٣٤-٣٥]. فَلَمَّا فَعَلَ بِهِ ذَلكَ رَسُولُ اللهِ قَالَ لَهُ أَبُو جَهْلٍ: وَاللهِ، لاَ تَفْعَلُ أَنْتَ وَرَبُّكَ شَيْئا. فَأَخْزَاهُ - جَلَّ ذِكْرُهُ - يَوْمَ بَدْرٍ فَقُتِلَ. قال كعب الأحبار: ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾: ما منهم ملك إلا ومعه عمود ذو شعبتين يدفع به الدفعة فيلقي في النار تسعين ألفاً. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَآ أَصْحَٰبَ ٱلنَّارِ إِلاَّ مَلَٰئِكَةً﴾ أي: لم نجعل أصحاب النار رجالاً مثلكم فتطمعوا بالتغلب عليهم كما قال أبو جهل لقريش: أفلا يستطيع كل عشرة منكم أن يغلبوا منهم واحداً؟!. فإذا كانت الخزنة ملائكة، فمن ذا يطيق الملائكة؟!. * * - ثم قال: ﴿وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلاَّ فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾. أي: لم نجعلهم تسعة عشر فقط لقلة الملائكة؛ ولكن جعلناهم كذلك ليفتتن الذين كفروا ويستقلوا عدتهم ويُحدثوا أنفسهم بالتغلب على الخزنة حتى قال [أبو الأشد الجمحي]: أنا [أُجْهِضُهُمْ] [عن] النار. وقيل: إن كَلَدَةَ بن أسيد بن خلف قال: أنا أكفيكم سبعة عشر، واكفوني اثنين. * * - ثم قال تعالى: ﴿لِيَسْتَيْقِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَٰبَ﴾. أي: فعلنا ذلك ليفتتن الذين كفروا [وليتيقن] الذين أُوتوا التوراة والإنجيل حقيقة ما في كتبهم من الخبر عن عدة خزنة جهنم، لأنه كذلك عدتهم في التوراة (والإنجيل). هذا معنى قول ابن عباس وغيره. وهو قول مجاهد. قال قتادة: يُصَدِّقُ القرآنُ الكُتُبَ التي كانت قبله، فيها كُلِّها خَزَنَةُ النَّارِ تِسْعَةَ عَشَرَ. وهو قول الضحاك. وقال ابن زيد: ﴿لِيَسْتَيْقِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَٰبَ...﴾ "أنك رسول الله". * * ثم قال تعالى: ﴿وَيَزْدَادَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوۤاْ إِيمَٰناً﴾ أي: تصديقاً إلى تصديقهم بعدة خزنة جهنم. * * - ثم قال: ﴿وَلاَ يَرْتَابَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَٰبَ وَٱلْمُؤْمِنُونَ﴾ أي: ولا يشك أهل الكتاب [و] المؤمنون في حقيقة ذلك. * * - ثم قال: ﴿وَلِيَقُولَ ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ﴾ أي: نفاق. * * ﴿وَٱلْكَٰفِرُونَ﴾ يعني: مشركي قريش. * * - ﴿مَاذَآ أَرَادَ ٱللَّهُ بِهَـٰذَا مَثَلاً﴾. أي: ماذا أراد الله بهذا حين يخوفنا بهؤلاء التسعة عشر. - قال الله: ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ ٱللَّهُ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ﴾. أي: كما أضل هؤلاء المنافقين والمشركين القائلين: أي شيء أراد الله بهذا مثلاً؟! كذلك يضل الله من يشاء] من خلقه فَيَخْذُلُهُ عن إصابة الحق، ويهدي من يشاء فيوفقه للحق. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ﴾ أي: لا يعلم (مقدار) كثرة جنود ربك يا محمد إلا رَبُّكَ. روي عن النبي ﷺ أنه قال: "إِنَّ لله مَلاَئِكَةٌ تَرْعَدُ فَرَائِصَهُمْ مَخَافَةً مِنْهُ، وَإِنَّ مِنْهُمْ مَنْ لاَ تَقْطُرُ مِنْ عَيْنَيْهِ دَمْعَةً إِلاَّ وَقَعَتْ مَلَكاً يُسَبِّحُ، وَمَلاَئِكَةٌ سُجُودٌ مِنْذُ خَلَقَ اللهُ السَّمَواتِ لَمْ يَرْفَعُوا رُؤوسَهِمْ وَلاَ يَرْفَعُونَهَا إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ، وَمِنْهُمْ [مَلاَئِكَةٌ] وُقُوفٌ لم يَنْصَرِفُوا وَلاَ يَنْصَرِفُونَ إلى يوم القيامة. فإذا كان يوم القيامة، تَجَلَّى لَهُمْ رَبُّهُمْ - جَلَّ ذِكْرُهُ - فَقَالوا: سُبْحَانَكَ! مَا عَبَدْنَاكَ حَقَّ عِبَادَتِكَ! وقال كعب: إن لله عز وجل ملائكة من يوم خلقهم قياماً، [ما] ثنوا أصلابهم، وآخرين ركوعاً ما رفعوا أصلابهم، وآخرين [سجوداً] ما رفعوا رؤوسهم حتى يُنْفَخَ في الصور النفخةَ الآخرة فيقولون جميعاً: سبحانك! ما عبدناك كما ينبغي أن تُعْبَدَ. ثم قال كعب: والله، لو أن رجلاً عَمِلَ عَمَلَ سبعين نبيّاً، [لاسْتَقَلَ] عمله يوم القيامة من شدة ما يرى يومئذ. والله، لو دلي من [غسلين] دلو واحد من مطلع الشمس، لغلت منه جماجم قوم في مغربها. والله، [لَتَزْفَرَنَّ] جهنم زَفْرَةً لا يبقى ملك مقرب إلا خَرَّ جَاثِياً عَلَى رُكْبَتَيهِ. وروى ابن المبارك حديثاً - رفعه - أن ملكاً سجد لما استوى الرب [تعالى] على عرشه، فلم يرفع رأسه [و] لا يرفعه إلى يوم القيامة، فيقول يوم القيامة: لم أعبدك حق عبادتك، إلا أني لم أشرك بك شيئاً، ولم أتخذ من دونك ولياً. وقد وصفهم الله في كتابه فقال: ﴿يُسَبِّحُونَ ٱلَّيلَ وَٱلنَّهَارَ لاَ يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٠]. قال كعب: التسبيح للملائكة بمنزلة النَّفَسِ لبَنِي آدم، أُلْهِمُوا التسبيح كما ألهمتم الطَّرْفَ والنَّفَسَ. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَمَا هِيَ إِلاَّ ذِكْرَىٰ لِلْبَشَرِ﴾. يعني النار التي وصفها. يقول: ليس ما وصفتها به من تغييرها للبشر وعدة خزنتها إلا عظةً وعبرة للناس يتعظون بها. * * - ثم قال: ﴿كَلاَّ وَٱلْقَمَرِ﴾. أجاز الطبري الوقف على "كَلاَّ"، [جعله] رَدَّاً لِمَا قبلها. والمعنى عنده: ليس القول كما يقول من زعم أنه يكفي أصحابه المشركين خزنة جهنم التسعة عشر حتى يجهضهم عنها. وقال الفراء: تقديره: "إي والقمر، وقيل: تقديره: "حقاً" (وقيل): "أَلاَ". * * - ﴿وَٱلْقَمَرِ..﴾. أي: ورب القمر ورب الليل إذا أدبر، أي: ولى. * * - ﴿وَٱلصُّبْحِ إِذَآ أَسْفَرَ﴾. أي: أضاءَ وأقبل. يقال: أسفر الصبح إذا أضاء وانكشف. ومنه: سفرت المرأة عن وجهها إذا كشفته. ومنه قيل: "سفر" للكتاب الذي فيه العلم، لأنه يبين ويكشف. ومنه سفرت الريح الغمام: كشفته. ومنه: سفرت البيت: أي كنسته، ومنه قيل: "سفير" للذي يسعى في الصلح، لأنه يكشف المكروه ويزيله. وحكى بعض البصريين: دبرني إذا جاء خلفي. وأدبر إذا ولى. واختار [أبو عبيد] [إِذَا اَدْبَرَ]، لأن بعده: ﴿إِذَآ أَسْفَرَ﴾. وحكي: دبر وأدبر: لغتان بمعنى، يقال: دبر النهار وأدبر. ودبر الصيف وأدبر، وكذلك قبل وأقبل. فإذا قالوا: أقبل الراكب و "أدبر" لم يُقَلْ إلا بالألف. وقيل: معنى ﴿إِذْ أَدْبَرَ﴾ أي: إذ أدبر النهار، وكان في آخره. وسأل رجل ابن عباس عن قوله: ﴿وَٱللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ﴾ فقال: امكث، فلما سمع الأذان [الأول] قال: هذا حين دبر الليل. * * - ثم قال: ﴿إِنَّهَا لإِحْدَى ٱلْكُبَرِ﴾. يعني جهنم، أي: هي إحدى الأمور العظام. و (إحدى): فُعْلَى، نَعْتٌ، وهو قليل، إنما تأتي هذه النعوت غير المصادر بضم الأول أو بفتحه. * * - ثم قال: ﴿نَذِيراً لِّلْبَشَرِ﴾. قال أبو رزين: يقول الله جل ذكره: أنا نذير للبشر. وقال [ابن زيد]: معناه: محمد نذير للبشر. ونصبها على الحال من المضمر في "إنها" [أَوْ مِنْ] "إِحْدَى". وهذان القولان يدلان على أن النار هي النذير، وهو قول الحسن. ويجوز أن تكون حالاً من "هو" في قوله: ﴿إِلاَّ هُوَ﴾، أو على إضمار فعل تقديره: صَيَّرَهَا ﴿نَذِيراً﴾، وهذا على قول أبي رزين. وقال الكسائي: هي حال من المضمر في ﴿قُمْ﴾ أي: قم نذيراً، من أول السورة. وهو يرجع إلى قول ابن زيد. وقيل: ﴿نَذِيراً﴾ بمعنى إنذار، فنصبه على المصدر. (وقيل: نصبه على المصدر) [وقيل: نصبه على أعني]. ومن جعله للنار حذف [الياء] من "نذير" لأنه بمعنى النسب.

المدثر 74:18

قوله تعالى: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنذِرْ﴾ إلى قوله: ﴿نَذِيراً لِّلْبَشَرِ﴾. أي: يا أيها المدثر بثيابه عند نومه. وروي أن النبي ﷺ [قيل له ذلك] وهو متدثر بقطيفة. ذكره النخعي. وروي أن هذا أول ما نزل على النبي ﷺ. رواه جابر بن عبد الله قال: حَدَّثَنِي النَّبِيُّ ﷺ، قَالَ: جَاوَرْتُ فِي حِرَاءَ، فَلَمَّا قَضَيْتُ [جِوَارِي] هَبَطْتُ فَاسْتَبْطَنْتُ [الوَادِيَ]، فَنُودِيتُ فَنَظَرْتُ عَنْ يَمِينِي وَعَنْ شِمَالِي وَخَلْفِي (وَقُدَّامِي) فَلَمْ أَرَ شَيْئاً، فَنَظَرْتُ فَوْقَ رَأْسِي فَإِذَا هُوَ - يَعْنِي المَلَكَ - جَالِسٌ عَلَى عَرْشٍ بَيْنَ السَّمَاءِ والأَرْضِ [فَجُثِثْتُ] مِنْهُ. فَأَتَيْتُ خَدِيجَةَ فَقُلْتُ: دَثِّرُونِي، (دَثِّرُونِي)، وَصُبُّوا عَلَيَّ مَاءً. وَأُنْزِلَ عَلَيَّ ﴿يٰأَيُّهَا ٱلْمُدَّثِّرُ﴾ وقال الزهري: كان أول شيء أنزل عليه: ﴿ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق: ١] حتى بلغ ﴿(عَلَّمَ ٱلإِنسَانَ) مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: ٥]. قال ابن عباس: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلْمُدَّثِّرُ﴾: "يأ أيها النائم". وقال قتادة: المدثر في ثيابه. وقال عكرمة: معناه: "دُثرت هذا الأَمر فقم به"، يعني النبوة. * * - وقوله: ﴿قُمْ فَأَنذِرْ﴾. أي: قم من نومك فأنذر قومك عذاب الله على شركهم بالله. * * - ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾. أي: فعظم. * * - ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾. أي: لا تلبسها على معصية ولا [غدرة]. قاله ابن عباس. وعنه أيضاً: فطَهِّرْها من الإثم. وقال النخعي: فطهرها من الذنوب. والعرب تقول لرجل إذا نكث ولم يف بعهده: إنه لدنس الثياب، وإذا أوفى بعهده وأصلح: إنه لمُطَهَّر الثياب. وقال الضحاك: معناه: "لا تلبس ثيابك على معصية". وقال ابن زيد: معناه: "وعملك فأصلحه"، قال: والعرب تقول للرجل الخبيث العمل: فلان خبيث الثياب. وإذا كان حسن العمل (قالوا: فلان طاهر الثياب. وعن ابن عباس أيضاً أن معناه: "لا تلبس ثيابك) من [مكسب] غير طيب. وعن مجاهد أن معناه: "لست بكاهن ولا ساحر، فأَعْرِض عما قالوا". (وقال) ابن سيرين: معناه: اغسل ثيابك من النجاسة. وهو قول ابن زيد، وبهذا احتج الشافعي في وجوب طهارة الثوب (وأنه فرض. ومذهب مالك أن طهارة الثوب ليس بفرض، وهو قول أهل المدينة وإنما طهارة الثوب) سنة. ولذلك، من صلى بثوب نجس ولا يعلم أعاد في الوقت. ولو كانت طهارة الثوب فرضاً لأعاد أبداً. وكذلك البدن تقع فيه النجاسة ليست طهارته فرضاً. يدل على ذلك إجماع المسلمين على أن صلاة من استجمر بالحجارة من الغائط جائزة، مع أن موضع خروج الأذى لم يغسل بالماء. * * - ثم قال ﴿وَٱلرُّجْزَ [فَٱهْجُرْ]﴾. أي: والأَوْثَانَ فاهجر عبادتها. والضم والكسر في الراء لغتان عند الفراء. وقيل: الكسر معناه العَذاب. فتكون الأوثان سميت بالعذاب. لأنها سببه. والضم معناه الأوثان. وأول من فرق بينهما الكسائي. وأكثر الناس على أنه لا فرق بينهما وأنه يراد به الأوثان، [ضَمَمْتَ] الراءَ أو كَسَرْتَهَا. قال ابن عباس: الرجز: "السخط، وهو الأصنام". وقال مجاهد وعكرمة: الرجز: "الأوثان. وقاله الزهري. وقال قتادة: "الرجز: صنمان كانا عند البيت: [إساف ونائلة]، يَمْسَحُ وُجُوهَهُمَا من أتى عليهما، فأمر الله نبيه أن [يجتنبهما] ويعتزلهما". قال ابن زيد: "الرجز آلهتهم التي كانوا يعبدون، (أمره الله) أن يهجرها [فلا يأتيها ولا يقربها]". وقال النَّخعي: المعنى: والمعصية [فاهجر]. * * - ثم قال تعالى ﴿وَلاَ تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ﴾. قال ابن عباس: معناه: ولا تعط يا محمد عطية لتعطى أكثر منها. وهو (معنى) قول أكثر [المفسرين]. وهذا خصوص للنبي ﷺ، وهو مباح لأمته إلا أنه لا أجر [لهم] في ذلك. وهو قوله تعالى: ﴿وَمَآ آتَيْتُمْ مِّن رِّباً لِّيَرْبُوَاْ فِي أَمْوَالِ ٱلنَّاسِ فَلاَ يَرْبُواْ عِندَ ٱللَّهِ﴾ [الروم: ٣٩] وقد قال الضحاك: هو الربا (في) الحلال [قال]: وهما ربوان: حرام وحلال. فأما الحلال فالهدايا. وأما الحرام فالربا بعينه. وقال الحسن: معناه: لا تستكثر عملك الصالح. وهو اختيار الطبري. وقال الربيع بن أنس: معناه: "لاَ يَكْثُرَنْ عملُك في عينك، فإنه فيما أنعم الله [عليك] وأعطاك قليل". وعن مجاهد أن معناه: لا تضعف أن تستكثر من الخير من قولهم: "حبل منين" إذا كان ضعيفاً. وفي قراءة ابن مسعود: "وَلاَ تَمْنُنْ أَنْ تَسْتَكْثِرَ". قال الكسائي: فإذا حذف "أن" رفع، وهو حال (عند) البصريين. وقال ابن زيد: معناه: لا تمنن بالقرآن والنبوة فتستكثرهم به، تأخذ على ذلك عوضاً من الدنيا. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَلِرَبِّكَ فَٱصْبِرْ﴾. أي: اصبر على ما تَلْقَى من قومك لربك [واحتمل] أذاهم. وقال ابن زيد: معناه، اصبر على محاربة العرب والعجم، قال: "حُمِّلَ أمراً عظيماً، مُحَارَبَةَ العرب ثم العجم من بعد العرب في الله". وقال النخعي: معناه: ولربك فاصبر على عطيتك، ولا تعطها لتأخذ أكثر منها، بل احتسبها الله. * * - ثم قال تعالى: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي ٱلنَّاقُورِ * فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾. يقال: [عَسُرَ] الأمرُ إذا صَعُبَ فهو عَسِيرٌ، [وعَسِرَ] فهو عَسِرٌِ. والمعنى: فإذا نفخ في الصور فذلك [يوم] شديد صعب غير سهل على الكافرين. روى ابن عباس أنَّ النبي ﷺ قَالَ: "كَيْفَ أَنْعَمُ وَصَاحِبُ القَرْنِ قَدِ التَقَمَ القَرْنُ [وَحَنَى] جَبْهَتَهُ لِيَسْتَمِعَ مَتَى يُؤْمَرُ، يَنْفُخُ فِيهِ. قَالَ: فَاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلى أَصْحَابِهِ فَأَمَرَهُمْ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَقُولُوا ﴿حَسْبُنَا ٱللَّهُ وَنِعْمَ ٱلْوَكِيلُ﴾ ﴿عَلَى ٱللَّهِ تَوَكَّلْنَا﴾ قال عكرمة: الناقور: الصور. قال مجاهد: (هو) شَيْءٌ كَهَيْئَةِ [البُوقِ]. * * - ثم قال: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً﴾. أي: كِلْ - يا محمد - أَمْرَ هذا الذي خلقته في بطن أمه وحيداً لا شيء له من مال ولا ولد، يعني بذلك الوليد بن المغيرة المخزومي. قال ابن عباس: "أَنْزَلَ اللهُ فِي الوَليدِ بِنْ المُغِيرَةِ ﴿ذَرْنِي﴾ ﴿وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً﴾. [وقوله: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ...﴾ [الحجر: ٩٢] إلى آخرها". وقيل: معناه: دعني يا محمد ومجازاة من خلقته وحده، فيكون "وحيداً"] على القول الأول حالاً من الهاء المحذوفة في "خلقته". وعلى (هذا) القول الآخر حالاً من التاء في "خلقته". وفي هذا الكلام تهدد عظيم ووعيد. والعرب تقول: ذرني وزيداً، أي: كِلْ عقوبته ومُطالَبَتَهُ إلي. فالمعنى: كِلْ - يا محمد - عقوبة هؤلاء إلي، فلست أحتاج [في ذلك] إلى معين ولا ظهير. ويُرْوى أنه كان يقول: أنا الواحد بن الوحيد، ليس لي من العرب نظير ولا لأبي المغيرة نظير. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَجَعَلْتُ لَهُ مَالاً مَّمْدُوداً﴾. قال مجاهد وابن جبير: هو ألف دينار. وقال سفيان: (بلغني) أنه أربعة آلاف دينار. وقيل: هو الأرض يزرع فيها. قاله النعمان بن سالم. وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: هو غَلَّةٌ شهر [بشهر]. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَبَنِينَ شُهُوداً﴾. أي: وجعلت له بنين شهوداً، أي: [حضوراً]. روي أنه كان له عشرة من الولد. وقد قاله مجاهد وغيره. وروي أنه ما زاد بعد نزول هذه الآية إلا [ارتكاساً] في ماله وولده ونفسه. * * - ثم قال: ﴿وَمَهَّدتُّ لَهُ تَمْهِيداً﴾. أي: بسطت له في العيش بسطاً. قاله سفيان. وقال مجاهد: "من المال والولد". * * - ثم قال: ﴿ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ * كَلاَّ﴾ ثم يَأْمَلُ أن أزيده من المال والولد على ما أعطيته ﴿كَلاَّ﴾: أي: ليس الأمر على ما يُؤَمِّلُ، أي: لا يكون ذلك]. * * - ثم قال: ﴿إِنَّهُ كان لآيَاتِنَا عَنِيداً﴾. أي: إنه كان لرد حجتنا وآياتنا معانداً، مجانباً. يقال: عَنُدَ البَعيرُ [يَعْنِدُ عُنُوداً]، [وبَعِيرٌ عَنُودُ]: إذَا مشى مجانباً للإبل لا يمشي معها. قال ابن عباس: ﴿عَنِيداً﴾ "جحوداً". وهو قول قتادة. وقال مجاهد: "معانداً للحق، مجانباً له". وقال سفيان: ﴿عَنِيداً﴾ "مشاقاً لنا". * * - ثم قال: ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً﴾. أي: سأكلفه مشقة من العذاب لا راحة منها. وقيل: الصعود جبل من نار (يكلفون) أن يصعدوه، فإذا وضع يده عليه ذابت، فإذا رفعها عادت، وإذا وضع رجله كذلك. وروى أبو سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: "الصُّعُودُ جَبَلٌ مِنْ نَارٍ يَصْعَدُ فِيهِ سَبْعينَ خَرِيفاً ثُمَّ يَهْوِي كَذلِكَ أَبَدَاً قال مجاهد: ﴿صَعُوداً﴾: "عذاباً لا راحة منه". وقال قتادة: "مشقة من العذاب". * * - ثم قال: ﴿إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ * [فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ]﴾. أي: فكر فيما أنزل الله على نبيه من القرآن، وَقَدَّرَ فيما يقول فيه، فَلُعِنَ كيف قدَّر ما هو قائل، ثم لعن كيف قَدَّرَ القولَ فيه. ﴿ثُمَّ نَظَرَ﴾. أي: ثم تَأَنّى في ذلك. * * ﴿ثُمَّ عَبَسَ﴾ أي: قبض ما بين عينيه. * * ﴿وَبَسَرَ﴾. أي: كلح وكَرَّهَ وجهه. قال عكرمة: جَاءَ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ إلى النبي ﷺ فَقَرَأَ عليه النبي القرآنَ، فكأنه رَقَّ لَهُ، فبلغَ ذلك أبا جهل. فأتاه فقال: أيْ عَمِّ، إِنَّ قومَكَ يُريدون أن يَجْمَعُوا لَكَ مَالاً. قَالَ: لِمَ؟ قَالَ: يُعْطُونَكَ! فإنك أتيت محمداً تَتَعَرَّضُ لِمَا قِبَلَهُ. قال: قد علمت قريش أني أكثرها مالاً! قال: فقل فيه قولاً يَعْلَمُ قومُكَ أَنَّكَ مُنْكِرٌ" [لِمَا قَالَ]، وَأَنَّكَ كارِهٌ له، قال: فماذا أقول فيه؟ فوَالله مَا مِنْكُمْ رَجُلٌ أَعْلَمُ مِنِّي بِالأَشْعَارِ ولاَ أَعْلَمُ بِرَجَزِهِ وَلاَ بِقَصدِهِ، وَلاَ بِأَشْعَارِ الجِنِّ، وَ (اللهِ) لاَ يُشْبِهُ الذِي يَقُولُ شَيْئاً مِنْ هَذَا، وَاللهِ إِنَّ لِقَوْلِهِ الذِي يَقُولُ لَحَلاَوَةً! وَإِنهُ لَيَحْطِمُ مَا تَحْتَهُ! وَإِنَّهُ لَيَعْلُو وَمَا يُعْلَى! قَالَ أَبُو جَهْلٍ: وَاللهِ لاَ يَرْضَى قَوْمُكَ حَتَّى تَقُولَ فِيهِ. قَالَ: فَدَعْنِي حَتَّى أُفَكِّرَ فِيهِ. (فَلَمَّا فَكَّرَ فِيهِ) قَالَ: هَذَا سِحْرٌ يَأْثُرُهُ [عن] غيره، فنزلت ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً﴾ قال ابن عباس: دَخَلَ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ عَلَى أَبِي بَكْرٍ يَسُأَلُهُ عَنِ القُرآن، فَلَمَّا أَخْبَرَهُ خَرَجَ عَلَى قُرَيْشٍ فَقَالَ: يَا عَحَبَاً لِمَا يقول ابْنُ أَبِي كَبْشَةَ! فَوَاللهِ، ما هُوَ بِشِعْرٍ وَلاَ بِسِحْرٍ وَلاَ [بِهَذْيٍ] مِنْ جُنُونٍ، وَإِنهُ لَمِنْ كَلاَمِ اللهِ - جَلَّ وَعَز - فَلَمَّا سَمِعَ بِذلِكَ النَّفَرُ (مِنْ قُرَيْشٍ) [ائْتَمَرُوا] بَيْنَهُمْ، وَقَالُوا: وَاللهِ لَئِنْ صَبَأَ الوَلِيْدُ لَتَصْبُؤَنَّ قُرَيْشٌ، فَلَمَّا سَمِعَ بِذلِكَ أَبُو جَهْلٍ بْنُ هِشَامٍ قَالَ: أَنَا وَالله أَكْفِيكُمْ شَأْنَهُ. فَانْطَلَقَ حَتَى دَخَلَ عَلَيْهِ بَيْتَهُ، فَقَالَ: [أَلَمْ تَرَ] قَوْمَكَ قَدْ جَمَعُوا لَكَ الصَّدَقَةَ؟! قَالَ: أَلَسْتُ أَكْثَرَهُمْ مَالاً وَوَلَداً؟! فَقَالَ لَهُ أَبُو جَهْلٍ: يَتَحَدَّثُونَ أَنَّكَ تَدْخُلُ عَلَى ابْنِ أَبِي قُحَافَةَ لِتُصِيبَ مِنْ طَعَامِهِ! قَالَ الوَلِيدُ: [أَقَدْ] تَحَدَّثَتْ بِذَلِك عَشِيرَتِي؟! فَلاَ وَأَيْمُ جَابِرِ بْنُ قُصَيَّ، لاَ أَقْرَبُ أَبَا بَكْرٍ (وَلاَ عُمَرَ) وَلاَ ابْنَ أَبِي كَبْشَةَ، [وَمَا قَوْلُهُ إِلاَّ سِحْرٌ] يُؤْثَرُ. فَأَنْزَلَ اللهُ ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً...﴾ إلى ﴿لاَ تُبْقِي (وَلاَ) تَذَرُ﴾ قال قتادة: ذكر أنه قال: والله، لقد نظرت [فيما قال هذا الرجل]، [فإذا] هو ليس بشعر، وإن له لحَلاَوَةً، وإن عليه لَطُلاَوَةً، وإنه لَيَعْلُو وما يُعْلَى، ومَا أَشُكُّ أَنَّهُ سِحْرٌ. وقال الضحاك: دعاه النبي ﷺ إلى الإسلام، فقال: حتى أنظر! فَفَكَّرَ، ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ، ثُمَّ أَدْبَرَ واسْتَكبر، فقال: إن هذا إلا سحر يؤثر، فجعل الله له سقر. قال أبو رزين (سحر) (أي): يَأْثُرُهُ من غيره. * * - ﴿إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ قَوْلُ ٱلْبَشَرِ﴾. أي: ما هذا الذي يتلوه محمد إلا قول بني آدم وما هو بكلام الله. [فهذا أول من قال: القرآن مخلوق، قاله الوليد بن المغيرة فأدخله الله سقر. قال بعض العلماء: فكذا يُفْعَلُ بكل من قال: القرآن مخلوقٌ، قاله أحمد بن زيد]. * * - ثم قال: ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾. أي: [سأورده] سقر، وهو باب من أبواب جهنم. يروى أنه الباب السادس منها، نعوذ بالله منها. * * - ﴿وَمَآ أَدْرَاكَ مَا (سَقَرُ)﴾. أي: وأي شيء أدراك ما سقر؟، ثم بَيَّنَهُ وأَدْرَاهُ به [فقال] في صفة سقر. * * - ﴿لاَ تُبْقِي وَلاَ تَذَرُ﴾. أي: هي نارٌ لا تُبْقي من فيها حياً، ولا تَذَرُ من فيها ميتاً، لكنها تحرقهم، كلما احترقوا جُدِّدَ خَلْقُهُمْ. قال مجاهد: ﴿لاَ تُبْقِي وَلاَ تَذَرُ﴾ أي: لا تُحْيِي وَلاَ تُمِيتُ وقيل: ﴿لاَ تُبْقِي وَلاَ تَذَرُ﴾: لا تبقي الكافر حتى يصير فحمة ثم يُعاد خلقاً جديداً ثم لا تذره حتى يعود عليه العذاب بِأَشَدِّ مِمَّا كان هكذا أبداً، نعوذ بالله من ذلك. * * - ثم قال تعالى: ﴿لَوَّاحَةٌ لِّلْبَشَرِ﴾. أي: مغيرة لبشرة من فيها. قال مجاهد: ﴿لَوَّاحَةٌ لِّلْبَشَرِ﴾، أي: مُغَيِّرَةٌ للجلد. وقال قتادة: "خَرَّاقَةٌ للجلد". وقيل: معناه: تَلُوحُ لأَهْلِها من مسيرة خمسمائة عام. وعلى القول الأول أكثر الناس أنها تُغَيِّرُ البَشَرَةَ. قال [أبو رزين]: تلفح الجلد لفحة تَدَعُهُ أَشَدَّ سواداً من الليل. وقال ابن عباس: "تحرق بَشَرَةَ الإنسان". * * - ثم قال: ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾. أي: من الخزنة. ذكر ابن عباس أَنَّ هَذَا لما نَزَلَ عَلَى النبي ﷺ، قَالَ أَبُو جَهْلٍ لِقُرَيْشٍ: ثَكِلَتْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ! أَسْمَعُ ابْنَ أَبِي كَبْشَةَ يُخْبِرُكُمْ أَنَّ خَزَنَةَ النَّارِ تِسْعَةَ عَشَرَ. وَأَنْتُمْ [الدَّهْمُ] أَفَتَعْجَزُ كُلُّ عَشَرَةٍ مِنْكُمْ أَنْ تَبْطِشَ بِرَجُلٍ مِنْ [خَزَنَةِ] جَهَنَّمَ؟! فَأَوْحَى اللهُ إلى نَبِيِّهِ أَنْ يَأْتِيَ أَبَا جَهْلٍ فَيَأْخُذَ بِيَدِهِ فِي بَطْحَاءِ مَكَّةَ فَيقُولَ ﴿أَوْلَىٰ لَكَ فَأَوْلَىٰ * ثُمَّ أَوْلَىٰ لَكَ فَأَوْلَىٰ﴾ [القيامة: ٣٤-٣٥]. فَلَمَّا فَعَلَ بِهِ ذَلكَ رَسُولُ اللهِ قَالَ لَهُ أَبُو جَهْلٍ: وَاللهِ، لاَ تَفْعَلُ أَنْتَ وَرَبُّكَ شَيْئا. فَأَخْزَاهُ - جَلَّ ذِكْرُهُ - يَوْمَ بَدْرٍ فَقُتِلَ. قال كعب الأحبار: ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾: ما منهم ملك إلا ومعه عمود ذو شعبتين يدفع به الدفعة فيلقي في النار تسعين ألفاً. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَآ أَصْحَٰبَ ٱلنَّارِ إِلاَّ مَلَٰئِكَةً﴾ أي: لم نجعل أصحاب النار رجالاً مثلكم فتطمعوا بالتغلب عليهم كما قال أبو جهل لقريش: أفلا يستطيع كل عشرة منكم أن يغلبوا منهم واحداً؟!. فإذا كانت الخزنة ملائكة، فمن ذا يطيق الملائكة؟!. * * - ثم قال: ﴿وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلاَّ فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾. أي: لم نجعلهم تسعة عشر فقط لقلة الملائكة؛ ولكن جعلناهم كذلك ليفتتن الذين كفروا ويستقلوا عدتهم ويُحدثوا أنفسهم بالتغلب على الخزنة حتى قال [أبو الأشد الجمحي]: أنا [أُجْهِضُهُمْ] [عن] النار. وقيل: إن كَلَدَةَ بن أسيد بن خلف قال: أنا أكفيكم سبعة عشر، واكفوني اثنين. * * - ثم قال تعالى: ﴿لِيَسْتَيْقِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَٰبَ﴾. أي: فعلنا ذلك ليفتتن الذين كفروا [وليتيقن] الذين أُوتوا التوراة والإنجيل حقيقة ما في كتبهم من الخبر عن عدة خزنة جهنم، لأنه كذلك عدتهم في التوراة (والإنجيل). هذا معنى قول ابن عباس وغيره. وهو قول مجاهد. قال قتادة: يُصَدِّقُ القرآنُ الكُتُبَ التي كانت قبله، فيها كُلِّها خَزَنَةُ النَّارِ تِسْعَةَ عَشَرَ. وهو قول الضحاك. وقال ابن زيد: ﴿لِيَسْتَيْقِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَٰبَ...﴾ "أنك رسول الله". * * ثم قال تعالى: ﴿وَيَزْدَادَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوۤاْ إِيمَٰناً﴾ أي: تصديقاً إلى تصديقهم بعدة خزنة جهنم. * * - ثم قال: ﴿وَلاَ يَرْتَابَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَٰبَ وَٱلْمُؤْمِنُونَ﴾ أي: ولا يشك أهل الكتاب [و] المؤمنون في حقيقة ذلك. * * - ثم قال: ﴿وَلِيَقُولَ ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ﴾ أي: نفاق. * * ﴿وَٱلْكَٰفِرُونَ﴾ يعني: مشركي قريش. * * - ﴿مَاذَآ أَرَادَ ٱللَّهُ بِهَـٰذَا مَثَلاً﴾. أي: ماذا أراد الله بهذا حين يخوفنا بهؤلاء التسعة عشر. - قال الله: ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ ٱللَّهُ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ﴾. أي: كما أضل هؤلاء المنافقين والمشركين القائلين: أي شيء أراد الله بهذا مثلاً؟! كذلك يضل الله من يشاء] من خلقه فَيَخْذُلُهُ عن إصابة الحق، ويهدي من يشاء فيوفقه للحق. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ﴾ أي: لا يعلم (مقدار) كثرة جنود ربك يا محمد إلا رَبُّكَ. روي عن النبي ﷺ أنه قال: "إِنَّ لله مَلاَئِكَةٌ تَرْعَدُ فَرَائِصَهُمْ مَخَافَةً مِنْهُ، وَإِنَّ مِنْهُمْ مَنْ لاَ تَقْطُرُ مِنْ عَيْنَيْهِ دَمْعَةً إِلاَّ وَقَعَتْ مَلَكاً يُسَبِّحُ، وَمَلاَئِكَةٌ سُجُودٌ مِنْذُ خَلَقَ اللهُ السَّمَواتِ لَمْ يَرْفَعُوا رُؤوسَهِمْ وَلاَ يَرْفَعُونَهَا إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ، وَمِنْهُمْ [مَلاَئِكَةٌ] وُقُوفٌ لم يَنْصَرِفُوا وَلاَ يَنْصَرِفُونَ إلى يوم القيامة. فإذا كان يوم القيامة، تَجَلَّى لَهُمْ رَبُّهُمْ - جَلَّ ذِكْرُهُ - فَقَالوا: سُبْحَانَكَ! مَا عَبَدْنَاكَ حَقَّ عِبَادَتِكَ! وقال كعب: إن لله عز وجل ملائكة من يوم خلقهم قياماً، [ما] ثنوا أصلابهم، وآخرين ركوعاً ما رفعوا أصلابهم، وآخرين [سجوداً] ما رفعوا رؤوسهم حتى يُنْفَخَ في الصور النفخةَ الآخرة فيقولون جميعاً: سبحانك! ما عبدناك كما ينبغي أن تُعْبَدَ. ثم قال كعب: والله، لو أن رجلاً عَمِلَ عَمَلَ سبعين نبيّاً، [لاسْتَقَلَ] عمله يوم القيامة من شدة ما يرى يومئذ. والله، لو دلي من [غسلين] دلو واحد من مطلع الشمس، لغلت منه جماجم قوم في مغربها. والله، [لَتَزْفَرَنَّ] جهنم زَفْرَةً لا يبقى ملك مقرب إلا خَرَّ جَاثِياً عَلَى رُكْبَتَيهِ. وروى ابن المبارك حديثاً - رفعه - أن ملكاً سجد لما استوى الرب [تعالى] على عرشه، فلم يرفع رأسه [و] لا يرفعه إلى يوم القيامة، فيقول يوم القيامة: لم أعبدك حق عبادتك، إلا أني لم أشرك بك شيئاً، ولم أتخذ من دونك ولياً. وقد وصفهم الله في كتابه فقال: ﴿يُسَبِّحُونَ ٱلَّيلَ وَٱلنَّهَارَ لاَ يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٠]. قال كعب: التسبيح للملائكة بمنزلة النَّفَسِ لبَنِي آدم، أُلْهِمُوا التسبيح كما ألهمتم الطَّرْفَ والنَّفَسَ. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَمَا هِيَ إِلاَّ ذِكْرَىٰ لِلْبَشَرِ﴾. يعني النار التي وصفها. يقول: ليس ما وصفتها به من تغييرها للبشر وعدة خزنتها إلا عظةً وعبرة للناس يتعظون بها. * * - ثم قال: ﴿كَلاَّ وَٱلْقَمَرِ﴾. أجاز الطبري الوقف على "كَلاَّ"، [جعله] رَدَّاً لِمَا قبلها. والمعنى عنده: ليس القول كما يقول من زعم أنه يكفي أصحابه المشركين خزنة جهنم التسعة عشر حتى يجهضهم عنها. وقال الفراء: تقديره: "إي والقمر، وقيل: تقديره: "حقاً" (وقيل): "أَلاَ". * * - ﴿وَٱلْقَمَرِ..﴾. أي: ورب القمر ورب الليل إذا أدبر، أي: ولى. * * - ﴿وَٱلصُّبْحِ إِذَآ أَسْفَرَ﴾. أي: أضاءَ وأقبل. يقال: أسفر الصبح إذا أضاء وانكشف. ومنه: سفرت المرأة عن وجهها إذا كشفته. ومنه قيل: "سفر" للكتاب الذي فيه العلم، لأنه يبين ويكشف. ومنه سفرت الريح الغمام: كشفته. ومنه: سفرت البيت: أي كنسته، ومنه قيل: "سفير" للذي يسعى في الصلح، لأنه يكشف المكروه ويزيله. وحكى بعض البصريين: دبرني إذا جاء خلفي. وأدبر إذا ولى. واختار [أبو عبيد] [إِذَا اَدْبَرَ]، لأن بعده: ﴿إِذَآ أَسْفَرَ﴾. وحكي: دبر وأدبر: لغتان بمعنى، يقال: دبر النهار وأدبر. ودبر الصيف وأدبر، وكذلك قبل وأقبل. فإذا قالوا: أقبل الراكب و "أدبر" لم يُقَلْ إلا بالألف. وقيل: معنى ﴿إِذْ أَدْبَرَ﴾ أي: إذ أدبر النهار، وكان في آخره. وسأل رجل ابن عباس عن قوله: ﴿وَٱللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ﴾ فقال: امكث، فلما سمع الأذان [الأول] قال: هذا حين دبر الليل. * * - ثم قال: ﴿إِنَّهَا لإِحْدَى ٱلْكُبَرِ﴾. يعني جهنم، أي: هي إحدى الأمور العظام. و (إحدى): فُعْلَى، نَعْتٌ، وهو قليل، إنما تأتي هذه النعوت غير المصادر بضم الأول أو بفتحه. * * - ثم قال: ﴿نَذِيراً لِّلْبَشَرِ﴾. قال أبو رزين: يقول الله جل ذكره: أنا نذير للبشر. وقال [ابن زيد]: معناه: محمد نذير للبشر. ونصبها على الحال من المضمر في "إنها" [أَوْ مِنْ] "إِحْدَى". وهذان القولان يدلان على أن النار هي النذير، وهو قول الحسن. ويجوز أن تكون حالاً من "هو" في قوله: ﴿إِلاَّ هُوَ﴾، أو على إضمار فعل تقديره: صَيَّرَهَا ﴿نَذِيراً﴾، وهذا على قول أبي رزين. وقال الكسائي: هي حال من المضمر في ﴿قُمْ﴾ أي: قم نذيراً، من أول السورة. وهو يرجع إلى قول ابن زيد. وقيل: ﴿نَذِيراً﴾ بمعنى إنذار، فنصبه على المصدر. (وقيل: نصبه على المصدر) [وقيل: نصبه على أعني]. ومن جعله للنار حذف [الياء] من "نذير" لأنه بمعنى النسب.