Tafsir Makhi — نوح 71:1 – الجن 72:28
المحتويات
- نوح 71:1
- نوح 71:2
- نوح 71:3
- نوح 71:4
- نوح 71:5
- نوح 71:6
- نوح 71:7
- نوح 71:8
- نوح 71:9
- نوح 71:10
- نوح 71:11
- نوح 71:12
- نوح 71:13
- نوح 71:14
- نوح 71:15
- نوح 71:16
- نوح 71:17
- نوح 71:18
- نوح 71:19
- نوح 71:20
- نوح 71:21
- نوح 71:22
- نوح 71:23
- نوح 71:24
- نوح 71:25
- نوح 71:26
- نوح 71:27
- نوح 71:28
- الجن 72:1
- الجن 72:2
- الجن 72:3
- الجن 72:4
- الجن 72:5
- الجن 72:6
- الجن 72:7
- الجن 72:8
- الجن 72:9
- الجن 72:10
- الجن 72:11
- الجن 72:12
- الجن 72:13
- الجن 72:14
- الجن 72:15
- الجن 72:16
- الجن 72:17
- الجن 72:18
- الجن 72:19
- الجن 72:20
- الجن 72:21
- الجن 72:22
- الجن 72:23
- الجن 72:24
- الجن 72:25
- الجن 72:26
- الجن 72:27
- الجن 72:28
نوح 71:1
قوله تعالى ﴿إِنَّآ أَرْسَلْنَا نُوحاً (إِلَىٰ قَوْمِهِ)﴾، إلى قوله: ﴿لَوْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾.
أي: أرسلنا نوحاً منذراً قومه عذاب الله الأليم.
قيل: هو الطوفان.
وقيل: هو عذاب جهنم.
ويروى أن نوحاً عليه السلام أرسل إلى قومه وهو ابن مائتي سنة وخمسين سنة، فلبث فيهم يدعوهم إلى الله وإلى عبادته ألف سنة إلا خمسين سنة كما أعلمنا الله عنه، ثم دعا قومه فبلغه الله أمله (فيهم) فغرق بهم كما أعلمنا الله عنه. ثم عاش بعد الغرق مائتي سنة وخمسين سنة فكان عمره ألف سنة وأربع مائة سنة وخمسين سنة، فلما احتضر قال له ملك الموت: يا أطول الأنبياء عمراً وأكثرهم عملاً، كيف وجدت الدنيا؟ قال: كَبيْتٍ له بابان، دخلت من باب وخرجت من باب.
* *
- ثم قال تعالى ﴿[قَالَ] يٰقَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ﴾.
أي: "نَذِيرٌ" أنذركم عقاب الله فاحذروه أن ينزل بكم على كفركم، "مبِينٌ": أي قد بينت لكم إنذاري إياكم.
* *
- ثم قال: ﴿أَنِ ٱعبُدُواْ ٱللَّهَ وَٱتَّقُوهُ﴾
(أي: مبين بأن اعبدوا الله، لا تعبدوا غيره،) واتقوه فيما أمركم به.
* *
- ﴿وَأَطِيعُونِ﴾.
أي: انتهوا إلى ما أمركم به، واقبلوا نصيحتي لكم.
قال قتادة: "أرسل الله عز وجل المرسلين بأن [يعبد] الله وحده وأن [تتقى] محارمه، وأن يطاع أمره".
* *
- ثم قال تعالى: ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ مِّن ذُنُوبِكُمْ﴾.
أي: يسترها عليكم، فلا يعاقبكم بها إن أطعتموني.
و "مِنْ" بمعنى "عَنْ" أي: يغفر لكم (عن) ذنوبكم، كما تقول: وجع بطني من الطعام، أي: عن الطعام. وإذا كانت ["مِنْ"] بمعنى "عن" لم تدل [على] التبعيض، وقيل: "من" للتبعيض والمعنى: يغفر لكم منها ما وعدكم العقوبة عليه وهو معظمها، وهو الشرك به، ولا يحسن أن تكون "من" زائدة؛ لأنها لا تزاد في الإيجاب.
ولا يجوز أن تكون لبيان الجنس؛ لأنه لم يتقدم جنس فتبينه بما بعده.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى﴾
أي: ويؤخركم فلا يعذبكم في الدنيا إلى أن تبلغوا آجالكم المكتوبة لكم في أم الكتاب.
قال مجاهد: ﴿إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى﴾. إلى ما قد خط من الأجل، فإذا جاء أجل الله لا يؤخر عن ميقاته، وهو قوله.
* *
- ﴿إِنَّ أَجَلَ ٱللَّهِ إِذَا جَآءَ لاَ يُؤَخَّرُ لَوْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾.
(أي): لو كنتم تعلمون لأَنَبْتُم.
وقال الفراء: إلى أجل مسمى [عندكم] فلا يلحقكم فيه غرق ولا عذاب.
وقيل: إنهم كان لهم أجلان: أجل للعذاب إن تمادوا على كفرهم وأجل لقبض أرواحهم (إن آمنوا)، فقال لهم نوح: ﴿وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى﴾ وهو الآخر من الأجلين إن آمنوا. ثم قال: ﴿إِنَّ أَجَلَ ٱللَّهِ إِذَا جَآءَ لاَ يُؤَخَّرُ﴾ أي: إن الأجل الأول إذا جاء وأنتم كفار لا يؤخر، وهو الغرق، وإن حضر الثاني وأنتم مؤمنون لم يؤخر.
نوح 71:2
قوله تعالى ﴿إِنَّآ أَرْسَلْنَا نُوحاً (إِلَىٰ قَوْمِهِ)﴾، إلى قوله: ﴿لَوْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾.
أي: أرسلنا نوحاً منذراً قومه عذاب الله الأليم.
قيل: هو الطوفان.
وقيل: هو عذاب جهنم.
ويروى أن نوحاً عليه السلام أرسل إلى قومه وهو ابن مائتي سنة وخمسين سنة، فلبث فيهم يدعوهم إلى الله وإلى عبادته ألف سنة إلا خمسين سنة كما أعلمنا الله عنه، ثم دعا قومه فبلغه الله أمله (فيهم) فغرق بهم كما أعلمنا الله عنه. ثم عاش بعد الغرق مائتي سنة وخمسين سنة فكان عمره ألف سنة وأربع مائة سنة وخمسين سنة، فلما احتضر قال له ملك الموت: يا أطول الأنبياء عمراً وأكثرهم عملاً، كيف وجدت الدنيا؟ قال: كَبيْتٍ له بابان، دخلت من باب وخرجت من باب.
* *
- ثم قال تعالى ﴿[قَالَ] يٰقَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ﴾.
أي: "نَذِيرٌ" أنذركم عقاب الله فاحذروه أن ينزل بكم على كفركم، "مبِينٌ": أي قد بينت لكم إنذاري إياكم.
* *
- ثم قال: ﴿أَنِ ٱعبُدُواْ ٱللَّهَ وَٱتَّقُوهُ﴾
(أي: مبين بأن اعبدوا الله، لا تعبدوا غيره،) واتقوه فيما أمركم به.
* *
- ﴿وَأَطِيعُونِ﴾.
أي: انتهوا إلى ما أمركم به، واقبلوا نصيحتي لكم.
قال قتادة: "أرسل الله عز وجل المرسلين بأن [يعبد] الله وحده وأن [تتقى] محارمه، وأن يطاع أمره".
* *
- ثم قال تعالى: ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ مِّن ذُنُوبِكُمْ﴾.
أي: يسترها عليكم، فلا يعاقبكم بها إن أطعتموني.
و "مِنْ" بمعنى "عَنْ" أي: يغفر لكم (عن) ذنوبكم، كما تقول: وجع بطني من الطعام، أي: عن الطعام. وإذا كانت ["مِنْ"] بمعنى "عن" لم تدل [على] التبعيض، وقيل: "من" للتبعيض والمعنى: يغفر لكم منها ما وعدكم العقوبة عليه وهو معظمها، وهو الشرك به، ولا يحسن أن تكون "من" زائدة؛ لأنها لا تزاد في الإيجاب.
ولا يجوز أن تكون لبيان الجنس؛ لأنه لم يتقدم جنس فتبينه بما بعده.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى﴾
أي: ويؤخركم فلا يعذبكم في الدنيا إلى أن تبلغوا آجالكم المكتوبة لكم في أم الكتاب.
قال مجاهد: ﴿إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى﴾. إلى ما قد خط من الأجل، فإذا جاء أجل الله لا يؤخر عن ميقاته، وهو قوله.
* *
- ﴿إِنَّ أَجَلَ ٱللَّهِ إِذَا جَآءَ لاَ يُؤَخَّرُ لَوْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾.
(أي): لو كنتم تعلمون لأَنَبْتُم.
وقال الفراء: إلى أجل مسمى [عندكم] فلا يلحقكم فيه غرق ولا عذاب.
وقيل: إنهم كان لهم أجلان: أجل للعذاب إن تمادوا على كفرهم وأجل لقبض أرواحهم (إن آمنوا)، فقال لهم نوح: ﴿وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى﴾ وهو الآخر من الأجلين إن آمنوا. ثم قال: ﴿إِنَّ أَجَلَ ٱللَّهِ إِذَا جَآءَ لاَ يُؤَخَّرُ﴾ أي: إن الأجل الأول إذا جاء وأنتم كفار لا يؤخر، وهو الغرق، وإن حضر الثاني وأنتم مؤمنون لم يؤخر.
نوح 71:3
قوله تعالى ﴿إِنَّآ أَرْسَلْنَا نُوحاً (إِلَىٰ قَوْمِهِ)﴾، إلى قوله: ﴿لَوْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾.
أي: أرسلنا نوحاً منذراً قومه عذاب الله الأليم.
قيل: هو الطوفان.
وقيل: هو عذاب جهنم.
ويروى أن نوحاً عليه السلام أرسل إلى قومه وهو ابن مائتي سنة وخمسين سنة، فلبث فيهم يدعوهم إلى الله وإلى عبادته ألف سنة إلا خمسين سنة كما أعلمنا الله عنه، ثم دعا قومه فبلغه الله أمله (فيهم) فغرق بهم كما أعلمنا الله عنه. ثم عاش بعد الغرق مائتي سنة وخمسين سنة فكان عمره ألف سنة وأربع مائة سنة وخمسين سنة، فلما احتضر قال له ملك الموت: يا أطول الأنبياء عمراً وأكثرهم عملاً، كيف وجدت الدنيا؟ قال: كَبيْتٍ له بابان، دخلت من باب وخرجت من باب.
* *
- ثم قال تعالى ﴿[قَالَ] يٰقَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ﴾.
أي: "نَذِيرٌ" أنذركم عقاب الله فاحذروه أن ينزل بكم على كفركم، "مبِينٌ": أي قد بينت لكم إنذاري إياكم.
* *
- ثم قال: ﴿أَنِ ٱعبُدُواْ ٱللَّهَ وَٱتَّقُوهُ﴾
(أي: مبين بأن اعبدوا الله، لا تعبدوا غيره،) واتقوه فيما أمركم به.
* *
- ﴿وَأَطِيعُونِ﴾.
أي: انتهوا إلى ما أمركم به، واقبلوا نصيحتي لكم.
قال قتادة: "أرسل الله عز وجل المرسلين بأن [يعبد] الله وحده وأن [تتقى] محارمه، وأن يطاع أمره".
* *
- ثم قال تعالى: ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ مِّن ذُنُوبِكُمْ﴾.
أي: يسترها عليكم، فلا يعاقبكم بها إن أطعتموني.
و "مِنْ" بمعنى "عَنْ" أي: يغفر لكم (عن) ذنوبكم، كما تقول: وجع بطني من الطعام، أي: عن الطعام. وإذا كانت ["مِنْ"] بمعنى "عن" لم تدل [على] التبعيض، وقيل: "من" للتبعيض والمعنى: يغفر لكم منها ما وعدكم العقوبة عليه وهو معظمها، وهو الشرك به، ولا يحسن أن تكون "من" زائدة؛ لأنها لا تزاد في الإيجاب.
ولا يجوز أن تكون لبيان الجنس؛ لأنه لم يتقدم جنس فتبينه بما بعده.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى﴾
أي: ويؤخركم فلا يعذبكم في الدنيا إلى أن تبلغوا آجالكم المكتوبة لكم في أم الكتاب.
قال مجاهد: ﴿إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى﴾. إلى ما قد خط من الأجل، فإذا جاء أجل الله لا يؤخر عن ميقاته، وهو قوله.
* *
- ﴿إِنَّ أَجَلَ ٱللَّهِ إِذَا جَآءَ لاَ يُؤَخَّرُ لَوْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾.
(أي): لو كنتم تعلمون لأَنَبْتُم.
وقال الفراء: إلى أجل مسمى [عندكم] فلا يلحقكم فيه غرق ولا عذاب.
وقيل: إنهم كان لهم أجلان: أجل للعذاب إن تمادوا على كفرهم وأجل لقبض أرواحهم (إن آمنوا)، فقال لهم نوح: ﴿وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى﴾ وهو الآخر من الأجلين إن آمنوا. ثم قال: ﴿إِنَّ أَجَلَ ٱللَّهِ إِذَا جَآءَ لاَ يُؤَخَّرُ﴾ أي: إن الأجل الأول إذا جاء وأنتم كفار لا يؤخر، وهو الغرق، وإن حضر الثاني وأنتم مؤمنون لم يؤخر.
نوح 71:4
قوله تعالى ﴿إِنَّآ أَرْسَلْنَا نُوحاً (إِلَىٰ قَوْمِهِ)﴾، إلى قوله: ﴿لَوْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾.
أي: أرسلنا نوحاً منذراً قومه عذاب الله الأليم.
قيل: هو الطوفان.
وقيل: هو عذاب جهنم.
ويروى أن نوحاً عليه السلام أرسل إلى قومه وهو ابن مائتي سنة وخمسين سنة، فلبث فيهم يدعوهم إلى الله وإلى عبادته ألف سنة إلا خمسين سنة كما أعلمنا الله عنه، ثم دعا قومه فبلغه الله أمله (فيهم) فغرق بهم كما أعلمنا الله عنه. ثم عاش بعد الغرق مائتي سنة وخمسين سنة فكان عمره ألف سنة وأربع مائة سنة وخمسين سنة، فلما احتضر قال له ملك الموت: يا أطول الأنبياء عمراً وأكثرهم عملاً، كيف وجدت الدنيا؟ قال: كَبيْتٍ له بابان، دخلت من باب وخرجت من باب.
* *
- ثم قال تعالى ﴿[قَالَ] يٰقَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ﴾.
أي: "نَذِيرٌ" أنذركم عقاب الله فاحذروه أن ينزل بكم على كفركم، "مبِينٌ": أي قد بينت لكم إنذاري إياكم.
* *
- ثم قال: ﴿أَنِ ٱعبُدُواْ ٱللَّهَ وَٱتَّقُوهُ﴾
(أي: مبين بأن اعبدوا الله، لا تعبدوا غيره،) واتقوه فيما أمركم به.
* *
- ﴿وَأَطِيعُونِ﴾.
أي: انتهوا إلى ما أمركم به، واقبلوا نصيحتي لكم.
قال قتادة: "أرسل الله عز وجل المرسلين بأن [يعبد] الله وحده وأن [تتقى] محارمه، وأن يطاع أمره".
* *
- ثم قال تعالى: ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ مِّن ذُنُوبِكُمْ﴾.
أي: يسترها عليكم، فلا يعاقبكم بها إن أطعتموني.
و "مِنْ" بمعنى "عَنْ" أي: يغفر لكم (عن) ذنوبكم، كما تقول: وجع بطني من الطعام، أي: عن الطعام. وإذا كانت ["مِنْ"] بمعنى "عن" لم تدل [على] التبعيض، وقيل: "من" للتبعيض والمعنى: يغفر لكم منها ما وعدكم العقوبة عليه وهو معظمها، وهو الشرك به، ولا يحسن أن تكون "من" زائدة؛ لأنها لا تزاد في الإيجاب.
ولا يجوز أن تكون لبيان الجنس؛ لأنه لم يتقدم جنس فتبينه بما بعده.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى﴾
أي: ويؤخركم فلا يعذبكم في الدنيا إلى أن تبلغوا آجالكم المكتوبة لكم في أم الكتاب.
قال مجاهد: ﴿إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى﴾. إلى ما قد خط من الأجل، فإذا جاء أجل الله لا يؤخر عن ميقاته، وهو قوله.
* *
- ﴿إِنَّ أَجَلَ ٱللَّهِ إِذَا جَآءَ لاَ يُؤَخَّرُ لَوْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾.
(أي): لو كنتم تعلمون لأَنَبْتُم.
وقال الفراء: إلى أجل مسمى [عندكم] فلا يلحقكم فيه غرق ولا عذاب.
وقيل: إنهم كان لهم أجلان: أجل للعذاب إن تمادوا على كفرهم وأجل لقبض أرواحهم (إن آمنوا)، فقال لهم نوح: ﴿وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى﴾ وهو الآخر من الأجلين إن آمنوا. ثم قال: ﴿إِنَّ أَجَلَ ٱللَّهِ إِذَا جَآءَ لاَ يُؤَخَّرُ﴾ أي: إن الأجل الأول إذا جاء وأنتم كفار لا يؤخر، وهو الغرق، وإن حضر الثاني وأنتم مؤمنون لم يؤخر.
نوح 71:5
قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي (لَيْلاً وَنَهَاراً)...﴾، إلى قوله: ﴿إِلاَّ ضَلاَلاً﴾.
أي: قال نوح لما بلغ رسالة ربه قومه فعصوه: يا رب إني دعوت قومي إلى توحيدك ليلاً ونهاراً وحذرتهم عقابك على كفرهم بك فلم يزدهم دعائي (لهم) إلا إدباراً عن قبول ما جئتهم به. قال قتادة: بلغنا أنهم كانوا يذهب الرجل منهم بابنه إلى نوح فيقول لابنه: احذر هذا [لا يغويك] فإن أبي قد ذهب بي إليه وأنا مثلك فحذرني كما حذرتك.
من رواية ابن شعبان عن المنهال بن عمرو عن عبد الله بن الحارث أن النبي ﷺ قال: يَجمَع اللهُ الأوَّلين، والآخِرين، ويَنزِل اللهُ في ظُلَلٍ منَ الغَمام فَيَكون أَوَّلَ من يَقْضي لَه نوحٌ وَقَومُه، يَقولُ اللهُ لِقومِ نوحٍ: ماذا أجبتم المُرْسَلين؟ قال: فَيقولُ نوحٌ: أيْ رَبِّ، بَلَّغتُهم رسالتَك ودَعَوتُهم لَيلاً ونَهاراً فكذَّبوني واتَّهَموني، فَيقولُ اللهُ لِقَوْم نوحٍ: ماذا تقولون؟ فيقولون: ربَّنا ما بَلَّغَنا الرّسالة، وقَد كان فينا حتى خَلَت قرونٌ (بعد قرون)، وَقَد كَتَمَ الرِّسالةَ فلم يَدْعُنا وَلَم يُنذِرْنا، فيقول الله لنوحٍ: ماذا تقول؟ فيقول: رَبِّ، لي بَيِّنَة، فيقول الله: إِيتِ بِبَيِّنَتِكَ. قال النبي ﷺ: فيأتي نوح فيقول: يا مُحمدُ، أَسأَلُكَ الشَّهادةَ، فإِنَّ قَومي قَدْ كذَّبوني عِندَ رَبّي وَجَحَدوا، قال النبي عليه السلام: فَأَبْعَثُ معه رهطاً مِن أمتي يَشْهَدون له. قال: فيَنطلِق الرَّهط حتى يَقِفوا على الرّب، فيقول الله لهم: بِمَ تَشْهَدون؟ فيقولون: نَشهَدُ أن نوحاً قد بَلَّغَ قَومَه وَدَعاهُم لَيْلاً وَنَهاراً وسِرّاً وعَلانِية فَكذَّبوه واسْتَغْشَوْا ثِيابَهُم وأَصَرّوا وَاسْتَكْبَروا.
فيقول اللهُ لقوم نوح: ما تقولون؟ (فيقولون): رَبّنا، كيف يقبلون علينا وَنَحْن أولُ الأُمَمِ وهُمْ آخِر الأُمَمِ؟ فيقول الله للرَّهطِ: أجيبوهم، فيقول (الرهط): ربَّنا، بَعَثْتَ إِليْنا رسولاً من أَنفسِنا فآمَنّا به وصَدّقنا ما أَنْزَلتَ عَليْه مِنَ الكِتابِ، فَكان فيما أَنزَلتَ عَلَيْه أَنَّك أَرْسَلتَ نوحاً إِلى قَومهِ فَبلَّغهم الرسالةَ وَدَعاهم لَيلاً ونَهاراً وسِرّاً وعلانيةً فكذَّبوه، قال: فيقرأون سورة "نوح"، فيقول قوم نوح: خصمنا فقوموا. قال النبي ﷺ: فما من نبيٍّ يُكذِّبه قومُه إِلاَّ يَأْتينا، فَأَبْعَثُ مَعهُ رَهطاً مِن أُمَّتي يَشْهَدون لَه وَأنا عَلَيهم [شهيدٌ]
ثم قال: ﴿وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوۤاْ أَصَابِعَهُمْ فِيۤ آذَانِهِمْ وَٱسْتَغْشَوْاْ ثِيَابَهُمْ﴾
أي: وإني كلما دعوتهم إلى طاعتك والعمل بمرضاتك لتغفر لهم إذا فعلوا ذلك، أدخلوا أصابعهم في آذانهم لِئَلاَّ يسمعوا دعائي (إياهم إلى ذلك، واستغشوا، أي تغطَّوا بها لِئَلاَّ يُسْمَعَ دعائي).
* *
- ثم قال ﴿وَأَصَرُّواْ وَٱسْتَكْبَرُواْ (ٱسْتِكْبَاراً)﴾:
أي: أَصروا على كفرهم، أي: تمادوا عليه، واستكبروا عن قبول ما جئتهم به من الحق وقبول الإيمان.
* *
- ثم قال: ﴿ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَاراً * ثُمَّ إِنِّيۤ أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَاراً﴾.
أي: ثم إني دعوتهم إلى ما أمرتني به من عبادتك دعاءً ظاهراً غيرَ خَفِيّ.
قال مجاهد: الجِهار: الكلام المعلن (به)".
﴿ثُمَّ إِنِّيۤ أَعْلَنْتُ﴾ أي صرخت وصِحْتُ بالذي أمرتني به من الإنذار.
قال مجاهد: أَعْلَنتُ: "صِحْتُ بهِم"، وَأَسْرَرْتُ لَهُمُ (أي): قلت لهم ذلك فيما بيني وبينهم.
* *
- ﴿فَقُلْتُ ٱسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ﴾
أي: سلوا ربكم المغفرة عن ذنوبكم وتوبوا إليه من كفركم يغفر لكم ذنوبكم.
* *
- ﴿إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً﴾.
أي: لم يزل غفارا لمن تاب إليه واستغفره.
* *
- ثم قال: ﴿يُرْسِلِ ٱلسَّمَآءَ عَلَيْكُمْ مِّدْرَاراً﴾.
أي: إن تبتم واستغفرتم من ذنوبكم أرسل السماء عليكم بالمطر متتابعاً.
وكان عمر رضي الله عنه إذا [استسقى] ما يزيد على الاستغفار، وسئل عن ذلك فقرأ هذه الآية، وقرأ الآية في هود في قصة هود: ﴿وَيٰقَوْمِ ٱسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوۤاْ إِلَيْهِ﴾ [هود: ٥٢] الآية.
* *
- ثم قال: ﴿مَّا لَكُمْ لاَ تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراً﴾.
(أي: ما لكم لا ترون لله عظمة، ذكر ذلك عن ابن عباس، وهو قول مجاهد. وعن ابن عباس أيضاً أن معناه: "ما لكم لا تعظمون الله حق عظمته".
وقال قتادة: معناه: "﴿مَّا لَكُمْ لاَ تَرْجُونَ لِلَّهِ﴾ عاقبة".
وقال ابن زيد: معناه: ما لكم لا ترون لله طاعة.
وقال الحسن: معناه ما لكم لا تعرفون لله حقاً ولا تشكرون له نعمة. و "ترجون" هنا - في أكثر الأقوال - بمعنى: تخافون.
* *
- ثم قال: ﴿وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَاراً﴾.
أي: خلقكم نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم ثم، وهو قول ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك، إلا أنهم اختلفوا في الترتيب، فمنهم من بدأ بالتراب ثم النطفة حتى بلغ (تمام الخلق. ومنهم من بدأ بالنطفة حتى بلغ) نبات الشعر وحتى بلغ اللحم.
وقيل: معناه: وقد خلقكم مختلفين المناظر والألوان والكلام والصور [والعمر] والهمم وغير ذلك.
وقيل: هو الصحة والسقم، من قولهم: جاز فلان طوره، أي: خالف ما يجب أن يستعمله.
والطور في اللغة: المرة.
فالمعنى: وقد خلقكم مراراً، أي خلقكم تراباً، ثم نقلكم إلى النطفة [ثم إلى العلقة] ثم إلى المضغة، ثم عظاماً، ثم يكسو العظام اللحم، ثم أنبت الشعر، ثم أخرجه طفلاً، ثم صبياً، ثم بالغاً، ثم حدثاً، ثم رجلاً، ثم كهلاً، ثم شيخاً.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَوْاْ كَيْفَ خَلَقَ ٱللَّهُ سَبْعَ سَمَٰوَٰتٍ طِبَاقاً﴾.
أي: وقال نوح لقومه: ألم تروا كيف خلق الله فوقكم سبع سماوات طبقاً فوق طبق، فيدلكم ذلك من قدرته على وحدانيته وتعتبروا وتزدجروا عن كفركم.
والطباق مصدر من قولهم: [طابقه] (مطابقة) وطباقاً.
فالمعنى: ألم تروا كيف خلق الله سماء فوق سماء مطابقة؟!. ويجوز أن يكون "طباقاً" [نعتاً] لـ "سبع"، جمع طبق.
ومعنى ألم تروا كيف [خَلَقَ اللهُ]: [اعلموا] أن الله خلق ذلك. ولو كان على غير الأمر، معناه لقالوا ما نرى إلا واحدة، ولكن معناه الأمر كما تقول: غفر الله لك، اللهم اغفر له، لأنك لست تخبره عن أمر [علمته]، إنما هو دعاء يتمنى كونه له.
ومن هذا قول الرجل [للرجل] أَلَمْ تَرَ أَنِّي لقيت زيداً فقلت له كذا وقال لي كذا؟. معناه: اعلم أني لقيت زيداً فكان من أمره وأمري كذا وكذا.
ومثله: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ ٱلْفِيلِ﴾ [الفيل:١].
وقيل: معناه: ألم يبلغكم كيف خلق الله سبع (سماوات) طباقاً فتتعظوا وتزدجروا؟ وكذلك معنى الآية الأخرى: ألم يبلغك يا محمد كيف فعل ربك بأصحاب الفيل، ولم أُوحِ إليك كيف فعلت بهم؟
* *
- ثم قال ﴿وَجَعَلَ ٱلْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً﴾
أي: في السماوات، قال المفسرون: بين كل سماء وسماء مسيرة خمسمائة عام. فقال السائل: نحن نرى الغيم يكون دون القمر فلا نرى نوراً، فكيف تضيء السماوات كلها بالقمر على تفاوت ما بينها، وستر بعضها بعضاً؟، فقيل في ذلك: إن هذا الكلام [مجاز]، إنما قال: "فيهن"، [يريد]: في بعضهن، كما تقول العرب: أتيت بني تميم، وإنما أتى بعضهم، [وتقول]: في هذه الدور وليمة، وإنما هي في واحدة منهن.
وتقول: قدم فلان في شهر كذا، وإنما قدم في يوم منه. فلذلك أخبر بالقمر أنه في سبع سماوات وإنما هو في واحدة.
وقيل معناه: وجعل القمر معهن نوراً، أي: خلقه نوراً مع خلقه للسماوات فيكون مثل: ﴿ٱدْخُلُواْ فِيۤ أُمَمٍ﴾ [الأعراف: ٣٨].
وقال ابن كيسان: إذا جعله في إحداهن فقد جعله فيهن، كما تقول: أَعطِني من الثياب [المعلمة]، وإن كنت إنما أعلمت أحدها. وقد قال ابن عمر: إن الشمس والقمر وجوههما في السماء وأقفاؤهما في الأرض.
وقال عبد الله بن عمرو بن العاص: إن ضوء الشمس والقمر ونورهما في السماء، وقرأ: ﴿أَلَمْ تَرَوْاْ كَيْفَ...﴾ الآية.
وقيل: التقدير: وجعل القمر نوراً، ثم قال: "فيهن" بعدما مضى الكلام. وسأل عبد الله بن عمر رجل فقال له: ما بال الشمس تَصْلاَنا أحياناً وتبرد أحياناً؟ فقال: أما في الشتاء فهي في السماء السابعة تحت عرش الرحمن، وأما في الصيف فهي في السماء الخامسة، قيل له: ما كنا نظن إلا أنها في هذه السماء. قال: لو كان ذلك ما قام لها شيء إلا أحرقته.
* *
- ثم قال: ﴿وَٱللَّهُ أَنبَتَكُمْ مِّنَ ٱلأَرْضِ نَبَاتاً﴾.
أي: أنبتكم من تراب فخلقكم منه فنبتم نباتاً، يعني آدمَ أَبَا الخلقِ خَلَقَهُ من تراب الأرض.
* *
- ﴿ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا﴾
أي: في الأرض فتصيرون تراباً.
* *
- ﴿[وَيُخْرِجُكُمْ]﴾
منها إلى البعث.
* *
- ثم قال: ﴿وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ بِسَاطاً﴾.
[هذا] كله [إخبار] من الله جل ذكره لنا عن قول نوح لقومه ووعظه لهم وتنبيهه لهم على آيات الله ونعمه عندهم.
فالمعنى: جعل لكم الأرض بساطاً لتستقروا عليها، ﴿لِّتَسْلُكُواْ مِنْهَا سُبُلاً فِجَاجاً﴾.
أي: طرقاً واسعة.
وقال ابن عباس: ﴿سُبُلاً فِجَاجاً﴾، أي: "طرقاً مختلفة".
- ثم (قال تعالى): ﴿قَالَ نُوحٌ رَّبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَٱتَّبَعُواْ مَن لَّمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلاَّ خَسَاراً﴾.
أي: قال نوح لمّا عصاه قومه: يا رب، إنهم عصوني فيما بَلَّغتُهم عنك فلم يقبلوه واتبعوا أمر من لم يزده ماله وولده إلا خساراً، أي: اتبعوا في معصيتهم إياي من كثر ماله وولده فلم يزده ذلك إلا بعداً منك - يا رب - [وذهاباً] عن سبيلك.
ومن قرأ "وُلده" بالضم احتمل أن يكون جمع "وَلَد"، ك "وُثُن" جمع "وَثَن"، ويجوز أن يكون واحداً يراد به (غير) الولد: (وقد قال مجاهد: وُلده: زوجه وأهله)، وقال أبو عمرو: وُلده: عشيرته وقومه.
وقال أكثر (أهل) اللغة: الوَلد والوُلد بمعنى واحد.
* *
- ثم قال: ﴿وَمَكَرُواْ مَكْراً كُبَّاراً﴾.
أي: كبيراً، يقال كُبَارٌ وكُبَّارٌ بمعنى كبير، كما يقال: "أمر عجيب"، وعُجاب بمعنى واحد. ورجل حُسَانٌ وحُسَّان بمعنى. وجَمَال وجُمَّال بمعنى جميل.
قال مجاهد: ﴿كُبَّاراً﴾ "عظيماً".
* *
- ثم قال: ﴿وَقَالُواْ لاَ تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ..﴾.
أي: وقال بعضهم لبعض: لا تذرن عبادة آلهتكم [لقول] نوح ﴿وَلاَ تَذَرُنَّ وَدّاً وَلاَ سُوَاعاً وَلاَ يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً﴾.
["هذه أسماء أصنام كانوا يعبدونها: أما وُدّ، فكانت لكلب بدومة الجندل، وأما سُواع فكانت لهذيل، وأما يَغوث فكانت لمراد ثم لبني غطيف (بالجرف) عند سبأ، وأما يعوق فكانت لهمدان، وأما نسر فكانت لحِمْيَر، لآل ذي الكلاع"].
قال محمد بن قيس: [هذه الأسماء] أسماء قوم صالحين بين آدم ونوح وكان لهم تباع يقتدون بهم، فماتوا، فقال تباعهم: لو صورناهم كان أشرف لنا نتذكرهم [فنفعل] مثل ما كانوا يفعلون، فصوروهم ثم ماتوا، وجاء آخرون فدب فيهم الشيطان، فقال: إنما كانوا يعبدونهم وبهم يسقون المطر فعبدوهم، فكان قوم نوح يحض بعضهم بعضاً على عبادتهم وترك قبول [قول] نوح.
وقيل: بل [كانوا أصناماً] يعبدونها (من دون الله) قاله ابن عباس وغيره.
* *
- ثم قال ﴿وَقَدْ أَضَلُّواْ كَثِيراً﴾
هذا إخبار عن قول نوح، أي وقد أضلت هذه الأصنام كثيراً من الخلق، أي ضل بعبادتها كثير.
* *
- ثم قال: ﴿وَلاَ تَزِدِ ٱلظَّالِمِينَ إِلاَّ ضَلاَلاً﴾.
أي: لا توفقهم حتى يموتوا على ضلالتهم فكلما عاشوا ازدادوا إثماً وضلالاً.
نوح 71:6
قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي (لَيْلاً وَنَهَاراً)...﴾، إلى قوله: ﴿إِلاَّ ضَلاَلاً﴾.
أي: قال نوح لما بلغ رسالة ربه قومه فعصوه: يا رب إني دعوت قومي إلى توحيدك ليلاً ونهاراً وحذرتهم عقابك على كفرهم بك فلم يزدهم دعائي (لهم) إلا إدباراً عن قبول ما جئتهم به. قال قتادة: بلغنا أنهم كانوا يذهب الرجل منهم بابنه إلى نوح فيقول لابنه: احذر هذا [لا يغويك] فإن أبي قد ذهب بي إليه وأنا مثلك فحذرني كما حذرتك.
من رواية ابن شعبان عن المنهال بن عمرو عن عبد الله بن الحارث أن النبي ﷺ قال: يَجمَع اللهُ الأوَّلين، والآخِرين، ويَنزِل اللهُ في ظُلَلٍ منَ الغَمام فَيَكون أَوَّلَ من يَقْضي لَه نوحٌ وَقَومُه، يَقولُ اللهُ لِقومِ نوحٍ: ماذا أجبتم المُرْسَلين؟ قال: فَيقولُ نوحٌ: أيْ رَبِّ، بَلَّغتُهم رسالتَك ودَعَوتُهم لَيلاً ونَهاراً فكذَّبوني واتَّهَموني، فَيقولُ اللهُ لِقَوْم نوحٍ: ماذا تقولون؟ فيقولون: ربَّنا ما بَلَّغَنا الرّسالة، وقَد كان فينا حتى خَلَت قرونٌ (بعد قرون)، وَقَد كَتَمَ الرِّسالةَ فلم يَدْعُنا وَلَم يُنذِرْنا، فيقول الله لنوحٍ: ماذا تقول؟ فيقول: رَبِّ، لي بَيِّنَة، فيقول الله: إِيتِ بِبَيِّنَتِكَ. قال النبي ﷺ: فيأتي نوح فيقول: يا مُحمدُ، أَسأَلُكَ الشَّهادةَ، فإِنَّ قَومي قَدْ كذَّبوني عِندَ رَبّي وَجَحَدوا، قال النبي عليه السلام: فَأَبْعَثُ معه رهطاً مِن أمتي يَشْهَدون له. قال: فيَنطلِق الرَّهط حتى يَقِفوا على الرّب، فيقول الله لهم: بِمَ تَشْهَدون؟ فيقولون: نَشهَدُ أن نوحاً قد بَلَّغَ قَومَه وَدَعاهُم لَيْلاً وَنَهاراً وسِرّاً وعَلانِية فَكذَّبوه واسْتَغْشَوْا ثِيابَهُم وأَصَرّوا وَاسْتَكْبَروا.
فيقول اللهُ لقوم نوح: ما تقولون؟ (فيقولون): رَبّنا، كيف يقبلون علينا وَنَحْن أولُ الأُمَمِ وهُمْ آخِر الأُمَمِ؟ فيقول الله للرَّهطِ: أجيبوهم، فيقول (الرهط): ربَّنا، بَعَثْتَ إِليْنا رسولاً من أَنفسِنا فآمَنّا به وصَدّقنا ما أَنْزَلتَ عَليْه مِنَ الكِتابِ، فَكان فيما أَنزَلتَ عَلَيْه أَنَّك أَرْسَلتَ نوحاً إِلى قَومهِ فَبلَّغهم الرسالةَ وَدَعاهم لَيلاً ونَهاراً وسِرّاً وعلانيةً فكذَّبوه، قال: فيقرأون سورة "نوح"، فيقول قوم نوح: خصمنا فقوموا. قال النبي ﷺ: فما من نبيٍّ يُكذِّبه قومُه إِلاَّ يَأْتينا، فَأَبْعَثُ مَعهُ رَهطاً مِن أُمَّتي يَشْهَدون لَه وَأنا عَلَيهم [شهيدٌ]
ثم قال: ﴿وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوۤاْ أَصَابِعَهُمْ فِيۤ آذَانِهِمْ وَٱسْتَغْشَوْاْ ثِيَابَهُمْ﴾
أي: وإني كلما دعوتهم إلى طاعتك والعمل بمرضاتك لتغفر لهم إذا فعلوا ذلك، أدخلوا أصابعهم في آذانهم لِئَلاَّ يسمعوا دعائي (إياهم إلى ذلك، واستغشوا، أي تغطَّوا بها لِئَلاَّ يُسْمَعَ دعائي).
* *
- ثم قال ﴿وَأَصَرُّواْ وَٱسْتَكْبَرُواْ (ٱسْتِكْبَاراً)﴾:
أي: أَصروا على كفرهم، أي: تمادوا عليه، واستكبروا عن قبول ما جئتهم به من الحق وقبول الإيمان.
* *
- ثم قال: ﴿ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَاراً * ثُمَّ إِنِّيۤ أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَاراً﴾.
أي: ثم إني دعوتهم إلى ما أمرتني به من عبادتك دعاءً ظاهراً غيرَ خَفِيّ.
قال مجاهد: الجِهار: الكلام المعلن (به)".
﴿ثُمَّ إِنِّيۤ أَعْلَنْتُ﴾ أي صرخت وصِحْتُ بالذي أمرتني به من الإنذار.
قال مجاهد: أَعْلَنتُ: "صِحْتُ بهِم"، وَأَسْرَرْتُ لَهُمُ (أي): قلت لهم ذلك فيما بيني وبينهم.
* *
- ﴿فَقُلْتُ ٱسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ﴾
أي: سلوا ربكم المغفرة عن ذنوبكم وتوبوا إليه من كفركم يغفر لكم ذنوبكم.
* *
- ﴿إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً﴾.
أي: لم يزل غفارا لمن تاب إليه واستغفره.
* *
- ثم قال: ﴿يُرْسِلِ ٱلسَّمَآءَ عَلَيْكُمْ مِّدْرَاراً﴾.
أي: إن تبتم واستغفرتم من ذنوبكم أرسل السماء عليكم بالمطر متتابعاً.
وكان عمر رضي الله عنه إذا [استسقى] ما يزيد على الاستغفار، وسئل عن ذلك فقرأ هذه الآية، وقرأ الآية في هود في قصة هود: ﴿وَيٰقَوْمِ ٱسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوۤاْ إِلَيْهِ﴾ [هود: ٥٢] الآية.
* *
- ثم قال: ﴿مَّا لَكُمْ لاَ تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراً﴾.
(أي: ما لكم لا ترون لله عظمة، ذكر ذلك عن ابن عباس، وهو قول مجاهد. وعن ابن عباس أيضاً أن معناه: "ما لكم لا تعظمون الله حق عظمته".
وقال قتادة: معناه: "﴿مَّا لَكُمْ لاَ تَرْجُونَ لِلَّهِ﴾ عاقبة".
وقال ابن زيد: معناه: ما لكم لا ترون لله طاعة.
وقال الحسن: معناه ما لكم لا تعرفون لله حقاً ولا تشكرون له نعمة. و "ترجون" هنا - في أكثر الأقوال - بمعنى: تخافون.
* *
- ثم قال: ﴿وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَاراً﴾.
أي: خلقكم نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم ثم، وهو قول ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك، إلا أنهم اختلفوا في الترتيب، فمنهم من بدأ بالتراب ثم النطفة حتى بلغ (تمام الخلق. ومنهم من بدأ بالنطفة حتى بلغ) نبات الشعر وحتى بلغ اللحم.
وقيل: معناه: وقد خلقكم مختلفين المناظر والألوان والكلام والصور [والعمر] والهمم وغير ذلك.
وقيل: هو الصحة والسقم، من قولهم: جاز فلان طوره، أي: خالف ما يجب أن يستعمله.
والطور في اللغة: المرة.
فالمعنى: وقد خلقكم مراراً، أي خلقكم تراباً، ثم نقلكم إلى النطفة [ثم إلى العلقة] ثم إلى المضغة، ثم عظاماً، ثم يكسو العظام اللحم، ثم أنبت الشعر، ثم أخرجه طفلاً، ثم صبياً، ثم بالغاً، ثم حدثاً، ثم رجلاً، ثم كهلاً، ثم شيخاً.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَوْاْ كَيْفَ خَلَقَ ٱللَّهُ سَبْعَ سَمَٰوَٰتٍ طِبَاقاً﴾.
أي: وقال نوح لقومه: ألم تروا كيف خلق الله فوقكم سبع سماوات طبقاً فوق طبق، فيدلكم ذلك من قدرته على وحدانيته وتعتبروا وتزدجروا عن كفركم.
والطباق مصدر من قولهم: [طابقه] (مطابقة) وطباقاً.
فالمعنى: ألم تروا كيف خلق الله سماء فوق سماء مطابقة؟!. ويجوز أن يكون "طباقاً" [نعتاً] لـ "سبع"، جمع طبق.
ومعنى ألم تروا كيف [خَلَقَ اللهُ]: [اعلموا] أن الله خلق ذلك. ولو كان على غير الأمر، معناه لقالوا ما نرى إلا واحدة، ولكن معناه الأمر كما تقول: غفر الله لك، اللهم اغفر له، لأنك لست تخبره عن أمر [علمته]، إنما هو دعاء يتمنى كونه له.
ومن هذا قول الرجل [للرجل] أَلَمْ تَرَ أَنِّي لقيت زيداً فقلت له كذا وقال لي كذا؟. معناه: اعلم أني لقيت زيداً فكان من أمره وأمري كذا وكذا.
ومثله: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ ٱلْفِيلِ﴾ [الفيل:١].
وقيل: معناه: ألم يبلغكم كيف خلق الله سبع (سماوات) طباقاً فتتعظوا وتزدجروا؟ وكذلك معنى الآية الأخرى: ألم يبلغك يا محمد كيف فعل ربك بأصحاب الفيل، ولم أُوحِ إليك كيف فعلت بهم؟
* *
- ثم قال ﴿وَجَعَلَ ٱلْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً﴾
أي: في السماوات، قال المفسرون: بين كل سماء وسماء مسيرة خمسمائة عام. فقال السائل: نحن نرى الغيم يكون دون القمر فلا نرى نوراً، فكيف تضيء السماوات كلها بالقمر على تفاوت ما بينها، وستر بعضها بعضاً؟، فقيل في ذلك: إن هذا الكلام [مجاز]، إنما قال: "فيهن"، [يريد]: في بعضهن، كما تقول العرب: أتيت بني تميم، وإنما أتى بعضهم، [وتقول]: في هذه الدور وليمة، وإنما هي في واحدة منهن.
وتقول: قدم فلان في شهر كذا، وإنما قدم في يوم منه. فلذلك أخبر بالقمر أنه في سبع سماوات وإنما هو في واحدة.
وقيل معناه: وجعل القمر معهن نوراً، أي: خلقه نوراً مع خلقه للسماوات فيكون مثل: ﴿ٱدْخُلُواْ فِيۤ أُمَمٍ﴾ [الأعراف: ٣٨].
وقال ابن كيسان: إذا جعله في إحداهن فقد جعله فيهن، كما تقول: أَعطِني من الثياب [المعلمة]، وإن كنت إنما أعلمت أحدها. وقد قال ابن عمر: إن الشمس والقمر وجوههما في السماء وأقفاؤهما في الأرض.
وقال عبد الله بن عمرو بن العاص: إن ضوء الشمس والقمر ونورهما في السماء، وقرأ: ﴿أَلَمْ تَرَوْاْ كَيْفَ...﴾ الآية.
وقيل: التقدير: وجعل القمر نوراً، ثم قال: "فيهن" بعدما مضى الكلام. وسأل عبد الله بن عمر رجل فقال له: ما بال الشمس تَصْلاَنا أحياناً وتبرد أحياناً؟ فقال: أما في الشتاء فهي في السماء السابعة تحت عرش الرحمن، وأما في الصيف فهي في السماء الخامسة، قيل له: ما كنا نظن إلا أنها في هذه السماء. قال: لو كان ذلك ما قام لها شيء إلا أحرقته.
* *
- ثم قال: ﴿وَٱللَّهُ أَنبَتَكُمْ مِّنَ ٱلأَرْضِ نَبَاتاً﴾.
أي: أنبتكم من تراب فخلقكم منه فنبتم نباتاً، يعني آدمَ أَبَا الخلقِ خَلَقَهُ من تراب الأرض.
* *
- ﴿ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا﴾
أي: في الأرض فتصيرون تراباً.
* *
- ﴿[وَيُخْرِجُكُمْ]﴾
منها إلى البعث.
* *
- ثم قال: ﴿وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ بِسَاطاً﴾.
[هذا] كله [إخبار] من الله جل ذكره لنا عن قول نوح لقومه ووعظه لهم وتنبيهه لهم على آيات الله ونعمه عندهم.
فالمعنى: جعل لكم الأرض بساطاً لتستقروا عليها، ﴿لِّتَسْلُكُواْ مِنْهَا سُبُلاً فِجَاجاً﴾.
أي: طرقاً واسعة.
وقال ابن عباس: ﴿سُبُلاً فِجَاجاً﴾، أي: "طرقاً مختلفة".
- ثم (قال تعالى): ﴿قَالَ نُوحٌ رَّبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَٱتَّبَعُواْ مَن لَّمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلاَّ خَسَاراً﴾.
أي: قال نوح لمّا عصاه قومه: يا رب، إنهم عصوني فيما بَلَّغتُهم عنك فلم يقبلوه واتبعوا أمر من لم يزده ماله وولده إلا خساراً، أي: اتبعوا في معصيتهم إياي من كثر ماله وولده فلم يزده ذلك إلا بعداً منك - يا رب - [وذهاباً] عن سبيلك.
ومن قرأ "وُلده" بالضم احتمل أن يكون جمع "وَلَد"، ك "وُثُن" جمع "وَثَن"، ويجوز أن يكون واحداً يراد به (غير) الولد: (وقد قال مجاهد: وُلده: زوجه وأهله)، وقال أبو عمرو: وُلده: عشيرته وقومه.
وقال أكثر (أهل) اللغة: الوَلد والوُلد بمعنى واحد.
* *
- ثم قال: ﴿وَمَكَرُواْ مَكْراً كُبَّاراً﴾.
أي: كبيراً، يقال كُبَارٌ وكُبَّارٌ بمعنى كبير، كما يقال: "أمر عجيب"، وعُجاب بمعنى واحد. ورجل حُسَانٌ وحُسَّان بمعنى. وجَمَال وجُمَّال بمعنى جميل.
قال مجاهد: ﴿كُبَّاراً﴾ "عظيماً".
* *
- ثم قال: ﴿وَقَالُواْ لاَ تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ..﴾.
أي: وقال بعضهم لبعض: لا تذرن عبادة آلهتكم [لقول] نوح ﴿وَلاَ تَذَرُنَّ وَدّاً وَلاَ سُوَاعاً وَلاَ يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً﴾.
["هذه أسماء أصنام كانوا يعبدونها: أما وُدّ، فكانت لكلب بدومة الجندل، وأما سُواع فكانت لهذيل، وأما يَغوث فكانت لمراد ثم لبني غطيف (بالجرف) عند سبأ، وأما يعوق فكانت لهمدان، وأما نسر فكانت لحِمْيَر، لآل ذي الكلاع"].
قال محمد بن قيس: [هذه الأسماء] أسماء قوم صالحين بين آدم ونوح وكان لهم تباع يقتدون بهم، فماتوا، فقال تباعهم: لو صورناهم كان أشرف لنا نتذكرهم [فنفعل] مثل ما كانوا يفعلون، فصوروهم ثم ماتوا، وجاء آخرون فدب فيهم الشيطان، فقال: إنما كانوا يعبدونهم وبهم يسقون المطر فعبدوهم، فكان قوم نوح يحض بعضهم بعضاً على عبادتهم وترك قبول [قول] نوح.
وقيل: بل [كانوا أصناماً] يعبدونها (من دون الله) قاله ابن عباس وغيره.
* *
- ثم قال ﴿وَقَدْ أَضَلُّواْ كَثِيراً﴾
هذا إخبار عن قول نوح، أي وقد أضلت هذه الأصنام كثيراً من الخلق، أي ضل بعبادتها كثير.
* *
- ثم قال: ﴿وَلاَ تَزِدِ ٱلظَّالِمِينَ إِلاَّ ضَلاَلاً﴾.
أي: لا توفقهم حتى يموتوا على ضلالتهم فكلما عاشوا ازدادوا إثماً وضلالاً.
نوح 71:7
قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي (لَيْلاً وَنَهَاراً)...﴾، إلى قوله: ﴿إِلاَّ ضَلاَلاً﴾.
أي: قال نوح لما بلغ رسالة ربه قومه فعصوه: يا رب إني دعوت قومي إلى توحيدك ليلاً ونهاراً وحذرتهم عقابك على كفرهم بك فلم يزدهم دعائي (لهم) إلا إدباراً عن قبول ما جئتهم به. قال قتادة: بلغنا أنهم كانوا يذهب الرجل منهم بابنه إلى نوح فيقول لابنه: احذر هذا [لا يغويك] فإن أبي قد ذهب بي إليه وأنا مثلك فحذرني كما حذرتك.
من رواية ابن شعبان عن المنهال بن عمرو عن عبد الله بن الحارث أن النبي ﷺ قال: يَجمَع اللهُ الأوَّلين، والآخِرين، ويَنزِل اللهُ في ظُلَلٍ منَ الغَمام فَيَكون أَوَّلَ من يَقْضي لَه نوحٌ وَقَومُه، يَقولُ اللهُ لِقومِ نوحٍ: ماذا أجبتم المُرْسَلين؟ قال: فَيقولُ نوحٌ: أيْ رَبِّ، بَلَّغتُهم رسالتَك ودَعَوتُهم لَيلاً ونَهاراً فكذَّبوني واتَّهَموني، فَيقولُ اللهُ لِقَوْم نوحٍ: ماذا تقولون؟ فيقولون: ربَّنا ما بَلَّغَنا الرّسالة، وقَد كان فينا حتى خَلَت قرونٌ (بعد قرون)، وَقَد كَتَمَ الرِّسالةَ فلم يَدْعُنا وَلَم يُنذِرْنا، فيقول الله لنوحٍ: ماذا تقول؟ فيقول: رَبِّ، لي بَيِّنَة، فيقول الله: إِيتِ بِبَيِّنَتِكَ. قال النبي ﷺ: فيأتي نوح فيقول: يا مُحمدُ، أَسأَلُكَ الشَّهادةَ، فإِنَّ قَومي قَدْ كذَّبوني عِندَ رَبّي وَجَحَدوا، قال النبي عليه السلام: فَأَبْعَثُ معه رهطاً مِن أمتي يَشْهَدون له. قال: فيَنطلِق الرَّهط حتى يَقِفوا على الرّب، فيقول الله لهم: بِمَ تَشْهَدون؟ فيقولون: نَشهَدُ أن نوحاً قد بَلَّغَ قَومَه وَدَعاهُم لَيْلاً وَنَهاراً وسِرّاً وعَلانِية فَكذَّبوه واسْتَغْشَوْا ثِيابَهُم وأَصَرّوا وَاسْتَكْبَروا.
فيقول اللهُ لقوم نوح: ما تقولون؟ (فيقولون): رَبّنا، كيف يقبلون علينا وَنَحْن أولُ الأُمَمِ وهُمْ آخِر الأُمَمِ؟ فيقول الله للرَّهطِ: أجيبوهم، فيقول (الرهط): ربَّنا، بَعَثْتَ إِليْنا رسولاً من أَنفسِنا فآمَنّا به وصَدّقنا ما أَنْزَلتَ عَليْه مِنَ الكِتابِ، فَكان فيما أَنزَلتَ عَلَيْه أَنَّك أَرْسَلتَ نوحاً إِلى قَومهِ فَبلَّغهم الرسالةَ وَدَعاهم لَيلاً ونَهاراً وسِرّاً وعلانيةً فكذَّبوه، قال: فيقرأون سورة "نوح"، فيقول قوم نوح: خصمنا فقوموا. قال النبي ﷺ: فما من نبيٍّ يُكذِّبه قومُه إِلاَّ يَأْتينا، فَأَبْعَثُ مَعهُ رَهطاً مِن أُمَّتي يَشْهَدون لَه وَأنا عَلَيهم [شهيدٌ]
ثم قال: ﴿وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوۤاْ أَصَابِعَهُمْ فِيۤ آذَانِهِمْ وَٱسْتَغْشَوْاْ ثِيَابَهُمْ﴾
أي: وإني كلما دعوتهم إلى طاعتك والعمل بمرضاتك لتغفر لهم إذا فعلوا ذلك، أدخلوا أصابعهم في آذانهم لِئَلاَّ يسمعوا دعائي (إياهم إلى ذلك، واستغشوا، أي تغطَّوا بها لِئَلاَّ يُسْمَعَ دعائي).
* *
- ثم قال ﴿وَأَصَرُّواْ وَٱسْتَكْبَرُواْ (ٱسْتِكْبَاراً)﴾:
أي: أَصروا على كفرهم، أي: تمادوا عليه، واستكبروا عن قبول ما جئتهم به من الحق وقبول الإيمان.
* *
- ثم قال: ﴿ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَاراً * ثُمَّ إِنِّيۤ أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَاراً﴾.
أي: ثم إني دعوتهم إلى ما أمرتني به من عبادتك دعاءً ظاهراً غيرَ خَفِيّ.
قال مجاهد: الجِهار: الكلام المعلن (به)".
﴿ثُمَّ إِنِّيۤ أَعْلَنْتُ﴾ أي صرخت وصِحْتُ بالذي أمرتني به من الإنذار.
قال مجاهد: أَعْلَنتُ: "صِحْتُ بهِم"، وَأَسْرَرْتُ لَهُمُ (أي): قلت لهم ذلك فيما بيني وبينهم.
* *
- ﴿فَقُلْتُ ٱسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ﴾
أي: سلوا ربكم المغفرة عن ذنوبكم وتوبوا إليه من كفركم يغفر لكم ذنوبكم.
* *
- ﴿إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً﴾.
أي: لم يزل غفارا لمن تاب إليه واستغفره.
* *
- ثم قال: ﴿يُرْسِلِ ٱلسَّمَآءَ عَلَيْكُمْ مِّدْرَاراً﴾.
أي: إن تبتم واستغفرتم من ذنوبكم أرسل السماء عليكم بالمطر متتابعاً.
وكان عمر رضي الله عنه إذا [استسقى] ما يزيد على الاستغفار، وسئل عن ذلك فقرأ هذه الآية، وقرأ الآية في هود في قصة هود: ﴿وَيٰقَوْمِ ٱسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوۤاْ إِلَيْهِ﴾ [هود: ٥٢] الآية.
* *
- ثم قال: ﴿مَّا لَكُمْ لاَ تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراً﴾.
(أي: ما لكم لا ترون لله عظمة، ذكر ذلك عن ابن عباس، وهو قول مجاهد. وعن ابن عباس أيضاً أن معناه: "ما لكم لا تعظمون الله حق عظمته".
وقال قتادة: معناه: "﴿مَّا لَكُمْ لاَ تَرْجُونَ لِلَّهِ﴾ عاقبة".
وقال ابن زيد: معناه: ما لكم لا ترون لله طاعة.
وقال الحسن: معناه ما لكم لا تعرفون لله حقاً ولا تشكرون له نعمة. و "ترجون" هنا - في أكثر الأقوال - بمعنى: تخافون.
* *
- ثم قال: ﴿وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَاراً﴾.
أي: خلقكم نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم ثم، وهو قول ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك، إلا أنهم اختلفوا في الترتيب، فمنهم من بدأ بالتراب ثم النطفة حتى بلغ (تمام الخلق. ومنهم من بدأ بالنطفة حتى بلغ) نبات الشعر وحتى بلغ اللحم.
وقيل: معناه: وقد خلقكم مختلفين المناظر والألوان والكلام والصور [والعمر] والهمم وغير ذلك.
وقيل: هو الصحة والسقم، من قولهم: جاز فلان طوره، أي: خالف ما يجب أن يستعمله.
والطور في اللغة: المرة.
فالمعنى: وقد خلقكم مراراً، أي خلقكم تراباً، ثم نقلكم إلى النطفة [ثم إلى العلقة] ثم إلى المضغة، ثم عظاماً، ثم يكسو العظام اللحم، ثم أنبت الشعر، ثم أخرجه طفلاً، ثم صبياً، ثم بالغاً، ثم حدثاً، ثم رجلاً، ثم كهلاً، ثم شيخاً.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَوْاْ كَيْفَ خَلَقَ ٱللَّهُ سَبْعَ سَمَٰوَٰتٍ طِبَاقاً﴾.
أي: وقال نوح لقومه: ألم تروا كيف خلق الله فوقكم سبع سماوات طبقاً فوق طبق، فيدلكم ذلك من قدرته على وحدانيته وتعتبروا وتزدجروا عن كفركم.
والطباق مصدر من قولهم: [طابقه] (مطابقة) وطباقاً.
فالمعنى: ألم تروا كيف خلق الله سماء فوق سماء مطابقة؟!. ويجوز أن يكون "طباقاً" [نعتاً] لـ "سبع"، جمع طبق.
ومعنى ألم تروا كيف [خَلَقَ اللهُ]: [اعلموا] أن الله خلق ذلك. ولو كان على غير الأمر، معناه لقالوا ما نرى إلا واحدة، ولكن معناه الأمر كما تقول: غفر الله لك، اللهم اغفر له، لأنك لست تخبره عن أمر [علمته]، إنما هو دعاء يتمنى كونه له.
ومن هذا قول الرجل [للرجل] أَلَمْ تَرَ أَنِّي لقيت زيداً فقلت له كذا وقال لي كذا؟. معناه: اعلم أني لقيت زيداً فكان من أمره وأمري كذا وكذا.
ومثله: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ ٱلْفِيلِ﴾ [الفيل:١].
وقيل: معناه: ألم يبلغكم كيف خلق الله سبع (سماوات) طباقاً فتتعظوا وتزدجروا؟ وكذلك معنى الآية الأخرى: ألم يبلغك يا محمد كيف فعل ربك بأصحاب الفيل، ولم أُوحِ إليك كيف فعلت بهم؟
* *
- ثم قال ﴿وَجَعَلَ ٱلْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً﴾
أي: في السماوات، قال المفسرون: بين كل سماء وسماء مسيرة خمسمائة عام. فقال السائل: نحن نرى الغيم يكون دون القمر فلا نرى نوراً، فكيف تضيء السماوات كلها بالقمر على تفاوت ما بينها، وستر بعضها بعضاً؟، فقيل في ذلك: إن هذا الكلام [مجاز]، إنما قال: "فيهن"، [يريد]: في بعضهن، كما تقول العرب: أتيت بني تميم، وإنما أتى بعضهم، [وتقول]: في هذه الدور وليمة، وإنما هي في واحدة منهن.
وتقول: قدم فلان في شهر كذا، وإنما قدم في يوم منه. فلذلك أخبر بالقمر أنه في سبع سماوات وإنما هو في واحدة.
وقيل معناه: وجعل القمر معهن نوراً، أي: خلقه نوراً مع خلقه للسماوات فيكون مثل: ﴿ٱدْخُلُواْ فِيۤ أُمَمٍ﴾ [الأعراف: ٣٨].
وقال ابن كيسان: إذا جعله في إحداهن فقد جعله فيهن، كما تقول: أَعطِني من الثياب [المعلمة]، وإن كنت إنما أعلمت أحدها. وقد قال ابن عمر: إن الشمس والقمر وجوههما في السماء وأقفاؤهما في الأرض.
وقال عبد الله بن عمرو بن العاص: إن ضوء الشمس والقمر ونورهما في السماء، وقرأ: ﴿أَلَمْ تَرَوْاْ كَيْفَ...﴾ الآية.
وقيل: التقدير: وجعل القمر نوراً، ثم قال: "فيهن" بعدما مضى الكلام. وسأل عبد الله بن عمر رجل فقال له: ما بال الشمس تَصْلاَنا أحياناً وتبرد أحياناً؟ فقال: أما في الشتاء فهي في السماء السابعة تحت عرش الرحمن، وأما في الصيف فهي في السماء الخامسة، قيل له: ما كنا نظن إلا أنها في هذه السماء. قال: لو كان ذلك ما قام لها شيء إلا أحرقته.
* *
- ثم قال: ﴿وَٱللَّهُ أَنبَتَكُمْ مِّنَ ٱلأَرْضِ نَبَاتاً﴾.
أي: أنبتكم من تراب فخلقكم منه فنبتم نباتاً، يعني آدمَ أَبَا الخلقِ خَلَقَهُ من تراب الأرض.
* *
- ﴿ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا﴾
أي: في الأرض فتصيرون تراباً.
* *
- ﴿[وَيُخْرِجُكُمْ]﴾
منها إلى البعث.
* *
- ثم قال: ﴿وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ بِسَاطاً﴾.
[هذا] كله [إخبار] من الله جل ذكره لنا عن قول نوح لقومه ووعظه لهم وتنبيهه لهم على آيات الله ونعمه عندهم.
فالمعنى: جعل لكم الأرض بساطاً لتستقروا عليها، ﴿لِّتَسْلُكُواْ مِنْهَا سُبُلاً فِجَاجاً﴾.
أي: طرقاً واسعة.
وقال ابن عباس: ﴿سُبُلاً فِجَاجاً﴾، أي: "طرقاً مختلفة".
- ثم (قال تعالى): ﴿قَالَ نُوحٌ رَّبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَٱتَّبَعُواْ مَن لَّمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلاَّ خَسَاراً﴾.
أي: قال نوح لمّا عصاه قومه: يا رب، إنهم عصوني فيما بَلَّغتُهم عنك فلم يقبلوه واتبعوا أمر من لم يزده ماله وولده إلا خساراً، أي: اتبعوا في معصيتهم إياي من كثر ماله وولده فلم يزده ذلك إلا بعداً منك - يا رب - [وذهاباً] عن سبيلك.
ومن قرأ "وُلده" بالضم احتمل أن يكون جمع "وَلَد"، ك "وُثُن" جمع "وَثَن"، ويجوز أن يكون واحداً يراد به (غير) الولد: (وقد قال مجاهد: وُلده: زوجه وأهله)، وقال أبو عمرو: وُلده: عشيرته وقومه.
وقال أكثر (أهل) اللغة: الوَلد والوُلد بمعنى واحد.
* *
- ثم قال: ﴿وَمَكَرُواْ مَكْراً كُبَّاراً﴾.
أي: كبيراً، يقال كُبَارٌ وكُبَّارٌ بمعنى كبير، كما يقال: "أمر عجيب"، وعُجاب بمعنى واحد. ورجل حُسَانٌ وحُسَّان بمعنى. وجَمَال وجُمَّال بمعنى جميل.
قال مجاهد: ﴿كُبَّاراً﴾ "عظيماً".
* *
- ثم قال: ﴿وَقَالُواْ لاَ تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ..﴾.
أي: وقال بعضهم لبعض: لا تذرن عبادة آلهتكم [لقول] نوح ﴿وَلاَ تَذَرُنَّ وَدّاً وَلاَ سُوَاعاً وَلاَ يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً﴾.
["هذه أسماء أصنام كانوا يعبدونها: أما وُدّ، فكانت لكلب بدومة الجندل، وأما سُواع فكانت لهذيل، وأما يَغوث فكانت لمراد ثم لبني غطيف (بالجرف) عند سبأ، وأما يعوق فكانت لهمدان، وأما نسر فكانت لحِمْيَر، لآل ذي الكلاع"].
قال محمد بن قيس: [هذه الأسماء] أسماء قوم صالحين بين آدم ونوح وكان لهم تباع يقتدون بهم، فماتوا، فقال تباعهم: لو صورناهم كان أشرف لنا نتذكرهم [فنفعل] مثل ما كانوا يفعلون، فصوروهم ثم ماتوا، وجاء آخرون فدب فيهم الشيطان، فقال: إنما كانوا يعبدونهم وبهم يسقون المطر فعبدوهم، فكان قوم نوح يحض بعضهم بعضاً على عبادتهم وترك قبول [قول] نوح.
وقيل: بل [كانوا أصناماً] يعبدونها (من دون الله) قاله ابن عباس وغيره.
* *
- ثم قال ﴿وَقَدْ أَضَلُّواْ كَثِيراً﴾
هذا إخبار عن قول نوح، أي وقد أضلت هذه الأصنام كثيراً من الخلق، أي ضل بعبادتها كثير.
* *
- ثم قال: ﴿وَلاَ تَزِدِ ٱلظَّالِمِينَ إِلاَّ ضَلاَلاً﴾.
أي: لا توفقهم حتى يموتوا على ضلالتهم فكلما عاشوا ازدادوا إثماً وضلالاً.
نوح 71:8
قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي (لَيْلاً وَنَهَاراً)...﴾، إلى قوله: ﴿إِلاَّ ضَلاَلاً﴾.
أي: قال نوح لما بلغ رسالة ربه قومه فعصوه: يا رب إني دعوت قومي إلى توحيدك ليلاً ونهاراً وحذرتهم عقابك على كفرهم بك فلم يزدهم دعائي (لهم) إلا إدباراً عن قبول ما جئتهم به. قال قتادة: بلغنا أنهم كانوا يذهب الرجل منهم بابنه إلى نوح فيقول لابنه: احذر هذا [لا يغويك] فإن أبي قد ذهب بي إليه وأنا مثلك فحذرني كما حذرتك.
من رواية ابن شعبان عن المنهال بن عمرو عن عبد الله بن الحارث أن النبي ﷺ قال: يَجمَع اللهُ الأوَّلين، والآخِرين، ويَنزِل اللهُ في ظُلَلٍ منَ الغَمام فَيَكون أَوَّلَ من يَقْضي لَه نوحٌ وَقَومُه، يَقولُ اللهُ لِقومِ نوحٍ: ماذا أجبتم المُرْسَلين؟ قال: فَيقولُ نوحٌ: أيْ رَبِّ، بَلَّغتُهم رسالتَك ودَعَوتُهم لَيلاً ونَهاراً فكذَّبوني واتَّهَموني، فَيقولُ اللهُ لِقَوْم نوحٍ: ماذا تقولون؟ فيقولون: ربَّنا ما بَلَّغَنا الرّسالة، وقَد كان فينا حتى خَلَت قرونٌ (بعد قرون)، وَقَد كَتَمَ الرِّسالةَ فلم يَدْعُنا وَلَم يُنذِرْنا، فيقول الله لنوحٍ: ماذا تقول؟ فيقول: رَبِّ، لي بَيِّنَة، فيقول الله: إِيتِ بِبَيِّنَتِكَ. قال النبي ﷺ: فيأتي نوح فيقول: يا مُحمدُ، أَسأَلُكَ الشَّهادةَ، فإِنَّ قَومي قَدْ كذَّبوني عِندَ رَبّي وَجَحَدوا، قال النبي عليه السلام: فَأَبْعَثُ معه رهطاً مِن أمتي يَشْهَدون له. قال: فيَنطلِق الرَّهط حتى يَقِفوا على الرّب، فيقول الله لهم: بِمَ تَشْهَدون؟ فيقولون: نَشهَدُ أن نوحاً قد بَلَّغَ قَومَه وَدَعاهُم لَيْلاً وَنَهاراً وسِرّاً وعَلانِية فَكذَّبوه واسْتَغْشَوْا ثِيابَهُم وأَصَرّوا وَاسْتَكْبَروا.
فيقول اللهُ لقوم نوح: ما تقولون؟ (فيقولون): رَبّنا، كيف يقبلون علينا وَنَحْن أولُ الأُمَمِ وهُمْ آخِر الأُمَمِ؟ فيقول الله للرَّهطِ: أجيبوهم، فيقول (الرهط): ربَّنا، بَعَثْتَ إِليْنا رسولاً من أَنفسِنا فآمَنّا به وصَدّقنا ما أَنْزَلتَ عَليْه مِنَ الكِتابِ، فَكان فيما أَنزَلتَ عَلَيْه أَنَّك أَرْسَلتَ نوحاً إِلى قَومهِ فَبلَّغهم الرسالةَ وَدَعاهم لَيلاً ونَهاراً وسِرّاً وعلانيةً فكذَّبوه، قال: فيقرأون سورة "نوح"، فيقول قوم نوح: خصمنا فقوموا. قال النبي ﷺ: فما من نبيٍّ يُكذِّبه قومُه إِلاَّ يَأْتينا، فَأَبْعَثُ مَعهُ رَهطاً مِن أُمَّتي يَشْهَدون لَه وَأنا عَلَيهم [شهيدٌ]
ثم قال: ﴿وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوۤاْ أَصَابِعَهُمْ فِيۤ آذَانِهِمْ وَٱسْتَغْشَوْاْ ثِيَابَهُمْ﴾
أي: وإني كلما دعوتهم إلى طاعتك والعمل بمرضاتك لتغفر لهم إذا فعلوا ذلك، أدخلوا أصابعهم في آذانهم لِئَلاَّ يسمعوا دعائي (إياهم إلى ذلك، واستغشوا، أي تغطَّوا بها لِئَلاَّ يُسْمَعَ دعائي).
* *
- ثم قال ﴿وَأَصَرُّواْ وَٱسْتَكْبَرُواْ (ٱسْتِكْبَاراً)﴾:
أي: أَصروا على كفرهم، أي: تمادوا عليه، واستكبروا عن قبول ما جئتهم به من الحق وقبول الإيمان.
* *
- ثم قال: ﴿ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَاراً * ثُمَّ إِنِّيۤ أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَاراً﴾.
أي: ثم إني دعوتهم إلى ما أمرتني به من عبادتك دعاءً ظاهراً غيرَ خَفِيّ.
قال مجاهد: الجِهار: الكلام المعلن (به)".
﴿ثُمَّ إِنِّيۤ أَعْلَنْتُ﴾ أي صرخت وصِحْتُ بالذي أمرتني به من الإنذار.
قال مجاهد: أَعْلَنتُ: "صِحْتُ بهِم"، وَأَسْرَرْتُ لَهُمُ (أي): قلت لهم ذلك فيما بيني وبينهم.
* *
- ﴿فَقُلْتُ ٱسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ﴾
أي: سلوا ربكم المغفرة عن ذنوبكم وتوبوا إليه من كفركم يغفر لكم ذنوبكم.
* *
- ﴿إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً﴾.
أي: لم يزل غفارا لمن تاب إليه واستغفره.
* *
- ثم قال: ﴿يُرْسِلِ ٱلسَّمَآءَ عَلَيْكُمْ مِّدْرَاراً﴾.
أي: إن تبتم واستغفرتم من ذنوبكم أرسل السماء عليكم بالمطر متتابعاً.
وكان عمر رضي الله عنه إذا [استسقى] ما يزيد على الاستغفار، وسئل عن ذلك فقرأ هذه الآية، وقرأ الآية في هود في قصة هود: ﴿وَيٰقَوْمِ ٱسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوۤاْ إِلَيْهِ﴾ [هود: ٥٢] الآية.
* *
- ثم قال: ﴿مَّا لَكُمْ لاَ تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراً﴾.
(أي: ما لكم لا ترون لله عظمة، ذكر ذلك عن ابن عباس، وهو قول مجاهد. وعن ابن عباس أيضاً أن معناه: "ما لكم لا تعظمون الله حق عظمته".
وقال قتادة: معناه: "﴿مَّا لَكُمْ لاَ تَرْجُونَ لِلَّهِ﴾ عاقبة".
وقال ابن زيد: معناه: ما لكم لا ترون لله طاعة.
وقال الحسن: معناه ما لكم لا تعرفون لله حقاً ولا تشكرون له نعمة. و "ترجون" هنا - في أكثر الأقوال - بمعنى: تخافون.
* *
- ثم قال: ﴿وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَاراً﴾.
أي: خلقكم نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم ثم، وهو قول ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك، إلا أنهم اختلفوا في الترتيب، فمنهم من بدأ بالتراب ثم النطفة حتى بلغ (تمام الخلق. ومنهم من بدأ بالنطفة حتى بلغ) نبات الشعر وحتى بلغ اللحم.
وقيل: معناه: وقد خلقكم مختلفين المناظر والألوان والكلام والصور [والعمر] والهمم وغير ذلك.
وقيل: هو الصحة والسقم، من قولهم: جاز فلان طوره، أي: خالف ما يجب أن يستعمله.
والطور في اللغة: المرة.
فالمعنى: وقد خلقكم مراراً، أي خلقكم تراباً، ثم نقلكم إلى النطفة [ثم إلى العلقة] ثم إلى المضغة، ثم عظاماً، ثم يكسو العظام اللحم، ثم أنبت الشعر، ثم أخرجه طفلاً، ثم صبياً، ثم بالغاً، ثم حدثاً، ثم رجلاً، ثم كهلاً، ثم شيخاً.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَوْاْ كَيْفَ خَلَقَ ٱللَّهُ سَبْعَ سَمَٰوَٰتٍ طِبَاقاً﴾.
أي: وقال نوح لقومه: ألم تروا كيف خلق الله فوقكم سبع سماوات طبقاً فوق طبق، فيدلكم ذلك من قدرته على وحدانيته وتعتبروا وتزدجروا عن كفركم.
والطباق مصدر من قولهم: [طابقه] (مطابقة) وطباقاً.
فالمعنى: ألم تروا كيف خلق الله سماء فوق سماء مطابقة؟!. ويجوز أن يكون "طباقاً" [نعتاً] لـ "سبع"، جمع طبق.
ومعنى ألم تروا كيف [خَلَقَ اللهُ]: [اعلموا] أن الله خلق ذلك. ولو كان على غير الأمر، معناه لقالوا ما نرى إلا واحدة، ولكن معناه الأمر كما تقول: غفر الله لك، اللهم اغفر له، لأنك لست تخبره عن أمر [علمته]، إنما هو دعاء يتمنى كونه له.
ومن هذا قول الرجل [للرجل] أَلَمْ تَرَ أَنِّي لقيت زيداً فقلت له كذا وقال لي كذا؟. معناه: اعلم أني لقيت زيداً فكان من أمره وأمري كذا وكذا.
ومثله: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ ٱلْفِيلِ﴾ [الفيل:١].
وقيل: معناه: ألم يبلغكم كيف خلق الله سبع (سماوات) طباقاً فتتعظوا وتزدجروا؟ وكذلك معنى الآية الأخرى: ألم يبلغك يا محمد كيف فعل ربك بأصحاب الفيل، ولم أُوحِ إليك كيف فعلت بهم؟
* *
- ثم قال ﴿وَجَعَلَ ٱلْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً﴾
أي: في السماوات، قال المفسرون: بين كل سماء وسماء مسيرة خمسمائة عام. فقال السائل: نحن نرى الغيم يكون دون القمر فلا نرى نوراً، فكيف تضيء السماوات كلها بالقمر على تفاوت ما بينها، وستر بعضها بعضاً؟، فقيل في ذلك: إن هذا الكلام [مجاز]، إنما قال: "فيهن"، [يريد]: في بعضهن، كما تقول العرب: أتيت بني تميم، وإنما أتى بعضهم، [وتقول]: في هذه الدور وليمة، وإنما هي في واحدة منهن.
وتقول: قدم فلان في شهر كذا، وإنما قدم في يوم منه. فلذلك أخبر بالقمر أنه في سبع سماوات وإنما هو في واحدة.
وقيل معناه: وجعل القمر معهن نوراً، أي: خلقه نوراً مع خلقه للسماوات فيكون مثل: ﴿ٱدْخُلُواْ فِيۤ أُمَمٍ﴾ [الأعراف: ٣٨].
وقال ابن كيسان: إذا جعله في إحداهن فقد جعله فيهن، كما تقول: أَعطِني من الثياب [المعلمة]، وإن كنت إنما أعلمت أحدها. وقد قال ابن عمر: إن الشمس والقمر وجوههما في السماء وأقفاؤهما في الأرض.
وقال عبد الله بن عمرو بن العاص: إن ضوء الشمس والقمر ونورهما في السماء، وقرأ: ﴿أَلَمْ تَرَوْاْ كَيْفَ...﴾ الآية.
وقيل: التقدير: وجعل القمر نوراً، ثم قال: "فيهن" بعدما مضى الكلام. وسأل عبد الله بن عمر رجل فقال له: ما بال الشمس تَصْلاَنا أحياناً وتبرد أحياناً؟ فقال: أما في الشتاء فهي في السماء السابعة تحت عرش الرحمن، وأما في الصيف فهي في السماء الخامسة، قيل له: ما كنا نظن إلا أنها في هذه السماء. قال: لو كان ذلك ما قام لها شيء إلا أحرقته.
* *
- ثم قال: ﴿وَٱللَّهُ أَنبَتَكُمْ مِّنَ ٱلأَرْضِ نَبَاتاً﴾.
أي: أنبتكم من تراب فخلقكم منه فنبتم نباتاً، يعني آدمَ أَبَا الخلقِ خَلَقَهُ من تراب الأرض.
* *
- ﴿ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا﴾
أي: في الأرض فتصيرون تراباً.
* *
- ﴿[وَيُخْرِجُكُمْ]﴾
منها إلى البعث.
* *
- ثم قال: ﴿وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ بِسَاطاً﴾.
[هذا] كله [إخبار] من الله جل ذكره لنا عن قول نوح لقومه ووعظه لهم وتنبيهه لهم على آيات الله ونعمه عندهم.
فالمعنى: جعل لكم الأرض بساطاً لتستقروا عليها، ﴿لِّتَسْلُكُواْ مِنْهَا سُبُلاً فِجَاجاً﴾.
أي: طرقاً واسعة.
وقال ابن عباس: ﴿سُبُلاً فِجَاجاً﴾، أي: "طرقاً مختلفة".
- ثم (قال تعالى): ﴿قَالَ نُوحٌ رَّبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَٱتَّبَعُواْ مَن لَّمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلاَّ خَسَاراً﴾.
أي: قال نوح لمّا عصاه قومه: يا رب، إنهم عصوني فيما بَلَّغتُهم عنك فلم يقبلوه واتبعوا أمر من لم يزده ماله وولده إلا خساراً، أي: اتبعوا في معصيتهم إياي من كثر ماله وولده فلم يزده ذلك إلا بعداً منك - يا رب - [وذهاباً] عن سبيلك.
ومن قرأ "وُلده" بالضم احتمل أن يكون جمع "وَلَد"، ك "وُثُن" جمع "وَثَن"، ويجوز أن يكون واحداً يراد به (غير) الولد: (وقد قال مجاهد: وُلده: زوجه وأهله)، وقال أبو عمرو: وُلده: عشيرته وقومه.
وقال أكثر (أهل) اللغة: الوَلد والوُلد بمعنى واحد.
* *
- ثم قال: ﴿وَمَكَرُواْ مَكْراً كُبَّاراً﴾.
أي: كبيراً، يقال كُبَارٌ وكُبَّارٌ بمعنى كبير، كما يقال: "أمر عجيب"، وعُجاب بمعنى واحد. ورجل حُسَانٌ وحُسَّان بمعنى. وجَمَال وجُمَّال بمعنى جميل.
قال مجاهد: ﴿كُبَّاراً﴾ "عظيماً".
* *
- ثم قال: ﴿وَقَالُواْ لاَ تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ..﴾.
أي: وقال بعضهم لبعض: لا تذرن عبادة آلهتكم [لقول] نوح ﴿وَلاَ تَذَرُنَّ وَدّاً وَلاَ سُوَاعاً وَلاَ يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً﴾.
["هذه أسماء أصنام كانوا يعبدونها: أما وُدّ، فكانت لكلب بدومة الجندل، وأما سُواع فكانت لهذيل، وأما يَغوث فكانت لمراد ثم لبني غطيف (بالجرف) عند سبأ، وأما يعوق فكانت لهمدان، وأما نسر فكانت لحِمْيَر، لآل ذي الكلاع"].
قال محمد بن قيس: [هذه الأسماء] أسماء قوم صالحين بين آدم ونوح وكان لهم تباع يقتدون بهم، فماتوا، فقال تباعهم: لو صورناهم كان أشرف لنا نتذكرهم [فنفعل] مثل ما كانوا يفعلون، فصوروهم ثم ماتوا، وجاء آخرون فدب فيهم الشيطان، فقال: إنما كانوا يعبدونهم وبهم يسقون المطر فعبدوهم، فكان قوم نوح يحض بعضهم بعضاً على عبادتهم وترك قبول [قول] نوح.
وقيل: بل [كانوا أصناماً] يعبدونها (من دون الله) قاله ابن عباس وغيره.
* *
- ثم قال ﴿وَقَدْ أَضَلُّواْ كَثِيراً﴾
هذا إخبار عن قول نوح، أي وقد أضلت هذه الأصنام كثيراً من الخلق، أي ضل بعبادتها كثير.
* *
- ثم قال: ﴿وَلاَ تَزِدِ ٱلظَّالِمِينَ إِلاَّ ضَلاَلاً﴾.
أي: لا توفقهم حتى يموتوا على ضلالتهم فكلما عاشوا ازدادوا إثماً وضلالاً.
نوح 71:9
قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي (لَيْلاً وَنَهَاراً)...﴾، إلى قوله: ﴿إِلاَّ ضَلاَلاً﴾.
أي: قال نوح لما بلغ رسالة ربه قومه فعصوه: يا رب إني دعوت قومي إلى توحيدك ليلاً ونهاراً وحذرتهم عقابك على كفرهم بك فلم يزدهم دعائي (لهم) إلا إدباراً عن قبول ما جئتهم به. قال قتادة: بلغنا أنهم كانوا يذهب الرجل منهم بابنه إلى نوح فيقول لابنه: احذر هذا [لا يغويك] فإن أبي قد ذهب بي إليه وأنا مثلك فحذرني كما حذرتك.
من رواية ابن شعبان عن المنهال بن عمرو عن عبد الله بن الحارث أن النبي ﷺ قال: يَجمَع اللهُ الأوَّلين، والآخِرين، ويَنزِل اللهُ في ظُلَلٍ منَ الغَمام فَيَكون أَوَّلَ من يَقْضي لَه نوحٌ وَقَومُه، يَقولُ اللهُ لِقومِ نوحٍ: ماذا أجبتم المُرْسَلين؟ قال: فَيقولُ نوحٌ: أيْ رَبِّ، بَلَّغتُهم رسالتَك ودَعَوتُهم لَيلاً ونَهاراً فكذَّبوني واتَّهَموني، فَيقولُ اللهُ لِقَوْم نوحٍ: ماذا تقولون؟ فيقولون: ربَّنا ما بَلَّغَنا الرّسالة، وقَد كان فينا حتى خَلَت قرونٌ (بعد قرون)، وَقَد كَتَمَ الرِّسالةَ فلم يَدْعُنا وَلَم يُنذِرْنا، فيقول الله لنوحٍ: ماذا تقول؟ فيقول: رَبِّ، لي بَيِّنَة، فيقول الله: إِيتِ بِبَيِّنَتِكَ. قال النبي ﷺ: فيأتي نوح فيقول: يا مُحمدُ، أَسأَلُكَ الشَّهادةَ، فإِنَّ قَومي قَدْ كذَّبوني عِندَ رَبّي وَجَحَدوا، قال النبي عليه السلام: فَأَبْعَثُ معه رهطاً مِن أمتي يَشْهَدون له. قال: فيَنطلِق الرَّهط حتى يَقِفوا على الرّب، فيقول الله لهم: بِمَ تَشْهَدون؟ فيقولون: نَشهَدُ أن نوحاً قد بَلَّغَ قَومَه وَدَعاهُم لَيْلاً وَنَهاراً وسِرّاً وعَلانِية فَكذَّبوه واسْتَغْشَوْا ثِيابَهُم وأَصَرّوا وَاسْتَكْبَروا.
فيقول اللهُ لقوم نوح: ما تقولون؟ (فيقولون): رَبّنا، كيف يقبلون علينا وَنَحْن أولُ الأُمَمِ وهُمْ آخِر الأُمَمِ؟ فيقول الله للرَّهطِ: أجيبوهم، فيقول (الرهط): ربَّنا، بَعَثْتَ إِليْنا رسولاً من أَنفسِنا فآمَنّا به وصَدّقنا ما أَنْزَلتَ عَليْه مِنَ الكِتابِ، فَكان فيما أَنزَلتَ عَلَيْه أَنَّك أَرْسَلتَ نوحاً إِلى قَومهِ فَبلَّغهم الرسالةَ وَدَعاهم لَيلاً ونَهاراً وسِرّاً وعلانيةً فكذَّبوه، قال: فيقرأون سورة "نوح"، فيقول قوم نوح: خصمنا فقوموا. قال النبي ﷺ: فما من نبيٍّ يُكذِّبه قومُه إِلاَّ يَأْتينا، فَأَبْعَثُ مَعهُ رَهطاً مِن أُمَّتي يَشْهَدون لَه وَأنا عَلَيهم [شهيدٌ]
ثم قال: ﴿وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوۤاْ أَصَابِعَهُمْ فِيۤ آذَانِهِمْ وَٱسْتَغْشَوْاْ ثِيَابَهُمْ﴾
أي: وإني كلما دعوتهم إلى طاعتك والعمل بمرضاتك لتغفر لهم إذا فعلوا ذلك، أدخلوا أصابعهم في آذانهم لِئَلاَّ يسمعوا دعائي (إياهم إلى ذلك، واستغشوا، أي تغطَّوا بها لِئَلاَّ يُسْمَعَ دعائي).
* *
- ثم قال ﴿وَأَصَرُّواْ وَٱسْتَكْبَرُواْ (ٱسْتِكْبَاراً)﴾:
أي: أَصروا على كفرهم، أي: تمادوا عليه، واستكبروا عن قبول ما جئتهم به من الحق وقبول الإيمان.
* *
- ثم قال: ﴿ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَاراً * ثُمَّ إِنِّيۤ أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَاراً﴾.
أي: ثم إني دعوتهم إلى ما أمرتني به من عبادتك دعاءً ظاهراً غيرَ خَفِيّ.
قال مجاهد: الجِهار: الكلام المعلن (به)".
﴿ثُمَّ إِنِّيۤ أَعْلَنْتُ﴾ أي صرخت وصِحْتُ بالذي أمرتني به من الإنذار.
قال مجاهد: أَعْلَنتُ: "صِحْتُ بهِم"، وَأَسْرَرْتُ لَهُمُ (أي): قلت لهم ذلك فيما بيني وبينهم.
* *
- ﴿فَقُلْتُ ٱسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ﴾
أي: سلوا ربكم المغفرة عن ذنوبكم وتوبوا إليه من كفركم يغفر لكم ذنوبكم.
* *
- ﴿إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً﴾.
أي: لم يزل غفارا لمن تاب إليه واستغفره.
* *
- ثم قال: ﴿يُرْسِلِ ٱلسَّمَآءَ عَلَيْكُمْ مِّدْرَاراً﴾.
أي: إن تبتم واستغفرتم من ذنوبكم أرسل السماء عليكم بالمطر متتابعاً.
وكان عمر رضي الله عنه إذا [استسقى] ما يزيد على الاستغفار، وسئل عن ذلك فقرأ هذه الآية، وقرأ الآية في هود في قصة هود: ﴿وَيٰقَوْمِ ٱسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوۤاْ إِلَيْهِ﴾ [هود: ٥٢] الآية.
* *
- ثم قال: ﴿مَّا لَكُمْ لاَ تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراً﴾.
(أي: ما لكم لا ترون لله عظمة، ذكر ذلك عن ابن عباس، وهو قول مجاهد. وعن ابن عباس أيضاً أن معناه: "ما لكم لا تعظمون الله حق عظمته".
وقال قتادة: معناه: "﴿مَّا لَكُمْ لاَ تَرْجُونَ لِلَّهِ﴾ عاقبة".
وقال ابن زيد: معناه: ما لكم لا ترون لله طاعة.
وقال الحسن: معناه ما لكم لا تعرفون لله حقاً ولا تشكرون له نعمة. و "ترجون" هنا - في أكثر الأقوال - بمعنى: تخافون.
* *
- ثم قال: ﴿وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَاراً﴾.
أي: خلقكم نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم ثم، وهو قول ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك، إلا أنهم اختلفوا في الترتيب، فمنهم من بدأ بالتراب ثم النطفة حتى بلغ (تمام الخلق. ومنهم من بدأ بالنطفة حتى بلغ) نبات الشعر وحتى بلغ اللحم.
وقيل: معناه: وقد خلقكم مختلفين المناظر والألوان والكلام والصور [والعمر] والهمم وغير ذلك.
وقيل: هو الصحة والسقم، من قولهم: جاز فلان طوره، أي: خالف ما يجب أن يستعمله.
والطور في اللغة: المرة.
فالمعنى: وقد خلقكم مراراً، أي خلقكم تراباً، ثم نقلكم إلى النطفة [ثم إلى العلقة] ثم إلى المضغة، ثم عظاماً، ثم يكسو العظام اللحم، ثم أنبت الشعر، ثم أخرجه طفلاً، ثم صبياً، ثم بالغاً، ثم حدثاً، ثم رجلاً، ثم كهلاً، ثم شيخاً.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَوْاْ كَيْفَ خَلَقَ ٱللَّهُ سَبْعَ سَمَٰوَٰتٍ طِبَاقاً﴾.
أي: وقال نوح لقومه: ألم تروا كيف خلق الله فوقكم سبع سماوات طبقاً فوق طبق، فيدلكم ذلك من قدرته على وحدانيته وتعتبروا وتزدجروا عن كفركم.
والطباق مصدر من قولهم: [طابقه] (مطابقة) وطباقاً.
فالمعنى: ألم تروا كيف خلق الله سماء فوق سماء مطابقة؟!. ويجوز أن يكون "طباقاً" [نعتاً] لـ "سبع"، جمع طبق.
ومعنى ألم تروا كيف [خَلَقَ اللهُ]: [اعلموا] أن الله خلق ذلك. ولو كان على غير الأمر، معناه لقالوا ما نرى إلا واحدة، ولكن معناه الأمر كما تقول: غفر الله لك، اللهم اغفر له، لأنك لست تخبره عن أمر [علمته]، إنما هو دعاء يتمنى كونه له.
ومن هذا قول الرجل [للرجل] أَلَمْ تَرَ أَنِّي لقيت زيداً فقلت له كذا وقال لي كذا؟. معناه: اعلم أني لقيت زيداً فكان من أمره وأمري كذا وكذا.
ومثله: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ ٱلْفِيلِ﴾ [الفيل:١].
وقيل: معناه: ألم يبلغكم كيف خلق الله سبع (سماوات) طباقاً فتتعظوا وتزدجروا؟ وكذلك معنى الآية الأخرى: ألم يبلغك يا محمد كيف فعل ربك بأصحاب الفيل، ولم أُوحِ إليك كيف فعلت بهم؟
* *
- ثم قال ﴿وَجَعَلَ ٱلْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً﴾
أي: في السماوات، قال المفسرون: بين كل سماء وسماء مسيرة خمسمائة عام. فقال السائل: نحن نرى الغيم يكون دون القمر فلا نرى نوراً، فكيف تضيء السماوات كلها بالقمر على تفاوت ما بينها، وستر بعضها بعضاً؟، فقيل في ذلك: إن هذا الكلام [مجاز]، إنما قال: "فيهن"، [يريد]: في بعضهن، كما تقول العرب: أتيت بني تميم، وإنما أتى بعضهم، [وتقول]: في هذه الدور وليمة، وإنما هي في واحدة منهن.
وتقول: قدم فلان في شهر كذا، وإنما قدم في يوم منه. فلذلك أخبر بالقمر أنه في سبع سماوات وإنما هو في واحدة.
وقيل معناه: وجعل القمر معهن نوراً، أي: خلقه نوراً مع خلقه للسماوات فيكون مثل: ﴿ٱدْخُلُواْ فِيۤ أُمَمٍ﴾ [الأعراف: ٣٨].
وقال ابن كيسان: إذا جعله في إحداهن فقد جعله فيهن، كما تقول: أَعطِني من الثياب [المعلمة]، وإن كنت إنما أعلمت أحدها. وقد قال ابن عمر: إن الشمس والقمر وجوههما في السماء وأقفاؤهما في الأرض.
وقال عبد الله بن عمرو بن العاص: إن ضوء الشمس والقمر ونورهما في السماء، وقرأ: ﴿أَلَمْ تَرَوْاْ كَيْفَ...﴾ الآية.
وقيل: التقدير: وجعل القمر نوراً، ثم قال: "فيهن" بعدما مضى الكلام. وسأل عبد الله بن عمر رجل فقال له: ما بال الشمس تَصْلاَنا أحياناً وتبرد أحياناً؟ فقال: أما في الشتاء فهي في السماء السابعة تحت عرش الرحمن، وأما في الصيف فهي في السماء الخامسة، قيل له: ما كنا نظن إلا أنها في هذه السماء. قال: لو كان ذلك ما قام لها شيء إلا أحرقته.
* *
- ثم قال: ﴿وَٱللَّهُ أَنبَتَكُمْ مِّنَ ٱلأَرْضِ نَبَاتاً﴾.
أي: أنبتكم من تراب فخلقكم منه فنبتم نباتاً، يعني آدمَ أَبَا الخلقِ خَلَقَهُ من تراب الأرض.
* *
- ﴿ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا﴾
أي: في الأرض فتصيرون تراباً.
* *
- ﴿[وَيُخْرِجُكُمْ]﴾
منها إلى البعث.
* *
- ثم قال: ﴿وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ بِسَاطاً﴾.
[هذا] كله [إخبار] من الله جل ذكره لنا عن قول نوح لقومه ووعظه لهم وتنبيهه لهم على آيات الله ونعمه عندهم.
فالمعنى: جعل لكم الأرض بساطاً لتستقروا عليها، ﴿لِّتَسْلُكُواْ مِنْهَا سُبُلاً فِجَاجاً﴾.
أي: طرقاً واسعة.
وقال ابن عباس: ﴿سُبُلاً فِجَاجاً﴾، أي: "طرقاً مختلفة".
- ثم (قال تعالى): ﴿قَالَ نُوحٌ رَّبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَٱتَّبَعُواْ مَن لَّمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلاَّ خَسَاراً﴾.
أي: قال نوح لمّا عصاه قومه: يا رب، إنهم عصوني فيما بَلَّغتُهم عنك فلم يقبلوه واتبعوا أمر من لم يزده ماله وولده إلا خساراً، أي: اتبعوا في معصيتهم إياي من كثر ماله وولده فلم يزده ذلك إلا بعداً منك - يا رب - [وذهاباً] عن سبيلك.
ومن قرأ "وُلده" بالضم احتمل أن يكون جمع "وَلَد"، ك "وُثُن" جمع "وَثَن"، ويجوز أن يكون واحداً يراد به (غير) الولد: (وقد قال مجاهد: وُلده: زوجه وأهله)، وقال أبو عمرو: وُلده: عشيرته وقومه.
وقال أكثر (أهل) اللغة: الوَلد والوُلد بمعنى واحد.
* *
- ثم قال: ﴿وَمَكَرُواْ مَكْراً كُبَّاراً﴾.
أي: كبيراً، يقال كُبَارٌ وكُبَّارٌ بمعنى كبير، كما يقال: "أمر عجيب"، وعُجاب بمعنى واحد. ورجل حُسَانٌ وحُسَّان بمعنى. وجَمَال وجُمَّال بمعنى جميل.
قال مجاهد: ﴿كُبَّاراً﴾ "عظيماً".
* *
- ثم قال: ﴿وَقَالُواْ لاَ تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ..﴾.
أي: وقال بعضهم لبعض: لا تذرن عبادة آلهتكم [لقول] نوح ﴿وَلاَ تَذَرُنَّ وَدّاً وَلاَ سُوَاعاً وَلاَ يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً﴾.
["هذه أسماء أصنام كانوا يعبدونها: أما وُدّ، فكانت لكلب بدومة الجندل، وأما سُواع فكانت لهذيل، وأما يَغوث فكانت لمراد ثم لبني غطيف (بالجرف) عند سبأ، وأما يعوق فكانت لهمدان، وأما نسر فكانت لحِمْيَر، لآل ذي الكلاع"].
قال محمد بن قيس: [هذه الأسماء] أسماء قوم صالحين بين آدم ونوح وكان لهم تباع يقتدون بهم، فماتوا، فقال تباعهم: لو صورناهم كان أشرف لنا نتذكرهم [فنفعل] مثل ما كانوا يفعلون، فصوروهم ثم ماتوا، وجاء آخرون فدب فيهم الشيطان، فقال: إنما كانوا يعبدونهم وبهم يسقون المطر فعبدوهم، فكان قوم نوح يحض بعضهم بعضاً على عبادتهم وترك قبول [قول] نوح.
وقيل: بل [كانوا أصناماً] يعبدونها (من دون الله) قاله ابن عباس وغيره.
* *
- ثم قال ﴿وَقَدْ أَضَلُّواْ كَثِيراً﴾
هذا إخبار عن قول نوح، أي وقد أضلت هذه الأصنام كثيراً من الخلق، أي ضل بعبادتها كثير.
* *
- ثم قال: ﴿وَلاَ تَزِدِ ٱلظَّالِمِينَ إِلاَّ ضَلاَلاً﴾.
أي: لا توفقهم حتى يموتوا على ضلالتهم فكلما عاشوا ازدادوا إثماً وضلالاً.
نوح 71:10
قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي (لَيْلاً وَنَهَاراً)...﴾، إلى قوله: ﴿إِلاَّ ضَلاَلاً﴾.
أي: قال نوح لما بلغ رسالة ربه قومه فعصوه: يا رب إني دعوت قومي إلى توحيدك ليلاً ونهاراً وحذرتهم عقابك على كفرهم بك فلم يزدهم دعائي (لهم) إلا إدباراً عن قبول ما جئتهم به. قال قتادة: بلغنا أنهم كانوا يذهب الرجل منهم بابنه إلى نوح فيقول لابنه: احذر هذا [لا يغويك] فإن أبي قد ذهب بي إليه وأنا مثلك فحذرني كما حذرتك.
من رواية ابن شعبان عن المنهال بن عمرو عن عبد الله بن الحارث أن النبي ﷺ قال: يَجمَع اللهُ الأوَّلين، والآخِرين، ويَنزِل اللهُ في ظُلَلٍ منَ الغَمام فَيَكون أَوَّلَ من يَقْضي لَه نوحٌ وَقَومُه، يَقولُ اللهُ لِقومِ نوحٍ: ماذا أجبتم المُرْسَلين؟ قال: فَيقولُ نوحٌ: أيْ رَبِّ، بَلَّغتُهم رسالتَك ودَعَوتُهم لَيلاً ونَهاراً فكذَّبوني واتَّهَموني، فَيقولُ اللهُ لِقَوْم نوحٍ: ماذا تقولون؟ فيقولون: ربَّنا ما بَلَّغَنا الرّسالة، وقَد كان فينا حتى خَلَت قرونٌ (بعد قرون)، وَقَد كَتَمَ الرِّسالةَ فلم يَدْعُنا وَلَم يُنذِرْنا، فيقول الله لنوحٍ: ماذا تقول؟ فيقول: رَبِّ، لي بَيِّنَة، فيقول الله: إِيتِ بِبَيِّنَتِكَ. قال النبي ﷺ: فيأتي نوح فيقول: يا مُحمدُ، أَسأَلُكَ الشَّهادةَ، فإِنَّ قَومي قَدْ كذَّبوني عِندَ رَبّي وَجَحَدوا، قال النبي عليه السلام: فَأَبْعَثُ معه رهطاً مِن أمتي يَشْهَدون له. قال: فيَنطلِق الرَّهط حتى يَقِفوا على الرّب، فيقول الله لهم: بِمَ تَشْهَدون؟ فيقولون: نَشهَدُ أن نوحاً قد بَلَّغَ قَومَه وَدَعاهُم لَيْلاً وَنَهاراً وسِرّاً وعَلانِية فَكذَّبوه واسْتَغْشَوْا ثِيابَهُم وأَصَرّوا وَاسْتَكْبَروا.
فيقول اللهُ لقوم نوح: ما تقولون؟ (فيقولون): رَبّنا، كيف يقبلون علينا وَنَحْن أولُ الأُمَمِ وهُمْ آخِر الأُمَمِ؟ فيقول الله للرَّهطِ: أجيبوهم، فيقول (الرهط): ربَّنا، بَعَثْتَ إِليْنا رسولاً من أَنفسِنا فآمَنّا به وصَدّقنا ما أَنْزَلتَ عَليْه مِنَ الكِتابِ، فَكان فيما أَنزَلتَ عَلَيْه أَنَّك أَرْسَلتَ نوحاً إِلى قَومهِ فَبلَّغهم الرسالةَ وَدَعاهم لَيلاً ونَهاراً وسِرّاً وعلانيةً فكذَّبوه، قال: فيقرأون سورة "نوح"، فيقول قوم نوح: خصمنا فقوموا. قال النبي ﷺ: فما من نبيٍّ يُكذِّبه قومُه إِلاَّ يَأْتينا، فَأَبْعَثُ مَعهُ رَهطاً مِن أُمَّتي يَشْهَدون لَه وَأنا عَلَيهم [شهيدٌ]
ثم قال: ﴿وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوۤاْ أَصَابِعَهُمْ فِيۤ آذَانِهِمْ وَٱسْتَغْشَوْاْ ثِيَابَهُمْ﴾
أي: وإني كلما دعوتهم إلى طاعتك والعمل بمرضاتك لتغفر لهم إذا فعلوا ذلك، أدخلوا أصابعهم في آذانهم لِئَلاَّ يسمعوا دعائي (إياهم إلى ذلك، واستغشوا، أي تغطَّوا بها لِئَلاَّ يُسْمَعَ دعائي).
* *
- ثم قال ﴿وَأَصَرُّواْ وَٱسْتَكْبَرُواْ (ٱسْتِكْبَاراً)﴾:
أي: أَصروا على كفرهم، أي: تمادوا عليه، واستكبروا عن قبول ما جئتهم به من الحق وقبول الإيمان.
* *
- ثم قال: ﴿ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَاراً * ثُمَّ إِنِّيۤ أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَاراً﴾.
أي: ثم إني دعوتهم إلى ما أمرتني به من عبادتك دعاءً ظاهراً غيرَ خَفِيّ.
قال مجاهد: الجِهار: الكلام المعلن (به)".
﴿ثُمَّ إِنِّيۤ أَعْلَنْتُ﴾ أي صرخت وصِحْتُ بالذي أمرتني به من الإنذار.
قال مجاهد: أَعْلَنتُ: "صِحْتُ بهِم"، وَأَسْرَرْتُ لَهُمُ (أي): قلت لهم ذلك فيما بيني وبينهم.
* *
- ﴿فَقُلْتُ ٱسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ﴾
أي: سلوا ربكم المغفرة عن ذنوبكم وتوبوا إليه من كفركم يغفر لكم ذنوبكم.
* *
- ﴿إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً﴾.
أي: لم يزل غفارا لمن تاب إليه واستغفره.
* *
- ثم قال: ﴿يُرْسِلِ ٱلسَّمَآءَ عَلَيْكُمْ مِّدْرَاراً﴾.
أي: إن تبتم واستغفرتم من ذنوبكم أرسل السماء عليكم بالمطر متتابعاً.
وكان عمر رضي الله عنه إذا [استسقى] ما يزيد على الاستغفار، وسئل عن ذلك فقرأ هذه الآية، وقرأ الآية في هود في قصة هود: ﴿وَيٰقَوْمِ ٱسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوۤاْ إِلَيْهِ﴾ [هود: ٥٢] الآية.
* *
- ثم قال: ﴿مَّا لَكُمْ لاَ تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراً﴾.
(أي: ما لكم لا ترون لله عظمة، ذكر ذلك عن ابن عباس، وهو قول مجاهد. وعن ابن عباس أيضاً أن معناه: "ما لكم لا تعظمون الله حق عظمته".
وقال قتادة: معناه: "﴿مَّا لَكُمْ لاَ تَرْجُونَ لِلَّهِ﴾ عاقبة".
وقال ابن زيد: معناه: ما لكم لا ترون لله طاعة.
وقال الحسن: معناه ما لكم لا تعرفون لله حقاً ولا تشكرون له نعمة. و "ترجون" هنا - في أكثر الأقوال - بمعنى: تخافون.
* *
- ثم قال: ﴿وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَاراً﴾.
أي: خلقكم نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم ثم، وهو قول ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك، إلا أنهم اختلفوا في الترتيب، فمنهم من بدأ بالتراب ثم النطفة حتى بلغ (تمام الخلق. ومنهم من بدأ بالنطفة حتى بلغ) نبات الشعر وحتى بلغ اللحم.
وقيل: معناه: وقد خلقكم مختلفين المناظر والألوان والكلام والصور [والعمر] والهمم وغير ذلك.
وقيل: هو الصحة والسقم، من قولهم: جاز فلان طوره، أي: خالف ما يجب أن يستعمله.
والطور في اللغة: المرة.
فالمعنى: وقد خلقكم مراراً، أي خلقكم تراباً، ثم نقلكم إلى النطفة [ثم إلى العلقة] ثم إلى المضغة، ثم عظاماً، ثم يكسو العظام اللحم، ثم أنبت الشعر، ثم أخرجه طفلاً، ثم صبياً، ثم بالغاً، ثم حدثاً، ثم رجلاً، ثم كهلاً، ثم شيخاً.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَوْاْ كَيْفَ خَلَقَ ٱللَّهُ سَبْعَ سَمَٰوَٰتٍ طِبَاقاً﴾.
أي: وقال نوح لقومه: ألم تروا كيف خلق الله فوقكم سبع سماوات طبقاً فوق طبق، فيدلكم ذلك من قدرته على وحدانيته وتعتبروا وتزدجروا عن كفركم.
والطباق مصدر من قولهم: [طابقه] (مطابقة) وطباقاً.
فالمعنى: ألم تروا كيف خلق الله سماء فوق سماء مطابقة؟!. ويجوز أن يكون "طباقاً" [نعتاً] لـ "سبع"، جمع طبق.
ومعنى ألم تروا كيف [خَلَقَ اللهُ]: [اعلموا] أن الله خلق ذلك. ولو كان على غير الأمر، معناه لقالوا ما نرى إلا واحدة، ولكن معناه الأمر كما تقول: غفر الله لك، اللهم اغفر له، لأنك لست تخبره عن أمر [علمته]، إنما هو دعاء يتمنى كونه له.
ومن هذا قول الرجل [للرجل] أَلَمْ تَرَ أَنِّي لقيت زيداً فقلت له كذا وقال لي كذا؟. معناه: اعلم أني لقيت زيداً فكان من أمره وأمري كذا وكذا.
ومثله: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ ٱلْفِيلِ﴾ [الفيل:١].
وقيل: معناه: ألم يبلغكم كيف خلق الله سبع (سماوات) طباقاً فتتعظوا وتزدجروا؟ وكذلك معنى الآية الأخرى: ألم يبلغك يا محمد كيف فعل ربك بأصحاب الفيل، ولم أُوحِ إليك كيف فعلت بهم؟
* *
- ثم قال ﴿وَجَعَلَ ٱلْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً﴾
أي: في السماوات، قال المفسرون: بين كل سماء وسماء مسيرة خمسمائة عام. فقال السائل: نحن نرى الغيم يكون دون القمر فلا نرى نوراً، فكيف تضيء السماوات كلها بالقمر على تفاوت ما بينها، وستر بعضها بعضاً؟، فقيل في ذلك: إن هذا الكلام [مجاز]، إنما قال: "فيهن"، [يريد]: في بعضهن، كما تقول العرب: أتيت بني تميم، وإنما أتى بعضهم، [وتقول]: في هذه الدور وليمة، وإنما هي في واحدة منهن.
وتقول: قدم فلان في شهر كذا، وإنما قدم في يوم منه. فلذلك أخبر بالقمر أنه في سبع سماوات وإنما هو في واحدة.
وقيل معناه: وجعل القمر معهن نوراً، أي: خلقه نوراً مع خلقه للسماوات فيكون مثل: ﴿ٱدْخُلُواْ فِيۤ أُمَمٍ﴾ [الأعراف: ٣٨].
وقال ابن كيسان: إذا جعله في إحداهن فقد جعله فيهن، كما تقول: أَعطِني من الثياب [المعلمة]، وإن كنت إنما أعلمت أحدها. وقد قال ابن عمر: إن الشمس والقمر وجوههما في السماء وأقفاؤهما في الأرض.
وقال عبد الله بن عمرو بن العاص: إن ضوء الشمس والقمر ونورهما في السماء، وقرأ: ﴿أَلَمْ تَرَوْاْ كَيْفَ...﴾ الآية.
وقيل: التقدير: وجعل القمر نوراً، ثم قال: "فيهن" بعدما مضى الكلام. وسأل عبد الله بن عمر رجل فقال له: ما بال الشمس تَصْلاَنا أحياناً وتبرد أحياناً؟ فقال: أما في الشتاء فهي في السماء السابعة تحت عرش الرحمن، وأما في الصيف فهي في السماء الخامسة، قيل له: ما كنا نظن إلا أنها في هذه السماء. قال: لو كان ذلك ما قام لها شيء إلا أحرقته.
* *
- ثم قال: ﴿وَٱللَّهُ أَنبَتَكُمْ مِّنَ ٱلأَرْضِ نَبَاتاً﴾.
أي: أنبتكم من تراب فخلقكم منه فنبتم نباتاً، يعني آدمَ أَبَا الخلقِ خَلَقَهُ من تراب الأرض.
* *
- ﴿ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا﴾
أي: في الأرض فتصيرون تراباً.
* *
- ﴿[وَيُخْرِجُكُمْ]﴾
منها إلى البعث.
* *
- ثم قال: ﴿وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ بِسَاطاً﴾.
[هذا] كله [إخبار] من الله جل ذكره لنا عن قول نوح لقومه ووعظه لهم وتنبيهه لهم على آيات الله ونعمه عندهم.
فالمعنى: جعل لكم الأرض بساطاً لتستقروا عليها، ﴿لِّتَسْلُكُواْ مِنْهَا سُبُلاً فِجَاجاً﴾.
أي: طرقاً واسعة.
وقال ابن عباس: ﴿سُبُلاً فِجَاجاً﴾، أي: "طرقاً مختلفة".
- ثم (قال تعالى): ﴿قَالَ نُوحٌ رَّبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَٱتَّبَعُواْ مَن لَّمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلاَّ خَسَاراً﴾.
أي: قال نوح لمّا عصاه قومه: يا رب، إنهم عصوني فيما بَلَّغتُهم عنك فلم يقبلوه واتبعوا أمر من لم يزده ماله وولده إلا خساراً، أي: اتبعوا في معصيتهم إياي من كثر ماله وولده فلم يزده ذلك إلا بعداً منك - يا رب - [وذهاباً] عن سبيلك.
ومن قرأ "وُلده" بالضم احتمل أن يكون جمع "وَلَد"، ك "وُثُن" جمع "وَثَن"، ويجوز أن يكون واحداً يراد به (غير) الولد: (وقد قال مجاهد: وُلده: زوجه وأهله)، وقال أبو عمرو: وُلده: عشيرته وقومه.
وقال أكثر (أهل) اللغة: الوَلد والوُلد بمعنى واحد.
* *
- ثم قال: ﴿وَمَكَرُواْ مَكْراً كُبَّاراً﴾.
أي: كبيراً، يقال كُبَارٌ وكُبَّارٌ بمعنى كبير، كما يقال: "أمر عجيب"، وعُجاب بمعنى واحد. ورجل حُسَانٌ وحُسَّان بمعنى. وجَمَال وجُمَّال بمعنى جميل.
قال مجاهد: ﴿كُبَّاراً﴾ "عظيماً".
* *
- ثم قال: ﴿وَقَالُواْ لاَ تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ..﴾.
أي: وقال بعضهم لبعض: لا تذرن عبادة آلهتكم [لقول] نوح ﴿وَلاَ تَذَرُنَّ وَدّاً وَلاَ سُوَاعاً وَلاَ يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً﴾.
["هذه أسماء أصنام كانوا يعبدونها: أما وُدّ، فكانت لكلب بدومة الجندل، وأما سُواع فكانت لهذيل، وأما يَغوث فكانت لمراد ثم لبني غطيف (بالجرف) عند سبأ، وأما يعوق فكانت لهمدان، وأما نسر فكانت لحِمْيَر، لآل ذي الكلاع"].
قال محمد بن قيس: [هذه الأسماء] أسماء قوم صالحين بين آدم ونوح وكان لهم تباع يقتدون بهم، فماتوا، فقال تباعهم: لو صورناهم كان أشرف لنا نتذكرهم [فنفعل] مثل ما كانوا يفعلون، فصوروهم ثم ماتوا، وجاء آخرون فدب فيهم الشيطان، فقال: إنما كانوا يعبدونهم وبهم يسقون المطر فعبدوهم، فكان قوم نوح يحض بعضهم بعضاً على عبادتهم وترك قبول [قول] نوح.
وقيل: بل [كانوا أصناماً] يعبدونها (من دون الله) قاله ابن عباس وغيره.
* *
- ثم قال ﴿وَقَدْ أَضَلُّواْ كَثِيراً﴾
هذا إخبار عن قول نوح، أي وقد أضلت هذه الأصنام كثيراً من الخلق، أي ضل بعبادتها كثير.
* *
- ثم قال: ﴿وَلاَ تَزِدِ ٱلظَّالِمِينَ إِلاَّ ضَلاَلاً﴾.
أي: لا توفقهم حتى يموتوا على ضلالتهم فكلما عاشوا ازدادوا إثماً وضلالاً.
نوح 71:11
قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي (لَيْلاً وَنَهَاراً)...﴾، إلى قوله: ﴿إِلاَّ ضَلاَلاً﴾.
أي: قال نوح لما بلغ رسالة ربه قومه فعصوه: يا رب إني دعوت قومي إلى توحيدك ليلاً ونهاراً وحذرتهم عقابك على كفرهم بك فلم يزدهم دعائي (لهم) إلا إدباراً عن قبول ما جئتهم به. قال قتادة: بلغنا أنهم كانوا يذهب الرجل منهم بابنه إلى نوح فيقول لابنه: احذر هذا [لا يغويك] فإن أبي قد ذهب بي إليه وأنا مثلك فحذرني كما حذرتك.
من رواية ابن شعبان عن المنهال بن عمرو عن عبد الله بن الحارث أن النبي ﷺ قال: يَجمَع اللهُ الأوَّلين، والآخِرين، ويَنزِل اللهُ في ظُلَلٍ منَ الغَمام فَيَكون أَوَّلَ من يَقْضي لَه نوحٌ وَقَومُه، يَقولُ اللهُ لِقومِ نوحٍ: ماذا أجبتم المُرْسَلين؟ قال: فَيقولُ نوحٌ: أيْ رَبِّ، بَلَّغتُهم رسالتَك ودَعَوتُهم لَيلاً ونَهاراً فكذَّبوني واتَّهَموني، فَيقولُ اللهُ لِقَوْم نوحٍ: ماذا تقولون؟ فيقولون: ربَّنا ما بَلَّغَنا الرّسالة، وقَد كان فينا حتى خَلَت قرونٌ (بعد قرون)، وَقَد كَتَمَ الرِّسالةَ فلم يَدْعُنا وَلَم يُنذِرْنا، فيقول الله لنوحٍ: ماذا تقول؟ فيقول: رَبِّ، لي بَيِّنَة، فيقول الله: إِيتِ بِبَيِّنَتِكَ. قال النبي ﷺ: فيأتي نوح فيقول: يا مُحمدُ، أَسأَلُكَ الشَّهادةَ، فإِنَّ قَومي قَدْ كذَّبوني عِندَ رَبّي وَجَحَدوا، قال النبي عليه السلام: فَأَبْعَثُ معه رهطاً مِن أمتي يَشْهَدون له. قال: فيَنطلِق الرَّهط حتى يَقِفوا على الرّب، فيقول الله لهم: بِمَ تَشْهَدون؟ فيقولون: نَشهَدُ أن نوحاً قد بَلَّغَ قَومَه وَدَعاهُم لَيْلاً وَنَهاراً وسِرّاً وعَلانِية فَكذَّبوه واسْتَغْشَوْا ثِيابَهُم وأَصَرّوا وَاسْتَكْبَروا.
فيقول اللهُ لقوم نوح: ما تقولون؟ (فيقولون): رَبّنا، كيف يقبلون علينا وَنَحْن أولُ الأُمَمِ وهُمْ آخِر الأُمَمِ؟ فيقول الله للرَّهطِ: أجيبوهم، فيقول (الرهط): ربَّنا، بَعَثْتَ إِليْنا رسولاً من أَنفسِنا فآمَنّا به وصَدّقنا ما أَنْزَلتَ عَليْه مِنَ الكِتابِ، فَكان فيما أَنزَلتَ عَلَيْه أَنَّك أَرْسَلتَ نوحاً إِلى قَومهِ فَبلَّغهم الرسالةَ وَدَعاهم لَيلاً ونَهاراً وسِرّاً وعلانيةً فكذَّبوه، قال: فيقرأون سورة "نوح"، فيقول قوم نوح: خصمنا فقوموا. قال النبي ﷺ: فما من نبيٍّ يُكذِّبه قومُه إِلاَّ يَأْتينا، فَأَبْعَثُ مَعهُ رَهطاً مِن أُمَّتي يَشْهَدون لَه وَأنا عَلَيهم [شهيدٌ]
ثم قال: ﴿وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوۤاْ أَصَابِعَهُمْ فِيۤ آذَانِهِمْ وَٱسْتَغْشَوْاْ ثِيَابَهُمْ﴾
أي: وإني كلما دعوتهم إلى طاعتك والعمل بمرضاتك لتغفر لهم إذا فعلوا ذلك، أدخلوا أصابعهم في آذانهم لِئَلاَّ يسمعوا دعائي (إياهم إلى ذلك، واستغشوا، أي تغطَّوا بها لِئَلاَّ يُسْمَعَ دعائي).
* *
- ثم قال ﴿وَأَصَرُّواْ وَٱسْتَكْبَرُواْ (ٱسْتِكْبَاراً)﴾:
أي: أَصروا على كفرهم، أي: تمادوا عليه، واستكبروا عن قبول ما جئتهم به من الحق وقبول الإيمان.
* *
- ثم قال: ﴿ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَاراً * ثُمَّ إِنِّيۤ أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَاراً﴾.
أي: ثم إني دعوتهم إلى ما أمرتني به من عبادتك دعاءً ظاهراً غيرَ خَفِيّ.
قال مجاهد: الجِهار: الكلام المعلن (به)".
﴿ثُمَّ إِنِّيۤ أَعْلَنْتُ﴾ أي صرخت وصِحْتُ بالذي أمرتني به من الإنذار.
قال مجاهد: أَعْلَنتُ: "صِحْتُ بهِم"، وَأَسْرَرْتُ لَهُمُ (أي): قلت لهم ذلك فيما بيني وبينهم.
* *
- ﴿فَقُلْتُ ٱسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ﴾
أي: سلوا ربكم المغفرة عن ذنوبكم وتوبوا إليه من كفركم يغفر لكم ذنوبكم.
* *
- ﴿إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً﴾.
أي: لم يزل غفارا لمن تاب إليه واستغفره.
* *
- ثم قال: ﴿يُرْسِلِ ٱلسَّمَآءَ عَلَيْكُمْ مِّدْرَاراً﴾.
أي: إن تبتم واستغفرتم من ذنوبكم أرسل السماء عليكم بالمطر متتابعاً.
وكان عمر رضي الله عنه إذا [استسقى] ما يزيد على الاستغفار، وسئل عن ذلك فقرأ هذه الآية، وقرأ الآية في هود في قصة هود: ﴿وَيٰقَوْمِ ٱسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوۤاْ إِلَيْهِ﴾ [هود: ٥٢] الآية.
* *
- ثم قال: ﴿مَّا لَكُمْ لاَ تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراً﴾.
(أي: ما لكم لا ترون لله عظمة، ذكر ذلك عن ابن عباس، وهو قول مجاهد. وعن ابن عباس أيضاً أن معناه: "ما لكم لا تعظمون الله حق عظمته".
وقال قتادة: معناه: "﴿مَّا لَكُمْ لاَ تَرْجُونَ لِلَّهِ﴾ عاقبة".
وقال ابن زيد: معناه: ما لكم لا ترون لله طاعة.
وقال الحسن: معناه ما لكم لا تعرفون لله حقاً ولا تشكرون له نعمة. و "ترجون" هنا - في أكثر الأقوال - بمعنى: تخافون.
* *
- ثم قال: ﴿وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَاراً﴾.
أي: خلقكم نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم ثم، وهو قول ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك، إلا أنهم اختلفوا في الترتيب، فمنهم من بدأ بالتراب ثم النطفة حتى بلغ (تمام الخلق. ومنهم من بدأ بالنطفة حتى بلغ) نبات الشعر وحتى بلغ اللحم.
وقيل: معناه: وقد خلقكم مختلفين المناظر والألوان والكلام والصور [والعمر] والهمم وغير ذلك.
وقيل: هو الصحة والسقم، من قولهم: جاز فلان طوره، أي: خالف ما يجب أن يستعمله.
والطور في اللغة: المرة.
فالمعنى: وقد خلقكم مراراً، أي خلقكم تراباً، ثم نقلكم إلى النطفة [ثم إلى العلقة] ثم إلى المضغة، ثم عظاماً، ثم يكسو العظام اللحم، ثم أنبت الشعر، ثم أخرجه طفلاً، ثم صبياً، ثم بالغاً، ثم حدثاً، ثم رجلاً، ثم كهلاً، ثم شيخاً.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَوْاْ كَيْفَ خَلَقَ ٱللَّهُ سَبْعَ سَمَٰوَٰتٍ طِبَاقاً﴾.
أي: وقال نوح لقومه: ألم تروا كيف خلق الله فوقكم سبع سماوات طبقاً فوق طبق، فيدلكم ذلك من قدرته على وحدانيته وتعتبروا وتزدجروا عن كفركم.
والطباق مصدر من قولهم: [طابقه] (مطابقة) وطباقاً.
فالمعنى: ألم تروا كيف خلق الله سماء فوق سماء مطابقة؟!. ويجوز أن يكون "طباقاً" [نعتاً] لـ "سبع"، جمع طبق.
ومعنى ألم تروا كيف [خَلَقَ اللهُ]: [اعلموا] أن الله خلق ذلك. ولو كان على غير الأمر، معناه لقالوا ما نرى إلا واحدة، ولكن معناه الأمر كما تقول: غفر الله لك، اللهم اغفر له، لأنك لست تخبره عن أمر [علمته]، إنما هو دعاء يتمنى كونه له.
ومن هذا قول الرجل [للرجل] أَلَمْ تَرَ أَنِّي لقيت زيداً فقلت له كذا وقال لي كذا؟. معناه: اعلم أني لقيت زيداً فكان من أمره وأمري كذا وكذا.
ومثله: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ ٱلْفِيلِ﴾ [الفيل:١].
وقيل: معناه: ألم يبلغكم كيف خلق الله سبع (سماوات) طباقاً فتتعظوا وتزدجروا؟ وكذلك معنى الآية الأخرى: ألم يبلغك يا محمد كيف فعل ربك بأصحاب الفيل، ولم أُوحِ إليك كيف فعلت بهم؟
* *
- ثم قال ﴿وَجَعَلَ ٱلْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً﴾
أي: في السماوات، قال المفسرون: بين كل سماء وسماء مسيرة خمسمائة عام. فقال السائل: نحن نرى الغيم يكون دون القمر فلا نرى نوراً، فكيف تضيء السماوات كلها بالقمر على تفاوت ما بينها، وستر بعضها بعضاً؟، فقيل في ذلك: إن هذا الكلام [مجاز]، إنما قال: "فيهن"، [يريد]: في بعضهن، كما تقول العرب: أتيت بني تميم، وإنما أتى بعضهم، [وتقول]: في هذه الدور وليمة، وإنما هي في واحدة منهن.
وتقول: قدم فلان في شهر كذا، وإنما قدم في يوم منه. فلذلك أخبر بالقمر أنه في سبع سماوات وإنما هو في واحدة.
وقيل معناه: وجعل القمر معهن نوراً، أي: خلقه نوراً مع خلقه للسماوات فيكون مثل: ﴿ٱدْخُلُواْ فِيۤ أُمَمٍ﴾ [الأعراف: ٣٨].
وقال ابن كيسان: إذا جعله في إحداهن فقد جعله فيهن، كما تقول: أَعطِني من الثياب [المعلمة]، وإن كنت إنما أعلمت أحدها. وقد قال ابن عمر: إن الشمس والقمر وجوههما في السماء وأقفاؤهما في الأرض.
وقال عبد الله بن عمرو بن العاص: إن ضوء الشمس والقمر ونورهما في السماء، وقرأ: ﴿أَلَمْ تَرَوْاْ كَيْفَ...﴾ الآية.
وقيل: التقدير: وجعل القمر نوراً، ثم قال: "فيهن" بعدما مضى الكلام. وسأل عبد الله بن عمر رجل فقال له: ما بال الشمس تَصْلاَنا أحياناً وتبرد أحياناً؟ فقال: أما في الشتاء فهي في السماء السابعة تحت عرش الرحمن، وأما في الصيف فهي في السماء الخامسة، قيل له: ما كنا نظن إلا أنها في هذه السماء. قال: لو كان ذلك ما قام لها شيء إلا أحرقته.
* *
- ثم قال: ﴿وَٱللَّهُ أَنبَتَكُمْ مِّنَ ٱلأَرْضِ نَبَاتاً﴾.
أي: أنبتكم من تراب فخلقكم منه فنبتم نباتاً، يعني آدمَ أَبَا الخلقِ خَلَقَهُ من تراب الأرض.
* *
- ﴿ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا﴾
أي: في الأرض فتصيرون تراباً.
* *
- ﴿[وَيُخْرِجُكُمْ]﴾
منها إلى البعث.
* *
- ثم قال: ﴿وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ بِسَاطاً﴾.
[هذا] كله [إخبار] من الله جل ذكره لنا عن قول نوح لقومه ووعظه لهم وتنبيهه لهم على آيات الله ونعمه عندهم.
فالمعنى: جعل لكم الأرض بساطاً لتستقروا عليها، ﴿لِّتَسْلُكُواْ مِنْهَا سُبُلاً فِجَاجاً﴾.
أي: طرقاً واسعة.
وقال ابن عباس: ﴿سُبُلاً فِجَاجاً﴾، أي: "طرقاً مختلفة".
- ثم (قال تعالى): ﴿قَالَ نُوحٌ رَّبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَٱتَّبَعُواْ مَن لَّمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلاَّ خَسَاراً﴾.
أي: قال نوح لمّا عصاه قومه: يا رب، إنهم عصوني فيما بَلَّغتُهم عنك فلم يقبلوه واتبعوا أمر من لم يزده ماله وولده إلا خساراً، أي: اتبعوا في معصيتهم إياي من كثر ماله وولده فلم يزده ذلك إلا بعداً منك - يا رب - [وذهاباً] عن سبيلك.
ومن قرأ "وُلده" بالضم احتمل أن يكون جمع "وَلَد"، ك "وُثُن" جمع "وَثَن"، ويجوز أن يكون واحداً يراد به (غير) الولد: (وقد قال مجاهد: وُلده: زوجه وأهله)، وقال أبو عمرو: وُلده: عشيرته وقومه.
وقال أكثر (أهل) اللغة: الوَلد والوُلد بمعنى واحد.
* *
- ثم قال: ﴿وَمَكَرُواْ مَكْراً كُبَّاراً﴾.
أي: كبيراً، يقال كُبَارٌ وكُبَّارٌ بمعنى كبير، كما يقال: "أمر عجيب"، وعُجاب بمعنى واحد. ورجل حُسَانٌ وحُسَّان بمعنى. وجَمَال وجُمَّال بمعنى جميل.
قال مجاهد: ﴿كُبَّاراً﴾ "عظيماً".
* *
- ثم قال: ﴿وَقَالُواْ لاَ تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ..﴾.
أي: وقال بعضهم لبعض: لا تذرن عبادة آلهتكم [لقول] نوح ﴿وَلاَ تَذَرُنَّ وَدّاً وَلاَ سُوَاعاً وَلاَ يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً﴾.
["هذه أسماء أصنام كانوا يعبدونها: أما وُدّ، فكانت لكلب بدومة الجندل، وأما سُواع فكانت لهذيل، وأما يَغوث فكانت لمراد ثم لبني غطيف (بالجرف) عند سبأ، وأما يعوق فكانت لهمدان، وأما نسر فكانت لحِمْيَر، لآل ذي الكلاع"].
قال محمد بن قيس: [هذه الأسماء] أسماء قوم صالحين بين آدم ونوح وكان لهم تباع يقتدون بهم، فماتوا، فقال تباعهم: لو صورناهم كان أشرف لنا نتذكرهم [فنفعل] مثل ما كانوا يفعلون، فصوروهم ثم ماتوا، وجاء آخرون فدب فيهم الشيطان، فقال: إنما كانوا يعبدونهم وبهم يسقون المطر فعبدوهم، فكان قوم نوح يحض بعضهم بعضاً على عبادتهم وترك قبول [قول] نوح.
وقيل: بل [كانوا أصناماً] يعبدونها (من دون الله) قاله ابن عباس وغيره.
* *
- ثم قال ﴿وَقَدْ أَضَلُّواْ كَثِيراً﴾
هذا إخبار عن قول نوح، أي وقد أضلت هذه الأصنام كثيراً من الخلق، أي ضل بعبادتها كثير.
* *
- ثم قال: ﴿وَلاَ تَزِدِ ٱلظَّالِمِينَ إِلاَّ ضَلاَلاً﴾.
أي: لا توفقهم حتى يموتوا على ضلالتهم فكلما عاشوا ازدادوا إثماً وضلالاً.
نوح 71:12
قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي (لَيْلاً وَنَهَاراً)...﴾، إلى قوله: ﴿إِلاَّ ضَلاَلاً﴾.
أي: قال نوح لما بلغ رسالة ربه قومه فعصوه: يا رب إني دعوت قومي إلى توحيدك ليلاً ونهاراً وحذرتهم عقابك على كفرهم بك فلم يزدهم دعائي (لهم) إلا إدباراً عن قبول ما جئتهم به. قال قتادة: بلغنا أنهم كانوا يذهب الرجل منهم بابنه إلى نوح فيقول لابنه: احذر هذا [لا يغويك] فإن أبي قد ذهب بي إليه وأنا مثلك فحذرني كما حذرتك.
من رواية ابن شعبان عن المنهال بن عمرو عن عبد الله بن الحارث أن النبي ﷺ قال: يَجمَع اللهُ الأوَّلين، والآخِرين، ويَنزِل اللهُ في ظُلَلٍ منَ الغَمام فَيَكون أَوَّلَ من يَقْضي لَه نوحٌ وَقَومُه، يَقولُ اللهُ لِقومِ نوحٍ: ماذا أجبتم المُرْسَلين؟ قال: فَيقولُ نوحٌ: أيْ رَبِّ، بَلَّغتُهم رسالتَك ودَعَوتُهم لَيلاً ونَهاراً فكذَّبوني واتَّهَموني، فَيقولُ اللهُ لِقَوْم نوحٍ: ماذا تقولون؟ فيقولون: ربَّنا ما بَلَّغَنا الرّسالة، وقَد كان فينا حتى خَلَت قرونٌ (بعد قرون)، وَقَد كَتَمَ الرِّسالةَ فلم يَدْعُنا وَلَم يُنذِرْنا، فيقول الله لنوحٍ: ماذا تقول؟ فيقول: رَبِّ، لي بَيِّنَة، فيقول الله: إِيتِ بِبَيِّنَتِكَ. قال النبي ﷺ: فيأتي نوح فيقول: يا مُحمدُ، أَسأَلُكَ الشَّهادةَ، فإِنَّ قَومي قَدْ كذَّبوني عِندَ رَبّي وَجَحَدوا، قال النبي عليه السلام: فَأَبْعَثُ معه رهطاً مِن أمتي يَشْهَدون له. قال: فيَنطلِق الرَّهط حتى يَقِفوا على الرّب، فيقول الله لهم: بِمَ تَشْهَدون؟ فيقولون: نَشهَدُ أن نوحاً قد بَلَّغَ قَومَه وَدَعاهُم لَيْلاً وَنَهاراً وسِرّاً وعَلانِية فَكذَّبوه واسْتَغْشَوْا ثِيابَهُم وأَصَرّوا وَاسْتَكْبَروا.
فيقول اللهُ لقوم نوح: ما تقولون؟ (فيقولون): رَبّنا، كيف يقبلون علينا وَنَحْن أولُ الأُمَمِ وهُمْ آخِر الأُمَمِ؟ فيقول الله للرَّهطِ: أجيبوهم، فيقول (الرهط): ربَّنا، بَعَثْتَ إِليْنا رسولاً من أَنفسِنا فآمَنّا به وصَدّقنا ما أَنْزَلتَ عَليْه مِنَ الكِتابِ، فَكان فيما أَنزَلتَ عَلَيْه أَنَّك أَرْسَلتَ نوحاً إِلى قَومهِ فَبلَّغهم الرسالةَ وَدَعاهم لَيلاً ونَهاراً وسِرّاً وعلانيةً فكذَّبوه، قال: فيقرأون سورة "نوح"، فيقول قوم نوح: خصمنا فقوموا. قال النبي ﷺ: فما من نبيٍّ يُكذِّبه قومُه إِلاَّ يَأْتينا، فَأَبْعَثُ مَعهُ رَهطاً مِن أُمَّتي يَشْهَدون لَه وَأنا عَلَيهم [شهيدٌ]
ثم قال: ﴿وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوۤاْ أَصَابِعَهُمْ فِيۤ آذَانِهِمْ وَٱسْتَغْشَوْاْ ثِيَابَهُمْ﴾
أي: وإني كلما دعوتهم إلى طاعتك والعمل بمرضاتك لتغفر لهم إذا فعلوا ذلك، أدخلوا أصابعهم في آذانهم لِئَلاَّ يسمعوا دعائي (إياهم إلى ذلك، واستغشوا، أي تغطَّوا بها لِئَلاَّ يُسْمَعَ دعائي).
* *
- ثم قال ﴿وَأَصَرُّواْ وَٱسْتَكْبَرُواْ (ٱسْتِكْبَاراً)﴾:
أي: أَصروا على كفرهم، أي: تمادوا عليه، واستكبروا عن قبول ما جئتهم به من الحق وقبول الإيمان.
* *
- ثم قال: ﴿ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَاراً * ثُمَّ إِنِّيۤ أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَاراً﴾.
أي: ثم إني دعوتهم إلى ما أمرتني به من عبادتك دعاءً ظاهراً غيرَ خَفِيّ.
قال مجاهد: الجِهار: الكلام المعلن (به)".
﴿ثُمَّ إِنِّيۤ أَعْلَنْتُ﴾ أي صرخت وصِحْتُ بالذي أمرتني به من الإنذار.
قال مجاهد: أَعْلَنتُ: "صِحْتُ بهِم"، وَأَسْرَرْتُ لَهُمُ (أي): قلت لهم ذلك فيما بيني وبينهم.
* *
- ﴿فَقُلْتُ ٱسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ﴾
أي: سلوا ربكم المغفرة عن ذنوبكم وتوبوا إليه من كفركم يغفر لكم ذنوبكم.
* *
- ﴿إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً﴾.
أي: لم يزل غفارا لمن تاب إليه واستغفره.
* *
- ثم قال: ﴿يُرْسِلِ ٱلسَّمَآءَ عَلَيْكُمْ مِّدْرَاراً﴾.
أي: إن تبتم واستغفرتم من ذنوبكم أرسل السماء عليكم بالمطر متتابعاً.
وكان عمر رضي الله عنه إذا [استسقى] ما يزيد على الاستغفار، وسئل عن ذلك فقرأ هذه الآية، وقرأ الآية في هود في قصة هود: ﴿وَيٰقَوْمِ ٱسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوۤاْ إِلَيْهِ﴾ [هود: ٥٢] الآية.
* *
- ثم قال: ﴿مَّا لَكُمْ لاَ تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراً﴾.
(أي: ما لكم لا ترون لله عظمة، ذكر ذلك عن ابن عباس، وهو قول مجاهد. وعن ابن عباس أيضاً أن معناه: "ما لكم لا تعظمون الله حق عظمته".
وقال قتادة: معناه: "﴿مَّا لَكُمْ لاَ تَرْجُونَ لِلَّهِ﴾ عاقبة".
وقال ابن زيد: معناه: ما لكم لا ترون لله طاعة.
وقال الحسن: معناه ما لكم لا تعرفون لله حقاً ولا تشكرون له نعمة. و "ترجون" هنا - في أكثر الأقوال - بمعنى: تخافون.
* *
- ثم قال: ﴿وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَاراً﴾.
أي: خلقكم نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم ثم، وهو قول ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك، إلا أنهم اختلفوا في الترتيب، فمنهم من بدأ بالتراب ثم النطفة حتى بلغ (تمام الخلق. ومنهم من بدأ بالنطفة حتى بلغ) نبات الشعر وحتى بلغ اللحم.
وقيل: معناه: وقد خلقكم مختلفين المناظر والألوان والكلام والصور [والعمر] والهمم وغير ذلك.
وقيل: هو الصحة والسقم، من قولهم: جاز فلان طوره، أي: خالف ما يجب أن يستعمله.
والطور في اللغة: المرة.
فالمعنى: وقد خلقكم مراراً، أي خلقكم تراباً، ثم نقلكم إلى النطفة [ثم إلى العلقة] ثم إلى المضغة، ثم عظاماً، ثم يكسو العظام اللحم، ثم أنبت الشعر، ثم أخرجه طفلاً، ثم صبياً، ثم بالغاً، ثم حدثاً، ثم رجلاً، ثم كهلاً، ثم شيخاً.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَوْاْ كَيْفَ خَلَقَ ٱللَّهُ سَبْعَ سَمَٰوَٰتٍ طِبَاقاً﴾.
أي: وقال نوح لقومه: ألم تروا كيف خلق الله فوقكم سبع سماوات طبقاً فوق طبق، فيدلكم ذلك من قدرته على وحدانيته وتعتبروا وتزدجروا عن كفركم.
والطباق مصدر من قولهم: [طابقه] (مطابقة) وطباقاً.
فالمعنى: ألم تروا كيف خلق الله سماء فوق سماء مطابقة؟!. ويجوز أن يكون "طباقاً" [نعتاً] لـ "سبع"، جمع طبق.
ومعنى ألم تروا كيف [خَلَقَ اللهُ]: [اعلموا] أن الله خلق ذلك. ولو كان على غير الأمر، معناه لقالوا ما نرى إلا واحدة، ولكن معناه الأمر كما تقول: غفر الله لك، اللهم اغفر له، لأنك لست تخبره عن أمر [علمته]، إنما هو دعاء يتمنى كونه له.
ومن هذا قول الرجل [للرجل] أَلَمْ تَرَ أَنِّي لقيت زيداً فقلت له كذا وقال لي كذا؟. معناه: اعلم أني لقيت زيداً فكان من أمره وأمري كذا وكذا.
ومثله: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ ٱلْفِيلِ﴾ [الفيل:١].
وقيل: معناه: ألم يبلغكم كيف خلق الله سبع (سماوات) طباقاً فتتعظوا وتزدجروا؟ وكذلك معنى الآية الأخرى: ألم يبلغك يا محمد كيف فعل ربك بأصحاب الفيل، ولم أُوحِ إليك كيف فعلت بهم؟
* *
- ثم قال ﴿وَجَعَلَ ٱلْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً﴾
أي: في السماوات، قال المفسرون: بين كل سماء وسماء مسيرة خمسمائة عام. فقال السائل: نحن نرى الغيم يكون دون القمر فلا نرى نوراً، فكيف تضيء السماوات كلها بالقمر على تفاوت ما بينها، وستر بعضها بعضاً؟، فقيل في ذلك: إن هذا الكلام [مجاز]، إنما قال: "فيهن"، [يريد]: في بعضهن، كما تقول العرب: أتيت بني تميم، وإنما أتى بعضهم، [وتقول]: في هذه الدور وليمة، وإنما هي في واحدة منهن.
وتقول: قدم فلان في شهر كذا، وإنما قدم في يوم منه. فلذلك أخبر بالقمر أنه في سبع سماوات وإنما هو في واحدة.
وقيل معناه: وجعل القمر معهن نوراً، أي: خلقه نوراً مع خلقه للسماوات فيكون مثل: ﴿ٱدْخُلُواْ فِيۤ أُمَمٍ﴾ [الأعراف: ٣٨].
وقال ابن كيسان: إذا جعله في إحداهن فقد جعله فيهن، كما تقول: أَعطِني من الثياب [المعلمة]، وإن كنت إنما أعلمت أحدها. وقد قال ابن عمر: إن الشمس والقمر وجوههما في السماء وأقفاؤهما في الأرض.
وقال عبد الله بن عمرو بن العاص: إن ضوء الشمس والقمر ونورهما في السماء، وقرأ: ﴿أَلَمْ تَرَوْاْ كَيْفَ...﴾ الآية.
وقيل: التقدير: وجعل القمر نوراً، ثم قال: "فيهن" بعدما مضى الكلام. وسأل عبد الله بن عمر رجل فقال له: ما بال الشمس تَصْلاَنا أحياناً وتبرد أحياناً؟ فقال: أما في الشتاء فهي في السماء السابعة تحت عرش الرحمن، وأما في الصيف فهي في السماء الخامسة، قيل له: ما كنا نظن إلا أنها في هذه السماء. قال: لو كان ذلك ما قام لها شيء إلا أحرقته.
* *
- ثم قال: ﴿وَٱللَّهُ أَنبَتَكُمْ مِّنَ ٱلأَرْضِ نَبَاتاً﴾.
أي: أنبتكم من تراب فخلقكم منه فنبتم نباتاً، يعني آدمَ أَبَا الخلقِ خَلَقَهُ من تراب الأرض.
* *
- ﴿ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا﴾
أي: في الأرض فتصيرون تراباً.
* *
- ﴿[وَيُخْرِجُكُمْ]﴾
منها إلى البعث.
* *
- ثم قال: ﴿وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ بِسَاطاً﴾.
[هذا] كله [إخبار] من الله جل ذكره لنا عن قول نوح لقومه ووعظه لهم وتنبيهه لهم على آيات الله ونعمه عندهم.
فالمعنى: جعل لكم الأرض بساطاً لتستقروا عليها، ﴿لِّتَسْلُكُواْ مِنْهَا سُبُلاً فِجَاجاً﴾.
أي: طرقاً واسعة.
وقال ابن عباس: ﴿سُبُلاً فِجَاجاً﴾، أي: "طرقاً مختلفة".
- ثم (قال تعالى): ﴿قَالَ نُوحٌ رَّبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَٱتَّبَعُواْ مَن لَّمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلاَّ خَسَاراً﴾.
أي: قال نوح لمّا عصاه قومه: يا رب، إنهم عصوني فيما بَلَّغتُهم عنك فلم يقبلوه واتبعوا أمر من لم يزده ماله وولده إلا خساراً، أي: اتبعوا في معصيتهم إياي من كثر ماله وولده فلم يزده ذلك إلا بعداً منك - يا رب - [وذهاباً] عن سبيلك.
ومن قرأ "وُلده" بالضم احتمل أن يكون جمع "وَلَد"، ك "وُثُن" جمع "وَثَن"، ويجوز أن يكون واحداً يراد به (غير) الولد: (وقد قال مجاهد: وُلده: زوجه وأهله)، وقال أبو عمرو: وُلده: عشيرته وقومه.
وقال أكثر (أهل) اللغة: الوَلد والوُلد بمعنى واحد.
* *
- ثم قال: ﴿وَمَكَرُواْ مَكْراً كُبَّاراً﴾.
أي: كبيراً، يقال كُبَارٌ وكُبَّارٌ بمعنى كبير، كما يقال: "أمر عجيب"، وعُجاب بمعنى واحد. ورجل حُسَانٌ وحُسَّان بمعنى. وجَمَال وجُمَّال بمعنى جميل.
قال مجاهد: ﴿كُبَّاراً﴾ "عظيماً".
* *
- ثم قال: ﴿وَقَالُواْ لاَ تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ..﴾.
أي: وقال بعضهم لبعض: لا تذرن عبادة آلهتكم [لقول] نوح ﴿وَلاَ تَذَرُنَّ وَدّاً وَلاَ سُوَاعاً وَلاَ يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً﴾.
["هذه أسماء أصنام كانوا يعبدونها: أما وُدّ، فكانت لكلب بدومة الجندل، وأما سُواع فكانت لهذيل، وأما يَغوث فكانت لمراد ثم لبني غطيف (بالجرف) عند سبأ، وأما يعوق فكانت لهمدان، وأما نسر فكانت لحِمْيَر، لآل ذي الكلاع"].
قال محمد بن قيس: [هذه الأسماء] أسماء قوم صالحين بين آدم ونوح وكان لهم تباع يقتدون بهم، فماتوا، فقال تباعهم: لو صورناهم كان أشرف لنا نتذكرهم [فنفعل] مثل ما كانوا يفعلون، فصوروهم ثم ماتوا، وجاء آخرون فدب فيهم الشيطان، فقال: إنما كانوا يعبدونهم وبهم يسقون المطر فعبدوهم، فكان قوم نوح يحض بعضهم بعضاً على عبادتهم وترك قبول [قول] نوح.
وقيل: بل [كانوا أصناماً] يعبدونها (من دون الله) قاله ابن عباس وغيره.
* *
- ثم قال ﴿وَقَدْ أَضَلُّواْ كَثِيراً﴾
هذا إخبار عن قول نوح، أي وقد أضلت هذه الأصنام كثيراً من الخلق، أي ضل بعبادتها كثير.
* *
- ثم قال: ﴿وَلاَ تَزِدِ ٱلظَّالِمِينَ إِلاَّ ضَلاَلاً﴾.
أي: لا توفقهم حتى يموتوا على ضلالتهم فكلما عاشوا ازدادوا إثماً وضلالاً.
نوح 71:13
قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي (لَيْلاً وَنَهَاراً)...﴾، إلى قوله: ﴿إِلاَّ ضَلاَلاً﴾.
أي: قال نوح لما بلغ رسالة ربه قومه فعصوه: يا رب إني دعوت قومي إلى توحيدك ليلاً ونهاراً وحذرتهم عقابك على كفرهم بك فلم يزدهم دعائي (لهم) إلا إدباراً عن قبول ما جئتهم به. قال قتادة: بلغنا أنهم كانوا يذهب الرجل منهم بابنه إلى نوح فيقول لابنه: احذر هذا [لا يغويك] فإن أبي قد ذهب بي إليه وأنا مثلك فحذرني كما حذرتك.
من رواية ابن شعبان عن المنهال بن عمرو عن عبد الله بن الحارث أن النبي ﷺ قال: يَجمَع اللهُ الأوَّلين، والآخِرين، ويَنزِل اللهُ في ظُلَلٍ منَ الغَمام فَيَكون أَوَّلَ من يَقْضي لَه نوحٌ وَقَومُه، يَقولُ اللهُ لِقومِ نوحٍ: ماذا أجبتم المُرْسَلين؟ قال: فَيقولُ نوحٌ: أيْ رَبِّ، بَلَّغتُهم رسالتَك ودَعَوتُهم لَيلاً ونَهاراً فكذَّبوني واتَّهَموني، فَيقولُ اللهُ لِقَوْم نوحٍ: ماذا تقولون؟ فيقولون: ربَّنا ما بَلَّغَنا الرّسالة، وقَد كان فينا حتى خَلَت قرونٌ (بعد قرون)، وَقَد كَتَمَ الرِّسالةَ فلم يَدْعُنا وَلَم يُنذِرْنا، فيقول الله لنوحٍ: ماذا تقول؟ فيقول: رَبِّ، لي بَيِّنَة، فيقول الله: إِيتِ بِبَيِّنَتِكَ. قال النبي ﷺ: فيأتي نوح فيقول: يا مُحمدُ، أَسأَلُكَ الشَّهادةَ، فإِنَّ قَومي قَدْ كذَّبوني عِندَ رَبّي وَجَحَدوا، قال النبي عليه السلام: فَأَبْعَثُ معه رهطاً مِن أمتي يَشْهَدون له. قال: فيَنطلِق الرَّهط حتى يَقِفوا على الرّب، فيقول الله لهم: بِمَ تَشْهَدون؟ فيقولون: نَشهَدُ أن نوحاً قد بَلَّغَ قَومَه وَدَعاهُم لَيْلاً وَنَهاراً وسِرّاً وعَلانِية فَكذَّبوه واسْتَغْشَوْا ثِيابَهُم وأَصَرّوا وَاسْتَكْبَروا.
فيقول اللهُ لقوم نوح: ما تقولون؟ (فيقولون): رَبّنا، كيف يقبلون علينا وَنَحْن أولُ الأُمَمِ وهُمْ آخِر الأُمَمِ؟ فيقول الله للرَّهطِ: أجيبوهم، فيقول (الرهط): ربَّنا، بَعَثْتَ إِليْنا رسولاً من أَنفسِنا فآمَنّا به وصَدّقنا ما أَنْزَلتَ عَليْه مِنَ الكِتابِ، فَكان فيما أَنزَلتَ عَلَيْه أَنَّك أَرْسَلتَ نوحاً إِلى قَومهِ فَبلَّغهم الرسالةَ وَدَعاهم لَيلاً ونَهاراً وسِرّاً وعلانيةً فكذَّبوه، قال: فيقرأون سورة "نوح"، فيقول قوم نوح: خصمنا فقوموا. قال النبي ﷺ: فما من نبيٍّ يُكذِّبه قومُه إِلاَّ يَأْتينا، فَأَبْعَثُ مَعهُ رَهطاً مِن أُمَّتي يَشْهَدون لَه وَأنا عَلَيهم [شهيدٌ]
ثم قال: ﴿وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوۤاْ أَصَابِعَهُمْ فِيۤ آذَانِهِمْ وَٱسْتَغْشَوْاْ ثِيَابَهُمْ﴾
أي: وإني كلما دعوتهم إلى طاعتك والعمل بمرضاتك لتغفر لهم إذا فعلوا ذلك، أدخلوا أصابعهم في آذانهم لِئَلاَّ يسمعوا دعائي (إياهم إلى ذلك، واستغشوا، أي تغطَّوا بها لِئَلاَّ يُسْمَعَ دعائي).
* *
- ثم قال ﴿وَأَصَرُّواْ وَٱسْتَكْبَرُواْ (ٱسْتِكْبَاراً)﴾:
أي: أَصروا على كفرهم، أي: تمادوا عليه، واستكبروا عن قبول ما جئتهم به من الحق وقبول الإيمان.
* *
- ثم قال: ﴿ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَاراً * ثُمَّ إِنِّيۤ أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَاراً﴾.
أي: ثم إني دعوتهم إلى ما أمرتني به من عبادتك دعاءً ظاهراً غيرَ خَفِيّ.
قال مجاهد: الجِهار: الكلام المعلن (به)".
﴿ثُمَّ إِنِّيۤ أَعْلَنْتُ﴾ أي صرخت وصِحْتُ بالذي أمرتني به من الإنذار.
قال مجاهد: أَعْلَنتُ: "صِحْتُ بهِم"، وَأَسْرَرْتُ لَهُمُ (أي): قلت لهم ذلك فيما بيني وبينهم.
* *
- ﴿فَقُلْتُ ٱسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ﴾
أي: سلوا ربكم المغفرة عن ذنوبكم وتوبوا إليه من كفركم يغفر لكم ذنوبكم.
* *
- ﴿إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً﴾.
أي: لم يزل غفارا لمن تاب إليه واستغفره.
* *
- ثم قال: ﴿يُرْسِلِ ٱلسَّمَآءَ عَلَيْكُمْ مِّدْرَاراً﴾.
أي: إن تبتم واستغفرتم من ذنوبكم أرسل السماء عليكم بالمطر متتابعاً.
وكان عمر رضي الله عنه إذا [استسقى] ما يزيد على الاستغفار، وسئل عن ذلك فقرأ هذه الآية، وقرأ الآية في هود في قصة هود: ﴿وَيٰقَوْمِ ٱسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوۤاْ إِلَيْهِ﴾ [هود: ٥٢] الآية.
* *
- ثم قال: ﴿مَّا لَكُمْ لاَ تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراً﴾.
(أي: ما لكم لا ترون لله عظمة، ذكر ذلك عن ابن عباس، وهو قول مجاهد. وعن ابن عباس أيضاً أن معناه: "ما لكم لا تعظمون الله حق عظمته".
وقال قتادة: معناه: "﴿مَّا لَكُمْ لاَ تَرْجُونَ لِلَّهِ﴾ عاقبة".
وقال ابن زيد: معناه: ما لكم لا ترون لله طاعة.
وقال الحسن: معناه ما لكم لا تعرفون لله حقاً ولا تشكرون له نعمة. و "ترجون" هنا - في أكثر الأقوال - بمعنى: تخافون.
* *
- ثم قال: ﴿وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَاراً﴾.
أي: خلقكم نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم ثم، وهو قول ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك، إلا أنهم اختلفوا في الترتيب، فمنهم من بدأ بالتراب ثم النطفة حتى بلغ (تمام الخلق. ومنهم من بدأ بالنطفة حتى بلغ) نبات الشعر وحتى بلغ اللحم.
وقيل: معناه: وقد خلقكم مختلفين المناظر والألوان والكلام والصور [والعمر] والهمم وغير ذلك.
وقيل: هو الصحة والسقم، من قولهم: جاز فلان طوره، أي: خالف ما يجب أن يستعمله.
والطور في اللغة: المرة.
فالمعنى: وقد خلقكم مراراً، أي خلقكم تراباً، ثم نقلكم إلى النطفة [ثم إلى العلقة] ثم إلى المضغة، ثم عظاماً، ثم يكسو العظام اللحم، ثم أنبت الشعر، ثم أخرجه طفلاً، ثم صبياً، ثم بالغاً، ثم حدثاً، ثم رجلاً، ثم كهلاً، ثم شيخاً.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَوْاْ كَيْفَ خَلَقَ ٱللَّهُ سَبْعَ سَمَٰوَٰتٍ طِبَاقاً﴾.
أي: وقال نوح لقومه: ألم تروا كيف خلق الله فوقكم سبع سماوات طبقاً فوق طبق، فيدلكم ذلك من قدرته على وحدانيته وتعتبروا وتزدجروا عن كفركم.
والطباق مصدر من قولهم: [طابقه] (مطابقة) وطباقاً.
فالمعنى: ألم تروا كيف خلق الله سماء فوق سماء مطابقة؟!. ويجوز أن يكون "طباقاً" [نعتاً] لـ "سبع"، جمع طبق.
ومعنى ألم تروا كيف [خَلَقَ اللهُ]: [اعلموا] أن الله خلق ذلك. ولو كان على غير الأمر، معناه لقالوا ما نرى إلا واحدة، ولكن معناه الأمر كما تقول: غفر الله لك، اللهم اغفر له، لأنك لست تخبره عن أمر [علمته]، إنما هو دعاء يتمنى كونه له.
ومن هذا قول الرجل [للرجل] أَلَمْ تَرَ أَنِّي لقيت زيداً فقلت له كذا وقال لي كذا؟. معناه: اعلم أني لقيت زيداً فكان من أمره وأمري كذا وكذا.
ومثله: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ ٱلْفِيلِ﴾ [الفيل:١].
وقيل: معناه: ألم يبلغكم كيف خلق الله سبع (سماوات) طباقاً فتتعظوا وتزدجروا؟ وكذلك معنى الآية الأخرى: ألم يبلغك يا محمد كيف فعل ربك بأصحاب الفيل، ولم أُوحِ إليك كيف فعلت بهم؟
* *
- ثم قال ﴿وَجَعَلَ ٱلْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً﴾
أي: في السماوات، قال المفسرون: بين كل سماء وسماء مسيرة خمسمائة عام. فقال السائل: نحن نرى الغيم يكون دون القمر فلا نرى نوراً، فكيف تضيء السماوات كلها بالقمر على تفاوت ما بينها، وستر بعضها بعضاً؟، فقيل في ذلك: إن هذا الكلام [مجاز]، إنما قال: "فيهن"، [يريد]: في بعضهن، كما تقول العرب: أتيت بني تميم، وإنما أتى بعضهم، [وتقول]: في هذه الدور وليمة، وإنما هي في واحدة منهن.
وتقول: قدم فلان في شهر كذا، وإنما قدم في يوم منه. فلذلك أخبر بالقمر أنه في سبع سماوات وإنما هو في واحدة.
وقيل معناه: وجعل القمر معهن نوراً، أي: خلقه نوراً مع خلقه للسماوات فيكون مثل: ﴿ٱدْخُلُواْ فِيۤ أُمَمٍ﴾ [الأعراف: ٣٨].
وقال ابن كيسان: إذا جعله في إحداهن فقد جعله فيهن، كما تقول: أَعطِني من الثياب [المعلمة]، وإن كنت إنما أعلمت أحدها. وقد قال ابن عمر: إن الشمس والقمر وجوههما في السماء وأقفاؤهما في الأرض.
وقال عبد الله بن عمرو بن العاص: إن ضوء الشمس والقمر ونورهما في السماء، وقرأ: ﴿أَلَمْ تَرَوْاْ كَيْفَ...﴾ الآية.
وقيل: التقدير: وجعل القمر نوراً، ثم قال: "فيهن" بعدما مضى الكلام. وسأل عبد الله بن عمر رجل فقال له: ما بال الشمس تَصْلاَنا أحياناً وتبرد أحياناً؟ فقال: أما في الشتاء فهي في السماء السابعة تحت عرش الرحمن، وأما في الصيف فهي في السماء الخامسة، قيل له: ما كنا نظن إلا أنها في هذه السماء. قال: لو كان ذلك ما قام لها شيء إلا أحرقته.
* *
- ثم قال: ﴿وَٱللَّهُ أَنبَتَكُمْ مِّنَ ٱلأَرْضِ نَبَاتاً﴾.
أي: أنبتكم من تراب فخلقكم منه فنبتم نباتاً، يعني آدمَ أَبَا الخلقِ خَلَقَهُ من تراب الأرض.
* *
- ﴿ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا﴾
أي: في الأرض فتصيرون تراباً.
* *
- ﴿[وَيُخْرِجُكُمْ]﴾
منها إلى البعث.
* *
- ثم قال: ﴿وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ بِسَاطاً﴾.
[هذا] كله [إخبار] من الله جل ذكره لنا عن قول نوح لقومه ووعظه لهم وتنبيهه لهم على آيات الله ونعمه عندهم.
فالمعنى: جعل لكم الأرض بساطاً لتستقروا عليها، ﴿لِّتَسْلُكُواْ مِنْهَا سُبُلاً فِجَاجاً﴾.
أي: طرقاً واسعة.
وقال ابن عباس: ﴿سُبُلاً فِجَاجاً﴾، أي: "طرقاً مختلفة".
- ثم (قال تعالى): ﴿قَالَ نُوحٌ رَّبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَٱتَّبَعُواْ مَن لَّمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلاَّ خَسَاراً﴾.
أي: قال نوح لمّا عصاه قومه: يا رب، إنهم عصوني فيما بَلَّغتُهم عنك فلم يقبلوه واتبعوا أمر من لم يزده ماله وولده إلا خساراً، أي: اتبعوا في معصيتهم إياي من كثر ماله وولده فلم يزده ذلك إلا بعداً منك - يا رب - [وذهاباً] عن سبيلك.
ومن قرأ "وُلده" بالضم احتمل أن يكون جمع "وَلَد"، ك "وُثُن" جمع "وَثَن"، ويجوز أن يكون واحداً يراد به (غير) الولد: (وقد قال مجاهد: وُلده: زوجه وأهله)، وقال أبو عمرو: وُلده: عشيرته وقومه.
وقال أكثر (أهل) اللغة: الوَلد والوُلد بمعنى واحد.
* *
- ثم قال: ﴿وَمَكَرُواْ مَكْراً كُبَّاراً﴾.
أي: كبيراً، يقال كُبَارٌ وكُبَّارٌ بمعنى كبير، كما يقال: "أمر عجيب"، وعُجاب بمعنى واحد. ورجل حُسَانٌ وحُسَّان بمعنى. وجَمَال وجُمَّال بمعنى جميل.
قال مجاهد: ﴿كُبَّاراً﴾ "عظيماً".
* *
- ثم قال: ﴿وَقَالُواْ لاَ تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ..﴾.
أي: وقال بعضهم لبعض: لا تذرن عبادة آلهتكم [لقول] نوح ﴿وَلاَ تَذَرُنَّ وَدّاً وَلاَ سُوَاعاً وَلاَ يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً﴾.
["هذه أسماء أصنام كانوا يعبدونها: أما وُدّ، فكانت لكلب بدومة الجندل، وأما سُواع فكانت لهذيل، وأما يَغوث فكانت لمراد ثم لبني غطيف (بالجرف) عند سبأ، وأما يعوق فكانت لهمدان، وأما نسر فكانت لحِمْيَر، لآل ذي الكلاع"].
قال محمد بن قيس: [هذه الأسماء] أسماء قوم صالحين بين آدم ونوح وكان لهم تباع يقتدون بهم، فماتوا، فقال تباعهم: لو صورناهم كان أشرف لنا نتذكرهم [فنفعل] مثل ما كانوا يفعلون، فصوروهم ثم ماتوا، وجاء آخرون فدب فيهم الشيطان، فقال: إنما كانوا يعبدونهم وبهم يسقون المطر فعبدوهم، فكان قوم نوح يحض بعضهم بعضاً على عبادتهم وترك قبول [قول] نوح.
وقيل: بل [كانوا أصناماً] يعبدونها (من دون الله) قاله ابن عباس وغيره.
* *
- ثم قال ﴿وَقَدْ أَضَلُّواْ كَثِيراً﴾
هذا إخبار عن قول نوح، أي وقد أضلت هذه الأصنام كثيراً من الخلق، أي ضل بعبادتها كثير.
* *
- ثم قال: ﴿وَلاَ تَزِدِ ٱلظَّالِمِينَ إِلاَّ ضَلاَلاً﴾.
أي: لا توفقهم حتى يموتوا على ضلالتهم فكلما عاشوا ازدادوا إثماً وضلالاً.
نوح 71:14
قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي (لَيْلاً وَنَهَاراً)...﴾، إلى قوله: ﴿إِلاَّ ضَلاَلاً﴾.
أي: قال نوح لما بلغ رسالة ربه قومه فعصوه: يا رب إني دعوت قومي إلى توحيدك ليلاً ونهاراً وحذرتهم عقابك على كفرهم بك فلم يزدهم دعائي (لهم) إلا إدباراً عن قبول ما جئتهم به. قال قتادة: بلغنا أنهم كانوا يذهب الرجل منهم بابنه إلى نوح فيقول لابنه: احذر هذا [لا يغويك] فإن أبي قد ذهب بي إليه وأنا مثلك فحذرني كما حذرتك.
من رواية ابن شعبان عن المنهال بن عمرو عن عبد الله بن الحارث أن النبي ﷺ قال: يَجمَع اللهُ الأوَّلين، والآخِرين، ويَنزِل اللهُ في ظُلَلٍ منَ الغَمام فَيَكون أَوَّلَ من يَقْضي لَه نوحٌ وَقَومُه، يَقولُ اللهُ لِقومِ نوحٍ: ماذا أجبتم المُرْسَلين؟ قال: فَيقولُ نوحٌ: أيْ رَبِّ، بَلَّغتُهم رسالتَك ودَعَوتُهم لَيلاً ونَهاراً فكذَّبوني واتَّهَموني، فَيقولُ اللهُ لِقَوْم نوحٍ: ماذا تقولون؟ فيقولون: ربَّنا ما بَلَّغَنا الرّسالة، وقَد كان فينا حتى خَلَت قرونٌ (بعد قرون)، وَقَد كَتَمَ الرِّسالةَ فلم يَدْعُنا وَلَم يُنذِرْنا، فيقول الله لنوحٍ: ماذا تقول؟ فيقول: رَبِّ، لي بَيِّنَة، فيقول الله: إِيتِ بِبَيِّنَتِكَ. قال النبي ﷺ: فيأتي نوح فيقول: يا مُحمدُ، أَسأَلُكَ الشَّهادةَ، فإِنَّ قَومي قَدْ كذَّبوني عِندَ رَبّي وَجَحَدوا، قال النبي عليه السلام: فَأَبْعَثُ معه رهطاً مِن أمتي يَشْهَدون له. قال: فيَنطلِق الرَّهط حتى يَقِفوا على الرّب، فيقول الله لهم: بِمَ تَشْهَدون؟ فيقولون: نَشهَدُ أن نوحاً قد بَلَّغَ قَومَه وَدَعاهُم لَيْلاً وَنَهاراً وسِرّاً وعَلانِية فَكذَّبوه واسْتَغْشَوْا ثِيابَهُم وأَصَرّوا وَاسْتَكْبَروا.
فيقول اللهُ لقوم نوح: ما تقولون؟ (فيقولون): رَبّنا، كيف يقبلون علينا وَنَحْن أولُ الأُمَمِ وهُمْ آخِر الأُمَمِ؟ فيقول الله للرَّهطِ: أجيبوهم، فيقول (الرهط): ربَّنا، بَعَثْتَ إِليْنا رسولاً من أَنفسِنا فآمَنّا به وصَدّقنا ما أَنْزَلتَ عَليْه مِنَ الكِتابِ، فَكان فيما أَنزَلتَ عَلَيْه أَنَّك أَرْسَلتَ نوحاً إِلى قَومهِ فَبلَّغهم الرسالةَ وَدَعاهم لَيلاً ونَهاراً وسِرّاً وعلانيةً فكذَّبوه، قال: فيقرأون سورة "نوح"، فيقول قوم نوح: خصمنا فقوموا. قال النبي ﷺ: فما من نبيٍّ يُكذِّبه قومُه إِلاَّ يَأْتينا، فَأَبْعَثُ مَعهُ رَهطاً مِن أُمَّتي يَشْهَدون لَه وَأنا عَلَيهم [شهيدٌ]
ثم قال: ﴿وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوۤاْ أَصَابِعَهُمْ فِيۤ آذَانِهِمْ وَٱسْتَغْشَوْاْ ثِيَابَهُمْ﴾
أي: وإني كلما دعوتهم إلى طاعتك والعمل بمرضاتك لتغفر لهم إذا فعلوا ذلك، أدخلوا أصابعهم في آذانهم لِئَلاَّ يسمعوا دعائي (إياهم إلى ذلك، واستغشوا، أي تغطَّوا بها لِئَلاَّ يُسْمَعَ دعائي).
* *
- ثم قال ﴿وَأَصَرُّواْ وَٱسْتَكْبَرُواْ (ٱسْتِكْبَاراً)﴾:
أي: أَصروا على كفرهم، أي: تمادوا عليه، واستكبروا عن قبول ما جئتهم به من الحق وقبول الإيمان.
* *
- ثم قال: ﴿ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَاراً * ثُمَّ إِنِّيۤ أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَاراً﴾.
أي: ثم إني دعوتهم إلى ما أمرتني به من عبادتك دعاءً ظاهراً غيرَ خَفِيّ.
قال مجاهد: الجِهار: الكلام المعلن (به)".
﴿ثُمَّ إِنِّيۤ أَعْلَنْتُ﴾ أي صرخت وصِحْتُ بالذي أمرتني به من الإنذار.
قال مجاهد: أَعْلَنتُ: "صِحْتُ بهِم"، وَأَسْرَرْتُ لَهُمُ (أي): قلت لهم ذلك فيما بيني وبينهم.
* *
- ﴿فَقُلْتُ ٱسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ﴾
أي: سلوا ربكم المغفرة عن ذنوبكم وتوبوا إليه من كفركم يغفر لكم ذنوبكم.
* *
- ﴿إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً﴾.
أي: لم يزل غفارا لمن تاب إليه واستغفره.
* *
- ثم قال: ﴿يُرْسِلِ ٱلسَّمَآءَ عَلَيْكُمْ مِّدْرَاراً﴾.
أي: إن تبتم واستغفرتم من ذنوبكم أرسل السماء عليكم بالمطر متتابعاً.
وكان عمر رضي الله عنه إذا [استسقى] ما يزيد على الاستغفار، وسئل عن ذلك فقرأ هذه الآية، وقرأ الآية في هود في قصة هود: ﴿وَيٰقَوْمِ ٱسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوۤاْ إِلَيْهِ﴾ [هود: ٥٢] الآية.
* *
- ثم قال: ﴿مَّا لَكُمْ لاَ تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراً﴾.
(أي: ما لكم لا ترون لله عظمة، ذكر ذلك عن ابن عباس، وهو قول مجاهد. وعن ابن عباس أيضاً أن معناه: "ما لكم لا تعظمون الله حق عظمته".
وقال قتادة: معناه: "﴿مَّا لَكُمْ لاَ تَرْجُونَ لِلَّهِ﴾ عاقبة".
وقال ابن زيد: معناه: ما لكم لا ترون لله طاعة.
وقال الحسن: معناه ما لكم لا تعرفون لله حقاً ولا تشكرون له نعمة. و "ترجون" هنا - في أكثر الأقوال - بمعنى: تخافون.
* *
- ثم قال: ﴿وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَاراً﴾.
أي: خلقكم نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم ثم، وهو قول ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك، إلا أنهم اختلفوا في الترتيب، فمنهم من بدأ بالتراب ثم النطفة حتى بلغ (تمام الخلق. ومنهم من بدأ بالنطفة حتى بلغ) نبات الشعر وحتى بلغ اللحم.
وقيل: معناه: وقد خلقكم مختلفين المناظر والألوان والكلام والصور [والعمر] والهمم وغير ذلك.
وقيل: هو الصحة والسقم، من قولهم: جاز فلان طوره، أي: خالف ما يجب أن يستعمله.
والطور في اللغة: المرة.
فالمعنى: وقد خلقكم مراراً، أي خلقكم تراباً، ثم نقلكم إلى النطفة [ثم إلى العلقة] ثم إلى المضغة، ثم عظاماً، ثم يكسو العظام اللحم، ثم أنبت الشعر، ثم أخرجه طفلاً، ثم صبياً، ثم بالغاً، ثم حدثاً، ثم رجلاً، ثم كهلاً، ثم شيخاً.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَوْاْ كَيْفَ خَلَقَ ٱللَّهُ سَبْعَ سَمَٰوَٰتٍ طِبَاقاً﴾.
أي: وقال نوح لقومه: ألم تروا كيف خلق الله فوقكم سبع سماوات طبقاً فوق طبق، فيدلكم ذلك من قدرته على وحدانيته وتعتبروا وتزدجروا عن كفركم.
والطباق مصدر من قولهم: [طابقه] (مطابقة) وطباقاً.
فالمعنى: ألم تروا كيف خلق الله سماء فوق سماء مطابقة؟!. ويجوز أن يكون "طباقاً" [نعتاً] لـ "سبع"، جمع طبق.
ومعنى ألم تروا كيف [خَلَقَ اللهُ]: [اعلموا] أن الله خلق ذلك. ولو كان على غير الأمر، معناه لقالوا ما نرى إلا واحدة، ولكن معناه الأمر كما تقول: غفر الله لك، اللهم اغفر له، لأنك لست تخبره عن أمر [علمته]، إنما هو دعاء يتمنى كونه له.
ومن هذا قول الرجل [للرجل] أَلَمْ تَرَ أَنِّي لقيت زيداً فقلت له كذا وقال لي كذا؟. معناه: اعلم أني لقيت زيداً فكان من أمره وأمري كذا وكذا.
ومثله: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ ٱلْفِيلِ﴾ [الفيل:١].
وقيل: معناه: ألم يبلغكم كيف خلق الله سبع (سماوات) طباقاً فتتعظوا وتزدجروا؟ وكذلك معنى الآية الأخرى: ألم يبلغك يا محمد كيف فعل ربك بأصحاب الفيل، ولم أُوحِ إليك كيف فعلت بهم؟
* *
- ثم قال ﴿وَجَعَلَ ٱلْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً﴾
أي: في السماوات، قال المفسرون: بين كل سماء وسماء مسيرة خمسمائة عام. فقال السائل: نحن نرى الغيم يكون دون القمر فلا نرى نوراً، فكيف تضيء السماوات كلها بالقمر على تفاوت ما بينها، وستر بعضها بعضاً؟، فقيل في ذلك: إن هذا الكلام [مجاز]، إنما قال: "فيهن"، [يريد]: في بعضهن، كما تقول العرب: أتيت بني تميم، وإنما أتى بعضهم، [وتقول]: في هذه الدور وليمة، وإنما هي في واحدة منهن.
وتقول: قدم فلان في شهر كذا، وإنما قدم في يوم منه. فلذلك أخبر بالقمر أنه في سبع سماوات وإنما هو في واحدة.
وقيل معناه: وجعل القمر معهن نوراً، أي: خلقه نوراً مع خلقه للسماوات فيكون مثل: ﴿ٱدْخُلُواْ فِيۤ أُمَمٍ﴾ [الأعراف: ٣٨].
وقال ابن كيسان: إذا جعله في إحداهن فقد جعله فيهن، كما تقول: أَعطِني من الثياب [المعلمة]، وإن كنت إنما أعلمت أحدها. وقد قال ابن عمر: إن الشمس والقمر وجوههما في السماء وأقفاؤهما في الأرض.
وقال عبد الله بن عمرو بن العاص: إن ضوء الشمس والقمر ونورهما في السماء، وقرأ: ﴿أَلَمْ تَرَوْاْ كَيْفَ...﴾ الآية.
وقيل: التقدير: وجعل القمر نوراً، ثم قال: "فيهن" بعدما مضى الكلام. وسأل عبد الله بن عمر رجل فقال له: ما بال الشمس تَصْلاَنا أحياناً وتبرد أحياناً؟ فقال: أما في الشتاء فهي في السماء السابعة تحت عرش الرحمن، وأما في الصيف فهي في السماء الخامسة، قيل له: ما كنا نظن إلا أنها في هذه السماء. قال: لو كان ذلك ما قام لها شيء إلا أحرقته.
* *
- ثم قال: ﴿وَٱللَّهُ أَنبَتَكُمْ مِّنَ ٱلأَرْضِ نَبَاتاً﴾.
أي: أنبتكم من تراب فخلقكم منه فنبتم نباتاً، يعني آدمَ أَبَا الخلقِ خَلَقَهُ من تراب الأرض.
* *
- ﴿ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا﴾
أي: في الأرض فتصيرون تراباً.
* *
- ﴿[وَيُخْرِجُكُمْ]﴾
منها إلى البعث.
* *
- ثم قال: ﴿وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ بِسَاطاً﴾.
[هذا] كله [إخبار] من الله جل ذكره لنا عن قول نوح لقومه ووعظه لهم وتنبيهه لهم على آيات الله ونعمه عندهم.
فالمعنى: جعل لكم الأرض بساطاً لتستقروا عليها، ﴿لِّتَسْلُكُواْ مِنْهَا سُبُلاً فِجَاجاً﴾.
أي: طرقاً واسعة.
وقال ابن عباس: ﴿سُبُلاً فِجَاجاً﴾، أي: "طرقاً مختلفة".
- ثم (قال تعالى): ﴿قَالَ نُوحٌ رَّبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَٱتَّبَعُواْ مَن لَّمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلاَّ خَسَاراً﴾.
أي: قال نوح لمّا عصاه قومه: يا رب، إنهم عصوني فيما بَلَّغتُهم عنك فلم يقبلوه واتبعوا أمر من لم يزده ماله وولده إلا خساراً، أي: اتبعوا في معصيتهم إياي من كثر ماله وولده فلم يزده ذلك إلا بعداً منك - يا رب - [وذهاباً] عن سبيلك.
ومن قرأ "وُلده" بالضم احتمل أن يكون جمع "وَلَد"، ك "وُثُن" جمع "وَثَن"، ويجوز أن يكون واحداً يراد به (غير) الولد: (وقد قال مجاهد: وُلده: زوجه وأهله)، وقال أبو عمرو: وُلده: عشيرته وقومه.
وقال أكثر (أهل) اللغة: الوَلد والوُلد بمعنى واحد.
* *
- ثم قال: ﴿وَمَكَرُواْ مَكْراً كُبَّاراً﴾.
أي: كبيراً، يقال كُبَارٌ وكُبَّارٌ بمعنى كبير، كما يقال: "أمر عجيب"، وعُجاب بمعنى واحد. ورجل حُسَانٌ وحُسَّان بمعنى. وجَمَال وجُمَّال بمعنى جميل.
قال مجاهد: ﴿كُبَّاراً﴾ "عظيماً".
* *
- ثم قال: ﴿وَقَالُواْ لاَ تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ..﴾.
أي: وقال بعضهم لبعض: لا تذرن عبادة آلهتكم [لقول] نوح ﴿وَلاَ تَذَرُنَّ وَدّاً وَلاَ سُوَاعاً وَلاَ يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً﴾.
["هذه أسماء أصنام كانوا يعبدونها: أما وُدّ، فكانت لكلب بدومة الجندل، وأما سُواع فكانت لهذيل، وأما يَغوث فكانت لمراد ثم لبني غطيف (بالجرف) عند سبأ، وأما يعوق فكانت لهمدان، وأما نسر فكانت لحِمْيَر، لآل ذي الكلاع"].
قال محمد بن قيس: [هذه الأسماء] أسماء قوم صالحين بين آدم ونوح وكان لهم تباع يقتدون بهم، فماتوا، فقال تباعهم: لو صورناهم كان أشرف لنا نتذكرهم [فنفعل] مثل ما كانوا يفعلون، فصوروهم ثم ماتوا، وجاء آخرون فدب فيهم الشيطان، فقال: إنما كانوا يعبدونهم وبهم يسقون المطر فعبدوهم، فكان قوم نوح يحض بعضهم بعضاً على عبادتهم وترك قبول [قول] نوح.
وقيل: بل [كانوا أصناماً] يعبدونها (من دون الله) قاله ابن عباس وغيره.
* *
- ثم قال ﴿وَقَدْ أَضَلُّواْ كَثِيراً﴾
هذا إخبار عن قول نوح، أي وقد أضلت هذه الأصنام كثيراً من الخلق، أي ضل بعبادتها كثير.
* *
- ثم قال: ﴿وَلاَ تَزِدِ ٱلظَّالِمِينَ إِلاَّ ضَلاَلاً﴾.
أي: لا توفقهم حتى يموتوا على ضلالتهم فكلما عاشوا ازدادوا إثماً وضلالاً.
نوح 71:15
قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي (لَيْلاً وَنَهَاراً)...﴾، إلى قوله: ﴿إِلاَّ ضَلاَلاً﴾.
أي: قال نوح لما بلغ رسالة ربه قومه فعصوه: يا رب إني دعوت قومي إلى توحيدك ليلاً ونهاراً وحذرتهم عقابك على كفرهم بك فلم يزدهم دعائي (لهم) إلا إدباراً عن قبول ما جئتهم به. قال قتادة: بلغنا أنهم كانوا يذهب الرجل منهم بابنه إلى نوح فيقول لابنه: احذر هذا [لا يغويك] فإن أبي قد ذهب بي إليه وأنا مثلك فحذرني كما حذرتك.
من رواية ابن شعبان عن المنهال بن عمرو عن عبد الله بن الحارث أن النبي ﷺ قال: يَجمَع اللهُ الأوَّلين، والآخِرين، ويَنزِل اللهُ في ظُلَلٍ منَ الغَمام فَيَكون أَوَّلَ من يَقْضي لَه نوحٌ وَقَومُه، يَقولُ اللهُ لِقومِ نوحٍ: ماذا أجبتم المُرْسَلين؟ قال: فَيقولُ نوحٌ: أيْ رَبِّ، بَلَّغتُهم رسالتَك ودَعَوتُهم لَيلاً ونَهاراً فكذَّبوني واتَّهَموني، فَيقولُ اللهُ لِقَوْم نوحٍ: ماذا تقولون؟ فيقولون: ربَّنا ما بَلَّغَنا الرّسالة، وقَد كان فينا حتى خَلَت قرونٌ (بعد قرون)، وَقَد كَتَمَ الرِّسالةَ فلم يَدْعُنا وَلَم يُنذِرْنا، فيقول الله لنوحٍ: ماذا تقول؟ فيقول: رَبِّ، لي بَيِّنَة، فيقول الله: إِيتِ بِبَيِّنَتِكَ. قال النبي ﷺ: فيأتي نوح فيقول: يا مُحمدُ، أَسأَلُكَ الشَّهادةَ، فإِنَّ قَومي قَدْ كذَّبوني عِندَ رَبّي وَجَحَدوا، قال النبي عليه السلام: فَأَبْعَثُ معه رهطاً مِن أمتي يَشْهَدون له. قال: فيَنطلِق الرَّهط حتى يَقِفوا على الرّب، فيقول الله لهم: بِمَ تَشْهَدون؟ فيقولون: نَشهَدُ أن نوحاً قد بَلَّغَ قَومَه وَدَعاهُم لَيْلاً وَنَهاراً وسِرّاً وعَلانِية فَكذَّبوه واسْتَغْشَوْا ثِيابَهُم وأَصَرّوا وَاسْتَكْبَروا.
فيقول اللهُ لقوم نوح: ما تقولون؟ (فيقولون): رَبّنا، كيف يقبلون علينا وَنَحْن أولُ الأُمَمِ وهُمْ آخِر الأُمَمِ؟ فيقول الله للرَّهطِ: أجيبوهم، فيقول (الرهط): ربَّنا، بَعَثْتَ إِليْنا رسولاً من أَنفسِنا فآمَنّا به وصَدّقنا ما أَنْزَلتَ عَليْه مِنَ الكِتابِ، فَكان فيما أَنزَلتَ عَلَيْه أَنَّك أَرْسَلتَ نوحاً إِلى قَومهِ فَبلَّغهم الرسالةَ وَدَعاهم لَيلاً ونَهاراً وسِرّاً وعلانيةً فكذَّبوه، قال: فيقرأون سورة "نوح"، فيقول قوم نوح: خصمنا فقوموا. قال النبي ﷺ: فما من نبيٍّ يُكذِّبه قومُه إِلاَّ يَأْتينا، فَأَبْعَثُ مَعهُ رَهطاً مِن أُمَّتي يَشْهَدون لَه وَأنا عَلَيهم [شهيدٌ]
ثم قال: ﴿وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوۤاْ أَصَابِعَهُمْ فِيۤ آذَانِهِمْ وَٱسْتَغْشَوْاْ ثِيَابَهُمْ﴾
أي: وإني كلما دعوتهم إلى طاعتك والعمل بمرضاتك لتغفر لهم إذا فعلوا ذلك، أدخلوا أصابعهم في آذانهم لِئَلاَّ يسمعوا دعائي (إياهم إلى ذلك، واستغشوا، أي تغطَّوا بها لِئَلاَّ يُسْمَعَ دعائي).
* *
- ثم قال ﴿وَأَصَرُّواْ وَٱسْتَكْبَرُواْ (ٱسْتِكْبَاراً)﴾:
أي: أَصروا على كفرهم، أي: تمادوا عليه، واستكبروا عن قبول ما جئتهم به من الحق وقبول الإيمان.
* *
- ثم قال: ﴿ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَاراً * ثُمَّ إِنِّيۤ أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَاراً﴾.
أي: ثم إني دعوتهم إلى ما أمرتني به من عبادتك دعاءً ظاهراً غيرَ خَفِيّ.
قال مجاهد: الجِهار: الكلام المعلن (به)".
﴿ثُمَّ إِنِّيۤ أَعْلَنْتُ﴾ أي صرخت وصِحْتُ بالذي أمرتني به من الإنذار.
قال مجاهد: أَعْلَنتُ: "صِحْتُ بهِم"، وَأَسْرَرْتُ لَهُمُ (أي): قلت لهم ذلك فيما بيني وبينهم.
* *
- ﴿فَقُلْتُ ٱسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ﴾
أي: سلوا ربكم المغفرة عن ذنوبكم وتوبوا إليه من كفركم يغفر لكم ذنوبكم.
* *
- ﴿إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً﴾.
أي: لم يزل غفارا لمن تاب إليه واستغفره.
* *
- ثم قال: ﴿يُرْسِلِ ٱلسَّمَآءَ عَلَيْكُمْ مِّدْرَاراً﴾.
أي: إن تبتم واستغفرتم من ذنوبكم أرسل السماء عليكم بالمطر متتابعاً.
وكان عمر رضي الله عنه إذا [استسقى] ما يزيد على الاستغفار، وسئل عن ذلك فقرأ هذه الآية، وقرأ الآية في هود في قصة هود: ﴿وَيٰقَوْمِ ٱسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوۤاْ إِلَيْهِ﴾ [هود: ٥٢] الآية.
* *
- ثم قال: ﴿مَّا لَكُمْ لاَ تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراً﴾.
(أي: ما لكم لا ترون لله عظمة، ذكر ذلك عن ابن عباس، وهو قول مجاهد. وعن ابن عباس أيضاً أن معناه: "ما لكم لا تعظمون الله حق عظمته".
وقال قتادة: معناه: "﴿مَّا لَكُمْ لاَ تَرْجُونَ لِلَّهِ﴾ عاقبة".
وقال ابن زيد: معناه: ما لكم لا ترون لله طاعة.
وقال الحسن: معناه ما لكم لا تعرفون لله حقاً ولا تشكرون له نعمة. و "ترجون" هنا - في أكثر الأقوال - بمعنى: تخافون.
* *
- ثم قال: ﴿وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَاراً﴾.
أي: خلقكم نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم ثم، وهو قول ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك، إلا أنهم اختلفوا في الترتيب، فمنهم من بدأ بالتراب ثم النطفة حتى بلغ (تمام الخلق. ومنهم من بدأ بالنطفة حتى بلغ) نبات الشعر وحتى بلغ اللحم.
وقيل: معناه: وقد خلقكم مختلفين المناظر والألوان والكلام والصور [والعمر] والهمم وغير ذلك.
وقيل: هو الصحة والسقم، من قولهم: جاز فلان طوره، أي: خالف ما يجب أن يستعمله.
والطور في اللغة: المرة.
فالمعنى: وقد خلقكم مراراً، أي خلقكم تراباً، ثم نقلكم إلى النطفة [ثم إلى العلقة] ثم إلى المضغة، ثم عظاماً، ثم يكسو العظام اللحم، ثم أنبت الشعر، ثم أخرجه طفلاً، ثم صبياً، ثم بالغاً، ثم حدثاً، ثم رجلاً، ثم كهلاً، ثم شيخاً.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَوْاْ كَيْفَ خَلَقَ ٱللَّهُ سَبْعَ سَمَٰوَٰتٍ طِبَاقاً﴾.
أي: وقال نوح لقومه: ألم تروا كيف خلق الله فوقكم سبع سماوات طبقاً فوق طبق، فيدلكم ذلك من قدرته على وحدانيته وتعتبروا وتزدجروا عن كفركم.
والطباق مصدر من قولهم: [طابقه] (مطابقة) وطباقاً.
فالمعنى: ألم تروا كيف خلق الله سماء فوق سماء مطابقة؟!. ويجوز أن يكون "طباقاً" [نعتاً] لـ "سبع"، جمع طبق.
ومعنى ألم تروا كيف [خَلَقَ اللهُ]: [اعلموا] أن الله خلق ذلك. ولو كان على غير الأمر، معناه لقالوا ما نرى إلا واحدة، ولكن معناه الأمر كما تقول: غفر الله لك، اللهم اغفر له، لأنك لست تخبره عن أمر [علمته]، إنما هو دعاء يتمنى كونه له.
ومن هذا قول الرجل [للرجل] أَلَمْ تَرَ أَنِّي لقيت زيداً فقلت له كذا وقال لي كذا؟. معناه: اعلم أني لقيت زيداً فكان من أمره وأمري كذا وكذا.
ومثله: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ ٱلْفِيلِ﴾ [الفيل:١].
وقيل: معناه: ألم يبلغكم كيف خلق الله سبع (سماوات) طباقاً فتتعظوا وتزدجروا؟ وكذلك معنى الآية الأخرى: ألم يبلغك يا محمد كيف فعل ربك بأصحاب الفيل، ولم أُوحِ إليك كيف فعلت بهم؟
* *
- ثم قال ﴿وَجَعَلَ ٱلْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً﴾
أي: في السماوات، قال المفسرون: بين كل سماء وسماء مسيرة خمسمائة عام. فقال السائل: نحن نرى الغيم يكون دون القمر فلا نرى نوراً، فكيف تضيء السماوات كلها بالقمر على تفاوت ما بينها، وستر بعضها بعضاً؟، فقيل في ذلك: إن هذا الكلام [مجاز]، إنما قال: "فيهن"، [يريد]: في بعضهن، كما تقول العرب: أتيت بني تميم، وإنما أتى بعضهم، [وتقول]: في هذه الدور وليمة، وإنما هي في واحدة منهن.
وتقول: قدم فلان في شهر كذا، وإنما قدم في يوم منه. فلذلك أخبر بالقمر أنه في سبع سماوات وإنما هو في واحدة.
وقيل معناه: وجعل القمر معهن نوراً، أي: خلقه نوراً مع خلقه للسماوات فيكون مثل: ﴿ٱدْخُلُواْ فِيۤ أُمَمٍ﴾ [الأعراف: ٣٨].
وقال ابن كيسان: إذا جعله في إحداهن فقد جعله فيهن، كما تقول: أَعطِني من الثياب [المعلمة]، وإن كنت إنما أعلمت أحدها. وقد قال ابن عمر: إن الشمس والقمر وجوههما في السماء وأقفاؤهما في الأرض.
وقال عبد الله بن عمرو بن العاص: إن ضوء الشمس والقمر ونورهما في السماء، وقرأ: ﴿أَلَمْ تَرَوْاْ كَيْفَ...﴾ الآية.
وقيل: التقدير: وجعل القمر نوراً، ثم قال: "فيهن" بعدما مضى الكلام. وسأل عبد الله بن عمر رجل فقال له: ما بال الشمس تَصْلاَنا أحياناً وتبرد أحياناً؟ فقال: أما في الشتاء فهي في السماء السابعة تحت عرش الرحمن، وأما في الصيف فهي في السماء الخامسة، قيل له: ما كنا نظن إلا أنها في هذه السماء. قال: لو كان ذلك ما قام لها شيء إلا أحرقته.
* *
- ثم قال: ﴿وَٱللَّهُ أَنبَتَكُمْ مِّنَ ٱلأَرْضِ نَبَاتاً﴾.
أي: أنبتكم من تراب فخلقكم منه فنبتم نباتاً، يعني آدمَ أَبَا الخلقِ خَلَقَهُ من تراب الأرض.
* *
- ﴿ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا﴾
أي: في الأرض فتصيرون تراباً.
* *
- ﴿[وَيُخْرِجُكُمْ]﴾
منها إلى البعث.
* *
- ثم قال: ﴿وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ بِسَاطاً﴾.
[هذا] كله [إخبار] من الله جل ذكره لنا عن قول نوح لقومه ووعظه لهم وتنبيهه لهم على آيات الله ونعمه عندهم.
فالمعنى: جعل لكم الأرض بساطاً لتستقروا عليها، ﴿لِّتَسْلُكُواْ مِنْهَا سُبُلاً فِجَاجاً﴾.
أي: طرقاً واسعة.
وقال ابن عباس: ﴿سُبُلاً فِجَاجاً﴾، أي: "طرقاً مختلفة".
- ثم (قال تعالى): ﴿قَالَ نُوحٌ رَّبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَٱتَّبَعُواْ مَن لَّمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلاَّ خَسَاراً﴾.
أي: قال نوح لمّا عصاه قومه: يا رب، إنهم عصوني فيما بَلَّغتُهم عنك فلم يقبلوه واتبعوا أمر من لم يزده ماله وولده إلا خساراً، أي: اتبعوا في معصيتهم إياي من كثر ماله وولده فلم يزده ذلك إلا بعداً منك - يا رب - [وذهاباً] عن سبيلك.
ومن قرأ "وُلده" بالضم احتمل أن يكون جمع "وَلَد"، ك "وُثُن" جمع "وَثَن"، ويجوز أن يكون واحداً يراد به (غير) الولد: (وقد قال مجاهد: وُلده: زوجه وأهله)، وقال أبو عمرو: وُلده: عشيرته وقومه.
وقال أكثر (أهل) اللغة: الوَلد والوُلد بمعنى واحد.
* *
- ثم قال: ﴿وَمَكَرُواْ مَكْراً كُبَّاراً﴾.
أي: كبيراً، يقال كُبَارٌ وكُبَّارٌ بمعنى كبير، كما يقال: "أمر عجيب"، وعُجاب بمعنى واحد. ورجل حُسَانٌ وحُسَّان بمعنى. وجَمَال وجُمَّال بمعنى جميل.
قال مجاهد: ﴿كُبَّاراً﴾ "عظيماً".
* *
- ثم قال: ﴿وَقَالُواْ لاَ تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ..﴾.
أي: وقال بعضهم لبعض: لا تذرن عبادة آلهتكم [لقول] نوح ﴿وَلاَ تَذَرُنَّ وَدّاً وَلاَ سُوَاعاً وَلاَ يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً﴾.
["هذه أسماء أصنام كانوا يعبدونها: أما وُدّ، فكانت لكلب بدومة الجندل، وأما سُواع فكانت لهذيل، وأما يَغوث فكانت لمراد ثم لبني غطيف (بالجرف) عند سبأ، وأما يعوق فكانت لهمدان، وأما نسر فكانت لحِمْيَر، لآل ذي الكلاع"].
قال محمد بن قيس: [هذه الأسماء] أسماء قوم صالحين بين آدم ونوح وكان لهم تباع يقتدون بهم، فماتوا، فقال تباعهم: لو صورناهم كان أشرف لنا نتذكرهم [فنفعل] مثل ما كانوا يفعلون، فصوروهم ثم ماتوا، وجاء آخرون فدب فيهم الشيطان، فقال: إنما كانوا يعبدونهم وبهم يسقون المطر فعبدوهم، فكان قوم نوح يحض بعضهم بعضاً على عبادتهم وترك قبول [قول] نوح.
وقيل: بل [كانوا أصناماً] يعبدونها (من دون الله) قاله ابن عباس وغيره.
* *
- ثم قال ﴿وَقَدْ أَضَلُّواْ كَثِيراً﴾
هذا إخبار عن قول نوح، أي وقد أضلت هذه الأصنام كثيراً من الخلق، أي ضل بعبادتها كثير.
* *
- ثم قال: ﴿وَلاَ تَزِدِ ٱلظَّالِمِينَ إِلاَّ ضَلاَلاً﴾.
أي: لا توفقهم حتى يموتوا على ضلالتهم فكلما عاشوا ازدادوا إثماً وضلالاً.
نوح 71:16
قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي (لَيْلاً وَنَهَاراً)...﴾، إلى قوله: ﴿إِلاَّ ضَلاَلاً﴾.
أي: قال نوح لما بلغ رسالة ربه قومه فعصوه: يا رب إني دعوت قومي إلى توحيدك ليلاً ونهاراً وحذرتهم عقابك على كفرهم بك فلم يزدهم دعائي (لهم) إلا إدباراً عن قبول ما جئتهم به. قال قتادة: بلغنا أنهم كانوا يذهب الرجل منهم بابنه إلى نوح فيقول لابنه: احذر هذا [لا يغويك] فإن أبي قد ذهب بي إليه وأنا مثلك فحذرني كما حذرتك.
من رواية ابن شعبان عن المنهال بن عمرو عن عبد الله بن الحارث أن النبي ﷺ قال: يَجمَع اللهُ الأوَّلين، والآخِرين، ويَنزِل اللهُ في ظُلَلٍ منَ الغَمام فَيَكون أَوَّلَ من يَقْضي لَه نوحٌ وَقَومُه، يَقولُ اللهُ لِقومِ نوحٍ: ماذا أجبتم المُرْسَلين؟ قال: فَيقولُ نوحٌ: أيْ رَبِّ، بَلَّغتُهم رسالتَك ودَعَوتُهم لَيلاً ونَهاراً فكذَّبوني واتَّهَموني، فَيقولُ اللهُ لِقَوْم نوحٍ: ماذا تقولون؟ فيقولون: ربَّنا ما بَلَّغَنا الرّسالة، وقَد كان فينا حتى خَلَت قرونٌ (بعد قرون)، وَقَد كَتَمَ الرِّسالةَ فلم يَدْعُنا وَلَم يُنذِرْنا، فيقول الله لنوحٍ: ماذا تقول؟ فيقول: رَبِّ، لي بَيِّنَة، فيقول الله: إِيتِ بِبَيِّنَتِكَ. قال النبي ﷺ: فيأتي نوح فيقول: يا مُحمدُ، أَسأَلُكَ الشَّهادةَ، فإِنَّ قَومي قَدْ كذَّبوني عِندَ رَبّي وَجَحَدوا، قال النبي عليه السلام: فَأَبْعَثُ معه رهطاً مِن أمتي يَشْهَدون له. قال: فيَنطلِق الرَّهط حتى يَقِفوا على الرّب، فيقول الله لهم: بِمَ تَشْهَدون؟ فيقولون: نَشهَدُ أن نوحاً قد بَلَّغَ قَومَه وَدَعاهُم لَيْلاً وَنَهاراً وسِرّاً وعَلانِية فَكذَّبوه واسْتَغْشَوْا ثِيابَهُم وأَصَرّوا وَاسْتَكْبَروا.
فيقول اللهُ لقوم نوح: ما تقولون؟ (فيقولون): رَبّنا، كيف يقبلون علينا وَنَحْن أولُ الأُمَمِ وهُمْ آخِر الأُمَمِ؟ فيقول الله للرَّهطِ: أجيبوهم، فيقول (الرهط): ربَّنا، بَعَثْتَ إِليْنا رسولاً من أَنفسِنا فآمَنّا به وصَدّقنا ما أَنْزَلتَ عَليْه مِنَ الكِتابِ، فَكان فيما أَنزَلتَ عَلَيْه أَنَّك أَرْسَلتَ نوحاً إِلى قَومهِ فَبلَّغهم الرسالةَ وَدَعاهم لَيلاً ونَهاراً وسِرّاً وعلانيةً فكذَّبوه، قال: فيقرأون سورة "نوح"، فيقول قوم نوح: خصمنا فقوموا. قال النبي ﷺ: فما من نبيٍّ يُكذِّبه قومُه إِلاَّ يَأْتينا، فَأَبْعَثُ مَعهُ رَهطاً مِن أُمَّتي يَشْهَدون لَه وَأنا عَلَيهم [شهيدٌ]
ثم قال: ﴿وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوۤاْ أَصَابِعَهُمْ فِيۤ آذَانِهِمْ وَٱسْتَغْشَوْاْ ثِيَابَهُمْ﴾
أي: وإني كلما دعوتهم إلى طاعتك والعمل بمرضاتك لتغفر لهم إذا فعلوا ذلك، أدخلوا أصابعهم في آذانهم لِئَلاَّ يسمعوا دعائي (إياهم إلى ذلك، واستغشوا، أي تغطَّوا بها لِئَلاَّ يُسْمَعَ دعائي).
* *
- ثم قال ﴿وَأَصَرُّواْ وَٱسْتَكْبَرُواْ (ٱسْتِكْبَاراً)﴾:
أي: أَصروا على كفرهم، أي: تمادوا عليه، واستكبروا عن قبول ما جئتهم به من الحق وقبول الإيمان.
* *
- ثم قال: ﴿ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَاراً * ثُمَّ إِنِّيۤ أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَاراً﴾.
أي: ثم إني دعوتهم إلى ما أمرتني به من عبادتك دعاءً ظاهراً غيرَ خَفِيّ.
قال مجاهد: الجِهار: الكلام المعلن (به)".
﴿ثُمَّ إِنِّيۤ أَعْلَنْتُ﴾ أي صرخت وصِحْتُ بالذي أمرتني به من الإنذار.
قال مجاهد: أَعْلَنتُ: "صِحْتُ بهِم"، وَأَسْرَرْتُ لَهُمُ (أي): قلت لهم ذلك فيما بيني وبينهم.
* *
- ﴿فَقُلْتُ ٱسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ﴾
أي: سلوا ربكم المغفرة عن ذنوبكم وتوبوا إليه من كفركم يغفر لكم ذنوبكم.
* *
- ﴿إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً﴾.
أي: لم يزل غفارا لمن تاب إليه واستغفره.
* *
- ثم قال: ﴿يُرْسِلِ ٱلسَّمَآءَ عَلَيْكُمْ مِّدْرَاراً﴾.
أي: إن تبتم واستغفرتم من ذنوبكم أرسل السماء عليكم بالمطر متتابعاً.
وكان عمر رضي الله عنه إذا [استسقى] ما يزيد على الاستغفار، وسئل عن ذلك فقرأ هذه الآية، وقرأ الآية في هود في قصة هود: ﴿وَيٰقَوْمِ ٱسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوۤاْ إِلَيْهِ﴾ [هود: ٥٢] الآية.
* *
- ثم قال: ﴿مَّا لَكُمْ لاَ تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراً﴾.
(أي: ما لكم لا ترون لله عظمة، ذكر ذلك عن ابن عباس، وهو قول مجاهد. وعن ابن عباس أيضاً أن معناه: "ما لكم لا تعظمون الله حق عظمته".
وقال قتادة: معناه: "﴿مَّا لَكُمْ لاَ تَرْجُونَ لِلَّهِ﴾ عاقبة".
وقال ابن زيد: معناه: ما لكم لا ترون لله طاعة.
وقال الحسن: معناه ما لكم لا تعرفون لله حقاً ولا تشكرون له نعمة. و "ترجون" هنا - في أكثر الأقوال - بمعنى: تخافون.
* *
- ثم قال: ﴿وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَاراً﴾.
أي: خلقكم نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم ثم، وهو قول ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك، إلا أنهم اختلفوا في الترتيب، فمنهم من بدأ بالتراب ثم النطفة حتى بلغ (تمام الخلق. ومنهم من بدأ بالنطفة حتى بلغ) نبات الشعر وحتى بلغ اللحم.
وقيل: معناه: وقد خلقكم مختلفين المناظر والألوان والكلام والصور [والعمر] والهمم وغير ذلك.
وقيل: هو الصحة والسقم، من قولهم: جاز فلان طوره، أي: خالف ما يجب أن يستعمله.
والطور في اللغة: المرة.
فالمعنى: وقد خلقكم مراراً، أي خلقكم تراباً، ثم نقلكم إلى النطفة [ثم إلى العلقة] ثم إلى المضغة، ثم عظاماً، ثم يكسو العظام اللحم، ثم أنبت الشعر، ثم أخرجه طفلاً، ثم صبياً، ثم بالغاً، ثم حدثاً، ثم رجلاً، ثم كهلاً، ثم شيخاً.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَوْاْ كَيْفَ خَلَقَ ٱللَّهُ سَبْعَ سَمَٰوَٰتٍ طِبَاقاً﴾.
أي: وقال نوح لقومه: ألم تروا كيف خلق الله فوقكم سبع سماوات طبقاً فوق طبق، فيدلكم ذلك من قدرته على وحدانيته وتعتبروا وتزدجروا عن كفركم.
والطباق مصدر من قولهم: [طابقه] (مطابقة) وطباقاً.
فالمعنى: ألم تروا كيف خلق الله سماء فوق سماء مطابقة؟!. ويجوز أن يكون "طباقاً" [نعتاً] لـ "سبع"، جمع طبق.
ومعنى ألم تروا كيف [خَلَقَ اللهُ]: [اعلموا] أن الله خلق ذلك. ولو كان على غير الأمر، معناه لقالوا ما نرى إلا واحدة، ولكن معناه الأمر كما تقول: غفر الله لك، اللهم اغفر له، لأنك لست تخبره عن أمر [علمته]، إنما هو دعاء يتمنى كونه له.
ومن هذا قول الرجل [للرجل] أَلَمْ تَرَ أَنِّي لقيت زيداً فقلت له كذا وقال لي كذا؟. معناه: اعلم أني لقيت زيداً فكان من أمره وأمري كذا وكذا.
ومثله: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ ٱلْفِيلِ﴾ [الفيل:١].
وقيل: معناه: ألم يبلغكم كيف خلق الله سبع (سماوات) طباقاً فتتعظوا وتزدجروا؟ وكذلك معنى الآية الأخرى: ألم يبلغك يا محمد كيف فعل ربك بأصحاب الفيل، ولم أُوحِ إليك كيف فعلت بهم؟
* *
- ثم قال ﴿وَجَعَلَ ٱلْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً﴾
أي: في السماوات، قال المفسرون: بين كل سماء وسماء مسيرة خمسمائة عام. فقال السائل: نحن نرى الغيم يكون دون القمر فلا نرى نوراً، فكيف تضيء السماوات كلها بالقمر على تفاوت ما بينها، وستر بعضها بعضاً؟، فقيل في ذلك: إن هذا الكلام [مجاز]، إنما قال: "فيهن"، [يريد]: في بعضهن، كما تقول العرب: أتيت بني تميم، وإنما أتى بعضهم، [وتقول]: في هذه الدور وليمة، وإنما هي في واحدة منهن.
وتقول: قدم فلان في شهر كذا، وإنما قدم في يوم منه. فلذلك أخبر بالقمر أنه في سبع سماوات وإنما هو في واحدة.
وقيل معناه: وجعل القمر معهن نوراً، أي: خلقه نوراً مع خلقه للسماوات فيكون مثل: ﴿ٱدْخُلُواْ فِيۤ أُمَمٍ﴾ [الأعراف: ٣٨].
وقال ابن كيسان: إذا جعله في إحداهن فقد جعله فيهن، كما تقول: أَعطِني من الثياب [المعلمة]، وإن كنت إنما أعلمت أحدها. وقد قال ابن عمر: إن الشمس والقمر وجوههما في السماء وأقفاؤهما في الأرض.
وقال عبد الله بن عمرو بن العاص: إن ضوء الشمس والقمر ونورهما في السماء، وقرأ: ﴿أَلَمْ تَرَوْاْ كَيْفَ...﴾ الآية.
وقيل: التقدير: وجعل القمر نوراً، ثم قال: "فيهن" بعدما مضى الكلام. وسأل عبد الله بن عمر رجل فقال له: ما بال الشمس تَصْلاَنا أحياناً وتبرد أحياناً؟ فقال: أما في الشتاء فهي في السماء السابعة تحت عرش الرحمن، وأما في الصيف فهي في السماء الخامسة، قيل له: ما كنا نظن إلا أنها في هذه السماء. قال: لو كان ذلك ما قام لها شيء إلا أحرقته.
* *
- ثم قال: ﴿وَٱللَّهُ أَنبَتَكُمْ مِّنَ ٱلأَرْضِ نَبَاتاً﴾.
أي: أنبتكم من تراب فخلقكم منه فنبتم نباتاً، يعني آدمَ أَبَا الخلقِ خَلَقَهُ من تراب الأرض.
* *
- ﴿ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا﴾
أي: في الأرض فتصيرون تراباً.
* *
- ﴿[وَيُخْرِجُكُمْ]﴾
منها إلى البعث.
* *
- ثم قال: ﴿وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ بِسَاطاً﴾.
[هذا] كله [إخبار] من الله جل ذكره لنا عن قول نوح لقومه ووعظه لهم وتنبيهه لهم على آيات الله ونعمه عندهم.
فالمعنى: جعل لكم الأرض بساطاً لتستقروا عليها، ﴿لِّتَسْلُكُواْ مِنْهَا سُبُلاً فِجَاجاً﴾.
أي: طرقاً واسعة.
وقال ابن عباس: ﴿سُبُلاً فِجَاجاً﴾، أي: "طرقاً مختلفة".
- ثم (قال تعالى): ﴿قَالَ نُوحٌ رَّبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَٱتَّبَعُواْ مَن لَّمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلاَّ خَسَاراً﴾.
أي: قال نوح لمّا عصاه قومه: يا رب، إنهم عصوني فيما بَلَّغتُهم عنك فلم يقبلوه واتبعوا أمر من لم يزده ماله وولده إلا خساراً، أي: اتبعوا في معصيتهم إياي من كثر ماله وولده فلم يزده ذلك إلا بعداً منك - يا رب - [وذهاباً] عن سبيلك.
ومن قرأ "وُلده" بالضم احتمل أن يكون جمع "وَلَد"، ك "وُثُن" جمع "وَثَن"، ويجوز أن يكون واحداً يراد به (غير) الولد: (وقد قال مجاهد: وُلده: زوجه وأهله)، وقال أبو عمرو: وُلده: عشيرته وقومه.
وقال أكثر (أهل) اللغة: الوَلد والوُلد بمعنى واحد.
* *
- ثم قال: ﴿وَمَكَرُواْ مَكْراً كُبَّاراً﴾.
أي: كبيراً، يقال كُبَارٌ وكُبَّارٌ بمعنى كبير، كما يقال: "أمر عجيب"، وعُجاب بمعنى واحد. ورجل حُسَانٌ وحُسَّان بمعنى. وجَمَال وجُمَّال بمعنى جميل.
قال مجاهد: ﴿كُبَّاراً﴾ "عظيماً".
* *
- ثم قال: ﴿وَقَالُواْ لاَ تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ..﴾.
أي: وقال بعضهم لبعض: لا تذرن عبادة آلهتكم [لقول] نوح ﴿وَلاَ تَذَرُنَّ وَدّاً وَلاَ سُوَاعاً وَلاَ يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً﴾.
["هذه أسماء أصنام كانوا يعبدونها: أما وُدّ، فكانت لكلب بدومة الجندل، وأما سُواع فكانت لهذيل، وأما يَغوث فكانت لمراد ثم لبني غطيف (بالجرف) عند سبأ، وأما يعوق فكانت لهمدان، وأما نسر فكانت لحِمْيَر، لآل ذي الكلاع"].
قال محمد بن قيس: [هذه الأسماء] أسماء قوم صالحين بين آدم ونوح وكان لهم تباع يقتدون بهم، فماتوا، فقال تباعهم: لو صورناهم كان أشرف لنا نتذكرهم [فنفعل] مثل ما كانوا يفعلون، فصوروهم ثم ماتوا، وجاء آخرون فدب فيهم الشيطان، فقال: إنما كانوا يعبدونهم وبهم يسقون المطر فعبدوهم، فكان قوم نوح يحض بعضهم بعضاً على عبادتهم وترك قبول [قول] نوح.
وقيل: بل [كانوا أصناماً] يعبدونها (من دون الله) قاله ابن عباس وغيره.
* *
- ثم قال ﴿وَقَدْ أَضَلُّواْ كَثِيراً﴾
هذا إخبار عن قول نوح، أي وقد أضلت هذه الأصنام كثيراً من الخلق، أي ضل بعبادتها كثير.
* *
- ثم قال: ﴿وَلاَ تَزِدِ ٱلظَّالِمِينَ إِلاَّ ضَلاَلاً﴾.
أي: لا توفقهم حتى يموتوا على ضلالتهم فكلما عاشوا ازدادوا إثماً وضلالاً.
نوح 71:17
قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي (لَيْلاً وَنَهَاراً)...﴾، إلى قوله: ﴿إِلاَّ ضَلاَلاً﴾.
أي: قال نوح لما بلغ رسالة ربه قومه فعصوه: يا رب إني دعوت قومي إلى توحيدك ليلاً ونهاراً وحذرتهم عقابك على كفرهم بك فلم يزدهم دعائي (لهم) إلا إدباراً عن قبول ما جئتهم به. قال قتادة: بلغنا أنهم كانوا يذهب الرجل منهم بابنه إلى نوح فيقول لابنه: احذر هذا [لا يغويك] فإن أبي قد ذهب بي إليه وأنا مثلك فحذرني كما حذرتك.
من رواية ابن شعبان عن المنهال بن عمرو عن عبد الله بن الحارث أن النبي ﷺ قال: يَجمَع اللهُ الأوَّلين، والآخِرين، ويَنزِل اللهُ في ظُلَلٍ منَ الغَمام فَيَكون أَوَّلَ من يَقْضي لَه نوحٌ وَقَومُه، يَقولُ اللهُ لِقومِ نوحٍ: ماذا أجبتم المُرْسَلين؟ قال: فَيقولُ نوحٌ: أيْ رَبِّ، بَلَّغتُهم رسالتَك ودَعَوتُهم لَيلاً ونَهاراً فكذَّبوني واتَّهَموني، فَيقولُ اللهُ لِقَوْم نوحٍ: ماذا تقولون؟ فيقولون: ربَّنا ما بَلَّغَنا الرّسالة، وقَد كان فينا حتى خَلَت قرونٌ (بعد قرون)، وَقَد كَتَمَ الرِّسالةَ فلم يَدْعُنا وَلَم يُنذِرْنا، فيقول الله لنوحٍ: ماذا تقول؟ فيقول: رَبِّ، لي بَيِّنَة، فيقول الله: إِيتِ بِبَيِّنَتِكَ. قال النبي ﷺ: فيأتي نوح فيقول: يا مُحمدُ، أَسأَلُكَ الشَّهادةَ، فإِنَّ قَومي قَدْ كذَّبوني عِندَ رَبّي وَجَحَدوا، قال النبي عليه السلام: فَأَبْعَثُ معه رهطاً مِن أمتي يَشْهَدون له. قال: فيَنطلِق الرَّهط حتى يَقِفوا على الرّب، فيقول الله لهم: بِمَ تَشْهَدون؟ فيقولون: نَشهَدُ أن نوحاً قد بَلَّغَ قَومَه وَدَعاهُم لَيْلاً وَنَهاراً وسِرّاً وعَلانِية فَكذَّبوه واسْتَغْشَوْا ثِيابَهُم وأَصَرّوا وَاسْتَكْبَروا.
فيقول اللهُ لقوم نوح: ما تقولون؟ (فيقولون): رَبّنا، كيف يقبلون علينا وَنَحْن أولُ الأُمَمِ وهُمْ آخِر الأُمَمِ؟ فيقول الله للرَّهطِ: أجيبوهم، فيقول (الرهط): ربَّنا، بَعَثْتَ إِليْنا رسولاً من أَنفسِنا فآمَنّا به وصَدّقنا ما أَنْزَلتَ عَليْه مِنَ الكِتابِ، فَكان فيما أَنزَلتَ عَلَيْه أَنَّك أَرْسَلتَ نوحاً إِلى قَومهِ فَبلَّغهم الرسالةَ وَدَعاهم لَيلاً ونَهاراً وسِرّاً وعلانيةً فكذَّبوه، قال: فيقرأون سورة "نوح"، فيقول قوم نوح: خصمنا فقوموا. قال النبي ﷺ: فما من نبيٍّ يُكذِّبه قومُه إِلاَّ يَأْتينا، فَأَبْعَثُ مَعهُ رَهطاً مِن أُمَّتي يَشْهَدون لَه وَأنا عَلَيهم [شهيدٌ]
ثم قال: ﴿وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوۤاْ أَصَابِعَهُمْ فِيۤ آذَانِهِمْ وَٱسْتَغْشَوْاْ ثِيَابَهُمْ﴾
أي: وإني كلما دعوتهم إلى طاعتك والعمل بمرضاتك لتغفر لهم إذا فعلوا ذلك، أدخلوا أصابعهم في آذانهم لِئَلاَّ يسمعوا دعائي (إياهم إلى ذلك، واستغشوا، أي تغطَّوا بها لِئَلاَّ يُسْمَعَ دعائي).
* *
- ثم قال ﴿وَأَصَرُّواْ وَٱسْتَكْبَرُواْ (ٱسْتِكْبَاراً)﴾:
أي: أَصروا على كفرهم، أي: تمادوا عليه، واستكبروا عن قبول ما جئتهم به من الحق وقبول الإيمان.
* *
- ثم قال: ﴿ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَاراً * ثُمَّ إِنِّيۤ أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَاراً﴾.
أي: ثم إني دعوتهم إلى ما أمرتني به من عبادتك دعاءً ظاهراً غيرَ خَفِيّ.
قال مجاهد: الجِهار: الكلام المعلن (به)".
﴿ثُمَّ إِنِّيۤ أَعْلَنْتُ﴾ أي صرخت وصِحْتُ بالذي أمرتني به من الإنذار.
قال مجاهد: أَعْلَنتُ: "صِحْتُ بهِم"، وَأَسْرَرْتُ لَهُمُ (أي): قلت لهم ذلك فيما بيني وبينهم.
* *
- ﴿فَقُلْتُ ٱسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ﴾
أي: سلوا ربكم المغفرة عن ذنوبكم وتوبوا إليه من كفركم يغفر لكم ذنوبكم.
* *
- ﴿إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً﴾.
أي: لم يزل غفارا لمن تاب إليه واستغفره.
* *
- ثم قال: ﴿يُرْسِلِ ٱلسَّمَآءَ عَلَيْكُمْ مِّدْرَاراً﴾.
أي: إن تبتم واستغفرتم من ذنوبكم أرسل السماء عليكم بالمطر متتابعاً.
وكان عمر رضي الله عنه إذا [استسقى] ما يزيد على الاستغفار، وسئل عن ذلك فقرأ هذه الآية، وقرأ الآية في هود في قصة هود: ﴿وَيٰقَوْمِ ٱسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوۤاْ إِلَيْهِ﴾ [هود: ٥٢] الآية.
* *
- ثم قال: ﴿مَّا لَكُمْ لاَ تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراً﴾.
(أي: ما لكم لا ترون لله عظمة، ذكر ذلك عن ابن عباس، وهو قول مجاهد. وعن ابن عباس أيضاً أن معناه: "ما لكم لا تعظمون الله حق عظمته".
وقال قتادة: معناه: "﴿مَّا لَكُمْ لاَ تَرْجُونَ لِلَّهِ﴾ عاقبة".
وقال ابن زيد: معناه: ما لكم لا ترون لله طاعة.
وقال الحسن: معناه ما لكم لا تعرفون لله حقاً ولا تشكرون له نعمة. و "ترجون" هنا - في أكثر الأقوال - بمعنى: تخافون.
* *
- ثم قال: ﴿وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَاراً﴾.
أي: خلقكم نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم ثم، وهو قول ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك، إلا أنهم اختلفوا في الترتيب، فمنهم من بدأ بالتراب ثم النطفة حتى بلغ (تمام الخلق. ومنهم من بدأ بالنطفة حتى بلغ) نبات الشعر وحتى بلغ اللحم.
وقيل: معناه: وقد خلقكم مختلفين المناظر والألوان والكلام والصور [والعمر] والهمم وغير ذلك.
وقيل: هو الصحة والسقم، من قولهم: جاز فلان طوره، أي: خالف ما يجب أن يستعمله.
والطور في اللغة: المرة.
فالمعنى: وقد خلقكم مراراً، أي خلقكم تراباً، ثم نقلكم إلى النطفة [ثم إلى العلقة] ثم إلى المضغة، ثم عظاماً، ثم يكسو العظام اللحم، ثم أنبت الشعر، ثم أخرجه طفلاً، ثم صبياً، ثم بالغاً، ثم حدثاً، ثم رجلاً، ثم كهلاً، ثم شيخاً.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَوْاْ كَيْفَ خَلَقَ ٱللَّهُ سَبْعَ سَمَٰوَٰتٍ طِبَاقاً﴾.
أي: وقال نوح لقومه: ألم تروا كيف خلق الله فوقكم سبع سماوات طبقاً فوق طبق، فيدلكم ذلك من قدرته على وحدانيته وتعتبروا وتزدجروا عن كفركم.
والطباق مصدر من قولهم: [طابقه] (مطابقة) وطباقاً.
فالمعنى: ألم تروا كيف خلق الله سماء فوق سماء مطابقة؟!. ويجوز أن يكون "طباقاً" [نعتاً] لـ "سبع"، جمع طبق.
ومعنى ألم تروا كيف [خَلَقَ اللهُ]: [اعلموا] أن الله خلق ذلك. ولو كان على غير الأمر، معناه لقالوا ما نرى إلا واحدة، ولكن معناه الأمر كما تقول: غفر الله لك، اللهم اغفر له، لأنك لست تخبره عن أمر [علمته]، إنما هو دعاء يتمنى كونه له.
ومن هذا قول الرجل [للرجل] أَلَمْ تَرَ أَنِّي لقيت زيداً فقلت له كذا وقال لي كذا؟. معناه: اعلم أني لقيت زيداً فكان من أمره وأمري كذا وكذا.
ومثله: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ ٱلْفِيلِ﴾ [الفيل:١].
وقيل: معناه: ألم يبلغكم كيف خلق الله سبع (سماوات) طباقاً فتتعظوا وتزدجروا؟ وكذلك معنى الآية الأخرى: ألم يبلغك يا محمد كيف فعل ربك بأصحاب الفيل، ولم أُوحِ إليك كيف فعلت بهم؟
* *
- ثم قال ﴿وَجَعَلَ ٱلْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً﴾
أي: في السماوات، قال المفسرون: بين كل سماء وسماء مسيرة خمسمائة عام. فقال السائل: نحن نرى الغيم يكون دون القمر فلا نرى نوراً، فكيف تضيء السماوات كلها بالقمر على تفاوت ما بينها، وستر بعضها بعضاً؟، فقيل في ذلك: إن هذا الكلام [مجاز]، إنما قال: "فيهن"، [يريد]: في بعضهن، كما تقول العرب: أتيت بني تميم، وإنما أتى بعضهم، [وتقول]: في هذه الدور وليمة، وإنما هي في واحدة منهن.
وتقول: قدم فلان في شهر كذا، وإنما قدم في يوم منه. فلذلك أخبر بالقمر أنه في سبع سماوات وإنما هو في واحدة.
وقيل معناه: وجعل القمر معهن نوراً، أي: خلقه نوراً مع خلقه للسماوات فيكون مثل: ﴿ٱدْخُلُواْ فِيۤ أُمَمٍ﴾ [الأعراف: ٣٨].
وقال ابن كيسان: إذا جعله في إحداهن فقد جعله فيهن، كما تقول: أَعطِني من الثياب [المعلمة]، وإن كنت إنما أعلمت أحدها. وقد قال ابن عمر: إن الشمس والقمر وجوههما في السماء وأقفاؤهما في الأرض.
وقال عبد الله بن عمرو بن العاص: إن ضوء الشمس والقمر ونورهما في السماء، وقرأ: ﴿أَلَمْ تَرَوْاْ كَيْفَ...﴾ الآية.
وقيل: التقدير: وجعل القمر نوراً، ثم قال: "فيهن" بعدما مضى الكلام. وسأل عبد الله بن عمر رجل فقال له: ما بال الشمس تَصْلاَنا أحياناً وتبرد أحياناً؟ فقال: أما في الشتاء فهي في السماء السابعة تحت عرش الرحمن، وأما في الصيف فهي في السماء الخامسة، قيل له: ما كنا نظن إلا أنها في هذه السماء. قال: لو كان ذلك ما قام لها شيء إلا أحرقته.
* *
- ثم قال: ﴿وَٱللَّهُ أَنبَتَكُمْ مِّنَ ٱلأَرْضِ نَبَاتاً﴾.
أي: أنبتكم من تراب فخلقكم منه فنبتم نباتاً، يعني آدمَ أَبَا الخلقِ خَلَقَهُ من تراب الأرض.
* *
- ﴿ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا﴾
أي: في الأرض فتصيرون تراباً.
* *
- ﴿[وَيُخْرِجُكُمْ]﴾
منها إلى البعث.
* *
- ثم قال: ﴿وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ بِسَاطاً﴾.
[هذا] كله [إخبار] من الله جل ذكره لنا عن قول نوح لقومه ووعظه لهم وتنبيهه لهم على آيات الله ونعمه عندهم.
فالمعنى: جعل لكم الأرض بساطاً لتستقروا عليها، ﴿لِّتَسْلُكُواْ مِنْهَا سُبُلاً فِجَاجاً﴾.
أي: طرقاً واسعة.
وقال ابن عباس: ﴿سُبُلاً فِجَاجاً﴾، أي: "طرقاً مختلفة".
- ثم (قال تعالى): ﴿قَالَ نُوحٌ رَّبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَٱتَّبَعُواْ مَن لَّمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلاَّ خَسَاراً﴾.
أي: قال نوح لمّا عصاه قومه: يا رب، إنهم عصوني فيما بَلَّغتُهم عنك فلم يقبلوه واتبعوا أمر من لم يزده ماله وولده إلا خساراً، أي: اتبعوا في معصيتهم إياي من كثر ماله وولده فلم يزده ذلك إلا بعداً منك - يا رب - [وذهاباً] عن سبيلك.
ومن قرأ "وُلده" بالضم احتمل أن يكون جمع "وَلَد"، ك "وُثُن" جمع "وَثَن"، ويجوز أن يكون واحداً يراد به (غير) الولد: (وقد قال مجاهد: وُلده: زوجه وأهله)، وقال أبو عمرو: وُلده: عشيرته وقومه.
وقال أكثر (أهل) اللغة: الوَلد والوُلد بمعنى واحد.
* *
- ثم قال: ﴿وَمَكَرُواْ مَكْراً كُبَّاراً﴾.
أي: كبيراً، يقال كُبَارٌ وكُبَّارٌ بمعنى كبير، كما يقال: "أمر عجيب"، وعُجاب بمعنى واحد. ورجل حُسَانٌ وحُسَّان بمعنى. وجَمَال وجُمَّال بمعنى جميل.
قال مجاهد: ﴿كُبَّاراً﴾ "عظيماً".
* *
- ثم قال: ﴿وَقَالُواْ لاَ تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ..﴾.
أي: وقال بعضهم لبعض: لا تذرن عبادة آلهتكم [لقول] نوح ﴿وَلاَ تَذَرُنَّ وَدّاً وَلاَ سُوَاعاً وَلاَ يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً﴾.
["هذه أسماء أصنام كانوا يعبدونها: أما وُدّ، فكانت لكلب بدومة الجندل، وأما سُواع فكانت لهذيل، وأما يَغوث فكانت لمراد ثم لبني غطيف (بالجرف) عند سبأ، وأما يعوق فكانت لهمدان، وأما نسر فكانت لحِمْيَر، لآل ذي الكلاع"].
قال محمد بن قيس: [هذه الأسماء] أسماء قوم صالحين بين آدم ونوح وكان لهم تباع يقتدون بهم، فماتوا، فقال تباعهم: لو صورناهم كان أشرف لنا نتذكرهم [فنفعل] مثل ما كانوا يفعلون، فصوروهم ثم ماتوا، وجاء آخرون فدب فيهم الشيطان، فقال: إنما كانوا يعبدونهم وبهم يسقون المطر فعبدوهم، فكان قوم نوح يحض بعضهم بعضاً على عبادتهم وترك قبول [قول] نوح.
وقيل: بل [كانوا أصناماً] يعبدونها (من دون الله) قاله ابن عباس وغيره.
* *
- ثم قال ﴿وَقَدْ أَضَلُّواْ كَثِيراً﴾
هذا إخبار عن قول نوح، أي وقد أضلت هذه الأصنام كثيراً من الخلق، أي ضل بعبادتها كثير.
* *
- ثم قال: ﴿وَلاَ تَزِدِ ٱلظَّالِمِينَ إِلاَّ ضَلاَلاً﴾.
أي: لا توفقهم حتى يموتوا على ضلالتهم فكلما عاشوا ازدادوا إثماً وضلالاً.
نوح 71:18
قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي (لَيْلاً وَنَهَاراً)...﴾، إلى قوله: ﴿إِلاَّ ضَلاَلاً﴾.
أي: قال نوح لما بلغ رسالة ربه قومه فعصوه: يا رب إني دعوت قومي إلى توحيدك ليلاً ونهاراً وحذرتهم عقابك على كفرهم بك فلم يزدهم دعائي (لهم) إلا إدباراً عن قبول ما جئتهم به. قال قتادة: بلغنا أنهم كانوا يذهب الرجل منهم بابنه إلى نوح فيقول لابنه: احذر هذا [لا يغويك] فإن أبي قد ذهب بي إليه وأنا مثلك فحذرني كما حذرتك.
من رواية ابن شعبان عن المنهال بن عمرو عن عبد الله بن الحارث أن النبي ﷺ قال: يَجمَع اللهُ الأوَّلين، والآخِرين، ويَنزِل اللهُ في ظُلَلٍ منَ الغَمام فَيَكون أَوَّلَ من يَقْضي لَه نوحٌ وَقَومُه، يَقولُ اللهُ لِقومِ نوحٍ: ماذا أجبتم المُرْسَلين؟ قال: فَيقولُ نوحٌ: أيْ رَبِّ، بَلَّغتُهم رسالتَك ودَعَوتُهم لَيلاً ونَهاراً فكذَّبوني واتَّهَموني، فَيقولُ اللهُ لِقَوْم نوحٍ: ماذا تقولون؟ فيقولون: ربَّنا ما بَلَّغَنا الرّسالة، وقَد كان فينا حتى خَلَت قرونٌ (بعد قرون)، وَقَد كَتَمَ الرِّسالةَ فلم يَدْعُنا وَلَم يُنذِرْنا، فيقول الله لنوحٍ: ماذا تقول؟ فيقول: رَبِّ، لي بَيِّنَة، فيقول الله: إِيتِ بِبَيِّنَتِكَ. قال النبي ﷺ: فيأتي نوح فيقول: يا مُحمدُ، أَسأَلُكَ الشَّهادةَ، فإِنَّ قَومي قَدْ كذَّبوني عِندَ رَبّي وَجَحَدوا، قال النبي عليه السلام: فَأَبْعَثُ معه رهطاً مِن أمتي يَشْهَدون له. قال: فيَنطلِق الرَّهط حتى يَقِفوا على الرّب، فيقول الله لهم: بِمَ تَشْهَدون؟ فيقولون: نَشهَدُ أن نوحاً قد بَلَّغَ قَومَه وَدَعاهُم لَيْلاً وَنَهاراً وسِرّاً وعَلانِية فَكذَّبوه واسْتَغْشَوْا ثِيابَهُم وأَصَرّوا وَاسْتَكْبَروا.
فيقول اللهُ لقوم نوح: ما تقولون؟ (فيقولون): رَبّنا، كيف يقبلون علينا وَنَحْن أولُ الأُمَمِ وهُمْ آخِر الأُمَمِ؟ فيقول الله للرَّهطِ: أجيبوهم، فيقول (الرهط): ربَّنا، بَعَثْتَ إِليْنا رسولاً من أَنفسِنا فآمَنّا به وصَدّقنا ما أَنْزَلتَ عَليْه مِنَ الكِتابِ، فَكان فيما أَنزَلتَ عَلَيْه أَنَّك أَرْسَلتَ نوحاً إِلى قَومهِ فَبلَّغهم الرسالةَ وَدَعاهم لَيلاً ونَهاراً وسِرّاً وعلانيةً فكذَّبوه، قال: فيقرأون سورة "نوح"، فيقول قوم نوح: خصمنا فقوموا. قال النبي ﷺ: فما من نبيٍّ يُكذِّبه قومُه إِلاَّ يَأْتينا، فَأَبْعَثُ مَعهُ رَهطاً مِن أُمَّتي يَشْهَدون لَه وَأنا عَلَيهم [شهيدٌ]
ثم قال: ﴿وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوۤاْ أَصَابِعَهُمْ فِيۤ آذَانِهِمْ وَٱسْتَغْشَوْاْ ثِيَابَهُمْ﴾
أي: وإني كلما دعوتهم إلى طاعتك والعمل بمرضاتك لتغفر لهم إذا فعلوا ذلك، أدخلوا أصابعهم في آذانهم لِئَلاَّ يسمعوا دعائي (إياهم إلى ذلك، واستغشوا، أي تغطَّوا بها لِئَلاَّ يُسْمَعَ دعائي).
* *
- ثم قال ﴿وَأَصَرُّواْ وَٱسْتَكْبَرُواْ (ٱسْتِكْبَاراً)﴾:
أي: أَصروا على كفرهم، أي: تمادوا عليه، واستكبروا عن قبول ما جئتهم به من الحق وقبول الإيمان.
* *
- ثم قال: ﴿ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَاراً * ثُمَّ إِنِّيۤ أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَاراً﴾.
أي: ثم إني دعوتهم إلى ما أمرتني به من عبادتك دعاءً ظاهراً غيرَ خَفِيّ.
قال مجاهد: الجِهار: الكلام المعلن (به)".
﴿ثُمَّ إِنِّيۤ أَعْلَنْتُ﴾ أي صرخت وصِحْتُ بالذي أمرتني به من الإنذار.
قال مجاهد: أَعْلَنتُ: "صِحْتُ بهِم"، وَأَسْرَرْتُ لَهُمُ (أي): قلت لهم ذلك فيما بيني وبينهم.
* *
- ﴿فَقُلْتُ ٱسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ﴾
أي: سلوا ربكم المغفرة عن ذنوبكم وتوبوا إليه من كفركم يغفر لكم ذنوبكم.
* *
- ﴿إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً﴾.
أي: لم يزل غفارا لمن تاب إليه واستغفره.
* *
- ثم قال: ﴿يُرْسِلِ ٱلسَّمَآءَ عَلَيْكُمْ مِّدْرَاراً﴾.
أي: إن تبتم واستغفرتم من ذنوبكم أرسل السماء عليكم بالمطر متتابعاً.
وكان عمر رضي الله عنه إذا [استسقى] ما يزيد على الاستغفار، وسئل عن ذلك فقرأ هذه الآية، وقرأ الآية في هود في قصة هود: ﴿وَيٰقَوْمِ ٱسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوۤاْ إِلَيْهِ﴾ [هود: ٥٢] الآية.
* *
- ثم قال: ﴿مَّا لَكُمْ لاَ تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراً﴾.
(أي: ما لكم لا ترون لله عظمة، ذكر ذلك عن ابن عباس، وهو قول مجاهد. وعن ابن عباس أيضاً أن معناه: "ما لكم لا تعظمون الله حق عظمته".
وقال قتادة: معناه: "﴿مَّا لَكُمْ لاَ تَرْجُونَ لِلَّهِ﴾ عاقبة".
وقال ابن زيد: معناه: ما لكم لا ترون لله طاعة.
وقال الحسن: معناه ما لكم لا تعرفون لله حقاً ولا تشكرون له نعمة. و "ترجون" هنا - في أكثر الأقوال - بمعنى: تخافون.
* *
- ثم قال: ﴿وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَاراً﴾.
أي: خلقكم نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم ثم، وهو قول ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك، إلا أنهم اختلفوا في الترتيب، فمنهم من بدأ بالتراب ثم النطفة حتى بلغ (تمام الخلق. ومنهم من بدأ بالنطفة حتى بلغ) نبات الشعر وحتى بلغ اللحم.
وقيل: معناه: وقد خلقكم مختلفين المناظر والألوان والكلام والصور [والعمر] والهمم وغير ذلك.
وقيل: هو الصحة والسقم، من قولهم: جاز فلان طوره، أي: خالف ما يجب أن يستعمله.
والطور في اللغة: المرة.
فالمعنى: وقد خلقكم مراراً، أي خلقكم تراباً، ثم نقلكم إلى النطفة [ثم إلى العلقة] ثم إلى المضغة، ثم عظاماً، ثم يكسو العظام اللحم، ثم أنبت الشعر، ثم أخرجه طفلاً، ثم صبياً، ثم بالغاً، ثم حدثاً، ثم رجلاً، ثم كهلاً، ثم شيخاً.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَوْاْ كَيْفَ خَلَقَ ٱللَّهُ سَبْعَ سَمَٰوَٰتٍ طِبَاقاً﴾.
أي: وقال نوح لقومه: ألم تروا كيف خلق الله فوقكم سبع سماوات طبقاً فوق طبق، فيدلكم ذلك من قدرته على وحدانيته وتعتبروا وتزدجروا عن كفركم.
والطباق مصدر من قولهم: [طابقه] (مطابقة) وطباقاً.
فالمعنى: ألم تروا كيف خلق الله سماء فوق سماء مطابقة؟!. ويجوز أن يكون "طباقاً" [نعتاً] لـ "سبع"، جمع طبق.
ومعنى ألم تروا كيف [خَلَقَ اللهُ]: [اعلموا] أن الله خلق ذلك. ولو كان على غير الأمر، معناه لقالوا ما نرى إلا واحدة، ولكن معناه الأمر كما تقول: غفر الله لك، اللهم اغفر له، لأنك لست تخبره عن أمر [علمته]، إنما هو دعاء يتمنى كونه له.
ومن هذا قول الرجل [للرجل] أَلَمْ تَرَ أَنِّي لقيت زيداً فقلت له كذا وقال لي كذا؟. معناه: اعلم أني لقيت زيداً فكان من أمره وأمري كذا وكذا.
ومثله: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ ٱلْفِيلِ﴾ [الفيل:١].
وقيل: معناه: ألم يبلغكم كيف خلق الله سبع (سماوات) طباقاً فتتعظوا وتزدجروا؟ وكذلك معنى الآية الأخرى: ألم يبلغك يا محمد كيف فعل ربك بأصحاب الفيل، ولم أُوحِ إليك كيف فعلت بهم؟
* *
- ثم قال ﴿وَجَعَلَ ٱلْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً﴾
أي: في السماوات، قال المفسرون: بين كل سماء وسماء مسيرة خمسمائة عام. فقال السائل: نحن نرى الغيم يكون دون القمر فلا نرى نوراً، فكيف تضيء السماوات كلها بالقمر على تفاوت ما بينها، وستر بعضها بعضاً؟، فقيل في ذلك: إن هذا الكلام [مجاز]، إنما قال: "فيهن"، [يريد]: في بعضهن، كما تقول العرب: أتيت بني تميم، وإنما أتى بعضهم، [وتقول]: في هذه الدور وليمة، وإنما هي في واحدة منهن.
وتقول: قدم فلان في شهر كذا، وإنما قدم في يوم منه. فلذلك أخبر بالقمر أنه في سبع سماوات وإنما هو في واحدة.
وقيل معناه: وجعل القمر معهن نوراً، أي: خلقه نوراً مع خلقه للسماوات فيكون مثل: ﴿ٱدْخُلُواْ فِيۤ أُمَمٍ﴾ [الأعراف: ٣٨].
وقال ابن كيسان: إذا جعله في إحداهن فقد جعله فيهن، كما تقول: أَعطِني من الثياب [المعلمة]، وإن كنت إنما أعلمت أحدها. وقد قال ابن عمر: إن الشمس والقمر وجوههما في السماء وأقفاؤهما في الأرض.
وقال عبد الله بن عمرو بن العاص: إن ضوء الشمس والقمر ونورهما في السماء، وقرأ: ﴿أَلَمْ تَرَوْاْ كَيْفَ...﴾ الآية.
وقيل: التقدير: وجعل القمر نوراً، ثم قال: "فيهن" بعدما مضى الكلام. وسأل عبد الله بن عمر رجل فقال له: ما بال الشمس تَصْلاَنا أحياناً وتبرد أحياناً؟ فقال: أما في الشتاء فهي في السماء السابعة تحت عرش الرحمن، وأما في الصيف فهي في السماء الخامسة، قيل له: ما كنا نظن إلا أنها في هذه السماء. قال: لو كان ذلك ما قام لها شيء إلا أحرقته.
* *
- ثم قال: ﴿وَٱللَّهُ أَنبَتَكُمْ مِّنَ ٱلأَرْضِ نَبَاتاً﴾.
أي: أنبتكم من تراب فخلقكم منه فنبتم نباتاً، يعني آدمَ أَبَا الخلقِ خَلَقَهُ من تراب الأرض.
* *
- ﴿ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا﴾
أي: في الأرض فتصيرون تراباً.
* *
- ﴿[وَيُخْرِجُكُمْ]﴾
منها إلى البعث.
* *
- ثم قال: ﴿وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ بِسَاطاً﴾.
[هذا] كله [إخبار] من الله جل ذكره لنا عن قول نوح لقومه ووعظه لهم وتنبيهه لهم على آيات الله ونعمه عندهم.
فالمعنى: جعل لكم الأرض بساطاً لتستقروا عليها، ﴿لِّتَسْلُكُواْ مِنْهَا سُبُلاً فِجَاجاً﴾.
أي: طرقاً واسعة.
وقال ابن عباس: ﴿سُبُلاً فِجَاجاً﴾، أي: "طرقاً مختلفة".
- ثم (قال تعالى): ﴿قَالَ نُوحٌ رَّبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَٱتَّبَعُواْ مَن لَّمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلاَّ خَسَاراً﴾.
أي: قال نوح لمّا عصاه قومه: يا رب، إنهم عصوني فيما بَلَّغتُهم عنك فلم يقبلوه واتبعوا أمر من لم يزده ماله وولده إلا خساراً، أي: اتبعوا في معصيتهم إياي من كثر ماله وولده فلم يزده ذلك إلا بعداً منك - يا رب - [وذهاباً] عن سبيلك.
ومن قرأ "وُلده" بالضم احتمل أن يكون جمع "وَلَد"، ك "وُثُن" جمع "وَثَن"، ويجوز أن يكون واحداً يراد به (غير) الولد: (وقد قال مجاهد: وُلده: زوجه وأهله)، وقال أبو عمرو: وُلده: عشيرته وقومه.
وقال أكثر (أهل) اللغة: الوَلد والوُلد بمعنى واحد.
* *
- ثم قال: ﴿وَمَكَرُواْ مَكْراً كُبَّاراً﴾.
أي: كبيراً، يقال كُبَارٌ وكُبَّارٌ بمعنى كبير، كما يقال: "أمر عجيب"، وعُجاب بمعنى واحد. ورجل حُسَانٌ وحُسَّان بمعنى. وجَمَال وجُمَّال بمعنى جميل.
قال مجاهد: ﴿كُبَّاراً﴾ "عظيماً".
* *
- ثم قال: ﴿وَقَالُواْ لاَ تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ..﴾.
أي: وقال بعضهم لبعض: لا تذرن عبادة آلهتكم [لقول] نوح ﴿وَلاَ تَذَرُنَّ وَدّاً وَلاَ سُوَاعاً وَلاَ يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً﴾.
["هذه أسماء أصنام كانوا يعبدونها: أما وُدّ، فكانت لكلب بدومة الجندل، وأما سُواع فكانت لهذيل، وأما يَغوث فكانت لمراد ثم لبني غطيف (بالجرف) عند سبأ، وأما يعوق فكانت لهمدان، وأما نسر فكانت لحِمْيَر، لآل ذي الكلاع"].
قال محمد بن قيس: [هذه الأسماء] أسماء قوم صالحين بين آدم ونوح وكان لهم تباع يقتدون بهم، فماتوا، فقال تباعهم: لو صورناهم كان أشرف لنا نتذكرهم [فنفعل] مثل ما كانوا يفعلون، فصوروهم ثم ماتوا، وجاء آخرون فدب فيهم الشيطان، فقال: إنما كانوا يعبدونهم وبهم يسقون المطر فعبدوهم، فكان قوم نوح يحض بعضهم بعضاً على عبادتهم وترك قبول [قول] نوح.
وقيل: بل [كانوا أصناماً] يعبدونها (من دون الله) قاله ابن عباس وغيره.
* *
- ثم قال ﴿وَقَدْ أَضَلُّواْ كَثِيراً﴾
هذا إخبار عن قول نوح، أي وقد أضلت هذه الأصنام كثيراً من الخلق، أي ضل بعبادتها كثير.
* *
- ثم قال: ﴿وَلاَ تَزِدِ ٱلظَّالِمِينَ إِلاَّ ضَلاَلاً﴾.
أي: لا توفقهم حتى يموتوا على ضلالتهم فكلما عاشوا ازدادوا إثماً وضلالاً.
نوح 71:19
قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي (لَيْلاً وَنَهَاراً)...﴾، إلى قوله: ﴿إِلاَّ ضَلاَلاً﴾.
أي: قال نوح لما بلغ رسالة ربه قومه فعصوه: يا رب إني دعوت قومي إلى توحيدك ليلاً ونهاراً وحذرتهم عقابك على كفرهم بك فلم يزدهم دعائي (لهم) إلا إدباراً عن قبول ما جئتهم به. قال قتادة: بلغنا أنهم كانوا يذهب الرجل منهم بابنه إلى نوح فيقول لابنه: احذر هذا [لا يغويك] فإن أبي قد ذهب بي إليه وأنا مثلك فحذرني كما حذرتك.
من رواية ابن شعبان عن المنهال بن عمرو عن عبد الله بن الحارث أن النبي ﷺ قال: يَجمَع اللهُ الأوَّلين، والآخِرين، ويَنزِل اللهُ في ظُلَلٍ منَ الغَمام فَيَكون أَوَّلَ من يَقْضي لَه نوحٌ وَقَومُه، يَقولُ اللهُ لِقومِ نوحٍ: ماذا أجبتم المُرْسَلين؟ قال: فَيقولُ نوحٌ: أيْ رَبِّ، بَلَّغتُهم رسالتَك ودَعَوتُهم لَيلاً ونَهاراً فكذَّبوني واتَّهَموني، فَيقولُ اللهُ لِقَوْم نوحٍ: ماذا تقولون؟ فيقولون: ربَّنا ما بَلَّغَنا الرّسالة، وقَد كان فينا حتى خَلَت قرونٌ (بعد قرون)، وَقَد كَتَمَ الرِّسالةَ فلم يَدْعُنا وَلَم يُنذِرْنا، فيقول الله لنوحٍ: ماذا تقول؟ فيقول: رَبِّ، لي بَيِّنَة، فيقول الله: إِيتِ بِبَيِّنَتِكَ. قال النبي ﷺ: فيأتي نوح فيقول: يا مُحمدُ، أَسأَلُكَ الشَّهادةَ، فإِنَّ قَومي قَدْ كذَّبوني عِندَ رَبّي وَجَحَدوا، قال النبي عليه السلام: فَأَبْعَثُ معه رهطاً مِن أمتي يَشْهَدون له. قال: فيَنطلِق الرَّهط حتى يَقِفوا على الرّب، فيقول الله لهم: بِمَ تَشْهَدون؟ فيقولون: نَشهَدُ أن نوحاً قد بَلَّغَ قَومَه وَدَعاهُم لَيْلاً وَنَهاراً وسِرّاً وعَلانِية فَكذَّبوه واسْتَغْشَوْا ثِيابَهُم وأَصَرّوا وَاسْتَكْبَروا.
فيقول اللهُ لقوم نوح: ما تقولون؟ (فيقولون): رَبّنا، كيف يقبلون علينا وَنَحْن أولُ الأُمَمِ وهُمْ آخِر الأُمَمِ؟ فيقول الله للرَّهطِ: أجيبوهم، فيقول (الرهط): ربَّنا، بَعَثْتَ إِليْنا رسولاً من أَنفسِنا فآمَنّا به وصَدّقنا ما أَنْزَلتَ عَليْه مِنَ الكِتابِ، فَكان فيما أَنزَلتَ عَلَيْه أَنَّك أَرْسَلتَ نوحاً إِلى قَومهِ فَبلَّغهم الرسالةَ وَدَعاهم لَيلاً ونَهاراً وسِرّاً وعلانيةً فكذَّبوه، قال: فيقرأون سورة "نوح"، فيقول قوم نوح: خصمنا فقوموا. قال النبي ﷺ: فما من نبيٍّ يُكذِّبه قومُه إِلاَّ يَأْتينا، فَأَبْعَثُ مَعهُ رَهطاً مِن أُمَّتي يَشْهَدون لَه وَأنا عَلَيهم [شهيدٌ]
ثم قال: ﴿وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوۤاْ أَصَابِعَهُمْ فِيۤ آذَانِهِمْ وَٱسْتَغْشَوْاْ ثِيَابَهُمْ﴾
أي: وإني كلما دعوتهم إلى طاعتك والعمل بمرضاتك لتغفر لهم إذا فعلوا ذلك، أدخلوا أصابعهم في آذانهم لِئَلاَّ يسمعوا دعائي (إياهم إلى ذلك، واستغشوا، أي تغطَّوا بها لِئَلاَّ يُسْمَعَ دعائي).
* *
- ثم قال ﴿وَأَصَرُّواْ وَٱسْتَكْبَرُواْ (ٱسْتِكْبَاراً)﴾:
أي: أَصروا على كفرهم، أي: تمادوا عليه، واستكبروا عن قبول ما جئتهم به من الحق وقبول الإيمان.
* *
- ثم قال: ﴿ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَاراً * ثُمَّ إِنِّيۤ أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَاراً﴾.
أي: ثم إني دعوتهم إلى ما أمرتني به من عبادتك دعاءً ظاهراً غيرَ خَفِيّ.
قال مجاهد: الجِهار: الكلام المعلن (به)".
﴿ثُمَّ إِنِّيۤ أَعْلَنْتُ﴾ أي صرخت وصِحْتُ بالذي أمرتني به من الإنذار.
قال مجاهد: أَعْلَنتُ: "صِحْتُ بهِم"، وَأَسْرَرْتُ لَهُمُ (أي): قلت لهم ذلك فيما بيني وبينهم.
* *
- ﴿فَقُلْتُ ٱسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ﴾
أي: سلوا ربكم المغفرة عن ذنوبكم وتوبوا إليه من كفركم يغفر لكم ذنوبكم.
* *
- ﴿إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً﴾.
أي: لم يزل غفارا لمن تاب إليه واستغفره.
* *
- ثم قال: ﴿يُرْسِلِ ٱلسَّمَآءَ عَلَيْكُمْ مِّدْرَاراً﴾.
أي: إن تبتم واستغفرتم من ذنوبكم أرسل السماء عليكم بالمطر متتابعاً.
وكان عمر رضي الله عنه إذا [استسقى] ما يزيد على الاستغفار، وسئل عن ذلك فقرأ هذه الآية، وقرأ الآية في هود في قصة هود: ﴿وَيٰقَوْمِ ٱسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوۤاْ إِلَيْهِ﴾ [هود: ٥٢] الآية.
* *
- ثم قال: ﴿مَّا لَكُمْ لاَ تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراً﴾.
(أي: ما لكم لا ترون لله عظمة، ذكر ذلك عن ابن عباس، وهو قول مجاهد. وعن ابن عباس أيضاً أن معناه: "ما لكم لا تعظمون الله حق عظمته".
وقال قتادة: معناه: "﴿مَّا لَكُمْ لاَ تَرْجُونَ لِلَّهِ﴾ عاقبة".
وقال ابن زيد: معناه: ما لكم لا ترون لله طاعة.
وقال الحسن: معناه ما لكم لا تعرفون لله حقاً ولا تشكرون له نعمة. و "ترجون" هنا - في أكثر الأقوال - بمعنى: تخافون.
* *
- ثم قال: ﴿وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَاراً﴾.
أي: خلقكم نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم ثم، وهو قول ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك، إلا أنهم اختلفوا في الترتيب، فمنهم من بدأ بالتراب ثم النطفة حتى بلغ (تمام الخلق. ومنهم من بدأ بالنطفة حتى بلغ) نبات الشعر وحتى بلغ اللحم.
وقيل: معناه: وقد خلقكم مختلفين المناظر والألوان والكلام والصور [والعمر] والهمم وغير ذلك.
وقيل: هو الصحة والسقم، من قولهم: جاز فلان طوره، أي: خالف ما يجب أن يستعمله.
والطور في اللغة: المرة.
فالمعنى: وقد خلقكم مراراً، أي خلقكم تراباً، ثم نقلكم إلى النطفة [ثم إلى العلقة] ثم إلى المضغة، ثم عظاماً، ثم يكسو العظام اللحم، ثم أنبت الشعر، ثم أخرجه طفلاً، ثم صبياً، ثم بالغاً، ثم حدثاً، ثم رجلاً، ثم كهلاً، ثم شيخاً.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَوْاْ كَيْفَ خَلَقَ ٱللَّهُ سَبْعَ سَمَٰوَٰتٍ طِبَاقاً﴾.
أي: وقال نوح لقومه: ألم تروا كيف خلق الله فوقكم سبع سماوات طبقاً فوق طبق، فيدلكم ذلك من قدرته على وحدانيته وتعتبروا وتزدجروا عن كفركم.
والطباق مصدر من قولهم: [طابقه] (مطابقة) وطباقاً.
فالمعنى: ألم تروا كيف خلق الله سماء فوق سماء مطابقة؟!. ويجوز أن يكون "طباقاً" [نعتاً] لـ "سبع"، جمع طبق.
ومعنى ألم تروا كيف [خَلَقَ اللهُ]: [اعلموا] أن الله خلق ذلك. ولو كان على غير الأمر، معناه لقالوا ما نرى إلا واحدة، ولكن معناه الأمر كما تقول: غفر الله لك، اللهم اغفر له، لأنك لست تخبره عن أمر [علمته]، إنما هو دعاء يتمنى كونه له.
ومن هذا قول الرجل [للرجل] أَلَمْ تَرَ أَنِّي لقيت زيداً فقلت له كذا وقال لي كذا؟. معناه: اعلم أني لقيت زيداً فكان من أمره وأمري كذا وكذا.
ومثله: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ ٱلْفِيلِ﴾ [الفيل:١].
وقيل: معناه: ألم يبلغكم كيف خلق الله سبع (سماوات) طباقاً فتتعظوا وتزدجروا؟ وكذلك معنى الآية الأخرى: ألم يبلغك يا محمد كيف فعل ربك بأصحاب الفيل، ولم أُوحِ إليك كيف فعلت بهم؟
* *
- ثم قال ﴿وَجَعَلَ ٱلْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً﴾
أي: في السماوات، قال المفسرون: بين كل سماء وسماء مسيرة خمسمائة عام. فقال السائل: نحن نرى الغيم يكون دون القمر فلا نرى نوراً، فكيف تضيء السماوات كلها بالقمر على تفاوت ما بينها، وستر بعضها بعضاً؟، فقيل في ذلك: إن هذا الكلام [مجاز]، إنما قال: "فيهن"، [يريد]: في بعضهن، كما تقول العرب: أتيت بني تميم، وإنما أتى بعضهم، [وتقول]: في هذه الدور وليمة، وإنما هي في واحدة منهن.
وتقول: قدم فلان في شهر كذا، وإنما قدم في يوم منه. فلذلك أخبر بالقمر أنه في سبع سماوات وإنما هو في واحدة.
وقيل معناه: وجعل القمر معهن نوراً، أي: خلقه نوراً مع خلقه للسماوات فيكون مثل: ﴿ٱدْخُلُواْ فِيۤ أُمَمٍ﴾ [الأعراف: ٣٨].
وقال ابن كيسان: إذا جعله في إحداهن فقد جعله فيهن، كما تقول: أَعطِني من الثياب [المعلمة]، وإن كنت إنما أعلمت أحدها. وقد قال ابن عمر: إن الشمس والقمر وجوههما في السماء وأقفاؤهما في الأرض.
وقال عبد الله بن عمرو بن العاص: إن ضوء الشمس والقمر ونورهما في السماء، وقرأ: ﴿أَلَمْ تَرَوْاْ كَيْفَ...﴾ الآية.
وقيل: التقدير: وجعل القمر نوراً، ثم قال: "فيهن" بعدما مضى الكلام. وسأل عبد الله بن عمر رجل فقال له: ما بال الشمس تَصْلاَنا أحياناً وتبرد أحياناً؟ فقال: أما في الشتاء فهي في السماء السابعة تحت عرش الرحمن، وأما في الصيف فهي في السماء الخامسة، قيل له: ما كنا نظن إلا أنها في هذه السماء. قال: لو كان ذلك ما قام لها شيء إلا أحرقته.
* *
- ثم قال: ﴿وَٱللَّهُ أَنبَتَكُمْ مِّنَ ٱلأَرْضِ نَبَاتاً﴾.
أي: أنبتكم من تراب فخلقكم منه فنبتم نباتاً، يعني آدمَ أَبَا الخلقِ خَلَقَهُ من تراب الأرض.
* *
- ﴿ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا﴾
أي: في الأرض فتصيرون تراباً.
* *
- ﴿[وَيُخْرِجُكُمْ]﴾
منها إلى البعث.
* *
- ثم قال: ﴿وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ بِسَاطاً﴾.
[هذا] كله [إخبار] من الله جل ذكره لنا عن قول نوح لقومه ووعظه لهم وتنبيهه لهم على آيات الله ونعمه عندهم.
فالمعنى: جعل لكم الأرض بساطاً لتستقروا عليها، ﴿لِّتَسْلُكُواْ مِنْهَا سُبُلاً فِجَاجاً﴾.
أي: طرقاً واسعة.
وقال ابن عباس: ﴿سُبُلاً فِجَاجاً﴾، أي: "طرقاً مختلفة".
- ثم (قال تعالى): ﴿قَالَ نُوحٌ رَّبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَٱتَّبَعُواْ مَن لَّمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلاَّ خَسَاراً﴾.
أي: قال نوح لمّا عصاه قومه: يا رب، إنهم عصوني فيما بَلَّغتُهم عنك فلم يقبلوه واتبعوا أمر من لم يزده ماله وولده إلا خساراً، أي: اتبعوا في معصيتهم إياي من كثر ماله وولده فلم يزده ذلك إلا بعداً منك - يا رب - [وذهاباً] عن سبيلك.
ومن قرأ "وُلده" بالضم احتمل أن يكون جمع "وَلَد"، ك "وُثُن" جمع "وَثَن"، ويجوز أن يكون واحداً يراد به (غير) الولد: (وقد قال مجاهد: وُلده: زوجه وأهله)، وقال أبو عمرو: وُلده: عشيرته وقومه.
وقال أكثر (أهل) اللغة: الوَلد والوُلد بمعنى واحد.
* *
- ثم قال: ﴿وَمَكَرُواْ مَكْراً كُبَّاراً﴾.
أي: كبيراً، يقال كُبَارٌ وكُبَّارٌ بمعنى كبير، كما يقال: "أمر عجيب"، وعُجاب بمعنى واحد. ورجل حُسَانٌ وحُسَّان بمعنى. وجَمَال وجُمَّال بمعنى جميل.
قال مجاهد: ﴿كُبَّاراً﴾ "عظيماً".
* *
- ثم قال: ﴿وَقَالُواْ لاَ تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ..﴾.
أي: وقال بعضهم لبعض: لا تذرن عبادة آلهتكم [لقول] نوح ﴿وَلاَ تَذَرُنَّ وَدّاً وَلاَ سُوَاعاً وَلاَ يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً﴾.
["هذه أسماء أصنام كانوا يعبدونها: أما وُدّ، فكانت لكلب بدومة الجندل، وأما سُواع فكانت لهذيل، وأما يَغوث فكانت لمراد ثم لبني غطيف (بالجرف) عند سبأ، وأما يعوق فكانت لهمدان، وأما نسر فكانت لحِمْيَر، لآل ذي الكلاع"].
قال محمد بن قيس: [هذه الأسماء] أسماء قوم صالحين بين آدم ونوح وكان لهم تباع يقتدون بهم، فماتوا، فقال تباعهم: لو صورناهم كان أشرف لنا نتذكرهم [فنفعل] مثل ما كانوا يفعلون، فصوروهم ثم ماتوا، وجاء آخرون فدب فيهم الشيطان، فقال: إنما كانوا يعبدونهم وبهم يسقون المطر فعبدوهم، فكان قوم نوح يحض بعضهم بعضاً على عبادتهم وترك قبول [قول] نوح.
وقيل: بل [كانوا أصناماً] يعبدونها (من دون الله) قاله ابن عباس وغيره.
* *
- ثم قال ﴿وَقَدْ أَضَلُّواْ كَثِيراً﴾
هذا إخبار عن قول نوح، أي وقد أضلت هذه الأصنام كثيراً من الخلق، أي ضل بعبادتها كثير.
* *
- ثم قال: ﴿وَلاَ تَزِدِ ٱلظَّالِمِينَ إِلاَّ ضَلاَلاً﴾.
أي: لا توفقهم حتى يموتوا على ضلالتهم فكلما عاشوا ازدادوا إثماً وضلالاً.
نوح 71:20
قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي (لَيْلاً وَنَهَاراً)...﴾، إلى قوله: ﴿إِلاَّ ضَلاَلاً﴾.
أي: قال نوح لما بلغ رسالة ربه قومه فعصوه: يا رب إني دعوت قومي إلى توحيدك ليلاً ونهاراً وحذرتهم عقابك على كفرهم بك فلم يزدهم دعائي (لهم) إلا إدباراً عن قبول ما جئتهم به. قال قتادة: بلغنا أنهم كانوا يذهب الرجل منهم بابنه إلى نوح فيقول لابنه: احذر هذا [لا يغويك] فإن أبي قد ذهب بي إليه وأنا مثلك فحذرني كما حذرتك.
من رواية ابن شعبان عن المنهال بن عمرو عن عبد الله بن الحارث أن النبي ﷺ قال: يَجمَع اللهُ الأوَّلين، والآخِرين، ويَنزِل اللهُ في ظُلَلٍ منَ الغَمام فَيَكون أَوَّلَ من يَقْضي لَه نوحٌ وَقَومُه، يَقولُ اللهُ لِقومِ نوحٍ: ماذا أجبتم المُرْسَلين؟ قال: فَيقولُ نوحٌ: أيْ رَبِّ، بَلَّغتُهم رسالتَك ودَعَوتُهم لَيلاً ونَهاراً فكذَّبوني واتَّهَموني، فَيقولُ اللهُ لِقَوْم نوحٍ: ماذا تقولون؟ فيقولون: ربَّنا ما بَلَّغَنا الرّسالة، وقَد كان فينا حتى خَلَت قرونٌ (بعد قرون)، وَقَد كَتَمَ الرِّسالةَ فلم يَدْعُنا وَلَم يُنذِرْنا، فيقول الله لنوحٍ: ماذا تقول؟ فيقول: رَبِّ، لي بَيِّنَة، فيقول الله: إِيتِ بِبَيِّنَتِكَ. قال النبي ﷺ: فيأتي نوح فيقول: يا مُحمدُ، أَسأَلُكَ الشَّهادةَ، فإِنَّ قَومي قَدْ كذَّبوني عِندَ رَبّي وَجَحَدوا، قال النبي عليه السلام: فَأَبْعَثُ معه رهطاً مِن أمتي يَشْهَدون له. قال: فيَنطلِق الرَّهط حتى يَقِفوا على الرّب، فيقول الله لهم: بِمَ تَشْهَدون؟ فيقولون: نَشهَدُ أن نوحاً قد بَلَّغَ قَومَه وَدَعاهُم لَيْلاً وَنَهاراً وسِرّاً وعَلانِية فَكذَّبوه واسْتَغْشَوْا ثِيابَهُم وأَصَرّوا وَاسْتَكْبَروا.
فيقول اللهُ لقوم نوح: ما تقولون؟ (فيقولون): رَبّنا، كيف يقبلون علينا وَنَحْن أولُ الأُمَمِ وهُمْ آخِر الأُمَمِ؟ فيقول الله للرَّهطِ: أجيبوهم، فيقول (الرهط): ربَّنا، بَعَثْتَ إِليْنا رسولاً من أَنفسِنا فآمَنّا به وصَدّقنا ما أَنْزَلتَ عَليْه مِنَ الكِتابِ، فَكان فيما أَنزَلتَ عَلَيْه أَنَّك أَرْسَلتَ نوحاً إِلى قَومهِ فَبلَّغهم الرسالةَ وَدَعاهم لَيلاً ونَهاراً وسِرّاً وعلانيةً فكذَّبوه، قال: فيقرأون سورة "نوح"، فيقول قوم نوح: خصمنا فقوموا. قال النبي ﷺ: فما من نبيٍّ يُكذِّبه قومُه إِلاَّ يَأْتينا، فَأَبْعَثُ مَعهُ رَهطاً مِن أُمَّتي يَشْهَدون لَه وَأنا عَلَيهم [شهيدٌ]
ثم قال: ﴿وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوۤاْ أَصَابِعَهُمْ فِيۤ آذَانِهِمْ وَٱسْتَغْشَوْاْ ثِيَابَهُمْ﴾
أي: وإني كلما دعوتهم إلى طاعتك والعمل بمرضاتك لتغفر لهم إذا فعلوا ذلك، أدخلوا أصابعهم في آذانهم لِئَلاَّ يسمعوا دعائي (إياهم إلى ذلك، واستغشوا، أي تغطَّوا بها لِئَلاَّ يُسْمَعَ دعائي).
* *
- ثم قال ﴿وَأَصَرُّواْ وَٱسْتَكْبَرُواْ (ٱسْتِكْبَاراً)﴾:
أي: أَصروا على كفرهم، أي: تمادوا عليه، واستكبروا عن قبول ما جئتهم به من الحق وقبول الإيمان.
* *
- ثم قال: ﴿ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَاراً * ثُمَّ إِنِّيۤ أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَاراً﴾.
أي: ثم إني دعوتهم إلى ما أمرتني به من عبادتك دعاءً ظاهراً غيرَ خَفِيّ.
قال مجاهد: الجِهار: الكلام المعلن (به)".
﴿ثُمَّ إِنِّيۤ أَعْلَنْتُ﴾ أي صرخت وصِحْتُ بالذي أمرتني به من الإنذار.
قال مجاهد: أَعْلَنتُ: "صِحْتُ بهِم"، وَأَسْرَرْتُ لَهُمُ (أي): قلت لهم ذلك فيما بيني وبينهم.
* *
- ﴿فَقُلْتُ ٱسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ﴾
أي: سلوا ربكم المغفرة عن ذنوبكم وتوبوا إليه من كفركم يغفر لكم ذنوبكم.
* *
- ﴿إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً﴾.
أي: لم يزل غفارا لمن تاب إليه واستغفره.
* *
- ثم قال: ﴿يُرْسِلِ ٱلسَّمَآءَ عَلَيْكُمْ مِّدْرَاراً﴾.
أي: إن تبتم واستغفرتم من ذنوبكم أرسل السماء عليكم بالمطر متتابعاً.
وكان عمر رضي الله عنه إذا [استسقى] ما يزيد على الاستغفار، وسئل عن ذلك فقرأ هذه الآية، وقرأ الآية في هود في قصة هود: ﴿وَيٰقَوْمِ ٱسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوۤاْ إِلَيْهِ﴾ [هود: ٥٢] الآية.
* *
- ثم قال: ﴿مَّا لَكُمْ لاَ تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراً﴾.
(أي: ما لكم لا ترون لله عظمة، ذكر ذلك عن ابن عباس، وهو قول مجاهد. وعن ابن عباس أيضاً أن معناه: "ما لكم لا تعظمون الله حق عظمته".
وقال قتادة: معناه: "﴿مَّا لَكُمْ لاَ تَرْجُونَ لِلَّهِ﴾ عاقبة".
وقال ابن زيد: معناه: ما لكم لا ترون لله طاعة.
وقال الحسن: معناه ما لكم لا تعرفون لله حقاً ولا تشكرون له نعمة. و "ترجون" هنا - في أكثر الأقوال - بمعنى: تخافون.
* *
- ثم قال: ﴿وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَاراً﴾.
أي: خلقكم نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم ثم، وهو قول ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك، إلا أنهم اختلفوا في الترتيب، فمنهم من بدأ بالتراب ثم النطفة حتى بلغ (تمام الخلق. ومنهم من بدأ بالنطفة حتى بلغ) نبات الشعر وحتى بلغ اللحم.
وقيل: معناه: وقد خلقكم مختلفين المناظر والألوان والكلام والصور [والعمر] والهمم وغير ذلك.
وقيل: هو الصحة والسقم، من قولهم: جاز فلان طوره، أي: خالف ما يجب أن يستعمله.
والطور في اللغة: المرة.
فالمعنى: وقد خلقكم مراراً، أي خلقكم تراباً، ثم نقلكم إلى النطفة [ثم إلى العلقة] ثم إلى المضغة، ثم عظاماً، ثم يكسو العظام اللحم، ثم أنبت الشعر، ثم أخرجه طفلاً، ثم صبياً، ثم بالغاً، ثم حدثاً، ثم رجلاً، ثم كهلاً، ثم شيخاً.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَوْاْ كَيْفَ خَلَقَ ٱللَّهُ سَبْعَ سَمَٰوَٰتٍ طِبَاقاً﴾.
أي: وقال نوح لقومه: ألم تروا كيف خلق الله فوقكم سبع سماوات طبقاً فوق طبق، فيدلكم ذلك من قدرته على وحدانيته وتعتبروا وتزدجروا عن كفركم.
والطباق مصدر من قولهم: [طابقه] (مطابقة) وطباقاً.
فالمعنى: ألم تروا كيف خلق الله سماء فوق سماء مطابقة؟!. ويجوز أن يكون "طباقاً" [نعتاً] لـ "سبع"، جمع طبق.
ومعنى ألم تروا كيف [خَلَقَ اللهُ]: [اعلموا] أن الله خلق ذلك. ولو كان على غير الأمر، معناه لقالوا ما نرى إلا واحدة، ولكن معناه الأمر كما تقول: غفر الله لك، اللهم اغفر له، لأنك لست تخبره عن أمر [علمته]، إنما هو دعاء يتمنى كونه له.
ومن هذا قول الرجل [للرجل] أَلَمْ تَرَ أَنِّي لقيت زيداً فقلت له كذا وقال لي كذا؟. معناه: اعلم أني لقيت زيداً فكان من أمره وأمري كذا وكذا.
ومثله: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ ٱلْفِيلِ﴾ [الفيل:١].
وقيل: معناه: ألم يبلغكم كيف خلق الله سبع (سماوات) طباقاً فتتعظوا وتزدجروا؟ وكذلك معنى الآية الأخرى: ألم يبلغك يا محمد كيف فعل ربك بأصحاب الفيل، ولم أُوحِ إليك كيف فعلت بهم؟
* *
- ثم قال ﴿وَجَعَلَ ٱلْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً﴾
أي: في السماوات، قال المفسرون: بين كل سماء وسماء مسيرة خمسمائة عام. فقال السائل: نحن نرى الغيم يكون دون القمر فلا نرى نوراً، فكيف تضيء السماوات كلها بالقمر على تفاوت ما بينها، وستر بعضها بعضاً؟، فقيل في ذلك: إن هذا الكلام [مجاز]، إنما قال: "فيهن"، [يريد]: في بعضهن، كما تقول العرب: أتيت بني تميم، وإنما أتى بعضهم، [وتقول]: في هذه الدور وليمة، وإنما هي في واحدة منهن.
وتقول: قدم فلان في شهر كذا، وإنما قدم في يوم منه. فلذلك أخبر بالقمر أنه في سبع سماوات وإنما هو في واحدة.
وقيل معناه: وجعل القمر معهن نوراً، أي: خلقه نوراً مع خلقه للسماوات فيكون مثل: ﴿ٱدْخُلُواْ فِيۤ أُمَمٍ﴾ [الأعراف: ٣٨].
وقال ابن كيسان: إذا جعله في إحداهن فقد جعله فيهن، كما تقول: أَعطِني من الثياب [المعلمة]، وإن كنت إنما أعلمت أحدها. وقد قال ابن عمر: إن الشمس والقمر وجوههما في السماء وأقفاؤهما في الأرض.
وقال عبد الله بن عمرو بن العاص: إن ضوء الشمس والقمر ونورهما في السماء، وقرأ: ﴿أَلَمْ تَرَوْاْ كَيْفَ...﴾ الآية.
وقيل: التقدير: وجعل القمر نوراً، ثم قال: "فيهن" بعدما مضى الكلام. وسأل عبد الله بن عمر رجل فقال له: ما بال الشمس تَصْلاَنا أحياناً وتبرد أحياناً؟ فقال: أما في الشتاء فهي في السماء السابعة تحت عرش الرحمن، وأما في الصيف فهي في السماء الخامسة، قيل له: ما كنا نظن إلا أنها في هذه السماء. قال: لو كان ذلك ما قام لها شيء إلا أحرقته.
* *
- ثم قال: ﴿وَٱللَّهُ أَنبَتَكُمْ مِّنَ ٱلأَرْضِ نَبَاتاً﴾.
أي: أنبتكم من تراب فخلقكم منه فنبتم نباتاً، يعني آدمَ أَبَا الخلقِ خَلَقَهُ من تراب الأرض.
* *
- ﴿ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا﴾
أي: في الأرض فتصيرون تراباً.
* *
- ﴿[وَيُخْرِجُكُمْ]﴾
منها إلى البعث.
* *
- ثم قال: ﴿وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ بِسَاطاً﴾.
[هذا] كله [إخبار] من الله جل ذكره لنا عن قول نوح لقومه ووعظه لهم وتنبيهه لهم على آيات الله ونعمه عندهم.
فالمعنى: جعل لكم الأرض بساطاً لتستقروا عليها، ﴿لِّتَسْلُكُواْ مِنْهَا سُبُلاً فِجَاجاً﴾.
أي: طرقاً واسعة.
وقال ابن عباس: ﴿سُبُلاً فِجَاجاً﴾، أي: "طرقاً مختلفة".
- ثم (قال تعالى): ﴿قَالَ نُوحٌ رَّبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَٱتَّبَعُواْ مَن لَّمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلاَّ خَسَاراً﴾.
أي: قال نوح لمّا عصاه قومه: يا رب، إنهم عصوني فيما بَلَّغتُهم عنك فلم يقبلوه واتبعوا أمر من لم يزده ماله وولده إلا خساراً، أي: اتبعوا في معصيتهم إياي من كثر ماله وولده فلم يزده ذلك إلا بعداً منك - يا رب - [وذهاباً] عن سبيلك.
ومن قرأ "وُلده" بالضم احتمل أن يكون جمع "وَلَد"، ك "وُثُن" جمع "وَثَن"، ويجوز أن يكون واحداً يراد به (غير) الولد: (وقد قال مجاهد: وُلده: زوجه وأهله)، وقال أبو عمرو: وُلده: عشيرته وقومه.
وقال أكثر (أهل) اللغة: الوَلد والوُلد بمعنى واحد.
* *
- ثم قال: ﴿وَمَكَرُواْ مَكْراً كُبَّاراً﴾.
أي: كبيراً، يقال كُبَارٌ وكُبَّارٌ بمعنى كبير، كما يقال: "أمر عجيب"، وعُجاب بمعنى واحد. ورجل حُسَانٌ وحُسَّان بمعنى. وجَمَال وجُمَّال بمعنى جميل.
قال مجاهد: ﴿كُبَّاراً﴾ "عظيماً".
* *
- ثم قال: ﴿وَقَالُواْ لاَ تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ..﴾.
أي: وقال بعضهم لبعض: لا تذرن عبادة آلهتكم [لقول] نوح ﴿وَلاَ تَذَرُنَّ وَدّاً وَلاَ سُوَاعاً وَلاَ يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً﴾.
["هذه أسماء أصنام كانوا يعبدونها: أما وُدّ، فكانت لكلب بدومة الجندل، وأما سُواع فكانت لهذيل، وأما يَغوث فكانت لمراد ثم لبني غطيف (بالجرف) عند سبأ، وأما يعوق فكانت لهمدان، وأما نسر فكانت لحِمْيَر، لآل ذي الكلاع"].
قال محمد بن قيس: [هذه الأسماء] أسماء قوم صالحين بين آدم ونوح وكان لهم تباع يقتدون بهم، فماتوا، فقال تباعهم: لو صورناهم كان أشرف لنا نتذكرهم [فنفعل] مثل ما كانوا يفعلون، فصوروهم ثم ماتوا، وجاء آخرون فدب فيهم الشيطان، فقال: إنما كانوا يعبدونهم وبهم يسقون المطر فعبدوهم، فكان قوم نوح يحض بعضهم بعضاً على عبادتهم وترك قبول [قول] نوح.
وقيل: بل [كانوا أصناماً] يعبدونها (من دون الله) قاله ابن عباس وغيره.
* *
- ثم قال ﴿وَقَدْ أَضَلُّواْ كَثِيراً﴾
هذا إخبار عن قول نوح، أي وقد أضلت هذه الأصنام كثيراً من الخلق، أي ضل بعبادتها كثير.
* *
- ثم قال: ﴿وَلاَ تَزِدِ ٱلظَّالِمِينَ إِلاَّ ضَلاَلاً﴾.
أي: لا توفقهم حتى يموتوا على ضلالتهم فكلما عاشوا ازدادوا إثماً وضلالاً.
نوح 71:21
قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي (لَيْلاً وَنَهَاراً)...﴾، إلى قوله: ﴿إِلاَّ ضَلاَلاً﴾.
أي: قال نوح لما بلغ رسالة ربه قومه فعصوه: يا رب إني دعوت قومي إلى توحيدك ليلاً ونهاراً وحذرتهم عقابك على كفرهم بك فلم يزدهم دعائي (لهم) إلا إدباراً عن قبول ما جئتهم به. قال قتادة: بلغنا أنهم كانوا يذهب الرجل منهم بابنه إلى نوح فيقول لابنه: احذر هذا [لا يغويك] فإن أبي قد ذهب بي إليه وأنا مثلك فحذرني كما حذرتك.
من رواية ابن شعبان عن المنهال بن عمرو عن عبد الله بن الحارث أن النبي ﷺ قال: يَجمَع اللهُ الأوَّلين، والآخِرين، ويَنزِل اللهُ في ظُلَلٍ منَ الغَمام فَيَكون أَوَّلَ من يَقْضي لَه نوحٌ وَقَومُه، يَقولُ اللهُ لِقومِ نوحٍ: ماذا أجبتم المُرْسَلين؟ قال: فَيقولُ نوحٌ: أيْ رَبِّ، بَلَّغتُهم رسالتَك ودَعَوتُهم لَيلاً ونَهاراً فكذَّبوني واتَّهَموني، فَيقولُ اللهُ لِقَوْم نوحٍ: ماذا تقولون؟ فيقولون: ربَّنا ما بَلَّغَنا الرّسالة، وقَد كان فينا حتى خَلَت قرونٌ (بعد قرون)، وَقَد كَتَمَ الرِّسالةَ فلم يَدْعُنا وَلَم يُنذِرْنا، فيقول الله لنوحٍ: ماذا تقول؟ فيقول: رَبِّ، لي بَيِّنَة، فيقول الله: إِيتِ بِبَيِّنَتِكَ. قال النبي ﷺ: فيأتي نوح فيقول: يا مُحمدُ، أَسأَلُكَ الشَّهادةَ، فإِنَّ قَومي قَدْ كذَّبوني عِندَ رَبّي وَجَحَدوا، قال النبي عليه السلام: فَأَبْعَثُ معه رهطاً مِن أمتي يَشْهَدون له. قال: فيَنطلِق الرَّهط حتى يَقِفوا على الرّب، فيقول الله لهم: بِمَ تَشْهَدون؟ فيقولون: نَشهَدُ أن نوحاً قد بَلَّغَ قَومَه وَدَعاهُم لَيْلاً وَنَهاراً وسِرّاً وعَلانِية فَكذَّبوه واسْتَغْشَوْا ثِيابَهُم وأَصَرّوا وَاسْتَكْبَروا.
فيقول اللهُ لقوم نوح: ما تقولون؟ (فيقولون): رَبّنا، كيف يقبلون علينا وَنَحْن أولُ الأُمَمِ وهُمْ آخِر الأُمَمِ؟ فيقول الله للرَّهطِ: أجيبوهم، فيقول (الرهط): ربَّنا، بَعَثْتَ إِليْنا رسولاً من أَنفسِنا فآمَنّا به وصَدّقنا ما أَنْزَلتَ عَليْه مِنَ الكِتابِ، فَكان فيما أَنزَلتَ عَلَيْه أَنَّك أَرْسَلتَ نوحاً إِلى قَومهِ فَبلَّغهم الرسالةَ وَدَعاهم لَيلاً ونَهاراً وسِرّاً وعلانيةً فكذَّبوه، قال: فيقرأون سورة "نوح"، فيقول قوم نوح: خصمنا فقوموا. قال النبي ﷺ: فما من نبيٍّ يُكذِّبه قومُه إِلاَّ يَأْتينا، فَأَبْعَثُ مَعهُ رَهطاً مِن أُمَّتي يَشْهَدون لَه وَأنا عَلَيهم [شهيدٌ]
ثم قال: ﴿وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوۤاْ أَصَابِعَهُمْ فِيۤ آذَانِهِمْ وَٱسْتَغْشَوْاْ ثِيَابَهُمْ﴾
أي: وإني كلما دعوتهم إلى طاعتك والعمل بمرضاتك لتغفر لهم إذا فعلوا ذلك، أدخلوا أصابعهم في آذانهم لِئَلاَّ يسمعوا دعائي (إياهم إلى ذلك، واستغشوا، أي تغطَّوا بها لِئَلاَّ يُسْمَعَ دعائي).
* *
- ثم قال ﴿وَأَصَرُّواْ وَٱسْتَكْبَرُواْ (ٱسْتِكْبَاراً)﴾:
أي: أَصروا على كفرهم، أي: تمادوا عليه، واستكبروا عن قبول ما جئتهم به من الحق وقبول الإيمان.
* *
- ثم قال: ﴿ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَاراً * ثُمَّ إِنِّيۤ أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَاراً﴾.
أي: ثم إني دعوتهم إلى ما أمرتني به من عبادتك دعاءً ظاهراً غيرَ خَفِيّ.
قال مجاهد: الجِهار: الكلام المعلن (به)".
﴿ثُمَّ إِنِّيۤ أَعْلَنْتُ﴾ أي صرخت وصِحْتُ بالذي أمرتني به من الإنذار.
قال مجاهد: أَعْلَنتُ: "صِحْتُ بهِم"، وَأَسْرَرْتُ لَهُمُ (أي): قلت لهم ذلك فيما بيني وبينهم.
* *
- ﴿فَقُلْتُ ٱسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ﴾
أي: سلوا ربكم المغفرة عن ذنوبكم وتوبوا إليه من كفركم يغفر لكم ذنوبكم.
* *
- ﴿إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً﴾.
أي: لم يزل غفارا لمن تاب إليه واستغفره.
* *
- ثم قال: ﴿يُرْسِلِ ٱلسَّمَآءَ عَلَيْكُمْ مِّدْرَاراً﴾.
أي: إن تبتم واستغفرتم من ذنوبكم أرسل السماء عليكم بالمطر متتابعاً.
وكان عمر رضي الله عنه إذا [استسقى] ما يزيد على الاستغفار، وسئل عن ذلك فقرأ هذه الآية، وقرأ الآية في هود في قصة هود: ﴿وَيٰقَوْمِ ٱسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوۤاْ إِلَيْهِ﴾ [هود: ٥٢] الآية.
* *
- ثم قال: ﴿مَّا لَكُمْ لاَ تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراً﴾.
(أي: ما لكم لا ترون لله عظمة، ذكر ذلك عن ابن عباس، وهو قول مجاهد. وعن ابن عباس أيضاً أن معناه: "ما لكم لا تعظمون الله حق عظمته".
وقال قتادة: معناه: "﴿مَّا لَكُمْ لاَ تَرْجُونَ لِلَّهِ﴾ عاقبة".
وقال ابن زيد: معناه: ما لكم لا ترون لله طاعة.
وقال الحسن: معناه ما لكم لا تعرفون لله حقاً ولا تشكرون له نعمة. و "ترجون" هنا - في أكثر الأقوال - بمعنى: تخافون.
* *
- ثم قال: ﴿وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَاراً﴾.
أي: خلقكم نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم ثم، وهو قول ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك، إلا أنهم اختلفوا في الترتيب، فمنهم من بدأ بالتراب ثم النطفة حتى بلغ (تمام الخلق. ومنهم من بدأ بالنطفة حتى بلغ) نبات الشعر وحتى بلغ اللحم.
وقيل: معناه: وقد خلقكم مختلفين المناظر والألوان والكلام والصور [والعمر] والهمم وغير ذلك.
وقيل: هو الصحة والسقم، من قولهم: جاز فلان طوره، أي: خالف ما يجب أن يستعمله.
والطور في اللغة: المرة.
فالمعنى: وقد خلقكم مراراً، أي خلقكم تراباً، ثم نقلكم إلى النطفة [ثم إلى العلقة] ثم إلى المضغة، ثم عظاماً، ثم يكسو العظام اللحم، ثم أنبت الشعر، ثم أخرجه طفلاً، ثم صبياً، ثم بالغاً، ثم حدثاً، ثم رجلاً، ثم كهلاً، ثم شيخاً.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَوْاْ كَيْفَ خَلَقَ ٱللَّهُ سَبْعَ سَمَٰوَٰتٍ طِبَاقاً﴾.
أي: وقال نوح لقومه: ألم تروا كيف خلق الله فوقكم سبع سماوات طبقاً فوق طبق، فيدلكم ذلك من قدرته على وحدانيته وتعتبروا وتزدجروا عن كفركم.
والطباق مصدر من قولهم: [طابقه] (مطابقة) وطباقاً.
فالمعنى: ألم تروا كيف خلق الله سماء فوق سماء مطابقة؟!. ويجوز أن يكون "طباقاً" [نعتاً] لـ "سبع"، جمع طبق.
ومعنى ألم تروا كيف [خَلَقَ اللهُ]: [اعلموا] أن الله خلق ذلك. ولو كان على غير الأمر، معناه لقالوا ما نرى إلا واحدة، ولكن معناه الأمر كما تقول: غفر الله لك، اللهم اغفر له، لأنك لست تخبره عن أمر [علمته]، إنما هو دعاء يتمنى كونه له.
ومن هذا قول الرجل [للرجل] أَلَمْ تَرَ أَنِّي لقيت زيداً فقلت له كذا وقال لي كذا؟. معناه: اعلم أني لقيت زيداً فكان من أمره وأمري كذا وكذا.
ومثله: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ ٱلْفِيلِ﴾ [الفيل:١].
وقيل: معناه: ألم يبلغكم كيف خلق الله سبع (سماوات) طباقاً فتتعظوا وتزدجروا؟ وكذلك معنى الآية الأخرى: ألم يبلغك يا محمد كيف فعل ربك بأصحاب الفيل، ولم أُوحِ إليك كيف فعلت بهم؟
* *
- ثم قال ﴿وَجَعَلَ ٱلْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً﴾
أي: في السماوات، قال المفسرون: بين كل سماء وسماء مسيرة خمسمائة عام. فقال السائل: نحن نرى الغيم يكون دون القمر فلا نرى نوراً، فكيف تضيء السماوات كلها بالقمر على تفاوت ما بينها، وستر بعضها بعضاً؟، فقيل في ذلك: إن هذا الكلام [مجاز]، إنما قال: "فيهن"، [يريد]: في بعضهن، كما تقول العرب: أتيت بني تميم، وإنما أتى بعضهم، [وتقول]: في هذه الدور وليمة، وإنما هي في واحدة منهن.
وتقول: قدم فلان في شهر كذا، وإنما قدم في يوم منه. فلذلك أخبر بالقمر أنه في سبع سماوات وإنما هو في واحدة.
وقيل معناه: وجعل القمر معهن نوراً، أي: خلقه نوراً مع خلقه للسماوات فيكون مثل: ﴿ٱدْخُلُواْ فِيۤ أُمَمٍ﴾ [الأعراف: ٣٨].
وقال ابن كيسان: إذا جعله في إحداهن فقد جعله فيهن، كما تقول: أَعطِني من الثياب [المعلمة]، وإن كنت إنما أعلمت أحدها. وقد قال ابن عمر: إن الشمس والقمر وجوههما في السماء وأقفاؤهما في الأرض.
وقال عبد الله بن عمرو بن العاص: إن ضوء الشمس والقمر ونورهما في السماء، وقرأ: ﴿أَلَمْ تَرَوْاْ كَيْفَ...﴾ الآية.
وقيل: التقدير: وجعل القمر نوراً، ثم قال: "فيهن" بعدما مضى الكلام. وسأل عبد الله بن عمر رجل فقال له: ما بال الشمس تَصْلاَنا أحياناً وتبرد أحياناً؟ فقال: أما في الشتاء فهي في السماء السابعة تحت عرش الرحمن، وأما في الصيف فهي في السماء الخامسة، قيل له: ما كنا نظن إلا أنها في هذه السماء. قال: لو كان ذلك ما قام لها شيء إلا أحرقته.
* *
- ثم قال: ﴿وَٱللَّهُ أَنبَتَكُمْ مِّنَ ٱلأَرْضِ نَبَاتاً﴾.
أي: أنبتكم من تراب فخلقكم منه فنبتم نباتاً، يعني آدمَ أَبَا الخلقِ خَلَقَهُ من تراب الأرض.
* *
- ﴿ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا﴾
أي: في الأرض فتصيرون تراباً.
* *
- ﴿[وَيُخْرِجُكُمْ]﴾
منها إلى البعث.
* *
- ثم قال: ﴿وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ بِسَاطاً﴾.
[هذا] كله [إخبار] من الله جل ذكره لنا عن قول نوح لقومه ووعظه لهم وتنبيهه لهم على آيات الله ونعمه عندهم.
فالمعنى: جعل لكم الأرض بساطاً لتستقروا عليها، ﴿لِّتَسْلُكُواْ مِنْهَا سُبُلاً فِجَاجاً﴾.
أي: طرقاً واسعة.
وقال ابن عباس: ﴿سُبُلاً فِجَاجاً﴾، أي: "طرقاً مختلفة".
- ثم (قال تعالى): ﴿قَالَ نُوحٌ رَّبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَٱتَّبَعُواْ مَن لَّمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلاَّ خَسَاراً﴾.
أي: قال نوح لمّا عصاه قومه: يا رب، إنهم عصوني فيما بَلَّغتُهم عنك فلم يقبلوه واتبعوا أمر من لم يزده ماله وولده إلا خساراً، أي: اتبعوا في معصيتهم إياي من كثر ماله وولده فلم يزده ذلك إلا بعداً منك - يا رب - [وذهاباً] عن سبيلك.
ومن قرأ "وُلده" بالضم احتمل أن يكون جمع "وَلَد"، ك "وُثُن" جمع "وَثَن"، ويجوز أن يكون واحداً يراد به (غير) الولد: (وقد قال مجاهد: وُلده: زوجه وأهله)، وقال أبو عمرو: وُلده: عشيرته وقومه.
وقال أكثر (أهل) اللغة: الوَلد والوُلد بمعنى واحد.
* *
- ثم قال: ﴿وَمَكَرُواْ مَكْراً كُبَّاراً﴾.
أي: كبيراً، يقال كُبَارٌ وكُبَّارٌ بمعنى كبير، كما يقال: "أمر عجيب"، وعُجاب بمعنى واحد. ورجل حُسَانٌ وحُسَّان بمعنى. وجَمَال وجُمَّال بمعنى جميل.
قال مجاهد: ﴿كُبَّاراً﴾ "عظيماً".
* *
- ثم قال: ﴿وَقَالُواْ لاَ تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ..﴾.
أي: وقال بعضهم لبعض: لا تذرن عبادة آلهتكم [لقول] نوح ﴿وَلاَ تَذَرُنَّ وَدّاً وَلاَ سُوَاعاً وَلاَ يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً﴾.
["هذه أسماء أصنام كانوا يعبدونها: أما وُدّ، فكانت لكلب بدومة الجندل، وأما سُواع فكانت لهذيل، وأما يَغوث فكانت لمراد ثم لبني غطيف (بالجرف) عند سبأ، وأما يعوق فكانت لهمدان، وأما نسر فكانت لحِمْيَر، لآل ذي الكلاع"].
قال محمد بن قيس: [هذه الأسماء] أسماء قوم صالحين بين آدم ونوح وكان لهم تباع يقتدون بهم، فماتوا، فقال تباعهم: لو صورناهم كان أشرف لنا نتذكرهم [فنفعل] مثل ما كانوا يفعلون، فصوروهم ثم ماتوا، وجاء آخرون فدب فيهم الشيطان، فقال: إنما كانوا يعبدونهم وبهم يسقون المطر فعبدوهم، فكان قوم نوح يحض بعضهم بعضاً على عبادتهم وترك قبول [قول] نوح.
وقيل: بل [كانوا أصناماً] يعبدونها (من دون الله) قاله ابن عباس وغيره.
* *
- ثم قال ﴿وَقَدْ أَضَلُّواْ كَثِيراً﴾
هذا إخبار عن قول نوح، أي وقد أضلت هذه الأصنام كثيراً من الخلق، أي ضل بعبادتها كثير.
* *
- ثم قال: ﴿وَلاَ تَزِدِ ٱلظَّالِمِينَ إِلاَّ ضَلاَلاً﴾.
أي: لا توفقهم حتى يموتوا على ضلالتهم فكلما عاشوا ازدادوا إثماً وضلالاً.
نوح 71:22
قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي (لَيْلاً وَنَهَاراً)...﴾، إلى قوله: ﴿إِلاَّ ضَلاَلاً﴾.
أي: قال نوح لما بلغ رسالة ربه قومه فعصوه: يا رب إني دعوت قومي إلى توحيدك ليلاً ونهاراً وحذرتهم عقابك على كفرهم بك فلم يزدهم دعائي (لهم) إلا إدباراً عن قبول ما جئتهم به. قال قتادة: بلغنا أنهم كانوا يذهب الرجل منهم بابنه إلى نوح فيقول لابنه: احذر هذا [لا يغويك] فإن أبي قد ذهب بي إليه وأنا مثلك فحذرني كما حذرتك.
من رواية ابن شعبان عن المنهال بن عمرو عن عبد الله بن الحارث أن النبي ﷺ قال: يَجمَع اللهُ الأوَّلين، والآخِرين، ويَنزِل اللهُ في ظُلَلٍ منَ الغَمام فَيَكون أَوَّلَ من يَقْضي لَه نوحٌ وَقَومُه، يَقولُ اللهُ لِقومِ نوحٍ: ماذا أجبتم المُرْسَلين؟ قال: فَيقولُ نوحٌ: أيْ رَبِّ، بَلَّغتُهم رسالتَك ودَعَوتُهم لَيلاً ونَهاراً فكذَّبوني واتَّهَموني، فَيقولُ اللهُ لِقَوْم نوحٍ: ماذا تقولون؟ فيقولون: ربَّنا ما بَلَّغَنا الرّسالة، وقَد كان فينا حتى خَلَت قرونٌ (بعد قرون)، وَقَد كَتَمَ الرِّسالةَ فلم يَدْعُنا وَلَم يُنذِرْنا، فيقول الله لنوحٍ: ماذا تقول؟ فيقول: رَبِّ، لي بَيِّنَة، فيقول الله: إِيتِ بِبَيِّنَتِكَ. قال النبي ﷺ: فيأتي نوح فيقول: يا مُحمدُ، أَسأَلُكَ الشَّهادةَ، فإِنَّ قَومي قَدْ كذَّبوني عِندَ رَبّي وَجَحَدوا، قال النبي عليه السلام: فَأَبْعَثُ معه رهطاً مِن أمتي يَشْهَدون له. قال: فيَنطلِق الرَّهط حتى يَقِفوا على الرّب، فيقول الله لهم: بِمَ تَشْهَدون؟ فيقولون: نَشهَدُ أن نوحاً قد بَلَّغَ قَومَه وَدَعاهُم لَيْلاً وَنَهاراً وسِرّاً وعَلانِية فَكذَّبوه واسْتَغْشَوْا ثِيابَهُم وأَصَرّوا وَاسْتَكْبَروا.
فيقول اللهُ لقوم نوح: ما تقولون؟ (فيقولون): رَبّنا، كيف يقبلون علينا وَنَحْن أولُ الأُمَمِ وهُمْ آخِر الأُمَمِ؟ فيقول الله للرَّهطِ: أجيبوهم، فيقول (الرهط): ربَّنا، بَعَثْتَ إِليْنا رسولاً من أَنفسِنا فآمَنّا به وصَدّقنا ما أَنْزَلتَ عَليْه مِنَ الكِتابِ، فَكان فيما أَنزَلتَ عَلَيْه أَنَّك أَرْسَلتَ نوحاً إِلى قَومهِ فَبلَّغهم الرسالةَ وَدَعاهم لَيلاً ونَهاراً وسِرّاً وعلانيةً فكذَّبوه، قال: فيقرأون سورة "نوح"، فيقول قوم نوح: خصمنا فقوموا. قال النبي ﷺ: فما من نبيٍّ يُكذِّبه قومُه إِلاَّ يَأْتينا، فَأَبْعَثُ مَعهُ رَهطاً مِن أُمَّتي يَشْهَدون لَه وَأنا عَلَيهم [شهيدٌ]
ثم قال: ﴿وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوۤاْ أَصَابِعَهُمْ فِيۤ آذَانِهِمْ وَٱسْتَغْشَوْاْ ثِيَابَهُمْ﴾
أي: وإني كلما دعوتهم إلى طاعتك والعمل بمرضاتك لتغفر لهم إذا فعلوا ذلك، أدخلوا أصابعهم في آذانهم لِئَلاَّ يسمعوا دعائي (إياهم إلى ذلك، واستغشوا، أي تغطَّوا بها لِئَلاَّ يُسْمَعَ دعائي).
* *
- ثم قال ﴿وَأَصَرُّواْ وَٱسْتَكْبَرُواْ (ٱسْتِكْبَاراً)﴾:
أي: أَصروا على كفرهم، أي: تمادوا عليه، واستكبروا عن قبول ما جئتهم به من الحق وقبول الإيمان.
* *
- ثم قال: ﴿ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَاراً * ثُمَّ إِنِّيۤ أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَاراً﴾.
أي: ثم إني دعوتهم إلى ما أمرتني به من عبادتك دعاءً ظاهراً غيرَ خَفِيّ.
قال مجاهد: الجِهار: الكلام المعلن (به)".
﴿ثُمَّ إِنِّيۤ أَعْلَنْتُ﴾ أي صرخت وصِحْتُ بالذي أمرتني به من الإنذار.
قال مجاهد: أَعْلَنتُ: "صِحْتُ بهِم"، وَأَسْرَرْتُ لَهُمُ (أي): قلت لهم ذلك فيما بيني وبينهم.
* *
- ﴿فَقُلْتُ ٱسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ﴾
أي: سلوا ربكم المغفرة عن ذنوبكم وتوبوا إليه من كفركم يغفر لكم ذنوبكم.
* *
- ﴿إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً﴾.
أي: لم يزل غفارا لمن تاب إليه واستغفره.
* *
- ثم قال: ﴿يُرْسِلِ ٱلسَّمَآءَ عَلَيْكُمْ مِّدْرَاراً﴾.
أي: إن تبتم واستغفرتم من ذنوبكم أرسل السماء عليكم بالمطر متتابعاً.
وكان عمر رضي الله عنه إذا [استسقى] ما يزيد على الاستغفار، وسئل عن ذلك فقرأ هذه الآية، وقرأ الآية في هود في قصة هود: ﴿وَيٰقَوْمِ ٱسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوۤاْ إِلَيْهِ﴾ [هود: ٥٢] الآية.
* *
- ثم قال: ﴿مَّا لَكُمْ لاَ تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراً﴾.
(أي: ما لكم لا ترون لله عظمة، ذكر ذلك عن ابن عباس، وهو قول مجاهد. وعن ابن عباس أيضاً أن معناه: "ما لكم لا تعظمون الله حق عظمته".
وقال قتادة: معناه: "﴿مَّا لَكُمْ لاَ تَرْجُونَ لِلَّهِ﴾ عاقبة".
وقال ابن زيد: معناه: ما لكم لا ترون لله طاعة.
وقال الحسن: معناه ما لكم لا تعرفون لله حقاً ولا تشكرون له نعمة. و "ترجون" هنا - في أكثر الأقوال - بمعنى: تخافون.
* *
- ثم قال: ﴿وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَاراً﴾.
أي: خلقكم نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم ثم، وهو قول ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك، إلا أنهم اختلفوا في الترتيب، فمنهم من بدأ بالتراب ثم النطفة حتى بلغ (تمام الخلق. ومنهم من بدأ بالنطفة حتى بلغ) نبات الشعر وحتى بلغ اللحم.
وقيل: معناه: وقد خلقكم مختلفين المناظر والألوان والكلام والصور [والعمر] والهمم وغير ذلك.
وقيل: هو الصحة والسقم، من قولهم: جاز فلان طوره، أي: خالف ما يجب أن يستعمله.
والطور في اللغة: المرة.
فالمعنى: وقد خلقكم مراراً، أي خلقكم تراباً، ثم نقلكم إلى النطفة [ثم إلى العلقة] ثم إلى المضغة، ثم عظاماً، ثم يكسو العظام اللحم، ثم أنبت الشعر، ثم أخرجه طفلاً، ثم صبياً، ثم بالغاً، ثم حدثاً، ثم رجلاً، ثم كهلاً، ثم شيخاً.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَوْاْ كَيْفَ خَلَقَ ٱللَّهُ سَبْعَ سَمَٰوَٰتٍ طِبَاقاً﴾.
أي: وقال نوح لقومه: ألم تروا كيف خلق الله فوقكم سبع سماوات طبقاً فوق طبق، فيدلكم ذلك من قدرته على وحدانيته وتعتبروا وتزدجروا عن كفركم.
والطباق مصدر من قولهم: [طابقه] (مطابقة) وطباقاً.
فالمعنى: ألم تروا كيف خلق الله سماء فوق سماء مطابقة؟!. ويجوز أن يكون "طباقاً" [نعتاً] لـ "سبع"، جمع طبق.
ومعنى ألم تروا كيف [خَلَقَ اللهُ]: [اعلموا] أن الله خلق ذلك. ولو كان على غير الأمر، معناه لقالوا ما نرى إلا واحدة، ولكن معناه الأمر كما تقول: غفر الله لك، اللهم اغفر له، لأنك لست تخبره عن أمر [علمته]، إنما هو دعاء يتمنى كونه له.
ومن هذا قول الرجل [للرجل] أَلَمْ تَرَ أَنِّي لقيت زيداً فقلت له كذا وقال لي كذا؟. معناه: اعلم أني لقيت زيداً فكان من أمره وأمري كذا وكذا.
ومثله: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ ٱلْفِيلِ﴾ [الفيل:١].
وقيل: معناه: ألم يبلغكم كيف خلق الله سبع (سماوات) طباقاً فتتعظوا وتزدجروا؟ وكذلك معنى الآية الأخرى: ألم يبلغك يا محمد كيف فعل ربك بأصحاب الفيل، ولم أُوحِ إليك كيف فعلت بهم؟
* *
- ثم قال ﴿وَجَعَلَ ٱلْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً﴾
أي: في السماوات، قال المفسرون: بين كل سماء وسماء مسيرة خمسمائة عام. فقال السائل: نحن نرى الغيم يكون دون القمر فلا نرى نوراً، فكيف تضيء السماوات كلها بالقمر على تفاوت ما بينها، وستر بعضها بعضاً؟، فقيل في ذلك: إن هذا الكلام [مجاز]، إنما قال: "فيهن"، [يريد]: في بعضهن، كما تقول العرب: أتيت بني تميم، وإنما أتى بعضهم، [وتقول]: في هذه الدور وليمة، وإنما هي في واحدة منهن.
وتقول: قدم فلان في شهر كذا، وإنما قدم في يوم منه. فلذلك أخبر بالقمر أنه في سبع سماوات وإنما هو في واحدة.
وقيل معناه: وجعل القمر معهن نوراً، أي: خلقه نوراً مع خلقه للسماوات فيكون مثل: ﴿ٱدْخُلُواْ فِيۤ أُمَمٍ﴾ [الأعراف: ٣٨].
وقال ابن كيسان: إذا جعله في إحداهن فقد جعله فيهن، كما تقول: أَعطِني من الثياب [المعلمة]، وإن كنت إنما أعلمت أحدها. وقد قال ابن عمر: إن الشمس والقمر وجوههما في السماء وأقفاؤهما في الأرض.
وقال عبد الله بن عمرو بن العاص: إن ضوء الشمس والقمر ونورهما في السماء، وقرأ: ﴿أَلَمْ تَرَوْاْ كَيْفَ...﴾ الآية.
وقيل: التقدير: وجعل القمر نوراً، ثم قال: "فيهن" بعدما مضى الكلام. وسأل عبد الله بن عمر رجل فقال له: ما بال الشمس تَصْلاَنا أحياناً وتبرد أحياناً؟ فقال: أما في الشتاء فهي في السماء السابعة تحت عرش الرحمن، وأما في الصيف فهي في السماء الخامسة، قيل له: ما كنا نظن إلا أنها في هذه السماء. قال: لو كان ذلك ما قام لها شيء إلا أحرقته.
* *
- ثم قال: ﴿وَٱللَّهُ أَنبَتَكُمْ مِّنَ ٱلأَرْضِ نَبَاتاً﴾.
أي: أنبتكم من تراب فخلقكم منه فنبتم نباتاً، يعني آدمَ أَبَا الخلقِ خَلَقَهُ من تراب الأرض.
* *
- ﴿ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا﴾
أي: في الأرض فتصيرون تراباً.
* *
- ﴿[وَيُخْرِجُكُمْ]﴾
منها إلى البعث.
* *
- ثم قال: ﴿وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ بِسَاطاً﴾.
[هذا] كله [إخبار] من الله جل ذكره لنا عن قول نوح لقومه ووعظه لهم وتنبيهه لهم على آيات الله ونعمه عندهم.
فالمعنى: جعل لكم الأرض بساطاً لتستقروا عليها، ﴿لِّتَسْلُكُواْ مِنْهَا سُبُلاً فِجَاجاً﴾.
أي: طرقاً واسعة.
وقال ابن عباس: ﴿سُبُلاً فِجَاجاً﴾، أي: "طرقاً مختلفة".
- ثم (قال تعالى): ﴿قَالَ نُوحٌ رَّبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَٱتَّبَعُواْ مَن لَّمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلاَّ خَسَاراً﴾.
أي: قال نوح لمّا عصاه قومه: يا رب، إنهم عصوني فيما بَلَّغتُهم عنك فلم يقبلوه واتبعوا أمر من لم يزده ماله وولده إلا خساراً، أي: اتبعوا في معصيتهم إياي من كثر ماله وولده فلم يزده ذلك إلا بعداً منك - يا رب - [وذهاباً] عن سبيلك.
ومن قرأ "وُلده" بالضم احتمل أن يكون جمع "وَلَد"، ك "وُثُن" جمع "وَثَن"، ويجوز أن يكون واحداً يراد به (غير) الولد: (وقد قال مجاهد: وُلده: زوجه وأهله)، وقال أبو عمرو: وُلده: عشيرته وقومه.
وقال أكثر (أهل) اللغة: الوَلد والوُلد بمعنى واحد.
* *
- ثم قال: ﴿وَمَكَرُواْ مَكْراً كُبَّاراً﴾.
أي: كبيراً، يقال كُبَارٌ وكُبَّارٌ بمعنى كبير، كما يقال: "أمر عجيب"، وعُجاب بمعنى واحد. ورجل حُسَانٌ وحُسَّان بمعنى. وجَمَال وجُمَّال بمعنى جميل.
قال مجاهد: ﴿كُبَّاراً﴾ "عظيماً".
* *
- ثم قال: ﴿وَقَالُواْ لاَ تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ..﴾.
أي: وقال بعضهم لبعض: لا تذرن عبادة آلهتكم [لقول] نوح ﴿وَلاَ تَذَرُنَّ وَدّاً وَلاَ سُوَاعاً وَلاَ يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً﴾.
["هذه أسماء أصنام كانوا يعبدونها: أما وُدّ، فكانت لكلب بدومة الجندل، وأما سُواع فكانت لهذيل، وأما يَغوث فكانت لمراد ثم لبني غطيف (بالجرف) عند سبأ، وأما يعوق فكانت لهمدان، وأما نسر فكانت لحِمْيَر، لآل ذي الكلاع"].
قال محمد بن قيس: [هذه الأسماء] أسماء قوم صالحين بين آدم ونوح وكان لهم تباع يقتدون بهم، فماتوا، فقال تباعهم: لو صورناهم كان أشرف لنا نتذكرهم [فنفعل] مثل ما كانوا يفعلون، فصوروهم ثم ماتوا، وجاء آخرون فدب فيهم الشيطان، فقال: إنما كانوا يعبدونهم وبهم يسقون المطر فعبدوهم، فكان قوم نوح يحض بعضهم بعضاً على عبادتهم وترك قبول [قول] نوح.
وقيل: بل [كانوا أصناماً] يعبدونها (من دون الله) قاله ابن عباس وغيره.
* *
- ثم قال ﴿وَقَدْ أَضَلُّواْ كَثِيراً﴾
هذا إخبار عن قول نوح، أي وقد أضلت هذه الأصنام كثيراً من الخلق، أي ضل بعبادتها كثير.
* *
- ثم قال: ﴿وَلاَ تَزِدِ ٱلظَّالِمِينَ إِلاَّ ضَلاَلاً﴾.
أي: لا توفقهم حتى يموتوا على ضلالتهم فكلما عاشوا ازدادوا إثماً وضلالاً.
نوح 71:23
قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي (لَيْلاً وَنَهَاراً)...﴾، إلى قوله: ﴿إِلاَّ ضَلاَلاً﴾.
أي: قال نوح لما بلغ رسالة ربه قومه فعصوه: يا رب إني دعوت قومي إلى توحيدك ليلاً ونهاراً وحذرتهم عقابك على كفرهم بك فلم يزدهم دعائي (لهم) إلا إدباراً عن قبول ما جئتهم به. قال قتادة: بلغنا أنهم كانوا يذهب الرجل منهم بابنه إلى نوح فيقول لابنه: احذر هذا [لا يغويك] فإن أبي قد ذهب بي إليه وأنا مثلك فحذرني كما حذرتك.
من رواية ابن شعبان عن المنهال بن عمرو عن عبد الله بن الحارث أن النبي ﷺ قال: يَجمَع اللهُ الأوَّلين، والآخِرين، ويَنزِل اللهُ في ظُلَلٍ منَ الغَمام فَيَكون أَوَّلَ من يَقْضي لَه نوحٌ وَقَومُه، يَقولُ اللهُ لِقومِ نوحٍ: ماذا أجبتم المُرْسَلين؟ قال: فَيقولُ نوحٌ: أيْ رَبِّ، بَلَّغتُهم رسالتَك ودَعَوتُهم لَيلاً ونَهاراً فكذَّبوني واتَّهَموني، فَيقولُ اللهُ لِقَوْم نوحٍ: ماذا تقولون؟ فيقولون: ربَّنا ما بَلَّغَنا الرّسالة، وقَد كان فينا حتى خَلَت قرونٌ (بعد قرون)، وَقَد كَتَمَ الرِّسالةَ فلم يَدْعُنا وَلَم يُنذِرْنا، فيقول الله لنوحٍ: ماذا تقول؟ فيقول: رَبِّ، لي بَيِّنَة، فيقول الله: إِيتِ بِبَيِّنَتِكَ. قال النبي ﷺ: فيأتي نوح فيقول: يا مُحمدُ، أَسأَلُكَ الشَّهادةَ، فإِنَّ قَومي قَدْ كذَّبوني عِندَ رَبّي وَجَحَدوا، قال النبي عليه السلام: فَأَبْعَثُ معه رهطاً مِن أمتي يَشْهَدون له. قال: فيَنطلِق الرَّهط حتى يَقِفوا على الرّب، فيقول الله لهم: بِمَ تَشْهَدون؟ فيقولون: نَشهَدُ أن نوحاً قد بَلَّغَ قَومَه وَدَعاهُم لَيْلاً وَنَهاراً وسِرّاً وعَلانِية فَكذَّبوه واسْتَغْشَوْا ثِيابَهُم وأَصَرّوا وَاسْتَكْبَروا.
فيقول اللهُ لقوم نوح: ما تقولون؟ (فيقولون): رَبّنا، كيف يقبلون علينا وَنَحْن أولُ الأُمَمِ وهُمْ آخِر الأُمَمِ؟ فيقول الله للرَّهطِ: أجيبوهم، فيقول (الرهط): ربَّنا، بَعَثْتَ إِليْنا رسولاً من أَنفسِنا فآمَنّا به وصَدّقنا ما أَنْزَلتَ عَليْه مِنَ الكِتابِ، فَكان فيما أَنزَلتَ عَلَيْه أَنَّك أَرْسَلتَ نوحاً إِلى قَومهِ فَبلَّغهم الرسالةَ وَدَعاهم لَيلاً ونَهاراً وسِرّاً وعلانيةً فكذَّبوه، قال: فيقرأون سورة "نوح"، فيقول قوم نوح: خصمنا فقوموا. قال النبي ﷺ: فما من نبيٍّ يُكذِّبه قومُه إِلاَّ يَأْتينا، فَأَبْعَثُ مَعهُ رَهطاً مِن أُمَّتي يَشْهَدون لَه وَأنا عَلَيهم [شهيدٌ]
ثم قال: ﴿وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوۤاْ أَصَابِعَهُمْ فِيۤ آذَانِهِمْ وَٱسْتَغْشَوْاْ ثِيَابَهُمْ﴾
أي: وإني كلما دعوتهم إلى طاعتك والعمل بمرضاتك لتغفر لهم إذا فعلوا ذلك، أدخلوا أصابعهم في آذانهم لِئَلاَّ يسمعوا دعائي (إياهم إلى ذلك، واستغشوا، أي تغطَّوا بها لِئَلاَّ يُسْمَعَ دعائي).
* *
- ثم قال ﴿وَأَصَرُّواْ وَٱسْتَكْبَرُواْ (ٱسْتِكْبَاراً)﴾:
أي: أَصروا على كفرهم، أي: تمادوا عليه، واستكبروا عن قبول ما جئتهم به من الحق وقبول الإيمان.
* *
- ثم قال: ﴿ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَاراً * ثُمَّ إِنِّيۤ أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَاراً﴾.
أي: ثم إني دعوتهم إلى ما أمرتني به من عبادتك دعاءً ظاهراً غيرَ خَفِيّ.
قال مجاهد: الجِهار: الكلام المعلن (به)".
﴿ثُمَّ إِنِّيۤ أَعْلَنْتُ﴾ أي صرخت وصِحْتُ بالذي أمرتني به من الإنذار.
قال مجاهد: أَعْلَنتُ: "صِحْتُ بهِم"، وَأَسْرَرْتُ لَهُمُ (أي): قلت لهم ذلك فيما بيني وبينهم.
* *
- ﴿فَقُلْتُ ٱسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ﴾
أي: سلوا ربكم المغفرة عن ذنوبكم وتوبوا إليه من كفركم يغفر لكم ذنوبكم.
* *
- ﴿إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً﴾.
أي: لم يزل غفارا لمن تاب إليه واستغفره.
* *
- ثم قال: ﴿يُرْسِلِ ٱلسَّمَآءَ عَلَيْكُمْ مِّدْرَاراً﴾.
أي: إن تبتم واستغفرتم من ذنوبكم أرسل السماء عليكم بالمطر متتابعاً.
وكان عمر رضي الله عنه إذا [استسقى] ما يزيد على الاستغفار، وسئل عن ذلك فقرأ هذه الآية، وقرأ الآية في هود في قصة هود: ﴿وَيٰقَوْمِ ٱسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوۤاْ إِلَيْهِ﴾ [هود: ٥٢] الآية.
* *
- ثم قال: ﴿مَّا لَكُمْ لاَ تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراً﴾.
(أي: ما لكم لا ترون لله عظمة، ذكر ذلك عن ابن عباس، وهو قول مجاهد. وعن ابن عباس أيضاً أن معناه: "ما لكم لا تعظمون الله حق عظمته".
وقال قتادة: معناه: "﴿مَّا لَكُمْ لاَ تَرْجُونَ لِلَّهِ﴾ عاقبة".
وقال ابن زيد: معناه: ما لكم لا ترون لله طاعة.
وقال الحسن: معناه ما لكم لا تعرفون لله حقاً ولا تشكرون له نعمة. و "ترجون" هنا - في أكثر الأقوال - بمعنى: تخافون.
* *
- ثم قال: ﴿وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَاراً﴾.
أي: خلقكم نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم ثم، وهو قول ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك، إلا أنهم اختلفوا في الترتيب، فمنهم من بدأ بالتراب ثم النطفة حتى بلغ (تمام الخلق. ومنهم من بدأ بالنطفة حتى بلغ) نبات الشعر وحتى بلغ اللحم.
وقيل: معناه: وقد خلقكم مختلفين المناظر والألوان والكلام والصور [والعمر] والهمم وغير ذلك.
وقيل: هو الصحة والسقم، من قولهم: جاز فلان طوره، أي: خالف ما يجب أن يستعمله.
والطور في اللغة: المرة.
فالمعنى: وقد خلقكم مراراً، أي خلقكم تراباً، ثم نقلكم إلى النطفة [ثم إلى العلقة] ثم إلى المضغة، ثم عظاماً، ثم يكسو العظام اللحم، ثم أنبت الشعر، ثم أخرجه طفلاً، ثم صبياً، ثم بالغاً، ثم حدثاً، ثم رجلاً، ثم كهلاً، ثم شيخاً.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَوْاْ كَيْفَ خَلَقَ ٱللَّهُ سَبْعَ سَمَٰوَٰتٍ طِبَاقاً﴾.
أي: وقال نوح لقومه: ألم تروا كيف خلق الله فوقكم سبع سماوات طبقاً فوق طبق، فيدلكم ذلك من قدرته على وحدانيته وتعتبروا وتزدجروا عن كفركم.
والطباق مصدر من قولهم: [طابقه] (مطابقة) وطباقاً.
فالمعنى: ألم تروا كيف خلق الله سماء فوق سماء مطابقة؟!. ويجوز أن يكون "طباقاً" [نعتاً] لـ "سبع"، جمع طبق.
ومعنى ألم تروا كيف [خَلَقَ اللهُ]: [اعلموا] أن الله خلق ذلك. ولو كان على غير الأمر، معناه لقالوا ما نرى إلا واحدة، ولكن معناه الأمر كما تقول: غفر الله لك، اللهم اغفر له، لأنك لست تخبره عن أمر [علمته]، إنما هو دعاء يتمنى كونه له.
ومن هذا قول الرجل [للرجل] أَلَمْ تَرَ أَنِّي لقيت زيداً فقلت له كذا وقال لي كذا؟. معناه: اعلم أني لقيت زيداً فكان من أمره وأمري كذا وكذا.
ومثله: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ ٱلْفِيلِ﴾ [الفيل:١].
وقيل: معناه: ألم يبلغكم كيف خلق الله سبع (سماوات) طباقاً فتتعظوا وتزدجروا؟ وكذلك معنى الآية الأخرى: ألم يبلغك يا محمد كيف فعل ربك بأصحاب الفيل، ولم أُوحِ إليك كيف فعلت بهم؟
* *
- ثم قال ﴿وَجَعَلَ ٱلْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً﴾
أي: في السماوات، قال المفسرون: بين كل سماء وسماء مسيرة خمسمائة عام. فقال السائل: نحن نرى الغيم يكون دون القمر فلا نرى نوراً، فكيف تضيء السماوات كلها بالقمر على تفاوت ما بينها، وستر بعضها بعضاً؟، فقيل في ذلك: إن هذا الكلام [مجاز]، إنما قال: "فيهن"، [يريد]: في بعضهن، كما تقول العرب: أتيت بني تميم، وإنما أتى بعضهم، [وتقول]: في هذه الدور وليمة، وإنما هي في واحدة منهن.
وتقول: قدم فلان في شهر كذا، وإنما قدم في يوم منه. فلذلك أخبر بالقمر أنه في سبع سماوات وإنما هو في واحدة.
وقيل معناه: وجعل القمر معهن نوراً، أي: خلقه نوراً مع خلقه للسماوات فيكون مثل: ﴿ٱدْخُلُواْ فِيۤ أُمَمٍ﴾ [الأعراف: ٣٨].
وقال ابن كيسان: إذا جعله في إحداهن فقد جعله فيهن، كما تقول: أَعطِني من الثياب [المعلمة]، وإن كنت إنما أعلمت أحدها. وقد قال ابن عمر: إن الشمس والقمر وجوههما في السماء وأقفاؤهما في الأرض.
وقال عبد الله بن عمرو بن العاص: إن ضوء الشمس والقمر ونورهما في السماء، وقرأ: ﴿أَلَمْ تَرَوْاْ كَيْفَ...﴾ الآية.
وقيل: التقدير: وجعل القمر نوراً، ثم قال: "فيهن" بعدما مضى الكلام. وسأل عبد الله بن عمر رجل فقال له: ما بال الشمس تَصْلاَنا أحياناً وتبرد أحياناً؟ فقال: أما في الشتاء فهي في السماء السابعة تحت عرش الرحمن، وأما في الصيف فهي في السماء الخامسة، قيل له: ما كنا نظن إلا أنها في هذه السماء. قال: لو كان ذلك ما قام لها شيء إلا أحرقته.
* *
- ثم قال: ﴿وَٱللَّهُ أَنبَتَكُمْ مِّنَ ٱلأَرْضِ نَبَاتاً﴾.
أي: أنبتكم من تراب فخلقكم منه فنبتم نباتاً، يعني آدمَ أَبَا الخلقِ خَلَقَهُ من تراب الأرض.
* *
- ﴿ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا﴾
أي: في الأرض فتصيرون تراباً.
* *
- ﴿[وَيُخْرِجُكُمْ]﴾
منها إلى البعث.
* *
- ثم قال: ﴿وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ بِسَاطاً﴾.
[هذا] كله [إخبار] من الله جل ذكره لنا عن قول نوح لقومه ووعظه لهم وتنبيهه لهم على آيات الله ونعمه عندهم.
فالمعنى: جعل لكم الأرض بساطاً لتستقروا عليها، ﴿لِّتَسْلُكُواْ مِنْهَا سُبُلاً فِجَاجاً﴾.
أي: طرقاً واسعة.
وقال ابن عباس: ﴿سُبُلاً فِجَاجاً﴾، أي: "طرقاً مختلفة".
- ثم (قال تعالى): ﴿قَالَ نُوحٌ رَّبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَٱتَّبَعُواْ مَن لَّمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلاَّ خَسَاراً﴾.
أي: قال نوح لمّا عصاه قومه: يا رب، إنهم عصوني فيما بَلَّغتُهم عنك فلم يقبلوه واتبعوا أمر من لم يزده ماله وولده إلا خساراً، أي: اتبعوا في معصيتهم إياي من كثر ماله وولده فلم يزده ذلك إلا بعداً منك - يا رب - [وذهاباً] عن سبيلك.
ومن قرأ "وُلده" بالضم احتمل أن يكون جمع "وَلَد"، ك "وُثُن" جمع "وَثَن"، ويجوز أن يكون واحداً يراد به (غير) الولد: (وقد قال مجاهد: وُلده: زوجه وأهله)، وقال أبو عمرو: وُلده: عشيرته وقومه.
وقال أكثر (أهل) اللغة: الوَلد والوُلد بمعنى واحد.
* *
- ثم قال: ﴿وَمَكَرُواْ مَكْراً كُبَّاراً﴾.
أي: كبيراً، يقال كُبَارٌ وكُبَّارٌ بمعنى كبير، كما يقال: "أمر عجيب"، وعُجاب بمعنى واحد. ورجل حُسَانٌ وحُسَّان بمعنى. وجَمَال وجُمَّال بمعنى جميل.
قال مجاهد: ﴿كُبَّاراً﴾ "عظيماً".
* *
- ثم قال: ﴿وَقَالُواْ لاَ تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ..﴾.
أي: وقال بعضهم لبعض: لا تذرن عبادة آلهتكم [لقول] نوح ﴿وَلاَ تَذَرُنَّ وَدّاً وَلاَ سُوَاعاً وَلاَ يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً﴾.
["هذه أسماء أصنام كانوا يعبدونها: أما وُدّ، فكانت لكلب بدومة الجندل، وأما سُواع فكانت لهذيل، وأما يَغوث فكانت لمراد ثم لبني غطيف (بالجرف) عند سبأ، وأما يعوق فكانت لهمدان، وأما نسر فكانت لحِمْيَر، لآل ذي الكلاع"].
قال محمد بن قيس: [هذه الأسماء] أسماء قوم صالحين بين آدم ونوح وكان لهم تباع يقتدون بهم، فماتوا، فقال تباعهم: لو صورناهم كان أشرف لنا نتذكرهم [فنفعل] مثل ما كانوا يفعلون، فصوروهم ثم ماتوا، وجاء آخرون فدب فيهم الشيطان، فقال: إنما كانوا يعبدونهم وبهم يسقون المطر فعبدوهم، فكان قوم نوح يحض بعضهم بعضاً على عبادتهم وترك قبول [قول] نوح.
وقيل: بل [كانوا أصناماً] يعبدونها (من دون الله) قاله ابن عباس وغيره.
* *
- ثم قال ﴿وَقَدْ أَضَلُّواْ كَثِيراً﴾
هذا إخبار عن قول نوح، أي وقد أضلت هذه الأصنام كثيراً من الخلق، أي ضل بعبادتها كثير.
* *
- ثم قال: ﴿وَلاَ تَزِدِ ٱلظَّالِمِينَ إِلاَّ ضَلاَلاً﴾.
أي: لا توفقهم حتى يموتوا على ضلالتهم فكلما عاشوا ازدادوا إثماً وضلالاً.
نوح 71:24
قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي (لَيْلاً وَنَهَاراً)...﴾، إلى قوله: ﴿إِلاَّ ضَلاَلاً﴾.
أي: قال نوح لما بلغ رسالة ربه قومه فعصوه: يا رب إني دعوت قومي إلى توحيدك ليلاً ونهاراً وحذرتهم عقابك على كفرهم بك فلم يزدهم دعائي (لهم) إلا إدباراً عن قبول ما جئتهم به. قال قتادة: بلغنا أنهم كانوا يذهب الرجل منهم بابنه إلى نوح فيقول لابنه: احذر هذا [لا يغويك] فإن أبي قد ذهب بي إليه وأنا مثلك فحذرني كما حذرتك.
من رواية ابن شعبان عن المنهال بن عمرو عن عبد الله بن الحارث أن النبي ﷺ قال: يَجمَع اللهُ الأوَّلين، والآخِرين، ويَنزِل اللهُ في ظُلَلٍ منَ الغَمام فَيَكون أَوَّلَ من يَقْضي لَه نوحٌ وَقَومُه، يَقولُ اللهُ لِقومِ نوحٍ: ماذا أجبتم المُرْسَلين؟ قال: فَيقولُ نوحٌ: أيْ رَبِّ، بَلَّغتُهم رسالتَك ودَعَوتُهم لَيلاً ونَهاراً فكذَّبوني واتَّهَموني، فَيقولُ اللهُ لِقَوْم نوحٍ: ماذا تقولون؟ فيقولون: ربَّنا ما بَلَّغَنا الرّسالة، وقَد كان فينا حتى خَلَت قرونٌ (بعد قرون)، وَقَد كَتَمَ الرِّسالةَ فلم يَدْعُنا وَلَم يُنذِرْنا، فيقول الله لنوحٍ: ماذا تقول؟ فيقول: رَبِّ، لي بَيِّنَة، فيقول الله: إِيتِ بِبَيِّنَتِكَ. قال النبي ﷺ: فيأتي نوح فيقول: يا مُحمدُ، أَسأَلُكَ الشَّهادةَ، فإِنَّ قَومي قَدْ كذَّبوني عِندَ رَبّي وَجَحَدوا، قال النبي عليه السلام: فَأَبْعَثُ معه رهطاً مِن أمتي يَشْهَدون له. قال: فيَنطلِق الرَّهط حتى يَقِفوا على الرّب، فيقول الله لهم: بِمَ تَشْهَدون؟ فيقولون: نَشهَدُ أن نوحاً قد بَلَّغَ قَومَه وَدَعاهُم لَيْلاً وَنَهاراً وسِرّاً وعَلانِية فَكذَّبوه واسْتَغْشَوْا ثِيابَهُم وأَصَرّوا وَاسْتَكْبَروا.
فيقول اللهُ لقوم نوح: ما تقولون؟ (فيقولون): رَبّنا، كيف يقبلون علينا وَنَحْن أولُ الأُمَمِ وهُمْ آخِر الأُمَمِ؟ فيقول الله للرَّهطِ: أجيبوهم، فيقول (الرهط): ربَّنا، بَعَثْتَ إِليْنا رسولاً من أَنفسِنا فآمَنّا به وصَدّقنا ما أَنْزَلتَ عَليْه مِنَ الكِتابِ، فَكان فيما أَنزَلتَ عَلَيْه أَنَّك أَرْسَلتَ نوحاً إِلى قَومهِ فَبلَّغهم الرسالةَ وَدَعاهم لَيلاً ونَهاراً وسِرّاً وعلانيةً فكذَّبوه، قال: فيقرأون سورة "نوح"، فيقول قوم نوح: خصمنا فقوموا. قال النبي ﷺ: فما من نبيٍّ يُكذِّبه قومُه إِلاَّ يَأْتينا، فَأَبْعَثُ مَعهُ رَهطاً مِن أُمَّتي يَشْهَدون لَه وَأنا عَلَيهم [شهيدٌ]
ثم قال: ﴿وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوۤاْ أَصَابِعَهُمْ فِيۤ آذَانِهِمْ وَٱسْتَغْشَوْاْ ثِيَابَهُمْ﴾
أي: وإني كلما دعوتهم إلى طاعتك والعمل بمرضاتك لتغفر لهم إذا فعلوا ذلك، أدخلوا أصابعهم في آذانهم لِئَلاَّ يسمعوا دعائي (إياهم إلى ذلك، واستغشوا، أي تغطَّوا بها لِئَلاَّ يُسْمَعَ دعائي).
* *
- ثم قال ﴿وَأَصَرُّواْ وَٱسْتَكْبَرُواْ (ٱسْتِكْبَاراً)﴾:
أي: أَصروا على كفرهم، أي: تمادوا عليه، واستكبروا عن قبول ما جئتهم به من الحق وقبول الإيمان.
* *
- ثم قال: ﴿ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَاراً * ثُمَّ إِنِّيۤ أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَاراً﴾.
أي: ثم إني دعوتهم إلى ما أمرتني به من عبادتك دعاءً ظاهراً غيرَ خَفِيّ.
قال مجاهد: الجِهار: الكلام المعلن (به)".
﴿ثُمَّ إِنِّيۤ أَعْلَنْتُ﴾ أي صرخت وصِحْتُ بالذي أمرتني به من الإنذار.
قال مجاهد: أَعْلَنتُ: "صِحْتُ بهِم"، وَأَسْرَرْتُ لَهُمُ (أي): قلت لهم ذلك فيما بيني وبينهم.
* *
- ﴿فَقُلْتُ ٱسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ﴾
أي: سلوا ربكم المغفرة عن ذنوبكم وتوبوا إليه من كفركم يغفر لكم ذنوبكم.
* *
- ﴿إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً﴾.
أي: لم يزل غفارا لمن تاب إليه واستغفره.
* *
- ثم قال: ﴿يُرْسِلِ ٱلسَّمَآءَ عَلَيْكُمْ مِّدْرَاراً﴾.
أي: إن تبتم واستغفرتم من ذنوبكم أرسل السماء عليكم بالمطر متتابعاً.
وكان عمر رضي الله عنه إذا [استسقى] ما يزيد على الاستغفار، وسئل عن ذلك فقرأ هذه الآية، وقرأ الآية في هود في قصة هود: ﴿وَيٰقَوْمِ ٱسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوۤاْ إِلَيْهِ﴾ [هود: ٥٢] الآية.
* *
- ثم قال: ﴿مَّا لَكُمْ لاَ تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراً﴾.
(أي: ما لكم لا ترون لله عظمة، ذكر ذلك عن ابن عباس، وهو قول مجاهد. وعن ابن عباس أيضاً أن معناه: "ما لكم لا تعظمون الله حق عظمته".
وقال قتادة: معناه: "﴿مَّا لَكُمْ لاَ تَرْجُونَ لِلَّهِ﴾ عاقبة".
وقال ابن زيد: معناه: ما لكم لا ترون لله طاعة.
وقال الحسن: معناه ما لكم لا تعرفون لله حقاً ولا تشكرون له نعمة. و "ترجون" هنا - في أكثر الأقوال - بمعنى: تخافون.
* *
- ثم قال: ﴿وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَاراً﴾.
أي: خلقكم نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم ثم، وهو قول ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك، إلا أنهم اختلفوا في الترتيب، فمنهم من بدأ بالتراب ثم النطفة حتى بلغ (تمام الخلق. ومنهم من بدأ بالنطفة حتى بلغ) نبات الشعر وحتى بلغ اللحم.
وقيل: معناه: وقد خلقكم مختلفين المناظر والألوان والكلام والصور [والعمر] والهمم وغير ذلك.
وقيل: هو الصحة والسقم، من قولهم: جاز فلان طوره، أي: خالف ما يجب أن يستعمله.
والطور في اللغة: المرة.
فالمعنى: وقد خلقكم مراراً، أي خلقكم تراباً، ثم نقلكم إلى النطفة [ثم إلى العلقة] ثم إلى المضغة، ثم عظاماً، ثم يكسو العظام اللحم، ثم أنبت الشعر، ثم أخرجه طفلاً، ثم صبياً، ثم بالغاً، ثم حدثاً، ثم رجلاً، ثم كهلاً، ثم شيخاً.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَوْاْ كَيْفَ خَلَقَ ٱللَّهُ سَبْعَ سَمَٰوَٰتٍ طِبَاقاً﴾.
أي: وقال نوح لقومه: ألم تروا كيف خلق الله فوقكم سبع سماوات طبقاً فوق طبق، فيدلكم ذلك من قدرته على وحدانيته وتعتبروا وتزدجروا عن كفركم.
والطباق مصدر من قولهم: [طابقه] (مطابقة) وطباقاً.
فالمعنى: ألم تروا كيف خلق الله سماء فوق سماء مطابقة؟!. ويجوز أن يكون "طباقاً" [نعتاً] لـ "سبع"، جمع طبق.
ومعنى ألم تروا كيف [خَلَقَ اللهُ]: [اعلموا] أن الله خلق ذلك. ولو كان على غير الأمر، معناه لقالوا ما نرى إلا واحدة، ولكن معناه الأمر كما تقول: غفر الله لك، اللهم اغفر له، لأنك لست تخبره عن أمر [علمته]، إنما هو دعاء يتمنى كونه له.
ومن هذا قول الرجل [للرجل] أَلَمْ تَرَ أَنِّي لقيت زيداً فقلت له كذا وقال لي كذا؟. معناه: اعلم أني لقيت زيداً فكان من أمره وأمري كذا وكذا.
ومثله: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ ٱلْفِيلِ﴾ [الفيل:١].
وقيل: معناه: ألم يبلغكم كيف خلق الله سبع (سماوات) طباقاً فتتعظوا وتزدجروا؟ وكذلك معنى الآية الأخرى: ألم يبلغك يا محمد كيف فعل ربك بأصحاب الفيل، ولم أُوحِ إليك كيف فعلت بهم؟
* *
- ثم قال ﴿وَجَعَلَ ٱلْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً﴾
أي: في السماوات، قال المفسرون: بين كل سماء وسماء مسيرة خمسمائة عام. فقال السائل: نحن نرى الغيم يكون دون القمر فلا نرى نوراً، فكيف تضيء السماوات كلها بالقمر على تفاوت ما بينها، وستر بعضها بعضاً؟، فقيل في ذلك: إن هذا الكلام [مجاز]، إنما قال: "فيهن"، [يريد]: في بعضهن، كما تقول العرب: أتيت بني تميم، وإنما أتى بعضهم، [وتقول]: في هذه الدور وليمة، وإنما هي في واحدة منهن.
وتقول: قدم فلان في شهر كذا، وإنما قدم في يوم منه. فلذلك أخبر بالقمر أنه في سبع سماوات وإنما هو في واحدة.
وقيل معناه: وجعل القمر معهن نوراً، أي: خلقه نوراً مع خلقه للسماوات فيكون مثل: ﴿ٱدْخُلُواْ فِيۤ أُمَمٍ﴾ [الأعراف: ٣٨].
وقال ابن كيسان: إذا جعله في إحداهن فقد جعله فيهن، كما تقول: أَعطِني من الثياب [المعلمة]، وإن كنت إنما أعلمت أحدها. وقد قال ابن عمر: إن الشمس والقمر وجوههما في السماء وأقفاؤهما في الأرض.
وقال عبد الله بن عمرو بن العاص: إن ضوء الشمس والقمر ونورهما في السماء، وقرأ: ﴿أَلَمْ تَرَوْاْ كَيْفَ...﴾ الآية.
وقيل: التقدير: وجعل القمر نوراً، ثم قال: "فيهن" بعدما مضى الكلام. وسأل عبد الله بن عمر رجل فقال له: ما بال الشمس تَصْلاَنا أحياناً وتبرد أحياناً؟ فقال: أما في الشتاء فهي في السماء السابعة تحت عرش الرحمن، وأما في الصيف فهي في السماء الخامسة، قيل له: ما كنا نظن إلا أنها في هذه السماء. قال: لو كان ذلك ما قام لها شيء إلا أحرقته.
* *
- ثم قال: ﴿وَٱللَّهُ أَنبَتَكُمْ مِّنَ ٱلأَرْضِ نَبَاتاً﴾.
أي: أنبتكم من تراب فخلقكم منه فنبتم نباتاً، يعني آدمَ أَبَا الخلقِ خَلَقَهُ من تراب الأرض.
* *
- ﴿ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا﴾
أي: في الأرض فتصيرون تراباً.
* *
- ﴿[وَيُخْرِجُكُمْ]﴾
منها إلى البعث.
* *
- ثم قال: ﴿وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ بِسَاطاً﴾.
[هذا] كله [إخبار] من الله جل ذكره لنا عن قول نوح لقومه ووعظه لهم وتنبيهه لهم على آيات الله ونعمه عندهم.
فالمعنى: جعل لكم الأرض بساطاً لتستقروا عليها، ﴿لِّتَسْلُكُواْ مِنْهَا سُبُلاً فِجَاجاً﴾.
أي: طرقاً واسعة.
وقال ابن عباس: ﴿سُبُلاً فِجَاجاً﴾، أي: "طرقاً مختلفة".
- ثم (قال تعالى): ﴿قَالَ نُوحٌ رَّبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَٱتَّبَعُواْ مَن لَّمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلاَّ خَسَاراً﴾.
أي: قال نوح لمّا عصاه قومه: يا رب، إنهم عصوني فيما بَلَّغتُهم عنك فلم يقبلوه واتبعوا أمر من لم يزده ماله وولده إلا خساراً، أي: اتبعوا في معصيتهم إياي من كثر ماله وولده فلم يزده ذلك إلا بعداً منك - يا رب - [وذهاباً] عن سبيلك.
ومن قرأ "وُلده" بالضم احتمل أن يكون جمع "وَلَد"، ك "وُثُن" جمع "وَثَن"، ويجوز أن يكون واحداً يراد به (غير) الولد: (وقد قال مجاهد: وُلده: زوجه وأهله)، وقال أبو عمرو: وُلده: عشيرته وقومه.
وقال أكثر (أهل) اللغة: الوَلد والوُلد بمعنى واحد.
* *
- ثم قال: ﴿وَمَكَرُواْ مَكْراً كُبَّاراً﴾.
أي: كبيراً، يقال كُبَارٌ وكُبَّارٌ بمعنى كبير، كما يقال: "أمر عجيب"، وعُجاب بمعنى واحد. ورجل حُسَانٌ وحُسَّان بمعنى. وجَمَال وجُمَّال بمعنى جميل.
قال مجاهد: ﴿كُبَّاراً﴾ "عظيماً".
* *
- ثم قال: ﴿وَقَالُواْ لاَ تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ..﴾.
أي: وقال بعضهم لبعض: لا تذرن عبادة آلهتكم [لقول] نوح ﴿وَلاَ تَذَرُنَّ وَدّاً وَلاَ سُوَاعاً وَلاَ يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً﴾.
["هذه أسماء أصنام كانوا يعبدونها: أما وُدّ، فكانت لكلب بدومة الجندل، وأما سُواع فكانت لهذيل، وأما يَغوث فكانت لمراد ثم لبني غطيف (بالجرف) عند سبأ، وأما يعوق فكانت لهمدان، وأما نسر فكانت لحِمْيَر، لآل ذي الكلاع"].
قال محمد بن قيس: [هذه الأسماء] أسماء قوم صالحين بين آدم ونوح وكان لهم تباع يقتدون بهم، فماتوا، فقال تباعهم: لو صورناهم كان أشرف لنا نتذكرهم [فنفعل] مثل ما كانوا يفعلون، فصوروهم ثم ماتوا، وجاء آخرون فدب فيهم الشيطان، فقال: إنما كانوا يعبدونهم وبهم يسقون المطر فعبدوهم، فكان قوم نوح يحض بعضهم بعضاً على عبادتهم وترك قبول [قول] نوح.
وقيل: بل [كانوا أصناماً] يعبدونها (من دون الله) قاله ابن عباس وغيره.
* *
- ثم قال ﴿وَقَدْ أَضَلُّواْ كَثِيراً﴾
هذا إخبار عن قول نوح، أي وقد أضلت هذه الأصنام كثيراً من الخلق، أي ضل بعبادتها كثير.
* *
- ثم قال: ﴿وَلاَ تَزِدِ ٱلظَّالِمِينَ إِلاَّ ضَلاَلاً﴾.
أي: لا توفقهم حتى يموتوا على ضلالتهم فكلما عاشوا ازدادوا إثماً وضلالاً.
نوح 71:25
قوله: ﴿مِّمَّا خَطِيۤئَاتِهِمْ أُغْرِقُواْ﴾.
أي: من عقوبة خطيئاتهم أَغرقَهُم الله ثم أَدخَلهم النار، يعني قوم نوح.
* *
- ﴿فَلَمْ يَجِدُواْ لَهُمْ مِّن دُونِ ٱللَّهِ أَنصَاراً﴾.
أي: فلم يجدوا لأنفسهم ناصرين ينصرونهم من عذاب الله إذ جاءهم. و "ما" زائدة للتوكيد.
وقال الفراء: ﴿مِّمَّا خَطِيۤئَاتِهِمْ﴾ معناه: من أجل خطيئاتهم، فـ "ما" أفادت هذا المعنى، قال: و "ما" تدل على المجازاة، ومنه قوله: حيث ما تكن أكن. وقد قرأ أبو عمرو: "خطاياهم"، جعله جمعاً مكسراً، واختاره لأنه مبني للتكثير، والمسلم الذي بالتاء: الأغلب في كلام العرب أن يكون للقليل، وليس خطايا قوم كفروا ألفَ سنةٍ بقليلة.
وعلة من قرأ بالجمع المسلم بالتاء أنه يقع للكثير كمَا يقع للقليل، وتختص الكثرة إذا عُلم المعنى. وقد قال الله: ﴿وَهُمْ فِي ٱلْغُرُفَاتِ آمِنُونَ﴾ [سبأ: ٣٧] وقال ﴿لِّكَلِمَاتِ رَبِّي﴾ [الكهف: ١٠٩]، فهل هذا جمع قليل في قول أحد؟ بل هو كثير، إذ قد علم المعنى، فكذلك ذاك، وقد قيل: إن الخطيئات جمع [خطايا] أيضاً، فهو جمع الجمع، وجمع الجمع بابه الكثير.
نوح 71:26
قال: ﴿وَقَالَ نُوحٌ رَّبِّ لاَ تَذَرْ عَلَى ٱلأَرْضِ مِنَ ٱلْكَافِرِينَ دَيَّاراً﴾: أي: لا تدع على الأرض من يدور فيها ويحيى منهم فيها، والمعنى: من الكافرين أحداً، يعني قومه وغيرهم، دعا عليهم لما أوحى الله إليه ﴿أَنَّهُ لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلاَّ مَن قَدْ آمَنَ﴾ [هود: ٣٦]، قاله قتادة وغيره.
نوح 71:27
قال: ﴿إِنَّكَ إِن تَذَرْهُمْ يُضِلُّواْ عِبَادَكَ﴾
أي: إنك يا رب إن تَدَع الكافرين على الأرض ولا تهلكهم بعذاب من عندك، يضلوا المؤمنين من عبادك فيصدونهم عن سبيلك.
* *
ثم قال: ﴿وَلاَ يَلِدُوۤاْ إِلاَّ فَاجِراً كَفَّاراً﴾.
أي: وليس يلدون إلا فاجراً في دينك، كفاراً لنعمتك.
والفاجر في اللغة: المائل عن الحق.
نوح 71:28
قال: ﴿رَّبِّ ٱغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَن دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِناً..﴾.
أي: اعف عني واستر علي ذنوبي وعلى والدي وعلى من دخل بيتي.
- أي: مسجدي - ﴿مُؤْمِناً﴾: أي: مصدقاً بك.
قال الضحاك: ﴿بَيْتِيَ﴾ "مسجدي".
[وقرأ] ابن جبير: (والدي): يعني أباه.
وقرأ يحيى بن يعمر (ولوالدي) يعني ابنيه.
وقوله (وللمؤمنين والمؤمنات) أي: وللمصدقين بتوحيدك ورسلك وكتبك والمصدقات. روى عكرمة أن ابن عباس قال: إني لأرجو أن يكون من استجاب لنوح فأغرق بدعوته أهل الأرض جميعاً أن يستجيب له في كل مؤمن ومؤمنة إلى يوم القيامة، يعني بدعائه هذا الذي حكاه الله لنا عنه في هذه السورة.
* *
- ثم قال: ﴿وَلاَ تَزِدِ ٱلظَّالِمِينَ إِلاَّ تَبَاراً﴾.
أي: ولا تزد الظالمين أنفسهم بكفرهم بك إلا تباراً. قال مجاهد: تباراً: خساراً.
وقال الفراء: تباراً: ضلالاً.
وقيل: هلاكاً.
ويروي عن سفيان بن عيينة أنه قال لرجل: طب نفساً فقد دعت لك الملائكة نوح وإبراهيم ومحمد ﷺ [ثم قرأ] ﴿وَٱلْمَلاَئِكَةُ يُسَبِّحُونَ (بِحَمْدِ رَبِّهِمْ) وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَن فِي ٱلأَرْضِ﴾ [الشورى: ٥] يعني من المؤمنين.
قال أبو محمد [مؤلفه رضي الله عنه]، وقد فسر الله هذا في آية أخرى، فأخبر عن الملائكة أنهم يقولون: ﴿فَٱغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُواْ وَٱتَّبَعُواْ سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ ٱلْجَحِيمِ﴾ [غافر: ٧].
قال سفيان: وقال ابراهيم: ﴿رَبَّنَا ٱغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ ٱلْحِسَابُ﴾ [إبراهيم: ٤١] وقال الله جل ذكره لمحمد ﷺ ﴿وَٱسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ﴾ [محمد: ١٩]. قال أبو محمد: ولا نشك أن النبي ﷺ فعل ما أمره الله به من الاستغفار للمؤمنين والمؤمنات، فهذا دعاء لا نشك إن شاء الله - أن الله قد أجابه لنوح وإبراهيم ومحمد والملائكة، فمن مات على الإيمان فهو داخل تحت هذه الدعوات المذكورات (إن شاء الله)، أماتنا الله على الإيمان وختم لنا بخير.
الجن 72:1
قوله: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ ٱسْتَمَعَ﴾، إلى قوله: ﴿شَطَطاً﴾.
أي: قل يا محمد (لأمتك) أوحى الله إليّ أنه استمع نفر من الجن القرآن ومضوا إلى قومهم.
* *
- ﴿فَقَالُوۤاْ إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآناً عَجَباً * يَهْدِيۤ إِلَى ٱلرُّشْدِ﴾.
أي: إلي ما فيه الرشد لمن قبله ﴿فَآمَنَّا بِهِ..﴾ أي: فصدقنا به.
* *
﴿وَلَن نُّشرِكَ بِرَبِّنَآ أَحَداً﴾.
أي: ولا نجعل لربنا شريكاً في عبادتنا إياه بل نعبده وحده.
قال ابن عباس: كَانَ النبيّ ﷺ بِحَرَاء يتلو القُرآن فَمَرّ بِهِ نَفَرٌ منَ الجِنِّ فاستمعوا إلى قِراءَته وآمَنوا بِهِ وَمَضوا إلى قومِهم مُنذرين، فَقَالوا ما حَكى الله عنهم.
وروى جابر بن عبد الله، وابن عمر أن النّبيّ ﷺ قرأ عليهم سُورة الرّحمن، [فَكُلّما] قَرَأ عليهم ﴿فَبِأَيِّ [آلاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ]﴾ قالت الجِنّ: لا بِشيءٍ من إنعامك نكذب ربّنا. ولمّا قرأها النبيّ على أصحابه، قالَ: ما لي أراكم سُكُوتاً، [للجن] كانوا أحْسَنَ مِنكُم رَداً
ومن فتح "أن" في ﴿وَأَنَّهُ﴾ وما بعدها عَطَفَه على الهاء في "به" فصدقنا به وصدقنا أنه تعالى وكذلك ما بعده.
وما لم يحسن فيه "صدقنا" "وآمنا" أضْمر له فعل يليق بالمعنى نحو قوله: ﴿وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا ٱلْهُدَىٰ﴾، ﴿وَأَنَّا ظَنَنَّآ﴾، ﴿وَأَنَّهُ كَانَ (رِجَالٌ)﴾، ﴿وَأَنَّهُمْ ظَنُّواْ﴾ وشبهه، كأنه أضمر "شهدنا"، لأن التصديق شهادة، وأضمر [أُلهِمنا] ونحوه، فإن في جميع ذلك في موضع نصب لأنه عطف على المعنى في: ﴿فَآمَنَّا بِهِ﴾ فأما من كسر، فإنه ابتداء "إن" بعد القول في قوله: ﴿إِنَّا سَمِعْنَا﴾ ثم عطف (ما) بعدها عليها لأنه كله من قول الجن.
ومما يدل على قراءة الفتح دخول "أنّ" في قوله ﴿وَأَلَّوِ ٱسْتَقَامُواْ﴾، لأن "أنّ" لا [تدخل] مع "لو" في الحكاية فلما دخلت أن مع "لو" عُلِم أن ما قبلها وما بعدها لم يحمل على الحكاية أيضاً، وإذا لم يحمل على الحكاية لم يجب فيه الكسر، وإذا لم يُكسر وجب فتحه.
ولا يحسن أن يَعطِف من فتح على ﴿أَنَّهُ (ٱسْتَمَعَ﴾ لأنه ليس كلّه يحسن فيه ذلك المعنى. لو قلت "وأوحى إليّ أنا ظننا" وأوحي إلي) أنه كان (يقول سفيهنا) لم يحسن شيء من ذلك لأنه مما حكى الله جل ذكره لنا من قول الجن، فلا يجوز أن يعطف كلام الجن على ما أوحي الى النبي ﷺ، لأنه ليس منه. وعلة من كسر الجميع وفتح ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ ٱللَّهِ يَدْعُوهُ﴾ وهو [أبو عمرو] وابن كثير، لأنه ليس من قول الجن فيحمل على الحكاية، فَحَمَلَهُ على العطف على قوله: ﴿أَنَّهُ ٱسْتَمَعَ﴾، فهو في موضع رفع عَطْفٌ على المفعول الذي لم يسم فاعله وهو ﴿أَنَّهُ ٱسْتَمَعَ﴾.
فأما علة (من) فتح "أن" في قوله ﴿وَأَلَّوِ ٱسْتَقَامُواْ﴾ وإجماعهم على ذلك فلأنها بعد يمين مقدرة فانقطعت عن النسق، والتقدير: والله أن لو استقاموا على الطريقة لأسقيناهم ماء غدقاً.
وكان سبب استماع الجن للقرآن (ما) قال ابن عباس، قال: اِنْطَلَقَ رَسُولُ الله ﷺ فِي طَائِفَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ عَامِدِينَ (سُوقَ) عُكَاظٍ وَقَدْ حِيلَ بَيْنَ الشَّيَاطِينِ وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ، فَأُرْسِلَتْ عَلَيهِمُ الشُّهُبُ، فَرَجِعَتِ الشَّيَاطِينُ إِلَى قَوْمِهِمْ فَقَالُوا: حِيلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ السَّمَاءِ، وَأُرْسِلَتْ عَلَيْنَا الشُّهُبُ، فَقَالُوا: مَا حالَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ إِلاَّ شَيْءٌ حَدَثَ، فَاضْرِبُوا مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبِهَا تَبْتَغُونَ مَا هَذَا الَّذِي حَالَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ. (فَانْصَرَفَ) أُولَئِكَ النَّفَرُ الَّذِينَ تَوَجَّهُوا نَحْوَ [تهَامَةَ] إِلَى رَسُولِ الله ﷺ وَهُوَ بِنَخْلَةٍ عَامِداً إِلَى سُوقِ عُكَاظٍ وَهُوَ يُصَلِّي بِأَصْحَابِهَ صَلاَةَ الفَجْرِ، فَلَمَّا سَمِعُوا القُرْآنَ اسْتَمَعُوا لَهُ، وَقَالُوا: هَذَا وَالله الَّذِي حَالَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ. فَهُنَاكَ حِينَ رَجِعُوا إِلَى قَوْمِهِمْ فَقَالُوا: إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآناً عَجَباً يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا (أَحَداً)، فأنزل الله جل ذكره ذلك على نبيه
قال زِرُّ: قدم رهط [زوبعة] وأصحابه إلى مكة على النبي ﷺ فسمعوا قراءته ثم انصرفوا فهو قوله: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَآ إِلَيْكَ نَفَراً مِّنَ ٱلْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ [ٱلْقُرْآنَ﴾. قال]: وكانوا تسعةً، مِنْهُمْ [زوبعةُ].
قال الضحاك: قوله ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ ٱسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ﴾ (هو قوله: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَآ إِلَيْكَ نَفَراً مِّنَ ٱلْجِنِّ)﴾ ثم ذكر من الخبر (نحو) ما تقدم.
والنَّفَرُ في اللغة ثلاثة فأكثر.
* *
- ثم قال: ﴿وَأَنَّهُ تَعَالَىٰ جَدُّ رَبِّنَا (مَا ٱتَّخَذَ)﴾
أي: (وآمنا أنه تعالى، على قراءة من فتح.
وعلى قراءة من كسر، فتقديره: وقالوا إنه ﴿تَعَالَىٰ جَدُّ رَبِّنَا﴾: أي) أَمْرُ ربنا وسلطانُه وقدرتُه.
قال ابن عباس: ﴿جَدُّ رَبِّنَا﴾: "فعله وأمره وقدرته". وهو قول قتادة والسدي وابن زيد. وقال عكرمة ومجاهد: ﴿جَدُّ رَبِّنَا﴾ جلاله وعظمته. وقال الحسن ﴿جَدُّ رَبِّنَا﴾ "غنى ربنا".
وذكر الطبري عن بعضهم أنه قال: جَهِلَ الجِنُّ فيما قالوا: والجَدّ [أبو] الأَبِ.
وعن مجاهد أيضاً ﴿جَدُّ رَبِّنَا﴾ "ذكره". وعنه وعن عكرمة وقتادة: ﴿جَدُّ رَبِّنَا﴾ عظمته.
والجد في اللغة على وجوه، منها: الجَدّ أبو الأب وأبو الأم والجَدّ: الحظّ، وهو [البَخْتُ] بالفارسية والجَدّ: العَظَمَةُ. (والجَدّ مصدر [جَدَدْتُ] الشيء جَدّا، ولا يليق بهذا الموضع من كتاب الله من هذه الوجوه إلا العظمة.
* *
- ثم قال: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا عَلَى ٱللَّهِ شَطَطاً﴾.
أي: وشهدنا أنه (كان على قراءة من فتح "أن"، ومن كسر كان تقديره: "وقالوا إنه كان يقول". وكذلك التقدير في جميعها في الفتح أو الكسر، تقدر بالفتح: صدقنا أو آمنا أو شهدنا أو أُلْهِمنا ونحوه. وتقدر في الكسر "القول" لأنه معطوف على ﴿فَقَالُوۤاْ إِنَّا سَمِعْنَا﴾.
والمعنى أن الله أخبرنا عن [قول] النَّفَرِ واعترافهم الخطأ الذي كانوا عليه.
من قبول قول إبليس اللعين فالمعنى: وإن إبليس كان يقول على الله شططاً والشطط: الغلو في الكذب.
قال قتادة ومجاهد وابن جريج: السفيه هنا إبليس ورواه أبو بُرْدَة عن النبي ﷺ.
قال سفيان: سمعت أن الرجل إذا سجد جلس (إبليس) يبكي يا ويله، أمرت بالسجود فعصيت [فلي] النار وأمر ابن آدم بالسجود فسجد فله الجنة.
والسفه [رقة] الحلم.
قال ابن زيد: ﴿شَطَطاً﴾ ظلماً كبيراً.
وقيل: الشطط: البعد [ومنه]: شط المِزار أي: بعد.
الجن 72:2
قوله: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ ٱسْتَمَعَ﴾، إلى قوله: ﴿شَطَطاً﴾.
أي: قل يا محمد (لأمتك) أوحى الله إليّ أنه استمع نفر من الجن القرآن ومضوا إلى قومهم.
* *
- ﴿فَقَالُوۤاْ إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآناً عَجَباً * يَهْدِيۤ إِلَى ٱلرُّشْدِ﴾.
أي: إلي ما فيه الرشد لمن قبله ﴿فَآمَنَّا بِهِ..﴾ أي: فصدقنا به.
* *
﴿وَلَن نُّشرِكَ بِرَبِّنَآ أَحَداً﴾.
أي: ولا نجعل لربنا شريكاً في عبادتنا إياه بل نعبده وحده.
قال ابن عباس: كَانَ النبيّ ﷺ بِحَرَاء يتلو القُرآن فَمَرّ بِهِ نَفَرٌ منَ الجِنِّ فاستمعوا إلى قِراءَته وآمَنوا بِهِ وَمَضوا إلى قومِهم مُنذرين، فَقَالوا ما حَكى الله عنهم.
وروى جابر بن عبد الله، وابن عمر أن النّبيّ ﷺ قرأ عليهم سُورة الرّحمن، [فَكُلّما] قَرَأ عليهم ﴿فَبِأَيِّ [آلاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ]﴾ قالت الجِنّ: لا بِشيءٍ من إنعامك نكذب ربّنا. ولمّا قرأها النبيّ على أصحابه، قالَ: ما لي أراكم سُكُوتاً، [للجن] كانوا أحْسَنَ مِنكُم رَداً
ومن فتح "أن" في ﴿وَأَنَّهُ﴾ وما بعدها عَطَفَه على الهاء في "به" فصدقنا به وصدقنا أنه تعالى وكذلك ما بعده.
وما لم يحسن فيه "صدقنا" "وآمنا" أضْمر له فعل يليق بالمعنى نحو قوله: ﴿وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا ٱلْهُدَىٰ﴾، ﴿وَأَنَّا ظَنَنَّآ﴾، ﴿وَأَنَّهُ كَانَ (رِجَالٌ)﴾، ﴿وَأَنَّهُمْ ظَنُّواْ﴾ وشبهه، كأنه أضمر "شهدنا"، لأن التصديق شهادة، وأضمر [أُلهِمنا] ونحوه، فإن في جميع ذلك في موضع نصب لأنه عطف على المعنى في: ﴿فَآمَنَّا بِهِ﴾ فأما من كسر، فإنه ابتداء "إن" بعد القول في قوله: ﴿إِنَّا سَمِعْنَا﴾ ثم عطف (ما) بعدها عليها لأنه كله من قول الجن.
ومما يدل على قراءة الفتح دخول "أنّ" في قوله ﴿وَأَلَّوِ ٱسْتَقَامُواْ﴾، لأن "أنّ" لا [تدخل] مع "لو" في الحكاية فلما دخلت أن مع "لو" عُلِم أن ما قبلها وما بعدها لم يحمل على الحكاية أيضاً، وإذا لم يحمل على الحكاية لم يجب فيه الكسر، وإذا لم يُكسر وجب فتحه.
ولا يحسن أن يَعطِف من فتح على ﴿أَنَّهُ (ٱسْتَمَعَ﴾ لأنه ليس كلّه يحسن فيه ذلك المعنى. لو قلت "وأوحى إليّ أنا ظننا" وأوحي إلي) أنه كان (يقول سفيهنا) لم يحسن شيء من ذلك لأنه مما حكى الله جل ذكره لنا من قول الجن، فلا يجوز أن يعطف كلام الجن على ما أوحي الى النبي ﷺ، لأنه ليس منه. وعلة من كسر الجميع وفتح ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ ٱللَّهِ يَدْعُوهُ﴾ وهو [أبو عمرو] وابن كثير، لأنه ليس من قول الجن فيحمل على الحكاية، فَحَمَلَهُ على العطف على قوله: ﴿أَنَّهُ ٱسْتَمَعَ﴾، فهو في موضع رفع عَطْفٌ على المفعول الذي لم يسم فاعله وهو ﴿أَنَّهُ ٱسْتَمَعَ﴾.
فأما علة (من) فتح "أن" في قوله ﴿وَأَلَّوِ ٱسْتَقَامُواْ﴾ وإجماعهم على ذلك فلأنها بعد يمين مقدرة فانقطعت عن النسق، والتقدير: والله أن لو استقاموا على الطريقة لأسقيناهم ماء غدقاً.
وكان سبب استماع الجن للقرآن (ما) قال ابن عباس، قال: اِنْطَلَقَ رَسُولُ الله ﷺ فِي طَائِفَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ عَامِدِينَ (سُوقَ) عُكَاظٍ وَقَدْ حِيلَ بَيْنَ الشَّيَاطِينِ وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ، فَأُرْسِلَتْ عَلَيهِمُ الشُّهُبُ، فَرَجِعَتِ الشَّيَاطِينُ إِلَى قَوْمِهِمْ فَقَالُوا: حِيلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ السَّمَاءِ، وَأُرْسِلَتْ عَلَيْنَا الشُّهُبُ، فَقَالُوا: مَا حالَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ إِلاَّ شَيْءٌ حَدَثَ، فَاضْرِبُوا مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبِهَا تَبْتَغُونَ مَا هَذَا الَّذِي حَالَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ. (فَانْصَرَفَ) أُولَئِكَ النَّفَرُ الَّذِينَ تَوَجَّهُوا نَحْوَ [تهَامَةَ] إِلَى رَسُولِ الله ﷺ وَهُوَ بِنَخْلَةٍ عَامِداً إِلَى سُوقِ عُكَاظٍ وَهُوَ يُصَلِّي بِأَصْحَابِهَ صَلاَةَ الفَجْرِ، فَلَمَّا سَمِعُوا القُرْآنَ اسْتَمَعُوا لَهُ، وَقَالُوا: هَذَا وَالله الَّذِي حَالَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ. فَهُنَاكَ حِينَ رَجِعُوا إِلَى قَوْمِهِمْ فَقَالُوا: إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآناً عَجَباً يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا (أَحَداً)، فأنزل الله جل ذكره ذلك على نبيه
قال زِرُّ: قدم رهط [زوبعة] وأصحابه إلى مكة على النبي ﷺ فسمعوا قراءته ثم انصرفوا فهو قوله: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَآ إِلَيْكَ نَفَراً مِّنَ ٱلْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ [ٱلْقُرْآنَ﴾. قال]: وكانوا تسعةً، مِنْهُمْ [زوبعةُ].
قال الضحاك: قوله ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ ٱسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ﴾ (هو قوله: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَآ إِلَيْكَ نَفَراً مِّنَ ٱلْجِنِّ)﴾ ثم ذكر من الخبر (نحو) ما تقدم.
والنَّفَرُ في اللغة ثلاثة فأكثر.
* *
- ثم قال: ﴿وَأَنَّهُ تَعَالَىٰ جَدُّ رَبِّنَا (مَا ٱتَّخَذَ)﴾
أي: (وآمنا أنه تعالى، على قراءة من فتح.
وعلى قراءة من كسر، فتقديره: وقالوا إنه ﴿تَعَالَىٰ جَدُّ رَبِّنَا﴾: أي) أَمْرُ ربنا وسلطانُه وقدرتُه.
قال ابن عباس: ﴿جَدُّ رَبِّنَا﴾: "فعله وأمره وقدرته". وهو قول قتادة والسدي وابن زيد. وقال عكرمة ومجاهد: ﴿جَدُّ رَبِّنَا﴾ جلاله وعظمته. وقال الحسن ﴿جَدُّ رَبِّنَا﴾ "غنى ربنا".
وذكر الطبري عن بعضهم أنه قال: جَهِلَ الجِنُّ فيما قالوا: والجَدّ [أبو] الأَبِ.
وعن مجاهد أيضاً ﴿جَدُّ رَبِّنَا﴾ "ذكره". وعنه وعن عكرمة وقتادة: ﴿جَدُّ رَبِّنَا﴾ عظمته.
والجد في اللغة على وجوه، منها: الجَدّ أبو الأب وأبو الأم والجَدّ: الحظّ، وهو [البَخْتُ] بالفارسية والجَدّ: العَظَمَةُ. (والجَدّ مصدر [جَدَدْتُ] الشيء جَدّا، ولا يليق بهذا الموضع من كتاب الله من هذه الوجوه إلا العظمة.
* *
- ثم قال: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا عَلَى ٱللَّهِ شَطَطاً﴾.
أي: وشهدنا أنه (كان على قراءة من فتح "أن"، ومن كسر كان تقديره: "وقالوا إنه كان يقول". وكذلك التقدير في جميعها في الفتح أو الكسر، تقدر بالفتح: صدقنا أو آمنا أو شهدنا أو أُلْهِمنا ونحوه. وتقدر في الكسر "القول" لأنه معطوف على ﴿فَقَالُوۤاْ إِنَّا سَمِعْنَا﴾.
والمعنى أن الله أخبرنا عن [قول] النَّفَرِ واعترافهم الخطأ الذي كانوا عليه.
من قبول قول إبليس اللعين فالمعنى: وإن إبليس كان يقول على الله شططاً والشطط: الغلو في الكذب.
قال قتادة ومجاهد وابن جريج: السفيه هنا إبليس ورواه أبو بُرْدَة عن النبي ﷺ.
قال سفيان: سمعت أن الرجل إذا سجد جلس (إبليس) يبكي يا ويله، أمرت بالسجود فعصيت [فلي] النار وأمر ابن آدم بالسجود فسجد فله الجنة.
والسفه [رقة] الحلم.
قال ابن زيد: ﴿شَطَطاً﴾ ظلماً كبيراً.
وقيل: الشطط: البعد [ومنه]: شط المِزار أي: بعد.
الجن 72:3
قوله: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ ٱسْتَمَعَ﴾، إلى قوله: ﴿شَطَطاً﴾.
أي: قل يا محمد (لأمتك) أوحى الله إليّ أنه استمع نفر من الجن القرآن ومضوا إلى قومهم.
* *
- ﴿فَقَالُوۤاْ إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآناً عَجَباً * يَهْدِيۤ إِلَى ٱلرُّشْدِ﴾.
أي: إلي ما فيه الرشد لمن قبله ﴿فَآمَنَّا بِهِ..﴾ أي: فصدقنا به.
* *
﴿وَلَن نُّشرِكَ بِرَبِّنَآ أَحَداً﴾.
أي: ولا نجعل لربنا شريكاً في عبادتنا إياه بل نعبده وحده.
قال ابن عباس: كَانَ النبيّ ﷺ بِحَرَاء يتلو القُرآن فَمَرّ بِهِ نَفَرٌ منَ الجِنِّ فاستمعوا إلى قِراءَته وآمَنوا بِهِ وَمَضوا إلى قومِهم مُنذرين، فَقَالوا ما حَكى الله عنهم.
وروى جابر بن عبد الله، وابن عمر أن النّبيّ ﷺ قرأ عليهم سُورة الرّحمن، [فَكُلّما] قَرَأ عليهم ﴿فَبِأَيِّ [آلاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ]﴾ قالت الجِنّ: لا بِشيءٍ من إنعامك نكذب ربّنا. ولمّا قرأها النبيّ على أصحابه، قالَ: ما لي أراكم سُكُوتاً، [للجن] كانوا أحْسَنَ مِنكُم رَداً
ومن فتح "أن" في ﴿وَأَنَّهُ﴾ وما بعدها عَطَفَه على الهاء في "به" فصدقنا به وصدقنا أنه تعالى وكذلك ما بعده.
وما لم يحسن فيه "صدقنا" "وآمنا" أضْمر له فعل يليق بالمعنى نحو قوله: ﴿وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا ٱلْهُدَىٰ﴾، ﴿وَأَنَّا ظَنَنَّآ﴾، ﴿وَأَنَّهُ كَانَ (رِجَالٌ)﴾، ﴿وَأَنَّهُمْ ظَنُّواْ﴾ وشبهه، كأنه أضمر "شهدنا"، لأن التصديق شهادة، وأضمر [أُلهِمنا] ونحوه، فإن في جميع ذلك في موضع نصب لأنه عطف على المعنى في: ﴿فَآمَنَّا بِهِ﴾ فأما من كسر، فإنه ابتداء "إن" بعد القول في قوله: ﴿إِنَّا سَمِعْنَا﴾ ثم عطف (ما) بعدها عليها لأنه كله من قول الجن.
ومما يدل على قراءة الفتح دخول "أنّ" في قوله ﴿وَأَلَّوِ ٱسْتَقَامُواْ﴾، لأن "أنّ" لا [تدخل] مع "لو" في الحكاية فلما دخلت أن مع "لو" عُلِم أن ما قبلها وما بعدها لم يحمل على الحكاية أيضاً، وإذا لم يحمل على الحكاية لم يجب فيه الكسر، وإذا لم يُكسر وجب فتحه.
ولا يحسن أن يَعطِف من فتح على ﴿أَنَّهُ (ٱسْتَمَعَ﴾ لأنه ليس كلّه يحسن فيه ذلك المعنى. لو قلت "وأوحى إليّ أنا ظننا" وأوحي إلي) أنه كان (يقول سفيهنا) لم يحسن شيء من ذلك لأنه مما حكى الله جل ذكره لنا من قول الجن، فلا يجوز أن يعطف كلام الجن على ما أوحي الى النبي ﷺ، لأنه ليس منه. وعلة من كسر الجميع وفتح ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ ٱللَّهِ يَدْعُوهُ﴾ وهو [أبو عمرو] وابن كثير، لأنه ليس من قول الجن فيحمل على الحكاية، فَحَمَلَهُ على العطف على قوله: ﴿أَنَّهُ ٱسْتَمَعَ﴾، فهو في موضع رفع عَطْفٌ على المفعول الذي لم يسم فاعله وهو ﴿أَنَّهُ ٱسْتَمَعَ﴾.
فأما علة (من) فتح "أن" في قوله ﴿وَأَلَّوِ ٱسْتَقَامُواْ﴾ وإجماعهم على ذلك فلأنها بعد يمين مقدرة فانقطعت عن النسق، والتقدير: والله أن لو استقاموا على الطريقة لأسقيناهم ماء غدقاً.
وكان سبب استماع الجن للقرآن (ما) قال ابن عباس، قال: اِنْطَلَقَ رَسُولُ الله ﷺ فِي طَائِفَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ عَامِدِينَ (سُوقَ) عُكَاظٍ وَقَدْ حِيلَ بَيْنَ الشَّيَاطِينِ وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ، فَأُرْسِلَتْ عَلَيهِمُ الشُّهُبُ، فَرَجِعَتِ الشَّيَاطِينُ إِلَى قَوْمِهِمْ فَقَالُوا: حِيلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ السَّمَاءِ، وَأُرْسِلَتْ عَلَيْنَا الشُّهُبُ، فَقَالُوا: مَا حالَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ إِلاَّ شَيْءٌ حَدَثَ، فَاضْرِبُوا مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبِهَا تَبْتَغُونَ مَا هَذَا الَّذِي حَالَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ. (فَانْصَرَفَ) أُولَئِكَ النَّفَرُ الَّذِينَ تَوَجَّهُوا نَحْوَ [تهَامَةَ] إِلَى رَسُولِ الله ﷺ وَهُوَ بِنَخْلَةٍ عَامِداً إِلَى سُوقِ عُكَاظٍ وَهُوَ يُصَلِّي بِأَصْحَابِهَ صَلاَةَ الفَجْرِ، فَلَمَّا سَمِعُوا القُرْآنَ اسْتَمَعُوا لَهُ، وَقَالُوا: هَذَا وَالله الَّذِي حَالَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ. فَهُنَاكَ حِينَ رَجِعُوا إِلَى قَوْمِهِمْ فَقَالُوا: إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآناً عَجَباً يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا (أَحَداً)، فأنزل الله جل ذكره ذلك على نبيه
قال زِرُّ: قدم رهط [زوبعة] وأصحابه إلى مكة على النبي ﷺ فسمعوا قراءته ثم انصرفوا فهو قوله: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَآ إِلَيْكَ نَفَراً مِّنَ ٱلْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ [ٱلْقُرْآنَ﴾. قال]: وكانوا تسعةً، مِنْهُمْ [زوبعةُ].
قال الضحاك: قوله ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ ٱسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ﴾ (هو قوله: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَآ إِلَيْكَ نَفَراً مِّنَ ٱلْجِنِّ)﴾ ثم ذكر من الخبر (نحو) ما تقدم.
والنَّفَرُ في اللغة ثلاثة فأكثر.
* *
- ثم قال: ﴿وَأَنَّهُ تَعَالَىٰ جَدُّ رَبِّنَا (مَا ٱتَّخَذَ)﴾
أي: (وآمنا أنه تعالى، على قراءة من فتح.
وعلى قراءة من كسر، فتقديره: وقالوا إنه ﴿تَعَالَىٰ جَدُّ رَبِّنَا﴾: أي) أَمْرُ ربنا وسلطانُه وقدرتُه.
قال ابن عباس: ﴿جَدُّ رَبِّنَا﴾: "فعله وأمره وقدرته". وهو قول قتادة والسدي وابن زيد. وقال عكرمة ومجاهد: ﴿جَدُّ رَبِّنَا﴾ جلاله وعظمته. وقال الحسن ﴿جَدُّ رَبِّنَا﴾ "غنى ربنا".
وذكر الطبري عن بعضهم أنه قال: جَهِلَ الجِنُّ فيما قالوا: والجَدّ [أبو] الأَبِ.
وعن مجاهد أيضاً ﴿جَدُّ رَبِّنَا﴾ "ذكره". وعنه وعن عكرمة وقتادة: ﴿جَدُّ رَبِّنَا﴾ عظمته.
والجد في اللغة على وجوه، منها: الجَدّ أبو الأب وأبو الأم والجَدّ: الحظّ، وهو [البَخْتُ] بالفارسية والجَدّ: العَظَمَةُ. (والجَدّ مصدر [جَدَدْتُ] الشيء جَدّا، ولا يليق بهذا الموضع من كتاب الله من هذه الوجوه إلا العظمة.
* *
- ثم قال: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا عَلَى ٱللَّهِ شَطَطاً﴾.
أي: وشهدنا أنه (كان على قراءة من فتح "أن"، ومن كسر كان تقديره: "وقالوا إنه كان يقول". وكذلك التقدير في جميعها في الفتح أو الكسر، تقدر بالفتح: صدقنا أو آمنا أو شهدنا أو أُلْهِمنا ونحوه. وتقدر في الكسر "القول" لأنه معطوف على ﴿فَقَالُوۤاْ إِنَّا سَمِعْنَا﴾.
والمعنى أن الله أخبرنا عن [قول] النَّفَرِ واعترافهم الخطأ الذي كانوا عليه.
من قبول قول إبليس اللعين فالمعنى: وإن إبليس كان يقول على الله شططاً والشطط: الغلو في الكذب.
قال قتادة ومجاهد وابن جريج: السفيه هنا إبليس ورواه أبو بُرْدَة عن النبي ﷺ.
قال سفيان: سمعت أن الرجل إذا سجد جلس (إبليس) يبكي يا ويله، أمرت بالسجود فعصيت [فلي] النار وأمر ابن آدم بالسجود فسجد فله الجنة.
والسفه [رقة] الحلم.
قال ابن زيد: ﴿شَطَطاً﴾ ظلماً كبيراً.
وقيل: الشطط: البعد [ومنه]: شط المِزار أي: بعد.
الجن 72:4
قوله: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ ٱسْتَمَعَ﴾، إلى قوله: ﴿شَطَطاً﴾.
أي: قل يا محمد (لأمتك) أوحى الله إليّ أنه استمع نفر من الجن القرآن ومضوا إلى قومهم.
* *
- ﴿فَقَالُوۤاْ إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآناً عَجَباً * يَهْدِيۤ إِلَى ٱلرُّشْدِ﴾.
أي: إلي ما فيه الرشد لمن قبله ﴿فَآمَنَّا بِهِ..﴾ أي: فصدقنا به.
* *
﴿وَلَن نُّشرِكَ بِرَبِّنَآ أَحَداً﴾.
أي: ولا نجعل لربنا شريكاً في عبادتنا إياه بل نعبده وحده.
قال ابن عباس: كَانَ النبيّ ﷺ بِحَرَاء يتلو القُرآن فَمَرّ بِهِ نَفَرٌ منَ الجِنِّ فاستمعوا إلى قِراءَته وآمَنوا بِهِ وَمَضوا إلى قومِهم مُنذرين، فَقَالوا ما حَكى الله عنهم.
وروى جابر بن عبد الله، وابن عمر أن النّبيّ ﷺ قرأ عليهم سُورة الرّحمن، [فَكُلّما] قَرَأ عليهم ﴿فَبِأَيِّ [آلاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ]﴾ قالت الجِنّ: لا بِشيءٍ من إنعامك نكذب ربّنا. ولمّا قرأها النبيّ على أصحابه، قالَ: ما لي أراكم سُكُوتاً، [للجن] كانوا أحْسَنَ مِنكُم رَداً
ومن فتح "أن" في ﴿وَأَنَّهُ﴾ وما بعدها عَطَفَه على الهاء في "به" فصدقنا به وصدقنا أنه تعالى وكذلك ما بعده.
وما لم يحسن فيه "صدقنا" "وآمنا" أضْمر له فعل يليق بالمعنى نحو قوله: ﴿وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا ٱلْهُدَىٰ﴾، ﴿وَأَنَّا ظَنَنَّآ﴾، ﴿وَأَنَّهُ كَانَ (رِجَالٌ)﴾، ﴿وَأَنَّهُمْ ظَنُّواْ﴾ وشبهه، كأنه أضمر "شهدنا"، لأن التصديق شهادة، وأضمر [أُلهِمنا] ونحوه، فإن في جميع ذلك في موضع نصب لأنه عطف على المعنى في: ﴿فَآمَنَّا بِهِ﴾ فأما من كسر، فإنه ابتداء "إن" بعد القول في قوله: ﴿إِنَّا سَمِعْنَا﴾ ثم عطف (ما) بعدها عليها لأنه كله من قول الجن.
ومما يدل على قراءة الفتح دخول "أنّ" في قوله ﴿وَأَلَّوِ ٱسْتَقَامُواْ﴾، لأن "أنّ" لا [تدخل] مع "لو" في الحكاية فلما دخلت أن مع "لو" عُلِم أن ما قبلها وما بعدها لم يحمل على الحكاية أيضاً، وإذا لم يحمل على الحكاية لم يجب فيه الكسر، وإذا لم يُكسر وجب فتحه.
ولا يحسن أن يَعطِف من فتح على ﴿أَنَّهُ (ٱسْتَمَعَ﴾ لأنه ليس كلّه يحسن فيه ذلك المعنى. لو قلت "وأوحى إليّ أنا ظننا" وأوحي إلي) أنه كان (يقول سفيهنا) لم يحسن شيء من ذلك لأنه مما حكى الله جل ذكره لنا من قول الجن، فلا يجوز أن يعطف كلام الجن على ما أوحي الى النبي ﷺ، لأنه ليس منه. وعلة من كسر الجميع وفتح ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ ٱللَّهِ يَدْعُوهُ﴾ وهو [أبو عمرو] وابن كثير، لأنه ليس من قول الجن فيحمل على الحكاية، فَحَمَلَهُ على العطف على قوله: ﴿أَنَّهُ ٱسْتَمَعَ﴾، فهو في موضع رفع عَطْفٌ على المفعول الذي لم يسم فاعله وهو ﴿أَنَّهُ ٱسْتَمَعَ﴾.
فأما علة (من) فتح "أن" في قوله ﴿وَأَلَّوِ ٱسْتَقَامُواْ﴾ وإجماعهم على ذلك فلأنها بعد يمين مقدرة فانقطعت عن النسق، والتقدير: والله أن لو استقاموا على الطريقة لأسقيناهم ماء غدقاً.
وكان سبب استماع الجن للقرآن (ما) قال ابن عباس، قال: اِنْطَلَقَ رَسُولُ الله ﷺ فِي طَائِفَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ عَامِدِينَ (سُوقَ) عُكَاظٍ وَقَدْ حِيلَ بَيْنَ الشَّيَاطِينِ وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ، فَأُرْسِلَتْ عَلَيهِمُ الشُّهُبُ، فَرَجِعَتِ الشَّيَاطِينُ إِلَى قَوْمِهِمْ فَقَالُوا: حِيلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ السَّمَاءِ، وَأُرْسِلَتْ عَلَيْنَا الشُّهُبُ، فَقَالُوا: مَا حالَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ إِلاَّ شَيْءٌ حَدَثَ، فَاضْرِبُوا مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبِهَا تَبْتَغُونَ مَا هَذَا الَّذِي حَالَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ. (فَانْصَرَفَ) أُولَئِكَ النَّفَرُ الَّذِينَ تَوَجَّهُوا نَحْوَ [تهَامَةَ] إِلَى رَسُولِ الله ﷺ وَهُوَ بِنَخْلَةٍ عَامِداً إِلَى سُوقِ عُكَاظٍ وَهُوَ يُصَلِّي بِأَصْحَابِهَ صَلاَةَ الفَجْرِ، فَلَمَّا سَمِعُوا القُرْآنَ اسْتَمَعُوا لَهُ، وَقَالُوا: هَذَا وَالله الَّذِي حَالَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ. فَهُنَاكَ حِينَ رَجِعُوا إِلَى قَوْمِهِمْ فَقَالُوا: إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآناً عَجَباً يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا (أَحَداً)، فأنزل الله جل ذكره ذلك على نبيه
قال زِرُّ: قدم رهط [زوبعة] وأصحابه إلى مكة على النبي ﷺ فسمعوا قراءته ثم انصرفوا فهو قوله: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَآ إِلَيْكَ نَفَراً مِّنَ ٱلْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ [ٱلْقُرْآنَ﴾. قال]: وكانوا تسعةً، مِنْهُمْ [زوبعةُ].
قال الضحاك: قوله ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ ٱسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ﴾ (هو قوله: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَآ إِلَيْكَ نَفَراً مِّنَ ٱلْجِنِّ)﴾ ثم ذكر من الخبر (نحو) ما تقدم.
والنَّفَرُ في اللغة ثلاثة فأكثر.
* *
- ثم قال: ﴿وَأَنَّهُ تَعَالَىٰ جَدُّ رَبِّنَا (مَا ٱتَّخَذَ)﴾
أي: (وآمنا أنه تعالى، على قراءة من فتح.
وعلى قراءة من كسر، فتقديره: وقالوا إنه ﴿تَعَالَىٰ جَدُّ رَبِّنَا﴾: أي) أَمْرُ ربنا وسلطانُه وقدرتُه.
قال ابن عباس: ﴿جَدُّ رَبِّنَا﴾: "فعله وأمره وقدرته". وهو قول قتادة والسدي وابن زيد. وقال عكرمة ومجاهد: ﴿جَدُّ رَبِّنَا﴾ جلاله وعظمته. وقال الحسن ﴿جَدُّ رَبِّنَا﴾ "غنى ربنا".
وذكر الطبري عن بعضهم أنه قال: جَهِلَ الجِنُّ فيما قالوا: والجَدّ [أبو] الأَبِ.
وعن مجاهد أيضاً ﴿جَدُّ رَبِّنَا﴾ "ذكره". وعنه وعن عكرمة وقتادة: ﴿جَدُّ رَبِّنَا﴾ عظمته.
والجد في اللغة على وجوه، منها: الجَدّ أبو الأب وأبو الأم والجَدّ: الحظّ، وهو [البَخْتُ] بالفارسية والجَدّ: العَظَمَةُ. (والجَدّ مصدر [جَدَدْتُ] الشيء جَدّا، ولا يليق بهذا الموضع من كتاب الله من هذه الوجوه إلا العظمة.
* *
- ثم قال: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا عَلَى ٱللَّهِ شَطَطاً﴾.
أي: وشهدنا أنه (كان على قراءة من فتح "أن"، ومن كسر كان تقديره: "وقالوا إنه كان يقول". وكذلك التقدير في جميعها في الفتح أو الكسر، تقدر بالفتح: صدقنا أو آمنا أو شهدنا أو أُلْهِمنا ونحوه. وتقدر في الكسر "القول" لأنه معطوف على ﴿فَقَالُوۤاْ إِنَّا سَمِعْنَا﴾.
والمعنى أن الله أخبرنا عن [قول] النَّفَرِ واعترافهم الخطأ الذي كانوا عليه.
من قبول قول إبليس اللعين فالمعنى: وإن إبليس كان يقول على الله شططاً والشطط: الغلو في الكذب.
قال قتادة ومجاهد وابن جريج: السفيه هنا إبليس ورواه أبو بُرْدَة عن النبي ﷺ.
قال سفيان: سمعت أن الرجل إذا سجد جلس (إبليس) يبكي يا ويله، أمرت بالسجود فعصيت [فلي] النار وأمر ابن آدم بالسجود فسجد فله الجنة.
والسفه [رقة] الحلم.
قال ابن زيد: ﴿شَطَطاً﴾ ظلماً كبيراً.
وقيل: الشطط: البعد [ومنه]: شط المِزار أي: بعد.
الجن 72:5
قوله: ﴿وَأَنَّا ظَنَنَّآ أَن لَّن تَقُولَ ٱلإِنسُ وَٱلْجِنُّ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً﴾ إلى قوله: ﴿لِبَداً﴾.
أي: وإنّا حسبنا وتوهمنا أن أحداً لا يقول على الله الكذب. وذلك أنهم كانوا يحسبون أَ(نّ) إبليس كان صادقاً فيما [يدعوهم] إليه من صنوف الكفر. فما سمعوا القرآن أيقنوا أنه كان كاذباً في كل ذلك وسَمّوه سفيها.
[ثم قال]: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ ٱلإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ ٱلْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقاً﴾.
هذا أيضاً من قول النفر من الجن.
ذكروا أن رجالاً من الإنس [كانوا] [يستجيرون] برجال من الجن في أسفارهم إذا نزلوا، فزاد الجنّ باستجارتهم (لهم) جرأة عليهم وازداد الإنس إِثْماً.
قال ابن عباس: [فزادوهم] إثماً. وهو قول قتادة. فازداد الإنس بفعلهم ذلك إثماً، وازداد الجن على الإنس جرأة.
وقال مجاهد: ازداد الإنس بذلك طغياناً.
وقال الربيع بن أنس: فازداد الإنس لذلك فَرقاَ من الجن.
وهو قول ابن زيد.
وقال أبو عبيدة: رهقاً: سفهاً وظلماً.
والرهق في كلام العرب: الإثم والعيب وإتيان المحارم. ومنه: فلان يرهق بكذا، أي: يعاب به. فيكون التقدير: فزاد الجنّ الإنسَ إِثماً لمّا [استعاذوا] بهم. وكان ذلك من فعل المشركين. قال ابن عباس وغيره: كان رجال من الإنس يَبِيتُ أحدهم في الوادي في الجاهلية، فيقول: أعوذ بعزيز هذا الوادي فزادهم ذلك إثماً.
وقال الحسن: كان الرجل إذا نزل في الوادي يقول: أعوذ بعزيز هذا الوادي من سفهاء قومه.
وقال النخعي: كان الرجل إذا نزل [الوادي] يقول: نعوذ بسيد هذا الوادي من شر (ما) فيه، فتقول الجن: ما نملك لكم ولا لأنفسنا ضراً ولا نفعاً.
وقال مجاهد: كانوا يقولون إذا هبطوا وادياً: نعوذ بعظماء هذا الوادي وهو قول قتادة وغيره.
* *
- ثم قال: ﴿وَأَنَّهُمْ ظَنُّواْ كَمَا ظَنَنتُمْ أَن لَّن يَبْعَثَ ٱللَّهُ أَحَداً﴾.
أي: وإن الرجال من الجن ظنوا كما ظن الرجال من الإنس أن الله لا يبعث أحداً، أي: رسولاً إلى خلقه يدعوهم إلى توحيده. قاله الكلبي.
وقال غيره، معناه: وأن الجن ظنوا كما ظن الكفار من الإنس أن الله لا يبعث أحداً يوم القيامة.
* *
- ثم قال: ﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا ٱلسَّمَآءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَساً شَدِيداً وَشُهُباً ﴾.
[وقال النفر من الجن إنا طلبنا خبر السماء فوجدناها قد ملئت حفظاً مانعاً] [وشهباً] نُرْجَم بها إذا أردنا الاستماع. والشُّهب: النُّجُوم.
وقال ابن جبير: كانت الجن [تستمع]، فلما رُجموا قالوا: إن هذا الذي حدث في السماء إنما هو لشيء حدث في الأرض. قال: فذهبوا يطلبون حتى رأوا النبي ﷺ خارجاً من سوق عُكَاظٍ يصلي بأصحابه صلاة الفجر، فذهبوا إلى أصحابهم منذرين.
* *
- ثم قال ﴿وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ﴾
أي: وقالوا إنا كنا نقعد من السماء في مقاعد نستمع الأخبار.
* *
- ﴿فَمَن يَسْتَمِعِ ٱلآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَاباً رَّصَداً﴾.
أي: من أتي يستمع الساعة يرمي بشهاب يرمد به إذا دنا فَيُرمى به، قال قتادة: لما بعث الله نبيه مُنِعُوا الاستماع [فَتَفَقَّدَتِ] الجن ذلك من أنفسها، قال: وذُكِرَ لنا أن أشراف الجن كانوا [بنصيبين] (فطلبوا ذلك) وضربوا إليه حتى سقطوا على نبي الله وهو يصلي بأصحابه عامداً الى عكاظ.
قال ابن زيد: قالوا كنا نستمع فمن يستمع الآن يجد له شهاباً رصداً، فلما وجدوا ذلك رجعوا إلى إبليس، فقالوا مُنِع (منَّا) السمع. فقال: إن السماء لم تحرس إلا على [أمرين]: [إما العذاب] يريد الله عز وجل أن ينزله بغتة على أهل الأرض، وإما نبي مرسل مرشد فذلك قول الله تعالى حكاية عن قولهم ﴿وَأَنَّا لاَ نَدْرِيۤ أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَن فِي ٱلأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ (رَبُّهُمْ) رَشَداً﴾.
(أي) قال إبليس لا ندري أعذاب ينزل على من في الأرض بغتة، فمُنِعْتُم من أجله الاستماع؟ أم نبي أرسله الله ليرشد من في الأرض إلى الطريق المستقيم؟ هذا معنى قول ابن زيد.
وقال الكلبي: معناه: أنهم قالوا: لا ندري أهذا المنع الذي منعنا، أراد بهم ربهم أن يطيعوا الرسول فَيَرْشُدُوا أم يعصوه فيهلكهم وهذا كله من علامات نبوة محمد ﷺ.
* *
- ثم قال: ﴿وَأَنَّا مِنَّا ٱلصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ﴾
أي: قال النفر: وإنا منا المسلمون العاملون بطاعة الله، ومنا من هو دون ذلك في الصلاح والعمل.
* *
- ﴿كُنَّا طَرَآئِقَ قِدَداً﴾.
أي: كنا أهواء مختلفة وفرقاً شتى، الصّالِح والذي هُوَ دُونَه، والكافِر.
قال ابن عباس: ﴿كُنَّا طَرَآئِقَ قِدَداً﴾ (أي) أهواء شتى مِنّا المُسلم ومنا المُشرك.
وقال عكرمة: "أهواء مختلفة".
وقال قتادة: "أهواء شتى".
وقال مجاهد: "مسلمين وكافرين" وهو قول سفيان.
والقِدَد جمع قدة، وهي الضُّروبُ والأَجناس المختلفة. والطرائق جمع طريقة الرجل أي مذهبه.
* *
- ثم قال ﴿وَأَنَّا ظَنَنَّآ أَن لَّن نُّعْجِزَ ٱللَّهَ فِي ٱلأَرْضِ﴾
أي: وإنّا علمنا وأَيْقَنّا أن لن نفوت الله بالهروب في الأرض ولا بغيره، وَصَفوهُ - جل ذِكره - بالقدرة عليهم.
* *
- ثم قال: ﴿وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا ٱلْهُدَىٰ آمَنَّا بِهِ﴾
أي: لما سمعنا القرآن [يؤدي] من آمن به إلى الهدى صدقنا به.
* *
- ﴿فَمَن يُؤْمِن بِرَبِّهِ فَلاَ يَخَافُ بَخْساً﴾.
[أي: ومن يصدق بربه فلا يخاف بخساً) أي: أن ينقص من حسناته وثوابه].
* *
- ﴿وَلاَ رَهَقاً﴾.
(أي): لا يُحمل من سيئات غيره عليه.
قال ابن عباس: ﴿بَخْساً وَلاَ رَهَقاً﴾، أي: "لا يخاف نقصاً من حسناته، ولا زيادة في سيئاته".
قال قتادة: ﴿بَخْساً﴾: ظلما، ﴿وَلاَ رَهَقاً﴾: أن يعمل عليه ذنب غيره.
* *
- ثم قال: ﴿وَأَنَّا مِنَّا ٱلْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا ٱلْقَاسِطُونَ﴾
أي: الجائرون عن الهدى.
* *
- ﴿فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُوْلَـٰئِكَ تَحَرَّوْاْ رَشَداً﴾.
أي: [تعمدوا الرشد] وأصابوه.
* *
- ثم قال ﴿وَأَمَّا ٱلْقَاسِطُونَ فَكَانُواْ لِجَهَنَّمَ حَطَباً﴾.
أي: وأما العادلون الجائرون عن الهدى فكانوا حطباً يوم القيامة لجهنم.
* *
- ثم قال: ﴿وَأَلَّوِ ٱسْتَقَامُواْ عَلَى ٱلطَّرِيقَةِ لأَسْقَيْنَاهُم مَّآءً غَدَقاً * لِّنَفْتِنَهُمْ فِيهِ﴾
كل ما تقدم من إخبار الله هو من قول الجن إلا هذا، فإنه من قول الله، أي: لو استقام القاسطون [على] طريقة الحق [أي]: طريقة الإسلام وهي [الطاعة] لله، لَوَسّعْنا عليهم في الرزق لنختبرهم فيه فننظر عملهم وشكرهم. قاله ابن جبير وقتادة ومجاهد [قاله مجاهد: الطريقة: الإسلام، والماء: المال، والغدق: الكثير].
والغَدَق: الماء الظاهر، والرَّغَد: الكَثِير، والماء يُراد به العيش والرزق.
وقيل: معناه: لو استقاموا على طريقة الضلال لَوَسَّعنا عليهم في الرزق استدراجاً، ذكره الضاحك وقاله الفراء.
(و) القول الأول أصح كما قال: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ ٱلْقُرَىٰ ءَامَنُواْ وَٱتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَٰتٍ...﴾ [الأعراف: ٩٦] الآية.
* *
- ثم قال: ﴿وَمَن يُعْرِضْ عَن ذِكْرِ رَبِّهِ﴾
أي: عن القرآن [وقبوله].
* *
﴿يَسْلُكْهُ عَذَاباً صَعَداً﴾.
أي: ندخله عذاباً شديداً قال ابن عباس ﴿عَذَاباً صَعَداً﴾، أي: مشقة من العذاب وقال قتادة ﴿صَعَداً﴾ أي: صعوداً من عذاب الله لا راحة فيه وقال أبو سعيد الخدري: ﴿عَذَاباً صَعَداً﴾: هو جبل في النار، كلما جعلوا أيديهم [عليه] ذابت، وإذا رفعوها عادت ويقال: تَصَعّدني الشّيء أي: شقّ عَلَيّ.
وقرأ مسلم بن جندب: نُسلِكه، جعله رباعياً. يقال: سَلَكه وأَسلَكه. ويقال: سَلَكَ، هو وسَلَكْتُهُ مثل رَجَعَ ورَجَعْتُهُ.
* *
- ثم قال: ﴿وَأَنَّ ٱلْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلاَ تَدْعُواْ مَعَ ٱللَّهِ أَحَداً﴾.
أي: وأوحي الى أن المساجد لله ﴿فَلاَ تَدْعُواْ﴾ أيها الناس ﴿مَعَ ٱللَّهِ أَحَداً﴾ أي: لا تشركوا به قال قتادة: كانت اليهود والنصارى إذا دخلوا كنائسهم وبِيَعَهُم اشركوا، فأمر الله نبيه أن يوحدوا الله وحده إذا دخلوا المساجد. قال ابن جبير: قالت الجن للنبي: كيف لنا أن نأتي المساجد ونحن [ناءون] عنك، وكيف نشهد الصلاة، فنزلت ﴿وَأَنَّ ٱلْمَسَاجِدَ لِلَّهِ﴾ الآية والمساجد جمع مسجد. ومسجد بمعنى السجود، فكأنه قال: وأن السجود لله لا لغيره. ويجوز أن يكون جمع مسجد هو موضع السجود.
وقال الفراء (يقال) ﴿[وَ]أَنَّ ٱلْمَسَاجِدَ لِلَّهِ﴾، يراد به مساجد الرجل، ما يسجد عليه من جبهته ويديه وركبتيه وصدور قدميه.
وأنكر ذلك النحاس وغيره.
* *
وقوله: ﴿فَلاَ تَدْعُواْ﴾ خطاب للجماعة. والنون حذفت للنهي.
* *
- ثم قال: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ ٱللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُواْ يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً﴾.
أي: لما قام (محمد يدعو الله) يقول: لا إله إلا الله، كاد الجن يكونون على محمد لبداً، أي جماعات بعضها فوق بعض.
وواحد لِبَد: لِبْدة. ويقال: لُبد - بضم اللام - واحدها لُبْدة. فمن كسر [﴿وَأَنَّهُ﴾] جعله من قول الجن إخباراً من الله لنا عن قولهم ذلك، ويكون المعنى على ما قال ابن جبير أن الجن رأوا النبي ﷺ يصلي وأصحابه يصلون بصلاته فعجبوا من طوعهم له فقالوا لقومهم: وإنه لما قام عبد الله يدعو الله كاد أصحابه يكونون عليه لِبَداً.
ويجوز الكسر، وهو من كلام الله، لا حكاية عن الجن ويكون المعنى أن النبي ﷺ لما قام يدعو إلى الله كاد الجن يكونون عليه لِبَداً.
فأما من فتح فهو من كلام الله أيضاً على هذا المعنى، أي: كاد الجن [يركبون محمد من الحرص] لما سمعوه يتلو القرآن فدنوا منه حتى كادوا يركبونه، هذا معنى قول ابن عباس والضحاك، فيكون الضميران في (كادوا يكونون) للجن.
وعن ابن عباس أيضاً أن معناه (أن) الجن قالوا لقومهم، إن محمد لمّا قام يدعو الله كاد أصحابه يركبونه لتقربهم منه وطوعهم له، فيكون الضّميرانِ لأصحاب النبي ﷺ وهو قول ابن جبير.
[وعن ابن عباس ﴿لِبَداً﴾: أعواناً].
وقال قتادة: معناه أن الله أعلم نبيه أن الجن والإنس يتظاهرون عليه ليبطلوا ما جاءهم (به) لمّا دَعا إلى الله، والله ناصِرُه عليهم.
وقيل: إن ذلك للعرب خاصة أرادوا أن يطفئوا النور الذي جاء به النبي ﷺ، وهو اختيار الطبري.
الجن 72:6
قوله: ﴿وَأَنَّا ظَنَنَّآ أَن لَّن تَقُولَ ٱلإِنسُ وَٱلْجِنُّ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً﴾ إلى قوله: ﴿لِبَداً﴾.
أي: وإنّا حسبنا وتوهمنا أن أحداً لا يقول على الله الكذب. وذلك أنهم كانوا يحسبون أَ(نّ) إبليس كان صادقاً فيما [يدعوهم] إليه من صنوف الكفر. فما سمعوا القرآن أيقنوا أنه كان كاذباً في كل ذلك وسَمّوه سفيها.
[ثم قال]: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ ٱلإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ ٱلْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقاً﴾.
هذا أيضاً من قول النفر من الجن.
ذكروا أن رجالاً من الإنس [كانوا] [يستجيرون] برجال من الجن في أسفارهم إذا نزلوا، فزاد الجنّ باستجارتهم (لهم) جرأة عليهم وازداد الإنس إِثْماً.
قال ابن عباس: [فزادوهم] إثماً. وهو قول قتادة. فازداد الإنس بفعلهم ذلك إثماً، وازداد الجن على الإنس جرأة.
وقال مجاهد: ازداد الإنس بذلك طغياناً.
وقال الربيع بن أنس: فازداد الإنس لذلك فَرقاَ من الجن.
وهو قول ابن زيد.
وقال أبو عبيدة: رهقاً: سفهاً وظلماً.
والرهق في كلام العرب: الإثم والعيب وإتيان المحارم. ومنه: فلان يرهق بكذا، أي: يعاب به. فيكون التقدير: فزاد الجنّ الإنسَ إِثماً لمّا [استعاذوا] بهم. وكان ذلك من فعل المشركين. قال ابن عباس وغيره: كان رجال من الإنس يَبِيتُ أحدهم في الوادي في الجاهلية، فيقول: أعوذ بعزيز هذا الوادي فزادهم ذلك إثماً.
وقال الحسن: كان الرجل إذا نزل في الوادي يقول: أعوذ بعزيز هذا الوادي من سفهاء قومه.
وقال النخعي: كان الرجل إذا نزل [الوادي] يقول: نعوذ بسيد هذا الوادي من شر (ما) فيه، فتقول الجن: ما نملك لكم ولا لأنفسنا ضراً ولا نفعاً.
وقال مجاهد: كانوا يقولون إذا هبطوا وادياً: نعوذ بعظماء هذا الوادي وهو قول قتادة وغيره.
* *
- ثم قال: ﴿وَأَنَّهُمْ ظَنُّواْ كَمَا ظَنَنتُمْ أَن لَّن يَبْعَثَ ٱللَّهُ أَحَداً﴾.
أي: وإن الرجال من الجن ظنوا كما ظن الرجال من الإنس أن الله لا يبعث أحداً، أي: رسولاً إلى خلقه يدعوهم إلى توحيده. قاله الكلبي.
وقال غيره، معناه: وأن الجن ظنوا كما ظن الكفار من الإنس أن الله لا يبعث أحداً يوم القيامة.
* *
- ثم قال: ﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا ٱلسَّمَآءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَساً شَدِيداً وَشُهُباً ﴾.
[وقال النفر من الجن إنا طلبنا خبر السماء فوجدناها قد ملئت حفظاً مانعاً] [وشهباً] نُرْجَم بها إذا أردنا الاستماع. والشُّهب: النُّجُوم.
وقال ابن جبير: كانت الجن [تستمع]، فلما رُجموا قالوا: إن هذا الذي حدث في السماء إنما هو لشيء حدث في الأرض. قال: فذهبوا يطلبون حتى رأوا النبي ﷺ خارجاً من سوق عُكَاظٍ يصلي بأصحابه صلاة الفجر، فذهبوا إلى أصحابهم منذرين.
* *
- ثم قال ﴿وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ﴾
أي: وقالوا إنا كنا نقعد من السماء في مقاعد نستمع الأخبار.
* *
- ﴿فَمَن يَسْتَمِعِ ٱلآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَاباً رَّصَداً﴾.
أي: من أتي يستمع الساعة يرمي بشهاب يرمد به إذا دنا فَيُرمى به، قال قتادة: لما بعث الله نبيه مُنِعُوا الاستماع [فَتَفَقَّدَتِ] الجن ذلك من أنفسها، قال: وذُكِرَ لنا أن أشراف الجن كانوا [بنصيبين] (فطلبوا ذلك) وضربوا إليه حتى سقطوا على نبي الله وهو يصلي بأصحابه عامداً الى عكاظ.
قال ابن زيد: قالوا كنا نستمع فمن يستمع الآن يجد له شهاباً رصداً، فلما وجدوا ذلك رجعوا إلى إبليس، فقالوا مُنِع (منَّا) السمع. فقال: إن السماء لم تحرس إلا على [أمرين]: [إما العذاب] يريد الله عز وجل أن ينزله بغتة على أهل الأرض، وإما نبي مرسل مرشد فذلك قول الله تعالى حكاية عن قولهم ﴿وَأَنَّا لاَ نَدْرِيۤ أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَن فِي ٱلأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ (رَبُّهُمْ) رَشَداً﴾.
(أي) قال إبليس لا ندري أعذاب ينزل على من في الأرض بغتة، فمُنِعْتُم من أجله الاستماع؟ أم نبي أرسله الله ليرشد من في الأرض إلى الطريق المستقيم؟ هذا معنى قول ابن زيد.
وقال الكلبي: معناه: أنهم قالوا: لا ندري أهذا المنع الذي منعنا، أراد بهم ربهم أن يطيعوا الرسول فَيَرْشُدُوا أم يعصوه فيهلكهم وهذا كله من علامات نبوة محمد ﷺ.
* *
- ثم قال: ﴿وَأَنَّا مِنَّا ٱلصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ﴾
أي: قال النفر: وإنا منا المسلمون العاملون بطاعة الله، ومنا من هو دون ذلك في الصلاح والعمل.
* *
- ﴿كُنَّا طَرَآئِقَ قِدَداً﴾.
أي: كنا أهواء مختلفة وفرقاً شتى، الصّالِح والذي هُوَ دُونَه، والكافِر.
قال ابن عباس: ﴿كُنَّا طَرَآئِقَ قِدَداً﴾ (أي) أهواء شتى مِنّا المُسلم ومنا المُشرك.
وقال عكرمة: "أهواء مختلفة".
وقال قتادة: "أهواء شتى".
وقال مجاهد: "مسلمين وكافرين" وهو قول سفيان.
والقِدَد جمع قدة، وهي الضُّروبُ والأَجناس المختلفة. والطرائق جمع طريقة الرجل أي مذهبه.
* *
- ثم قال ﴿وَأَنَّا ظَنَنَّآ أَن لَّن نُّعْجِزَ ٱللَّهَ فِي ٱلأَرْضِ﴾
أي: وإنّا علمنا وأَيْقَنّا أن لن نفوت الله بالهروب في الأرض ولا بغيره، وَصَفوهُ - جل ذِكره - بالقدرة عليهم.
* *
- ثم قال: ﴿وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا ٱلْهُدَىٰ آمَنَّا بِهِ﴾
أي: لما سمعنا القرآن [يؤدي] من آمن به إلى الهدى صدقنا به.
* *
- ﴿فَمَن يُؤْمِن بِرَبِّهِ فَلاَ يَخَافُ بَخْساً﴾.
[أي: ومن يصدق بربه فلا يخاف بخساً) أي: أن ينقص من حسناته وثوابه].
* *
- ﴿وَلاَ رَهَقاً﴾.
(أي): لا يُحمل من سيئات غيره عليه.
قال ابن عباس: ﴿بَخْساً وَلاَ رَهَقاً﴾، أي: "لا يخاف نقصاً من حسناته، ولا زيادة في سيئاته".
قال قتادة: ﴿بَخْساً﴾: ظلما، ﴿وَلاَ رَهَقاً﴾: أن يعمل عليه ذنب غيره.
* *
- ثم قال: ﴿وَأَنَّا مِنَّا ٱلْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا ٱلْقَاسِطُونَ﴾
أي: الجائرون عن الهدى.
* *
- ﴿فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُوْلَـٰئِكَ تَحَرَّوْاْ رَشَداً﴾.
أي: [تعمدوا الرشد] وأصابوه.
* *
- ثم قال ﴿وَأَمَّا ٱلْقَاسِطُونَ فَكَانُواْ لِجَهَنَّمَ حَطَباً﴾.
أي: وأما العادلون الجائرون عن الهدى فكانوا حطباً يوم القيامة لجهنم.
* *
- ثم قال: ﴿وَأَلَّوِ ٱسْتَقَامُواْ عَلَى ٱلطَّرِيقَةِ لأَسْقَيْنَاهُم مَّآءً غَدَقاً * لِّنَفْتِنَهُمْ فِيهِ﴾
كل ما تقدم من إخبار الله هو من قول الجن إلا هذا، فإنه من قول الله، أي: لو استقام القاسطون [على] طريقة الحق [أي]: طريقة الإسلام وهي [الطاعة] لله، لَوَسّعْنا عليهم في الرزق لنختبرهم فيه فننظر عملهم وشكرهم. قاله ابن جبير وقتادة ومجاهد [قاله مجاهد: الطريقة: الإسلام، والماء: المال، والغدق: الكثير].
والغَدَق: الماء الظاهر، والرَّغَد: الكَثِير، والماء يُراد به العيش والرزق.
وقيل: معناه: لو استقاموا على طريقة الضلال لَوَسَّعنا عليهم في الرزق استدراجاً، ذكره الضاحك وقاله الفراء.
(و) القول الأول أصح كما قال: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ ٱلْقُرَىٰ ءَامَنُواْ وَٱتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَٰتٍ...﴾ [الأعراف: ٩٦] الآية.
* *
- ثم قال: ﴿وَمَن يُعْرِضْ عَن ذِكْرِ رَبِّهِ﴾
أي: عن القرآن [وقبوله].
* *
﴿يَسْلُكْهُ عَذَاباً صَعَداً﴾.
أي: ندخله عذاباً شديداً قال ابن عباس ﴿عَذَاباً صَعَداً﴾، أي: مشقة من العذاب وقال قتادة ﴿صَعَداً﴾ أي: صعوداً من عذاب الله لا راحة فيه وقال أبو سعيد الخدري: ﴿عَذَاباً صَعَداً﴾: هو جبل في النار، كلما جعلوا أيديهم [عليه] ذابت، وإذا رفعوها عادت ويقال: تَصَعّدني الشّيء أي: شقّ عَلَيّ.
وقرأ مسلم بن جندب: نُسلِكه، جعله رباعياً. يقال: سَلَكه وأَسلَكه. ويقال: سَلَكَ، هو وسَلَكْتُهُ مثل رَجَعَ ورَجَعْتُهُ.
* *
- ثم قال: ﴿وَأَنَّ ٱلْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلاَ تَدْعُواْ مَعَ ٱللَّهِ أَحَداً﴾.
أي: وأوحي الى أن المساجد لله ﴿فَلاَ تَدْعُواْ﴾ أيها الناس ﴿مَعَ ٱللَّهِ أَحَداً﴾ أي: لا تشركوا به قال قتادة: كانت اليهود والنصارى إذا دخلوا كنائسهم وبِيَعَهُم اشركوا، فأمر الله نبيه أن يوحدوا الله وحده إذا دخلوا المساجد. قال ابن جبير: قالت الجن للنبي: كيف لنا أن نأتي المساجد ونحن [ناءون] عنك، وكيف نشهد الصلاة، فنزلت ﴿وَأَنَّ ٱلْمَسَاجِدَ لِلَّهِ﴾ الآية والمساجد جمع مسجد. ومسجد بمعنى السجود، فكأنه قال: وأن السجود لله لا لغيره. ويجوز أن يكون جمع مسجد هو موضع السجود.
وقال الفراء (يقال) ﴿[وَ]أَنَّ ٱلْمَسَاجِدَ لِلَّهِ﴾، يراد به مساجد الرجل، ما يسجد عليه من جبهته ويديه وركبتيه وصدور قدميه.
وأنكر ذلك النحاس وغيره.
* *
وقوله: ﴿فَلاَ تَدْعُواْ﴾ خطاب للجماعة. والنون حذفت للنهي.
* *
- ثم قال: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ ٱللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُواْ يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً﴾.
أي: لما قام (محمد يدعو الله) يقول: لا إله إلا الله، كاد الجن يكونون على محمد لبداً، أي جماعات بعضها فوق بعض.
وواحد لِبَد: لِبْدة. ويقال: لُبد - بضم اللام - واحدها لُبْدة. فمن كسر [﴿وَأَنَّهُ﴾] جعله من قول الجن إخباراً من الله لنا عن قولهم ذلك، ويكون المعنى على ما قال ابن جبير أن الجن رأوا النبي ﷺ يصلي وأصحابه يصلون بصلاته فعجبوا من طوعهم له فقالوا لقومهم: وإنه لما قام عبد الله يدعو الله كاد أصحابه يكونون عليه لِبَداً.
ويجوز الكسر، وهو من كلام الله، لا حكاية عن الجن ويكون المعنى أن النبي ﷺ لما قام يدعو إلى الله كاد الجن يكونون عليه لِبَداً.
فأما من فتح فهو من كلام الله أيضاً على هذا المعنى، أي: كاد الجن [يركبون محمد من الحرص] لما سمعوه يتلو القرآن فدنوا منه حتى كادوا يركبونه، هذا معنى قول ابن عباس والضحاك، فيكون الضميران في (كادوا يكونون) للجن.
وعن ابن عباس أيضاً أن معناه (أن) الجن قالوا لقومهم، إن محمد لمّا قام يدعو الله كاد أصحابه يركبونه لتقربهم منه وطوعهم له، فيكون الضّميرانِ لأصحاب النبي ﷺ وهو قول ابن جبير.
[وعن ابن عباس ﴿لِبَداً﴾: أعواناً].
وقال قتادة: معناه أن الله أعلم نبيه أن الجن والإنس يتظاهرون عليه ليبطلوا ما جاءهم (به) لمّا دَعا إلى الله، والله ناصِرُه عليهم.
وقيل: إن ذلك للعرب خاصة أرادوا أن يطفئوا النور الذي جاء به النبي ﷺ، وهو اختيار الطبري.
الجن 72:7
قوله: ﴿وَأَنَّا ظَنَنَّآ أَن لَّن تَقُولَ ٱلإِنسُ وَٱلْجِنُّ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً﴾ إلى قوله: ﴿لِبَداً﴾.
أي: وإنّا حسبنا وتوهمنا أن أحداً لا يقول على الله الكذب. وذلك أنهم كانوا يحسبون أَ(نّ) إبليس كان صادقاً فيما [يدعوهم] إليه من صنوف الكفر. فما سمعوا القرآن أيقنوا أنه كان كاذباً في كل ذلك وسَمّوه سفيها.
[ثم قال]: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ ٱلإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ ٱلْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقاً﴾.
هذا أيضاً من قول النفر من الجن.
ذكروا أن رجالاً من الإنس [كانوا] [يستجيرون] برجال من الجن في أسفارهم إذا نزلوا، فزاد الجنّ باستجارتهم (لهم) جرأة عليهم وازداد الإنس إِثْماً.
قال ابن عباس: [فزادوهم] إثماً. وهو قول قتادة. فازداد الإنس بفعلهم ذلك إثماً، وازداد الجن على الإنس جرأة.
وقال مجاهد: ازداد الإنس بذلك طغياناً.
وقال الربيع بن أنس: فازداد الإنس لذلك فَرقاَ من الجن.
وهو قول ابن زيد.
وقال أبو عبيدة: رهقاً: سفهاً وظلماً.
والرهق في كلام العرب: الإثم والعيب وإتيان المحارم. ومنه: فلان يرهق بكذا، أي: يعاب به. فيكون التقدير: فزاد الجنّ الإنسَ إِثماً لمّا [استعاذوا] بهم. وكان ذلك من فعل المشركين. قال ابن عباس وغيره: كان رجال من الإنس يَبِيتُ أحدهم في الوادي في الجاهلية، فيقول: أعوذ بعزيز هذا الوادي فزادهم ذلك إثماً.
وقال الحسن: كان الرجل إذا نزل في الوادي يقول: أعوذ بعزيز هذا الوادي من سفهاء قومه.
وقال النخعي: كان الرجل إذا نزل [الوادي] يقول: نعوذ بسيد هذا الوادي من شر (ما) فيه، فتقول الجن: ما نملك لكم ولا لأنفسنا ضراً ولا نفعاً.
وقال مجاهد: كانوا يقولون إذا هبطوا وادياً: نعوذ بعظماء هذا الوادي وهو قول قتادة وغيره.
* *
- ثم قال: ﴿وَأَنَّهُمْ ظَنُّواْ كَمَا ظَنَنتُمْ أَن لَّن يَبْعَثَ ٱللَّهُ أَحَداً﴾.
أي: وإن الرجال من الجن ظنوا كما ظن الرجال من الإنس أن الله لا يبعث أحداً، أي: رسولاً إلى خلقه يدعوهم إلى توحيده. قاله الكلبي.
وقال غيره، معناه: وأن الجن ظنوا كما ظن الكفار من الإنس أن الله لا يبعث أحداً يوم القيامة.
* *
- ثم قال: ﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا ٱلسَّمَآءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَساً شَدِيداً وَشُهُباً ﴾.
[وقال النفر من الجن إنا طلبنا خبر السماء فوجدناها قد ملئت حفظاً مانعاً] [وشهباً] نُرْجَم بها إذا أردنا الاستماع. والشُّهب: النُّجُوم.
وقال ابن جبير: كانت الجن [تستمع]، فلما رُجموا قالوا: إن هذا الذي حدث في السماء إنما هو لشيء حدث في الأرض. قال: فذهبوا يطلبون حتى رأوا النبي ﷺ خارجاً من سوق عُكَاظٍ يصلي بأصحابه صلاة الفجر، فذهبوا إلى أصحابهم منذرين.
* *
- ثم قال ﴿وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ﴾
أي: وقالوا إنا كنا نقعد من السماء في مقاعد نستمع الأخبار.
* *
- ﴿فَمَن يَسْتَمِعِ ٱلآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَاباً رَّصَداً﴾.
أي: من أتي يستمع الساعة يرمي بشهاب يرمد به إذا دنا فَيُرمى به، قال قتادة: لما بعث الله نبيه مُنِعُوا الاستماع [فَتَفَقَّدَتِ] الجن ذلك من أنفسها، قال: وذُكِرَ لنا أن أشراف الجن كانوا [بنصيبين] (فطلبوا ذلك) وضربوا إليه حتى سقطوا على نبي الله وهو يصلي بأصحابه عامداً الى عكاظ.
قال ابن زيد: قالوا كنا نستمع فمن يستمع الآن يجد له شهاباً رصداً، فلما وجدوا ذلك رجعوا إلى إبليس، فقالوا مُنِع (منَّا) السمع. فقال: إن السماء لم تحرس إلا على [أمرين]: [إما العذاب] يريد الله عز وجل أن ينزله بغتة على أهل الأرض، وإما نبي مرسل مرشد فذلك قول الله تعالى حكاية عن قولهم ﴿وَأَنَّا لاَ نَدْرِيۤ أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَن فِي ٱلأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ (رَبُّهُمْ) رَشَداً﴾.
(أي) قال إبليس لا ندري أعذاب ينزل على من في الأرض بغتة، فمُنِعْتُم من أجله الاستماع؟ أم نبي أرسله الله ليرشد من في الأرض إلى الطريق المستقيم؟ هذا معنى قول ابن زيد.
وقال الكلبي: معناه: أنهم قالوا: لا ندري أهذا المنع الذي منعنا، أراد بهم ربهم أن يطيعوا الرسول فَيَرْشُدُوا أم يعصوه فيهلكهم وهذا كله من علامات نبوة محمد ﷺ.
* *
- ثم قال: ﴿وَأَنَّا مِنَّا ٱلصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ﴾
أي: قال النفر: وإنا منا المسلمون العاملون بطاعة الله، ومنا من هو دون ذلك في الصلاح والعمل.
* *
- ﴿كُنَّا طَرَآئِقَ قِدَداً﴾.
أي: كنا أهواء مختلفة وفرقاً شتى، الصّالِح والذي هُوَ دُونَه، والكافِر.
قال ابن عباس: ﴿كُنَّا طَرَآئِقَ قِدَداً﴾ (أي) أهواء شتى مِنّا المُسلم ومنا المُشرك.
وقال عكرمة: "أهواء مختلفة".
وقال قتادة: "أهواء شتى".
وقال مجاهد: "مسلمين وكافرين" وهو قول سفيان.
والقِدَد جمع قدة، وهي الضُّروبُ والأَجناس المختلفة. والطرائق جمع طريقة الرجل أي مذهبه.
* *
- ثم قال ﴿وَأَنَّا ظَنَنَّآ أَن لَّن نُّعْجِزَ ٱللَّهَ فِي ٱلأَرْضِ﴾
أي: وإنّا علمنا وأَيْقَنّا أن لن نفوت الله بالهروب في الأرض ولا بغيره، وَصَفوهُ - جل ذِكره - بالقدرة عليهم.
* *
- ثم قال: ﴿وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا ٱلْهُدَىٰ آمَنَّا بِهِ﴾
أي: لما سمعنا القرآن [يؤدي] من آمن به إلى الهدى صدقنا به.
* *
- ﴿فَمَن يُؤْمِن بِرَبِّهِ فَلاَ يَخَافُ بَخْساً﴾.
[أي: ومن يصدق بربه فلا يخاف بخساً) أي: أن ينقص من حسناته وثوابه].
* *
- ﴿وَلاَ رَهَقاً﴾.
(أي): لا يُحمل من سيئات غيره عليه.
قال ابن عباس: ﴿بَخْساً وَلاَ رَهَقاً﴾، أي: "لا يخاف نقصاً من حسناته، ولا زيادة في سيئاته".
قال قتادة: ﴿بَخْساً﴾: ظلما، ﴿وَلاَ رَهَقاً﴾: أن يعمل عليه ذنب غيره.
* *
- ثم قال: ﴿وَأَنَّا مِنَّا ٱلْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا ٱلْقَاسِطُونَ﴾
أي: الجائرون عن الهدى.
* *
- ﴿فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُوْلَـٰئِكَ تَحَرَّوْاْ رَشَداً﴾.
أي: [تعمدوا الرشد] وأصابوه.
* *
- ثم قال ﴿وَأَمَّا ٱلْقَاسِطُونَ فَكَانُواْ لِجَهَنَّمَ حَطَباً﴾.
أي: وأما العادلون الجائرون عن الهدى فكانوا حطباً يوم القيامة لجهنم.
* *
- ثم قال: ﴿وَأَلَّوِ ٱسْتَقَامُواْ عَلَى ٱلطَّرِيقَةِ لأَسْقَيْنَاهُم مَّآءً غَدَقاً * لِّنَفْتِنَهُمْ فِيهِ﴾
كل ما تقدم من إخبار الله هو من قول الجن إلا هذا، فإنه من قول الله، أي: لو استقام القاسطون [على] طريقة الحق [أي]: طريقة الإسلام وهي [الطاعة] لله، لَوَسّعْنا عليهم في الرزق لنختبرهم فيه فننظر عملهم وشكرهم. قاله ابن جبير وقتادة ومجاهد [قاله مجاهد: الطريقة: الإسلام، والماء: المال، والغدق: الكثير].
والغَدَق: الماء الظاهر، والرَّغَد: الكَثِير، والماء يُراد به العيش والرزق.
وقيل: معناه: لو استقاموا على طريقة الضلال لَوَسَّعنا عليهم في الرزق استدراجاً، ذكره الضاحك وقاله الفراء.
(و) القول الأول أصح كما قال: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ ٱلْقُرَىٰ ءَامَنُواْ وَٱتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَٰتٍ...﴾ [الأعراف: ٩٦] الآية.
* *
- ثم قال: ﴿وَمَن يُعْرِضْ عَن ذِكْرِ رَبِّهِ﴾
أي: عن القرآن [وقبوله].
* *
﴿يَسْلُكْهُ عَذَاباً صَعَداً﴾.
أي: ندخله عذاباً شديداً قال ابن عباس ﴿عَذَاباً صَعَداً﴾، أي: مشقة من العذاب وقال قتادة ﴿صَعَداً﴾ أي: صعوداً من عذاب الله لا راحة فيه وقال أبو سعيد الخدري: ﴿عَذَاباً صَعَداً﴾: هو جبل في النار، كلما جعلوا أيديهم [عليه] ذابت، وإذا رفعوها عادت ويقال: تَصَعّدني الشّيء أي: شقّ عَلَيّ.
وقرأ مسلم بن جندب: نُسلِكه، جعله رباعياً. يقال: سَلَكه وأَسلَكه. ويقال: سَلَكَ، هو وسَلَكْتُهُ مثل رَجَعَ ورَجَعْتُهُ.
* *
- ثم قال: ﴿وَأَنَّ ٱلْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلاَ تَدْعُواْ مَعَ ٱللَّهِ أَحَداً﴾.
أي: وأوحي الى أن المساجد لله ﴿فَلاَ تَدْعُواْ﴾ أيها الناس ﴿مَعَ ٱللَّهِ أَحَداً﴾ أي: لا تشركوا به قال قتادة: كانت اليهود والنصارى إذا دخلوا كنائسهم وبِيَعَهُم اشركوا، فأمر الله نبيه أن يوحدوا الله وحده إذا دخلوا المساجد. قال ابن جبير: قالت الجن للنبي: كيف لنا أن نأتي المساجد ونحن [ناءون] عنك، وكيف نشهد الصلاة، فنزلت ﴿وَأَنَّ ٱلْمَسَاجِدَ لِلَّهِ﴾ الآية والمساجد جمع مسجد. ومسجد بمعنى السجود، فكأنه قال: وأن السجود لله لا لغيره. ويجوز أن يكون جمع مسجد هو موضع السجود.
وقال الفراء (يقال) ﴿[وَ]أَنَّ ٱلْمَسَاجِدَ لِلَّهِ﴾، يراد به مساجد الرجل، ما يسجد عليه من جبهته ويديه وركبتيه وصدور قدميه.
وأنكر ذلك النحاس وغيره.
* *
وقوله: ﴿فَلاَ تَدْعُواْ﴾ خطاب للجماعة. والنون حذفت للنهي.
* *
- ثم قال: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ ٱللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُواْ يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً﴾.
أي: لما قام (محمد يدعو الله) يقول: لا إله إلا الله، كاد الجن يكونون على محمد لبداً، أي جماعات بعضها فوق بعض.
وواحد لِبَد: لِبْدة. ويقال: لُبد - بضم اللام - واحدها لُبْدة. فمن كسر [﴿وَأَنَّهُ﴾] جعله من قول الجن إخباراً من الله لنا عن قولهم ذلك، ويكون المعنى على ما قال ابن جبير أن الجن رأوا النبي ﷺ يصلي وأصحابه يصلون بصلاته فعجبوا من طوعهم له فقالوا لقومهم: وإنه لما قام عبد الله يدعو الله كاد أصحابه يكونون عليه لِبَداً.
ويجوز الكسر، وهو من كلام الله، لا حكاية عن الجن ويكون المعنى أن النبي ﷺ لما قام يدعو إلى الله كاد الجن يكونون عليه لِبَداً.
فأما من فتح فهو من كلام الله أيضاً على هذا المعنى، أي: كاد الجن [يركبون محمد من الحرص] لما سمعوه يتلو القرآن فدنوا منه حتى كادوا يركبونه، هذا معنى قول ابن عباس والضحاك، فيكون الضميران في (كادوا يكونون) للجن.
وعن ابن عباس أيضاً أن معناه (أن) الجن قالوا لقومهم، إن محمد لمّا قام يدعو الله كاد أصحابه يركبونه لتقربهم منه وطوعهم له، فيكون الضّميرانِ لأصحاب النبي ﷺ وهو قول ابن جبير.
[وعن ابن عباس ﴿لِبَداً﴾: أعواناً].
وقال قتادة: معناه أن الله أعلم نبيه أن الجن والإنس يتظاهرون عليه ليبطلوا ما جاءهم (به) لمّا دَعا إلى الله، والله ناصِرُه عليهم.
وقيل: إن ذلك للعرب خاصة أرادوا أن يطفئوا النور الذي جاء به النبي ﷺ، وهو اختيار الطبري.
الجن 72:8
قوله: ﴿وَأَنَّا ظَنَنَّآ أَن لَّن تَقُولَ ٱلإِنسُ وَٱلْجِنُّ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً﴾ إلى قوله: ﴿لِبَداً﴾.
أي: وإنّا حسبنا وتوهمنا أن أحداً لا يقول على الله الكذب. وذلك أنهم كانوا يحسبون أَ(نّ) إبليس كان صادقاً فيما [يدعوهم] إليه من صنوف الكفر. فما سمعوا القرآن أيقنوا أنه كان كاذباً في كل ذلك وسَمّوه سفيها.
[ثم قال]: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ ٱلإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ ٱلْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقاً﴾.
هذا أيضاً من قول النفر من الجن.
ذكروا أن رجالاً من الإنس [كانوا] [يستجيرون] برجال من الجن في أسفارهم إذا نزلوا، فزاد الجنّ باستجارتهم (لهم) جرأة عليهم وازداد الإنس إِثْماً.
قال ابن عباس: [فزادوهم] إثماً. وهو قول قتادة. فازداد الإنس بفعلهم ذلك إثماً، وازداد الجن على الإنس جرأة.
وقال مجاهد: ازداد الإنس بذلك طغياناً.
وقال الربيع بن أنس: فازداد الإنس لذلك فَرقاَ من الجن.
وهو قول ابن زيد.
وقال أبو عبيدة: رهقاً: سفهاً وظلماً.
والرهق في كلام العرب: الإثم والعيب وإتيان المحارم. ومنه: فلان يرهق بكذا، أي: يعاب به. فيكون التقدير: فزاد الجنّ الإنسَ إِثماً لمّا [استعاذوا] بهم. وكان ذلك من فعل المشركين. قال ابن عباس وغيره: كان رجال من الإنس يَبِيتُ أحدهم في الوادي في الجاهلية، فيقول: أعوذ بعزيز هذا الوادي فزادهم ذلك إثماً.
وقال الحسن: كان الرجل إذا نزل في الوادي يقول: أعوذ بعزيز هذا الوادي من سفهاء قومه.
وقال النخعي: كان الرجل إذا نزل [الوادي] يقول: نعوذ بسيد هذا الوادي من شر (ما) فيه، فتقول الجن: ما نملك لكم ولا لأنفسنا ضراً ولا نفعاً.
وقال مجاهد: كانوا يقولون إذا هبطوا وادياً: نعوذ بعظماء هذا الوادي وهو قول قتادة وغيره.
* *
- ثم قال: ﴿وَأَنَّهُمْ ظَنُّواْ كَمَا ظَنَنتُمْ أَن لَّن يَبْعَثَ ٱللَّهُ أَحَداً﴾.
أي: وإن الرجال من الجن ظنوا كما ظن الرجال من الإنس أن الله لا يبعث أحداً، أي: رسولاً إلى خلقه يدعوهم إلى توحيده. قاله الكلبي.
وقال غيره، معناه: وأن الجن ظنوا كما ظن الكفار من الإنس أن الله لا يبعث أحداً يوم القيامة.
* *
- ثم قال: ﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا ٱلسَّمَآءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَساً شَدِيداً وَشُهُباً ﴾.
[وقال النفر من الجن إنا طلبنا خبر السماء فوجدناها قد ملئت حفظاً مانعاً] [وشهباً] نُرْجَم بها إذا أردنا الاستماع. والشُّهب: النُّجُوم.
وقال ابن جبير: كانت الجن [تستمع]، فلما رُجموا قالوا: إن هذا الذي حدث في السماء إنما هو لشيء حدث في الأرض. قال: فذهبوا يطلبون حتى رأوا النبي ﷺ خارجاً من سوق عُكَاظٍ يصلي بأصحابه صلاة الفجر، فذهبوا إلى أصحابهم منذرين.
* *
- ثم قال ﴿وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ﴾
أي: وقالوا إنا كنا نقعد من السماء في مقاعد نستمع الأخبار.
* *
- ﴿فَمَن يَسْتَمِعِ ٱلآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَاباً رَّصَداً﴾.
أي: من أتي يستمع الساعة يرمي بشهاب يرمد به إذا دنا فَيُرمى به، قال قتادة: لما بعث الله نبيه مُنِعُوا الاستماع [فَتَفَقَّدَتِ] الجن ذلك من أنفسها، قال: وذُكِرَ لنا أن أشراف الجن كانوا [بنصيبين] (فطلبوا ذلك) وضربوا إليه حتى سقطوا على نبي الله وهو يصلي بأصحابه عامداً الى عكاظ.
قال ابن زيد: قالوا كنا نستمع فمن يستمع الآن يجد له شهاباً رصداً، فلما وجدوا ذلك رجعوا إلى إبليس، فقالوا مُنِع (منَّا) السمع. فقال: إن السماء لم تحرس إلا على [أمرين]: [إما العذاب] يريد الله عز وجل أن ينزله بغتة على أهل الأرض، وإما نبي مرسل مرشد فذلك قول الله تعالى حكاية عن قولهم ﴿وَأَنَّا لاَ نَدْرِيۤ أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَن فِي ٱلأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ (رَبُّهُمْ) رَشَداً﴾.
(أي) قال إبليس لا ندري أعذاب ينزل على من في الأرض بغتة، فمُنِعْتُم من أجله الاستماع؟ أم نبي أرسله الله ليرشد من في الأرض إلى الطريق المستقيم؟ هذا معنى قول ابن زيد.
وقال الكلبي: معناه: أنهم قالوا: لا ندري أهذا المنع الذي منعنا، أراد بهم ربهم أن يطيعوا الرسول فَيَرْشُدُوا أم يعصوه فيهلكهم وهذا كله من علامات نبوة محمد ﷺ.
* *
- ثم قال: ﴿وَأَنَّا مِنَّا ٱلصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ﴾
أي: قال النفر: وإنا منا المسلمون العاملون بطاعة الله، ومنا من هو دون ذلك في الصلاح والعمل.
* *
- ﴿كُنَّا طَرَآئِقَ قِدَداً﴾.
أي: كنا أهواء مختلفة وفرقاً شتى، الصّالِح والذي هُوَ دُونَه، والكافِر.
قال ابن عباس: ﴿كُنَّا طَرَآئِقَ قِدَداً﴾ (أي) أهواء شتى مِنّا المُسلم ومنا المُشرك.
وقال عكرمة: "أهواء مختلفة".
وقال قتادة: "أهواء شتى".
وقال مجاهد: "مسلمين وكافرين" وهو قول سفيان.
والقِدَد جمع قدة، وهي الضُّروبُ والأَجناس المختلفة. والطرائق جمع طريقة الرجل أي مذهبه.
* *
- ثم قال ﴿وَأَنَّا ظَنَنَّآ أَن لَّن نُّعْجِزَ ٱللَّهَ فِي ٱلأَرْضِ﴾
أي: وإنّا علمنا وأَيْقَنّا أن لن نفوت الله بالهروب في الأرض ولا بغيره، وَصَفوهُ - جل ذِكره - بالقدرة عليهم.
* *
- ثم قال: ﴿وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا ٱلْهُدَىٰ آمَنَّا بِهِ﴾
أي: لما سمعنا القرآن [يؤدي] من آمن به إلى الهدى صدقنا به.
* *
- ﴿فَمَن يُؤْمِن بِرَبِّهِ فَلاَ يَخَافُ بَخْساً﴾.
[أي: ومن يصدق بربه فلا يخاف بخساً) أي: أن ينقص من حسناته وثوابه].
* *
- ﴿وَلاَ رَهَقاً﴾.
(أي): لا يُحمل من سيئات غيره عليه.
قال ابن عباس: ﴿بَخْساً وَلاَ رَهَقاً﴾، أي: "لا يخاف نقصاً من حسناته، ولا زيادة في سيئاته".
قال قتادة: ﴿بَخْساً﴾: ظلما، ﴿وَلاَ رَهَقاً﴾: أن يعمل عليه ذنب غيره.
* *
- ثم قال: ﴿وَأَنَّا مِنَّا ٱلْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا ٱلْقَاسِطُونَ﴾
أي: الجائرون عن الهدى.
* *
- ﴿فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُوْلَـٰئِكَ تَحَرَّوْاْ رَشَداً﴾.
أي: [تعمدوا الرشد] وأصابوه.
* *
- ثم قال ﴿وَأَمَّا ٱلْقَاسِطُونَ فَكَانُواْ لِجَهَنَّمَ حَطَباً﴾.
أي: وأما العادلون الجائرون عن الهدى فكانوا حطباً يوم القيامة لجهنم.
* *
- ثم قال: ﴿وَأَلَّوِ ٱسْتَقَامُواْ عَلَى ٱلطَّرِيقَةِ لأَسْقَيْنَاهُم مَّآءً غَدَقاً * لِّنَفْتِنَهُمْ فِيهِ﴾
كل ما تقدم من إخبار الله هو من قول الجن إلا هذا، فإنه من قول الله، أي: لو استقام القاسطون [على] طريقة الحق [أي]: طريقة الإسلام وهي [الطاعة] لله، لَوَسّعْنا عليهم في الرزق لنختبرهم فيه فننظر عملهم وشكرهم. قاله ابن جبير وقتادة ومجاهد [قاله مجاهد: الطريقة: الإسلام، والماء: المال، والغدق: الكثير].
والغَدَق: الماء الظاهر، والرَّغَد: الكَثِير، والماء يُراد به العيش والرزق.
وقيل: معناه: لو استقاموا على طريقة الضلال لَوَسَّعنا عليهم في الرزق استدراجاً، ذكره الضاحك وقاله الفراء.
(و) القول الأول أصح كما قال: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ ٱلْقُرَىٰ ءَامَنُواْ وَٱتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَٰتٍ...﴾ [الأعراف: ٩٦] الآية.
* *
- ثم قال: ﴿وَمَن يُعْرِضْ عَن ذِكْرِ رَبِّهِ﴾
أي: عن القرآن [وقبوله].
* *
﴿يَسْلُكْهُ عَذَاباً صَعَداً﴾.
أي: ندخله عذاباً شديداً قال ابن عباس ﴿عَذَاباً صَعَداً﴾، أي: مشقة من العذاب وقال قتادة ﴿صَعَداً﴾ أي: صعوداً من عذاب الله لا راحة فيه وقال أبو سعيد الخدري: ﴿عَذَاباً صَعَداً﴾: هو جبل في النار، كلما جعلوا أيديهم [عليه] ذابت، وإذا رفعوها عادت ويقال: تَصَعّدني الشّيء أي: شقّ عَلَيّ.
وقرأ مسلم بن جندب: نُسلِكه، جعله رباعياً. يقال: سَلَكه وأَسلَكه. ويقال: سَلَكَ، هو وسَلَكْتُهُ مثل رَجَعَ ورَجَعْتُهُ.
* *
- ثم قال: ﴿وَأَنَّ ٱلْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلاَ تَدْعُواْ مَعَ ٱللَّهِ أَحَداً﴾.
أي: وأوحي الى أن المساجد لله ﴿فَلاَ تَدْعُواْ﴾ أيها الناس ﴿مَعَ ٱللَّهِ أَحَداً﴾ أي: لا تشركوا به قال قتادة: كانت اليهود والنصارى إذا دخلوا كنائسهم وبِيَعَهُم اشركوا، فأمر الله نبيه أن يوحدوا الله وحده إذا دخلوا المساجد. قال ابن جبير: قالت الجن للنبي: كيف لنا أن نأتي المساجد ونحن [ناءون] عنك، وكيف نشهد الصلاة، فنزلت ﴿وَأَنَّ ٱلْمَسَاجِدَ لِلَّهِ﴾ الآية والمساجد جمع مسجد. ومسجد بمعنى السجود، فكأنه قال: وأن السجود لله لا لغيره. ويجوز أن يكون جمع مسجد هو موضع السجود.
وقال الفراء (يقال) ﴿[وَ]أَنَّ ٱلْمَسَاجِدَ لِلَّهِ﴾، يراد به مساجد الرجل، ما يسجد عليه من جبهته ويديه وركبتيه وصدور قدميه.
وأنكر ذلك النحاس وغيره.
* *
وقوله: ﴿فَلاَ تَدْعُواْ﴾ خطاب للجماعة. والنون حذفت للنهي.
* *
- ثم قال: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ ٱللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُواْ يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً﴾.
أي: لما قام (محمد يدعو الله) يقول: لا إله إلا الله، كاد الجن يكونون على محمد لبداً، أي جماعات بعضها فوق بعض.
وواحد لِبَد: لِبْدة. ويقال: لُبد - بضم اللام - واحدها لُبْدة. فمن كسر [﴿وَأَنَّهُ﴾] جعله من قول الجن إخباراً من الله لنا عن قولهم ذلك، ويكون المعنى على ما قال ابن جبير أن الجن رأوا النبي ﷺ يصلي وأصحابه يصلون بصلاته فعجبوا من طوعهم له فقالوا لقومهم: وإنه لما قام عبد الله يدعو الله كاد أصحابه يكونون عليه لِبَداً.
ويجوز الكسر، وهو من كلام الله، لا حكاية عن الجن ويكون المعنى أن النبي ﷺ لما قام يدعو إلى الله كاد الجن يكونون عليه لِبَداً.
فأما من فتح فهو من كلام الله أيضاً على هذا المعنى، أي: كاد الجن [يركبون محمد من الحرص] لما سمعوه يتلو القرآن فدنوا منه حتى كادوا يركبونه، هذا معنى قول ابن عباس والضحاك، فيكون الضميران في (كادوا يكونون) للجن.
وعن ابن عباس أيضاً أن معناه (أن) الجن قالوا لقومهم، إن محمد لمّا قام يدعو الله كاد أصحابه يركبونه لتقربهم منه وطوعهم له، فيكون الضّميرانِ لأصحاب النبي ﷺ وهو قول ابن جبير.
[وعن ابن عباس ﴿لِبَداً﴾: أعواناً].
وقال قتادة: معناه أن الله أعلم نبيه أن الجن والإنس يتظاهرون عليه ليبطلوا ما جاءهم (به) لمّا دَعا إلى الله، والله ناصِرُه عليهم.
وقيل: إن ذلك للعرب خاصة أرادوا أن يطفئوا النور الذي جاء به النبي ﷺ، وهو اختيار الطبري.
الجن 72:9
قوله: ﴿وَأَنَّا ظَنَنَّآ أَن لَّن تَقُولَ ٱلإِنسُ وَٱلْجِنُّ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً﴾ إلى قوله: ﴿لِبَداً﴾.
أي: وإنّا حسبنا وتوهمنا أن أحداً لا يقول على الله الكذب. وذلك أنهم كانوا يحسبون أَ(نّ) إبليس كان صادقاً فيما [يدعوهم] إليه من صنوف الكفر. فما سمعوا القرآن أيقنوا أنه كان كاذباً في كل ذلك وسَمّوه سفيها.
[ثم قال]: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ ٱلإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ ٱلْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقاً﴾.
هذا أيضاً من قول النفر من الجن.
ذكروا أن رجالاً من الإنس [كانوا] [يستجيرون] برجال من الجن في أسفارهم إذا نزلوا، فزاد الجنّ باستجارتهم (لهم) جرأة عليهم وازداد الإنس إِثْماً.
قال ابن عباس: [فزادوهم] إثماً. وهو قول قتادة. فازداد الإنس بفعلهم ذلك إثماً، وازداد الجن على الإنس جرأة.
وقال مجاهد: ازداد الإنس بذلك طغياناً.
وقال الربيع بن أنس: فازداد الإنس لذلك فَرقاَ من الجن.
وهو قول ابن زيد.
وقال أبو عبيدة: رهقاً: سفهاً وظلماً.
والرهق في كلام العرب: الإثم والعيب وإتيان المحارم. ومنه: فلان يرهق بكذا، أي: يعاب به. فيكون التقدير: فزاد الجنّ الإنسَ إِثماً لمّا [استعاذوا] بهم. وكان ذلك من فعل المشركين. قال ابن عباس وغيره: كان رجال من الإنس يَبِيتُ أحدهم في الوادي في الجاهلية، فيقول: أعوذ بعزيز هذا الوادي فزادهم ذلك إثماً.
وقال الحسن: كان الرجل إذا نزل في الوادي يقول: أعوذ بعزيز هذا الوادي من سفهاء قومه.
وقال النخعي: كان الرجل إذا نزل [الوادي] يقول: نعوذ بسيد هذا الوادي من شر (ما) فيه، فتقول الجن: ما نملك لكم ولا لأنفسنا ضراً ولا نفعاً.
وقال مجاهد: كانوا يقولون إذا هبطوا وادياً: نعوذ بعظماء هذا الوادي وهو قول قتادة وغيره.
* *
- ثم قال: ﴿وَأَنَّهُمْ ظَنُّواْ كَمَا ظَنَنتُمْ أَن لَّن يَبْعَثَ ٱللَّهُ أَحَداً﴾.
أي: وإن الرجال من الجن ظنوا كما ظن الرجال من الإنس أن الله لا يبعث أحداً، أي: رسولاً إلى خلقه يدعوهم إلى توحيده. قاله الكلبي.
وقال غيره، معناه: وأن الجن ظنوا كما ظن الكفار من الإنس أن الله لا يبعث أحداً يوم القيامة.
* *
- ثم قال: ﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا ٱلسَّمَآءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَساً شَدِيداً وَشُهُباً ﴾.
[وقال النفر من الجن إنا طلبنا خبر السماء فوجدناها قد ملئت حفظاً مانعاً] [وشهباً] نُرْجَم بها إذا أردنا الاستماع. والشُّهب: النُّجُوم.
وقال ابن جبير: كانت الجن [تستمع]، فلما رُجموا قالوا: إن هذا الذي حدث في السماء إنما هو لشيء حدث في الأرض. قال: فذهبوا يطلبون حتى رأوا النبي ﷺ خارجاً من سوق عُكَاظٍ يصلي بأصحابه صلاة الفجر، فذهبوا إلى أصحابهم منذرين.
* *
- ثم قال ﴿وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ﴾
أي: وقالوا إنا كنا نقعد من السماء في مقاعد نستمع الأخبار.
* *
- ﴿فَمَن يَسْتَمِعِ ٱلآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَاباً رَّصَداً﴾.
أي: من أتي يستمع الساعة يرمي بشهاب يرمد به إذا دنا فَيُرمى به، قال قتادة: لما بعث الله نبيه مُنِعُوا الاستماع [فَتَفَقَّدَتِ] الجن ذلك من أنفسها، قال: وذُكِرَ لنا أن أشراف الجن كانوا [بنصيبين] (فطلبوا ذلك) وضربوا إليه حتى سقطوا على نبي الله وهو يصلي بأصحابه عامداً الى عكاظ.
قال ابن زيد: قالوا كنا نستمع فمن يستمع الآن يجد له شهاباً رصداً، فلما وجدوا ذلك رجعوا إلى إبليس، فقالوا مُنِع (منَّا) السمع. فقال: إن السماء لم تحرس إلا على [أمرين]: [إما العذاب] يريد الله عز وجل أن ينزله بغتة على أهل الأرض، وإما نبي مرسل مرشد فذلك قول الله تعالى حكاية عن قولهم ﴿وَأَنَّا لاَ نَدْرِيۤ أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَن فِي ٱلأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ (رَبُّهُمْ) رَشَداً﴾.
(أي) قال إبليس لا ندري أعذاب ينزل على من في الأرض بغتة، فمُنِعْتُم من أجله الاستماع؟ أم نبي أرسله الله ليرشد من في الأرض إلى الطريق المستقيم؟ هذا معنى قول ابن زيد.
وقال الكلبي: معناه: أنهم قالوا: لا ندري أهذا المنع الذي منعنا، أراد بهم ربهم أن يطيعوا الرسول فَيَرْشُدُوا أم يعصوه فيهلكهم وهذا كله من علامات نبوة محمد ﷺ.
* *
- ثم قال: ﴿وَأَنَّا مِنَّا ٱلصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ﴾
أي: قال النفر: وإنا منا المسلمون العاملون بطاعة الله، ومنا من هو دون ذلك في الصلاح والعمل.
* *
- ﴿كُنَّا طَرَآئِقَ قِدَداً﴾.
أي: كنا أهواء مختلفة وفرقاً شتى، الصّالِح والذي هُوَ دُونَه، والكافِر.
قال ابن عباس: ﴿كُنَّا طَرَآئِقَ قِدَداً﴾ (أي) أهواء شتى مِنّا المُسلم ومنا المُشرك.
وقال عكرمة: "أهواء مختلفة".
وقال قتادة: "أهواء شتى".
وقال مجاهد: "مسلمين وكافرين" وهو قول سفيان.
والقِدَد جمع قدة، وهي الضُّروبُ والأَجناس المختلفة. والطرائق جمع طريقة الرجل أي مذهبه.
* *
- ثم قال ﴿وَأَنَّا ظَنَنَّآ أَن لَّن نُّعْجِزَ ٱللَّهَ فِي ٱلأَرْضِ﴾
أي: وإنّا علمنا وأَيْقَنّا أن لن نفوت الله بالهروب في الأرض ولا بغيره، وَصَفوهُ - جل ذِكره - بالقدرة عليهم.
* *
- ثم قال: ﴿وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا ٱلْهُدَىٰ آمَنَّا بِهِ﴾
أي: لما سمعنا القرآن [يؤدي] من آمن به إلى الهدى صدقنا به.
* *
- ﴿فَمَن يُؤْمِن بِرَبِّهِ فَلاَ يَخَافُ بَخْساً﴾.
[أي: ومن يصدق بربه فلا يخاف بخساً) أي: أن ينقص من حسناته وثوابه].
* *
- ﴿وَلاَ رَهَقاً﴾.
(أي): لا يُحمل من سيئات غيره عليه.
قال ابن عباس: ﴿بَخْساً وَلاَ رَهَقاً﴾، أي: "لا يخاف نقصاً من حسناته، ولا زيادة في سيئاته".
قال قتادة: ﴿بَخْساً﴾: ظلما، ﴿وَلاَ رَهَقاً﴾: أن يعمل عليه ذنب غيره.
* *
- ثم قال: ﴿وَأَنَّا مِنَّا ٱلْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا ٱلْقَاسِطُونَ﴾
أي: الجائرون عن الهدى.
* *
- ﴿فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُوْلَـٰئِكَ تَحَرَّوْاْ رَشَداً﴾.
أي: [تعمدوا الرشد] وأصابوه.
* *
- ثم قال ﴿وَأَمَّا ٱلْقَاسِطُونَ فَكَانُواْ لِجَهَنَّمَ حَطَباً﴾.
أي: وأما العادلون الجائرون عن الهدى فكانوا حطباً يوم القيامة لجهنم.
* *
- ثم قال: ﴿وَأَلَّوِ ٱسْتَقَامُواْ عَلَى ٱلطَّرِيقَةِ لأَسْقَيْنَاهُم مَّآءً غَدَقاً * لِّنَفْتِنَهُمْ فِيهِ﴾
كل ما تقدم من إخبار الله هو من قول الجن إلا هذا، فإنه من قول الله، أي: لو استقام القاسطون [على] طريقة الحق [أي]: طريقة الإسلام وهي [الطاعة] لله، لَوَسّعْنا عليهم في الرزق لنختبرهم فيه فننظر عملهم وشكرهم. قاله ابن جبير وقتادة ومجاهد [قاله مجاهد: الطريقة: الإسلام، والماء: المال، والغدق: الكثير].
والغَدَق: الماء الظاهر، والرَّغَد: الكَثِير، والماء يُراد به العيش والرزق.
وقيل: معناه: لو استقاموا على طريقة الضلال لَوَسَّعنا عليهم في الرزق استدراجاً، ذكره الضاحك وقاله الفراء.
(و) القول الأول أصح كما قال: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ ٱلْقُرَىٰ ءَامَنُواْ وَٱتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَٰتٍ...﴾ [الأعراف: ٩٦] الآية.
* *
- ثم قال: ﴿وَمَن يُعْرِضْ عَن ذِكْرِ رَبِّهِ﴾
أي: عن القرآن [وقبوله].
* *
﴿يَسْلُكْهُ عَذَاباً صَعَداً﴾.
أي: ندخله عذاباً شديداً قال ابن عباس ﴿عَذَاباً صَعَداً﴾، أي: مشقة من العذاب وقال قتادة ﴿صَعَداً﴾ أي: صعوداً من عذاب الله لا راحة فيه وقال أبو سعيد الخدري: ﴿عَذَاباً صَعَداً﴾: هو جبل في النار، كلما جعلوا أيديهم [عليه] ذابت، وإذا رفعوها عادت ويقال: تَصَعّدني الشّيء أي: شقّ عَلَيّ.
وقرأ مسلم بن جندب: نُسلِكه، جعله رباعياً. يقال: سَلَكه وأَسلَكه. ويقال: سَلَكَ، هو وسَلَكْتُهُ مثل رَجَعَ ورَجَعْتُهُ.
* *
- ثم قال: ﴿وَأَنَّ ٱلْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلاَ تَدْعُواْ مَعَ ٱللَّهِ أَحَداً﴾.
أي: وأوحي الى أن المساجد لله ﴿فَلاَ تَدْعُواْ﴾ أيها الناس ﴿مَعَ ٱللَّهِ أَحَداً﴾ أي: لا تشركوا به قال قتادة: كانت اليهود والنصارى إذا دخلوا كنائسهم وبِيَعَهُم اشركوا، فأمر الله نبيه أن يوحدوا الله وحده إذا دخلوا المساجد. قال ابن جبير: قالت الجن للنبي: كيف لنا أن نأتي المساجد ونحن [ناءون] عنك، وكيف نشهد الصلاة، فنزلت ﴿وَأَنَّ ٱلْمَسَاجِدَ لِلَّهِ﴾ الآية والمساجد جمع مسجد. ومسجد بمعنى السجود، فكأنه قال: وأن السجود لله لا لغيره. ويجوز أن يكون جمع مسجد هو موضع السجود.
وقال الفراء (يقال) ﴿[وَ]أَنَّ ٱلْمَسَاجِدَ لِلَّهِ﴾، يراد به مساجد الرجل، ما يسجد عليه من جبهته ويديه وركبتيه وصدور قدميه.
وأنكر ذلك النحاس وغيره.
* *
وقوله: ﴿فَلاَ تَدْعُواْ﴾ خطاب للجماعة. والنون حذفت للنهي.
* *
- ثم قال: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ ٱللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُواْ يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً﴾.
أي: لما قام (محمد يدعو الله) يقول: لا إله إلا الله، كاد الجن يكونون على محمد لبداً، أي جماعات بعضها فوق بعض.
وواحد لِبَد: لِبْدة. ويقال: لُبد - بضم اللام - واحدها لُبْدة. فمن كسر [﴿وَأَنَّهُ﴾] جعله من قول الجن إخباراً من الله لنا عن قولهم ذلك، ويكون المعنى على ما قال ابن جبير أن الجن رأوا النبي ﷺ يصلي وأصحابه يصلون بصلاته فعجبوا من طوعهم له فقالوا لقومهم: وإنه لما قام عبد الله يدعو الله كاد أصحابه يكونون عليه لِبَداً.
ويجوز الكسر، وهو من كلام الله، لا حكاية عن الجن ويكون المعنى أن النبي ﷺ لما قام يدعو إلى الله كاد الجن يكونون عليه لِبَداً.
فأما من فتح فهو من كلام الله أيضاً على هذا المعنى، أي: كاد الجن [يركبون محمد من الحرص] لما سمعوه يتلو القرآن فدنوا منه حتى كادوا يركبونه، هذا معنى قول ابن عباس والضحاك، فيكون الضميران في (كادوا يكونون) للجن.
وعن ابن عباس أيضاً أن معناه (أن) الجن قالوا لقومهم، إن محمد لمّا قام يدعو الله كاد أصحابه يركبونه لتقربهم منه وطوعهم له، فيكون الضّميرانِ لأصحاب النبي ﷺ وهو قول ابن جبير.
[وعن ابن عباس ﴿لِبَداً﴾: أعواناً].
وقال قتادة: معناه أن الله أعلم نبيه أن الجن والإنس يتظاهرون عليه ليبطلوا ما جاءهم (به) لمّا دَعا إلى الله، والله ناصِرُه عليهم.
وقيل: إن ذلك للعرب خاصة أرادوا أن يطفئوا النور الذي جاء به النبي ﷺ، وهو اختيار الطبري.
الجن 72:10
قوله: ﴿وَأَنَّا ظَنَنَّآ أَن لَّن تَقُولَ ٱلإِنسُ وَٱلْجِنُّ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً﴾ إلى قوله: ﴿لِبَداً﴾.
أي: وإنّا حسبنا وتوهمنا أن أحداً لا يقول على الله الكذب. وذلك أنهم كانوا يحسبون أَ(نّ) إبليس كان صادقاً فيما [يدعوهم] إليه من صنوف الكفر. فما سمعوا القرآن أيقنوا أنه كان كاذباً في كل ذلك وسَمّوه سفيها.
[ثم قال]: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ ٱلإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ ٱلْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقاً﴾.
هذا أيضاً من قول النفر من الجن.
ذكروا أن رجالاً من الإنس [كانوا] [يستجيرون] برجال من الجن في أسفارهم إذا نزلوا، فزاد الجنّ باستجارتهم (لهم) جرأة عليهم وازداد الإنس إِثْماً.
قال ابن عباس: [فزادوهم] إثماً. وهو قول قتادة. فازداد الإنس بفعلهم ذلك إثماً، وازداد الجن على الإنس جرأة.
وقال مجاهد: ازداد الإنس بذلك طغياناً.
وقال الربيع بن أنس: فازداد الإنس لذلك فَرقاَ من الجن.
وهو قول ابن زيد.
وقال أبو عبيدة: رهقاً: سفهاً وظلماً.
والرهق في كلام العرب: الإثم والعيب وإتيان المحارم. ومنه: فلان يرهق بكذا، أي: يعاب به. فيكون التقدير: فزاد الجنّ الإنسَ إِثماً لمّا [استعاذوا] بهم. وكان ذلك من فعل المشركين. قال ابن عباس وغيره: كان رجال من الإنس يَبِيتُ أحدهم في الوادي في الجاهلية، فيقول: أعوذ بعزيز هذا الوادي فزادهم ذلك إثماً.
وقال الحسن: كان الرجل إذا نزل في الوادي يقول: أعوذ بعزيز هذا الوادي من سفهاء قومه.
وقال النخعي: كان الرجل إذا نزل [الوادي] يقول: نعوذ بسيد هذا الوادي من شر (ما) فيه، فتقول الجن: ما نملك لكم ولا لأنفسنا ضراً ولا نفعاً.
وقال مجاهد: كانوا يقولون إذا هبطوا وادياً: نعوذ بعظماء هذا الوادي وهو قول قتادة وغيره.
* *
- ثم قال: ﴿وَأَنَّهُمْ ظَنُّواْ كَمَا ظَنَنتُمْ أَن لَّن يَبْعَثَ ٱللَّهُ أَحَداً﴾.
أي: وإن الرجال من الجن ظنوا كما ظن الرجال من الإنس أن الله لا يبعث أحداً، أي: رسولاً إلى خلقه يدعوهم إلى توحيده. قاله الكلبي.
وقال غيره، معناه: وأن الجن ظنوا كما ظن الكفار من الإنس أن الله لا يبعث أحداً يوم القيامة.
* *
- ثم قال: ﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا ٱلسَّمَآءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَساً شَدِيداً وَشُهُباً ﴾.
[وقال النفر من الجن إنا طلبنا خبر السماء فوجدناها قد ملئت حفظاً مانعاً] [وشهباً] نُرْجَم بها إذا أردنا الاستماع. والشُّهب: النُّجُوم.
وقال ابن جبير: كانت الجن [تستمع]، فلما رُجموا قالوا: إن هذا الذي حدث في السماء إنما هو لشيء حدث في الأرض. قال: فذهبوا يطلبون حتى رأوا النبي ﷺ خارجاً من سوق عُكَاظٍ يصلي بأصحابه صلاة الفجر، فذهبوا إلى أصحابهم منذرين.
* *
- ثم قال ﴿وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ﴾
أي: وقالوا إنا كنا نقعد من السماء في مقاعد نستمع الأخبار.
* *
- ﴿فَمَن يَسْتَمِعِ ٱلآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَاباً رَّصَداً﴾.
أي: من أتي يستمع الساعة يرمي بشهاب يرمد به إذا دنا فَيُرمى به، قال قتادة: لما بعث الله نبيه مُنِعُوا الاستماع [فَتَفَقَّدَتِ] الجن ذلك من أنفسها، قال: وذُكِرَ لنا أن أشراف الجن كانوا [بنصيبين] (فطلبوا ذلك) وضربوا إليه حتى سقطوا على نبي الله وهو يصلي بأصحابه عامداً الى عكاظ.
قال ابن زيد: قالوا كنا نستمع فمن يستمع الآن يجد له شهاباً رصداً، فلما وجدوا ذلك رجعوا إلى إبليس، فقالوا مُنِع (منَّا) السمع. فقال: إن السماء لم تحرس إلا على [أمرين]: [إما العذاب] يريد الله عز وجل أن ينزله بغتة على أهل الأرض، وإما نبي مرسل مرشد فذلك قول الله تعالى حكاية عن قولهم ﴿وَأَنَّا لاَ نَدْرِيۤ أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَن فِي ٱلأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ (رَبُّهُمْ) رَشَداً﴾.
(أي) قال إبليس لا ندري أعذاب ينزل على من في الأرض بغتة، فمُنِعْتُم من أجله الاستماع؟ أم نبي أرسله الله ليرشد من في الأرض إلى الطريق المستقيم؟ هذا معنى قول ابن زيد.
وقال الكلبي: معناه: أنهم قالوا: لا ندري أهذا المنع الذي منعنا، أراد بهم ربهم أن يطيعوا الرسول فَيَرْشُدُوا أم يعصوه فيهلكهم وهذا كله من علامات نبوة محمد ﷺ.
* *
- ثم قال: ﴿وَأَنَّا مِنَّا ٱلصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ﴾
أي: قال النفر: وإنا منا المسلمون العاملون بطاعة الله، ومنا من هو دون ذلك في الصلاح والعمل.
* *
- ﴿كُنَّا طَرَآئِقَ قِدَداً﴾.
أي: كنا أهواء مختلفة وفرقاً شتى، الصّالِح والذي هُوَ دُونَه، والكافِر.
قال ابن عباس: ﴿كُنَّا طَرَآئِقَ قِدَداً﴾ (أي) أهواء شتى مِنّا المُسلم ومنا المُشرك.
وقال عكرمة: "أهواء مختلفة".
وقال قتادة: "أهواء شتى".
وقال مجاهد: "مسلمين وكافرين" وهو قول سفيان.
والقِدَد جمع قدة، وهي الضُّروبُ والأَجناس المختلفة. والطرائق جمع طريقة الرجل أي مذهبه.
* *
- ثم قال ﴿وَأَنَّا ظَنَنَّآ أَن لَّن نُّعْجِزَ ٱللَّهَ فِي ٱلأَرْضِ﴾
أي: وإنّا علمنا وأَيْقَنّا أن لن نفوت الله بالهروب في الأرض ولا بغيره، وَصَفوهُ - جل ذِكره - بالقدرة عليهم.
* *
- ثم قال: ﴿وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا ٱلْهُدَىٰ آمَنَّا بِهِ﴾
أي: لما سمعنا القرآن [يؤدي] من آمن به إلى الهدى صدقنا به.
* *
- ﴿فَمَن يُؤْمِن بِرَبِّهِ فَلاَ يَخَافُ بَخْساً﴾.
[أي: ومن يصدق بربه فلا يخاف بخساً) أي: أن ينقص من حسناته وثوابه].
* *
- ﴿وَلاَ رَهَقاً﴾.
(أي): لا يُحمل من سيئات غيره عليه.
قال ابن عباس: ﴿بَخْساً وَلاَ رَهَقاً﴾، أي: "لا يخاف نقصاً من حسناته، ولا زيادة في سيئاته".
قال قتادة: ﴿بَخْساً﴾: ظلما، ﴿وَلاَ رَهَقاً﴾: أن يعمل عليه ذنب غيره.
* *
- ثم قال: ﴿وَأَنَّا مِنَّا ٱلْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا ٱلْقَاسِطُونَ﴾
أي: الجائرون عن الهدى.
* *
- ﴿فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُوْلَـٰئِكَ تَحَرَّوْاْ رَشَداً﴾.
أي: [تعمدوا الرشد] وأصابوه.
* *
- ثم قال ﴿وَأَمَّا ٱلْقَاسِطُونَ فَكَانُواْ لِجَهَنَّمَ حَطَباً﴾.
أي: وأما العادلون الجائرون عن الهدى فكانوا حطباً يوم القيامة لجهنم.
* *
- ثم قال: ﴿وَأَلَّوِ ٱسْتَقَامُواْ عَلَى ٱلطَّرِيقَةِ لأَسْقَيْنَاهُم مَّآءً غَدَقاً * لِّنَفْتِنَهُمْ فِيهِ﴾
كل ما تقدم من إخبار الله هو من قول الجن إلا هذا، فإنه من قول الله، أي: لو استقام القاسطون [على] طريقة الحق [أي]: طريقة الإسلام وهي [الطاعة] لله، لَوَسّعْنا عليهم في الرزق لنختبرهم فيه فننظر عملهم وشكرهم. قاله ابن جبير وقتادة ومجاهد [قاله مجاهد: الطريقة: الإسلام، والماء: المال، والغدق: الكثير].
والغَدَق: الماء الظاهر، والرَّغَد: الكَثِير، والماء يُراد به العيش والرزق.
وقيل: معناه: لو استقاموا على طريقة الضلال لَوَسَّعنا عليهم في الرزق استدراجاً، ذكره الضاحك وقاله الفراء.
(و) القول الأول أصح كما قال: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ ٱلْقُرَىٰ ءَامَنُواْ وَٱتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَٰتٍ...﴾ [الأعراف: ٩٦] الآية.
* *
- ثم قال: ﴿وَمَن يُعْرِضْ عَن ذِكْرِ رَبِّهِ﴾
أي: عن القرآن [وقبوله].
* *
﴿يَسْلُكْهُ عَذَاباً صَعَداً﴾.
أي: ندخله عذاباً شديداً قال ابن عباس ﴿عَذَاباً صَعَداً﴾، أي: مشقة من العذاب وقال قتادة ﴿صَعَداً﴾ أي: صعوداً من عذاب الله لا راحة فيه وقال أبو سعيد الخدري: ﴿عَذَاباً صَعَداً﴾: هو جبل في النار، كلما جعلوا أيديهم [عليه] ذابت، وإذا رفعوها عادت ويقال: تَصَعّدني الشّيء أي: شقّ عَلَيّ.
وقرأ مسلم بن جندب: نُسلِكه، جعله رباعياً. يقال: سَلَكه وأَسلَكه. ويقال: سَلَكَ، هو وسَلَكْتُهُ مثل رَجَعَ ورَجَعْتُهُ.
* *
- ثم قال: ﴿وَأَنَّ ٱلْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلاَ تَدْعُواْ مَعَ ٱللَّهِ أَحَداً﴾.
أي: وأوحي الى أن المساجد لله ﴿فَلاَ تَدْعُواْ﴾ أيها الناس ﴿مَعَ ٱللَّهِ أَحَداً﴾ أي: لا تشركوا به قال قتادة: كانت اليهود والنصارى إذا دخلوا كنائسهم وبِيَعَهُم اشركوا، فأمر الله نبيه أن يوحدوا الله وحده إذا دخلوا المساجد. قال ابن جبير: قالت الجن للنبي: كيف لنا أن نأتي المساجد ونحن [ناءون] عنك، وكيف نشهد الصلاة، فنزلت ﴿وَأَنَّ ٱلْمَسَاجِدَ لِلَّهِ﴾ الآية والمساجد جمع مسجد. ومسجد بمعنى السجود، فكأنه قال: وأن السجود لله لا لغيره. ويجوز أن يكون جمع مسجد هو موضع السجود.
وقال الفراء (يقال) ﴿[وَ]أَنَّ ٱلْمَسَاجِدَ لِلَّهِ﴾، يراد به مساجد الرجل، ما يسجد عليه من جبهته ويديه وركبتيه وصدور قدميه.
وأنكر ذلك النحاس وغيره.
* *
وقوله: ﴿فَلاَ تَدْعُواْ﴾ خطاب للجماعة. والنون حذفت للنهي.
* *
- ثم قال: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ ٱللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُواْ يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً﴾.
أي: لما قام (محمد يدعو الله) يقول: لا إله إلا الله، كاد الجن يكونون على محمد لبداً، أي جماعات بعضها فوق بعض.
وواحد لِبَد: لِبْدة. ويقال: لُبد - بضم اللام - واحدها لُبْدة. فمن كسر [﴿وَأَنَّهُ﴾] جعله من قول الجن إخباراً من الله لنا عن قولهم ذلك، ويكون المعنى على ما قال ابن جبير أن الجن رأوا النبي ﷺ يصلي وأصحابه يصلون بصلاته فعجبوا من طوعهم له فقالوا لقومهم: وإنه لما قام عبد الله يدعو الله كاد أصحابه يكونون عليه لِبَداً.
ويجوز الكسر، وهو من كلام الله، لا حكاية عن الجن ويكون المعنى أن النبي ﷺ لما قام يدعو إلى الله كاد الجن يكونون عليه لِبَداً.
فأما من فتح فهو من كلام الله أيضاً على هذا المعنى، أي: كاد الجن [يركبون محمد من الحرص] لما سمعوه يتلو القرآن فدنوا منه حتى كادوا يركبونه، هذا معنى قول ابن عباس والضحاك، فيكون الضميران في (كادوا يكونون) للجن.
وعن ابن عباس أيضاً أن معناه (أن) الجن قالوا لقومهم، إن محمد لمّا قام يدعو الله كاد أصحابه يركبونه لتقربهم منه وطوعهم له، فيكون الضّميرانِ لأصحاب النبي ﷺ وهو قول ابن جبير.
[وعن ابن عباس ﴿لِبَداً﴾: أعواناً].
وقال قتادة: معناه أن الله أعلم نبيه أن الجن والإنس يتظاهرون عليه ليبطلوا ما جاءهم (به) لمّا دَعا إلى الله، والله ناصِرُه عليهم.
وقيل: إن ذلك للعرب خاصة أرادوا أن يطفئوا النور الذي جاء به النبي ﷺ، وهو اختيار الطبري.
الجن 72:11
قوله: ﴿وَأَنَّا ظَنَنَّآ أَن لَّن تَقُولَ ٱلإِنسُ وَٱلْجِنُّ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً﴾ إلى قوله: ﴿لِبَداً﴾.
أي: وإنّا حسبنا وتوهمنا أن أحداً لا يقول على الله الكذب. وذلك أنهم كانوا يحسبون أَ(نّ) إبليس كان صادقاً فيما [يدعوهم] إليه من صنوف الكفر. فما سمعوا القرآن أيقنوا أنه كان كاذباً في كل ذلك وسَمّوه سفيها.
[ثم قال]: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ ٱلإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ ٱلْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقاً﴾.
هذا أيضاً من قول النفر من الجن.
ذكروا أن رجالاً من الإنس [كانوا] [يستجيرون] برجال من الجن في أسفارهم إذا نزلوا، فزاد الجنّ باستجارتهم (لهم) جرأة عليهم وازداد الإنس إِثْماً.
قال ابن عباس: [فزادوهم] إثماً. وهو قول قتادة. فازداد الإنس بفعلهم ذلك إثماً، وازداد الجن على الإنس جرأة.
وقال مجاهد: ازداد الإنس بذلك طغياناً.
وقال الربيع بن أنس: فازداد الإنس لذلك فَرقاَ من الجن.
وهو قول ابن زيد.
وقال أبو عبيدة: رهقاً: سفهاً وظلماً.
والرهق في كلام العرب: الإثم والعيب وإتيان المحارم. ومنه: فلان يرهق بكذا، أي: يعاب به. فيكون التقدير: فزاد الجنّ الإنسَ إِثماً لمّا [استعاذوا] بهم. وكان ذلك من فعل المشركين. قال ابن عباس وغيره: كان رجال من الإنس يَبِيتُ أحدهم في الوادي في الجاهلية، فيقول: أعوذ بعزيز هذا الوادي فزادهم ذلك إثماً.
وقال الحسن: كان الرجل إذا نزل في الوادي يقول: أعوذ بعزيز هذا الوادي من سفهاء قومه.
وقال النخعي: كان الرجل إذا نزل [الوادي] يقول: نعوذ بسيد هذا الوادي من شر (ما) فيه، فتقول الجن: ما نملك لكم ولا لأنفسنا ضراً ولا نفعاً.
وقال مجاهد: كانوا يقولون إذا هبطوا وادياً: نعوذ بعظماء هذا الوادي وهو قول قتادة وغيره.
* *
- ثم قال: ﴿وَأَنَّهُمْ ظَنُّواْ كَمَا ظَنَنتُمْ أَن لَّن يَبْعَثَ ٱللَّهُ أَحَداً﴾.
أي: وإن الرجال من الجن ظنوا كما ظن الرجال من الإنس أن الله لا يبعث أحداً، أي: رسولاً إلى خلقه يدعوهم إلى توحيده. قاله الكلبي.
وقال غيره، معناه: وأن الجن ظنوا كما ظن الكفار من الإنس أن الله لا يبعث أحداً يوم القيامة.
* *
- ثم قال: ﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا ٱلسَّمَآءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَساً شَدِيداً وَشُهُباً ﴾.
[وقال النفر من الجن إنا طلبنا خبر السماء فوجدناها قد ملئت حفظاً مانعاً] [وشهباً] نُرْجَم بها إذا أردنا الاستماع. والشُّهب: النُّجُوم.
وقال ابن جبير: كانت الجن [تستمع]، فلما رُجموا قالوا: إن هذا الذي حدث في السماء إنما هو لشيء حدث في الأرض. قال: فذهبوا يطلبون حتى رأوا النبي ﷺ خارجاً من سوق عُكَاظٍ يصلي بأصحابه صلاة الفجر، فذهبوا إلى أصحابهم منذرين.
* *
- ثم قال ﴿وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ﴾
أي: وقالوا إنا كنا نقعد من السماء في مقاعد نستمع الأخبار.
* *
- ﴿فَمَن يَسْتَمِعِ ٱلآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَاباً رَّصَداً﴾.
أي: من أتي يستمع الساعة يرمي بشهاب يرمد به إذا دنا فَيُرمى به، قال قتادة: لما بعث الله نبيه مُنِعُوا الاستماع [فَتَفَقَّدَتِ] الجن ذلك من أنفسها، قال: وذُكِرَ لنا أن أشراف الجن كانوا [بنصيبين] (فطلبوا ذلك) وضربوا إليه حتى سقطوا على نبي الله وهو يصلي بأصحابه عامداً الى عكاظ.
قال ابن زيد: قالوا كنا نستمع فمن يستمع الآن يجد له شهاباً رصداً، فلما وجدوا ذلك رجعوا إلى إبليس، فقالوا مُنِع (منَّا) السمع. فقال: إن السماء لم تحرس إلا على [أمرين]: [إما العذاب] يريد الله عز وجل أن ينزله بغتة على أهل الأرض، وإما نبي مرسل مرشد فذلك قول الله تعالى حكاية عن قولهم ﴿وَأَنَّا لاَ نَدْرِيۤ أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَن فِي ٱلأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ (رَبُّهُمْ) رَشَداً﴾.
(أي) قال إبليس لا ندري أعذاب ينزل على من في الأرض بغتة، فمُنِعْتُم من أجله الاستماع؟ أم نبي أرسله الله ليرشد من في الأرض إلى الطريق المستقيم؟ هذا معنى قول ابن زيد.
وقال الكلبي: معناه: أنهم قالوا: لا ندري أهذا المنع الذي منعنا، أراد بهم ربهم أن يطيعوا الرسول فَيَرْشُدُوا أم يعصوه فيهلكهم وهذا كله من علامات نبوة محمد ﷺ.
* *
- ثم قال: ﴿وَأَنَّا مِنَّا ٱلصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ﴾
أي: قال النفر: وإنا منا المسلمون العاملون بطاعة الله، ومنا من هو دون ذلك في الصلاح والعمل.
* *
- ﴿كُنَّا طَرَآئِقَ قِدَداً﴾.
أي: كنا أهواء مختلفة وفرقاً شتى، الصّالِح والذي هُوَ دُونَه، والكافِر.
قال ابن عباس: ﴿كُنَّا طَرَآئِقَ قِدَداً﴾ (أي) أهواء شتى مِنّا المُسلم ومنا المُشرك.
وقال عكرمة: "أهواء مختلفة".
وقال قتادة: "أهواء شتى".
وقال مجاهد: "مسلمين وكافرين" وهو قول سفيان.
والقِدَد جمع قدة، وهي الضُّروبُ والأَجناس المختلفة. والطرائق جمع طريقة الرجل أي مذهبه.
* *
- ثم قال ﴿وَأَنَّا ظَنَنَّآ أَن لَّن نُّعْجِزَ ٱللَّهَ فِي ٱلأَرْضِ﴾
أي: وإنّا علمنا وأَيْقَنّا أن لن نفوت الله بالهروب في الأرض ولا بغيره، وَصَفوهُ - جل ذِكره - بالقدرة عليهم.
* *
- ثم قال: ﴿وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا ٱلْهُدَىٰ آمَنَّا بِهِ﴾
أي: لما سمعنا القرآن [يؤدي] من آمن به إلى الهدى صدقنا به.
* *
- ﴿فَمَن يُؤْمِن بِرَبِّهِ فَلاَ يَخَافُ بَخْساً﴾.
[أي: ومن يصدق بربه فلا يخاف بخساً) أي: أن ينقص من حسناته وثوابه].
* *
- ﴿وَلاَ رَهَقاً﴾.
(أي): لا يُحمل من سيئات غيره عليه.
قال ابن عباس: ﴿بَخْساً وَلاَ رَهَقاً﴾، أي: "لا يخاف نقصاً من حسناته، ولا زيادة في سيئاته".
قال قتادة: ﴿بَخْساً﴾: ظلما، ﴿وَلاَ رَهَقاً﴾: أن يعمل عليه ذنب غيره.
* *
- ثم قال: ﴿وَأَنَّا مِنَّا ٱلْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا ٱلْقَاسِطُونَ﴾
أي: الجائرون عن الهدى.
* *
- ﴿فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُوْلَـٰئِكَ تَحَرَّوْاْ رَشَداً﴾.
أي: [تعمدوا الرشد] وأصابوه.
* *
- ثم قال ﴿وَأَمَّا ٱلْقَاسِطُونَ فَكَانُواْ لِجَهَنَّمَ حَطَباً﴾.
أي: وأما العادلون الجائرون عن الهدى فكانوا حطباً يوم القيامة لجهنم.
* *
- ثم قال: ﴿وَأَلَّوِ ٱسْتَقَامُواْ عَلَى ٱلطَّرِيقَةِ لأَسْقَيْنَاهُم مَّآءً غَدَقاً * لِّنَفْتِنَهُمْ فِيهِ﴾
كل ما تقدم من إخبار الله هو من قول الجن إلا هذا، فإنه من قول الله، أي: لو استقام القاسطون [على] طريقة الحق [أي]: طريقة الإسلام وهي [الطاعة] لله، لَوَسّعْنا عليهم في الرزق لنختبرهم فيه فننظر عملهم وشكرهم. قاله ابن جبير وقتادة ومجاهد [قاله مجاهد: الطريقة: الإسلام، والماء: المال، والغدق: الكثير].
والغَدَق: الماء الظاهر، والرَّغَد: الكَثِير، والماء يُراد به العيش والرزق.
وقيل: معناه: لو استقاموا على طريقة الضلال لَوَسَّعنا عليهم في الرزق استدراجاً، ذكره الضاحك وقاله الفراء.
(و) القول الأول أصح كما قال: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ ٱلْقُرَىٰ ءَامَنُواْ وَٱتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَٰتٍ...﴾ [الأعراف: ٩٦] الآية.
* *
- ثم قال: ﴿وَمَن يُعْرِضْ عَن ذِكْرِ رَبِّهِ﴾
أي: عن القرآن [وقبوله].
* *
﴿يَسْلُكْهُ عَذَاباً صَعَداً﴾.
أي: ندخله عذاباً شديداً قال ابن عباس ﴿عَذَاباً صَعَداً﴾، أي: مشقة من العذاب وقال قتادة ﴿صَعَداً﴾ أي: صعوداً من عذاب الله لا راحة فيه وقال أبو سعيد الخدري: ﴿عَذَاباً صَعَداً﴾: هو جبل في النار، كلما جعلوا أيديهم [عليه] ذابت، وإذا رفعوها عادت ويقال: تَصَعّدني الشّيء أي: شقّ عَلَيّ.
وقرأ مسلم بن جندب: نُسلِكه، جعله رباعياً. يقال: سَلَكه وأَسلَكه. ويقال: سَلَكَ، هو وسَلَكْتُهُ مثل رَجَعَ ورَجَعْتُهُ.
* *
- ثم قال: ﴿وَأَنَّ ٱلْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلاَ تَدْعُواْ مَعَ ٱللَّهِ أَحَداً﴾.
أي: وأوحي الى أن المساجد لله ﴿فَلاَ تَدْعُواْ﴾ أيها الناس ﴿مَعَ ٱللَّهِ أَحَداً﴾ أي: لا تشركوا به قال قتادة: كانت اليهود والنصارى إذا دخلوا كنائسهم وبِيَعَهُم اشركوا، فأمر الله نبيه أن يوحدوا الله وحده إذا دخلوا المساجد. قال ابن جبير: قالت الجن للنبي: كيف لنا أن نأتي المساجد ونحن [ناءون] عنك، وكيف نشهد الصلاة، فنزلت ﴿وَأَنَّ ٱلْمَسَاجِدَ لِلَّهِ﴾ الآية والمساجد جمع مسجد. ومسجد بمعنى السجود، فكأنه قال: وأن السجود لله لا لغيره. ويجوز أن يكون جمع مسجد هو موضع السجود.
وقال الفراء (يقال) ﴿[وَ]أَنَّ ٱلْمَسَاجِدَ لِلَّهِ﴾، يراد به مساجد الرجل، ما يسجد عليه من جبهته ويديه وركبتيه وصدور قدميه.
وأنكر ذلك النحاس وغيره.
* *
وقوله: ﴿فَلاَ تَدْعُواْ﴾ خطاب للجماعة. والنون حذفت للنهي.
* *
- ثم قال: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ ٱللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُواْ يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً﴾.
أي: لما قام (محمد يدعو الله) يقول: لا إله إلا الله، كاد الجن يكونون على محمد لبداً، أي جماعات بعضها فوق بعض.
وواحد لِبَد: لِبْدة. ويقال: لُبد - بضم اللام - واحدها لُبْدة. فمن كسر [﴿وَأَنَّهُ﴾] جعله من قول الجن إخباراً من الله لنا عن قولهم ذلك، ويكون المعنى على ما قال ابن جبير أن الجن رأوا النبي ﷺ يصلي وأصحابه يصلون بصلاته فعجبوا من طوعهم له فقالوا لقومهم: وإنه لما قام عبد الله يدعو الله كاد أصحابه يكونون عليه لِبَداً.
ويجوز الكسر، وهو من كلام الله، لا حكاية عن الجن ويكون المعنى أن النبي ﷺ لما قام يدعو إلى الله كاد الجن يكونون عليه لِبَداً.
فأما من فتح فهو من كلام الله أيضاً على هذا المعنى، أي: كاد الجن [يركبون محمد من الحرص] لما سمعوه يتلو القرآن فدنوا منه حتى كادوا يركبونه، هذا معنى قول ابن عباس والضحاك، فيكون الضميران في (كادوا يكونون) للجن.
وعن ابن عباس أيضاً أن معناه (أن) الجن قالوا لقومهم، إن محمد لمّا قام يدعو الله كاد أصحابه يركبونه لتقربهم منه وطوعهم له، فيكون الضّميرانِ لأصحاب النبي ﷺ وهو قول ابن جبير.
[وعن ابن عباس ﴿لِبَداً﴾: أعواناً].
وقال قتادة: معناه أن الله أعلم نبيه أن الجن والإنس يتظاهرون عليه ليبطلوا ما جاءهم (به) لمّا دَعا إلى الله، والله ناصِرُه عليهم.
وقيل: إن ذلك للعرب خاصة أرادوا أن يطفئوا النور الذي جاء به النبي ﷺ، وهو اختيار الطبري.
الجن 72:12
قوله: ﴿وَأَنَّا ظَنَنَّآ أَن لَّن تَقُولَ ٱلإِنسُ وَٱلْجِنُّ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً﴾ إلى قوله: ﴿لِبَداً﴾.
أي: وإنّا حسبنا وتوهمنا أن أحداً لا يقول على الله الكذب. وذلك أنهم كانوا يحسبون أَ(نّ) إبليس كان صادقاً فيما [يدعوهم] إليه من صنوف الكفر. فما سمعوا القرآن أيقنوا أنه كان كاذباً في كل ذلك وسَمّوه سفيها.
[ثم قال]: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ ٱلإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ ٱلْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقاً﴾.
هذا أيضاً من قول النفر من الجن.
ذكروا أن رجالاً من الإنس [كانوا] [يستجيرون] برجال من الجن في أسفارهم إذا نزلوا، فزاد الجنّ باستجارتهم (لهم) جرأة عليهم وازداد الإنس إِثْماً.
قال ابن عباس: [فزادوهم] إثماً. وهو قول قتادة. فازداد الإنس بفعلهم ذلك إثماً، وازداد الجن على الإنس جرأة.
وقال مجاهد: ازداد الإنس بذلك طغياناً.
وقال الربيع بن أنس: فازداد الإنس لذلك فَرقاَ من الجن.
وهو قول ابن زيد.
وقال أبو عبيدة: رهقاً: سفهاً وظلماً.
والرهق في كلام العرب: الإثم والعيب وإتيان المحارم. ومنه: فلان يرهق بكذا، أي: يعاب به. فيكون التقدير: فزاد الجنّ الإنسَ إِثماً لمّا [استعاذوا] بهم. وكان ذلك من فعل المشركين. قال ابن عباس وغيره: كان رجال من الإنس يَبِيتُ أحدهم في الوادي في الجاهلية، فيقول: أعوذ بعزيز هذا الوادي فزادهم ذلك إثماً.
وقال الحسن: كان الرجل إذا نزل في الوادي يقول: أعوذ بعزيز هذا الوادي من سفهاء قومه.
وقال النخعي: كان الرجل إذا نزل [الوادي] يقول: نعوذ بسيد هذا الوادي من شر (ما) فيه، فتقول الجن: ما نملك لكم ولا لأنفسنا ضراً ولا نفعاً.
وقال مجاهد: كانوا يقولون إذا هبطوا وادياً: نعوذ بعظماء هذا الوادي وهو قول قتادة وغيره.
* *
- ثم قال: ﴿وَأَنَّهُمْ ظَنُّواْ كَمَا ظَنَنتُمْ أَن لَّن يَبْعَثَ ٱللَّهُ أَحَداً﴾.
أي: وإن الرجال من الجن ظنوا كما ظن الرجال من الإنس أن الله لا يبعث أحداً، أي: رسولاً إلى خلقه يدعوهم إلى توحيده. قاله الكلبي.
وقال غيره، معناه: وأن الجن ظنوا كما ظن الكفار من الإنس أن الله لا يبعث أحداً يوم القيامة.
* *
- ثم قال: ﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا ٱلسَّمَآءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَساً شَدِيداً وَشُهُباً ﴾.
[وقال النفر من الجن إنا طلبنا خبر السماء فوجدناها قد ملئت حفظاً مانعاً] [وشهباً] نُرْجَم بها إذا أردنا الاستماع. والشُّهب: النُّجُوم.
وقال ابن جبير: كانت الجن [تستمع]، فلما رُجموا قالوا: إن هذا الذي حدث في السماء إنما هو لشيء حدث في الأرض. قال: فذهبوا يطلبون حتى رأوا النبي ﷺ خارجاً من سوق عُكَاظٍ يصلي بأصحابه صلاة الفجر، فذهبوا إلى أصحابهم منذرين.
* *
- ثم قال ﴿وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ﴾
أي: وقالوا إنا كنا نقعد من السماء في مقاعد نستمع الأخبار.
* *
- ﴿فَمَن يَسْتَمِعِ ٱلآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَاباً رَّصَداً﴾.
أي: من أتي يستمع الساعة يرمي بشهاب يرمد به إذا دنا فَيُرمى به، قال قتادة: لما بعث الله نبيه مُنِعُوا الاستماع [فَتَفَقَّدَتِ] الجن ذلك من أنفسها، قال: وذُكِرَ لنا أن أشراف الجن كانوا [بنصيبين] (فطلبوا ذلك) وضربوا إليه حتى سقطوا على نبي الله وهو يصلي بأصحابه عامداً الى عكاظ.
قال ابن زيد: قالوا كنا نستمع فمن يستمع الآن يجد له شهاباً رصداً، فلما وجدوا ذلك رجعوا إلى إبليس، فقالوا مُنِع (منَّا) السمع. فقال: إن السماء لم تحرس إلا على [أمرين]: [إما العذاب] يريد الله عز وجل أن ينزله بغتة على أهل الأرض، وإما نبي مرسل مرشد فذلك قول الله تعالى حكاية عن قولهم ﴿وَأَنَّا لاَ نَدْرِيۤ أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَن فِي ٱلأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ (رَبُّهُمْ) رَشَداً﴾.
(أي) قال إبليس لا ندري أعذاب ينزل على من في الأرض بغتة، فمُنِعْتُم من أجله الاستماع؟ أم نبي أرسله الله ليرشد من في الأرض إلى الطريق المستقيم؟ هذا معنى قول ابن زيد.
وقال الكلبي: معناه: أنهم قالوا: لا ندري أهذا المنع الذي منعنا، أراد بهم ربهم أن يطيعوا الرسول فَيَرْشُدُوا أم يعصوه فيهلكهم وهذا كله من علامات نبوة محمد ﷺ.
* *
- ثم قال: ﴿وَأَنَّا مِنَّا ٱلصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ﴾
أي: قال النفر: وإنا منا المسلمون العاملون بطاعة الله، ومنا من هو دون ذلك في الصلاح والعمل.
* *
- ﴿كُنَّا طَرَآئِقَ قِدَداً﴾.
أي: كنا أهواء مختلفة وفرقاً شتى، الصّالِح والذي هُوَ دُونَه، والكافِر.
قال ابن عباس: ﴿كُنَّا طَرَآئِقَ قِدَداً﴾ (أي) أهواء شتى مِنّا المُسلم ومنا المُشرك.
وقال عكرمة: "أهواء مختلفة".
وقال قتادة: "أهواء شتى".
وقال مجاهد: "مسلمين وكافرين" وهو قول سفيان.
والقِدَد جمع قدة، وهي الضُّروبُ والأَجناس المختلفة. والطرائق جمع طريقة الرجل أي مذهبه.
* *
- ثم قال ﴿وَأَنَّا ظَنَنَّآ أَن لَّن نُّعْجِزَ ٱللَّهَ فِي ٱلأَرْضِ﴾
أي: وإنّا علمنا وأَيْقَنّا أن لن نفوت الله بالهروب في الأرض ولا بغيره، وَصَفوهُ - جل ذِكره - بالقدرة عليهم.
* *
- ثم قال: ﴿وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا ٱلْهُدَىٰ آمَنَّا بِهِ﴾
أي: لما سمعنا القرآن [يؤدي] من آمن به إلى الهدى صدقنا به.
* *
- ﴿فَمَن يُؤْمِن بِرَبِّهِ فَلاَ يَخَافُ بَخْساً﴾.
[أي: ومن يصدق بربه فلا يخاف بخساً) أي: أن ينقص من حسناته وثوابه].
* *
- ﴿وَلاَ رَهَقاً﴾.
(أي): لا يُحمل من سيئات غيره عليه.
قال ابن عباس: ﴿بَخْساً وَلاَ رَهَقاً﴾، أي: "لا يخاف نقصاً من حسناته، ولا زيادة في سيئاته".
قال قتادة: ﴿بَخْساً﴾: ظلما، ﴿وَلاَ رَهَقاً﴾: أن يعمل عليه ذنب غيره.
* *
- ثم قال: ﴿وَأَنَّا مِنَّا ٱلْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا ٱلْقَاسِطُونَ﴾
أي: الجائرون عن الهدى.
* *
- ﴿فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُوْلَـٰئِكَ تَحَرَّوْاْ رَشَداً﴾.
أي: [تعمدوا الرشد] وأصابوه.
* *
- ثم قال ﴿وَأَمَّا ٱلْقَاسِطُونَ فَكَانُواْ لِجَهَنَّمَ حَطَباً﴾.
أي: وأما العادلون الجائرون عن الهدى فكانوا حطباً يوم القيامة لجهنم.
* *
- ثم قال: ﴿وَأَلَّوِ ٱسْتَقَامُواْ عَلَى ٱلطَّرِيقَةِ لأَسْقَيْنَاهُم مَّآءً غَدَقاً * لِّنَفْتِنَهُمْ فِيهِ﴾
كل ما تقدم من إخبار الله هو من قول الجن إلا هذا، فإنه من قول الله، أي: لو استقام القاسطون [على] طريقة الحق [أي]: طريقة الإسلام وهي [الطاعة] لله، لَوَسّعْنا عليهم في الرزق لنختبرهم فيه فننظر عملهم وشكرهم. قاله ابن جبير وقتادة ومجاهد [قاله مجاهد: الطريقة: الإسلام، والماء: المال، والغدق: الكثير].
والغَدَق: الماء الظاهر، والرَّغَد: الكَثِير، والماء يُراد به العيش والرزق.
وقيل: معناه: لو استقاموا على طريقة الضلال لَوَسَّعنا عليهم في الرزق استدراجاً، ذكره الضاحك وقاله الفراء.
(و) القول الأول أصح كما قال: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ ٱلْقُرَىٰ ءَامَنُواْ وَٱتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَٰتٍ...﴾ [الأعراف: ٩٦] الآية.
* *
- ثم قال: ﴿وَمَن يُعْرِضْ عَن ذِكْرِ رَبِّهِ﴾
أي: عن القرآن [وقبوله].
* *
﴿يَسْلُكْهُ عَذَاباً صَعَداً﴾.
أي: ندخله عذاباً شديداً قال ابن عباس ﴿عَذَاباً صَعَداً﴾، أي: مشقة من العذاب وقال قتادة ﴿صَعَداً﴾ أي: صعوداً من عذاب الله لا راحة فيه وقال أبو سعيد الخدري: ﴿عَذَاباً صَعَداً﴾: هو جبل في النار، كلما جعلوا أيديهم [عليه] ذابت، وإذا رفعوها عادت ويقال: تَصَعّدني الشّيء أي: شقّ عَلَيّ.
وقرأ مسلم بن جندب: نُسلِكه، جعله رباعياً. يقال: سَلَكه وأَسلَكه. ويقال: سَلَكَ، هو وسَلَكْتُهُ مثل رَجَعَ ورَجَعْتُهُ.
* *
- ثم قال: ﴿وَأَنَّ ٱلْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلاَ تَدْعُواْ مَعَ ٱللَّهِ أَحَداً﴾.
أي: وأوحي الى أن المساجد لله ﴿فَلاَ تَدْعُواْ﴾ أيها الناس ﴿مَعَ ٱللَّهِ أَحَداً﴾ أي: لا تشركوا به قال قتادة: كانت اليهود والنصارى إذا دخلوا كنائسهم وبِيَعَهُم اشركوا، فأمر الله نبيه أن يوحدوا الله وحده إذا دخلوا المساجد. قال ابن جبير: قالت الجن للنبي: كيف لنا أن نأتي المساجد ونحن [ناءون] عنك، وكيف نشهد الصلاة، فنزلت ﴿وَأَنَّ ٱلْمَسَاجِدَ لِلَّهِ﴾ الآية والمساجد جمع مسجد. ومسجد بمعنى السجود، فكأنه قال: وأن السجود لله لا لغيره. ويجوز أن يكون جمع مسجد هو موضع السجود.
وقال الفراء (يقال) ﴿[وَ]أَنَّ ٱلْمَسَاجِدَ لِلَّهِ﴾، يراد به مساجد الرجل، ما يسجد عليه من جبهته ويديه وركبتيه وصدور قدميه.
وأنكر ذلك النحاس وغيره.
* *
وقوله: ﴿فَلاَ تَدْعُواْ﴾ خطاب للجماعة. والنون حذفت للنهي.
* *
- ثم قال: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ ٱللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُواْ يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً﴾.
أي: لما قام (محمد يدعو الله) يقول: لا إله إلا الله، كاد الجن يكونون على محمد لبداً، أي جماعات بعضها فوق بعض.
وواحد لِبَد: لِبْدة. ويقال: لُبد - بضم اللام - واحدها لُبْدة. فمن كسر [﴿وَأَنَّهُ﴾] جعله من قول الجن إخباراً من الله لنا عن قولهم ذلك، ويكون المعنى على ما قال ابن جبير أن الجن رأوا النبي ﷺ يصلي وأصحابه يصلون بصلاته فعجبوا من طوعهم له فقالوا لقومهم: وإنه لما قام عبد الله يدعو الله كاد أصحابه يكونون عليه لِبَداً.
ويجوز الكسر، وهو من كلام الله، لا حكاية عن الجن ويكون المعنى أن النبي ﷺ لما قام يدعو إلى الله كاد الجن يكونون عليه لِبَداً.
فأما من فتح فهو من كلام الله أيضاً على هذا المعنى، أي: كاد الجن [يركبون محمد من الحرص] لما سمعوه يتلو القرآن فدنوا منه حتى كادوا يركبونه، هذا معنى قول ابن عباس والضحاك، فيكون الضميران في (كادوا يكونون) للجن.
وعن ابن عباس أيضاً أن معناه (أن) الجن قالوا لقومهم، إن محمد لمّا قام يدعو الله كاد أصحابه يركبونه لتقربهم منه وطوعهم له، فيكون الضّميرانِ لأصحاب النبي ﷺ وهو قول ابن جبير.
[وعن ابن عباس ﴿لِبَداً﴾: أعواناً].
وقال قتادة: معناه أن الله أعلم نبيه أن الجن والإنس يتظاهرون عليه ليبطلوا ما جاءهم (به) لمّا دَعا إلى الله، والله ناصِرُه عليهم.
وقيل: إن ذلك للعرب خاصة أرادوا أن يطفئوا النور الذي جاء به النبي ﷺ، وهو اختيار الطبري.
الجن 72:13
قوله: ﴿وَأَنَّا ظَنَنَّآ أَن لَّن تَقُولَ ٱلإِنسُ وَٱلْجِنُّ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً﴾ إلى قوله: ﴿لِبَداً﴾.
أي: وإنّا حسبنا وتوهمنا أن أحداً لا يقول على الله الكذب. وذلك أنهم كانوا يحسبون أَ(نّ) إبليس كان صادقاً فيما [يدعوهم] إليه من صنوف الكفر. فما سمعوا القرآن أيقنوا أنه كان كاذباً في كل ذلك وسَمّوه سفيها.
[ثم قال]: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ ٱلإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ ٱلْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقاً﴾.
هذا أيضاً من قول النفر من الجن.
ذكروا أن رجالاً من الإنس [كانوا] [يستجيرون] برجال من الجن في أسفارهم إذا نزلوا، فزاد الجنّ باستجارتهم (لهم) جرأة عليهم وازداد الإنس إِثْماً.
قال ابن عباس: [فزادوهم] إثماً. وهو قول قتادة. فازداد الإنس بفعلهم ذلك إثماً، وازداد الجن على الإنس جرأة.
وقال مجاهد: ازداد الإنس بذلك طغياناً.
وقال الربيع بن أنس: فازداد الإنس لذلك فَرقاَ من الجن.
وهو قول ابن زيد.
وقال أبو عبيدة: رهقاً: سفهاً وظلماً.
والرهق في كلام العرب: الإثم والعيب وإتيان المحارم. ومنه: فلان يرهق بكذا، أي: يعاب به. فيكون التقدير: فزاد الجنّ الإنسَ إِثماً لمّا [استعاذوا] بهم. وكان ذلك من فعل المشركين. قال ابن عباس وغيره: كان رجال من الإنس يَبِيتُ أحدهم في الوادي في الجاهلية، فيقول: أعوذ بعزيز هذا الوادي فزادهم ذلك إثماً.
وقال الحسن: كان الرجل إذا نزل في الوادي يقول: أعوذ بعزيز هذا الوادي من سفهاء قومه.
وقال النخعي: كان الرجل إذا نزل [الوادي] يقول: نعوذ بسيد هذا الوادي من شر (ما) فيه، فتقول الجن: ما نملك لكم ولا لأنفسنا ضراً ولا نفعاً.
وقال مجاهد: كانوا يقولون إذا هبطوا وادياً: نعوذ بعظماء هذا الوادي وهو قول قتادة وغيره.
* *
- ثم قال: ﴿وَأَنَّهُمْ ظَنُّواْ كَمَا ظَنَنتُمْ أَن لَّن يَبْعَثَ ٱللَّهُ أَحَداً﴾.
أي: وإن الرجال من الجن ظنوا كما ظن الرجال من الإنس أن الله لا يبعث أحداً، أي: رسولاً إلى خلقه يدعوهم إلى توحيده. قاله الكلبي.
وقال غيره، معناه: وأن الجن ظنوا كما ظن الكفار من الإنس أن الله لا يبعث أحداً يوم القيامة.
* *
- ثم قال: ﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا ٱلسَّمَآءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَساً شَدِيداً وَشُهُباً ﴾.
[وقال النفر من الجن إنا طلبنا خبر السماء فوجدناها قد ملئت حفظاً مانعاً] [وشهباً] نُرْجَم بها إذا أردنا الاستماع. والشُّهب: النُّجُوم.
وقال ابن جبير: كانت الجن [تستمع]، فلما رُجموا قالوا: إن هذا الذي حدث في السماء إنما هو لشيء حدث في الأرض. قال: فذهبوا يطلبون حتى رأوا النبي ﷺ خارجاً من سوق عُكَاظٍ يصلي بأصحابه صلاة الفجر، فذهبوا إلى أصحابهم منذرين.
* *
- ثم قال ﴿وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ﴾
أي: وقالوا إنا كنا نقعد من السماء في مقاعد نستمع الأخبار.
* *
- ﴿فَمَن يَسْتَمِعِ ٱلآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَاباً رَّصَداً﴾.
أي: من أتي يستمع الساعة يرمي بشهاب يرمد به إذا دنا فَيُرمى به، قال قتادة: لما بعث الله نبيه مُنِعُوا الاستماع [فَتَفَقَّدَتِ] الجن ذلك من أنفسها، قال: وذُكِرَ لنا أن أشراف الجن كانوا [بنصيبين] (فطلبوا ذلك) وضربوا إليه حتى سقطوا على نبي الله وهو يصلي بأصحابه عامداً الى عكاظ.
قال ابن زيد: قالوا كنا نستمع فمن يستمع الآن يجد له شهاباً رصداً، فلما وجدوا ذلك رجعوا إلى إبليس، فقالوا مُنِع (منَّا) السمع. فقال: إن السماء لم تحرس إلا على [أمرين]: [إما العذاب] يريد الله عز وجل أن ينزله بغتة على أهل الأرض، وإما نبي مرسل مرشد فذلك قول الله تعالى حكاية عن قولهم ﴿وَأَنَّا لاَ نَدْرِيۤ أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَن فِي ٱلأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ (رَبُّهُمْ) رَشَداً﴾.
(أي) قال إبليس لا ندري أعذاب ينزل على من في الأرض بغتة، فمُنِعْتُم من أجله الاستماع؟ أم نبي أرسله الله ليرشد من في الأرض إلى الطريق المستقيم؟ هذا معنى قول ابن زيد.
وقال الكلبي: معناه: أنهم قالوا: لا ندري أهذا المنع الذي منعنا، أراد بهم ربهم أن يطيعوا الرسول فَيَرْشُدُوا أم يعصوه فيهلكهم وهذا كله من علامات نبوة محمد ﷺ.
* *
- ثم قال: ﴿وَأَنَّا مِنَّا ٱلصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ﴾
أي: قال النفر: وإنا منا المسلمون العاملون بطاعة الله، ومنا من هو دون ذلك في الصلاح والعمل.
* *
- ﴿كُنَّا طَرَآئِقَ قِدَداً﴾.
أي: كنا أهواء مختلفة وفرقاً شتى، الصّالِح والذي هُوَ دُونَه، والكافِر.
قال ابن عباس: ﴿كُنَّا طَرَآئِقَ قِدَداً﴾ (أي) أهواء شتى مِنّا المُسلم ومنا المُشرك.
وقال عكرمة: "أهواء مختلفة".
وقال قتادة: "أهواء شتى".
وقال مجاهد: "مسلمين وكافرين" وهو قول سفيان.
والقِدَد جمع قدة، وهي الضُّروبُ والأَجناس المختلفة. والطرائق جمع طريقة الرجل أي مذهبه.
* *
- ثم قال ﴿وَأَنَّا ظَنَنَّآ أَن لَّن نُّعْجِزَ ٱللَّهَ فِي ٱلأَرْضِ﴾
أي: وإنّا علمنا وأَيْقَنّا أن لن نفوت الله بالهروب في الأرض ولا بغيره، وَصَفوهُ - جل ذِكره - بالقدرة عليهم.
* *
- ثم قال: ﴿وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا ٱلْهُدَىٰ آمَنَّا بِهِ﴾
أي: لما سمعنا القرآن [يؤدي] من آمن به إلى الهدى صدقنا به.
* *
- ﴿فَمَن يُؤْمِن بِرَبِّهِ فَلاَ يَخَافُ بَخْساً﴾.
[أي: ومن يصدق بربه فلا يخاف بخساً) أي: أن ينقص من حسناته وثوابه].
* *
- ﴿وَلاَ رَهَقاً﴾.
(أي): لا يُحمل من سيئات غيره عليه.
قال ابن عباس: ﴿بَخْساً وَلاَ رَهَقاً﴾، أي: "لا يخاف نقصاً من حسناته، ولا زيادة في سيئاته".
قال قتادة: ﴿بَخْساً﴾: ظلما، ﴿وَلاَ رَهَقاً﴾: أن يعمل عليه ذنب غيره.
* *
- ثم قال: ﴿وَأَنَّا مِنَّا ٱلْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا ٱلْقَاسِطُونَ﴾
أي: الجائرون عن الهدى.
* *
- ﴿فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُوْلَـٰئِكَ تَحَرَّوْاْ رَشَداً﴾.
أي: [تعمدوا الرشد] وأصابوه.
* *
- ثم قال ﴿وَأَمَّا ٱلْقَاسِطُونَ فَكَانُواْ لِجَهَنَّمَ حَطَباً﴾.
أي: وأما العادلون الجائرون عن الهدى فكانوا حطباً يوم القيامة لجهنم.
* *
- ثم قال: ﴿وَأَلَّوِ ٱسْتَقَامُواْ عَلَى ٱلطَّرِيقَةِ لأَسْقَيْنَاهُم مَّآءً غَدَقاً * لِّنَفْتِنَهُمْ فِيهِ﴾
كل ما تقدم من إخبار الله هو من قول الجن إلا هذا، فإنه من قول الله، أي: لو استقام القاسطون [على] طريقة الحق [أي]: طريقة الإسلام وهي [الطاعة] لله، لَوَسّعْنا عليهم في الرزق لنختبرهم فيه فننظر عملهم وشكرهم. قاله ابن جبير وقتادة ومجاهد [قاله مجاهد: الطريقة: الإسلام، والماء: المال، والغدق: الكثير].
والغَدَق: الماء الظاهر، والرَّغَد: الكَثِير، والماء يُراد به العيش والرزق.
وقيل: معناه: لو استقاموا على طريقة الضلال لَوَسَّعنا عليهم في الرزق استدراجاً، ذكره الضاحك وقاله الفراء.
(و) القول الأول أصح كما قال: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ ٱلْقُرَىٰ ءَامَنُواْ وَٱتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَٰتٍ...﴾ [الأعراف: ٩٦] الآية.
* *
- ثم قال: ﴿وَمَن يُعْرِضْ عَن ذِكْرِ رَبِّهِ﴾
أي: عن القرآن [وقبوله].
* *
﴿يَسْلُكْهُ عَذَاباً صَعَداً﴾.
أي: ندخله عذاباً شديداً قال ابن عباس ﴿عَذَاباً صَعَداً﴾، أي: مشقة من العذاب وقال قتادة ﴿صَعَداً﴾ أي: صعوداً من عذاب الله لا راحة فيه وقال أبو سعيد الخدري: ﴿عَذَاباً صَعَداً﴾: هو جبل في النار، كلما جعلوا أيديهم [عليه] ذابت، وإذا رفعوها عادت ويقال: تَصَعّدني الشّيء أي: شقّ عَلَيّ.
وقرأ مسلم بن جندب: نُسلِكه، جعله رباعياً. يقال: سَلَكه وأَسلَكه. ويقال: سَلَكَ، هو وسَلَكْتُهُ مثل رَجَعَ ورَجَعْتُهُ.
* *
- ثم قال: ﴿وَأَنَّ ٱلْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلاَ تَدْعُواْ مَعَ ٱللَّهِ أَحَداً﴾.
أي: وأوحي الى أن المساجد لله ﴿فَلاَ تَدْعُواْ﴾ أيها الناس ﴿مَعَ ٱللَّهِ أَحَداً﴾ أي: لا تشركوا به قال قتادة: كانت اليهود والنصارى إذا دخلوا كنائسهم وبِيَعَهُم اشركوا، فأمر الله نبيه أن يوحدوا الله وحده إذا دخلوا المساجد. قال ابن جبير: قالت الجن للنبي: كيف لنا أن نأتي المساجد ونحن [ناءون] عنك، وكيف نشهد الصلاة، فنزلت ﴿وَأَنَّ ٱلْمَسَاجِدَ لِلَّهِ﴾ الآية والمساجد جمع مسجد. ومسجد بمعنى السجود، فكأنه قال: وأن السجود لله لا لغيره. ويجوز أن يكون جمع مسجد هو موضع السجود.
وقال الفراء (يقال) ﴿[وَ]أَنَّ ٱلْمَسَاجِدَ لِلَّهِ﴾، يراد به مساجد الرجل، ما يسجد عليه من جبهته ويديه وركبتيه وصدور قدميه.
وأنكر ذلك النحاس وغيره.
* *
وقوله: ﴿فَلاَ تَدْعُواْ﴾ خطاب للجماعة. والنون حذفت للنهي.
* *
- ثم قال: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ ٱللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُواْ يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً﴾.
أي: لما قام (محمد يدعو الله) يقول: لا إله إلا الله، كاد الجن يكونون على محمد لبداً، أي جماعات بعضها فوق بعض.
وواحد لِبَد: لِبْدة. ويقال: لُبد - بضم اللام - واحدها لُبْدة. فمن كسر [﴿وَأَنَّهُ﴾] جعله من قول الجن إخباراً من الله لنا عن قولهم ذلك، ويكون المعنى على ما قال ابن جبير أن الجن رأوا النبي ﷺ يصلي وأصحابه يصلون بصلاته فعجبوا من طوعهم له فقالوا لقومهم: وإنه لما قام عبد الله يدعو الله كاد أصحابه يكونون عليه لِبَداً.
ويجوز الكسر، وهو من كلام الله، لا حكاية عن الجن ويكون المعنى أن النبي ﷺ لما قام يدعو إلى الله كاد الجن يكونون عليه لِبَداً.
فأما من فتح فهو من كلام الله أيضاً على هذا المعنى، أي: كاد الجن [يركبون محمد من الحرص] لما سمعوه يتلو القرآن فدنوا منه حتى كادوا يركبونه، هذا معنى قول ابن عباس والضحاك، فيكون الضميران في (كادوا يكونون) للجن.
وعن ابن عباس أيضاً أن معناه (أن) الجن قالوا لقومهم، إن محمد لمّا قام يدعو الله كاد أصحابه يركبونه لتقربهم منه وطوعهم له، فيكون الضّميرانِ لأصحاب النبي ﷺ وهو قول ابن جبير.
[وعن ابن عباس ﴿لِبَداً﴾: أعواناً].
وقال قتادة: معناه أن الله أعلم نبيه أن الجن والإنس يتظاهرون عليه ليبطلوا ما جاءهم (به) لمّا دَعا إلى الله، والله ناصِرُه عليهم.
وقيل: إن ذلك للعرب خاصة أرادوا أن يطفئوا النور الذي جاء به النبي ﷺ، وهو اختيار الطبري.
الجن 72:14
قوله: ﴿وَأَنَّا ظَنَنَّآ أَن لَّن تَقُولَ ٱلإِنسُ وَٱلْجِنُّ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً﴾ إلى قوله: ﴿لِبَداً﴾.
أي: وإنّا حسبنا وتوهمنا أن أحداً لا يقول على الله الكذب. وذلك أنهم كانوا يحسبون أَ(نّ) إبليس كان صادقاً فيما [يدعوهم] إليه من صنوف الكفر. فما سمعوا القرآن أيقنوا أنه كان كاذباً في كل ذلك وسَمّوه سفيها.
[ثم قال]: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ ٱلإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ ٱلْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقاً﴾.
هذا أيضاً من قول النفر من الجن.
ذكروا أن رجالاً من الإنس [كانوا] [يستجيرون] برجال من الجن في أسفارهم إذا نزلوا، فزاد الجنّ باستجارتهم (لهم) جرأة عليهم وازداد الإنس إِثْماً.
قال ابن عباس: [فزادوهم] إثماً. وهو قول قتادة. فازداد الإنس بفعلهم ذلك إثماً، وازداد الجن على الإنس جرأة.
وقال مجاهد: ازداد الإنس بذلك طغياناً.
وقال الربيع بن أنس: فازداد الإنس لذلك فَرقاَ من الجن.
وهو قول ابن زيد.
وقال أبو عبيدة: رهقاً: سفهاً وظلماً.
والرهق في كلام العرب: الإثم والعيب وإتيان المحارم. ومنه: فلان يرهق بكذا، أي: يعاب به. فيكون التقدير: فزاد الجنّ الإنسَ إِثماً لمّا [استعاذوا] بهم. وكان ذلك من فعل المشركين. قال ابن عباس وغيره: كان رجال من الإنس يَبِيتُ أحدهم في الوادي في الجاهلية، فيقول: أعوذ بعزيز هذا الوادي فزادهم ذلك إثماً.
وقال الحسن: كان الرجل إذا نزل في الوادي يقول: أعوذ بعزيز هذا الوادي من سفهاء قومه.
وقال النخعي: كان الرجل إذا نزل [الوادي] يقول: نعوذ بسيد هذا الوادي من شر (ما) فيه، فتقول الجن: ما نملك لكم ولا لأنفسنا ضراً ولا نفعاً.
وقال مجاهد: كانوا يقولون إذا هبطوا وادياً: نعوذ بعظماء هذا الوادي وهو قول قتادة وغيره.
* *
- ثم قال: ﴿وَأَنَّهُمْ ظَنُّواْ كَمَا ظَنَنتُمْ أَن لَّن يَبْعَثَ ٱللَّهُ أَحَداً﴾.
أي: وإن الرجال من الجن ظنوا كما ظن الرجال من الإنس أن الله لا يبعث أحداً، أي: رسولاً إلى خلقه يدعوهم إلى توحيده. قاله الكلبي.
وقال غيره، معناه: وأن الجن ظنوا كما ظن الكفار من الإنس أن الله لا يبعث أحداً يوم القيامة.
* *
- ثم قال: ﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا ٱلسَّمَآءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَساً شَدِيداً وَشُهُباً ﴾.
[وقال النفر من الجن إنا طلبنا خبر السماء فوجدناها قد ملئت حفظاً مانعاً] [وشهباً] نُرْجَم بها إذا أردنا الاستماع. والشُّهب: النُّجُوم.
وقال ابن جبير: كانت الجن [تستمع]، فلما رُجموا قالوا: إن هذا الذي حدث في السماء إنما هو لشيء حدث في الأرض. قال: فذهبوا يطلبون حتى رأوا النبي ﷺ خارجاً من سوق عُكَاظٍ يصلي بأصحابه صلاة الفجر، فذهبوا إلى أصحابهم منذرين.
* *
- ثم قال ﴿وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ﴾
أي: وقالوا إنا كنا نقعد من السماء في مقاعد نستمع الأخبار.
* *
- ﴿فَمَن يَسْتَمِعِ ٱلآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَاباً رَّصَداً﴾.
أي: من أتي يستمع الساعة يرمي بشهاب يرمد به إذا دنا فَيُرمى به، قال قتادة: لما بعث الله نبيه مُنِعُوا الاستماع [فَتَفَقَّدَتِ] الجن ذلك من أنفسها، قال: وذُكِرَ لنا أن أشراف الجن كانوا [بنصيبين] (فطلبوا ذلك) وضربوا إليه حتى سقطوا على نبي الله وهو يصلي بأصحابه عامداً الى عكاظ.
قال ابن زيد: قالوا كنا نستمع فمن يستمع الآن يجد له شهاباً رصداً، فلما وجدوا ذلك رجعوا إلى إبليس، فقالوا مُنِع (منَّا) السمع. فقال: إن السماء لم تحرس إلا على [أمرين]: [إما العذاب] يريد الله عز وجل أن ينزله بغتة على أهل الأرض، وإما نبي مرسل مرشد فذلك قول الله تعالى حكاية عن قولهم ﴿وَأَنَّا لاَ نَدْرِيۤ أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَن فِي ٱلأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ (رَبُّهُمْ) رَشَداً﴾.
(أي) قال إبليس لا ندري أعذاب ينزل على من في الأرض بغتة، فمُنِعْتُم من أجله الاستماع؟ أم نبي أرسله الله ليرشد من في الأرض إلى الطريق المستقيم؟ هذا معنى قول ابن زيد.
وقال الكلبي: معناه: أنهم قالوا: لا ندري أهذا المنع الذي منعنا، أراد بهم ربهم أن يطيعوا الرسول فَيَرْشُدُوا أم يعصوه فيهلكهم وهذا كله من علامات نبوة محمد ﷺ.
* *
- ثم قال: ﴿وَأَنَّا مِنَّا ٱلصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ﴾
أي: قال النفر: وإنا منا المسلمون العاملون بطاعة الله، ومنا من هو دون ذلك في الصلاح والعمل.
* *
- ﴿كُنَّا طَرَآئِقَ قِدَداً﴾.
أي: كنا أهواء مختلفة وفرقاً شتى، الصّالِح والذي هُوَ دُونَه، والكافِر.
قال ابن عباس: ﴿كُنَّا طَرَآئِقَ قِدَداً﴾ (أي) أهواء شتى مِنّا المُسلم ومنا المُشرك.
وقال عكرمة: "أهواء مختلفة".
وقال قتادة: "أهواء شتى".
وقال مجاهد: "مسلمين وكافرين" وهو قول سفيان.
والقِدَد جمع قدة، وهي الضُّروبُ والأَجناس المختلفة. والطرائق جمع طريقة الرجل أي مذهبه.
* *
- ثم قال ﴿وَأَنَّا ظَنَنَّآ أَن لَّن نُّعْجِزَ ٱللَّهَ فِي ٱلأَرْضِ﴾
أي: وإنّا علمنا وأَيْقَنّا أن لن نفوت الله بالهروب في الأرض ولا بغيره، وَصَفوهُ - جل ذِكره - بالقدرة عليهم.
* *
- ثم قال: ﴿وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا ٱلْهُدَىٰ آمَنَّا بِهِ﴾
أي: لما سمعنا القرآن [يؤدي] من آمن به إلى الهدى صدقنا به.
* *
- ﴿فَمَن يُؤْمِن بِرَبِّهِ فَلاَ يَخَافُ بَخْساً﴾.
[أي: ومن يصدق بربه فلا يخاف بخساً) أي: أن ينقص من حسناته وثوابه].
* *
- ﴿وَلاَ رَهَقاً﴾.
(أي): لا يُحمل من سيئات غيره عليه.
قال ابن عباس: ﴿بَخْساً وَلاَ رَهَقاً﴾، أي: "لا يخاف نقصاً من حسناته، ولا زيادة في سيئاته".
قال قتادة: ﴿بَخْساً﴾: ظلما، ﴿وَلاَ رَهَقاً﴾: أن يعمل عليه ذنب غيره.
* *
- ثم قال: ﴿وَأَنَّا مِنَّا ٱلْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا ٱلْقَاسِطُونَ﴾
أي: الجائرون عن الهدى.
* *
- ﴿فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُوْلَـٰئِكَ تَحَرَّوْاْ رَشَداً﴾.
أي: [تعمدوا الرشد] وأصابوه.
* *
- ثم قال ﴿وَأَمَّا ٱلْقَاسِطُونَ فَكَانُواْ لِجَهَنَّمَ حَطَباً﴾.
أي: وأما العادلون الجائرون عن الهدى فكانوا حطباً يوم القيامة لجهنم.
* *
- ثم قال: ﴿وَأَلَّوِ ٱسْتَقَامُواْ عَلَى ٱلطَّرِيقَةِ لأَسْقَيْنَاهُم مَّآءً غَدَقاً * لِّنَفْتِنَهُمْ فِيهِ﴾
كل ما تقدم من إخبار الله هو من قول الجن إلا هذا، فإنه من قول الله، أي: لو استقام القاسطون [على] طريقة الحق [أي]: طريقة الإسلام وهي [الطاعة] لله، لَوَسّعْنا عليهم في الرزق لنختبرهم فيه فننظر عملهم وشكرهم. قاله ابن جبير وقتادة ومجاهد [قاله مجاهد: الطريقة: الإسلام، والماء: المال، والغدق: الكثير].
والغَدَق: الماء الظاهر، والرَّغَد: الكَثِير، والماء يُراد به العيش والرزق.
وقيل: معناه: لو استقاموا على طريقة الضلال لَوَسَّعنا عليهم في الرزق استدراجاً، ذكره الضاحك وقاله الفراء.
(و) القول الأول أصح كما قال: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ ٱلْقُرَىٰ ءَامَنُواْ وَٱتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَٰتٍ...﴾ [الأعراف: ٩٦] الآية.
* *
- ثم قال: ﴿وَمَن يُعْرِضْ عَن ذِكْرِ رَبِّهِ﴾
أي: عن القرآن [وقبوله].
* *
﴿يَسْلُكْهُ عَذَاباً صَعَداً﴾.
أي: ندخله عذاباً شديداً قال ابن عباس ﴿عَذَاباً صَعَداً﴾، أي: مشقة من العذاب وقال قتادة ﴿صَعَداً﴾ أي: صعوداً من عذاب الله لا راحة فيه وقال أبو سعيد الخدري: ﴿عَذَاباً صَعَداً﴾: هو جبل في النار، كلما جعلوا أيديهم [عليه] ذابت، وإذا رفعوها عادت ويقال: تَصَعّدني الشّيء أي: شقّ عَلَيّ.
وقرأ مسلم بن جندب: نُسلِكه، جعله رباعياً. يقال: سَلَكه وأَسلَكه. ويقال: سَلَكَ، هو وسَلَكْتُهُ مثل رَجَعَ ورَجَعْتُهُ.
* *
- ثم قال: ﴿وَأَنَّ ٱلْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلاَ تَدْعُواْ مَعَ ٱللَّهِ أَحَداً﴾.
أي: وأوحي الى أن المساجد لله ﴿فَلاَ تَدْعُواْ﴾ أيها الناس ﴿مَعَ ٱللَّهِ أَحَداً﴾ أي: لا تشركوا به قال قتادة: كانت اليهود والنصارى إذا دخلوا كنائسهم وبِيَعَهُم اشركوا، فأمر الله نبيه أن يوحدوا الله وحده إذا دخلوا المساجد. قال ابن جبير: قالت الجن للنبي: كيف لنا أن نأتي المساجد ونحن [ناءون] عنك، وكيف نشهد الصلاة، فنزلت ﴿وَأَنَّ ٱلْمَسَاجِدَ لِلَّهِ﴾ الآية والمساجد جمع مسجد. ومسجد بمعنى السجود، فكأنه قال: وأن السجود لله لا لغيره. ويجوز أن يكون جمع مسجد هو موضع السجود.
وقال الفراء (يقال) ﴿[وَ]أَنَّ ٱلْمَسَاجِدَ لِلَّهِ﴾، يراد به مساجد الرجل، ما يسجد عليه من جبهته ويديه وركبتيه وصدور قدميه.
وأنكر ذلك النحاس وغيره.
* *
وقوله: ﴿فَلاَ تَدْعُواْ﴾ خطاب للجماعة. والنون حذفت للنهي.
* *
- ثم قال: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ ٱللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُواْ يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً﴾.
أي: لما قام (محمد يدعو الله) يقول: لا إله إلا الله، كاد الجن يكونون على محمد لبداً، أي جماعات بعضها فوق بعض.
وواحد لِبَد: لِبْدة. ويقال: لُبد - بضم اللام - واحدها لُبْدة. فمن كسر [﴿وَأَنَّهُ﴾] جعله من قول الجن إخباراً من الله لنا عن قولهم ذلك، ويكون المعنى على ما قال ابن جبير أن الجن رأوا النبي ﷺ يصلي وأصحابه يصلون بصلاته فعجبوا من طوعهم له فقالوا لقومهم: وإنه لما قام عبد الله يدعو الله كاد أصحابه يكونون عليه لِبَداً.
ويجوز الكسر، وهو من كلام الله، لا حكاية عن الجن ويكون المعنى أن النبي ﷺ لما قام يدعو إلى الله كاد الجن يكونون عليه لِبَداً.
فأما من فتح فهو من كلام الله أيضاً على هذا المعنى، أي: كاد الجن [يركبون محمد من الحرص] لما سمعوه يتلو القرآن فدنوا منه حتى كادوا يركبونه، هذا معنى قول ابن عباس والضحاك، فيكون الضميران في (كادوا يكونون) للجن.
وعن ابن عباس أيضاً أن معناه (أن) الجن قالوا لقومهم، إن محمد لمّا قام يدعو الله كاد أصحابه يركبونه لتقربهم منه وطوعهم له، فيكون الضّميرانِ لأصحاب النبي ﷺ وهو قول ابن جبير.
[وعن ابن عباس ﴿لِبَداً﴾: أعواناً].
وقال قتادة: معناه أن الله أعلم نبيه أن الجن والإنس يتظاهرون عليه ليبطلوا ما جاءهم (به) لمّا دَعا إلى الله، والله ناصِرُه عليهم.
وقيل: إن ذلك للعرب خاصة أرادوا أن يطفئوا النور الذي جاء به النبي ﷺ، وهو اختيار الطبري.
الجن 72:15
قوله: ﴿وَأَنَّا ظَنَنَّآ أَن لَّن تَقُولَ ٱلإِنسُ وَٱلْجِنُّ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً﴾ إلى قوله: ﴿لِبَداً﴾.
أي: وإنّا حسبنا وتوهمنا أن أحداً لا يقول على الله الكذب. وذلك أنهم كانوا يحسبون أَ(نّ) إبليس كان صادقاً فيما [يدعوهم] إليه من صنوف الكفر. فما سمعوا القرآن أيقنوا أنه كان كاذباً في كل ذلك وسَمّوه سفيها.
[ثم قال]: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ ٱلإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ ٱلْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقاً﴾.
هذا أيضاً من قول النفر من الجن.
ذكروا أن رجالاً من الإنس [كانوا] [يستجيرون] برجال من الجن في أسفارهم إذا نزلوا، فزاد الجنّ باستجارتهم (لهم) جرأة عليهم وازداد الإنس إِثْماً.
قال ابن عباس: [فزادوهم] إثماً. وهو قول قتادة. فازداد الإنس بفعلهم ذلك إثماً، وازداد الجن على الإنس جرأة.
وقال مجاهد: ازداد الإنس بذلك طغياناً.
وقال الربيع بن أنس: فازداد الإنس لذلك فَرقاَ من الجن.
وهو قول ابن زيد.
وقال أبو عبيدة: رهقاً: سفهاً وظلماً.
والرهق في كلام العرب: الإثم والعيب وإتيان المحارم. ومنه: فلان يرهق بكذا، أي: يعاب به. فيكون التقدير: فزاد الجنّ الإنسَ إِثماً لمّا [استعاذوا] بهم. وكان ذلك من فعل المشركين. قال ابن عباس وغيره: كان رجال من الإنس يَبِيتُ أحدهم في الوادي في الجاهلية، فيقول: أعوذ بعزيز هذا الوادي فزادهم ذلك إثماً.
وقال الحسن: كان الرجل إذا نزل في الوادي يقول: أعوذ بعزيز هذا الوادي من سفهاء قومه.
وقال النخعي: كان الرجل إذا نزل [الوادي] يقول: نعوذ بسيد هذا الوادي من شر (ما) فيه، فتقول الجن: ما نملك لكم ولا لأنفسنا ضراً ولا نفعاً.
وقال مجاهد: كانوا يقولون إذا هبطوا وادياً: نعوذ بعظماء هذا الوادي وهو قول قتادة وغيره.
* *
- ثم قال: ﴿وَأَنَّهُمْ ظَنُّواْ كَمَا ظَنَنتُمْ أَن لَّن يَبْعَثَ ٱللَّهُ أَحَداً﴾.
أي: وإن الرجال من الجن ظنوا كما ظن الرجال من الإنس أن الله لا يبعث أحداً، أي: رسولاً إلى خلقه يدعوهم إلى توحيده. قاله الكلبي.
وقال غيره، معناه: وأن الجن ظنوا كما ظن الكفار من الإنس أن الله لا يبعث أحداً يوم القيامة.
* *
- ثم قال: ﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا ٱلسَّمَآءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَساً شَدِيداً وَشُهُباً ﴾.
[وقال النفر من الجن إنا طلبنا خبر السماء فوجدناها قد ملئت حفظاً مانعاً] [وشهباً] نُرْجَم بها إذا أردنا الاستماع. والشُّهب: النُّجُوم.
وقال ابن جبير: كانت الجن [تستمع]، فلما رُجموا قالوا: إن هذا الذي حدث في السماء إنما هو لشيء حدث في الأرض. قال: فذهبوا يطلبون حتى رأوا النبي ﷺ خارجاً من سوق عُكَاظٍ يصلي بأصحابه صلاة الفجر، فذهبوا إلى أصحابهم منذرين.
* *
- ثم قال ﴿وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ﴾
أي: وقالوا إنا كنا نقعد من السماء في مقاعد نستمع الأخبار.
* *
- ﴿فَمَن يَسْتَمِعِ ٱلآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَاباً رَّصَداً﴾.
أي: من أتي يستمع الساعة يرمي بشهاب يرمد به إذا دنا فَيُرمى به، قال قتادة: لما بعث الله نبيه مُنِعُوا الاستماع [فَتَفَقَّدَتِ] الجن ذلك من أنفسها، قال: وذُكِرَ لنا أن أشراف الجن كانوا [بنصيبين] (فطلبوا ذلك) وضربوا إليه حتى سقطوا على نبي الله وهو يصلي بأصحابه عامداً الى عكاظ.
قال ابن زيد: قالوا كنا نستمع فمن يستمع الآن يجد له شهاباً رصداً، فلما وجدوا ذلك رجعوا إلى إبليس، فقالوا مُنِع (منَّا) السمع. فقال: إن السماء لم تحرس إلا على [أمرين]: [إما العذاب] يريد الله عز وجل أن ينزله بغتة على أهل الأرض، وإما نبي مرسل مرشد فذلك قول الله تعالى حكاية عن قولهم ﴿وَأَنَّا لاَ نَدْرِيۤ أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَن فِي ٱلأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ (رَبُّهُمْ) رَشَداً﴾.
(أي) قال إبليس لا ندري أعذاب ينزل على من في الأرض بغتة، فمُنِعْتُم من أجله الاستماع؟ أم نبي أرسله الله ليرشد من في الأرض إلى الطريق المستقيم؟ هذا معنى قول ابن زيد.
وقال الكلبي: معناه: أنهم قالوا: لا ندري أهذا المنع الذي منعنا، أراد بهم ربهم أن يطيعوا الرسول فَيَرْشُدُوا أم يعصوه فيهلكهم وهذا كله من علامات نبوة محمد ﷺ.
* *
- ثم قال: ﴿وَأَنَّا مِنَّا ٱلصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ﴾
أي: قال النفر: وإنا منا المسلمون العاملون بطاعة الله، ومنا من هو دون ذلك في الصلاح والعمل.
* *
- ﴿كُنَّا طَرَآئِقَ قِدَداً﴾.
أي: كنا أهواء مختلفة وفرقاً شتى، الصّالِح والذي هُوَ دُونَه، والكافِر.
قال ابن عباس: ﴿كُنَّا طَرَآئِقَ قِدَداً﴾ (أي) أهواء شتى مِنّا المُسلم ومنا المُشرك.
وقال عكرمة: "أهواء مختلفة".
وقال قتادة: "أهواء شتى".
وقال مجاهد: "مسلمين وكافرين" وهو قول سفيان.
والقِدَد جمع قدة، وهي الضُّروبُ والأَجناس المختلفة. والطرائق جمع طريقة الرجل أي مذهبه.
* *
- ثم قال ﴿وَأَنَّا ظَنَنَّآ أَن لَّن نُّعْجِزَ ٱللَّهَ فِي ٱلأَرْضِ﴾
أي: وإنّا علمنا وأَيْقَنّا أن لن نفوت الله بالهروب في الأرض ولا بغيره، وَصَفوهُ - جل ذِكره - بالقدرة عليهم.
* *
- ثم قال: ﴿وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا ٱلْهُدَىٰ آمَنَّا بِهِ﴾
أي: لما سمعنا القرآن [يؤدي] من آمن به إلى الهدى صدقنا به.
* *
- ﴿فَمَن يُؤْمِن بِرَبِّهِ فَلاَ يَخَافُ بَخْساً﴾.
[أي: ومن يصدق بربه فلا يخاف بخساً) أي: أن ينقص من حسناته وثوابه].
* *
- ﴿وَلاَ رَهَقاً﴾.
(أي): لا يُحمل من سيئات غيره عليه.
قال ابن عباس: ﴿بَخْساً وَلاَ رَهَقاً﴾، أي: "لا يخاف نقصاً من حسناته، ولا زيادة في سيئاته".
قال قتادة: ﴿بَخْساً﴾: ظلما، ﴿وَلاَ رَهَقاً﴾: أن يعمل عليه ذنب غيره.
* *
- ثم قال: ﴿وَأَنَّا مِنَّا ٱلْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا ٱلْقَاسِطُونَ﴾
أي: الجائرون عن الهدى.
* *
- ﴿فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُوْلَـٰئِكَ تَحَرَّوْاْ رَشَداً﴾.
أي: [تعمدوا الرشد] وأصابوه.
* *
- ثم قال ﴿وَأَمَّا ٱلْقَاسِطُونَ فَكَانُواْ لِجَهَنَّمَ حَطَباً﴾.
أي: وأما العادلون الجائرون عن الهدى فكانوا حطباً يوم القيامة لجهنم.
* *
- ثم قال: ﴿وَأَلَّوِ ٱسْتَقَامُواْ عَلَى ٱلطَّرِيقَةِ لأَسْقَيْنَاهُم مَّآءً غَدَقاً * لِّنَفْتِنَهُمْ فِيهِ﴾
كل ما تقدم من إخبار الله هو من قول الجن إلا هذا، فإنه من قول الله، أي: لو استقام القاسطون [على] طريقة الحق [أي]: طريقة الإسلام وهي [الطاعة] لله، لَوَسّعْنا عليهم في الرزق لنختبرهم فيه فننظر عملهم وشكرهم. قاله ابن جبير وقتادة ومجاهد [قاله مجاهد: الطريقة: الإسلام، والماء: المال، والغدق: الكثير].
والغَدَق: الماء الظاهر، والرَّغَد: الكَثِير، والماء يُراد به العيش والرزق.
وقيل: معناه: لو استقاموا على طريقة الضلال لَوَسَّعنا عليهم في الرزق استدراجاً، ذكره الضاحك وقاله الفراء.
(و) القول الأول أصح كما قال: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ ٱلْقُرَىٰ ءَامَنُواْ وَٱتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَٰتٍ...﴾ [الأعراف: ٩٦] الآية.
* *
- ثم قال: ﴿وَمَن يُعْرِضْ عَن ذِكْرِ رَبِّهِ﴾
أي: عن القرآن [وقبوله].
* *
﴿يَسْلُكْهُ عَذَاباً صَعَداً﴾.
أي: ندخله عذاباً شديداً قال ابن عباس ﴿عَذَاباً صَعَداً﴾، أي: مشقة من العذاب وقال قتادة ﴿صَعَداً﴾ أي: صعوداً من عذاب الله لا راحة فيه وقال أبو سعيد الخدري: ﴿عَذَاباً صَعَداً﴾: هو جبل في النار، كلما جعلوا أيديهم [عليه] ذابت، وإذا رفعوها عادت ويقال: تَصَعّدني الشّيء أي: شقّ عَلَيّ.
وقرأ مسلم بن جندب: نُسلِكه، جعله رباعياً. يقال: سَلَكه وأَسلَكه. ويقال: سَلَكَ، هو وسَلَكْتُهُ مثل رَجَعَ ورَجَعْتُهُ.
* *
- ثم قال: ﴿وَأَنَّ ٱلْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلاَ تَدْعُواْ مَعَ ٱللَّهِ أَحَداً﴾.
أي: وأوحي الى أن المساجد لله ﴿فَلاَ تَدْعُواْ﴾ أيها الناس ﴿مَعَ ٱللَّهِ أَحَداً﴾ أي: لا تشركوا به قال قتادة: كانت اليهود والنصارى إذا دخلوا كنائسهم وبِيَعَهُم اشركوا، فأمر الله نبيه أن يوحدوا الله وحده إذا دخلوا المساجد. قال ابن جبير: قالت الجن للنبي: كيف لنا أن نأتي المساجد ونحن [ناءون] عنك، وكيف نشهد الصلاة، فنزلت ﴿وَأَنَّ ٱلْمَسَاجِدَ لِلَّهِ﴾ الآية والمساجد جمع مسجد. ومسجد بمعنى السجود، فكأنه قال: وأن السجود لله لا لغيره. ويجوز أن يكون جمع مسجد هو موضع السجود.
وقال الفراء (يقال) ﴿[وَ]أَنَّ ٱلْمَسَاجِدَ لِلَّهِ﴾، يراد به مساجد الرجل، ما يسجد عليه من جبهته ويديه وركبتيه وصدور قدميه.
وأنكر ذلك النحاس وغيره.
* *
وقوله: ﴿فَلاَ تَدْعُواْ﴾ خطاب للجماعة. والنون حذفت للنهي.
* *
- ثم قال: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ ٱللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُواْ يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً﴾.
أي: لما قام (محمد يدعو الله) يقول: لا إله إلا الله، كاد الجن يكونون على محمد لبداً، أي جماعات بعضها فوق بعض.
وواحد لِبَد: لِبْدة. ويقال: لُبد - بضم اللام - واحدها لُبْدة. فمن كسر [﴿وَأَنَّهُ﴾] جعله من قول الجن إخباراً من الله لنا عن قولهم ذلك، ويكون المعنى على ما قال ابن جبير أن الجن رأوا النبي ﷺ يصلي وأصحابه يصلون بصلاته فعجبوا من طوعهم له فقالوا لقومهم: وإنه لما قام عبد الله يدعو الله كاد أصحابه يكونون عليه لِبَداً.
ويجوز الكسر، وهو من كلام الله، لا حكاية عن الجن ويكون المعنى أن النبي ﷺ لما قام يدعو إلى الله كاد الجن يكونون عليه لِبَداً.
فأما من فتح فهو من كلام الله أيضاً على هذا المعنى، أي: كاد الجن [يركبون محمد من الحرص] لما سمعوه يتلو القرآن فدنوا منه حتى كادوا يركبونه، هذا معنى قول ابن عباس والضحاك، فيكون الضميران في (كادوا يكونون) للجن.
وعن ابن عباس أيضاً أن معناه (أن) الجن قالوا لقومهم، إن محمد لمّا قام يدعو الله كاد أصحابه يركبونه لتقربهم منه وطوعهم له، فيكون الضّميرانِ لأصحاب النبي ﷺ وهو قول ابن جبير.
[وعن ابن عباس ﴿لِبَداً﴾: أعواناً].
وقال قتادة: معناه أن الله أعلم نبيه أن الجن والإنس يتظاهرون عليه ليبطلوا ما جاءهم (به) لمّا دَعا إلى الله، والله ناصِرُه عليهم.
وقيل: إن ذلك للعرب خاصة أرادوا أن يطفئوا النور الذي جاء به النبي ﷺ، وهو اختيار الطبري.
الجن 72:16
قوله: ﴿وَأَنَّا ظَنَنَّآ أَن لَّن تَقُولَ ٱلإِنسُ وَٱلْجِنُّ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً﴾ إلى قوله: ﴿لِبَداً﴾.
أي: وإنّا حسبنا وتوهمنا أن أحداً لا يقول على الله الكذب. وذلك أنهم كانوا يحسبون أَ(نّ) إبليس كان صادقاً فيما [يدعوهم] إليه من صنوف الكفر. فما سمعوا القرآن أيقنوا أنه كان كاذباً في كل ذلك وسَمّوه سفيها.
[ثم قال]: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ ٱلإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ ٱلْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقاً﴾.
هذا أيضاً من قول النفر من الجن.
ذكروا أن رجالاً من الإنس [كانوا] [يستجيرون] برجال من الجن في أسفارهم إذا نزلوا، فزاد الجنّ باستجارتهم (لهم) جرأة عليهم وازداد الإنس إِثْماً.
قال ابن عباس: [فزادوهم] إثماً. وهو قول قتادة. فازداد الإنس بفعلهم ذلك إثماً، وازداد الجن على الإنس جرأة.
وقال مجاهد: ازداد الإنس بذلك طغياناً.
وقال الربيع بن أنس: فازداد الإنس لذلك فَرقاَ من الجن.
وهو قول ابن زيد.
وقال أبو عبيدة: رهقاً: سفهاً وظلماً.
والرهق في كلام العرب: الإثم والعيب وإتيان المحارم. ومنه: فلان يرهق بكذا، أي: يعاب به. فيكون التقدير: فزاد الجنّ الإنسَ إِثماً لمّا [استعاذوا] بهم. وكان ذلك من فعل المشركين. قال ابن عباس وغيره: كان رجال من الإنس يَبِيتُ أحدهم في الوادي في الجاهلية، فيقول: أعوذ بعزيز هذا الوادي فزادهم ذلك إثماً.
وقال الحسن: كان الرجل إذا نزل في الوادي يقول: أعوذ بعزيز هذا الوادي من سفهاء قومه.
وقال النخعي: كان الرجل إذا نزل [الوادي] يقول: نعوذ بسيد هذا الوادي من شر (ما) فيه، فتقول الجن: ما نملك لكم ولا لأنفسنا ضراً ولا نفعاً.
وقال مجاهد: كانوا يقولون إذا هبطوا وادياً: نعوذ بعظماء هذا الوادي وهو قول قتادة وغيره.
* *
- ثم قال: ﴿وَأَنَّهُمْ ظَنُّواْ كَمَا ظَنَنتُمْ أَن لَّن يَبْعَثَ ٱللَّهُ أَحَداً﴾.
أي: وإن الرجال من الجن ظنوا كما ظن الرجال من الإنس أن الله لا يبعث أحداً، أي: رسولاً إلى خلقه يدعوهم إلى توحيده. قاله الكلبي.
وقال غيره، معناه: وأن الجن ظنوا كما ظن الكفار من الإنس أن الله لا يبعث أحداً يوم القيامة.
* *
- ثم قال: ﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا ٱلسَّمَآءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَساً شَدِيداً وَشُهُباً ﴾.
[وقال النفر من الجن إنا طلبنا خبر السماء فوجدناها قد ملئت حفظاً مانعاً] [وشهباً] نُرْجَم بها إذا أردنا الاستماع. والشُّهب: النُّجُوم.
وقال ابن جبير: كانت الجن [تستمع]، فلما رُجموا قالوا: إن هذا الذي حدث في السماء إنما هو لشيء حدث في الأرض. قال: فذهبوا يطلبون حتى رأوا النبي ﷺ خارجاً من سوق عُكَاظٍ يصلي بأصحابه صلاة الفجر، فذهبوا إلى أصحابهم منذرين.
* *
- ثم قال ﴿وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ﴾
أي: وقالوا إنا كنا نقعد من السماء في مقاعد نستمع الأخبار.
* *
- ﴿فَمَن يَسْتَمِعِ ٱلآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَاباً رَّصَداً﴾.
أي: من أتي يستمع الساعة يرمي بشهاب يرمد به إذا دنا فَيُرمى به، قال قتادة: لما بعث الله نبيه مُنِعُوا الاستماع [فَتَفَقَّدَتِ] الجن ذلك من أنفسها، قال: وذُكِرَ لنا أن أشراف الجن كانوا [بنصيبين] (فطلبوا ذلك) وضربوا إليه حتى سقطوا على نبي الله وهو يصلي بأصحابه عامداً الى عكاظ.
قال ابن زيد: قالوا كنا نستمع فمن يستمع الآن يجد له شهاباً رصداً، فلما وجدوا ذلك رجعوا إلى إبليس، فقالوا مُنِع (منَّا) السمع. فقال: إن السماء لم تحرس إلا على [أمرين]: [إما العذاب] يريد الله عز وجل أن ينزله بغتة على أهل الأرض، وإما نبي مرسل مرشد فذلك قول الله تعالى حكاية عن قولهم ﴿وَأَنَّا لاَ نَدْرِيۤ أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَن فِي ٱلأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ (رَبُّهُمْ) رَشَداً﴾.
(أي) قال إبليس لا ندري أعذاب ينزل على من في الأرض بغتة، فمُنِعْتُم من أجله الاستماع؟ أم نبي أرسله الله ليرشد من في الأرض إلى الطريق المستقيم؟ هذا معنى قول ابن زيد.
وقال الكلبي: معناه: أنهم قالوا: لا ندري أهذا المنع الذي منعنا، أراد بهم ربهم أن يطيعوا الرسول فَيَرْشُدُوا أم يعصوه فيهلكهم وهذا كله من علامات نبوة محمد ﷺ.
* *
- ثم قال: ﴿وَأَنَّا مِنَّا ٱلصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ﴾
أي: قال النفر: وإنا منا المسلمون العاملون بطاعة الله، ومنا من هو دون ذلك في الصلاح والعمل.
* *
- ﴿كُنَّا طَرَآئِقَ قِدَداً﴾.
أي: كنا أهواء مختلفة وفرقاً شتى، الصّالِح والذي هُوَ دُونَه، والكافِر.
قال ابن عباس: ﴿كُنَّا طَرَآئِقَ قِدَداً﴾ (أي) أهواء شتى مِنّا المُسلم ومنا المُشرك.
وقال عكرمة: "أهواء مختلفة".
وقال قتادة: "أهواء شتى".
وقال مجاهد: "مسلمين وكافرين" وهو قول سفيان.
والقِدَد جمع قدة، وهي الضُّروبُ والأَجناس المختلفة. والطرائق جمع طريقة الرجل أي مذهبه.
* *
- ثم قال ﴿وَأَنَّا ظَنَنَّآ أَن لَّن نُّعْجِزَ ٱللَّهَ فِي ٱلأَرْضِ﴾
أي: وإنّا علمنا وأَيْقَنّا أن لن نفوت الله بالهروب في الأرض ولا بغيره، وَصَفوهُ - جل ذِكره - بالقدرة عليهم.
* *
- ثم قال: ﴿وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا ٱلْهُدَىٰ آمَنَّا بِهِ﴾
أي: لما سمعنا القرآن [يؤدي] من آمن به إلى الهدى صدقنا به.
* *
- ﴿فَمَن يُؤْمِن بِرَبِّهِ فَلاَ يَخَافُ بَخْساً﴾.
[أي: ومن يصدق بربه فلا يخاف بخساً) أي: أن ينقص من حسناته وثوابه].
* *
- ﴿وَلاَ رَهَقاً﴾.
(أي): لا يُحمل من سيئات غيره عليه.
قال ابن عباس: ﴿بَخْساً وَلاَ رَهَقاً﴾، أي: "لا يخاف نقصاً من حسناته، ولا زيادة في سيئاته".
قال قتادة: ﴿بَخْساً﴾: ظلما، ﴿وَلاَ رَهَقاً﴾: أن يعمل عليه ذنب غيره.
* *
- ثم قال: ﴿وَأَنَّا مِنَّا ٱلْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا ٱلْقَاسِطُونَ﴾
أي: الجائرون عن الهدى.
* *
- ﴿فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُوْلَـٰئِكَ تَحَرَّوْاْ رَشَداً﴾.
أي: [تعمدوا الرشد] وأصابوه.
* *
- ثم قال ﴿وَأَمَّا ٱلْقَاسِطُونَ فَكَانُواْ لِجَهَنَّمَ حَطَباً﴾.
أي: وأما العادلون الجائرون عن الهدى فكانوا حطباً يوم القيامة لجهنم.
* *
- ثم قال: ﴿وَأَلَّوِ ٱسْتَقَامُواْ عَلَى ٱلطَّرِيقَةِ لأَسْقَيْنَاهُم مَّآءً غَدَقاً * لِّنَفْتِنَهُمْ فِيهِ﴾
كل ما تقدم من إخبار الله هو من قول الجن إلا هذا، فإنه من قول الله، أي: لو استقام القاسطون [على] طريقة الحق [أي]: طريقة الإسلام وهي [الطاعة] لله، لَوَسّعْنا عليهم في الرزق لنختبرهم فيه فننظر عملهم وشكرهم. قاله ابن جبير وقتادة ومجاهد [قاله مجاهد: الطريقة: الإسلام، والماء: المال، والغدق: الكثير].
والغَدَق: الماء الظاهر، والرَّغَد: الكَثِير، والماء يُراد به العيش والرزق.
وقيل: معناه: لو استقاموا على طريقة الضلال لَوَسَّعنا عليهم في الرزق استدراجاً، ذكره الضاحك وقاله الفراء.
(و) القول الأول أصح كما قال: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ ٱلْقُرَىٰ ءَامَنُواْ وَٱتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَٰتٍ...﴾ [الأعراف: ٩٦] الآية.
* *
- ثم قال: ﴿وَمَن يُعْرِضْ عَن ذِكْرِ رَبِّهِ﴾
أي: عن القرآن [وقبوله].
* *
﴿يَسْلُكْهُ عَذَاباً صَعَداً﴾.
أي: ندخله عذاباً شديداً قال ابن عباس ﴿عَذَاباً صَعَداً﴾، أي: مشقة من العذاب وقال قتادة ﴿صَعَداً﴾ أي: صعوداً من عذاب الله لا راحة فيه وقال أبو سعيد الخدري: ﴿عَذَاباً صَعَداً﴾: هو جبل في النار، كلما جعلوا أيديهم [عليه] ذابت، وإذا رفعوها عادت ويقال: تَصَعّدني الشّيء أي: شقّ عَلَيّ.
وقرأ مسلم بن جندب: نُسلِكه، جعله رباعياً. يقال: سَلَكه وأَسلَكه. ويقال: سَلَكَ، هو وسَلَكْتُهُ مثل رَجَعَ ورَجَعْتُهُ.
* *
- ثم قال: ﴿وَأَنَّ ٱلْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلاَ تَدْعُواْ مَعَ ٱللَّهِ أَحَداً﴾.
أي: وأوحي الى أن المساجد لله ﴿فَلاَ تَدْعُواْ﴾ أيها الناس ﴿مَعَ ٱللَّهِ أَحَداً﴾ أي: لا تشركوا به قال قتادة: كانت اليهود والنصارى إذا دخلوا كنائسهم وبِيَعَهُم اشركوا، فأمر الله نبيه أن يوحدوا الله وحده إذا دخلوا المساجد. قال ابن جبير: قالت الجن للنبي: كيف لنا أن نأتي المساجد ونحن [ناءون] عنك، وكيف نشهد الصلاة، فنزلت ﴿وَأَنَّ ٱلْمَسَاجِدَ لِلَّهِ﴾ الآية والمساجد جمع مسجد. ومسجد بمعنى السجود، فكأنه قال: وأن السجود لله لا لغيره. ويجوز أن يكون جمع مسجد هو موضع السجود.
وقال الفراء (يقال) ﴿[وَ]أَنَّ ٱلْمَسَاجِدَ لِلَّهِ﴾، يراد به مساجد الرجل، ما يسجد عليه من جبهته ويديه وركبتيه وصدور قدميه.
وأنكر ذلك النحاس وغيره.
* *
وقوله: ﴿فَلاَ تَدْعُواْ﴾ خطاب للجماعة. والنون حذفت للنهي.
* *
- ثم قال: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ ٱللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُواْ يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً﴾.
أي: لما قام (محمد يدعو الله) يقول: لا إله إلا الله، كاد الجن يكونون على محمد لبداً، أي جماعات بعضها فوق بعض.
وواحد لِبَد: لِبْدة. ويقال: لُبد - بضم اللام - واحدها لُبْدة. فمن كسر [﴿وَأَنَّهُ﴾] جعله من قول الجن إخباراً من الله لنا عن قولهم ذلك، ويكون المعنى على ما قال ابن جبير أن الجن رأوا النبي ﷺ يصلي وأصحابه يصلون بصلاته فعجبوا من طوعهم له فقالوا لقومهم: وإنه لما قام عبد الله يدعو الله كاد أصحابه يكونون عليه لِبَداً.
ويجوز الكسر، وهو من كلام الله، لا حكاية عن الجن ويكون المعنى أن النبي ﷺ لما قام يدعو إلى الله كاد الجن يكونون عليه لِبَداً.
فأما من فتح فهو من كلام الله أيضاً على هذا المعنى، أي: كاد الجن [يركبون محمد من الحرص] لما سمعوه يتلو القرآن فدنوا منه حتى كادوا يركبونه، هذا معنى قول ابن عباس والضحاك، فيكون الضميران في (كادوا يكونون) للجن.
وعن ابن عباس أيضاً أن معناه (أن) الجن قالوا لقومهم، إن محمد لمّا قام يدعو الله كاد أصحابه يركبونه لتقربهم منه وطوعهم له، فيكون الضّميرانِ لأصحاب النبي ﷺ وهو قول ابن جبير.
[وعن ابن عباس ﴿لِبَداً﴾: أعواناً].
وقال قتادة: معناه أن الله أعلم نبيه أن الجن والإنس يتظاهرون عليه ليبطلوا ما جاءهم (به) لمّا دَعا إلى الله، والله ناصِرُه عليهم.
وقيل: إن ذلك للعرب خاصة أرادوا أن يطفئوا النور الذي جاء به النبي ﷺ، وهو اختيار الطبري.
الجن 72:17
قوله: ﴿وَأَنَّا ظَنَنَّآ أَن لَّن تَقُولَ ٱلإِنسُ وَٱلْجِنُّ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً﴾ إلى قوله: ﴿لِبَداً﴾.
أي: وإنّا حسبنا وتوهمنا أن أحداً لا يقول على الله الكذب. وذلك أنهم كانوا يحسبون أَ(نّ) إبليس كان صادقاً فيما [يدعوهم] إليه من صنوف الكفر. فما سمعوا القرآن أيقنوا أنه كان كاذباً في كل ذلك وسَمّوه سفيها.
[ثم قال]: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ ٱلإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ ٱلْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقاً﴾.
هذا أيضاً من قول النفر من الجن.
ذكروا أن رجالاً من الإنس [كانوا] [يستجيرون] برجال من الجن في أسفارهم إذا نزلوا، فزاد الجنّ باستجارتهم (لهم) جرأة عليهم وازداد الإنس إِثْماً.
قال ابن عباس: [فزادوهم] إثماً. وهو قول قتادة. فازداد الإنس بفعلهم ذلك إثماً، وازداد الجن على الإنس جرأة.
وقال مجاهد: ازداد الإنس بذلك طغياناً.
وقال الربيع بن أنس: فازداد الإنس لذلك فَرقاَ من الجن.
وهو قول ابن زيد.
وقال أبو عبيدة: رهقاً: سفهاً وظلماً.
والرهق في كلام العرب: الإثم والعيب وإتيان المحارم. ومنه: فلان يرهق بكذا، أي: يعاب به. فيكون التقدير: فزاد الجنّ الإنسَ إِثماً لمّا [استعاذوا] بهم. وكان ذلك من فعل المشركين. قال ابن عباس وغيره: كان رجال من الإنس يَبِيتُ أحدهم في الوادي في الجاهلية، فيقول: أعوذ بعزيز هذا الوادي فزادهم ذلك إثماً.
وقال الحسن: كان الرجل إذا نزل في الوادي يقول: أعوذ بعزيز هذا الوادي من سفهاء قومه.
وقال النخعي: كان الرجل إذا نزل [الوادي] يقول: نعوذ بسيد هذا الوادي من شر (ما) فيه، فتقول الجن: ما نملك لكم ولا لأنفسنا ضراً ولا نفعاً.
وقال مجاهد: كانوا يقولون إذا هبطوا وادياً: نعوذ بعظماء هذا الوادي وهو قول قتادة وغيره.
* *
- ثم قال: ﴿وَأَنَّهُمْ ظَنُّواْ كَمَا ظَنَنتُمْ أَن لَّن يَبْعَثَ ٱللَّهُ أَحَداً﴾.
أي: وإن الرجال من الجن ظنوا كما ظن الرجال من الإنس أن الله لا يبعث أحداً، أي: رسولاً إلى خلقه يدعوهم إلى توحيده. قاله الكلبي.
وقال غيره، معناه: وأن الجن ظنوا كما ظن الكفار من الإنس أن الله لا يبعث أحداً يوم القيامة.
* *
- ثم قال: ﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا ٱلسَّمَآءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَساً شَدِيداً وَشُهُباً ﴾.
[وقال النفر من الجن إنا طلبنا خبر السماء فوجدناها قد ملئت حفظاً مانعاً] [وشهباً] نُرْجَم بها إذا أردنا الاستماع. والشُّهب: النُّجُوم.
وقال ابن جبير: كانت الجن [تستمع]، فلما رُجموا قالوا: إن هذا الذي حدث في السماء إنما هو لشيء حدث في الأرض. قال: فذهبوا يطلبون حتى رأوا النبي ﷺ خارجاً من سوق عُكَاظٍ يصلي بأصحابه صلاة الفجر، فذهبوا إلى أصحابهم منذرين.
* *
- ثم قال ﴿وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ﴾
أي: وقالوا إنا كنا نقعد من السماء في مقاعد نستمع الأخبار.
* *
- ﴿فَمَن يَسْتَمِعِ ٱلآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَاباً رَّصَداً﴾.
أي: من أتي يستمع الساعة يرمي بشهاب يرمد به إذا دنا فَيُرمى به، قال قتادة: لما بعث الله نبيه مُنِعُوا الاستماع [فَتَفَقَّدَتِ] الجن ذلك من أنفسها، قال: وذُكِرَ لنا أن أشراف الجن كانوا [بنصيبين] (فطلبوا ذلك) وضربوا إليه حتى سقطوا على نبي الله وهو يصلي بأصحابه عامداً الى عكاظ.
قال ابن زيد: قالوا كنا نستمع فمن يستمع الآن يجد له شهاباً رصداً، فلما وجدوا ذلك رجعوا إلى إبليس، فقالوا مُنِع (منَّا) السمع. فقال: إن السماء لم تحرس إلا على [أمرين]: [إما العذاب] يريد الله عز وجل أن ينزله بغتة على أهل الأرض، وإما نبي مرسل مرشد فذلك قول الله تعالى حكاية عن قولهم ﴿وَأَنَّا لاَ نَدْرِيۤ أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَن فِي ٱلأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ (رَبُّهُمْ) رَشَداً﴾.
(أي) قال إبليس لا ندري أعذاب ينزل على من في الأرض بغتة، فمُنِعْتُم من أجله الاستماع؟ أم نبي أرسله الله ليرشد من في الأرض إلى الطريق المستقيم؟ هذا معنى قول ابن زيد.
وقال الكلبي: معناه: أنهم قالوا: لا ندري أهذا المنع الذي منعنا، أراد بهم ربهم أن يطيعوا الرسول فَيَرْشُدُوا أم يعصوه فيهلكهم وهذا كله من علامات نبوة محمد ﷺ.
* *
- ثم قال: ﴿وَأَنَّا مِنَّا ٱلصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ﴾
أي: قال النفر: وإنا منا المسلمون العاملون بطاعة الله، ومنا من هو دون ذلك في الصلاح والعمل.
* *
- ﴿كُنَّا طَرَآئِقَ قِدَداً﴾.
أي: كنا أهواء مختلفة وفرقاً شتى، الصّالِح والذي هُوَ دُونَه، والكافِر.
قال ابن عباس: ﴿كُنَّا طَرَآئِقَ قِدَداً﴾ (أي) أهواء شتى مِنّا المُسلم ومنا المُشرك.
وقال عكرمة: "أهواء مختلفة".
وقال قتادة: "أهواء شتى".
وقال مجاهد: "مسلمين وكافرين" وهو قول سفيان.
والقِدَد جمع قدة، وهي الضُّروبُ والأَجناس المختلفة. والطرائق جمع طريقة الرجل أي مذهبه.
* *
- ثم قال ﴿وَأَنَّا ظَنَنَّآ أَن لَّن نُّعْجِزَ ٱللَّهَ فِي ٱلأَرْضِ﴾
أي: وإنّا علمنا وأَيْقَنّا أن لن نفوت الله بالهروب في الأرض ولا بغيره، وَصَفوهُ - جل ذِكره - بالقدرة عليهم.
* *
- ثم قال: ﴿وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا ٱلْهُدَىٰ آمَنَّا بِهِ﴾
أي: لما سمعنا القرآن [يؤدي] من آمن به إلى الهدى صدقنا به.
* *
- ﴿فَمَن يُؤْمِن بِرَبِّهِ فَلاَ يَخَافُ بَخْساً﴾.
[أي: ومن يصدق بربه فلا يخاف بخساً) أي: أن ينقص من حسناته وثوابه].
* *
- ﴿وَلاَ رَهَقاً﴾.
(أي): لا يُحمل من سيئات غيره عليه.
قال ابن عباس: ﴿بَخْساً وَلاَ رَهَقاً﴾، أي: "لا يخاف نقصاً من حسناته، ولا زيادة في سيئاته".
قال قتادة: ﴿بَخْساً﴾: ظلما، ﴿وَلاَ رَهَقاً﴾: أن يعمل عليه ذنب غيره.
* *
- ثم قال: ﴿وَأَنَّا مِنَّا ٱلْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا ٱلْقَاسِطُونَ﴾
أي: الجائرون عن الهدى.
* *
- ﴿فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُوْلَـٰئِكَ تَحَرَّوْاْ رَشَداً﴾.
أي: [تعمدوا الرشد] وأصابوه.
* *
- ثم قال ﴿وَأَمَّا ٱلْقَاسِطُونَ فَكَانُواْ لِجَهَنَّمَ حَطَباً﴾.
أي: وأما العادلون الجائرون عن الهدى فكانوا حطباً يوم القيامة لجهنم.
* *
- ثم قال: ﴿وَأَلَّوِ ٱسْتَقَامُواْ عَلَى ٱلطَّرِيقَةِ لأَسْقَيْنَاهُم مَّآءً غَدَقاً * لِّنَفْتِنَهُمْ فِيهِ﴾
كل ما تقدم من إخبار الله هو من قول الجن إلا هذا، فإنه من قول الله، أي: لو استقام القاسطون [على] طريقة الحق [أي]: طريقة الإسلام وهي [الطاعة] لله، لَوَسّعْنا عليهم في الرزق لنختبرهم فيه فننظر عملهم وشكرهم. قاله ابن جبير وقتادة ومجاهد [قاله مجاهد: الطريقة: الإسلام، والماء: المال، والغدق: الكثير].
والغَدَق: الماء الظاهر، والرَّغَد: الكَثِير، والماء يُراد به العيش والرزق.
وقيل: معناه: لو استقاموا على طريقة الضلال لَوَسَّعنا عليهم في الرزق استدراجاً، ذكره الضاحك وقاله الفراء.
(و) القول الأول أصح كما قال: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ ٱلْقُرَىٰ ءَامَنُواْ وَٱتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَٰتٍ...﴾ [الأعراف: ٩٦] الآية.
* *
- ثم قال: ﴿وَمَن يُعْرِضْ عَن ذِكْرِ رَبِّهِ﴾
أي: عن القرآن [وقبوله].
* *
﴿يَسْلُكْهُ عَذَاباً صَعَداً﴾.
أي: ندخله عذاباً شديداً قال ابن عباس ﴿عَذَاباً صَعَداً﴾، أي: مشقة من العذاب وقال قتادة ﴿صَعَداً﴾ أي: صعوداً من عذاب الله لا راحة فيه وقال أبو سعيد الخدري: ﴿عَذَاباً صَعَداً﴾: هو جبل في النار، كلما جعلوا أيديهم [عليه] ذابت، وإذا رفعوها عادت ويقال: تَصَعّدني الشّيء أي: شقّ عَلَيّ.
وقرأ مسلم بن جندب: نُسلِكه، جعله رباعياً. يقال: سَلَكه وأَسلَكه. ويقال: سَلَكَ، هو وسَلَكْتُهُ مثل رَجَعَ ورَجَعْتُهُ.
* *
- ثم قال: ﴿وَأَنَّ ٱلْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلاَ تَدْعُواْ مَعَ ٱللَّهِ أَحَداً﴾.
أي: وأوحي الى أن المساجد لله ﴿فَلاَ تَدْعُواْ﴾ أيها الناس ﴿مَعَ ٱللَّهِ أَحَداً﴾ أي: لا تشركوا به قال قتادة: كانت اليهود والنصارى إذا دخلوا كنائسهم وبِيَعَهُم اشركوا، فأمر الله نبيه أن يوحدوا الله وحده إذا دخلوا المساجد. قال ابن جبير: قالت الجن للنبي: كيف لنا أن نأتي المساجد ونحن [ناءون] عنك، وكيف نشهد الصلاة، فنزلت ﴿وَأَنَّ ٱلْمَسَاجِدَ لِلَّهِ﴾ الآية والمساجد جمع مسجد. ومسجد بمعنى السجود، فكأنه قال: وأن السجود لله لا لغيره. ويجوز أن يكون جمع مسجد هو موضع السجود.
وقال الفراء (يقال) ﴿[وَ]أَنَّ ٱلْمَسَاجِدَ لِلَّهِ﴾، يراد به مساجد الرجل، ما يسجد عليه من جبهته ويديه وركبتيه وصدور قدميه.
وأنكر ذلك النحاس وغيره.
* *
وقوله: ﴿فَلاَ تَدْعُواْ﴾ خطاب للجماعة. والنون حذفت للنهي.
* *
- ثم قال: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ ٱللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُواْ يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً﴾.
أي: لما قام (محمد يدعو الله) يقول: لا إله إلا الله، كاد الجن يكونون على محمد لبداً، أي جماعات بعضها فوق بعض.
وواحد لِبَد: لِبْدة. ويقال: لُبد - بضم اللام - واحدها لُبْدة. فمن كسر [﴿وَأَنَّهُ﴾] جعله من قول الجن إخباراً من الله لنا عن قولهم ذلك، ويكون المعنى على ما قال ابن جبير أن الجن رأوا النبي ﷺ يصلي وأصحابه يصلون بصلاته فعجبوا من طوعهم له فقالوا لقومهم: وإنه لما قام عبد الله يدعو الله كاد أصحابه يكونون عليه لِبَداً.
ويجوز الكسر، وهو من كلام الله، لا حكاية عن الجن ويكون المعنى أن النبي ﷺ لما قام يدعو إلى الله كاد الجن يكونون عليه لِبَداً.
فأما من فتح فهو من كلام الله أيضاً على هذا المعنى، أي: كاد الجن [يركبون محمد من الحرص] لما سمعوه يتلو القرآن فدنوا منه حتى كادوا يركبونه، هذا معنى قول ابن عباس والضحاك، فيكون الضميران في (كادوا يكونون) للجن.
وعن ابن عباس أيضاً أن معناه (أن) الجن قالوا لقومهم، إن محمد لمّا قام يدعو الله كاد أصحابه يركبونه لتقربهم منه وطوعهم له، فيكون الضّميرانِ لأصحاب النبي ﷺ وهو قول ابن جبير.
[وعن ابن عباس ﴿لِبَداً﴾: أعواناً].
وقال قتادة: معناه أن الله أعلم نبيه أن الجن والإنس يتظاهرون عليه ليبطلوا ما جاءهم (به) لمّا دَعا إلى الله، والله ناصِرُه عليهم.
وقيل: إن ذلك للعرب خاصة أرادوا أن يطفئوا النور الذي جاء به النبي ﷺ، وهو اختيار الطبري.
الجن 72:18
قوله: ﴿وَأَنَّا ظَنَنَّآ أَن لَّن تَقُولَ ٱلإِنسُ وَٱلْجِنُّ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً﴾ إلى قوله: ﴿لِبَداً﴾.
أي: وإنّا حسبنا وتوهمنا أن أحداً لا يقول على الله الكذب. وذلك أنهم كانوا يحسبون أَ(نّ) إبليس كان صادقاً فيما [يدعوهم] إليه من صنوف الكفر. فما سمعوا القرآن أيقنوا أنه كان كاذباً في كل ذلك وسَمّوه سفيها.
[ثم قال]: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ ٱلإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ ٱلْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقاً﴾.
هذا أيضاً من قول النفر من الجن.
ذكروا أن رجالاً من الإنس [كانوا] [يستجيرون] برجال من الجن في أسفارهم إذا نزلوا، فزاد الجنّ باستجارتهم (لهم) جرأة عليهم وازداد الإنس إِثْماً.
قال ابن عباس: [فزادوهم] إثماً. وهو قول قتادة. فازداد الإنس بفعلهم ذلك إثماً، وازداد الجن على الإنس جرأة.
وقال مجاهد: ازداد الإنس بذلك طغياناً.
وقال الربيع بن أنس: فازداد الإنس لذلك فَرقاَ من الجن.
وهو قول ابن زيد.
وقال أبو عبيدة: رهقاً: سفهاً وظلماً.
والرهق في كلام العرب: الإثم والعيب وإتيان المحارم. ومنه: فلان يرهق بكذا، أي: يعاب به. فيكون التقدير: فزاد الجنّ الإنسَ إِثماً لمّا [استعاذوا] بهم. وكان ذلك من فعل المشركين. قال ابن عباس وغيره: كان رجال من الإنس يَبِيتُ أحدهم في الوادي في الجاهلية، فيقول: أعوذ بعزيز هذا الوادي فزادهم ذلك إثماً.
وقال الحسن: كان الرجل إذا نزل في الوادي يقول: أعوذ بعزيز هذا الوادي من سفهاء قومه.
وقال النخعي: كان الرجل إذا نزل [الوادي] يقول: نعوذ بسيد هذا الوادي من شر (ما) فيه، فتقول الجن: ما نملك لكم ولا لأنفسنا ضراً ولا نفعاً.
وقال مجاهد: كانوا يقولون إذا هبطوا وادياً: نعوذ بعظماء هذا الوادي وهو قول قتادة وغيره.
* *
- ثم قال: ﴿وَأَنَّهُمْ ظَنُّواْ كَمَا ظَنَنتُمْ أَن لَّن يَبْعَثَ ٱللَّهُ أَحَداً﴾.
أي: وإن الرجال من الجن ظنوا كما ظن الرجال من الإنس أن الله لا يبعث أحداً، أي: رسولاً إلى خلقه يدعوهم إلى توحيده. قاله الكلبي.
وقال غيره، معناه: وأن الجن ظنوا كما ظن الكفار من الإنس أن الله لا يبعث أحداً يوم القيامة.
* *
- ثم قال: ﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا ٱلسَّمَآءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَساً شَدِيداً وَشُهُباً ﴾.
[وقال النفر من الجن إنا طلبنا خبر السماء فوجدناها قد ملئت حفظاً مانعاً] [وشهباً] نُرْجَم بها إذا أردنا الاستماع. والشُّهب: النُّجُوم.
وقال ابن جبير: كانت الجن [تستمع]، فلما رُجموا قالوا: إن هذا الذي حدث في السماء إنما هو لشيء حدث في الأرض. قال: فذهبوا يطلبون حتى رأوا النبي ﷺ خارجاً من سوق عُكَاظٍ يصلي بأصحابه صلاة الفجر، فذهبوا إلى أصحابهم منذرين.
* *
- ثم قال ﴿وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ﴾
أي: وقالوا إنا كنا نقعد من السماء في مقاعد نستمع الأخبار.
* *
- ﴿فَمَن يَسْتَمِعِ ٱلآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَاباً رَّصَداً﴾.
أي: من أتي يستمع الساعة يرمي بشهاب يرمد به إذا دنا فَيُرمى به، قال قتادة: لما بعث الله نبيه مُنِعُوا الاستماع [فَتَفَقَّدَتِ] الجن ذلك من أنفسها، قال: وذُكِرَ لنا أن أشراف الجن كانوا [بنصيبين] (فطلبوا ذلك) وضربوا إليه حتى سقطوا على نبي الله وهو يصلي بأصحابه عامداً الى عكاظ.
قال ابن زيد: قالوا كنا نستمع فمن يستمع الآن يجد له شهاباً رصداً، فلما وجدوا ذلك رجعوا إلى إبليس، فقالوا مُنِع (منَّا) السمع. فقال: إن السماء لم تحرس إلا على [أمرين]: [إما العذاب] يريد الله عز وجل أن ينزله بغتة على أهل الأرض، وإما نبي مرسل مرشد فذلك قول الله تعالى حكاية عن قولهم ﴿وَأَنَّا لاَ نَدْرِيۤ أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَن فِي ٱلأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ (رَبُّهُمْ) رَشَداً﴾.
(أي) قال إبليس لا ندري أعذاب ينزل على من في الأرض بغتة، فمُنِعْتُم من أجله الاستماع؟ أم نبي أرسله الله ليرشد من في الأرض إلى الطريق المستقيم؟ هذا معنى قول ابن زيد.
وقال الكلبي: معناه: أنهم قالوا: لا ندري أهذا المنع الذي منعنا، أراد بهم ربهم أن يطيعوا الرسول فَيَرْشُدُوا أم يعصوه فيهلكهم وهذا كله من علامات نبوة محمد ﷺ.
* *
- ثم قال: ﴿وَأَنَّا مِنَّا ٱلصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ﴾
أي: قال النفر: وإنا منا المسلمون العاملون بطاعة الله، ومنا من هو دون ذلك في الصلاح والعمل.
* *
- ﴿كُنَّا طَرَآئِقَ قِدَداً﴾.
أي: كنا أهواء مختلفة وفرقاً شتى، الصّالِح والذي هُوَ دُونَه، والكافِر.
قال ابن عباس: ﴿كُنَّا طَرَآئِقَ قِدَداً﴾ (أي) أهواء شتى مِنّا المُسلم ومنا المُشرك.
وقال عكرمة: "أهواء مختلفة".
وقال قتادة: "أهواء شتى".
وقال مجاهد: "مسلمين وكافرين" وهو قول سفيان.
والقِدَد جمع قدة، وهي الضُّروبُ والأَجناس المختلفة. والطرائق جمع طريقة الرجل أي مذهبه.
* *
- ثم قال ﴿وَأَنَّا ظَنَنَّآ أَن لَّن نُّعْجِزَ ٱللَّهَ فِي ٱلأَرْضِ﴾
أي: وإنّا علمنا وأَيْقَنّا أن لن نفوت الله بالهروب في الأرض ولا بغيره، وَصَفوهُ - جل ذِكره - بالقدرة عليهم.
* *
- ثم قال: ﴿وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا ٱلْهُدَىٰ آمَنَّا بِهِ﴾
أي: لما سمعنا القرآن [يؤدي] من آمن به إلى الهدى صدقنا به.
* *
- ﴿فَمَن يُؤْمِن بِرَبِّهِ فَلاَ يَخَافُ بَخْساً﴾.
[أي: ومن يصدق بربه فلا يخاف بخساً) أي: أن ينقص من حسناته وثوابه].
* *
- ﴿وَلاَ رَهَقاً﴾.
(أي): لا يُحمل من سيئات غيره عليه.
قال ابن عباس: ﴿بَخْساً وَلاَ رَهَقاً﴾، أي: "لا يخاف نقصاً من حسناته، ولا زيادة في سيئاته".
قال قتادة: ﴿بَخْساً﴾: ظلما، ﴿وَلاَ رَهَقاً﴾: أن يعمل عليه ذنب غيره.
* *
- ثم قال: ﴿وَأَنَّا مِنَّا ٱلْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا ٱلْقَاسِطُونَ﴾
أي: الجائرون عن الهدى.
* *
- ﴿فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُوْلَـٰئِكَ تَحَرَّوْاْ رَشَداً﴾.
أي: [تعمدوا الرشد] وأصابوه.
* *
- ثم قال ﴿وَأَمَّا ٱلْقَاسِطُونَ فَكَانُواْ لِجَهَنَّمَ حَطَباً﴾.
أي: وأما العادلون الجائرون عن الهدى فكانوا حطباً يوم القيامة لجهنم.
* *
- ثم قال: ﴿وَأَلَّوِ ٱسْتَقَامُواْ عَلَى ٱلطَّرِيقَةِ لأَسْقَيْنَاهُم مَّآءً غَدَقاً * لِّنَفْتِنَهُمْ فِيهِ﴾
كل ما تقدم من إخبار الله هو من قول الجن إلا هذا، فإنه من قول الله، أي: لو استقام القاسطون [على] طريقة الحق [أي]: طريقة الإسلام وهي [الطاعة] لله، لَوَسّعْنا عليهم في الرزق لنختبرهم فيه فننظر عملهم وشكرهم. قاله ابن جبير وقتادة ومجاهد [قاله مجاهد: الطريقة: الإسلام، والماء: المال، والغدق: الكثير].
والغَدَق: الماء الظاهر، والرَّغَد: الكَثِير، والماء يُراد به العيش والرزق.
وقيل: معناه: لو استقاموا على طريقة الضلال لَوَسَّعنا عليهم في الرزق استدراجاً، ذكره الضاحك وقاله الفراء.
(و) القول الأول أصح كما قال: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ ٱلْقُرَىٰ ءَامَنُواْ وَٱتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَٰتٍ...﴾ [الأعراف: ٩٦] الآية.
* *
- ثم قال: ﴿وَمَن يُعْرِضْ عَن ذِكْرِ رَبِّهِ﴾
أي: عن القرآن [وقبوله].
* *
﴿يَسْلُكْهُ عَذَاباً صَعَداً﴾.
أي: ندخله عذاباً شديداً قال ابن عباس ﴿عَذَاباً صَعَداً﴾، أي: مشقة من العذاب وقال قتادة ﴿صَعَداً﴾ أي: صعوداً من عذاب الله لا راحة فيه وقال أبو سعيد الخدري: ﴿عَذَاباً صَعَداً﴾: هو جبل في النار، كلما جعلوا أيديهم [عليه] ذابت، وإذا رفعوها عادت ويقال: تَصَعّدني الشّيء أي: شقّ عَلَيّ.
وقرأ مسلم بن جندب: نُسلِكه، جعله رباعياً. يقال: سَلَكه وأَسلَكه. ويقال: سَلَكَ، هو وسَلَكْتُهُ مثل رَجَعَ ورَجَعْتُهُ.
* *
- ثم قال: ﴿وَأَنَّ ٱلْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلاَ تَدْعُواْ مَعَ ٱللَّهِ أَحَداً﴾.
أي: وأوحي الى أن المساجد لله ﴿فَلاَ تَدْعُواْ﴾ أيها الناس ﴿مَعَ ٱللَّهِ أَحَداً﴾ أي: لا تشركوا به قال قتادة: كانت اليهود والنصارى إذا دخلوا كنائسهم وبِيَعَهُم اشركوا، فأمر الله نبيه أن يوحدوا الله وحده إذا دخلوا المساجد. قال ابن جبير: قالت الجن للنبي: كيف لنا أن نأتي المساجد ونحن [ناءون] عنك، وكيف نشهد الصلاة، فنزلت ﴿وَأَنَّ ٱلْمَسَاجِدَ لِلَّهِ﴾ الآية والمساجد جمع مسجد. ومسجد بمعنى السجود، فكأنه قال: وأن السجود لله لا لغيره. ويجوز أن يكون جمع مسجد هو موضع السجود.
وقال الفراء (يقال) ﴿[وَ]أَنَّ ٱلْمَسَاجِدَ لِلَّهِ﴾، يراد به مساجد الرجل، ما يسجد عليه من جبهته ويديه وركبتيه وصدور قدميه.
وأنكر ذلك النحاس وغيره.
* *
وقوله: ﴿فَلاَ تَدْعُواْ﴾ خطاب للجماعة. والنون حذفت للنهي.
* *
- ثم قال: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ ٱللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُواْ يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً﴾.
أي: لما قام (محمد يدعو الله) يقول: لا إله إلا الله، كاد الجن يكونون على محمد لبداً، أي جماعات بعضها فوق بعض.
وواحد لِبَد: لِبْدة. ويقال: لُبد - بضم اللام - واحدها لُبْدة. فمن كسر [﴿وَأَنَّهُ﴾] جعله من قول الجن إخباراً من الله لنا عن قولهم ذلك، ويكون المعنى على ما قال ابن جبير أن الجن رأوا النبي ﷺ يصلي وأصحابه يصلون بصلاته فعجبوا من طوعهم له فقالوا لقومهم: وإنه لما قام عبد الله يدعو الله كاد أصحابه يكونون عليه لِبَداً.
ويجوز الكسر، وهو من كلام الله، لا حكاية عن الجن ويكون المعنى أن النبي ﷺ لما قام يدعو إلى الله كاد الجن يكونون عليه لِبَداً.
فأما من فتح فهو من كلام الله أيضاً على هذا المعنى، أي: كاد الجن [يركبون محمد من الحرص] لما سمعوه يتلو القرآن فدنوا منه حتى كادوا يركبونه، هذا معنى قول ابن عباس والضحاك، فيكون الضميران في (كادوا يكونون) للجن.
وعن ابن عباس أيضاً أن معناه (أن) الجن قالوا لقومهم، إن محمد لمّا قام يدعو الله كاد أصحابه يركبونه لتقربهم منه وطوعهم له، فيكون الضّميرانِ لأصحاب النبي ﷺ وهو قول ابن جبير.
[وعن ابن عباس ﴿لِبَداً﴾: أعواناً].
وقال قتادة: معناه أن الله أعلم نبيه أن الجن والإنس يتظاهرون عليه ليبطلوا ما جاءهم (به) لمّا دَعا إلى الله، والله ناصِرُه عليهم.
وقيل: إن ذلك للعرب خاصة أرادوا أن يطفئوا النور الذي جاء به النبي ﷺ، وهو اختيار الطبري.
الجن 72:19
قوله: ﴿وَأَنَّا ظَنَنَّآ أَن لَّن تَقُولَ ٱلإِنسُ وَٱلْجِنُّ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً﴾ إلى قوله: ﴿لِبَداً﴾.
أي: وإنّا حسبنا وتوهمنا أن أحداً لا يقول على الله الكذب. وذلك أنهم كانوا يحسبون أَ(نّ) إبليس كان صادقاً فيما [يدعوهم] إليه من صنوف الكفر. فما سمعوا القرآن أيقنوا أنه كان كاذباً في كل ذلك وسَمّوه سفيها.
[ثم قال]: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ ٱلإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ ٱلْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقاً﴾.
هذا أيضاً من قول النفر من الجن.
ذكروا أن رجالاً من الإنس [كانوا] [يستجيرون] برجال من الجن في أسفارهم إذا نزلوا، فزاد الجنّ باستجارتهم (لهم) جرأة عليهم وازداد الإنس إِثْماً.
قال ابن عباس: [فزادوهم] إثماً. وهو قول قتادة. فازداد الإنس بفعلهم ذلك إثماً، وازداد الجن على الإنس جرأة.
وقال مجاهد: ازداد الإنس بذلك طغياناً.
وقال الربيع بن أنس: فازداد الإنس لذلك فَرقاَ من الجن.
وهو قول ابن زيد.
وقال أبو عبيدة: رهقاً: سفهاً وظلماً.
والرهق في كلام العرب: الإثم والعيب وإتيان المحارم. ومنه: فلان يرهق بكذا، أي: يعاب به. فيكون التقدير: فزاد الجنّ الإنسَ إِثماً لمّا [استعاذوا] بهم. وكان ذلك من فعل المشركين. قال ابن عباس وغيره: كان رجال من الإنس يَبِيتُ أحدهم في الوادي في الجاهلية، فيقول: أعوذ بعزيز هذا الوادي فزادهم ذلك إثماً.
وقال الحسن: كان الرجل إذا نزل في الوادي يقول: أعوذ بعزيز هذا الوادي من سفهاء قومه.
وقال النخعي: كان الرجل إذا نزل [الوادي] يقول: نعوذ بسيد هذا الوادي من شر (ما) فيه، فتقول الجن: ما نملك لكم ولا لأنفسنا ضراً ولا نفعاً.
وقال مجاهد: كانوا يقولون إذا هبطوا وادياً: نعوذ بعظماء هذا الوادي وهو قول قتادة وغيره.
* *
- ثم قال: ﴿وَأَنَّهُمْ ظَنُّواْ كَمَا ظَنَنتُمْ أَن لَّن يَبْعَثَ ٱللَّهُ أَحَداً﴾.
أي: وإن الرجال من الجن ظنوا كما ظن الرجال من الإنس أن الله لا يبعث أحداً، أي: رسولاً إلى خلقه يدعوهم إلى توحيده. قاله الكلبي.
وقال غيره، معناه: وأن الجن ظنوا كما ظن الكفار من الإنس أن الله لا يبعث أحداً يوم القيامة.
* *
- ثم قال: ﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا ٱلسَّمَآءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَساً شَدِيداً وَشُهُباً ﴾.
[وقال النفر من الجن إنا طلبنا خبر السماء فوجدناها قد ملئت حفظاً مانعاً] [وشهباً] نُرْجَم بها إذا أردنا الاستماع. والشُّهب: النُّجُوم.
وقال ابن جبير: كانت الجن [تستمع]، فلما رُجموا قالوا: إن هذا الذي حدث في السماء إنما هو لشيء حدث في الأرض. قال: فذهبوا يطلبون حتى رأوا النبي ﷺ خارجاً من سوق عُكَاظٍ يصلي بأصحابه صلاة الفجر، فذهبوا إلى أصحابهم منذرين.
* *
- ثم قال ﴿وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ﴾
أي: وقالوا إنا كنا نقعد من السماء في مقاعد نستمع الأخبار.
* *
- ﴿فَمَن يَسْتَمِعِ ٱلآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَاباً رَّصَداً﴾.
أي: من أتي يستمع الساعة يرمي بشهاب يرمد به إذا دنا فَيُرمى به، قال قتادة: لما بعث الله نبيه مُنِعُوا الاستماع [فَتَفَقَّدَتِ] الجن ذلك من أنفسها، قال: وذُكِرَ لنا أن أشراف الجن كانوا [بنصيبين] (فطلبوا ذلك) وضربوا إليه حتى سقطوا على نبي الله وهو يصلي بأصحابه عامداً الى عكاظ.
قال ابن زيد: قالوا كنا نستمع فمن يستمع الآن يجد له شهاباً رصداً، فلما وجدوا ذلك رجعوا إلى إبليس، فقالوا مُنِع (منَّا) السمع. فقال: إن السماء لم تحرس إلا على [أمرين]: [إما العذاب] يريد الله عز وجل أن ينزله بغتة على أهل الأرض، وإما نبي مرسل مرشد فذلك قول الله تعالى حكاية عن قولهم ﴿وَأَنَّا لاَ نَدْرِيۤ أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَن فِي ٱلأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ (رَبُّهُمْ) رَشَداً﴾.
(أي) قال إبليس لا ندري أعذاب ينزل على من في الأرض بغتة، فمُنِعْتُم من أجله الاستماع؟ أم نبي أرسله الله ليرشد من في الأرض إلى الطريق المستقيم؟ هذا معنى قول ابن زيد.
وقال الكلبي: معناه: أنهم قالوا: لا ندري أهذا المنع الذي منعنا، أراد بهم ربهم أن يطيعوا الرسول فَيَرْشُدُوا أم يعصوه فيهلكهم وهذا كله من علامات نبوة محمد ﷺ.
* *
- ثم قال: ﴿وَأَنَّا مِنَّا ٱلصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ﴾
أي: قال النفر: وإنا منا المسلمون العاملون بطاعة الله، ومنا من هو دون ذلك في الصلاح والعمل.
* *
- ﴿كُنَّا طَرَآئِقَ قِدَداً﴾.
أي: كنا أهواء مختلفة وفرقاً شتى، الصّالِح والذي هُوَ دُونَه، والكافِر.
قال ابن عباس: ﴿كُنَّا طَرَآئِقَ قِدَداً﴾ (أي) أهواء شتى مِنّا المُسلم ومنا المُشرك.
وقال عكرمة: "أهواء مختلفة".
وقال قتادة: "أهواء شتى".
وقال مجاهد: "مسلمين وكافرين" وهو قول سفيان.
والقِدَد جمع قدة، وهي الضُّروبُ والأَجناس المختلفة. والطرائق جمع طريقة الرجل أي مذهبه.
* *
- ثم قال ﴿وَأَنَّا ظَنَنَّآ أَن لَّن نُّعْجِزَ ٱللَّهَ فِي ٱلأَرْضِ﴾
أي: وإنّا علمنا وأَيْقَنّا أن لن نفوت الله بالهروب في الأرض ولا بغيره، وَصَفوهُ - جل ذِكره - بالقدرة عليهم.
* *
- ثم قال: ﴿وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا ٱلْهُدَىٰ آمَنَّا بِهِ﴾
أي: لما سمعنا القرآن [يؤدي] من آمن به إلى الهدى صدقنا به.
* *
- ﴿فَمَن يُؤْمِن بِرَبِّهِ فَلاَ يَخَافُ بَخْساً﴾.
[أي: ومن يصدق بربه فلا يخاف بخساً) أي: أن ينقص من حسناته وثوابه].
* *
- ﴿وَلاَ رَهَقاً﴾.
(أي): لا يُحمل من سيئات غيره عليه.
قال ابن عباس: ﴿بَخْساً وَلاَ رَهَقاً﴾، أي: "لا يخاف نقصاً من حسناته، ولا زيادة في سيئاته".
قال قتادة: ﴿بَخْساً﴾: ظلما، ﴿وَلاَ رَهَقاً﴾: أن يعمل عليه ذنب غيره.
* *
- ثم قال: ﴿وَأَنَّا مِنَّا ٱلْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا ٱلْقَاسِطُونَ﴾
أي: الجائرون عن الهدى.
* *
- ﴿فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُوْلَـٰئِكَ تَحَرَّوْاْ رَشَداً﴾.
أي: [تعمدوا الرشد] وأصابوه.
* *
- ثم قال ﴿وَأَمَّا ٱلْقَاسِطُونَ فَكَانُواْ لِجَهَنَّمَ حَطَباً﴾.
أي: وأما العادلون الجائرون عن الهدى فكانوا حطباً يوم القيامة لجهنم.
* *
- ثم قال: ﴿وَأَلَّوِ ٱسْتَقَامُواْ عَلَى ٱلطَّرِيقَةِ لأَسْقَيْنَاهُم مَّآءً غَدَقاً * لِّنَفْتِنَهُمْ فِيهِ﴾
كل ما تقدم من إخبار الله هو من قول الجن إلا هذا، فإنه من قول الله، أي: لو استقام القاسطون [على] طريقة الحق [أي]: طريقة الإسلام وهي [الطاعة] لله، لَوَسّعْنا عليهم في الرزق لنختبرهم فيه فننظر عملهم وشكرهم. قاله ابن جبير وقتادة ومجاهد [قاله مجاهد: الطريقة: الإسلام، والماء: المال، والغدق: الكثير].
والغَدَق: الماء الظاهر، والرَّغَد: الكَثِير، والماء يُراد به العيش والرزق.
وقيل: معناه: لو استقاموا على طريقة الضلال لَوَسَّعنا عليهم في الرزق استدراجاً، ذكره الضاحك وقاله الفراء.
(و) القول الأول أصح كما قال: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ ٱلْقُرَىٰ ءَامَنُواْ وَٱتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَٰتٍ...﴾ [الأعراف: ٩٦] الآية.
* *
- ثم قال: ﴿وَمَن يُعْرِضْ عَن ذِكْرِ رَبِّهِ﴾
أي: عن القرآن [وقبوله].
* *
﴿يَسْلُكْهُ عَذَاباً صَعَداً﴾.
أي: ندخله عذاباً شديداً قال ابن عباس ﴿عَذَاباً صَعَداً﴾، أي: مشقة من العذاب وقال قتادة ﴿صَعَداً﴾ أي: صعوداً من عذاب الله لا راحة فيه وقال أبو سعيد الخدري: ﴿عَذَاباً صَعَداً﴾: هو جبل في النار، كلما جعلوا أيديهم [عليه] ذابت، وإذا رفعوها عادت ويقال: تَصَعّدني الشّيء أي: شقّ عَلَيّ.
وقرأ مسلم بن جندب: نُسلِكه، جعله رباعياً. يقال: سَلَكه وأَسلَكه. ويقال: سَلَكَ، هو وسَلَكْتُهُ مثل رَجَعَ ورَجَعْتُهُ.
* *
- ثم قال: ﴿وَأَنَّ ٱلْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلاَ تَدْعُواْ مَعَ ٱللَّهِ أَحَداً﴾.
أي: وأوحي الى أن المساجد لله ﴿فَلاَ تَدْعُواْ﴾ أيها الناس ﴿مَعَ ٱللَّهِ أَحَداً﴾ أي: لا تشركوا به قال قتادة: كانت اليهود والنصارى إذا دخلوا كنائسهم وبِيَعَهُم اشركوا، فأمر الله نبيه أن يوحدوا الله وحده إذا دخلوا المساجد. قال ابن جبير: قالت الجن للنبي: كيف لنا أن نأتي المساجد ونحن [ناءون] عنك، وكيف نشهد الصلاة، فنزلت ﴿وَأَنَّ ٱلْمَسَاجِدَ لِلَّهِ﴾ الآية والمساجد جمع مسجد. ومسجد بمعنى السجود، فكأنه قال: وأن السجود لله لا لغيره. ويجوز أن يكون جمع مسجد هو موضع السجود.
وقال الفراء (يقال) ﴿[وَ]أَنَّ ٱلْمَسَاجِدَ لِلَّهِ﴾، يراد به مساجد الرجل، ما يسجد عليه من جبهته ويديه وركبتيه وصدور قدميه.
وأنكر ذلك النحاس وغيره.
* *
وقوله: ﴿فَلاَ تَدْعُواْ﴾ خطاب للجماعة. والنون حذفت للنهي.
* *
- ثم قال: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ ٱللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُواْ يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً﴾.
أي: لما قام (محمد يدعو الله) يقول: لا إله إلا الله، كاد الجن يكونون على محمد لبداً، أي جماعات بعضها فوق بعض.
وواحد لِبَد: لِبْدة. ويقال: لُبد - بضم اللام - واحدها لُبْدة. فمن كسر [﴿وَأَنَّهُ﴾] جعله من قول الجن إخباراً من الله لنا عن قولهم ذلك، ويكون المعنى على ما قال ابن جبير أن الجن رأوا النبي ﷺ يصلي وأصحابه يصلون بصلاته فعجبوا من طوعهم له فقالوا لقومهم: وإنه لما قام عبد الله يدعو الله كاد أصحابه يكونون عليه لِبَداً.
ويجوز الكسر، وهو من كلام الله، لا حكاية عن الجن ويكون المعنى أن النبي ﷺ لما قام يدعو إلى الله كاد الجن يكونون عليه لِبَداً.
فأما من فتح فهو من كلام الله أيضاً على هذا المعنى، أي: كاد الجن [يركبون محمد من الحرص] لما سمعوه يتلو القرآن فدنوا منه حتى كادوا يركبونه، هذا معنى قول ابن عباس والضحاك، فيكون الضميران في (كادوا يكونون) للجن.
وعن ابن عباس أيضاً أن معناه (أن) الجن قالوا لقومهم، إن محمد لمّا قام يدعو الله كاد أصحابه يركبونه لتقربهم منه وطوعهم له، فيكون الضّميرانِ لأصحاب النبي ﷺ وهو قول ابن جبير.
[وعن ابن عباس ﴿لِبَداً﴾: أعواناً].
وقال قتادة: معناه أن الله أعلم نبيه أن الجن والإنس يتظاهرون عليه ليبطلوا ما جاءهم (به) لمّا دَعا إلى الله، والله ناصِرُه عليهم.
وقيل: إن ذلك للعرب خاصة أرادوا أن يطفئوا النور الذي جاء به النبي ﷺ، وهو اختيار الطبري.
الجن 72:20
قوله: ﴿قُلْ إِنَّمَآ أَدْعُواْ رَبِّي...﴾ إلى آخر السورة.
أي: قال محمد ﷺ، لما تظاهرت على إنكار ما جاء به العرب، إنما أدعو ربي وأوحده ولا أشرك به وهذا يدل على أن معنى ﴿كَادُواْ يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً﴾ أنه لما قام محمد ﷺ يدعو إلى الله تراكبت العرب (عليه).
وتظافرت ليردوا قوله ويُطفئوا النور الذي جاء فقال لهم: ﴿قُلْ إِنَّمَآ أَدْعُواْ رَبِّي وَلاَ أُشْرِكُ بِهِ أَحَداً﴾. ومن قرأ (قل) جعله على الأمر من الله لنبيه، أي: قل لهؤلاء الذين تظاهروا عليك لما دعوتهم إلى التوحيد: إنما أدعو ربي ولا أشرك به أحدا.
- (ثم قال تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي لاَ أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلاَ رَشَداً﴾.
أي: قل يا محمد لمشركي العرب الذين ردوا عليك أني لا أملك [لكم] ضراً في دينكم ولا دنياكم، ولا أملك لكم رشدكم، إنما ذلك إلى الله).
* *
- ثم قال: ﴿قُلْ إِنِّي لَن يُجِيرَنِي مِنَ ٱللَّهِ أَحَدٌ﴾
أي: لن يمنعني من الله أحد إن أرادني بأمر.
وروي أن بعض الجن قال: أنا أجيره، فنزلت هذه الآية ونزلت ﴿وَلَنْ أَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَداً﴾ أي: لا ملجأ ولا ناصراً ألجأ إليه.
* *
- ثم قال: ﴿إِلاَّ بَلاَغاً مِّنَ ٱللَّهِ وَرِسَالاَتِهِ ﴾
أي: لا أملك لكم ضراً ولا رشداً ﴿إِلاَّ بَلاَغاً مِّنَ ٱللَّهِ وَرِسَالاَتِهِ﴾ أي: أملك إلا أن أبلغكم عن الله رسالاته التي أرسلني بها إليكم فأما الرشد والخذلان فبيد الله.
وقيل [إلا] بمعنى "لم" و "إن" منفصلة، والتقدير: قل إني لن يجيرني من الله أحد [إن] لم أبلغ رسالاته إليكم بلاغاً، فَيَنْتَصب بلاغاً بإضمار (فعل من الجزاء وتكون للجزاء كما تقول: إلا قياماً) فقعوداً، وإلا عطاءً فرداً جميلاً.
* *
- ثم قال: ﴿وَمَن يَعْصِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً﴾.
أي: من يعصهما فيما أمَرا به فإن له نار جهنم في الآخرة ماكثين فيها أبداً لا يخرجون ولا يموتون.
* *
- ثم قال: ﴿حَتَّىٰ إِذَا رَأَوْاْ مَا يُوعَدُونَ﴾
أي: إذا عاينوا ما يعدهم ربهم من العذاب ﴿فَسَيَعْلَمُونَ﴾ هنالك ﴿مَنْ أَضْعَفُ نَاصِراً وَأَقَلُّ عَدَداً﴾.
* *
- ثم قال: ﴿قُلْ إِنْ أَدْرِيۤ أَقَرِيبٌ مَّا تُوعَدُونَ﴾
أي: قل للمشركين يا محمد -: ما أدري أقريب قيام الساعة التي وعدكم [الله] بالجزاء فيها على أعمالكم.
* *
﴿أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّيۤ أَمَداً﴾.
(أي): أم هو غير قريب قد جعل له ربي وقتا وغاية تطول مدتها.
* *
- ثم قال: ﴿عَٰلِمُ ٱلْغَيْبِ﴾
أي: ما غاب عن العيون والأسماع.
* *
﴿فَلاَ يُظْهِرُ عَلَىٰ غَيْبِهِ أَحَداً﴾.
أي: يعلم غيب كل شيء ولا يعلم غيبه أحد.
* *
- ﴿إِلاَّ مَنِ ٱرْتَضَىٰ مِن رَّسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ﴾
أي: فإنه يطلعه من غيبه على ما شاء وقيل: الغيب الذي يطلع الرسل عليه كتبه التي أنزلها عليهم.
وقال الضحاك: كان ﷺ، إذا بعث إليه الملك بُعِث ملائكة يحفظونه من بين يديه ومن خلفه لئلا يشتبه عليه الشيطان في صورة الملك فهو معنى قوله: ﴿فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً﴾، وقاله النخعي. وقال ابن عباس: هي معقبات من الملائكة يحفظون النبي من الشياطين حتى يتبين له الذي أرسل به إليه.
* *
- ثم قال ﴿لِّيَعْلَمَ أَن قَدْ أَبْلَغُواْ رِسَالاَتِ رَبِّهِمْ﴾
أي: ليعلم أهل الشرك أن الرسل بلغوا إليهم رسالة ربهم.
وقيل: المعنى: ليعلم [الرسول] وهو محمد أن الرسل قبله قد بلغوا رسالات ربهم لقومهم ولم يكن للشيطان إليهم سبيل، وهو قول قتادة، وقال مجاهد: ليعلم من كذب الرسل أن قد أبلغ الرسل رسالة ربهم.
وقال: معمر: معناه: ليعلم محمد أن الرسل قد أبلغت عن الله وأن الله حَفِظها ودفع عنها. وهو مثل قول قتادة. وقال ابن جبير: معناه: ليعلم محمد أن الملائكة قد أبلغوا رسالات ربهم. قال: وما نزل جبريل بشيء من الوحي إلا ومعه أربعة حفظة من الملائكة. ودل على ذلك قوله قبل ذلك ﴿فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً﴾ قال ابن جبير: أربعة حفظة من الملائكة مع جبريل عليه السلام.
وقيل معنى الآية: ليعلم الله ذلك علماً مشاهداً تجب عليه المُجازاة فأما الغيب فقد علمه، كقوله ﴿وَلِيَعْلَمَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ﴾ [آل عمران: ١٤٠].
* *
- وقوله: ﴿وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ﴾
أي: وعلم كل ما عندهم يعني الرسل قبل محمد، قال ابن جبير معناه ليعلم الرسل أن ربهم قد أحاط بهم فيبلغوا رسالات ربهم.
* *
- ثم قال: ﴿وَأَحْصَىٰ كُلَّ شَيْءٍ عَدَداً﴾.
أي: وعلم عدد كل شيء، [و﴿عَدَداً﴾] منصوب على التمييز.
الجن 72:21
قوله: ﴿قُلْ إِنَّمَآ أَدْعُواْ رَبِّي...﴾ إلى آخر السورة.
أي: قال محمد ﷺ، لما تظاهرت على إنكار ما جاء به العرب، إنما أدعو ربي وأوحده ولا أشرك به وهذا يدل على أن معنى ﴿كَادُواْ يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً﴾ أنه لما قام محمد ﷺ يدعو إلى الله تراكبت العرب (عليه).
وتظافرت ليردوا قوله ويُطفئوا النور الذي جاء فقال لهم: ﴿قُلْ إِنَّمَآ أَدْعُواْ رَبِّي وَلاَ أُشْرِكُ بِهِ أَحَداً﴾. ومن قرأ (قل) جعله على الأمر من الله لنبيه، أي: قل لهؤلاء الذين تظاهروا عليك لما دعوتهم إلى التوحيد: إنما أدعو ربي ولا أشرك به أحدا.
- (ثم قال تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي لاَ أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلاَ رَشَداً﴾.
أي: قل يا محمد لمشركي العرب الذين ردوا عليك أني لا أملك [لكم] ضراً في دينكم ولا دنياكم، ولا أملك لكم رشدكم، إنما ذلك إلى الله).
* *
- ثم قال: ﴿قُلْ إِنِّي لَن يُجِيرَنِي مِنَ ٱللَّهِ أَحَدٌ﴾
أي: لن يمنعني من الله أحد إن أرادني بأمر.
وروي أن بعض الجن قال: أنا أجيره، فنزلت هذه الآية ونزلت ﴿وَلَنْ أَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَداً﴾ أي: لا ملجأ ولا ناصراً ألجأ إليه.
* *
- ثم قال: ﴿إِلاَّ بَلاَغاً مِّنَ ٱللَّهِ وَرِسَالاَتِهِ ﴾
أي: لا أملك لكم ضراً ولا رشداً ﴿إِلاَّ بَلاَغاً مِّنَ ٱللَّهِ وَرِسَالاَتِهِ﴾ أي: أملك إلا أن أبلغكم عن الله رسالاته التي أرسلني بها إليكم فأما الرشد والخذلان فبيد الله.
وقيل [إلا] بمعنى "لم" و "إن" منفصلة، والتقدير: قل إني لن يجيرني من الله أحد [إن] لم أبلغ رسالاته إليكم بلاغاً، فَيَنْتَصب بلاغاً بإضمار (فعل من الجزاء وتكون للجزاء كما تقول: إلا قياماً) فقعوداً، وإلا عطاءً فرداً جميلاً.
* *
- ثم قال: ﴿وَمَن يَعْصِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً﴾.
أي: من يعصهما فيما أمَرا به فإن له نار جهنم في الآخرة ماكثين فيها أبداً لا يخرجون ولا يموتون.
* *
- ثم قال: ﴿حَتَّىٰ إِذَا رَأَوْاْ مَا يُوعَدُونَ﴾
أي: إذا عاينوا ما يعدهم ربهم من العذاب ﴿فَسَيَعْلَمُونَ﴾ هنالك ﴿مَنْ أَضْعَفُ نَاصِراً وَأَقَلُّ عَدَداً﴾.
* *
- ثم قال: ﴿قُلْ إِنْ أَدْرِيۤ أَقَرِيبٌ مَّا تُوعَدُونَ﴾
أي: قل للمشركين يا محمد -: ما أدري أقريب قيام الساعة التي وعدكم [الله] بالجزاء فيها على أعمالكم.
* *
﴿أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّيۤ أَمَداً﴾.
(أي): أم هو غير قريب قد جعل له ربي وقتا وغاية تطول مدتها.
* *
- ثم قال: ﴿عَٰلِمُ ٱلْغَيْبِ﴾
أي: ما غاب عن العيون والأسماع.
* *
﴿فَلاَ يُظْهِرُ عَلَىٰ غَيْبِهِ أَحَداً﴾.
أي: يعلم غيب كل شيء ولا يعلم غيبه أحد.
* *
- ﴿إِلاَّ مَنِ ٱرْتَضَىٰ مِن رَّسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ﴾
أي: فإنه يطلعه من غيبه على ما شاء وقيل: الغيب الذي يطلع الرسل عليه كتبه التي أنزلها عليهم.
وقال الضحاك: كان ﷺ، إذا بعث إليه الملك بُعِث ملائكة يحفظونه من بين يديه ومن خلفه لئلا يشتبه عليه الشيطان في صورة الملك فهو معنى قوله: ﴿فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً﴾، وقاله النخعي. وقال ابن عباس: هي معقبات من الملائكة يحفظون النبي من الشياطين حتى يتبين له الذي أرسل به إليه.
* *
- ثم قال ﴿لِّيَعْلَمَ أَن قَدْ أَبْلَغُواْ رِسَالاَتِ رَبِّهِمْ﴾
أي: ليعلم أهل الشرك أن الرسل بلغوا إليهم رسالة ربهم.
وقيل: المعنى: ليعلم [الرسول] وهو محمد أن الرسل قبله قد بلغوا رسالات ربهم لقومهم ولم يكن للشيطان إليهم سبيل، وهو قول قتادة، وقال مجاهد: ليعلم من كذب الرسل أن قد أبلغ الرسل رسالة ربهم.
وقال: معمر: معناه: ليعلم محمد أن الرسل قد أبلغت عن الله وأن الله حَفِظها ودفع عنها. وهو مثل قول قتادة. وقال ابن جبير: معناه: ليعلم محمد أن الملائكة قد أبلغوا رسالات ربهم. قال: وما نزل جبريل بشيء من الوحي إلا ومعه أربعة حفظة من الملائكة. ودل على ذلك قوله قبل ذلك ﴿فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً﴾ قال ابن جبير: أربعة حفظة من الملائكة مع جبريل عليه السلام.
وقيل معنى الآية: ليعلم الله ذلك علماً مشاهداً تجب عليه المُجازاة فأما الغيب فقد علمه، كقوله ﴿وَلِيَعْلَمَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ﴾ [آل عمران: ١٤٠].
* *
- وقوله: ﴿وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ﴾
أي: وعلم كل ما عندهم يعني الرسل قبل محمد، قال ابن جبير معناه ليعلم الرسل أن ربهم قد أحاط بهم فيبلغوا رسالات ربهم.
* *
- ثم قال: ﴿وَأَحْصَىٰ كُلَّ شَيْءٍ عَدَداً﴾.
أي: وعلم عدد كل شيء، [و﴿عَدَداً﴾] منصوب على التمييز.
الجن 72:22
قوله: ﴿قُلْ إِنَّمَآ أَدْعُواْ رَبِّي...﴾ إلى آخر السورة.
أي: قال محمد ﷺ، لما تظاهرت على إنكار ما جاء به العرب، إنما أدعو ربي وأوحده ولا أشرك به وهذا يدل على أن معنى ﴿كَادُواْ يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً﴾ أنه لما قام محمد ﷺ يدعو إلى الله تراكبت العرب (عليه).
وتظافرت ليردوا قوله ويُطفئوا النور الذي جاء فقال لهم: ﴿قُلْ إِنَّمَآ أَدْعُواْ رَبِّي وَلاَ أُشْرِكُ بِهِ أَحَداً﴾. ومن قرأ (قل) جعله على الأمر من الله لنبيه، أي: قل لهؤلاء الذين تظاهروا عليك لما دعوتهم إلى التوحيد: إنما أدعو ربي ولا أشرك به أحدا.
- (ثم قال تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي لاَ أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلاَ رَشَداً﴾.
أي: قل يا محمد لمشركي العرب الذين ردوا عليك أني لا أملك [لكم] ضراً في دينكم ولا دنياكم، ولا أملك لكم رشدكم، إنما ذلك إلى الله).
* *
- ثم قال: ﴿قُلْ إِنِّي لَن يُجِيرَنِي مِنَ ٱللَّهِ أَحَدٌ﴾
أي: لن يمنعني من الله أحد إن أرادني بأمر.
وروي أن بعض الجن قال: أنا أجيره، فنزلت هذه الآية ونزلت ﴿وَلَنْ أَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَداً﴾ أي: لا ملجأ ولا ناصراً ألجأ إليه.
* *
- ثم قال: ﴿إِلاَّ بَلاَغاً مِّنَ ٱللَّهِ وَرِسَالاَتِهِ ﴾
أي: لا أملك لكم ضراً ولا رشداً ﴿إِلاَّ بَلاَغاً مِّنَ ٱللَّهِ وَرِسَالاَتِهِ﴾ أي: أملك إلا أن أبلغكم عن الله رسالاته التي أرسلني بها إليكم فأما الرشد والخذلان فبيد الله.
وقيل [إلا] بمعنى "لم" و "إن" منفصلة، والتقدير: قل إني لن يجيرني من الله أحد [إن] لم أبلغ رسالاته إليكم بلاغاً، فَيَنْتَصب بلاغاً بإضمار (فعل من الجزاء وتكون للجزاء كما تقول: إلا قياماً) فقعوداً، وإلا عطاءً فرداً جميلاً.
* *
- ثم قال: ﴿وَمَن يَعْصِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً﴾.
أي: من يعصهما فيما أمَرا به فإن له نار جهنم في الآخرة ماكثين فيها أبداً لا يخرجون ولا يموتون.
* *
- ثم قال: ﴿حَتَّىٰ إِذَا رَأَوْاْ مَا يُوعَدُونَ﴾
أي: إذا عاينوا ما يعدهم ربهم من العذاب ﴿فَسَيَعْلَمُونَ﴾ هنالك ﴿مَنْ أَضْعَفُ نَاصِراً وَأَقَلُّ عَدَداً﴾.
* *
- ثم قال: ﴿قُلْ إِنْ أَدْرِيۤ أَقَرِيبٌ مَّا تُوعَدُونَ﴾
أي: قل للمشركين يا محمد -: ما أدري أقريب قيام الساعة التي وعدكم [الله] بالجزاء فيها على أعمالكم.
* *
﴿أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّيۤ أَمَداً﴾.
(أي): أم هو غير قريب قد جعل له ربي وقتا وغاية تطول مدتها.
* *
- ثم قال: ﴿عَٰلِمُ ٱلْغَيْبِ﴾
أي: ما غاب عن العيون والأسماع.
* *
﴿فَلاَ يُظْهِرُ عَلَىٰ غَيْبِهِ أَحَداً﴾.
أي: يعلم غيب كل شيء ولا يعلم غيبه أحد.
* *
- ﴿إِلاَّ مَنِ ٱرْتَضَىٰ مِن رَّسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ﴾
أي: فإنه يطلعه من غيبه على ما شاء وقيل: الغيب الذي يطلع الرسل عليه كتبه التي أنزلها عليهم.
وقال الضحاك: كان ﷺ، إذا بعث إليه الملك بُعِث ملائكة يحفظونه من بين يديه ومن خلفه لئلا يشتبه عليه الشيطان في صورة الملك فهو معنى قوله: ﴿فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً﴾، وقاله النخعي. وقال ابن عباس: هي معقبات من الملائكة يحفظون النبي من الشياطين حتى يتبين له الذي أرسل به إليه.
* *
- ثم قال ﴿لِّيَعْلَمَ أَن قَدْ أَبْلَغُواْ رِسَالاَتِ رَبِّهِمْ﴾
أي: ليعلم أهل الشرك أن الرسل بلغوا إليهم رسالة ربهم.
وقيل: المعنى: ليعلم [الرسول] وهو محمد أن الرسل قبله قد بلغوا رسالات ربهم لقومهم ولم يكن للشيطان إليهم سبيل، وهو قول قتادة، وقال مجاهد: ليعلم من كذب الرسل أن قد أبلغ الرسل رسالة ربهم.
وقال: معمر: معناه: ليعلم محمد أن الرسل قد أبلغت عن الله وأن الله حَفِظها ودفع عنها. وهو مثل قول قتادة. وقال ابن جبير: معناه: ليعلم محمد أن الملائكة قد أبلغوا رسالات ربهم. قال: وما نزل جبريل بشيء من الوحي إلا ومعه أربعة حفظة من الملائكة. ودل على ذلك قوله قبل ذلك ﴿فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً﴾ قال ابن جبير: أربعة حفظة من الملائكة مع جبريل عليه السلام.
وقيل معنى الآية: ليعلم الله ذلك علماً مشاهداً تجب عليه المُجازاة فأما الغيب فقد علمه، كقوله ﴿وَلِيَعْلَمَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ﴾ [آل عمران: ١٤٠].
* *
- وقوله: ﴿وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ﴾
أي: وعلم كل ما عندهم يعني الرسل قبل محمد، قال ابن جبير معناه ليعلم الرسل أن ربهم قد أحاط بهم فيبلغوا رسالات ربهم.
* *
- ثم قال: ﴿وَأَحْصَىٰ كُلَّ شَيْءٍ عَدَداً﴾.
أي: وعلم عدد كل شيء، [و﴿عَدَداً﴾] منصوب على التمييز.
الجن 72:23
قوله: ﴿قُلْ إِنَّمَآ أَدْعُواْ رَبِّي...﴾ إلى آخر السورة.
أي: قال محمد ﷺ، لما تظاهرت على إنكار ما جاء به العرب، إنما أدعو ربي وأوحده ولا أشرك به وهذا يدل على أن معنى ﴿كَادُواْ يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً﴾ أنه لما قام محمد ﷺ يدعو إلى الله تراكبت العرب (عليه).
وتظافرت ليردوا قوله ويُطفئوا النور الذي جاء فقال لهم: ﴿قُلْ إِنَّمَآ أَدْعُواْ رَبِّي وَلاَ أُشْرِكُ بِهِ أَحَداً﴾. ومن قرأ (قل) جعله على الأمر من الله لنبيه، أي: قل لهؤلاء الذين تظاهروا عليك لما دعوتهم إلى التوحيد: إنما أدعو ربي ولا أشرك به أحدا.
- (ثم قال تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي لاَ أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلاَ رَشَداً﴾.
أي: قل يا محمد لمشركي العرب الذين ردوا عليك أني لا أملك [لكم] ضراً في دينكم ولا دنياكم، ولا أملك لكم رشدكم، إنما ذلك إلى الله).
* *
- ثم قال: ﴿قُلْ إِنِّي لَن يُجِيرَنِي مِنَ ٱللَّهِ أَحَدٌ﴾
أي: لن يمنعني من الله أحد إن أرادني بأمر.
وروي أن بعض الجن قال: أنا أجيره، فنزلت هذه الآية ونزلت ﴿وَلَنْ أَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَداً﴾ أي: لا ملجأ ولا ناصراً ألجأ إليه.
* *
- ثم قال: ﴿إِلاَّ بَلاَغاً مِّنَ ٱللَّهِ وَرِسَالاَتِهِ ﴾
أي: لا أملك لكم ضراً ولا رشداً ﴿إِلاَّ بَلاَغاً مِّنَ ٱللَّهِ وَرِسَالاَتِهِ﴾ أي: أملك إلا أن أبلغكم عن الله رسالاته التي أرسلني بها إليكم فأما الرشد والخذلان فبيد الله.
وقيل [إلا] بمعنى "لم" و "إن" منفصلة، والتقدير: قل إني لن يجيرني من الله أحد [إن] لم أبلغ رسالاته إليكم بلاغاً، فَيَنْتَصب بلاغاً بإضمار (فعل من الجزاء وتكون للجزاء كما تقول: إلا قياماً) فقعوداً، وإلا عطاءً فرداً جميلاً.
* *
- ثم قال: ﴿وَمَن يَعْصِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً﴾.
أي: من يعصهما فيما أمَرا به فإن له نار جهنم في الآخرة ماكثين فيها أبداً لا يخرجون ولا يموتون.
* *
- ثم قال: ﴿حَتَّىٰ إِذَا رَأَوْاْ مَا يُوعَدُونَ﴾
أي: إذا عاينوا ما يعدهم ربهم من العذاب ﴿فَسَيَعْلَمُونَ﴾ هنالك ﴿مَنْ أَضْعَفُ نَاصِراً وَأَقَلُّ عَدَداً﴾.
* *
- ثم قال: ﴿قُلْ إِنْ أَدْرِيۤ أَقَرِيبٌ مَّا تُوعَدُونَ﴾
أي: قل للمشركين يا محمد -: ما أدري أقريب قيام الساعة التي وعدكم [الله] بالجزاء فيها على أعمالكم.
* *
﴿أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّيۤ أَمَداً﴾.
(أي): أم هو غير قريب قد جعل له ربي وقتا وغاية تطول مدتها.
* *
- ثم قال: ﴿عَٰلِمُ ٱلْغَيْبِ﴾
أي: ما غاب عن العيون والأسماع.
* *
﴿فَلاَ يُظْهِرُ عَلَىٰ غَيْبِهِ أَحَداً﴾.
أي: يعلم غيب كل شيء ولا يعلم غيبه أحد.
* *
- ﴿إِلاَّ مَنِ ٱرْتَضَىٰ مِن رَّسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ﴾
أي: فإنه يطلعه من غيبه على ما شاء وقيل: الغيب الذي يطلع الرسل عليه كتبه التي أنزلها عليهم.
وقال الضحاك: كان ﷺ، إذا بعث إليه الملك بُعِث ملائكة يحفظونه من بين يديه ومن خلفه لئلا يشتبه عليه الشيطان في صورة الملك فهو معنى قوله: ﴿فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً﴾، وقاله النخعي. وقال ابن عباس: هي معقبات من الملائكة يحفظون النبي من الشياطين حتى يتبين له الذي أرسل به إليه.
* *
- ثم قال ﴿لِّيَعْلَمَ أَن قَدْ أَبْلَغُواْ رِسَالاَتِ رَبِّهِمْ﴾
أي: ليعلم أهل الشرك أن الرسل بلغوا إليهم رسالة ربهم.
وقيل: المعنى: ليعلم [الرسول] وهو محمد أن الرسل قبله قد بلغوا رسالات ربهم لقومهم ولم يكن للشيطان إليهم سبيل، وهو قول قتادة، وقال مجاهد: ليعلم من كذب الرسل أن قد أبلغ الرسل رسالة ربهم.
وقال: معمر: معناه: ليعلم محمد أن الرسل قد أبلغت عن الله وأن الله حَفِظها ودفع عنها. وهو مثل قول قتادة. وقال ابن جبير: معناه: ليعلم محمد أن الملائكة قد أبلغوا رسالات ربهم. قال: وما نزل جبريل بشيء من الوحي إلا ومعه أربعة حفظة من الملائكة. ودل على ذلك قوله قبل ذلك ﴿فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً﴾ قال ابن جبير: أربعة حفظة من الملائكة مع جبريل عليه السلام.
وقيل معنى الآية: ليعلم الله ذلك علماً مشاهداً تجب عليه المُجازاة فأما الغيب فقد علمه، كقوله ﴿وَلِيَعْلَمَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ﴾ [آل عمران: ١٤٠].
* *
- وقوله: ﴿وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ﴾
أي: وعلم كل ما عندهم يعني الرسل قبل محمد، قال ابن جبير معناه ليعلم الرسل أن ربهم قد أحاط بهم فيبلغوا رسالات ربهم.
* *
- ثم قال: ﴿وَأَحْصَىٰ كُلَّ شَيْءٍ عَدَداً﴾.
أي: وعلم عدد كل شيء، [و﴿عَدَداً﴾] منصوب على التمييز.
الجن 72:24
قوله: ﴿قُلْ إِنَّمَآ أَدْعُواْ رَبِّي...﴾ إلى آخر السورة.
أي: قال محمد ﷺ، لما تظاهرت على إنكار ما جاء به العرب، إنما أدعو ربي وأوحده ولا أشرك به وهذا يدل على أن معنى ﴿كَادُواْ يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً﴾ أنه لما قام محمد ﷺ يدعو إلى الله تراكبت العرب (عليه).
وتظافرت ليردوا قوله ويُطفئوا النور الذي جاء فقال لهم: ﴿قُلْ إِنَّمَآ أَدْعُواْ رَبِّي وَلاَ أُشْرِكُ بِهِ أَحَداً﴾. ومن قرأ (قل) جعله على الأمر من الله لنبيه، أي: قل لهؤلاء الذين تظاهروا عليك لما دعوتهم إلى التوحيد: إنما أدعو ربي ولا أشرك به أحدا.
- (ثم قال تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي لاَ أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلاَ رَشَداً﴾.
أي: قل يا محمد لمشركي العرب الذين ردوا عليك أني لا أملك [لكم] ضراً في دينكم ولا دنياكم، ولا أملك لكم رشدكم، إنما ذلك إلى الله).
* *
- ثم قال: ﴿قُلْ إِنِّي لَن يُجِيرَنِي مِنَ ٱللَّهِ أَحَدٌ﴾
أي: لن يمنعني من الله أحد إن أرادني بأمر.
وروي أن بعض الجن قال: أنا أجيره، فنزلت هذه الآية ونزلت ﴿وَلَنْ أَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَداً﴾ أي: لا ملجأ ولا ناصراً ألجأ إليه.
* *
- ثم قال: ﴿إِلاَّ بَلاَغاً مِّنَ ٱللَّهِ وَرِسَالاَتِهِ ﴾
أي: لا أملك لكم ضراً ولا رشداً ﴿إِلاَّ بَلاَغاً مِّنَ ٱللَّهِ وَرِسَالاَتِهِ﴾ أي: أملك إلا أن أبلغكم عن الله رسالاته التي أرسلني بها إليكم فأما الرشد والخذلان فبيد الله.
وقيل [إلا] بمعنى "لم" و "إن" منفصلة، والتقدير: قل إني لن يجيرني من الله أحد [إن] لم أبلغ رسالاته إليكم بلاغاً، فَيَنْتَصب بلاغاً بإضمار (فعل من الجزاء وتكون للجزاء كما تقول: إلا قياماً) فقعوداً، وإلا عطاءً فرداً جميلاً.
* *
- ثم قال: ﴿وَمَن يَعْصِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً﴾.
أي: من يعصهما فيما أمَرا به فإن له نار جهنم في الآخرة ماكثين فيها أبداً لا يخرجون ولا يموتون.
* *
- ثم قال: ﴿حَتَّىٰ إِذَا رَأَوْاْ مَا يُوعَدُونَ﴾
أي: إذا عاينوا ما يعدهم ربهم من العذاب ﴿فَسَيَعْلَمُونَ﴾ هنالك ﴿مَنْ أَضْعَفُ نَاصِراً وَأَقَلُّ عَدَداً﴾.
* *
- ثم قال: ﴿قُلْ إِنْ أَدْرِيۤ أَقَرِيبٌ مَّا تُوعَدُونَ﴾
أي: قل للمشركين يا محمد -: ما أدري أقريب قيام الساعة التي وعدكم [الله] بالجزاء فيها على أعمالكم.
* *
﴿أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّيۤ أَمَداً﴾.
(أي): أم هو غير قريب قد جعل له ربي وقتا وغاية تطول مدتها.
* *
- ثم قال: ﴿عَٰلِمُ ٱلْغَيْبِ﴾
أي: ما غاب عن العيون والأسماع.
* *
﴿فَلاَ يُظْهِرُ عَلَىٰ غَيْبِهِ أَحَداً﴾.
أي: يعلم غيب كل شيء ولا يعلم غيبه أحد.
* *
- ﴿إِلاَّ مَنِ ٱرْتَضَىٰ مِن رَّسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ﴾
أي: فإنه يطلعه من غيبه على ما شاء وقيل: الغيب الذي يطلع الرسل عليه كتبه التي أنزلها عليهم.
وقال الضحاك: كان ﷺ، إذا بعث إليه الملك بُعِث ملائكة يحفظونه من بين يديه ومن خلفه لئلا يشتبه عليه الشيطان في صورة الملك فهو معنى قوله: ﴿فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً﴾، وقاله النخعي. وقال ابن عباس: هي معقبات من الملائكة يحفظون النبي من الشياطين حتى يتبين له الذي أرسل به إليه.
* *
- ثم قال ﴿لِّيَعْلَمَ أَن قَدْ أَبْلَغُواْ رِسَالاَتِ رَبِّهِمْ﴾
أي: ليعلم أهل الشرك أن الرسل بلغوا إليهم رسالة ربهم.
وقيل: المعنى: ليعلم [الرسول] وهو محمد أن الرسل قبله قد بلغوا رسالات ربهم لقومهم ولم يكن للشيطان إليهم سبيل، وهو قول قتادة، وقال مجاهد: ليعلم من كذب الرسل أن قد أبلغ الرسل رسالة ربهم.
وقال: معمر: معناه: ليعلم محمد أن الرسل قد أبلغت عن الله وأن الله حَفِظها ودفع عنها. وهو مثل قول قتادة. وقال ابن جبير: معناه: ليعلم محمد أن الملائكة قد أبلغوا رسالات ربهم. قال: وما نزل جبريل بشيء من الوحي إلا ومعه أربعة حفظة من الملائكة. ودل على ذلك قوله قبل ذلك ﴿فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً﴾ قال ابن جبير: أربعة حفظة من الملائكة مع جبريل عليه السلام.
وقيل معنى الآية: ليعلم الله ذلك علماً مشاهداً تجب عليه المُجازاة فأما الغيب فقد علمه، كقوله ﴿وَلِيَعْلَمَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ﴾ [آل عمران: ١٤٠].
* *
- وقوله: ﴿وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ﴾
أي: وعلم كل ما عندهم يعني الرسل قبل محمد، قال ابن جبير معناه ليعلم الرسل أن ربهم قد أحاط بهم فيبلغوا رسالات ربهم.
* *
- ثم قال: ﴿وَأَحْصَىٰ كُلَّ شَيْءٍ عَدَداً﴾.
أي: وعلم عدد كل شيء، [و﴿عَدَداً﴾] منصوب على التمييز.
الجن 72:25
قوله: ﴿قُلْ إِنَّمَآ أَدْعُواْ رَبِّي...﴾ إلى آخر السورة.
أي: قال محمد ﷺ، لما تظاهرت على إنكار ما جاء به العرب، إنما أدعو ربي وأوحده ولا أشرك به وهذا يدل على أن معنى ﴿كَادُواْ يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً﴾ أنه لما قام محمد ﷺ يدعو إلى الله تراكبت العرب (عليه).
وتظافرت ليردوا قوله ويُطفئوا النور الذي جاء فقال لهم: ﴿قُلْ إِنَّمَآ أَدْعُواْ رَبِّي وَلاَ أُشْرِكُ بِهِ أَحَداً﴾. ومن قرأ (قل) جعله على الأمر من الله لنبيه، أي: قل لهؤلاء الذين تظاهروا عليك لما دعوتهم إلى التوحيد: إنما أدعو ربي ولا أشرك به أحدا.
- (ثم قال تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي لاَ أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلاَ رَشَداً﴾.
أي: قل يا محمد لمشركي العرب الذين ردوا عليك أني لا أملك [لكم] ضراً في دينكم ولا دنياكم، ولا أملك لكم رشدكم، إنما ذلك إلى الله).
* *
- ثم قال: ﴿قُلْ إِنِّي لَن يُجِيرَنِي مِنَ ٱللَّهِ أَحَدٌ﴾
أي: لن يمنعني من الله أحد إن أرادني بأمر.
وروي أن بعض الجن قال: أنا أجيره، فنزلت هذه الآية ونزلت ﴿وَلَنْ أَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَداً﴾ أي: لا ملجأ ولا ناصراً ألجأ إليه.
* *
- ثم قال: ﴿إِلاَّ بَلاَغاً مِّنَ ٱللَّهِ وَرِسَالاَتِهِ ﴾
أي: لا أملك لكم ضراً ولا رشداً ﴿إِلاَّ بَلاَغاً مِّنَ ٱللَّهِ وَرِسَالاَتِهِ﴾ أي: أملك إلا أن أبلغكم عن الله رسالاته التي أرسلني بها إليكم فأما الرشد والخذلان فبيد الله.
وقيل [إلا] بمعنى "لم" و "إن" منفصلة، والتقدير: قل إني لن يجيرني من الله أحد [إن] لم أبلغ رسالاته إليكم بلاغاً، فَيَنْتَصب بلاغاً بإضمار (فعل من الجزاء وتكون للجزاء كما تقول: إلا قياماً) فقعوداً، وإلا عطاءً فرداً جميلاً.
* *
- ثم قال: ﴿وَمَن يَعْصِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً﴾.
أي: من يعصهما فيما أمَرا به فإن له نار جهنم في الآخرة ماكثين فيها أبداً لا يخرجون ولا يموتون.
* *
- ثم قال: ﴿حَتَّىٰ إِذَا رَأَوْاْ مَا يُوعَدُونَ﴾
أي: إذا عاينوا ما يعدهم ربهم من العذاب ﴿فَسَيَعْلَمُونَ﴾ هنالك ﴿مَنْ أَضْعَفُ نَاصِراً وَأَقَلُّ عَدَداً﴾.
* *
- ثم قال: ﴿قُلْ إِنْ أَدْرِيۤ أَقَرِيبٌ مَّا تُوعَدُونَ﴾
أي: قل للمشركين يا محمد -: ما أدري أقريب قيام الساعة التي وعدكم [الله] بالجزاء فيها على أعمالكم.
* *
﴿أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّيۤ أَمَداً﴾.
(أي): أم هو غير قريب قد جعل له ربي وقتا وغاية تطول مدتها.
* *
- ثم قال: ﴿عَٰلِمُ ٱلْغَيْبِ﴾
أي: ما غاب عن العيون والأسماع.
* *
﴿فَلاَ يُظْهِرُ عَلَىٰ غَيْبِهِ أَحَداً﴾.
أي: يعلم غيب كل شيء ولا يعلم غيبه أحد.
* *
- ﴿إِلاَّ مَنِ ٱرْتَضَىٰ مِن رَّسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ﴾
أي: فإنه يطلعه من غيبه على ما شاء وقيل: الغيب الذي يطلع الرسل عليه كتبه التي أنزلها عليهم.
وقال الضحاك: كان ﷺ، إذا بعث إليه الملك بُعِث ملائكة يحفظونه من بين يديه ومن خلفه لئلا يشتبه عليه الشيطان في صورة الملك فهو معنى قوله: ﴿فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً﴾، وقاله النخعي. وقال ابن عباس: هي معقبات من الملائكة يحفظون النبي من الشياطين حتى يتبين له الذي أرسل به إليه.
* *
- ثم قال ﴿لِّيَعْلَمَ أَن قَدْ أَبْلَغُواْ رِسَالاَتِ رَبِّهِمْ﴾
أي: ليعلم أهل الشرك أن الرسل بلغوا إليهم رسالة ربهم.
وقيل: المعنى: ليعلم [الرسول] وهو محمد أن الرسل قبله قد بلغوا رسالات ربهم لقومهم ولم يكن للشيطان إليهم سبيل، وهو قول قتادة، وقال مجاهد: ليعلم من كذب الرسل أن قد أبلغ الرسل رسالة ربهم.
وقال: معمر: معناه: ليعلم محمد أن الرسل قد أبلغت عن الله وأن الله حَفِظها ودفع عنها. وهو مثل قول قتادة. وقال ابن جبير: معناه: ليعلم محمد أن الملائكة قد أبلغوا رسالات ربهم. قال: وما نزل جبريل بشيء من الوحي إلا ومعه أربعة حفظة من الملائكة. ودل على ذلك قوله قبل ذلك ﴿فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً﴾ قال ابن جبير: أربعة حفظة من الملائكة مع جبريل عليه السلام.
وقيل معنى الآية: ليعلم الله ذلك علماً مشاهداً تجب عليه المُجازاة فأما الغيب فقد علمه، كقوله ﴿وَلِيَعْلَمَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ﴾ [آل عمران: ١٤٠].
* *
- وقوله: ﴿وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ﴾
أي: وعلم كل ما عندهم يعني الرسل قبل محمد، قال ابن جبير معناه ليعلم الرسل أن ربهم قد أحاط بهم فيبلغوا رسالات ربهم.
* *
- ثم قال: ﴿وَأَحْصَىٰ كُلَّ شَيْءٍ عَدَداً﴾.
أي: وعلم عدد كل شيء، [و﴿عَدَداً﴾] منصوب على التمييز.
الجن 72:26
قوله: ﴿قُلْ إِنَّمَآ أَدْعُواْ رَبِّي...﴾ إلى آخر السورة.
أي: قال محمد ﷺ، لما تظاهرت على إنكار ما جاء به العرب، إنما أدعو ربي وأوحده ولا أشرك به وهذا يدل على أن معنى ﴿كَادُواْ يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً﴾ أنه لما قام محمد ﷺ يدعو إلى الله تراكبت العرب (عليه).
وتظافرت ليردوا قوله ويُطفئوا النور الذي جاء فقال لهم: ﴿قُلْ إِنَّمَآ أَدْعُواْ رَبِّي وَلاَ أُشْرِكُ بِهِ أَحَداً﴾. ومن قرأ (قل) جعله على الأمر من الله لنبيه، أي: قل لهؤلاء الذين تظاهروا عليك لما دعوتهم إلى التوحيد: إنما أدعو ربي ولا أشرك به أحدا.
- (ثم قال تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي لاَ أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلاَ رَشَداً﴾.
أي: قل يا محمد لمشركي العرب الذين ردوا عليك أني لا أملك [لكم] ضراً في دينكم ولا دنياكم، ولا أملك لكم رشدكم، إنما ذلك إلى الله).
* *
- ثم قال: ﴿قُلْ إِنِّي لَن يُجِيرَنِي مِنَ ٱللَّهِ أَحَدٌ﴾
أي: لن يمنعني من الله أحد إن أرادني بأمر.
وروي أن بعض الجن قال: أنا أجيره، فنزلت هذه الآية ونزلت ﴿وَلَنْ أَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَداً﴾ أي: لا ملجأ ولا ناصراً ألجأ إليه.
* *
- ثم قال: ﴿إِلاَّ بَلاَغاً مِّنَ ٱللَّهِ وَرِسَالاَتِهِ ﴾
أي: لا أملك لكم ضراً ولا رشداً ﴿إِلاَّ بَلاَغاً مِّنَ ٱللَّهِ وَرِسَالاَتِهِ﴾ أي: أملك إلا أن أبلغكم عن الله رسالاته التي أرسلني بها إليكم فأما الرشد والخذلان فبيد الله.
وقيل [إلا] بمعنى "لم" و "إن" منفصلة، والتقدير: قل إني لن يجيرني من الله أحد [إن] لم أبلغ رسالاته إليكم بلاغاً، فَيَنْتَصب بلاغاً بإضمار (فعل من الجزاء وتكون للجزاء كما تقول: إلا قياماً) فقعوداً، وإلا عطاءً فرداً جميلاً.
* *
- ثم قال: ﴿وَمَن يَعْصِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً﴾.
أي: من يعصهما فيما أمَرا به فإن له نار جهنم في الآخرة ماكثين فيها أبداً لا يخرجون ولا يموتون.
* *
- ثم قال: ﴿حَتَّىٰ إِذَا رَأَوْاْ مَا يُوعَدُونَ﴾
أي: إذا عاينوا ما يعدهم ربهم من العذاب ﴿فَسَيَعْلَمُونَ﴾ هنالك ﴿مَنْ أَضْعَفُ نَاصِراً وَأَقَلُّ عَدَداً﴾.
* *
- ثم قال: ﴿قُلْ إِنْ أَدْرِيۤ أَقَرِيبٌ مَّا تُوعَدُونَ﴾
أي: قل للمشركين يا محمد -: ما أدري أقريب قيام الساعة التي وعدكم [الله] بالجزاء فيها على أعمالكم.
* *
﴿أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّيۤ أَمَداً﴾.
(أي): أم هو غير قريب قد جعل له ربي وقتا وغاية تطول مدتها.
* *
- ثم قال: ﴿عَٰلِمُ ٱلْغَيْبِ﴾
أي: ما غاب عن العيون والأسماع.
* *
﴿فَلاَ يُظْهِرُ عَلَىٰ غَيْبِهِ أَحَداً﴾.
أي: يعلم غيب كل شيء ولا يعلم غيبه أحد.
* *
- ﴿إِلاَّ مَنِ ٱرْتَضَىٰ مِن رَّسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ﴾
أي: فإنه يطلعه من غيبه على ما شاء وقيل: الغيب الذي يطلع الرسل عليه كتبه التي أنزلها عليهم.
وقال الضحاك: كان ﷺ، إذا بعث إليه الملك بُعِث ملائكة يحفظونه من بين يديه ومن خلفه لئلا يشتبه عليه الشيطان في صورة الملك فهو معنى قوله: ﴿فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً﴾، وقاله النخعي. وقال ابن عباس: هي معقبات من الملائكة يحفظون النبي من الشياطين حتى يتبين له الذي أرسل به إليه.
* *
- ثم قال ﴿لِّيَعْلَمَ أَن قَدْ أَبْلَغُواْ رِسَالاَتِ رَبِّهِمْ﴾
أي: ليعلم أهل الشرك أن الرسل بلغوا إليهم رسالة ربهم.
وقيل: المعنى: ليعلم [الرسول] وهو محمد أن الرسل قبله قد بلغوا رسالات ربهم لقومهم ولم يكن للشيطان إليهم سبيل، وهو قول قتادة، وقال مجاهد: ليعلم من كذب الرسل أن قد أبلغ الرسل رسالة ربهم.
وقال: معمر: معناه: ليعلم محمد أن الرسل قد أبلغت عن الله وأن الله حَفِظها ودفع عنها. وهو مثل قول قتادة. وقال ابن جبير: معناه: ليعلم محمد أن الملائكة قد أبلغوا رسالات ربهم. قال: وما نزل جبريل بشيء من الوحي إلا ومعه أربعة حفظة من الملائكة. ودل على ذلك قوله قبل ذلك ﴿فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً﴾ قال ابن جبير: أربعة حفظة من الملائكة مع جبريل عليه السلام.
وقيل معنى الآية: ليعلم الله ذلك علماً مشاهداً تجب عليه المُجازاة فأما الغيب فقد علمه، كقوله ﴿وَلِيَعْلَمَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ﴾ [آل عمران: ١٤٠].
* *
- وقوله: ﴿وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ﴾
أي: وعلم كل ما عندهم يعني الرسل قبل محمد، قال ابن جبير معناه ليعلم الرسل أن ربهم قد أحاط بهم فيبلغوا رسالات ربهم.
* *
- ثم قال: ﴿وَأَحْصَىٰ كُلَّ شَيْءٍ عَدَداً﴾.
أي: وعلم عدد كل شيء، [و﴿عَدَداً﴾] منصوب على التمييز.
الجن 72:27
قوله: ﴿قُلْ إِنَّمَآ أَدْعُواْ رَبِّي...﴾ إلى آخر السورة.
أي: قال محمد ﷺ، لما تظاهرت على إنكار ما جاء به العرب، إنما أدعو ربي وأوحده ولا أشرك به وهذا يدل على أن معنى ﴿كَادُواْ يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً﴾ أنه لما قام محمد ﷺ يدعو إلى الله تراكبت العرب (عليه).
وتظافرت ليردوا قوله ويُطفئوا النور الذي جاء فقال لهم: ﴿قُلْ إِنَّمَآ أَدْعُواْ رَبِّي وَلاَ أُشْرِكُ بِهِ أَحَداً﴾. ومن قرأ (قل) جعله على الأمر من الله لنبيه، أي: قل لهؤلاء الذين تظاهروا عليك لما دعوتهم إلى التوحيد: إنما أدعو ربي ولا أشرك به أحدا.
- (ثم قال تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي لاَ أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلاَ رَشَداً﴾.
أي: قل يا محمد لمشركي العرب الذين ردوا عليك أني لا أملك [لكم] ضراً في دينكم ولا دنياكم، ولا أملك لكم رشدكم، إنما ذلك إلى الله).
* *
- ثم قال: ﴿قُلْ إِنِّي لَن يُجِيرَنِي مِنَ ٱللَّهِ أَحَدٌ﴾
أي: لن يمنعني من الله أحد إن أرادني بأمر.
وروي أن بعض الجن قال: أنا أجيره، فنزلت هذه الآية ونزلت ﴿وَلَنْ أَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَداً﴾ أي: لا ملجأ ولا ناصراً ألجأ إليه.
* *
- ثم قال: ﴿إِلاَّ بَلاَغاً مِّنَ ٱللَّهِ وَرِسَالاَتِهِ ﴾
أي: لا أملك لكم ضراً ولا رشداً ﴿إِلاَّ بَلاَغاً مِّنَ ٱللَّهِ وَرِسَالاَتِهِ﴾ أي: أملك إلا أن أبلغكم عن الله رسالاته التي أرسلني بها إليكم فأما الرشد والخذلان فبيد الله.
وقيل [إلا] بمعنى "لم" و "إن" منفصلة، والتقدير: قل إني لن يجيرني من الله أحد [إن] لم أبلغ رسالاته إليكم بلاغاً، فَيَنْتَصب بلاغاً بإضمار (فعل من الجزاء وتكون للجزاء كما تقول: إلا قياماً) فقعوداً، وإلا عطاءً فرداً جميلاً.
* *
- ثم قال: ﴿وَمَن يَعْصِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً﴾.
أي: من يعصهما فيما أمَرا به فإن له نار جهنم في الآخرة ماكثين فيها أبداً لا يخرجون ولا يموتون.
* *
- ثم قال: ﴿حَتَّىٰ إِذَا رَأَوْاْ مَا يُوعَدُونَ﴾
أي: إذا عاينوا ما يعدهم ربهم من العذاب ﴿فَسَيَعْلَمُونَ﴾ هنالك ﴿مَنْ أَضْعَفُ نَاصِراً وَأَقَلُّ عَدَداً﴾.
* *
- ثم قال: ﴿قُلْ إِنْ أَدْرِيۤ أَقَرِيبٌ مَّا تُوعَدُونَ﴾
أي: قل للمشركين يا محمد -: ما أدري أقريب قيام الساعة التي وعدكم [الله] بالجزاء فيها على أعمالكم.
* *
﴿أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّيۤ أَمَداً﴾.
(أي): أم هو غير قريب قد جعل له ربي وقتا وغاية تطول مدتها.
* *
- ثم قال: ﴿عَٰلِمُ ٱلْغَيْبِ﴾
أي: ما غاب عن العيون والأسماع.
* *
﴿فَلاَ يُظْهِرُ عَلَىٰ غَيْبِهِ أَحَداً﴾.
أي: يعلم غيب كل شيء ولا يعلم غيبه أحد.
* *
- ﴿إِلاَّ مَنِ ٱرْتَضَىٰ مِن رَّسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ﴾
أي: فإنه يطلعه من غيبه على ما شاء وقيل: الغيب الذي يطلع الرسل عليه كتبه التي أنزلها عليهم.
وقال الضحاك: كان ﷺ، إذا بعث إليه الملك بُعِث ملائكة يحفظونه من بين يديه ومن خلفه لئلا يشتبه عليه الشيطان في صورة الملك فهو معنى قوله: ﴿فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً﴾، وقاله النخعي. وقال ابن عباس: هي معقبات من الملائكة يحفظون النبي من الشياطين حتى يتبين له الذي أرسل به إليه.
* *
- ثم قال ﴿لِّيَعْلَمَ أَن قَدْ أَبْلَغُواْ رِسَالاَتِ رَبِّهِمْ﴾
أي: ليعلم أهل الشرك أن الرسل بلغوا إليهم رسالة ربهم.
وقيل: المعنى: ليعلم [الرسول] وهو محمد أن الرسل قبله قد بلغوا رسالات ربهم لقومهم ولم يكن للشيطان إليهم سبيل، وهو قول قتادة، وقال مجاهد: ليعلم من كذب الرسل أن قد أبلغ الرسل رسالة ربهم.
وقال: معمر: معناه: ليعلم محمد أن الرسل قد أبلغت عن الله وأن الله حَفِظها ودفع عنها. وهو مثل قول قتادة. وقال ابن جبير: معناه: ليعلم محمد أن الملائكة قد أبلغوا رسالات ربهم. قال: وما نزل جبريل بشيء من الوحي إلا ومعه أربعة حفظة من الملائكة. ودل على ذلك قوله قبل ذلك ﴿فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً﴾ قال ابن جبير: أربعة حفظة من الملائكة مع جبريل عليه السلام.
وقيل معنى الآية: ليعلم الله ذلك علماً مشاهداً تجب عليه المُجازاة فأما الغيب فقد علمه، كقوله ﴿وَلِيَعْلَمَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ﴾ [آل عمران: ١٤٠].
* *
- وقوله: ﴿وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ﴾
أي: وعلم كل ما عندهم يعني الرسل قبل محمد، قال ابن جبير معناه ليعلم الرسل أن ربهم قد أحاط بهم فيبلغوا رسالات ربهم.
* *
- ثم قال: ﴿وَأَحْصَىٰ كُلَّ شَيْءٍ عَدَداً﴾.
أي: وعلم عدد كل شيء، [و﴿عَدَداً﴾] منصوب على التمييز.
الجن 72:28
قوله: ﴿قُلْ إِنَّمَآ أَدْعُواْ رَبِّي...﴾ إلى آخر السورة.
أي: قال محمد ﷺ، لما تظاهرت على إنكار ما جاء به العرب، إنما أدعو ربي وأوحده ولا أشرك به وهذا يدل على أن معنى ﴿كَادُواْ يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً﴾ أنه لما قام محمد ﷺ يدعو إلى الله تراكبت العرب (عليه).
وتظافرت ليردوا قوله ويُطفئوا النور الذي جاء فقال لهم: ﴿قُلْ إِنَّمَآ أَدْعُواْ رَبِّي وَلاَ أُشْرِكُ بِهِ أَحَداً﴾. ومن قرأ (قل) جعله على الأمر من الله لنبيه، أي: قل لهؤلاء الذين تظاهروا عليك لما دعوتهم إلى التوحيد: إنما أدعو ربي ولا أشرك به أحدا.
- (ثم قال تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي لاَ أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلاَ رَشَداً﴾.
أي: قل يا محمد لمشركي العرب الذين ردوا عليك أني لا أملك [لكم] ضراً في دينكم ولا دنياكم، ولا أملك لكم رشدكم، إنما ذلك إلى الله).
* *
- ثم قال: ﴿قُلْ إِنِّي لَن يُجِيرَنِي مِنَ ٱللَّهِ أَحَدٌ﴾
أي: لن يمنعني من الله أحد إن أرادني بأمر.
وروي أن بعض الجن قال: أنا أجيره، فنزلت هذه الآية ونزلت ﴿وَلَنْ أَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَداً﴾ أي: لا ملجأ ولا ناصراً ألجأ إليه.
* *
- ثم قال: ﴿إِلاَّ بَلاَغاً مِّنَ ٱللَّهِ وَرِسَالاَتِهِ ﴾
أي: لا أملك لكم ضراً ولا رشداً ﴿إِلاَّ بَلاَغاً مِّنَ ٱللَّهِ وَرِسَالاَتِهِ﴾ أي: أملك إلا أن أبلغكم عن الله رسالاته التي أرسلني بها إليكم فأما الرشد والخذلان فبيد الله.
وقيل [إلا] بمعنى "لم" و "إن" منفصلة، والتقدير: قل إني لن يجيرني من الله أحد [إن] لم أبلغ رسالاته إليكم بلاغاً، فَيَنْتَصب بلاغاً بإضمار (فعل من الجزاء وتكون للجزاء كما تقول: إلا قياماً) فقعوداً، وإلا عطاءً فرداً جميلاً.
* *
- ثم قال: ﴿وَمَن يَعْصِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً﴾.
أي: من يعصهما فيما أمَرا به فإن له نار جهنم في الآخرة ماكثين فيها أبداً لا يخرجون ولا يموتون.
* *
- ثم قال: ﴿حَتَّىٰ إِذَا رَأَوْاْ مَا يُوعَدُونَ﴾
أي: إذا عاينوا ما يعدهم ربهم من العذاب ﴿فَسَيَعْلَمُونَ﴾ هنالك ﴿مَنْ أَضْعَفُ نَاصِراً وَأَقَلُّ عَدَداً﴾.
* *
- ثم قال: ﴿قُلْ إِنْ أَدْرِيۤ أَقَرِيبٌ مَّا تُوعَدُونَ﴾
أي: قل للمشركين يا محمد -: ما أدري أقريب قيام الساعة التي وعدكم [الله] بالجزاء فيها على أعمالكم.
* *
﴿أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّيۤ أَمَداً﴾.
(أي): أم هو غير قريب قد جعل له ربي وقتا وغاية تطول مدتها.
* *
- ثم قال: ﴿عَٰلِمُ ٱلْغَيْبِ﴾
أي: ما غاب عن العيون والأسماع.
* *
﴿فَلاَ يُظْهِرُ عَلَىٰ غَيْبِهِ أَحَداً﴾.
أي: يعلم غيب كل شيء ولا يعلم غيبه أحد.
* *
- ﴿إِلاَّ مَنِ ٱرْتَضَىٰ مِن رَّسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ﴾
أي: فإنه يطلعه من غيبه على ما شاء وقيل: الغيب الذي يطلع الرسل عليه كتبه التي أنزلها عليهم.
وقال الضحاك: كان ﷺ، إذا بعث إليه الملك بُعِث ملائكة يحفظونه من بين يديه ومن خلفه لئلا يشتبه عليه الشيطان في صورة الملك فهو معنى قوله: ﴿فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً﴾، وقاله النخعي. وقال ابن عباس: هي معقبات من الملائكة يحفظون النبي من الشياطين حتى يتبين له الذي أرسل به إليه.
* *
- ثم قال ﴿لِّيَعْلَمَ أَن قَدْ أَبْلَغُواْ رِسَالاَتِ رَبِّهِمْ﴾
أي: ليعلم أهل الشرك أن الرسل بلغوا إليهم رسالة ربهم.
وقيل: المعنى: ليعلم [الرسول] وهو محمد أن الرسل قبله قد بلغوا رسالات ربهم لقومهم ولم يكن للشيطان إليهم سبيل، وهو قول قتادة، وقال مجاهد: ليعلم من كذب الرسل أن قد أبلغ الرسل رسالة ربهم.
وقال: معمر: معناه: ليعلم محمد أن الرسل قد أبلغت عن الله وأن الله حَفِظها ودفع عنها. وهو مثل قول قتادة. وقال ابن جبير: معناه: ليعلم محمد أن الملائكة قد أبلغوا رسالات ربهم. قال: وما نزل جبريل بشيء من الوحي إلا ومعه أربعة حفظة من الملائكة. ودل على ذلك قوله قبل ذلك ﴿فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً﴾ قال ابن جبير: أربعة حفظة من الملائكة مع جبريل عليه السلام.
وقيل معنى الآية: ليعلم الله ذلك علماً مشاهداً تجب عليه المُجازاة فأما الغيب فقد علمه، كقوله ﴿وَلِيَعْلَمَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ﴾ [آل عمران: ١٤٠].
* *
- وقوله: ﴿وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ﴾
أي: وعلم كل ما عندهم يعني الرسل قبل محمد، قال ابن جبير معناه ليعلم الرسل أن ربهم قد أحاط بهم فيبلغوا رسالات ربهم.
* *
- ثم قال: ﴿وَأَحْصَىٰ كُلَّ شَيْءٍ عَدَداً﴾.
أي: وعلم عدد كل شيء، [و﴿عَدَداً﴾] منصوب على التمييز.