Tafsir Makhi — المرسلات 77:1 – المرسلات 77:50
المحتويات
- المرسلات 77:1
- المرسلات 77:2
- المرسلات 77:3
- المرسلات 77:4
- المرسلات 77:5
- المرسلات 77:6
- المرسلات 77:7
- المرسلات 77:8
- المرسلات 77:9
- المرسلات 77:10
- المرسلات 77:11
- المرسلات 77:12
- المرسلات 77:13
- المرسلات 77:14
- المرسلات 77:15
- المرسلات 77:16
- المرسلات 77:17
- المرسلات 77:18
- المرسلات 77:19
- المرسلات 77:20
- المرسلات 77:21
- المرسلات 77:22
- المرسلات 77:23
- المرسلات 77:24
- المرسلات 77:25
- المرسلات 77:26
- المرسلات 77:27
- المرسلات 77:28
- المرسلات 77:29
- المرسلات 77:30
- المرسلات 77:31
- المرسلات 77:32
- المرسلات 77:33
- المرسلات 77:34
- المرسلات 77:35
- المرسلات 77:36
- المرسلات 77:37
- المرسلات 77:38
- المرسلات 77:39
- المرسلات 77:40
- المرسلات 77:41
- المرسلات 77:42
- المرسلات 77:43
- المرسلات 77:44
- المرسلات 77:45
- المرسلات 77:46
- المرسلات 77:47
- المرسلات 77:48
- المرسلات 77:49
- المرسلات 77:50
المرسلات 77:1
قوله تعالى: ﴿وَٱلْمُرْسَلاَتِ عُرْفاً﴾، إلى قوله: ﴿كَأَنَّهُ جِمَٰلَتٌ صُفْرٌ * وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾.
قال ابن عباس وابن مسعود ومجاهد وأبو صالح وقتادة: ﴿(وَ)ٱلْمُرْسَلاَتِ﴾: الرياح، ﴿عُرْفاً﴾: يتبع بعضها بعضاً.
وقال مسروق: ﴿وَٱلْمُرْسَلاَتِ﴾: "الملائكة" ﴿عُرْفاً﴾ أي: ترسل بالعرف.
عن أبي صالح أيضاً أنها "الرسل، ترسل بالمعروف". وقيل: ﴿عُرْفاً﴾ أي: متتابعة كتتابع عرف الفرس.
والتقدير على قول مسروق: ورب الملائكة التي أرسلت إلى الأنبياء بأمر الله ونهيه (وذلك هو المعروف.
وعلى قول أبي صالح: ورب الرسل التي أرسلت إلى الناس بأمر الله ونهيه).
ومن قال ﴿عُرْفاً﴾ متتابعة (فتقديره: ورب الملائكة التي أرسلت إلى الأنبياء متتابعة) ورب الرسل الذين أرسلوا إلى الخلق متتابعين. وكذلك التقدير على قول ابن عباس ومن تبعه: هي الرياح.
ويدل (على أنها ليست) الرياح أن يسعدها ذكر الرياح [بلا اختلاف] في قوله: ﴿فَٱلْعَاصِفَاتِ عَصْفاً﴾.
- (ثم قال تعالى: ﴿فَٱلْعَاصِفَاتِ عَصْفاً﴾).
أي: (ورب الرياح العاصفات) أي: الشديدات الهبوب السريعات المر. وهذا قول علي بن أبي طالب وابن مسعود وابن عباس، وغيرهم.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وٱلنَّاشِرَاتِ نَشْراً﴾.
قال ابن مسعود ومجاهد [وقتادة]: هي الرياح لأنها تنشر السحاب.
وقال أبو صالح: هي "المطر"، لأنه ينشر الأرض، أي: [يحييها].
وروى (السدي) عن أبي صالح أنها الملائكة، (قال): [تنشر] [الكتب]. - ثم قال تعالى: ﴿فَٱلْفَارِقَاتِ فَرْقاً﴾.
قال ابن عباس وأبو صالح وسفيان: هي الملائكة، تفرق بالوحي بين الحق والباطل. وقال قتادة: هو القرآن، فرق الله به بين الحق والباطل، كأنه قال: والآيات الفارقات فرقاً.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿فَٱلْمُلْقِيَٰتِ ذِكْراً * عُذْراً﴾.
كلهم قال: هي الملائكة التي تلقي وحي الله إلى رسله، والذكر: القرآن.
* *
ثم قال تعالى: ﴿عُذْراً أَوْ نُذْراً﴾.
أي: تلقي الوحي إلى الرسل إعذاراً من الله لخلقه [وإنذاراً] منه لهم. قاله قتادة وغيره.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَوَٰقِعٌ﴾.
يعني أن البعث والجزاء وجميع ما أخبر الله، كائن واقع [وحادث] لا محالة. و ﴿إِنَّمَا﴾ هو جواب القسم المتقدم.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿فَإِذَا ٱلنُّجُومُ طُمِسَتْ﴾.
أي: ذهب ضوءها فلم يكن لها نور.
﴿وَإِذَا ٱلسَّمَآءُ فُرِجَتْ﴾. أي: شققت وصدعت.
﴿وَإِذَا ٱلْجِبَالُ نُسِفَتْ﴾. أي: نسفت من أصلها.
﴿فَكَانَتْ هَبَآءً مُّنبَثّاً﴾ [الواقعة: ٦]. أي: غباراً متفرقاً.
* *
﴿وَإِذَا ٱلرُّسُلُ أُقِّتَتْ﴾.
أي: أجلت الاجتماع لوقتها يوم القيامة.
قال ابن عباس: ﴿أُقِّتَتْ﴾ "جمعت". وقال مجاهد ﴿أُقِّتَتْ﴾ "أجلت".
وهو من الوقت، فمعناه: [حان] وقتها الذي وعدته به، وذلك يوم القيامة.
وقرأ عيسى بن [عمر] "أُقِتَتْ" بالتخفيف والهمز، وقرأ الحسن. "وُقِتَتْ" بالواو والتخفيف.
وكله من الوقت، والواو هي الأصل، والهمزة بدل منها.
والتخفيف والتشديد لغتان، إلا أن في التشديد معنى التكرير والمبالغة.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿لأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ﴾.
أي: ما أعظمه وأكثر هوله. ففي الكلام معنى التعظيم لليوم والتعجب منه. ومعنى التعجب في هذا أنه تعالى ذكره يعجب العباد من هوله [وفظاعته]، ثم بينه فقال:
* *
- ﴿لِيَوْمِ ٱلْفَصْلِ﴾.
أي: أجلت الرسل ليوم يفصل الله (فيه) بين خلقه، فيأخذ للمظلوم من الظالم ويجزي المحسن بإحسانه والمسيء بإساته.
* *
- ثم قال: ﴿وَمَآ أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ ٱلْفَصْلِ﴾.
أي: وأي شيء أدراك يا محمد ما يوم الفصل؟! فمعناه التعظيم لذلك اليوم لشدته وهوله.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾.
أي: [الوادي] الذي [يسيل] في جهنم من صديد أهلها للمكذبين بذلك اليوم.
وقيل: معناه قبوح لهم ذلك اليوم.
فقوله: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ﴾ هو جواب (إذا) في ما تقدم من الكلام.
- قوله تعالى: ﴿أَلَمْ نُهْلِكِ ٱلأَوَّلِينَ﴾.
يعني قوم نوح وعاد وثمود وشبههم.
* *
- ﴿ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ ٱلآخِرِينَ﴾.
يعني: قوم إبراهيم وأصحاب مدين وقوم فرعون، فيكون ﴿نُتْبِعُهُمُ﴾ على هذا مجزوماً. والتقدير: "وَأَلَمْ نُتْبِعْهُمُ الآخِرِينَ". وبه قرأ الأعرج.
* *
- وقوله: ﴿كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِٱلْمُجْرِمِينَ﴾.
يعني كفار قريش ومن سلك طريقهم من العرب وغيرها.
ورد الجزم أبو حاتم لأنه تأول أن ﴿نُتْبِعُهُمُ﴾ يراد به قريش ومن سلك في التكذيب طريقهم. فلا سبيل إلى الجزم على هذا المعنى لأنه منتظر في المعنى.
ولم لا تدخل على فعل معناه الاستقبال، بل ترده إلى الماضي أبداً.
(وقيل): إن ﴿نُتْبِعُهُمُ﴾ عطف على المعنى، لأن معنى ﴿أَلَمْ نُهْلِكِ﴾: قد أهلكنا.
* *
ثم قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِٱلْمُجْرِمِينَ﴾.
أي: كذلك نهلك من أجرم فاكتسب مخالفة الله ورسوله.
[ثم قال: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾.
وقد تقدم ذكره، وكذلك معنى كل ما في السورة وغيرها منه].
* *
- ثم قال: ﴿أَلَمْ نَخْلُقكُّم مِّن مَّآءٍ [مَّهِينٍ]﴾.
أي: من نطفة ضعيفة. قال ابن عباس: "المهين: الضعيف".
* *
- ثم قال: ﴿فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ﴾.
أي: في رحم استقر فيه فتمكن.
* *
﴿إِلَىٰ قَدَرٍ مَّعْلُومٍ﴾.
أي: إلى وقت خروجه من الرحم.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ ٱلْقَادِرُونَ﴾.
قال الضحاك: معناه "فملكنا فنعم المالكون". وهذا التقدير على قراءة من خفف.
وعلة من شدد أنه أراد به التكرير، لأنه تعالى قدر الإنسان نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم، [ثم]...، [فدل] التشديد على تكرير [الأحوال].
ومن خفف أجراه على لفظ "القادرين" إذ فعله: "قدر مخففاً، فالتخفيف بمعنى الملك والقدرة على ذلك.
والتشديد بمعنى التقدير. فمن شدد ﴿فَقَدَرْنَا﴾ جمع بين معنيين: التقدير [بقدرنا]، والملك "بالقادرين".
ومن خفف جعله كله بمعنى الملك والقدرة.
وقد يستعمل التشديد، وهو بمعنى القدرة أيضاً يقال: قَدَرَ الله كذا وقدَّره، لغتان. فيكون من شدد ﴿فَقَدَرْنَا﴾ جمع بين اللغتين، بقوله: ﴿ٱلْقَادِرُونَ﴾، كما قال: ﴿فَمَهِّلِ ٱلْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً﴾ [الطارق: ١٧]، وقد قال تعالى: ﴿نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ ٱلْمَوْتَ﴾ [الواقعة: ٦٠] مشدداً.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ ٱلأَرْضَ كِفَاتاً * (أَحْيَآءً)﴾
أي: ألم نجعل أيها الناس الأرض لكم وعاءً، أنتم على ظهرها في مساكنكم مجتمعون أحياءً وفي بطنها أمواتاً؟!
[يذكرهم] (الله) بنعمه عليهم.
يقال: كَفَتُّ الشيء إذا جَمَعْتَهُ وأَحْرَزْتَهُ.
روي عن ابن مسعود أنه "وجد قملة في ثوبه فدفنها في المسجد، ثم قال: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ ٱلأَرْضَ كِفَاتاً * أَحْيَآءً وَأَمْوٰتاً﴾.
وقال مجاهد - في الرجل يرى القملة في ثوبه وهو في المسجد - قال: "إن شئت فألقها، وإن شئت [فوارها]. ثم قرأ: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ ٱلأَرْضَ كِفَاتاً...﴾ الآية.
قال الشعبي: ﴿كِفَاتاً﴾: "بطنها لأمواتكم، وظهرها لأحيائكم".
وقال مجاهد: ﴿كِفَاتاً﴾: تكفت أذاهم وما يخرج منهم أحياءً وأمواتاً، أي: تضم ذلك.
ونصب ﴿أَحْيَآءً وَأَمْوٰتاً﴾ "بكفات"، أي: تضم أحياءً وأمواتاً. وقيل: التقدير: كفات أحياء وأموات، أي: ضمهم، [فلما] نون نصب ما بعده، كما تقول: رأيت ضرب زيد. فإن نونت "ضرباً"، نصبت "زيداً" أو رفعته.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ شَامِخَاتٍ﴾.
أي: جبالاً شاهقات، أي" طوالاً مشرفات.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَأَسْقَيْنَاكُم مَّآءً فُرَاتاً﴾.
أي: عذباً قال ابن عباس: وذلك من أربعة أنهار: سيحان وجيحان والنيل والفرات. فكل ما شربه ابن آدم (فهو) من هذه الأنهار، وهي (تخرج من) تحت صخرة عند بيت المقدس. فأما سيحان فهو نهر بلخ، وأما جيحان فهو دجلة بغداد، وأما الفرات فبالكوفة، وأما النيل (فنهر مصر).
* *
- ثم قال تعالى: ﴿ٱنطَلِقُوۤاْ إِلَىٰ مَا كُنتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾.
أي: يقال لهؤلاء المكذبين بآيات الله ونعمه: انطلقوا إلى ما كنتم تكذبون به في الدنيا من عقاب الله لأهل الكفر.
* *
- ﴿ٱنطَلِقُوۤاْ إِلَىٰ ظِلٍّ ذِي ثَلاَثِ شُعَبٍ﴾.
أي: إلى ظل دخان ذي ثلاث شعب. وذلك أنه يرفع وقودها الدخان، فإذا تصعد تفرق على ثلاث شعب، وهو "دخان جهنم".
[وهو قوله: ﴿وَظِلٍّ مِّن يَحْمُومٍ﴾ [الواقعة: ٤٣]، اليحموم: الدخان.
وقد قيل في قوله "﴿ذِي ثَلاَثِ شُعَبٍ﴾ إنه [ظل] الصليب الذي يعبده النصارى. وهو قول شاذ يوجب أن يكون المأمور بهذا، النصارى خاصة. وليست الآية إلا عامة في جميع الكفار، وليس كلهم عبد الصليب، فإنما أمروا إلى ظل دخان جهنم، دخان قد أنفرق على ثلاث شعب]. قال قتادة: هو كقوله: ﴿نَاراً أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا﴾ [الكهف: ٢٩].
* *
- ثم قال تعالى: ﴿لاَّ ظَلِيلٍ وَلاَ يُغْنِي مِنَ ٱللَّهَبِ﴾.
هذا نعت للظل أي: إلى ظل غير ظليل وغير [غانٍ] من اللهب. أي: [لا يظلهم ولا يمنعهم] من لهب جهنم، فلا يمنع عنهم ذلك الظل حرها ولا لهبها. وهذا الوصف مطابق لما روي عن النبي ﷺ: "أَنَّ الشَّمْسَ تَدْنُو مِنْ رُؤُوسِ الخَلاَئِقِ يَوْمَ القِيَامَةِ وَلَيْسَ لَهُمْ لِبَاسٌ وَلاَ لَهُمْ مَا يَسْتَتِرُونَ بِهِ مِنْهَا، فَيُنْجِي اللهُ المُؤْمِنِينَ إلى ظِلٍّ مِنْ ظِلِّهِ، وَيُقَالُ لِلْكُفَّارِ: انْطَلِقُوا إلى مَا كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ مِنْ عَذَابِ اللهِ وَعِقَابِهِ ﴿ٱنطَلِقُوۤاْ إِلَىٰ ظِلٍّ ذِي ثَلاَثِ شُعَبٍ﴾ فَيَنْطَلِقُونَ إلى دُخَانِ جَهَنَّمَ" أفهذا للكفار، لأنه روي: "أَنَّ الخَلاَئِقَ إِذَا اشْتَدَّ عليهم حرُّ الشمس وَدَنَتْ مِنْ رُؤُوسِهِمْ وأَخَذَتْ بِأَنفاسهِم وأشتد ذلك عليهم وكَثُرَ العَرَقُ، واشتد القَلَقُ، نَجَّى اللهُ المؤمنين برحمته إلى ظل من ظله، فهناك يقولون: ﴿فَمَنَّ ٱللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ ٱلسَّمُومِ﴾. ويقال للكفار المكذبين: انطلقوا إلى ما كنتم تُكَذِّبُونَ من عذاب الله وعقابه، انطلقوا إلى ظِلٍّ من دخان جهنم قد سَطَعَ وافترق ثلاثَ فِرَقٍ، فينطلقون ويكونون فيه، وهو أشد من حر الشمس الذي كانوا قد قَلِقُوا فيه. فيُقِيمُون في ظل ذلك الدخان حتى يُفْرَغَ من الحساب، كذلك أولياء الله في ظل عرش الرحمن، وحيث شاء الله حتى يفرغ من الحساب، ثم يؤمر بكل فريق إلى مُسْتَقَرِّهِ من الجنة أو من النار
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَٱلْقَصْرِ﴾.
أي: [إن]: جهنم ترمي ذلك اليوم بشرر كالقصر [المبني]. وقال ابن عباس: "كالقصر العظيم".
قال الحسن: هو واحد القصور.
وروى حجاج عن هارون ﴿كَٱلْقَصْرِ﴾ أي: كالخشب الجزل، وهو جمع قَصْرَة، كجَمْرة وجَمْر، وثَمْرَة وثَمْر.
وقرأ ابن عباس: "كَالْقَصَرِ" بفتح الصاد.
وقرأ ابن جبير والحسن: "كَالْقِصَرِ" بكسر القاف وفتح الصاد.
وعن ابن جبير: كقراءة ابن عباس، القصرة: الخشبة تكون [ثلاث] أذرع أو أكثر، فهو على قراءته جمع قصرة كخشبة وخشب.
وقال مجاهد وقتادة: القَصَر - بالفتح - هو [أصول] النخل. ومن كسر القاف جعله جمع قِصَرَة وقصر، وهي الخشبة أيضاً.
وقال المبرد: قيل: القَصْرُ: الجزل من الحطب الغليظ، واحدته قَصْرَةٌ، كَجَمْرَة وجمر.
والقَصْرُ في هذا الموضع إذا جعلته أحد القُصُورِ فهو واحد يدل [على الجمع]، ولذلك جعل نعتاً لـِ "شَرَرٍ" وهي جماعة.
فإن جعلته جمع قَصْرَةٍ جئت به في النعت بالجمع كالمنعوت، وقد [قال]: ﴿سَيُهْزَمُ ٱلْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ ٱلدُّبُرَ﴾ [القمر: ٤٥]، فَوَحَّدَ (و) لم يقل: "الأدبار"؟ لأن الدبر بمعنى الجمع، وفعل ذلك توفيقاً بين رؤوس [الآي] ومقاطع الكلام، إذ كان ذلك شأن العرب، والقرآنُ بلسانها نزل فَجَرَتْ [ألفاظه] على عادتها في لغتها وكلامها [وسجعها]، وقد قال تعالى: ﴿تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَٱلَّذِي يُغْشَىٰ عَلَيْهِ مِنَ ٱلْمَوْتِ﴾ [الأحزاب: ١٩]، ولم يقل: "كعيون الذين". وهو المعني لأن المراد في التشبيه الفعل لا العين.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿كَأَنَّهُ جِمَٰلَتٌ صُفْرٌ﴾.
أي: كأن ذلك الشرر الذي هو كالقصر: نُوقٌ سُودٌ. فالصفرة هنا بمعنى السواد، وإنما وقعت الصفرة في موضع السواد لأن ألوان الإبل السود تضرب إلى الصفرة، كما سميت [الظباء] "أُدْماً" لِمَا يَعْلُوهَا في بياضها من الظلمة.
قال الحسن: ﴿جِمَٰلَتٌ صُفْرٌ﴾ [أَيْنُقٌ] سود، وهو قول قتادة ومجاهد.
وقال ابن عباس: عنى بذلك قلوس السفن، يعني حبال السفن.
شبهت الشرر بحبال السفينة. والقَلْسُ. الحبلُ.
وعن ابن عباس أيضاً: ﴿جِمَٰلَتٌ صُفْرٌ﴾: "قِطَعُ النّحَاسِ" وهو جمع جِمَالَةٍ [وجِمَالَةٌ]: جمع جمل.
(ومن قرأ (جِمَالَةٌ) جعله جمع جَمَل).
وقد قرأ (أبو) أيوب: "جُمَالاَت" - بضم الجيم - كأنه جمع جَمَلاً (على جُمَالٍ) كما يجمع رَخِلٌ على رُخَالٍ. ثم جمع "جُمَالاً" على جُمَالاَت، لأن باب "فَعَل" و "فُعَل" واحد.
ويجوز (أن) يكون من الشيء المجمل.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾.
وقد تقدم ذكره.
المرسلات 77:2
قوله تعالى: ﴿وَٱلْمُرْسَلاَتِ عُرْفاً﴾، إلى قوله: ﴿كَأَنَّهُ جِمَٰلَتٌ صُفْرٌ * وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾.
قال ابن عباس وابن مسعود ومجاهد وأبو صالح وقتادة: ﴿(وَ)ٱلْمُرْسَلاَتِ﴾: الرياح، ﴿عُرْفاً﴾: يتبع بعضها بعضاً.
وقال مسروق: ﴿وَٱلْمُرْسَلاَتِ﴾: "الملائكة" ﴿عُرْفاً﴾ أي: ترسل بالعرف.
عن أبي صالح أيضاً أنها "الرسل، ترسل بالمعروف". وقيل: ﴿عُرْفاً﴾ أي: متتابعة كتتابع عرف الفرس.
والتقدير على قول مسروق: ورب الملائكة التي أرسلت إلى الأنبياء بأمر الله ونهيه (وذلك هو المعروف.
وعلى قول أبي صالح: ورب الرسل التي أرسلت إلى الناس بأمر الله ونهيه).
ومن قال ﴿عُرْفاً﴾ متتابعة (فتقديره: ورب الملائكة التي أرسلت إلى الأنبياء متتابعة) ورب الرسل الذين أرسلوا إلى الخلق متتابعين. وكذلك التقدير على قول ابن عباس ومن تبعه: هي الرياح.
ويدل (على أنها ليست) الرياح أن يسعدها ذكر الرياح [بلا اختلاف] في قوله: ﴿فَٱلْعَاصِفَاتِ عَصْفاً﴾.
- (ثم قال تعالى: ﴿فَٱلْعَاصِفَاتِ عَصْفاً﴾).
أي: (ورب الرياح العاصفات) أي: الشديدات الهبوب السريعات المر. وهذا قول علي بن أبي طالب وابن مسعود وابن عباس، وغيرهم.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وٱلنَّاشِرَاتِ نَشْراً﴾.
قال ابن مسعود ومجاهد [وقتادة]: هي الرياح لأنها تنشر السحاب.
وقال أبو صالح: هي "المطر"، لأنه ينشر الأرض، أي: [يحييها].
وروى (السدي) عن أبي صالح أنها الملائكة، (قال): [تنشر] [الكتب]. - ثم قال تعالى: ﴿فَٱلْفَارِقَاتِ فَرْقاً﴾.
قال ابن عباس وأبو صالح وسفيان: هي الملائكة، تفرق بالوحي بين الحق والباطل. وقال قتادة: هو القرآن، فرق الله به بين الحق والباطل، كأنه قال: والآيات الفارقات فرقاً.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿فَٱلْمُلْقِيَٰتِ ذِكْراً * عُذْراً﴾.
كلهم قال: هي الملائكة التي تلقي وحي الله إلى رسله، والذكر: القرآن.
* *
ثم قال تعالى: ﴿عُذْراً أَوْ نُذْراً﴾.
أي: تلقي الوحي إلى الرسل إعذاراً من الله لخلقه [وإنذاراً] منه لهم. قاله قتادة وغيره.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَوَٰقِعٌ﴾.
يعني أن البعث والجزاء وجميع ما أخبر الله، كائن واقع [وحادث] لا محالة. و ﴿إِنَّمَا﴾ هو جواب القسم المتقدم.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿فَإِذَا ٱلنُّجُومُ طُمِسَتْ﴾.
أي: ذهب ضوءها فلم يكن لها نور.
﴿وَإِذَا ٱلسَّمَآءُ فُرِجَتْ﴾. أي: شققت وصدعت.
﴿وَإِذَا ٱلْجِبَالُ نُسِفَتْ﴾. أي: نسفت من أصلها.
﴿فَكَانَتْ هَبَآءً مُّنبَثّاً﴾ [الواقعة: ٦]. أي: غباراً متفرقاً.
* *
﴿وَإِذَا ٱلرُّسُلُ أُقِّتَتْ﴾.
أي: أجلت الاجتماع لوقتها يوم القيامة.
قال ابن عباس: ﴿أُقِّتَتْ﴾ "جمعت". وقال مجاهد ﴿أُقِّتَتْ﴾ "أجلت".
وهو من الوقت، فمعناه: [حان] وقتها الذي وعدته به، وذلك يوم القيامة.
وقرأ عيسى بن [عمر] "أُقِتَتْ" بالتخفيف والهمز، وقرأ الحسن. "وُقِتَتْ" بالواو والتخفيف.
وكله من الوقت، والواو هي الأصل، والهمزة بدل منها.
والتخفيف والتشديد لغتان، إلا أن في التشديد معنى التكرير والمبالغة.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿لأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ﴾.
أي: ما أعظمه وأكثر هوله. ففي الكلام معنى التعظيم لليوم والتعجب منه. ومعنى التعجب في هذا أنه تعالى ذكره يعجب العباد من هوله [وفظاعته]، ثم بينه فقال:
* *
- ﴿لِيَوْمِ ٱلْفَصْلِ﴾.
أي: أجلت الرسل ليوم يفصل الله (فيه) بين خلقه، فيأخذ للمظلوم من الظالم ويجزي المحسن بإحسانه والمسيء بإساته.
* *
- ثم قال: ﴿وَمَآ أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ ٱلْفَصْلِ﴾.
أي: وأي شيء أدراك يا محمد ما يوم الفصل؟! فمعناه التعظيم لذلك اليوم لشدته وهوله.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾.
أي: [الوادي] الذي [يسيل] في جهنم من صديد أهلها للمكذبين بذلك اليوم.
وقيل: معناه قبوح لهم ذلك اليوم.
فقوله: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ﴾ هو جواب (إذا) في ما تقدم من الكلام.
- قوله تعالى: ﴿أَلَمْ نُهْلِكِ ٱلأَوَّلِينَ﴾.
يعني قوم نوح وعاد وثمود وشبههم.
* *
- ﴿ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ ٱلآخِرِينَ﴾.
يعني: قوم إبراهيم وأصحاب مدين وقوم فرعون، فيكون ﴿نُتْبِعُهُمُ﴾ على هذا مجزوماً. والتقدير: "وَأَلَمْ نُتْبِعْهُمُ الآخِرِينَ". وبه قرأ الأعرج.
* *
- وقوله: ﴿كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِٱلْمُجْرِمِينَ﴾.
يعني كفار قريش ومن سلك طريقهم من العرب وغيرها.
ورد الجزم أبو حاتم لأنه تأول أن ﴿نُتْبِعُهُمُ﴾ يراد به قريش ومن سلك في التكذيب طريقهم. فلا سبيل إلى الجزم على هذا المعنى لأنه منتظر في المعنى.
ولم لا تدخل على فعل معناه الاستقبال، بل ترده إلى الماضي أبداً.
(وقيل): إن ﴿نُتْبِعُهُمُ﴾ عطف على المعنى، لأن معنى ﴿أَلَمْ نُهْلِكِ﴾: قد أهلكنا.
* *
ثم قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِٱلْمُجْرِمِينَ﴾.
أي: كذلك نهلك من أجرم فاكتسب مخالفة الله ورسوله.
[ثم قال: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾.
وقد تقدم ذكره، وكذلك معنى كل ما في السورة وغيرها منه].
* *
- ثم قال: ﴿أَلَمْ نَخْلُقكُّم مِّن مَّآءٍ [مَّهِينٍ]﴾.
أي: من نطفة ضعيفة. قال ابن عباس: "المهين: الضعيف".
* *
- ثم قال: ﴿فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ﴾.
أي: في رحم استقر فيه فتمكن.
* *
﴿إِلَىٰ قَدَرٍ مَّعْلُومٍ﴾.
أي: إلى وقت خروجه من الرحم.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ ٱلْقَادِرُونَ﴾.
قال الضحاك: معناه "فملكنا فنعم المالكون". وهذا التقدير على قراءة من خفف.
وعلة من شدد أنه أراد به التكرير، لأنه تعالى قدر الإنسان نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم، [ثم]...، [فدل] التشديد على تكرير [الأحوال].
ومن خفف أجراه على لفظ "القادرين" إذ فعله: "قدر مخففاً، فالتخفيف بمعنى الملك والقدرة على ذلك.
والتشديد بمعنى التقدير. فمن شدد ﴿فَقَدَرْنَا﴾ جمع بين معنيين: التقدير [بقدرنا]، والملك "بالقادرين".
ومن خفف جعله كله بمعنى الملك والقدرة.
وقد يستعمل التشديد، وهو بمعنى القدرة أيضاً يقال: قَدَرَ الله كذا وقدَّره، لغتان. فيكون من شدد ﴿فَقَدَرْنَا﴾ جمع بين اللغتين، بقوله: ﴿ٱلْقَادِرُونَ﴾، كما قال: ﴿فَمَهِّلِ ٱلْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً﴾ [الطارق: ١٧]، وقد قال تعالى: ﴿نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ ٱلْمَوْتَ﴾ [الواقعة: ٦٠] مشدداً.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ ٱلأَرْضَ كِفَاتاً * (أَحْيَآءً)﴾
أي: ألم نجعل أيها الناس الأرض لكم وعاءً، أنتم على ظهرها في مساكنكم مجتمعون أحياءً وفي بطنها أمواتاً؟!
[يذكرهم] (الله) بنعمه عليهم.
يقال: كَفَتُّ الشيء إذا جَمَعْتَهُ وأَحْرَزْتَهُ.
روي عن ابن مسعود أنه "وجد قملة في ثوبه فدفنها في المسجد، ثم قال: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ ٱلأَرْضَ كِفَاتاً * أَحْيَآءً وَأَمْوٰتاً﴾.
وقال مجاهد - في الرجل يرى القملة في ثوبه وهو في المسجد - قال: "إن شئت فألقها، وإن شئت [فوارها]. ثم قرأ: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ ٱلأَرْضَ كِفَاتاً...﴾ الآية.
قال الشعبي: ﴿كِفَاتاً﴾: "بطنها لأمواتكم، وظهرها لأحيائكم".
وقال مجاهد: ﴿كِفَاتاً﴾: تكفت أذاهم وما يخرج منهم أحياءً وأمواتاً، أي: تضم ذلك.
ونصب ﴿أَحْيَآءً وَأَمْوٰتاً﴾ "بكفات"، أي: تضم أحياءً وأمواتاً. وقيل: التقدير: كفات أحياء وأموات، أي: ضمهم، [فلما] نون نصب ما بعده، كما تقول: رأيت ضرب زيد. فإن نونت "ضرباً"، نصبت "زيداً" أو رفعته.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ شَامِخَاتٍ﴾.
أي: جبالاً شاهقات، أي" طوالاً مشرفات.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَأَسْقَيْنَاكُم مَّآءً فُرَاتاً﴾.
أي: عذباً قال ابن عباس: وذلك من أربعة أنهار: سيحان وجيحان والنيل والفرات. فكل ما شربه ابن آدم (فهو) من هذه الأنهار، وهي (تخرج من) تحت صخرة عند بيت المقدس. فأما سيحان فهو نهر بلخ، وأما جيحان فهو دجلة بغداد، وأما الفرات فبالكوفة، وأما النيل (فنهر مصر).
* *
- ثم قال تعالى: ﴿ٱنطَلِقُوۤاْ إِلَىٰ مَا كُنتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾.
أي: يقال لهؤلاء المكذبين بآيات الله ونعمه: انطلقوا إلى ما كنتم تكذبون به في الدنيا من عقاب الله لأهل الكفر.
* *
- ﴿ٱنطَلِقُوۤاْ إِلَىٰ ظِلٍّ ذِي ثَلاَثِ شُعَبٍ﴾.
أي: إلى ظل دخان ذي ثلاث شعب. وذلك أنه يرفع وقودها الدخان، فإذا تصعد تفرق على ثلاث شعب، وهو "دخان جهنم".
[وهو قوله: ﴿وَظِلٍّ مِّن يَحْمُومٍ﴾ [الواقعة: ٤٣]، اليحموم: الدخان.
وقد قيل في قوله "﴿ذِي ثَلاَثِ شُعَبٍ﴾ إنه [ظل] الصليب الذي يعبده النصارى. وهو قول شاذ يوجب أن يكون المأمور بهذا، النصارى خاصة. وليست الآية إلا عامة في جميع الكفار، وليس كلهم عبد الصليب، فإنما أمروا إلى ظل دخان جهنم، دخان قد أنفرق على ثلاث شعب]. قال قتادة: هو كقوله: ﴿نَاراً أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا﴾ [الكهف: ٢٩].
* *
- ثم قال تعالى: ﴿لاَّ ظَلِيلٍ وَلاَ يُغْنِي مِنَ ٱللَّهَبِ﴾.
هذا نعت للظل أي: إلى ظل غير ظليل وغير [غانٍ] من اللهب. أي: [لا يظلهم ولا يمنعهم] من لهب جهنم، فلا يمنع عنهم ذلك الظل حرها ولا لهبها. وهذا الوصف مطابق لما روي عن النبي ﷺ: "أَنَّ الشَّمْسَ تَدْنُو مِنْ رُؤُوسِ الخَلاَئِقِ يَوْمَ القِيَامَةِ وَلَيْسَ لَهُمْ لِبَاسٌ وَلاَ لَهُمْ مَا يَسْتَتِرُونَ بِهِ مِنْهَا، فَيُنْجِي اللهُ المُؤْمِنِينَ إلى ظِلٍّ مِنْ ظِلِّهِ، وَيُقَالُ لِلْكُفَّارِ: انْطَلِقُوا إلى مَا كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ مِنْ عَذَابِ اللهِ وَعِقَابِهِ ﴿ٱنطَلِقُوۤاْ إِلَىٰ ظِلٍّ ذِي ثَلاَثِ شُعَبٍ﴾ فَيَنْطَلِقُونَ إلى دُخَانِ جَهَنَّمَ" أفهذا للكفار، لأنه روي: "أَنَّ الخَلاَئِقَ إِذَا اشْتَدَّ عليهم حرُّ الشمس وَدَنَتْ مِنْ رُؤُوسِهِمْ وأَخَذَتْ بِأَنفاسهِم وأشتد ذلك عليهم وكَثُرَ العَرَقُ، واشتد القَلَقُ، نَجَّى اللهُ المؤمنين برحمته إلى ظل من ظله، فهناك يقولون: ﴿فَمَنَّ ٱللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ ٱلسَّمُومِ﴾. ويقال للكفار المكذبين: انطلقوا إلى ما كنتم تُكَذِّبُونَ من عذاب الله وعقابه، انطلقوا إلى ظِلٍّ من دخان جهنم قد سَطَعَ وافترق ثلاثَ فِرَقٍ، فينطلقون ويكونون فيه، وهو أشد من حر الشمس الذي كانوا قد قَلِقُوا فيه. فيُقِيمُون في ظل ذلك الدخان حتى يُفْرَغَ من الحساب، كذلك أولياء الله في ظل عرش الرحمن، وحيث شاء الله حتى يفرغ من الحساب، ثم يؤمر بكل فريق إلى مُسْتَقَرِّهِ من الجنة أو من النار
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَٱلْقَصْرِ﴾.
أي: [إن]: جهنم ترمي ذلك اليوم بشرر كالقصر [المبني]. وقال ابن عباس: "كالقصر العظيم".
قال الحسن: هو واحد القصور.
وروى حجاج عن هارون ﴿كَٱلْقَصْرِ﴾ أي: كالخشب الجزل، وهو جمع قَصْرَة، كجَمْرة وجَمْر، وثَمْرَة وثَمْر.
وقرأ ابن عباس: "كَالْقَصَرِ" بفتح الصاد.
وقرأ ابن جبير والحسن: "كَالْقِصَرِ" بكسر القاف وفتح الصاد.
وعن ابن جبير: كقراءة ابن عباس، القصرة: الخشبة تكون [ثلاث] أذرع أو أكثر، فهو على قراءته جمع قصرة كخشبة وخشب.
وقال مجاهد وقتادة: القَصَر - بالفتح - هو [أصول] النخل. ومن كسر القاف جعله جمع قِصَرَة وقصر، وهي الخشبة أيضاً.
وقال المبرد: قيل: القَصْرُ: الجزل من الحطب الغليظ، واحدته قَصْرَةٌ، كَجَمْرَة وجمر.
والقَصْرُ في هذا الموضع إذا جعلته أحد القُصُورِ فهو واحد يدل [على الجمع]، ولذلك جعل نعتاً لـِ "شَرَرٍ" وهي جماعة.
فإن جعلته جمع قَصْرَةٍ جئت به في النعت بالجمع كالمنعوت، وقد [قال]: ﴿سَيُهْزَمُ ٱلْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ ٱلدُّبُرَ﴾ [القمر: ٤٥]، فَوَحَّدَ (و) لم يقل: "الأدبار"؟ لأن الدبر بمعنى الجمع، وفعل ذلك توفيقاً بين رؤوس [الآي] ومقاطع الكلام، إذ كان ذلك شأن العرب، والقرآنُ بلسانها نزل فَجَرَتْ [ألفاظه] على عادتها في لغتها وكلامها [وسجعها]، وقد قال تعالى: ﴿تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَٱلَّذِي يُغْشَىٰ عَلَيْهِ مِنَ ٱلْمَوْتِ﴾ [الأحزاب: ١٩]، ولم يقل: "كعيون الذين". وهو المعني لأن المراد في التشبيه الفعل لا العين.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿كَأَنَّهُ جِمَٰلَتٌ صُفْرٌ﴾.
أي: كأن ذلك الشرر الذي هو كالقصر: نُوقٌ سُودٌ. فالصفرة هنا بمعنى السواد، وإنما وقعت الصفرة في موضع السواد لأن ألوان الإبل السود تضرب إلى الصفرة، كما سميت [الظباء] "أُدْماً" لِمَا يَعْلُوهَا في بياضها من الظلمة.
قال الحسن: ﴿جِمَٰلَتٌ صُفْرٌ﴾ [أَيْنُقٌ] سود، وهو قول قتادة ومجاهد.
وقال ابن عباس: عنى بذلك قلوس السفن، يعني حبال السفن.
شبهت الشرر بحبال السفينة. والقَلْسُ. الحبلُ.
وعن ابن عباس أيضاً: ﴿جِمَٰلَتٌ صُفْرٌ﴾: "قِطَعُ النّحَاسِ" وهو جمع جِمَالَةٍ [وجِمَالَةٌ]: جمع جمل.
(ومن قرأ (جِمَالَةٌ) جعله جمع جَمَل).
وقد قرأ (أبو) أيوب: "جُمَالاَت" - بضم الجيم - كأنه جمع جَمَلاً (على جُمَالٍ) كما يجمع رَخِلٌ على رُخَالٍ. ثم جمع "جُمَالاً" على جُمَالاَت، لأن باب "فَعَل" و "فُعَل" واحد.
ويجوز (أن) يكون من الشيء المجمل.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾.
وقد تقدم ذكره.
المرسلات 77:3
قوله تعالى: ﴿وَٱلْمُرْسَلاَتِ عُرْفاً﴾، إلى قوله: ﴿كَأَنَّهُ جِمَٰلَتٌ صُفْرٌ * وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾.
قال ابن عباس وابن مسعود ومجاهد وأبو صالح وقتادة: ﴿(وَ)ٱلْمُرْسَلاَتِ﴾: الرياح، ﴿عُرْفاً﴾: يتبع بعضها بعضاً.
وقال مسروق: ﴿وَٱلْمُرْسَلاَتِ﴾: "الملائكة" ﴿عُرْفاً﴾ أي: ترسل بالعرف.
عن أبي صالح أيضاً أنها "الرسل، ترسل بالمعروف". وقيل: ﴿عُرْفاً﴾ أي: متتابعة كتتابع عرف الفرس.
والتقدير على قول مسروق: ورب الملائكة التي أرسلت إلى الأنبياء بأمر الله ونهيه (وذلك هو المعروف.
وعلى قول أبي صالح: ورب الرسل التي أرسلت إلى الناس بأمر الله ونهيه).
ومن قال ﴿عُرْفاً﴾ متتابعة (فتقديره: ورب الملائكة التي أرسلت إلى الأنبياء متتابعة) ورب الرسل الذين أرسلوا إلى الخلق متتابعين. وكذلك التقدير على قول ابن عباس ومن تبعه: هي الرياح.
ويدل (على أنها ليست) الرياح أن يسعدها ذكر الرياح [بلا اختلاف] في قوله: ﴿فَٱلْعَاصِفَاتِ عَصْفاً﴾.
- (ثم قال تعالى: ﴿فَٱلْعَاصِفَاتِ عَصْفاً﴾).
أي: (ورب الرياح العاصفات) أي: الشديدات الهبوب السريعات المر. وهذا قول علي بن أبي طالب وابن مسعود وابن عباس، وغيرهم.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وٱلنَّاشِرَاتِ نَشْراً﴾.
قال ابن مسعود ومجاهد [وقتادة]: هي الرياح لأنها تنشر السحاب.
وقال أبو صالح: هي "المطر"، لأنه ينشر الأرض، أي: [يحييها].
وروى (السدي) عن أبي صالح أنها الملائكة، (قال): [تنشر] [الكتب]. - ثم قال تعالى: ﴿فَٱلْفَارِقَاتِ فَرْقاً﴾.
قال ابن عباس وأبو صالح وسفيان: هي الملائكة، تفرق بالوحي بين الحق والباطل. وقال قتادة: هو القرآن، فرق الله به بين الحق والباطل، كأنه قال: والآيات الفارقات فرقاً.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿فَٱلْمُلْقِيَٰتِ ذِكْراً * عُذْراً﴾.
كلهم قال: هي الملائكة التي تلقي وحي الله إلى رسله، والذكر: القرآن.
* *
ثم قال تعالى: ﴿عُذْراً أَوْ نُذْراً﴾.
أي: تلقي الوحي إلى الرسل إعذاراً من الله لخلقه [وإنذاراً] منه لهم. قاله قتادة وغيره.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَوَٰقِعٌ﴾.
يعني أن البعث والجزاء وجميع ما أخبر الله، كائن واقع [وحادث] لا محالة. و ﴿إِنَّمَا﴾ هو جواب القسم المتقدم.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿فَإِذَا ٱلنُّجُومُ طُمِسَتْ﴾.
أي: ذهب ضوءها فلم يكن لها نور.
﴿وَإِذَا ٱلسَّمَآءُ فُرِجَتْ﴾. أي: شققت وصدعت.
﴿وَإِذَا ٱلْجِبَالُ نُسِفَتْ﴾. أي: نسفت من أصلها.
﴿فَكَانَتْ هَبَآءً مُّنبَثّاً﴾ [الواقعة: ٦]. أي: غباراً متفرقاً.
* *
﴿وَإِذَا ٱلرُّسُلُ أُقِّتَتْ﴾.
أي: أجلت الاجتماع لوقتها يوم القيامة.
قال ابن عباس: ﴿أُقِّتَتْ﴾ "جمعت". وقال مجاهد ﴿أُقِّتَتْ﴾ "أجلت".
وهو من الوقت، فمعناه: [حان] وقتها الذي وعدته به، وذلك يوم القيامة.
وقرأ عيسى بن [عمر] "أُقِتَتْ" بالتخفيف والهمز، وقرأ الحسن. "وُقِتَتْ" بالواو والتخفيف.
وكله من الوقت، والواو هي الأصل، والهمزة بدل منها.
والتخفيف والتشديد لغتان، إلا أن في التشديد معنى التكرير والمبالغة.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿لأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ﴾.
أي: ما أعظمه وأكثر هوله. ففي الكلام معنى التعظيم لليوم والتعجب منه. ومعنى التعجب في هذا أنه تعالى ذكره يعجب العباد من هوله [وفظاعته]، ثم بينه فقال:
* *
- ﴿لِيَوْمِ ٱلْفَصْلِ﴾.
أي: أجلت الرسل ليوم يفصل الله (فيه) بين خلقه، فيأخذ للمظلوم من الظالم ويجزي المحسن بإحسانه والمسيء بإساته.
* *
- ثم قال: ﴿وَمَآ أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ ٱلْفَصْلِ﴾.
أي: وأي شيء أدراك يا محمد ما يوم الفصل؟! فمعناه التعظيم لذلك اليوم لشدته وهوله.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾.
أي: [الوادي] الذي [يسيل] في جهنم من صديد أهلها للمكذبين بذلك اليوم.
وقيل: معناه قبوح لهم ذلك اليوم.
فقوله: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ﴾ هو جواب (إذا) في ما تقدم من الكلام.
- قوله تعالى: ﴿أَلَمْ نُهْلِكِ ٱلأَوَّلِينَ﴾.
يعني قوم نوح وعاد وثمود وشبههم.
* *
- ﴿ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ ٱلآخِرِينَ﴾.
يعني: قوم إبراهيم وأصحاب مدين وقوم فرعون، فيكون ﴿نُتْبِعُهُمُ﴾ على هذا مجزوماً. والتقدير: "وَأَلَمْ نُتْبِعْهُمُ الآخِرِينَ". وبه قرأ الأعرج.
* *
- وقوله: ﴿كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِٱلْمُجْرِمِينَ﴾.
يعني كفار قريش ومن سلك طريقهم من العرب وغيرها.
ورد الجزم أبو حاتم لأنه تأول أن ﴿نُتْبِعُهُمُ﴾ يراد به قريش ومن سلك في التكذيب طريقهم. فلا سبيل إلى الجزم على هذا المعنى لأنه منتظر في المعنى.
ولم لا تدخل على فعل معناه الاستقبال، بل ترده إلى الماضي أبداً.
(وقيل): إن ﴿نُتْبِعُهُمُ﴾ عطف على المعنى، لأن معنى ﴿أَلَمْ نُهْلِكِ﴾: قد أهلكنا.
* *
ثم قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِٱلْمُجْرِمِينَ﴾.
أي: كذلك نهلك من أجرم فاكتسب مخالفة الله ورسوله.
[ثم قال: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾.
وقد تقدم ذكره، وكذلك معنى كل ما في السورة وغيرها منه].
* *
- ثم قال: ﴿أَلَمْ نَخْلُقكُّم مِّن مَّآءٍ [مَّهِينٍ]﴾.
أي: من نطفة ضعيفة. قال ابن عباس: "المهين: الضعيف".
* *
- ثم قال: ﴿فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ﴾.
أي: في رحم استقر فيه فتمكن.
* *
﴿إِلَىٰ قَدَرٍ مَّعْلُومٍ﴾.
أي: إلى وقت خروجه من الرحم.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ ٱلْقَادِرُونَ﴾.
قال الضحاك: معناه "فملكنا فنعم المالكون". وهذا التقدير على قراءة من خفف.
وعلة من شدد أنه أراد به التكرير، لأنه تعالى قدر الإنسان نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم، [ثم]...، [فدل] التشديد على تكرير [الأحوال].
ومن خفف أجراه على لفظ "القادرين" إذ فعله: "قدر مخففاً، فالتخفيف بمعنى الملك والقدرة على ذلك.
والتشديد بمعنى التقدير. فمن شدد ﴿فَقَدَرْنَا﴾ جمع بين معنيين: التقدير [بقدرنا]، والملك "بالقادرين".
ومن خفف جعله كله بمعنى الملك والقدرة.
وقد يستعمل التشديد، وهو بمعنى القدرة أيضاً يقال: قَدَرَ الله كذا وقدَّره، لغتان. فيكون من شدد ﴿فَقَدَرْنَا﴾ جمع بين اللغتين، بقوله: ﴿ٱلْقَادِرُونَ﴾، كما قال: ﴿فَمَهِّلِ ٱلْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً﴾ [الطارق: ١٧]، وقد قال تعالى: ﴿نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ ٱلْمَوْتَ﴾ [الواقعة: ٦٠] مشدداً.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ ٱلأَرْضَ كِفَاتاً * (أَحْيَآءً)﴾
أي: ألم نجعل أيها الناس الأرض لكم وعاءً، أنتم على ظهرها في مساكنكم مجتمعون أحياءً وفي بطنها أمواتاً؟!
[يذكرهم] (الله) بنعمه عليهم.
يقال: كَفَتُّ الشيء إذا جَمَعْتَهُ وأَحْرَزْتَهُ.
روي عن ابن مسعود أنه "وجد قملة في ثوبه فدفنها في المسجد، ثم قال: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ ٱلأَرْضَ كِفَاتاً * أَحْيَآءً وَأَمْوٰتاً﴾.
وقال مجاهد - في الرجل يرى القملة في ثوبه وهو في المسجد - قال: "إن شئت فألقها، وإن شئت [فوارها]. ثم قرأ: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ ٱلأَرْضَ كِفَاتاً...﴾ الآية.
قال الشعبي: ﴿كِفَاتاً﴾: "بطنها لأمواتكم، وظهرها لأحيائكم".
وقال مجاهد: ﴿كِفَاتاً﴾: تكفت أذاهم وما يخرج منهم أحياءً وأمواتاً، أي: تضم ذلك.
ونصب ﴿أَحْيَآءً وَأَمْوٰتاً﴾ "بكفات"، أي: تضم أحياءً وأمواتاً. وقيل: التقدير: كفات أحياء وأموات، أي: ضمهم، [فلما] نون نصب ما بعده، كما تقول: رأيت ضرب زيد. فإن نونت "ضرباً"، نصبت "زيداً" أو رفعته.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ شَامِخَاتٍ﴾.
أي: جبالاً شاهقات، أي" طوالاً مشرفات.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَأَسْقَيْنَاكُم مَّآءً فُرَاتاً﴾.
أي: عذباً قال ابن عباس: وذلك من أربعة أنهار: سيحان وجيحان والنيل والفرات. فكل ما شربه ابن آدم (فهو) من هذه الأنهار، وهي (تخرج من) تحت صخرة عند بيت المقدس. فأما سيحان فهو نهر بلخ، وأما جيحان فهو دجلة بغداد، وأما الفرات فبالكوفة، وأما النيل (فنهر مصر).
* *
- ثم قال تعالى: ﴿ٱنطَلِقُوۤاْ إِلَىٰ مَا كُنتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾.
أي: يقال لهؤلاء المكذبين بآيات الله ونعمه: انطلقوا إلى ما كنتم تكذبون به في الدنيا من عقاب الله لأهل الكفر.
* *
- ﴿ٱنطَلِقُوۤاْ إِلَىٰ ظِلٍّ ذِي ثَلاَثِ شُعَبٍ﴾.
أي: إلى ظل دخان ذي ثلاث شعب. وذلك أنه يرفع وقودها الدخان، فإذا تصعد تفرق على ثلاث شعب، وهو "دخان جهنم".
[وهو قوله: ﴿وَظِلٍّ مِّن يَحْمُومٍ﴾ [الواقعة: ٤٣]، اليحموم: الدخان.
وقد قيل في قوله "﴿ذِي ثَلاَثِ شُعَبٍ﴾ إنه [ظل] الصليب الذي يعبده النصارى. وهو قول شاذ يوجب أن يكون المأمور بهذا، النصارى خاصة. وليست الآية إلا عامة في جميع الكفار، وليس كلهم عبد الصليب، فإنما أمروا إلى ظل دخان جهنم، دخان قد أنفرق على ثلاث شعب]. قال قتادة: هو كقوله: ﴿نَاراً أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا﴾ [الكهف: ٢٩].
* *
- ثم قال تعالى: ﴿لاَّ ظَلِيلٍ وَلاَ يُغْنِي مِنَ ٱللَّهَبِ﴾.
هذا نعت للظل أي: إلى ظل غير ظليل وغير [غانٍ] من اللهب. أي: [لا يظلهم ولا يمنعهم] من لهب جهنم، فلا يمنع عنهم ذلك الظل حرها ولا لهبها. وهذا الوصف مطابق لما روي عن النبي ﷺ: "أَنَّ الشَّمْسَ تَدْنُو مِنْ رُؤُوسِ الخَلاَئِقِ يَوْمَ القِيَامَةِ وَلَيْسَ لَهُمْ لِبَاسٌ وَلاَ لَهُمْ مَا يَسْتَتِرُونَ بِهِ مِنْهَا، فَيُنْجِي اللهُ المُؤْمِنِينَ إلى ظِلٍّ مِنْ ظِلِّهِ، وَيُقَالُ لِلْكُفَّارِ: انْطَلِقُوا إلى مَا كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ مِنْ عَذَابِ اللهِ وَعِقَابِهِ ﴿ٱنطَلِقُوۤاْ إِلَىٰ ظِلٍّ ذِي ثَلاَثِ شُعَبٍ﴾ فَيَنْطَلِقُونَ إلى دُخَانِ جَهَنَّمَ" أفهذا للكفار، لأنه روي: "أَنَّ الخَلاَئِقَ إِذَا اشْتَدَّ عليهم حرُّ الشمس وَدَنَتْ مِنْ رُؤُوسِهِمْ وأَخَذَتْ بِأَنفاسهِم وأشتد ذلك عليهم وكَثُرَ العَرَقُ، واشتد القَلَقُ، نَجَّى اللهُ المؤمنين برحمته إلى ظل من ظله، فهناك يقولون: ﴿فَمَنَّ ٱللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ ٱلسَّمُومِ﴾. ويقال للكفار المكذبين: انطلقوا إلى ما كنتم تُكَذِّبُونَ من عذاب الله وعقابه، انطلقوا إلى ظِلٍّ من دخان جهنم قد سَطَعَ وافترق ثلاثَ فِرَقٍ، فينطلقون ويكونون فيه، وهو أشد من حر الشمس الذي كانوا قد قَلِقُوا فيه. فيُقِيمُون في ظل ذلك الدخان حتى يُفْرَغَ من الحساب، كذلك أولياء الله في ظل عرش الرحمن، وحيث شاء الله حتى يفرغ من الحساب، ثم يؤمر بكل فريق إلى مُسْتَقَرِّهِ من الجنة أو من النار
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَٱلْقَصْرِ﴾.
أي: [إن]: جهنم ترمي ذلك اليوم بشرر كالقصر [المبني]. وقال ابن عباس: "كالقصر العظيم".
قال الحسن: هو واحد القصور.
وروى حجاج عن هارون ﴿كَٱلْقَصْرِ﴾ أي: كالخشب الجزل، وهو جمع قَصْرَة، كجَمْرة وجَمْر، وثَمْرَة وثَمْر.
وقرأ ابن عباس: "كَالْقَصَرِ" بفتح الصاد.
وقرأ ابن جبير والحسن: "كَالْقِصَرِ" بكسر القاف وفتح الصاد.
وعن ابن جبير: كقراءة ابن عباس، القصرة: الخشبة تكون [ثلاث] أذرع أو أكثر، فهو على قراءته جمع قصرة كخشبة وخشب.
وقال مجاهد وقتادة: القَصَر - بالفتح - هو [أصول] النخل. ومن كسر القاف جعله جمع قِصَرَة وقصر، وهي الخشبة أيضاً.
وقال المبرد: قيل: القَصْرُ: الجزل من الحطب الغليظ، واحدته قَصْرَةٌ، كَجَمْرَة وجمر.
والقَصْرُ في هذا الموضع إذا جعلته أحد القُصُورِ فهو واحد يدل [على الجمع]، ولذلك جعل نعتاً لـِ "شَرَرٍ" وهي جماعة.
فإن جعلته جمع قَصْرَةٍ جئت به في النعت بالجمع كالمنعوت، وقد [قال]: ﴿سَيُهْزَمُ ٱلْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ ٱلدُّبُرَ﴾ [القمر: ٤٥]، فَوَحَّدَ (و) لم يقل: "الأدبار"؟ لأن الدبر بمعنى الجمع، وفعل ذلك توفيقاً بين رؤوس [الآي] ومقاطع الكلام، إذ كان ذلك شأن العرب، والقرآنُ بلسانها نزل فَجَرَتْ [ألفاظه] على عادتها في لغتها وكلامها [وسجعها]، وقد قال تعالى: ﴿تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَٱلَّذِي يُغْشَىٰ عَلَيْهِ مِنَ ٱلْمَوْتِ﴾ [الأحزاب: ١٩]، ولم يقل: "كعيون الذين". وهو المعني لأن المراد في التشبيه الفعل لا العين.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿كَأَنَّهُ جِمَٰلَتٌ صُفْرٌ﴾.
أي: كأن ذلك الشرر الذي هو كالقصر: نُوقٌ سُودٌ. فالصفرة هنا بمعنى السواد، وإنما وقعت الصفرة في موضع السواد لأن ألوان الإبل السود تضرب إلى الصفرة، كما سميت [الظباء] "أُدْماً" لِمَا يَعْلُوهَا في بياضها من الظلمة.
قال الحسن: ﴿جِمَٰلَتٌ صُفْرٌ﴾ [أَيْنُقٌ] سود، وهو قول قتادة ومجاهد.
وقال ابن عباس: عنى بذلك قلوس السفن، يعني حبال السفن.
شبهت الشرر بحبال السفينة. والقَلْسُ. الحبلُ.
وعن ابن عباس أيضاً: ﴿جِمَٰلَتٌ صُفْرٌ﴾: "قِطَعُ النّحَاسِ" وهو جمع جِمَالَةٍ [وجِمَالَةٌ]: جمع جمل.
(ومن قرأ (جِمَالَةٌ) جعله جمع جَمَل).
وقد قرأ (أبو) أيوب: "جُمَالاَت" - بضم الجيم - كأنه جمع جَمَلاً (على جُمَالٍ) كما يجمع رَخِلٌ على رُخَالٍ. ثم جمع "جُمَالاً" على جُمَالاَت، لأن باب "فَعَل" و "فُعَل" واحد.
ويجوز (أن) يكون من الشيء المجمل.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾.
وقد تقدم ذكره.
المرسلات 77:4
قوله تعالى: ﴿وَٱلْمُرْسَلاَتِ عُرْفاً﴾، إلى قوله: ﴿كَأَنَّهُ جِمَٰلَتٌ صُفْرٌ * وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾.
قال ابن عباس وابن مسعود ومجاهد وأبو صالح وقتادة: ﴿(وَ)ٱلْمُرْسَلاَتِ﴾: الرياح، ﴿عُرْفاً﴾: يتبع بعضها بعضاً.
وقال مسروق: ﴿وَٱلْمُرْسَلاَتِ﴾: "الملائكة" ﴿عُرْفاً﴾ أي: ترسل بالعرف.
عن أبي صالح أيضاً أنها "الرسل، ترسل بالمعروف". وقيل: ﴿عُرْفاً﴾ أي: متتابعة كتتابع عرف الفرس.
والتقدير على قول مسروق: ورب الملائكة التي أرسلت إلى الأنبياء بأمر الله ونهيه (وذلك هو المعروف.
وعلى قول أبي صالح: ورب الرسل التي أرسلت إلى الناس بأمر الله ونهيه).
ومن قال ﴿عُرْفاً﴾ متتابعة (فتقديره: ورب الملائكة التي أرسلت إلى الأنبياء متتابعة) ورب الرسل الذين أرسلوا إلى الخلق متتابعين. وكذلك التقدير على قول ابن عباس ومن تبعه: هي الرياح.
ويدل (على أنها ليست) الرياح أن يسعدها ذكر الرياح [بلا اختلاف] في قوله: ﴿فَٱلْعَاصِفَاتِ عَصْفاً﴾.
- (ثم قال تعالى: ﴿فَٱلْعَاصِفَاتِ عَصْفاً﴾).
أي: (ورب الرياح العاصفات) أي: الشديدات الهبوب السريعات المر. وهذا قول علي بن أبي طالب وابن مسعود وابن عباس، وغيرهم.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وٱلنَّاشِرَاتِ نَشْراً﴾.
قال ابن مسعود ومجاهد [وقتادة]: هي الرياح لأنها تنشر السحاب.
وقال أبو صالح: هي "المطر"، لأنه ينشر الأرض، أي: [يحييها].
وروى (السدي) عن أبي صالح أنها الملائكة، (قال): [تنشر] [الكتب]. - ثم قال تعالى: ﴿فَٱلْفَارِقَاتِ فَرْقاً﴾.
قال ابن عباس وأبو صالح وسفيان: هي الملائكة، تفرق بالوحي بين الحق والباطل. وقال قتادة: هو القرآن، فرق الله به بين الحق والباطل، كأنه قال: والآيات الفارقات فرقاً.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿فَٱلْمُلْقِيَٰتِ ذِكْراً * عُذْراً﴾.
كلهم قال: هي الملائكة التي تلقي وحي الله إلى رسله، والذكر: القرآن.
* *
ثم قال تعالى: ﴿عُذْراً أَوْ نُذْراً﴾.
أي: تلقي الوحي إلى الرسل إعذاراً من الله لخلقه [وإنذاراً] منه لهم. قاله قتادة وغيره.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَوَٰقِعٌ﴾.
يعني أن البعث والجزاء وجميع ما أخبر الله، كائن واقع [وحادث] لا محالة. و ﴿إِنَّمَا﴾ هو جواب القسم المتقدم.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿فَإِذَا ٱلنُّجُومُ طُمِسَتْ﴾.
أي: ذهب ضوءها فلم يكن لها نور.
﴿وَإِذَا ٱلسَّمَآءُ فُرِجَتْ﴾. أي: شققت وصدعت.
﴿وَإِذَا ٱلْجِبَالُ نُسِفَتْ﴾. أي: نسفت من أصلها.
﴿فَكَانَتْ هَبَآءً مُّنبَثّاً﴾ [الواقعة: ٦]. أي: غباراً متفرقاً.
* *
﴿وَإِذَا ٱلرُّسُلُ أُقِّتَتْ﴾.
أي: أجلت الاجتماع لوقتها يوم القيامة.
قال ابن عباس: ﴿أُقِّتَتْ﴾ "جمعت". وقال مجاهد ﴿أُقِّتَتْ﴾ "أجلت".
وهو من الوقت، فمعناه: [حان] وقتها الذي وعدته به، وذلك يوم القيامة.
وقرأ عيسى بن [عمر] "أُقِتَتْ" بالتخفيف والهمز، وقرأ الحسن. "وُقِتَتْ" بالواو والتخفيف.
وكله من الوقت، والواو هي الأصل، والهمزة بدل منها.
والتخفيف والتشديد لغتان، إلا أن في التشديد معنى التكرير والمبالغة.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿لأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ﴾.
أي: ما أعظمه وأكثر هوله. ففي الكلام معنى التعظيم لليوم والتعجب منه. ومعنى التعجب في هذا أنه تعالى ذكره يعجب العباد من هوله [وفظاعته]، ثم بينه فقال:
* *
- ﴿لِيَوْمِ ٱلْفَصْلِ﴾.
أي: أجلت الرسل ليوم يفصل الله (فيه) بين خلقه، فيأخذ للمظلوم من الظالم ويجزي المحسن بإحسانه والمسيء بإساته.
* *
- ثم قال: ﴿وَمَآ أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ ٱلْفَصْلِ﴾.
أي: وأي شيء أدراك يا محمد ما يوم الفصل؟! فمعناه التعظيم لذلك اليوم لشدته وهوله.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾.
أي: [الوادي] الذي [يسيل] في جهنم من صديد أهلها للمكذبين بذلك اليوم.
وقيل: معناه قبوح لهم ذلك اليوم.
فقوله: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ﴾ هو جواب (إذا) في ما تقدم من الكلام.
- قوله تعالى: ﴿أَلَمْ نُهْلِكِ ٱلأَوَّلِينَ﴾.
يعني قوم نوح وعاد وثمود وشبههم.
* *
- ﴿ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ ٱلآخِرِينَ﴾.
يعني: قوم إبراهيم وأصحاب مدين وقوم فرعون، فيكون ﴿نُتْبِعُهُمُ﴾ على هذا مجزوماً. والتقدير: "وَأَلَمْ نُتْبِعْهُمُ الآخِرِينَ". وبه قرأ الأعرج.
* *
- وقوله: ﴿كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِٱلْمُجْرِمِينَ﴾.
يعني كفار قريش ومن سلك طريقهم من العرب وغيرها.
ورد الجزم أبو حاتم لأنه تأول أن ﴿نُتْبِعُهُمُ﴾ يراد به قريش ومن سلك في التكذيب طريقهم. فلا سبيل إلى الجزم على هذا المعنى لأنه منتظر في المعنى.
ولم لا تدخل على فعل معناه الاستقبال، بل ترده إلى الماضي أبداً.
(وقيل): إن ﴿نُتْبِعُهُمُ﴾ عطف على المعنى، لأن معنى ﴿أَلَمْ نُهْلِكِ﴾: قد أهلكنا.
* *
ثم قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِٱلْمُجْرِمِينَ﴾.
أي: كذلك نهلك من أجرم فاكتسب مخالفة الله ورسوله.
[ثم قال: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾.
وقد تقدم ذكره، وكذلك معنى كل ما في السورة وغيرها منه].
* *
- ثم قال: ﴿أَلَمْ نَخْلُقكُّم مِّن مَّآءٍ [مَّهِينٍ]﴾.
أي: من نطفة ضعيفة. قال ابن عباس: "المهين: الضعيف".
* *
- ثم قال: ﴿فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ﴾.
أي: في رحم استقر فيه فتمكن.
* *
﴿إِلَىٰ قَدَرٍ مَّعْلُومٍ﴾.
أي: إلى وقت خروجه من الرحم.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ ٱلْقَادِرُونَ﴾.
قال الضحاك: معناه "فملكنا فنعم المالكون". وهذا التقدير على قراءة من خفف.
وعلة من شدد أنه أراد به التكرير، لأنه تعالى قدر الإنسان نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم، [ثم]...، [فدل] التشديد على تكرير [الأحوال].
ومن خفف أجراه على لفظ "القادرين" إذ فعله: "قدر مخففاً، فالتخفيف بمعنى الملك والقدرة على ذلك.
والتشديد بمعنى التقدير. فمن شدد ﴿فَقَدَرْنَا﴾ جمع بين معنيين: التقدير [بقدرنا]، والملك "بالقادرين".
ومن خفف جعله كله بمعنى الملك والقدرة.
وقد يستعمل التشديد، وهو بمعنى القدرة أيضاً يقال: قَدَرَ الله كذا وقدَّره، لغتان. فيكون من شدد ﴿فَقَدَرْنَا﴾ جمع بين اللغتين، بقوله: ﴿ٱلْقَادِرُونَ﴾، كما قال: ﴿فَمَهِّلِ ٱلْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً﴾ [الطارق: ١٧]، وقد قال تعالى: ﴿نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ ٱلْمَوْتَ﴾ [الواقعة: ٦٠] مشدداً.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ ٱلأَرْضَ كِفَاتاً * (أَحْيَآءً)﴾
أي: ألم نجعل أيها الناس الأرض لكم وعاءً، أنتم على ظهرها في مساكنكم مجتمعون أحياءً وفي بطنها أمواتاً؟!
[يذكرهم] (الله) بنعمه عليهم.
يقال: كَفَتُّ الشيء إذا جَمَعْتَهُ وأَحْرَزْتَهُ.
روي عن ابن مسعود أنه "وجد قملة في ثوبه فدفنها في المسجد، ثم قال: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ ٱلأَرْضَ كِفَاتاً * أَحْيَآءً وَأَمْوٰتاً﴾.
وقال مجاهد - في الرجل يرى القملة في ثوبه وهو في المسجد - قال: "إن شئت فألقها، وإن شئت [فوارها]. ثم قرأ: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ ٱلأَرْضَ كِفَاتاً...﴾ الآية.
قال الشعبي: ﴿كِفَاتاً﴾: "بطنها لأمواتكم، وظهرها لأحيائكم".
وقال مجاهد: ﴿كِفَاتاً﴾: تكفت أذاهم وما يخرج منهم أحياءً وأمواتاً، أي: تضم ذلك.
ونصب ﴿أَحْيَآءً وَأَمْوٰتاً﴾ "بكفات"، أي: تضم أحياءً وأمواتاً. وقيل: التقدير: كفات أحياء وأموات، أي: ضمهم، [فلما] نون نصب ما بعده، كما تقول: رأيت ضرب زيد. فإن نونت "ضرباً"، نصبت "زيداً" أو رفعته.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ شَامِخَاتٍ﴾.
أي: جبالاً شاهقات، أي" طوالاً مشرفات.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَأَسْقَيْنَاكُم مَّآءً فُرَاتاً﴾.
أي: عذباً قال ابن عباس: وذلك من أربعة أنهار: سيحان وجيحان والنيل والفرات. فكل ما شربه ابن آدم (فهو) من هذه الأنهار، وهي (تخرج من) تحت صخرة عند بيت المقدس. فأما سيحان فهو نهر بلخ، وأما جيحان فهو دجلة بغداد، وأما الفرات فبالكوفة، وأما النيل (فنهر مصر).
* *
- ثم قال تعالى: ﴿ٱنطَلِقُوۤاْ إِلَىٰ مَا كُنتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾.
أي: يقال لهؤلاء المكذبين بآيات الله ونعمه: انطلقوا إلى ما كنتم تكذبون به في الدنيا من عقاب الله لأهل الكفر.
* *
- ﴿ٱنطَلِقُوۤاْ إِلَىٰ ظِلٍّ ذِي ثَلاَثِ شُعَبٍ﴾.
أي: إلى ظل دخان ذي ثلاث شعب. وذلك أنه يرفع وقودها الدخان، فإذا تصعد تفرق على ثلاث شعب، وهو "دخان جهنم".
[وهو قوله: ﴿وَظِلٍّ مِّن يَحْمُومٍ﴾ [الواقعة: ٤٣]، اليحموم: الدخان.
وقد قيل في قوله "﴿ذِي ثَلاَثِ شُعَبٍ﴾ إنه [ظل] الصليب الذي يعبده النصارى. وهو قول شاذ يوجب أن يكون المأمور بهذا، النصارى خاصة. وليست الآية إلا عامة في جميع الكفار، وليس كلهم عبد الصليب، فإنما أمروا إلى ظل دخان جهنم، دخان قد أنفرق على ثلاث شعب]. قال قتادة: هو كقوله: ﴿نَاراً أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا﴾ [الكهف: ٢٩].
* *
- ثم قال تعالى: ﴿لاَّ ظَلِيلٍ وَلاَ يُغْنِي مِنَ ٱللَّهَبِ﴾.
هذا نعت للظل أي: إلى ظل غير ظليل وغير [غانٍ] من اللهب. أي: [لا يظلهم ولا يمنعهم] من لهب جهنم، فلا يمنع عنهم ذلك الظل حرها ولا لهبها. وهذا الوصف مطابق لما روي عن النبي ﷺ: "أَنَّ الشَّمْسَ تَدْنُو مِنْ رُؤُوسِ الخَلاَئِقِ يَوْمَ القِيَامَةِ وَلَيْسَ لَهُمْ لِبَاسٌ وَلاَ لَهُمْ مَا يَسْتَتِرُونَ بِهِ مِنْهَا، فَيُنْجِي اللهُ المُؤْمِنِينَ إلى ظِلٍّ مِنْ ظِلِّهِ، وَيُقَالُ لِلْكُفَّارِ: انْطَلِقُوا إلى مَا كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ مِنْ عَذَابِ اللهِ وَعِقَابِهِ ﴿ٱنطَلِقُوۤاْ إِلَىٰ ظِلٍّ ذِي ثَلاَثِ شُعَبٍ﴾ فَيَنْطَلِقُونَ إلى دُخَانِ جَهَنَّمَ" أفهذا للكفار، لأنه روي: "أَنَّ الخَلاَئِقَ إِذَا اشْتَدَّ عليهم حرُّ الشمس وَدَنَتْ مِنْ رُؤُوسِهِمْ وأَخَذَتْ بِأَنفاسهِم وأشتد ذلك عليهم وكَثُرَ العَرَقُ، واشتد القَلَقُ، نَجَّى اللهُ المؤمنين برحمته إلى ظل من ظله، فهناك يقولون: ﴿فَمَنَّ ٱللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ ٱلسَّمُومِ﴾. ويقال للكفار المكذبين: انطلقوا إلى ما كنتم تُكَذِّبُونَ من عذاب الله وعقابه، انطلقوا إلى ظِلٍّ من دخان جهنم قد سَطَعَ وافترق ثلاثَ فِرَقٍ، فينطلقون ويكونون فيه، وهو أشد من حر الشمس الذي كانوا قد قَلِقُوا فيه. فيُقِيمُون في ظل ذلك الدخان حتى يُفْرَغَ من الحساب، كذلك أولياء الله في ظل عرش الرحمن، وحيث شاء الله حتى يفرغ من الحساب، ثم يؤمر بكل فريق إلى مُسْتَقَرِّهِ من الجنة أو من النار
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَٱلْقَصْرِ﴾.
أي: [إن]: جهنم ترمي ذلك اليوم بشرر كالقصر [المبني]. وقال ابن عباس: "كالقصر العظيم".
قال الحسن: هو واحد القصور.
وروى حجاج عن هارون ﴿كَٱلْقَصْرِ﴾ أي: كالخشب الجزل، وهو جمع قَصْرَة، كجَمْرة وجَمْر، وثَمْرَة وثَمْر.
وقرأ ابن عباس: "كَالْقَصَرِ" بفتح الصاد.
وقرأ ابن جبير والحسن: "كَالْقِصَرِ" بكسر القاف وفتح الصاد.
وعن ابن جبير: كقراءة ابن عباس، القصرة: الخشبة تكون [ثلاث] أذرع أو أكثر، فهو على قراءته جمع قصرة كخشبة وخشب.
وقال مجاهد وقتادة: القَصَر - بالفتح - هو [أصول] النخل. ومن كسر القاف جعله جمع قِصَرَة وقصر، وهي الخشبة أيضاً.
وقال المبرد: قيل: القَصْرُ: الجزل من الحطب الغليظ، واحدته قَصْرَةٌ، كَجَمْرَة وجمر.
والقَصْرُ في هذا الموضع إذا جعلته أحد القُصُورِ فهو واحد يدل [على الجمع]، ولذلك جعل نعتاً لـِ "شَرَرٍ" وهي جماعة.
فإن جعلته جمع قَصْرَةٍ جئت به في النعت بالجمع كالمنعوت، وقد [قال]: ﴿سَيُهْزَمُ ٱلْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ ٱلدُّبُرَ﴾ [القمر: ٤٥]، فَوَحَّدَ (و) لم يقل: "الأدبار"؟ لأن الدبر بمعنى الجمع، وفعل ذلك توفيقاً بين رؤوس [الآي] ومقاطع الكلام، إذ كان ذلك شأن العرب، والقرآنُ بلسانها نزل فَجَرَتْ [ألفاظه] على عادتها في لغتها وكلامها [وسجعها]، وقد قال تعالى: ﴿تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَٱلَّذِي يُغْشَىٰ عَلَيْهِ مِنَ ٱلْمَوْتِ﴾ [الأحزاب: ١٩]، ولم يقل: "كعيون الذين". وهو المعني لأن المراد في التشبيه الفعل لا العين.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿كَأَنَّهُ جِمَٰلَتٌ صُفْرٌ﴾.
أي: كأن ذلك الشرر الذي هو كالقصر: نُوقٌ سُودٌ. فالصفرة هنا بمعنى السواد، وإنما وقعت الصفرة في موضع السواد لأن ألوان الإبل السود تضرب إلى الصفرة، كما سميت [الظباء] "أُدْماً" لِمَا يَعْلُوهَا في بياضها من الظلمة.
قال الحسن: ﴿جِمَٰلَتٌ صُفْرٌ﴾ [أَيْنُقٌ] سود، وهو قول قتادة ومجاهد.
وقال ابن عباس: عنى بذلك قلوس السفن، يعني حبال السفن.
شبهت الشرر بحبال السفينة. والقَلْسُ. الحبلُ.
وعن ابن عباس أيضاً: ﴿جِمَٰلَتٌ صُفْرٌ﴾: "قِطَعُ النّحَاسِ" وهو جمع جِمَالَةٍ [وجِمَالَةٌ]: جمع جمل.
(ومن قرأ (جِمَالَةٌ) جعله جمع جَمَل).
وقد قرأ (أبو) أيوب: "جُمَالاَت" - بضم الجيم - كأنه جمع جَمَلاً (على جُمَالٍ) كما يجمع رَخِلٌ على رُخَالٍ. ثم جمع "جُمَالاً" على جُمَالاَت، لأن باب "فَعَل" و "فُعَل" واحد.
ويجوز (أن) يكون من الشيء المجمل.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾.
وقد تقدم ذكره.
المرسلات 77:5
قوله تعالى: ﴿وَٱلْمُرْسَلاَتِ عُرْفاً﴾، إلى قوله: ﴿كَأَنَّهُ جِمَٰلَتٌ صُفْرٌ * وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾.
قال ابن عباس وابن مسعود ومجاهد وأبو صالح وقتادة: ﴿(وَ)ٱلْمُرْسَلاَتِ﴾: الرياح، ﴿عُرْفاً﴾: يتبع بعضها بعضاً.
وقال مسروق: ﴿وَٱلْمُرْسَلاَتِ﴾: "الملائكة" ﴿عُرْفاً﴾ أي: ترسل بالعرف.
عن أبي صالح أيضاً أنها "الرسل، ترسل بالمعروف". وقيل: ﴿عُرْفاً﴾ أي: متتابعة كتتابع عرف الفرس.
والتقدير على قول مسروق: ورب الملائكة التي أرسلت إلى الأنبياء بأمر الله ونهيه (وذلك هو المعروف.
وعلى قول أبي صالح: ورب الرسل التي أرسلت إلى الناس بأمر الله ونهيه).
ومن قال ﴿عُرْفاً﴾ متتابعة (فتقديره: ورب الملائكة التي أرسلت إلى الأنبياء متتابعة) ورب الرسل الذين أرسلوا إلى الخلق متتابعين. وكذلك التقدير على قول ابن عباس ومن تبعه: هي الرياح.
ويدل (على أنها ليست) الرياح أن يسعدها ذكر الرياح [بلا اختلاف] في قوله: ﴿فَٱلْعَاصِفَاتِ عَصْفاً﴾.
- (ثم قال تعالى: ﴿فَٱلْعَاصِفَاتِ عَصْفاً﴾).
أي: (ورب الرياح العاصفات) أي: الشديدات الهبوب السريعات المر. وهذا قول علي بن أبي طالب وابن مسعود وابن عباس، وغيرهم.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وٱلنَّاشِرَاتِ نَشْراً﴾.
قال ابن مسعود ومجاهد [وقتادة]: هي الرياح لأنها تنشر السحاب.
وقال أبو صالح: هي "المطر"، لأنه ينشر الأرض، أي: [يحييها].
وروى (السدي) عن أبي صالح أنها الملائكة، (قال): [تنشر] [الكتب]. - ثم قال تعالى: ﴿فَٱلْفَارِقَاتِ فَرْقاً﴾.
قال ابن عباس وأبو صالح وسفيان: هي الملائكة، تفرق بالوحي بين الحق والباطل. وقال قتادة: هو القرآن، فرق الله به بين الحق والباطل، كأنه قال: والآيات الفارقات فرقاً.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿فَٱلْمُلْقِيَٰتِ ذِكْراً * عُذْراً﴾.
كلهم قال: هي الملائكة التي تلقي وحي الله إلى رسله، والذكر: القرآن.
* *
ثم قال تعالى: ﴿عُذْراً أَوْ نُذْراً﴾.
أي: تلقي الوحي إلى الرسل إعذاراً من الله لخلقه [وإنذاراً] منه لهم. قاله قتادة وغيره.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَوَٰقِعٌ﴾.
يعني أن البعث والجزاء وجميع ما أخبر الله، كائن واقع [وحادث] لا محالة. و ﴿إِنَّمَا﴾ هو جواب القسم المتقدم.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿فَإِذَا ٱلنُّجُومُ طُمِسَتْ﴾.
أي: ذهب ضوءها فلم يكن لها نور.
﴿وَإِذَا ٱلسَّمَآءُ فُرِجَتْ﴾. أي: شققت وصدعت.
﴿وَإِذَا ٱلْجِبَالُ نُسِفَتْ﴾. أي: نسفت من أصلها.
﴿فَكَانَتْ هَبَآءً مُّنبَثّاً﴾ [الواقعة: ٦]. أي: غباراً متفرقاً.
* *
﴿وَإِذَا ٱلرُّسُلُ أُقِّتَتْ﴾.
أي: أجلت الاجتماع لوقتها يوم القيامة.
قال ابن عباس: ﴿أُقِّتَتْ﴾ "جمعت". وقال مجاهد ﴿أُقِّتَتْ﴾ "أجلت".
وهو من الوقت، فمعناه: [حان] وقتها الذي وعدته به، وذلك يوم القيامة.
وقرأ عيسى بن [عمر] "أُقِتَتْ" بالتخفيف والهمز، وقرأ الحسن. "وُقِتَتْ" بالواو والتخفيف.
وكله من الوقت، والواو هي الأصل، والهمزة بدل منها.
والتخفيف والتشديد لغتان، إلا أن في التشديد معنى التكرير والمبالغة.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿لأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ﴾.
أي: ما أعظمه وأكثر هوله. ففي الكلام معنى التعظيم لليوم والتعجب منه. ومعنى التعجب في هذا أنه تعالى ذكره يعجب العباد من هوله [وفظاعته]، ثم بينه فقال:
* *
- ﴿لِيَوْمِ ٱلْفَصْلِ﴾.
أي: أجلت الرسل ليوم يفصل الله (فيه) بين خلقه، فيأخذ للمظلوم من الظالم ويجزي المحسن بإحسانه والمسيء بإساته.
* *
- ثم قال: ﴿وَمَآ أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ ٱلْفَصْلِ﴾.
أي: وأي شيء أدراك يا محمد ما يوم الفصل؟! فمعناه التعظيم لذلك اليوم لشدته وهوله.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾.
أي: [الوادي] الذي [يسيل] في جهنم من صديد أهلها للمكذبين بذلك اليوم.
وقيل: معناه قبوح لهم ذلك اليوم.
فقوله: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ﴾ هو جواب (إذا) في ما تقدم من الكلام.
- قوله تعالى: ﴿أَلَمْ نُهْلِكِ ٱلأَوَّلِينَ﴾.
يعني قوم نوح وعاد وثمود وشبههم.
* *
- ﴿ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ ٱلآخِرِينَ﴾.
يعني: قوم إبراهيم وأصحاب مدين وقوم فرعون، فيكون ﴿نُتْبِعُهُمُ﴾ على هذا مجزوماً. والتقدير: "وَأَلَمْ نُتْبِعْهُمُ الآخِرِينَ". وبه قرأ الأعرج.
* *
- وقوله: ﴿كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِٱلْمُجْرِمِينَ﴾.
يعني كفار قريش ومن سلك طريقهم من العرب وغيرها.
ورد الجزم أبو حاتم لأنه تأول أن ﴿نُتْبِعُهُمُ﴾ يراد به قريش ومن سلك في التكذيب طريقهم. فلا سبيل إلى الجزم على هذا المعنى لأنه منتظر في المعنى.
ولم لا تدخل على فعل معناه الاستقبال، بل ترده إلى الماضي أبداً.
(وقيل): إن ﴿نُتْبِعُهُمُ﴾ عطف على المعنى، لأن معنى ﴿أَلَمْ نُهْلِكِ﴾: قد أهلكنا.
* *
ثم قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِٱلْمُجْرِمِينَ﴾.
أي: كذلك نهلك من أجرم فاكتسب مخالفة الله ورسوله.
[ثم قال: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾.
وقد تقدم ذكره، وكذلك معنى كل ما في السورة وغيرها منه].
* *
- ثم قال: ﴿أَلَمْ نَخْلُقكُّم مِّن مَّآءٍ [مَّهِينٍ]﴾.
أي: من نطفة ضعيفة. قال ابن عباس: "المهين: الضعيف".
* *
- ثم قال: ﴿فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ﴾.
أي: في رحم استقر فيه فتمكن.
* *
﴿إِلَىٰ قَدَرٍ مَّعْلُومٍ﴾.
أي: إلى وقت خروجه من الرحم.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ ٱلْقَادِرُونَ﴾.
قال الضحاك: معناه "فملكنا فنعم المالكون". وهذا التقدير على قراءة من خفف.
وعلة من شدد أنه أراد به التكرير، لأنه تعالى قدر الإنسان نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم، [ثم]...، [فدل] التشديد على تكرير [الأحوال].
ومن خفف أجراه على لفظ "القادرين" إذ فعله: "قدر مخففاً، فالتخفيف بمعنى الملك والقدرة على ذلك.
والتشديد بمعنى التقدير. فمن شدد ﴿فَقَدَرْنَا﴾ جمع بين معنيين: التقدير [بقدرنا]، والملك "بالقادرين".
ومن خفف جعله كله بمعنى الملك والقدرة.
وقد يستعمل التشديد، وهو بمعنى القدرة أيضاً يقال: قَدَرَ الله كذا وقدَّره، لغتان. فيكون من شدد ﴿فَقَدَرْنَا﴾ جمع بين اللغتين، بقوله: ﴿ٱلْقَادِرُونَ﴾، كما قال: ﴿فَمَهِّلِ ٱلْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً﴾ [الطارق: ١٧]، وقد قال تعالى: ﴿نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ ٱلْمَوْتَ﴾ [الواقعة: ٦٠] مشدداً.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ ٱلأَرْضَ كِفَاتاً * (أَحْيَآءً)﴾
أي: ألم نجعل أيها الناس الأرض لكم وعاءً، أنتم على ظهرها في مساكنكم مجتمعون أحياءً وفي بطنها أمواتاً؟!
[يذكرهم] (الله) بنعمه عليهم.
يقال: كَفَتُّ الشيء إذا جَمَعْتَهُ وأَحْرَزْتَهُ.
روي عن ابن مسعود أنه "وجد قملة في ثوبه فدفنها في المسجد، ثم قال: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ ٱلأَرْضَ كِفَاتاً * أَحْيَآءً وَأَمْوٰتاً﴾.
وقال مجاهد - في الرجل يرى القملة في ثوبه وهو في المسجد - قال: "إن شئت فألقها، وإن شئت [فوارها]. ثم قرأ: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ ٱلأَرْضَ كِفَاتاً...﴾ الآية.
قال الشعبي: ﴿كِفَاتاً﴾: "بطنها لأمواتكم، وظهرها لأحيائكم".
وقال مجاهد: ﴿كِفَاتاً﴾: تكفت أذاهم وما يخرج منهم أحياءً وأمواتاً، أي: تضم ذلك.
ونصب ﴿أَحْيَآءً وَأَمْوٰتاً﴾ "بكفات"، أي: تضم أحياءً وأمواتاً. وقيل: التقدير: كفات أحياء وأموات، أي: ضمهم، [فلما] نون نصب ما بعده، كما تقول: رأيت ضرب زيد. فإن نونت "ضرباً"، نصبت "زيداً" أو رفعته.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ شَامِخَاتٍ﴾.
أي: جبالاً شاهقات، أي" طوالاً مشرفات.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَأَسْقَيْنَاكُم مَّآءً فُرَاتاً﴾.
أي: عذباً قال ابن عباس: وذلك من أربعة أنهار: سيحان وجيحان والنيل والفرات. فكل ما شربه ابن آدم (فهو) من هذه الأنهار، وهي (تخرج من) تحت صخرة عند بيت المقدس. فأما سيحان فهو نهر بلخ، وأما جيحان فهو دجلة بغداد، وأما الفرات فبالكوفة، وأما النيل (فنهر مصر).
* *
- ثم قال تعالى: ﴿ٱنطَلِقُوۤاْ إِلَىٰ مَا كُنتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾.
أي: يقال لهؤلاء المكذبين بآيات الله ونعمه: انطلقوا إلى ما كنتم تكذبون به في الدنيا من عقاب الله لأهل الكفر.
* *
- ﴿ٱنطَلِقُوۤاْ إِلَىٰ ظِلٍّ ذِي ثَلاَثِ شُعَبٍ﴾.
أي: إلى ظل دخان ذي ثلاث شعب. وذلك أنه يرفع وقودها الدخان، فإذا تصعد تفرق على ثلاث شعب، وهو "دخان جهنم".
[وهو قوله: ﴿وَظِلٍّ مِّن يَحْمُومٍ﴾ [الواقعة: ٤٣]، اليحموم: الدخان.
وقد قيل في قوله "﴿ذِي ثَلاَثِ شُعَبٍ﴾ إنه [ظل] الصليب الذي يعبده النصارى. وهو قول شاذ يوجب أن يكون المأمور بهذا، النصارى خاصة. وليست الآية إلا عامة في جميع الكفار، وليس كلهم عبد الصليب، فإنما أمروا إلى ظل دخان جهنم، دخان قد أنفرق على ثلاث شعب]. قال قتادة: هو كقوله: ﴿نَاراً أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا﴾ [الكهف: ٢٩].
* *
- ثم قال تعالى: ﴿لاَّ ظَلِيلٍ وَلاَ يُغْنِي مِنَ ٱللَّهَبِ﴾.
هذا نعت للظل أي: إلى ظل غير ظليل وغير [غانٍ] من اللهب. أي: [لا يظلهم ولا يمنعهم] من لهب جهنم، فلا يمنع عنهم ذلك الظل حرها ولا لهبها. وهذا الوصف مطابق لما روي عن النبي ﷺ: "أَنَّ الشَّمْسَ تَدْنُو مِنْ رُؤُوسِ الخَلاَئِقِ يَوْمَ القِيَامَةِ وَلَيْسَ لَهُمْ لِبَاسٌ وَلاَ لَهُمْ مَا يَسْتَتِرُونَ بِهِ مِنْهَا، فَيُنْجِي اللهُ المُؤْمِنِينَ إلى ظِلٍّ مِنْ ظِلِّهِ، وَيُقَالُ لِلْكُفَّارِ: انْطَلِقُوا إلى مَا كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ مِنْ عَذَابِ اللهِ وَعِقَابِهِ ﴿ٱنطَلِقُوۤاْ إِلَىٰ ظِلٍّ ذِي ثَلاَثِ شُعَبٍ﴾ فَيَنْطَلِقُونَ إلى دُخَانِ جَهَنَّمَ" أفهذا للكفار، لأنه روي: "أَنَّ الخَلاَئِقَ إِذَا اشْتَدَّ عليهم حرُّ الشمس وَدَنَتْ مِنْ رُؤُوسِهِمْ وأَخَذَتْ بِأَنفاسهِم وأشتد ذلك عليهم وكَثُرَ العَرَقُ، واشتد القَلَقُ، نَجَّى اللهُ المؤمنين برحمته إلى ظل من ظله، فهناك يقولون: ﴿فَمَنَّ ٱللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ ٱلسَّمُومِ﴾. ويقال للكفار المكذبين: انطلقوا إلى ما كنتم تُكَذِّبُونَ من عذاب الله وعقابه، انطلقوا إلى ظِلٍّ من دخان جهنم قد سَطَعَ وافترق ثلاثَ فِرَقٍ، فينطلقون ويكونون فيه، وهو أشد من حر الشمس الذي كانوا قد قَلِقُوا فيه. فيُقِيمُون في ظل ذلك الدخان حتى يُفْرَغَ من الحساب، كذلك أولياء الله في ظل عرش الرحمن، وحيث شاء الله حتى يفرغ من الحساب، ثم يؤمر بكل فريق إلى مُسْتَقَرِّهِ من الجنة أو من النار
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَٱلْقَصْرِ﴾.
أي: [إن]: جهنم ترمي ذلك اليوم بشرر كالقصر [المبني]. وقال ابن عباس: "كالقصر العظيم".
قال الحسن: هو واحد القصور.
وروى حجاج عن هارون ﴿كَٱلْقَصْرِ﴾ أي: كالخشب الجزل، وهو جمع قَصْرَة، كجَمْرة وجَمْر، وثَمْرَة وثَمْر.
وقرأ ابن عباس: "كَالْقَصَرِ" بفتح الصاد.
وقرأ ابن جبير والحسن: "كَالْقِصَرِ" بكسر القاف وفتح الصاد.
وعن ابن جبير: كقراءة ابن عباس، القصرة: الخشبة تكون [ثلاث] أذرع أو أكثر، فهو على قراءته جمع قصرة كخشبة وخشب.
وقال مجاهد وقتادة: القَصَر - بالفتح - هو [أصول] النخل. ومن كسر القاف جعله جمع قِصَرَة وقصر، وهي الخشبة أيضاً.
وقال المبرد: قيل: القَصْرُ: الجزل من الحطب الغليظ، واحدته قَصْرَةٌ، كَجَمْرَة وجمر.
والقَصْرُ في هذا الموضع إذا جعلته أحد القُصُورِ فهو واحد يدل [على الجمع]، ولذلك جعل نعتاً لـِ "شَرَرٍ" وهي جماعة.
فإن جعلته جمع قَصْرَةٍ جئت به في النعت بالجمع كالمنعوت، وقد [قال]: ﴿سَيُهْزَمُ ٱلْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ ٱلدُّبُرَ﴾ [القمر: ٤٥]، فَوَحَّدَ (و) لم يقل: "الأدبار"؟ لأن الدبر بمعنى الجمع، وفعل ذلك توفيقاً بين رؤوس [الآي] ومقاطع الكلام، إذ كان ذلك شأن العرب، والقرآنُ بلسانها نزل فَجَرَتْ [ألفاظه] على عادتها في لغتها وكلامها [وسجعها]، وقد قال تعالى: ﴿تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَٱلَّذِي يُغْشَىٰ عَلَيْهِ مِنَ ٱلْمَوْتِ﴾ [الأحزاب: ١٩]، ولم يقل: "كعيون الذين". وهو المعني لأن المراد في التشبيه الفعل لا العين.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿كَأَنَّهُ جِمَٰلَتٌ صُفْرٌ﴾.
أي: كأن ذلك الشرر الذي هو كالقصر: نُوقٌ سُودٌ. فالصفرة هنا بمعنى السواد، وإنما وقعت الصفرة في موضع السواد لأن ألوان الإبل السود تضرب إلى الصفرة، كما سميت [الظباء] "أُدْماً" لِمَا يَعْلُوهَا في بياضها من الظلمة.
قال الحسن: ﴿جِمَٰلَتٌ صُفْرٌ﴾ [أَيْنُقٌ] سود، وهو قول قتادة ومجاهد.
وقال ابن عباس: عنى بذلك قلوس السفن، يعني حبال السفن.
شبهت الشرر بحبال السفينة. والقَلْسُ. الحبلُ.
وعن ابن عباس أيضاً: ﴿جِمَٰلَتٌ صُفْرٌ﴾: "قِطَعُ النّحَاسِ" وهو جمع جِمَالَةٍ [وجِمَالَةٌ]: جمع جمل.
(ومن قرأ (جِمَالَةٌ) جعله جمع جَمَل).
وقد قرأ (أبو) أيوب: "جُمَالاَت" - بضم الجيم - كأنه جمع جَمَلاً (على جُمَالٍ) كما يجمع رَخِلٌ على رُخَالٍ. ثم جمع "جُمَالاً" على جُمَالاَت، لأن باب "فَعَل" و "فُعَل" واحد.
ويجوز (أن) يكون من الشيء المجمل.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾.
وقد تقدم ذكره.
المرسلات 77:6
قوله تعالى: ﴿وَٱلْمُرْسَلاَتِ عُرْفاً﴾، إلى قوله: ﴿كَأَنَّهُ جِمَٰلَتٌ صُفْرٌ * وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾.
قال ابن عباس وابن مسعود ومجاهد وأبو صالح وقتادة: ﴿(وَ)ٱلْمُرْسَلاَتِ﴾: الرياح، ﴿عُرْفاً﴾: يتبع بعضها بعضاً.
وقال مسروق: ﴿وَٱلْمُرْسَلاَتِ﴾: "الملائكة" ﴿عُرْفاً﴾ أي: ترسل بالعرف.
عن أبي صالح أيضاً أنها "الرسل، ترسل بالمعروف". وقيل: ﴿عُرْفاً﴾ أي: متتابعة كتتابع عرف الفرس.
والتقدير على قول مسروق: ورب الملائكة التي أرسلت إلى الأنبياء بأمر الله ونهيه (وذلك هو المعروف.
وعلى قول أبي صالح: ورب الرسل التي أرسلت إلى الناس بأمر الله ونهيه).
ومن قال ﴿عُرْفاً﴾ متتابعة (فتقديره: ورب الملائكة التي أرسلت إلى الأنبياء متتابعة) ورب الرسل الذين أرسلوا إلى الخلق متتابعين. وكذلك التقدير على قول ابن عباس ومن تبعه: هي الرياح.
ويدل (على أنها ليست) الرياح أن يسعدها ذكر الرياح [بلا اختلاف] في قوله: ﴿فَٱلْعَاصِفَاتِ عَصْفاً﴾.
- (ثم قال تعالى: ﴿فَٱلْعَاصِفَاتِ عَصْفاً﴾).
أي: (ورب الرياح العاصفات) أي: الشديدات الهبوب السريعات المر. وهذا قول علي بن أبي طالب وابن مسعود وابن عباس، وغيرهم.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وٱلنَّاشِرَاتِ نَشْراً﴾.
قال ابن مسعود ومجاهد [وقتادة]: هي الرياح لأنها تنشر السحاب.
وقال أبو صالح: هي "المطر"، لأنه ينشر الأرض، أي: [يحييها].
وروى (السدي) عن أبي صالح أنها الملائكة، (قال): [تنشر] [الكتب]. - ثم قال تعالى: ﴿فَٱلْفَارِقَاتِ فَرْقاً﴾.
قال ابن عباس وأبو صالح وسفيان: هي الملائكة، تفرق بالوحي بين الحق والباطل. وقال قتادة: هو القرآن، فرق الله به بين الحق والباطل، كأنه قال: والآيات الفارقات فرقاً.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿فَٱلْمُلْقِيَٰتِ ذِكْراً * عُذْراً﴾.
كلهم قال: هي الملائكة التي تلقي وحي الله إلى رسله، والذكر: القرآن.
* *
ثم قال تعالى: ﴿عُذْراً أَوْ نُذْراً﴾.
أي: تلقي الوحي إلى الرسل إعذاراً من الله لخلقه [وإنذاراً] منه لهم. قاله قتادة وغيره.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَوَٰقِعٌ﴾.
يعني أن البعث والجزاء وجميع ما أخبر الله، كائن واقع [وحادث] لا محالة. و ﴿إِنَّمَا﴾ هو جواب القسم المتقدم.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿فَإِذَا ٱلنُّجُومُ طُمِسَتْ﴾.
أي: ذهب ضوءها فلم يكن لها نور.
﴿وَإِذَا ٱلسَّمَآءُ فُرِجَتْ﴾. أي: شققت وصدعت.
﴿وَإِذَا ٱلْجِبَالُ نُسِفَتْ﴾. أي: نسفت من أصلها.
﴿فَكَانَتْ هَبَآءً مُّنبَثّاً﴾ [الواقعة: ٦]. أي: غباراً متفرقاً.
* *
﴿وَإِذَا ٱلرُّسُلُ أُقِّتَتْ﴾.
أي: أجلت الاجتماع لوقتها يوم القيامة.
قال ابن عباس: ﴿أُقِّتَتْ﴾ "جمعت". وقال مجاهد ﴿أُقِّتَتْ﴾ "أجلت".
وهو من الوقت، فمعناه: [حان] وقتها الذي وعدته به، وذلك يوم القيامة.
وقرأ عيسى بن [عمر] "أُقِتَتْ" بالتخفيف والهمز، وقرأ الحسن. "وُقِتَتْ" بالواو والتخفيف.
وكله من الوقت، والواو هي الأصل، والهمزة بدل منها.
والتخفيف والتشديد لغتان، إلا أن في التشديد معنى التكرير والمبالغة.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿لأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ﴾.
أي: ما أعظمه وأكثر هوله. ففي الكلام معنى التعظيم لليوم والتعجب منه. ومعنى التعجب في هذا أنه تعالى ذكره يعجب العباد من هوله [وفظاعته]، ثم بينه فقال:
* *
- ﴿لِيَوْمِ ٱلْفَصْلِ﴾.
أي: أجلت الرسل ليوم يفصل الله (فيه) بين خلقه، فيأخذ للمظلوم من الظالم ويجزي المحسن بإحسانه والمسيء بإساته.
* *
- ثم قال: ﴿وَمَآ أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ ٱلْفَصْلِ﴾.
أي: وأي شيء أدراك يا محمد ما يوم الفصل؟! فمعناه التعظيم لذلك اليوم لشدته وهوله.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾.
أي: [الوادي] الذي [يسيل] في جهنم من صديد أهلها للمكذبين بذلك اليوم.
وقيل: معناه قبوح لهم ذلك اليوم.
فقوله: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ﴾ هو جواب (إذا) في ما تقدم من الكلام.
- قوله تعالى: ﴿أَلَمْ نُهْلِكِ ٱلأَوَّلِينَ﴾.
يعني قوم نوح وعاد وثمود وشبههم.
* *
- ﴿ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ ٱلآخِرِينَ﴾.
يعني: قوم إبراهيم وأصحاب مدين وقوم فرعون، فيكون ﴿نُتْبِعُهُمُ﴾ على هذا مجزوماً. والتقدير: "وَأَلَمْ نُتْبِعْهُمُ الآخِرِينَ". وبه قرأ الأعرج.
* *
- وقوله: ﴿كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِٱلْمُجْرِمِينَ﴾.
يعني كفار قريش ومن سلك طريقهم من العرب وغيرها.
ورد الجزم أبو حاتم لأنه تأول أن ﴿نُتْبِعُهُمُ﴾ يراد به قريش ومن سلك في التكذيب طريقهم. فلا سبيل إلى الجزم على هذا المعنى لأنه منتظر في المعنى.
ولم لا تدخل على فعل معناه الاستقبال، بل ترده إلى الماضي أبداً.
(وقيل): إن ﴿نُتْبِعُهُمُ﴾ عطف على المعنى، لأن معنى ﴿أَلَمْ نُهْلِكِ﴾: قد أهلكنا.
* *
ثم قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِٱلْمُجْرِمِينَ﴾.
أي: كذلك نهلك من أجرم فاكتسب مخالفة الله ورسوله.
[ثم قال: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾.
وقد تقدم ذكره، وكذلك معنى كل ما في السورة وغيرها منه].
* *
- ثم قال: ﴿أَلَمْ نَخْلُقكُّم مِّن مَّآءٍ [مَّهِينٍ]﴾.
أي: من نطفة ضعيفة. قال ابن عباس: "المهين: الضعيف".
* *
- ثم قال: ﴿فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ﴾.
أي: في رحم استقر فيه فتمكن.
* *
﴿إِلَىٰ قَدَرٍ مَّعْلُومٍ﴾.
أي: إلى وقت خروجه من الرحم.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ ٱلْقَادِرُونَ﴾.
قال الضحاك: معناه "فملكنا فنعم المالكون". وهذا التقدير على قراءة من خفف.
وعلة من شدد أنه أراد به التكرير، لأنه تعالى قدر الإنسان نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم، [ثم]...، [فدل] التشديد على تكرير [الأحوال].
ومن خفف أجراه على لفظ "القادرين" إذ فعله: "قدر مخففاً، فالتخفيف بمعنى الملك والقدرة على ذلك.
والتشديد بمعنى التقدير. فمن شدد ﴿فَقَدَرْنَا﴾ جمع بين معنيين: التقدير [بقدرنا]، والملك "بالقادرين".
ومن خفف جعله كله بمعنى الملك والقدرة.
وقد يستعمل التشديد، وهو بمعنى القدرة أيضاً يقال: قَدَرَ الله كذا وقدَّره، لغتان. فيكون من شدد ﴿فَقَدَرْنَا﴾ جمع بين اللغتين، بقوله: ﴿ٱلْقَادِرُونَ﴾، كما قال: ﴿فَمَهِّلِ ٱلْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً﴾ [الطارق: ١٧]، وقد قال تعالى: ﴿نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ ٱلْمَوْتَ﴾ [الواقعة: ٦٠] مشدداً.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ ٱلأَرْضَ كِفَاتاً * (أَحْيَآءً)﴾
أي: ألم نجعل أيها الناس الأرض لكم وعاءً، أنتم على ظهرها في مساكنكم مجتمعون أحياءً وفي بطنها أمواتاً؟!
[يذكرهم] (الله) بنعمه عليهم.
يقال: كَفَتُّ الشيء إذا جَمَعْتَهُ وأَحْرَزْتَهُ.
روي عن ابن مسعود أنه "وجد قملة في ثوبه فدفنها في المسجد، ثم قال: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ ٱلأَرْضَ كِفَاتاً * أَحْيَآءً وَأَمْوٰتاً﴾.
وقال مجاهد - في الرجل يرى القملة في ثوبه وهو في المسجد - قال: "إن شئت فألقها، وإن شئت [فوارها]. ثم قرأ: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ ٱلأَرْضَ كِفَاتاً...﴾ الآية.
قال الشعبي: ﴿كِفَاتاً﴾: "بطنها لأمواتكم، وظهرها لأحيائكم".
وقال مجاهد: ﴿كِفَاتاً﴾: تكفت أذاهم وما يخرج منهم أحياءً وأمواتاً، أي: تضم ذلك.
ونصب ﴿أَحْيَآءً وَأَمْوٰتاً﴾ "بكفات"، أي: تضم أحياءً وأمواتاً. وقيل: التقدير: كفات أحياء وأموات، أي: ضمهم، [فلما] نون نصب ما بعده، كما تقول: رأيت ضرب زيد. فإن نونت "ضرباً"، نصبت "زيداً" أو رفعته.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ شَامِخَاتٍ﴾.
أي: جبالاً شاهقات، أي" طوالاً مشرفات.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَأَسْقَيْنَاكُم مَّآءً فُرَاتاً﴾.
أي: عذباً قال ابن عباس: وذلك من أربعة أنهار: سيحان وجيحان والنيل والفرات. فكل ما شربه ابن آدم (فهو) من هذه الأنهار، وهي (تخرج من) تحت صخرة عند بيت المقدس. فأما سيحان فهو نهر بلخ، وأما جيحان فهو دجلة بغداد، وأما الفرات فبالكوفة، وأما النيل (فنهر مصر).
* *
- ثم قال تعالى: ﴿ٱنطَلِقُوۤاْ إِلَىٰ مَا كُنتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾.
أي: يقال لهؤلاء المكذبين بآيات الله ونعمه: انطلقوا إلى ما كنتم تكذبون به في الدنيا من عقاب الله لأهل الكفر.
* *
- ﴿ٱنطَلِقُوۤاْ إِلَىٰ ظِلٍّ ذِي ثَلاَثِ شُعَبٍ﴾.
أي: إلى ظل دخان ذي ثلاث شعب. وذلك أنه يرفع وقودها الدخان، فإذا تصعد تفرق على ثلاث شعب، وهو "دخان جهنم".
[وهو قوله: ﴿وَظِلٍّ مِّن يَحْمُومٍ﴾ [الواقعة: ٤٣]، اليحموم: الدخان.
وقد قيل في قوله "﴿ذِي ثَلاَثِ شُعَبٍ﴾ إنه [ظل] الصليب الذي يعبده النصارى. وهو قول شاذ يوجب أن يكون المأمور بهذا، النصارى خاصة. وليست الآية إلا عامة في جميع الكفار، وليس كلهم عبد الصليب، فإنما أمروا إلى ظل دخان جهنم، دخان قد أنفرق على ثلاث شعب]. قال قتادة: هو كقوله: ﴿نَاراً أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا﴾ [الكهف: ٢٩].
* *
- ثم قال تعالى: ﴿لاَّ ظَلِيلٍ وَلاَ يُغْنِي مِنَ ٱللَّهَبِ﴾.
هذا نعت للظل أي: إلى ظل غير ظليل وغير [غانٍ] من اللهب. أي: [لا يظلهم ولا يمنعهم] من لهب جهنم، فلا يمنع عنهم ذلك الظل حرها ولا لهبها. وهذا الوصف مطابق لما روي عن النبي ﷺ: "أَنَّ الشَّمْسَ تَدْنُو مِنْ رُؤُوسِ الخَلاَئِقِ يَوْمَ القِيَامَةِ وَلَيْسَ لَهُمْ لِبَاسٌ وَلاَ لَهُمْ مَا يَسْتَتِرُونَ بِهِ مِنْهَا، فَيُنْجِي اللهُ المُؤْمِنِينَ إلى ظِلٍّ مِنْ ظِلِّهِ، وَيُقَالُ لِلْكُفَّارِ: انْطَلِقُوا إلى مَا كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ مِنْ عَذَابِ اللهِ وَعِقَابِهِ ﴿ٱنطَلِقُوۤاْ إِلَىٰ ظِلٍّ ذِي ثَلاَثِ شُعَبٍ﴾ فَيَنْطَلِقُونَ إلى دُخَانِ جَهَنَّمَ" أفهذا للكفار، لأنه روي: "أَنَّ الخَلاَئِقَ إِذَا اشْتَدَّ عليهم حرُّ الشمس وَدَنَتْ مِنْ رُؤُوسِهِمْ وأَخَذَتْ بِأَنفاسهِم وأشتد ذلك عليهم وكَثُرَ العَرَقُ، واشتد القَلَقُ، نَجَّى اللهُ المؤمنين برحمته إلى ظل من ظله، فهناك يقولون: ﴿فَمَنَّ ٱللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ ٱلسَّمُومِ﴾. ويقال للكفار المكذبين: انطلقوا إلى ما كنتم تُكَذِّبُونَ من عذاب الله وعقابه، انطلقوا إلى ظِلٍّ من دخان جهنم قد سَطَعَ وافترق ثلاثَ فِرَقٍ، فينطلقون ويكونون فيه، وهو أشد من حر الشمس الذي كانوا قد قَلِقُوا فيه. فيُقِيمُون في ظل ذلك الدخان حتى يُفْرَغَ من الحساب، كذلك أولياء الله في ظل عرش الرحمن، وحيث شاء الله حتى يفرغ من الحساب، ثم يؤمر بكل فريق إلى مُسْتَقَرِّهِ من الجنة أو من النار
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَٱلْقَصْرِ﴾.
أي: [إن]: جهنم ترمي ذلك اليوم بشرر كالقصر [المبني]. وقال ابن عباس: "كالقصر العظيم".
قال الحسن: هو واحد القصور.
وروى حجاج عن هارون ﴿كَٱلْقَصْرِ﴾ أي: كالخشب الجزل، وهو جمع قَصْرَة، كجَمْرة وجَمْر، وثَمْرَة وثَمْر.
وقرأ ابن عباس: "كَالْقَصَرِ" بفتح الصاد.
وقرأ ابن جبير والحسن: "كَالْقِصَرِ" بكسر القاف وفتح الصاد.
وعن ابن جبير: كقراءة ابن عباس، القصرة: الخشبة تكون [ثلاث] أذرع أو أكثر، فهو على قراءته جمع قصرة كخشبة وخشب.
وقال مجاهد وقتادة: القَصَر - بالفتح - هو [أصول] النخل. ومن كسر القاف جعله جمع قِصَرَة وقصر، وهي الخشبة أيضاً.
وقال المبرد: قيل: القَصْرُ: الجزل من الحطب الغليظ، واحدته قَصْرَةٌ، كَجَمْرَة وجمر.
والقَصْرُ في هذا الموضع إذا جعلته أحد القُصُورِ فهو واحد يدل [على الجمع]، ولذلك جعل نعتاً لـِ "شَرَرٍ" وهي جماعة.
فإن جعلته جمع قَصْرَةٍ جئت به في النعت بالجمع كالمنعوت، وقد [قال]: ﴿سَيُهْزَمُ ٱلْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ ٱلدُّبُرَ﴾ [القمر: ٤٥]، فَوَحَّدَ (و) لم يقل: "الأدبار"؟ لأن الدبر بمعنى الجمع، وفعل ذلك توفيقاً بين رؤوس [الآي] ومقاطع الكلام، إذ كان ذلك شأن العرب، والقرآنُ بلسانها نزل فَجَرَتْ [ألفاظه] على عادتها في لغتها وكلامها [وسجعها]، وقد قال تعالى: ﴿تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَٱلَّذِي يُغْشَىٰ عَلَيْهِ مِنَ ٱلْمَوْتِ﴾ [الأحزاب: ١٩]، ولم يقل: "كعيون الذين". وهو المعني لأن المراد في التشبيه الفعل لا العين.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿كَأَنَّهُ جِمَٰلَتٌ صُفْرٌ﴾.
أي: كأن ذلك الشرر الذي هو كالقصر: نُوقٌ سُودٌ. فالصفرة هنا بمعنى السواد، وإنما وقعت الصفرة في موضع السواد لأن ألوان الإبل السود تضرب إلى الصفرة، كما سميت [الظباء] "أُدْماً" لِمَا يَعْلُوهَا في بياضها من الظلمة.
قال الحسن: ﴿جِمَٰلَتٌ صُفْرٌ﴾ [أَيْنُقٌ] سود، وهو قول قتادة ومجاهد.
وقال ابن عباس: عنى بذلك قلوس السفن، يعني حبال السفن.
شبهت الشرر بحبال السفينة. والقَلْسُ. الحبلُ.
وعن ابن عباس أيضاً: ﴿جِمَٰلَتٌ صُفْرٌ﴾: "قِطَعُ النّحَاسِ" وهو جمع جِمَالَةٍ [وجِمَالَةٌ]: جمع جمل.
(ومن قرأ (جِمَالَةٌ) جعله جمع جَمَل).
وقد قرأ (أبو) أيوب: "جُمَالاَت" - بضم الجيم - كأنه جمع جَمَلاً (على جُمَالٍ) كما يجمع رَخِلٌ على رُخَالٍ. ثم جمع "جُمَالاً" على جُمَالاَت، لأن باب "فَعَل" و "فُعَل" واحد.
ويجوز (أن) يكون من الشيء المجمل.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾.
وقد تقدم ذكره.
المرسلات 77:7
قوله تعالى: ﴿وَٱلْمُرْسَلاَتِ عُرْفاً﴾، إلى قوله: ﴿كَأَنَّهُ جِمَٰلَتٌ صُفْرٌ * وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾.
قال ابن عباس وابن مسعود ومجاهد وأبو صالح وقتادة: ﴿(وَ)ٱلْمُرْسَلاَتِ﴾: الرياح، ﴿عُرْفاً﴾: يتبع بعضها بعضاً.
وقال مسروق: ﴿وَٱلْمُرْسَلاَتِ﴾: "الملائكة" ﴿عُرْفاً﴾ أي: ترسل بالعرف.
عن أبي صالح أيضاً أنها "الرسل، ترسل بالمعروف". وقيل: ﴿عُرْفاً﴾ أي: متتابعة كتتابع عرف الفرس.
والتقدير على قول مسروق: ورب الملائكة التي أرسلت إلى الأنبياء بأمر الله ونهيه (وذلك هو المعروف.
وعلى قول أبي صالح: ورب الرسل التي أرسلت إلى الناس بأمر الله ونهيه).
ومن قال ﴿عُرْفاً﴾ متتابعة (فتقديره: ورب الملائكة التي أرسلت إلى الأنبياء متتابعة) ورب الرسل الذين أرسلوا إلى الخلق متتابعين. وكذلك التقدير على قول ابن عباس ومن تبعه: هي الرياح.
ويدل (على أنها ليست) الرياح أن يسعدها ذكر الرياح [بلا اختلاف] في قوله: ﴿فَٱلْعَاصِفَاتِ عَصْفاً﴾.
- (ثم قال تعالى: ﴿فَٱلْعَاصِفَاتِ عَصْفاً﴾).
أي: (ورب الرياح العاصفات) أي: الشديدات الهبوب السريعات المر. وهذا قول علي بن أبي طالب وابن مسعود وابن عباس، وغيرهم.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وٱلنَّاشِرَاتِ نَشْراً﴾.
قال ابن مسعود ومجاهد [وقتادة]: هي الرياح لأنها تنشر السحاب.
وقال أبو صالح: هي "المطر"، لأنه ينشر الأرض، أي: [يحييها].
وروى (السدي) عن أبي صالح أنها الملائكة، (قال): [تنشر] [الكتب]. - ثم قال تعالى: ﴿فَٱلْفَارِقَاتِ فَرْقاً﴾.
قال ابن عباس وأبو صالح وسفيان: هي الملائكة، تفرق بالوحي بين الحق والباطل. وقال قتادة: هو القرآن، فرق الله به بين الحق والباطل، كأنه قال: والآيات الفارقات فرقاً.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿فَٱلْمُلْقِيَٰتِ ذِكْراً * عُذْراً﴾.
كلهم قال: هي الملائكة التي تلقي وحي الله إلى رسله، والذكر: القرآن.
* *
ثم قال تعالى: ﴿عُذْراً أَوْ نُذْراً﴾.
أي: تلقي الوحي إلى الرسل إعذاراً من الله لخلقه [وإنذاراً] منه لهم. قاله قتادة وغيره.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَوَٰقِعٌ﴾.
يعني أن البعث والجزاء وجميع ما أخبر الله، كائن واقع [وحادث] لا محالة. و ﴿إِنَّمَا﴾ هو جواب القسم المتقدم.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿فَإِذَا ٱلنُّجُومُ طُمِسَتْ﴾.
أي: ذهب ضوءها فلم يكن لها نور.
﴿وَإِذَا ٱلسَّمَآءُ فُرِجَتْ﴾. أي: شققت وصدعت.
﴿وَإِذَا ٱلْجِبَالُ نُسِفَتْ﴾. أي: نسفت من أصلها.
﴿فَكَانَتْ هَبَآءً مُّنبَثّاً﴾ [الواقعة: ٦]. أي: غباراً متفرقاً.
* *
﴿وَإِذَا ٱلرُّسُلُ أُقِّتَتْ﴾.
أي: أجلت الاجتماع لوقتها يوم القيامة.
قال ابن عباس: ﴿أُقِّتَتْ﴾ "جمعت". وقال مجاهد ﴿أُقِّتَتْ﴾ "أجلت".
وهو من الوقت، فمعناه: [حان] وقتها الذي وعدته به، وذلك يوم القيامة.
وقرأ عيسى بن [عمر] "أُقِتَتْ" بالتخفيف والهمز، وقرأ الحسن. "وُقِتَتْ" بالواو والتخفيف.
وكله من الوقت، والواو هي الأصل، والهمزة بدل منها.
والتخفيف والتشديد لغتان، إلا أن في التشديد معنى التكرير والمبالغة.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿لأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ﴾.
أي: ما أعظمه وأكثر هوله. ففي الكلام معنى التعظيم لليوم والتعجب منه. ومعنى التعجب في هذا أنه تعالى ذكره يعجب العباد من هوله [وفظاعته]، ثم بينه فقال:
* *
- ﴿لِيَوْمِ ٱلْفَصْلِ﴾.
أي: أجلت الرسل ليوم يفصل الله (فيه) بين خلقه، فيأخذ للمظلوم من الظالم ويجزي المحسن بإحسانه والمسيء بإساته.
* *
- ثم قال: ﴿وَمَآ أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ ٱلْفَصْلِ﴾.
أي: وأي شيء أدراك يا محمد ما يوم الفصل؟! فمعناه التعظيم لذلك اليوم لشدته وهوله.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾.
أي: [الوادي] الذي [يسيل] في جهنم من صديد أهلها للمكذبين بذلك اليوم.
وقيل: معناه قبوح لهم ذلك اليوم.
فقوله: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ﴾ هو جواب (إذا) في ما تقدم من الكلام.
- قوله تعالى: ﴿أَلَمْ نُهْلِكِ ٱلأَوَّلِينَ﴾.
يعني قوم نوح وعاد وثمود وشبههم.
* *
- ﴿ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ ٱلآخِرِينَ﴾.
يعني: قوم إبراهيم وأصحاب مدين وقوم فرعون، فيكون ﴿نُتْبِعُهُمُ﴾ على هذا مجزوماً. والتقدير: "وَأَلَمْ نُتْبِعْهُمُ الآخِرِينَ". وبه قرأ الأعرج.
* *
- وقوله: ﴿كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِٱلْمُجْرِمِينَ﴾.
يعني كفار قريش ومن سلك طريقهم من العرب وغيرها.
ورد الجزم أبو حاتم لأنه تأول أن ﴿نُتْبِعُهُمُ﴾ يراد به قريش ومن سلك في التكذيب طريقهم. فلا سبيل إلى الجزم على هذا المعنى لأنه منتظر في المعنى.
ولم لا تدخل على فعل معناه الاستقبال، بل ترده إلى الماضي أبداً.
(وقيل): إن ﴿نُتْبِعُهُمُ﴾ عطف على المعنى، لأن معنى ﴿أَلَمْ نُهْلِكِ﴾: قد أهلكنا.
* *
ثم قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِٱلْمُجْرِمِينَ﴾.
أي: كذلك نهلك من أجرم فاكتسب مخالفة الله ورسوله.
[ثم قال: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾.
وقد تقدم ذكره، وكذلك معنى كل ما في السورة وغيرها منه].
* *
- ثم قال: ﴿أَلَمْ نَخْلُقكُّم مِّن مَّآءٍ [مَّهِينٍ]﴾.
أي: من نطفة ضعيفة. قال ابن عباس: "المهين: الضعيف".
* *
- ثم قال: ﴿فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ﴾.
أي: في رحم استقر فيه فتمكن.
* *
﴿إِلَىٰ قَدَرٍ مَّعْلُومٍ﴾.
أي: إلى وقت خروجه من الرحم.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ ٱلْقَادِرُونَ﴾.
قال الضحاك: معناه "فملكنا فنعم المالكون". وهذا التقدير على قراءة من خفف.
وعلة من شدد أنه أراد به التكرير، لأنه تعالى قدر الإنسان نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم، [ثم]...، [فدل] التشديد على تكرير [الأحوال].
ومن خفف أجراه على لفظ "القادرين" إذ فعله: "قدر مخففاً، فالتخفيف بمعنى الملك والقدرة على ذلك.
والتشديد بمعنى التقدير. فمن شدد ﴿فَقَدَرْنَا﴾ جمع بين معنيين: التقدير [بقدرنا]، والملك "بالقادرين".
ومن خفف جعله كله بمعنى الملك والقدرة.
وقد يستعمل التشديد، وهو بمعنى القدرة أيضاً يقال: قَدَرَ الله كذا وقدَّره، لغتان. فيكون من شدد ﴿فَقَدَرْنَا﴾ جمع بين اللغتين، بقوله: ﴿ٱلْقَادِرُونَ﴾، كما قال: ﴿فَمَهِّلِ ٱلْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً﴾ [الطارق: ١٧]، وقد قال تعالى: ﴿نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ ٱلْمَوْتَ﴾ [الواقعة: ٦٠] مشدداً.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ ٱلأَرْضَ كِفَاتاً * (أَحْيَآءً)﴾
أي: ألم نجعل أيها الناس الأرض لكم وعاءً، أنتم على ظهرها في مساكنكم مجتمعون أحياءً وفي بطنها أمواتاً؟!
[يذكرهم] (الله) بنعمه عليهم.
يقال: كَفَتُّ الشيء إذا جَمَعْتَهُ وأَحْرَزْتَهُ.
روي عن ابن مسعود أنه "وجد قملة في ثوبه فدفنها في المسجد، ثم قال: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ ٱلأَرْضَ كِفَاتاً * أَحْيَآءً وَأَمْوٰتاً﴾.
وقال مجاهد - في الرجل يرى القملة في ثوبه وهو في المسجد - قال: "إن شئت فألقها، وإن شئت [فوارها]. ثم قرأ: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ ٱلأَرْضَ كِفَاتاً...﴾ الآية.
قال الشعبي: ﴿كِفَاتاً﴾: "بطنها لأمواتكم، وظهرها لأحيائكم".
وقال مجاهد: ﴿كِفَاتاً﴾: تكفت أذاهم وما يخرج منهم أحياءً وأمواتاً، أي: تضم ذلك.
ونصب ﴿أَحْيَآءً وَأَمْوٰتاً﴾ "بكفات"، أي: تضم أحياءً وأمواتاً. وقيل: التقدير: كفات أحياء وأموات، أي: ضمهم، [فلما] نون نصب ما بعده، كما تقول: رأيت ضرب زيد. فإن نونت "ضرباً"، نصبت "زيداً" أو رفعته.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ شَامِخَاتٍ﴾.
أي: جبالاً شاهقات، أي" طوالاً مشرفات.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَأَسْقَيْنَاكُم مَّآءً فُرَاتاً﴾.
أي: عذباً قال ابن عباس: وذلك من أربعة أنهار: سيحان وجيحان والنيل والفرات. فكل ما شربه ابن آدم (فهو) من هذه الأنهار، وهي (تخرج من) تحت صخرة عند بيت المقدس. فأما سيحان فهو نهر بلخ، وأما جيحان فهو دجلة بغداد، وأما الفرات فبالكوفة، وأما النيل (فنهر مصر).
* *
- ثم قال تعالى: ﴿ٱنطَلِقُوۤاْ إِلَىٰ مَا كُنتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾.
أي: يقال لهؤلاء المكذبين بآيات الله ونعمه: انطلقوا إلى ما كنتم تكذبون به في الدنيا من عقاب الله لأهل الكفر.
* *
- ﴿ٱنطَلِقُوۤاْ إِلَىٰ ظِلٍّ ذِي ثَلاَثِ شُعَبٍ﴾.
أي: إلى ظل دخان ذي ثلاث شعب. وذلك أنه يرفع وقودها الدخان، فإذا تصعد تفرق على ثلاث شعب، وهو "دخان جهنم".
[وهو قوله: ﴿وَظِلٍّ مِّن يَحْمُومٍ﴾ [الواقعة: ٤٣]، اليحموم: الدخان.
وقد قيل في قوله "﴿ذِي ثَلاَثِ شُعَبٍ﴾ إنه [ظل] الصليب الذي يعبده النصارى. وهو قول شاذ يوجب أن يكون المأمور بهذا، النصارى خاصة. وليست الآية إلا عامة في جميع الكفار، وليس كلهم عبد الصليب، فإنما أمروا إلى ظل دخان جهنم، دخان قد أنفرق على ثلاث شعب]. قال قتادة: هو كقوله: ﴿نَاراً أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا﴾ [الكهف: ٢٩].
* *
- ثم قال تعالى: ﴿لاَّ ظَلِيلٍ وَلاَ يُغْنِي مِنَ ٱللَّهَبِ﴾.
هذا نعت للظل أي: إلى ظل غير ظليل وغير [غانٍ] من اللهب. أي: [لا يظلهم ولا يمنعهم] من لهب جهنم، فلا يمنع عنهم ذلك الظل حرها ولا لهبها. وهذا الوصف مطابق لما روي عن النبي ﷺ: "أَنَّ الشَّمْسَ تَدْنُو مِنْ رُؤُوسِ الخَلاَئِقِ يَوْمَ القِيَامَةِ وَلَيْسَ لَهُمْ لِبَاسٌ وَلاَ لَهُمْ مَا يَسْتَتِرُونَ بِهِ مِنْهَا، فَيُنْجِي اللهُ المُؤْمِنِينَ إلى ظِلٍّ مِنْ ظِلِّهِ، وَيُقَالُ لِلْكُفَّارِ: انْطَلِقُوا إلى مَا كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ مِنْ عَذَابِ اللهِ وَعِقَابِهِ ﴿ٱنطَلِقُوۤاْ إِلَىٰ ظِلٍّ ذِي ثَلاَثِ شُعَبٍ﴾ فَيَنْطَلِقُونَ إلى دُخَانِ جَهَنَّمَ" أفهذا للكفار، لأنه روي: "أَنَّ الخَلاَئِقَ إِذَا اشْتَدَّ عليهم حرُّ الشمس وَدَنَتْ مِنْ رُؤُوسِهِمْ وأَخَذَتْ بِأَنفاسهِم وأشتد ذلك عليهم وكَثُرَ العَرَقُ، واشتد القَلَقُ، نَجَّى اللهُ المؤمنين برحمته إلى ظل من ظله، فهناك يقولون: ﴿فَمَنَّ ٱللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ ٱلسَّمُومِ﴾. ويقال للكفار المكذبين: انطلقوا إلى ما كنتم تُكَذِّبُونَ من عذاب الله وعقابه، انطلقوا إلى ظِلٍّ من دخان جهنم قد سَطَعَ وافترق ثلاثَ فِرَقٍ، فينطلقون ويكونون فيه، وهو أشد من حر الشمس الذي كانوا قد قَلِقُوا فيه. فيُقِيمُون في ظل ذلك الدخان حتى يُفْرَغَ من الحساب، كذلك أولياء الله في ظل عرش الرحمن، وحيث شاء الله حتى يفرغ من الحساب، ثم يؤمر بكل فريق إلى مُسْتَقَرِّهِ من الجنة أو من النار
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَٱلْقَصْرِ﴾.
أي: [إن]: جهنم ترمي ذلك اليوم بشرر كالقصر [المبني]. وقال ابن عباس: "كالقصر العظيم".
قال الحسن: هو واحد القصور.
وروى حجاج عن هارون ﴿كَٱلْقَصْرِ﴾ أي: كالخشب الجزل، وهو جمع قَصْرَة، كجَمْرة وجَمْر، وثَمْرَة وثَمْر.
وقرأ ابن عباس: "كَالْقَصَرِ" بفتح الصاد.
وقرأ ابن جبير والحسن: "كَالْقِصَرِ" بكسر القاف وفتح الصاد.
وعن ابن جبير: كقراءة ابن عباس، القصرة: الخشبة تكون [ثلاث] أذرع أو أكثر، فهو على قراءته جمع قصرة كخشبة وخشب.
وقال مجاهد وقتادة: القَصَر - بالفتح - هو [أصول] النخل. ومن كسر القاف جعله جمع قِصَرَة وقصر، وهي الخشبة أيضاً.
وقال المبرد: قيل: القَصْرُ: الجزل من الحطب الغليظ، واحدته قَصْرَةٌ، كَجَمْرَة وجمر.
والقَصْرُ في هذا الموضع إذا جعلته أحد القُصُورِ فهو واحد يدل [على الجمع]، ولذلك جعل نعتاً لـِ "شَرَرٍ" وهي جماعة.
فإن جعلته جمع قَصْرَةٍ جئت به في النعت بالجمع كالمنعوت، وقد [قال]: ﴿سَيُهْزَمُ ٱلْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ ٱلدُّبُرَ﴾ [القمر: ٤٥]، فَوَحَّدَ (و) لم يقل: "الأدبار"؟ لأن الدبر بمعنى الجمع، وفعل ذلك توفيقاً بين رؤوس [الآي] ومقاطع الكلام، إذ كان ذلك شأن العرب، والقرآنُ بلسانها نزل فَجَرَتْ [ألفاظه] على عادتها في لغتها وكلامها [وسجعها]، وقد قال تعالى: ﴿تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَٱلَّذِي يُغْشَىٰ عَلَيْهِ مِنَ ٱلْمَوْتِ﴾ [الأحزاب: ١٩]، ولم يقل: "كعيون الذين". وهو المعني لأن المراد في التشبيه الفعل لا العين.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿كَأَنَّهُ جِمَٰلَتٌ صُفْرٌ﴾.
أي: كأن ذلك الشرر الذي هو كالقصر: نُوقٌ سُودٌ. فالصفرة هنا بمعنى السواد، وإنما وقعت الصفرة في موضع السواد لأن ألوان الإبل السود تضرب إلى الصفرة، كما سميت [الظباء] "أُدْماً" لِمَا يَعْلُوهَا في بياضها من الظلمة.
قال الحسن: ﴿جِمَٰلَتٌ صُفْرٌ﴾ [أَيْنُقٌ] سود، وهو قول قتادة ومجاهد.
وقال ابن عباس: عنى بذلك قلوس السفن، يعني حبال السفن.
شبهت الشرر بحبال السفينة. والقَلْسُ. الحبلُ.
وعن ابن عباس أيضاً: ﴿جِمَٰلَتٌ صُفْرٌ﴾: "قِطَعُ النّحَاسِ" وهو جمع جِمَالَةٍ [وجِمَالَةٌ]: جمع جمل.
(ومن قرأ (جِمَالَةٌ) جعله جمع جَمَل).
وقد قرأ (أبو) أيوب: "جُمَالاَت" - بضم الجيم - كأنه جمع جَمَلاً (على جُمَالٍ) كما يجمع رَخِلٌ على رُخَالٍ. ثم جمع "جُمَالاً" على جُمَالاَت، لأن باب "فَعَل" و "فُعَل" واحد.
ويجوز (أن) يكون من الشيء المجمل.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾.
وقد تقدم ذكره.
المرسلات 77:8
قوله تعالى: ﴿وَٱلْمُرْسَلاَتِ عُرْفاً﴾، إلى قوله: ﴿كَأَنَّهُ جِمَٰلَتٌ صُفْرٌ * وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾.
قال ابن عباس وابن مسعود ومجاهد وأبو صالح وقتادة: ﴿(وَ)ٱلْمُرْسَلاَتِ﴾: الرياح، ﴿عُرْفاً﴾: يتبع بعضها بعضاً.
وقال مسروق: ﴿وَٱلْمُرْسَلاَتِ﴾: "الملائكة" ﴿عُرْفاً﴾ أي: ترسل بالعرف.
عن أبي صالح أيضاً أنها "الرسل، ترسل بالمعروف". وقيل: ﴿عُرْفاً﴾ أي: متتابعة كتتابع عرف الفرس.
والتقدير على قول مسروق: ورب الملائكة التي أرسلت إلى الأنبياء بأمر الله ونهيه (وذلك هو المعروف.
وعلى قول أبي صالح: ورب الرسل التي أرسلت إلى الناس بأمر الله ونهيه).
ومن قال ﴿عُرْفاً﴾ متتابعة (فتقديره: ورب الملائكة التي أرسلت إلى الأنبياء متتابعة) ورب الرسل الذين أرسلوا إلى الخلق متتابعين. وكذلك التقدير على قول ابن عباس ومن تبعه: هي الرياح.
ويدل (على أنها ليست) الرياح أن يسعدها ذكر الرياح [بلا اختلاف] في قوله: ﴿فَٱلْعَاصِفَاتِ عَصْفاً﴾.
- (ثم قال تعالى: ﴿فَٱلْعَاصِفَاتِ عَصْفاً﴾).
أي: (ورب الرياح العاصفات) أي: الشديدات الهبوب السريعات المر. وهذا قول علي بن أبي طالب وابن مسعود وابن عباس، وغيرهم.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وٱلنَّاشِرَاتِ نَشْراً﴾.
قال ابن مسعود ومجاهد [وقتادة]: هي الرياح لأنها تنشر السحاب.
وقال أبو صالح: هي "المطر"، لأنه ينشر الأرض، أي: [يحييها].
وروى (السدي) عن أبي صالح أنها الملائكة، (قال): [تنشر] [الكتب]. - ثم قال تعالى: ﴿فَٱلْفَارِقَاتِ فَرْقاً﴾.
قال ابن عباس وأبو صالح وسفيان: هي الملائكة، تفرق بالوحي بين الحق والباطل. وقال قتادة: هو القرآن، فرق الله به بين الحق والباطل، كأنه قال: والآيات الفارقات فرقاً.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿فَٱلْمُلْقِيَٰتِ ذِكْراً * عُذْراً﴾.
كلهم قال: هي الملائكة التي تلقي وحي الله إلى رسله، والذكر: القرآن.
* *
ثم قال تعالى: ﴿عُذْراً أَوْ نُذْراً﴾.
أي: تلقي الوحي إلى الرسل إعذاراً من الله لخلقه [وإنذاراً] منه لهم. قاله قتادة وغيره.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَوَٰقِعٌ﴾.
يعني أن البعث والجزاء وجميع ما أخبر الله، كائن واقع [وحادث] لا محالة. و ﴿إِنَّمَا﴾ هو جواب القسم المتقدم.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿فَإِذَا ٱلنُّجُومُ طُمِسَتْ﴾.
أي: ذهب ضوءها فلم يكن لها نور.
﴿وَإِذَا ٱلسَّمَآءُ فُرِجَتْ﴾. أي: شققت وصدعت.
﴿وَإِذَا ٱلْجِبَالُ نُسِفَتْ﴾. أي: نسفت من أصلها.
﴿فَكَانَتْ هَبَآءً مُّنبَثّاً﴾ [الواقعة: ٦]. أي: غباراً متفرقاً.
* *
﴿وَإِذَا ٱلرُّسُلُ أُقِّتَتْ﴾.
أي: أجلت الاجتماع لوقتها يوم القيامة.
قال ابن عباس: ﴿أُقِّتَتْ﴾ "جمعت". وقال مجاهد ﴿أُقِّتَتْ﴾ "أجلت".
وهو من الوقت، فمعناه: [حان] وقتها الذي وعدته به، وذلك يوم القيامة.
وقرأ عيسى بن [عمر] "أُقِتَتْ" بالتخفيف والهمز، وقرأ الحسن. "وُقِتَتْ" بالواو والتخفيف.
وكله من الوقت، والواو هي الأصل، والهمزة بدل منها.
والتخفيف والتشديد لغتان، إلا أن في التشديد معنى التكرير والمبالغة.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿لأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ﴾.
أي: ما أعظمه وأكثر هوله. ففي الكلام معنى التعظيم لليوم والتعجب منه. ومعنى التعجب في هذا أنه تعالى ذكره يعجب العباد من هوله [وفظاعته]، ثم بينه فقال:
* *
- ﴿لِيَوْمِ ٱلْفَصْلِ﴾.
أي: أجلت الرسل ليوم يفصل الله (فيه) بين خلقه، فيأخذ للمظلوم من الظالم ويجزي المحسن بإحسانه والمسيء بإساته.
* *
- ثم قال: ﴿وَمَآ أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ ٱلْفَصْلِ﴾.
أي: وأي شيء أدراك يا محمد ما يوم الفصل؟! فمعناه التعظيم لذلك اليوم لشدته وهوله.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾.
أي: [الوادي] الذي [يسيل] في جهنم من صديد أهلها للمكذبين بذلك اليوم.
وقيل: معناه قبوح لهم ذلك اليوم.
فقوله: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ﴾ هو جواب (إذا) في ما تقدم من الكلام.
- قوله تعالى: ﴿أَلَمْ نُهْلِكِ ٱلأَوَّلِينَ﴾.
يعني قوم نوح وعاد وثمود وشبههم.
* *
- ﴿ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ ٱلآخِرِينَ﴾.
يعني: قوم إبراهيم وأصحاب مدين وقوم فرعون، فيكون ﴿نُتْبِعُهُمُ﴾ على هذا مجزوماً. والتقدير: "وَأَلَمْ نُتْبِعْهُمُ الآخِرِينَ". وبه قرأ الأعرج.
* *
- وقوله: ﴿كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِٱلْمُجْرِمِينَ﴾.
يعني كفار قريش ومن سلك طريقهم من العرب وغيرها.
ورد الجزم أبو حاتم لأنه تأول أن ﴿نُتْبِعُهُمُ﴾ يراد به قريش ومن سلك في التكذيب طريقهم. فلا سبيل إلى الجزم على هذا المعنى لأنه منتظر في المعنى.
ولم لا تدخل على فعل معناه الاستقبال، بل ترده إلى الماضي أبداً.
(وقيل): إن ﴿نُتْبِعُهُمُ﴾ عطف على المعنى، لأن معنى ﴿أَلَمْ نُهْلِكِ﴾: قد أهلكنا.
* *
ثم قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِٱلْمُجْرِمِينَ﴾.
أي: كذلك نهلك من أجرم فاكتسب مخالفة الله ورسوله.
[ثم قال: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾.
وقد تقدم ذكره، وكذلك معنى كل ما في السورة وغيرها منه].
* *
- ثم قال: ﴿أَلَمْ نَخْلُقكُّم مِّن مَّآءٍ [مَّهِينٍ]﴾.
أي: من نطفة ضعيفة. قال ابن عباس: "المهين: الضعيف".
* *
- ثم قال: ﴿فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ﴾.
أي: في رحم استقر فيه فتمكن.
* *
﴿إِلَىٰ قَدَرٍ مَّعْلُومٍ﴾.
أي: إلى وقت خروجه من الرحم.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ ٱلْقَادِرُونَ﴾.
قال الضحاك: معناه "فملكنا فنعم المالكون". وهذا التقدير على قراءة من خفف.
وعلة من شدد أنه أراد به التكرير، لأنه تعالى قدر الإنسان نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم، [ثم]...، [فدل] التشديد على تكرير [الأحوال].
ومن خفف أجراه على لفظ "القادرين" إذ فعله: "قدر مخففاً، فالتخفيف بمعنى الملك والقدرة على ذلك.
والتشديد بمعنى التقدير. فمن شدد ﴿فَقَدَرْنَا﴾ جمع بين معنيين: التقدير [بقدرنا]، والملك "بالقادرين".
ومن خفف جعله كله بمعنى الملك والقدرة.
وقد يستعمل التشديد، وهو بمعنى القدرة أيضاً يقال: قَدَرَ الله كذا وقدَّره، لغتان. فيكون من شدد ﴿فَقَدَرْنَا﴾ جمع بين اللغتين، بقوله: ﴿ٱلْقَادِرُونَ﴾، كما قال: ﴿فَمَهِّلِ ٱلْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً﴾ [الطارق: ١٧]، وقد قال تعالى: ﴿نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ ٱلْمَوْتَ﴾ [الواقعة: ٦٠] مشدداً.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ ٱلأَرْضَ كِفَاتاً * (أَحْيَآءً)﴾
أي: ألم نجعل أيها الناس الأرض لكم وعاءً، أنتم على ظهرها في مساكنكم مجتمعون أحياءً وفي بطنها أمواتاً؟!
[يذكرهم] (الله) بنعمه عليهم.
يقال: كَفَتُّ الشيء إذا جَمَعْتَهُ وأَحْرَزْتَهُ.
روي عن ابن مسعود أنه "وجد قملة في ثوبه فدفنها في المسجد، ثم قال: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ ٱلأَرْضَ كِفَاتاً * أَحْيَآءً وَأَمْوٰتاً﴾.
وقال مجاهد - في الرجل يرى القملة في ثوبه وهو في المسجد - قال: "إن شئت فألقها، وإن شئت [فوارها]. ثم قرأ: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ ٱلأَرْضَ كِفَاتاً...﴾ الآية.
قال الشعبي: ﴿كِفَاتاً﴾: "بطنها لأمواتكم، وظهرها لأحيائكم".
وقال مجاهد: ﴿كِفَاتاً﴾: تكفت أذاهم وما يخرج منهم أحياءً وأمواتاً، أي: تضم ذلك.
ونصب ﴿أَحْيَآءً وَأَمْوٰتاً﴾ "بكفات"، أي: تضم أحياءً وأمواتاً. وقيل: التقدير: كفات أحياء وأموات، أي: ضمهم، [فلما] نون نصب ما بعده، كما تقول: رأيت ضرب زيد. فإن نونت "ضرباً"، نصبت "زيداً" أو رفعته.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ شَامِخَاتٍ﴾.
أي: جبالاً شاهقات، أي" طوالاً مشرفات.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَأَسْقَيْنَاكُم مَّآءً فُرَاتاً﴾.
أي: عذباً قال ابن عباس: وذلك من أربعة أنهار: سيحان وجيحان والنيل والفرات. فكل ما شربه ابن آدم (فهو) من هذه الأنهار، وهي (تخرج من) تحت صخرة عند بيت المقدس. فأما سيحان فهو نهر بلخ، وأما جيحان فهو دجلة بغداد، وأما الفرات فبالكوفة، وأما النيل (فنهر مصر).
* *
- ثم قال تعالى: ﴿ٱنطَلِقُوۤاْ إِلَىٰ مَا كُنتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾.
أي: يقال لهؤلاء المكذبين بآيات الله ونعمه: انطلقوا إلى ما كنتم تكذبون به في الدنيا من عقاب الله لأهل الكفر.
* *
- ﴿ٱنطَلِقُوۤاْ إِلَىٰ ظِلٍّ ذِي ثَلاَثِ شُعَبٍ﴾.
أي: إلى ظل دخان ذي ثلاث شعب. وذلك أنه يرفع وقودها الدخان، فإذا تصعد تفرق على ثلاث شعب، وهو "دخان جهنم".
[وهو قوله: ﴿وَظِلٍّ مِّن يَحْمُومٍ﴾ [الواقعة: ٤٣]، اليحموم: الدخان.
وقد قيل في قوله "﴿ذِي ثَلاَثِ شُعَبٍ﴾ إنه [ظل] الصليب الذي يعبده النصارى. وهو قول شاذ يوجب أن يكون المأمور بهذا، النصارى خاصة. وليست الآية إلا عامة في جميع الكفار، وليس كلهم عبد الصليب، فإنما أمروا إلى ظل دخان جهنم، دخان قد أنفرق على ثلاث شعب]. قال قتادة: هو كقوله: ﴿نَاراً أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا﴾ [الكهف: ٢٩].
* *
- ثم قال تعالى: ﴿لاَّ ظَلِيلٍ وَلاَ يُغْنِي مِنَ ٱللَّهَبِ﴾.
هذا نعت للظل أي: إلى ظل غير ظليل وغير [غانٍ] من اللهب. أي: [لا يظلهم ولا يمنعهم] من لهب جهنم، فلا يمنع عنهم ذلك الظل حرها ولا لهبها. وهذا الوصف مطابق لما روي عن النبي ﷺ: "أَنَّ الشَّمْسَ تَدْنُو مِنْ رُؤُوسِ الخَلاَئِقِ يَوْمَ القِيَامَةِ وَلَيْسَ لَهُمْ لِبَاسٌ وَلاَ لَهُمْ مَا يَسْتَتِرُونَ بِهِ مِنْهَا، فَيُنْجِي اللهُ المُؤْمِنِينَ إلى ظِلٍّ مِنْ ظِلِّهِ، وَيُقَالُ لِلْكُفَّارِ: انْطَلِقُوا إلى مَا كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ مِنْ عَذَابِ اللهِ وَعِقَابِهِ ﴿ٱنطَلِقُوۤاْ إِلَىٰ ظِلٍّ ذِي ثَلاَثِ شُعَبٍ﴾ فَيَنْطَلِقُونَ إلى دُخَانِ جَهَنَّمَ" أفهذا للكفار، لأنه روي: "أَنَّ الخَلاَئِقَ إِذَا اشْتَدَّ عليهم حرُّ الشمس وَدَنَتْ مِنْ رُؤُوسِهِمْ وأَخَذَتْ بِأَنفاسهِم وأشتد ذلك عليهم وكَثُرَ العَرَقُ، واشتد القَلَقُ، نَجَّى اللهُ المؤمنين برحمته إلى ظل من ظله، فهناك يقولون: ﴿فَمَنَّ ٱللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ ٱلسَّمُومِ﴾. ويقال للكفار المكذبين: انطلقوا إلى ما كنتم تُكَذِّبُونَ من عذاب الله وعقابه، انطلقوا إلى ظِلٍّ من دخان جهنم قد سَطَعَ وافترق ثلاثَ فِرَقٍ، فينطلقون ويكونون فيه، وهو أشد من حر الشمس الذي كانوا قد قَلِقُوا فيه. فيُقِيمُون في ظل ذلك الدخان حتى يُفْرَغَ من الحساب، كذلك أولياء الله في ظل عرش الرحمن، وحيث شاء الله حتى يفرغ من الحساب، ثم يؤمر بكل فريق إلى مُسْتَقَرِّهِ من الجنة أو من النار
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَٱلْقَصْرِ﴾.
أي: [إن]: جهنم ترمي ذلك اليوم بشرر كالقصر [المبني]. وقال ابن عباس: "كالقصر العظيم".
قال الحسن: هو واحد القصور.
وروى حجاج عن هارون ﴿كَٱلْقَصْرِ﴾ أي: كالخشب الجزل، وهو جمع قَصْرَة، كجَمْرة وجَمْر، وثَمْرَة وثَمْر.
وقرأ ابن عباس: "كَالْقَصَرِ" بفتح الصاد.
وقرأ ابن جبير والحسن: "كَالْقِصَرِ" بكسر القاف وفتح الصاد.
وعن ابن جبير: كقراءة ابن عباس، القصرة: الخشبة تكون [ثلاث] أذرع أو أكثر، فهو على قراءته جمع قصرة كخشبة وخشب.
وقال مجاهد وقتادة: القَصَر - بالفتح - هو [أصول] النخل. ومن كسر القاف جعله جمع قِصَرَة وقصر، وهي الخشبة أيضاً.
وقال المبرد: قيل: القَصْرُ: الجزل من الحطب الغليظ، واحدته قَصْرَةٌ، كَجَمْرَة وجمر.
والقَصْرُ في هذا الموضع إذا جعلته أحد القُصُورِ فهو واحد يدل [على الجمع]، ولذلك جعل نعتاً لـِ "شَرَرٍ" وهي جماعة.
فإن جعلته جمع قَصْرَةٍ جئت به في النعت بالجمع كالمنعوت، وقد [قال]: ﴿سَيُهْزَمُ ٱلْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ ٱلدُّبُرَ﴾ [القمر: ٤٥]، فَوَحَّدَ (و) لم يقل: "الأدبار"؟ لأن الدبر بمعنى الجمع، وفعل ذلك توفيقاً بين رؤوس [الآي] ومقاطع الكلام، إذ كان ذلك شأن العرب، والقرآنُ بلسانها نزل فَجَرَتْ [ألفاظه] على عادتها في لغتها وكلامها [وسجعها]، وقد قال تعالى: ﴿تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَٱلَّذِي يُغْشَىٰ عَلَيْهِ مِنَ ٱلْمَوْتِ﴾ [الأحزاب: ١٩]، ولم يقل: "كعيون الذين". وهو المعني لأن المراد في التشبيه الفعل لا العين.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿كَأَنَّهُ جِمَٰلَتٌ صُفْرٌ﴾.
أي: كأن ذلك الشرر الذي هو كالقصر: نُوقٌ سُودٌ. فالصفرة هنا بمعنى السواد، وإنما وقعت الصفرة في موضع السواد لأن ألوان الإبل السود تضرب إلى الصفرة، كما سميت [الظباء] "أُدْماً" لِمَا يَعْلُوهَا في بياضها من الظلمة.
قال الحسن: ﴿جِمَٰلَتٌ صُفْرٌ﴾ [أَيْنُقٌ] سود، وهو قول قتادة ومجاهد.
وقال ابن عباس: عنى بذلك قلوس السفن، يعني حبال السفن.
شبهت الشرر بحبال السفينة. والقَلْسُ. الحبلُ.
وعن ابن عباس أيضاً: ﴿جِمَٰلَتٌ صُفْرٌ﴾: "قِطَعُ النّحَاسِ" وهو جمع جِمَالَةٍ [وجِمَالَةٌ]: جمع جمل.
(ومن قرأ (جِمَالَةٌ) جعله جمع جَمَل).
وقد قرأ (أبو) أيوب: "جُمَالاَت" - بضم الجيم - كأنه جمع جَمَلاً (على جُمَالٍ) كما يجمع رَخِلٌ على رُخَالٍ. ثم جمع "جُمَالاً" على جُمَالاَت، لأن باب "فَعَل" و "فُعَل" واحد.
ويجوز (أن) يكون من الشيء المجمل.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾.
وقد تقدم ذكره.
المرسلات 77:9
قوله تعالى: ﴿وَٱلْمُرْسَلاَتِ عُرْفاً﴾، إلى قوله: ﴿كَأَنَّهُ جِمَٰلَتٌ صُفْرٌ * وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾.
قال ابن عباس وابن مسعود ومجاهد وأبو صالح وقتادة: ﴿(وَ)ٱلْمُرْسَلاَتِ﴾: الرياح، ﴿عُرْفاً﴾: يتبع بعضها بعضاً.
وقال مسروق: ﴿وَٱلْمُرْسَلاَتِ﴾: "الملائكة" ﴿عُرْفاً﴾ أي: ترسل بالعرف.
عن أبي صالح أيضاً أنها "الرسل، ترسل بالمعروف". وقيل: ﴿عُرْفاً﴾ أي: متتابعة كتتابع عرف الفرس.
والتقدير على قول مسروق: ورب الملائكة التي أرسلت إلى الأنبياء بأمر الله ونهيه (وذلك هو المعروف.
وعلى قول أبي صالح: ورب الرسل التي أرسلت إلى الناس بأمر الله ونهيه).
ومن قال ﴿عُرْفاً﴾ متتابعة (فتقديره: ورب الملائكة التي أرسلت إلى الأنبياء متتابعة) ورب الرسل الذين أرسلوا إلى الخلق متتابعين. وكذلك التقدير على قول ابن عباس ومن تبعه: هي الرياح.
ويدل (على أنها ليست) الرياح أن يسعدها ذكر الرياح [بلا اختلاف] في قوله: ﴿فَٱلْعَاصِفَاتِ عَصْفاً﴾.
- (ثم قال تعالى: ﴿فَٱلْعَاصِفَاتِ عَصْفاً﴾).
أي: (ورب الرياح العاصفات) أي: الشديدات الهبوب السريعات المر. وهذا قول علي بن أبي طالب وابن مسعود وابن عباس، وغيرهم.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وٱلنَّاشِرَاتِ نَشْراً﴾.
قال ابن مسعود ومجاهد [وقتادة]: هي الرياح لأنها تنشر السحاب.
وقال أبو صالح: هي "المطر"، لأنه ينشر الأرض، أي: [يحييها].
وروى (السدي) عن أبي صالح أنها الملائكة، (قال): [تنشر] [الكتب]. - ثم قال تعالى: ﴿فَٱلْفَارِقَاتِ فَرْقاً﴾.
قال ابن عباس وأبو صالح وسفيان: هي الملائكة، تفرق بالوحي بين الحق والباطل. وقال قتادة: هو القرآن، فرق الله به بين الحق والباطل، كأنه قال: والآيات الفارقات فرقاً.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿فَٱلْمُلْقِيَٰتِ ذِكْراً * عُذْراً﴾.
كلهم قال: هي الملائكة التي تلقي وحي الله إلى رسله، والذكر: القرآن.
* *
ثم قال تعالى: ﴿عُذْراً أَوْ نُذْراً﴾.
أي: تلقي الوحي إلى الرسل إعذاراً من الله لخلقه [وإنذاراً] منه لهم. قاله قتادة وغيره.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَوَٰقِعٌ﴾.
يعني أن البعث والجزاء وجميع ما أخبر الله، كائن واقع [وحادث] لا محالة. و ﴿إِنَّمَا﴾ هو جواب القسم المتقدم.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿فَإِذَا ٱلنُّجُومُ طُمِسَتْ﴾.
أي: ذهب ضوءها فلم يكن لها نور.
﴿وَإِذَا ٱلسَّمَآءُ فُرِجَتْ﴾. أي: شققت وصدعت.
﴿وَإِذَا ٱلْجِبَالُ نُسِفَتْ﴾. أي: نسفت من أصلها.
﴿فَكَانَتْ هَبَآءً مُّنبَثّاً﴾ [الواقعة: ٦]. أي: غباراً متفرقاً.
* *
﴿وَإِذَا ٱلرُّسُلُ أُقِّتَتْ﴾.
أي: أجلت الاجتماع لوقتها يوم القيامة.
قال ابن عباس: ﴿أُقِّتَتْ﴾ "جمعت". وقال مجاهد ﴿أُقِّتَتْ﴾ "أجلت".
وهو من الوقت، فمعناه: [حان] وقتها الذي وعدته به، وذلك يوم القيامة.
وقرأ عيسى بن [عمر] "أُقِتَتْ" بالتخفيف والهمز، وقرأ الحسن. "وُقِتَتْ" بالواو والتخفيف.
وكله من الوقت، والواو هي الأصل، والهمزة بدل منها.
والتخفيف والتشديد لغتان، إلا أن في التشديد معنى التكرير والمبالغة.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿لأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ﴾.
أي: ما أعظمه وأكثر هوله. ففي الكلام معنى التعظيم لليوم والتعجب منه. ومعنى التعجب في هذا أنه تعالى ذكره يعجب العباد من هوله [وفظاعته]، ثم بينه فقال:
* *
- ﴿لِيَوْمِ ٱلْفَصْلِ﴾.
أي: أجلت الرسل ليوم يفصل الله (فيه) بين خلقه، فيأخذ للمظلوم من الظالم ويجزي المحسن بإحسانه والمسيء بإساته.
* *
- ثم قال: ﴿وَمَآ أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ ٱلْفَصْلِ﴾.
أي: وأي شيء أدراك يا محمد ما يوم الفصل؟! فمعناه التعظيم لذلك اليوم لشدته وهوله.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾.
أي: [الوادي] الذي [يسيل] في جهنم من صديد أهلها للمكذبين بذلك اليوم.
وقيل: معناه قبوح لهم ذلك اليوم.
فقوله: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ﴾ هو جواب (إذا) في ما تقدم من الكلام.
- قوله تعالى: ﴿أَلَمْ نُهْلِكِ ٱلأَوَّلِينَ﴾.
يعني قوم نوح وعاد وثمود وشبههم.
* *
- ﴿ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ ٱلآخِرِينَ﴾.
يعني: قوم إبراهيم وأصحاب مدين وقوم فرعون، فيكون ﴿نُتْبِعُهُمُ﴾ على هذا مجزوماً. والتقدير: "وَأَلَمْ نُتْبِعْهُمُ الآخِرِينَ". وبه قرأ الأعرج.
* *
- وقوله: ﴿كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِٱلْمُجْرِمِينَ﴾.
يعني كفار قريش ومن سلك طريقهم من العرب وغيرها.
ورد الجزم أبو حاتم لأنه تأول أن ﴿نُتْبِعُهُمُ﴾ يراد به قريش ومن سلك في التكذيب طريقهم. فلا سبيل إلى الجزم على هذا المعنى لأنه منتظر في المعنى.
ولم لا تدخل على فعل معناه الاستقبال، بل ترده إلى الماضي أبداً.
(وقيل): إن ﴿نُتْبِعُهُمُ﴾ عطف على المعنى، لأن معنى ﴿أَلَمْ نُهْلِكِ﴾: قد أهلكنا.
* *
ثم قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِٱلْمُجْرِمِينَ﴾.
أي: كذلك نهلك من أجرم فاكتسب مخالفة الله ورسوله.
[ثم قال: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾.
وقد تقدم ذكره، وكذلك معنى كل ما في السورة وغيرها منه].
* *
- ثم قال: ﴿أَلَمْ نَخْلُقكُّم مِّن مَّآءٍ [مَّهِينٍ]﴾.
أي: من نطفة ضعيفة. قال ابن عباس: "المهين: الضعيف".
* *
- ثم قال: ﴿فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ﴾.
أي: في رحم استقر فيه فتمكن.
* *
﴿إِلَىٰ قَدَرٍ مَّعْلُومٍ﴾.
أي: إلى وقت خروجه من الرحم.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ ٱلْقَادِرُونَ﴾.
قال الضحاك: معناه "فملكنا فنعم المالكون". وهذا التقدير على قراءة من خفف.
وعلة من شدد أنه أراد به التكرير، لأنه تعالى قدر الإنسان نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم، [ثم]...، [فدل] التشديد على تكرير [الأحوال].
ومن خفف أجراه على لفظ "القادرين" إذ فعله: "قدر مخففاً، فالتخفيف بمعنى الملك والقدرة على ذلك.
والتشديد بمعنى التقدير. فمن شدد ﴿فَقَدَرْنَا﴾ جمع بين معنيين: التقدير [بقدرنا]، والملك "بالقادرين".
ومن خفف جعله كله بمعنى الملك والقدرة.
وقد يستعمل التشديد، وهو بمعنى القدرة أيضاً يقال: قَدَرَ الله كذا وقدَّره، لغتان. فيكون من شدد ﴿فَقَدَرْنَا﴾ جمع بين اللغتين، بقوله: ﴿ٱلْقَادِرُونَ﴾، كما قال: ﴿فَمَهِّلِ ٱلْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً﴾ [الطارق: ١٧]، وقد قال تعالى: ﴿نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ ٱلْمَوْتَ﴾ [الواقعة: ٦٠] مشدداً.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ ٱلأَرْضَ كِفَاتاً * (أَحْيَآءً)﴾
أي: ألم نجعل أيها الناس الأرض لكم وعاءً، أنتم على ظهرها في مساكنكم مجتمعون أحياءً وفي بطنها أمواتاً؟!
[يذكرهم] (الله) بنعمه عليهم.
يقال: كَفَتُّ الشيء إذا جَمَعْتَهُ وأَحْرَزْتَهُ.
روي عن ابن مسعود أنه "وجد قملة في ثوبه فدفنها في المسجد، ثم قال: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ ٱلأَرْضَ كِفَاتاً * أَحْيَآءً وَأَمْوٰتاً﴾.
وقال مجاهد - في الرجل يرى القملة في ثوبه وهو في المسجد - قال: "إن شئت فألقها، وإن شئت [فوارها]. ثم قرأ: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ ٱلأَرْضَ كِفَاتاً...﴾ الآية.
قال الشعبي: ﴿كِفَاتاً﴾: "بطنها لأمواتكم، وظهرها لأحيائكم".
وقال مجاهد: ﴿كِفَاتاً﴾: تكفت أذاهم وما يخرج منهم أحياءً وأمواتاً، أي: تضم ذلك.
ونصب ﴿أَحْيَآءً وَأَمْوٰتاً﴾ "بكفات"، أي: تضم أحياءً وأمواتاً. وقيل: التقدير: كفات أحياء وأموات، أي: ضمهم، [فلما] نون نصب ما بعده، كما تقول: رأيت ضرب زيد. فإن نونت "ضرباً"، نصبت "زيداً" أو رفعته.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ شَامِخَاتٍ﴾.
أي: جبالاً شاهقات، أي" طوالاً مشرفات.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَأَسْقَيْنَاكُم مَّآءً فُرَاتاً﴾.
أي: عذباً قال ابن عباس: وذلك من أربعة أنهار: سيحان وجيحان والنيل والفرات. فكل ما شربه ابن آدم (فهو) من هذه الأنهار، وهي (تخرج من) تحت صخرة عند بيت المقدس. فأما سيحان فهو نهر بلخ، وأما جيحان فهو دجلة بغداد، وأما الفرات فبالكوفة، وأما النيل (فنهر مصر).
* *
- ثم قال تعالى: ﴿ٱنطَلِقُوۤاْ إِلَىٰ مَا كُنتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾.
أي: يقال لهؤلاء المكذبين بآيات الله ونعمه: انطلقوا إلى ما كنتم تكذبون به في الدنيا من عقاب الله لأهل الكفر.
* *
- ﴿ٱنطَلِقُوۤاْ إِلَىٰ ظِلٍّ ذِي ثَلاَثِ شُعَبٍ﴾.
أي: إلى ظل دخان ذي ثلاث شعب. وذلك أنه يرفع وقودها الدخان، فإذا تصعد تفرق على ثلاث شعب، وهو "دخان جهنم".
[وهو قوله: ﴿وَظِلٍّ مِّن يَحْمُومٍ﴾ [الواقعة: ٤٣]، اليحموم: الدخان.
وقد قيل في قوله "﴿ذِي ثَلاَثِ شُعَبٍ﴾ إنه [ظل] الصليب الذي يعبده النصارى. وهو قول شاذ يوجب أن يكون المأمور بهذا، النصارى خاصة. وليست الآية إلا عامة في جميع الكفار، وليس كلهم عبد الصليب، فإنما أمروا إلى ظل دخان جهنم، دخان قد أنفرق على ثلاث شعب]. قال قتادة: هو كقوله: ﴿نَاراً أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا﴾ [الكهف: ٢٩].
* *
- ثم قال تعالى: ﴿لاَّ ظَلِيلٍ وَلاَ يُغْنِي مِنَ ٱللَّهَبِ﴾.
هذا نعت للظل أي: إلى ظل غير ظليل وغير [غانٍ] من اللهب. أي: [لا يظلهم ولا يمنعهم] من لهب جهنم، فلا يمنع عنهم ذلك الظل حرها ولا لهبها. وهذا الوصف مطابق لما روي عن النبي ﷺ: "أَنَّ الشَّمْسَ تَدْنُو مِنْ رُؤُوسِ الخَلاَئِقِ يَوْمَ القِيَامَةِ وَلَيْسَ لَهُمْ لِبَاسٌ وَلاَ لَهُمْ مَا يَسْتَتِرُونَ بِهِ مِنْهَا، فَيُنْجِي اللهُ المُؤْمِنِينَ إلى ظِلٍّ مِنْ ظِلِّهِ، وَيُقَالُ لِلْكُفَّارِ: انْطَلِقُوا إلى مَا كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ مِنْ عَذَابِ اللهِ وَعِقَابِهِ ﴿ٱنطَلِقُوۤاْ إِلَىٰ ظِلٍّ ذِي ثَلاَثِ شُعَبٍ﴾ فَيَنْطَلِقُونَ إلى دُخَانِ جَهَنَّمَ" أفهذا للكفار، لأنه روي: "أَنَّ الخَلاَئِقَ إِذَا اشْتَدَّ عليهم حرُّ الشمس وَدَنَتْ مِنْ رُؤُوسِهِمْ وأَخَذَتْ بِأَنفاسهِم وأشتد ذلك عليهم وكَثُرَ العَرَقُ، واشتد القَلَقُ، نَجَّى اللهُ المؤمنين برحمته إلى ظل من ظله، فهناك يقولون: ﴿فَمَنَّ ٱللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ ٱلسَّمُومِ﴾. ويقال للكفار المكذبين: انطلقوا إلى ما كنتم تُكَذِّبُونَ من عذاب الله وعقابه، انطلقوا إلى ظِلٍّ من دخان جهنم قد سَطَعَ وافترق ثلاثَ فِرَقٍ، فينطلقون ويكونون فيه، وهو أشد من حر الشمس الذي كانوا قد قَلِقُوا فيه. فيُقِيمُون في ظل ذلك الدخان حتى يُفْرَغَ من الحساب، كذلك أولياء الله في ظل عرش الرحمن، وحيث شاء الله حتى يفرغ من الحساب، ثم يؤمر بكل فريق إلى مُسْتَقَرِّهِ من الجنة أو من النار
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَٱلْقَصْرِ﴾.
أي: [إن]: جهنم ترمي ذلك اليوم بشرر كالقصر [المبني]. وقال ابن عباس: "كالقصر العظيم".
قال الحسن: هو واحد القصور.
وروى حجاج عن هارون ﴿كَٱلْقَصْرِ﴾ أي: كالخشب الجزل، وهو جمع قَصْرَة، كجَمْرة وجَمْر، وثَمْرَة وثَمْر.
وقرأ ابن عباس: "كَالْقَصَرِ" بفتح الصاد.
وقرأ ابن جبير والحسن: "كَالْقِصَرِ" بكسر القاف وفتح الصاد.
وعن ابن جبير: كقراءة ابن عباس، القصرة: الخشبة تكون [ثلاث] أذرع أو أكثر، فهو على قراءته جمع قصرة كخشبة وخشب.
وقال مجاهد وقتادة: القَصَر - بالفتح - هو [أصول] النخل. ومن كسر القاف جعله جمع قِصَرَة وقصر، وهي الخشبة أيضاً.
وقال المبرد: قيل: القَصْرُ: الجزل من الحطب الغليظ، واحدته قَصْرَةٌ، كَجَمْرَة وجمر.
والقَصْرُ في هذا الموضع إذا جعلته أحد القُصُورِ فهو واحد يدل [على الجمع]، ولذلك جعل نعتاً لـِ "شَرَرٍ" وهي جماعة.
فإن جعلته جمع قَصْرَةٍ جئت به في النعت بالجمع كالمنعوت، وقد [قال]: ﴿سَيُهْزَمُ ٱلْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ ٱلدُّبُرَ﴾ [القمر: ٤٥]، فَوَحَّدَ (و) لم يقل: "الأدبار"؟ لأن الدبر بمعنى الجمع، وفعل ذلك توفيقاً بين رؤوس [الآي] ومقاطع الكلام، إذ كان ذلك شأن العرب، والقرآنُ بلسانها نزل فَجَرَتْ [ألفاظه] على عادتها في لغتها وكلامها [وسجعها]، وقد قال تعالى: ﴿تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَٱلَّذِي يُغْشَىٰ عَلَيْهِ مِنَ ٱلْمَوْتِ﴾ [الأحزاب: ١٩]، ولم يقل: "كعيون الذين". وهو المعني لأن المراد في التشبيه الفعل لا العين.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿كَأَنَّهُ جِمَٰلَتٌ صُفْرٌ﴾.
أي: كأن ذلك الشرر الذي هو كالقصر: نُوقٌ سُودٌ. فالصفرة هنا بمعنى السواد، وإنما وقعت الصفرة في موضع السواد لأن ألوان الإبل السود تضرب إلى الصفرة، كما سميت [الظباء] "أُدْماً" لِمَا يَعْلُوهَا في بياضها من الظلمة.
قال الحسن: ﴿جِمَٰلَتٌ صُفْرٌ﴾ [أَيْنُقٌ] سود، وهو قول قتادة ومجاهد.
وقال ابن عباس: عنى بذلك قلوس السفن، يعني حبال السفن.
شبهت الشرر بحبال السفينة. والقَلْسُ. الحبلُ.
وعن ابن عباس أيضاً: ﴿جِمَٰلَتٌ صُفْرٌ﴾: "قِطَعُ النّحَاسِ" وهو جمع جِمَالَةٍ [وجِمَالَةٌ]: جمع جمل.
(ومن قرأ (جِمَالَةٌ) جعله جمع جَمَل).
وقد قرأ (أبو) أيوب: "جُمَالاَت" - بضم الجيم - كأنه جمع جَمَلاً (على جُمَالٍ) كما يجمع رَخِلٌ على رُخَالٍ. ثم جمع "جُمَالاً" على جُمَالاَت، لأن باب "فَعَل" و "فُعَل" واحد.
ويجوز (أن) يكون من الشيء المجمل.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾.
وقد تقدم ذكره.
المرسلات 77:10
قوله تعالى: ﴿وَٱلْمُرْسَلاَتِ عُرْفاً﴾، إلى قوله: ﴿كَأَنَّهُ جِمَٰلَتٌ صُفْرٌ * وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾.
قال ابن عباس وابن مسعود ومجاهد وأبو صالح وقتادة: ﴿(وَ)ٱلْمُرْسَلاَتِ﴾: الرياح، ﴿عُرْفاً﴾: يتبع بعضها بعضاً.
وقال مسروق: ﴿وَٱلْمُرْسَلاَتِ﴾: "الملائكة" ﴿عُرْفاً﴾ أي: ترسل بالعرف.
عن أبي صالح أيضاً أنها "الرسل، ترسل بالمعروف". وقيل: ﴿عُرْفاً﴾ أي: متتابعة كتتابع عرف الفرس.
والتقدير على قول مسروق: ورب الملائكة التي أرسلت إلى الأنبياء بأمر الله ونهيه (وذلك هو المعروف.
وعلى قول أبي صالح: ورب الرسل التي أرسلت إلى الناس بأمر الله ونهيه).
ومن قال ﴿عُرْفاً﴾ متتابعة (فتقديره: ورب الملائكة التي أرسلت إلى الأنبياء متتابعة) ورب الرسل الذين أرسلوا إلى الخلق متتابعين. وكذلك التقدير على قول ابن عباس ومن تبعه: هي الرياح.
ويدل (على أنها ليست) الرياح أن يسعدها ذكر الرياح [بلا اختلاف] في قوله: ﴿فَٱلْعَاصِفَاتِ عَصْفاً﴾.
- (ثم قال تعالى: ﴿فَٱلْعَاصِفَاتِ عَصْفاً﴾).
أي: (ورب الرياح العاصفات) أي: الشديدات الهبوب السريعات المر. وهذا قول علي بن أبي طالب وابن مسعود وابن عباس، وغيرهم.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وٱلنَّاشِرَاتِ نَشْراً﴾.
قال ابن مسعود ومجاهد [وقتادة]: هي الرياح لأنها تنشر السحاب.
وقال أبو صالح: هي "المطر"، لأنه ينشر الأرض، أي: [يحييها].
وروى (السدي) عن أبي صالح أنها الملائكة، (قال): [تنشر] [الكتب]. - ثم قال تعالى: ﴿فَٱلْفَارِقَاتِ فَرْقاً﴾.
قال ابن عباس وأبو صالح وسفيان: هي الملائكة، تفرق بالوحي بين الحق والباطل. وقال قتادة: هو القرآن، فرق الله به بين الحق والباطل، كأنه قال: والآيات الفارقات فرقاً.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿فَٱلْمُلْقِيَٰتِ ذِكْراً * عُذْراً﴾.
كلهم قال: هي الملائكة التي تلقي وحي الله إلى رسله، والذكر: القرآن.
* *
ثم قال تعالى: ﴿عُذْراً أَوْ نُذْراً﴾.
أي: تلقي الوحي إلى الرسل إعذاراً من الله لخلقه [وإنذاراً] منه لهم. قاله قتادة وغيره.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَوَٰقِعٌ﴾.
يعني أن البعث والجزاء وجميع ما أخبر الله، كائن واقع [وحادث] لا محالة. و ﴿إِنَّمَا﴾ هو جواب القسم المتقدم.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿فَإِذَا ٱلنُّجُومُ طُمِسَتْ﴾.
أي: ذهب ضوءها فلم يكن لها نور.
﴿وَإِذَا ٱلسَّمَآءُ فُرِجَتْ﴾. أي: شققت وصدعت.
﴿وَإِذَا ٱلْجِبَالُ نُسِفَتْ﴾. أي: نسفت من أصلها.
﴿فَكَانَتْ هَبَآءً مُّنبَثّاً﴾ [الواقعة: ٦]. أي: غباراً متفرقاً.
* *
﴿وَإِذَا ٱلرُّسُلُ أُقِّتَتْ﴾.
أي: أجلت الاجتماع لوقتها يوم القيامة.
قال ابن عباس: ﴿أُقِّتَتْ﴾ "جمعت". وقال مجاهد ﴿أُقِّتَتْ﴾ "أجلت".
وهو من الوقت، فمعناه: [حان] وقتها الذي وعدته به، وذلك يوم القيامة.
وقرأ عيسى بن [عمر] "أُقِتَتْ" بالتخفيف والهمز، وقرأ الحسن. "وُقِتَتْ" بالواو والتخفيف.
وكله من الوقت، والواو هي الأصل، والهمزة بدل منها.
والتخفيف والتشديد لغتان، إلا أن في التشديد معنى التكرير والمبالغة.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿لأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ﴾.
أي: ما أعظمه وأكثر هوله. ففي الكلام معنى التعظيم لليوم والتعجب منه. ومعنى التعجب في هذا أنه تعالى ذكره يعجب العباد من هوله [وفظاعته]، ثم بينه فقال:
* *
- ﴿لِيَوْمِ ٱلْفَصْلِ﴾.
أي: أجلت الرسل ليوم يفصل الله (فيه) بين خلقه، فيأخذ للمظلوم من الظالم ويجزي المحسن بإحسانه والمسيء بإساته.
* *
- ثم قال: ﴿وَمَآ أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ ٱلْفَصْلِ﴾.
أي: وأي شيء أدراك يا محمد ما يوم الفصل؟! فمعناه التعظيم لذلك اليوم لشدته وهوله.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾.
أي: [الوادي] الذي [يسيل] في جهنم من صديد أهلها للمكذبين بذلك اليوم.
وقيل: معناه قبوح لهم ذلك اليوم.
فقوله: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ﴾ هو جواب (إذا) في ما تقدم من الكلام.
- قوله تعالى: ﴿أَلَمْ نُهْلِكِ ٱلأَوَّلِينَ﴾.
يعني قوم نوح وعاد وثمود وشبههم.
* *
- ﴿ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ ٱلآخِرِينَ﴾.
يعني: قوم إبراهيم وأصحاب مدين وقوم فرعون، فيكون ﴿نُتْبِعُهُمُ﴾ على هذا مجزوماً. والتقدير: "وَأَلَمْ نُتْبِعْهُمُ الآخِرِينَ". وبه قرأ الأعرج.
* *
- وقوله: ﴿كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِٱلْمُجْرِمِينَ﴾.
يعني كفار قريش ومن سلك طريقهم من العرب وغيرها.
ورد الجزم أبو حاتم لأنه تأول أن ﴿نُتْبِعُهُمُ﴾ يراد به قريش ومن سلك في التكذيب طريقهم. فلا سبيل إلى الجزم على هذا المعنى لأنه منتظر في المعنى.
ولم لا تدخل على فعل معناه الاستقبال، بل ترده إلى الماضي أبداً.
(وقيل): إن ﴿نُتْبِعُهُمُ﴾ عطف على المعنى، لأن معنى ﴿أَلَمْ نُهْلِكِ﴾: قد أهلكنا.
* *
ثم قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِٱلْمُجْرِمِينَ﴾.
أي: كذلك نهلك من أجرم فاكتسب مخالفة الله ورسوله.
[ثم قال: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾.
وقد تقدم ذكره، وكذلك معنى كل ما في السورة وغيرها منه].
* *
- ثم قال: ﴿أَلَمْ نَخْلُقكُّم مِّن مَّآءٍ [مَّهِينٍ]﴾.
أي: من نطفة ضعيفة. قال ابن عباس: "المهين: الضعيف".
* *
- ثم قال: ﴿فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ﴾.
أي: في رحم استقر فيه فتمكن.
* *
﴿إِلَىٰ قَدَرٍ مَّعْلُومٍ﴾.
أي: إلى وقت خروجه من الرحم.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ ٱلْقَادِرُونَ﴾.
قال الضحاك: معناه "فملكنا فنعم المالكون". وهذا التقدير على قراءة من خفف.
وعلة من شدد أنه أراد به التكرير، لأنه تعالى قدر الإنسان نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم، [ثم]...، [فدل] التشديد على تكرير [الأحوال].
ومن خفف أجراه على لفظ "القادرين" إذ فعله: "قدر مخففاً، فالتخفيف بمعنى الملك والقدرة على ذلك.
والتشديد بمعنى التقدير. فمن شدد ﴿فَقَدَرْنَا﴾ جمع بين معنيين: التقدير [بقدرنا]، والملك "بالقادرين".
ومن خفف جعله كله بمعنى الملك والقدرة.
وقد يستعمل التشديد، وهو بمعنى القدرة أيضاً يقال: قَدَرَ الله كذا وقدَّره، لغتان. فيكون من شدد ﴿فَقَدَرْنَا﴾ جمع بين اللغتين، بقوله: ﴿ٱلْقَادِرُونَ﴾، كما قال: ﴿فَمَهِّلِ ٱلْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً﴾ [الطارق: ١٧]، وقد قال تعالى: ﴿نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ ٱلْمَوْتَ﴾ [الواقعة: ٦٠] مشدداً.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ ٱلأَرْضَ كِفَاتاً * (أَحْيَآءً)﴾
أي: ألم نجعل أيها الناس الأرض لكم وعاءً، أنتم على ظهرها في مساكنكم مجتمعون أحياءً وفي بطنها أمواتاً؟!
[يذكرهم] (الله) بنعمه عليهم.
يقال: كَفَتُّ الشيء إذا جَمَعْتَهُ وأَحْرَزْتَهُ.
روي عن ابن مسعود أنه "وجد قملة في ثوبه فدفنها في المسجد، ثم قال: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ ٱلأَرْضَ كِفَاتاً * أَحْيَآءً وَأَمْوٰتاً﴾.
وقال مجاهد - في الرجل يرى القملة في ثوبه وهو في المسجد - قال: "إن شئت فألقها، وإن شئت [فوارها]. ثم قرأ: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ ٱلأَرْضَ كِفَاتاً...﴾ الآية.
قال الشعبي: ﴿كِفَاتاً﴾: "بطنها لأمواتكم، وظهرها لأحيائكم".
وقال مجاهد: ﴿كِفَاتاً﴾: تكفت أذاهم وما يخرج منهم أحياءً وأمواتاً، أي: تضم ذلك.
ونصب ﴿أَحْيَآءً وَأَمْوٰتاً﴾ "بكفات"، أي: تضم أحياءً وأمواتاً. وقيل: التقدير: كفات أحياء وأموات، أي: ضمهم، [فلما] نون نصب ما بعده، كما تقول: رأيت ضرب زيد. فإن نونت "ضرباً"، نصبت "زيداً" أو رفعته.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ شَامِخَاتٍ﴾.
أي: جبالاً شاهقات، أي" طوالاً مشرفات.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَأَسْقَيْنَاكُم مَّآءً فُرَاتاً﴾.
أي: عذباً قال ابن عباس: وذلك من أربعة أنهار: سيحان وجيحان والنيل والفرات. فكل ما شربه ابن آدم (فهو) من هذه الأنهار، وهي (تخرج من) تحت صخرة عند بيت المقدس. فأما سيحان فهو نهر بلخ، وأما جيحان فهو دجلة بغداد، وأما الفرات فبالكوفة، وأما النيل (فنهر مصر).
* *
- ثم قال تعالى: ﴿ٱنطَلِقُوۤاْ إِلَىٰ مَا كُنتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾.
أي: يقال لهؤلاء المكذبين بآيات الله ونعمه: انطلقوا إلى ما كنتم تكذبون به في الدنيا من عقاب الله لأهل الكفر.
* *
- ﴿ٱنطَلِقُوۤاْ إِلَىٰ ظِلٍّ ذِي ثَلاَثِ شُعَبٍ﴾.
أي: إلى ظل دخان ذي ثلاث شعب. وذلك أنه يرفع وقودها الدخان، فإذا تصعد تفرق على ثلاث شعب، وهو "دخان جهنم".
[وهو قوله: ﴿وَظِلٍّ مِّن يَحْمُومٍ﴾ [الواقعة: ٤٣]، اليحموم: الدخان.
وقد قيل في قوله "﴿ذِي ثَلاَثِ شُعَبٍ﴾ إنه [ظل] الصليب الذي يعبده النصارى. وهو قول شاذ يوجب أن يكون المأمور بهذا، النصارى خاصة. وليست الآية إلا عامة في جميع الكفار، وليس كلهم عبد الصليب، فإنما أمروا إلى ظل دخان جهنم، دخان قد أنفرق على ثلاث شعب]. قال قتادة: هو كقوله: ﴿نَاراً أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا﴾ [الكهف: ٢٩].
* *
- ثم قال تعالى: ﴿لاَّ ظَلِيلٍ وَلاَ يُغْنِي مِنَ ٱللَّهَبِ﴾.
هذا نعت للظل أي: إلى ظل غير ظليل وغير [غانٍ] من اللهب. أي: [لا يظلهم ولا يمنعهم] من لهب جهنم، فلا يمنع عنهم ذلك الظل حرها ولا لهبها. وهذا الوصف مطابق لما روي عن النبي ﷺ: "أَنَّ الشَّمْسَ تَدْنُو مِنْ رُؤُوسِ الخَلاَئِقِ يَوْمَ القِيَامَةِ وَلَيْسَ لَهُمْ لِبَاسٌ وَلاَ لَهُمْ مَا يَسْتَتِرُونَ بِهِ مِنْهَا، فَيُنْجِي اللهُ المُؤْمِنِينَ إلى ظِلٍّ مِنْ ظِلِّهِ، وَيُقَالُ لِلْكُفَّارِ: انْطَلِقُوا إلى مَا كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ مِنْ عَذَابِ اللهِ وَعِقَابِهِ ﴿ٱنطَلِقُوۤاْ إِلَىٰ ظِلٍّ ذِي ثَلاَثِ شُعَبٍ﴾ فَيَنْطَلِقُونَ إلى دُخَانِ جَهَنَّمَ" أفهذا للكفار، لأنه روي: "أَنَّ الخَلاَئِقَ إِذَا اشْتَدَّ عليهم حرُّ الشمس وَدَنَتْ مِنْ رُؤُوسِهِمْ وأَخَذَتْ بِأَنفاسهِم وأشتد ذلك عليهم وكَثُرَ العَرَقُ، واشتد القَلَقُ، نَجَّى اللهُ المؤمنين برحمته إلى ظل من ظله، فهناك يقولون: ﴿فَمَنَّ ٱللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ ٱلسَّمُومِ﴾. ويقال للكفار المكذبين: انطلقوا إلى ما كنتم تُكَذِّبُونَ من عذاب الله وعقابه، انطلقوا إلى ظِلٍّ من دخان جهنم قد سَطَعَ وافترق ثلاثَ فِرَقٍ، فينطلقون ويكونون فيه، وهو أشد من حر الشمس الذي كانوا قد قَلِقُوا فيه. فيُقِيمُون في ظل ذلك الدخان حتى يُفْرَغَ من الحساب، كذلك أولياء الله في ظل عرش الرحمن، وحيث شاء الله حتى يفرغ من الحساب، ثم يؤمر بكل فريق إلى مُسْتَقَرِّهِ من الجنة أو من النار
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَٱلْقَصْرِ﴾.
أي: [إن]: جهنم ترمي ذلك اليوم بشرر كالقصر [المبني]. وقال ابن عباس: "كالقصر العظيم".
قال الحسن: هو واحد القصور.
وروى حجاج عن هارون ﴿كَٱلْقَصْرِ﴾ أي: كالخشب الجزل، وهو جمع قَصْرَة، كجَمْرة وجَمْر، وثَمْرَة وثَمْر.
وقرأ ابن عباس: "كَالْقَصَرِ" بفتح الصاد.
وقرأ ابن جبير والحسن: "كَالْقِصَرِ" بكسر القاف وفتح الصاد.
وعن ابن جبير: كقراءة ابن عباس، القصرة: الخشبة تكون [ثلاث] أذرع أو أكثر، فهو على قراءته جمع قصرة كخشبة وخشب.
وقال مجاهد وقتادة: القَصَر - بالفتح - هو [أصول] النخل. ومن كسر القاف جعله جمع قِصَرَة وقصر، وهي الخشبة أيضاً.
وقال المبرد: قيل: القَصْرُ: الجزل من الحطب الغليظ، واحدته قَصْرَةٌ، كَجَمْرَة وجمر.
والقَصْرُ في هذا الموضع إذا جعلته أحد القُصُورِ فهو واحد يدل [على الجمع]، ولذلك جعل نعتاً لـِ "شَرَرٍ" وهي جماعة.
فإن جعلته جمع قَصْرَةٍ جئت به في النعت بالجمع كالمنعوت، وقد [قال]: ﴿سَيُهْزَمُ ٱلْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ ٱلدُّبُرَ﴾ [القمر: ٤٥]، فَوَحَّدَ (و) لم يقل: "الأدبار"؟ لأن الدبر بمعنى الجمع، وفعل ذلك توفيقاً بين رؤوس [الآي] ومقاطع الكلام، إذ كان ذلك شأن العرب، والقرآنُ بلسانها نزل فَجَرَتْ [ألفاظه] على عادتها في لغتها وكلامها [وسجعها]، وقد قال تعالى: ﴿تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَٱلَّذِي يُغْشَىٰ عَلَيْهِ مِنَ ٱلْمَوْتِ﴾ [الأحزاب: ١٩]، ولم يقل: "كعيون الذين". وهو المعني لأن المراد في التشبيه الفعل لا العين.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿كَأَنَّهُ جِمَٰلَتٌ صُفْرٌ﴾.
أي: كأن ذلك الشرر الذي هو كالقصر: نُوقٌ سُودٌ. فالصفرة هنا بمعنى السواد، وإنما وقعت الصفرة في موضع السواد لأن ألوان الإبل السود تضرب إلى الصفرة، كما سميت [الظباء] "أُدْماً" لِمَا يَعْلُوهَا في بياضها من الظلمة.
قال الحسن: ﴿جِمَٰلَتٌ صُفْرٌ﴾ [أَيْنُقٌ] سود، وهو قول قتادة ومجاهد.
وقال ابن عباس: عنى بذلك قلوس السفن، يعني حبال السفن.
شبهت الشرر بحبال السفينة. والقَلْسُ. الحبلُ.
وعن ابن عباس أيضاً: ﴿جِمَٰلَتٌ صُفْرٌ﴾: "قِطَعُ النّحَاسِ" وهو جمع جِمَالَةٍ [وجِمَالَةٌ]: جمع جمل.
(ومن قرأ (جِمَالَةٌ) جعله جمع جَمَل).
وقد قرأ (أبو) أيوب: "جُمَالاَت" - بضم الجيم - كأنه جمع جَمَلاً (على جُمَالٍ) كما يجمع رَخِلٌ على رُخَالٍ. ثم جمع "جُمَالاً" على جُمَالاَت، لأن باب "فَعَل" و "فُعَل" واحد.
ويجوز (أن) يكون من الشيء المجمل.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾.
وقد تقدم ذكره.
المرسلات 77:11
قوله تعالى: ﴿وَٱلْمُرْسَلاَتِ عُرْفاً﴾، إلى قوله: ﴿كَأَنَّهُ جِمَٰلَتٌ صُفْرٌ * وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾.
قال ابن عباس وابن مسعود ومجاهد وأبو صالح وقتادة: ﴿(وَ)ٱلْمُرْسَلاَتِ﴾: الرياح، ﴿عُرْفاً﴾: يتبع بعضها بعضاً.
وقال مسروق: ﴿وَٱلْمُرْسَلاَتِ﴾: "الملائكة" ﴿عُرْفاً﴾ أي: ترسل بالعرف.
عن أبي صالح أيضاً أنها "الرسل، ترسل بالمعروف". وقيل: ﴿عُرْفاً﴾ أي: متتابعة كتتابع عرف الفرس.
والتقدير على قول مسروق: ورب الملائكة التي أرسلت إلى الأنبياء بأمر الله ونهيه (وذلك هو المعروف.
وعلى قول أبي صالح: ورب الرسل التي أرسلت إلى الناس بأمر الله ونهيه).
ومن قال ﴿عُرْفاً﴾ متتابعة (فتقديره: ورب الملائكة التي أرسلت إلى الأنبياء متتابعة) ورب الرسل الذين أرسلوا إلى الخلق متتابعين. وكذلك التقدير على قول ابن عباس ومن تبعه: هي الرياح.
ويدل (على أنها ليست) الرياح أن يسعدها ذكر الرياح [بلا اختلاف] في قوله: ﴿فَٱلْعَاصِفَاتِ عَصْفاً﴾.
- (ثم قال تعالى: ﴿فَٱلْعَاصِفَاتِ عَصْفاً﴾).
أي: (ورب الرياح العاصفات) أي: الشديدات الهبوب السريعات المر. وهذا قول علي بن أبي طالب وابن مسعود وابن عباس، وغيرهم.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وٱلنَّاشِرَاتِ نَشْراً﴾.
قال ابن مسعود ومجاهد [وقتادة]: هي الرياح لأنها تنشر السحاب.
وقال أبو صالح: هي "المطر"، لأنه ينشر الأرض، أي: [يحييها].
وروى (السدي) عن أبي صالح أنها الملائكة، (قال): [تنشر] [الكتب]. - ثم قال تعالى: ﴿فَٱلْفَارِقَاتِ فَرْقاً﴾.
قال ابن عباس وأبو صالح وسفيان: هي الملائكة، تفرق بالوحي بين الحق والباطل. وقال قتادة: هو القرآن، فرق الله به بين الحق والباطل، كأنه قال: والآيات الفارقات فرقاً.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿فَٱلْمُلْقِيَٰتِ ذِكْراً * عُذْراً﴾.
كلهم قال: هي الملائكة التي تلقي وحي الله إلى رسله، والذكر: القرآن.
* *
ثم قال تعالى: ﴿عُذْراً أَوْ نُذْراً﴾.
أي: تلقي الوحي إلى الرسل إعذاراً من الله لخلقه [وإنذاراً] منه لهم. قاله قتادة وغيره.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَوَٰقِعٌ﴾.
يعني أن البعث والجزاء وجميع ما أخبر الله، كائن واقع [وحادث] لا محالة. و ﴿إِنَّمَا﴾ هو جواب القسم المتقدم.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿فَإِذَا ٱلنُّجُومُ طُمِسَتْ﴾.
أي: ذهب ضوءها فلم يكن لها نور.
﴿وَإِذَا ٱلسَّمَآءُ فُرِجَتْ﴾. أي: شققت وصدعت.
﴿وَإِذَا ٱلْجِبَالُ نُسِفَتْ﴾. أي: نسفت من أصلها.
﴿فَكَانَتْ هَبَآءً مُّنبَثّاً﴾ [الواقعة: ٦]. أي: غباراً متفرقاً.
* *
﴿وَإِذَا ٱلرُّسُلُ أُقِّتَتْ﴾.
أي: أجلت الاجتماع لوقتها يوم القيامة.
قال ابن عباس: ﴿أُقِّتَتْ﴾ "جمعت". وقال مجاهد ﴿أُقِّتَتْ﴾ "أجلت".
وهو من الوقت، فمعناه: [حان] وقتها الذي وعدته به، وذلك يوم القيامة.
وقرأ عيسى بن [عمر] "أُقِتَتْ" بالتخفيف والهمز، وقرأ الحسن. "وُقِتَتْ" بالواو والتخفيف.
وكله من الوقت، والواو هي الأصل، والهمزة بدل منها.
والتخفيف والتشديد لغتان، إلا أن في التشديد معنى التكرير والمبالغة.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿لأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ﴾.
أي: ما أعظمه وأكثر هوله. ففي الكلام معنى التعظيم لليوم والتعجب منه. ومعنى التعجب في هذا أنه تعالى ذكره يعجب العباد من هوله [وفظاعته]، ثم بينه فقال:
* *
- ﴿لِيَوْمِ ٱلْفَصْلِ﴾.
أي: أجلت الرسل ليوم يفصل الله (فيه) بين خلقه، فيأخذ للمظلوم من الظالم ويجزي المحسن بإحسانه والمسيء بإساته.
* *
- ثم قال: ﴿وَمَآ أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ ٱلْفَصْلِ﴾.
أي: وأي شيء أدراك يا محمد ما يوم الفصل؟! فمعناه التعظيم لذلك اليوم لشدته وهوله.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾.
أي: [الوادي] الذي [يسيل] في جهنم من صديد أهلها للمكذبين بذلك اليوم.
وقيل: معناه قبوح لهم ذلك اليوم.
فقوله: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ﴾ هو جواب (إذا) في ما تقدم من الكلام.
- قوله تعالى: ﴿أَلَمْ نُهْلِكِ ٱلأَوَّلِينَ﴾.
يعني قوم نوح وعاد وثمود وشبههم.
* *
- ﴿ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ ٱلآخِرِينَ﴾.
يعني: قوم إبراهيم وأصحاب مدين وقوم فرعون، فيكون ﴿نُتْبِعُهُمُ﴾ على هذا مجزوماً. والتقدير: "وَأَلَمْ نُتْبِعْهُمُ الآخِرِينَ". وبه قرأ الأعرج.
* *
- وقوله: ﴿كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِٱلْمُجْرِمِينَ﴾.
يعني كفار قريش ومن سلك طريقهم من العرب وغيرها.
ورد الجزم أبو حاتم لأنه تأول أن ﴿نُتْبِعُهُمُ﴾ يراد به قريش ومن سلك في التكذيب طريقهم. فلا سبيل إلى الجزم على هذا المعنى لأنه منتظر في المعنى.
ولم لا تدخل على فعل معناه الاستقبال، بل ترده إلى الماضي أبداً.
(وقيل): إن ﴿نُتْبِعُهُمُ﴾ عطف على المعنى، لأن معنى ﴿أَلَمْ نُهْلِكِ﴾: قد أهلكنا.
* *
ثم قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِٱلْمُجْرِمِينَ﴾.
أي: كذلك نهلك من أجرم فاكتسب مخالفة الله ورسوله.
[ثم قال: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾.
وقد تقدم ذكره، وكذلك معنى كل ما في السورة وغيرها منه].
* *
- ثم قال: ﴿أَلَمْ نَخْلُقكُّم مِّن مَّآءٍ [مَّهِينٍ]﴾.
أي: من نطفة ضعيفة. قال ابن عباس: "المهين: الضعيف".
* *
- ثم قال: ﴿فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ﴾.
أي: في رحم استقر فيه فتمكن.
* *
﴿إِلَىٰ قَدَرٍ مَّعْلُومٍ﴾.
أي: إلى وقت خروجه من الرحم.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ ٱلْقَادِرُونَ﴾.
قال الضحاك: معناه "فملكنا فنعم المالكون". وهذا التقدير على قراءة من خفف.
وعلة من شدد أنه أراد به التكرير، لأنه تعالى قدر الإنسان نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم، [ثم]...، [فدل] التشديد على تكرير [الأحوال].
ومن خفف أجراه على لفظ "القادرين" إذ فعله: "قدر مخففاً، فالتخفيف بمعنى الملك والقدرة على ذلك.
والتشديد بمعنى التقدير. فمن شدد ﴿فَقَدَرْنَا﴾ جمع بين معنيين: التقدير [بقدرنا]، والملك "بالقادرين".
ومن خفف جعله كله بمعنى الملك والقدرة.
وقد يستعمل التشديد، وهو بمعنى القدرة أيضاً يقال: قَدَرَ الله كذا وقدَّره، لغتان. فيكون من شدد ﴿فَقَدَرْنَا﴾ جمع بين اللغتين، بقوله: ﴿ٱلْقَادِرُونَ﴾، كما قال: ﴿فَمَهِّلِ ٱلْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً﴾ [الطارق: ١٧]، وقد قال تعالى: ﴿نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ ٱلْمَوْتَ﴾ [الواقعة: ٦٠] مشدداً.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ ٱلأَرْضَ كِفَاتاً * (أَحْيَآءً)﴾
أي: ألم نجعل أيها الناس الأرض لكم وعاءً، أنتم على ظهرها في مساكنكم مجتمعون أحياءً وفي بطنها أمواتاً؟!
[يذكرهم] (الله) بنعمه عليهم.
يقال: كَفَتُّ الشيء إذا جَمَعْتَهُ وأَحْرَزْتَهُ.
روي عن ابن مسعود أنه "وجد قملة في ثوبه فدفنها في المسجد، ثم قال: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ ٱلأَرْضَ كِفَاتاً * أَحْيَآءً وَأَمْوٰتاً﴾.
وقال مجاهد - في الرجل يرى القملة في ثوبه وهو في المسجد - قال: "إن شئت فألقها، وإن شئت [فوارها]. ثم قرأ: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ ٱلأَرْضَ كِفَاتاً...﴾ الآية.
قال الشعبي: ﴿كِفَاتاً﴾: "بطنها لأمواتكم، وظهرها لأحيائكم".
وقال مجاهد: ﴿كِفَاتاً﴾: تكفت أذاهم وما يخرج منهم أحياءً وأمواتاً، أي: تضم ذلك.
ونصب ﴿أَحْيَآءً وَأَمْوٰتاً﴾ "بكفات"، أي: تضم أحياءً وأمواتاً. وقيل: التقدير: كفات أحياء وأموات، أي: ضمهم، [فلما] نون نصب ما بعده، كما تقول: رأيت ضرب زيد. فإن نونت "ضرباً"، نصبت "زيداً" أو رفعته.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ شَامِخَاتٍ﴾.
أي: جبالاً شاهقات، أي" طوالاً مشرفات.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَأَسْقَيْنَاكُم مَّآءً فُرَاتاً﴾.
أي: عذباً قال ابن عباس: وذلك من أربعة أنهار: سيحان وجيحان والنيل والفرات. فكل ما شربه ابن آدم (فهو) من هذه الأنهار، وهي (تخرج من) تحت صخرة عند بيت المقدس. فأما سيحان فهو نهر بلخ، وأما جيحان فهو دجلة بغداد، وأما الفرات فبالكوفة، وأما النيل (فنهر مصر).
* *
- ثم قال تعالى: ﴿ٱنطَلِقُوۤاْ إِلَىٰ مَا كُنتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾.
أي: يقال لهؤلاء المكذبين بآيات الله ونعمه: انطلقوا إلى ما كنتم تكذبون به في الدنيا من عقاب الله لأهل الكفر.
* *
- ﴿ٱنطَلِقُوۤاْ إِلَىٰ ظِلٍّ ذِي ثَلاَثِ شُعَبٍ﴾.
أي: إلى ظل دخان ذي ثلاث شعب. وذلك أنه يرفع وقودها الدخان، فإذا تصعد تفرق على ثلاث شعب، وهو "دخان جهنم".
[وهو قوله: ﴿وَظِلٍّ مِّن يَحْمُومٍ﴾ [الواقعة: ٤٣]، اليحموم: الدخان.
وقد قيل في قوله "﴿ذِي ثَلاَثِ شُعَبٍ﴾ إنه [ظل] الصليب الذي يعبده النصارى. وهو قول شاذ يوجب أن يكون المأمور بهذا، النصارى خاصة. وليست الآية إلا عامة في جميع الكفار، وليس كلهم عبد الصليب، فإنما أمروا إلى ظل دخان جهنم، دخان قد أنفرق على ثلاث شعب]. قال قتادة: هو كقوله: ﴿نَاراً أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا﴾ [الكهف: ٢٩].
* *
- ثم قال تعالى: ﴿لاَّ ظَلِيلٍ وَلاَ يُغْنِي مِنَ ٱللَّهَبِ﴾.
هذا نعت للظل أي: إلى ظل غير ظليل وغير [غانٍ] من اللهب. أي: [لا يظلهم ولا يمنعهم] من لهب جهنم، فلا يمنع عنهم ذلك الظل حرها ولا لهبها. وهذا الوصف مطابق لما روي عن النبي ﷺ: "أَنَّ الشَّمْسَ تَدْنُو مِنْ رُؤُوسِ الخَلاَئِقِ يَوْمَ القِيَامَةِ وَلَيْسَ لَهُمْ لِبَاسٌ وَلاَ لَهُمْ مَا يَسْتَتِرُونَ بِهِ مِنْهَا، فَيُنْجِي اللهُ المُؤْمِنِينَ إلى ظِلٍّ مِنْ ظِلِّهِ، وَيُقَالُ لِلْكُفَّارِ: انْطَلِقُوا إلى مَا كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ مِنْ عَذَابِ اللهِ وَعِقَابِهِ ﴿ٱنطَلِقُوۤاْ إِلَىٰ ظِلٍّ ذِي ثَلاَثِ شُعَبٍ﴾ فَيَنْطَلِقُونَ إلى دُخَانِ جَهَنَّمَ" أفهذا للكفار، لأنه روي: "أَنَّ الخَلاَئِقَ إِذَا اشْتَدَّ عليهم حرُّ الشمس وَدَنَتْ مِنْ رُؤُوسِهِمْ وأَخَذَتْ بِأَنفاسهِم وأشتد ذلك عليهم وكَثُرَ العَرَقُ، واشتد القَلَقُ، نَجَّى اللهُ المؤمنين برحمته إلى ظل من ظله، فهناك يقولون: ﴿فَمَنَّ ٱللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ ٱلسَّمُومِ﴾. ويقال للكفار المكذبين: انطلقوا إلى ما كنتم تُكَذِّبُونَ من عذاب الله وعقابه، انطلقوا إلى ظِلٍّ من دخان جهنم قد سَطَعَ وافترق ثلاثَ فِرَقٍ، فينطلقون ويكونون فيه، وهو أشد من حر الشمس الذي كانوا قد قَلِقُوا فيه. فيُقِيمُون في ظل ذلك الدخان حتى يُفْرَغَ من الحساب، كذلك أولياء الله في ظل عرش الرحمن، وحيث شاء الله حتى يفرغ من الحساب، ثم يؤمر بكل فريق إلى مُسْتَقَرِّهِ من الجنة أو من النار
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَٱلْقَصْرِ﴾.
أي: [إن]: جهنم ترمي ذلك اليوم بشرر كالقصر [المبني]. وقال ابن عباس: "كالقصر العظيم".
قال الحسن: هو واحد القصور.
وروى حجاج عن هارون ﴿كَٱلْقَصْرِ﴾ أي: كالخشب الجزل، وهو جمع قَصْرَة، كجَمْرة وجَمْر، وثَمْرَة وثَمْر.
وقرأ ابن عباس: "كَالْقَصَرِ" بفتح الصاد.
وقرأ ابن جبير والحسن: "كَالْقِصَرِ" بكسر القاف وفتح الصاد.
وعن ابن جبير: كقراءة ابن عباس، القصرة: الخشبة تكون [ثلاث] أذرع أو أكثر، فهو على قراءته جمع قصرة كخشبة وخشب.
وقال مجاهد وقتادة: القَصَر - بالفتح - هو [أصول] النخل. ومن كسر القاف جعله جمع قِصَرَة وقصر، وهي الخشبة أيضاً.
وقال المبرد: قيل: القَصْرُ: الجزل من الحطب الغليظ، واحدته قَصْرَةٌ، كَجَمْرَة وجمر.
والقَصْرُ في هذا الموضع إذا جعلته أحد القُصُورِ فهو واحد يدل [على الجمع]، ولذلك جعل نعتاً لـِ "شَرَرٍ" وهي جماعة.
فإن جعلته جمع قَصْرَةٍ جئت به في النعت بالجمع كالمنعوت، وقد [قال]: ﴿سَيُهْزَمُ ٱلْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ ٱلدُّبُرَ﴾ [القمر: ٤٥]، فَوَحَّدَ (و) لم يقل: "الأدبار"؟ لأن الدبر بمعنى الجمع، وفعل ذلك توفيقاً بين رؤوس [الآي] ومقاطع الكلام، إذ كان ذلك شأن العرب، والقرآنُ بلسانها نزل فَجَرَتْ [ألفاظه] على عادتها في لغتها وكلامها [وسجعها]، وقد قال تعالى: ﴿تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَٱلَّذِي يُغْشَىٰ عَلَيْهِ مِنَ ٱلْمَوْتِ﴾ [الأحزاب: ١٩]، ولم يقل: "كعيون الذين". وهو المعني لأن المراد في التشبيه الفعل لا العين.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿كَأَنَّهُ جِمَٰلَتٌ صُفْرٌ﴾.
أي: كأن ذلك الشرر الذي هو كالقصر: نُوقٌ سُودٌ. فالصفرة هنا بمعنى السواد، وإنما وقعت الصفرة في موضع السواد لأن ألوان الإبل السود تضرب إلى الصفرة، كما سميت [الظباء] "أُدْماً" لِمَا يَعْلُوهَا في بياضها من الظلمة.
قال الحسن: ﴿جِمَٰلَتٌ صُفْرٌ﴾ [أَيْنُقٌ] سود، وهو قول قتادة ومجاهد.
وقال ابن عباس: عنى بذلك قلوس السفن، يعني حبال السفن.
شبهت الشرر بحبال السفينة. والقَلْسُ. الحبلُ.
وعن ابن عباس أيضاً: ﴿جِمَٰلَتٌ صُفْرٌ﴾: "قِطَعُ النّحَاسِ" وهو جمع جِمَالَةٍ [وجِمَالَةٌ]: جمع جمل.
(ومن قرأ (جِمَالَةٌ) جعله جمع جَمَل).
وقد قرأ (أبو) أيوب: "جُمَالاَت" - بضم الجيم - كأنه جمع جَمَلاً (على جُمَالٍ) كما يجمع رَخِلٌ على رُخَالٍ. ثم جمع "جُمَالاً" على جُمَالاَت، لأن باب "فَعَل" و "فُعَل" واحد.
ويجوز (أن) يكون من الشيء المجمل.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾.
وقد تقدم ذكره.
المرسلات 77:12
قوله تعالى: ﴿وَٱلْمُرْسَلاَتِ عُرْفاً﴾، إلى قوله: ﴿كَأَنَّهُ جِمَٰلَتٌ صُفْرٌ * وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾.
قال ابن عباس وابن مسعود ومجاهد وأبو صالح وقتادة: ﴿(وَ)ٱلْمُرْسَلاَتِ﴾: الرياح، ﴿عُرْفاً﴾: يتبع بعضها بعضاً.
وقال مسروق: ﴿وَٱلْمُرْسَلاَتِ﴾: "الملائكة" ﴿عُرْفاً﴾ أي: ترسل بالعرف.
عن أبي صالح أيضاً أنها "الرسل، ترسل بالمعروف". وقيل: ﴿عُرْفاً﴾ أي: متتابعة كتتابع عرف الفرس.
والتقدير على قول مسروق: ورب الملائكة التي أرسلت إلى الأنبياء بأمر الله ونهيه (وذلك هو المعروف.
وعلى قول أبي صالح: ورب الرسل التي أرسلت إلى الناس بأمر الله ونهيه).
ومن قال ﴿عُرْفاً﴾ متتابعة (فتقديره: ورب الملائكة التي أرسلت إلى الأنبياء متتابعة) ورب الرسل الذين أرسلوا إلى الخلق متتابعين. وكذلك التقدير على قول ابن عباس ومن تبعه: هي الرياح.
ويدل (على أنها ليست) الرياح أن يسعدها ذكر الرياح [بلا اختلاف] في قوله: ﴿فَٱلْعَاصِفَاتِ عَصْفاً﴾.
- (ثم قال تعالى: ﴿فَٱلْعَاصِفَاتِ عَصْفاً﴾).
أي: (ورب الرياح العاصفات) أي: الشديدات الهبوب السريعات المر. وهذا قول علي بن أبي طالب وابن مسعود وابن عباس، وغيرهم.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وٱلنَّاشِرَاتِ نَشْراً﴾.
قال ابن مسعود ومجاهد [وقتادة]: هي الرياح لأنها تنشر السحاب.
وقال أبو صالح: هي "المطر"، لأنه ينشر الأرض، أي: [يحييها].
وروى (السدي) عن أبي صالح أنها الملائكة، (قال): [تنشر] [الكتب]. - ثم قال تعالى: ﴿فَٱلْفَارِقَاتِ فَرْقاً﴾.
قال ابن عباس وأبو صالح وسفيان: هي الملائكة، تفرق بالوحي بين الحق والباطل. وقال قتادة: هو القرآن، فرق الله به بين الحق والباطل، كأنه قال: والآيات الفارقات فرقاً.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿فَٱلْمُلْقِيَٰتِ ذِكْراً * عُذْراً﴾.
كلهم قال: هي الملائكة التي تلقي وحي الله إلى رسله، والذكر: القرآن.
* *
ثم قال تعالى: ﴿عُذْراً أَوْ نُذْراً﴾.
أي: تلقي الوحي إلى الرسل إعذاراً من الله لخلقه [وإنذاراً] منه لهم. قاله قتادة وغيره.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَوَٰقِعٌ﴾.
يعني أن البعث والجزاء وجميع ما أخبر الله، كائن واقع [وحادث] لا محالة. و ﴿إِنَّمَا﴾ هو جواب القسم المتقدم.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿فَإِذَا ٱلنُّجُومُ طُمِسَتْ﴾.
أي: ذهب ضوءها فلم يكن لها نور.
﴿وَإِذَا ٱلسَّمَآءُ فُرِجَتْ﴾. أي: شققت وصدعت.
﴿وَإِذَا ٱلْجِبَالُ نُسِفَتْ﴾. أي: نسفت من أصلها.
﴿فَكَانَتْ هَبَآءً مُّنبَثّاً﴾ [الواقعة: ٦]. أي: غباراً متفرقاً.
* *
﴿وَإِذَا ٱلرُّسُلُ أُقِّتَتْ﴾.
أي: أجلت الاجتماع لوقتها يوم القيامة.
قال ابن عباس: ﴿أُقِّتَتْ﴾ "جمعت". وقال مجاهد ﴿أُقِّتَتْ﴾ "أجلت".
وهو من الوقت، فمعناه: [حان] وقتها الذي وعدته به، وذلك يوم القيامة.
وقرأ عيسى بن [عمر] "أُقِتَتْ" بالتخفيف والهمز، وقرأ الحسن. "وُقِتَتْ" بالواو والتخفيف.
وكله من الوقت، والواو هي الأصل، والهمزة بدل منها.
والتخفيف والتشديد لغتان، إلا أن في التشديد معنى التكرير والمبالغة.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿لأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ﴾.
أي: ما أعظمه وأكثر هوله. ففي الكلام معنى التعظيم لليوم والتعجب منه. ومعنى التعجب في هذا أنه تعالى ذكره يعجب العباد من هوله [وفظاعته]، ثم بينه فقال:
* *
- ﴿لِيَوْمِ ٱلْفَصْلِ﴾.
أي: أجلت الرسل ليوم يفصل الله (فيه) بين خلقه، فيأخذ للمظلوم من الظالم ويجزي المحسن بإحسانه والمسيء بإساته.
* *
- ثم قال: ﴿وَمَآ أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ ٱلْفَصْلِ﴾.
أي: وأي شيء أدراك يا محمد ما يوم الفصل؟! فمعناه التعظيم لذلك اليوم لشدته وهوله.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾.
أي: [الوادي] الذي [يسيل] في جهنم من صديد أهلها للمكذبين بذلك اليوم.
وقيل: معناه قبوح لهم ذلك اليوم.
فقوله: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ﴾ هو جواب (إذا) في ما تقدم من الكلام.
- قوله تعالى: ﴿أَلَمْ نُهْلِكِ ٱلأَوَّلِينَ﴾.
يعني قوم نوح وعاد وثمود وشبههم.
* *
- ﴿ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ ٱلآخِرِينَ﴾.
يعني: قوم إبراهيم وأصحاب مدين وقوم فرعون، فيكون ﴿نُتْبِعُهُمُ﴾ على هذا مجزوماً. والتقدير: "وَأَلَمْ نُتْبِعْهُمُ الآخِرِينَ". وبه قرأ الأعرج.
* *
- وقوله: ﴿كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِٱلْمُجْرِمِينَ﴾.
يعني كفار قريش ومن سلك طريقهم من العرب وغيرها.
ورد الجزم أبو حاتم لأنه تأول أن ﴿نُتْبِعُهُمُ﴾ يراد به قريش ومن سلك في التكذيب طريقهم. فلا سبيل إلى الجزم على هذا المعنى لأنه منتظر في المعنى.
ولم لا تدخل على فعل معناه الاستقبال، بل ترده إلى الماضي أبداً.
(وقيل): إن ﴿نُتْبِعُهُمُ﴾ عطف على المعنى، لأن معنى ﴿أَلَمْ نُهْلِكِ﴾: قد أهلكنا.
* *
ثم قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِٱلْمُجْرِمِينَ﴾.
أي: كذلك نهلك من أجرم فاكتسب مخالفة الله ورسوله.
[ثم قال: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾.
وقد تقدم ذكره، وكذلك معنى كل ما في السورة وغيرها منه].
* *
- ثم قال: ﴿أَلَمْ نَخْلُقكُّم مِّن مَّآءٍ [مَّهِينٍ]﴾.
أي: من نطفة ضعيفة. قال ابن عباس: "المهين: الضعيف".
* *
- ثم قال: ﴿فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ﴾.
أي: في رحم استقر فيه فتمكن.
* *
﴿إِلَىٰ قَدَرٍ مَّعْلُومٍ﴾.
أي: إلى وقت خروجه من الرحم.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ ٱلْقَادِرُونَ﴾.
قال الضحاك: معناه "فملكنا فنعم المالكون". وهذا التقدير على قراءة من خفف.
وعلة من شدد أنه أراد به التكرير، لأنه تعالى قدر الإنسان نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم، [ثم]...، [فدل] التشديد على تكرير [الأحوال].
ومن خفف أجراه على لفظ "القادرين" إذ فعله: "قدر مخففاً، فالتخفيف بمعنى الملك والقدرة على ذلك.
والتشديد بمعنى التقدير. فمن شدد ﴿فَقَدَرْنَا﴾ جمع بين معنيين: التقدير [بقدرنا]، والملك "بالقادرين".
ومن خفف جعله كله بمعنى الملك والقدرة.
وقد يستعمل التشديد، وهو بمعنى القدرة أيضاً يقال: قَدَرَ الله كذا وقدَّره، لغتان. فيكون من شدد ﴿فَقَدَرْنَا﴾ جمع بين اللغتين، بقوله: ﴿ٱلْقَادِرُونَ﴾، كما قال: ﴿فَمَهِّلِ ٱلْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً﴾ [الطارق: ١٧]، وقد قال تعالى: ﴿نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ ٱلْمَوْتَ﴾ [الواقعة: ٦٠] مشدداً.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ ٱلأَرْضَ كِفَاتاً * (أَحْيَآءً)﴾
أي: ألم نجعل أيها الناس الأرض لكم وعاءً، أنتم على ظهرها في مساكنكم مجتمعون أحياءً وفي بطنها أمواتاً؟!
[يذكرهم] (الله) بنعمه عليهم.
يقال: كَفَتُّ الشيء إذا جَمَعْتَهُ وأَحْرَزْتَهُ.
روي عن ابن مسعود أنه "وجد قملة في ثوبه فدفنها في المسجد، ثم قال: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ ٱلأَرْضَ كِفَاتاً * أَحْيَآءً وَأَمْوٰتاً﴾.
وقال مجاهد - في الرجل يرى القملة في ثوبه وهو في المسجد - قال: "إن شئت فألقها، وإن شئت [فوارها]. ثم قرأ: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ ٱلأَرْضَ كِفَاتاً...﴾ الآية.
قال الشعبي: ﴿كِفَاتاً﴾: "بطنها لأمواتكم، وظهرها لأحيائكم".
وقال مجاهد: ﴿كِفَاتاً﴾: تكفت أذاهم وما يخرج منهم أحياءً وأمواتاً، أي: تضم ذلك.
ونصب ﴿أَحْيَآءً وَأَمْوٰتاً﴾ "بكفات"، أي: تضم أحياءً وأمواتاً. وقيل: التقدير: كفات أحياء وأموات، أي: ضمهم، [فلما] نون نصب ما بعده، كما تقول: رأيت ضرب زيد. فإن نونت "ضرباً"، نصبت "زيداً" أو رفعته.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ شَامِخَاتٍ﴾.
أي: جبالاً شاهقات، أي" طوالاً مشرفات.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَأَسْقَيْنَاكُم مَّآءً فُرَاتاً﴾.
أي: عذباً قال ابن عباس: وذلك من أربعة أنهار: سيحان وجيحان والنيل والفرات. فكل ما شربه ابن آدم (فهو) من هذه الأنهار، وهي (تخرج من) تحت صخرة عند بيت المقدس. فأما سيحان فهو نهر بلخ، وأما جيحان فهو دجلة بغداد، وأما الفرات فبالكوفة، وأما النيل (فنهر مصر).
* *
- ثم قال تعالى: ﴿ٱنطَلِقُوۤاْ إِلَىٰ مَا كُنتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾.
أي: يقال لهؤلاء المكذبين بآيات الله ونعمه: انطلقوا إلى ما كنتم تكذبون به في الدنيا من عقاب الله لأهل الكفر.
* *
- ﴿ٱنطَلِقُوۤاْ إِلَىٰ ظِلٍّ ذِي ثَلاَثِ شُعَبٍ﴾.
أي: إلى ظل دخان ذي ثلاث شعب. وذلك أنه يرفع وقودها الدخان، فإذا تصعد تفرق على ثلاث شعب، وهو "دخان جهنم".
[وهو قوله: ﴿وَظِلٍّ مِّن يَحْمُومٍ﴾ [الواقعة: ٤٣]، اليحموم: الدخان.
وقد قيل في قوله "﴿ذِي ثَلاَثِ شُعَبٍ﴾ إنه [ظل] الصليب الذي يعبده النصارى. وهو قول شاذ يوجب أن يكون المأمور بهذا، النصارى خاصة. وليست الآية إلا عامة في جميع الكفار، وليس كلهم عبد الصليب، فإنما أمروا إلى ظل دخان جهنم، دخان قد أنفرق على ثلاث شعب]. قال قتادة: هو كقوله: ﴿نَاراً أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا﴾ [الكهف: ٢٩].
* *
- ثم قال تعالى: ﴿لاَّ ظَلِيلٍ وَلاَ يُغْنِي مِنَ ٱللَّهَبِ﴾.
هذا نعت للظل أي: إلى ظل غير ظليل وغير [غانٍ] من اللهب. أي: [لا يظلهم ولا يمنعهم] من لهب جهنم، فلا يمنع عنهم ذلك الظل حرها ولا لهبها. وهذا الوصف مطابق لما روي عن النبي ﷺ: "أَنَّ الشَّمْسَ تَدْنُو مِنْ رُؤُوسِ الخَلاَئِقِ يَوْمَ القِيَامَةِ وَلَيْسَ لَهُمْ لِبَاسٌ وَلاَ لَهُمْ مَا يَسْتَتِرُونَ بِهِ مِنْهَا، فَيُنْجِي اللهُ المُؤْمِنِينَ إلى ظِلٍّ مِنْ ظِلِّهِ، وَيُقَالُ لِلْكُفَّارِ: انْطَلِقُوا إلى مَا كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ مِنْ عَذَابِ اللهِ وَعِقَابِهِ ﴿ٱنطَلِقُوۤاْ إِلَىٰ ظِلٍّ ذِي ثَلاَثِ شُعَبٍ﴾ فَيَنْطَلِقُونَ إلى دُخَانِ جَهَنَّمَ" أفهذا للكفار، لأنه روي: "أَنَّ الخَلاَئِقَ إِذَا اشْتَدَّ عليهم حرُّ الشمس وَدَنَتْ مِنْ رُؤُوسِهِمْ وأَخَذَتْ بِأَنفاسهِم وأشتد ذلك عليهم وكَثُرَ العَرَقُ، واشتد القَلَقُ، نَجَّى اللهُ المؤمنين برحمته إلى ظل من ظله، فهناك يقولون: ﴿فَمَنَّ ٱللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ ٱلسَّمُومِ﴾. ويقال للكفار المكذبين: انطلقوا إلى ما كنتم تُكَذِّبُونَ من عذاب الله وعقابه، انطلقوا إلى ظِلٍّ من دخان جهنم قد سَطَعَ وافترق ثلاثَ فِرَقٍ، فينطلقون ويكونون فيه، وهو أشد من حر الشمس الذي كانوا قد قَلِقُوا فيه. فيُقِيمُون في ظل ذلك الدخان حتى يُفْرَغَ من الحساب، كذلك أولياء الله في ظل عرش الرحمن، وحيث شاء الله حتى يفرغ من الحساب، ثم يؤمر بكل فريق إلى مُسْتَقَرِّهِ من الجنة أو من النار
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَٱلْقَصْرِ﴾.
أي: [إن]: جهنم ترمي ذلك اليوم بشرر كالقصر [المبني]. وقال ابن عباس: "كالقصر العظيم".
قال الحسن: هو واحد القصور.
وروى حجاج عن هارون ﴿كَٱلْقَصْرِ﴾ أي: كالخشب الجزل، وهو جمع قَصْرَة، كجَمْرة وجَمْر، وثَمْرَة وثَمْر.
وقرأ ابن عباس: "كَالْقَصَرِ" بفتح الصاد.
وقرأ ابن جبير والحسن: "كَالْقِصَرِ" بكسر القاف وفتح الصاد.
وعن ابن جبير: كقراءة ابن عباس، القصرة: الخشبة تكون [ثلاث] أذرع أو أكثر، فهو على قراءته جمع قصرة كخشبة وخشب.
وقال مجاهد وقتادة: القَصَر - بالفتح - هو [أصول] النخل. ومن كسر القاف جعله جمع قِصَرَة وقصر، وهي الخشبة أيضاً.
وقال المبرد: قيل: القَصْرُ: الجزل من الحطب الغليظ، واحدته قَصْرَةٌ، كَجَمْرَة وجمر.
والقَصْرُ في هذا الموضع إذا جعلته أحد القُصُورِ فهو واحد يدل [على الجمع]، ولذلك جعل نعتاً لـِ "شَرَرٍ" وهي جماعة.
فإن جعلته جمع قَصْرَةٍ جئت به في النعت بالجمع كالمنعوت، وقد [قال]: ﴿سَيُهْزَمُ ٱلْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ ٱلدُّبُرَ﴾ [القمر: ٤٥]، فَوَحَّدَ (و) لم يقل: "الأدبار"؟ لأن الدبر بمعنى الجمع، وفعل ذلك توفيقاً بين رؤوس [الآي] ومقاطع الكلام، إذ كان ذلك شأن العرب، والقرآنُ بلسانها نزل فَجَرَتْ [ألفاظه] على عادتها في لغتها وكلامها [وسجعها]، وقد قال تعالى: ﴿تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَٱلَّذِي يُغْشَىٰ عَلَيْهِ مِنَ ٱلْمَوْتِ﴾ [الأحزاب: ١٩]، ولم يقل: "كعيون الذين". وهو المعني لأن المراد في التشبيه الفعل لا العين.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿كَأَنَّهُ جِمَٰلَتٌ صُفْرٌ﴾.
أي: كأن ذلك الشرر الذي هو كالقصر: نُوقٌ سُودٌ. فالصفرة هنا بمعنى السواد، وإنما وقعت الصفرة في موضع السواد لأن ألوان الإبل السود تضرب إلى الصفرة، كما سميت [الظباء] "أُدْماً" لِمَا يَعْلُوهَا في بياضها من الظلمة.
قال الحسن: ﴿جِمَٰلَتٌ صُفْرٌ﴾ [أَيْنُقٌ] سود، وهو قول قتادة ومجاهد.
وقال ابن عباس: عنى بذلك قلوس السفن، يعني حبال السفن.
شبهت الشرر بحبال السفينة. والقَلْسُ. الحبلُ.
وعن ابن عباس أيضاً: ﴿جِمَٰلَتٌ صُفْرٌ﴾: "قِطَعُ النّحَاسِ" وهو جمع جِمَالَةٍ [وجِمَالَةٌ]: جمع جمل.
(ومن قرأ (جِمَالَةٌ) جعله جمع جَمَل).
وقد قرأ (أبو) أيوب: "جُمَالاَت" - بضم الجيم - كأنه جمع جَمَلاً (على جُمَالٍ) كما يجمع رَخِلٌ على رُخَالٍ. ثم جمع "جُمَالاً" على جُمَالاَت، لأن باب "فَعَل" و "فُعَل" واحد.
ويجوز (أن) يكون من الشيء المجمل.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾.
وقد تقدم ذكره.
المرسلات 77:13
قوله تعالى: ﴿وَٱلْمُرْسَلاَتِ عُرْفاً﴾، إلى قوله: ﴿كَأَنَّهُ جِمَٰلَتٌ صُفْرٌ * وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾.
قال ابن عباس وابن مسعود ومجاهد وأبو صالح وقتادة: ﴿(وَ)ٱلْمُرْسَلاَتِ﴾: الرياح، ﴿عُرْفاً﴾: يتبع بعضها بعضاً.
وقال مسروق: ﴿وَٱلْمُرْسَلاَتِ﴾: "الملائكة" ﴿عُرْفاً﴾ أي: ترسل بالعرف.
عن أبي صالح أيضاً أنها "الرسل، ترسل بالمعروف". وقيل: ﴿عُرْفاً﴾ أي: متتابعة كتتابع عرف الفرس.
والتقدير على قول مسروق: ورب الملائكة التي أرسلت إلى الأنبياء بأمر الله ونهيه (وذلك هو المعروف.
وعلى قول أبي صالح: ورب الرسل التي أرسلت إلى الناس بأمر الله ونهيه).
ومن قال ﴿عُرْفاً﴾ متتابعة (فتقديره: ورب الملائكة التي أرسلت إلى الأنبياء متتابعة) ورب الرسل الذين أرسلوا إلى الخلق متتابعين. وكذلك التقدير على قول ابن عباس ومن تبعه: هي الرياح.
ويدل (على أنها ليست) الرياح أن يسعدها ذكر الرياح [بلا اختلاف] في قوله: ﴿فَٱلْعَاصِفَاتِ عَصْفاً﴾.
- (ثم قال تعالى: ﴿فَٱلْعَاصِفَاتِ عَصْفاً﴾).
أي: (ورب الرياح العاصفات) أي: الشديدات الهبوب السريعات المر. وهذا قول علي بن أبي طالب وابن مسعود وابن عباس، وغيرهم.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وٱلنَّاشِرَاتِ نَشْراً﴾.
قال ابن مسعود ومجاهد [وقتادة]: هي الرياح لأنها تنشر السحاب.
وقال أبو صالح: هي "المطر"، لأنه ينشر الأرض، أي: [يحييها].
وروى (السدي) عن أبي صالح أنها الملائكة، (قال): [تنشر] [الكتب]. - ثم قال تعالى: ﴿فَٱلْفَارِقَاتِ فَرْقاً﴾.
قال ابن عباس وأبو صالح وسفيان: هي الملائكة، تفرق بالوحي بين الحق والباطل. وقال قتادة: هو القرآن، فرق الله به بين الحق والباطل، كأنه قال: والآيات الفارقات فرقاً.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿فَٱلْمُلْقِيَٰتِ ذِكْراً * عُذْراً﴾.
كلهم قال: هي الملائكة التي تلقي وحي الله إلى رسله، والذكر: القرآن.
* *
ثم قال تعالى: ﴿عُذْراً أَوْ نُذْراً﴾.
أي: تلقي الوحي إلى الرسل إعذاراً من الله لخلقه [وإنذاراً] منه لهم. قاله قتادة وغيره.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَوَٰقِعٌ﴾.
يعني أن البعث والجزاء وجميع ما أخبر الله، كائن واقع [وحادث] لا محالة. و ﴿إِنَّمَا﴾ هو جواب القسم المتقدم.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿فَإِذَا ٱلنُّجُومُ طُمِسَتْ﴾.
أي: ذهب ضوءها فلم يكن لها نور.
﴿وَإِذَا ٱلسَّمَآءُ فُرِجَتْ﴾. أي: شققت وصدعت.
﴿وَإِذَا ٱلْجِبَالُ نُسِفَتْ﴾. أي: نسفت من أصلها.
﴿فَكَانَتْ هَبَآءً مُّنبَثّاً﴾ [الواقعة: ٦]. أي: غباراً متفرقاً.
* *
﴿وَإِذَا ٱلرُّسُلُ أُقِّتَتْ﴾.
أي: أجلت الاجتماع لوقتها يوم القيامة.
قال ابن عباس: ﴿أُقِّتَتْ﴾ "جمعت". وقال مجاهد ﴿أُقِّتَتْ﴾ "أجلت".
وهو من الوقت، فمعناه: [حان] وقتها الذي وعدته به، وذلك يوم القيامة.
وقرأ عيسى بن [عمر] "أُقِتَتْ" بالتخفيف والهمز، وقرأ الحسن. "وُقِتَتْ" بالواو والتخفيف.
وكله من الوقت، والواو هي الأصل، والهمزة بدل منها.
والتخفيف والتشديد لغتان، إلا أن في التشديد معنى التكرير والمبالغة.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿لأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ﴾.
أي: ما أعظمه وأكثر هوله. ففي الكلام معنى التعظيم لليوم والتعجب منه. ومعنى التعجب في هذا أنه تعالى ذكره يعجب العباد من هوله [وفظاعته]، ثم بينه فقال:
* *
- ﴿لِيَوْمِ ٱلْفَصْلِ﴾.
أي: أجلت الرسل ليوم يفصل الله (فيه) بين خلقه، فيأخذ للمظلوم من الظالم ويجزي المحسن بإحسانه والمسيء بإساته.
* *
- ثم قال: ﴿وَمَآ أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ ٱلْفَصْلِ﴾.
أي: وأي شيء أدراك يا محمد ما يوم الفصل؟! فمعناه التعظيم لذلك اليوم لشدته وهوله.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾.
أي: [الوادي] الذي [يسيل] في جهنم من صديد أهلها للمكذبين بذلك اليوم.
وقيل: معناه قبوح لهم ذلك اليوم.
فقوله: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ﴾ هو جواب (إذا) في ما تقدم من الكلام.
- قوله تعالى: ﴿أَلَمْ نُهْلِكِ ٱلأَوَّلِينَ﴾.
يعني قوم نوح وعاد وثمود وشبههم.
* *
- ﴿ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ ٱلآخِرِينَ﴾.
يعني: قوم إبراهيم وأصحاب مدين وقوم فرعون، فيكون ﴿نُتْبِعُهُمُ﴾ على هذا مجزوماً. والتقدير: "وَأَلَمْ نُتْبِعْهُمُ الآخِرِينَ". وبه قرأ الأعرج.
* *
- وقوله: ﴿كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِٱلْمُجْرِمِينَ﴾.
يعني كفار قريش ومن سلك طريقهم من العرب وغيرها.
ورد الجزم أبو حاتم لأنه تأول أن ﴿نُتْبِعُهُمُ﴾ يراد به قريش ومن سلك في التكذيب طريقهم. فلا سبيل إلى الجزم على هذا المعنى لأنه منتظر في المعنى.
ولم لا تدخل على فعل معناه الاستقبال، بل ترده إلى الماضي أبداً.
(وقيل): إن ﴿نُتْبِعُهُمُ﴾ عطف على المعنى، لأن معنى ﴿أَلَمْ نُهْلِكِ﴾: قد أهلكنا.
* *
ثم قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِٱلْمُجْرِمِينَ﴾.
أي: كذلك نهلك من أجرم فاكتسب مخالفة الله ورسوله.
[ثم قال: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾.
وقد تقدم ذكره، وكذلك معنى كل ما في السورة وغيرها منه].
* *
- ثم قال: ﴿أَلَمْ نَخْلُقكُّم مِّن مَّآءٍ [مَّهِينٍ]﴾.
أي: من نطفة ضعيفة. قال ابن عباس: "المهين: الضعيف".
* *
- ثم قال: ﴿فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ﴾.
أي: في رحم استقر فيه فتمكن.
* *
﴿إِلَىٰ قَدَرٍ مَّعْلُومٍ﴾.
أي: إلى وقت خروجه من الرحم.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ ٱلْقَادِرُونَ﴾.
قال الضحاك: معناه "فملكنا فنعم المالكون". وهذا التقدير على قراءة من خفف.
وعلة من شدد أنه أراد به التكرير، لأنه تعالى قدر الإنسان نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم، [ثم]...، [فدل] التشديد على تكرير [الأحوال].
ومن خفف أجراه على لفظ "القادرين" إذ فعله: "قدر مخففاً، فالتخفيف بمعنى الملك والقدرة على ذلك.
والتشديد بمعنى التقدير. فمن شدد ﴿فَقَدَرْنَا﴾ جمع بين معنيين: التقدير [بقدرنا]، والملك "بالقادرين".
ومن خفف جعله كله بمعنى الملك والقدرة.
وقد يستعمل التشديد، وهو بمعنى القدرة أيضاً يقال: قَدَرَ الله كذا وقدَّره، لغتان. فيكون من شدد ﴿فَقَدَرْنَا﴾ جمع بين اللغتين، بقوله: ﴿ٱلْقَادِرُونَ﴾، كما قال: ﴿فَمَهِّلِ ٱلْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً﴾ [الطارق: ١٧]، وقد قال تعالى: ﴿نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ ٱلْمَوْتَ﴾ [الواقعة: ٦٠] مشدداً.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ ٱلأَرْضَ كِفَاتاً * (أَحْيَآءً)﴾
أي: ألم نجعل أيها الناس الأرض لكم وعاءً، أنتم على ظهرها في مساكنكم مجتمعون أحياءً وفي بطنها أمواتاً؟!
[يذكرهم] (الله) بنعمه عليهم.
يقال: كَفَتُّ الشيء إذا جَمَعْتَهُ وأَحْرَزْتَهُ.
روي عن ابن مسعود أنه "وجد قملة في ثوبه فدفنها في المسجد، ثم قال: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ ٱلأَرْضَ كِفَاتاً * أَحْيَآءً وَأَمْوٰتاً﴾.
وقال مجاهد - في الرجل يرى القملة في ثوبه وهو في المسجد - قال: "إن شئت فألقها، وإن شئت [فوارها]. ثم قرأ: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ ٱلأَرْضَ كِفَاتاً...﴾ الآية.
قال الشعبي: ﴿كِفَاتاً﴾: "بطنها لأمواتكم، وظهرها لأحيائكم".
وقال مجاهد: ﴿كِفَاتاً﴾: تكفت أذاهم وما يخرج منهم أحياءً وأمواتاً، أي: تضم ذلك.
ونصب ﴿أَحْيَآءً وَأَمْوٰتاً﴾ "بكفات"، أي: تضم أحياءً وأمواتاً. وقيل: التقدير: كفات أحياء وأموات، أي: ضمهم، [فلما] نون نصب ما بعده، كما تقول: رأيت ضرب زيد. فإن نونت "ضرباً"، نصبت "زيداً" أو رفعته.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ شَامِخَاتٍ﴾.
أي: جبالاً شاهقات، أي" طوالاً مشرفات.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَأَسْقَيْنَاكُم مَّآءً فُرَاتاً﴾.
أي: عذباً قال ابن عباس: وذلك من أربعة أنهار: سيحان وجيحان والنيل والفرات. فكل ما شربه ابن آدم (فهو) من هذه الأنهار، وهي (تخرج من) تحت صخرة عند بيت المقدس. فأما سيحان فهو نهر بلخ، وأما جيحان فهو دجلة بغداد، وأما الفرات فبالكوفة، وأما النيل (فنهر مصر).
* *
- ثم قال تعالى: ﴿ٱنطَلِقُوۤاْ إِلَىٰ مَا كُنتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾.
أي: يقال لهؤلاء المكذبين بآيات الله ونعمه: انطلقوا إلى ما كنتم تكذبون به في الدنيا من عقاب الله لأهل الكفر.
* *
- ﴿ٱنطَلِقُوۤاْ إِلَىٰ ظِلٍّ ذِي ثَلاَثِ شُعَبٍ﴾.
أي: إلى ظل دخان ذي ثلاث شعب. وذلك أنه يرفع وقودها الدخان، فإذا تصعد تفرق على ثلاث شعب، وهو "دخان جهنم".
[وهو قوله: ﴿وَظِلٍّ مِّن يَحْمُومٍ﴾ [الواقعة: ٤٣]، اليحموم: الدخان.
وقد قيل في قوله "﴿ذِي ثَلاَثِ شُعَبٍ﴾ إنه [ظل] الصليب الذي يعبده النصارى. وهو قول شاذ يوجب أن يكون المأمور بهذا، النصارى خاصة. وليست الآية إلا عامة في جميع الكفار، وليس كلهم عبد الصليب، فإنما أمروا إلى ظل دخان جهنم، دخان قد أنفرق على ثلاث شعب]. قال قتادة: هو كقوله: ﴿نَاراً أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا﴾ [الكهف: ٢٩].
* *
- ثم قال تعالى: ﴿لاَّ ظَلِيلٍ وَلاَ يُغْنِي مِنَ ٱللَّهَبِ﴾.
هذا نعت للظل أي: إلى ظل غير ظليل وغير [غانٍ] من اللهب. أي: [لا يظلهم ولا يمنعهم] من لهب جهنم، فلا يمنع عنهم ذلك الظل حرها ولا لهبها. وهذا الوصف مطابق لما روي عن النبي ﷺ: "أَنَّ الشَّمْسَ تَدْنُو مِنْ رُؤُوسِ الخَلاَئِقِ يَوْمَ القِيَامَةِ وَلَيْسَ لَهُمْ لِبَاسٌ وَلاَ لَهُمْ مَا يَسْتَتِرُونَ بِهِ مِنْهَا، فَيُنْجِي اللهُ المُؤْمِنِينَ إلى ظِلٍّ مِنْ ظِلِّهِ، وَيُقَالُ لِلْكُفَّارِ: انْطَلِقُوا إلى مَا كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ مِنْ عَذَابِ اللهِ وَعِقَابِهِ ﴿ٱنطَلِقُوۤاْ إِلَىٰ ظِلٍّ ذِي ثَلاَثِ شُعَبٍ﴾ فَيَنْطَلِقُونَ إلى دُخَانِ جَهَنَّمَ" أفهذا للكفار، لأنه روي: "أَنَّ الخَلاَئِقَ إِذَا اشْتَدَّ عليهم حرُّ الشمس وَدَنَتْ مِنْ رُؤُوسِهِمْ وأَخَذَتْ بِأَنفاسهِم وأشتد ذلك عليهم وكَثُرَ العَرَقُ، واشتد القَلَقُ، نَجَّى اللهُ المؤمنين برحمته إلى ظل من ظله، فهناك يقولون: ﴿فَمَنَّ ٱللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ ٱلسَّمُومِ﴾. ويقال للكفار المكذبين: انطلقوا إلى ما كنتم تُكَذِّبُونَ من عذاب الله وعقابه، انطلقوا إلى ظِلٍّ من دخان جهنم قد سَطَعَ وافترق ثلاثَ فِرَقٍ، فينطلقون ويكونون فيه، وهو أشد من حر الشمس الذي كانوا قد قَلِقُوا فيه. فيُقِيمُون في ظل ذلك الدخان حتى يُفْرَغَ من الحساب، كذلك أولياء الله في ظل عرش الرحمن، وحيث شاء الله حتى يفرغ من الحساب، ثم يؤمر بكل فريق إلى مُسْتَقَرِّهِ من الجنة أو من النار
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَٱلْقَصْرِ﴾.
أي: [إن]: جهنم ترمي ذلك اليوم بشرر كالقصر [المبني]. وقال ابن عباس: "كالقصر العظيم".
قال الحسن: هو واحد القصور.
وروى حجاج عن هارون ﴿كَٱلْقَصْرِ﴾ أي: كالخشب الجزل، وهو جمع قَصْرَة، كجَمْرة وجَمْر، وثَمْرَة وثَمْر.
وقرأ ابن عباس: "كَالْقَصَرِ" بفتح الصاد.
وقرأ ابن جبير والحسن: "كَالْقِصَرِ" بكسر القاف وفتح الصاد.
وعن ابن جبير: كقراءة ابن عباس، القصرة: الخشبة تكون [ثلاث] أذرع أو أكثر، فهو على قراءته جمع قصرة كخشبة وخشب.
وقال مجاهد وقتادة: القَصَر - بالفتح - هو [أصول] النخل. ومن كسر القاف جعله جمع قِصَرَة وقصر، وهي الخشبة أيضاً.
وقال المبرد: قيل: القَصْرُ: الجزل من الحطب الغليظ، واحدته قَصْرَةٌ، كَجَمْرَة وجمر.
والقَصْرُ في هذا الموضع إذا جعلته أحد القُصُورِ فهو واحد يدل [على الجمع]، ولذلك جعل نعتاً لـِ "شَرَرٍ" وهي جماعة.
فإن جعلته جمع قَصْرَةٍ جئت به في النعت بالجمع كالمنعوت، وقد [قال]: ﴿سَيُهْزَمُ ٱلْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ ٱلدُّبُرَ﴾ [القمر: ٤٥]، فَوَحَّدَ (و) لم يقل: "الأدبار"؟ لأن الدبر بمعنى الجمع، وفعل ذلك توفيقاً بين رؤوس [الآي] ومقاطع الكلام، إذ كان ذلك شأن العرب، والقرآنُ بلسانها نزل فَجَرَتْ [ألفاظه] على عادتها في لغتها وكلامها [وسجعها]، وقد قال تعالى: ﴿تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَٱلَّذِي يُغْشَىٰ عَلَيْهِ مِنَ ٱلْمَوْتِ﴾ [الأحزاب: ١٩]، ولم يقل: "كعيون الذين". وهو المعني لأن المراد في التشبيه الفعل لا العين.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿كَأَنَّهُ جِمَٰلَتٌ صُفْرٌ﴾.
أي: كأن ذلك الشرر الذي هو كالقصر: نُوقٌ سُودٌ. فالصفرة هنا بمعنى السواد، وإنما وقعت الصفرة في موضع السواد لأن ألوان الإبل السود تضرب إلى الصفرة، كما سميت [الظباء] "أُدْماً" لِمَا يَعْلُوهَا في بياضها من الظلمة.
قال الحسن: ﴿جِمَٰلَتٌ صُفْرٌ﴾ [أَيْنُقٌ] سود، وهو قول قتادة ومجاهد.
وقال ابن عباس: عنى بذلك قلوس السفن، يعني حبال السفن.
شبهت الشرر بحبال السفينة. والقَلْسُ. الحبلُ.
وعن ابن عباس أيضاً: ﴿جِمَٰلَتٌ صُفْرٌ﴾: "قِطَعُ النّحَاسِ" وهو جمع جِمَالَةٍ [وجِمَالَةٌ]: جمع جمل.
(ومن قرأ (جِمَالَةٌ) جعله جمع جَمَل).
وقد قرأ (أبو) أيوب: "جُمَالاَت" - بضم الجيم - كأنه جمع جَمَلاً (على جُمَالٍ) كما يجمع رَخِلٌ على رُخَالٍ. ثم جمع "جُمَالاً" على جُمَالاَت، لأن باب "فَعَل" و "فُعَل" واحد.
ويجوز (أن) يكون من الشيء المجمل.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾.
وقد تقدم ذكره.
المرسلات 77:14
قوله تعالى: ﴿وَٱلْمُرْسَلاَتِ عُرْفاً﴾، إلى قوله: ﴿كَأَنَّهُ جِمَٰلَتٌ صُفْرٌ * وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾.
قال ابن عباس وابن مسعود ومجاهد وأبو صالح وقتادة: ﴿(وَ)ٱلْمُرْسَلاَتِ﴾: الرياح، ﴿عُرْفاً﴾: يتبع بعضها بعضاً.
وقال مسروق: ﴿وَٱلْمُرْسَلاَتِ﴾: "الملائكة" ﴿عُرْفاً﴾ أي: ترسل بالعرف.
عن أبي صالح أيضاً أنها "الرسل، ترسل بالمعروف". وقيل: ﴿عُرْفاً﴾ أي: متتابعة كتتابع عرف الفرس.
والتقدير على قول مسروق: ورب الملائكة التي أرسلت إلى الأنبياء بأمر الله ونهيه (وذلك هو المعروف.
وعلى قول أبي صالح: ورب الرسل التي أرسلت إلى الناس بأمر الله ونهيه).
ومن قال ﴿عُرْفاً﴾ متتابعة (فتقديره: ورب الملائكة التي أرسلت إلى الأنبياء متتابعة) ورب الرسل الذين أرسلوا إلى الخلق متتابعين. وكذلك التقدير على قول ابن عباس ومن تبعه: هي الرياح.
ويدل (على أنها ليست) الرياح أن يسعدها ذكر الرياح [بلا اختلاف] في قوله: ﴿فَٱلْعَاصِفَاتِ عَصْفاً﴾.
- (ثم قال تعالى: ﴿فَٱلْعَاصِفَاتِ عَصْفاً﴾).
أي: (ورب الرياح العاصفات) أي: الشديدات الهبوب السريعات المر. وهذا قول علي بن أبي طالب وابن مسعود وابن عباس، وغيرهم.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وٱلنَّاشِرَاتِ نَشْراً﴾.
قال ابن مسعود ومجاهد [وقتادة]: هي الرياح لأنها تنشر السحاب.
وقال أبو صالح: هي "المطر"، لأنه ينشر الأرض، أي: [يحييها].
وروى (السدي) عن أبي صالح أنها الملائكة، (قال): [تنشر] [الكتب]. - ثم قال تعالى: ﴿فَٱلْفَارِقَاتِ فَرْقاً﴾.
قال ابن عباس وأبو صالح وسفيان: هي الملائكة، تفرق بالوحي بين الحق والباطل. وقال قتادة: هو القرآن، فرق الله به بين الحق والباطل، كأنه قال: والآيات الفارقات فرقاً.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿فَٱلْمُلْقِيَٰتِ ذِكْراً * عُذْراً﴾.
كلهم قال: هي الملائكة التي تلقي وحي الله إلى رسله، والذكر: القرآن.
* *
ثم قال تعالى: ﴿عُذْراً أَوْ نُذْراً﴾.
أي: تلقي الوحي إلى الرسل إعذاراً من الله لخلقه [وإنذاراً] منه لهم. قاله قتادة وغيره.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَوَٰقِعٌ﴾.
يعني أن البعث والجزاء وجميع ما أخبر الله، كائن واقع [وحادث] لا محالة. و ﴿إِنَّمَا﴾ هو جواب القسم المتقدم.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿فَإِذَا ٱلنُّجُومُ طُمِسَتْ﴾.
أي: ذهب ضوءها فلم يكن لها نور.
﴿وَإِذَا ٱلسَّمَآءُ فُرِجَتْ﴾. أي: شققت وصدعت.
﴿وَإِذَا ٱلْجِبَالُ نُسِفَتْ﴾. أي: نسفت من أصلها.
﴿فَكَانَتْ هَبَآءً مُّنبَثّاً﴾ [الواقعة: ٦]. أي: غباراً متفرقاً.
* *
﴿وَإِذَا ٱلرُّسُلُ أُقِّتَتْ﴾.
أي: أجلت الاجتماع لوقتها يوم القيامة.
قال ابن عباس: ﴿أُقِّتَتْ﴾ "جمعت". وقال مجاهد ﴿أُقِّتَتْ﴾ "أجلت".
وهو من الوقت، فمعناه: [حان] وقتها الذي وعدته به، وذلك يوم القيامة.
وقرأ عيسى بن [عمر] "أُقِتَتْ" بالتخفيف والهمز، وقرأ الحسن. "وُقِتَتْ" بالواو والتخفيف.
وكله من الوقت، والواو هي الأصل، والهمزة بدل منها.
والتخفيف والتشديد لغتان، إلا أن في التشديد معنى التكرير والمبالغة.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿لأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ﴾.
أي: ما أعظمه وأكثر هوله. ففي الكلام معنى التعظيم لليوم والتعجب منه. ومعنى التعجب في هذا أنه تعالى ذكره يعجب العباد من هوله [وفظاعته]، ثم بينه فقال:
* *
- ﴿لِيَوْمِ ٱلْفَصْلِ﴾.
أي: أجلت الرسل ليوم يفصل الله (فيه) بين خلقه، فيأخذ للمظلوم من الظالم ويجزي المحسن بإحسانه والمسيء بإساته.
* *
- ثم قال: ﴿وَمَآ أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ ٱلْفَصْلِ﴾.
أي: وأي شيء أدراك يا محمد ما يوم الفصل؟! فمعناه التعظيم لذلك اليوم لشدته وهوله.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾.
أي: [الوادي] الذي [يسيل] في جهنم من صديد أهلها للمكذبين بذلك اليوم.
وقيل: معناه قبوح لهم ذلك اليوم.
فقوله: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ﴾ هو جواب (إذا) في ما تقدم من الكلام.
- قوله تعالى: ﴿أَلَمْ نُهْلِكِ ٱلأَوَّلِينَ﴾.
يعني قوم نوح وعاد وثمود وشبههم.
* *
- ﴿ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ ٱلآخِرِينَ﴾.
يعني: قوم إبراهيم وأصحاب مدين وقوم فرعون، فيكون ﴿نُتْبِعُهُمُ﴾ على هذا مجزوماً. والتقدير: "وَأَلَمْ نُتْبِعْهُمُ الآخِرِينَ". وبه قرأ الأعرج.
* *
- وقوله: ﴿كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِٱلْمُجْرِمِينَ﴾.
يعني كفار قريش ومن سلك طريقهم من العرب وغيرها.
ورد الجزم أبو حاتم لأنه تأول أن ﴿نُتْبِعُهُمُ﴾ يراد به قريش ومن سلك في التكذيب طريقهم. فلا سبيل إلى الجزم على هذا المعنى لأنه منتظر في المعنى.
ولم لا تدخل على فعل معناه الاستقبال، بل ترده إلى الماضي أبداً.
(وقيل): إن ﴿نُتْبِعُهُمُ﴾ عطف على المعنى، لأن معنى ﴿أَلَمْ نُهْلِكِ﴾: قد أهلكنا.
* *
ثم قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِٱلْمُجْرِمِينَ﴾.
أي: كذلك نهلك من أجرم فاكتسب مخالفة الله ورسوله.
[ثم قال: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾.
وقد تقدم ذكره، وكذلك معنى كل ما في السورة وغيرها منه].
* *
- ثم قال: ﴿أَلَمْ نَخْلُقكُّم مِّن مَّآءٍ [مَّهِينٍ]﴾.
أي: من نطفة ضعيفة. قال ابن عباس: "المهين: الضعيف".
* *
- ثم قال: ﴿فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ﴾.
أي: في رحم استقر فيه فتمكن.
* *
﴿إِلَىٰ قَدَرٍ مَّعْلُومٍ﴾.
أي: إلى وقت خروجه من الرحم.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ ٱلْقَادِرُونَ﴾.
قال الضحاك: معناه "فملكنا فنعم المالكون". وهذا التقدير على قراءة من خفف.
وعلة من شدد أنه أراد به التكرير، لأنه تعالى قدر الإنسان نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم، [ثم]...، [فدل] التشديد على تكرير [الأحوال].
ومن خفف أجراه على لفظ "القادرين" إذ فعله: "قدر مخففاً، فالتخفيف بمعنى الملك والقدرة على ذلك.
والتشديد بمعنى التقدير. فمن شدد ﴿فَقَدَرْنَا﴾ جمع بين معنيين: التقدير [بقدرنا]، والملك "بالقادرين".
ومن خفف جعله كله بمعنى الملك والقدرة.
وقد يستعمل التشديد، وهو بمعنى القدرة أيضاً يقال: قَدَرَ الله كذا وقدَّره، لغتان. فيكون من شدد ﴿فَقَدَرْنَا﴾ جمع بين اللغتين، بقوله: ﴿ٱلْقَادِرُونَ﴾، كما قال: ﴿فَمَهِّلِ ٱلْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً﴾ [الطارق: ١٧]، وقد قال تعالى: ﴿نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ ٱلْمَوْتَ﴾ [الواقعة: ٦٠] مشدداً.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ ٱلأَرْضَ كِفَاتاً * (أَحْيَآءً)﴾
أي: ألم نجعل أيها الناس الأرض لكم وعاءً، أنتم على ظهرها في مساكنكم مجتمعون أحياءً وفي بطنها أمواتاً؟!
[يذكرهم] (الله) بنعمه عليهم.
يقال: كَفَتُّ الشيء إذا جَمَعْتَهُ وأَحْرَزْتَهُ.
روي عن ابن مسعود أنه "وجد قملة في ثوبه فدفنها في المسجد، ثم قال: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ ٱلأَرْضَ كِفَاتاً * أَحْيَآءً وَأَمْوٰتاً﴾.
وقال مجاهد - في الرجل يرى القملة في ثوبه وهو في المسجد - قال: "إن شئت فألقها، وإن شئت [فوارها]. ثم قرأ: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ ٱلأَرْضَ كِفَاتاً...﴾ الآية.
قال الشعبي: ﴿كِفَاتاً﴾: "بطنها لأمواتكم، وظهرها لأحيائكم".
وقال مجاهد: ﴿كِفَاتاً﴾: تكفت أذاهم وما يخرج منهم أحياءً وأمواتاً، أي: تضم ذلك.
ونصب ﴿أَحْيَآءً وَأَمْوٰتاً﴾ "بكفات"، أي: تضم أحياءً وأمواتاً. وقيل: التقدير: كفات أحياء وأموات، أي: ضمهم، [فلما] نون نصب ما بعده، كما تقول: رأيت ضرب زيد. فإن نونت "ضرباً"، نصبت "زيداً" أو رفعته.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ شَامِخَاتٍ﴾.
أي: جبالاً شاهقات، أي" طوالاً مشرفات.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَأَسْقَيْنَاكُم مَّآءً فُرَاتاً﴾.
أي: عذباً قال ابن عباس: وذلك من أربعة أنهار: سيحان وجيحان والنيل والفرات. فكل ما شربه ابن آدم (فهو) من هذه الأنهار، وهي (تخرج من) تحت صخرة عند بيت المقدس. فأما سيحان فهو نهر بلخ، وأما جيحان فهو دجلة بغداد، وأما الفرات فبالكوفة، وأما النيل (فنهر مصر).
* *
- ثم قال تعالى: ﴿ٱنطَلِقُوۤاْ إِلَىٰ مَا كُنتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾.
أي: يقال لهؤلاء المكذبين بآيات الله ونعمه: انطلقوا إلى ما كنتم تكذبون به في الدنيا من عقاب الله لأهل الكفر.
* *
- ﴿ٱنطَلِقُوۤاْ إِلَىٰ ظِلٍّ ذِي ثَلاَثِ شُعَبٍ﴾.
أي: إلى ظل دخان ذي ثلاث شعب. وذلك أنه يرفع وقودها الدخان، فإذا تصعد تفرق على ثلاث شعب، وهو "دخان جهنم".
[وهو قوله: ﴿وَظِلٍّ مِّن يَحْمُومٍ﴾ [الواقعة: ٤٣]، اليحموم: الدخان.
وقد قيل في قوله "﴿ذِي ثَلاَثِ شُعَبٍ﴾ إنه [ظل] الصليب الذي يعبده النصارى. وهو قول شاذ يوجب أن يكون المأمور بهذا، النصارى خاصة. وليست الآية إلا عامة في جميع الكفار، وليس كلهم عبد الصليب، فإنما أمروا إلى ظل دخان جهنم، دخان قد أنفرق على ثلاث شعب]. قال قتادة: هو كقوله: ﴿نَاراً أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا﴾ [الكهف: ٢٩].
* *
- ثم قال تعالى: ﴿لاَّ ظَلِيلٍ وَلاَ يُغْنِي مِنَ ٱللَّهَبِ﴾.
هذا نعت للظل أي: إلى ظل غير ظليل وغير [غانٍ] من اللهب. أي: [لا يظلهم ولا يمنعهم] من لهب جهنم، فلا يمنع عنهم ذلك الظل حرها ولا لهبها. وهذا الوصف مطابق لما روي عن النبي ﷺ: "أَنَّ الشَّمْسَ تَدْنُو مِنْ رُؤُوسِ الخَلاَئِقِ يَوْمَ القِيَامَةِ وَلَيْسَ لَهُمْ لِبَاسٌ وَلاَ لَهُمْ مَا يَسْتَتِرُونَ بِهِ مِنْهَا، فَيُنْجِي اللهُ المُؤْمِنِينَ إلى ظِلٍّ مِنْ ظِلِّهِ، وَيُقَالُ لِلْكُفَّارِ: انْطَلِقُوا إلى مَا كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ مِنْ عَذَابِ اللهِ وَعِقَابِهِ ﴿ٱنطَلِقُوۤاْ إِلَىٰ ظِلٍّ ذِي ثَلاَثِ شُعَبٍ﴾ فَيَنْطَلِقُونَ إلى دُخَانِ جَهَنَّمَ" أفهذا للكفار، لأنه روي: "أَنَّ الخَلاَئِقَ إِذَا اشْتَدَّ عليهم حرُّ الشمس وَدَنَتْ مِنْ رُؤُوسِهِمْ وأَخَذَتْ بِأَنفاسهِم وأشتد ذلك عليهم وكَثُرَ العَرَقُ، واشتد القَلَقُ، نَجَّى اللهُ المؤمنين برحمته إلى ظل من ظله، فهناك يقولون: ﴿فَمَنَّ ٱللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ ٱلسَّمُومِ﴾. ويقال للكفار المكذبين: انطلقوا إلى ما كنتم تُكَذِّبُونَ من عذاب الله وعقابه، انطلقوا إلى ظِلٍّ من دخان جهنم قد سَطَعَ وافترق ثلاثَ فِرَقٍ، فينطلقون ويكونون فيه، وهو أشد من حر الشمس الذي كانوا قد قَلِقُوا فيه. فيُقِيمُون في ظل ذلك الدخان حتى يُفْرَغَ من الحساب، كذلك أولياء الله في ظل عرش الرحمن، وحيث شاء الله حتى يفرغ من الحساب، ثم يؤمر بكل فريق إلى مُسْتَقَرِّهِ من الجنة أو من النار
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَٱلْقَصْرِ﴾.
أي: [إن]: جهنم ترمي ذلك اليوم بشرر كالقصر [المبني]. وقال ابن عباس: "كالقصر العظيم".
قال الحسن: هو واحد القصور.
وروى حجاج عن هارون ﴿كَٱلْقَصْرِ﴾ أي: كالخشب الجزل، وهو جمع قَصْرَة، كجَمْرة وجَمْر، وثَمْرَة وثَمْر.
وقرأ ابن عباس: "كَالْقَصَرِ" بفتح الصاد.
وقرأ ابن جبير والحسن: "كَالْقِصَرِ" بكسر القاف وفتح الصاد.
وعن ابن جبير: كقراءة ابن عباس، القصرة: الخشبة تكون [ثلاث] أذرع أو أكثر، فهو على قراءته جمع قصرة كخشبة وخشب.
وقال مجاهد وقتادة: القَصَر - بالفتح - هو [أصول] النخل. ومن كسر القاف جعله جمع قِصَرَة وقصر، وهي الخشبة أيضاً.
وقال المبرد: قيل: القَصْرُ: الجزل من الحطب الغليظ، واحدته قَصْرَةٌ، كَجَمْرَة وجمر.
والقَصْرُ في هذا الموضع إذا جعلته أحد القُصُورِ فهو واحد يدل [على الجمع]، ولذلك جعل نعتاً لـِ "شَرَرٍ" وهي جماعة.
فإن جعلته جمع قَصْرَةٍ جئت به في النعت بالجمع كالمنعوت، وقد [قال]: ﴿سَيُهْزَمُ ٱلْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ ٱلدُّبُرَ﴾ [القمر: ٤٥]، فَوَحَّدَ (و) لم يقل: "الأدبار"؟ لأن الدبر بمعنى الجمع، وفعل ذلك توفيقاً بين رؤوس [الآي] ومقاطع الكلام، إذ كان ذلك شأن العرب، والقرآنُ بلسانها نزل فَجَرَتْ [ألفاظه] على عادتها في لغتها وكلامها [وسجعها]، وقد قال تعالى: ﴿تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَٱلَّذِي يُغْشَىٰ عَلَيْهِ مِنَ ٱلْمَوْتِ﴾ [الأحزاب: ١٩]، ولم يقل: "كعيون الذين". وهو المعني لأن المراد في التشبيه الفعل لا العين.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿كَأَنَّهُ جِمَٰلَتٌ صُفْرٌ﴾.
أي: كأن ذلك الشرر الذي هو كالقصر: نُوقٌ سُودٌ. فالصفرة هنا بمعنى السواد، وإنما وقعت الصفرة في موضع السواد لأن ألوان الإبل السود تضرب إلى الصفرة، كما سميت [الظباء] "أُدْماً" لِمَا يَعْلُوهَا في بياضها من الظلمة.
قال الحسن: ﴿جِمَٰلَتٌ صُفْرٌ﴾ [أَيْنُقٌ] سود، وهو قول قتادة ومجاهد.
وقال ابن عباس: عنى بذلك قلوس السفن، يعني حبال السفن.
شبهت الشرر بحبال السفينة. والقَلْسُ. الحبلُ.
وعن ابن عباس أيضاً: ﴿جِمَٰلَتٌ صُفْرٌ﴾: "قِطَعُ النّحَاسِ" وهو جمع جِمَالَةٍ [وجِمَالَةٌ]: جمع جمل.
(ومن قرأ (جِمَالَةٌ) جعله جمع جَمَل).
وقد قرأ (أبو) أيوب: "جُمَالاَت" - بضم الجيم - كأنه جمع جَمَلاً (على جُمَالٍ) كما يجمع رَخِلٌ على رُخَالٍ. ثم جمع "جُمَالاً" على جُمَالاَت، لأن باب "فَعَل" و "فُعَل" واحد.
ويجوز (أن) يكون من الشيء المجمل.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾.
وقد تقدم ذكره.
المرسلات 77:15
قوله تعالى: ﴿وَٱلْمُرْسَلاَتِ عُرْفاً﴾، إلى قوله: ﴿كَأَنَّهُ جِمَٰلَتٌ صُفْرٌ * وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾.
قال ابن عباس وابن مسعود ومجاهد وأبو صالح وقتادة: ﴿(وَ)ٱلْمُرْسَلاَتِ﴾: الرياح، ﴿عُرْفاً﴾: يتبع بعضها بعضاً.
وقال مسروق: ﴿وَٱلْمُرْسَلاَتِ﴾: "الملائكة" ﴿عُرْفاً﴾ أي: ترسل بالعرف.
عن أبي صالح أيضاً أنها "الرسل، ترسل بالمعروف". وقيل: ﴿عُرْفاً﴾ أي: متتابعة كتتابع عرف الفرس.
والتقدير على قول مسروق: ورب الملائكة التي أرسلت إلى الأنبياء بأمر الله ونهيه (وذلك هو المعروف.
وعلى قول أبي صالح: ورب الرسل التي أرسلت إلى الناس بأمر الله ونهيه).
ومن قال ﴿عُرْفاً﴾ متتابعة (فتقديره: ورب الملائكة التي أرسلت إلى الأنبياء متتابعة) ورب الرسل الذين أرسلوا إلى الخلق متتابعين. وكذلك التقدير على قول ابن عباس ومن تبعه: هي الرياح.
ويدل (على أنها ليست) الرياح أن يسعدها ذكر الرياح [بلا اختلاف] في قوله: ﴿فَٱلْعَاصِفَاتِ عَصْفاً﴾.
- (ثم قال تعالى: ﴿فَٱلْعَاصِفَاتِ عَصْفاً﴾).
أي: (ورب الرياح العاصفات) أي: الشديدات الهبوب السريعات المر. وهذا قول علي بن أبي طالب وابن مسعود وابن عباس، وغيرهم.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وٱلنَّاشِرَاتِ نَشْراً﴾.
قال ابن مسعود ومجاهد [وقتادة]: هي الرياح لأنها تنشر السحاب.
وقال أبو صالح: هي "المطر"، لأنه ينشر الأرض، أي: [يحييها].
وروى (السدي) عن أبي صالح أنها الملائكة، (قال): [تنشر] [الكتب]. - ثم قال تعالى: ﴿فَٱلْفَارِقَاتِ فَرْقاً﴾.
قال ابن عباس وأبو صالح وسفيان: هي الملائكة، تفرق بالوحي بين الحق والباطل. وقال قتادة: هو القرآن، فرق الله به بين الحق والباطل، كأنه قال: والآيات الفارقات فرقاً.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿فَٱلْمُلْقِيَٰتِ ذِكْراً * عُذْراً﴾.
كلهم قال: هي الملائكة التي تلقي وحي الله إلى رسله، والذكر: القرآن.
* *
ثم قال تعالى: ﴿عُذْراً أَوْ نُذْراً﴾.
أي: تلقي الوحي إلى الرسل إعذاراً من الله لخلقه [وإنذاراً] منه لهم. قاله قتادة وغيره.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَوَٰقِعٌ﴾.
يعني أن البعث والجزاء وجميع ما أخبر الله، كائن واقع [وحادث] لا محالة. و ﴿إِنَّمَا﴾ هو جواب القسم المتقدم.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿فَإِذَا ٱلنُّجُومُ طُمِسَتْ﴾.
أي: ذهب ضوءها فلم يكن لها نور.
﴿وَإِذَا ٱلسَّمَآءُ فُرِجَتْ﴾. أي: شققت وصدعت.
﴿وَإِذَا ٱلْجِبَالُ نُسِفَتْ﴾. أي: نسفت من أصلها.
﴿فَكَانَتْ هَبَآءً مُّنبَثّاً﴾ [الواقعة: ٦]. أي: غباراً متفرقاً.
* *
﴿وَإِذَا ٱلرُّسُلُ أُقِّتَتْ﴾.
أي: أجلت الاجتماع لوقتها يوم القيامة.
قال ابن عباس: ﴿أُقِّتَتْ﴾ "جمعت". وقال مجاهد ﴿أُقِّتَتْ﴾ "أجلت".
وهو من الوقت، فمعناه: [حان] وقتها الذي وعدته به، وذلك يوم القيامة.
وقرأ عيسى بن [عمر] "أُقِتَتْ" بالتخفيف والهمز، وقرأ الحسن. "وُقِتَتْ" بالواو والتخفيف.
وكله من الوقت، والواو هي الأصل، والهمزة بدل منها.
والتخفيف والتشديد لغتان، إلا أن في التشديد معنى التكرير والمبالغة.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿لأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ﴾.
أي: ما أعظمه وأكثر هوله. ففي الكلام معنى التعظيم لليوم والتعجب منه. ومعنى التعجب في هذا أنه تعالى ذكره يعجب العباد من هوله [وفظاعته]، ثم بينه فقال:
* *
- ﴿لِيَوْمِ ٱلْفَصْلِ﴾.
أي: أجلت الرسل ليوم يفصل الله (فيه) بين خلقه، فيأخذ للمظلوم من الظالم ويجزي المحسن بإحسانه والمسيء بإساته.
* *
- ثم قال: ﴿وَمَآ أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ ٱلْفَصْلِ﴾.
أي: وأي شيء أدراك يا محمد ما يوم الفصل؟! فمعناه التعظيم لذلك اليوم لشدته وهوله.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾.
أي: [الوادي] الذي [يسيل] في جهنم من صديد أهلها للمكذبين بذلك اليوم.
وقيل: معناه قبوح لهم ذلك اليوم.
فقوله: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ﴾ هو جواب (إذا) في ما تقدم من الكلام.
- قوله تعالى: ﴿أَلَمْ نُهْلِكِ ٱلأَوَّلِينَ﴾.
يعني قوم نوح وعاد وثمود وشبههم.
* *
- ﴿ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ ٱلآخِرِينَ﴾.
يعني: قوم إبراهيم وأصحاب مدين وقوم فرعون، فيكون ﴿نُتْبِعُهُمُ﴾ على هذا مجزوماً. والتقدير: "وَأَلَمْ نُتْبِعْهُمُ الآخِرِينَ". وبه قرأ الأعرج.
* *
- وقوله: ﴿كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِٱلْمُجْرِمِينَ﴾.
يعني كفار قريش ومن سلك طريقهم من العرب وغيرها.
ورد الجزم أبو حاتم لأنه تأول أن ﴿نُتْبِعُهُمُ﴾ يراد به قريش ومن سلك في التكذيب طريقهم. فلا سبيل إلى الجزم على هذا المعنى لأنه منتظر في المعنى.
ولم لا تدخل على فعل معناه الاستقبال، بل ترده إلى الماضي أبداً.
(وقيل): إن ﴿نُتْبِعُهُمُ﴾ عطف على المعنى، لأن معنى ﴿أَلَمْ نُهْلِكِ﴾: قد أهلكنا.
* *
ثم قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِٱلْمُجْرِمِينَ﴾.
أي: كذلك نهلك من أجرم فاكتسب مخالفة الله ورسوله.
[ثم قال: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾.
وقد تقدم ذكره، وكذلك معنى كل ما في السورة وغيرها منه].
* *
- ثم قال: ﴿أَلَمْ نَخْلُقكُّم مِّن مَّآءٍ [مَّهِينٍ]﴾.
أي: من نطفة ضعيفة. قال ابن عباس: "المهين: الضعيف".
* *
- ثم قال: ﴿فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ﴾.
أي: في رحم استقر فيه فتمكن.
* *
﴿إِلَىٰ قَدَرٍ مَّعْلُومٍ﴾.
أي: إلى وقت خروجه من الرحم.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ ٱلْقَادِرُونَ﴾.
قال الضحاك: معناه "فملكنا فنعم المالكون". وهذا التقدير على قراءة من خفف.
وعلة من شدد أنه أراد به التكرير، لأنه تعالى قدر الإنسان نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم، [ثم]...، [فدل] التشديد على تكرير [الأحوال].
ومن خفف أجراه على لفظ "القادرين" إذ فعله: "قدر مخففاً، فالتخفيف بمعنى الملك والقدرة على ذلك.
والتشديد بمعنى التقدير. فمن شدد ﴿فَقَدَرْنَا﴾ جمع بين معنيين: التقدير [بقدرنا]، والملك "بالقادرين".
ومن خفف جعله كله بمعنى الملك والقدرة.
وقد يستعمل التشديد، وهو بمعنى القدرة أيضاً يقال: قَدَرَ الله كذا وقدَّره، لغتان. فيكون من شدد ﴿فَقَدَرْنَا﴾ جمع بين اللغتين، بقوله: ﴿ٱلْقَادِرُونَ﴾، كما قال: ﴿فَمَهِّلِ ٱلْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً﴾ [الطارق: ١٧]، وقد قال تعالى: ﴿نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ ٱلْمَوْتَ﴾ [الواقعة: ٦٠] مشدداً.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ ٱلأَرْضَ كِفَاتاً * (أَحْيَآءً)﴾
أي: ألم نجعل أيها الناس الأرض لكم وعاءً، أنتم على ظهرها في مساكنكم مجتمعون أحياءً وفي بطنها أمواتاً؟!
[يذكرهم] (الله) بنعمه عليهم.
يقال: كَفَتُّ الشيء إذا جَمَعْتَهُ وأَحْرَزْتَهُ.
روي عن ابن مسعود أنه "وجد قملة في ثوبه فدفنها في المسجد، ثم قال: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ ٱلأَرْضَ كِفَاتاً * أَحْيَآءً وَأَمْوٰتاً﴾.
وقال مجاهد - في الرجل يرى القملة في ثوبه وهو في المسجد - قال: "إن شئت فألقها، وإن شئت [فوارها]. ثم قرأ: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ ٱلأَرْضَ كِفَاتاً...﴾ الآية.
قال الشعبي: ﴿كِفَاتاً﴾: "بطنها لأمواتكم، وظهرها لأحيائكم".
وقال مجاهد: ﴿كِفَاتاً﴾: تكفت أذاهم وما يخرج منهم أحياءً وأمواتاً، أي: تضم ذلك.
ونصب ﴿أَحْيَآءً وَأَمْوٰتاً﴾ "بكفات"، أي: تضم أحياءً وأمواتاً. وقيل: التقدير: كفات أحياء وأموات، أي: ضمهم، [فلما] نون نصب ما بعده، كما تقول: رأيت ضرب زيد. فإن نونت "ضرباً"، نصبت "زيداً" أو رفعته.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ شَامِخَاتٍ﴾.
أي: جبالاً شاهقات، أي" طوالاً مشرفات.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَأَسْقَيْنَاكُم مَّآءً فُرَاتاً﴾.
أي: عذباً قال ابن عباس: وذلك من أربعة أنهار: سيحان وجيحان والنيل والفرات. فكل ما شربه ابن آدم (فهو) من هذه الأنهار، وهي (تخرج من) تحت صخرة عند بيت المقدس. فأما سيحان فهو نهر بلخ، وأما جيحان فهو دجلة بغداد، وأما الفرات فبالكوفة، وأما النيل (فنهر مصر).
* *
- ثم قال تعالى: ﴿ٱنطَلِقُوۤاْ إِلَىٰ مَا كُنتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾.
أي: يقال لهؤلاء المكذبين بآيات الله ونعمه: انطلقوا إلى ما كنتم تكذبون به في الدنيا من عقاب الله لأهل الكفر.
* *
- ﴿ٱنطَلِقُوۤاْ إِلَىٰ ظِلٍّ ذِي ثَلاَثِ شُعَبٍ﴾.
أي: إلى ظل دخان ذي ثلاث شعب. وذلك أنه يرفع وقودها الدخان، فإذا تصعد تفرق على ثلاث شعب، وهو "دخان جهنم".
[وهو قوله: ﴿وَظِلٍّ مِّن يَحْمُومٍ﴾ [الواقعة: ٤٣]، اليحموم: الدخان.
وقد قيل في قوله "﴿ذِي ثَلاَثِ شُعَبٍ﴾ إنه [ظل] الصليب الذي يعبده النصارى. وهو قول شاذ يوجب أن يكون المأمور بهذا، النصارى خاصة. وليست الآية إلا عامة في جميع الكفار، وليس كلهم عبد الصليب، فإنما أمروا إلى ظل دخان جهنم، دخان قد أنفرق على ثلاث شعب]. قال قتادة: هو كقوله: ﴿نَاراً أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا﴾ [الكهف: ٢٩].
* *
- ثم قال تعالى: ﴿لاَّ ظَلِيلٍ وَلاَ يُغْنِي مِنَ ٱللَّهَبِ﴾.
هذا نعت للظل أي: إلى ظل غير ظليل وغير [غانٍ] من اللهب. أي: [لا يظلهم ولا يمنعهم] من لهب جهنم، فلا يمنع عنهم ذلك الظل حرها ولا لهبها. وهذا الوصف مطابق لما روي عن النبي ﷺ: "أَنَّ الشَّمْسَ تَدْنُو مِنْ رُؤُوسِ الخَلاَئِقِ يَوْمَ القِيَامَةِ وَلَيْسَ لَهُمْ لِبَاسٌ وَلاَ لَهُمْ مَا يَسْتَتِرُونَ بِهِ مِنْهَا، فَيُنْجِي اللهُ المُؤْمِنِينَ إلى ظِلٍّ مِنْ ظِلِّهِ، وَيُقَالُ لِلْكُفَّارِ: انْطَلِقُوا إلى مَا كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ مِنْ عَذَابِ اللهِ وَعِقَابِهِ ﴿ٱنطَلِقُوۤاْ إِلَىٰ ظِلٍّ ذِي ثَلاَثِ شُعَبٍ﴾ فَيَنْطَلِقُونَ إلى دُخَانِ جَهَنَّمَ" أفهذا للكفار، لأنه روي: "أَنَّ الخَلاَئِقَ إِذَا اشْتَدَّ عليهم حرُّ الشمس وَدَنَتْ مِنْ رُؤُوسِهِمْ وأَخَذَتْ بِأَنفاسهِم وأشتد ذلك عليهم وكَثُرَ العَرَقُ، واشتد القَلَقُ، نَجَّى اللهُ المؤمنين برحمته إلى ظل من ظله، فهناك يقولون: ﴿فَمَنَّ ٱللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ ٱلسَّمُومِ﴾. ويقال للكفار المكذبين: انطلقوا إلى ما كنتم تُكَذِّبُونَ من عذاب الله وعقابه، انطلقوا إلى ظِلٍّ من دخان جهنم قد سَطَعَ وافترق ثلاثَ فِرَقٍ، فينطلقون ويكونون فيه، وهو أشد من حر الشمس الذي كانوا قد قَلِقُوا فيه. فيُقِيمُون في ظل ذلك الدخان حتى يُفْرَغَ من الحساب، كذلك أولياء الله في ظل عرش الرحمن، وحيث شاء الله حتى يفرغ من الحساب، ثم يؤمر بكل فريق إلى مُسْتَقَرِّهِ من الجنة أو من النار
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَٱلْقَصْرِ﴾.
أي: [إن]: جهنم ترمي ذلك اليوم بشرر كالقصر [المبني]. وقال ابن عباس: "كالقصر العظيم".
قال الحسن: هو واحد القصور.
وروى حجاج عن هارون ﴿كَٱلْقَصْرِ﴾ أي: كالخشب الجزل، وهو جمع قَصْرَة، كجَمْرة وجَمْر، وثَمْرَة وثَمْر.
وقرأ ابن عباس: "كَالْقَصَرِ" بفتح الصاد.
وقرأ ابن جبير والحسن: "كَالْقِصَرِ" بكسر القاف وفتح الصاد.
وعن ابن جبير: كقراءة ابن عباس، القصرة: الخشبة تكون [ثلاث] أذرع أو أكثر، فهو على قراءته جمع قصرة كخشبة وخشب.
وقال مجاهد وقتادة: القَصَر - بالفتح - هو [أصول] النخل. ومن كسر القاف جعله جمع قِصَرَة وقصر، وهي الخشبة أيضاً.
وقال المبرد: قيل: القَصْرُ: الجزل من الحطب الغليظ، واحدته قَصْرَةٌ، كَجَمْرَة وجمر.
والقَصْرُ في هذا الموضع إذا جعلته أحد القُصُورِ فهو واحد يدل [على الجمع]، ولذلك جعل نعتاً لـِ "شَرَرٍ" وهي جماعة.
فإن جعلته جمع قَصْرَةٍ جئت به في النعت بالجمع كالمنعوت، وقد [قال]: ﴿سَيُهْزَمُ ٱلْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ ٱلدُّبُرَ﴾ [القمر: ٤٥]، فَوَحَّدَ (و) لم يقل: "الأدبار"؟ لأن الدبر بمعنى الجمع، وفعل ذلك توفيقاً بين رؤوس [الآي] ومقاطع الكلام، إذ كان ذلك شأن العرب، والقرآنُ بلسانها نزل فَجَرَتْ [ألفاظه] على عادتها في لغتها وكلامها [وسجعها]، وقد قال تعالى: ﴿تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَٱلَّذِي يُغْشَىٰ عَلَيْهِ مِنَ ٱلْمَوْتِ﴾ [الأحزاب: ١٩]، ولم يقل: "كعيون الذين". وهو المعني لأن المراد في التشبيه الفعل لا العين.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿كَأَنَّهُ جِمَٰلَتٌ صُفْرٌ﴾.
أي: كأن ذلك الشرر الذي هو كالقصر: نُوقٌ سُودٌ. فالصفرة هنا بمعنى السواد، وإنما وقعت الصفرة في موضع السواد لأن ألوان الإبل السود تضرب إلى الصفرة، كما سميت [الظباء] "أُدْماً" لِمَا يَعْلُوهَا في بياضها من الظلمة.
قال الحسن: ﴿جِمَٰلَتٌ صُفْرٌ﴾ [أَيْنُقٌ] سود، وهو قول قتادة ومجاهد.
وقال ابن عباس: عنى بذلك قلوس السفن، يعني حبال السفن.
شبهت الشرر بحبال السفينة. والقَلْسُ. الحبلُ.
وعن ابن عباس أيضاً: ﴿جِمَٰلَتٌ صُفْرٌ﴾: "قِطَعُ النّحَاسِ" وهو جمع جِمَالَةٍ [وجِمَالَةٌ]: جمع جمل.
(ومن قرأ (جِمَالَةٌ) جعله جمع جَمَل).
وقد قرأ (أبو) أيوب: "جُمَالاَت" - بضم الجيم - كأنه جمع جَمَلاً (على جُمَالٍ) كما يجمع رَخِلٌ على رُخَالٍ. ثم جمع "جُمَالاً" على جُمَالاَت، لأن باب "فَعَل" و "فُعَل" واحد.
ويجوز (أن) يكون من الشيء المجمل.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾.
وقد تقدم ذكره.
المرسلات 77:16
قوله تعالى: ﴿وَٱلْمُرْسَلاَتِ عُرْفاً﴾، إلى قوله: ﴿كَأَنَّهُ جِمَٰلَتٌ صُفْرٌ * وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾.
قال ابن عباس وابن مسعود ومجاهد وأبو صالح وقتادة: ﴿(وَ)ٱلْمُرْسَلاَتِ﴾: الرياح، ﴿عُرْفاً﴾: يتبع بعضها بعضاً.
وقال مسروق: ﴿وَٱلْمُرْسَلاَتِ﴾: "الملائكة" ﴿عُرْفاً﴾ أي: ترسل بالعرف.
عن أبي صالح أيضاً أنها "الرسل، ترسل بالمعروف". وقيل: ﴿عُرْفاً﴾ أي: متتابعة كتتابع عرف الفرس.
والتقدير على قول مسروق: ورب الملائكة التي أرسلت إلى الأنبياء بأمر الله ونهيه (وذلك هو المعروف.
وعلى قول أبي صالح: ورب الرسل التي أرسلت إلى الناس بأمر الله ونهيه).
ومن قال ﴿عُرْفاً﴾ متتابعة (فتقديره: ورب الملائكة التي أرسلت إلى الأنبياء متتابعة) ورب الرسل الذين أرسلوا إلى الخلق متتابعين. وكذلك التقدير على قول ابن عباس ومن تبعه: هي الرياح.
ويدل (على أنها ليست) الرياح أن يسعدها ذكر الرياح [بلا اختلاف] في قوله: ﴿فَٱلْعَاصِفَاتِ عَصْفاً﴾.
- (ثم قال تعالى: ﴿فَٱلْعَاصِفَاتِ عَصْفاً﴾).
أي: (ورب الرياح العاصفات) أي: الشديدات الهبوب السريعات المر. وهذا قول علي بن أبي طالب وابن مسعود وابن عباس، وغيرهم.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وٱلنَّاشِرَاتِ نَشْراً﴾.
قال ابن مسعود ومجاهد [وقتادة]: هي الرياح لأنها تنشر السحاب.
وقال أبو صالح: هي "المطر"، لأنه ينشر الأرض، أي: [يحييها].
وروى (السدي) عن أبي صالح أنها الملائكة، (قال): [تنشر] [الكتب]. - ثم قال تعالى: ﴿فَٱلْفَارِقَاتِ فَرْقاً﴾.
قال ابن عباس وأبو صالح وسفيان: هي الملائكة، تفرق بالوحي بين الحق والباطل. وقال قتادة: هو القرآن، فرق الله به بين الحق والباطل، كأنه قال: والآيات الفارقات فرقاً.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿فَٱلْمُلْقِيَٰتِ ذِكْراً * عُذْراً﴾.
كلهم قال: هي الملائكة التي تلقي وحي الله إلى رسله، والذكر: القرآن.
* *
ثم قال تعالى: ﴿عُذْراً أَوْ نُذْراً﴾.
أي: تلقي الوحي إلى الرسل إعذاراً من الله لخلقه [وإنذاراً] منه لهم. قاله قتادة وغيره.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَوَٰقِعٌ﴾.
يعني أن البعث والجزاء وجميع ما أخبر الله، كائن واقع [وحادث] لا محالة. و ﴿إِنَّمَا﴾ هو جواب القسم المتقدم.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿فَإِذَا ٱلنُّجُومُ طُمِسَتْ﴾.
أي: ذهب ضوءها فلم يكن لها نور.
﴿وَإِذَا ٱلسَّمَآءُ فُرِجَتْ﴾. أي: شققت وصدعت.
﴿وَإِذَا ٱلْجِبَالُ نُسِفَتْ﴾. أي: نسفت من أصلها.
﴿فَكَانَتْ هَبَآءً مُّنبَثّاً﴾ [الواقعة: ٦]. أي: غباراً متفرقاً.
* *
﴿وَإِذَا ٱلرُّسُلُ أُقِّتَتْ﴾.
أي: أجلت الاجتماع لوقتها يوم القيامة.
قال ابن عباس: ﴿أُقِّتَتْ﴾ "جمعت". وقال مجاهد ﴿أُقِّتَتْ﴾ "أجلت".
وهو من الوقت، فمعناه: [حان] وقتها الذي وعدته به، وذلك يوم القيامة.
وقرأ عيسى بن [عمر] "أُقِتَتْ" بالتخفيف والهمز، وقرأ الحسن. "وُقِتَتْ" بالواو والتخفيف.
وكله من الوقت، والواو هي الأصل، والهمزة بدل منها.
والتخفيف والتشديد لغتان، إلا أن في التشديد معنى التكرير والمبالغة.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿لأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ﴾.
أي: ما أعظمه وأكثر هوله. ففي الكلام معنى التعظيم لليوم والتعجب منه. ومعنى التعجب في هذا أنه تعالى ذكره يعجب العباد من هوله [وفظاعته]، ثم بينه فقال:
* *
- ﴿لِيَوْمِ ٱلْفَصْلِ﴾.
أي: أجلت الرسل ليوم يفصل الله (فيه) بين خلقه، فيأخذ للمظلوم من الظالم ويجزي المحسن بإحسانه والمسيء بإساته.
* *
- ثم قال: ﴿وَمَآ أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ ٱلْفَصْلِ﴾.
أي: وأي شيء أدراك يا محمد ما يوم الفصل؟! فمعناه التعظيم لذلك اليوم لشدته وهوله.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾.
أي: [الوادي] الذي [يسيل] في جهنم من صديد أهلها للمكذبين بذلك اليوم.
وقيل: معناه قبوح لهم ذلك اليوم.
فقوله: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ﴾ هو جواب (إذا) في ما تقدم من الكلام.
- قوله تعالى: ﴿أَلَمْ نُهْلِكِ ٱلأَوَّلِينَ﴾.
يعني قوم نوح وعاد وثمود وشبههم.
* *
- ﴿ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ ٱلآخِرِينَ﴾.
يعني: قوم إبراهيم وأصحاب مدين وقوم فرعون، فيكون ﴿نُتْبِعُهُمُ﴾ على هذا مجزوماً. والتقدير: "وَأَلَمْ نُتْبِعْهُمُ الآخِرِينَ". وبه قرأ الأعرج.
* *
- وقوله: ﴿كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِٱلْمُجْرِمِينَ﴾.
يعني كفار قريش ومن سلك طريقهم من العرب وغيرها.
ورد الجزم أبو حاتم لأنه تأول أن ﴿نُتْبِعُهُمُ﴾ يراد به قريش ومن سلك في التكذيب طريقهم. فلا سبيل إلى الجزم على هذا المعنى لأنه منتظر في المعنى.
ولم لا تدخل على فعل معناه الاستقبال، بل ترده إلى الماضي أبداً.
(وقيل): إن ﴿نُتْبِعُهُمُ﴾ عطف على المعنى، لأن معنى ﴿أَلَمْ نُهْلِكِ﴾: قد أهلكنا.
* *
ثم قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِٱلْمُجْرِمِينَ﴾.
أي: كذلك نهلك من أجرم فاكتسب مخالفة الله ورسوله.
[ثم قال: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾.
وقد تقدم ذكره، وكذلك معنى كل ما في السورة وغيرها منه].
* *
- ثم قال: ﴿أَلَمْ نَخْلُقكُّم مِّن مَّآءٍ [مَّهِينٍ]﴾.
أي: من نطفة ضعيفة. قال ابن عباس: "المهين: الضعيف".
* *
- ثم قال: ﴿فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ﴾.
أي: في رحم استقر فيه فتمكن.
* *
﴿إِلَىٰ قَدَرٍ مَّعْلُومٍ﴾.
أي: إلى وقت خروجه من الرحم.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ ٱلْقَادِرُونَ﴾.
قال الضحاك: معناه "فملكنا فنعم المالكون". وهذا التقدير على قراءة من خفف.
وعلة من شدد أنه أراد به التكرير، لأنه تعالى قدر الإنسان نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم، [ثم]...، [فدل] التشديد على تكرير [الأحوال].
ومن خفف أجراه على لفظ "القادرين" إذ فعله: "قدر مخففاً، فالتخفيف بمعنى الملك والقدرة على ذلك.
والتشديد بمعنى التقدير. فمن شدد ﴿فَقَدَرْنَا﴾ جمع بين معنيين: التقدير [بقدرنا]، والملك "بالقادرين".
ومن خفف جعله كله بمعنى الملك والقدرة.
وقد يستعمل التشديد، وهو بمعنى القدرة أيضاً يقال: قَدَرَ الله كذا وقدَّره، لغتان. فيكون من شدد ﴿فَقَدَرْنَا﴾ جمع بين اللغتين، بقوله: ﴿ٱلْقَادِرُونَ﴾، كما قال: ﴿فَمَهِّلِ ٱلْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً﴾ [الطارق: ١٧]، وقد قال تعالى: ﴿نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ ٱلْمَوْتَ﴾ [الواقعة: ٦٠] مشدداً.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ ٱلأَرْضَ كِفَاتاً * (أَحْيَآءً)﴾
أي: ألم نجعل أيها الناس الأرض لكم وعاءً، أنتم على ظهرها في مساكنكم مجتمعون أحياءً وفي بطنها أمواتاً؟!
[يذكرهم] (الله) بنعمه عليهم.
يقال: كَفَتُّ الشيء إذا جَمَعْتَهُ وأَحْرَزْتَهُ.
روي عن ابن مسعود أنه "وجد قملة في ثوبه فدفنها في المسجد، ثم قال: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ ٱلأَرْضَ كِفَاتاً * أَحْيَآءً وَأَمْوٰتاً﴾.
وقال مجاهد - في الرجل يرى القملة في ثوبه وهو في المسجد - قال: "إن شئت فألقها، وإن شئت [فوارها]. ثم قرأ: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ ٱلأَرْضَ كِفَاتاً...﴾ الآية.
قال الشعبي: ﴿كِفَاتاً﴾: "بطنها لأمواتكم، وظهرها لأحيائكم".
وقال مجاهد: ﴿كِفَاتاً﴾: تكفت أذاهم وما يخرج منهم أحياءً وأمواتاً، أي: تضم ذلك.
ونصب ﴿أَحْيَآءً وَأَمْوٰتاً﴾ "بكفات"، أي: تضم أحياءً وأمواتاً. وقيل: التقدير: كفات أحياء وأموات، أي: ضمهم، [فلما] نون نصب ما بعده، كما تقول: رأيت ضرب زيد. فإن نونت "ضرباً"، نصبت "زيداً" أو رفعته.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ شَامِخَاتٍ﴾.
أي: جبالاً شاهقات، أي" طوالاً مشرفات.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَأَسْقَيْنَاكُم مَّآءً فُرَاتاً﴾.
أي: عذباً قال ابن عباس: وذلك من أربعة أنهار: سيحان وجيحان والنيل والفرات. فكل ما شربه ابن آدم (فهو) من هذه الأنهار، وهي (تخرج من) تحت صخرة عند بيت المقدس. فأما سيحان فهو نهر بلخ، وأما جيحان فهو دجلة بغداد، وأما الفرات فبالكوفة، وأما النيل (فنهر مصر).
* *
- ثم قال تعالى: ﴿ٱنطَلِقُوۤاْ إِلَىٰ مَا كُنتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾.
أي: يقال لهؤلاء المكذبين بآيات الله ونعمه: انطلقوا إلى ما كنتم تكذبون به في الدنيا من عقاب الله لأهل الكفر.
* *
- ﴿ٱنطَلِقُوۤاْ إِلَىٰ ظِلٍّ ذِي ثَلاَثِ شُعَبٍ﴾.
أي: إلى ظل دخان ذي ثلاث شعب. وذلك أنه يرفع وقودها الدخان، فإذا تصعد تفرق على ثلاث شعب، وهو "دخان جهنم".
[وهو قوله: ﴿وَظِلٍّ مِّن يَحْمُومٍ﴾ [الواقعة: ٤٣]، اليحموم: الدخان.
وقد قيل في قوله "﴿ذِي ثَلاَثِ شُعَبٍ﴾ إنه [ظل] الصليب الذي يعبده النصارى. وهو قول شاذ يوجب أن يكون المأمور بهذا، النصارى خاصة. وليست الآية إلا عامة في جميع الكفار، وليس كلهم عبد الصليب، فإنما أمروا إلى ظل دخان جهنم، دخان قد أنفرق على ثلاث شعب]. قال قتادة: هو كقوله: ﴿نَاراً أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا﴾ [الكهف: ٢٩].
* *
- ثم قال تعالى: ﴿لاَّ ظَلِيلٍ وَلاَ يُغْنِي مِنَ ٱللَّهَبِ﴾.
هذا نعت للظل أي: إلى ظل غير ظليل وغير [غانٍ] من اللهب. أي: [لا يظلهم ولا يمنعهم] من لهب جهنم، فلا يمنع عنهم ذلك الظل حرها ولا لهبها. وهذا الوصف مطابق لما روي عن النبي ﷺ: "أَنَّ الشَّمْسَ تَدْنُو مِنْ رُؤُوسِ الخَلاَئِقِ يَوْمَ القِيَامَةِ وَلَيْسَ لَهُمْ لِبَاسٌ وَلاَ لَهُمْ مَا يَسْتَتِرُونَ بِهِ مِنْهَا، فَيُنْجِي اللهُ المُؤْمِنِينَ إلى ظِلٍّ مِنْ ظِلِّهِ، وَيُقَالُ لِلْكُفَّارِ: انْطَلِقُوا إلى مَا كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ مِنْ عَذَابِ اللهِ وَعِقَابِهِ ﴿ٱنطَلِقُوۤاْ إِلَىٰ ظِلٍّ ذِي ثَلاَثِ شُعَبٍ﴾ فَيَنْطَلِقُونَ إلى دُخَانِ جَهَنَّمَ" أفهذا للكفار، لأنه روي: "أَنَّ الخَلاَئِقَ إِذَا اشْتَدَّ عليهم حرُّ الشمس وَدَنَتْ مِنْ رُؤُوسِهِمْ وأَخَذَتْ بِأَنفاسهِم وأشتد ذلك عليهم وكَثُرَ العَرَقُ، واشتد القَلَقُ، نَجَّى اللهُ المؤمنين برحمته إلى ظل من ظله، فهناك يقولون: ﴿فَمَنَّ ٱللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ ٱلسَّمُومِ﴾. ويقال للكفار المكذبين: انطلقوا إلى ما كنتم تُكَذِّبُونَ من عذاب الله وعقابه، انطلقوا إلى ظِلٍّ من دخان جهنم قد سَطَعَ وافترق ثلاثَ فِرَقٍ، فينطلقون ويكونون فيه، وهو أشد من حر الشمس الذي كانوا قد قَلِقُوا فيه. فيُقِيمُون في ظل ذلك الدخان حتى يُفْرَغَ من الحساب، كذلك أولياء الله في ظل عرش الرحمن، وحيث شاء الله حتى يفرغ من الحساب، ثم يؤمر بكل فريق إلى مُسْتَقَرِّهِ من الجنة أو من النار
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَٱلْقَصْرِ﴾.
أي: [إن]: جهنم ترمي ذلك اليوم بشرر كالقصر [المبني]. وقال ابن عباس: "كالقصر العظيم".
قال الحسن: هو واحد القصور.
وروى حجاج عن هارون ﴿كَٱلْقَصْرِ﴾ أي: كالخشب الجزل، وهو جمع قَصْرَة، كجَمْرة وجَمْر، وثَمْرَة وثَمْر.
وقرأ ابن عباس: "كَالْقَصَرِ" بفتح الصاد.
وقرأ ابن جبير والحسن: "كَالْقِصَرِ" بكسر القاف وفتح الصاد.
وعن ابن جبير: كقراءة ابن عباس، القصرة: الخشبة تكون [ثلاث] أذرع أو أكثر، فهو على قراءته جمع قصرة كخشبة وخشب.
وقال مجاهد وقتادة: القَصَر - بالفتح - هو [أصول] النخل. ومن كسر القاف جعله جمع قِصَرَة وقصر، وهي الخشبة أيضاً.
وقال المبرد: قيل: القَصْرُ: الجزل من الحطب الغليظ، واحدته قَصْرَةٌ، كَجَمْرَة وجمر.
والقَصْرُ في هذا الموضع إذا جعلته أحد القُصُورِ فهو واحد يدل [على الجمع]، ولذلك جعل نعتاً لـِ "شَرَرٍ" وهي جماعة.
فإن جعلته جمع قَصْرَةٍ جئت به في النعت بالجمع كالمنعوت، وقد [قال]: ﴿سَيُهْزَمُ ٱلْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ ٱلدُّبُرَ﴾ [القمر: ٤٥]، فَوَحَّدَ (و) لم يقل: "الأدبار"؟ لأن الدبر بمعنى الجمع، وفعل ذلك توفيقاً بين رؤوس [الآي] ومقاطع الكلام، إذ كان ذلك شأن العرب، والقرآنُ بلسانها نزل فَجَرَتْ [ألفاظه] على عادتها في لغتها وكلامها [وسجعها]، وقد قال تعالى: ﴿تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَٱلَّذِي يُغْشَىٰ عَلَيْهِ مِنَ ٱلْمَوْتِ﴾ [الأحزاب: ١٩]، ولم يقل: "كعيون الذين". وهو المعني لأن المراد في التشبيه الفعل لا العين.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿كَأَنَّهُ جِمَٰلَتٌ صُفْرٌ﴾.
أي: كأن ذلك الشرر الذي هو كالقصر: نُوقٌ سُودٌ. فالصفرة هنا بمعنى السواد، وإنما وقعت الصفرة في موضع السواد لأن ألوان الإبل السود تضرب إلى الصفرة، كما سميت [الظباء] "أُدْماً" لِمَا يَعْلُوهَا في بياضها من الظلمة.
قال الحسن: ﴿جِمَٰلَتٌ صُفْرٌ﴾ [أَيْنُقٌ] سود، وهو قول قتادة ومجاهد.
وقال ابن عباس: عنى بذلك قلوس السفن، يعني حبال السفن.
شبهت الشرر بحبال السفينة. والقَلْسُ. الحبلُ.
وعن ابن عباس أيضاً: ﴿جِمَٰلَتٌ صُفْرٌ﴾: "قِطَعُ النّحَاسِ" وهو جمع جِمَالَةٍ [وجِمَالَةٌ]: جمع جمل.
(ومن قرأ (جِمَالَةٌ) جعله جمع جَمَل).
وقد قرأ (أبو) أيوب: "جُمَالاَت" - بضم الجيم - كأنه جمع جَمَلاً (على جُمَالٍ) كما يجمع رَخِلٌ على رُخَالٍ. ثم جمع "جُمَالاً" على جُمَالاَت، لأن باب "فَعَل" و "فُعَل" واحد.
ويجوز (أن) يكون من الشيء المجمل.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾.
وقد تقدم ذكره.
المرسلات 77:17
قوله تعالى: ﴿وَٱلْمُرْسَلاَتِ عُرْفاً﴾، إلى قوله: ﴿كَأَنَّهُ جِمَٰلَتٌ صُفْرٌ * وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾.
قال ابن عباس وابن مسعود ومجاهد وأبو صالح وقتادة: ﴿(وَ)ٱلْمُرْسَلاَتِ﴾: الرياح، ﴿عُرْفاً﴾: يتبع بعضها بعضاً.
وقال مسروق: ﴿وَٱلْمُرْسَلاَتِ﴾: "الملائكة" ﴿عُرْفاً﴾ أي: ترسل بالعرف.
عن أبي صالح أيضاً أنها "الرسل، ترسل بالمعروف". وقيل: ﴿عُرْفاً﴾ أي: متتابعة كتتابع عرف الفرس.
والتقدير على قول مسروق: ورب الملائكة التي أرسلت إلى الأنبياء بأمر الله ونهيه (وذلك هو المعروف.
وعلى قول أبي صالح: ورب الرسل التي أرسلت إلى الناس بأمر الله ونهيه).
ومن قال ﴿عُرْفاً﴾ متتابعة (فتقديره: ورب الملائكة التي أرسلت إلى الأنبياء متتابعة) ورب الرسل الذين أرسلوا إلى الخلق متتابعين. وكذلك التقدير على قول ابن عباس ومن تبعه: هي الرياح.
ويدل (على أنها ليست) الرياح أن يسعدها ذكر الرياح [بلا اختلاف] في قوله: ﴿فَٱلْعَاصِفَاتِ عَصْفاً﴾.
- (ثم قال تعالى: ﴿فَٱلْعَاصِفَاتِ عَصْفاً﴾).
أي: (ورب الرياح العاصفات) أي: الشديدات الهبوب السريعات المر. وهذا قول علي بن أبي طالب وابن مسعود وابن عباس، وغيرهم.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وٱلنَّاشِرَاتِ نَشْراً﴾.
قال ابن مسعود ومجاهد [وقتادة]: هي الرياح لأنها تنشر السحاب.
وقال أبو صالح: هي "المطر"، لأنه ينشر الأرض، أي: [يحييها].
وروى (السدي) عن أبي صالح أنها الملائكة، (قال): [تنشر] [الكتب]. - ثم قال تعالى: ﴿فَٱلْفَارِقَاتِ فَرْقاً﴾.
قال ابن عباس وأبو صالح وسفيان: هي الملائكة، تفرق بالوحي بين الحق والباطل. وقال قتادة: هو القرآن، فرق الله به بين الحق والباطل، كأنه قال: والآيات الفارقات فرقاً.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿فَٱلْمُلْقِيَٰتِ ذِكْراً * عُذْراً﴾.
كلهم قال: هي الملائكة التي تلقي وحي الله إلى رسله، والذكر: القرآن.
* *
ثم قال تعالى: ﴿عُذْراً أَوْ نُذْراً﴾.
أي: تلقي الوحي إلى الرسل إعذاراً من الله لخلقه [وإنذاراً] منه لهم. قاله قتادة وغيره.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَوَٰقِعٌ﴾.
يعني أن البعث والجزاء وجميع ما أخبر الله، كائن واقع [وحادث] لا محالة. و ﴿إِنَّمَا﴾ هو جواب القسم المتقدم.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿فَإِذَا ٱلنُّجُومُ طُمِسَتْ﴾.
أي: ذهب ضوءها فلم يكن لها نور.
﴿وَإِذَا ٱلسَّمَآءُ فُرِجَتْ﴾. أي: شققت وصدعت.
﴿وَإِذَا ٱلْجِبَالُ نُسِفَتْ﴾. أي: نسفت من أصلها.
﴿فَكَانَتْ هَبَآءً مُّنبَثّاً﴾ [الواقعة: ٦]. أي: غباراً متفرقاً.
* *
﴿وَإِذَا ٱلرُّسُلُ أُقِّتَتْ﴾.
أي: أجلت الاجتماع لوقتها يوم القيامة.
قال ابن عباس: ﴿أُقِّتَتْ﴾ "جمعت". وقال مجاهد ﴿أُقِّتَتْ﴾ "أجلت".
وهو من الوقت، فمعناه: [حان] وقتها الذي وعدته به، وذلك يوم القيامة.
وقرأ عيسى بن [عمر] "أُقِتَتْ" بالتخفيف والهمز، وقرأ الحسن. "وُقِتَتْ" بالواو والتخفيف.
وكله من الوقت، والواو هي الأصل، والهمزة بدل منها.
والتخفيف والتشديد لغتان، إلا أن في التشديد معنى التكرير والمبالغة.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿لأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ﴾.
أي: ما أعظمه وأكثر هوله. ففي الكلام معنى التعظيم لليوم والتعجب منه. ومعنى التعجب في هذا أنه تعالى ذكره يعجب العباد من هوله [وفظاعته]، ثم بينه فقال:
* *
- ﴿لِيَوْمِ ٱلْفَصْلِ﴾.
أي: أجلت الرسل ليوم يفصل الله (فيه) بين خلقه، فيأخذ للمظلوم من الظالم ويجزي المحسن بإحسانه والمسيء بإساته.
* *
- ثم قال: ﴿وَمَآ أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ ٱلْفَصْلِ﴾.
أي: وأي شيء أدراك يا محمد ما يوم الفصل؟! فمعناه التعظيم لذلك اليوم لشدته وهوله.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾.
أي: [الوادي] الذي [يسيل] في جهنم من صديد أهلها للمكذبين بذلك اليوم.
وقيل: معناه قبوح لهم ذلك اليوم.
فقوله: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ﴾ هو جواب (إذا) في ما تقدم من الكلام.
- قوله تعالى: ﴿أَلَمْ نُهْلِكِ ٱلأَوَّلِينَ﴾.
يعني قوم نوح وعاد وثمود وشبههم.
* *
- ﴿ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ ٱلآخِرِينَ﴾.
يعني: قوم إبراهيم وأصحاب مدين وقوم فرعون، فيكون ﴿نُتْبِعُهُمُ﴾ على هذا مجزوماً. والتقدير: "وَأَلَمْ نُتْبِعْهُمُ الآخِرِينَ". وبه قرأ الأعرج.
* *
- وقوله: ﴿كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِٱلْمُجْرِمِينَ﴾.
يعني كفار قريش ومن سلك طريقهم من العرب وغيرها.
ورد الجزم أبو حاتم لأنه تأول أن ﴿نُتْبِعُهُمُ﴾ يراد به قريش ومن سلك في التكذيب طريقهم. فلا سبيل إلى الجزم على هذا المعنى لأنه منتظر في المعنى.
ولم لا تدخل على فعل معناه الاستقبال، بل ترده إلى الماضي أبداً.
(وقيل): إن ﴿نُتْبِعُهُمُ﴾ عطف على المعنى، لأن معنى ﴿أَلَمْ نُهْلِكِ﴾: قد أهلكنا.
* *
ثم قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِٱلْمُجْرِمِينَ﴾.
أي: كذلك نهلك من أجرم فاكتسب مخالفة الله ورسوله.
[ثم قال: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾.
وقد تقدم ذكره، وكذلك معنى كل ما في السورة وغيرها منه].
* *
- ثم قال: ﴿أَلَمْ نَخْلُقكُّم مِّن مَّآءٍ [مَّهِينٍ]﴾.
أي: من نطفة ضعيفة. قال ابن عباس: "المهين: الضعيف".
* *
- ثم قال: ﴿فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ﴾.
أي: في رحم استقر فيه فتمكن.
* *
﴿إِلَىٰ قَدَرٍ مَّعْلُومٍ﴾.
أي: إلى وقت خروجه من الرحم.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ ٱلْقَادِرُونَ﴾.
قال الضحاك: معناه "فملكنا فنعم المالكون". وهذا التقدير على قراءة من خفف.
وعلة من شدد أنه أراد به التكرير، لأنه تعالى قدر الإنسان نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم، [ثم]...، [فدل] التشديد على تكرير [الأحوال].
ومن خفف أجراه على لفظ "القادرين" إذ فعله: "قدر مخففاً، فالتخفيف بمعنى الملك والقدرة على ذلك.
والتشديد بمعنى التقدير. فمن شدد ﴿فَقَدَرْنَا﴾ جمع بين معنيين: التقدير [بقدرنا]، والملك "بالقادرين".
ومن خفف جعله كله بمعنى الملك والقدرة.
وقد يستعمل التشديد، وهو بمعنى القدرة أيضاً يقال: قَدَرَ الله كذا وقدَّره، لغتان. فيكون من شدد ﴿فَقَدَرْنَا﴾ جمع بين اللغتين، بقوله: ﴿ٱلْقَادِرُونَ﴾، كما قال: ﴿فَمَهِّلِ ٱلْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً﴾ [الطارق: ١٧]، وقد قال تعالى: ﴿نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ ٱلْمَوْتَ﴾ [الواقعة: ٦٠] مشدداً.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ ٱلأَرْضَ كِفَاتاً * (أَحْيَآءً)﴾
أي: ألم نجعل أيها الناس الأرض لكم وعاءً، أنتم على ظهرها في مساكنكم مجتمعون أحياءً وفي بطنها أمواتاً؟!
[يذكرهم] (الله) بنعمه عليهم.
يقال: كَفَتُّ الشيء إذا جَمَعْتَهُ وأَحْرَزْتَهُ.
روي عن ابن مسعود أنه "وجد قملة في ثوبه فدفنها في المسجد، ثم قال: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ ٱلأَرْضَ كِفَاتاً * أَحْيَآءً وَأَمْوٰتاً﴾.
وقال مجاهد - في الرجل يرى القملة في ثوبه وهو في المسجد - قال: "إن شئت فألقها، وإن شئت [فوارها]. ثم قرأ: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ ٱلأَرْضَ كِفَاتاً...﴾ الآية.
قال الشعبي: ﴿كِفَاتاً﴾: "بطنها لأمواتكم، وظهرها لأحيائكم".
وقال مجاهد: ﴿كِفَاتاً﴾: تكفت أذاهم وما يخرج منهم أحياءً وأمواتاً، أي: تضم ذلك.
ونصب ﴿أَحْيَآءً وَأَمْوٰتاً﴾ "بكفات"، أي: تضم أحياءً وأمواتاً. وقيل: التقدير: كفات أحياء وأموات، أي: ضمهم، [فلما] نون نصب ما بعده، كما تقول: رأيت ضرب زيد. فإن نونت "ضرباً"، نصبت "زيداً" أو رفعته.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ شَامِخَاتٍ﴾.
أي: جبالاً شاهقات، أي" طوالاً مشرفات.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَأَسْقَيْنَاكُم مَّآءً فُرَاتاً﴾.
أي: عذباً قال ابن عباس: وذلك من أربعة أنهار: سيحان وجيحان والنيل والفرات. فكل ما شربه ابن آدم (فهو) من هذه الأنهار، وهي (تخرج من) تحت صخرة عند بيت المقدس. فأما سيحان فهو نهر بلخ، وأما جيحان فهو دجلة بغداد، وأما الفرات فبالكوفة، وأما النيل (فنهر مصر).
* *
- ثم قال تعالى: ﴿ٱنطَلِقُوۤاْ إِلَىٰ مَا كُنتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾.
أي: يقال لهؤلاء المكذبين بآيات الله ونعمه: انطلقوا إلى ما كنتم تكذبون به في الدنيا من عقاب الله لأهل الكفر.
* *
- ﴿ٱنطَلِقُوۤاْ إِلَىٰ ظِلٍّ ذِي ثَلاَثِ شُعَبٍ﴾.
أي: إلى ظل دخان ذي ثلاث شعب. وذلك أنه يرفع وقودها الدخان، فإذا تصعد تفرق على ثلاث شعب، وهو "دخان جهنم".
[وهو قوله: ﴿وَظِلٍّ مِّن يَحْمُومٍ﴾ [الواقعة: ٤٣]، اليحموم: الدخان.
وقد قيل في قوله "﴿ذِي ثَلاَثِ شُعَبٍ﴾ إنه [ظل] الصليب الذي يعبده النصارى. وهو قول شاذ يوجب أن يكون المأمور بهذا، النصارى خاصة. وليست الآية إلا عامة في جميع الكفار، وليس كلهم عبد الصليب، فإنما أمروا إلى ظل دخان جهنم، دخان قد أنفرق على ثلاث شعب]. قال قتادة: هو كقوله: ﴿نَاراً أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا﴾ [الكهف: ٢٩].
* *
- ثم قال تعالى: ﴿لاَّ ظَلِيلٍ وَلاَ يُغْنِي مِنَ ٱللَّهَبِ﴾.
هذا نعت للظل أي: إلى ظل غير ظليل وغير [غانٍ] من اللهب. أي: [لا يظلهم ولا يمنعهم] من لهب جهنم، فلا يمنع عنهم ذلك الظل حرها ولا لهبها. وهذا الوصف مطابق لما روي عن النبي ﷺ: "أَنَّ الشَّمْسَ تَدْنُو مِنْ رُؤُوسِ الخَلاَئِقِ يَوْمَ القِيَامَةِ وَلَيْسَ لَهُمْ لِبَاسٌ وَلاَ لَهُمْ مَا يَسْتَتِرُونَ بِهِ مِنْهَا، فَيُنْجِي اللهُ المُؤْمِنِينَ إلى ظِلٍّ مِنْ ظِلِّهِ، وَيُقَالُ لِلْكُفَّارِ: انْطَلِقُوا إلى مَا كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ مِنْ عَذَابِ اللهِ وَعِقَابِهِ ﴿ٱنطَلِقُوۤاْ إِلَىٰ ظِلٍّ ذِي ثَلاَثِ شُعَبٍ﴾ فَيَنْطَلِقُونَ إلى دُخَانِ جَهَنَّمَ" أفهذا للكفار، لأنه روي: "أَنَّ الخَلاَئِقَ إِذَا اشْتَدَّ عليهم حرُّ الشمس وَدَنَتْ مِنْ رُؤُوسِهِمْ وأَخَذَتْ بِأَنفاسهِم وأشتد ذلك عليهم وكَثُرَ العَرَقُ، واشتد القَلَقُ، نَجَّى اللهُ المؤمنين برحمته إلى ظل من ظله، فهناك يقولون: ﴿فَمَنَّ ٱللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ ٱلسَّمُومِ﴾. ويقال للكفار المكذبين: انطلقوا إلى ما كنتم تُكَذِّبُونَ من عذاب الله وعقابه، انطلقوا إلى ظِلٍّ من دخان جهنم قد سَطَعَ وافترق ثلاثَ فِرَقٍ، فينطلقون ويكونون فيه، وهو أشد من حر الشمس الذي كانوا قد قَلِقُوا فيه. فيُقِيمُون في ظل ذلك الدخان حتى يُفْرَغَ من الحساب، كذلك أولياء الله في ظل عرش الرحمن، وحيث شاء الله حتى يفرغ من الحساب، ثم يؤمر بكل فريق إلى مُسْتَقَرِّهِ من الجنة أو من النار
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَٱلْقَصْرِ﴾.
أي: [إن]: جهنم ترمي ذلك اليوم بشرر كالقصر [المبني]. وقال ابن عباس: "كالقصر العظيم".
قال الحسن: هو واحد القصور.
وروى حجاج عن هارون ﴿كَٱلْقَصْرِ﴾ أي: كالخشب الجزل، وهو جمع قَصْرَة، كجَمْرة وجَمْر، وثَمْرَة وثَمْر.
وقرأ ابن عباس: "كَالْقَصَرِ" بفتح الصاد.
وقرأ ابن جبير والحسن: "كَالْقِصَرِ" بكسر القاف وفتح الصاد.
وعن ابن جبير: كقراءة ابن عباس، القصرة: الخشبة تكون [ثلاث] أذرع أو أكثر، فهو على قراءته جمع قصرة كخشبة وخشب.
وقال مجاهد وقتادة: القَصَر - بالفتح - هو [أصول] النخل. ومن كسر القاف جعله جمع قِصَرَة وقصر، وهي الخشبة أيضاً.
وقال المبرد: قيل: القَصْرُ: الجزل من الحطب الغليظ، واحدته قَصْرَةٌ، كَجَمْرَة وجمر.
والقَصْرُ في هذا الموضع إذا جعلته أحد القُصُورِ فهو واحد يدل [على الجمع]، ولذلك جعل نعتاً لـِ "شَرَرٍ" وهي جماعة.
فإن جعلته جمع قَصْرَةٍ جئت به في النعت بالجمع كالمنعوت، وقد [قال]: ﴿سَيُهْزَمُ ٱلْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ ٱلدُّبُرَ﴾ [القمر: ٤٥]، فَوَحَّدَ (و) لم يقل: "الأدبار"؟ لأن الدبر بمعنى الجمع، وفعل ذلك توفيقاً بين رؤوس [الآي] ومقاطع الكلام، إذ كان ذلك شأن العرب، والقرآنُ بلسانها نزل فَجَرَتْ [ألفاظه] على عادتها في لغتها وكلامها [وسجعها]، وقد قال تعالى: ﴿تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَٱلَّذِي يُغْشَىٰ عَلَيْهِ مِنَ ٱلْمَوْتِ﴾ [الأحزاب: ١٩]، ولم يقل: "كعيون الذين". وهو المعني لأن المراد في التشبيه الفعل لا العين.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿كَأَنَّهُ جِمَٰلَتٌ صُفْرٌ﴾.
أي: كأن ذلك الشرر الذي هو كالقصر: نُوقٌ سُودٌ. فالصفرة هنا بمعنى السواد، وإنما وقعت الصفرة في موضع السواد لأن ألوان الإبل السود تضرب إلى الصفرة، كما سميت [الظباء] "أُدْماً" لِمَا يَعْلُوهَا في بياضها من الظلمة.
قال الحسن: ﴿جِمَٰلَتٌ صُفْرٌ﴾ [أَيْنُقٌ] سود، وهو قول قتادة ومجاهد.
وقال ابن عباس: عنى بذلك قلوس السفن، يعني حبال السفن.
شبهت الشرر بحبال السفينة. والقَلْسُ. الحبلُ.
وعن ابن عباس أيضاً: ﴿جِمَٰلَتٌ صُفْرٌ﴾: "قِطَعُ النّحَاسِ" وهو جمع جِمَالَةٍ [وجِمَالَةٌ]: جمع جمل.
(ومن قرأ (جِمَالَةٌ) جعله جمع جَمَل).
وقد قرأ (أبو) أيوب: "جُمَالاَت" - بضم الجيم - كأنه جمع جَمَلاً (على جُمَالٍ) كما يجمع رَخِلٌ على رُخَالٍ. ثم جمع "جُمَالاً" على جُمَالاَت، لأن باب "فَعَل" و "فُعَل" واحد.
ويجوز (أن) يكون من الشيء المجمل.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾.
وقد تقدم ذكره.
المرسلات 77:18
قوله تعالى: ﴿وَٱلْمُرْسَلاَتِ عُرْفاً﴾، إلى قوله: ﴿كَأَنَّهُ جِمَٰلَتٌ صُفْرٌ * وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾.
قال ابن عباس وابن مسعود ومجاهد وأبو صالح وقتادة: ﴿(وَ)ٱلْمُرْسَلاَتِ﴾: الرياح، ﴿عُرْفاً﴾: يتبع بعضها بعضاً.
وقال مسروق: ﴿وَٱلْمُرْسَلاَتِ﴾: "الملائكة" ﴿عُرْفاً﴾ أي: ترسل بالعرف.
عن أبي صالح أيضاً أنها "الرسل، ترسل بالمعروف". وقيل: ﴿عُرْفاً﴾ أي: متتابعة كتتابع عرف الفرس.
والتقدير على قول مسروق: ورب الملائكة التي أرسلت إلى الأنبياء بأمر الله ونهيه (وذلك هو المعروف.
وعلى قول أبي صالح: ورب الرسل التي أرسلت إلى الناس بأمر الله ونهيه).
ومن قال ﴿عُرْفاً﴾ متتابعة (فتقديره: ورب الملائكة التي أرسلت إلى الأنبياء متتابعة) ورب الرسل الذين أرسلوا إلى الخلق متتابعين. وكذلك التقدير على قول ابن عباس ومن تبعه: هي الرياح.
ويدل (على أنها ليست) الرياح أن يسعدها ذكر الرياح [بلا اختلاف] في قوله: ﴿فَٱلْعَاصِفَاتِ عَصْفاً﴾.
- (ثم قال تعالى: ﴿فَٱلْعَاصِفَاتِ عَصْفاً﴾).
أي: (ورب الرياح العاصفات) أي: الشديدات الهبوب السريعات المر. وهذا قول علي بن أبي طالب وابن مسعود وابن عباس، وغيرهم.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وٱلنَّاشِرَاتِ نَشْراً﴾.
قال ابن مسعود ومجاهد [وقتادة]: هي الرياح لأنها تنشر السحاب.
وقال أبو صالح: هي "المطر"، لأنه ينشر الأرض، أي: [يحييها].
وروى (السدي) عن أبي صالح أنها الملائكة، (قال): [تنشر] [الكتب]. - ثم قال تعالى: ﴿فَٱلْفَارِقَاتِ فَرْقاً﴾.
قال ابن عباس وأبو صالح وسفيان: هي الملائكة، تفرق بالوحي بين الحق والباطل. وقال قتادة: هو القرآن، فرق الله به بين الحق والباطل، كأنه قال: والآيات الفارقات فرقاً.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿فَٱلْمُلْقِيَٰتِ ذِكْراً * عُذْراً﴾.
كلهم قال: هي الملائكة التي تلقي وحي الله إلى رسله، والذكر: القرآن.
* *
ثم قال تعالى: ﴿عُذْراً أَوْ نُذْراً﴾.
أي: تلقي الوحي إلى الرسل إعذاراً من الله لخلقه [وإنذاراً] منه لهم. قاله قتادة وغيره.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَوَٰقِعٌ﴾.
يعني أن البعث والجزاء وجميع ما أخبر الله، كائن واقع [وحادث] لا محالة. و ﴿إِنَّمَا﴾ هو جواب القسم المتقدم.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿فَإِذَا ٱلنُّجُومُ طُمِسَتْ﴾.
أي: ذهب ضوءها فلم يكن لها نور.
﴿وَإِذَا ٱلسَّمَآءُ فُرِجَتْ﴾. أي: شققت وصدعت.
﴿وَإِذَا ٱلْجِبَالُ نُسِفَتْ﴾. أي: نسفت من أصلها.
﴿فَكَانَتْ هَبَآءً مُّنبَثّاً﴾ [الواقعة: ٦]. أي: غباراً متفرقاً.
* *
﴿وَإِذَا ٱلرُّسُلُ أُقِّتَتْ﴾.
أي: أجلت الاجتماع لوقتها يوم القيامة.
قال ابن عباس: ﴿أُقِّتَتْ﴾ "جمعت". وقال مجاهد ﴿أُقِّتَتْ﴾ "أجلت".
وهو من الوقت، فمعناه: [حان] وقتها الذي وعدته به، وذلك يوم القيامة.
وقرأ عيسى بن [عمر] "أُقِتَتْ" بالتخفيف والهمز، وقرأ الحسن. "وُقِتَتْ" بالواو والتخفيف.
وكله من الوقت، والواو هي الأصل، والهمزة بدل منها.
والتخفيف والتشديد لغتان، إلا أن في التشديد معنى التكرير والمبالغة.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿لأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ﴾.
أي: ما أعظمه وأكثر هوله. ففي الكلام معنى التعظيم لليوم والتعجب منه. ومعنى التعجب في هذا أنه تعالى ذكره يعجب العباد من هوله [وفظاعته]، ثم بينه فقال:
* *
- ﴿لِيَوْمِ ٱلْفَصْلِ﴾.
أي: أجلت الرسل ليوم يفصل الله (فيه) بين خلقه، فيأخذ للمظلوم من الظالم ويجزي المحسن بإحسانه والمسيء بإساته.
* *
- ثم قال: ﴿وَمَآ أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ ٱلْفَصْلِ﴾.
أي: وأي شيء أدراك يا محمد ما يوم الفصل؟! فمعناه التعظيم لذلك اليوم لشدته وهوله.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾.
أي: [الوادي] الذي [يسيل] في جهنم من صديد أهلها للمكذبين بذلك اليوم.
وقيل: معناه قبوح لهم ذلك اليوم.
فقوله: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ﴾ هو جواب (إذا) في ما تقدم من الكلام.
- قوله تعالى: ﴿أَلَمْ نُهْلِكِ ٱلأَوَّلِينَ﴾.
يعني قوم نوح وعاد وثمود وشبههم.
* *
- ﴿ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ ٱلآخِرِينَ﴾.
يعني: قوم إبراهيم وأصحاب مدين وقوم فرعون، فيكون ﴿نُتْبِعُهُمُ﴾ على هذا مجزوماً. والتقدير: "وَأَلَمْ نُتْبِعْهُمُ الآخِرِينَ". وبه قرأ الأعرج.
* *
- وقوله: ﴿كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِٱلْمُجْرِمِينَ﴾.
يعني كفار قريش ومن سلك طريقهم من العرب وغيرها.
ورد الجزم أبو حاتم لأنه تأول أن ﴿نُتْبِعُهُمُ﴾ يراد به قريش ومن سلك في التكذيب طريقهم. فلا سبيل إلى الجزم على هذا المعنى لأنه منتظر في المعنى.
ولم لا تدخل على فعل معناه الاستقبال، بل ترده إلى الماضي أبداً.
(وقيل): إن ﴿نُتْبِعُهُمُ﴾ عطف على المعنى، لأن معنى ﴿أَلَمْ نُهْلِكِ﴾: قد أهلكنا.
* *
ثم قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِٱلْمُجْرِمِينَ﴾.
أي: كذلك نهلك من أجرم فاكتسب مخالفة الله ورسوله.
[ثم قال: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾.
وقد تقدم ذكره، وكذلك معنى كل ما في السورة وغيرها منه].
* *
- ثم قال: ﴿أَلَمْ نَخْلُقكُّم مِّن مَّآءٍ [مَّهِينٍ]﴾.
أي: من نطفة ضعيفة. قال ابن عباس: "المهين: الضعيف".
* *
- ثم قال: ﴿فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ﴾.
أي: في رحم استقر فيه فتمكن.
* *
﴿إِلَىٰ قَدَرٍ مَّعْلُومٍ﴾.
أي: إلى وقت خروجه من الرحم.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ ٱلْقَادِرُونَ﴾.
قال الضحاك: معناه "فملكنا فنعم المالكون". وهذا التقدير على قراءة من خفف.
وعلة من شدد أنه أراد به التكرير، لأنه تعالى قدر الإنسان نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم، [ثم]...، [فدل] التشديد على تكرير [الأحوال].
ومن خفف أجراه على لفظ "القادرين" إذ فعله: "قدر مخففاً، فالتخفيف بمعنى الملك والقدرة على ذلك.
والتشديد بمعنى التقدير. فمن شدد ﴿فَقَدَرْنَا﴾ جمع بين معنيين: التقدير [بقدرنا]، والملك "بالقادرين".
ومن خفف جعله كله بمعنى الملك والقدرة.
وقد يستعمل التشديد، وهو بمعنى القدرة أيضاً يقال: قَدَرَ الله كذا وقدَّره، لغتان. فيكون من شدد ﴿فَقَدَرْنَا﴾ جمع بين اللغتين، بقوله: ﴿ٱلْقَادِرُونَ﴾، كما قال: ﴿فَمَهِّلِ ٱلْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً﴾ [الطارق: ١٧]، وقد قال تعالى: ﴿نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ ٱلْمَوْتَ﴾ [الواقعة: ٦٠] مشدداً.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ ٱلأَرْضَ كِفَاتاً * (أَحْيَآءً)﴾
أي: ألم نجعل أيها الناس الأرض لكم وعاءً، أنتم على ظهرها في مساكنكم مجتمعون أحياءً وفي بطنها أمواتاً؟!
[يذكرهم] (الله) بنعمه عليهم.
يقال: كَفَتُّ الشيء إذا جَمَعْتَهُ وأَحْرَزْتَهُ.
روي عن ابن مسعود أنه "وجد قملة في ثوبه فدفنها في المسجد، ثم قال: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ ٱلأَرْضَ كِفَاتاً * أَحْيَآءً وَأَمْوٰتاً﴾.
وقال مجاهد - في الرجل يرى القملة في ثوبه وهو في المسجد - قال: "إن شئت فألقها، وإن شئت [فوارها]. ثم قرأ: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ ٱلأَرْضَ كِفَاتاً...﴾ الآية.
قال الشعبي: ﴿كِفَاتاً﴾: "بطنها لأمواتكم، وظهرها لأحيائكم".
وقال مجاهد: ﴿كِفَاتاً﴾: تكفت أذاهم وما يخرج منهم أحياءً وأمواتاً، أي: تضم ذلك.
ونصب ﴿أَحْيَآءً وَأَمْوٰتاً﴾ "بكفات"، أي: تضم أحياءً وأمواتاً. وقيل: التقدير: كفات أحياء وأموات، أي: ضمهم، [فلما] نون نصب ما بعده، كما تقول: رأيت ضرب زيد. فإن نونت "ضرباً"، نصبت "زيداً" أو رفعته.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ شَامِخَاتٍ﴾.
أي: جبالاً شاهقات، أي" طوالاً مشرفات.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَأَسْقَيْنَاكُم مَّآءً فُرَاتاً﴾.
أي: عذباً قال ابن عباس: وذلك من أربعة أنهار: سيحان وجيحان والنيل والفرات. فكل ما شربه ابن آدم (فهو) من هذه الأنهار، وهي (تخرج من) تحت صخرة عند بيت المقدس. فأما سيحان فهو نهر بلخ، وأما جيحان فهو دجلة بغداد، وأما الفرات فبالكوفة، وأما النيل (فنهر مصر).
* *
- ثم قال تعالى: ﴿ٱنطَلِقُوۤاْ إِلَىٰ مَا كُنتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾.
أي: يقال لهؤلاء المكذبين بآيات الله ونعمه: انطلقوا إلى ما كنتم تكذبون به في الدنيا من عقاب الله لأهل الكفر.
* *
- ﴿ٱنطَلِقُوۤاْ إِلَىٰ ظِلٍّ ذِي ثَلاَثِ شُعَبٍ﴾.
أي: إلى ظل دخان ذي ثلاث شعب. وذلك أنه يرفع وقودها الدخان، فإذا تصعد تفرق على ثلاث شعب، وهو "دخان جهنم".
[وهو قوله: ﴿وَظِلٍّ مِّن يَحْمُومٍ﴾ [الواقعة: ٤٣]، اليحموم: الدخان.
وقد قيل في قوله "﴿ذِي ثَلاَثِ شُعَبٍ﴾ إنه [ظل] الصليب الذي يعبده النصارى. وهو قول شاذ يوجب أن يكون المأمور بهذا، النصارى خاصة. وليست الآية إلا عامة في جميع الكفار، وليس كلهم عبد الصليب، فإنما أمروا إلى ظل دخان جهنم، دخان قد أنفرق على ثلاث شعب]. قال قتادة: هو كقوله: ﴿نَاراً أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا﴾ [الكهف: ٢٩].
* *
- ثم قال تعالى: ﴿لاَّ ظَلِيلٍ وَلاَ يُغْنِي مِنَ ٱللَّهَبِ﴾.
هذا نعت للظل أي: إلى ظل غير ظليل وغير [غانٍ] من اللهب. أي: [لا يظلهم ولا يمنعهم] من لهب جهنم، فلا يمنع عنهم ذلك الظل حرها ولا لهبها. وهذا الوصف مطابق لما روي عن النبي ﷺ: "أَنَّ الشَّمْسَ تَدْنُو مِنْ رُؤُوسِ الخَلاَئِقِ يَوْمَ القِيَامَةِ وَلَيْسَ لَهُمْ لِبَاسٌ وَلاَ لَهُمْ مَا يَسْتَتِرُونَ بِهِ مِنْهَا، فَيُنْجِي اللهُ المُؤْمِنِينَ إلى ظِلٍّ مِنْ ظِلِّهِ، وَيُقَالُ لِلْكُفَّارِ: انْطَلِقُوا إلى مَا كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ مِنْ عَذَابِ اللهِ وَعِقَابِهِ ﴿ٱنطَلِقُوۤاْ إِلَىٰ ظِلٍّ ذِي ثَلاَثِ شُعَبٍ﴾ فَيَنْطَلِقُونَ إلى دُخَانِ جَهَنَّمَ" أفهذا للكفار، لأنه روي: "أَنَّ الخَلاَئِقَ إِذَا اشْتَدَّ عليهم حرُّ الشمس وَدَنَتْ مِنْ رُؤُوسِهِمْ وأَخَذَتْ بِأَنفاسهِم وأشتد ذلك عليهم وكَثُرَ العَرَقُ، واشتد القَلَقُ، نَجَّى اللهُ المؤمنين برحمته إلى ظل من ظله، فهناك يقولون: ﴿فَمَنَّ ٱللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ ٱلسَّمُومِ﴾. ويقال للكفار المكذبين: انطلقوا إلى ما كنتم تُكَذِّبُونَ من عذاب الله وعقابه، انطلقوا إلى ظِلٍّ من دخان جهنم قد سَطَعَ وافترق ثلاثَ فِرَقٍ، فينطلقون ويكونون فيه، وهو أشد من حر الشمس الذي كانوا قد قَلِقُوا فيه. فيُقِيمُون في ظل ذلك الدخان حتى يُفْرَغَ من الحساب، كذلك أولياء الله في ظل عرش الرحمن، وحيث شاء الله حتى يفرغ من الحساب، ثم يؤمر بكل فريق إلى مُسْتَقَرِّهِ من الجنة أو من النار
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَٱلْقَصْرِ﴾.
أي: [إن]: جهنم ترمي ذلك اليوم بشرر كالقصر [المبني]. وقال ابن عباس: "كالقصر العظيم".
قال الحسن: هو واحد القصور.
وروى حجاج عن هارون ﴿كَٱلْقَصْرِ﴾ أي: كالخشب الجزل، وهو جمع قَصْرَة، كجَمْرة وجَمْر، وثَمْرَة وثَمْر.
وقرأ ابن عباس: "كَالْقَصَرِ" بفتح الصاد.
وقرأ ابن جبير والحسن: "كَالْقِصَرِ" بكسر القاف وفتح الصاد.
وعن ابن جبير: كقراءة ابن عباس، القصرة: الخشبة تكون [ثلاث] أذرع أو أكثر، فهو على قراءته جمع قصرة كخشبة وخشب.
وقال مجاهد وقتادة: القَصَر - بالفتح - هو [أصول] النخل. ومن كسر القاف جعله جمع قِصَرَة وقصر، وهي الخشبة أيضاً.
وقال المبرد: قيل: القَصْرُ: الجزل من الحطب الغليظ، واحدته قَصْرَةٌ، كَجَمْرَة وجمر.
والقَصْرُ في هذا الموضع إذا جعلته أحد القُصُورِ فهو واحد يدل [على الجمع]، ولذلك جعل نعتاً لـِ "شَرَرٍ" وهي جماعة.
فإن جعلته جمع قَصْرَةٍ جئت به في النعت بالجمع كالمنعوت، وقد [قال]: ﴿سَيُهْزَمُ ٱلْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ ٱلدُّبُرَ﴾ [القمر: ٤٥]، فَوَحَّدَ (و) لم يقل: "الأدبار"؟ لأن الدبر بمعنى الجمع، وفعل ذلك توفيقاً بين رؤوس [الآي] ومقاطع الكلام، إذ كان ذلك شأن العرب، والقرآنُ بلسانها نزل فَجَرَتْ [ألفاظه] على عادتها في لغتها وكلامها [وسجعها]، وقد قال تعالى: ﴿تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَٱلَّذِي يُغْشَىٰ عَلَيْهِ مِنَ ٱلْمَوْتِ﴾ [الأحزاب: ١٩]، ولم يقل: "كعيون الذين". وهو المعني لأن المراد في التشبيه الفعل لا العين.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿كَأَنَّهُ جِمَٰلَتٌ صُفْرٌ﴾.
أي: كأن ذلك الشرر الذي هو كالقصر: نُوقٌ سُودٌ. فالصفرة هنا بمعنى السواد، وإنما وقعت الصفرة في موضع السواد لأن ألوان الإبل السود تضرب إلى الصفرة، كما سميت [الظباء] "أُدْماً" لِمَا يَعْلُوهَا في بياضها من الظلمة.
قال الحسن: ﴿جِمَٰلَتٌ صُفْرٌ﴾ [أَيْنُقٌ] سود، وهو قول قتادة ومجاهد.
وقال ابن عباس: عنى بذلك قلوس السفن، يعني حبال السفن.
شبهت الشرر بحبال السفينة. والقَلْسُ. الحبلُ.
وعن ابن عباس أيضاً: ﴿جِمَٰلَتٌ صُفْرٌ﴾: "قِطَعُ النّحَاسِ" وهو جمع جِمَالَةٍ [وجِمَالَةٌ]: جمع جمل.
(ومن قرأ (جِمَالَةٌ) جعله جمع جَمَل).
وقد قرأ (أبو) أيوب: "جُمَالاَت" - بضم الجيم - كأنه جمع جَمَلاً (على جُمَالٍ) كما يجمع رَخِلٌ على رُخَالٍ. ثم جمع "جُمَالاً" على جُمَالاَت، لأن باب "فَعَل" و "فُعَل" واحد.
ويجوز (أن) يكون من الشيء المجمل.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾.
وقد تقدم ذكره.
المرسلات 77:19
قوله تعالى: ﴿وَٱلْمُرْسَلاَتِ عُرْفاً﴾، إلى قوله: ﴿كَأَنَّهُ جِمَٰلَتٌ صُفْرٌ * وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾.
قال ابن عباس وابن مسعود ومجاهد وأبو صالح وقتادة: ﴿(وَ)ٱلْمُرْسَلاَتِ﴾: الرياح، ﴿عُرْفاً﴾: يتبع بعضها بعضاً.
وقال مسروق: ﴿وَٱلْمُرْسَلاَتِ﴾: "الملائكة" ﴿عُرْفاً﴾ أي: ترسل بالعرف.
عن أبي صالح أيضاً أنها "الرسل، ترسل بالمعروف". وقيل: ﴿عُرْفاً﴾ أي: متتابعة كتتابع عرف الفرس.
والتقدير على قول مسروق: ورب الملائكة التي أرسلت إلى الأنبياء بأمر الله ونهيه (وذلك هو المعروف.
وعلى قول أبي صالح: ورب الرسل التي أرسلت إلى الناس بأمر الله ونهيه).
ومن قال ﴿عُرْفاً﴾ متتابعة (فتقديره: ورب الملائكة التي أرسلت إلى الأنبياء متتابعة) ورب الرسل الذين أرسلوا إلى الخلق متتابعين. وكذلك التقدير على قول ابن عباس ومن تبعه: هي الرياح.
ويدل (على أنها ليست) الرياح أن يسعدها ذكر الرياح [بلا اختلاف] في قوله: ﴿فَٱلْعَاصِفَاتِ عَصْفاً﴾.
- (ثم قال تعالى: ﴿فَٱلْعَاصِفَاتِ عَصْفاً﴾).
أي: (ورب الرياح العاصفات) أي: الشديدات الهبوب السريعات المر. وهذا قول علي بن أبي طالب وابن مسعود وابن عباس، وغيرهم.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وٱلنَّاشِرَاتِ نَشْراً﴾.
قال ابن مسعود ومجاهد [وقتادة]: هي الرياح لأنها تنشر السحاب.
وقال أبو صالح: هي "المطر"، لأنه ينشر الأرض، أي: [يحييها].
وروى (السدي) عن أبي صالح أنها الملائكة، (قال): [تنشر] [الكتب]. - ثم قال تعالى: ﴿فَٱلْفَارِقَاتِ فَرْقاً﴾.
قال ابن عباس وأبو صالح وسفيان: هي الملائكة، تفرق بالوحي بين الحق والباطل. وقال قتادة: هو القرآن، فرق الله به بين الحق والباطل، كأنه قال: والآيات الفارقات فرقاً.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿فَٱلْمُلْقِيَٰتِ ذِكْراً * عُذْراً﴾.
كلهم قال: هي الملائكة التي تلقي وحي الله إلى رسله، والذكر: القرآن.
* *
ثم قال تعالى: ﴿عُذْراً أَوْ نُذْراً﴾.
أي: تلقي الوحي إلى الرسل إعذاراً من الله لخلقه [وإنذاراً] منه لهم. قاله قتادة وغيره.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَوَٰقِعٌ﴾.
يعني أن البعث والجزاء وجميع ما أخبر الله، كائن واقع [وحادث] لا محالة. و ﴿إِنَّمَا﴾ هو جواب القسم المتقدم.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿فَإِذَا ٱلنُّجُومُ طُمِسَتْ﴾.
أي: ذهب ضوءها فلم يكن لها نور.
﴿وَإِذَا ٱلسَّمَآءُ فُرِجَتْ﴾. أي: شققت وصدعت.
﴿وَإِذَا ٱلْجِبَالُ نُسِفَتْ﴾. أي: نسفت من أصلها.
﴿فَكَانَتْ هَبَآءً مُّنبَثّاً﴾ [الواقعة: ٦]. أي: غباراً متفرقاً.
* *
﴿وَإِذَا ٱلرُّسُلُ أُقِّتَتْ﴾.
أي: أجلت الاجتماع لوقتها يوم القيامة.
قال ابن عباس: ﴿أُقِّتَتْ﴾ "جمعت". وقال مجاهد ﴿أُقِّتَتْ﴾ "أجلت".
وهو من الوقت، فمعناه: [حان] وقتها الذي وعدته به، وذلك يوم القيامة.
وقرأ عيسى بن [عمر] "أُقِتَتْ" بالتخفيف والهمز، وقرأ الحسن. "وُقِتَتْ" بالواو والتخفيف.
وكله من الوقت، والواو هي الأصل، والهمزة بدل منها.
والتخفيف والتشديد لغتان، إلا أن في التشديد معنى التكرير والمبالغة.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿لأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ﴾.
أي: ما أعظمه وأكثر هوله. ففي الكلام معنى التعظيم لليوم والتعجب منه. ومعنى التعجب في هذا أنه تعالى ذكره يعجب العباد من هوله [وفظاعته]، ثم بينه فقال:
* *
- ﴿لِيَوْمِ ٱلْفَصْلِ﴾.
أي: أجلت الرسل ليوم يفصل الله (فيه) بين خلقه، فيأخذ للمظلوم من الظالم ويجزي المحسن بإحسانه والمسيء بإساته.
* *
- ثم قال: ﴿وَمَآ أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ ٱلْفَصْلِ﴾.
أي: وأي شيء أدراك يا محمد ما يوم الفصل؟! فمعناه التعظيم لذلك اليوم لشدته وهوله.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾.
أي: [الوادي] الذي [يسيل] في جهنم من صديد أهلها للمكذبين بذلك اليوم.
وقيل: معناه قبوح لهم ذلك اليوم.
فقوله: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ﴾ هو جواب (إذا) في ما تقدم من الكلام.
- قوله تعالى: ﴿أَلَمْ نُهْلِكِ ٱلأَوَّلِينَ﴾.
يعني قوم نوح وعاد وثمود وشبههم.
* *
- ﴿ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ ٱلآخِرِينَ﴾.
يعني: قوم إبراهيم وأصحاب مدين وقوم فرعون، فيكون ﴿نُتْبِعُهُمُ﴾ على هذا مجزوماً. والتقدير: "وَأَلَمْ نُتْبِعْهُمُ الآخِرِينَ". وبه قرأ الأعرج.
* *
- وقوله: ﴿كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِٱلْمُجْرِمِينَ﴾.
يعني كفار قريش ومن سلك طريقهم من العرب وغيرها.
ورد الجزم أبو حاتم لأنه تأول أن ﴿نُتْبِعُهُمُ﴾ يراد به قريش ومن سلك في التكذيب طريقهم. فلا سبيل إلى الجزم على هذا المعنى لأنه منتظر في المعنى.
ولم لا تدخل على فعل معناه الاستقبال، بل ترده إلى الماضي أبداً.
(وقيل): إن ﴿نُتْبِعُهُمُ﴾ عطف على المعنى، لأن معنى ﴿أَلَمْ نُهْلِكِ﴾: قد أهلكنا.
* *
ثم قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِٱلْمُجْرِمِينَ﴾.
أي: كذلك نهلك من أجرم فاكتسب مخالفة الله ورسوله.
[ثم قال: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾.
وقد تقدم ذكره، وكذلك معنى كل ما في السورة وغيرها منه].
* *
- ثم قال: ﴿أَلَمْ نَخْلُقكُّم مِّن مَّآءٍ [مَّهِينٍ]﴾.
أي: من نطفة ضعيفة. قال ابن عباس: "المهين: الضعيف".
* *
- ثم قال: ﴿فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ﴾.
أي: في رحم استقر فيه فتمكن.
* *
﴿إِلَىٰ قَدَرٍ مَّعْلُومٍ﴾.
أي: إلى وقت خروجه من الرحم.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ ٱلْقَادِرُونَ﴾.
قال الضحاك: معناه "فملكنا فنعم المالكون". وهذا التقدير على قراءة من خفف.
وعلة من شدد أنه أراد به التكرير، لأنه تعالى قدر الإنسان نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم، [ثم]...، [فدل] التشديد على تكرير [الأحوال].
ومن خفف أجراه على لفظ "القادرين" إذ فعله: "قدر مخففاً، فالتخفيف بمعنى الملك والقدرة على ذلك.
والتشديد بمعنى التقدير. فمن شدد ﴿فَقَدَرْنَا﴾ جمع بين معنيين: التقدير [بقدرنا]، والملك "بالقادرين".
ومن خفف جعله كله بمعنى الملك والقدرة.
وقد يستعمل التشديد، وهو بمعنى القدرة أيضاً يقال: قَدَرَ الله كذا وقدَّره، لغتان. فيكون من شدد ﴿فَقَدَرْنَا﴾ جمع بين اللغتين، بقوله: ﴿ٱلْقَادِرُونَ﴾، كما قال: ﴿فَمَهِّلِ ٱلْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً﴾ [الطارق: ١٧]، وقد قال تعالى: ﴿نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ ٱلْمَوْتَ﴾ [الواقعة: ٦٠] مشدداً.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ ٱلأَرْضَ كِفَاتاً * (أَحْيَآءً)﴾
أي: ألم نجعل أيها الناس الأرض لكم وعاءً، أنتم على ظهرها في مساكنكم مجتمعون أحياءً وفي بطنها أمواتاً؟!
[يذكرهم] (الله) بنعمه عليهم.
يقال: كَفَتُّ الشيء إذا جَمَعْتَهُ وأَحْرَزْتَهُ.
روي عن ابن مسعود أنه "وجد قملة في ثوبه فدفنها في المسجد، ثم قال: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ ٱلأَرْضَ كِفَاتاً * أَحْيَآءً وَأَمْوٰتاً﴾.
وقال مجاهد - في الرجل يرى القملة في ثوبه وهو في المسجد - قال: "إن شئت فألقها، وإن شئت [فوارها]. ثم قرأ: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ ٱلأَرْضَ كِفَاتاً...﴾ الآية.
قال الشعبي: ﴿كِفَاتاً﴾: "بطنها لأمواتكم، وظهرها لأحيائكم".
وقال مجاهد: ﴿كِفَاتاً﴾: تكفت أذاهم وما يخرج منهم أحياءً وأمواتاً، أي: تضم ذلك.
ونصب ﴿أَحْيَآءً وَأَمْوٰتاً﴾ "بكفات"، أي: تضم أحياءً وأمواتاً. وقيل: التقدير: كفات أحياء وأموات، أي: ضمهم، [فلما] نون نصب ما بعده، كما تقول: رأيت ضرب زيد. فإن نونت "ضرباً"، نصبت "زيداً" أو رفعته.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ شَامِخَاتٍ﴾.
أي: جبالاً شاهقات، أي" طوالاً مشرفات.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَأَسْقَيْنَاكُم مَّآءً فُرَاتاً﴾.
أي: عذباً قال ابن عباس: وذلك من أربعة أنهار: سيحان وجيحان والنيل والفرات. فكل ما شربه ابن آدم (فهو) من هذه الأنهار، وهي (تخرج من) تحت صخرة عند بيت المقدس. فأما سيحان فهو نهر بلخ، وأما جيحان فهو دجلة بغداد، وأما الفرات فبالكوفة، وأما النيل (فنهر مصر).
* *
- ثم قال تعالى: ﴿ٱنطَلِقُوۤاْ إِلَىٰ مَا كُنتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾.
أي: يقال لهؤلاء المكذبين بآيات الله ونعمه: انطلقوا إلى ما كنتم تكذبون به في الدنيا من عقاب الله لأهل الكفر.
* *
- ﴿ٱنطَلِقُوۤاْ إِلَىٰ ظِلٍّ ذِي ثَلاَثِ شُعَبٍ﴾.
أي: إلى ظل دخان ذي ثلاث شعب. وذلك أنه يرفع وقودها الدخان، فإذا تصعد تفرق على ثلاث شعب، وهو "دخان جهنم".
[وهو قوله: ﴿وَظِلٍّ مِّن يَحْمُومٍ﴾ [الواقعة: ٤٣]، اليحموم: الدخان.
وقد قيل في قوله "﴿ذِي ثَلاَثِ شُعَبٍ﴾ إنه [ظل] الصليب الذي يعبده النصارى. وهو قول شاذ يوجب أن يكون المأمور بهذا، النصارى خاصة. وليست الآية إلا عامة في جميع الكفار، وليس كلهم عبد الصليب، فإنما أمروا إلى ظل دخان جهنم، دخان قد أنفرق على ثلاث شعب]. قال قتادة: هو كقوله: ﴿نَاراً أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا﴾ [الكهف: ٢٩].
* *
- ثم قال تعالى: ﴿لاَّ ظَلِيلٍ وَلاَ يُغْنِي مِنَ ٱللَّهَبِ﴾.
هذا نعت للظل أي: إلى ظل غير ظليل وغير [غانٍ] من اللهب. أي: [لا يظلهم ولا يمنعهم] من لهب جهنم، فلا يمنع عنهم ذلك الظل حرها ولا لهبها. وهذا الوصف مطابق لما روي عن النبي ﷺ: "أَنَّ الشَّمْسَ تَدْنُو مِنْ رُؤُوسِ الخَلاَئِقِ يَوْمَ القِيَامَةِ وَلَيْسَ لَهُمْ لِبَاسٌ وَلاَ لَهُمْ مَا يَسْتَتِرُونَ بِهِ مِنْهَا، فَيُنْجِي اللهُ المُؤْمِنِينَ إلى ظِلٍّ مِنْ ظِلِّهِ، وَيُقَالُ لِلْكُفَّارِ: انْطَلِقُوا إلى مَا كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ مِنْ عَذَابِ اللهِ وَعِقَابِهِ ﴿ٱنطَلِقُوۤاْ إِلَىٰ ظِلٍّ ذِي ثَلاَثِ شُعَبٍ﴾ فَيَنْطَلِقُونَ إلى دُخَانِ جَهَنَّمَ" أفهذا للكفار، لأنه روي: "أَنَّ الخَلاَئِقَ إِذَا اشْتَدَّ عليهم حرُّ الشمس وَدَنَتْ مِنْ رُؤُوسِهِمْ وأَخَذَتْ بِأَنفاسهِم وأشتد ذلك عليهم وكَثُرَ العَرَقُ، واشتد القَلَقُ، نَجَّى اللهُ المؤمنين برحمته إلى ظل من ظله، فهناك يقولون: ﴿فَمَنَّ ٱللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ ٱلسَّمُومِ﴾. ويقال للكفار المكذبين: انطلقوا إلى ما كنتم تُكَذِّبُونَ من عذاب الله وعقابه، انطلقوا إلى ظِلٍّ من دخان جهنم قد سَطَعَ وافترق ثلاثَ فِرَقٍ، فينطلقون ويكونون فيه، وهو أشد من حر الشمس الذي كانوا قد قَلِقُوا فيه. فيُقِيمُون في ظل ذلك الدخان حتى يُفْرَغَ من الحساب، كذلك أولياء الله في ظل عرش الرحمن، وحيث شاء الله حتى يفرغ من الحساب، ثم يؤمر بكل فريق إلى مُسْتَقَرِّهِ من الجنة أو من النار
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَٱلْقَصْرِ﴾.
أي: [إن]: جهنم ترمي ذلك اليوم بشرر كالقصر [المبني]. وقال ابن عباس: "كالقصر العظيم".
قال الحسن: هو واحد القصور.
وروى حجاج عن هارون ﴿كَٱلْقَصْرِ﴾ أي: كالخشب الجزل، وهو جمع قَصْرَة، كجَمْرة وجَمْر، وثَمْرَة وثَمْر.
وقرأ ابن عباس: "كَالْقَصَرِ" بفتح الصاد.
وقرأ ابن جبير والحسن: "كَالْقِصَرِ" بكسر القاف وفتح الصاد.
وعن ابن جبير: كقراءة ابن عباس، القصرة: الخشبة تكون [ثلاث] أذرع أو أكثر، فهو على قراءته جمع قصرة كخشبة وخشب.
وقال مجاهد وقتادة: القَصَر - بالفتح - هو [أصول] النخل. ومن كسر القاف جعله جمع قِصَرَة وقصر، وهي الخشبة أيضاً.
وقال المبرد: قيل: القَصْرُ: الجزل من الحطب الغليظ، واحدته قَصْرَةٌ، كَجَمْرَة وجمر.
والقَصْرُ في هذا الموضع إذا جعلته أحد القُصُورِ فهو واحد يدل [على الجمع]، ولذلك جعل نعتاً لـِ "شَرَرٍ" وهي جماعة.
فإن جعلته جمع قَصْرَةٍ جئت به في النعت بالجمع كالمنعوت، وقد [قال]: ﴿سَيُهْزَمُ ٱلْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ ٱلدُّبُرَ﴾ [القمر: ٤٥]، فَوَحَّدَ (و) لم يقل: "الأدبار"؟ لأن الدبر بمعنى الجمع، وفعل ذلك توفيقاً بين رؤوس [الآي] ومقاطع الكلام، إذ كان ذلك شأن العرب، والقرآنُ بلسانها نزل فَجَرَتْ [ألفاظه] على عادتها في لغتها وكلامها [وسجعها]، وقد قال تعالى: ﴿تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَٱلَّذِي يُغْشَىٰ عَلَيْهِ مِنَ ٱلْمَوْتِ﴾ [الأحزاب: ١٩]، ولم يقل: "كعيون الذين". وهو المعني لأن المراد في التشبيه الفعل لا العين.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿كَأَنَّهُ جِمَٰلَتٌ صُفْرٌ﴾.
أي: كأن ذلك الشرر الذي هو كالقصر: نُوقٌ سُودٌ. فالصفرة هنا بمعنى السواد، وإنما وقعت الصفرة في موضع السواد لأن ألوان الإبل السود تضرب إلى الصفرة، كما سميت [الظباء] "أُدْماً" لِمَا يَعْلُوهَا في بياضها من الظلمة.
قال الحسن: ﴿جِمَٰلَتٌ صُفْرٌ﴾ [أَيْنُقٌ] سود، وهو قول قتادة ومجاهد.
وقال ابن عباس: عنى بذلك قلوس السفن، يعني حبال السفن.
شبهت الشرر بحبال السفينة. والقَلْسُ. الحبلُ.
وعن ابن عباس أيضاً: ﴿جِمَٰلَتٌ صُفْرٌ﴾: "قِطَعُ النّحَاسِ" وهو جمع جِمَالَةٍ [وجِمَالَةٌ]: جمع جمل.
(ومن قرأ (جِمَالَةٌ) جعله جمع جَمَل).
وقد قرأ (أبو) أيوب: "جُمَالاَت" - بضم الجيم - كأنه جمع جَمَلاً (على جُمَالٍ) كما يجمع رَخِلٌ على رُخَالٍ. ثم جمع "جُمَالاً" على جُمَالاَت، لأن باب "فَعَل" و "فُعَل" واحد.
ويجوز (أن) يكون من الشيء المجمل.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾.
وقد تقدم ذكره.
المرسلات 77:20
قوله تعالى: ﴿وَٱلْمُرْسَلاَتِ عُرْفاً﴾، إلى قوله: ﴿كَأَنَّهُ جِمَٰلَتٌ صُفْرٌ * وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾.
قال ابن عباس وابن مسعود ومجاهد وأبو صالح وقتادة: ﴿(وَ)ٱلْمُرْسَلاَتِ﴾: الرياح، ﴿عُرْفاً﴾: يتبع بعضها بعضاً.
وقال مسروق: ﴿وَٱلْمُرْسَلاَتِ﴾: "الملائكة" ﴿عُرْفاً﴾ أي: ترسل بالعرف.
عن أبي صالح أيضاً أنها "الرسل، ترسل بالمعروف". وقيل: ﴿عُرْفاً﴾ أي: متتابعة كتتابع عرف الفرس.
والتقدير على قول مسروق: ورب الملائكة التي أرسلت إلى الأنبياء بأمر الله ونهيه (وذلك هو المعروف.
وعلى قول أبي صالح: ورب الرسل التي أرسلت إلى الناس بأمر الله ونهيه).
ومن قال ﴿عُرْفاً﴾ متتابعة (فتقديره: ورب الملائكة التي أرسلت إلى الأنبياء متتابعة) ورب الرسل الذين أرسلوا إلى الخلق متتابعين. وكذلك التقدير على قول ابن عباس ومن تبعه: هي الرياح.
ويدل (على أنها ليست) الرياح أن يسعدها ذكر الرياح [بلا اختلاف] في قوله: ﴿فَٱلْعَاصِفَاتِ عَصْفاً﴾.
- (ثم قال تعالى: ﴿فَٱلْعَاصِفَاتِ عَصْفاً﴾).
أي: (ورب الرياح العاصفات) أي: الشديدات الهبوب السريعات المر. وهذا قول علي بن أبي طالب وابن مسعود وابن عباس، وغيرهم.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وٱلنَّاشِرَاتِ نَشْراً﴾.
قال ابن مسعود ومجاهد [وقتادة]: هي الرياح لأنها تنشر السحاب.
وقال أبو صالح: هي "المطر"، لأنه ينشر الأرض، أي: [يحييها].
وروى (السدي) عن أبي صالح أنها الملائكة، (قال): [تنشر] [الكتب]. - ثم قال تعالى: ﴿فَٱلْفَارِقَاتِ فَرْقاً﴾.
قال ابن عباس وأبو صالح وسفيان: هي الملائكة، تفرق بالوحي بين الحق والباطل. وقال قتادة: هو القرآن، فرق الله به بين الحق والباطل، كأنه قال: والآيات الفارقات فرقاً.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿فَٱلْمُلْقِيَٰتِ ذِكْراً * عُذْراً﴾.
كلهم قال: هي الملائكة التي تلقي وحي الله إلى رسله، والذكر: القرآن.
* *
ثم قال تعالى: ﴿عُذْراً أَوْ نُذْراً﴾.
أي: تلقي الوحي إلى الرسل إعذاراً من الله لخلقه [وإنذاراً] منه لهم. قاله قتادة وغيره.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَوَٰقِعٌ﴾.
يعني أن البعث والجزاء وجميع ما أخبر الله، كائن واقع [وحادث] لا محالة. و ﴿إِنَّمَا﴾ هو جواب القسم المتقدم.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿فَإِذَا ٱلنُّجُومُ طُمِسَتْ﴾.
أي: ذهب ضوءها فلم يكن لها نور.
﴿وَإِذَا ٱلسَّمَآءُ فُرِجَتْ﴾. أي: شققت وصدعت.
﴿وَإِذَا ٱلْجِبَالُ نُسِفَتْ﴾. أي: نسفت من أصلها.
﴿فَكَانَتْ هَبَآءً مُّنبَثّاً﴾ [الواقعة: ٦]. أي: غباراً متفرقاً.
* *
﴿وَإِذَا ٱلرُّسُلُ أُقِّتَتْ﴾.
أي: أجلت الاجتماع لوقتها يوم القيامة.
قال ابن عباس: ﴿أُقِّتَتْ﴾ "جمعت". وقال مجاهد ﴿أُقِّتَتْ﴾ "أجلت".
وهو من الوقت، فمعناه: [حان] وقتها الذي وعدته به، وذلك يوم القيامة.
وقرأ عيسى بن [عمر] "أُقِتَتْ" بالتخفيف والهمز، وقرأ الحسن. "وُقِتَتْ" بالواو والتخفيف.
وكله من الوقت، والواو هي الأصل، والهمزة بدل منها.
والتخفيف والتشديد لغتان، إلا أن في التشديد معنى التكرير والمبالغة.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿لأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ﴾.
أي: ما أعظمه وأكثر هوله. ففي الكلام معنى التعظيم لليوم والتعجب منه. ومعنى التعجب في هذا أنه تعالى ذكره يعجب العباد من هوله [وفظاعته]، ثم بينه فقال:
* *
- ﴿لِيَوْمِ ٱلْفَصْلِ﴾.
أي: أجلت الرسل ليوم يفصل الله (فيه) بين خلقه، فيأخذ للمظلوم من الظالم ويجزي المحسن بإحسانه والمسيء بإساته.
* *
- ثم قال: ﴿وَمَآ أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ ٱلْفَصْلِ﴾.
أي: وأي شيء أدراك يا محمد ما يوم الفصل؟! فمعناه التعظيم لذلك اليوم لشدته وهوله.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾.
أي: [الوادي] الذي [يسيل] في جهنم من صديد أهلها للمكذبين بذلك اليوم.
وقيل: معناه قبوح لهم ذلك اليوم.
فقوله: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ﴾ هو جواب (إذا) في ما تقدم من الكلام.
- قوله تعالى: ﴿أَلَمْ نُهْلِكِ ٱلأَوَّلِينَ﴾.
يعني قوم نوح وعاد وثمود وشبههم.
* *
- ﴿ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ ٱلآخِرِينَ﴾.
يعني: قوم إبراهيم وأصحاب مدين وقوم فرعون، فيكون ﴿نُتْبِعُهُمُ﴾ على هذا مجزوماً. والتقدير: "وَأَلَمْ نُتْبِعْهُمُ الآخِرِينَ". وبه قرأ الأعرج.
* *
- وقوله: ﴿كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِٱلْمُجْرِمِينَ﴾.
يعني كفار قريش ومن سلك طريقهم من العرب وغيرها.
ورد الجزم أبو حاتم لأنه تأول أن ﴿نُتْبِعُهُمُ﴾ يراد به قريش ومن سلك في التكذيب طريقهم. فلا سبيل إلى الجزم على هذا المعنى لأنه منتظر في المعنى.
ولم لا تدخل على فعل معناه الاستقبال، بل ترده إلى الماضي أبداً.
(وقيل): إن ﴿نُتْبِعُهُمُ﴾ عطف على المعنى، لأن معنى ﴿أَلَمْ نُهْلِكِ﴾: قد أهلكنا.
* *
ثم قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِٱلْمُجْرِمِينَ﴾.
أي: كذلك نهلك من أجرم فاكتسب مخالفة الله ورسوله.
[ثم قال: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾.
وقد تقدم ذكره، وكذلك معنى كل ما في السورة وغيرها منه].
* *
- ثم قال: ﴿أَلَمْ نَخْلُقكُّم مِّن مَّآءٍ [مَّهِينٍ]﴾.
أي: من نطفة ضعيفة. قال ابن عباس: "المهين: الضعيف".
* *
- ثم قال: ﴿فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ﴾.
أي: في رحم استقر فيه فتمكن.
* *
﴿إِلَىٰ قَدَرٍ مَّعْلُومٍ﴾.
أي: إلى وقت خروجه من الرحم.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ ٱلْقَادِرُونَ﴾.
قال الضحاك: معناه "فملكنا فنعم المالكون". وهذا التقدير على قراءة من خفف.
وعلة من شدد أنه أراد به التكرير، لأنه تعالى قدر الإنسان نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم، [ثم]...، [فدل] التشديد على تكرير [الأحوال].
ومن خفف أجراه على لفظ "القادرين" إذ فعله: "قدر مخففاً، فالتخفيف بمعنى الملك والقدرة على ذلك.
والتشديد بمعنى التقدير. فمن شدد ﴿فَقَدَرْنَا﴾ جمع بين معنيين: التقدير [بقدرنا]، والملك "بالقادرين".
ومن خفف جعله كله بمعنى الملك والقدرة.
وقد يستعمل التشديد، وهو بمعنى القدرة أيضاً يقال: قَدَرَ الله كذا وقدَّره، لغتان. فيكون من شدد ﴿فَقَدَرْنَا﴾ جمع بين اللغتين، بقوله: ﴿ٱلْقَادِرُونَ﴾، كما قال: ﴿فَمَهِّلِ ٱلْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً﴾ [الطارق: ١٧]، وقد قال تعالى: ﴿نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ ٱلْمَوْتَ﴾ [الواقعة: ٦٠] مشدداً.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ ٱلأَرْضَ كِفَاتاً * (أَحْيَآءً)﴾
أي: ألم نجعل أيها الناس الأرض لكم وعاءً، أنتم على ظهرها في مساكنكم مجتمعون أحياءً وفي بطنها أمواتاً؟!
[يذكرهم] (الله) بنعمه عليهم.
يقال: كَفَتُّ الشيء إذا جَمَعْتَهُ وأَحْرَزْتَهُ.
روي عن ابن مسعود أنه "وجد قملة في ثوبه فدفنها في المسجد، ثم قال: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ ٱلأَرْضَ كِفَاتاً * أَحْيَآءً وَأَمْوٰتاً﴾.
وقال مجاهد - في الرجل يرى القملة في ثوبه وهو في المسجد - قال: "إن شئت فألقها، وإن شئت [فوارها]. ثم قرأ: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ ٱلأَرْضَ كِفَاتاً...﴾ الآية.
قال الشعبي: ﴿كِفَاتاً﴾: "بطنها لأمواتكم، وظهرها لأحيائكم".
وقال مجاهد: ﴿كِفَاتاً﴾: تكفت أذاهم وما يخرج منهم أحياءً وأمواتاً، أي: تضم ذلك.
ونصب ﴿أَحْيَآءً وَأَمْوٰتاً﴾ "بكفات"، أي: تضم أحياءً وأمواتاً. وقيل: التقدير: كفات أحياء وأموات، أي: ضمهم، [فلما] نون نصب ما بعده، كما تقول: رأيت ضرب زيد. فإن نونت "ضرباً"، نصبت "زيداً" أو رفعته.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ شَامِخَاتٍ﴾.
أي: جبالاً شاهقات، أي" طوالاً مشرفات.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَأَسْقَيْنَاكُم مَّآءً فُرَاتاً﴾.
أي: عذباً قال ابن عباس: وذلك من أربعة أنهار: سيحان وجيحان والنيل والفرات. فكل ما شربه ابن آدم (فهو) من هذه الأنهار، وهي (تخرج من) تحت صخرة عند بيت المقدس. فأما سيحان فهو نهر بلخ، وأما جيحان فهو دجلة بغداد، وأما الفرات فبالكوفة، وأما النيل (فنهر مصر).
* *
- ثم قال تعالى: ﴿ٱنطَلِقُوۤاْ إِلَىٰ مَا كُنتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾.
أي: يقال لهؤلاء المكذبين بآيات الله ونعمه: انطلقوا إلى ما كنتم تكذبون به في الدنيا من عقاب الله لأهل الكفر.
* *
- ﴿ٱنطَلِقُوۤاْ إِلَىٰ ظِلٍّ ذِي ثَلاَثِ شُعَبٍ﴾.
أي: إلى ظل دخان ذي ثلاث شعب. وذلك أنه يرفع وقودها الدخان، فإذا تصعد تفرق على ثلاث شعب، وهو "دخان جهنم".
[وهو قوله: ﴿وَظِلٍّ مِّن يَحْمُومٍ﴾ [الواقعة: ٤٣]، اليحموم: الدخان.
وقد قيل في قوله "﴿ذِي ثَلاَثِ شُعَبٍ﴾ إنه [ظل] الصليب الذي يعبده النصارى. وهو قول شاذ يوجب أن يكون المأمور بهذا، النصارى خاصة. وليست الآية إلا عامة في جميع الكفار، وليس كلهم عبد الصليب، فإنما أمروا إلى ظل دخان جهنم، دخان قد أنفرق على ثلاث شعب]. قال قتادة: هو كقوله: ﴿نَاراً أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا﴾ [الكهف: ٢٩].
* *
- ثم قال تعالى: ﴿لاَّ ظَلِيلٍ وَلاَ يُغْنِي مِنَ ٱللَّهَبِ﴾.
هذا نعت للظل أي: إلى ظل غير ظليل وغير [غانٍ] من اللهب. أي: [لا يظلهم ولا يمنعهم] من لهب جهنم، فلا يمنع عنهم ذلك الظل حرها ولا لهبها. وهذا الوصف مطابق لما روي عن النبي ﷺ: "أَنَّ الشَّمْسَ تَدْنُو مِنْ رُؤُوسِ الخَلاَئِقِ يَوْمَ القِيَامَةِ وَلَيْسَ لَهُمْ لِبَاسٌ وَلاَ لَهُمْ مَا يَسْتَتِرُونَ بِهِ مِنْهَا، فَيُنْجِي اللهُ المُؤْمِنِينَ إلى ظِلٍّ مِنْ ظِلِّهِ، وَيُقَالُ لِلْكُفَّارِ: انْطَلِقُوا إلى مَا كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ مِنْ عَذَابِ اللهِ وَعِقَابِهِ ﴿ٱنطَلِقُوۤاْ إِلَىٰ ظِلٍّ ذِي ثَلاَثِ شُعَبٍ﴾ فَيَنْطَلِقُونَ إلى دُخَانِ جَهَنَّمَ" أفهذا للكفار، لأنه روي: "أَنَّ الخَلاَئِقَ إِذَا اشْتَدَّ عليهم حرُّ الشمس وَدَنَتْ مِنْ رُؤُوسِهِمْ وأَخَذَتْ بِأَنفاسهِم وأشتد ذلك عليهم وكَثُرَ العَرَقُ، واشتد القَلَقُ، نَجَّى اللهُ المؤمنين برحمته إلى ظل من ظله، فهناك يقولون: ﴿فَمَنَّ ٱللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ ٱلسَّمُومِ﴾. ويقال للكفار المكذبين: انطلقوا إلى ما كنتم تُكَذِّبُونَ من عذاب الله وعقابه، انطلقوا إلى ظِلٍّ من دخان جهنم قد سَطَعَ وافترق ثلاثَ فِرَقٍ، فينطلقون ويكونون فيه، وهو أشد من حر الشمس الذي كانوا قد قَلِقُوا فيه. فيُقِيمُون في ظل ذلك الدخان حتى يُفْرَغَ من الحساب، كذلك أولياء الله في ظل عرش الرحمن، وحيث شاء الله حتى يفرغ من الحساب، ثم يؤمر بكل فريق إلى مُسْتَقَرِّهِ من الجنة أو من النار
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَٱلْقَصْرِ﴾.
أي: [إن]: جهنم ترمي ذلك اليوم بشرر كالقصر [المبني]. وقال ابن عباس: "كالقصر العظيم".
قال الحسن: هو واحد القصور.
وروى حجاج عن هارون ﴿كَٱلْقَصْرِ﴾ أي: كالخشب الجزل، وهو جمع قَصْرَة، كجَمْرة وجَمْر، وثَمْرَة وثَمْر.
وقرأ ابن عباس: "كَالْقَصَرِ" بفتح الصاد.
وقرأ ابن جبير والحسن: "كَالْقِصَرِ" بكسر القاف وفتح الصاد.
وعن ابن جبير: كقراءة ابن عباس، القصرة: الخشبة تكون [ثلاث] أذرع أو أكثر، فهو على قراءته جمع قصرة كخشبة وخشب.
وقال مجاهد وقتادة: القَصَر - بالفتح - هو [أصول] النخل. ومن كسر القاف جعله جمع قِصَرَة وقصر، وهي الخشبة أيضاً.
وقال المبرد: قيل: القَصْرُ: الجزل من الحطب الغليظ، واحدته قَصْرَةٌ، كَجَمْرَة وجمر.
والقَصْرُ في هذا الموضع إذا جعلته أحد القُصُورِ فهو واحد يدل [على الجمع]، ولذلك جعل نعتاً لـِ "شَرَرٍ" وهي جماعة.
فإن جعلته جمع قَصْرَةٍ جئت به في النعت بالجمع كالمنعوت، وقد [قال]: ﴿سَيُهْزَمُ ٱلْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ ٱلدُّبُرَ﴾ [القمر: ٤٥]، فَوَحَّدَ (و) لم يقل: "الأدبار"؟ لأن الدبر بمعنى الجمع، وفعل ذلك توفيقاً بين رؤوس [الآي] ومقاطع الكلام، إذ كان ذلك شأن العرب، والقرآنُ بلسانها نزل فَجَرَتْ [ألفاظه] على عادتها في لغتها وكلامها [وسجعها]، وقد قال تعالى: ﴿تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَٱلَّذِي يُغْشَىٰ عَلَيْهِ مِنَ ٱلْمَوْتِ﴾ [الأحزاب: ١٩]، ولم يقل: "كعيون الذين". وهو المعني لأن المراد في التشبيه الفعل لا العين.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿كَأَنَّهُ جِمَٰلَتٌ صُفْرٌ﴾.
أي: كأن ذلك الشرر الذي هو كالقصر: نُوقٌ سُودٌ. فالصفرة هنا بمعنى السواد، وإنما وقعت الصفرة في موضع السواد لأن ألوان الإبل السود تضرب إلى الصفرة، كما سميت [الظباء] "أُدْماً" لِمَا يَعْلُوهَا في بياضها من الظلمة.
قال الحسن: ﴿جِمَٰلَتٌ صُفْرٌ﴾ [أَيْنُقٌ] سود، وهو قول قتادة ومجاهد.
وقال ابن عباس: عنى بذلك قلوس السفن، يعني حبال السفن.
شبهت الشرر بحبال السفينة. والقَلْسُ. الحبلُ.
وعن ابن عباس أيضاً: ﴿جِمَٰلَتٌ صُفْرٌ﴾: "قِطَعُ النّحَاسِ" وهو جمع جِمَالَةٍ [وجِمَالَةٌ]: جمع جمل.
(ومن قرأ (جِمَالَةٌ) جعله جمع جَمَل).
وقد قرأ (أبو) أيوب: "جُمَالاَت" - بضم الجيم - كأنه جمع جَمَلاً (على جُمَالٍ) كما يجمع رَخِلٌ على رُخَالٍ. ثم جمع "جُمَالاً" على جُمَالاَت، لأن باب "فَعَل" و "فُعَل" واحد.
ويجوز (أن) يكون من الشيء المجمل.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾.
وقد تقدم ذكره.
المرسلات 77:21
قوله تعالى: ﴿وَٱلْمُرْسَلاَتِ عُرْفاً﴾، إلى قوله: ﴿كَأَنَّهُ جِمَٰلَتٌ صُفْرٌ * وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾.
قال ابن عباس وابن مسعود ومجاهد وأبو صالح وقتادة: ﴿(وَ)ٱلْمُرْسَلاَتِ﴾: الرياح، ﴿عُرْفاً﴾: يتبع بعضها بعضاً.
وقال مسروق: ﴿وَٱلْمُرْسَلاَتِ﴾: "الملائكة" ﴿عُرْفاً﴾ أي: ترسل بالعرف.
عن أبي صالح أيضاً أنها "الرسل، ترسل بالمعروف". وقيل: ﴿عُرْفاً﴾ أي: متتابعة كتتابع عرف الفرس.
والتقدير على قول مسروق: ورب الملائكة التي أرسلت إلى الأنبياء بأمر الله ونهيه (وذلك هو المعروف.
وعلى قول أبي صالح: ورب الرسل التي أرسلت إلى الناس بأمر الله ونهيه).
ومن قال ﴿عُرْفاً﴾ متتابعة (فتقديره: ورب الملائكة التي أرسلت إلى الأنبياء متتابعة) ورب الرسل الذين أرسلوا إلى الخلق متتابعين. وكذلك التقدير على قول ابن عباس ومن تبعه: هي الرياح.
ويدل (على أنها ليست) الرياح أن يسعدها ذكر الرياح [بلا اختلاف] في قوله: ﴿فَٱلْعَاصِفَاتِ عَصْفاً﴾.
- (ثم قال تعالى: ﴿فَٱلْعَاصِفَاتِ عَصْفاً﴾).
أي: (ورب الرياح العاصفات) أي: الشديدات الهبوب السريعات المر. وهذا قول علي بن أبي طالب وابن مسعود وابن عباس، وغيرهم.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وٱلنَّاشِرَاتِ نَشْراً﴾.
قال ابن مسعود ومجاهد [وقتادة]: هي الرياح لأنها تنشر السحاب.
وقال أبو صالح: هي "المطر"، لأنه ينشر الأرض، أي: [يحييها].
وروى (السدي) عن أبي صالح أنها الملائكة، (قال): [تنشر] [الكتب]. - ثم قال تعالى: ﴿فَٱلْفَارِقَاتِ فَرْقاً﴾.
قال ابن عباس وأبو صالح وسفيان: هي الملائكة، تفرق بالوحي بين الحق والباطل. وقال قتادة: هو القرآن، فرق الله به بين الحق والباطل، كأنه قال: والآيات الفارقات فرقاً.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿فَٱلْمُلْقِيَٰتِ ذِكْراً * عُذْراً﴾.
كلهم قال: هي الملائكة التي تلقي وحي الله إلى رسله، والذكر: القرآن.
* *
ثم قال تعالى: ﴿عُذْراً أَوْ نُذْراً﴾.
أي: تلقي الوحي إلى الرسل إعذاراً من الله لخلقه [وإنذاراً] منه لهم. قاله قتادة وغيره.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَوَٰقِعٌ﴾.
يعني أن البعث والجزاء وجميع ما أخبر الله، كائن واقع [وحادث] لا محالة. و ﴿إِنَّمَا﴾ هو جواب القسم المتقدم.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿فَإِذَا ٱلنُّجُومُ طُمِسَتْ﴾.
أي: ذهب ضوءها فلم يكن لها نور.
﴿وَإِذَا ٱلسَّمَآءُ فُرِجَتْ﴾. أي: شققت وصدعت.
﴿وَإِذَا ٱلْجِبَالُ نُسِفَتْ﴾. أي: نسفت من أصلها.
﴿فَكَانَتْ هَبَآءً مُّنبَثّاً﴾ [الواقعة: ٦]. أي: غباراً متفرقاً.
* *
﴿وَإِذَا ٱلرُّسُلُ أُقِّتَتْ﴾.
أي: أجلت الاجتماع لوقتها يوم القيامة.
قال ابن عباس: ﴿أُقِّتَتْ﴾ "جمعت". وقال مجاهد ﴿أُقِّتَتْ﴾ "أجلت".
وهو من الوقت، فمعناه: [حان] وقتها الذي وعدته به، وذلك يوم القيامة.
وقرأ عيسى بن [عمر] "أُقِتَتْ" بالتخفيف والهمز، وقرأ الحسن. "وُقِتَتْ" بالواو والتخفيف.
وكله من الوقت، والواو هي الأصل، والهمزة بدل منها.
والتخفيف والتشديد لغتان، إلا أن في التشديد معنى التكرير والمبالغة.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿لأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ﴾.
أي: ما أعظمه وأكثر هوله. ففي الكلام معنى التعظيم لليوم والتعجب منه. ومعنى التعجب في هذا أنه تعالى ذكره يعجب العباد من هوله [وفظاعته]، ثم بينه فقال:
* *
- ﴿لِيَوْمِ ٱلْفَصْلِ﴾.
أي: أجلت الرسل ليوم يفصل الله (فيه) بين خلقه، فيأخذ للمظلوم من الظالم ويجزي المحسن بإحسانه والمسيء بإساته.
* *
- ثم قال: ﴿وَمَآ أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ ٱلْفَصْلِ﴾.
أي: وأي شيء أدراك يا محمد ما يوم الفصل؟! فمعناه التعظيم لذلك اليوم لشدته وهوله.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾.
أي: [الوادي] الذي [يسيل] في جهنم من صديد أهلها للمكذبين بذلك اليوم.
وقيل: معناه قبوح لهم ذلك اليوم.
فقوله: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ﴾ هو جواب (إذا) في ما تقدم من الكلام.
- قوله تعالى: ﴿أَلَمْ نُهْلِكِ ٱلأَوَّلِينَ﴾.
يعني قوم نوح وعاد وثمود وشبههم.
* *
- ﴿ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ ٱلآخِرِينَ﴾.
يعني: قوم إبراهيم وأصحاب مدين وقوم فرعون، فيكون ﴿نُتْبِعُهُمُ﴾ على هذا مجزوماً. والتقدير: "وَأَلَمْ نُتْبِعْهُمُ الآخِرِينَ". وبه قرأ الأعرج.
* *
- وقوله: ﴿كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِٱلْمُجْرِمِينَ﴾.
يعني كفار قريش ومن سلك طريقهم من العرب وغيرها.
ورد الجزم أبو حاتم لأنه تأول أن ﴿نُتْبِعُهُمُ﴾ يراد به قريش ومن سلك في التكذيب طريقهم. فلا سبيل إلى الجزم على هذا المعنى لأنه منتظر في المعنى.
ولم لا تدخل على فعل معناه الاستقبال، بل ترده إلى الماضي أبداً.
(وقيل): إن ﴿نُتْبِعُهُمُ﴾ عطف على المعنى، لأن معنى ﴿أَلَمْ نُهْلِكِ﴾: قد أهلكنا.
* *
ثم قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِٱلْمُجْرِمِينَ﴾.
أي: كذلك نهلك من أجرم فاكتسب مخالفة الله ورسوله.
[ثم قال: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾.
وقد تقدم ذكره، وكذلك معنى كل ما في السورة وغيرها منه].
* *
- ثم قال: ﴿أَلَمْ نَخْلُقكُّم مِّن مَّآءٍ [مَّهِينٍ]﴾.
أي: من نطفة ضعيفة. قال ابن عباس: "المهين: الضعيف".
* *
- ثم قال: ﴿فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ﴾.
أي: في رحم استقر فيه فتمكن.
* *
﴿إِلَىٰ قَدَرٍ مَّعْلُومٍ﴾.
أي: إلى وقت خروجه من الرحم.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ ٱلْقَادِرُونَ﴾.
قال الضحاك: معناه "فملكنا فنعم المالكون". وهذا التقدير على قراءة من خفف.
وعلة من شدد أنه أراد به التكرير، لأنه تعالى قدر الإنسان نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم، [ثم]...، [فدل] التشديد على تكرير [الأحوال].
ومن خفف أجراه على لفظ "القادرين" إذ فعله: "قدر مخففاً، فالتخفيف بمعنى الملك والقدرة على ذلك.
والتشديد بمعنى التقدير. فمن شدد ﴿فَقَدَرْنَا﴾ جمع بين معنيين: التقدير [بقدرنا]، والملك "بالقادرين".
ومن خفف جعله كله بمعنى الملك والقدرة.
وقد يستعمل التشديد، وهو بمعنى القدرة أيضاً يقال: قَدَرَ الله كذا وقدَّره، لغتان. فيكون من شدد ﴿فَقَدَرْنَا﴾ جمع بين اللغتين، بقوله: ﴿ٱلْقَادِرُونَ﴾، كما قال: ﴿فَمَهِّلِ ٱلْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً﴾ [الطارق: ١٧]، وقد قال تعالى: ﴿نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ ٱلْمَوْتَ﴾ [الواقعة: ٦٠] مشدداً.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ ٱلأَرْضَ كِفَاتاً * (أَحْيَآءً)﴾
أي: ألم نجعل أيها الناس الأرض لكم وعاءً، أنتم على ظهرها في مساكنكم مجتمعون أحياءً وفي بطنها أمواتاً؟!
[يذكرهم] (الله) بنعمه عليهم.
يقال: كَفَتُّ الشيء إذا جَمَعْتَهُ وأَحْرَزْتَهُ.
روي عن ابن مسعود أنه "وجد قملة في ثوبه فدفنها في المسجد، ثم قال: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ ٱلأَرْضَ كِفَاتاً * أَحْيَآءً وَأَمْوٰتاً﴾.
وقال مجاهد - في الرجل يرى القملة في ثوبه وهو في المسجد - قال: "إن شئت فألقها، وإن شئت [فوارها]. ثم قرأ: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ ٱلأَرْضَ كِفَاتاً...﴾ الآية.
قال الشعبي: ﴿كِفَاتاً﴾: "بطنها لأمواتكم، وظهرها لأحيائكم".
وقال مجاهد: ﴿كِفَاتاً﴾: تكفت أذاهم وما يخرج منهم أحياءً وأمواتاً، أي: تضم ذلك.
ونصب ﴿أَحْيَآءً وَأَمْوٰتاً﴾ "بكفات"، أي: تضم أحياءً وأمواتاً. وقيل: التقدير: كفات أحياء وأموات، أي: ضمهم، [فلما] نون نصب ما بعده، كما تقول: رأيت ضرب زيد. فإن نونت "ضرباً"، نصبت "زيداً" أو رفعته.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ شَامِخَاتٍ﴾.
أي: جبالاً شاهقات، أي" طوالاً مشرفات.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَأَسْقَيْنَاكُم مَّآءً فُرَاتاً﴾.
أي: عذباً قال ابن عباس: وذلك من أربعة أنهار: سيحان وجيحان والنيل والفرات. فكل ما شربه ابن آدم (فهو) من هذه الأنهار، وهي (تخرج من) تحت صخرة عند بيت المقدس. فأما سيحان فهو نهر بلخ، وأما جيحان فهو دجلة بغداد، وأما الفرات فبالكوفة، وأما النيل (فنهر مصر).
* *
- ثم قال تعالى: ﴿ٱنطَلِقُوۤاْ إِلَىٰ مَا كُنتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾.
أي: يقال لهؤلاء المكذبين بآيات الله ونعمه: انطلقوا إلى ما كنتم تكذبون به في الدنيا من عقاب الله لأهل الكفر.
* *
- ﴿ٱنطَلِقُوۤاْ إِلَىٰ ظِلٍّ ذِي ثَلاَثِ شُعَبٍ﴾.
أي: إلى ظل دخان ذي ثلاث شعب. وذلك أنه يرفع وقودها الدخان، فإذا تصعد تفرق على ثلاث شعب، وهو "دخان جهنم".
[وهو قوله: ﴿وَظِلٍّ مِّن يَحْمُومٍ﴾ [الواقعة: ٤٣]، اليحموم: الدخان.
وقد قيل في قوله "﴿ذِي ثَلاَثِ شُعَبٍ﴾ إنه [ظل] الصليب الذي يعبده النصارى. وهو قول شاذ يوجب أن يكون المأمور بهذا، النصارى خاصة. وليست الآية إلا عامة في جميع الكفار، وليس كلهم عبد الصليب، فإنما أمروا إلى ظل دخان جهنم، دخان قد أنفرق على ثلاث شعب]. قال قتادة: هو كقوله: ﴿نَاراً أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا﴾ [الكهف: ٢٩].
* *
- ثم قال تعالى: ﴿لاَّ ظَلِيلٍ وَلاَ يُغْنِي مِنَ ٱللَّهَبِ﴾.
هذا نعت للظل أي: إلى ظل غير ظليل وغير [غانٍ] من اللهب. أي: [لا يظلهم ولا يمنعهم] من لهب جهنم، فلا يمنع عنهم ذلك الظل حرها ولا لهبها. وهذا الوصف مطابق لما روي عن النبي ﷺ: "أَنَّ الشَّمْسَ تَدْنُو مِنْ رُؤُوسِ الخَلاَئِقِ يَوْمَ القِيَامَةِ وَلَيْسَ لَهُمْ لِبَاسٌ وَلاَ لَهُمْ مَا يَسْتَتِرُونَ بِهِ مِنْهَا، فَيُنْجِي اللهُ المُؤْمِنِينَ إلى ظِلٍّ مِنْ ظِلِّهِ، وَيُقَالُ لِلْكُفَّارِ: انْطَلِقُوا إلى مَا كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ مِنْ عَذَابِ اللهِ وَعِقَابِهِ ﴿ٱنطَلِقُوۤاْ إِلَىٰ ظِلٍّ ذِي ثَلاَثِ شُعَبٍ﴾ فَيَنْطَلِقُونَ إلى دُخَانِ جَهَنَّمَ" أفهذا للكفار، لأنه روي: "أَنَّ الخَلاَئِقَ إِذَا اشْتَدَّ عليهم حرُّ الشمس وَدَنَتْ مِنْ رُؤُوسِهِمْ وأَخَذَتْ بِأَنفاسهِم وأشتد ذلك عليهم وكَثُرَ العَرَقُ، واشتد القَلَقُ، نَجَّى اللهُ المؤمنين برحمته إلى ظل من ظله، فهناك يقولون: ﴿فَمَنَّ ٱللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ ٱلسَّمُومِ﴾. ويقال للكفار المكذبين: انطلقوا إلى ما كنتم تُكَذِّبُونَ من عذاب الله وعقابه، انطلقوا إلى ظِلٍّ من دخان جهنم قد سَطَعَ وافترق ثلاثَ فِرَقٍ، فينطلقون ويكونون فيه، وهو أشد من حر الشمس الذي كانوا قد قَلِقُوا فيه. فيُقِيمُون في ظل ذلك الدخان حتى يُفْرَغَ من الحساب، كذلك أولياء الله في ظل عرش الرحمن، وحيث شاء الله حتى يفرغ من الحساب، ثم يؤمر بكل فريق إلى مُسْتَقَرِّهِ من الجنة أو من النار
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَٱلْقَصْرِ﴾.
أي: [إن]: جهنم ترمي ذلك اليوم بشرر كالقصر [المبني]. وقال ابن عباس: "كالقصر العظيم".
قال الحسن: هو واحد القصور.
وروى حجاج عن هارون ﴿كَٱلْقَصْرِ﴾ أي: كالخشب الجزل، وهو جمع قَصْرَة، كجَمْرة وجَمْر، وثَمْرَة وثَمْر.
وقرأ ابن عباس: "كَالْقَصَرِ" بفتح الصاد.
وقرأ ابن جبير والحسن: "كَالْقِصَرِ" بكسر القاف وفتح الصاد.
وعن ابن جبير: كقراءة ابن عباس، القصرة: الخشبة تكون [ثلاث] أذرع أو أكثر، فهو على قراءته جمع قصرة كخشبة وخشب.
وقال مجاهد وقتادة: القَصَر - بالفتح - هو [أصول] النخل. ومن كسر القاف جعله جمع قِصَرَة وقصر، وهي الخشبة أيضاً.
وقال المبرد: قيل: القَصْرُ: الجزل من الحطب الغليظ، واحدته قَصْرَةٌ، كَجَمْرَة وجمر.
والقَصْرُ في هذا الموضع إذا جعلته أحد القُصُورِ فهو واحد يدل [على الجمع]، ولذلك جعل نعتاً لـِ "شَرَرٍ" وهي جماعة.
فإن جعلته جمع قَصْرَةٍ جئت به في النعت بالجمع كالمنعوت، وقد [قال]: ﴿سَيُهْزَمُ ٱلْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ ٱلدُّبُرَ﴾ [القمر: ٤٥]، فَوَحَّدَ (و) لم يقل: "الأدبار"؟ لأن الدبر بمعنى الجمع، وفعل ذلك توفيقاً بين رؤوس [الآي] ومقاطع الكلام، إذ كان ذلك شأن العرب، والقرآنُ بلسانها نزل فَجَرَتْ [ألفاظه] على عادتها في لغتها وكلامها [وسجعها]، وقد قال تعالى: ﴿تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَٱلَّذِي يُغْشَىٰ عَلَيْهِ مِنَ ٱلْمَوْتِ﴾ [الأحزاب: ١٩]، ولم يقل: "كعيون الذين". وهو المعني لأن المراد في التشبيه الفعل لا العين.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿كَأَنَّهُ جِمَٰلَتٌ صُفْرٌ﴾.
أي: كأن ذلك الشرر الذي هو كالقصر: نُوقٌ سُودٌ. فالصفرة هنا بمعنى السواد، وإنما وقعت الصفرة في موضع السواد لأن ألوان الإبل السود تضرب إلى الصفرة، كما سميت [الظباء] "أُدْماً" لِمَا يَعْلُوهَا في بياضها من الظلمة.
قال الحسن: ﴿جِمَٰلَتٌ صُفْرٌ﴾ [أَيْنُقٌ] سود، وهو قول قتادة ومجاهد.
وقال ابن عباس: عنى بذلك قلوس السفن، يعني حبال السفن.
شبهت الشرر بحبال السفينة. والقَلْسُ. الحبلُ.
وعن ابن عباس أيضاً: ﴿جِمَٰلَتٌ صُفْرٌ﴾: "قِطَعُ النّحَاسِ" وهو جمع جِمَالَةٍ [وجِمَالَةٌ]: جمع جمل.
(ومن قرأ (جِمَالَةٌ) جعله جمع جَمَل).
وقد قرأ (أبو) أيوب: "جُمَالاَت" - بضم الجيم - كأنه جمع جَمَلاً (على جُمَالٍ) كما يجمع رَخِلٌ على رُخَالٍ. ثم جمع "جُمَالاً" على جُمَالاَت، لأن باب "فَعَل" و "فُعَل" واحد.
ويجوز (أن) يكون من الشيء المجمل.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾.
وقد تقدم ذكره.
المرسلات 77:22
قوله تعالى: ﴿وَٱلْمُرْسَلاَتِ عُرْفاً﴾، إلى قوله: ﴿كَأَنَّهُ جِمَٰلَتٌ صُفْرٌ * وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾.
قال ابن عباس وابن مسعود ومجاهد وأبو صالح وقتادة: ﴿(وَ)ٱلْمُرْسَلاَتِ﴾: الرياح، ﴿عُرْفاً﴾: يتبع بعضها بعضاً.
وقال مسروق: ﴿وَٱلْمُرْسَلاَتِ﴾: "الملائكة" ﴿عُرْفاً﴾ أي: ترسل بالعرف.
عن أبي صالح أيضاً أنها "الرسل، ترسل بالمعروف". وقيل: ﴿عُرْفاً﴾ أي: متتابعة كتتابع عرف الفرس.
والتقدير على قول مسروق: ورب الملائكة التي أرسلت إلى الأنبياء بأمر الله ونهيه (وذلك هو المعروف.
وعلى قول أبي صالح: ورب الرسل التي أرسلت إلى الناس بأمر الله ونهيه).
ومن قال ﴿عُرْفاً﴾ متتابعة (فتقديره: ورب الملائكة التي أرسلت إلى الأنبياء متتابعة) ورب الرسل الذين أرسلوا إلى الخلق متتابعين. وكذلك التقدير على قول ابن عباس ومن تبعه: هي الرياح.
ويدل (على أنها ليست) الرياح أن يسعدها ذكر الرياح [بلا اختلاف] في قوله: ﴿فَٱلْعَاصِفَاتِ عَصْفاً﴾.
- (ثم قال تعالى: ﴿فَٱلْعَاصِفَاتِ عَصْفاً﴾).
أي: (ورب الرياح العاصفات) أي: الشديدات الهبوب السريعات المر. وهذا قول علي بن أبي طالب وابن مسعود وابن عباس، وغيرهم.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وٱلنَّاشِرَاتِ نَشْراً﴾.
قال ابن مسعود ومجاهد [وقتادة]: هي الرياح لأنها تنشر السحاب.
وقال أبو صالح: هي "المطر"، لأنه ينشر الأرض، أي: [يحييها].
وروى (السدي) عن أبي صالح أنها الملائكة، (قال): [تنشر] [الكتب]. - ثم قال تعالى: ﴿فَٱلْفَارِقَاتِ فَرْقاً﴾.
قال ابن عباس وأبو صالح وسفيان: هي الملائكة، تفرق بالوحي بين الحق والباطل. وقال قتادة: هو القرآن، فرق الله به بين الحق والباطل، كأنه قال: والآيات الفارقات فرقاً.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿فَٱلْمُلْقِيَٰتِ ذِكْراً * عُذْراً﴾.
كلهم قال: هي الملائكة التي تلقي وحي الله إلى رسله، والذكر: القرآن.
* *
ثم قال تعالى: ﴿عُذْراً أَوْ نُذْراً﴾.
أي: تلقي الوحي إلى الرسل إعذاراً من الله لخلقه [وإنذاراً] منه لهم. قاله قتادة وغيره.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَوَٰقِعٌ﴾.
يعني أن البعث والجزاء وجميع ما أخبر الله، كائن واقع [وحادث] لا محالة. و ﴿إِنَّمَا﴾ هو جواب القسم المتقدم.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿فَإِذَا ٱلنُّجُومُ طُمِسَتْ﴾.
أي: ذهب ضوءها فلم يكن لها نور.
﴿وَإِذَا ٱلسَّمَآءُ فُرِجَتْ﴾. أي: شققت وصدعت.
﴿وَإِذَا ٱلْجِبَالُ نُسِفَتْ﴾. أي: نسفت من أصلها.
﴿فَكَانَتْ هَبَآءً مُّنبَثّاً﴾ [الواقعة: ٦]. أي: غباراً متفرقاً.
* *
﴿وَإِذَا ٱلرُّسُلُ أُقِّتَتْ﴾.
أي: أجلت الاجتماع لوقتها يوم القيامة.
قال ابن عباس: ﴿أُقِّتَتْ﴾ "جمعت". وقال مجاهد ﴿أُقِّتَتْ﴾ "أجلت".
وهو من الوقت، فمعناه: [حان] وقتها الذي وعدته به، وذلك يوم القيامة.
وقرأ عيسى بن [عمر] "أُقِتَتْ" بالتخفيف والهمز، وقرأ الحسن. "وُقِتَتْ" بالواو والتخفيف.
وكله من الوقت، والواو هي الأصل، والهمزة بدل منها.
والتخفيف والتشديد لغتان، إلا أن في التشديد معنى التكرير والمبالغة.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿لأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ﴾.
أي: ما أعظمه وأكثر هوله. ففي الكلام معنى التعظيم لليوم والتعجب منه. ومعنى التعجب في هذا أنه تعالى ذكره يعجب العباد من هوله [وفظاعته]، ثم بينه فقال:
* *
- ﴿لِيَوْمِ ٱلْفَصْلِ﴾.
أي: أجلت الرسل ليوم يفصل الله (فيه) بين خلقه، فيأخذ للمظلوم من الظالم ويجزي المحسن بإحسانه والمسيء بإساته.
* *
- ثم قال: ﴿وَمَآ أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ ٱلْفَصْلِ﴾.
أي: وأي شيء أدراك يا محمد ما يوم الفصل؟! فمعناه التعظيم لذلك اليوم لشدته وهوله.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾.
أي: [الوادي] الذي [يسيل] في جهنم من صديد أهلها للمكذبين بذلك اليوم.
وقيل: معناه قبوح لهم ذلك اليوم.
فقوله: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ﴾ هو جواب (إذا) في ما تقدم من الكلام.
- قوله تعالى: ﴿أَلَمْ نُهْلِكِ ٱلأَوَّلِينَ﴾.
يعني قوم نوح وعاد وثمود وشبههم.
* *
- ﴿ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ ٱلآخِرِينَ﴾.
يعني: قوم إبراهيم وأصحاب مدين وقوم فرعون، فيكون ﴿نُتْبِعُهُمُ﴾ على هذا مجزوماً. والتقدير: "وَأَلَمْ نُتْبِعْهُمُ الآخِرِينَ". وبه قرأ الأعرج.
* *
- وقوله: ﴿كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِٱلْمُجْرِمِينَ﴾.
يعني كفار قريش ومن سلك طريقهم من العرب وغيرها.
ورد الجزم أبو حاتم لأنه تأول أن ﴿نُتْبِعُهُمُ﴾ يراد به قريش ومن سلك في التكذيب طريقهم. فلا سبيل إلى الجزم على هذا المعنى لأنه منتظر في المعنى.
ولم لا تدخل على فعل معناه الاستقبال، بل ترده إلى الماضي أبداً.
(وقيل): إن ﴿نُتْبِعُهُمُ﴾ عطف على المعنى، لأن معنى ﴿أَلَمْ نُهْلِكِ﴾: قد أهلكنا.
* *
ثم قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِٱلْمُجْرِمِينَ﴾.
أي: كذلك نهلك من أجرم فاكتسب مخالفة الله ورسوله.
[ثم قال: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾.
وقد تقدم ذكره، وكذلك معنى كل ما في السورة وغيرها منه].
* *
- ثم قال: ﴿أَلَمْ نَخْلُقكُّم مِّن مَّآءٍ [مَّهِينٍ]﴾.
أي: من نطفة ضعيفة. قال ابن عباس: "المهين: الضعيف".
* *
- ثم قال: ﴿فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ﴾.
أي: في رحم استقر فيه فتمكن.
* *
﴿إِلَىٰ قَدَرٍ مَّعْلُومٍ﴾.
أي: إلى وقت خروجه من الرحم.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ ٱلْقَادِرُونَ﴾.
قال الضحاك: معناه "فملكنا فنعم المالكون". وهذا التقدير على قراءة من خفف.
وعلة من شدد أنه أراد به التكرير، لأنه تعالى قدر الإنسان نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم، [ثم]...، [فدل] التشديد على تكرير [الأحوال].
ومن خفف أجراه على لفظ "القادرين" إذ فعله: "قدر مخففاً، فالتخفيف بمعنى الملك والقدرة على ذلك.
والتشديد بمعنى التقدير. فمن شدد ﴿فَقَدَرْنَا﴾ جمع بين معنيين: التقدير [بقدرنا]، والملك "بالقادرين".
ومن خفف جعله كله بمعنى الملك والقدرة.
وقد يستعمل التشديد، وهو بمعنى القدرة أيضاً يقال: قَدَرَ الله كذا وقدَّره، لغتان. فيكون من شدد ﴿فَقَدَرْنَا﴾ جمع بين اللغتين، بقوله: ﴿ٱلْقَادِرُونَ﴾، كما قال: ﴿فَمَهِّلِ ٱلْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً﴾ [الطارق: ١٧]، وقد قال تعالى: ﴿نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ ٱلْمَوْتَ﴾ [الواقعة: ٦٠] مشدداً.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ ٱلأَرْضَ كِفَاتاً * (أَحْيَآءً)﴾
أي: ألم نجعل أيها الناس الأرض لكم وعاءً، أنتم على ظهرها في مساكنكم مجتمعون أحياءً وفي بطنها أمواتاً؟!
[يذكرهم] (الله) بنعمه عليهم.
يقال: كَفَتُّ الشيء إذا جَمَعْتَهُ وأَحْرَزْتَهُ.
روي عن ابن مسعود أنه "وجد قملة في ثوبه فدفنها في المسجد، ثم قال: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ ٱلأَرْضَ كِفَاتاً * أَحْيَآءً وَأَمْوٰتاً﴾.
وقال مجاهد - في الرجل يرى القملة في ثوبه وهو في المسجد - قال: "إن شئت فألقها، وإن شئت [فوارها]. ثم قرأ: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ ٱلأَرْضَ كِفَاتاً...﴾ الآية.
قال الشعبي: ﴿كِفَاتاً﴾: "بطنها لأمواتكم، وظهرها لأحيائكم".
وقال مجاهد: ﴿كِفَاتاً﴾: تكفت أذاهم وما يخرج منهم أحياءً وأمواتاً، أي: تضم ذلك.
ونصب ﴿أَحْيَآءً وَأَمْوٰتاً﴾ "بكفات"، أي: تضم أحياءً وأمواتاً. وقيل: التقدير: كفات أحياء وأموات، أي: ضمهم، [فلما] نون نصب ما بعده، كما تقول: رأيت ضرب زيد. فإن نونت "ضرباً"، نصبت "زيداً" أو رفعته.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ شَامِخَاتٍ﴾.
أي: جبالاً شاهقات، أي" طوالاً مشرفات.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَأَسْقَيْنَاكُم مَّآءً فُرَاتاً﴾.
أي: عذباً قال ابن عباس: وذلك من أربعة أنهار: سيحان وجيحان والنيل والفرات. فكل ما شربه ابن آدم (فهو) من هذه الأنهار، وهي (تخرج من) تحت صخرة عند بيت المقدس. فأما سيحان فهو نهر بلخ، وأما جيحان فهو دجلة بغداد، وأما الفرات فبالكوفة، وأما النيل (فنهر مصر).
* *
- ثم قال تعالى: ﴿ٱنطَلِقُوۤاْ إِلَىٰ مَا كُنتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾.
أي: يقال لهؤلاء المكذبين بآيات الله ونعمه: انطلقوا إلى ما كنتم تكذبون به في الدنيا من عقاب الله لأهل الكفر.
* *
- ﴿ٱنطَلِقُوۤاْ إِلَىٰ ظِلٍّ ذِي ثَلاَثِ شُعَبٍ﴾.
أي: إلى ظل دخان ذي ثلاث شعب. وذلك أنه يرفع وقودها الدخان، فإذا تصعد تفرق على ثلاث شعب، وهو "دخان جهنم".
[وهو قوله: ﴿وَظِلٍّ مِّن يَحْمُومٍ﴾ [الواقعة: ٤٣]، اليحموم: الدخان.
وقد قيل في قوله "﴿ذِي ثَلاَثِ شُعَبٍ﴾ إنه [ظل] الصليب الذي يعبده النصارى. وهو قول شاذ يوجب أن يكون المأمور بهذا، النصارى خاصة. وليست الآية إلا عامة في جميع الكفار، وليس كلهم عبد الصليب، فإنما أمروا إلى ظل دخان جهنم، دخان قد أنفرق على ثلاث شعب]. قال قتادة: هو كقوله: ﴿نَاراً أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا﴾ [الكهف: ٢٩].
* *
- ثم قال تعالى: ﴿لاَّ ظَلِيلٍ وَلاَ يُغْنِي مِنَ ٱللَّهَبِ﴾.
هذا نعت للظل أي: إلى ظل غير ظليل وغير [غانٍ] من اللهب. أي: [لا يظلهم ولا يمنعهم] من لهب جهنم، فلا يمنع عنهم ذلك الظل حرها ولا لهبها. وهذا الوصف مطابق لما روي عن النبي ﷺ: "أَنَّ الشَّمْسَ تَدْنُو مِنْ رُؤُوسِ الخَلاَئِقِ يَوْمَ القِيَامَةِ وَلَيْسَ لَهُمْ لِبَاسٌ وَلاَ لَهُمْ مَا يَسْتَتِرُونَ بِهِ مِنْهَا، فَيُنْجِي اللهُ المُؤْمِنِينَ إلى ظِلٍّ مِنْ ظِلِّهِ، وَيُقَالُ لِلْكُفَّارِ: انْطَلِقُوا إلى مَا كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ مِنْ عَذَابِ اللهِ وَعِقَابِهِ ﴿ٱنطَلِقُوۤاْ إِلَىٰ ظِلٍّ ذِي ثَلاَثِ شُعَبٍ﴾ فَيَنْطَلِقُونَ إلى دُخَانِ جَهَنَّمَ" أفهذا للكفار، لأنه روي: "أَنَّ الخَلاَئِقَ إِذَا اشْتَدَّ عليهم حرُّ الشمس وَدَنَتْ مِنْ رُؤُوسِهِمْ وأَخَذَتْ بِأَنفاسهِم وأشتد ذلك عليهم وكَثُرَ العَرَقُ، واشتد القَلَقُ، نَجَّى اللهُ المؤمنين برحمته إلى ظل من ظله، فهناك يقولون: ﴿فَمَنَّ ٱللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ ٱلسَّمُومِ﴾. ويقال للكفار المكذبين: انطلقوا إلى ما كنتم تُكَذِّبُونَ من عذاب الله وعقابه، انطلقوا إلى ظِلٍّ من دخان جهنم قد سَطَعَ وافترق ثلاثَ فِرَقٍ، فينطلقون ويكونون فيه، وهو أشد من حر الشمس الذي كانوا قد قَلِقُوا فيه. فيُقِيمُون في ظل ذلك الدخان حتى يُفْرَغَ من الحساب، كذلك أولياء الله في ظل عرش الرحمن، وحيث شاء الله حتى يفرغ من الحساب، ثم يؤمر بكل فريق إلى مُسْتَقَرِّهِ من الجنة أو من النار
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَٱلْقَصْرِ﴾.
أي: [إن]: جهنم ترمي ذلك اليوم بشرر كالقصر [المبني]. وقال ابن عباس: "كالقصر العظيم".
قال الحسن: هو واحد القصور.
وروى حجاج عن هارون ﴿كَٱلْقَصْرِ﴾ أي: كالخشب الجزل، وهو جمع قَصْرَة، كجَمْرة وجَمْر، وثَمْرَة وثَمْر.
وقرأ ابن عباس: "كَالْقَصَرِ" بفتح الصاد.
وقرأ ابن جبير والحسن: "كَالْقِصَرِ" بكسر القاف وفتح الصاد.
وعن ابن جبير: كقراءة ابن عباس، القصرة: الخشبة تكون [ثلاث] أذرع أو أكثر، فهو على قراءته جمع قصرة كخشبة وخشب.
وقال مجاهد وقتادة: القَصَر - بالفتح - هو [أصول] النخل. ومن كسر القاف جعله جمع قِصَرَة وقصر، وهي الخشبة أيضاً.
وقال المبرد: قيل: القَصْرُ: الجزل من الحطب الغليظ، واحدته قَصْرَةٌ، كَجَمْرَة وجمر.
والقَصْرُ في هذا الموضع إذا جعلته أحد القُصُورِ فهو واحد يدل [على الجمع]، ولذلك جعل نعتاً لـِ "شَرَرٍ" وهي جماعة.
فإن جعلته جمع قَصْرَةٍ جئت به في النعت بالجمع كالمنعوت، وقد [قال]: ﴿سَيُهْزَمُ ٱلْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ ٱلدُّبُرَ﴾ [القمر: ٤٥]، فَوَحَّدَ (و) لم يقل: "الأدبار"؟ لأن الدبر بمعنى الجمع، وفعل ذلك توفيقاً بين رؤوس [الآي] ومقاطع الكلام، إذ كان ذلك شأن العرب، والقرآنُ بلسانها نزل فَجَرَتْ [ألفاظه] على عادتها في لغتها وكلامها [وسجعها]، وقد قال تعالى: ﴿تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَٱلَّذِي يُغْشَىٰ عَلَيْهِ مِنَ ٱلْمَوْتِ﴾ [الأحزاب: ١٩]، ولم يقل: "كعيون الذين". وهو المعني لأن المراد في التشبيه الفعل لا العين.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿كَأَنَّهُ جِمَٰلَتٌ صُفْرٌ﴾.
أي: كأن ذلك الشرر الذي هو كالقصر: نُوقٌ سُودٌ. فالصفرة هنا بمعنى السواد، وإنما وقعت الصفرة في موضع السواد لأن ألوان الإبل السود تضرب إلى الصفرة، كما سميت [الظباء] "أُدْماً" لِمَا يَعْلُوهَا في بياضها من الظلمة.
قال الحسن: ﴿جِمَٰلَتٌ صُفْرٌ﴾ [أَيْنُقٌ] سود، وهو قول قتادة ومجاهد.
وقال ابن عباس: عنى بذلك قلوس السفن، يعني حبال السفن.
شبهت الشرر بحبال السفينة. والقَلْسُ. الحبلُ.
وعن ابن عباس أيضاً: ﴿جِمَٰلَتٌ صُفْرٌ﴾: "قِطَعُ النّحَاسِ" وهو جمع جِمَالَةٍ [وجِمَالَةٌ]: جمع جمل.
(ومن قرأ (جِمَالَةٌ) جعله جمع جَمَل).
وقد قرأ (أبو) أيوب: "جُمَالاَت" - بضم الجيم - كأنه جمع جَمَلاً (على جُمَالٍ) كما يجمع رَخِلٌ على رُخَالٍ. ثم جمع "جُمَالاً" على جُمَالاَت، لأن باب "فَعَل" و "فُعَل" واحد.
ويجوز (أن) يكون من الشيء المجمل.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾.
وقد تقدم ذكره.
المرسلات 77:23
قوله تعالى: ﴿وَٱلْمُرْسَلاَتِ عُرْفاً﴾، إلى قوله: ﴿كَأَنَّهُ جِمَٰلَتٌ صُفْرٌ * وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾.
قال ابن عباس وابن مسعود ومجاهد وأبو صالح وقتادة: ﴿(وَ)ٱلْمُرْسَلاَتِ﴾: الرياح، ﴿عُرْفاً﴾: يتبع بعضها بعضاً.
وقال مسروق: ﴿وَٱلْمُرْسَلاَتِ﴾: "الملائكة" ﴿عُرْفاً﴾ أي: ترسل بالعرف.
عن أبي صالح أيضاً أنها "الرسل، ترسل بالمعروف". وقيل: ﴿عُرْفاً﴾ أي: متتابعة كتتابع عرف الفرس.
والتقدير على قول مسروق: ورب الملائكة التي أرسلت إلى الأنبياء بأمر الله ونهيه (وذلك هو المعروف.
وعلى قول أبي صالح: ورب الرسل التي أرسلت إلى الناس بأمر الله ونهيه).
ومن قال ﴿عُرْفاً﴾ متتابعة (فتقديره: ورب الملائكة التي أرسلت إلى الأنبياء متتابعة) ورب الرسل الذين أرسلوا إلى الخلق متتابعين. وكذلك التقدير على قول ابن عباس ومن تبعه: هي الرياح.
ويدل (على أنها ليست) الرياح أن يسعدها ذكر الرياح [بلا اختلاف] في قوله: ﴿فَٱلْعَاصِفَاتِ عَصْفاً﴾.
- (ثم قال تعالى: ﴿فَٱلْعَاصِفَاتِ عَصْفاً﴾).
أي: (ورب الرياح العاصفات) أي: الشديدات الهبوب السريعات المر. وهذا قول علي بن أبي طالب وابن مسعود وابن عباس، وغيرهم.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وٱلنَّاشِرَاتِ نَشْراً﴾.
قال ابن مسعود ومجاهد [وقتادة]: هي الرياح لأنها تنشر السحاب.
وقال أبو صالح: هي "المطر"، لأنه ينشر الأرض، أي: [يحييها].
وروى (السدي) عن أبي صالح أنها الملائكة، (قال): [تنشر] [الكتب]. - ثم قال تعالى: ﴿فَٱلْفَارِقَاتِ فَرْقاً﴾.
قال ابن عباس وأبو صالح وسفيان: هي الملائكة، تفرق بالوحي بين الحق والباطل. وقال قتادة: هو القرآن، فرق الله به بين الحق والباطل، كأنه قال: والآيات الفارقات فرقاً.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿فَٱلْمُلْقِيَٰتِ ذِكْراً * عُذْراً﴾.
كلهم قال: هي الملائكة التي تلقي وحي الله إلى رسله، والذكر: القرآن.
* *
ثم قال تعالى: ﴿عُذْراً أَوْ نُذْراً﴾.
أي: تلقي الوحي إلى الرسل إعذاراً من الله لخلقه [وإنذاراً] منه لهم. قاله قتادة وغيره.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَوَٰقِعٌ﴾.
يعني أن البعث والجزاء وجميع ما أخبر الله، كائن واقع [وحادث] لا محالة. و ﴿إِنَّمَا﴾ هو جواب القسم المتقدم.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿فَإِذَا ٱلنُّجُومُ طُمِسَتْ﴾.
أي: ذهب ضوءها فلم يكن لها نور.
﴿وَإِذَا ٱلسَّمَآءُ فُرِجَتْ﴾. أي: شققت وصدعت.
﴿وَإِذَا ٱلْجِبَالُ نُسِفَتْ﴾. أي: نسفت من أصلها.
﴿فَكَانَتْ هَبَآءً مُّنبَثّاً﴾ [الواقعة: ٦]. أي: غباراً متفرقاً.
* *
﴿وَإِذَا ٱلرُّسُلُ أُقِّتَتْ﴾.
أي: أجلت الاجتماع لوقتها يوم القيامة.
قال ابن عباس: ﴿أُقِّتَتْ﴾ "جمعت". وقال مجاهد ﴿أُقِّتَتْ﴾ "أجلت".
وهو من الوقت، فمعناه: [حان] وقتها الذي وعدته به، وذلك يوم القيامة.
وقرأ عيسى بن [عمر] "أُقِتَتْ" بالتخفيف والهمز، وقرأ الحسن. "وُقِتَتْ" بالواو والتخفيف.
وكله من الوقت، والواو هي الأصل، والهمزة بدل منها.
والتخفيف والتشديد لغتان، إلا أن في التشديد معنى التكرير والمبالغة.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿لأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ﴾.
أي: ما أعظمه وأكثر هوله. ففي الكلام معنى التعظيم لليوم والتعجب منه. ومعنى التعجب في هذا أنه تعالى ذكره يعجب العباد من هوله [وفظاعته]، ثم بينه فقال:
* *
- ﴿لِيَوْمِ ٱلْفَصْلِ﴾.
أي: أجلت الرسل ليوم يفصل الله (فيه) بين خلقه، فيأخذ للمظلوم من الظالم ويجزي المحسن بإحسانه والمسيء بإساته.
* *
- ثم قال: ﴿وَمَآ أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ ٱلْفَصْلِ﴾.
أي: وأي شيء أدراك يا محمد ما يوم الفصل؟! فمعناه التعظيم لذلك اليوم لشدته وهوله.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾.
أي: [الوادي] الذي [يسيل] في جهنم من صديد أهلها للمكذبين بذلك اليوم.
وقيل: معناه قبوح لهم ذلك اليوم.
فقوله: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ﴾ هو جواب (إذا) في ما تقدم من الكلام.
- قوله تعالى: ﴿أَلَمْ نُهْلِكِ ٱلأَوَّلِينَ﴾.
يعني قوم نوح وعاد وثمود وشبههم.
* *
- ﴿ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ ٱلآخِرِينَ﴾.
يعني: قوم إبراهيم وأصحاب مدين وقوم فرعون، فيكون ﴿نُتْبِعُهُمُ﴾ على هذا مجزوماً. والتقدير: "وَأَلَمْ نُتْبِعْهُمُ الآخِرِينَ". وبه قرأ الأعرج.
* *
- وقوله: ﴿كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِٱلْمُجْرِمِينَ﴾.
يعني كفار قريش ومن سلك طريقهم من العرب وغيرها.
ورد الجزم أبو حاتم لأنه تأول أن ﴿نُتْبِعُهُمُ﴾ يراد به قريش ومن سلك في التكذيب طريقهم. فلا سبيل إلى الجزم على هذا المعنى لأنه منتظر في المعنى.
ولم لا تدخل على فعل معناه الاستقبال، بل ترده إلى الماضي أبداً.
(وقيل): إن ﴿نُتْبِعُهُمُ﴾ عطف على المعنى، لأن معنى ﴿أَلَمْ نُهْلِكِ﴾: قد أهلكنا.
* *
ثم قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِٱلْمُجْرِمِينَ﴾.
أي: كذلك نهلك من أجرم فاكتسب مخالفة الله ورسوله.
[ثم قال: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾.
وقد تقدم ذكره، وكذلك معنى كل ما في السورة وغيرها منه].
* *
- ثم قال: ﴿أَلَمْ نَخْلُقكُّم مِّن مَّآءٍ [مَّهِينٍ]﴾.
أي: من نطفة ضعيفة. قال ابن عباس: "المهين: الضعيف".
* *
- ثم قال: ﴿فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ﴾.
أي: في رحم استقر فيه فتمكن.
* *
﴿إِلَىٰ قَدَرٍ مَّعْلُومٍ﴾.
أي: إلى وقت خروجه من الرحم.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ ٱلْقَادِرُونَ﴾.
قال الضحاك: معناه "فملكنا فنعم المالكون". وهذا التقدير على قراءة من خفف.
وعلة من شدد أنه أراد به التكرير، لأنه تعالى قدر الإنسان نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم، [ثم]...، [فدل] التشديد على تكرير [الأحوال].
ومن خفف أجراه على لفظ "القادرين" إذ فعله: "قدر مخففاً، فالتخفيف بمعنى الملك والقدرة على ذلك.
والتشديد بمعنى التقدير. فمن شدد ﴿فَقَدَرْنَا﴾ جمع بين معنيين: التقدير [بقدرنا]، والملك "بالقادرين".
ومن خفف جعله كله بمعنى الملك والقدرة.
وقد يستعمل التشديد، وهو بمعنى القدرة أيضاً يقال: قَدَرَ الله كذا وقدَّره، لغتان. فيكون من شدد ﴿فَقَدَرْنَا﴾ جمع بين اللغتين، بقوله: ﴿ٱلْقَادِرُونَ﴾، كما قال: ﴿فَمَهِّلِ ٱلْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً﴾ [الطارق: ١٧]، وقد قال تعالى: ﴿نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ ٱلْمَوْتَ﴾ [الواقعة: ٦٠] مشدداً.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ ٱلأَرْضَ كِفَاتاً * (أَحْيَآءً)﴾
أي: ألم نجعل أيها الناس الأرض لكم وعاءً، أنتم على ظهرها في مساكنكم مجتمعون أحياءً وفي بطنها أمواتاً؟!
[يذكرهم] (الله) بنعمه عليهم.
يقال: كَفَتُّ الشيء إذا جَمَعْتَهُ وأَحْرَزْتَهُ.
روي عن ابن مسعود أنه "وجد قملة في ثوبه فدفنها في المسجد، ثم قال: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ ٱلأَرْضَ كِفَاتاً * أَحْيَآءً وَأَمْوٰتاً﴾.
وقال مجاهد - في الرجل يرى القملة في ثوبه وهو في المسجد - قال: "إن شئت فألقها، وإن شئت [فوارها]. ثم قرأ: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ ٱلأَرْضَ كِفَاتاً...﴾ الآية.
قال الشعبي: ﴿كِفَاتاً﴾: "بطنها لأمواتكم، وظهرها لأحيائكم".
وقال مجاهد: ﴿كِفَاتاً﴾: تكفت أذاهم وما يخرج منهم أحياءً وأمواتاً، أي: تضم ذلك.
ونصب ﴿أَحْيَآءً وَأَمْوٰتاً﴾ "بكفات"، أي: تضم أحياءً وأمواتاً. وقيل: التقدير: كفات أحياء وأموات، أي: ضمهم، [فلما] نون نصب ما بعده، كما تقول: رأيت ضرب زيد. فإن نونت "ضرباً"، نصبت "زيداً" أو رفعته.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ شَامِخَاتٍ﴾.
أي: جبالاً شاهقات، أي" طوالاً مشرفات.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَأَسْقَيْنَاكُم مَّآءً فُرَاتاً﴾.
أي: عذباً قال ابن عباس: وذلك من أربعة أنهار: سيحان وجيحان والنيل والفرات. فكل ما شربه ابن آدم (فهو) من هذه الأنهار، وهي (تخرج من) تحت صخرة عند بيت المقدس. فأما سيحان فهو نهر بلخ، وأما جيحان فهو دجلة بغداد، وأما الفرات فبالكوفة، وأما النيل (فنهر مصر).
* *
- ثم قال تعالى: ﴿ٱنطَلِقُوۤاْ إِلَىٰ مَا كُنتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾.
أي: يقال لهؤلاء المكذبين بآيات الله ونعمه: انطلقوا إلى ما كنتم تكذبون به في الدنيا من عقاب الله لأهل الكفر.
* *
- ﴿ٱنطَلِقُوۤاْ إِلَىٰ ظِلٍّ ذِي ثَلاَثِ شُعَبٍ﴾.
أي: إلى ظل دخان ذي ثلاث شعب. وذلك أنه يرفع وقودها الدخان، فإذا تصعد تفرق على ثلاث شعب، وهو "دخان جهنم".
[وهو قوله: ﴿وَظِلٍّ مِّن يَحْمُومٍ﴾ [الواقعة: ٤٣]، اليحموم: الدخان.
وقد قيل في قوله "﴿ذِي ثَلاَثِ شُعَبٍ﴾ إنه [ظل] الصليب الذي يعبده النصارى. وهو قول شاذ يوجب أن يكون المأمور بهذا، النصارى خاصة. وليست الآية إلا عامة في جميع الكفار، وليس كلهم عبد الصليب، فإنما أمروا إلى ظل دخان جهنم، دخان قد أنفرق على ثلاث شعب]. قال قتادة: هو كقوله: ﴿نَاراً أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا﴾ [الكهف: ٢٩].
* *
- ثم قال تعالى: ﴿لاَّ ظَلِيلٍ وَلاَ يُغْنِي مِنَ ٱللَّهَبِ﴾.
هذا نعت للظل أي: إلى ظل غير ظليل وغير [غانٍ] من اللهب. أي: [لا يظلهم ولا يمنعهم] من لهب جهنم، فلا يمنع عنهم ذلك الظل حرها ولا لهبها. وهذا الوصف مطابق لما روي عن النبي ﷺ: "أَنَّ الشَّمْسَ تَدْنُو مِنْ رُؤُوسِ الخَلاَئِقِ يَوْمَ القِيَامَةِ وَلَيْسَ لَهُمْ لِبَاسٌ وَلاَ لَهُمْ مَا يَسْتَتِرُونَ بِهِ مِنْهَا، فَيُنْجِي اللهُ المُؤْمِنِينَ إلى ظِلٍّ مِنْ ظِلِّهِ، وَيُقَالُ لِلْكُفَّارِ: انْطَلِقُوا إلى مَا كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ مِنْ عَذَابِ اللهِ وَعِقَابِهِ ﴿ٱنطَلِقُوۤاْ إِلَىٰ ظِلٍّ ذِي ثَلاَثِ شُعَبٍ﴾ فَيَنْطَلِقُونَ إلى دُخَانِ جَهَنَّمَ" أفهذا للكفار، لأنه روي: "أَنَّ الخَلاَئِقَ إِذَا اشْتَدَّ عليهم حرُّ الشمس وَدَنَتْ مِنْ رُؤُوسِهِمْ وأَخَذَتْ بِأَنفاسهِم وأشتد ذلك عليهم وكَثُرَ العَرَقُ، واشتد القَلَقُ، نَجَّى اللهُ المؤمنين برحمته إلى ظل من ظله، فهناك يقولون: ﴿فَمَنَّ ٱللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ ٱلسَّمُومِ﴾. ويقال للكفار المكذبين: انطلقوا إلى ما كنتم تُكَذِّبُونَ من عذاب الله وعقابه، انطلقوا إلى ظِلٍّ من دخان جهنم قد سَطَعَ وافترق ثلاثَ فِرَقٍ، فينطلقون ويكونون فيه، وهو أشد من حر الشمس الذي كانوا قد قَلِقُوا فيه. فيُقِيمُون في ظل ذلك الدخان حتى يُفْرَغَ من الحساب، كذلك أولياء الله في ظل عرش الرحمن، وحيث شاء الله حتى يفرغ من الحساب، ثم يؤمر بكل فريق إلى مُسْتَقَرِّهِ من الجنة أو من النار
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَٱلْقَصْرِ﴾.
أي: [إن]: جهنم ترمي ذلك اليوم بشرر كالقصر [المبني]. وقال ابن عباس: "كالقصر العظيم".
قال الحسن: هو واحد القصور.
وروى حجاج عن هارون ﴿كَٱلْقَصْرِ﴾ أي: كالخشب الجزل، وهو جمع قَصْرَة، كجَمْرة وجَمْر، وثَمْرَة وثَمْر.
وقرأ ابن عباس: "كَالْقَصَرِ" بفتح الصاد.
وقرأ ابن جبير والحسن: "كَالْقِصَرِ" بكسر القاف وفتح الصاد.
وعن ابن جبير: كقراءة ابن عباس، القصرة: الخشبة تكون [ثلاث] أذرع أو أكثر، فهو على قراءته جمع قصرة كخشبة وخشب.
وقال مجاهد وقتادة: القَصَر - بالفتح - هو [أصول] النخل. ومن كسر القاف جعله جمع قِصَرَة وقصر، وهي الخشبة أيضاً.
وقال المبرد: قيل: القَصْرُ: الجزل من الحطب الغليظ، واحدته قَصْرَةٌ، كَجَمْرَة وجمر.
والقَصْرُ في هذا الموضع إذا جعلته أحد القُصُورِ فهو واحد يدل [على الجمع]، ولذلك جعل نعتاً لـِ "شَرَرٍ" وهي جماعة.
فإن جعلته جمع قَصْرَةٍ جئت به في النعت بالجمع كالمنعوت، وقد [قال]: ﴿سَيُهْزَمُ ٱلْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ ٱلدُّبُرَ﴾ [القمر: ٤٥]، فَوَحَّدَ (و) لم يقل: "الأدبار"؟ لأن الدبر بمعنى الجمع، وفعل ذلك توفيقاً بين رؤوس [الآي] ومقاطع الكلام، إذ كان ذلك شأن العرب، والقرآنُ بلسانها نزل فَجَرَتْ [ألفاظه] على عادتها في لغتها وكلامها [وسجعها]، وقد قال تعالى: ﴿تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَٱلَّذِي يُغْشَىٰ عَلَيْهِ مِنَ ٱلْمَوْتِ﴾ [الأحزاب: ١٩]، ولم يقل: "كعيون الذين". وهو المعني لأن المراد في التشبيه الفعل لا العين.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿كَأَنَّهُ جِمَٰلَتٌ صُفْرٌ﴾.
أي: كأن ذلك الشرر الذي هو كالقصر: نُوقٌ سُودٌ. فالصفرة هنا بمعنى السواد، وإنما وقعت الصفرة في موضع السواد لأن ألوان الإبل السود تضرب إلى الصفرة، كما سميت [الظباء] "أُدْماً" لِمَا يَعْلُوهَا في بياضها من الظلمة.
قال الحسن: ﴿جِمَٰلَتٌ صُفْرٌ﴾ [أَيْنُقٌ] سود، وهو قول قتادة ومجاهد.
وقال ابن عباس: عنى بذلك قلوس السفن، يعني حبال السفن.
شبهت الشرر بحبال السفينة. والقَلْسُ. الحبلُ.
وعن ابن عباس أيضاً: ﴿جِمَٰلَتٌ صُفْرٌ﴾: "قِطَعُ النّحَاسِ" وهو جمع جِمَالَةٍ [وجِمَالَةٌ]: جمع جمل.
(ومن قرأ (جِمَالَةٌ) جعله جمع جَمَل).
وقد قرأ (أبو) أيوب: "جُمَالاَت" - بضم الجيم - كأنه جمع جَمَلاً (على جُمَالٍ) كما يجمع رَخِلٌ على رُخَالٍ. ثم جمع "جُمَالاً" على جُمَالاَت، لأن باب "فَعَل" و "فُعَل" واحد.
ويجوز (أن) يكون من الشيء المجمل.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾.
وقد تقدم ذكره.
المرسلات 77:24
قوله تعالى: ﴿وَٱلْمُرْسَلاَتِ عُرْفاً﴾، إلى قوله: ﴿كَأَنَّهُ جِمَٰلَتٌ صُفْرٌ * وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾.
قال ابن عباس وابن مسعود ومجاهد وأبو صالح وقتادة: ﴿(وَ)ٱلْمُرْسَلاَتِ﴾: الرياح، ﴿عُرْفاً﴾: يتبع بعضها بعضاً.
وقال مسروق: ﴿وَٱلْمُرْسَلاَتِ﴾: "الملائكة" ﴿عُرْفاً﴾ أي: ترسل بالعرف.
عن أبي صالح أيضاً أنها "الرسل، ترسل بالمعروف". وقيل: ﴿عُرْفاً﴾ أي: متتابعة كتتابع عرف الفرس.
والتقدير على قول مسروق: ورب الملائكة التي أرسلت إلى الأنبياء بأمر الله ونهيه (وذلك هو المعروف.
وعلى قول أبي صالح: ورب الرسل التي أرسلت إلى الناس بأمر الله ونهيه).
ومن قال ﴿عُرْفاً﴾ متتابعة (فتقديره: ورب الملائكة التي أرسلت إلى الأنبياء متتابعة) ورب الرسل الذين أرسلوا إلى الخلق متتابعين. وكذلك التقدير على قول ابن عباس ومن تبعه: هي الرياح.
ويدل (على أنها ليست) الرياح أن يسعدها ذكر الرياح [بلا اختلاف] في قوله: ﴿فَٱلْعَاصِفَاتِ عَصْفاً﴾.
- (ثم قال تعالى: ﴿فَٱلْعَاصِفَاتِ عَصْفاً﴾).
أي: (ورب الرياح العاصفات) أي: الشديدات الهبوب السريعات المر. وهذا قول علي بن أبي طالب وابن مسعود وابن عباس، وغيرهم.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وٱلنَّاشِرَاتِ نَشْراً﴾.
قال ابن مسعود ومجاهد [وقتادة]: هي الرياح لأنها تنشر السحاب.
وقال أبو صالح: هي "المطر"، لأنه ينشر الأرض، أي: [يحييها].
وروى (السدي) عن أبي صالح أنها الملائكة، (قال): [تنشر] [الكتب]. - ثم قال تعالى: ﴿فَٱلْفَارِقَاتِ فَرْقاً﴾.
قال ابن عباس وأبو صالح وسفيان: هي الملائكة، تفرق بالوحي بين الحق والباطل. وقال قتادة: هو القرآن، فرق الله به بين الحق والباطل، كأنه قال: والآيات الفارقات فرقاً.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿فَٱلْمُلْقِيَٰتِ ذِكْراً * عُذْراً﴾.
كلهم قال: هي الملائكة التي تلقي وحي الله إلى رسله، والذكر: القرآن.
* *
ثم قال تعالى: ﴿عُذْراً أَوْ نُذْراً﴾.
أي: تلقي الوحي إلى الرسل إعذاراً من الله لخلقه [وإنذاراً] منه لهم. قاله قتادة وغيره.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَوَٰقِعٌ﴾.
يعني أن البعث والجزاء وجميع ما أخبر الله، كائن واقع [وحادث] لا محالة. و ﴿إِنَّمَا﴾ هو جواب القسم المتقدم.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿فَإِذَا ٱلنُّجُومُ طُمِسَتْ﴾.
أي: ذهب ضوءها فلم يكن لها نور.
﴿وَإِذَا ٱلسَّمَآءُ فُرِجَتْ﴾. أي: شققت وصدعت.
﴿وَإِذَا ٱلْجِبَالُ نُسِفَتْ﴾. أي: نسفت من أصلها.
﴿فَكَانَتْ هَبَآءً مُّنبَثّاً﴾ [الواقعة: ٦]. أي: غباراً متفرقاً.
* *
﴿وَإِذَا ٱلرُّسُلُ أُقِّتَتْ﴾.
أي: أجلت الاجتماع لوقتها يوم القيامة.
قال ابن عباس: ﴿أُقِّتَتْ﴾ "جمعت". وقال مجاهد ﴿أُقِّتَتْ﴾ "أجلت".
وهو من الوقت، فمعناه: [حان] وقتها الذي وعدته به، وذلك يوم القيامة.
وقرأ عيسى بن [عمر] "أُقِتَتْ" بالتخفيف والهمز، وقرأ الحسن. "وُقِتَتْ" بالواو والتخفيف.
وكله من الوقت، والواو هي الأصل، والهمزة بدل منها.
والتخفيف والتشديد لغتان، إلا أن في التشديد معنى التكرير والمبالغة.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿لأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ﴾.
أي: ما أعظمه وأكثر هوله. ففي الكلام معنى التعظيم لليوم والتعجب منه. ومعنى التعجب في هذا أنه تعالى ذكره يعجب العباد من هوله [وفظاعته]، ثم بينه فقال:
* *
- ﴿لِيَوْمِ ٱلْفَصْلِ﴾.
أي: أجلت الرسل ليوم يفصل الله (فيه) بين خلقه، فيأخذ للمظلوم من الظالم ويجزي المحسن بإحسانه والمسيء بإساته.
* *
- ثم قال: ﴿وَمَآ أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ ٱلْفَصْلِ﴾.
أي: وأي شيء أدراك يا محمد ما يوم الفصل؟! فمعناه التعظيم لذلك اليوم لشدته وهوله.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾.
أي: [الوادي] الذي [يسيل] في جهنم من صديد أهلها للمكذبين بذلك اليوم.
وقيل: معناه قبوح لهم ذلك اليوم.
فقوله: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ﴾ هو جواب (إذا) في ما تقدم من الكلام.
- قوله تعالى: ﴿أَلَمْ نُهْلِكِ ٱلأَوَّلِينَ﴾.
يعني قوم نوح وعاد وثمود وشبههم.
* *
- ﴿ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ ٱلآخِرِينَ﴾.
يعني: قوم إبراهيم وأصحاب مدين وقوم فرعون، فيكون ﴿نُتْبِعُهُمُ﴾ على هذا مجزوماً. والتقدير: "وَأَلَمْ نُتْبِعْهُمُ الآخِرِينَ". وبه قرأ الأعرج.
* *
- وقوله: ﴿كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِٱلْمُجْرِمِينَ﴾.
يعني كفار قريش ومن سلك طريقهم من العرب وغيرها.
ورد الجزم أبو حاتم لأنه تأول أن ﴿نُتْبِعُهُمُ﴾ يراد به قريش ومن سلك في التكذيب طريقهم. فلا سبيل إلى الجزم على هذا المعنى لأنه منتظر في المعنى.
ولم لا تدخل على فعل معناه الاستقبال، بل ترده إلى الماضي أبداً.
(وقيل): إن ﴿نُتْبِعُهُمُ﴾ عطف على المعنى، لأن معنى ﴿أَلَمْ نُهْلِكِ﴾: قد أهلكنا.
* *
ثم قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِٱلْمُجْرِمِينَ﴾.
أي: كذلك نهلك من أجرم فاكتسب مخالفة الله ورسوله.
[ثم قال: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾.
وقد تقدم ذكره، وكذلك معنى كل ما في السورة وغيرها منه].
* *
- ثم قال: ﴿أَلَمْ نَخْلُقكُّم مِّن مَّآءٍ [مَّهِينٍ]﴾.
أي: من نطفة ضعيفة. قال ابن عباس: "المهين: الضعيف".
* *
- ثم قال: ﴿فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ﴾.
أي: في رحم استقر فيه فتمكن.
* *
﴿إِلَىٰ قَدَرٍ مَّعْلُومٍ﴾.
أي: إلى وقت خروجه من الرحم.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ ٱلْقَادِرُونَ﴾.
قال الضحاك: معناه "فملكنا فنعم المالكون". وهذا التقدير على قراءة من خفف.
وعلة من شدد أنه أراد به التكرير، لأنه تعالى قدر الإنسان نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم، [ثم]...، [فدل] التشديد على تكرير [الأحوال].
ومن خفف أجراه على لفظ "القادرين" إذ فعله: "قدر مخففاً، فالتخفيف بمعنى الملك والقدرة على ذلك.
والتشديد بمعنى التقدير. فمن شدد ﴿فَقَدَرْنَا﴾ جمع بين معنيين: التقدير [بقدرنا]، والملك "بالقادرين".
ومن خفف جعله كله بمعنى الملك والقدرة.
وقد يستعمل التشديد، وهو بمعنى القدرة أيضاً يقال: قَدَرَ الله كذا وقدَّره، لغتان. فيكون من شدد ﴿فَقَدَرْنَا﴾ جمع بين اللغتين، بقوله: ﴿ٱلْقَادِرُونَ﴾، كما قال: ﴿فَمَهِّلِ ٱلْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً﴾ [الطارق: ١٧]، وقد قال تعالى: ﴿نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ ٱلْمَوْتَ﴾ [الواقعة: ٦٠] مشدداً.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ ٱلأَرْضَ كِفَاتاً * (أَحْيَآءً)﴾
أي: ألم نجعل أيها الناس الأرض لكم وعاءً، أنتم على ظهرها في مساكنكم مجتمعون أحياءً وفي بطنها أمواتاً؟!
[يذكرهم] (الله) بنعمه عليهم.
يقال: كَفَتُّ الشيء إذا جَمَعْتَهُ وأَحْرَزْتَهُ.
روي عن ابن مسعود أنه "وجد قملة في ثوبه فدفنها في المسجد، ثم قال: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ ٱلأَرْضَ كِفَاتاً * أَحْيَآءً وَأَمْوٰتاً﴾.
وقال مجاهد - في الرجل يرى القملة في ثوبه وهو في المسجد - قال: "إن شئت فألقها، وإن شئت [فوارها]. ثم قرأ: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ ٱلأَرْضَ كِفَاتاً...﴾ الآية.
قال الشعبي: ﴿كِفَاتاً﴾: "بطنها لأمواتكم، وظهرها لأحيائكم".
وقال مجاهد: ﴿كِفَاتاً﴾: تكفت أذاهم وما يخرج منهم أحياءً وأمواتاً، أي: تضم ذلك.
ونصب ﴿أَحْيَآءً وَأَمْوٰتاً﴾ "بكفات"، أي: تضم أحياءً وأمواتاً. وقيل: التقدير: كفات أحياء وأموات، أي: ضمهم، [فلما] نون نصب ما بعده، كما تقول: رأيت ضرب زيد. فإن نونت "ضرباً"، نصبت "زيداً" أو رفعته.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ شَامِخَاتٍ﴾.
أي: جبالاً شاهقات، أي" طوالاً مشرفات.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَأَسْقَيْنَاكُم مَّآءً فُرَاتاً﴾.
أي: عذباً قال ابن عباس: وذلك من أربعة أنهار: سيحان وجيحان والنيل والفرات. فكل ما شربه ابن آدم (فهو) من هذه الأنهار، وهي (تخرج من) تحت صخرة عند بيت المقدس. فأما سيحان فهو نهر بلخ، وأما جيحان فهو دجلة بغداد، وأما الفرات فبالكوفة، وأما النيل (فنهر مصر).
* *
- ثم قال تعالى: ﴿ٱنطَلِقُوۤاْ إِلَىٰ مَا كُنتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾.
أي: يقال لهؤلاء المكذبين بآيات الله ونعمه: انطلقوا إلى ما كنتم تكذبون به في الدنيا من عقاب الله لأهل الكفر.
* *
- ﴿ٱنطَلِقُوۤاْ إِلَىٰ ظِلٍّ ذِي ثَلاَثِ شُعَبٍ﴾.
أي: إلى ظل دخان ذي ثلاث شعب. وذلك أنه يرفع وقودها الدخان، فإذا تصعد تفرق على ثلاث شعب، وهو "دخان جهنم".
[وهو قوله: ﴿وَظِلٍّ مِّن يَحْمُومٍ﴾ [الواقعة: ٤٣]، اليحموم: الدخان.
وقد قيل في قوله "﴿ذِي ثَلاَثِ شُعَبٍ﴾ إنه [ظل] الصليب الذي يعبده النصارى. وهو قول شاذ يوجب أن يكون المأمور بهذا، النصارى خاصة. وليست الآية إلا عامة في جميع الكفار، وليس كلهم عبد الصليب، فإنما أمروا إلى ظل دخان جهنم، دخان قد أنفرق على ثلاث شعب]. قال قتادة: هو كقوله: ﴿نَاراً أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا﴾ [الكهف: ٢٩].
* *
- ثم قال تعالى: ﴿لاَّ ظَلِيلٍ وَلاَ يُغْنِي مِنَ ٱللَّهَبِ﴾.
هذا نعت للظل أي: إلى ظل غير ظليل وغير [غانٍ] من اللهب. أي: [لا يظلهم ولا يمنعهم] من لهب جهنم، فلا يمنع عنهم ذلك الظل حرها ولا لهبها. وهذا الوصف مطابق لما روي عن النبي ﷺ: "أَنَّ الشَّمْسَ تَدْنُو مِنْ رُؤُوسِ الخَلاَئِقِ يَوْمَ القِيَامَةِ وَلَيْسَ لَهُمْ لِبَاسٌ وَلاَ لَهُمْ مَا يَسْتَتِرُونَ بِهِ مِنْهَا، فَيُنْجِي اللهُ المُؤْمِنِينَ إلى ظِلٍّ مِنْ ظِلِّهِ، وَيُقَالُ لِلْكُفَّارِ: انْطَلِقُوا إلى مَا كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ مِنْ عَذَابِ اللهِ وَعِقَابِهِ ﴿ٱنطَلِقُوۤاْ إِلَىٰ ظِلٍّ ذِي ثَلاَثِ شُعَبٍ﴾ فَيَنْطَلِقُونَ إلى دُخَانِ جَهَنَّمَ" أفهذا للكفار، لأنه روي: "أَنَّ الخَلاَئِقَ إِذَا اشْتَدَّ عليهم حرُّ الشمس وَدَنَتْ مِنْ رُؤُوسِهِمْ وأَخَذَتْ بِأَنفاسهِم وأشتد ذلك عليهم وكَثُرَ العَرَقُ، واشتد القَلَقُ، نَجَّى اللهُ المؤمنين برحمته إلى ظل من ظله، فهناك يقولون: ﴿فَمَنَّ ٱللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ ٱلسَّمُومِ﴾. ويقال للكفار المكذبين: انطلقوا إلى ما كنتم تُكَذِّبُونَ من عذاب الله وعقابه، انطلقوا إلى ظِلٍّ من دخان جهنم قد سَطَعَ وافترق ثلاثَ فِرَقٍ، فينطلقون ويكونون فيه، وهو أشد من حر الشمس الذي كانوا قد قَلِقُوا فيه. فيُقِيمُون في ظل ذلك الدخان حتى يُفْرَغَ من الحساب، كذلك أولياء الله في ظل عرش الرحمن، وحيث شاء الله حتى يفرغ من الحساب، ثم يؤمر بكل فريق إلى مُسْتَقَرِّهِ من الجنة أو من النار
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَٱلْقَصْرِ﴾.
أي: [إن]: جهنم ترمي ذلك اليوم بشرر كالقصر [المبني]. وقال ابن عباس: "كالقصر العظيم".
قال الحسن: هو واحد القصور.
وروى حجاج عن هارون ﴿كَٱلْقَصْرِ﴾ أي: كالخشب الجزل، وهو جمع قَصْرَة، كجَمْرة وجَمْر، وثَمْرَة وثَمْر.
وقرأ ابن عباس: "كَالْقَصَرِ" بفتح الصاد.
وقرأ ابن جبير والحسن: "كَالْقِصَرِ" بكسر القاف وفتح الصاد.
وعن ابن جبير: كقراءة ابن عباس، القصرة: الخشبة تكون [ثلاث] أذرع أو أكثر، فهو على قراءته جمع قصرة كخشبة وخشب.
وقال مجاهد وقتادة: القَصَر - بالفتح - هو [أصول] النخل. ومن كسر القاف جعله جمع قِصَرَة وقصر، وهي الخشبة أيضاً.
وقال المبرد: قيل: القَصْرُ: الجزل من الحطب الغليظ، واحدته قَصْرَةٌ، كَجَمْرَة وجمر.
والقَصْرُ في هذا الموضع إذا جعلته أحد القُصُورِ فهو واحد يدل [على الجمع]، ولذلك جعل نعتاً لـِ "شَرَرٍ" وهي جماعة.
فإن جعلته جمع قَصْرَةٍ جئت به في النعت بالجمع كالمنعوت، وقد [قال]: ﴿سَيُهْزَمُ ٱلْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ ٱلدُّبُرَ﴾ [القمر: ٤٥]، فَوَحَّدَ (و) لم يقل: "الأدبار"؟ لأن الدبر بمعنى الجمع، وفعل ذلك توفيقاً بين رؤوس [الآي] ومقاطع الكلام، إذ كان ذلك شأن العرب، والقرآنُ بلسانها نزل فَجَرَتْ [ألفاظه] على عادتها في لغتها وكلامها [وسجعها]، وقد قال تعالى: ﴿تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَٱلَّذِي يُغْشَىٰ عَلَيْهِ مِنَ ٱلْمَوْتِ﴾ [الأحزاب: ١٩]، ولم يقل: "كعيون الذين". وهو المعني لأن المراد في التشبيه الفعل لا العين.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿كَأَنَّهُ جِمَٰلَتٌ صُفْرٌ﴾.
أي: كأن ذلك الشرر الذي هو كالقصر: نُوقٌ سُودٌ. فالصفرة هنا بمعنى السواد، وإنما وقعت الصفرة في موضع السواد لأن ألوان الإبل السود تضرب إلى الصفرة، كما سميت [الظباء] "أُدْماً" لِمَا يَعْلُوهَا في بياضها من الظلمة.
قال الحسن: ﴿جِمَٰلَتٌ صُفْرٌ﴾ [أَيْنُقٌ] سود، وهو قول قتادة ومجاهد.
وقال ابن عباس: عنى بذلك قلوس السفن، يعني حبال السفن.
شبهت الشرر بحبال السفينة. والقَلْسُ. الحبلُ.
وعن ابن عباس أيضاً: ﴿جِمَٰلَتٌ صُفْرٌ﴾: "قِطَعُ النّحَاسِ" وهو جمع جِمَالَةٍ [وجِمَالَةٌ]: جمع جمل.
(ومن قرأ (جِمَالَةٌ) جعله جمع جَمَل).
وقد قرأ (أبو) أيوب: "جُمَالاَت" - بضم الجيم - كأنه جمع جَمَلاً (على جُمَالٍ) كما يجمع رَخِلٌ على رُخَالٍ. ثم جمع "جُمَالاً" على جُمَالاَت، لأن باب "فَعَل" و "فُعَل" واحد.
ويجوز (أن) يكون من الشيء المجمل.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾.
وقد تقدم ذكره.
المرسلات 77:25
قوله تعالى: ﴿وَٱلْمُرْسَلاَتِ عُرْفاً﴾، إلى قوله: ﴿كَأَنَّهُ جِمَٰلَتٌ صُفْرٌ * وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾.
قال ابن عباس وابن مسعود ومجاهد وأبو صالح وقتادة: ﴿(وَ)ٱلْمُرْسَلاَتِ﴾: الرياح، ﴿عُرْفاً﴾: يتبع بعضها بعضاً.
وقال مسروق: ﴿وَٱلْمُرْسَلاَتِ﴾: "الملائكة" ﴿عُرْفاً﴾ أي: ترسل بالعرف.
عن أبي صالح أيضاً أنها "الرسل، ترسل بالمعروف". وقيل: ﴿عُرْفاً﴾ أي: متتابعة كتتابع عرف الفرس.
والتقدير على قول مسروق: ورب الملائكة التي أرسلت إلى الأنبياء بأمر الله ونهيه (وذلك هو المعروف.
وعلى قول أبي صالح: ورب الرسل التي أرسلت إلى الناس بأمر الله ونهيه).
ومن قال ﴿عُرْفاً﴾ متتابعة (فتقديره: ورب الملائكة التي أرسلت إلى الأنبياء متتابعة) ورب الرسل الذين أرسلوا إلى الخلق متتابعين. وكذلك التقدير على قول ابن عباس ومن تبعه: هي الرياح.
ويدل (على أنها ليست) الرياح أن يسعدها ذكر الرياح [بلا اختلاف] في قوله: ﴿فَٱلْعَاصِفَاتِ عَصْفاً﴾.
- (ثم قال تعالى: ﴿فَٱلْعَاصِفَاتِ عَصْفاً﴾).
أي: (ورب الرياح العاصفات) أي: الشديدات الهبوب السريعات المر. وهذا قول علي بن أبي طالب وابن مسعود وابن عباس، وغيرهم.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وٱلنَّاشِرَاتِ نَشْراً﴾.
قال ابن مسعود ومجاهد [وقتادة]: هي الرياح لأنها تنشر السحاب.
وقال أبو صالح: هي "المطر"، لأنه ينشر الأرض، أي: [يحييها].
وروى (السدي) عن أبي صالح أنها الملائكة، (قال): [تنشر] [الكتب]. - ثم قال تعالى: ﴿فَٱلْفَارِقَاتِ فَرْقاً﴾.
قال ابن عباس وأبو صالح وسفيان: هي الملائكة، تفرق بالوحي بين الحق والباطل. وقال قتادة: هو القرآن، فرق الله به بين الحق والباطل، كأنه قال: والآيات الفارقات فرقاً.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿فَٱلْمُلْقِيَٰتِ ذِكْراً * عُذْراً﴾.
كلهم قال: هي الملائكة التي تلقي وحي الله إلى رسله، والذكر: القرآن.
* *
ثم قال تعالى: ﴿عُذْراً أَوْ نُذْراً﴾.
أي: تلقي الوحي إلى الرسل إعذاراً من الله لخلقه [وإنذاراً] منه لهم. قاله قتادة وغيره.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَوَٰقِعٌ﴾.
يعني أن البعث والجزاء وجميع ما أخبر الله، كائن واقع [وحادث] لا محالة. و ﴿إِنَّمَا﴾ هو جواب القسم المتقدم.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿فَإِذَا ٱلنُّجُومُ طُمِسَتْ﴾.
أي: ذهب ضوءها فلم يكن لها نور.
﴿وَإِذَا ٱلسَّمَآءُ فُرِجَتْ﴾. أي: شققت وصدعت.
﴿وَإِذَا ٱلْجِبَالُ نُسِفَتْ﴾. أي: نسفت من أصلها.
﴿فَكَانَتْ هَبَآءً مُّنبَثّاً﴾ [الواقعة: ٦]. أي: غباراً متفرقاً.
* *
﴿وَإِذَا ٱلرُّسُلُ أُقِّتَتْ﴾.
أي: أجلت الاجتماع لوقتها يوم القيامة.
قال ابن عباس: ﴿أُقِّتَتْ﴾ "جمعت". وقال مجاهد ﴿أُقِّتَتْ﴾ "أجلت".
وهو من الوقت، فمعناه: [حان] وقتها الذي وعدته به، وذلك يوم القيامة.
وقرأ عيسى بن [عمر] "أُقِتَتْ" بالتخفيف والهمز، وقرأ الحسن. "وُقِتَتْ" بالواو والتخفيف.
وكله من الوقت، والواو هي الأصل، والهمزة بدل منها.
والتخفيف والتشديد لغتان، إلا أن في التشديد معنى التكرير والمبالغة.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿لأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ﴾.
أي: ما أعظمه وأكثر هوله. ففي الكلام معنى التعظيم لليوم والتعجب منه. ومعنى التعجب في هذا أنه تعالى ذكره يعجب العباد من هوله [وفظاعته]، ثم بينه فقال:
* *
- ﴿لِيَوْمِ ٱلْفَصْلِ﴾.
أي: أجلت الرسل ليوم يفصل الله (فيه) بين خلقه، فيأخذ للمظلوم من الظالم ويجزي المحسن بإحسانه والمسيء بإساته.
* *
- ثم قال: ﴿وَمَآ أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ ٱلْفَصْلِ﴾.
أي: وأي شيء أدراك يا محمد ما يوم الفصل؟! فمعناه التعظيم لذلك اليوم لشدته وهوله.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾.
أي: [الوادي] الذي [يسيل] في جهنم من صديد أهلها للمكذبين بذلك اليوم.
وقيل: معناه قبوح لهم ذلك اليوم.
فقوله: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ﴾ هو جواب (إذا) في ما تقدم من الكلام.
- قوله تعالى: ﴿أَلَمْ نُهْلِكِ ٱلأَوَّلِينَ﴾.
يعني قوم نوح وعاد وثمود وشبههم.
* *
- ﴿ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ ٱلآخِرِينَ﴾.
يعني: قوم إبراهيم وأصحاب مدين وقوم فرعون، فيكون ﴿نُتْبِعُهُمُ﴾ على هذا مجزوماً. والتقدير: "وَأَلَمْ نُتْبِعْهُمُ الآخِرِينَ". وبه قرأ الأعرج.
* *
- وقوله: ﴿كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِٱلْمُجْرِمِينَ﴾.
يعني كفار قريش ومن سلك طريقهم من العرب وغيرها.
ورد الجزم أبو حاتم لأنه تأول أن ﴿نُتْبِعُهُمُ﴾ يراد به قريش ومن سلك في التكذيب طريقهم. فلا سبيل إلى الجزم على هذا المعنى لأنه منتظر في المعنى.
ولم لا تدخل على فعل معناه الاستقبال، بل ترده إلى الماضي أبداً.
(وقيل): إن ﴿نُتْبِعُهُمُ﴾ عطف على المعنى، لأن معنى ﴿أَلَمْ نُهْلِكِ﴾: قد أهلكنا.
* *
ثم قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِٱلْمُجْرِمِينَ﴾.
أي: كذلك نهلك من أجرم فاكتسب مخالفة الله ورسوله.
[ثم قال: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾.
وقد تقدم ذكره، وكذلك معنى كل ما في السورة وغيرها منه].
* *
- ثم قال: ﴿أَلَمْ نَخْلُقكُّم مِّن مَّآءٍ [مَّهِينٍ]﴾.
أي: من نطفة ضعيفة. قال ابن عباس: "المهين: الضعيف".
* *
- ثم قال: ﴿فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ﴾.
أي: في رحم استقر فيه فتمكن.
* *
﴿إِلَىٰ قَدَرٍ مَّعْلُومٍ﴾.
أي: إلى وقت خروجه من الرحم.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ ٱلْقَادِرُونَ﴾.
قال الضحاك: معناه "فملكنا فنعم المالكون". وهذا التقدير على قراءة من خفف.
وعلة من شدد أنه أراد به التكرير، لأنه تعالى قدر الإنسان نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم، [ثم]...، [فدل] التشديد على تكرير [الأحوال].
ومن خفف أجراه على لفظ "القادرين" إذ فعله: "قدر مخففاً، فالتخفيف بمعنى الملك والقدرة على ذلك.
والتشديد بمعنى التقدير. فمن شدد ﴿فَقَدَرْنَا﴾ جمع بين معنيين: التقدير [بقدرنا]، والملك "بالقادرين".
ومن خفف جعله كله بمعنى الملك والقدرة.
وقد يستعمل التشديد، وهو بمعنى القدرة أيضاً يقال: قَدَرَ الله كذا وقدَّره، لغتان. فيكون من شدد ﴿فَقَدَرْنَا﴾ جمع بين اللغتين، بقوله: ﴿ٱلْقَادِرُونَ﴾، كما قال: ﴿فَمَهِّلِ ٱلْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً﴾ [الطارق: ١٧]، وقد قال تعالى: ﴿نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ ٱلْمَوْتَ﴾ [الواقعة: ٦٠] مشدداً.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ ٱلأَرْضَ كِفَاتاً * (أَحْيَآءً)﴾
أي: ألم نجعل أيها الناس الأرض لكم وعاءً، أنتم على ظهرها في مساكنكم مجتمعون أحياءً وفي بطنها أمواتاً؟!
[يذكرهم] (الله) بنعمه عليهم.
يقال: كَفَتُّ الشيء إذا جَمَعْتَهُ وأَحْرَزْتَهُ.
روي عن ابن مسعود أنه "وجد قملة في ثوبه فدفنها في المسجد، ثم قال: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ ٱلأَرْضَ كِفَاتاً * أَحْيَآءً وَأَمْوٰتاً﴾.
وقال مجاهد - في الرجل يرى القملة في ثوبه وهو في المسجد - قال: "إن شئت فألقها، وإن شئت [فوارها]. ثم قرأ: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ ٱلأَرْضَ كِفَاتاً...﴾ الآية.
قال الشعبي: ﴿كِفَاتاً﴾: "بطنها لأمواتكم، وظهرها لأحيائكم".
وقال مجاهد: ﴿كِفَاتاً﴾: تكفت أذاهم وما يخرج منهم أحياءً وأمواتاً، أي: تضم ذلك.
ونصب ﴿أَحْيَآءً وَأَمْوٰتاً﴾ "بكفات"، أي: تضم أحياءً وأمواتاً. وقيل: التقدير: كفات أحياء وأموات، أي: ضمهم، [فلما] نون نصب ما بعده، كما تقول: رأيت ضرب زيد. فإن نونت "ضرباً"، نصبت "زيداً" أو رفعته.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ شَامِخَاتٍ﴾.
أي: جبالاً شاهقات، أي" طوالاً مشرفات.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَأَسْقَيْنَاكُم مَّآءً فُرَاتاً﴾.
أي: عذباً قال ابن عباس: وذلك من أربعة أنهار: سيحان وجيحان والنيل والفرات. فكل ما شربه ابن آدم (فهو) من هذه الأنهار، وهي (تخرج من) تحت صخرة عند بيت المقدس. فأما سيحان فهو نهر بلخ، وأما جيحان فهو دجلة بغداد، وأما الفرات فبالكوفة، وأما النيل (فنهر مصر).
* *
- ثم قال تعالى: ﴿ٱنطَلِقُوۤاْ إِلَىٰ مَا كُنتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾.
أي: يقال لهؤلاء المكذبين بآيات الله ونعمه: انطلقوا إلى ما كنتم تكذبون به في الدنيا من عقاب الله لأهل الكفر.
* *
- ﴿ٱنطَلِقُوۤاْ إِلَىٰ ظِلٍّ ذِي ثَلاَثِ شُعَبٍ﴾.
أي: إلى ظل دخان ذي ثلاث شعب. وذلك أنه يرفع وقودها الدخان، فإذا تصعد تفرق على ثلاث شعب، وهو "دخان جهنم".
[وهو قوله: ﴿وَظِلٍّ مِّن يَحْمُومٍ﴾ [الواقعة: ٤٣]، اليحموم: الدخان.
وقد قيل في قوله "﴿ذِي ثَلاَثِ شُعَبٍ﴾ إنه [ظل] الصليب الذي يعبده النصارى. وهو قول شاذ يوجب أن يكون المأمور بهذا، النصارى خاصة. وليست الآية إلا عامة في جميع الكفار، وليس كلهم عبد الصليب، فإنما أمروا إلى ظل دخان جهنم، دخان قد أنفرق على ثلاث شعب]. قال قتادة: هو كقوله: ﴿نَاراً أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا﴾ [الكهف: ٢٩].
* *
- ثم قال تعالى: ﴿لاَّ ظَلِيلٍ وَلاَ يُغْنِي مِنَ ٱللَّهَبِ﴾.
هذا نعت للظل أي: إلى ظل غير ظليل وغير [غانٍ] من اللهب. أي: [لا يظلهم ولا يمنعهم] من لهب جهنم، فلا يمنع عنهم ذلك الظل حرها ولا لهبها. وهذا الوصف مطابق لما روي عن النبي ﷺ: "أَنَّ الشَّمْسَ تَدْنُو مِنْ رُؤُوسِ الخَلاَئِقِ يَوْمَ القِيَامَةِ وَلَيْسَ لَهُمْ لِبَاسٌ وَلاَ لَهُمْ مَا يَسْتَتِرُونَ بِهِ مِنْهَا، فَيُنْجِي اللهُ المُؤْمِنِينَ إلى ظِلٍّ مِنْ ظِلِّهِ، وَيُقَالُ لِلْكُفَّارِ: انْطَلِقُوا إلى مَا كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ مِنْ عَذَابِ اللهِ وَعِقَابِهِ ﴿ٱنطَلِقُوۤاْ إِلَىٰ ظِلٍّ ذِي ثَلاَثِ شُعَبٍ﴾ فَيَنْطَلِقُونَ إلى دُخَانِ جَهَنَّمَ" أفهذا للكفار، لأنه روي: "أَنَّ الخَلاَئِقَ إِذَا اشْتَدَّ عليهم حرُّ الشمس وَدَنَتْ مِنْ رُؤُوسِهِمْ وأَخَذَتْ بِأَنفاسهِم وأشتد ذلك عليهم وكَثُرَ العَرَقُ، واشتد القَلَقُ، نَجَّى اللهُ المؤمنين برحمته إلى ظل من ظله، فهناك يقولون: ﴿فَمَنَّ ٱللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ ٱلسَّمُومِ﴾. ويقال للكفار المكذبين: انطلقوا إلى ما كنتم تُكَذِّبُونَ من عذاب الله وعقابه، انطلقوا إلى ظِلٍّ من دخان جهنم قد سَطَعَ وافترق ثلاثَ فِرَقٍ، فينطلقون ويكونون فيه، وهو أشد من حر الشمس الذي كانوا قد قَلِقُوا فيه. فيُقِيمُون في ظل ذلك الدخان حتى يُفْرَغَ من الحساب، كذلك أولياء الله في ظل عرش الرحمن، وحيث شاء الله حتى يفرغ من الحساب، ثم يؤمر بكل فريق إلى مُسْتَقَرِّهِ من الجنة أو من النار
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَٱلْقَصْرِ﴾.
أي: [إن]: جهنم ترمي ذلك اليوم بشرر كالقصر [المبني]. وقال ابن عباس: "كالقصر العظيم".
قال الحسن: هو واحد القصور.
وروى حجاج عن هارون ﴿كَٱلْقَصْرِ﴾ أي: كالخشب الجزل، وهو جمع قَصْرَة، كجَمْرة وجَمْر، وثَمْرَة وثَمْر.
وقرأ ابن عباس: "كَالْقَصَرِ" بفتح الصاد.
وقرأ ابن جبير والحسن: "كَالْقِصَرِ" بكسر القاف وفتح الصاد.
وعن ابن جبير: كقراءة ابن عباس، القصرة: الخشبة تكون [ثلاث] أذرع أو أكثر، فهو على قراءته جمع قصرة كخشبة وخشب.
وقال مجاهد وقتادة: القَصَر - بالفتح - هو [أصول] النخل. ومن كسر القاف جعله جمع قِصَرَة وقصر، وهي الخشبة أيضاً.
وقال المبرد: قيل: القَصْرُ: الجزل من الحطب الغليظ، واحدته قَصْرَةٌ، كَجَمْرَة وجمر.
والقَصْرُ في هذا الموضع إذا جعلته أحد القُصُورِ فهو واحد يدل [على الجمع]، ولذلك جعل نعتاً لـِ "شَرَرٍ" وهي جماعة.
فإن جعلته جمع قَصْرَةٍ جئت به في النعت بالجمع كالمنعوت، وقد [قال]: ﴿سَيُهْزَمُ ٱلْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ ٱلدُّبُرَ﴾ [القمر: ٤٥]، فَوَحَّدَ (و) لم يقل: "الأدبار"؟ لأن الدبر بمعنى الجمع، وفعل ذلك توفيقاً بين رؤوس [الآي] ومقاطع الكلام، إذ كان ذلك شأن العرب، والقرآنُ بلسانها نزل فَجَرَتْ [ألفاظه] على عادتها في لغتها وكلامها [وسجعها]، وقد قال تعالى: ﴿تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَٱلَّذِي يُغْشَىٰ عَلَيْهِ مِنَ ٱلْمَوْتِ﴾ [الأحزاب: ١٩]، ولم يقل: "كعيون الذين". وهو المعني لأن المراد في التشبيه الفعل لا العين.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿كَأَنَّهُ جِمَٰلَتٌ صُفْرٌ﴾.
أي: كأن ذلك الشرر الذي هو كالقصر: نُوقٌ سُودٌ. فالصفرة هنا بمعنى السواد، وإنما وقعت الصفرة في موضع السواد لأن ألوان الإبل السود تضرب إلى الصفرة، كما سميت [الظباء] "أُدْماً" لِمَا يَعْلُوهَا في بياضها من الظلمة.
قال الحسن: ﴿جِمَٰلَتٌ صُفْرٌ﴾ [أَيْنُقٌ] سود، وهو قول قتادة ومجاهد.
وقال ابن عباس: عنى بذلك قلوس السفن، يعني حبال السفن.
شبهت الشرر بحبال السفينة. والقَلْسُ. الحبلُ.
وعن ابن عباس أيضاً: ﴿جِمَٰلَتٌ صُفْرٌ﴾: "قِطَعُ النّحَاسِ" وهو جمع جِمَالَةٍ [وجِمَالَةٌ]: جمع جمل.
(ومن قرأ (جِمَالَةٌ) جعله جمع جَمَل).
وقد قرأ (أبو) أيوب: "جُمَالاَت" - بضم الجيم - كأنه جمع جَمَلاً (على جُمَالٍ) كما يجمع رَخِلٌ على رُخَالٍ. ثم جمع "جُمَالاً" على جُمَالاَت، لأن باب "فَعَل" و "فُعَل" واحد.
ويجوز (أن) يكون من الشيء المجمل.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾.
وقد تقدم ذكره.
المرسلات 77:26
قوله تعالى: ﴿وَٱلْمُرْسَلاَتِ عُرْفاً﴾، إلى قوله: ﴿كَأَنَّهُ جِمَٰلَتٌ صُفْرٌ * وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾.
قال ابن عباس وابن مسعود ومجاهد وأبو صالح وقتادة: ﴿(وَ)ٱلْمُرْسَلاَتِ﴾: الرياح، ﴿عُرْفاً﴾: يتبع بعضها بعضاً.
وقال مسروق: ﴿وَٱلْمُرْسَلاَتِ﴾: "الملائكة" ﴿عُرْفاً﴾ أي: ترسل بالعرف.
عن أبي صالح أيضاً أنها "الرسل، ترسل بالمعروف". وقيل: ﴿عُرْفاً﴾ أي: متتابعة كتتابع عرف الفرس.
والتقدير على قول مسروق: ورب الملائكة التي أرسلت إلى الأنبياء بأمر الله ونهيه (وذلك هو المعروف.
وعلى قول أبي صالح: ورب الرسل التي أرسلت إلى الناس بأمر الله ونهيه).
ومن قال ﴿عُرْفاً﴾ متتابعة (فتقديره: ورب الملائكة التي أرسلت إلى الأنبياء متتابعة) ورب الرسل الذين أرسلوا إلى الخلق متتابعين. وكذلك التقدير على قول ابن عباس ومن تبعه: هي الرياح.
ويدل (على أنها ليست) الرياح أن يسعدها ذكر الرياح [بلا اختلاف] في قوله: ﴿فَٱلْعَاصِفَاتِ عَصْفاً﴾.
- (ثم قال تعالى: ﴿فَٱلْعَاصِفَاتِ عَصْفاً﴾).
أي: (ورب الرياح العاصفات) أي: الشديدات الهبوب السريعات المر. وهذا قول علي بن أبي طالب وابن مسعود وابن عباس، وغيرهم.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وٱلنَّاشِرَاتِ نَشْراً﴾.
قال ابن مسعود ومجاهد [وقتادة]: هي الرياح لأنها تنشر السحاب.
وقال أبو صالح: هي "المطر"، لأنه ينشر الأرض، أي: [يحييها].
وروى (السدي) عن أبي صالح أنها الملائكة، (قال): [تنشر] [الكتب]. - ثم قال تعالى: ﴿فَٱلْفَارِقَاتِ فَرْقاً﴾.
قال ابن عباس وأبو صالح وسفيان: هي الملائكة، تفرق بالوحي بين الحق والباطل. وقال قتادة: هو القرآن، فرق الله به بين الحق والباطل، كأنه قال: والآيات الفارقات فرقاً.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿فَٱلْمُلْقِيَٰتِ ذِكْراً * عُذْراً﴾.
كلهم قال: هي الملائكة التي تلقي وحي الله إلى رسله، والذكر: القرآن.
* *
ثم قال تعالى: ﴿عُذْراً أَوْ نُذْراً﴾.
أي: تلقي الوحي إلى الرسل إعذاراً من الله لخلقه [وإنذاراً] منه لهم. قاله قتادة وغيره.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَوَٰقِعٌ﴾.
يعني أن البعث والجزاء وجميع ما أخبر الله، كائن واقع [وحادث] لا محالة. و ﴿إِنَّمَا﴾ هو جواب القسم المتقدم.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿فَإِذَا ٱلنُّجُومُ طُمِسَتْ﴾.
أي: ذهب ضوءها فلم يكن لها نور.
﴿وَإِذَا ٱلسَّمَآءُ فُرِجَتْ﴾. أي: شققت وصدعت.
﴿وَإِذَا ٱلْجِبَالُ نُسِفَتْ﴾. أي: نسفت من أصلها.
﴿فَكَانَتْ هَبَآءً مُّنبَثّاً﴾ [الواقعة: ٦]. أي: غباراً متفرقاً.
* *
﴿وَإِذَا ٱلرُّسُلُ أُقِّتَتْ﴾.
أي: أجلت الاجتماع لوقتها يوم القيامة.
قال ابن عباس: ﴿أُقِّتَتْ﴾ "جمعت". وقال مجاهد ﴿أُقِّتَتْ﴾ "أجلت".
وهو من الوقت، فمعناه: [حان] وقتها الذي وعدته به، وذلك يوم القيامة.
وقرأ عيسى بن [عمر] "أُقِتَتْ" بالتخفيف والهمز، وقرأ الحسن. "وُقِتَتْ" بالواو والتخفيف.
وكله من الوقت، والواو هي الأصل، والهمزة بدل منها.
والتخفيف والتشديد لغتان، إلا أن في التشديد معنى التكرير والمبالغة.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿لأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ﴾.
أي: ما أعظمه وأكثر هوله. ففي الكلام معنى التعظيم لليوم والتعجب منه. ومعنى التعجب في هذا أنه تعالى ذكره يعجب العباد من هوله [وفظاعته]، ثم بينه فقال:
* *
- ﴿لِيَوْمِ ٱلْفَصْلِ﴾.
أي: أجلت الرسل ليوم يفصل الله (فيه) بين خلقه، فيأخذ للمظلوم من الظالم ويجزي المحسن بإحسانه والمسيء بإساته.
* *
- ثم قال: ﴿وَمَآ أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ ٱلْفَصْلِ﴾.
أي: وأي شيء أدراك يا محمد ما يوم الفصل؟! فمعناه التعظيم لذلك اليوم لشدته وهوله.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾.
أي: [الوادي] الذي [يسيل] في جهنم من صديد أهلها للمكذبين بذلك اليوم.
وقيل: معناه قبوح لهم ذلك اليوم.
فقوله: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ﴾ هو جواب (إذا) في ما تقدم من الكلام.
- قوله تعالى: ﴿أَلَمْ نُهْلِكِ ٱلأَوَّلِينَ﴾.
يعني قوم نوح وعاد وثمود وشبههم.
* *
- ﴿ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ ٱلآخِرِينَ﴾.
يعني: قوم إبراهيم وأصحاب مدين وقوم فرعون، فيكون ﴿نُتْبِعُهُمُ﴾ على هذا مجزوماً. والتقدير: "وَأَلَمْ نُتْبِعْهُمُ الآخِرِينَ". وبه قرأ الأعرج.
* *
- وقوله: ﴿كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِٱلْمُجْرِمِينَ﴾.
يعني كفار قريش ومن سلك طريقهم من العرب وغيرها.
ورد الجزم أبو حاتم لأنه تأول أن ﴿نُتْبِعُهُمُ﴾ يراد به قريش ومن سلك في التكذيب طريقهم. فلا سبيل إلى الجزم على هذا المعنى لأنه منتظر في المعنى.
ولم لا تدخل على فعل معناه الاستقبال، بل ترده إلى الماضي أبداً.
(وقيل): إن ﴿نُتْبِعُهُمُ﴾ عطف على المعنى، لأن معنى ﴿أَلَمْ نُهْلِكِ﴾: قد أهلكنا.
* *
ثم قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِٱلْمُجْرِمِينَ﴾.
أي: كذلك نهلك من أجرم فاكتسب مخالفة الله ورسوله.
[ثم قال: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾.
وقد تقدم ذكره، وكذلك معنى كل ما في السورة وغيرها منه].
* *
- ثم قال: ﴿أَلَمْ نَخْلُقكُّم مِّن مَّآءٍ [مَّهِينٍ]﴾.
أي: من نطفة ضعيفة. قال ابن عباس: "المهين: الضعيف".
* *
- ثم قال: ﴿فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ﴾.
أي: في رحم استقر فيه فتمكن.
* *
﴿إِلَىٰ قَدَرٍ مَّعْلُومٍ﴾.
أي: إلى وقت خروجه من الرحم.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ ٱلْقَادِرُونَ﴾.
قال الضحاك: معناه "فملكنا فنعم المالكون". وهذا التقدير على قراءة من خفف.
وعلة من شدد أنه أراد به التكرير، لأنه تعالى قدر الإنسان نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم، [ثم]...، [فدل] التشديد على تكرير [الأحوال].
ومن خفف أجراه على لفظ "القادرين" إذ فعله: "قدر مخففاً، فالتخفيف بمعنى الملك والقدرة على ذلك.
والتشديد بمعنى التقدير. فمن شدد ﴿فَقَدَرْنَا﴾ جمع بين معنيين: التقدير [بقدرنا]، والملك "بالقادرين".
ومن خفف جعله كله بمعنى الملك والقدرة.
وقد يستعمل التشديد، وهو بمعنى القدرة أيضاً يقال: قَدَرَ الله كذا وقدَّره، لغتان. فيكون من شدد ﴿فَقَدَرْنَا﴾ جمع بين اللغتين، بقوله: ﴿ٱلْقَادِرُونَ﴾، كما قال: ﴿فَمَهِّلِ ٱلْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً﴾ [الطارق: ١٧]، وقد قال تعالى: ﴿نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ ٱلْمَوْتَ﴾ [الواقعة: ٦٠] مشدداً.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ ٱلأَرْضَ كِفَاتاً * (أَحْيَآءً)﴾
أي: ألم نجعل أيها الناس الأرض لكم وعاءً، أنتم على ظهرها في مساكنكم مجتمعون أحياءً وفي بطنها أمواتاً؟!
[يذكرهم] (الله) بنعمه عليهم.
يقال: كَفَتُّ الشيء إذا جَمَعْتَهُ وأَحْرَزْتَهُ.
روي عن ابن مسعود أنه "وجد قملة في ثوبه فدفنها في المسجد، ثم قال: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ ٱلأَرْضَ كِفَاتاً * أَحْيَآءً وَأَمْوٰتاً﴾.
وقال مجاهد - في الرجل يرى القملة في ثوبه وهو في المسجد - قال: "إن شئت فألقها، وإن شئت [فوارها]. ثم قرأ: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ ٱلأَرْضَ كِفَاتاً...﴾ الآية.
قال الشعبي: ﴿كِفَاتاً﴾: "بطنها لأمواتكم، وظهرها لأحيائكم".
وقال مجاهد: ﴿كِفَاتاً﴾: تكفت أذاهم وما يخرج منهم أحياءً وأمواتاً، أي: تضم ذلك.
ونصب ﴿أَحْيَآءً وَأَمْوٰتاً﴾ "بكفات"، أي: تضم أحياءً وأمواتاً. وقيل: التقدير: كفات أحياء وأموات، أي: ضمهم، [فلما] نون نصب ما بعده، كما تقول: رأيت ضرب زيد. فإن نونت "ضرباً"، نصبت "زيداً" أو رفعته.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ شَامِخَاتٍ﴾.
أي: جبالاً شاهقات، أي" طوالاً مشرفات.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَأَسْقَيْنَاكُم مَّآءً فُرَاتاً﴾.
أي: عذباً قال ابن عباس: وذلك من أربعة أنهار: سيحان وجيحان والنيل والفرات. فكل ما شربه ابن آدم (فهو) من هذه الأنهار، وهي (تخرج من) تحت صخرة عند بيت المقدس. فأما سيحان فهو نهر بلخ، وأما جيحان فهو دجلة بغداد، وأما الفرات فبالكوفة، وأما النيل (فنهر مصر).
* *
- ثم قال تعالى: ﴿ٱنطَلِقُوۤاْ إِلَىٰ مَا كُنتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾.
أي: يقال لهؤلاء المكذبين بآيات الله ونعمه: انطلقوا إلى ما كنتم تكذبون به في الدنيا من عقاب الله لأهل الكفر.
* *
- ﴿ٱنطَلِقُوۤاْ إِلَىٰ ظِلٍّ ذِي ثَلاَثِ شُعَبٍ﴾.
أي: إلى ظل دخان ذي ثلاث شعب. وذلك أنه يرفع وقودها الدخان، فإذا تصعد تفرق على ثلاث شعب، وهو "دخان جهنم".
[وهو قوله: ﴿وَظِلٍّ مِّن يَحْمُومٍ﴾ [الواقعة: ٤٣]، اليحموم: الدخان.
وقد قيل في قوله "﴿ذِي ثَلاَثِ شُعَبٍ﴾ إنه [ظل] الصليب الذي يعبده النصارى. وهو قول شاذ يوجب أن يكون المأمور بهذا، النصارى خاصة. وليست الآية إلا عامة في جميع الكفار، وليس كلهم عبد الصليب، فإنما أمروا إلى ظل دخان جهنم، دخان قد أنفرق على ثلاث شعب]. قال قتادة: هو كقوله: ﴿نَاراً أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا﴾ [الكهف: ٢٩].
* *
- ثم قال تعالى: ﴿لاَّ ظَلِيلٍ وَلاَ يُغْنِي مِنَ ٱللَّهَبِ﴾.
هذا نعت للظل أي: إلى ظل غير ظليل وغير [غانٍ] من اللهب. أي: [لا يظلهم ولا يمنعهم] من لهب جهنم، فلا يمنع عنهم ذلك الظل حرها ولا لهبها. وهذا الوصف مطابق لما روي عن النبي ﷺ: "أَنَّ الشَّمْسَ تَدْنُو مِنْ رُؤُوسِ الخَلاَئِقِ يَوْمَ القِيَامَةِ وَلَيْسَ لَهُمْ لِبَاسٌ وَلاَ لَهُمْ مَا يَسْتَتِرُونَ بِهِ مِنْهَا، فَيُنْجِي اللهُ المُؤْمِنِينَ إلى ظِلٍّ مِنْ ظِلِّهِ، وَيُقَالُ لِلْكُفَّارِ: انْطَلِقُوا إلى مَا كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ مِنْ عَذَابِ اللهِ وَعِقَابِهِ ﴿ٱنطَلِقُوۤاْ إِلَىٰ ظِلٍّ ذِي ثَلاَثِ شُعَبٍ﴾ فَيَنْطَلِقُونَ إلى دُخَانِ جَهَنَّمَ" أفهذا للكفار، لأنه روي: "أَنَّ الخَلاَئِقَ إِذَا اشْتَدَّ عليهم حرُّ الشمس وَدَنَتْ مِنْ رُؤُوسِهِمْ وأَخَذَتْ بِأَنفاسهِم وأشتد ذلك عليهم وكَثُرَ العَرَقُ، واشتد القَلَقُ، نَجَّى اللهُ المؤمنين برحمته إلى ظل من ظله، فهناك يقولون: ﴿فَمَنَّ ٱللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ ٱلسَّمُومِ﴾. ويقال للكفار المكذبين: انطلقوا إلى ما كنتم تُكَذِّبُونَ من عذاب الله وعقابه، انطلقوا إلى ظِلٍّ من دخان جهنم قد سَطَعَ وافترق ثلاثَ فِرَقٍ، فينطلقون ويكونون فيه، وهو أشد من حر الشمس الذي كانوا قد قَلِقُوا فيه. فيُقِيمُون في ظل ذلك الدخان حتى يُفْرَغَ من الحساب، كذلك أولياء الله في ظل عرش الرحمن، وحيث شاء الله حتى يفرغ من الحساب، ثم يؤمر بكل فريق إلى مُسْتَقَرِّهِ من الجنة أو من النار
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَٱلْقَصْرِ﴾.
أي: [إن]: جهنم ترمي ذلك اليوم بشرر كالقصر [المبني]. وقال ابن عباس: "كالقصر العظيم".
قال الحسن: هو واحد القصور.
وروى حجاج عن هارون ﴿كَٱلْقَصْرِ﴾ أي: كالخشب الجزل، وهو جمع قَصْرَة، كجَمْرة وجَمْر، وثَمْرَة وثَمْر.
وقرأ ابن عباس: "كَالْقَصَرِ" بفتح الصاد.
وقرأ ابن جبير والحسن: "كَالْقِصَرِ" بكسر القاف وفتح الصاد.
وعن ابن جبير: كقراءة ابن عباس، القصرة: الخشبة تكون [ثلاث] أذرع أو أكثر، فهو على قراءته جمع قصرة كخشبة وخشب.
وقال مجاهد وقتادة: القَصَر - بالفتح - هو [أصول] النخل. ومن كسر القاف جعله جمع قِصَرَة وقصر، وهي الخشبة أيضاً.
وقال المبرد: قيل: القَصْرُ: الجزل من الحطب الغليظ، واحدته قَصْرَةٌ، كَجَمْرَة وجمر.
والقَصْرُ في هذا الموضع إذا جعلته أحد القُصُورِ فهو واحد يدل [على الجمع]، ولذلك جعل نعتاً لـِ "شَرَرٍ" وهي جماعة.
فإن جعلته جمع قَصْرَةٍ جئت به في النعت بالجمع كالمنعوت، وقد [قال]: ﴿سَيُهْزَمُ ٱلْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ ٱلدُّبُرَ﴾ [القمر: ٤٥]، فَوَحَّدَ (و) لم يقل: "الأدبار"؟ لأن الدبر بمعنى الجمع، وفعل ذلك توفيقاً بين رؤوس [الآي] ومقاطع الكلام، إذ كان ذلك شأن العرب، والقرآنُ بلسانها نزل فَجَرَتْ [ألفاظه] على عادتها في لغتها وكلامها [وسجعها]، وقد قال تعالى: ﴿تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَٱلَّذِي يُغْشَىٰ عَلَيْهِ مِنَ ٱلْمَوْتِ﴾ [الأحزاب: ١٩]، ولم يقل: "كعيون الذين". وهو المعني لأن المراد في التشبيه الفعل لا العين.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿كَأَنَّهُ جِمَٰلَتٌ صُفْرٌ﴾.
أي: كأن ذلك الشرر الذي هو كالقصر: نُوقٌ سُودٌ. فالصفرة هنا بمعنى السواد، وإنما وقعت الصفرة في موضع السواد لأن ألوان الإبل السود تضرب إلى الصفرة، كما سميت [الظباء] "أُدْماً" لِمَا يَعْلُوهَا في بياضها من الظلمة.
قال الحسن: ﴿جِمَٰلَتٌ صُفْرٌ﴾ [أَيْنُقٌ] سود، وهو قول قتادة ومجاهد.
وقال ابن عباس: عنى بذلك قلوس السفن، يعني حبال السفن.
شبهت الشرر بحبال السفينة. والقَلْسُ. الحبلُ.
وعن ابن عباس أيضاً: ﴿جِمَٰلَتٌ صُفْرٌ﴾: "قِطَعُ النّحَاسِ" وهو جمع جِمَالَةٍ [وجِمَالَةٌ]: جمع جمل.
(ومن قرأ (جِمَالَةٌ) جعله جمع جَمَل).
وقد قرأ (أبو) أيوب: "جُمَالاَت" - بضم الجيم - كأنه جمع جَمَلاً (على جُمَالٍ) كما يجمع رَخِلٌ على رُخَالٍ. ثم جمع "جُمَالاً" على جُمَالاَت، لأن باب "فَعَل" و "فُعَل" واحد.
ويجوز (أن) يكون من الشيء المجمل.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾.
وقد تقدم ذكره.
المرسلات 77:27
قوله تعالى: ﴿وَٱلْمُرْسَلاَتِ عُرْفاً﴾، إلى قوله: ﴿كَأَنَّهُ جِمَٰلَتٌ صُفْرٌ * وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾.
قال ابن عباس وابن مسعود ومجاهد وأبو صالح وقتادة: ﴿(وَ)ٱلْمُرْسَلاَتِ﴾: الرياح، ﴿عُرْفاً﴾: يتبع بعضها بعضاً.
وقال مسروق: ﴿وَٱلْمُرْسَلاَتِ﴾: "الملائكة" ﴿عُرْفاً﴾ أي: ترسل بالعرف.
عن أبي صالح أيضاً أنها "الرسل، ترسل بالمعروف". وقيل: ﴿عُرْفاً﴾ أي: متتابعة كتتابع عرف الفرس.
والتقدير على قول مسروق: ورب الملائكة التي أرسلت إلى الأنبياء بأمر الله ونهيه (وذلك هو المعروف.
وعلى قول أبي صالح: ورب الرسل التي أرسلت إلى الناس بأمر الله ونهيه).
ومن قال ﴿عُرْفاً﴾ متتابعة (فتقديره: ورب الملائكة التي أرسلت إلى الأنبياء متتابعة) ورب الرسل الذين أرسلوا إلى الخلق متتابعين. وكذلك التقدير على قول ابن عباس ومن تبعه: هي الرياح.
ويدل (على أنها ليست) الرياح أن يسعدها ذكر الرياح [بلا اختلاف] في قوله: ﴿فَٱلْعَاصِفَاتِ عَصْفاً﴾.
- (ثم قال تعالى: ﴿فَٱلْعَاصِفَاتِ عَصْفاً﴾).
أي: (ورب الرياح العاصفات) أي: الشديدات الهبوب السريعات المر. وهذا قول علي بن أبي طالب وابن مسعود وابن عباس، وغيرهم.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وٱلنَّاشِرَاتِ نَشْراً﴾.
قال ابن مسعود ومجاهد [وقتادة]: هي الرياح لأنها تنشر السحاب.
وقال أبو صالح: هي "المطر"، لأنه ينشر الأرض، أي: [يحييها].
وروى (السدي) عن أبي صالح أنها الملائكة، (قال): [تنشر] [الكتب]. - ثم قال تعالى: ﴿فَٱلْفَارِقَاتِ فَرْقاً﴾.
قال ابن عباس وأبو صالح وسفيان: هي الملائكة، تفرق بالوحي بين الحق والباطل. وقال قتادة: هو القرآن، فرق الله به بين الحق والباطل، كأنه قال: والآيات الفارقات فرقاً.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿فَٱلْمُلْقِيَٰتِ ذِكْراً * عُذْراً﴾.
كلهم قال: هي الملائكة التي تلقي وحي الله إلى رسله، والذكر: القرآن.
* *
ثم قال تعالى: ﴿عُذْراً أَوْ نُذْراً﴾.
أي: تلقي الوحي إلى الرسل إعذاراً من الله لخلقه [وإنذاراً] منه لهم. قاله قتادة وغيره.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَوَٰقِعٌ﴾.
يعني أن البعث والجزاء وجميع ما أخبر الله، كائن واقع [وحادث] لا محالة. و ﴿إِنَّمَا﴾ هو جواب القسم المتقدم.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿فَإِذَا ٱلنُّجُومُ طُمِسَتْ﴾.
أي: ذهب ضوءها فلم يكن لها نور.
﴿وَإِذَا ٱلسَّمَآءُ فُرِجَتْ﴾. أي: شققت وصدعت.
﴿وَإِذَا ٱلْجِبَالُ نُسِفَتْ﴾. أي: نسفت من أصلها.
﴿فَكَانَتْ هَبَآءً مُّنبَثّاً﴾ [الواقعة: ٦]. أي: غباراً متفرقاً.
* *
﴿وَإِذَا ٱلرُّسُلُ أُقِّتَتْ﴾.
أي: أجلت الاجتماع لوقتها يوم القيامة.
قال ابن عباس: ﴿أُقِّتَتْ﴾ "جمعت". وقال مجاهد ﴿أُقِّتَتْ﴾ "أجلت".
وهو من الوقت، فمعناه: [حان] وقتها الذي وعدته به، وذلك يوم القيامة.
وقرأ عيسى بن [عمر] "أُقِتَتْ" بالتخفيف والهمز، وقرأ الحسن. "وُقِتَتْ" بالواو والتخفيف.
وكله من الوقت، والواو هي الأصل، والهمزة بدل منها.
والتخفيف والتشديد لغتان، إلا أن في التشديد معنى التكرير والمبالغة.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿لأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ﴾.
أي: ما أعظمه وأكثر هوله. ففي الكلام معنى التعظيم لليوم والتعجب منه. ومعنى التعجب في هذا أنه تعالى ذكره يعجب العباد من هوله [وفظاعته]، ثم بينه فقال:
* *
- ﴿لِيَوْمِ ٱلْفَصْلِ﴾.
أي: أجلت الرسل ليوم يفصل الله (فيه) بين خلقه، فيأخذ للمظلوم من الظالم ويجزي المحسن بإحسانه والمسيء بإساته.
* *
- ثم قال: ﴿وَمَآ أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ ٱلْفَصْلِ﴾.
أي: وأي شيء أدراك يا محمد ما يوم الفصل؟! فمعناه التعظيم لذلك اليوم لشدته وهوله.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾.
أي: [الوادي] الذي [يسيل] في جهنم من صديد أهلها للمكذبين بذلك اليوم.
وقيل: معناه قبوح لهم ذلك اليوم.
فقوله: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ﴾ هو جواب (إذا) في ما تقدم من الكلام.
- قوله تعالى: ﴿أَلَمْ نُهْلِكِ ٱلأَوَّلِينَ﴾.
يعني قوم نوح وعاد وثمود وشبههم.
* *
- ﴿ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ ٱلآخِرِينَ﴾.
يعني: قوم إبراهيم وأصحاب مدين وقوم فرعون، فيكون ﴿نُتْبِعُهُمُ﴾ على هذا مجزوماً. والتقدير: "وَأَلَمْ نُتْبِعْهُمُ الآخِرِينَ". وبه قرأ الأعرج.
* *
- وقوله: ﴿كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِٱلْمُجْرِمِينَ﴾.
يعني كفار قريش ومن سلك طريقهم من العرب وغيرها.
ورد الجزم أبو حاتم لأنه تأول أن ﴿نُتْبِعُهُمُ﴾ يراد به قريش ومن سلك في التكذيب طريقهم. فلا سبيل إلى الجزم على هذا المعنى لأنه منتظر في المعنى.
ولم لا تدخل على فعل معناه الاستقبال، بل ترده إلى الماضي أبداً.
(وقيل): إن ﴿نُتْبِعُهُمُ﴾ عطف على المعنى، لأن معنى ﴿أَلَمْ نُهْلِكِ﴾: قد أهلكنا.
* *
ثم قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِٱلْمُجْرِمِينَ﴾.
أي: كذلك نهلك من أجرم فاكتسب مخالفة الله ورسوله.
[ثم قال: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾.
وقد تقدم ذكره، وكذلك معنى كل ما في السورة وغيرها منه].
* *
- ثم قال: ﴿أَلَمْ نَخْلُقكُّم مِّن مَّآءٍ [مَّهِينٍ]﴾.
أي: من نطفة ضعيفة. قال ابن عباس: "المهين: الضعيف".
* *
- ثم قال: ﴿فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ﴾.
أي: في رحم استقر فيه فتمكن.
* *
﴿إِلَىٰ قَدَرٍ مَّعْلُومٍ﴾.
أي: إلى وقت خروجه من الرحم.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ ٱلْقَادِرُونَ﴾.
قال الضحاك: معناه "فملكنا فنعم المالكون". وهذا التقدير على قراءة من خفف.
وعلة من شدد أنه أراد به التكرير، لأنه تعالى قدر الإنسان نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم، [ثم]...، [فدل] التشديد على تكرير [الأحوال].
ومن خفف أجراه على لفظ "القادرين" إذ فعله: "قدر مخففاً، فالتخفيف بمعنى الملك والقدرة على ذلك.
والتشديد بمعنى التقدير. فمن شدد ﴿فَقَدَرْنَا﴾ جمع بين معنيين: التقدير [بقدرنا]، والملك "بالقادرين".
ومن خفف جعله كله بمعنى الملك والقدرة.
وقد يستعمل التشديد، وهو بمعنى القدرة أيضاً يقال: قَدَرَ الله كذا وقدَّره، لغتان. فيكون من شدد ﴿فَقَدَرْنَا﴾ جمع بين اللغتين، بقوله: ﴿ٱلْقَادِرُونَ﴾، كما قال: ﴿فَمَهِّلِ ٱلْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً﴾ [الطارق: ١٧]، وقد قال تعالى: ﴿نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ ٱلْمَوْتَ﴾ [الواقعة: ٦٠] مشدداً.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ ٱلأَرْضَ كِفَاتاً * (أَحْيَآءً)﴾
أي: ألم نجعل أيها الناس الأرض لكم وعاءً، أنتم على ظهرها في مساكنكم مجتمعون أحياءً وفي بطنها أمواتاً؟!
[يذكرهم] (الله) بنعمه عليهم.
يقال: كَفَتُّ الشيء إذا جَمَعْتَهُ وأَحْرَزْتَهُ.
روي عن ابن مسعود أنه "وجد قملة في ثوبه فدفنها في المسجد، ثم قال: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ ٱلأَرْضَ كِفَاتاً * أَحْيَآءً وَأَمْوٰتاً﴾.
وقال مجاهد - في الرجل يرى القملة في ثوبه وهو في المسجد - قال: "إن شئت فألقها، وإن شئت [فوارها]. ثم قرأ: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ ٱلأَرْضَ كِفَاتاً...﴾ الآية.
قال الشعبي: ﴿كِفَاتاً﴾: "بطنها لأمواتكم، وظهرها لأحيائكم".
وقال مجاهد: ﴿كِفَاتاً﴾: تكفت أذاهم وما يخرج منهم أحياءً وأمواتاً، أي: تضم ذلك.
ونصب ﴿أَحْيَآءً وَأَمْوٰتاً﴾ "بكفات"، أي: تضم أحياءً وأمواتاً. وقيل: التقدير: كفات أحياء وأموات، أي: ضمهم، [فلما] نون نصب ما بعده، كما تقول: رأيت ضرب زيد. فإن نونت "ضرباً"، نصبت "زيداً" أو رفعته.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ شَامِخَاتٍ﴾.
أي: جبالاً شاهقات، أي" طوالاً مشرفات.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَأَسْقَيْنَاكُم مَّآءً فُرَاتاً﴾.
أي: عذباً قال ابن عباس: وذلك من أربعة أنهار: سيحان وجيحان والنيل والفرات. فكل ما شربه ابن آدم (فهو) من هذه الأنهار، وهي (تخرج من) تحت صخرة عند بيت المقدس. فأما سيحان فهو نهر بلخ، وأما جيحان فهو دجلة بغداد، وأما الفرات فبالكوفة، وأما النيل (فنهر مصر).
* *
- ثم قال تعالى: ﴿ٱنطَلِقُوۤاْ إِلَىٰ مَا كُنتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾.
أي: يقال لهؤلاء المكذبين بآيات الله ونعمه: انطلقوا إلى ما كنتم تكذبون به في الدنيا من عقاب الله لأهل الكفر.
* *
- ﴿ٱنطَلِقُوۤاْ إِلَىٰ ظِلٍّ ذِي ثَلاَثِ شُعَبٍ﴾.
أي: إلى ظل دخان ذي ثلاث شعب. وذلك أنه يرفع وقودها الدخان، فإذا تصعد تفرق على ثلاث شعب، وهو "دخان جهنم".
[وهو قوله: ﴿وَظِلٍّ مِّن يَحْمُومٍ﴾ [الواقعة: ٤٣]، اليحموم: الدخان.
وقد قيل في قوله "﴿ذِي ثَلاَثِ شُعَبٍ﴾ إنه [ظل] الصليب الذي يعبده النصارى. وهو قول شاذ يوجب أن يكون المأمور بهذا، النصارى خاصة. وليست الآية إلا عامة في جميع الكفار، وليس كلهم عبد الصليب، فإنما أمروا إلى ظل دخان جهنم، دخان قد أنفرق على ثلاث شعب]. قال قتادة: هو كقوله: ﴿نَاراً أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا﴾ [الكهف: ٢٩].
* *
- ثم قال تعالى: ﴿لاَّ ظَلِيلٍ وَلاَ يُغْنِي مِنَ ٱللَّهَبِ﴾.
هذا نعت للظل أي: إلى ظل غير ظليل وغير [غانٍ] من اللهب. أي: [لا يظلهم ولا يمنعهم] من لهب جهنم، فلا يمنع عنهم ذلك الظل حرها ولا لهبها. وهذا الوصف مطابق لما روي عن النبي ﷺ: "أَنَّ الشَّمْسَ تَدْنُو مِنْ رُؤُوسِ الخَلاَئِقِ يَوْمَ القِيَامَةِ وَلَيْسَ لَهُمْ لِبَاسٌ وَلاَ لَهُمْ مَا يَسْتَتِرُونَ بِهِ مِنْهَا، فَيُنْجِي اللهُ المُؤْمِنِينَ إلى ظِلٍّ مِنْ ظِلِّهِ، وَيُقَالُ لِلْكُفَّارِ: انْطَلِقُوا إلى مَا كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ مِنْ عَذَابِ اللهِ وَعِقَابِهِ ﴿ٱنطَلِقُوۤاْ إِلَىٰ ظِلٍّ ذِي ثَلاَثِ شُعَبٍ﴾ فَيَنْطَلِقُونَ إلى دُخَانِ جَهَنَّمَ" أفهذا للكفار، لأنه روي: "أَنَّ الخَلاَئِقَ إِذَا اشْتَدَّ عليهم حرُّ الشمس وَدَنَتْ مِنْ رُؤُوسِهِمْ وأَخَذَتْ بِأَنفاسهِم وأشتد ذلك عليهم وكَثُرَ العَرَقُ، واشتد القَلَقُ، نَجَّى اللهُ المؤمنين برحمته إلى ظل من ظله، فهناك يقولون: ﴿فَمَنَّ ٱللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ ٱلسَّمُومِ﴾. ويقال للكفار المكذبين: انطلقوا إلى ما كنتم تُكَذِّبُونَ من عذاب الله وعقابه، انطلقوا إلى ظِلٍّ من دخان جهنم قد سَطَعَ وافترق ثلاثَ فِرَقٍ، فينطلقون ويكونون فيه، وهو أشد من حر الشمس الذي كانوا قد قَلِقُوا فيه. فيُقِيمُون في ظل ذلك الدخان حتى يُفْرَغَ من الحساب، كذلك أولياء الله في ظل عرش الرحمن، وحيث شاء الله حتى يفرغ من الحساب، ثم يؤمر بكل فريق إلى مُسْتَقَرِّهِ من الجنة أو من النار
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَٱلْقَصْرِ﴾.
أي: [إن]: جهنم ترمي ذلك اليوم بشرر كالقصر [المبني]. وقال ابن عباس: "كالقصر العظيم".
قال الحسن: هو واحد القصور.
وروى حجاج عن هارون ﴿كَٱلْقَصْرِ﴾ أي: كالخشب الجزل، وهو جمع قَصْرَة، كجَمْرة وجَمْر، وثَمْرَة وثَمْر.
وقرأ ابن عباس: "كَالْقَصَرِ" بفتح الصاد.
وقرأ ابن جبير والحسن: "كَالْقِصَرِ" بكسر القاف وفتح الصاد.
وعن ابن جبير: كقراءة ابن عباس، القصرة: الخشبة تكون [ثلاث] أذرع أو أكثر، فهو على قراءته جمع قصرة كخشبة وخشب.
وقال مجاهد وقتادة: القَصَر - بالفتح - هو [أصول] النخل. ومن كسر القاف جعله جمع قِصَرَة وقصر، وهي الخشبة أيضاً.
وقال المبرد: قيل: القَصْرُ: الجزل من الحطب الغليظ، واحدته قَصْرَةٌ، كَجَمْرَة وجمر.
والقَصْرُ في هذا الموضع إذا جعلته أحد القُصُورِ فهو واحد يدل [على الجمع]، ولذلك جعل نعتاً لـِ "شَرَرٍ" وهي جماعة.
فإن جعلته جمع قَصْرَةٍ جئت به في النعت بالجمع كالمنعوت، وقد [قال]: ﴿سَيُهْزَمُ ٱلْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ ٱلدُّبُرَ﴾ [القمر: ٤٥]، فَوَحَّدَ (و) لم يقل: "الأدبار"؟ لأن الدبر بمعنى الجمع، وفعل ذلك توفيقاً بين رؤوس [الآي] ومقاطع الكلام، إذ كان ذلك شأن العرب، والقرآنُ بلسانها نزل فَجَرَتْ [ألفاظه] على عادتها في لغتها وكلامها [وسجعها]، وقد قال تعالى: ﴿تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَٱلَّذِي يُغْشَىٰ عَلَيْهِ مِنَ ٱلْمَوْتِ﴾ [الأحزاب: ١٩]، ولم يقل: "كعيون الذين". وهو المعني لأن المراد في التشبيه الفعل لا العين.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿كَأَنَّهُ جِمَٰلَتٌ صُفْرٌ﴾.
أي: كأن ذلك الشرر الذي هو كالقصر: نُوقٌ سُودٌ. فالصفرة هنا بمعنى السواد، وإنما وقعت الصفرة في موضع السواد لأن ألوان الإبل السود تضرب إلى الصفرة، كما سميت [الظباء] "أُدْماً" لِمَا يَعْلُوهَا في بياضها من الظلمة.
قال الحسن: ﴿جِمَٰلَتٌ صُفْرٌ﴾ [أَيْنُقٌ] سود، وهو قول قتادة ومجاهد.
وقال ابن عباس: عنى بذلك قلوس السفن، يعني حبال السفن.
شبهت الشرر بحبال السفينة. والقَلْسُ. الحبلُ.
وعن ابن عباس أيضاً: ﴿جِمَٰلَتٌ صُفْرٌ﴾: "قِطَعُ النّحَاسِ" وهو جمع جِمَالَةٍ [وجِمَالَةٌ]: جمع جمل.
(ومن قرأ (جِمَالَةٌ) جعله جمع جَمَل).
وقد قرأ (أبو) أيوب: "جُمَالاَت" - بضم الجيم - كأنه جمع جَمَلاً (على جُمَالٍ) كما يجمع رَخِلٌ على رُخَالٍ. ثم جمع "جُمَالاً" على جُمَالاَت، لأن باب "فَعَل" و "فُعَل" واحد.
ويجوز (أن) يكون من الشيء المجمل.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾.
وقد تقدم ذكره.
المرسلات 77:28
قوله تعالى: ﴿وَٱلْمُرْسَلاَتِ عُرْفاً﴾، إلى قوله: ﴿كَأَنَّهُ جِمَٰلَتٌ صُفْرٌ * وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾.
قال ابن عباس وابن مسعود ومجاهد وأبو صالح وقتادة: ﴿(وَ)ٱلْمُرْسَلاَتِ﴾: الرياح، ﴿عُرْفاً﴾: يتبع بعضها بعضاً.
وقال مسروق: ﴿وَٱلْمُرْسَلاَتِ﴾: "الملائكة" ﴿عُرْفاً﴾ أي: ترسل بالعرف.
عن أبي صالح أيضاً أنها "الرسل، ترسل بالمعروف". وقيل: ﴿عُرْفاً﴾ أي: متتابعة كتتابع عرف الفرس.
والتقدير على قول مسروق: ورب الملائكة التي أرسلت إلى الأنبياء بأمر الله ونهيه (وذلك هو المعروف.
وعلى قول أبي صالح: ورب الرسل التي أرسلت إلى الناس بأمر الله ونهيه).
ومن قال ﴿عُرْفاً﴾ متتابعة (فتقديره: ورب الملائكة التي أرسلت إلى الأنبياء متتابعة) ورب الرسل الذين أرسلوا إلى الخلق متتابعين. وكذلك التقدير على قول ابن عباس ومن تبعه: هي الرياح.
ويدل (على أنها ليست) الرياح أن يسعدها ذكر الرياح [بلا اختلاف] في قوله: ﴿فَٱلْعَاصِفَاتِ عَصْفاً﴾.
- (ثم قال تعالى: ﴿فَٱلْعَاصِفَاتِ عَصْفاً﴾).
أي: (ورب الرياح العاصفات) أي: الشديدات الهبوب السريعات المر. وهذا قول علي بن أبي طالب وابن مسعود وابن عباس، وغيرهم.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وٱلنَّاشِرَاتِ نَشْراً﴾.
قال ابن مسعود ومجاهد [وقتادة]: هي الرياح لأنها تنشر السحاب.
وقال أبو صالح: هي "المطر"، لأنه ينشر الأرض، أي: [يحييها].
وروى (السدي) عن أبي صالح أنها الملائكة، (قال): [تنشر] [الكتب]. - ثم قال تعالى: ﴿فَٱلْفَارِقَاتِ فَرْقاً﴾.
قال ابن عباس وأبو صالح وسفيان: هي الملائكة، تفرق بالوحي بين الحق والباطل. وقال قتادة: هو القرآن، فرق الله به بين الحق والباطل، كأنه قال: والآيات الفارقات فرقاً.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿فَٱلْمُلْقِيَٰتِ ذِكْراً * عُذْراً﴾.
كلهم قال: هي الملائكة التي تلقي وحي الله إلى رسله، والذكر: القرآن.
* *
ثم قال تعالى: ﴿عُذْراً أَوْ نُذْراً﴾.
أي: تلقي الوحي إلى الرسل إعذاراً من الله لخلقه [وإنذاراً] منه لهم. قاله قتادة وغيره.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَوَٰقِعٌ﴾.
يعني أن البعث والجزاء وجميع ما أخبر الله، كائن واقع [وحادث] لا محالة. و ﴿إِنَّمَا﴾ هو جواب القسم المتقدم.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿فَإِذَا ٱلنُّجُومُ طُمِسَتْ﴾.
أي: ذهب ضوءها فلم يكن لها نور.
﴿وَإِذَا ٱلسَّمَآءُ فُرِجَتْ﴾. أي: شققت وصدعت.
﴿وَإِذَا ٱلْجِبَالُ نُسِفَتْ﴾. أي: نسفت من أصلها.
﴿فَكَانَتْ هَبَآءً مُّنبَثّاً﴾ [الواقعة: ٦]. أي: غباراً متفرقاً.
* *
﴿وَإِذَا ٱلرُّسُلُ أُقِّتَتْ﴾.
أي: أجلت الاجتماع لوقتها يوم القيامة.
قال ابن عباس: ﴿أُقِّتَتْ﴾ "جمعت". وقال مجاهد ﴿أُقِّتَتْ﴾ "أجلت".
وهو من الوقت، فمعناه: [حان] وقتها الذي وعدته به، وذلك يوم القيامة.
وقرأ عيسى بن [عمر] "أُقِتَتْ" بالتخفيف والهمز، وقرأ الحسن. "وُقِتَتْ" بالواو والتخفيف.
وكله من الوقت، والواو هي الأصل، والهمزة بدل منها.
والتخفيف والتشديد لغتان، إلا أن في التشديد معنى التكرير والمبالغة.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿لأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ﴾.
أي: ما أعظمه وأكثر هوله. ففي الكلام معنى التعظيم لليوم والتعجب منه. ومعنى التعجب في هذا أنه تعالى ذكره يعجب العباد من هوله [وفظاعته]، ثم بينه فقال:
* *
- ﴿لِيَوْمِ ٱلْفَصْلِ﴾.
أي: أجلت الرسل ليوم يفصل الله (فيه) بين خلقه، فيأخذ للمظلوم من الظالم ويجزي المحسن بإحسانه والمسيء بإساته.
* *
- ثم قال: ﴿وَمَآ أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ ٱلْفَصْلِ﴾.
أي: وأي شيء أدراك يا محمد ما يوم الفصل؟! فمعناه التعظيم لذلك اليوم لشدته وهوله.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾.
أي: [الوادي] الذي [يسيل] في جهنم من صديد أهلها للمكذبين بذلك اليوم.
وقيل: معناه قبوح لهم ذلك اليوم.
فقوله: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ﴾ هو جواب (إذا) في ما تقدم من الكلام.
- قوله تعالى: ﴿أَلَمْ نُهْلِكِ ٱلأَوَّلِينَ﴾.
يعني قوم نوح وعاد وثمود وشبههم.
* *
- ﴿ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ ٱلآخِرِينَ﴾.
يعني: قوم إبراهيم وأصحاب مدين وقوم فرعون، فيكون ﴿نُتْبِعُهُمُ﴾ على هذا مجزوماً. والتقدير: "وَأَلَمْ نُتْبِعْهُمُ الآخِرِينَ". وبه قرأ الأعرج.
* *
- وقوله: ﴿كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِٱلْمُجْرِمِينَ﴾.
يعني كفار قريش ومن سلك طريقهم من العرب وغيرها.
ورد الجزم أبو حاتم لأنه تأول أن ﴿نُتْبِعُهُمُ﴾ يراد به قريش ومن سلك في التكذيب طريقهم. فلا سبيل إلى الجزم على هذا المعنى لأنه منتظر في المعنى.
ولم لا تدخل على فعل معناه الاستقبال، بل ترده إلى الماضي أبداً.
(وقيل): إن ﴿نُتْبِعُهُمُ﴾ عطف على المعنى، لأن معنى ﴿أَلَمْ نُهْلِكِ﴾: قد أهلكنا.
* *
ثم قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِٱلْمُجْرِمِينَ﴾.
أي: كذلك نهلك من أجرم فاكتسب مخالفة الله ورسوله.
[ثم قال: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾.
وقد تقدم ذكره، وكذلك معنى كل ما في السورة وغيرها منه].
* *
- ثم قال: ﴿أَلَمْ نَخْلُقكُّم مِّن مَّآءٍ [مَّهِينٍ]﴾.
أي: من نطفة ضعيفة. قال ابن عباس: "المهين: الضعيف".
* *
- ثم قال: ﴿فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ﴾.
أي: في رحم استقر فيه فتمكن.
* *
﴿إِلَىٰ قَدَرٍ مَّعْلُومٍ﴾.
أي: إلى وقت خروجه من الرحم.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ ٱلْقَادِرُونَ﴾.
قال الضحاك: معناه "فملكنا فنعم المالكون". وهذا التقدير على قراءة من خفف.
وعلة من شدد أنه أراد به التكرير، لأنه تعالى قدر الإنسان نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم، [ثم]...، [فدل] التشديد على تكرير [الأحوال].
ومن خفف أجراه على لفظ "القادرين" إذ فعله: "قدر مخففاً، فالتخفيف بمعنى الملك والقدرة على ذلك.
والتشديد بمعنى التقدير. فمن شدد ﴿فَقَدَرْنَا﴾ جمع بين معنيين: التقدير [بقدرنا]، والملك "بالقادرين".
ومن خفف جعله كله بمعنى الملك والقدرة.
وقد يستعمل التشديد، وهو بمعنى القدرة أيضاً يقال: قَدَرَ الله كذا وقدَّره، لغتان. فيكون من شدد ﴿فَقَدَرْنَا﴾ جمع بين اللغتين، بقوله: ﴿ٱلْقَادِرُونَ﴾، كما قال: ﴿فَمَهِّلِ ٱلْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً﴾ [الطارق: ١٧]، وقد قال تعالى: ﴿نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ ٱلْمَوْتَ﴾ [الواقعة: ٦٠] مشدداً.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ ٱلأَرْضَ كِفَاتاً * (أَحْيَآءً)﴾
أي: ألم نجعل أيها الناس الأرض لكم وعاءً، أنتم على ظهرها في مساكنكم مجتمعون أحياءً وفي بطنها أمواتاً؟!
[يذكرهم] (الله) بنعمه عليهم.
يقال: كَفَتُّ الشيء إذا جَمَعْتَهُ وأَحْرَزْتَهُ.
روي عن ابن مسعود أنه "وجد قملة في ثوبه فدفنها في المسجد، ثم قال: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ ٱلأَرْضَ كِفَاتاً * أَحْيَآءً وَأَمْوٰتاً﴾.
وقال مجاهد - في الرجل يرى القملة في ثوبه وهو في المسجد - قال: "إن شئت فألقها، وإن شئت [فوارها]. ثم قرأ: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ ٱلأَرْضَ كِفَاتاً...﴾ الآية.
قال الشعبي: ﴿كِفَاتاً﴾: "بطنها لأمواتكم، وظهرها لأحيائكم".
وقال مجاهد: ﴿كِفَاتاً﴾: تكفت أذاهم وما يخرج منهم أحياءً وأمواتاً، أي: تضم ذلك.
ونصب ﴿أَحْيَآءً وَأَمْوٰتاً﴾ "بكفات"، أي: تضم أحياءً وأمواتاً. وقيل: التقدير: كفات أحياء وأموات، أي: ضمهم، [فلما] نون نصب ما بعده، كما تقول: رأيت ضرب زيد. فإن نونت "ضرباً"، نصبت "زيداً" أو رفعته.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ شَامِخَاتٍ﴾.
أي: جبالاً شاهقات، أي" طوالاً مشرفات.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَأَسْقَيْنَاكُم مَّآءً فُرَاتاً﴾.
أي: عذباً قال ابن عباس: وذلك من أربعة أنهار: سيحان وجيحان والنيل والفرات. فكل ما شربه ابن آدم (فهو) من هذه الأنهار، وهي (تخرج من) تحت صخرة عند بيت المقدس. فأما سيحان فهو نهر بلخ، وأما جيحان فهو دجلة بغداد، وأما الفرات فبالكوفة، وأما النيل (فنهر مصر).
* *
- ثم قال تعالى: ﴿ٱنطَلِقُوۤاْ إِلَىٰ مَا كُنتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾.
أي: يقال لهؤلاء المكذبين بآيات الله ونعمه: انطلقوا إلى ما كنتم تكذبون به في الدنيا من عقاب الله لأهل الكفر.
* *
- ﴿ٱنطَلِقُوۤاْ إِلَىٰ ظِلٍّ ذِي ثَلاَثِ شُعَبٍ﴾.
أي: إلى ظل دخان ذي ثلاث شعب. وذلك أنه يرفع وقودها الدخان، فإذا تصعد تفرق على ثلاث شعب، وهو "دخان جهنم".
[وهو قوله: ﴿وَظِلٍّ مِّن يَحْمُومٍ﴾ [الواقعة: ٤٣]، اليحموم: الدخان.
وقد قيل في قوله "﴿ذِي ثَلاَثِ شُعَبٍ﴾ إنه [ظل] الصليب الذي يعبده النصارى. وهو قول شاذ يوجب أن يكون المأمور بهذا، النصارى خاصة. وليست الآية إلا عامة في جميع الكفار، وليس كلهم عبد الصليب، فإنما أمروا إلى ظل دخان جهنم، دخان قد أنفرق على ثلاث شعب]. قال قتادة: هو كقوله: ﴿نَاراً أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا﴾ [الكهف: ٢٩].
* *
- ثم قال تعالى: ﴿لاَّ ظَلِيلٍ وَلاَ يُغْنِي مِنَ ٱللَّهَبِ﴾.
هذا نعت للظل أي: إلى ظل غير ظليل وغير [غانٍ] من اللهب. أي: [لا يظلهم ولا يمنعهم] من لهب جهنم، فلا يمنع عنهم ذلك الظل حرها ولا لهبها. وهذا الوصف مطابق لما روي عن النبي ﷺ: "أَنَّ الشَّمْسَ تَدْنُو مِنْ رُؤُوسِ الخَلاَئِقِ يَوْمَ القِيَامَةِ وَلَيْسَ لَهُمْ لِبَاسٌ وَلاَ لَهُمْ مَا يَسْتَتِرُونَ بِهِ مِنْهَا، فَيُنْجِي اللهُ المُؤْمِنِينَ إلى ظِلٍّ مِنْ ظِلِّهِ، وَيُقَالُ لِلْكُفَّارِ: انْطَلِقُوا إلى مَا كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ مِنْ عَذَابِ اللهِ وَعِقَابِهِ ﴿ٱنطَلِقُوۤاْ إِلَىٰ ظِلٍّ ذِي ثَلاَثِ شُعَبٍ﴾ فَيَنْطَلِقُونَ إلى دُخَانِ جَهَنَّمَ" أفهذا للكفار، لأنه روي: "أَنَّ الخَلاَئِقَ إِذَا اشْتَدَّ عليهم حرُّ الشمس وَدَنَتْ مِنْ رُؤُوسِهِمْ وأَخَذَتْ بِأَنفاسهِم وأشتد ذلك عليهم وكَثُرَ العَرَقُ، واشتد القَلَقُ، نَجَّى اللهُ المؤمنين برحمته إلى ظل من ظله، فهناك يقولون: ﴿فَمَنَّ ٱللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ ٱلسَّمُومِ﴾. ويقال للكفار المكذبين: انطلقوا إلى ما كنتم تُكَذِّبُونَ من عذاب الله وعقابه، انطلقوا إلى ظِلٍّ من دخان جهنم قد سَطَعَ وافترق ثلاثَ فِرَقٍ، فينطلقون ويكونون فيه، وهو أشد من حر الشمس الذي كانوا قد قَلِقُوا فيه. فيُقِيمُون في ظل ذلك الدخان حتى يُفْرَغَ من الحساب، كذلك أولياء الله في ظل عرش الرحمن، وحيث شاء الله حتى يفرغ من الحساب، ثم يؤمر بكل فريق إلى مُسْتَقَرِّهِ من الجنة أو من النار
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَٱلْقَصْرِ﴾.
أي: [إن]: جهنم ترمي ذلك اليوم بشرر كالقصر [المبني]. وقال ابن عباس: "كالقصر العظيم".
قال الحسن: هو واحد القصور.
وروى حجاج عن هارون ﴿كَٱلْقَصْرِ﴾ أي: كالخشب الجزل، وهو جمع قَصْرَة، كجَمْرة وجَمْر، وثَمْرَة وثَمْر.
وقرأ ابن عباس: "كَالْقَصَرِ" بفتح الصاد.
وقرأ ابن جبير والحسن: "كَالْقِصَرِ" بكسر القاف وفتح الصاد.
وعن ابن جبير: كقراءة ابن عباس، القصرة: الخشبة تكون [ثلاث] أذرع أو أكثر، فهو على قراءته جمع قصرة كخشبة وخشب.
وقال مجاهد وقتادة: القَصَر - بالفتح - هو [أصول] النخل. ومن كسر القاف جعله جمع قِصَرَة وقصر، وهي الخشبة أيضاً.
وقال المبرد: قيل: القَصْرُ: الجزل من الحطب الغليظ، واحدته قَصْرَةٌ، كَجَمْرَة وجمر.
والقَصْرُ في هذا الموضع إذا جعلته أحد القُصُورِ فهو واحد يدل [على الجمع]، ولذلك جعل نعتاً لـِ "شَرَرٍ" وهي جماعة.
فإن جعلته جمع قَصْرَةٍ جئت به في النعت بالجمع كالمنعوت، وقد [قال]: ﴿سَيُهْزَمُ ٱلْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ ٱلدُّبُرَ﴾ [القمر: ٤٥]، فَوَحَّدَ (و) لم يقل: "الأدبار"؟ لأن الدبر بمعنى الجمع، وفعل ذلك توفيقاً بين رؤوس [الآي] ومقاطع الكلام، إذ كان ذلك شأن العرب، والقرآنُ بلسانها نزل فَجَرَتْ [ألفاظه] على عادتها في لغتها وكلامها [وسجعها]، وقد قال تعالى: ﴿تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَٱلَّذِي يُغْشَىٰ عَلَيْهِ مِنَ ٱلْمَوْتِ﴾ [الأحزاب: ١٩]، ولم يقل: "كعيون الذين". وهو المعني لأن المراد في التشبيه الفعل لا العين.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿كَأَنَّهُ جِمَٰلَتٌ صُفْرٌ﴾.
أي: كأن ذلك الشرر الذي هو كالقصر: نُوقٌ سُودٌ. فالصفرة هنا بمعنى السواد، وإنما وقعت الصفرة في موضع السواد لأن ألوان الإبل السود تضرب إلى الصفرة، كما سميت [الظباء] "أُدْماً" لِمَا يَعْلُوهَا في بياضها من الظلمة.
قال الحسن: ﴿جِمَٰلَتٌ صُفْرٌ﴾ [أَيْنُقٌ] سود، وهو قول قتادة ومجاهد.
وقال ابن عباس: عنى بذلك قلوس السفن، يعني حبال السفن.
شبهت الشرر بحبال السفينة. والقَلْسُ. الحبلُ.
وعن ابن عباس أيضاً: ﴿جِمَٰلَتٌ صُفْرٌ﴾: "قِطَعُ النّحَاسِ" وهو جمع جِمَالَةٍ [وجِمَالَةٌ]: جمع جمل.
(ومن قرأ (جِمَالَةٌ) جعله جمع جَمَل).
وقد قرأ (أبو) أيوب: "جُمَالاَت" - بضم الجيم - كأنه جمع جَمَلاً (على جُمَالٍ) كما يجمع رَخِلٌ على رُخَالٍ. ثم جمع "جُمَالاً" على جُمَالاَت، لأن باب "فَعَل" و "فُعَل" واحد.
ويجوز (أن) يكون من الشيء المجمل.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾.
وقد تقدم ذكره.
المرسلات 77:29
قوله تعالى: ﴿وَٱلْمُرْسَلاَتِ عُرْفاً﴾، إلى قوله: ﴿كَأَنَّهُ جِمَٰلَتٌ صُفْرٌ * وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾.
قال ابن عباس وابن مسعود ومجاهد وأبو صالح وقتادة: ﴿(وَ)ٱلْمُرْسَلاَتِ﴾: الرياح، ﴿عُرْفاً﴾: يتبع بعضها بعضاً.
وقال مسروق: ﴿وَٱلْمُرْسَلاَتِ﴾: "الملائكة" ﴿عُرْفاً﴾ أي: ترسل بالعرف.
عن أبي صالح أيضاً أنها "الرسل، ترسل بالمعروف". وقيل: ﴿عُرْفاً﴾ أي: متتابعة كتتابع عرف الفرس.
والتقدير على قول مسروق: ورب الملائكة التي أرسلت إلى الأنبياء بأمر الله ونهيه (وذلك هو المعروف.
وعلى قول أبي صالح: ورب الرسل التي أرسلت إلى الناس بأمر الله ونهيه).
ومن قال ﴿عُرْفاً﴾ متتابعة (فتقديره: ورب الملائكة التي أرسلت إلى الأنبياء متتابعة) ورب الرسل الذين أرسلوا إلى الخلق متتابعين. وكذلك التقدير على قول ابن عباس ومن تبعه: هي الرياح.
ويدل (على أنها ليست) الرياح أن يسعدها ذكر الرياح [بلا اختلاف] في قوله: ﴿فَٱلْعَاصِفَاتِ عَصْفاً﴾.
- (ثم قال تعالى: ﴿فَٱلْعَاصِفَاتِ عَصْفاً﴾).
أي: (ورب الرياح العاصفات) أي: الشديدات الهبوب السريعات المر. وهذا قول علي بن أبي طالب وابن مسعود وابن عباس، وغيرهم.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وٱلنَّاشِرَاتِ نَشْراً﴾.
قال ابن مسعود ومجاهد [وقتادة]: هي الرياح لأنها تنشر السحاب.
وقال أبو صالح: هي "المطر"، لأنه ينشر الأرض، أي: [يحييها].
وروى (السدي) عن أبي صالح أنها الملائكة، (قال): [تنشر] [الكتب]. - ثم قال تعالى: ﴿فَٱلْفَارِقَاتِ فَرْقاً﴾.
قال ابن عباس وأبو صالح وسفيان: هي الملائكة، تفرق بالوحي بين الحق والباطل. وقال قتادة: هو القرآن، فرق الله به بين الحق والباطل، كأنه قال: والآيات الفارقات فرقاً.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿فَٱلْمُلْقِيَٰتِ ذِكْراً * عُذْراً﴾.
كلهم قال: هي الملائكة التي تلقي وحي الله إلى رسله، والذكر: القرآن.
* *
ثم قال تعالى: ﴿عُذْراً أَوْ نُذْراً﴾.
أي: تلقي الوحي إلى الرسل إعذاراً من الله لخلقه [وإنذاراً] منه لهم. قاله قتادة وغيره.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَوَٰقِعٌ﴾.
يعني أن البعث والجزاء وجميع ما أخبر الله، كائن واقع [وحادث] لا محالة. و ﴿إِنَّمَا﴾ هو جواب القسم المتقدم.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿فَإِذَا ٱلنُّجُومُ طُمِسَتْ﴾.
أي: ذهب ضوءها فلم يكن لها نور.
﴿وَإِذَا ٱلسَّمَآءُ فُرِجَتْ﴾. أي: شققت وصدعت.
﴿وَإِذَا ٱلْجِبَالُ نُسِفَتْ﴾. أي: نسفت من أصلها.
﴿فَكَانَتْ هَبَآءً مُّنبَثّاً﴾ [الواقعة: ٦]. أي: غباراً متفرقاً.
* *
﴿وَإِذَا ٱلرُّسُلُ أُقِّتَتْ﴾.
أي: أجلت الاجتماع لوقتها يوم القيامة.
قال ابن عباس: ﴿أُقِّتَتْ﴾ "جمعت". وقال مجاهد ﴿أُقِّتَتْ﴾ "أجلت".
وهو من الوقت، فمعناه: [حان] وقتها الذي وعدته به، وذلك يوم القيامة.
وقرأ عيسى بن [عمر] "أُقِتَتْ" بالتخفيف والهمز، وقرأ الحسن. "وُقِتَتْ" بالواو والتخفيف.
وكله من الوقت، والواو هي الأصل، والهمزة بدل منها.
والتخفيف والتشديد لغتان، إلا أن في التشديد معنى التكرير والمبالغة.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿لأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ﴾.
أي: ما أعظمه وأكثر هوله. ففي الكلام معنى التعظيم لليوم والتعجب منه. ومعنى التعجب في هذا أنه تعالى ذكره يعجب العباد من هوله [وفظاعته]، ثم بينه فقال:
* *
- ﴿لِيَوْمِ ٱلْفَصْلِ﴾.
أي: أجلت الرسل ليوم يفصل الله (فيه) بين خلقه، فيأخذ للمظلوم من الظالم ويجزي المحسن بإحسانه والمسيء بإساته.
* *
- ثم قال: ﴿وَمَآ أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ ٱلْفَصْلِ﴾.
أي: وأي شيء أدراك يا محمد ما يوم الفصل؟! فمعناه التعظيم لذلك اليوم لشدته وهوله.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾.
أي: [الوادي] الذي [يسيل] في جهنم من صديد أهلها للمكذبين بذلك اليوم.
وقيل: معناه قبوح لهم ذلك اليوم.
فقوله: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ﴾ هو جواب (إذا) في ما تقدم من الكلام.
- قوله تعالى: ﴿أَلَمْ نُهْلِكِ ٱلأَوَّلِينَ﴾.
يعني قوم نوح وعاد وثمود وشبههم.
* *
- ﴿ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ ٱلآخِرِينَ﴾.
يعني: قوم إبراهيم وأصحاب مدين وقوم فرعون، فيكون ﴿نُتْبِعُهُمُ﴾ على هذا مجزوماً. والتقدير: "وَأَلَمْ نُتْبِعْهُمُ الآخِرِينَ". وبه قرأ الأعرج.
* *
- وقوله: ﴿كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِٱلْمُجْرِمِينَ﴾.
يعني كفار قريش ومن سلك طريقهم من العرب وغيرها.
ورد الجزم أبو حاتم لأنه تأول أن ﴿نُتْبِعُهُمُ﴾ يراد به قريش ومن سلك في التكذيب طريقهم. فلا سبيل إلى الجزم على هذا المعنى لأنه منتظر في المعنى.
ولم لا تدخل على فعل معناه الاستقبال، بل ترده إلى الماضي أبداً.
(وقيل): إن ﴿نُتْبِعُهُمُ﴾ عطف على المعنى، لأن معنى ﴿أَلَمْ نُهْلِكِ﴾: قد أهلكنا.
* *
ثم قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِٱلْمُجْرِمِينَ﴾.
أي: كذلك نهلك من أجرم فاكتسب مخالفة الله ورسوله.
[ثم قال: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾.
وقد تقدم ذكره، وكذلك معنى كل ما في السورة وغيرها منه].
* *
- ثم قال: ﴿أَلَمْ نَخْلُقكُّم مِّن مَّآءٍ [مَّهِينٍ]﴾.
أي: من نطفة ضعيفة. قال ابن عباس: "المهين: الضعيف".
* *
- ثم قال: ﴿فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ﴾.
أي: في رحم استقر فيه فتمكن.
* *
﴿إِلَىٰ قَدَرٍ مَّعْلُومٍ﴾.
أي: إلى وقت خروجه من الرحم.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ ٱلْقَادِرُونَ﴾.
قال الضحاك: معناه "فملكنا فنعم المالكون". وهذا التقدير على قراءة من خفف.
وعلة من شدد أنه أراد به التكرير، لأنه تعالى قدر الإنسان نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم، [ثم]...، [فدل] التشديد على تكرير [الأحوال].
ومن خفف أجراه على لفظ "القادرين" إذ فعله: "قدر مخففاً، فالتخفيف بمعنى الملك والقدرة على ذلك.
والتشديد بمعنى التقدير. فمن شدد ﴿فَقَدَرْنَا﴾ جمع بين معنيين: التقدير [بقدرنا]، والملك "بالقادرين".
ومن خفف جعله كله بمعنى الملك والقدرة.
وقد يستعمل التشديد، وهو بمعنى القدرة أيضاً يقال: قَدَرَ الله كذا وقدَّره، لغتان. فيكون من شدد ﴿فَقَدَرْنَا﴾ جمع بين اللغتين، بقوله: ﴿ٱلْقَادِرُونَ﴾، كما قال: ﴿فَمَهِّلِ ٱلْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً﴾ [الطارق: ١٧]، وقد قال تعالى: ﴿نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ ٱلْمَوْتَ﴾ [الواقعة: ٦٠] مشدداً.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ ٱلأَرْضَ كِفَاتاً * (أَحْيَآءً)﴾
أي: ألم نجعل أيها الناس الأرض لكم وعاءً، أنتم على ظهرها في مساكنكم مجتمعون أحياءً وفي بطنها أمواتاً؟!
[يذكرهم] (الله) بنعمه عليهم.
يقال: كَفَتُّ الشيء إذا جَمَعْتَهُ وأَحْرَزْتَهُ.
روي عن ابن مسعود أنه "وجد قملة في ثوبه فدفنها في المسجد، ثم قال: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ ٱلأَرْضَ كِفَاتاً * أَحْيَآءً وَأَمْوٰتاً﴾.
وقال مجاهد - في الرجل يرى القملة في ثوبه وهو في المسجد - قال: "إن شئت فألقها، وإن شئت [فوارها]. ثم قرأ: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ ٱلأَرْضَ كِفَاتاً...﴾ الآية.
قال الشعبي: ﴿كِفَاتاً﴾: "بطنها لأمواتكم، وظهرها لأحيائكم".
وقال مجاهد: ﴿كِفَاتاً﴾: تكفت أذاهم وما يخرج منهم أحياءً وأمواتاً، أي: تضم ذلك.
ونصب ﴿أَحْيَآءً وَأَمْوٰتاً﴾ "بكفات"، أي: تضم أحياءً وأمواتاً. وقيل: التقدير: كفات أحياء وأموات، أي: ضمهم، [فلما] نون نصب ما بعده، كما تقول: رأيت ضرب زيد. فإن نونت "ضرباً"، نصبت "زيداً" أو رفعته.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ شَامِخَاتٍ﴾.
أي: جبالاً شاهقات، أي" طوالاً مشرفات.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَأَسْقَيْنَاكُم مَّآءً فُرَاتاً﴾.
أي: عذباً قال ابن عباس: وذلك من أربعة أنهار: سيحان وجيحان والنيل والفرات. فكل ما شربه ابن آدم (فهو) من هذه الأنهار، وهي (تخرج من) تحت صخرة عند بيت المقدس. فأما سيحان فهو نهر بلخ، وأما جيحان فهو دجلة بغداد، وأما الفرات فبالكوفة، وأما النيل (فنهر مصر).
* *
- ثم قال تعالى: ﴿ٱنطَلِقُوۤاْ إِلَىٰ مَا كُنتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾.
أي: يقال لهؤلاء المكذبين بآيات الله ونعمه: انطلقوا إلى ما كنتم تكذبون به في الدنيا من عقاب الله لأهل الكفر.
* *
- ﴿ٱنطَلِقُوۤاْ إِلَىٰ ظِلٍّ ذِي ثَلاَثِ شُعَبٍ﴾.
أي: إلى ظل دخان ذي ثلاث شعب. وذلك أنه يرفع وقودها الدخان، فإذا تصعد تفرق على ثلاث شعب، وهو "دخان جهنم".
[وهو قوله: ﴿وَظِلٍّ مِّن يَحْمُومٍ﴾ [الواقعة: ٤٣]، اليحموم: الدخان.
وقد قيل في قوله "﴿ذِي ثَلاَثِ شُعَبٍ﴾ إنه [ظل] الصليب الذي يعبده النصارى. وهو قول شاذ يوجب أن يكون المأمور بهذا، النصارى خاصة. وليست الآية إلا عامة في جميع الكفار، وليس كلهم عبد الصليب، فإنما أمروا إلى ظل دخان جهنم، دخان قد أنفرق على ثلاث شعب]. قال قتادة: هو كقوله: ﴿نَاراً أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا﴾ [الكهف: ٢٩].
* *
- ثم قال تعالى: ﴿لاَّ ظَلِيلٍ وَلاَ يُغْنِي مِنَ ٱللَّهَبِ﴾.
هذا نعت للظل أي: إلى ظل غير ظليل وغير [غانٍ] من اللهب. أي: [لا يظلهم ولا يمنعهم] من لهب جهنم، فلا يمنع عنهم ذلك الظل حرها ولا لهبها. وهذا الوصف مطابق لما روي عن النبي ﷺ: "أَنَّ الشَّمْسَ تَدْنُو مِنْ رُؤُوسِ الخَلاَئِقِ يَوْمَ القِيَامَةِ وَلَيْسَ لَهُمْ لِبَاسٌ وَلاَ لَهُمْ مَا يَسْتَتِرُونَ بِهِ مِنْهَا، فَيُنْجِي اللهُ المُؤْمِنِينَ إلى ظِلٍّ مِنْ ظِلِّهِ، وَيُقَالُ لِلْكُفَّارِ: انْطَلِقُوا إلى مَا كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ مِنْ عَذَابِ اللهِ وَعِقَابِهِ ﴿ٱنطَلِقُوۤاْ إِلَىٰ ظِلٍّ ذِي ثَلاَثِ شُعَبٍ﴾ فَيَنْطَلِقُونَ إلى دُخَانِ جَهَنَّمَ" أفهذا للكفار، لأنه روي: "أَنَّ الخَلاَئِقَ إِذَا اشْتَدَّ عليهم حرُّ الشمس وَدَنَتْ مِنْ رُؤُوسِهِمْ وأَخَذَتْ بِأَنفاسهِم وأشتد ذلك عليهم وكَثُرَ العَرَقُ، واشتد القَلَقُ، نَجَّى اللهُ المؤمنين برحمته إلى ظل من ظله، فهناك يقولون: ﴿فَمَنَّ ٱللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ ٱلسَّمُومِ﴾. ويقال للكفار المكذبين: انطلقوا إلى ما كنتم تُكَذِّبُونَ من عذاب الله وعقابه، انطلقوا إلى ظِلٍّ من دخان جهنم قد سَطَعَ وافترق ثلاثَ فِرَقٍ، فينطلقون ويكونون فيه، وهو أشد من حر الشمس الذي كانوا قد قَلِقُوا فيه. فيُقِيمُون في ظل ذلك الدخان حتى يُفْرَغَ من الحساب، كذلك أولياء الله في ظل عرش الرحمن، وحيث شاء الله حتى يفرغ من الحساب، ثم يؤمر بكل فريق إلى مُسْتَقَرِّهِ من الجنة أو من النار
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَٱلْقَصْرِ﴾.
أي: [إن]: جهنم ترمي ذلك اليوم بشرر كالقصر [المبني]. وقال ابن عباس: "كالقصر العظيم".
قال الحسن: هو واحد القصور.
وروى حجاج عن هارون ﴿كَٱلْقَصْرِ﴾ أي: كالخشب الجزل، وهو جمع قَصْرَة، كجَمْرة وجَمْر، وثَمْرَة وثَمْر.
وقرأ ابن عباس: "كَالْقَصَرِ" بفتح الصاد.
وقرأ ابن جبير والحسن: "كَالْقِصَرِ" بكسر القاف وفتح الصاد.
وعن ابن جبير: كقراءة ابن عباس، القصرة: الخشبة تكون [ثلاث] أذرع أو أكثر، فهو على قراءته جمع قصرة كخشبة وخشب.
وقال مجاهد وقتادة: القَصَر - بالفتح - هو [أصول] النخل. ومن كسر القاف جعله جمع قِصَرَة وقصر، وهي الخشبة أيضاً.
وقال المبرد: قيل: القَصْرُ: الجزل من الحطب الغليظ، واحدته قَصْرَةٌ، كَجَمْرَة وجمر.
والقَصْرُ في هذا الموضع إذا جعلته أحد القُصُورِ فهو واحد يدل [على الجمع]، ولذلك جعل نعتاً لـِ "شَرَرٍ" وهي جماعة.
فإن جعلته جمع قَصْرَةٍ جئت به في النعت بالجمع كالمنعوت، وقد [قال]: ﴿سَيُهْزَمُ ٱلْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ ٱلدُّبُرَ﴾ [القمر: ٤٥]، فَوَحَّدَ (و) لم يقل: "الأدبار"؟ لأن الدبر بمعنى الجمع، وفعل ذلك توفيقاً بين رؤوس [الآي] ومقاطع الكلام، إذ كان ذلك شأن العرب، والقرآنُ بلسانها نزل فَجَرَتْ [ألفاظه] على عادتها في لغتها وكلامها [وسجعها]، وقد قال تعالى: ﴿تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَٱلَّذِي يُغْشَىٰ عَلَيْهِ مِنَ ٱلْمَوْتِ﴾ [الأحزاب: ١٩]، ولم يقل: "كعيون الذين". وهو المعني لأن المراد في التشبيه الفعل لا العين.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿كَأَنَّهُ جِمَٰلَتٌ صُفْرٌ﴾.
أي: كأن ذلك الشرر الذي هو كالقصر: نُوقٌ سُودٌ. فالصفرة هنا بمعنى السواد، وإنما وقعت الصفرة في موضع السواد لأن ألوان الإبل السود تضرب إلى الصفرة، كما سميت [الظباء] "أُدْماً" لِمَا يَعْلُوهَا في بياضها من الظلمة.
قال الحسن: ﴿جِمَٰلَتٌ صُفْرٌ﴾ [أَيْنُقٌ] سود، وهو قول قتادة ومجاهد.
وقال ابن عباس: عنى بذلك قلوس السفن، يعني حبال السفن.
شبهت الشرر بحبال السفينة. والقَلْسُ. الحبلُ.
وعن ابن عباس أيضاً: ﴿جِمَٰلَتٌ صُفْرٌ﴾: "قِطَعُ النّحَاسِ" وهو جمع جِمَالَةٍ [وجِمَالَةٌ]: جمع جمل.
(ومن قرأ (جِمَالَةٌ) جعله جمع جَمَل).
وقد قرأ (أبو) أيوب: "جُمَالاَت" - بضم الجيم - كأنه جمع جَمَلاً (على جُمَالٍ) كما يجمع رَخِلٌ على رُخَالٍ. ثم جمع "جُمَالاً" على جُمَالاَت، لأن باب "فَعَل" و "فُعَل" واحد.
ويجوز (أن) يكون من الشيء المجمل.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾.
وقد تقدم ذكره.
المرسلات 77:30
قوله تعالى: ﴿وَٱلْمُرْسَلاَتِ عُرْفاً﴾، إلى قوله: ﴿كَأَنَّهُ جِمَٰلَتٌ صُفْرٌ * وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾.
قال ابن عباس وابن مسعود ومجاهد وأبو صالح وقتادة: ﴿(وَ)ٱلْمُرْسَلاَتِ﴾: الرياح، ﴿عُرْفاً﴾: يتبع بعضها بعضاً.
وقال مسروق: ﴿وَٱلْمُرْسَلاَتِ﴾: "الملائكة" ﴿عُرْفاً﴾ أي: ترسل بالعرف.
عن أبي صالح أيضاً أنها "الرسل، ترسل بالمعروف". وقيل: ﴿عُرْفاً﴾ أي: متتابعة كتتابع عرف الفرس.
والتقدير على قول مسروق: ورب الملائكة التي أرسلت إلى الأنبياء بأمر الله ونهيه (وذلك هو المعروف.
وعلى قول أبي صالح: ورب الرسل التي أرسلت إلى الناس بأمر الله ونهيه).
ومن قال ﴿عُرْفاً﴾ متتابعة (فتقديره: ورب الملائكة التي أرسلت إلى الأنبياء متتابعة) ورب الرسل الذين أرسلوا إلى الخلق متتابعين. وكذلك التقدير على قول ابن عباس ومن تبعه: هي الرياح.
ويدل (على أنها ليست) الرياح أن يسعدها ذكر الرياح [بلا اختلاف] في قوله: ﴿فَٱلْعَاصِفَاتِ عَصْفاً﴾.
- (ثم قال تعالى: ﴿فَٱلْعَاصِفَاتِ عَصْفاً﴾).
أي: (ورب الرياح العاصفات) أي: الشديدات الهبوب السريعات المر. وهذا قول علي بن أبي طالب وابن مسعود وابن عباس، وغيرهم.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وٱلنَّاشِرَاتِ نَشْراً﴾.
قال ابن مسعود ومجاهد [وقتادة]: هي الرياح لأنها تنشر السحاب.
وقال أبو صالح: هي "المطر"، لأنه ينشر الأرض، أي: [يحييها].
وروى (السدي) عن أبي صالح أنها الملائكة، (قال): [تنشر] [الكتب]. - ثم قال تعالى: ﴿فَٱلْفَارِقَاتِ فَرْقاً﴾.
قال ابن عباس وأبو صالح وسفيان: هي الملائكة، تفرق بالوحي بين الحق والباطل. وقال قتادة: هو القرآن، فرق الله به بين الحق والباطل، كأنه قال: والآيات الفارقات فرقاً.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿فَٱلْمُلْقِيَٰتِ ذِكْراً * عُذْراً﴾.
كلهم قال: هي الملائكة التي تلقي وحي الله إلى رسله، والذكر: القرآن.
* *
ثم قال تعالى: ﴿عُذْراً أَوْ نُذْراً﴾.
أي: تلقي الوحي إلى الرسل إعذاراً من الله لخلقه [وإنذاراً] منه لهم. قاله قتادة وغيره.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَوَٰقِعٌ﴾.
يعني أن البعث والجزاء وجميع ما أخبر الله، كائن واقع [وحادث] لا محالة. و ﴿إِنَّمَا﴾ هو جواب القسم المتقدم.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿فَإِذَا ٱلنُّجُومُ طُمِسَتْ﴾.
أي: ذهب ضوءها فلم يكن لها نور.
﴿وَإِذَا ٱلسَّمَآءُ فُرِجَتْ﴾. أي: شققت وصدعت.
﴿وَإِذَا ٱلْجِبَالُ نُسِفَتْ﴾. أي: نسفت من أصلها.
﴿فَكَانَتْ هَبَآءً مُّنبَثّاً﴾ [الواقعة: ٦]. أي: غباراً متفرقاً.
* *
﴿وَإِذَا ٱلرُّسُلُ أُقِّتَتْ﴾.
أي: أجلت الاجتماع لوقتها يوم القيامة.
قال ابن عباس: ﴿أُقِّتَتْ﴾ "جمعت". وقال مجاهد ﴿أُقِّتَتْ﴾ "أجلت".
وهو من الوقت، فمعناه: [حان] وقتها الذي وعدته به، وذلك يوم القيامة.
وقرأ عيسى بن [عمر] "أُقِتَتْ" بالتخفيف والهمز، وقرأ الحسن. "وُقِتَتْ" بالواو والتخفيف.
وكله من الوقت، والواو هي الأصل، والهمزة بدل منها.
والتخفيف والتشديد لغتان، إلا أن في التشديد معنى التكرير والمبالغة.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿لأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ﴾.
أي: ما أعظمه وأكثر هوله. ففي الكلام معنى التعظيم لليوم والتعجب منه. ومعنى التعجب في هذا أنه تعالى ذكره يعجب العباد من هوله [وفظاعته]، ثم بينه فقال:
* *
- ﴿لِيَوْمِ ٱلْفَصْلِ﴾.
أي: أجلت الرسل ليوم يفصل الله (فيه) بين خلقه، فيأخذ للمظلوم من الظالم ويجزي المحسن بإحسانه والمسيء بإساته.
* *
- ثم قال: ﴿وَمَآ أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ ٱلْفَصْلِ﴾.
أي: وأي شيء أدراك يا محمد ما يوم الفصل؟! فمعناه التعظيم لذلك اليوم لشدته وهوله.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾.
أي: [الوادي] الذي [يسيل] في جهنم من صديد أهلها للمكذبين بذلك اليوم.
وقيل: معناه قبوح لهم ذلك اليوم.
فقوله: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ﴾ هو جواب (إذا) في ما تقدم من الكلام.
- قوله تعالى: ﴿أَلَمْ نُهْلِكِ ٱلأَوَّلِينَ﴾.
يعني قوم نوح وعاد وثمود وشبههم.
* *
- ﴿ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ ٱلآخِرِينَ﴾.
يعني: قوم إبراهيم وأصحاب مدين وقوم فرعون، فيكون ﴿نُتْبِعُهُمُ﴾ على هذا مجزوماً. والتقدير: "وَأَلَمْ نُتْبِعْهُمُ الآخِرِينَ". وبه قرأ الأعرج.
* *
- وقوله: ﴿كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِٱلْمُجْرِمِينَ﴾.
يعني كفار قريش ومن سلك طريقهم من العرب وغيرها.
ورد الجزم أبو حاتم لأنه تأول أن ﴿نُتْبِعُهُمُ﴾ يراد به قريش ومن سلك في التكذيب طريقهم. فلا سبيل إلى الجزم على هذا المعنى لأنه منتظر في المعنى.
ولم لا تدخل على فعل معناه الاستقبال، بل ترده إلى الماضي أبداً.
(وقيل): إن ﴿نُتْبِعُهُمُ﴾ عطف على المعنى، لأن معنى ﴿أَلَمْ نُهْلِكِ﴾: قد أهلكنا.
* *
ثم قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِٱلْمُجْرِمِينَ﴾.
أي: كذلك نهلك من أجرم فاكتسب مخالفة الله ورسوله.
[ثم قال: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾.
وقد تقدم ذكره، وكذلك معنى كل ما في السورة وغيرها منه].
* *
- ثم قال: ﴿أَلَمْ نَخْلُقكُّم مِّن مَّآءٍ [مَّهِينٍ]﴾.
أي: من نطفة ضعيفة. قال ابن عباس: "المهين: الضعيف".
* *
- ثم قال: ﴿فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ﴾.
أي: في رحم استقر فيه فتمكن.
* *
﴿إِلَىٰ قَدَرٍ مَّعْلُومٍ﴾.
أي: إلى وقت خروجه من الرحم.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ ٱلْقَادِرُونَ﴾.
قال الضحاك: معناه "فملكنا فنعم المالكون". وهذا التقدير على قراءة من خفف.
وعلة من شدد أنه أراد به التكرير، لأنه تعالى قدر الإنسان نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم، [ثم]...، [فدل] التشديد على تكرير [الأحوال].
ومن خفف أجراه على لفظ "القادرين" إذ فعله: "قدر مخففاً، فالتخفيف بمعنى الملك والقدرة على ذلك.
والتشديد بمعنى التقدير. فمن شدد ﴿فَقَدَرْنَا﴾ جمع بين معنيين: التقدير [بقدرنا]، والملك "بالقادرين".
ومن خفف جعله كله بمعنى الملك والقدرة.
وقد يستعمل التشديد، وهو بمعنى القدرة أيضاً يقال: قَدَرَ الله كذا وقدَّره، لغتان. فيكون من شدد ﴿فَقَدَرْنَا﴾ جمع بين اللغتين، بقوله: ﴿ٱلْقَادِرُونَ﴾، كما قال: ﴿فَمَهِّلِ ٱلْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً﴾ [الطارق: ١٧]، وقد قال تعالى: ﴿نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ ٱلْمَوْتَ﴾ [الواقعة: ٦٠] مشدداً.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ ٱلأَرْضَ كِفَاتاً * (أَحْيَآءً)﴾
أي: ألم نجعل أيها الناس الأرض لكم وعاءً، أنتم على ظهرها في مساكنكم مجتمعون أحياءً وفي بطنها أمواتاً؟!
[يذكرهم] (الله) بنعمه عليهم.
يقال: كَفَتُّ الشيء إذا جَمَعْتَهُ وأَحْرَزْتَهُ.
روي عن ابن مسعود أنه "وجد قملة في ثوبه فدفنها في المسجد، ثم قال: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ ٱلأَرْضَ كِفَاتاً * أَحْيَآءً وَأَمْوٰتاً﴾.
وقال مجاهد - في الرجل يرى القملة في ثوبه وهو في المسجد - قال: "إن شئت فألقها، وإن شئت [فوارها]. ثم قرأ: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ ٱلأَرْضَ كِفَاتاً...﴾ الآية.
قال الشعبي: ﴿كِفَاتاً﴾: "بطنها لأمواتكم، وظهرها لأحيائكم".
وقال مجاهد: ﴿كِفَاتاً﴾: تكفت أذاهم وما يخرج منهم أحياءً وأمواتاً، أي: تضم ذلك.
ونصب ﴿أَحْيَآءً وَأَمْوٰتاً﴾ "بكفات"، أي: تضم أحياءً وأمواتاً. وقيل: التقدير: كفات أحياء وأموات، أي: ضمهم، [فلما] نون نصب ما بعده، كما تقول: رأيت ضرب زيد. فإن نونت "ضرباً"، نصبت "زيداً" أو رفعته.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ شَامِخَاتٍ﴾.
أي: جبالاً شاهقات، أي" طوالاً مشرفات.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَأَسْقَيْنَاكُم مَّآءً فُرَاتاً﴾.
أي: عذباً قال ابن عباس: وذلك من أربعة أنهار: سيحان وجيحان والنيل والفرات. فكل ما شربه ابن آدم (فهو) من هذه الأنهار، وهي (تخرج من) تحت صخرة عند بيت المقدس. فأما سيحان فهو نهر بلخ، وأما جيحان فهو دجلة بغداد، وأما الفرات فبالكوفة، وأما النيل (فنهر مصر).
* *
- ثم قال تعالى: ﴿ٱنطَلِقُوۤاْ إِلَىٰ مَا كُنتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾.
أي: يقال لهؤلاء المكذبين بآيات الله ونعمه: انطلقوا إلى ما كنتم تكذبون به في الدنيا من عقاب الله لأهل الكفر.
* *
- ﴿ٱنطَلِقُوۤاْ إِلَىٰ ظِلٍّ ذِي ثَلاَثِ شُعَبٍ﴾.
أي: إلى ظل دخان ذي ثلاث شعب. وذلك أنه يرفع وقودها الدخان، فإذا تصعد تفرق على ثلاث شعب، وهو "دخان جهنم".
[وهو قوله: ﴿وَظِلٍّ مِّن يَحْمُومٍ﴾ [الواقعة: ٤٣]، اليحموم: الدخان.
وقد قيل في قوله "﴿ذِي ثَلاَثِ شُعَبٍ﴾ إنه [ظل] الصليب الذي يعبده النصارى. وهو قول شاذ يوجب أن يكون المأمور بهذا، النصارى خاصة. وليست الآية إلا عامة في جميع الكفار، وليس كلهم عبد الصليب، فإنما أمروا إلى ظل دخان جهنم، دخان قد أنفرق على ثلاث شعب]. قال قتادة: هو كقوله: ﴿نَاراً أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا﴾ [الكهف: ٢٩].
* *
- ثم قال تعالى: ﴿لاَّ ظَلِيلٍ وَلاَ يُغْنِي مِنَ ٱللَّهَبِ﴾.
هذا نعت للظل أي: إلى ظل غير ظليل وغير [غانٍ] من اللهب. أي: [لا يظلهم ولا يمنعهم] من لهب جهنم، فلا يمنع عنهم ذلك الظل حرها ولا لهبها. وهذا الوصف مطابق لما روي عن النبي ﷺ: "أَنَّ الشَّمْسَ تَدْنُو مِنْ رُؤُوسِ الخَلاَئِقِ يَوْمَ القِيَامَةِ وَلَيْسَ لَهُمْ لِبَاسٌ وَلاَ لَهُمْ مَا يَسْتَتِرُونَ بِهِ مِنْهَا، فَيُنْجِي اللهُ المُؤْمِنِينَ إلى ظِلٍّ مِنْ ظِلِّهِ، وَيُقَالُ لِلْكُفَّارِ: انْطَلِقُوا إلى مَا كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ مِنْ عَذَابِ اللهِ وَعِقَابِهِ ﴿ٱنطَلِقُوۤاْ إِلَىٰ ظِلٍّ ذِي ثَلاَثِ شُعَبٍ﴾ فَيَنْطَلِقُونَ إلى دُخَانِ جَهَنَّمَ" أفهذا للكفار، لأنه روي: "أَنَّ الخَلاَئِقَ إِذَا اشْتَدَّ عليهم حرُّ الشمس وَدَنَتْ مِنْ رُؤُوسِهِمْ وأَخَذَتْ بِأَنفاسهِم وأشتد ذلك عليهم وكَثُرَ العَرَقُ، واشتد القَلَقُ، نَجَّى اللهُ المؤمنين برحمته إلى ظل من ظله، فهناك يقولون: ﴿فَمَنَّ ٱللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ ٱلسَّمُومِ﴾. ويقال للكفار المكذبين: انطلقوا إلى ما كنتم تُكَذِّبُونَ من عذاب الله وعقابه، انطلقوا إلى ظِلٍّ من دخان جهنم قد سَطَعَ وافترق ثلاثَ فِرَقٍ، فينطلقون ويكونون فيه، وهو أشد من حر الشمس الذي كانوا قد قَلِقُوا فيه. فيُقِيمُون في ظل ذلك الدخان حتى يُفْرَغَ من الحساب، كذلك أولياء الله في ظل عرش الرحمن، وحيث شاء الله حتى يفرغ من الحساب، ثم يؤمر بكل فريق إلى مُسْتَقَرِّهِ من الجنة أو من النار
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَٱلْقَصْرِ﴾.
أي: [إن]: جهنم ترمي ذلك اليوم بشرر كالقصر [المبني]. وقال ابن عباس: "كالقصر العظيم".
قال الحسن: هو واحد القصور.
وروى حجاج عن هارون ﴿كَٱلْقَصْرِ﴾ أي: كالخشب الجزل، وهو جمع قَصْرَة، كجَمْرة وجَمْر، وثَمْرَة وثَمْر.
وقرأ ابن عباس: "كَالْقَصَرِ" بفتح الصاد.
وقرأ ابن جبير والحسن: "كَالْقِصَرِ" بكسر القاف وفتح الصاد.
وعن ابن جبير: كقراءة ابن عباس، القصرة: الخشبة تكون [ثلاث] أذرع أو أكثر، فهو على قراءته جمع قصرة كخشبة وخشب.
وقال مجاهد وقتادة: القَصَر - بالفتح - هو [أصول] النخل. ومن كسر القاف جعله جمع قِصَرَة وقصر، وهي الخشبة أيضاً.
وقال المبرد: قيل: القَصْرُ: الجزل من الحطب الغليظ، واحدته قَصْرَةٌ، كَجَمْرَة وجمر.
والقَصْرُ في هذا الموضع إذا جعلته أحد القُصُورِ فهو واحد يدل [على الجمع]، ولذلك جعل نعتاً لـِ "شَرَرٍ" وهي جماعة.
فإن جعلته جمع قَصْرَةٍ جئت به في النعت بالجمع كالمنعوت، وقد [قال]: ﴿سَيُهْزَمُ ٱلْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ ٱلدُّبُرَ﴾ [القمر: ٤٥]، فَوَحَّدَ (و) لم يقل: "الأدبار"؟ لأن الدبر بمعنى الجمع، وفعل ذلك توفيقاً بين رؤوس [الآي] ومقاطع الكلام، إذ كان ذلك شأن العرب، والقرآنُ بلسانها نزل فَجَرَتْ [ألفاظه] على عادتها في لغتها وكلامها [وسجعها]، وقد قال تعالى: ﴿تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَٱلَّذِي يُغْشَىٰ عَلَيْهِ مِنَ ٱلْمَوْتِ﴾ [الأحزاب: ١٩]، ولم يقل: "كعيون الذين". وهو المعني لأن المراد في التشبيه الفعل لا العين.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿كَأَنَّهُ جِمَٰلَتٌ صُفْرٌ﴾.
أي: كأن ذلك الشرر الذي هو كالقصر: نُوقٌ سُودٌ. فالصفرة هنا بمعنى السواد، وإنما وقعت الصفرة في موضع السواد لأن ألوان الإبل السود تضرب إلى الصفرة، كما سميت [الظباء] "أُدْماً" لِمَا يَعْلُوهَا في بياضها من الظلمة.
قال الحسن: ﴿جِمَٰلَتٌ صُفْرٌ﴾ [أَيْنُقٌ] سود، وهو قول قتادة ومجاهد.
وقال ابن عباس: عنى بذلك قلوس السفن، يعني حبال السفن.
شبهت الشرر بحبال السفينة. والقَلْسُ. الحبلُ.
وعن ابن عباس أيضاً: ﴿جِمَٰلَتٌ صُفْرٌ﴾: "قِطَعُ النّحَاسِ" وهو جمع جِمَالَةٍ [وجِمَالَةٌ]: جمع جمل.
(ومن قرأ (جِمَالَةٌ) جعله جمع جَمَل).
وقد قرأ (أبو) أيوب: "جُمَالاَت" - بضم الجيم - كأنه جمع جَمَلاً (على جُمَالٍ) كما يجمع رَخِلٌ على رُخَالٍ. ثم جمع "جُمَالاً" على جُمَالاَت، لأن باب "فَعَل" و "فُعَل" واحد.
ويجوز (أن) يكون من الشيء المجمل.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾.
وقد تقدم ذكره.
المرسلات 77:31
قوله تعالى: ﴿وَٱلْمُرْسَلاَتِ عُرْفاً﴾، إلى قوله: ﴿كَأَنَّهُ جِمَٰلَتٌ صُفْرٌ * وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾.
قال ابن عباس وابن مسعود ومجاهد وأبو صالح وقتادة: ﴿(وَ)ٱلْمُرْسَلاَتِ﴾: الرياح، ﴿عُرْفاً﴾: يتبع بعضها بعضاً.
وقال مسروق: ﴿وَٱلْمُرْسَلاَتِ﴾: "الملائكة" ﴿عُرْفاً﴾ أي: ترسل بالعرف.
عن أبي صالح أيضاً أنها "الرسل، ترسل بالمعروف". وقيل: ﴿عُرْفاً﴾ أي: متتابعة كتتابع عرف الفرس.
والتقدير على قول مسروق: ورب الملائكة التي أرسلت إلى الأنبياء بأمر الله ونهيه (وذلك هو المعروف.
وعلى قول أبي صالح: ورب الرسل التي أرسلت إلى الناس بأمر الله ونهيه).
ومن قال ﴿عُرْفاً﴾ متتابعة (فتقديره: ورب الملائكة التي أرسلت إلى الأنبياء متتابعة) ورب الرسل الذين أرسلوا إلى الخلق متتابعين. وكذلك التقدير على قول ابن عباس ومن تبعه: هي الرياح.
ويدل (على أنها ليست) الرياح أن يسعدها ذكر الرياح [بلا اختلاف] في قوله: ﴿فَٱلْعَاصِفَاتِ عَصْفاً﴾.
- (ثم قال تعالى: ﴿فَٱلْعَاصِفَاتِ عَصْفاً﴾).
أي: (ورب الرياح العاصفات) أي: الشديدات الهبوب السريعات المر. وهذا قول علي بن أبي طالب وابن مسعود وابن عباس، وغيرهم.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وٱلنَّاشِرَاتِ نَشْراً﴾.
قال ابن مسعود ومجاهد [وقتادة]: هي الرياح لأنها تنشر السحاب.
وقال أبو صالح: هي "المطر"، لأنه ينشر الأرض، أي: [يحييها].
وروى (السدي) عن أبي صالح أنها الملائكة، (قال): [تنشر] [الكتب]. - ثم قال تعالى: ﴿فَٱلْفَارِقَاتِ فَرْقاً﴾.
قال ابن عباس وأبو صالح وسفيان: هي الملائكة، تفرق بالوحي بين الحق والباطل. وقال قتادة: هو القرآن، فرق الله به بين الحق والباطل، كأنه قال: والآيات الفارقات فرقاً.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿فَٱلْمُلْقِيَٰتِ ذِكْراً * عُذْراً﴾.
كلهم قال: هي الملائكة التي تلقي وحي الله إلى رسله، والذكر: القرآن.
* *
ثم قال تعالى: ﴿عُذْراً أَوْ نُذْراً﴾.
أي: تلقي الوحي إلى الرسل إعذاراً من الله لخلقه [وإنذاراً] منه لهم. قاله قتادة وغيره.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَوَٰقِعٌ﴾.
يعني أن البعث والجزاء وجميع ما أخبر الله، كائن واقع [وحادث] لا محالة. و ﴿إِنَّمَا﴾ هو جواب القسم المتقدم.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿فَإِذَا ٱلنُّجُومُ طُمِسَتْ﴾.
أي: ذهب ضوءها فلم يكن لها نور.
﴿وَإِذَا ٱلسَّمَآءُ فُرِجَتْ﴾. أي: شققت وصدعت.
﴿وَإِذَا ٱلْجِبَالُ نُسِفَتْ﴾. أي: نسفت من أصلها.
﴿فَكَانَتْ هَبَآءً مُّنبَثّاً﴾ [الواقعة: ٦]. أي: غباراً متفرقاً.
* *
﴿وَإِذَا ٱلرُّسُلُ أُقِّتَتْ﴾.
أي: أجلت الاجتماع لوقتها يوم القيامة.
قال ابن عباس: ﴿أُقِّتَتْ﴾ "جمعت". وقال مجاهد ﴿أُقِّتَتْ﴾ "أجلت".
وهو من الوقت، فمعناه: [حان] وقتها الذي وعدته به، وذلك يوم القيامة.
وقرأ عيسى بن [عمر] "أُقِتَتْ" بالتخفيف والهمز، وقرأ الحسن. "وُقِتَتْ" بالواو والتخفيف.
وكله من الوقت، والواو هي الأصل، والهمزة بدل منها.
والتخفيف والتشديد لغتان، إلا أن في التشديد معنى التكرير والمبالغة.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿لأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ﴾.
أي: ما أعظمه وأكثر هوله. ففي الكلام معنى التعظيم لليوم والتعجب منه. ومعنى التعجب في هذا أنه تعالى ذكره يعجب العباد من هوله [وفظاعته]، ثم بينه فقال:
* *
- ﴿لِيَوْمِ ٱلْفَصْلِ﴾.
أي: أجلت الرسل ليوم يفصل الله (فيه) بين خلقه، فيأخذ للمظلوم من الظالم ويجزي المحسن بإحسانه والمسيء بإساته.
* *
- ثم قال: ﴿وَمَآ أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ ٱلْفَصْلِ﴾.
أي: وأي شيء أدراك يا محمد ما يوم الفصل؟! فمعناه التعظيم لذلك اليوم لشدته وهوله.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾.
أي: [الوادي] الذي [يسيل] في جهنم من صديد أهلها للمكذبين بذلك اليوم.
وقيل: معناه قبوح لهم ذلك اليوم.
فقوله: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ﴾ هو جواب (إذا) في ما تقدم من الكلام.
- قوله تعالى: ﴿أَلَمْ نُهْلِكِ ٱلأَوَّلِينَ﴾.
يعني قوم نوح وعاد وثمود وشبههم.
* *
- ﴿ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ ٱلآخِرِينَ﴾.
يعني: قوم إبراهيم وأصحاب مدين وقوم فرعون، فيكون ﴿نُتْبِعُهُمُ﴾ على هذا مجزوماً. والتقدير: "وَأَلَمْ نُتْبِعْهُمُ الآخِرِينَ". وبه قرأ الأعرج.
* *
- وقوله: ﴿كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِٱلْمُجْرِمِينَ﴾.
يعني كفار قريش ومن سلك طريقهم من العرب وغيرها.
ورد الجزم أبو حاتم لأنه تأول أن ﴿نُتْبِعُهُمُ﴾ يراد به قريش ومن سلك في التكذيب طريقهم. فلا سبيل إلى الجزم على هذا المعنى لأنه منتظر في المعنى.
ولم لا تدخل على فعل معناه الاستقبال، بل ترده إلى الماضي أبداً.
(وقيل): إن ﴿نُتْبِعُهُمُ﴾ عطف على المعنى، لأن معنى ﴿أَلَمْ نُهْلِكِ﴾: قد أهلكنا.
* *
ثم قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِٱلْمُجْرِمِينَ﴾.
أي: كذلك نهلك من أجرم فاكتسب مخالفة الله ورسوله.
[ثم قال: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾.
وقد تقدم ذكره، وكذلك معنى كل ما في السورة وغيرها منه].
* *
- ثم قال: ﴿أَلَمْ نَخْلُقكُّم مِّن مَّآءٍ [مَّهِينٍ]﴾.
أي: من نطفة ضعيفة. قال ابن عباس: "المهين: الضعيف".
* *
- ثم قال: ﴿فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ﴾.
أي: في رحم استقر فيه فتمكن.
* *
﴿إِلَىٰ قَدَرٍ مَّعْلُومٍ﴾.
أي: إلى وقت خروجه من الرحم.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ ٱلْقَادِرُونَ﴾.
قال الضحاك: معناه "فملكنا فنعم المالكون". وهذا التقدير على قراءة من خفف.
وعلة من شدد أنه أراد به التكرير، لأنه تعالى قدر الإنسان نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم، [ثم]...، [فدل] التشديد على تكرير [الأحوال].
ومن خفف أجراه على لفظ "القادرين" إذ فعله: "قدر مخففاً، فالتخفيف بمعنى الملك والقدرة على ذلك.
والتشديد بمعنى التقدير. فمن شدد ﴿فَقَدَرْنَا﴾ جمع بين معنيين: التقدير [بقدرنا]، والملك "بالقادرين".
ومن خفف جعله كله بمعنى الملك والقدرة.
وقد يستعمل التشديد، وهو بمعنى القدرة أيضاً يقال: قَدَرَ الله كذا وقدَّره، لغتان. فيكون من شدد ﴿فَقَدَرْنَا﴾ جمع بين اللغتين، بقوله: ﴿ٱلْقَادِرُونَ﴾، كما قال: ﴿فَمَهِّلِ ٱلْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً﴾ [الطارق: ١٧]، وقد قال تعالى: ﴿نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ ٱلْمَوْتَ﴾ [الواقعة: ٦٠] مشدداً.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ ٱلأَرْضَ كِفَاتاً * (أَحْيَآءً)﴾
أي: ألم نجعل أيها الناس الأرض لكم وعاءً، أنتم على ظهرها في مساكنكم مجتمعون أحياءً وفي بطنها أمواتاً؟!
[يذكرهم] (الله) بنعمه عليهم.
يقال: كَفَتُّ الشيء إذا جَمَعْتَهُ وأَحْرَزْتَهُ.
روي عن ابن مسعود أنه "وجد قملة في ثوبه فدفنها في المسجد، ثم قال: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ ٱلأَرْضَ كِفَاتاً * أَحْيَآءً وَأَمْوٰتاً﴾.
وقال مجاهد - في الرجل يرى القملة في ثوبه وهو في المسجد - قال: "إن شئت فألقها، وإن شئت [فوارها]. ثم قرأ: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ ٱلأَرْضَ كِفَاتاً...﴾ الآية.
قال الشعبي: ﴿كِفَاتاً﴾: "بطنها لأمواتكم، وظهرها لأحيائكم".
وقال مجاهد: ﴿كِفَاتاً﴾: تكفت أذاهم وما يخرج منهم أحياءً وأمواتاً، أي: تضم ذلك.
ونصب ﴿أَحْيَآءً وَأَمْوٰتاً﴾ "بكفات"، أي: تضم أحياءً وأمواتاً. وقيل: التقدير: كفات أحياء وأموات، أي: ضمهم، [فلما] نون نصب ما بعده، كما تقول: رأيت ضرب زيد. فإن نونت "ضرباً"، نصبت "زيداً" أو رفعته.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ شَامِخَاتٍ﴾.
أي: جبالاً شاهقات، أي" طوالاً مشرفات.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَأَسْقَيْنَاكُم مَّآءً فُرَاتاً﴾.
أي: عذباً قال ابن عباس: وذلك من أربعة أنهار: سيحان وجيحان والنيل والفرات. فكل ما شربه ابن آدم (فهو) من هذه الأنهار، وهي (تخرج من) تحت صخرة عند بيت المقدس. فأما سيحان فهو نهر بلخ، وأما جيحان فهو دجلة بغداد، وأما الفرات فبالكوفة، وأما النيل (فنهر مصر).
* *
- ثم قال تعالى: ﴿ٱنطَلِقُوۤاْ إِلَىٰ مَا كُنتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾.
أي: يقال لهؤلاء المكذبين بآيات الله ونعمه: انطلقوا إلى ما كنتم تكذبون به في الدنيا من عقاب الله لأهل الكفر.
* *
- ﴿ٱنطَلِقُوۤاْ إِلَىٰ ظِلٍّ ذِي ثَلاَثِ شُعَبٍ﴾.
أي: إلى ظل دخان ذي ثلاث شعب. وذلك أنه يرفع وقودها الدخان، فإذا تصعد تفرق على ثلاث شعب، وهو "دخان جهنم".
[وهو قوله: ﴿وَظِلٍّ مِّن يَحْمُومٍ﴾ [الواقعة: ٤٣]، اليحموم: الدخان.
وقد قيل في قوله "﴿ذِي ثَلاَثِ شُعَبٍ﴾ إنه [ظل] الصليب الذي يعبده النصارى. وهو قول شاذ يوجب أن يكون المأمور بهذا، النصارى خاصة. وليست الآية إلا عامة في جميع الكفار، وليس كلهم عبد الصليب، فإنما أمروا إلى ظل دخان جهنم، دخان قد أنفرق على ثلاث شعب]. قال قتادة: هو كقوله: ﴿نَاراً أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا﴾ [الكهف: ٢٩].
* *
- ثم قال تعالى: ﴿لاَّ ظَلِيلٍ وَلاَ يُغْنِي مِنَ ٱللَّهَبِ﴾.
هذا نعت للظل أي: إلى ظل غير ظليل وغير [غانٍ] من اللهب. أي: [لا يظلهم ولا يمنعهم] من لهب جهنم، فلا يمنع عنهم ذلك الظل حرها ولا لهبها. وهذا الوصف مطابق لما روي عن النبي ﷺ: "أَنَّ الشَّمْسَ تَدْنُو مِنْ رُؤُوسِ الخَلاَئِقِ يَوْمَ القِيَامَةِ وَلَيْسَ لَهُمْ لِبَاسٌ وَلاَ لَهُمْ مَا يَسْتَتِرُونَ بِهِ مِنْهَا، فَيُنْجِي اللهُ المُؤْمِنِينَ إلى ظِلٍّ مِنْ ظِلِّهِ، وَيُقَالُ لِلْكُفَّارِ: انْطَلِقُوا إلى مَا كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ مِنْ عَذَابِ اللهِ وَعِقَابِهِ ﴿ٱنطَلِقُوۤاْ إِلَىٰ ظِلٍّ ذِي ثَلاَثِ شُعَبٍ﴾ فَيَنْطَلِقُونَ إلى دُخَانِ جَهَنَّمَ" أفهذا للكفار، لأنه روي: "أَنَّ الخَلاَئِقَ إِذَا اشْتَدَّ عليهم حرُّ الشمس وَدَنَتْ مِنْ رُؤُوسِهِمْ وأَخَذَتْ بِأَنفاسهِم وأشتد ذلك عليهم وكَثُرَ العَرَقُ، واشتد القَلَقُ، نَجَّى اللهُ المؤمنين برحمته إلى ظل من ظله، فهناك يقولون: ﴿فَمَنَّ ٱللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ ٱلسَّمُومِ﴾. ويقال للكفار المكذبين: انطلقوا إلى ما كنتم تُكَذِّبُونَ من عذاب الله وعقابه، انطلقوا إلى ظِلٍّ من دخان جهنم قد سَطَعَ وافترق ثلاثَ فِرَقٍ، فينطلقون ويكونون فيه، وهو أشد من حر الشمس الذي كانوا قد قَلِقُوا فيه. فيُقِيمُون في ظل ذلك الدخان حتى يُفْرَغَ من الحساب، كذلك أولياء الله في ظل عرش الرحمن، وحيث شاء الله حتى يفرغ من الحساب، ثم يؤمر بكل فريق إلى مُسْتَقَرِّهِ من الجنة أو من النار
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَٱلْقَصْرِ﴾.
أي: [إن]: جهنم ترمي ذلك اليوم بشرر كالقصر [المبني]. وقال ابن عباس: "كالقصر العظيم".
قال الحسن: هو واحد القصور.
وروى حجاج عن هارون ﴿كَٱلْقَصْرِ﴾ أي: كالخشب الجزل، وهو جمع قَصْرَة، كجَمْرة وجَمْر، وثَمْرَة وثَمْر.
وقرأ ابن عباس: "كَالْقَصَرِ" بفتح الصاد.
وقرأ ابن جبير والحسن: "كَالْقِصَرِ" بكسر القاف وفتح الصاد.
وعن ابن جبير: كقراءة ابن عباس، القصرة: الخشبة تكون [ثلاث] أذرع أو أكثر، فهو على قراءته جمع قصرة كخشبة وخشب.
وقال مجاهد وقتادة: القَصَر - بالفتح - هو [أصول] النخل. ومن كسر القاف جعله جمع قِصَرَة وقصر، وهي الخشبة أيضاً.
وقال المبرد: قيل: القَصْرُ: الجزل من الحطب الغليظ، واحدته قَصْرَةٌ، كَجَمْرَة وجمر.
والقَصْرُ في هذا الموضع إذا جعلته أحد القُصُورِ فهو واحد يدل [على الجمع]، ولذلك جعل نعتاً لـِ "شَرَرٍ" وهي جماعة.
فإن جعلته جمع قَصْرَةٍ جئت به في النعت بالجمع كالمنعوت، وقد [قال]: ﴿سَيُهْزَمُ ٱلْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ ٱلدُّبُرَ﴾ [القمر: ٤٥]، فَوَحَّدَ (و) لم يقل: "الأدبار"؟ لأن الدبر بمعنى الجمع، وفعل ذلك توفيقاً بين رؤوس [الآي] ومقاطع الكلام، إذ كان ذلك شأن العرب، والقرآنُ بلسانها نزل فَجَرَتْ [ألفاظه] على عادتها في لغتها وكلامها [وسجعها]، وقد قال تعالى: ﴿تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَٱلَّذِي يُغْشَىٰ عَلَيْهِ مِنَ ٱلْمَوْتِ﴾ [الأحزاب: ١٩]، ولم يقل: "كعيون الذين". وهو المعني لأن المراد في التشبيه الفعل لا العين.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿كَأَنَّهُ جِمَٰلَتٌ صُفْرٌ﴾.
أي: كأن ذلك الشرر الذي هو كالقصر: نُوقٌ سُودٌ. فالصفرة هنا بمعنى السواد، وإنما وقعت الصفرة في موضع السواد لأن ألوان الإبل السود تضرب إلى الصفرة، كما سميت [الظباء] "أُدْماً" لِمَا يَعْلُوهَا في بياضها من الظلمة.
قال الحسن: ﴿جِمَٰلَتٌ صُفْرٌ﴾ [أَيْنُقٌ] سود، وهو قول قتادة ومجاهد.
وقال ابن عباس: عنى بذلك قلوس السفن، يعني حبال السفن.
شبهت الشرر بحبال السفينة. والقَلْسُ. الحبلُ.
وعن ابن عباس أيضاً: ﴿جِمَٰلَتٌ صُفْرٌ﴾: "قِطَعُ النّحَاسِ" وهو جمع جِمَالَةٍ [وجِمَالَةٌ]: جمع جمل.
(ومن قرأ (جِمَالَةٌ) جعله جمع جَمَل).
وقد قرأ (أبو) أيوب: "جُمَالاَت" - بضم الجيم - كأنه جمع جَمَلاً (على جُمَالٍ) كما يجمع رَخِلٌ على رُخَالٍ. ثم جمع "جُمَالاً" على جُمَالاَت، لأن باب "فَعَل" و "فُعَل" واحد.
ويجوز (أن) يكون من الشيء المجمل.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾.
وقد تقدم ذكره.
المرسلات 77:32
قوله تعالى: ﴿وَٱلْمُرْسَلاَتِ عُرْفاً﴾، إلى قوله: ﴿كَأَنَّهُ جِمَٰلَتٌ صُفْرٌ * وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾.
قال ابن عباس وابن مسعود ومجاهد وأبو صالح وقتادة: ﴿(وَ)ٱلْمُرْسَلاَتِ﴾: الرياح، ﴿عُرْفاً﴾: يتبع بعضها بعضاً.
وقال مسروق: ﴿وَٱلْمُرْسَلاَتِ﴾: "الملائكة" ﴿عُرْفاً﴾ أي: ترسل بالعرف.
عن أبي صالح أيضاً أنها "الرسل، ترسل بالمعروف". وقيل: ﴿عُرْفاً﴾ أي: متتابعة كتتابع عرف الفرس.
والتقدير على قول مسروق: ورب الملائكة التي أرسلت إلى الأنبياء بأمر الله ونهيه (وذلك هو المعروف.
وعلى قول أبي صالح: ورب الرسل التي أرسلت إلى الناس بأمر الله ونهيه).
ومن قال ﴿عُرْفاً﴾ متتابعة (فتقديره: ورب الملائكة التي أرسلت إلى الأنبياء متتابعة) ورب الرسل الذين أرسلوا إلى الخلق متتابعين. وكذلك التقدير على قول ابن عباس ومن تبعه: هي الرياح.
ويدل (على أنها ليست) الرياح أن يسعدها ذكر الرياح [بلا اختلاف] في قوله: ﴿فَٱلْعَاصِفَاتِ عَصْفاً﴾.
- (ثم قال تعالى: ﴿فَٱلْعَاصِفَاتِ عَصْفاً﴾).
أي: (ورب الرياح العاصفات) أي: الشديدات الهبوب السريعات المر. وهذا قول علي بن أبي طالب وابن مسعود وابن عباس، وغيرهم.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وٱلنَّاشِرَاتِ نَشْراً﴾.
قال ابن مسعود ومجاهد [وقتادة]: هي الرياح لأنها تنشر السحاب.
وقال أبو صالح: هي "المطر"، لأنه ينشر الأرض، أي: [يحييها].
وروى (السدي) عن أبي صالح أنها الملائكة، (قال): [تنشر] [الكتب]. - ثم قال تعالى: ﴿فَٱلْفَارِقَاتِ فَرْقاً﴾.
قال ابن عباس وأبو صالح وسفيان: هي الملائكة، تفرق بالوحي بين الحق والباطل. وقال قتادة: هو القرآن، فرق الله به بين الحق والباطل، كأنه قال: والآيات الفارقات فرقاً.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿فَٱلْمُلْقِيَٰتِ ذِكْراً * عُذْراً﴾.
كلهم قال: هي الملائكة التي تلقي وحي الله إلى رسله، والذكر: القرآن.
* *
ثم قال تعالى: ﴿عُذْراً أَوْ نُذْراً﴾.
أي: تلقي الوحي إلى الرسل إعذاراً من الله لخلقه [وإنذاراً] منه لهم. قاله قتادة وغيره.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَوَٰقِعٌ﴾.
يعني أن البعث والجزاء وجميع ما أخبر الله، كائن واقع [وحادث] لا محالة. و ﴿إِنَّمَا﴾ هو جواب القسم المتقدم.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿فَإِذَا ٱلنُّجُومُ طُمِسَتْ﴾.
أي: ذهب ضوءها فلم يكن لها نور.
﴿وَإِذَا ٱلسَّمَآءُ فُرِجَتْ﴾. أي: شققت وصدعت.
﴿وَإِذَا ٱلْجِبَالُ نُسِفَتْ﴾. أي: نسفت من أصلها.
﴿فَكَانَتْ هَبَآءً مُّنبَثّاً﴾ [الواقعة: ٦]. أي: غباراً متفرقاً.
* *
﴿وَإِذَا ٱلرُّسُلُ أُقِّتَتْ﴾.
أي: أجلت الاجتماع لوقتها يوم القيامة.
قال ابن عباس: ﴿أُقِّتَتْ﴾ "جمعت". وقال مجاهد ﴿أُقِّتَتْ﴾ "أجلت".
وهو من الوقت، فمعناه: [حان] وقتها الذي وعدته به، وذلك يوم القيامة.
وقرأ عيسى بن [عمر] "أُقِتَتْ" بالتخفيف والهمز، وقرأ الحسن. "وُقِتَتْ" بالواو والتخفيف.
وكله من الوقت، والواو هي الأصل، والهمزة بدل منها.
والتخفيف والتشديد لغتان، إلا أن في التشديد معنى التكرير والمبالغة.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿لأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ﴾.
أي: ما أعظمه وأكثر هوله. ففي الكلام معنى التعظيم لليوم والتعجب منه. ومعنى التعجب في هذا أنه تعالى ذكره يعجب العباد من هوله [وفظاعته]، ثم بينه فقال:
* *
- ﴿لِيَوْمِ ٱلْفَصْلِ﴾.
أي: أجلت الرسل ليوم يفصل الله (فيه) بين خلقه، فيأخذ للمظلوم من الظالم ويجزي المحسن بإحسانه والمسيء بإساته.
* *
- ثم قال: ﴿وَمَآ أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ ٱلْفَصْلِ﴾.
أي: وأي شيء أدراك يا محمد ما يوم الفصل؟! فمعناه التعظيم لذلك اليوم لشدته وهوله.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾.
أي: [الوادي] الذي [يسيل] في جهنم من صديد أهلها للمكذبين بذلك اليوم.
وقيل: معناه قبوح لهم ذلك اليوم.
فقوله: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ﴾ هو جواب (إذا) في ما تقدم من الكلام.
- قوله تعالى: ﴿أَلَمْ نُهْلِكِ ٱلأَوَّلِينَ﴾.
يعني قوم نوح وعاد وثمود وشبههم.
* *
- ﴿ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ ٱلآخِرِينَ﴾.
يعني: قوم إبراهيم وأصحاب مدين وقوم فرعون، فيكون ﴿نُتْبِعُهُمُ﴾ على هذا مجزوماً. والتقدير: "وَأَلَمْ نُتْبِعْهُمُ الآخِرِينَ". وبه قرأ الأعرج.
* *
- وقوله: ﴿كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِٱلْمُجْرِمِينَ﴾.
يعني كفار قريش ومن سلك طريقهم من العرب وغيرها.
ورد الجزم أبو حاتم لأنه تأول أن ﴿نُتْبِعُهُمُ﴾ يراد به قريش ومن سلك في التكذيب طريقهم. فلا سبيل إلى الجزم على هذا المعنى لأنه منتظر في المعنى.
ولم لا تدخل على فعل معناه الاستقبال، بل ترده إلى الماضي أبداً.
(وقيل): إن ﴿نُتْبِعُهُمُ﴾ عطف على المعنى، لأن معنى ﴿أَلَمْ نُهْلِكِ﴾: قد أهلكنا.
* *
ثم قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِٱلْمُجْرِمِينَ﴾.
أي: كذلك نهلك من أجرم فاكتسب مخالفة الله ورسوله.
[ثم قال: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾.
وقد تقدم ذكره، وكذلك معنى كل ما في السورة وغيرها منه].
* *
- ثم قال: ﴿أَلَمْ نَخْلُقكُّم مِّن مَّآءٍ [مَّهِينٍ]﴾.
أي: من نطفة ضعيفة. قال ابن عباس: "المهين: الضعيف".
* *
- ثم قال: ﴿فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ﴾.
أي: في رحم استقر فيه فتمكن.
* *
﴿إِلَىٰ قَدَرٍ مَّعْلُومٍ﴾.
أي: إلى وقت خروجه من الرحم.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ ٱلْقَادِرُونَ﴾.
قال الضحاك: معناه "فملكنا فنعم المالكون". وهذا التقدير على قراءة من خفف.
وعلة من شدد أنه أراد به التكرير، لأنه تعالى قدر الإنسان نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم، [ثم]...، [فدل] التشديد على تكرير [الأحوال].
ومن خفف أجراه على لفظ "القادرين" إذ فعله: "قدر مخففاً، فالتخفيف بمعنى الملك والقدرة على ذلك.
والتشديد بمعنى التقدير. فمن شدد ﴿فَقَدَرْنَا﴾ جمع بين معنيين: التقدير [بقدرنا]، والملك "بالقادرين".
ومن خفف جعله كله بمعنى الملك والقدرة.
وقد يستعمل التشديد، وهو بمعنى القدرة أيضاً يقال: قَدَرَ الله كذا وقدَّره، لغتان. فيكون من شدد ﴿فَقَدَرْنَا﴾ جمع بين اللغتين، بقوله: ﴿ٱلْقَادِرُونَ﴾، كما قال: ﴿فَمَهِّلِ ٱلْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً﴾ [الطارق: ١٧]، وقد قال تعالى: ﴿نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ ٱلْمَوْتَ﴾ [الواقعة: ٦٠] مشدداً.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ ٱلأَرْضَ كِفَاتاً * (أَحْيَآءً)﴾
أي: ألم نجعل أيها الناس الأرض لكم وعاءً، أنتم على ظهرها في مساكنكم مجتمعون أحياءً وفي بطنها أمواتاً؟!
[يذكرهم] (الله) بنعمه عليهم.
يقال: كَفَتُّ الشيء إذا جَمَعْتَهُ وأَحْرَزْتَهُ.
روي عن ابن مسعود أنه "وجد قملة في ثوبه فدفنها في المسجد، ثم قال: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ ٱلأَرْضَ كِفَاتاً * أَحْيَآءً وَأَمْوٰتاً﴾.
وقال مجاهد - في الرجل يرى القملة في ثوبه وهو في المسجد - قال: "إن شئت فألقها، وإن شئت [فوارها]. ثم قرأ: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ ٱلأَرْضَ كِفَاتاً...﴾ الآية.
قال الشعبي: ﴿كِفَاتاً﴾: "بطنها لأمواتكم، وظهرها لأحيائكم".
وقال مجاهد: ﴿كِفَاتاً﴾: تكفت أذاهم وما يخرج منهم أحياءً وأمواتاً، أي: تضم ذلك.
ونصب ﴿أَحْيَآءً وَأَمْوٰتاً﴾ "بكفات"، أي: تضم أحياءً وأمواتاً. وقيل: التقدير: كفات أحياء وأموات، أي: ضمهم، [فلما] نون نصب ما بعده، كما تقول: رأيت ضرب زيد. فإن نونت "ضرباً"، نصبت "زيداً" أو رفعته.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ شَامِخَاتٍ﴾.
أي: جبالاً شاهقات، أي" طوالاً مشرفات.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَأَسْقَيْنَاكُم مَّآءً فُرَاتاً﴾.
أي: عذباً قال ابن عباس: وذلك من أربعة أنهار: سيحان وجيحان والنيل والفرات. فكل ما شربه ابن آدم (فهو) من هذه الأنهار، وهي (تخرج من) تحت صخرة عند بيت المقدس. فأما سيحان فهو نهر بلخ، وأما جيحان فهو دجلة بغداد، وأما الفرات فبالكوفة، وأما النيل (فنهر مصر).
* *
- ثم قال تعالى: ﴿ٱنطَلِقُوۤاْ إِلَىٰ مَا كُنتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾.
أي: يقال لهؤلاء المكذبين بآيات الله ونعمه: انطلقوا إلى ما كنتم تكذبون به في الدنيا من عقاب الله لأهل الكفر.
* *
- ﴿ٱنطَلِقُوۤاْ إِلَىٰ ظِلٍّ ذِي ثَلاَثِ شُعَبٍ﴾.
أي: إلى ظل دخان ذي ثلاث شعب. وذلك أنه يرفع وقودها الدخان، فإذا تصعد تفرق على ثلاث شعب، وهو "دخان جهنم".
[وهو قوله: ﴿وَظِلٍّ مِّن يَحْمُومٍ﴾ [الواقعة: ٤٣]، اليحموم: الدخان.
وقد قيل في قوله "﴿ذِي ثَلاَثِ شُعَبٍ﴾ إنه [ظل] الصليب الذي يعبده النصارى. وهو قول شاذ يوجب أن يكون المأمور بهذا، النصارى خاصة. وليست الآية إلا عامة في جميع الكفار، وليس كلهم عبد الصليب، فإنما أمروا إلى ظل دخان جهنم، دخان قد أنفرق على ثلاث شعب]. قال قتادة: هو كقوله: ﴿نَاراً أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا﴾ [الكهف: ٢٩].
* *
- ثم قال تعالى: ﴿لاَّ ظَلِيلٍ وَلاَ يُغْنِي مِنَ ٱللَّهَبِ﴾.
هذا نعت للظل أي: إلى ظل غير ظليل وغير [غانٍ] من اللهب. أي: [لا يظلهم ولا يمنعهم] من لهب جهنم، فلا يمنع عنهم ذلك الظل حرها ولا لهبها. وهذا الوصف مطابق لما روي عن النبي ﷺ: "أَنَّ الشَّمْسَ تَدْنُو مِنْ رُؤُوسِ الخَلاَئِقِ يَوْمَ القِيَامَةِ وَلَيْسَ لَهُمْ لِبَاسٌ وَلاَ لَهُمْ مَا يَسْتَتِرُونَ بِهِ مِنْهَا، فَيُنْجِي اللهُ المُؤْمِنِينَ إلى ظِلٍّ مِنْ ظِلِّهِ، وَيُقَالُ لِلْكُفَّارِ: انْطَلِقُوا إلى مَا كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ مِنْ عَذَابِ اللهِ وَعِقَابِهِ ﴿ٱنطَلِقُوۤاْ إِلَىٰ ظِلٍّ ذِي ثَلاَثِ شُعَبٍ﴾ فَيَنْطَلِقُونَ إلى دُخَانِ جَهَنَّمَ" أفهذا للكفار، لأنه روي: "أَنَّ الخَلاَئِقَ إِذَا اشْتَدَّ عليهم حرُّ الشمس وَدَنَتْ مِنْ رُؤُوسِهِمْ وأَخَذَتْ بِأَنفاسهِم وأشتد ذلك عليهم وكَثُرَ العَرَقُ، واشتد القَلَقُ، نَجَّى اللهُ المؤمنين برحمته إلى ظل من ظله، فهناك يقولون: ﴿فَمَنَّ ٱللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ ٱلسَّمُومِ﴾. ويقال للكفار المكذبين: انطلقوا إلى ما كنتم تُكَذِّبُونَ من عذاب الله وعقابه، انطلقوا إلى ظِلٍّ من دخان جهنم قد سَطَعَ وافترق ثلاثَ فِرَقٍ، فينطلقون ويكونون فيه، وهو أشد من حر الشمس الذي كانوا قد قَلِقُوا فيه. فيُقِيمُون في ظل ذلك الدخان حتى يُفْرَغَ من الحساب، كذلك أولياء الله في ظل عرش الرحمن، وحيث شاء الله حتى يفرغ من الحساب، ثم يؤمر بكل فريق إلى مُسْتَقَرِّهِ من الجنة أو من النار
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَٱلْقَصْرِ﴾.
أي: [إن]: جهنم ترمي ذلك اليوم بشرر كالقصر [المبني]. وقال ابن عباس: "كالقصر العظيم".
قال الحسن: هو واحد القصور.
وروى حجاج عن هارون ﴿كَٱلْقَصْرِ﴾ أي: كالخشب الجزل، وهو جمع قَصْرَة، كجَمْرة وجَمْر، وثَمْرَة وثَمْر.
وقرأ ابن عباس: "كَالْقَصَرِ" بفتح الصاد.
وقرأ ابن جبير والحسن: "كَالْقِصَرِ" بكسر القاف وفتح الصاد.
وعن ابن جبير: كقراءة ابن عباس، القصرة: الخشبة تكون [ثلاث] أذرع أو أكثر، فهو على قراءته جمع قصرة كخشبة وخشب.
وقال مجاهد وقتادة: القَصَر - بالفتح - هو [أصول] النخل. ومن كسر القاف جعله جمع قِصَرَة وقصر، وهي الخشبة أيضاً.
وقال المبرد: قيل: القَصْرُ: الجزل من الحطب الغليظ، واحدته قَصْرَةٌ، كَجَمْرَة وجمر.
والقَصْرُ في هذا الموضع إذا جعلته أحد القُصُورِ فهو واحد يدل [على الجمع]، ولذلك جعل نعتاً لـِ "شَرَرٍ" وهي جماعة.
فإن جعلته جمع قَصْرَةٍ جئت به في النعت بالجمع كالمنعوت، وقد [قال]: ﴿سَيُهْزَمُ ٱلْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ ٱلدُّبُرَ﴾ [القمر: ٤٥]، فَوَحَّدَ (و) لم يقل: "الأدبار"؟ لأن الدبر بمعنى الجمع، وفعل ذلك توفيقاً بين رؤوس [الآي] ومقاطع الكلام، إذ كان ذلك شأن العرب، والقرآنُ بلسانها نزل فَجَرَتْ [ألفاظه] على عادتها في لغتها وكلامها [وسجعها]، وقد قال تعالى: ﴿تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَٱلَّذِي يُغْشَىٰ عَلَيْهِ مِنَ ٱلْمَوْتِ﴾ [الأحزاب: ١٩]، ولم يقل: "كعيون الذين". وهو المعني لأن المراد في التشبيه الفعل لا العين.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿كَأَنَّهُ جِمَٰلَتٌ صُفْرٌ﴾.
أي: كأن ذلك الشرر الذي هو كالقصر: نُوقٌ سُودٌ. فالصفرة هنا بمعنى السواد، وإنما وقعت الصفرة في موضع السواد لأن ألوان الإبل السود تضرب إلى الصفرة، كما سميت [الظباء] "أُدْماً" لِمَا يَعْلُوهَا في بياضها من الظلمة.
قال الحسن: ﴿جِمَٰلَتٌ صُفْرٌ﴾ [أَيْنُقٌ] سود، وهو قول قتادة ومجاهد.
وقال ابن عباس: عنى بذلك قلوس السفن، يعني حبال السفن.
شبهت الشرر بحبال السفينة. والقَلْسُ. الحبلُ.
وعن ابن عباس أيضاً: ﴿جِمَٰلَتٌ صُفْرٌ﴾: "قِطَعُ النّحَاسِ" وهو جمع جِمَالَةٍ [وجِمَالَةٌ]: جمع جمل.
(ومن قرأ (جِمَالَةٌ) جعله جمع جَمَل).
وقد قرأ (أبو) أيوب: "جُمَالاَت" - بضم الجيم - كأنه جمع جَمَلاً (على جُمَالٍ) كما يجمع رَخِلٌ على رُخَالٍ. ثم جمع "جُمَالاً" على جُمَالاَت، لأن باب "فَعَل" و "فُعَل" واحد.
ويجوز (أن) يكون من الشيء المجمل.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾.
وقد تقدم ذكره.
المرسلات 77:33
قوله تعالى: ﴿وَٱلْمُرْسَلاَتِ عُرْفاً﴾، إلى قوله: ﴿كَأَنَّهُ جِمَٰلَتٌ صُفْرٌ * وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾.
قال ابن عباس وابن مسعود ومجاهد وأبو صالح وقتادة: ﴿(وَ)ٱلْمُرْسَلاَتِ﴾: الرياح، ﴿عُرْفاً﴾: يتبع بعضها بعضاً.
وقال مسروق: ﴿وَٱلْمُرْسَلاَتِ﴾: "الملائكة" ﴿عُرْفاً﴾ أي: ترسل بالعرف.
عن أبي صالح أيضاً أنها "الرسل، ترسل بالمعروف". وقيل: ﴿عُرْفاً﴾ أي: متتابعة كتتابع عرف الفرس.
والتقدير على قول مسروق: ورب الملائكة التي أرسلت إلى الأنبياء بأمر الله ونهيه (وذلك هو المعروف.
وعلى قول أبي صالح: ورب الرسل التي أرسلت إلى الناس بأمر الله ونهيه).
ومن قال ﴿عُرْفاً﴾ متتابعة (فتقديره: ورب الملائكة التي أرسلت إلى الأنبياء متتابعة) ورب الرسل الذين أرسلوا إلى الخلق متتابعين. وكذلك التقدير على قول ابن عباس ومن تبعه: هي الرياح.
ويدل (على أنها ليست) الرياح أن يسعدها ذكر الرياح [بلا اختلاف] في قوله: ﴿فَٱلْعَاصِفَاتِ عَصْفاً﴾.
- (ثم قال تعالى: ﴿فَٱلْعَاصِفَاتِ عَصْفاً﴾).
أي: (ورب الرياح العاصفات) أي: الشديدات الهبوب السريعات المر. وهذا قول علي بن أبي طالب وابن مسعود وابن عباس، وغيرهم.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وٱلنَّاشِرَاتِ نَشْراً﴾.
قال ابن مسعود ومجاهد [وقتادة]: هي الرياح لأنها تنشر السحاب.
وقال أبو صالح: هي "المطر"، لأنه ينشر الأرض، أي: [يحييها].
وروى (السدي) عن أبي صالح أنها الملائكة، (قال): [تنشر] [الكتب]. - ثم قال تعالى: ﴿فَٱلْفَارِقَاتِ فَرْقاً﴾.
قال ابن عباس وأبو صالح وسفيان: هي الملائكة، تفرق بالوحي بين الحق والباطل. وقال قتادة: هو القرآن، فرق الله به بين الحق والباطل، كأنه قال: والآيات الفارقات فرقاً.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿فَٱلْمُلْقِيَٰتِ ذِكْراً * عُذْراً﴾.
كلهم قال: هي الملائكة التي تلقي وحي الله إلى رسله، والذكر: القرآن.
* *
ثم قال تعالى: ﴿عُذْراً أَوْ نُذْراً﴾.
أي: تلقي الوحي إلى الرسل إعذاراً من الله لخلقه [وإنذاراً] منه لهم. قاله قتادة وغيره.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَوَٰقِعٌ﴾.
يعني أن البعث والجزاء وجميع ما أخبر الله، كائن واقع [وحادث] لا محالة. و ﴿إِنَّمَا﴾ هو جواب القسم المتقدم.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿فَإِذَا ٱلنُّجُومُ طُمِسَتْ﴾.
أي: ذهب ضوءها فلم يكن لها نور.
﴿وَإِذَا ٱلسَّمَآءُ فُرِجَتْ﴾. أي: شققت وصدعت.
﴿وَإِذَا ٱلْجِبَالُ نُسِفَتْ﴾. أي: نسفت من أصلها.
﴿فَكَانَتْ هَبَآءً مُّنبَثّاً﴾ [الواقعة: ٦]. أي: غباراً متفرقاً.
* *
﴿وَإِذَا ٱلرُّسُلُ أُقِّتَتْ﴾.
أي: أجلت الاجتماع لوقتها يوم القيامة.
قال ابن عباس: ﴿أُقِّتَتْ﴾ "جمعت". وقال مجاهد ﴿أُقِّتَتْ﴾ "أجلت".
وهو من الوقت، فمعناه: [حان] وقتها الذي وعدته به، وذلك يوم القيامة.
وقرأ عيسى بن [عمر] "أُقِتَتْ" بالتخفيف والهمز، وقرأ الحسن. "وُقِتَتْ" بالواو والتخفيف.
وكله من الوقت، والواو هي الأصل، والهمزة بدل منها.
والتخفيف والتشديد لغتان، إلا أن في التشديد معنى التكرير والمبالغة.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿لأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ﴾.
أي: ما أعظمه وأكثر هوله. ففي الكلام معنى التعظيم لليوم والتعجب منه. ومعنى التعجب في هذا أنه تعالى ذكره يعجب العباد من هوله [وفظاعته]، ثم بينه فقال:
* *
- ﴿لِيَوْمِ ٱلْفَصْلِ﴾.
أي: أجلت الرسل ليوم يفصل الله (فيه) بين خلقه، فيأخذ للمظلوم من الظالم ويجزي المحسن بإحسانه والمسيء بإساته.
* *
- ثم قال: ﴿وَمَآ أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ ٱلْفَصْلِ﴾.
أي: وأي شيء أدراك يا محمد ما يوم الفصل؟! فمعناه التعظيم لذلك اليوم لشدته وهوله.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾.
أي: [الوادي] الذي [يسيل] في جهنم من صديد أهلها للمكذبين بذلك اليوم.
وقيل: معناه قبوح لهم ذلك اليوم.
فقوله: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ﴾ هو جواب (إذا) في ما تقدم من الكلام.
- قوله تعالى: ﴿أَلَمْ نُهْلِكِ ٱلأَوَّلِينَ﴾.
يعني قوم نوح وعاد وثمود وشبههم.
* *
- ﴿ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ ٱلآخِرِينَ﴾.
يعني: قوم إبراهيم وأصحاب مدين وقوم فرعون، فيكون ﴿نُتْبِعُهُمُ﴾ على هذا مجزوماً. والتقدير: "وَأَلَمْ نُتْبِعْهُمُ الآخِرِينَ". وبه قرأ الأعرج.
* *
- وقوله: ﴿كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِٱلْمُجْرِمِينَ﴾.
يعني كفار قريش ومن سلك طريقهم من العرب وغيرها.
ورد الجزم أبو حاتم لأنه تأول أن ﴿نُتْبِعُهُمُ﴾ يراد به قريش ومن سلك في التكذيب طريقهم. فلا سبيل إلى الجزم على هذا المعنى لأنه منتظر في المعنى.
ولم لا تدخل على فعل معناه الاستقبال، بل ترده إلى الماضي أبداً.
(وقيل): إن ﴿نُتْبِعُهُمُ﴾ عطف على المعنى، لأن معنى ﴿أَلَمْ نُهْلِكِ﴾: قد أهلكنا.
* *
ثم قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِٱلْمُجْرِمِينَ﴾.
أي: كذلك نهلك من أجرم فاكتسب مخالفة الله ورسوله.
[ثم قال: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾.
وقد تقدم ذكره، وكذلك معنى كل ما في السورة وغيرها منه].
* *
- ثم قال: ﴿أَلَمْ نَخْلُقكُّم مِّن مَّآءٍ [مَّهِينٍ]﴾.
أي: من نطفة ضعيفة. قال ابن عباس: "المهين: الضعيف".
* *
- ثم قال: ﴿فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ﴾.
أي: في رحم استقر فيه فتمكن.
* *
﴿إِلَىٰ قَدَرٍ مَّعْلُومٍ﴾.
أي: إلى وقت خروجه من الرحم.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ ٱلْقَادِرُونَ﴾.
قال الضحاك: معناه "فملكنا فنعم المالكون". وهذا التقدير على قراءة من خفف.
وعلة من شدد أنه أراد به التكرير، لأنه تعالى قدر الإنسان نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم، [ثم]...، [فدل] التشديد على تكرير [الأحوال].
ومن خفف أجراه على لفظ "القادرين" إذ فعله: "قدر مخففاً، فالتخفيف بمعنى الملك والقدرة على ذلك.
والتشديد بمعنى التقدير. فمن شدد ﴿فَقَدَرْنَا﴾ جمع بين معنيين: التقدير [بقدرنا]، والملك "بالقادرين".
ومن خفف جعله كله بمعنى الملك والقدرة.
وقد يستعمل التشديد، وهو بمعنى القدرة أيضاً يقال: قَدَرَ الله كذا وقدَّره، لغتان. فيكون من شدد ﴿فَقَدَرْنَا﴾ جمع بين اللغتين، بقوله: ﴿ٱلْقَادِرُونَ﴾، كما قال: ﴿فَمَهِّلِ ٱلْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً﴾ [الطارق: ١٧]، وقد قال تعالى: ﴿نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ ٱلْمَوْتَ﴾ [الواقعة: ٦٠] مشدداً.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ ٱلأَرْضَ كِفَاتاً * (أَحْيَآءً)﴾
أي: ألم نجعل أيها الناس الأرض لكم وعاءً، أنتم على ظهرها في مساكنكم مجتمعون أحياءً وفي بطنها أمواتاً؟!
[يذكرهم] (الله) بنعمه عليهم.
يقال: كَفَتُّ الشيء إذا جَمَعْتَهُ وأَحْرَزْتَهُ.
روي عن ابن مسعود أنه "وجد قملة في ثوبه فدفنها في المسجد، ثم قال: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ ٱلأَرْضَ كِفَاتاً * أَحْيَآءً وَأَمْوٰتاً﴾.
وقال مجاهد - في الرجل يرى القملة في ثوبه وهو في المسجد - قال: "إن شئت فألقها، وإن شئت [فوارها]. ثم قرأ: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ ٱلأَرْضَ كِفَاتاً...﴾ الآية.
قال الشعبي: ﴿كِفَاتاً﴾: "بطنها لأمواتكم، وظهرها لأحيائكم".
وقال مجاهد: ﴿كِفَاتاً﴾: تكفت أذاهم وما يخرج منهم أحياءً وأمواتاً، أي: تضم ذلك.
ونصب ﴿أَحْيَآءً وَأَمْوٰتاً﴾ "بكفات"، أي: تضم أحياءً وأمواتاً. وقيل: التقدير: كفات أحياء وأموات، أي: ضمهم، [فلما] نون نصب ما بعده، كما تقول: رأيت ضرب زيد. فإن نونت "ضرباً"، نصبت "زيداً" أو رفعته.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ شَامِخَاتٍ﴾.
أي: جبالاً شاهقات، أي" طوالاً مشرفات.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَأَسْقَيْنَاكُم مَّآءً فُرَاتاً﴾.
أي: عذباً قال ابن عباس: وذلك من أربعة أنهار: سيحان وجيحان والنيل والفرات. فكل ما شربه ابن آدم (فهو) من هذه الأنهار، وهي (تخرج من) تحت صخرة عند بيت المقدس. فأما سيحان فهو نهر بلخ، وأما جيحان فهو دجلة بغداد، وأما الفرات فبالكوفة، وأما النيل (فنهر مصر).
* *
- ثم قال تعالى: ﴿ٱنطَلِقُوۤاْ إِلَىٰ مَا كُنتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾.
أي: يقال لهؤلاء المكذبين بآيات الله ونعمه: انطلقوا إلى ما كنتم تكذبون به في الدنيا من عقاب الله لأهل الكفر.
* *
- ﴿ٱنطَلِقُوۤاْ إِلَىٰ ظِلٍّ ذِي ثَلاَثِ شُعَبٍ﴾.
أي: إلى ظل دخان ذي ثلاث شعب. وذلك أنه يرفع وقودها الدخان، فإذا تصعد تفرق على ثلاث شعب، وهو "دخان جهنم".
[وهو قوله: ﴿وَظِلٍّ مِّن يَحْمُومٍ﴾ [الواقعة: ٤٣]، اليحموم: الدخان.
وقد قيل في قوله "﴿ذِي ثَلاَثِ شُعَبٍ﴾ إنه [ظل] الصليب الذي يعبده النصارى. وهو قول شاذ يوجب أن يكون المأمور بهذا، النصارى خاصة. وليست الآية إلا عامة في جميع الكفار، وليس كلهم عبد الصليب، فإنما أمروا إلى ظل دخان جهنم، دخان قد أنفرق على ثلاث شعب]. قال قتادة: هو كقوله: ﴿نَاراً أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا﴾ [الكهف: ٢٩].
* *
- ثم قال تعالى: ﴿لاَّ ظَلِيلٍ وَلاَ يُغْنِي مِنَ ٱللَّهَبِ﴾.
هذا نعت للظل أي: إلى ظل غير ظليل وغير [غانٍ] من اللهب. أي: [لا يظلهم ولا يمنعهم] من لهب جهنم، فلا يمنع عنهم ذلك الظل حرها ولا لهبها. وهذا الوصف مطابق لما روي عن النبي ﷺ: "أَنَّ الشَّمْسَ تَدْنُو مِنْ رُؤُوسِ الخَلاَئِقِ يَوْمَ القِيَامَةِ وَلَيْسَ لَهُمْ لِبَاسٌ وَلاَ لَهُمْ مَا يَسْتَتِرُونَ بِهِ مِنْهَا، فَيُنْجِي اللهُ المُؤْمِنِينَ إلى ظِلٍّ مِنْ ظِلِّهِ، وَيُقَالُ لِلْكُفَّارِ: انْطَلِقُوا إلى مَا كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ مِنْ عَذَابِ اللهِ وَعِقَابِهِ ﴿ٱنطَلِقُوۤاْ إِلَىٰ ظِلٍّ ذِي ثَلاَثِ شُعَبٍ﴾ فَيَنْطَلِقُونَ إلى دُخَانِ جَهَنَّمَ" أفهذا للكفار، لأنه روي: "أَنَّ الخَلاَئِقَ إِذَا اشْتَدَّ عليهم حرُّ الشمس وَدَنَتْ مِنْ رُؤُوسِهِمْ وأَخَذَتْ بِأَنفاسهِم وأشتد ذلك عليهم وكَثُرَ العَرَقُ، واشتد القَلَقُ، نَجَّى اللهُ المؤمنين برحمته إلى ظل من ظله، فهناك يقولون: ﴿فَمَنَّ ٱللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ ٱلسَّمُومِ﴾. ويقال للكفار المكذبين: انطلقوا إلى ما كنتم تُكَذِّبُونَ من عذاب الله وعقابه، انطلقوا إلى ظِلٍّ من دخان جهنم قد سَطَعَ وافترق ثلاثَ فِرَقٍ، فينطلقون ويكونون فيه، وهو أشد من حر الشمس الذي كانوا قد قَلِقُوا فيه. فيُقِيمُون في ظل ذلك الدخان حتى يُفْرَغَ من الحساب، كذلك أولياء الله في ظل عرش الرحمن، وحيث شاء الله حتى يفرغ من الحساب، ثم يؤمر بكل فريق إلى مُسْتَقَرِّهِ من الجنة أو من النار
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَٱلْقَصْرِ﴾.
أي: [إن]: جهنم ترمي ذلك اليوم بشرر كالقصر [المبني]. وقال ابن عباس: "كالقصر العظيم".
قال الحسن: هو واحد القصور.
وروى حجاج عن هارون ﴿كَٱلْقَصْرِ﴾ أي: كالخشب الجزل، وهو جمع قَصْرَة، كجَمْرة وجَمْر، وثَمْرَة وثَمْر.
وقرأ ابن عباس: "كَالْقَصَرِ" بفتح الصاد.
وقرأ ابن جبير والحسن: "كَالْقِصَرِ" بكسر القاف وفتح الصاد.
وعن ابن جبير: كقراءة ابن عباس، القصرة: الخشبة تكون [ثلاث] أذرع أو أكثر، فهو على قراءته جمع قصرة كخشبة وخشب.
وقال مجاهد وقتادة: القَصَر - بالفتح - هو [أصول] النخل. ومن كسر القاف جعله جمع قِصَرَة وقصر، وهي الخشبة أيضاً.
وقال المبرد: قيل: القَصْرُ: الجزل من الحطب الغليظ، واحدته قَصْرَةٌ، كَجَمْرَة وجمر.
والقَصْرُ في هذا الموضع إذا جعلته أحد القُصُورِ فهو واحد يدل [على الجمع]، ولذلك جعل نعتاً لـِ "شَرَرٍ" وهي جماعة.
فإن جعلته جمع قَصْرَةٍ جئت به في النعت بالجمع كالمنعوت، وقد [قال]: ﴿سَيُهْزَمُ ٱلْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ ٱلدُّبُرَ﴾ [القمر: ٤٥]، فَوَحَّدَ (و) لم يقل: "الأدبار"؟ لأن الدبر بمعنى الجمع، وفعل ذلك توفيقاً بين رؤوس [الآي] ومقاطع الكلام، إذ كان ذلك شأن العرب، والقرآنُ بلسانها نزل فَجَرَتْ [ألفاظه] على عادتها في لغتها وكلامها [وسجعها]، وقد قال تعالى: ﴿تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَٱلَّذِي يُغْشَىٰ عَلَيْهِ مِنَ ٱلْمَوْتِ﴾ [الأحزاب: ١٩]، ولم يقل: "كعيون الذين". وهو المعني لأن المراد في التشبيه الفعل لا العين.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿كَأَنَّهُ جِمَٰلَتٌ صُفْرٌ﴾.
أي: كأن ذلك الشرر الذي هو كالقصر: نُوقٌ سُودٌ. فالصفرة هنا بمعنى السواد، وإنما وقعت الصفرة في موضع السواد لأن ألوان الإبل السود تضرب إلى الصفرة، كما سميت [الظباء] "أُدْماً" لِمَا يَعْلُوهَا في بياضها من الظلمة.
قال الحسن: ﴿جِمَٰلَتٌ صُفْرٌ﴾ [أَيْنُقٌ] سود، وهو قول قتادة ومجاهد.
وقال ابن عباس: عنى بذلك قلوس السفن، يعني حبال السفن.
شبهت الشرر بحبال السفينة. والقَلْسُ. الحبلُ.
وعن ابن عباس أيضاً: ﴿جِمَٰلَتٌ صُفْرٌ﴾: "قِطَعُ النّحَاسِ" وهو جمع جِمَالَةٍ [وجِمَالَةٌ]: جمع جمل.
(ومن قرأ (جِمَالَةٌ) جعله جمع جَمَل).
وقد قرأ (أبو) أيوب: "جُمَالاَت" - بضم الجيم - كأنه جمع جَمَلاً (على جُمَالٍ) كما يجمع رَخِلٌ على رُخَالٍ. ثم جمع "جُمَالاً" على جُمَالاَت، لأن باب "فَعَل" و "فُعَل" واحد.
ويجوز (أن) يكون من الشيء المجمل.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾.
وقد تقدم ذكره.
المرسلات 77:34
قوله تعالى: ﴿وَٱلْمُرْسَلاَتِ عُرْفاً﴾، إلى قوله: ﴿كَأَنَّهُ جِمَٰلَتٌ صُفْرٌ * وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾.
قال ابن عباس وابن مسعود ومجاهد وأبو صالح وقتادة: ﴿(وَ)ٱلْمُرْسَلاَتِ﴾: الرياح، ﴿عُرْفاً﴾: يتبع بعضها بعضاً.
وقال مسروق: ﴿وَٱلْمُرْسَلاَتِ﴾: "الملائكة" ﴿عُرْفاً﴾ أي: ترسل بالعرف.
عن أبي صالح أيضاً أنها "الرسل، ترسل بالمعروف". وقيل: ﴿عُرْفاً﴾ أي: متتابعة كتتابع عرف الفرس.
والتقدير على قول مسروق: ورب الملائكة التي أرسلت إلى الأنبياء بأمر الله ونهيه (وذلك هو المعروف.
وعلى قول أبي صالح: ورب الرسل التي أرسلت إلى الناس بأمر الله ونهيه).
ومن قال ﴿عُرْفاً﴾ متتابعة (فتقديره: ورب الملائكة التي أرسلت إلى الأنبياء متتابعة) ورب الرسل الذين أرسلوا إلى الخلق متتابعين. وكذلك التقدير على قول ابن عباس ومن تبعه: هي الرياح.
ويدل (على أنها ليست) الرياح أن يسعدها ذكر الرياح [بلا اختلاف] في قوله: ﴿فَٱلْعَاصِفَاتِ عَصْفاً﴾.
- (ثم قال تعالى: ﴿فَٱلْعَاصِفَاتِ عَصْفاً﴾).
أي: (ورب الرياح العاصفات) أي: الشديدات الهبوب السريعات المر. وهذا قول علي بن أبي طالب وابن مسعود وابن عباس، وغيرهم.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وٱلنَّاشِرَاتِ نَشْراً﴾.
قال ابن مسعود ومجاهد [وقتادة]: هي الرياح لأنها تنشر السحاب.
وقال أبو صالح: هي "المطر"، لأنه ينشر الأرض، أي: [يحييها].
وروى (السدي) عن أبي صالح أنها الملائكة، (قال): [تنشر] [الكتب]. - ثم قال تعالى: ﴿فَٱلْفَارِقَاتِ فَرْقاً﴾.
قال ابن عباس وأبو صالح وسفيان: هي الملائكة، تفرق بالوحي بين الحق والباطل. وقال قتادة: هو القرآن، فرق الله به بين الحق والباطل، كأنه قال: والآيات الفارقات فرقاً.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿فَٱلْمُلْقِيَٰتِ ذِكْراً * عُذْراً﴾.
كلهم قال: هي الملائكة التي تلقي وحي الله إلى رسله، والذكر: القرآن.
* *
ثم قال تعالى: ﴿عُذْراً أَوْ نُذْراً﴾.
أي: تلقي الوحي إلى الرسل إعذاراً من الله لخلقه [وإنذاراً] منه لهم. قاله قتادة وغيره.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَوَٰقِعٌ﴾.
يعني أن البعث والجزاء وجميع ما أخبر الله، كائن واقع [وحادث] لا محالة. و ﴿إِنَّمَا﴾ هو جواب القسم المتقدم.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿فَإِذَا ٱلنُّجُومُ طُمِسَتْ﴾.
أي: ذهب ضوءها فلم يكن لها نور.
﴿وَإِذَا ٱلسَّمَآءُ فُرِجَتْ﴾. أي: شققت وصدعت.
﴿وَإِذَا ٱلْجِبَالُ نُسِفَتْ﴾. أي: نسفت من أصلها.
﴿فَكَانَتْ هَبَآءً مُّنبَثّاً﴾ [الواقعة: ٦]. أي: غباراً متفرقاً.
* *
﴿وَإِذَا ٱلرُّسُلُ أُقِّتَتْ﴾.
أي: أجلت الاجتماع لوقتها يوم القيامة.
قال ابن عباس: ﴿أُقِّتَتْ﴾ "جمعت". وقال مجاهد ﴿أُقِّتَتْ﴾ "أجلت".
وهو من الوقت، فمعناه: [حان] وقتها الذي وعدته به، وذلك يوم القيامة.
وقرأ عيسى بن [عمر] "أُقِتَتْ" بالتخفيف والهمز، وقرأ الحسن. "وُقِتَتْ" بالواو والتخفيف.
وكله من الوقت، والواو هي الأصل، والهمزة بدل منها.
والتخفيف والتشديد لغتان، إلا أن في التشديد معنى التكرير والمبالغة.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿لأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ﴾.
أي: ما أعظمه وأكثر هوله. ففي الكلام معنى التعظيم لليوم والتعجب منه. ومعنى التعجب في هذا أنه تعالى ذكره يعجب العباد من هوله [وفظاعته]، ثم بينه فقال:
* *
- ﴿لِيَوْمِ ٱلْفَصْلِ﴾.
أي: أجلت الرسل ليوم يفصل الله (فيه) بين خلقه، فيأخذ للمظلوم من الظالم ويجزي المحسن بإحسانه والمسيء بإساته.
* *
- ثم قال: ﴿وَمَآ أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ ٱلْفَصْلِ﴾.
أي: وأي شيء أدراك يا محمد ما يوم الفصل؟! فمعناه التعظيم لذلك اليوم لشدته وهوله.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾.
أي: [الوادي] الذي [يسيل] في جهنم من صديد أهلها للمكذبين بذلك اليوم.
وقيل: معناه قبوح لهم ذلك اليوم.
فقوله: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ﴾ هو جواب (إذا) في ما تقدم من الكلام.
- قوله تعالى: ﴿أَلَمْ نُهْلِكِ ٱلأَوَّلِينَ﴾.
يعني قوم نوح وعاد وثمود وشبههم.
* *
- ﴿ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ ٱلآخِرِينَ﴾.
يعني: قوم إبراهيم وأصحاب مدين وقوم فرعون، فيكون ﴿نُتْبِعُهُمُ﴾ على هذا مجزوماً. والتقدير: "وَأَلَمْ نُتْبِعْهُمُ الآخِرِينَ". وبه قرأ الأعرج.
* *
- وقوله: ﴿كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِٱلْمُجْرِمِينَ﴾.
يعني كفار قريش ومن سلك طريقهم من العرب وغيرها.
ورد الجزم أبو حاتم لأنه تأول أن ﴿نُتْبِعُهُمُ﴾ يراد به قريش ومن سلك في التكذيب طريقهم. فلا سبيل إلى الجزم على هذا المعنى لأنه منتظر في المعنى.
ولم لا تدخل على فعل معناه الاستقبال، بل ترده إلى الماضي أبداً.
(وقيل): إن ﴿نُتْبِعُهُمُ﴾ عطف على المعنى، لأن معنى ﴿أَلَمْ نُهْلِكِ﴾: قد أهلكنا.
* *
ثم قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِٱلْمُجْرِمِينَ﴾.
أي: كذلك نهلك من أجرم فاكتسب مخالفة الله ورسوله.
[ثم قال: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾.
وقد تقدم ذكره، وكذلك معنى كل ما في السورة وغيرها منه].
* *
- ثم قال: ﴿أَلَمْ نَخْلُقكُّم مِّن مَّآءٍ [مَّهِينٍ]﴾.
أي: من نطفة ضعيفة. قال ابن عباس: "المهين: الضعيف".
* *
- ثم قال: ﴿فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ﴾.
أي: في رحم استقر فيه فتمكن.
* *
﴿إِلَىٰ قَدَرٍ مَّعْلُومٍ﴾.
أي: إلى وقت خروجه من الرحم.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ ٱلْقَادِرُونَ﴾.
قال الضحاك: معناه "فملكنا فنعم المالكون". وهذا التقدير على قراءة من خفف.
وعلة من شدد أنه أراد به التكرير، لأنه تعالى قدر الإنسان نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم، [ثم]...، [فدل] التشديد على تكرير [الأحوال].
ومن خفف أجراه على لفظ "القادرين" إذ فعله: "قدر مخففاً، فالتخفيف بمعنى الملك والقدرة على ذلك.
والتشديد بمعنى التقدير. فمن شدد ﴿فَقَدَرْنَا﴾ جمع بين معنيين: التقدير [بقدرنا]، والملك "بالقادرين".
ومن خفف جعله كله بمعنى الملك والقدرة.
وقد يستعمل التشديد، وهو بمعنى القدرة أيضاً يقال: قَدَرَ الله كذا وقدَّره، لغتان. فيكون من شدد ﴿فَقَدَرْنَا﴾ جمع بين اللغتين، بقوله: ﴿ٱلْقَادِرُونَ﴾، كما قال: ﴿فَمَهِّلِ ٱلْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً﴾ [الطارق: ١٧]، وقد قال تعالى: ﴿نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ ٱلْمَوْتَ﴾ [الواقعة: ٦٠] مشدداً.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ ٱلأَرْضَ كِفَاتاً * (أَحْيَآءً)﴾
أي: ألم نجعل أيها الناس الأرض لكم وعاءً، أنتم على ظهرها في مساكنكم مجتمعون أحياءً وفي بطنها أمواتاً؟!
[يذكرهم] (الله) بنعمه عليهم.
يقال: كَفَتُّ الشيء إذا جَمَعْتَهُ وأَحْرَزْتَهُ.
روي عن ابن مسعود أنه "وجد قملة في ثوبه فدفنها في المسجد، ثم قال: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ ٱلأَرْضَ كِفَاتاً * أَحْيَآءً وَأَمْوٰتاً﴾.
وقال مجاهد - في الرجل يرى القملة في ثوبه وهو في المسجد - قال: "إن شئت فألقها، وإن شئت [فوارها]. ثم قرأ: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ ٱلأَرْضَ كِفَاتاً...﴾ الآية.
قال الشعبي: ﴿كِفَاتاً﴾: "بطنها لأمواتكم، وظهرها لأحيائكم".
وقال مجاهد: ﴿كِفَاتاً﴾: تكفت أذاهم وما يخرج منهم أحياءً وأمواتاً، أي: تضم ذلك.
ونصب ﴿أَحْيَآءً وَأَمْوٰتاً﴾ "بكفات"، أي: تضم أحياءً وأمواتاً. وقيل: التقدير: كفات أحياء وأموات، أي: ضمهم، [فلما] نون نصب ما بعده، كما تقول: رأيت ضرب زيد. فإن نونت "ضرباً"، نصبت "زيداً" أو رفعته.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ شَامِخَاتٍ﴾.
أي: جبالاً شاهقات، أي" طوالاً مشرفات.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَأَسْقَيْنَاكُم مَّآءً فُرَاتاً﴾.
أي: عذباً قال ابن عباس: وذلك من أربعة أنهار: سيحان وجيحان والنيل والفرات. فكل ما شربه ابن آدم (فهو) من هذه الأنهار، وهي (تخرج من) تحت صخرة عند بيت المقدس. فأما سيحان فهو نهر بلخ، وأما جيحان فهو دجلة بغداد، وأما الفرات فبالكوفة، وأما النيل (فنهر مصر).
* *
- ثم قال تعالى: ﴿ٱنطَلِقُوۤاْ إِلَىٰ مَا كُنتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾.
أي: يقال لهؤلاء المكذبين بآيات الله ونعمه: انطلقوا إلى ما كنتم تكذبون به في الدنيا من عقاب الله لأهل الكفر.
* *
- ﴿ٱنطَلِقُوۤاْ إِلَىٰ ظِلٍّ ذِي ثَلاَثِ شُعَبٍ﴾.
أي: إلى ظل دخان ذي ثلاث شعب. وذلك أنه يرفع وقودها الدخان، فإذا تصعد تفرق على ثلاث شعب، وهو "دخان جهنم".
[وهو قوله: ﴿وَظِلٍّ مِّن يَحْمُومٍ﴾ [الواقعة: ٤٣]، اليحموم: الدخان.
وقد قيل في قوله "﴿ذِي ثَلاَثِ شُعَبٍ﴾ إنه [ظل] الصليب الذي يعبده النصارى. وهو قول شاذ يوجب أن يكون المأمور بهذا، النصارى خاصة. وليست الآية إلا عامة في جميع الكفار، وليس كلهم عبد الصليب، فإنما أمروا إلى ظل دخان جهنم، دخان قد أنفرق على ثلاث شعب]. قال قتادة: هو كقوله: ﴿نَاراً أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا﴾ [الكهف: ٢٩].
* *
- ثم قال تعالى: ﴿لاَّ ظَلِيلٍ وَلاَ يُغْنِي مِنَ ٱللَّهَبِ﴾.
هذا نعت للظل أي: إلى ظل غير ظليل وغير [غانٍ] من اللهب. أي: [لا يظلهم ولا يمنعهم] من لهب جهنم، فلا يمنع عنهم ذلك الظل حرها ولا لهبها. وهذا الوصف مطابق لما روي عن النبي ﷺ: "أَنَّ الشَّمْسَ تَدْنُو مِنْ رُؤُوسِ الخَلاَئِقِ يَوْمَ القِيَامَةِ وَلَيْسَ لَهُمْ لِبَاسٌ وَلاَ لَهُمْ مَا يَسْتَتِرُونَ بِهِ مِنْهَا، فَيُنْجِي اللهُ المُؤْمِنِينَ إلى ظِلٍّ مِنْ ظِلِّهِ، وَيُقَالُ لِلْكُفَّارِ: انْطَلِقُوا إلى مَا كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ مِنْ عَذَابِ اللهِ وَعِقَابِهِ ﴿ٱنطَلِقُوۤاْ إِلَىٰ ظِلٍّ ذِي ثَلاَثِ شُعَبٍ﴾ فَيَنْطَلِقُونَ إلى دُخَانِ جَهَنَّمَ" أفهذا للكفار، لأنه روي: "أَنَّ الخَلاَئِقَ إِذَا اشْتَدَّ عليهم حرُّ الشمس وَدَنَتْ مِنْ رُؤُوسِهِمْ وأَخَذَتْ بِأَنفاسهِم وأشتد ذلك عليهم وكَثُرَ العَرَقُ، واشتد القَلَقُ، نَجَّى اللهُ المؤمنين برحمته إلى ظل من ظله، فهناك يقولون: ﴿فَمَنَّ ٱللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ ٱلسَّمُومِ﴾. ويقال للكفار المكذبين: انطلقوا إلى ما كنتم تُكَذِّبُونَ من عذاب الله وعقابه، انطلقوا إلى ظِلٍّ من دخان جهنم قد سَطَعَ وافترق ثلاثَ فِرَقٍ، فينطلقون ويكونون فيه، وهو أشد من حر الشمس الذي كانوا قد قَلِقُوا فيه. فيُقِيمُون في ظل ذلك الدخان حتى يُفْرَغَ من الحساب، كذلك أولياء الله في ظل عرش الرحمن، وحيث شاء الله حتى يفرغ من الحساب، ثم يؤمر بكل فريق إلى مُسْتَقَرِّهِ من الجنة أو من النار
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَٱلْقَصْرِ﴾.
أي: [إن]: جهنم ترمي ذلك اليوم بشرر كالقصر [المبني]. وقال ابن عباس: "كالقصر العظيم".
قال الحسن: هو واحد القصور.
وروى حجاج عن هارون ﴿كَٱلْقَصْرِ﴾ أي: كالخشب الجزل، وهو جمع قَصْرَة، كجَمْرة وجَمْر، وثَمْرَة وثَمْر.
وقرأ ابن عباس: "كَالْقَصَرِ" بفتح الصاد.
وقرأ ابن جبير والحسن: "كَالْقِصَرِ" بكسر القاف وفتح الصاد.
وعن ابن جبير: كقراءة ابن عباس، القصرة: الخشبة تكون [ثلاث] أذرع أو أكثر، فهو على قراءته جمع قصرة كخشبة وخشب.
وقال مجاهد وقتادة: القَصَر - بالفتح - هو [أصول] النخل. ومن كسر القاف جعله جمع قِصَرَة وقصر، وهي الخشبة أيضاً.
وقال المبرد: قيل: القَصْرُ: الجزل من الحطب الغليظ، واحدته قَصْرَةٌ، كَجَمْرَة وجمر.
والقَصْرُ في هذا الموضع إذا جعلته أحد القُصُورِ فهو واحد يدل [على الجمع]، ولذلك جعل نعتاً لـِ "شَرَرٍ" وهي جماعة.
فإن جعلته جمع قَصْرَةٍ جئت به في النعت بالجمع كالمنعوت، وقد [قال]: ﴿سَيُهْزَمُ ٱلْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ ٱلدُّبُرَ﴾ [القمر: ٤٥]، فَوَحَّدَ (و) لم يقل: "الأدبار"؟ لأن الدبر بمعنى الجمع، وفعل ذلك توفيقاً بين رؤوس [الآي] ومقاطع الكلام، إذ كان ذلك شأن العرب، والقرآنُ بلسانها نزل فَجَرَتْ [ألفاظه] على عادتها في لغتها وكلامها [وسجعها]، وقد قال تعالى: ﴿تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَٱلَّذِي يُغْشَىٰ عَلَيْهِ مِنَ ٱلْمَوْتِ﴾ [الأحزاب: ١٩]، ولم يقل: "كعيون الذين". وهو المعني لأن المراد في التشبيه الفعل لا العين.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿كَأَنَّهُ جِمَٰلَتٌ صُفْرٌ﴾.
أي: كأن ذلك الشرر الذي هو كالقصر: نُوقٌ سُودٌ. فالصفرة هنا بمعنى السواد، وإنما وقعت الصفرة في موضع السواد لأن ألوان الإبل السود تضرب إلى الصفرة، كما سميت [الظباء] "أُدْماً" لِمَا يَعْلُوهَا في بياضها من الظلمة.
قال الحسن: ﴿جِمَٰلَتٌ صُفْرٌ﴾ [أَيْنُقٌ] سود، وهو قول قتادة ومجاهد.
وقال ابن عباس: عنى بذلك قلوس السفن، يعني حبال السفن.
شبهت الشرر بحبال السفينة. والقَلْسُ. الحبلُ.
وعن ابن عباس أيضاً: ﴿جِمَٰلَتٌ صُفْرٌ﴾: "قِطَعُ النّحَاسِ" وهو جمع جِمَالَةٍ [وجِمَالَةٌ]: جمع جمل.
(ومن قرأ (جِمَالَةٌ) جعله جمع جَمَل).
وقد قرأ (أبو) أيوب: "جُمَالاَت" - بضم الجيم - كأنه جمع جَمَلاً (على جُمَالٍ) كما يجمع رَخِلٌ على رُخَالٍ. ثم جمع "جُمَالاً" على جُمَالاَت، لأن باب "فَعَل" و "فُعَل" واحد.
ويجوز (أن) يكون من الشيء المجمل.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾.
وقد تقدم ذكره.
المرسلات 77:35
قوله تعالى: ﴿هَـٰذَا يَوْمُ لاَ يَنطِقُونَ﴾، إلى آخر السورة.
أي: هذا يوم لا ينطق فيه أهل التكذيب بثواب الله وعقابه، وذلك في موطن دون موطن. ودليله: قوله - حكاية عنهم - ﴿رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا (مِنْهَا)﴾ [المؤمنون: ١٠٧] ﴿رَبَّنَآ أَمَتَّنَا ٱثْنَتَيْنِ﴾ [غافر: ١١].
وشبهه.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَلاَ يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ﴾.
أي: مما كسبوا في الدنيا من المعاصي.
وقال ابن عباس: يوم القيامة أوقات، فوقت لا ينطقون فيه، وذلك عند (أول) نفخة، يريد: كل هول. وقيل: المعنى لا ينطقون فيه بحجة لهم. تقول العرب لمن أحتج بما لا حجة فيه: ما جئت بشيء، ولا نطقت بشيء، أي: هم بمنزلة من لا ينطق، إذ لا ينتفعون بمنطقهم. ومثله في هذا المعنى قوله: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ (عُمْيٌ)﴾ [البقرة: ١٨]، أي: هم بمنزلة من هو هكذا.
وقد استدل بعض أهل النظر على أنه يراد به بعض أوقات اليوم دون بعض [بإضافة] اليوم إلى الفعل.
قال: والعرب لا تضيف اليوم إلى "فعل" و "يفعل" (إلا) إذا [أرادت] الساعة من اليوم، تقول: آتيك يوم يقدم فلان، وأراك يوم يقدم.
والمعنى: ساعة يقدم، لأنه لا يتمكن أن يكون إتيانه اليوم كله.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿هَـٰذَا يَوْمُ ٱلْفَصْلِ جَمَعْنَٰكُمْ وَٱلأَوَّلِينَ﴾.
أي: يقال [لهؤلاء المكذبين بالله ورسله: هذا يوم يفصل الله فيه بين خلقه بالحق، [جعلناكم فيه] لموعدكم الذي كنا نعدكموه في الدنيا، وجمعنا الأولين معكم ممن كان قبلكم من الأمم الماضية والقرون العافية.
* *
- ﴿فَإِن كَانَ لَكمُ كَيْدٌ فَكِيدُونِ﴾.
أي: فإن كان لكم كلكم اليوم حيلة تحتالون بها في التخلص من العقاب، فاحتالوا بها ولن تجدوا إلى ذلك سبيلاً.
* *
- ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾.
أي: للمكذبين بهذا الخبر.
* *
- ثم قال: ﴿إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِي ظِلاَلٍ وَعُيُونٍ﴾.
أي: إن الذين اتقوا الله بأداء فرائضه وطاعته في الدنيا ﴿فِي ظِلاَلٍ﴾، لا يصيبهم حر ولا قُرٌّ ﴿وَعُيُونٍ﴾، أي: وأنهار تجري في خلال أشجار جناتهم.
* *
- ﴿وَفَوَاكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ﴾.
أي: يأكلون منها متى اشتهوا لا يخافون ضرها ولا عاقبة مكروهها.
* *
- ﴿كُلُواْ وَٱشْرَبُواْ هَنِيـۤئاً بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾.
أي: يقال لهم ذلك، أي كلوا من الفواكه، واشربوا [من] العيون هنيئاً [بما كنتم تعملون].
لا تكدير عليكم، ولا تنغيص في ذلك جزاء لكم بأعمالكم الصالحات في الدنيا وطاعتكم.
وقيل: معناه: هنيئاً لكم، لا تموتون.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي ٱلْمُحْسِنِينَ﴾.
أي: كما جزينا هؤلاء المتقين بما ذكرنا، كذلك نجزي من أحسن إلى نفسه فأطاع الله واجتنب معاصيه [وأدى] فرائضه.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾.
أي: للمكذبين بما أخبر الله من جزائه المتقين في الآخرة.
* *
ثم قال تعالى: ﴿كُلُواْ وَتَمَتَّعُواْ قَلِيلاً إِنَّكُمْ مُّجْرِمُونَ﴾.
هذا وعيد وتهديد للمشركين المكذبين بما ذكره الله في هذه السورة وغيرها من مجازاته للمتقين وانتقامه من المكذبين، أي: كلوا في بقية آجالكم أيها المكذبون، وتمتعوا بقية أعماركم.
* *
﴿إِنَّكُمْ مُّجْرِمُونَ﴾ أي: مكتسبون لما فيه عطبكم وهلاككم كما فعل من كان قبلكم من الأمم المكذبة. قال ابن زيد: عنى بذلك أهل الكفر. وقيل: إن ﴿كُلُواْ وَتَمَتَّعُواْ﴾ [يرجع] إلى أول الكلام في قوله: ﴿جَمَعْنَٰكُمْ وَٱلأَوَّلِينَ * فَإِن كَانَ لَكمُ كَيْدٌ فَكِيدُونِ﴾ ﴿كُلُواْ﴾.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾.
(أي للمكذبين) [بخبر] الله عن البعث والجزاء.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَإذَا قِيلَ لَهُمُ ٱرْكَعُواْ لاَ يَرْكَعُونَ﴾.
قال ابن عباس: "هذا يوم القيامة، يدعون إلى السجود فلا يستطيعون السجود من أجل أنهم لم يكونوا يسجدون لله في الدنيا".
وقال قتادة: ذلك في الدنيا، كانوا يمتنعون من السجود (لله).
ورأى ابن مسعود رجلاً يصلي ولا يركع، وآخر يجر إزاره، فضحك، فقالوا: ما أضحكك؟! قال: أضحكني رجلان، أما أحدهما فلا تقبل له صلاة، وأما الآخر فلا ينظر الله إليه.
وقيل: عني بالركوع هنا الصلاة، قاله مجاهد.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾.
أي: الذين كذبوا رسل الله فردوا عليهم فيما بلغوهم عن الله.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾.
أي: بعد القرآن إذ كذبوا به، فبأي شيء يؤمنون بعده إيماناً ينتفعون به؟!
المرسلات 77:36
قوله تعالى: ﴿هَـٰذَا يَوْمُ لاَ يَنطِقُونَ﴾، إلى آخر السورة.
أي: هذا يوم لا ينطق فيه أهل التكذيب بثواب الله وعقابه، وذلك في موطن دون موطن. ودليله: قوله - حكاية عنهم - ﴿رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا (مِنْهَا)﴾ [المؤمنون: ١٠٧] ﴿رَبَّنَآ أَمَتَّنَا ٱثْنَتَيْنِ﴾ [غافر: ١١].
وشبهه.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَلاَ يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ﴾.
أي: مما كسبوا في الدنيا من المعاصي.
وقال ابن عباس: يوم القيامة أوقات، فوقت لا ينطقون فيه، وذلك عند (أول) نفخة، يريد: كل هول. وقيل: المعنى لا ينطقون فيه بحجة لهم. تقول العرب لمن أحتج بما لا حجة فيه: ما جئت بشيء، ولا نطقت بشيء، أي: هم بمنزلة من لا ينطق، إذ لا ينتفعون بمنطقهم. ومثله في هذا المعنى قوله: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ (عُمْيٌ)﴾ [البقرة: ١٨]، أي: هم بمنزلة من هو هكذا.
وقد استدل بعض أهل النظر على أنه يراد به بعض أوقات اليوم دون بعض [بإضافة] اليوم إلى الفعل.
قال: والعرب لا تضيف اليوم إلى "فعل" و "يفعل" (إلا) إذا [أرادت] الساعة من اليوم، تقول: آتيك يوم يقدم فلان، وأراك يوم يقدم.
والمعنى: ساعة يقدم، لأنه لا يتمكن أن يكون إتيانه اليوم كله.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿هَـٰذَا يَوْمُ ٱلْفَصْلِ جَمَعْنَٰكُمْ وَٱلأَوَّلِينَ﴾.
أي: يقال [لهؤلاء المكذبين بالله ورسله: هذا يوم يفصل الله فيه بين خلقه بالحق، [جعلناكم فيه] لموعدكم الذي كنا نعدكموه في الدنيا، وجمعنا الأولين معكم ممن كان قبلكم من الأمم الماضية والقرون العافية.
* *
- ﴿فَإِن كَانَ لَكمُ كَيْدٌ فَكِيدُونِ﴾.
أي: فإن كان لكم كلكم اليوم حيلة تحتالون بها في التخلص من العقاب، فاحتالوا بها ولن تجدوا إلى ذلك سبيلاً.
* *
- ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾.
أي: للمكذبين بهذا الخبر.
* *
- ثم قال: ﴿إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِي ظِلاَلٍ وَعُيُونٍ﴾.
أي: إن الذين اتقوا الله بأداء فرائضه وطاعته في الدنيا ﴿فِي ظِلاَلٍ﴾، لا يصيبهم حر ولا قُرٌّ ﴿وَعُيُونٍ﴾، أي: وأنهار تجري في خلال أشجار جناتهم.
* *
- ﴿وَفَوَاكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ﴾.
أي: يأكلون منها متى اشتهوا لا يخافون ضرها ولا عاقبة مكروهها.
* *
- ﴿كُلُواْ وَٱشْرَبُواْ هَنِيـۤئاً بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾.
أي: يقال لهم ذلك، أي كلوا من الفواكه، واشربوا [من] العيون هنيئاً [بما كنتم تعملون].
لا تكدير عليكم، ولا تنغيص في ذلك جزاء لكم بأعمالكم الصالحات في الدنيا وطاعتكم.
وقيل: معناه: هنيئاً لكم، لا تموتون.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي ٱلْمُحْسِنِينَ﴾.
أي: كما جزينا هؤلاء المتقين بما ذكرنا، كذلك نجزي من أحسن إلى نفسه فأطاع الله واجتنب معاصيه [وأدى] فرائضه.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾.
أي: للمكذبين بما أخبر الله من جزائه المتقين في الآخرة.
* *
ثم قال تعالى: ﴿كُلُواْ وَتَمَتَّعُواْ قَلِيلاً إِنَّكُمْ مُّجْرِمُونَ﴾.
هذا وعيد وتهديد للمشركين المكذبين بما ذكره الله في هذه السورة وغيرها من مجازاته للمتقين وانتقامه من المكذبين، أي: كلوا في بقية آجالكم أيها المكذبون، وتمتعوا بقية أعماركم.
* *
﴿إِنَّكُمْ مُّجْرِمُونَ﴾ أي: مكتسبون لما فيه عطبكم وهلاككم كما فعل من كان قبلكم من الأمم المكذبة. قال ابن زيد: عنى بذلك أهل الكفر. وقيل: إن ﴿كُلُواْ وَتَمَتَّعُواْ﴾ [يرجع] إلى أول الكلام في قوله: ﴿جَمَعْنَٰكُمْ وَٱلأَوَّلِينَ * فَإِن كَانَ لَكمُ كَيْدٌ فَكِيدُونِ﴾ ﴿كُلُواْ﴾.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾.
(أي للمكذبين) [بخبر] الله عن البعث والجزاء.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَإذَا قِيلَ لَهُمُ ٱرْكَعُواْ لاَ يَرْكَعُونَ﴾.
قال ابن عباس: "هذا يوم القيامة، يدعون إلى السجود فلا يستطيعون السجود من أجل أنهم لم يكونوا يسجدون لله في الدنيا".
وقال قتادة: ذلك في الدنيا، كانوا يمتنعون من السجود (لله).
ورأى ابن مسعود رجلاً يصلي ولا يركع، وآخر يجر إزاره، فضحك، فقالوا: ما أضحكك؟! قال: أضحكني رجلان، أما أحدهما فلا تقبل له صلاة، وأما الآخر فلا ينظر الله إليه.
وقيل: عني بالركوع هنا الصلاة، قاله مجاهد.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾.
أي: الذين كذبوا رسل الله فردوا عليهم فيما بلغوهم عن الله.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾.
أي: بعد القرآن إذ كذبوا به، فبأي شيء يؤمنون بعده إيماناً ينتفعون به؟!
المرسلات 77:37
قوله تعالى: ﴿هَـٰذَا يَوْمُ لاَ يَنطِقُونَ﴾، إلى آخر السورة.
أي: هذا يوم لا ينطق فيه أهل التكذيب بثواب الله وعقابه، وذلك في موطن دون موطن. ودليله: قوله - حكاية عنهم - ﴿رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا (مِنْهَا)﴾ [المؤمنون: ١٠٧] ﴿رَبَّنَآ أَمَتَّنَا ٱثْنَتَيْنِ﴾ [غافر: ١١].
وشبهه.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَلاَ يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ﴾.
أي: مما كسبوا في الدنيا من المعاصي.
وقال ابن عباس: يوم القيامة أوقات، فوقت لا ينطقون فيه، وذلك عند (أول) نفخة، يريد: كل هول. وقيل: المعنى لا ينطقون فيه بحجة لهم. تقول العرب لمن أحتج بما لا حجة فيه: ما جئت بشيء، ولا نطقت بشيء، أي: هم بمنزلة من لا ينطق، إذ لا ينتفعون بمنطقهم. ومثله في هذا المعنى قوله: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ (عُمْيٌ)﴾ [البقرة: ١٨]، أي: هم بمنزلة من هو هكذا.
وقد استدل بعض أهل النظر على أنه يراد به بعض أوقات اليوم دون بعض [بإضافة] اليوم إلى الفعل.
قال: والعرب لا تضيف اليوم إلى "فعل" و "يفعل" (إلا) إذا [أرادت] الساعة من اليوم، تقول: آتيك يوم يقدم فلان، وأراك يوم يقدم.
والمعنى: ساعة يقدم، لأنه لا يتمكن أن يكون إتيانه اليوم كله.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿هَـٰذَا يَوْمُ ٱلْفَصْلِ جَمَعْنَٰكُمْ وَٱلأَوَّلِينَ﴾.
أي: يقال [لهؤلاء المكذبين بالله ورسله: هذا يوم يفصل الله فيه بين خلقه بالحق، [جعلناكم فيه] لموعدكم الذي كنا نعدكموه في الدنيا، وجمعنا الأولين معكم ممن كان قبلكم من الأمم الماضية والقرون العافية.
* *
- ﴿فَإِن كَانَ لَكمُ كَيْدٌ فَكِيدُونِ﴾.
أي: فإن كان لكم كلكم اليوم حيلة تحتالون بها في التخلص من العقاب، فاحتالوا بها ولن تجدوا إلى ذلك سبيلاً.
* *
- ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾.
أي: للمكذبين بهذا الخبر.
* *
- ثم قال: ﴿إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِي ظِلاَلٍ وَعُيُونٍ﴾.
أي: إن الذين اتقوا الله بأداء فرائضه وطاعته في الدنيا ﴿فِي ظِلاَلٍ﴾، لا يصيبهم حر ولا قُرٌّ ﴿وَعُيُونٍ﴾، أي: وأنهار تجري في خلال أشجار جناتهم.
* *
- ﴿وَفَوَاكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ﴾.
أي: يأكلون منها متى اشتهوا لا يخافون ضرها ولا عاقبة مكروهها.
* *
- ﴿كُلُواْ وَٱشْرَبُواْ هَنِيـۤئاً بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾.
أي: يقال لهم ذلك، أي كلوا من الفواكه، واشربوا [من] العيون هنيئاً [بما كنتم تعملون].
لا تكدير عليكم، ولا تنغيص في ذلك جزاء لكم بأعمالكم الصالحات في الدنيا وطاعتكم.
وقيل: معناه: هنيئاً لكم، لا تموتون.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي ٱلْمُحْسِنِينَ﴾.
أي: كما جزينا هؤلاء المتقين بما ذكرنا، كذلك نجزي من أحسن إلى نفسه فأطاع الله واجتنب معاصيه [وأدى] فرائضه.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾.
أي: للمكذبين بما أخبر الله من جزائه المتقين في الآخرة.
* *
ثم قال تعالى: ﴿كُلُواْ وَتَمَتَّعُواْ قَلِيلاً إِنَّكُمْ مُّجْرِمُونَ﴾.
هذا وعيد وتهديد للمشركين المكذبين بما ذكره الله في هذه السورة وغيرها من مجازاته للمتقين وانتقامه من المكذبين، أي: كلوا في بقية آجالكم أيها المكذبون، وتمتعوا بقية أعماركم.
* *
﴿إِنَّكُمْ مُّجْرِمُونَ﴾ أي: مكتسبون لما فيه عطبكم وهلاككم كما فعل من كان قبلكم من الأمم المكذبة. قال ابن زيد: عنى بذلك أهل الكفر. وقيل: إن ﴿كُلُواْ وَتَمَتَّعُواْ﴾ [يرجع] إلى أول الكلام في قوله: ﴿جَمَعْنَٰكُمْ وَٱلأَوَّلِينَ * فَإِن كَانَ لَكمُ كَيْدٌ فَكِيدُونِ﴾ ﴿كُلُواْ﴾.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾.
(أي للمكذبين) [بخبر] الله عن البعث والجزاء.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَإذَا قِيلَ لَهُمُ ٱرْكَعُواْ لاَ يَرْكَعُونَ﴾.
قال ابن عباس: "هذا يوم القيامة، يدعون إلى السجود فلا يستطيعون السجود من أجل أنهم لم يكونوا يسجدون لله في الدنيا".
وقال قتادة: ذلك في الدنيا، كانوا يمتنعون من السجود (لله).
ورأى ابن مسعود رجلاً يصلي ولا يركع، وآخر يجر إزاره، فضحك، فقالوا: ما أضحكك؟! قال: أضحكني رجلان، أما أحدهما فلا تقبل له صلاة، وأما الآخر فلا ينظر الله إليه.
وقيل: عني بالركوع هنا الصلاة، قاله مجاهد.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾.
أي: الذين كذبوا رسل الله فردوا عليهم فيما بلغوهم عن الله.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾.
أي: بعد القرآن إذ كذبوا به، فبأي شيء يؤمنون بعده إيماناً ينتفعون به؟!
المرسلات 77:38
قوله تعالى: ﴿هَـٰذَا يَوْمُ لاَ يَنطِقُونَ﴾، إلى آخر السورة.
أي: هذا يوم لا ينطق فيه أهل التكذيب بثواب الله وعقابه، وذلك في موطن دون موطن. ودليله: قوله - حكاية عنهم - ﴿رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا (مِنْهَا)﴾ [المؤمنون: ١٠٧] ﴿رَبَّنَآ أَمَتَّنَا ٱثْنَتَيْنِ﴾ [غافر: ١١].
وشبهه.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَلاَ يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ﴾.
أي: مما كسبوا في الدنيا من المعاصي.
وقال ابن عباس: يوم القيامة أوقات، فوقت لا ينطقون فيه، وذلك عند (أول) نفخة، يريد: كل هول. وقيل: المعنى لا ينطقون فيه بحجة لهم. تقول العرب لمن أحتج بما لا حجة فيه: ما جئت بشيء، ولا نطقت بشيء، أي: هم بمنزلة من لا ينطق، إذ لا ينتفعون بمنطقهم. ومثله في هذا المعنى قوله: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ (عُمْيٌ)﴾ [البقرة: ١٨]، أي: هم بمنزلة من هو هكذا.
وقد استدل بعض أهل النظر على أنه يراد به بعض أوقات اليوم دون بعض [بإضافة] اليوم إلى الفعل.
قال: والعرب لا تضيف اليوم إلى "فعل" و "يفعل" (إلا) إذا [أرادت] الساعة من اليوم، تقول: آتيك يوم يقدم فلان، وأراك يوم يقدم.
والمعنى: ساعة يقدم، لأنه لا يتمكن أن يكون إتيانه اليوم كله.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿هَـٰذَا يَوْمُ ٱلْفَصْلِ جَمَعْنَٰكُمْ وَٱلأَوَّلِينَ﴾.
أي: يقال [لهؤلاء المكذبين بالله ورسله: هذا يوم يفصل الله فيه بين خلقه بالحق، [جعلناكم فيه] لموعدكم الذي كنا نعدكموه في الدنيا، وجمعنا الأولين معكم ممن كان قبلكم من الأمم الماضية والقرون العافية.
* *
- ﴿فَإِن كَانَ لَكمُ كَيْدٌ فَكِيدُونِ﴾.
أي: فإن كان لكم كلكم اليوم حيلة تحتالون بها في التخلص من العقاب، فاحتالوا بها ولن تجدوا إلى ذلك سبيلاً.
* *
- ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾.
أي: للمكذبين بهذا الخبر.
* *
- ثم قال: ﴿إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِي ظِلاَلٍ وَعُيُونٍ﴾.
أي: إن الذين اتقوا الله بأداء فرائضه وطاعته في الدنيا ﴿فِي ظِلاَلٍ﴾، لا يصيبهم حر ولا قُرٌّ ﴿وَعُيُونٍ﴾، أي: وأنهار تجري في خلال أشجار جناتهم.
* *
- ﴿وَفَوَاكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ﴾.
أي: يأكلون منها متى اشتهوا لا يخافون ضرها ولا عاقبة مكروهها.
* *
- ﴿كُلُواْ وَٱشْرَبُواْ هَنِيـۤئاً بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾.
أي: يقال لهم ذلك، أي كلوا من الفواكه، واشربوا [من] العيون هنيئاً [بما كنتم تعملون].
لا تكدير عليكم، ولا تنغيص في ذلك جزاء لكم بأعمالكم الصالحات في الدنيا وطاعتكم.
وقيل: معناه: هنيئاً لكم، لا تموتون.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي ٱلْمُحْسِنِينَ﴾.
أي: كما جزينا هؤلاء المتقين بما ذكرنا، كذلك نجزي من أحسن إلى نفسه فأطاع الله واجتنب معاصيه [وأدى] فرائضه.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾.
أي: للمكذبين بما أخبر الله من جزائه المتقين في الآخرة.
* *
ثم قال تعالى: ﴿كُلُواْ وَتَمَتَّعُواْ قَلِيلاً إِنَّكُمْ مُّجْرِمُونَ﴾.
هذا وعيد وتهديد للمشركين المكذبين بما ذكره الله في هذه السورة وغيرها من مجازاته للمتقين وانتقامه من المكذبين، أي: كلوا في بقية آجالكم أيها المكذبون، وتمتعوا بقية أعماركم.
* *
﴿إِنَّكُمْ مُّجْرِمُونَ﴾ أي: مكتسبون لما فيه عطبكم وهلاككم كما فعل من كان قبلكم من الأمم المكذبة. قال ابن زيد: عنى بذلك أهل الكفر. وقيل: إن ﴿كُلُواْ وَتَمَتَّعُواْ﴾ [يرجع] إلى أول الكلام في قوله: ﴿جَمَعْنَٰكُمْ وَٱلأَوَّلِينَ * فَإِن كَانَ لَكمُ كَيْدٌ فَكِيدُونِ﴾ ﴿كُلُواْ﴾.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾.
(أي للمكذبين) [بخبر] الله عن البعث والجزاء.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَإذَا قِيلَ لَهُمُ ٱرْكَعُواْ لاَ يَرْكَعُونَ﴾.
قال ابن عباس: "هذا يوم القيامة، يدعون إلى السجود فلا يستطيعون السجود من أجل أنهم لم يكونوا يسجدون لله في الدنيا".
وقال قتادة: ذلك في الدنيا، كانوا يمتنعون من السجود (لله).
ورأى ابن مسعود رجلاً يصلي ولا يركع، وآخر يجر إزاره، فضحك، فقالوا: ما أضحكك؟! قال: أضحكني رجلان، أما أحدهما فلا تقبل له صلاة، وأما الآخر فلا ينظر الله إليه.
وقيل: عني بالركوع هنا الصلاة، قاله مجاهد.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾.
أي: الذين كذبوا رسل الله فردوا عليهم فيما بلغوهم عن الله.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾.
أي: بعد القرآن إذ كذبوا به، فبأي شيء يؤمنون بعده إيماناً ينتفعون به؟!
المرسلات 77:39
قوله تعالى: ﴿هَـٰذَا يَوْمُ لاَ يَنطِقُونَ﴾، إلى آخر السورة.
أي: هذا يوم لا ينطق فيه أهل التكذيب بثواب الله وعقابه، وذلك في موطن دون موطن. ودليله: قوله - حكاية عنهم - ﴿رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا (مِنْهَا)﴾ [المؤمنون: ١٠٧] ﴿رَبَّنَآ أَمَتَّنَا ٱثْنَتَيْنِ﴾ [غافر: ١١].
وشبهه.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَلاَ يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ﴾.
أي: مما كسبوا في الدنيا من المعاصي.
وقال ابن عباس: يوم القيامة أوقات، فوقت لا ينطقون فيه، وذلك عند (أول) نفخة، يريد: كل هول. وقيل: المعنى لا ينطقون فيه بحجة لهم. تقول العرب لمن أحتج بما لا حجة فيه: ما جئت بشيء، ولا نطقت بشيء، أي: هم بمنزلة من لا ينطق، إذ لا ينتفعون بمنطقهم. ومثله في هذا المعنى قوله: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ (عُمْيٌ)﴾ [البقرة: ١٨]، أي: هم بمنزلة من هو هكذا.
وقد استدل بعض أهل النظر على أنه يراد به بعض أوقات اليوم دون بعض [بإضافة] اليوم إلى الفعل.
قال: والعرب لا تضيف اليوم إلى "فعل" و "يفعل" (إلا) إذا [أرادت] الساعة من اليوم، تقول: آتيك يوم يقدم فلان، وأراك يوم يقدم.
والمعنى: ساعة يقدم، لأنه لا يتمكن أن يكون إتيانه اليوم كله.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿هَـٰذَا يَوْمُ ٱلْفَصْلِ جَمَعْنَٰكُمْ وَٱلأَوَّلِينَ﴾.
أي: يقال [لهؤلاء المكذبين بالله ورسله: هذا يوم يفصل الله فيه بين خلقه بالحق، [جعلناكم فيه] لموعدكم الذي كنا نعدكموه في الدنيا، وجمعنا الأولين معكم ممن كان قبلكم من الأمم الماضية والقرون العافية.
* *
- ﴿فَإِن كَانَ لَكمُ كَيْدٌ فَكِيدُونِ﴾.
أي: فإن كان لكم كلكم اليوم حيلة تحتالون بها في التخلص من العقاب، فاحتالوا بها ولن تجدوا إلى ذلك سبيلاً.
* *
- ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾.
أي: للمكذبين بهذا الخبر.
* *
- ثم قال: ﴿إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِي ظِلاَلٍ وَعُيُونٍ﴾.
أي: إن الذين اتقوا الله بأداء فرائضه وطاعته في الدنيا ﴿فِي ظِلاَلٍ﴾، لا يصيبهم حر ولا قُرٌّ ﴿وَعُيُونٍ﴾، أي: وأنهار تجري في خلال أشجار جناتهم.
* *
- ﴿وَفَوَاكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ﴾.
أي: يأكلون منها متى اشتهوا لا يخافون ضرها ولا عاقبة مكروهها.
* *
- ﴿كُلُواْ وَٱشْرَبُواْ هَنِيـۤئاً بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾.
أي: يقال لهم ذلك، أي كلوا من الفواكه، واشربوا [من] العيون هنيئاً [بما كنتم تعملون].
لا تكدير عليكم، ولا تنغيص في ذلك جزاء لكم بأعمالكم الصالحات في الدنيا وطاعتكم.
وقيل: معناه: هنيئاً لكم، لا تموتون.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي ٱلْمُحْسِنِينَ﴾.
أي: كما جزينا هؤلاء المتقين بما ذكرنا، كذلك نجزي من أحسن إلى نفسه فأطاع الله واجتنب معاصيه [وأدى] فرائضه.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾.
أي: للمكذبين بما أخبر الله من جزائه المتقين في الآخرة.
* *
ثم قال تعالى: ﴿كُلُواْ وَتَمَتَّعُواْ قَلِيلاً إِنَّكُمْ مُّجْرِمُونَ﴾.
هذا وعيد وتهديد للمشركين المكذبين بما ذكره الله في هذه السورة وغيرها من مجازاته للمتقين وانتقامه من المكذبين، أي: كلوا في بقية آجالكم أيها المكذبون، وتمتعوا بقية أعماركم.
* *
﴿إِنَّكُمْ مُّجْرِمُونَ﴾ أي: مكتسبون لما فيه عطبكم وهلاككم كما فعل من كان قبلكم من الأمم المكذبة. قال ابن زيد: عنى بذلك أهل الكفر. وقيل: إن ﴿كُلُواْ وَتَمَتَّعُواْ﴾ [يرجع] إلى أول الكلام في قوله: ﴿جَمَعْنَٰكُمْ وَٱلأَوَّلِينَ * فَإِن كَانَ لَكمُ كَيْدٌ فَكِيدُونِ﴾ ﴿كُلُواْ﴾.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾.
(أي للمكذبين) [بخبر] الله عن البعث والجزاء.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَإذَا قِيلَ لَهُمُ ٱرْكَعُواْ لاَ يَرْكَعُونَ﴾.
قال ابن عباس: "هذا يوم القيامة، يدعون إلى السجود فلا يستطيعون السجود من أجل أنهم لم يكونوا يسجدون لله في الدنيا".
وقال قتادة: ذلك في الدنيا، كانوا يمتنعون من السجود (لله).
ورأى ابن مسعود رجلاً يصلي ولا يركع، وآخر يجر إزاره، فضحك، فقالوا: ما أضحكك؟! قال: أضحكني رجلان، أما أحدهما فلا تقبل له صلاة، وأما الآخر فلا ينظر الله إليه.
وقيل: عني بالركوع هنا الصلاة، قاله مجاهد.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾.
أي: الذين كذبوا رسل الله فردوا عليهم فيما بلغوهم عن الله.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾.
أي: بعد القرآن إذ كذبوا به، فبأي شيء يؤمنون بعده إيماناً ينتفعون به؟!
المرسلات 77:40
قوله تعالى: ﴿هَـٰذَا يَوْمُ لاَ يَنطِقُونَ﴾، إلى آخر السورة.
أي: هذا يوم لا ينطق فيه أهل التكذيب بثواب الله وعقابه، وذلك في موطن دون موطن. ودليله: قوله - حكاية عنهم - ﴿رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا (مِنْهَا)﴾ [المؤمنون: ١٠٧] ﴿رَبَّنَآ أَمَتَّنَا ٱثْنَتَيْنِ﴾ [غافر: ١١].
وشبهه.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَلاَ يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ﴾.
أي: مما كسبوا في الدنيا من المعاصي.
وقال ابن عباس: يوم القيامة أوقات، فوقت لا ينطقون فيه، وذلك عند (أول) نفخة، يريد: كل هول. وقيل: المعنى لا ينطقون فيه بحجة لهم. تقول العرب لمن أحتج بما لا حجة فيه: ما جئت بشيء، ولا نطقت بشيء، أي: هم بمنزلة من لا ينطق، إذ لا ينتفعون بمنطقهم. ومثله في هذا المعنى قوله: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ (عُمْيٌ)﴾ [البقرة: ١٨]، أي: هم بمنزلة من هو هكذا.
وقد استدل بعض أهل النظر على أنه يراد به بعض أوقات اليوم دون بعض [بإضافة] اليوم إلى الفعل.
قال: والعرب لا تضيف اليوم إلى "فعل" و "يفعل" (إلا) إذا [أرادت] الساعة من اليوم، تقول: آتيك يوم يقدم فلان، وأراك يوم يقدم.
والمعنى: ساعة يقدم، لأنه لا يتمكن أن يكون إتيانه اليوم كله.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿هَـٰذَا يَوْمُ ٱلْفَصْلِ جَمَعْنَٰكُمْ وَٱلأَوَّلِينَ﴾.
أي: يقال [لهؤلاء المكذبين بالله ورسله: هذا يوم يفصل الله فيه بين خلقه بالحق، [جعلناكم فيه] لموعدكم الذي كنا نعدكموه في الدنيا، وجمعنا الأولين معكم ممن كان قبلكم من الأمم الماضية والقرون العافية.
* *
- ﴿فَإِن كَانَ لَكمُ كَيْدٌ فَكِيدُونِ﴾.
أي: فإن كان لكم كلكم اليوم حيلة تحتالون بها في التخلص من العقاب، فاحتالوا بها ولن تجدوا إلى ذلك سبيلاً.
* *
- ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾.
أي: للمكذبين بهذا الخبر.
* *
- ثم قال: ﴿إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِي ظِلاَلٍ وَعُيُونٍ﴾.
أي: إن الذين اتقوا الله بأداء فرائضه وطاعته في الدنيا ﴿فِي ظِلاَلٍ﴾، لا يصيبهم حر ولا قُرٌّ ﴿وَعُيُونٍ﴾، أي: وأنهار تجري في خلال أشجار جناتهم.
* *
- ﴿وَفَوَاكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ﴾.
أي: يأكلون منها متى اشتهوا لا يخافون ضرها ولا عاقبة مكروهها.
* *
- ﴿كُلُواْ وَٱشْرَبُواْ هَنِيـۤئاً بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾.
أي: يقال لهم ذلك، أي كلوا من الفواكه، واشربوا [من] العيون هنيئاً [بما كنتم تعملون].
لا تكدير عليكم، ولا تنغيص في ذلك جزاء لكم بأعمالكم الصالحات في الدنيا وطاعتكم.
وقيل: معناه: هنيئاً لكم، لا تموتون.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي ٱلْمُحْسِنِينَ﴾.
أي: كما جزينا هؤلاء المتقين بما ذكرنا، كذلك نجزي من أحسن إلى نفسه فأطاع الله واجتنب معاصيه [وأدى] فرائضه.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾.
أي: للمكذبين بما أخبر الله من جزائه المتقين في الآخرة.
* *
ثم قال تعالى: ﴿كُلُواْ وَتَمَتَّعُواْ قَلِيلاً إِنَّكُمْ مُّجْرِمُونَ﴾.
هذا وعيد وتهديد للمشركين المكذبين بما ذكره الله في هذه السورة وغيرها من مجازاته للمتقين وانتقامه من المكذبين، أي: كلوا في بقية آجالكم أيها المكذبون، وتمتعوا بقية أعماركم.
* *
﴿إِنَّكُمْ مُّجْرِمُونَ﴾ أي: مكتسبون لما فيه عطبكم وهلاككم كما فعل من كان قبلكم من الأمم المكذبة. قال ابن زيد: عنى بذلك أهل الكفر. وقيل: إن ﴿كُلُواْ وَتَمَتَّعُواْ﴾ [يرجع] إلى أول الكلام في قوله: ﴿جَمَعْنَٰكُمْ وَٱلأَوَّلِينَ * فَإِن كَانَ لَكمُ كَيْدٌ فَكِيدُونِ﴾ ﴿كُلُواْ﴾.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾.
(أي للمكذبين) [بخبر] الله عن البعث والجزاء.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَإذَا قِيلَ لَهُمُ ٱرْكَعُواْ لاَ يَرْكَعُونَ﴾.
قال ابن عباس: "هذا يوم القيامة، يدعون إلى السجود فلا يستطيعون السجود من أجل أنهم لم يكونوا يسجدون لله في الدنيا".
وقال قتادة: ذلك في الدنيا، كانوا يمتنعون من السجود (لله).
ورأى ابن مسعود رجلاً يصلي ولا يركع، وآخر يجر إزاره، فضحك، فقالوا: ما أضحكك؟! قال: أضحكني رجلان، أما أحدهما فلا تقبل له صلاة، وأما الآخر فلا ينظر الله إليه.
وقيل: عني بالركوع هنا الصلاة، قاله مجاهد.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾.
أي: الذين كذبوا رسل الله فردوا عليهم فيما بلغوهم عن الله.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾.
أي: بعد القرآن إذ كذبوا به، فبأي شيء يؤمنون بعده إيماناً ينتفعون به؟!
المرسلات 77:41
قوله تعالى: ﴿هَـٰذَا يَوْمُ لاَ يَنطِقُونَ﴾، إلى آخر السورة.
أي: هذا يوم لا ينطق فيه أهل التكذيب بثواب الله وعقابه، وذلك في موطن دون موطن. ودليله: قوله - حكاية عنهم - ﴿رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا (مِنْهَا)﴾ [المؤمنون: ١٠٧] ﴿رَبَّنَآ أَمَتَّنَا ٱثْنَتَيْنِ﴾ [غافر: ١١].
وشبهه.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَلاَ يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ﴾.
أي: مما كسبوا في الدنيا من المعاصي.
وقال ابن عباس: يوم القيامة أوقات، فوقت لا ينطقون فيه، وذلك عند (أول) نفخة، يريد: كل هول. وقيل: المعنى لا ينطقون فيه بحجة لهم. تقول العرب لمن أحتج بما لا حجة فيه: ما جئت بشيء، ولا نطقت بشيء، أي: هم بمنزلة من لا ينطق، إذ لا ينتفعون بمنطقهم. ومثله في هذا المعنى قوله: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ (عُمْيٌ)﴾ [البقرة: ١٨]، أي: هم بمنزلة من هو هكذا.
وقد استدل بعض أهل النظر على أنه يراد به بعض أوقات اليوم دون بعض [بإضافة] اليوم إلى الفعل.
قال: والعرب لا تضيف اليوم إلى "فعل" و "يفعل" (إلا) إذا [أرادت] الساعة من اليوم، تقول: آتيك يوم يقدم فلان، وأراك يوم يقدم.
والمعنى: ساعة يقدم، لأنه لا يتمكن أن يكون إتيانه اليوم كله.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿هَـٰذَا يَوْمُ ٱلْفَصْلِ جَمَعْنَٰكُمْ وَٱلأَوَّلِينَ﴾.
أي: يقال [لهؤلاء المكذبين بالله ورسله: هذا يوم يفصل الله فيه بين خلقه بالحق، [جعلناكم فيه] لموعدكم الذي كنا نعدكموه في الدنيا، وجمعنا الأولين معكم ممن كان قبلكم من الأمم الماضية والقرون العافية.
* *
- ﴿فَإِن كَانَ لَكمُ كَيْدٌ فَكِيدُونِ﴾.
أي: فإن كان لكم كلكم اليوم حيلة تحتالون بها في التخلص من العقاب، فاحتالوا بها ولن تجدوا إلى ذلك سبيلاً.
* *
- ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾.
أي: للمكذبين بهذا الخبر.
* *
- ثم قال: ﴿إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِي ظِلاَلٍ وَعُيُونٍ﴾.
أي: إن الذين اتقوا الله بأداء فرائضه وطاعته في الدنيا ﴿فِي ظِلاَلٍ﴾، لا يصيبهم حر ولا قُرٌّ ﴿وَعُيُونٍ﴾، أي: وأنهار تجري في خلال أشجار جناتهم.
* *
- ﴿وَفَوَاكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ﴾.
أي: يأكلون منها متى اشتهوا لا يخافون ضرها ولا عاقبة مكروهها.
* *
- ﴿كُلُواْ وَٱشْرَبُواْ هَنِيـۤئاً بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾.
أي: يقال لهم ذلك، أي كلوا من الفواكه، واشربوا [من] العيون هنيئاً [بما كنتم تعملون].
لا تكدير عليكم، ولا تنغيص في ذلك جزاء لكم بأعمالكم الصالحات في الدنيا وطاعتكم.
وقيل: معناه: هنيئاً لكم، لا تموتون.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي ٱلْمُحْسِنِينَ﴾.
أي: كما جزينا هؤلاء المتقين بما ذكرنا، كذلك نجزي من أحسن إلى نفسه فأطاع الله واجتنب معاصيه [وأدى] فرائضه.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾.
أي: للمكذبين بما أخبر الله من جزائه المتقين في الآخرة.
* *
ثم قال تعالى: ﴿كُلُواْ وَتَمَتَّعُواْ قَلِيلاً إِنَّكُمْ مُّجْرِمُونَ﴾.
هذا وعيد وتهديد للمشركين المكذبين بما ذكره الله في هذه السورة وغيرها من مجازاته للمتقين وانتقامه من المكذبين، أي: كلوا في بقية آجالكم أيها المكذبون، وتمتعوا بقية أعماركم.
* *
﴿إِنَّكُمْ مُّجْرِمُونَ﴾ أي: مكتسبون لما فيه عطبكم وهلاككم كما فعل من كان قبلكم من الأمم المكذبة. قال ابن زيد: عنى بذلك أهل الكفر. وقيل: إن ﴿كُلُواْ وَتَمَتَّعُواْ﴾ [يرجع] إلى أول الكلام في قوله: ﴿جَمَعْنَٰكُمْ وَٱلأَوَّلِينَ * فَإِن كَانَ لَكمُ كَيْدٌ فَكِيدُونِ﴾ ﴿كُلُواْ﴾.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾.
(أي للمكذبين) [بخبر] الله عن البعث والجزاء.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَإذَا قِيلَ لَهُمُ ٱرْكَعُواْ لاَ يَرْكَعُونَ﴾.
قال ابن عباس: "هذا يوم القيامة، يدعون إلى السجود فلا يستطيعون السجود من أجل أنهم لم يكونوا يسجدون لله في الدنيا".
وقال قتادة: ذلك في الدنيا، كانوا يمتنعون من السجود (لله).
ورأى ابن مسعود رجلاً يصلي ولا يركع، وآخر يجر إزاره، فضحك، فقالوا: ما أضحكك؟! قال: أضحكني رجلان، أما أحدهما فلا تقبل له صلاة، وأما الآخر فلا ينظر الله إليه.
وقيل: عني بالركوع هنا الصلاة، قاله مجاهد.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾.
أي: الذين كذبوا رسل الله فردوا عليهم فيما بلغوهم عن الله.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾.
أي: بعد القرآن إذ كذبوا به، فبأي شيء يؤمنون بعده إيماناً ينتفعون به؟!
المرسلات 77:42
قوله تعالى: ﴿هَـٰذَا يَوْمُ لاَ يَنطِقُونَ﴾، إلى آخر السورة.
أي: هذا يوم لا ينطق فيه أهل التكذيب بثواب الله وعقابه، وذلك في موطن دون موطن. ودليله: قوله - حكاية عنهم - ﴿رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا (مِنْهَا)﴾ [المؤمنون: ١٠٧] ﴿رَبَّنَآ أَمَتَّنَا ٱثْنَتَيْنِ﴾ [غافر: ١١].
وشبهه.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَلاَ يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ﴾.
أي: مما كسبوا في الدنيا من المعاصي.
وقال ابن عباس: يوم القيامة أوقات، فوقت لا ينطقون فيه، وذلك عند (أول) نفخة، يريد: كل هول. وقيل: المعنى لا ينطقون فيه بحجة لهم. تقول العرب لمن أحتج بما لا حجة فيه: ما جئت بشيء، ولا نطقت بشيء، أي: هم بمنزلة من لا ينطق، إذ لا ينتفعون بمنطقهم. ومثله في هذا المعنى قوله: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ (عُمْيٌ)﴾ [البقرة: ١٨]، أي: هم بمنزلة من هو هكذا.
وقد استدل بعض أهل النظر على أنه يراد به بعض أوقات اليوم دون بعض [بإضافة] اليوم إلى الفعل.
قال: والعرب لا تضيف اليوم إلى "فعل" و "يفعل" (إلا) إذا [أرادت] الساعة من اليوم، تقول: آتيك يوم يقدم فلان، وأراك يوم يقدم.
والمعنى: ساعة يقدم، لأنه لا يتمكن أن يكون إتيانه اليوم كله.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿هَـٰذَا يَوْمُ ٱلْفَصْلِ جَمَعْنَٰكُمْ وَٱلأَوَّلِينَ﴾.
أي: يقال [لهؤلاء المكذبين بالله ورسله: هذا يوم يفصل الله فيه بين خلقه بالحق، [جعلناكم فيه] لموعدكم الذي كنا نعدكموه في الدنيا، وجمعنا الأولين معكم ممن كان قبلكم من الأمم الماضية والقرون العافية.
* *
- ﴿فَإِن كَانَ لَكمُ كَيْدٌ فَكِيدُونِ﴾.
أي: فإن كان لكم كلكم اليوم حيلة تحتالون بها في التخلص من العقاب، فاحتالوا بها ولن تجدوا إلى ذلك سبيلاً.
* *
- ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾.
أي: للمكذبين بهذا الخبر.
* *
- ثم قال: ﴿إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِي ظِلاَلٍ وَعُيُونٍ﴾.
أي: إن الذين اتقوا الله بأداء فرائضه وطاعته في الدنيا ﴿فِي ظِلاَلٍ﴾، لا يصيبهم حر ولا قُرٌّ ﴿وَعُيُونٍ﴾، أي: وأنهار تجري في خلال أشجار جناتهم.
* *
- ﴿وَفَوَاكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ﴾.
أي: يأكلون منها متى اشتهوا لا يخافون ضرها ولا عاقبة مكروهها.
* *
- ﴿كُلُواْ وَٱشْرَبُواْ هَنِيـۤئاً بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾.
أي: يقال لهم ذلك، أي كلوا من الفواكه، واشربوا [من] العيون هنيئاً [بما كنتم تعملون].
لا تكدير عليكم، ولا تنغيص في ذلك جزاء لكم بأعمالكم الصالحات في الدنيا وطاعتكم.
وقيل: معناه: هنيئاً لكم، لا تموتون.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي ٱلْمُحْسِنِينَ﴾.
أي: كما جزينا هؤلاء المتقين بما ذكرنا، كذلك نجزي من أحسن إلى نفسه فأطاع الله واجتنب معاصيه [وأدى] فرائضه.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾.
أي: للمكذبين بما أخبر الله من جزائه المتقين في الآخرة.
* *
ثم قال تعالى: ﴿كُلُواْ وَتَمَتَّعُواْ قَلِيلاً إِنَّكُمْ مُّجْرِمُونَ﴾.
هذا وعيد وتهديد للمشركين المكذبين بما ذكره الله في هذه السورة وغيرها من مجازاته للمتقين وانتقامه من المكذبين، أي: كلوا في بقية آجالكم أيها المكذبون، وتمتعوا بقية أعماركم.
* *
﴿إِنَّكُمْ مُّجْرِمُونَ﴾ أي: مكتسبون لما فيه عطبكم وهلاككم كما فعل من كان قبلكم من الأمم المكذبة. قال ابن زيد: عنى بذلك أهل الكفر. وقيل: إن ﴿كُلُواْ وَتَمَتَّعُواْ﴾ [يرجع] إلى أول الكلام في قوله: ﴿جَمَعْنَٰكُمْ وَٱلأَوَّلِينَ * فَإِن كَانَ لَكمُ كَيْدٌ فَكِيدُونِ﴾ ﴿كُلُواْ﴾.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾.
(أي للمكذبين) [بخبر] الله عن البعث والجزاء.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَإذَا قِيلَ لَهُمُ ٱرْكَعُواْ لاَ يَرْكَعُونَ﴾.
قال ابن عباس: "هذا يوم القيامة، يدعون إلى السجود فلا يستطيعون السجود من أجل أنهم لم يكونوا يسجدون لله في الدنيا".
وقال قتادة: ذلك في الدنيا، كانوا يمتنعون من السجود (لله).
ورأى ابن مسعود رجلاً يصلي ولا يركع، وآخر يجر إزاره، فضحك، فقالوا: ما أضحكك؟! قال: أضحكني رجلان، أما أحدهما فلا تقبل له صلاة، وأما الآخر فلا ينظر الله إليه.
وقيل: عني بالركوع هنا الصلاة، قاله مجاهد.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾.
أي: الذين كذبوا رسل الله فردوا عليهم فيما بلغوهم عن الله.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾.
أي: بعد القرآن إذ كذبوا به، فبأي شيء يؤمنون بعده إيماناً ينتفعون به؟!
المرسلات 77:43
قوله تعالى: ﴿هَـٰذَا يَوْمُ لاَ يَنطِقُونَ﴾، إلى آخر السورة.
أي: هذا يوم لا ينطق فيه أهل التكذيب بثواب الله وعقابه، وذلك في موطن دون موطن. ودليله: قوله - حكاية عنهم - ﴿رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا (مِنْهَا)﴾ [المؤمنون: ١٠٧] ﴿رَبَّنَآ أَمَتَّنَا ٱثْنَتَيْنِ﴾ [غافر: ١١].
وشبهه.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَلاَ يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ﴾.
أي: مما كسبوا في الدنيا من المعاصي.
وقال ابن عباس: يوم القيامة أوقات، فوقت لا ينطقون فيه، وذلك عند (أول) نفخة، يريد: كل هول. وقيل: المعنى لا ينطقون فيه بحجة لهم. تقول العرب لمن أحتج بما لا حجة فيه: ما جئت بشيء، ولا نطقت بشيء، أي: هم بمنزلة من لا ينطق، إذ لا ينتفعون بمنطقهم. ومثله في هذا المعنى قوله: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ (عُمْيٌ)﴾ [البقرة: ١٨]، أي: هم بمنزلة من هو هكذا.
وقد استدل بعض أهل النظر على أنه يراد به بعض أوقات اليوم دون بعض [بإضافة] اليوم إلى الفعل.
قال: والعرب لا تضيف اليوم إلى "فعل" و "يفعل" (إلا) إذا [أرادت] الساعة من اليوم، تقول: آتيك يوم يقدم فلان، وأراك يوم يقدم.
والمعنى: ساعة يقدم، لأنه لا يتمكن أن يكون إتيانه اليوم كله.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿هَـٰذَا يَوْمُ ٱلْفَصْلِ جَمَعْنَٰكُمْ وَٱلأَوَّلِينَ﴾.
أي: يقال [لهؤلاء المكذبين بالله ورسله: هذا يوم يفصل الله فيه بين خلقه بالحق، [جعلناكم فيه] لموعدكم الذي كنا نعدكموه في الدنيا، وجمعنا الأولين معكم ممن كان قبلكم من الأمم الماضية والقرون العافية.
* *
- ﴿فَإِن كَانَ لَكمُ كَيْدٌ فَكِيدُونِ﴾.
أي: فإن كان لكم كلكم اليوم حيلة تحتالون بها في التخلص من العقاب، فاحتالوا بها ولن تجدوا إلى ذلك سبيلاً.
* *
- ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾.
أي: للمكذبين بهذا الخبر.
* *
- ثم قال: ﴿إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِي ظِلاَلٍ وَعُيُونٍ﴾.
أي: إن الذين اتقوا الله بأداء فرائضه وطاعته في الدنيا ﴿فِي ظِلاَلٍ﴾، لا يصيبهم حر ولا قُرٌّ ﴿وَعُيُونٍ﴾، أي: وأنهار تجري في خلال أشجار جناتهم.
* *
- ﴿وَفَوَاكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ﴾.
أي: يأكلون منها متى اشتهوا لا يخافون ضرها ولا عاقبة مكروهها.
* *
- ﴿كُلُواْ وَٱشْرَبُواْ هَنِيـۤئاً بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾.
أي: يقال لهم ذلك، أي كلوا من الفواكه، واشربوا [من] العيون هنيئاً [بما كنتم تعملون].
لا تكدير عليكم، ولا تنغيص في ذلك جزاء لكم بأعمالكم الصالحات في الدنيا وطاعتكم.
وقيل: معناه: هنيئاً لكم، لا تموتون.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي ٱلْمُحْسِنِينَ﴾.
أي: كما جزينا هؤلاء المتقين بما ذكرنا، كذلك نجزي من أحسن إلى نفسه فأطاع الله واجتنب معاصيه [وأدى] فرائضه.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾.
أي: للمكذبين بما أخبر الله من جزائه المتقين في الآخرة.
* *
ثم قال تعالى: ﴿كُلُواْ وَتَمَتَّعُواْ قَلِيلاً إِنَّكُمْ مُّجْرِمُونَ﴾.
هذا وعيد وتهديد للمشركين المكذبين بما ذكره الله في هذه السورة وغيرها من مجازاته للمتقين وانتقامه من المكذبين، أي: كلوا في بقية آجالكم أيها المكذبون، وتمتعوا بقية أعماركم.
* *
﴿إِنَّكُمْ مُّجْرِمُونَ﴾ أي: مكتسبون لما فيه عطبكم وهلاككم كما فعل من كان قبلكم من الأمم المكذبة. قال ابن زيد: عنى بذلك أهل الكفر. وقيل: إن ﴿كُلُواْ وَتَمَتَّعُواْ﴾ [يرجع] إلى أول الكلام في قوله: ﴿جَمَعْنَٰكُمْ وَٱلأَوَّلِينَ * فَإِن كَانَ لَكمُ كَيْدٌ فَكِيدُونِ﴾ ﴿كُلُواْ﴾.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾.
(أي للمكذبين) [بخبر] الله عن البعث والجزاء.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَإذَا قِيلَ لَهُمُ ٱرْكَعُواْ لاَ يَرْكَعُونَ﴾.
قال ابن عباس: "هذا يوم القيامة، يدعون إلى السجود فلا يستطيعون السجود من أجل أنهم لم يكونوا يسجدون لله في الدنيا".
وقال قتادة: ذلك في الدنيا، كانوا يمتنعون من السجود (لله).
ورأى ابن مسعود رجلاً يصلي ولا يركع، وآخر يجر إزاره، فضحك، فقالوا: ما أضحكك؟! قال: أضحكني رجلان، أما أحدهما فلا تقبل له صلاة، وأما الآخر فلا ينظر الله إليه.
وقيل: عني بالركوع هنا الصلاة، قاله مجاهد.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾.
أي: الذين كذبوا رسل الله فردوا عليهم فيما بلغوهم عن الله.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾.
أي: بعد القرآن إذ كذبوا به، فبأي شيء يؤمنون بعده إيماناً ينتفعون به؟!
المرسلات 77:44
قوله تعالى: ﴿هَـٰذَا يَوْمُ لاَ يَنطِقُونَ﴾، إلى آخر السورة.
أي: هذا يوم لا ينطق فيه أهل التكذيب بثواب الله وعقابه، وذلك في موطن دون موطن. ودليله: قوله - حكاية عنهم - ﴿رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا (مِنْهَا)﴾ [المؤمنون: ١٠٧] ﴿رَبَّنَآ أَمَتَّنَا ٱثْنَتَيْنِ﴾ [غافر: ١١].
وشبهه.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَلاَ يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ﴾.
أي: مما كسبوا في الدنيا من المعاصي.
وقال ابن عباس: يوم القيامة أوقات، فوقت لا ينطقون فيه، وذلك عند (أول) نفخة، يريد: كل هول. وقيل: المعنى لا ينطقون فيه بحجة لهم. تقول العرب لمن أحتج بما لا حجة فيه: ما جئت بشيء، ولا نطقت بشيء، أي: هم بمنزلة من لا ينطق، إذ لا ينتفعون بمنطقهم. ومثله في هذا المعنى قوله: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ (عُمْيٌ)﴾ [البقرة: ١٨]، أي: هم بمنزلة من هو هكذا.
وقد استدل بعض أهل النظر على أنه يراد به بعض أوقات اليوم دون بعض [بإضافة] اليوم إلى الفعل.
قال: والعرب لا تضيف اليوم إلى "فعل" و "يفعل" (إلا) إذا [أرادت] الساعة من اليوم، تقول: آتيك يوم يقدم فلان، وأراك يوم يقدم.
والمعنى: ساعة يقدم، لأنه لا يتمكن أن يكون إتيانه اليوم كله.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿هَـٰذَا يَوْمُ ٱلْفَصْلِ جَمَعْنَٰكُمْ وَٱلأَوَّلِينَ﴾.
أي: يقال [لهؤلاء المكذبين بالله ورسله: هذا يوم يفصل الله فيه بين خلقه بالحق، [جعلناكم فيه] لموعدكم الذي كنا نعدكموه في الدنيا، وجمعنا الأولين معكم ممن كان قبلكم من الأمم الماضية والقرون العافية.
* *
- ﴿فَإِن كَانَ لَكمُ كَيْدٌ فَكِيدُونِ﴾.
أي: فإن كان لكم كلكم اليوم حيلة تحتالون بها في التخلص من العقاب، فاحتالوا بها ولن تجدوا إلى ذلك سبيلاً.
* *
- ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾.
أي: للمكذبين بهذا الخبر.
* *
- ثم قال: ﴿إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِي ظِلاَلٍ وَعُيُونٍ﴾.
أي: إن الذين اتقوا الله بأداء فرائضه وطاعته في الدنيا ﴿فِي ظِلاَلٍ﴾، لا يصيبهم حر ولا قُرٌّ ﴿وَعُيُونٍ﴾، أي: وأنهار تجري في خلال أشجار جناتهم.
* *
- ﴿وَفَوَاكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ﴾.
أي: يأكلون منها متى اشتهوا لا يخافون ضرها ولا عاقبة مكروهها.
* *
- ﴿كُلُواْ وَٱشْرَبُواْ هَنِيـۤئاً بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾.
أي: يقال لهم ذلك، أي كلوا من الفواكه، واشربوا [من] العيون هنيئاً [بما كنتم تعملون].
لا تكدير عليكم، ولا تنغيص في ذلك جزاء لكم بأعمالكم الصالحات في الدنيا وطاعتكم.
وقيل: معناه: هنيئاً لكم، لا تموتون.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي ٱلْمُحْسِنِينَ﴾.
أي: كما جزينا هؤلاء المتقين بما ذكرنا، كذلك نجزي من أحسن إلى نفسه فأطاع الله واجتنب معاصيه [وأدى] فرائضه.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾.
أي: للمكذبين بما أخبر الله من جزائه المتقين في الآخرة.
* *
ثم قال تعالى: ﴿كُلُواْ وَتَمَتَّعُواْ قَلِيلاً إِنَّكُمْ مُّجْرِمُونَ﴾.
هذا وعيد وتهديد للمشركين المكذبين بما ذكره الله في هذه السورة وغيرها من مجازاته للمتقين وانتقامه من المكذبين، أي: كلوا في بقية آجالكم أيها المكذبون، وتمتعوا بقية أعماركم.
* *
﴿إِنَّكُمْ مُّجْرِمُونَ﴾ أي: مكتسبون لما فيه عطبكم وهلاككم كما فعل من كان قبلكم من الأمم المكذبة. قال ابن زيد: عنى بذلك أهل الكفر. وقيل: إن ﴿كُلُواْ وَتَمَتَّعُواْ﴾ [يرجع] إلى أول الكلام في قوله: ﴿جَمَعْنَٰكُمْ وَٱلأَوَّلِينَ * فَإِن كَانَ لَكمُ كَيْدٌ فَكِيدُونِ﴾ ﴿كُلُواْ﴾.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾.
(أي للمكذبين) [بخبر] الله عن البعث والجزاء.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَإذَا قِيلَ لَهُمُ ٱرْكَعُواْ لاَ يَرْكَعُونَ﴾.
قال ابن عباس: "هذا يوم القيامة، يدعون إلى السجود فلا يستطيعون السجود من أجل أنهم لم يكونوا يسجدون لله في الدنيا".
وقال قتادة: ذلك في الدنيا، كانوا يمتنعون من السجود (لله).
ورأى ابن مسعود رجلاً يصلي ولا يركع، وآخر يجر إزاره، فضحك، فقالوا: ما أضحكك؟! قال: أضحكني رجلان، أما أحدهما فلا تقبل له صلاة، وأما الآخر فلا ينظر الله إليه.
وقيل: عني بالركوع هنا الصلاة، قاله مجاهد.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾.
أي: الذين كذبوا رسل الله فردوا عليهم فيما بلغوهم عن الله.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾.
أي: بعد القرآن إذ كذبوا به، فبأي شيء يؤمنون بعده إيماناً ينتفعون به؟!
المرسلات 77:45
قوله تعالى: ﴿هَـٰذَا يَوْمُ لاَ يَنطِقُونَ﴾، إلى آخر السورة.
أي: هذا يوم لا ينطق فيه أهل التكذيب بثواب الله وعقابه، وذلك في موطن دون موطن. ودليله: قوله - حكاية عنهم - ﴿رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا (مِنْهَا)﴾ [المؤمنون: ١٠٧] ﴿رَبَّنَآ أَمَتَّنَا ٱثْنَتَيْنِ﴾ [غافر: ١١].
وشبهه.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَلاَ يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ﴾.
أي: مما كسبوا في الدنيا من المعاصي.
وقال ابن عباس: يوم القيامة أوقات، فوقت لا ينطقون فيه، وذلك عند (أول) نفخة، يريد: كل هول. وقيل: المعنى لا ينطقون فيه بحجة لهم. تقول العرب لمن أحتج بما لا حجة فيه: ما جئت بشيء، ولا نطقت بشيء، أي: هم بمنزلة من لا ينطق، إذ لا ينتفعون بمنطقهم. ومثله في هذا المعنى قوله: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ (عُمْيٌ)﴾ [البقرة: ١٨]، أي: هم بمنزلة من هو هكذا.
وقد استدل بعض أهل النظر على أنه يراد به بعض أوقات اليوم دون بعض [بإضافة] اليوم إلى الفعل.
قال: والعرب لا تضيف اليوم إلى "فعل" و "يفعل" (إلا) إذا [أرادت] الساعة من اليوم، تقول: آتيك يوم يقدم فلان، وأراك يوم يقدم.
والمعنى: ساعة يقدم، لأنه لا يتمكن أن يكون إتيانه اليوم كله.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿هَـٰذَا يَوْمُ ٱلْفَصْلِ جَمَعْنَٰكُمْ وَٱلأَوَّلِينَ﴾.
أي: يقال [لهؤلاء المكذبين بالله ورسله: هذا يوم يفصل الله فيه بين خلقه بالحق، [جعلناكم فيه] لموعدكم الذي كنا نعدكموه في الدنيا، وجمعنا الأولين معكم ممن كان قبلكم من الأمم الماضية والقرون العافية.
* *
- ﴿فَإِن كَانَ لَكمُ كَيْدٌ فَكِيدُونِ﴾.
أي: فإن كان لكم كلكم اليوم حيلة تحتالون بها في التخلص من العقاب، فاحتالوا بها ولن تجدوا إلى ذلك سبيلاً.
* *
- ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾.
أي: للمكذبين بهذا الخبر.
* *
- ثم قال: ﴿إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِي ظِلاَلٍ وَعُيُونٍ﴾.
أي: إن الذين اتقوا الله بأداء فرائضه وطاعته في الدنيا ﴿فِي ظِلاَلٍ﴾، لا يصيبهم حر ولا قُرٌّ ﴿وَعُيُونٍ﴾، أي: وأنهار تجري في خلال أشجار جناتهم.
* *
- ﴿وَفَوَاكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ﴾.
أي: يأكلون منها متى اشتهوا لا يخافون ضرها ولا عاقبة مكروهها.
* *
- ﴿كُلُواْ وَٱشْرَبُواْ هَنِيـۤئاً بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾.
أي: يقال لهم ذلك، أي كلوا من الفواكه، واشربوا [من] العيون هنيئاً [بما كنتم تعملون].
لا تكدير عليكم، ولا تنغيص في ذلك جزاء لكم بأعمالكم الصالحات في الدنيا وطاعتكم.
وقيل: معناه: هنيئاً لكم، لا تموتون.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي ٱلْمُحْسِنِينَ﴾.
أي: كما جزينا هؤلاء المتقين بما ذكرنا، كذلك نجزي من أحسن إلى نفسه فأطاع الله واجتنب معاصيه [وأدى] فرائضه.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾.
أي: للمكذبين بما أخبر الله من جزائه المتقين في الآخرة.
* *
ثم قال تعالى: ﴿كُلُواْ وَتَمَتَّعُواْ قَلِيلاً إِنَّكُمْ مُّجْرِمُونَ﴾.
هذا وعيد وتهديد للمشركين المكذبين بما ذكره الله في هذه السورة وغيرها من مجازاته للمتقين وانتقامه من المكذبين، أي: كلوا في بقية آجالكم أيها المكذبون، وتمتعوا بقية أعماركم.
* *
﴿إِنَّكُمْ مُّجْرِمُونَ﴾ أي: مكتسبون لما فيه عطبكم وهلاككم كما فعل من كان قبلكم من الأمم المكذبة. قال ابن زيد: عنى بذلك أهل الكفر. وقيل: إن ﴿كُلُواْ وَتَمَتَّعُواْ﴾ [يرجع] إلى أول الكلام في قوله: ﴿جَمَعْنَٰكُمْ وَٱلأَوَّلِينَ * فَإِن كَانَ لَكمُ كَيْدٌ فَكِيدُونِ﴾ ﴿كُلُواْ﴾.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾.
(أي للمكذبين) [بخبر] الله عن البعث والجزاء.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَإذَا قِيلَ لَهُمُ ٱرْكَعُواْ لاَ يَرْكَعُونَ﴾.
قال ابن عباس: "هذا يوم القيامة، يدعون إلى السجود فلا يستطيعون السجود من أجل أنهم لم يكونوا يسجدون لله في الدنيا".
وقال قتادة: ذلك في الدنيا، كانوا يمتنعون من السجود (لله).
ورأى ابن مسعود رجلاً يصلي ولا يركع، وآخر يجر إزاره، فضحك، فقالوا: ما أضحكك؟! قال: أضحكني رجلان، أما أحدهما فلا تقبل له صلاة، وأما الآخر فلا ينظر الله إليه.
وقيل: عني بالركوع هنا الصلاة، قاله مجاهد.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾.
أي: الذين كذبوا رسل الله فردوا عليهم فيما بلغوهم عن الله.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾.
أي: بعد القرآن إذ كذبوا به، فبأي شيء يؤمنون بعده إيماناً ينتفعون به؟!
المرسلات 77:46
قوله تعالى: ﴿هَـٰذَا يَوْمُ لاَ يَنطِقُونَ﴾، إلى آخر السورة.
أي: هذا يوم لا ينطق فيه أهل التكذيب بثواب الله وعقابه، وذلك في موطن دون موطن. ودليله: قوله - حكاية عنهم - ﴿رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا (مِنْهَا)﴾ [المؤمنون: ١٠٧] ﴿رَبَّنَآ أَمَتَّنَا ٱثْنَتَيْنِ﴾ [غافر: ١١].
وشبهه.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَلاَ يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ﴾.
أي: مما كسبوا في الدنيا من المعاصي.
وقال ابن عباس: يوم القيامة أوقات، فوقت لا ينطقون فيه، وذلك عند (أول) نفخة، يريد: كل هول. وقيل: المعنى لا ينطقون فيه بحجة لهم. تقول العرب لمن أحتج بما لا حجة فيه: ما جئت بشيء، ولا نطقت بشيء، أي: هم بمنزلة من لا ينطق، إذ لا ينتفعون بمنطقهم. ومثله في هذا المعنى قوله: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ (عُمْيٌ)﴾ [البقرة: ١٨]، أي: هم بمنزلة من هو هكذا.
وقد استدل بعض أهل النظر على أنه يراد به بعض أوقات اليوم دون بعض [بإضافة] اليوم إلى الفعل.
قال: والعرب لا تضيف اليوم إلى "فعل" و "يفعل" (إلا) إذا [أرادت] الساعة من اليوم، تقول: آتيك يوم يقدم فلان، وأراك يوم يقدم.
والمعنى: ساعة يقدم، لأنه لا يتمكن أن يكون إتيانه اليوم كله.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿هَـٰذَا يَوْمُ ٱلْفَصْلِ جَمَعْنَٰكُمْ وَٱلأَوَّلِينَ﴾.
أي: يقال [لهؤلاء المكذبين بالله ورسله: هذا يوم يفصل الله فيه بين خلقه بالحق، [جعلناكم فيه] لموعدكم الذي كنا نعدكموه في الدنيا، وجمعنا الأولين معكم ممن كان قبلكم من الأمم الماضية والقرون العافية.
* *
- ﴿فَإِن كَانَ لَكمُ كَيْدٌ فَكِيدُونِ﴾.
أي: فإن كان لكم كلكم اليوم حيلة تحتالون بها في التخلص من العقاب، فاحتالوا بها ولن تجدوا إلى ذلك سبيلاً.
* *
- ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾.
أي: للمكذبين بهذا الخبر.
* *
- ثم قال: ﴿إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِي ظِلاَلٍ وَعُيُونٍ﴾.
أي: إن الذين اتقوا الله بأداء فرائضه وطاعته في الدنيا ﴿فِي ظِلاَلٍ﴾، لا يصيبهم حر ولا قُرٌّ ﴿وَعُيُونٍ﴾، أي: وأنهار تجري في خلال أشجار جناتهم.
* *
- ﴿وَفَوَاكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ﴾.
أي: يأكلون منها متى اشتهوا لا يخافون ضرها ولا عاقبة مكروهها.
* *
- ﴿كُلُواْ وَٱشْرَبُواْ هَنِيـۤئاً بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾.
أي: يقال لهم ذلك، أي كلوا من الفواكه، واشربوا [من] العيون هنيئاً [بما كنتم تعملون].
لا تكدير عليكم، ولا تنغيص في ذلك جزاء لكم بأعمالكم الصالحات في الدنيا وطاعتكم.
وقيل: معناه: هنيئاً لكم، لا تموتون.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي ٱلْمُحْسِنِينَ﴾.
أي: كما جزينا هؤلاء المتقين بما ذكرنا، كذلك نجزي من أحسن إلى نفسه فأطاع الله واجتنب معاصيه [وأدى] فرائضه.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾.
أي: للمكذبين بما أخبر الله من جزائه المتقين في الآخرة.
* *
ثم قال تعالى: ﴿كُلُواْ وَتَمَتَّعُواْ قَلِيلاً إِنَّكُمْ مُّجْرِمُونَ﴾.
هذا وعيد وتهديد للمشركين المكذبين بما ذكره الله في هذه السورة وغيرها من مجازاته للمتقين وانتقامه من المكذبين، أي: كلوا في بقية آجالكم أيها المكذبون، وتمتعوا بقية أعماركم.
* *
﴿إِنَّكُمْ مُّجْرِمُونَ﴾ أي: مكتسبون لما فيه عطبكم وهلاككم كما فعل من كان قبلكم من الأمم المكذبة. قال ابن زيد: عنى بذلك أهل الكفر. وقيل: إن ﴿كُلُواْ وَتَمَتَّعُواْ﴾ [يرجع] إلى أول الكلام في قوله: ﴿جَمَعْنَٰكُمْ وَٱلأَوَّلِينَ * فَإِن كَانَ لَكمُ كَيْدٌ فَكِيدُونِ﴾ ﴿كُلُواْ﴾.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾.
(أي للمكذبين) [بخبر] الله عن البعث والجزاء.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَإذَا قِيلَ لَهُمُ ٱرْكَعُواْ لاَ يَرْكَعُونَ﴾.
قال ابن عباس: "هذا يوم القيامة، يدعون إلى السجود فلا يستطيعون السجود من أجل أنهم لم يكونوا يسجدون لله في الدنيا".
وقال قتادة: ذلك في الدنيا، كانوا يمتنعون من السجود (لله).
ورأى ابن مسعود رجلاً يصلي ولا يركع، وآخر يجر إزاره، فضحك، فقالوا: ما أضحكك؟! قال: أضحكني رجلان، أما أحدهما فلا تقبل له صلاة، وأما الآخر فلا ينظر الله إليه.
وقيل: عني بالركوع هنا الصلاة، قاله مجاهد.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾.
أي: الذين كذبوا رسل الله فردوا عليهم فيما بلغوهم عن الله.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾.
أي: بعد القرآن إذ كذبوا به، فبأي شيء يؤمنون بعده إيماناً ينتفعون به؟!
المرسلات 77:47
قوله تعالى: ﴿هَـٰذَا يَوْمُ لاَ يَنطِقُونَ﴾، إلى آخر السورة.
أي: هذا يوم لا ينطق فيه أهل التكذيب بثواب الله وعقابه، وذلك في موطن دون موطن. ودليله: قوله - حكاية عنهم - ﴿رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا (مِنْهَا)﴾ [المؤمنون: ١٠٧] ﴿رَبَّنَآ أَمَتَّنَا ٱثْنَتَيْنِ﴾ [غافر: ١١].
وشبهه.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَلاَ يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ﴾.
أي: مما كسبوا في الدنيا من المعاصي.
وقال ابن عباس: يوم القيامة أوقات، فوقت لا ينطقون فيه، وذلك عند (أول) نفخة، يريد: كل هول. وقيل: المعنى لا ينطقون فيه بحجة لهم. تقول العرب لمن أحتج بما لا حجة فيه: ما جئت بشيء، ولا نطقت بشيء، أي: هم بمنزلة من لا ينطق، إذ لا ينتفعون بمنطقهم. ومثله في هذا المعنى قوله: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ (عُمْيٌ)﴾ [البقرة: ١٨]، أي: هم بمنزلة من هو هكذا.
وقد استدل بعض أهل النظر على أنه يراد به بعض أوقات اليوم دون بعض [بإضافة] اليوم إلى الفعل.
قال: والعرب لا تضيف اليوم إلى "فعل" و "يفعل" (إلا) إذا [أرادت] الساعة من اليوم، تقول: آتيك يوم يقدم فلان، وأراك يوم يقدم.
والمعنى: ساعة يقدم، لأنه لا يتمكن أن يكون إتيانه اليوم كله.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿هَـٰذَا يَوْمُ ٱلْفَصْلِ جَمَعْنَٰكُمْ وَٱلأَوَّلِينَ﴾.
أي: يقال [لهؤلاء المكذبين بالله ورسله: هذا يوم يفصل الله فيه بين خلقه بالحق، [جعلناكم فيه] لموعدكم الذي كنا نعدكموه في الدنيا، وجمعنا الأولين معكم ممن كان قبلكم من الأمم الماضية والقرون العافية.
* *
- ﴿فَإِن كَانَ لَكمُ كَيْدٌ فَكِيدُونِ﴾.
أي: فإن كان لكم كلكم اليوم حيلة تحتالون بها في التخلص من العقاب، فاحتالوا بها ولن تجدوا إلى ذلك سبيلاً.
* *
- ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾.
أي: للمكذبين بهذا الخبر.
* *
- ثم قال: ﴿إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِي ظِلاَلٍ وَعُيُونٍ﴾.
أي: إن الذين اتقوا الله بأداء فرائضه وطاعته في الدنيا ﴿فِي ظِلاَلٍ﴾، لا يصيبهم حر ولا قُرٌّ ﴿وَعُيُونٍ﴾، أي: وأنهار تجري في خلال أشجار جناتهم.
* *
- ﴿وَفَوَاكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ﴾.
أي: يأكلون منها متى اشتهوا لا يخافون ضرها ولا عاقبة مكروهها.
* *
- ﴿كُلُواْ وَٱشْرَبُواْ هَنِيـۤئاً بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾.
أي: يقال لهم ذلك، أي كلوا من الفواكه، واشربوا [من] العيون هنيئاً [بما كنتم تعملون].
لا تكدير عليكم، ولا تنغيص في ذلك جزاء لكم بأعمالكم الصالحات في الدنيا وطاعتكم.
وقيل: معناه: هنيئاً لكم، لا تموتون.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي ٱلْمُحْسِنِينَ﴾.
أي: كما جزينا هؤلاء المتقين بما ذكرنا، كذلك نجزي من أحسن إلى نفسه فأطاع الله واجتنب معاصيه [وأدى] فرائضه.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾.
أي: للمكذبين بما أخبر الله من جزائه المتقين في الآخرة.
* *
ثم قال تعالى: ﴿كُلُواْ وَتَمَتَّعُواْ قَلِيلاً إِنَّكُمْ مُّجْرِمُونَ﴾.
هذا وعيد وتهديد للمشركين المكذبين بما ذكره الله في هذه السورة وغيرها من مجازاته للمتقين وانتقامه من المكذبين، أي: كلوا في بقية آجالكم أيها المكذبون، وتمتعوا بقية أعماركم.
* *
﴿إِنَّكُمْ مُّجْرِمُونَ﴾ أي: مكتسبون لما فيه عطبكم وهلاككم كما فعل من كان قبلكم من الأمم المكذبة. قال ابن زيد: عنى بذلك أهل الكفر. وقيل: إن ﴿كُلُواْ وَتَمَتَّعُواْ﴾ [يرجع] إلى أول الكلام في قوله: ﴿جَمَعْنَٰكُمْ وَٱلأَوَّلِينَ * فَإِن كَانَ لَكمُ كَيْدٌ فَكِيدُونِ﴾ ﴿كُلُواْ﴾.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾.
(أي للمكذبين) [بخبر] الله عن البعث والجزاء.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَإذَا قِيلَ لَهُمُ ٱرْكَعُواْ لاَ يَرْكَعُونَ﴾.
قال ابن عباس: "هذا يوم القيامة، يدعون إلى السجود فلا يستطيعون السجود من أجل أنهم لم يكونوا يسجدون لله في الدنيا".
وقال قتادة: ذلك في الدنيا، كانوا يمتنعون من السجود (لله).
ورأى ابن مسعود رجلاً يصلي ولا يركع، وآخر يجر إزاره، فضحك، فقالوا: ما أضحكك؟! قال: أضحكني رجلان، أما أحدهما فلا تقبل له صلاة، وأما الآخر فلا ينظر الله إليه.
وقيل: عني بالركوع هنا الصلاة، قاله مجاهد.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾.
أي: الذين كذبوا رسل الله فردوا عليهم فيما بلغوهم عن الله.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾.
أي: بعد القرآن إذ كذبوا به، فبأي شيء يؤمنون بعده إيماناً ينتفعون به؟!
المرسلات 77:48
قوله تعالى: ﴿هَـٰذَا يَوْمُ لاَ يَنطِقُونَ﴾، إلى آخر السورة.
أي: هذا يوم لا ينطق فيه أهل التكذيب بثواب الله وعقابه، وذلك في موطن دون موطن. ودليله: قوله - حكاية عنهم - ﴿رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا (مِنْهَا)﴾ [المؤمنون: ١٠٧] ﴿رَبَّنَآ أَمَتَّنَا ٱثْنَتَيْنِ﴾ [غافر: ١١].
وشبهه.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَلاَ يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ﴾.
أي: مما كسبوا في الدنيا من المعاصي.
وقال ابن عباس: يوم القيامة أوقات، فوقت لا ينطقون فيه، وذلك عند (أول) نفخة، يريد: كل هول. وقيل: المعنى لا ينطقون فيه بحجة لهم. تقول العرب لمن أحتج بما لا حجة فيه: ما جئت بشيء، ولا نطقت بشيء، أي: هم بمنزلة من لا ينطق، إذ لا ينتفعون بمنطقهم. ومثله في هذا المعنى قوله: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ (عُمْيٌ)﴾ [البقرة: ١٨]، أي: هم بمنزلة من هو هكذا.
وقد استدل بعض أهل النظر على أنه يراد به بعض أوقات اليوم دون بعض [بإضافة] اليوم إلى الفعل.
قال: والعرب لا تضيف اليوم إلى "فعل" و "يفعل" (إلا) إذا [أرادت] الساعة من اليوم، تقول: آتيك يوم يقدم فلان، وأراك يوم يقدم.
والمعنى: ساعة يقدم، لأنه لا يتمكن أن يكون إتيانه اليوم كله.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿هَـٰذَا يَوْمُ ٱلْفَصْلِ جَمَعْنَٰكُمْ وَٱلأَوَّلِينَ﴾.
أي: يقال [لهؤلاء المكذبين بالله ورسله: هذا يوم يفصل الله فيه بين خلقه بالحق، [جعلناكم فيه] لموعدكم الذي كنا نعدكموه في الدنيا، وجمعنا الأولين معكم ممن كان قبلكم من الأمم الماضية والقرون العافية.
* *
- ﴿فَإِن كَانَ لَكمُ كَيْدٌ فَكِيدُونِ﴾.
أي: فإن كان لكم كلكم اليوم حيلة تحتالون بها في التخلص من العقاب، فاحتالوا بها ولن تجدوا إلى ذلك سبيلاً.
* *
- ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾.
أي: للمكذبين بهذا الخبر.
* *
- ثم قال: ﴿إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِي ظِلاَلٍ وَعُيُونٍ﴾.
أي: إن الذين اتقوا الله بأداء فرائضه وطاعته في الدنيا ﴿فِي ظِلاَلٍ﴾، لا يصيبهم حر ولا قُرٌّ ﴿وَعُيُونٍ﴾، أي: وأنهار تجري في خلال أشجار جناتهم.
* *
- ﴿وَفَوَاكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ﴾.
أي: يأكلون منها متى اشتهوا لا يخافون ضرها ولا عاقبة مكروهها.
* *
- ﴿كُلُواْ وَٱشْرَبُواْ هَنِيـۤئاً بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾.
أي: يقال لهم ذلك، أي كلوا من الفواكه، واشربوا [من] العيون هنيئاً [بما كنتم تعملون].
لا تكدير عليكم، ولا تنغيص في ذلك جزاء لكم بأعمالكم الصالحات في الدنيا وطاعتكم.
وقيل: معناه: هنيئاً لكم، لا تموتون.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي ٱلْمُحْسِنِينَ﴾.
أي: كما جزينا هؤلاء المتقين بما ذكرنا، كذلك نجزي من أحسن إلى نفسه فأطاع الله واجتنب معاصيه [وأدى] فرائضه.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾.
أي: للمكذبين بما أخبر الله من جزائه المتقين في الآخرة.
* *
ثم قال تعالى: ﴿كُلُواْ وَتَمَتَّعُواْ قَلِيلاً إِنَّكُمْ مُّجْرِمُونَ﴾.
هذا وعيد وتهديد للمشركين المكذبين بما ذكره الله في هذه السورة وغيرها من مجازاته للمتقين وانتقامه من المكذبين، أي: كلوا في بقية آجالكم أيها المكذبون، وتمتعوا بقية أعماركم.
* *
﴿إِنَّكُمْ مُّجْرِمُونَ﴾ أي: مكتسبون لما فيه عطبكم وهلاككم كما فعل من كان قبلكم من الأمم المكذبة. قال ابن زيد: عنى بذلك أهل الكفر. وقيل: إن ﴿كُلُواْ وَتَمَتَّعُواْ﴾ [يرجع] إلى أول الكلام في قوله: ﴿جَمَعْنَٰكُمْ وَٱلأَوَّلِينَ * فَإِن كَانَ لَكمُ كَيْدٌ فَكِيدُونِ﴾ ﴿كُلُواْ﴾.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾.
(أي للمكذبين) [بخبر] الله عن البعث والجزاء.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَإذَا قِيلَ لَهُمُ ٱرْكَعُواْ لاَ يَرْكَعُونَ﴾.
قال ابن عباس: "هذا يوم القيامة، يدعون إلى السجود فلا يستطيعون السجود من أجل أنهم لم يكونوا يسجدون لله في الدنيا".
وقال قتادة: ذلك في الدنيا، كانوا يمتنعون من السجود (لله).
ورأى ابن مسعود رجلاً يصلي ولا يركع، وآخر يجر إزاره، فضحك، فقالوا: ما أضحكك؟! قال: أضحكني رجلان، أما أحدهما فلا تقبل له صلاة، وأما الآخر فلا ينظر الله إليه.
وقيل: عني بالركوع هنا الصلاة، قاله مجاهد.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾.
أي: الذين كذبوا رسل الله فردوا عليهم فيما بلغوهم عن الله.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾.
أي: بعد القرآن إذ كذبوا به، فبأي شيء يؤمنون بعده إيماناً ينتفعون به؟!
المرسلات 77:49
قوله تعالى: ﴿هَـٰذَا يَوْمُ لاَ يَنطِقُونَ﴾، إلى آخر السورة.
أي: هذا يوم لا ينطق فيه أهل التكذيب بثواب الله وعقابه، وذلك في موطن دون موطن. ودليله: قوله - حكاية عنهم - ﴿رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا (مِنْهَا)﴾ [المؤمنون: ١٠٧] ﴿رَبَّنَآ أَمَتَّنَا ٱثْنَتَيْنِ﴾ [غافر: ١١].
وشبهه.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَلاَ يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ﴾.
أي: مما كسبوا في الدنيا من المعاصي.
وقال ابن عباس: يوم القيامة أوقات، فوقت لا ينطقون فيه، وذلك عند (أول) نفخة، يريد: كل هول. وقيل: المعنى لا ينطقون فيه بحجة لهم. تقول العرب لمن أحتج بما لا حجة فيه: ما جئت بشيء، ولا نطقت بشيء، أي: هم بمنزلة من لا ينطق، إذ لا ينتفعون بمنطقهم. ومثله في هذا المعنى قوله: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ (عُمْيٌ)﴾ [البقرة: ١٨]، أي: هم بمنزلة من هو هكذا.
وقد استدل بعض أهل النظر على أنه يراد به بعض أوقات اليوم دون بعض [بإضافة] اليوم إلى الفعل.
قال: والعرب لا تضيف اليوم إلى "فعل" و "يفعل" (إلا) إذا [أرادت] الساعة من اليوم، تقول: آتيك يوم يقدم فلان، وأراك يوم يقدم.
والمعنى: ساعة يقدم، لأنه لا يتمكن أن يكون إتيانه اليوم كله.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿هَـٰذَا يَوْمُ ٱلْفَصْلِ جَمَعْنَٰكُمْ وَٱلأَوَّلِينَ﴾.
أي: يقال [لهؤلاء المكذبين بالله ورسله: هذا يوم يفصل الله فيه بين خلقه بالحق، [جعلناكم فيه] لموعدكم الذي كنا نعدكموه في الدنيا، وجمعنا الأولين معكم ممن كان قبلكم من الأمم الماضية والقرون العافية.
* *
- ﴿فَإِن كَانَ لَكمُ كَيْدٌ فَكِيدُونِ﴾.
أي: فإن كان لكم كلكم اليوم حيلة تحتالون بها في التخلص من العقاب، فاحتالوا بها ولن تجدوا إلى ذلك سبيلاً.
* *
- ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾.
أي: للمكذبين بهذا الخبر.
* *
- ثم قال: ﴿إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِي ظِلاَلٍ وَعُيُونٍ﴾.
أي: إن الذين اتقوا الله بأداء فرائضه وطاعته في الدنيا ﴿فِي ظِلاَلٍ﴾، لا يصيبهم حر ولا قُرٌّ ﴿وَعُيُونٍ﴾، أي: وأنهار تجري في خلال أشجار جناتهم.
* *
- ﴿وَفَوَاكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ﴾.
أي: يأكلون منها متى اشتهوا لا يخافون ضرها ولا عاقبة مكروهها.
* *
- ﴿كُلُواْ وَٱشْرَبُواْ هَنِيـۤئاً بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾.
أي: يقال لهم ذلك، أي كلوا من الفواكه، واشربوا [من] العيون هنيئاً [بما كنتم تعملون].
لا تكدير عليكم، ولا تنغيص في ذلك جزاء لكم بأعمالكم الصالحات في الدنيا وطاعتكم.
وقيل: معناه: هنيئاً لكم، لا تموتون.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي ٱلْمُحْسِنِينَ﴾.
أي: كما جزينا هؤلاء المتقين بما ذكرنا، كذلك نجزي من أحسن إلى نفسه فأطاع الله واجتنب معاصيه [وأدى] فرائضه.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾.
أي: للمكذبين بما أخبر الله من جزائه المتقين في الآخرة.
* *
ثم قال تعالى: ﴿كُلُواْ وَتَمَتَّعُواْ قَلِيلاً إِنَّكُمْ مُّجْرِمُونَ﴾.
هذا وعيد وتهديد للمشركين المكذبين بما ذكره الله في هذه السورة وغيرها من مجازاته للمتقين وانتقامه من المكذبين، أي: كلوا في بقية آجالكم أيها المكذبون، وتمتعوا بقية أعماركم.
* *
﴿إِنَّكُمْ مُّجْرِمُونَ﴾ أي: مكتسبون لما فيه عطبكم وهلاككم كما فعل من كان قبلكم من الأمم المكذبة. قال ابن زيد: عنى بذلك أهل الكفر. وقيل: إن ﴿كُلُواْ وَتَمَتَّعُواْ﴾ [يرجع] إلى أول الكلام في قوله: ﴿جَمَعْنَٰكُمْ وَٱلأَوَّلِينَ * فَإِن كَانَ لَكمُ كَيْدٌ فَكِيدُونِ﴾ ﴿كُلُواْ﴾.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾.
(أي للمكذبين) [بخبر] الله عن البعث والجزاء.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَإذَا قِيلَ لَهُمُ ٱرْكَعُواْ لاَ يَرْكَعُونَ﴾.
قال ابن عباس: "هذا يوم القيامة، يدعون إلى السجود فلا يستطيعون السجود من أجل أنهم لم يكونوا يسجدون لله في الدنيا".
وقال قتادة: ذلك في الدنيا، كانوا يمتنعون من السجود (لله).
ورأى ابن مسعود رجلاً يصلي ولا يركع، وآخر يجر إزاره، فضحك، فقالوا: ما أضحكك؟! قال: أضحكني رجلان، أما أحدهما فلا تقبل له صلاة، وأما الآخر فلا ينظر الله إليه.
وقيل: عني بالركوع هنا الصلاة، قاله مجاهد.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾.
أي: الذين كذبوا رسل الله فردوا عليهم فيما بلغوهم عن الله.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾.
أي: بعد القرآن إذ كذبوا به، فبأي شيء يؤمنون بعده إيماناً ينتفعون به؟!
المرسلات 77:50
قوله تعالى: ﴿هَـٰذَا يَوْمُ لاَ يَنطِقُونَ﴾، إلى آخر السورة.
أي: هذا يوم لا ينطق فيه أهل التكذيب بثواب الله وعقابه، وذلك في موطن دون موطن. ودليله: قوله - حكاية عنهم - ﴿رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا (مِنْهَا)﴾ [المؤمنون: ١٠٧] ﴿رَبَّنَآ أَمَتَّنَا ٱثْنَتَيْنِ﴾ [غافر: ١١].
وشبهه.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَلاَ يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ﴾.
أي: مما كسبوا في الدنيا من المعاصي.
وقال ابن عباس: يوم القيامة أوقات، فوقت لا ينطقون فيه، وذلك عند (أول) نفخة، يريد: كل هول. وقيل: المعنى لا ينطقون فيه بحجة لهم. تقول العرب لمن أحتج بما لا حجة فيه: ما جئت بشيء، ولا نطقت بشيء، أي: هم بمنزلة من لا ينطق، إذ لا ينتفعون بمنطقهم. ومثله في هذا المعنى قوله: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ (عُمْيٌ)﴾ [البقرة: ١٨]، أي: هم بمنزلة من هو هكذا.
وقد استدل بعض أهل النظر على أنه يراد به بعض أوقات اليوم دون بعض [بإضافة] اليوم إلى الفعل.
قال: والعرب لا تضيف اليوم إلى "فعل" و "يفعل" (إلا) إذا [أرادت] الساعة من اليوم، تقول: آتيك يوم يقدم فلان، وأراك يوم يقدم.
والمعنى: ساعة يقدم، لأنه لا يتمكن أن يكون إتيانه اليوم كله.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿هَـٰذَا يَوْمُ ٱلْفَصْلِ جَمَعْنَٰكُمْ وَٱلأَوَّلِينَ﴾.
أي: يقال [لهؤلاء المكذبين بالله ورسله: هذا يوم يفصل الله فيه بين خلقه بالحق، [جعلناكم فيه] لموعدكم الذي كنا نعدكموه في الدنيا، وجمعنا الأولين معكم ممن كان قبلكم من الأمم الماضية والقرون العافية.
* *
- ﴿فَإِن كَانَ لَكمُ كَيْدٌ فَكِيدُونِ﴾.
أي: فإن كان لكم كلكم اليوم حيلة تحتالون بها في التخلص من العقاب، فاحتالوا بها ولن تجدوا إلى ذلك سبيلاً.
* *
- ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾.
أي: للمكذبين بهذا الخبر.
* *
- ثم قال: ﴿إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِي ظِلاَلٍ وَعُيُونٍ﴾.
أي: إن الذين اتقوا الله بأداء فرائضه وطاعته في الدنيا ﴿فِي ظِلاَلٍ﴾، لا يصيبهم حر ولا قُرٌّ ﴿وَعُيُونٍ﴾، أي: وأنهار تجري في خلال أشجار جناتهم.
* *
- ﴿وَفَوَاكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ﴾.
أي: يأكلون منها متى اشتهوا لا يخافون ضرها ولا عاقبة مكروهها.
* *
- ﴿كُلُواْ وَٱشْرَبُواْ هَنِيـۤئاً بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾.
أي: يقال لهم ذلك، أي كلوا من الفواكه، واشربوا [من] العيون هنيئاً [بما كنتم تعملون].
لا تكدير عليكم، ولا تنغيص في ذلك جزاء لكم بأعمالكم الصالحات في الدنيا وطاعتكم.
وقيل: معناه: هنيئاً لكم، لا تموتون.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي ٱلْمُحْسِنِينَ﴾.
أي: كما جزينا هؤلاء المتقين بما ذكرنا، كذلك نجزي من أحسن إلى نفسه فأطاع الله واجتنب معاصيه [وأدى] فرائضه.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾.
أي: للمكذبين بما أخبر الله من جزائه المتقين في الآخرة.
* *
ثم قال تعالى: ﴿كُلُواْ وَتَمَتَّعُواْ قَلِيلاً إِنَّكُمْ مُّجْرِمُونَ﴾.
هذا وعيد وتهديد للمشركين المكذبين بما ذكره الله في هذه السورة وغيرها من مجازاته للمتقين وانتقامه من المكذبين، أي: كلوا في بقية آجالكم أيها المكذبون، وتمتعوا بقية أعماركم.
* *
﴿إِنَّكُمْ مُّجْرِمُونَ﴾ أي: مكتسبون لما فيه عطبكم وهلاككم كما فعل من كان قبلكم من الأمم المكذبة. قال ابن زيد: عنى بذلك أهل الكفر. وقيل: إن ﴿كُلُواْ وَتَمَتَّعُواْ﴾ [يرجع] إلى أول الكلام في قوله: ﴿جَمَعْنَٰكُمْ وَٱلأَوَّلِينَ * فَإِن كَانَ لَكمُ كَيْدٌ فَكِيدُونِ﴾ ﴿كُلُواْ﴾.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾.
(أي للمكذبين) [بخبر] الله عن البعث والجزاء.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَإذَا قِيلَ لَهُمُ ٱرْكَعُواْ لاَ يَرْكَعُونَ﴾.
قال ابن عباس: "هذا يوم القيامة، يدعون إلى السجود فلا يستطيعون السجود من أجل أنهم لم يكونوا يسجدون لله في الدنيا".
وقال قتادة: ذلك في الدنيا، كانوا يمتنعون من السجود (لله).
ورأى ابن مسعود رجلاً يصلي ولا يركع، وآخر يجر إزاره، فضحك، فقالوا: ما أضحكك؟! قال: أضحكني رجلان، أما أحدهما فلا تقبل له صلاة، وأما الآخر فلا ينظر الله إليه.
وقيل: عني بالركوع هنا الصلاة، قاله مجاهد.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾.
أي: الذين كذبوا رسل الله فردوا عليهم فيما بلغوهم عن الله.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾.
أي: بعد القرآن إذ كذبوا به، فبأي شيء يؤمنون بعده إيماناً ينتفعون به؟!