Tafsir Makhi — النبأ 78:1 – النبأ 78:40
المحتويات
- النبأ 78:1
- النبأ 78:2
- النبأ 78:3
- النبأ 78:4
- النبأ 78:5
- النبأ 78:6
- النبأ 78:7
- النبأ 78:8
- النبأ 78:9
- النبأ 78:10
- النبأ 78:11
- النبأ 78:12
- النبأ 78:13
- النبأ 78:14
- النبأ 78:15
- النبأ 78:16
- النبأ 78:17
- النبأ 78:18
- النبأ 78:19
- النبأ 78:20
- النبأ 78:21
- النبأ 78:22
- النبأ 78:23
- النبأ 78:24
- النبأ 78:25
- النبأ 78:26
- النبأ 78:27
- النبأ 78:28
- النبأ 78:29
- النبأ 78:30
- النبأ 78:31
- النبأ 78:32
- النبأ 78:33
- النبأ 78:34
- النبأ 78:35
- النبأ 78:36
- النبأ 78:37
- النبأ 78:38
- النبأ 78:39
- النبأ 78:40
النبأ 78:1
قوله تعالى: ﴿عَمَّ يَتَسَآءَلُونَ * عَنِ ٱلنَّبَإِ ٱلْعَظِيمِ﴾، إلى قوله: ﴿(مَآءً) ثَجَّاجاً﴾.
أي: عن أي شيء يتساءل هؤلاء [المشركون] يا محمد؟، عن أي شيء يختصمون؟
فـ ﴿عَمَّ﴾ تحتاج إلى جواب، وجوابه ﴿عَنِ ٱلنَّبَإِ ٱلْعَظِيمِ﴾، وكان حقه أن يأتي الجواب من المسؤول، ولكن دل عليه ﴿عَنِ ٱلنَّبَإِ ٱلْعَظِيمِ﴾ وقام مقامه، وهو جواب لجوابهم، كأنهم قالوا: عم نتساءل؟ سألوا الجواب من السائل لهم، فقيل لهم: ﴿عَنِ ٱلنَّبَإِ ٱلْعَظِيمِ﴾.
ذكر أن قريشاً كانت تختصم فيما بينها [وتتجادل] في الذي دعاهم إليه رسول الله ﷺ من الإيمان بكتاب الله، فنزل هذا في اختصامهم. ثم بين - جل ذكره - ما الذي هم فيه يختصمون، فقال: ﴿عَنِ ٱلنَّبَإِ ٱلْعَظِيمِ﴾ (أي: يتساءلون عن النبأ)، ثم حذف لدلالة الأول [عليه]، فتقف على هذا على ﴿يَتَسَآءَلُونَ﴾. وقيل: [إن "عن"] متعلقة بهذا الفعل الظاهر.
والمعنى: لأي شيء يتساءل هؤلاء عن النبأ العظيم.
فلا تقف على هذا على ﴿يَتَسَآءَلُونَ﴾.
فأما النبأ، فقال مجاهد: "هو القرآن". وقال: قتادة: "هو البعث بعد الموت".
وقال ابن زيد: هو "يوم القيامة".
* *
- ثم قال: ﴿ٱلَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ﴾.
أي: منهم مصدق و [منهم] مكذب، إما بالقرآن وإما بالبعث.
قال قتادة: [صار] الناس [فرقتين] في البعث بعد الموت، (فمنهم مكذب)، ومنهم مصدق.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿كَلاَّ سَيَعْلَمُونَ﴾.
أي: ما الأمر كما يزعم هؤلاء أنه لا بعث. ثم قال: ﴿سَيَعْلَمُونَ﴾ على الوعيد والتهدد، أي: سيعلم (هؤلاء) المنكرون للبعث [وعيد] الله لهم أحق هو أم باطل.
ثم أكد الوعيد فقال: ﴿ثُمَّ كَلاَّ سَيَعْلَمُونَ﴾.
أي: ثم ليس الأمر على ما [قالوا] إنه لا بعث، سيعلمون وعيد الله لهم أحق هو أم باطل.
ويجوز أن يكون "كلا" بمعنى "حَقّاً" في الموضعين، وبمعنى "أَلاَ".
وهذا التفسير إنما هو على قول من قال: إن [النبأ] العظيم: البعث ويوم القيامة.
فأما من قال هو القرآن فيكون معناه: كلا سيعلمون (عاقبة تكذيبهم لهذا القرآن ثم كلا سيعملون) ذلك على التأكيد والوعيد وتكون "كلا" بمعنى (حقاً) أو بمعنى "ألا"، ويجوز أن تكون [بمعنى "لا"]، أي: [لا، لا اختلاف] (في) القرآن، وهو قول نصير ولم يجزه أبو حاتم.
وقال الضحاك تقديره: كلا سيعلم الكافرون ثم كلا سيعلم المؤمنون. فالوقف [على ﴿سَيَعْلَمُونَ﴾] الأول وعلى ﴿سَيَعْلَمُونَ﴾ الثاني.
والوقف عند أكثرهم على سيعلمون الثاني.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ ٱلأَرْضَ مِهَٰداً * وَٱلْجِبَالَ أَوْتَاداً﴾.
أي: ألم أنعم عليكم أيها الخلق فجعلت لكم الأرض فراشاً تفترشونها، وجعلت الجبال أوتاداً للأرض أن تميد بكم؟!
* *
- ﴿وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجاً﴾.
- (أي) ذكراناً وإناثاً، وطوالاً وقصاراً؟!
* *
- ﴿وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتاً﴾.
أي: راحة (لكم ودعة تسكنون كأنكم أموات لا تشعرون؟! والسبات السكون)، وبذلك سمي السبت سبتاً لأنه يوم راحة ودعة.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا ٱلَّيلَ لِبَاساً﴾.
أي: غشاء لكم يتغشاكم سواده وتغطيكم ظلمته كما يغطي الثوب لابسه.
قال قتادة": ﴿ٱلَّيلَ لِبَاساً﴾ أي: "سكناً".
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا ٱلنَّهَارَ مَعَاشاً﴾.
(سمي النهار معاشاً لما كان يطلب المعاش فيه. وتقديره: وجعلنا النهار ذا معاش.
قال مجاهد: ﴿مَعَاشاً﴾ أي: "تبتغون فيه من فضل الله".
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعاً شِدَاداً﴾.
يعني السبع سماوات. وسمي بناء على عادة العرب، لأنهم يقولون لسقف البيت سماء، ويقولون له بناء.
ومعنى "شداد" أي: وثاقاً محكمة الخلق، لا صدوع فيهن ولا فطور، ولا يبليهن [مر] الليالي والأيام عليهن.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا سِرَاجاً وَهَّاجاً﴾.
(أي): شمساً وقادة مضيئة منيرة.
- قال تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلْمُعْصِرَاتِ مَآءً ثَجَّاجاً﴾.
أي: من السحائب ماء منصباً يتبع بعضه بعضاً كثج [دماء].
البدن كذا قال ابن عباس ومجاهد والربيع: الثجاج المنصب.
وقال ابن زيد: الثجاج: الكثير.
وأكثرهم على أنه المُنْصَبُّ. وهو اختيار الطبري. ومنه قول النبي ﷺ: "أَفْضَلُ الْحَجِّ الْعَجُّ والْثَّجُّ
[فالعج] رفع الصوت بالتلبية، والثَّجُّ [صَبُّ] دماء الهدايا والبدنِ، قال ابن عباس: المعصرات "السحاب".
وهو قول سفيان والربيع. وقال الحسن وسعيد بن جبير وقتادة: المعصرات: السماء.
وعن ابن عباس ومجاهد وعكرمة وقتادة: المعصرات: الرياح، لأنها تعصر في هبوبها. و (هو) قول ابن زيد.
ويلزم قائل هذا أن تكون القراءة: "وأَنْزَلْنَا بِالمُعْصِرَاتِ"، وبذلك قرأه عكرمة.
والمُعْصِرُ: المرأة التي قد دنا [حيضها] وإن لم تحض، فشبهت السحاب بها [للمطر] الذي فيها.
النبأ 78:2
قوله تعالى: ﴿عَمَّ يَتَسَآءَلُونَ * عَنِ ٱلنَّبَإِ ٱلْعَظِيمِ﴾، إلى قوله: ﴿(مَآءً) ثَجَّاجاً﴾.
أي: عن أي شيء يتساءل هؤلاء [المشركون] يا محمد؟، عن أي شيء يختصمون؟
فـ ﴿عَمَّ﴾ تحتاج إلى جواب، وجوابه ﴿عَنِ ٱلنَّبَإِ ٱلْعَظِيمِ﴾، وكان حقه أن يأتي الجواب من المسؤول، ولكن دل عليه ﴿عَنِ ٱلنَّبَإِ ٱلْعَظِيمِ﴾ وقام مقامه، وهو جواب لجوابهم، كأنهم قالوا: عم نتساءل؟ سألوا الجواب من السائل لهم، فقيل لهم: ﴿عَنِ ٱلنَّبَإِ ٱلْعَظِيمِ﴾.
ذكر أن قريشاً كانت تختصم فيما بينها [وتتجادل] في الذي دعاهم إليه رسول الله ﷺ من الإيمان بكتاب الله، فنزل هذا في اختصامهم. ثم بين - جل ذكره - ما الذي هم فيه يختصمون، فقال: ﴿عَنِ ٱلنَّبَإِ ٱلْعَظِيمِ﴾ (أي: يتساءلون عن النبأ)، ثم حذف لدلالة الأول [عليه]، فتقف على هذا على ﴿يَتَسَآءَلُونَ﴾. وقيل: [إن "عن"] متعلقة بهذا الفعل الظاهر.
والمعنى: لأي شيء يتساءل هؤلاء عن النبأ العظيم.
فلا تقف على هذا على ﴿يَتَسَآءَلُونَ﴾.
فأما النبأ، فقال مجاهد: "هو القرآن". وقال: قتادة: "هو البعث بعد الموت".
وقال ابن زيد: هو "يوم القيامة".
* *
- ثم قال: ﴿ٱلَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ﴾.
أي: منهم مصدق و [منهم] مكذب، إما بالقرآن وإما بالبعث.
قال قتادة: [صار] الناس [فرقتين] في البعث بعد الموت، (فمنهم مكذب)، ومنهم مصدق.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿كَلاَّ سَيَعْلَمُونَ﴾.
أي: ما الأمر كما يزعم هؤلاء أنه لا بعث. ثم قال: ﴿سَيَعْلَمُونَ﴾ على الوعيد والتهدد، أي: سيعلم (هؤلاء) المنكرون للبعث [وعيد] الله لهم أحق هو أم باطل.
ثم أكد الوعيد فقال: ﴿ثُمَّ كَلاَّ سَيَعْلَمُونَ﴾.
أي: ثم ليس الأمر على ما [قالوا] إنه لا بعث، سيعلمون وعيد الله لهم أحق هو أم باطل.
ويجوز أن يكون "كلا" بمعنى "حَقّاً" في الموضعين، وبمعنى "أَلاَ".
وهذا التفسير إنما هو على قول من قال: إن [النبأ] العظيم: البعث ويوم القيامة.
فأما من قال هو القرآن فيكون معناه: كلا سيعلمون (عاقبة تكذيبهم لهذا القرآن ثم كلا سيعملون) ذلك على التأكيد والوعيد وتكون "كلا" بمعنى (حقاً) أو بمعنى "ألا"، ويجوز أن تكون [بمعنى "لا"]، أي: [لا، لا اختلاف] (في) القرآن، وهو قول نصير ولم يجزه أبو حاتم.
وقال الضحاك تقديره: كلا سيعلم الكافرون ثم كلا سيعلم المؤمنون. فالوقف [على ﴿سَيَعْلَمُونَ﴾] الأول وعلى ﴿سَيَعْلَمُونَ﴾ الثاني.
والوقف عند أكثرهم على سيعلمون الثاني.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ ٱلأَرْضَ مِهَٰداً * وَٱلْجِبَالَ أَوْتَاداً﴾.
أي: ألم أنعم عليكم أيها الخلق فجعلت لكم الأرض فراشاً تفترشونها، وجعلت الجبال أوتاداً للأرض أن تميد بكم؟!
* *
- ﴿وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجاً﴾.
- (أي) ذكراناً وإناثاً، وطوالاً وقصاراً؟!
* *
- ﴿وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتاً﴾.
أي: راحة (لكم ودعة تسكنون كأنكم أموات لا تشعرون؟! والسبات السكون)، وبذلك سمي السبت سبتاً لأنه يوم راحة ودعة.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا ٱلَّيلَ لِبَاساً﴾.
أي: غشاء لكم يتغشاكم سواده وتغطيكم ظلمته كما يغطي الثوب لابسه.
قال قتادة": ﴿ٱلَّيلَ لِبَاساً﴾ أي: "سكناً".
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا ٱلنَّهَارَ مَعَاشاً﴾.
(سمي النهار معاشاً لما كان يطلب المعاش فيه. وتقديره: وجعلنا النهار ذا معاش.
قال مجاهد: ﴿مَعَاشاً﴾ أي: "تبتغون فيه من فضل الله".
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعاً شِدَاداً﴾.
يعني السبع سماوات. وسمي بناء على عادة العرب، لأنهم يقولون لسقف البيت سماء، ويقولون له بناء.
ومعنى "شداد" أي: وثاقاً محكمة الخلق، لا صدوع فيهن ولا فطور، ولا يبليهن [مر] الليالي والأيام عليهن.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا سِرَاجاً وَهَّاجاً﴾.
(أي): شمساً وقادة مضيئة منيرة.
- قال تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلْمُعْصِرَاتِ مَآءً ثَجَّاجاً﴾.
أي: من السحائب ماء منصباً يتبع بعضه بعضاً كثج [دماء].
البدن كذا قال ابن عباس ومجاهد والربيع: الثجاج المنصب.
وقال ابن زيد: الثجاج: الكثير.
وأكثرهم على أنه المُنْصَبُّ. وهو اختيار الطبري. ومنه قول النبي ﷺ: "أَفْضَلُ الْحَجِّ الْعَجُّ والْثَّجُّ
[فالعج] رفع الصوت بالتلبية، والثَّجُّ [صَبُّ] دماء الهدايا والبدنِ، قال ابن عباس: المعصرات "السحاب".
وهو قول سفيان والربيع. وقال الحسن وسعيد بن جبير وقتادة: المعصرات: السماء.
وعن ابن عباس ومجاهد وعكرمة وقتادة: المعصرات: الرياح، لأنها تعصر في هبوبها. و (هو) قول ابن زيد.
ويلزم قائل هذا أن تكون القراءة: "وأَنْزَلْنَا بِالمُعْصِرَاتِ"، وبذلك قرأه عكرمة.
والمُعْصِرُ: المرأة التي قد دنا [حيضها] وإن لم تحض، فشبهت السحاب بها [للمطر] الذي فيها.
النبأ 78:3
قوله تعالى: ﴿عَمَّ يَتَسَآءَلُونَ * عَنِ ٱلنَّبَإِ ٱلْعَظِيمِ﴾، إلى قوله: ﴿(مَآءً) ثَجَّاجاً﴾.
أي: عن أي شيء يتساءل هؤلاء [المشركون] يا محمد؟، عن أي شيء يختصمون؟
فـ ﴿عَمَّ﴾ تحتاج إلى جواب، وجوابه ﴿عَنِ ٱلنَّبَإِ ٱلْعَظِيمِ﴾، وكان حقه أن يأتي الجواب من المسؤول، ولكن دل عليه ﴿عَنِ ٱلنَّبَإِ ٱلْعَظِيمِ﴾ وقام مقامه، وهو جواب لجوابهم، كأنهم قالوا: عم نتساءل؟ سألوا الجواب من السائل لهم، فقيل لهم: ﴿عَنِ ٱلنَّبَإِ ٱلْعَظِيمِ﴾.
ذكر أن قريشاً كانت تختصم فيما بينها [وتتجادل] في الذي دعاهم إليه رسول الله ﷺ من الإيمان بكتاب الله، فنزل هذا في اختصامهم. ثم بين - جل ذكره - ما الذي هم فيه يختصمون، فقال: ﴿عَنِ ٱلنَّبَإِ ٱلْعَظِيمِ﴾ (أي: يتساءلون عن النبأ)، ثم حذف لدلالة الأول [عليه]، فتقف على هذا على ﴿يَتَسَآءَلُونَ﴾. وقيل: [إن "عن"] متعلقة بهذا الفعل الظاهر.
والمعنى: لأي شيء يتساءل هؤلاء عن النبأ العظيم.
فلا تقف على هذا على ﴿يَتَسَآءَلُونَ﴾.
فأما النبأ، فقال مجاهد: "هو القرآن". وقال: قتادة: "هو البعث بعد الموت".
وقال ابن زيد: هو "يوم القيامة".
* *
- ثم قال: ﴿ٱلَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ﴾.
أي: منهم مصدق و [منهم] مكذب، إما بالقرآن وإما بالبعث.
قال قتادة: [صار] الناس [فرقتين] في البعث بعد الموت، (فمنهم مكذب)، ومنهم مصدق.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿كَلاَّ سَيَعْلَمُونَ﴾.
أي: ما الأمر كما يزعم هؤلاء أنه لا بعث. ثم قال: ﴿سَيَعْلَمُونَ﴾ على الوعيد والتهدد، أي: سيعلم (هؤلاء) المنكرون للبعث [وعيد] الله لهم أحق هو أم باطل.
ثم أكد الوعيد فقال: ﴿ثُمَّ كَلاَّ سَيَعْلَمُونَ﴾.
أي: ثم ليس الأمر على ما [قالوا] إنه لا بعث، سيعلمون وعيد الله لهم أحق هو أم باطل.
ويجوز أن يكون "كلا" بمعنى "حَقّاً" في الموضعين، وبمعنى "أَلاَ".
وهذا التفسير إنما هو على قول من قال: إن [النبأ] العظيم: البعث ويوم القيامة.
فأما من قال هو القرآن فيكون معناه: كلا سيعلمون (عاقبة تكذيبهم لهذا القرآن ثم كلا سيعملون) ذلك على التأكيد والوعيد وتكون "كلا" بمعنى (حقاً) أو بمعنى "ألا"، ويجوز أن تكون [بمعنى "لا"]، أي: [لا، لا اختلاف] (في) القرآن، وهو قول نصير ولم يجزه أبو حاتم.
وقال الضحاك تقديره: كلا سيعلم الكافرون ثم كلا سيعلم المؤمنون. فالوقف [على ﴿سَيَعْلَمُونَ﴾] الأول وعلى ﴿سَيَعْلَمُونَ﴾ الثاني.
والوقف عند أكثرهم على سيعلمون الثاني.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ ٱلأَرْضَ مِهَٰداً * وَٱلْجِبَالَ أَوْتَاداً﴾.
أي: ألم أنعم عليكم أيها الخلق فجعلت لكم الأرض فراشاً تفترشونها، وجعلت الجبال أوتاداً للأرض أن تميد بكم؟!
* *
- ﴿وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجاً﴾.
- (أي) ذكراناً وإناثاً، وطوالاً وقصاراً؟!
* *
- ﴿وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتاً﴾.
أي: راحة (لكم ودعة تسكنون كأنكم أموات لا تشعرون؟! والسبات السكون)، وبذلك سمي السبت سبتاً لأنه يوم راحة ودعة.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا ٱلَّيلَ لِبَاساً﴾.
أي: غشاء لكم يتغشاكم سواده وتغطيكم ظلمته كما يغطي الثوب لابسه.
قال قتادة": ﴿ٱلَّيلَ لِبَاساً﴾ أي: "سكناً".
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا ٱلنَّهَارَ مَعَاشاً﴾.
(سمي النهار معاشاً لما كان يطلب المعاش فيه. وتقديره: وجعلنا النهار ذا معاش.
قال مجاهد: ﴿مَعَاشاً﴾ أي: "تبتغون فيه من فضل الله".
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعاً شِدَاداً﴾.
يعني السبع سماوات. وسمي بناء على عادة العرب، لأنهم يقولون لسقف البيت سماء، ويقولون له بناء.
ومعنى "شداد" أي: وثاقاً محكمة الخلق، لا صدوع فيهن ولا فطور، ولا يبليهن [مر] الليالي والأيام عليهن.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا سِرَاجاً وَهَّاجاً﴾.
(أي): شمساً وقادة مضيئة منيرة.
- قال تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلْمُعْصِرَاتِ مَآءً ثَجَّاجاً﴾.
أي: من السحائب ماء منصباً يتبع بعضه بعضاً كثج [دماء].
البدن كذا قال ابن عباس ومجاهد والربيع: الثجاج المنصب.
وقال ابن زيد: الثجاج: الكثير.
وأكثرهم على أنه المُنْصَبُّ. وهو اختيار الطبري. ومنه قول النبي ﷺ: "أَفْضَلُ الْحَجِّ الْعَجُّ والْثَّجُّ
[فالعج] رفع الصوت بالتلبية، والثَّجُّ [صَبُّ] دماء الهدايا والبدنِ، قال ابن عباس: المعصرات "السحاب".
وهو قول سفيان والربيع. وقال الحسن وسعيد بن جبير وقتادة: المعصرات: السماء.
وعن ابن عباس ومجاهد وعكرمة وقتادة: المعصرات: الرياح، لأنها تعصر في هبوبها. و (هو) قول ابن زيد.
ويلزم قائل هذا أن تكون القراءة: "وأَنْزَلْنَا بِالمُعْصِرَاتِ"، وبذلك قرأه عكرمة.
والمُعْصِرُ: المرأة التي قد دنا [حيضها] وإن لم تحض، فشبهت السحاب بها [للمطر] الذي فيها.
النبأ 78:4
قوله تعالى: ﴿عَمَّ يَتَسَآءَلُونَ * عَنِ ٱلنَّبَإِ ٱلْعَظِيمِ﴾، إلى قوله: ﴿(مَآءً) ثَجَّاجاً﴾.
أي: عن أي شيء يتساءل هؤلاء [المشركون] يا محمد؟، عن أي شيء يختصمون؟
فـ ﴿عَمَّ﴾ تحتاج إلى جواب، وجوابه ﴿عَنِ ٱلنَّبَإِ ٱلْعَظِيمِ﴾، وكان حقه أن يأتي الجواب من المسؤول، ولكن دل عليه ﴿عَنِ ٱلنَّبَإِ ٱلْعَظِيمِ﴾ وقام مقامه، وهو جواب لجوابهم، كأنهم قالوا: عم نتساءل؟ سألوا الجواب من السائل لهم، فقيل لهم: ﴿عَنِ ٱلنَّبَإِ ٱلْعَظِيمِ﴾.
ذكر أن قريشاً كانت تختصم فيما بينها [وتتجادل] في الذي دعاهم إليه رسول الله ﷺ من الإيمان بكتاب الله، فنزل هذا في اختصامهم. ثم بين - جل ذكره - ما الذي هم فيه يختصمون، فقال: ﴿عَنِ ٱلنَّبَإِ ٱلْعَظِيمِ﴾ (أي: يتساءلون عن النبأ)، ثم حذف لدلالة الأول [عليه]، فتقف على هذا على ﴿يَتَسَآءَلُونَ﴾. وقيل: [إن "عن"] متعلقة بهذا الفعل الظاهر.
والمعنى: لأي شيء يتساءل هؤلاء عن النبأ العظيم.
فلا تقف على هذا على ﴿يَتَسَآءَلُونَ﴾.
فأما النبأ، فقال مجاهد: "هو القرآن". وقال: قتادة: "هو البعث بعد الموت".
وقال ابن زيد: هو "يوم القيامة".
* *
- ثم قال: ﴿ٱلَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ﴾.
أي: منهم مصدق و [منهم] مكذب، إما بالقرآن وإما بالبعث.
قال قتادة: [صار] الناس [فرقتين] في البعث بعد الموت، (فمنهم مكذب)، ومنهم مصدق.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿كَلاَّ سَيَعْلَمُونَ﴾.
أي: ما الأمر كما يزعم هؤلاء أنه لا بعث. ثم قال: ﴿سَيَعْلَمُونَ﴾ على الوعيد والتهدد، أي: سيعلم (هؤلاء) المنكرون للبعث [وعيد] الله لهم أحق هو أم باطل.
ثم أكد الوعيد فقال: ﴿ثُمَّ كَلاَّ سَيَعْلَمُونَ﴾.
أي: ثم ليس الأمر على ما [قالوا] إنه لا بعث، سيعلمون وعيد الله لهم أحق هو أم باطل.
ويجوز أن يكون "كلا" بمعنى "حَقّاً" في الموضعين، وبمعنى "أَلاَ".
وهذا التفسير إنما هو على قول من قال: إن [النبأ] العظيم: البعث ويوم القيامة.
فأما من قال هو القرآن فيكون معناه: كلا سيعلمون (عاقبة تكذيبهم لهذا القرآن ثم كلا سيعملون) ذلك على التأكيد والوعيد وتكون "كلا" بمعنى (حقاً) أو بمعنى "ألا"، ويجوز أن تكون [بمعنى "لا"]، أي: [لا، لا اختلاف] (في) القرآن، وهو قول نصير ولم يجزه أبو حاتم.
وقال الضحاك تقديره: كلا سيعلم الكافرون ثم كلا سيعلم المؤمنون. فالوقف [على ﴿سَيَعْلَمُونَ﴾] الأول وعلى ﴿سَيَعْلَمُونَ﴾ الثاني.
والوقف عند أكثرهم على سيعلمون الثاني.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ ٱلأَرْضَ مِهَٰداً * وَٱلْجِبَالَ أَوْتَاداً﴾.
أي: ألم أنعم عليكم أيها الخلق فجعلت لكم الأرض فراشاً تفترشونها، وجعلت الجبال أوتاداً للأرض أن تميد بكم؟!
* *
- ﴿وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجاً﴾.
- (أي) ذكراناً وإناثاً، وطوالاً وقصاراً؟!
* *
- ﴿وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتاً﴾.
أي: راحة (لكم ودعة تسكنون كأنكم أموات لا تشعرون؟! والسبات السكون)، وبذلك سمي السبت سبتاً لأنه يوم راحة ودعة.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا ٱلَّيلَ لِبَاساً﴾.
أي: غشاء لكم يتغشاكم سواده وتغطيكم ظلمته كما يغطي الثوب لابسه.
قال قتادة": ﴿ٱلَّيلَ لِبَاساً﴾ أي: "سكناً".
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا ٱلنَّهَارَ مَعَاشاً﴾.
(سمي النهار معاشاً لما كان يطلب المعاش فيه. وتقديره: وجعلنا النهار ذا معاش.
قال مجاهد: ﴿مَعَاشاً﴾ أي: "تبتغون فيه من فضل الله".
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعاً شِدَاداً﴾.
يعني السبع سماوات. وسمي بناء على عادة العرب، لأنهم يقولون لسقف البيت سماء، ويقولون له بناء.
ومعنى "شداد" أي: وثاقاً محكمة الخلق، لا صدوع فيهن ولا فطور، ولا يبليهن [مر] الليالي والأيام عليهن.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا سِرَاجاً وَهَّاجاً﴾.
(أي): شمساً وقادة مضيئة منيرة.
- قال تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلْمُعْصِرَاتِ مَآءً ثَجَّاجاً﴾.
أي: من السحائب ماء منصباً يتبع بعضه بعضاً كثج [دماء].
البدن كذا قال ابن عباس ومجاهد والربيع: الثجاج المنصب.
وقال ابن زيد: الثجاج: الكثير.
وأكثرهم على أنه المُنْصَبُّ. وهو اختيار الطبري. ومنه قول النبي ﷺ: "أَفْضَلُ الْحَجِّ الْعَجُّ والْثَّجُّ
[فالعج] رفع الصوت بالتلبية، والثَّجُّ [صَبُّ] دماء الهدايا والبدنِ، قال ابن عباس: المعصرات "السحاب".
وهو قول سفيان والربيع. وقال الحسن وسعيد بن جبير وقتادة: المعصرات: السماء.
وعن ابن عباس ومجاهد وعكرمة وقتادة: المعصرات: الرياح، لأنها تعصر في هبوبها. و (هو) قول ابن زيد.
ويلزم قائل هذا أن تكون القراءة: "وأَنْزَلْنَا بِالمُعْصِرَاتِ"، وبذلك قرأه عكرمة.
والمُعْصِرُ: المرأة التي قد دنا [حيضها] وإن لم تحض، فشبهت السحاب بها [للمطر] الذي فيها.
النبأ 78:5
قوله تعالى: ﴿عَمَّ يَتَسَآءَلُونَ * عَنِ ٱلنَّبَإِ ٱلْعَظِيمِ﴾، إلى قوله: ﴿(مَآءً) ثَجَّاجاً﴾.
أي: عن أي شيء يتساءل هؤلاء [المشركون] يا محمد؟، عن أي شيء يختصمون؟
فـ ﴿عَمَّ﴾ تحتاج إلى جواب، وجوابه ﴿عَنِ ٱلنَّبَإِ ٱلْعَظِيمِ﴾، وكان حقه أن يأتي الجواب من المسؤول، ولكن دل عليه ﴿عَنِ ٱلنَّبَإِ ٱلْعَظِيمِ﴾ وقام مقامه، وهو جواب لجوابهم، كأنهم قالوا: عم نتساءل؟ سألوا الجواب من السائل لهم، فقيل لهم: ﴿عَنِ ٱلنَّبَإِ ٱلْعَظِيمِ﴾.
ذكر أن قريشاً كانت تختصم فيما بينها [وتتجادل] في الذي دعاهم إليه رسول الله ﷺ من الإيمان بكتاب الله، فنزل هذا في اختصامهم. ثم بين - جل ذكره - ما الذي هم فيه يختصمون، فقال: ﴿عَنِ ٱلنَّبَإِ ٱلْعَظِيمِ﴾ (أي: يتساءلون عن النبأ)، ثم حذف لدلالة الأول [عليه]، فتقف على هذا على ﴿يَتَسَآءَلُونَ﴾. وقيل: [إن "عن"] متعلقة بهذا الفعل الظاهر.
والمعنى: لأي شيء يتساءل هؤلاء عن النبأ العظيم.
فلا تقف على هذا على ﴿يَتَسَآءَلُونَ﴾.
فأما النبأ، فقال مجاهد: "هو القرآن". وقال: قتادة: "هو البعث بعد الموت".
وقال ابن زيد: هو "يوم القيامة".
* *
- ثم قال: ﴿ٱلَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ﴾.
أي: منهم مصدق و [منهم] مكذب، إما بالقرآن وإما بالبعث.
قال قتادة: [صار] الناس [فرقتين] في البعث بعد الموت، (فمنهم مكذب)، ومنهم مصدق.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿كَلاَّ سَيَعْلَمُونَ﴾.
أي: ما الأمر كما يزعم هؤلاء أنه لا بعث. ثم قال: ﴿سَيَعْلَمُونَ﴾ على الوعيد والتهدد، أي: سيعلم (هؤلاء) المنكرون للبعث [وعيد] الله لهم أحق هو أم باطل.
ثم أكد الوعيد فقال: ﴿ثُمَّ كَلاَّ سَيَعْلَمُونَ﴾.
أي: ثم ليس الأمر على ما [قالوا] إنه لا بعث، سيعلمون وعيد الله لهم أحق هو أم باطل.
ويجوز أن يكون "كلا" بمعنى "حَقّاً" في الموضعين، وبمعنى "أَلاَ".
وهذا التفسير إنما هو على قول من قال: إن [النبأ] العظيم: البعث ويوم القيامة.
فأما من قال هو القرآن فيكون معناه: كلا سيعلمون (عاقبة تكذيبهم لهذا القرآن ثم كلا سيعملون) ذلك على التأكيد والوعيد وتكون "كلا" بمعنى (حقاً) أو بمعنى "ألا"، ويجوز أن تكون [بمعنى "لا"]، أي: [لا، لا اختلاف] (في) القرآن، وهو قول نصير ولم يجزه أبو حاتم.
وقال الضحاك تقديره: كلا سيعلم الكافرون ثم كلا سيعلم المؤمنون. فالوقف [على ﴿سَيَعْلَمُونَ﴾] الأول وعلى ﴿سَيَعْلَمُونَ﴾ الثاني.
والوقف عند أكثرهم على سيعلمون الثاني.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ ٱلأَرْضَ مِهَٰداً * وَٱلْجِبَالَ أَوْتَاداً﴾.
أي: ألم أنعم عليكم أيها الخلق فجعلت لكم الأرض فراشاً تفترشونها، وجعلت الجبال أوتاداً للأرض أن تميد بكم؟!
* *
- ﴿وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجاً﴾.
- (أي) ذكراناً وإناثاً، وطوالاً وقصاراً؟!
* *
- ﴿وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتاً﴾.
أي: راحة (لكم ودعة تسكنون كأنكم أموات لا تشعرون؟! والسبات السكون)، وبذلك سمي السبت سبتاً لأنه يوم راحة ودعة.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا ٱلَّيلَ لِبَاساً﴾.
أي: غشاء لكم يتغشاكم سواده وتغطيكم ظلمته كما يغطي الثوب لابسه.
قال قتادة": ﴿ٱلَّيلَ لِبَاساً﴾ أي: "سكناً".
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا ٱلنَّهَارَ مَعَاشاً﴾.
(سمي النهار معاشاً لما كان يطلب المعاش فيه. وتقديره: وجعلنا النهار ذا معاش.
قال مجاهد: ﴿مَعَاشاً﴾ أي: "تبتغون فيه من فضل الله".
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعاً شِدَاداً﴾.
يعني السبع سماوات. وسمي بناء على عادة العرب، لأنهم يقولون لسقف البيت سماء، ويقولون له بناء.
ومعنى "شداد" أي: وثاقاً محكمة الخلق، لا صدوع فيهن ولا فطور، ولا يبليهن [مر] الليالي والأيام عليهن.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا سِرَاجاً وَهَّاجاً﴾.
(أي): شمساً وقادة مضيئة منيرة.
- قال تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلْمُعْصِرَاتِ مَآءً ثَجَّاجاً﴾.
أي: من السحائب ماء منصباً يتبع بعضه بعضاً كثج [دماء].
البدن كذا قال ابن عباس ومجاهد والربيع: الثجاج المنصب.
وقال ابن زيد: الثجاج: الكثير.
وأكثرهم على أنه المُنْصَبُّ. وهو اختيار الطبري. ومنه قول النبي ﷺ: "أَفْضَلُ الْحَجِّ الْعَجُّ والْثَّجُّ
[فالعج] رفع الصوت بالتلبية، والثَّجُّ [صَبُّ] دماء الهدايا والبدنِ، قال ابن عباس: المعصرات "السحاب".
وهو قول سفيان والربيع. وقال الحسن وسعيد بن جبير وقتادة: المعصرات: السماء.
وعن ابن عباس ومجاهد وعكرمة وقتادة: المعصرات: الرياح، لأنها تعصر في هبوبها. و (هو) قول ابن زيد.
ويلزم قائل هذا أن تكون القراءة: "وأَنْزَلْنَا بِالمُعْصِرَاتِ"، وبذلك قرأه عكرمة.
والمُعْصِرُ: المرأة التي قد دنا [حيضها] وإن لم تحض، فشبهت السحاب بها [للمطر] الذي فيها.
النبأ 78:6
قوله تعالى: ﴿عَمَّ يَتَسَآءَلُونَ * عَنِ ٱلنَّبَإِ ٱلْعَظِيمِ﴾، إلى قوله: ﴿(مَآءً) ثَجَّاجاً﴾.
أي: عن أي شيء يتساءل هؤلاء [المشركون] يا محمد؟، عن أي شيء يختصمون؟
فـ ﴿عَمَّ﴾ تحتاج إلى جواب، وجوابه ﴿عَنِ ٱلنَّبَإِ ٱلْعَظِيمِ﴾، وكان حقه أن يأتي الجواب من المسؤول، ولكن دل عليه ﴿عَنِ ٱلنَّبَإِ ٱلْعَظِيمِ﴾ وقام مقامه، وهو جواب لجوابهم، كأنهم قالوا: عم نتساءل؟ سألوا الجواب من السائل لهم، فقيل لهم: ﴿عَنِ ٱلنَّبَإِ ٱلْعَظِيمِ﴾.
ذكر أن قريشاً كانت تختصم فيما بينها [وتتجادل] في الذي دعاهم إليه رسول الله ﷺ من الإيمان بكتاب الله، فنزل هذا في اختصامهم. ثم بين - جل ذكره - ما الذي هم فيه يختصمون، فقال: ﴿عَنِ ٱلنَّبَإِ ٱلْعَظِيمِ﴾ (أي: يتساءلون عن النبأ)، ثم حذف لدلالة الأول [عليه]، فتقف على هذا على ﴿يَتَسَآءَلُونَ﴾. وقيل: [إن "عن"] متعلقة بهذا الفعل الظاهر.
والمعنى: لأي شيء يتساءل هؤلاء عن النبأ العظيم.
فلا تقف على هذا على ﴿يَتَسَآءَلُونَ﴾.
فأما النبأ، فقال مجاهد: "هو القرآن". وقال: قتادة: "هو البعث بعد الموت".
وقال ابن زيد: هو "يوم القيامة".
* *
- ثم قال: ﴿ٱلَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ﴾.
أي: منهم مصدق و [منهم] مكذب، إما بالقرآن وإما بالبعث.
قال قتادة: [صار] الناس [فرقتين] في البعث بعد الموت، (فمنهم مكذب)، ومنهم مصدق.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿كَلاَّ سَيَعْلَمُونَ﴾.
أي: ما الأمر كما يزعم هؤلاء أنه لا بعث. ثم قال: ﴿سَيَعْلَمُونَ﴾ على الوعيد والتهدد، أي: سيعلم (هؤلاء) المنكرون للبعث [وعيد] الله لهم أحق هو أم باطل.
ثم أكد الوعيد فقال: ﴿ثُمَّ كَلاَّ سَيَعْلَمُونَ﴾.
أي: ثم ليس الأمر على ما [قالوا] إنه لا بعث، سيعلمون وعيد الله لهم أحق هو أم باطل.
ويجوز أن يكون "كلا" بمعنى "حَقّاً" في الموضعين، وبمعنى "أَلاَ".
وهذا التفسير إنما هو على قول من قال: إن [النبأ] العظيم: البعث ويوم القيامة.
فأما من قال هو القرآن فيكون معناه: كلا سيعلمون (عاقبة تكذيبهم لهذا القرآن ثم كلا سيعملون) ذلك على التأكيد والوعيد وتكون "كلا" بمعنى (حقاً) أو بمعنى "ألا"، ويجوز أن تكون [بمعنى "لا"]، أي: [لا، لا اختلاف] (في) القرآن، وهو قول نصير ولم يجزه أبو حاتم.
وقال الضحاك تقديره: كلا سيعلم الكافرون ثم كلا سيعلم المؤمنون. فالوقف [على ﴿سَيَعْلَمُونَ﴾] الأول وعلى ﴿سَيَعْلَمُونَ﴾ الثاني.
والوقف عند أكثرهم على سيعلمون الثاني.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ ٱلأَرْضَ مِهَٰداً * وَٱلْجِبَالَ أَوْتَاداً﴾.
أي: ألم أنعم عليكم أيها الخلق فجعلت لكم الأرض فراشاً تفترشونها، وجعلت الجبال أوتاداً للأرض أن تميد بكم؟!
* *
- ﴿وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجاً﴾.
- (أي) ذكراناً وإناثاً، وطوالاً وقصاراً؟!
* *
- ﴿وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتاً﴾.
أي: راحة (لكم ودعة تسكنون كأنكم أموات لا تشعرون؟! والسبات السكون)، وبذلك سمي السبت سبتاً لأنه يوم راحة ودعة.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا ٱلَّيلَ لِبَاساً﴾.
أي: غشاء لكم يتغشاكم سواده وتغطيكم ظلمته كما يغطي الثوب لابسه.
قال قتادة": ﴿ٱلَّيلَ لِبَاساً﴾ أي: "سكناً".
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا ٱلنَّهَارَ مَعَاشاً﴾.
(سمي النهار معاشاً لما كان يطلب المعاش فيه. وتقديره: وجعلنا النهار ذا معاش.
قال مجاهد: ﴿مَعَاشاً﴾ أي: "تبتغون فيه من فضل الله".
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعاً شِدَاداً﴾.
يعني السبع سماوات. وسمي بناء على عادة العرب، لأنهم يقولون لسقف البيت سماء، ويقولون له بناء.
ومعنى "شداد" أي: وثاقاً محكمة الخلق، لا صدوع فيهن ولا فطور، ولا يبليهن [مر] الليالي والأيام عليهن.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا سِرَاجاً وَهَّاجاً﴾.
(أي): شمساً وقادة مضيئة منيرة.
- قال تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلْمُعْصِرَاتِ مَآءً ثَجَّاجاً﴾.
أي: من السحائب ماء منصباً يتبع بعضه بعضاً كثج [دماء].
البدن كذا قال ابن عباس ومجاهد والربيع: الثجاج المنصب.
وقال ابن زيد: الثجاج: الكثير.
وأكثرهم على أنه المُنْصَبُّ. وهو اختيار الطبري. ومنه قول النبي ﷺ: "أَفْضَلُ الْحَجِّ الْعَجُّ والْثَّجُّ
[فالعج] رفع الصوت بالتلبية، والثَّجُّ [صَبُّ] دماء الهدايا والبدنِ، قال ابن عباس: المعصرات "السحاب".
وهو قول سفيان والربيع. وقال الحسن وسعيد بن جبير وقتادة: المعصرات: السماء.
وعن ابن عباس ومجاهد وعكرمة وقتادة: المعصرات: الرياح، لأنها تعصر في هبوبها. و (هو) قول ابن زيد.
ويلزم قائل هذا أن تكون القراءة: "وأَنْزَلْنَا بِالمُعْصِرَاتِ"، وبذلك قرأه عكرمة.
والمُعْصِرُ: المرأة التي قد دنا [حيضها] وإن لم تحض، فشبهت السحاب بها [للمطر] الذي فيها.
النبأ 78:7
قوله تعالى: ﴿عَمَّ يَتَسَآءَلُونَ * عَنِ ٱلنَّبَإِ ٱلْعَظِيمِ﴾، إلى قوله: ﴿(مَآءً) ثَجَّاجاً﴾.
أي: عن أي شيء يتساءل هؤلاء [المشركون] يا محمد؟، عن أي شيء يختصمون؟
فـ ﴿عَمَّ﴾ تحتاج إلى جواب، وجوابه ﴿عَنِ ٱلنَّبَإِ ٱلْعَظِيمِ﴾، وكان حقه أن يأتي الجواب من المسؤول، ولكن دل عليه ﴿عَنِ ٱلنَّبَإِ ٱلْعَظِيمِ﴾ وقام مقامه، وهو جواب لجوابهم، كأنهم قالوا: عم نتساءل؟ سألوا الجواب من السائل لهم، فقيل لهم: ﴿عَنِ ٱلنَّبَإِ ٱلْعَظِيمِ﴾.
ذكر أن قريشاً كانت تختصم فيما بينها [وتتجادل] في الذي دعاهم إليه رسول الله ﷺ من الإيمان بكتاب الله، فنزل هذا في اختصامهم. ثم بين - جل ذكره - ما الذي هم فيه يختصمون، فقال: ﴿عَنِ ٱلنَّبَإِ ٱلْعَظِيمِ﴾ (أي: يتساءلون عن النبأ)، ثم حذف لدلالة الأول [عليه]، فتقف على هذا على ﴿يَتَسَآءَلُونَ﴾. وقيل: [إن "عن"] متعلقة بهذا الفعل الظاهر.
والمعنى: لأي شيء يتساءل هؤلاء عن النبأ العظيم.
فلا تقف على هذا على ﴿يَتَسَآءَلُونَ﴾.
فأما النبأ، فقال مجاهد: "هو القرآن". وقال: قتادة: "هو البعث بعد الموت".
وقال ابن زيد: هو "يوم القيامة".
* *
- ثم قال: ﴿ٱلَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ﴾.
أي: منهم مصدق و [منهم] مكذب، إما بالقرآن وإما بالبعث.
قال قتادة: [صار] الناس [فرقتين] في البعث بعد الموت، (فمنهم مكذب)، ومنهم مصدق.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿كَلاَّ سَيَعْلَمُونَ﴾.
أي: ما الأمر كما يزعم هؤلاء أنه لا بعث. ثم قال: ﴿سَيَعْلَمُونَ﴾ على الوعيد والتهدد، أي: سيعلم (هؤلاء) المنكرون للبعث [وعيد] الله لهم أحق هو أم باطل.
ثم أكد الوعيد فقال: ﴿ثُمَّ كَلاَّ سَيَعْلَمُونَ﴾.
أي: ثم ليس الأمر على ما [قالوا] إنه لا بعث، سيعلمون وعيد الله لهم أحق هو أم باطل.
ويجوز أن يكون "كلا" بمعنى "حَقّاً" في الموضعين، وبمعنى "أَلاَ".
وهذا التفسير إنما هو على قول من قال: إن [النبأ] العظيم: البعث ويوم القيامة.
فأما من قال هو القرآن فيكون معناه: كلا سيعلمون (عاقبة تكذيبهم لهذا القرآن ثم كلا سيعملون) ذلك على التأكيد والوعيد وتكون "كلا" بمعنى (حقاً) أو بمعنى "ألا"، ويجوز أن تكون [بمعنى "لا"]، أي: [لا، لا اختلاف] (في) القرآن، وهو قول نصير ولم يجزه أبو حاتم.
وقال الضحاك تقديره: كلا سيعلم الكافرون ثم كلا سيعلم المؤمنون. فالوقف [على ﴿سَيَعْلَمُونَ﴾] الأول وعلى ﴿سَيَعْلَمُونَ﴾ الثاني.
والوقف عند أكثرهم على سيعلمون الثاني.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ ٱلأَرْضَ مِهَٰداً * وَٱلْجِبَالَ أَوْتَاداً﴾.
أي: ألم أنعم عليكم أيها الخلق فجعلت لكم الأرض فراشاً تفترشونها، وجعلت الجبال أوتاداً للأرض أن تميد بكم؟!
* *
- ﴿وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجاً﴾.
- (أي) ذكراناً وإناثاً، وطوالاً وقصاراً؟!
* *
- ﴿وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتاً﴾.
أي: راحة (لكم ودعة تسكنون كأنكم أموات لا تشعرون؟! والسبات السكون)، وبذلك سمي السبت سبتاً لأنه يوم راحة ودعة.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا ٱلَّيلَ لِبَاساً﴾.
أي: غشاء لكم يتغشاكم سواده وتغطيكم ظلمته كما يغطي الثوب لابسه.
قال قتادة": ﴿ٱلَّيلَ لِبَاساً﴾ أي: "سكناً".
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا ٱلنَّهَارَ مَعَاشاً﴾.
(سمي النهار معاشاً لما كان يطلب المعاش فيه. وتقديره: وجعلنا النهار ذا معاش.
قال مجاهد: ﴿مَعَاشاً﴾ أي: "تبتغون فيه من فضل الله".
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعاً شِدَاداً﴾.
يعني السبع سماوات. وسمي بناء على عادة العرب، لأنهم يقولون لسقف البيت سماء، ويقولون له بناء.
ومعنى "شداد" أي: وثاقاً محكمة الخلق، لا صدوع فيهن ولا فطور، ولا يبليهن [مر] الليالي والأيام عليهن.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا سِرَاجاً وَهَّاجاً﴾.
(أي): شمساً وقادة مضيئة منيرة.
- قال تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلْمُعْصِرَاتِ مَآءً ثَجَّاجاً﴾.
أي: من السحائب ماء منصباً يتبع بعضه بعضاً كثج [دماء].
البدن كذا قال ابن عباس ومجاهد والربيع: الثجاج المنصب.
وقال ابن زيد: الثجاج: الكثير.
وأكثرهم على أنه المُنْصَبُّ. وهو اختيار الطبري. ومنه قول النبي ﷺ: "أَفْضَلُ الْحَجِّ الْعَجُّ والْثَّجُّ
[فالعج] رفع الصوت بالتلبية، والثَّجُّ [صَبُّ] دماء الهدايا والبدنِ، قال ابن عباس: المعصرات "السحاب".
وهو قول سفيان والربيع. وقال الحسن وسعيد بن جبير وقتادة: المعصرات: السماء.
وعن ابن عباس ومجاهد وعكرمة وقتادة: المعصرات: الرياح، لأنها تعصر في هبوبها. و (هو) قول ابن زيد.
ويلزم قائل هذا أن تكون القراءة: "وأَنْزَلْنَا بِالمُعْصِرَاتِ"، وبذلك قرأه عكرمة.
والمُعْصِرُ: المرأة التي قد دنا [حيضها] وإن لم تحض، فشبهت السحاب بها [للمطر] الذي فيها.
النبأ 78:8
قوله تعالى: ﴿عَمَّ يَتَسَآءَلُونَ * عَنِ ٱلنَّبَإِ ٱلْعَظِيمِ﴾، إلى قوله: ﴿(مَآءً) ثَجَّاجاً﴾.
أي: عن أي شيء يتساءل هؤلاء [المشركون] يا محمد؟، عن أي شيء يختصمون؟
فـ ﴿عَمَّ﴾ تحتاج إلى جواب، وجوابه ﴿عَنِ ٱلنَّبَإِ ٱلْعَظِيمِ﴾، وكان حقه أن يأتي الجواب من المسؤول، ولكن دل عليه ﴿عَنِ ٱلنَّبَإِ ٱلْعَظِيمِ﴾ وقام مقامه، وهو جواب لجوابهم، كأنهم قالوا: عم نتساءل؟ سألوا الجواب من السائل لهم، فقيل لهم: ﴿عَنِ ٱلنَّبَإِ ٱلْعَظِيمِ﴾.
ذكر أن قريشاً كانت تختصم فيما بينها [وتتجادل] في الذي دعاهم إليه رسول الله ﷺ من الإيمان بكتاب الله، فنزل هذا في اختصامهم. ثم بين - جل ذكره - ما الذي هم فيه يختصمون، فقال: ﴿عَنِ ٱلنَّبَإِ ٱلْعَظِيمِ﴾ (أي: يتساءلون عن النبأ)، ثم حذف لدلالة الأول [عليه]، فتقف على هذا على ﴿يَتَسَآءَلُونَ﴾. وقيل: [إن "عن"] متعلقة بهذا الفعل الظاهر.
والمعنى: لأي شيء يتساءل هؤلاء عن النبأ العظيم.
فلا تقف على هذا على ﴿يَتَسَآءَلُونَ﴾.
فأما النبأ، فقال مجاهد: "هو القرآن". وقال: قتادة: "هو البعث بعد الموت".
وقال ابن زيد: هو "يوم القيامة".
* *
- ثم قال: ﴿ٱلَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ﴾.
أي: منهم مصدق و [منهم] مكذب، إما بالقرآن وإما بالبعث.
قال قتادة: [صار] الناس [فرقتين] في البعث بعد الموت، (فمنهم مكذب)، ومنهم مصدق.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿كَلاَّ سَيَعْلَمُونَ﴾.
أي: ما الأمر كما يزعم هؤلاء أنه لا بعث. ثم قال: ﴿سَيَعْلَمُونَ﴾ على الوعيد والتهدد، أي: سيعلم (هؤلاء) المنكرون للبعث [وعيد] الله لهم أحق هو أم باطل.
ثم أكد الوعيد فقال: ﴿ثُمَّ كَلاَّ سَيَعْلَمُونَ﴾.
أي: ثم ليس الأمر على ما [قالوا] إنه لا بعث، سيعلمون وعيد الله لهم أحق هو أم باطل.
ويجوز أن يكون "كلا" بمعنى "حَقّاً" في الموضعين، وبمعنى "أَلاَ".
وهذا التفسير إنما هو على قول من قال: إن [النبأ] العظيم: البعث ويوم القيامة.
فأما من قال هو القرآن فيكون معناه: كلا سيعلمون (عاقبة تكذيبهم لهذا القرآن ثم كلا سيعملون) ذلك على التأكيد والوعيد وتكون "كلا" بمعنى (حقاً) أو بمعنى "ألا"، ويجوز أن تكون [بمعنى "لا"]، أي: [لا، لا اختلاف] (في) القرآن، وهو قول نصير ولم يجزه أبو حاتم.
وقال الضحاك تقديره: كلا سيعلم الكافرون ثم كلا سيعلم المؤمنون. فالوقف [على ﴿سَيَعْلَمُونَ﴾] الأول وعلى ﴿سَيَعْلَمُونَ﴾ الثاني.
والوقف عند أكثرهم على سيعلمون الثاني.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ ٱلأَرْضَ مِهَٰداً * وَٱلْجِبَالَ أَوْتَاداً﴾.
أي: ألم أنعم عليكم أيها الخلق فجعلت لكم الأرض فراشاً تفترشونها، وجعلت الجبال أوتاداً للأرض أن تميد بكم؟!
* *
- ﴿وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجاً﴾.
- (أي) ذكراناً وإناثاً، وطوالاً وقصاراً؟!
* *
- ﴿وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتاً﴾.
أي: راحة (لكم ودعة تسكنون كأنكم أموات لا تشعرون؟! والسبات السكون)، وبذلك سمي السبت سبتاً لأنه يوم راحة ودعة.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا ٱلَّيلَ لِبَاساً﴾.
أي: غشاء لكم يتغشاكم سواده وتغطيكم ظلمته كما يغطي الثوب لابسه.
قال قتادة": ﴿ٱلَّيلَ لِبَاساً﴾ أي: "سكناً".
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا ٱلنَّهَارَ مَعَاشاً﴾.
(سمي النهار معاشاً لما كان يطلب المعاش فيه. وتقديره: وجعلنا النهار ذا معاش.
قال مجاهد: ﴿مَعَاشاً﴾ أي: "تبتغون فيه من فضل الله".
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعاً شِدَاداً﴾.
يعني السبع سماوات. وسمي بناء على عادة العرب، لأنهم يقولون لسقف البيت سماء، ويقولون له بناء.
ومعنى "شداد" أي: وثاقاً محكمة الخلق، لا صدوع فيهن ولا فطور، ولا يبليهن [مر] الليالي والأيام عليهن.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا سِرَاجاً وَهَّاجاً﴾.
(أي): شمساً وقادة مضيئة منيرة.
- قال تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلْمُعْصِرَاتِ مَآءً ثَجَّاجاً﴾.
أي: من السحائب ماء منصباً يتبع بعضه بعضاً كثج [دماء].
البدن كذا قال ابن عباس ومجاهد والربيع: الثجاج المنصب.
وقال ابن زيد: الثجاج: الكثير.
وأكثرهم على أنه المُنْصَبُّ. وهو اختيار الطبري. ومنه قول النبي ﷺ: "أَفْضَلُ الْحَجِّ الْعَجُّ والْثَّجُّ
[فالعج] رفع الصوت بالتلبية، والثَّجُّ [صَبُّ] دماء الهدايا والبدنِ، قال ابن عباس: المعصرات "السحاب".
وهو قول سفيان والربيع. وقال الحسن وسعيد بن جبير وقتادة: المعصرات: السماء.
وعن ابن عباس ومجاهد وعكرمة وقتادة: المعصرات: الرياح، لأنها تعصر في هبوبها. و (هو) قول ابن زيد.
ويلزم قائل هذا أن تكون القراءة: "وأَنْزَلْنَا بِالمُعْصِرَاتِ"، وبذلك قرأه عكرمة.
والمُعْصِرُ: المرأة التي قد دنا [حيضها] وإن لم تحض، فشبهت السحاب بها [للمطر] الذي فيها.
النبأ 78:9
قوله تعالى: ﴿عَمَّ يَتَسَآءَلُونَ * عَنِ ٱلنَّبَإِ ٱلْعَظِيمِ﴾، إلى قوله: ﴿(مَآءً) ثَجَّاجاً﴾.
أي: عن أي شيء يتساءل هؤلاء [المشركون] يا محمد؟، عن أي شيء يختصمون؟
فـ ﴿عَمَّ﴾ تحتاج إلى جواب، وجوابه ﴿عَنِ ٱلنَّبَإِ ٱلْعَظِيمِ﴾، وكان حقه أن يأتي الجواب من المسؤول، ولكن دل عليه ﴿عَنِ ٱلنَّبَإِ ٱلْعَظِيمِ﴾ وقام مقامه، وهو جواب لجوابهم، كأنهم قالوا: عم نتساءل؟ سألوا الجواب من السائل لهم، فقيل لهم: ﴿عَنِ ٱلنَّبَإِ ٱلْعَظِيمِ﴾.
ذكر أن قريشاً كانت تختصم فيما بينها [وتتجادل] في الذي دعاهم إليه رسول الله ﷺ من الإيمان بكتاب الله، فنزل هذا في اختصامهم. ثم بين - جل ذكره - ما الذي هم فيه يختصمون، فقال: ﴿عَنِ ٱلنَّبَإِ ٱلْعَظِيمِ﴾ (أي: يتساءلون عن النبأ)، ثم حذف لدلالة الأول [عليه]، فتقف على هذا على ﴿يَتَسَآءَلُونَ﴾. وقيل: [إن "عن"] متعلقة بهذا الفعل الظاهر.
والمعنى: لأي شيء يتساءل هؤلاء عن النبأ العظيم.
فلا تقف على هذا على ﴿يَتَسَآءَلُونَ﴾.
فأما النبأ، فقال مجاهد: "هو القرآن". وقال: قتادة: "هو البعث بعد الموت".
وقال ابن زيد: هو "يوم القيامة".
* *
- ثم قال: ﴿ٱلَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ﴾.
أي: منهم مصدق و [منهم] مكذب، إما بالقرآن وإما بالبعث.
قال قتادة: [صار] الناس [فرقتين] في البعث بعد الموت، (فمنهم مكذب)، ومنهم مصدق.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿كَلاَّ سَيَعْلَمُونَ﴾.
أي: ما الأمر كما يزعم هؤلاء أنه لا بعث. ثم قال: ﴿سَيَعْلَمُونَ﴾ على الوعيد والتهدد، أي: سيعلم (هؤلاء) المنكرون للبعث [وعيد] الله لهم أحق هو أم باطل.
ثم أكد الوعيد فقال: ﴿ثُمَّ كَلاَّ سَيَعْلَمُونَ﴾.
أي: ثم ليس الأمر على ما [قالوا] إنه لا بعث، سيعلمون وعيد الله لهم أحق هو أم باطل.
ويجوز أن يكون "كلا" بمعنى "حَقّاً" في الموضعين، وبمعنى "أَلاَ".
وهذا التفسير إنما هو على قول من قال: إن [النبأ] العظيم: البعث ويوم القيامة.
فأما من قال هو القرآن فيكون معناه: كلا سيعلمون (عاقبة تكذيبهم لهذا القرآن ثم كلا سيعملون) ذلك على التأكيد والوعيد وتكون "كلا" بمعنى (حقاً) أو بمعنى "ألا"، ويجوز أن تكون [بمعنى "لا"]، أي: [لا، لا اختلاف] (في) القرآن، وهو قول نصير ولم يجزه أبو حاتم.
وقال الضحاك تقديره: كلا سيعلم الكافرون ثم كلا سيعلم المؤمنون. فالوقف [على ﴿سَيَعْلَمُونَ﴾] الأول وعلى ﴿سَيَعْلَمُونَ﴾ الثاني.
والوقف عند أكثرهم على سيعلمون الثاني.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ ٱلأَرْضَ مِهَٰداً * وَٱلْجِبَالَ أَوْتَاداً﴾.
أي: ألم أنعم عليكم أيها الخلق فجعلت لكم الأرض فراشاً تفترشونها، وجعلت الجبال أوتاداً للأرض أن تميد بكم؟!
* *
- ﴿وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجاً﴾.
- (أي) ذكراناً وإناثاً، وطوالاً وقصاراً؟!
* *
- ﴿وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتاً﴾.
أي: راحة (لكم ودعة تسكنون كأنكم أموات لا تشعرون؟! والسبات السكون)، وبذلك سمي السبت سبتاً لأنه يوم راحة ودعة.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا ٱلَّيلَ لِبَاساً﴾.
أي: غشاء لكم يتغشاكم سواده وتغطيكم ظلمته كما يغطي الثوب لابسه.
قال قتادة": ﴿ٱلَّيلَ لِبَاساً﴾ أي: "سكناً".
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا ٱلنَّهَارَ مَعَاشاً﴾.
(سمي النهار معاشاً لما كان يطلب المعاش فيه. وتقديره: وجعلنا النهار ذا معاش.
قال مجاهد: ﴿مَعَاشاً﴾ أي: "تبتغون فيه من فضل الله".
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعاً شِدَاداً﴾.
يعني السبع سماوات. وسمي بناء على عادة العرب، لأنهم يقولون لسقف البيت سماء، ويقولون له بناء.
ومعنى "شداد" أي: وثاقاً محكمة الخلق، لا صدوع فيهن ولا فطور، ولا يبليهن [مر] الليالي والأيام عليهن.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا سِرَاجاً وَهَّاجاً﴾.
(أي): شمساً وقادة مضيئة منيرة.
- قال تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلْمُعْصِرَاتِ مَآءً ثَجَّاجاً﴾.
أي: من السحائب ماء منصباً يتبع بعضه بعضاً كثج [دماء].
البدن كذا قال ابن عباس ومجاهد والربيع: الثجاج المنصب.
وقال ابن زيد: الثجاج: الكثير.
وأكثرهم على أنه المُنْصَبُّ. وهو اختيار الطبري. ومنه قول النبي ﷺ: "أَفْضَلُ الْحَجِّ الْعَجُّ والْثَّجُّ
[فالعج] رفع الصوت بالتلبية، والثَّجُّ [صَبُّ] دماء الهدايا والبدنِ، قال ابن عباس: المعصرات "السحاب".
وهو قول سفيان والربيع. وقال الحسن وسعيد بن جبير وقتادة: المعصرات: السماء.
وعن ابن عباس ومجاهد وعكرمة وقتادة: المعصرات: الرياح، لأنها تعصر في هبوبها. و (هو) قول ابن زيد.
ويلزم قائل هذا أن تكون القراءة: "وأَنْزَلْنَا بِالمُعْصِرَاتِ"، وبذلك قرأه عكرمة.
والمُعْصِرُ: المرأة التي قد دنا [حيضها] وإن لم تحض، فشبهت السحاب بها [للمطر] الذي فيها.
النبأ 78:10
قوله تعالى: ﴿عَمَّ يَتَسَآءَلُونَ * عَنِ ٱلنَّبَإِ ٱلْعَظِيمِ﴾، إلى قوله: ﴿(مَآءً) ثَجَّاجاً﴾.
أي: عن أي شيء يتساءل هؤلاء [المشركون] يا محمد؟، عن أي شيء يختصمون؟
فـ ﴿عَمَّ﴾ تحتاج إلى جواب، وجوابه ﴿عَنِ ٱلنَّبَإِ ٱلْعَظِيمِ﴾، وكان حقه أن يأتي الجواب من المسؤول، ولكن دل عليه ﴿عَنِ ٱلنَّبَإِ ٱلْعَظِيمِ﴾ وقام مقامه، وهو جواب لجوابهم، كأنهم قالوا: عم نتساءل؟ سألوا الجواب من السائل لهم، فقيل لهم: ﴿عَنِ ٱلنَّبَإِ ٱلْعَظِيمِ﴾.
ذكر أن قريشاً كانت تختصم فيما بينها [وتتجادل] في الذي دعاهم إليه رسول الله ﷺ من الإيمان بكتاب الله، فنزل هذا في اختصامهم. ثم بين - جل ذكره - ما الذي هم فيه يختصمون، فقال: ﴿عَنِ ٱلنَّبَإِ ٱلْعَظِيمِ﴾ (أي: يتساءلون عن النبأ)، ثم حذف لدلالة الأول [عليه]، فتقف على هذا على ﴿يَتَسَآءَلُونَ﴾. وقيل: [إن "عن"] متعلقة بهذا الفعل الظاهر.
والمعنى: لأي شيء يتساءل هؤلاء عن النبأ العظيم.
فلا تقف على هذا على ﴿يَتَسَآءَلُونَ﴾.
فأما النبأ، فقال مجاهد: "هو القرآن". وقال: قتادة: "هو البعث بعد الموت".
وقال ابن زيد: هو "يوم القيامة".
* *
- ثم قال: ﴿ٱلَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ﴾.
أي: منهم مصدق و [منهم] مكذب، إما بالقرآن وإما بالبعث.
قال قتادة: [صار] الناس [فرقتين] في البعث بعد الموت، (فمنهم مكذب)، ومنهم مصدق.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿كَلاَّ سَيَعْلَمُونَ﴾.
أي: ما الأمر كما يزعم هؤلاء أنه لا بعث. ثم قال: ﴿سَيَعْلَمُونَ﴾ على الوعيد والتهدد، أي: سيعلم (هؤلاء) المنكرون للبعث [وعيد] الله لهم أحق هو أم باطل.
ثم أكد الوعيد فقال: ﴿ثُمَّ كَلاَّ سَيَعْلَمُونَ﴾.
أي: ثم ليس الأمر على ما [قالوا] إنه لا بعث، سيعلمون وعيد الله لهم أحق هو أم باطل.
ويجوز أن يكون "كلا" بمعنى "حَقّاً" في الموضعين، وبمعنى "أَلاَ".
وهذا التفسير إنما هو على قول من قال: إن [النبأ] العظيم: البعث ويوم القيامة.
فأما من قال هو القرآن فيكون معناه: كلا سيعلمون (عاقبة تكذيبهم لهذا القرآن ثم كلا سيعملون) ذلك على التأكيد والوعيد وتكون "كلا" بمعنى (حقاً) أو بمعنى "ألا"، ويجوز أن تكون [بمعنى "لا"]، أي: [لا، لا اختلاف] (في) القرآن، وهو قول نصير ولم يجزه أبو حاتم.
وقال الضحاك تقديره: كلا سيعلم الكافرون ثم كلا سيعلم المؤمنون. فالوقف [على ﴿سَيَعْلَمُونَ﴾] الأول وعلى ﴿سَيَعْلَمُونَ﴾ الثاني.
والوقف عند أكثرهم على سيعلمون الثاني.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ ٱلأَرْضَ مِهَٰداً * وَٱلْجِبَالَ أَوْتَاداً﴾.
أي: ألم أنعم عليكم أيها الخلق فجعلت لكم الأرض فراشاً تفترشونها، وجعلت الجبال أوتاداً للأرض أن تميد بكم؟!
* *
- ﴿وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجاً﴾.
- (أي) ذكراناً وإناثاً، وطوالاً وقصاراً؟!
* *
- ﴿وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتاً﴾.
أي: راحة (لكم ودعة تسكنون كأنكم أموات لا تشعرون؟! والسبات السكون)، وبذلك سمي السبت سبتاً لأنه يوم راحة ودعة.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا ٱلَّيلَ لِبَاساً﴾.
أي: غشاء لكم يتغشاكم سواده وتغطيكم ظلمته كما يغطي الثوب لابسه.
قال قتادة": ﴿ٱلَّيلَ لِبَاساً﴾ أي: "سكناً".
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا ٱلنَّهَارَ مَعَاشاً﴾.
(سمي النهار معاشاً لما كان يطلب المعاش فيه. وتقديره: وجعلنا النهار ذا معاش.
قال مجاهد: ﴿مَعَاشاً﴾ أي: "تبتغون فيه من فضل الله".
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعاً شِدَاداً﴾.
يعني السبع سماوات. وسمي بناء على عادة العرب، لأنهم يقولون لسقف البيت سماء، ويقولون له بناء.
ومعنى "شداد" أي: وثاقاً محكمة الخلق، لا صدوع فيهن ولا فطور، ولا يبليهن [مر] الليالي والأيام عليهن.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا سِرَاجاً وَهَّاجاً﴾.
(أي): شمساً وقادة مضيئة منيرة.
- قال تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلْمُعْصِرَاتِ مَآءً ثَجَّاجاً﴾.
أي: من السحائب ماء منصباً يتبع بعضه بعضاً كثج [دماء].
البدن كذا قال ابن عباس ومجاهد والربيع: الثجاج المنصب.
وقال ابن زيد: الثجاج: الكثير.
وأكثرهم على أنه المُنْصَبُّ. وهو اختيار الطبري. ومنه قول النبي ﷺ: "أَفْضَلُ الْحَجِّ الْعَجُّ والْثَّجُّ
[فالعج] رفع الصوت بالتلبية، والثَّجُّ [صَبُّ] دماء الهدايا والبدنِ، قال ابن عباس: المعصرات "السحاب".
وهو قول سفيان والربيع. وقال الحسن وسعيد بن جبير وقتادة: المعصرات: السماء.
وعن ابن عباس ومجاهد وعكرمة وقتادة: المعصرات: الرياح، لأنها تعصر في هبوبها. و (هو) قول ابن زيد.
ويلزم قائل هذا أن تكون القراءة: "وأَنْزَلْنَا بِالمُعْصِرَاتِ"، وبذلك قرأه عكرمة.
والمُعْصِرُ: المرأة التي قد دنا [حيضها] وإن لم تحض، فشبهت السحاب بها [للمطر] الذي فيها.
النبأ 78:11
قوله تعالى: ﴿عَمَّ يَتَسَآءَلُونَ * عَنِ ٱلنَّبَإِ ٱلْعَظِيمِ﴾، إلى قوله: ﴿(مَآءً) ثَجَّاجاً﴾.
أي: عن أي شيء يتساءل هؤلاء [المشركون] يا محمد؟، عن أي شيء يختصمون؟
فـ ﴿عَمَّ﴾ تحتاج إلى جواب، وجوابه ﴿عَنِ ٱلنَّبَإِ ٱلْعَظِيمِ﴾، وكان حقه أن يأتي الجواب من المسؤول، ولكن دل عليه ﴿عَنِ ٱلنَّبَإِ ٱلْعَظِيمِ﴾ وقام مقامه، وهو جواب لجوابهم، كأنهم قالوا: عم نتساءل؟ سألوا الجواب من السائل لهم، فقيل لهم: ﴿عَنِ ٱلنَّبَإِ ٱلْعَظِيمِ﴾.
ذكر أن قريشاً كانت تختصم فيما بينها [وتتجادل] في الذي دعاهم إليه رسول الله ﷺ من الإيمان بكتاب الله، فنزل هذا في اختصامهم. ثم بين - جل ذكره - ما الذي هم فيه يختصمون، فقال: ﴿عَنِ ٱلنَّبَإِ ٱلْعَظِيمِ﴾ (أي: يتساءلون عن النبأ)، ثم حذف لدلالة الأول [عليه]، فتقف على هذا على ﴿يَتَسَآءَلُونَ﴾. وقيل: [إن "عن"] متعلقة بهذا الفعل الظاهر.
والمعنى: لأي شيء يتساءل هؤلاء عن النبأ العظيم.
فلا تقف على هذا على ﴿يَتَسَآءَلُونَ﴾.
فأما النبأ، فقال مجاهد: "هو القرآن". وقال: قتادة: "هو البعث بعد الموت".
وقال ابن زيد: هو "يوم القيامة".
* *
- ثم قال: ﴿ٱلَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ﴾.
أي: منهم مصدق و [منهم] مكذب، إما بالقرآن وإما بالبعث.
قال قتادة: [صار] الناس [فرقتين] في البعث بعد الموت، (فمنهم مكذب)، ومنهم مصدق.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿كَلاَّ سَيَعْلَمُونَ﴾.
أي: ما الأمر كما يزعم هؤلاء أنه لا بعث. ثم قال: ﴿سَيَعْلَمُونَ﴾ على الوعيد والتهدد، أي: سيعلم (هؤلاء) المنكرون للبعث [وعيد] الله لهم أحق هو أم باطل.
ثم أكد الوعيد فقال: ﴿ثُمَّ كَلاَّ سَيَعْلَمُونَ﴾.
أي: ثم ليس الأمر على ما [قالوا] إنه لا بعث، سيعلمون وعيد الله لهم أحق هو أم باطل.
ويجوز أن يكون "كلا" بمعنى "حَقّاً" في الموضعين، وبمعنى "أَلاَ".
وهذا التفسير إنما هو على قول من قال: إن [النبأ] العظيم: البعث ويوم القيامة.
فأما من قال هو القرآن فيكون معناه: كلا سيعلمون (عاقبة تكذيبهم لهذا القرآن ثم كلا سيعملون) ذلك على التأكيد والوعيد وتكون "كلا" بمعنى (حقاً) أو بمعنى "ألا"، ويجوز أن تكون [بمعنى "لا"]، أي: [لا، لا اختلاف] (في) القرآن، وهو قول نصير ولم يجزه أبو حاتم.
وقال الضحاك تقديره: كلا سيعلم الكافرون ثم كلا سيعلم المؤمنون. فالوقف [على ﴿سَيَعْلَمُونَ﴾] الأول وعلى ﴿سَيَعْلَمُونَ﴾ الثاني.
والوقف عند أكثرهم على سيعلمون الثاني.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ ٱلأَرْضَ مِهَٰداً * وَٱلْجِبَالَ أَوْتَاداً﴾.
أي: ألم أنعم عليكم أيها الخلق فجعلت لكم الأرض فراشاً تفترشونها، وجعلت الجبال أوتاداً للأرض أن تميد بكم؟!
* *
- ﴿وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجاً﴾.
- (أي) ذكراناً وإناثاً، وطوالاً وقصاراً؟!
* *
- ﴿وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتاً﴾.
أي: راحة (لكم ودعة تسكنون كأنكم أموات لا تشعرون؟! والسبات السكون)، وبذلك سمي السبت سبتاً لأنه يوم راحة ودعة.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا ٱلَّيلَ لِبَاساً﴾.
أي: غشاء لكم يتغشاكم سواده وتغطيكم ظلمته كما يغطي الثوب لابسه.
قال قتادة": ﴿ٱلَّيلَ لِبَاساً﴾ أي: "سكناً".
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا ٱلنَّهَارَ مَعَاشاً﴾.
(سمي النهار معاشاً لما كان يطلب المعاش فيه. وتقديره: وجعلنا النهار ذا معاش.
قال مجاهد: ﴿مَعَاشاً﴾ أي: "تبتغون فيه من فضل الله".
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعاً شِدَاداً﴾.
يعني السبع سماوات. وسمي بناء على عادة العرب، لأنهم يقولون لسقف البيت سماء، ويقولون له بناء.
ومعنى "شداد" أي: وثاقاً محكمة الخلق، لا صدوع فيهن ولا فطور، ولا يبليهن [مر] الليالي والأيام عليهن.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا سِرَاجاً وَهَّاجاً﴾.
(أي): شمساً وقادة مضيئة منيرة.
- قال تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلْمُعْصِرَاتِ مَآءً ثَجَّاجاً﴾.
أي: من السحائب ماء منصباً يتبع بعضه بعضاً كثج [دماء].
البدن كذا قال ابن عباس ومجاهد والربيع: الثجاج المنصب.
وقال ابن زيد: الثجاج: الكثير.
وأكثرهم على أنه المُنْصَبُّ. وهو اختيار الطبري. ومنه قول النبي ﷺ: "أَفْضَلُ الْحَجِّ الْعَجُّ والْثَّجُّ
[فالعج] رفع الصوت بالتلبية، والثَّجُّ [صَبُّ] دماء الهدايا والبدنِ، قال ابن عباس: المعصرات "السحاب".
وهو قول سفيان والربيع. وقال الحسن وسعيد بن جبير وقتادة: المعصرات: السماء.
وعن ابن عباس ومجاهد وعكرمة وقتادة: المعصرات: الرياح، لأنها تعصر في هبوبها. و (هو) قول ابن زيد.
ويلزم قائل هذا أن تكون القراءة: "وأَنْزَلْنَا بِالمُعْصِرَاتِ"، وبذلك قرأه عكرمة.
والمُعْصِرُ: المرأة التي قد دنا [حيضها] وإن لم تحض، فشبهت السحاب بها [للمطر] الذي فيها.
النبأ 78:12
قوله تعالى: ﴿عَمَّ يَتَسَآءَلُونَ * عَنِ ٱلنَّبَإِ ٱلْعَظِيمِ﴾، إلى قوله: ﴿(مَآءً) ثَجَّاجاً﴾.
أي: عن أي شيء يتساءل هؤلاء [المشركون] يا محمد؟، عن أي شيء يختصمون؟
فـ ﴿عَمَّ﴾ تحتاج إلى جواب، وجوابه ﴿عَنِ ٱلنَّبَإِ ٱلْعَظِيمِ﴾، وكان حقه أن يأتي الجواب من المسؤول، ولكن دل عليه ﴿عَنِ ٱلنَّبَإِ ٱلْعَظِيمِ﴾ وقام مقامه، وهو جواب لجوابهم، كأنهم قالوا: عم نتساءل؟ سألوا الجواب من السائل لهم، فقيل لهم: ﴿عَنِ ٱلنَّبَإِ ٱلْعَظِيمِ﴾.
ذكر أن قريشاً كانت تختصم فيما بينها [وتتجادل] في الذي دعاهم إليه رسول الله ﷺ من الإيمان بكتاب الله، فنزل هذا في اختصامهم. ثم بين - جل ذكره - ما الذي هم فيه يختصمون، فقال: ﴿عَنِ ٱلنَّبَإِ ٱلْعَظِيمِ﴾ (أي: يتساءلون عن النبأ)، ثم حذف لدلالة الأول [عليه]، فتقف على هذا على ﴿يَتَسَآءَلُونَ﴾. وقيل: [إن "عن"] متعلقة بهذا الفعل الظاهر.
والمعنى: لأي شيء يتساءل هؤلاء عن النبأ العظيم.
فلا تقف على هذا على ﴿يَتَسَآءَلُونَ﴾.
فأما النبأ، فقال مجاهد: "هو القرآن". وقال: قتادة: "هو البعث بعد الموت".
وقال ابن زيد: هو "يوم القيامة".
* *
- ثم قال: ﴿ٱلَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ﴾.
أي: منهم مصدق و [منهم] مكذب، إما بالقرآن وإما بالبعث.
قال قتادة: [صار] الناس [فرقتين] في البعث بعد الموت، (فمنهم مكذب)، ومنهم مصدق.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿كَلاَّ سَيَعْلَمُونَ﴾.
أي: ما الأمر كما يزعم هؤلاء أنه لا بعث. ثم قال: ﴿سَيَعْلَمُونَ﴾ على الوعيد والتهدد، أي: سيعلم (هؤلاء) المنكرون للبعث [وعيد] الله لهم أحق هو أم باطل.
ثم أكد الوعيد فقال: ﴿ثُمَّ كَلاَّ سَيَعْلَمُونَ﴾.
أي: ثم ليس الأمر على ما [قالوا] إنه لا بعث، سيعلمون وعيد الله لهم أحق هو أم باطل.
ويجوز أن يكون "كلا" بمعنى "حَقّاً" في الموضعين، وبمعنى "أَلاَ".
وهذا التفسير إنما هو على قول من قال: إن [النبأ] العظيم: البعث ويوم القيامة.
فأما من قال هو القرآن فيكون معناه: كلا سيعلمون (عاقبة تكذيبهم لهذا القرآن ثم كلا سيعملون) ذلك على التأكيد والوعيد وتكون "كلا" بمعنى (حقاً) أو بمعنى "ألا"، ويجوز أن تكون [بمعنى "لا"]، أي: [لا، لا اختلاف] (في) القرآن، وهو قول نصير ولم يجزه أبو حاتم.
وقال الضحاك تقديره: كلا سيعلم الكافرون ثم كلا سيعلم المؤمنون. فالوقف [على ﴿سَيَعْلَمُونَ﴾] الأول وعلى ﴿سَيَعْلَمُونَ﴾ الثاني.
والوقف عند أكثرهم على سيعلمون الثاني.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ ٱلأَرْضَ مِهَٰداً * وَٱلْجِبَالَ أَوْتَاداً﴾.
أي: ألم أنعم عليكم أيها الخلق فجعلت لكم الأرض فراشاً تفترشونها، وجعلت الجبال أوتاداً للأرض أن تميد بكم؟!
* *
- ﴿وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجاً﴾.
- (أي) ذكراناً وإناثاً، وطوالاً وقصاراً؟!
* *
- ﴿وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتاً﴾.
أي: راحة (لكم ودعة تسكنون كأنكم أموات لا تشعرون؟! والسبات السكون)، وبذلك سمي السبت سبتاً لأنه يوم راحة ودعة.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا ٱلَّيلَ لِبَاساً﴾.
أي: غشاء لكم يتغشاكم سواده وتغطيكم ظلمته كما يغطي الثوب لابسه.
قال قتادة": ﴿ٱلَّيلَ لِبَاساً﴾ أي: "سكناً".
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا ٱلنَّهَارَ مَعَاشاً﴾.
(سمي النهار معاشاً لما كان يطلب المعاش فيه. وتقديره: وجعلنا النهار ذا معاش.
قال مجاهد: ﴿مَعَاشاً﴾ أي: "تبتغون فيه من فضل الله".
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعاً شِدَاداً﴾.
يعني السبع سماوات. وسمي بناء على عادة العرب، لأنهم يقولون لسقف البيت سماء، ويقولون له بناء.
ومعنى "شداد" أي: وثاقاً محكمة الخلق، لا صدوع فيهن ولا فطور، ولا يبليهن [مر] الليالي والأيام عليهن.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا سِرَاجاً وَهَّاجاً﴾.
(أي): شمساً وقادة مضيئة منيرة.
- قال تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلْمُعْصِرَاتِ مَآءً ثَجَّاجاً﴾.
أي: من السحائب ماء منصباً يتبع بعضه بعضاً كثج [دماء].
البدن كذا قال ابن عباس ومجاهد والربيع: الثجاج المنصب.
وقال ابن زيد: الثجاج: الكثير.
وأكثرهم على أنه المُنْصَبُّ. وهو اختيار الطبري. ومنه قول النبي ﷺ: "أَفْضَلُ الْحَجِّ الْعَجُّ والْثَّجُّ
[فالعج] رفع الصوت بالتلبية، والثَّجُّ [صَبُّ] دماء الهدايا والبدنِ، قال ابن عباس: المعصرات "السحاب".
وهو قول سفيان والربيع. وقال الحسن وسعيد بن جبير وقتادة: المعصرات: السماء.
وعن ابن عباس ومجاهد وعكرمة وقتادة: المعصرات: الرياح، لأنها تعصر في هبوبها. و (هو) قول ابن زيد.
ويلزم قائل هذا أن تكون القراءة: "وأَنْزَلْنَا بِالمُعْصِرَاتِ"، وبذلك قرأه عكرمة.
والمُعْصِرُ: المرأة التي قد دنا [حيضها] وإن لم تحض، فشبهت السحاب بها [للمطر] الذي فيها.
النبأ 78:13
قوله تعالى: ﴿عَمَّ يَتَسَآءَلُونَ * عَنِ ٱلنَّبَإِ ٱلْعَظِيمِ﴾، إلى قوله: ﴿(مَآءً) ثَجَّاجاً﴾.
أي: عن أي شيء يتساءل هؤلاء [المشركون] يا محمد؟، عن أي شيء يختصمون؟
فـ ﴿عَمَّ﴾ تحتاج إلى جواب، وجوابه ﴿عَنِ ٱلنَّبَإِ ٱلْعَظِيمِ﴾، وكان حقه أن يأتي الجواب من المسؤول، ولكن دل عليه ﴿عَنِ ٱلنَّبَإِ ٱلْعَظِيمِ﴾ وقام مقامه، وهو جواب لجوابهم، كأنهم قالوا: عم نتساءل؟ سألوا الجواب من السائل لهم، فقيل لهم: ﴿عَنِ ٱلنَّبَإِ ٱلْعَظِيمِ﴾.
ذكر أن قريشاً كانت تختصم فيما بينها [وتتجادل] في الذي دعاهم إليه رسول الله ﷺ من الإيمان بكتاب الله، فنزل هذا في اختصامهم. ثم بين - جل ذكره - ما الذي هم فيه يختصمون، فقال: ﴿عَنِ ٱلنَّبَإِ ٱلْعَظِيمِ﴾ (أي: يتساءلون عن النبأ)، ثم حذف لدلالة الأول [عليه]، فتقف على هذا على ﴿يَتَسَآءَلُونَ﴾. وقيل: [إن "عن"] متعلقة بهذا الفعل الظاهر.
والمعنى: لأي شيء يتساءل هؤلاء عن النبأ العظيم.
فلا تقف على هذا على ﴿يَتَسَآءَلُونَ﴾.
فأما النبأ، فقال مجاهد: "هو القرآن". وقال: قتادة: "هو البعث بعد الموت".
وقال ابن زيد: هو "يوم القيامة".
* *
- ثم قال: ﴿ٱلَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ﴾.
أي: منهم مصدق و [منهم] مكذب، إما بالقرآن وإما بالبعث.
قال قتادة: [صار] الناس [فرقتين] في البعث بعد الموت، (فمنهم مكذب)، ومنهم مصدق.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿كَلاَّ سَيَعْلَمُونَ﴾.
أي: ما الأمر كما يزعم هؤلاء أنه لا بعث. ثم قال: ﴿سَيَعْلَمُونَ﴾ على الوعيد والتهدد، أي: سيعلم (هؤلاء) المنكرون للبعث [وعيد] الله لهم أحق هو أم باطل.
ثم أكد الوعيد فقال: ﴿ثُمَّ كَلاَّ سَيَعْلَمُونَ﴾.
أي: ثم ليس الأمر على ما [قالوا] إنه لا بعث، سيعلمون وعيد الله لهم أحق هو أم باطل.
ويجوز أن يكون "كلا" بمعنى "حَقّاً" في الموضعين، وبمعنى "أَلاَ".
وهذا التفسير إنما هو على قول من قال: إن [النبأ] العظيم: البعث ويوم القيامة.
فأما من قال هو القرآن فيكون معناه: كلا سيعلمون (عاقبة تكذيبهم لهذا القرآن ثم كلا سيعملون) ذلك على التأكيد والوعيد وتكون "كلا" بمعنى (حقاً) أو بمعنى "ألا"، ويجوز أن تكون [بمعنى "لا"]، أي: [لا، لا اختلاف] (في) القرآن، وهو قول نصير ولم يجزه أبو حاتم.
وقال الضحاك تقديره: كلا سيعلم الكافرون ثم كلا سيعلم المؤمنون. فالوقف [على ﴿سَيَعْلَمُونَ﴾] الأول وعلى ﴿سَيَعْلَمُونَ﴾ الثاني.
والوقف عند أكثرهم على سيعلمون الثاني.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ ٱلأَرْضَ مِهَٰداً * وَٱلْجِبَالَ أَوْتَاداً﴾.
أي: ألم أنعم عليكم أيها الخلق فجعلت لكم الأرض فراشاً تفترشونها، وجعلت الجبال أوتاداً للأرض أن تميد بكم؟!
* *
- ﴿وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجاً﴾.
- (أي) ذكراناً وإناثاً، وطوالاً وقصاراً؟!
* *
- ﴿وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتاً﴾.
أي: راحة (لكم ودعة تسكنون كأنكم أموات لا تشعرون؟! والسبات السكون)، وبذلك سمي السبت سبتاً لأنه يوم راحة ودعة.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا ٱلَّيلَ لِبَاساً﴾.
أي: غشاء لكم يتغشاكم سواده وتغطيكم ظلمته كما يغطي الثوب لابسه.
قال قتادة": ﴿ٱلَّيلَ لِبَاساً﴾ أي: "سكناً".
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا ٱلنَّهَارَ مَعَاشاً﴾.
(سمي النهار معاشاً لما كان يطلب المعاش فيه. وتقديره: وجعلنا النهار ذا معاش.
قال مجاهد: ﴿مَعَاشاً﴾ أي: "تبتغون فيه من فضل الله".
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعاً شِدَاداً﴾.
يعني السبع سماوات. وسمي بناء على عادة العرب، لأنهم يقولون لسقف البيت سماء، ويقولون له بناء.
ومعنى "شداد" أي: وثاقاً محكمة الخلق، لا صدوع فيهن ولا فطور، ولا يبليهن [مر] الليالي والأيام عليهن.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا سِرَاجاً وَهَّاجاً﴾.
(أي): شمساً وقادة مضيئة منيرة.
- قال تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلْمُعْصِرَاتِ مَآءً ثَجَّاجاً﴾.
أي: من السحائب ماء منصباً يتبع بعضه بعضاً كثج [دماء].
البدن كذا قال ابن عباس ومجاهد والربيع: الثجاج المنصب.
وقال ابن زيد: الثجاج: الكثير.
وأكثرهم على أنه المُنْصَبُّ. وهو اختيار الطبري. ومنه قول النبي ﷺ: "أَفْضَلُ الْحَجِّ الْعَجُّ والْثَّجُّ
[فالعج] رفع الصوت بالتلبية، والثَّجُّ [صَبُّ] دماء الهدايا والبدنِ، قال ابن عباس: المعصرات "السحاب".
وهو قول سفيان والربيع. وقال الحسن وسعيد بن جبير وقتادة: المعصرات: السماء.
وعن ابن عباس ومجاهد وعكرمة وقتادة: المعصرات: الرياح، لأنها تعصر في هبوبها. و (هو) قول ابن زيد.
ويلزم قائل هذا أن تكون القراءة: "وأَنْزَلْنَا بِالمُعْصِرَاتِ"، وبذلك قرأه عكرمة.
والمُعْصِرُ: المرأة التي قد دنا [حيضها] وإن لم تحض، فشبهت السحاب بها [للمطر] الذي فيها.
النبأ 78:14
قوله تعالى: ﴿عَمَّ يَتَسَآءَلُونَ * عَنِ ٱلنَّبَإِ ٱلْعَظِيمِ﴾، إلى قوله: ﴿(مَآءً) ثَجَّاجاً﴾.
أي: عن أي شيء يتساءل هؤلاء [المشركون] يا محمد؟، عن أي شيء يختصمون؟
فـ ﴿عَمَّ﴾ تحتاج إلى جواب، وجوابه ﴿عَنِ ٱلنَّبَإِ ٱلْعَظِيمِ﴾، وكان حقه أن يأتي الجواب من المسؤول، ولكن دل عليه ﴿عَنِ ٱلنَّبَإِ ٱلْعَظِيمِ﴾ وقام مقامه، وهو جواب لجوابهم، كأنهم قالوا: عم نتساءل؟ سألوا الجواب من السائل لهم، فقيل لهم: ﴿عَنِ ٱلنَّبَإِ ٱلْعَظِيمِ﴾.
ذكر أن قريشاً كانت تختصم فيما بينها [وتتجادل] في الذي دعاهم إليه رسول الله ﷺ من الإيمان بكتاب الله، فنزل هذا في اختصامهم. ثم بين - جل ذكره - ما الذي هم فيه يختصمون، فقال: ﴿عَنِ ٱلنَّبَإِ ٱلْعَظِيمِ﴾ (أي: يتساءلون عن النبأ)، ثم حذف لدلالة الأول [عليه]، فتقف على هذا على ﴿يَتَسَآءَلُونَ﴾. وقيل: [إن "عن"] متعلقة بهذا الفعل الظاهر.
والمعنى: لأي شيء يتساءل هؤلاء عن النبأ العظيم.
فلا تقف على هذا على ﴿يَتَسَآءَلُونَ﴾.
فأما النبأ، فقال مجاهد: "هو القرآن". وقال: قتادة: "هو البعث بعد الموت".
وقال ابن زيد: هو "يوم القيامة".
* *
- ثم قال: ﴿ٱلَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ﴾.
أي: منهم مصدق و [منهم] مكذب، إما بالقرآن وإما بالبعث.
قال قتادة: [صار] الناس [فرقتين] في البعث بعد الموت، (فمنهم مكذب)، ومنهم مصدق.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿كَلاَّ سَيَعْلَمُونَ﴾.
أي: ما الأمر كما يزعم هؤلاء أنه لا بعث. ثم قال: ﴿سَيَعْلَمُونَ﴾ على الوعيد والتهدد، أي: سيعلم (هؤلاء) المنكرون للبعث [وعيد] الله لهم أحق هو أم باطل.
ثم أكد الوعيد فقال: ﴿ثُمَّ كَلاَّ سَيَعْلَمُونَ﴾.
أي: ثم ليس الأمر على ما [قالوا] إنه لا بعث، سيعلمون وعيد الله لهم أحق هو أم باطل.
ويجوز أن يكون "كلا" بمعنى "حَقّاً" في الموضعين، وبمعنى "أَلاَ".
وهذا التفسير إنما هو على قول من قال: إن [النبأ] العظيم: البعث ويوم القيامة.
فأما من قال هو القرآن فيكون معناه: كلا سيعلمون (عاقبة تكذيبهم لهذا القرآن ثم كلا سيعملون) ذلك على التأكيد والوعيد وتكون "كلا" بمعنى (حقاً) أو بمعنى "ألا"، ويجوز أن تكون [بمعنى "لا"]، أي: [لا، لا اختلاف] (في) القرآن، وهو قول نصير ولم يجزه أبو حاتم.
وقال الضحاك تقديره: كلا سيعلم الكافرون ثم كلا سيعلم المؤمنون. فالوقف [على ﴿سَيَعْلَمُونَ﴾] الأول وعلى ﴿سَيَعْلَمُونَ﴾ الثاني.
والوقف عند أكثرهم على سيعلمون الثاني.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ ٱلأَرْضَ مِهَٰداً * وَٱلْجِبَالَ أَوْتَاداً﴾.
أي: ألم أنعم عليكم أيها الخلق فجعلت لكم الأرض فراشاً تفترشونها، وجعلت الجبال أوتاداً للأرض أن تميد بكم؟!
* *
- ﴿وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجاً﴾.
- (أي) ذكراناً وإناثاً، وطوالاً وقصاراً؟!
* *
- ﴿وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتاً﴾.
أي: راحة (لكم ودعة تسكنون كأنكم أموات لا تشعرون؟! والسبات السكون)، وبذلك سمي السبت سبتاً لأنه يوم راحة ودعة.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا ٱلَّيلَ لِبَاساً﴾.
أي: غشاء لكم يتغشاكم سواده وتغطيكم ظلمته كما يغطي الثوب لابسه.
قال قتادة": ﴿ٱلَّيلَ لِبَاساً﴾ أي: "سكناً".
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا ٱلنَّهَارَ مَعَاشاً﴾.
(سمي النهار معاشاً لما كان يطلب المعاش فيه. وتقديره: وجعلنا النهار ذا معاش.
قال مجاهد: ﴿مَعَاشاً﴾ أي: "تبتغون فيه من فضل الله".
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعاً شِدَاداً﴾.
يعني السبع سماوات. وسمي بناء على عادة العرب، لأنهم يقولون لسقف البيت سماء، ويقولون له بناء.
ومعنى "شداد" أي: وثاقاً محكمة الخلق، لا صدوع فيهن ولا فطور، ولا يبليهن [مر] الليالي والأيام عليهن.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا سِرَاجاً وَهَّاجاً﴾.
(أي): شمساً وقادة مضيئة منيرة.
- قال تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلْمُعْصِرَاتِ مَآءً ثَجَّاجاً﴾.
أي: من السحائب ماء منصباً يتبع بعضه بعضاً كثج [دماء].
البدن كذا قال ابن عباس ومجاهد والربيع: الثجاج المنصب.
وقال ابن زيد: الثجاج: الكثير.
وأكثرهم على أنه المُنْصَبُّ. وهو اختيار الطبري. ومنه قول النبي ﷺ: "أَفْضَلُ الْحَجِّ الْعَجُّ والْثَّجُّ
[فالعج] رفع الصوت بالتلبية، والثَّجُّ [صَبُّ] دماء الهدايا والبدنِ، قال ابن عباس: المعصرات "السحاب".
وهو قول سفيان والربيع. وقال الحسن وسعيد بن جبير وقتادة: المعصرات: السماء.
وعن ابن عباس ومجاهد وعكرمة وقتادة: المعصرات: الرياح، لأنها تعصر في هبوبها. و (هو) قول ابن زيد.
ويلزم قائل هذا أن تكون القراءة: "وأَنْزَلْنَا بِالمُعْصِرَاتِ"، وبذلك قرأه عكرمة.
والمُعْصِرُ: المرأة التي قد دنا [حيضها] وإن لم تحض، فشبهت السحاب بها [للمطر] الذي فيها.
النبأ 78:15
قوله تعالى: ﴿لِّنُخْرِجَ بِهِ حَبّاً وَنَبَاتاً﴾ إلى قوله: ﴿عَطَآءً حِسَاباً﴾.
أي: أنزلنا الماء لنخرج به من الأرض لكم حباً، يعني القمح والشعير وسائر القطنية، ﴿وَنَبَاتاً﴾ يعني ما ترعى البهائم.
* *
- ﴿وَجَنَّاتٍ أَلْفَافاً﴾.
أي: وثمر جنات ملتفة مجتمعة قال ابن عباس: "التف بعضها ببعض". وهو قول مجاهد وقتادة وغيرهما. وقال الأخفش وأبو عبيدة: واحد الألفاف لِفٌّ. وقيل: لَفِيفٌ وحكى الكسائي أنه جمع الجمع، وواحده "لَفَّاءُ" كحمراء، ثم جمعت لَفَّاءُ على (لِفّ [كحمر] ثم جمعت "لِفٌّ" على) ألفاف، [كخف] وأخفاف.
قال ابن مسعود: يرسل الله جل وعز الرياح فتأخذ الماء من السماء فتجريه في السحاب [فتذريه] كما تذر اللقحة.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ يَوْمَ ٱلْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتاً﴾.
أي: يوم يفصل الله فيه بين خلقه كان ميقاتاً لما أعد الله للمكذبين بالبعث ولنظرائهم من الخلق.
قال قتادة: هو يوم عظمه الله يفصل فيه بين الأولين والآخرين.
- ثم أبدل من ﴿يَوْمَ﴾ للبيان فقال:
* *
- ﴿يَوْمَ يُنفَخُ فِي ٱلصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجاً﴾.
أي: يوم الفصل بين الخلق يوم ينفخ إسرافيل في الصور فتأتون من قبوركم إلى المحشر ﴿أَفْوَاجاً﴾ [أي]: زُمَراً زُمَراً.
روي أن كل أمة تأتي مع رسولها [يوم القيامة]، وهو قوله: ﴿يَوْمَ نَدْعُواْ كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ﴾ [الإسراء: ٧١].
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَفُتِحَتِ ٱلسَّمَآءُ فَكَانَتْ أَبْوَاباً﴾.
[أي]: وشققت السماء وصدعت (فكانت) طرقاً.
وقيل: تصير قطعاً كقطع الخشب المشققة لأبواب الدور والمساكن.
والمعنى: وفتحت السماء فكانت قطعاً كالأبواب، (فلما سقطت الكاف صارت الأبواب) خبرا.
وكذلك قوله: ﴿وَسُيِّرَتِ ٱلْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَاباً﴾.
أي: صارت لا شيء، كما أن السراب لا شيء، وذلك أنها تنسف فَتُجْتَثُّ من أصولها فتصير هباء منبثاً لعين الناظر كالسراب الذي يظنه (الناظر) ماء وهو في الحقيقة ليس بماء، إنما هو هباء.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَاداً﴾.
أي: إن جهنم كانت ذات ارتقاب ترتقب من يجتاز بها وترصدهم، ولم يقل "مرصادة"، لأنه غير جار على الفعل. فالمعنى ترصد من عصى الله. وفي "مرصاد" معنى التكثير. ولذلك لم يقل: "راصدة"، ففي وصفها بما لم يجر على الفعل معنى التكثير، ولو قال [راصدة] لثبتت الهاء، لأنه جار على الفعل، ولم يكن فيه (معنى) تكثير، ففي "مرصاد" معنى النسب (كأنه قال: "ذات إرصاد"، وكل ما حمل على معنى النسب) من الأخبار والصفات ففيه معنى التكثير واللزوم، فالمعنى أنها مركاد لمن كان يكذب بها في الدنيا.
وكان الحسن يقول - إذا قرأ هذه الآية -: أَلاَ إن على النار المَرْصَد، فمن جاء بجواز جاز ومن لم يجئ احتبس.
وروي عنه أنه قال: لا يدخل أحد الجنة حتى يجتاز على النار.
وقال قتادة: [تعلمن] أنه لا سبيل إلى الجنة حتى تقطع النار.
وقال سفيان: على جهنم ثلاث قناطير.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿لِّلطَّاغِينَ مَآباً﴾.
أي: هي لمن طغى في الدنيا فتعدى حدود الله [مرجع] يرجعون إليها ويصيرون إليها.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿لاَّبِثِينَ فِيهَآ أَحْقَاباً﴾.
قال قتادة: لابثين في جهنم أحقاباً (لا انقطاع لها.
وقيل: معناه: ﴿لاَّبِثِينَ فِيهَآ أَحْقَاباً) * لاَّ يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْداً وَلاَ شَرَاباً﴾، ثم بعد ذلك يعذبون بغير هذا العذاب مما شاء الله، كما قال: ﴿وَآخَرُ مِن شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ﴾ [ص: ٥٨].
وقيل: الضمير في ﴿فِيهَا﴾ يعود على الأرض، لأنه قد تقدم ذكرها، والضمير في ﴿يَذُوقُونَ فِيهَا﴾ لجهنم لتقدم ذكرها.
فعلى [القول] الأول، يكون ﴿لاَّ يَذُوقُونَ﴾ حالاً من ﴿لِّلطَّاغِينَ﴾ أو لـ ﴿جَهَنَّمَ﴾ أو نعتاً للأحقاب.
وعلى هذا القول الآخر، يكون ﴿لاَّ يَذُوقُونَ﴾ حالاً من ﴿جَهَنَّمَ﴾ أو من الطاغين.
وروى أبو أمامة أن النبي ﷺ قال: "الحقب الواحد ثلاثون ألف سنة
وهو جمع الجمع، واحده: حقبة، جمعت على حقب، وجمعت حقب على أحقاب.
ويجوز أن يكون أحقاب جمع حُقْب والحُقْبُ ثلاثمائة سنة، كل سنة ثلاثمائة وستون يوماً، كل يوم ألف سنة من سنين الدنيا. قاله [بشير] بن كعب.
وقال علي بن أبي طالب: الحقب: ثمانون سنة، كل سنة اثنا عشر شهراً، كل شهر ثلاثون يوماً، كل يوم ألف سنة من سنين الدنيا، وهو قول ابن جبير، وقاله الربيع بن أنس.
[وقال] أبو هريرة: الحقب ستون سنة، كل سنة ثلاثمائة وستون يوماً، كل يوم ألف سنة من سنين الدنيا.
وقال قتادة: "الحقب ثمانون سنة من سنيّ الآخرة". وقال: هي أحقاب لا انقطاع لها، كلما مضى حقب جاء حقب بعده.
وقال الحسن: أما الأحقاب، فليس لها عدة إلا الخلود في النار، ولكن ذكر أن الحقب سبعون سنة، كل يوم منها كألف سنة مما نعده.
وقال خالد بن مَعَدَّان: هي في أهل التوحيد من أهل القبلة مثل قوله ﴿إِلاَّ مَا شَآءَ رَبُّكَ﴾ [هود: ١٠٨]، وهذا التأويل يرده قوله بعد ذلك.
* *
﴿إِنَّهُمْ كَانُواْ لاَ يَرْجُونَ حِسَاباً * وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا كِذَّاباً﴾.
وليس هذه صفة الموحدين.
وقد روي عن مقاتل أنه قال: إنها منسوخة، نسختها قوله: ﴿فَلَن نَّزِيدَكُمْ (إِلاَّ) عَذَاباً﴾.
وهذا لا يكون فيه نسخ، لأنه خبر، والأخبار لا تنسخ.
والحقب عند أهل اللغة مبهم كالحين والزمان. والبرد: النوم.
وقيل [الهدوء]. وقيل: برد [الشراب] المستلذ. قال ابن عباس: هو برد الشراب وقيل: البرد: الراحة.
* *
- ثم قال: ﴿إِلاَّ حَمِيماً وَغَسَّاقاً﴾.
قال الربيع: "استثنى من الشراب الحميم، ومن البرد الغساق".
[والحميم الذي قد انتهى [حره] كالمهل [يشوي] الوجوه.
وقال ابن زيد: الحميم: دموع أعينهم، يجمع في حياض ثم يسقونه. والغساق]: الصديد الذي يخرج من جلودهم مما تصهرهم النار، يجمع في حياض النار فيُسْقَوْنَهُ.
وأصل الحميم الماء الحار، ومنه اشتق الحَمَّامُ، ومنه الحُمَّى، ومنه [اليَحْمُومُ].
قال قتادة: الغساق ما يسيل [من] جلده ولحمه.
وقال سفيان: هو ما يسيل من دموعهم.
وقال النخعي: هو "ما يسيل من صديدهم من البرد".
وعن ابن عباس أن الغساق: "الزمهرير".
وقال مجاهد: "الغساق: الذي لا يستطيعون أن يذوقوه (من برده).
وقال عبد الله بن [بريدة]: "هو المُنْتِنُ".
وروى الخدري عن النبي ﷺ أنه قال: "لَوْ أَنَّ دَلْواً مِن غَسَّاقٍ يُهْرَاقُ فِي الدُّنْيَا لأَنْتَنَ أَهْلُ الدُّنْيَا
وقال عبد الله بن [عمرو]: "أتدرون أي شيء الغساق؟ قالوا: الله أعلم، قال: هو القيح الغليظ، لو أن قطرة منه تهراق بالمغرب لأنتنت أهل [المشرق]. ولو تهرق [بالمشرق] لأنتنت أهل المغرب".
* *
- وقوله: ﴿جَزَآءً وِفَاقاً﴾.
أي: هذا العذاب الذي وصف جزاء للكفار على أفعالهم في الدنيا وافق أعمالهم وفاقاً، قاله ابن عباس. قال قتادة: "وافق الجزاء أعمال القوم...". وقال الربيع: "ثواباً وافق أعمالهم". قال ابن زيد: "عملوا شراً فجوزوا شراً، [وعملوا] حسناً فجوزوا حسناً".
* *
- ثم قال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُواْ لاَ يَرْجُونَ حِسَاباً﴾.
أي: لا يخافون محاسبة الله (لهم على أعمالهم في الآخرة.
قال قتادة: كانوا في الدنيا لا يخافون محاسبة).
وقال ابن زيد: كانوا لا يؤمنون بالبعث ولا بالحساب فكيف يخافون الحساب وهم لا يوقنون بالبعث بعد الموت؟!
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا كِذَّاباً﴾.
أي: جحدوا بها جحوداً.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَاباً﴾.
أي: وأحصينا كل شيء من أعمالهم وغير ذلك فكتبناه كتابا، [فـ ﴿كِتَاباً﴾] مصدر عمل فيه فعل مضمر.
وقيل: العامل فيه (احصينا) [لأنه] يعني: كتبنا.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿فَذُوقُواْ فَلَن نَّزِيدَكُمْ إِلاَّ عَذَاباً﴾.
أي: يقال لهم - إذا شربوا الحميم والغساق - ذوقوا العذاب الذي كنتم به تكذبون في الدنيا، فلن نزيدكم على العذاب الذي أنتم فيه إلا عذاباً زائداً.
قال عبد الله بن عمرو: لم ينزل على أهل النار آية أشد من هذه، فهم في مزيد أبداً.
وقد روي مثل ذلك عن النبي ﷺ.
وروي أنه لا يأتي على أهل الجنة ساعة إلا ويزدادون صنفاً من النعيم لم يكونوا يعرفونه، ولا يأتي على أهل النار ساعة إلا وهم مستنكرون لشيء من العذاب لم يكونوا يعرفونه.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازاً﴾.
أي: منجى من النار إلى الجنة ينجون به، وهي حدائق وأعناب.
وقال ابن عباس: ﴿مَفَازاً﴾، "متنزهاً". وقيل: المفاز: الظفر بما يحبه الإنسان. يقال: فاز فلان بكذا إذا ظفر به.
والحدائق: جمع حديقة، وهي البستان من النخيل والأعناب والأشجار التي قد حوط عليها الحيطان فأحدقت (بها)، فَلإِحْدَاقِ الحيطان بها سميت حديقة، ولو لم تكن الحيطان بها محدقة لم تسم حديقة.
قال ابن عباس: الحدائق: [الشجر] الملتف. وقال الضحاك: الحدائق التي عليها الحيطان.
* *
- وقوله: ﴿وَأَعْنَاباً﴾.
معناه: وكروم أعناب، ثم حذف.
* *
- وقوله: ﴿وَكَوَاعِبَ أَتْرَاباً﴾.
(أي): وحورا نواهد في سن واحدة. قاله ابن عباس وقتادة وغيرهما.
* *
- ثم قال: ﴿وَكَأْساً دِهَاقاً﴾.
مَلأَى من الخمر مترعة، وأصله من الدهق، وهو متابعة الضغط على الشيء بشدة وعنف. قال ابن عباس والحسن وقتادة ومجاهد: الدهاق: الملأى. وهو قول ابن زيد. وقال عكرمة: الدهاق: الصافية. وقال ابن جبير: هي "المتتابعة". وقد روي مثل ذلك أيضاً عن ابن عباس ومجاهد.
* *
- ثم قال: ﴿لاَّ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً وَلاَ كِذَّاباً﴾.
أي: باطلاً [من القول]. ﴿وَلاَ كِذَّاباً﴾، أي: ولا يكذب بعضهم بعضاً.
وقال قتادة: ﴿وَلاَ كِذَّاباً﴾، أي: مأثماً. و ﴿لَغْواً﴾: باطلاً.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿جَزَآءً مِّن رَّبِّكَ عَطَآءً حِسَاباً﴾.
أي: هذا لهم جزاء لأعمالهم في الدنيا، أعطاهم الله ذلك عطاءً كافياً.
يقال: أحسبني الشيء، أي: كفاني. وقيل: ﴿حِسَاباً﴾ بمعنى: محاسبة لهم بأعمالهم لله في الدنيا، يعطون على قدر أعمالهم.
وقال قتادة: ﴿عَطَآءً حِسَاباً﴾، أي: "عطاءً كثيراً، جزاهم الله بالعمل اليسير الخير الجسيم الذي لا انقطاع له".
النبأ 78:16
قوله تعالى: ﴿لِّنُخْرِجَ بِهِ حَبّاً وَنَبَاتاً﴾ إلى قوله: ﴿عَطَآءً حِسَاباً﴾.
أي: أنزلنا الماء لنخرج به من الأرض لكم حباً، يعني القمح والشعير وسائر القطنية، ﴿وَنَبَاتاً﴾ يعني ما ترعى البهائم.
* *
- ﴿وَجَنَّاتٍ أَلْفَافاً﴾.
أي: وثمر جنات ملتفة مجتمعة قال ابن عباس: "التف بعضها ببعض". وهو قول مجاهد وقتادة وغيرهما. وقال الأخفش وأبو عبيدة: واحد الألفاف لِفٌّ. وقيل: لَفِيفٌ وحكى الكسائي أنه جمع الجمع، وواحده "لَفَّاءُ" كحمراء، ثم جمعت لَفَّاءُ على (لِفّ [كحمر] ثم جمعت "لِفٌّ" على) ألفاف، [كخف] وأخفاف.
قال ابن مسعود: يرسل الله جل وعز الرياح فتأخذ الماء من السماء فتجريه في السحاب [فتذريه] كما تذر اللقحة.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ يَوْمَ ٱلْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتاً﴾.
أي: يوم يفصل الله فيه بين خلقه كان ميقاتاً لما أعد الله للمكذبين بالبعث ولنظرائهم من الخلق.
قال قتادة: هو يوم عظمه الله يفصل فيه بين الأولين والآخرين.
- ثم أبدل من ﴿يَوْمَ﴾ للبيان فقال:
* *
- ﴿يَوْمَ يُنفَخُ فِي ٱلصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجاً﴾.
أي: يوم الفصل بين الخلق يوم ينفخ إسرافيل في الصور فتأتون من قبوركم إلى المحشر ﴿أَفْوَاجاً﴾ [أي]: زُمَراً زُمَراً.
روي أن كل أمة تأتي مع رسولها [يوم القيامة]، وهو قوله: ﴿يَوْمَ نَدْعُواْ كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ﴾ [الإسراء: ٧١].
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَفُتِحَتِ ٱلسَّمَآءُ فَكَانَتْ أَبْوَاباً﴾.
[أي]: وشققت السماء وصدعت (فكانت) طرقاً.
وقيل: تصير قطعاً كقطع الخشب المشققة لأبواب الدور والمساكن.
والمعنى: وفتحت السماء فكانت قطعاً كالأبواب، (فلما سقطت الكاف صارت الأبواب) خبرا.
وكذلك قوله: ﴿وَسُيِّرَتِ ٱلْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَاباً﴾.
أي: صارت لا شيء، كما أن السراب لا شيء، وذلك أنها تنسف فَتُجْتَثُّ من أصولها فتصير هباء منبثاً لعين الناظر كالسراب الذي يظنه (الناظر) ماء وهو في الحقيقة ليس بماء، إنما هو هباء.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَاداً﴾.
أي: إن جهنم كانت ذات ارتقاب ترتقب من يجتاز بها وترصدهم، ولم يقل "مرصادة"، لأنه غير جار على الفعل. فالمعنى ترصد من عصى الله. وفي "مرصاد" معنى التكثير. ولذلك لم يقل: "راصدة"، ففي وصفها بما لم يجر على الفعل معنى التكثير، ولو قال [راصدة] لثبتت الهاء، لأنه جار على الفعل، ولم يكن فيه (معنى) تكثير، ففي "مرصاد" معنى النسب (كأنه قال: "ذات إرصاد"، وكل ما حمل على معنى النسب) من الأخبار والصفات ففيه معنى التكثير واللزوم، فالمعنى أنها مركاد لمن كان يكذب بها في الدنيا.
وكان الحسن يقول - إذا قرأ هذه الآية -: أَلاَ إن على النار المَرْصَد، فمن جاء بجواز جاز ومن لم يجئ احتبس.
وروي عنه أنه قال: لا يدخل أحد الجنة حتى يجتاز على النار.
وقال قتادة: [تعلمن] أنه لا سبيل إلى الجنة حتى تقطع النار.
وقال سفيان: على جهنم ثلاث قناطير.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿لِّلطَّاغِينَ مَآباً﴾.
أي: هي لمن طغى في الدنيا فتعدى حدود الله [مرجع] يرجعون إليها ويصيرون إليها.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿لاَّبِثِينَ فِيهَآ أَحْقَاباً﴾.
قال قتادة: لابثين في جهنم أحقاباً (لا انقطاع لها.
وقيل: معناه: ﴿لاَّبِثِينَ فِيهَآ أَحْقَاباً) * لاَّ يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْداً وَلاَ شَرَاباً﴾، ثم بعد ذلك يعذبون بغير هذا العذاب مما شاء الله، كما قال: ﴿وَآخَرُ مِن شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ﴾ [ص: ٥٨].
وقيل: الضمير في ﴿فِيهَا﴾ يعود على الأرض، لأنه قد تقدم ذكرها، والضمير في ﴿يَذُوقُونَ فِيهَا﴾ لجهنم لتقدم ذكرها.
فعلى [القول] الأول، يكون ﴿لاَّ يَذُوقُونَ﴾ حالاً من ﴿لِّلطَّاغِينَ﴾ أو لـ ﴿جَهَنَّمَ﴾ أو نعتاً للأحقاب.
وعلى هذا القول الآخر، يكون ﴿لاَّ يَذُوقُونَ﴾ حالاً من ﴿جَهَنَّمَ﴾ أو من الطاغين.
وروى أبو أمامة أن النبي ﷺ قال: "الحقب الواحد ثلاثون ألف سنة
وهو جمع الجمع، واحده: حقبة، جمعت على حقب، وجمعت حقب على أحقاب.
ويجوز أن يكون أحقاب جمع حُقْب والحُقْبُ ثلاثمائة سنة، كل سنة ثلاثمائة وستون يوماً، كل يوم ألف سنة من سنين الدنيا. قاله [بشير] بن كعب.
وقال علي بن أبي طالب: الحقب: ثمانون سنة، كل سنة اثنا عشر شهراً، كل شهر ثلاثون يوماً، كل يوم ألف سنة من سنين الدنيا، وهو قول ابن جبير، وقاله الربيع بن أنس.
[وقال] أبو هريرة: الحقب ستون سنة، كل سنة ثلاثمائة وستون يوماً، كل يوم ألف سنة من سنين الدنيا.
وقال قتادة: "الحقب ثمانون سنة من سنيّ الآخرة". وقال: هي أحقاب لا انقطاع لها، كلما مضى حقب جاء حقب بعده.
وقال الحسن: أما الأحقاب، فليس لها عدة إلا الخلود في النار، ولكن ذكر أن الحقب سبعون سنة، كل يوم منها كألف سنة مما نعده.
وقال خالد بن مَعَدَّان: هي في أهل التوحيد من أهل القبلة مثل قوله ﴿إِلاَّ مَا شَآءَ رَبُّكَ﴾ [هود: ١٠٨]، وهذا التأويل يرده قوله بعد ذلك.
* *
﴿إِنَّهُمْ كَانُواْ لاَ يَرْجُونَ حِسَاباً * وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا كِذَّاباً﴾.
وليس هذه صفة الموحدين.
وقد روي عن مقاتل أنه قال: إنها منسوخة، نسختها قوله: ﴿فَلَن نَّزِيدَكُمْ (إِلاَّ) عَذَاباً﴾.
وهذا لا يكون فيه نسخ، لأنه خبر، والأخبار لا تنسخ.
والحقب عند أهل اللغة مبهم كالحين والزمان. والبرد: النوم.
وقيل [الهدوء]. وقيل: برد [الشراب] المستلذ. قال ابن عباس: هو برد الشراب وقيل: البرد: الراحة.
* *
- ثم قال: ﴿إِلاَّ حَمِيماً وَغَسَّاقاً﴾.
قال الربيع: "استثنى من الشراب الحميم، ومن البرد الغساق".
[والحميم الذي قد انتهى [حره] كالمهل [يشوي] الوجوه.
وقال ابن زيد: الحميم: دموع أعينهم، يجمع في حياض ثم يسقونه. والغساق]: الصديد الذي يخرج من جلودهم مما تصهرهم النار، يجمع في حياض النار فيُسْقَوْنَهُ.
وأصل الحميم الماء الحار، ومنه اشتق الحَمَّامُ، ومنه الحُمَّى، ومنه [اليَحْمُومُ].
قال قتادة: الغساق ما يسيل [من] جلده ولحمه.
وقال سفيان: هو ما يسيل من دموعهم.
وقال النخعي: هو "ما يسيل من صديدهم من البرد".
وعن ابن عباس أن الغساق: "الزمهرير".
وقال مجاهد: "الغساق: الذي لا يستطيعون أن يذوقوه (من برده).
وقال عبد الله بن [بريدة]: "هو المُنْتِنُ".
وروى الخدري عن النبي ﷺ أنه قال: "لَوْ أَنَّ دَلْواً مِن غَسَّاقٍ يُهْرَاقُ فِي الدُّنْيَا لأَنْتَنَ أَهْلُ الدُّنْيَا
وقال عبد الله بن [عمرو]: "أتدرون أي شيء الغساق؟ قالوا: الله أعلم، قال: هو القيح الغليظ، لو أن قطرة منه تهراق بالمغرب لأنتنت أهل [المشرق]. ولو تهرق [بالمشرق] لأنتنت أهل المغرب".
* *
- وقوله: ﴿جَزَآءً وِفَاقاً﴾.
أي: هذا العذاب الذي وصف جزاء للكفار على أفعالهم في الدنيا وافق أعمالهم وفاقاً، قاله ابن عباس. قال قتادة: "وافق الجزاء أعمال القوم...". وقال الربيع: "ثواباً وافق أعمالهم". قال ابن زيد: "عملوا شراً فجوزوا شراً، [وعملوا] حسناً فجوزوا حسناً".
* *
- ثم قال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُواْ لاَ يَرْجُونَ حِسَاباً﴾.
أي: لا يخافون محاسبة الله (لهم على أعمالهم في الآخرة.
قال قتادة: كانوا في الدنيا لا يخافون محاسبة).
وقال ابن زيد: كانوا لا يؤمنون بالبعث ولا بالحساب فكيف يخافون الحساب وهم لا يوقنون بالبعث بعد الموت؟!
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا كِذَّاباً﴾.
أي: جحدوا بها جحوداً.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَاباً﴾.
أي: وأحصينا كل شيء من أعمالهم وغير ذلك فكتبناه كتابا، [فـ ﴿كِتَاباً﴾] مصدر عمل فيه فعل مضمر.
وقيل: العامل فيه (احصينا) [لأنه] يعني: كتبنا.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿فَذُوقُواْ فَلَن نَّزِيدَكُمْ إِلاَّ عَذَاباً﴾.
أي: يقال لهم - إذا شربوا الحميم والغساق - ذوقوا العذاب الذي كنتم به تكذبون في الدنيا، فلن نزيدكم على العذاب الذي أنتم فيه إلا عذاباً زائداً.
قال عبد الله بن عمرو: لم ينزل على أهل النار آية أشد من هذه، فهم في مزيد أبداً.
وقد روي مثل ذلك عن النبي ﷺ.
وروي أنه لا يأتي على أهل الجنة ساعة إلا ويزدادون صنفاً من النعيم لم يكونوا يعرفونه، ولا يأتي على أهل النار ساعة إلا وهم مستنكرون لشيء من العذاب لم يكونوا يعرفونه.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازاً﴾.
أي: منجى من النار إلى الجنة ينجون به، وهي حدائق وأعناب.
وقال ابن عباس: ﴿مَفَازاً﴾، "متنزهاً". وقيل: المفاز: الظفر بما يحبه الإنسان. يقال: فاز فلان بكذا إذا ظفر به.
والحدائق: جمع حديقة، وهي البستان من النخيل والأعناب والأشجار التي قد حوط عليها الحيطان فأحدقت (بها)، فَلإِحْدَاقِ الحيطان بها سميت حديقة، ولو لم تكن الحيطان بها محدقة لم تسم حديقة.
قال ابن عباس: الحدائق: [الشجر] الملتف. وقال الضحاك: الحدائق التي عليها الحيطان.
* *
- وقوله: ﴿وَأَعْنَاباً﴾.
معناه: وكروم أعناب، ثم حذف.
* *
- وقوله: ﴿وَكَوَاعِبَ أَتْرَاباً﴾.
(أي): وحورا نواهد في سن واحدة. قاله ابن عباس وقتادة وغيرهما.
* *
- ثم قال: ﴿وَكَأْساً دِهَاقاً﴾.
مَلأَى من الخمر مترعة، وأصله من الدهق، وهو متابعة الضغط على الشيء بشدة وعنف. قال ابن عباس والحسن وقتادة ومجاهد: الدهاق: الملأى. وهو قول ابن زيد. وقال عكرمة: الدهاق: الصافية. وقال ابن جبير: هي "المتتابعة". وقد روي مثل ذلك أيضاً عن ابن عباس ومجاهد.
* *
- ثم قال: ﴿لاَّ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً وَلاَ كِذَّاباً﴾.
أي: باطلاً [من القول]. ﴿وَلاَ كِذَّاباً﴾، أي: ولا يكذب بعضهم بعضاً.
وقال قتادة: ﴿وَلاَ كِذَّاباً﴾، أي: مأثماً. و ﴿لَغْواً﴾: باطلاً.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿جَزَآءً مِّن رَّبِّكَ عَطَآءً حِسَاباً﴾.
أي: هذا لهم جزاء لأعمالهم في الدنيا، أعطاهم الله ذلك عطاءً كافياً.
يقال: أحسبني الشيء، أي: كفاني. وقيل: ﴿حِسَاباً﴾ بمعنى: محاسبة لهم بأعمالهم لله في الدنيا، يعطون على قدر أعمالهم.
وقال قتادة: ﴿عَطَآءً حِسَاباً﴾، أي: "عطاءً كثيراً، جزاهم الله بالعمل اليسير الخير الجسيم الذي لا انقطاع له".
النبأ 78:17
قوله تعالى: ﴿لِّنُخْرِجَ بِهِ حَبّاً وَنَبَاتاً﴾ إلى قوله: ﴿عَطَآءً حِسَاباً﴾.
أي: أنزلنا الماء لنخرج به من الأرض لكم حباً، يعني القمح والشعير وسائر القطنية، ﴿وَنَبَاتاً﴾ يعني ما ترعى البهائم.
* *
- ﴿وَجَنَّاتٍ أَلْفَافاً﴾.
أي: وثمر جنات ملتفة مجتمعة قال ابن عباس: "التف بعضها ببعض". وهو قول مجاهد وقتادة وغيرهما. وقال الأخفش وأبو عبيدة: واحد الألفاف لِفٌّ. وقيل: لَفِيفٌ وحكى الكسائي أنه جمع الجمع، وواحده "لَفَّاءُ" كحمراء، ثم جمعت لَفَّاءُ على (لِفّ [كحمر] ثم جمعت "لِفٌّ" على) ألفاف، [كخف] وأخفاف.
قال ابن مسعود: يرسل الله جل وعز الرياح فتأخذ الماء من السماء فتجريه في السحاب [فتذريه] كما تذر اللقحة.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ يَوْمَ ٱلْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتاً﴾.
أي: يوم يفصل الله فيه بين خلقه كان ميقاتاً لما أعد الله للمكذبين بالبعث ولنظرائهم من الخلق.
قال قتادة: هو يوم عظمه الله يفصل فيه بين الأولين والآخرين.
- ثم أبدل من ﴿يَوْمَ﴾ للبيان فقال:
* *
- ﴿يَوْمَ يُنفَخُ فِي ٱلصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجاً﴾.
أي: يوم الفصل بين الخلق يوم ينفخ إسرافيل في الصور فتأتون من قبوركم إلى المحشر ﴿أَفْوَاجاً﴾ [أي]: زُمَراً زُمَراً.
روي أن كل أمة تأتي مع رسولها [يوم القيامة]، وهو قوله: ﴿يَوْمَ نَدْعُواْ كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ﴾ [الإسراء: ٧١].
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَفُتِحَتِ ٱلسَّمَآءُ فَكَانَتْ أَبْوَاباً﴾.
[أي]: وشققت السماء وصدعت (فكانت) طرقاً.
وقيل: تصير قطعاً كقطع الخشب المشققة لأبواب الدور والمساكن.
والمعنى: وفتحت السماء فكانت قطعاً كالأبواب، (فلما سقطت الكاف صارت الأبواب) خبرا.
وكذلك قوله: ﴿وَسُيِّرَتِ ٱلْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَاباً﴾.
أي: صارت لا شيء، كما أن السراب لا شيء، وذلك أنها تنسف فَتُجْتَثُّ من أصولها فتصير هباء منبثاً لعين الناظر كالسراب الذي يظنه (الناظر) ماء وهو في الحقيقة ليس بماء، إنما هو هباء.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَاداً﴾.
أي: إن جهنم كانت ذات ارتقاب ترتقب من يجتاز بها وترصدهم، ولم يقل "مرصادة"، لأنه غير جار على الفعل. فالمعنى ترصد من عصى الله. وفي "مرصاد" معنى التكثير. ولذلك لم يقل: "راصدة"، ففي وصفها بما لم يجر على الفعل معنى التكثير، ولو قال [راصدة] لثبتت الهاء، لأنه جار على الفعل، ولم يكن فيه (معنى) تكثير، ففي "مرصاد" معنى النسب (كأنه قال: "ذات إرصاد"، وكل ما حمل على معنى النسب) من الأخبار والصفات ففيه معنى التكثير واللزوم، فالمعنى أنها مركاد لمن كان يكذب بها في الدنيا.
وكان الحسن يقول - إذا قرأ هذه الآية -: أَلاَ إن على النار المَرْصَد، فمن جاء بجواز جاز ومن لم يجئ احتبس.
وروي عنه أنه قال: لا يدخل أحد الجنة حتى يجتاز على النار.
وقال قتادة: [تعلمن] أنه لا سبيل إلى الجنة حتى تقطع النار.
وقال سفيان: على جهنم ثلاث قناطير.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿لِّلطَّاغِينَ مَآباً﴾.
أي: هي لمن طغى في الدنيا فتعدى حدود الله [مرجع] يرجعون إليها ويصيرون إليها.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿لاَّبِثِينَ فِيهَآ أَحْقَاباً﴾.
قال قتادة: لابثين في جهنم أحقاباً (لا انقطاع لها.
وقيل: معناه: ﴿لاَّبِثِينَ فِيهَآ أَحْقَاباً) * لاَّ يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْداً وَلاَ شَرَاباً﴾، ثم بعد ذلك يعذبون بغير هذا العذاب مما شاء الله، كما قال: ﴿وَآخَرُ مِن شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ﴾ [ص: ٥٨].
وقيل: الضمير في ﴿فِيهَا﴾ يعود على الأرض، لأنه قد تقدم ذكرها، والضمير في ﴿يَذُوقُونَ فِيهَا﴾ لجهنم لتقدم ذكرها.
فعلى [القول] الأول، يكون ﴿لاَّ يَذُوقُونَ﴾ حالاً من ﴿لِّلطَّاغِينَ﴾ أو لـ ﴿جَهَنَّمَ﴾ أو نعتاً للأحقاب.
وعلى هذا القول الآخر، يكون ﴿لاَّ يَذُوقُونَ﴾ حالاً من ﴿جَهَنَّمَ﴾ أو من الطاغين.
وروى أبو أمامة أن النبي ﷺ قال: "الحقب الواحد ثلاثون ألف سنة
وهو جمع الجمع، واحده: حقبة، جمعت على حقب، وجمعت حقب على أحقاب.
ويجوز أن يكون أحقاب جمع حُقْب والحُقْبُ ثلاثمائة سنة، كل سنة ثلاثمائة وستون يوماً، كل يوم ألف سنة من سنين الدنيا. قاله [بشير] بن كعب.
وقال علي بن أبي طالب: الحقب: ثمانون سنة، كل سنة اثنا عشر شهراً، كل شهر ثلاثون يوماً، كل يوم ألف سنة من سنين الدنيا، وهو قول ابن جبير، وقاله الربيع بن أنس.
[وقال] أبو هريرة: الحقب ستون سنة، كل سنة ثلاثمائة وستون يوماً، كل يوم ألف سنة من سنين الدنيا.
وقال قتادة: "الحقب ثمانون سنة من سنيّ الآخرة". وقال: هي أحقاب لا انقطاع لها، كلما مضى حقب جاء حقب بعده.
وقال الحسن: أما الأحقاب، فليس لها عدة إلا الخلود في النار، ولكن ذكر أن الحقب سبعون سنة، كل يوم منها كألف سنة مما نعده.
وقال خالد بن مَعَدَّان: هي في أهل التوحيد من أهل القبلة مثل قوله ﴿إِلاَّ مَا شَآءَ رَبُّكَ﴾ [هود: ١٠٨]، وهذا التأويل يرده قوله بعد ذلك.
* *
﴿إِنَّهُمْ كَانُواْ لاَ يَرْجُونَ حِسَاباً * وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا كِذَّاباً﴾.
وليس هذه صفة الموحدين.
وقد روي عن مقاتل أنه قال: إنها منسوخة، نسختها قوله: ﴿فَلَن نَّزِيدَكُمْ (إِلاَّ) عَذَاباً﴾.
وهذا لا يكون فيه نسخ، لأنه خبر، والأخبار لا تنسخ.
والحقب عند أهل اللغة مبهم كالحين والزمان. والبرد: النوم.
وقيل [الهدوء]. وقيل: برد [الشراب] المستلذ. قال ابن عباس: هو برد الشراب وقيل: البرد: الراحة.
* *
- ثم قال: ﴿إِلاَّ حَمِيماً وَغَسَّاقاً﴾.
قال الربيع: "استثنى من الشراب الحميم، ومن البرد الغساق".
[والحميم الذي قد انتهى [حره] كالمهل [يشوي] الوجوه.
وقال ابن زيد: الحميم: دموع أعينهم، يجمع في حياض ثم يسقونه. والغساق]: الصديد الذي يخرج من جلودهم مما تصهرهم النار، يجمع في حياض النار فيُسْقَوْنَهُ.
وأصل الحميم الماء الحار، ومنه اشتق الحَمَّامُ، ومنه الحُمَّى، ومنه [اليَحْمُومُ].
قال قتادة: الغساق ما يسيل [من] جلده ولحمه.
وقال سفيان: هو ما يسيل من دموعهم.
وقال النخعي: هو "ما يسيل من صديدهم من البرد".
وعن ابن عباس أن الغساق: "الزمهرير".
وقال مجاهد: "الغساق: الذي لا يستطيعون أن يذوقوه (من برده).
وقال عبد الله بن [بريدة]: "هو المُنْتِنُ".
وروى الخدري عن النبي ﷺ أنه قال: "لَوْ أَنَّ دَلْواً مِن غَسَّاقٍ يُهْرَاقُ فِي الدُّنْيَا لأَنْتَنَ أَهْلُ الدُّنْيَا
وقال عبد الله بن [عمرو]: "أتدرون أي شيء الغساق؟ قالوا: الله أعلم، قال: هو القيح الغليظ، لو أن قطرة منه تهراق بالمغرب لأنتنت أهل [المشرق]. ولو تهرق [بالمشرق] لأنتنت أهل المغرب".
* *
- وقوله: ﴿جَزَآءً وِفَاقاً﴾.
أي: هذا العذاب الذي وصف جزاء للكفار على أفعالهم في الدنيا وافق أعمالهم وفاقاً، قاله ابن عباس. قال قتادة: "وافق الجزاء أعمال القوم...". وقال الربيع: "ثواباً وافق أعمالهم". قال ابن زيد: "عملوا شراً فجوزوا شراً، [وعملوا] حسناً فجوزوا حسناً".
* *
- ثم قال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُواْ لاَ يَرْجُونَ حِسَاباً﴾.
أي: لا يخافون محاسبة الله (لهم على أعمالهم في الآخرة.
قال قتادة: كانوا في الدنيا لا يخافون محاسبة).
وقال ابن زيد: كانوا لا يؤمنون بالبعث ولا بالحساب فكيف يخافون الحساب وهم لا يوقنون بالبعث بعد الموت؟!
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا كِذَّاباً﴾.
أي: جحدوا بها جحوداً.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَاباً﴾.
أي: وأحصينا كل شيء من أعمالهم وغير ذلك فكتبناه كتابا، [فـ ﴿كِتَاباً﴾] مصدر عمل فيه فعل مضمر.
وقيل: العامل فيه (احصينا) [لأنه] يعني: كتبنا.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿فَذُوقُواْ فَلَن نَّزِيدَكُمْ إِلاَّ عَذَاباً﴾.
أي: يقال لهم - إذا شربوا الحميم والغساق - ذوقوا العذاب الذي كنتم به تكذبون في الدنيا، فلن نزيدكم على العذاب الذي أنتم فيه إلا عذاباً زائداً.
قال عبد الله بن عمرو: لم ينزل على أهل النار آية أشد من هذه، فهم في مزيد أبداً.
وقد روي مثل ذلك عن النبي ﷺ.
وروي أنه لا يأتي على أهل الجنة ساعة إلا ويزدادون صنفاً من النعيم لم يكونوا يعرفونه، ولا يأتي على أهل النار ساعة إلا وهم مستنكرون لشيء من العذاب لم يكونوا يعرفونه.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازاً﴾.
أي: منجى من النار إلى الجنة ينجون به، وهي حدائق وأعناب.
وقال ابن عباس: ﴿مَفَازاً﴾، "متنزهاً". وقيل: المفاز: الظفر بما يحبه الإنسان. يقال: فاز فلان بكذا إذا ظفر به.
والحدائق: جمع حديقة، وهي البستان من النخيل والأعناب والأشجار التي قد حوط عليها الحيطان فأحدقت (بها)، فَلإِحْدَاقِ الحيطان بها سميت حديقة، ولو لم تكن الحيطان بها محدقة لم تسم حديقة.
قال ابن عباس: الحدائق: [الشجر] الملتف. وقال الضحاك: الحدائق التي عليها الحيطان.
* *
- وقوله: ﴿وَأَعْنَاباً﴾.
معناه: وكروم أعناب، ثم حذف.
* *
- وقوله: ﴿وَكَوَاعِبَ أَتْرَاباً﴾.
(أي): وحورا نواهد في سن واحدة. قاله ابن عباس وقتادة وغيرهما.
* *
- ثم قال: ﴿وَكَأْساً دِهَاقاً﴾.
مَلأَى من الخمر مترعة، وأصله من الدهق، وهو متابعة الضغط على الشيء بشدة وعنف. قال ابن عباس والحسن وقتادة ومجاهد: الدهاق: الملأى. وهو قول ابن زيد. وقال عكرمة: الدهاق: الصافية. وقال ابن جبير: هي "المتتابعة". وقد روي مثل ذلك أيضاً عن ابن عباس ومجاهد.
* *
- ثم قال: ﴿لاَّ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً وَلاَ كِذَّاباً﴾.
أي: باطلاً [من القول]. ﴿وَلاَ كِذَّاباً﴾، أي: ولا يكذب بعضهم بعضاً.
وقال قتادة: ﴿وَلاَ كِذَّاباً﴾، أي: مأثماً. و ﴿لَغْواً﴾: باطلاً.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿جَزَآءً مِّن رَّبِّكَ عَطَآءً حِسَاباً﴾.
أي: هذا لهم جزاء لأعمالهم في الدنيا، أعطاهم الله ذلك عطاءً كافياً.
يقال: أحسبني الشيء، أي: كفاني. وقيل: ﴿حِسَاباً﴾ بمعنى: محاسبة لهم بأعمالهم لله في الدنيا، يعطون على قدر أعمالهم.
وقال قتادة: ﴿عَطَآءً حِسَاباً﴾، أي: "عطاءً كثيراً، جزاهم الله بالعمل اليسير الخير الجسيم الذي لا انقطاع له".
النبأ 78:18
قوله تعالى: ﴿لِّنُخْرِجَ بِهِ حَبّاً وَنَبَاتاً﴾ إلى قوله: ﴿عَطَآءً حِسَاباً﴾.
أي: أنزلنا الماء لنخرج به من الأرض لكم حباً، يعني القمح والشعير وسائر القطنية، ﴿وَنَبَاتاً﴾ يعني ما ترعى البهائم.
* *
- ﴿وَجَنَّاتٍ أَلْفَافاً﴾.
أي: وثمر جنات ملتفة مجتمعة قال ابن عباس: "التف بعضها ببعض". وهو قول مجاهد وقتادة وغيرهما. وقال الأخفش وأبو عبيدة: واحد الألفاف لِفٌّ. وقيل: لَفِيفٌ وحكى الكسائي أنه جمع الجمع، وواحده "لَفَّاءُ" كحمراء، ثم جمعت لَفَّاءُ على (لِفّ [كحمر] ثم جمعت "لِفٌّ" على) ألفاف، [كخف] وأخفاف.
قال ابن مسعود: يرسل الله جل وعز الرياح فتأخذ الماء من السماء فتجريه في السحاب [فتذريه] كما تذر اللقحة.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ يَوْمَ ٱلْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتاً﴾.
أي: يوم يفصل الله فيه بين خلقه كان ميقاتاً لما أعد الله للمكذبين بالبعث ولنظرائهم من الخلق.
قال قتادة: هو يوم عظمه الله يفصل فيه بين الأولين والآخرين.
- ثم أبدل من ﴿يَوْمَ﴾ للبيان فقال:
* *
- ﴿يَوْمَ يُنفَخُ فِي ٱلصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجاً﴾.
أي: يوم الفصل بين الخلق يوم ينفخ إسرافيل في الصور فتأتون من قبوركم إلى المحشر ﴿أَفْوَاجاً﴾ [أي]: زُمَراً زُمَراً.
روي أن كل أمة تأتي مع رسولها [يوم القيامة]، وهو قوله: ﴿يَوْمَ نَدْعُواْ كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ﴾ [الإسراء: ٧١].
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَفُتِحَتِ ٱلسَّمَآءُ فَكَانَتْ أَبْوَاباً﴾.
[أي]: وشققت السماء وصدعت (فكانت) طرقاً.
وقيل: تصير قطعاً كقطع الخشب المشققة لأبواب الدور والمساكن.
والمعنى: وفتحت السماء فكانت قطعاً كالأبواب، (فلما سقطت الكاف صارت الأبواب) خبرا.
وكذلك قوله: ﴿وَسُيِّرَتِ ٱلْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَاباً﴾.
أي: صارت لا شيء، كما أن السراب لا شيء، وذلك أنها تنسف فَتُجْتَثُّ من أصولها فتصير هباء منبثاً لعين الناظر كالسراب الذي يظنه (الناظر) ماء وهو في الحقيقة ليس بماء، إنما هو هباء.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَاداً﴾.
أي: إن جهنم كانت ذات ارتقاب ترتقب من يجتاز بها وترصدهم، ولم يقل "مرصادة"، لأنه غير جار على الفعل. فالمعنى ترصد من عصى الله. وفي "مرصاد" معنى التكثير. ولذلك لم يقل: "راصدة"، ففي وصفها بما لم يجر على الفعل معنى التكثير، ولو قال [راصدة] لثبتت الهاء، لأنه جار على الفعل، ولم يكن فيه (معنى) تكثير، ففي "مرصاد" معنى النسب (كأنه قال: "ذات إرصاد"، وكل ما حمل على معنى النسب) من الأخبار والصفات ففيه معنى التكثير واللزوم، فالمعنى أنها مركاد لمن كان يكذب بها في الدنيا.
وكان الحسن يقول - إذا قرأ هذه الآية -: أَلاَ إن على النار المَرْصَد، فمن جاء بجواز جاز ومن لم يجئ احتبس.
وروي عنه أنه قال: لا يدخل أحد الجنة حتى يجتاز على النار.
وقال قتادة: [تعلمن] أنه لا سبيل إلى الجنة حتى تقطع النار.
وقال سفيان: على جهنم ثلاث قناطير.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿لِّلطَّاغِينَ مَآباً﴾.
أي: هي لمن طغى في الدنيا فتعدى حدود الله [مرجع] يرجعون إليها ويصيرون إليها.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿لاَّبِثِينَ فِيهَآ أَحْقَاباً﴾.
قال قتادة: لابثين في جهنم أحقاباً (لا انقطاع لها.
وقيل: معناه: ﴿لاَّبِثِينَ فِيهَآ أَحْقَاباً) * لاَّ يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْداً وَلاَ شَرَاباً﴾، ثم بعد ذلك يعذبون بغير هذا العذاب مما شاء الله، كما قال: ﴿وَآخَرُ مِن شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ﴾ [ص: ٥٨].
وقيل: الضمير في ﴿فِيهَا﴾ يعود على الأرض، لأنه قد تقدم ذكرها، والضمير في ﴿يَذُوقُونَ فِيهَا﴾ لجهنم لتقدم ذكرها.
فعلى [القول] الأول، يكون ﴿لاَّ يَذُوقُونَ﴾ حالاً من ﴿لِّلطَّاغِينَ﴾ أو لـ ﴿جَهَنَّمَ﴾ أو نعتاً للأحقاب.
وعلى هذا القول الآخر، يكون ﴿لاَّ يَذُوقُونَ﴾ حالاً من ﴿جَهَنَّمَ﴾ أو من الطاغين.
وروى أبو أمامة أن النبي ﷺ قال: "الحقب الواحد ثلاثون ألف سنة
وهو جمع الجمع، واحده: حقبة، جمعت على حقب، وجمعت حقب على أحقاب.
ويجوز أن يكون أحقاب جمع حُقْب والحُقْبُ ثلاثمائة سنة، كل سنة ثلاثمائة وستون يوماً، كل يوم ألف سنة من سنين الدنيا. قاله [بشير] بن كعب.
وقال علي بن أبي طالب: الحقب: ثمانون سنة، كل سنة اثنا عشر شهراً، كل شهر ثلاثون يوماً، كل يوم ألف سنة من سنين الدنيا، وهو قول ابن جبير، وقاله الربيع بن أنس.
[وقال] أبو هريرة: الحقب ستون سنة، كل سنة ثلاثمائة وستون يوماً، كل يوم ألف سنة من سنين الدنيا.
وقال قتادة: "الحقب ثمانون سنة من سنيّ الآخرة". وقال: هي أحقاب لا انقطاع لها، كلما مضى حقب جاء حقب بعده.
وقال الحسن: أما الأحقاب، فليس لها عدة إلا الخلود في النار، ولكن ذكر أن الحقب سبعون سنة، كل يوم منها كألف سنة مما نعده.
وقال خالد بن مَعَدَّان: هي في أهل التوحيد من أهل القبلة مثل قوله ﴿إِلاَّ مَا شَآءَ رَبُّكَ﴾ [هود: ١٠٨]، وهذا التأويل يرده قوله بعد ذلك.
* *
﴿إِنَّهُمْ كَانُواْ لاَ يَرْجُونَ حِسَاباً * وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا كِذَّاباً﴾.
وليس هذه صفة الموحدين.
وقد روي عن مقاتل أنه قال: إنها منسوخة، نسختها قوله: ﴿فَلَن نَّزِيدَكُمْ (إِلاَّ) عَذَاباً﴾.
وهذا لا يكون فيه نسخ، لأنه خبر، والأخبار لا تنسخ.
والحقب عند أهل اللغة مبهم كالحين والزمان. والبرد: النوم.
وقيل [الهدوء]. وقيل: برد [الشراب] المستلذ. قال ابن عباس: هو برد الشراب وقيل: البرد: الراحة.
* *
- ثم قال: ﴿إِلاَّ حَمِيماً وَغَسَّاقاً﴾.
قال الربيع: "استثنى من الشراب الحميم، ومن البرد الغساق".
[والحميم الذي قد انتهى [حره] كالمهل [يشوي] الوجوه.
وقال ابن زيد: الحميم: دموع أعينهم، يجمع في حياض ثم يسقونه. والغساق]: الصديد الذي يخرج من جلودهم مما تصهرهم النار، يجمع في حياض النار فيُسْقَوْنَهُ.
وأصل الحميم الماء الحار، ومنه اشتق الحَمَّامُ، ومنه الحُمَّى، ومنه [اليَحْمُومُ].
قال قتادة: الغساق ما يسيل [من] جلده ولحمه.
وقال سفيان: هو ما يسيل من دموعهم.
وقال النخعي: هو "ما يسيل من صديدهم من البرد".
وعن ابن عباس أن الغساق: "الزمهرير".
وقال مجاهد: "الغساق: الذي لا يستطيعون أن يذوقوه (من برده).
وقال عبد الله بن [بريدة]: "هو المُنْتِنُ".
وروى الخدري عن النبي ﷺ أنه قال: "لَوْ أَنَّ دَلْواً مِن غَسَّاقٍ يُهْرَاقُ فِي الدُّنْيَا لأَنْتَنَ أَهْلُ الدُّنْيَا
وقال عبد الله بن [عمرو]: "أتدرون أي شيء الغساق؟ قالوا: الله أعلم، قال: هو القيح الغليظ، لو أن قطرة منه تهراق بالمغرب لأنتنت أهل [المشرق]. ولو تهرق [بالمشرق] لأنتنت أهل المغرب".
* *
- وقوله: ﴿جَزَآءً وِفَاقاً﴾.
أي: هذا العذاب الذي وصف جزاء للكفار على أفعالهم في الدنيا وافق أعمالهم وفاقاً، قاله ابن عباس. قال قتادة: "وافق الجزاء أعمال القوم...". وقال الربيع: "ثواباً وافق أعمالهم". قال ابن زيد: "عملوا شراً فجوزوا شراً، [وعملوا] حسناً فجوزوا حسناً".
* *
- ثم قال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُواْ لاَ يَرْجُونَ حِسَاباً﴾.
أي: لا يخافون محاسبة الله (لهم على أعمالهم في الآخرة.
قال قتادة: كانوا في الدنيا لا يخافون محاسبة).
وقال ابن زيد: كانوا لا يؤمنون بالبعث ولا بالحساب فكيف يخافون الحساب وهم لا يوقنون بالبعث بعد الموت؟!
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا كِذَّاباً﴾.
أي: جحدوا بها جحوداً.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَاباً﴾.
أي: وأحصينا كل شيء من أعمالهم وغير ذلك فكتبناه كتابا، [فـ ﴿كِتَاباً﴾] مصدر عمل فيه فعل مضمر.
وقيل: العامل فيه (احصينا) [لأنه] يعني: كتبنا.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿فَذُوقُواْ فَلَن نَّزِيدَكُمْ إِلاَّ عَذَاباً﴾.
أي: يقال لهم - إذا شربوا الحميم والغساق - ذوقوا العذاب الذي كنتم به تكذبون في الدنيا، فلن نزيدكم على العذاب الذي أنتم فيه إلا عذاباً زائداً.
قال عبد الله بن عمرو: لم ينزل على أهل النار آية أشد من هذه، فهم في مزيد أبداً.
وقد روي مثل ذلك عن النبي ﷺ.
وروي أنه لا يأتي على أهل الجنة ساعة إلا ويزدادون صنفاً من النعيم لم يكونوا يعرفونه، ولا يأتي على أهل النار ساعة إلا وهم مستنكرون لشيء من العذاب لم يكونوا يعرفونه.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازاً﴾.
أي: منجى من النار إلى الجنة ينجون به، وهي حدائق وأعناب.
وقال ابن عباس: ﴿مَفَازاً﴾، "متنزهاً". وقيل: المفاز: الظفر بما يحبه الإنسان. يقال: فاز فلان بكذا إذا ظفر به.
والحدائق: جمع حديقة، وهي البستان من النخيل والأعناب والأشجار التي قد حوط عليها الحيطان فأحدقت (بها)، فَلإِحْدَاقِ الحيطان بها سميت حديقة، ولو لم تكن الحيطان بها محدقة لم تسم حديقة.
قال ابن عباس: الحدائق: [الشجر] الملتف. وقال الضحاك: الحدائق التي عليها الحيطان.
* *
- وقوله: ﴿وَأَعْنَاباً﴾.
معناه: وكروم أعناب، ثم حذف.
* *
- وقوله: ﴿وَكَوَاعِبَ أَتْرَاباً﴾.
(أي): وحورا نواهد في سن واحدة. قاله ابن عباس وقتادة وغيرهما.
* *
- ثم قال: ﴿وَكَأْساً دِهَاقاً﴾.
مَلأَى من الخمر مترعة، وأصله من الدهق، وهو متابعة الضغط على الشيء بشدة وعنف. قال ابن عباس والحسن وقتادة ومجاهد: الدهاق: الملأى. وهو قول ابن زيد. وقال عكرمة: الدهاق: الصافية. وقال ابن جبير: هي "المتتابعة". وقد روي مثل ذلك أيضاً عن ابن عباس ومجاهد.
* *
- ثم قال: ﴿لاَّ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً وَلاَ كِذَّاباً﴾.
أي: باطلاً [من القول]. ﴿وَلاَ كِذَّاباً﴾، أي: ولا يكذب بعضهم بعضاً.
وقال قتادة: ﴿وَلاَ كِذَّاباً﴾، أي: مأثماً. و ﴿لَغْواً﴾: باطلاً.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿جَزَآءً مِّن رَّبِّكَ عَطَآءً حِسَاباً﴾.
أي: هذا لهم جزاء لأعمالهم في الدنيا، أعطاهم الله ذلك عطاءً كافياً.
يقال: أحسبني الشيء، أي: كفاني. وقيل: ﴿حِسَاباً﴾ بمعنى: محاسبة لهم بأعمالهم لله في الدنيا، يعطون على قدر أعمالهم.
وقال قتادة: ﴿عَطَآءً حِسَاباً﴾، أي: "عطاءً كثيراً، جزاهم الله بالعمل اليسير الخير الجسيم الذي لا انقطاع له".
النبأ 78:19
قوله تعالى: ﴿لِّنُخْرِجَ بِهِ حَبّاً وَنَبَاتاً﴾ إلى قوله: ﴿عَطَآءً حِسَاباً﴾.
أي: أنزلنا الماء لنخرج به من الأرض لكم حباً، يعني القمح والشعير وسائر القطنية، ﴿وَنَبَاتاً﴾ يعني ما ترعى البهائم.
* *
- ﴿وَجَنَّاتٍ أَلْفَافاً﴾.
أي: وثمر جنات ملتفة مجتمعة قال ابن عباس: "التف بعضها ببعض". وهو قول مجاهد وقتادة وغيرهما. وقال الأخفش وأبو عبيدة: واحد الألفاف لِفٌّ. وقيل: لَفِيفٌ وحكى الكسائي أنه جمع الجمع، وواحده "لَفَّاءُ" كحمراء، ثم جمعت لَفَّاءُ على (لِفّ [كحمر] ثم جمعت "لِفٌّ" على) ألفاف، [كخف] وأخفاف.
قال ابن مسعود: يرسل الله جل وعز الرياح فتأخذ الماء من السماء فتجريه في السحاب [فتذريه] كما تذر اللقحة.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ يَوْمَ ٱلْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتاً﴾.
أي: يوم يفصل الله فيه بين خلقه كان ميقاتاً لما أعد الله للمكذبين بالبعث ولنظرائهم من الخلق.
قال قتادة: هو يوم عظمه الله يفصل فيه بين الأولين والآخرين.
- ثم أبدل من ﴿يَوْمَ﴾ للبيان فقال:
* *
- ﴿يَوْمَ يُنفَخُ فِي ٱلصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجاً﴾.
أي: يوم الفصل بين الخلق يوم ينفخ إسرافيل في الصور فتأتون من قبوركم إلى المحشر ﴿أَفْوَاجاً﴾ [أي]: زُمَراً زُمَراً.
روي أن كل أمة تأتي مع رسولها [يوم القيامة]، وهو قوله: ﴿يَوْمَ نَدْعُواْ كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ﴾ [الإسراء: ٧١].
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَفُتِحَتِ ٱلسَّمَآءُ فَكَانَتْ أَبْوَاباً﴾.
[أي]: وشققت السماء وصدعت (فكانت) طرقاً.
وقيل: تصير قطعاً كقطع الخشب المشققة لأبواب الدور والمساكن.
والمعنى: وفتحت السماء فكانت قطعاً كالأبواب، (فلما سقطت الكاف صارت الأبواب) خبرا.
وكذلك قوله: ﴿وَسُيِّرَتِ ٱلْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَاباً﴾.
أي: صارت لا شيء، كما أن السراب لا شيء، وذلك أنها تنسف فَتُجْتَثُّ من أصولها فتصير هباء منبثاً لعين الناظر كالسراب الذي يظنه (الناظر) ماء وهو في الحقيقة ليس بماء، إنما هو هباء.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَاداً﴾.
أي: إن جهنم كانت ذات ارتقاب ترتقب من يجتاز بها وترصدهم، ولم يقل "مرصادة"، لأنه غير جار على الفعل. فالمعنى ترصد من عصى الله. وفي "مرصاد" معنى التكثير. ولذلك لم يقل: "راصدة"، ففي وصفها بما لم يجر على الفعل معنى التكثير، ولو قال [راصدة] لثبتت الهاء، لأنه جار على الفعل، ولم يكن فيه (معنى) تكثير، ففي "مرصاد" معنى النسب (كأنه قال: "ذات إرصاد"، وكل ما حمل على معنى النسب) من الأخبار والصفات ففيه معنى التكثير واللزوم، فالمعنى أنها مركاد لمن كان يكذب بها في الدنيا.
وكان الحسن يقول - إذا قرأ هذه الآية -: أَلاَ إن على النار المَرْصَد، فمن جاء بجواز جاز ومن لم يجئ احتبس.
وروي عنه أنه قال: لا يدخل أحد الجنة حتى يجتاز على النار.
وقال قتادة: [تعلمن] أنه لا سبيل إلى الجنة حتى تقطع النار.
وقال سفيان: على جهنم ثلاث قناطير.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿لِّلطَّاغِينَ مَآباً﴾.
أي: هي لمن طغى في الدنيا فتعدى حدود الله [مرجع] يرجعون إليها ويصيرون إليها.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿لاَّبِثِينَ فِيهَآ أَحْقَاباً﴾.
قال قتادة: لابثين في جهنم أحقاباً (لا انقطاع لها.
وقيل: معناه: ﴿لاَّبِثِينَ فِيهَآ أَحْقَاباً) * لاَّ يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْداً وَلاَ شَرَاباً﴾، ثم بعد ذلك يعذبون بغير هذا العذاب مما شاء الله، كما قال: ﴿وَآخَرُ مِن شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ﴾ [ص: ٥٨].
وقيل: الضمير في ﴿فِيهَا﴾ يعود على الأرض، لأنه قد تقدم ذكرها، والضمير في ﴿يَذُوقُونَ فِيهَا﴾ لجهنم لتقدم ذكرها.
فعلى [القول] الأول، يكون ﴿لاَّ يَذُوقُونَ﴾ حالاً من ﴿لِّلطَّاغِينَ﴾ أو لـ ﴿جَهَنَّمَ﴾ أو نعتاً للأحقاب.
وعلى هذا القول الآخر، يكون ﴿لاَّ يَذُوقُونَ﴾ حالاً من ﴿جَهَنَّمَ﴾ أو من الطاغين.
وروى أبو أمامة أن النبي ﷺ قال: "الحقب الواحد ثلاثون ألف سنة
وهو جمع الجمع، واحده: حقبة، جمعت على حقب، وجمعت حقب على أحقاب.
ويجوز أن يكون أحقاب جمع حُقْب والحُقْبُ ثلاثمائة سنة، كل سنة ثلاثمائة وستون يوماً، كل يوم ألف سنة من سنين الدنيا. قاله [بشير] بن كعب.
وقال علي بن أبي طالب: الحقب: ثمانون سنة، كل سنة اثنا عشر شهراً، كل شهر ثلاثون يوماً، كل يوم ألف سنة من سنين الدنيا، وهو قول ابن جبير، وقاله الربيع بن أنس.
[وقال] أبو هريرة: الحقب ستون سنة، كل سنة ثلاثمائة وستون يوماً، كل يوم ألف سنة من سنين الدنيا.
وقال قتادة: "الحقب ثمانون سنة من سنيّ الآخرة". وقال: هي أحقاب لا انقطاع لها، كلما مضى حقب جاء حقب بعده.
وقال الحسن: أما الأحقاب، فليس لها عدة إلا الخلود في النار، ولكن ذكر أن الحقب سبعون سنة، كل يوم منها كألف سنة مما نعده.
وقال خالد بن مَعَدَّان: هي في أهل التوحيد من أهل القبلة مثل قوله ﴿إِلاَّ مَا شَآءَ رَبُّكَ﴾ [هود: ١٠٨]، وهذا التأويل يرده قوله بعد ذلك.
* *
﴿إِنَّهُمْ كَانُواْ لاَ يَرْجُونَ حِسَاباً * وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا كِذَّاباً﴾.
وليس هذه صفة الموحدين.
وقد روي عن مقاتل أنه قال: إنها منسوخة، نسختها قوله: ﴿فَلَن نَّزِيدَكُمْ (إِلاَّ) عَذَاباً﴾.
وهذا لا يكون فيه نسخ، لأنه خبر، والأخبار لا تنسخ.
والحقب عند أهل اللغة مبهم كالحين والزمان. والبرد: النوم.
وقيل [الهدوء]. وقيل: برد [الشراب] المستلذ. قال ابن عباس: هو برد الشراب وقيل: البرد: الراحة.
* *
- ثم قال: ﴿إِلاَّ حَمِيماً وَغَسَّاقاً﴾.
قال الربيع: "استثنى من الشراب الحميم، ومن البرد الغساق".
[والحميم الذي قد انتهى [حره] كالمهل [يشوي] الوجوه.
وقال ابن زيد: الحميم: دموع أعينهم، يجمع في حياض ثم يسقونه. والغساق]: الصديد الذي يخرج من جلودهم مما تصهرهم النار، يجمع في حياض النار فيُسْقَوْنَهُ.
وأصل الحميم الماء الحار، ومنه اشتق الحَمَّامُ، ومنه الحُمَّى، ومنه [اليَحْمُومُ].
قال قتادة: الغساق ما يسيل [من] جلده ولحمه.
وقال سفيان: هو ما يسيل من دموعهم.
وقال النخعي: هو "ما يسيل من صديدهم من البرد".
وعن ابن عباس أن الغساق: "الزمهرير".
وقال مجاهد: "الغساق: الذي لا يستطيعون أن يذوقوه (من برده).
وقال عبد الله بن [بريدة]: "هو المُنْتِنُ".
وروى الخدري عن النبي ﷺ أنه قال: "لَوْ أَنَّ دَلْواً مِن غَسَّاقٍ يُهْرَاقُ فِي الدُّنْيَا لأَنْتَنَ أَهْلُ الدُّنْيَا
وقال عبد الله بن [عمرو]: "أتدرون أي شيء الغساق؟ قالوا: الله أعلم، قال: هو القيح الغليظ، لو أن قطرة منه تهراق بالمغرب لأنتنت أهل [المشرق]. ولو تهرق [بالمشرق] لأنتنت أهل المغرب".
* *
- وقوله: ﴿جَزَآءً وِفَاقاً﴾.
أي: هذا العذاب الذي وصف جزاء للكفار على أفعالهم في الدنيا وافق أعمالهم وفاقاً، قاله ابن عباس. قال قتادة: "وافق الجزاء أعمال القوم...". وقال الربيع: "ثواباً وافق أعمالهم". قال ابن زيد: "عملوا شراً فجوزوا شراً، [وعملوا] حسناً فجوزوا حسناً".
* *
- ثم قال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُواْ لاَ يَرْجُونَ حِسَاباً﴾.
أي: لا يخافون محاسبة الله (لهم على أعمالهم في الآخرة.
قال قتادة: كانوا في الدنيا لا يخافون محاسبة).
وقال ابن زيد: كانوا لا يؤمنون بالبعث ولا بالحساب فكيف يخافون الحساب وهم لا يوقنون بالبعث بعد الموت؟!
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا كِذَّاباً﴾.
أي: جحدوا بها جحوداً.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَاباً﴾.
أي: وأحصينا كل شيء من أعمالهم وغير ذلك فكتبناه كتابا، [فـ ﴿كِتَاباً﴾] مصدر عمل فيه فعل مضمر.
وقيل: العامل فيه (احصينا) [لأنه] يعني: كتبنا.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿فَذُوقُواْ فَلَن نَّزِيدَكُمْ إِلاَّ عَذَاباً﴾.
أي: يقال لهم - إذا شربوا الحميم والغساق - ذوقوا العذاب الذي كنتم به تكذبون في الدنيا، فلن نزيدكم على العذاب الذي أنتم فيه إلا عذاباً زائداً.
قال عبد الله بن عمرو: لم ينزل على أهل النار آية أشد من هذه، فهم في مزيد أبداً.
وقد روي مثل ذلك عن النبي ﷺ.
وروي أنه لا يأتي على أهل الجنة ساعة إلا ويزدادون صنفاً من النعيم لم يكونوا يعرفونه، ولا يأتي على أهل النار ساعة إلا وهم مستنكرون لشيء من العذاب لم يكونوا يعرفونه.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازاً﴾.
أي: منجى من النار إلى الجنة ينجون به، وهي حدائق وأعناب.
وقال ابن عباس: ﴿مَفَازاً﴾، "متنزهاً". وقيل: المفاز: الظفر بما يحبه الإنسان. يقال: فاز فلان بكذا إذا ظفر به.
والحدائق: جمع حديقة، وهي البستان من النخيل والأعناب والأشجار التي قد حوط عليها الحيطان فأحدقت (بها)، فَلإِحْدَاقِ الحيطان بها سميت حديقة، ولو لم تكن الحيطان بها محدقة لم تسم حديقة.
قال ابن عباس: الحدائق: [الشجر] الملتف. وقال الضحاك: الحدائق التي عليها الحيطان.
* *
- وقوله: ﴿وَأَعْنَاباً﴾.
معناه: وكروم أعناب، ثم حذف.
* *
- وقوله: ﴿وَكَوَاعِبَ أَتْرَاباً﴾.
(أي): وحورا نواهد في سن واحدة. قاله ابن عباس وقتادة وغيرهما.
* *
- ثم قال: ﴿وَكَأْساً دِهَاقاً﴾.
مَلأَى من الخمر مترعة، وأصله من الدهق، وهو متابعة الضغط على الشيء بشدة وعنف. قال ابن عباس والحسن وقتادة ومجاهد: الدهاق: الملأى. وهو قول ابن زيد. وقال عكرمة: الدهاق: الصافية. وقال ابن جبير: هي "المتتابعة". وقد روي مثل ذلك أيضاً عن ابن عباس ومجاهد.
* *
- ثم قال: ﴿لاَّ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً وَلاَ كِذَّاباً﴾.
أي: باطلاً [من القول]. ﴿وَلاَ كِذَّاباً﴾، أي: ولا يكذب بعضهم بعضاً.
وقال قتادة: ﴿وَلاَ كِذَّاباً﴾، أي: مأثماً. و ﴿لَغْواً﴾: باطلاً.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿جَزَآءً مِّن رَّبِّكَ عَطَآءً حِسَاباً﴾.
أي: هذا لهم جزاء لأعمالهم في الدنيا، أعطاهم الله ذلك عطاءً كافياً.
يقال: أحسبني الشيء، أي: كفاني. وقيل: ﴿حِسَاباً﴾ بمعنى: محاسبة لهم بأعمالهم لله في الدنيا، يعطون على قدر أعمالهم.
وقال قتادة: ﴿عَطَآءً حِسَاباً﴾، أي: "عطاءً كثيراً، جزاهم الله بالعمل اليسير الخير الجسيم الذي لا انقطاع له".
النبأ 78:20
قوله تعالى: ﴿لِّنُخْرِجَ بِهِ حَبّاً وَنَبَاتاً﴾ إلى قوله: ﴿عَطَآءً حِسَاباً﴾.
أي: أنزلنا الماء لنخرج به من الأرض لكم حباً، يعني القمح والشعير وسائر القطنية، ﴿وَنَبَاتاً﴾ يعني ما ترعى البهائم.
* *
- ﴿وَجَنَّاتٍ أَلْفَافاً﴾.
أي: وثمر جنات ملتفة مجتمعة قال ابن عباس: "التف بعضها ببعض". وهو قول مجاهد وقتادة وغيرهما. وقال الأخفش وأبو عبيدة: واحد الألفاف لِفٌّ. وقيل: لَفِيفٌ وحكى الكسائي أنه جمع الجمع، وواحده "لَفَّاءُ" كحمراء، ثم جمعت لَفَّاءُ على (لِفّ [كحمر] ثم جمعت "لِفٌّ" على) ألفاف، [كخف] وأخفاف.
قال ابن مسعود: يرسل الله جل وعز الرياح فتأخذ الماء من السماء فتجريه في السحاب [فتذريه] كما تذر اللقحة.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ يَوْمَ ٱلْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتاً﴾.
أي: يوم يفصل الله فيه بين خلقه كان ميقاتاً لما أعد الله للمكذبين بالبعث ولنظرائهم من الخلق.
قال قتادة: هو يوم عظمه الله يفصل فيه بين الأولين والآخرين.
- ثم أبدل من ﴿يَوْمَ﴾ للبيان فقال:
* *
- ﴿يَوْمَ يُنفَخُ فِي ٱلصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجاً﴾.
أي: يوم الفصل بين الخلق يوم ينفخ إسرافيل في الصور فتأتون من قبوركم إلى المحشر ﴿أَفْوَاجاً﴾ [أي]: زُمَراً زُمَراً.
روي أن كل أمة تأتي مع رسولها [يوم القيامة]، وهو قوله: ﴿يَوْمَ نَدْعُواْ كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ﴾ [الإسراء: ٧١].
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَفُتِحَتِ ٱلسَّمَآءُ فَكَانَتْ أَبْوَاباً﴾.
[أي]: وشققت السماء وصدعت (فكانت) طرقاً.
وقيل: تصير قطعاً كقطع الخشب المشققة لأبواب الدور والمساكن.
والمعنى: وفتحت السماء فكانت قطعاً كالأبواب، (فلما سقطت الكاف صارت الأبواب) خبرا.
وكذلك قوله: ﴿وَسُيِّرَتِ ٱلْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَاباً﴾.
أي: صارت لا شيء، كما أن السراب لا شيء، وذلك أنها تنسف فَتُجْتَثُّ من أصولها فتصير هباء منبثاً لعين الناظر كالسراب الذي يظنه (الناظر) ماء وهو في الحقيقة ليس بماء، إنما هو هباء.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَاداً﴾.
أي: إن جهنم كانت ذات ارتقاب ترتقب من يجتاز بها وترصدهم، ولم يقل "مرصادة"، لأنه غير جار على الفعل. فالمعنى ترصد من عصى الله. وفي "مرصاد" معنى التكثير. ولذلك لم يقل: "راصدة"، ففي وصفها بما لم يجر على الفعل معنى التكثير، ولو قال [راصدة] لثبتت الهاء، لأنه جار على الفعل، ولم يكن فيه (معنى) تكثير، ففي "مرصاد" معنى النسب (كأنه قال: "ذات إرصاد"، وكل ما حمل على معنى النسب) من الأخبار والصفات ففيه معنى التكثير واللزوم، فالمعنى أنها مركاد لمن كان يكذب بها في الدنيا.
وكان الحسن يقول - إذا قرأ هذه الآية -: أَلاَ إن على النار المَرْصَد، فمن جاء بجواز جاز ومن لم يجئ احتبس.
وروي عنه أنه قال: لا يدخل أحد الجنة حتى يجتاز على النار.
وقال قتادة: [تعلمن] أنه لا سبيل إلى الجنة حتى تقطع النار.
وقال سفيان: على جهنم ثلاث قناطير.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿لِّلطَّاغِينَ مَآباً﴾.
أي: هي لمن طغى في الدنيا فتعدى حدود الله [مرجع] يرجعون إليها ويصيرون إليها.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿لاَّبِثِينَ فِيهَآ أَحْقَاباً﴾.
قال قتادة: لابثين في جهنم أحقاباً (لا انقطاع لها.
وقيل: معناه: ﴿لاَّبِثِينَ فِيهَآ أَحْقَاباً) * لاَّ يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْداً وَلاَ شَرَاباً﴾، ثم بعد ذلك يعذبون بغير هذا العذاب مما شاء الله، كما قال: ﴿وَآخَرُ مِن شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ﴾ [ص: ٥٨].
وقيل: الضمير في ﴿فِيهَا﴾ يعود على الأرض، لأنه قد تقدم ذكرها، والضمير في ﴿يَذُوقُونَ فِيهَا﴾ لجهنم لتقدم ذكرها.
فعلى [القول] الأول، يكون ﴿لاَّ يَذُوقُونَ﴾ حالاً من ﴿لِّلطَّاغِينَ﴾ أو لـ ﴿جَهَنَّمَ﴾ أو نعتاً للأحقاب.
وعلى هذا القول الآخر، يكون ﴿لاَّ يَذُوقُونَ﴾ حالاً من ﴿جَهَنَّمَ﴾ أو من الطاغين.
وروى أبو أمامة أن النبي ﷺ قال: "الحقب الواحد ثلاثون ألف سنة
وهو جمع الجمع، واحده: حقبة، جمعت على حقب، وجمعت حقب على أحقاب.
ويجوز أن يكون أحقاب جمع حُقْب والحُقْبُ ثلاثمائة سنة، كل سنة ثلاثمائة وستون يوماً، كل يوم ألف سنة من سنين الدنيا. قاله [بشير] بن كعب.
وقال علي بن أبي طالب: الحقب: ثمانون سنة، كل سنة اثنا عشر شهراً، كل شهر ثلاثون يوماً، كل يوم ألف سنة من سنين الدنيا، وهو قول ابن جبير، وقاله الربيع بن أنس.
[وقال] أبو هريرة: الحقب ستون سنة، كل سنة ثلاثمائة وستون يوماً، كل يوم ألف سنة من سنين الدنيا.
وقال قتادة: "الحقب ثمانون سنة من سنيّ الآخرة". وقال: هي أحقاب لا انقطاع لها، كلما مضى حقب جاء حقب بعده.
وقال الحسن: أما الأحقاب، فليس لها عدة إلا الخلود في النار، ولكن ذكر أن الحقب سبعون سنة، كل يوم منها كألف سنة مما نعده.
وقال خالد بن مَعَدَّان: هي في أهل التوحيد من أهل القبلة مثل قوله ﴿إِلاَّ مَا شَآءَ رَبُّكَ﴾ [هود: ١٠٨]، وهذا التأويل يرده قوله بعد ذلك.
* *
﴿إِنَّهُمْ كَانُواْ لاَ يَرْجُونَ حِسَاباً * وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا كِذَّاباً﴾.
وليس هذه صفة الموحدين.
وقد روي عن مقاتل أنه قال: إنها منسوخة، نسختها قوله: ﴿فَلَن نَّزِيدَكُمْ (إِلاَّ) عَذَاباً﴾.
وهذا لا يكون فيه نسخ، لأنه خبر، والأخبار لا تنسخ.
والحقب عند أهل اللغة مبهم كالحين والزمان. والبرد: النوم.
وقيل [الهدوء]. وقيل: برد [الشراب] المستلذ. قال ابن عباس: هو برد الشراب وقيل: البرد: الراحة.
* *
- ثم قال: ﴿إِلاَّ حَمِيماً وَغَسَّاقاً﴾.
قال الربيع: "استثنى من الشراب الحميم، ومن البرد الغساق".
[والحميم الذي قد انتهى [حره] كالمهل [يشوي] الوجوه.
وقال ابن زيد: الحميم: دموع أعينهم، يجمع في حياض ثم يسقونه. والغساق]: الصديد الذي يخرج من جلودهم مما تصهرهم النار، يجمع في حياض النار فيُسْقَوْنَهُ.
وأصل الحميم الماء الحار، ومنه اشتق الحَمَّامُ، ومنه الحُمَّى، ومنه [اليَحْمُومُ].
قال قتادة: الغساق ما يسيل [من] جلده ولحمه.
وقال سفيان: هو ما يسيل من دموعهم.
وقال النخعي: هو "ما يسيل من صديدهم من البرد".
وعن ابن عباس أن الغساق: "الزمهرير".
وقال مجاهد: "الغساق: الذي لا يستطيعون أن يذوقوه (من برده).
وقال عبد الله بن [بريدة]: "هو المُنْتِنُ".
وروى الخدري عن النبي ﷺ أنه قال: "لَوْ أَنَّ دَلْواً مِن غَسَّاقٍ يُهْرَاقُ فِي الدُّنْيَا لأَنْتَنَ أَهْلُ الدُّنْيَا
وقال عبد الله بن [عمرو]: "أتدرون أي شيء الغساق؟ قالوا: الله أعلم، قال: هو القيح الغليظ، لو أن قطرة منه تهراق بالمغرب لأنتنت أهل [المشرق]. ولو تهرق [بالمشرق] لأنتنت أهل المغرب".
* *
- وقوله: ﴿جَزَآءً وِفَاقاً﴾.
أي: هذا العذاب الذي وصف جزاء للكفار على أفعالهم في الدنيا وافق أعمالهم وفاقاً، قاله ابن عباس. قال قتادة: "وافق الجزاء أعمال القوم...". وقال الربيع: "ثواباً وافق أعمالهم". قال ابن زيد: "عملوا شراً فجوزوا شراً، [وعملوا] حسناً فجوزوا حسناً".
* *
- ثم قال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُواْ لاَ يَرْجُونَ حِسَاباً﴾.
أي: لا يخافون محاسبة الله (لهم على أعمالهم في الآخرة.
قال قتادة: كانوا في الدنيا لا يخافون محاسبة).
وقال ابن زيد: كانوا لا يؤمنون بالبعث ولا بالحساب فكيف يخافون الحساب وهم لا يوقنون بالبعث بعد الموت؟!
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا كِذَّاباً﴾.
أي: جحدوا بها جحوداً.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَاباً﴾.
أي: وأحصينا كل شيء من أعمالهم وغير ذلك فكتبناه كتابا، [فـ ﴿كِتَاباً﴾] مصدر عمل فيه فعل مضمر.
وقيل: العامل فيه (احصينا) [لأنه] يعني: كتبنا.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿فَذُوقُواْ فَلَن نَّزِيدَكُمْ إِلاَّ عَذَاباً﴾.
أي: يقال لهم - إذا شربوا الحميم والغساق - ذوقوا العذاب الذي كنتم به تكذبون في الدنيا، فلن نزيدكم على العذاب الذي أنتم فيه إلا عذاباً زائداً.
قال عبد الله بن عمرو: لم ينزل على أهل النار آية أشد من هذه، فهم في مزيد أبداً.
وقد روي مثل ذلك عن النبي ﷺ.
وروي أنه لا يأتي على أهل الجنة ساعة إلا ويزدادون صنفاً من النعيم لم يكونوا يعرفونه، ولا يأتي على أهل النار ساعة إلا وهم مستنكرون لشيء من العذاب لم يكونوا يعرفونه.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازاً﴾.
أي: منجى من النار إلى الجنة ينجون به، وهي حدائق وأعناب.
وقال ابن عباس: ﴿مَفَازاً﴾، "متنزهاً". وقيل: المفاز: الظفر بما يحبه الإنسان. يقال: فاز فلان بكذا إذا ظفر به.
والحدائق: جمع حديقة، وهي البستان من النخيل والأعناب والأشجار التي قد حوط عليها الحيطان فأحدقت (بها)، فَلإِحْدَاقِ الحيطان بها سميت حديقة، ولو لم تكن الحيطان بها محدقة لم تسم حديقة.
قال ابن عباس: الحدائق: [الشجر] الملتف. وقال الضحاك: الحدائق التي عليها الحيطان.
* *
- وقوله: ﴿وَأَعْنَاباً﴾.
معناه: وكروم أعناب، ثم حذف.
* *
- وقوله: ﴿وَكَوَاعِبَ أَتْرَاباً﴾.
(أي): وحورا نواهد في سن واحدة. قاله ابن عباس وقتادة وغيرهما.
* *
- ثم قال: ﴿وَكَأْساً دِهَاقاً﴾.
مَلأَى من الخمر مترعة، وأصله من الدهق، وهو متابعة الضغط على الشيء بشدة وعنف. قال ابن عباس والحسن وقتادة ومجاهد: الدهاق: الملأى. وهو قول ابن زيد. وقال عكرمة: الدهاق: الصافية. وقال ابن جبير: هي "المتتابعة". وقد روي مثل ذلك أيضاً عن ابن عباس ومجاهد.
* *
- ثم قال: ﴿لاَّ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً وَلاَ كِذَّاباً﴾.
أي: باطلاً [من القول]. ﴿وَلاَ كِذَّاباً﴾، أي: ولا يكذب بعضهم بعضاً.
وقال قتادة: ﴿وَلاَ كِذَّاباً﴾، أي: مأثماً. و ﴿لَغْواً﴾: باطلاً.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿جَزَآءً مِّن رَّبِّكَ عَطَآءً حِسَاباً﴾.
أي: هذا لهم جزاء لأعمالهم في الدنيا، أعطاهم الله ذلك عطاءً كافياً.
يقال: أحسبني الشيء، أي: كفاني. وقيل: ﴿حِسَاباً﴾ بمعنى: محاسبة لهم بأعمالهم لله في الدنيا، يعطون على قدر أعمالهم.
وقال قتادة: ﴿عَطَآءً حِسَاباً﴾، أي: "عطاءً كثيراً، جزاهم الله بالعمل اليسير الخير الجسيم الذي لا انقطاع له".
النبأ 78:21
قوله تعالى: ﴿لِّنُخْرِجَ بِهِ حَبّاً وَنَبَاتاً﴾ إلى قوله: ﴿عَطَآءً حِسَاباً﴾.
أي: أنزلنا الماء لنخرج به من الأرض لكم حباً، يعني القمح والشعير وسائر القطنية، ﴿وَنَبَاتاً﴾ يعني ما ترعى البهائم.
* *
- ﴿وَجَنَّاتٍ أَلْفَافاً﴾.
أي: وثمر جنات ملتفة مجتمعة قال ابن عباس: "التف بعضها ببعض". وهو قول مجاهد وقتادة وغيرهما. وقال الأخفش وأبو عبيدة: واحد الألفاف لِفٌّ. وقيل: لَفِيفٌ وحكى الكسائي أنه جمع الجمع، وواحده "لَفَّاءُ" كحمراء، ثم جمعت لَفَّاءُ على (لِفّ [كحمر] ثم جمعت "لِفٌّ" على) ألفاف، [كخف] وأخفاف.
قال ابن مسعود: يرسل الله جل وعز الرياح فتأخذ الماء من السماء فتجريه في السحاب [فتذريه] كما تذر اللقحة.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ يَوْمَ ٱلْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتاً﴾.
أي: يوم يفصل الله فيه بين خلقه كان ميقاتاً لما أعد الله للمكذبين بالبعث ولنظرائهم من الخلق.
قال قتادة: هو يوم عظمه الله يفصل فيه بين الأولين والآخرين.
- ثم أبدل من ﴿يَوْمَ﴾ للبيان فقال:
* *
- ﴿يَوْمَ يُنفَخُ فِي ٱلصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجاً﴾.
أي: يوم الفصل بين الخلق يوم ينفخ إسرافيل في الصور فتأتون من قبوركم إلى المحشر ﴿أَفْوَاجاً﴾ [أي]: زُمَراً زُمَراً.
روي أن كل أمة تأتي مع رسولها [يوم القيامة]، وهو قوله: ﴿يَوْمَ نَدْعُواْ كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ﴾ [الإسراء: ٧١].
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَفُتِحَتِ ٱلسَّمَآءُ فَكَانَتْ أَبْوَاباً﴾.
[أي]: وشققت السماء وصدعت (فكانت) طرقاً.
وقيل: تصير قطعاً كقطع الخشب المشققة لأبواب الدور والمساكن.
والمعنى: وفتحت السماء فكانت قطعاً كالأبواب، (فلما سقطت الكاف صارت الأبواب) خبرا.
وكذلك قوله: ﴿وَسُيِّرَتِ ٱلْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَاباً﴾.
أي: صارت لا شيء، كما أن السراب لا شيء، وذلك أنها تنسف فَتُجْتَثُّ من أصولها فتصير هباء منبثاً لعين الناظر كالسراب الذي يظنه (الناظر) ماء وهو في الحقيقة ليس بماء، إنما هو هباء.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَاداً﴾.
أي: إن جهنم كانت ذات ارتقاب ترتقب من يجتاز بها وترصدهم، ولم يقل "مرصادة"، لأنه غير جار على الفعل. فالمعنى ترصد من عصى الله. وفي "مرصاد" معنى التكثير. ولذلك لم يقل: "راصدة"، ففي وصفها بما لم يجر على الفعل معنى التكثير، ولو قال [راصدة] لثبتت الهاء، لأنه جار على الفعل، ولم يكن فيه (معنى) تكثير، ففي "مرصاد" معنى النسب (كأنه قال: "ذات إرصاد"، وكل ما حمل على معنى النسب) من الأخبار والصفات ففيه معنى التكثير واللزوم، فالمعنى أنها مركاد لمن كان يكذب بها في الدنيا.
وكان الحسن يقول - إذا قرأ هذه الآية -: أَلاَ إن على النار المَرْصَد، فمن جاء بجواز جاز ومن لم يجئ احتبس.
وروي عنه أنه قال: لا يدخل أحد الجنة حتى يجتاز على النار.
وقال قتادة: [تعلمن] أنه لا سبيل إلى الجنة حتى تقطع النار.
وقال سفيان: على جهنم ثلاث قناطير.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿لِّلطَّاغِينَ مَآباً﴾.
أي: هي لمن طغى في الدنيا فتعدى حدود الله [مرجع] يرجعون إليها ويصيرون إليها.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿لاَّبِثِينَ فِيهَآ أَحْقَاباً﴾.
قال قتادة: لابثين في جهنم أحقاباً (لا انقطاع لها.
وقيل: معناه: ﴿لاَّبِثِينَ فِيهَآ أَحْقَاباً) * لاَّ يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْداً وَلاَ شَرَاباً﴾، ثم بعد ذلك يعذبون بغير هذا العذاب مما شاء الله، كما قال: ﴿وَآخَرُ مِن شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ﴾ [ص: ٥٨].
وقيل: الضمير في ﴿فِيهَا﴾ يعود على الأرض، لأنه قد تقدم ذكرها، والضمير في ﴿يَذُوقُونَ فِيهَا﴾ لجهنم لتقدم ذكرها.
فعلى [القول] الأول، يكون ﴿لاَّ يَذُوقُونَ﴾ حالاً من ﴿لِّلطَّاغِينَ﴾ أو لـ ﴿جَهَنَّمَ﴾ أو نعتاً للأحقاب.
وعلى هذا القول الآخر، يكون ﴿لاَّ يَذُوقُونَ﴾ حالاً من ﴿جَهَنَّمَ﴾ أو من الطاغين.
وروى أبو أمامة أن النبي ﷺ قال: "الحقب الواحد ثلاثون ألف سنة
وهو جمع الجمع، واحده: حقبة، جمعت على حقب، وجمعت حقب على أحقاب.
ويجوز أن يكون أحقاب جمع حُقْب والحُقْبُ ثلاثمائة سنة، كل سنة ثلاثمائة وستون يوماً، كل يوم ألف سنة من سنين الدنيا. قاله [بشير] بن كعب.
وقال علي بن أبي طالب: الحقب: ثمانون سنة، كل سنة اثنا عشر شهراً، كل شهر ثلاثون يوماً، كل يوم ألف سنة من سنين الدنيا، وهو قول ابن جبير، وقاله الربيع بن أنس.
[وقال] أبو هريرة: الحقب ستون سنة، كل سنة ثلاثمائة وستون يوماً، كل يوم ألف سنة من سنين الدنيا.
وقال قتادة: "الحقب ثمانون سنة من سنيّ الآخرة". وقال: هي أحقاب لا انقطاع لها، كلما مضى حقب جاء حقب بعده.
وقال الحسن: أما الأحقاب، فليس لها عدة إلا الخلود في النار، ولكن ذكر أن الحقب سبعون سنة، كل يوم منها كألف سنة مما نعده.
وقال خالد بن مَعَدَّان: هي في أهل التوحيد من أهل القبلة مثل قوله ﴿إِلاَّ مَا شَآءَ رَبُّكَ﴾ [هود: ١٠٨]، وهذا التأويل يرده قوله بعد ذلك.
* *
﴿إِنَّهُمْ كَانُواْ لاَ يَرْجُونَ حِسَاباً * وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا كِذَّاباً﴾.
وليس هذه صفة الموحدين.
وقد روي عن مقاتل أنه قال: إنها منسوخة، نسختها قوله: ﴿فَلَن نَّزِيدَكُمْ (إِلاَّ) عَذَاباً﴾.
وهذا لا يكون فيه نسخ، لأنه خبر، والأخبار لا تنسخ.
والحقب عند أهل اللغة مبهم كالحين والزمان. والبرد: النوم.
وقيل [الهدوء]. وقيل: برد [الشراب] المستلذ. قال ابن عباس: هو برد الشراب وقيل: البرد: الراحة.
* *
- ثم قال: ﴿إِلاَّ حَمِيماً وَغَسَّاقاً﴾.
قال الربيع: "استثنى من الشراب الحميم، ومن البرد الغساق".
[والحميم الذي قد انتهى [حره] كالمهل [يشوي] الوجوه.
وقال ابن زيد: الحميم: دموع أعينهم، يجمع في حياض ثم يسقونه. والغساق]: الصديد الذي يخرج من جلودهم مما تصهرهم النار، يجمع في حياض النار فيُسْقَوْنَهُ.
وأصل الحميم الماء الحار، ومنه اشتق الحَمَّامُ، ومنه الحُمَّى، ومنه [اليَحْمُومُ].
قال قتادة: الغساق ما يسيل [من] جلده ولحمه.
وقال سفيان: هو ما يسيل من دموعهم.
وقال النخعي: هو "ما يسيل من صديدهم من البرد".
وعن ابن عباس أن الغساق: "الزمهرير".
وقال مجاهد: "الغساق: الذي لا يستطيعون أن يذوقوه (من برده).
وقال عبد الله بن [بريدة]: "هو المُنْتِنُ".
وروى الخدري عن النبي ﷺ أنه قال: "لَوْ أَنَّ دَلْواً مِن غَسَّاقٍ يُهْرَاقُ فِي الدُّنْيَا لأَنْتَنَ أَهْلُ الدُّنْيَا
وقال عبد الله بن [عمرو]: "أتدرون أي شيء الغساق؟ قالوا: الله أعلم، قال: هو القيح الغليظ، لو أن قطرة منه تهراق بالمغرب لأنتنت أهل [المشرق]. ولو تهرق [بالمشرق] لأنتنت أهل المغرب".
* *
- وقوله: ﴿جَزَآءً وِفَاقاً﴾.
أي: هذا العذاب الذي وصف جزاء للكفار على أفعالهم في الدنيا وافق أعمالهم وفاقاً، قاله ابن عباس. قال قتادة: "وافق الجزاء أعمال القوم...". وقال الربيع: "ثواباً وافق أعمالهم". قال ابن زيد: "عملوا شراً فجوزوا شراً، [وعملوا] حسناً فجوزوا حسناً".
* *
- ثم قال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُواْ لاَ يَرْجُونَ حِسَاباً﴾.
أي: لا يخافون محاسبة الله (لهم على أعمالهم في الآخرة.
قال قتادة: كانوا في الدنيا لا يخافون محاسبة).
وقال ابن زيد: كانوا لا يؤمنون بالبعث ولا بالحساب فكيف يخافون الحساب وهم لا يوقنون بالبعث بعد الموت؟!
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا كِذَّاباً﴾.
أي: جحدوا بها جحوداً.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَاباً﴾.
أي: وأحصينا كل شيء من أعمالهم وغير ذلك فكتبناه كتابا، [فـ ﴿كِتَاباً﴾] مصدر عمل فيه فعل مضمر.
وقيل: العامل فيه (احصينا) [لأنه] يعني: كتبنا.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿فَذُوقُواْ فَلَن نَّزِيدَكُمْ إِلاَّ عَذَاباً﴾.
أي: يقال لهم - إذا شربوا الحميم والغساق - ذوقوا العذاب الذي كنتم به تكذبون في الدنيا، فلن نزيدكم على العذاب الذي أنتم فيه إلا عذاباً زائداً.
قال عبد الله بن عمرو: لم ينزل على أهل النار آية أشد من هذه، فهم في مزيد أبداً.
وقد روي مثل ذلك عن النبي ﷺ.
وروي أنه لا يأتي على أهل الجنة ساعة إلا ويزدادون صنفاً من النعيم لم يكونوا يعرفونه، ولا يأتي على أهل النار ساعة إلا وهم مستنكرون لشيء من العذاب لم يكونوا يعرفونه.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازاً﴾.
أي: منجى من النار إلى الجنة ينجون به، وهي حدائق وأعناب.
وقال ابن عباس: ﴿مَفَازاً﴾، "متنزهاً". وقيل: المفاز: الظفر بما يحبه الإنسان. يقال: فاز فلان بكذا إذا ظفر به.
والحدائق: جمع حديقة، وهي البستان من النخيل والأعناب والأشجار التي قد حوط عليها الحيطان فأحدقت (بها)، فَلإِحْدَاقِ الحيطان بها سميت حديقة، ولو لم تكن الحيطان بها محدقة لم تسم حديقة.
قال ابن عباس: الحدائق: [الشجر] الملتف. وقال الضحاك: الحدائق التي عليها الحيطان.
* *
- وقوله: ﴿وَأَعْنَاباً﴾.
معناه: وكروم أعناب، ثم حذف.
* *
- وقوله: ﴿وَكَوَاعِبَ أَتْرَاباً﴾.
(أي): وحورا نواهد في سن واحدة. قاله ابن عباس وقتادة وغيرهما.
* *
- ثم قال: ﴿وَكَأْساً دِهَاقاً﴾.
مَلأَى من الخمر مترعة، وأصله من الدهق، وهو متابعة الضغط على الشيء بشدة وعنف. قال ابن عباس والحسن وقتادة ومجاهد: الدهاق: الملأى. وهو قول ابن زيد. وقال عكرمة: الدهاق: الصافية. وقال ابن جبير: هي "المتتابعة". وقد روي مثل ذلك أيضاً عن ابن عباس ومجاهد.
* *
- ثم قال: ﴿لاَّ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً وَلاَ كِذَّاباً﴾.
أي: باطلاً [من القول]. ﴿وَلاَ كِذَّاباً﴾، أي: ولا يكذب بعضهم بعضاً.
وقال قتادة: ﴿وَلاَ كِذَّاباً﴾، أي: مأثماً. و ﴿لَغْواً﴾: باطلاً.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿جَزَآءً مِّن رَّبِّكَ عَطَآءً حِسَاباً﴾.
أي: هذا لهم جزاء لأعمالهم في الدنيا، أعطاهم الله ذلك عطاءً كافياً.
يقال: أحسبني الشيء، أي: كفاني. وقيل: ﴿حِسَاباً﴾ بمعنى: محاسبة لهم بأعمالهم لله في الدنيا، يعطون على قدر أعمالهم.
وقال قتادة: ﴿عَطَآءً حِسَاباً﴾، أي: "عطاءً كثيراً، جزاهم الله بالعمل اليسير الخير الجسيم الذي لا انقطاع له".
النبأ 78:22
قوله تعالى: ﴿لِّنُخْرِجَ بِهِ حَبّاً وَنَبَاتاً﴾ إلى قوله: ﴿عَطَآءً حِسَاباً﴾.
أي: أنزلنا الماء لنخرج به من الأرض لكم حباً، يعني القمح والشعير وسائر القطنية، ﴿وَنَبَاتاً﴾ يعني ما ترعى البهائم.
* *
- ﴿وَجَنَّاتٍ أَلْفَافاً﴾.
أي: وثمر جنات ملتفة مجتمعة قال ابن عباس: "التف بعضها ببعض". وهو قول مجاهد وقتادة وغيرهما. وقال الأخفش وأبو عبيدة: واحد الألفاف لِفٌّ. وقيل: لَفِيفٌ وحكى الكسائي أنه جمع الجمع، وواحده "لَفَّاءُ" كحمراء، ثم جمعت لَفَّاءُ على (لِفّ [كحمر] ثم جمعت "لِفٌّ" على) ألفاف، [كخف] وأخفاف.
قال ابن مسعود: يرسل الله جل وعز الرياح فتأخذ الماء من السماء فتجريه في السحاب [فتذريه] كما تذر اللقحة.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ يَوْمَ ٱلْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتاً﴾.
أي: يوم يفصل الله فيه بين خلقه كان ميقاتاً لما أعد الله للمكذبين بالبعث ولنظرائهم من الخلق.
قال قتادة: هو يوم عظمه الله يفصل فيه بين الأولين والآخرين.
- ثم أبدل من ﴿يَوْمَ﴾ للبيان فقال:
* *
- ﴿يَوْمَ يُنفَخُ فِي ٱلصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجاً﴾.
أي: يوم الفصل بين الخلق يوم ينفخ إسرافيل في الصور فتأتون من قبوركم إلى المحشر ﴿أَفْوَاجاً﴾ [أي]: زُمَراً زُمَراً.
روي أن كل أمة تأتي مع رسولها [يوم القيامة]، وهو قوله: ﴿يَوْمَ نَدْعُواْ كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ﴾ [الإسراء: ٧١].
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَفُتِحَتِ ٱلسَّمَآءُ فَكَانَتْ أَبْوَاباً﴾.
[أي]: وشققت السماء وصدعت (فكانت) طرقاً.
وقيل: تصير قطعاً كقطع الخشب المشققة لأبواب الدور والمساكن.
والمعنى: وفتحت السماء فكانت قطعاً كالأبواب، (فلما سقطت الكاف صارت الأبواب) خبرا.
وكذلك قوله: ﴿وَسُيِّرَتِ ٱلْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَاباً﴾.
أي: صارت لا شيء، كما أن السراب لا شيء، وذلك أنها تنسف فَتُجْتَثُّ من أصولها فتصير هباء منبثاً لعين الناظر كالسراب الذي يظنه (الناظر) ماء وهو في الحقيقة ليس بماء، إنما هو هباء.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَاداً﴾.
أي: إن جهنم كانت ذات ارتقاب ترتقب من يجتاز بها وترصدهم، ولم يقل "مرصادة"، لأنه غير جار على الفعل. فالمعنى ترصد من عصى الله. وفي "مرصاد" معنى التكثير. ولذلك لم يقل: "راصدة"، ففي وصفها بما لم يجر على الفعل معنى التكثير، ولو قال [راصدة] لثبتت الهاء، لأنه جار على الفعل، ولم يكن فيه (معنى) تكثير، ففي "مرصاد" معنى النسب (كأنه قال: "ذات إرصاد"، وكل ما حمل على معنى النسب) من الأخبار والصفات ففيه معنى التكثير واللزوم، فالمعنى أنها مركاد لمن كان يكذب بها في الدنيا.
وكان الحسن يقول - إذا قرأ هذه الآية -: أَلاَ إن على النار المَرْصَد، فمن جاء بجواز جاز ومن لم يجئ احتبس.
وروي عنه أنه قال: لا يدخل أحد الجنة حتى يجتاز على النار.
وقال قتادة: [تعلمن] أنه لا سبيل إلى الجنة حتى تقطع النار.
وقال سفيان: على جهنم ثلاث قناطير.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿لِّلطَّاغِينَ مَآباً﴾.
أي: هي لمن طغى في الدنيا فتعدى حدود الله [مرجع] يرجعون إليها ويصيرون إليها.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿لاَّبِثِينَ فِيهَآ أَحْقَاباً﴾.
قال قتادة: لابثين في جهنم أحقاباً (لا انقطاع لها.
وقيل: معناه: ﴿لاَّبِثِينَ فِيهَآ أَحْقَاباً) * لاَّ يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْداً وَلاَ شَرَاباً﴾، ثم بعد ذلك يعذبون بغير هذا العذاب مما شاء الله، كما قال: ﴿وَآخَرُ مِن شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ﴾ [ص: ٥٨].
وقيل: الضمير في ﴿فِيهَا﴾ يعود على الأرض، لأنه قد تقدم ذكرها، والضمير في ﴿يَذُوقُونَ فِيهَا﴾ لجهنم لتقدم ذكرها.
فعلى [القول] الأول، يكون ﴿لاَّ يَذُوقُونَ﴾ حالاً من ﴿لِّلطَّاغِينَ﴾ أو لـ ﴿جَهَنَّمَ﴾ أو نعتاً للأحقاب.
وعلى هذا القول الآخر، يكون ﴿لاَّ يَذُوقُونَ﴾ حالاً من ﴿جَهَنَّمَ﴾ أو من الطاغين.
وروى أبو أمامة أن النبي ﷺ قال: "الحقب الواحد ثلاثون ألف سنة
وهو جمع الجمع، واحده: حقبة، جمعت على حقب، وجمعت حقب على أحقاب.
ويجوز أن يكون أحقاب جمع حُقْب والحُقْبُ ثلاثمائة سنة، كل سنة ثلاثمائة وستون يوماً، كل يوم ألف سنة من سنين الدنيا. قاله [بشير] بن كعب.
وقال علي بن أبي طالب: الحقب: ثمانون سنة، كل سنة اثنا عشر شهراً، كل شهر ثلاثون يوماً، كل يوم ألف سنة من سنين الدنيا، وهو قول ابن جبير، وقاله الربيع بن أنس.
[وقال] أبو هريرة: الحقب ستون سنة، كل سنة ثلاثمائة وستون يوماً، كل يوم ألف سنة من سنين الدنيا.
وقال قتادة: "الحقب ثمانون سنة من سنيّ الآخرة". وقال: هي أحقاب لا انقطاع لها، كلما مضى حقب جاء حقب بعده.
وقال الحسن: أما الأحقاب، فليس لها عدة إلا الخلود في النار، ولكن ذكر أن الحقب سبعون سنة، كل يوم منها كألف سنة مما نعده.
وقال خالد بن مَعَدَّان: هي في أهل التوحيد من أهل القبلة مثل قوله ﴿إِلاَّ مَا شَآءَ رَبُّكَ﴾ [هود: ١٠٨]، وهذا التأويل يرده قوله بعد ذلك.
* *
﴿إِنَّهُمْ كَانُواْ لاَ يَرْجُونَ حِسَاباً * وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا كِذَّاباً﴾.
وليس هذه صفة الموحدين.
وقد روي عن مقاتل أنه قال: إنها منسوخة، نسختها قوله: ﴿فَلَن نَّزِيدَكُمْ (إِلاَّ) عَذَاباً﴾.
وهذا لا يكون فيه نسخ، لأنه خبر، والأخبار لا تنسخ.
والحقب عند أهل اللغة مبهم كالحين والزمان. والبرد: النوم.
وقيل [الهدوء]. وقيل: برد [الشراب] المستلذ. قال ابن عباس: هو برد الشراب وقيل: البرد: الراحة.
* *
- ثم قال: ﴿إِلاَّ حَمِيماً وَغَسَّاقاً﴾.
قال الربيع: "استثنى من الشراب الحميم، ومن البرد الغساق".
[والحميم الذي قد انتهى [حره] كالمهل [يشوي] الوجوه.
وقال ابن زيد: الحميم: دموع أعينهم، يجمع في حياض ثم يسقونه. والغساق]: الصديد الذي يخرج من جلودهم مما تصهرهم النار، يجمع في حياض النار فيُسْقَوْنَهُ.
وأصل الحميم الماء الحار، ومنه اشتق الحَمَّامُ، ومنه الحُمَّى، ومنه [اليَحْمُومُ].
قال قتادة: الغساق ما يسيل [من] جلده ولحمه.
وقال سفيان: هو ما يسيل من دموعهم.
وقال النخعي: هو "ما يسيل من صديدهم من البرد".
وعن ابن عباس أن الغساق: "الزمهرير".
وقال مجاهد: "الغساق: الذي لا يستطيعون أن يذوقوه (من برده).
وقال عبد الله بن [بريدة]: "هو المُنْتِنُ".
وروى الخدري عن النبي ﷺ أنه قال: "لَوْ أَنَّ دَلْواً مِن غَسَّاقٍ يُهْرَاقُ فِي الدُّنْيَا لأَنْتَنَ أَهْلُ الدُّنْيَا
وقال عبد الله بن [عمرو]: "أتدرون أي شيء الغساق؟ قالوا: الله أعلم، قال: هو القيح الغليظ، لو أن قطرة منه تهراق بالمغرب لأنتنت أهل [المشرق]. ولو تهرق [بالمشرق] لأنتنت أهل المغرب".
* *
- وقوله: ﴿جَزَآءً وِفَاقاً﴾.
أي: هذا العذاب الذي وصف جزاء للكفار على أفعالهم في الدنيا وافق أعمالهم وفاقاً، قاله ابن عباس. قال قتادة: "وافق الجزاء أعمال القوم...". وقال الربيع: "ثواباً وافق أعمالهم". قال ابن زيد: "عملوا شراً فجوزوا شراً، [وعملوا] حسناً فجوزوا حسناً".
* *
- ثم قال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُواْ لاَ يَرْجُونَ حِسَاباً﴾.
أي: لا يخافون محاسبة الله (لهم على أعمالهم في الآخرة.
قال قتادة: كانوا في الدنيا لا يخافون محاسبة).
وقال ابن زيد: كانوا لا يؤمنون بالبعث ولا بالحساب فكيف يخافون الحساب وهم لا يوقنون بالبعث بعد الموت؟!
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا كِذَّاباً﴾.
أي: جحدوا بها جحوداً.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَاباً﴾.
أي: وأحصينا كل شيء من أعمالهم وغير ذلك فكتبناه كتابا، [فـ ﴿كِتَاباً﴾] مصدر عمل فيه فعل مضمر.
وقيل: العامل فيه (احصينا) [لأنه] يعني: كتبنا.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿فَذُوقُواْ فَلَن نَّزِيدَكُمْ إِلاَّ عَذَاباً﴾.
أي: يقال لهم - إذا شربوا الحميم والغساق - ذوقوا العذاب الذي كنتم به تكذبون في الدنيا، فلن نزيدكم على العذاب الذي أنتم فيه إلا عذاباً زائداً.
قال عبد الله بن عمرو: لم ينزل على أهل النار آية أشد من هذه، فهم في مزيد أبداً.
وقد روي مثل ذلك عن النبي ﷺ.
وروي أنه لا يأتي على أهل الجنة ساعة إلا ويزدادون صنفاً من النعيم لم يكونوا يعرفونه، ولا يأتي على أهل النار ساعة إلا وهم مستنكرون لشيء من العذاب لم يكونوا يعرفونه.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازاً﴾.
أي: منجى من النار إلى الجنة ينجون به، وهي حدائق وأعناب.
وقال ابن عباس: ﴿مَفَازاً﴾، "متنزهاً". وقيل: المفاز: الظفر بما يحبه الإنسان. يقال: فاز فلان بكذا إذا ظفر به.
والحدائق: جمع حديقة، وهي البستان من النخيل والأعناب والأشجار التي قد حوط عليها الحيطان فأحدقت (بها)، فَلإِحْدَاقِ الحيطان بها سميت حديقة، ولو لم تكن الحيطان بها محدقة لم تسم حديقة.
قال ابن عباس: الحدائق: [الشجر] الملتف. وقال الضحاك: الحدائق التي عليها الحيطان.
* *
- وقوله: ﴿وَأَعْنَاباً﴾.
معناه: وكروم أعناب، ثم حذف.
* *
- وقوله: ﴿وَكَوَاعِبَ أَتْرَاباً﴾.
(أي): وحورا نواهد في سن واحدة. قاله ابن عباس وقتادة وغيرهما.
* *
- ثم قال: ﴿وَكَأْساً دِهَاقاً﴾.
مَلأَى من الخمر مترعة، وأصله من الدهق، وهو متابعة الضغط على الشيء بشدة وعنف. قال ابن عباس والحسن وقتادة ومجاهد: الدهاق: الملأى. وهو قول ابن زيد. وقال عكرمة: الدهاق: الصافية. وقال ابن جبير: هي "المتتابعة". وقد روي مثل ذلك أيضاً عن ابن عباس ومجاهد.
* *
- ثم قال: ﴿لاَّ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً وَلاَ كِذَّاباً﴾.
أي: باطلاً [من القول]. ﴿وَلاَ كِذَّاباً﴾، أي: ولا يكذب بعضهم بعضاً.
وقال قتادة: ﴿وَلاَ كِذَّاباً﴾، أي: مأثماً. و ﴿لَغْواً﴾: باطلاً.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿جَزَآءً مِّن رَّبِّكَ عَطَآءً حِسَاباً﴾.
أي: هذا لهم جزاء لأعمالهم في الدنيا، أعطاهم الله ذلك عطاءً كافياً.
يقال: أحسبني الشيء، أي: كفاني. وقيل: ﴿حِسَاباً﴾ بمعنى: محاسبة لهم بأعمالهم لله في الدنيا، يعطون على قدر أعمالهم.
وقال قتادة: ﴿عَطَآءً حِسَاباً﴾، أي: "عطاءً كثيراً، جزاهم الله بالعمل اليسير الخير الجسيم الذي لا انقطاع له".
النبأ 78:23
قوله تعالى: ﴿لِّنُخْرِجَ بِهِ حَبّاً وَنَبَاتاً﴾ إلى قوله: ﴿عَطَآءً حِسَاباً﴾.
أي: أنزلنا الماء لنخرج به من الأرض لكم حباً، يعني القمح والشعير وسائر القطنية، ﴿وَنَبَاتاً﴾ يعني ما ترعى البهائم.
* *
- ﴿وَجَنَّاتٍ أَلْفَافاً﴾.
أي: وثمر جنات ملتفة مجتمعة قال ابن عباس: "التف بعضها ببعض". وهو قول مجاهد وقتادة وغيرهما. وقال الأخفش وأبو عبيدة: واحد الألفاف لِفٌّ. وقيل: لَفِيفٌ وحكى الكسائي أنه جمع الجمع، وواحده "لَفَّاءُ" كحمراء، ثم جمعت لَفَّاءُ على (لِفّ [كحمر] ثم جمعت "لِفٌّ" على) ألفاف، [كخف] وأخفاف.
قال ابن مسعود: يرسل الله جل وعز الرياح فتأخذ الماء من السماء فتجريه في السحاب [فتذريه] كما تذر اللقحة.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ يَوْمَ ٱلْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتاً﴾.
أي: يوم يفصل الله فيه بين خلقه كان ميقاتاً لما أعد الله للمكذبين بالبعث ولنظرائهم من الخلق.
قال قتادة: هو يوم عظمه الله يفصل فيه بين الأولين والآخرين.
- ثم أبدل من ﴿يَوْمَ﴾ للبيان فقال:
* *
- ﴿يَوْمَ يُنفَخُ فِي ٱلصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجاً﴾.
أي: يوم الفصل بين الخلق يوم ينفخ إسرافيل في الصور فتأتون من قبوركم إلى المحشر ﴿أَفْوَاجاً﴾ [أي]: زُمَراً زُمَراً.
روي أن كل أمة تأتي مع رسولها [يوم القيامة]، وهو قوله: ﴿يَوْمَ نَدْعُواْ كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ﴾ [الإسراء: ٧١].
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَفُتِحَتِ ٱلسَّمَآءُ فَكَانَتْ أَبْوَاباً﴾.
[أي]: وشققت السماء وصدعت (فكانت) طرقاً.
وقيل: تصير قطعاً كقطع الخشب المشققة لأبواب الدور والمساكن.
والمعنى: وفتحت السماء فكانت قطعاً كالأبواب، (فلما سقطت الكاف صارت الأبواب) خبرا.
وكذلك قوله: ﴿وَسُيِّرَتِ ٱلْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَاباً﴾.
أي: صارت لا شيء، كما أن السراب لا شيء، وذلك أنها تنسف فَتُجْتَثُّ من أصولها فتصير هباء منبثاً لعين الناظر كالسراب الذي يظنه (الناظر) ماء وهو في الحقيقة ليس بماء، إنما هو هباء.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَاداً﴾.
أي: إن جهنم كانت ذات ارتقاب ترتقب من يجتاز بها وترصدهم، ولم يقل "مرصادة"، لأنه غير جار على الفعل. فالمعنى ترصد من عصى الله. وفي "مرصاد" معنى التكثير. ولذلك لم يقل: "راصدة"، ففي وصفها بما لم يجر على الفعل معنى التكثير، ولو قال [راصدة] لثبتت الهاء، لأنه جار على الفعل، ولم يكن فيه (معنى) تكثير، ففي "مرصاد" معنى النسب (كأنه قال: "ذات إرصاد"، وكل ما حمل على معنى النسب) من الأخبار والصفات ففيه معنى التكثير واللزوم، فالمعنى أنها مركاد لمن كان يكذب بها في الدنيا.
وكان الحسن يقول - إذا قرأ هذه الآية -: أَلاَ إن على النار المَرْصَد، فمن جاء بجواز جاز ومن لم يجئ احتبس.
وروي عنه أنه قال: لا يدخل أحد الجنة حتى يجتاز على النار.
وقال قتادة: [تعلمن] أنه لا سبيل إلى الجنة حتى تقطع النار.
وقال سفيان: على جهنم ثلاث قناطير.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿لِّلطَّاغِينَ مَآباً﴾.
أي: هي لمن طغى في الدنيا فتعدى حدود الله [مرجع] يرجعون إليها ويصيرون إليها.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿لاَّبِثِينَ فِيهَآ أَحْقَاباً﴾.
قال قتادة: لابثين في جهنم أحقاباً (لا انقطاع لها.
وقيل: معناه: ﴿لاَّبِثِينَ فِيهَآ أَحْقَاباً) * لاَّ يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْداً وَلاَ شَرَاباً﴾، ثم بعد ذلك يعذبون بغير هذا العذاب مما شاء الله، كما قال: ﴿وَآخَرُ مِن شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ﴾ [ص: ٥٨].
وقيل: الضمير في ﴿فِيهَا﴾ يعود على الأرض، لأنه قد تقدم ذكرها، والضمير في ﴿يَذُوقُونَ فِيهَا﴾ لجهنم لتقدم ذكرها.
فعلى [القول] الأول، يكون ﴿لاَّ يَذُوقُونَ﴾ حالاً من ﴿لِّلطَّاغِينَ﴾ أو لـ ﴿جَهَنَّمَ﴾ أو نعتاً للأحقاب.
وعلى هذا القول الآخر، يكون ﴿لاَّ يَذُوقُونَ﴾ حالاً من ﴿جَهَنَّمَ﴾ أو من الطاغين.
وروى أبو أمامة أن النبي ﷺ قال: "الحقب الواحد ثلاثون ألف سنة
وهو جمع الجمع، واحده: حقبة، جمعت على حقب، وجمعت حقب على أحقاب.
ويجوز أن يكون أحقاب جمع حُقْب والحُقْبُ ثلاثمائة سنة، كل سنة ثلاثمائة وستون يوماً، كل يوم ألف سنة من سنين الدنيا. قاله [بشير] بن كعب.
وقال علي بن أبي طالب: الحقب: ثمانون سنة، كل سنة اثنا عشر شهراً، كل شهر ثلاثون يوماً، كل يوم ألف سنة من سنين الدنيا، وهو قول ابن جبير، وقاله الربيع بن أنس.
[وقال] أبو هريرة: الحقب ستون سنة، كل سنة ثلاثمائة وستون يوماً، كل يوم ألف سنة من سنين الدنيا.
وقال قتادة: "الحقب ثمانون سنة من سنيّ الآخرة". وقال: هي أحقاب لا انقطاع لها، كلما مضى حقب جاء حقب بعده.
وقال الحسن: أما الأحقاب، فليس لها عدة إلا الخلود في النار، ولكن ذكر أن الحقب سبعون سنة، كل يوم منها كألف سنة مما نعده.
وقال خالد بن مَعَدَّان: هي في أهل التوحيد من أهل القبلة مثل قوله ﴿إِلاَّ مَا شَآءَ رَبُّكَ﴾ [هود: ١٠٨]، وهذا التأويل يرده قوله بعد ذلك.
* *
﴿إِنَّهُمْ كَانُواْ لاَ يَرْجُونَ حِسَاباً * وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا كِذَّاباً﴾.
وليس هذه صفة الموحدين.
وقد روي عن مقاتل أنه قال: إنها منسوخة، نسختها قوله: ﴿فَلَن نَّزِيدَكُمْ (إِلاَّ) عَذَاباً﴾.
وهذا لا يكون فيه نسخ، لأنه خبر، والأخبار لا تنسخ.
والحقب عند أهل اللغة مبهم كالحين والزمان. والبرد: النوم.
وقيل [الهدوء]. وقيل: برد [الشراب] المستلذ. قال ابن عباس: هو برد الشراب وقيل: البرد: الراحة.
* *
- ثم قال: ﴿إِلاَّ حَمِيماً وَغَسَّاقاً﴾.
قال الربيع: "استثنى من الشراب الحميم، ومن البرد الغساق".
[والحميم الذي قد انتهى [حره] كالمهل [يشوي] الوجوه.
وقال ابن زيد: الحميم: دموع أعينهم، يجمع في حياض ثم يسقونه. والغساق]: الصديد الذي يخرج من جلودهم مما تصهرهم النار، يجمع في حياض النار فيُسْقَوْنَهُ.
وأصل الحميم الماء الحار، ومنه اشتق الحَمَّامُ، ومنه الحُمَّى، ومنه [اليَحْمُومُ].
قال قتادة: الغساق ما يسيل [من] جلده ولحمه.
وقال سفيان: هو ما يسيل من دموعهم.
وقال النخعي: هو "ما يسيل من صديدهم من البرد".
وعن ابن عباس أن الغساق: "الزمهرير".
وقال مجاهد: "الغساق: الذي لا يستطيعون أن يذوقوه (من برده).
وقال عبد الله بن [بريدة]: "هو المُنْتِنُ".
وروى الخدري عن النبي ﷺ أنه قال: "لَوْ أَنَّ دَلْواً مِن غَسَّاقٍ يُهْرَاقُ فِي الدُّنْيَا لأَنْتَنَ أَهْلُ الدُّنْيَا
وقال عبد الله بن [عمرو]: "أتدرون أي شيء الغساق؟ قالوا: الله أعلم، قال: هو القيح الغليظ، لو أن قطرة منه تهراق بالمغرب لأنتنت أهل [المشرق]. ولو تهرق [بالمشرق] لأنتنت أهل المغرب".
* *
- وقوله: ﴿جَزَآءً وِفَاقاً﴾.
أي: هذا العذاب الذي وصف جزاء للكفار على أفعالهم في الدنيا وافق أعمالهم وفاقاً، قاله ابن عباس. قال قتادة: "وافق الجزاء أعمال القوم...". وقال الربيع: "ثواباً وافق أعمالهم". قال ابن زيد: "عملوا شراً فجوزوا شراً، [وعملوا] حسناً فجوزوا حسناً".
* *
- ثم قال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُواْ لاَ يَرْجُونَ حِسَاباً﴾.
أي: لا يخافون محاسبة الله (لهم على أعمالهم في الآخرة.
قال قتادة: كانوا في الدنيا لا يخافون محاسبة).
وقال ابن زيد: كانوا لا يؤمنون بالبعث ولا بالحساب فكيف يخافون الحساب وهم لا يوقنون بالبعث بعد الموت؟!
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا كِذَّاباً﴾.
أي: جحدوا بها جحوداً.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَاباً﴾.
أي: وأحصينا كل شيء من أعمالهم وغير ذلك فكتبناه كتابا، [فـ ﴿كِتَاباً﴾] مصدر عمل فيه فعل مضمر.
وقيل: العامل فيه (احصينا) [لأنه] يعني: كتبنا.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿فَذُوقُواْ فَلَن نَّزِيدَكُمْ إِلاَّ عَذَاباً﴾.
أي: يقال لهم - إذا شربوا الحميم والغساق - ذوقوا العذاب الذي كنتم به تكذبون في الدنيا، فلن نزيدكم على العذاب الذي أنتم فيه إلا عذاباً زائداً.
قال عبد الله بن عمرو: لم ينزل على أهل النار آية أشد من هذه، فهم في مزيد أبداً.
وقد روي مثل ذلك عن النبي ﷺ.
وروي أنه لا يأتي على أهل الجنة ساعة إلا ويزدادون صنفاً من النعيم لم يكونوا يعرفونه، ولا يأتي على أهل النار ساعة إلا وهم مستنكرون لشيء من العذاب لم يكونوا يعرفونه.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازاً﴾.
أي: منجى من النار إلى الجنة ينجون به، وهي حدائق وأعناب.
وقال ابن عباس: ﴿مَفَازاً﴾، "متنزهاً". وقيل: المفاز: الظفر بما يحبه الإنسان. يقال: فاز فلان بكذا إذا ظفر به.
والحدائق: جمع حديقة، وهي البستان من النخيل والأعناب والأشجار التي قد حوط عليها الحيطان فأحدقت (بها)، فَلإِحْدَاقِ الحيطان بها سميت حديقة، ولو لم تكن الحيطان بها محدقة لم تسم حديقة.
قال ابن عباس: الحدائق: [الشجر] الملتف. وقال الضحاك: الحدائق التي عليها الحيطان.
* *
- وقوله: ﴿وَأَعْنَاباً﴾.
معناه: وكروم أعناب، ثم حذف.
* *
- وقوله: ﴿وَكَوَاعِبَ أَتْرَاباً﴾.
(أي): وحورا نواهد في سن واحدة. قاله ابن عباس وقتادة وغيرهما.
* *
- ثم قال: ﴿وَكَأْساً دِهَاقاً﴾.
مَلأَى من الخمر مترعة، وأصله من الدهق، وهو متابعة الضغط على الشيء بشدة وعنف. قال ابن عباس والحسن وقتادة ومجاهد: الدهاق: الملأى. وهو قول ابن زيد. وقال عكرمة: الدهاق: الصافية. وقال ابن جبير: هي "المتتابعة". وقد روي مثل ذلك أيضاً عن ابن عباس ومجاهد.
* *
- ثم قال: ﴿لاَّ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً وَلاَ كِذَّاباً﴾.
أي: باطلاً [من القول]. ﴿وَلاَ كِذَّاباً﴾، أي: ولا يكذب بعضهم بعضاً.
وقال قتادة: ﴿وَلاَ كِذَّاباً﴾، أي: مأثماً. و ﴿لَغْواً﴾: باطلاً.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿جَزَآءً مِّن رَّبِّكَ عَطَآءً حِسَاباً﴾.
أي: هذا لهم جزاء لأعمالهم في الدنيا، أعطاهم الله ذلك عطاءً كافياً.
يقال: أحسبني الشيء، أي: كفاني. وقيل: ﴿حِسَاباً﴾ بمعنى: محاسبة لهم بأعمالهم لله في الدنيا، يعطون على قدر أعمالهم.
وقال قتادة: ﴿عَطَآءً حِسَاباً﴾، أي: "عطاءً كثيراً، جزاهم الله بالعمل اليسير الخير الجسيم الذي لا انقطاع له".
النبأ 78:24
قوله تعالى: ﴿لِّنُخْرِجَ بِهِ حَبّاً وَنَبَاتاً﴾ إلى قوله: ﴿عَطَآءً حِسَاباً﴾.
أي: أنزلنا الماء لنخرج به من الأرض لكم حباً، يعني القمح والشعير وسائر القطنية، ﴿وَنَبَاتاً﴾ يعني ما ترعى البهائم.
* *
- ﴿وَجَنَّاتٍ أَلْفَافاً﴾.
أي: وثمر جنات ملتفة مجتمعة قال ابن عباس: "التف بعضها ببعض". وهو قول مجاهد وقتادة وغيرهما. وقال الأخفش وأبو عبيدة: واحد الألفاف لِفٌّ. وقيل: لَفِيفٌ وحكى الكسائي أنه جمع الجمع، وواحده "لَفَّاءُ" كحمراء، ثم جمعت لَفَّاءُ على (لِفّ [كحمر] ثم جمعت "لِفٌّ" على) ألفاف، [كخف] وأخفاف.
قال ابن مسعود: يرسل الله جل وعز الرياح فتأخذ الماء من السماء فتجريه في السحاب [فتذريه] كما تذر اللقحة.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ يَوْمَ ٱلْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتاً﴾.
أي: يوم يفصل الله فيه بين خلقه كان ميقاتاً لما أعد الله للمكذبين بالبعث ولنظرائهم من الخلق.
قال قتادة: هو يوم عظمه الله يفصل فيه بين الأولين والآخرين.
- ثم أبدل من ﴿يَوْمَ﴾ للبيان فقال:
* *
- ﴿يَوْمَ يُنفَخُ فِي ٱلصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجاً﴾.
أي: يوم الفصل بين الخلق يوم ينفخ إسرافيل في الصور فتأتون من قبوركم إلى المحشر ﴿أَفْوَاجاً﴾ [أي]: زُمَراً زُمَراً.
روي أن كل أمة تأتي مع رسولها [يوم القيامة]، وهو قوله: ﴿يَوْمَ نَدْعُواْ كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ﴾ [الإسراء: ٧١].
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَفُتِحَتِ ٱلسَّمَآءُ فَكَانَتْ أَبْوَاباً﴾.
[أي]: وشققت السماء وصدعت (فكانت) طرقاً.
وقيل: تصير قطعاً كقطع الخشب المشققة لأبواب الدور والمساكن.
والمعنى: وفتحت السماء فكانت قطعاً كالأبواب، (فلما سقطت الكاف صارت الأبواب) خبرا.
وكذلك قوله: ﴿وَسُيِّرَتِ ٱلْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَاباً﴾.
أي: صارت لا شيء، كما أن السراب لا شيء، وذلك أنها تنسف فَتُجْتَثُّ من أصولها فتصير هباء منبثاً لعين الناظر كالسراب الذي يظنه (الناظر) ماء وهو في الحقيقة ليس بماء، إنما هو هباء.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَاداً﴾.
أي: إن جهنم كانت ذات ارتقاب ترتقب من يجتاز بها وترصدهم، ولم يقل "مرصادة"، لأنه غير جار على الفعل. فالمعنى ترصد من عصى الله. وفي "مرصاد" معنى التكثير. ولذلك لم يقل: "راصدة"، ففي وصفها بما لم يجر على الفعل معنى التكثير، ولو قال [راصدة] لثبتت الهاء، لأنه جار على الفعل، ولم يكن فيه (معنى) تكثير، ففي "مرصاد" معنى النسب (كأنه قال: "ذات إرصاد"، وكل ما حمل على معنى النسب) من الأخبار والصفات ففيه معنى التكثير واللزوم، فالمعنى أنها مركاد لمن كان يكذب بها في الدنيا.
وكان الحسن يقول - إذا قرأ هذه الآية -: أَلاَ إن على النار المَرْصَد، فمن جاء بجواز جاز ومن لم يجئ احتبس.
وروي عنه أنه قال: لا يدخل أحد الجنة حتى يجتاز على النار.
وقال قتادة: [تعلمن] أنه لا سبيل إلى الجنة حتى تقطع النار.
وقال سفيان: على جهنم ثلاث قناطير.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿لِّلطَّاغِينَ مَآباً﴾.
أي: هي لمن طغى في الدنيا فتعدى حدود الله [مرجع] يرجعون إليها ويصيرون إليها.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿لاَّبِثِينَ فِيهَآ أَحْقَاباً﴾.
قال قتادة: لابثين في جهنم أحقاباً (لا انقطاع لها.
وقيل: معناه: ﴿لاَّبِثِينَ فِيهَآ أَحْقَاباً) * لاَّ يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْداً وَلاَ شَرَاباً﴾، ثم بعد ذلك يعذبون بغير هذا العذاب مما شاء الله، كما قال: ﴿وَآخَرُ مِن شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ﴾ [ص: ٥٨].
وقيل: الضمير في ﴿فِيهَا﴾ يعود على الأرض، لأنه قد تقدم ذكرها، والضمير في ﴿يَذُوقُونَ فِيهَا﴾ لجهنم لتقدم ذكرها.
فعلى [القول] الأول، يكون ﴿لاَّ يَذُوقُونَ﴾ حالاً من ﴿لِّلطَّاغِينَ﴾ أو لـ ﴿جَهَنَّمَ﴾ أو نعتاً للأحقاب.
وعلى هذا القول الآخر، يكون ﴿لاَّ يَذُوقُونَ﴾ حالاً من ﴿جَهَنَّمَ﴾ أو من الطاغين.
وروى أبو أمامة أن النبي ﷺ قال: "الحقب الواحد ثلاثون ألف سنة
وهو جمع الجمع، واحده: حقبة، جمعت على حقب، وجمعت حقب على أحقاب.
ويجوز أن يكون أحقاب جمع حُقْب والحُقْبُ ثلاثمائة سنة، كل سنة ثلاثمائة وستون يوماً، كل يوم ألف سنة من سنين الدنيا. قاله [بشير] بن كعب.
وقال علي بن أبي طالب: الحقب: ثمانون سنة، كل سنة اثنا عشر شهراً، كل شهر ثلاثون يوماً، كل يوم ألف سنة من سنين الدنيا، وهو قول ابن جبير، وقاله الربيع بن أنس.
[وقال] أبو هريرة: الحقب ستون سنة، كل سنة ثلاثمائة وستون يوماً، كل يوم ألف سنة من سنين الدنيا.
وقال قتادة: "الحقب ثمانون سنة من سنيّ الآخرة". وقال: هي أحقاب لا انقطاع لها، كلما مضى حقب جاء حقب بعده.
وقال الحسن: أما الأحقاب، فليس لها عدة إلا الخلود في النار، ولكن ذكر أن الحقب سبعون سنة، كل يوم منها كألف سنة مما نعده.
وقال خالد بن مَعَدَّان: هي في أهل التوحيد من أهل القبلة مثل قوله ﴿إِلاَّ مَا شَآءَ رَبُّكَ﴾ [هود: ١٠٨]، وهذا التأويل يرده قوله بعد ذلك.
* *
﴿إِنَّهُمْ كَانُواْ لاَ يَرْجُونَ حِسَاباً * وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا كِذَّاباً﴾.
وليس هذه صفة الموحدين.
وقد روي عن مقاتل أنه قال: إنها منسوخة، نسختها قوله: ﴿فَلَن نَّزِيدَكُمْ (إِلاَّ) عَذَاباً﴾.
وهذا لا يكون فيه نسخ، لأنه خبر، والأخبار لا تنسخ.
والحقب عند أهل اللغة مبهم كالحين والزمان. والبرد: النوم.
وقيل [الهدوء]. وقيل: برد [الشراب] المستلذ. قال ابن عباس: هو برد الشراب وقيل: البرد: الراحة.
* *
- ثم قال: ﴿إِلاَّ حَمِيماً وَغَسَّاقاً﴾.
قال الربيع: "استثنى من الشراب الحميم، ومن البرد الغساق".
[والحميم الذي قد انتهى [حره] كالمهل [يشوي] الوجوه.
وقال ابن زيد: الحميم: دموع أعينهم، يجمع في حياض ثم يسقونه. والغساق]: الصديد الذي يخرج من جلودهم مما تصهرهم النار، يجمع في حياض النار فيُسْقَوْنَهُ.
وأصل الحميم الماء الحار، ومنه اشتق الحَمَّامُ، ومنه الحُمَّى، ومنه [اليَحْمُومُ].
قال قتادة: الغساق ما يسيل [من] جلده ولحمه.
وقال سفيان: هو ما يسيل من دموعهم.
وقال النخعي: هو "ما يسيل من صديدهم من البرد".
وعن ابن عباس أن الغساق: "الزمهرير".
وقال مجاهد: "الغساق: الذي لا يستطيعون أن يذوقوه (من برده).
وقال عبد الله بن [بريدة]: "هو المُنْتِنُ".
وروى الخدري عن النبي ﷺ أنه قال: "لَوْ أَنَّ دَلْواً مِن غَسَّاقٍ يُهْرَاقُ فِي الدُّنْيَا لأَنْتَنَ أَهْلُ الدُّنْيَا
وقال عبد الله بن [عمرو]: "أتدرون أي شيء الغساق؟ قالوا: الله أعلم، قال: هو القيح الغليظ، لو أن قطرة منه تهراق بالمغرب لأنتنت أهل [المشرق]. ولو تهرق [بالمشرق] لأنتنت أهل المغرب".
* *
- وقوله: ﴿جَزَآءً وِفَاقاً﴾.
أي: هذا العذاب الذي وصف جزاء للكفار على أفعالهم في الدنيا وافق أعمالهم وفاقاً، قاله ابن عباس. قال قتادة: "وافق الجزاء أعمال القوم...". وقال الربيع: "ثواباً وافق أعمالهم". قال ابن زيد: "عملوا شراً فجوزوا شراً، [وعملوا] حسناً فجوزوا حسناً".
* *
- ثم قال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُواْ لاَ يَرْجُونَ حِسَاباً﴾.
أي: لا يخافون محاسبة الله (لهم على أعمالهم في الآخرة.
قال قتادة: كانوا في الدنيا لا يخافون محاسبة).
وقال ابن زيد: كانوا لا يؤمنون بالبعث ولا بالحساب فكيف يخافون الحساب وهم لا يوقنون بالبعث بعد الموت؟!
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا كِذَّاباً﴾.
أي: جحدوا بها جحوداً.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَاباً﴾.
أي: وأحصينا كل شيء من أعمالهم وغير ذلك فكتبناه كتابا، [فـ ﴿كِتَاباً﴾] مصدر عمل فيه فعل مضمر.
وقيل: العامل فيه (احصينا) [لأنه] يعني: كتبنا.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿فَذُوقُواْ فَلَن نَّزِيدَكُمْ إِلاَّ عَذَاباً﴾.
أي: يقال لهم - إذا شربوا الحميم والغساق - ذوقوا العذاب الذي كنتم به تكذبون في الدنيا، فلن نزيدكم على العذاب الذي أنتم فيه إلا عذاباً زائداً.
قال عبد الله بن عمرو: لم ينزل على أهل النار آية أشد من هذه، فهم في مزيد أبداً.
وقد روي مثل ذلك عن النبي ﷺ.
وروي أنه لا يأتي على أهل الجنة ساعة إلا ويزدادون صنفاً من النعيم لم يكونوا يعرفونه، ولا يأتي على أهل النار ساعة إلا وهم مستنكرون لشيء من العذاب لم يكونوا يعرفونه.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازاً﴾.
أي: منجى من النار إلى الجنة ينجون به، وهي حدائق وأعناب.
وقال ابن عباس: ﴿مَفَازاً﴾، "متنزهاً". وقيل: المفاز: الظفر بما يحبه الإنسان. يقال: فاز فلان بكذا إذا ظفر به.
والحدائق: جمع حديقة، وهي البستان من النخيل والأعناب والأشجار التي قد حوط عليها الحيطان فأحدقت (بها)، فَلإِحْدَاقِ الحيطان بها سميت حديقة، ولو لم تكن الحيطان بها محدقة لم تسم حديقة.
قال ابن عباس: الحدائق: [الشجر] الملتف. وقال الضحاك: الحدائق التي عليها الحيطان.
* *
- وقوله: ﴿وَأَعْنَاباً﴾.
معناه: وكروم أعناب، ثم حذف.
* *
- وقوله: ﴿وَكَوَاعِبَ أَتْرَاباً﴾.
(أي): وحورا نواهد في سن واحدة. قاله ابن عباس وقتادة وغيرهما.
* *
- ثم قال: ﴿وَكَأْساً دِهَاقاً﴾.
مَلأَى من الخمر مترعة، وأصله من الدهق، وهو متابعة الضغط على الشيء بشدة وعنف. قال ابن عباس والحسن وقتادة ومجاهد: الدهاق: الملأى. وهو قول ابن زيد. وقال عكرمة: الدهاق: الصافية. وقال ابن جبير: هي "المتتابعة". وقد روي مثل ذلك أيضاً عن ابن عباس ومجاهد.
* *
- ثم قال: ﴿لاَّ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً وَلاَ كِذَّاباً﴾.
أي: باطلاً [من القول]. ﴿وَلاَ كِذَّاباً﴾، أي: ولا يكذب بعضهم بعضاً.
وقال قتادة: ﴿وَلاَ كِذَّاباً﴾، أي: مأثماً. و ﴿لَغْواً﴾: باطلاً.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿جَزَآءً مِّن رَّبِّكَ عَطَآءً حِسَاباً﴾.
أي: هذا لهم جزاء لأعمالهم في الدنيا، أعطاهم الله ذلك عطاءً كافياً.
يقال: أحسبني الشيء، أي: كفاني. وقيل: ﴿حِسَاباً﴾ بمعنى: محاسبة لهم بأعمالهم لله في الدنيا، يعطون على قدر أعمالهم.
وقال قتادة: ﴿عَطَآءً حِسَاباً﴾، أي: "عطاءً كثيراً، جزاهم الله بالعمل اليسير الخير الجسيم الذي لا انقطاع له".
النبأ 78:25
قوله تعالى: ﴿لِّنُخْرِجَ بِهِ حَبّاً وَنَبَاتاً﴾ إلى قوله: ﴿عَطَآءً حِسَاباً﴾.
أي: أنزلنا الماء لنخرج به من الأرض لكم حباً، يعني القمح والشعير وسائر القطنية، ﴿وَنَبَاتاً﴾ يعني ما ترعى البهائم.
* *
- ﴿وَجَنَّاتٍ أَلْفَافاً﴾.
أي: وثمر جنات ملتفة مجتمعة قال ابن عباس: "التف بعضها ببعض". وهو قول مجاهد وقتادة وغيرهما. وقال الأخفش وأبو عبيدة: واحد الألفاف لِفٌّ. وقيل: لَفِيفٌ وحكى الكسائي أنه جمع الجمع، وواحده "لَفَّاءُ" كحمراء، ثم جمعت لَفَّاءُ على (لِفّ [كحمر] ثم جمعت "لِفٌّ" على) ألفاف، [كخف] وأخفاف.
قال ابن مسعود: يرسل الله جل وعز الرياح فتأخذ الماء من السماء فتجريه في السحاب [فتذريه] كما تذر اللقحة.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ يَوْمَ ٱلْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتاً﴾.
أي: يوم يفصل الله فيه بين خلقه كان ميقاتاً لما أعد الله للمكذبين بالبعث ولنظرائهم من الخلق.
قال قتادة: هو يوم عظمه الله يفصل فيه بين الأولين والآخرين.
- ثم أبدل من ﴿يَوْمَ﴾ للبيان فقال:
* *
- ﴿يَوْمَ يُنفَخُ فِي ٱلصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجاً﴾.
أي: يوم الفصل بين الخلق يوم ينفخ إسرافيل في الصور فتأتون من قبوركم إلى المحشر ﴿أَفْوَاجاً﴾ [أي]: زُمَراً زُمَراً.
روي أن كل أمة تأتي مع رسولها [يوم القيامة]، وهو قوله: ﴿يَوْمَ نَدْعُواْ كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ﴾ [الإسراء: ٧١].
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَفُتِحَتِ ٱلسَّمَآءُ فَكَانَتْ أَبْوَاباً﴾.
[أي]: وشققت السماء وصدعت (فكانت) طرقاً.
وقيل: تصير قطعاً كقطع الخشب المشققة لأبواب الدور والمساكن.
والمعنى: وفتحت السماء فكانت قطعاً كالأبواب، (فلما سقطت الكاف صارت الأبواب) خبرا.
وكذلك قوله: ﴿وَسُيِّرَتِ ٱلْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَاباً﴾.
أي: صارت لا شيء، كما أن السراب لا شيء، وذلك أنها تنسف فَتُجْتَثُّ من أصولها فتصير هباء منبثاً لعين الناظر كالسراب الذي يظنه (الناظر) ماء وهو في الحقيقة ليس بماء، إنما هو هباء.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَاداً﴾.
أي: إن جهنم كانت ذات ارتقاب ترتقب من يجتاز بها وترصدهم، ولم يقل "مرصادة"، لأنه غير جار على الفعل. فالمعنى ترصد من عصى الله. وفي "مرصاد" معنى التكثير. ولذلك لم يقل: "راصدة"، ففي وصفها بما لم يجر على الفعل معنى التكثير، ولو قال [راصدة] لثبتت الهاء، لأنه جار على الفعل، ولم يكن فيه (معنى) تكثير، ففي "مرصاد" معنى النسب (كأنه قال: "ذات إرصاد"، وكل ما حمل على معنى النسب) من الأخبار والصفات ففيه معنى التكثير واللزوم، فالمعنى أنها مركاد لمن كان يكذب بها في الدنيا.
وكان الحسن يقول - إذا قرأ هذه الآية -: أَلاَ إن على النار المَرْصَد، فمن جاء بجواز جاز ومن لم يجئ احتبس.
وروي عنه أنه قال: لا يدخل أحد الجنة حتى يجتاز على النار.
وقال قتادة: [تعلمن] أنه لا سبيل إلى الجنة حتى تقطع النار.
وقال سفيان: على جهنم ثلاث قناطير.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿لِّلطَّاغِينَ مَآباً﴾.
أي: هي لمن طغى في الدنيا فتعدى حدود الله [مرجع] يرجعون إليها ويصيرون إليها.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿لاَّبِثِينَ فِيهَآ أَحْقَاباً﴾.
قال قتادة: لابثين في جهنم أحقاباً (لا انقطاع لها.
وقيل: معناه: ﴿لاَّبِثِينَ فِيهَآ أَحْقَاباً) * لاَّ يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْداً وَلاَ شَرَاباً﴾، ثم بعد ذلك يعذبون بغير هذا العذاب مما شاء الله، كما قال: ﴿وَآخَرُ مِن شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ﴾ [ص: ٥٨].
وقيل: الضمير في ﴿فِيهَا﴾ يعود على الأرض، لأنه قد تقدم ذكرها، والضمير في ﴿يَذُوقُونَ فِيهَا﴾ لجهنم لتقدم ذكرها.
فعلى [القول] الأول، يكون ﴿لاَّ يَذُوقُونَ﴾ حالاً من ﴿لِّلطَّاغِينَ﴾ أو لـ ﴿جَهَنَّمَ﴾ أو نعتاً للأحقاب.
وعلى هذا القول الآخر، يكون ﴿لاَّ يَذُوقُونَ﴾ حالاً من ﴿جَهَنَّمَ﴾ أو من الطاغين.
وروى أبو أمامة أن النبي ﷺ قال: "الحقب الواحد ثلاثون ألف سنة
وهو جمع الجمع، واحده: حقبة، جمعت على حقب، وجمعت حقب على أحقاب.
ويجوز أن يكون أحقاب جمع حُقْب والحُقْبُ ثلاثمائة سنة، كل سنة ثلاثمائة وستون يوماً، كل يوم ألف سنة من سنين الدنيا. قاله [بشير] بن كعب.
وقال علي بن أبي طالب: الحقب: ثمانون سنة، كل سنة اثنا عشر شهراً، كل شهر ثلاثون يوماً، كل يوم ألف سنة من سنين الدنيا، وهو قول ابن جبير، وقاله الربيع بن أنس.
[وقال] أبو هريرة: الحقب ستون سنة، كل سنة ثلاثمائة وستون يوماً، كل يوم ألف سنة من سنين الدنيا.
وقال قتادة: "الحقب ثمانون سنة من سنيّ الآخرة". وقال: هي أحقاب لا انقطاع لها، كلما مضى حقب جاء حقب بعده.
وقال الحسن: أما الأحقاب، فليس لها عدة إلا الخلود في النار، ولكن ذكر أن الحقب سبعون سنة، كل يوم منها كألف سنة مما نعده.
وقال خالد بن مَعَدَّان: هي في أهل التوحيد من أهل القبلة مثل قوله ﴿إِلاَّ مَا شَآءَ رَبُّكَ﴾ [هود: ١٠٨]، وهذا التأويل يرده قوله بعد ذلك.
* *
﴿إِنَّهُمْ كَانُواْ لاَ يَرْجُونَ حِسَاباً * وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا كِذَّاباً﴾.
وليس هذه صفة الموحدين.
وقد روي عن مقاتل أنه قال: إنها منسوخة، نسختها قوله: ﴿فَلَن نَّزِيدَكُمْ (إِلاَّ) عَذَاباً﴾.
وهذا لا يكون فيه نسخ، لأنه خبر، والأخبار لا تنسخ.
والحقب عند أهل اللغة مبهم كالحين والزمان. والبرد: النوم.
وقيل [الهدوء]. وقيل: برد [الشراب] المستلذ. قال ابن عباس: هو برد الشراب وقيل: البرد: الراحة.
* *
- ثم قال: ﴿إِلاَّ حَمِيماً وَغَسَّاقاً﴾.
قال الربيع: "استثنى من الشراب الحميم، ومن البرد الغساق".
[والحميم الذي قد انتهى [حره] كالمهل [يشوي] الوجوه.
وقال ابن زيد: الحميم: دموع أعينهم، يجمع في حياض ثم يسقونه. والغساق]: الصديد الذي يخرج من جلودهم مما تصهرهم النار، يجمع في حياض النار فيُسْقَوْنَهُ.
وأصل الحميم الماء الحار، ومنه اشتق الحَمَّامُ، ومنه الحُمَّى، ومنه [اليَحْمُومُ].
قال قتادة: الغساق ما يسيل [من] جلده ولحمه.
وقال سفيان: هو ما يسيل من دموعهم.
وقال النخعي: هو "ما يسيل من صديدهم من البرد".
وعن ابن عباس أن الغساق: "الزمهرير".
وقال مجاهد: "الغساق: الذي لا يستطيعون أن يذوقوه (من برده).
وقال عبد الله بن [بريدة]: "هو المُنْتِنُ".
وروى الخدري عن النبي ﷺ أنه قال: "لَوْ أَنَّ دَلْواً مِن غَسَّاقٍ يُهْرَاقُ فِي الدُّنْيَا لأَنْتَنَ أَهْلُ الدُّنْيَا
وقال عبد الله بن [عمرو]: "أتدرون أي شيء الغساق؟ قالوا: الله أعلم، قال: هو القيح الغليظ، لو أن قطرة منه تهراق بالمغرب لأنتنت أهل [المشرق]. ولو تهرق [بالمشرق] لأنتنت أهل المغرب".
* *
- وقوله: ﴿جَزَآءً وِفَاقاً﴾.
أي: هذا العذاب الذي وصف جزاء للكفار على أفعالهم في الدنيا وافق أعمالهم وفاقاً، قاله ابن عباس. قال قتادة: "وافق الجزاء أعمال القوم...". وقال الربيع: "ثواباً وافق أعمالهم". قال ابن زيد: "عملوا شراً فجوزوا شراً، [وعملوا] حسناً فجوزوا حسناً".
* *
- ثم قال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُواْ لاَ يَرْجُونَ حِسَاباً﴾.
أي: لا يخافون محاسبة الله (لهم على أعمالهم في الآخرة.
قال قتادة: كانوا في الدنيا لا يخافون محاسبة).
وقال ابن زيد: كانوا لا يؤمنون بالبعث ولا بالحساب فكيف يخافون الحساب وهم لا يوقنون بالبعث بعد الموت؟!
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا كِذَّاباً﴾.
أي: جحدوا بها جحوداً.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَاباً﴾.
أي: وأحصينا كل شيء من أعمالهم وغير ذلك فكتبناه كتابا، [فـ ﴿كِتَاباً﴾] مصدر عمل فيه فعل مضمر.
وقيل: العامل فيه (احصينا) [لأنه] يعني: كتبنا.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿فَذُوقُواْ فَلَن نَّزِيدَكُمْ إِلاَّ عَذَاباً﴾.
أي: يقال لهم - إذا شربوا الحميم والغساق - ذوقوا العذاب الذي كنتم به تكذبون في الدنيا، فلن نزيدكم على العذاب الذي أنتم فيه إلا عذاباً زائداً.
قال عبد الله بن عمرو: لم ينزل على أهل النار آية أشد من هذه، فهم في مزيد أبداً.
وقد روي مثل ذلك عن النبي ﷺ.
وروي أنه لا يأتي على أهل الجنة ساعة إلا ويزدادون صنفاً من النعيم لم يكونوا يعرفونه، ولا يأتي على أهل النار ساعة إلا وهم مستنكرون لشيء من العذاب لم يكونوا يعرفونه.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازاً﴾.
أي: منجى من النار إلى الجنة ينجون به، وهي حدائق وأعناب.
وقال ابن عباس: ﴿مَفَازاً﴾، "متنزهاً". وقيل: المفاز: الظفر بما يحبه الإنسان. يقال: فاز فلان بكذا إذا ظفر به.
والحدائق: جمع حديقة، وهي البستان من النخيل والأعناب والأشجار التي قد حوط عليها الحيطان فأحدقت (بها)، فَلإِحْدَاقِ الحيطان بها سميت حديقة، ولو لم تكن الحيطان بها محدقة لم تسم حديقة.
قال ابن عباس: الحدائق: [الشجر] الملتف. وقال الضحاك: الحدائق التي عليها الحيطان.
* *
- وقوله: ﴿وَأَعْنَاباً﴾.
معناه: وكروم أعناب، ثم حذف.
* *
- وقوله: ﴿وَكَوَاعِبَ أَتْرَاباً﴾.
(أي): وحورا نواهد في سن واحدة. قاله ابن عباس وقتادة وغيرهما.
* *
- ثم قال: ﴿وَكَأْساً دِهَاقاً﴾.
مَلأَى من الخمر مترعة، وأصله من الدهق، وهو متابعة الضغط على الشيء بشدة وعنف. قال ابن عباس والحسن وقتادة ومجاهد: الدهاق: الملأى. وهو قول ابن زيد. وقال عكرمة: الدهاق: الصافية. وقال ابن جبير: هي "المتتابعة". وقد روي مثل ذلك أيضاً عن ابن عباس ومجاهد.
* *
- ثم قال: ﴿لاَّ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً وَلاَ كِذَّاباً﴾.
أي: باطلاً [من القول]. ﴿وَلاَ كِذَّاباً﴾، أي: ولا يكذب بعضهم بعضاً.
وقال قتادة: ﴿وَلاَ كِذَّاباً﴾، أي: مأثماً. و ﴿لَغْواً﴾: باطلاً.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿جَزَآءً مِّن رَّبِّكَ عَطَآءً حِسَاباً﴾.
أي: هذا لهم جزاء لأعمالهم في الدنيا، أعطاهم الله ذلك عطاءً كافياً.
يقال: أحسبني الشيء، أي: كفاني. وقيل: ﴿حِسَاباً﴾ بمعنى: محاسبة لهم بأعمالهم لله في الدنيا، يعطون على قدر أعمالهم.
وقال قتادة: ﴿عَطَآءً حِسَاباً﴾، أي: "عطاءً كثيراً، جزاهم الله بالعمل اليسير الخير الجسيم الذي لا انقطاع له".
النبأ 78:26
قوله تعالى: ﴿لِّنُخْرِجَ بِهِ حَبّاً وَنَبَاتاً﴾ إلى قوله: ﴿عَطَآءً حِسَاباً﴾.
أي: أنزلنا الماء لنخرج به من الأرض لكم حباً، يعني القمح والشعير وسائر القطنية، ﴿وَنَبَاتاً﴾ يعني ما ترعى البهائم.
* *
- ﴿وَجَنَّاتٍ أَلْفَافاً﴾.
أي: وثمر جنات ملتفة مجتمعة قال ابن عباس: "التف بعضها ببعض". وهو قول مجاهد وقتادة وغيرهما. وقال الأخفش وأبو عبيدة: واحد الألفاف لِفٌّ. وقيل: لَفِيفٌ وحكى الكسائي أنه جمع الجمع، وواحده "لَفَّاءُ" كحمراء، ثم جمعت لَفَّاءُ على (لِفّ [كحمر] ثم جمعت "لِفٌّ" على) ألفاف، [كخف] وأخفاف.
قال ابن مسعود: يرسل الله جل وعز الرياح فتأخذ الماء من السماء فتجريه في السحاب [فتذريه] كما تذر اللقحة.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ يَوْمَ ٱلْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتاً﴾.
أي: يوم يفصل الله فيه بين خلقه كان ميقاتاً لما أعد الله للمكذبين بالبعث ولنظرائهم من الخلق.
قال قتادة: هو يوم عظمه الله يفصل فيه بين الأولين والآخرين.
- ثم أبدل من ﴿يَوْمَ﴾ للبيان فقال:
* *
- ﴿يَوْمَ يُنفَخُ فِي ٱلصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجاً﴾.
أي: يوم الفصل بين الخلق يوم ينفخ إسرافيل في الصور فتأتون من قبوركم إلى المحشر ﴿أَفْوَاجاً﴾ [أي]: زُمَراً زُمَراً.
روي أن كل أمة تأتي مع رسولها [يوم القيامة]، وهو قوله: ﴿يَوْمَ نَدْعُواْ كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ﴾ [الإسراء: ٧١].
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَفُتِحَتِ ٱلسَّمَآءُ فَكَانَتْ أَبْوَاباً﴾.
[أي]: وشققت السماء وصدعت (فكانت) طرقاً.
وقيل: تصير قطعاً كقطع الخشب المشققة لأبواب الدور والمساكن.
والمعنى: وفتحت السماء فكانت قطعاً كالأبواب، (فلما سقطت الكاف صارت الأبواب) خبرا.
وكذلك قوله: ﴿وَسُيِّرَتِ ٱلْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَاباً﴾.
أي: صارت لا شيء، كما أن السراب لا شيء، وذلك أنها تنسف فَتُجْتَثُّ من أصولها فتصير هباء منبثاً لعين الناظر كالسراب الذي يظنه (الناظر) ماء وهو في الحقيقة ليس بماء، إنما هو هباء.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَاداً﴾.
أي: إن جهنم كانت ذات ارتقاب ترتقب من يجتاز بها وترصدهم، ولم يقل "مرصادة"، لأنه غير جار على الفعل. فالمعنى ترصد من عصى الله. وفي "مرصاد" معنى التكثير. ولذلك لم يقل: "راصدة"، ففي وصفها بما لم يجر على الفعل معنى التكثير، ولو قال [راصدة] لثبتت الهاء، لأنه جار على الفعل، ولم يكن فيه (معنى) تكثير، ففي "مرصاد" معنى النسب (كأنه قال: "ذات إرصاد"، وكل ما حمل على معنى النسب) من الأخبار والصفات ففيه معنى التكثير واللزوم، فالمعنى أنها مركاد لمن كان يكذب بها في الدنيا.
وكان الحسن يقول - إذا قرأ هذه الآية -: أَلاَ إن على النار المَرْصَد، فمن جاء بجواز جاز ومن لم يجئ احتبس.
وروي عنه أنه قال: لا يدخل أحد الجنة حتى يجتاز على النار.
وقال قتادة: [تعلمن] أنه لا سبيل إلى الجنة حتى تقطع النار.
وقال سفيان: على جهنم ثلاث قناطير.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿لِّلطَّاغِينَ مَآباً﴾.
أي: هي لمن طغى في الدنيا فتعدى حدود الله [مرجع] يرجعون إليها ويصيرون إليها.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿لاَّبِثِينَ فِيهَآ أَحْقَاباً﴾.
قال قتادة: لابثين في جهنم أحقاباً (لا انقطاع لها.
وقيل: معناه: ﴿لاَّبِثِينَ فِيهَآ أَحْقَاباً) * لاَّ يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْداً وَلاَ شَرَاباً﴾، ثم بعد ذلك يعذبون بغير هذا العذاب مما شاء الله، كما قال: ﴿وَآخَرُ مِن شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ﴾ [ص: ٥٨].
وقيل: الضمير في ﴿فِيهَا﴾ يعود على الأرض، لأنه قد تقدم ذكرها، والضمير في ﴿يَذُوقُونَ فِيهَا﴾ لجهنم لتقدم ذكرها.
فعلى [القول] الأول، يكون ﴿لاَّ يَذُوقُونَ﴾ حالاً من ﴿لِّلطَّاغِينَ﴾ أو لـ ﴿جَهَنَّمَ﴾ أو نعتاً للأحقاب.
وعلى هذا القول الآخر، يكون ﴿لاَّ يَذُوقُونَ﴾ حالاً من ﴿جَهَنَّمَ﴾ أو من الطاغين.
وروى أبو أمامة أن النبي ﷺ قال: "الحقب الواحد ثلاثون ألف سنة
وهو جمع الجمع، واحده: حقبة، جمعت على حقب، وجمعت حقب على أحقاب.
ويجوز أن يكون أحقاب جمع حُقْب والحُقْبُ ثلاثمائة سنة، كل سنة ثلاثمائة وستون يوماً، كل يوم ألف سنة من سنين الدنيا. قاله [بشير] بن كعب.
وقال علي بن أبي طالب: الحقب: ثمانون سنة، كل سنة اثنا عشر شهراً، كل شهر ثلاثون يوماً، كل يوم ألف سنة من سنين الدنيا، وهو قول ابن جبير، وقاله الربيع بن أنس.
[وقال] أبو هريرة: الحقب ستون سنة، كل سنة ثلاثمائة وستون يوماً، كل يوم ألف سنة من سنين الدنيا.
وقال قتادة: "الحقب ثمانون سنة من سنيّ الآخرة". وقال: هي أحقاب لا انقطاع لها، كلما مضى حقب جاء حقب بعده.
وقال الحسن: أما الأحقاب، فليس لها عدة إلا الخلود في النار، ولكن ذكر أن الحقب سبعون سنة، كل يوم منها كألف سنة مما نعده.
وقال خالد بن مَعَدَّان: هي في أهل التوحيد من أهل القبلة مثل قوله ﴿إِلاَّ مَا شَآءَ رَبُّكَ﴾ [هود: ١٠٨]، وهذا التأويل يرده قوله بعد ذلك.
* *
﴿إِنَّهُمْ كَانُواْ لاَ يَرْجُونَ حِسَاباً * وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا كِذَّاباً﴾.
وليس هذه صفة الموحدين.
وقد روي عن مقاتل أنه قال: إنها منسوخة، نسختها قوله: ﴿فَلَن نَّزِيدَكُمْ (إِلاَّ) عَذَاباً﴾.
وهذا لا يكون فيه نسخ، لأنه خبر، والأخبار لا تنسخ.
والحقب عند أهل اللغة مبهم كالحين والزمان. والبرد: النوم.
وقيل [الهدوء]. وقيل: برد [الشراب] المستلذ. قال ابن عباس: هو برد الشراب وقيل: البرد: الراحة.
* *
- ثم قال: ﴿إِلاَّ حَمِيماً وَغَسَّاقاً﴾.
قال الربيع: "استثنى من الشراب الحميم، ومن البرد الغساق".
[والحميم الذي قد انتهى [حره] كالمهل [يشوي] الوجوه.
وقال ابن زيد: الحميم: دموع أعينهم، يجمع في حياض ثم يسقونه. والغساق]: الصديد الذي يخرج من جلودهم مما تصهرهم النار، يجمع في حياض النار فيُسْقَوْنَهُ.
وأصل الحميم الماء الحار، ومنه اشتق الحَمَّامُ، ومنه الحُمَّى، ومنه [اليَحْمُومُ].
قال قتادة: الغساق ما يسيل [من] جلده ولحمه.
وقال سفيان: هو ما يسيل من دموعهم.
وقال النخعي: هو "ما يسيل من صديدهم من البرد".
وعن ابن عباس أن الغساق: "الزمهرير".
وقال مجاهد: "الغساق: الذي لا يستطيعون أن يذوقوه (من برده).
وقال عبد الله بن [بريدة]: "هو المُنْتِنُ".
وروى الخدري عن النبي ﷺ أنه قال: "لَوْ أَنَّ دَلْواً مِن غَسَّاقٍ يُهْرَاقُ فِي الدُّنْيَا لأَنْتَنَ أَهْلُ الدُّنْيَا
وقال عبد الله بن [عمرو]: "أتدرون أي شيء الغساق؟ قالوا: الله أعلم، قال: هو القيح الغليظ، لو أن قطرة منه تهراق بالمغرب لأنتنت أهل [المشرق]. ولو تهرق [بالمشرق] لأنتنت أهل المغرب".
* *
- وقوله: ﴿جَزَآءً وِفَاقاً﴾.
أي: هذا العذاب الذي وصف جزاء للكفار على أفعالهم في الدنيا وافق أعمالهم وفاقاً، قاله ابن عباس. قال قتادة: "وافق الجزاء أعمال القوم...". وقال الربيع: "ثواباً وافق أعمالهم". قال ابن زيد: "عملوا شراً فجوزوا شراً، [وعملوا] حسناً فجوزوا حسناً".
* *
- ثم قال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُواْ لاَ يَرْجُونَ حِسَاباً﴾.
أي: لا يخافون محاسبة الله (لهم على أعمالهم في الآخرة.
قال قتادة: كانوا في الدنيا لا يخافون محاسبة).
وقال ابن زيد: كانوا لا يؤمنون بالبعث ولا بالحساب فكيف يخافون الحساب وهم لا يوقنون بالبعث بعد الموت؟!
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا كِذَّاباً﴾.
أي: جحدوا بها جحوداً.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَاباً﴾.
أي: وأحصينا كل شيء من أعمالهم وغير ذلك فكتبناه كتابا، [فـ ﴿كِتَاباً﴾] مصدر عمل فيه فعل مضمر.
وقيل: العامل فيه (احصينا) [لأنه] يعني: كتبنا.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿فَذُوقُواْ فَلَن نَّزِيدَكُمْ إِلاَّ عَذَاباً﴾.
أي: يقال لهم - إذا شربوا الحميم والغساق - ذوقوا العذاب الذي كنتم به تكذبون في الدنيا، فلن نزيدكم على العذاب الذي أنتم فيه إلا عذاباً زائداً.
قال عبد الله بن عمرو: لم ينزل على أهل النار آية أشد من هذه، فهم في مزيد أبداً.
وقد روي مثل ذلك عن النبي ﷺ.
وروي أنه لا يأتي على أهل الجنة ساعة إلا ويزدادون صنفاً من النعيم لم يكونوا يعرفونه، ولا يأتي على أهل النار ساعة إلا وهم مستنكرون لشيء من العذاب لم يكونوا يعرفونه.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازاً﴾.
أي: منجى من النار إلى الجنة ينجون به، وهي حدائق وأعناب.
وقال ابن عباس: ﴿مَفَازاً﴾، "متنزهاً". وقيل: المفاز: الظفر بما يحبه الإنسان. يقال: فاز فلان بكذا إذا ظفر به.
والحدائق: جمع حديقة، وهي البستان من النخيل والأعناب والأشجار التي قد حوط عليها الحيطان فأحدقت (بها)، فَلإِحْدَاقِ الحيطان بها سميت حديقة، ولو لم تكن الحيطان بها محدقة لم تسم حديقة.
قال ابن عباس: الحدائق: [الشجر] الملتف. وقال الضحاك: الحدائق التي عليها الحيطان.
* *
- وقوله: ﴿وَأَعْنَاباً﴾.
معناه: وكروم أعناب، ثم حذف.
* *
- وقوله: ﴿وَكَوَاعِبَ أَتْرَاباً﴾.
(أي): وحورا نواهد في سن واحدة. قاله ابن عباس وقتادة وغيرهما.
* *
- ثم قال: ﴿وَكَأْساً دِهَاقاً﴾.
مَلأَى من الخمر مترعة، وأصله من الدهق، وهو متابعة الضغط على الشيء بشدة وعنف. قال ابن عباس والحسن وقتادة ومجاهد: الدهاق: الملأى. وهو قول ابن زيد. وقال عكرمة: الدهاق: الصافية. وقال ابن جبير: هي "المتتابعة". وقد روي مثل ذلك أيضاً عن ابن عباس ومجاهد.
* *
- ثم قال: ﴿لاَّ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً وَلاَ كِذَّاباً﴾.
أي: باطلاً [من القول]. ﴿وَلاَ كِذَّاباً﴾، أي: ولا يكذب بعضهم بعضاً.
وقال قتادة: ﴿وَلاَ كِذَّاباً﴾، أي: مأثماً. و ﴿لَغْواً﴾: باطلاً.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿جَزَآءً مِّن رَّبِّكَ عَطَآءً حِسَاباً﴾.
أي: هذا لهم جزاء لأعمالهم في الدنيا، أعطاهم الله ذلك عطاءً كافياً.
يقال: أحسبني الشيء، أي: كفاني. وقيل: ﴿حِسَاباً﴾ بمعنى: محاسبة لهم بأعمالهم لله في الدنيا، يعطون على قدر أعمالهم.
وقال قتادة: ﴿عَطَآءً حِسَاباً﴾، أي: "عطاءً كثيراً، جزاهم الله بالعمل اليسير الخير الجسيم الذي لا انقطاع له".
النبأ 78:27
قوله تعالى: ﴿لِّنُخْرِجَ بِهِ حَبّاً وَنَبَاتاً﴾ إلى قوله: ﴿عَطَآءً حِسَاباً﴾.
أي: أنزلنا الماء لنخرج به من الأرض لكم حباً، يعني القمح والشعير وسائر القطنية، ﴿وَنَبَاتاً﴾ يعني ما ترعى البهائم.
* *
- ﴿وَجَنَّاتٍ أَلْفَافاً﴾.
أي: وثمر جنات ملتفة مجتمعة قال ابن عباس: "التف بعضها ببعض". وهو قول مجاهد وقتادة وغيرهما. وقال الأخفش وأبو عبيدة: واحد الألفاف لِفٌّ. وقيل: لَفِيفٌ وحكى الكسائي أنه جمع الجمع، وواحده "لَفَّاءُ" كحمراء، ثم جمعت لَفَّاءُ على (لِفّ [كحمر] ثم جمعت "لِفٌّ" على) ألفاف، [كخف] وأخفاف.
قال ابن مسعود: يرسل الله جل وعز الرياح فتأخذ الماء من السماء فتجريه في السحاب [فتذريه] كما تذر اللقحة.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ يَوْمَ ٱلْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتاً﴾.
أي: يوم يفصل الله فيه بين خلقه كان ميقاتاً لما أعد الله للمكذبين بالبعث ولنظرائهم من الخلق.
قال قتادة: هو يوم عظمه الله يفصل فيه بين الأولين والآخرين.
- ثم أبدل من ﴿يَوْمَ﴾ للبيان فقال:
* *
- ﴿يَوْمَ يُنفَخُ فِي ٱلصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجاً﴾.
أي: يوم الفصل بين الخلق يوم ينفخ إسرافيل في الصور فتأتون من قبوركم إلى المحشر ﴿أَفْوَاجاً﴾ [أي]: زُمَراً زُمَراً.
روي أن كل أمة تأتي مع رسولها [يوم القيامة]، وهو قوله: ﴿يَوْمَ نَدْعُواْ كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ﴾ [الإسراء: ٧١].
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَفُتِحَتِ ٱلسَّمَآءُ فَكَانَتْ أَبْوَاباً﴾.
[أي]: وشققت السماء وصدعت (فكانت) طرقاً.
وقيل: تصير قطعاً كقطع الخشب المشققة لأبواب الدور والمساكن.
والمعنى: وفتحت السماء فكانت قطعاً كالأبواب، (فلما سقطت الكاف صارت الأبواب) خبرا.
وكذلك قوله: ﴿وَسُيِّرَتِ ٱلْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَاباً﴾.
أي: صارت لا شيء، كما أن السراب لا شيء، وذلك أنها تنسف فَتُجْتَثُّ من أصولها فتصير هباء منبثاً لعين الناظر كالسراب الذي يظنه (الناظر) ماء وهو في الحقيقة ليس بماء، إنما هو هباء.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَاداً﴾.
أي: إن جهنم كانت ذات ارتقاب ترتقب من يجتاز بها وترصدهم، ولم يقل "مرصادة"، لأنه غير جار على الفعل. فالمعنى ترصد من عصى الله. وفي "مرصاد" معنى التكثير. ولذلك لم يقل: "راصدة"، ففي وصفها بما لم يجر على الفعل معنى التكثير، ولو قال [راصدة] لثبتت الهاء، لأنه جار على الفعل، ولم يكن فيه (معنى) تكثير، ففي "مرصاد" معنى النسب (كأنه قال: "ذات إرصاد"، وكل ما حمل على معنى النسب) من الأخبار والصفات ففيه معنى التكثير واللزوم، فالمعنى أنها مركاد لمن كان يكذب بها في الدنيا.
وكان الحسن يقول - إذا قرأ هذه الآية -: أَلاَ إن على النار المَرْصَد، فمن جاء بجواز جاز ومن لم يجئ احتبس.
وروي عنه أنه قال: لا يدخل أحد الجنة حتى يجتاز على النار.
وقال قتادة: [تعلمن] أنه لا سبيل إلى الجنة حتى تقطع النار.
وقال سفيان: على جهنم ثلاث قناطير.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿لِّلطَّاغِينَ مَآباً﴾.
أي: هي لمن طغى في الدنيا فتعدى حدود الله [مرجع] يرجعون إليها ويصيرون إليها.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿لاَّبِثِينَ فِيهَآ أَحْقَاباً﴾.
قال قتادة: لابثين في جهنم أحقاباً (لا انقطاع لها.
وقيل: معناه: ﴿لاَّبِثِينَ فِيهَآ أَحْقَاباً) * لاَّ يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْداً وَلاَ شَرَاباً﴾، ثم بعد ذلك يعذبون بغير هذا العذاب مما شاء الله، كما قال: ﴿وَآخَرُ مِن شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ﴾ [ص: ٥٨].
وقيل: الضمير في ﴿فِيهَا﴾ يعود على الأرض، لأنه قد تقدم ذكرها، والضمير في ﴿يَذُوقُونَ فِيهَا﴾ لجهنم لتقدم ذكرها.
فعلى [القول] الأول، يكون ﴿لاَّ يَذُوقُونَ﴾ حالاً من ﴿لِّلطَّاغِينَ﴾ أو لـ ﴿جَهَنَّمَ﴾ أو نعتاً للأحقاب.
وعلى هذا القول الآخر، يكون ﴿لاَّ يَذُوقُونَ﴾ حالاً من ﴿جَهَنَّمَ﴾ أو من الطاغين.
وروى أبو أمامة أن النبي ﷺ قال: "الحقب الواحد ثلاثون ألف سنة
وهو جمع الجمع، واحده: حقبة، جمعت على حقب، وجمعت حقب على أحقاب.
ويجوز أن يكون أحقاب جمع حُقْب والحُقْبُ ثلاثمائة سنة، كل سنة ثلاثمائة وستون يوماً، كل يوم ألف سنة من سنين الدنيا. قاله [بشير] بن كعب.
وقال علي بن أبي طالب: الحقب: ثمانون سنة، كل سنة اثنا عشر شهراً، كل شهر ثلاثون يوماً، كل يوم ألف سنة من سنين الدنيا، وهو قول ابن جبير، وقاله الربيع بن أنس.
[وقال] أبو هريرة: الحقب ستون سنة، كل سنة ثلاثمائة وستون يوماً، كل يوم ألف سنة من سنين الدنيا.
وقال قتادة: "الحقب ثمانون سنة من سنيّ الآخرة". وقال: هي أحقاب لا انقطاع لها، كلما مضى حقب جاء حقب بعده.
وقال الحسن: أما الأحقاب، فليس لها عدة إلا الخلود في النار، ولكن ذكر أن الحقب سبعون سنة، كل يوم منها كألف سنة مما نعده.
وقال خالد بن مَعَدَّان: هي في أهل التوحيد من أهل القبلة مثل قوله ﴿إِلاَّ مَا شَآءَ رَبُّكَ﴾ [هود: ١٠٨]، وهذا التأويل يرده قوله بعد ذلك.
* *
﴿إِنَّهُمْ كَانُواْ لاَ يَرْجُونَ حِسَاباً * وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا كِذَّاباً﴾.
وليس هذه صفة الموحدين.
وقد روي عن مقاتل أنه قال: إنها منسوخة، نسختها قوله: ﴿فَلَن نَّزِيدَكُمْ (إِلاَّ) عَذَاباً﴾.
وهذا لا يكون فيه نسخ، لأنه خبر، والأخبار لا تنسخ.
والحقب عند أهل اللغة مبهم كالحين والزمان. والبرد: النوم.
وقيل [الهدوء]. وقيل: برد [الشراب] المستلذ. قال ابن عباس: هو برد الشراب وقيل: البرد: الراحة.
* *
- ثم قال: ﴿إِلاَّ حَمِيماً وَغَسَّاقاً﴾.
قال الربيع: "استثنى من الشراب الحميم، ومن البرد الغساق".
[والحميم الذي قد انتهى [حره] كالمهل [يشوي] الوجوه.
وقال ابن زيد: الحميم: دموع أعينهم، يجمع في حياض ثم يسقونه. والغساق]: الصديد الذي يخرج من جلودهم مما تصهرهم النار، يجمع في حياض النار فيُسْقَوْنَهُ.
وأصل الحميم الماء الحار، ومنه اشتق الحَمَّامُ، ومنه الحُمَّى، ومنه [اليَحْمُومُ].
قال قتادة: الغساق ما يسيل [من] جلده ولحمه.
وقال سفيان: هو ما يسيل من دموعهم.
وقال النخعي: هو "ما يسيل من صديدهم من البرد".
وعن ابن عباس أن الغساق: "الزمهرير".
وقال مجاهد: "الغساق: الذي لا يستطيعون أن يذوقوه (من برده).
وقال عبد الله بن [بريدة]: "هو المُنْتِنُ".
وروى الخدري عن النبي ﷺ أنه قال: "لَوْ أَنَّ دَلْواً مِن غَسَّاقٍ يُهْرَاقُ فِي الدُّنْيَا لأَنْتَنَ أَهْلُ الدُّنْيَا
وقال عبد الله بن [عمرو]: "أتدرون أي شيء الغساق؟ قالوا: الله أعلم، قال: هو القيح الغليظ، لو أن قطرة منه تهراق بالمغرب لأنتنت أهل [المشرق]. ولو تهرق [بالمشرق] لأنتنت أهل المغرب".
* *
- وقوله: ﴿جَزَآءً وِفَاقاً﴾.
أي: هذا العذاب الذي وصف جزاء للكفار على أفعالهم في الدنيا وافق أعمالهم وفاقاً، قاله ابن عباس. قال قتادة: "وافق الجزاء أعمال القوم...". وقال الربيع: "ثواباً وافق أعمالهم". قال ابن زيد: "عملوا شراً فجوزوا شراً، [وعملوا] حسناً فجوزوا حسناً".
* *
- ثم قال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُواْ لاَ يَرْجُونَ حِسَاباً﴾.
أي: لا يخافون محاسبة الله (لهم على أعمالهم في الآخرة.
قال قتادة: كانوا في الدنيا لا يخافون محاسبة).
وقال ابن زيد: كانوا لا يؤمنون بالبعث ولا بالحساب فكيف يخافون الحساب وهم لا يوقنون بالبعث بعد الموت؟!
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا كِذَّاباً﴾.
أي: جحدوا بها جحوداً.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَاباً﴾.
أي: وأحصينا كل شيء من أعمالهم وغير ذلك فكتبناه كتابا، [فـ ﴿كِتَاباً﴾] مصدر عمل فيه فعل مضمر.
وقيل: العامل فيه (احصينا) [لأنه] يعني: كتبنا.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿فَذُوقُواْ فَلَن نَّزِيدَكُمْ إِلاَّ عَذَاباً﴾.
أي: يقال لهم - إذا شربوا الحميم والغساق - ذوقوا العذاب الذي كنتم به تكذبون في الدنيا، فلن نزيدكم على العذاب الذي أنتم فيه إلا عذاباً زائداً.
قال عبد الله بن عمرو: لم ينزل على أهل النار آية أشد من هذه، فهم في مزيد أبداً.
وقد روي مثل ذلك عن النبي ﷺ.
وروي أنه لا يأتي على أهل الجنة ساعة إلا ويزدادون صنفاً من النعيم لم يكونوا يعرفونه، ولا يأتي على أهل النار ساعة إلا وهم مستنكرون لشيء من العذاب لم يكونوا يعرفونه.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازاً﴾.
أي: منجى من النار إلى الجنة ينجون به، وهي حدائق وأعناب.
وقال ابن عباس: ﴿مَفَازاً﴾، "متنزهاً". وقيل: المفاز: الظفر بما يحبه الإنسان. يقال: فاز فلان بكذا إذا ظفر به.
والحدائق: جمع حديقة، وهي البستان من النخيل والأعناب والأشجار التي قد حوط عليها الحيطان فأحدقت (بها)، فَلإِحْدَاقِ الحيطان بها سميت حديقة، ولو لم تكن الحيطان بها محدقة لم تسم حديقة.
قال ابن عباس: الحدائق: [الشجر] الملتف. وقال الضحاك: الحدائق التي عليها الحيطان.
* *
- وقوله: ﴿وَأَعْنَاباً﴾.
معناه: وكروم أعناب، ثم حذف.
* *
- وقوله: ﴿وَكَوَاعِبَ أَتْرَاباً﴾.
(أي): وحورا نواهد في سن واحدة. قاله ابن عباس وقتادة وغيرهما.
* *
- ثم قال: ﴿وَكَأْساً دِهَاقاً﴾.
مَلأَى من الخمر مترعة، وأصله من الدهق، وهو متابعة الضغط على الشيء بشدة وعنف. قال ابن عباس والحسن وقتادة ومجاهد: الدهاق: الملأى. وهو قول ابن زيد. وقال عكرمة: الدهاق: الصافية. وقال ابن جبير: هي "المتتابعة". وقد روي مثل ذلك أيضاً عن ابن عباس ومجاهد.
* *
- ثم قال: ﴿لاَّ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً وَلاَ كِذَّاباً﴾.
أي: باطلاً [من القول]. ﴿وَلاَ كِذَّاباً﴾، أي: ولا يكذب بعضهم بعضاً.
وقال قتادة: ﴿وَلاَ كِذَّاباً﴾، أي: مأثماً. و ﴿لَغْواً﴾: باطلاً.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿جَزَآءً مِّن رَّبِّكَ عَطَآءً حِسَاباً﴾.
أي: هذا لهم جزاء لأعمالهم في الدنيا، أعطاهم الله ذلك عطاءً كافياً.
يقال: أحسبني الشيء، أي: كفاني. وقيل: ﴿حِسَاباً﴾ بمعنى: محاسبة لهم بأعمالهم لله في الدنيا، يعطون على قدر أعمالهم.
وقال قتادة: ﴿عَطَآءً حِسَاباً﴾، أي: "عطاءً كثيراً، جزاهم الله بالعمل اليسير الخير الجسيم الذي لا انقطاع له".
النبأ 78:28
قوله تعالى: ﴿لِّنُخْرِجَ بِهِ حَبّاً وَنَبَاتاً﴾ إلى قوله: ﴿عَطَآءً حِسَاباً﴾.
أي: أنزلنا الماء لنخرج به من الأرض لكم حباً، يعني القمح والشعير وسائر القطنية، ﴿وَنَبَاتاً﴾ يعني ما ترعى البهائم.
* *
- ﴿وَجَنَّاتٍ أَلْفَافاً﴾.
أي: وثمر جنات ملتفة مجتمعة قال ابن عباس: "التف بعضها ببعض". وهو قول مجاهد وقتادة وغيرهما. وقال الأخفش وأبو عبيدة: واحد الألفاف لِفٌّ. وقيل: لَفِيفٌ وحكى الكسائي أنه جمع الجمع، وواحده "لَفَّاءُ" كحمراء، ثم جمعت لَفَّاءُ على (لِفّ [كحمر] ثم جمعت "لِفٌّ" على) ألفاف، [كخف] وأخفاف.
قال ابن مسعود: يرسل الله جل وعز الرياح فتأخذ الماء من السماء فتجريه في السحاب [فتذريه] كما تذر اللقحة.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ يَوْمَ ٱلْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتاً﴾.
أي: يوم يفصل الله فيه بين خلقه كان ميقاتاً لما أعد الله للمكذبين بالبعث ولنظرائهم من الخلق.
قال قتادة: هو يوم عظمه الله يفصل فيه بين الأولين والآخرين.
- ثم أبدل من ﴿يَوْمَ﴾ للبيان فقال:
* *
- ﴿يَوْمَ يُنفَخُ فِي ٱلصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجاً﴾.
أي: يوم الفصل بين الخلق يوم ينفخ إسرافيل في الصور فتأتون من قبوركم إلى المحشر ﴿أَفْوَاجاً﴾ [أي]: زُمَراً زُمَراً.
روي أن كل أمة تأتي مع رسولها [يوم القيامة]، وهو قوله: ﴿يَوْمَ نَدْعُواْ كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ﴾ [الإسراء: ٧١].
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَفُتِحَتِ ٱلسَّمَآءُ فَكَانَتْ أَبْوَاباً﴾.
[أي]: وشققت السماء وصدعت (فكانت) طرقاً.
وقيل: تصير قطعاً كقطع الخشب المشققة لأبواب الدور والمساكن.
والمعنى: وفتحت السماء فكانت قطعاً كالأبواب، (فلما سقطت الكاف صارت الأبواب) خبرا.
وكذلك قوله: ﴿وَسُيِّرَتِ ٱلْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَاباً﴾.
أي: صارت لا شيء، كما أن السراب لا شيء، وذلك أنها تنسف فَتُجْتَثُّ من أصولها فتصير هباء منبثاً لعين الناظر كالسراب الذي يظنه (الناظر) ماء وهو في الحقيقة ليس بماء، إنما هو هباء.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَاداً﴾.
أي: إن جهنم كانت ذات ارتقاب ترتقب من يجتاز بها وترصدهم، ولم يقل "مرصادة"، لأنه غير جار على الفعل. فالمعنى ترصد من عصى الله. وفي "مرصاد" معنى التكثير. ولذلك لم يقل: "راصدة"، ففي وصفها بما لم يجر على الفعل معنى التكثير، ولو قال [راصدة] لثبتت الهاء، لأنه جار على الفعل، ولم يكن فيه (معنى) تكثير، ففي "مرصاد" معنى النسب (كأنه قال: "ذات إرصاد"، وكل ما حمل على معنى النسب) من الأخبار والصفات ففيه معنى التكثير واللزوم، فالمعنى أنها مركاد لمن كان يكذب بها في الدنيا.
وكان الحسن يقول - إذا قرأ هذه الآية -: أَلاَ إن على النار المَرْصَد، فمن جاء بجواز جاز ومن لم يجئ احتبس.
وروي عنه أنه قال: لا يدخل أحد الجنة حتى يجتاز على النار.
وقال قتادة: [تعلمن] أنه لا سبيل إلى الجنة حتى تقطع النار.
وقال سفيان: على جهنم ثلاث قناطير.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿لِّلطَّاغِينَ مَآباً﴾.
أي: هي لمن طغى في الدنيا فتعدى حدود الله [مرجع] يرجعون إليها ويصيرون إليها.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿لاَّبِثِينَ فِيهَآ أَحْقَاباً﴾.
قال قتادة: لابثين في جهنم أحقاباً (لا انقطاع لها.
وقيل: معناه: ﴿لاَّبِثِينَ فِيهَآ أَحْقَاباً) * لاَّ يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْداً وَلاَ شَرَاباً﴾، ثم بعد ذلك يعذبون بغير هذا العذاب مما شاء الله، كما قال: ﴿وَآخَرُ مِن شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ﴾ [ص: ٥٨].
وقيل: الضمير في ﴿فِيهَا﴾ يعود على الأرض، لأنه قد تقدم ذكرها، والضمير في ﴿يَذُوقُونَ فِيهَا﴾ لجهنم لتقدم ذكرها.
فعلى [القول] الأول، يكون ﴿لاَّ يَذُوقُونَ﴾ حالاً من ﴿لِّلطَّاغِينَ﴾ أو لـ ﴿جَهَنَّمَ﴾ أو نعتاً للأحقاب.
وعلى هذا القول الآخر، يكون ﴿لاَّ يَذُوقُونَ﴾ حالاً من ﴿جَهَنَّمَ﴾ أو من الطاغين.
وروى أبو أمامة أن النبي ﷺ قال: "الحقب الواحد ثلاثون ألف سنة
وهو جمع الجمع، واحده: حقبة، جمعت على حقب، وجمعت حقب على أحقاب.
ويجوز أن يكون أحقاب جمع حُقْب والحُقْبُ ثلاثمائة سنة، كل سنة ثلاثمائة وستون يوماً، كل يوم ألف سنة من سنين الدنيا. قاله [بشير] بن كعب.
وقال علي بن أبي طالب: الحقب: ثمانون سنة، كل سنة اثنا عشر شهراً، كل شهر ثلاثون يوماً، كل يوم ألف سنة من سنين الدنيا، وهو قول ابن جبير، وقاله الربيع بن أنس.
[وقال] أبو هريرة: الحقب ستون سنة، كل سنة ثلاثمائة وستون يوماً، كل يوم ألف سنة من سنين الدنيا.
وقال قتادة: "الحقب ثمانون سنة من سنيّ الآخرة". وقال: هي أحقاب لا انقطاع لها، كلما مضى حقب جاء حقب بعده.
وقال الحسن: أما الأحقاب، فليس لها عدة إلا الخلود في النار، ولكن ذكر أن الحقب سبعون سنة، كل يوم منها كألف سنة مما نعده.
وقال خالد بن مَعَدَّان: هي في أهل التوحيد من أهل القبلة مثل قوله ﴿إِلاَّ مَا شَآءَ رَبُّكَ﴾ [هود: ١٠٨]، وهذا التأويل يرده قوله بعد ذلك.
* *
﴿إِنَّهُمْ كَانُواْ لاَ يَرْجُونَ حِسَاباً * وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا كِذَّاباً﴾.
وليس هذه صفة الموحدين.
وقد روي عن مقاتل أنه قال: إنها منسوخة، نسختها قوله: ﴿فَلَن نَّزِيدَكُمْ (إِلاَّ) عَذَاباً﴾.
وهذا لا يكون فيه نسخ، لأنه خبر، والأخبار لا تنسخ.
والحقب عند أهل اللغة مبهم كالحين والزمان. والبرد: النوم.
وقيل [الهدوء]. وقيل: برد [الشراب] المستلذ. قال ابن عباس: هو برد الشراب وقيل: البرد: الراحة.
* *
- ثم قال: ﴿إِلاَّ حَمِيماً وَغَسَّاقاً﴾.
قال الربيع: "استثنى من الشراب الحميم، ومن البرد الغساق".
[والحميم الذي قد انتهى [حره] كالمهل [يشوي] الوجوه.
وقال ابن زيد: الحميم: دموع أعينهم، يجمع في حياض ثم يسقونه. والغساق]: الصديد الذي يخرج من جلودهم مما تصهرهم النار، يجمع في حياض النار فيُسْقَوْنَهُ.
وأصل الحميم الماء الحار، ومنه اشتق الحَمَّامُ، ومنه الحُمَّى، ومنه [اليَحْمُومُ].
قال قتادة: الغساق ما يسيل [من] جلده ولحمه.
وقال سفيان: هو ما يسيل من دموعهم.
وقال النخعي: هو "ما يسيل من صديدهم من البرد".
وعن ابن عباس أن الغساق: "الزمهرير".
وقال مجاهد: "الغساق: الذي لا يستطيعون أن يذوقوه (من برده).
وقال عبد الله بن [بريدة]: "هو المُنْتِنُ".
وروى الخدري عن النبي ﷺ أنه قال: "لَوْ أَنَّ دَلْواً مِن غَسَّاقٍ يُهْرَاقُ فِي الدُّنْيَا لأَنْتَنَ أَهْلُ الدُّنْيَا
وقال عبد الله بن [عمرو]: "أتدرون أي شيء الغساق؟ قالوا: الله أعلم، قال: هو القيح الغليظ، لو أن قطرة منه تهراق بالمغرب لأنتنت أهل [المشرق]. ولو تهرق [بالمشرق] لأنتنت أهل المغرب".
* *
- وقوله: ﴿جَزَآءً وِفَاقاً﴾.
أي: هذا العذاب الذي وصف جزاء للكفار على أفعالهم في الدنيا وافق أعمالهم وفاقاً، قاله ابن عباس. قال قتادة: "وافق الجزاء أعمال القوم...". وقال الربيع: "ثواباً وافق أعمالهم". قال ابن زيد: "عملوا شراً فجوزوا شراً، [وعملوا] حسناً فجوزوا حسناً".
* *
- ثم قال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُواْ لاَ يَرْجُونَ حِسَاباً﴾.
أي: لا يخافون محاسبة الله (لهم على أعمالهم في الآخرة.
قال قتادة: كانوا في الدنيا لا يخافون محاسبة).
وقال ابن زيد: كانوا لا يؤمنون بالبعث ولا بالحساب فكيف يخافون الحساب وهم لا يوقنون بالبعث بعد الموت؟!
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا كِذَّاباً﴾.
أي: جحدوا بها جحوداً.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَاباً﴾.
أي: وأحصينا كل شيء من أعمالهم وغير ذلك فكتبناه كتابا، [فـ ﴿كِتَاباً﴾] مصدر عمل فيه فعل مضمر.
وقيل: العامل فيه (احصينا) [لأنه] يعني: كتبنا.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿فَذُوقُواْ فَلَن نَّزِيدَكُمْ إِلاَّ عَذَاباً﴾.
أي: يقال لهم - إذا شربوا الحميم والغساق - ذوقوا العذاب الذي كنتم به تكذبون في الدنيا، فلن نزيدكم على العذاب الذي أنتم فيه إلا عذاباً زائداً.
قال عبد الله بن عمرو: لم ينزل على أهل النار آية أشد من هذه، فهم في مزيد أبداً.
وقد روي مثل ذلك عن النبي ﷺ.
وروي أنه لا يأتي على أهل الجنة ساعة إلا ويزدادون صنفاً من النعيم لم يكونوا يعرفونه، ولا يأتي على أهل النار ساعة إلا وهم مستنكرون لشيء من العذاب لم يكونوا يعرفونه.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازاً﴾.
أي: منجى من النار إلى الجنة ينجون به، وهي حدائق وأعناب.
وقال ابن عباس: ﴿مَفَازاً﴾، "متنزهاً". وقيل: المفاز: الظفر بما يحبه الإنسان. يقال: فاز فلان بكذا إذا ظفر به.
والحدائق: جمع حديقة، وهي البستان من النخيل والأعناب والأشجار التي قد حوط عليها الحيطان فأحدقت (بها)، فَلإِحْدَاقِ الحيطان بها سميت حديقة، ولو لم تكن الحيطان بها محدقة لم تسم حديقة.
قال ابن عباس: الحدائق: [الشجر] الملتف. وقال الضحاك: الحدائق التي عليها الحيطان.
* *
- وقوله: ﴿وَأَعْنَاباً﴾.
معناه: وكروم أعناب، ثم حذف.
* *
- وقوله: ﴿وَكَوَاعِبَ أَتْرَاباً﴾.
(أي): وحورا نواهد في سن واحدة. قاله ابن عباس وقتادة وغيرهما.
* *
- ثم قال: ﴿وَكَأْساً دِهَاقاً﴾.
مَلأَى من الخمر مترعة، وأصله من الدهق، وهو متابعة الضغط على الشيء بشدة وعنف. قال ابن عباس والحسن وقتادة ومجاهد: الدهاق: الملأى. وهو قول ابن زيد. وقال عكرمة: الدهاق: الصافية. وقال ابن جبير: هي "المتتابعة". وقد روي مثل ذلك أيضاً عن ابن عباس ومجاهد.
* *
- ثم قال: ﴿لاَّ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً وَلاَ كِذَّاباً﴾.
أي: باطلاً [من القول]. ﴿وَلاَ كِذَّاباً﴾، أي: ولا يكذب بعضهم بعضاً.
وقال قتادة: ﴿وَلاَ كِذَّاباً﴾، أي: مأثماً. و ﴿لَغْواً﴾: باطلاً.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿جَزَآءً مِّن رَّبِّكَ عَطَآءً حِسَاباً﴾.
أي: هذا لهم جزاء لأعمالهم في الدنيا، أعطاهم الله ذلك عطاءً كافياً.
يقال: أحسبني الشيء، أي: كفاني. وقيل: ﴿حِسَاباً﴾ بمعنى: محاسبة لهم بأعمالهم لله في الدنيا، يعطون على قدر أعمالهم.
وقال قتادة: ﴿عَطَآءً حِسَاباً﴾، أي: "عطاءً كثيراً، جزاهم الله بالعمل اليسير الخير الجسيم الذي لا انقطاع له".
النبأ 78:29
قوله تعالى: ﴿لِّنُخْرِجَ بِهِ حَبّاً وَنَبَاتاً﴾ إلى قوله: ﴿عَطَآءً حِسَاباً﴾.
أي: أنزلنا الماء لنخرج به من الأرض لكم حباً، يعني القمح والشعير وسائر القطنية، ﴿وَنَبَاتاً﴾ يعني ما ترعى البهائم.
* *
- ﴿وَجَنَّاتٍ أَلْفَافاً﴾.
أي: وثمر جنات ملتفة مجتمعة قال ابن عباس: "التف بعضها ببعض". وهو قول مجاهد وقتادة وغيرهما. وقال الأخفش وأبو عبيدة: واحد الألفاف لِفٌّ. وقيل: لَفِيفٌ وحكى الكسائي أنه جمع الجمع، وواحده "لَفَّاءُ" كحمراء، ثم جمعت لَفَّاءُ على (لِفّ [كحمر] ثم جمعت "لِفٌّ" على) ألفاف، [كخف] وأخفاف.
قال ابن مسعود: يرسل الله جل وعز الرياح فتأخذ الماء من السماء فتجريه في السحاب [فتذريه] كما تذر اللقحة.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ يَوْمَ ٱلْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتاً﴾.
أي: يوم يفصل الله فيه بين خلقه كان ميقاتاً لما أعد الله للمكذبين بالبعث ولنظرائهم من الخلق.
قال قتادة: هو يوم عظمه الله يفصل فيه بين الأولين والآخرين.
- ثم أبدل من ﴿يَوْمَ﴾ للبيان فقال:
* *
- ﴿يَوْمَ يُنفَخُ فِي ٱلصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجاً﴾.
أي: يوم الفصل بين الخلق يوم ينفخ إسرافيل في الصور فتأتون من قبوركم إلى المحشر ﴿أَفْوَاجاً﴾ [أي]: زُمَراً زُمَراً.
روي أن كل أمة تأتي مع رسولها [يوم القيامة]، وهو قوله: ﴿يَوْمَ نَدْعُواْ كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ﴾ [الإسراء: ٧١].
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَفُتِحَتِ ٱلسَّمَآءُ فَكَانَتْ أَبْوَاباً﴾.
[أي]: وشققت السماء وصدعت (فكانت) طرقاً.
وقيل: تصير قطعاً كقطع الخشب المشققة لأبواب الدور والمساكن.
والمعنى: وفتحت السماء فكانت قطعاً كالأبواب، (فلما سقطت الكاف صارت الأبواب) خبرا.
وكذلك قوله: ﴿وَسُيِّرَتِ ٱلْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَاباً﴾.
أي: صارت لا شيء، كما أن السراب لا شيء، وذلك أنها تنسف فَتُجْتَثُّ من أصولها فتصير هباء منبثاً لعين الناظر كالسراب الذي يظنه (الناظر) ماء وهو في الحقيقة ليس بماء، إنما هو هباء.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَاداً﴾.
أي: إن جهنم كانت ذات ارتقاب ترتقب من يجتاز بها وترصدهم، ولم يقل "مرصادة"، لأنه غير جار على الفعل. فالمعنى ترصد من عصى الله. وفي "مرصاد" معنى التكثير. ولذلك لم يقل: "راصدة"، ففي وصفها بما لم يجر على الفعل معنى التكثير، ولو قال [راصدة] لثبتت الهاء، لأنه جار على الفعل، ولم يكن فيه (معنى) تكثير، ففي "مرصاد" معنى النسب (كأنه قال: "ذات إرصاد"، وكل ما حمل على معنى النسب) من الأخبار والصفات ففيه معنى التكثير واللزوم، فالمعنى أنها مركاد لمن كان يكذب بها في الدنيا.
وكان الحسن يقول - إذا قرأ هذه الآية -: أَلاَ إن على النار المَرْصَد، فمن جاء بجواز جاز ومن لم يجئ احتبس.
وروي عنه أنه قال: لا يدخل أحد الجنة حتى يجتاز على النار.
وقال قتادة: [تعلمن] أنه لا سبيل إلى الجنة حتى تقطع النار.
وقال سفيان: على جهنم ثلاث قناطير.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿لِّلطَّاغِينَ مَآباً﴾.
أي: هي لمن طغى في الدنيا فتعدى حدود الله [مرجع] يرجعون إليها ويصيرون إليها.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿لاَّبِثِينَ فِيهَآ أَحْقَاباً﴾.
قال قتادة: لابثين في جهنم أحقاباً (لا انقطاع لها.
وقيل: معناه: ﴿لاَّبِثِينَ فِيهَآ أَحْقَاباً) * لاَّ يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْداً وَلاَ شَرَاباً﴾، ثم بعد ذلك يعذبون بغير هذا العذاب مما شاء الله، كما قال: ﴿وَآخَرُ مِن شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ﴾ [ص: ٥٨].
وقيل: الضمير في ﴿فِيهَا﴾ يعود على الأرض، لأنه قد تقدم ذكرها، والضمير في ﴿يَذُوقُونَ فِيهَا﴾ لجهنم لتقدم ذكرها.
فعلى [القول] الأول، يكون ﴿لاَّ يَذُوقُونَ﴾ حالاً من ﴿لِّلطَّاغِينَ﴾ أو لـ ﴿جَهَنَّمَ﴾ أو نعتاً للأحقاب.
وعلى هذا القول الآخر، يكون ﴿لاَّ يَذُوقُونَ﴾ حالاً من ﴿جَهَنَّمَ﴾ أو من الطاغين.
وروى أبو أمامة أن النبي ﷺ قال: "الحقب الواحد ثلاثون ألف سنة
وهو جمع الجمع، واحده: حقبة، جمعت على حقب، وجمعت حقب على أحقاب.
ويجوز أن يكون أحقاب جمع حُقْب والحُقْبُ ثلاثمائة سنة، كل سنة ثلاثمائة وستون يوماً، كل يوم ألف سنة من سنين الدنيا. قاله [بشير] بن كعب.
وقال علي بن أبي طالب: الحقب: ثمانون سنة، كل سنة اثنا عشر شهراً، كل شهر ثلاثون يوماً، كل يوم ألف سنة من سنين الدنيا، وهو قول ابن جبير، وقاله الربيع بن أنس.
[وقال] أبو هريرة: الحقب ستون سنة، كل سنة ثلاثمائة وستون يوماً، كل يوم ألف سنة من سنين الدنيا.
وقال قتادة: "الحقب ثمانون سنة من سنيّ الآخرة". وقال: هي أحقاب لا انقطاع لها، كلما مضى حقب جاء حقب بعده.
وقال الحسن: أما الأحقاب، فليس لها عدة إلا الخلود في النار، ولكن ذكر أن الحقب سبعون سنة، كل يوم منها كألف سنة مما نعده.
وقال خالد بن مَعَدَّان: هي في أهل التوحيد من أهل القبلة مثل قوله ﴿إِلاَّ مَا شَآءَ رَبُّكَ﴾ [هود: ١٠٨]، وهذا التأويل يرده قوله بعد ذلك.
* *
﴿إِنَّهُمْ كَانُواْ لاَ يَرْجُونَ حِسَاباً * وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا كِذَّاباً﴾.
وليس هذه صفة الموحدين.
وقد روي عن مقاتل أنه قال: إنها منسوخة، نسختها قوله: ﴿فَلَن نَّزِيدَكُمْ (إِلاَّ) عَذَاباً﴾.
وهذا لا يكون فيه نسخ، لأنه خبر، والأخبار لا تنسخ.
والحقب عند أهل اللغة مبهم كالحين والزمان. والبرد: النوم.
وقيل [الهدوء]. وقيل: برد [الشراب] المستلذ. قال ابن عباس: هو برد الشراب وقيل: البرد: الراحة.
* *
- ثم قال: ﴿إِلاَّ حَمِيماً وَغَسَّاقاً﴾.
قال الربيع: "استثنى من الشراب الحميم، ومن البرد الغساق".
[والحميم الذي قد انتهى [حره] كالمهل [يشوي] الوجوه.
وقال ابن زيد: الحميم: دموع أعينهم، يجمع في حياض ثم يسقونه. والغساق]: الصديد الذي يخرج من جلودهم مما تصهرهم النار، يجمع في حياض النار فيُسْقَوْنَهُ.
وأصل الحميم الماء الحار، ومنه اشتق الحَمَّامُ، ومنه الحُمَّى، ومنه [اليَحْمُومُ].
قال قتادة: الغساق ما يسيل [من] جلده ولحمه.
وقال سفيان: هو ما يسيل من دموعهم.
وقال النخعي: هو "ما يسيل من صديدهم من البرد".
وعن ابن عباس أن الغساق: "الزمهرير".
وقال مجاهد: "الغساق: الذي لا يستطيعون أن يذوقوه (من برده).
وقال عبد الله بن [بريدة]: "هو المُنْتِنُ".
وروى الخدري عن النبي ﷺ أنه قال: "لَوْ أَنَّ دَلْواً مِن غَسَّاقٍ يُهْرَاقُ فِي الدُّنْيَا لأَنْتَنَ أَهْلُ الدُّنْيَا
وقال عبد الله بن [عمرو]: "أتدرون أي شيء الغساق؟ قالوا: الله أعلم، قال: هو القيح الغليظ، لو أن قطرة منه تهراق بالمغرب لأنتنت أهل [المشرق]. ولو تهرق [بالمشرق] لأنتنت أهل المغرب".
* *
- وقوله: ﴿جَزَآءً وِفَاقاً﴾.
أي: هذا العذاب الذي وصف جزاء للكفار على أفعالهم في الدنيا وافق أعمالهم وفاقاً، قاله ابن عباس. قال قتادة: "وافق الجزاء أعمال القوم...". وقال الربيع: "ثواباً وافق أعمالهم". قال ابن زيد: "عملوا شراً فجوزوا شراً، [وعملوا] حسناً فجوزوا حسناً".
* *
- ثم قال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُواْ لاَ يَرْجُونَ حِسَاباً﴾.
أي: لا يخافون محاسبة الله (لهم على أعمالهم في الآخرة.
قال قتادة: كانوا في الدنيا لا يخافون محاسبة).
وقال ابن زيد: كانوا لا يؤمنون بالبعث ولا بالحساب فكيف يخافون الحساب وهم لا يوقنون بالبعث بعد الموت؟!
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا كِذَّاباً﴾.
أي: جحدوا بها جحوداً.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَاباً﴾.
أي: وأحصينا كل شيء من أعمالهم وغير ذلك فكتبناه كتابا، [فـ ﴿كِتَاباً﴾] مصدر عمل فيه فعل مضمر.
وقيل: العامل فيه (احصينا) [لأنه] يعني: كتبنا.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿فَذُوقُواْ فَلَن نَّزِيدَكُمْ إِلاَّ عَذَاباً﴾.
أي: يقال لهم - إذا شربوا الحميم والغساق - ذوقوا العذاب الذي كنتم به تكذبون في الدنيا، فلن نزيدكم على العذاب الذي أنتم فيه إلا عذاباً زائداً.
قال عبد الله بن عمرو: لم ينزل على أهل النار آية أشد من هذه، فهم في مزيد أبداً.
وقد روي مثل ذلك عن النبي ﷺ.
وروي أنه لا يأتي على أهل الجنة ساعة إلا ويزدادون صنفاً من النعيم لم يكونوا يعرفونه، ولا يأتي على أهل النار ساعة إلا وهم مستنكرون لشيء من العذاب لم يكونوا يعرفونه.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازاً﴾.
أي: منجى من النار إلى الجنة ينجون به، وهي حدائق وأعناب.
وقال ابن عباس: ﴿مَفَازاً﴾، "متنزهاً". وقيل: المفاز: الظفر بما يحبه الإنسان. يقال: فاز فلان بكذا إذا ظفر به.
والحدائق: جمع حديقة، وهي البستان من النخيل والأعناب والأشجار التي قد حوط عليها الحيطان فأحدقت (بها)، فَلإِحْدَاقِ الحيطان بها سميت حديقة، ولو لم تكن الحيطان بها محدقة لم تسم حديقة.
قال ابن عباس: الحدائق: [الشجر] الملتف. وقال الضحاك: الحدائق التي عليها الحيطان.
* *
- وقوله: ﴿وَأَعْنَاباً﴾.
معناه: وكروم أعناب، ثم حذف.
* *
- وقوله: ﴿وَكَوَاعِبَ أَتْرَاباً﴾.
(أي): وحورا نواهد في سن واحدة. قاله ابن عباس وقتادة وغيرهما.
* *
- ثم قال: ﴿وَكَأْساً دِهَاقاً﴾.
مَلأَى من الخمر مترعة، وأصله من الدهق، وهو متابعة الضغط على الشيء بشدة وعنف. قال ابن عباس والحسن وقتادة ومجاهد: الدهاق: الملأى. وهو قول ابن زيد. وقال عكرمة: الدهاق: الصافية. وقال ابن جبير: هي "المتتابعة". وقد روي مثل ذلك أيضاً عن ابن عباس ومجاهد.
* *
- ثم قال: ﴿لاَّ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً وَلاَ كِذَّاباً﴾.
أي: باطلاً [من القول]. ﴿وَلاَ كِذَّاباً﴾، أي: ولا يكذب بعضهم بعضاً.
وقال قتادة: ﴿وَلاَ كِذَّاباً﴾، أي: مأثماً. و ﴿لَغْواً﴾: باطلاً.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿جَزَآءً مِّن رَّبِّكَ عَطَآءً حِسَاباً﴾.
أي: هذا لهم جزاء لأعمالهم في الدنيا، أعطاهم الله ذلك عطاءً كافياً.
يقال: أحسبني الشيء، أي: كفاني. وقيل: ﴿حِسَاباً﴾ بمعنى: محاسبة لهم بأعمالهم لله في الدنيا، يعطون على قدر أعمالهم.
وقال قتادة: ﴿عَطَآءً حِسَاباً﴾، أي: "عطاءً كثيراً، جزاهم الله بالعمل اليسير الخير الجسيم الذي لا انقطاع له".
النبأ 78:30
قوله تعالى: ﴿لِّنُخْرِجَ بِهِ حَبّاً وَنَبَاتاً﴾ إلى قوله: ﴿عَطَآءً حِسَاباً﴾.
أي: أنزلنا الماء لنخرج به من الأرض لكم حباً، يعني القمح والشعير وسائر القطنية، ﴿وَنَبَاتاً﴾ يعني ما ترعى البهائم.
* *
- ﴿وَجَنَّاتٍ أَلْفَافاً﴾.
أي: وثمر جنات ملتفة مجتمعة قال ابن عباس: "التف بعضها ببعض". وهو قول مجاهد وقتادة وغيرهما. وقال الأخفش وأبو عبيدة: واحد الألفاف لِفٌّ. وقيل: لَفِيفٌ وحكى الكسائي أنه جمع الجمع، وواحده "لَفَّاءُ" كحمراء، ثم جمعت لَفَّاءُ على (لِفّ [كحمر] ثم جمعت "لِفٌّ" على) ألفاف، [كخف] وأخفاف.
قال ابن مسعود: يرسل الله جل وعز الرياح فتأخذ الماء من السماء فتجريه في السحاب [فتذريه] كما تذر اللقحة.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ يَوْمَ ٱلْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتاً﴾.
أي: يوم يفصل الله فيه بين خلقه كان ميقاتاً لما أعد الله للمكذبين بالبعث ولنظرائهم من الخلق.
قال قتادة: هو يوم عظمه الله يفصل فيه بين الأولين والآخرين.
- ثم أبدل من ﴿يَوْمَ﴾ للبيان فقال:
* *
- ﴿يَوْمَ يُنفَخُ فِي ٱلصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجاً﴾.
أي: يوم الفصل بين الخلق يوم ينفخ إسرافيل في الصور فتأتون من قبوركم إلى المحشر ﴿أَفْوَاجاً﴾ [أي]: زُمَراً زُمَراً.
روي أن كل أمة تأتي مع رسولها [يوم القيامة]، وهو قوله: ﴿يَوْمَ نَدْعُواْ كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ﴾ [الإسراء: ٧١].
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَفُتِحَتِ ٱلسَّمَآءُ فَكَانَتْ أَبْوَاباً﴾.
[أي]: وشققت السماء وصدعت (فكانت) طرقاً.
وقيل: تصير قطعاً كقطع الخشب المشققة لأبواب الدور والمساكن.
والمعنى: وفتحت السماء فكانت قطعاً كالأبواب، (فلما سقطت الكاف صارت الأبواب) خبرا.
وكذلك قوله: ﴿وَسُيِّرَتِ ٱلْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَاباً﴾.
أي: صارت لا شيء، كما أن السراب لا شيء، وذلك أنها تنسف فَتُجْتَثُّ من أصولها فتصير هباء منبثاً لعين الناظر كالسراب الذي يظنه (الناظر) ماء وهو في الحقيقة ليس بماء، إنما هو هباء.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَاداً﴾.
أي: إن جهنم كانت ذات ارتقاب ترتقب من يجتاز بها وترصدهم، ولم يقل "مرصادة"، لأنه غير جار على الفعل. فالمعنى ترصد من عصى الله. وفي "مرصاد" معنى التكثير. ولذلك لم يقل: "راصدة"، ففي وصفها بما لم يجر على الفعل معنى التكثير، ولو قال [راصدة] لثبتت الهاء، لأنه جار على الفعل، ولم يكن فيه (معنى) تكثير، ففي "مرصاد" معنى النسب (كأنه قال: "ذات إرصاد"، وكل ما حمل على معنى النسب) من الأخبار والصفات ففيه معنى التكثير واللزوم، فالمعنى أنها مركاد لمن كان يكذب بها في الدنيا.
وكان الحسن يقول - إذا قرأ هذه الآية -: أَلاَ إن على النار المَرْصَد، فمن جاء بجواز جاز ومن لم يجئ احتبس.
وروي عنه أنه قال: لا يدخل أحد الجنة حتى يجتاز على النار.
وقال قتادة: [تعلمن] أنه لا سبيل إلى الجنة حتى تقطع النار.
وقال سفيان: على جهنم ثلاث قناطير.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿لِّلطَّاغِينَ مَآباً﴾.
أي: هي لمن طغى في الدنيا فتعدى حدود الله [مرجع] يرجعون إليها ويصيرون إليها.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿لاَّبِثِينَ فِيهَآ أَحْقَاباً﴾.
قال قتادة: لابثين في جهنم أحقاباً (لا انقطاع لها.
وقيل: معناه: ﴿لاَّبِثِينَ فِيهَآ أَحْقَاباً) * لاَّ يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْداً وَلاَ شَرَاباً﴾، ثم بعد ذلك يعذبون بغير هذا العذاب مما شاء الله، كما قال: ﴿وَآخَرُ مِن شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ﴾ [ص: ٥٨].
وقيل: الضمير في ﴿فِيهَا﴾ يعود على الأرض، لأنه قد تقدم ذكرها، والضمير في ﴿يَذُوقُونَ فِيهَا﴾ لجهنم لتقدم ذكرها.
فعلى [القول] الأول، يكون ﴿لاَّ يَذُوقُونَ﴾ حالاً من ﴿لِّلطَّاغِينَ﴾ أو لـ ﴿جَهَنَّمَ﴾ أو نعتاً للأحقاب.
وعلى هذا القول الآخر، يكون ﴿لاَّ يَذُوقُونَ﴾ حالاً من ﴿جَهَنَّمَ﴾ أو من الطاغين.
وروى أبو أمامة أن النبي ﷺ قال: "الحقب الواحد ثلاثون ألف سنة
وهو جمع الجمع، واحده: حقبة، جمعت على حقب، وجمعت حقب على أحقاب.
ويجوز أن يكون أحقاب جمع حُقْب والحُقْبُ ثلاثمائة سنة، كل سنة ثلاثمائة وستون يوماً، كل يوم ألف سنة من سنين الدنيا. قاله [بشير] بن كعب.
وقال علي بن أبي طالب: الحقب: ثمانون سنة، كل سنة اثنا عشر شهراً، كل شهر ثلاثون يوماً، كل يوم ألف سنة من سنين الدنيا، وهو قول ابن جبير، وقاله الربيع بن أنس.
[وقال] أبو هريرة: الحقب ستون سنة، كل سنة ثلاثمائة وستون يوماً، كل يوم ألف سنة من سنين الدنيا.
وقال قتادة: "الحقب ثمانون سنة من سنيّ الآخرة". وقال: هي أحقاب لا انقطاع لها، كلما مضى حقب جاء حقب بعده.
وقال الحسن: أما الأحقاب، فليس لها عدة إلا الخلود في النار، ولكن ذكر أن الحقب سبعون سنة، كل يوم منها كألف سنة مما نعده.
وقال خالد بن مَعَدَّان: هي في أهل التوحيد من أهل القبلة مثل قوله ﴿إِلاَّ مَا شَآءَ رَبُّكَ﴾ [هود: ١٠٨]، وهذا التأويل يرده قوله بعد ذلك.
* *
﴿إِنَّهُمْ كَانُواْ لاَ يَرْجُونَ حِسَاباً * وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا كِذَّاباً﴾.
وليس هذه صفة الموحدين.
وقد روي عن مقاتل أنه قال: إنها منسوخة، نسختها قوله: ﴿فَلَن نَّزِيدَكُمْ (إِلاَّ) عَذَاباً﴾.
وهذا لا يكون فيه نسخ، لأنه خبر، والأخبار لا تنسخ.
والحقب عند أهل اللغة مبهم كالحين والزمان. والبرد: النوم.
وقيل [الهدوء]. وقيل: برد [الشراب] المستلذ. قال ابن عباس: هو برد الشراب وقيل: البرد: الراحة.
* *
- ثم قال: ﴿إِلاَّ حَمِيماً وَغَسَّاقاً﴾.
قال الربيع: "استثنى من الشراب الحميم، ومن البرد الغساق".
[والحميم الذي قد انتهى [حره] كالمهل [يشوي] الوجوه.
وقال ابن زيد: الحميم: دموع أعينهم، يجمع في حياض ثم يسقونه. والغساق]: الصديد الذي يخرج من جلودهم مما تصهرهم النار، يجمع في حياض النار فيُسْقَوْنَهُ.
وأصل الحميم الماء الحار، ومنه اشتق الحَمَّامُ، ومنه الحُمَّى، ومنه [اليَحْمُومُ].
قال قتادة: الغساق ما يسيل [من] جلده ولحمه.
وقال سفيان: هو ما يسيل من دموعهم.
وقال النخعي: هو "ما يسيل من صديدهم من البرد".
وعن ابن عباس أن الغساق: "الزمهرير".
وقال مجاهد: "الغساق: الذي لا يستطيعون أن يذوقوه (من برده).
وقال عبد الله بن [بريدة]: "هو المُنْتِنُ".
وروى الخدري عن النبي ﷺ أنه قال: "لَوْ أَنَّ دَلْواً مِن غَسَّاقٍ يُهْرَاقُ فِي الدُّنْيَا لأَنْتَنَ أَهْلُ الدُّنْيَا
وقال عبد الله بن [عمرو]: "أتدرون أي شيء الغساق؟ قالوا: الله أعلم، قال: هو القيح الغليظ، لو أن قطرة منه تهراق بالمغرب لأنتنت أهل [المشرق]. ولو تهرق [بالمشرق] لأنتنت أهل المغرب".
* *
- وقوله: ﴿جَزَآءً وِفَاقاً﴾.
أي: هذا العذاب الذي وصف جزاء للكفار على أفعالهم في الدنيا وافق أعمالهم وفاقاً، قاله ابن عباس. قال قتادة: "وافق الجزاء أعمال القوم...". وقال الربيع: "ثواباً وافق أعمالهم". قال ابن زيد: "عملوا شراً فجوزوا شراً، [وعملوا] حسناً فجوزوا حسناً".
* *
- ثم قال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُواْ لاَ يَرْجُونَ حِسَاباً﴾.
أي: لا يخافون محاسبة الله (لهم على أعمالهم في الآخرة.
قال قتادة: كانوا في الدنيا لا يخافون محاسبة).
وقال ابن زيد: كانوا لا يؤمنون بالبعث ولا بالحساب فكيف يخافون الحساب وهم لا يوقنون بالبعث بعد الموت؟!
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا كِذَّاباً﴾.
أي: جحدوا بها جحوداً.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَاباً﴾.
أي: وأحصينا كل شيء من أعمالهم وغير ذلك فكتبناه كتابا، [فـ ﴿كِتَاباً﴾] مصدر عمل فيه فعل مضمر.
وقيل: العامل فيه (احصينا) [لأنه] يعني: كتبنا.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿فَذُوقُواْ فَلَن نَّزِيدَكُمْ إِلاَّ عَذَاباً﴾.
أي: يقال لهم - إذا شربوا الحميم والغساق - ذوقوا العذاب الذي كنتم به تكذبون في الدنيا، فلن نزيدكم على العذاب الذي أنتم فيه إلا عذاباً زائداً.
قال عبد الله بن عمرو: لم ينزل على أهل النار آية أشد من هذه، فهم في مزيد أبداً.
وقد روي مثل ذلك عن النبي ﷺ.
وروي أنه لا يأتي على أهل الجنة ساعة إلا ويزدادون صنفاً من النعيم لم يكونوا يعرفونه، ولا يأتي على أهل النار ساعة إلا وهم مستنكرون لشيء من العذاب لم يكونوا يعرفونه.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازاً﴾.
أي: منجى من النار إلى الجنة ينجون به، وهي حدائق وأعناب.
وقال ابن عباس: ﴿مَفَازاً﴾، "متنزهاً". وقيل: المفاز: الظفر بما يحبه الإنسان. يقال: فاز فلان بكذا إذا ظفر به.
والحدائق: جمع حديقة، وهي البستان من النخيل والأعناب والأشجار التي قد حوط عليها الحيطان فأحدقت (بها)، فَلإِحْدَاقِ الحيطان بها سميت حديقة، ولو لم تكن الحيطان بها محدقة لم تسم حديقة.
قال ابن عباس: الحدائق: [الشجر] الملتف. وقال الضحاك: الحدائق التي عليها الحيطان.
* *
- وقوله: ﴿وَأَعْنَاباً﴾.
معناه: وكروم أعناب، ثم حذف.
* *
- وقوله: ﴿وَكَوَاعِبَ أَتْرَاباً﴾.
(أي): وحورا نواهد في سن واحدة. قاله ابن عباس وقتادة وغيرهما.
* *
- ثم قال: ﴿وَكَأْساً دِهَاقاً﴾.
مَلأَى من الخمر مترعة، وأصله من الدهق، وهو متابعة الضغط على الشيء بشدة وعنف. قال ابن عباس والحسن وقتادة ومجاهد: الدهاق: الملأى. وهو قول ابن زيد. وقال عكرمة: الدهاق: الصافية. وقال ابن جبير: هي "المتتابعة". وقد روي مثل ذلك أيضاً عن ابن عباس ومجاهد.
* *
- ثم قال: ﴿لاَّ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً وَلاَ كِذَّاباً﴾.
أي: باطلاً [من القول]. ﴿وَلاَ كِذَّاباً﴾، أي: ولا يكذب بعضهم بعضاً.
وقال قتادة: ﴿وَلاَ كِذَّاباً﴾، أي: مأثماً. و ﴿لَغْواً﴾: باطلاً.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿جَزَآءً مِّن رَّبِّكَ عَطَآءً حِسَاباً﴾.
أي: هذا لهم جزاء لأعمالهم في الدنيا، أعطاهم الله ذلك عطاءً كافياً.
يقال: أحسبني الشيء، أي: كفاني. وقيل: ﴿حِسَاباً﴾ بمعنى: محاسبة لهم بأعمالهم لله في الدنيا، يعطون على قدر أعمالهم.
وقال قتادة: ﴿عَطَآءً حِسَاباً﴾، أي: "عطاءً كثيراً، جزاهم الله بالعمل اليسير الخير الجسيم الذي لا انقطاع له".
النبأ 78:31
قوله تعالى: ﴿لِّنُخْرِجَ بِهِ حَبّاً وَنَبَاتاً﴾ إلى قوله: ﴿عَطَآءً حِسَاباً﴾.
أي: أنزلنا الماء لنخرج به من الأرض لكم حباً، يعني القمح والشعير وسائر القطنية، ﴿وَنَبَاتاً﴾ يعني ما ترعى البهائم.
* *
- ﴿وَجَنَّاتٍ أَلْفَافاً﴾.
أي: وثمر جنات ملتفة مجتمعة قال ابن عباس: "التف بعضها ببعض". وهو قول مجاهد وقتادة وغيرهما. وقال الأخفش وأبو عبيدة: واحد الألفاف لِفٌّ. وقيل: لَفِيفٌ وحكى الكسائي أنه جمع الجمع، وواحده "لَفَّاءُ" كحمراء، ثم جمعت لَفَّاءُ على (لِفّ [كحمر] ثم جمعت "لِفٌّ" على) ألفاف، [كخف] وأخفاف.
قال ابن مسعود: يرسل الله جل وعز الرياح فتأخذ الماء من السماء فتجريه في السحاب [فتذريه] كما تذر اللقحة.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ يَوْمَ ٱلْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتاً﴾.
أي: يوم يفصل الله فيه بين خلقه كان ميقاتاً لما أعد الله للمكذبين بالبعث ولنظرائهم من الخلق.
قال قتادة: هو يوم عظمه الله يفصل فيه بين الأولين والآخرين.
- ثم أبدل من ﴿يَوْمَ﴾ للبيان فقال:
* *
- ﴿يَوْمَ يُنفَخُ فِي ٱلصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجاً﴾.
أي: يوم الفصل بين الخلق يوم ينفخ إسرافيل في الصور فتأتون من قبوركم إلى المحشر ﴿أَفْوَاجاً﴾ [أي]: زُمَراً زُمَراً.
روي أن كل أمة تأتي مع رسولها [يوم القيامة]، وهو قوله: ﴿يَوْمَ نَدْعُواْ كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ﴾ [الإسراء: ٧١].
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَفُتِحَتِ ٱلسَّمَآءُ فَكَانَتْ أَبْوَاباً﴾.
[أي]: وشققت السماء وصدعت (فكانت) طرقاً.
وقيل: تصير قطعاً كقطع الخشب المشققة لأبواب الدور والمساكن.
والمعنى: وفتحت السماء فكانت قطعاً كالأبواب، (فلما سقطت الكاف صارت الأبواب) خبرا.
وكذلك قوله: ﴿وَسُيِّرَتِ ٱلْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَاباً﴾.
أي: صارت لا شيء، كما أن السراب لا شيء، وذلك أنها تنسف فَتُجْتَثُّ من أصولها فتصير هباء منبثاً لعين الناظر كالسراب الذي يظنه (الناظر) ماء وهو في الحقيقة ليس بماء، إنما هو هباء.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَاداً﴾.
أي: إن جهنم كانت ذات ارتقاب ترتقب من يجتاز بها وترصدهم، ولم يقل "مرصادة"، لأنه غير جار على الفعل. فالمعنى ترصد من عصى الله. وفي "مرصاد" معنى التكثير. ولذلك لم يقل: "راصدة"، ففي وصفها بما لم يجر على الفعل معنى التكثير، ولو قال [راصدة] لثبتت الهاء، لأنه جار على الفعل، ولم يكن فيه (معنى) تكثير، ففي "مرصاد" معنى النسب (كأنه قال: "ذات إرصاد"، وكل ما حمل على معنى النسب) من الأخبار والصفات ففيه معنى التكثير واللزوم، فالمعنى أنها مركاد لمن كان يكذب بها في الدنيا.
وكان الحسن يقول - إذا قرأ هذه الآية -: أَلاَ إن على النار المَرْصَد، فمن جاء بجواز جاز ومن لم يجئ احتبس.
وروي عنه أنه قال: لا يدخل أحد الجنة حتى يجتاز على النار.
وقال قتادة: [تعلمن] أنه لا سبيل إلى الجنة حتى تقطع النار.
وقال سفيان: على جهنم ثلاث قناطير.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿لِّلطَّاغِينَ مَآباً﴾.
أي: هي لمن طغى في الدنيا فتعدى حدود الله [مرجع] يرجعون إليها ويصيرون إليها.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿لاَّبِثِينَ فِيهَآ أَحْقَاباً﴾.
قال قتادة: لابثين في جهنم أحقاباً (لا انقطاع لها.
وقيل: معناه: ﴿لاَّبِثِينَ فِيهَآ أَحْقَاباً) * لاَّ يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْداً وَلاَ شَرَاباً﴾، ثم بعد ذلك يعذبون بغير هذا العذاب مما شاء الله، كما قال: ﴿وَآخَرُ مِن شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ﴾ [ص: ٥٨].
وقيل: الضمير في ﴿فِيهَا﴾ يعود على الأرض، لأنه قد تقدم ذكرها، والضمير في ﴿يَذُوقُونَ فِيهَا﴾ لجهنم لتقدم ذكرها.
فعلى [القول] الأول، يكون ﴿لاَّ يَذُوقُونَ﴾ حالاً من ﴿لِّلطَّاغِينَ﴾ أو لـ ﴿جَهَنَّمَ﴾ أو نعتاً للأحقاب.
وعلى هذا القول الآخر، يكون ﴿لاَّ يَذُوقُونَ﴾ حالاً من ﴿جَهَنَّمَ﴾ أو من الطاغين.
وروى أبو أمامة أن النبي ﷺ قال: "الحقب الواحد ثلاثون ألف سنة
وهو جمع الجمع، واحده: حقبة، جمعت على حقب، وجمعت حقب على أحقاب.
ويجوز أن يكون أحقاب جمع حُقْب والحُقْبُ ثلاثمائة سنة، كل سنة ثلاثمائة وستون يوماً، كل يوم ألف سنة من سنين الدنيا. قاله [بشير] بن كعب.
وقال علي بن أبي طالب: الحقب: ثمانون سنة، كل سنة اثنا عشر شهراً، كل شهر ثلاثون يوماً، كل يوم ألف سنة من سنين الدنيا، وهو قول ابن جبير، وقاله الربيع بن أنس.
[وقال] أبو هريرة: الحقب ستون سنة، كل سنة ثلاثمائة وستون يوماً، كل يوم ألف سنة من سنين الدنيا.
وقال قتادة: "الحقب ثمانون سنة من سنيّ الآخرة". وقال: هي أحقاب لا انقطاع لها، كلما مضى حقب جاء حقب بعده.
وقال الحسن: أما الأحقاب، فليس لها عدة إلا الخلود في النار، ولكن ذكر أن الحقب سبعون سنة، كل يوم منها كألف سنة مما نعده.
وقال خالد بن مَعَدَّان: هي في أهل التوحيد من أهل القبلة مثل قوله ﴿إِلاَّ مَا شَآءَ رَبُّكَ﴾ [هود: ١٠٨]، وهذا التأويل يرده قوله بعد ذلك.
* *
﴿إِنَّهُمْ كَانُواْ لاَ يَرْجُونَ حِسَاباً * وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا كِذَّاباً﴾.
وليس هذه صفة الموحدين.
وقد روي عن مقاتل أنه قال: إنها منسوخة، نسختها قوله: ﴿فَلَن نَّزِيدَكُمْ (إِلاَّ) عَذَاباً﴾.
وهذا لا يكون فيه نسخ، لأنه خبر، والأخبار لا تنسخ.
والحقب عند أهل اللغة مبهم كالحين والزمان. والبرد: النوم.
وقيل [الهدوء]. وقيل: برد [الشراب] المستلذ. قال ابن عباس: هو برد الشراب وقيل: البرد: الراحة.
* *
- ثم قال: ﴿إِلاَّ حَمِيماً وَغَسَّاقاً﴾.
قال الربيع: "استثنى من الشراب الحميم، ومن البرد الغساق".
[والحميم الذي قد انتهى [حره] كالمهل [يشوي] الوجوه.
وقال ابن زيد: الحميم: دموع أعينهم، يجمع في حياض ثم يسقونه. والغساق]: الصديد الذي يخرج من جلودهم مما تصهرهم النار، يجمع في حياض النار فيُسْقَوْنَهُ.
وأصل الحميم الماء الحار، ومنه اشتق الحَمَّامُ، ومنه الحُمَّى، ومنه [اليَحْمُومُ].
قال قتادة: الغساق ما يسيل [من] جلده ولحمه.
وقال سفيان: هو ما يسيل من دموعهم.
وقال النخعي: هو "ما يسيل من صديدهم من البرد".
وعن ابن عباس أن الغساق: "الزمهرير".
وقال مجاهد: "الغساق: الذي لا يستطيعون أن يذوقوه (من برده).
وقال عبد الله بن [بريدة]: "هو المُنْتِنُ".
وروى الخدري عن النبي ﷺ أنه قال: "لَوْ أَنَّ دَلْواً مِن غَسَّاقٍ يُهْرَاقُ فِي الدُّنْيَا لأَنْتَنَ أَهْلُ الدُّنْيَا
وقال عبد الله بن [عمرو]: "أتدرون أي شيء الغساق؟ قالوا: الله أعلم، قال: هو القيح الغليظ، لو أن قطرة منه تهراق بالمغرب لأنتنت أهل [المشرق]. ولو تهرق [بالمشرق] لأنتنت أهل المغرب".
* *
- وقوله: ﴿جَزَآءً وِفَاقاً﴾.
أي: هذا العذاب الذي وصف جزاء للكفار على أفعالهم في الدنيا وافق أعمالهم وفاقاً، قاله ابن عباس. قال قتادة: "وافق الجزاء أعمال القوم...". وقال الربيع: "ثواباً وافق أعمالهم". قال ابن زيد: "عملوا شراً فجوزوا شراً، [وعملوا] حسناً فجوزوا حسناً".
* *
- ثم قال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُواْ لاَ يَرْجُونَ حِسَاباً﴾.
أي: لا يخافون محاسبة الله (لهم على أعمالهم في الآخرة.
قال قتادة: كانوا في الدنيا لا يخافون محاسبة).
وقال ابن زيد: كانوا لا يؤمنون بالبعث ولا بالحساب فكيف يخافون الحساب وهم لا يوقنون بالبعث بعد الموت؟!
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا كِذَّاباً﴾.
أي: جحدوا بها جحوداً.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَاباً﴾.
أي: وأحصينا كل شيء من أعمالهم وغير ذلك فكتبناه كتابا، [فـ ﴿كِتَاباً﴾] مصدر عمل فيه فعل مضمر.
وقيل: العامل فيه (احصينا) [لأنه] يعني: كتبنا.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿فَذُوقُواْ فَلَن نَّزِيدَكُمْ إِلاَّ عَذَاباً﴾.
أي: يقال لهم - إذا شربوا الحميم والغساق - ذوقوا العذاب الذي كنتم به تكذبون في الدنيا، فلن نزيدكم على العذاب الذي أنتم فيه إلا عذاباً زائداً.
قال عبد الله بن عمرو: لم ينزل على أهل النار آية أشد من هذه، فهم في مزيد أبداً.
وقد روي مثل ذلك عن النبي ﷺ.
وروي أنه لا يأتي على أهل الجنة ساعة إلا ويزدادون صنفاً من النعيم لم يكونوا يعرفونه، ولا يأتي على أهل النار ساعة إلا وهم مستنكرون لشيء من العذاب لم يكونوا يعرفونه.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازاً﴾.
أي: منجى من النار إلى الجنة ينجون به، وهي حدائق وأعناب.
وقال ابن عباس: ﴿مَفَازاً﴾، "متنزهاً". وقيل: المفاز: الظفر بما يحبه الإنسان. يقال: فاز فلان بكذا إذا ظفر به.
والحدائق: جمع حديقة، وهي البستان من النخيل والأعناب والأشجار التي قد حوط عليها الحيطان فأحدقت (بها)، فَلإِحْدَاقِ الحيطان بها سميت حديقة، ولو لم تكن الحيطان بها محدقة لم تسم حديقة.
قال ابن عباس: الحدائق: [الشجر] الملتف. وقال الضحاك: الحدائق التي عليها الحيطان.
* *
- وقوله: ﴿وَأَعْنَاباً﴾.
معناه: وكروم أعناب، ثم حذف.
* *
- وقوله: ﴿وَكَوَاعِبَ أَتْرَاباً﴾.
(أي): وحورا نواهد في سن واحدة. قاله ابن عباس وقتادة وغيرهما.
* *
- ثم قال: ﴿وَكَأْساً دِهَاقاً﴾.
مَلأَى من الخمر مترعة، وأصله من الدهق، وهو متابعة الضغط على الشيء بشدة وعنف. قال ابن عباس والحسن وقتادة ومجاهد: الدهاق: الملأى. وهو قول ابن زيد. وقال عكرمة: الدهاق: الصافية. وقال ابن جبير: هي "المتتابعة". وقد روي مثل ذلك أيضاً عن ابن عباس ومجاهد.
* *
- ثم قال: ﴿لاَّ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً وَلاَ كِذَّاباً﴾.
أي: باطلاً [من القول]. ﴿وَلاَ كِذَّاباً﴾، أي: ولا يكذب بعضهم بعضاً.
وقال قتادة: ﴿وَلاَ كِذَّاباً﴾، أي: مأثماً. و ﴿لَغْواً﴾: باطلاً.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿جَزَآءً مِّن رَّبِّكَ عَطَآءً حِسَاباً﴾.
أي: هذا لهم جزاء لأعمالهم في الدنيا، أعطاهم الله ذلك عطاءً كافياً.
يقال: أحسبني الشيء، أي: كفاني. وقيل: ﴿حِسَاباً﴾ بمعنى: محاسبة لهم بأعمالهم لله في الدنيا، يعطون على قدر أعمالهم.
وقال قتادة: ﴿عَطَآءً حِسَاباً﴾، أي: "عطاءً كثيراً، جزاهم الله بالعمل اليسير الخير الجسيم الذي لا انقطاع له".
النبأ 78:32
قوله تعالى: ﴿لِّنُخْرِجَ بِهِ حَبّاً وَنَبَاتاً﴾ إلى قوله: ﴿عَطَآءً حِسَاباً﴾.
أي: أنزلنا الماء لنخرج به من الأرض لكم حباً، يعني القمح والشعير وسائر القطنية، ﴿وَنَبَاتاً﴾ يعني ما ترعى البهائم.
* *
- ﴿وَجَنَّاتٍ أَلْفَافاً﴾.
أي: وثمر جنات ملتفة مجتمعة قال ابن عباس: "التف بعضها ببعض". وهو قول مجاهد وقتادة وغيرهما. وقال الأخفش وأبو عبيدة: واحد الألفاف لِفٌّ. وقيل: لَفِيفٌ وحكى الكسائي أنه جمع الجمع، وواحده "لَفَّاءُ" كحمراء، ثم جمعت لَفَّاءُ على (لِفّ [كحمر] ثم جمعت "لِفٌّ" على) ألفاف، [كخف] وأخفاف.
قال ابن مسعود: يرسل الله جل وعز الرياح فتأخذ الماء من السماء فتجريه في السحاب [فتذريه] كما تذر اللقحة.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ يَوْمَ ٱلْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتاً﴾.
أي: يوم يفصل الله فيه بين خلقه كان ميقاتاً لما أعد الله للمكذبين بالبعث ولنظرائهم من الخلق.
قال قتادة: هو يوم عظمه الله يفصل فيه بين الأولين والآخرين.
- ثم أبدل من ﴿يَوْمَ﴾ للبيان فقال:
* *
- ﴿يَوْمَ يُنفَخُ فِي ٱلصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجاً﴾.
أي: يوم الفصل بين الخلق يوم ينفخ إسرافيل في الصور فتأتون من قبوركم إلى المحشر ﴿أَفْوَاجاً﴾ [أي]: زُمَراً زُمَراً.
روي أن كل أمة تأتي مع رسولها [يوم القيامة]، وهو قوله: ﴿يَوْمَ نَدْعُواْ كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ﴾ [الإسراء: ٧١].
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَفُتِحَتِ ٱلسَّمَآءُ فَكَانَتْ أَبْوَاباً﴾.
[أي]: وشققت السماء وصدعت (فكانت) طرقاً.
وقيل: تصير قطعاً كقطع الخشب المشققة لأبواب الدور والمساكن.
والمعنى: وفتحت السماء فكانت قطعاً كالأبواب، (فلما سقطت الكاف صارت الأبواب) خبرا.
وكذلك قوله: ﴿وَسُيِّرَتِ ٱلْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَاباً﴾.
أي: صارت لا شيء، كما أن السراب لا شيء، وذلك أنها تنسف فَتُجْتَثُّ من أصولها فتصير هباء منبثاً لعين الناظر كالسراب الذي يظنه (الناظر) ماء وهو في الحقيقة ليس بماء، إنما هو هباء.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَاداً﴾.
أي: إن جهنم كانت ذات ارتقاب ترتقب من يجتاز بها وترصدهم، ولم يقل "مرصادة"، لأنه غير جار على الفعل. فالمعنى ترصد من عصى الله. وفي "مرصاد" معنى التكثير. ولذلك لم يقل: "راصدة"، ففي وصفها بما لم يجر على الفعل معنى التكثير، ولو قال [راصدة] لثبتت الهاء، لأنه جار على الفعل، ولم يكن فيه (معنى) تكثير، ففي "مرصاد" معنى النسب (كأنه قال: "ذات إرصاد"، وكل ما حمل على معنى النسب) من الأخبار والصفات ففيه معنى التكثير واللزوم، فالمعنى أنها مركاد لمن كان يكذب بها في الدنيا.
وكان الحسن يقول - إذا قرأ هذه الآية -: أَلاَ إن على النار المَرْصَد، فمن جاء بجواز جاز ومن لم يجئ احتبس.
وروي عنه أنه قال: لا يدخل أحد الجنة حتى يجتاز على النار.
وقال قتادة: [تعلمن] أنه لا سبيل إلى الجنة حتى تقطع النار.
وقال سفيان: على جهنم ثلاث قناطير.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿لِّلطَّاغِينَ مَآباً﴾.
أي: هي لمن طغى في الدنيا فتعدى حدود الله [مرجع] يرجعون إليها ويصيرون إليها.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿لاَّبِثِينَ فِيهَآ أَحْقَاباً﴾.
قال قتادة: لابثين في جهنم أحقاباً (لا انقطاع لها.
وقيل: معناه: ﴿لاَّبِثِينَ فِيهَآ أَحْقَاباً) * لاَّ يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْداً وَلاَ شَرَاباً﴾، ثم بعد ذلك يعذبون بغير هذا العذاب مما شاء الله، كما قال: ﴿وَآخَرُ مِن شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ﴾ [ص: ٥٨].
وقيل: الضمير في ﴿فِيهَا﴾ يعود على الأرض، لأنه قد تقدم ذكرها، والضمير في ﴿يَذُوقُونَ فِيهَا﴾ لجهنم لتقدم ذكرها.
فعلى [القول] الأول، يكون ﴿لاَّ يَذُوقُونَ﴾ حالاً من ﴿لِّلطَّاغِينَ﴾ أو لـ ﴿جَهَنَّمَ﴾ أو نعتاً للأحقاب.
وعلى هذا القول الآخر، يكون ﴿لاَّ يَذُوقُونَ﴾ حالاً من ﴿جَهَنَّمَ﴾ أو من الطاغين.
وروى أبو أمامة أن النبي ﷺ قال: "الحقب الواحد ثلاثون ألف سنة
وهو جمع الجمع، واحده: حقبة، جمعت على حقب، وجمعت حقب على أحقاب.
ويجوز أن يكون أحقاب جمع حُقْب والحُقْبُ ثلاثمائة سنة، كل سنة ثلاثمائة وستون يوماً، كل يوم ألف سنة من سنين الدنيا. قاله [بشير] بن كعب.
وقال علي بن أبي طالب: الحقب: ثمانون سنة، كل سنة اثنا عشر شهراً، كل شهر ثلاثون يوماً، كل يوم ألف سنة من سنين الدنيا، وهو قول ابن جبير، وقاله الربيع بن أنس.
[وقال] أبو هريرة: الحقب ستون سنة، كل سنة ثلاثمائة وستون يوماً، كل يوم ألف سنة من سنين الدنيا.
وقال قتادة: "الحقب ثمانون سنة من سنيّ الآخرة". وقال: هي أحقاب لا انقطاع لها، كلما مضى حقب جاء حقب بعده.
وقال الحسن: أما الأحقاب، فليس لها عدة إلا الخلود في النار، ولكن ذكر أن الحقب سبعون سنة، كل يوم منها كألف سنة مما نعده.
وقال خالد بن مَعَدَّان: هي في أهل التوحيد من أهل القبلة مثل قوله ﴿إِلاَّ مَا شَآءَ رَبُّكَ﴾ [هود: ١٠٨]، وهذا التأويل يرده قوله بعد ذلك.
* *
﴿إِنَّهُمْ كَانُواْ لاَ يَرْجُونَ حِسَاباً * وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا كِذَّاباً﴾.
وليس هذه صفة الموحدين.
وقد روي عن مقاتل أنه قال: إنها منسوخة، نسختها قوله: ﴿فَلَن نَّزِيدَكُمْ (إِلاَّ) عَذَاباً﴾.
وهذا لا يكون فيه نسخ، لأنه خبر، والأخبار لا تنسخ.
والحقب عند أهل اللغة مبهم كالحين والزمان. والبرد: النوم.
وقيل [الهدوء]. وقيل: برد [الشراب] المستلذ. قال ابن عباس: هو برد الشراب وقيل: البرد: الراحة.
* *
- ثم قال: ﴿إِلاَّ حَمِيماً وَغَسَّاقاً﴾.
قال الربيع: "استثنى من الشراب الحميم، ومن البرد الغساق".
[والحميم الذي قد انتهى [حره] كالمهل [يشوي] الوجوه.
وقال ابن زيد: الحميم: دموع أعينهم، يجمع في حياض ثم يسقونه. والغساق]: الصديد الذي يخرج من جلودهم مما تصهرهم النار، يجمع في حياض النار فيُسْقَوْنَهُ.
وأصل الحميم الماء الحار، ومنه اشتق الحَمَّامُ، ومنه الحُمَّى، ومنه [اليَحْمُومُ].
قال قتادة: الغساق ما يسيل [من] جلده ولحمه.
وقال سفيان: هو ما يسيل من دموعهم.
وقال النخعي: هو "ما يسيل من صديدهم من البرد".
وعن ابن عباس أن الغساق: "الزمهرير".
وقال مجاهد: "الغساق: الذي لا يستطيعون أن يذوقوه (من برده).
وقال عبد الله بن [بريدة]: "هو المُنْتِنُ".
وروى الخدري عن النبي ﷺ أنه قال: "لَوْ أَنَّ دَلْواً مِن غَسَّاقٍ يُهْرَاقُ فِي الدُّنْيَا لأَنْتَنَ أَهْلُ الدُّنْيَا
وقال عبد الله بن [عمرو]: "أتدرون أي شيء الغساق؟ قالوا: الله أعلم، قال: هو القيح الغليظ، لو أن قطرة منه تهراق بالمغرب لأنتنت أهل [المشرق]. ولو تهرق [بالمشرق] لأنتنت أهل المغرب".
* *
- وقوله: ﴿جَزَآءً وِفَاقاً﴾.
أي: هذا العذاب الذي وصف جزاء للكفار على أفعالهم في الدنيا وافق أعمالهم وفاقاً، قاله ابن عباس. قال قتادة: "وافق الجزاء أعمال القوم...". وقال الربيع: "ثواباً وافق أعمالهم". قال ابن زيد: "عملوا شراً فجوزوا شراً، [وعملوا] حسناً فجوزوا حسناً".
* *
- ثم قال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُواْ لاَ يَرْجُونَ حِسَاباً﴾.
أي: لا يخافون محاسبة الله (لهم على أعمالهم في الآخرة.
قال قتادة: كانوا في الدنيا لا يخافون محاسبة).
وقال ابن زيد: كانوا لا يؤمنون بالبعث ولا بالحساب فكيف يخافون الحساب وهم لا يوقنون بالبعث بعد الموت؟!
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا كِذَّاباً﴾.
أي: جحدوا بها جحوداً.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَاباً﴾.
أي: وأحصينا كل شيء من أعمالهم وغير ذلك فكتبناه كتابا، [فـ ﴿كِتَاباً﴾] مصدر عمل فيه فعل مضمر.
وقيل: العامل فيه (احصينا) [لأنه] يعني: كتبنا.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿فَذُوقُواْ فَلَن نَّزِيدَكُمْ إِلاَّ عَذَاباً﴾.
أي: يقال لهم - إذا شربوا الحميم والغساق - ذوقوا العذاب الذي كنتم به تكذبون في الدنيا، فلن نزيدكم على العذاب الذي أنتم فيه إلا عذاباً زائداً.
قال عبد الله بن عمرو: لم ينزل على أهل النار آية أشد من هذه، فهم في مزيد أبداً.
وقد روي مثل ذلك عن النبي ﷺ.
وروي أنه لا يأتي على أهل الجنة ساعة إلا ويزدادون صنفاً من النعيم لم يكونوا يعرفونه، ولا يأتي على أهل النار ساعة إلا وهم مستنكرون لشيء من العذاب لم يكونوا يعرفونه.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازاً﴾.
أي: منجى من النار إلى الجنة ينجون به، وهي حدائق وأعناب.
وقال ابن عباس: ﴿مَفَازاً﴾، "متنزهاً". وقيل: المفاز: الظفر بما يحبه الإنسان. يقال: فاز فلان بكذا إذا ظفر به.
والحدائق: جمع حديقة، وهي البستان من النخيل والأعناب والأشجار التي قد حوط عليها الحيطان فأحدقت (بها)، فَلإِحْدَاقِ الحيطان بها سميت حديقة، ولو لم تكن الحيطان بها محدقة لم تسم حديقة.
قال ابن عباس: الحدائق: [الشجر] الملتف. وقال الضحاك: الحدائق التي عليها الحيطان.
* *
- وقوله: ﴿وَأَعْنَاباً﴾.
معناه: وكروم أعناب، ثم حذف.
* *
- وقوله: ﴿وَكَوَاعِبَ أَتْرَاباً﴾.
(أي): وحورا نواهد في سن واحدة. قاله ابن عباس وقتادة وغيرهما.
* *
- ثم قال: ﴿وَكَأْساً دِهَاقاً﴾.
مَلأَى من الخمر مترعة، وأصله من الدهق، وهو متابعة الضغط على الشيء بشدة وعنف. قال ابن عباس والحسن وقتادة ومجاهد: الدهاق: الملأى. وهو قول ابن زيد. وقال عكرمة: الدهاق: الصافية. وقال ابن جبير: هي "المتتابعة". وقد روي مثل ذلك أيضاً عن ابن عباس ومجاهد.
* *
- ثم قال: ﴿لاَّ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً وَلاَ كِذَّاباً﴾.
أي: باطلاً [من القول]. ﴿وَلاَ كِذَّاباً﴾، أي: ولا يكذب بعضهم بعضاً.
وقال قتادة: ﴿وَلاَ كِذَّاباً﴾، أي: مأثماً. و ﴿لَغْواً﴾: باطلاً.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿جَزَآءً مِّن رَّبِّكَ عَطَآءً حِسَاباً﴾.
أي: هذا لهم جزاء لأعمالهم في الدنيا، أعطاهم الله ذلك عطاءً كافياً.
يقال: أحسبني الشيء، أي: كفاني. وقيل: ﴿حِسَاباً﴾ بمعنى: محاسبة لهم بأعمالهم لله في الدنيا، يعطون على قدر أعمالهم.
وقال قتادة: ﴿عَطَآءً حِسَاباً﴾، أي: "عطاءً كثيراً، جزاهم الله بالعمل اليسير الخير الجسيم الذي لا انقطاع له".
النبأ 78:33
قوله تعالى: ﴿لِّنُخْرِجَ بِهِ حَبّاً وَنَبَاتاً﴾ إلى قوله: ﴿عَطَآءً حِسَاباً﴾.
أي: أنزلنا الماء لنخرج به من الأرض لكم حباً، يعني القمح والشعير وسائر القطنية، ﴿وَنَبَاتاً﴾ يعني ما ترعى البهائم.
* *
- ﴿وَجَنَّاتٍ أَلْفَافاً﴾.
أي: وثمر جنات ملتفة مجتمعة قال ابن عباس: "التف بعضها ببعض". وهو قول مجاهد وقتادة وغيرهما. وقال الأخفش وأبو عبيدة: واحد الألفاف لِفٌّ. وقيل: لَفِيفٌ وحكى الكسائي أنه جمع الجمع، وواحده "لَفَّاءُ" كحمراء، ثم جمعت لَفَّاءُ على (لِفّ [كحمر] ثم جمعت "لِفٌّ" على) ألفاف، [كخف] وأخفاف.
قال ابن مسعود: يرسل الله جل وعز الرياح فتأخذ الماء من السماء فتجريه في السحاب [فتذريه] كما تذر اللقحة.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ يَوْمَ ٱلْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتاً﴾.
أي: يوم يفصل الله فيه بين خلقه كان ميقاتاً لما أعد الله للمكذبين بالبعث ولنظرائهم من الخلق.
قال قتادة: هو يوم عظمه الله يفصل فيه بين الأولين والآخرين.
- ثم أبدل من ﴿يَوْمَ﴾ للبيان فقال:
* *
- ﴿يَوْمَ يُنفَخُ فِي ٱلصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجاً﴾.
أي: يوم الفصل بين الخلق يوم ينفخ إسرافيل في الصور فتأتون من قبوركم إلى المحشر ﴿أَفْوَاجاً﴾ [أي]: زُمَراً زُمَراً.
روي أن كل أمة تأتي مع رسولها [يوم القيامة]، وهو قوله: ﴿يَوْمَ نَدْعُواْ كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ﴾ [الإسراء: ٧١].
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَفُتِحَتِ ٱلسَّمَآءُ فَكَانَتْ أَبْوَاباً﴾.
[أي]: وشققت السماء وصدعت (فكانت) طرقاً.
وقيل: تصير قطعاً كقطع الخشب المشققة لأبواب الدور والمساكن.
والمعنى: وفتحت السماء فكانت قطعاً كالأبواب، (فلما سقطت الكاف صارت الأبواب) خبرا.
وكذلك قوله: ﴿وَسُيِّرَتِ ٱلْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَاباً﴾.
أي: صارت لا شيء، كما أن السراب لا شيء، وذلك أنها تنسف فَتُجْتَثُّ من أصولها فتصير هباء منبثاً لعين الناظر كالسراب الذي يظنه (الناظر) ماء وهو في الحقيقة ليس بماء، إنما هو هباء.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَاداً﴾.
أي: إن جهنم كانت ذات ارتقاب ترتقب من يجتاز بها وترصدهم، ولم يقل "مرصادة"، لأنه غير جار على الفعل. فالمعنى ترصد من عصى الله. وفي "مرصاد" معنى التكثير. ولذلك لم يقل: "راصدة"، ففي وصفها بما لم يجر على الفعل معنى التكثير، ولو قال [راصدة] لثبتت الهاء، لأنه جار على الفعل، ولم يكن فيه (معنى) تكثير، ففي "مرصاد" معنى النسب (كأنه قال: "ذات إرصاد"، وكل ما حمل على معنى النسب) من الأخبار والصفات ففيه معنى التكثير واللزوم، فالمعنى أنها مركاد لمن كان يكذب بها في الدنيا.
وكان الحسن يقول - إذا قرأ هذه الآية -: أَلاَ إن على النار المَرْصَد، فمن جاء بجواز جاز ومن لم يجئ احتبس.
وروي عنه أنه قال: لا يدخل أحد الجنة حتى يجتاز على النار.
وقال قتادة: [تعلمن] أنه لا سبيل إلى الجنة حتى تقطع النار.
وقال سفيان: على جهنم ثلاث قناطير.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿لِّلطَّاغِينَ مَآباً﴾.
أي: هي لمن طغى في الدنيا فتعدى حدود الله [مرجع] يرجعون إليها ويصيرون إليها.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿لاَّبِثِينَ فِيهَآ أَحْقَاباً﴾.
قال قتادة: لابثين في جهنم أحقاباً (لا انقطاع لها.
وقيل: معناه: ﴿لاَّبِثِينَ فِيهَآ أَحْقَاباً) * لاَّ يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْداً وَلاَ شَرَاباً﴾، ثم بعد ذلك يعذبون بغير هذا العذاب مما شاء الله، كما قال: ﴿وَآخَرُ مِن شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ﴾ [ص: ٥٨].
وقيل: الضمير في ﴿فِيهَا﴾ يعود على الأرض، لأنه قد تقدم ذكرها، والضمير في ﴿يَذُوقُونَ فِيهَا﴾ لجهنم لتقدم ذكرها.
فعلى [القول] الأول، يكون ﴿لاَّ يَذُوقُونَ﴾ حالاً من ﴿لِّلطَّاغِينَ﴾ أو لـ ﴿جَهَنَّمَ﴾ أو نعتاً للأحقاب.
وعلى هذا القول الآخر، يكون ﴿لاَّ يَذُوقُونَ﴾ حالاً من ﴿جَهَنَّمَ﴾ أو من الطاغين.
وروى أبو أمامة أن النبي ﷺ قال: "الحقب الواحد ثلاثون ألف سنة
وهو جمع الجمع، واحده: حقبة، جمعت على حقب، وجمعت حقب على أحقاب.
ويجوز أن يكون أحقاب جمع حُقْب والحُقْبُ ثلاثمائة سنة، كل سنة ثلاثمائة وستون يوماً، كل يوم ألف سنة من سنين الدنيا. قاله [بشير] بن كعب.
وقال علي بن أبي طالب: الحقب: ثمانون سنة، كل سنة اثنا عشر شهراً، كل شهر ثلاثون يوماً، كل يوم ألف سنة من سنين الدنيا، وهو قول ابن جبير، وقاله الربيع بن أنس.
[وقال] أبو هريرة: الحقب ستون سنة، كل سنة ثلاثمائة وستون يوماً، كل يوم ألف سنة من سنين الدنيا.
وقال قتادة: "الحقب ثمانون سنة من سنيّ الآخرة". وقال: هي أحقاب لا انقطاع لها، كلما مضى حقب جاء حقب بعده.
وقال الحسن: أما الأحقاب، فليس لها عدة إلا الخلود في النار، ولكن ذكر أن الحقب سبعون سنة، كل يوم منها كألف سنة مما نعده.
وقال خالد بن مَعَدَّان: هي في أهل التوحيد من أهل القبلة مثل قوله ﴿إِلاَّ مَا شَآءَ رَبُّكَ﴾ [هود: ١٠٨]، وهذا التأويل يرده قوله بعد ذلك.
* *
﴿إِنَّهُمْ كَانُواْ لاَ يَرْجُونَ حِسَاباً * وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا كِذَّاباً﴾.
وليس هذه صفة الموحدين.
وقد روي عن مقاتل أنه قال: إنها منسوخة، نسختها قوله: ﴿فَلَن نَّزِيدَكُمْ (إِلاَّ) عَذَاباً﴾.
وهذا لا يكون فيه نسخ، لأنه خبر، والأخبار لا تنسخ.
والحقب عند أهل اللغة مبهم كالحين والزمان. والبرد: النوم.
وقيل [الهدوء]. وقيل: برد [الشراب] المستلذ. قال ابن عباس: هو برد الشراب وقيل: البرد: الراحة.
* *
- ثم قال: ﴿إِلاَّ حَمِيماً وَغَسَّاقاً﴾.
قال الربيع: "استثنى من الشراب الحميم، ومن البرد الغساق".
[والحميم الذي قد انتهى [حره] كالمهل [يشوي] الوجوه.
وقال ابن زيد: الحميم: دموع أعينهم، يجمع في حياض ثم يسقونه. والغساق]: الصديد الذي يخرج من جلودهم مما تصهرهم النار، يجمع في حياض النار فيُسْقَوْنَهُ.
وأصل الحميم الماء الحار، ومنه اشتق الحَمَّامُ، ومنه الحُمَّى، ومنه [اليَحْمُومُ].
قال قتادة: الغساق ما يسيل [من] جلده ولحمه.
وقال سفيان: هو ما يسيل من دموعهم.
وقال النخعي: هو "ما يسيل من صديدهم من البرد".
وعن ابن عباس أن الغساق: "الزمهرير".
وقال مجاهد: "الغساق: الذي لا يستطيعون أن يذوقوه (من برده).
وقال عبد الله بن [بريدة]: "هو المُنْتِنُ".
وروى الخدري عن النبي ﷺ أنه قال: "لَوْ أَنَّ دَلْواً مِن غَسَّاقٍ يُهْرَاقُ فِي الدُّنْيَا لأَنْتَنَ أَهْلُ الدُّنْيَا
وقال عبد الله بن [عمرو]: "أتدرون أي شيء الغساق؟ قالوا: الله أعلم، قال: هو القيح الغليظ، لو أن قطرة منه تهراق بالمغرب لأنتنت أهل [المشرق]. ولو تهرق [بالمشرق] لأنتنت أهل المغرب".
* *
- وقوله: ﴿جَزَآءً وِفَاقاً﴾.
أي: هذا العذاب الذي وصف جزاء للكفار على أفعالهم في الدنيا وافق أعمالهم وفاقاً، قاله ابن عباس. قال قتادة: "وافق الجزاء أعمال القوم...". وقال الربيع: "ثواباً وافق أعمالهم". قال ابن زيد: "عملوا شراً فجوزوا شراً، [وعملوا] حسناً فجوزوا حسناً".
* *
- ثم قال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُواْ لاَ يَرْجُونَ حِسَاباً﴾.
أي: لا يخافون محاسبة الله (لهم على أعمالهم في الآخرة.
قال قتادة: كانوا في الدنيا لا يخافون محاسبة).
وقال ابن زيد: كانوا لا يؤمنون بالبعث ولا بالحساب فكيف يخافون الحساب وهم لا يوقنون بالبعث بعد الموت؟!
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا كِذَّاباً﴾.
أي: جحدوا بها جحوداً.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَاباً﴾.
أي: وأحصينا كل شيء من أعمالهم وغير ذلك فكتبناه كتابا، [فـ ﴿كِتَاباً﴾] مصدر عمل فيه فعل مضمر.
وقيل: العامل فيه (احصينا) [لأنه] يعني: كتبنا.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿فَذُوقُواْ فَلَن نَّزِيدَكُمْ إِلاَّ عَذَاباً﴾.
أي: يقال لهم - إذا شربوا الحميم والغساق - ذوقوا العذاب الذي كنتم به تكذبون في الدنيا، فلن نزيدكم على العذاب الذي أنتم فيه إلا عذاباً زائداً.
قال عبد الله بن عمرو: لم ينزل على أهل النار آية أشد من هذه، فهم في مزيد أبداً.
وقد روي مثل ذلك عن النبي ﷺ.
وروي أنه لا يأتي على أهل الجنة ساعة إلا ويزدادون صنفاً من النعيم لم يكونوا يعرفونه، ولا يأتي على أهل النار ساعة إلا وهم مستنكرون لشيء من العذاب لم يكونوا يعرفونه.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازاً﴾.
أي: منجى من النار إلى الجنة ينجون به، وهي حدائق وأعناب.
وقال ابن عباس: ﴿مَفَازاً﴾، "متنزهاً". وقيل: المفاز: الظفر بما يحبه الإنسان. يقال: فاز فلان بكذا إذا ظفر به.
والحدائق: جمع حديقة، وهي البستان من النخيل والأعناب والأشجار التي قد حوط عليها الحيطان فأحدقت (بها)، فَلإِحْدَاقِ الحيطان بها سميت حديقة، ولو لم تكن الحيطان بها محدقة لم تسم حديقة.
قال ابن عباس: الحدائق: [الشجر] الملتف. وقال الضحاك: الحدائق التي عليها الحيطان.
* *
- وقوله: ﴿وَأَعْنَاباً﴾.
معناه: وكروم أعناب، ثم حذف.
* *
- وقوله: ﴿وَكَوَاعِبَ أَتْرَاباً﴾.
(أي): وحورا نواهد في سن واحدة. قاله ابن عباس وقتادة وغيرهما.
* *
- ثم قال: ﴿وَكَأْساً دِهَاقاً﴾.
مَلأَى من الخمر مترعة، وأصله من الدهق، وهو متابعة الضغط على الشيء بشدة وعنف. قال ابن عباس والحسن وقتادة ومجاهد: الدهاق: الملأى. وهو قول ابن زيد. وقال عكرمة: الدهاق: الصافية. وقال ابن جبير: هي "المتتابعة". وقد روي مثل ذلك أيضاً عن ابن عباس ومجاهد.
* *
- ثم قال: ﴿لاَّ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً وَلاَ كِذَّاباً﴾.
أي: باطلاً [من القول]. ﴿وَلاَ كِذَّاباً﴾، أي: ولا يكذب بعضهم بعضاً.
وقال قتادة: ﴿وَلاَ كِذَّاباً﴾، أي: مأثماً. و ﴿لَغْواً﴾: باطلاً.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿جَزَآءً مِّن رَّبِّكَ عَطَآءً حِسَاباً﴾.
أي: هذا لهم جزاء لأعمالهم في الدنيا، أعطاهم الله ذلك عطاءً كافياً.
يقال: أحسبني الشيء، أي: كفاني. وقيل: ﴿حِسَاباً﴾ بمعنى: محاسبة لهم بأعمالهم لله في الدنيا، يعطون على قدر أعمالهم.
وقال قتادة: ﴿عَطَآءً حِسَاباً﴾، أي: "عطاءً كثيراً، جزاهم الله بالعمل اليسير الخير الجسيم الذي لا انقطاع له".
النبأ 78:34
قوله تعالى: ﴿لِّنُخْرِجَ بِهِ حَبّاً وَنَبَاتاً﴾ إلى قوله: ﴿عَطَآءً حِسَاباً﴾.
أي: أنزلنا الماء لنخرج به من الأرض لكم حباً، يعني القمح والشعير وسائر القطنية، ﴿وَنَبَاتاً﴾ يعني ما ترعى البهائم.
* *
- ﴿وَجَنَّاتٍ أَلْفَافاً﴾.
أي: وثمر جنات ملتفة مجتمعة قال ابن عباس: "التف بعضها ببعض". وهو قول مجاهد وقتادة وغيرهما. وقال الأخفش وأبو عبيدة: واحد الألفاف لِفٌّ. وقيل: لَفِيفٌ وحكى الكسائي أنه جمع الجمع، وواحده "لَفَّاءُ" كحمراء، ثم جمعت لَفَّاءُ على (لِفّ [كحمر] ثم جمعت "لِفٌّ" على) ألفاف، [كخف] وأخفاف.
قال ابن مسعود: يرسل الله جل وعز الرياح فتأخذ الماء من السماء فتجريه في السحاب [فتذريه] كما تذر اللقحة.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ يَوْمَ ٱلْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتاً﴾.
أي: يوم يفصل الله فيه بين خلقه كان ميقاتاً لما أعد الله للمكذبين بالبعث ولنظرائهم من الخلق.
قال قتادة: هو يوم عظمه الله يفصل فيه بين الأولين والآخرين.
- ثم أبدل من ﴿يَوْمَ﴾ للبيان فقال:
* *
- ﴿يَوْمَ يُنفَخُ فِي ٱلصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجاً﴾.
أي: يوم الفصل بين الخلق يوم ينفخ إسرافيل في الصور فتأتون من قبوركم إلى المحشر ﴿أَفْوَاجاً﴾ [أي]: زُمَراً زُمَراً.
روي أن كل أمة تأتي مع رسولها [يوم القيامة]، وهو قوله: ﴿يَوْمَ نَدْعُواْ كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ﴾ [الإسراء: ٧١].
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَفُتِحَتِ ٱلسَّمَآءُ فَكَانَتْ أَبْوَاباً﴾.
[أي]: وشققت السماء وصدعت (فكانت) طرقاً.
وقيل: تصير قطعاً كقطع الخشب المشققة لأبواب الدور والمساكن.
والمعنى: وفتحت السماء فكانت قطعاً كالأبواب، (فلما سقطت الكاف صارت الأبواب) خبرا.
وكذلك قوله: ﴿وَسُيِّرَتِ ٱلْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَاباً﴾.
أي: صارت لا شيء، كما أن السراب لا شيء، وذلك أنها تنسف فَتُجْتَثُّ من أصولها فتصير هباء منبثاً لعين الناظر كالسراب الذي يظنه (الناظر) ماء وهو في الحقيقة ليس بماء، إنما هو هباء.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَاداً﴾.
أي: إن جهنم كانت ذات ارتقاب ترتقب من يجتاز بها وترصدهم، ولم يقل "مرصادة"، لأنه غير جار على الفعل. فالمعنى ترصد من عصى الله. وفي "مرصاد" معنى التكثير. ولذلك لم يقل: "راصدة"، ففي وصفها بما لم يجر على الفعل معنى التكثير، ولو قال [راصدة] لثبتت الهاء، لأنه جار على الفعل، ولم يكن فيه (معنى) تكثير، ففي "مرصاد" معنى النسب (كأنه قال: "ذات إرصاد"، وكل ما حمل على معنى النسب) من الأخبار والصفات ففيه معنى التكثير واللزوم، فالمعنى أنها مركاد لمن كان يكذب بها في الدنيا.
وكان الحسن يقول - إذا قرأ هذه الآية -: أَلاَ إن على النار المَرْصَد، فمن جاء بجواز جاز ومن لم يجئ احتبس.
وروي عنه أنه قال: لا يدخل أحد الجنة حتى يجتاز على النار.
وقال قتادة: [تعلمن] أنه لا سبيل إلى الجنة حتى تقطع النار.
وقال سفيان: على جهنم ثلاث قناطير.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿لِّلطَّاغِينَ مَآباً﴾.
أي: هي لمن طغى في الدنيا فتعدى حدود الله [مرجع] يرجعون إليها ويصيرون إليها.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿لاَّبِثِينَ فِيهَآ أَحْقَاباً﴾.
قال قتادة: لابثين في جهنم أحقاباً (لا انقطاع لها.
وقيل: معناه: ﴿لاَّبِثِينَ فِيهَآ أَحْقَاباً) * لاَّ يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْداً وَلاَ شَرَاباً﴾، ثم بعد ذلك يعذبون بغير هذا العذاب مما شاء الله، كما قال: ﴿وَآخَرُ مِن شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ﴾ [ص: ٥٨].
وقيل: الضمير في ﴿فِيهَا﴾ يعود على الأرض، لأنه قد تقدم ذكرها، والضمير في ﴿يَذُوقُونَ فِيهَا﴾ لجهنم لتقدم ذكرها.
فعلى [القول] الأول، يكون ﴿لاَّ يَذُوقُونَ﴾ حالاً من ﴿لِّلطَّاغِينَ﴾ أو لـ ﴿جَهَنَّمَ﴾ أو نعتاً للأحقاب.
وعلى هذا القول الآخر، يكون ﴿لاَّ يَذُوقُونَ﴾ حالاً من ﴿جَهَنَّمَ﴾ أو من الطاغين.
وروى أبو أمامة أن النبي ﷺ قال: "الحقب الواحد ثلاثون ألف سنة
وهو جمع الجمع، واحده: حقبة، جمعت على حقب، وجمعت حقب على أحقاب.
ويجوز أن يكون أحقاب جمع حُقْب والحُقْبُ ثلاثمائة سنة، كل سنة ثلاثمائة وستون يوماً، كل يوم ألف سنة من سنين الدنيا. قاله [بشير] بن كعب.
وقال علي بن أبي طالب: الحقب: ثمانون سنة، كل سنة اثنا عشر شهراً، كل شهر ثلاثون يوماً، كل يوم ألف سنة من سنين الدنيا، وهو قول ابن جبير، وقاله الربيع بن أنس.
[وقال] أبو هريرة: الحقب ستون سنة، كل سنة ثلاثمائة وستون يوماً، كل يوم ألف سنة من سنين الدنيا.
وقال قتادة: "الحقب ثمانون سنة من سنيّ الآخرة". وقال: هي أحقاب لا انقطاع لها، كلما مضى حقب جاء حقب بعده.
وقال الحسن: أما الأحقاب، فليس لها عدة إلا الخلود في النار، ولكن ذكر أن الحقب سبعون سنة، كل يوم منها كألف سنة مما نعده.
وقال خالد بن مَعَدَّان: هي في أهل التوحيد من أهل القبلة مثل قوله ﴿إِلاَّ مَا شَآءَ رَبُّكَ﴾ [هود: ١٠٨]، وهذا التأويل يرده قوله بعد ذلك.
* *
﴿إِنَّهُمْ كَانُواْ لاَ يَرْجُونَ حِسَاباً * وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا كِذَّاباً﴾.
وليس هذه صفة الموحدين.
وقد روي عن مقاتل أنه قال: إنها منسوخة، نسختها قوله: ﴿فَلَن نَّزِيدَكُمْ (إِلاَّ) عَذَاباً﴾.
وهذا لا يكون فيه نسخ، لأنه خبر، والأخبار لا تنسخ.
والحقب عند أهل اللغة مبهم كالحين والزمان. والبرد: النوم.
وقيل [الهدوء]. وقيل: برد [الشراب] المستلذ. قال ابن عباس: هو برد الشراب وقيل: البرد: الراحة.
* *
- ثم قال: ﴿إِلاَّ حَمِيماً وَغَسَّاقاً﴾.
قال الربيع: "استثنى من الشراب الحميم، ومن البرد الغساق".
[والحميم الذي قد انتهى [حره] كالمهل [يشوي] الوجوه.
وقال ابن زيد: الحميم: دموع أعينهم، يجمع في حياض ثم يسقونه. والغساق]: الصديد الذي يخرج من جلودهم مما تصهرهم النار، يجمع في حياض النار فيُسْقَوْنَهُ.
وأصل الحميم الماء الحار، ومنه اشتق الحَمَّامُ، ومنه الحُمَّى، ومنه [اليَحْمُومُ].
قال قتادة: الغساق ما يسيل [من] جلده ولحمه.
وقال سفيان: هو ما يسيل من دموعهم.
وقال النخعي: هو "ما يسيل من صديدهم من البرد".
وعن ابن عباس أن الغساق: "الزمهرير".
وقال مجاهد: "الغساق: الذي لا يستطيعون أن يذوقوه (من برده).
وقال عبد الله بن [بريدة]: "هو المُنْتِنُ".
وروى الخدري عن النبي ﷺ أنه قال: "لَوْ أَنَّ دَلْواً مِن غَسَّاقٍ يُهْرَاقُ فِي الدُّنْيَا لأَنْتَنَ أَهْلُ الدُّنْيَا
وقال عبد الله بن [عمرو]: "أتدرون أي شيء الغساق؟ قالوا: الله أعلم، قال: هو القيح الغليظ، لو أن قطرة منه تهراق بالمغرب لأنتنت أهل [المشرق]. ولو تهرق [بالمشرق] لأنتنت أهل المغرب".
* *
- وقوله: ﴿جَزَآءً وِفَاقاً﴾.
أي: هذا العذاب الذي وصف جزاء للكفار على أفعالهم في الدنيا وافق أعمالهم وفاقاً، قاله ابن عباس. قال قتادة: "وافق الجزاء أعمال القوم...". وقال الربيع: "ثواباً وافق أعمالهم". قال ابن زيد: "عملوا شراً فجوزوا شراً، [وعملوا] حسناً فجوزوا حسناً".
* *
- ثم قال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُواْ لاَ يَرْجُونَ حِسَاباً﴾.
أي: لا يخافون محاسبة الله (لهم على أعمالهم في الآخرة.
قال قتادة: كانوا في الدنيا لا يخافون محاسبة).
وقال ابن زيد: كانوا لا يؤمنون بالبعث ولا بالحساب فكيف يخافون الحساب وهم لا يوقنون بالبعث بعد الموت؟!
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا كِذَّاباً﴾.
أي: جحدوا بها جحوداً.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَاباً﴾.
أي: وأحصينا كل شيء من أعمالهم وغير ذلك فكتبناه كتابا، [فـ ﴿كِتَاباً﴾] مصدر عمل فيه فعل مضمر.
وقيل: العامل فيه (احصينا) [لأنه] يعني: كتبنا.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿فَذُوقُواْ فَلَن نَّزِيدَكُمْ إِلاَّ عَذَاباً﴾.
أي: يقال لهم - إذا شربوا الحميم والغساق - ذوقوا العذاب الذي كنتم به تكذبون في الدنيا، فلن نزيدكم على العذاب الذي أنتم فيه إلا عذاباً زائداً.
قال عبد الله بن عمرو: لم ينزل على أهل النار آية أشد من هذه، فهم في مزيد أبداً.
وقد روي مثل ذلك عن النبي ﷺ.
وروي أنه لا يأتي على أهل الجنة ساعة إلا ويزدادون صنفاً من النعيم لم يكونوا يعرفونه، ولا يأتي على أهل النار ساعة إلا وهم مستنكرون لشيء من العذاب لم يكونوا يعرفونه.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازاً﴾.
أي: منجى من النار إلى الجنة ينجون به، وهي حدائق وأعناب.
وقال ابن عباس: ﴿مَفَازاً﴾، "متنزهاً". وقيل: المفاز: الظفر بما يحبه الإنسان. يقال: فاز فلان بكذا إذا ظفر به.
والحدائق: جمع حديقة، وهي البستان من النخيل والأعناب والأشجار التي قد حوط عليها الحيطان فأحدقت (بها)، فَلإِحْدَاقِ الحيطان بها سميت حديقة، ولو لم تكن الحيطان بها محدقة لم تسم حديقة.
قال ابن عباس: الحدائق: [الشجر] الملتف. وقال الضحاك: الحدائق التي عليها الحيطان.
* *
- وقوله: ﴿وَأَعْنَاباً﴾.
معناه: وكروم أعناب، ثم حذف.
* *
- وقوله: ﴿وَكَوَاعِبَ أَتْرَاباً﴾.
(أي): وحورا نواهد في سن واحدة. قاله ابن عباس وقتادة وغيرهما.
* *
- ثم قال: ﴿وَكَأْساً دِهَاقاً﴾.
مَلأَى من الخمر مترعة، وأصله من الدهق، وهو متابعة الضغط على الشيء بشدة وعنف. قال ابن عباس والحسن وقتادة ومجاهد: الدهاق: الملأى. وهو قول ابن زيد. وقال عكرمة: الدهاق: الصافية. وقال ابن جبير: هي "المتتابعة". وقد روي مثل ذلك أيضاً عن ابن عباس ومجاهد.
* *
- ثم قال: ﴿لاَّ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً وَلاَ كِذَّاباً﴾.
أي: باطلاً [من القول]. ﴿وَلاَ كِذَّاباً﴾، أي: ولا يكذب بعضهم بعضاً.
وقال قتادة: ﴿وَلاَ كِذَّاباً﴾، أي: مأثماً. و ﴿لَغْواً﴾: باطلاً.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿جَزَآءً مِّن رَّبِّكَ عَطَآءً حِسَاباً﴾.
أي: هذا لهم جزاء لأعمالهم في الدنيا، أعطاهم الله ذلك عطاءً كافياً.
يقال: أحسبني الشيء، أي: كفاني. وقيل: ﴿حِسَاباً﴾ بمعنى: محاسبة لهم بأعمالهم لله في الدنيا، يعطون على قدر أعمالهم.
وقال قتادة: ﴿عَطَآءً حِسَاباً﴾، أي: "عطاءً كثيراً، جزاهم الله بالعمل اليسير الخير الجسيم الذي لا انقطاع له".
النبأ 78:35
قوله تعالى: ﴿لِّنُخْرِجَ بِهِ حَبّاً وَنَبَاتاً﴾ إلى قوله: ﴿عَطَآءً حِسَاباً﴾.
أي: أنزلنا الماء لنخرج به من الأرض لكم حباً، يعني القمح والشعير وسائر القطنية، ﴿وَنَبَاتاً﴾ يعني ما ترعى البهائم.
* *
- ﴿وَجَنَّاتٍ أَلْفَافاً﴾.
أي: وثمر جنات ملتفة مجتمعة قال ابن عباس: "التف بعضها ببعض". وهو قول مجاهد وقتادة وغيرهما. وقال الأخفش وأبو عبيدة: واحد الألفاف لِفٌّ. وقيل: لَفِيفٌ وحكى الكسائي أنه جمع الجمع، وواحده "لَفَّاءُ" كحمراء، ثم جمعت لَفَّاءُ على (لِفّ [كحمر] ثم جمعت "لِفٌّ" على) ألفاف، [كخف] وأخفاف.
قال ابن مسعود: يرسل الله جل وعز الرياح فتأخذ الماء من السماء فتجريه في السحاب [فتذريه] كما تذر اللقحة.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ يَوْمَ ٱلْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتاً﴾.
أي: يوم يفصل الله فيه بين خلقه كان ميقاتاً لما أعد الله للمكذبين بالبعث ولنظرائهم من الخلق.
قال قتادة: هو يوم عظمه الله يفصل فيه بين الأولين والآخرين.
- ثم أبدل من ﴿يَوْمَ﴾ للبيان فقال:
* *
- ﴿يَوْمَ يُنفَخُ فِي ٱلصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجاً﴾.
أي: يوم الفصل بين الخلق يوم ينفخ إسرافيل في الصور فتأتون من قبوركم إلى المحشر ﴿أَفْوَاجاً﴾ [أي]: زُمَراً زُمَراً.
روي أن كل أمة تأتي مع رسولها [يوم القيامة]، وهو قوله: ﴿يَوْمَ نَدْعُواْ كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ﴾ [الإسراء: ٧١].
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَفُتِحَتِ ٱلسَّمَآءُ فَكَانَتْ أَبْوَاباً﴾.
[أي]: وشققت السماء وصدعت (فكانت) طرقاً.
وقيل: تصير قطعاً كقطع الخشب المشققة لأبواب الدور والمساكن.
والمعنى: وفتحت السماء فكانت قطعاً كالأبواب، (فلما سقطت الكاف صارت الأبواب) خبرا.
وكذلك قوله: ﴿وَسُيِّرَتِ ٱلْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَاباً﴾.
أي: صارت لا شيء، كما أن السراب لا شيء، وذلك أنها تنسف فَتُجْتَثُّ من أصولها فتصير هباء منبثاً لعين الناظر كالسراب الذي يظنه (الناظر) ماء وهو في الحقيقة ليس بماء، إنما هو هباء.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَاداً﴾.
أي: إن جهنم كانت ذات ارتقاب ترتقب من يجتاز بها وترصدهم، ولم يقل "مرصادة"، لأنه غير جار على الفعل. فالمعنى ترصد من عصى الله. وفي "مرصاد" معنى التكثير. ولذلك لم يقل: "راصدة"، ففي وصفها بما لم يجر على الفعل معنى التكثير، ولو قال [راصدة] لثبتت الهاء، لأنه جار على الفعل، ولم يكن فيه (معنى) تكثير، ففي "مرصاد" معنى النسب (كأنه قال: "ذات إرصاد"، وكل ما حمل على معنى النسب) من الأخبار والصفات ففيه معنى التكثير واللزوم، فالمعنى أنها مركاد لمن كان يكذب بها في الدنيا.
وكان الحسن يقول - إذا قرأ هذه الآية -: أَلاَ إن على النار المَرْصَد، فمن جاء بجواز جاز ومن لم يجئ احتبس.
وروي عنه أنه قال: لا يدخل أحد الجنة حتى يجتاز على النار.
وقال قتادة: [تعلمن] أنه لا سبيل إلى الجنة حتى تقطع النار.
وقال سفيان: على جهنم ثلاث قناطير.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿لِّلطَّاغِينَ مَآباً﴾.
أي: هي لمن طغى في الدنيا فتعدى حدود الله [مرجع] يرجعون إليها ويصيرون إليها.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿لاَّبِثِينَ فِيهَآ أَحْقَاباً﴾.
قال قتادة: لابثين في جهنم أحقاباً (لا انقطاع لها.
وقيل: معناه: ﴿لاَّبِثِينَ فِيهَآ أَحْقَاباً) * لاَّ يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْداً وَلاَ شَرَاباً﴾، ثم بعد ذلك يعذبون بغير هذا العذاب مما شاء الله، كما قال: ﴿وَآخَرُ مِن شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ﴾ [ص: ٥٨].
وقيل: الضمير في ﴿فِيهَا﴾ يعود على الأرض، لأنه قد تقدم ذكرها، والضمير في ﴿يَذُوقُونَ فِيهَا﴾ لجهنم لتقدم ذكرها.
فعلى [القول] الأول، يكون ﴿لاَّ يَذُوقُونَ﴾ حالاً من ﴿لِّلطَّاغِينَ﴾ أو لـ ﴿جَهَنَّمَ﴾ أو نعتاً للأحقاب.
وعلى هذا القول الآخر، يكون ﴿لاَّ يَذُوقُونَ﴾ حالاً من ﴿جَهَنَّمَ﴾ أو من الطاغين.
وروى أبو أمامة أن النبي ﷺ قال: "الحقب الواحد ثلاثون ألف سنة
وهو جمع الجمع، واحده: حقبة، جمعت على حقب، وجمعت حقب على أحقاب.
ويجوز أن يكون أحقاب جمع حُقْب والحُقْبُ ثلاثمائة سنة، كل سنة ثلاثمائة وستون يوماً، كل يوم ألف سنة من سنين الدنيا. قاله [بشير] بن كعب.
وقال علي بن أبي طالب: الحقب: ثمانون سنة، كل سنة اثنا عشر شهراً، كل شهر ثلاثون يوماً، كل يوم ألف سنة من سنين الدنيا، وهو قول ابن جبير، وقاله الربيع بن أنس.
[وقال] أبو هريرة: الحقب ستون سنة، كل سنة ثلاثمائة وستون يوماً، كل يوم ألف سنة من سنين الدنيا.
وقال قتادة: "الحقب ثمانون سنة من سنيّ الآخرة". وقال: هي أحقاب لا انقطاع لها، كلما مضى حقب جاء حقب بعده.
وقال الحسن: أما الأحقاب، فليس لها عدة إلا الخلود في النار، ولكن ذكر أن الحقب سبعون سنة، كل يوم منها كألف سنة مما نعده.
وقال خالد بن مَعَدَّان: هي في أهل التوحيد من أهل القبلة مثل قوله ﴿إِلاَّ مَا شَآءَ رَبُّكَ﴾ [هود: ١٠٨]، وهذا التأويل يرده قوله بعد ذلك.
* *
﴿إِنَّهُمْ كَانُواْ لاَ يَرْجُونَ حِسَاباً * وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا كِذَّاباً﴾.
وليس هذه صفة الموحدين.
وقد روي عن مقاتل أنه قال: إنها منسوخة، نسختها قوله: ﴿فَلَن نَّزِيدَكُمْ (إِلاَّ) عَذَاباً﴾.
وهذا لا يكون فيه نسخ، لأنه خبر، والأخبار لا تنسخ.
والحقب عند أهل اللغة مبهم كالحين والزمان. والبرد: النوم.
وقيل [الهدوء]. وقيل: برد [الشراب] المستلذ. قال ابن عباس: هو برد الشراب وقيل: البرد: الراحة.
* *
- ثم قال: ﴿إِلاَّ حَمِيماً وَغَسَّاقاً﴾.
قال الربيع: "استثنى من الشراب الحميم، ومن البرد الغساق".
[والحميم الذي قد انتهى [حره] كالمهل [يشوي] الوجوه.
وقال ابن زيد: الحميم: دموع أعينهم، يجمع في حياض ثم يسقونه. والغساق]: الصديد الذي يخرج من جلودهم مما تصهرهم النار، يجمع في حياض النار فيُسْقَوْنَهُ.
وأصل الحميم الماء الحار، ومنه اشتق الحَمَّامُ، ومنه الحُمَّى، ومنه [اليَحْمُومُ].
قال قتادة: الغساق ما يسيل [من] جلده ولحمه.
وقال سفيان: هو ما يسيل من دموعهم.
وقال النخعي: هو "ما يسيل من صديدهم من البرد".
وعن ابن عباس أن الغساق: "الزمهرير".
وقال مجاهد: "الغساق: الذي لا يستطيعون أن يذوقوه (من برده).
وقال عبد الله بن [بريدة]: "هو المُنْتِنُ".
وروى الخدري عن النبي ﷺ أنه قال: "لَوْ أَنَّ دَلْواً مِن غَسَّاقٍ يُهْرَاقُ فِي الدُّنْيَا لأَنْتَنَ أَهْلُ الدُّنْيَا
وقال عبد الله بن [عمرو]: "أتدرون أي شيء الغساق؟ قالوا: الله أعلم، قال: هو القيح الغليظ، لو أن قطرة منه تهراق بالمغرب لأنتنت أهل [المشرق]. ولو تهرق [بالمشرق] لأنتنت أهل المغرب".
* *
- وقوله: ﴿جَزَآءً وِفَاقاً﴾.
أي: هذا العذاب الذي وصف جزاء للكفار على أفعالهم في الدنيا وافق أعمالهم وفاقاً، قاله ابن عباس. قال قتادة: "وافق الجزاء أعمال القوم...". وقال الربيع: "ثواباً وافق أعمالهم". قال ابن زيد: "عملوا شراً فجوزوا شراً، [وعملوا] حسناً فجوزوا حسناً".
* *
- ثم قال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُواْ لاَ يَرْجُونَ حِسَاباً﴾.
أي: لا يخافون محاسبة الله (لهم على أعمالهم في الآخرة.
قال قتادة: كانوا في الدنيا لا يخافون محاسبة).
وقال ابن زيد: كانوا لا يؤمنون بالبعث ولا بالحساب فكيف يخافون الحساب وهم لا يوقنون بالبعث بعد الموت؟!
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا كِذَّاباً﴾.
أي: جحدوا بها جحوداً.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَاباً﴾.
أي: وأحصينا كل شيء من أعمالهم وغير ذلك فكتبناه كتابا، [فـ ﴿كِتَاباً﴾] مصدر عمل فيه فعل مضمر.
وقيل: العامل فيه (احصينا) [لأنه] يعني: كتبنا.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿فَذُوقُواْ فَلَن نَّزِيدَكُمْ إِلاَّ عَذَاباً﴾.
أي: يقال لهم - إذا شربوا الحميم والغساق - ذوقوا العذاب الذي كنتم به تكذبون في الدنيا، فلن نزيدكم على العذاب الذي أنتم فيه إلا عذاباً زائداً.
قال عبد الله بن عمرو: لم ينزل على أهل النار آية أشد من هذه، فهم في مزيد أبداً.
وقد روي مثل ذلك عن النبي ﷺ.
وروي أنه لا يأتي على أهل الجنة ساعة إلا ويزدادون صنفاً من النعيم لم يكونوا يعرفونه، ولا يأتي على أهل النار ساعة إلا وهم مستنكرون لشيء من العذاب لم يكونوا يعرفونه.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازاً﴾.
أي: منجى من النار إلى الجنة ينجون به، وهي حدائق وأعناب.
وقال ابن عباس: ﴿مَفَازاً﴾، "متنزهاً". وقيل: المفاز: الظفر بما يحبه الإنسان. يقال: فاز فلان بكذا إذا ظفر به.
والحدائق: جمع حديقة، وهي البستان من النخيل والأعناب والأشجار التي قد حوط عليها الحيطان فأحدقت (بها)، فَلإِحْدَاقِ الحيطان بها سميت حديقة، ولو لم تكن الحيطان بها محدقة لم تسم حديقة.
قال ابن عباس: الحدائق: [الشجر] الملتف. وقال الضحاك: الحدائق التي عليها الحيطان.
* *
- وقوله: ﴿وَأَعْنَاباً﴾.
معناه: وكروم أعناب، ثم حذف.
* *
- وقوله: ﴿وَكَوَاعِبَ أَتْرَاباً﴾.
(أي): وحورا نواهد في سن واحدة. قاله ابن عباس وقتادة وغيرهما.
* *
- ثم قال: ﴿وَكَأْساً دِهَاقاً﴾.
مَلأَى من الخمر مترعة، وأصله من الدهق، وهو متابعة الضغط على الشيء بشدة وعنف. قال ابن عباس والحسن وقتادة ومجاهد: الدهاق: الملأى. وهو قول ابن زيد. وقال عكرمة: الدهاق: الصافية. وقال ابن جبير: هي "المتتابعة". وقد روي مثل ذلك أيضاً عن ابن عباس ومجاهد.
* *
- ثم قال: ﴿لاَّ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً وَلاَ كِذَّاباً﴾.
أي: باطلاً [من القول]. ﴿وَلاَ كِذَّاباً﴾، أي: ولا يكذب بعضهم بعضاً.
وقال قتادة: ﴿وَلاَ كِذَّاباً﴾، أي: مأثماً. و ﴿لَغْواً﴾: باطلاً.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿جَزَآءً مِّن رَّبِّكَ عَطَآءً حِسَاباً﴾.
أي: هذا لهم جزاء لأعمالهم في الدنيا، أعطاهم الله ذلك عطاءً كافياً.
يقال: أحسبني الشيء، أي: كفاني. وقيل: ﴿حِسَاباً﴾ بمعنى: محاسبة لهم بأعمالهم لله في الدنيا، يعطون على قدر أعمالهم.
وقال قتادة: ﴿عَطَآءً حِسَاباً﴾، أي: "عطاءً كثيراً، جزاهم الله بالعمل اليسير الخير الجسيم الذي لا انقطاع له".
النبأ 78:36
قوله تعالى: ﴿لِّنُخْرِجَ بِهِ حَبّاً وَنَبَاتاً﴾ إلى قوله: ﴿عَطَآءً حِسَاباً﴾.
أي: أنزلنا الماء لنخرج به من الأرض لكم حباً، يعني القمح والشعير وسائر القطنية، ﴿وَنَبَاتاً﴾ يعني ما ترعى البهائم.
* *
- ﴿وَجَنَّاتٍ أَلْفَافاً﴾.
أي: وثمر جنات ملتفة مجتمعة قال ابن عباس: "التف بعضها ببعض". وهو قول مجاهد وقتادة وغيرهما. وقال الأخفش وأبو عبيدة: واحد الألفاف لِفٌّ. وقيل: لَفِيفٌ وحكى الكسائي أنه جمع الجمع، وواحده "لَفَّاءُ" كحمراء، ثم جمعت لَفَّاءُ على (لِفّ [كحمر] ثم جمعت "لِفٌّ" على) ألفاف، [كخف] وأخفاف.
قال ابن مسعود: يرسل الله جل وعز الرياح فتأخذ الماء من السماء فتجريه في السحاب [فتذريه] كما تذر اللقحة.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ يَوْمَ ٱلْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتاً﴾.
أي: يوم يفصل الله فيه بين خلقه كان ميقاتاً لما أعد الله للمكذبين بالبعث ولنظرائهم من الخلق.
قال قتادة: هو يوم عظمه الله يفصل فيه بين الأولين والآخرين.
- ثم أبدل من ﴿يَوْمَ﴾ للبيان فقال:
* *
- ﴿يَوْمَ يُنفَخُ فِي ٱلصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجاً﴾.
أي: يوم الفصل بين الخلق يوم ينفخ إسرافيل في الصور فتأتون من قبوركم إلى المحشر ﴿أَفْوَاجاً﴾ [أي]: زُمَراً زُمَراً.
روي أن كل أمة تأتي مع رسولها [يوم القيامة]، وهو قوله: ﴿يَوْمَ نَدْعُواْ كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ﴾ [الإسراء: ٧١].
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَفُتِحَتِ ٱلسَّمَآءُ فَكَانَتْ أَبْوَاباً﴾.
[أي]: وشققت السماء وصدعت (فكانت) طرقاً.
وقيل: تصير قطعاً كقطع الخشب المشققة لأبواب الدور والمساكن.
والمعنى: وفتحت السماء فكانت قطعاً كالأبواب، (فلما سقطت الكاف صارت الأبواب) خبرا.
وكذلك قوله: ﴿وَسُيِّرَتِ ٱلْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَاباً﴾.
أي: صارت لا شيء، كما أن السراب لا شيء، وذلك أنها تنسف فَتُجْتَثُّ من أصولها فتصير هباء منبثاً لعين الناظر كالسراب الذي يظنه (الناظر) ماء وهو في الحقيقة ليس بماء، إنما هو هباء.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَاداً﴾.
أي: إن جهنم كانت ذات ارتقاب ترتقب من يجتاز بها وترصدهم، ولم يقل "مرصادة"، لأنه غير جار على الفعل. فالمعنى ترصد من عصى الله. وفي "مرصاد" معنى التكثير. ولذلك لم يقل: "راصدة"، ففي وصفها بما لم يجر على الفعل معنى التكثير، ولو قال [راصدة] لثبتت الهاء، لأنه جار على الفعل، ولم يكن فيه (معنى) تكثير، ففي "مرصاد" معنى النسب (كأنه قال: "ذات إرصاد"، وكل ما حمل على معنى النسب) من الأخبار والصفات ففيه معنى التكثير واللزوم، فالمعنى أنها مركاد لمن كان يكذب بها في الدنيا.
وكان الحسن يقول - إذا قرأ هذه الآية -: أَلاَ إن على النار المَرْصَد، فمن جاء بجواز جاز ومن لم يجئ احتبس.
وروي عنه أنه قال: لا يدخل أحد الجنة حتى يجتاز على النار.
وقال قتادة: [تعلمن] أنه لا سبيل إلى الجنة حتى تقطع النار.
وقال سفيان: على جهنم ثلاث قناطير.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿لِّلطَّاغِينَ مَآباً﴾.
أي: هي لمن طغى في الدنيا فتعدى حدود الله [مرجع] يرجعون إليها ويصيرون إليها.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿لاَّبِثِينَ فِيهَآ أَحْقَاباً﴾.
قال قتادة: لابثين في جهنم أحقاباً (لا انقطاع لها.
وقيل: معناه: ﴿لاَّبِثِينَ فِيهَآ أَحْقَاباً) * لاَّ يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْداً وَلاَ شَرَاباً﴾، ثم بعد ذلك يعذبون بغير هذا العذاب مما شاء الله، كما قال: ﴿وَآخَرُ مِن شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ﴾ [ص: ٥٨].
وقيل: الضمير في ﴿فِيهَا﴾ يعود على الأرض، لأنه قد تقدم ذكرها، والضمير في ﴿يَذُوقُونَ فِيهَا﴾ لجهنم لتقدم ذكرها.
فعلى [القول] الأول، يكون ﴿لاَّ يَذُوقُونَ﴾ حالاً من ﴿لِّلطَّاغِينَ﴾ أو لـ ﴿جَهَنَّمَ﴾ أو نعتاً للأحقاب.
وعلى هذا القول الآخر، يكون ﴿لاَّ يَذُوقُونَ﴾ حالاً من ﴿جَهَنَّمَ﴾ أو من الطاغين.
وروى أبو أمامة أن النبي ﷺ قال: "الحقب الواحد ثلاثون ألف سنة
وهو جمع الجمع، واحده: حقبة، جمعت على حقب، وجمعت حقب على أحقاب.
ويجوز أن يكون أحقاب جمع حُقْب والحُقْبُ ثلاثمائة سنة، كل سنة ثلاثمائة وستون يوماً، كل يوم ألف سنة من سنين الدنيا. قاله [بشير] بن كعب.
وقال علي بن أبي طالب: الحقب: ثمانون سنة، كل سنة اثنا عشر شهراً، كل شهر ثلاثون يوماً، كل يوم ألف سنة من سنين الدنيا، وهو قول ابن جبير، وقاله الربيع بن أنس.
[وقال] أبو هريرة: الحقب ستون سنة، كل سنة ثلاثمائة وستون يوماً، كل يوم ألف سنة من سنين الدنيا.
وقال قتادة: "الحقب ثمانون سنة من سنيّ الآخرة". وقال: هي أحقاب لا انقطاع لها، كلما مضى حقب جاء حقب بعده.
وقال الحسن: أما الأحقاب، فليس لها عدة إلا الخلود في النار، ولكن ذكر أن الحقب سبعون سنة، كل يوم منها كألف سنة مما نعده.
وقال خالد بن مَعَدَّان: هي في أهل التوحيد من أهل القبلة مثل قوله ﴿إِلاَّ مَا شَآءَ رَبُّكَ﴾ [هود: ١٠٨]، وهذا التأويل يرده قوله بعد ذلك.
* *
﴿إِنَّهُمْ كَانُواْ لاَ يَرْجُونَ حِسَاباً * وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا كِذَّاباً﴾.
وليس هذه صفة الموحدين.
وقد روي عن مقاتل أنه قال: إنها منسوخة، نسختها قوله: ﴿فَلَن نَّزِيدَكُمْ (إِلاَّ) عَذَاباً﴾.
وهذا لا يكون فيه نسخ، لأنه خبر، والأخبار لا تنسخ.
والحقب عند أهل اللغة مبهم كالحين والزمان. والبرد: النوم.
وقيل [الهدوء]. وقيل: برد [الشراب] المستلذ. قال ابن عباس: هو برد الشراب وقيل: البرد: الراحة.
* *
- ثم قال: ﴿إِلاَّ حَمِيماً وَغَسَّاقاً﴾.
قال الربيع: "استثنى من الشراب الحميم، ومن البرد الغساق".
[والحميم الذي قد انتهى [حره] كالمهل [يشوي] الوجوه.
وقال ابن زيد: الحميم: دموع أعينهم، يجمع في حياض ثم يسقونه. والغساق]: الصديد الذي يخرج من جلودهم مما تصهرهم النار، يجمع في حياض النار فيُسْقَوْنَهُ.
وأصل الحميم الماء الحار، ومنه اشتق الحَمَّامُ، ومنه الحُمَّى، ومنه [اليَحْمُومُ].
قال قتادة: الغساق ما يسيل [من] جلده ولحمه.
وقال سفيان: هو ما يسيل من دموعهم.
وقال النخعي: هو "ما يسيل من صديدهم من البرد".
وعن ابن عباس أن الغساق: "الزمهرير".
وقال مجاهد: "الغساق: الذي لا يستطيعون أن يذوقوه (من برده).
وقال عبد الله بن [بريدة]: "هو المُنْتِنُ".
وروى الخدري عن النبي ﷺ أنه قال: "لَوْ أَنَّ دَلْواً مِن غَسَّاقٍ يُهْرَاقُ فِي الدُّنْيَا لأَنْتَنَ أَهْلُ الدُّنْيَا
وقال عبد الله بن [عمرو]: "أتدرون أي شيء الغساق؟ قالوا: الله أعلم، قال: هو القيح الغليظ، لو أن قطرة منه تهراق بالمغرب لأنتنت أهل [المشرق]. ولو تهرق [بالمشرق] لأنتنت أهل المغرب".
* *
- وقوله: ﴿جَزَآءً وِفَاقاً﴾.
أي: هذا العذاب الذي وصف جزاء للكفار على أفعالهم في الدنيا وافق أعمالهم وفاقاً، قاله ابن عباس. قال قتادة: "وافق الجزاء أعمال القوم...". وقال الربيع: "ثواباً وافق أعمالهم". قال ابن زيد: "عملوا شراً فجوزوا شراً، [وعملوا] حسناً فجوزوا حسناً".
* *
- ثم قال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُواْ لاَ يَرْجُونَ حِسَاباً﴾.
أي: لا يخافون محاسبة الله (لهم على أعمالهم في الآخرة.
قال قتادة: كانوا في الدنيا لا يخافون محاسبة).
وقال ابن زيد: كانوا لا يؤمنون بالبعث ولا بالحساب فكيف يخافون الحساب وهم لا يوقنون بالبعث بعد الموت؟!
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا كِذَّاباً﴾.
أي: جحدوا بها جحوداً.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَاباً﴾.
أي: وأحصينا كل شيء من أعمالهم وغير ذلك فكتبناه كتابا، [فـ ﴿كِتَاباً﴾] مصدر عمل فيه فعل مضمر.
وقيل: العامل فيه (احصينا) [لأنه] يعني: كتبنا.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿فَذُوقُواْ فَلَن نَّزِيدَكُمْ إِلاَّ عَذَاباً﴾.
أي: يقال لهم - إذا شربوا الحميم والغساق - ذوقوا العذاب الذي كنتم به تكذبون في الدنيا، فلن نزيدكم على العذاب الذي أنتم فيه إلا عذاباً زائداً.
قال عبد الله بن عمرو: لم ينزل على أهل النار آية أشد من هذه، فهم في مزيد أبداً.
وقد روي مثل ذلك عن النبي ﷺ.
وروي أنه لا يأتي على أهل الجنة ساعة إلا ويزدادون صنفاً من النعيم لم يكونوا يعرفونه، ولا يأتي على أهل النار ساعة إلا وهم مستنكرون لشيء من العذاب لم يكونوا يعرفونه.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازاً﴾.
أي: منجى من النار إلى الجنة ينجون به، وهي حدائق وأعناب.
وقال ابن عباس: ﴿مَفَازاً﴾، "متنزهاً". وقيل: المفاز: الظفر بما يحبه الإنسان. يقال: فاز فلان بكذا إذا ظفر به.
والحدائق: جمع حديقة، وهي البستان من النخيل والأعناب والأشجار التي قد حوط عليها الحيطان فأحدقت (بها)، فَلإِحْدَاقِ الحيطان بها سميت حديقة، ولو لم تكن الحيطان بها محدقة لم تسم حديقة.
قال ابن عباس: الحدائق: [الشجر] الملتف. وقال الضحاك: الحدائق التي عليها الحيطان.
* *
- وقوله: ﴿وَأَعْنَاباً﴾.
معناه: وكروم أعناب، ثم حذف.
* *
- وقوله: ﴿وَكَوَاعِبَ أَتْرَاباً﴾.
(أي): وحورا نواهد في سن واحدة. قاله ابن عباس وقتادة وغيرهما.
* *
- ثم قال: ﴿وَكَأْساً دِهَاقاً﴾.
مَلأَى من الخمر مترعة، وأصله من الدهق، وهو متابعة الضغط على الشيء بشدة وعنف. قال ابن عباس والحسن وقتادة ومجاهد: الدهاق: الملأى. وهو قول ابن زيد. وقال عكرمة: الدهاق: الصافية. وقال ابن جبير: هي "المتتابعة". وقد روي مثل ذلك أيضاً عن ابن عباس ومجاهد.
* *
- ثم قال: ﴿لاَّ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً وَلاَ كِذَّاباً﴾.
أي: باطلاً [من القول]. ﴿وَلاَ كِذَّاباً﴾، أي: ولا يكذب بعضهم بعضاً.
وقال قتادة: ﴿وَلاَ كِذَّاباً﴾، أي: مأثماً. و ﴿لَغْواً﴾: باطلاً.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿جَزَآءً مِّن رَّبِّكَ عَطَآءً حِسَاباً﴾.
أي: هذا لهم جزاء لأعمالهم في الدنيا، أعطاهم الله ذلك عطاءً كافياً.
يقال: أحسبني الشيء، أي: كفاني. وقيل: ﴿حِسَاباً﴾ بمعنى: محاسبة لهم بأعمالهم لله في الدنيا، يعطون على قدر أعمالهم.
وقال قتادة: ﴿عَطَآءً حِسَاباً﴾، أي: "عطاءً كثيراً، جزاهم الله بالعمل اليسير الخير الجسيم الذي لا انقطاع له".
النبأ 78:37
قوله تعالى: ﴿رَّبِّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا (ٱلرَّحْمَـٰنِ)﴾. إلى آخر السورة.
[من] رفع ﴿رَّبِّ﴾ فعلى الابتداء، أو على إضمار مبتدأ.
ومن خفضه فعلى البدل من قوله: من ربك او على النعت.
والمعنى: هو مالك السماوات والأرض وما بينهما من الخلق.
* *
- ﴿ٱلرَّحْمَـٰنِ لاَ يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَاباً﴾.
(أي): لا يقدر أحد من خلقه على خطابه يوم القيامة إلا من أذن له منهم.
قال مجاهد وقتادة: ﴿لاَ يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَاباً﴾، أي: "كلاماً".
* *
- ثم قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ ٱلرُّوحُ وَٱلْمَلاَئِكَةُ صَفّاً﴾.
أي: يجازيهم في يوم يقوم الروح. قال ابن مسعود: "الروح ملك في السماء الرابعة، هو أعظم من السماوات ومن الجبال ومن الملائكة، يسبح الله كل يوم اثنتي عشرة ألف تسبيحة، [يخلق] الله من كل تسبيحة ملكاً من الملائكة فيجيء يوم القيامة صفاً [واحداً]".
وقال ابن عباس: (هو) ملك من أعظم الملائكة خلقاً.
وقال الضحاك والشعبي: الروح هنا: جبريل عليه السلام.
وقال مجاهد: [الروح خلق من صورة] بني آدم، يأكلون ويشربون وليسوا (بملائكة).
وقالوا أبو صالح: "يشبهون الناس وليسوا بالناس".
وقال قتادة: الروح (بنو آدم. وهو قول الحسن.
وعن ابن عباس أيضاً [أنه] أرواح) بني آدم تقوم مع الملائكة فيما بين النفختين قبل أن يردها الله إلى الأجسام.
وقال ابن زيد: هو القرآن. وقرأ: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا﴾ [الشورى: ٥٢]، فلا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن في الكلام فيتكلم.
روي أنهم يؤذن لهم في الكلام حين يُمَرُّ بأهل النار إلى النار، وبأهل الجنة إلى الجنة.
وقال عكرمة: يمر بأناس من أهل النار على ملائكة فيقولون: أين تذهبون بهؤلاء؟ فيقال: إلى النار. فتقول: بما كسبت أيديهم، وما ظلمهم (الله). ويمر بأناس من أهل الجنة على ملائكة فيقولون: أين تذهبون بهؤلاء؟ فيقولون: إلى الجنة. فيقولون: برحمة الله دخلتم الجنة.
وعن ابن عباس أنه قال: إلا من أذن لهم الرب بشهادة أن لا إله إلا الله. وهو منتهى الصواب.
وقال مجاهد: ﴿وَقَالَ صَوَاباً﴾.
(أي: "وقال حقاً في الدنيا وعمل به".
وقال أبو صالح: ﴿وَقَالَ صَوَاباً﴾.
أي): قال لا إله إلا الله وهو قول عكرمة.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿ذَلِكَ ٱلْيَوْمُ ٱلْحَقُّ﴾.
أي: يوم يقوم فيه الروح والملائكة صفاً هو يوم حَقٌّ إتيانه لا شك فيه.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿فَمَن شَآءَ ٱتَّخَذَ إِلَىٰ رَبِّهِ مَآباً﴾.
أي: فمن شاء في الدنيا اتخذ بالعمل الصالح والإيمان إلى ربه في ذلك اليوم مرجعاً ومنجى وسبيلاً (وطريقاً إلى رحمته. وفي الكلام معنى التهدد والوعيد، أي: من لم يفعل ذلك فسيرى ما يحل به) غداً.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿إِنَّآ أَنذَرْنَاكُمْ عَذَاباً قَرِيباً﴾.
أي: حذرناكم عذاباً قد دنا منكم فقرب، وذلك.
* *
﴿يَوْمَ يَنظُرُ ٱلْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ﴾.
في الدنيا من خير وشر فيجازى عليه. فـ ﴿مَا﴾ بمعنى "الذي"، أي: ينظر العمل الذي عمل في الدنيا من خير (وشر).
ويجوز أن تكون ﴿مَا﴾ استفهاماً، أي: ينظر أي شيء قدمت يداه في الدنيا من العمل، أخير هو أم شر؟ فيجازى عليه.
قال الحسن: "(المرء) هنا: المؤمن يحذر الصغيرة ويخاف الكبيرة".
* *
- ثم قال: ﴿وَيَقُولُ ٱلْكَافِرُ يٰلَيْتَنِي كُنتُ تُرَاباً﴾.
أي: ويتمنى الكافر في ذلك اليوم أن يكون تراباً لما يرى من عذاب الله.
قال أبو هريرة: إن الله يحشر الخلق كلهم من دابة وطائر وإنسان، ثم [يقتص] لبعض البهائم من بعض، حتى يقتص [للجماء] من ذات القرن، ثم يقول للبهائم والطير والدواب: كوني تراباً، فعند ذلك يقول الكافر يا ليتني كنت تراباً.
وقال عبد الله بن عمرو: إذا كان يوم القيامة، مد الله عز وجل الأرض مد الأديم، وحشر الدواب والبهائم والوحش، ثم يجعل القصاص بين الدواب حتى يقتص للشاة الجماء من القرناء نَطَحَتْهَا، فإذا فرغ من القصاص بين الدواب قال لها: كوني تراباً، فعند ذلك يقول الكافر: يا ليتني كنت تراباً.
النبأ 78:38
قوله تعالى: ﴿رَّبِّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا (ٱلرَّحْمَـٰنِ)﴾. إلى آخر السورة.
[من] رفع ﴿رَّبِّ﴾ فعلى الابتداء، أو على إضمار مبتدأ.
ومن خفضه فعلى البدل من قوله: من ربك او على النعت.
والمعنى: هو مالك السماوات والأرض وما بينهما من الخلق.
* *
- ﴿ٱلرَّحْمَـٰنِ لاَ يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَاباً﴾.
(أي): لا يقدر أحد من خلقه على خطابه يوم القيامة إلا من أذن له منهم.
قال مجاهد وقتادة: ﴿لاَ يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَاباً﴾، أي: "كلاماً".
* *
- ثم قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ ٱلرُّوحُ وَٱلْمَلاَئِكَةُ صَفّاً﴾.
أي: يجازيهم في يوم يقوم الروح. قال ابن مسعود: "الروح ملك في السماء الرابعة، هو أعظم من السماوات ومن الجبال ومن الملائكة، يسبح الله كل يوم اثنتي عشرة ألف تسبيحة، [يخلق] الله من كل تسبيحة ملكاً من الملائكة فيجيء يوم القيامة صفاً [واحداً]".
وقال ابن عباس: (هو) ملك من أعظم الملائكة خلقاً.
وقال الضحاك والشعبي: الروح هنا: جبريل عليه السلام.
وقال مجاهد: [الروح خلق من صورة] بني آدم، يأكلون ويشربون وليسوا (بملائكة).
وقالوا أبو صالح: "يشبهون الناس وليسوا بالناس".
وقال قتادة: الروح (بنو آدم. وهو قول الحسن.
وعن ابن عباس أيضاً [أنه] أرواح) بني آدم تقوم مع الملائكة فيما بين النفختين قبل أن يردها الله إلى الأجسام.
وقال ابن زيد: هو القرآن. وقرأ: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا﴾ [الشورى: ٥٢]، فلا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن في الكلام فيتكلم.
روي أنهم يؤذن لهم في الكلام حين يُمَرُّ بأهل النار إلى النار، وبأهل الجنة إلى الجنة.
وقال عكرمة: يمر بأناس من أهل النار على ملائكة فيقولون: أين تذهبون بهؤلاء؟ فيقال: إلى النار. فتقول: بما كسبت أيديهم، وما ظلمهم (الله). ويمر بأناس من أهل الجنة على ملائكة فيقولون: أين تذهبون بهؤلاء؟ فيقولون: إلى الجنة. فيقولون: برحمة الله دخلتم الجنة.
وعن ابن عباس أنه قال: إلا من أذن لهم الرب بشهادة أن لا إله إلا الله. وهو منتهى الصواب.
وقال مجاهد: ﴿وَقَالَ صَوَاباً﴾.
(أي: "وقال حقاً في الدنيا وعمل به".
وقال أبو صالح: ﴿وَقَالَ صَوَاباً﴾.
أي): قال لا إله إلا الله وهو قول عكرمة.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿ذَلِكَ ٱلْيَوْمُ ٱلْحَقُّ﴾.
أي: يوم يقوم فيه الروح والملائكة صفاً هو يوم حَقٌّ إتيانه لا شك فيه.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿فَمَن شَآءَ ٱتَّخَذَ إِلَىٰ رَبِّهِ مَآباً﴾.
أي: فمن شاء في الدنيا اتخذ بالعمل الصالح والإيمان إلى ربه في ذلك اليوم مرجعاً ومنجى وسبيلاً (وطريقاً إلى رحمته. وفي الكلام معنى التهدد والوعيد، أي: من لم يفعل ذلك فسيرى ما يحل به) غداً.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿إِنَّآ أَنذَرْنَاكُمْ عَذَاباً قَرِيباً﴾.
أي: حذرناكم عذاباً قد دنا منكم فقرب، وذلك.
* *
﴿يَوْمَ يَنظُرُ ٱلْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ﴾.
في الدنيا من خير وشر فيجازى عليه. فـ ﴿مَا﴾ بمعنى "الذي"، أي: ينظر العمل الذي عمل في الدنيا من خير (وشر).
ويجوز أن تكون ﴿مَا﴾ استفهاماً، أي: ينظر أي شيء قدمت يداه في الدنيا من العمل، أخير هو أم شر؟ فيجازى عليه.
قال الحسن: "(المرء) هنا: المؤمن يحذر الصغيرة ويخاف الكبيرة".
* *
- ثم قال: ﴿وَيَقُولُ ٱلْكَافِرُ يٰلَيْتَنِي كُنتُ تُرَاباً﴾.
أي: ويتمنى الكافر في ذلك اليوم أن يكون تراباً لما يرى من عذاب الله.
قال أبو هريرة: إن الله يحشر الخلق كلهم من دابة وطائر وإنسان، ثم [يقتص] لبعض البهائم من بعض، حتى يقتص [للجماء] من ذات القرن، ثم يقول للبهائم والطير والدواب: كوني تراباً، فعند ذلك يقول الكافر يا ليتني كنت تراباً.
وقال عبد الله بن عمرو: إذا كان يوم القيامة، مد الله عز وجل الأرض مد الأديم، وحشر الدواب والبهائم والوحش، ثم يجعل القصاص بين الدواب حتى يقتص للشاة الجماء من القرناء نَطَحَتْهَا، فإذا فرغ من القصاص بين الدواب قال لها: كوني تراباً، فعند ذلك يقول الكافر: يا ليتني كنت تراباً.
النبأ 78:39
قوله تعالى: ﴿رَّبِّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا (ٱلرَّحْمَـٰنِ)﴾. إلى آخر السورة.
[من] رفع ﴿رَّبِّ﴾ فعلى الابتداء، أو على إضمار مبتدأ.
ومن خفضه فعلى البدل من قوله: من ربك او على النعت.
والمعنى: هو مالك السماوات والأرض وما بينهما من الخلق.
* *
- ﴿ٱلرَّحْمَـٰنِ لاَ يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَاباً﴾.
(أي): لا يقدر أحد من خلقه على خطابه يوم القيامة إلا من أذن له منهم.
قال مجاهد وقتادة: ﴿لاَ يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَاباً﴾، أي: "كلاماً".
* *
- ثم قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ ٱلرُّوحُ وَٱلْمَلاَئِكَةُ صَفّاً﴾.
أي: يجازيهم في يوم يقوم الروح. قال ابن مسعود: "الروح ملك في السماء الرابعة، هو أعظم من السماوات ومن الجبال ومن الملائكة، يسبح الله كل يوم اثنتي عشرة ألف تسبيحة، [يخلق] الله من كل تسبيحة ملكاً من الملائكة فيجيء يوم القيامة صفاً [واحداً]".
وقال ابن عباس: (هو) ملك من أعظم الملائكة خلقاً.
وقال الضحاك والشعبي: الروح هنا: جبريل عليه السلام.
وقال مجاهد: [الروح خلق من صورة] بني آدم، يأكلون ويشربون وليسوا (بملائكة).
وقالوا أبو صالح: "يشبهون الناس وليسوا بالناس".
وقال قتادة: الروح (بنو آدم. وهو قول الحسن.
وعن ابن عباس أيضاً [أنه] أرواح) بني آدم تقوم مع الملائكة فيما بين النفختين قبل أن يردها الله إلى الأجسام.
وقال ابن زيد: هو القرآن. وقرأ: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا﴾ [الشورى: ٥٢]، فلا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن في الكلام فيتكلم.
روي أنهم يؤذن لهم في الكلام حين يُمَرُّ بأهل النار إلى النار، وبأهل الجنة إلى الجنة.
وقال عكرمة: يمر بأناس من أهل النار على ملائكة فيقولون: أين تذهبون بهؤلاء؟ فيقال: إلى النار. فتقول: بما كسبت أيديهم، وما ظلمهم (الله). ويمر بأناس من أهل الجنة على ملائكة فيقولون: أين تذهبون بهؤلاء؟ فيقولون: إلى الجنة. فيقولون: برحمة الله دخلتم الجنة.
وعن ابن عباس أنه قال: إلا من أذن لهم الرب بشهادة أن لا إله إلا الله. وهو منتهى الصواب.
وقال مجاهد: ﴿وَقَالَ صَوَاباً﴾.
(أي: "وقال حقاً في الدنيا وعمل به".
وقال أبو صالح: ﴿وَقَالَ صَوَاباً﴾.
أي): قال لا إله إلا الله وهو قول عكرمة.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿ذَلِكَ ٱلْيَوْمُ ٱلْحَقُّ﴾.
أي: يوم يقوم فيه الروح والملائكة صفاً هو يوم حَقٌّ إتيانه لا شك فيه.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿فَمَن شَآءَ ٱتَّخَذَ إِلَىٰ رَبِّهِ مَآباً﴾.
أي: فمن شاء في الدنيا اتخذ بالعمل الصالح والإيمان إلى ربه في ذلك اليوم مرجعاً ومنجى وسبيلاً (وطريقاً إلى رحمته. وفي الكلام معنى التهدد والوعيد، أي: من لم يفعل ذلك فسيرى ما يحل به) غداً.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿إِنَّآ أَنذَرْنَاكُمْ عَذَاباً قَرِيباً﴾.
أي: حذرناكم عذاباً قد دنا منكم فقرب، وذلك.
* *
﴿يَوْمَ يَنظُرُ ٱلْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ﴾.
في الدنيا من خير وشر فيجازى عليه. فـ ﴿مَا﴾ بمعنى "الذي"، أي: ينظر العمل الذي عمل في الدنيا من خير (وشر).
ويجوز أن تكون ﴿مَا﴾ استفهاماً، أي: ينظر أي شيء قدمت يداه في الدنيا من العمل، أخير هو أم شر؟ فيجازى عليه.
قال الحسن: "(المرء) هنا: المؤمن يحذر الصغيرة ويخاف الكبيرة".
* *
- ثم قال: ﴿وَيَقُولُ ٱلْكَافِرُ يٰلَيْتَنِي كُنتُ تُرَاباً﴾.
أي: ويتمنى الكافر في ذلك اليوم أن يكون تراباً لما يرى من عذاب الله.
قال أبو هريرة: إن الله يحشر الخلق كلهم من دابة وطائر وإنسان، ثم [يقتص] لبعض البهائم من بعض، حتى يقتص [للجماء] من ذات القرن، ثم يقول للبهائم والطير والدواب: كوني تراباً، فعند ذلك يقول الكافر يا ليتني كنت تراباً.
وقال عبد الله بن عمرو: إذا كان يوم القيامة، مد الله عز وجل الأرض مد الأديم، وحشر الدواب والبهائم والوحش، ثم يجعل القصاص بين الدواب حتى يقتص للشاة الجماء من القرناء نَطَحَتْهَا، فإذا فرغ من القصاص بين الدواب قال لها: كوني تراباً، فعند ذلك يقول الكافر: يا ليتني كنت تراباً.
النبأ 78:40
قوله تعالى: ﴿رَّبِّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا (ٱلرَّحْمَـٰنِ)﴾. إلى آخر السورة.
[من] رفع ﴿رَّبِّ﴾ فعلى الابتداء، أو على إضمار مبتدأ.
ومن خفضه فعلى البدل من قوله: من ربك او على النعت.
والمعنى: هو مالك السماوات والأرض وما بينهما من الخلق.
* *
- ﴿ٱلرَّحْمَـٰنِ لاَ يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَاباً﴾.
(أي): لا يقدر أحد من خلقه على خطابه يوم القيامة إلا من أذن له منهم.
قال مجاهد وقتادة: ﴿لاَ يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَاباً﴾، أي: "كلاماً".
* *
- ثم قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ ٱلرُّوحُ وَٱلْمَلاَئِكَةُ صَفّاً﴾.
أي: يجازيهم في يوم يقوم الروح. قال ابن مسعود: "الروح ملك في السماء الرابعة، هو أعظم من السماوات ومن الجبال ومن الملائكة، يسبح الله كل يوم اثنتي عشرة ألف تسبيحة، [يخلق] الله من كل تسبيحة ملكاً من الملائكة فيجيء يوم القيامة صفاً [واحداً]".
وقال ابن عباس: (هو) ملك من أعظم الملائكة خلقاً.
وقال الضحاك والشعبي: الروح هنا: جبريل عليه السلام.
وقال مجاهد: [الروح خلق من صورة] بني آدم، يأكلون ويشربون وليسوا (بملائكة).
وقالوا أبو صالح: "يشبهون الناس وليسوا بالناس".
وقال قتادة: الروح (بنو آدم. وهو قول الحسن.
وعن ابن عباس أيضاً [أنه] أرواح) بني آدم تقوم مع الملائكة فيما بين النفختين قبل أن يردها الله إلى الأجسام.
وقال ابن زيد: هو القرآن. وقرأ: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا﴾ [الشورى: ٥٢]، فلا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن في الكلام فيتكلم.
روي أنهم يؤذن لهم في الكلام حين يُمَرُّ بأهل النار إلى النار، وبأهل الجنة إلى الجنة.
وقال عكرمة: يمر بأناس من أهل النار على ملائكة فيقولون: أين تذهبون بهؤلاء؟ فيقال: إلى النار. فتقول: بما كسبت أيديهم، وما ظلمهم (الله). ويمر بأناس من أهل الجنة على ملائكة فيقولون: أين تذهبون بهؤلاء؟ فيقولون: إلى الجنة. فيقولون: برحمة الله دخلتم الجنة.
وعن ابن عباس أنه قال: إلا من أذن لهم الرب بشهادة أن لا إله إلا الله. وهو منتهى الصواب.
وقال مجاهد: ﴿وَقَالَ صَوَاباً﴾.
(أي: "وقال حقاً في الدنيا وعمل به".
وقال أبو صالح: ﴿وَقَالَ صَوَاباً﴾.
أي): قال لا إله إلا الله وهو قول عكرمة.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿ذَلِكَ ٱلْيَوْمُ ٱلْحَقُّ﴾.
أي: يوم يقوم فيه الروح والملائكة صفاً هو يوم حَقٌّ إتيانه لا شك فيه.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿فَمَن شَآءَ ٱتَّخَذَ إِلَىٰ رَبِّهِ مَآباً﴾.
أي: فمن شاء في الدنيا اتخذ بالعمل الصالح والإيمان إلى ربه في ذلك اليوم مرجعاً ومنجى وسبيلاً (وطريقاً إلى رحمته. وفي الكلام معنى التهدد والوعيد، أي: من لم يفعل ذلك فسيرى ما يحل به) غداً.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿إِنَّآ أَنذَرْنَاكُمْ عَذَاباً قَرِيباً﴾.
أي: حذرناكم عذاباً قد دنا منكم فقرب، وذلك.
* *
﴿يَوْمَ يَنظُرُ ٱلْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ﴾.
في الدنيا من خير وشر فيجازى عليه. فـ ﴿مَا﴾ بمعنى "الذي"، أي: ينظر العمل الذي عمل في الدنيا من خير (وشر).
ويجوز أن تكون ﴿مَا﴾ استفهاماً، أي: ينظر أي شيء قدمت يداه في الدنيا من العمل، أخير هو أم شر؟ فيجازى عليه.
قال الحسن: "(المرء) هنا: المؤمن يحذر الصغيرة ويخاف الكبيرة".
* *
- ثم قال: ﴿وَيَقُولُ ٱلْكَافِرُ يٰلَيْتَنِي كُنتُ تُرَاباً﴾.
أي: ويتمنى الكافر في ذلك اليوم أن يكون تراباً لما يرى من عذاب الله.
قال أبو هريرة: إن الله يحشر الخلق كلهم من دابة وطائر وإنسان، ثم [يقتص] لبعض البهائم من بعض، حتى يقتص [للجماء] من ذات القرن، ثم يقول للبهائم والطير والدواب: كوني تراباً، فعند ذلك يقول الكافر يا ليتني كنت تراباً.
وقال عبد الله بن عمرو: إذا كان يوم القيامة، مد الله عز وجل الأرض مد الأديم، وحشر الدواب والبهائم والوحش، ثم يجعل القصاص بين الدواب حتى يقتص للشاة الجماء من القرناء نَطَحَتْهَا، فإذا فرغ من القصاص بين الدواب قال لها: كوني تراباً، فعند ذلك يقول الكافر: يا ليتني كنت تراباً.