Lafzullah

Tafsir Makhi — القيامة 75:37 – الإنسان 76:31

المؤلف / المصدر: Tafsir Makhi

المحتويات
  1. القيامة 75:37
  2. القيامة 75:38
  3. القيامة 75:39
  4. القيامة 75:40
  5. الإنسان 76:1
  6. الإنسان 76:2
  7. الإنسان 76:3
  8. الإنسان 76:4
  9. الإنسان 76:5
  10. الإنسان 76:6
  11. الإنسان 76:7
  12. الإنسان 76:8
  13. الإنسان 76:9
  14. الإنسان 76:10
  15. الإنسان 76:11
  16. الإنسان 76:12
  17. الإنسان 76:13
  18. الإنسان 76:14
  19. الإنسان 76:15
  20. الإنسان 76:16
  21. الإنسان 76:17
  22. الإنسان 76:18
  23. الإنسان 76:19
  24. الإنسان 76:20
  25. الإنسان 76:21
  26. الإنسان 76:22
  27. الإنسان 76:23
  28. الإنسان 76:24
  29. الإنسان 76:25
  30. الإنسان 76:26
  31. الإنسان 76:27
  32. الإنسان 76:28
  33. الإنسان 76:29
  34. الإنسان 76:30
  35. الإنسان 76:31

القيامة 75:37

قوله: ﴿لاَ أُقْسِمُ بِيَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ﴾، إلى آخرها. من النحويين من قال: "لا" زائدة كزيادتها في قوله: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ﴾ [الأعراف: ١٢]. ولم يمتنع أن تزاد في أول الكلام، لأن القرآن كله كسورة واحدة. وقد صح عن ابن عباس وغيره أنه قال: إن الله جل ذكره أنزل القرآن جملة واحدة إلى السماء الدنيا في شهر رمضان في ليلة القدر. ثم نزل متفرقاً من السماء على النبي ﷺ. وقد قال الفراء: "لا" لا تزاد ("لا" في النفي)، وخالفه غيره فأجاز زيادتها في غير النفي. وقيل: [إن] "لا" من قوله: ﴿لاَ [أُقْسِمُ]﴾: جواب، ثم استأنف فقال: أقسم بيوم القيامة. وكذلك هي زائدة [بلا] اختلاف في قوله: ﴿وَلاَ أُقْسِمُ بِٱلنَّفْسِ﴾، لأنها متوسطة بلا اختلاف، ولأنها بعد نفي. هذا على قول من جعله أيضاً قسماً ثانياً. ومن جعله غير قسم جعل "لا" نافية. وهو قول الحسن. وقد قرأ قُنْبُل عن ابن كثير: "لأُقْسِمُ" بغير ألف بعد اللام، وهو غلط عند الخليل وسيبويه، لأنها لام عند قسم تلزمها النون المشددة. قال ابن جُبير: "﴿لاَ أُقْسِمُ بِيَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ﴾ معناه: أقسم بيوم القيامة". وقال أبو بكر ابن عياش: ﴿لاَ﴾ تأكيد للقسم، بقولك: لا، والله. وحكي عن بعض الكوفيين أن ﴿لاَ﴾ رد لكلام قد مضى من المشركين الذين كانوا ينكرون الجنة والنار. ثم ابتدأ القسم فقال: ﴿أُقْسِمُ بِيَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ﴾. وكان يقول: كل يمين قبلها رد لكلام فلا بد من تقدم "لا" ليفرق بذلك بين اليمين التي تكون جحداً واليمين التي تستأنف. قال: ألا ترى أنك تقول مبتدءاً: والله إن الرسول لحق؟ فإذا قلت: لا، والله إن الرسول لحق، فكأنك كذبت قوماً أنكروه. وقيل: "لا" تنبيه بمعنى "ألا". كما قال امرؤ القيس: ؎ لاَ وَأَبيكِ ابْنَةَ العامِر[يِّ] ∗∗∗ لا يدّعي القومُ أَنِّي [أَفِرّ] يريد: ألا. قال ابن عباس: قوله: ﴿وَلاَ أُقْسِمُ بِٱلنَّفْسِ﴾ (هو أيضاً) قسم. أَقْسَمَ ربنا بما شاء من خلقه. وهو قول قتادة. وهو اختيار الطبري، فتكون "لا" الأولى رداً لكلام تقدم، و "لا" الثانية زائدة. وقال الحسن: ﴿وَلاَ أُقْسِمُ بِٱلنَّفْسِ﴾ ليس بقسم. والمعنى: ولست أقسم بالنفس اللوامة. فتكون "لا" الأولى [رداً] لكلام تقدم أو زائدة، و "لا" الثانية نافية غير زائدة. وتأويل الكلام عند الطبري: لا، ما الأمر. كما تقولون: أيها الناس. كأنه (يقدرُ) جواب القسم محذوفاً. كأنه قال: (لا)، ما الأمر، كما تقولون: إن الله لا يبعث أحداً، أقسم بيوم القيامة ما الأمر كما تقولون. ودل على ذلك قوله: ﴿بَلَىٰ قَادِرِينَ عَلَىٰ أَن نُّسَوِّيَ بَنَانَهُ﴾، وقوله ﴿أَيَحْسَبُ ٱلإِنسَانُ أَلَّن [نَّجْمَعَ] عِظَامَهُ﴾، أي: أيحسب أن لن يبعث بعد موته؟! ﴿أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِّن مَّنِيٍّ يُمْنَىٰ * ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّىٰ * فَجَعَلَ مِنْهُ ٱلزَّوْجَيْنِ ٱلذَّكَرَ وَٱلأُنثَىٰ * أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَىٰ أَن يُحْيِـيَ ٱلْمَوْتَىٰ﴾، (على خلاف) ظنهم أنهم لا يبعثون. فالمعنى: ما الأمر كما تقولون أيها الناس من أن الله لا يبعث عباده بعد مماتهم، أُقْسِمُ بِيَوْمِ القيامة. قال: والمعروف في كلام الناس: إذا قال الرجل: "لا، والله ما فعلت" أن قولهم "لا" رَدُّ الكلام. وقولهم: "والله": ابتداءُ يمينٍ فكذلك ﴿لاَ أُقْسِمُ بِيَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ﴾. * * - وقوله: ﴿بِٱلنَّفْسِ ٱللَّوَّامَةِ﴾. أي: بالنفس التي "تلوم على الخير والشر". قاله ابن جبير. وقال مجاهد: معناه بالنفس التي تندم وتلوم على ما فات. يروى أنه ما من نفس إلا تلوم نفسها يوم القيامة. يلوم المحسن نفسه: أَلاَ ازْدَادَ خيراً؟! ويلوم المسيء نفسه (على إساءته وعلى ما فاته من التوبة. قال الحسن: المؤمن يلوم نفسه ويعاتبها ويقول): [لِمَ] أَكلت؟! [لم شربت]؟! لم تحدثت؟! لم تكلمت؟! - يعني: يفعل ذلك في الدنيا - قال: والكافر لا يعاتب نفسه، يَمُرُّ قدما قدماً في الذنوب. وعن الحسن [أيضاً] أنه قال: هو المؤمن، إن تلقاه إلا يعاتب نفسه: [ما أردت بكذا]؟! [ما أردت] بنظرك ما أردت بكلمتك؟! وقال قتادة: اللوامة: "الفاجرة". وعن ابن عباس: هي "المذمومة". * * - ثم قال: ﴿أَيَحْسَبُ ٱلإِنسَانُ أَلَّن نَّجْمَعَ عِظَامَهُ * بَلَىٰ قَادِرِينَ عَلَىٰ أَن نُّسَوِّيَ بَنَانَهُ﴾. أي: أيظن ابن آدم أن لن نقدر على جمع عظامه بعد تفرقها؟! يعني: أيحسب الكافر أنه لا يبعث بعد تفرق عظامه؟! بل نقدر على أعظم من ذلك، وهو أن نسوي أصابع يديه ورجليه فنجعلها شيئاً واحداً [كَخُفِّ] البعير، وحَافِرِ الحمار، فلا يقدر أن يأكل بيديه ويرجع إلى الأكل بفمه كالبهائم، ولكن (الله) فرق أصابع يديه ورجليه ليتناول بها ويُفْضِيَ إذا شاء، هذا معنى قول ابن عباس وغيره من المفسرين. ونصب ﴿قَادِرِينَ﴾ على الحال، أي: بلى، نجمعها في حال قدرة على تسوية بنانه. هذا قول سيبويه. وقيل: التقدير: بل نقدر، فلما وقع ﴿[قَادِرِينَ]﴾ في موضع "نقدر"، نصب على الحال. وهذا غلط، لأنه يلزم أن يقول: "قائماً زيد" [بنصب] "قائم" إذا رفع "زيداً" بفعله، لأنه في موضع "يقوم". وقال الفراء: تقديره: بلى، نقوى على ذلك قادرين. * * - ثم قال: ﴿بَلْ يُرِيدُ ٱلإِنسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ﴾. أي: ليس يجهل الإنسان أن ربه يقدر على جمع عظامه وإحيائه بعد موته، ولكن يريد أن يمضي أمامه قدماً لا يُثْنَى عن ذنوبه ولا يتوب من كفره، ويُسَوِّفُ بالتوبة. قال ابن جبير: ﴿لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ﴾، يعني الأمل، يقول: أعمل ثم أتوب قبل يوم القيامة. قال مجاهد: يمضي ابن آدم ﴿أَمَامَهُ﴾ راكباً رأسه. وقال الحسن: لا تلقى ابن آدم إلا تَنْزَعُ نَفْسُهُ إلى معصية الله قُدُماً قُدُماً إلاَّ من عصم الله. وقال عكرمة: ... "لا ينزع عن فجوره". وقال الضحاك: يركب رأسه في طلب الدنيا دائماً، لا يذكر الموت، يقول: أصيبُ من الدنيا كذا، وأصيب من الدنيا كذا، ولا يذكر الموت. وعن ابن عباس أن معناه أن الإنسان هُنَا "الكافر، يكذب بالبعث والحساب"، وهو قول ابن زيد. فالهاء في ﴿أَمَامَهُ﴾ للإنسان [في جميع هذه] الأقوال. وقيل: الهاء ليوم القيامة، والمعنى: بل يريد الإنسان ليكفر بالحق بين يدي يوم القيامة. وقيل: المعنى: يقدم الذنب ويؤخر التوبة. * * - ثم قال: ﴿يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ ٱلْقِيَامَةِ﴾. أي: يسأل الإنسان الدائم في معصية الله: متى يوم القيامة؟! تسويفاً منه بالتوبة. قال قتادة: [يقول]: "متى يوم القيامة". قال عمر بن الخطاب: "من سأل عن يوم القيامة فليقرأ هذه السورة". قال ابن عباس: معناه: يقول الإنسان: سوف أتوب. قال: فبين له، فقيل له: ﴿فَإِذَا بَرِقَ ٱلْبَصَرُ * وَخَسَفَ ٱلْقَمَرُ﴾ * * - وقوله: ﴿فَإِذَا بَرِقَ ٱلْبَصَرُ﴾. من فتح الراء فمعناه: [لمع] عند الموت، ومن كسر فمعناه: حَارَ وفَزِعَ [عند الموت]. قال قتادة: ﴿بَرِقَ (ٱلْبَصَرُ)﴾: شخص، يعني: عند الموت. وقيل: ذلك يوم القيامة عند المبعث. وسياق الكلام يدل على ذلك، لأن بعده: ﴿وَخَسَفَ ٱلْقَمَرُ * وَجُمِعَ ٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ * يَقُولُ ٱلإِنسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ ٱلْمَفَرُّ﴾، فهذا كله يوم القيامة يكون فكذلك ﴿بَرِقَ ٱلْبَصَرُ﴾. وقيل: الفتحُ في الراءِ والكسرُ لغتان، بمعنى: لَمعَ وشَخَصَ. ويدل على [صحة] ذلك قوله: ﴿لاَ يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ [طَرْفُهُمْ]﴾ [إبراهيم: ٤٣]، فهذا هو الشخوص، [لا تُطْرَفُ] أَعينُهُم، وذلك من شدة هول يوم القيامة. * * - ثم قال: ﴿وَخَسَفَ ٱلْقَمَرُ﴾. أي: ذهب ضوءه. * * - ﴿وَجُمِعَ ٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ﴾. أي: جمع بينهما في ذهاب الضوء، فلا ضوء لواحد منها. وفي قراءة عبد الله: وجمع بين الشمس والقمر. روي أنهما يجمعان فيكوران كما قال تعالى: ﴿إِذَا ٱلشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ [التكوير: ١] (قال مجاهد: كورتا يوم القيامة. وقال ابن زيد: جمعتا فرُميَ بهما في الأرض. وتأويل ﴿إِذَا ٱلشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ [التكوير: ١] أن معناه: كورت في الأرض، [أي] [رمي] بها. فيكون معنى الجمع بينهما هنا: أن يُرْمَى بهما في الأرض. وقال عطاء: يجمعان يوم القيامة ثم يقذفان في البحر [فيكونان] نار الله الكبرى. وقيل: ﴿وَجُمِعَ﴾، ولم يقل: "وجمعت"، لأن معناه: وجمع بين الشمس والقمر. فحمل على تذكيرين. وقيل: لما كان الكلام لا يتم إلا بالقمر، غلب المذكر - وهو القمر -. وقال الكسائي: حمل على المعنى. والتقدير: وجمع النوران الضياءان. وقال المبرد: ذُكِرَ ﴿وَجُمِعَ﴾ لأنه تأنيث غير حقيقي، [إذ] لم تؤنث الشمس للفرق بين شيء وشيء. فلذلك، تذكيره على معنى: "شَخْص" و "شَيْء". * * - ثم قال: ﴿يَقُولُ ٱلإِنسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ ٱلْمَفَرُّ﴾. أي: يقول الإنسان - مما يرى من الأهوال يوم القيامة -: أين الفرار؟!، "والمَفَرُّ" مصدرٌ. عن ابن عباس: "أَيْنَ المَفِرُّ" بكسر الفاء، وروي عن عيسى بن عمر وابن أبي إسحاق ويحيى بن يعمر، فهو على هذا: اسم مكان، أي المكان الذي يفر إليه. وأجاز في المصدر الكسر. * * - ثم قال: ﴿كَلاَّ لاَ وَزَرَ﴾. أي: لا، ليس هنالك يا ابن آدم فرار، ولا مكان يلجأ إليه ويفر إليه، ولا جبل ولا معقل. قال ابن عباس: ﴿لاَ وَزَرَ﴾: "لا حصن (ولا ملجأ". وقال مطرف بن الشخير: ﴿لاَ وَزَرَ﴾: لا جبل، إن الناس إذا فروا قالوا: عليك بالوزر. وهو قول الحسن ومجاهد وقتادة. وقال الضحاك: ﴿لاَ وَزَرَ﴾: "لا حصن) وهو قول أبي قلابة. وقال ابن جبير: لا محيص. وقال عكرمة: لا منعة. وأصل هذا أنهم كانوا إذا ضُيِّقَ عليهم في الحروب والهزائم الشداد لجؤوا إلى الجبال والمعاقل، فأعلموا أنه لا ملجأ من عذاب الله في القيامة إلى جبل ولا إلى غيره. * * - ثم قال: ﴿إِلَىٰ رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ ٱلْمُسْتَقَرُّ﴾. قال ابن زيد: "استقر أهل الجنة في الجنة، وأهل النار في النار" وقال قتادة: معناه: إلى ربك يومئذ المنتهى. * * - ثم قال: ﴿يُنَبَّأُ ٱلإِنسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ﴾. أي: يُخْبر الإنسان يوم يجمع الشمس والقمر بما قدم من عمله وما أخر بعده مما يعمل به من أجله. قال ابن عباس: "يخبر الإنسان يوم القيامة بما عمل قبل موته وبما سَنَّ فَعُمِلَ به بعد موته". وقاله ابن مسعود. وقيل: المعنى: بما قدم من المعصية وأخر من الطاعة. روي ذلك أيضاً عن ابن عباس. وقال مجاهد: معناه: يخير الإنسان يوم القيامة بأول عمله وآخره. وقال قتادة: يخبر بما قدم من طاعة الله وبما أخر، أي: ما ضيع من حق الله. وقال ابن زيد: ﴿وَأَخَّرَ﴾ معناه: بما ترك من العمل بطاعة الله. و ﴿بِمَا قَدَّمَ﴾ [معناه]: ما قدم من عمل من خير أو شر. وقيل: ما أخر: ما أوصى به بعد موته، وما أبقى من أثر عمله بعده. * * - ثم قال تعالى: ﴿بَلِ ٱلإِنسَانُ عَلَىٰ نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ﴾. أي: هو شاهد على نفسه. قال ابن عباس: "يشهد عليه سمعه وبصره ويداه ورجلاه وجوارحه"، فيكون ﴿ٱلإِنسَانُ﴾ ابتداء، و ﴿بَصِيرَةٌ﴾ ابتداءٌ ثانٍ، و ﴿عَلَىٰ نَفْسِهِ﴾ خبرٌ، والجملة خبرُ [عن] الإنسان. وقال ابن جبير وقتادة: معناه: أن الإنسان عارف بعيبه، فهو عارف بعيب غيره، متغافل عن عيبه. فيكون ﴿ٱلإِنسَانُ﴾ على هذا التأويل ابتداء، و ﴿بَصِيرَةٌ﴾ خبره. ودخلت الهاء في "بصيرة" للمبالغة. وقيل: دخلت حملا على المعنى، [لأن] المعنى: بل الإنسان حجة على نفسه. وقيل: معنى ﴿بَلِ ٱلإِنسَانُ عَلَىٰ نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ﴾: يعني الكاتبين يكتبان خيره وشره. ودل على ذلك قوله: ﴿وَلَوْ أَلْقَىٰ مَعَاذِيرَهُ﴾، أي: ولو سدل ستوره ليخفي صنعه لم ينفعه شيء. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَلْقَىٰ مَعَاذِيرَهُ﴾. أي: بل الإنسان شاهد على نفسه ولو اعتذر مما أتى من المآثم وجادل بالباطل [لا ينفعه] ذلك شيئا. قال ابن عباس: "﴿وَلَوْ أَلْقَىٰ مَعَاذِيرَهُ﴾ يعني الاعتذار. ألم تسمع إلى قوله تعالى: ﴿لاَ يَنفَعُ ٱلظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ﴾ [غافر: ٥٢] يعني قولهم: ﴿مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِن سُوۤءٍ﴾ [النحل: ٢٨]، وقولهم: ﴿رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣]؟! قال ابن زيد: "قوم يؤذن لهم فيعتذرون فلا ينفعهم العذر، وقوم لا يؤذن لهم فيعتذروا". وقال مجاهد: ﴿وَلَوْ أَلْقَىٰ مَعَاذِيرَهُ﴾: "ولو جادل عنها فهو بصيرة عليها". وقال السدي: "معناه: ولو أرخى الستور وأغلق الأبواب". وقال الحسن و [قتادة]: "(معناه): ولو ألقى معاذيره لم تقبل منه"، إذ هي باطل. * * - ثم قال تعالى: ﴿لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾. أي: لا تحرك يا محمد بالقرآن - إذا نزل عليك - (لسانك) لتعجل به. روي أن النبي ﷺ كان إذا نزل عليه شيء من القرآن عجل به يريد حفظه [لحبه] إياه، فقيل: لا تعجل به، فإنا سنحفظه عليك. قال ابن عباس: كَانَ النبي ﷺ يَلْقَى مِنَ التَّنْزِيلِ شِدَّةً، يُحَرّكُ شَفَتَيْهِ كَرَاهَةَ أَنْ يَتَفَلَّتَ مِنْهُ، فَأَنْزَلَ اللهُ - جَلَّ ذِكْرُهُ -: ﴿لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ * إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾، أَيْ: جَمْعَهُ في صَدْرِكَ، وَأَنْ تَقْرَأَهُ. ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَٱتَّبِعْ (قُرْآنَهُ)﴾، أَيْ: فَأَنْصِتْ وَاسْتَمِعْ. * * ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾. (أَيْ): (إِنَّ) عَلَيْنَا أَنْ نُبَيِّنَهُ بِلِسَانِكَ ، قَالَ: فَكَانَ النبي ﷺ إِذَا أََتَاهُ جِبْرِيلُ [اسْتَمَعَ]، فَإذَا انْطَلَقَ قَرَأَهُ (كَمَا قَرَأَهُ). قال الشعبي: "كَانَ النبي ﷺ إِذَا نَزَلَ عَلَيْهِ الوحيُ عَجِلَ يَتَكَلَّم بِهِ مِنْ حُبِهِ إِيَّاهُ، فَنَزَلَ: ﴿لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾. وقال ابن زيد: "(معناه): لا تكلم بالذي أوحينا إليك حتى نقضي إليك وحيه، فإذا قضينا إليك وحيه فتكلم به". وقال الضحاك: كان النبي ﷺ إذا نزل عليه القرآن حرك به لسانه مخافة أن ينساه، فقيل له: ﴿لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ * إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ﴾ أي: حفظه في [قلبك]. وأن تقرأه بعد حفظه. وروي ذلك أيضاً عن ابن عباس والحسن ومجاهد وقتادة. [وقال قتادة]: معنى ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾ أي: جمعه في قلبك حتى تحفظه ﴿وَقُرْآنَهُ﴾ أي: [تأليفه]. يقال: قرأت هذه الفاتحة في بطنها جنيناً إذا ضمت رحمها على ذلك. * * - وقوله: ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَٱتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾. معناه عند ابن عباس: ("فإذا أنزلناه إليك فاستمع قرآنه". وعنه أيضاً أن [معناه]: "فإذا تلي عليك فاتبع ما فيه". وقال قتادة: ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ﴾ "فاتبع) حلاله، واجتنب حرامه". وقال الضحاك: "فاتبع ما فيه". وعن ابن عباس أيضاً أن معناه: فإذا بيناه فاتبع قرآنه، أي: اعمل به. - وقوله ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾. أي: علينا بيان ما فيه من حلال وحرام [وأحكام]، فأعلم الله - جل ذكره - أنه المتولي لحفظ كتابه علينا، ولم [يكل] ذلك إلينا، فَسَلِمَ من التغيير. [ولو وكله] (إلينا) لم نأمن أن يغيره ويبدله زنادقة هذه الأمة، فالحمد لله على ذلك، وقد وكل الله حفظ التوراة والإنجيل إلى اليهود والنصارى فغيروا وبدلوا. وقد سئل سفيان بن عيينة فقيل له: كيف غيرت التوراة والإنجيل وهما من عند الله؟! فقال: إن الله جل ثناؤه وكل حفظهما إليهما، فقال جل ذكره: ﴿بِمَا ٱسْتُحْفِظُواْ مِن كِتَابِ ٱللَّهِ﴾ [المائدة: ٤٤]، ولم [يكل] حفظ القرآن إلى أحد، فقال جل ذكره: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ٱلذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩]، فما حفظه الله علينا لم يغير. وقيل: معنى قوله: ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ أي [أن] نبينه بلسانك. * * - ثم قال تعالى: ﴿كَلاَّ بَلْ تُحِبُّونَ ٱلْعَاجِلَةَ﴾. أي: ليس الأمر أيها الناس على قولكم: إنكم لا تبعثون ولا تجازون بأعمالكم. ولكن الذي دعاكم إلى ذلك [حبكم] الدنيا وزينتها، وإيثاركم عاجلها على آجل الآخرة، ونعيمها الدائم. فأنتم لذلك تؤمنون بالعاجلة وتكذبون بالآجلة. (ويجوز أن تكون "كلا" بمعنى "حقاً" أو بمعنى "ألا". قال قتادة: اختار الناس العاجلة إلا من عصم الله). * * - ثم قال: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ﴾. أي: حسنة ناعمة جميلة من السرور والغبطة. هذا قول جميع أهل التفسير. * * - ثم قال: ﴿إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾. أي: تنظر إلى ربها. قال عكرمة: "تنظر إلى ربها نظراً". قال الحسن: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ﴾: "أي حسنة: ﴿إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾: قال: تنظر إلى الخالق، وحق (لها) أن [تنضر] وهي [تنظر] إلى الخالق". وقال عطية العوفي: هي تنظر إلى الله - جل وعز - لا تحيط أبصارهم به من عظمته، ويحيط بهم، ﴿لاَّ تُدْرِكُهُ ٱلأَبْصَٰرُ وَهُوَ يُدْرِكُ ٱلأَبْصَٰرَ﴾ [الأنعام: ١٠٣]. [وقد] قال بعض أهل البدع: إنه بمعنى منتظرة إلى ثواب ربها، وهذا خطأ في العربية، [(لا) يقال]: "نظرت إليه" بمعنى انتظرته، وإنما يقال: "نظرته" بمعنى انتظرته. وأيضاً فإنه لا يجوز "انتظرت زيداً" بمعنى [انتظرت] عطاءه أو غلامه أو ثوابه أو نحوه، لأن فيه تغيير المعاني وإبطال الخطاب. وأيضاً، فإن النظر إنما يضاف إلى الوجوه، والانتظار (إنما) يضاف إلى القلوب، فلا يجوز أن يقال: "[وجهي] منتظر لك". فلما أتى النص بإضافة النظر إلى الوجوه، لم يَجُزْ أَنْ يَتَأَوَّلَ فيه معنى الانتظار، ولو قال: "قلوب يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة"، لحسن كونه بمعنى الانتظار لإضافته إلى القلوب. قال الحسن في الآية: نَظَرت إلى الله [فنضرت] من نوره، أي: نعمة من نوره. وقد روى عبادة بن الصامت أن النبي ﷺ قال: "إِنِّي حَدّثْتُكُمْ عَنِ المَسِيحِ الدَّجَالِ، إِنَّهُ قَصِيرٌ أَفْحَجُ جَعْدٌ أَعْوَرُ [مَطْمُوسُ] عَيْنِ اليُسْرَى، لَيْسَتْ بِنَاتِئَةٍ وَلاَ حَجْرَاءَ، فَإِنِ الْتَبَسَ عَلَيْكُمْ فَاعْلَمُوا أَنْ رَبَّكُمْ - عز وجل - لَيْسَ بِأَعْوَرَ، وَإِنَّكُمْ لَنْ تَرَوْا رَبَّكُمْ - جَلَّ ذِكْرُهُ - حَتَّى تَمُوتُوا وقد (استدل) من أنكر النظر بإضافة النظر إلى الوجه، قال: والعين لا تسمى وجها. وقد [أضاف] النظر إلى الوجه. وهذا غلط ظاهر، لأن العرب من لغتها أن تسمي الشيء (باسم) الشيء إذا قرب منه وجاوره، وقد قال الله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاعِمَةٌ * لِّسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ﴾ [الغاشية: ٨-٩]، والسعي للأقدام، وقد أضاف السعي [للوجوه]، وهو أبعد من الأقدام من العين إلى الوجه، فإذا جاز أن يضاف سعي الأبدان والأقدام إلى [الوجوه] - لالتباس الوجوه بها - كان (إضافة) النظر إلى [الوجه] - يراد به العين - أَجْوَزَ وَأَحْسَنَ، لأن العين في الوجه، وهي من جملة الوجه. وهذا سائغ جائز في اللغة وفي كثير من القرآن. [وأحَادِيثُ] تصحيح النظر إلى الله جل ذكره في الآخرة كثيرة أشهر من أن تذكر ها هنا. ويدل على تصحيح جواز ذلك - من القرآن والنظر - قوله تعالى - حكاية عن موسى عليه السلام -: ﴿قَالَ رَبِّ أَرِنِيۤ أَنظُرْ إِلَيْكَ﴾ [الأعراف: ١٤٣]. ففي سؤاله النظر دليل على جوازه، لأن موسى لا يمكن أن يسأل ما لا يجوز وما يستحيل، فأعلمه الله أنه لا يراه في الدنيا أحد. فأما قوله تعالى: ﴿لاَّ تُدْرِكُهُ ٱلأَبْصَٰرُ﴾ [الأنعام: ١٠٣]، فمعناه: لا تحيط به. ومن قال: إن معناه: لا تراه، فقد [غلط]: لأنه يلزم أن يكون (معنى): ﴿حَتَّىٰ إِذَآ أَدْرَكَهُ ٱلْغَرَقُ﴾ [يونس: ٩٠]: إذا رآه، وذلك محال! إنما معناه: إذا أحاط به. وكذلك يلزمه أن يكون معنى ﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾ [الشعراء: ٦١]: إنا [لمرئيون]، ولم يخافوا أن يراهم قوم فرعون، إنما خافوا أن يحيطوا بهم، فالمعنى: إنا لمحاط بنا، وكذلك يلزمهم أن يكون معنى: ﴿لاَّ تَخَافُ دَرَكاً﴾ [طه: ٧٧]: (لا تخاف) رؤية، وهذا محال، لم يؤمنه الله من رؤية آل فرعون له، إنما أَمَّنَهُ من إحاطتهم به وبمن معه واستعلائهم عليهم، فالمعنى في الآية: لا تحيط به الأبصار في الدنيا ولا في الآخرة. * * ومعنى ﴿لَن تَرَانِي﴾ [الأعراف: ١٤٣] أي: لن تراني في الدنيا. فالإحاطة به منفية، والرؤية له في الآخرة غير منفية. كما أن قوله: ﴿وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَآءَ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، لا يكون نفياً عن أن يعلموه، فكما كانت الإحاطة تدل على نفي العلم، كذلك بقي الإدراك لا يدل على نفي الرؤية. وكما جاز أن يعلم الخلق أشياء ولا يحيطون بها علماً، كذلك جاز أن يروا ربّهم ولا تحيط به أبصارهم، فمعنى الرؤية غير معنى الإدراك. فلذلك، لا يجوز أن يكون معنى ﴿لاَّ تُدْرِكُهُ ٱلأَبْصَٰرُ﴾ لا تراه. و [قد] قيل: معنى ﴿لاَّ تُدْرِكُهُ ٱلأَبْصَٰرُ﴾ أي: في الدنيا، على أن يكون ﴿تُدْرِكُهُ﴾ بمعنى، تراه، وتدركه في الآخرة أي: تراه، بدلالة قوله: ﴿إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾، وبدلالة قوله: ﴿كَلاَّ إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين: ١٥]. وهذا من أدل ما يكون من النص على جواز الرؤية، لأن المؤمنين لا بد أن يكونوا في الآخرة إما محجوبين [عن الرؤية] أو غير محجوبين، [فإن كانوا محجوبين] فلا فرق بينهم وبين الكفار الذين حكى الله عنهم أنهم محجوبون في الآخرة، ولا فائدة في إعلام الله لنا أن الكفار محجوبون عنه، إذ الكل محجوبون، فلا بد أن يكون المؤمنون غير محجوبين عن رؤيته، بخلاف حال الكفار. وقيل: معنى ﴿لاَّ تُدْرِكُهُ ٱلأَبْصَٰرُ﴾ أي: بالنهاية والإحاطة. فأما الرؤية فنعم. وقيل: معنى ﴿لاَّ تُدْرِكُهُ ٱلأَبْصَٰرُ﴾ كإدراكه خلقه، لأن أبصارهم ضعيفة. وقيل: المعنى: لا تدركه في الدنيا ولا في الآخرة، أي: أبصار الخلق التي خلقها الله [فيهم] لا يرونه بها، ولكن يحدث لهم تعالى في الآخر [حاسة] سادسة يرونه بها. وهذه دعوى لا دليل يصحبها من أثر ولا نظر، والله قادر على كل شيء. وقد روى جماعة من الصحابة عن النبي ﷺ أنه قال: "إِنَّكُمْ تَرَوْنَ رَبَّكُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ كَمَا تَرَوْنَ هَذَا - يَعْنِي القَمَرَ - لاَ تُضَامُونَ فِي رُؤْيَتِهِ". وفي بعض الرواية: "لاَ تُضَارُونَ فِي رُؤيَتِهِ". وفي بعضها: "كَمَا تَرَوْنَ الشَّمْسَ فِي غَيْرِ سَحَابٍ"، وفي بعضها: "كَمَا تَرَوْنَ الشَّمْسَ نِصْفَ النَّهَارِ وَلَيْسَ فِي السَّمَاءِ سَحَابَةٌ"، وفي بعضها: "كَمَا تَرَوْنَ القَمَرَ لَيْلَةَ البَدْرِ وَلَيْسَ فِي السَّمَاءِ سَحَابَةٌ وقد ذكر النحاس في "تضارون" و "تضامون" واختلاف ألفاظهما ومعانيهما ثمانية أوجه. "تُضَارَونَ" و "تُضَامُّون" مضموم الأول مخففاً، قال: ويجوز "تُضَارُّونَ" (و) "تُضَامُّونَ" مضموم الأول مشدداً، قال: ويجوز "تَضَامُّونَ" مفتوح الأول مشدداً، وأصله: "تَتَضَامُّونَ"، (ثم حذفت إحدى التاءين كـ ﴿تَفَرَّقُواْ﴾ [آل عمران: ١٠٣] و﴿تَسَآءَلُونَ﴾ [النساء: ١] قال: ويجوز "تَضَّامُّونَ" مفتوح الأول مشدد) الضاد والميم على أن تدغم التاء الثانية [في الضاد]، كما قال: ﴿تَظَاهَرُونَ﴾ [البقرة: ٨٥]، وكذلك يجوز "تُضَّامُّونَ" و "تُضَّارُّونَ" على ذلك، التقدير في الحذف والإدغام. والرواية فيها بالتخفيف، ومعناه: لا ينالكم عند رؤيتكم ضير ولا ضيم. ومن رواه مشدداً مضموم الأول فمعناه: لا يُضَّارَّ بعضكم بعضاً في الرؤية، ولا يُضَّامَّ بعضكم بعضاً كما تفعلون في رؤية الهلال في الدنيا إذا [أزدحمتم] لرؤيته. * * - ثم قال تعالى: ﴿[وَ]وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ﴾. أي: متغيرة الألوان كالحة مسودة. قال مجاهد: ﴿بَاسِرَةٌ﴾ "كاشرة". وقال قتادة: "كالحة عابسة". * * - ثم قال تعالى: ﴿تَظُنُّ أَن يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ﴾. أي: تعلم وتوقن أنه يفعل بها داهية. قال مجاهد: ﴿فَاقِرَةٌ﴾: "داهية". وقال قتادة: "تيقن أنها ستدخل النار"، كأن الفاقرة هي التي إذا حلت بالإنسان كسرت فقاره، أي: ظهره. * * - ثم قال: ﴿كَلاَّ﴾ أي: ليس الأمر على ما يظن هؤلاء المشركون ألا يعاقبوا على شركهم. فيوقف عليها هذا التأويل، ويجوز أن تكون بمعنى "حقاً"، أو بمعنى "إلا". فيبتدأ (بها). * * - ومعنى ﴿إِذَا بَلَغَتِ ٱلتَّرَاقِيَ﴾. يعني النفس عند الموت وحشرج بها. * * - ﴿وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ﴾. أي: وقال أهله ومن حوله: (من) يرقيه فيشفيه [لِمَا بِهِ]، وطلبوا له الأطباء فلم يغنوا عنه من أمر الله شيئاً. هذا معنى قول عكرمة وابن زيد. وقال أبو قلابة: ﴿مَنْ رَاقٍ﴾: "من طبيب وشاف"، وهو قول الضحاك وقتادة. وعن ابن عباس أن معناه: وقالت الملائكة - يعني أعوان ملك الموت -: من يرقى بنفسه فيصعدها؟ أملائكة الرحمة أم ملائكة العذاب؟ يقال: رَقَى يَرْقِي من الرُّقْيَةِ. وَرَقَى يَرْقَى من الصُّعُودِ. واسم الفاعل فيهما رَاقٍ. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَظَنَّ أَنَّهُ ٱلْفِرَاقُ﴾. أي: أيقن: بالموت فليس أحد يدفعه عنه. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَٱلْتَفَّتِ ٱلسَّاقُ بِٱلسَّاقِ﴾. أي: اختلطت شدة كرب الدنيا وكرب الآخرة، هذا معنى قول ابن عباس. وعنه أيضاً أنه يقول: "آخر يوم من الدنيا وأول يوم من الآخرة، فتلتقي الشدة بالشدة". وقال الضحاك: معناه: "أهل الدنيا يجهزون الجسد، وأهل الآخرة يجهزون الروح". وقال قتادة: ﴿وَٱلْتَفَّتِ ٱلسَّاقُ بِٱلسَّاقِ﴾: "[الشدة] بالشدة، ساق الدنيا بساق الآخرة". وقيل: "عمل الدنيا بعمل الآخرة". وذكر ابن زيد قولين في ذلك، أحدهما: "ساق الآخرة بساق الدنيا"، والآخر أنه حكي عن بعض العلماء أنهم قالوا: "قل ميت يموت إلا التفت إحدى ساقيه بالأخرى. و (هو) قول مروي عن قتادة وأبي مالك والسدي. واختار القول (الأول) لقوله تعالى: ﴿إِلَىٰ رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ ٱلْمَسَاقُ﴾. وقال الحسن: هو لف ساقيك في الكفن. وعن مجاهد في معناه: [التف] "بلاء ببلاء". * * - ثم قال تعالى: ﴿إِلَىٰ رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ ٱلْمَسَاقُ﴾. أي: إلى ربك مساقه إذا اشتد كربه وحَشرَجَتْ نفسه. * * - ثم قال تعالى: ﴿فَلاَ صَدَّقَ وَلاَ صَلَّىٰ﴾. أي: لم يصدق ولم يصل، فـ "لا" نفي وليست بعاطفة، لأنها لو كانت عاطفة لأشبه [الثاني] الدعاء، والمعنى: فلم يصدق بكتاب الله، ولم يصل لله صلاة. ولكنه ﴿كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ﴾. أي: كذب بكتاب الله وبنبيه، وأعرض عن القبول والطاعة. * * - ﴿ثُمَّ ذَهَبَ إِلَىٰ أَهْلِهِ يَتَمَطَّىٰ﴾. أي: [مضى] [منصرفاً] [متبختراً] في مشيته. قال قتادة: ﴿يَتَمَطَّىٰ﴾: "يتبختر". قال زيد بن أسلم: ﴿يَتَمَطَّىٰ﴾: يتبختر، وهي مشية بني مخزوم. وهو مشتق من المطا، وهو الظهر. كأنه يلوي ظهره متبختراً. ومنه حديث النبي ﷺ: "إِذَا مَشَتْ أُمَّتِي المُطَيْطَاءَ". ويجوز أن يكون من مططت، ثم [أبدل] من إحدى الطاءين ياء، كما قالوا: "تَظَنَّيْتُ" في "تَظَنَّنْتُ"، فيكون المعنى: يمد يديه ورجليه في الخطا [متبختراً]. قال مجاهد وابن زيد: نزلت هذه الآية في أبي جهل. * * - ثم قال تعالى: ﴿أَوْلَىٰ لَكَ فَأَوْلَىٰ * ثُمَّ أَوْلَىٰ لَكَ فَأَوْلَىٰ﴾. هذا وعيد وتهدد لأبي جهل. قال قتادة: ذُكِرَ لَنَا أَنَّ نَبِيَّ الله عليه السلام أَخَذَ بِمَجَامِعِ [ثِيَابِ] أَبِي جَهْلٍ، فَقَالَ: ﴿أَوْلَىٰ لَكَ فَأَوْلَىٰ * (ثُمَّ أَوْلَىٰ لَكَ فَأَوْلَىٰ)﴾، فَقَالَ عَدُوُّ الله: [أَيُوعِدُنِي] مُحَمَّدٌ؟! وَالله، مَا تَسْتَطِيعَ لِي أَنْتَ وَلاَ رَبُّكَ شَيْئَاً، وَالله، لأَنَا أَعَزُّ مَنْ مَشَى بَيْنَ جَبَلَيْهَا. فَلَمَّا كَانَ يَوْمَ بَدْرٍ، أَشْرَفَ عَدُوُّ الله عَلَيْهِمْ، فَقَالَ: لاَ يُعْبَدُ اللهُ بَعْدَ اليَوْمِ أَبَداً، فَضَرَبَ اللهُ عُنُقَهُ وَقَتَلَهُ شَرَّ قَتْلَةٍ". والعرب تقول: "أولى (لك): كدت تهلك ثم (أفلت)". وتقديره، أولى لك فأولى لك الهلكة، (ثم أولى لك فأولى لك الهلكة)، فهو وعيد بعد وعيد". وقال بعض أهل المعاني: ﴿أَوْلَىٰ لَكَ﴾ هو "أفعل" الذي للتفضيل بمنزلة "أخزى لك" و "أقبح لوجهك"، وهو مشتق من الويل. وفيه قلب، قدمت [اللام] وهي لام الفعل قبل الياء، وهي عين الفعل، قال: وإنما فعلوا ذلك لئلا يلزمهم من الإدغام ما [تتغير] به الكلمة. فلو أتوا به على الأصل للزمهم أن يقولوا: "أيل"، لأن الواو تدغم فيها [الياء] إذا تقدمت ساكنة، بمنزلة: [ميت] وهين. * * - ثم قال تعالى: ﴿أَيَحْسَبُ ٱلإِنسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى﴾. أي: مهملاً لا يؤمر ولا ينهى، يعني بذلك الكافر. قال ابن عباس: ﴿سُدًى﴾ مهملاً. قال ابن زيد: "لا يفترض عليه عمل ولا يعمل". يقال: "أسديت الشيء" بمعنى: أعملته. * * - ثم قال تعالى: ﴿أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِّن مَّنِيٍّ يُمْنَىٰ﴾. أي: (ألم) يك - هذا المنكر قُدرةَ الله على إحيائه بعد موته - ماءً قليلاً في صلب الرجال (مِن مَنِيٍّ)؟! - ﴿ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً﴾. ثم دماً. * * - ﴿فَخَلَقَ فَسَوَّىٰ﴾. أي: فخلقه الله إنساناً من بعدما كان نطفة وعلقة ثم [سواه] بشراً ناطقاً سميعاً بصيراً. * * - ﴿فَجَعَلَ مِنْهُ ٱلزَّوْجَيْنِ ٱلذَّكَرَ وَٱلأُنثَىٰ﴾. أي: فجعل من هذا الإنسان بعد ما سوّاه بشراً أولاداً، ذكوراً وإناثاً. * * - ﴿أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَىٰ أَن يُحْيِـيَ ٱلْمَوْتَىٰ﴾. أي: [أليس] الذي قدر على ذلك واخترعه من غير مثال [قادراً] على أن يحيي الموتى بعد مماتهم؟! وكان النبيّ ﷺ إذا قرأ آخر (هذه) السورة يقول: بلى. قال قتادة: "كان يقول: سبحانك، وبلى". وأجاز الفراء الإدغام في ﴿يُحْيِـيَ﴾، وهو غلط عند الخليل وسيبويه، لئلا يلتقي ساكنان.

القيامة 75:38

قوله: ﴿لاَ أُقْسِمُ بِيَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ﴾، إلى آخرها. من النحويين من قال: "لا" زائدة كزيادتها في قوله: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ﴾ [الأعراف: ١٢]. ولم يمتنع أن تزاد في أول الكلام، لأن القرآن كله كسورة واحدة. وقد صح عن ابن عباس وغيره أنه قال: إن الله جل ذكره أنزل القرآن جملة واحدة إلى السماء الدنيا في شهر رمضان في ليلة القدر. ثم نزل متفرقاً من السماء على النبي ﷺ. وقد قال الفراء: "لا" لا تزاد ("لا" في النفي)، وخالفه غيره فأجاز زيادتها في غير النفي. وقيل: [إن] "لا" من قوله: ﴿لاَ [أُقْسِمُ]﴾: جواب، ثم استأنف فقال: أقسم بيوم القيامة. وكذلك هي زائدة [بلا] اختلاف في قوله: ﴿وَلاَ أُقْسِمُ بِٱلنَّفْسِ﴾، لأنها متوسطة بلا اختلاف، ولأنها بعد نفي. هذا على قول من جعله أيضاً قسماً ثانياً. ومن جعله غير قسم جعل "لا" نافية. وهو قول الحسن. وقد قرأ قُنْبُل عن ابن كثير: "لأُقْسِمُ" بغير ألف بعد اللام، وهو غلط عند الخليل وسيبويه، لأنها لام عند قسم تلزمها النون المشددة. قال ابن جُبير: "﴿لاَ أُقْسِمُ بِيَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ﴾ معناه: أقسم بيوم القيامة". وقال أبو بكر ابن عياش: ﴿لاَ﴾ تأكيد للقسم، بقولك: لا، والله. وحكي عن بعض الكوفيين أن ﴿لاَ﴾ رد لكلام قد مضى من المشركين الذين كانوا ينكرون الجنة والنار. ثم ابتدأ القسم فقال: ﴿أُقْسِمُ بِيَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ﴾. وكان يقول: كل يمين قبلها رد لكلام فلا بد من تقدم "لا" ليفرق بذلك بين اليمين التي تكون جحداً واليمين التي تستأنف. قال: ألا ترى أنك تقول مبتدءاً: والله إن الرسول لحق؟ فإذا قلت: لا، والله إن الرسول لحق، فكأنك كذبت قوماً أنكروه. وقيل: "لا" تنبيه بمعنى "ألا". كما قال امرؤ القيس: ؎ لاَ وَأَبيكِ ابْنَةَ العامِر[يِّ] ∗∗∗ لا يدّعي القومُ أَنِّي [أَفِرّ] يريد: ألا. قال ابن عباس: قوله: ﴿وَلاَ أُقْسِمُ بِٱلنَّفْسِ﴾ (هو أيضاً) قسم. أَقْسَمَ ربنا بما شاء من خلقه. وهو قول قتادة. وهو اختيار الطبري، فتكون "لا" الأولى رداً لكلام تقدم، و "لا" الثانية زائدة. وقال الحسن: ﴿وَلاَ أُقْسِمُ بِٱلنَّفْسِ﴾ ليس بقسم. والمعنى: ولست أقسم بالنفس اللوامة. فتكون "لا" الأولى [رداً] لكلام تقدم أو زائدة، و "لا" الثانية نافية غير زائدة. وتأويل الكلام عند الطبري: لا، ما الأمر. كما تقولون: أيها الناس. كأنه (يقدرُ) جواب القسم محذوفاً. كأنه قال: (لا)، ما الأمر، كما تقولون: إن الله لا يبعث أحداً، أقسم بيوم القيامة ما الأمر كما تقولون. ودل على ذلك قوله: ﴿بَلَىٰ قَادِرِينَ عَلَىٰ أَن نُّسَوِّيَ بَنَانَهُ﴾، وقوله ﴿أَيَحْسَبُ ٱلإِنسَانُ أَلَّن [نَّجْمَعَ] عِظَامَهُ﴾، أي: أيحسب أن لن يبعث بعد موته؟! ﴿أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِّن مَّنِيٍّ يُمْنَىٰ * ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّىٰ * فَجَعَلَ مِنْهُ ٱلزَّوْجَيْنِ ٱلذَّكَرَ وَٱلأُنثَىٰ * أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَىٰ أَن يُحْيِـيَ ٱلْمَوْتَىٰ﴾، (على خلاف) ظنهم أنهم لا يبعثون. فالمعنى: ما الأمر كما تقولون أيها الناس من أن الله لا يبعث عباده بعد مماتهم، أُقْسِمُ بِيَوْمِ القيامة. قال: والمعروف في كلام الناس: إذا قال الرجل: "لا، والله ما فعلت" أن قولهم "لا" رَدُّ الكلام. وقولهم: "والله": ابتداءُ يمينٍ فكذلك ﴿لاَ أُقْسِمُ بِيَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ﴾. * * - وقوله: ﴿بِٱلنَّفْسِ ٱللَّوَّامَةِ﴾. أي: بالنفس التي "تلوم على الخير والشر". قاله ابن جبير. وقال مجاهد: معناه بالنفس التي تندم وتلوم على ما فات. يروى أنه ما من نفس إلا تلوم نفسها يوم القيامة. يلوم المحسن نفسه: أَلاَ ازْدَادَ خيراً؟! ويلوم المسيء نفسه (على إساءته وعلى ما فاته من التوبة. قال الحسن: المؤمن يلوم نفسه ويعاتبها ويقول): [لِمَ] أَكلت؟! [لم شربت]؟! لم تحدثت؟! لم تكلمت؟! - يعني: يفعل ذلك في الدنيا - قال: والكافر لا يعاتب نفسه، يَمُرُّ قدما قدماً في الذنوب. وعن الحسن [أيضاً] أنه قال: هو المؤمن، إن تلقاه إلا يعاتب نفسه: [ما أردت بكذا]؟! [ما أردت] بنظرك ما أردت بكلمتك؟! وقال قتادة: اللوامة: "الفاجرة". وعن ابن عباس: هي "المذمومة". * * - ثم قال: ﴿أَيَحْسَبُ ٱلإِنسَانُ أَلَّن نَّجْمَعَ عِظَامَهُ * بَلَىٰ قَادِرِينَ عَلَىٰ أَن نُّسَوِّيَ بَنَانَهُ﴾. أي: أيظن ابن آدم أن لن نقدر على جمع عظامه بعد تفرقها؟! يعني: أيحسب الكافر أنه لا يبعث بعد تفرق عظامه؟! بل نقدر على أعظم من ذلك، وهو أن نسوي أصابع يديه ورجليه فنجعلها شيئاً واحداً [كَخُفِّ] البعير، وحَافِرِ الحمار، فلا يقدر أن يأكل بيديه ويرجع إلى الأكل بفمه كالبهائم، ولكن (الله) فرق أصابع يديه ورجليه ليتناول بها ويُفْضِيَ إذا شاء، هذا معنى قول ابن عباس وغيره من المفسرين. ونصب ﴿قَادِرِينَ﴾ على الحال، أي: بلى، نجمعها في حال قدرة على تسوية بنانه. هذا قول سيبويه. وقيل: التقدير: بل نقدر، فلما وقع ﴿[قَادِرِينَ]﴾ في موضع "نقدر"، نصب على الحال. وهذا غلط، لأنه يلزم أن يقول: "قائماً زيد" [بنصب] "قائم" إذا رفع "زيداً" بفعله، لأنه في موضع "يقوم". وقال الفراء: تقديره: بلى، نقوى على ذلك قادرين. * * - ثم قال: ﴿بَلْ يُرِيدُ ٱلإِنسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ﴾. أي: ليس يجهل الإنسان أن ربه يقدر على جمع عظامه وإحيائه بعد موته، ولكن يريد أن يمضي أمامه قدماً لا يُثْنَى عن ذنوبه ولا يتوب من كفره، ويُسَوِّفُ بالتوبة. قال ابن جبير: ﴿لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ﴾، يعني الأمل، يقول: أعمل ثم أتوب قبل يوم القيامة. قال مجاهد: يمضي ابن آدم ﴿أَمَامَهُ﴾ راكباً رأسه. وقال الحسن: لا تلقى ابن آدم إلا تَنْزَعُ نَفْسُهُ إلى معصية الله قُدُماً قُدُماً إلاَّ من عصم الله. وقال عكرمة: ... "لا ينزع عن فجوره". وقال الضحاك: يركب رأسه في طلب الدنيا دائماً، لا يذكر الموت، يقول: أصيبُ من الدنيا كذا، وأصيب من الدنيا كذا، ولا يذكر الموت. وعن ابن عباس أن معناه أن الإنسان هُنَا "الكافر، يكذب بالبعث والحساب"، وهو قول ابن زيد. فالهاء في ﴿أَمَامَهُ﴾ للإنسان [في جميع هذه] الأقوال. وقيل: الهاء ليوم القيامة، والمعنى: بل يريد الإنسان ليكفر بالحق بين يدي يوم القيامة. وقيل: المعنى: يقدم الذنب ويؤخر التوبة. * * - ثم قال: ﴿يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ ٱلْقِيَامَةِ﴾. أي: يسأل الإنسان الدائم في معصية الله: متى يوم القيامة؟! تسويفاً منه بالتوبة. قال قتادة: [يقول]: "متى يوم القيامة". قال عمر بن الخطاب: "من سأل عن يوم القيامة فليقرأ هذه السورة". قال ابن عباس: معناه: يقول الإنسان: سوف أتوب. قال: فبين له، فقيل له: ﴿فَإِذَا بَرِقَ ٱلْبَصَرُ * وَخَسَفَ ٱلْقَمَرُ﴾ * * - وقوله: ﴿فَإِذَا بَرِقَ ٱلْبَصَرُ﴾. من فتح الراء فمعناه: [لمع] عند الموت، ومن كسر فمعناه: حَارَ وفَزِعَ [عند الموت]. قال قتادة: ﴿بَرِقَ (ٱلْبَصَرُ)﴾: شخص، يعني: عند الموت. وقيل: ذلك يوم القيامة عند المبعث. وسياق الكلام يدل على ذلك، لأن بعده: ﴿وَخَسَفَ ٱلْقَمَرُ * وَجُمِعَ ٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ * يَقُولُ ٱلإِنسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ ٱلْمَفَرُّ﴾، فهذا كله يوم القيامة يكون فكذلك ﴿بَرِقَ ٱلْبَصَرُ﴾. وقيل: الفتحُ في الراءِ والكسرُ لغتان، بمعنى: لَمعَ وشَخَصَ. ويدل على [صحة] ذلك قوله: ﴿لاَ يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ [طَرْفُهُمْ]﴾ [إبراهيم: ٤٣]، فهذا هو الشخوص، [لا تُطْرَفُ] أَعينُهُم، وذلك من شدة هول يوم القيامة. * * - ثم قال: ﴿وَخَسَفَ ٱلْقَمَرُ﴾. أي: ذهب ضوءه. * * - ﴿وَجُمِعَ ٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ﴾. أي: جمع بينهما في ذهاب الضوء، فلا ضوء لواحد منها. وفي قراءة عبد الله: وجمع بين الشمس والقمر. روي أنهما يجمعان فيكوران كما قال تعالى: ﴿إِذَا ٱلشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ [التكوير: ١] (قال مجاهد: كورتا يوم القيامة. وقال ابن زيد: جمعتا فرُميَ بهما في الأرض. وتأويل ﴿إِذَا ٱلشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ [التكوير: ١] أن معناه: كورت في الأرض، [أي] [رمي] بها. فيكون معنى الجمع بينهما هنا: أن يُرْمَى بهما في الأرض. وقال عطاء: يجمعان يوم القيامة ثم يقذفان في البحر [فيكونان] نار الله الكبرى. وقيل: ﴿وَجُمِعَ﴾، ولم يقل: "وجمعت"، لأن معناه: وجمع بين الشمس والقمر. فحمل على تذكيرين. وقيل: لما كان الكلام لا يتم إلا بالقمر، غلب المذكر - وهو القمر -. وقال الكسائي: حمل على المعنى. والتقدير: وجمع النوران الضياءان. وقال المبرد: ذُكِرَ ﴿وَجُمِعَ﴾ لأنه تأنيث غير حقيقي، [إذ] لم تؤنث الشمس للفرق بين شيء وشيء. فلذلك، تذكيره على معنى: "شَخْص" و "شَيْء". * * - ثم قال: ﴿يَقُولُ ٱلإِنسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ ٱلْمَفَرُّ﴾. أي: يقول الإنسان - مما يرى من الأهوال يوم القيامة -: أين الفرار؟!، "والمَفَرُّ" مصدرٌ. عن ابن عباس: "أَيْنَ المَفِرُّ" بكسر الفاء، وروي عن عيسى بن عمر وابن أبي إسحاق ويحيى بن يعمر، فهو على هذا: اسم مكان، أي المكان الذي يفر إليه. وأجاز في المصدر الكسر. * * - ثم قال: ﴿كَلاَّ لاَ وَزَرَ﴾. أي: لا، ليس هنالك يا ابن آدم فرار، ولا مكان يلجأ إليه ويفر إليه، ولا جبل ولا معقل. قال ابن عباس: ﴿لاَ وَزَرَ﴾: "لا حصن (ولا ملجأ". وقال مطرف بن الشخير: ﴿لاَ وَزَرَ﴾: لا جبل، إن الناس إذا فروا قالوا: عليك بالوزر. وهو قول الحسن ومجاهد وقتادة. وقال الضحاك: ﴿لاَ وَزَرَ﴾: "لا حصن) وهو قول أبي قلابة. وقال ابن جبير: لا محيص. وقال عكرمة: لا منعة. وأصل هذا أنهم كانوا إذا ضُيِّقَ عليهم في الحروب والهزائم الشداد لجؤوا إلى الجبال والمعاقل، فأعلموا أنه لا ملجأ من عذاب الله في القيامة إلى جبل ولا إلى غيره. * * - ثم قال: ﴿إِلَىٰ رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ ٱلْمُسْتَقَرُّ﴾. قال ابن زيد: "استقر أهل الجنة في الجنة، وأهل النار في النار" وقال قتادة: معناه: إلى ربك يومئذ المنتهى. * * - ثم قال: ﴿يُنَبَّأُ ٱلإِنسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ﴾. أي: يُخْبر الإنسان يوم يجمع الشمس والقمر بما قدم من عمله وما أخر بعده مما يعمل به من أجله. قال ابن عباس: "يخبر الإنسان يوم القيامة بما عمل قبل موته وبما سَنَّ فَعُمِلَ به بعد موته". وقاله ابن مسعود. وقيل: المعنى: بما قدم من المعصية وأخر من الطاعة. روي ذلك أيضاً عن ابن عباس. وقال مجاهد: معناه: يخير الإنسان يوم القيامة بأول عمله وآخره. وقال قتادة: يخبر بما قدم من طاعة الله وبما أخر، أي: ما ضيع من حق الله. وقال ابن زيد: ﴿وَأَخَّرَ﴾ معناه: بما ترك من العمل بطاعة الله. و ﴿بِمَا قَدَّمَ﴾ [معناه]: ما قدم من عمل من خير أو شر. وقيل: ما أخر: ما أوصى به بعد موته، وما أبقى من أثر عمله بعده. * * - ثم قال تعالى: ﴿بَلِ ٱلإِنسَانُ عَلَىٰ نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ﴾. أي: هو شاهد على نفسه. قال ابن عباس: "يشهد عليه سمعه وبصره ويداه ورجلاه وجوارحه"، فيكون ﴿ٱلإِنسَانُ﴾ ابتداء، و ﴿بَصِيرَةٌ﴾ ابتداءٌ ثانٍ، و ﴿عَلَىٰ نَفْسِهِ﴾ خبرٌ، والجملة خبرُ [عن] الإنسان. وقال ابن جبير وقتادة: معناه: أن الإنسان عارف بعيبه، فهو عارف بعيب غيره، متغافل عن عيبه. فيكون ﴿ٱلإِنسَانُ﴾ على هذا التأويل ابتداء، و ﴿بَصِيرَةٌ﴾ خبره. ودخلت الهاء في "بصيرة" للمبالغة. وقيل: دخلت حملا على المعنى، [لأن] المعنى: بل الإنسان حجة على نفسه. وقيل: معنى ﴿بَلِ ٱلإِنسَانُ عَلَىٰ نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ﴾: يعني الكاتبين يكتبان خيره وشره. ودل على ذلك قوله: ﴿وَلَوْ أَلْقَىٰ مَعَاذِيرَهُ﴾، أي: ولو سدل ستوره ليخفي صنعه لم ينفعه شيء. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَلْقَىٰ مَعَاذِيرَهُ﴾. أي: بل الإنسان شاهد على نفسه ولو اعتذر مما أتى من المآثم وجادل بالباطل [لا ينفعه] ذلك شيئا. قال ابن عباس: "﴿وَلَوْ أَلْقَىٰ مَعَاذِيرَهُ﴾ يعني الاعتذار. ألم تسمع إلى قوله تعالى: ﴿لاَ يَنفَعُ ٱلظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ﴾ [غافر: ٥٢] يعني قولهم: ﴿مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِن سُوۤءٍ﴾ [النحل: ٢٨]، وقولهم: ﴿رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣]؟! قال ابن زيد: "قوم يؤذن لهم فيعتذرون فلا ينفعهم العذر، وقوم لا يؤذن لهم فيعتذروا". وقال مجاهد: ﴿وَلَوْ أَلْقَىٰ مَعَاذِيرَهُ﴾: "ولو جادل عنها فهو بصيرة عليها". وقال السدي: "معناه: ولو أرخى الستور وأغلق الأبواب". وقال الحسن و [قتادة]: "(معناه): ولو ألقى معاذيره لم تقبل منه"، إذ هي باطل. * * - ثم قال تعالى: ﴿لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾. أي: لا تحرك يا محمد بالقرآن - إذا نزل عليك - (لسانك) لتعجل به. روي أن النبي ﷺ كان إذا نزل عليه شيء من القرآن عجل به يريد حفظه [لحبه] إياه، فقيل: لا تعجل به، فإنا سنحفظه عليك. قال ابن عباس: كَانَ النبي ﷺ يَلْقَى مِنَ التَّنْزِيلِ شِدَّةً، يُحَرّكُ شَفَتَيْهِ كَرَاهَةَ أَنْ يَتَفَلَّتَ مِنْهُ، فَأَنْزَلَ اللهُ - جَلَّ ذِكْرُهُ -: ﴿لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ * إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾، أَيْ: جَمْعَهُ في صَدْرِكَ، وَأَنْ تَقْرَأَهُ. ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَٱتَّبِعْ (قُرْآنَهُ)﴾، أَيْ: فَأَنْصِتْ وَاسْتَمِعْ. * * ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾. (أَيْ): (إِنَّ) عَلَيْنَا أَنْ نُبَيِّنَهُ بِلِسَانِكَ ، قَالَ: فَكَانَ النبي ﷺ إِذَا أََتَاهُ جِبْرِيلُ [اسْتَمَعَ]، فَإذَا انْطَلَقَ قَرَأَهُ (كَمَا قَرَأَهُ). قال الشعبي: "كَانَ النبي ﷺ إِذَا نَزَلَ عَلَيْهِ الوحيُ عَجِلَ يَتَكَلَّم بِهِ مِنْ حُبِهِ إِيَّاهُ، فَنَزَلَ: ﴿لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾. وقال ابن زيد: "(معناه): لا تكلم بالذي أوحينا إليك حتى نقضي إليك وحيه، فإذا قضينا إليك وحيه فتكلم به". وقال الضحاك: كان النبي ﷺ إذا نزل عليه القرآن حرك به لسانه مخافة أن ينساه، فقيل له: ﴿لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ * إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ﴾ أي: حفظه في [قلبك]. وأن تقرأه بعد حفظه. وروي ذلك أيضاً عن ابن عباس والحسن ومجاهد وقتادة. [وقال قتادة]: معنى ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾ أي: جمعه في قلبك حتى تحفظه ﴿وَقُرْآنَهُ﴾ أي: [تأليفه]. يقال: قرأت هذه الفاتحة في بطنها جنيناً إذا ضمت رحمها على ذلك. * * - وقوله: ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَٱتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾. معناه عند ابن عباس: ("فإذا أنزلناه إليك فاستمع قرآنه". وعنه أيضاً أن [معناه]: "فإذا تلي عليك فاتبع ما فيه". وقال قتادة: ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ﴾ "فاتبع) حلاله، واجتنب حرامه". وقال الضحاك: "فاتبع ما فيه". وعن ابن عباس أيضاً أن معناه: فإذا بيناه فاتبع قرآنه، أي: اعمل به. - وقوله ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾. أي: علينا بيان ما فيه من حلال وحرام [وأحكام]، فأعلم الله - جل ذكره - أنه المتولي لحفظ كتابه علينا، ولم [يكل] ذلك إلينا، فَسَلِمَ من التغيير. [ولو وكله] (إلينا) لم نأمن أن يغيره ويبدله زنادقة هذه الأمة، فالحمد لله على ذلك، وقد وكل الله حفظ التوراة والإنجيل إلى اليهود والنصارى فغيروا وبدلوا. وقد سئل سفيان بن عيينة فقيل له: كيف غيرت التوراة والإنجيل وهما من عند الله؟! فقال: إن الله جل ثناؤه وكل حفظهما إليهما، فقال جل ذكره: ﴿بِمَا ٱسْتُحْفِظُواْ مِن كِتَابِ ٱللَّهِ﴾ [المائدة: ٤٤]، ولم [يكل] حفظ القرآن إلى أحد، فقال جل ذكره: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ٱلذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩]، فما حفظه الله علينا لم يغير. وقيل: معنى قوله: ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ أي [أن] نبينه بلسانك. * * - ثم قال تعالى: ﴿كَلاَّ بَلْ تُحِبُّونَ ٱلْعَاجِلَةَ﴾. أي: ليس الأمر أيها الناس على قولكم: إنكم لا تبعثون ولا تجازون بأعمالكم. ولكن الذي دعاكم إلى ذلك [حبكم] الدنيا وزينتها، وإيثاركم عاجلها على آجل الآخرة، ونعيمها الدائم. فأنتم لذلك تؤمنون بالعاجلة وتكذبون بالآجلة. (ويجوز أن تكون "كلا" بمعنى "حقاً" أو بمعنى "ألا". قال قتادة: اختار الناس العاجلة إلا من عصم الله). * * - ثم قال: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ﴾. أي: حسنة ناعمة جميلة من السرور والغبطة. هذا قول جميع أهل التفسير. * * - ثم قال: ﴿إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾. أي: تنظر إلى ربها. قال عكرمة: "تنظر إلى ربها نظراً". قال الحسن: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ﴾: "أي حسنة: ﴿إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾: قال: تنظر إلى الخالق، وحق (لها) أن [تنضر] وهي [تنظر] إلى الخالق". وقال عطية العوفي: هي تنظر إلى الله - جل وعز - لا تحيط أبصارهم به من عظمته، ويحيط بهم، ﴿لاَّ تُدْرِكُهُ ٱلأَبْصَٰرُ وَهُوَ يُدْرِكُ ٱلأَبْصَٰرَ﴾ [الأنعام: ١٠٣]. [وقد] قال بعض أهل البدع: إنه بمعنى منتظرة إلى ثواب ربها، وهذا خطأ في العربية، [(لا) يقال]: "نظرت إليه" بمعنى انتظرته، وإنما يقال: "نظرته" بمعنى انتظرته. وأيضاً فإنه لا يجوز "انتظرت زيداً" بمعنى [انتظرت] عطاءه أو غلامه أو ثوابه أو نحوه، لأن فيه تغيير المعاني وإبطال الخطاب. وأيضاً، فإن النظر إنما يضاف إلى الوجوه، والانتظار (إنما) يضاف إلى القلوب، فلا يجوز أن يقال: "[وجهي] منتظر لك". فلما أتى النص بإضافة النظر إلى الوجوه، لم يَجُزْ أَنْ يَتَأَوَّلَ فيه معنى الانتظار، ولو قال: "قلوب يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة"، لحسن كونه بمعنى الانتظار لإضافته إلى القلوب. قال الحسن في الآية: نَظَرت إلى الله [فنضرت] من نوره، أي: نعمة من نوره. وقد روى عبادة بن الصامت أن النبي ﷺ قال: "إِنِّي حَدّثْتُكُمْ عَنِ المَسِيحِ الدَّجَالِ، إِنَّهُ قَصِيرٌ أَفْحَجُ جَعْدٌ أَعْوَرُ [مَطْمُوسُ] عَيْنِ اليُسْرَى، لَيْسَتْ بِنَاتِئَةٍ وَلاَ حَجْرَاءَ، فَإِنِ الْتَبَسَ عَلَيْكُمْ فَاعْلَمُوا أَنْ رَبَّكُمْ - عز وجل - لَيْسَ بِأَعْوَرَ، وَإِنَّكُمْ لَنْ تَرَوْا رَبَّكُمْ - جَلَّ ذِكْرُهُ - حَتَّى تَمُوتُوا وقد (استدل) من أنكر النظر بإضافة النظر إلى الوجه، قال: والعين لا تسمى وجها. وقد [أضاف] النظر إلى الوجه. وهذا غلط ظاهر، لأن العرب من لغتها أن تسمي الشيء (باسم) الشيء إذا قرب منه وجاوره، وقد قال الله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاعِمَةٌ * لِّسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ﴾ [الغاشية: ٨-٩]، والسعي للأقدام، وقد أضاف السعي [للوجوه]، وهو أبعد من الأقدام من العين إلى الوجه، فإذا جاز أن يضاف سعي الأبدان والأقدام إلى [الوجوه] - لالتباس الوجوه بها - كان (إضافة) النظر إلى [الوجه] - يراد به العين - أَجْوَزَ وَأَحْسَنَ، لأن العين في الوجه، وهي من جملة الوجه. وهذا سائغ جائز في اللغة وفي كثير من القرآن. [وأحَادِيثُ] تصحيح النظر إلى الله جل ذكره في الآخرة كثيرة أشهر من أن تذكر ها هنا. ويدل على تصحيح جواز ذلك - من القرآن والنظر - قوله تعالى - حكاية عن موسى عليه السلام -: ﴿قَالَ رَبِّ أَرِنِيۤ أَنظُرْ إِلَيْكَ﴾ [الأعراف: ١٤٣]. ففي سؤاله النظر دليل على جوازه، لأن موسى لا يمكن أن يسأل ما لا يجوز وما يستحيل، فأعلمه الله أنه لا يراه في الدنيا أحد. فأما قوله تعالى: ﴿لاَّ تُدْرِكُهُ ٱلأَبْصَٰرُ﴾ [الأنعام: ١٠٣]، فمعناه: لا تحيط به. ومن قال: إن معناه: لا تراه، فقد [غلط]: لأنه يلزم أن يكون (معنى): ﴿حَتَّىٰ إِذَآ أَدْرَكَهُ ٱلْغَرَقُ﴾ [يونس: ٩٠]: إذا رآه، وذلك محال! إنما معناه: إذا أحاط به. وكذلك يلزمه أن يكون معنى ﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾ [الشعراء: ٦١]: إنا [لمرئيون]، ولم يخافوا أن يراهم قوم فرعون، إنما خافوا أن يحيطوا بهم، فالمعنى: إنا لمحاط بنا، وكذلك يلزمهم أن يكون معنى: ﴿لاَّ تَخَافُ دَرَكاً﴾ [طه: ٧٧]: (لا تخاف) رؤية، وهذا محال، لم يؤمنه الله من رؤية آل فرعون له، إنما أَمَّنَهُ من إحاطتهم به وبمن معه واستعلائهم عليهم، فالمعنى في الآية: لا تحيط به الأبصار في الدنيا ولا في الآخرة. * * ومعنى ﴿لَن تَرَانِي﴾ [الأعراف: ١٤٣] أي: لن تراني في الدنيا. فالإحاطة به منفية، والرؤية له في الآخرة غير منفية. كما أن قوله: ﴿وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَآءَ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، لا يكون نفياً عن أن يعلموه، فكما كانت الإحاطة تدل على نفي العلم، كذلك بقي الإدراك لا يدل على نفي الرؤية. وكما جاز أن يعلم الخلق أشياء ولا يحيطون بها علماً، كذلك جاز أن يروا ربّهم ولا تحيط به أبصارهم، فمعنى الرؤية غير معنى الإدراك. فلذلك، لا يجوز أن يكون معنى ﴿لاَّ تُدْرِكُهُ ٱلأَبْصَٰرُ﴾ لا تراه. و [قد] قيل: معنى ﴿لاَّ تُدْرِكُهُ ٱلأَبْصَٰرُ﴾ أي: في الدنيا، على أن يكون ﴿تُدْرِكُهُ﴾ بمعنى، تراه، وتدركه في الآخرة أي: تراه، بدلالة قوله: ﴿إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾، وبدلالة قوله: ﴿كَلاَّ إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين: ١٥]. وهذا من أدل ما يكون من النص على جواز الرؤية، لأن المؤمنين لا بد أن يكونوا في الآخرة إما محجوبين [عن الرؤية] أو غير محجوبين، [فإن كانوا محجوبين] فلا فرق بينهم وبين الكفار الذين حكى الله عنهم أنهم محجوبون في الآخرة، ولا فائدة في إعلام الله لنا أن الكفار محجوبون عنه، إذ الكل محجوبون، فلا بد أن يكون المؤمنون غير محجوبين عن رؤيته، بخلاف حال الكفار. وقيل: معنى ﴿لاَّ تُدْرِكُهُ ٱلأَبْصَٰرُ﴾ أي: بالنهاية والإحاطة. فأما الرؤية فنعم. وقيل: معنى ﴿لاَّ تُدْرِكُهُ ٱلأَبْصَٰرُ﴾ كإدراكه خلقه، لأن أبصارهم ضعيفة. وقيل: المعنى: لا تدركه في الدنيا ولا في الآخرة، أي: أبصار الخلق التي خلقها الله [فيهم] لا يرونه بها، ولكن يحدث لهم تعالى في الآخر [حاسة] سادسة يرونه بها. وهذه دعوى لا دليل يصحبها من أثر ولا نظر، والله قادر على كل شيء. وقد روى جماعة من الصحابة عن النبي ﷺ أنه قال: "إِنَّكُمْ تَرَوْنَ رَبَّكُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ كَمَا تَرَوْنَ هَذَا - يَعْنِي القَمَرَ - لاَ تُضَامُونَ فِي رُؤْيَتِهِ". وفي بعض الرواية: "لاَ تُضَارُونَ فِي رُؤيَتِهِ". وفي بعضها: "كَمَا تَرَوْنَ الشَّمْسَ فِي غَيْرِ سَحَابٍ"، وفي بعضها: "كَمَا تَرَوْنَ الشَّمْسَ نِصْفَ النَّهَارِ وَلَيْسَ فِي السَّمَاءِ سَحَابَةٌ"، وفي بعضها: "كَمَا تَرَوْنَ القَمَرَ لَيْلَةَ البَدْرِ وَلَيْسَ فِي السَّمَاءِ سَحَابَةٌ وقد ذكر النحاس في "تضارون" و "تضامون" واختلاف ألفاظهما ومعانيهما ثمانية أوجه. "تُضَارَونَ" و "تُضَامُّون" مضموم الأول مخففاً، قال: ويجوز "تُضَارُّونَ" (و) "تُضَامُّونَ" مضموم الأول مشدداً، قال: ويجوز "تَضَامُّونَ" مفتوح الأول مشدداً، وأصله: "تَتَضَامُّونَ"، (ثم حذفت إحدى التاءين كـ ﴿تَفَرَّقُواْ﴾ [آل عمران: ١٠٣] و﴿تَسَآءَلُونَ﴾ [النساء: ١] قال: ويجوز "تَضَّامُّونَ" مفتوح الأول مشدد) الضاد والميم على أن تدغم التاء الثانية [في الضاد]، كما قال: ﴿تَظَاهَرُونَ﴾ [البقرة: ٨٥]، وكذلك يجوز "تُضَّامُّونَ" و "تُضَّارُّونَ" على ذلك، التقدير في الحذف والإدغام. والرواية فيها بالتخفيف، ومعناه: لا ينالكم عند رؤيتكم ضير ولا ضيم. ومن رواه مشدداً مضموم الأول فمعناه: لا يُضَّارَّ بعضكم بعضاً في الرؤية، ولا يُضَّامَّ بعضكم بعضاً كما تفعلون في رؤية الهلال في الدنيا إذا [أزدحمتم] لرؤيته. * * - ثم قال تعالى: ﴿[وَ]وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ﴾. أي: متغيرة الألوان كالحة مسودة. قال مجاهد: ﴿بَاسِرَةٌ﴾ "كاشرة". وقال قتادة: "كالحة عابسة". * * - ثم قال تعالى: ﴿تَظُنُّ أَن يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ﴾. أي: تعلم وتوقن أنه يفعل بها داهية. قال مجاهد: ﴿فَاقِرَةٌ﴾: "داهية". وقال قتادة: "تيقن أنها ستدخل النار"، كأن الفاقرة هي التي إذا حلت بالإنسان كسرت فقاره، أي: ظهره. * * - ثم قال: ﴿كَلاَّ﴾ أي: ليس الأمر على ما يظن هؤلاء المشركون ألا يعاقبوا على شركهم. فيوقف عليها هذا التأويل، ويجوز أن تكون بمعنى "حقاً"، أو بمعنى "إلا". فيبتدأ (بها). * * - ومعنى ﴿إِذَا بَلَغَتِ ٱلتَّرَاقِيَ﴾. يعني النفس عند الموت وحشرج بها. * * - ﴿وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ﴾. أي: وقال أهله ومن حوله: (من) يرقيه فيشفيه [لِمَا بِهِ]، وطلبوا له الأطباء فلم يغنوا عنه من أمر الله شيئاً. هذا معنى قول عكرمة وابن زيد. وقال أبو قلابة: ﴿مَنْ رَاقٍ﴾: "من طبيب وشاف"، وهو قول الضحاك وقتادة. وعن ابن عباس أن معناه: وقالت الملائكة - يعني أعوان ملك الموت -: من يرقى بنفسه فيصعدها؟ أملائكة الرحمة أم ملائكة العذاب؟ يقال: رَقَى يَرْقِي من الرُّقْيَةِ. وَرَقَى يَرْقَى من الصُّعُودِ. واسم الفاعل فيهما رَاقٍ. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَظَنَّ أَنَّهُ ٱلْفِرَاقُ﴾. أي: أيقن: بالموت فليس أحد يدفعه عنه. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَٱلْتَفَّتِ ٱلسَّاقُ بِٱلسَّاقِ﴾. أي: اختلطت شدة كرب الدنيا وكرب الآخرة، هذا معنى قول ابن عباس. وعنه أيضاً أنه يقول: "آخر يوم من الدنيا وأول يوم من الآخرة، فتلتقي الشدة بالشدة". وقال الضحاك: معناه: "أهل الدنيا يجهزون الجسد، وأهل الآخرة يجهزون الروح". وقال قتادة: ﴿وَٱلْتَفَّتِ ٱلسَّاقُ بِٱلسَّاقِ﴾: "[الشدة] بالشدة، ساق الدنيا بساق الآخرة". وقيل: "عمل الدنيا بعمل الآخرة". وذكر ابن زيد قولين في ذلك، أحدهما: "ساق الآخرة بساق الدنيا"، والآخر أنه حكي عن بعض العلماء أنهم قالوا: "قل ميت يموت إلا التفت إحدى ساقيه بالأخرى. و (هو) قول مروي عن قتادة وأبي مالك والسدي. واختار القول (الأول) لقوله تعالى: ﴿إِلَىٰ رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ ٱلْمَسَاقُ﴾. وقال الحسن: هو لف ساقيك في الكفن. وعن مجاهد في معناه: [التف] "بلاء ببلاء". * * - ثم قال تعالى: ﴿إِلَىٰ رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ ٱلْمَسَاقُ﴾. أي: إلى ربك مساقه إذا اشتد كربه وحَشرَجَتْ نفسه. * * - ثم قال تعالى: ﴿فَلاَ صَدَّقَ وَلاَ صَلَّىٰ﴾. أي: لم يصدق ولم يصل، فـ "لا" نفي وليست بعاطفة، لأنها لو كانت عاطفة لأشبه [الثاني] الدعاء، والمعنى: فلم يصدق بكتاب الله، ولم يصل لله صلاة. ولكنه ﴿كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ﴾. أي: كذب بكتاب الله وبنبيه، وأعرض عن القبول والطاعة. * * - ﴿ثُمَّ ذَهَبَ إِلَىٰ أَهْلِهِ يَتَمَطَّىٰ﴾. أي: [مضى] [منصرفاً] [متبختراً] في مشيته. قال قتادة: ﴿يَتَمَطَّىٰ﴾: "يتبختر". قال زيد بن أسلم: ﴿يَتَمَطَّىٰ﴾: يتبختر، وهي مشية بني مخزوم. وهو مشتق من المطا، وهو الظهر. كأنه يلوي ظهره متبختراً. ومنه حديث النبي ﷺ: "إِذَا مَشَتْ أُمَّتِي المُطَيْطَاءَ". ويجوز أن يكون من مططت، ثم [أبدل] من إحدى الطاءين ياء، كما قالوا: "تَظَنَّيْتُ" في "تَظَنَّنْتُ"، فيكون المعنى: يمد يديه ورجليه في الخطا [متبختراً]. قال مجاهد وابن زيد: نزلت هذه الآية في أبي جهل. * * - ثم قال تعالى: ﴿أَوْلَىٰ لَكَ فَأَوْلَىٰ * ثُمَّ أَوْلَىٰ لَكَ فَأَوْلَىٰ﴾. هذا وعيد وتهدد لأبي جهل. قال قتادة: ذُكِرَ لَنَا أَنَّ نَبِيَّ الله عليه السلام أَخَذَ بِمَجَامِعِ [ثِيَابِ] أَبِي جَهْلٍ، فَقَالَ: ﴿أَوْلَىٰ لَكَ فَأَوْلَىٰ * (ثُمَّ أَوْلَىٰ لَكَ فَأَوْلَىٰ)﴾، فَقَالَ عَدُوُّ الله: [أَيُوعِدُنِي] مُحَمَّدٌ؟! وَالله، مَا تَسْتَطِيعَ لِي أَنْتَ وَلاَ رَبُّكَ شَيْئَاً، وَالله، لأَنَا أَعَزُّ مَنْ مَشَى بَيْنَ جَبَلَيْهَا. فَلَمَّا كَانَ يَوْمَ بَدْرٍ، أَشْرَفَ عَدُوُّ الله عَلَيْهِمْ، فَقَالَ: لاَ يُعْبَدُ اللهُ بَعْدَ اليَوْمِ أَبَداً، فَضَرَبَ اللهُ عُنُقَهُ وَقَتَلَهُ شَرَّ قَتْلَةٍ". والعرب تقول: "أولى (لك): كدت تهلك ثم (أفلت)". وتقديره، أولى لك فأولى لك الهلكة، (ثم أولى لك فأولى لك الهلكة)، فهو وعيد بعد وعيد". وقال بعض أهل المعاني: ﴿أَوْلَىٰ لَكَ﴾ هو "أفعل" الذي للتفضيل بمنزلة "أخزى لك" و "أقبح لوجهك"، وهو مشتق من الويل. وفيه قلب، قدمت [اللام] وهي لام الفعل قبل الياء، وهي عين الفعل، قال: وإنما فعلوا ذلك لئلا يلزمهم من الإدغام ما [تتغير] به الكلمة. فلو أتوا به على الأصل للزمهم أن يقولوا: "أيل"، لأن الواو تدغم فيها [الياء] إذا تقدمت ساكنة، بمنزلة: [ميت] وهين. * * - ثم قال تعالى: ﴿أَيَحْسَبُ ٱلإِنسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى﴾. أي: مهملاً لا يؤمر ولا ينهى، يعني بذلك الكافر. قال ابن عباس: ﴿سُدًى﴾ مهملاً. قال ابن زيد: "لا يفترض عليه عمل ولا يعمل". يقال: "أسديت الشيء" بمعنى: أعملته. * * - ثم قال تعالى: ﴿أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِّن مَّنِيٍّ يُمْنَىٰ﴾. أي: (ألم) يك - هذا المنكر قُدرةَ الله على إحيائه بعد موته - ماءً قليلاً في صلب الرجال (مِن مَنِيٍّ)؟! - ﴿ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً﴾. ثم دماً. * * - ﴿فَخَلَقَ فَسَوَّىٰ﴾. أي: فخلقه الله إنساناً من بعدما كان نطفة وعلقة ثم [سواه] بشراً ناطقاً سميعاً بصيراً. * * - ﴿فَجَعَلَ مِنْهُ ٱلزَّوْجَيْنِ ٱلذَّكَرَ وَٱلأُنثَىٰ﴾. أي: فجعل من هذا الإنسان بعد ما سوّاه بشراً أولاداً، ذكوراً وإناثاً. * * - ﴿أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَىٰ أَن يُحْيِـيَ ٱلْمَوْتَىٰ﴾. أي: [أليس] الذي قدر على ذلك واخترعه من غير مثال [قادراً] على أن يحيي الموتى بعد مماتهم؟! وكان النبيّ ﷺ إذا قرأ آخر (هذه) السورة يقول: بلى. قال قتادة: "كان يقول: سبحانك، وبلى". وأجاز الفراء الإدغام في ﴿يُحْيِـيَ﴾، وهو غلط عند الخليل وسيبويه، لئلا يلتقي ساكنان.

القيامة 75:39

قوله: ﴿لاَ أُقْسِمُ بِيَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ﴾، إلى آخرها. من النحويين من قال: "لا" زائدة كزيادتها في قوله: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ﴾ [الأعراف: ١٢]. ولم يمتنع أن تزاد في أول الكلام، لأن القرآن كله كسورة واحدة. وقد صح عن ابن عباس وغيره أنه قال: إن الله جل ذكره أنزل القرآن جملة واحدة إلى السماء الدنيا في شهر رمضان في ليلة القدر. ثم نزل متفرقاً من السماء على النبي ﷺ. وقد قال الفراء: "لا" لا تزاد ("لا" في النفي)، وخالفه غيره فأجاز زيادتها في غير النفي. وقيل: [إن] "لا" من قوله: ﴿لاَ [أُقْسِمُ]﴾: جواب، ثم استأنف فقال: أقسم بيوم القيامة. وكذلك هي زائدة [بلا] اختلاف في قوله: ﴿وَلاَ أُقْسِمُ بِٱلنَّفْسِ﴾، لأنها متوسطة بلا اختلاف، ولأنها بعد نفي. هذا على قول من جعله أيضاً قسماً ثانياً. ومن جعله غير قسم جعل "لا" نافية. وهو قول الحسن. وقد قرأ قُنْبُل عن ابن كثير: "لأُقْسِمُ" بغير ألف بعد اللام، وهو غلط عند الخليل وسيبويه، لأنها لام عند قسم تلزمها النون المشددة. قال ابن جُبير: "﴿لاَ أُقْسِمُ بِيَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ﴾ معناه: أقسم بيوم القيامة". وقال أبو بكر ابن عياش: ﴿لاَ﴾ تأكيد للقسم، بقولك: لا، والله. وحكي عن بعض الكوفيين أن ﴿لاَ﴾ رد لكلام قد مضى من المشركين الذين كانوا ينكرون الجنة والنار. ثم ابتدأ القسم فقال: ﴿أُقْسِمُ بِيَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ﴾. وكان يقول: كل يمين قبلها رد لكلام فلا بد من تقدم "لا" ليفرق بذلك بين اليمين التي تكون جحداً واليمين التي تستأنف. قال: ألا ترى أنك تقول مبتدءاً: والله إن الرسول لحق؟ فإذا قلت: لا، والله إن الرسول لحق، فكأنك كذبت قوماً أنكروه. وقيل: "لا" تنبيه بمعنى "ألا". كما قال امرؤ القيس: ؎ لاَ وَأَبيكِ ابْنَةَ العامِر[يِّ] ∗∗∗ لا يدّعي القومُ أَنِّي [أَفِرّ] يريد: ألا. قال ابن عباس: قوله: ﴿وَلاَ أُقْسِمُ بِٱلنَّفْسِ﴾ (هو أيضاً) قسم. أَقْسَمَ ربنا بما شاء من خلقه. وهو قول قتادة. وهو اختيار الطبري، فتكون "لا" الأولى رداً لكلام تقدم، و "لا" الثانية زائدة. وقال الحسن: ﴿وَلاَ أُقْسِمُ بِٱلنَّفْسِ﴾ ليس بقسم. والمعنى: ولست أقسم بالنفس اللوامة. فتكون "لا" الأولى [رداً] لكلام تقدم أو زائدة، و "لا" الثانية نافية غير زائدة. وتأويل الكلام عند الطبري: لا، ما الأمر. كما تقولون: أيها الناس. كأنه (يقدرُ) جواب القسم محذوفاً. كأنه قال: (لا)، ما الأمر، كما تقولون: إن الله لا يبعث أحداً، أقسم بيوم القيامة ما الأمر كما تقولون. ودل على ذلك قوله: ﴿بَلَىٰ قَادِرِينَ عَلَىٰ أَن نُّسَوِّيَ بَنَانَهُ﴾، وقوله ﴿أَيَحْسَبُ ٱلإِنسَانُ أَلَّن [نَّجْمَعَ] عِظَامَهُ﴾، أي: أيحسب أن لن يبعث بعد موته؟! ﴿أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِّن مَّنِيٍّ يُمْنَىٰ * ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّىٰ * فَجَعَلَ مِنْهُ ٱلزَّوْجَيْنِ ٱلذَّكَرَ وَٱلأُنثَىٰ * أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَىٰ أَن يُحْيِـيَ ٱلْمَوْتَىٰ﴾، (على خلاف) ظنهم أنهم لا يبعثون. فالمعنى: ما الأمر كما تقولون أيها الناس من أن الله لا يبعث عباده بعد مماتهم، أُقْسِمُ بِيَوْمِ القيامة. قال: والمعروف في كلام الناس: إذا قال الرجل: "لا، والله ما فعلت" أن قولهم "لا" رَدُّ الكلام. وقولهم: "والله": ابتداءُ يمينٍ فكذلك ﴿لاَ أُقْسِمُ بِيَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ﴾. * * - وقوله: ﴿بِٱلنَّفْسِ ٱللَّوَّامَةِ﴾. أي: بالنفس التي "تلوم على الخير والشر". قاله ابن جبير. وقال مجاهد: معناه بالنفس التي تندم وتلوم على ما فات. يروى أنه ما من نفس إلا تلوم نفسها يوم القيامة. يلوم المحسن نفسه: أَلاَ ازْدَادَ خيراً؟! ويلوم المسيء نفسه (على إساءته وعلى ما فاته من التوبة. قال الحسن: المؤمن يلوم نفسه ويعاتبها ويقول): [لِمَ] أَكلت؟! [لم شربت]؟! لم تحدثت؟! لم تكلمت؟! - يعني: يفعل ذلك في الدنيا - قال: والكافر لا يعاتب نفسه، يَمُرُّ قدما قدماً في الذنوب. وعن الحسن [أيضاً] أنه قال: هو المؤمن، إن تلقاه إلا يعاتب نفسه: [ما أردت بكذا]؟! [ما أردت] بنظرك ما أردت بكلمتك؟! وقال قتادة: اللوامة: "الفاجرة". وعن ابن عباس: هي "المذمومة". * * - ثم قال: ﴿أَيَحْسَبُ ٱلإِنسَانُ أَلَّن نَّجْمَعَ عِظَامَهُ * بَلَىٰ قَادِرِينَ عَلَىٰ أَن نُّسَوِّيَ بَنَانَهُ﴾. أي: أيظن ابن آدم أن لن نقدر على جمع عظامه بعد تفرقها؟! يعني: أيحسب الكافر أنه لا يبعث بعد تفرق عظامه؟! بل نقدر على أعظم من ذلك، وهو أن نسوي أصابع يديه ورجليه فنجعلها شيئاً واحداً [كَخُفِّ] البعير، وحَافِرِ الحمار، فلا يقدر أن يأكل بيديه ويرجع إلى الأكل بفمه كالبهائم، ولكن (الله) فرق أصابع يديه ورجليه ليتناول بها ويُفْضِيَ إذا شاء، هذا معنى قول ابن عباس وغيره من المفسرين. ونصب ﴿قَادِرِينَ﴾ على الحال، أي: بلى، نجمعها في حال قدرة على تسوية بنانه. هذا قول سيبويه. وقيل: التقدير: بل نقدر، فلما وقع ﴿[قَادِرِينَ]﴾ في موضع "نقدر"، نصب على الحال. وهذا غلط، لأنه يلزم أن يقول: "قائماً زيد" [بنصب] "قائم" إذا رفع "زيداً" بفعله، لأنه في موضع "يقوم". وقال الفراء: تقديره: بلى، نقوى على ذلك قادرين. * * - ثم قال: ﴿بَلْ يُرِيدُ ٱلإِنسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ﴾. أي: ليس يجهل الإنسان أن ربه يقدر على جمع عظامه وإحيائه بعد موته، ولكن يريد أن يمضي أمامه قدماً لا يُثْنَى عن ذنوبه ولا يتوب من كفره، ويُسَوِّفُ بالتوبة. قال ابن جبير: ﴿لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ﴾، يعني الأمل، يقول: أعمل ثم أتوب قبل يوم القيامة. قال مجاهد: يمضي ابن آدم ﴿أَمَامَهُ﴾ راكباً رأسه. وقال الحسن: لا تلقى ابن آدم إلا تَنْزَعُ نَفْسُهُ إلى معصية الله قُدُماً قُدُماً إلاَّ من عصم الله. وقال عكرمة: ... "لا ينزع عن فجوره". وقال الضحاك: يركب رأسه في طلب الدنيا دائماً، لا يذكر الموت، يقول: أصيبُ من الدنيا كذا، وأصيب من الدنيا كذا، ولا يذكر الموت. وعن ابن عباس أن معناه أن الإنسان هُنَا "الكافر، يكذب بالبعث والحساب"، وهو قول ابن زيد. فالهاء في ﴿أَمَامَهُ﴾ للإنسان [في جميع هذه] الأقوال. وقيل: الهاء ليوم القيامة، والمعنى: بل يريد الإنسان ليكفر بالحق بين يدي يوم القيامة. وقيل: المعنى: يقدم الذنب ويؤخر التوبة. * * - ثم قال: ﴿يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ ٱلْقِيَامَةِ﴾. أي: يسأل الإنسان الدائم في معصية الله: متى يوم القيامة؟! تسويفاً منه بالتوبة. قال قتادة: [يقول]: "متى يوم القيامة". قال عمر بن الخطاب: "من سأل عن يوم القيامة فليقرأ هذه السورة". قال ابن عباس: معناه: يقول الإنسان: سوف أتوب. قال: فبين له، فقيل له: ﴿فَإِذَا بَرِقَ ٱلْبَصَرُ * وَخَسَفَ ٱلْقَمَرُ﴾ * * - وقوله: ﴿فَإِذَا بَرِقَ ٱلْبَصَرُ﴾. من فتح الراء فمعناه: [لمع] عند الموت، ومن كسر فمعناه: حَارَ وفَزِعَ [عند الموت]. قال قتادة: ﴿بَرِقَ (ٱلْبَصَرُ)﴾: شخص، يعني: عند الموت. وقيل: ذلك يوم القيامة عند المبعث. وسياق الكلام يدل على ذلك، لأن بعده: ﴿وَخَسَفَ ٱلْقَمَرُ * وَجُمِعَ ٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ * يَقُولُ ٱلإِنسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ ٱلْمَفَرُّ﴾، فهذا كله يوم القيامة يكون فكذلك ﴿بَرِقَ ٱلْبَصَرُ﴾. وقيل: الفتحُ في الراءِ والكسرُ لغتان، بمعنى: لَمعَ وشَخَصَ. ويدل على [صحة] ذلك قوله: ﴿لاَ يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ [طَرْفُهُمْ]﴾ [إبراهيم: ٤٣]، فهذا هو الشخوص، [لا تُطْرَفُ] أَعينُهُم، وذلك من شدة هول يوم القيامة. * * - ثم قال: ﴿وَخَسَفَ ٱلْقَمَرُ﴾. أي: ذهب ضوءه. * * - ﴿وَجُمِعَ ٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ﴾. أي: جمع بينهما في ذهاب الضوء، فلا ضوء لواحد منها. وفي قراءة عبد الله: وجمع بين الشمس والقمر. روي أنهما يجمعان فيكوران كما قال تعالى: ﴿إِذَا ٱلشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ [التكوير: ١] (قال مجاهد: كورتا يوم القيامة. وقال ابن زيد: جمعتا فرُميَ بهما في الأرض. وتأويل ﴿إِذَا ٱلشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ [التكوير: ١] أن معناه: كورت في الأرض، [أي] [رمي] بها. فيكون معنى الجمع بينهما هنا: أن يُرْمَى بهما في الأرض. وقال عطاء: يجمعان يوم القيامة ثم يقذفان في البحر [فيكونان] نار الله الكبرى. وقيل: ﴿وَجُمِعَ﴾، ولم يقل: "وجمعت"، لأن معناه: وجمع بين الشمس والقمر. فحمل على تذكيرين. وقيل: لما كان الكلام لا يتم إلا بالقمر، غلب المذكر - وهو القمر -. وقال الكسائي: حمل على المعنى. والتقدير: وجمع النوران الضياءان. وقال المبرد: ذُكِرَ ﴿وَجُمِعَ﴾ لأنه تأنيث غير حقيقي، [إذ] لم تؤنث الشمس للفرق بين شيء وشيء. فلذلك، تذكيره على معنى: "شَخْص" و "شَيْء". * * - ثم قال: ﴿يَقُولُ ٱلإِنسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ ٱلْمَفَرُّ﴾. أي: يقول الإنسان - مما يرى من الأهوال يوم القيامة -: أين الفرار؟!، "والمَفَرُّ" مصدرٌ. عن ابن عباس: "أَيْنَ المَفِرُّ" بكسر الفاء، وروي عن عيسى بن عمر وابن أبي إسحاق ويحيى بن يعمر، فهو على هذا: اسم مكان، أي المكان الذي يفر إليه. وأجاز في المصدر الكسر. * * - ثم قال: ﴿كَلاَّ لاَ وَزَرَ﴾. أي: لا، ليس هنالك يا ابن آدم فرار، ولا مكان يلجأ إليه ويفر إليه، ولا جبل ولا معقل. قال ابن عباس: ﴿لاَ وَزَرَ﴾: "لا حصن (ولا ملجأ". وقال مطرف بن الشخير: ﴿لاَ وَزَرَ﴾: لا جبل، إن الناس إذا فروا قالوا: عليك بالوزر. وهو قول الحسن ومجاهد وقتادة. وقال الضحاك: ﴿لاَ وَزَرَ﴾: "لا حصن) وهو قول أبي قلابة. وقال ابن جبير: لا محيص. وقال عكرمة: لا منعة. وأصل هذا أنهم كانوا إذا ضُيِّقَ عليهم في الحروب والهزائم الشداد لجؤوا إلى الجبال والمعاقل، فأعلموا أنه لا ملجأ من عذاب الله في القيامة إلى جبل ولا إلى غيره. * * - ثم قال: ﴿إِلَىٰ رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ ٱلْمُسْتَقَرُّ﴾. قال ابن زيد: "استقر أهل الجنة في الجنة، وأهل النار في النار" وقال قتادة: معناه: إلى ربك يومئذ المنتهى. * * - ثم قال: ﴿يُنَبَّأُ ٱلإِنسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ﴾. أي: يُخْبر الإنسان يوم يجمع الشمس والقمر بما قدم من عمله وما أخر بعده مما يعمل به من أجله. قال ابن عباس: "يخبر الإنسان يوم القيامة بما عمل قبل موته وبما سَنَّ فَعُمِلَ به بعد موته". وقاله ابن مسعود. وقيل: المعنى: بما قدم من المعصية وأخر من الطاعة. روي ذلك أيضاً عن ابن عباس. وقال مجاهد: معناه: يخير الإنسان يوم القيامة بأول عمله وآخره. وقال قتادة: يخبر بما قدم من طاعة الله وبما أخر، أي: ما ضيع من حق الله. وقال ابن زيد: ﴿وَأَخَّرَ﴾ معناه: بما ترك من العمل بطاعة الله. و ﴿بِمَا قَدَّمَ﴾ [معناه]: ما قدم من عمل من خير أو شر. وقيل: ما أخر: ما أوصى به بعد موته، وما أبقى من أثر عمله بعده. * * - ثم قال تعالى: ﴿بَلِ ٱلإِنسَانُ عَلَىٰ نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ﴾. أي: هو شاهد على نفسه. قال ابن عباس: "يشهد عليه سمعه وبصره ويداه ورجلاه وجوارحه"، فيكون ﴿ٱلإِنسَانُ﴾ ابتداء، و ﴿بَصِيرَةٌ﴾ ابتداءٌ ثانٍ، و ﴿عَلَىٰ نَفْسِهِ﴾ خبرٌ، والجملة خبرُ [عن] الإنسان. وقال ابن جبير وقتادة: معناه: أن الإنسان عارف بعيبه، فهو عارف بعيب غيره، متغافل عن عيبه. فيكون ﴿ٱلإِنسَانُ﴾ على هذا التأويل ابتداء، و ﴿بَصِيرَةٌ﴾ خبره. ودخلت الهاء في "بصيرة" للمبالغة. وقيل: دخلت حملا على المعنى، [لأن] المعنى: بل الإنسان حجة على نفسه. وقيل: معنى ﴿بَلِ ٱلإِنسَانُ عَلَىٰ نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ﴾: يعني الكاتبين يكتبان خيره وشره. ودل على ذلك قوله: ﴿وَلَوْ أَلْقَىٰ مَعَاذِيرَهُ﴾، أي: ولو سدل ستوره ليخفي صنعه لم ينفعه شيء. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَلْقَىٰ مَعَاذِيرَهُ﴾. أي: بل الإنسان شاهد على نفسه ولو اعتذر مما أتى من المآثم وجادل بالباطل [لا ينفعه] ذلك شيئا. قال ابن عباس: "﴿وَلَوْ أَلْقَىٰ مَعَاذِيرَهُ﴾ يعني الاعتذار. ألم تسمع إلى قوله تعالى: ﴿لاَ يَنفَعُ ٱلظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ﴾ [غافر: ٥٢] يعني قولهم: ﴿مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِن سُوۤءٍ﴾ [النحل: ٢٨]، وقولهم: ﴿رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣]؟! قال ابن زيد: "قوم يؤذن لهم فيعتذرون فلا ينفعهم العذر، وقوم لا يؤذن لهم فيعتذروا". وقال مجاهد: ﴿وَلَوْ أَلْقَىٰ مَعَاذِيرَهُ﴾: "ولو جادل عنها فهو بصيرة عليها". وقال السدي: "معناه: ولو أرخى الستور وأغلق الأبواب". وقال الحسن و [قتادة]: "(معناه): ولو ألقى معاذيره لم تقبل منه"، إذ هي باطل. * * - ثم قال تعالى: ﴿لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾. أي: لا تحرك يا محمد بالقرآن - إذا نزل عليك - (لسانك) لتعجل به. روي أن النبي ﷺ كان إذا نزل عليه شيء من القرآن عجل به يريد حفظه [لحبه] إياه، فقيل: لا تعجل به، فإنا سنحفظه عليك. قال ابن عباس: كَانَ النبي ﷺ يَلْقَى مِنَ التَّنْزِيلِ شِدَّةً، يُحَرّكُ شَفَتَيْهِ كَرَاهَةَ أَنْ يَتَفَلَّتَ مِنْهُ، فَأَنْزَلَ اللهُ - جَلَّ ذِكْرُهُ -: ﴿لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ * إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾، أَيْ: جَمْعَهُ في صَدْرِكَ، وَأَنْ تَقْرَأَهُ. ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَٱتَّبِعْ (قُرْآنَهُ)﴾، أَيْ: فَأَنْصِتْ وَاسْتَمِعْ. * * ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾. (أَيْ): (إِنَّ) عَلَيْنَا أَنْ نُبَيِّنَهُ بِلِسَانِكَ ، قَالَ: فَكَانَ النبي ﷺ إِذَا أََتَاهُ جِبْرِيلُ [اسْتَمَعَ]، فَإذَا انْطَلَقَ قَرَأَهُ (كَمَا قَرَأَهُ). قال الشعبي: "كَانَ النبي ﷺ إِذَا نَزَلَ عَلَيْهِ الوحيُ عَجِلَ يَتَكَلَّم بِهِ مِنْ حُبِهِ إِيَّاهُ، فَنَزَلَ: ﴿لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾. وقال ابن زيد: "(معناه): لا تكلم بالذي أوحينا إليك حتى نقضي إليك وحيه، فإذا قضينا إليك وحيه فتكلم به". وقال الضحاك: كان النبي ﷺ إذا نزل عليه القرآن حرك به لسانه مخافة أن ينساه، فقيل له: ﴿لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ * إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ﴾ أي: حفظه في [قلبك]. وأن تقرأه بعد حفظه. وروي ذلك أيضاً عن ابن عباس والحسن ومجاهد وقتادة. [وقال قتادة]: معنى ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾ أي: جمعه في قلبك حتى تحفظه ﴿وَقُرْآنَهُ﴾ أي: [تأليفه]. يقال: قرأت هذه الفاتحة في بطنها جنيناً إذا ضمت رحمها على ذلك. * * - وقوله: ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَٱتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾. معناه عند ابن عباس: ("فإذا أنزلناه إليك فاستمع قرآنه". وعنه أيضاً أن [معناه]: "فإذا تلي عليك فاتبع ما فيه". وقال قتادة: ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ﴾ "فاتبع) حلاله، واجتنب حرامه". وقال الضحاك: "فاتبع ما فيه". وعن ابن عباس أيضاً أن معناه: فإذا بيناه فاتبع قرآنه، أي: اعمل به. - وقوله ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾. أي: علينا بيان ما فيه من حلال وحرام [وأحكام]، فأعلم الله - جل ذكره - أنه المتولي لحفظ كتابه علينا، ولم [يكل] ذلك إلينا، فَسَلِمَ من التغيير. [ولو وكله] (إلينا) لم نأمن أن يغيره ويبدله زنادقة هذه الأمة، فالحمد لله على ذلك، وقد وكل الله حفظ التوراة والإنجيل إلى اليهود والنصارى فغيروا وبدلوا. وقد سئل سفيان بن عيينة فقيل له: كيف غيرت التوراة والإنجيل وهما من عند الله؟! فقال: إن الله جل ثناؤه وكل حفظهما إليهما، فقال جل ذكره: ﴿بِمَا ٱسْتُحْفِظُواْ مِن كِتَابِ ٱللَّهِ﴾ [المائدة: ٤٤]، ولم [يكل] حفظ القرآن إلى أحد، فقال جل ذكره: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ٱلذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩]، فما حفظه الله علينا لم يغير. وقيل: معنى قوله: ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ أي [أن] نبينه بلسانك. * * - ثم قال تعالى: ﴿كَلاَّ بَلْ تُحِبُّونَ ٱلْعَاجِلَةَ﴾. أي: ليس الأمر أيها الناس على قولكم: إنكم لا تبعثون ولا تجازون بأعمالكم. ولكن الذي دعاكم إلى ذلك [حبكم] الدنيا وزينتها، وإيثاركم عاجلها على آجل الآخرة، ونعيمها الدائم. فأنتم لذلك تؤمنون بالعاجلة وتكذبون بالآجلة. (ويجوز أن تكون "كلا" بمعنى "حقاً" أو بمعنى "ألا". قال قتادة: اختار الناس العاجلة إلا من عصم الله). * * - ثم قال: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ﴾. أي: حسنة ناعمة جميلة من السرور والغبطة. هذا قول جميع أهل التفسير. * * - ثم قال: ﴿إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾. أي: تنظر إلى ربها. قال عكرمة: "تنظر إلى ربها نظراً". قال الحسن: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ﴾: "أي حسنة: ﴿إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾: قال: تنظر إلى الخالق، وحق (لها) أن [تنضر] وهي [تنظر] إلى الخالق". وقال عطية العوفي: هي تنظر إلى الله - جل وعز - لا تحيط أبصارهم به من عظمته، ويحيط بهم، ﴿لاَّ تُدْرِكُهُ ٱلأَبْصَٰرُ وَهُوَ يُدْرِكُ ٱلأَبْصَٰرَ﴾ [الأنعام: ١٠٣]. [وقد] قال بعض أهل البدع: إنه بمعنى منتظرة إلى ثواب ربها، وهذا خطأ في العربية، [(لا) يقال]: "نظرت إليه" بمعنى انتظرته، وإنما يقال: "نظرته" بمعنى انتظرته. وأيضاً فإنه لا يجوز "انتظرت زيداً" بمعنى [انتظرت] عطاءه أو غلامه أو ثوابه أو نحوه، لأن فيه تغيير المعاني وإبطال الخطاب. وأيضاً، فإن النظر إنما يضاف إلى الوجوه، والانتظار (إنما) يضاف إلى القلوب، فلا يجوز أن يقال: "[وجهي] منتظر لك". فلما أتى النص بإضافة النظر إلى الوجوه، لم يَجُزْ أَنْ يَتَأَوَّلَ فيه معنى الانتظار، ولو قال: "قلوب يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة"، لحسن كونه بمعنى الانتظار لإضافته إلى القلوب. قال الحسن في الآية: نَظَرت إلى الله [فنضرت] من نوره، أي: نعمة من نوره. وقد روى عبادة بن الصامت أن النبي ﷺ قال: "إِنِّي حَدّثْتُكُمْ عَنِ المَسِيحِ الدَّجَالِ، إِنَّهُ قَصِيرٌ أَفْحَجُ جَعْدٌ أَعْوَرُ [مَطْمُوسُ] عَيْنِ اليُسْرَى، لَيْسَتْ بِنَاتِئَةٍ وَلاَ حَجْرَاءَ، فَإِنِ الْتَبَسَ عَلَيْكُمْ فَاعْلَمُوا أَنْ رَبَّكُمْ - عز وجل - لَيْسَ بِأَعْوَرَ، وَإِنَّكُمْ لَنْ تَرَوْا رَبَّكُمْ - جَلَّ ذِكْرُهُ - حَتَّى تَمُوتُوا وقد (استدل) من أنكر النظر بإضافة النظر إلى الوجه، قال: والعين لا تسمى وجها. وقد [أضاف] النظر إلى الوجه. وهذا غلط ظاهر، لأن العرب من لغتها أن تسمي الشيء (باسم) الشيء إذا قرب منه وجاوره، وقد قال الله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاعِمَةٌ * لِّسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ﴾ [الغاشية: ٨-٩]، والسعي للأقدام، وقد أضاف السعي [للوجوه]، وهو أبعد من الأقدام من العين إلى الوجه، فإذا جاز أن يضاف سعي الأبدان والأقدام إلى [الوجوه] - لالتباس الوجوه بها - كان (إضافة) النظر إلى [الوجه] - يراد به العين - أَجْوَزَ وَأَحْسَنَ، لأن العين في الوجه، وهي من جملة الوجه. وهذا سائغ جائز في اللغة وفي كثير من القرآن. [وأحَادِيثُ] تصحيح النظر إلى الله جل ذكره في الآخرة كثيرة أشهر من أن تذكر ها هنا. ويدل على تصحيح جواز ذلك - من القرآن والنظر - قوله تعالى - حكاية عن موسى عليه السلام -: ﴿قَالَ رَبِّ أَرِنِيۤ أَنظُرْ إِلَيْكَ﴾ [الأعراف: ١٤٣]. ففي سؤاله النظر دليل على جوازه، لأن موسى لا يمكن أن يسأل ما لا يجوز وما يستحيل، فأعلمه الله أنه لا يراه في الدنيا أحد. فأما قوله تعالى: ﴿لاَّ تُدْرِكُهُ ٱلأَبْصَٰرُ﴾ [الأنعام: ١٠٣]، فمعناه: لا تحيط به. ومن قال: إن معناه: لا تراه، فقد [غلط]: لأنه يلزم أن يكون (معنى): ﴿حَتَّىٰ إِذَآ أَدْرَكَهُ ٱلْغَرَقُ﴾ [يونس: ٩٠]: إذا رآه، وذلك محال! إنما معناه: إذا أحاط به. وكذلك يلزمه أن يكون معنى ﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾ [الشعراء: ٦١]: إنا [لمرئيون]، ولم يخافوا أن يراهم قوم فرعون، إنما خافوا أن يحيطوا بهم، فالمعنى: إنا لمحاط بنا، وكذلك يلزمهم أن يكون معنى: ﴿لاَّ تَخَافُ دَرَكاً﴾ [طه: ٧٧]: (لا تخاف) رؤية، وهذا محال، لم يؤمنه الله من رؤية آل فرعون له، إنما أَمَّنَهُ من إحاطتهم به وبمن معه واستعلائهم عليهم، فالمعنى في الآية: لا تحيط به الأبصار في الدنيا ولا في الآخرة. * * ومعنى ﴿لَن تَرَانِي﴾ [الأعراف: ١٤٣] أي: لن تراني في الدنيا. فالإحاطة به منفية، والرؤية له في الآخرة غير منفية. كما أن قوله: ﴿وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَآءَ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، لا يكون نفياً عن أن يعلموه، فكما كانت الإحاطة تدل على نفي العلم، كذلك بقي الإدراك لا يدل على نفي الرؤية. وكما جاز أن يعلم الخلق أشياء ولا يحيطون بها علماً، كذلك جاز أن يروا ربّهم ولا تحيط به أبصارهم، فمعنى الرؤية غير معنى الإدراك. فلذلك، لا يجوز أن يكون معنى ﴿لاَّ تُدْرِكُهُ ٱلأَبْصَٰرُ﴾ لا تراه. و [قد] قيل: معنى ﴿لاَّ تُدْرِكُهُ ٱلأَبْصَٰرُ﴾ أي: في الدنيا، على أن يكون ﴿تُدْرِكُهُ﴾ بمعنى، تراه، وتدركه في الآخرة أي: تراه، بدلالة قوله: ﴿إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾، وبدلالة قوله: ﴿كَلاَّ إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين: ١٥]. وهذا من أدل ما يكون من النص على جواز الرؤية، لأن المؤمنين لا بد أن يكونوا في الآخرة إما محجوبين [عن الرؤية] أو غير محجوبين، [فإن كانوا محجوبين] فلا فرق بينهم وبين الكفار الذين حكى الله عنهم أنهم محجوبون في الآخرة، ولا فائدة في إعلام الله لنا أن الكفار محجوبون عنه، إذ الكل محجوبون، فلا بد أن يكون المؤمنون غير محجوبين عن رؤيته، بخلاف حال الكفار. وقيل: معنى ﴿لاَّ تُدْرِكُهُ ٱلأَبْصَٰرُ﴾ أي: بالنهاية والإحاطة. فأما الرؤية فنعم. وقيل: معنى ﴿لاَّ تُدْرِكُهُ ٱلأَبْصَٰرُ﴾ كإدراكه خلقه، لأن أبصارهم ضعيفة. وقيل: المعنى: لا تدركه في الدنيا ولا في الآخرة، أي: أبصار الخلق التي خلقها الله [فيهم] لا يرونه بها، ولكن يحدث لهم تعالى في الآخر [حاسة] سادسة يرونه بها. وهذه دعوى لا دليل يصحبها من أثر ولا نظر، والله قادر على كل شيء. وقد روى جماعة من الصحابة عن النبي ﷺ أنه قال: "إِنَّكُمْ تَرَوْنَ رَبَّكُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ كَمَا تَرَوْنَ هَذَا - يَعْنِي القَمَرَ - لاَ تُضَامُونَ فِي رُؤْيَتِهِ". وفي بعض الرواية: "لاَ تُضَارُونَ فِي رُؤيَتِهِ". وفي بعضها: "كَمَا تَرَوْنَ الشَّمْسَ فِي غَيْرِ سَحَابٍ"، وفي بعضها: "كَمَا تَرَوْنَ الشَّمْسَ نِصْفَ النَّهَارِ وَلَيْسَ فِي السَّمَاءِ سَحَابَةٌ"، وفي بعضها: "كَمَا تَرَوْنَ القَمَرَ لَيْلَةَ البَدْرِ وَلَيْسَ فِي السَّمَاءِ سَحَابَةٌ وقد ذكر النحاس في "تضارون" و "تضامون" واختلاف ألفاظهما ومعانيهما ثمانية أوجه. "تُضَارَونَ" و "تُضَامُّون" مضموم الأول مخففاً، قال: ويجوز "تُضَارُّونَ" (و) "تُضَامُّونَ" مضموم الأول مشدداً، قال: ويجوز "تَضَامُّونَ" مفتوح الأول مشدداً، وأصله: "تَتَضَامُّونَ"، (ثم حذفت إحدى التاءين كـ ﴿تَفَرَّقُواْ﴾ [آل عمران: ١٠٣] و﴿تَسَآءَلُونَ﴾ [النساء: ١] قال: ويجوز "تَضَّامُّونَ" مفتوح الأول مشدد) الضاد والميم على أن تدغم التاء الثانية [في الضاد]، كما قال: ﴿تَظَاهَرُونَ﴾ [البقرة: ٨٥]، وكذلك يجوز "تُضَّامُّونَ" و "تُضَّارُّونَ" على ذلك، التقدير في الحذف والإدغام. والرواية فيها بالتخفيف، ومعناه: لا ينالكم عند رؤيتكم ضير ولا ضيم. ومن رواه مشدداً مضموم الأول فمعناه: لا يُضَّارَّ بعضكم بعضاً في الرؤية، ولا يُضَّامَّ بعضكم بعضاً كما تفعلون في رؤية الهلال في الدنيا إذا [أزدحمتم] لرؤيته. * * - ثم قال تعالى: ﴿[وَ]وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ﴾. أي: متغيرة الألوان كالحة مسودة. قال مجاهد: ﴿بَاسِرَةٌ﴾ "كاشرة". وقال قتادة: "كالحة عابسة". * * - ثم قال تعالى: ﴿تَظُنُّ أَن يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ﴾. أي: تعلم وتوقن أنه يفعل بها داهية. قال مجاهد: ﴿فَاقِرَةٌ﴾: "داهية". وقال قتادة: "تيقن أنها ستدخل النار"، كأن الفاقرة هي التي إذا حلت بالإنسان كسرت فقاره، أي: ظهره. * * - ثم قال: ﴿كَلاَّ﴾ أي: ليس الأمر على ما يظن هؤلاء المشركون ألا يعاقبوا على شركهم. فيوقف عليها هذا التأويل، ويجوز أن تكون بمعنى "حقاً"، أو بمعنى "إلا". فيبتدأ (بها). * * - ومعنى ﴿إِذَا بَلَغَتِ ٱلتَّرَاقِيَ﴾. يعني النفس عند الموت وحشرج بها. * * - ﴿وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ﴾. أي: وقال أهله ومن حوله: (من) يرقيه فيشفيه [لِمَا بِهِ]، وطلبوا له الأطباء فلم يغنوا عنه من أمر الله شيئاً. هذا معنى قول عكرمة وابن زيد. وقال أبو قلابة: ﴿مَنْ رَاقٍ﴾: "من طبيب وشاف"، وهو قول الضحاك وقتادة. وعن ابن عباس أن معناه: وقالت الملائكة - يعني أعوان ملك الموت -: من يرقى بنفسه فيصعدها؟ أملائكة الرحمة أم ملائكة العذاب؟ يقال: رَقَى يَرْقِي من الرُّقْيَةِ. وَرَقَى يَرْقَى من الصُّعُودِ. واسم الفاعل فيهما رَاقٍ. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَظَنَّ أَنَّهُ ٱلْفِرَاقُ﴾. أي: أيقن: بالموت فليس أحد يدفعه عنه. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَٱلْتَفَّتِ ٱلسَّاقُ بِٱلسَّاقِ﴾. أي: اختلطت شدة كرب الدنيا وكرب الآخرة، هذا معنى قول ابن عباس. وعنه أيضاً أنه يقول: "آخر يوم من الدنيا وأول يوم من الآخرة، فتلتقي الشدة بالشدة". وقال الضحاك: معناه: "أهل الدنيا يجهزون الجسد، وأهل الآخرة يجهزون الروح". وقال قتادة: ﴿وَٱلْتَفَّتِ ٱلسَّاقُ بِٱلسَّاقِ﴾: "[الشدة] بالشدة، ساق الدنيا بساق الآخرة". وقيل: "عمل الدنيا بعمل الآخرة". وذكر ابن زيد قولين في ذلك، أحدهما: "ساق الآخرة بساق الدنيا"، والآخر أنه حكي عن بعض العلماء أنهم قالوا: "قل ميت يموت إلا التفت إحدى ساقيه بالأخرى. و (هو) قول مروي عن قتادة وأبي مالك والسدي. واختار القول (الأول) لقوله تعالى: ﴿إِلَىٰ رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ ٱلْمَسَاقُ﴾. وقال الحسن: هو لف ساقيك في الكفن. وعن مجاهد في معناه: [التف] "بلاء ببلاء". * * - ثم قال تعالى: ﴿إِلَىٰ رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ ٱلْمَسَاقُ﴾. أي: إلى ربك مساقه إذا اشتد كربه وحَشرَجَتْ نفسه. * * - ثم قال تعالى: ﴿فَلاَ صَدَّقَ وَلاَ صَلَّىٰ﴾. أي: لم يصدق ولم يصل، فـ "لا" نفي وليست بعاطفة، لأنها لو كانت عاطفة لأشبه [الثاني] الدعاء، والمعنى: فلم يصدق بكتاب الله، ولم يصل لله صلاة. ولكنه ﴿كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ﴾. أي: كذب بكتاب الله وبنبيه، وأعرض عن القبول والطاعة. * * - ﴿ثُمَّ ذَهَبَ إِلَىٰ أَهْلِهِ يَتَمَطَّىٰ﴾. أي: [مضى] [منصرفاً] [متبختراً] في مشيته. قال قتادة: ﴿يَتَمَطَّىٰ﴾: "يتبختر". قال زيد بن أسلم: ﴿يَتَمَطَّىٰ﴾: يتبختر، وهي مشية بني مخزوم. وهو مشتق من المطا، وهو الظهر. كأنه يلوي ظهره متبختراً. ومنه حديث النبي ﷺ: "إِذَا مَشَتْ أُمَّتِي المُطَيْطَاءَ". ويجوز أن يكون من مططت، ثم [أبدل] من إحدى الطاءين ياء، كما قالوا: "تَظَنَّيْتُ" في "تَظَنَّنْتُ"، فيكون المعنى: يمد يديه ورجليه في الخطا [متبختراً]. قال مجاهد وابن زيد: نزلت هذه الآية في أبي جهل. * * - ثم قال تعالى: ﴿أَوْلَىٰ لَكَ فَأَوْلَىٰ * ثُمَّ أَوْلَىٰ لَكَ فَأَوْلَىٰ﴾. هذا وعيد وتهدد لأبي جهل. قال قتادة: ذُكِرَ لَنَا أَنَّ نَبِيَّ الله عليه السلام أَخَذَ بِمَجَامِعِ [ثِيَابِ] أَبِي جَهْلٍ، فَقَالَ: ﴿أَوْلَىٰ لَكَ فَأَوْلَىٰ * (ثُمَّ أَوْلَىٰ لَكَ فَأَوْلَىٰ)﴾، فَقَالَ عَدُوُّ الله: [أَيُوعِدُنِي] مُحَمَّدٌ؟! وَالله، مَا تَسْتَطِيعَ لِي أَنْتَ وَلاَ رَبُّكَ شَيْئَاً، وَالله، لأَنَا أَعَزُّ مَنْ مَشَى بَيْنَ جَبَلَيْهَا. فَلَمَّا كَانَ يَوْمَ بَدْرٍ، أَشْرَفَ عَدُوُّ الله عَلَيْهِمْ، فَقَالَ: لاَ يُعْبَدُ اللهُ بَعْدَ اليَوْمِ أَبَداً، فَضَرَبَ اللهُ عُنُقَهُ وَقَتَلَهُ شَرَّ قَتْلَةٍ". والعرب تقول: "أولى (لك): كدت تهلك ثم (أفلت)". وتقديره، أولى لك فأولى لك الهلكة، (ثم أولى لك فأولى لك الهلكة)، فهو وعيد بعد وعيد". وقال بعض أهل المعاني: ﴿أَوْلَىٰ لَكَ﴾ هو "أفعل" الذي للتفضيل بمنزلة "أخزى لك" و "أقبح لوجهك"، وهو مشتق من الويل. وفيه قلب، قدمت [اللام] وهي لام الفعل قبل الياء، وهي عين الفعل، قال: وإنما فعلوا ذلك لئلا يلزمهم من الإدغام ما [تتغير] به الكلمة. فلو أتوا به على الأصل للزمهم أن يقولوا: "أيل"، لأن الواو تدغم فيها [الياء] إذا تقدمت ساكنة، بمنزلة: [ميت] وهين. * * - ثم قال تعالى: ﴿أَيَحْسَبُ ٱلإِنسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى﴾. أي: مهملاً لا يؤمر ولا ينهى، يعني بذلك الكافر. قال ابن عباس: ﴿سُدًى﴾ مهملاً. قال ابن زيد: "لا يفترض عليه عمل ولا يعمل". يقال: "أسديت الشيء" بمعنى: أعملته. * * - ثم قال تعالى: ﴿أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِّن مَّنِيٍّ يُمْنَىٰ﴾. أي: (ألم) يك - هذا المنكر قُدرةَ الله على إحيائه بعد موته - ماءً قليلاً في صلب الرجال (مِن مَنِيٍّ)؟! - ﴿ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً﴾. ثم دماً. * * - ﴿فَخَلَقَ فَسَوَّىٰ﴾. أي: فخلقه الله إنساناً من بعدما كان نطفة وعلقة ثم [سواه] بشراً ناطقاً سميعاً بصيراً. * * - ﴿فَجَعَلَ مِنْهُ ٱلزَّوْجَيْنِ ٱلذَّكَرَ وَٱلأُنثَىٰ﴾. أي: فجعل من هذا الإنسان بعد ما سوّاه بشراً أولاداً، ذكوراً وإناثاً. * * - ﴿أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَىٰ أَن يُحْيِـيَ ٱلْمَوْتَىٰ﴾. أي: [أليس] الذي قدر على ذلك واخترعه من غير مثال [قادراً] على أن يحيي الموتى بعد مماتهم؟! وكان النبيّ ﷺ إذا قرأ آخر (هذه) السورة يقول: بلى. قال قتادة: "كان يقول: سبحانك، وبلى". وأجاز الفراء الإدغام في ﴿يُحْيِـيَ﴾، وهو غلط عند الخليل وسيبويه، لئلا يلتقي ساكنان.

القيامة 75:40

قوله: ﴿لاَ أُقْسِمُ بِيَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ﴾، إلى آخرها. من النحويين من قال: "لا" زائدة كزيادتها في قوله: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ﴾ [الأعراف: ١٢]. ولم يمتنع أن تزاد في أول الكلام، لأن القرآن كله كسورة واحدة. وقد صح عن ابن عباس وغيره أنه قال: إن الله جل ذكره أنزل القرآن جملة واحدة إلى السماء الدنيا في شهر رمضان في ليلة القدر. ثم نزل متفرقاً من السماء على النبي ﷺ. وقد قال الفراء: "لا" لا تزاد ("لا" في النفي)، وخالفه غيره فأجاز زيادتها في غير النفي. وقيل: [إن] "لا" من قوله: ﴿لاَ [أُقْسِمُ]﴾: جواب، ثم استأنف فقال: أقسم بيوم القيامة. وكذلك هي زائدة [بلا] اختلاف في قوله: ﴿وَلاَ أُقْسِمُ بِٱلنَّفْسِ﴾، لأنها متوسطة بلا اختلاف، ولأنها بعد نفي. هذا على قول من جعله أيضاً قسماً ثانياً. ومن جعله غير قسم جعل "لا" نافية. وهو قول الحسن. وقد قرأ قُنْبُل عن ابن كثير: "لأُقْسِمُ" بغير ألف بعد اللام، وهو غلط عند الخليل وسيبويه، لأنها لام عند قسم تلزمها النون المشددة. قال ابن جُبير: "﴿لاَ أُقْسِمُ بِيَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ﴾ معناه: أقسم بيوم القيامة". وقال أبو بكر ابن عياش: ﴿لاَ﴾ تأكيد للقسم، بقولك: لا، والله. وحكي عن بعض الكوفيين أن ﴿لاَ﴾ رد لكلام قد مضى من المشركين الذين كانوا ينكرون الجنة والنار. ثم ابتدأ القسم فقال: ﴿أُقْسِمُ بِيَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ﴾. وكان يقول: كل يمين قبلها رد لكلام فلا بد من تقدم "لا" ليفرق بذلك بين اليمين التي تكون جحداً واليمين التي تستأنف. قال: ألا ترى أنك تقول مبتدءاً: والله إن الرسول لحق؟ فإذا قلت: لا، والله إن الرسول لحق، فكأنك كذبت قوماً أنكروه. وقيل: "لا" تنبيه بمعنى "ألا". كما قال امرؤ القيس: ؎ لاَ وَأَبيكِ ابْنَةَ العامِر[يِّ] ∗∗∗ لا يدّعي القومُ أَنِّي [أَفِرّ] يريد: ألا. قال ابن عباس: قوله: ﴿وَلاَ أُقْسِمُ بِٱلنَّفْسِ﴾ (هو أيضاً) قسم. أَقْسَمَ ربنا بما شاء من خلقه. وهو قول قتادة. وهو اختيار الطبري، فتكون "لا" الأولى رداً لكلام تقدم، و "لا" الثانية زائدة. وقال الحسن: ﴿وَلاَ أُقْسِمُ بِٱلنَّفْسِ﴾ ليس بقسم. والمعنى: ولست أقسم بالنفس اللوامة. فتكون "لا" الأولى [رداً] لكلام تقدم أو زائدة، و "لا" الثانية نافية غير زائدة. وتأويل الكلام عند الطبري: لا، ما الأمر. كما تقولون: أيها الناس. كأنه (يقدرُ) جواب القسم محذوفاً. كأنه قال: (لا)، ما الأمر، كما تقولون: إن الله لا يبعث أحداً، أقسم بيوم القيامة ما الأمر كما تقولون. ودل على ذلك قوله: ﴿بَلَىٰ قَادِرِينَ عَلَىٰ أَن نُّسَوِّيَ بَنَانَهُ﴾، وقوله ﴿أَيَحْسَبُ ٱلإِنسَانُ أَلَّن [نَّجْمَعَ] عِظَامَهُ﴾، أي: أيحسب أن لن يبعث بعد موته؟! ﴿أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِّن مَّنِيٍّ يُمْنَىٰ * ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّىٰ * فَجَعَلَ مِنْهُ ٱلزَّوْجَيْنِ ٱلذَّكَرَ وَٱلأُنثَىٰ * أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَىٰ أَن يُحْيِـيَ ٱلْمَوْتَىٰ﴾، (على خلاف) ظنهم أنهم لا يبعثون. فالمعنى: ما الأمر كما تقولون أيها الناس من أن الله لا يبعث عباده بعد مماتهم، أُقْسِمُ بِيَوْمِ القيامة. قال: والمعروف في كلام الناس: إذا قال الرجل: "لا، والله ما فعلت" أن قولهم "لا" رَدُّ الكلام. وقولهم: "والله": ابتداءُ يمينٍ فكذلك ﴿لاَ أُقْسِمُ بِيَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ﴾. * * - وقوله: ﴿بِٱلنَّفْسِ ٱللَّوَّامَةِ﴾. أي: بالنفس التي "تلوم على الخير والشر". قاله ابن جبير. وقال مجاهد: معناه بالنفس التي تندم وتلوم على ما فات. يروى أنه ما من نفس إلا تلوم نفسها يوم القيامة. يلوم المحسن نفسه: أَلاَ ازْدَادَ خيراً؟! ويلوم المسيء نفسه (على إساءته وعلى ما فاته من التوبة. قال الحسن: المؤمن يلوم نفسه ويعاتبها ويقول): [لِمَ] أَكلت؟! [لم شربت]؟! لم تحدثت؟! لم تكلمت؟! - يعني: يفعل ذلك في الدنيا - قال: والكافر لا يعاتب نفسه، يَمُرُّ قدما قدماً في الذنوب. وعن الحسن [أيضاً] أنه قال: هو المؤمن، إن تلقاه إلا يعاتب نفسه: [ما أردت بكذا]؟! [ما أردت] بنظرك ما أردت بكلمتك؟! وقال قتادة: اللوامة: "الفاجرة". وعن ابن عباس: هي "المذمومة". * * - ثم قال: ﴿أَيَحْسَبُ ٱلإِنسَانُ أَلَّن نَّجْمَعَ عِظَامَهُ * بَلَىٰ قَادِرِينَ عَلَىٰ أَن نُّسَوِّيَ بَنَانَهُ﴾. أي: أيظن ابن آدم أن لن نقدر على جمع عظامه بعد تفرقها؟! يعني: أيحسب الكافر أنه لا يبعث بعد تفرق عظامه؟! بل نقدر على أعظم من ذلك، وهو أن نسوي أصابع يديه ورجليه فنجعلها شيئاً واحداً [كَخُفِّ] البعير، وحَافِرِ الحمار، فلا يقدر أن يأكل بيديه ويرجع إلى الأكل بفمه كالبهائم، ولكن (الله) فرق أصابع يديه ورجليه ليتناول بها ويُفْضِيَ إذا شاء، هذا معنى قول ابن عباس وغيره من المفسرين. ونصب ﴿قَادِرِينَ﴾ على الحال، أي: بلى، نجمعها في حال قدرة على تسوية بنانه. هذا قول سيبويه. وقيل: التقدير: بل نقدر، فلما وقع ﴿[قَادِرِينَ]﴾ في موضع "نقدر"، نصب على الحال. وهذا غلط، لأنه يلزم أن يقول: "قائماً زيد" [بنصب] "قائم" إذا رفع "زيداً" بفعله، لأنه في موضع "يقوم". وقال الفراء: تقديره: بلى، نقوى على ذلك قادرين. * * - ثم قال: ﴿بَلْ يُرِيدُ ٱلإِنسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ﴾. أي: ليس يجهل الإنسان أن ربه يقدر على جمع عظامه وإحيائه بعد موته، ولكن يريد أن يمضي أمامه قدماً لا يُثْنَى عن ذنوبه ولا يتوب من كفره، ويُسَوِّفُ بالتوبة. قال ابن جبير: ﴿لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ﴾، يعني الأمل، يقول: أعمل ثم أتوب قبل يوم القيامة. قال مجاهد: يمضي ابن آدم ﴿أَمَامَهُ﴾ راكباً رأسه. وقال الحسن: لا تلقى ابن آدم إلا تَنْزَعُ نَفْسُهُ إلى معصية الله قُدُماً قُدُماً إلاَّ من عصم الله. وقال عكرمة: ... "لا ينزع عن فجوره". وقال الضحاك: يركب رأسه في طلب الدنيا دائماً، لا يذكر الموت، يقول: أصيبُ من الدنيا كذا، وأصيب من الدنيا كذا، ولا يذكر الموت. وعن ابن عباس أن معناه أن الإنسان هُنَا "الكافر، يكذب بالبعث والحساب"، وهو قول ابن زيد. فالهاء في ﴿أَمَامَهُ﴾ للإنسان [في جميع هذه] الأقوال. وقيل: الهاء ليوم القيامة، والمعنى: بل يريد الإنسان ليكفر بالحق بين يدي يوم القيامة. وقيل: المعنى: يقدم الذنب ويؤخر التوبة. * * - ثم قال: ﴿يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ ٱلْقِيَامَةِ﴾. أي: يسأل الإنسان الدائم في معصية الله: متى يوم القيامة؟! تسويفاً منه بالتوبة. قال قتادة: [يقول]: "متى يوم القيامة". قال عمر بن الخطاب: "من سأل عن يوم القيامة فليقرأ هذه السورة". قال ابن عباس: معناه: يقول الإنسان: سوف أتوب. قال: فبين له، فقيل له: ﴿فَإِذَا بَرِقَ ٱلْبَصَرُ * وَخَسَفَ ٱلْقَمَرُ﴾ * * - وقوله: ﴿فَإِذَا بَرِقَ ٱلْبَصَرُ﴾. من فتح الراء فمعناه: [لمع] عند الموت، ومن كسر فمعناه: حَارَ وفَزِعَ [عند الموت]. قال قتادة: ﴿بَرِقَ (ٱلْبَصَرُ)﴾: شخص، يعني: عند الموت. وقيل: ذلك يوم القيامة عند المبعث. وسياق الكلام يدل على ذلك، لأن بعده: ﴿وَخَسَفَ ٱلْقَمَرُ * وَجُمِعَ ٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ * يَقُولُ ٱلإِنسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ ٱلْمَفَرُّ﴾، فهذا كله يوم القيامة يكون فكذلك ﴿بَرِقَ ٱلْبَصَرُ﴾. وقيل: الفتحُ في الراءِ والكسرُ لغتان، بمعنى: لَمعَ وشَخَصَ. ويدل على [صحة] ذلك قوله: ﴿لاَ يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ [طَرْفُهُمْ]﴾ [إبراهيم: ٤٣]، فهذا هو الشخوص، [لا تُطْرَفُ] أَعينُهُم، وذلك من شدة هول يوم القيامة. * * - ثم قال: ﴿وَخَسَفَ ٱلْقَمَرُ﴾. أي: ذهب ضوءه. * * - ﴿وَجُمِعَ ٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ﴾. أي: جمع بينهما في ذهاب الضوء، فلا ضوء لواحد منها. وفي قراءة عبد الله: وجمع بين الشمس والقمر. روي أنهما يجمعان فيكوران كما قال تعالى: ﴿إِذَا ٱلشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ [التكوير: ١] (قال مجاهد: كورتا يوم القيامة. وقال ابن زيد: جمعتا فرُميَ بهما في الأرض. وتأويل ﴿إِذَا ٱلشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ [التكوير: ١] أن معناه: كورت في الأرض، [أي] [رمي] بها. فيكون معنى الجمع بينهما هنا: أن يُرْمَى بهما في الأرض. وقال عطاء: يجمعان يوم القيامة ثم يقذفان في البحر [فيكونان] نار الله الكبرى. وقيل: ﴿وَجُمِعَ﴾، ولم يقل: "وجمعت"، لأن معناه: وجمع بين الشمس والقمر. فحمل على تذكيرين. وقيل: لما كان الكلام لا يتم إلا بالقمر، غلب المذكر - وهو القمر -. وقال الكسائي: حمل على المعنى. والتقدير: وجمع النوران الضياءان. وقال المبرد: ذُكِرَ ﴿وَجُمِعَ﴾ لأنه تأنيث غير حقيقي، [إذ] لم تؤنث الشمس للفرق بين شيء وشيء. فلذلك، تذكيره على معنى: "شَخْص" و "شَيْء". * * - ثم قال: ﴿يَقُولُ ٱلإِنسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ ٱلْمَفَرُّ﴾. أي: يقول الإنسان - مما يرى من الأهوال يوم القيامة -: أين الفرار؟!، "والمَفَرُّ" مصدرٌ. عن ابن عباس: "أَيْنَ المَفِرُّ" بكسر الفاء، وروي عن عيسى بن عمر وابن أبي إسحاق ويحيى بن يعمر، فهو على هذا: اسم مكان، أي المكان الذي يفر إليه. وأجاز في المصدر الكسر. * * - ثم قال: ﴿كَلاَّ لاَ وَزَرَ﴾. أي: لا، ليس هنالك يا ابن آدم فرار، ولا مكان يلجأ إليه ويفر إليه، ولا جبل ولا معقل. قال ابن عباس: ﴿لاَ وَزَرَ﴾: "لا حصن (ولا ملجأ". وقال مطرف بن الشخير: ﴿لاَ وَزَرَ﴾: لا جبل، إن الناس إذا فروا قالوا: عليك بالوزر. وهو قول الحسن ومجاهد وقتادة. وقال الضحاك: ﴿لاَ وَزَرَ﴾: "لا حصن) وهو قول أبي قلابة. وقال ابن جبير: لا محيص. وقال عكرمة: لا منعة. وأصل هذا أنهم كانوا إذا ضُيِّقَ عليهم في الحروب والهزائم الشداد لجؤوا إلى الجبال والمعاقل، فأعلموا أنه لا ملجأ من عذاب الله في القيامة إلى جبل ولا إلى غيره. * * - ثم قال: ﴿إِلَىٰ رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ ٱلْمُسْتَقَرُّ﴾. قال ابن زيد: "استقر أهل الجنة في الجنة، وأهل النار في النار" وقال قتادة: معناه: إلى ربك يومئذ المنتهى. * * - ثم قال: ﴿يُنَبَّأُ ٱلإِنسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ﴾. أي: يُخْبر الإنسان يوم يجمع الشمس والقمر بما قدم من عمله وما أخر بعده مما يعمل به من أجله. قال ابن عباس: "يخبر الإنسان يوم القيامة بما عمل قبل موته وبما سَنَّ فَعُمِلَ به بعد موته". وقاله ابن مسعود. وقيل: المعنى: بما قدم من المعصية وأخر من الطاعة. روي ذلك أيضاً عن ابن عباس. وقال مجاهد: معناه: يخير الإنسان يوم القيامة بأول عمله وآخره. وقال قتادة: يخبر بما قدم من طاعة الله وبما أخر، أي: ما ضيع من حق الله. وقال ابن زيد: ﴿وَأَخَّرَ﴾ معناه: بما ترك من العمل بطاعة الله. و ﴿بِمَا قَدَّمَ﴾ [معناه]: ما قدم من عمل من خير أو شر. وقيل: ما أخر: ما أوصى به بعد موته، وما أبقى من أثر عمله بعده. * * - ثم قال تعالى: ﴿بَلِ ٱلإِنسَانُ عَلَىٰ نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ﴾. أي: هو شاهد على نفسه. قال ابن عباس: "يشهد عليه سمعه وبصره ويداه ورجلاه وجوارحه"، فيكون ﴿ٱلإِنسَانُ﴾ ابتداء، و ﴿بَصِيرَةٌ﴾ ابتداءٌ ثانٍ، و ﴿عَلَىٰ نَفْسِهِ﴾ خبرٌ، والجملة خبرُ [عن] الإنسان. وقال ابن جبير وقتادة: معناه: أن الإنسان عارف بعيبه، فهو عارف بعيب غيره، متغافل عن عيبه. فيكون ﴿ٱلإِنسَانُ﴾ على هذا التأويل ابتداء، و ﴿بَصِيرَةٌ﴾ خبره. ودخلت الهاء في "بصيرة" للمبالغة. وقيل: دخلت حملا على المعنى، [لأن] المعنى: بل الإنسان حجة على نفسه. وقيل: معنى ﴿بَلِ ٱلإِنسَانُ عَلَىٰ نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ﴾: يعني الكاتبين يكتبان خيره وشره. ودل على ذلك قوله: ﴿وَلَوْ أَلْقَىٰ مَعَاذِيرَهُ﴾، أي: ولو سدل ستوره ليخفي صنعه لم ينفعه شيء. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَلْقَىٰ مَعَاذِيرَهُ﴾. أي: بل الإنسان شاهد على نفسه ولو اعتذر مما أتى من المآثم وجادل بالباطل [لا ينفعه] ذلك شيئا. قال ابن عباس: "﴿وَلَوْ أَلْقَىٰ مَعَاذِيرَهُ﴾ يعني الاعتذار. ألم تسمع إلى قوله تعالى: ﴿لاَ يَنفَعُ ٱلظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ﴾ [غافر: ٥٢] يعني قولهم: ﴿مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِن سُوۤءٍ﴾ [النحل: ٢٨]، وقولهم: ﴿رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣]؟! قال ابن زيد: "قوم يؤذن لهم فيعتذرون فلا ينفعهم العذر، وقوم لا يؤذن لهم فيعتذروا". وقال مجاهد: ﴿وَلَوْ أَلْقَىٰ مَعَاذِيرَهُ﴾: "ولو جادل عنها فهو بصيرة عليها". وقال السدي: "معناه: ولو أرخى الستور وأغلق الأبواب". وقال الحسن و [قتادة]: "(معناه): ولو ألقى معاذيره لم تقبل منه"، إذ هي باطل. * * - ثم قال تعالى: ﴿لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾. أي: لا تحرك يا محمد بالقرآن - إذا نزل عليك - (لسانك) لتعجل به. روي أن النبي ﷺ كان إذا نزل عليه شيء من القرآن عجل به يريد حفظه [لحبه] إياه، فقيل: لا تعجل به، فإنا سنحفظه عليك. قال ابن عباس: كَانَ النبي ﷺ يَلْقَى مِنَ التَّنْزِيلِ شِدَّةً، يُحَرّكُ شَفَتَيْهِ كَرَاهَةَ أَنْ يَتَفَلَّتَ مِنْهُ، فَأَنْزَلَ اللهُ - جَلَّ ذِكْرُهُ -: ﴿لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ * إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾، أَيْ: جَمْعَهُ في صَدْرِكَ، وَأَنْ تَقْرَأَهُ. ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَٱتَّبِعْ (قُرْآنَهُ)﴾، أَيْ: فَأَنْصِتْ وَاسْتَمِعْ. * * ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾. (أَيْ): (إِنَّ) عَلَيْنَا أَنْ نُبَيِّنَهُ بِلِسَانِكَ ، قَالَ: فَكَانَ النبي ﷺ إِذَا أََتَاهُ جِبْرِيلُ [اسْتَمَعَ]، فَإذَا انْطَلَقَ قَرَأَهُ (كَمَا قَرَأَهُ). قال الشعبي: "كَانَ النبي ﷺ إِذَا نَزَلَ عَلَيْهِ الوحيُ عَجِلَ يَتَكَلَّم بِهِ مِنْ حُبِهِ إِيَّاهُ، فَنَزَلَ: ﴿لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾. وقال ابن زيد: "(معناه): لا تكلم بالذي أوحينا إليك حتى نقضي إليك وحيه، فإذا قضينا إليك وحيه فتكلم به". وقال الضحاك: كان النبي ﷺ إذا نزل عليه القرآن حرك به لسانه مخافة أن ينساه، فقيل له: ﴿لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ * إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ﴾ أي: حفظه في [قلبك]. وأن تقرأه بعد حفظه. وروي ذلك أيضاً عن ابن عباس والحسن ومجاهد وقتادة. [وقال قتادة]: معنى ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾ أي: جمعه في قلبك حتى تحفظه ﴿وَقُرْآنَهُ﴾ أي: [تأليفه]. يقال: قرأت هذه الفاتحة في بطنها جنيناً إذا ضمت رحمها على ذلك. * * - وقوله: ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَٱتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾. معناه عند ابن عباس: ("فإذا أنزلناه إليك فاستمع قرآنه". وعنه أيضاً أن [معناه]: "فإذا تلي عليك فاتبع ما فيه". وقال قتادة: ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ﴾ "فاتبع) حلاله، واجتنب حرامه". وقال الضحاك: "فاتبع ما فيه". وعن ابن عباس أيضاً أن معناه: فإذا بيناه فاتبع قرآنه، أي: اعمل به. - وقوله ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾. أي: علينا بيان ما فيه من حلال وحرام [وأحكام]، فأعلم الله - جل ذكره - أنه المتولي لحفظ كتابه علينا، ولم [يكل] ذلك إلينا، فَسَلِمَ من التغيير. [ولو وكله] (إلينا) لم نأمن أن يغيره ويبدله زنادقة هذه الأمة، فالحمد لله على ذلك، وقد وكل الله حفظ التوراة والإنجيل إلى اليهود والنصارى فغيروا وبدلوا. وقد سئل سفيان بن عيينة فقيل له: كيف غيرت التوراة والإنجيل وهما من عند الله؟! فقال: إن الله جل ثناؤه وكل حفظهما إليهما، فقال جل ذكره: ﴿بِمَا ٱسْتُحْفِظُواْ مِن كِتَابِ ٱللَّهِ﴾ [المائدة: ٤٤]، ولم [يكل] حفظ القرآن إلى أحد، فقال جل ذكره: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ٱلذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩]، فما حفظه الله علينا لم يغير. وقيل: معنى قوله: ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ أي [أن] نبينه بلسانك. * * - ثم قال تعالى: ﴿كَلاَّ بَلْ تُحِبُّونَ ٱلْعَاجِلَةَ﴾. أي: ليس الأمر أيها الناس على قولكم: إنكم لا تبعثون ولا تجازون بأعمالكم. ولكن الذي دعاكم إلى ذلك [حبكم] الدنيا وزينتها، وإيثاركم عاجلها على آجل الآخرة، ونعيمها الدائم. فأنتم لذلك تؤمنون بالعاجلة وتكذبون بالآجلة. (ويجوز أن تكون "كلا" بمعنى "حقاً" أو بمعنى "ألا". قال قتادة: اختار الناس العاجلة إلا من عصم الله). * * - ثم قال: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ﴾. أي: حسنة ناعمة جميلة من السرور والغبطة. هذا قول جميع أهل التفسير. * * - ثم قال: ﴿إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾. أي: تنظر إلى ربها. قال عكرمة: "تنظر إلى ربها نظراً". قال الحسن: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ﴾: "أي حسنة: ﴿إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾: قال: تنظر إلى الخالق، وحق (لها) أن [تنضر] وهي [تنظر] إلى الخالق". وقال عطية العوفي: هي تنظر إلى الله - جل وعز - لا تحيط أبصارهم به من عظمته، ويحيط بهم، ﴿لاَّ تُدْرِكُهُ ٱلأَبْصَٰرُ وَهُوَ يُدْرِكُ ٱلأَبْصَٰرَ﴾ [الأنعام: ١٠٣]. [وقد] قال بعض أهل البدع: إنه بمعنى منتظرة إلى ثواب ربها، وهذا خطأ في العربية، [(لا) يقال]: "نظرت إليه" بمعنى انتظرته، وإنما يقال: "نظرته" بمعنى انتظرته. وأيضاً فإنه لا يجوز "انتظرت زيداً" بمعنى [انتظرت] عطاءه أو غلامه أو ثوابه أو نحوه، لأن فيه تغيير المعاني وإبطال الخطاب. وأيضاً، فإن النظر إنما يضاف إلى الوجوه، والانتظار (إنما) يضاف إلى القلوب، فلا يجوز أن يقال: "[وجهي] منتظر لك". فلما أتى النص بإضافة النظر إلى الوجوه، لم يَجُزْ أَنْ يَتَأَوَّلَ فيه معنى الانتظار، ولو قال: "قلوب يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة"، لحسن كونه بمعنى الانتظار لإضافته إلى القلوب. قال الحسن في الآية: نَظَرت إلى الله [فنضرت] من نوره، أي: نعمة من نوره. وقد روى عبادة بن الصامت أن النبي ﷺ قال: "إِنِّي حَدّثْتُكُمْ عَنِ المَسِيحِ الدَّجَالِ، إِنَّهُ قَصِيرٌ أَفْحَجُ جَعْدٌ أَعْوَرُ [مَطْمُوسُ] عَيْنِ اليُسْرَى، لَيْسَتْ بِنَاتِئَةٍ وَلاَ حَجْرَاءَ، فَإِنِ الْتَبَسَ عَلَيْكُمْ فَاعْلَمُوا أَنْ رَبَّكُمْ - عز وجل - لَيْسَ بِأَعْوَرَ، وَإِنَّكُمْ لَنْ تَرَوْا رَبَّكُمْ - جَلَّ ذِكْرُهُ - حَتَّى تَمُوتُوا وقد (استدل) من أنكر النظر بإضافة النظر إلى الوجه، قال: والعين لا تسمى وجها. وقد [أضاف] النظر إلى الوجه. وهذا غلط ظاهر، لأن العرب من لغتها أن تسمي الشيء (باسم) الشيء إذا قرب منه وجاوره، وقد قال الله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاعِمَةٌ * لِّسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ﴾ [الغاشية: ٨-٩]، والسعي للأقدام، وقد أضاف السعي [للوجوه]، وهو أبعد من الأقدام من العين إلى الوجه، فإذا جاز أن يضاف سعي الأبدان والأقدام إلى [الوجوه] - لالتباس الوجوه بها - كان (إضافة) النظر إلى [الوجه] - يراد به العين - أَجْوَزَ وَأَحْسَنَ، لأن العين في الوجه، وهي من جملة الوجه. وهذا سائغ جائز في اللغة وفي كثير من القرآن. [وأحَادِيثُ] تصحيح النظر إلى الله جل ذكره في الآخرة كثيرة أشهر من أن تذكر ها هنا. ويدل على تصحيح جواز ذلك - من القرآن والنظر - قوله تعالى - حكاية عن موسى عليه السلام -: ﴿قَالَ رَبِّ أَرِنِيۤ أَنظُرْ إِلَيْكَ﴾ [الأعراف: ١٤٣]. ففي سؤاله النظر دليل على جوازه، لأن موسى لا يمكن أن يسأل ما لا يجوز وما يستحيل، فأعلمه الله أنه لا يراه في الدنيا أحد. فأما قوله تعالى: ﴿لاَّ تُدْرِكُهُ ٱلأَبْصَٰرُ﴾ [الأنعام: ١٠٣]، فمعناه: لا تحيط به. ومن قال: إن معناه: لا تراه، فقد [غلط]: لأنه يلزم أن يكون (معنى): ﴿حَتَّىٰ إِذَآ أَدْرَكَهُ ٱلْغَرَقُ﴾ [يونس: ٩٠]: إذا رآه، وذلك محال! إنما معناه: إذا أحاط به. وكذلك يلزمه أن يكون معنى ﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾ [الشعراء: ٦١]: إنا [لمرئيون]، ولم يخافوا أن يراهم قوم فرعون، إنما خافوا أن يحيطوا بهم، فالمعنى: إنا لمحاط بنا، وكذلك يلزمهم أن يكون معنى: ﴿لاَّ تَخَافُ دَرَكاً﴾ [طه: ٧٧]: (لا تخاف) رؤية، وهذا محال، لم يؤمنه الله من رؤية آل فرعون له، إنما أَمَّنَهُ من إحاطتهم به وبمن معه واستعلائهم عليهم، فالمعنى في الآية: لا تحيط به الأبصار في الدنيا ولا في الآخرة. * * ومعنى ﴿لَن تَرَانِي﴾ [الأعراف: ١٤٣] أي: لن تراني في الدنيا. فالإحاطة به منفية، والرؤية له في الآخرة غير منفية. كما أن قوله: ﴿وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَآءَ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، لا يكون نفياً عن أن يعلموه، فكما كانت الإحاطة تدل على نفي العلم، كذلك بقي الإدراك لا يدل على نفي الرؤية. وكما جاز أن يعلم الخلق أشياء ولا يحيطون بها علماً، كذلك جاز أن يروا ربّهم ولا تحيط به أبصارهم، فمعنى الرؤية غير معنى الإدراك. فلذلك، لا يجوز أن يكون معنى ﴿لاَّ تُدْرِكُهُ ٱلأَبْصَٰرُ﴾ لا تراه. و [قد] قيل: معنى ﴿لاَّ تُدْرِكُهُ ٱلأَبْصَٰرُ﴾ أي: في الدنيا، على أن يكون ﴿تُدْرِكُهُ﴾ بمعنى، تراه، وتدركه في الآخرة أي: تراه، بدلالة قوله: ﴿إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾، وبدلالة قوله: ﴿كَلاَّ إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين: ١٥]. وهذا من أدل ما يكون من النص على جواز الرؤية، لأن المؤمنين لا بد أن يكونوا في الآخرة إما محجوبين [عن الرؤية] أو غير محجوبين، [فإن كانوا محجوبين] فلا فرق بينهم وبين الكفار الذين حكى الله عنهم أنهم محجوبون في الآخرة، ولا فائدة في إعلام الله لنا أن الكفار محجوبون عنه، إذ الكل محجوبون، فلا بد أن يكون المؤمنون غير محجوبين عن رؤيته، بخلاف حال الكفار. وقيل: معنى ﴿لاَّ تُدْرِكُهُ ٱلأَبْصَٰرُ﴾ أي: بالنهاية والإحاطة. فأما الرؤية فنعم. وقيل: معنى ﴿لاَّ تُدْرِكُهُ ٱلأَبْصَٰرُ﴾ كإدراكه خلقه، لأن أبصارهم ضعيفة. وقيل: المعنى: لا تدركه في الدنيا ولا في الآخرة، أي: أبصار الخلق التي خلقها الله [فيهم] لا يرونه بها، ولكن يحدث لهم تعالى في الآخر [حاسة] سادسة يرونه بها. وهذه دعوى لا دليل يصحبها من أثر ولا نظر، والله قادر على كل شيء. وقد روى جماعة من الصحابة عن النبي ﷺ أنه قال: "إِنَّكُمْ تَرَوْنَ رَبَّكُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ كَمَا تَرَوْنَ هَذَا - يَعْنِي القَمَرَ - لاَ تُضَامُونَ فِي رُؤْيَتِهِ". وفي بعض الرواية: "لاَ تُضَارُونَ فِي رُؤيَتِهِ". وفي بعضها: "كَمَا تَرَوْنَ الشَّمْسَ فِي غَيْرِ سَحَابٍ"، وفي بعضها: "كَمَا تَرَوْنَ الشَّمْسَ نِصْفَ النَّهَارِ وَلَيْسَ فِي السَّمَاءِ سَحَابَةٌ"، وفي بعضها: "كَمَا تَرَوْنَ القَمَرَ لَيْلَةَ البَدْرِ وَلَيْسَ فِي السَّمَاءِ سَحَابَةٌ وقد ذكر النحاس في "تضارون" و "تضامون" واختلاف ألفاظهما ومعانيهما ثمانية أوجه. "تُضَارَونَ" و "تُضَامُّون" مضموم الأول مخففاً، قال: ويجوز "تُضَارُّونَ" (و) "تُضَامُّونَ" مضموم الأول مشدداً، قال: ويجوز "تَضَامُّونَ" مفتوح الأول مشدداً، وأصله: "تَتَضَامُّونَ"، (ثم حذفت إحدى التاءين كـ ﴿تَفَرَّقُواْ﴾ [آل عمران: ١٠٣] و﴿تَسَآءَلُونَ﴾ [النساء: ١] قال: ويجوز "تَضَّامُّونَ" مفتوح الأول مشدد) الضاد والميم على أن تدغم التاء الثانية [في الضاد]، كما قال: ﴿تَظَاهَرُونَ﴾ [البقرة: ٨٥]، وكذلك يجوز "تُضَّامُّونَ" و "تُضَّارُّونَ" على ذلك، التقدير في الحذف والإدغام. والرواية فيها بالتخفيف، ومعناه: لا ينالكم عند رؤيتكم ضير ولا ضيم. ومن رواه مشدداً مضموم الأول فمعناه: لا يُضَّارَّ بعضكم بعضاً في الرؤية، ولا يُضَّامَّ بعضكم بعضاً كما تفعلون في رؤية الهلال في الدنيا إذا [أزدحمتم] لرؤيته. * * - ثم قال تعالى: ﴿[وَ]وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ﴾. أي: متغيرة الألوان كالحة مسودة. قال مجاهد: ﴿بَاسِرَةٌ﴾ "كاشرة". وقال قتادة: "كالحة عابسة". * * - ثم قال تعالى: ﴿تَظُنُّ أَن يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ﴾. أي: تعلم وتوقن أنه يفعل بها داهية. قال مجاهد: ﴿فَاقِرَةٌ﴾: "داهية". وقال قتادة: "تيقن أنها ستدخل النار"، كأن الفاقرة هي التي إذا حلت بالإنسان كسرت فقاره، أي: ظهره. * * - ثم قال: ﴿كَلاَّ﴾ أي: ليس الأمر على ما يظن هؤلاء المشركون ألا يعاقبوا على شركهم. فيوقف عليها هذا التأويل، ويجوز أن تكون بمعنى "حقاً"، أو بمعنى "إلا". فيبتدأ (بها). * * - ومعنى ﴿إِذَا بَلَغَتِ ٱلتَّرَاقِيَ﴾. يعني النفس عند الموت وحشرج بها. * * - ﴿وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ﴾. أي: وقال أهله ومن حوله: (من) يرقيه فيشفيه [لِمَا بِهِ]، وطلبوا له الأطباء فلم يغنوا عنه من أمر الله شيئاً. هذا معنى قول عكرمة وابن زيد. وقال أبو قلابة: ﴿مَنْ رَاقٍ﴾: "من طبيب وشاف"، وهو قول الضحاك وقتادة. وعن ابن عباس أن معناه: وقالت الملائكة - يعني أعوان ملك الموت -: من يرقى بنفسه فيصعدها؟ أملائكة الرحمة أم ملائكة العذاب؟ يقال: رَقَى يَرْقِي من الرُّقْيَةِ. وَرَقَى يَرْقَى من الصُّعُودِ. واسم الفاعل فيهما رَاقٍ. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَظَنَّ أَنَّهُ ٱلْفِرَاقُ﴾. أي: أيقن: بالموت فليس أحد يدفعه عنه. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَٱلْتَفَّتِ ٱلسَّاقُ بِٱلسَّاقِ﴾. أي: اختلطت شدة كرب الدنيا وكرب الآخرة، هذا معنى قول ابن عباس. وعنه أيضاً أنه يقول: "آخر يوم من الدنيا وأول يوم من الآخرة، فتلتقي الشدة بالشدة". وقال الضحاك: معناه: "أهل الدنيا يجهزون الجسد، وأهل الآخرة يجهزون الروح". وقال قتادة: ﴿وَٱلْتَفَّتِ ٱلسَّاقُ بِٱلسَّاقِ﴾: "[الشدة] بالشدة، ساق الدنيا بساق الآخرة". وقيل: "عمل الدنيا بعمل الآخرة". وذكر ابن زيد قولين في ذلك، أحدهما: "ساق الآخرة بساق الدنيا"، والآخر أنه حكي عن بعض العلماء أنهم قالوا: "قل ميت يموت إلا التفت إحدى ساقيه بالأخرى. و (هو) قول مروي عن قتادة وأبي مالك والسدي. واختار القول (الأول) لقوله تعالى: ﴿إِلَىٰ رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ ٱلْمَسَاقُ﴾. وقال الحسن: هو لف ساقيك في الكفن. وعن مجاهد في معناه: [التف] "بلاء ببلاء". * * - ثم قال تعالى: ﴿إِلَىٰ رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ ٱلْمَسَاقُ﴾. أي: إلى ربك مساقه إذا اشتد كربه وحَشرَجَتْ نفسه. * * - ثم قال تعالى: ﴿فَلاَ صَدَّقَ وَلاَ صَلَّىٰ﴾. أي: لم يصدق ولم يصل، فـ "لا" نفي وليست بعاطفة، لأنها لو كانت عاطفة لأشبه [الثاني] الدعاء، والمعنى: فلم يصدق بكتاب الله، ولم يصل لله صلاة. ولكنه ﴿كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ﴾. أي: كذب بكتاب الله وبنبيه، وأعرض عن القبول والطاعة. * * - ﴿ثُمَّ ذَهَبَ إِلَىٰ أَهْلِهِ يَتَمَطَّىٰ﴾. أي: [مضى] [منصرفاً] [متبختراً] في مشيته. قال قتادة: ﴿يَتَمَطَّىٰ﴾: "يتبختر". قال زيد بن أسلم: ﴿يَتَمَطَّىٰ﴾: يتبختر، وهي مشية بني مخزوم. وهو مشتق من المطا، وهو الظهر. كأنه يلوي ظهره متبختراً. ومنه حديث النبي ﷺ: "إِذَا مَشَتْ أُمَّتِي المُطَيْطَاءَ". ويجوز أن يكون من مططت، ثم [أبدل] من إحدى الطاءين ياء، كما قالوا: "تَظَنَّيْتُ" في "تَظَنَّنْتُ"، فيكون المعنى: يمد يديه ورجليه في الخطا [متبختراً]. قال مجاهد وابن زيد: نزلت هذه الآية في أبي جهل. * * - ثم قال تعالى: ﴿أَوْلَىٰ لَكَ فَأَوْلَىٰ * ثُمَّ أَوْلَىٰ لَكَ فَأَوْلَىٰ﴾. هذا وعيد وتهدد لأبي جهل. قال قتادة: ذُكِرَ لَنَا أَنَّ نَبِيَّ الله عليه السلام أَخَذَ بِمَجَامِعِ [ثِيَابِ] أَبِي جَهْلٍ، فَقَالَ: ﴿أَوْلَىٰ لَكَ فَأَوْلَىٰ * (ثُمَّ أَوْلَىٰ لَكَ فَأَوْلَىٰ)﴾، فَقَالَ عَدُوُّ الله: [أَيُوعِدُنِي] مُحَمَّدٌ؟! وَالله، مَا تَسْتَطِيعَ لِي أَنْتَ وَلاَ رَبُّكَ شَيْئَاً، وَالله، لأَنَا أَعَزُّ مَنْ مَشَى بَيْنَ جَبَلَيْهَا. فَلَمَّا كَانَ يَوْمَ بَدْرٍ، أَشْرَفَ عَدُوُّ الله عَلَيْهِمْ، فَقَالَ: لاَ يُعْبَدُ اللهُ بَعْدَ اليَوْمِ أَبَداً، فَضَرَبَ اللهُ عُنُقَهُ وَقَتَلَهُ شَرَّ قَتْلَةٍ". والعرب تقول: "أولى (لك): كدت تهلك ثم (أفلت)". وتقديره، أولى لك فأولى لك الهلكة، (ثم أولى لك فأولى لك الهلكة)، فهو وعيد بعد وعيد". وقال بعض أهل المعاني: ﴿أَوْلَىٰ لَكَ﴾ هو "أفعل" الذي للتفضيل بمنزلة "أخزى لك" و "أقبح لوجهك"، وهو مشتق من الويل. وفيه قلب، قدمت [اللام] وهي لام الفعل قبل الياء، وهي عين الفعل، قال: وإنما فعلوا ذلك لئلا يلزمهم من الإدغام ما [تتغير] به الكلمة. فلو أتوا به على الأصل للزمهم أن يقولوا: "أيل"، لأن الواو تدغم فيها [الياء] إذا تقدمت ساكنة، بمنزلة: [ميت] وهين. * * - ثم قال تعالى: ﴿أَيَحْسَبُ ٱلإِنسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى﴾. أي: مهملاً لا يؤمر ولا ينهى، يعني بذلك الكافر. قال ابن عباس: ﴿سُدًى﴾ مهملاً. قال ابن زيد: "لا يفترض عليه عمل ولا يعمل". يقال: "أسديت الشيء" بمعنى: أعملته. * * - ثم قال تعالى: ﴿أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِّن مَّنِيٍّ يُمْنَىٰ﴾. أي: (ألم) يك - هذا المنكر قُدرةَ الله على إحيائه بعد موته - ماءً قليلاً في صلب الرجال (مِن مَنِيٍّ)؟! - ﴿ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً﴾. ثم دماً. * * - ﴿فَخَلَقَ فَسَوَّىٰ﴾. أي: فخلقه الله إنساناً من بعدما كان نطفة وعلقة ثم [سواه] بشراً ناطقاً سميعاً بصيراً. * * - ﴿فَجَعَلَ مِنْهُ ٱلزَّوْجَيْنِ ٱلذَّكَرَ وَٱلأُنثَىٰ﴾. أي: فجعل من هذا الإنسان بعد ما سوّاه بشراً أولاداً، ذكوراً وإناثاً. * * - ﴿أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَىٰ أَن يُحْيِـيَ ٱلْمَوْتَىٰ﴾. أي: [أليس] الذي قدر على ذلك واخترعه من غير مثال [قادراً] على أن يحيي الموتى بعد مماتهم؟! وكان النبيّ ﷺ إذا قرأ آخر (هذه) السورة يقول: بلى. قال قتادة: "كان يقول: سبحانك، وبلى". وأجاز الفراء الإدغام في ﴿يُحْيِـيَ﴾، وهو غلط عند الخليل وسيبويه، لئلا يلتقي ساكنان.

الإنسان 76:1

قوله تعالى: ﴿هَلْ أَتَىٰ عَلَى ٱلإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ ٱلدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئاً مَّذْكُوراً﴾، إلى قوله: ﴿سَمِيعاً بَصِيراً﴾. "هل" [في هذا] الموضع خبر لا جحد. وفي الكلام معنى [التقرير]، كأنه قال: قد أتى على الإنسان [ز] من طويل لم يكن شيئاً مذكوراً. وهذا كما تقول للرجل - [تقرره -]: هل أكرمتك؟ وقد [أكرمه]، هل أحسنت إليك؟ وقد أحسن إليه. وتكون "هل" جحوداً في غير هذا الموضع، نحو قول الرجل لآخر: هل يفعل هذا أحد؟! بمعنى: لا يفعل هذا أحد، وتكون استفهاماً، وهو بابها. وقد أجاز ابن كيسان أن تكون "هل" في الآية استفهاما على بابها، كما تقول: هل بقيت في أمرك؟. والإنسان في الآية: آدم عليه السلام، قاله قتادة وغيره. قال قتادة: إنما [خلق] الإنسان حديثاً، وما نعلم من خليقة الله عز وجل كانت بعد الإنسان، يقول: خَلْقُ الإنسان آخر سائر ما خلق الله من الخلق. والحين (هاهنا) يراد به طول مكث آدم وهو طينة. وذلك أربعون سنة في ما روي. فكان في ذلك الوقت شيئاً غير مذكور. وقيل: الحين هنا غير معلوم، [الله يعلمه]. وقيل: الإنسان هنا يراد به الجنس فأما الإنسان الثاني فهو للجنس [بلا اختلاف]، وقال مالك: الحين هنا: ما مضى قبل ذلك من أمر الدهر كله ومن قبل أن يخلق آدم. * * - ثم قال تعالى: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا ٱلإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ﴾. أي: إنا خلقنا ذرية آدم من نطفة، أي: من ماء الرجل وماء المرأة. والنطفة كل ماء قليل في وعاء. و (أمشاج): أخلاط. يقال: مَشَجْتُ هذا بهذا، أي: خلطته. وواحد الأمشاج: مشيج، مثل شريف وأشراف. وقيل: مَشْجٌ مثل عدل وأعدال. وقال ابن عباس: المشجان: ماء الرجل وماء المرأة. وهو معنى قول مجاهد والحسن وعكرمة وأكثر المفسرين. وعن ابن عباس أيضاً أن معنى (أمشاج) هو انتقاله من تراب ثم من نطفة إلى علقة إلى مضغة إلى غير ذلك. وقاله أيضاً عكرمة وقتادة. وقيل: (أمشاج) هي العروق التي تكون في النطفة. روي ذلك عن ابن مسعود. وقاله أسامة بن زيد عن أبيه. وقيل: الأمشاج هي ألوان النطفة، (نطفة الرجل تكون بيضاء وحمراء، ونطفة المرأة تكون خضراء وحمراء) ، [روي ذلك عن] مجاهد وقاله ابن أبي نُجَيْح. فمن قال: إن الأمشاج انتقال النطفة إلى علقة، ثم مضغة، ثم غير ذلك، فتقديره: من نطفة ذات أمشاج. * * ومعنى ﴿نَّبْتَلِيهِ﴾ نختبره. * * ﴿فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً﴾. أي: ذا سمع وذا بصر لِتَقُوم عليه الحجة. وقال الفراء: في الكلام تقديم وتأخير، والتقدير عنده: إنا خلقنا الإنسان سميعاً بصيراً من نطفة أمشاج لنختبره. وقد رُدَّ [عليه] هذا التقدير، لأن الفاء لا يقع معها التقديم والتأخير. ولأن الكلام تام بغير تقديم وتأخير، فلا يخرج عن ظاهره لغير علة.

الإنسان 76:2

قوله تعالى: ﴿هَلْ أَتَىٰ عَلَى ٱلإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ ٱلدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئاً مَّذْكُوراً﴾، إلى قوله: ﴿سَمِيعاً بَصِيراً﴾. "هل" [في هذا] الموضع خبر لا جحد. وفي الكلام معنى [التقرير]، كأنه قال: قد أتى على الإنسان [ز] من طويل لم يكن شيئاً مذكوراً. وهذا كما تقول للرجل - [تقرره -]: هل أكرمتك؟ وقد [أكرمه]، هل أحسنت إليك؟ وقد أحسن إليه. وتكون "هل" جحوداً في غير هذا الموضع، نحو قول الرجل لآخر: هل يفعل هذا أحد؟! بمعنى: لا يفعل هذا أحد، وتكون استفهاماً، وهو بابها. وقد أجاز ابن كيسان أن تكون "هل" في الآية استفهاما على بابها، كما تقول: هل بقيت في أمرك؟. والإنسان في الآية: آدم عليه السلام، قاله قتادة وغيره. قال قتادة: إنما [خلق] الإنسان حديثاً، وما نعلم من خليقة الله عز وجل كانت بعد الإنسان، يقول: خَلْقُ الإنسان آخر سائر ما خلق الله من الخلق. والحين (هاهنا) يراد به طول مكث آدم وهو طينة. وذلك أربعون سنة في ما روي. فكان في ذلك الوقت شيئاً غير مذكور. وقيل: الحين هنا غير معلوم، [الله يعلمه]. وقيل: الإنسان هنا يراد به الجنس فأما الإنسان الثاني فهو للجنس [بلا اختلاف]، وقال مالك: الحين هنا: ما مضى قبل ذلك من أمر الدهر كله ومن قبل أن يخلق آدم. * * - ثم قال تعالى: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا ٱلإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ﴾. أي: إنا خلقنا ذرية آدم من نطفة، أي: من ماء الرجل وماء المرأة. والنطفة كل ماء قليل في وعاء. و (أمشاج): أخلاط. يقال: مَشَجْتُ هذا بهذا، أي: خلطته. وواحد الأمشاج: مشيج، مثل شريف وأشراف. وقيل: مَشْجٌ مثل عدل وأعدال. وقال ابن عباس: المشجان: ماء الرجل وماء المرأة. وهو معنى قول مجاهد والحسن وعكرمة وأكثر المفسرين. وعن ابن عباس أيضاً أن معنى (أمشاج) هو انتقاله من تراب ثم من نطفة إلى علقة إلى مضغة إلى غير ذلك. وقاله أيضاً عكرمة وقتادة. وقيل: (أمشاج) هي العروق التي تكون في النطفة. روي ذلك عن ابن مسعود. وقاله أسامة بن زيد عن أبيه. وقيل: الأمشاج هي ألوان النطفة، (نطفة الرجل تكون بيضاء وحمراء، ونطفة المرأة تكون خضراء وحمراء) ، [روي ذلك عن] مجاهد وقاله ابن أبي نُجَيْح. فمن قال: إن الأمشاج انتقال النطفة إلى علقة، ثم مضغة، ثم غير ذلك، فتقديره: من نطفة ذات أمشاج. * * ومعنى ﴿نَّبْتَلِيهِ﴾ نختبره. * * ﴿فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً﴾. أي: ذا سمع وذا بصر لِتَقُوم عليه الحجة. وقال الفراء: في الكلام تقديم وتأخير، والتقدير عنده: إنا خلقنا الإنسان سميعاً بصيراً من نطفة أمشاج لنختبره. وقد رُدَّ [عليه] هذا التقدير، لأن الفاء لا يقع معها التقديم والتأخير. ولأن الكلام تام بغير تقديم وتأخير، فلا يخرج عن ظاهره لغير علة.

الإنسان 76:3

قوله تعالى: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ ٱلسَّبِيلَ﴾، إلى قوله: ﴿وَلاَ زَمْهَرِيراً﴾. أي: إنا بينا له طريق الحق وعرَّفناه. قال مجاهد: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ ٱلسَّبِيلَ﴾: الشقاوة والسعادة. وقال قتادة: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ ٱلسَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً﴾ لنعم الله ﴿وَإِمَّا كَفُوراً﴾ لها. وقال ابن زيد: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ ٱلسَّبِيلَ﴾ قال: [ننظر] أي شيء يصنع وأي الطريقين يسلك. ومعنى "إما" في هذا الموضع كمعنى: ["أو" إلا أنها] تدل على المعنى في أول الكلام. ودليل ذلك قول المفسرين: إن معناه: إما شقياً وإما سعيداً. والشقاوة والسعادة يفرغ منهما وهو في بطن أمه. وقيل: ﴿شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً﴾: حالان مقدران. وأجاز الفراء أن [تكون] "ما" زائدة [و "إن"] للشرط. والمعنى على هذا: "إنا هديناه السبيل إن شكر وإن كفر". وفيه بعد لأن "إن" التي للشرط لا تقع على الأسماء إلا بإضمار فعل، ولا يحسن ذلك هنا. وقيل: تقديره على قول الفراء: "إن كان شاكراً أو كان كفوراً". * * - ثم قال تعالى: ﴿إِنَّآ أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلاَسِلاَ وَأَغْلاَلاً وَسَعِيراً﴾. أي: إنا أعتدنا لمن كفر (وأعرض عن الإيمان) وجحد النعم [﴿سَلاَسِلاَ﴾] يوثقون بها في الجحيم ﴿وَأَغْلاَلاً﴾ تغل بها أيديهم إلى أعناقهم ﴿وَسَعِيراً﴾ أي: وناراً تسعر عليهم فتوقد. فمن لم ينون [﴿سَلاَسِلاَ﴾] أتى به على منع الصرف لأنه جمع لا نظير له في الواحد، وهو نهاية الجمع، فثقل فمنع الصرف. ومن وقف عليه بألف مع منعه لصرفه فعلى لغة مسموعة عن العرب. حكى الرؤاسي والكسائي أن العرب تقف على ما لا يتصرف في حال الفتح بألف [لبيان] الفتحة. وله حجة أخرى: وذلك أنه في بعض المصاحف بألف. فاتَّبَعَ السَّوَادَ في الوقف، واتبع أصل الإعراب في الوصل. فأما من نونه، فعلى لغة مسموعة من بعض العرب. حكى الكسائي وغيره من الكوفيين أن بعض [العرب يصرف كل ما] لا ينصرف إلا "أفعل منك". وقال بعض أهل النظر: كل ما يجوز في الشعر يجوز في القرآن، لأن الشعر أصل كلام العرب، والعرب تصرف هذا ونحوه في الشعر. وقيل: إنما صرف لأنه أُتْبِعَ بما بعده، وهو [﴿وَأَغْلاَلاً﴾]. وكذلك الحجة في ﴿قَوَارِيرَاْ * قَوَارِيرَاْ﴾ [الإنسان: ١٥-١٦]، عند من منع صرفه ووقف بالألف. أو بغير ألف أو صرفه. * * - ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱلأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُوراً﴾. أي: إن الذين بروا ربهم بطاعتهم في أداء فرائضه واجتناب محارمه يشربون في الآخرة ﴿مِن كَأْسٍ﴾، وهو كل إناء فيه شراب كان مزاج ما فيها من الشراب ﴿كَافُوراً﴾ يعني أن [طيب] رائحة الشراب كالكافور. وقيل: الكافور هنا اسم لعين ماء في الجنة. فعلى هذا، تكون ﴿عَيْناً﴾ بدلاً من "كافور". ومن جعل الكافور صفة للشرب نصب ﴿عَيْناً﴾ على الحال من المضمر في ﴿مِزَاجُهَا﴾. وقيل: انتصب عين على إضمار أعني، [وقيل: هي مفعول بها بمعنى: يشربون عيناً يشرب بها عباد الله. وقيل: هي نصب على المدح] وقيل: التقدير: "من عين"، قلما حذف الحرف نصب. وقال الحسن: "الأبرار: الذين لا يؤذون الذر [ولا يرضون الشر]". وقال محارب بن دثار: إنما سموا أبراراً لأنهم بروا الآباء والأبناء. فكما أن لوالديك [عليك] حقاً، كذلك لولدك عليك حق. وروى ابن عمر عن النبي ﷺ أنه قال: "إنْ أَبَرَّ الْبِرِ أَنْ يَصِلَ الرَّجُلُ أَهْلَ وُدِّ أبيه قال مجاهد: ﴿كَانَ مِزَاجُهَا كَافُوراً﴾ تمزج (به). قال قتادة: "قوم تمزج لهم بالكافور وتختم (لهم) بالمسك". - (وقوله: ﴿عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ ٱللَّهِ﴾ أي: يشربها. وقيل: التقدير: يروي بها عباد الله الذين يدخلهم جنته. وقيل: يعني بعباد الله: الأبرار خاصة الذين تقدم ذكرهم. دليله قوله: ﴿عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا ٱلْمُقَرَّبُونَ﴾ [المطففين: ٢٨]، وهم الأبرار تمزج لهم بالكافور وتختم بالمسك). * * - ثم قال: ﴿يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيراً﴾. أي: [يفجرون] تلك العين كيف شاؤوا حيث شاؤوا من منازلهم وقصورهم. والتفجير: الإسالة للماء والإجراء له. قال مجاهد: يعدلون بها حيث شاءوا ويعيدونها حيث شاءوا. ويروى أن أحدهم إذا أراد أن يتفجر [له] الماء شق ذلك الوضع بعود فجرى فيه الماء. - قال تعالى: ﴿يُوفُونَ بِٱلنَّذْرِ﴾. أي: يوفون بكل ما يجب عليهم، نذروه أو لم ينذروه. وقال الفراء: التقدير كانوا يوفون بالنذر في الدنيا. وكانوا ﴿يَخَافُونَ يَوْماً كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً﴾، أي: فاشياً ظاهراً منتشراً ممتداً. قال قتادة: ﴿يُوفُونَ بِٱلنَّذْرِ﴾: "بطاعة الله وبالصلاة وبالحج والعمرة". وقال سفيان: ﴿يُوفُونَ بِٱلنَّذْرِ﴾: "في غير معصية"، ويخافون عذاب الله في تركهم الوفاء في يوم كان شره ممتداً. (قال قتادة) "استطار والله شر ذلك اليوم حتى ملأ السماوات والأرض". وقال الفراء: ﴿مُسْتَطِيراً﴾ أي: [مستطيلاً]. يقال: استطار الشيء إذا انتشر. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَيُطْعِمُونَ ٱلطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ﴾ أي: على حبهم إياه وشهوتهم له، ﴿مِسْكِيناً..﴾ أي: ذا حاجة، ﴿وَيَتِيماً﴾، وقوله ﴿وَأَسِيراً﴾ قال قتادة: هو المَأْسُورُ عندك المُشْرِك، قال: وأخوك المسلم أحق منه. وقال عكرمة: الأسير - في ذلك الزمان - المشرك. قال الحسن: "ما كان أسراؤهم [إلا] المشركين". وقال مالك: يعني أسرى المشركين. وقال مجاهد: الأسير - هنا - المسجون من المسلمين. وهو قول ابن جبير وعطاء. وهذا كله من صفة الأبرار. * * - ثم قال: ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ ٱللَّهِ﴾ أي: يقولون إذا هم أطعموهم: إنما نطعمكم طلب رضاء الله والتقرب إليه. - ﴿لاَ نُرِيدُ...﴾ منكم أيها الناس على إطعامنا لكم. * * - ﴿جَزَآءً وَلاَ شُكُوراً﴾. و ﴿شُكُوراً﴾ يحتمل أن يكون جمع "شُكْرٍ" وأن يكون مصدراً. قال مجاهد: "أَمَا إنَّهُمْ (ما) تكلموا به، ولكنَّ الله عَلِمَه من قلوبهم فأثنى به عليهم لِيَرْغَبَ فِي ذَلِكَ رَاغِبٌ". ومثلَ ذلك قال ابن جبير. وكذلك روى [الفِرْيَابِي] عن سالم الأفطس عن ابن عمر. * * - ثم قال تعالى: ﴿إِنَّا نَخَافُ مِن رَّبِّنَا يَوْماً عَبُوساً﴾. أي: إنما نطعمكم رجاء أن [يؤمننا] الله عقوبته في يوم شديد تعبس فيه الوجوه من شدة هوله وطول بلائه، فهو نعت لليوم بمعنى النسب، كما قال: ﴿فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٢١] والقمطرير: الشديد، ومثله [القماطر]، وقد اقمطر اليوم [يقمطر اقمطراراً]: إذا اشتد بلاؤه، ومثله يوم عصيب وعصبصب. قال ابن عباس في قوله: ﴿يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً﴾ قال: "يعبس الكافر يومئذ حتى يسيل من [بين] عينيه عرق مثل القطران". وقال قتادة: "عبست فيه الوجوه وقبضت ما بين أعينها كراهية لذلك اليوم"، وهو قول مجاهد. وعن ابن عباس أن العبوس: الضيق، والقمطرير: الطويل. وقال ابن زيد: "العبوس: الشر". * * - ثم قال تعالى: ﴿فَوَقَٰهُمُ ٱللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ ٱلْيَومِ﴾. أي: وقاهم ما كانوا يحذرون في الدنيا من شر ذلك اليوم بما كانوا يعملون في الدنيا. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُوراً﴾. قال الحسن: "[نضرة] في الوجوه وسروراً في القلوب" وكذلك قال قتادة. وقال ابن زيد: نعمة وفرحاً. وروي أن هذا كله نزل في علي بن أبي طالب رضي الله عنه. ثم هو عام في من كان على [منهاجه في فعله]. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُواْ جَنَّةً وَحَرِيراً﴾. أي: وأثابهم بصبرهم في الدنيا على طاعة الله واجتناب محارمه دخول جنته. واستعمال الحرير في اللباس والفرش. * * - ﴿مُّتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَىٰ ٱلأَرَائِكِ﴾. نصب ﴿مُّتَّكِئِينَ﴾ على الحال من الهاء والميم في ﴿جَزَاهُمْ﴾. "وجزى" هو العامل في الحال. ولا [يحسن] أن يعمل فيه ﴿صَبَرُواْ﴾ لأن الصبر كان في الدنيا والاتكاء في الآخرة. ويجوز أن ينتصب على النعب للجنَّة "لأنه قد عاد [عليها] من نعتها عائد (وهو) ﴿فِيهَا﴾. وقوله: ﴿عَلَىٰ ٱلأَرَائِكِ﴾، واحد الأرائك: أريكة وهي [السرر] في الحجال. - وقوله ﴿لاَ يَرَوْنَ فِيهَا شَمْساً [وَلاَ زَمْهَرِيراً﴾. "شمساً"] في موضع الحال من الهاء والميم، (أو) في موضع النعت لجنةً، أي: غير رائين في الجنة شمسا تؤذيهم بحرها، ولا برداً شديداً يؤذيهم [بشدته]. قال مجاهد: الزمهرير: البرد: المُقَطِّعُ. وقال قتادة: "علم الله جل ذكره أن شدة البرد [مؤذ]. وشدة الحر مؤذ. فوقاهم إياهما". والزمهرير: لون من عذاب جهنم.

الإنسان 76:4

قوله تعالى: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ ٱلسَّبِيلَ﴾، إلى قوله: ﴿وَلاَ زَمْهَرِيراً﴾. أي: إنا بينا له طريق الحق وعرَّفناه. قال مجاهد: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ ٱلسَّبِيلَ﴾: الشقاوة والسعادة. وقال قتادة: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ ٱلسَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً﴾ لنعم الله ﴿وَإِمَّا كَفُوراً﴾ لها. وقال ابن زيد: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ ٱلسَّبِيلَ﴾ قال: [ننظر] أي شيء يصنع وأي الطريقين يسلك. ومعنى "إما" في هذا الموضع كمعنى: ["أو" إلا أنها] تدل على المعنى في أول الكلام. ودليل ذلك قول المفسرين: إن معناه: إما شقياً وإما سعيداً. والشقاوة والسعادة يفرغ منهما وهو في بطن أمه. وقيل: ﴿شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً﴾: حالان مقدران. وأجاز الفراء أن [تكون] "ما" زائدة [و "إن"] للشرط. والمعنى على هذا: "إنا هديناه السبيل إن شكر وإن كفر". وفيه بعد لأن "إن" التي للشرط لا تقع على الأسماء إلا بإضمار فعل، ولا يحسن ذلك هنا. وقيل: تقديره على قول الفراء: "إن كان شاكراً أو كان كفوراً". * * - ثم قال تعالى: ﴿إِنَّآ أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلاَسِلاَ وَأَغْلاَلاً وَسَعِيراً﴾. أي: إنا أعتدنا لمن كفر (وأعرض عن الإيمان) وجحد النعم [﴿سَلاَسِلاَ﴾] يوثقون بها في الجحيم ﴿وَأَغْلاَلاً﴾ تغل بها أيديهم إلى أعناقهم ﴿وَسَعِيراً﴾ أي: وناراً تسعر عليهم فتوقد. فمن لم ينون [﴿سَلاَسِلاَ﴾] أتى به على منع الصرف لأنه جمع لا نظير له في الواحد، وهو نهاية الجمع، فثقل فمنع الصرف. ومن وقف عليه بألف مع منعه لصرفه فعلى لغة مسموعة عن العرب. حكى الرؤاسي والكسائي أن العرب تقف على ما لا يتصرف في حال الفتح بألف [لبيان] الفتحة. وله حجة أخرى: وذلك أنه في بعض المصاحف بألف. فاتَّبَعَ السَّوَادَ في الوقف، واتبع أصل الإعراب في الوصل. فأما من نونه، فعلى لغة مسموعة من بعض العرب. حكى الكسائي وغيره من الكوفيين أن بعض [العرب يصرف كل ما] لا ينصرف إلا "أفعل منك". وقال بعض أهل النظر: كل ما يجوز في الشعر يجوز في القرآن، لأن الشعر أصل كلام العرب، والعرب تصرف هذا ونحوه في الشعر. وقيل: إنما صرف لأنه أُتْبِعَ بما بعده، وهو [﴿وَأَغْلاَلاً﴾]. وكذلك الحجة في ﴿قَوَارِيرَاْ * قَوَارِيرَاْ﴾ [الإنسان: ١٥-١٦]، عند من منع صرفه ووقف بالألف. أو بغير ألف أو صرفه. * * - ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱلأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُوراً﴾. أي: إن الذين بروا ربهم بطاعتهم في أداء فرائضه واجتناب محارمه يشربون في الآخرة ﴿مِن كَأْسٍ﴾، وهو كل إناء فيه شراب كان مزاج ما فيها من الشراب ﴿كَافُوراً﴾ يعني أن [طيب] رائحة الشراب كالكافور. وقيل: الكافور هنا اسم لعين ماء في الجنة. فعلى هذا، تكون ﴿عَيْناً﴾ بدلاً من "كافور". ومن جعل الكافور صفة للشرب نصب ﴿عَيْناً﴾ على الحال من المضمر في ﴿مِزَاجُهَا﴾. وقيل: انتصب عين على إضمار أعني، [وقيل: هي مفعول بها بمعنى: يشربون عيناً يشرب بها عباد الله. وقيل: هي نصب على المدح] وقيل: التقدير: "من عين"، قلما حذف الحرف نصب. وقال الحسن: "الأبرار: الذين لا يؤذون الذر [ولا يرضون الشر]". وقال محارب بن دثار: إنما سموا أبراراً لأنهم بروا الآباء والأبناء. فكما أن لوالديك [عليك] حقاً، كذلك لولدك عليك حق. وروى ابن عمر عن النبي ﷺ أنه قال: "إنْ أَبَرَّ الْبِرِ أَنْ يَصِلَ الرَّجُلُ أَهْلَ وُدِّ أبيه قال مجاهد: ﴿كَانَ مِزَاجُهَا كَافُوراً﴾ تمزج (به). قال قتادة: "قوم تمزج لهم بالكافور وتختم (لهم) بالمسك". - (وقوله: ﴿عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ ٱللَّهِ﴾ أي: يشربها. وقيل: التقدير: يروي بها عباد الله الذين يدخلهم جنته. وقيل: يعني بعباد الله: الأبرار خاصة الذين تقدم ذكرهم. دليله قوله: ﴿عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا ٱلْمُقَرَّبُونَ﴾ [المطففين: ٢٨]، وهم الأبرار تمزج لهم بالكافور وتختم بالمسك). * * - ثم قال: ﴿يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيراً﴾. أي: [يفجرون] تلك العين كيف شاؤوا حيث شاؤوا من منازلهم وقصورهم. والتفجير: الإسالة للماء والإجراء له. قال مجاهد: يعدلون بها حيث شاءوا ويعيدونها حيث شاءوا. ويروى أن أحدهم إذا أراد أن يتفجر [له] الماء شق ذلك الوضع بعود فجرى فيه الماء. - قال تعالى: ﴿يُوفُونَ بِٱلنَّذْرِ﴾. أي: يوفون بكل ما يجب عليهم، نذروه أو لم ينذروه. وقال الفراء: التقدير كانوا يوفون بالنذر في الدنيا. وكانوا ﴿يَخَافُونَ يَوْماً كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً﴾، أي: فاشياً ظاهراً منتشراً ممتداً. قال قتادة: ﴿يُوفُونَ بِٱلنَّذْرِ﴾: "بطاعة الله وبالصلاة وبالحج والعمرة". وقال سفيان: ﴿يُوفُونَ بِٱلنَّذْرِ﴾: "في غير معصية"، ويخافون عذاب الله في تركهم الوفاء في يوم كان شره ممتداً. (قال قتادة) "استطار والله شر ذلك اليوم حتى ملأ السماوات والأرض". وقال الفراء: ﴿مُسْتَطِيراً﴾ أي: [مستطيلاً]. يقال: استطار الشيء إذا انتشر. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَيُطْعِمُونَ ٱلطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ﴾ أي: على حبهم إياه وشهوتهم له، ﴿مِسْكِيناً..﴾ أي: ذا حاجة، ﴿وَيَتِيماً﴾، وقوله ﴿وَأَسِيراً﴾ قال قتادة: هو المَأْسُورُ عندك المُشْرِك، قال: وأخوك المسلم أحق منه. وقال عكرمة: الأسير - في ذلك الزمان - المشرك. قال الحسن: "ما كان أسراؤهم [إلا] المشركين". وقال مالك: يعني أسرى المشركين. وقال مجاهد: الأسير - هنا - المسجون من المسلمين. وهو قول ابن جبير وعطاء. وهذا كله من صفة الأبرار. * * - ثم قال: ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ ٱللَّهِ﴾ أي: يقولون إذا هم أطعموهم: إنما نطعمكم طلب رضاء الله والتقرب إليه. - ﴿لاَ نُرِيدُ...﴾ منكم أيها الناس على إطعامنا لكم. * * - ﴿جَزَآءً وَلاَ شُكُوراً﴾. و ﴿شُكُوراً﴾ يحتمل أن يكون جمع "شُكْرٍ" وأن يكون مصدراً. قال مجاهد: "أَمَا إنَّهُمْ (ما) تكلموا به، ولكنَّ الله عَلِمَه من قلوبهم فأثنى به عليهم لِيَرْغَبَ فِي ذَلِكَ رَاغِبٌ". ومثلَ ذلك قال ابن جبير. وكذلك روى [الفِرْيَابِي] عن سالم الأفطس عن ابن عمر. * * - ثم قال تعالى: ﴿إِنَّا نَخَافُ مِن رَّبِّنَا يَوْماً عَبُوساً﴾. أي: إنما نطعمكم رجاء أن [يؤمننا] الله عقوبته في يوم شديد تعبس فيه الوجوه من شدة هوله وطول بلائه، فهو نعت لليوم بمعنى النسب، كما قال: ﴿فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٢١] والقمطرير: الشديد، ومثله [القماطر]، وقد اقمطر اليوم [يقمطر اقمطراراً]: إذا اشتد بلاؤه، ومثله يوم عصيب وعصبصب. قال ابن عباس في قوله: ﴿يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً﴾ قال: "يعبس الكافر يومئذ حتى يسيل من [بين] عينيه عرق مثل القطران". وقال قتادة: "عبست فيه الوجوه وقبضت ما بين أعينها كراهية لذلك اليوم"، وهو قول مجاهد. وعن ابن عباس أن العبوس: الضيق، والقمطرير: الطويل. وقال ابن زيد: "العبوس: الشر". * * - ثم قال تعالى: ﴿فَوَقَٰهُمُ ٱللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ ٱلْيَومِ﴾. أي: وقاهم ما كانوا يحذرون في الدنيا من شر ذلك اليوم بما كانوا يعملون في الدنيا. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُوراً﴾. قال الحسن: "[نضرة] في الوجوه وسروراً في القلوب" وكذلك قال قتادة. وقال ابن زيد: نعمة وفرحاً. وروي أن هذا كله نزل في علي بن أبي طالب رضي الله عنه. ثم هو عام في من كان على [منهاجه في فعله]. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُواْ جَنَّةً وَحَرِيراً﴾. أي: وأثابهم بصبرهم في الدنيا على طاعة الله واجتناب محارمه دخول جنته. واستعمال الحرير في اللباس والفرش. * * - ﴿مُّتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَىٰ ٱلأَرَائِكِ﴾. نصب ﴿مُّتَّكِئِينَ﴾ على الحال من الهاء والميم في ﴿جَزَاهُمْ﴾. "وجزى" هو العامل في الحال. ولا [يحسن] أن يعمل فيه ﴿صَبَرُواْ﴾ لأن الصبر كان في الدنيا والاتكاء في الآخرة. ويجوز أن ينتصب على النعب للجنَّة "لأنه قد عاد [عليها] من نعتها عائد (وهو) ﴿فِيهَا﴾. وقوله: ﴿عَلَىٰ ٱلأَرَائِكِ﴾، واحد الأرائك: أريكة وهي [السرر] في الحجال. - وقوله ﴿لاَ يَرَوْنَ فِيهَا شَمْساً [وَلاَ زَمْهَرِيراً﴾. "شمساً"] في موضع الحال من الهاء والميم، (أو) في موضع النعت لجنةً، أي: غير رائين في الجنة شمسا تؤذيهم بحرها، ولا برداً شديداً يؤذيهم [بشدته]. قال مجاهد: الزمهرير: البرد: المُقَطِّعُ. وقال قتادة: "علم الله جل ذكره أن شدة البرد [مؤذ]. وشدة الحر مؤذ. فوقاهم إياهما". والزمهرير: لون من عذاب جهنم.

الإنسان 76:5

قوله تعالى: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ ٱلسَّبِيلَ﴾، إلى قوله: ﴿وَلاَ زَمْهَرِيراً﴾. أي: إنا بينا له طريق الحق وعرَّفناه. قال مجاهد: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ ٱلسَّبِيلَ﴾: الشقاوة والسعادة. وقال قتادة: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ ٱلسَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً﴾ لنعم الله ﴿وَإِمَّا كَفُوراً﴾ لها. وقال ابن زيد: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ ٱلسَّبِيلَ﴾ قال: [ننظر] أي شيء يصنع وأي الطريقين يسلك. ومعنى "إما" في هذا الموضع كمعنى: ["أو" إلا أنها] تدل على المعنى في أول الكلام. ودليل ذلك قول المفسرين: إن معناه: إما شقياً وإما سعيداً. والشقاوة والسعادة يفرغ منهما وهو في بطن أمه. وقيل: ﴿شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً﴾: حالان مقدران. وأجاز الفراء أن [تكون] "ما" زائدة [و "إن"] للشرط. والمعنى على هذا: "إنا هديناه السبيل إن شكر وإن كفر". وفيه بعد لأن "إن" التي للشرط لا تقع على الأسماء إلا بإضمار فعل، ولا يحسن ذلك هنا. وقيل: تقديره على قول الفراء: "إن كان شاكراً أو كان كفوراً". * * - ثم قال تعالى: ﴿إِنَّآ أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلاَسِلاَ وَأَغْلاَلاً وَسَعِيراً﴾. أي: إنا أعتدنا لمن كفر (وأعرض عن الإيمان) وجحد النعم [﴿سَلاَسِلاَ﴾] يوثقون بها في الجحيم ﴿وَأَغْلاَلاً﴾ تغل بها أيديهم إلى أعناقهم ﴿وَسَعِيراً﴾ أي: وناراً تسعر عليهم فتوقد. فمن لم ينون [﴿سَلاَسِلاَ﴾] أتى به على منع الصرف لأنه جمع لا نظير له في الواحد، وهو نهاية الجمع، فثقل فمنع الصرف. ومن وقف عليه بألف مع منعه لصرفه فعلى لغة مسموعة عن العرب. حكى الرؤاسي والكسائي أن العرب تقف على ما لا يتصرف في حال الفتح بألف [لبيان] الفتحة. وله حجة أخرى: وذلك أنه في بعض المصاحف بألف. فاتَّبَعَ السَّوَادَ في الوقف، واتبع أصل الإعراب في الوصل. فأما من نونه، فعلى لغة مسموعة من بعض العرب. حكى الكسائي وغيره من الكوفيين أن بعض [العرب يصرف كل ما] لا ينصرف إلا "أفعل منك". وقال بعض أهل النظر: كل ما يجوز في الشعر يجوز في القرآن، لأن الشعر أصل كلام العرب، والعرب تصرف هذا ونحوه في الشعر. وقيل: إنما صرف لأنه أُتْبِعَ بما بعده، وهو [﴿وَأَغْلاَلاً﴾]. وكذلك الحجة في ﴿قَوَارِيرَاْ * قَوَارِيرَاْ﴾ [الإنسان: ١٥-١٦]، عند من منع صرفه ووقف بالألف. أو بغير ألف أو صرفه. * * - ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱلأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُوراً﴾. أي: إن الذين بروا ربهم بطاعتهم في أداء فرائضه واجتناب محارمه يشربون في الآخرة ﴿مِن كَأْسٍ﴾، وهو كل إناء فيه شراب كان مزاج ما فيها من الشراب ﴿كَافُوراً﴾ يعني أن [طيب] رائحة الشراب كالكافور. وقيل: الكافور هنا اسم لعين ماء في الجنة. فعلى هذا، تكون ﴿عَيْناً﴾ بدلاً من "كافور". ومن جعل الكافور صفة للشرب نصب ﴿عَيْناً﴾ على الحال من المضمر في ﴿مِزَاجُهَا﴾. وقيل: انتصب عين على إضمار أعني، [وقيل: هي مفعول بها بمعنى: يشربون عيناً يشرب بها عباد الله. وقيل: هي نصب على المدح] وقيل: التقدير: "من عين"، قلما حذف الحرف نصب. وقال الحسن: "الأبرار: الذين لا يؤذون الذر [ولا يرضون الشر]". وقال محارب بن دثار: إنما سموا أبراراً لأنهم بروا الآباء والأبناء. فكما أن لوالديك [عليك] حقاً، كذلك لولدك عليك حق. وروى ابن عمر عن النبي ﷺ أنه قال: "إنْ أَبَرَّ الْبِرِ أَنْ يَصِلَ الرَّجُلُ أَهْلَ وُدِّ أبيه قال مجاهد: ﴿كَانَ مِزَاجُهَا كَافُوراً﴾ تمزج (به). قال قتادة: "قوم تمزج لهم بالكافور وتختم (لهم) بالمسك". - (وقوله: ﴿عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ ٱللَّهِ﴾ أي: يشربها. وقيل: التقدير: يروي بها عباد الله الذين يدخلهم جنته. وقيل: يعني بعباد الله: الأبرار خاصة الذين تقدم ذكرهم. دليله قوله: ﴿عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا ٱلْمُقَرَّبُونَ﴾ [المطففين: ٢٨]، وهم الأبرار تمزج لهم بالكافور وتختم بالمسك). * * - ثم قال: ﴿يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيراً﴾. أي: [يفجرون] تلك العين كيف شاؤوا حيث شاؤوا من منازلهم وقصورهم. والتفجير: الإسالة للماء والإجراء له. قال مجاهد: يعدلون بها حيث شاءوا ويعيدونها حيث شاءوا. ويروى أن أحدهم إذا أراد أن يتفجر [له] الماء شق ذلك الوضع بعود فجرى فيه الماء. - قال تعالى: ﴿يُوفُونَ بِٱلنَّذْرِ﴾. أي: يوفون بكل ما يجب عليهم، نذروه أو لم ينذروه. وقال الفراء: التقدير كانوا يوفون بالنذر في الدنيا. وكانوا ﴿يَخَافُونَ يَوْماً كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً﴾، أي: فاشياً ظاهراً منتشراً ممتداً. قال قتادة: ﴿يُوفُونَ بِٱلنَّذْرِ﴾: "بطاعة الله وبالصلاة وبالحج والعمرة". وقال سفيان: ﴿يُوفُونَ بِٱلنَّذْرِ﴾: "في غير معصية"، ويخافون عذاب الله في تركهم الوفاء في يوم كان شره ممتداً. (قال قتادة) "استطار والله شر ذلك اليوم حتى ملأ السماوات والأرض". وقال الفراء: ﴿مُسْتَطِيراً﴾ أي: [مستطيلاً]. يقال: استطار الشيء إذا انتشر. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَيُطْعِمُونَ ٱلطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ﴾ أي: على حبهم إياه وشهوتهم له، ﴿مِسْكِيناً..﴾ أي: ذا حاجة، ﴿وَيَتِيماً﴾، وقوله ﴿وَأَسِيراً﴾ قال قتادة: هو المَأْسُورُ عندك المُشْرِك، قال: وأخوك المسلم أحق منه. وقال عكرمة: الأسير - في ذلك الزمان - المشرك. قال الحسن: "ما كان أسراؤهم [إلا] المشركين". وقال مالك: يعني أسرى المشركين. وقال مجاهد: الأسير - هنا - المسجون من المسلمين. وهو قول ابن جبير وعطاء. وهذا كله من صفة الأبرار. * * - ثم قال: ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ ٱللَّهِ﴾ أي: يقولون إذا هم أطعموهم: إنما نطعمكم طلب رضاء الله والتقرب إليه. - ﴿لاَ نُرِيدُ...﴾ منكم أيها الناس على إطعامنا لكم. * * - ﴿جَزَآءً وَلاَ شُكُوراً﴾. و ﴿شُكُوراً﴾ يحتمل أن يكون جمع "شُكْرٍ" وأن يكون مصدراً. قال مجاهد: "أَمَا إنَّهُمْ (ما) تكلموا به، ولكنَّ الله عَلِمَه من قلوبهم فأثنى به عليهم لِيَرْغَبَ فِي ذَلِكَ رَاغِبٌ". ومثلَ ذلك قال ابن جبير. وكذلك روى [الفِرْيَابِي] عن سالم الأفطس عن ابن عمر. * * - ثم قال تعالى: ﴿إِنَّا نَخَافُ مِن رَّبِّنَا يَوْماً عَبُوساً﴾. أي: إنما نطعمكم رجاء أن [يؤمننا] الله عقوبته في يوم شديد تعبس فيه الوجوه من شدة هوله وطول بلائه، فهو نعت لليوم بمعنى النسب، كما قال: ﴿فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٢١] والقمطرير: الشديد، ومثله [القماطر]، وقد اقمطر اليوم [يقمطر اقمطراراً]: إذا اشتد بلاؤه، ومثله يوم عصيب وعصبصب. قال ابن عباس في قوله: ﴿يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً﴾ قال: "يعبس الكافر يومئذ حتى يسيل من [بين] عينيه عرق مثل القطران". وقال قتادة: "عبست فيه الوجوه وقبضت ما بين أعينها كراهية لذلك اليوم"، وهو قول مجاهد. وعن ابن عباس أن العبوس: الضيق، والقمطرير: الطويل. وقال ابن زيد: "العبوس: الشر". * * - ثم قال تعالى: ﴿فَوَقَٰهُمُ ٱللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ ٱلْيَومِ﴾. أي: وقاهم ما كانوا يحذرون في الدنيا من شر ذلك اليوم بما كانوا يعملون في الدنيا. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُوراً﴾. قال الحسن: "[نضرة] في الوجوه وسروراً في القلوب" وكذلك قال قتادة. وقال ابن زيد: نعمة وفرحاً. وروي أن هذا كله نزل في علي بن أبي طالب رضي الله عنه. ثم هو عام في من كان على [منهاجه في فعله]. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُواْ جَنَّةً وَحَرِيراً﴾. أي: وأثابهم بصبرهم في الدنيا على طاعة الله واجتناب محارمه دخول جنته. واستعمال الحرير في اللباس والفرش. * * - ﴿مُّتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَىٰ ٱلأَرَائِكِ﴾. نصب ﴿مُّتَّكِئِينَ﴾ على الحال من الهاء والميم في ﴿جَزَاهُمْ﴾. "وجزى" هو العامل في الحال. ولا [يحسن] أن يعمل فيه ﴿صَبَرُواْ﴾ لأن الصبر كان في الدنيا والاتكاء في الآخرة. ويجوز أن ينتصب على النعب للجنَّة "لأنه قد عاد [عليها] من نعتها عائد (وهو) ﴿فِيهَا﴾. وقوله: ﴿عَلَىٰ ٱلأَرَائِكِ﴾، واحد الأرائك: أريكة وهي [السرر] في الحجال. - وقوله ﴿لاَ يَرَوْنَ فِيهَا شَمْساً [وَلاَ زَمْهَرِيراً﴾. "شمساً"] في موضع الحال من الهاء والميم، (أو) في موضع النعت لجنةً، أي: غير رائين في الجنة شمسا تؤذيهم بحرها، ولا برداً شديداً يؤذيهم [بشدته]. قال مجاهد: الزمهرير: البرد: المُقَطِّعُ. وقال قتادة: "علم الله جل ذكره أن شدة البرد [مؤذ]. وشدة الحر مؤذ. فوقاهم إياهما". والزمهرير: لون من عذاب جهنم.

الإنسان 76:6

قوله تعالى: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ ٱلسَّبِيلَ﴾، إلى قوله: ﴿وَلاَ زَمْهَرِيراً﴾. أي: إنا بينا له طريق الحق وعرَّفناه. قال مجاهد: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ ٱلسَّبِيلَ﴾: الشقاوة والسعادة. وقال قتادة: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ ٱلسَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً﴾ لنعم الله ﴿وَإِمَّا كَفُوراً﴾ لها. وقال ابن زيد: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ ٱلسَّبِيلَ﴾ قال: [ننظر] أي شيء يصنع وأي الطريقين يسلك. ومعنى "إما" في هذا الموضع كمعنى: ["أو" إلا أنها] تدل على المعنى في أول الكلام. ودليل ذلك قول المفسرين: إن معناه: إما شقياً وإما سعيداً. والشقاوة والسعادة يفرغ منهما وهو في بطن أمه. وقيل: ﴿شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً﴾: حالان مقدران. وأجاز الفراء أن [تكون] "ما" زائدة [و "إن"] للشرط. والمعنى على هذا: "إنا هديناه السبيل إن شكر وإن كفر". وفيه بعد لأن "إن" التي للشرط لا تقع على الأسماء إلا بإضمار فعل، ولا يحسن ذلك هنا. وقيل: تقديره على قول الفراء: "إن كان شاكراً أو كان كفوراً". * * - ثم قال تعالى: ﴿إِنَّآ أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلاَسِلاَ وَأَغْلاَلاً وَسَعِيراً﴾. أي: إنا أعتدنا لمن كفر (وأعرض عن الإيمان) وجحد النعم [﴿سَلاَسِلاَ﴾] يوثقون بها في الجحيم ﴿وَأَغْلاَلاً﴾ تغل بها أيديهم إلى أعناقهم ﴿وَسَعِيراً﴾ أي: وناراً تسعر عليهم فتوقد. فمن لم ينون [﴿سَلاَسِلاَ﴾] أتى به على منع الصرف لأنه جمع لا نظير له في الواحد، وهو نهاية الجمع، فثقل فمنع الصرف. ومن وقف عليه بألف مع منعه لصرفه فعلى لغة مسموعة عن العرب. حكى الرؤاسي والكسائي أن العرب تقف على ما لا يتصرف في حال الفتح بألف [لبيان] الفتحة. وله حجة أخرى: وذلك أنه في بعض المصاحف بألف. فاتَّبَعَ السَّوَادَ في الوقف، واتبع أصل الإعراب في الوصل. فأما من نونه، فعلى لغة مسموعة من بعض العرب. حكى الكسائي وغيره من الكوفيين أن بعض [العرب يصرف كل ما] لا ينصرف إلا "أفعل منك". وقال بعض أهل النظر: كل ما يجوز في الشعر يجوز في القرآن، لأن الشعر أصل كلام العرب، والعرب تصرف هذا ونحوه في الشعر. وقيل: إنما صرف لأنه أُتْبِعَ بما بعده، وهو [﴿وَأَغْلاَلاً﴾]. وكذلك الحجة في ﴿قَوَارِيرَاْ * قَوَارِيرَاْ﴾ [الإنسان: ١٥-١٦]، عند من منع صرفه ووقف بالألف. أو بغير ألف أو صرفه. * * - ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱلأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُوراً﴾. أي: إن الذين بروا ربهم بطاعتهم في أداء فرائضه واجتناب محارمه يشربون في الآخرة ﴿مِن كَأْسٍ﴾، وهو كل إناء فيه شراب كان مزاج ما فيها من الشراب ﴿كَافُوراً﴾ يعني أن [طيب] رائحة الشراب كالكافور. وقيل: الكافور هنا اسم لعين ماء في الجنة. فعلى هذا، تكون ﴿عَيْناً﴾ بدلاً من "كافور". ومن جعل الكافور صفة للشرب نصب ﴿عَيْناً﴾ على الحال من المضمر في ﴿مِزَاجُهَا﴾. وقيل: انتصب عين على إضمار أعني، [وقيل: هي مفعول بها بمعنى: يشربون عيناً يشرب بها عباد الله. وقيل: هي نصب على المدح] وقيل: التقدير: "من عين"، قلما حذف الحرف نصب. وقال الحسن: "الأبرار: الذين لا يؤذون الذر [ولا يرضون الشر]". وقال محارب بن دثار: إنما سموا أبراراً لأنهم بروا الآباء والأبناء. فكما أن لوالديك [عليك] حقاً، كذلك لولدك عليك حق. وروى ابن عمر عن النبي ﷺ أنه قال: "إنْ أَبَرَّ الْبِرِ أَنْ يَصِلَ الرَّجُلُ أَهْلَ وُدِّ أبيه قال مجاهد: ﴿كَانَ مِزَاجُهَا كَافُوراً﴾ تمزج (به). قال قتادة: "قوم تمزج لهم بالكافور وتختم (لهم) بالمسك". - (وقوله: ﴿عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ ٱللَّهِ﴾ أي: يشربها. وقيل: التقدير: يروي بها عباد الله الذين يدخلهم جنته. وقيل: يعني بعباد الله: الأبرار خاصة الذين تقدم ذكرهم. دليله قوله: ﴿عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا ٱلْمُقَرَّبُونَ﴾ [المطففين: ٢٨]، وهم الأبرار تمزج لهم بالكافور وتختم بالمسك). * * - ثم قال: ﴿يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيراً﴾. أي: [يفجرون] تلك العين كيف شاؤوا حيث شاؤوا من منازلهم وقصورهم. والتفجير: الإسالة للماء والإجراء له. قال مجاهد: يعدلون بها حيث شاءوا ويعيدونها حيث شاءوا. ويروى أن أحدهم إذا أراد أن يتفجر [له] الماء شق ذلك الوضع بعود فجرى فيه الماء. - قال تعالى: ﴿يُوفُونَ بِٱلنَّذْرِ﴾. أي: يوفون بكل ما يجب عليهم، نذروه أو لم ينذروه. وقال الفراء: التقدير كانوا يوفون بالنذر في الدنيا. وكانوا ﴿يَخَافُونَ يَوْماً كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً﴾، أي: فاشياً ظاهراً منتشراً ممتداً. قال قتادة: ﴿يُوفُونَ بِٱلنَّذْرِ﴾: "بطاعة الله وبالصلاة وبالحج والعمرة". وقال سفيان: ﴿يُوفُونَ بِٱلنَّذْرِ﴾: "في غير معصية"، ويخافون عذاب الله في تركهم الوفاء في يوم كان شره ممتداً. (قال قتادة) "استطار والله شر ذلك اليوم حتى ملأ السماوات والأرض". وقال الفراء: ﴿مُسْتَطِيراً﴾ أي: [مستطيلاً]. يقال: استطار الشيء إذا انتشر. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَيُطْعِمُونَ ٱلطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ﴾ أي: على حبهم إياه وشهوتهم له، ﴿مِسْكِيناً..﴾ أي: ذا حاجة، ﴿وَيَتِيماً﴾، وقوله ﴿وَأَسِيراً﴾ قال قتادة: هو المَأْسُورُ عندك المُشْرِك، قال: وأخوك المسلم أحق منه. وقال عكرمة: الأسير - في ذلك الزمان - المشرك. قال الحسن: "ما كان أسراؤهم [إلا] المشركين". وقال مالك: يعني أسرى المشركين. وقال مجاهد: الأسير - هنا - المسجون من المسلمين. وهو قول ابن جبير وعطاء. وهذا كله من صفة الأبرار. * * - ثم قال: ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ ٱللَّهِ﴾ أي: يقولون إذا هم أطعموهم: إنما نطعمكم طلب رضاء الله والتقرب إليه. - ﴿لاَ نُرِيدُ...﴾ منكم أيها الناس على إطعامنا لكم. * * - ﴿جَزَآءً وَلاَ شُكُوراً﴾. و ﴿شُكُوراً﴾ يحتمل أن يكون جمع "شُكْرٍ" وأن يكون مصدراً. قال مجاهد: "أَمَا إنَّهُمْ (ما) تكلموا به، ولكنَّ الله عَلِمَه من قلوبهم فأثنى به عليهم لِيَرْغَبَ فِي ذَلِكَ رَاغِبٌ". ومثلَ ذلك قال ابن جبير. وكذلك روى [الفِرْيَابِي] عن سالم الأفطس عن ابن عمر. * * - ثم قال تعالى: ﴿إِنَّا نَخَافُ مِن رَّبِّنَا يَوْماً عَبُوساً﴾. أي: إنما نطعمكم رجاء أن [يؤمننا] الله عقوبته في يوم شديد تعبس فيه الوجوه من شدة هوله وطول بلائه، فهو نعت لليوم بمعنى النسب، كما قال: ﴿فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٢١] والقمطرير: الشديد، ومثله [القماطر]، وقد اقمطر اليوم [يقمطر اقمطراراً]: إذا اشتد بلاؤه، ومثله يوم عصيب وعصبصب. قال ابن عباس في قوله: ﴿يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً﴾ قال: "يعبس الكافر يومئذ حتى يسيل من [بين] عينيه عرق مثل القطران". وقال قتادة: "عبست فيه الوجوه وقبضت ما بين أعينها كراهية لذلك اليوم"، وهو قول مجاهد. وعن ابن عباس أن العبوس: الضيق، والقمطرير: الطويل. وقال ابن زيد: "العبوس: الشر". * * - ثم قال تعالى: ﴿فَوَقَٰهُمُ ٱللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ ٱلْيَومِ﴾. أي: وقاهم ما كانوا يحذرون في الدنيا من شر ذلك اليوم بما كانوا يعملون في الدنيا. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُوراً﴾. قال الحسن: "[نضرة] في الوجوه وسروراً في القلوب" وكذلك قال قتادة. وقال ابن زيد: نعمة وفرحاً. وروي أن هذا كله نزل في علي بن أبي طالب رضي الله عنه. ثم هو عام في من كان على [منهاجه في فعله]. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُواْ جَنَّةً وَحَرِيراً﴾. أي: وأثابهم بصبرهم في الدنيا على طاعة الله واجتناب محارمه دخول جنته. واستعمال الحرير في اللباس والفرش. * * - ﴿مُّتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَىٰ ٱلأَرَائِكِ﴾. نصب ﴿مُّتَّكِئِينَ﴾ على الحال من الهاء والميم في ﴿جَزَاهُمْ﴾. "وجزى" هو العامل في الحال. ولا [يحسن] أن يعمل فيه ﴿صَبَرُواْ﴾ لأن الصبر كان في الدنيا والاتكاء في الآخرة. ويجوز أن ينتصب على النعب للجنَّة "لأنه قد عاد [عليها] من نعتها عائد (وهو) ﴿فِيهَا﴾. وقوله: ﴿عَلَىٰ ٱلأَرَائِكِ﴾، واحد الأرائك: أريكة وهي [السرر] في الحجال. - وقوله ﴿لاَ يَرَوْنَ فِيهَا شَمْساً [وَلاَ زَمْهَرِيراً﴾. "شمساً"] في موضع الحال من الهاء والميم، (أو) في موضع النعت لجنةً، أي: غير رائين في الجنة شمسا تؤذيهم بحرها، ولا برداً شديداً يؤذيهم [بشدته]. قال مجاهد: الزمهرير: البرد: المُقَطِّعُ. وقال قتادة: "علم الله جل ذكره أن شدة البرد [مؤذ]. وشدة الحر مؤذ. فوقاهم إياهما". والزمهرير: لون من عذاب جهنم.

الإنسان 76:7

قوله تعالى: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ ٱلسَّبِيلَ﴾، إلى قوله: ﴿وَلاَ زَمْهَرِيراً﴾. أي: إنا بينا له طريق الحق وعرَّفناه. قال مجاهد: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ ٱلسَّبِيلَ﴾: الشقاوة والسعادة. وقال قتادة: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ ٱلسَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً﴾ لنعم الله ﴿وَإِمَّا كَفُوراً﴾ لها. وقال ابن زيد: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ ٱلسَّبِيلَ﴾ قال: [ننظر] أي شيء يصنع وأي الطريقين يسلك. ومعنى "إما" في هذا الموضع كمعنى: ["أو" إلا أنها] تدل على المعنى في أول الكلام. ودليل ذلك قول المفسرين: إن معناه: إما شقياً وإما سعيداً. والشقاوة والسعادة يفرغ منهما وهو في بطن أمه. وقيل: ﴿شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً﴾: حالان مقدران. وأجاز الفراء أن [تكون] "ما" زائدة [و "إن"] للشرط. والمعنى على هذا: "إنا هديناه السبيل إن شكر وإن كفر". وفيه بعد لأن "إن" التي للشرط لا تقع على الأسماء إلا بإضمار فعل، ولا يحسن ذلك هنا. وقيل: تقديره على قول الفراء: "إن كان شاكراً أو كان كفوراً". * * - ثم قال تعالى: ﴿إِنَّآ أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلاَسِلاَ وَأَغْلاَلاً وَسَعِيراً﴾. أي: إنا أعتدنا لمن كفر (وأعرض عن الإيمان) وجحد النعم [﴿سَلاَسِلاَ﴾] يوثقون بها في الجحيم ﴿وَأَغْلاَلاً﴾ تغل بها أيديهم إلى أعناقهم ﴿وَسَعِيراً﴾ أي: وناراً تسعر عليهم فتوقد. فمن لم ينون [﴿سَلاَسِلاَ﴾] أتى به على منع الصرف لأنه جمع لا نظير له في الواحد، وهو نهاية الجمع، فثقل فمنع الصرف. ومن وقف عليه بألف مع منعه لصرفه فعلى لغة مسموعة عن العرب. حكى الرؤاسي والكسائي أن العرب تقف على ما لا يتصرف في حال الفتح بألف [لبيان] الفتحة. وله حجة أخرى: وذلك أنه في بعض المصاحف بألف. فاتَّبَعَ السَّوَادَ في الوقف، واتبع أصل الإعراب في الوصل. فأما من نونه، فعلى لغة مسموعة من بعض العرب. حكى الكسائي وغيره من الكوفيين أن بعض [العرب يصرف كل ما] لا ينصرف إلا "أفعل منك". وقال بعض أهل النظر: كل ما يجوز في الشعر يجوز في القرآن، لأن الشعر أصل كلام العرب، والعرب تصرف هذا ونحوه في الشعر. وقيل: إنما صرف لأنه أُتْبِعَ بما بعده، وهو [﴿وَأَغْلاَلاً﴾]. وكذلك الحجة في ﴿قَوَارِيرَاْ * قَوَارِيرَاْ﴾ [الإنسان: ١٥-١٦]، عند من منع صرفه ووقف بالألف. أو بغير ألف أو صرفه. * * - ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱلأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُوراً﴾. أي: إن الذين بروا ربهم بطاعتهم في أداء فرائضه واجتناب محارمه يشربون في الآخرة ﴿مِن كَأْسٍ﴾، وهو كل إناء فيه شراب كان مزاج ما فيها من الشراب ﴿كَافُوراً﴾ يعني أن [طيب] رائحة الشراب كالكافور. وقيل: الكافور هنا اسم لعين ماء في الجنة. فعلى هذا، تكون ﴿عَيْناً﴾ بدلاً من "كافور". ومن جعل الكافور صفة للشرب نصب ﴿عَيْناً﴾ على الحال من المضمر في ﴿مِزَاجُهَا﴾. وقيل: انتصب عين على إضمار أعني، [وقيل: هي مفعول بها بمعنى: يشربون عيناً يشرب بها عباد الله. وقيل: هي نصب على المدح] وقيل: التقدير: "من عين"، قلما حذف الحرف نصب. وقال الحسن: "الأبرار: الذين لا يؤذون الذر [ولا يرضون الشر]". وقال محارب بن دثار: إنما سموا أبراراً لأنهم بروا الآباء والأبناء. فكما أن لوالديك [عليك] حقاً، كذلك لولدك عليك حق. وروى ابن عمر عن النبي ﷺ أنه قال: "إنْ أَبَرَّ الْبِرِ أَنْ يَصِلَ الرَّجُلُ أَهْلَ وُدِّ أبيه قال مجاهد: ﴿كَانَ مِزَاجُهَا كَافُوراً﴾ تمزج (به). قال قتادة: "قوم تمزج لهم بالكافور وتختم (لهم) بالمسك". - (وقوله: ﴿عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ ٱللَّهِ﴾ أي: يشربها. وقيل: التقدير: يروي بها عباد الله الذين يدخلهم جنته. وقيل: يعني بعباد الله: الأبرار خاصة الذين تقدم ذكرهم. دليله قوله: ﴿عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا ٱلْمُقَرَّبُونَ﴾ [المطففين: ٢٨]، وهم الأبرار تمزج لهم بالكافور وتختم بالمسك). * * - ثم قال: ﴿يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيراً﴾. أي: [يفجرون] تلك العين كيف شاؤوا حيث شاؤوا من منازلهم وقصورهم. والتفجير: الإسالة للماء والإجراء له. قال مجاهد: يعدلون بها حيث شاءوا ويعيدونها حيث شاءوا. ويروى أن أحدهم إذا أراد أن يتفجر [له] الماء شق ذلك الوضع بعود فجرى فيه الماء. - قال تعالى: ﴿يُوفُونَ بِٱلنَّذْرِ﴾. أي: يوفون بكل ما يجب عليهم، نذروه أو لم ينذروه. وقال الفراء: التقدير كانوا يوفون بالنذر في الدنيا. وكانوا ﴿يَخَافُونَ يَوْماً كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً﴾، أي: فاشياً ظاهراً منتشراً ممتداً. قال قتادة: ﴿يُوفُونَ بِٱلنَّذْرِ﴾: "بطاعة الله وبالصلاة وبالحج والعمرة". وقال سفيان: ﴿يُوفُونَ بِٱلنَّذْرِ﴾: "في غير معصية"، ويخافون عذاب الله في تركهم الوفاء في يوم كان شره ممتداً. (قال قتادة) "استطار والله شر ذلك اليوم حتى ملأ السماوات والأرض". وقال الفراء: ﴿مُسْتَطِيراً﴾ أي: [مستطيلاً]. يقال: استطار الشيء إذا انتشر. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَيُطْعِمُونَ ٱلطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ﴾ أي: على حبهم إياه وشهوتهم له، ﴿مِسْكِيناً..﴾ أي: ذا حاجة، ﴿وَيَتِيماً﴾، وقوله ﴿وَأَسِيراً﴾ قال قتادة: هو المَأْسُورُ عندك المُشْرِك، قال: وأخوك المسلم أحق منه. وقال عكرمة: الأسير - في ذلك الزمان - المشرك. قال الحسن: "ما كان أسراؤهم [إلا] المشركين". وقال مالك: يعني أسرى المشركين. وقال مجاهد: الأسير - هنا - المسجون من المسلمين. وهو قول ابن جبير وعطاء. وهذا كله من صفة الأبرار. * * - ثم قال: ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ ٱللَّهِ﴾ أي: يقولون إذا هم أطعموهم: إنما نطعمكم طلب رضاء الله والتقرب إليه. - ﴿لاَ نُرِيدُ...﴾ منكم أيها الناس على إطعامنا لكم. * * - ﴿جَزَآءً وَلاَ شُكُوراً﴾. و ﴿شُكُوراً﴾ يحتمل أن يكون جمع "شُكْرٍ" وأن يكون مصدراً. قال مجاهد: "أَمَا إنَّهُمْ (ما) تكلموا به، ولكنَّ الله عَلِمَه من قلوبهم فأثنى به عليهم لِيَرْغَبَ فِي ذَلِكَ رَاغِبٌ". ومثلَ ذلك قال ابن جبير. وكذلك روى [الفِرْيَابِي] عن سالم الأفطس عن ابن عمر. * * - ثم قال تعالى: ﴿إِنَّا نَخَافُ مِن رَّبِّنَا يَوْماً عَبُوساً﴾. أي: إنما نطعمكم رجاء أن [يؤمننا] الله عقوبته في يوم شديد تعبس فيه الوجوه من شدة هوله وطول بلائه، فهو نعت لليوم بمعنى النسب، كما قال: ﴿فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٢١] والقمطرير: الشديد، ومثله [القماطر]، وقد اقمطر اليوم [يقمطر اقمطراراً]: إذا اشتد بلاؤه، ومثله يوم عصيب وعصبصب. قال ابن عباس في قوله: ﴿يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً﴾ قال: "يعبس الكافر يومئذ حتى يسيل من [بين] عينيه عرق مثل القطران". وقال قتادة: "عبست فيه الوجوه وقبضت ما بين أعينها كراهية لذلك اليوم"، وهو قول مجاهد. وعن ابن عباس أن العبوس: الضيق، والقمطرير: الطويل. وقال ابن زيد: "العبوس: الشر". * * - ثم قال تعالى: ﴿فَوَقَٰهُمُ ٱللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ ٱلْيَومِ﴾. أي: وقاهم ما كانوا يحذرون في الدنيا من شر ذلك اليوم بما كانوا يعملون في الدنيا. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُوراً﴾. قال الحسن: "[نضرة] في الوجوه وسروراً في القلوب" وكذلك قال قتادة. وقال ابن زيد: نعمة وفرحاً. وروي أن هذا كله نزل في علي بن أبي طالب رضي الله عنه. ثم هو عام في من كان على [منهاجه في فعله]. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُواْ جَنَّةً وَحَرِيراً﴾. أي: وأثابهم بصبرهم في الدنيا على طاعة الله واجتناب محارمه دخول جنته. واستعمال الحرير في اللباس والفرش. * * - ﴿مُّتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَىٰ ٱلأَرَائِكِ﴾. نصب ﴿مُّتَّكِئِينَ﴾ على الحال من الهاء والميم في ﴿جَزَاهُمْ﴾. "وجزى" هو العامل في الحال. ولا [يحسن] أن يعمل فيه ﴿صَبَرُواْ﴾ لأن الصبر كان في الدنيا والاتكاء في الآخرة. ويجوز أن ينتصب على النعب للجنَّة "لأنه قد عاد [عليها] من نعتها عائد (وهو) ﴿فِيهَا﴾. وقوله: ﴿عَلَىٰ ٱلأَرَائِكِ﴾، واحد الأرائك: أريكة وهي [السرر] في الحجال. - وقوله ﴿لاَ يَرَوْنَ فِيهَا شَمْساً [وَلاَ زَمْهَرِيراً﴾. "شمساً"] في موضع الحال من الهاء والميم، (أو) في موضع النعت لجنةً، أي: غير رائين في الجنة شمسا تؤذيهم بحرها، ولا برداً شديداً يؤذيهم [بشدته]. قال مجاهد: الزمهرير: البرد: المُقَطِّعُ. وقال قتادة: "علم الله جل ذكره أن شدة البرد [مؤذ]. وشدة الحر مؤذ. فوقاهم إياهما". والزمهرير: لون من عذاب جهنم.

الإنسان 76:8

قوله تعالى: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ ٱلسَّبِيلَ﴾، إلى قوله: ﴿وَلاَ زَمْهَرِيراً﴾. أي: إنا بينا له طريق الحق وعرَّفناه. قال مجاهد: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ ٱلسَّبِيلَ﴾: الشقاوة والسعادة. وقال قتادة: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ ٱلسَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً﴾ لنعم الله ﴿وَإِمَّا كَفُوراً﴾ لها. وقال ابن زيد: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ ٱلسَّبِيلَ﴾ قال: [ننظر] أي شيء يصنع وأي الطريقين يسلك. ومعنى "إما" في هذا الموضع كمعنى: ["أو" إلا أنها] تدل على المعنى في أول الكلام. ودليل ذلك قول المفسرين: إن معناه: إما شقياً وإما سعيداً. والشقاوة والسعادة يفرغ منهما وهو في بطن أمه. وقيل: ﴿شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً﴾: حالان مقدران. وأجاز الفراء أن [تكون] "ما" زائدة [و "إن"] للشرط. والمعنى على هذا: "إنا هديناه السبيل إن شكر وإن كفر". وفيه بعد لأن "إن" التي للشرط لا تقع على الأسماء إلا بإضمار فعل، ولا يحسن ذلك هنا. وقيل: تقديره على قول الفراء: "إن كان شاكراً أو كان كفوراً". * * - ثم قال تعالى: ﴿إِنَّآ أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلاَسِلاَ وَأَغْلاَلاً وَسَعِيراً﴾. أي: إنا أعتدنا لمن كفر (وأعرض عن الإيمان) وجحد النعم [﴿سَلاَسِلاَ﴾] يوثقون بها في الجحيم ﴿وَأَغْلاَلاً﴾ تغل بها أيديهم إلى أعناقهم ﴿وَسَعِيراً﴾ أي: وناراً تسعر عليهم فتوقد. فمن لم ينون [﴿سَلاَسِلاَ﴾] أتى به على منع الصرف لأنه جمع لا نظير له في الواحد، وهو نهاية الجمع، فثقل فمنع الصرف. ومن وقف عليه بألف مع منعه لصرفه فعلى لغة مسموعة عن العرب. حكى الرؤاسي والكسائي أن العرب تقف على ما لا يتصرف في حال الفتح بألف [لبيان] الفتحة. وله حجة أخرى: وذلك أنه في بعض المصاحف بألف. فاتَّبَعَ السَّوَادَ في الوقف، واتبع أصل الإعراب في الوصل. فأما من نونه، فعلى لغة مسموعة من بعض العرب. حكى الكسائي وغيره من الكوفيين أن بعض [العرب يصرف كل ما] لا ينصرف إلا "أفعل منك". وقال بعض أهل النظر: كل ما يجوز في الشعر يجوز في القرآن، لأن الشعر أصل كلام العرب، والعرب تصرف هذا ونحوه في الشعر. وقيل: إنما صرف لأنه أُتْبِعَ بما بعده، وهو [﴿وَأَغْلاَلاً﴾]. وكذلك الحجة في ﴿قَوَارِيرَاْ * قَوَارِيرَاْ﴾ [الإنسان: ١٥-١٦]، عند من منع صرفه ووقف بالألف. أو بغير ألف أو صرفه. * * - ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱلأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُوراً﴾. أي: إن الذين بروا ربهم بطاعتهم في أداء فرائضه واجتناب محارمه يشربون في الآخرة ﴿مِن كَأْسٍ﴾، وهو كل إناء فيه شراب كان مزاج ما فيها من الشراب ﴿كَافُوراً﴾ يعني أن [طيب] رائحة الشراب كالكافور. وقيل: الكافور هنا اسم لعين ماء في الجنة. فعلى هذا، تكون ﴿عَيْناً﴾ بدلاً من "كافور". ومن جعل الكافور صفة للشرب نصب ﴿عَيْناً﴾ على الحال من المضمر في ﴿مِزَاجُهَا﴾. وقيل: انتصب عين على إضمار أعني، [وقيل: هي مفعول بها بمعنى: يشربون عيناً يشرب بها عباد الله. وقيل: هي نصب على المدح] وقيل: التقدير: "من عين"، قلما حذف الحرف نصب. وقال الحسن: "الأبرار: الذين لا يؤذون الذر [ولا يرضون الشر]". وقال محارب بن دثار: إنما سموا أبراراً لأنهم بروا الآباء والأبناء. فكما أن لوالديك [عليك] حقاً، كذلك لولدك عليك حق. وروى ابن عمر عن النبي ﷺ أنه قال: "إنْ أَبَرَّ الْبِرِ أَنْ يَصِلَ الرَّجُلُ أَهْلَ وُدِّ أبيه قال مجاهد: ﴿كَانَ مِزَاجُهَا كَافُوراً﴾ تمزج (به). قال قتادة: "قوم تمزج لهم بالكافور وتختم (لهم) بالمسك". - (وقوله: ﴿عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ ٱللَّهِ﴾ أي: يشربها. وقيل: التقدير: يروي بها عباد الله الذين يدخلهم جنته. وقيل: يعني بعباد الله: الأبرار خاصة الذين تقدم ذكرهم. دليله قوله: ﴿عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا ٱلْمُقَرَّبُونَ﴾ [المطففين: ٢٨]، وهم الأبرار تمزج لهم بالكافور وتختم بالمسك). * * - ثم قال: ﴿يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيراً﴾. أي: [يفجرون] تلك العين كيف شاؤوا حيث شاؤوا من منازلهم وقصورهم. والتفجير: الإسالة للماء والإجراء له. قال مجاهد: يعدلون بها حيث شاءوا ويعيدونها حيث شاءوا. ويروى أن أحدهم إذا أراد أن يتفجر [له] الماء شق ذلك الوضع بعود فجرى فيه الماء. - قال تعالى: ﴿يُوفُونَ بِٱلنَّذْرِ﴾. أي: يوفون بكل ما يجب عليهم، نذروه أو لم ينذروه. وقال الفراء: التقدير كانوا يوفون بالنذر في الدنيا. وكانوا ﴿يَخَافُونَ يَوْماً كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً﴾، أي: فاشياً ظاهراً منتشراً ممتداً. قال قتادة: ﴿يُوفُونَ بِٱلنَّذْرِ﴾: "بطاعة الله وبالصلاة وبالحج والعمرة". وقال سفيان: ﴿يُوفُونَ بِٱلنَّذْرِ﴾: "في غير معصية"، ويخافون عذاب الله في تركهم الوفاء في يوم كان شره ممتداً. (قال قتادة) "استطار والله شر ذلك اليوم حتى ملأ السماوات والأرض". وقال الفراء: ﴿مُسْتَطِيراً﴾ أي: [مستطيلاً]. يقال: استطار الشيء إذا انتشر. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَيُطْعِمُونَ ٱلطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ﴾ أي: على حبهم إياه وشهوتهم له، ﴿مِسْكِيناً..﴾ أي: ذا حاجة، ﴿وَيَتِيماً﴾، وقوله ﴿وَأَسِيراً﴾ قال قتادة: هو المَأْسُورُ عندك المُشْرِك، قال: وأخوك المسلم أحق منه. وقال عكرمة: الأسير - في ذلك الزمان - المشرك. قال الحسن: "ما كان أسراؤهم [إلا] المشركين". وقال مالك: يعني أسرى المشركين. وقال مجاهد: الأسير - هنا - المسجون من المسلمين. وهو قول ابن جبير وعطاء. وهذا كله من صفة الأبرار. * * - ثم قال: ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ ٱللَّهِ﴾ أي: يقولون إذا هم أطعموهم: إنما نطعمكم طلب رضاء الله والتقرب إليه. - ﴿لاَ نُرِيدُ...﴾ منكم أيها الناس على إطعامنا لكم. * * - ﴿جَزَآءً وَلاَ شُكُوراً﴾. و ﴿شُكُوراً﴾ يحتمل أن يكون جمع "شُكْرٍ" وأن يكون مصدراً. قال مجاهد: "أَمَا إنَّهُمْ (ما) تكلموا به، ولكنَّ الله عَلِمَه من قلوبهم فأثنى به عليهم لِيَرْغَبَ فِي ذَلِكَ رَاغِبٌ". ومثلَ ذلك قال ابن جبير. وكذلك روى [الفِرْيَابِي] عن سالم الأفطس عن ابن عمر. * * - ثم قال تعالى: ﴿إِنَّا نَخَافُ مِن رَّبِّنَا يَوْماً عَبُوساً﴾. أي: إنما نطعمكم رجاء أن [يؤمننا] الله عقوبته في يوم شديد تعبس فيه الوجوه من شدة هوله وطول بلائه، فهو نعت لليوم بمعنى النسب، كما قال: ﴿فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٢١] والقمطرير: الشديد، ومثله [القماطر]، وقد اقمطر اليوم [يقمطر اقمطراراً]: إذا اشتد بلاؤه، ومثله يوم عصيب وعصبصب. قال ابن عباس في قوله: ﴿يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً﴾ قال: "يعبس الكافر يومئذ حتى يسيل من [بين] عينيه عرق مثل القطران". وقال قتادة: "عبست فيه الوجوه وقبضت ما بين أعينها كراهية لذلك اليوم"، وهو قول مجاهد. وعن ابن عباس أن العبوس: الضيق، والقمطرير: الطويل. وقال ابن زيد: "العبوس: الشر". * * - ثم قال تعالى: ﴿فَوَقَٰهُمُ ٱللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ ٱلْيَومِ﴾. أي: وقاهم ما كانوا يحذرون في الدنيا من شر ذلك اليوم بما كانوا يعملون في الدنيا. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُوراً﴾. قال الحسن: "[نضرة] في الوجوه وسروراً في القلوب" وكذلك قال قتادة. وقال ابن زيد: نعمة وفرحاً. وروي أن هذا كله نزل في علي بن أبي طالب رضي الله عنه. ثم هو عام في من كان على [منهاجه في فعله]. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُواْ جَنَّةً وَحَرِيراً﴾. أي: وأثابهم بصبرهم في الدنيا على طاعة الله واجتناب محارمه دخول جنته. واستعمال الحرير في اللباس والفرش. * * - ﴿مُّتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَىٰ ٱلأَرَائِكِ﴾. نصب ﴿مُّتَّكِئِينَ﴾ على الحال من الهاء والميم في ﴿جَزَاهُمْ﴾. "وجزى" هو العامل في الحال. ولا [يحسن] أن يعمل فيه ﴿صَبَرُواْ﴾ لأن الصبر كان في الدنيا والاتكاء في الآخرة. ويجوز أن ينتصب على النعب للجنَّة "لأنه قد عاد [عليها] من نعتها عائد (وهو) ﴿فِيهَا﴾. وقوله: ﴿عَلَىٰ ٱلأَرَائِكِ﴾، واحد الأرائك: أريكة وهي [السرر] في الحجال. - وقوله ﴿لاَ يَرَوْنَ فِيهَا شَمْساً [وَلاَ زَمْهَرِيراً﴾. "شمساً"] في موضع الحال من الهاء والميم، (أو) في موضع النعت لجنةً، أي: غير رائين في الجنة شمسا تؤذيهم بحرها، ولا برداً شديداً يؤذيهم [بشدته]. قال مجاهد: الزمهرير: البرد: المُقَطِّعُ. وقال قتادة: "علم الله جل ذكره أن شدة البرد [مؤذ]. وشدة الحر مؤذ. فوقاهم إياهما". والزمهرير: لون من عذاب جهنم.

الإنسان 76:9

قوله تعالى: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ ٱلسَّبِيلَ﴾، إلى قوله: ﴿وَلاَ زَمْهَرِيراً﴾. أي: إنا بينا له طريق الحق وعرَّفناه. قال مجاهد: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ ٱلسَّبِيلَ﴾: الشقاوة والسعادة. وقال قتادة: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ ٱلسَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً﴾ لنعم الله ﴿وَإِمَّا كَفُوراً﴾ لها. وقال ابن زيد: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ ٱلسَّبِيلَ﴾ قال: [ننظر] أي شيء يصنع وأي الطريقين يسلك. ومعنى "إما" في هذا الموضع كمعنى: ["أو" إلا أنها] تدل على المعنى في أول الكلام. ودليل ذلك قول المفسرين: إن معناه: إما شقياً وإما سعيداً. والشقاوة والسعادة يفرغ منهما وهو في بطن أمه. وقيل: ﴿شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً﴾: حالان مقدران. وأجاز الفراء أن [تكون] "ما" زائدة [و "إن"] للشرط. والمعنى على هذا: "إنا هديناه السبيل إن شكر وإن كفر". وفيه بعد لأن "إن" التي للشرط لا تقع على الأسماء إلا بإضمار فعل، ولا يحسن ذلك هنا. وقيل: تقديره على قول الفراء: "إن كان شاكراً أو كان كفوراً". * * - ثم قال تعالى: ﴿إِنَّآ أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلاَسِلاَ وَأَغْلاَلاً وَسَعِيراً﴾. أي: إنا أعتدنا لمن كفر (وأعرض عن الإيمان) وجحد النعم [﴿سَلاَسِلاَ﴾] يوثقون بها في الجحيم ﴿وَأَغْلاَلاً﴾ تغل بها أيديهم إلى أعناقهم ﴿وَسَعِيراً﴾ أي: وناراً تسعر عليهم فتوقد. فمن لم ينون [﴿سَلاَسِلاَ﴾] أتى به على منع الصرف لأنه جمع لا نظير له في الواحد، وهو نهاية الجمع، فثقل فمنع الصرف. ومن وقف عليه بألف مع منعه لصرفه فعلى لغة مسموعة عن العرب. حكى الرؤاسي والكسائي أن العرب تقف على ما لا يتصرف في حال الفتح بألف [لبيان] الفتحة. وله حجة أخرى: وذلك أنه في بعض المصاحف بألف. فاتَّبَعَ السَّوَادَ في الوقف، واتبع أصل الإعراب في الوصل. فأما من نونه، فعلى لغة مسموعة من بعض العرب. حكى الكسائي وغيره من الكوفيين أن بعض [العرب يصرف كل ما] لا ينصرف إلا "أفعل منك". وقال بعض أهل النظر: كل ما يجوز في الشعر يجوز في القرآن، لأن الشعر أصل كلام العرب، والعرب تصرف هذا ونحوه في الشعر. وقيل: إنما صرف لأنه أُتْبِعَ بما بعده، وهو [﴿وَأَغْلاَلاً﴾]. وكذلك الحجة في ﴿قَوَارِيرَاْ * قَوَارِيرَاْ﴾ [الإنسان: ١٥-١٦]، عند من منع صرفه ووقف بالألف. أو بغير ألف أو صرفه. * * - ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱلأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُوراً﴾. أي: إن الذين بروا ربهم بطاعتهم في أداء فرائضه واجتناب محارمه يشربون في الآخرة ﴿مِن كَأْسٍ﴾، وهو كل إناء فيه شراب كان مزاج ما فيها من الشراب ﴿كَافُوراً﴾ يعني أن [طيب] رائحة الشراب كالكافور. وقيل: الكافور هنا اسم لعين ماء في الجنة. فعلى هذا، تكون ﴿عَيْناً﴾ بدلاً من "كافور". ومن جعل الكافور صفة للشرب نصب ﴿عَيْناً﴾ على الحال من المضمر في ﴿مِزَاجُهَا﴾. وقيل: انتصب عين على إضمار أعني، [وقيل: هي مفعول بها بمعنى: يشربون عيناً يشرب بها عباد الله. وقيل: هي نصب على المدح] وقيل: التقدير: "من عين"، قلما حذف الحرف نصب. وقال الحسن: "الأبرار: الذين لا يؤذون الذر [ولا يرضون الشر]". وقال محارب بن دثار: إنما سموا أبراراً لأنهم بروا الآباء والأبناء. فكما أن لوالديك [عليك] حقاً، كذلك لولدك عليك حق. وروى ابن عمر عن النبي ﷺ أنه قال: "إنْ أَبَرَّ الْبِرِ أَنْ يَصِلَ الرَّجُلُ أَهْلَ وُدِّ أبيه قال مجاهد: ﴿كَانَ مِزَاجُهَا كَافُوراً﴾ تمزج (به). قال قتادة: "قوم تمزج لهم بالكافور وتختم (لهم) بالمسك". - (وقوله: ﴿عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ ٱللَّهِ﴾ أي: يشربها. وقيل: التقدير: يروي بها عباد الله الذين يدخلهم جنته. وقيل: يعني بعباد الله: الأبرار خاصة الذين تقدم ذكرهم. دليله قوله: ﴿عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا ٱلْمُقَرَّبُونَ﴾ [المطففين: ٢٨]، وهم الأبرار تمزج لهم بالكافور وتختم بالمسك). * * - ثم قال: ﴿يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيراً﴾. أي: [يفجرون] تلك العين كيف شاؤوا حيث شاؤوا من منازلهم وقصورهم. والتفجير: الإسالة للماء والإجراء له. قال مجاهد: يعدلون بها حيث شاءوا ويعيدونها حيث شاءوا. ويروى أن أحدهم إذا أراد أن يتفجر [له] الماء شق ذلك الوضع بعود فجرى فيه الماء. - قال تعالى: ﴿يُوفُونَ بِٱلنَّذْرِ﴾. أي: يوفون بكل ما يجب عليهم، نذروه أو لم ينذروه. وقال الفراء: التقدير كانوا يوفون بالنذر في الدنيا. وكانوا ﴿يَخَافُونَ يَوْماً كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً﴾، أي: فاشياً ظاهراً منتشراً ممتداً. قال قتادة: ﴿يُوفُونَ بِٱلنَّذْرِ﴾: "بطاعة الله وبالصلاة وبالحج والعمرة". وقال سفيان: ﴿يُوفُونَ بِٱلنَّذْرِ﴾: "في غير معصية"، ويخافون عذاب الله في تركهم الوفاء في يوم كان شره ممتداً. (قال قتادة) "استطار والله شر ذلك اليوم حتى ملأ السماوات والأرض". وقال الفراء: ﴿مُسْتَطِيراً﴾ أي: [مستطيلاً]. يقال: استطار الشيء إذا انتشر. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَيُطْعِمُونَ ٱلطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ﴾ أي: على حبهم إياه وشهوتهم له، ﴿مِسْكِيناً..﴾ أي: ذا حاجة، ﴿وَيَتِيماً﴾، وقوله ﴿وَأَسِيراً﴾ قال قتادة: هو المَأْسُورُ عندك المُشْرِك، قال: وأخوك المسلم أحق منه. وقال عكرمة: الأسير - في ذلك الزمان - المشرك. قال الحسن: "ما كان أسراؤهم [إلا] المشركين". وقال مالك: يعني أسرى المشركين. وقال مجاهد: الأسير - هنا - المسجون من المسلمين. وهو قول ابن جبير وعطاء. وهذا كله من صفة الأبرار. * * - ثم قال: ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ ٱللَّهِ﴾ أي: يقولون إذا هم أطعموهم: إنما نطعمكم طلب رضاء الله والتقرب إليه. - ﴿لاَ نُرِيدُ...﴾ منكم أيها الناس على إطعامنا لكم. * * - ﴿جَزَآءً وَلاَ شُكُوراً﴾. و ﴿شُكُوراً﴾ يحتمل أن يكون جمع "شُكْرٍ" وأن يكون مصدراً. قال مجاهد: "أَمَا إنَّهُمْ (ما) تكلموا به، ولكنَّ الله عَلِمَه من قلوبهم فأثنى به عليهم لِيَرْغَبَ فِي ذَلِكَ رَاغِبٌ". ومثلَ ذلك قال ابن جبير. وكذلك روى [الفِرْيَابِي] عن سالم الأفطس عن ابن عمر. * * - ثم قال تعالى: ﴿إِنَّا نَخَافُ مِن رَّبِّنَا يَوْماً عَبُوساً﴾. أي: إنما نطعمكم رجاء أن [يؤمننا] الله عقوبته في يوم شديد تعبس فيه الوجوه من شدة هوله وطول بلائه، فهو نعت لليوم بمعنى النسب، كما قال: ﴿فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٢١] والقمطرير: الشديد، ومثله [القماطر]، وقد اقمطر اليوم [يقمطر اقمطراراً]: إذا اشتد بلاؤه، ومثله يوم عصيب وعصبصب. قال ابن عباس في قوله: ﴿يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً﴾ قال: "يعبس الكافر يومئذ حتى يسيل من [بين] عينيه عرق مثل القطران". وقال قتادة: "عبست فيه الوجوه وقبضت ما بين أعينها كراهية لذلك اليوم"، وهو قول مجاهد. وعن ابن عباس أن العبوس: الضيق، والقمطرير: الطويل. وقال ابن زيد: "العبوس: الشر". * * - ثم قال تعالى: ﴿فَوَقَٰهُمُ ٱللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ ٱلْيَومِ﴾. أي: وقاهم ما كانوا يحذرون في الدنيا من شر ذلك اليوم بما كانوا يعملون في الدنيا. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُوراً﴾. قال الحسن: "[نضرة] في الوجوه وسروراً في القلوب" وكذلك قال قتادة. وقال ابن زيد: نعمة وفرحاً. وروي أن هذا كله نزل في علي بن أبي طالب رضي الله عنه. ثم هو عام في من كان على [منهاجه في فعله]. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُواْ جَنَّةً وَحَرِيراً﴾. أي: وأثابهم بصبرهم في الدنيا على طاعة الله واجتناب محارمه دخول جنته. واستعمال الحرير في اللباس والفرش. * * - ﴿مُّتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَىٰ ٱلأَرَائِكِ﴾. نصب ﴿مُّتَّكِئِينَ﴾ على الحال من الهاء والميم في ﴿جَزَاهُمْ﴾. "وجزى" هو العامل في الحال. ولا [يحسن] أن يعمل فيه ﴿صَبَرُواْ﴾ لأن الصبر كان في الدنيا والاتكاء في الآخرة. ويجوز أن ينتصب على النعب للجنَّة "لأنه قد عاد [عليها] من نعتها عائد (وهو) ﴿فِيهَا﴾. وقوله: ﴿عَلَىٰ ٱلأَرَائِكِ﴾، واحد الأرائك: أريكة وهي [السرر] في الحجال. - وقوله ﴿لاَ يَرَوْنَ فِيهَا شَمْساً [وَلاَ زَمْهَرِيراً﴾. "شمساً"] في موضع الحال من الهاء والميم، (أو) في موضع النعت لجنةً، أي: غير رائين في الجنة شمسا تؤذيهم بحرها، ولا برداً شديداً يؤذيهم [بشدته]. قال مجاهد: الزمهرير: البرد: المُقَطِّعُ. وقال قتادة: "علم الله جل ذكره أن شدة البرد [مؤذ]. وشدة الحر مؤذ. فوقاهم إياهما". والزمهرير: لون من عذاب جهنم.

الإنسان 76:10

قوله تعالى: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ ٱلسَّبِيلَ﴾، إلى قوله: ﴿وَلاَ زَمْهَرِيراً﴾. أي: إنا بينا له طريق الحق وعرَّفناه. قال مجاهد: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ ٱلسَّبِيلَ﴾: الشقاوة والسعادة. وقال قتادة: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ ٱلسَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً﴾ لنعم الله ﴿وَإِمَّا كَفُوراً﴾ لها. وقال ابن زيد: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ ٱلسَّبِيلَ﴾ قال: [ننظر] أي شيء يصنع وأي الطريقين يسلك. ومعنى "إما" في هذا الموضع كمعنى: ["أو" إلا أنها] تدل على المعنى في أول الكلام. ودليل ذلك قول المفسرين: إن معناه: إما شقياً وإما سعيداً. والشقاوة والسعادة يفرغ منهما وهو في بطن أمه. وقيل: ﴿شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً﴾: حالان مقدران. وأجاز الفراء أن [تكون] "ما" زائدة [و "إن"] للشرط. والمعنى على هذا: "إنا هديناه السبيل إن شكر وإن كفر". وفيه بعد لأن "إن" التي للشرط لا تقع على الأسماء إلا بإضمار فعل، ولا يحسن ذلك هنا. وقيل: تقديره على قول الفراء: "إن كان شاكراً أو كان كفوراً". * * - ثم قال تعالى: ﴿إِنَّآ أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلاَسِلاَ وَأَغْلاَلاً وَسَعِيراً﴾. أي: إنا أعتدنا لمن كفر (وأعرض عن الإيمان) وجحد النعم [﴿سَلاَسِلاَ﴾] يوثقون بها في الجحيم ﴿وَأَغْلاَلاً﴾ تغل بها أيديهم إلى أعناقهم ﴿وَسَعِيراً﴾ أي: وناراً تسعر عليهم فتوقد. فمن لم ينون [﴿سَلاَسِلاَ﴾] أتى به على منع الصرف لأنه جمع لا نظير له في الواحد، وهو نهاية الجمع، فثقل فمنع الصرف. ومن وقف عليه بألف مع منعه لصرفه فعلى لغة مسموعة عن العرب. حكى الرؤاسي والكسائي أن العرب تقف على ما لا يتصرف في حال الفتح بألف [لبيان] الفتحة. وله حجة أخرى: وذلك أنه في بعض المصاحف بألف. فاتَّبَعَ السَّوَادَ في الوقف، واتبع أصل الإعراب في الوصل. فأما من نونه، فعلى لغة مسموعة من بعض العرب. حكى الكسائي وغيره من الكوفيين أن بعض [العرب يصرف كل ما] لا ينصرف إلا "أفعل منك". وقال بعض أهل النظر: كل ما يجوز في الشعر يجوز في القرآن، لأن الشعر أصل كلام العرب، والعرب تصرف هذا ونحوه في الشعر. وقيل: إنما صرف لأنه أُتْبِعَ بما بعده، وهو [﴿وَأَغْلاَلاً﴾]. وكذلك الحجة في ﴿قَوَارِيرَاْ * قَوَارِيرَاْ﴾ [الإنسان: ١٥-١٦]، عند من منع صرفه ووقف بالألف. أو بغير ألف أو صرفه. * * - ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱلأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُوراً﴾. أي: إن الذين بروا ربهم بطاعتهم في أداء فرائضه واجتناب محارمه يشربون في الآخرة ﴿مِن كَأْسٍ﴾، وهو كل إناء فيه شراب كان مزاج ما فيها من الشراب ﴿كَافُوراً﴾ يعني أن [طيب] رائحة الشراب كالكافور. وقيل: الكافور هنا اسم لعين ماء في الجنة. فعلى هذا، تكون ﴿عَيْناً﴾ بدلاً من "كافور". ومن جعل الكافور صفة للشرب نصب ﴿عَيْناً﴾ على الحال من المضمر في ﴿مِزَاجُهَا﴾. وقيل: انتصب عين على إضمار أعني، [وقيل: هي مفعول بها بمعنى: يشربون عيناً يشرب بها عباد الله. وقيل: هي نصب على المدح] وقيل: التقدير: "من عين"، قلما حذف الحرف نصب. وقال الحسن: "الأبرار: الذين لا يؤذون الذر [ولا يرضون الشر]". وقال محارب بن دثار: إنما سموا أبراراً لأنهم بروا الآباء والأبناء. فكما أن لوالديك [عليك] حقاً، كذلك لولدك عليك حق. وروى ابن عمر عن النبي ﷺ أنه قال: "إنْ أَبَرَّ الْبِرِ أَنْ يَصِلَ الرَّجُلُ أَهْلَ وُدِّ أبيه قال مجاهد: ﴿كَانَ مِزَاجُهَا كَافُوراً﴾ تمزج (به). قال قتادة: "قوم تمزج لهم بالكافور وتختم (لهم) بالمسك". - (وقوله: ﴿عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ ٱللَّهِ﴾ أي: يشربها. وقيل: التقدير: يروي بها عباد الله الذين يدخلهم جنته. وقيل: يعني بعباد الله: الأبرار خاصة الذين تقدم ذكرهم. دليله قوله: ﴿عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا ٱلْمُقَرَّبُونَ﴾ [المطففين: ٢٨]، وهم الأبرار تمزج لهم بالكافور وتختم بالمسك). * * - ثم قال: ﴿يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيراً﴾. أي: [يفجرون] تلك العين كيف شاؤوا حيث شاؤوا من منازلهم وقصورهم. والتفجير: الإسالة للماء والإجراء له. قال مجاهد: يعدلون بها حيث شاءوا ويعيدونها حيث شاءوا. ويروى أن أحدهم إذا أراد أن يتفجر [له] الماء شق ذلك الوضع بعود فجرى فيه الماء. - قال تعالى: ﴿يُوفُونَ بِٱلنَّذْرِ﴾. أي: يوفون بكل ما يجب عليهم، نذروه أو لم ينذروه. وقال الفراء: التقدير كانوا يوفون بالنذر في الدنيا. وكانوا ﴿يَخَافُونَ يَوْماً كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً﴾، أي: فاشياً ظاهراً منتشراً ممتداً. قال قتادة: ﴿يُوفُونَ بِٱلنَّذْرِ﴾: "بطاعة الله وبالصلاة وبالحج والعمرة". وقال سفيان: ﴿يُوفُونَ بِٱلنَّذْرِ﴾: "في غير معصية"، ويخافون عذاب الله في تركهم الوفاء في يوم كان شره ممتداً. (قال قتادة) "استطار والله شر ذلك اليوم حتى ملأ السماوات والأرض". وقال الفراء: ﴿مُسْتَطِيراً﴾ أي: [مستطيلاً]. يقال: استطار الشيء إذا انتشر. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَيُطْعِمُونَ ٱلطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ﴾ أي: على حبهم إياه وشهوتهم له، ﴿مِسْكِيناً..﴾ أي: ذا حاجة، ﴿وَيَتِيماً﴾، وقوله ﴿وَأَسِيراً﴾ قال قتادة: هو المَأْسُورُ عندك المُشْرِك، قال: وأخوك المسلم أحق منه. وقال عكرمة: الأسير - في ذلك الزمان - المشرك. قال الحسن: "ما كان أسراؤهم [إلا] المشركين". وقال مالك: يعني أسرى المشركين. وقال مجاهد: الأسير - هنا - المسجون من المسلمين. وهو قول ابن جبير وعطاء. وهذا كله من صفة الأبرار. * * - ثم قال: ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ ٱللَّهِ﴾ أي: يقولون إذا هم أطعموهم: إنما نطعمكم طلب رضاء الله والتقرب إليه. - ﴿لاَ نُرِيدُ...﴾ منكم أيها الناس على إطعامنا لكم. * * - ﴿جَزَآءً وَلاَ شُكُوراً﴾. و ﴿شُكُوراً﴾ يحتمل أن يكون جمع "شُكْرٍ" وأن يكون مصدراً. قال مجاهد: "أَمَا إنَّهُمْ (ما) تكلموا به، ولكنَّ الله عَلِمَه من قلوبهم فأثنى به عليهم لِيَرْغَبَ فِي ذَلِكَ رَاغِبٌ". ومثلَ ذلك قال ابن جبير. وكذلك روى [الفِرْيَابِي] عن سالم الأفطس عن ابن عمر. * * - ثم قال تعالى: ﴿إِنَّا نَخَافُ مِن رَّبِّنَا يَوْماً عَبُوساً﴾. أي: إنما نطعمكم رجاء أن [يؤمننا] الله عقوبته في يوم شديد تعبس فيه الوجوه من شدة هوله وطول بلائه، فهو نعت لليوم بمعنى النسب، كما قال: ﴿فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٢١] والقمطرير: الشديد، ومثله [القماطر]، وقد اقمطر اليوم [يقمطر اقمطراراً]: إذا اشتد بلاؤه، ومثله يوم عصيب وعصبصب. قال ابن عباس في قوله: ﴿يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً﴾ قال: "يعبس الكافر يومئذ حتى يسيل من [بين] عينيه عرق مثل القطران". وقال قتادة: "عبست فيه الوجوه وقبضت ما بين أعينها كراهية لذلك اليوم"، وهو قول مجاهد. وعن ابن عباس أن العبوس: الضيق، والقمطرير: الطويل. وقال ابن زيد: "العبوس: الشر". * * - ثم قال تعالى: ﴿فَوَقَٰهُمُ ٱللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ ٱلْيَومِ﴾. أي: وقاهم ما كانوا يحذرون في الدنيا من شر ذلك اليوم بما كانوا يعملون في الدنيا. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُوراً﴾. قال الحسن: "[نضرة] في الوجوه وسروراً في القلوب" وكذلك قال قتادة. وقال ابن زيد: نعمة وفرحاً. وروي أن هذا كله نزل في علي بن أبي طالب رضي الله عنه. ثم هو عام في من كان على [منهاجه في فعله]. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُواْ جَنَّةً وَحَرِيراً﴾. أي: وأثابهم بصبرهم في الدنيا على طاعة الله واجتناب محارمه دخول جنته. واستعمال الحرير في اللباس والفرش. * * - ﴿مُّتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَىٰ ٱلأَرَائِكِ﴾. نصب ﴿مُّتَّكِئِينَ﴾ على الحال من الهاء والميم في ﴿جَزَاهُمْ﴾. "وجزى" هو العامل في الحال. ولا [يحسن] أن يعمل فيه ﴿صَبَرُواْ﴾ لأن الصبر كان في الدنيا والاتكاء في الآخرة. ويجوز أن ينتصب على النعب للجنَّة "لأنه قد عاد [عليها] من نعتها عائد (وهو) ﴿فِيهَا﴾. وقوله: ﴿عَلَىٰ ٱلأَرَائِكِ﴾، واحد الأرائك: أريكة وهي [السرر] في الحجال. - وقوله ﴿لاَ يَرَوْنَ فِيهَا شَمْساً [وَلاَ زَمْهَرِيراً﴾. "شمساً"] في موضع الحال من الهاء والميم، (أو) في موضع النعت لجنةً، أي: غير رائين في الجنة شمسا تؤذيهم بحرها، ولا برداً شديداً يؤذيهم [بشدته]. قال مجاهد: الزمهرير: البرد: المُقَطِّعُ. وقال قتادة: "علم الله جل ذكره أن شدة البرد [مؤذ]. وشدة الحر مؤذ. فوقاهم إياهما". والزمهرير: لون من عذاب جهنم.

الإنسان 76:11

قوله تعالى: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ ٱلسَّبِيلَ﴾، إلى قوله: ﴿وَلاَ زَمْهَرِيراً﴾. أي: إنا بينا له طريق الحق وعرَّفناه. قال مجاهد: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ ٱلسَّبِيلَ﴾: الشقاوة والسعادة. وقال قتادة: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ ٱلسَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً﴾ لنعم الله ﴿وَإِمَّا كَفُوراً﴾ لها. وقال ابن زيد: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ ٱلسَّبِيلَ﴾ قال: [ننظر] أي شيء يصنع وأي الطريقين يسلك. ومعنى "إما" في هذا الموضع كمعنى: ["أو" إلا أنها] تدل على المعنى في أول الكلام. ودليل ذلك قول المفسرين: إن معناه: إما شقياً وإما سعيداً. والشقاوة والسعادة يفرغ منهما وهو في بطن أمه. وقيل: ﴿شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً﴾: حالان مقدران. وأجاز الفراء أن [تكون] "ما" زائدة [و "إن"] للشرط. والمعنى على هذا: "إنا هديناه السبيل إن شكر وإن كفر". وفيه بعد لأن "إن" التي للشرط لا تقع على الأسماء إلا بإضمار فعل، ولا يحسن ذلك هنا. وقيل: تقديره على قول الفراء: "إن كان شاكراً أو كان كفوراً". * * - ثم قال تعالى: ﴿إِنَّآ أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلاَسِلاَ وَأَغْلاَلاً وَسَعِيراً﴾. أي: إنا أعتدنا لمن كفر (وأعرض عن الإيمان) وجحد النعم [﴿سَلاَسِلاَ﴾] يوثقون بها في الجحيم ﴿وَأَغْلاَلاً﴾ تغل بها أيديهم إلى أعناقهم ﴿وَسَعِيراً﴾ أي: وناراً تسعر عليهم فتوقد. فمن لم ينون [﴿سَلاَسِلاَ﴾] أتى به على منع الصرف لأنه جمع لا نظير له في الواحد، وهو نهاية الجمع، فثقل فمنع الصرف. ومن وقف عليه بألف مع منعه لصرفه فعلى لغة مسموعة عن العرب. حكى الرؤاسي والكسائي أن العرب تقف على ما لا يتصرف في حال الفتح بألف [لبيان] الفتحة. وله حجة أخرى: وذلك أنه في بعض المصاحف بألف. فاتَّبَعَ السَّوَادَ في الوقف، واتبع أصل الإعراب في الوصل. فأما من نونه، فعلى لغة مسموعة من بعض العرب. حكى الكسائي وغيره من الكوفيين أن بعض [العرب يصرف كل ما] لا ينصرف إلا "أفعل منك". وقال بعض أهل النظر: كل ما يجوز في الشعر يجوز في القرآن، لأن الشعر أصل كلام العرب، والعرب تصرف هذا ونحوه في الشعر. وقيل: إنما صرف لأنه أُتْبِعَ بما بعده، وهو [﴿وَأَغْلاَلاً﴾]. وكذلك الحجة في ﴿قَوَارِيرَاْ * قَوَارِيرَاْ﴾ [الإنسان: ١٥-١٦]، عند من منع صرفه ووقف بالألف. أو بغير ألف أو صرفه. * * - ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱلأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُوراً﴾. أي: إن الذين بروا ربهم بطاعتهم في أداء فرائضه واجتناب محارمه يشربون في الآخرة ﴿مِن كَأْسٍ﴾، وهو كل إناء فيه شراب كان مزاج ما فيها من الشراب ﴿كَافُوراً﴾ يعني أن [طيب] رائحة الشراب كالكافور. وقيل: الكافور هنا اسم لعين ماء في الجنة. فعلى هذا، تكون ﴿عَيْناً﴾ بدلاً من "كافور". ومن جعل الكافور صفة للشرب نصب ﴿عَيْناً﴾ على الحال من المضمر في ﴿مِزَاجُهَا﴾. وقيل: انتصب عين على إضمار أعني، [وقيل: هي مفعول بها بمعنى: يشربون عيناً يشرب بها عباد الله. وقيل: هي نصب على المدح] وقيل: التقدير: "من عين"، قلما حذف الحرف نصب. وقال الحسن: "الأبرار: الذين لا يؤذون الذر [ولا يرضون الشر]". وقال محارب بن دثار: إنما سموا أبراراً لأنهم بروا الآباء والأبناء. فكما أن لوالديك [عليك] حقاً، كذلك لولدك عليك حق. وروى ابن عمر عن النبي ﷺ أنه قال: "إنْ أَبَرَّ الْبِرِ أَنْ يَصِلَ الرَّجُلُ أَهْلَ وُدِّ أبيه قال مجاهد: ﴿كَانَ مِزَاجُهَا كَافُوراً﴾ تمزج (به). قال قتادة: "قوم تمزج لهم بالكافور وتختم (لهم) بالمسك". - (وقوله: ﴿عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ ٱللَّهِ﴾ أي: يشربها. وقيل: التقدير: يروي بها عباد الله الذين يدخلهم جنته. وقيل: يعني بعباد الله: الأبرار خاصة الذين تقدم ذكرهم. دليله قوله: ﴿عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا ٱلْمُقَرَّبُونَ﴾ [المطففين: ٢٨]، وهم الأبرار تمزج لهم بالكافور وتختم بالمسك). * * - ثم قال: ﴿يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيراً﴾. أي: [يفجرون] تلك العين كيف شاؤوا حيث شاؤوا من منازلهم وقصورهم. والتفجير: الإسالة للماء والإجراء له. قال مجاهد: يعدلون بها حيث شاءوا ويعيدونها حيث شاءوا. ويروى أن أحدهم إذا أراد أن يتفجر [له] الماء شق ذلك الوضع بعود فجرى فيه الماء. - قال تعالى: ﴿يُوفُونَ بِٱلنَّذْرِ﴾. أي: يوفون بكل ما يجب عليهم، نذروه أو لم ينذروه. وقال الفراء: التقدير كانوا يوفون بالنذر في الدنيا. وكانوا ﴿يَخَافُونَ يَوْماً كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً﴾، أي: فاشياً ظاهراً منتشراً ممتداً. قال قتادة: ﴿يُوفُونَ بِٱلنَّذْرِ﴾: "بطاعة الله وبالصلاة وبالحج والعمرة". وقال سفيان: ﴿يُوفُونَ بِٱلنَّذْرِ﴾: "في غير معصية"، ويخافون عذاب الله في تركهم الوفاء في يوم كان شره ممتداً. (قال قتادة) "استطار والله شر ذلك اليوم حتى ملأ السماوات والأرض". وقال الفراء: ﴿مُسْتَطِيراً﴾ أي: [مستطيلاً]. يقال: استطار الشيء إذا انتشر. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَيُطْعِمُونَ ٱلطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ﴾ أي: على حبهم إياه وشهوتهم له، ﴿مِسْكِيناً..﴾ أي: ذا حاجة، ﴿وَيَتِيماً﴾، وقوله ﴿وَأَسِيراً﴾ قال قتادة: هو المَأْسُورُ عندك المُشْرِك، قال: وأخوك المسلم أحق منه. وقال عكرمة: الأسير - في ذلك الزمان - المشرك. قال الحسن: "ما كان أسراؤهم [إلا] المشركين". وقال مالك: يعني أسرى المشركين. وقال مجاهد: الأسير - هنا - المسجون من المسلمين. وهو قول ابن جبير وعطاء. وهذا كله من صفة الأبرار. * * - ثم قال: ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ ٱللَّهِ﴾ أي: يقولون إذا هم أطعموهم: إنما نطعمكم طلب رضاء الله والتقرب إليه. - ﴿لاَ نُرِيدُ...﴾ منكم أيها الناس على إطعامنا لكم. * * - ﴿جَزَآءً وَلاَ شُكُوراً﴾. و ﴿شُكُوراً﴾ يحتمل أن يكون جمع "شُكْرٍ" وأن يكون مصدراً. قال مجاهد: "أَمَا إنَّهُمْ (ما) تكلموا به، ولكنَّ الله عَلِمَه من قلوبهم فأثنى به عليهم لِيَرْغَبَ فِي ذَلِكَ رَاغِبٌ". ومثلَ ذلك قال ابن جبير. وكذلك روى [الفِرْيَابِي] عن سالم الأفطس عن ابن عمر. * * - ثم قال تعالى: ﴿إِنَّا نَخَافُ مِن رَّبِّنَا يَوْماً عَبُوساً﴾. أي: إنما نطعمكم رجاء أن [يؤمننا] الله عقوبته في يوم شديد تعبس فيه الوجوه من شدة هوله وطول بلائه، فهو نعت لليوم بمعنى النسب، كما قال: ﴿فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٢١] والقمطرير: الشديد، ومثله [القماطر]، وقد اقمطر اليوم [يقمطر اقمطراراً]: إذا اشتد بلاؤه، ومثله يوم عصيب وعصبصب. قال ابن عباس في قوله: ﴿يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً﴾ قال: "يعبس الكافر يومئذ حتى يسيل من [بين] عينيه عرق مثل القطران". وقال قتادة: "عبست فيه الوجوه وقبضت ما بين أعينها كراهية لذلك اليوم"، وهو قول مجاهد. وعن ابن عباس أن العبوس: الضيق، والقمطرير: الطويل. وقال ابن زيد: "العبوس: الشر". * * - ثم قال تعالى: ﴿فَوَقَٰهُمُ ٱللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ ٱلْيَومِ﴾. أي: وقاهم ما كانوا يحذرون في الدنيا من شر ذلك اليوم بما كانوا يعملون في الدنيا. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُوراً﴾. قال الحسن: "[نضرة] في الوجوه وسروراً في القلوب" وكذلك قال قتادة. وقال ابن زيد: نعمة وفرحاً. وروي أن هذا كله نزل في علي بن أبي طالب رضي الله عنه. ثم هو عام في من كان على [منهاجه في فعله]. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُواْ جَنَّةً وَحَرِيراً﴾. أي: وأثابهم بصبرهم في الدنيا على طاعة الله واجتناب محارمه دخول جنته. واستعمال الحرير في اللباس والفرش. * * - ﴿مُّتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَىٰ ٱلأَرَائِكِ﴾. نصب ﴿مُّتَّكِئِينَ﴾ على الحال من الهاء والميم في ﴿جَزَاهُمْ﴾. "وجزى" هو العامل في الحال. ولا [يحسن] أن يعمل فيه ﴿صَبَرُواْ﴾ لأن الصبر كان في الدنيا والاتكاء في الآخرة. ويجوز أن ينتصب على النعب للجنَّة "لأنه قد عاد [عليها] من نعتها عائد (وهو) ﴿فِيهَا﴾. وقوله: ﴿عَلَىٰ ٱلأَرَائِكِ﴾، واحد الأرائك: أريكة وهي [السرر] في الحجال. - وقوله ﴿لاَ يَرَوْنَ فِيهَا شَمْساً [وَلاَ زَمْهَرِيراً﴾. "شمساً"] في موضع الحال من الهاء والميم، (أو) في موضع النعت لجنةً، أي: غير رائين في الجنة شمسا تؤذيهم بحرها، ولا برداً شديداً يؤذيهم [بشدته]. قال مجاهد: الزمهرير: البرد: المُقَطِّعُ. وقال قتادة: "علم الله جل ذكره أن شدة البرد [مؤذ]. وشدة الحر مؤذ. فوقاهم إياهما". والزمهرير: لون من عذاب جهنم.

الإنسان 76:12

قوله تعالى: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ ٱلسَّبِيلَ﴾، إلى قوله: ﴿وَلاَ زَمْهَرِيراً﴾. أي: إنا بينا له طريق الحق وعرَّفناه. قال مجاهد: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ ٱلسَّبِيلَ﴾: الشقاوة والسعادة. وقال قتادة: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ ٱلسَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً﴾ لنعم الله ﴿وَإِمَّا كَفُوراً﴾ لها. وقال ابن زيد: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ ٱلسَّبِيلَ﴾ قال: [ننظر] أي شيء يصنع وأي الطريقين يسلك. ومعنى "إما" في هذا الموضع كمعنى: ["أو" إلا أنها] تدل على المعنى في أول الكلام. ودليل ذلك قول المفسرين: إن معناه: إما شقياً وإما سعيداً. والشقاوة والسعادة يفرغ منهما وهو في بطن أمه. وقيل: ﴿شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً﴾: حالان مقدران. وأجاز الفراء أن [تكون] "ما" زائدة [و "إن"] للشرط. والمعنى على هذا: "إنا هديناه السبيل إن شكر وإن كفر". وفيه بعد لأن "إن" التي للشرط لا تقع على الأسماء إلا بإضمار فعل، ولا يحسن ذلك هنا. وقيل: تقديره على قول الفراء: "إن كان شاكراً أو كان كفوراً". * * - ثم قال تعالى: ﴿إِنَّآ أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلاَسِلاَ وَأَغْلاَلاً وَسَعِيراً﴾. أي: إنا أعتدنا لمن كفر (وأعرض عن الإيمان) وجحد النعم [﴿سَلاَسِلاَ﴾] يوثقون بها في الجحيم ﴿وَأَغْلاَلاً﴾ تغل بها أيديهم إلى أعناقهم ﴿وَسَعِيراً﴾ أي: وناراً تسعر عليهم فتوقد. فمن لم ينون [﴿سَلاَسِلاَ﴾] أتى به على منع الصرف لأنه جمع لا نظير له في الواحد، وهو نهاية الجمع، فثقل فمنع الصرف. ومن وقف عليه بألف مع منعه لصرفه فعلى لغة مسموعة عن العرب. حكى الرؤاسي والكسائي أن العرب تقف على ما لا يتصرف في حال الفتح بألف [لبيان] الفتحة. وله حجة أخرى: وذلك أنه في بعض المصاحف بألف. فاتَّبَعَ السَّوَادَ في الوقف، واتبع أصل الإعراب في الوصل. فأما من نونه، فعلى لغة مسموعة من بعض العرب. حكى الكسائي وغيره من الكوفيين أن بعض [العرب يصرف كل ما] لا ينصرف إلا "أفعل منك". وقال بعض أهل النظر: كل ما يجوز في الشعر يجوز في القرآن، لأن الشعر أصل كلام العرب، والعرب تصرف هذا ونحوه في الشعر. وقيل: إنما صرف لأنه أُتْبِعَ بما بعده، وهو [﴿وَأَغْلاَلاً﴾]. وكذلك الحجة في ﴿قَوَارِيرَاْ * قَوَارِيرَاْ﴾ [الإنسان: ١٥-١٦]، عند من منع صرفه ووقف بالألف. أو بغير ألف أو صرفه. * * - ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱلأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُوراً﴾. أي: إن الذين بروا ربهم بطاعتهم في أداء فرائضه واجتناب محارمه يشربون في الآخرة ﴿مِن كَأْسٍ﴾، وهو كل إناء فيه شراب كان مزاج ما فيها من الشراب ﴿كَافُوراً﴾ يعني أن [طيب] رائحة الشراب كالكافور. وقيل: الكافور هنا اسم لعين ماء في الجنة. فعلى هذا، تكون ﴿عَيْناً﴾ بدلاً من "كافور". ومن جعل الكافور صفة للشرب نصب ﴿عَيْناً﴾ على الحال من المضمر في ﴿مِزَاجُهَا﴾. وقيل: انتصب عين على إضمار أعني، [وقيل: هي مفعول بها بمعنى: يشربون عيناً يشرب بها عباد الله. وقيل: هي نصب على المدح] وقيل: التقدير: "من عين"، قلما حذف الحرف نصب. وقال الحسن: "الأبرار: الذين لا يؤذون الذر [ولا يرضون الشر]". وقال محارب بن دثار: إنما سموا أبراراً لأنهم بروا الآباء والأبناء. فكما أن لوالديك [عليك] حقاً، كذلك لولدك عليك حق. وروى ابن عمر عن النبي ﷺ أنه قال: "إنْ أَبَرَّ الْبِرِ أَنْ يَصِلَ الرَّجُلُ أَهْلَ وُدِّ أبيه قال مجاهد: ﴿كَانَ مِزَاجُهَا كَافُوراً﴾ تمزج (به). قال قتادة: "قوم تمزج لهم بالكافور وتختم (لهم) بالمسك". - (وقوله: ﴿عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ ٱللَّهِ﴾ أي: يشربها. وقيل: التقدير: يروي بها عباد الله الذين يدخلهم جنته. وقيل: يعني بعباد الله: الأبرار خاصة الذين تقدم ذكرهم. دليله قوله: ﴿عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا ٱلْمُقَرَّبُونَ﴾ [المطففين: ٢٨]، وهم الأبرار تمزج لهم بالكافور وتختم بالمسك). * * - ثم قال: ﴿يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيراً﴾. أي: [يفجرون] تلك العين كيف شاؤوا حيث شاؤوا من منازلهم وقصورهم. والتفجير: الإسالة للماء والإجراء له. قال مجاهد: يعدلون بها حيث شاءوا ويعيدونها حيث شاءوا. ويروى أن أحدهم إذا أراد أن يتفجر [له] الماء شق ذلك الوضع بعود فجرى فيه الماء. - قال تعالى: ﴿يُوفُونَ بِٱلنَّذْرِ﴾. أي: يوفون بكل ما يجب عليهم، نذروه أو لم ينذروه. وقال الفراء: التقدير كانوا يوفون بالنذر في الدنيا. وكانوا ﴿يَخَافُونَ يَوْماً كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً﴾، أي: فاشياً ظاهراً منتشراً ممتداً. قال قتادة: ﴿يُوفُونَ بِٱلنَّذْرِ﴾: "بطاعة الله وبالصلاة وبالحج والعمرة". وقال سفيان: ﴿يُوفُونَ بِٱلنَّذْرِ﴾: "في غير معصية"، ويخافون عذاب الله في تركهم الوفاء في يوم كان شره ممتداً. (قال قتادة) "استطار والله شر ذلك اليوم حتى ملأ السماوات والأرض". وقال الفراء: ﴿مُسْتَطِيراً﴾ أي: [مستطيلاً]. يقال: استطار الشيء إذا انتشر. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَيُطْعِمُونَ ٱلطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ﴾ أي: على حبهم إياه وشهوتهم له، ﴿مِسْكِيناً..﴾ أي: ذا حاجة، ﴿وَيَتِيماً﴾، وقوله ﴿وَأَسِيراً﴾ قال قتادة: هو المَأْسُورُ عندك المُشْرِك، قال: وأخوك المسلم أحق منه. وقال عكرمة: الأسير - في ذلك الزمان - المشرك. قال الحسن: "ما كان أسراؤهم [إلا] المشركين". وقال مالك: يعني أسرى المشركين. وقال مجاهد: الأسير - هنا - المسجون من المسلمين. وهو قول ابن جبير وعطاء. وهذا كله من صفة الأبرار. * * - ثم قال: ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ ٱللَّهِ﴾ أي: يقولون إذا هم أطعموهم: إنما نطعمكم طلب رضاء الله والتقرب إليه. - ﴿لاَ نُرِيدُ...﴾ منكم أيها الناس على إطعامنا لكم. * * - ﴿جَزَآءً وَلاَ شُكُوراً﴾. و ﴿شُكُوراً﴾ يحتمل أن يكون جمع "شُكْرٍ" وأن يكون مصدراً. قال مجاهد: "أَمَا إنَّهُمْ (ما) تكلموا به، ولكنَّ الله عَلِمَه من قلوبهم فأثنى به عليهم لِيَرْغَبَ فِي ذَلِكَ رَاغِبٌ". ومثلَ ذلك قال ابن جبير. وكذلك روى [الفِرْيَابِي] عن سالم الأفطس عن ابن عمر. * * - ثم قال تعالى: ﴿إِنَّا نَخَافُ مِن رَّبِّنَا يَوْماً عَبُوساً﴾. أي: إنما نطعمكم رجاء أن [يؤمننا] الله عقوبته في يوم شديد تعبس فيه الوجوه من شدة هوله وطول بلائه، فهو نعت لليوم بمعنى النسب، كما قال: ﴿فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٢١] والقمطرير: الشديد، ومثله [القماطر]، وقد اقمطر اليوم [يقمطر اقمطراراً]: إذا اشتد بلاؤه، ومثله يوم عصيب وعصبصب. قال ابن عباس في قوله: ﴿يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً﴾ قال: "يعبس الكافر يومئذ حتى يسيل من [بين] عينيه عرق مثل القطران". وقال قتادة: "عبست فيه الوجوه وقبضت ما بين أعينها كراهية لذلك اليوم"، وهو قول مجاهد. وعن ابن عباس أن العبوس: الضيق، والقمطرير: الطويل. وقال ابن زيد: "العبوس: الشر". * * - ثم قال تعالى: ﴿فَوَقَٰهُمُ ٱللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ ٱلْيَومِ﴾. أي: وقاهم ما كانوا يحذرون في الدنيا من شر ذلك اليوم بما كانوا يعملون في الدنيا. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُوراً﴾. قال الحسن: "[نضرة] في الوجوه وسروراً في القلوب" وكذلك قال قتادة. وقال ابن زيد: نعمة وفرحاً. وروي أن هذا كله نزل في علي بن أبي طالب رضي الله عنه. ثم هو عام في من كان على [منهاجه في فعله]. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُواْ جَنَّةً وَحَرِيراً﴾. أي: وأثابهم بصبرهم في الدنيا على طاعة الله واجتناب محارمه دخول جنته. واستعمال الحرير في اللباس والفرش. * * - ﴿مُّتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَىٰ ٱلأَرَائِكِ﴾. نصب ﴿مُّتَّكِئِينَ﴾ على الحال من الهاء والميم في ﴿جَزَاهُمْ﴾. "وجزى" هو العامل في الحال. ولا [يحسن] أن يعمل فيه ﴿صَبَرُواْ﴾ لأن الصبر كان في الدنيا والاتكاء في الآخرة. ويجوز أن ينتصب على النعب للجنَّة "لأنه قد عاد [عليها] من نعتها عائد (وهو) ﴿فِيهَا﴾. وقوله: ﴿عَلَىٰ ٱلأَرَائِكِ﴾، واحد الأرائك: أريكة وهي [السرر] في الحجال. - وقوله ﴿لاَ يَرَوْنَ فِيهَا شَمْساً [وَلاَ زَمْهَرِيراً﴾. "شمساً"] في موضع الحال من الهاء والميم، (أو) في موضع النعت لجنةً، أي: غير رائين في الجنة شمسا تؤذيهم بحرها، ولا برداً شديداً يؤذيهم [بشدته]. قال مجاهد: الزمهرير: البرد: المُقَطِّعُ. وقال قتادة: "علم الله جل ذكره أن شدة البرد [مؤذ]. وشدة الحر مؤذ. فوقاهم إياهما". والزمهرير: لون من عذاب جهنم.

الإنسان 76:13

قوله تعالى: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ ٱلسَّبِيلَ﴾، إلى قوله: ﴿وَلاَ زَمْهَرِيراً﴾. أي: إنا بينا له طريق الحق وعرَّفناه. قال مجاهد: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ ٱلسَّبِيلَ﴾: الشقاوة والسعادة. وقال قتادة: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ ٱلسَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً﴾ لنعم الله ﴿وَإِمَّا كَفُوراً﴾ لها. وقال ابن زيد: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ ٱلسَّبِيلَ﴾ قال: [ننظر] أي شيء يصنع وأي الطريقين يسلك. ومعنى "إما" في هذا الموضع كمعنى: ["أو" إلا أنها] تدل على المعنى في أول الكلام. ودليل ذلك قول المفسرين: إن معناه: إما شقياً وإما سعيداً. والشقاوة والسعادة يفرغ منهما وهو في بطن أمه. وقيل: ﴿شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً﴾: حالان مقدران. وأجاز الفراء أن [تكون] "ما" زائدة [و "إن"] للشرط. والمعنى على هذا: "إنا هديناه السبيل إن شكر وإن كفر". وفيه بعد لأن "إن" التي للشرط لا تقع على الأسماء إلا بإضمار فعل، ولا يحسن ذلك هنا. وقيل: تقديره على قول الفراء: "إن كان شاكراً أو كان كفوراً". * * - ثم قال تعالى: ﴿إِنَّآ أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلاَسِلاَ وَأَغْلاَلاً وَسَعِيراً﴾. أي: إنا أعتدنا لمن كفر (وأعرض عن الإيمان) وجحد النعم [﴿سَلاَسِلاَ﴾] يوثقون بها في الجحيم ﴿وَأَغْلاَلاً﴾ تغل بها أيديهم إلى أعناقهم ﴿وَسَعِيراً﴾ أي: وناراً تسعر عليهم فتوقد. فمن لم ينون [﴿سَلاَسِلاَ﴾] أتى به على منع الصرف لأنه جمع لا نظير له في الواحد، وهو نهاية الجمع، فثقل فمنع الصرف. ومن وقف عليه بألف مع منعه لصرفه فعلى لغة مسموعة عن العرب. حكى الرؤاسي والكسائي أن العرب تقف على ما لا يتصرف في حال الفتح بألف [لبيان] الفتحة. وله حجة أخرى: وذلك أنه في بعض المصاحف بألف. فاتَّبَعَ السَّوَادَ في الوقف، واتبع أصل الإعراب في الوصل. فأما من نونه، فعلى لغة مسموعة من بعض العرب. حكى الكسائي وغيره من الكوفيين أن بعض [العرب يصرف كل ما] لا ينصرف إلا "أفعل منك". وقال بعض أهل النظر: كل ما يجوز في الشعر يجوز في القرآن، لأن الشعر أصل كلام العرب، والعرب تصرف هذا ونحوه في الشعر. وقيل: إنما صرف لأنه أُتْبِعَ بما بعده، وهو [﴿وَأَغْلاَلاً﴾]. وكذلك الحجة في ﴿قَوَارِيرَاْ * قَوَارِيرَاْ﴾ [الإنسان: ١٥-١٦]، عند من منع صرفه ووقف بالألف. أو بغير ألف أو صرفه. * * - ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱلأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُوراً﴾. أي: إن الذين بروا ربهم بطاعتهم في أداء فرائضه واجتناب محارمه يشربون في الآخرة ﴿مِن كَأْسٍ﴾، وهو كل إناء فيه شراب كان مزاج ما فيها من الشراب ﴿كَافُوراً﴾ يعني أن [طيب] رائحة الشراب كالكافور. وقيل: الكافور هنا اسم لعين ماء في الجنة. فعلى هذا، تكون ﴿عَيْناً﴾ بدلاً من "كافور". ومن جعل الكافور صفة للشرب نصب ﴿عَيْناً﴾ على الحال من المضمر في ﴿مِزَاجُهَا﴾. وقيل: انتصب عين على إضمار أعني، [وقيل: هي مفعول بها بمعنى: يشربون عيناً يشرب بها عباد الله. وقيل: هي نصب على المدح] وقيل: التقدير: "من عين"، قلما حذف الحرف نصب. وقال الحسن: "الأبرار: الذين لا يؤذون الذر [ولا يرضون الشر]". وقال محارب بن دثار: إنما سموا أبراراً لأنهم بروا الآباء والأبناء. فكما أن لوالديك [عليك] حقاً، كذلك لولدك عليك حق. وروى ابن عمر عن النبي ﷺ أنه قال: "إنْ أَبَرَّ الْبِرِ أَنْ يَصِلَ الرَّجُلُ أَهْلَ وُدِّ أبيه قال مجاهد: ﴿كَانَ مِزَاجُهَا كَافُوراً﴾ تمزج (به). قال قتادة: "قوم تمزج لهم بالكافور وتختم (لهم) بالمسك". - (وقوله: ﴿عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ ٱللَّهِ﴾ أي: يشربها. وقيل: التقدير: يروي بها عباد الله الذين يدخلهم جنته. وقيل: يعني بعباد الله: الأبرار خاصة الذين تقدم ذكرهم. دليله قوله: ﴿عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا ٱلْمُقَرَّبُونَ﴾ [المطففين: ٢٨]، وهم الأبرار تمزج لهم بالكافور وتختم بالمسك). * * - ثم قال: ﴿يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيراً﴾. أي: [يفجرون] تلك العين كيف شاؤوا حيث شاؤوا من منازلهم وقصورهم. والتفجير: الإسالة للماء والإجراء له. قال مجاهد: يعدلون بها حيث شاءوا ويعيدونها حيث شاءوا. ويروى أن أحدهم إذا أراد أن يتفجر [له] الماء شق ذلك الوضع بعود فجرى فيه الماء. - قال تعالى: ﴿يُوفُونَ بِٱلنَّذْرِ﴾. أي: يوفون بكل ما يجب عليهم، نذروه أو لم ينذروه. وقال الفراء: التقدير كانوا يوفون بالنذر في الدنيا. وكانوا ﴿يَخَافُونَ يَوْماً كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً﴾، أي: فاشياً ظاهراً منتشراً ممتداً. قال قتادة: ﴿يُوفُونَ بِٱلنَّذْرِ﴾: "بطاعة الله وبالصلاة وبالحج والعمرة". وقال سفيان: ﴿يُوفُونَ بِٱلنَّذْرِ﴾: "في غير معصية"، ويخافون عذاب الله في تركهم الوفاء في يوم كان شره ممتداً. (قال قتادة) "استطار والله شر ذلك اليوم حتى ملأ السماوات والأرض". وقال الفراء: ﴿مُسْتَطِيراً﴾ أي: [مستطيلاً]. يقال: استطار الشيء إذا انتشر. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَيُطْعِمُونَ ٱلطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ﴾ أي: على حبهم إياه وشهوتهم له، ﴿مِسْكِيناً..﴾ أي: ذا حاجة، ﴿وَيَتِيماً﴾، وقوله ﴿وَأَسِيراً﴾ قال قتادة: هو المَأْسُورُ عندك المُشْرِك، قال: وأخوك المسلم أحق منه. وقال عكرمة: الأسير - في ذلك الزمان - المشرك. قال الحسن: "ما كان أسراؤهم [إلا] المشركين". وقال مالك: يعني أسرى المشركين. وقال مجاهد: الأسير - هنا - المسجون من المسلمين. وهو قول ابن جبير وعطاء. وهذا كله من صفة الأبرار. * * - ثم قال: ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ ٱللَّهِ﴾ أي: يقولون إذا هم أطعموهم: إنما نطعمكم طلب رضاء الله والتقرب إليه. - ﴿لاَ نُرِيدُ...﴾ منكم أيها الناس على إطعامنا لكم. * * - ﴿جَزَآءً وَلاَ شُكُوراً﴾. و ﴿شُكُوراً﴾ يحتمل أن يكون جمع "شُكْرٍ" وأن يكون مصدراً. قال مجاهد: "أَمَا إنَّهُمْ (ما) تكلموا به، ولكنَّ الله عَلِمَه من قلوبهم فأثنى به عليهم لِيَرْغَبَ فِي ذَلِكَ رَاغِبٌ". ومثلَ ذلك قال ابن جبير. وكذلك روى [الفِرْيَابِي] عن سالم الأفطس عن ابن عمر. * * - ثم قال تعالى: ﴿إِنَّا نَخَافُ مِن رَّبِّنَا يَوْماً عَبُوساً﴾. أي: إنما نطعمكم رجاء أن [يؤمننا] الله عقوبته في يوم شديد تعبس فيه الوجوه من شدة هوله وطول بلائه، فهو نعت لليوم بمعنى النسب، كما قال: ﴿فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٢١] والقمطرير: الشديد، ومثله [القماطر]، وقد اقمطر اليوم [يقمطر اقمطراراً]: إذا اشتد بلاؤه، ومثله يوم عصيب وعصبصب. قال ابن عباس في قوله: ﴿يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً﴾ قال: "يعبس الكافر يومئذ حتى يسيل من [بين] عينيه عرق مثل القطران". وقال قتادة: "عبست فيه الوجوه وقبضت ما بين أعينها كراهية لذلك اليوم"، وهو قول مجاهد. وعن ابن عباس أن العبوس: الضيق، والقمطرير: الطويل. وقال ابن زيد: "العبوس: الشر". * * - ثم قال تعالى: ﴿فَوَقَٰهُمُ ٱللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ ٱلْيَومِ﴾. أي: وقاهم ما كانوا يحذرون في الدنيا من شر ذلك اليوم بما كانوا يعملون في الدنيا. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُوراً﴾. قال الحسن: "[نضرة] في الوجوه وسروراً في القلوب" وكذلك قال قتادة. وقال ابن زيد: نعمة وفرحاً. وروي أن هذا كله نزل في علي بن أبي طالب رضي الله عنه. ثم هو عام في من كان على [منهاجه في فعله]. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُواْ جَنَّةً وَحَرِيراً﴾. أي: وأثابهم بصبرهم في الدنيا على طاعة الله واجتناب محارمه دخول جنته. واستعمال الحرير في اللباس والفرش. * * - ﴿مُّتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَىٰ ٱلأَرَائِكِ﴾. نصب ﴿مُّتَّكِئِينَ﴾ على الحال من الهاء والميم في ﴿جَزَاهُمْ﴾. "وجزى" هو العامل في الحال. ولا [يحسن] أن يعمل فيه ﴿صَبَرُواْ﴾ لأن الصبر كان في الدنيا والاتكاء في الآخرة. ويجوز أن ينتصب على النعب للجنَّة "لأنه قد عاد [عليها] من نعتها عائد (وهو) ﴿فِيهَا﴾. وقوله: ﴿عَلَىٰ ٱلأَرَائِكِ﴾، واحد الأرائك: أريكة وهي [السرر] في الحجال. - وقوله ﴿لاَ يَرَوْنَ فِيهَا شَمْساً [وَلاَ زَمْهَرِيراً﴾. "شمساً"] في موضع الحال من الهاء والميم، (أو) في موضع النعت لجنةً، أي: غير رائين في الجنة شمسا تؤذيهم بحرها، ولا برداً شديداً يؤذيهم [بشدته]. قال مجاهد: الزمهرير: البرد: المُقَطِّعُ. وقال قتادة: "علم الله جل ذكره أن شدة البرد [مؤذ]. وشدة الحر مؤذ. فوقاهم إياهما". والزمهرير: لون من عذاب جهنم.

الإنسان 76:14

[قوله تعالى]: ﴿وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلاَلُهَا﴾ إلى قوله: ﴿مَّشْكُوراً﴾. أي: وقربت منهم ظلالها. وانتصب ﴿دَانِيَةً﴾ على العطف على ﴿جَنَّةً﴾. والتقدير: وجزاهم جنة دانية. ويجوز أن يكون [حالاً عطفاً] على ﴿مُّتَّكِئِينَ﴾ أو على ﴿(لاَ) يَرَوْنَ﴾، ويجوز أن يكون صفة للجنة. ويجوز أن يكون على المدح مثل: ﴿[وَٱلْمُقِيمِي] ٱلصَّلاَةِ﴾ [الحج: ٣٥] فهو - [و] إن كان نكرة - فإنه يشبه المعرفة، إذ قال طال الكلام به. وقرأ ابن مسعود: ﴿وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ﴾، حَمَلَهُ على تذكير الجمع وهو ظلالها. وفي قراءة أُبَيّ (ودانٍ)، على أنه [في] موضع رفع مثل: قَاضٍ المرفوع. حمله [على] أنه خبر ﴿ظِلاَلُهَا﴾ مقدم. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلاً﴾. قال مجاهد: معناه: إن قام ارتفعت بقدرة (الله)، (فإن) قعد تذللت حتى ينالها، وإن [اضطجع] تذللت حتى ينالها. وقال قتادة: معناه "لا يَرُدُّ أيديهم عنها [بعد] ولا شوك". قال سفيان: ﴿وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا﴾ قال: "يتناوله كيف شاء، جالساً ومتكئاً". قال مجاهد: أرض الجنة وَرِقً، وتُرْبُهَا مسك، وأصول شجرها ذهب، ووَرَق أفنانها لؤلؤ وزبرجد وياقوت، والثمر تحته. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلاً﴾. "ويقال: "المذلل الذي قد ذللـه الماء أي أرواه". "ويقال: المذلل الذي [يُفَيِّئُهُ] [أدنى] ريح". "ويقال: المذلل: المسوى". وأهل الحجاز يقولون: [ذلل] نَخْلَكَ. أي: سوه. ويقال: المُذَلَّلُ: القريب المُتَنَاوَل. من قولهم: [دابة] ذليلُ "أي: قصيرة. هذه أقول أهل اللغة. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِّن فِضَّةٍ﴾. أي: ويطاف على هؤلاء الأبرار في الجنة بآنية في بياض الفضة وصفاء القوارير. قال مجاهد: فيها رقة القوارير في بياض الفضة. وهو قول قتادة. * * - وقوله: ﴿وَأَكْوابٍ﴾. أي: "ويطاف عليهم مع الأواني بجرار ضخام فيها الشراب. وكل جرة ضخمة لا عروة لها [فهي] كوب". وقال مجاهد: الكوب: [الكوز] الذي لا عروة له. وهو قول أكثر المفسرين. وقال قتادة: هو القِدْحُ. * * - وقوله: ﴿كَانَتْ قَوَارِيرَاْ * قَوَارِيرَاْ﴾. [أي]: كانت هذه الأواني والأكواب قوارير فحولها الله فضة. وقيل: إن قوله: ﴿وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِّن فِضَّةٍ﴾ يدل على أن أرض الجنة من فضة. لأن المعلوم في الدنيا المتعارف أن كل آنية (تتخذ) فإنما تتخذ من تربة الأرض التي [هي] فيها، فدل على أن أرض الجنة من فضة بقوله: ﴿وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِّن فِضَّةٍ﴾. قال أبو صالح: كان تراب هذه الأواني فضة. * * - وقوله: ﴿قَدَّرُوهَا تَقْدِيراً﴾. أي: قدروا تلك الأواني على قدر [رِيِّهم]، لا تزيد ولا تنقص في ذلك، يعني: [قدرها] الملائكة [الطائفون] بالآنية والأكواب. قال الحسن: "قُدِّرت [لِريِّ] القوم. وهو قول قتادة وابن زيد ومجاهد. وعن ابن عباس أن معناه (وقدروها) على قدر الكف. والمعنى: [قدرها] لهم السقاة الذين يطوفون عليهم بها، فلذلك نسب إليهم. وقيل: معناه: وجدوها كذا، فنسب الفعل إليهم لمناولتهم إياها لهم. وقرأ الشعبي وعبيد بن عمير وابن أبزى: "قُدِّرُوهَا تَقْدِيراً" - بضم القاف - أي: قدرت (عليهم) لا تزيد ولا تنقص. - وقوله تعالى: ﴿وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْساً﴾. أي: ويسقى هؤلاء الأبرار في الجنة شراب (كأس). والكأس: كل إناء فيه شراب. فإذا كان فارغاً من الخمر لم يُقَلْ له كأس، ويقال له قدح. كذلك لا يقال للخِوان: مائدة حتى يكون [عليه] الطعام. * * - قوله: ﴿كَانَ مِزَاجُهَا زَنجَبِيلاً﴾. أي: كان مزاج شراب الكأس زنجبيلاً. قال قتادة: "تمزج بالزنجبيل". وقال (قتادة في رواية ابن جبير عنه): الزنجبيل: اسم للعين يشرب منها المقربون صرفاً، وتمزج لسائر أهل الجنة. والعرب تضرب المثل بالخمر إذا مزجته بالزنجبيل، وكانوا يستطيبون ذلك. فخوطبوا على ما يعرفون. هذا يدل على قول قتادة الأول. * * - وقوله: ﴿عَيْناً فِيهَا تُسَمَّىٰ سَلْسَبِيلاً﴾. ﴿عَيْناً﴾ منتصبة على ما انتصب ﴿عَيْناً﴾ (الأول). (قال) قتادة: معنى ﴿سَلْسَبِيلاً﴾. "سلسة يصرفونها حيث شاءوا". وقال مجاهد: ﴿سَلْسَبِيلاً﴾ أي "[سلسة] الجرية". وقيل: هو اسم للعين، ويلزم من قال هذا ألا يصرفه. قال النحاس: هي فعلليل من [السلاسة]. وهذا غلط، لأنه كان يجب أن يقال: [سلسليل]، ولا يكون فيه [باء]. [و] حكى سيبويه أن نظيره قفشليل. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ﴾. "أي: لا يموتون". وقيل: معناه مسورون. وقيل: مقرطون، وذلك بلغة حِمْيَر. يعني بذلك أنهم شباب لا يتغيرون عن ذلك السِن. تقول العرب للرجل إذا كبر وثبت سواد شعره إنه لَمُخْلِدٌ، وكذلك إذا كَبِرَ [وثبتت] أضراسه، يراد به أنه [لثابت] الحال. * * - ثم قال تعالى: ﴿إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤاً مَّنثُوراً﴾. أي: إذا رأيت - يا محمد - هؤلاء الولدان، ظننتهم في حسنهم ونقاء بياض وجوههم [وكثرتهم] لؤلؤاً منثوراً ومجتمعاً. قال قتادة: ﴿لُؤْلُؤاً مَّنثُوراً﴾ يعني من [كثرتهم] وحسنهم. قال [ابن عمرو]: ما من أهل الجنة من أحد إلا يسعى عليه ألف غلام، وكل غلام على عمل ما عليه صاحبه. قال سفيان: ﴿حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤاً مَّنثُوراً﴾ قال: "في كثرة اللؤلؤ وفي بياض اللؤلؤ". وروى جابر بن عبد الله أن النبي ﷺ قال: "إنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ يَأْكُلُونَ وَيَشْرَبُونَ وَلاَ يَبُولُونَ وَلاَ [يَتَغَوَّطُونَ] وَلاَ يَمْتَخِطُونَ، [يَصِيرُ] طَعَامُهُم وشَرَابُهُم [جُشَاءً]، وَرَشْحَ مِسِكٍ، يُلْهَمُونَ التَّسْبِيحَ والحَمْدَ كَمَا تُلْهَمُونَ النَّفْسَ ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيماً﴾. أي: وإذا رأيت - يا محمد - ما ثم رأيت نعيماً. وأكثر البصريين على أن ﴿ثَمَّ﴾ نصبه على الظرف، ولم يُعَدَّ ﴿رَأَيْتَ﴾، كما تقول: ظننت في الدار" فلا تعدي "ظننت". وقال الأخفش: ﴿ثَمَّ﴾ مفعول بها، و ﴿رَأَيْتَ﴾ بمعنى نظرت، و ﴿ثَمَّ﴾ إشارة إلى الجنة. * * - وقوله: ﴿وَمُلْكاً كَبِيراً﴾. أي: (و) رأيت مع النعيم ملكاً عظيماً. روي: أَنَّ أَدْنَى أَهْلِ الجَنَّةِ مَنْزِلَةً مَنْ يَنْظُرُ فِي مُلْكِهِ في مَسِيرَةِ أَلْفِ عَامٍ، يَرَى أَقْصَاهُ كَمَا يَرَى أَدْنَاهُ. وقيل: الملك الكبير هنا عني به تسليم الملائكة عليهم واستئذانهم عليهم. قاله مجاهد وسفيان. روى ابن عمر أن النبي ﷺ قال: "إِنَّ أَدْنَى أَهْلِ الجَنَّةِ مَنْزِلَةً لَيَنْظُرُ فِي مُلْكِهِ أَلْفَيْ عَامٍ، يَنْظُرُ أَزْوَاجَهِ وَسُرُرَهُ وَخَدَمَهُ، وَإِنَّ أَفْضَلَهُمْ مَنْزِلَةً لَيَنْظُرُ فِي وَجْهِ رَبِّهِ - جَلَّ وَعَزَّ - فِي كُلِّ يَوْمٍ مَرَّتَيْنِ قال أحمد بن ثعلبة عن أبيه أنه (قال) في قوله تعالى: ﴿وَمُلْكاً كَبِيراً﴾ هو أ[ن] (رسول) رب العزة يأتيه بالتُّكف واللُطْفِ فلا يصل إليه إلا بحجاب، ومن داره إلى دار السلام باب يدخل منه على ربه إذا شاء بلا إذن، فذلك (الملك) الكبير. وقال الفزاري: لكل مؤمن في الجنة أربعة أبواب، باب يدخل عليه منه زواره من الملائكة، وباب تدخل عليه (منه) أزواجه الحور، وباب مقفل بينه وبين أهل النار يفتحه إذا شاء ينظر إليهم فتعظم النعمة عليه، وباب بينه وبين دار السلام يدخل على ربه إذا شاء. قال كعب: من الجنة إلى النار كِوَاءٌ يتطلع منها رجال من (أهل) الجنة إلى رجال من أهل النار ينظرون إلى عذابهم. ثم قرأ كعب: ﴿فَٱطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَآءِ ٱلْجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٥٥] أي: في وسطها. * * - ثم قال تعالى: ﴿عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُندُسٍ [خُضْرٌ] وَإِسْتَبْرَقٌ﴾. من أسكن الياء في ﴿عَالِيَهُمْ﴾ جعله مرفوعاً بالابتداء، وما بعده خَبَرُه، وشَاهِدُهُ أن في قراءة ابن مسعود "عَالِيَتُهُمْ ثياب". ومن فتح الياء جعله ظرفاً خبرَ (ابتداءٍ) مُقَدَّمٍ، وهو "ثِيَابٌ". وشَاهِدُهُ أن [مجاهداً] قرأ "عَلَيْهِمْ ثِيَابُ". والسندس: رقيق الديباج، والاستبرق: غليظه. فالمعنى: أن الثياب الخضر تعلو ثياب أهل الجنة. هذا على قراءة من رفع الخضر وخفض السندس. وقيل: معناه أن الثياب الخضر فوق حجالهم لا عليهم. قال الطبري: ﴿عَالِيَهُمْ﴾ أي: "فوقهم، يعني: فوق هؤلاء الأبرار ثياب سندس". هذا كله على قراءة من فتح الياء. ومن أسكنها فمعناه: ظاهرهم ثياب سندس. وقرأ ابن محيصن: "وَاسْتَبْرَقَ" بوصل الألف وفتح القاف. وهو لحن عند النحوين، لأنه لا يمتنع مثل هذا من الصرف في النكرة. ولأنه لا توصل ألف مثل هذا (في التسمية به)، لو سميت بِـ "اسْتَكْبَرَ" لقطعت الألف، لانتقاله من الأفعال إلى الأسماء. هذا قول الخليل وسيبويه. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَحُلُّوۤاْ أَسَاوِرَ مِن فِضَّةٍ﴾. أي: وحلاهم ربهم أساور من فضة، وهو جمع أسورة. * * - ثم قال: ﴿وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَاباً طَهُوراً﴾. أي: شراباً يصير رشْحاً في أبدانهم (كرشح المسك)، لا يصير بولاً نجساً كشراب الدنيا. قال النخعي: "إن الرجل من أهل الجنة (يُقْسَمُ له شهوة مائة رجل من أهل الدنيا) وأكلهم ونعمتهم، فإذا أكل سقي شراباً طهوراً فيصير رشحاً يخرج من جلده أطيب من المسك الأذفر، ثم تعود شهوته". * * - ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ هَـٰذَا كَانَ لَكُمْ جَزَآءً وَكَانَ سَعْيُكُم مَّشْكُوراً﴾. أي: يقال لهم: إن هذا النعيم الذي ذكر في الجنة كان لكم جزاء على أعمالكم في الدنيا وطاعتكم. وإن عملكم متقبلاً. قال قتادة: "غفر لهم الذنوب، وشكر لهم الحسن". وقال مرة أخرى: "لقد شكر سعياً قليلاً".

الإنسان 76:15

[قوله تعالى]: ﴿وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلاَلُهَا﴾ إلى قوله: ﴿مَّشْكُوراً﴾. أي: وقربت منهم ظلالها. وانتصب ﴿دَانِيَةً﴾ على العطف على ﴿جَنَّةً﴾. والتقدير: وجزاهم جنة دانية. ويجوز أن يكون [حالاً عطفاً] على ﴿مُّتَّكِئِينَ﴾ أو على ﴿(لاَ) يَرَوْنَ﴾، ويجوز أن يكون صفة للجنة. ويجوز أن يكون على المدح مثل: ﴿[وَٱلْمُقِيمِي] ٱلصَّلاَةِ﴾ [الحج: ٣٥] فهو - [و] إن كان نكرة - فإنه يشبه المعرفة، إذ قال طال الكلام به. وقرأ ابن مسعود: ﴿وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ﴾، حَمَلَهُ على تذكير الجمع وهو ظلالها. وفي قراءة أُبَيّ (ودانٍ)، على أنه [في] موضع رفع مثل: قَاضٍ المرفوع. حمله [على] أنه خبر ﴿ظِلاَلُهَا﴾ مقدم. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلاً﴾. قال مجاهد: معناه: إن قام ارتفعت بقدرة (الله)، (فإن) قعد تذللت حتى ينالها، وإن [اضطجع] تذللت حتى ينالها. وقال قتادة: معناه "لا يَرُدُّ أيديهم عنها [بعد] ولا شوك". قال سفيان: ﴿وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا﴾ قال: "يتناوله كيف شاء، جالساً ومتكئاً". قال مجاهد: أرض الجنة وَرِقً، وتُرْبُهَا مسك، وأصول شجرها ذهب، ووَرَق أفنانها لؤلؤ وزبرجد وياقوت، والثمر تحته. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلاً﴾. "ويقال: "المذلل الذي قد ذللـه الماء أي أرواه". "ويقال: المذلل الذي [يُفَيِّئُهُ] [أدنى] ريح". "ويقال: المذلل: المسوى". وأهل الحجاز يقولون: [ذلل] نَخْلَكَ. أي: سوه. ويقال: المُذَلَّلُ: القريب المُتَنَاوَل. من قولهم: [دابة] ذليلُ "أي: قصيرة. هذه أقول أهل اللغة. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِّن فِضَّةٍ﴾. أي: ويطاف على هؤلاء الأبرار في الجنة بآنية في بياض الفضة وصفاء القوارير. قال مجاهد: فيها رقة القوارير في بياض الفضة. وهو قول قتادة. * * - وقوله: ﴿وَأَكْوابٍ﴾. أي: "ويطاف عليهم مع الأواني بجرار ضخام فيها الشراب. وكل جرة ضخمة لا عروة لها [فهي] كوب". وقال مجاهد: الكوب: [الكوز] الذي لا عروة له. وهو قول أكثر المفسرين. وقال قتادة: هو القِدْحُ. * * - وقوله: ﴿كَانَتْ قَوَارِيرَاْ * قَوَارِيرَاْ﴾. [أي]: كانت هذه الأواني والأكواب قوارير فحولها الله فضة. وقيل: إن قوله: ﴿وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِّن فِضَّةٍ﴾ يدل على أن أرض الجنة من فضة. لأن المعلوم في الدنيا المتعارف أن كل آنية (تتخذ) فإنما تتخذ من تربة الأرض التي [هي] فيها، فدل على أن أرض الجنة من فضة بقوله: ﴿وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِّن فِضَّةٍ﴾. قال أبو صالح: كان تراب هذه الأواني فضة. * * - وقوله: ﴿قَدَّرُوهَا تَقْدِيراً﴾. أي: قدروا تلك الأواني على قدر [رِيِّهم]، لا تزيد ولا تنقص في ذلك، يعني: [قدرها] الملائكة [الطائفون] بالآنية والأكواب. قال الحسن: "قُدِّرت [لِريِّ] القوم. وهو قول قتادة وابن زيد ومجاهد. وعن ابن عباس أن معناه (وقدروها) على قدر الكف. والمعنى: [قدرها] لهم السقاة الذين يطوفون عليهم بها، فلذلك نسب إليهم. وقيل: معناه: وجدوها كذا، فنسب الفعل إليهم لمناولتهم إياها لهم. وقرأ الشعبي وعبيد بن عمير وابن أبزى: "قُدِّرُوهَا تَقْدِيراً" - بضم القاف - أي: قدرت (عليهم) لا تزيد ولا تنقص. - وقوله تعالى: ﴿وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْساً﴾. أي: ويسقى هؤلاء الأبرار في الجنة شراب (كأس). والكأس: كل إناء فيه شراب. فإذا كان فارغاً من الخمر لم يُقَلْ له كأس، ويقال له قدح. كذلك لا يقال للخِوان: مائدة حتى يكون [عليه] الطعام. * * - قوله: ﴿كَانَ مِزَاجُهَا زَنجَبِيلاً﴾. أي: كان مزاج شراب الكأس زنجبيلاً. قال قتادة: "تمزج بالزنجبيل". وقال (قتادة في رواية ابن جبير عنه): الزنجبيل: اسم للعين يشرب منها المقربون صرفاً، وتمزج لسائر أهل الجنة. والعرب تضرب المثل بالخمر إذا مزجته بالزنجبيل، وكانوا يستطيبون ذلك. فخوطبوا على ما يعرفون. هذا يدل على قول قتادة الأول. * * - وقوله: ﴿عَيْناً فِيهَا تُسَمَّىٰ سَلْسَبِيلاً﴾. ﴿عَيْناً﴾ منتصبة على ما انتصب ﴿عَيْناً﴾ (الأول). (قال) قتادة: معنى ﴿سَلْسَبِيلاً﴾. "سلسة يصرفونها حيث شاءوا". وقال مجاهد: ﴿سَلْسَبِيلاً﴾ أي "[سلسة] الجرية". وقيل: هو اسم للعين، ويلزم من قال هذا ألا يصرفه. قال النحاس: هي فعلليل من [السلاسة]. وهذا غلط، لأنه كان يجب أن يقال: [سلسليل]، ولا يكون فيه [باء]. [و] حكى سيبويه أن نظيره قفشليل. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ﴾. "أي: لا يموتون". وقيل: معناه مسورون. وقيل: مقرطون، وذلك بلغة حِمْيَر. يعني بذلك أنهم شباب لا يتغيرون عن ذلك السِن. تقول العرب للرجل إذا كبر وثبت سواد شعره إنه لَمُخْلِدٌ، وكذلك إذا كَبِرَ [وثبتت] أضراسه، يراد به أنه [لثابت] الحال. * * - ثم قال تعالى: ﴿إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤاً مَّنثُوراً﴾. أي: إذا رأيت - يا محمد - هؤلاء الولدان، ظننتهم في حسنهم ونقاء بياض وجوههم [وكثرتهم] لؤلؤاً منثوراً ومجتمعاً. قال قتادة: ﴿لُؤْلُؤاً مَّنثُوراً﴾ يعني من [كثرتهم] وحسنهم. قال [ابن عمرو]: ما من أهل الجنة من أحد إلا يسعى عليه ألف غلام، وكل غلام على عمل ما عليه صاحبه. قال سفيان: ﴿حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤاً مَّنثُوراً﴾ قال: "في كثرة اللؤلؤ وفي بياض اللؤلؤ". وروى جابر بن عبد الله أن النبي ﷺ قال: "إنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ يَأْكُلُونَ وَيَشْرَبُونَ وَلاَ يَبُولُونَ وَلاَ [يَتَغَوَّطُونَ] وَلاَ يَمْتَخِطُونَ، [يَصِيرُ] طَعَامُهُم وشَرَابُهُم [جُشَاءً]، وَرَشْحَ مِسِكٍ، يُلْهَمُونَ التَّسْبِيحَ والحَمْدَ كَمَا تُلْهَمُونَ النَّفْسَ ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيماً﴾. أي: وإذا رأيت - يا محمد - ما ثم رأيت نعيماً. وأكثر البصريين على أن ﴿ثَمَّ﴾ نصبه على الظرف، ولم يُعَدَّ ﴿رَأَيْتَ﴾، كما تقول: ظننت في الدار" فلا تعدي "ظننت". وقال الأخفش: ﴿ثَمَّ﴾ مفعول بها، و ﴿رَأَيْتَ﴾ بمعنى نظرت، و ﴿ثَمَّ﴾ إشارة إلى الجنة. * * - وقوله: ﴿وَمُلْكاً كَبِيراً﴾. أي: (و) رأيت مع النعيم ملكاً عظيماً. روي: أَنَّ أَدْنَى أَهْلِ الجَنَّةِ مَنْزِلَةً مَنْ يَنْظُرُ فِي مُلْكِهِ في مَسِيرَةِ أَلْفِ عَامٍ، يَرَى أَقْصَاهُ كَمَا يَرَى أَدْنَاهُ. وقيل: الملك الكبير هنا عني به تسليم الملائكة عليهم واستئذانهم عليهم. قاله مجاهد وسفيان. روى ابن عمر أن النبي ﷺ قال: "إِنَّ أَدْنَى أَهْلِ الجَنَّةِ مَنْزِلَةً لَيَنْظُرُ فِي مُلْكِهِ أَلْفَيْ عَامٍ، يَنْظُرُ أَزْوَاجَهِ وَسُرُرَهُ وَخَدَمَهُ، وَإِنَّ أَفْضَلَهُمْ مَنْزِلَةً لَيَنْظُرُ فِي وَجْهِ رَبِّهِ - جَلَّ وَعَزَّ - فِي كُلِّ يَوْمٍ مَرَّتَيْنِ قال أحمد بن ثعلبة عن أبيه أنه (قال) في قوله تعالى: ﴿وَمُلْكاً كَبِيراً﴾ هو أ[ن] (رسول) رب العزة يأتيه بالتُّكف واللُطْفِ فلا يصل إليه إلا بحجاب، ومن داره إلى دار السلام باب يدخل منه على ربه إذا شاء بلا إذن، فذلك (الملك) الكبير. وقال الفزاري: لكل مؤمن في الجنة أربعة أبواب، باب يدخل عليه منه زواره من الملائكة، وباب تدخل عليه (منه) أزواجه الحور، وباب مقفل بينه وبين أهل النار يفتحه إذا شاء ينظر إليهم فتعظم النعمة عليه، وباب بينه وبين دار السلام يدخل على ربه إذا شاء. قال كعب: من الجنة إلى النار كِوَاءٌ يتطلع منها رجال من (أهل) الجنة إلى رجال من أهل النار ينظرون إلى عذابهم. ثم قرأ كعب: ﴿فَٱطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَآءِ ٱلْجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٥٥] أي: في وسطها. * * - ثم قال تعالى: ﴿عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُندُسٍ [خُضْرٌ] وَإِسْتَبْرَقٌ﴾. من أسكن الياء في ﴿عَالِيَهُمْ﴾ جعله مرفوعاً بالابتداء، وما بعده خَبَرُه، وشَاهِدُهُ أن في قراءة ابن مسعود "عَالِيَتُهُمْ ثياب". ومن فتح الياء جعله ظرفاً خبرَ (ابتداءٍ) مُقَدَّمٍ، وهو "ثِيَابٌ". وشَاهِدُهُ أن [مجاهداً] قرأ "عَلَيْهِمْ ثِيَابُ". والسندس: رقيق الديباج، والاستبرق: غليظه. فالمعنى: أن الثياب الخضر تعلو ثياب أهل الجنة. هذا على قراءة من رفع الخضر وخفض السندس. وقيل: معناه أن الثياب الخضر فوق حجالهم لا عليهم. قال الطبري: ﴿عَالِيَهُمْ﴾ أي: "فوقهم، يعني: فوق هؤلاء الأبرار ثياب سندس". هذا كله على قراءة من فتح الياء. ومن أسكنها فمعناه: ظاهرهم ثياب سندس. وقرأ ابن محيصن: "وَاسْتَبْرَقَ" بوصل الألف وفتح القاف. وهو لحن عند النحوين، لأنه لا يمتنع مثل هذا من الصرف في النكرة. ولأنه لا توصل ألف مثل هذا (في التسمية به)، لو سميت بِـ "اسْتَكْبَرَ" لقطعت الألف، لانتقاله من الأفعال إلى الأسماء. هذا قول الخليل وسيبويه. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَحُلُّوۤاْ أَسَاوِرَ مِن فِضَّةٍ﴾. أي: وحلاهم ربهم أساور من فضة، وهو جمع أسورة. * * - ثم قال: ﴿وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَاباً طَهُوراً﴾. أي: شراباً يصير رشْحاً في أبدانهم (كرشح المسك)، لا يصير بولاً نجساً كشراب الدنيا. قال النخعي: "إن الرجل من أهل الجنة (يُقْسَمُ له شهوة مائة رجل من أهل الدنيا) وأكلهم ونعمتهم، فإذا أكل سقي شراباً طهوراً فيصير رشحاً يخرج من جلده أطيب من المسك الأذفر، ثم تعود شهوته". * * - ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ هَـٰذَا كَانَ لَكُمْ جَزَآءً وَكَانَ سَعْيُكُم مَّشْكُوراً﴾. أي: يقال لهم: إن هذا النعيم الذي ذكر في الجنة كان لكم جزاء على أعمالكم في الدنيا وطاعتكم. وإن عملكم متقبلاً. قال قتادة: "غفر لهم الذنوب، وشكر لهم الحسن". وقال مرة أخرى: "لقد شكر سعياً قليلاً".

الإنسان 76:16

[قوله تعالى]: ﴿وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلاَلُهَا﴾ إلى قوله: ﴿مَّشْكُوراً﴾. أي: وقربت منهم ظلالها. وانتصب ﴿دَانِيَةً﴾ على العطف على ﴿جَنَّةً﴾. والتقدير: وجزاهم جنة دانية. ويجوز أن يكون [حالاً عطفاً] على ﴿مُّتَّكِئِينَ﴾ أو على ﴿(لاَ) يَرَوْنَ﴾، ويجوز أن يكون صفة للجنة. ويجوز أن يكون على المدح مثل: ﴿[وَٱلْمُقِيمِي] ٱلصَّلاَةِ﴾ [الحج: ٣٥] فهو - [و] إن كان نكرة - فإنه يشبه المعرفة، إذ قال طال الكلام به. وقرأ ابن مسعود: ﴿وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ﴾، حَمَلَهُ على تذكير الجمع وهو ظلالها. وفي قراءة أُبَيّ (ودانٍ)، على أنه [في] موضع رفع مثل: قَاضٍ المرفوع. حمله [على] أنه خبر ﴿ظِلاَلُهَا﴾ مقدم. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلاً﴾. قال مجاهد: معناه: إن قام ارتفعت بقدرة (الله)، (فإن) قعد تذللت حتى ينالها، وإن [اضطجع] تذللت حتى ينالها. وقال قتادة: معناه "لا يَرُدُّ أيديهم عنها [بعد] ولا شوك". قال سفيان: ﴿وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا﴾ قال: "يتناوله كيف شاء، جالساً ومتكئاً". قال مجاهد: أرض الجنة وَرِقً، وتُرْبُهَا مسك، وأصول شجرها ذهب، ووَرَق أفنانها لؤلؤ وزبرجد وياقوت، والثمر تحته. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلاً﴾. "ويقال: "المذلل الذي قد ذللـه الماء أي أرواه". "ويقال: المذلل الذي [يُفَيِّئُهُ] [أدنى] ريح". "ويقال: المذلل: المسوى". وأهل الحجاز يقولون: [ذلل] نَخْلَكَ. أي: سوه. ويقال: المُذَلَّلُ: القريب المُتَنَاوَل. من قولهم: [دابة] ذليلُ "أي: قصيرة. هذه أقول أهل اللغة. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِّن فِضَّةٍ﴾. أي: ويطاف على هؤلاء الأبرار في الجنة بآنية في بياض الفضة وصفاء القوارير. قال مجاهد: فيها رقة القوارير في بياض الفضة. وهو قول قتادة. * * - وقوله: ﴿وَأَكْوابٍ﴾. أي: "ويطاف عليهم مع الأواني بجرار ضخام فيها الشراب. وكل جرة ضخمة لا عروة لها [فهي] كوب". وقال مجاهد: الكوب: [الكوز] الذي لا عروة له. وهو قول أكثر المفسرين. وقال قتادة: هو القِدْحُ. * * - وقوله: ﴿كَانَتْ قَوَارِيرَاْ * قَوَارِيرَاْ﴾. [أي]: كانت هذه الأواني والأكواب قوارير فحولها الله فضة. وقيل: إن قوله: ﴿وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِّن فِضَّةٍ﴾ يدل على أن أرض الجنة من فضة. لأن المعلوم في الدنيا المتعارف أن كل آنية (تتخذ) فإنما تتخذ من تربة الأرض التي [هي] فيها، فدل على أن أرض الجنة من فضة بقوله: ﴿وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِّن فِضَّةٍ﴾. قال أبو صالح: كان تراب هذه الأواني فضة. * * - وقوله: ﴿قَدَّرُوهَا تَقْدِيراً﴾. أي: قدروا تلك الأواني على قدر [رِيِّهم]، لا تزيد ولا تنقص في ذلك، يعني: [قدرها] الملائكة [الطائفون] بالآنية والأكواب. قال الحسن: "قُدِّرت [لِريِّ] القوم. وهو قول قتادة وابن زيد ومجاهد. وعن ابن عباس أن معناه (وقدروها) على قدر الكف. والمعنى: [قدرها] لهم السقاة الذين يطوفون عليهم بها، فلذلك نسب إليهم. وقيل: معناه: وجدوها كذا، فنسب الفعل إليهم لمناولتهم إياها لهم. وقرأ الشعبي وعبيد بن عمير وابن أبزى: "قُدِّرُوهَا تَقْدِيراً" - بضم القاف - أي: قدرت (عليهم) لا تزيد ولا تنقص. - وقوله تعالى: ﴿وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْساً﴾. أي: ويسقى هؤلاء الأبرار في الجنة شراب (كأس). والكأس: كل إناء فيه شراب. فإذا كان فارغاً من الخمر لم يُقَلْ له كأس، ويقال له قدح. كذلك لا يقال للخِوان: مائدة حتى يكون [عليه] الطعام. * * - قوله: ﴿كَانَ مِزَاجُهَا زَنجَبِيلاً﴾. أي: كان مزاج شراب الكأس زنجبيلاً. قال قتادة: "تمزج بالزنجبيل". وقال (قتادة في رواية ابن جبير عنه): الزنجبيل: اسم للعين يشرب منها المقربون صرفاً، وتمزج لسائر أهل الجنة. والعرب تضرب المثل بالخمر إذا مزجته بالزنجبيل، وكانوا يستطيبون ذلك. فخوطبوا على ما يعرفون. هذا يدل على قول قتادة الأول. * * - وقوله: ﴿عَيْناً فِيهَا تُسَمَّىٰ سَلْسَبِيلاً﴾. ﴿عَيْناً﴾ منتصبة على ما انتصب ﴿عَيْناً﴾ (الأول). (قال) قتادة: معنى ﴿سَلْسَبِيلاً﴾. "سلسة يصرفونها حيث شاءوا". وقال مجاهد: ﴿سَلْسَبِيلاً﴾ أي "[سلسة] الجرية". وقيل: هو اسم للعين، ويلزم من قال هذا ألا يصرفه. قال النحاس: هي فعلليل من [السلاسة]. وهذا غلط، لأنه كان يجب أن يقال: [سلسليل]، ولا يكون فيه [باء]. [و] حكى سيبويه أن نظيره قفشليل. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ﴾. "أي: لا يموتون". وقيل: معناه مسورون. وقيل: مقرطون، وذلك بلغة حِمْيَر. يعني بذلك أنهم شباب لا يتغيرون عن ذلك السِن. تقول العرب للرجل إذا كبر وثبت سواد شعره إنه لَمُخْلِدٌ، وكذلك إذا كَبِرَ [وثبتت] أضراسه، يراد به أنه [لثابت] الحال. * * - ثم قال تعالى: ﴿إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤاً مَّنثُوراً﴾. أي: إذا رأيت - يا محمد - هؤلاء الولدان، ظننتهم في حسنهم ونقاء بياض وجوههم [وكثرتهم] لؤلؤاً منثوراً ومجتمعاً. قال قتادة: ﴿لُؤْلُؤاً مَّنثُوراً﴾ يعني من [كثرتهم] وحسنهم. قال [ابن عمرو]: ما من أهل الجنة من أحد إلا يسعى عليه ألف غلام، وكل غلام على عمل ما عليه صاحبه. قال سفيان: ﴿حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤاً مَّنثُوراً﴾ قال: "في كثرة اللؤلؤ وفي بياض اللؤلؤ". وروى جابر بن عبد الله أن النبي ﷺ قال: "إنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ يَأْكُلُونَ وَيَشْرَبُونَ وَلاَ يَبُولُونَ وَلاَ [يَتَغَوَّطُونَ] وَلاَ يَمْتَخِطُونَ، [يَصِيرُ] طَعَامُهُم وشَرَابُهُم [جُشَاءً]، وَرَشْحَ مِسِكٍ، يُلْهَمُونَ التَّسْبِيحَ والحَمْدَ كَمَا تُلْهَمُونَ النَّفْسَ ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيماً﴾. أي: وإذا رأيت - يا محمد - ما ثم رأيت نعيماً. وأكثر البصريين على أن ﴿ثَمَّ﴾ نصبه على الظرف، ولم يُعَدَّ ﴿رَأَيْتَ﴾، كما تقول: ظننت في الدار" فلا تعدي "ظننت". وقال الأخفش: ﴿ثَمَّ﴾ مفعول بها، و ﴿رَأَيْتَ﴾ بمعنى نظرت، و ﴿ثَمَّ﴾ إشارة إلى الجنة. * * - وقوله: ﴿وَمُلْكاً كَبِيراً﴾. أي: (و) رأيت مع النعيم ملكاً عظيماً. روي: أَنَّ أَدْنَى أَهْلِ الجَنَّةِ مَنْزِلَةً مَنْ يَنْظُرُ فِي مُلْكِهِ في مَسِيرَةِ أَلْفِ عَامٍ، يَرَى أَقْصَاهُ كَمَا يَرَى أَدْنَاهُ. وقيل: الملك الكبير هنا عني به تسليم الملائكة عليهم واستئذانهم عليهم. قاله مجاهد وسفيان. روى ابن عمر أن النبي ﷺ قال: "إِنَّ أَدْنَى أَهْلِ الجَنَّةِ مَنْزِلَةً لَيَنْظُرُ فِي مُلْكِهِ أَلْفَيْ عَامٍ، يَنْظُرُ أَزْوَاجَهِ وَسُرُرَهُ وَخَدَمَهُ، وَإِنَّ أَفْضَلَهُمْ مَنْزِلَةً لَيَنْظُرُ فِي وَجْهِ رَبِّهِ - جَلَّ وَعَزَّ - فِي كُلِّ يَوْمٍ مَرَّتَيْنِ قال أحمد بن ثعلبة عن أبيه أنه (قال) في قوله تعالى: ﴿وَمُلْكاً كَبِيراً﴾ هو أ[ن] (رسول) رب العزة يأتيه بالتُّكف واللُطْفِ فلا يصل إليه إلا بحجاب، ومن داره إلى دار السلام باب يدخل منه على ربه إذا شاء بلا إذن، فذلك (الملك) الكبير. وقال الفزاري: لكل مؤمن في الجنة أربعة أبواب، باب يدخل عليه منه زواره من الملائكة، وباب تدخل عليه (منه) أزواجه الحور، وباب مقفل بينه وبين أهل النار يفتحه إذا شاء ينظر إليهم فتعظم النعمة عليه، وباب بينه وبين دار السلام يدخل على ربه إذا شاء. قال كعب: من الجنة إلى النار كِوَاءٌ يتطلع منها رجال من (أهل) الجنة إلى رجال من أهل النار ينظرون إلى عذابهم. ثم قرأ كعب: ﴿فَٱطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَآءِ ٱلْجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٥٥] أي: في وسطها. * * - ثم قال تعالى: ﴿عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُندُسٍ [خُضْرٌ] وَإِسْتَبْرَقٌ﴾. من أسكن الياء في ﴿عَالِيَهُمْ﴾ جعله مرفوعاً بالابتداء، وما بعده خَبَرُه، وشَاهِدُهُ أن في قراءة ابن مسعود "عَالِيَتُهُمْ ثياب". ومن فتح الياء جعله ظرفاً خبرَ (ابتداءٍ) مُقَدَّمٍ، وهو "ثِيَابٌ". وشَاهِدُهُ أن [مجاهداً] قرأ "عَلَيْهِمْ ثِيَابُ". والسندس: رقيق الديباج، والاستبرق: غليظه. فالمعنى: أن الثياب الخضر تعلو ثياب أهل الجنة. هذا على قراءة من رفع الخضر وخفض السندس. وقيل: معناه أن الثياب الخضر فوق حجالهم لا عليهم. قال الطبري: ﴿عَالِيَهُمْ﴾ أي: "فوقهم، يعني: فوق هؤلاء الأبرار ثياب سندس". هذا كله على قراءة من فتح الياء. ومن أسكنها فمعناه: ظاهرهم ثياب سندس. وقرأ ابن محيصن: "وَاسْتَبْرَقَ" بوصل الألف وفتح القاف. وهو لحن عند النحوين، لأنه لا يمتنع مثل هذا من الصرف في النكرة. ولأنه لا توصل ألف مثل هذا (في التسمية به)، لو سميت بِـ "اسْتَكْبَرَ" لقطعت الألف، لانتقاله من الأفعال إلى الأسماء. هذا قول الخليل وسيبويه. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَحُلُّوۤاْ أَسَاوِرَ مِن فِضَّةٍ﴾. أي: وحلاهم ربهم أساور من فضة، وهو جمع أسورة. * * - ثم قال: ﴿وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَاباً طَهُوراً﴾. أي: شراباً يصير رشْحاً في أبدانهم (كرشح المسك)، لا يصير بولاً نجساً كشراب الدنيا. قال النخعي: "إن الرجل من أهل الجنة (يُقْسَمُ له شهوة مائة رجل من أهل الدنيا) وأكلهم ونعمتهم، فإذا أكل سقي شراباً طهوراً فيصير رشحاً يخرج من جلده أطيب من المسك الأذفر، ثم تعود شهوته". * * - ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ هَـٰذَا كَانَ لَكُمْ جَزَآءً وَكَانَ سَعْيُكُم مَّشْكُوراً﴾. أي: يقال لهم: إن هذا النعيم الذي ذكر في الجنة كان لكم جزاء على أعمالكم في الدنيا وطاعتكم. وإن عملكم متقبلاً. قال قتادة: "غفر لهم الذنوب، وشكر لهم الحسن". وقال مرة أخرى: "لقد شكر سعياً قليلاً".

الإنسان 76:17

[قوله تعالى]: ﴿وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلاَلُهَا﴾ إلى قوله: ﴿مَّشْكُوراً﴾. أي: وقربت منهم ظلالها. وانتصب ﴿دَانِيَةً﴾ على العطف على ﴿جَنَّةً﴾. والتقدير: وجزاهم جنة دانية. ويجوز أن يكون [حالاً عطفاً] على ﴿مُّتَّكِئِينَ﴾ أو على ﴿(لاَ) يَرَوْنَ﴾، ويجوز أن يكون صفة للجنة. ويجوز أن يكون على المدح مثل: ﴿[وَٱلْمُقِيمِي] ٱلصَّلاَةِ﴾ [الحج: ٣٥] فهو - [و] إن كان نكرة - فإنه يشبه المعرفة، إذ قال طال الكلام به. وقرأ ابن مسعود: ﴿وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ﴾، حَمَلَهُ على تذكير الجمع وهو ظلالها. وفي قراءة أُبَيّ (ودانٍ)، على أنه [في] موضع رفع مثل: قَاضٍ المرفوع. حمله [على] أنه خبر ﴿ظِلاَلُهَا﴾ مقدم. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلاً﴾. قال مجاهد: معناه: إن قام ارتفعت بقدرة (الله)، (فإن) قعد تذللت حتى ينالها، وإن [اضطجع] تذللت حتى ينالها. وقال قتادة: معناه "لا يَرُدُّ أيديهم عنها [بعد] ولا شوك". قال سفيان: ﴿وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا﴾ قال: "يتناوله كيف شاء، جالساً ومتكئاً". قال مجاهد: أرض الجنة وَرِقً، وتُرْبُهَا مسك، وأصول شجرها ذهب، ووَرَق أفنانها لؤلؤ وزبرجد وياقوت، والثمر تحته. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلاً﴾. "ويقال: "المذلل الذي قد ذللـه الماء أي أرواه". "ويقال: المذلل الذي [يُفَيِّئُهُ] [أدنى] ريح". "ويقال: المذلل: المسوى". وأهل الحجاز يقولون: [ذلل] نَخْلَكَ. أي: سوه. ويقال: المُذَلَّلُ: القريب المُتَنَاوَل. من قولهم: [دابة] ذليلُ "أي: قصيرة. هذه أقول أهل اللغة. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِّن فِضَّةٍ﴾. أي: ويطاف على هؤلاء الأبرار في الجنة بآنية في بياض الفضة وصفاء القوارير. قال مجاهد: فيها رقة القوارير في بياض الفضة. وهو قول قتادة. * * - وقوله: ﴿وَأَكْوابٍ﴾. أي: "ويطاف عليهم مع الأواني بجرار ضخام فيها الشراب. وكل جرة ضخمة لا عروة لها [فهي] كوب". وقال مجاهد: الكوب: [الكوز] الذي لا عروة له. وهو قول أكثر المفسرين. وقال قتادة: هو القِدْحُ. * * - وقوله: ﴿كَانَتْ قَوَارِيرَاْ * قَوَارِيرَاْ﴾. [أي]: كانت هذه الأواني والأكواب قوارير فحولها الله فضة. وقيل: إن قوله: ﴿وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِّن فِضَّةٍ﴾ يدل على أن أرض الجنة من فضة. لأن المعلوم في الدنيا المتعارف أن كل آنية (تتخذ) فإنما تتخذ من تربة الأرض التي [هي] فيها، فدل على أن أرض الجنة من فضة بقوله: ﴿وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِّن فِضَّةٍ﴾. قال أبو صالح: كان تراب هذه الأواني فضة. * * - وقوله: ﴿قَدَّرُوهَا تَقْدِيراً﴾. أي: قدروا تلك الأواني على قدر [رِيِّهم]، لا تزيد ولا تنقص في ذلك، يعني: [قدرها] الملائكة [الطائفون] بالآنية والأكواب. قال الحسن: "قُدِّرت [لِريِّ] القوم. وهو قول قتادة وابن زيد ومجاهد. وعن ابن عباس أن معناه (وقدروها) على قدر الكف. والمعنى: [قدرها] لهم السقاة الذين يطوفون عليهم بها، فلذلك نسب إليهم. وقيل: معناه: وجدوها كذا، فنسب الفعل إليهم لمناولتهم إياها لهم. وقرأ الشعبي وعبيد بن عمير وابن أبزى: "قُدِّرُوهَا تَقْدِيراً" - بضم القاف - أي: قدرت (عليهم) لا تزيد ولا تنقص. - وقوله تعالى: ﴿وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْساً﴾. أي: ويسقى هؤلاء الأبرار في الجنة شراب (كأس). والكأس: كل إناء فيه شراب. فإذا كان فارغاً من الخمر لم يُقَلْ له كأس، ويقال له قدح. كذلك لا يقال للخِوان: مائدة حتى يكون [عليه] الطعام. * * - قوله: ﴿كَانَ مِزَاجُهَا زَنجَبِيلاً﴾. أي: كان مزاج شراب الكأس زنجبيلاً. قال قتادة: "تمزج بالزنجبيل". وقال (قتادة في رواية ابن جبير عنه): الزنجبيل: اسم للعين يشرب منها المقربون صرفاً، وتمزج لسائر أهل الجنة. والعرب تضرب المثل بالخمر إذا مزجته بالزنجبيل، وكانوا يستطيبون ذلك. فخوطبوا على ما يعرفون. هذا يدل على قول قتادة الأول. * * - وقوله: ﴿عَيْناً فِيهَا تُسَمَّىٰ سَلْسَبِيلاً﴾. ﴿عَيْناً﴾ منتصبة على ما انتصب ﴿عَيْناً﴾ (الأول). (قال) قتادة: معنى ﴿سَلْسَبِيلاً﴾. "سلسة يصرفونها حيث شاءوا". وقال مجاهد: ﴿سَلْسَبِيلاً﴾ أي "[سلسة] الجرية". وقيل: هو اسم للعين، ويلزم من قال هذا ألا يصرفه. قال النحاس: هي فعلليل من [السلاسة]. وهذا غلط، لأنه كان يجب أن يقال: [سلسليل]، ولا يكون فيه [باء]. [و] حكى سيبويه أن نظيره قفشليل. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ﴾. "أي: لا يموتون". وقيل: معناه مسورون. وقيل: مقرطون، وذلك بلغة حِمْيَر. يعني بذلك أنهم شباب لا يتغيرون عن ذلك السِن. تقول العرب للرجل إذا كبر وثبت سواد شعره إنه لَمُخْلِدٌ، وكذلك إذا كَبِرَ [وثبتت] أضراسه، يراد به أنه [لثابت] الحال. * * - ثم قال تعالى: ﴿إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤاً مَّنثُوراً﴾. أي: إذا رأيت - يا محمد - هؤلاء الولدان، ظننتهم في حسنهم ونقاء بياض وجوههم [وكثرتهم] لؤلؤاً منثوراً ومجتمعاً. قال قتادة: ﴿لُؤْلُؤاً مَّنثُوراً﴾ يعني من [كثرتهم] وحسنهم. قال [ابن عمرو]: ما من أهل الجنة من أحد إلا يسعى عليه ألف غلام، وكل غلام على عمل ما عليه صاحبه. قال سفيان: ﴿حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤاً مَّنثُوراً﴾ قال: "في كثرة اللؤلؤ وفي بياض اللؤلؤ". وروى جابر بن عبد الله أن النبي ﷺ قال: "إنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ يَأْكُلُونَ وَيَشْرَبُونَ وَلاَ يَبُولُونَ وَلاَ [يَتَغَوَّطُونَ] وَلاَ يَمْتَخِطُونَ، [يَصِيرُ] طَعَامُهُم وشَرَابُهُم [جُشَاءً]، وَرَشْحَ مِسِكٍ، يُلْهَمُونَ التَّسْبِيحَ والحَمْدَ كَمَا تُلْهَمُونَ النَّفْسَ ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيماً﴾. أي: وإذا رأيت - يا محمد - ما ثم رأيت نعيماً. وأكثر البصريين على أن ﴿ثَمَّ﴾ نصبه على الظرف، ولم يُعَدَّ ﴿رَأَيْتَ﴾، كما تقول: ظننت في الدار" فلا تعدي "ظننت". وقال الأخفش: ﴿ثَمَّ﴾ مفعول بها، و ﴿رَأَيْتَ﴾ بمعنى نظرت، و ﴿ثَمَّ﴾ إشارة إلى الجنة. * * - وقوله: ﴿وَمُلْكاً كَبِيراً﴾. أي: (و) رأيت مع النعيم ملكاً عظيماً. روي: أَنَّ أَدْنَى أَهْلِ الجَنَّةِ مَنْزِلَةً مَنْ يَنْظُرُ فِي مُلْكِهِ في مَسِيرَةِ أَلْفِ عَامٍ، يَرَى أَقْصَاهُ كَمَا يَرَى أَدْنَاهُ. وقيل: الملك الكبير هنا عني به تسليم الملائكة عليهم واستئذانهم عليهم. قاله مجاهد وسفيان. روى ابن عمر أن النبي ﷺ قال: "إِنَّ أَدْنَى أَهْلِ الجَنَّةِ مَنْزِلَةً لَيَنْظُرُ فِي مُلْكِهِ أَلْفَيْ عَامٍ، يَنْظُرُ أَزْوَاجَهِ وَسُرُرَهُ وَخَدَمَهُ، وَإِنَّ أَفْضَلَهُمْ مَنْزِلَةً لَيَنْظُرُ فِي وَجْهِ رَبِّهِ - جَلَّ وَعَزَّ - فِي كُلِّ يَوْمٍ مَرَّتَيْنِ قال أحمد بن ثعلبة عن أبيه أنه (قال) في قوله تعالى: ﴿وَمُلْكاً كَبِيراً﴾ هو أ[ن] (رسول) رب العزة يأتيه بالتُّكف واللُطْفِ فلا يصل إليه إلا بحجاب، ومن داره إلى دار السلام باب يدخل منه على ربه إذا شاء بلا إذن، فذلك (الملك) الكبير. وقال الفزاري: لكل مؤمن في الجنة أربعة أبواب، باب يدخل عليه منه زواره من الملائكة، وباب تدخل عليه (منه) أزواجه الحور، وباب مقفل بينه وبين أهل النار يفتحه إذا شاء ينظر إليهم فتعظم النعمة عليه، وباب بينه وبين دار السلام يدخل على ربه إذا شاء. قال كعب: من الجنة إلى النار كِوَاءٌ يتطلع منها رجال من (أهل) الجنة إلى رجال من أهل النار ينظرون إلى عذابهم. ثم قرأ كعب: ﴿فَٱطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَآءِ ٱلْجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٥٥] أي: في وسطها. * * - ثم قال تعالى: ﴿عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُندُسٍ [خُضْرٌ] وَإِسْتَبْرَقٌ﴾. من أسكن الياء في ﴿عَالِيَهُمْ﴾ جعله مرفوعاً بالابتداء، وما بعده خَبَرُه، وشَاهِدُهُ أن في قراءة ابن مسعود "عَالِيَتُهُمْ ثياب". ومن فتح الياء جعله ظرفاً خبرَ (ابتداءٍ) مُقَدَّمٍ، وهو "ثِيَابٌ". وشَاهِدُهُ أن [مجاهداً] قرأ "عَلَيْهِمْ ثِيَابُ". والسندس: رقيق الديباج، والاستبرق: غليظه. فالمعنى: أن الثياب الخضر تعلو ثياب أهل الجنة. هذا على قراءة من رفع الخضر وخفض السندس. وقيل: معناه أن الثياب الخضر فوق حجالهم لا عليهم. قال الطبري: ﴿عَالِيَهُمْ﴾ أي: "فوقهم، يعني: فوق هؤلاء الأبرار ثياب سندس". هذا كله على قراءة من فتح الياء. ومن أسكنها فمعناه: ظاهرهم ثياب سندس. وقرأ ابن محيصن: "وَاسْتَبْرَقَ" بوصل الألف وفتح القاف. وهو لحن عند النحوين، لأنه لا يمتنع مثل هذا من الصرف في النكرة. ولأنه لا توصل ألف مثل هذا (في التسمية به)، لو سميت بِـ "اسْتَكْبَرَ" لقطعت الألف، لانتقاله من الأفعال إلى الأسماء. هذا قول الخليل وسيبويه. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَحُلُّوۤاْ أَسَاوِرَ مِن فِضَّةٍ﴾. أي: وحلاهم ربهم أساور من فضة، وهو جمع أسورة. * * - ثم قال: ﴿وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَاباً طَهُوراً﴾. أي: شراباً يصير رشْحاً في أبدانهم (كرشح المسك)، لا يصير بولاً نجساً كشراب الدنيا. قال النخعي: "إن الرجل من أهل الجنة (يُقْسَمُ له شهوة مائة رجل من أهل الدنيا) وأكلهم ونعمتهم، فإذا أكل سقي شراباً طهوراً فيصير رشحاً يخرج من جلده أطيب من المسك الأذفر، ثم تعود شهوته". * * - ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ هَـٰذَا كَانَ لَكُمْ جَزَآءً وَكَانَ سَعْيُكُم مَّشْكُوراً﴾. أي: يقال لهم: إن هذا النعيم الذي ذكر في الجنة كان لكم جزاء على أعمالكم في الدنيا وطاعتكم. وإن عملكم متقبلاً. قال قتادة: "غفر لهم الذنوب، وشكر لهم الحسن". وقال مرة أخرى: "لقد شكر سعياً قليلاً".

الإنسان 76:18

[قوله تعالى]: ﴿وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلاَلُهَا﴾ إلى قوله: ﴿مَّشْكُوراً﴾. أي: وقربت منهم ظلالها. وانتصب ﴿دَانِيَةً﴾ على العطف على ﴿جَنَّةً﴾. والتقدير: وجزاهم جنة دانية. ويجوز أن يكون [حالاً عطفاً] على ﴿مُّتَّكِئِينَ﴾ أو على ﴿(لاَ) يَرَوْنَ﴾، ويجوز أن يكون صفة للجنة. ويجوز أن يكون على المدح مثل: ﴿[وَٱلْمُقِيمِي] ٱلصَّلاَةِ﴾ [الحج: ٣٥] فهو - [و] إن كان نكرة - فإنه يشبه المعرفة، إذ قال طال الكلام به. وقرأ ابن مسعود: ﴿وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ﴾، حَمَلَهُ على تذكير الجمع وهو ظلالها. وفي قراءة أُبَيّ (ودانٍ)، على أنه [في] موضع رفع مثل: قَاضٍ المرفوع. حمله [على] أنه خبر ﴿ظِلاَلُهَا﴾ مقدم. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلاً﴾. قال مجاهد: معناه: إن قام ارتفعت بقدرة (الله)، (فإن) قعد تذللت حتى ينالها، وإن [اضطجع] تذللت حتى ينالها. وقال قتادة: معناه "لا يَرُدُّ أيديهم عنها [بعد] ولا شوك". قال سفيان: ﴿وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا﴾ قال: "يتناوله كيف شاء، جالساً ومتكئاً". قال مجاهد: أرض الجنة وَرِقً، وتُرْبُهَا مسك، وأصول شجرها ذهب، ووَرَق أفنانها لؤلؤ وزبرجد وياقوت، والثمر تحته. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلاً﴾. "ويقال: "المذلل الذي قد ذللـه الماء أي أرواه". "ويقال: المذلل الذي [يُفَيِّئُهُ] [أدنى] ريح". "ويقال: المذلل: المسوى". وأهل الحجاز يقولون: [ذلل] نَخْلَكَ. أي: سوه. ويقال: المُذَلَّلُ: القريب المُتَنَاوَل. من قولهم: [دابة] ذليلُ "أي: قصيرة. هذه أقول أهل اللغة. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِّن فِضَّةٍ﴾. أي: ويطاف على هؤلاء الأبرار في الجنة بآنية في بياض الفضة وصفاء القوارير. قال مجاهد: فيها رقة القوارير في بياض الفضة. وهو قول قتادة. * * - وقوله: ﴿وَأَكْوابٍ﴾. أي: "ويطاف عليهم مع الأواني بجرار ضخام فيها الشراب. وكل جرة ضخمة لا عروة لها [فهي] كوب". وقال مجاهد: الكوب: [الكوز] الذي لا عروة له. وهو قول أكثر المفسرين. وقال قتادة: هو القِدْحُ. * * - وقوله: ﴿كَانَتْ قَوَارِيرَاْ * قَوَارِيرَاْ﴾. [أي]: كانت هذه الأواني والأكواب قوارير فحولها الله فضة. وقيل: إن قوله: ﴿وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِّن فِضَّةٍ﴾ يدل على أن أرض الجنة من فضة. لأن المعلوم في الدنيا المتعارف أن كل آنية (تتخذ) فإنما تتخذ من تربة الأرض التي [هي] فيها، فدل على أن أرض الجنة من فضة بقوله: ﴿وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِّن فِضَّةٍ﴾. قال أبو صالح: كان تراب هذه الأواني فضة. * * - وقوله: ﴿قَدَّرُوهَا تَقْدِيراً﴾. أي: قدروا تلك الأواني على قدر [رِيِّهم]، لا تزيد ولا تنقص في ذلك، يعني: [قدرها] الملائكة [الطائفون] بالآنية والأكواب. قال الحسن: "قُدِّرت [لِريِّ] القوم. وهو قول قتادة وابن زيد ومجاهد. وعن ابن عباس أن معناه (وقدروها) على قدر الكف. والمعنى: [قدرها] لهم السقاة الذين يطوفون عليهم بها، فلذلك نسب إليهم. وقيل: معناه: وجدوها كذا، فنسب الفعل إليهم لمناولتهم إياها لهم. وقرأ الشعبي وعبيد بن عمير وابن أبزى: "قُدِّرُوهَا تَقْدِيراً" - بضم القاف - أي: قدرت (عليهم) لا تزيد ولا تنقص. - وقوله تعالى: ﴿وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْساً﴾. أي: ويسقى هؤلاء الأبرار في الجنة شراب (كأس). والكأس: كل إناء فيه شراب. فإذا كان فارغاً من الخمر لم يُقَلْ له كأس، ويقال له قدح. كذلك لا يقال للخِوان: مائدة حتى يكون [عليه] الطعام. * * - قوله: ﴿كَانَ مِزَاجُهَا زَنجَبِيلاً﴾. أي: كان مزاج شراب الكأس زنجبيلاً. قال قتادة: "تمزج بالزنجبيل". وقال (قتادة في رواية ابن جبير عنه): الزنجبيل: اسم للعين يشرب منها المقربون صرفاً، وتمزج لسائر أهل الجنة. والعرب تضرب المثل بالخمر إذا مزجته بالزنجبيل، وكانوا يستطيبون ذلك. فخوطبوا على ما يعرفون. هذا يدل على قول قتادة الأول. * * - وقوله: ﴿عَيْناً فِيهَا تُسَمَّىٰ سَلْسَبِيلاً﴾. ﴿عَيْناً﴾ منتصبة على ما انتصب ﴿عَيْناً﴾ (الأول). (قال) قتادة: معنى ﴿سَلْسَبِيلاً﴾. "سلسة يصرفونها حيث شاءوا". وقال مجاهد: ﴿سَلْسَبِيلاً﴾ أي "[سلسة] الجرية". وقيل: هو اسم للعين، ويلزم من قال هذا ألا يصرفه. قال النحاس: هي فعلليل من [السلاسة]. وهذا غلط، لأنه كان يجب أن يقال: [سلسليل]، ولا يكون فيه [باء]. [و] حكى سيبويه أن نظيره قفشليل. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ﴾. "أي: لا يموتون". وقيل: معناه مسورون. وقيل: مقرطون، وذلك بلغة حِمْيَر. يعني بذلك أنهم شباب لا يتغيرون عن ذلك السِن. تقول العرب للرجل إذا كبر وثبت سواد شعره إنه لَمُخْلِدٌ، وكذلك إذا كَبِرَ [وثبتت] أضراسه، يراد به أنه [لثابت] الحال. * * - ثم قال تعالى: ﴿إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤاً مَّنثُوراً﴾. أي: إذا رأيت - يا محمد - هؤلاء الولدان، ظننتهم في حسنهم ونقاء بياض وجوههم [وكثرتهم] لؤلؤاً منثوراً ومجتمعاً. قال قتادة: ﴿لُؤْلُؤاً مَّنثُوراً﴾ يعني من [كثرتهم] وحسنهم. قال [ابن عمرو]: ما من أهل الجنة من أحد إلا يسعى عليه ألف غلام، وكل غلام على عمل ما عليه صاحبه. قال سفيان: ﴿حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤاً مَّنثُوراً﴾ قال: "في كثرة اللؤلؤ وفي بياض اللؤلؤ". وروى جابر بن عبد الله أن النبي ﷺ قال: "إنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ يَأْكُلُونَ وَيَشْرَبُونَ وَلاَ يَبُولُونَ وَلاَ [يَتَغَوَّطُونَ] وَلاَ يَمْتَخِطُونَ، [يَصِيرُ] طَعَامُهُم وشَرَابُهُم [جُشَاءً]، وَرَشْحَ مِسِكٍ، يُلْهَمُونَ التَّسْبِيحَ والحَمْدَ كَمَا تُلْهَمُونَ النَّفْسَ ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيماً﴾. أي: وإذا رأيت - يا محمد - ما ثم رأيت نعيماً. وأكثر البصريين على أن ﴿ثَمَّ﴾ نصبه على الظرف، ولم يُعَدَّ ﴿رَأَيْتَ﴾، كما تقول: ظننت في الدار" فلا تعدي "ظننت". وقال الأخفش: ﴿ثَمَّ﴾ مفعول بها، و ﴿رَأَيْتَ﴾ بمعنى نظرت، و ﴿ثَمَّ﴾ إشارة إلى الجنة. * * - وقوله: ﴿وَمُلْكاً كَبِيراً﴾. أي: (و) رأيت مع النعيم ملكاً عظيماً. روي: أَنَّ أَدْنَى أَهْلِ الجَنَّةِ مَنْزِلَةً مَنْ يَنْظُرُ فِي مُلْكِهِ في مَسِيرَةِ أَلْفِ عَامٍ، يَرَى أَقْصَاهُ كَمَا يَرَى أَدْنَاهُ. وقيل: الملك الكبير هنا عني به تسليم الملائكة عليهم واستئذانهم عليهم. قاله مجاهد وسفيان. روى ابن عمر أن النبي ﷺ قال: "إِنَّ أَدْنَى أَهْلِ الجَنَّةِ مَنْزِلَةً لَيَنْظُرُ فِي مُلْكِهِ أَلْفَيْ عَامٍ، يَنْظُرُ أَزْوَاجَهِ وَسُرُرَهُ وَخَدَمَهُ، وَإِنَّ أَفْضَلَهُمْ مَنْزِلَةً لَيَنْظُرُ فِي وَجْهِ رَبِّهِ - جَلَّ وَعَزَّ - فِي كُلِّ يَوْمٍ مَرَّتَيْنِ قال أحمد بن ثعلبة عن أبيه أنه (قال) في قوله تعالى: ﴿وَمُلْكاً كَبِيراً﴾ هو أ[ن] (رسول) رب العزة يأتيه بالتُّكف واللُطْفِ فلا يصل إليه إلا بحجاب، ومن داره إلى دار السلام باب يدخل منه على ربه إذا شاء بلا إذن، فذلك (الملك) الكبير. وقال الفزاري: لكل مؤمن في الجنة أربعة أبواب، باب يدخل عليه منه زواره من الملائكة، وباب تدخل عليه (منه) أزواجه الحور، وباب مقفل بينه وبين أهل النار يفتحه إذا شاء ينظر إليهم فتعظم النعمة عليه، وباب بينه وبين دار السلام يدخل على ربه إذا شاء. قال كعب: من الجنة إلى النار كِوَاءٌ يتطلع منها رجال من (أهل) الجنة إلى رجال من أهل النار ينظرون إلى عذابهم. ثم قرأ كعب: ﴿فَٱطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَآءِ ٱلْجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٥٥] أي: في وسطها. * * - ثم قال تعالى: ﴿عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُندُسٍ [خُضْرٌ] وَإِسْتَبْرَقٌ﴾. من أسكن الياء في ﴿عَالِيَهُمْ﴾ جعله مرفوعاً بالابتداء، وما بعده خَبَرُه، وشَاهِدُهُ أن في قراءة ابن مسعود "عَالِيَتُهُمْ ثياب". ومن فتح الياء جعله ظرفاً خبرَ (ابتداءٍ) مُقَدَّمٍ، وهو "ثِيَابٌ". وشَاهِدُهُ أن [مجاهداً] قرأ "عَلَيْهِمْ ثِيَابُ". والسندس: رقيق الديباج، والاستبرق: غليظه. فالمعنى: أن الثياب الخضر تعلو ثياب أهل الجنة. هذا على قراءة من رفع الخضر وخفض السندس. وقيل: معناه أن الثياب الخضر فوق حجالهم لا عليهم. قال الطبري: ﴿عَالِيَهُمْ﴾ أي: "فوقهم، يعني: فوق هؤلاء الأبرار ثياب سندس". هذا كله على قراءة من فتح الياء. ومن أسكنها فمعناه: ظاهرهم ثياب سندس. وقرأ ابن محيصن: "وَاسْتَبْرَقَ" بوصل الألف وفتح القاف. وهو لحن عند النحوين، لأنه لا يمتنع مثل هذا من الصرف في النكرة. ولأنه لا توصل ألف مثل هذا (في التسمية به)، لو سميت بِـ "اسْتَكْبَرَ" لقطعت الألف، لانتقاله من الأفعال إلى الأسماء. هذا قول الخليل وسيبويه. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَحُلُّوۤاْ أَسَاوِرَ مِن فِضَّةٍ﴾. أي: وحلاهم ربهم أساور من فضة، وهو جمع أسورة. * * - ثم قال: ﴿وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَاباً طَهُوراً﴾. أي: شراباً يصير رشْحاً في أبدانهم (كرشح المسك)، لا يصير بولاً نجساً كشراب الدنيا. قال النخعي: "إن الرجل من أهل الجنة (يُقْسَمُ له شهوة مائة رجل من أهل الدنيا) وأكلهم ونعمتهم، فإذا أكل سقي شراباً طهوراً فيصير رشحاً يخرج من جلده أطيب من المسك الأذفر، ثم تعود شهوته". * * - ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ هَـٰذَا كَانَ لَكُمْ جَزَآءً وَكَانَ سَعْيُكُم مَّشْكُوراً﴾. أي: يقال لهم: إن هذا النعيم الذي ذكر في الجنة كان لكم جزاء على أعمالكم في الدنيا وطاعتكم. وإن عملكم متقبلاً. قال قتادة: "غفر لهم الذنوب، وشكر لهم الحسن". وقال مرة أخرى: "لقد شكر سعياً قليلاً".

الإنسان 76:19

[قوله تعالى]: ﴿وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلاَلُهَا﴾ إلى قوله: ﴿مَّشْكُوراً﴾. أي: وقربت منهم ظلالها. وانتصب ﴿دَانِيَةً﴾ على العطف على ﴿جَنَّةً﴾. والتقدير: وجزاهم جنة دانية. ويجوز أن يكون [حالاً عطفاً] على ﴿مُّتَّكِئِينَ﴾ أو على ﴿(لاَ) يَرَوْنَ﴾، ويجوز أن يكون صفة للجنة. ويجوز أن يكون على المدح مثل: ﴿[وَٱلْمُقِيمِي] ٱلصَّلاَةِ﴾ [الحج: ٣٥] فهو - [و] إن كان نكرة - فإنه يشبه المعرفة، إذ قال طال الكلام به. وقرأ ابن مسعود: ﴿وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ﴾، حَمَلَهُ على تذكير الجمع وهو ظلالها. وفي قراءة أُبَيّ (ودانٍ)، على أنه [في] موضع رفع مثل: قَاضٍ المرفوع. حمله [على] أنه خبر ﴿ظِلاَلُهَا﴾ مقدم. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلاً﴾. قال مجاهد: معناه: إن قام ارتفعت بقدرة (الله)، (فإن) قعد تذللت حتى ينالها، وإن [اضطجع] تذللت حتى ينالها. وقال قتادة: معناه "لا يَرُدُّ أيديهم عنها [بعد] ولا شوك". قال سفيان: ﴿وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا﴾ قال: "يتناوله كيف شاء، جالساً ومتكئاً". قال مجاهد: أرض الجنة وَرِقً، وتُرْبُهَا مسك، وأصول شجرها ذهب، ووَرَق أفنانها لؤلؤ وزبرجد وياقوت، والثمر تحته. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلاً﴾. "ويقال: "المذلل الذي قد ذللـه الماء أي أرواه". "ويقال: المذلل الذي [يُفَيِّئُهُ] [أدنى] ريح". "ويقال: المذلل: المسوى". وأهل الحجاز يقولون: [ذلل] نَخْلَكَ. أي: سوه. ويقال: المُذَلَّلُ: القريب المُتَنَاوَل. من قولهم: [دابة] ذليلُ "أي: قصيرة. هذه أقول أهل اللغة. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِّن فِضَّةٍ﴾. أي: ويطاف على هؤلاء الأبرار في الجنة بآنية في بياض الفضة وصفاء القوارير. قال مجاهد: فيها رقة القوارير في بياض الفضة. وهو قول قتادة. * * - وقوله: ﴿وَأَكْوابٍ﴾. أي: "ويطاف عليهم مع الأواني بجرار ضخام فيها الشراب. وكل جرة ضخمة لا عروة لها [فهي] كوب". وقال مجاهد: الكوب: [الكوز] الذي لا عروة له. وهو قول أكثر المفسرين. وقال قتادة: هو القِدْحُ. * * - وقوله: ﴿كَانَتْ قَوَارِيرَاْ * قَوَارِيرَاْ﴾. [أي]: كانت هذه الأواني والأكواب قوارير فحولها الله فضة. وقيل: إن قوله: ﴿وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِّن فِضَّةٍ﴾ يدل على أن أرض الجنة من فضة. لأن المعلوم في الدنيا المتعارف أن كل آنية (تتخذ) فإنما تتخذ من تربة الأرض التي [هي] فيها، فدل على أن أرض الجنة من فضة بقوله: ﴿وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِّن فِضَّةٍ﴾. قال أبو صالح: كان تراب هذه الأواني فضة. * * - وقوله: ﴿قَدَّرُوهَا تَقْدِيراً﴾. أي: قدروا تلك الأواني على قدر [رِيِّهم]، لا تزيد ولا تنقص في ذلك، يعني: [قدرها] الملائكة [الطائفون] بالآنية والأكواب. قال الحسن: "قُدِّرت [لِريِّ] القوم. وهو قول قتادة وابن زيد ومجاهد. وعن ابن عباس أن معناه (وقدروها) على قدر الكف. والمعنى: [قدرها] لهم السقاة الذين يطوفون عليهم بها، فلذلك نسب إليهم. وقيل: معناه: وجدوها كذا، فنسب الفعل إليهم لمناولتهم إياها لهم. وقرأ الشعبي وعبيد بن عمير وابن أبزى: "قُدِّرُوهَا تَقْدِيراً" - بضم القاف - أي: قدرت (عليهم) لا تزيد ولا تنقص. - وقوله تعالى: ﴿وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْساً﴾. أي: ويسقى هؤلاء الأبرار في الجنة شراب (كأس). والكأس: كل إناء فيه شراب. فإذا كان فارغاً من الخمر لم يُقَلْ له كأس، ويقال له قدح. كذلك لا يقال للخِوان: مائدة حتى يكون [عليه] الطعام. * * - قوله: ﴿كَانَ مِزَاجُهَا زَنجَبِيلاً﴾. أي: كان مزاج شراب الكأس زنجبيلاً. قال قتادة: "تمزج بالزنجبيل". وقال (قتادة في رواية ابن جبير عنه): الزنجبيل: اسم للعين يشرب منها المقربون صرفاً، وتمزج لسائر أهل الجنة. والعرب تضرب المثل بالخمر إذا مزجته بالزنجبيل، وكانوا يستطيبون ذلك. فخوطبوا على ما يعرفون. هذا يدل على قول قتادة الأول. * * - وقوله: ﴿عَيْناً فِيهَا تُسَمَّىٰ سَلْسَبِيلاً﴾. ﴿عَيْناً﴾ منتصبة على ما انتصب ﴿عَيْناً﴾ (الأول). (قال) قتادة: معنى ﴿سَلْسَبِيلاً﴾. "سلسة يصرفونها حيث شاءوا". وقال مجاهد: ﴿سَلْسَبِيلاً﴾ أي "[سلسة] الجرية". وقيل: هو اسم للعين، ويلزم من قال هذا ألا يصرفه. قال النحاس: هي فعلليل من [السلاسة]. وهذا غلط، لأنه كان يجب أن يقال: [سلسليل]، ولا يكون فيه [باء]. [و] حكى سيبويه أن نظيره قفشليل. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ﴾. "أي: لا يموتون". وقيل: معناه مسورون. وقيل: مقرطون، وذلك بلغة حِمْيَر. يعني بذلك أنهم شباب لا يتغيرون عن ذلك السِن. تقول العرب للرجل إذا كبر وثبت سواد شعره إنه لَمُخْلِدٌ، وكذلك إذا كَبِرَ [وثبتت] أضراسه، يراد به أنه [لثابت] الحال. * * - ثم قال تعالى: ﴿إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤاً مَّنثُوراً﴾. أي: إذا رأيت - يا محمد - هؤلاء الولدان، ظننتهم في حسنهم ونقاء بياض وجوههم [وكثرتهم] لؤلؤاً منثوراً ومجتمعاً. قال قتادة: ﴿لُؤْلُؤاً مَّنثُوراً﴾ يعني من [كثرتهم] وحسنهم. قال [ابن عمرو]: ما من أهل الجنة من أحد إلا يسعى عليه ألف غلام، وكل غلام على عمل ما عليه صاحبه. قال سفيان: ﴿حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤاً مَّنثُوراً﴾ قال: "في كثرة اللؤلؤ وفي بياض اللؤلؤ". وروى جابر بن عبد الله أن النبي ﷺ قال: "إنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ يَأْكُلُونَ وَيَشْرَبُونَ وَلاَ يَبُولُونَ وَلاَ [يَتَغَوَّطُونَ] وَلاَ يَمْتَخِطُونَ، [يَصِيرُ] طَعَامُهُم وشَرَابُهُم [جُشَاءً]، وَرَشْحَ مِسِكٍ، يُلْهَمُونَ التَّسْبِيحَ والحَمْدَ كَمَا تُلْهَمُونَ النَّفْسَ ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيماً﴾. أي: وإذا رأيت - يا محمد - ما ثم رأيت نعيماً. وأكثر البصريين على أن ﴿ثَمَّ﴾ نصبه على الظرف، ولم يُعَدَّ ﴿رَأَيْتَ﴾، كما تقول: ظننت في الدار" فلا تعدي "ظننت". وقال الأخفش: ﴿ثَمَّ﴾ مفعول بها، و ﴿رَأَيْتَ﴾ بمعنى نظرت، و ﴿ثَمَّ﴾ إشارة إلى الجنة. * * - وقوله: ﴿وَمُلْكاً كَبِيراً﴾. أي: (و) رأيت مع النعيم ملكاً عظيماً. روي: أَنَّ أَدْنَى أَهْلِ الجَنَّةِ مَنْزِلَةً مَنْ يَنْظُرُ فِي مُلْكِهِ في مَسِيرَةِ أَلْفِ عَامٍ، يَرَى أَقْصَاهُ كَمَا يَرَى أَدْنَاهُ. وقيل: الملك الكبير هنا عني به تسليم الملائكة عليهم واستئذانهم عليهم. قاله مجاهد وسفيان. روى ابن عمر أن النبي ﷺ قال: "إِنَّ أَدْنَى أَهْلِ الجَنَّةِ مَنْزِلَةً لَيَنْظُرُ فِي مُلْكِهِ أَلْفَيْ عَامٍ، يَنْظُرُ أَزْوَاجَهِ وَسُرُرَهُ وَخَدَمَهُ، وَإِنَّ أَفْضَلَهُمْ مَنْزِلَةً لَيَنْظُرُ فِي وَجْهِ رَبِّهِ - جَلَّ وَعَزَّ - فِي كُلِّ يَوْمٍ مَرَّتَيْنِ قال أحمد بن ثعلبة عن أبيه أنه (قال) في قوله تعالى: ﴿وَمُلْكاً كَبِيراً﴾ هو أ[ن] (رسول) رب العزة يأتيه بالتُّكف واللُطْفِ فلا يصل إليه إلا بحجاب، ومن داره إلى دار السلام باب يدخل منه على ربه إذا شاء بلا إذن، فذلك (الملك) الكبير. وقال الفزاري: لكل مؤمن في الجنة أربعة أبواب، باب يدخل عليه منه زواره من الملائكة، وباب تدخل عليه (منه) أزواجه الحور، وباب مقفل بينه وبين أهل النار يفتحه إذا شاء ينظر إليهم فتعظم النعمة عليه، وباب بينه وبين دار السلام يدخل على ربه إذا شاء. قال كعب: من الجنة إلى النار كِوَاءٌ يتطلع منها رجال من (أهل) الجنة إلى رجال من أهل النار ينظرون إلى عذابهم. ثم قرأ كعب: ﴿فَٱطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَآءِ ٱلْجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٥٥] أي: في وسطها. * * - ثم قال تعالى: ﴿عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُندُسٍ [خُضْرٌ] وَإِسْتَبْرَقٌ﴾. من أسكن الياء في ﴿عَالِيَهُمْ﴾ جعله مرفوعاً بالابتداء، وما بعده خَبَرُه، وشَاهِدُهُ أن في قراءة ابن مسعود "عَالِيَتُهُمْ ثياب". ومن فتح الياء جعله ظرفاً خبرَ (ابتداءٍ) مُقَدَّمٍ، وهو "ثِيَابٌ". وشَاهِدُهُ أن [مجاهداً] قرأ "عَلَيْهِمْ ثِيَابُ". والسندس: رقيق الديباج، والاستبرق: غليظه. فالمعنى: أن الثياب الخضر تعلو ثياب أهل الجنة. هذا على قراءة من رفع الخضر وخفض السندس. وقيل: معناه أن الثياب الخضر فوق حجالهم لا عليهم. قال الطبري: ﴿عَالِيَهُمْ﴾ أي: "فوقهم، يعني: فوق هؤلاء الأبرار ثياب سندس". هذا كله على قراءة من فتح الياء. ومن أسكنها فمعناه: ظاهرهم ثياب سندس. وقرأ ابن محيصن: "وَاسْتَبْرَقَ" بوصل الألف وفتح القاف. وهو لحن عند النحوين، لأنه لا يمتنع مثل هذا من الصرف في النكرة. ولأنه لا توصل ألف مثل هذا (في التسمية به)، لو سميت بِـ "اسْتَكْبَرَ" لقطعت الألف، لانتقاله من الأفعال إلى الأسماء. هذا قول الخليل وسيبويه. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَحُلُّوۤاْ أَسَاوِرَ مِن فِضَّةٍ﴾. أي: وحلاهم ربهم أساور من فضة، وهو جمع أسورة. * * - ثم قال: ﴿وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَاباً طَهُوراً﴾. أي: شراباً يصير رشْحاً في أبدانهم (كرشح المسك)، لا يصير بولاً نجساً كشراب الدنيا. قال النخعي: "إن الرجل من أهل الجنة (يُقْسَمُ له شهوة مائة رجل من أهل الدنيا) وأكلهم ونعمتهم، فإذا أكل سقي شراباً طهوراً فيصير رشحاً يخرج من جلده أطيب من المسك الأذفر، ثم تعود شهوته". * * - ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ هَـٰذَا كَانَ لَكُمْ جَزَآءً وَكَانَ سَعْيُكُم مَّشْكُوراً﴾. أي: يقال لهم: إن هذا النعيم الذي ذكر في الجنة كان لكم جزاء على أعمالكم في الدنيا وطاعتكم. وإن عملكم متقبلاً. قال قتادة: "غفر لهم الذنوب، وشكر لهم الحسن". وقال مرة أخرى: "لقد شكر سعياً قليلاً".

الإنسان 76:20

[قوله تعالى]: ﴿وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلاَلُهَا﴾ إلى قوله: ﴿مَّشْكُوراً﴾. أي: وقربت منهم ظلالها. وانتصب ﴿دَانِيَةً﴾ على العطف على ﴿جَنَّةً﴾. والتقدير: وجزاهم جنة دانية. ويجوز أن يكون [حالاً عطفاً] على ﴿مُّتَّكِئِينَ﴾ أو على ﴿(لاَ) يَرَوْنَ﴾، ويجوز أن يكون صفة للجنة. ويجوز أن يكون على المدح مثل: ﴿[وَٱلْمُقِيمِي] ٱلصَّلاَةِ﴾ [الحج: ٣٥] فهو - [و] إن كان نكرة - فإنه يشبه المعرفة، إذ قال طال الكلام به. وقرأ ابن مسعود: ﴿وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ﴾، حَمَلَهُ على تذكير الجمع وهو ظلالها. وفي قراءة أُبَيّ (ودانٍ)، على أنه [في] موضع رفع مثل: قَاضٍ المرفوع. حمله [على] أنه خبر ﴿ظِلاَلُهَا﴾ مقدم. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلاً﴾. قال مجاهد: معناه: إن قام ارتفعت بقدرة (الله)، (فإن) قعد تذللت حتى ينالها، وإن [اضطجع] تذللت حتى ينالها. وقال قتادة: معناه "لا يَرُدُّ أيديهم عنها [بعد] ولا شوك". قال سفيان: ﴿وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا﴾ قال: "يتناوله كيف شاء، جالساً ومتكئاً". قال مجاهد: أرض الجنة وَرِقً، وتُرْبُهَا مسك، وأصول شجرها ذهب، ووَرَق أفنانها لؤلؤ وزبرجد وياقوت، والثمر تحته. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلاً﴾. "ويقال: "المذلل الذي قد ذللـه الماء أي أرواه". "ويقال: المذلل الذي [يُفَيِّئُهُ] [أدنى] ريح". "ويقال: المذلل: المسوى". وأهل الحجاز يقولون: [ذلل] نَخْلَكَ. أي: سوه. ويقال: المُذَلَّلُ: القريب المُتَنَاوَل. من قولهم: [دابة] ذليلُ "أي: قصيرة. هذه أقول أهل اللغة. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِّن فِضَّةٍ﴾. أي: ويطاف على هؤلاء الأبرار في الجنة بآنية في بياض الفضة وصفاء القوارير. قال مجاهد: فيها رقة القوارير في بياض الفضة. وهو قول قتادة. * * - وقوله: ﴿وَأَكْوابٍ﴾. أي: "ويطاف عليهم مع الأواني بجرار ضخام فيها الشراب. وكل جرة ضخمة لا عروة لها [فهي] كوب". وقال مجاهد: الكوب: [الكوز] الذي لا عروة له. وهو قول أكثر المفسرين. وقال قتادة: هو القِدْحُ. * * - وقوله: ﴿كَانَتْ قَوَارِيرَاْ * قَوَارِيرَاْ﴾. [أي]: كانت هذه الأواني والأكواب قوارير فحولها الله فضة. وقيل: إن قوله: ﴿وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِّن فِضَّةٍ﴾ يدل على أن أرض الجنة من فضة. لأن المعلوم في الدنيا المتعارف أن كل آنية (تتخذ) فإنما تتخذ من تربة الأرض التي [هي] فيها، فدل على أن أرض الجنة من فضة بقوله: ﴿وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِّن فِضَّةٍ﴾. قال أبو صالح: كان تراب هذه الأواني فضة. * * - وقوله: ﴿قَدَّرُوهَا تَقْدِيراً﴾. أي: قدروا تلك الأواني على قدر [رِيِّهم]، لا تزيد ولا تنقص في ذلك، يعني: [قدرها] الملائكة [الطائفون] بالآنية والأكواب. قال الحسن: "قُدِّرت [لِريِّ] القوم. وهو قول قتادة وابن زيد ومجاهد. وعن ابن عباس أن معناه (وقدروها) على قدر الكف. والمعنى: [قدرها] لهم السقاة الذين يطوفون عليهم بها، فلذلك نسب إليهم. وقيل: معناه: وجدوها كذا، فنسب الفعل إليهم لمناولتهم إياها لهم. وقرأ الشعبي وعبيد بن عمير وابن أبزى: "قُدِّرُوهَا تَقْدِيراً" - بضم القاف - أي: قدرت (عليهم) لا تزيد ولا تنقص. - وقوله تعالى: ﴿وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْساً﴾. أي: ويسقى هؤلاء الأبرار في الجنة شراب (كأس). والكأس: كل إناء فيه شراب. فإذا كان فارغاً من الخمر لم يُقَلْ له كأس، ويقال له قدح. كذلك لا يقال للخِوان: مائدة حتى يكون [عليه] الطعام. * * - قوله: ﴿كَانَ مِزَاجُهَا زَنجَبِيلاً﴾. أي: كان مزاج شراب الكأس زنجبيلاً. قال قتادة: "تمزج بالزنجبيل". وقال (قتادة في رواية ابن جبير عنه): الزنجبيل: اسم للعين يشرب منها المقربون صرفاً، وتمزج لسائر أهل الجنة. والعرب تضرب المثل بالخمر إذا مزجته بالزنجبيل، وكانوا يستطيبون ذلك. فخوطبوا على ما يعرفون. هذا يدل على قول قتادة الأول. * * - وقوله: ﴿عَيْناً فِيهَا تُسَمَّىٰ سَلْسَبِيلاً﴾. ﴿عَيْناً﴾ منتصبة على ما انتصب ﴿عَيْناً﴾ (الأول). (قال) قتادة: معنى ﴿سَلْسَبِيلاً﴾. "سلسة يصرفونها حيث شاءوا". وقال مجاهد: ﴿سَلْسَبِيلاً﴾ أي "[سلسة] الجرية". وقيل: هو اسم للعين، ويلزم من قال هذا ألا يصرفه. قال النحاس: هي فعلليل من [السلاسة]. وهذا غلط، لأنه كان يجب أن يقال: [سلسليل]، ولا يكون فيه [باء]. [و] حكى سيبويه أن نظيره قفشليل. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ﴾. "أي: لا يموتون". وقيل: معناه مسورون. وقيل: مقرطون، وذلك بلغة حِمْيَر. يعني بذلك أنهم شباب لا يتغيرون عن ذلك السِن. تقول العرب للرجل إذا كبر وثبت سواد شعره إنه لَمُخْلِدٌ، وكذلك إذا كَبِرَ [وثبتت] أضراسه، يراد به أنه [لثابت] الحال. * * - ثم قال تعالى: ﴿إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤاً مَّنثُوراً﴾. أي: إذا رأيت - يا محمد - هؤلاء الولدان، ظننتهم في حسنهم ونقاء بياض وجوههم [وكثرتهم] لؤلؤاً منثوراً ومجتمعاً. قال قتادة: ﴿لُؤْلُؤاً مَّنثُوراً﴾ يعني من [كثرتهم] وحسنهم. قال [ابن عمرو]: ما من أهل الجنة من أحد إلا يسعى عليه ألف غلام، وكل غلام على عمل ما عليه صاحبه. قال سفيان: ﴿حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤاً مَّنثُوراً﴾ قال: "في كثرة اللؤلؤ وفي بياض اللؤلؤ". وروى جابر بن عبد الله أن النبي ﷺ قال: "إنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ يَأْكُلُونَ وَيَشْرَبُونَ وَلاَ يَبُولُونَ وَلاَ [يَتَغَوَّطُونَ] وَلاَ يَمْتَخِطُونَ، [يَصِيرُ] طَعَامُهُم وشَرَابُهُم [جُشَاءً]، وَرَشْحَ مِسِكٍ، يُلْهَمُونَ التَّسْبِيحَ والحَمْدَ كَمَا تُلْهَمُونَ النَّفْسَ ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيماً﴾. أي: وإذا رأيت - يا محمد - ما ثم رأيت نعيماً. وأكثر البصريين على أن ﴿ثَمَّ﴾ نصبه على الظرف، ولم يُعَدَّ ﴿رَأَيْتَ﴾، كما تقول: ظننت في الدار" فلا تعدي "ظننت". وقال الأخفش: ﴿ثَمَّ﴾ مفعول بها، و ﴿رَأَيْتَ﴾ بمعنى نظرت، و ﴿ثَمَّ﴾ إشارة إلى الجنة. * * - وقوله: ﴿وَمُلْكاً كَبِيراً﴾. أي: (و) رأيت مع النعيم ملكاً عظيماً. روي: أَنَّ أَدْنَى أَهْلِ الجَنَّةِ مَنْزِلَةً مَنْ يَنْظُرُ فِي مُلْكِهِ في مَسِيرَةِ أَلْفِ عَامٍ، يَرَى أَقْصَاهُ كَمَا يَرَى أَدْنَاهُ. وقيل: الملك الكبير هنا عني به تسليم الملائكة عليهم واستئذانهم عليهم. قاله مجاهد وسفيان. روى ابن عمر أن النبي ﷺ قال: "إِنَّ أَدْنَى أَهْلِ الجَنَّةِ مَنْزِلَةً لَيَنْظُرُ فِي مُلْكِهِ أَلْفَيْ عَامٍ، يَنْظُرُ أَزْوَاجَهِ وَسُرُرَهُ وَخَدَمَهُ، وَإِنَّ أَفْضَلَهُمْ مَنْزِلَةً لَيَنْظُرُ فِي وَجْهِ رَبِّهِ - جَلَّ وَعَزَّ - فِي كُلِّ يَوْمٍ مَرَّتَيْنِ قال أحمد بن ثعلبة عن أبيه أنه (قال) في قوله تعالى: ﴿وَمُلْكاً كَبِيراً﴾ هو أ[ن] (رسول) رب العزة يأتيه بالتُّكف واللُطْفِ فلا يصل إليه إلا بحجاب، ومن داره إلى دار السلام باب يدخل منه على ربه إذا شاء بلا إذن، فذلك (الملك) الكبير. وقال الفزاري: لكل مؤمن في الجنة أربعة أبواب، باب يدخل عليه منه زواره من الملائكة، وباب تدخل عليه (منه) أزواجه الحور، وباب مقفل بينه وبين أهل النار يفتحه إذا شاء ينظر إليهم فتعظم النعمة عليه، وباب بينه وبين دار السلام يدخل على ربه إذا شاء. قال كعب: من الجنة إلى النار كِوَاءٌ يتطلع منها رجال من (أهل) الجنة إلى رجال من أهل النار ينظرون إلى عذابهم. ثم قرأ كعب: ﴿فَٱطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَآءِ ٱلْجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٥٥] أي: في وسطها. * * - ثم قال تعالى: ﴿عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُندُسٍ [خُضْرٌ] وَإِسْتَبْرَقٌ﴾. من أسكن الياء في ﴿عَالِيَهُمْ﴾ جعله مرفوعاً بالابتداء، وما بعده خَبَرُه، وشَاهِدُهُ أن في قراءة ابن مسعود "عَالِيَتُهُمْ ثياب". ومن فتح الياء جعله ظرفاً خبرَ (ابتداءٍ) مُقَدَّمٍ، وهو "ثِيَابٌ". وشَاهِدُهُ أن [مجاهداً] قرأ "عَلَيْهِمْ ثِيَابُ". والسندس: رقيق الديباج، والاستبرق: غليظه. فالمعنى: أن الثياب الخضر تعلو ثياب أهل الجنة. هذا على قراءة من رفع الخضر وخفض السندس. وقيل: معناه أن الثياب الخضر فوق حجالهم لا عليهم. قال الطبري: ﴿عَالِيَهُمْ﴾ أي: "فوقهم، يعني: فوق هؤلاء الأبرار ثياب سندس". هذا كله على قراءة من فتح الياء. ومن أسكنها فمعناه: ظاهرهم ثياب سندس. وقرأ ابن محيصن: "وَاسْتَبْرَقَ" بوصل الألف وفتح القاف. وهو لحن عند النحوين، لأنه لا يمتنع مثل هذا من الصرف في النكرة. ولأنه لا توصل ألف مثل هذا (في التسمية به)، لو سميت بِـ "اسْتَكْبَرَ" لقطعت الألف، لانتقاله من الأفعال إلى الأسماء. هذا قول الخليل وسيبويه. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَحُلُّوۤاْ أَسَاوِرَ مِن فِضَّةٍ﴾. أي: وحلاهم ربهم أساور من فضة، وهو جمع أسورة. * * - ثم قال: ﴿وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَاباً طَهُوراً﴾. أي: شراباً يصير رشْحاً في أبدانهم (كرشح المسك)، لا يصير بولاً نجساً كشراب الدنيا. قال النخعي: "إن الرجل من أهل الجنة (يُقْسَمُ له شهوة مائة رجل من أهل الدنيا) وأكلهم ونعمتهم، فإذا أكل سقي شراباً طهوراً فيصير رشحاً يخرج من جلده أطيب من المسك الأذفر، ثم تعود شهوته". * * - ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ هَـٰذَا كَانَ لَكُمْ جَزَآءً وَكَانَ سَعْيُكُم مَّشْكُوراً﴾. أي: يقال لهم: إن هذا النعيم الذي ذكر في الجنة كان لكم جزاء على أعمالكم في الدنيا وطاعتكم. وإن عملكم متقبلاً. قال قتادة: "غفر لهم الذنوب، وشكر لهم الحسن". وقال مرة أخرى: "لقد شكر سعياً قليلاً".

الإنسان 76:21

[قوله تعالى]: ﴿وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلاَلُهَا﴾ إلى قوله: ﴿مَّشْكُوراً﴾. أي: وقربت منهم ظلالها. وانتصب ﴿دَانِيَةً﴾ على العطف على ﴿جَنَّةً﴾. والتقدير: وجزاهم جنة دانية. ويجوز أن يكون [حالاً عطفاً] على ﴿مُّتَّكِئِينَ﴾ أو على ﴿(لاَ) يَرَوْنَ﴾، ويجوز أن يكون صفة للجنة. ويجوز أن يكون على المدح مثل: ﴿[وَٱلْمُقِيمِي] ٱلصَّلاَةِ﴾ [الحج: ٣٥] فهو - [و] إن كان نكرة - فإنه يشبه المعرفة، إذ قال طال الكلام به. وقرأ ابن مسعود: ﴿وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ﴾، حَمَلَهُ على تذكير الجمع وهو ظلالها. وفي قراءة أُبَيّ (ودانٍ)، على أنه [في] موضع رفع مثل: قَاضٍ المرفوع. حمله [على] أنه خبر ﴿ظِلاَلُهَا﴾ مقدم. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلاً﴾. قال مجاهد: معناه: إن قام ارتفعت بقدرة (الله)، (فإن) قعد تذللت حتى ينالها، وإن [اضطجع] تذللت حتى ينالها. وقال قتادة: معناه "لا يَرُدُّ أيديهم عنها [بعد] ولا شوك". قال سفيان: ﴿وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا﴾ قال: "يتناوله كيف شاء، جالساً ومتكئاً". قال مجاهد: أرض الجنة وَرِقً، وتُرْبُهَا مسك، وأصول شجرها ذهب، ووَرَق أفنانها لؤلؤ وزبرجد وياقوت، والثمر تحته. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلاً﴾. "ويقال: "المذلل الذي قد ذللـه الماء أي أرواه". "ويقال: المذلل الذي [يُفَيِّئُهُ] [أدنى] ريح". "ويقال: المذلل: المسوى". وأهل الحجاز يقولون: [ذلل] نَخْلَكَ. أي: سوه. ويقال: المُذَلَّلُ: القريب المُتَنَاوَل. من قولهم: [دابة] ذليلُ "أي: قصيرة. هذه أقول أهل اللغة. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِّن فِضَّةٍ﴾. أي: ويطاف على هؤلاء الأبرار في الجنة بآنية في بياض الفضة وصفاء القوارير. قال مجاهد: فيها رقة القوارير في بياض الفضة. وهو قول قتادة. * * - وقوله: ﴿وَأَكْوابٍ﴾. أي: "ويطاف عليهم مع الأواني بجرار ضخام فيها الشراب. وكل جرة ضخمة لا عروة لها [فهي] كوب". وقال مجاهد: الكوب: [الكوز] الذي لا عروة له. وهو قول أكثر المفسرين. وقال قتادة: هو القِدْحُ. * * - وقوله: ﴿كَانَتْ قَوَارِيرَاْ * قَوَارِيرَاْ﴾. [أي]: كانت هذه الأواني والأكواب قوارير فحولها الله فضة. وقيل: إن قوله: ﴿وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِّن فِضَّةٍ﴾ يدل على أن أرض الجنة من فضة. لأن المعلوم في الدنيا المتعارف أن كل آنية (تتخذ) فإنما تتخذ من تربة الأرض التي [هي] فيها، فدل على أن أرض الجنة من فضة بقوله: ﴿وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِّن فِضَّةٍ﴾. قال أبو صالح: كان تراب هذه الأواني فضة. * * - وقوله: ﴿قَدَّرُوهَا تَقْدِيراً﴾. أي: قدروا تلك الأواني على قدر [رِيِّهم]، لا تزيد ولا تنقص في ذلك، يعني: [قدرها] الملائكة [الطائفون] بالآنية والأكواب. قال الحسن: "قُدِّرت [لِريِّ] القوم. وهو قول قتادة وابن زيد ومجاهد. وعن ابن عباس أن معناه (وقدروها) على قدر الكف. والمعنى: [قدرها] لهم السقاة الذين يطوفون عليهم بها، فلذلك نسب إليهم. وقيل: معناه: وجدوها كذا، فنسب الفعل إليهم لمناولتهم إياها لهم. وقرأ الشعبي وعبيد بن عمير وابن أبزى: "قُدِّرُوهَا تَقْدِيراً" - بضم القاف - أي: قدرت (عليهم) لا تزيد ولا تنقص. - وقوله تعالى: ﴿وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْساً﴾. أي: ويسقى هؤلاء الأبرار في الجنة شراب (كأس). والكأس: كل إناء فيه شراب. فإذا كان فارغاً من الخمر لم يُقَلْ له كأس، ويقال له قدح. كذلك لا يقال للخِوان: مائدة حتى يكون [عليه] الطعام. * * - قوله: ﴿كَانَ مِزَاجُهَا زَنجَبِيلاً﴾. أي: كان مزاج شراب الكأس زنجبيلاً. قال قتادة: "تمزج بالزنجبيل". وقال (قتادة في رواية ابن جبير عنه): الزنجبيل: اسم للعين يشرب منها المقربون صرفاً، وتمزج لسائر أهل الجنة. والعرب تضرب المثل بالخمر إذا مزجته بالزنجبيل، وكانوا يستطيبون ذلك. فخوطبوا على ما يعرفون. هذا يدل على قول قتادة الأول. * * - وقوله: ﴿عَيْناً فِيهَا تُسَمَّىٰ سَلْسَبِيلاً﴾. ﴿عَيْناً﴾ منتصبة على ما انتصب ﴿عَيْناً﴾ (الأول). (قال) قتادة: معنى ﴿سَلْسَبِيلاً﴾. "سلسة يصرفونها حيث شاءوا". وقال مجاهد: ﴿سَلْسَبِيلاً﴾ أي "[سلسة] الجرية". وقيل: هو اسم للعين، ويلزم من قال هذا ألا يصرفه. قال النحاس: هي فعلليل من [السلاسة]. وهذا غلط، لأنه كان يجب أن يقال: [سلسليل]، ولا يكون فيه [باء]. [و] حكى سيبويه أن نظيره قفشليل. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ﴾. "أي: لا يموتون". وقيل: معناه مسورون. وقيل: مقرطون، وذلك بلغة حِمْيَر. يعني بذلك أنهم شباب لا يتغيرون عن ذلك السِن. تقول العرب للرجل إذا كبر وثبت سواد شعره إنه لَمُخْلِدٌ، وكذلك إذا كَبِرَ [وثبتت] أضراسه، يراد به أنه [لثابت] الحال. * * - ثم قال تعالى: ﴿إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤاً مَّنثُوراً﴾. أي: إذا رأيت - يا محمد - هؤلاء الولدان، ظننتهم في حسنهم ونقاء بياض وجوههم [وكثرتهم] لؤلؤاً منثوراً ومجتمعاً. قال قتادة: ﴿لُؤْلُؤاً مَّنثُوراً﴾ يعني من [كثرتهم] وحسنهم. قال [ابن عمرو]: ما من أهل الجنة من أحد إلا يسعى عليه ألف غلام، وكل غلام على عمل ما عليه صاحبه. قال سفيان: ﴿حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤاً مَّنثُوراً﴾ قال: "في كثرة اللؤلؤ وفي بياض اللؤلؤ". وروى جابر بن عبد الله أن النبي ﷺ قال: "إنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ يَأْكُلُونَ وَيَشْرَبُونَ وَلاَ يَبُولُونَ وَلاَ [يَتَغَوَّطُونَ] وَلاَ يَمْتَخِطُونَ، [يَصِيرُ] طَعَامُهُم وشَرَابُهُم [جُشَاءً]، وَرَشْحَ مِسِكٍ، يُلْهَمُونَ التَّسْبِيحَ والحَمْدَ كَمَا تُلْهَمُونَ النَّفْسَ ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيماً﴾. أي: وإذا رأيت - يا محمد - ما ثم رأيت نعيماً. وأكثر البصريين على أن ﴿ثَمَّ﴾ نصبه على الظرف، ولم يُعَدَّ ﴿رَأَيْتَ﴾، كما تقول: ظننت في الدار" فلا تعدي "ظننت". وقال الأخفش: ﴿ثَمَّ﴾ مفعول بها، و ﴿رَأَيْتَ﴾ بمعنى نظرت، و ﴿ثَمَّ﴾ إشارة إلى الجنة. * * - وقوله: ﴿وَمُلْكاً كَبِيراً﴾. أي: (و) رأيت مع النعيم ملكاً عظيماً. روي: أَنَّ أَدْنَى أَهْلِ الجَنَّةِ مَنْزِلَةً مَنْ يَنْظُرُ فِي مُلْكِهِ في مَسِيرَةِ أَلْفِ عَامٍ، يَرَى أَقْصَاهُ كَمَا يَرَى أَدْنَاهُ. وقيل: الملك الكبير هنا عني به تسليم الملائكة عليهم واستئذانهم عليهم. قاله مجاهد وسفيان. روى ابن عمر أن النبي ﷺ قال: "إِنَّ أَدْنَى أَهْلِ الجَنَّةِ مَنْزِلَةً لَيَنْظُرُ فِي مُلْكِهِ أَلْفَيْ عَامٍ، يَنْظُرُ أَزْوَاجَهِ وَسُرُرَهُ وَخَدَمَهُ، وَإِنَّ أَفْضَلَهُمْ مَنْزِلَةً لَيَنْظُرُ فِي وَجْهِ رَبِّهِ - جَلَّ وَعَزَّ - فِي كُلِّ يَوْمٍ مَرَّتَيْنِ قال أحمد بن ثعلبة عن أبيه أنه (قال) في قوله تعالى: ﴿وَمُلْكاً كَبِيراً﴾ هو أ[ن] (رسول) رب العزة يأتيه بالتُّكف واللُطْفِ فلا يصل إليه إلا بحجاب، ومن داره إلى دار السلام باب يدخل منه على ربه إذا شاء بلا إذن، فذلك (الملك) الكبير. وقال الفزاري: لكل مؤمن في الجنة أربعة أبواب، باب يدخل عليه منه زواره من الملائكة، وباب تدخل عليه (منه) أزواجه الحور، وباب مقفل بينه وبين أهل النار يفتحه إذا شاء ينظر إليهم فتعظم النعمة عليه، وباب بينه وبين دار السلام يدخل على ربه إذا شاء. قال كعب: من الجنة إلى النار كِوَاءٌ يتطلع منها رجال من (أهل) الجنة إلى رجال من أهل النار ينظرون إلى عذابهم. ثم قرأ كعب: ﴿فَٱطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَآءِ ٱلْجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٥٥] أي: في وسطها. * * - ثم قال تعالى: ﴿عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُندُسٍ [خُضْرٌ] وَإِسْتَبْرَقٌ﴾. من أسكن الياء في ﴿عَالِيَهُمْ﴾ جعله مرفوعاً بالابتداء، وما بعده خَبَرُه، وشَاهِدُهُ أن في قراءة ابن مسعود "عَالِيَتُهُمْ ثياب". ومن فتح الياء جعله ظرفاً خبرَ (ابتداءٍ) مُقَدَّمٍ، وهو "ثِيَابٌ". وشَاهِدُهُ أن [مجاهداً] قرأ "عَلَيْهِمْ ثِيَابُ". والسندس: رقيق الديباج، والاستبرق: غليظه. فالمعنى: أن الثياب الخضر تعلو ثياب أهل الجنة. هذا على قراءة من رفع الخضر وخفض السندس. وقيل: معناه أن الثياب الخضر فوق حجالهم لا عليهم. قال الطبري: ﴿عَالِيَهُمْ﴾ أي: "فوقهم، يعني: فوق هؤلاء الأبرار ثياب سندس". هذا كله على قراءة من فتح الياء. ومن أسكنها فمعناه: ظاهرهم ثياب سندس. وقرأ ابن محيصن: "وَاسْتَبْرَقَ" بوصل الألف وفتح القاف. وهو لحن عند النحوين، لأنه لا يمتنع مثل هذا من الصرف في النكرة. ولأنه لا توصل ألف مثل هذا (في التسمية به)، لو سميت بِـ "اسْتَكْبَرَ" لقطعت الألف، لانتقاله من الأفعال إلى الأسماء. هذا قول الخليل وسيبويه. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَحُلُّوۤاْ أَسَاوِرَ مِن فِضَّةٍ﴾. أي: وحلاهم ربهم أساور من فضة، وهو جمع أسورة. * * - ثم قال: ﴿وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَاباً طَهُوراً﴾. أي: شراباً يصير رشْحاً في أبدانهم (كرشح المسك)، لا يصير بولاً نجساً كشراب الدنيا. قال النخعي: "إن الرجل من أهل الجنة (يُقْسَمُ له شهوة مائة رجل من أهل الدنيا) وأكلهم ونعمتهم، فإذا أكل سقي شراباً طهوراً فيصير رشحاً يخرج من جلده أطيب من المسك الأذفر، ثم تعود شهوته". * * - ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ هَـٰذَا كَانَ لَكُمْ جَزَآءً وَكَانَ سَعْيُكُم مَّشْكُوراً﴾. أي: يقال لهم: إن هذا النعيم الذي ذكر في الجنة كان لكم جزاء على أعمالكم في الدنيا وطاعتكم. وإن عملكم متقبلاً. قال قتادة: "غفر لهم الذنوب، وشكر لهم الحسن". وقال مرة أخرى: "لقد شكر سعياً قليلاً".

الإنسان 76:22

[قوله تعالى]: ﴿وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلاَلُهَا﴾ إلى قوله: ﴿مَّشْكُوراً﴾. أي: وقربت منهم ظلالها. وانتصب ﴿دَانِيَةً﴾ على العطف على ﴿جَنَّةً﴾. والتقدير: وجزاهم جنة دانية. ويجوز أن يكون [حالاً عطفاً] على ﴿مُّتَّكِئِينَ﴾ أو على ﴿(لاَ) يَرَوْنَ﴾، ويجوز أن يكون صفة للجنة. ويجوز أن يكون على المدح مثل: ﴿[وَٱلْمُقِيمِي] ٱلصَّلاَةِ﴾ [الحج: ٣٥] فهو - [و] إن كان نكرة - فإنه يشبه المعرفة، إذ قال طال الكلام به. وقرأ ابن مسعود: ﴿وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ﴾، حَمَلَهُ على تذكير الجمع وهو ظلالها. وفي قراءة أُبَيّ (ودانٍ)، على أنه [في] موضع رفع مثل: قَاضٍ المرفوع. حمله [على] أنه خبر ﴿ظِلاَلُهَا﴾ مقدم. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلاً﴾. قال مجاهد: معناه: إن قام ارتفعت بقدرة (الله)، (فإن) قعد تذللت حتى ينالها، وإن [اضطجع] تذللت حتى ينالها. وقال قتادة: معناه "لا يَرُدُّ أيديهم عنها [بعد] ولا شوك". قال سفيان: ﴿وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا﴾ قال: "يتناوله كيف شاء، جالساً ومتكئاً". قال مجاهد: أرض الجنة وَرِقً، وتُرْبُهَا مسك، وأصول شجرها ذهب، ووَرَق أفنانها لؤلؤ وزبرجد وياقوت، والثمر تحته. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلاً﴾. "ويقال: "المذلل الذي قد ذللـه الماء أي أرواه". "ويقال: المذلل الذي [يُفَيِّئُهُ] [أدنى] ريح". "ويقال: المذلل: المسوى". وأهل الحجاز يقولون: [ذلل] نَخْلَكَ. أي: سوه. ويقال: المُذَلَّلُ: القريب المُتَنَاوَل. من قولهم: [دابة] ذليلُ "أي: قصيرة. هذه أقول أهل اللغة. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِّن فِضَّةٍ﴾. أي: ويطاف على هؤلاء الأبرار في الجنة بآنية في بياض الفضة وصفاء القوارير. قال مجاهد: فيها رقة القوارير في بياض الفضة. وهو قول قتادة. * * - وقوله: ﴿وَأَكْوابٍ﴾. أي: "ويطاف عليهم مع الأواني بجرار ضخام فيها الشراب. وكل جرة ضخمة لا عروة لها [فهي] كوب". وقال مجاهد: الكوب: [الكوز] الذي لا عروة له. وهو قول أكثر المفسرين. وقال قتادة: هو القِدْحُ. * * - وقوله: ﴿كَانَتْ قَوَارِيرَاْ * قَوَارِيرَاْ﴾. [أي]: كانت هذه الأواني والأكواب قوارير فحولها الله فضة. وقيل: إن قوله: ﴿وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِّن فِضَّةٍ﴾ يدل على أن أرض الجنة من فضة. لأن المعلوم في الدنيا المتعارف أن كل آنية (تتخذ) فإنما تتخذ من تربة الأرض التي [هي] فيها، فدل على أن أرض الجنة من فضة بقوله: ﴿وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِّن فِضَّةٍ﴾. قال أبو صالح: كان تراب هذه الأواني فضة. * * - وقوله: ﴿قَدَّرُوهَا تَقْدِيراً﴾. أي: قدروا تلك الأواني على قدر [رِيِّهم]، لا تزيد ولا تنقص في ذلك، يعني: [قدرها] الملائكة [الطائفون] بالآنية والأكواب. قال الحسن: "قُدِّرت [لِريِّ] القوم. وهو قول قتادة وابن زيد ومجاهد. وعن ابن عباس أن معناه (وقدروها) على قدر الكف. والمعنى: [قدرها] لهم السقاة الذين يطوفون عليهم بها، فلذلك نسب إليهم. وقيل: معناه: وجدوها كذا، فنسب الفعل إليهم لمناولتهم إياها لهم. وقرأ الشعبي وعبيد بن عمير وابن أبزى: "قُدِّرُوهَا تَقْدِيراً" - بضم القاف - أي: قدرت (عليهم) لا تزيد ولا تنقص. - وقوله تعالى: ﴿وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْساً﴾. أي: ويسقى هؤلاء الأبرار في الجنة شراب (كأس). والكأس: كل إناء فيه شراب. فإذا كان فارغاً من الخمر لم يُقَلْ له كأس، ويقال له قدح. كذلك لا يقال للخِوان: مائدة حتى يكون [عليه] الطعام. * * - قوله: ﴿كَانَ مِزَاجُهَا زَنجَبِيلاً﴾. أي: كان مزاج شراب الكأس زنجبيلاً. قال قتادة: "تمزج بالزنجبيل". وقال (قتادة في رواية ابن جبير عنه): الزنجبيل: اسم للعين يشرب منها المقربون صرفاً، وتمزج لسائر أهل الجنة. والعرب تضرب المثل بالخمر إذا مزجته بالزنجبيل، وكانوا يستطيبون ذلك. فخوطبوا على ما يعرفون. هذا يدل على قول قتادة الأول. * * - وقوله: ﴿عَيْناً فِيهَا تُسَمَّىٰ سَلْسَبِيلاً﴾. ﴿عَيْناً﴾ منتصبة على ما انتصب ﴿عَيْناً﴾ (الأول). (قال) قتادة: معنى ﴿سَلْسَبِيلاً﴾. "سلسة يصرفونها حيث شاءوا". وقال مجاهد: ﴿سَلْسَبِيلاً﴾ أي "[سلسة] الجرية". وقيل: هو اسم للعين، ويلزم من قال هذا ألا يصرفه. قال النحاس: هي فعلليل من [السلاسة]. وهذا غلط، لأنه كان يجب أن يقال: [سلسليل]، ولا يكون فيه [باء]. [و] حكى سيبويه أن نظيره قفشليل. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ﴾. "أي: لا يموتون". وقيل: معناه مسورون. وقيل: مقرطون، وذلك بلغة حِمْيَر. يعني بذلك أنهم شباب لا يتغيرون عن ذلك السِن. تقول العرب للرجل إذا كبر وثبت سواد شعره إنه لَمُخْلِدٌ، وكذلك إذا كَبِرَ [وثبتت] أضراسه، يراد به أنه [لثابت] الحال. * * - ثم قال تعالى: ﴿إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤاً مَّنثُوراً﴾. أي: إذا رأيت - يا محمد - هؤلاء الولدان، ظننتهم في حسنهم ونقاء بياض وجوههم [وكثرتهم] لؤلؤاً منثوراً ومجتمعاً. قال قتادة: ﴿لُؤْلُؤاً مَّنثُوراً﴾ يعني من [كثرتهم] وحسنهم. قال [ابن عمرو]: ما من أهل الجنة من أحد إلا يسعى عليه ألف غلام، وكل غلام على عمل ما عليه صاحبه. قال سفيان: ﴿حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤاً مَّنثُوراً﴾ قال: "في كثرة اللؤلؤ وفي بياض اللؤلؤ". وروى جابر بن عبد الله أن النبي ﷺ قال: "إنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ يَأْكُلُونَ وَيَشْرَبُونَ وَلاَ يَبُولُونَ وَلاَ [يَتَغَوَّطُونَ] وَلاَ يَمْتَخِطُونَ، [يَصِيرُ] طَعَامُهُم وشَرَابُهُم [جُشَاءً]، وَرَشْحَ مِسِكٍ، يُلْهَمُونَ التَّسْبِيحَ والحَمْدَ كَمَا تُلْهَمُونَ النَّفْسَ ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيماً﴾. أي: وإذا رأيت - يا محمد - ما ثم رأيت نعيماً. وأكثر البصريين على أن ﴿ثَمَّ﴾ نصبه على الظرف، ولم يُعَدَّ ﴿رَأَيْتَ﴾، كما تقول: ظننت في الدار" فلا تعدي "ظننت". وقال الأخفش: ﴿ثَمَّ﴾ مفعول بها، و ﴿رَأَيْتَ﴾ بمعنى نظرت، و ﴿ثَمَّ﴾ إشارة إلى الجنة. * * - وقوله: ﴿وَمُلْكاً كَبِيراً﴾. أي: (و) رأيت مع النعيم ملكاً عظيماً. روي: أَنَّ أَدْنَى أَهْلِ الجَنَّةِ مَنْزِلَةً مَنْ يَنْظُرُ فِي مُلْكِهِ في مَسِيرَةِ أَلْفِ عَامٍ، يَرَى أَقْصَاهُ كَمَا يَرَى أَدْنَاهُ. وقيل: الملك الكبير هنا عني به تسليم الملائكة عليهم واستئذانهم عليهم. قاله مجاهد وسفيان. روى ابن عمر أن النبي ﷺ قال: "إِنَّ أَدْنَى أَهْلِ الجَنَّةِ مَنْزِلَةً لَيَنْظُرُ فِي مُلْكِهِ أَلْفَيْ عَامٍ، يَنْظُرُ أَزْوَاجَهِ وَسُرُرَهُ وَخَدَمَهُ، وَإِنَّ أَفْضَلَهُمْ مَنْزِلَةً لَيَنْظُرُ فِي وَجْهِ رَبِّهِ - جَلَّ وَعَزَّ - فِي كُلِّ يَوْمٍ مَرَّتَيْنِ قال أحمد بن ثعلبة عن أبيه أنه (قال) في قوله تعالى: ﴿وَمُلْكاً كَبِيراً﴾ هو أ[ن] (رسول) رب العزة يأتيه بالتُّكف واللُطْفِ فلا يصل إليه إلا بحجاب، ومن داره إلى دار السلام باب يدخل منه على ربه إذا شاء بلا إذن، فذلك (الملك) الكبير. وقال الفزاري: لكل مؤمن في الجنة أربعة أبواب، باب يدخل عليه منه زواره من الملائكة، وباب تدخل عليه (منه) أزواجه الحور، وباب مقفل بينه وبين أهل النار يفتحه إذا شاء ينظر إليهم فتعظم النعمة عليه، وباب بينه وبين دار السلام يدخل على ربه إذا شاء. قال كعب: من الجنة إلى النار كِوَاءٌ يتطلع منها رجال من (أهل) الجنة إلى رجال من أهل النار ينظرون إلى عذابهم. ثم قرأ كعب: ﴿فَٱطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَآءِ ٱلْجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٥٥] أي: في وسطها. * * - ثم قال تعالى: ﴿عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُندُسٍ [خُضْرٌ] وَإِسْتَبْرَقٌ﴾. من أسكن الياء في ﴿عَالِيَهُمْ﴾ جعله مرفوعاً بالابتداء، وما بعده خَبَرُه، وشَاهِدُهُ أن في قراءة ابن مسعود "عَالِيَتُهُمْ ثياب". ومن فتح الياء جعله ظرفاً خبرَ (ابتداءٍ) مُقَدَّمٍ، وهو "ثِيَابٌ". وشَاهِدُهُ أن [مجاهداً] قرأ "عَلَيْهِمْ ثِيَابُ". والسندس: رقيق الديباج، والاستبرق: غليظه. فالمعنى: أن الثياب الخضر تعلو ثياب أهل الجنة. هذا على قراءة من رفع الخضر وخفض السندس. وقيل: معناه أن الثياب الخضر فوق حجالهم لا عليهم. قال الطبري: ﴿عَالِيَهُمْ﴾ أي: "فوقهم، يعني: فوق هؤلاء الأبرار ثياب سندس". هذا كله على قراءة من فتح الياء. ومن أسكنها فمعناه: ظاهرهم ثياب سندس. وقرأ ابن محيصن: "وَاسْتَبْرَقَ" بوصل الألف وفتح القاف. وهو لحن عند النحوين، لأنه لا يمتنع مثل هذا من الصرف في النكرة. ولأنه لا توصل ألف مثل هذا (في التسمية به)، لو سميت بِـ "اسْتَكْبَرَ" لقطعت الألف، لانتقاله من الأفعال إلى الأسماء. هذا قول الخليل وسيبويه. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَحُلُّوۤاْ أَسَاوِرَ مِن فِضَّةٍ﴾. أي: وحلاهم ربهم أساور من فضة، وهو جمع أسورة. * * - ثم قال: ﴿وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَاباً طَهُوراً﴾. أي: شراباً يصير رشْحاً في أبدانهم (كرشح المسك)، لا يصير بولاً نجساً كشراب الدنيا. قال النخعي: "إن الرجل من أهل الجنة (يُقْسَمُ له شهوة مائة رجل من أهل الدنيا) وأكلهم ونعمتهم، فإذا أكل سقي شراباً طهوراً فيصير رشحاً يخرج من جلده أطيب من المسك الأذفر، ثم تعود شهوته". * * - ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ هَـٰذَا كَانَ لَكُمْ جَزَآءً وَكَانَ سَعْيُكُم مَّشْكُوراً﴾. أي: يقال لهم: إن هذا النعيم الذي ذكر في الجنة كان لكم جزاء على أعمالكم في الدنيا وطاعتكم. وإن عملكم متقبلاً. قال قتادة: "غفر لهم الذنوب، وشكر لهم الحسن". وقال مرة أخرى: "لقد شكر سعياً قليلاً".

الإنسان 76:23

قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ ٱلْقُرْآنَ﴾، إلى آخر السورة. أي: إنا نحن - يا محمد - نزلنا عليك القرآن مع جبريل تنزيلاً ابتلاءً واختباراً فاصبر لما امتحنك به ربك من فرائضه وتبليغ رسالاته. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَلاَ تُطِعْ مِنْهُمْ ءَاثِماً أَوْ كَفُوراً﴾. قال الفراء: "أو" بمعنى الواو. والمعنى: ولا تطع منهم من أثم وكفر. [قال]: ويجوز أن يكون المعنى (و) لا تطيعن من أثم أو كفر بوجه فيكون مثل الواو في المعنى. والمعنى: (و) لا تطع منهم في معصية الله ﴿ءَاثِماً﴾ يريد بركوبه معاصيه ﴿أَوْ كَفُوراً﴾ أي: جحوداً لربه ولنعمه عنده. قال قتادة: نزلت في عدو الله أبي جهل قال: بلغنا أن أبا جهل قال: لئن رأيت محمداً يصلي لأطأن على عنقه، فأنزل الله: ﴿وَلاَ تُطِعْ مِنْهُمْ ءَاثِماً أَوْ كَفُوراً﴾. قال ابن زيد: الآثم (و) الظالم والكفور كله واحد. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَٱذْكُرِ ٱسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلاً﴾. أي: غدوة، يعني: صلاة الصبح ﴿وَأَصِيلاً﴾ يعني: وعَشياً، يعني صلاة الظهر والعصر. * * ثم قال: ﴿وَمِنَ ٱللَّيْلِ فَٱسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلاً طَوِيلاً﴾. قال ابن زيد: "كان هذا - أول شيء - فريضة، نحو قوله: ﴿قُمِ ٱلَّيلَ إِلاَّ قَلِيلاً * نِّصْفَهُ أَوِ ٱنقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ...﴾ [المزمل: ٢-٤]، فخفف الله هذا عن رسوله وعن الناس بقوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ﴾ [المزمل: ٢٠] الآية، فجعل ذلك نافلة فقال: ﴿وَمِنَ ٱلْلَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ﴾ [الإسراء: ٧٩] وتقدير الكلام: واسجد له من الليل وسبحه ليلاً طويلاً، فهو منسوخ بزوال فرض صلاة الليل كما ذكرنا وقيل: هو (على) الندب. وقيل: هو خصوص للنبي ﷺ. (وقد) قال ابن حبيب: إن قوله تعالى: ﴿وَٱذْكُرِ ٱسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً﴾ يعني الصبح. وقوله: ﴿وَأَصِيلاً﴾ يعني: الظهر والعصر. وقوله: ﴿وَمِنَ ٱللَّيْلِ فَٱسْجُدْ لَهُ﴾ يعني به المغرب والعشاء. فالآية محكمة جمعت الأمر بفرض الصلوات الخمس. * * - وقوله: ﴿وَسَبِّحْهُ لَيْلاً طَوِيلاً﴾. يعني قيام الليل والمنسوخ فرضه. وكذلك قوله تعالى: ﴿وَأَقِمِ ٱلصَّلاَةَ طَرَفَيِ ٱلنَّهَارِ﴾ [هود: ١١٤] فالطرف الأول صلاة الصبح، والطرف الآخر [صلاة] الظهر العصر. * * - وقوله: ﴿وَزُلَفاً مِّنَ ٱلَّيْلِ﴾ [هود: ١١٤] يعني المغرب والعشاء فهذه [الآية] أيضاً جمعت فرض الصلوات الخمس وأوقاتها. ومثل ذلك: ﴿أَقِمِ ٱلصَّلاَةَ لِدُلُوكِ ٱلشَّمْسِ﴾ [الإسراء: ٧٨] يعني: ميلها. وهو الظهر والعصر. * * وقوله: ﴿إِلَىٰ غَسَقِ ٱلَّيلِ﴾ [الإسراء: ٧٨]: (يعني المغرب والعشاء. - وقوله ﴿وَقُرْآنَ ٱلْفَجْرِ﴾ [الإسراء: ٧٨] يعني صلاة الصبح، فهذه أيضاً جمعت) فرض الصلوات الخمس وأوقاتها. وكذلك قوله تعالى: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ ٱلشَّمْسِ﴾ [طه: ١٣٠] يعني: صلاة الصبح، ﴿وَقَبْلَ غُرُوبِهَا﴾ [طه: ١٣٠] يعني: العصر. * * - وقوله: ﴿وَمِنْ [آنَآءِ] ٱلْلَّيْلِ [فَسَبِّحْ]﴾ [طه: ١٣٠] يعني: المغرب والعشاء. * * - وقوله: ﴿وَأَطْرَافَ ٱلنَّهَارِ﴾ [طه: ١٣٠] يعني: الظهر، لأن وقتها [يجمع] طرفي النهار. - وأما قوله: ﴿وَسَبِّحْ﴾ [غافر: ٥٥] و﴿بِحَمْدِ رَبِّكَ بِٱلْعَشِيِّ وَٱلإِبْكَارِ﴾ [غافر: ٥٥]، فإن ذلك نزل قبل فرض الصلوات الخمس، وكانت الصلاة ركعتين غدوة وركعتين عشية، فرضاً بهذه الآية، ثم نسخ ذلك بالصلوات الخمس. وأول صلاة صليت من الصلوات الخمس: الظهر، وبها بدأ جبريل، ولذلك سميت الأولى. * * - ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ هَـٰؤُلاَءِ يُحِبُّونَ ٱلْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَآءَهُمْ يَوْماً ثَقِيلاً﴾. أي: إن المشركين بالله - يا محمد - يحبون الدنيا والبقاء فيها، ويدعون خلف ظهورهم العمل للآخرة وما ينجيهم من عذاب الله. وقيل: معنى "وَرَاءَ" هنا: قدام. وقيل: التقدير: ويذرون عمل يوم ثقيل وراء ظهورهم. * * - ثم قال تعالى: ﴿نَّحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَآ أَسْرَهُمْ﴾. أي: "خلقهم". قاله ابن عباس، ومجاهد، وقتادة. وقال أبو هريرة: الأسر: المفاصل وقال ابن زيد: هو القوة. وقد قيل: هو موضع خروج الحدث. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَآ أَمْثَالَهُمْ تَبْدِيلاً﴾. أي: وإذا شئنا أهلكنا هؤلاء وجئنا بآخرين سواهم من جنسهم في الخلق، مخالفين لهم في العمل. هذا معنى قول ابن زيد. * * - ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ هَـٰذِهِ تَذْكِرَةٌ﴾. أي: إن هذه السورة والعظة والأمثال والقصص تذكرة وعظة لمن تذكر بها واتعظ. * * - ﴿فَمَن شَآءَ ٱتَّخَذَ إِلَىٰ رَبِّهِ سَبِيلاً﴾. هذا تهديد ووعيد. أي: من شاء عمل [عملاً] صالحاً يوصله إلى رحمة ربه. ومن شاء فليترك ذلك، فسيرى عقابه في الآخرة. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَمَا تَشَآءُونَ إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ﴾. أي: وما تشاءون اتخاذ الطريق إلى رضا الله ورحمته إلا بأن يشاء الله ذلك لكم لأن الأمر إليه لا إليكم. فـ "إن" في موضع نصب بحذف الجار. وقيل: هي في موضع خفض على إضماره. وجاز ذلك مع "أن" خاصة [لكثرة حذف] الجار معها. وفي حرف عبد الله: "وَمَا تَشَاءُونَ إِلاَّ مَا شَاءَ اللهُ". * * - ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً﴾. أي: عليماً بمن شاء أن يتخذ إلى ربه سبيلاً، حكيماً في تدبيره، لا يقدر أحد أن يخرج عن مراده ومشيئته. * * - ثم قال: ﴿يُدْخِلُ مَن يَشَآءُ فِي رَحْمَتِهِ﴾. أي: يوفق من يشاء إلى التوبة فيدخله بذلك في رحمته. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَٱلظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً﴾. أي: والذين ظلموا أنفسهم فلم يتوبوا من كفرهم حتى ماتوا عليه أَعَدَّ لَهمْ في الآخرة عذاباً مؤلماً، أي: موجعاً، وهو عذاب النار. فالمعنى أن الله جل ذكره (أعلمنا في) هذه الآية [أنه يشاء أن] يعذب الكفار وأن يرحم أهل طاعته. وانتصب (الظالمين) على إضمار فعل (في) معنى "(أ)عد"، كأنه قال: ويعذب الظالمين، [ولا يُضْمَرُ] "أَعَدَّ"، لأنه [لا يتعدى] إلا بحرف، فلا بد من إضمار فعل يتعدى بغير حرف يدل عليه "أعد"، وهو "يعذب" أو شبهه.

الإنسان 76:24

قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ ٱلْقُرْآنَ﴾، إلى آخر السورة. أي: إنا نحن - يا محمد - نزلنا عليك القرآن مع جبريل تنزيلاً ابتلاءً واختباراً فاصبر لما امتحنك به ربك من فرائضه وتبليغ رسالاته. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَلاَ تُطِعْ مِنْهُمْ ءَاثِماً أَوْ كَفُوراً﴾. قال الفراء: "أو" بمعنى الواو. والمعنى: ولا تطع منهم من أثم وكفر. [قال]: ويجوز أن يكون المعنى (و) لا تطيعن من أثم أو كفر بوجه فيكون مثل الواو في المعنى. والمعنى: (و) لا تطع منهم في معصية الله ﴿ءَاثِماً﴾ يريد بركوبه معاصيه ﴿أَوْ كَفُوراً﴾ أي: جحوداً لربه ولنعمه عنده. قال قتادة: نزلت في عدو الله أبي جهل قال: بلغنا أن أبا جهل قال: لئن رأيت محمداً يصلي لأطأن على عنقه، فأنزل الله: ﴿وَلاَ تُطِعْ مِنْهُمْ ءَاثِماً أَوْ كَفُوراً﴾. قال ابن زيد: الآثم (و) الظالم والكفور كله واحد. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَٱذْكُرِ ٱسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلاً﴾. أي: غدوة، يعني: صلاة الصبح ﴿وَأَصِيلاً﴾ يعني: وعَشياً، يعني صلاة الظهر والعصر. * * ثم قال: ﴿وَمِنَ ٱللَّيْلِ فَٱسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلاً طَوِيلاً﴾. قال ابن زيد: "كان هذا - أول شيء - فريضة، نحو قوله: ﴿قُمِ ٱلَّيلَ إِلاَّ قَلِيلاً * نِّصْفَهُ أَوِ ٱنقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ...﴾ [المزمل: ٢-٤]، فخفف الله هذا عن رسوله وعن الناس بقوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ﴾ [المزمل: ٢٠] الآية، فجعل ذلك نافلة فقال: ﴿وَمِنَ ٱلْلَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ﴾ [الإسراء: ٧٩] وتقدير الكلام: واسجد له من الليل وسبحه ليلاً طويلاً، فهو منسوخ بزوال فرض صلاة الليل كما ذكرنا وقيل: هو (على) الندب. وقيل: هو خصوص للنبي ﷺ. (وقد) قال ابن حبيب: إن قوله تعالى: ﴿وَٱذْكُرِ ٱسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً﴾ يعني الصبح. وقوله: ﴿وَأَصِيلاً﴾ يعني: الظهر والعصر. وقوله: ﴿وَمِنَ ٱللَّيْلِ فَٱسْجُدْ لَهُ﴾ يعني به المغرب والعشاء. فالآية محكمة جمعت الأمر بفرض الصلوات الخمس. * * - وقوله: ﴿وَسَبِّحْهُ لَيْلاً طَوِيلاً﴾. يعني قيام الليل والمنسوخ فرضه. وكذلك قوله تعالى: ﴿وَأَقِمِ ٱلصَّلاَةَ طَرَفَيِ ٱلنَّهَارِ﴾ [هود: ١١٤] فالطرف الأول صلاة الصبح، والطرف الآخر [صلاة] الظهر العصر. * * - وقوله: ﴿وَزُلَفاً مِّنَ ٱلَّيْلِ﴾ [هود: ١١٤] يعني المغرب والعشاء فهذه [الآية] أيضاً جمعت فرض الصلوات الخمس وأوقاتها. ومثل ذلك: ﴿أَقِمِ ٱلصَّلاَةَ لِدُلُوكِ ٱلشَّمْسِ﴾ [الإسراء: ٧٨] يعني: ميلها. وهو الظهر والعصر. * * وقوله: ﴿إِلَىٰ غَسَقِ ٱلَّيلِ﴾ [الإسراء: ٧٨]: (يعني المغرب والعشاء. - وقوله ﴿وَقُرْآنَ ٱلْفَجْرِ﴾ [الإسراء: ٧٨] يعني صلاة الصبح، فهذه أيضاً جمعت) فرض الصلوات الخمس وأوقاتها. وكذلك قوله تعالى: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ ٱلشَّمْسِ﴾ [طه: ١٣٠] يعني: صلاة الصبح، ﴿وَقَبْلَ غُرُوبِهَا﴾ [طه: ١٣٠] يعني: العصر. * * - وقوله: ﴿وَمِنْ [آنَآءِ] ٱلْلَّيْلِ [فَسَبِّحْ]﴾ [طه: ١٣٠] يعني: المغرب والعشاء. * * - وقوله: ﴿وَأَطْرَافَ ٱلنَّهَارِ﴾ [طه: ١٣٠] يعني: الظهر، لأن وقتها [يجمع] طرفي النهار. - وأما قوله: ﴿وَسَبِّحْ﴾ [غافر: ٥٥] و﴿بِحَمْدِ رَبِّكَ بِٱلْعَشِيِّ وَٱلإِبْكَارِ﴾ [غافر: ٥٥]، فإن ذلك نزل قبل فرض الصلوات الخمس، وكانت الصلاة ركعتين غدوة وركعتين عشية، فرضاً بهذه الآية، ثم نسخ ذلك بالصلوات الخمس. وأول صلاة صليت من الصلوات الخمس: الظهر، وبها بدأ جبريل، ولذلك سميت الأولى. * * - ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ هَـٰؤُلاَءِ يُحِبُّونَ ٱلْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَآءَهُمْ يَوْماً ثَقِيلاً﴾. أي: إن المشركين بالله - يا محمد - يحبون الدنيا والبقاء فيها، ويدعون خلف ظهورهم العمل للآخرة وما ينجيهم من عذاب الله. وقيل: معنى "وَرَاءَ" هنا: قدام. وقيل: التقدير: ويذرون عمل يوم ثقيل وراء ظهورهم. * * - ثم قال تعالى: ﴿نَّحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَآ أَسْرَهُمْ﴾. أي: "خلقهم". قاله ابن عباس، ومجاهد، وقتادة. وقال أبو هريرة: الأسر: المفاصل وقال ابن زيد: هو القوة. وقد قيل: هو موضع خروج الحدث. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَآ أَمْثَالَهُمْ تَبْدِيلاً﴾. أي: وإذا شئنا أهلكنا هؤلاء وجئنا بآخرين سواهم من جنسهم في الخلق، مخالفين لهم في العمل. هذا معنى قول ابن زيد. * * - ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ هَـٰذِهِ تَذْكِرَةٌ﴾. أي: إن هذه السورة والعظة والأمثال والقصص تذكرة وعظة لمن تذكر بها واتعظ. * * - ﴿فَمَن شَآءَ ٱتَّخَذَ إِلَىٰ رَبِّهِ سَبِيلاً﴾. هذا تهديد ووعيد. أي: من شاء عمل [عملاً] صالحاً يوصله إلى رحمة ربه. ومن شاء فليترك ذلك، فسيرى عقابه في الآخرة. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَمَا تَشَآءُونَ إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ﴾. أي: وما تشاءون اتخاذ الطريق إلى رضا الله ورحمته إلا بأن يشاء الله ذلك لكم لأن الأمر إليه لا إليكم. فـ "إن" في موضع نصب بحذف الجار. وقيل: هي في موضع خفض على إضماره. وجاز ذلك مع "أن" خاصة [لكثرة حذف] الجار معها. وفي حرف عبد الله: "وَمَا تَشَاءُونَ إِلاَّ مَا شَاءَ اللهُ". * * - ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً﴾. أي: عليماً بمن شاء أن يتخذ إلى ربه سبيلاً، حكيماً في تدبيره، لا يقدر أحد أن يخرج عن مراده ومشيئته. * * - ثم قال: ﴿يُدْخِلُ مَن يَشَآءُ فِي رَحْمَتِهِ﴾. أي: يوفق من يشاء إلى التوبة فيدخله بذلك في رحمته. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَٱلظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً﴾. أي: والذين ظلموا أنفسهم فلم يتوبوا من كفرهم حتى ماتوا عليه أَعَدَّ لَهمْ في الآخرة عذاباً مؤلماً، أي: موجعاً، وهو عذاب النار. فالمعنى أن الله جل ذكره (أعلمنا في) هذه الآية [أنه يشاء أن] يعذب الكفار وأن يرحم أهل طاعته. وانتصب (الظالمين) على إضمار فعل (في) معنى "(أ)عد"، كأنه قال: ويعذب الظالمين، [ولا يُضْمَرُ] "أَعَدَّ"، لأنه [لا يتعدى] إلا بحرف، فلا بد من إضمار فعل يتعدى بغير حرف يدل عليه "أعد"، وهو "يعذب" أو شبهه.

الإنسان 76:25

قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ ٱلْقُرْآنَ﴾، إلى آخر السورة. أي: إنا نحن - يا محمد - نزلنا عليك القرآن مع جبريل تنزيلاً ابتلاءً واختباراً فاصبر لما امتحنك به ربك من فرائضه وتبليغ رسالاته. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَلاَ تُطِعْ مِنْهُمْ ءَاثِماً أَوْ كَفُوراً﴾. قال الفراء: "أو" بمعنى الواو. والمعنى: ولا تطع منهم من أثم وكفر. [قال]: ويجوز أن يكون المعنى (و) لا تطيعن من أثم أو كفر بوجه فيكون مثل الواو في المعنى. والمعنى: (و) لا تطع منهم في معصية الله ﴿ءَاثِماً﴾ يريد بركوبه معاصيه ﴿أَوْ كَفُوراً﴾ أي: جحوداً لربه ولنعمه عنده. قال قتادة: نزلت في عدو الله أبي جهل قال: بلغنا أن أبا جهل قال: لئن رأيت محمداً يصلي لأطأن على عنقه، فأنزل الله: ﴿وَلاَ تُطِعْ مِنْهُمْ ءَاثِماً أَوْ كَفُوراً﴾. قال ابن زيد: الآثم (و) الظالم والكفور كله واحد. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَٱذْكُرِ ٱسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلاً﴾. أي: غدوة، يعني: صلاة الصبح ﴿وَأَصِيلاً﴾ يعني: وعَشياً، يعني صلاة الظهر والعصر. * * ثم قال: ﴿وَمِنَ ٱللَّيْلِ فَٱسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلاً طَوِيلاً﴾. قال ابن زيد: "كان هذا - أول شيء - فريضة، نحو قوله: ﴿قُمِ ٱلَّيلَ إِلاَّ قَلِيلاً * نِّصْفَهُ أَوِ ٱنقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ...﴾ [المزمل: ٢-٤]، فخفف الله هذا عن رسوله وعن الناس بقوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ﴾ [المزمل: ٢٠] الآية، فجعل ذلك نافلة فقال: ﴿وَمِنَ ٱلْلَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ﴾ [الإسراء: ٧٩] وتقدير الكلام: واسجد له من الليل وسبحه ليلاً طويلاً، فهو منسوخ بزوال فرض صلاة الليل كما ذكرنا وقيل: هو (على) الندب. وقيل: هو خصوص للنبي ﷺ. (وقد) قال ابن حبيب: إن قوله تعالى: ﴿وَٱذْكُرِ ٱسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً﴾ يعني الصبح. وقوله: ﴿وَأَصِيلاً﴾ يعني: الظهر والعصر. وقوله: ﴿وَمِنَ ٱللَّيْلِ فَٱسْجُدْ لَهُ﴾ يعني به المغرب والعشاء. فالآية محكمة جمعت الأمر بفرض الصلوات الخمس. * * - وقوله: ﴿وَسَبِّحْهُ لَيْلاً طَوِيلاً﴾. يعني قيام الليل والمنسوخ فرضه. وكذلك قوله تعالى: ﴿وَأَقِمِ ٱلصَّلاَةَ طَرَفَيِ ٱلنَّهَارِ﴾ [هود: ١١٤] فالطرف الأول صلاة الصبح، والطرف الآخر [صلاة] الظهر العصر. * * - وقوله: ﴿وَزُلَفاً مِّنَ ٱلَّيْلِ﴾ [هود: ١١٤] يعني المغرب والعشاء فهذه [الآية] أيضاً جمعت فرض الصلوات الخمس وأوقاتها. ومثل ذلك: ﴿أَقِمِ ٱلصَّلاَةَ لِدُلُوكِ ٱلشَّمْسِ﴾ [الإسراء: ٧٨] يعني: ميلها. وهو الظهر والعصر. * * وقوله: ﴿إِلَىٰ غَسَقِ ٱلَّيلِ﴾ [الإسراء: ٧٨]: (يعني المغرب والعشاء. - وقوله ﴿وَقُرْآنَ ٱلْفَجْرِ﴾ [الإسراء: ٧٨] يعني صلاة الصبح، فهذه أيضاً جمعت) فرض الصلوات الخمس وأوقاتها. وكذلك قوله تعالى: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ ٱلشَّمْسِ﴾ [طه: ١٣٠] يعني: صلاة الصبح، ﴿وَقَبْلَ غُرُوبِهَا﴾ [طه: ١٣٠] يعني: العصر. * * - وقوله: ﴿وَمِنْ [آنَآءِ] ٱلْلَّيْلِ [فَسَبِّحْ]﴾ [طه: ١٣٠] يعني: المغرب والعشاء. * * - وقوله: ﴿وَأَطْرَافَ ٱلنَّهَارِ﴾ [طه: ١٣٠] يعني: الظهر، لأن وقتها [يجمع] طرفي النهار. - وأما قوله: ﴿وَسَبِّحْ﴾ [غافر: ٥٥] و﴿بِحَمْدِ رَبِّكَ بِٱلْعَشِيِّ وَٱلإِبْكَارِ﴾ [غافر: ٥٥]، فإن ذلك نزل قبل فرض الصلوات الخمس، وكانت الصلاة ركعتين غدوة وركعتين عشية، فرضاً بهذه الآية، ثم نسخ ذلك بالصلوات الخمس. وأول صلاة صليت من الصلوات الخمس: الظهر، وبها بدأ جبريل، ولذلك سميت الأولى. * * - ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ هَـٰؤُلاَءِ يُحِبُّونَ ٱلْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَآءَهُمْ يَوْماً ثَقِيلاً﴾. أي: إن المشركين بالله - يا محمد - يحبون الدنيا والبقاء فيها، ويدعون خلف ظهورهم العمل للآخرة وما ينجيهم من عذاب الله. وقيل: معنى "وَرَاءَ" هنا: قدام. وقيل: التقدير: ويذرون عمل يوم ثقيل وراء ظهورهم. * * - ثم قال تعالى: ﴿نَّحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَآ أَسْرَهُمْ﴾. أي: "خلقهم". قاله ابن عباس، ومجاهد، وقتادة. وقال أبو هريرة: الأسر: المفاصل وقال ابن زيد: هو القوة. وقد قيل: هو موضع خروج الحدث. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَآ أَمْثَالَهُمْ تَبْدِيلاً﴾. أي: وإذا شئنا أهلكنا هؤلاء وجئنا بآخرين سواهم من جنسهم في الخلق، مخالفين لهم في العمل. هذا معنى قول ابن زيد. * * - ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ هَـٰذِهِ تَذْكِرَةٌ﴾. أي: إن هذه السورة والعظة والأمثال والقصص تذكرة وعظة لمن تذكر بها واتعظ. * * - ﴿فَمَن شَآءَ ٱتَّخَذَ إِلَىٰ رَبِّهِ سَبِيلاً﴾. هذا تهديد ووعيد. أي: من شاء عمل [عملاً] صالحاً يوصله إلى رحمة ربه. ومن شاء فليترك ذلك، فسيرى عقابه في الآخرة. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَمَا تَشَآءُونَ إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ﴾. أي: وما تشاءون اتخاذ الطريق إلى رضا الله ورحمته إلا بأن يشاء الله ذلك لكم لأن الأمر إليه لا إليكم. فـ "إن" في موضع نصب بحذف الجار. وقيل: هي في موضع خفض على إضماره. وجاز ذلك مع "أن" خاصة [لكثرة حذف] الجار معها. وفي حرف عبد الله: "وَمَا تَشَاءُونَ إِلاَّ مَا شَاءَ اللهُ". * * - ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً﴾. أي: عليماً بمن شاء أن يتخذ إلى ربه سبيلاً، حكيماً في تدبيره، لا يقدر أحد أن يخرج عن مراده ومشيئته. * * - ثم قال: ﴿يُدْخِلُ مَن يَشَآءُ فِي رَحْمَتِهِ﴾. أي: يوفق من يشاء إلى التوبة فيدخله بذلك في رحمته. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَٱلظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً﴾. أي: والذين ظلموا أنفسهم فلم يتوبوا من كفرهم حتى ماتوا عليه أَعَدَّ لَهمْ في الآخرة عذاباً مؤلماً، أي: موجعاً، وهو عذاب النار. فالمعنى أن الله جل ذكره (أعلمنا في) هذه الآية [أنه يشاء أن] يعذب الكفار وأن يرحم أهل طاعته. وانتصب (الظالمين) على إضمار فعل (في) معنى "(أ)عد"، كأنه قال: ويعذب الظالمين، [ولا يُضْمَرُ] "أَعَدَّ"، لأنه [لا يتعدى] إلا بحرف، فلا بد من إضمار فعل يتعدى بغير حرف يدل عليه "أعد"، وهو "يعذب" أو شبهه.

الإنسان 76:26

قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ ٱلْقُرْآنَ﴾، إلى آخر السورة. أي: إنا نحن - يا محمد - نزلنا عليك القرآن مع جبريل تنزيلاً ابتلاءً واختباراً فاصبر لما امتحنك به ربك من فرائضه وتبليغ رسالاته. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَلاَ تُطِعْ مِنْهُمْ ءَاثِماً أَوْ كَفُوراً﴾. قال الفراء: "أو" بمعنى الواو. والمعنى: ولا تطع منهم من أثم وكفر. [قال]: ويجوز أن يكون المعنى (و) لا تطيعن من أثم أو كفر بوجه فيكون مثل الواو في المعنى. والمعنى: (و) لا تطع منهم في معصية الله ﴿ءَاثِماً﴾ يريد بركوبه معاصيه ﴿أَوْ كَفُوراً﴾ أي: جحوداً لربه ولنعمه عنده. قال قتادة: نزلت في عدو الله أبي جهل قال: بلغنا أن أبا جهل قال: لئن رأيت محمداً يصلي لأطأن على عنقه، فأنزل الله: ﴿وَلاَ تُطِعْ مِنْهُمْ ءَاثِماً أَوْ كَفُوراً﴾. قال ابن زيد: الآثم (و) الظالم والكفور كله واحد. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَٱذْكُرِ ٱسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلاً﴾. أي: غدوة، يعني: صلاة الصبح ﴿وَأَصِيلاً﴾ يعني: وعَشياً، يعني صلاة الظهر والعصر. * * ثم قال: ﴿وَمِنَ ٱللَّيْلِ فَٱسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلاً طَوِيلاً﴾. قال ابن زيد: "كان هذا - أول شيء - فريضة، نحو قوله: ﴿قُمِ ٱلَّيلَ إِلاَّ قَلِيلاً * نِّصْفَهُ أَوِ ٱنقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ...﴾ [المزمل: ٢-٤]، فخفف الله هذا عن رسوله وعن الناس بقوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ﴾ [المزمل: ٢٠] الآية، فجعل ذلك نافلة فقال: ﴿وَمِنَ ٱلْلَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ﴾ [الإسراء: ٧٩] وتقدير الكلام: واسجد له من الليل وسبحه ليلاً طويلاً، فهو منسوخ بزوال فرض صلاة الليل كما ذكرنا وقيل: هو (على) الندب. وقيل: هو خصوص للنبي ﷺ. (وقد) قال ابن حبيب: إن قوله تعالى: ﴿وَٱذْكُرِ ٱسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً﴾ يعني الصبح. وقوله: ﴿وَأَصِيلاً﴾ يعني: الظهر والعصر. وقوله: ﴿وَمِنَ ٱللَّيْلِ فَٱسْجُدْ لَهُ﴾ يعني به المغرب والعشاء. فالآية محكمة جمعت الأمر بفرض الصلوات الخمس. * * - وقوله: ﴿وَسَبِّحْهُ لَيْلاً طَوِيلاً﴾. يعني قيام الليل والمنسوخ فرضه. وكذلك قوله تعالى: ﴿وَأَقِمِ ٱلصَّلاَةَ طَرَفَيِ ٱلنَّهَارِ﴾ [هود: ١١٤] فالطرف الأول صلاة الصبح، والطرف الآخر [صلاة] الظهر العصر. * * - وقوله: ﴿وَزُلَفاً مِّنَ ٱلَّيْلِ﴾ [هود: ١١٤] يعني المغرب والعشاء فهذه [الآية] أيضاً جمعت فرض الصلوات الخمس وأوقاتها. ومثل ذلك: ﴿أَقِمِ ٱلصَّلاَةَ لِدُلُوكِ ٱلشَّمْسِ﴾ [الإسراء: ٧٨] يعني: ميلها. وهو الظهر والعصر. * * وقوله: ﴿إِلَىٰ غَسَقِ ٱلَّيلِ﴾ [الإسراء: ٧٨]: (يعني المغرب والعشاء. - وقوله ﴿وَقُرْآنَ ٱلْفَجْرِ﴾ [الإسراء: ٧٨] يعني صلاة الصبح، فهذه أيضاً جمعت) فرض الصلوات الخمس وأوقاتها. وكذلك قوله تعالى: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ ٱلشَّمْسِ﴾ [طه: ١٣٠] يعني: صلاة الصبح، ﴿وَقَبْلَ غُرُوبِهَا﴾ [طه: ١٣٠] يعني: العصر. * * - وقوله: ﴿وَمِنْ [آنَآءِ] ٱلْلَّيْلِ [فَسَبِّحْ]﴾ [طه: ١٣٠] يعني: المغرب والعشاء. * * - وقوله: ﴿وَأَطْرَافَ ٱلنَّهَارِ﴾ [طه: ١٣٠] يعني: الظهر، لأن وقتها [يجمع] طرفي النهار. - وأما قوله: ﴿وَسَبِّحْ﴾ [غافر: ٥٥] و﴿بِحَمْدِ رَبِّكَ بِٱلْعَشِيِّ وَٱلإِبْكَارِ﴾ [غافر: ٥٥]، فإن ذلك نزل قبل فرض الصلوات الخمس، وكانت الصلاة ركعتين غدوة وركعتين عشية، فرضاً بهذه الآية، ثم نسخ ذلك بالصلوات الخمس. وأول صلاة صليت من الصلوات الخمس: الظهر، وبها بدأ جبريل، ولذلك سميت الأولى. * * - ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ هَـٰؤُلاَءِ يُحِبُّونَ ٱلْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَآءَهُمْ يَوْماً ثَقِيلاً﴾. أي: إن المشركين بالله - يا محمد - يحبون الدنيا والبقاء فيها، ويدعون خلف ظهورهم العمل للآخرة وما ينجيهم من عذاب الله. وقيل: معنى "وَرَاءَ" هنا: قدام. وقيل: التقدير: ويذرون عمل يوم ثقيل وراء ظهورهم. * * - ثم قال تعالى: ﴿نَّحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَآ أَسْرَهُمْ﴾. أي: "خلقهم". قاله ابن عباس، ومجاهد، وقتادة. وقال أبو هريرة: الأسر: المفاصل وقال ابن زيد: هو القوة. وقد قيل: هو موضع خروج الحدث. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَآ أَمْثَالَهُمْ تَبْدِيلاً﴾. أي: وإذا شئنا أهلكنا هؤلاء وجئنا بآخرين سواهم من جنسهم في الخلق، مخالفين لهم في العمل. هذا معنى قول ابن زيد. * * - ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ هَـٰذِهِ تَذْكِرَةٌ﴾. أي: إن هذه السورة والعظة والأمثال والقصص تذكرة وعظة لمن تذكر بها واتعظ. * * - ﴿فَمَن شَآءَ ٱتَّخَذَ إِلَىٰ رَبِّهِ سَبِيلاً﴾. هذا تهديد ووعيد. أي: من شاء عمل [عملاً] صالحاً يوصله إلى رحمة ربه. ومن شاء فليترك ذلك، فسيرى عقابه في الآخرة. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَمَا تَشَآءُونَ إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ﴾. أي: وما تشاءون اتخاذ الطريق إلى رضا الله ورحمته إلا بأن يشاء الله ذلك لكم لأن الأمر إليه لا إليكم. فـ "إن" في موضع نصب بحذف الجار. وقيل: هي في موضع خفض على إضماره. وجاز ذلك مع "أن" خاصة [لكثرة حذف] الجار معها. وفي حرف عبد الله: "وَمَا تَشَاءُونَ إِلاَّ مَا شَاءَ اللهُ". * * - ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً﴾. أي: عليماً بمن شاء أن يتخذ إلى ربه سبيلاً، حكيماً في تدبيره، لا يقدر أحد أن يخرج عن مراده ومشيئته. * * - ثم قال: ﴿يُدْخِلُ مَن يَشَآءُ فِي رَحْمَتِهِ﴾. أي: يوفق من يشاء إلى التوبة فيدخله بذلك في رحمته. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَٱلظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً﴾. أي: والذين ظلموا أنفسهم فلم يتوبوا من كفرهم حتى ماتوا عليه أَعَدَّ لَهمْ في الآخرة عذاباً مؤلماً، أي: موجعاً، وهو عذاب النار. فالمعنى أن الله جل ذكره (أعلمنا في) هذه الآية [أنه يشاء أن] يعذب الكفار وأن يرحم أهل طاعته. وانتصب (الظالمين) على إضمار فعل (في) معنى "(أ)عد"، كأنه قال: ويعذب الظالمين، [ولا يُضْمَرُ] "أَعَدَّ"، لأنه [لا يتعدى] إلا بحرف، فلا بد من إضمار فعل يتعدى بغير حرف يدل عليه "أعد"، وهو "يعذب" أو شبهه.

الإنسان 76:27

قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ ٱلْقُرْآنَ﴾، إلى آخر السورة. أي: إنا نحن - يا محمد - نزلنا عليك القرآن مع جبريل تنزيلاً ابتلاءً واختباراً فاصبر لما امتحنك به ربك من فرائضه وتبليغ رسالاته. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَلاَ تُطِعْ مِنْهُمْ ءَاثِماً أَوْ كَفُوراً﴾. قال الفراء: "أو" بمعنى الواو. والمعنى: ولا تطع منهم من أثم وكفر. [قال]: ويجوز أن يكون المعنى (و) لا تطيعن من أثم أو كفر بوجه فيكون مثل الواو في المعنى. والمعنى: (و) لا تطع منهم في معصية الله ﴿ءَاثِماً﴾ يريد بركوبه معاصيه ﴿أَوْ كَفُوراً﴾ أي: جحوداً لربه ولنعمه عنده. قال قتادة: نزلت في عدو الله أبي جهل قال: بلغنا أن أبا جهل قال: لئن رأيت محمداً يصلي لأطأن على عنقه، فأنزل الله: ﴿وَلاَ تُطِعْ مِنْهُمْ ءَاثِماً أَوْ كَفُوراً﴾. قال ابن زيد: الآثم (و) الظالم والكفور كله واحد. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَٱذْكُرِ ٱسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلاً﴾. أي: غدوة، يعني: صلاة الصبح ﴿وَأَصِيلاً﴾ يعني: وعَشياً، يعني صلاة الظهر والعصر. * * ثم قال: ﴿وَمِنَ ٱللَّيْلِ فَٱسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلاً طَوِيلاً﴾. قال ابن زيد: "كان هذا - أول شيء - فريضة، نحو قوله: ﴿قُمِ ٱلَّيلَ إِلاَّ قَلِيلاً * نِّصْفَهُ أَوِ ٱنقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ...﴾ [المزمل: ٢-٤]، فخفف الله هذا عن رسوله وعن الناس بقوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ﴾ [المزمل: ٢٠] الآية، فجعل ذلك نافلة فقال: ﴿وَمِنَ ٱلْلَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ﴾ [الإسراء: ٧٩] وتقدير الكلام: واسجد له من الليل وسبحه ليلاً طويلاً، فهو منسوخ بزوال فرض صلاة الليل كما ذكرنا وقيل: هو (على) الندب. وقيل: هو خصوص للنبي ﷺ. (وقد) قال ابن حبيب: إن قوله تعالى: ﴿وَٱذْكُرِ ٱسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً﴾ يعني الصبح. وقوله: ﴿وَأَصِيلاً﴾ يعني: الظهر والعصر. وقوله: ﴿وَمِنَ ٱللَّيْلِ فَٱسْجُدْ لَهُ﴾ يعني به المغرب والعشاء. فالآية محكمة جمعت الأمر بفرض الصلوات الخمس. * * - وقوله: ﴿وَسَبِّحْهُ لَيْلاً طَوِيلاً﴾. يعني قيام الليل والمنسوخ فرضه. وكذلك قوله تعالى: ﴿وَأَقِمِ ٱلصَّلاَةَ طَرَفَيِ ٱلنَّهَارِ﴾ [هود: ١١٤] فالطرف الأول صلاة الصبح، والطرف الآخر [صلاة] الظهر العصر. * * - وقوله: ﴿وَزُلَفاً مِّنَ ٱلَّيْلِ﴾ [هود: ١١٤] يعني المغرب والعشاء فهذه [الآية] أيضاً جمعت فرض الصلوات الخمس وأوقاتها. ومثل ذلك: ﴿أَقِمِ ٱلصَّلاَةَ لِدُلُوكِ ٱلشَّمْسِ﴾ [الإسراء: ٧٨] يعني: ميلها. وهو الظهر والعصر. * * وقوله: ﴿إِلَىٰ غَسَقِ ٱلَّيلِ﴾ [الإسراء: ٧٨]: (يعني المغرب والعشاء. - وقوله ﴿وَقُرْآنَ ٱلْفَجْرِ﴾ [الإسراء: ٧٨] يعني صلاة الصبح، فهذه أيضاً جمعت) فرض الصلوات الخمس وأوقاتها. وكذلك قوله تعالى: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ ٱلشَّمْسِ﴾ [طه: ١٣٠] يعني: صلاة الصبح، ﴿وَقَبْلَ غُرُوبِهَا﴾ [طه: ١٣٠] يعني: العصر. * * - وقوله: ﴿وَمِنْ [آنَآءِ] ٱلْلَّيْلِ [فَسَبِّحْ]﴾ [طه: ١٣٠] يعني: المغرب والعشاء. * * - وقوله: ﴿وَأَطْرَافَ ٱلنَّهَارِ﴾ [طه: ١٣٠] يعني: الظهر، لأن وقتها [يجمع] طرفي النهار. - وأما قوله: ﴿وَسَبِّحْ﴾ [غافر: ٥٥] و﴿بِحَمْدِ رَبِّكَ بِٱلْعَشِيِّ وَٱلإِبْكَارِ﴾ [غافر: ٥٥]، فإن ذلك نزل قبل فرض الصلوات الخمس، وكانت الصلاة ركعتين غدوة وركعتين عشية، فرضاً بهذه الآية، ثم نسخ ذلك بالصلوات الخمس. وأول صلاة صليت من الصلوات الخمس: الظهر، وبها بدأ جبريل، ولذلك سميت الأولى. * * - ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ هَـٰؤُلاَءِ يُحِبُّونَ ٱلْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَآءَهُمْ يَوْماً ثَقِيلاً﴾. أي: إن المشركين بالله - يا محمد - يحبون الدنيا والبقاء فيها، ويدعون خلف ظهورهم العمل للآخرة وما ينجيهم من عذاب الله. وقيل: معنى "وَرَاءَ" هنا: قدام. وقيل: التقدير: ويذرون عمل يوم ثقيل وراء ظهورهم. * * - ثم قال تعالى: ﴿نَّحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَآ أَسْرَهُمْ﴾. أي: "خلقهم". قاله ابن عباس، ومجاهد، وقتادة. وقال أبو هريرة: الأسر: المفاصل وقال ابن زيد: هو القوة. وقد قيل: هو موضع خروج الحدث. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَآ أَمْثَالَهُمْ تَبْدِيلاً﴾. أي: وإذا شئنا أهلكنا هؤلاء وجئنا بآخرين سواهم من جنسهم في الخلق، مخالفين لهم في العمل. هذا معنى قول ابن زيد. * * - ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ هَـٰذِهِ تَذْكِرَةٌ﴾. أي: إن هذه السورة والعظة والأمثال والقصص تذكرة وعظة لمن تذكر بها واتعظ. * * - ﴿فَمَن شَآءَ ٱتَّخَذَ إِلَىٰ رَبِّهِ سَبِيلاً﴾. هذا تهديد ووعيد. أي: من شاء عمل [عملاً] صالحاً يوصله إلى رحمة ربه. ومن شاء فليترك ذلك، فسيرى عقابه في الآخرة. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَمَا تَشَآءُونَ إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ﴾. أي: وما تشاءون اتخاذ الطريق إلى رضا الله ورحمته إلا بأن يشاء الله ذلك لكم لأن الأمر إليه لا إليكم. فـ "إن" في موضع نصب بحذف الجار. وقيل: هي في موضع خفض على إضماره. وجاز ذلك مع "أن" خاصة [لكثرة حذف] الجار معها. وفي حرف عبد الله: "وَمَا تَشَاءُونَ إِلاَّ مَا شَاءَ اللهُ". * * - ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً﴾. أي: عليماً بمن شاء أن يتخذ إلى ربه سبيلاً، حكيماً في تدبيره، لا يقدر أحد أن يخرج عن مراده ومشيئته. * * - ثم قال: ﴿يُدْخِلُ مَن يَشَآءُ فِي رَحْمَتِهِ﴾. أي: يوفق من يشاء إلى التوبة فيدخله بذلك في رحمته. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَٱلظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً﴾. أي: والذين ظلموا أنفسهم فلم يتوبوا من كفرهم حتى ماتوا عليه أَعَدَّ لَهمْ في الآخرة عذاباً مؤلماً، أي: موجعاً، وهو عذاب النار. فالمعنى أن الله جل ذكره (أعلمنا في) هذه الآية [أنه يشاء أن] يعذب الكفار وأن يرحم أهل طاعته. وانتصب (الظالمين) على إضمار فعل (في) معنى "(أ)عد"، كأنه قال: ويعذب الظالمين، [ولا يُضْمَرُ] "أَعَدَّ"، لأنه [لا يتعدى] إلا بحرف، فلا بد من إضمار فعل يتعدى بغير حرف يدل عليه "أعد"، وهو "يعذب" أو شبهه.

الإنسان 76:28

قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ ٱلْقُرْآنَ﴾، إلى آخر السورة. أي: إنا نحن - يا محمد - نزلنا عليك القرآن مع جبريل تنزيلاً ابتلاءً واختباراً فاصبر لما امتحنك به ربك من فرائضه وتبليغ رسالاته. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَلاَ تُطِعْ مِنْهُمْ ءَاثِماً أَوْ كَفُوراً﴾. قال الفراء: "أو" بمعنى الواو. والمعنى: ولا تطع منهم من أثم وكفر. [قال]: ويجوز أن يكون المعنى (و) لا تطيعن من أثم أو كفر بوجه فيكون مثل الواو في المعنى. والمعنى: (و) لا تطع منهم في معصية الله ﴿ءَاثِماً﴾ يريد بركوبه معاصيه ﴿أَوْ كَفُوراً﴾ أي: جحوداً لربه ولنعمه عنده. قال قتادة: نزلت في عدو الله أبي جهل قال: بلغنا أن أبا جهل قال: لئن رأيت محمداً يصلي لأطأن على عنقه، فأنزل الله: ﴿وَلاَ تُطِعْ مِنْهُمْ ءَاثِماً أَوْ كَفُوراً﴾. قال ابن زيد: الآثم (و) الظالم والكفور كله واحد. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَٱذْكُرِ ٱسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلاً﴾. أي: غدوة، يعني: صلاة الصبح ﴿وَأَصِيلاً﴾ يعني: وعَشياً، يعني صلاة الظهر والعصر. * * ثم قال: ﴿وَمِنَ ٱللَّيْلِ فَٱسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلاً طَوِيلاً﴾. قال ابن زيد: "كان هذا - أول شيء - فريضة، نحو قوله: ﴿قُمِ ٱلَّيلَ إِلاَّ قَلِيلاً * نِّصْفَهُ أَوِ ٱنقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ...﴾ [المزمل: ٢-٤]، فخفف الله هذا عن رسوله وعن الناس بقوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ﴾ [المزمل: ٢٠] الآية، فجعل ذلك نافلة فقال: ﴿وَمِنَ ٱلْلَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ﴾ [الإسراء: ٧٩] وتقدير الكلام: واسجد له من الليل وسبحه ليلاً طويلاً، فهو منسوخ بزوال فرض صلاة الليل كما ذكرنا وقيل: هو (على) الندب. وقيل: هو خصوص للنبي ﷺ. (وقد) قال ابن حبيب: إن قوله تعالى: ﴿وَٱذْكُرِ ٱسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً﴾ يعني الصبح. وقوله: ﴿وَأَصِيلاً﴾ يعني: الظهر والعصر. وقوله: ﴿وَمِنَ ٱللَّيْلِ فَٱسْجُدْ لَهُ﴾ يعني به المغرب والعشاء. فالآية محكمة جمعت الأمر بفرض الصلوات الخمس. * * - وقوله: ﴿وَسَبِّحْهُ لَيْلاً طَوِيلاً﴾. يعني قيام الليل والمنسوخ فرضه. وكذلك قوله تعالى: ﴿وَأَقِمِ ٱلصَّلاَةَ طَرَفَيِ ٱلنَّهَارِ﴾ [هود: ١١٤] فالطرف الأول صلاة الصبح، والطرف الآخر [صلاة] الظهر العصر. * * - وقوله: ﴿وَزُلَفاً مِّنَ ٱلَّيْلِ﴾ [هود: ١١٤] يعني المغرب والعشاء فهذه [الآية] أيضاً جمعت فرض الصلوات الخمس وأوقاتها. ومثل ذلك: ﴿أَقِمِ ٱلصَّلاَةَ لِدُلُوكِ ٱلشَّمْسِ﴾ [الإسراء: ٧٨] يعني: ميلها. وهو الظهر والعصر. * * وقوله: ﴿إِلَىٰ غَسَقِ ٱلَّيلِ﴾ [الإسراء: ٧٨]: (يعني المغرب والعشاء. - وقوله ﴿وَقُرْآنَ ٱلْفَجْرِ﴾ [الإسراء: ٧٨] يعني صلاة الصبح، فهذه أيضاً جمعت) فرض الصلوات الخمس وأوقاتها. وكذلك قوله تعالى: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ ٱلشَّمْسِ﴾ [طه: ١٣٠] يعني: صلاة الصبح، ﴿وَقَبْلَ غُرُوبِهَا﴾ [طه: ١٣٠] يعني: العصر. * * - وقوله: ﴿وَمِنْ [آنَآءِ] ٱلْلَّيْلِ [فَسَبِّحْ]﴾ [طه: ١٣٠] يعني: المغرب والعشاء. * * - وقوله: ﴿وَأَطْرَافَ ٱلنَّهَارِ﴾ [طه: ١٣٠] يعني: الظهر، لأن وقتها [يجمع] طرفي النهار. - وأما قوله: ﴿وَسَبِّحْ﴾ [غافر: ٥٥] و﴿بِحَمْدِ رَبِّكَ بِٱلْعَشِيِّ وَٱلإِبْكَارِ﴾ [غافر: ٥٥]، فإن ذلك نزل قبل فرض الصلوات الخمس، وكانت الصلاة ركعتين غدوة وركعتين عشية، فرضاً بهذه الآية، ثم نسخ ذلك بالصلوات الخمس. وأول صلاة صليت من الصلوات الخمس: الظهر، وبها بدأ جبريل، ولذلك سميت الأولى. * * - ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ هَـٰؤُلاَءِ يُحِبُّونَ ٱلْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَآءَهُمْ يَوْماً ثَقِيلاً﴾. أي: إن المشركين بالله - يا محمد - يحبون الدنيا والبقاء فيها، ويدعون خلف ظهورهم العمل للآخرة وما ينجيهم من عذاب الله. وقيل: معنى "وَرَاءَ" هنا: قدام. وقيل: التقدير: ويذرون عمل يوم ثقيل وراء ظهورهم. * * - ثم قال تعالى: ﴿نَّحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَآ أَسْرَهُمْ﴾. أي: "خلقهم". قاله ابن عباس، ومجاهد، وقتادة. وقال أبو هريرة: الأسر: المفاصل وقال ابن زيد: هو القوة. وقد قيل: هو موضع خروج الحدث. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَآ أَمْثَالَهُمْ تَبْدِيلاً﴾. أي: وإذا شئنا أهلكنا هؤلاء وجئنا بآخرين سواهم من جنسهم في الخلق، مخالفين لهم في العمل. هذا معنى قول ابن زيد. * * - ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ هَـٰذِهِ تَذْكِرَةٌ﴾. أي: إن هذه السورة والعظة والأمثال والقصص تذكرة وعظة لمن تذكر بها واتعظ. * * - ﴿فَمَن شَآءَ ٱتَّخَذَ إِلَىٰ رَبِّهِ سَبِيلاً﴾. هذا تهديد ووعيد. أي: من شاء عمل [عملاً] صالحاً يوصله إلى رحمة ربه. ومن شاء فليترك ذلك، فسيرى عقابه في الآخرة. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَمَا تَشَآءُونَ إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ﴾. أي: وما تشاءون اتخاذ الطريق إلى رضا الله ورحمته إلا بأن يشاء الله ذلك لكم لأن الأمر إليه لا إليكم. فـ "إن" في موضع نصب بحذف الجار. وقيل: هي في موضع خفض على إضماره. وجاز ذلك مع "أن" خاصة [لكثرة حذف] الجار معها. وفي حرف عبد الله: "وَمَا تَشَاءُونَ إِلاَّ مَا شَاءَ اللهُ". * * - ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً﴾. أي: عليماً بمن شاء أن يتخذ إلى ربه سبيلاً، حكيماً في تدبيره، لا يقدر أحد أن يخرج عن مراده ومشيئته. * * - ثم قال: ﴿يُدْخِلُ مَن يَشَآءُ فِي رَحْمَتِهِ﴾. أي: يوفق من يشاء إلى التوبة فيدخله بذلك في رحمته. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَٱلظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً﴾. أي: والذين ظلموا أنفسهم فلم يتوبوا من كفرهم حتى ماتوا عليه أَعَدَّ لَهمْ في الآخرة عذاباً مؤلماً، أي: موجعاً، وهو عذاب النار. فالمعنى أن الله جل ذكره (أعلمنا في) هذه الآية [أنه يشاء أن] يعذب الكفار وأن يرحم أهل طاعته. وانتصب (الظالمين) على إضمار فعل (في) معنى "(أ)عد"، كأنه قال: ويعذب الظالمين، [ولا يُضْمَرُ] "أَعَدَّ"، لأنه [لا يتعدى] إلا بحرف، فلا بد من إضمار فعل يتعدى بغير حرف يدل عليه "أعد"، وهو "يعذب" أو شبهه.

الإنسان 76:29

قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ ٱلْقُرْآنَ﴾، إلى آخر السورة. أي: إنا نحن - يا محمد - نزلنا عليك القرآن مع جبريل تنزيلاً ابتلاءً واختباراً فاصبر لما امتحنك به ربك من فرائضه وتبليغ رسالاته. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَلاَ تُطِعْ مِنْهُمْ ءَاثِماً أَوْ كَفُوراً﴾. قال الفراء: "أو" بمعنى الواو. والمعنى: ولا تطع منهم من أثم وكفر. [قال]: ويجوز أن يكون المعنى (و) لا تطيعن من أثم أو كفر بوجه فيكون مثل الواو في المعنى. والمعنى: (و) لا تطع منهم في معصية الله ﴿ءَاثِماً﴾ يريد بركوبه معاصيه ﴿أَوْ كَفُوراً﴾ أي: جحوداً لربه ولنعمه عنده. قال قتادة: نزلت في عدو الله أبي جهل قال: بلغنا أن أبا جهل قال: لئن رأيت محمداً يصلي لأطأن على عنقه، فأنزل الله: ﴿وَلاَ تُطِعْ مِنْهُمْ ءَاثِماً أَوْ كَفُوراً﴾. قال ابن زيد: الآثم (و) الظالم والكفور كله واحد. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَٱذْكُرِ ٱسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلاً﴾. أي: غدوة، يعني: صلاة الصبح ﴿وَأَصِيلاً﴾ يعني: وعَشياً، يعني صلاة الظهر والعصر. * * ثم قال: ﴿وَمِنَ ٱللَّيْلِ فَٱسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلاً طَوِيلاً﴾. قال ابن زيد: "كان هذا - أول شيء - فريضة، نحو قوله: ﴿قُمِ ٱلَّيلَ إِلاَّ قَلِيلاً * نِّصْفَهُ أَوِ ٱنقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ...﴾ [المزمل: ٢-٤]، فخفف الله هذا عن رسوله وعن الناس بقوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ﴾ [المزمل: ٢٠] الآية، فجعل ذلك نافلة فقال: ﴿وَمِنَ ٱلْلَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ﴾ [الإسراء: ٧٩] وتقدير الكلام: واسجد له من الليل وسبحه ليلاً طويلاً، فهو منسوخ بزوال فرض صلاة الليل كما ذكرنا وقيل: هو (على) الندب. وقيل: هو خصوص للنبي ﷺ. (وقد) قال ابن حبيب: إن قوله تعالى: ﴿وَٱذْكُرِ ٱسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً﴾ يعني الصبح. وقوله: ﴿وَأَصِيلاً﴾ يعني: الظهر والعصر. وقوله: ﴿وَمِنَ ٱللَّيْلِ فَٱسْجُدْ لَهُ﴾ يعني به المغرب والعشاء. فالآية محكمة جمعت الأمر بفرض الصلوات الخمس. * * - وقوله: ﴿وَسَبِّحْهُ لَيْلاً طَوِيلاً﴾. يعني قيام الليل والمنسوخ فرضه. وكذلك قوله تعالى: ﴿وَأَقِمِ ٱلصَّلاَةَ طَرَفَيِ ٱلنَّهَارِ﴾ [هود: ١١٤] فالطرف الأول صلاة الصبح، والطرف الآخر [صلاة] الظهر العصر. * * - وقوله: ﴿وَزُلَفاً مِّنَ ٱلَّيْلِ﴾ [هود: ١١٤] يعني المغرب والعشاء فهذه [الآية] أيضاً جمعت فرض الصلوات الخمس وأوقاتها. ومثل ذلك: ﴿أَقِمِ ٱلصَّلاَةَ لِدُلُوكِ ٱلشَّمْسِ﴾ [الإسراء: ٧٨] يعني: ميلها. وهو الظهر والعصر. * * وقوله: ﴿إِلَىٰ غَسَقِ ٱلَّيلِ﴾ [الإسراء: ٧٨]: (يعني المغرب والعشاء. - وقوله ﴿وَقُرْآنَ ٱلْفَجْرِ﴾ [الإسراء: ٧٨] يعني صلاة الصبح، فهذه أيضاً جمعت) فرض الصلوات الخمس وأوقاتها. وكذلك قوله تعالى: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ ٱلشَّمْسِ﴾ [طه: ١٣٠] يعني: صلاة الصبح، ﴿وَقَبْلَ غُرُوبِهَا﴾ [طه: ١٣٠] يعني: العصر. * * - وقوله: ﴿وَمِنْ [آنَآءِ] ٱلْلَّيْلِ [فَسَبِّحْ]﴾ [طه: ١٣٠] يعني: المغرب والعشاء. * * - وقوله: ﴿وَأَطْرَافَ ٱلنَّهَارِ﴾ [طه: ١٣٠] يعني: الظهر، لأن وقتها [يجمع] طرفي النهار. - وأما قوله: ﴿وَسَبِّحْ﴾ [غافر: ٥٥] و﴿بِحَمْدِ رَبِّكَ بِٱلْعَشِيِّ وَٱلإِبْكَارِ﴾ [غافر: ٥٥]، فإن ذلك نزل قبل فرض الصلوات الخمس، وكانت الصلاة ركعتين غدوة وركعتين عشية، فرضاً بهذه الآية، ثم نسخ ذلك بالصلوات الخمس. وأول صلاة صليت من الصلوات الخمس: الظهر، وبها بدأ جبريل، ولذلك سميت الأولى. * * - ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ هَـٰؤُلاَءِ يُحِبُّونَ ٱلْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَآءَهُمْ يَوْماً ثَقِيلاً﴾. أي: إن المشركين بالله - يا محمد - يحبون الدنيا والبقاء فيها، ويدعون خلف ظهورهم العمل للآخرة وما ينجيهم من عذاب الله. وقيل: معنى "وَرَاءَ" هنا: قدام. وقيل: التقدير: ويذرون عمل يوم ثقيل وراء ظهورهم. * * - ثم قال تعالى: ﴿نَّحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَآ أَسْرَهُمْ﴾. أي: "خلقهم". قاله ابن عباس، ومجاهد، وقتادة. وقال أبو هريرة: الأسر: المفاصل وقال ابن زيد: هو القوة. وقد قيل: هو موضع خروج الحدث. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَآ أَمْثَالَهُمْ تَبْدِيلاً﴾. أي: وإذا شئنا أهلكنا هؤلاء وجئنا بآخرين سواهم من جنسهم في الخلق، مخالفين لهم في العمل. هذا معنى قول ابن زيد. * * - ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ هَـٰذِهِ تَذْكِرَةٌ﴾. أي: إن هذه السورة والعظة والأمثال والقصص تذكرة وعظة لمن تذكر بها واتعظ. * * - ﴿فَمَن شَآءَ ٱتَّخَذَ إِلَىٰ رَبِّهِ سَبِيلاً﴾. هذا تهديد ووعيد. أي: من شاء عمل [عملاً] صالحاً يوصله إلى رحمة ربه. ومن شاء فليترك ذلك، فسيرى عقابه في الآخرة. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَمَا تَشَآءُونَ إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ﴾. أي: وما تشاءون اتخاذ الطريق إلى رضا الله ورحمته إلا بأن يشاء الله ذلك لكم لأن الأمر إليه لا إليكم. فـ "إن" في موضع نصب بحذف الجار. وقيل: هي في موضع خفض على إضماره. وجاز ذلك مع "أن" خاصة [لكثرة حذف] الجار معها. وفي حرف عبد الله: "وَمَا تَشَاءُونَ إِلاَّ مَا شَاءَ اللهُ". * * - ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً﴾. أي: عليماً بمن شاء أن يتخذ إلى ربه سبيلاً، حكيماً في تدبيره، لا يقدر أحد أن يخرج عن مراده ومشيئته. * * - ثم قال: ﴿يُدْخِلُ مَن يَشَآءُ فِي رَحْمَتِهِ﴾. أي: يوفق من يشاء إلى التوبة فيدخله بذلك في رحمته. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَٱلظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً﴾. أي: والذين ظلموا أنفسهم فلم يتوبوا من كفرهم حتى ماتوا عليه أَعَدَّ لَهمْ في الآخرة عذاباً مؤلماً، أي: موجعاً، وهو عذاب النار. فالمعنى أن الله جل ذكره (أعلمنا في) هذه الآية [أنه يشاء أن] يعذب الكفار وأن يرحم أهل طاعته. وانتصب (الظالمين) على إضمار فعل (في) معنى "(أ)عد"، كأنه قال: ويعذب الظالمين، [ولا يُضْمَرُ] "أَعَدَّ"، لأنه [لا يتعدى] إلا بحرف، فلا بد من إضمار فعل يتعدى بغير حرف يدل عليه "أعد"، وهو "يعذب" أو شبهه.

الإنسان 76:30

قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ ٱلْقُرْآنَ﴾، إلى آخر السورة. أي: إنا نحن - يا محمد - نزلنا عليك القرآن مع جبريل تنزيلاً ابتلاءً واختباراً فاصبر لما امتحنك به ربك من فرائضه وتبليغ رسالاته. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَلاَ تُطِعْ مِنْهُمْ ءَاثِماً أَوْ كَفُوراً﴾. قال الفراء: "أو" بمعنى الواو. والمعنى: ولا تطع منهم من أثم وكفر. [قال]: ويجوز أن يكون المعنى (و) لا تطيعن من أثم أو كفر بوجه فيكون مثل الواو في المعنى. والمعنى: (و) لا تطع منهم في معصية الله ﴿ءَاثِماً﴾ يريد بركوبه معاصيه ﴿أَوْ كَفُوراً﴾ أي: جحوداً لربه ولنعمه عنده. قال قتادة: نزلت في عدو الله أبي جهل قال: بلغنا أن أبا جهل قال: لئن رأيت محمداً يصلي لأطأن على عنقه، فأنزل الله: ﴿وَلاَ تُطِعْ مِنْهُمْ ءَاثِماً أَوْ كَفُوراً﴾. قال ابن زيد: الآثم (و) الظالم والكفور كله واحد. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَٱذْكُرِ ٱسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلاً﴾. أي: غدوة، يعني: صلاة الصبح ﴿وَأَصِيلاً﴾ يعني: وعَشياً، يعني صلاة الظهر والعصر. * * ثم قال: ﴿وَمِنَ ٱللَّيْلِ فَٱسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلاً طَوِيلاً﴾. قال ابن زيد: "كان هذا - أول شيء - فريضة، نحو قوله: ﴿قُمِ ٱلَّيلَ إِلاَّ قَلِيلاً * نِّصْفَهُ أَوِ ٱنقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ...﴾ [المزمل: ٢-٤]، فخفف الله هذا عن رسوله وعن الناس بقوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ﴾ [المزمل: ٢٠] الآية، فجعل ذلك نافلة فقال: ﴿وَمِنَ ٱلْلَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ﴾ [الإسراء: ٧٩] وتقدير الكلام: واسجد له من الليل وسبحه ليلاً طويلاً، فهو منسوخ بزوال فرض صلاة الليل كما ذكرنا وقيل: هو (على) الندب. وقيل: هو خصوص للنبي ﷺ. (وقد) قال ابن حبيب: إن قوله تعالى: ﴿وَٱذْكُرِ ٱسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً﴾ يعني الصبح. وقوله: ﴿وَأَصِيلاً﴾ يعني: الظهر والعصر. وقوله: ﴿وَمِنَ ٱللَّيْلِ فَٱسْجُدْ لَهُ﴾ يعني به المغرب والعشاء. فالآية محكمة جمعت الأمر بفرض الصلوات الخمس. * * - وقوله: ﴿وَسَبِّحْهُ لَيْلاً طَوِيلاً﴾. يعني قيام الليل والمنسوخ فرضه. وكذلك قوله تعالى: ﴿وَأَقِمِ ٱلصَّلاَةَ طَرَفَيِ ٱلنَّهَارِ﴾ [هود: ١١٤] فالطرف الأول صلاة الصبح، والطرف الآخر [صلاة] الظهر العصر. * * - وقوله: ﴿وَزُلَفاً مِّنَ ٱلَّيْلِ﴾ [هود: ١١٤] يعني المغرب والعشاء فهذه [الآية] أيضاً جمعت فرض الصلوات الخمس وأوقاتها. ومثل ذلك: ﴿أَقِمِ ٱلصَّلاَةَ لِدُلُوكِ ٱلشَّمْسِ﴾ [الإسراء: ٧٨] يعني: ميلها. وهو الظهر والعصر. * * وقوله: ﴿إِلَىٰ غَسَقِ ٱلَّيلِ﴾ [الإسراء: ٧٨]: (يعني المغرب والعشاء. - وقوله ﴿وَقُرْآنَ ٱلْفَجْرِ﴾ [الإسراء: ٧٨] يعني صلاة الصبح، فهذه أيضاً جمعت) فرض الصلوات الخمس وأوقاتها. وكذلك قوله تعالى: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ ٱلشَّمْسِ﴾ [طه: ١٣٠] يعني: صلاة الصبح، ﴿وَقَبْلَ غُرُوبِهَا﴾ [طه: ١٣٠] يعني: العصر. * * - وقوله: ﴿وَمِنْ [آنَآءِ] ٱلْلَّيْلِ [فَسَبِّحْ]﴾ [طه: ١٣٠] يعني: المغرب والعشاء. * * - وقوله: ﴿وَأَطْرَافَ ٱلنَّهَارِ﴾ [طه: ١٣٠] يعني: الظهر، لأن وقتها [يجمع] طرفي النهار. - وأما قوله: ﴿وَسَبِّحْ﴾ [غافر: ٥٥] و﴿بِحَمْدِ رَبِّكَ بِٱلْعَشِيِّ وَٱلإِبْكَارِ﴾ [غافر: ٥٥]، فإن ذلك نزل قبل فرض الصلوات الخمس، وكانت الصلاة ركعتين غدوة وركعتين عشية، فرضاً بهذه الآية، ثم نسخ ذلك بالصلوات الخمس. وأول صلاة صليت من الصلوات الخمس: الظهر، وبها بدأ جبريل، ولذلك سميت الأولى. * * - ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ هَـٰؤُلاَءِ يُحِبُّونَ ٱلْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَآءَهُمْ يَوْماً ثَقِيلاً﴾. أي: إن المشركين بالله - يا محمد - يحبون الدنيا والبقاء فيها، ويدعون خلف ظهورهم العمل للآخرة وما ينجيهم من عذاب الله. وقيل: معنى "وَرَاءَ" هنا: قدام. وقيل: التقدير: ويذرون عمل يوم ثقيل وراء ظهورهم. * * - ثم قال تعالى: ﴿نَّحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَآ أَسْرَهُمْ﴾. أي: "خلقهم". قاله ابن عباس، ومجاهد، وقتادة. وقال أبو هريرة: الأسر: المفاصل وقال ابن زيد: هو القوة. وقد قيل: هو موضع خروج الحدث. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَآ أَمْثَالَهُمْ تَبْدِيلاً﴾. أي: وإذا شئنا أهلكنا هؤلاء وجئنا بآخرين سواهم من جنسهم في الخلق، مخالفين لهم في العمل. هذا معنى قول ابن زيد. * * - ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ هَـٰذِهِ تَذْكِرَةٌ﴾. أي: إن هذه السورة والعظة والأمثال والقصص تذكرة وعظة لمن تذكر بها واتعظ. * * - ﴿فَمَن شَآءَ ٱتَّخَذَ إِلَىٰ رَبِّهِ سَبِيلاً﴾. هذا تهديد ووعيد. أي: من شاء عمل [عملاً] صالحاً يوصله إلى رحمة ربه. ومن شاء فليترك ذلك، فسيرى عقابه في الآخرة. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَمَا تَشَآءُونَ إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ﴾. أي: وما تشاءون اتخاذ الطريق إلى رضا الله ورحمته إلا بأن يشاء الله ذلك لكم لأن الأمر إليه لا إليكم. فـ "إن" في موضع نصب بحذف الجار. وقيل: هي في موضع خفض على إضماره. وجاز ذلك مع "أن" خاصة [لكثرة حذف] الجار معها. وفي حرف عبد الله: "وَمَا تَشَاءُونَ إِلاَّ مَا شَاءَ اللهُ". * * - ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً﴾. أي: عليماً بمن شاء أن يتخذ إلى ربه سبيلاً، حكيماً في تدبيره، لا يقدر أحد أن يخرج عن مراده ومشيئته. * * - ثم قال: ﴿يُدْخِلُ مَن يَشَآءُ فِي رَحْمَتِهِ﴾. أي: يوفق من يشاء إلى التوبة فيدخله بذلك في رحمته. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَٱلظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً﴾. أي: والذين ظلموا أنفسهم فلم يتوبوا من كفرهم حتى ماتوا عليه أَعَدَّ لَهمْ في الآخرة عذاباً مؤلماً، أي: موجعاً، وهو عذاب النار. فالمعنى أن الله جل ذكره (أعلمنا في) هذه الآية [أنه يشاء أن] يعذب الكفار وأن يرحم أهل طاعته. وانتصب (الظالمين) على إضمار فعل (في) معنى "(أ)عد"، كأنه قال: ويعذب الظالمين، [ولا يُضْمَرُ] "أَعَدَّ"، لأنه [لا يتعدى] إلا بحرف، فلا بد من إضمار فعل يتعدى بغير حرف يدل عليه "أعد"، وهو "يعذب" أو شبهه.

الإنسان 76:31

قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ ٱلْقُرْآنَ﴾، إلى آخر السورة. أي: إنا نحن - يا محمد - نزلنا عليك القرآن مع جبريل تنزيلاً ابتلاءً واختباراً فاصبر لما امتحنك به ربك من فرائضه وتبليغ رسالاته. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَلاَ تُطِعْ مِنْهُمْ ءَاثِماً أَوْ كَفُوراً﴾. قال الفراء: "أو" بمعنى الواو. والمعنى: ولا تطع منهم من أثم وكفر. [قال]: ويجوز أن يكون المعنى (و) لا تطيعن من أثم أو كفر بوجه فيكون مثل الواو في المعنى. والمعنى: (و) لا تطع منهم في معصية الله ﴿ءَاثِماً﴾ يريد بركوبه معاصيه ﴿أَوْ كَفُوراً﴾ أي: جحوداً لربه ولنعمه عنده. قال قتادة: نزلت في عدو الله أبي جهل قال: بلغنا أن أبا جهل قال: لئن رأيت محمداً يصلي لأطأن على عنقه، فأنزل الله: ﴿وَلاَ تُطِعْ مِنْهُمْ ءَاثِماً أَوْ كَفُوراً﴾. قال ابن زيد: الآثم (و) الظالم والكفور كله واحد. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَٱذْكُرِ ٱسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلاً﴾. أي: غدوة، يعني: صلاة الصبح ﴿وَأَصِيلاً﴾ يعني: وعَشياً، يعني صلاة الظهر والعصر. * * ثم قال: ﴿وَمِنَ ٱللَّيْلِ فَٱسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلاً طَوِيلاً﴾. قال ابن زيد: "كان هذا - أول شيء - فريضة، نحو قوله: ﴿قُمِ ٱلَّيلَ إِلاَّ قَلِيلاً * نِّصْفَهُ أَوِ ٱنقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ...﴾ [المزمل: ٢-٤]، فخفف الله هذا عن رسوله وعن الناس بقوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ﴾ [المزمل: ٢٠] الآية، فجعل ذلك نافلة فقال: ﴿وَمِنَ ٱلْلَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ﴾ [الإسراء: ٧٩] وتقدير الكلام: واسجد له من الليل وسبحه ليلاً طويلاً، فهو منسوخ بزوال فرض صلاة الليل كما ذكرنا وقيل: هو (على) الندب. وقيل: هو خصوص للنبي ﷺ. (وقد) قال ابن حبيب: إن قوله تعالى: ﴿وَٱذْكُرِ ٱسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً﴾ يعني الصبح. وقوله: ﴿وَأَصِيلاً﴾ يعني: الظهر والعصر. وقوله: ﴿وَمِنَ ٱللَّيْلِ فَٱسْجُدْ لَهُ﴾ يعني به المغرب والعشاء. فالآية محكمة جمعت الأمر بفرض الصلوات الخمس. * * - وقوله: ﴿وَسَبِّحْهُ لَيْلاً طَوِيلاً﴾. يعني قيام الليل والمنسوخ فرضه. وكذلك قوله تعالى: ﴿وَأَقِمِ ٱلصَّلاَةَ طَرَفَيِ ٱلنَّهَارِ﴾ [هود: ١١٤] فالطرف الأول صلاة الصبح، والطرف الآخر [صلاة] الظهر العصر. * * - وقوله: ﴿وَزُلَفاً مِّنَ ٱلَّيْلِ﴾ [هود: ١١٤] يعني المغرب والعشاء فهذه [الآية] أيضاً جمعت فرض الصلوات الخمس وأوقاتها. ومثل ذلك: ﴿أَقِمِ ٱلصَّلاَةَ لِدُلُوكِ ٱلشَّمْسِ﴾ [الإسراء: ٧٨] يعني: ميلها. وهو الظهر والعصر. * * وقوله: ﴿إِلَىٰ غَسَقِ ٱلَّيلِ﴾ [الإسراء: ٧٨]: (يعني المغرب والعشاء. - وقوله ﴿وَقُرْآنَ ٱلْفَجْرِ﴾ [الإسراء: ٧٨] يعني صلاة الصبح، فهذه أيضاً جمعت) فرض الصلوات الخمس وأوقاتها. وكذلك قوله تعالى: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ ٱلشَّمْسِ﴾ [طه: ١٣٠] يعني: صلاة الصبح، ﴿وَقَبْلَ غُرُوبِهَا﴾ [طه: ١٣٠] يعني: العصر. * * - وقوله: ﴿وَمِنْ [آنَآءِ] ٱلْلَّيْلِ [فَسَبِّحْ]﴾ [طه: ١٣٠] يعني: المغرب والعشاء. * * - وقوله: ﴿وَأَطْرَافَ ٱلنَّهَارِ﴾ [طه: ١٣٠] يعني: الظهر، لأن وقتها [يجمع] طرفي النهار. - وأما قوله: ﴿وَسَبِّحْ﴾ [غافر: ٥٥] و﴿بِحَمْدِ رَبِّكَ بِٱلْعَشِيِّ وَٱلإِبْكَارِ﴾ [غافر: ٥٥]، فإن ذلك نزل قبل فرض الصلوات الخمس، وكانت الصلاة ركعتين غدوة وركعتين عشية، فرضاً بهذه الآية، ثم نسخ ذلك بالصلوات الخمس. وأول صلاة صليت من الصلوات الخمس: الظهر، وبها بدأ جبريل، ولذلك سميت الأولى. * * - ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ هَـٰؤُلاَءِ يُحِبُّونَ ٱلْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَآءَهُمْ يَوْماً ثَقِيلاً﴾. أي: إن المشركين بالله - يا محمد - يحبون الدنيا والبقاء فيها، ويدعون خلف ظهورهم العمل للآخرة وما ينجيهم من عذاب الله. وقيل: معنى "وَرَاءَ" هنا: قدام. وقيل: التقدير: ويذرون عمل يوم ثقيل وراء ظهورهم. * * - ثم قال تعالى: ﴿نَّحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَآ أَسْرَهُمْ﴾. أي: "خلقهم". قاله ابن عباس، ومجاهد، وقتادة. وقال أبو هريرة: الأسر: المفاصل وقال ابن زيد: هو القوة. وقد قيل: هو موضع خروج الحدث. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَآ أَمْثَالَهُمْ تَبْدِيلاً﴾. أي: وإذا شئنا أهلكنا هؤلاء وجئنا بآخرين سواهم من جنسهم في الخلق، مخالفين لهم في العمل. هذا معنى قول ابن زيد. * * - ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ هَـٰذِهِ تَذْكِرَةٌ﴾. أي: إن هذه السورة والعظة والأمثال والقصص تذكرة وعظة لمن تذكر بها واتعظ. * * - ﴿فَمَن شَآءَ ٱتَّخَذَ إِلَىٰ رَبِّهِ سَبِيلاً﴾. هذا تهديد ووعيد. أي: من شاء عمل [عملاً] صالحاً يوصله إلى رحمة ربه. ومن شاء فليترك ذلك، فسيرى عقابه في الآخرة. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَمَا تَشَآءُونَ إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ﴾. أي: وما تشاءون اتخاذ الطريق إلى رضا الله ورحمته إلا بأن يشاء الله ذلك لكم لأن الأمر إليه لا إليكم. فـ "إن" في موضع نصب بحذف الجار. وقيل: هي في موضع خفض على إضماره. وجاز ذلك مع "أن" خاصة [لكثرة حذف] الجار معها. وفي حرف عبد الله: "وَمَا تَشَاءُونَ إِلاَّ مَا شَاءَ اللهُ". * * - ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً﴾. أي: عليماً بمن شاء أن يتخذ إلى ربه سبيلاً، حكيماً في تدبيره، لا يقدر أحد أن يخرج عن مراده ومشيئته. * * - ثم قال: ﴿يُدْخِلُ مَن يَشَآءُ فِي رَحْمَتِهِ﴾. أي: يوفق من يشاء إلى التوبة فيدخله بذلك في رحمته. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَٱلظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً﴾. أي: والذين ظلموا أنفسهم فلم يتوبوا من كفرهم حتى ماتوا عليه أَعَدَّ لَهمْ في الآخرة عذاباً مؤلماً، أي: موجعاً، وهو عذاب النار. فالمعنى أن الله جل ذكره (أعلمنا في) هذه الآية [أنه يشاء أن] يعذب الكفار وأن يرحم أهل طاعته. وانتصب (الظالمين) على إضمار فعل (في) معنى "(أ)عد"، كأنه قال: ويعذب الظالمين، [ولا يُضْمَرُ] "أَعَدَّ"، لأنه [لا يتعدى] إلا بحرف، فلا بد من إضمار فعل يتعدى بغير حرف يدل عليه "أعد"، وهو "يعذب" أو شبهه.