Lafzullah

Tafsir Makhi — الانفطار 82:1 – المطففين 83:36

المؤلف / المصدر: Tafsir Makhi

المحتويات
  1. الانفطار 82:1
  2. الانفطار 82:2
  3. الانفطار 82:3
  4. الانفطار 82:4
  5. الانفطار 82:5
  6. الانفطار 82:6
  7. الانفطار 82:7
  8. الانفطار 82:8
  9. الانفطار 82:9
  10. الانفطار 82:10
  11. الانفطار 82:11
  12. الانفطار 82:12
  13. الانفطار 82:13
  14. الانفطار 82:14
  15. الانفطار 82:15
  16. الانفطار 82:16
  17. الانفطار 82:17
  18. الانفطار 82:18
  19. الانفطار 82:19
  20. المطففين 83:1
  21. المطففين 83:2
  22. المطففين 83:3
  23. المطففين 83:4
  24. المطففين 83:5
  25. المطففين 83:6
  26. المطففين 83:7
  27. المطففين 83:8
  28. المطففين 83:9
  29. المطففين 83:10
  30. المطففين 83:11
  31. المطففين 83:12
  32. المطففين 83:13
  33. المطففين 83:14
  34. المطففين 83:15
  35. المطففين 83:16
  36. المطففين 83:17
  37. المطففين 83:18
  38. المطففين 83:19
  39. المطففين 83:20
  40. المطففين 83:21
  41. المطففين 83:22
  42. المطففين 83:23
  43. المطففين 83:24
  44. المطففين 83:25
  45. المطففين 83:26
  46. المطففين 83:27
  47. المطففين 83:28
  48. المطففين 83:29
  49. المطففين 83:30
  50. المطففين 83:31
  51. المطففين 83:32
  52. المطففين 83:33
  53. المطففين 83:34
  54. المطففين 83:35
  55. المطففين 83:36

الانفطار 82:1

قوله تعالى: ﴿إِذَا ٱلسَّمَآءُ ٱنفَطَرَتْ﴾ إلى آخرها. [إذا السماء انفطرت، بمنزلة قوله: ﴿إِذَا ٱلسَّمَآءُ ٱنشَقَّتْ﴾ [الإنشقاق: ١]]. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَا ٱلْكَوَاكِبُ ٱنتَثَرَتْ﴾. أي: تساقطت. وقد تقدم ذكر هذا. * * - ثم قال ﴿وَإِذَا ٱلْبِحَارُ فُجِّرَتْ﴾. أي: فجر الله بعضها في بعض. قال قتادة: "فَجّرَ عَذْبَهَا في مالحها، ومالحها في عذبها". * * - ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَا ٱلْقُبُورُ بُعْثِرَتْ﴾. أي: [أثيرت] فاستخرج من فيها من الموتى أحياء. يقال: بعثر فلان حوض فلان [وبحْثره]: إذا جعل أسفله أعلاه. قال ابن عباس: ﴿بُعْثِرَتْ﴾: "بُحِثَتْ". وقال الفراء: بُعْثِرَتْ فألْقَتْ ما فيها من الكنوز والموتى. ولا معنى للكنوز في هذا؛ لأنه يوم القيامة، ولا كنز في القبور. * * - ثم قال تعالى: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ﴾. هذا جواب ﴿إِذَا ٱلسَّمَآءُ ٱنفَطَرَتْ﴾ وما بعده، أي: علمت كل نفس ما قدمت لذلك اليوم وما أخرت من عمل صال أو سيء. وقيل: معنى (أخرت)، أي: ما سنت من عمل فيعمل به بعده. (قاله القرظي). وقيل: معناه: ما قدمت من العمل المفروض فعملت به، وما تركت منه. وهو قول [ابن] عباس وعكرمة وقتادة وابن زيد. أي: [ما] عملت مما فرض عليها، وما تركت فلم تعمل (به). * * - ثم قال تعالى: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلإِنسَٰنُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ ٱلْكَرِيمِ﴾. أي: يا أيها الإنسان الكافر بربه، أي شيء غرك بربك الكريم حتى كفرت به وجحدت نعمه؟! قال الطبري: غَرَّ الناس عدوُّهم المسلط عليهم. وقاله قتادة. * * - وقوله: ﴿ٱلَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ﴾. أي: اخترع خلقك [بعد] إن لم تكن شيئاً فسوى خلقك. ﴿فَعَدَلَكَ﴾ أي: فقومك، فجعل خلقك معتدلاً، (لا) تزيد رجل (على رجل)، ولا يد على يد. ودل على هذا قوله: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَانَ فِيۤ أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين: ٤]. ومن خفف ﴿فَعَدَلَكَ﴾ فمعناه: صرفك إلى أي صورة شاء، إما حسنٌ وإما قبيحٌ، وإما طويل وإما قصير. * * وقوله: ﴿فِيۤ أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَآءَ رَكَّبَكَ﴾. يدل على هذا المعنى. فقراءة (التشديد أولى [ليفيد] الكلام فائدتين مجددتين، لأن معنى التخفيف هو ما أفاد). * * قوله: ﴿فِيۤ أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَآءَ رَكَّبَكَ﴾. و ﴿فِيۤ﴾ متعلقة بِ ﴿رَكَّبَكَ﴾، ولا يحسن أن تتعلق بِـ (عدلك) لأنك إنما تقول: عدلت إلى كذا، ولا تقول عدلته في كذا. وقد غلط الفراء فمنع قراءة التخفيف واستبعدها لإتيان ﴿فِيۤ﴾ بعد (عدلك)، فظن أن ﴿فِيۤ﴾ متعلقة بـِ (عدلك)، وليست كما ظن. وقد قيل: إن القراءة بالتشديد هي من هذا المعنى على التكثير، أي: صرفك مرة بعد مرة إلى أي صورة شاء. وقيل: معنى التخفيف: (أمالك إلى) ما شاء من حسن وقبح وصحة وسقم. وقال مجاهد: ﴿(فِيۤ أَيِّ صُورَةٍ) مَّا شَآءَ رَكَّبَكَ﴾ معناه: في أي شبه أب أو أم أو خال أو عم شاء خلقك. وقال أبو صالح: معناه: إن شاء في صورة كلب أو خنزير أو حمار. وروي أن النبي ﷺ قال: إن النطفة إذا استقرت في الرحم أحضرها الله كل نسب بينها وبين آدم، أما قرأت في ﴿فِيۤ أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَآءَ رَكَّبَكَ﴾؟! والتقدير في الكلام: في أي صورة ما شاء أن يركبك ﴿رَكَّبَكَ﴾. وفي حديث آخر أنه قال: "إِنَّ اللهَ - جَلَّ وَعَزَّ - إِذَا أَرَادَ أَنْ يَخْلُقَ النَّسْمَةَ فَجَامَعَ الرَّجُلُ المَرْأَةَ، طَارَ مَاؤُهُ فِي كُلِّ عَرْقٍ مِنْهَا، ثُمَّ أَحْضَرَ لَهُ آباءَه مِنْ لُدُنِ آدَمَ، ثُمَّ صَوَّرَهُ فِي صُورَةِ وَاحِدٍ [مِنْهُمْ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ]: ﴿فِيۤ أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَآءَ رَكَّبَكَ﴾ ثم قال: ﴿كَلاَّ بَلْ تُكَذِّبُونَ بِٱلدِّينِ﴾. أي: ليس الأمر - أيها الكافرون - على ما تقولون من أنكم على الحق في عبادتكم غيرَ الله، لكنكم تكذبون بالجزاء والبعث والجنة والنار. ودل على ذلك قوله: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلإِنسَٰنُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ ٱلْكَرِيمِ﴾ (أي: ما غرك في عبادتك غير ربك الكريم) الذي خلقك فسواك فعدلك. وقيل: ﴿كَلاَّ﴾ بمعنى "حَقَّاً هَذَا"، أو بمعنى "أَلاَ". ولذلك، لم ير أبو حاتم الوقف (عليها)، وأجازه نصير. وقيل: المعنى ليس كما غررت به، بل تكذب بالدين. وقال مجاهد: ﴿بِٱلدِّينِ﴾: "بالحساب". وقال قتادة" ﴿بِٱلدِّينِ﴾: "يوم شدة، يوم يدين الله (العباد) بأعمالهم". * * - ثم قال تعالى: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ﴾. أي: وإن عليكم أيها الناس رقباء حافظين لأعمالكم حتى تدانوا بها يوم القيامة. ثم وصف الحافظين فقال: * * - ﴿كِرَاماً كَاتِبِينَ﴾. أي: كراماً على الله يكتبون أعمالكم. قال مجاهد: يُوكِل بكل إنسان ملكين، ملكاً عن يمينه يكتب الخير، وملكاً عن شماله يكتب الشر. * * - وقوله: ﴿يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾. أي: يعلم هؤلاء الحفظة ما تفعلون من خير وشر [فيحصونه] عليكم. قال أبو عبد الرحمن السلمي: إن الملك يأتي أحدكم كل غدوة بصحيفة بيضاء، فإذا صلى الغدوة [فليمل] فيها خيراً، فإذا طلعت الشمس فليقم لحاجته، فإذا صلى العصر فليمل فيها خيراً. فإنه إذا أملى في أول [صحيفته] وآخرها خيراً (كان) عسى أن يكفر ما بينهما. * * - ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱلأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ﴾. أي: إن الذين بروا بأداء فرائض الله واجتناب محارمه لفي نعيم الجنان يوم القيامة. وقيل: إنما سموا أبراراً لأنهم بروا الآباء والأبناء. - ثم (قال) تعالى: ﴿وَإِنَّ ٱلْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ﴾ ﴿يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ (ٱلدِّينِ)﴾. أتى بلفظ التأنيث في ﴿يَصْلَوْنَهَا﴾ حملاً على تأنيث النار، أي: يَصْلَى الفجار الجحيم يوماً يدان فيه العباد (بأعمالهم. وقال ابن عباس: "﴿يَوْمَ ٱلدِّينِ﴾) من أسماء يوم القيامة، [عظمه] الله وحذره عباده". * * - ثم قال تعالى: ﴿وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَآئِبِينَ﴾. أي: وما هؤلاء الفجار عن الجحيم بخارجين أبداً [فغائبين] عنها، [لكنهم] مخلدون فيها أبداً. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَمَآ أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ ٱلدِّينِ * ثُمَّ مَآ أَدْرَاكَ (مَا يَوْمُ ٱلدِّينِ)﴾. أي: وما أشعرك، يا محمد، أي شيء يوم الدين!، ثم كرره معظماً له محذراً (منه) عباده. وقيل: إن هذا ليس بتكرير. ومعناه: وما أدراك، يا محمد، ما في يوم الدين من العذاب للفجار!، وما أدراك ما في يوم الدين من النعيم للأبرار!. ثم فسر بعض شأن ذلك اليوم فقال: * * - ﴿يَوْمَ لاَ تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً﴾ أي: ذلك اليوم يوم لا تملك فيه نفس لنفس نفعاً ولا ضراً. ومن رفع ﴿يَوْمَ لاَ تَمْلِكُ﴾ جعله بدلاً مما قبله، أو على إضمار مبتدأ، أي: [هو يوم لا تملك]. واختار الفراء والكسائي [الرفع فيه] لأنه مضاف إلى مستقبل، ولو كان مضافاً إلى ماض لآثروا الفتح، فهو عندهم في الاختيار مُعَرَّبٌ إذا أضيف إلى معرب، ومبني إذا أضيف إلى مبني. ويجوز في المستقبل من البناء على الفتح مثل ما جاز في الماضي. ومن فتح ﴿يَوْمَ لاَ تَمْلِكُ﴾ فعلى الظرف، أي: [الدين] في يوم تملك. ولا يجوز عند الخليل وسيبويه: أن يكون مبنياً وهو [مضاف] إلى معربٍ، إنما يجوز ذلك إذا أضيف إلى ماضٍ. وأجاز الفراء أن يكون مبنياً وإن كان مضافاً إلى معرب، وأن يكون منصوباً معربا، وأن يكون - إذا كان مبنياً - في موضع نصب على الظرف، وفي موضع رفع على إضمار مبتدأ. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَٱلأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾. أي: والأمر كله - يوم الدين - لله (أي)، ليس لأحد من خلقه أمر ولا نهي يومئذ. ومن رفع ﴿يَوْمَ لاَ تَمْلِكُ﴾ على البدل من ﴿يَوْمَ﴾ مرفوع قبله أو فتحه - وهو في موضع رفع على البدل منه أيضاً - أو نصبه على البدل من ﴿يَصْلَوْنَهَا (يَوْمَ ٱلدِّينِ)﴾، لم يبتدئ به. ومن رفعه على إضمار مبتدأ أو نصبه على إضمار فعل بمعنى: اذكر يوم لا تملك، أو فَتَحَه وهو في موضع رفع على إضمار مبتدأ، ابتدأ به.

الانفطار 82:2

قوله تعالى: ﴿إِذَا ٱلسَّمَآءُ ٱنفَطَرَتْ﴾ إلى آخرها. [إذا السماء انفطرت، بمنزلة قوله: ﴿إِذَا ٱلسَّمَآءُ ٱنشَقَّتْ﴾ [الإنشقاق: ١]]. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَا ٱلْكَوَاكِبُ ٱنتَثَرَتْ﴾. أي: تساقطت. وقد تقدم ذكر هذا. * * - ثم قال ﴿وَإِذَا ٱلْبِحَارُ فُجِّرَتْ﴾. أي: فجر الله بعضها في بعض. قال قتادة: "فَجّرَ عَذْبَهَا في مالحها، ومالحها في عذبها". * * - ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَا ٱلْقُبُورُ بُعْثِرَتْ﴾. أي: [أثيرت] فاستخرج من فيها من الموتى أحياء. يقال: بعثر فلان حوض فلان [وبحْثره]: إذا جعل أسفله أعلاه. قال ابن عباس: ﴿بُعْثِرَتْ﴾: "بُحِثَتْ". وقال الفراء: بُعْثِرَتْ فألْقَتْ ما فيها من الكنوز والموتى. ولا معنى للكنوز في هذا؛ لأنه يوم القيامة، ولا كنز في القبور. * * - ثم قال تعالى: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ﴾. هذا جواب ﴿إِذَا ٱلسَّمَآءُ ٱنفَطَرَتْ﴾ وما بعده، أي: علمت كل نفس ما قدمت لذلك اليوم وما أخرت من عمل صال أو سيء. وقيل: معنى (أخرت)، أي: ما سنت من عمل فيعمل به بعده. (قاله القرظي). وقيل: معناه: ما قدمت من العمل المفروض فعملت به، وما تركت منه. وهو قول [ابن] عباس وعكرمة وقتادة وابن زيد. أي: [ما] عملت مما فرض عليها، وما تركت فلم تعمل (به). * * - ثم قال تعالى: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلإِنسَٰنُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ ٱلْكَرِيمِ﴾. أي: يا أيها الإنسان الكافر بربه، أي شيء غرك بربك الكريم حتى كفرت به وجحدت نعمه؟! قال الطبري: غَرَّ الناس عدوُّهم المسلط عليهم. وقاله قتادة. * * - وقوله: ﴿ٱلَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ﴾. أي: اخترع خلقك [بعد] إن لم تكن شيئاً فسوى خلقك. ﴿فَعَدَلَكَ﴾ أي: فقومك، فجعل خلقك معتدلاً، (لا) تزيد رجل (على رجل)، ولا يد على يد. ودل على هذا قوله: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَانَ فِيۤ أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين: ٤]. ومن خفف ﴿فَعَدَلَكَ﴾ فمعناه: صرفك إلى أي صورة شاء، إما حسنٌ وإما قبيحٌ، وإما طويل وإما قصير. * * وقوله: ﴿فِيۤ أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَآءَ رَكَّبَكَ﴾. يدل على هذا المعنى. فقراءة (التشديد أولى [ليفيد] الكلام فائدتين مجددتين، لأن معنى التخفيف هو ما أفاد). * * قوله: ﴿فِيۤ أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَآءَ رَكَّبَكَ﴾. و ﴿فِيۤ﴾ متعلقة بِ ﴿رَكَّبَكَ﴾، ولا يحسن أن تتعلق بِـ (عدلك) لأنك إنما تقول: عدلت إلى كذا، ولا تقول عدلته في كذا. وقد غلط الفراء فمنع قراءة التخفيف واستبعدها لإتيان ﴿فِيۤ﴾ بعد (عدلك)، فظن أن ﴿فِيۤ﴾ متعلقة بـِ (عدلك)، وليست كما ظن. وقد قيل: إن القراءة بالتشديد هي من هذا المعنى على التكثير، أي: صرفك مرة بعد مرة إلى أي صورة شاء. وقيل: معنى التخفيف: (أمالك إلى) ما شاء من حسن وقبح وصحة وسقم. وقال مجاهد: ﴿(فِيۤ أَيِّ صُورَةٍ) مَّا شَآءَ رَكَّبَكَ﴾ معناه: في أي شبه أب أو أم أو خال أو عم شاء خلقك. وقال أبو صالح: معناه: إن شاء في صورة كلب أو خنزير أو حمار. وروي أن النبي ﷺ قال: إن النطفة إذا استقرت في الرحم أحضرها الله كل نسب بينها وبين آدم، أما قرأت في ﴿فِيۤ أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَآءَ رَكَّبَكَ﴾؟! والتقدير في الكلام: في أي صورة ما شاء أن يركبك ﴿رَكَّبَكَ﴾. وفي حديث آخر أنه قال: "إِنَّ اللهَ - جَلَّ وَعَزَّ - إِذَا أَرَادَ أَنْ يَخْلُقَ النَّسْمَةَ فَجَامَعَ الرَّجُلُ المَرْأَةَ، طَارَ مَاؤُهُ فِي كُلِّ عَرْقٍ مِنْهَا، ثُمَّ أَحْضَرَ لَهُ آباءَه مِنْ لُدُنِ آدَمَ، ثُمَّ صَوَّرَهُ فِي صُورَةِ وَاحِدٍ [مِنْهُمْ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ]: ﴿فِيۤ أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَآءَ رَكَّبَكَ﴾ ثم قال: ﴿كَلاَّ بَلْ تُكَذِّبُونَ بِٱلدِّينِ﴾. أي: ليس الأمر - أيها الكافرون - على ما تقولون من أنكم على الحق في عبادتكم غيرَ الله، لكنكم تكذبون بالجزاء والبعث والجنة والنار. ودل على ذلك قوله: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلإِنسَٰنُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ ٱلْكَرِيمِ﴾ (أي: ما غرك في عبادتك غير ربك الكريم) الذي خلقك فسواك فعدلك. وقيل: ﴿كَلاَّ﴾ بمعنى "حَقَّاً هَذَا"، أو بمعنى "أَلاَ". ولذلك، لم ير أبو حاتم الوقف (عليها)، وأجازه نصير. وقيل: المعنى ليس كما غررت به، بل تكذب بالدين. وقال مجاهد: ﴿بِٱلدِّينِ﴾: "بالحساب". وقال قتادة" ﴿بِٱلدِّينِ﴾: "يوم شدة، يوم يدين الله (العباد) بأعمالهم". * * - ثم قال تعالى: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ﴾. أي: وإن عليكم أيها الناس رقباء حافظين لأعمالكم حتى تدانوا بها يوم القيامة. ثم وصف الحافظين فقال: * * - ﴿كِرَاماً كَاتِبِينَ﴾. أي: كراماً على الله يكتبون أعمالكم. قال مجاهد: يُوكِل بكل إنسان ملكين، ملكاً عن يمينه يكتب الخير، وملكاً عن شماله يكتب الشر. * * - وقوله: ﴿يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾. أي: يعلم هؤلاء الحفظة ما تفعلون من خير وشر [فيحصونه] عليكم. قال أبو عبد الرحمن السلمي: إن الملك يأتي أحدكم كل غدوة بصحيفة بيضاء، فإذا صلى الغدوة [فليمل] فيها خيراً، فإذا طلعت الشمس فليقم لحاجته، فإذا صلى العصر فليمل فيها خيراً. فإنه إذا أملى في أول [صحيفته] وآخرها خيراً (كان) عسى أن يكفر ما بينهما. * * - ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱلأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ﴾. أي: إن الذين بروا بأداء فرائض الله واجتناب محارمه لفي نعيم الجنان يوم القيامة. وقيل: إنما سموا أبراراً لأنهم بروا الآباء والأبناء. - ثم (قال) تعالى: ﴿وَإِنَّ ٱلْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ﴾ ﴿يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ (ٱلدِّينِ)﴾. أتى بلفظ التأنيث في ﴿يَصْلَوْنَهَا﴾ حملاً على تأنيث النار، أي: يَصْلَى الفجار الجحيم يوماً يدان فيه العباد (بأعمالهم. وقال ابن عباس: "﴿يَوْمَ ٱلدِّينِ﴾) من أسماء يوم القيامة، [عظمه] الله وحذره عباده". * * - ثم قال تعالى: ﴿وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَآئِبِينَ﴾. أي: وما هؤلاء الفجار عن الجحيم بخارجين أبداً [فغائبين] عنها، [لكنهم] مخلدون فيها أبداً. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَمَآ أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ ٱلدِّينِ * ثُمَّ مَآ أَدْرَاكَ (مَا يَوْمُ ٱلدِّينِ)﴾. أي: وما أشعرك، يا محمد، أي شيء يوم الدين!، ثم كرره معظماً له محذراً (منه) عباده. وقيل: إن هذا ليس بتكرير. ومعناه: وما أدراك، يا محمد، ما في يوم الدين من العذاب للفجار!، وما أدراك ما في يوم الدين من النعيم للأبرار!. ثم فسر بعض شأن ذلك اليوم فقال: * * - ﴿يَوْمَ لاَ تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً﴾ أي: ذلك اليوم يوم لا تملك فيه نفس لنفس نفعاً ولا ضراً. ومن رفع ﴿يَوْمَ لاَ تَمْلِكُ﴾ جعله بدلاً مما قبله، أو على إضمار مبتدأ، أي: [هو يوم لا تملك]. واختار الفراء والكسائي [الرفع فيه] لأنه مضاف إلى مستقبل، ولو كان مضافاً إلى ماض لآثروا الفتح، فهو عندهم في الاختيار مُعَرَّبٌ إذا أضيف إلى معرب، ومبني إذا أضيف إلى مبني. ويجوز في المستقبل من البناء على الفتح مثل ما جاز في الماضي. ومن فتح ﴿يَوْمَ لاَ تَمْلِكُ﴾ فعلى الظرف، أي: [الدين] في يوم تملك. ولا يجوز عند الخليل وسيبويه: أن يكون مبنياً وهو [مضاف] إلى معربٍ، إنما يجوز ذلك إذا أضيف إلى ماضٍ. وأجاز الفراء أن يكون مبنياً وإن كان مضافاً إلى معرب، وأن يكون منصوباً معربا، وأن يكون - إذا كان مبنياً - في موضع نصب على الظرف، وفي موضع رفع على إضمار مبتدأ. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَٱلأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾. أي: والأمر كله - يوم الدين - لله (أي)، ليس لأحد من خلقه أمر ولا نهي يومئذ. ومن رفع ﴿يَوْمَ لاَ تَمْلِكُ﴾ على البدل من ﴿يَوْمَ﴾ مرفوع قبله أو فتحه - وهو في موضع رفع على البدل منه أيضاً - أو نصبه على البدل من ﴿يَصْلَوْنَهَا (يَوْمَ ٱلدِّينِ)﴾، لم يبتدئ به. ومن رفعه على إضمار مبتدأ أو نصبه على إضمار فعل بمعنى: اذكر يوم لا تملك، أو فَتَحَه وهو في موضع رفع على إضمار مبتدأ، ابتدأ به.

الانفطار 82:3

قوله تعالى: ﴿إِذَا ٱلسَّمَآءُ ٱنفَطَرَتْ﴾ إلى آخرها. [إذا السماء انفطرت، بمنزلة قوله: ﴿إِذَا ٱلسَّمَآءُ ٱنشَقَّتْ﴾ [الإنشقاق: ١]]. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَا ٱلْكَوَاكِبُ ٱنتَثَرَتْ﴾. أي: تساقطت. وقد تقدم ذكر هذا. * * - ثم قال ﴿وَإِذَا ٱلْبِحَارُ فُجِّرَتْ﴾. أي: فجر الله بعضها في بعض. قال قتادة: "فَجّرَ عَذْبَهَا في مالحها، ومالحها في عذبها". * * - ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَا ٱلْقُبُورُ بُعْثِرَتْ﴾. أي: [أثيرت] فاستخرج من فيها من الموتى أحياء. يقال: بعثر فلان حوض فلان [وبحْثره]: إذا جعل أسفله أعلاه. قال ابن عباس: ﴿بُعْثِرَتْ﴾: "بُحِثَتْ". وقال الفراء: بُعْثِرَتْ فألْقَتْ ما فيها من الكنوز والموتى. ولا معنى للكنوز في هذا؛ لأنه يوم القيامة، ولا كنز في القبور. * * - ثم قال تعالى: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ﴾. هذا جواب ﴿إِذَا ٱلسَّمَآءُ ٱنفَطَرَتْ﴾ وما بعده، أي: علمت كل نفس ما قدمت لذلك اليوم وما أخرت من عمل صال أو سيء. وقيل: معنى (أخرت)، أي: ما سنت من عمل فيعمل به بعده. (قاله القرظي). وقيل: معناه: ما قدمت من العمل المفروض فعملت به، وما تركت منه. وهو قول [ابن] عباس وعكرمة وقتادة وابن زيد. أي: [ما] عملت مما فرض عليها، وما تركت فلم تعمل (به). * * - ثم قال تعالى: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلإِنسَٰنُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ ٱلْكَرِيمِ﴾. أي: يا أيها الإنسان الكافر بربه، أي شيء غرك بربك الكريم حتى كفرت به وجحدت نعمه؟! قال الطبري: غَرَّ الناس عدوُّهم المسلط عليهم. وقاله قتادة. * * - وقوله: ﴿ٱلَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ﴾. أي: اخترع خلقك [بعد] إن لم تكن شيئاً فسوى خلقك. ﴿فَعَدَلَكَ﴾ أي: فقومك، فجعل خلقك معتدلاً، (لا) تزيد رجل (على رجل)، ولا يد على يد. ودل على هذا قوله: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَانَ فِيۤ أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين: ٤]. ومن خفف ﴿فَعَدَلَكَ﴾ فمعناه: صرفك إلى أي صورة شاء، إما حسنٌ وإما قبيحٌ، وإما طويل وإما قصير. * * وقوله: ﴿فِيۤ أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَآءَ رَكَّبَكَ﴾. يدل على هذا المعنى. فقراءة (التشديد أولى [ليفيد] الكلام فائدتين مجددتين، لأن معنى التخفيف هو ما أفاد). * * قوله: ﴿فِيۤ أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَآءَ رَكَّبَكَ﴾. و ﴿فِيۤ﴾ متعلقة بِ ﴿رَكَّبَكَ﴾، ولا يحسن أن تتعلق بِـ (عدلك) لأنك إنما تقول: عدلت إلى كذا، ولا تقول عدلته في كذا. وقد غلط الفراء فمنع قراءة التخفيف واستبعدها لإتيان ﴿فِيۤ﴾ بعد (عدلك)، فظن أن ﴿فِيۤ﴾ متعلقة بـِ (عدلك)، وليست كما ظن. وقد قيل: إن القراءة بالتشديد هي من هذا المعنى على التكثير، أي: صرفك مرة بعد مرة إلى أي صورة شاء. وقيل: معنى التخفيف: (أمالك إلى) ما شاء من حسن وقبح وصحة وسقم. وقال مجاهد: ﴿(فِيۤ أَيِّ صُورَةٍ) مَّا شَآءَ رَكَّبَكَ﴾ معناه: في أي شبه أب أو أم أو خال أو عم شاء خلقك. وقال أبو صالح: معناه: إن شاء في صورة كلب أو خنزير أو حمار. وروي أن النبي ﷺ قال: إن النطفة إذا استقرت في الرحم أحضرها الله كل نسب بينها وبين آدم، أما قرأت في ﴿فِيۤ أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَآءَ رَكَّبَكَ﴾؟! والتقدير في الكلام: في أي صورة ما شاء أن يركبك ﴿رَكَّبَكَ﴾. وفي حديث آخر أنه قال: "إِنَّ اللهَ - جَلَّ وَعَزَّ - إِذَا أَرَادَ أَنْ يَخْلُقَ النَّسْمَةَ فَجَامَعَ الرَّجُلُ المَرْأَةَ، طَارَ مَاؤُهُ فِي كُلِّ عَرْقٍ مِنْهَا، ثُمَّ أَحْضَرَ لَهُ آباءَه مِنْ لُدُنِ آدَمَ، ثُمَّ صَوَّرَهُ فِي صُورَةِ وَاحِدٍ [مِنْهُمْ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ]: ﴿فِيۤ أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَآءَ رَكَّبَكَ﴾ ثم قال: ﴿كَلاَّ بَلْ تُكَذِّبُونَ بِٱلدِّينِ﴾. أي: ليس الأمر - أيها الكافرون - على ما تقولون من أنكم على الحق في عبادتكم غيرَ الله، لكنكم تكذبون بالجزاء والبعث والجنة والنار. ودل على ذلك قوله: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلإِنسَٰنُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ ٱلْكَرِيمِ﴾ (أي: ما غرك في عبادتك غير ربك الكريم) الذي خلقك فسواك فعدلك. وقيل: ﴿كَلاَّ﴾ بمعنى "حَقَّاً هَذَا"، أو بمعنى "أَلاَ". ولذلك، لم ير أبو حاتم الوقف (عليها)، وأجازه نصير. وقيل: المعنى ليس كما غررت به، بل تكذب بالدين. وقال مجاهد: ﴿بِٱلدِّينِ﴾: "بالحساب". وقال قتادة" ﴿بِٱلدِّينِ﴾: "يوم شدة، يوم يدين الله (العباد) بأعمالهم". * * - ثم قال تعالى: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ﴾. أي: وإن عليكم أيها الناس رقباء حافظين لأعمالكم حتى تدانوا بها يوم القيامة. ثم وصف الحافظين فقال: * * - ﴿كِرَاماً كَاتِبِينَ﴾. أي: كراماً على الله يكتبون أعمالكم. قال مجاهد: يُوكِل بكل إنسان ملكين، ملكاً عن يمينه يكتب الخير، وملكاً عن شماله يكتب الشر. * * - وقوله: ﴿يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾. أي: يعلم هؤلاء الحفظة ما تفعلون من خير وشر [فيحصونه] عليكم. قال أبو عبد الرحمن السلمي: إن الملك يأتي أحدكم كل غدوة بصحيفة بيضاء، فإذا صلى الغدوة [فليمل] فيها خيراً، فإذا طلعت الشمس فليقم لحاجته، فإذا صلى العصر فليمل فيها خيراً. فإنه إذا أملى في أول [صحيفته] وآخرها خيراً (كان) عسى أن يكفر ما بينهما. * * - ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱلأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ﴾. أي: إن الذين بروا بأداء فرائض الله واجتناب محارمه لفي نعيم الجنان يوم القيامة. وقيل: إنما سموا أبراراً لأنهم بروا الآباء والأبناء. - ثم (قال) تعالى: ﴿وَإِنَّ ٱلْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ﴾ ﴿يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ (ٱلدِّينِ)﴾. أتى بلفظ التأنيث في ﴿يَصْلَوْنَهَا﴾ حملاً على تأنيث النار، أي: يَصْلَى الفجار الجحيم يوماً يدان فيه العباد (بأعمالهم. وقال ابن عباس: "﴿يَوْمَ ٱلدِّينِ﴾) من أسماء يوم القيامة، [عظمه] الله وحذره عباده". * * - ثم قال تعالى: ﴿وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَآئِبِينَ﴾. أي: وما هؤلاء الفجار عن الجحيم بخارجين أبداً [فغائبين] عنها، [لكنهم] مخلدون فيها أبداً. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَمَآ أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ ٱلدِّينِ * ثُمَّ مَآ أَدْرَاكَ (مَا يَوْمُ ٱلدِّينِ)﴾. أي: وما أشعرك، يا محمد، أي شيء يوم الدين!، ثم كرره معظماً له محذراً (منه) عباده. وقيل: إن هذا ليس بتكرير. ومعناه: وما أدراك، يا محمد، ما في يوم الدين من العذاب للفجار!، وما أدراك ما في يوم الدين من النعيم للأبرار!. ثم فسر بعض شأن ذلك اليوم فقال: * * - ﴿يَوْمَ لاَ تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً﴾ أي: ذلك اليوم يوم لا تملك فيه نفس لنفس نفعاً ولا ضراً. ومن رفع ﴿يَوْمَ لاَ تَمْلِكُ﴾ جعله بدلاً مما قبله، أو على إضمار مبتدأ، أي: [هو يوم لا تملك]. واختار الفراء والكسائي [الرفع فيه] لأنه مضاف إلى مستقبل، ولو كان مضافاً إلى ماض لآثروا الفتح، فهو عندهم في الاختيار مُعَرَّبٌ إذا أضيف إلى معرب، ومبني إذا أضيف إلى مبني. ويجوز في المستقبل من البناء على الفتح مثل ما جاز في الماضي. ومن فتح ﴿يَوْمَ لاَ تَمْلِكُ﴾ فعلى الظرف، أي: [الدين] في يوم تملك. ولا يجوز عند الخليل وسيبويه: أن يكون مبنياً وهو [مضاف] إلى معربٍ، إنما يجوز ذلك إذا أضيف إلى ماضٍ. وأجاز الفراء أن يكون مبنياً وإن كان مضافاً إلى معرب، وأن يكون منصوباً معربا، وأن يكون - إذا كان مبنياً - في موضع نصب على الظرف، وفي موضع رفع على إضمار مبتدأ. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَٱلأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾. أي: والأمر كله - يوم الدين - لله (أي)، ليس لأحد من خلقه أمر ولا نهي يومئذ. ومن رفع ﴿يَوْمَ لاَ تَمْلِكُ﴾ على البدل من ﴿يَوْمَ﴾ مرفوع قبله أو فتحه - وهو في موضع رفع على البدل منه أيضاً - أو نصبه على البدل من ﴿يَصْلَوْنَهَا (يَوْمَ ٱلدِّينِ)﴾، لم يبتدئ به. ومن رفعه على إضمار مبتدأ أو نصبه على إضمار فعل بمعنى: اذكر يوم لا تملك، أو فَتَحَه وهو في موضع رفع على إضمار مبتدأ، ابتدأ به.

الانفطار 82:4

قوله تعالى: ﴿إِذَا ٱلسَّمَآءُ ٱنفَطَرَتْ﴾ إلى آخرها. [إذا السماء انفطرت، بمنزلة قوله: ﴿إِذَا ٱلسَّمَآءُ ٱنشَقَّتْ﴾ [الإنشقاق: ١]]. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَا ٱلْكَوَاكِبُ ٱنتَثَرَتْ﴾. أي: تساقطت. وقد تقدم ذكر هذا. * * - ثم قال ﴿وَإِذَا ٱلْبِحَارُ فُجِّرَتْ﴾. أي: فجر الله بعضها في بعض. قال قتادة: "فَجّرَ عَذْبَهَا في مالحها، ومالحها في عذبها". * * - ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَا ٱلْقُبُورُ بُعْثِرَتْ﴾. أي: [أثيرت] فاستخرج من فيها من الموتى أحياء. يقال: بعثر فلان حوض فلان [وبحْثره]: إذا جعل أسفله أعلاه. قال ابن عباس: ﴿بُعْثِرَتْ﴾: "بُحِثَتْ". وقال الفراء: بُعْثِرَتْ فألْقَتْ ما فيها من الكنوز والموتى. ولا معنى للكنوز في هذا؛ لأنه يوم القيامة، ولا كنز في القبور. * * - ثم قال تعالى: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ﴾. هذا جواب ﴿إِذَا ٱلسَّمَآءُ ٱنفَطَرَتْ﴾ وما بعده، أي: علمت كل نفس ما قدمت لذلك اليوم وما أخرت من عمل صال أو سيء. وقيل: معنى (أخرت)، أي: ما سنت من عمل فيعمل به بعده. (قاله القرظي). وقيل: معناه: ما قدمت من العمل المفروض فعملت به، وما تركت منه. وهو قول [ابن] عباس وعكرمة وقتادة وابن زيد. أي: [ما] عملت مما فرض عليها، وما تركت فلم تعمل (به). * * - ثم قال تعالى: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلإِنسَٰنُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ ٱلْكَرِيمِ﴾. أي: يا أيها الإنسان الكافر بربه، أي شيء غرك بربك الكريم حتى كفرت به وجحدت نعمه؟! قال الطبري: غَرَّ الناس عدوُّهم المسلط عليهم. وقاله قتادة. * * - وقوله: ﴿ٱلَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ﴾. أي: اخترع خلقك [بعد] إن لم تكن شيئاً فسوى خلقك. ﴿فَعَدَلَكَ﴾ أي: فقومك، فجعل خلقك معتدلاً، (لا) تزيد رجل (على رجل)، ولا يد على يد. ودل على هذا قوله: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَانَ فِيۤ أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين: ٤]. ومن خفف ﴿فَعَدَلَكَ﴾ فمعناه: صرفك إلى أي صورة شاء، إما حسنٌ وإما قبيحٌ، وإما طويل وإما قصير. * * وقوله: ﴿فِيۤ أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَآءَ رَكَّبَكَ﴾. يدل على هذا المعنى. فقراءة (التشديد أولى [ليفيد] الكلام فائدتين مجددتين، لأن معنى التخفيف هو ما أفاد). * * قوله: ﴿فِيۤ أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَآءَ رَكَّبَكَ﴾. و ﴿فِيۤ﴾ متعلقة بِ ﴿رَكَّبَكَ﴾، ولا يحسن أن تتعلق بِـ (عدلك) لأنك إنما تقول: عدلت إلى كذا، ولا تقول عدلته في كذا. وقد غلط الفراء فمنع قراءة التخفيف واستبعدها لإتيان ﴿فِيۤ﴾ بعد (عدلك)، فظن أن ﴿فِيۤ﴾ متعلقة بـِ (عدلك)، وليست كما ظن. وقد قيل: إن القراءة بالتشديد هي من هذا المعنى على التكثير، أي: صرفك مرة بعد مرة إلى أي صورة شاء. وقيل: معنى التخفيف: (أمالك إلى) ما شاء من حسن وقبح وصحة وسقم. وقال مجاهد: ﴿(فِيۤ أَيِّ صُورَةٍ) مَّا شَآءَ رَكَّبَكَ﴾ معناه: في أي شبه أب أو أم أو خال أو عم شاء خلقك. وقال أبو صالح: معناه: إن شاء في صورة كلب أو خنزير أو حمار. وروي أن النبي ﷺ قال: إن النطفة إذا استقرت في الرحم أحضرها الله كل نسب بينها وبين آدم، أما قرأت في ﴿فِيۤ أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَآءَ رَكَّبَكَ﴾؟! والتقدير في الكلام: في أي صورة ما شاء أن يركبك ﴿رَكَّبَكَ﴾. وفي حديث آخر أنه قال: "إِنَّ اللهَ - جَلَّ وَعَزَّ - إِذَا أَرَادَ أَنْ يَخْلُقَ النَّسْمَةَ فَجَامَعَ الرَّجُلُ المَرْأَةَ، طَارَ مَاؤُهُ فِي كُلِّ عَرْقٍ مِنْهَا، ثُمَّ أَحْضَرَ لَهُ آباءَه مِنْ لُدُنِ آدَمَ، ثُمَّ صَوَّرَهُ فِي صُورَةِ وَاحِدٍ [مِنْهُمْ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ]: ﴿فِيۤ أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَآءَ رَكَّبَكَ﴾ ثم قال: ﴿كَلاَّ بَلْ تُكَذِّبُونَ بِٱلدِّينِ﴾. أي: ليس الأمر - أيها الكافرون - على ما تقولون من أنكم على الحق في عبادتكم غيرَ الله، لكنكم تكذبون بالجزاء والبعث والجنة والنار. ودل على ذلك قوله: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلإِنسَٰنُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ ٱلْكَرِيمِ﴾ (أي: ما غرك في عبادتك غير ربك الكريم) الذي خلقك فسواك فعدلك. وقيل: ﴿كَلاَّ﴾ بمعنى "حَقَّاً هَذَا"، أو بمعنى "أَلاَ". ولذلك، لم ير أبو حاتم الوقف (عليها)، وأجازه نصير. وقيل: المعنى ليس كما غررت به، بل تكذب بالدين. وقال مجاهد: ﴿بِٱلدِّينِ﴾: "بالحساب". وقال قتادة" ﴿بِٱلدِّينِ﴾: "يوم شدة، يوم يدين الله (العباد) بأعمالهم". * * - ثم قال تعالى: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ﴾. أي: وإن عليكم أيها الناس رقباء حافظين لأعمالكم حتى تدانوا بها يوم القيامة. ثم وصف الحافظين فقال: * * - ﴿كِرَاماً كَاتِبِينَ﴾. أي: كراماً على الله يكتبون أعمالكم. قال مجاهد: يُوكِل بكل إنسان ملكين، ملكاً عن يمينه يكتب الخير، وملكاً عن شماله يكتب الشر. * * - وقوله: ﴿يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾. أي: يعلم هؤلاء الحفظة ما تفعلون من خير وشر [فيحصونه] عليكم. قال أبو عبد الرحمن السلمي: إن الملك يأتي أحدكم كل غدوة بصحيفة بيضاء، فإذا صلى الغدوة [فليمل] فيها خيراً، فإذا طلعت الشمس فليقم لحاجته، فإذا صلى العصر فليمل فيها خيراً. فإنه إذا أملى في أول [صحيفته] وآخرها خيراً (كان) عسى أن يكفر ما بينهما. * * - ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱلأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ﴾. أي: إن الذين بروا بأداء فرائض الله واجتناب محارمه لفي نعيم الجنان يوم القيامة. وقيل: إنما سموا أبراراً لأنهم بروا الآباء والأبناء. - ثم (قال) تعالى: ﴿وَإِنَّ ٱلْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ﴾ ﴿يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ (ٱلدِّينِ)﴾. أتى بلفظ التأنيث في ﴿يَصْلَوْنَهَا﴾ حملاً على تأنيث النار، أي: يَصْلَى الفجار الجحيم يوماً يدان فيه العباد (بأعمالهم. وقال ابن عباس: "﴿يَوْمَ ٱلدِّينِ﴾) من أسماء يوم القيامة، [عظمه] الله وحذره عباده". * * - ثم قال تعالى: ﴿وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَآئِبِينَ﴾. أي: وما هؤلاء الفجار عن الجحيم بخارجين أبداً [فغائبين] عنها، [لكنهم] مخلدون فيها أبداً. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَمَآ أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ ٱلدِّينِ * ثُمَّ مَآ أَدْرَاكَ (مَا يَوْمُ ٱلدِّينِ)﴾. أي: وما أشعرك، يا محمد، أي شيء يوم الدين!، ثم كرره معظماً له محذراً (منه) عباده. وقيل: إن هذا ليس بتكرير. ومعناه: وما أدراك، يا محمد، ما في يوم الدين من العذاب للفجار!، وما أدراك ما في يوم الدين من النعيم للأبرار!. ثم فسر بعض شأن ذلك اليوم فقال: * * - ﴿يَوْمَ لاَ تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً﴾ أي: ذلك اليوم يوم لا تملك فيه نفس لنفس نفعاً ولا ضراً. ومن رفع ﴿يَوْمَ لاَ تَمْلِكُ﴾ جعله بدلاً مما قبله، أو على إضمار مبتدأ، أي: [هو يوم لا تملك]. واختار الفراء والكسائي [الرفع فيه] لأنه مضاف إلى مستقبل، ولو كان مضافاً إلى ماض لآثروا الفتح، فهو عندهم في الاختيار مُعَرَّبٌ إذا أضيف إلى معرب، ومبني إذا أضيف إلى مبني. ويجوز في المستقبل من البناء على الفتح مثل ما جاز في الماضي. ومن فتح ﴿يَوْمَ لاَ تَمْلِكُ﴾ فعلى الظرف، أي: [الدين] في يوم تملك. ولا يجوز عند الخليل وسيبويه: أن يكون مبنياً وهو [مضاف] إلى معربٍ، إنما يجوز ذلك إذا أضيف إلى ماضٍ. وأجاز الفراء أن يكون مبنياً وإن كان مضافاً إلى معرب، وأن يكون منصوباً معربا، وأن يكون - إذا كان مبنياً - في موضع نصب على الظرف، وفي موضع رفع على إضمار مبتدأ. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَٱلأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾. أي: والأمر كله - يوم الدين - لله (أي)، ليس لأحد من خلقه أمر ولا نهي يومئذ. ومن رفع ﴿يَوْمَ لاَ تَمْلِكُ﴾ على البدل من ﴿يَوْمَ﴾ مرفوع قبله أو فتحه - وهو في موضع رفع على البدل منه أيضاً - أو نصبه على البدل من ﴿يَصْلَوْنَهَا (يَوْمَ ٱلدِّينِ)﴾، لم يبتدئ به. ومن رفعه على إضمار مبتدأ أو نصبه على إضمار فعل بمعنى: اذكر يوم لا تملك، أو فَتَحَه وهو في موضع رفع على إضمار مبتدأ، ابتدأ به.

الانفطار 82:5

قوله تعالى: ﴿إِذَا ٱلسَّمَآءُ ٱنفَطَرَتْ﴾ إلى آخرها. [إذا السماء انفطرت، بمنزلة قوله: ﴿إِذَا ٱلسَّمَآءُ ٱنشَقَّتْ﴾ [الإنشقاق: ١]]. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَا ٱلْكَوَاكِبُ ٱنتَثَرَتْ﴾. أي: تساقطت. وقد تقدم ذكر هذا. * * - ثم قال ﴿وَإِذَا ٱلْبِحَارُ فُجِّرَتْ﴾. أي: فجر الله بعضها في بعض. قال قتادة: "فَجّرَ عَذْبَهَا في مالحها، ومالحها في عذبها". * * - ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَا ٱلْقُبُورُ بُعْثِرَتْ﴾. أي: [أثيرت] فاستخرج من فيها من الموتى أحياء. يقال: بعثر فلان حوض فلان [وبحْثره]: إذا جعل أسفله أعلاه. قال ابن عباس: ﴿بُعْثِرَتْ﴾: "بُحِثَتْ". وقال الفراء: بُعْثِرَتْ فألْقَتْ ما فيها من الكنوز والموتى. ولا معنى للكنوز في هذا؛ لأنه يوم القيامة، ولا كنز في القبور. * * - ثم قال تعالى: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ﴾. هذا جواب ﴿إِذَا ٱلسَّمَآءُ ٱنفَطَرَتْ﴾ وما بعده، أي: علمت كل نفس ما قدمت لذلك اليوم وما أخرت من عمل صال أو سيء. وقيل: معنى (أخرت)، أي: ما سنت من عمل فيعمل به بعده. (قاله القرظي). وقيل: معناه: ما قدمت من العمل المفروض فعملت به، وما تركت منه. وهو قول [ابن] عباس وعكرمة وقتادة وابن زيد. أي: [ما] عملت مما فرض عليها، وما تركت فلم تعمل (به). * * - ثم قال تعالى: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلإِنسَٰنُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ ٱلْكَرِيمِ﴾. أي: يا أيها الإنسان الكافر بربه، أي شيء غرك بربك الكريم حتى كفرت به وجحدت نعمه؟! قال الطبري: غَرَّ الناس عدوُّهم المسلط عليهم. وقاله قتادة. * * - وقوله: ﴿ٱلَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ﴾. أي: اخترع خلقك [بعد] إن لم تكن شيئاً فسوى خلقك. ﴿فَعَدَلَكَ﴾ أي: فقومك، فجعل خلقك معتدلاً، (لا) تزيد رجل (على رجل)، ولا يد على يد. ودل على هذا قوله: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَانَ فِيۤ أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين: ٤]. ومن خفف ﴿فَعَدَلَكَ﴾ فمعناه: صرفك إلى أي صورة شاء، إما حسنٌ وإما قبيحٌ، وإما طويل وإما قصير. * * وقوله: ﴿فِيۤ أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَآءَ رَكَّبَكَ﴾. يدل على هذا المعنى. فقراءة (التشديد أولى [ليفيد] الكلام فائدتين مجددتين، لأن معنى التخفيف هو ما أفاد). * * قوله: ﴿فِيۤ أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَآءَ رَكَّبَكَ﴾. و ﴿فِيۤ﴾ متعلقة بِ ﴿رَكَّبَكَ﴾، ولا يحسن أن تتعلق بِـ (عدلك) لأنك إنما تقول: عدلت إلى كذا، ولا تقول عدلته في كذا. وقد غلط الفراء فمنع قراءة التخفيف واستبعدها لإتيان ﴿فِيۤ﴾ بعد (عدلك)، فظن أن ﴿فِيۤ﴾ متعلقة بـِ (عدلك)، وليست كما ظن. وقد قيل: إن القراءة بالتشديد هي من هذا المعنى على التكثير، أي: صرفك مرة بعد مرة إلى أي صورة شاء. وقيل: معنى التخفيف: (أمالك إلى) ما شاء من حسن وقبح وصحة وسقم. وقال مجاهد: ﴿(فِيۤ أَيِّ صُورَةٍ) مَّا شَآءَ رَكَّبَكَ﴾ معناه: في أي شبه أب أو أم أو خال أو عم شاء خلقك. وقال أبو صالح: معناه: إن شاء في صورة كلب أو خنزير أو حمار. وروي أن النبي ﷺ قال: إن النطفة إذا استقرت في الرحم أحضرها الله كل نسب بينها وبين آدم، أما قرأت في ﴿فِيۤ أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَآءَ رَكَّبَكَ﴾؟! والتقدير في الكلام: في أي صورة ما شاء أن يركبك ﴿رَكَّبَكَ﴾. وفي حديث آخر أنه قال: "إِنَّ اللهَ - جَلَّ وَعَزَّ - إِذَا أَرَادَ أَنْ يَخْلُقَ النَّسْمَةَ فَجَامَعَ الرَّجُلُ المَرْأَةَ، طَارَ مَاؤُهُ فِي كُلِّ عَرْقٍ مِنْهَا، ثُمَّ أَحْضَرَ لَهُ آباءَه مِنْ لُدُنِ آدَمَ، ثُمَّ صَوَّرَهُ فِي صُورَةِ وَاحِدٍ [مِنْهُمْ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ]: ﴿فِيۤ أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَآءَ رَكَّبَكَ﴾ ثم قال: ﴿كَلاَّ بَلْ تُكَذِّبُونَ بِٱلدِّينِ﴾. أي: ليس الأمر - أيها الكافرون - على ما تقولون من أنكم على الحق في عبادتكم غيرَ الله، لكنكم تكذبون بالجزاء والبعث والجنة والنار. ودل على ذلك قوله: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلإِنسَٰنُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ ٱلْكَرِيمِ﴾ (أي: ما غرك في عبادتك غير ربك الكريم) الذي خلقك فسواك فعدلك. وقيل: ﴿كَلاَّ﴾ بمعنى "حَقَّاً هَذَا"، أو بمعنى "أَلاَ". ولذلك، لم ير أبو حاتم الوقف (عليها)، وأجازه نصير. وقيل: المعنى ليس كما غررت به، بل تكذب بالدين. وقال مجاهد: ﴿بِٱلدِّينِ﴾: "بالحساب". وقال قتادة" ﴿بِٱلدِّينِ﴾: "يوم شدة، يوم يدين الله (العباد) بأعمالهم". * * - ثم قال تعالى: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ﴾. أي: وإن عليكم أيها الناس رقباء حافظين لأعمالكم حتى تدانوا بها يوم القيامة. ثم وصف الحافظين فقال: * * - ﴿كِرَاماً كَاتِبِينَ﴾. أي: كراماً على الله يكتبون أعمالكم. قال مجاهد: يُوكِل بكل إنسان ملكين، ملكاً عن يمينه يكتب الخير، وملكاً عن شماله يكتب الشر. * * - وقوله: ﴿يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾. أي: يعلم هؤلاء الحفظة ما تفعلون من خير وشر [فيحصونه] عليكم. قال أبو عبد الرحمن السلمي: إن الملك يأتي أحدكم كل غدوة بصحيفة بيضاء، فإذا صلى الغدوة [فليمل] فيها خيراً، فإذا طلعت الشمس فليقم لحاجته، فإذا صلى العصر فليمل فيها خيراً. فإنه إذا أملى في أول [صحيفته] وآخرها خيراً (كان) عسى أن يكفر ما بينهما. * * - ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱلأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ﴾. أي: إن الذين بروا بأداء فرائض الله واجتناب محارمه لفي نعيم الجنان يوم القيامة. وقيل: إنما سموا أبراراً لأنهم بروا الآباء والأبناء. - ثم (قال) تعالى: ﴿وَإِنَّ ٱلْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ﴾ ﴿يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ (ٱلدِّينِ)﴾. أتى بلفظ التأنيث في ﴿يَصْلَوْنَهَا﴾ حملاً على تأنيث النار، أي: يَصْلَى الفجار الجحيم يوماً يدان فيه العباد (بأعمالهم. وقال ابن عباس: "﴿يَوْمَ ٱلدِّينِ﴾) من أسماء يوم القيامة، [عظمه] الله وحذره عباده". * * - ثم قال تعالى: ﴿وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَآئِبِينَ﴾. أي: وما هؤلاء الفجار عن الجحيم بخارجين أبداً [فغائبين] عنها، [لكنهم] مخلدون فيها أبداً. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَمَآ أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ ٱلدِّينِ * ثُمَّ مَآ أَدْرَاكَ (مَا يَوْمُ ٱلدِّينِ)﴾. أي: وما أشعرك، يا محمد، أي شيء يوم الدين!، ثم كرره معظماً له محذراً (منه) عباده. وقيل: إن هذا ليس بتكرير. ومعناه: وما أدراك، يا محمد، ما في يوم الدين من العذاب للفجار!، وما أدراك ما في يوم الدين من النعيم للأبرار!. ثم فسر بعض شأن ذلك اليوم فقال: * * - ﴿يَوْمَ لاَ تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً﴾ أي: ذلك اليوم يوم لا تملك فيه نفس لنفس نفعاً ولا ضراً. ومن رفع ﴿يَوْمَ لاَ تَمْلِكُ﴾ جعله بدلاً مما قبله، أو على إضمار مبتدأ، أي: [هو يوم لا تملك]. واختار الفراء والكسائي [الرفع فيه] لأنه مضاف إلى مستقبل، ولو كان مضافاً إلى ماض لآثروا الفتح، فهو عندهم في الاختيار مُعَرَّبٌ إذا أضيف إلى معرب، ومبني إذا أضيف إلى مبني. ويجوز في المستقبل من البناء على الفتح مثل ما جاز في الماضي. ومن فتح ﴿يَوْمَ لاَ تَمْلِكُ﴾ فعلى الظرف، أي: [الدين] في يوم تملك. ولا يجوز عند الخليل وسيبويه: أن يكون مبنياً وهو [مضاف] إلى معربٍ، إنما يجوز ذلك إذا أضيف إلى ماضٍ. وأجاز الفراء أن يكون مبنياً وإن كان مضافاً إلى معرب، وأن يكون منصوباً معربا، وأن يكون - إذا كان مبنياً - في موضع نصب على الظرف، وفي موضع رفع على إضمار مبتدأ. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَٱلأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾. أي: والأمر كله - يوم الدين - لله (أي)، ليس لأحد من خلقه أمر ولا نهي يومئذ. ومن رفع ﴿يَوْمَ لاَ تَمْلِكُ﴾ على البدل من ﴿يَوْمَ﴾ مرفوع قبله أو فتحه - وهو في موضع رفع على البدل منه أيضاً - أو نصبه على البدل من ﴿يَصْلَوْنَهَا (يَوْمَ ٱلدِّينِ)﴾، لم يبتدئ به. ومن رفعه على إضمار مبتدأ أو نصبه على إضمار فعل بمعنى: اذكر يوم لا تملك، أو فَتَحَه وهو في موضع رفع على إضمار مبتدأ، ابتدأ به.

الانفطار 82:6

قوله تعالى: ﴿إِذَا ٱلسَّمَآءُ ٱنفَطَرَتْ﴾ إلى آخرها. [إذا السماء انفطرت، بمنزلة قوله: ﴿إِذَا ٱلسَّمَآءُ ٱنشَقَّتْ﴾ [الإنشقاق: ١]]. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَا ٱلْكَوَاكِبُ ٱنتَثَرَتْ﴾. أي: تساقطت. وقد تقدم ذكر هذا. * * - ثم قال ﴿وَإِذَا ٱلْبِحَارُ فُجِّرَتْ﴾. أي: فجر الله بعضها في بعض. قال قتادة: "فَجّرَ عَذْبَهَا في مالحها، ومالحها في عذبها". * * - ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَا ٱلْقُبُورُ بُعْثِرَتْ﴾. أي: [أثيرت] فاستخرج من فيها من الموتى أحياء. يقال: بعثر فلان حوض فلان [وبحْثره]: إذا جعل أسفله أعلاه. قال ابن عباس: ﴿بُعْثِرَتْ﴾: "بُحِثَتْ". وقال الفراء: بُعْثِرَتْ فألْقَتْ ما فيها من الكنوز والموتى. ولا معنى للكنوز في هذا؛ لأنه يوم القيامة، ولا كنز في القبور. * * - ثم قال تعالى: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ﴾. هذا جواب ﴿إِذَا ٱلسَّمَآءُ ٱنفَطَرَتْ﴾ وما بعده، أي: علمت كل نفس ما قدمت لذلك اليوم وما أخرت من عمل صال أو سيء. وقيل: معنى (أخرت)، أي: ما سنت من عمل فيعمل به بعده. (قاله القرظي). وقيل: معناه: ما قدمت من العمل المفروض فعملت به، وما تركت منه. وهو قول [ابن] عباس وعكرمة وقتادة وابن زيد. أي: [ما] عملت مما فرض عليها، وما تركت فلم تعمل (به). * * - ثم قال تعالى: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلإِنسَٰنُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ ٱلْكَرِيمِ﴾. أي: يا أيها الإنسان الكافر بربه، أي شيء غرك بربك الكريم حتى كفرت به وجحدت نعمه؟! قال الطبري: غَرَّ الناس عدوُّهم المسلط عليهم. وقاله قتادة. * * - وقوله: ﴿ٱلَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ﴾. أي: اخترع خلقك [بعد] إن لم تكن شيئاً فسوى خلقك. ﴿فَعَدَلَكَ﴾ أي: فقومك، فجعل خلقك معتدلاً، (لا) تزيد رجل (على رجل)، ولا يد على يد. ودل على هذا قوله: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَانَ فِيۤ أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين: ٤]. ومن خفف ﴿فَعَدَلَكَ﴾ فمعناه: صرفك إلى أي صورة شاء، إما حسنٌ وإما قبيحٌ، وإما طويل وإما قصير. * * وقوله: ﴿فِيۤ أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَآءَ رَكَّبَكَ﴾. يدل على هذا المعنى. فقراءة (التشديد أولى [ليفيد] الكلام فائدتين مجددتين، لأن معنى التخفيف هو ما أفاد). * * قوله: ﴿فِيۤ أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَآءَ رَكَّبَكَ﴾. و ﴿فِيۤ﴾ متعلقة بِ ﴿رَكَّبَكَ﴾، ولا يحسن أن تتعلق بِـ (عدلك) لأنك إنما تقول: عدلت إلى كذا، ولا تقول عدلته في كذا. وقد غلط الفراء فمنع قراءة التخفيف واستبعدها لإتيان ﴿فِيۤ﴾ بعد (عدلك)، فظن أن ﴿فِيۤ﴾ متعلقة بـِ (عدلك)، وليست كما ظن. وقد قيل: إن القراءة بالتشديد هي من هذا المعنى على التكثير، أي: صرفك مرة بعد مرة إلى أي صورة شاء. وقيل: معنى التخفيف: (أمالك إلى) ما شاء من حسن وقبح وصحة وسقم. وقال مجاهد: ﴿(فِيۤ أَيِّ صُورَةٍ) مَّا شَآءَ رَكَّبَكَ﴾ معناه: في أي شبه أب أو أم أو خال أو عم شاء خلقك. وقال أبو صالح: معناه: إن شاء في صورة كلب أو خنزير أو حمار. وروي أن النبي ﷺ قال: إن النطفة إذا استقرت في الرحم أحضرها الله كل نسب بينها وبين آدم، أما قرأت في ﴿فِيۤ أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَآءَ رَكَّبَكَ﴾؟! والتقدير في الكلام: في أي صورة ما شاء أن يركبك ﴿رَكَّبَكَ﴾. وفي حديث آخر أنه قال: "إِنَّ اللهَ - جَلَّ وَعَزَّ - إِذَا أَرَادَ أَنْ يَخْلُقَ النَّسْمَةَ فَجَامَعَ الرَّجُلُ المَرْأَةَ، طَارَ مَاؤُهُ فِي كُلِّ عَرْقٍ مِنْهَا، ثُمَّ أَحْضَرَ لَهُ آباءَه مِنْ لُدُنِ آدَمَ، ثُمَّ صَوَّرَهُ فِي صُورَةِ وَاحِدٍ [مِنْهُمْ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ]: ﴿فِيۤ أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَآءَ رَكَّبَكَ﴾ ثم قال: ﴿كَلاَّ بَلْ تُكَذِّبُونَ بِٱلدِّينِ﴾. أي: ليس الأمر - أيها الكافرون - على ما تقولون من أنكم على الحق في عبادتكم غيرَ الله، لكنكم تكذبون بالجزاء والبعث والجنة والنار. ودل على ذلك قوله: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلإِنسَٰنُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ ٱلْكَرِيمِ﴾ (أي: ما غرك في عبادتك غير ربك الكريم) الذي خلقك فسواك فعدلك. وقيل: ﴿كَلاَّ﴾ بمعنى "حَقَّاً هَذَا"، أو بمعنى "أَلاَ". ولذلك، لم ير أبو حاتم الوقف (عليها)، وأجازه نصير. وقيل: المعنى ليس كما غررت به، بل تكذب بالدين. وقال مجاهد: ﴿بِٱلدِّينِ﴾: "بالحساب". وقال قتادة" ﴿بِٱلدِّينِ﴾: "يوم شدة، يوم يدين الله (العباد) بأعمالهم". * * - ثم قال تعالى: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ﴾. أي: وإن عليكم أيها الناس رقباء حافظين لأعمالكم حتى تدانوا بها يوم القيامة. ثم وصف الحافظين فقال: * * - ﴿كِرَاماً كَاتِبِينَ﴾. أي: كراماً على الله يكتبون أعمالكم. قال مجاهد: يُوكِل بكل إنسان ملكين، ملكاً عن يمينه يكتب الخير، وملكاً عن شماله يكتب الشر. * * - وقوله: ﴿يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾. أي: يعلم هؤلاء الحفظة ما تفعلون من خير وشر [فيحصونه] عليكم. قال أبو عبد الرحمن السلمي: إن الملك يأتي أحدكم كل غدوة بصحيفة بيضاء، فإذا صلى الغدوة [فليمل] فيها خيراً، فإذا طلعت الشمس فليقم لحاجته، فإذا صلى العصر فليمل فيها خيراً. فإنه إذا أملى في أول [صحيفته] وآخرها خيراً (كان) عسى أن يكفر ما بينهما. * * - ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱلأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ﴾. أي: إن الذين بروا بأداء فرائض الله واجتناب محارمه لفي نعيم الجنان يوم القيامة. وقيل: إنما سموا أبراراً لأنهم بروا الآباء والأبناء. - ثم (قال) تعالى: ﴿وَإِنَّ ٱلْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ﴾ ﴿يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ (ٱلدِّينِ)﴾. أتى بلفظ التأنيث في ﴿يَصْلَوْنَهَا﴾ حملاً على تأنيث النار، أي: يَصْلَى الفجار الجحيم يوماً يدان فيه العباد (بأعمالهم. وقال ابن عباس: "﴿يَوْمَ ٱلدِّينِ﴾) من أسماء يوم القيامة، [عظمه] الله وحذره عباده". * * - ثم قال تعالى: ﴿وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَآئِبِينَ﴾. أي: وما هؤلاء الفجار عن الجحيم بخارجين أبداً [فغائبين] عنها، [لكنهم] مخلدون فيها أبداً. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَمَآ أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ ٱلدِّينِ * ثُمَّ مَآ أَدْرَاكَ (مَا يَوْمُ ٱلدِّينِ)﴾. أي: وما أشعرك، يا محمد، أي شيء يوم الدين!، ثم كرره معظماً له محذراً (منه) عباده. وقيل: إن هذا ليس بتكرير. ومعناه: وما أدراك، يا محمد، ما في يوم الدين من العذاب للفجار!، وما أدراك ما في يوم الدين من النعيم للأبرار!. ثم فسر بعض شأن ذلك اليوم فقال: * * - ﴿يَوْمَ لاَ تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً﴾ أي: ذلك اليوم يوم لا تملك فيه نفس لنفس نفعاً ولا ضراً. ومن رفع ﴿يَوْمَ لاَ تَمْلِكُ﴾ جعله بدلاً مما قبله، أو على إضمار مبتدأ، أي: [هو يوم لا تملك]. واختار الفراء والكسائي [الرفع فيه] لأنه مضاف إلى مستقبل، ولو كان مضافاً إلى ماض لآثروا الفتح، فهو عندهم في الاختيار مُعَرَّبٌ إذا أضيف إلى معرب، ومبني إذا أضيف إلى مبني. ويجوز في المستقبل من البناء على الفتح مثل ما جاز في الماضي. ومن فتح ﴿يَوْمَ لاَ تَمْلِكُ﴾ فعلى الظرف، أي: [الدين] في يوم تملك. ولا يجوز عند الخليل وسيبويه: أن يكون مبنياً وهو [مضاف] إلى معربٍ، إنما يجوز ذلك إذا أضيف إلى ماضٍ. وأجاز الفراء أن يكون مبنياً وإن كان مضافاً إلى معرب، وأن يكون منصوباً معربا، وأن يكون - إذا كان مبنياً - في موضع نصب على الظرف، وفي موضع رفع على إضمار مبتدأ. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَٱلأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾. أي: والأمر كله - يوم الدين - لله (أي)، ليس لأحد من خلقه أمر ولا نهي يومئذ. ومن رفع ﴿يَوْمَ لاَ تَمْلِكُ﴾ على البدل من ﴿يَوْمَ﴾ مرفوع قبله أو فتحه - وهو في موضع رفع على البدل منه أيضاً - أو نصبه على البدل من ﴿يَصْلَوْنَهَا (يَوْمَ ٱلدِّينِ)﴾، لم يبتدئ به. ومن رفعه على إضمار مبتدأ أو نصبه على إضمار فعل بمعنى: اذكر يوم لا تملك، أو فَتَحَه وهو في موضع رفع على إضمار مبتدأ، ابتدأ به.

الانفطار 82:7

قوله تعالى: ﴿إِذَا ٱلسَّمَآءُ ٱنفَطَرَتْ﴾ إلى آخرها. [إذا السماء انفطرت، بمنزلة قوله: ﴿إِذَا ٱلسَّمَآءُ ٱنشَقَّتْ﴾ [الإنشقاق: ١]]. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَا ٱلْكَوَاكِبُ ٱنتَثَرَتْ﴾. أي: تساقطت. وقد تقدم ذكر هذا. * * - ثم قال ﴿وَإِذَا ٱلْبِحَارُ فُجِّرَتْ﴾. أي: فجر الله بعضها في بعض. قال قتادة: "فَجّرَ عَذْبَهَا في مالحها، ومالحها في عذبها". * * - ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَا ٱلْقُبُورُ بُعْثِرَتْ﴾. أي: [أثيرت] فاستخرج من فيها من الموتى أحياء. يقال: بعثر فلان حوض فلان [وبحْثره]: إذا جعل أسفله أعلاه. قال ابن عباس: ﴿بُعْثِرَتْ﴾: "بُحِثَتْ". وقال الفراء: بُعْثِرَتْ فألْقَتْ ما فيها من الكنوز والموتى. ولا معنى للكنوز في هذا؛ لأنه يوم القيامة، ولا كنز في القبور. * * - ثم قال تعالى: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ﴾. هذا جواب ﴿إِذَا ٱلسَّمَآءُ ٱنفَطَرَتْ﴾ وما بعده، أي: علمت كل نفس ما قدمت لذلك اليوم وما أخرت من عمل صال أو سيء. وقيل: معنى (أخرت)، أي: ما سنت من عمل فيعمل به بعده. (قاله القرظي). وقيل: معناه: ما قدمت من العمل المفروض فعملت به، وما تركت منه. وهو قول [ابن] عباس وعكرمة وقتادة وابن زيد. أي: [ما] عملت مما فرض عليها، وما تركت فلم تعمل (به). * * - ثم قال تعالى: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلإِنسَٰنُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ ٱلْكَرِيمِ﴾. أي: يا أيها الإنسان الكافر بربه، أي شيء غرك بربك الكريم حتى كفرت به وجحدت نعمه؟! قال الطبري: غَرَّ الناس عدوُّهم المسلط عليهم. وقاله قتادة. * * - وقوله: ﴿ٱلَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ﴾. أي: اخترع خلقك [بعد] إن لم تكن شيئاً فسوى خلقك. ﴿فَعَدَلَكَ﴾ أي: فقومك، فجعل خلقك معتدلاً، (لا) تزيد رجل (على رجل)، ولا يد على يد. ودل على هذا قوله: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَانَ فِيۤ أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين: ٤]. ومن خفف ﴿فَعَدَلَكَ﴾ فمعناه: صرفك إلى أي صورة شاء، إما حسنٌ وإما قبيحٌ، وإما طويل وإما قصير. * * وقوله: ﴿فِيۤ أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَآءَ رَكَّبَكَ﴾. يدل على هذا المعنى. فقراءة (التشديد أولى [ليفيد] الكلام فائدتين مجددتين، لأن معنى التخفيف هو ما أفاد). * * قوله: ﴿فِيۤ أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَآءَ رَكَّبَكَ﴾. و ﴿فِيۤ﴾ متعلقة بِ ﴿رَكَّبَكَ﴾، ولا يحسن أن تتعلق بِـ (عدلك) لأنك إنما تقول: عدلت إلى كذا، ولا تقول عدلته في كذا. وقد غلط الفراء فمنع قراءة التخفيف واستبعدها لإتيان ﴿فِيۤ﴾ بعد (عدلك)، فظن أن ﴿فِيۤ﴾ متعلقة بـِ (عدلك)، وليست كما ظن. وقد قيل: إن القراءة بالتشديد هي من هذا المعنى على التكثير، أي: صرفك مرة بعد مرة إلى أي صورة شاء. وقيل: معنى التخفيف: (أمالك إلى) ما شاء من حسن وقبح وصحة وسقم. وقال مجاهد: ﴿(فِيۤ أَيِّ صُورَةٍ) مَّا شَآءَ رَكَّبَكَ﴾ معناه: في أي شبه أب أو أم أو خال أو عم شاء خلقك. وقال أبو صالح: معناه: إن شاء في صورة كلب أو خنزير أو حمار. وروي أن النبي ﷺ قال: إن النطفة إذا استقرت في الرحم أحضرها الله كل نسب بينها وبين آدم، أما قرأت في ﴿فِيۤ أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَآءَ رَكَّبَكَ﴾؟! والتقدير في الكلام: في أي صورة ما شاء أن يركبك ﴿رَكَّبَكَ﴾. وفي حديث آخر أنه قال: "إِنَّ اللهَ - جَلَّ وَعَزَّ - إِذَا أَرَادَ أَنْ يَخْلُقَ النَّسْمَةَ فَجَامَعَ الرَّجُلُ المَرْأَةَ، طَارَ مَاؤُهُ فِي كُلِّ عَرْقٍ مِنْهَا، ثُمَّ أَحْضَرَ لَهُ آباءَه مِنْ لُدُنِ آدَمَ، ثُمَّ صَوَّرَهُ فِي صُورَةِ وَاحِدٍ [مِنْهُمْ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ]: ﴿فِيۤ أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَآءَ رَكَّبَكَ﴾ ثم قال: ﴿كَلاَّ بَلْ تُكَذِّبُونَ بِٱلدِّينِ﴾. أي: ليس الأمر - أيها الكافرون - على ما تقولون من أنكم على الحق في عبادتكم غيرَ الله، لكنكم تكذبون بالجزاء والبعث والجنة والنار. ودل على ذلك قوله: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلإِنسَٰنُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ ٱلْكَرِيمِ﴾ (أي: ما غرك في عبادتك غير ربك الكريم) الذي خلقك فسواك فعدلك. وقيل: ﴿كَلاَّ﴾ بمعنى "حَقَّاً هَذَا"، أو بمعنى "أَلاَ". ولذلك، لم ير أبو حاتم الوقف (عليها)، وأجازه نصير. وقيل: المعنى ليس كما غررت به، بل تكذب بالدين. وقال مجاهد: ﴿بِٱلدِّينِ﴾: "بالحساب". وقال قتادة" ﴿بِٱلدِّينِ﴾: "يوم شدة، يوم يدين الله (العباد) بأعمالهم". * * - ثم قال تعالى: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ﴾. أي: وإن عليكم أيها الناس رقباء حافظين لأعمالكم حتى تدانوا بها يوم القيامة. ثم وصف الحافظين فقال: * * - ﴿كِرَاماً كَاتِبِينَ﴾. أي: كراماً على الله يكتبون أعمالكم. قال مجاهد: يُوكِل بكل إنسان ملكين، ملكاً عن يمينه يكتب الخير، وملكاً عن شماله يكتب الشر. * * - وقوله: ﴿يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾. أي: يعلم هؤلاء الحفظة ما تفعلون من خير وشر [فيحصونه] عليكم. قال أبو عبد الرحمن السلمي: إن الملك يأتي أحدكم كل غدوة بصحيفة بيضاء، فإذا صلى الغدوة [فليمل] فيها خيراً، فإذا طلعت الشمس فليقم لحاجته، فإذا صلى العصر فليمل فيها خيراً. فإنه إذا أملى في أول [صحيفته] وآخرها خيراً (كان) عسى أن يكفر ما بينهما. * * - ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱلأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ﴾. أي: إن الذين بروا بأداء فرائض الله واجتناب محارمه لفي نعيم الجنان يوم القيامة. وقيل: إنما سموا أبراراً لأنهم بروا الآباء والأبناء. - ثم (قال) تعالى: ﴿وَإِنَّ ٱلْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ﴾ ﴿يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ (ٱلدِّينِ)﴾. أتى بلفظ التأنيث في ﴿يَصْلَوْنَهَا﴾ حملاً على تأنيث النار، أي: يَصْلَى الفجار الجحيم يوماً يدان فيه العباد (بأعمالهم. وقال ابن عباس: "﴿يَوْمَ ٱلدِّينِ﴾) من أسماء يوم القيامة، [عظمه] الله وحذره عباده". * * - ثم قال تعالى: ﴿وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَآئِبِينَ﴾. أي: وما هؤلاء الفجار عن الجحيم بخارجين أبداً [فغائبين] عنها، [لكنهم] مخلدون فيها أبداً. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَمَآ أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ ٱلدِّينِ * ثُمَّ مَآ أَدْرَاكَ (مَا يَوْمُ ٱلدِّينِ)﴾. أي: وما أشعرك، يا محمد، أي شيء يوم الدين!، ثم كرره معظماً له محذراً (منه) عباده. وقيل: إن هذا ليس بتكرير. ومعناه: وما أدراك، يا محمد، ما في يوم الدين من العذاب للفجار!، وما أدراك ما في يوم الدين من النعيم للأبرار!. ثم فسر بعض شأن ذلك اليوم فقال: * * - ﴿يَوْمَ لاَ تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً﴾ أي: ذلك اليوم يوم لا تملك فيه نفس لنفس نفعاً ولا ضراً. ومن رفع ﴿يَوْمَ لاَ تَمْلِكُ﴾ جعله بدلاً مما قبله، أو على إضمار مبتدأ، أي: [هو يوم لا تملك]. واختار الفراء والكسائي [الرفع فيه] لأنه مضاف إلى مستقبل، ولو كان مضافاً إلى ماض لآثروا الفتح، فهو عندهم في الاختيار مُعَرَّبٌ إذا أضيف إلى معرب، ومبني إذا أضيف إلى مبني. ويجوز في المستقبل من البناء على الفتح مثل ما جاز في الماضي. ومن فتح ﴿يَوْمَ لاَ تَمْلِكُ﴾ فعلى الظرف، أي: [الدين] في يوم تملك. ولا يجوز عند الخليل وسيبويه: أن يكون مبنياً وهو [مضاف] إلى معربٍ، إنما يجوز ذلك إذا أضيف إلى ماضٍ. وأجاز الفراء أن يكون مبنياً وإن كان مضافاً إلى معرب، وأن يكون منصوباً معربا، وأن يكون - إذا كان مبنياً - في موضع نصب على الظرف، وفي موضع رفع على إضمار مبتدأ. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَٱلأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾. أي: والأمر كله - يوم الدين - لله (أي)، ليس لأحد من خلقه أمر ولا نهي يومئذ. ومن رفع ﴿يَوْمَ لاَ تَمْلِكُ﴾ على البدل من ﴿يَوْمَ﴾ مرفوع قبله أو فتحه - وهو في موضع رفع على البدل منه أيضاً - أو نصبه على البدل من ﴿يَصْلَوْنَهَا (يَوْمَ ٱلدِّينِ)﴾، لم يبتدئ به. ومن رفعه على إضمار مبتدأ أو نصبه على إضمار فعل بمعنى: اذكر يوم لا تملك، أو فَتَحَه وهو في موضع رفع على إضمار مبتدأ، ابتدأ به.

الانفطار 82:8

قوله تعالى: ﴿إِذَا ٱلسَّمَآءُ ٱنفَطَرَتْ﴾ إلى آخرها. [إذا السماء انفطرت، بمنزلة قوله: ﴿إِذَا ٱلسَّمَآءُ ٱنشَقَّتْ﴾ [الإنشقاق: ١]]. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَا ٱلْكَوَاكِبُ ٱنتَثَرَتْ﴾. أي: تساقطت. وقد تقدم ذكر هذا. * * - ثم قال ﴿وَإِذَا ٱلْبِحَارُ فُجِّرَتْ﴾. أي: فجر الله بعضها في بعض. قال قتادة: "فَجّرَ عَذْبَهَا في مالحها، ومالحها في عذبها". * * - ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَا ٱلْقُبُورُ بُعْثِرَتْ﴾. أي: [أثيرت] فاستخرج من فيها من الموتى أحياء. يقال: بعثر فلان حوض فلان [وبحْثره]: إذا جعل أسفله أعلاه. قال ابن عباس: ﴿بُعْثِرَتْ﴾: "بُحِثَتْ". وقال الفراء: بُعْثِرَتْ فألْقَتْ ما فيها من الكنوز والموتى. ولا معنى للكنوز في هذا؛ لأنه يوم القيامة، ولا كنز في القبور. * * - ثم قال تعالى: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ﴾. هذا جواب ﴿إِذَا ٱلسَّمَآءُ ٱنفَطَرَتْ﴾ وما بعده، أي: علمت كل نفس ما قدمت لذلك اليوم وما أخرت من عمل صال أو سيء. وقيل: معنى (أخرت)، أي: ما سنت من عمل فيعمل به بعده. (قاله القرظي). وقيل: معناه: ما قدمت من العمل المفروض فعملت به، وما تركت منه. وهو قول [ابن] عباس وعكرمة وقتادة وابن زيد. أي: [ما] عملت مما فرض عليها، وما تركت فلم تعمل (به). * * - ثم قال تعالى: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلإِنسَٰنُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ ٱلْكَرِيمِ﴾. أي: يا أيها الإنسان الكافر بربه، أي شيء غرك بربك الكريم حتى كفرت به وجحدت نعمه؟! قال الطبري: غَرَّ الناس عدوُّهم المسلط عليهم. وقاله قتادة. * * - وقوله: ﴿ٱلَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ﴾. أي: اخترع خلقك [بعد] إن لم تكن شيئاً فسوى خلقك. ﴿فَعَدَلَكَ﴾ أي: فقومك، فجعل خلقك معتدلاً، (لا) تزيد رجل (على رجل)، ولا يد على يد. ودل على هذا قوله: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَانَ فِيۤ أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين: ٤]. ومن خفف ﴿فَعَدَلَكَ﴾ فمعناه: صرفك إلى أي صورة شاء، إما حسنٌ وإما قبيحٌ، وإما طويل وإما قصير. * * وقوله: ﴿فِيۤ أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَآءَ رَكَّبَكَ﴾. يدل على هذا المعنى. فقراءة (التشديد أولى [ليفيد] الكلام فائدتين مجددتين، لأن معنى التخفيف هو ما أفاد). * * قوله: ﴿فِيۤ أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَآءَ رَكَّبَكَ﴾. و ﴿فِيۤ﴾ متعلقة بِ ﴿رَكَّبَكَ﴾، ولا يحسن أن تتعلق بِـ (عدلك) لأنك إنما تقول: عدلت إلى كذا، ولا تقول عدلته في كذا. وقد غلط الفراء فمنع قراءة التخفيف واستبعدها لإتيان ﴿فِيۤ﴾ بعد (عدلك)، فظن أن ﴿فِيۤ﴾ متعلقة بـِ (عدلك)، وليست كما ظن. وقد قيل: إن القراءة بالتشديد هي من هذا المعنى على التكثير، أي: صرفك مرة بعد مرة إلى أي صورة شاء. وقيل: معنى التخفيف: (أمالك إلى) ما شاء من حسن وقبح وصحة وسقم. وقال مجاهد: ﴿(فِيۤ أَيِّ صُورَةٍ) مَّا شَآءَ رَكَّبَكَ﴾ معناه: في أي شبه أب أو أم أو خال أو عم شاء خلقك. وقال أبو صالح: معناه: إن شاء في صورة كلب أو خنزير أو حمار. وروي أن النبي ﷺ قال: إن النطفة إذا استقرت في الرحم أحضرها الله كل نسب بينها وبين آدم، أما قرأت في ﴿فِيۤ أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَآءَ رَكَّبَكَ﴾؟! والتقدير في الكلام: في أي صورة ما شاء أن يركبك ﴿رَكَّبَكَ﴾. وفي حديث آخر أنه قال: "إِنَّ اللهَ - جَلَّ وَعَزَّ - إِذَا أَرَادَ أَنْ يَخْلُقَ النَّسْمَةَ فَجَامَعَ الرَّجُلُ المَرْأَةَ، طَارَ مَاؤُهُ فِي كُلِّ عَرْقٍ مِنْهَا، ثُمَّ أَحْضَرَ لَهُ آباءَه مِنْ لُدُنِ آدَمَ، ثُمَّ صَوَّرَهُ فِي صُورَةِ وَاحِدٍ [مِنْهُمْ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ]: ﴿فِيۤ أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَآءَ رَكَّبَكَ﴾ ثم قال: ﴿كَلاَّ بَلْ تُكَذِّبُونَ بِٱلدِّينِ﴾. أي: ليس الأمر - أيها الكافرون - على ما تقولون من أنكم على الحق في عبادتكم غيرَ الله، لكنكم تكذبون بالجزاء والبعث والجنة والنار. ودل على ذلك قوله: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلإِنسَٰنُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ ٱلْكَرِيمِ﴾ (أي: ما غرك في عبادتك غير ربك الكريم) الذي خلقك فسواك فعدلك. وقيل: ﴿كَلاَّ﴾ بمعنى "حَقَّاً هَذَا"، أو بمعنى "أَلاَ". ولذلك، لم ير أبو حاتم الوقف (عليها)، وأجازه نصير. وقيل: المعنى ليس كما غررت به، بل تكذب بالدين. وقال مجاهد: ﴿بِٱلدِّينِ﴾: "بالحساب". وقال قتادة" ﴿بِٱلدِّينِ﴾: "يوم شدة، يوم يدين الله (العباد) بأعمالهم". * * - ثم قال تعالى: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ﴾. أي: وإن عليكم أيها الناس رقباء حافظين لأعمالكم حتى تدانوا بها يوم القيامة. ثم وصف الحافظين فقال: * * - ﴿كِرَاماً كَاتِبِينَ﴾. أي: كراماً على الله يكتبون أعمالكم. قال مجاهد: يُوكِل بكل إنسان ملكين، ملكاً عن يمينه يكتب الخير، وملكاً عن شماله يكتب الشر. * * - وقوله: ﴿يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾. أي: يعلم هؤلاء الحفظة ما تفعلون من خير وشر [فيحصونه] عليكم. قال أبو عبد الرحمن السلمي: إن الملك يأتي أحدكم كل غدوة بصحيفة بيضاء، فإذا صلى الغدوة [فليمل] فيها خيراً، فإذا طلعت الشمس فليقم لحاجته، فإذا صلى العصر فليمل فيها خيراً. فإنه إذا أملى في أول [صحيفته] وآخرها خيراً (كان) عسى أن يكفر ما بينهما. * * - ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱلأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ﴾. أي: إن الذين بروا بأداء فرائض الله واجتناب محارمه لفي نعيم الجنان يوم القيامة. وقيل: إنما سموا أبراراً لأنهم بروا الآباء والأبناء. - ثم (قال) تعالى: ﴿وَإِنَّ ٱلْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ﴾ ﴿يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ (ٱلدِّينِ)﴾. أتى بلفظ التأنيث في ﴿يَصْلَوْنَهَا﴾ حملاً على تأنيث النار، أي: يَصْلَى الفجار الجحيم يوماً يدان فيه العباد (بأعمالهم. وقال ابن عباس: "﴿يَوْمَ ٱلدِّينِ﴾) من أسماء يوم القيامة، [عظمه] الله وحذره عباده". * * - ثم قال تعالى: ﴿وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَآئِبِينَ﴾. أي: وما هؤلاء الفجار عن الجحيم بخارجين أبداً [فغائبين] عنها، [لكنهم] مخلدون فيها أبداً. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَمَآ أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ ٱلدِّينِ * ثُمَّ مَآ أَدْرَاكَ (مَا يَوْمُ ٱلدِّينِ)﴾. أي: وما أشعرك، يا محمد، أي شيء يوم الدين!، ثم كرره معظماً له محذراً (منه) عباده. وقيل: إن هذا ليس بتكرير. ومعناه: وما أدراك، يا محمد، ما في يوم الدين من العذاب للفجار!، وما أدراك ما في يوم الدين من النعيم للأبرار!. ثم فسر بعض شأن ذلك اليوم فقال: * * - ﴿يَوْمَ لاَ تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً﴾ أي: ذلك اليوم يوم لا تملك فيه نفس لنفس نفعاً ولا ضراً. ومن رفع ﴿يَوْمَ لاَ تَمْلِكُ﴾ جعله بدلاً مما قبله، أو على إضمار مبتدأ، أي: [هو يوم لا تملك]. واختار الفراء والكسائي [الرفع فيه] لأنه مضاف إلى مستقبل، ولو كان مضافاً إلى ماض لآثروا الفتح، فهو عندهم في الاختيار مُعَرَّبٌ إذا أضيف إلى معرب، ومبني إذا أضيف إلى مبني. ويجوز في المستقبل من البناء على الفتح مثل ما جاز في الماضي. ومن فتح ﴿يَوْمَ لاَ تَمْلِكُ﴾ فعلى الظرف، أي: [الدين] في يوم تملك. ولا يجوز عند الخليل وسيبويه: أن يكون مبنياً وهو [مضاف] إلى معربٍ، إنما يجوز ذلك إذا أضيف إلى ماضٍ. وأجاز الفراء أن يكون مبنياً وإن كان مضافاً إلى معرب، وأن يكون منصوباً معربا، وأن يكون - إذا كان مبنياً - في موضع نصب على الظرف، وفي موضع رفع على إضمار مبتدأ. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَٱلأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾. أي: والأمر كله - يوم الدين - لله (أي)، ليس لأحد من خلقه أمر ولا نهي يومئذ. ومن رفع ﴿يَوْمَ لاَ تَمْلِكُ﴾ على البدل من ﴿يَوْمَ﴾ مرفوع قبله أو فتحه - وهو في موضع رفع على البدل منه أيضاً - أو نصبه على البدل من ﴿يَصْلَوْنَهَا (يَوْمَ ٱلدِّينِ)﴾، لم يبتدئ به. ومن رفعه على إضمار مبتدأ أو نصبه على إضمار فعل بمعنى: اذكر يوم لا تملك، أو فَتَحَه وهو في موضع رفع على إضمار مبتدأ، ابتدأ به.

الانفطار 82:9

قوله تعالى: ﴿إِذَا ٱلسَّمَآءُ ٱنفَطَرَتْ﴾ إلى آخرها. [إذا السماء انفطرت، بمنزلة قوله: ﴿إِذَا ٱلسَّمَآءُ ٱنشَقَّتْ﴾ [الإنشقاق: ١]]. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَا ٱلْكَوَاكِبُ ٱنتَثَرَتْ﴾. أي: تساقطت. وقد تقدم ذكر هذا. * * - ثم قال ﴿وَإِذَا ٱلْبِحَارُ فُجِّرَتْ﴾. أي: فجر الله بعضها في بعض. قال قتادة: "فَجّرَ عَذْبَهَا في مالحها، ومالحها في عذبها". * * - ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَا ٱلْقُبُورُ بُعْثِرَتْ﴾. أي: [أثيرت] فاستخرج من فيها من الموتى أحياء. يقال: بعثر فلان حوض فلان [وبحْثره]: إذا جعل أسفله أعلاه. قال ابن عباس: ﴿بُعْثِرَتْ﴾: "بُحِثَتْ". وقال الفراء: بُعْثِرَتْ فألْقَتْ ما فيها من الكنوز والموتى. ولا معنى للكنوز في هذا؛ لأنه يوم القيامة، ولا كنز في القبور. * * - ثم قال تعالى: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ﴾. هذا جواب ﴿إِذَا ٱلسَّمَآءُ ٱنفَطَرَتْ﴾ وما بعده، أي: علمت كل نفس ما قدمت لذلك اليوم وما أخرت من عمل صال أو سيء. وقيل: معنى (أخرت)، أي: ما سنت من عمل فيعمل به بعده. (قاله القرظي). وقيل: معناه: ما قدمت من العمل المفروض فعملت به، وما تركت منه. وهو قول [ابن] عباس وعكرمة وقتادة وابن زيد. أي: [ما] عملت مما فرض عليها، وما تركت فلم تعمل (به). * * - ثم قال تعالى: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلإِنسَٰنُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ ٱلْكَرِيمِ﴾. أي: يا أيها الإنسان الكافر بربه، أي شيء غرك بربك الكريم حتى كفرت به وجحدت نعمه؟! قال الطبري: غَرَّ الناس عدوُّهم المسلط عليهم. وقاله قتادة. * * - وقوله: ﴿ٱلَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ﴾. أي: اخترع خلقك [بعد] إن لم تكن شيئاً فسوى خلقك. ﴿فَعَدَلَكَ﴾ أي: فقومك، فجعل خلقك معتدلاً، (لا) تزيد رجل (على رجل)، ولا يد على يد. ودل على هذا قوله: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَانَ فِيۤ أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين: ٤]. ومن خفف ﴿فَعَدَلَكَ﴾ فمعناه: صرفك إلى أي صورة شاء، إما حسنٌ وإما قبيحٌ، وإما طويل وإما قصير. * * وقوله: ﴿فِيۤ أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَآءَ رَكَّبَكَ﴾. يدل على هذا المعنى. فقراءة (التشديد أولى [ليفيد] الكلام فائدتين مجددتين، لأن معنى التخفيف هو ما أفاد). * * قوله: ﴿فِيۤ أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَآءَ رَكَّبَكَ﴾. و ﴿فِيۤ﴾ متعلقة بِ ﴿رَكَّبَكَ﴾، ولا يحسن أن تتعلق بِـ (عدلك) لأنك إنما تقول: عدلت إلى كذا، ولا تقول عدلته في كذا. وقد غلط الفراء فمنع قراءة التخفيف واستبعدها لإتيان ﴿فِيۤ﴾ بعد (عدلك)، فظن أن ﴿فِيۤ﴾ متعلقة بـِ (عدلك)، وليست كما ظن. وقد قيل: إن القراءة بالتشديد هي من هذا المعنى على التكثير، أي: صرفك مرة بعد مرة إلى أي صورة شاء. وقيل: معنى التخفيف: (أمالك إلى) ما شاء من حسن وقبح وصحة وسقم. وقال مجاهد: ﴿(فِيۤ أَيِّ صُورَةٍ) مَّا شَآءَ رَكَّبَكَ﴾ معناه: في أي شبه أب أو أم أو خال أو عم شاء خلقك. وقال أبو صالح: معناه: إن شاء في صورة كلب أو خنزير أو حمار. وروي أن النبي ﷺ قال: إن النطفة إذا استقرت في الرحم أحضرها الله كل نسب بينها وبين آدم، أما قرأت في ﴿فِيۤ أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَآءَ رَكَّبَكَ﴾؟! والتقدير في الكلام: في أي صورة ما شاء أن يركبك ﴿رَكَّبَكَ﴾. وفي حديث آخر أنه قال: "إِنَّ اللهَ - جَلَّ وَعَزَّ - إِذَا أَرَادَ أَنْ يَخْلُقَ النَّسْمَةَ فَجَامَعَ الرَّجُلُ المَرْأَةَ، طَارَ مَاؤُهُ فِي كُلِّ عَرْقٍ مِنْهَا، ثُمَّ أَحْضَرَ لَهُ آباءَه مِنْ لُدُنِ آدَمَ، ثُمَّ صَوَّرَهُ فِي صُورَةِ وَاحِدٍ [مِنْهُمْ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ]: ﴿فِيۤ أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَآءَ رَكَّبَكَ﴾ ثم قال: ﴿كَلاَّ بَلْ تُكَذِّبُونَ بِٱلدِّينِ﴾. أي: ليس الأمر - أيها الكافرون - على ما تقولون من أنكم على الحق في عبادتكم غيرَ الله، لكنكم تكذبون بالجزاء والبعث والجنة والنار. ودل على ذلك قوله: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلإِنسَٰنُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ ٱلْكَرِيمِ﴾ (أي: ما غرك في عبادتك غير ربك الكريم) الذي خلقك فسواك فعدلك. وقيل: ﴿كَلاَّ﴾ بمعنى "حَقَّاً هَذَا"، أو بمعنى "أَلاَ". ولذلك، لم ير أبو حاتم الوقف (عليها)، وأجازه نصير. وقيل: المعنى ليس كما غررت به، بل تكذب بالدين. وقال مجاهد: ﴿بِٱلدِّينِ﴾: "بالحساب". وقال قتادة" ﴿بِٱلدِّينِ﴾: "يوم شدة، يوم يدين الله (العباد) بأعمالهم". * * - ثم قال تعالى: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ﴾. أي: وإن عليكم أيها الناس رقباء حافظين لأعمالكم حتى تدانوا بها يوم القيامة. ثم وصف الحافظين فقال: * * - ﴿كِرَاماً كَاتِبِينَ﴾. أي: كراماً على الله يكتبون أعمالكم. قال مجاهد: يُوكِل بكل إنسان ملكين، ملكاً عن يمينه يكتب الخير، وملكاً عن شماله يكتب الشر. * * - وقوله: ﴿يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾. أي: يعلم هؤلاء الحفظة ما تفعلون من خير وشر [فيحصونه] عليكم. قال أبو عبد الرحمن السلمي: إن الملك يأتي أحدكم كل غدوة بصحيفة بيضاء، فإذا صلى الغدوة [فليمل] فيها خيراً، فإذا طلعت الشمس فليقم لحاجته، فإذا صلى العصر فليمل فيها خيراً. فإنه إذا أملى في أول [صحيفته] وآخرها خيراً (كان) عسى أن يكفر ما بينهما. * * - ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱلأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ﴾. أي: إن الذين بروا بأداء فرائض الله واجتناب محارمه لفي نعيم الجنان يوم القيامة. وقيل: إنما سموا أبراراً لأنهم بروا الآباء والأبناء. - ثم (قال) تعالى: ﴿وَإِنَّ ٱلْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ﴾ ﴿يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ (ٱلدِّينِ)﴾. أتى بلفظ التأنيث في ﴿يَصْلَوْنَهَا﴾ حملاً على تأنيث النار، أي: يَصْلَى الفجار الجحيم يوماً يدان فيه العباد (بأعمالهم. وقال ابن عباس: "﴿يَوْمَ ٱلدِّينِ﴾) من أسماء يوم القيامة، [عظمه] الله وحذره عباده". * * - ثم قال تعالى: ﴿وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَآئِبِينَ﴾. أي: وما هؤلاء الفجار عن الجحيم بخارجين أبداً [فغائبين] عنها، [لكنهم] مخلدون فيها أبداً. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَمَآ أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ ٱلدِّينِ * ثُمَّ مَآ أَدْرَاكَ (مَا يَوْمُ ٱلدِّينِ)﴾. أي: وما أشعرك، يا محمد، أي شيء يوم الدين!، ثم كرره معظماً له محذراً (منه) عباده. وقيل: إن هذا ليس بتكرير. ومعناه: وما أدراك، يا محمد، ما في يوم الدين من العذاب للفجار!، وما أدراك ما في يوم الدين من النعيم للأبرار!. ثم فسر بعض شأن ذلك اليوم فقال: * * - ﴿يَوْمَ لاَ تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً﴾ أي: ذلك اليوم يوم لا تملك فيه نفس لنفس نفعاً ولا ضراً. ومن رفع ﴿يَوْمَ لاَ تَمْلِكُ﴾ جعله بدلاً مما قبله، أو على إضمار مبتدأ، أي: [هو يوم لا تملك]. واختار الفراء والكسائي [الرفع فيه] لأنه مضاف إلى مستقبل، ولو كان مضافاً إلى ماض لآثروا الفتح، فهو عندهم في الاختيار مُعَرَّبٌ إذا أضيف إلى معرب، ومبني إذا أضيف إلى مبني. ويجوز في المستقبل من البناء على الفتح مثل ما جاز في الماضي. ومن فتح ﴿يَوْمَ لاَ تَمْلِكُ﴾ فعلى الظرف، أي: [الدين] في يوم تملك. ولا يجوز عند الخليل وسيبويه: أن يكون مبنياً وهو [مضاف] إلى معربٍ، إنما يجوز ذلك إذا أضيف إلى ماضٍ. وأجاز الفراء أن يكون مبنياً وإن كان مضافاً إلى معرب، وأن يكون منصوباً معربا، وأن يكون - إذا كان مبنياً - في موضع نصب على الظرف، وفي موضع رفع على إضمار مبتدأ. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَٱلأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾. أي: والأمر كله - يوم الدين - لله (أي)، ليس لأحد من خلقه أمر ولا نهي يومئذ. ومن رفع ﴿يَوْمَ لاَ تَمْلِكُ﴾ على البدل من ﴿يَوْمَ﴾ مرفوع قبله أو فتحه - وهو في موضع رفع على البدل منه أيضاً - أو نصبه على البدل من ﴿يَصْلَوْنَهَا (يَوْمَ ٱلدِّينِ)﴾، لم يبتدئ به. ومن رفعه على إضمار مبتدأ أو نصبه على إضمار فعل بمعنى: اذكر يوم لا تملك، أو فَتَحَه وهو في موضع رفع على إضمار مبتدأ، ابتدأ به.

الانفطار 82:10

قوله تعالى: ﴿إِذَا ٱلسَّمَآءُ ٱنفَطَرَتْ﴾ إلى آخرها. [إذا السماء انفطرت، بمنزلة قوله: ﴿إِذَا ٱلسَّمَآءُ ٱنشَقَّتْ﴾ [الإنشقاق: ١]]. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَا ٱلْكَوَاكِبُ ٱنتَثَرَتْ﴾. أي: تساقطت. وقد تقدم ذكر هذا. * * - ثم قال ﴿وَإِذَا ٱلْبِحَارُ فُجِّرَتْ﴾. أي: فجر الله بعضها في بعض. قال قتادة: "فَجّرَ عَذْبَهَا في مالحها، ومالحها في عذبها". * * - ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَا ٱلْقُبُورُ بُعْثِرَتْ﴾. أي: [أثيرت] فاستخرج من فيها من الموتى أحياء. يقال: بعثر فلان حوض فلان [وبحْثره]: إذا جعل أسفله أعلاه. قال ابن عباس: ﴿بُعْثِرَتْ﴾: "بُحِثَتْ". وقال الفراء: بُعْثِرَتْ فألْقَتْ ما فيها من الكنوز والموتى. ولا معنى للكنوز في هذا؛ لأنه يوم القيامة، ولا كنز في القبور. * * - ثم قال تعالى: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ﴾. هذا جواب ﴿إِذَا ٱلسَّمَآءُ ٱنفَطَرَتْ﴾ وما بعده، أي: علمت كل نفس ما قدمت لذلك اليوم وما أخرت من عمل صال أو سيء. وقيل: معنى (أخرت)، أي: ما سنت من عمل فيعمل به بعده. (قاله القرظي). وقيل: معناه: ما قدمت من العمل المفروض فعملت به، وما تركت منه. وهو قول [ابن] عباس وعكرمة وقتادة وابن زيد. أي: [ما] عملت مما فرض عليها، وما تركت فلم تعمل (به). * * - ثم قال تعالى: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلإِنسَٰنُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ ٱلْكَرِيمِ﴾. أي: يا أيها الإنسان الكافر بربه، أي شيء غرك بربك الكريم حتى كفرت به وجحدت نعمه؟! قال الطبري: غَرَّ الناس عدوُّهم المسلط عليهم. وقاله قتادة. * * - وقوله: ﴿ٱلَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ﴾. أي: اخترع خلقك [بعد] إن لم تكن شيئاً فسوى خلقك. ﴿فَعَدَلَكَ﴾ أي: فقومك، فجعل خلقك معتدلاً، (لا) تزيد رجل (على رجل)، ولا يد على يد. ودل على هذا قوله: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَانَ فِيۤ أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين: ٤]. ومن خفف ﴿فَعَدَلَكَ﴾ فمعناه: صرفك إلى أي صورة شاء، إما حسنٌ وإما قبيحٌ، وإما طويل وإما قصير. * * وقوله: ﴿فِيۤ أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَآءَ رَكَّبَكَ﴾. يدل على هذا المعنى. فقراءة (التشديد أولى [ليفيد] الكلام فائدتين مجددتين، لأن معنى التخفيف هو ما أفاد). * * قوله: ﴿فِيۤ أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَآءَ رَكَّبَكَ﴾. و ﴿فِيۤ﴾ متعلقة بِ ﴿رَكَّبَكَ﴾، ولا يحسن أن تتعلق بِـ (عدلك) لأنك إنما تقول: عدلت إلى كذا، ولا تقول عدلته في كذا. وقد غلط الفراء فمنع قراءة التخفيف واستبعدها لإتيان ﴿فِيۤ﴾ بعد (عدلك)، فظن أن ﴿فِيۤ﴾ متعلقة بـِ (عدلك)، وليست كما ظن. وقد قيل: إن القراءة بالتشديد هي من هذا المعنى على التكثير، أي: صرفك مرة بعد مرة إلى أي صورة شاء. وقيل: معنى التخفيف: (أمالك إلى) ما شاء من حسن وقبح وصحة وسقم. وقال مجاهد: ﴿(فِيۤ أَيِّ صُورَةٍ) مَّا شَآءَ رَكَّبَكَ﴾ معناه: في أي شبه أب أو أم أو خال أو عم شاء خلقك. وقال أبو صالح: معناه: إن شاء في صورة كلب أو خنزير أو حمار. وروي أن النبي ﷺ قال: إن النطفة إذا استقرت في الرحم أحضرها الله كل نسب بينها وبين آدم، أما قرأت في ﴿فِيۤ أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَآءَ رَكَّبَكَ﴾؟! والتقدير في الكلام: في أي صورة ما شاء أن يركبك ﴿رَكَّبَكَ﴾. وفي حديث آخر أنه قال: "إِنَّ اللهَ - جَلَّ وَعَزَّ - إِذَا أَرَادَ أَنْ يَخْلُقَ النَّسْمَةَ فَجَامَعَ الرَّجُلُ المَرْأَةَ، طَارَ مَاؤُهُ فِي كُلِّ عَرْقٍ مِنْهَا، ثُمَّ أَحْضَرَ لَهُ آباءَه مِنْ لُدُنِ آدَمَ، ثُمَّ صَوَّرَهُ فِي صُورَةِ وَاحِدٍ [مِنْهُمْ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ]: ﴿فِيۤ أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَآءَ رَكَّبَكَ﴾ ثم قال: ﴿كَلاَّ بَلْ تُكَذِّبُونَ بِٱلدِّينِ﴾. أي: ليس الأمر - أيها الكافرون - على ما تقولون من أنكم على الحق في عبادتكم غيرَ الله، لكنكم تكذبون بالجزاء والبعث والجنة والنار. ودل على ذلك قوله: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلإِنسَٰنُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ ٱلْكَرِيمِ﴾ (أي: ما غرك في عبادتك غير ربك الكريم) الذي خلقك فسواك فعدلك. وقيل: ﴿كَلاَّ﴾ بمعنى "حَقَّاً هَذَا"، أو بمعنى "أَلاَ". ولذلك، لم ير أبو حاتم الوقف (عليها)، وأجازه نصير. وقيل: المعنى ليس كما غررت به، بل تكذب بالدين. وقال مجاهد: ﴿بِٱلدِّينِ﴾: "بالحساب". وقال قتادة" ﴿بِٱلدِّينِ﴾: "يوم شدة، يوم يدين الله (العباد) بأعمالهم". * * - ثم قال تعالى: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ﴾. أي: وإن عليكم أيها الناس رقباء حافظين لأعمالكم حتى تدانوا بها يوم القيامة. ثم وصف الحافظين فقال: * * - ﴿كِرَاماً كَاتِبِينَ﴾. أي: كراماً على الله يكتبون أعمالكم. قال مجاهد: يُوكِل بكل إنسان ملكين، ملكاً عن يمينه يكتب الخير، وملكاً عن شماله يكتب الشر. * * - وقوله: ﴿يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾. أي: يعلم هؤلاء الحفظة ما تفعلون من خير وشر [فيحصونه] عليكم. قال أبو عبد الرحمن السلمي: إن الملك يأتي أحدكم كل غدوة بصحيفة بيضاء، فإذا صلى الغدوة [فليمل] فيها خيراً، فإذا طلعت الشمس فليقم لحاجته، فإذا صلى العصر فليمل فيها خيراً. فإنه إذا أملى في أول [صحيفته] وآخرها خيراً (كان) عسى أن يكفر ما بينهما. * * - ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱلأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ﴾. أي: إن الذين بروا بأداء فرائض الله واجتناب محارمه لفي نعيم الجنان يوم القيامة. وقيل: إنما سموا أبراراً لأنهم بروا الآباء والأبناء. - ثم (قال) تعالى: ﴿وَإِنَّ ٱلْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ﴾ ﴿يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ (ٱلدِّينِ)﴾. أتى بلفظ التأنيث في ﴿يَصْلَوْنَهَا﴾ حملاً على تأنيث النار، أي: يَصْلَى الفجار الجحيم يوماً يدان فيه العباد (بأعمالهم. وقال ابن عباس: "﴿يَوْمَ ٱلدِّينِ﴾) من أسماء يوم القيامة، [عظمه] الله وحذره عباده". * * - ثم قال تعالى: ﴿وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَآئِبِينَ﴾. أي: وما هؤلاء الفجار عن الجحيم بخارجين أبداً [فغائبين] عنها، [لكنهم] مخلدون فيها أبداً. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَمَآ أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ ٱلدِّينِ * ثُمَّ مَآ أَدْرَاكَ (مَا يَوْمُ ٱلدِّينِ)﴾. أي: وما أشعرك، يا محمد، أي شيء يوم الدين!، ثم كرره معظماً له محذراً (منه) عباده. وقيل: إن هذا ليس بتكرير. ومعناه: وما أدراك، يا محمد، ما في يوم الدين من العذاب للفجار!، وما أدراك ما في يوم الدين من النعيم للأبرار!. ثم فسر بعض شأن ذلك اليوم فقال: * * - ﴿يَوْمَ لاَ تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً﴾ أي: ذلك اليوم يوم لا تملك فيه نفس لنفس نفعاً ولا ضراً. ومن رفع ﴿يَوْمَ لاَ تَمْلِكُ﴾ جعله بدلاً مما قبله، أو على إضمار مبتدأ، أي: [هو يوم لا تملك]. واختار الفراء والكسائي [الرفع فيه] لأنه مضاف إلى مستقبل، ولو كان مضافاً إلى ماض لآثروا الفتح، فهو عندهم في الاختيار مُعَرَّبٌ إذا أضيف إلى معرب، ومبني إذا أضيف إلى مبني. ويجوز في المستقبل من البناء على الفتح مثل ما جاز في الماضي. ومن فتح ﴿يَوْمَ لاَ تَمْلِكُ﴾ فعلى الظرف، أي: [الدين] في يوم تملك. ولا يجوز عند الخليل وسيبويه: أن يكون مبنياً وهو [مضاف] إلى معربٍ، إنما يجوز ذلك إذا أضيف إلى ماضٍ. وأجاز الفراء أن يكون مبنياً وإن كان مضافاً إلى معرب، وأن يكون منصوباً معربا، وأن يكون - إذا كان مبنياً - في موضع نصب على الظرف، وفي موضع رفع على إضمار مبتدأ. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَٱلأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾. أي: والأمر كله - يوم الدين - لله (أي)، ليس لأحد من خلقه أمر ولا نهي يومئذ. ومن رفع ﴿يَوْمَ لاَ تَمْلِكُ﴾ على البدل من ﴿يَوْمَ﴾ مرفوع قبله أو فتحه - وهو في موضع رفع على البدل منه أيضاً - أو نصبه على البدل من ﴿يَصْلَوْنَهَا (يَوْمَ ٱلدِّينِ)﴾، لم يبتدئ به. ومن رفعه على إضمار مبتدأ أو نصبه على إضمار فعل بمعنى: اذكر يوم لا تملك، أو فَتَحَه وهو في موضع رفع على إضمار مبتدأ، ابتدأ به.

الانفطار 82:11

قوله تعالى: ﴿إِذَا ٱلسَّمَآءُ ٱنفَطَرَتْ﴾ إلى آخرها. [إذا السماء انفطرت، بمنزلة قوله: ﴿إِذَا ٱلسَّمَآءُ ٱنشَقَّتْ﴾ [الإنشقاق: ١]]. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَا ٱلْكَوَاكِبُ ٱنتَثَرَتْ﴾. أي: تساقطت. وقد تقدم ذكر هذا. * * - ثم قال ﴿وَإِذَا ٱلْبِحَارُ فُجِّرَتْ﴾. أي: فجر الله بعضها في بعض. قال قتادة: "فَجّرَ عَذْبَهَا في مالحها، ومالحها في عذبها". * * - ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَا ٱلْقُبُورُ بُعْثِرَتْ﴾. أي: [أثيرت] فاستخرج من فيها من الموتى أحياء. يقال: بعثر فلان حوض فلان [وبحْثره]: إذا جعل أسفله أعلاه. قال ابن عباس: ﴿بُعْثِرَتْ﴾: "بُحِثَتْ". وقال الفراء: بُعْثِرَتْ فألْقَتْ ما فيها من الكنوز والموتى. ولا معنى للكنوز في هذا؛ لأنه يوم القيامة، ولا كنز في القبور. * * - ثم قال تعالى: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ﴾. هذا جواب ﴿إِذَا ٱلسَّمَآءُ ٱنفَطَرَتْ﴾ وما بعده، أي: علمت كل نفس ما قدمت لذلك اليوم وما أخرت من عمل صال أو سيء. وقيل: معنى (أخرت)، أي: ما سنت من عمل فيعمل به بعده. (قاله القرظي). وقيل: معناه: ما قدمت من العمل المفروض فعملت به، وما تركت منه. وهو قول [ابن] عباس وعكرمة وقتادة وابن زيد. أي: [ما] عملت مما فرض عليها، وما تركت فلم تعمل (به). * * - ثم قال تعالى: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلإِنسَٰنُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ ٱلْكَرِيمِ﴾. أي: يا أيها الإنسان الكافر بربه، أي شيء غرك بربك الكريم حتى كفرت به وجحدت نعمه؟! قال الطبري: غَرَّ الناس عدوُّهم المسلط عليهم. وقاله قتادة. * * - وقوله: ﴿ٱلَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ﴾. أي: اخترع خلقك [بعد] إن لم تكن شيئاً فسوى خلقك. ﴿فَعَدَلَكَ﴾ أي: فقومك، فجعل خلقك معتدلاً، (لا) تزيد رجل (على رجل)، ولا يد على يد. ودل على هذا قوله: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَانَ فِيۤ أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين: ٤]. ومن خفف ﴿فَعَدَلَكَ﴾ فمعناه: صرفك إلى أي صورة شاء، إما حسنٌ وإما قبيحٌ، وإما طويل وإما قصير. * * وقوله: ﴿فِيۤ أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَآءَ رَكَّبَكَ﴾. يدل على هذا المعنى. فقراءة (التشديد أولى [ليفيد] الكلام فائدتين مجددتين، لأن معنى التخفيف هو ما أفاد). * * قوله: ﴿فِيۤ أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَآءَ رَكَّبَكَ﴾. و ﴿فِيۤ﴾ متعلقة بِ ﴿رَكَّبَكَ﴾، ولا يحسن أن تتعلق بِـ (عدلك) لأنك إنما تقول: عدلت إلى كذا، ولا تقول عدلته في كذا. وقد غلط الفراء فمنع قراءة التخفيف واستبعدها لإتيان ﴿فِيۤ﴾ بعد (عدلك)، فظن أن ﴿فِيۤ﴾ متعلقة بـِ (عدلك)، وليست كما ظن. وقد قيل: إن القراءة بالتشديد هي من هذا المعنى على التكثير، أي: صرفك مرة بعد مرة إلى أي صورة شاء. وقيل: معنى التخفيف: (أمالك إلى) ما شاء من حسن وقبح وصحة وسقم. وقال مجاهد: ﴿(فِيۤ أَيِّ صُورَةٍ) مَّا شَآءَ رَكَّبَكَ﴾ معناه: في أي شبه أب أو أم أو خال أو عم شاء خلقك. وقال أبو صالح: معناه: إن شاء في صورة كلب أو خنزير أو حمار. وروي أن النبي ﷺ قال: إن النطفة إذا استقرت في الرحم أحضرها الله كل نسب بينها وبين آدم، أما قرأت في ﴿فِيۤ أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَآءَ رَكَّبَكَ﴾؟! والتقدير في الكلام: في أي صورة ما شاء أن يركبك ﴿رَكَّبَكَ﴾. وفي حديث آخر أنه قال: "إِنَّ اللهَ - جَلَّ وَعَزَّ - إِذَا أَرَادَ أَنْ يَخْلُقَ النَّسْمَةَ فَجَامَعَ الرَّجُلُ المَرْأَةَ، طَارَ مَاؤُهُ فِي كُلِّ عَرْقٍ مِنْهَا، ثُمَّ أَحْضَرَ لَهُ آباءَه مِنْ لُدُنِ آدَمَ، ثُمَّ صَوَّرَهُ فِي صُورَةِ وَاحِدٍ [مِنْهُمْ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ]: ﴿فِيۤ أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَآءَ رَكَّبَكَ﴾ ثم قال: ﴿كَلاَّ بَلْ تُكَذِّبُونَ بِٱلدِّينِ﴾. أي: ليس الأمر - أيها الكافرون - على ما تقولون من أنكم على الحق في عبادتكم غيرَ الله، لكنكم تكذبون بالجزاء والبعث والجنة والنار. ودل على ذلك قوله: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلإِنسَٰنُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ ٱلْكَرِيمِ﴾ (أي: ما غرك في عبادتك غير ربك الكريم) الذي خلقك فسواك فعدلك. وقيل: ﴿كَلاَّ﴾ بمعنى "حَقَّاً هَذَا"، أو بمعنى "أَلاَ". ولذلك، لم ير أبو حاتم الوقف (عليها)، وأجازه نصير. وقيل: المعنى ليس كما غررت به، بل تكذب بالدين. وقال مجاهد: ﴿بِٱلدِّينِ﴾: "بالحساب". وقال قتادة" ﴿بِٱلدِّينِ﴾: "يوم شدة، يوم يدين الله (العباد) بأعمالهم". * * - ثم قال تعالى: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ﴾. أي: وإن عليكم أيها الناس رقباء حافظين لأعمالكم حتى تدانوا بها يوم القيامة. ثم وصف الحافظين فقال: * * - ﴿كِرَاماً كَاتِبِينَ﴾. أي: كراماً على الله يكتبون أعمالكم. قال مجاهد: يُوكِل بكل إنسان ملكين، ملكاً عن يمينه يكتب الخير، وملكاً عن شماله يكتب الشر. * * - وقوله: ﴿يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾. أي: يعلم هؤلاء الحفظة ما تفعلون من خير وشر [فيحصونه] عليكم. قال أبو عبد الرحمن السلمي: إن الملك يأتي أحدكم كل غدوة بصحيفة بيضاء، فإذا صلى الغدوة [فليمل] فيها خيراً، فإذا طلعت الشمس فليقم لحاجته، فإذا صلى العصر فليمل فيها خيراً. فإنه إذا أملى في أول [صحيفته] وآخرها خيراً (كان) عسى أن يكفر ما بينهما. * * - ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱلأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ﴾. أي: إن الذين بروا بأداء فرائض الله واجتناب محارمه لفي نعيم الجنان يوم القيامة. وقيل: إنما سموا أبراراً لأنهم بروا الآباء والأبناء. - ثم (قال) تعالى: ﴿وَإِنَّ ٱلْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ﴾ ﴿يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ (ٱلدِّينِ)﴾. أتى بلفظ التأنيث في ﴿يَصْلَوْنَهَا﴾ حملاً على تأنيث النار، أي: يَصْلَى الفجار الجحيم يوماً يدان فيه العباد (بأعمالهم. وقال ابن عباس: "﴿يَوْمَ ٱلدِّينِ﴾) من أسماء يوم القيامة، [عظمه] الله وحذره عباده". * * - ثم قال تعالى: ﴿وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَآئِبِينَ﴾. أي: وما هؤلاء الفجار عن الجحيم بخارجين أبداً [فغائبين] عنها، [لكنهم] مخلدون فيها أبداً. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَمَآ أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ ٱلدِّينِ * ثُمَّ مَآ أَدْرَاكَ (مَا يَوْمُ ٱلدِّينِ)﴾. أي: وما أشعرك، يا محمد، أي شيء يوم الدين!، ثم كرره معظماً له محذراً (منه) عباده. وقيل: إن هذا ليس بتكرير. ومعناه: وما أدراك، يا محمد، ما في يوم الدين من العذاب للفجار!، وما أدراك ما في يوم الدين من النعيم للأبرار!. ثم فسر بعض شأن ذلك اليوم فقال: * * - ﴿يَوْمَ لاَ تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً﴾ أي: ذلك اليوم يوم لا تملك فيه نفس لنفس نفعاً ولا ضراً. ومن رفع ﴿يَوْمَ لاَ تَمْلِكُ﴾ جعله بدلاً مما قبله، أو على إضمار مبتدأ، أي: [هو يوم لا تملك]. واختار الفراء والكسائي [الرفع فيه] لأنه مضاف إلى مستقبل، ولو كان مضافاً إلى ماض لآثروا الفتح، فهو عندهم في الاختيار مُعَرَّبٌ إذا أضيف إلى معرب، ومبني إذا أضيف إلى مبني. ويجوز في المستقبل من البناء على الفتح مثل ما جاز في الماضي. ومن فتح ﴿يَوْمَ لاَ تَمْلِكُ﴾ فعلى الظرف، أي: [الدين] في يوم تملك. ولا يجوز عند الخليل وسيبويه: أن يكون مبنياً وهو [مضاف] إلى معربٍ، إنما يجوز ذلك إذا أضيف إلى ماضٍ. وأجاز الفراء أن يكون مبنياً وإن كان مضافاً إلى معرب، وأن يكون منصوباً معربا، وأن يكون - إذا كان مبنياً - في موضع نصب على الظرف، وفي موضع رفع على إضمار مبتدأ. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَٱلأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾. أي: والأمر كله - يوم الدين - لله (أي)، ليس لأحد من خلقه أمر ولا نهي يومئذ. ومن رفع ﴿يَوْمَ لاَ تَمْلِكُ﴾ على البدل من ﴿يَوْمَ﴾ مرفوع قبله أو فتحه - وهو في موضع رفع على البدل منه أيضاً - أو نصبه على البدل من ﴿يَصْلَوْنَهَا (يَوْمَ ٱلدِّينِ)﴾، لم يبتدئ به. ومن رفعه على إضمار مبتدأ أو نصبه على إضمار فعل بمعنى: اذكر يوم لا تملك، أو فَتَحَه وهو في موضع رفع على إضمار مبتدأ، ابتدأ به.

الانفطار 82:12

قوله تعالى: ﴿إِذَا ٱلسَّمَآءُ ٱنفَطَرَتْ﴾ إلى آخرها. [إذا السماء انفطرت، بمنزلة قوله: ﴿إِذَا ٱلسَّمَآءُ ٱنشَقَّتْ﴾ [الإنشقاق: ١]]. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَا ٱلْكَوَاكِبُ ٱنتَثَرَتْ﴾. أي: تساقطت. وقد تقدم ذكر هذا. * * - ثم قال ﴿وَإِذَا ٱلْبِحَارُ فُجِّرَتْ﴾. أي: فجر الله بعضها في بعض. قال قتادة: "فَجّرَ عَذْبَهَا في مالحها، ومالحها في عذبها". * * - ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَا ٱلْقُبُورُ بُعْثِرَتْ﴾. أي: [أثيرت] فاستخرج من فيها من الموتى أحياء. يقال: بعثر فلان حوض فلان [وبحْثره]: إذا جعل أسفله أعلاه. قال ابن عباس: ﴿بُعْثِرَتْ﴾: "بُحِثَتْ". وقال الفراء: بُعْثِرَتْ فألْقَتْ ما فيها من الكنوز والموتى. ولا معنى للكنوز في هذا؛ لأنه يوم القيامة، ولا كنز في القبور. * * - ثم قال تعالى: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ﴾. هذا جواب ﴿إِذَا ٱلسَّمَآءُ ٱنفَطَرَتْ﴾ وما بعده، أي: علمت كل نفس ما قدمت لذلك اليوم وما أخرت من عمل صال أو سيء. وقيل: معنى (أخرت)، أي: ما سنت من عمل فيعمل به بعده. (قاله القرظي). وقيل: معناه: ما قدمت من العمل المفروض فعملت به، وما تركت منه. وهو قول [ابن] عباس وعكرمة وقتادة وابن زيد. أي: [ما] عملت مما فرض عليها، وما تركت فلم تعمل (به). * * - ثم قال تعالى: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلإِنسَٰنُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ ٱلْكَرِيمِ﴾. أي: يا أيها الإنسان الكافر بربه، أي شيء غرك بربك الكريم حتى كفرت به وجحدت نعمه؟! قال الطبري: غَرَّ الناس عدوُّهم المسلط عليهم. وقاله قتادة. * * - وقوله: ﴿ٱلَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ﴾. أي: اخترع خلقك [بعد] إن لم تكن شيئاً فسوى خلقك. ﴿فَعَدَلَكَ﴾ أي: فقومك، فجعل خلقك معتدلاً، (لا) تزيد رجل (على رجل)، ولا يد على يد. ودل على هذا قوله: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَانَ فِيۤ أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين: ٤]. ومن خفف ﴿فَعَدَلَكَ﴾ فمعناه: صرفك إلى أي صورة شاء، إما حسنٌ وإما قبيحٌ، وإما طويل وإما قصير. * * وقوله: ﴿فِيۤ أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَآءَ رَكَّبَكَ﴾. يدل على هذا المعنى. فقراءة (التشديد أولى [ليفيد] الكلام فائدتين مجددتين، لأن معنى التخفيف هو ما أفاد). * * قوله: ﴿فِيۤ أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَآءَ رَكَّبَكَ﴾. و ﴿فِيۤ﴾ متعلقة بِ ﴿رَكَّبَكَ﴾، ولا يحسن أن تتعلق بِـ (عدلك) لأنك إنما تقول: عدلت إلى كذا، ولا تقول عدلته في كذا. وقد غلط الفراء فمنع قراءة التخفيف واستبعدها لإتيان ﴿فِيۤ﴾ بعد (عدلك)، فظن أن ﴿فِيۤ﴾ متعلقة بـِ (عدلك)، وليست كما ظن. وقد قيل: إن القراءة بالتشديد هي من هذا المعنى على التكثير، أي: صرفك مرة بعد مرة إلى أي صورة شاء. وقيل: معنى التخفيف: (أمالك إلى) ما شاء من حسن وقبح وصحة وسقم. وقال مجاهد: ﴿(فِيۤ أَيِّ صُورَةٍ) مَّا شَآءَ رَكَّبَكَ﴾ معناه: في أي شبه أب أو أم أو خال أو عم شاء خلقك. وقال أبو صالح: معناه: إن شاء في صورة كلب أو خنزير أو حمار. وروي أن النبي ﷺ قال: إن النطفة إذا استقرت في الرحم أحضرها الله كل نسب بينها وبين آدم، أما قرأت في ﴿فِيۤ أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَآءَ رَكَّبَكَ﴾؟! والتقدير في الكلام: في أي صورة ما شاء أن يركبك ﴿رَكَّبَكَ﴾. وفي حديث آخر أنه قال: "إِنَّ اللهَ - جَلَّ وَعَزَّ - إِذَا أَرَادَ أَنْ يَخْلُقَ النَّسْمَةَ فَجَامَعَ الرَّجُلُ المَرْأَةَ، طَارَ مَاؤُهُ فِي كُلِّ عَرْقٍ مِنْهَا، ثُمَّ أَحْضَرَ لَهُ آباءَه مِنْ لُدُنِ آدَمَ، ثُمَّ صَوَّرَهُ فِي صُورَةِ وَاحِدٍ [مِنْهُمْ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ]: ﴿فِيۤ أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَآءَ رَكَّبَكَ﴾ ثم قال: ﴿كَلاَّ بَلْ تُكَذِّبُونَ بِٱلدِّينِ﴾. أي: ليس الأمر - أيها الكافرون - على ما تقولون من أنكم على الحق في عبادتكم غيرَ الله، لكنكم تكذبون بالجزاء والبعث والجنة والنار. ودل على ذلك قوله: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلإِنسَٰنُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ ٱلْكَرِيمِ﴾ (أي: ما غرك في عبادتك غير ربك الكريم) الذي خلقك فسواك فعدلك. وقيل: ﴿كَلاَّ﴾ بمعنى "حَقَّاً هَذَا"، أو بمعنى "أَلاَ". ولذلك، لم ير أبو حاتم الوقف (عليها)، وأجازه نصير. وقيل: المعنى ليس كما غررت به، بل تكذب بالدين. وقال مجاهد: ﴿بِٱلدِّينِ﴾: "بالحساب". وقال قتادة" ﴿بِٱلدِّينِ﴾: "يوم شدة، يوم يدين الله (العباد) بأعمالهم". * * - ثم قال تعالى: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ﴾. أي: وإن عليكم أيها الناس رقباء حافظين لأعمالكم حتى تدانوا بها يوم القيامة. ثم وصف الحافظين فقال: * * - ﴿كِرَاماً كَاتِبِينَ﴾. أي: كراماً على الله يكتبون أعمالكم. قال مجاهد: يُوكِل بكل إنسان ملكين، ملكاً عن يمينه يكتب الخير، وملكاً عن شماله يكتب الشر. * * - وقوله: ﴿يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾. أي: يعلم هؤلاء الحفظة ما تفعلون من خير وشر [فيحصونه] عليكم. قال أبو عبد الرحمن السلمي: إن الملك يأتي أحدكم كل غدوة بصحيفة بيضاء، فإذا صلى الغدوة [فليمل] فيها خيراً، فإذا طلعت الشمس فليقم لحاجته، فإذا صلى العصر فليمل فيها خيراً. فإنه إذا أملى في أول [صحيفته] وآخرها خيراً (كان) عسى أن يكفر ما بينهما. * * - ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱلأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ﴾. أي: إن الذين بروا بأداء فرائض الله واجتناب محارمه لفي نعيم الجنان يوم القيامة. وقيل: إنما سموا أبراراً لأنهم بروا الآباء والأبناء. - ثم (قال) تعالى: ﴿وَإِنَّ ٱلْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ﴾ ﴿يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ (ٱلدِّينِ)﴾. أتى بلفظ التأنيث في ﴿يَصْلَوْنَهَا﴾ حملاً على تأنيث النار، أي: يَصْلَى الفجار الجحيم يوماً يدان فيه العباد (بأعمالهم. وقال ابن عباس: "﴿يَوْمَ ٱلدِّينِ﴾) من أسماء يوم القيامة، [عظمه] الله وحذره عباده". * * - ثم قال تعالى: ﴿وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَآئِبِينَ﴾. أي: وما هؤلاء الفجار عن الجحيم بخارجين أبداً [فغائبين] عنها، [لكنهم] مخلدون فيها أبداً. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَمَآ أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ ٱلدِّينِ * ثُمَّ مَآ أَدْرَاكَ (مَا يَوْمُ ٱلدِّينِ)﴾. أي: وما أشعرك، يا محمد، أي شيء يوم الدين!، ثم كرره معظماً له محذراً (منه) عباده. وقيل: إن هذا ليس بتكرير. ومعناه: وما أدراك، يا محمد، ما في يوم الدين من العذاب للفجار!، وما أدراك ما في يوم الدين من النعيم للأبرار!. ثم فسر بعض شأن ذلك اليوم فقال: * * - ﴿يَوْمَ لاَ تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً﴾ أي: ذلك اليوم يوم لا تملك فيه نفس لنفس نفعاً ولا ضراً. ومن رفع ﴿يَوْمَ لاَ تَمْلِكُ﴾ جعله بدلاً مما قبله، أو على إضمار مبتدأ، أي: [هو يوم لا تملك]. واختار الفراء والكسائي [الرفع فيه] لأنه مضاف إلى مستقبل، ولو كان مضافاً إلى ماض لآثروا الفتح، فهو عندهم في الاختيار مُعَرَّبٌ إذا أضيف إلى معرب، ومبني إذا أضيف إلى مبني. ويجوز في المستقبل من البناء على الفتح مثل ما جاز في الماضي. ومن فتح ﴿يَوْمَ لاَ تَمْلِكُ﴾ فعلى الظرف، أي: [الدين] في يوم تملك. ولا يجوز عند الخليل وسيبويه: أن يكون مبنياً وهو [مضاف] إلى معربٍ، إنما يجوز ذلك إذا أضيف إلى ماضٍ. وأجاز الفراء أن يكون مبنياً وإن كان مضافاً إلى معرب، وأن يكون منصوباً معربا، وأن يكون - إذا كان مبنياً - في موضع نصب على الظرف، وفي موضع رفع على إضمار مبتدأ. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَٱلأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾. أي: والأمر كله - يوم الدين - لله (أي)، ليس لأحد من خلقه أمر ولا نهي يومئذ. ومن رفع ﴿يَوْمَ لاَ تَمْلِكُ﴾ على البدل من ﴿يَوْمَ﴾ مرفوع قبله أو فتحه - وهو في موضع رفع على البدل منه أيضاً - أو نصبه على البدل من ﴿يَصْلَوْنَهَا (يَوْمَ ٱلدِّينِ)﴾، لم يبتدئ به. ومن رفعه على إضمار مبتدأ أو نصبه على إضمار فعل بمعنى: اذكر يوم لا تملك، أو فَتَحَه وهو في موضع رفع على إضمار مبتدأ، ابتدأ به.

الانفطار 82:13

قوله تعالى: ﴿إِذَا ٱلسَّمَآءُ ٱنفَطَرَتْ﴾ إلى آخرها. [إذا السماء انفطرت، بمنزلة قوله: ﴿إِذَا ٱلسَّمَآءُ ٱنشَقَّتْ﴾ [الإنشقاق: ١]]. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَا ٱلْكَوَاكِبُ ٱنتَثَرَتْ﴾. أي: تساقطت. وقد تقدم ذكر هذا. * * - ثم قال ﴿وَإِذَا ٱلْبِحَارُ فُجِّرَتْ﴾. أي: فجر الله بعضها في بعض. قال قتادة: "فَجّرَ عَذْبَهَا في مالحها، ومالحها في عذبها". * * - ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَا ٱلْقُبُورُ بُعْثِرَتْ﴾. أي: [أثيرت] فاستخرج من فيها من الموتى أحياء. يقال: بعثر فلان حوض فلان [وبحْثره]: إذا جعل أسفله أعلاه. قال ابن عباس: ﴿بُعْثِرَتْ﴾: "بُحِثَتْ". وقال الفراء: بُعْثِرَتْ فألْقَتْ ما فيها من الكنوز والموتى. ولا معنى للكنوز في هذا؛ لأنه يوم القيامة، ولا كنز في القبور. * * - ثم قال تعالى: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ﴾. هذا جواب ﴿إِذَا ٱلسَّمَآءُ ٱنفَطَرَتْ﴾ وما بعده، أي: علمت كل نفس ما قدمت لذلك اليوم وما أخرت من عمل صال أو سيء. وقيل: معنى (أخرت)، أي: ما سنت من عمل فيعمل به بعده. (قاله القرظي). وقيل: معناه: ما قدمت من العمل المفروض فعملت به، وما تركت منه. وهو قول [ابن] عباس وعكرمة وقتادة وابن زيد. أي: [ما] عملت مما فرض عليها، وما تركت فلم تعمل (به). * * - ثم قال تعالى: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلإِنسَٰنُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ ٱلْكَرِيمِ﴾. أي: يا أيها الإنسان الكافر بربه، أي شيء غرك بربك الكريم حتى كفرت به وجحدت نعمه؟! قال الطبري: غَرَّ الناس عدوُّهم المسلط عليهم. وقاله قتادة. * * - وقوله: ﴿ٱلَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ﴾. أي: اخترع خلقك [بعد] إن لم تكن شيئاً فسوى خلقك. ﴿فَعَدَلَكَ﴾ أي: فقومك، فجعل خلقك معتدلاً، (لا) تزيد رجل (على رجل)، ولا يد على يد. ودل على هذا قوله: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَانَ فِيۤ أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين: ٤]. ومن خفف ﴿فَعَدَلَكَ﴾ فمعناه: صرفك إلى أي صورة شاء، إما حسنٌ وإما قبيحٌ، وإما طويل وإما قصير. * * وقوله: ﴿فِيۤ أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَآءَ رَكَّبَكَ﴾. يدل على هذا المعنى. فقراءة (التشديد أولى [ليفيد] الكلام فائدتين مجددتين، لأن معنى التخفيف هو ما أفاد). * * قوله: ﴿فِيۤ أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَآءَ رَكَّبَكَ﴾. و ﴿فِيۤ﴾ متعلقة بِ ﴿رَكَّبَكَ﴾، ولا يحسن أن تتعلق بِـ (عدلك) لأنك إنما تقول: عدلت إلى كذا، ولا تقول عدلته في كذا. وقد غلط الفراء فمنع قراءة التخفيف واستبعدها لإتيان ﴿فِيۤ﴾ بعد (عدلك)، فظن أن ﴿فِيۤ﴾ متعلقة بـِ (عدلك)، وليست كما ظن. وقد قيل: إن القراءة بالتشديد هي من هذا المعنى على التكثير، أي: صرفك مرة بعد مرة إلى أي صورة شاء. وقيل: معنى التخفيف: (أمالك إلى) ما شاء من حسن وقبح وصحة وسقم. وقال مجاهد: ﴿(فِيۤ أَيِّ صُورَةٍ) مَّا شَآءَ رَكَّبَكَ﴾ معناه: في أي شبه أب أو أم أو خال أو عم شاء خلقك. وقال أبو صالح: معناه: إن شاء في صورة كلب أو خنزير أو حمار. وروي أن النبي ﷺ قال: إن النطفة إذا استقرت في الرحم أحضرها الله كل نسب بينها وبين آدم، أما قرأت في ﴿فِيۤ أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَآءَ رَكَّبَكَ﴾؟! والتقدير في الكلام: في أي صورة ما شاء أن يركبك ﴿رَكَّبَكَ﴾. وفي حديث آخر أنه قال: "إِنَّ اللهَ - جَلَّ وَعَزَّ - إِذَا أَرَادَ أَنْ يَخْلُقَ النَّسْمَةَ فَجَامَعَ الرَّجُلُ المَرْأَةَ، طَارَ مَاؤُهُ فِي كُلِّ عَرْقٍ مِنْهَا، ثُمَّ أَحْضَرَ لَهُ آباءَه مِنْ لُدُنِ آدَمَ، ثُمَّ صَوَّرَهُ فِي صُورَةِ وَاحِدٍ [مِنْهُمْ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ]: ﴿فِيۤ أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَآءَ رَكَّبَكَ﴾ ثم قال: ﴿كَلاَّ بَلْ تُكَذِّبُونَ بِٱلدِّينِ﴾. أي: ليس الأمر - أيها الكافرون - على ما تقولون من أنكم على الحق في عبادتكم غيرَ الله، لكنكم تكذبون بالجزاء والبعث والجنة والنار. ودل على ذلك قوله: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلإِنسَٰنُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ ٱلْكَرِيمِ﴾ (أي: ما غرك في عبادتك غير ربك الكريم) الذي خلقك فسواك فعدلك. وقيل: ﴿كَلاَّ﴾ بمعنى "حَقَّاً هَذَا"، أو بمعنى "أَلاَ". ولذلك، لم ير أبو حاتم الوقف (عليها)، وأجازه نصير. وقيل: المعنى ليس كما غررت به، بل تكذب بالدين. وقال مجاهد: ﴿بِٱلدِّينِ﴾: "بالحساب". وقال قتادة" ﴿بِٱلدِّينِ﴾: "يوم شدة، يوم يدين الله (العباد) بأعمالهم". * * - ثم قال تعالى: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ﴾. أي: وإن عليكم أيها الناس رقباء حافظين لأعمالكم حتى تدانوا بها يوم القيامة. ثم وصف الحافظين فقال: * * - ﴿كِرَاماً كَاتِبِينَ﴾. أي: كراماً على الله يكتبون أعمالكم. قال مجاهد: يُوكِل بكل إنسان ملكين، ملكاً عن يمينه يكتب الخير، وملكاً عن شماله يكتب الشر. * * - وقوله: ﴿يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾. أي: يعلم هؤلاء الحفظة ما تفعلون من خير وشر [فيحصونه] عليكم. قال أبو عبد الرحمن السلمي: إن الملك يأتي أحدكم كل غدوة بصحيفة بيضاء، فإذا صلى الغدوة [فليمل] فيها خيراً، فإذا طلعت الشمس فليقم لحاجته، فإذا صلى العصر فليمل فيها خيراً. فإنه إذا أملى في أول [صحيفته] وآخرها خيراً (كان) عسى أن يكفر ما بينهما. * * - ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱلأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ﴾. أي: إن الذين بروا بأداء فرائض الله واجتناب محارمه لفي نعيم الجنان يوم القيامة. وقيل: إنما سموا أبراراً لأنهم بروا الآباء والأبناء. - ثم (قال) تعالى: ﴿وَإِنَّ ٱلْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ﴾ ﴿يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ (ٱلدِّينِ)﴾. أتى بلفظ التأنيث في ﴿يَصْلَوْنَهَا﴾ حملاً على تأنيث النار، أي: يَصْلَى الفجار الجحيم يوماً يدان فيه العباد (بأعمالهم. وقال ابن عباس: "﴿يَوْمَ ٱلدِّينِ﴾) من أسماء يوم القيامة، [عظمه] الله وحذره عباده". * * - ثم قال تعالى: ﴿وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَآئِبِينَ﴾. أي: وما هؤلاء الفجار عن الجحيم بخارجين أبداً [فغائبين] عنها، [لكنهم] مخلدون فيها أبداً. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَمَآ أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ ٱلدِّينِ * ثُمَّ مَآ أَدْرَاكَ (مَا يَوْمُ ٱلدِّينِ)﴾. أي: وما أشعرك، يا محمد، أي شيء يوم الدين!، ثم كرره معظماً له محذراً (منه) عباده. وقيل: إن هذا ليس بتكرير. ومعناه: وما أدراك، يا محمد، ما في يوم الدين من العذاب للفجار!، وما أدراك ما في يوم الدين من النعيم للأبرار!. ثم فسر بعض شأن ذلك اليوم فقال: * * - ﴿يَوْمَ لاَ تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً﴾ أي: ذلك اليوم يوم لا تملك فيه نفس لنفس نفعاً ولا ضراً. ومن رفع ﴿يَوْمَ لاَ تَمْلِكُ﴾ جعله بدلاً مما قبله، أو على إضمار مبتدأ، أي: [هو يوم لا تملك]. واختار الفراء والكسائي [الرفع فيه] لأنه مضاف إلى مستقبل، ولو كان مضافاً إلى ماض لآثروا الفتح، فهو عندهم في الاختيار مُعَرَّبٌ إذا أضيف إلى معرب، ومبني إذا أضيف إلى مبني. ويجوز في المستقبل من البناء على الفتح مثل ما جاز في الماضي. ومن فتح ﴿يَوْمَ لاَ تَمْلِكُ﴾ فعلى الظرف، أي: [الدين] في يوم تملك. ولا يجوز عند الخليل وسيبويه: أن يكون مبنياً وهو [مضاف] إلى معربٍ، إنما يجوز ذلك إذا أضيف إلى ماضٍ. وأجاز الفراء أن يكون مبنياً وإن كان مضافاً إلى معرب، وأن يكون منصوباً معربا، وأن يكون - إذا كان مبنياً - في موضع نصب على الظرف، وفي موضع رفع على إضمار مبتدأ. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَٱلأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾. أي: والأمر كله - يوم الدين - لله (أي)، ليس لأحد من خلقه أمر ولا نهي يومئذ. ومن رفع ﴿يَوْمَ لاَ تَمْلِكُ﴾ على البدل من ﴿يَوْمَ﴾ مرفوع قبله أو فتحه - وهو في موضع رفع على البدل منه أيضاً - أو نصبه على البدل من ﴿يَصْلَوْنَهَا (يَوْمَ ٱلدِّينِ)﴾، لم يبتدئ به. ومن رفعه على إضمار مبتدأ أو نصبه على إضمار فعل بمعنى: اذكر يوم لا تملك، أو فَتَحَه وهو في موضع رفع على إضمار مبتدأ، ابتدأ به.

الانفطار 82:14

قوله تعالى: ﴿إِذَا ٱلسَّمَآءُ ٱنفَطَرَتْ﴾ إلى آخرها. [إذا السماء انفطرت، بمنزلة قوله: ﴿إِذَا ٱلسَّمَآءُ ٱنشَقَّتْ﴾ [الإنشقاق: ١]]. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَا ٱلْكَوَاكِبُ ٱنتَثَرَتْ﴾. أي: تساقطت. وقد تقدم ذكر هذا. * * - ثم قال ﴿وَإِذَا ٱلْبِحَارُ فُجِّرَتْ﴾. أي: فجر الله بعضها في بعض. قال قتادة: "فَجّرَ عَذْبَهَا في مالحها، ومالحها في عذبها". * * - ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَا ٱلْقُبُورُ بُعْثِرَتْ﴾. أي: [أثيرت] فاستخرج من فيها من الموتى أحياء. يقال: بعثر فلان حوض فلان [وبحْثره]: إذا جعل أسفله أعلاه. قال ابن عباس: ﴿بُعْثِرَتْ﴾: "بُحِثَتْ". وقال الفراء: بُعْثِرَتْ فألْقَتْ ما فيها من الكنوز والموتى. ولا معنى للكنوز في هذا؛ لأنه يوم القيامة، ولا كنز في القبور. * * - ثم قال تعالى: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ﴾. هذا جواب ﴿إِذَا ٱلسَّمَآءُ ٱنفَطَرَتْ﴾ وما بعده، أي: علمت كل نفس ما قدمت لذلك اليوم وما أخرت من عمل صال أو سيء. وقيل: معنى (أخرت)، أي: ما سنت من عمل فيعمل به بعده. (قاله القرظي). وقيل: معناه: ما قدمت من العمل المفروض فعملت به، وما تركت منه. وهو قول [ابن] عباس وعكرمة وقتادة وابن زيد. أي: [ما] عملت مما فرض عليها، وما تركت فلم تعمل (به). * * - ثم قال تعالى: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلإِنسَٰنُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ ٱلْكَرِيمِ﴾. أي: يا أيها الإنسان الكافر بربه، أي شيء غرك بربك الكريم حتى كفرت به وجحدت نعمه؟! قال الطبري: غَرَّ الناس عدوُّهم المسلط عليهم. وقاله قتادة. * * - وقوله: ﴿ٱلَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ﴾. أي: اخترع خلقك [بعد] إن لم تكن شيئاً فسوى خلقك. ﴿فَعَدَلَكَ﴾ أي: فقومك، فجعل خلقك معتدلاً، (لا) تزيد رجل (على رجل)، ولا يد على يد. ودل على هذا قوله: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَانَ فِيۤ أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين: ٤]. ومن خفف ﴿فَعَدَلَكَ﴾ فمعناه: صرفك إلى أي صورة شاء، إما حسنٌ وإما قبيحٌ، وإما طويل وإما قصير. * * وقوله: ﴿فِيۤ أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَآءَ رَكَّبَكَ﴾. يدل على هذا المعنى. فقراءة (التشديد أولى [ليفيد] الكلام فائدتين مجددتين، لأن معنى التخفيف هو ما أفاد). * * قوله: ﴿فِيۤ أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَآءَ رَكَّبَكَ﴾. و ﴿فِيۤ﴾ متعلقة بِ ﴿رَكَّبَكَ﴾، ولا يحسن أن تتعلق بِـ (عدلك) لأنك إنما تقول: عدلت إلى كذا، ولا تقول عدلته في كذا. وقد غلط الفراء فمنع قراءة التخفيف واستبعدها لإتيان ﴿فِيۤ﴾ بعد (عدلك)، فظن أن ﴿فِيۤ﴾ متعلقة بـِ (عدلك)، وليست كما ظن. وقد قيل: إن القراءة بالتشديد هي من هذا المعنى على التكثير، أي: صرفك مرة بعد مرة إلى أي صورة شاء. وقيل: معنى التخفيف: (أمالك إلى) ما شاء من حسن وقبح وصحة وسقم. وقال مجاهد: ﴿(فِيۤ أَيِّ صُورَةٍ) مَّا شَآءَ رَكَّبَكَ﴾ معناه: في أي شبه أب أو أم أو خال أو عم شاء خلقك. وقال أبو صالح: معناه: إن شاء في صورة كلب أو خنزير أو حمار. وروي أن النبي ﷺ قال: إن النطفة إذا استقرت في الرحم أحضرها الله كل نسب بينها وبين آدم، أما قرأت في ﴿فِيۤ أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَآءَ رَكَّبَكَ﴾؟! والتقدير في الكلام: في أي صورة ما شاء أن يركبك ﴿رَكَّبَكَ﴾. وفي حديث آخر أنه قال: "إِنَّ اللهَ - جَلَّ وَعَزَّ - إِذَا أَرَادَ أَنْ يَخْلُقَ النَّسْمَةَ فَجَامَعَ الرَّجُلُ المَرْأَةَ، طَارَ مَاؤُهُ فِي كُلِّ عَرْقٍ مِنْهَا، ثُمَّ أَحْضَرَ لَهُ آباءَه مِنْ لُدُنِ آدَمَ، ثُمَّ صَوَّرَهُ فِي صُورَةِ وَاحِدٍ [مِنْهُمْ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ]: ﴿فِيۤ أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَآءَ رَكَّبَكَ﴾ ثم قال: ﴿كَلاَّ بَلْ تُكَذِّبُونَ بِٱلدِّينِ﴾. أي: ليس الأمر - أيها الكافرون - على ما تقولون من أنكم على الحق في عبادتكم غيرَ الله، لكنكم تكذبون بالجزاء والبعث والجنة والنار. ودل على ذلك قوله: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلإِنسَٰنُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ ٱلْكَرِيمِ﴾ (أي: ما غرك في عبادتك غير ربك الكريم) الذي خلقك فسواك فعدلك. وقيل: ﴿كَلاَّ﴾ بمعنى "حَقَّاً هَذَا"، أو بمعنى "أَلاَ". ولذلك، لم ير أبو حاتم الوقف (عليها)، وأجازه نصير. وقيل: المعنى ليس كما غررت به، بل تكذب بالدين. وقال مجاهد: ﴿بِٱلدِّينِ﴾: "بالحساب". وقال قتادة" ﴿بِٱلدِّينِ﴾: "يوم شدة، يوم يدين الله (العباد) بأعمالهم". * * - ثم قال تعالى: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ﴾. أي: وإن عليكم أيها الناس رقباء حافظين لأعمالكم حتى تدانوا بها يوم القيامة. ثم وصف الحافظين فقال: * * - ﴿كِرَاماً كَاتِبِينَ﴾. أي: كراماً على الله يكتبون أعمالكم. قال مجاهد: يُوكِل بكل إنسان ملكين، ملكاً عن يمينه يكتب الخير، وملكاً عن شماله يكتب الشر. * * - وقوله: ﴿يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾. أي: يعلم هؤلاء الحفظة ما تفعلون من خير وشر [فيحصونه] عليكم. قال أبو عبد الرحمن السلمي: إن الملك يأتي أحدكم كل غدوة بصحيفة بيضاء، فإذا صلى الغدوة [فليمل] فيها خيراً، فإذا طلعت الشمس فليقم لحاجته، فإذا صلى العصر فليمل فيها خيراً. فإنه إذا أملى في أول [صحيفته] وآخرها خيراً (كان) عسى أن يكفر ما بينهما. * * - ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱلأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ﴾. أي: إن الذين بروا بأداء فرائض الله واجتناب محارمه لفي نعيم الجنان يوم القيامة. وقيل: إنما سموا أبراراً لأنهم بروا الآباء والأبناء. - ثم (قال) تعالى: ﴿وَإِنَّ ٱلْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ﴾ ﴿يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ (ٱلدِّينِ)﴾. أتى بلفظ التأنيث في ﴿يَصْلَوْنَهَا﴾ حملاً على تأنيث النار، أي: يَصْلَى الفجار الجحيم يوماً يدان فيه العباد (بأعمالهم. وقال ابن عباس: "﴿يَوْمَ ٱلدِّينِ﴾) من أسماء يوم القيامة، [عظمه] الله وحذره عباده". * * - ثم قال تعالى: ﴿وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَآئِبِينَ﴾. أي: وما هؤلاء الفجار عن الجحيم بخارجين أبداً [فغائبين] عنها، [لكنهم] مخلدون فيها أبداً. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَمَآ أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ ٱلدِّينِ * ثُمَّ مَآ أَدْرَاكَ (مَا يَوْمُ ٱلدِّينِ)﴾. أي: وما أشعرك، يا محمد، أي شيء يوم الدين!، ثم كرره معظماً له محذراً (منه) عباده. وقيل: إن هذا ليس بتكرير. ومعناه: وما أدراك، يا محمد، ما في يوم الدين من العذاب للفجار!، وما أدراك ما في يوم الدين من النعيم للأبرار!. ثم فسر بعض شأن ذلك اليوم فقال: * * - ﴿يَوْمَ لاَ تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً﴾ أي: ذلك اليوم يوم لا تملك فيه نفس لنفس نفعاً ولا ضراً. ومن رفع ﴿يَوْمَ لاَ تَمْلِكُ﴾ جعله بدلاً مما قبله، أو على إضمار مبتدأ، أي: [هو يوم لا تملك]. واختار الفراء والكسائي [الرفع فيه] لأنه مضاف إلى مستقبل، ولو كان مضافاً إلى ماض لآثروا الفتح، فهو عندهم في الاختيار مُعَرَّبٌ إذا أضيف إلى معرب، ومبني إذا أضيف إلى مبني. ويجوز في المستقبل من البناء على الفتح مثل ما جاز في الماضي. ومن فتح ﴿يَوْمَ لاَ تَمْلِكُ﴾ فعلى الظرف، أي: [الدين] في يوم تملك. ولا يجوز عند الخليل وسيبويه: أن يكون مبنياً وهو [مضاف] إلى معربٍ، إنما يجوز ذلك إذا أضيف إلى ماضٍ. وأجاز الفراء أن يكون مبنياً وإن كان مضافاً إلى معرب، وأن يكون منصوباً معربا، وأن يكون - إذا كان مبنياً - في موضع نصب على الظرف، وفي موضع رفع على إضمار مبتدأ. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَٱلأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾. أي: والأمر كله - يوم الدين - لله (أي)، ليس لأحد من خلقه أمر ولا نهي يومئذ. ومن رفع ﴿يَوْمَ لاَ تَمْلِكُ﴾ على البدل من ﴿يَوْمَ﴾ مرفوع قبله أو فتحه - وهو في موضع رفع على البدل منه أيضاً - أو نصبه على البدل من ﴿يَصْلَوْنَهَا (يَوْمَ ٱلدِّينِ)﴾، لم يبتدئ به. ومن رفعه على إضمار مبتدأ أو نصبه على إضمار فعل بمعنى: اذكر يوم لا تملك، أو فَتَحَه وهو في موضع رفع على إضمار مبتدأ، ابتدأ به.

الانفطار 82:15

قوله تعالى: ﴿إِذَا ٱلسَّمَآءُ ٱنفَطَرَتْ﴾ إلى آخرها. [إذا السماء انفطرت، بمنزلة قوله: ﴿إِذَا ٱلسَّمَآءُ ٱنشَقَّتْ﴾ [الإنشقاق: ١]]. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَا ٱلْكَوَاكِبُ ٱنتَثَرَتْ﴾. أي: تساقطت. وقد تقدم ذكر هذا. * * - ثم قال ﴿وَإِذَا ٱلْبِحَارُ فُجِّرَتْ﴾. أي: فجر الله بعضها في بعض. قال قتادة: "فَجّرَ عَذْبَهَا في مالحها، ومالحها في عذبها". * * - ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَا ٱلْقُبُورُ بُعْثِرَتْ﴾. أي: [أثيرت] فاستخرج من فيها من الموتى أحياء. يقال: بعثر فلان حوض فلان [وبحْثره]: إذا جعل أسفله أعلاه. قال ابن عباس: ﴿بُعْثِرَتْ﴾: "بُحِثَتْ". وقال الفراء: بُعْثِرَتْ فألْقَتْ ما فيها من الكنوز والموتى. ولا معنى للكنوز في هذا؛ لأنه يوم القيامة، ولا كنز في القبور. * * - ثم قال تعالى: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ﴾. هذا جواب ﴿إِذَا ٱلسَّمَآءُ ٱنفَطَرَتْ﴾ وما بعده، أي: علمت كل نفس ما قدمت لذلك اليوم وما أخرت من عمل صال أو سيء. وقيل: معنى (أخرت)، أي: ما سنت من عمل فيعمل به بعده. (قاله القرظي). وقيل: معناه: ما قدمت من العمل المفروض فعملت به، وما تركت منه. وهو قول [ابن] عباس وعكرمة وقتادة وابن زيد. أي: [ما] عملت مما فرض عليها، وما تركت فلم تعمل (به). * * - ثم قال تعالى: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلإِنسَٰنُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ ٱلْكَرِيمِ﴾. أي: يا أيها الإنسان الكافر بربه، أي شيء غرك بربك الكريم حتى كفرت به وجحدت نعمه؟! قال الطبري: غَرَّ الناس عدوُّهم المسلط عليهم. وقاله قتادة. * * - وقوله: ﴿ٱلَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ﴾. أي: اخترع خلقك [بعد] إن لم تكن شيئاً فسوى خلقك. ﴿فَعَدَلَكَ﴾ أي: فقومك، فجعل خلقك معتدلاً، (لا) تزيد رجل (على رجل)، ولا يد على يد. ودل على هذا قوله: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَانَ فِيۤ أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين: ٤]. ومن خفف ﴿فَعَدَلَكَ﴾ فمعناه: صرفك إلى أي صورة شاء، إما حسنٌ وإما قبيحٌ، وإما طويل وإما قصير. * * وقوله: ﴿فِيۤ أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَآءَ رَكَّبَكَ﴾. يدل على هذا المعنى. فقراءة (التشديد أولى [ليفيد] الكلام فائدتين مجددتين، لأن معنى التخفيف هو ما أفاد). * * قوله: ﴿فِيۤ أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَآءَ رَكَّبَكَ﴾. و ﴿فِيۤ﴾ متعلقة بِ ﴿رَكَّبَكَ﴾، ولا يحسن أن تتعلق بِـ (عدلك) لأنك إنما تقول: عدلت إلى كذا، ولا تقول عدلته في كذا. وقد غلط الفراء فمنع قراءة التخفيف واستبعدها لإتيان ﴿فِيۤ﴾ بعد (عدلك)، فظن أن ﴿فِيۤ﴾ متعلقة بـِ (عدلك)، وليست كما ظن. وقد قيل: إن القراءة بالتشديد هي من هذا المعنى على التكثير، أي: صرفك مرة بعد مرة إلى أي صورة شاء. وقيل: معنى التخفيف: (أمالك إلى) ما شاء من حسن وقبح وصحة وسقم. وقال مجاهد: ﴿(فِيۤ أَيِّ صُورَةٍ) مَّا شَآءَ رَكَّبَكَ﴾ معناه: في أي شبه أب أو أم أو خال أو عم شاء خلقك. وقال أبو صالح: معناه: إن شاء في صورة كلب أو خنزير أو حمار. وروي أن النبي ﷺ قال: إن النطفة إذا استقرت في الرحم أحضرها الله كل نسب بينها وبين آدم، أما قرأت في ﴿فِيۤ أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَآءَ رَكَّبَكَ﴾؟! والتقدير في الكلام: في أي صورة ما شاء أن يركبك ﴿رَكَّبَكَ﴾. وفي حديث آخر أنه قال: "إِنَّ اللهَ - جَلَّ وَعَزَّ - إِذَا أَرَادَ أَنْ يَخْلُقَ النَّسْمَةَ فَجَامَعَ الرَّجُلُ المَرْأَةَ، طَارَ مَاؤُهُ فِي كُلِّ عَرْقٍ مِنْهَا، ثُمَّ أَحْضَرَ لَهُ آباءَه مِنْ لُدُنِ آدَمَ، ثُمَّ صَوَّرَهُ فِي صُورَةِ وَاحِدٍ [مِنْهُمْ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ]: ﴿فِيۤ أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَآءَ رَكَّبَكَ﴾ ثم قال: ﴿كَلاَّ بَلْ تُكَذِّبُونَ بِٱلدِّينِ﴾. أي: ليس الأمر - أيها الكافرون - على ما تقولون من أنكم على الحق في عبادتكم غيرَ الله، لكنكم تكذبون بالجزاء والبعث والجنة والنار. ودل على ذلك قوله: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلإِنسَٰنُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ ٱلْكَرِيمِ﴾ (أي: ما غرك في عبادتك غير ربك الكريم) الذي خلقك فسواك فعدلك. وقيل: ﴿كَلاَّ﴾ بمعنى "حَقَّاً هَذَا"، أو بمعنى "أَلاَ". ولذلك، لم ير أبو حاتم الوقف (عليها)، وأجازه نصير. وقيل: المعنى ليس كما غررت به، بل تكذب بالدين. وقال مجاهد: ﴿بِٱلدِّينِ﴾: "بالحساب". وقال قتادة" ﴿بِٱلدِّينِ﴾: "يوم شدة، يوم يدين الله (العباد) بأعمالهم". * * - ثم قال تعالى: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ﴾. أي: وإن عليكم أيها الناس رقباء حافظين لأعمالكم حتى تدانوا بها يوم القيامة. ثم وصف الحافظين فقال: * * - ﴿كِرَاماً كَاتِبِينَ﴾. أي: كراماً على الله يكتبون أعمالكم. قال مجاهد: يُوكِل بكل إنسان ملكين، ملكاً عن يمينه يكتب الخير، وملكاً عن شماله يكتب الشر. * * - وقوله: ﴿يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾. أي: يعلم هؤلاء الحفظة ما تفعلون من خير وشر [فيحصونه] عليكم. قال أبو عبد الرحمن السلمي: إن الملك يأتي أحدكم كل غدوة بصحيفة بيضاء، فإذا صلى الغدوة [فليمل] فيها خيراً، فإذا طلعت الشمس فليقم لحاجته، فإذا صلى العصر فليمل فيها خيراً. فإنه إذا أملى في أول [صحيفته] وآخرها خيراً (كان) عسى أن يكفر ما بينهما. * * - ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱلأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ﴾. أي: إن الذين بروا بأداء فرائض الله واجتناب محارمه لفي نعيم الجنان يوم القيامة. وقيل: إنما سموا أبراراً لأنهم بروا الآباء والأبناء. - ثم (قال) تعالى: ﴿وَإِنَّ ٱلْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ﴾ ﴿يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ (ٱلدِّينِ)﴾. أتى بلفظ التأنيث في ﴿يَصْلَوْنَهَا﴾ حملاً على تأنيث النار، أي: يَصْلَى الفجار الجحيم يوماً يدان فيه العباد (بأعمالهم. وقال ابن عباس: "﴿يَوْمَ ٱلدِّينِ﴾) من أسماء يوم القيامة، [عظمه] الله وحذره عباده". * * - ثم قال تعالى: ﴿وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَآئِبِينَ﴾. أي: وما هؤلاء الفجار عن الجحيم بخارجين أبداً [فغائبين] عنها، [لكنهم] مخلدون فيها أبداً. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَمَآ أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ ٱلدِّينِ * ثُمَّ مَآ أَدْرَاكَ (مَا يَوْمُ ٱلدِّينِ)﴾. أي: وما أشعرك، يا محمد، أي شيء يوم الدين!، ثم كرره معظماً له محذراً (منه) عباده. وقيل: إن هذا ليس بتكرير. ومعناه: وما أدراك، يا محمد، ما في يوم الدين من العذاب للفجار!، وما أدراك ما في يوم الدين من النعيم للأبرار!. ثم فسر بعض شأن ذلك اليوم فقال: * * - ﴿يَوْمَ لاَ تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً﴾ أي: ذلك اليوم يوم لا تملك فيه نفس لنفس نفعاً ولا ضراً. ومن رفع ﴿يَوْمَ لاَ تَمْلِكُ﴾ جعله بدلاً مما قبله، أو على إضمار مبتدأ، أي: [هو يوم لا تملك]. واختار الفراء والكسائي [الرفع فيه] لأنه مضاف إلى مستقبل، ولو كان مضافاً إلى ماض لآثروا الفتح، فهو عندهم في الاختيار مُعَرَّبٌ إذا أضيف إلى معرب، ومبني إذا أضيف إلى مبني. ويجوز في المستقبل من البناء على الفتح مثل ما جاز في الماضي. ومن فتح ﴿يَوْمَ لاَ تَمْلِكُ﴾ فعلى الظرف، أي: [الدين] في يوم تملك. ولا يجوز عند الخليل وسيبويه: أن يكون مبنياً وهو [مضاف] إلى معربٍ، إنما يجوز ذلك إذا أضيف إلى ماضٍ. وأجاز الفراء أن يكون مبنياً وإن كان مضافاً إلى معرب، وأن يكون منصوباً معربا، وأن يكون - إذا كان مبنياً - في موضع نصب على الظرف، وفي موضع رفع على إضمار مبتدأ. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَٱلأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾. أي: والأمر كله - يوم الدين - لله (أي)، ليس لأحد من خلقه أمر ولا نهي يومئذ. ومن رفع ﴿يَوْمَ لاَ تَمْلِكُ﴾ على البدل من ﴿يَوْمَ﴾ مرفوع قبله أو فتحه - وهو في موضع رفع على البدل منه أيضاً - أو نصبه على البدل من ﴿يَصْلَوْنَهَا (يَوْمَ ٱلدِّينِ)﴾، لم يبتدئ به. ومن رفعه على إضمار مبتدأ أو نصبه على إضمار فعل بمعنى: اذكر يوم لا تملك، أو فَتَحَه وهو في موضع رفع على إضمار مبتدأ، ابتدأ به.

الانفطار 82:16

قوله تعالى: ﴿إِذَا ٱلسَّمَآءُ ٱنفَطَرَتْ﴾ إلى آخرها. [إذا السماء انفطرت، بمنزلة قوله: ﴿إِذَا ٱلسَّمَآءُ ٱنشَقَّتْ﴾ [الإنشقاق: ١]]. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَا ٱلْكَوَاكِبُ ٱنتَثَرَتْ﴾. أي: تساقطت. وقد تقدم ذكر هذا. * * - ثم قال ﴿وَإِذَا ٱلْبِحَارُ فُجِّرَتْ﴾. أي: فجر الله بعضها في بعض. قال قتادة: "فَجّرَ عَذْبَهَا في مالحها، ومالحها في عذبها". * * - ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَا ٱلْقُبُورُ بُعْثِرَتْ﴾. أي: [أثيرت] فاستخرج من فيها من الموتى أحياء. يقال: بعثر فلان حوض فلان [وبحْثره]: إذا جعل أسفله أعلاه. قال ابن عباس: ﴿بُعْثِرَتْ﴾: "بُحِثَتْ". وقال الفراء: بُعْثِرَتْ فألْقَتْ ما فيها من الكنوز والموتى. ولا معنى للكنوز في هذا؛ لأنه يوم القيامة، ولا كنز في القبور. * * - ثم قال تعالى: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ﴾. هذا جواب ﴿إِذَا ٱلسَّمَآءُ ٱنفَطَرَتْ﴾ وما بعده، أي: علمت كل نفس ما قدمت لذلك اليوم وما أخرت من عمل صال أو سيء. وقيل: معنى (أخرت)، أي: ما سنت من عمل فيعمل به بعده. (قاله القرظي). وقيل: معناه: ما قدمت من العمل المفروض فعملت به، وما تركت منه. وهو قول [ابن] عباس وعكرمة وقتادة وابن زيد. أي: [ما] عملت مما فرض عليها، وما تركت فلم تعمل (به). * * - ثم قال تعالى: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلإِنسَٰنُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ ٱلْكَرِيمِ﴾. أي: يا أيها الإنسان الكافر بربه، أي شيء غرك بربك الكريم حتى كفرت به وجحدت نعمه؟! قال الطبري: غَرَّ الناس عدوُّهم المسلط عليهم. وقاله قتادة. * * - وقوله: ﴿ٱلَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ﴾. أي: اخترع خلقك [بعد] إن لم تكن شيئاً فسوى خلقك. ﴿فَعَدَلَكَ﴾ أي: فقومك، فجعل خلقك معتدلاً، (لا) تزيد رجل (على رجل)، ولا يد على يد. ودل على هذا قوله: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَانَ فِيۤ أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين: ٤]. ومن خفف ﴿فَعَدَلَكَ﴾ فمعناه: صرفك إلى أي صورة شاء، إما حسنٌ وإما قبيحٌ، وإما طويل وإما قصير. * * وقوله: ﴿فِيۤ أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَآءَ رَكَّبَكَ﴾. يدل على هذا المعنى. فقراءة (التشديد أولى [ليفيد] الكلام فائدتين مجددتين، لأن معنى التخفيف هو ما أفاد). * * قوله: ﴿فِيۤ أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَآءَ رَكَّبَكَ﴾. و ﴿فِيۤ﴾ متعلقة بِ ﴿رَكَّبَكَ﴾، ولا يحسن أن تتعلق بِـ (عدلك) لأنك إنما تقول: عدلت إلى كذا، ولا تقول عدلته في كذا. وقد غلط الفراء فمنع قراءة التخفيف واستبعدها لإتيان ﴿فِيۤ﴾ بعد (عدلك)، فظن أن ﴿فِيۤ﴾ متعلقة بـِ (عدلك)، وليست كما ظن. وقد قيل: إن القراءة بالتشديد هي من هذا المعنى على التكثير، أي: صرفك مرة بعد مرة إلى أي صورة شاء. وقيل: معنى التخفيف: (أمالك إلى) ما شاء من حسن وقبح وصحة وسقم. وقال مجاهد: ﴿(فِيۤ أَيِّ صُورَةٍ) مَّا شَآءَ رَكَّبَكَ﴾ معناه: في أي شبه أب أو أم أو خال أو عم شاء خلقك. وقال أبو صالح: معناه: إن شاء في صورة كلب أو خنزير أو حمار. وروي أن النبي ﷺ قال: إن النطفة إذا استقرت في الرحم أحضرها الله كل نسب بينها وبين آدم، أما قرأت في ﴿فِيۤ أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَآءَ رَكَّبَكَ﴾؟! والتقدير في الكلام: في أي صورة ما شاء أن يركبك ﴿رَكَّبَكَ﴾. وفي حديث آخر أنه قال: "إِنَّ اللهَ - جَلَّ وَعَزَّ - إِذَا أَرَادَ أَنْ يَخْلُقَ النَّسْمَةَ فَجَامَعَ الرَّجُلُ المَرْأَةَ، طَارَ مَاؤُهُ فِي كُلِّ عَرْقٍ مِنْهَا، ثُمَّ أَحْضَرَ لَهُ آباءَه مِنْ لُدُنِ آدَمَ، ثُمَّ صَوَّرَهُ فِي صُورَةِ وَاحِدٍ [مِنْهُمْ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ]: ﴿فِيۤ أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَآءَ رَكَّبَكَ﴾ ثم قال: ﴿كَلاَّ بَلْ تُكَذِّبُونَ بِٱلدِّينِ﴾. أي: ليس الأمر - أيها الكافرون - على ما تقولون من أنكم على الحق في عبادتكم غيرَ الله، لكنكم تكذبون بالجزاء والبعث والجنة والنار. ودل على ذلك قوله: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلإِنسَٰنُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ ٱلْكَرِيمِ﴾ (أي: ما غرك في عبادتك غير ربك الكريم) الذي خلقك فسواك فعدلك. وقيل: ﴿كَلاَّ﴾ بمعنى "حَقَّاً هَذَا"، أو بمعنى "أَلاَ". ولذلك، لم ير أبو حاتم الوقف (عليها)، وأجازه نصير. وقيل: المعنى ليس كما غررت به، بل تكذب بالدين. وقال مجاهد: ﴿بِٱلدِّينِ﴾: "بالحساب". وقال قتادة" ﴿بِٱلدِّينِ﴾: "يوم شدة، يوم يدين الله (العباد) بأعمالهم". * * - ثم قال تعالى: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ﴾. أي: وإن عليكم أيها الناس رقباء حافظين لأعمالكم حتى تدانوا بها يوم القيامة. ثم وصف الحافظين فقال: * * - ﴿كِرَاماً كَاتِبِينَ﴾. أي: كراماً على الله يكتبون أعمالكم. قال مجاهد: يُوكِل بكل إنسان ملكين، ملكاً عن يمينه يكتب الخير، وملكاً عن شماله يكتب الشر. * * - وقوله: ﴿يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾. أي: يعلم هؤلاء الحفظة ما تفعلون من خير وشر [فيحصونه] عليكم. قال أبو عبد الرحمن السلمي: إن الملك يأتي أحدكم كل غدوة بصحيفة بيضاء، فإذا صلى الغدوة [فليمل] فيها خيراً، فإذا طلعت الشمس فليقم لحاجته، فإذا صلى العصر فليمل فيها خيراً. فإنه إذا أملى في أول [صحيفته] وآخرها خيراً (كان) عسى أن يكفر ما بينهما. * * - ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱلأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ﴾. أي: إن الذين بروا بأداء فرائض الله واجتناب محارمه لفي نعيم الجنان يوم القيامة. وقيل: إنما سموا أبراراً لأنهم بروا الآباء والأبناء. - ثم (قال) تعالى: ﴿وَإِنَّ ٱلْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ﴾ ﴿يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ (ٱلدِّينِ)﴾. أتى بلفظ التأنيث في ﴿يَصْلَوْنَهَا﴾ حملاً على تأنيث النار، أي: يَصْلَى الفجار الجحيم يوماً يدان فيه العباد (بأعمالهم. وقال ابن عباس: "﴿يَوْمَ ٱلدِّينِ﴾) من أسماء يوم القيامة، [عظمه] الله وحذره عباده". * * - ثم قال تعالى: ﴿وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَآئِبِينَ﴾. أي: وما هؤلاء الفجار عن الجحيم بخارجين أبداً [فغائبين] عنها، [لكنهم] مخلدون فيها أبداً. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَمَآ أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ ٱلدِّينِ * ثُمَّ مَآ أَدْرَاكَ (مَا يَوْمُ ٱلدِّينِ)﴾. أي: وما أشعرك، يا محمد، أي شيء يوم الدين!، ثم كرره معظماً له محذراً (منه) عباده. وقيل: إن هذا ليس بتكرير. ومعناه: وما أدراك، يا محمد، ما في يوم الدين من العذاب للفجار!، وما أدراك ما في يوم الدين من النعيم للأبرار!. ثم فسر بعض شأن ذلك اليوم فقال: * * - ﴿يَوْمَ لاَ تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً﴾ أي: ذلك اليوم يوم لا تملك فيه نفس لنفس نفعاً ولا ضراً. ومن رفع ﴿يَوْمَ لاَ تَمْلِكُ﴾ جعله بدلاً مما قبله، أو على إضمار مبتدأ، أي: [هو يوم لا تملك]. واختار الفراء والكسائي [الرفع فيه] لأنه مضاف إلى مستقبل، ولو كان مضافاً إلى ماض لآثروا الفتح، فهو عندهم في الاختيار مُعَرَّبٌ إذا أضيف إلى معرب، ومبني إذا أضيف إلى مبني. ويجوز في المستقبل من البناء على الفتح مثل ما جاز في الماضي. ومن فتح ﴿يَوْمَ لاَ تَمْلِكُ﴾ فعلى الظرف، أي: [الدين] في يوم تملك. ولا يجوز عند الخليل وسيبويه: أن يكون مبنياً وهو [مضاف] إلى معربٍ، إنما يجوز ذلك إذا أضيف إلى ماضٍ. وأجاز الفراء أن يكون مبنياً وإن كان مضافاً إلى معرب، وأن يكون منصوباً معربا، وأن يكون - إذا كان مبنياً - في موضع نصب على الظرف، وفي موضع رفع على إضمار مبتدأ. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَٱلأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾. أي: والأمر كله - يوم الدين - لله (أي)، ليس لأحد من خلقه أمر ولا نهي يومئذ. ومن رفع ﴿يَوْمَ لاَ تَمْلِكُ﴾ على البدل من ﴿يَوْمَ﴾ مرفوع قبله أو فتحه - وهو في موضع رفع على البدل منه أيضاً - أو نصبه على البدل من ﴿يَصْلَوْنَهَا (يَوْمَ ٱلدِّينِ)﴾، لم يبتدئ به. ومن رفعه على إضمار مبتدأ أو نصبه على إضمار فعل بمعنى: اذكر يوم لا تملك، أو فَتَحَه وهو في موضع رفع على إضمار مبتدأ، ابتدأ به.

الانفطار 82:17

قوله تعالى: ﴿إِذَا ٱلسَّمَآءُ ٱنفَطَرَتْ﴾ إلى آخرها. [إذا السماء انفطرت، بمنزلة قوله: ﴿إِذَا ٱلسَّمَآءُ ٱنشَقَّتْ﴾ [الإنشقاق: ١]]. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَا ٱلْكَوَاكِبُ ٱنتَثَرَتْ﴾. أي: تساقطت. وقد تقدم ذكر هذا. * * - ثم قال ﴿وَإِذَا ٱلْبِحَارُ فُجِّرَتْ﴾. أي: فجر الله بعضها في بعض. قال قتادة: "فَجّرَ عَذْبَهَا في مالحها، ومالحها في عذبها". * * - ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَا ٱلْقُبُورُ بُعْثِرَتْ﴾. أي: [أثيرت] فاستخرج من فيها من الموتى أحياء. يقال: بعثر فلان حوض فلان [وبحْثره]: إذا جعل أسفله أعلاه. قال ابن عباس: ﴿بُعْثِرَتْ﴾: "بُحِثَتْ". وقال الفراء: بُعْثِرَتْ فألْقَتْ ما فيها من الكنوز والموتى. ولا معنى للكنوز في هذا؛ لأنه يوم القيامة، ولا كنز في القبور. * * - ثم قال تعالى: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ﴾. هذا جواب ﴿إِذَا ٱلسَّمَآءُ ٱنفَطَرَتْ﴾ وما بعده، أي: علمت كل نفس ما قدمت لذلك اليوم وما أخرت من عمل صال أو سيء. وقيل: معنى (أخرت)، أي: ما سنت من عمل فيعمل به بعده. (قاله القرظي). وقيل: معناه: ما قدمت من العمل المفروض فعملت به، وما تركت منه. وهو قول [ابن] عباس وعكرمة وقتادة وابن زيد. أي: [ما] عملت مما فرض عليها، وما تركت فلم تعمل (به). * * - ثم قال تعالى: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلإِنسَٰنُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ ٱلْكَرِيمِ﴾. أي: يا أيها الإنسان الكافر بربه، أي شيء غرك بربك الكريم حتى كفرت به وجحدت نعمه؟! قال الطبري: غَرَّ الناس عدوُّهم المسلط عليهم. وقاله قتادة. * * - وقوله: ﴿ٱلَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ﴾. أي: اخترع خلقك [بعد] إن لم تكن شيئاً فسوى خلقك. ﴿فَعَدَلَكَ﴾ أي: فقومك، فجعل خلقك معتدلاً، (لا) تزيد رجل (على رجل)، ولا يد على يد. ودل على هذا قوله: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَانَ فِيۤ أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين: ٤]. ومن خفف ﴿فَعَدَلَكَ﴾ فمعناه: صرفك إلى أي صورة شاء، إما حسنٌ وإما قبيحٌ، وإما طويل وإما قصير. * * وقوله: ﴿فِيۤ أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَآءَ رَكَّبَكَ﴾. يدل على هذا المعنى. فقراءة (التشديد أولى [ليفيد] الكلام فائدتين مجددتين، لأن معنى التخفيف هو ما أفاد). * * قوله: ﴿فِيۤ أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَآءَ رَكَّبَكَ﴾. و ﴿فِيۤ﴾ متعلقة بِ ﴿رَكَّبَكَ﴾، ولا يحسن أن تتعلق بِـ (عدلك) لأنك إنما تقول: عدلت إلى كذا، ولا تقول عدلته في كذا. وقد غلط الفراء فمنع قراءة التخفيف واستبعدها لإتيان ﴿فِيۤ﴾ بعد (عدلك)، فظن أن ﴿فِيۤ﴾ متعلقة بـِ (عدلك)، وليست كما ظن. وقد قيل: إن القراءة بالتشديد هي من هذا المعنى على التكثير، أي: صرفك مرة بعد مرة إلى أي صورة شاء. وقيل: معنى التخفيف: (أمالك إلى) ما شاء من حسن وقبح وصحة وسقم. وقال مجاهد: ﴿(فِيۤ أَيِّ صُورَةٍ) مَّا شَآءَ رَكَّبَكَ﴾ معناه: في أي شبه أب أو أم أو خال أو عم شاء خلقك. وقال أبو صالح: معناه: إن شاء في صورة كلب أو خنزير أو حمار. وروي أن النبي ﷺ قال: إن النطفة إذا استقرت في الرحم أحضرها الله كل نسب بينها وبين آدم، أما قرأت في ﴿فِيۤ أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَآءَ رَكَّبَكَ﴾؟! والتقدير في الكلام: في أي صورة ما شاء أن يركبك ﴿رَكَّبَكَ﴾. وفي حديث آخر أنه قال: "إِنَّ اللهَ - جَلَّ وَعَزَّ - إِذَا أَرَادَ أَنْ يَخْلُقَ النَّسْمَةَ فَجَامَعَ الرَّجُلُ المَرْأَةَ، طَارَ مَاؤُهُ فِي كُلِّ عَرْقٍ مِنْهَا، ثُمَّ أَحْضَرَ لَهُ آباءَه مِنْ لُدُنِ آدَمَ، ثُمَّ صَوَّرَهُ فِي صُورَةِ وَاحِدٍ [مِنْهُمْ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ]: ﴿فِيۤ أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَآءَ رَكَّبَكَ﴾ ثم قال: ﴿كَلاَّ بَلْ تُكَذِّبُونَ بِٱلدِّينِ﴾. أي: ليس الأمر - أيها الكافرون - على ما تقولون من أنكم على الحق في عبادتكم غيرَ الله، لكنكم تكذبون بالجزاء والبعث والجنة والنار. ودل على ذلك قوله: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلإِنسَٰنُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ ٱلْكَرِيمِ﴾ (أي: ما غرك في عبادتك غير ربك الكريم) الذي خلقك فسواك فعدلك. وقيل: ﴿كَلاَّ﴾ بمعنى "حَقَّاً هَذَا"، أو بمعنى "أَلاَ". ولذلك، لم ير أبو حاتم الوقف (عليها)، وأجازه نصير. وقيل: المعنى ليس كما غررت به، بل تكذب بالدين. وقال مجاهد: ﴿بِٱلدِّينِ﴾: "بالحساب". وقال قتادة" ﴿بِٱلدِّينِ﴾: "يوم شدة، يوم يدين الله (العباد) بأعمالهم". * * - ثم قال تعالى: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ﴾. أي: وإن عليكم أيها الناس رقباء حافظين لأعمالكم حتى تدانوا بها يوم القيامة. ثم وصف الحافظين فقال: * * - ﴿كِرَاماً كَاتِبِينَ﴾. أي: كراماً على الله يكتبون أعمالكم. قال مجاهد: يُوكِل بكل إنسان ملكين، ملكاً عن يمينه يكتب الخير، وملكاً عن شماله يكتب الشر. * * - وقوله: ﴿يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾. أي: يعلم هؤلاء الحفظة ما تفعلون من خير وشر [فيحصونه] عليكم. قال أبو عبد الرحمن السلمي: إن الملك يأتي أحدكم كل غدوة بصحيفة بيضاء، فإذا صلى الغدوة [فليمل] فيها خيراً، فإذا طلعت الشمس فليقم لحاجته، فإذا صلى العصر فليمل فيها خيراً. فإنه إذا أملى في أول [صحيفته] وآخرها خيراً (كان) عسى أن يكفر ما بينهما. * * - ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱلأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ﴾. أي: إن الذين بروا بأداء فرائض الله واجتناب محارمه لفي نعيم الجنان يوم القيامة. وقيل: إنما سموا أبراراً لأنهم بروا الآباء والأبناء. - ثم (قال) تعالى: ﴿وَإِنَّ ٱلْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ﴾ ﴿يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ (ٱلدِّينِ)﴾. أتى بلفظ التأنيث في ﴿يَصْلَوْنَهَا﴾ حملاً على تأنيث النار، أي: يَصْلَى الفجار الجحيم يوماً يدان فيه العباد (بأعمالهم. وقال ابن عباس: "﴿يَوْمَ ٱلدِّينِ﴾) من أسماء يوم القيامة، [عظمه] الله وحذره عباده". * * - ثم قال تعالى: ﴿وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَآئِبِينَ﴾. أي: وما هؤلاء الفجار عن الجحيم بخارجين أبداً [فغائبين] عنها، [لكنهم] مخلدون فيها أبداً. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَمَآ أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ ٱلدِّينِ * ثُمَّ مَآ أَدْرَاكَ (مَا يَوْمُ ٱلدِّينِ)﴾. أي: وما أشعرك، يا محمد، أي شيء يوم الدين!، ثم كرره معظماً له محذراً (منه) عباده. وقيل: إن هذا ليس بتكرير. ومعناه: وما أدراك، يا محمد، ما في يوم الدين من العذاب للفجار!، وما أدراك ما في يوم الدين من النعيم للأبرار!. ثم فسر بعض شأن ذلك اليوم فقال: * * - ﴿يَوْمَ لاَ تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً﴾ أي: ذلك اليوم يوم لا تملك فيه نفس لنفس نفعاً ولا ضراً. ومن رفع ﴿يَوْمَ لاَ تَمْلِكُ﴾ جعله بدلاً مما قبله، أو على إضمار مبتدأ، أي: [هو يوم لا تملك]. واختار الفراء والكسائي [الرفع فيه] لأنه مضاف إلى مستقبل، ولو كان مضافاً إلى ماض لآثروا الفتح، فهو عندهم في الاختيار مُعَرَّبٌ إذا أضيف إلى معرب، ومبني إذا أضيف إلى مبني. ويجوز في المستقبل من البناء على الفتح مثل ما جاز في الماضي. ومن فتح ﴿يَوْمَ لاَ تَمْلِكُ﴾ فعلى الظرف، أي: [الدين] في يوم تملك. ولا يجوز عند الخليل وسيبويه: أن يكون مبنياً وهو [مضاف] إلى معربٍ، إنما يجوز ذلك إذا أضيف إلى ماضٍ. وأجاز الفراء أن يكون مبنياً وإن كان مضافاً إلى معرب، وأن يكون منصوباً معربا، وأن يكون - إذا كان مبنياً - في موضع نصب على الظرف، وفي موضع رفع على إضمار مبتدأ. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَٱلأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾. أي: والأمر كله - يوم الدين - لله (أي)، ليس لأحد من خلقه أمر ولا نهي يومئذ. ومن رفع ﴿يَوْمَ لاَ تَمْلِكُ﴾ على البدل من ﴿يَوْمَ﴾ مرفوع قبله أو فتحه - وهو في موضع رفع على البدل منه أيضاً - أو نصبه على البدل من ﴿يَصْلَوْنَهَا (يَوْمَ ٱلدِّينِ)﴾، لم يبتدئ به. ومن رفعه على إضمار مبتدأ أو نصبه على إضمار فعل بمعنى: اذكر يوم لا تملك، أو فَتَحَه وهو في موضع رفع على إضمار مبتدأ، ابتدأ به.

الانفطار 82:18

قوله تعالى: ﴿إِذَا ٱلسَّمَآءُ ٱنفَطَرَتْ﴾ إلى آخرها. [إذا السماء انفطرت، بمنزلة قوله: ﴿إِذَا ٱلسَّمَآءُ ٱنشَقَّتْ﴾ [الإنشقاق: ١]]. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَا ٱلْكَوَاكِبُ ٱنتَثَرَتْ﴾. أي: تساقطت. وقد تقدم ذكر هذا. * * - ثم قال ﴿وَإِذَا ٱلْبِحَارُ فُجِّرَتْ﴾. أي: فجر الله بعضها في بعض. قال قتادة: "فَجّرَ عَذْبَهَا في مالحها، ومالحها في عذبها". * * - ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَا ٱلْقُبُورُ بُعْثِرَتْ﴾. أي: [أثيرت] فاستخرج من فيها من الموتى أحياء. يقال: بعثر فلان حوض فلان [وبحْثره]: إذا جعل أسفله أعلاه. قال ابن عباس: ﴿بُعْثِرَتْ﴾: "بُحِثَتْ". وقال الفراء: بُعْثِرَتْ فألْقَتْ ما فيها من الكنوز والموتى. ولا معنى للكنوز في هذا؛ لأنه يوم القيامة، ولا كنز في القبور. * * - ثم قال تعالى: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ﴾. هذا جواب ﴿إِذَا ٱلسَّمَآءُ ٱنفَطَرَتْ﴾ وما بعده، أي: علمت كل نفس ما قدمت لذلك اليوم وما أخرت من عمل صال أو سيء. وقيل: معنى (أخرت)، أي: ما سنت من عمل فيعمل به بعده. (قاله القرظي). وقيل: معناه: ما قدمت من العمل المفروض فعملت به، وما تركت منه. وهو قول [ابن] عباس وعكرمة وقتادة وابن زيد. أي: [ما] عملت مما فرض عليها، وما تركت فلم تعمل (به). * * - ثم قال تعالى: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلإِنسَٰنُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ ٱلْكَرِيمِ﴾. أي: يا أيها الإنسان الكافر بربه، أي شيء غرك بربك الكريم حتى كفرت به وجحدت نعمه؟! قال الطبري: غَرَّ الناس عدوُّهم المسلط عليهم. وقاله قتادة. * * - وقوله: ﴿ٱلَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ﴾. أي: اخترع خلقك [بعد] إن لم تكن شيئاً فسوى خلقك. ﴿فَعَدَلَكَ﴾ أي: فقومك، فجعل خلقك معتدلاً، (لا) تزيد رجل (على رجل)، ولا يد على يد. ودل على هذا قوله: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَانَ فِيۤ أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين: ٤]. ومن خفف ﴿فَعَدَلَكَ﴾ فمعناه: صرفك إلى أي صورة شاء، إما حسنٌ وإما قبيحٌ، وإما طويل وإما قصير. * * وقوله: ﴿فِيۤ أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَآءَ رَكَّبَكَ﴾. يدل على هذا المعنى. فقراءة (التشديد أولى [ليفيد] الكلام فائدتين مجددتين، لأن معنى التخفيف هو ما أفاد). * * قوله: ﴿فِيۤ أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَآءَ رَكَّبَكَ﴾. و ﴿فِيۤ﴾ متعلقة بِ ﴿رَكَّبَكَ﴾، ولا يحسن أن تتعلق بِـ (عدلك) لأنك إنما تقول: عدلت إلى كذا، ولا تقول عدلته في كذا. وقد غلط الفراء فمنع قراءة التخفيف واستبعدها لإتيان ﴿فِيۤ﴾ بعد (عدلك)، فظن أن ﴿فِيۤ﴾ متعلقة بـِ (عدلك)، وليست كما ظن. وقد قيل: إن القراءة بالتشديد هي من هذا المعنى على التكثير، أي: صرفك مرة بعد مرة إلى أي صورة شاء. وقيل: معنى التخفيف: (أمالك إلى) ما شاء من حسن وقبح وصحة وسقم. وقال مجاهد: ﴿(فِيۤ أَيِّ صُورَةٍ) مَّا شَآءَ رَكَّبَكَ﴾ معناه: في أي شبه أب أو أم أو خال أو عم شاء خلقك. وقال أبو صالح: معناه: إن شاء في صورة كلب أو خنزير أو حمار. وروي أن النبي ﷺ قال: إن النطفة إذا استقرت في الرحم أحضرها الله كل نسب بينها وبين آدم، أما قرأت في ﴿فِيۤ أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَآءَ رَكَّبَكَ﴾؟! والتقدير في الكلام: في أي صورة ما شاء أن يركبك ﴿رَكَّبَكَ﴾. وفي حديث آخر أنه قال: "إِنَّ اللهَ - جَلَّ وَعَزَّ - إِذَا أَرَادَ أَنْ يَخْلُقَ النَّسْمَةَ فَجَامَعَ الرَّجُلُ المَرْأَةَ، طَارَ مَاؤُهُ فِي كُلِّ عَرْقٍ مِنْهَا، ثُمَّ أَحْضَرَ لَهُ آباءَه مِنْ لُدُنِ آدَمَ، ثُمَّ صَوَّرَهُ فِي صُورَةِ وَاحِدٍ [مِنْهُمْ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ]: ﴿فِيۤ أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَآءَ رَكَّبَكَ﴾ ثم قال: ﴿كَلاَّ بَلْ تُكَذِّبُونَ بِٱلدِّينِ﴾. أي: ليس الأمر - أيها الكافرون - على ما تقولون من أنكم على الحق في عبادتكم غيرَ الله، لكنكم تكذبون بالجزاء والبعث والجنة والنار. ودل على ذلك قوله: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلإِنسَٰنُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ ٱلْكَرِيمِ﴾ (أي: ما غرك في عبادتك غير ربك الكريم) الذي خلقك فسواك فعدلك. وقيل: ﴿كَلاَّ﴾ بمعنى "حَقَّاً هَذَا"، أو بمعنى "أَلاَ". ولذلك، لم ير أبو حاتم الوقف (عليها)، وأجازه نصير. وقيل: المعنى ليس كما غررت به، بل تكذب بالدين. وقال مجاهد: ﴿بِٱلدِّينِ﴾: "بالحساب". وقال قتادة" ﴿بِٱلدِّينِ﴾: "يوم شدة، يوم يدين الله (العباد) بأعمالهم". * * - ثم قال تعالى: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ﴾. أي: وإن عليكم أيها الناس رقباء حافظين لأعمالكم حتى تدانوا بها يوم القيامة. ثم وصف الحافظين فقال: * * - ﴿كِرَاماً كَاتِبِينَ﴾. أي: كراماً على الله يكتبون أعمالكم. قال مجاهد: يُوكِل بكل إنسان ملكين، ملكاً عن يمينه يكتب الخير، وملكاً عن شماله يكتب الشر. * * - وقوله: ﴿يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾. أي: يعلم هؤلاء الحفظة ما تفعلون من خير وشر [فيحصونه] عليكم. قال أبو عبد الرحمن السلمي: إن الملك يأتي أحدكم كل غدوة بصحيفة بيضاء، فإذا صلى الغدوة [فليمل] فيها خيراً، فإذا طلعت الشمس فليقم لحاجته، فإذا صلى العصر فليمل فيها خيراً. فإنه إذا أملى في أول [صحيفته] وآخرها خيراً (كان) عسى أن يكفر ما بينهما. * * - ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱلأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ﴾. أي: إن الذين بروا بأداء فرائض الله واجتناب محارمه لفي نعيم الجنان يوم القيامة. وقيل: إنما سموا أبراراً لأنهم بروا الآباء والأبناء. - ثم (قال) تعالى: ﴿وَإِنَّ ٱلْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ﴾ ﴿يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ (ٱلدِّينِ)﴾. أتى بلفظ التأنيث في ﴿يَصْلَوْنَهَا﴾ حملاً على تأنيث النار، أي: يَصْلَى الفجار الجحيم يوماً يدان فيه العباد (بأعمالهم. وقال ابن عباس: "﴿يَوْمَ ٱلدِّينِ﴾) من أسماء يوم القيامة، [عظمه] الله وحذره عباده". * * - ثم قال تعالى: ﴿وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَآئِبِينَ﴾. أي: وما هؤلاء الفجار عن الجحيم بخارجين أبداً [فغائبين] عنها، [لكنهم] مخلدون فيها أبداً. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَمَآ أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ ٱلدِّينِ * ثُمَّ مَآ أَدْرَاكَ (مَا يَوْمُ ٱلدِّينِ)﴾. أي: وما أشعرك، يا محمد، أي شيء يوم الدين!، ثم كرره معظماً له محذراً (منه) عباده. وقيل: إن هذا ليس بتكرير. ومعناه: وما أدراك، يا محمد، ما في يوم الدين من العذاب للفجار!، وما أدراك ما في يوم الدين من النعيم للأبرار!. ثم فسر بعض شأن ذلك اليوم فقال: * * - ﴿يَوْمَ لاَ تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً﴾ أي: ذلك اليوم يوم لا تملك فيه نفس لنفس نفعاً ولا ضراً. ومن رفع ﴿يَوْمَ لاَ تَمْلِكُ﴾ جعله بدلاً مما قبله، أو على إضمار مبتدأ، أي: [هو يوم لا تملك]. واختار الفراء والكسائي [الرفع فيه] لأنه مضاف إلى مستقبل، ولو كان مضافاً إلى ماض لآثروا الفتح، فهو عندهم في الاختيار مُعَرَّبٌ إذا أضيف إلى معرب، ومبني إذا أضيف إلى مبني. ويجوز في المستقبل من البناء على الفتح مثل ما جاز في الماضي. ومن فتح ﴿يَوْمَ لاَ تَمْلِكُ﴾ فعلى الظرف، أي: [الدين] في يوم تملك. ولا يجوز عند الخليل وسيبويه: أن يكون مبنياً وهو [مضاف] إلى معربٍ، إنما يجوز ذلك إذا أضيف إلى ماضٍ. وأجاز الفراء أن يكون مبنياً وإن كان مضافاً إلى معرب، وأن يكون منصوباً معربا، وأن يكون - إذا كان مبنياً - في موضع نصب على الظرف، وفي موضع رفع على إضمار مبتدأ. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَٱلأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾. أي: والأمر كله - يوم الدين - لله (أي)، ليس لأحد من خلقه أمر ولا نهي يومئذ. ومن رفع ﴿يَوْمَ لاَ تَمْلِكُ﴾ على البدل من ﴿يَوْمَ﴾ مرفوع قبله أو فتحه - وهو في موضع رفع على البدل منه أيضاً - أو نصبه على البدل من ﴿يَصْلَوْنَهَا (يَوْمَ ٱلدِّينِ)﴾، لم يبتدئ به. ومن رفعه على إضمار مبتدأ أو نصبه على إضمار فعل بمعنى: اذكر يوم لا تملك، أو فَتَحَه وهو في موضع رفع على إضمار مبتدأ، ابتدأ به.

الانفطار 82:19

قوله تعالى: ﴿إِذَا ٱلسَّمَآءُ ٱنفَطَرَتْ﴾ إلى آخرها. [إذا السماء انفطرت، بمنزلة قوله: ﴿إِذَا ٱلسَّمَآءُ ٱنشَقَّتْ﴾ [الإنشقاق: ١]]. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَا ٱلْكَوَاكِبُ ٱنتَثَرَتْ﴾. أي: تساقطت. وقد تقدم ذكر هذا. * * - ثم قال ﴿وَإِذَا ٱلْبِحَارُ فُجِّرَتْ﴾. أي: فجر الله بعضها في بعض. قال قتادة: "فَجّرَ عَذْبَهَا في مالحها، ومالحها في عذبها". * * - ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَا ٱلْقُبُورُ بُعْثِرَتْ﴾. أي: [أثيرت] فاستخرج من فيها من الموتى أحياء. يقال: بعثر فلان حوض فلان [وبحْثره]: إذا جعل أسفله أعلاه. قال ابن عباس: ﴿بُعْثِرَتْ﴾: "بُحِثَتْ". وقال الفراء: بُعْثِرَتْ فألْقَتْ ما فيها من الكنوز والموتى. ولا معنى للكنوز في هذا؛ لأنه يوم القيامة، ولا كنز في القبور. * * - ثم قال تعالى: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ﴾. هذا جواب ﴿إِذَا ٱلسَّمَآءُ ٱنفَطَرَتْ﴾ وما بعده، أي: علمت كل نفس ما قدمت لذلك اليوم وما أخرت من عمل صال أو سيء. وقيل: معنى (أخرت)، أي: ما سنت من عمل فيعمل به بعده. (قاله القرظي). وقيل: معناه: ما قدمت من العمل المفروض فعملت به، وما تركت منه. وهو قول [ابن] عباس وعكرمة وقتادة وابن زيد. أي: [ما] عملت مما فرض عليها، وما تركت فلم تعمل (به). * * - ثم قال تعالى: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلإِنسَٰنُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ ٱلْكَرِيمِ﴾. أي: يا أيها الإنسان الكافر بربه، أي شيء غرك بربك الكريم حتى كفرت به وجحدت نعمه؟! قال الطبري: غَرَّ الناس عدوُّهم المسلط عليهم. وقاله قتادة. * * - وقوله: ﴿ٱلَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ﴾. أي: اخترع خلقك [بعد] إن لم تكن شيئاً فسوى خلقك. ﴿فَعَدَلَكَ﴾ أي: فقومك، فجعل خلقك معتدلاً، (لا) تزيد رجل (على رجل)، ولا يد على يد. ودل على هذا قوله: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَانَ فِيۤ أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين: ٤]. ومن خفف ﴿فَعَدَلَكَ﴾ فمعناه: صرفك إلى أي صورة شاء، إما حسنٌ وإما قبيحٌ، وإما طويل وإما قصير. * * وقوله: ﴿فِيۤ أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَآءَ رَكَّبَكَ﴾. يدل على هذا المعنى. فقراءة (التشديد أولى [ليفيد] الكلام فائدتين مجددتين، لأن معنى التخفيف هو ما أفاد). * * قوله: ﴿فِيۤ أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَآءَ رَكَّبَكَ﴾. و ﴿فِيۤ﴾ متعلقة بِ ﴿رَكَّبَكَ﴾، ولا يحسن أن تتعلق بِـ (عدلك) لأنك إنما تقول: عدلت إلى كذا، ولا تقول عدلته في كذا. وقد غلط الفراء فمنع قراءة التخفيف واستبعدها لإتيان ﴿فِيۤ﴾ بعد (عدلك)، فظن أن ﴿فِيۤ﴾ متعلقة بـِ (عدلك)، وليست كما ظن. وقد قيل: إن القراءة بالتشديد هي من هذا المعنى على التكثير، أي: صرفك مرة بعد مرة إلى أي صورة شاء. وقيل: معنى التخفيف: (أمالك إلى) ما شاء من حسن وقبح وصحة وسقم. وقال مجاهد: ﴿(فِيۤ أَيِّ صُورَةٍ) مَّا شَآءَ رَكَّبَكَ﴾ معناه: في أي شبه أب أو أم أو خال أو عم شاء خلقك. وقال أبو صالح: معناه: إن شاء في صورة كلب أو خنزير أو حمار. وروي أن النبي ﷺ قال: إن النطفة إذا استقرت في الرحم أحضرها الله كل نسب بينها وبين آدم، أما قرأت في ﴿فِيۤ أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَآءَ رَكَّبَكَ﴾؟! والتقدير في الكلام: في أي صورة ما شاء أن يركبك ﴿رَكَّبَكَ﴾. وفي حديث آخر أنه قال: "إِنَّ اللهَ - جَلَّ وَعَزَّ - إِذَا أَرَادَ أَنْ يَخْلُقَ النَّسْمَةَ فَجَامَعَ الرَّجُلُ المَرْأَةَ، طَارَ مَاؤُهُ فِي كُلِّ عَرْقٍ مِنْهَا، ثُمَّ أَحْضَرَ لَهُ آباءَه مِنْ لُدُنِ آدَمَ، ثُمَّ صَوَّرَهُ فِي صُورَةِ وَاحِدٍ [مِنْهُمْ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ]: ﴿فِيۤ أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَآءَ رَكَّبَكَ﴾ ثم قال: ﴿كَلاَّ بَلْ تُكَذِّبُونَ بِٱلدِّينِ﴾. أي: ليس الأمر - أيها الكافرون - على ما تقولون من أنكم على الحق في عبادتكم غيرَ الله، لكنكم تكذبون بالجزاء والبعث والجنة والنار. ودل على ذلك قوله: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلإِنسَٰنُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ ٱلْكَرِيمِ﴾ (أي: ما غرك في عبادتك غير ربك الكريم) الذي خلقك فسواك فعدلك. وقيل: ﴿كَلاَّ﴾ بمعنى "حَقَّاً هَذَا"، أو بمعنى "أَلاَ". ولذلك، لم ير أبو حاتم الوقف (عليها)، وأجازه نصير. وقيل: المعنى ليس كما غررت به، بل تكذب بالدين. وقال مجاهد: ﴿بِٱلدِّينِ﴾: "بالحساب". وقال قتادة" ﴿بِٱلدِّينِ﴾: "يوم شدة، يوم يدين الله (العباد) بأعمالهم". * * - ثم قال تعالى: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ﴾. أي: وإن عليكم أيها الناس رقباء حافظين لأعمالكم حتى تدانوا بها يوم القيامة. ثم وصف الحافظين فقال: * * - ﴿كِرَاماً كَاتِبِينَ﴾. أي: كراماً على الله يكتبون أعمالكم. قال مجاهد: يُوكِل بكل إنسان ملكين، ملكاً عن يمينه يكتب الخير، وملكاً عن شماله يكتب الشر. * * - وقوله: ﴿يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾. أي: يعلم هؤلاء الحفظة ما تفعلون من خير وشر [فيحصونه] عليكم. قال أبو عبد الرحمن السلمي: إن الملك يأتي أحدكم كل غدوة بصحيفة بيضاء، فإذا صلى الغدوة [فليمل] فيها خيراً، فإذا طلعت الشمس فليقم لحاجته، فإذا صلى العصر فليمل فيها خيراً. فإنه إذا أملى في أول [صحيفته] وآخرها خيراً (كان) عسى أن يكفر ما بينهما. * * - ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱلأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ﴾. أي: إن الذين بروا بأداء فرائض الله واجتناب محارمه لفي نعيم الجنان يوم القيامة. وقيل: إنما سموا أبراراً لأنهم بروا الآباء والأبناء. - ثم (قال) تعالى: ﴿وَإِنَّ ٱلْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ﴾ ﴿يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ (ٱلدِّينِ)﴾. أتى بلفظ التأنيث في ﴿يَصْلَوْنَهَا﴾ حملاً على تأنيث النار، أي: يَصْلَى الفجار الجحيم يوماً يدان فيه العباد (بأعمالهم. وقال ابن عباس: "﴿يَوْمَ ٱلدِّينِ﴾) من أسماء يوم القيامة، [عظمه] الله وحذره عباده". * * - ثم قال تعالى: ﴿وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَآئِبِينَ﴾. أي: وما هؤلاء الفجار عن الجحيم بخارجين أبداً [فغائبين] عنها، [لكنهم] مخلدون فيها أبداً. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَمَآ أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ ٱلدِّينِ * ثُمَّ مَآ أَدْرَاكَ (مَا يَوْمُ ٱلدِّينِ)﴾. أي: وما أشعرك، يا محمد، أي شيء يوم الدين!، ثم كرره معظماً له محذراً (منه) عباده. وقيل: إن هذا ليس بتكرير. ومعناه: وما أدراك، يا محمد، ما في يوم الدين من العذاب للفجار!، وما أدراك ما في يوم الدين من النعيم للأبرار!. ثم فسر بعض شأن ذلك اليوم فقال: * * - ﴿يَوْمَ لاَ تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً﴾ أي: ذلك اليوم يوم لا تملك فيه نفس لنفس نفعاً ولا ضراً. ومن رفع ﴿يَوْمَ لاَ تَمْلِكُ﴾ جعله بدلاً مما قبله، أو على إضمار مبتدأ، أي: [هو يوم لا تملك]. واختار الفراء والكسائي [الرفع فيه] لأنه مضاف إلى مستقبل، ولو كان مضافاً إلى ماض لآثروا الفتح، فهو عندهم في الاختيار مُعَرَّبٌ إذا أضيف إلى معرب، ومبني إذا أضيف إلى مبني. ويجوز في المستقبل من البناء على الفتح مثل ما جاز في الماضي. ومن فتح ﴿يَوْمَ لاَ تَمْلِكُ﴾ فعلى الظرف، أي: [الدين] في يوم تملك. ولا يجوز عند الخليل وسيبويه: أن يكون مبنياً وهو [مضاف] إلى معربٍ، إنما يجوز ذلك إذا أضيف إلى ماضٍ. وأجاز الفراء أن يكون مبنياً وإن كان مضافاً إلى معرب، وأن يكون منصوباً معربا، وأن يكون - إذا كان مبنياً - في موضع نصب على الظرف، وفي موضع رفع على إضمار مبتدأ. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَٱلأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾. أي: والأمر كله - يوم الدين - لله (أي)، ليس لأحد من خلقه أمر ولا نهي يومئذ. ومن رفع ﴿يَوْمَ لاَ تَمْلِكُ﴾ على البدل من ﴿يَوْمَ﴾ مرفوع قبله أو فتحه - وهو في موضع رفع على البدل منه أيضاً - أو نصبه على البدل من ﴿يَصْلَوْنَهَا (يَوْمَ ٱلدِّينِ)﴾، لم يبتدئ به. ومن رفعه على إضمار مبتدأ أو نصبه على إضمار فعل بمعنى: اذكر يوم لا تملك، أو فَتَحَه وهو في موضع رفع على إضمار مبتدأ، ابتدأ به.

المطففين 83:1

قوله: ﴿وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ﴾، إلى قوله: ﴿لِيَوْمٍ عَظِيمٍ﴾. أي: قبوح للمخسرين في كيلهم، الناقصين (الناس) إذا اكتالوا لهم أو وزنوا لهم. وقيل: ﴿وَيْلٌ﴾ معناه: الوادي [الذي] في أسفل جهنم يسيل فيه صديد أهلها للذين ينقصون الناس ويبخسونهم حقوقهم في كيلهم ووزنهم. قال ابن مسعود: ويل: (واد) في جهنم. والمطففون: الناقصون. وأصل ذلك في الشيء الطفيف وهو القليل، النَّزْرُ. والمطفف في اللغة: المُقَلِّلُ حَقَّ صاحبِ الحقِّ عَمَّا لَهُ من الوفاء في كيل أو وزن. وحكى القتبي: "إناء [طفان] إذا لم يكن ممتلأ". وطفف فلان صلاته: إذا لم يجودها. ويقال للشيء المطرح: طفيف. و [قيل]: معنى ﴿وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ﴾ و ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾ [المرسلات: ١٥] عند سيبويه أنه دعاء يجري بين الناس، فخوطب العباد بما يجري [بينهم]، وجاء القرآن على لغتهم، فكأنه تعالى قال: هؤلاء ممن يجب هذا القول لهم، لأن هذا الكلام إنما يقال لصاحب الشر والهلكة. وروي عن ابن عباس أنه قال: لمَّا قَدِمَ النبي ﷺ المدينة كَانَ أهلها من أخْبَثِ الناس كَيْلاً، فأنزل الله: ﴿وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ﴾ فأحسنوا الكيل. وهذا الخبر يدل على أن السورة نزلت بالمدينة. - وقوله تعالى: ﴿ٱلَّذِينَ إِذَا ٱكْتَالُواْ عَلَى ٱلنَّاسِ يَسْتَوْفُونَ﴾. أي: إذا اكتالوا من الناس ما لهم عليهم من حق استوفوا لأنفسهم وافياً. و ﴿عَلَى﴾ بمعنى "من" - في هذا - عند الطبري. وقيل: إن معنى الكلام بـِ "عَلَى" خلاف معناه بِـ "مِنْ" يقال: اكتلت عليك، بمعنى: أخذت ما عليك من حق. واكتلت منك، بمعنى: استوفيت منك. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ﴾. أي: وإذا [كالوا] للناس أو وزنوا لهم ينقصون، فَـ "هم" في موضع نصب، على هذا يقال: كِلْتُكَ حَقَّكَ، وكِلْتُ لَكَ حَقَّكَ. وهو قول أكثر النحويين. ودل على ذلك أن الخط لا ألف فيه بين الضميرين. وقال عيسى بن عمر: الهاء والميم في موضع رفع فيهما، وتقديره عنده: وهم إذا كالوا أو وزنوا يخسرون. وقيل: "هم" في موضع رفع تأكيد للمضمر [المرفوع] في "كالوا" أو "وزنوا". * * - ثم قال تعالى: ﴿أَلا يَظُنُّ أُوْلَـٰئِكَ أَنَّهُمْ مَّبْعُوثُونَ * لِيَوْمٍ عَظِيمٍ﴾. أي: ألا يظن المطففون أنهم مبعوثون ليوم القيامة من قبورهم فيجازون على تطفيفهم وبخسِهم الناس حقوقهم. روي أنها نزلت في رجل من قريش كان بالمدينة معه صاعان: واف يقبض به، وناقص يعطي به، ثم هي عامة في كل من نقص الكيل إذا دفع وأوفى إذا قبض.

المطففين 83:2

قوله: ﴿وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ﴾، إلى قوله: ﴿لِيَوْمٍ عَظِيمٍ﴾. أي: قبوح للمخسرين في كيلهم، الناقصين (الناس) إذا اكتالوا لهم أو وزنوا لهم. وقيل: ﴿وَيْلٌ﴾ معناه: الوادي [الذي] في أسفل جهنم يسيل فيه صديد أهلها للذين ينقصون الناس ويبخسونهم حقوقهم في كيلهم ووزنهم. قال ابن مسعود: ويل: (واد) في جهنم. والمطففون: الناقصون. وأصل ذلك في الشيء الطفيف وهو القليل، النَّزْرُ. والمطفف في اللغة: المُقَلِّلُ حَقَّ صاحبِ الحقِّ عَمَّا لَهُ من الوفاء في كيل أو وزن. وحكى القتبي: "إناء [طفان] إذا لم يكن ممتلأ". وطفف فلان صلاته: إذا لم يجودها. ويقال للشيء المطرح: طفيف. و [قيل]: معنى ﴿وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ﴾ و ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾ [المرسلات: ١٥] عند سيبويه أنه دعاء يجري بين الناس، فخوطب العباد بما يجري [بينهم]، وجاء القرآن على لغتهم، فكأنه تعالى قال: هؤلاء ممن يجب هذا القول لهم، لأن هذا الكلام إنما يقال لصاحب الشر والهلكة. وروي عن ابن عباس أنه قال: لمَّا قَدِمَ النبي ﷺ المدينة كَانَ أهلها من أخْبَثِ الناس كَيْلاً، فأنزل الله: ﴿وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ﴾ فأحسنوا الكيل. وهذا الخبر يدل على أن السورة نزلت بالمدينة. - وقوله تعالى: ﴿ٱلَّذِينَ إِذَا ٱكْتَالُواْ عَلَى ٱلنَّاسِ يَسْتَوْفُونَ﴾. أي: إذا اكتالوا من الناس ما لهم عليهم من حق استوفوا لأنفسهم وافياً. و ﴿عَلَى﴾ بمعنى "من" - في هذا - عند الطبري. وقيل: إن معنى الكلام بـِ "عَلَى" خلاف معناه بِـ "مِنْ" يقال: اكتلت عليك، بمعنى: أخذت ما عليك من حق. واكتلت منك، بمعنى: استوفيت منك. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ﴾. أي: وإذا [كالوا] للناس أو وزنوا لهم ينقصون، فَـ "هم" في موضع نصب، على هذا يقال: كِلْتُكَ حَقَّكَ، وكِلْتُ لَكَ حَقَّكَ. وهو قول أكثر النحويين. ودل على ذلك أن الخط لا ألف فيه بين الضميرين. وقال عيسى بن عمر: الهاء والميم في موضع رفع فيهما، وتقديره عنده: وهم إذا كالوا أو وزنوا يخسرون. وقيل: "هم" في موضع رفع تأكيد للمضمر [المرفوع] في "كالوا" أو "وزنوا". * * - ثم قال تعالى: ﴿أَلا يَظُنُّ أُوْلَـٰئِكَ أَنَّهُمْ مَّبْعُوثُونَ * لِيَوْمٍ عَظِيمٍ﴾. أي: ألا يظن المطففون أنهم مبعوثون ليوم القيامة من قبورهم فيجازون على تطفيفهم وبخسِهم الناس حقوقهم. روي أنها نزلت في رجل من قريش كان بالمدينة معه صاعان: واف يقبض به، وناقص يعطي به، ثم هي عامة في كل من نقص الكيل إذا دفع وأوفى إذا قبض.

المطففين 83:3

قوله: ﴿وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ﴾، إلى قوله: ﴿لِيَوْمٍ عَظِيمٍ﴾. أي: قبوح للمخسرين في كيلهم، الناقصين (الناس) إذا اكتالوا لهم أو وزنوا لهم. وقيل: ﴿وَيْلٌ﴾ معناه: الوادي [الذي] في أسفل جهنم يسيل فيه صديد أهلها للذين ينقصون الناس ويبخسونهم حقوقهم في كيلهم ووزنهم. قال ابن مسعود: ويل: (واد) في جهنم. والمطففون: الناقصون. وأصل ذلك في الشيء الطفيف وهو القليل، النَّزْرُ. والمطفف في اللغة: المُقَلِّلُ حَقَّ صاحبِ الحقِّ عَمَّا لَهُ من الوفاء في كيل أو وزن. وحكى القتبي: "إناء [طفان] إذا لم يكن ممتلأ". وطفف فلان صلاته: إذا لم يجودها. ويقال للشيء المطرح: طفيف. و [قيل]: معنى ﴿وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ﴾ و ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾ [المرسلات: ١٥] عند سيبويه أنه دعاء يجري بين الناس، فخوطب العباد بما يجري [بينهم]، وجاء القرآن على لغتهم، فكأنه تعالى قال: هؤلاء ممن يجب هذا القول لهم، لأن هذا الكلام إنما يقال لصاحب الشر والهلكة. وروي عن ابن عباس أنه قال: لمَّا قَدِمَ النبي ﷺ المدينة كَانَ أهلها من أخْبَثِ الناس كَيْلاً، فأنزل الله: ﴿وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ﴾ فأحسنوا الكيل. وهذا الخبر يدل على أن السورة نزلت بالمدينة. - وقوله تعالى: ﴿ٱلَّذِينَ إِذَا ٱكْتَالُواْ عَلَى ٱلنَّاسِ يَسْتَوْفُونَ﴾. أي: إذا اكتالوا من الناس ما لهم عليهم من حق استوفوا لأنفسهم وافياً. و ﴿عَلَى﴾ بمعنى "من" - في هذا - عند الطبري. وقيل: إن معنى الكلام بـِ "عَلَى" خلاف معناه بِـ "مِنْ" يقال: اكتلت عليك، بمعنى: أخذت ما عليك من حق. واكتلت منك، بمعنى: استوفيت منك. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ﴾. أي: وإذا [كالوا] للناس أو وزنوا لهم ينقصون، فَـ "هم" في موضع نصب، على هذا يقال: كِلْتُكَ حَقَّكَ، وكِلْتُ لَكَ حَقَّكَ. وهو قول أكثر النحويين. ودل على ذلك أن الخط لا ألف فيه بين الضميرين. وقال عيسى بن عمر: الهاء والميم في موضع رفع فيهما، وتقديره عنده: وهم إذا كالوا أو وزنوا يخسرون. وقيل: "هم" في موضع رفع تأكيد للمضمر [المرفوع] في "كالوا" أو "وزنوا". * * - ثم قال تعالى: ﴿أَلا يَظُنُّ أُوْلَـٰئِكَ أَنَّهُمْ مَّبْعُوثُونَ * لِيَوْمٍ عَظِيمٍ﴾. أي: ألا يظن المطففون أنهم مبعوثون ليوم القيامة من قبورهم فيجازون على تطفيفهم وبخسِهم الناس حقوقهم. روي أنها نزلت في رجل من قريش كان بالمدينة معه صاعان: واف يقبض به، وناقص يعطي به، ثم هي عامة في كل من نقص الكيل إذا دفع وأوفى إذا قبض.

المطففين 83:4

قوله: ﴿وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ﴾، إلى قوله: ﴿لِيَوْمٍ عَظِيمٍ﴾. أي: قبوح للمخسرين في كيلهم، الناقصين (الناس) إذا اكتالوا لهم أو وزنوا لهم. وقيل: ﴿وَيْلٌ﴾ معناه: الوادي [الذي] في أسفل جهنم يسيل فيه صديد أهلها للذين ينقصون الناس ويبخسونهم حقوقهم في كيلهم ووزنهم. قال ابن مسعود: ويل: (واد) في جهنم. والمطففون: الناقصون. وأصل ذلك في الشيء الطفيف وهو القليل، النَّزْرُ. والمطفف في اللغة: المُقَلِّلُ حَقَّ صاحبِ الحقِّ عَمَّا لَهُ من الوفاء في كيل أو وزن. وحكى القتبي: "إناء [طفان] إذا لم يكن ممتلأ". وطفف فلان صلاته: إذا لم يجودها. ويقال للشيء المطرح: طفيف. و [قيل]: معنى ﴿وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ﴾ و ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾ [المرسلات: ١٥] عند سيبويه أنه دعاء يجري بين الناس، فخوطب العباد بما يجري [بينهم]، وجاء القرآن على لغتهم، فكأنه تعالى قال: هؤلاء ممن يجب هذا القول لهم، لأن هذا الكلام إنما يقال لصاحب الشر والهلكة. وروي عن ابن عباس أنه قال: لمَّا قَدِمَ النبي ﷺ المدينة كَانَ أهلها من أخْبَثِ الناس كَيْلاً، فأنزل الله: ﴿وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ﴾ فأحسنوا الكيل. وهذا الخبر يدل على أن السورة نزلت بالمدينة. - وقوله تعالى: ﴿ٱلَّذِينَ إِذَا ٱكْتَالُواْ عَلَى ٱلنَّاسِ يَسْتَوْفُونَ﴾. أي: إذا اكتالوا من الناس ما لهم عليهم من حق استوفوا لأنفسهم وافياً. و ﴿عَلَى﴾ بمعنى "من" - في هذا - عند الطبري. وقيل: إن معنى الكلام بـِ "عَلَى" خلاف معناه بِـ "مِنْ" يقال: اكتلت عليك، بمعنى: أخذت ما عليك من حق. واكتلت منك، بمعنى: استوفيت منك. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ﴾. أي: وإذا [كالوا] للناس أو وزنوا لهم ينقصون، فَـ "هم" في موضع نصب، على هذا يقال: كِلْتُكَ حَقَّكَ، وكِلْتُ لَكَ حَقَّكَ. وهو قول أكثر النحويين. ودل على ذلك أن الخط لا ألف فيه بين الضميرين. وقال عيسى بن عمر: الهاء والميم في موضع رفع فيهما، وتقديره عنده: وهم إذا كالوا أو وزنوا يخسرون. وقيل: "هم" في موضع رفع تأكيد للمضمر [المرفوع] في "كالوا" أو "وزنوا". * * - ثم قال تعالى: ﴿أَلا يَظُنُّ أُوْلَـٰئِكَ أَنَّهُمْ مَّبْعُوثُونَ * لِيَوْمٍ عَظِيمٍ﴾. أي: ألا يظن المطففون أنهم مبعوثون ليوم القيامة من قبورهم فيجازون على تطفيفهم وبخسِهم الناس حقوقهم. روي أنها نزلت في رجل من قريش كان بالمدينة معه صاعان: واف يقبض به، وناقص يعطي به، ثم هي عامة في كل من نقص الكيل إذا دفع وأوفى إذا قبض.

المطففين 83:5

قوله: ﴿وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ﴾، إلى قوله: ﴿لِيَوْمٍ عَظِيمٍ﴾. أي: قبوح للمخسرين في كيلهم، الناقصين (الناس) إذا اكتالوا لهم أو وزنوا لهم. وقيل: ﴿وَيْلٌ﴾ معناه: الوادي [الذي] في أسفل جهنم يسيل فيه صديد أهلها للذين ينقصون الناس ويبخسونهم حقوقهم في كيلهم ووزنهم. قال ابن مسعود: ويل: (واد) في جهنم. والمطففون: الناقصون. وأصل ذلك في الشيء الطفيف وهو القليل، النَّزْرُ. والمطفف في اللغة: المُقَلِّلُ حَقَّ صاحبِ الحقِّ عَمَّا لَهُ من الوفاء في كيل أو وزن. وحكى القتبي: "إناء [طفان] إذا لم يكن ممتلأ". وطفف فلان صلاته: إذا لم يجودها. ويقال للشيء المطرح: طفيف. و [قيل]: معنى ﴿وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ﴾ و ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾ [المرسلات: ١٥] عند سيبويه أنه دعاء يجري بين الناس، فخوطب العباد بما يجري [بينهم]، وجاء القرآن على لغتهم، فكأنه تعالى قال: هؤلاء ممن يجب هذا القول لهم، لأن هذا الكلام إنما يقال لصاحب الشر والهلكة. وروي عن ابن عباس أنه قال: لمَّا قَدِمَ النبي ﷺ المدينة كَانَ أهلها من أخْبَثِ الناس كَيْلاً، فأنزل الله: ﴿وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ﴾ فأحسنوا الكيل. وهذا الخبر يدل على أن السورة نزلت بالمدينة. - وقوله تعالى: ﴿ٱلَّذِينَ إِذَا ٱكْتَالُواْ عَلَى ٱلنَّاسِ يَسْتَوْفُونَ﴾. أي: إذا اكتالوا من الناس ما لهم عليهم من حق استوفوا لأنفسهم وافياً. و ﴿عَلَى﴾ بمعنى "من" - في هذا - عند الطبري. وقيل: إن معنى الكلام بـِ "عَلَى" خلاف معناه بِـ "مِنْ" يقال: اكتلت عليك، بمعنى: أخذت ما عليك من حق. واكتلت منك، بمعنى: استوفيت منك. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ﴾. أي: وإذا [كالوا] للناس أو وزنوا لهم ينقصون، فَـ "هم" في موضع نصب، على هذا يقال: كِلْتُكَ حَقَّكَ، وكِلْتُ لَكَ حَقَّكَ. وهو قول أكثر النحويين. ودل على ذلك أن الخط لا ألف فيه بين الضميرين. وقال عيسى بن عمر: الهاء والميم في موضع رفع فيهما، وتقديره عنده: وهم إذا كالوا أو وزنوا يخسرون. وقيل: "هم" في موضع رفع تأكيد للمضمر [المرفوع] في "كالوا" أو "وزنوا". * * - ثم قال تعالى: ﴿أَلا يَظُنُّ أُوْلَـٰئِكَ أَنَّهُمْ مَّبْعُوثُونَ * لِيَوْمٍ عَظِيمٍ﴾. أي: ألا يظن المطففون أنهم مبعوثون ليوم القيامة من قبورهم فيجازون على تطفيفهم وبخسِهم الناس حقوقهم. روي أنها نزلت في رجل من قريش كان بالمدينة معه صاعان: واف يقبض به، وناقص يعطي به، ثم هي عامة في كل من نقص الكيل إذا دفع وأوفى إذا قبض.

المطففين 83:6

قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ ٱلنَّاسُ لِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ﴾، إلى قوله ﴿(كُنتُمْ) بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾. أي: يبعثون يوم يقوم. ويجوز [أن يكون] بدلاً من ﴿لِيَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ على الموضع. وقال الفراء: هو مبني على الفتح، ولا يحسن عند البصريين بناؤه مع إضافته إلى معرب، إنما يجوز بناؤه إذا أضيف إلى مبني. والمعنى: يوم يقوم الناس على أقدامهم لرب العالمين. روي أن الناس يقومون يوم القيامة حتى يلجمهم العرق، فيقومون مقدار أربعين عاماً. وقيل: مقدار ثلاثمائة عام. وروى ابن عمر [عن النبي ﷺ أَنَّهُ قال: "يَقْدُمُ أَحَدُكُمْ فِي رَشْحِهِ إلى أنْصَافِ أُذُنَيْهِ". وروى أبو هريرة] أن النبي ﷺ قال لبشير الغفاري: "كَيْفَ أَنْتَ صَانِعٌ فِي يَوْمٍ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِ العَالَمِينَ مِقْدَارَ ثَلاَثَمائة سَنَةٍ مِنْ أَيَّامِ الدُّنْيَا لاَ يَأْتِيهِمْ خَبَرٌ مِنَ السَّمَاءِ وَلاَ يَأْمُرُ فِيهِمْ بِأَمْرٍ؟ فَقَالَ بَشِيرٌ: اللهُ المُسْتَعَانُ يَا رَسُولَ اللهِ، فَقَالَ لَهُ النبي ﷺ: إِذَا أَوَيْتَ إلى فِرَاشِكَ، فَتَعَوَّذْ بِاللهِ مِنْ كَرْبِ (يَوْمِ) القِيَامَةِ وَسُوءِ الحِسَابِ وعن ابن عمر أنه قال: "يقومون مائة سنة وقال ابن مسعود: يمكثون أربعين عاماً رافعي رؤوسهم إلى السماء، لا يكلمهم أحد، قد ألجم العرق كل بر وفاجر. قال: [فينادي] مناد: أليس عدلاً من ربكم أنه خلقكم ثم صوركم (ثم رزقكم) ثم توليتم غيره أن يولي كل عبد منكم ما تولى في الدنيا؟! فيقولون: بلى"، ثم ذكر الحديث. وقال كعب: يقومون قدر ثلاثمائة سنة. وروى عقبة بن عامر عن النبي ﷺ قال: "تَدْنُو الشَّمْسُ يَومَ القيامةِ من الأَرضِ، فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْرَقُ إلى كَعْبَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَعْرَقُ إلى رُكْبَتَيْهِ، ومِنْهُمْ مَنْ يَعْرَقُ إلى عَجْزِهِ، وَمنهم مَنْ يَعْرَقُ إلى خَاصِرَتِهِ، وَمِنْهم مَنْ يَعْرَقُ إلى مَنْكِبَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَعْرَقُ إلى عُنُقِهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَعْرَقُ إلى نِصْفِ فَمِهِ مُلْحمَاً بِهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ [يَشْمَلُهُ] العَرَقُ. قال عمير [بن] هانئ: يحشر الناس يوم القيامة على أرض قد مدها [الله] تبارك وتعالى مد الأديم العُكَاظِي، فهم من ضيق مقامهم فيها كضيق سهام اجتمعت في كنانتها. قال: فالسعيد يومئذ من وجد لقدمه مقاماً. قال: وأكثر الأقدام يومئذ بعضها على بعض. قال: فهم فيها مجتمعون ينفذهم البصر ويسمعهم الداعي. فبينما هم كذلك، إذ سمعوا زفرة من زفير جهنم، فلا يبقى ملك مقرب، ولا نبيٌ مرسل إلا خَرَّ لركبتيه، حتى إنَّ إبراهيم ﷺ ليقول: (نفسي)، (رب) نفسي، لا أسألك غيرها. فلا يبقى عند تلك الزفرة دمعة إلا جرت، ثم يسمعون زفرة أخرى فلا يبقى دم في عين إلا جرى، ثم يسمعون زفرة أخرى فلا يبقى قيح إلا سال يتبع بعضه بعضاً، ويمد بعضه بعضاً حتى يسيل إلى واد يقال (له سائل، فيفرغ في جهنم، فذلك قوله): ﴿سَأَلَ سَآئِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ﴾ [المعارج: ١]. * * - ثم قال تعالى: ﴿كَلاَّ إِنَّ كِتَابَ ٱلْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ﴾. من جعل ﴿كَلاَّ﴾ وقفا، كان تقديره: ليس الأمر كما يظن هؤلاء الكفار أنهم غير مبعوثين، إن كتابهم الذي كتبت فيه أعمالهم في الدنيا لفي سجين. ومن لم يره وقفا، جعل ﴿كَلاَّ﴾ بمعنى "أَلاَ"، افتتاح كلام. و ﴿سِجِّينٍ﴾: الأرض السفلى، فيه أعمال الكفار وأرواحهم. وروي أن إبليس موثق بالحديد والسلاسل في الأرض السفلى. (وسأل ابن عباس كعباً عن ﴿سِجِّينٍ﴾، فقال : هي الأرض السابعة السفلى)، فيها أرواح الكفار تحت خد إبليس. وروي أنه قال (له): إن أرواح الكفار يُصعد بها إلى السماء، فتأبى السماء أن تقبلها، ثم يُهبط بها إلى الأرض، فتأبى الأرض أن تقبلها، فيُهبط، فتدخل تحت سبع أرضين حتى يُنتهى بها إلى سجين، وهو خد إبليس، فيخرج [لها] من سجين من تحت خد إبليس [رق] فترقم وتختم وتوضع تحت خد إبليس. وقال ابن جبير: ﴿لَفِي سِجِّينٍ﴾: "تحت خد إبليس". وقال ابن أبي نجيح: ﴿سِجِّينٍ﴾ صخرة تحت الأرض السابعة، تقلب [فتجعل] تحتها. وقال ابن عباس: "أعمالهم في كتاب في الأرض السفلى". وروى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: "الْفَلَقُ جُبٌّ في جَهَنَّمَ مُغَطَّى. وأما ﴿سِجِّينٍ﴾، فمفتوح". يعني أنه جب مفتوح. وقيل: ﴿سِجِّينٍ﴾ من السِّجِلِّ، والنون مبدلة من اللام. وقال أبو عبيد: ﴿لَفِي سِجِّينٍ﴾: لفي حبس. وهو فِعِّيلٌ من السجن. وقيل: ﴿سِجِّينٍ﴾: هي الصخرة التي تحت الأرض السفلى وهو صفة، وليس باسم الصخرة، ولو كان اسماً لها لم تنصرف. وروى البراء بن عازب أن النبي ﷺ قال: "إِنَّ العَبْدَ (الكَافِرَ - أَوْ) الفاجِرَ - إِذَا مَاتَ صَعِدُوا بِروحِهِ إلى السماءِ، فَيَقُولُ اللهُ - جَلَّ ذِكْرُهُ -: اكْتُبُوا كِتَابَه في سَجِّينٍ. وَهِيَ الأَرْضُ السُّفْلَى وعن كعب (أيضاً) أنه قال: في التوراة أن سجينا شجرة سوداء تحت الأرضين السبع، مكتوب فيها اسم كل شيطان، تُلْقَى أنفس الكفار عندها. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَمَآ أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ * كِتَابٌ مَّرْقُومٌ﴾. أي: وأي شيء أدراك يا محمد ما سجين؟! على التعظيم لأمره. ثم بَيَّنَ فقال: ﴿كِتَابٌ مَّرْقُومٌ﴾. أي: مكتوب فيه عمل الكفار. قال قتادة: مرقوم: مكتوب رُقِمَ لهم فيه بِشَرٍّ. - ثم (قال تعالى: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾. قد تقدم تفسيره في مواضع). * * - ثم قال: ﴿ٱلَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ ٱلدِّينِ﴾. أي: لا يؤمنون بالجزاء والبعث والنشور. * * - ﴿وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ﴾. أي: بالبعث، ﴿إِلاَّ كُلُّ مُعْتَدٍ...﴾ أي: كل من تعدى حدود الله. ﴿أَثِيمٍ﴾ أي: مأثوم في فعله. ﴿إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِ آيَاتُنَا...﴾. أي: حججنا وأدلتنا. ﴿قَالَ أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ...﴾. أي: قال: هذه أخبار الأولين وأحاديثهم وما كتب عنهم وَسُطِّرَ. * * - ثم قال تعالى: ﴿كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ﴾. ﴿كَلاَّ﴾ عند أبي حاتم لا يوقف عليها. وهي بمعنى "أَلاَ" [و] بمعنى "حقاً". ويوقف عليها عند غيره، على معنى: ليس الأَمْرُ على ما قال هؤلاء المكذبون بيوم الدين: إن آياتنا أساطير الأولين. ثم ابتدأ فأخبر عَنْهُم ما نزل بهم حين كفروا بالبعث فقال: ﴿بَلْ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ﴾، أي: (بل) ران على قلوبهم إِثْمُ ذُنُوبِهِمْ وكُفْرِهِمْ حتى غطاها، فلا يبصرون الصواب من الخطأ. يقال: رانت الخمرُ على عقله: إذا غلبت (عليه). وغَانَتْ بمعناه. وروى أبو هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: "إِذَا أَذْنَبَ العَبْدُ نُكِتَ (فِي) قَلبِهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ، فَإن (تاب) صُقِلَ مِنْهَا، فإن عَادَ عَادَتْ حتى تَعْظُم فِي قَلْبِهِ. فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ﴾ وقال الحسن: هو الذنب على الذنب حتى يَعْمَى القلب فيموت. قال مجاهد: القلب مثل الكف. فإذا أذنب انقبض - وقَبَضَ مجاهد أُصبُعاً - قال: فإذا أذنب انقبض - وقبض مجاهدٌ أصبعاً آخر - ثم كذلك حتى ينقبض كله - وقبض مجاهد أصابعه على الكف - قال: ثم يطبع عليه. فكانوا يرون أن ذلك هو الرين. قال قتادة: هو "الذنب على الذنب حتى يرين على القلب فَيَسْوَدُ". قال ابن زيد: ﴿بَلْ رَانَ﴾، أي: غلبت على قلوبهم ذنوبُهم، فلا يَخْلُصُ إليها معها خير. * * - ثم قال تعالى: ﴿كَلاَّ إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ﴾. "كلا" عند أبي حاتم بمعنى "ألا". ولا يوقف عليها. ويوقف عليها عند غيره، على معنى: ليس الأمر كما يقول هؤلاء المكذبون بيوم الدين: إن لهم عند الله زلفة يوم القيامة لكنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون، فلا يرونه ولا يرون شيئاً من كرامته. وقول أبي حاتم أَبْيَنُ في [هذا الموضع] من "كلا"، لأن هذا التقدير ليس هو في ظاهر الكلام، ولا في الكلام ما يدل عليه. ففيه تعسف. [وَدَلَّ اللهُ المؤمنِينَ، بهذه الآية، أنهم لا يحجبون عن ربهم وعن النظر إليه. قال مالك رحمه الله: في هذا دليل على أن ثم قوماً لا يحجبون عن الله وينظرون إليه . وبه استدل الشافعي على النظر إلى الله عز وجل يوم القيامة. وقد قدره منكرو النظر إلى الله على معنى أنهم عن كرامة ربهم لمحجوبون. وهذا لا يجوز عند أحد من النحويين، ولو جاز هذا لجاز: "جاءني زيد"، تريد غلام زيد أو كرامة زيد. وفي جواز هذا نقض كلام العرب كله. ولا يجوز إخراج الكلام عن ظاهره إلا لضرورة تدعو إلى ذلك مع امتناع جوازه على ظاهره. فإذا امتنع جواز الكلام على ظاهره، جاز الإضمار الذي يسوغ معه جواز الكلام. ولا ضرورة تدعو إلى أضمارٍ هنا على مذهب أهل السنة. قال الحسن: يكشف (الحجاب) فينظر إليه المؤمنون دون الكافرين، ثم يحجب الكافرون، وينظر إليه المؤمنون كل يوم غُدْوَةً وَعَشِيَةً. * * - ثم قال تعالى: ﴿(ثُمَّ) إِنَّهُمْ لَصَالُواْ ٱلْجَحِيمِ﴾. أي: لَوَارِدُوهُ مع [حجبهم] عن النظر إلى الله. * * - ﴿ثُمَّ [يُقَالُ] هَـٰذَا ٱلَّذِي كُنتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾. أي: يقال لهم: هذا العذاب الذي كنتم تكذبون به في الدنيا.

المطففين 83:7

قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ ٱلنَّاسُ لِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ﴾، إلى قوله ﴿(كُنتُمْ) بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾. أي: يبعثون يوم يقوم. ويجوز [أن يكون] بدلاً من ﴿لِيَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ على الموضع. وقال الفراء: هو مبني على الفتح، ولا يحسن عند البصريين بناؤه مع إضافته إلى معرب، إنما يجوز بناؤه إذا أضيف إلى مبني. والمعنى: يوم يقوم الناس على أقدامهم لرب العالمين. روي أن الناس يقومون يوم القيامة حتى يلجمهم العرق، فيقومون مقدار أربعين عاماً. وقيل: مقدار ثلاثمائة عام. وروى ابن عمر [عن النبي ﷺ أَنَّهُ قال: "يَقْدُمُ أَحَدُكُمْ فِي رَشْحِهِ إلى أنْصَافِ أُذُنَيْهِ". وروى أبو هريرة] أن النبي ﷺ قال لبشير الغفاري: "كَيْفَ أَنْتَ صَانِعٌ فِي يَوْمٍ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِ العَالَمِينَ مِقْدَارَ ثَلاَثَمائة سَنَةٍ مِنْ أَيَّامِ الدُّنْيَا لاَ يَأْتِيهِمْ خَبَرٌ مِنَ السَّمَاءِ وَلاَ يَأْمُرُ فِيهِمْ بِأَمْرٍ؟ فَقَالَ بَشِيرٌ: اللهُ المُسْتَعَانُ يَا رَسُولَ اللهِ، فَقَالَ لَهُ النبي ﷺ: إِذَا أَوَيْتَ إلى فِرَاشِكَ، فَتَعَوَّذْ بِاللهِ مِنْ كَرْبِ (يَوْمِ) القِيَامَةِ وَسُوءِ الحِسَابِ وعن ابن عمر أنه قال: "يقومون مائة سنة وقال ابن مسعود: يمكثون أربعين عاماً رافعي رؤوسهم إلى السماء، لا يكلمهم أحد، قد ألجم العرق كل بر وفاجر. قال: [فينادي] مناد: أليس عدلاً من ربكم أنه خلقكم ثم صوركم (ثم رزقكم) ثم توليتم غيره أن يولي كل عبد منكم ما تولى في الدنيا؟! فيقولون: بلى"، ثم ذكر الحديث. وقال كعب: يقومون قدر ثلاثمائة سنة. وروى عقبة بن عامر عن النبي ﷺ قال: "تَدْنُو الشَّمْسُ يَومَ القيامةِ من الأَرضِ، فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْرَقُ إلى كَعْبَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَعْرَقُ إلى رُكْبَتَيْهِ، ومِنْهُمْ مَنْ يَعْرَقُ إلى عَجْزِهِ، وَمنهم مَنْ يَعْرَقُ إلى خَاصِرَتِهِ، وَمِنْهم مَنْ يَعْرَقُ إلى مَنْكِبَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَعْرَقُ إلى عُنُقِهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَعْرَقُ إلى نِصْفِ فَمِهِ مُلْحمَاً بِهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ [يَشْمَلُهُ] العَرَقُ. قال عمير [بن] هانئ: يحشر الناس يوم القيامة على أرض قد مدها [الله] تبارك وتعالى مد الأديم العُكَاظِي، فهم من ضيق مقامهم فيها كضيق سهام اجتمعت في كنانتها. قال: فالسعيد يومئذ من وجد لقدمه مقاماً. قال: وأكثر الأقدام يومئذ بعضها على بعض. قال: فهم فيها مجتمعون ينفذهم البصر ويسمعهم الداعي. فبينما هم كذلك، إذ سمعوا زفرة من زفير جهنم، فلا يبقى ملك مقرب، ولا نبيٌ مرسل إلا خَرَّ لركبتيه، حتى إنَّ إبراهيم ﷺ ليقول: (نفسي)، (رب) نفسي، لا أسألك غيرها. فلا يبقى عند تلك الزفرة دمعة إلا جرت، ثم يسمعون زفرة أخرى فلا يبقى دم في عين إلا جرى، ثم يسمعون زفرة أخرى فلا يبقى قيح إلا سال يتبع بعضه بعضاً، ويمد بعضه بعضاً حتى يسيل إلى واد يقال (له سائل، فيفرغ في جهنم، فذلك قوله): ﴿سَأَلَ سَآئِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ﴾ [المعارج: ١]. * * - ثم قال تعالى: ﴿كَلاَّ إِنَّ كِتَابَ ٱلْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ﴾. من جعل ﴿كَلاَّ﴾ وقفا، كان تقديره: ليس الأمر كما يظن هؤلاء الكفار أنهم غير مبعوثين، إن كتابهم الذي كتبت فيه أعمالهم في الدنيا لفي سجين. ومن لم يره وقفا، جعل ﴿كَلاَّ﴾ بمعنى "أَلاَ"، افتتاح كلام. و ﴿سِجِّينٍ﴾: الأرض السفلى، فيه أعمال الكفار وأرواحهم. وروي أن إبليس موثق بالحديد والسلاسل في الأرض السفلى. (وسأل ابن عباس كعباً عن ﴿سِجِّينٍ﴾، فقال : هي الأرض السابعة السفلى)، فيها أرواح الكفار تحت خد إبليس. وروي أنه قال (له): إن أرواح الكفار يُصعد بها إلى السماء، فتأبى السماء أن تقبلها، ثم يُهبط بها إلى الأرض، فتأبى الأرض أن تقبلها، فيُهبط، فتدخل تحت سبع أرضين حتى يُنتهى بها إلى سجين، وهو خد إبليس، فيخرج [لها] من سجين من تحت خد إبليس [رق] فترقم وتختم وتوضع تحت خد إبليس. وقال ابن جبير: ﴿لَفِي سِجِّينٍ﴾: "تحت خد إبليس". وقال ابن أبي نجيح: ﴿سِجِّينٍ﴾ صخرة تحت الأرض السابعة، تقلب [فتجعل] تحتها. وقال ابن عباس: "أعمالهم في كتاب في الأرض السفلى". وروى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: "الْفَلَقُ جُبٌّ في جَهَنَّمَ مُغَطَّى. وأما ﴿سِجِّينٍ﴾، فمفتوح". يعني أنه جب مفتوح. وقيل: ﴿سِجِّينٍ﴾ من السِّجِلِّ، والنون مبدلة من اللام. وقال أبو عبيد: ﴿لَفِي سِجِّينٍ﴾: لفي حبس. وهو فِعِّيلٌ من السجن. وقيل: ﴿سِجِّينٍ﴾: هي الصخرة التي تحت الأرض السفلى وهو صفة، وليس باسم الصخرة، ولو كان اسماً لها لم تنصرف. وروى البراء بن عازب أن النبي ﷺ قال: "إِنَّ العَبْدَ (الكَافِرَ - أَوْ) الفاجِرَ - إِذَا مَاتَ صَعِدُوا بِروحِهِ إلى السماءِ، فَيَقُولُ اللهُ - جَلَّ ذِكْرُهُ -: اكْتُبُوا كِتَابَه في سَجِّينٍ. وَهِيَ الأَرْضُ السُّفْلَى وعن كعب (أيضاً) أنه قال: في التوراة أن سجينا شجرة سوداء تحت الأرضين السبع، مكتوب فيها اسم كل شيطان، تُلْقَى أنفس الكفار عندها. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَمَآ أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ * كِتَابٌ مَّرْقُومٌ﴾. أي: وأي شيء أدراك يا محمد ما سجين؟! على التعظيم لأمره. ثم بَيَّنَ فقال: ﴿كِتَابٌ مَّرْقُومٌ﴾. أي: مكتوب فيه عمل الكفار. قال قتادة: مرقوم: مكتوب رُقِمَ لهم فيه بِشَرٍّ. - ثم (قال تعالى: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾. قد تقدم تفسيره في مواضع). * * - ثم قال: ﴿ٱلَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ ٱلدِّينِ﴾. أي: لا يؤمنون بالجزاء والبعث والنشور. * * - ﴿وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ﴾. أي: بالبعث، ﴿إِلاَّ كُلُّ مُعْتَدٍ...﴾ أي: كل من تعدى حدود الله. ﴿أَثِيمٍ﴾ أي: مأثوم في فعله. ﴿إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِ آيَاتُنَا...﴾. أي: حججنا وأدلتنا. ﴿قَالَ أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ...﴾. أي: قال: هذه أخبار الأولين وأحاديثهم وما كتب عنهم وَسُطِّرَ. * * - ثم قال تعالى: ﴿كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ﴾. ﴿كَلاَّ﴾ عند أبي حاتم لا يوقف عليها. وهي بمعنى "أَلاَ" [و] بمعنى "حقاً". ويوقف عليها عند غيره، على معنى: ليس الأَمْرُ على ما قال هؤلاء المكذبون بيوم الدين: إن آياتنا أساطير الأولين. ثم ابتدأ فأخبر عَنْهُم ما نزل بهم حين كفروا بالبعث فقال: ﴿بَلْ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ﴾، أي: (بل) ران على قلوبهم إِثْمُ ذُنُوبِهِمْ وكُفْرِهِمْ حتى غطاها، فلا يبصرون الصواب من الخطأ. يقال: رانت الخمرُ على عقله: إذا غلبت (عليه). وغَانَتْ بمعناه. وروى أبو هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: "إِذَا أَذْنَبَ العَبْدُ نُكِتَ (فِي) قَلبِهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ، فَإن (تاب) صُقِلَ مِنْهَا، فإن عَادَ عَادَتْ حتى تَعْظُم فِي قَلْبِهِ. فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ﴾ وقال الحسن: هو الذنب على الذنب حتى يَعْمَى القلب فيموت. قال مجاهد: القلب مثل الكف. فإذا أذنب انقبض - وقَبَضَ مجاهد أُصبُعاً - قال: فإذا أذنب انقبض - وقبض مجاهدٌ أصبعاً آخر - ثم كذلك حتى ينقبض كله - وقبض مجاهد أصابعه على الكف - قال: ثم يطبع عليه. فكانوا يرون أن ذلك هو الرين. قال قتادة: هو "الذنب على الذنب حتى يرين على القلب فَيَسْوَدُ". قال ابن زيد: ﴿بَلْ رَانَ﴾، أي: غلبت على قلوبهم ذنوبُهم، فلا يَخْلُصُ إليها معها خير. * * - ثم قال تعالى: ﴿كَلاَّ إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ﴾. "كلا" عند أبي حاتم بمعنى "ألا". ولا يوقف عليها. ويوقف عليها عند غيره، على معنى: ليس الأمر كما يقول هؤلاء المكذبون بيوم الدين: إن لهم عند الله زلفة يوم القيامة لكنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون، فلا يرونه ولا يرون شيئاً من كرامته. وقول أبي حاتم أَبْيَنُ في [هذا الموضع] من "كلا"، لأن هذا التقدير ليس هو في ظاهر الكلام، ولا في الكلام ما يدل عليه. ففيه تعسف. [وَدَلَّ اللهُ المؤمنِينَ، بهذه الآية، أنهم لا يحجبون عن ربهم وعن النظر إليه. قال مالك رحمه الله: في هذا دليل على أن ثم قوماً لا يحجبون عن الله وينظرون إليه . وبه استدل الشافعي على النظر إلى الله عز وجل يوم القيامة. وقد قدره منكرو النظر إلى الله على معنى أنهم عن كرامة ربهم لمحجوبون. وهذا لا يجوز عند أحد من النحويين، ولو جاز هذا لجاز: "جاءني زيد"، تريد غلام زيد أو كرامة زيد. وفي جواز هذا نقض كلام العرب كله. ولا يجوز إخراج الكلام عن ظاهره إلا لضرورة تدعو إلى ذلك مع امتناع جوازه على ظاهره. فإذا امتنع جواز الكلام على ظاهره، جاز الإضمار الذي يسوغ معه جواز الكلام. ولا ضرورة تدعو إلى أضمارٍ هنا على مذهب أهل السنة. قال الحسن: يكشف (الحجاب) فينظر إليه المؤمنون دون الكافرين، ثم يحجب الكافرون، وينظر إليه المؤمنون كل يوم غُدْوَةً وَعَشِيَةً. * * - ثم قال تعالى: ﴿(ثُمَّ) إِنَّهُمْ لَصَالُواْ ٱلْجَحِيمِ﴾. أي: لَوَارِدُوهُ مع [حجبهم] عن النظر إلى الله. * * - ﴿ثُمَّ [يُقَالُ] هَـٰذَا ٱلَّذِي كُنتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾. أي: يقال لهم: هذا العذاب الذي كنتم تكذبون به في الدنيا.

المطففين 83:8

قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ ٱلنَّاسُ لِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ﴾، إلى قوله ﴿(كُنتُمْ) بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾. أي: يبعثون يوم يقوم. ويجوز [أن يكون] بدلاً من ﴿لِيَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ على الموضع. وقال الفراء: هو مبني على الفتح، ولا يحسن عند البصريين بناؤه مع إضافته إلى معرب، إنما يجوز بناؤه إذا أضيف إلى مبني. والمعنى: يوم يقوم الناس على أقدامهم لرب العالمين. روي أن الناس يقومون يوم القيامة حتى يلجمهم العرق، فيقومون مقدار أربعين عاماً. وقيل: مقدار ثلاثمائة عام. وروى ابن عمر [عن النبي ﷺ أَنَّهُ قال: "يَقْدُمُ أَحَدُكُمْ فِي رَشْحِهِ إلى أنْصَافِ أُذُنَيْهِ". وروى أبو هريرة] أن النبي ﷺ قال لبشير الغفاري: "كَيْفَ أَنْتَ صَانِعٌ فِي يَوْمٍ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِ العَالَمِينَ مِقْدَارَ ثَلاَثَمائة سَنَةٍ مِنْ أَيَّامِ الدُّنْيَا لاَ يَأْتِيهِمْ خَبَرٌ مِنَ السَّمَاءِ وَلاَ يَأْمُرُ فِيهِمْ بِأَمْرٍ؟ فَقَالَ بَشِيرٌ: اللهُ المُسْتَعَانُ يَا رَسُولَ اللهِ، فَقَالَ لَهُ النبي ﷺ: إِذَا أَوَيْتَ إلى فِرَاشِكَ، فَتَعَوَّذْ بِاللهِ مِنْ كَرْبِ (يَوْمِ) القِيَامَةِ وَسُوءِ الحِسَابِ وعن ابن عمر أنه قال: "يقومون مائة سنة وقال ابن مسعود: يمكثون أربعين عاماً رافعي رؤوسهم إلى السماء، لا يكلمهم أحد، قد ألجم العرق كل بر وفاجر. قال: [فينادي] مناد: أليس عدلاً من ربكم أنه خلقكم ثم صوركم (ثم رزقكم) ثم توليتم غيره أن يولي كل عبد منكم ما تولى في الدنيا؟! فيقولون: بلى"، ثم ذكر الحديث. وقال كعب: يقومون قدر ثلاثمائة سنة. وروى عقبة بن عامر عن النبي ﷺ قال: "تَدْنُو الشَّمْسُ يَومَ القيامةِ من الأَرضِ، فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْرَقُ إلى كَعْبَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَعْرَقُ إلى رُكْبَتَيْهِ، ومِنْهُمْ مَنْ يَعْرَقُ إلى عَجْزِهِ، وَمنهم مَنْ يَعْرَقُ إلى خَاصِرَتِهِ، وَمِنْهم مَنْ يَعْرَقُ إلى مَنْكِبَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَعْرَقُ إلى عُنُقِهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَعْرَقُ إلى نِصْفِ فَمِهِ مُلْحمَاً بِهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ [يَشْمَلُهُ] العَرَقُ. قال عمير [بن] هانئ: يحشر الناس يوم القيامة على أرض قد مدها [الله] تبارك وتعالى مد الأديم العُكَاظِي، فهم من ضيق مقامهم فيها كضيق سهام اجتمعت في كنانتها. قال: فالسعيد يومئذ من وجد لقدمه مقاماً. قال: وأكثر الأقدام يومئذ بعضها على بعض. قال: فهم فيها مجتمعون ينفذهم البصر ويسمعهم الداعي. فبينما هم كذلك، إذ سمعوا زفرة من زفير جهنم، فلا يبقى ملك مقرب، ولا نبيٌ مرسل إلا خَرَّ لركبتيه، حتى إنَّ إبراهيم ﷺ ليقول: (نفسي)، (رب) نفسي، لا أسألك غيرها. فلا يبقى عند تلك الزفرة دمعة إلا جرت، ثم يسمعون زفرة أخرى فلا يبقى دم في عين إلا جرى، ثم يسمعون زفرة أخرى فلا يبقى قيح إلا سال يتبع بعضه بعضاً، ويمد بعضه بعضاً حتى يسيل إلى واد يقال (له سائل، فيفرغ في جهنم، فذلك قوله): ﴿سَأَلَ سَآئِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ﴾ [المعارج: ١]. * * - ثم قال تعالى: ﴿كَلاَّ إِنَّ كِتَابَ ٱلْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ﴾. من جعل ﴿كَلاَّ﴾ وقفا، كان تقديره: ليس الأمر كما يظن هؤلاء الكفار أنهم غير مبعوثين، إن كتابهم الذي كتبت فيه أعمالهم في الدنيا لفي سجين. ومن لم يره وقفا، جعل ﴿كَلاَّ﴾ بمعنى "أَلاَ"، افتتاح كلام. و ﴿سِجِّينٍ﴾: الأرض السفلى، فيه أعمال الكفار وأرواحهم. وروي أن إبليس موثق بالحديد والسلاسل في الأرض السفلى. (وسأل ابن عباس كعباً عن ﴿سِجِّينٍ﴾، فقال : هي الأرض السابعة السفلى)، فيها أرواح الكفار تحت خد إبليس. وروي أنه قال (له): إن أرواح الكفار يُصعد بها إلى السماء، فتأبى السماء أن تقبلها، ثم يُهبط بها إلى الأرض، فتأبى الأرض أن تقبلها، فيُهبط، فتدخل تحت سبع أرضين حتى يُنتهى بها إلى سجين، وهو خد إبليس، فيخرج [لها] من سجين من تحت خد إبليس [رق] فترقم وتختم وتوضع تحت خد إبليس. وقال ابن جبير: ﴿لَفِي سِجِّينٍ﴾: "تحت خد إبليس". وقال ابن أبي نجيح: ﴿سِجِّينٍ﴾ صخرة تحت الأرض السابعة، تقلب [فتجعل] تحتها. وقال ابن عباس: "أعمالهم في كتاب في الأرض السفلى". وروى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: "الْفَلَقُ جُبٌّ في جَهَنَّمَ مُغَطَّى. وأما ﴿سِجِّينٍ﴾، فمفتوح". يعني أنه جب مفتوح. وقيل: ﴿سِجِّينٍ﴾ من السِّجِلِّ، والنون مبدلة من اللام. وقال أبو عبيد: ﴿لَفِي سِجِّينٍ﴾: لفي حبس. وهو فِعِّيلٌ من السجن. وقيل: ﴿سِجِّينٍ﴾: هي الصخرة التي تحت الأرض السفلى وهو صفة، وليس باسم الصخرة، ولو كان اسماً لها لم تنصرف. وروى البراء بن عازب أن النبي ﷺ قال: "إِنَّ العَبْدَ (الكَافِرَ - أَوْ) الفاجِرَ - إِذَا مَاتَ صَعِدُوا بِروحِهِ إلى السماءِ، فَيَقُولُ اللهُ - جَلَّ ذِكْرُهُ -: اكْتُبُوا كِتَابَه في سَجِّينٍ. وَهِيَ الأَرْضُ السُّفْلَى وعن كعب (أيضاً) أنه قال: في التوراة أن سجينا شجرة سوداء تحت الأرضين السبع، مكتوب فيها اسم كل شيطان، تُلْقَى أنفس الكفار عندها. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَمَآ أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ * كِتَابٌ مَّرْقُومٌ﴾. أي: وأي شيء أدراك يا محمد ما سجين؟! على التعظيم لأمره. ثم بَيَّنَ فقال: ﴿كِتَابٌ مَّرْقُومٌ﴾. أي: مكتوب فيه عمل الكفار. قال قتادة: مرقوم: مكتوب رُقِمَ لهم فيه بِشَرٍّ. - ثم (قال تعالى: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾. قد تقدم تفسيره في مواضع). * * - ثم قال: ﴿ٱلَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ ٱلدِّينِ﴾. أي: لا يؤمنون بالجزاء والبعث والنشور. * * - ﴿وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ﴾. أي: بالبعث، ﴿إِلاَّ كُلُّ مُعْتَدٍ...﴾ أي: كل من تعدى حدود الله. ﴿أَثِيمٍ﴾ أي: مأثوم في فعله. ﴿إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِ آيَاتُنَا...﴾. أي: حججنا وأدلتنا. ﴿قَالَ أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ...﴾. أي: قال: هذه أخبار الأولين وأحاديثهم وما كتب عنهم وَسُطِّرَ. * * - ثم قال تعالى: ﴿كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ﴾. ﴿كَلاَّ﴾ عند أبي حاتم لا يوقف عليها. وهي بمعنى "أَلاَ" [و] بمعنى "حقاً". ويوقف عليها عند غيره، على معنى: ليس الأَمْرُ على ما قال هؤلاء المكذبون بيوم الدين: إن آياتنا أساطير الأولين. ثم ابتدأ فأخبر عَنْهُم ما نزل بهم حين كفروا بالبعث فقال: ﴿بَلْ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ﴾، أي: (بل) ران على قلوبهم إِثْمُ ذُنُوبِهِمْ وكُفْرِهِمْ حتى غطاها، فلا يبصرون الصواب من الخطأ. يقال: رانت الخمرُ على عقله: إذا غلبت (عليه). وغَانَتْ بمعناه. وروى أبو هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: "إِذَا أَذْنَبَ العَبْدُ نُكِتَ (فِي) قَلبِهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ، فَإن (تاب) صُقِلَ مِنْهَا، فإن عَادَ عَادَتْ حتى تَعْظُم فِي قَلْبِهِ. فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ﴾ وقال الحسن: هو الذنب على الذنب حتى يَعْمَى القلب فيموت. قال مجاهد: القلب مثل الكف. فإذا أذنب انقبض - وقَبَضَ مجاهد أُصبُعاً - قال: فإذا أذنب انقبض - وقبض مجاهدٌ أصبعاً آخر - ثم كذلك حتى ينقبض كله - وقبض مجاهد أصابعه على الكف - قال: ثم يطبع عليه. فكانوا يرون أن ذلك هو الرين. قال قتادة: هو "الذنب على الذنب حتى يرين على القلب فَيَسْوَدُ". قال ابن زيد: ﴿بَلْ رَانَ﴾، أي: غلبت على قلوبهم ذنوبُهم، فلا يَخْلُصُ إليها معها خير. * * - ثم قال تعالى: ﴿كَلاَّ إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ﴾. "كلا" عند أبي حاتم بمعنى "ألا". ولا يوقف عليها. ويوقف عليها عند غيره، على معنى: ليس الأمر كما يقول هؤلاء المكذبون بيوم الدين: إن لهم عند الله زلفة يوم القيامة لكنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون، فلا يرونه ولا يرون شيئاً من كرامته. وقول أبي حاتم أَبْيَنُ في [هذا الموضع] من "كلا"، لأن هذا التقدير ليس هو في ظاهر الكلام، ولا في الكلام ما يدل عليه. ففيه تعسف. [وَدَلَّ اللهُ المؤمنِينَ، بهذه الآية، أنهم لا يحجبون عن ربهم وعن النظر إليه. قال مالك رحمه الله: في هذا دليل على أن ثم قوماً لا يحجبون عن الله وينظرون إليه . وبه استدل الشافعي على النظر إلى الله عز وجل يوم القيامة. وقد قدره منكرو النظر إلى الله على معنى أنهم عن كرامة ربهم لمحجوبون. وهذا لا يجوز عند أحد من النحويين، ولو جاز هذا لجاز: "جاءني زيد"، تريد غلام زيد أو كرامة زيد. وفي جواز هذا نقض كلام العرب كله. ولا يجوز إخراج الكلام عن ظاهره إلا لضرورة تدعو إلى ذلك مع امتناع جوازه على ظاهره. فإذا امتنع جواز الكلام على ظاهره، جاز الإضمار الذي يسوغ معه جواز الكلام. ولا ضرورة تدعو إلى أضمارٍ هنا على مذهب أهل السنة. قال الحسن: يكشف (الحجاب) فينظر إليه المؤمنون دون الكافرين، ثم يحجب الكافرون، وينظر إليه المؤمنون كل يوم غُدْوَةً وَعَشِيَةً. * * - ثم قال تعالى: ﴿(ثُمَّ) إِنَّهُمْ لَصَالُواْ ٱلْجَحِيمِ﴾. أي: لَوَارِدُوهُ مع [حجبهم] عن النظر إلى الله. * * - ﴿ثُمَّ [يُقَالُ] هَـٰذَا ٱلَّذِي كُنتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾. أي: يقال لهم: هذا العذاب الذي كنتم تكذبون به في الدنيا.

المطففين 83:9

قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ ٱلنَّاسُ لِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ﴾، إلى قوله ﴿(كُنتُمْ) بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾. أي: يبعثون يوم يقوم. ويجوز [أن يكون] بدلاً من ﴿لِيَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ على الموضع. وقال الفراء: هو مبني على الفتح، ولا يحسن عند البصريين بناؤه مع إضافته إلى معرب، إنما يجوز بناؤه إذا أضيف إلى مبني. والمعنى: يوم يقوم الناس على أقدامهم لرب العالمين. روي أن الناس يقومون يوم القيامة حتى يلجمهم العرق، فيقومون مقدار أربعين عاماً. وقيل: مقدار ثلاثمائة عام. وروى ابن عمر [عن النبي ﷺ أَنَّهُ قال: "يَقْدُمُ أَحَدُكُمْ فِي رَشْحِهِ إلى أنْصَافِ أُذُنَيْهِ". وروى أبو هريرة] أن النبي ﷺ قال لبشير الغفاري: "كَيْفَ أَنْتَ صَانِعٌ فِي يَوْمٍ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِ العَالَمِينَ مِقْدَارَ ثَلاَثَمائة سَنَةٍ مِنْ أَيَّامِ الدُّنْيَا لاَ يَأْتِيهِمْ خَبَرٌ مِنَ السَّمَاءِ وَلاَ يَأْمُرُ فِيهِمْ بِأَمْرٍ؟ فَقَالَ بَشِيرٌ: اللهُ المُسْتَعَانُ يَا رَسُولَ اللهِ، فَقَالَ لَهُ النبي ﷺ: إِذَا أَوَيْتَ إلى فِرَاشِكَ، فَتَعَوَّذْ بِاللهِ مِنْ كَرْبِ (يَوْمِ) القِيَامَةِ وَسُوءِ الحِسَابِ وعن ابن عمر أنه قال: "يقومون مائة سنة وقال ابن مسعود: يمكثون أربعين عاماً رافعي رؤوسهم إلى السماء، لا يكلمهم أحد، قد ألجم العرق كل بر وفاجر. قال: [فينادي] مناد: أليس عدلاً من ربكم أنه خلقكم ثم صوركم (ثم رزقكم) ثم توليتم غيره أن يولي كل عبد منكم ما تولى في الدنيا؟! فيقولون: بلى"، ثم ذكر الحديث. وقال كعب: يقومون قدر ثلاثمائة سنة. وروى عقبة بن عامر عن النبي ﷺ قال: "تَدْنُو الشَّمْسُ يَومَ القيامةِ من الأَرضِ، فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْرَقُ إلى كَعْبَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَعْرَقُ إلى رُكْبَتَيْهِ، ومِنْهُمْ مَنْ يَعْرَقُ إلى عَجْزِهِ، وَمنهم مَنْ يَعْرَقُ إلى خَاصِرَتِهِ، وَمِنْهم مَنْ يَعْرَقُ إلى مَنْكِبَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَعْرَقُ إلى عُنُقِهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَعْرَقُ إلى نِصْفِ فَمِهِ مُلْحمَاً بِهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ [يَشْمَلُهُ] العَرَقُ. قال عمير [بن] هانئ: يحشر الناس يوم القيامة على أرض قد مدها [الله] تبارك وتعالى مد الأديم العُكَاظِي، فهم من ضيق مقامهم فيها كضيق سهام اجتمعت في كنانتها. قال: فالسعيد يومئذ من وجد لقدمه مقاماً. قال: وأكثر الأقدام يومئذ بعضها على بعض. قال: فهم فيها مجتمعون ينفذهم البصر ويسمعهم الداعي. فبينما هم كذلك، إذ سمعوا زفرة من زفير جهنم، فلا يبقى ملك مقرب، ولا نبيٌ مرسل إلا خَرَّ لركبتيه، حتى إنَّ إبراهيم ﷺ ليقول: (نفسي)، (رب) نفسي، لا أسألك غيرها. فلا يبقى عند تلك الزفرة دمعة إلا جرت، ثم يسمعون زفرة أخرى فلا يبقى دم في عين إلا جرى، ثم يسمعون زفرة أخرى فلا يبقى قيح إلا سال يتبع بعضه بعضاً، ويمد بعضه بعضاً حتى يسيل إلى واد يقال (له سائل، فيفرغ في جهنم، فذلك قوله): ﴿سَأَلَ سَآئِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ﴾ [المعارج: ١]. * * - ثم قال تعالى: ﴿كَلاَّ إِنَّ كِتَابَ ٱلْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ﴾. من جعل ﴿كَلاَّ﴾ وقفا، كان تقديره: ليس الأمر كما يظن هؤلاء الكفار أنهم غير مبعوثين، إن كتابهم الذي كتبت فيه أعمالهم في الدنيا لفي سجين. ومن لم يره وقفا، جعل ﴿كَلاَّ﴾ بمعنى "أَلاَ"، افتتاح كلام. و ﴿سِجِّينٍ﴾: الأرض السفلى، فيه أعمال الكفار وأرواحهم. وروي أن إبليس موثق بالحديد والسلاسل في الأرض السفلى. (وسأل ابن عباس كعباً عن ﴿سِجِّينٍ﴾، فقال : هي الأرض السابعة السفلى)، فيها أرواح الكفار تحت خد إبليس. وروي أنه قال (له): إن أرواح الكفار يُصعد بها إلى السماء، فتأبى السماء أن تقبلها، ثم يُهبط بها إلى الأرض، فتأبى الأرض أن تقبلها، فيُهبط، فتدخل تحت سبع أرضين حتى يُنتهى بها إلى سجين، وهو خد إبليس، فيخرج [لها] من سجين من تحت خد إبليس [رق] فترقم وتختم وتوضع تحت خد إبليس. وقال ابن جبير: ﴿لَفِي سِجِّينٍ﴾: "تحت خد إبليس". وقال ابن أبي نجيح: ﴿سِجِّينٍ﴾ صخرة تحت الأرض السابعة، تقلب [فتجعل] تحتها. وقال ابن عباس: "أعمالهم في كتاب في الأرض السفلى". وروى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: "الْفَلَقُ جُبٌّ في جَهَنَّمَ مُغَطَّى. وأما ﴿سِجِّينٍ﴾، فمفتوح". يعني أنه جب مفتوح. وقيل: ﴿سِجِّينٍ﴾ من السِّجِلِّ، والنون مبدلة من اللام. وقال أبو عبيد: ﴿لَفِي سِجِّينٍ﴾: لفي حبس. وهو فِعِّيلٌ من السجن. وقيل: ﴿سِجِّينٍ﴾: هي الصخرة التي تحت الأرض السفلى وهو صفة، وليس باسم الصخرة، ولو كان اسماً لها لم تنصرف. وروى البراء بن عازب أن النبي ﷺ قال: "إِنَّ العَبْدَ (الكَافِرَ - أَوْ) الفاجِرَ - إِذَا مَاتَ صَعِدُوا بِروحِهِ إلى السماءِ، فَيَقُولُ اللهُ - جَلَّ ذِكْرُهُ -: اكْتُبُوا كِتَابَه في سَجِّينٍ. وَهِيَ الأَرْضُ السُّفْلَى وعن كعب (أيضاً) أنه قال: في التوراة أن سجينا شجرة سوداء تحت الأرضين السبع، مكتوب فيها اسم كل شيطان، تُلْقَى أنفس الكفار عندها. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَمَآ أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ * كِتَابٌ مَّرْقُومٌ﴾. أي: وأي شيء أدراك يا محمد ما سجين؟! على التعظيم لأمره. ثم بَيَّنَ فقال: ﴿كِتَابٌ مَّرْقُومٌ﴾. أي: مكتوب فيه عمل الكفار. قال قتادة: مرقوم: مكتوب رُقِمَ لهم فيه بِشَرٍّ. - ثم (قال تعالى: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾. قد تقدم تفسيره في مواضع). * * - ثم قال: ﴿ٱلَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ ٱلدِّينِ﴾. أي: لا يؤمنون بالجزاء والبعث والنشور. * * - ﴿وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ﴾. أي: بالبعث، ﴿إِلاَّ كُلُّ مُعْتَدٍ...﴾ أي: كل من تعدى حدود الله. ﴿أَثِيمٍ﴾ أي: مأثوم في فعله. ﴿إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِ آيَاتُنَا...﴾. أي: حججنا وأدلتنا. ﴿قَالَ أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ...﴾. أي: قال: هذه أخبار الأولين وأحاديثهم وما كتب عنهم وَسُطِّرَ. * * - ثم قال تعالى: ﴿كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ﴾. ﴿كَلاَّ﴾ عند أبي حاتم لا يوقف عليها. وهي بمعنى "أَلاَ" [و] بمعنى "حقاً". ويوقف عليها عند غيره، على معنى: ليس الأَمْرُ على ما قال هؤلاء المكذبون بيوم الدين: إن آياتنا أساطير الأولين. ثم ابتدأ فأخبر عَنْهُم ما نزل بهم حين كفروا بالبعث فقال: ﴿بَلْ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ﴾، أي: (بل) ران على قلوبهم إِثْمُ ذُنُوبِهِمْ وكُفْرِهِمْ حتى غطاها، فلا يبصرون الصواب من الخطأ. يقال: رانت الخمرُ على عقله: إذا غلبت (عليه). وغَانَتْ بمعناه. وروى أبو هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: "إِذَا أَذْنَبَ العَبْدُ نُكِتَ (فِي) قَلبِهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ، فَإن (تاب) صُقِلَ مِنْهَا، فإن عَادَ عَادَتْ حتى تَعْظُم فِي قَلْبِهِ. فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ﴾ وقال الحسن: هو الذنب على الذنب حتى يَعْمَى القلب فيموت. قال مجاهد: القلب مثل الكف. فإذا أذنب انقبض - وقَبَضَ مجاهد أُصبُعاً - قال: فإذا أذنب انقبض - وقبض مجاهدٌ أصبعاً آخر - ثم كذلك حتى ينقبض كله - وقبض مجاهد أصابعه على الكف - قال: ثم يطبع عليه. فكانوا يرون أن ذلك هو الرين. قال قتادة: هو "الذنب على الذنب حتى يرين على القلب فَيَسْوَدُ". قال ابن زيد: ﴿بَلْ رَانَ﴾، أي: غلبت على قلوبهم ذنوبُهم، فلا يَخْلُصُ إليها معها خير. * * - ثم قال تعالى: ﴿كَلاَّ إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ﴾. "كلا" عند أبي حاتم بمعنى "ألا". ولا يوقف عليها. ويوقف عليها عند غيره، على معنى: ليس الأمر كما يقول هؤلاء المكذبون بيوم الدين: إن لهم عند الله زلفة يوم القيامة لكنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون، فلا يرونه ولا يرون شيئاً من كرامته. وقول أبي حاتم أَبْيَنُ في [هذا الموضع] من "كلا"، لأن هذا التقدير ليس هو في ظاهر الكلام، ولا في الكلام ما يدل عليه. ففيه تعسف. [وَدَلَّ اللهُ المؤمنِينَ، بهذه الآية، أنهم لا يحجبون عن ربهم وعن النظر إليه. قال مالك رحمه الله: في هذا دليل على أن ثم قوماً لا يحجبون عن الله وينظرون إليه . وبه استدل الشافعي على النظر إلى الله عز وجل يوم القيامة. وقد قدره منكرو النظر إلى الله على معنى أنهم عن كرامة ربهم لمحجوبون. وهذا لا يجوز عند أحد من النحويين، ولو جاز هذا لجاز: "جاءني زيد"، تريد غلام زيد أو كرامة زيد. وفي جواز هذا نقض كلام العرب كله. ولا يجوز إخراج الكلام عن ظاهره إلا لضرورة تدعو إلى ذلك مع امتناع جوازه على ظاهره. فإذا امتنع جواز الكلام على ظاهره، جاز الإضمار الذي يسوغ معه جواز الكلام. ولا ضرورة تدعو إلى أضمارٍ هنا على مذهب أهل السنة. قال الحسن: يكشف (الحجاب) فينظر إليه المؤمنون دون الكافرين، ثم يحجب الكافرون، وينظر إليه المؤمنون كل يوم غُدْوَةً وَعَشِيَةً. * * - ثم قال تعالى: ﴿(ثُمَّ) إِنَّهُمْ لَصَالُواْ ٱلْجَحِيمِ﴾. أي: لَوَارِدُوهُ مع [حجبهم] عن النظر إلى الله. * * - ﴿ثُمَّ [يُقَالُ] هَـٰذَا ٱلَّذِي كُنتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾. أي: يقال لهم: هذا العذاب الذي كنتم تكذبون به في الدنيا.

المطففين 83:10

قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ ٱلنَّاسُ لِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ﴾، إلى قوله ﴿(كُنتُمْ) بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾. أي: يبعثون يوم يقوم. ويجوز [أن يكون] بدلاً من ﴿لِيَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ على الموضع. وقال الفراء: هو مبني على الفتح، ولا يحسن عند البصريين بناؤه مع إضافته إلى معرب، إنما يجوز بناؤه إذا أضيف إلى مبني. والمعنى: يوم يقوم الناس على أقدامهم لرب العالمين. روي أن الناس يقومون يوم القيامة حتى يلجمهم العرق، فيقومون مقدار أربعين عاماً. وقيل: مقدار ثلاثمائة عام. وروى ابن عمر [عن النبي ﷺ أَنَّهُ قال: "يَقْدُمُ أَحَدُكُمْ فِي رَشْحِهِ إلى أنْصَافِ أُذُنَيْهِ". وروى أبو هريرة] أن النبي ﷺ قال لبشير الغفاري: "كَيْفَ أَنْتَ صَانِعٌ فِي يَوْمٍ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِ العَالَمِينَ مِقْدَارَ ثَلاَثَمائة سَنَةٍ مِنْ أَيَّامِ الدُّنْيَا لاَ يَأْتِيهِمْ خَبَرٌ مِنَ السَّمَاءِ وَلاَ يَأْمُرُ فِيهِمْ بِأَمْرٍ؟ فَقَالَ بَشِيرٌ: اللهُ المُسْتَعَانُ يَا رَسُولَ اللهِ، فَقَالَ لَهُ النبي ﷺ: إِذَا أَوَيْتَ إلى فِرَاشِكَ، فَتَعَوَّذْ بِاللهِ مِنْ كَرْبِ (يَوْمِ) القِيَامَةِ وَسُوءِ الحِسَابِ وعن ابن عمر أنه قال: "يقومون مائة سنة وقال ابن مسعود: يمكثون أربعين عاماً رافعي رؤوسهم إلى السماء، لا يكلمهم أحد، قد ألجم العرق كل بر وفاجر. قال: [فينادي] مناد: أليس عدلاً من ربكم أنه خلقكم ثم صوركم (ثم رزقكم) ثم توليتم غيره أن يولي كل عبد منكم ما تولى في الدنيا؟! فيقولون: بلى"، ثم ذكر الحديث. وقال كعب: يقومون قدر ثلاثمائة سنة. وروى عقبة بن عامر عن النبي ﷺ قال: "تَدْنُو الشَّمْسُ يَومَ القيامةِ من الأَرضِ، فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْرَقُ إلى كَعْبَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَعْرَقُ إلى رُكْبَتَيْهِ، ومِنْهُمْ مَنْ يَعْرَقُ إلى عَجْزِهِ، وَمنهم مَنْ يَعْرَقُ إلى خَاصِرَتِهِ، وَمِنْهم مَنْ يَعْرَقُ إلى مَنْكِبَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَعْرَقُ إلى عُنُقِهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَعْرَقُ إلى نِصْفِ فَمِهِ مُلْحمَاً بِهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ [يَشْمَلُهُ] العَرَقُ. قال عمير [بن] هانئ: يحشر الناس يوم القيامة على أرض قد مدها [الله] تبارك وتعالى مد الأديم العُكَاظِي، فهم من ضيق مقامهم فيها كضيق سهام اجتمعت في كنانتها. قال: فالسعيد يومئذ من وجد لقدمه مقاماً. قال: وأكثر الأقدام يومئذ بعضها على بعض. قال: فهم فيها مجتمعون ينفذهم البصر ويسمعهم الداعي. فبينما هم كذلك، إذ سمعوا زفرة من زفير جهنم، فلا يبقى ملك مقرب، ولا نبيٌ مرسل إلا خَرَّ لركبتيه، حتى إنَّ إبراهيم ﷺ ليقول: (نفسي)، (رب) نفسي، لا أسألك غيرها. فلا يبقى عند تلك الزفرة دمعة إلا جرت، ثم يسمعون زفرة أخرى فلا يبقى دم في عين إلا جرى، ثم يسمعون زفرة أخرى فلا يبقى قيح إلا سال يتبع بعضه بعضاً، ويمد بعضه بعضاً حتى يسيل إلى واد يقال (له سائل، فيفرغ في جهنم، فذلك قوله): ﴿سَأَلَ سَآئِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ﴾ [المعارج: ١]. * * - ثم قال تعالى: ﴿كَلاَّ إِنَّ كِتَابَ ٱلْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ﴾. من جعل ﴿كَلاَّ﴾ وقفا، كان تقديره: ليس الأمر كما يظن هؤلاء الكفار أنهم غير مبعوثين، إن كتابهم الذي كتبت فيه أعمالهم في الدنيا لفي سجين. ومن لم يره وقفا، جعل ﴿كَلاَّ﴾ بمعنى "أَلاَ"، افتتاح كلام. و ﴿سِجِّينٍ﴾: الأرض السفلى، فيه أعمال الكفار وأرواحهم. وروي أن إبليس موثق بالحديد والسلاسل في الأرض السفلى. (وسأل ابن عباس كعباً عن ﴿سِجِّينٍ﴾، فقال : هي الأرض السابعة السفلى)، فيها أرواح الكفار تحت خد إبليس. وروي أنه قال (له): إن أرواح الكفار يُصعد بها إلى السماء، فتأبى السماء أن تقبلها، ثم يُهبط بها إلى الأرض، فتأبى الأرض أن تقبلها، فيُهبط، فتدخل تحت سبع أرضين حتى يُنتهى بها إلى سجين، وهو خد إبليس، فيخرج [لها] من سجين من تحت خد إبليس [رق] فترقم وتختم وتوضع تحت خد إبليس. وقال ابن جبير: ﴿لَفِي سِجِّينٍ﴾: "تحت خد إبليس". وقال ابن أبي نجيح: ﴿سِجِّينٍ﴾ صخرة تحت الأرض السابعة، تقلب [فتجعل] تحتها. وقال ابن عباس: "أعمالهم في كتاب في الأرض السفلى". وروى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: "الْفَلَقُ جُبٌّ في جَهَنَّمَ مُغَطَّى. وأما ﴿سِجِّينٍ﴾، فمفتوح". يعني أنه جب مفتوح. وقيل: ﴿سِجِّينٍ﴾ من السِّجِلِّ، والنون مبدلة من اللام. وقال أبو عبيد: ﴿لَفِي سِجِّينٍ﴾: لفي حبس. وهو فِعِّيلٌ من السجن. وقيل: ﴿سِجِّينٍ﴾: هي الصخرة التي تحت الأرض السفلى وهو صفة، وليس باسم الصخرة، ولو كان اسماً لها لم تنصرف. وروى البراء بن عازب أن النبي ﷺ قال: "إِنَّ العَبْدَ (الكَافِرَ - أَوْ) الفاجِرَ - إِذَا مَاتَ صَعِدُوا بِروحِهِ إلى السماءِ، فَيَقُولُ اللهُ - جَلَّ ذِكْرُهُ -: اكْتُبُوا كِتَابَه في سَجِّينٍ. وَهِيَ الأَرْضُ السُّفْلَى وعن كعب (أيضاً) أنه قال: في التوراة أن سجينا شجرة سوداء تحت الأرضين السبع، مكتوب فيها اسم كل شيطان، تُلْقَى أنفس الكفار عندها. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَمَآ أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ * كِتَابٌ مَّرْقُومٌ﴾. أي: وأي شيء أدراك يا محمد ما سجين؟! على التعظيم لأمره. ثم بَيَّنَ فقال: ﴿كِتَابٌ مَّرْقُومٌ﴾. أي: مكتوب فيه عمل الكفار. قال قتادة: مرقوم: مكتوب رُقِمَ لهم فيه بِشَرٍّ. - ثم (قال تعالى: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾. قد تقدم تفسيره في مواضع). * * - ثم قال: ﴿ٱلَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ ٱلدِّينِ﴾. أي: لا يؤمنون بالجزاء والبعث والنشور. * * - ﴿وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ﴾. أي: بالبعث، ﴿إِلاَّ كُلُّ مُعْتَدٍ...﴾ أي: كل من تعدى حدود الله. ﴿أَثِيمٍ﴾ أي: مأثوم في فعله. ﴿إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِ آيَاتُنَا...﴾. أي: حججنا وأدلتنا. ﴿قَالَ أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ...﴾. أي: قال: هذه أخبار الأولين وأحاديثهم وما كتب عنهم وَسُطِّرَ. * * - ثم قال تعالى: ﴿كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ﴾. ﴿كَلاَّ﴾ عند أبي حاتم لا يوقف عليها. وهي بمعنى "أَلاَ" [و] بمعنى "حقاً". ويوقف عليها عند غيره، على معنى: ليس الأَمْرُ على ما قال هؤلاء المكذبون بيوم الدين: إن آياتنا أساطير الأولين. ثم ابتدأ فأخبر عَنْهُم ما نزل بهم حين كفروا بالبعث فقال: ﴿بَلْ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ﴾، أي: (بل) ران على قلوبهم إِثْمُ ذُنُوبِهِمْ وكُفْرِهِمْ حتى غطاها، فلا يبصرون الصواب من الخطأ. يقال: رانت الخمرُ على عقله: إذا غلبت (عليه). وغَانَتْ بمعناه. وروى أبو هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: "إِذَا أَذْنَبَ العَبْدُ نُكِتَ (فِي) قَلبِهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ، فَإن (تاب) صُقِلَ مِنْهَا، فإن عَادَ عَادَتْ حتى تَعْظُم فِي قَلْبِهِ. فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ﴾ وقال الحسن: هو الذنب على الذنب حتى يَعْمَى القلب فيموت. قال مجاهد: القلب مثل الكف. فإذا أذنب انقبض - وقَبَضَ مجاهد أُصبُعاً - قال: فإذا أذنب انقبض - وقبض مجاهدٌ أصبعاً آخر - ثم كذلك حتى ينقبض كله - وقبض مجاهد أصابعه على الكف - قال: ثم يطبع عليه. فكانوا يرون أن ذلك هو الرين. قال قتادة: هو "الذنب على الذنب حتى يرين على القلب فَيَسْوَدُ". قال ابن زيد: ﴿بَلْ رَانَ﴾، أي: غلبت على قلوبهم ذنوبُهم، فلا يَخْلُصُ إليها معها خير. * * - ثم قال تعالى: ﴿كَلاَّ إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ﴾. "كلا" عند أبي حاتم بمعنى "ألا". ولا يوقف عليها. ويوقف عليها عند غيره، على معنى: ليس الأمر كما يقول هؤلاء المكذبون بيوم الدين: إن لهم عند الله زلفة يوم القيامة لكنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون، فلا يرونه ولا يرون شيئاً من كرامته. وقول أبي حاتم أَبْيَنُ في [هذا الموضع] من "كلا"، لأن هذا التقدير ليس هو في ظاهر الكلام، ولا في الكلام ما يدل عليه. ففيه تعسف. [وَدَلَّ اللهُ المؤمنِينَ، بهذه الآية، أنهم لا يحجبون عن ربهم وعن النظر إليه. قال مالك رحمه الله: في هذا دليل على أن ثم قوماً لا يحجبون عن الله وينظرون إليه . وبه استدل الشافعي على النظر إلى الله عز وجل يوم القيامة. وقد قدره منكرو النظر إلى الله على معنى أنهم عن كرامة ربهم لمحجوبون. وهذا لا يجوز عند أحد من النحويين، ولو جاز هذا لجاز: "جاءني زيد"، تريد غلام زيد أو كرامة زيد. وفي جواز هذا نقض كلام العرب كله. ولا يجوز إخراج الكلام عن ظاهره إلا لضرورة تدعو إلى ذلك مع امتناع جوازه على ظاهره. فإذا امتنع جواز الكلام على ظاهره، جاز الإضمار الذي يسوغ معه جواز الكلام. ولا ضرورة تدعو إلى أضمارٍ هنا على مذهب أهل السنة. قال الحسن: يكشف (الحجاب) فينظر إليه المؤمنون دون الكافرين، ثم يحجب الكافرون، وينظر إليه المؤمنون كل يوم غُدْوَةً وَعَشِيَةً. * * - ثم قال تعالى: ﴿(ثُمَّ) إِنَّهُمْ لَصَالُواْ ٱلْجَحِيمِ﴾. أي: لَوَارِدُوهُ مع [حجبهم] عن النظر إلى الله. * * - ﴿ثُمَّ [يُقَالُ] هَـٰذَا ٱلَّذِي كُنتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾. أي: يقال لهم: هذا العذاب الذي كنتم تكذبون به في الدنيا.

المطففين 83:11

قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ ٱلنَّاسُ لِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ﴾، إلى قوله ﴿(كُنتُمْ) بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾. أي: يبعثون يوم يقوم. ويجوز [أن يكون] بدلاً من ﴿لِيَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ على الموضع. وقال الفراء: هو مبني على الفتح، ولا يحسن عند البصريين بناؤه مع إضافته إلى معرب، إنما يجوز بناؤه إذا أضيف إلى مبني. والمعنى: يوم يقوم الناس على أقدامهم لرب العالمين. روي أن الناس يقومون يوم القيامة حتى يلجمهم العرق، فيقومون مقدار أربعين عاماً. وقيل: مقدار ثلاثمائة عام. وروى ابن عمر [عن النبي ﷺ أَنَّهُ قال: "يَقْدُمُ أَحَدُكُمْ فِي رَشْحِهِ إلى أنْصَافِ أُذُنَيْهِ". وروى أبو هريرة] أن النبي ﷺ قال لبشير الغفاري: "كَيْفَ أَنْتَ صَانِعٌ فِي يَوْمٍ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِ العَالَمِينَ مِقْدَارَ ثَلاَثَمائة سَنَةٍ مِنْ أَيَّامِ الدُّنْيَا لاَ يَأْتِيهِمْ خَبَرٌ مِنَ السَّمَاءِ وَلاَ يَأْمُرُ فِيهِمْ بِأَمْرٍ؟ فَقَالَ بَشِيرٌ: اللهُ المُسْتَعَانُ يَا رَسُولَ اللهِ، فَقَالَ لَهُ النبي ﷺ: إِذَا أَوَيْتَ إلى فِرَاشِكَ، فَتَعَوَّذْ بِاللهِ مِنْ كَرْبِ (يَوْمِ) القِيَامَةِ وَسُوءِ الحِسَابِ وعن ابن عمر أنه قال: "يقومون مائة سنة وقال ابن مسعود: يمكثون أربعين عاماً رافعي رؤوسهم إلى السماء، لا يكلمهم أحد، قد ألجم العرق كل بر وفاجر. قال: [فينادي] مناد: أليس عدلاً من ربكم أنه خلقكم ثم صوركم (ثم رزقكم) ثم توليتم غيره أن يولي كل عبد منكم ما تولى في الدنيا؟! فيقولون: بلى"، ثم ذكر الحديث. وقال كعب: يقومون قدر ثلاثمائة سنة. وروى عقبة بن عامر عن النبي ﷺ قال: "تَدْنُو الشَّمْسُ يَومَ القيامةِ من الأَرضِ، فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْرَقُ إلى كَعْبَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَعْرَقُ إلى رُكْبَتَيْهِ، ومِنْهُمْ مَنْ يَعْرَقُ إلى عَجْزِهِ، وَمنهم مَنْ يَعْرَقُ إلى خَاصِرَتِهِ، وَمِنْهم مَنْ يَعْرَقُ إلى مَنْكِبَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَعْرَقُ إلى عُنُقِهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَعْرَقُ إلى نِصْفِ فَمِهِ مُلْحمَاً بِهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ [يَشْمَلُهُ] العَرَقُ. قال عمير [بن] هانئ: يحشر الناس يوم القيامة على أرض قد مدها [الله] تبارك وتعالى مد الأديم العُكَاظِي، فهم من ضيق مقامهم فيها كضيق سهام اجتمعت في كنانتها. قال: فالسعيد يومئذ من وجد لقدمه مقاماً. قال: وأكثر الأقدام يومئذ بعضها على بعض. قال: فهم فيها مجتمعون ينفذهم البصر ويسمعهم الداعي. فبينما هم كذلك، إذ سمعوا زفرة من زفير جهنم، فلا يبقى ملك مقرب، ولا نبيٌ مرسل إلا خَرَّ لركبتيه، حتى إنَّ إبراهيم ﷺ ليقول: (نفسي)، (رب) نفسي، لا أسألك غيرها. فلا يبقى عند تلك الزفرة دمعة إلا جرت، ثم يسمعون زفرة أخرى فلا يبقى دم في عين إلا جرى، ثم يسمعون زفرة أخرى فلا يبقى قيح إلا سال يتبع بعضه بعضاً، ويمد بعضه بعضاً حتى يسيل إلى واد يقال (له سائل، فيفرغ في جهنم، فذلك قوله): ﴿سَأَلَ سَآئِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ﴾ [المعارج: ١]. * * - ثم قال تعالى: ﴿كَلاَّ إِنَّ كِتَابَ ٱلْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ﴾. من جعل ﴿كَلاَّ﴾ وقفا، كان تقديره: ليس الأمر كما يظن هؤلاء الكفار أنهم غير مبعوثين، إن كتابهم الذي كتبت فيه أعمالهم في الدنيا لفي سجين. ومن لم يره وقفا، جعل ﴿كَلاَّ﴾ بمعنى "أَلاَ"، افتتاح كلام. و ﴿سِجِّينٍ﴾: الأرض السفلى، فيه أعمال الكفار وأرواحهم. وروي أن إبليس موثق بالحديد والسلاسل في الأرض السفلى. (وسأل ابن عباس كعباً عن ﴿سِجِّينٍ﴾، فقال : هي الأرض السابعة السفلى)، فيها أرواح الكفار تحت خد إبليس. وروي أنه قال (له): إن أرواح الكفار يُصعد بها إلى السماء، فتأبى السماء أن تقبلها، ثم يُهبط بها إلى الأرض، فتأبى الأرض أن تقبلها، فيُهبط، فتدخل تحت سبع أرضين حتى يُنتهى بها إلى سجين، وهو خد إبليس، فيخرج [لها] من سجين من تحت خد إبليس [رق] فترقم وتختم وتوضع تحت خد إبليس. وقال ابن جبير: ﴿لَفِي سِجِّينٍ﴾: "تحت خد إبليس". وقال ابن أبي نجيح: ﴿سِجِّينٍ﴾ صخرة تحت الأرض السابعة، تقلب [فتجعل] تحتها. وقال ابن عباس: "أعمالهم في كتاب في الأرض السفلى". وروى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: "الْفَلَقُ جُبٌّ في جَهَنَّمَ مُغَطَّى. وأما ﴿سِجِّينٍ﴾، فمفتوح". يعني أنه جب مفتوح. وقيل: ﴿سِجِّينٍ﴾ من السِّجِلِّ، والنون مبدلة من اللام. وقال أبو عبيد: ﴿لَفِي سِجِّينٍ﴾: لفي حبس. وهو فِعِّيلٌ من السجن. وقيل: ﴿سِجِّينٍ﴾: هي الصخرة التي تحت الأرض السفلى وهو صفة، وليس باسم الصخرة، ولو كان اسماً لها لم تنصرف. وروى البراء بن عازب أن النبي ﷺ قال: "إِنَّ العَبْدَ (الكَافِرَ - أَوْ) الفاجِرَ - إِذَا مَاتَ صَعِدُوا بِروحِهِ إلى السماءِ، فَيَقُولُ اللهُ - جَلَّ ذِكْرُهُ -: اكْتُبُوا كِتَابَه في سَجِّينٍ. وَهِيَ الأَرْضُ السُّفْلَى وعن كعب (أيضاً) أنه قال: في التوراة أن سجينا شجرة سوداء تحت الأرضين السبع، مكتوب فيها اسم كل شيطان، تُلْقَى أنفس الكفار عندها. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَمَآ أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ * كِتَابٌ مَّرْقُومٌ﴾. أي: وأي شيء أدراك يا محمد ما سجين؟! على التعظيم لأمره. ثم بَيَّنَ فقال: ﴿كِتَابٌ مَّرْقُومٌ﴾. أي: مكتوب فيه عمل الكفار. قال قتادة: مرقوم: مكتوب رُقِمَ لهم فيه بِشَرٍّ. - ثم (قال تعالى: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾. قد تقدم تفسيره في مواضع). * * - ثم قال: ﴿ٱلَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ ٱلدِّينِ﴾. أي: لا يؤمنون بالجزاء والبعث والنشور. * * - ﴿وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ﴾. أي: بالبعث، ﴿إِلاَّ كُلُّ مُعْتَدٍ...﴾ أي: كل من تعدى حدود الله. ﴿أَثِيمٍ﴾ أي: مأثوم في فعله. ﴿إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِ آيَاتُنَا...﴾. أي: حججنا وأدلتنا. ﴿قَالَ أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ...﴾. أي: قال: هذه أخبار الأولين وأحاديثهم وما كتب عنهم وَسُطِّرَ. * * - ثم قال تعالى: ﴿كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ﴾. ﴿كَلاَّ﴾ عند أبي حاتم لا يوقف عليها. وهي بمعنى "أَلاَ" [و] بمعنى "حقاً". ويوقف عليها عند غيره، على معنى: ليس الأَمْرُ على ما قال هؤلاء المكذبون بيوم الدين: إن آياتنا أساطير الأولين. ثم ابتدأ فأخبر عَنْهُم ما نزل بهم حين كفروا بالبعث فقال: ﴿بَلْ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ﴾، أي: (بل) ران على قلوبهم إِثْمُ ذُنُوبِهِمْ وكُفْرِهِمْ حتى غطاها، فلا يبصرون الصواب من الخطأ. يقال: رانت الخمرُ على عقله: إذا غلبت (عليه). وغَانَتْ بمعناه. وروى أبو هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: "إِذَا أَذْنَبَ العَبْدُ نُكِتَ (فِي) قَلبِهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ، فَإن (تاب) صُقِلَ مِنْهَا، فإن عَادَ عَادَتْ حتى تَعْظُم فِي قَلْبِهِ. فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ﴾ وقال الحسن: هو الذنب على الذنب حتى يَعْمَى القلب فيموت. قال مجاهد: القلب مثل الكف. فإذا أذنب انقبض - وقَبَضَ مجاهد أُصبُعاً - قال: فإذا أذنب انقبض - وقبض مجاهدٌ أصبعاً آخر - ثم كذلك حتى ينقبض كله - وقبض مجاهد أصابعه على الكف - قال: ثم يطبع عليه. فكانوا يرون أن ذلك هو الرين. قال قتادة: هو "الذنب على الذنب حتى يرين على القلب فَيَسْوَدُ". قال ابن زيد: ﴿بَلْ رَانَ﴾، أي: غلبت على قلوبهم ذنوبُهم، فلا يَخْلُصُ إليها معها خير. * * - ثم قال تعالى: ﴿كَلاَّ إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ﴾. "كلا" عند أبي حاتم بمعنى "ألا". ولا يوقف عليها. ويوقف عليها عند غيره، على معنى: ليس الأمر كما يقول هؤلاء المكذبون بيوم الدين: إن لهم عند الله زلفة يوم القيامة لكنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون، فلا يرونه ولا يرون شيئاً من كرامته. وقول أبي حاتم أَبْيَنُ في [هذا الموضع] من "كلا"، لأن هذا التقدير ليس هو في ظاهر الكلام، ولا في الكلام ما يدل عليه. ففيه تعسف. [وَدَلَّ اللهُ المؤمنِينَ، بهذه الآية، أنهم لا يحجبون عن ربهم وعن النظر إليه. قال مالك رحمه الله: في هذا دليل على أن ثم قوماً لا يحجبون عن الله وينظرون إليه . وبه استدل الشافعي على النظر إلى الله عز وجل يوم القيامة. وقد قدره منكرو النظر إلى الله على معنى أنهم عن كرامة ربهم لمحجوبون. وهذا لا يجوز عند أحد من النحويين، ولو جاز هذا لجاز: "جاءني زيد"، تريد غلام زيد أو كرامة زيد. وفي جواز هذا نقض كلام العرب كله. ولا يجوز إخراج الكلام عن ظاهره إلا لضرورة تدعو إلى ذلك مع امتناع جوازه على ظاهره. فإذا امتنع جواز الكلام على ظاهره، جاز الإضمار الذي يسوغ معه جواز الكلام. ولا ضرورة تدعو إلى أضمارٍ هنا على مذهب أهل السنة. قال الحسن: يكشف (الحجاب) فينظر إليه المؤمنون دون الكافرين، ثم يحجب الكافرون، وينظر إليه المؤمنون كل يوم غُدْوَةً وَعَشِيَةً. * * - ثم قال تعالى: ﴿(ثُمَّ) إِنَّهُمْ لَصَالُواْ ٱلْجَحِيمِ﴾. أي: لَوَارِدُوهُ مع [حجبهم] عن النظر إلى الله. * * - ﴿ثُمَّ [يُقَالُ] هَـٰذَا ٱلَّذِي كُنتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾. أي: يقال لهم: هذا العذاب الذي كنتم تكذبون به في الدنيا.

المطففين 83:12

قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ ٱلنَّاسُ لِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ﴾، إلى قوله ﴿(كُنتُمْ) بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾. أي: يبعثون يوم يقوم. ويجوز [أن يكون] بدلاً من ﴿لِيَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ على الموضع. وقال الفراء: هو مبني على الفتح، ولا يحسن عند البصريين بناؤه مع إضافته إلى معرب، إنما يجوز بناؤه إذا أضيف إلى مبني. والمعنى: يوم يقوم الناس على أقدامهم لرب العالمين. روي أن الناس يقومون يوم القيامة حتى يلجمهم العرق، فيقومون مقدار أربعين عاماً. وقيل: مقدار ثلاثمائة عام. وروى ابن عمر [عن النبي ﷺ أَنَّهُ قال: "يَقْدُمُ أَحَدُكُمْ فِي رَشْحِهِ إلى أنْصَافِ أُذُنَيْهِ". وروى أبو هريرة] أن النبي ﷺ قال لبشير الغفاري: "كَيْفَ أَنْتَ صَانِعٌ فِي يَوْمٍ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِ العَالَمِينَ مِقْدَارَ ثَلاَثَمائة سَنَةٍ مِنْ أَيَّامِ الدُّنْيَا لاَ يَأْتِيهِمْ خَبَرٌ مِنَ السَّمَاءِ وَلاَ يَأْمُرُ فِيهِمْ بِأَمْرٍ؟ فَقَالَ بَشِيرٌ: اللهُ المُسْتَعَانُ يَا رَسُولَ اللهِ، فَقَالَ لَهُ النبي ﷺ: إِذَا أَوَيْتَ إلى فِرَاشِكَ، فَتَعَوَّذْ بِاللهِ مِنْ كَرْبِ (يَوْمِ) القِيَامَةِ وَسُوءِ الحِسَابِ وعن ابن عمر أنه قال: "يقومون مائة سنة وقال ابن مسعود: يمكثون أربعين عاماً رافعي رؤوسهم إلى السماء، لا يكلمهم أحد، قد ألجم العرق كل بر وفاجر. قال: [فينادي] مناد: أليس عدلاً من ربكم أنه خلقكم ثم صوركم (ثم رزقكم) ثم توليتم غيره أن يولي كل عبد منكم ما تولى في الدنيا؟! فيقولون: بلى"، ثم ذكر الحديث. وقال كعب: يقومون قدر ثلاثمائة سنة. وروى عقبة بن عامر عن النبي ﷺ قال: "تَدْنُو الشَّمْسُ يَومَ القيامةِ من الأَرضِ، فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْرَقُ إلى كَعْبَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَعْرَقُ إلى رُكْبَتَيْهِ، ومِنْهُمْ مَنْ يَعْرَقُ إلى عَجْزِهِ، وَمنهم مَنْ يَعْرَقُ إلى خَاصِرَتِهِ، وَمِنْهم مَنْ يَعْرَقُ إلى مَنْكِبَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَعْرَقُ إلى عُنُقِهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَعْرَقُ إلى نِصْفِ فَمِهِ مُلْحمَاً بِهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ [يَشْمَلُهُ] العَرَقُ. قال عمير [بن] هانئ: يحشر الناس يوم القيامة على أرض قد مدها [الله] تبارك وتعالى مد الأديم العُكَاظِي، فهم من ضيق مقامهم فيها كضيق سهام اجتمعت في كنانتها. قال: فالسعيد يومئذ من وجد لقدمه مقاماً. قال: وأكثر الأقدام يومئذ بعضها على بعض. قال: فهم فيها مجتمعون ينفذهم البصر ويسمعهم الداعي. فبينما هم كذلك، إذ سمعوا زفرة من زفير جهنم، فلا يبقى ملك مقرب، ولا نبيٌ مرسل إلا خَرَّ لركبتيه، حتى إنَّ إبراهيم ﷺ ليقول: (نفسي)، (رب) نفسي، لا أسألك غيرها. فلا يبقى عند تلك الزفرة دمعة إلا جرت، ثم يسمعون زفرة أخرى فلا يبقى دم في عين إلا جرى، ثم يسمعون زفرة أخرى فلا يبقى قيح إلا سال يتبع بعضه بعضاً، ويمد بعضه بعضاً حتى يسيل إلى واد يقال (له سائل، فيفرغ في جهنم، فذلك قوله): ﴿سَأَلَ سَآئِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ﴾ [المعارج: ١]. * * - ثم قال تعالى: ﴿كَلاَّ إِنَّ كِتَابَ ٱلْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ﴾. من جعل ﴿كَلاَّ﴾ وقفا، كان تقديره: ليس الأمر كما يظن هؤلاء الكفار أنهم غير مبعوثين، إن كتابهم الذي كتبت فيه أعمالهم في الدنيا لفي سجين. ومن لم يره وقفا، جعل ﴿كَلاَّ﴾ بمعنى "أَلاَ"، افتتاح كلام. و ﴿سِجِّينٍ﴾: الأرض السفلى، فيه أعمال الكفار وأرواحهم. وروي أن إبليس موثق بالحديد والسلاسل في الأرض السفلى. (وسأل ابن عباس كعباً عن ﴿سِجِّينٍ﴾، فقال : هي الأرض السابعة السفلى)، فيها أرواح الكفار تحت خد إبليس. وروي أنه قال (له): إن أرواح الكفار يُصعد بها إلى السماء، فتأبى السماء أن تقبلها، ثم يُهبط بها إلى الأرض، فتأبى الأرض أن تقبلها، فيُهبط، فتدخل تحت سبع أرضين حتى يُنتهى بها إلى سجين، وهو خد إبليس، فيخرج [لها] من سجين من تحت خد إبليس [رق] فترقم وتختم وتوضع تحت خد إبليس. وقال ابن جبير: ﴿لَفِي سِجِّينٍ﴾: "تحت خد إبليس". وقال ابن أبي نجيح: ﴿سِجِّينٍ﴾ صخرة تحت الأرض السابعة، تقلب [فتجعل] تحتها. وقال ابن عباس: "أعمالهم في كتاب في الأرض السفلى". وروى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: "الْفَلَقُ جُبٌّ في جَهَنَّمَ مُغَطَّى. وأما ﴿سِجِّينٍ﴾، فمفتوح". يعني أنه جب مفتوح. وقيل: ﴿سِجِّينٍ﴾ من السِّجِلِّ، والنون مبدلة من اللام. وقال أبو عبيد: ﴿لَفِي سِجِّينٍ﴾: لفي حبس. وهو فِعِّيلٌ من السجن. وقيل: ﴿سِجِّينٍ﴾: هي الصخرة التي تحت الأرض السفلى وهو صفة، وليس باسم الصخرة، ولو كان اسماً لها لم تنصرف. وروى البراء بن عازب أن النبي ﷺ قال: "إِنَّ العَبْدَ (الكَافِرَ - أَوْ) الفاجِرَ - إِذَا مَاتَ صَعِدُوا بِروحِهِ إلى السماءِ، فَيَقُولُ اللهُ - جَلَّ ذِكْرُهُ -: اكْتُبُوا كِتَابَه في سَجِّينٍ. وَهِيَ الأَرْضُ السُّفْلَى وعن كعب (أيضاً) أنه قال: في التوراة أن سجينا شجرة سوداء تحت الأرضين السبع، مكتوب فيها اسم كل شيطان، تُلْقَى أنفس الكفار عندها. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَمَآ أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ * كِتَابٌ مَّرْقُومٌ﴾. أي: وأي شيء أدراك يا محمد ما سجين؟! على التعظيم لأمره. ثم بَيَّنَ فقال: ﴿كِتَابٌ مَّرْقُومٌ﴾. أي: مكتوب فيه عمل الكفار. قال قتادة: مرقوم: مكتوب رُقِمَ لهم فيه بِشَرٍّ. - ثم (قال تعالى: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾. قد تقدم تفسيره في مواضع). * * - ثم قال: ﴿ٱلَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ ٱلدِّينِ﴾. أي: لا يؤمنون بالجزاء والبعث والنشور. * * - ﴿وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ﴾. أي: بالبعث، ﴿إِلاَّ كُلُّ مُعْتَدٍ...﴾ أي: كل من تعدى حدود الله. ﴿أَثِيمٍ﴾ أي: مأثوم في فعله. ﴿إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِ آيَاتُنَا...﴾. أي: حججنا وأدلتنا. ﴿قَالَ أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ...﴾. أي: قال: هذه أخبار الأولين وأحاديثهم وما كتب عنهم وَسُطِّرَ. * * - ثم قال تعالى: ﴿كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ﴾. ﴿كَلاَّ﴾ عند أبي حاتم لا يوقف عليها. وهي بمعنى "أَلاَ" [و] بمعنى "حقاً". ويوقف عليها عند غيره، على معنى: ليس الأَمْرُ على ما قال هؤلاء المكذبون بيوم الدين: إن آياتنا أساطير الأولين. ثم ابتدأ فأخبر عَنْهُم ما نزل بهم حين كفروا بالبعث فقال: ﴿بَلْ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ﴾، أي: (بل) ران على قلوبهم إِثْمُ ذُنُوبِهِمْ وكُفْرِهِمْ حتى غطاها، فلا يبصرون الصواب من الخطأ. يقال: رانت الخمرُ على عقله: إذا غلبت (عليه). وغَانَتْ بمعناه. وروى أبو هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: "إِذَا أَذْنَبَ العَبْدُ نُكِتَ (فِي) قَلبِهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ، فَإن (تاب) صُقِلَ مِنْهَا، فإن عَادَ عَادَتْ حتى تَعْظُم فِي قَلْبِهِ. فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ﴾ وقال الحسن: هو الذنب على الذنب حتى يَعْمَى القلب فيموت. قال مجاهد: القلب مثل الكف. فإذا أذنب انقبض - وقَبَضَ مجاهد أُصبُعاً - قال: فإذا أذنب انقبض - وقبض مجاهدٌ أصبعاً آخر - ثم كذلك حتى ينقبض كله - وقبض مجاهد أصابعه على الكف - قال: ثم يطبع عليه. فكانوا يرون أن ذلك هو الرين. قال قتادة: هو "الذنب على الذنب حتى يرين على القلب فَيَسْوَدُ". قال ابن زيد: ﴿بَلْ رَانَ﴾، أي: غلبت على قلوبهم ذنوبُهم، فلا يَخْلُصُ إليها معها خير. * * - ثم قال تعالى: ﴿كَلاَّ إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ﴾. "كلا" عند أبي حاتم بمعنى "ألا". ولا يوقف عليها. ويوقف عليها عند غيره، على معنى: ليس الأمر كما يقول هؤلاء المكذبون بيوم الدين: إن لهم عند الله زلفة يوم القيامة لكنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون، فلا يرونه ولا يرون شيئاً من كرامته. وقول أبي حاتم أَبْيَنُ في [هذا الموضع] من "كلا"، لأن هذا التقدير ليس هو في ظاهر الكلام، ولا في الكلام ما يدل عليه. ففيه تعسف. [وَدَلَّ اللهُ المؤمنِينَ، بهذه الآية، أنهم لا يحجبون عن ربهم وعن النظر إليه. قال مالك رحمه الله: في هذا دليل على أن ثم قوماً لا يحجبون عن الله وينظرون إليه . وبه استدل الشافعي على النظر إلى الله عز وجل يوم القيامة. وقد قدره منكرو النظر إلى الله على معنى أنهم عن كرامة ربهم لمحجوبون. وهذا لا يجوز عند أحد من النحويين، ولو جاز هذا لجاز: "جاءني زيد"، تريد غلام زيد أو كرامة زيد. وفي جواز هذا نقض كلام العرب كله. ولا يجوز إخراج الكلام عن ظاهره إلا لضرورة تدعو إلى ذلك مع امتناع جوازه على ظاهره. فإذا امتنع جواز الكلام على ظاهره، جاز الإضمار الذي يسوغ معه جواز الكلام. ولا ضرورة تدعو إلى أضمارٍ هنا على مذهب أهل السنة. قال الحسن: يكشف (الحجاب) فينظر إليه المؤمنون دون الكافرين، ثم يحجب الكافرون، وينظر إليه المؤمنون كل يوم غُدْوَةً وَعَشِيَةً. * * - ثم قال تعالى: ﴿(ثُمَّ) إِنَّهُمْ لَصَالُواْ ٱلْجَحِيمِ﴾. أي: لَوَارِدُوهُ مع [حجبهم] عن النظر إلى الله. * * - ﴿ثُمَّ [يُقَالُ] هَـٰذَا ٱلَّذِي كُنتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾. أي: يقال لهم: هذا العذاب الذي كنتم تكذبون به في الدنيا.

المطففين 83:13

قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ ٱلنَّاسُ لِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ﴾، إلى قوله ﴿(كُنتُمْ) بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾. أي: يبعثون يوم يقوم. ويجوز [أن يكون] بدلاً من ﴿لِيَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ على الموضع. وقال الفراء: هو مبني على الفتح، ولا يحسن عند البصريين بناؤه مع إضافته إلى معرب، إنما يجوز بناؤه إذا أضيف إلى مبني. والمعنى: يوم يقوم الناس على أقدامهم لرب العالمين. روي أن الناس يقومون يوم القيامة حتى يلجمهم العرق، فيقومون مقدار أربعين عاماً. وقيل: مقدار ثلاثمائة عام. وروى ابن عمر [عن النبي ﷺ أَنَّهُ قال: "يَقْدُمُ أَحَدُكُمْ فِي رَشْحِهِ إلى أنْصَافِ أُذُنَيْهِ". وروى أبو هريرة] أن النبي ﷺ قال لبشير الغفاري: "كَيْفَ أَنْتَ صَانِعٌ فِي يَوْمٍ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِ العَالَمِينَ مِقْدَارَ ثَلاَثَمائة سَنَةٍ مِنْ أَيَّامِ الدُّنْيَا لاَ يَأْتِيهِمْ خَبَرٌ مِنَ السَّمَاءِ وَلاَ يَأْمُرُ فِيهِمْ بِأَمْرٍ؟ فَقَالَ بَشِيرٌ: اللهُ المُسْتَعَانُ يَا رَسُولَ اللهِ، فَقَالَ لَهُ النبي ﷺ: إِذَا أَوَيْتَ إلى فِرَاشِكَ، فَتَعَوَّذْ بِاللهِ مِنْ كَرْبِ (يَوْمِ) القِيَامَةِ وَسُوءِ الحِسَابِ وعن ابن عمر أنه قال: "يقومون مائة سنة وقال ابن مسعود: يمكثون أربعين عاماً رافعي رؤوسهم إلى السماء، لا يكلمهم أحد، قد ألجم العرق كل بر وفاجر. قال: [فينادي] مناد: أليس عدلاً من ربكم أنه خلقكم ثم صوركم (ثم رزقكم) ثم توليتم غيره أن يولي كل عبد منكم ما تولى في الدنيا؟! فيقولون: بلى"، ثم ذكر الحديث. وقال كعب: يقومون قدر ثلاثمائة سنة. وروى عقبة بن عامر عن النبي ﷺ قال: "تَدْنُو الشَّمْسُ يَومَ القيامةِ من الأَرضِ، فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْرَقُ إلى كَعْبَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَعْرَقُ إلى رُكْبَتَيْهِ، ومِنْهُمْ مَنْ يَعْرَقُ إلى عَجْزِهِ، وَمنهم مَنْ يَعْرَقُ إلى خَاصِرَتِهِ، وَمِنْهم مَنْ يَعْرَقُ إلى مَنْكِبَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَعْرَقُ إلى عُنُقِهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَعْرَقُ إلى نِصْفِ فَمِهِ مُلْحمَاً بِهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ [يَشْمَلُهُ] العَرَقُ. قال عمير [بن] هانئ: يحشر الناس يوم القيامة على أرض قد مدها [الله] تبارك وتعالى مد الأديم العُكَاظِي، فهم من ضيق مقامهم فيها كضيق سهام اجتمعت في كنانتها. قال: فالسعيد يومئذ من وجد لقدمه مقاماً. قال: وأكثر الأقدام يومئذ بعضها على بعض. قال: فهم فيها مجتمعون ينفذهم البصر ويسمعهم الداعي. فبينما هم كذلك، إذ سمعوا زفرة من زفير جهنم، فلا يبقى ملك مقرب، ولا نبيٌ مرسل إلا خَرَّ لركبتيه، حتى إنَّ إبراهيم ﷺ ليقول: (نفسي)، (رب) نفسي، لا أسألك غيرها. فلا يبقى عند تلك الزفرة دمعة إلا جرت، ثم يسمعون زفرة أخرى فلا يبقى دم في عين إلا جرى، ثم يسمعون زفرة أخرى فلا يبقى قيح إلا سال يتبع بعضه بعضاً، ويمد بعضه بعضاً حتى يسيل إلى واد يقال (له سائل، فيفرغ في جهنم، فذلك قوله): ﴿سَأَلَ سَآئِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ﴾ [المعارج: ١]. * * - ثم قال تعالى: ﴿كَلاَّ إِنَّ كِتَابَ ٱلْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ﴾. من جعل ﴿كَلاَّ﴾ وقفا، كان تقديره: ليس الأمر كما يظن هؤلاء الكفار أنهم غير مبعوثين، إن كتابهم الذي كتبت فيه أعمالهم في الدنيا لفي سجين. ومن لم يره وقفا، جعل ﴿كَلاَّ﴾ بمعنى "أَلاَ"، افتتاح كلام. و ﴿سِجِّينٍ﴾: الأرض السفلى، فيه أعمال الكفار وأرواحهم. وروي أن إبليس موثق بالحديد والسلاسل في الأرض السفلى. (وسأل ابن عباس كعباً عن ﴿سِجِّينٍ﴾، فقال : هي الأرض السابعة السفلى)، فيها أرواح الكفار تحت خد إبليس. وروي أنه قال (له): إن أرواح الكفار يُصعد بها إلى السماء، فتأبى السماء أن تقبلها، ثم يُهبط بها إلى الأرض، فتأبى الأرض أن تقبلها، فيُهبط، فتدخل تحت سبع أرضين حتى يُنتهى بها إلى سجين، وهو خد إبليس، فيخرج [لها] من سجين من تحت خد إبليس [رق] فترقم وتختم وتوضع تحت خد إبليس. وقال ابن جبير: ﴿لَفِي سِجِّينٍ﴾: "تحت خد إبليس". وقال ابن أبي نجيح: ﴿سِجِّينٍ﴾ صخرة تحت الأرض السابعة، تقلب [فتجعل] تحتها. وقال ابن عباس: "أعمالهم في كتاب في الأرض السفلى". وروى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: "الْفَلَقُ جُبٌّ في جَهَنَّمَ مُغَطَّى. وأما ﴿سِجِّينٍ﴾، فمفتوح". يعني أنه جب مفتوح. وقيل: ﴿سِجِّينٍ﴾ من السِّجِلِّ، والنون مبدلة من اللام. وقال أبو عبيد: ﴿لَفِي سِجِّينٍ﴾: لفي حبس. وهو فِعِّيلٌ من السجن. وقيل: ﴿سِجِّينٍ﴾: هي الصخرة التي تحت الأرض السفلى وهو صفة، وليس باسم الصخرة، ولو كان اسماً لها لم تنصرف. وروى البراء بن عازب أن النبي ﷺ قال: "إِنَّ العَبْدَ (الكَافِرَ - أَوْ) الفاجِرَ - إِذَا مَاتَ صَعِدُوا بِروحِهِ إلى السماءِ، فَيَقُولُ اللهُ - جَلَّ ذِكْرُهُ -: اكْتُبُوا كِتَابَه في سَجِّينٍ. وَهِيَ الأَرْضُ السُّفْلَى وعن كعب (أيضاً) أنه قال: في التوراة أن سجينا شجرة سوداء تحت الأرضين السبع، مكتوب فيها اسم كل شيطان، تُلْقَى أنفس الكفار عندها. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَمَآ أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ * كِتَابٌ مَّرْقُومٌ﴾. أي: وأي شيء أدراك يا محمد ما سجين؟! على التعظيم لأمره. ثم بَيَّنَ فقال: ﴿كِتَابٌ مَّرْقُومٌ﴾. أي: مكتوب فيه عمل الكفار. قال قتادة: مرقوم: مكتوب رُقِمَ لهم فيه بِشَرٍّ. - ثم (قال تعالى: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾. قد تقدم تفسيره في مواضع). * * - ثم قال: ﴿ٱلَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ ٱلدِّينِ﴾. أي: لا يؤمنون بالجزاء والبعث والنشور. * * - ﴿وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ﴾. أي: بالبعث، ﴿إِلاَّ كُلُّ مُعْتَدٍ...﴾ أي: كل من تعدى حدود الله. ﴿أَثِيمٍ﴾ أي: مأثوم في فعله. ﴿إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِ آيَاتُنَا...﴾. أي: حججنا وأدلتنا. ﴿قَالَ أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ...﴾. أي: قال: هذه أخبار الأولين وأحاديثهم وما كتب عنهم وَسُطِّرَ. * * - ثم قال تعالى: ﴿كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ﴾. ﴿كَلاَّ﴾ عند أبي حاتم لا يوقف عليها. وهي بمعنى "أَلاَ" [و] بمعنى "حقاً". ويوقف عليها عند غيره، على معنى: ليس الأَمْرُ على ما قال هؤلاء المكذبون بيوم الدين: إن آياتنا أساطير الأولين. ثم ابتدأ فأخبر عَنْهُم ما نزل بهم حين كفروا بالبعث فقال: ﴿بَلْ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ﴾، أي: (بل) ران على قلوبهم إِثْمُ ذُنُوبِهِمْ وكُفْرِهِمْ حتى غطاها، فلا يبصرون الصواب من الخطأ. يقال: رانت الخمرُ على عقله: إذا غلبت (عليه). وغَانَتْ بمعناه. وروى أبو هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: "إِذَا أَذْنَبَ العَبْدُ نُكِتَ (فِي) قَلبِهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ، فَإن (تاب) صُقِلَ مِنْهَا، فإن عَادَ عَادَتْ حتى تَعْظُم فِي قَلْبِهِ. فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ﴾ وقال الحسن: هو الذنب على الذنب حتى يَعْمَى القلب فيموت. قال مجاهد: القلب مثل الكف. فإذا أذنب انقبض - وقَبَضَ مجاهد أُصبُعاً - قال: فإذا أذنب انقبض - وقبض مجاهدٌ أصبعاً آخر - ثم كذلك حتى ينقبض كله - وقبض مجاهد أصابعه على الكف - قال: ثم يطبع عليه. فكانوا يرون أن ذلك هو الرين. قال قتادة: هو "الذنب على الذنب حتى يرين على القلب فَيَسْوَدُ". قال ابن زيد: ﴿بَلْ رَانَ﴾، أي: غلبت على قلوبهم ذنوبُهم، فلا يَخْلُصُ إليها معها خير. * * - ثم قال تعالى: ﴿كَلاَّ إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ﴾. "كلا" عند أبي حاتم بمعنى "ألا". ولا يوقف عليها. ويوقف عليها عند غيره، على معنى: ليس الأمر كما يقول هؤلاء المكذبون بيوم الدين: إن لهم عند الله زلفة يوم القيامة لكنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون، فلا يرونه ولا يرون شيئاً من كرامته. وقول أبي حاتم أَبْيَنُ في [هذا الموضع] من "كلا"، لأن هذا التقدير ليس هو في ظاهر الكلام، ولا في الكلام ما يدل عليه. ففيه تعسف. [وَدَلَّ اللهُ المؤمنِينَ، بهذه الآية، أنهم لا يحجبون عن ربهم وعن النظر إليه. قال مالك رحمه الله: في هذا دليل على أن ثم قوماً لا يحجبون عن الله وينظرون إليه . وبه استدل الشافعي على النظر إلى الله عز وجل يوم القيامة. وقد قدره منكرو النظر إلى الله على معنى أنهم عن كرامة ربهم لمحجوبون. وهذا لا يجوز عند أحد من النحويين، ولو جاز هذا لجاز: "جاءني زيد"، تريد غلام زيد أو كرامة زيد. وفي جواز هذا نقض كلام العرب كله. ولا يجوز إخراج الكلام عن ظاهره إلا لضرورة تدعو إلى ذلك مع امتناع جوازه على ظاهره. فإذا امتنع جواز الكلام على ظاهره، جاز الإضمار الذي يسوغ معه جواز الكلام. ولا ضرورة تدعو إلى أضمارٍ هنا على مذهب أهل السنة. قال الحسن: يكشف (الحجاب) فينظر إليه المؤمنون دون الكافرين، ثم يحجب الكافرون، وينظر إليه المؤمنون كل يوم غُدْوَةً وَعَشِيَةً. * * - ثم قال تعالى: ﴿(ثُمَّ) إِنَّهُمْ لَصَالُواْ ٱلْجَحِيمِ﴾. أي: لَوَارِدُوهُ مع [حجبهم] عن النظر إلى الله. * * - ﴿ثُمَّ [يُقَالُ] هَـٰذَا ٱلَّذِي كُنتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾. أي: يقال لهم: هذا العذاب الذي كنتم تكذبون به في الدنيا.

المطففين 83:14

قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ ٱلنَّاسُ لِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ﴾، إلى قوله ﴿(كُنتُمْ) بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾. أي: يبعثون يوم يقوم. ويجوز [أن يكون] بدلاً من ﴿لِيَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ على الموضع. وقال الفراء: هو مبني على الفتح، ولا يحسن عند البصريين بناؤه مع إضافته إلى معرب، إنما يجوز بناؤه إذا أضيف إلى مبني. والمعنى: يوم يقوم الناس على أقدامهم لرب العالمين. روي أن الناس يقومون يوم القيامة حتى يلجمهم العرق، فيقومون مقدار أربعين عاماً. وقيل: مقدار ثلاثمائة عام. وروى ابن عمر [عن النبي ﷺ أَنَّهُ قال: "يَقْدُمُ أَحَدُكُمْ فِي رَشْحِهِ إلى أنْصَافِ أُذُنَيْهِ". وروى أبو هريرة] أن النبي ﷺ قال لبشير الغفاري: "كَيْفَ أَنْتَ صَانِعٌ فِي يَوْمٍ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِ العَالَمِينَ مِقْدَارَ ثَلاَثَمائة سَنَةٍ مِنْ أَيَّامِ الدُّنْيَا لاَ يَأْتِيهِمْ خَبَرٌ مِنَ السَّمَاءِ وَلاَ يَأْمُرُ فِيهِمْ بِأَمْرٍ؟ فَقَالَ بَشِيرٌ: اللهُ المُسْتَعَانُ يَا رَسُولَ اللهِ، فَقَالَ لَهُ النبي ﷺ: إِذَا أَوَيْتَ إلى فِرَاشِكَ، فَتَعَوَّذْ بِاللهِ مِنْ كَرْبِ (يَوْمِ) القِيَامَةِ وَسُوءِ الحِسَابِ وعن ابن عمر أنه قال: "يقومون مائة سنة وقال ابن مسعود: يمكثون أربعين عاماً رافعي رؤوسهم إلى السماء، لا يكلمهم أحد، قد ألجم العرق كل بر وفاجر. قال: [فينادي] مناد: أليس عدلاً من ربكم أنه خلقكم ثم صوركم (ثم رزقكم) ثم توليتم غيره أن يولي كل عبد منكم ما تولى في الدنيا؟! فيقولون: بلى"، ثم ذكر الحديث. وقال كعب: يقومون قدر ثلاثمائة سنة. وروى عقبة بن عامر عن النبي ﷺ قال: "تَدْنُو الشَّمْسُ يَومَ القيامةِ من الأَرضِ، فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْرَقُ إلى كَعْبَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَعْرَقُ إلى رُكْبَتَيْهِ، ومِنْهُمْ مَنْ يَعْرَقُ إلى عَجْزِهِ، وَمنهم مَنْ يَعْرَقُ إلى خَاصِرَتِهِ، وَمِنْهم مَنْ يَعْرَقُ إلى مَنْكِبَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَعْرَقُ إلى عُنُقِهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَعْرَقُ إلى نِصْفِ فَمِهِ مُلْحمَاً بِهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ [يَشْمَلُهُ] العَرَقُ. قال عمير [بن] هانئ: يحشر الناس يوم القيامة على أرض قد مدها [الله] تبارك وتعالى مد الأديم العُكَاظِي، فهم من ضيق مقامهم فيها كضيق سهام اجتمعت في كنانتها. قال: فالسعيد يومئذ من وجد لقدمه مقاماً. قال: وأكثر الأقدام يومئذ بعضها على بعض. قال: فهم فيها مجتمعون ينفذهم البصر ويسمعهم الداعي. فبينما هم كذلك، إذ سمعوا زفرة من زفير جهنم، فلا يبقى ملك مقرب، ولا نبيٌ مرسل إلا خَرَّ لركبتيه، حتى إنَّ إبراهيم ﷺ ليقول: (نفسي)، (رب) نفسي، لا أسألك غيرها. فلا يبقى عند تلك الزفرة دمعة إلا جرت، ثم يسمعون زفرة أخرى فلا يبقى دم في عين إلا جرى، ثم يسمعون زفرة أخرى فلا يبقى قيح إلا سال يتبع بعضه بعضاً، ويمد بعضه بعضاً حتى يسيل إلى واد يقال (له سائل، فيفرغ في جهنم، فذلك قوله): ﴿سَأَلَ سَآئِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ﴾ [المعارج: ١]. * * - ثم قال تعالى: ﴿كَلاَّ إِنَّ كِتَابَ ٱلْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ﴾. من جعل ﴿كَلاَّ﴾ وقفا، كان تقديره: ليس الأمر كما يظن هؤلاء الكفار أنهم غير مبعوثين، إن كتابهم الذي كتبت فيه أعمالهم في الدنيا لفي سجين. ومن لم يره وقفا، جعل ﴿كَلاَّ﴾ بمعنى "أَلاَ"، افتتاح كلام. و ﴿سِجِّينٍ﴾: الأرض السفلى، فيه أعمال الكفار وأرواحهم. وروي أن إبليس موثق بالحديد والسلاسل في الأرض السفلى. (وسأل ابن عباس كعباً عن ﴿سِجِّينٍ﴾، فقال : هي الأرض السابعة السفلى)، فيها أرواح الكفار تحت خد إبليس. وروي أنه قال (له): إن أرواح الكفار يُصعد بها إلى السماء، فتأبى السماء أن تقبلها، ثم يُهبط بها إلى الأرض، فتأبى الأرض أن تقبلها، فيُهبط، فتدخل تحت سبع أرضين حتى يُنتهى بها إلى سجين، وهو خد إبليس، فيخرج [لها] من سجين من تحت خد إبليس [رق] فترقم وتختم وتوضع تحت خد إبليس. وقال ابن جبير: ﴿لَفِي سِجِّينٍ﴾: "تحت خد إبليس". وقال ابن أبي نجيح: ﴿سِجِّينٍ﴾ صخرة تحت الأرض السابعة، تقلب [فتجعل] تحتها. وقال ابن عباس: "أعمالهم في كتاب في الأرض السفلى". وروى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: "الْفَلَقُ جُبٌّ في جَهَنَّمَ مُغَطَّى. وأما ﴿سِجِّينٍ﴾، فمفتوح". يعني أنه جب مفتوح. وقيل: ﴿سِجِّينٍ﴾ من السِّجِلِّ، والنون مبدلة من اللام. وقال أبو عبيد: ﴿لَفِي سِجِّينٍ﴾: لفي حبس. وهو فِعِّيلٌ من السجن. وقيل: ﴿سِجِّينٍ﴾: هي الصخرة التي تحت الأرض السفلى وهو صفة، وليس باسم الصخرة، ولو كان اسماً لها لم تنصرف. وروى البراء بن عازب أن النبي ﷺ قال: "إِنَّ العَبْدَ (الكَافِرَ - أَوْ) الفاجِرَ - إِذَا مَاتَ صَعِدُوا بِروحِهِ إلى السماءِ، فَيَقُولُ اللهُ - جَلَّ ذِكْرُهُ -: اكْتُبُوا كِتَابَه في سَجِّينٍ. وَهِيَ الأَرْضُ السُّفْلَى وعن كعب (أيضاً) أنه قال: في التوراة أن سجينا شجرة سوداء تحت الأرضين السبع، مكتوب فيها اسم كل شيطان، تُلْقَى أنفس الكفار عندها. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَمَآ أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ * كِتَابٌ مَّرْقُومٌ﴾. أي: وأي شيء أدراك يا محمد ما سجين؟! على التعظيم لأمره. ثم بَيَّنَ فقال: ﴿كِتَابٌ مَّرْقُومٌ﴾. أي: مكتوب فيه عمل الكفار. قال قتادة: مرقوم: مكتوب رُقِمَ لهم فيه بِشَرٍّ. - ثم (قال تعالى: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾. قد تقدم تفسيره في مواضع). * * - ثم قال: ﴿ٱلَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ ٱلدِّينِ﴾. أي: لا يؤمنون بالجزاء والبعث والنشور. * * - ﴿وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ﴾. أي: بالبعث، ﴿إِلاَّ كُلُّ مُعْتَدٍ...﴾ أي: كل من تعدى حدود الله. ﴿أَثِيمٍ﴾ أي: مأثوم في فعله. ﴿إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِ آيَاتُنَا...﴾. أي: حججنا وأدلتنا. ﴿قَالَ أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ...﴾. أي: قال: هذه أخبار الأولين وأحاديثهم وما كتب عنهم وَسُطِّرَ. * * - ثم قال تعالى: ﴿كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ﴾. ﴿كَلاَّ﴾ عند أبي حاتم لا يوقف عليها. وهي بمعنى "أَلاَ" [و] بمعنى "حقاً". ويوقف عليها عند غيره، على معنى: ليس الأَمْرُ على ما قال هؤلاء المكذبون بيوم الدين: إن آياتنا أساطير الأولين. ثم ابتدأ فأخبر عَنْهُم ما نزل بهم حين كفروا بالبعث فقال: ﴿بَلْ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ﴾، أي: (بل) ران على قلوبهم إِثْمُ ذُنُوبِهِمْ وكُفْرِهِمْ حتى غطاها، فلا يبصرون الصواب من الخطأ. يقال: رانت الخمرُ على عقله: إذا غلبت (عليه). وغَانَتْ بمعناه. وروى أبو هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: "إِذَا أَذْنَبَ العَبْدُ نُكِتَ (فِي) قَلبِهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ، فَإن (تاب) صُقِلَ مِنْهَا، فإن عَادَ عَادَتْ حتى تَعْظُم فِي قَلْبِهِ. فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ﴾ وقال الحسن: هو الذنب على الذنب حتى يَعْمَى القلب فيموت. قال مجاهد: القلب مثل الكف. فإذا أذنب انقبض - وقَبَضَ مجاهد أُصبُعاً - قال: فإذا أذنب انقبض - وقبض مجاهدٌ أصبعاً آخر - ثم كذلك حتى ينقبض كله - وقبض مجاهد أصابعه على الكف - قال: ثم يطبع عليه. فكانوا يرون أن ذلك هو الرين. قال قتادة: هو "الذنب على الذنب حتى يرين على القلب فَيَسْوَدُ". قال ابن زيد: ﴿بَلْ رَانَ﴾، أي: غلبت على قلوبهم ذنوبُهم، فلا يَخْلُصُ إليها معها خير. * * - ثم قال تعالى: ﴿كَلاَّ إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ﴾. "كلا" عند أبي حاتم بمعنى "ألا". ولا يوقف عليها. ويوقف عليها عند غيره، على معنى: ليس الأمر كما يقول هؤلاء المكذبون بيوم الدين: إن لهم عند الله زلفة يوم القيامة لكنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون، فلا يرونه ولا يرون شيئاً من كرامته. وقول أبي حاتم أَبْيَنُ في [هذا الموضع] من "كلا"، لأن هذا التقدير ليس هو في ظاهر الكلام، ولا في الكلام ما يدل عليه. ففيه تعسف. [وَدَلَّ اللهُ المؤمنِينَ، بهذه الآية، أنهم لا يحجبون عن ربهم وعن النظر إليه. قال مالك رحمه الله: في هذا دليل على أن ثم قوماً لا يحجبون عن الله وينظرون إليه . وبه استدل الشافعي على النظر إلى الله عز وجل يوم القيامة. وقد قدره منكرو النظر إلى الله على معنى أنهم عن كرامة ربهم لمحجوبون. وهذا لا يجوز عند أحد من النحويين، ولو جاز هذا لجاز: "جاءني زيد"، تريد غلام زيد أو كرامة زيد. وفي جواز هذا نقض كلام العرب كله. ولا يجوز إخراج الكلام عن ظاهره إلا لضرورة تدعو إلى ذلك مع امتناع جوازه على ظاهره. فإذا امتنع جواز الكلام على ظاهره، جاز الإضمار الذي يسوغ معه جواز الكلام. ولا ضرورة تدعو إلى أضمارٍ هنا على مذهب أهل السنة. قال الحسن: يكشف (الحجاب) فينظر إليه المؤمنون دون الكافرين، ثم يحجب الكافرون، وينظر إليه المؤمنون كل يوم غُدْوَةً وَعَشِيَةً. * * - ثم قال تعالى: ﴿(ثُمَّ) إِنَّهُمْ لَصَالُواْ ٱلْجَحِيمِ﴾. أي: لَوَارِدُوهُ مع [حجبهم] عن النظر إلى الله. * * - ﴿ثُمَّ [يُقَالُ] هَـٰذَا ٱلَّذِي كُنتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾. أي: يقال لهم: هذا العذاب الذي كنتم تكذبون به في الدنيا.

المطففين 83:15

قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ ٱلنَّاسُ لِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ﴾، إلى قوله ﴿(كُنتُمْ) بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾. أي: يبعثون يوم يقوم. ويجوز [أن يكون] بدلاً من ﴿لِيَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ على الموضع. وقال الفراء: هو مبني على الفتح، ولا يحسن عند البصريين بناؤه مع إضافته إلى معرب، إنما يجوز بناؤه إذا أضيف إلى مبني. والمعنى: يوم يقوم الناس على أقدامهم لرب العالمين. روي أن الناس يقومون يوم القيامة حتى يلجمهم العرق، فيقومون مقدار أربعين عاماً. وقيل: مقدار ثلاثمائة عام. وروى ابن عمر [عن النبي ﷺ أَنَّهُ قال: "يَقْدُمُ أَحَدُكُمْ فِي رَشْحِهِ إلى أنْصَافِ أُذُنَيْهِ". وروى أبو هريرة] أن النبي ﷺ قال لبشير الغفاري: "كَيْفَ أَنْتَ صَانِعٌ فِي يَوْمٍ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِ العَالَمِينَ مِقْدَارَ ثَلاَثَمائة سَنَةٍ مِنْ أَيَّامِ الدُّنْيَا لاَ يَأْتِيهِمْ خَبَرٌ مِنَ السَّمَاءِ وَلاَ يَأْمُرُ فِيهِمْ بِأَمْرٍ؟ فَقَالَ بَشِيرٌ: اللهُ المُسْتَعَانُ يَا رَسُولَ اللهِ، فَقَالَ لَهُ النبي ﷺ: إِذَا أَوَيْتَ إلى فِرَاشِكَ، فَتَعَوَّذْ بِاللهِ مِنْ كَرْبِ (يَوْمِ) القِيَامَةِ وَسُوءِ الحِسَابِ وعن ابن عمر أنه قال: "يقومون مائة سنة وقال ابن مسعود: يمكثون أربعين عاماً رافعي رؤوسهم إلى السماء، لا يكلمهم أحد، قد ألجم العرق كل بر وفاجر. قال: [فينادي] مناد: أليس عدلاً من ربكم أنه خلقكم ثم صوركم (ثم رزقكم) ثم توليتم غيره أن يولي كل عبد منكم ما تولى في الدنيا؟! فيقولون: بلى"، ثم ذكر الحديث. وقال كعب: يقومون قدر ثلاثمائة سنة. وروى عقبة بن عامر عن النبي ﷺ قال: "تَدْنُو الشَّمْسُ يَومَ القيامةِ من الأَرضِ، فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْرَقُ إلى كَعْبَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَعْرَقُ إلى رُكْبَتَيْهِ، ومِنْهُمْ مَنْ يَعْرَقُ إلى عَجْزِهِ، وَمنهم مَنْ يَعْرَقُ إلى خَاصِرَتِهِ، وَمِنْهم مَنْ يَعْرَقُ إلى مَنْكِبَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَعْرَقُ إلى عُنُقِهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَعْرَقُ إلى نِصْفِ فَمِهِ مُلْحمَاً بِهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ [يَشْمَلُهُ] العَرَقُ. قال عمير [بن] هانئ: يحشر الناس يوم القيامة على أرض قد مدها [الله] تبارك وتعالى مد الأديم العُكَاظِي، فهم من ضيق مقامهم فيها كضيق سهام اجتمعت في كنانتها. قال: فالسعيد يومئذ من وجد لقدمه مقاماً. قال: وأكثر الأقدام يومئذ بعضها على بعض. قال: فهم فيها مجتمعون ينفذهم البصر ويسمعهم الداعي. فبينما هم كذلك، إذ سمعوا زفرة من زفير جهنم، فلا يبقى ملك مقرب، ولا نبيٌ مرسل إلا خَرَّ لركبتيه، حتى إنَّ إبراهيم ﷺ ليقول: (نفسي)، (رب) نفسي، لا أسألك غيرها. فلا يبقى عند تلك الزفرة دمعة إلا جرت، ثم يسمعون زفرة أخرى فلا يبقى دم في عين إلا جرى، ثم يسمعون زفرة أخرى فلا يبقى قيح إلا سال يتبع بعضه بعضاً، ويمد بعضه بعضاً حتى يسيل إلى واد يقال (له سائل، فيفرغ في جهنم، فذلك قوله): ﴿سَأَلَ سَآئِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ﴾ [المعارج: ١]. * * - ثم قال تعالى: ﴿كَلاَّ إِنَّ كِتَابَ ٱلْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ﴾. من جعل ﴿كَلاَّ﴾ وقفا، كان تقديره: ليس الأمر كما يظن هؤلاء الكفار أنهم غير مبعوثين، إن كتابهم الذي كتبت فيه أعمالهم في الدنيا لفي سجين. ومن لم يره وقفا، جعل ﴿كَلاَّ﴾ بمعنى "أَلاَ"، افتتاح كلام. و ﴿سِجِّينٍ﴾: الأرض السفلى، فيه أعمال الكفار وأرواحهم. وروي أن إبليس موثق بالحديد والسلاسل في الأرض السفلى. (وسأل ابن عباس كعباً عن ﴿سِجِّينٍ﴾، فقال : هي الأرض السابعة السفلى)، فيها أرواح الكفار تحت خد إبليس. وروي أنه قال (له): إن أرواح الكفار يُصعد بها إلى السماء، فتأبى السماء أن تقبلها، ثم يُهبط بها إلى الأرض، فتأبى الأرض أن تقبلها، فيُهبط، فتدخل تحت سبع أرضين حتى يُنتهى بها إلى سجين، وهو خد إبليس، فيخرج [لها] من سجين من تحت خد إبليس [رق] فترقم وتختم وتوضع تحت خد إبليس. وقال ابن جبير: ﴿لَفِي سِجِّينٍ﴾: "تحت خد إبليس". وقال ابن أبي نجيح: ﴿سِجِّينٍ﴾ صخرة تحت الأرض السابعة، تقلب [فتجعل] تحتها. وقال ابن عباس: "أعمالهم في كتاب في الأرض السفلى". وروى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: "الْفَلَقُ جُبٌّ في جَهَنَّمَ مُغَطَّى. وأما ﴿سِجِّينٍ﴾، فمفتوح". يعني أنه جب مفتوح. وقيل: ﴿سِجِّينٍ﴾ من السِّجِلِّ، والنون مبدلة من اللام. وقال أبو عبيد: ﴿لَفِي سِجِّينٍ﴾: لفي حبس. وهو فِعِّيلٌ من السجن. وقيل: ﴿سِجِّينٍ﴾: هي الصخرة التي تحت الأرض السفلى وهو صفة، وليس باسم الصخرة، ولو كان اسماً لها لم تنصرف. وروى البراء بن عازب أن النبي ﷺ قال: "إِنَّ العَبْدَ (الكَافِرَ - أَوْ) الفاجِرَ - إِذَا مَاتَ صَعِدُوا بِروحِهِ إلى السماءِ، فَيَقُولُ اللهُ - جَلَّ ذِكْرُهُ -: اكْتُبُوا كِتَابَه في سَجِّينٍ. وَهِيَ الأَرْضُ السُّفْلَى وعن كعب (أيضاً) أنه قال: في التوراة أن سجينا شجرة سوداء تحت الأرضين السبع، مكتوب فيها اسم كل شيطان، تُلْقَى أنفس الكفار عندها. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَمَآ أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ * كِتَابٌ مَّرْقُومٌ﴾. أي: وأي شيء أدراك يا محمد ما سجين؟! على التعظيم لأمره. ثم بَيَّنَ فقال: ﴿كِتَابٌ مَّرْقُومٌ﴾. أي: مكتوب فيه عمل الكفار. قال قتادة: مرقوم: مكتوب رُقِمَ لهم فيه بِشَرٍّ. - ثم (قال تعالى: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾. قد تقدم تفسيره في مواضع). * * - ثم قال: ﴿ٱلَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ ٱلدِّينِ﴾. أي: لا يؤمنون بالجزاء والبعث والنشور. * * - ﴿وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ﴾. أي: بالبعث، ﴿إِلاَّ كُلُّ مُعْتَدٍ...﴾ أي: كل من تعدى حدود الله. ﴿أَثِيمٍ﴾ أي: مأثوم في فعله. ﴿إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِ آيَاتُنَا...﴾. أي: حججنا وأدلتنا. ﴿قَالَ أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ...﴾. أي: قال: هذه أخبار الأولين وأحاديثهم وما كتب عنهم وَسُطِّرَ. * * - ثم قال تعالى: ﴿كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ﴾. ﴿كَلاَّ﴾ عند أبي حاتم لا يوقف عليها. وهي بمعنى "أَلاَ" [و] بمعنى "حقاً". ويوقف عليها عند غيره، على معنى: ليس الأَمْرُ على ما قال هؤلاء المكذبون بيوم الدين: إن آياتنا أساطير الأولين. ثم ابتدأ فأخبر عَنْهُم ما نزل بهم حين كفروا بالبعث فقال: ﴿بَلْ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ﴾، أي: (بل) ران على قلوبهم إِثْمُ ذُنُوبِهِمْ وكُفْرِهِمْ حتى غطاها، فلا يبصرون الصواب من الخطأ. يقال: رانت الخمرُ على عقله: إذا غلبت (عليه). وغَانَتْ بمعناه. وروى أبو هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: "إِذَا أَذْنَبَ العَبْدُ نُكِتَ (فِي) قَلبِهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ، فَإن (تاب) صُقِلَ مِنْهَا، فإن عَادَ عَادَتْ حتى تَعْظُم فِي قَلْبِهِ. فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ﴾ وقال الحسن: هو الذنب على الذنب حتى يَعْمَى القلب فيموت. قال مجاهد: القلب مثل الكف. فإذا أذنب انقبض - وقَبَضَ مجاهد أُصبُعاً - قال: فإذا أذنب انقبض - وقبض مجاهدٌ أصبعاً آخر - ثم كذلك حتى ينقبض كله - وقبض مجاهد أصابعه على الكف - قال: ثم يطبع عليه. فكانوا يرون أن ذلك هو الرين. قال قتادة: هو "الذنب على الذنب حتى يرين على القلب فَيَسْوَدُ". قال ابن زيد: ﴿بَلْ رَانَ﴾، أي: غلبت على قلوبهم ذنوبُهم، فلا يَخْلُصُ إليها معها خير. * * - ثم قال تعالى: ﴿كَلاَّ إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ﴾. "كلا" عند أبي حاتم بمعنى "ألا". ولا يوقف عليها. ويوقف عليها عند غيره، على معنى: ليس الأمر كما يقول هؤلاء المكذبون بيوم الدين: إن لهم عند الله زلفة يوم القيامة لكنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون، فلا يرونه ولا يرون شيئاً من كرامته. وقول أبي حاتم أَبْيَنُ في [هذا الموضع] من "كلا"، لأن هذا التقدير ليس هو في ظاهر الكلام، ولا في الكلام ما يدل عليه. ففيه تعسف. [وَدَلَّ اللهُ المؤمنِينَ، بهذه الآية، أنهم لا يحجبون عن ربهم وعن النظر إليه. قال مالك رحمه الله: في هذا دليل على أن ثم قوماً لا يحجبون عن الله وينظرون إليه . وبه استدل الشافعي على النظر إلى الله عز وجل يوم القيامة. وقد قدره منكرو النظر إلى الله على معنى أنهم عن كرامة ربهم لمحجوبون. وهذا لا يجوز عند أحد من النحويين، ولو جاز هذا لجاز: "جاءني زيد"، تريد غلام زيد أو كرامة زيد. وفي جواز هذا نقض كلام العرب كله. ولا يجوز إخراج الكلام عن ظاهره إلا لضرورة تدعو إلى ذلك مع امتناع جوازه على ظاهره. فإذا امتنع جواز الكلام على ظاهره، جاز الإضمار الذي يسوغ معه جواز الكلام. ولا ضرورة تدعو إلى أضمارٍ هنا على مذهب أهل السنة. قال الحسن: يكشف (الحجاب) فينظر إليه المؤمنون دون الكافرين، ثم يحجب الكافرون، وينظر إليه المؤمنون كل يوم غُدْوَةً وَعَشِيَةً. * * - ثم قال تعالى: ﴿(ثُمَّ) إِنَّهُمْ لَصَالُواْ ٱلْجَحِيمِ﴾. أي: لَوَارِدُوهُ مع [حجبهم] عن النظر إلى الله. * * - ﴿ثُمَّ [يُقَالُ] هَـٰذَا ٱلَّذِي كُنتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾. أي: يقال لهم: هذا العذاب الذي كنتم تكذبون به في الدنيا.

المطففين 83:16

قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ ٱلنَّاسُ لِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ﴾، إلى قوله ﴿(كُنتُمْ) بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾. أي: يبعثون يوم يقوم. ويجوز [أن يكون] بدلاً من ﴿لِيَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ على الموضع. وقال الفراء: هو مبني على الفتح، ولا يحسن عند البصريين بناؤه مع إضافته إلى معرب، إنما يجوز بناؤه إذا أضيف إلى مبني. والمعنى: يوم يقوم الناس على أقدامهم لرب العالمين. روي أن الناس يقومون يوم القيامة حتى يلجمهم العرق، فيقومون مقدار أربعين عاماً. وقيل: مقدار ثلاثمائة عام. وروى ابن عمر [عن النبي ﷺ أَنَّهُ قال: "يَقْدُمُ أَحَدُكُمْ فِي رَشْحِهِ إلى أنْصَافِ أُذُنَيْهِ". وروى أبو هريرة] أن النبي ﷺ قال لبشير الغفاري: "كَيْفَ أَنْتَ صَانِعٌ فِي يَوْمٍ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِ العَالَمِينَ مِقْدَارَ ثَلاَثَمائة سَنَةٍ مِنْ أَيَّامِ الدُّنْيَا لاَ يَأْتِيهِمْ خَبَرٌ مِنَ السَّمَاءِ وَلاَ يَأْمُرُ فِيهِمْ بِأَمْرٍ؟ فَقَالَ بَشِيرٌ: اللهُ المُسْتَعَانُ يَا رَسُولَ اللهِ، فَقَالَ لَهُ النبي ﷺ: إِذَا أَوَيْتَ إلى فِرَاشِكَ، فَتَعَوَّذْ بِاللهِ مِنْ كَرْبِ (يَوْمِ) القِيَامَةِ وَسُوءِ الحِسَابِ وعن ابن عمر أنه قال: "يقومون مائة سنة وقال ابن مسعود: يمكثون أربعين عاماً رافعي رؤوسهم إلى السماء، لا يكلمهم أحد، قد ألجم العرق كل بر وفاجر. قال: [فينادي] مناد: أليس عدلاً من ربكم أنه خلقكم ثم صوركم (ثم رزقكم) ثم توليتم غيره أن يولي كل عبد منكم ما تولى في الدنيا؟! فيقولون: بلى"، ثم ذكر الحديث. وقال كعب: يقومون قدر ثلاثمائة سنة. وروى عقبة بن عامر عن النبي ﷺ قال: "تَدْنُو الشَّمْسُ يَومَ القيامةِ من الأَرضِ، فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْرَقُ إلى كَعْبَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَعْرَقُ إلى رُكْبَتَيْهِ، ومِنْهُمْ مَنْ يَعْرَقُ إلى عَجْزِهِ، وَمنهم مَنْ يَعْرَقُ إلى خَاصِرَتِهِ، وَمِنْهم مَنْ يَعْرَقُ إلى مَنْكِبَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَعْرَقُ إلى عُنُقِهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَعْرَقُ إلى نِصْفِ فَمِهِ مُلْحمَاً بِهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ [يَشْمَلُهُ] العَرَقُ. قال عمير [بن] هانئ: يحشر الناس يوم القيامة على أرض قد مدها [الله] تبارك وتعالى مد الأديم العُكَاظِي، فهم من ضيق مقامهم فيها كضيق سهام اجتمعت في كنانتها. قال: فالسعيد يومئذ من وجد لقدمه مقاماً. قال: وأكثر الأقدام يومئذ بعضها على بعض. قال: فهم فيها مجتمعون ينفذهم البصر ويسمعهم الداعي. فبينما هم كذلك، إذ سمعوا زفرة من زفير جهنم، فلا يبقى ملك مقرب، ولا نبيٌ مرسل إلا خَرَّ لركبتيه، حتى إنَّ إبراهيم ﷺ ليقول: (نفسي)، (رب) نفسي، لا أسألك غيرها. فلا يبقى عند تلك الزفرة دمعة إلا جرت، ثم يسمعون زفرة أخرى فلا يبقى دم في عين إلا جرى، ثم يسمعون زفرة أخرى فلا يبقى قيح إلا سال يتبع بعضه بعضاً، ويمد بعضه بعضاً حتى يسيل إلى واد يقال (له سائل، فيفرغ في جهنم، فذلك قوله): ﴿سَأَلَ سَآئِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ﴾ [المعارج: ١]. * * - ثم قال تعالى: ﴿كَلاَّ إِنَّ كِتَابَ ٱلْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ﴾. من جعل ﴿كَلاَّ﴾ وقفا، كان تقديره: ليس الأمر كما يظن هؤلاء الكفار أنهم غير مبعوثين، إن كتابهم الذي كتبت فيه أعمالهم في الدنيا لفي سجين. ومن لم يره وقفا، جعل ﴿كَلاَّ﴾ بمعنى "أَلاَ"، افتتاح كلام. و ﴿سِجِّينٍ﴾: الأرض السفلى، فيه أعمال الكفار وأرواحهم. وروي أن إبليس موثق بالحديد والسلاسل في الأرض السفلى. (وسأل ابن عباس كعباً عن ﴿سِجِّينٍ﴾، فقال : هي الأرض السابعة السفلى)، فيها أرواح الكفار تحت خد إبليس. وروي أنه قال (له): إن أرواح الكفار يُصعد بها إلى السماء، فتأبى السماء أن تقبلها، ثم يُهبط بها إلى الأرض، فتأبى الأرض أن تقبلها، فيُهبط، فتدخل تحت سبع أرضين حتى يُنتهى بها إلى سجين، وهو خد إبليس، فيخرج [لها] من سجين من تحت خد إبليس [رق] فترقم وتختم وتوضع تحت خد إبليس. وقال ابن جبير: ﴿لَفِي سِجِّينٍ﴾: "تحت خد إبليس". وقال ابن أبي نجيح: ﴿سِجِّينٍ﴾ صخرة تحت الأرض السابعة، تقلب [فتجعل] تحتها. وقال ابن عباس: "أعمالهم في كتاب في الأرض السفلى". وروى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: "الْفَلَقُ جُبٌّ في جَهَنَّمَ مُغَطَّى. وأما ﴿سِجِّينٍ﴾، فمفتوح". يعني أنه جب مفتوح. وقيل: ﴿سِجِّينٍ﴾ من السِّجِلِّ، والنون مبدلة من اللام. وقال أبو عبيد: ﴿لَفِي سِجِّينٍ﴾: لفي حبس. وهو فِعِّيلٌ من السجن. وقيل: ﴿سِجِّينٍ﴾: هي الصخرة التي تحت الأرض السفلى وهو صفة، وليس باسم الصخرة، ولو كان اسماً لها لم تنصرف. وروى البراء بن عازب أن النبي ﷺ قال: "إِنَّ العَبْدَ (الكَافِرَ - أَوْ) الفاجِرَ - إِذَا مَاتَ صَعِدُوا بِروحِهِ إلى السماءِ، فَيَقُولُ اللهُ - جَلَّ ذِكْرُهُ -: اكْتُبُوا كِتَابَه في سَجِّينٍ. وَهِيَ الأَرْضُ السُّفْلَى وعن كعب (أيضاً) أنه قال: في التوراة أن سجينا شجرة سوداء تحت الأرضين السبع، مكتوب فيها اسم كل شيطان، تُلْقَى أنفس الكفار عندها. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَمَآ أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ * كِتَابٌ مَّرْقُومٌ﴾. أي: وأي شيء أدراك يا محمد ما سجين؟! على التعظيم لأمره. ثم بَيَّنَ فقال: ﴿كِتَابٌ مَّرْقُومٌ﴾. أي: مكتوب فيه عمل الكفار. قال قتادة: مرقوم: مكتوب رُقِمَ لهم فيه بِشَرٍّ. - ثم (قال تعالى: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾. قد تقدم تفسيره في مواضع). * * - ثم قال: ﴿ٱلَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ ٱلدِّينِ﴾. أي: لا يؤمنون بالجزاء والبعث والنشور. * * - ﴿وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ﴾. أي: بالبعث، ﴿إِلاَّ كُلُّ مُعْتَدٍ...﴾ أي: كل من تعدى حدود الله. ﴿أَثِيمٍ﴾ أي: مأثوم في فعله. ﴿إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِ آيَاتُنَا...﴾. أي: حججنا وأدلتنا. ﴿قَالَ أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ...﴾. أي: قال: هذه أخبار الأولين وأحاديثهم وما كتب عنهم وَسُطِّرَ. * * - ثم قال تعالى: ﴿كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ﴾. ﴿كَلاَّ﴾ عند أبي حاتم لا يوقف عليها. وهي بمعنى "أَلاَ" [و] بمعنى "حقاً". ويوقف عليها عند غيره، على معنى: ليس الأَمْرُ على ما قال هؤلاء المكذبون بيوم الدين: إن آياتنا أساطير الأولين. ثم ابتدأ فأخبر عَنْهُم ما نزل بهم حين كفروا بالبعث فقال: ﴿بَلْ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ﴾، أي: (بل) ران على قلوبهم إِثْمُ ذُنُوبِهِمْ وكُفْرِهِمْ حتى غطاها، فلا يبصرون الصواب من الخطأ. يقال: رانت الخمرُ على عقله: إذا غلبت (عليه). وغَانَتْ بمعناه. وروى أبو هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: "إِذَا أَذْنَبَ العَبْدُ نُكِتَ (فِي) قَلبِهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ، فَإن (تاب) صُقِلَ مِنْهَا، فإن عَادَ عَادَتْ حتى تَعْظُم فِي قَلْبِهِ. فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ﴾ وقال الحسن: هو الذنب على الذنب حتى يَعْمَى القلب فيموت. قال مجاهد: القلب مثل الكف. فإذا أذنب انقبض - وقَبَضَ مجاهد أُصبُعاً - قال: فإذا أذنب انقبض - وقبض مجاهدٌ أصبعاً آخر - ثم كذلك حتى ينقبض كله - وقبض مجاهد أصابعه على الكف - قال: ثم يطبع عليه. فكانوا يرون أن ذلك هو الرين. قال قتادة: هو "الذنب على الذنب حتى يرين على القلب فَيَسْوَدُ". قال ابن زيد: ﴿بَلْ رَانَ﴾، أي: غلبت على قلوبهم ذنوبُهم، فلا يَخْلُصُ إليها معها خير. * * - ثم قال تعالى: ﴿كَلاَّ إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ﴾. "كلا" عند أبي حاتم بمعنى "ألا". ولا يوقف عليها. ويوقف عليها عند غيره، على معنى: ليس الأمر كما يقول هؤلاء المكذبون بيوم الدين: إن لهم عند الله زلفة يوم القيامة لكنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون، فلا يرونه ولا يرون شيئاً من كرامته. وقول أبي حاتم أَبْيَنُ في [هذا الموضع] من "كلا"، لأن هذا التقدير ليس هو في ظاهر الكلام، ولا في الكلام ما يدل عليه. ففيه تعسف. [وَدَلَّ اللهُ المؤمنِينَ، بهذه الآية، أنهم لا يحجبون عن ربهم وعن النظر إليه. قال مالك رحمه الله: في هذا دليل على أن ثم قوماً لا يحجبون عن الله وينظرون إليه . وبه استدل الشافعي على النظر إلى الله عز وجل يوم القيامة. وقد قدره منكرو النظر إلى الله على معنى أنهم عن كرامة ربهم لمحجوبون. وهذا لا يجوز عند أحد من النحويين، ولو جاز هذا لجاز: "جاءني زيد"، تريد غلام زيد أو كرامة زيد. وفي جواز هذا نقض كلام العرب كله. ولا يجوز إخراج الكلام عن ظاهره إلا لضرورة تدعو إلى ذلك مع امتناع جوازه على ظاهره. فإذا امتنع جواز الكلام على ظاهره، جاز الإضمار الذي يسوغ معه جواز الكلام. ولا ضرورة تدعو إلى أضمارٍ هنا على مذهب أهل السنة. قال الحسن: يكشف (الحجاب) فينظر إليه المؤمنون دون الكافرين، ثم يحجب الكافرون، وينظر إليه المؤمنون كل يوم غُدْوَةً وَعَشِيَةً. * * - ثم قال تعالى: ﴿(ثُمَّ) إِنَّهُمْ لَصَالُواْ ٱلْجَحِيمِ﴾. أي: لَوَارِدُوهُ مع [حجبهم] عن النظر إلى الله. * * - ﴿ثُمَّ [يُقَالُ] هَـٰذَا ٱلَّذِي كُنتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾. أي: يقال لهم: هذا العذاب الذي كنتم تكذبون به في الدنيا.

المطففين 83:17

قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ ٱلنَّاسُ لِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ﴾، إلى قوله ﴿(كُنتُمْ) بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾. أي: يبعثون يوم يقوم. ويجوز [أن يكون] بدلاً من ﴿لِيَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ على الموضع. وقال الفراء: هو مبني على الفتح، ولا يحسن عند البصريين بناؤه مع إضافته إلى معرب، إنما يجوز بناؤه إذا أضيف إلى مبني. والمعنى: يوم يقوم الناس على أقدامهم لرب العالمين. روي أن الناس يقومون يوم القيامة حتى يلجمهم العرق، فيقومون مقدار أربعين عاماً. وقيل: مقدار ثلاثمائة عام. وروى ابن عمر [عن النبي ﷺ أَنَّهُ قال: "يَقْدُمُ أَحَدُكُمْ فِي رَشْحِهِ إلى أنْصَافِ أُذُنَيْهِ". وروى أبو هريرة] أن النبي ﷺ قال لبشير الغفاري: "كَيْفَ أَنْتَ صَانِعٌ فِي يَوْمٍ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِ العَالَمِينَ مِقْدَارَ ثَلاَثَمائة سَنَةٍ مِنْ أَيَّامِ الدُّنْيَا لاَ يَأْتِيهِمْ خَبَرٌ مِنَ السَّمَاءِ وَلاَ يَأْمُرُ فِيهِمْ بِأَمْرٍ؟ فَقَالَ بَشِيرٌ: اللهُ المُسْتَعَانُ يَا رَسُولَ اللهِ، فَقَالَ لَهُ النبي ﷺ: إِذَا أَوَيْتَ إلى فِرَاشِكَ، فَتَعَوَّذْ بِاللهِ مِنْ كَرْبِ (يَوْمِ) القِيَامَةِ وَسُوءِ الحِسَابِ وعن ابن عمر أنه قال: "يقومون مائة سنة وقال ابن مسعود: يمكثون أربعين عاماً رافعي رؤوسهم إلى السماء، لا يكلمهم أحد، قد ألجم العرق كل بر وفاجر. قال: [فينادي] مناد: أليس عدلاً من ربكم أنه خلقكم ثم صوركم (ثم رزقكم) ثم توليتم غيره أن يولي كل عبد منكم ما تولى في الدنيا؟! فيقولون: بلى"، ثم ذكر الحديث. وقال كعب: يقومون قدر ثلاثمائة سنة. وروى عقبة بن عامر عن النبي ﷺ قال: "تَدْنُو الشَّمْسُ يَومَ القيامةِ من الأَرضِ، فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْرَقُ إلى كَعْبَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَعْرَقُ إلى رُكْبَتَيْهِ، ومِنْهُمْ مَنْ يَعْرَقُ إلى عَجْزِهِ، وَمنهم مَنْ يَعْرَقُ إلى خَاصِرَتِهِ، وَمِنْهم مَنْ يَعْرَقُ إلى مَنْكِبَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَعْرَقُ إلى عُنُقِهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَعْرَقُ إلى نِصْفِ فَمِهِ مُلْحمَاً بِهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ [يَشْمَلُهُ] العَرَقُ. قال عمير [بن] هانئ: يحشر الناس يوم القيامة على أرض قد مدها [الله] تبارك وتعالى مد الأديم العُكَاظِي، فهم من ضيق مقامهم فيها كضيق سهام اجتمعت في كنانتها. قال: فالسعيد يومئذ من وجد لقدمه مقاماً. قال: وأكثر الأقدام يومئذ بعضها على بعض. قال: فهم فيها مجتمعون ينفذهم البصر ويسمعهم الداعي. فبينما هم كذلك، إذ سمعوا زفرة من زفير جهنم، فلا يبقى ملك مقرب، ولا نبيٌ مرسل إلا خَرَّ لركبتيه، حتى إنَّ إبراهيم ﷺ ليقول: (نفسي)، (رب) نفسي، لا أسألك غيرها. فلا يبقى عند تلك الزفرة دمعة إلا جرت، ثم يسمعون زفرة أخرى فلا يبقى دم في عين إلا جرى، ثم يسمعون زفرة أخرى فلا يبقى قيح إلا سال يتبع بعضه بعضاً، ويمد بعضه بعضاً حتى يسيل إلى واد يقال (له سائل، فيفرغ في جهنم، فذلك قوله): ﴿سَأَلَ سَآئِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ﴾ [المعارج: ١]. * * - ثم قال تعالى: ﴿كَلاَّ إِنَّ كِتَابَ ٱلْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ﴾. من جعل ﴿كَلاَّ﴾ وقفا، كان تقديره: ليس الأمر كما يظن هؤلاء الكفار أنهم غير مبعوثين، إن كتابهم الذي كتبت فيه أعمالهم في الدنيا لفي سجين. ومن لم يره وقفا، جعل ﴿كَلاَّ﴾ بمعنى "أَلاَ"، افتتاح كلام. و ﴿سِجِّينٍ﴾: الأرض السفلى، فيه أعمال الكفار وأرواحهم. وروي أن إبليس موثق بالحديد والسلاسل في الأرض السفلى. (وسأل ابن عباس كعباً عن ﴿سِجِّينٍ﴾، فقال : هي الأرض السابعة السفلى)، فيها أرواح الكفار تحت خد إبليس. وروي أنه قال (له): إن أرواح الكفار يُصعد بها إلى السماء، فتأبى السماء أن تقبلها، ثم يُهبط بها إلى الأرض، فتأبى الأرض أن تقبلها، فيُهبط، فتدخل تحت سبع أرضين حتى يُنتهى بها إلى سجين، وهو خد إبليس، فيخرج [لها] من سجين من تحت خد إبليس [رق] فترقم وتختم وتوضع تحت خد إبليس. وقال ابن جبير: ﴿لَفِي سِجِّينٍ﴾: "تحت خد إبليس". وقال ابن أبي نجيح: ﴿سِجِّينٍ﴾ صخرة تحت الأرض السابعة، تقلب [فتجعل] تحتها. وقال ابن عباس: "أعمالهم في كتاب في الأرض السفلى". وروى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: "الْفَلَقُ جُبٌّ في جَهَنَّمَ مُغَطَّى. وأما ﴿سِجِّينٍ﴾، فمفتوح". يعني أنه جب مفتوح. وقيل: ﴿سِجِّينٍ﴾ من السِّجِلِّ، والنون مبدلة من اللام. وقال أبو عبيد: ﴿لَفِي سِجِّينٍ﴾: لفي حبس. وهو فِعِّيلٌ من السجن. وقيل: ﴿سِجِّينٍ﴾: هي الصخرة التي تحت الأرض السفلى وهو صفة، وليس باسم الصخرة، ولو كان اسماً لها لم تنصرف. وروى البراء بن عازب أن النبي ﷺ قال: "إِنَّ العَبْدَ (الكَافِرَ - أَوْ) الفاجِرَ - إِذَا مَاتَ صَعِدُوا بِروحِهِ إلى السماءِ، فَيَقُولُ اللهُ - جَلَّ ذِكْرُهُ -: اكْتُبُوا كِتَابَه في سَجِّينٍ. وَهِيَ الأَرْضُ السُّفْلَى وعن كعب (أيضاً) أنه قال: في التوراة أن سجينا شجرة سوداء تحت الأرضين السبع، مكتوب فيها اسم كل شيطان، تُلْقَى أنفس الكفار عندها. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَمَآ أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ * كِتَابٌ مَّرْقُومٌ﴾. أي: وأي شيء أدراك يا محمد ما سجين؟! على التعظيم لأمره. ثم بَيَّنَ فقال: ﴿كِتَابٌ مَّرْقُومٌ﴾. أي: مكتوب فيه عمل الكفار. قال قتادة: مرقوم: مكتوب رُقِمَ لهم فيه بِشَرٍّ. - ثم (قال تعالى: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾. قد تقدم تفسيره في مواضع). * * - ثم قال: ﴿ٱلَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ ٱلدِّينِ﴾. أي: لا يؤمنون بالجزاء والبعث والنشور. * * - ﴿وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ﴾. أي: بالبعث، ﴿إِلاَّ كُلُّ مُعْتَدٍ...﴾ أي: كل من تعدى حدود الله. ﴿أَثِيمٍ﴾ أي: مأثوم في فعله. ﴿إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِ آيَاتُنَا...﴾. أي: حججنا وأدلتنا. ﴿قَالَ أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ...﴾. أي: قال: هذه أخبار الأولين وأحاديثهم وما كتب عنهم وَسُطِّرَ. * * - ثم قال تعالى: ﴿كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ﴾. ﴿كَلاَّ﴾ عند أبي حاتم لا يوقف عليها. وهي بمعنى "أَلاَ" [و] بمعنى "حقاً". ويوقف عليها عند غيره، على معنى: ليس الأَمْرُ على ما قال هؤلاء المكذبون بيوم الدين: إن آياتنا أساطير الأولين. ثم ابتدأ فأخبر عَنْهُم ما نزل بهم حين كفروا بالبعث فقال: ﴿بَلْ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ﴾، أي: (بل) ران على قلوبهم إِثْمُ ذُنُوبِهِمْ وكُفْرِهِمْ حتى غطاها، فلا يبصرون الصواب من الخطأ. يقال: رانت الخمرُ على عقله: إذا غلبت (عليه). وغَانَتْ بمعناه. وروى أبو هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: "إِذَا أَذْنَبَ العَبْدُ نُكِتَ (فِي) قَلبِهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ، فَإن (تاب) صُقِلَ مِنْهَا، فإن عَادَ عَادَتْ حتى تَعْظُم فِي قَلْبِهِ. فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ﴾ وقال الحسن: هو الذنب على الذنب حتى يَعْمَى القلب فيموت. قال مجاهد: القلب مثل الكف. فإذا أذنب انقبض - وقَبَضَ مجاهد أُصبُعاً - قال: فإذا أذنب انقبض - وقبض مجاهدٌ أصبعاً آخر - ثم كذلك حتى ينقبض كله - وقبض مجاهد أصابعه على الكف - قال: ثم يطبع عليه. فكانوا يرون أن ذلك هو الرين. قال قتادة: هو "الذنب على الذنب حتى يرين على القلب فَيَسْوَدُ". قال ابن زيد: ﴿بَلْ رَانَ﴾، أي: غلبت على قلوبهم ذنوبُهم، فلا يَخْلُصُ إليها معها خير. * * - ثم قال تعالى: ﴿كَلاَّ إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ﴾. "كلا" عند أبي حاتم بمعنى "ألا". ولا يوقف عليها. ويوقف عليها عند غيره، على معنى: ليس الأمر كما يقول هؤلاء المكذبون بيوم الدين: إن لهم عند الله زلفة يوم القيامة لكنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون، فلا يرونه ولا يرون شيئاً من كرامته. وقول أبي حاتم أَبْيَنُ في [هذا الموضع] من "كلا"، لأن هذا التقدير ليس هو في ظاهر الكلام، ولا في الكلام ما يدل عليه. ففيه تعسف. [وَدَلَّ اللهُ المؤمنِينَ، بهذه الآية، أنهم لا يحجبون عن ربهم وعن النظر إليه. قال مالك رحمه الله: في هذا دليل على أن ثم قوماً لا يحجبون عن الله وينظرون إليه . وبه استدل الشافعي على النظر إلى الله عز وجل يوم القيامة. وقد قدره منكرو النظر إلى الله على معنى أنهم عن كرامة ربهم لمحجوبون. وهذا لا يجوز عند أحد من النحويين، ولو جاز هذا لجاز: "جاءني زيد"، تريد غلام زيد أو كرامة زيد. وفي جواز هذا نقض كلام العرب كله. ولا يجوز إخراج الكلام عن ظاهره إلا لضرورة تدعو إلى ذلك مع امتناع جوازه على ظاهره. فإذا امتنع جواز الكلام على ظاهره، جاز الإضمار الذي يسوغ معه جواز الكلام. ولا ضرورة تدعو إلى أضمارٍ هنا على مذهب أهل السنة. قال الحسن: يكشف (الحجاب) فينظر إليه المؤمنون دون الكافرين، ثم يحجب الكافرون، وينظر إليه المؤمنون كل يوم غُدْوَةً وَعَشِيَةً. * * - ثم قال تعالى: ﴿(ثُمَّ) إِنَّهُمْ لَصَالُواْ ٱلْجَحِيمِ﴾. أي: لَوَارِدُوهُ مع [حجبهم] عن النظر إلى الله. * * - ﴿ثُمَّ [يُقَالُ] هَـٰذَا ٱلَّذِي كُنتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾. أي: يقال لهم: هذا العذاب الذي كنتم تكذبون به في الدنيا.

المطففين 83:18

قوله: ﴿كَلاَّ إِنَّ كِتَابَ ٱلأَبْرَارِ...﴾، إلى قوله: ﴿يَشْرَبُ بِهَا ٱلْمُقَرَّبُونَ﴾. أي: ألا إن كتاب الأبرار، أي: كتاب أعمالهم لفي عليين. والأبرار: الذين بروا ربهم بأداء فرائضه واجتناب محارمه. وقيل: هم المؤمنون الذين بَرُّوا الآباء والأبناء. وقال الحسن: "[هم الذين] لا يؤذون شيئاً حتى الذر". وسأل ابن عباس كعباً عن ﴿عِلِّيِّينَ﴾ فقال: "هي السماء السابعة، وفيها أرواحُ المؤمنين". روي (عنه أنه قال (له: إن) أرواح المؤمنين إذا قبضت صُعِدَ بها ففتحت لها أبواب السماء وتلقتها الملائكة بالبُشرى، ثم عَرَجُوا مَعَهَا حتى ينتهوا إلى العرش فيُخْرَحُ لها من عند العرش رَقٌّ [فَيُرْقَم] ويختم بمعرفتها النجاة يوم القيامة، ويشهدها الملائكة المقربون. وقال قتادة ومجاهد: هي "السماء السابعة". وقيل: السماء الرابعة، اسمها عليون، وفيها أعمال المؤمنين وأرواحهم. وقال الضحاك: ﴿لَفِي عِلِّيِّينَ﴾ أي: "لفي السماء عند الله". وقال قتادة أيضاً: ﴿لَفِي عِلِّيِّينَ﴾: "فوق السماء السابعة [عند قائمة] العرش اليمنى". وعن ابن عباس: ﴿لَفِي عِلِّيِّينَ﴾ لفي "الجنة". وروى الأجلح عن الضحاك أنه قال: إذا قبض روح العبد المؤمن عُرِج به إلى السماء الدنيا، فينطلق معه المقربون إلى السماء الثانية. قال الأجلح: (قلت): وما المقربون؟ قال: أقربهم إلى السماء [الثانية. قال: فينطلق معه (المقربون) إلى السماء] الثالثة، ثم الرابعة، ثم الخامسة، ثم السادسة، ثم السابعة حتى يُنْتَهى به إلى سدرة المنتهى. قال الأجلح: قلت للضحاك: لم سميت سدرة المنتهى؟... قال: لأَنَّه يَنتهي إليها كل شيء من أمر الله، [لا يعدوها]. [قال]: فيقولون: [يا رب]، عبدك فلان. وهو أعلم به منهم، فيبعث الله جل ذكره إليه بصك مختوم بأمنه من العذاب، فذلك قوله: ﴿كَلاَّ إِنَّ كِتَابَ ٱلأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ * وَمَآ أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ * كِتَابٌ مَّرْقُومٌ * يَشْهَدُهُ ٱلْمُقَرَّبُونَ﴾. وعن ابن عباس أيضاً: ﴿لَفِي عِلِّيِّينَ﴾ لفي السماء عند الله وهو قول الفراء وهي الرواية الأولى عن الضحاك. وإنما أعرب ﴿عِلِّيُّونَ﴾ بإعراب الجمع (لأنه) لا واحد له، فأشبَهَ "عشرين". ومعناه: من علو إلى علو، أي: من سماء إلى سماء، (إلى) السابعة. وقيل: إن ﴿عِلِّيِّينَ﴾ (من صفة الملائكة)، فلذلك جمع بالواو والنون. والتقدير عند الطبري: ﴿لَفِي عِلِّيِّينَ﴾ أي: في عُلُوٍّ وارتفاعٍ، في سَمَاء فوق سماء، وعلوٍ فوق علوٍ إلى السماء السابعة، أو إلى سدرة المنتهى أو إلى قائمة العرش، على الاختلاف المتقدم. * * - وقوله: ﴿وَمَآ أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ﴾. أي: وأي شيء أدراك يا محمد ما عليون؟! يُعَجِّبُ نبيه ﷺ من عليين، ثم بينه فقال: * * - ﴿كِتَابٌ مَّرْقُومٌ﴾. أي: مكتوب [بأمان الله للأبرار من العذاب يوم القيامة والفوز بالجنة. * * - وقوله: ﴿يَشْهَدُهُ ٱلْمُقَرَّبُونَ﴾. أي: يشهدُ ذلِكَ الكتابَ المكتوبَ] بأمان الله للبَرِّ من عباده من النار والفوز بالجنة المقربونَ من ملائكة كل سماء. قال [ابن عباس]: المقربون. أهل كل سماء. وقاله الضحاك. * * - ثم قال: ﴿إِنَّ ٱلأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ﴾. [أي]: يتمتعون في الجنان ﴿عَلَى ٱلأَرَآئِكِ يَنظُرُونَ﴾. أي: [السرر] في الحجال من اللؤلؤ والياقوت ينظرون إلى ما أعطاهم الله من الكرامة. رَوَى الخدري عن النبي ﷺ أنه قال: "(على الأرائك متكئون) [يَنْظُرُونَ] إلى أَعْدَائِهِمْ فِي النَّارِ قال مجاهد: ﴿عَلَى ٱلأَرَآئِكِ يَنظُرُونَ﴾: "من اللؤلؤ والياقوت ". * * - ثم قال: ﴿تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ ٱلنَّعِيمِ﴾. أي: حسن النعيم وبريقه. * * - ثم قال تعالى: ﴿يُسْقَوْنَ مِن رَّحِيقٍ مَّخْتُومٍ﴾. أي: من خمر [صرف لا] غش فيها. قال ابن عباس ومجاهد وقتادة وابن زيد: الرحيق: الخمر. وهو قول الحسن، [و] قاله ابن مسعود. وقال أهل اللغة: الرحيق [صَفْوُ] الخمر. وقال أبو عبيدة: (الرحيق): الخالص من الشراب. وقال ابن مسعود: مختوم: أي مخلوط. * * - ﴿خِتَامُهُ مِسْكٌ﴾ أي: خلطه مسك. وقال علقمة: "طعمه وريحه مسك". وقال ابن عباس: ﴿خِتَامُهُ مِسْكٌ﴾ أي: تختم الخمر بالمسك، أي: آخر شرابهم مسك. قال ابن عباس: طيب الله عز وجل (مُقَدَّمَ) شرابهم، وكان آخر شيء جعل فيه مِسْكاً ختامه بالمسك. وقال قتادة: آخره مسك، عاقبته مسك، قوم تمزج لهم بالكافور وتختم لهم بالمسك. قال الضحاك: "طيب الله لهم الخمر فوجدوا في آخر شيء منها ريح المسك". وقال أبو الدرداء: هو شراب أبيض مثل الفضة يختمون به شرابهم لو أن رجلا من أهل الجنة أدخل أصبعه فيه ثم أخرجها إلى الدنيا لم يبق ذو روح إلا وجد طِيبَهَا؟ وعن مجاهد أن معناه أنه مختوم (مطين) بخاتم من مسك، وقاله ابن زيد. وهذا إنما يكون على قراءة الكسائي، لأنه قد قرأ: (خاتمه مسك). والقراءة الأولى [معناها]: آخره مسك. وهو اختيار الطبري. قال: لأنه لا وجه للختم إلا الطبع أو الفراغ، ولا معنى للطبع على شراب أهل الجنة، (إذ شرابهم) جارٍ جَرْيَ المياه في الانهار ولم يكن مُعَتَّقاً في الدنان فيطبق عليه، فلا يصح معناه إلا في الفراغ. فالمعنى: آخره مسك، كما تقول ختمت القرآن، أي: بلغت آخره. وقراءة الكسائي (تروى) عن علي بن أبي طالب رضي [الله] عنه. والخِتام: مصدر "خَتَمَ يَخْتِمُ خَتْمَاً وخِتَاماً"، "والخَاتَمْ" الاسم. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ ٱلْمُتَنَافِسُونَ﴾. أي: وفي ما تقدم وصفه من النعيم فليتنافس المتنافسون، مأخوذ من الشيء النفيس، وهو العالي الشريف الذي تحرص عليه نفوس الناس وتطلبه وتشتهيه. والمعنى: وفي ذلك فَلْيَجِدَّ في طلبه المُجِدُّونَ، ولتحرص عليه نفوسهم. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَمِزَاجُهُ مِن تَسْنِيمٍ * عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا ٱلْمُقَرَّبُونَ﴾. أي: ومزاج هذا الرحيق - وهو الخمر التي آخرها مسك - ﴿مِن تَسْنِيمٍ﴾ أي: من عُلُوٍّ ينزل عليهم. تَسْنِيمٌ: تفعيل، من قول القائل: سَنَمْتُهُمُ العينَ تسنيماً، إذا أجريتها عليهم من فوقهم. ويقال: سنمتُ الماء أسنمه تسنيماً، إذا أخرجته من موضع عال. وقبرٌ مُسَنَّمٌ، أي: مرتفع. ومنه سنام البعير، وَهُوَ اسْمٌ لمذكر وهو الماء. ولذلك انصرف. وقال ابن زيد: بلغنا أنها عين تخرج من تحت العرش، فهي مزاج هذا الخمر. وقال الضحاك: "هو شراب اسمه تسنيم، وهو من أشرف الشراب". وعنه أنه قال: ﴿تَسْنِيمٍ﴾: عين تتسنم من أعلى الجنة، ليس في الجنة عين أشرف منها. فأما انتصاب "عين"، ففيه أقوال: قال الأخفش: هي منصوبة [بِـ "يسقون"] عيناً، (أي): ماء [عين]. وقال المبرد: نصبها على إضمار أعني. وقال الفراء: تقديره: من تسنيم عين، فلما نونت "تسنيماً [نصبت] عيناً، يقدر نصبه نصب المفعول بمنزلة ﴿يَتِيماً ذَا مَقْرَبَةٍ﴾ [البلد: ١٥]. وقيل: نصبه على الحال، لأن "تَسْنِيماً" اسْمٌ لِلْمَاءِ، مَعْرِفَةٌ. و "عين": نكرة. ومعنى "عَيْن": جار، كأنه قال: من الماء العالي جارياً، فهي في موضع الحال.

المطففين 83:19

قوله: ﴿كَلاَّ إِنَّ كِتَابَ ٱلأَبْرَارِ...﴾، إلى قوله: ﴿يَشْرَبُ بِهَا ٱلْمُقَرَّبُونَ﴾. أي: ألا إن كتاب الأبرار، أي: كتاب أعمالهم لفي عليين. والأبرار: الذين بروا ربهم بأداء فرائضه واجتناب محارمه. وقيل: هم المؤمنون الذين بَرُّوا الآباء والأبناء. وقال الحسن: "[هم الذين] لا يؤذون شيئاً حتى الذر". وسأل ابن عباس كعباً عن ﴿عِلِّيِّينَ﴾ فقال: "هي السماء السابعة، وفيها أرواحُ المؤمنين". روي (عنه أنه قال (له: إن) أرواح المؤمنين إذا قبضت صُعِدَ بها ففتحت لها أبواب السماء وتلقتها الملائكة بالبُشرى، ثم عَرَجُوا مَعَهَا حتى ينتهوا إلى العرش فيُخْرَحُ لها من عند العرش رَقٌّ [فَيُرْقَم] ويختم بمعرفتها النجاة يوم القيامة، ويشهدها الملائكة المقربون. وقال قتادة ومجاهد: هي "السماء السابعة". وقيل: السماء الرابعة، اسمها عليون، وفيها أعمال المؤمنين وأرواحهم. وقال الضحاك: ﴿لَفِي عِلِّيِّينَ﴾ أي: "لفي السماء عند الله". وقال قتادة أيضاً: ﴿لَفِي عِلِّيِّينَ﴾: "فوق السماء السابعة [عند قائمة] العرش اليمنى". وعن ابن عباس: ﴿لَفِي عِلِّيِّينَ﴾ لفي "الجنة". وروى الأجلح عن الضحاك أنه قال: إذا قبض روح العبد المؤمن عُرِج به إلى السماء الدنيا، فينطلق معه المقربون إلى السماء الثانية. قال الأجلح: (قلت): وما المقربون؟ قال: أقربهم إلى السماء [الثانية. قال: فينطلق معه (المقربون) إلى السماء] الثالثة، ثم الرابعة، ثم الخامسة، ثم السادسة، ثم السابعة حتى يُنْتَهى به إلى سدرة المنتهى. قال الأجلح: قلت للضحاك: لم سميت سدرة المنتهى؟... قال: لأَنَّه يَنتهي إليها كل شيء من أمر الله، [لا يعدوها]. [قال]: فيقولون: [يا رب]، عبدك فلان. وهو أعلم به منهم، فيبعث الله جل ذكره إليه بصك مختوم بأمنه من العذاب، فذلك قوله: ﴿كَلاَّ إِنَّ كِتَابَ ٱلأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ * وَمَآ أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ * كِتَابٌ مَّرْقُومٌ * يَشْهَدُهُ ٱلْمُقَرَّبُونَ﴾. وعن ابن عباس أيضاً: ﴿لَفِي عِلِّيِّينَ﴾ لفي السماء عند الله وهو قول الفراء وهي الرواية الأولى عن الضحاك. وإنما أعرب ﴿عِلِّيُّونَ﴾ بإعراب الجمع (لأنه) لا واحد له، فأشبَهَ "عشرين". ومعناه: من علو إلى علو، أي: من سماء إلى سماء، (إلى) السابعة. وقيل: إن ﴿عِلِّيِّينَ﴾ (من صفة الملائكة)، فلذلك جمع بالواو والنون. والتقدير عند الطبري: ﴿لَفِي عِلِّيِّينَ﴾ أي: في عُلُوٍّ وارتفاعٍ، في سَمَاء فوق سماء، وعلوٍ فوق علوٍ إلى السماء السابعة، أو إلى سدرة المنتهى أو إلى قائمة العرش، على الاختلاف المتقدم. * * - وقوله: ﴿وَمَآ أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ﴾. أي: وأي شيء أدراك يا محمد ما عليون؟! يُعَجِّبُ نبيه ﷺ من عليين، ثم بينه فقال: * * - ﴿كِتَابٌ مَّرْقُومٌ﴾. أي: مكتوب [بأمان الله للأبرار من العذاب يوم القيامة والفوز بالجنة. * * - وقوله: ﴿يَشْهَدُهُ ٱلْمُقَرَّبُونَ﴾. أي: يشهدُ ذلِكَ الكتابَ المكتوبَ] بأمان الله للبَرِّ من عباده من النار والفوز بالجنة المقربونَ من ملائكة كل سماء. قال [ابن عباس]: المقربون. أهل كل سماء. وقاله الضحاك. * * - ثم قال: ﴿إِنَّ ٱلأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ﴾. [أي]: يتمتعون في الجنان ﴿عَلَى ٱلأَرَآئِكِ يَنظُرُونَ﴾. أي: [السرر] في الحجال من اللؤلؤ والياقوت ينظرون إلى ما أعطاهم الله من الكرامة. رَوَى الخدري عن النبي ﷺ أنه قال: "(على الأرائك متكئون) [يَنْظُرُونَ] إلى أَعْدَائِهِمْ فِي النَّارِ قال مجاهد: ﴿عَلَى ٱلأَرَآئِكِ يَنظُرُونَ﴾: "من اللؤلؤ والياقوت ". * * - ثم قال: ﴿تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ ٱلنَّعِيمِ﴾. أي: حسن النعيم وبريقه. * * - ثم قال تعالى: ﴿يُسْقَوْنَ مِن رَّحِيقٍ مَّخْتُومٍ﴾. أي: من خمر [صرف لا] غش فيها. قال ابن عباس ومجاهد وقتادة وابن زيد: الرحيق: الخمر. وهو قول الحسن، [و] قاله ابن مسعود. وقال أهل اللغة: الرحيق [صَفْوُ] الخمر. وقال أبو عبيدة: (الرحيق): الخالص من الشراب. وقال ابن مسعود: مختوم: أي مخلوط. * * - ﴿خِتَامُهُ مِسْكٌ﴾ أي: خلطه مسك. وقال علقمة: "طعمه وريحه مسك". وقال ابن عباس: ﴿خِتَامُهُ مِسْكٌ﴾ أي: تختم الخمر بالمسك، أي: آخر شرابهم مسك. قال ابن عباس: طيب الله عز وجل (مُقَدَّمَ) شرابهم، وكان آخر شيء جعل فيه مِسْكاً ختامه بالمسك. وقال قتادة: آخره مسك، عاقبته مسك، قوم تمزج لهم بالكافور وتختم لهم بالمسك. قال الضحاك: "طيب الله لهم الخمر فوجدوا في آخر شيء منها ريح المسك". وقال أبو الدرداء: هو شراب أبيض مثل الفضة يختمون به شرابهم لو أن رجلا من أهل الجنة أدخل أصبعه فيه ثم أخرجها إلى الدنيا لم يبق ذو روح إلا وجد طِيبَهَا؟ وعن مجاهد أن معناه أنه مختوم (مطين) بخاتم من مسك، وقاله ابن زيد. وهذا إنما يكون على قراءة الكسائي، لأنه قد قرأ: (خاتمه مسك). والقراءة الأولى [معناها]: آخره مسك. وهو اختيار الطبري. قال: لأنه لا وجه للختم إلا الطبع أو الفراغ، ولا معنى للطبع على شراب أهل الجنة، (إذ شرابهم) جارٍ جَرْيَ المياه في الانهار ولم يكن مُعَتَّقاً في الدنان فيطبق عليه، فلا يصح معناه إلا في الفراغ. فالمعنى: آخره مسك، كما تقول ختمت القرآن، أي: بلغت آخره. وقراءة الكسائي (تروى) عن علي بن أبي طالب رضي [الله] عنه. والخِتام: مصدر "خَتَمَ يَخْتِمُ خَتْمَاً وخِتَاماً"، "والخَاتَمْ" الاسم. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ ٱلْمُتَنَافِسُونَ﴾. أي: وفي ما تقدم وصفه من النعيم فليتنافس المتنافسون، مأخوذ من الشيء النفيس، وهو العالي الشريف الذي تحرص عليه نفوس الناس وتطلبه وتشتهيه. والمعنى: وفي ذلك فَلْيَجِدَّ في طلبه المُجِدُّونَ، ولتحرص عليه نفوسهم. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَمِزَاجُهُ مِن تَسْنِيمٍ * عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا ٱلْمُقَرَّبُونَ﴾. أي: ومزاج هذا الرحيق - وهو الخمر التي آخرها مسك - ﴿مِن تَسْنِيمٍ﴾ أي: من عُلُوٍّ ينزل عليهم. تَسْنِيمٌ: تفعيل، من قول القائل: سَنَمْتُهُمُ العينَ تسنيماً، إذا أجريتها عليهم من فوقهم. ويقال: سنمتُ الماء أسنمه تسنيماً، إذا أخرجته من موضع عال. وقبرٌ مُسَنَّمٌ، أي: مرتفع. ومنه سنام البعير، وَهُوَ اسْمٌ لمذكر وهو الماء. ولذلك انصرف. وقال ابن زيد: بلغنا أنها عين تخرج من تحت العرش، فهي مزاج هذا الخمر. وقال الضحاك: "هو شراب اسمه تسنيم، وهو من أشرف الشراب". وعنه أنه قال: ﴿تَسْنِيمٍ﴾: عين تتسنم من أعلى الجنة، ليس في الجنة عين أشرف منها. فأما انتصاب "عين"، ففيه أقوال: قال الأخفش: هي منصوبة [بِـ "يسقون"] عيناً، (أي): ماء [عين]. وقال المبرد: نصبها على إضمار أعني. وقال الفراء: تقديره: من تسنيم عين، فلما نونت "تسنيماً [نصبت] عيناً، يقدر نصبه نصب المفعول بمنزلة ﴿يَتِيماً ذَا مَقْرَبَةٍ﴾ [البلد: ١٥]. وقيل: نصبه على الحال، لأن "تَسْنِيماً" اسْمٌ لِلْمَاءِ، مَعْرِفَةٌ. و "عين": نكرة. ومعنى "عَيْن": جار، كأنه قال: من الماء العالي جارياً، فهي في موضع الحال.

المطففين 83:20

قوله: ﴿كَلاَّ إِنَّ كِتَابَ ٱلأَبْرَارِ...﴾، إلى قوله: ﴿يَشْرَبُ بِهَا ٱلْمُقَرَّبُونَ﴾. أي: ألا إن كتاب الأبرار، أي: كتاب أعمالهم لفي عليين. والأبرار: الذين بروا ربهم بأداء فرائضه واجتناب محارمه. وقيل: هم المؤمنون الذين بَرُّوا الآباء والأبناء. وقال الحسن: "[هم الذين] لا يؤذون شيئاً حتى الذر". وسأل ابن عباس كعباً عن ﴿عِلِّيِّينَ﴾ فقال: "هي السماء السابعة، وفيها أرواحُ المؤمنين". روي (عنه أنه قال (له: إن) أرواح المؤمنين إذا قبضت صُعِدَ بها ففتحت لها أبواب السماء وتلقتها الملائكة بالبُشرى، ثم عَرَجُوا مَعَهَا حتى ينتهوا إلى العرش فيُخْرَحُ لها من عند العرش رَقٌّ [فَيُرْقَم] ويختم بمعرفتها النجاة يوم القيامة، ويشهدها الملائكة المقربون. وقال قتادة ومجاهد: هي "السماء السابعة". وقيل: السماء الرابعة، اسمها عليون، وفيها أعمال المؤمنين وأرواحهم. وقال الضحاك: ﴿لَفِي عِلِّيِّينَ﴾ أي: "لفي السماء عند الله". وقال قتادة أيضاً: ﴿لَفِي عِلِّيِّينَ﴾: "فوق السماء السابعة [عند قائمة] العرش اليمنى". وعن ابن عباس: ﴿لَفِي عِلِّيِّينَ﴾ لفي "الجنة". وروى الأجلح عن الضحاك أنه قال: إذا قبض روح العبد المؤمن عُرِج به إلى السماء الدنيا، فينطلق معه المقربون إلى السماء الثانية. قال الأجلح: (قلت): وما المقربون؟ قال: أقربهم إلى السماء [الثانية. قال: فينطلق معه (المقربون) إلى السماء] الثالثة، ثم الرابعة، ثم الخامسة، ثم السادسة، ثم السابعة حتى يُنْتَهى به إلى سدرة المنتهى. قال الأجلح: قلت للضحاك: لم سميت سدرة المنتهى؟... قال: لأَنَّه يَنتهي إليها كل شيء من أمر الله، [لا يعدوها]. [قال]: فيقولون: [يا رب]، عبدك فلان. وهو أعلم به منهم، فيبعث الله جل ذكره إليه بصك مختوم بأمنه من العذاب، فذلك قوله: ﴿كَلاَّ إِنَّ كِتَابَ ٱلأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ * وَمَآ أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ * كِتَابٌ مَّرْقُومٌ * يَشْهَدُهُ ٱلْمُقَرَّبُونَ﴾. وعن ابن عباس أيضاً: ﴿لَفِي عِلِّيِّينَ﴾ لفي السماء عند الله وهو قول الفراء وهي الرواية الأولى عن الضحاك. وإنما أعرب ﴿عِلِّيُّونَ﴾ بإعراب الجمع (لأنه) لا واحد له، فأشبَهَ "عشرين". ومعناه: من علو إلى علو، أي: من سماء إلى سماء، (إلى) السابعة. وقيل: إن ﴿عِلِّيِّينَ﴾ (من صفة الملائكة)، فلذلك جمع بالواو والنون. والتقدير عند الطبري: ﴿لَفِي عِلِّيِّينَ﴾ أي: في عُلُوٍّ وارتفاعٍ، في سَمَاء فوق سماء، وعلوٍ فوق علوٍ إلى السماء السابعة، أو إلى سدرة المنتهى أو إلى قائمة العرش، على الاختلاف المتقدم. * * - وقوله: ﴿وَمَآ أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ﴾. أي: وأي شيء أدراك يا محمد ما عليون؟! يُعَجِّبُ نبيه ﷺ من عليين، ثم بينه فقال: * * - ﴿كِتَابٌ مَّرْقُومٌ﴾. أي: مكتوب [بأمان الله للأبرار من العذاب يوم القيامة والفوز بالجنة. * * - وقوله: ﴿يَشْهَدُهُ ٱلْمُقَرَّبُونَ﴾. أي: يشهدُ ذلِكَ الكتابَ المكتوبَ] بأمان الله للبَرِّ من عباده من النار والفوز بالجنة المقربونَ من ملائكة كل سماء. قال [ابن عباس]: المقربون. أهل كل سماء. وقاله الضحاك. * * - ثم قال: ﴿إِنَّ ٱلأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ﴾. [أي]: يتمتعون في الجنان ﴿عَلَى ٱلأَرَآئِكِ يَنظُرُونَ﴾. أي: [السرر] في الحجال من اللؤلؤ والياقوت ينظرون إلى ما أعطاهم الله من الكرامة. رَوَى الخدري عن النبي ﷺ أنه قال: "(على الأرائك متكئون) [يَنْظُرُونَ] إلى أَعْدَائِهِمْ فِي النَّارِ قال مجاهد: ﴿عَلَى ٱلأَرَآئِكِ يَنظُرُونَ﴾: "من اللؤلؤ والياقوت ". * * - ثم قال: ﴿تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ ٱلنَّعِيمِ﴾. أي: حسن النعيم وبريقه. * * - ثم قال تعالى: ﴿يُسْقَوْنَ مِن رَّحِيقٍ مَّخْتُومٍ﴾. أي: من خمر [صرف لا] غش فيها. قال ابن عباس ومجاهد وقتادة وابن زيد: الرحيق: الخمر. وهو قول الحسن، [و] قاله ابن مسعود. وقال أهل اللغة: الرحيق [صَفْوُ] الخمر. وقال أبو عبيدة: (الرحيق): الخالص من الشراب. وقال ابن مسعود: مختوم: أي مخلوط. * * - ﴿خِتَامُهُ مِسْكٌ﴾ أي: خلطه مسك. وقال علقمة: "طعمه وريحه مسك". وقال ابن عباس: ﴿خِتَامُهُ مِسْكٌ﴾ أي: تختم الخمر بالمسك، أي: آخر شرابهم مسك. قال ابن عباس: طيب الله عز وجل (مُقَدَّمَ) شرابهم، وكان آخر شيء جعل فيه مِسْكاً ختامه بالمسك. وقال قتادة: آخره مسك، عاقبته مسك، قوم تمزج لهم بالكافور وتختم لهم بالمسك. قال الضحاك: "طيب الله لهم الخمر فوجدوا في آخر شيء منها ريح المسك". وقال أبو الدرداء: هو شراب أبيض مثل الفضة يختمون به شرابهم لو أن رجلا من أهل الجنة أدخل أصبعه فيه ثم أخرجها إلى الدنيا لم يبق ذو روح إلا وجد طِيبَهَا؟ وعن مجاهد أن معناه أنه مختوم (مطين) بخاتم من مسك، وقاله ابن زيد. وهذا إنما يكون على قراءة الكسائي، لأنه قد قرأ: (خاتمه مسك). والقراءة الأولى [معناها]: آخره مسك. وهو اختيار الطبري. قال: لأنه لا وجه للختم إلا الطبع أو الفراغ، ولا معنى للطبع على شراب أهل الجنة، (إذ شرابهم) جارٍ جَرْيَ المياه في الانهار ولم يكن مُعَتَّقاً في الدنان فيطبق عليه، فلا يصح معناه إلا في الفراغ. فالمعنى: آخره مسك، كما تقول ختمت القرآن، أي: بلغت آخره. وقراءة الكسائي (تروى) عن علي بن أبي طالب رضي [الله] عنه. والخِتام: مصدر "خَتَمَ يَخْتِمُ خَتْمَاً وخِتَاماً"، "والخَاتَمْ" الاسم. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ ٱلْمُتَنَافِسُونَ﴾. أي: وفي ما تقدم وصفه من النعيم فليتنافس المتنافسون، مأخوذ من الشيء النفيس، وهو العالي الشريف الذي تحرص عليه نفوس الناس وتطلبه وتشتهيه. والمعنى: وفي ذلك فَلْيَجِدَّ في طلبه المُجِدُّونَ، ولتحرص عليه نفوسهم. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَمِزَاجُهُ مِن تَسْنِيمٍ * عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا ٱلْمُقَرَّبُونَ﴾. أي: ومزاج هذا الرحيق - وهو الخمر التي آخرها مسك - ﴿مِن تَسْنِيمٍ﴾ أي: من عُلُوٍّ ينزل عليهم. تَسْنِيمٌ: تفعيل، من قول القائل: سَنَمْتُهُمُ العينَ تسنيماً، إذا أجريتها عليهم من فوقهم. ويقال: سنمتُ الماء أسنمه تسنيماً، إذا أخرجته من موضع عال. وقبرٌ مُسَنَّمٌ، أي: مرتفع. ومنه سنام البعير، وَهُوَ اسْمٌ لمذكر وهو الماء. ولذلك انصرف. وقال ابن زيد: بلغنا أنها عين تخرج من تحت العرش، فهي مزاج هذا الخمر. وقال الضحاك: "هو شراب اسمه تسنيم، وهو من أشرف الشراب". وعنه أنه قال: ﴿تَسْنِيمٍ﴾: عين تتسنم من أعلى الجنة، ليس في الجنة عين أشرف منها. فأما انتصاب "عين"، ففيه أقوال: قال الأخفش: هي منصوبة [بِـ "يسقون"] عيناً، (أي): ماء [عين]. وقال المبرد: نصبها على إضمار أعني. وقال الفراء: تقديره: من تسنيم عين، فلما نونت "تسنيماً [نصبت] عيناً، يقدر نصبه نصب المفعول بمنزلة ﴿يَتِيماً ذَا مَقْرَبَةٍ﴾ [البلد: ١٥]. وقيل: نصبه على الحال، لأن "تَسْنِيماً" اسْمٌ لِلْمَاءِ، مَعْرِفَةٌ. و "عين": نكرة. ومعنى "عَيْن": جار، كأنه قال: من الماء العالي جارياً، فهي في موضع الحال.

المطففين 83:21

قوله: ﴿كَلاَّ إِنَّ كِتَابَ ٱلأَبْرَارِ...﴾، إلى قوله: ﴿يَشْرَبُ بِهَا ٱلْمُقَرَّبُونَ﴾. أي: ألا إن كتاب الأبرار، أي: كتاب أعمالهم لفي عليين. والأبرار: الذين بروا ربهم بأداء فرائضه واجتناب محارمه. وقيل: هم المؤمنون الذين بَرُّوا الآباء والأبناء. وقال الحسن: "[هم الذين] لا يؤذون شيئاً حتى الذر". وسأل ابن عباس كعباً عن ﴿عِلِّيِّينَ﴾ فقال: "هي السماء السابعة، وفيها أرواحُ المؤمنين". روي (عنه أنه قال (له: إن) أرواح المؤمنين إذا قبضت صُعِدَ بها ففتحت لها أبواب السماء وتلقتها الملائكة بالبُشرى، ثم عَرَجُوا مَعَهَا حتى ينتهوا إلى العرش فيُخْرَحُ لها من عند العرش رَقٌّ [فَيُرْقَم] ويختم بمعرفتها النجاة يوم القيامة، ويشهدها الملائكة المقربون. وقال قتادة ومجاهد: هي "السماء السابعة". وقيل: السماء الرابعة، اسمها عليون، وفيها أعمال المؤمنين وأرواحهم. وقال الضحاك: ﴿لَفِي عِلِّيِّينَ﴾ أي: "لفي السماء عند الله". وقال قتادة أيضاً: ﴿لَفِي عِلِّيِّينَ﴾: "فوق السماء السابعة [عند قائمة] العرش اليمنى". وعن ابن عباس: ﴿لَفِي عِلِّيِّينَ﴾ لفي "الجنة". وروى الأجلح عن الضحاك أنه قال: إذا قبض روح العبد المؤمن عُرِج به إلى السماء الدنيا، فينطلق معه المقربون إلى السماء الثانية. قال الأجلح: (قلت): وما المقربون؟ قال: أقربهم إلى السماء [الثانية. قال: فينطلق معه (المقربون) إلى السماء] الثالثة، ثم الرابعة، ثم الخامسة، ثم السادسة، ثم السابعة حتى يُنْتَهى به إلى سدرة المنتهى. قال الأجلح: قلت للضحاك: لم سميت سدرة المنتهى؟... قال: لأَنَّه يَنتهي إليها كل شيء من أمر الله، [لا يعدوها]. [قال]: فيقولون: [يا رب]، عبدك فلان. وهو أعلم به منهم، فيبعث الله جل ذكره إليه بصك مختوم بأمنه من العذاب، فذلك قوله: ﴿كَلاَّ إِنَّ كِتَابَ ٱلأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ * وَمَآ أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ * كِتَابٌ مَّرْقُومٌ * يَشْهَدُهُ ٱلْمُقَرَّبُونَ﴾. وعن ابن عباس أيضاً: ﴿لَفِي عِلِّيِّينَ﴾ لفي السماء عند الله وهو قول الفراء وهي الرواية الأولى عن الضحاك. وإنما أعرب ﴿عِلِّيُّونَ﴾ بإعراب الجمع (لأنه) لا واحد له، فأشبَهَ "عشرين". ومعناه: من علو إلى علو، أي: من سماء إلى سماء، (إلى) السابعة. وقيل: إن ﴿عِلِّيِّينَ﴾ (من صفة الملائكة)، فلذلك جمع بالواو والنون. والتقدير عند الطبري: ﴿لَفِي عِلِّيِّينَ﴾ أي: في عُلُوٍّ وارتفاعٍ، في سَمَاء فوق سماء، وعلوٍ فوق علوٍ إلى السماء السابعة، أو إلى سدرة المنتهى أو إلى قائمة العرش، على الاختلاف المتقدم. * * - وقوله: ﴿وَمَآ أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ﴾. أي: وأي شيء أدراك يا محمد ما عليون؟! يُعَجِّبُ نبيه ﷺ من عليين، ثم بينه فقال: * * - ﴿كِتَابٌ مَّرْقُومٌ﴾. أي: مكتوب [بأمان الله للأبرار من العذاب يوم القيامة والفوز بالجنة. * * - وقوله: ﴿يَشْهَدُهُ ٱلْمُقَرَّبُونَ﴾. أي: يشهدُ ذلِكَ الكتابَ المكتوبَ] بأمان الله للبَرِّ من عباده من النار والفوز بالجنة المقربونَ من ملائكة كل سماء. قال [ابن عباس]: المقربون. أهل كل سماء. وقاله الضحاك. * * - ثم قال: ﴿إِنَّ ٱلأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ﴾. [أي]: يتمتعون في الجنان ﴿عَلَى ٱلأَرَآئِكِ يَنظُرُونَ﴾. أي: [السرر] في الحجال من اللؤلؤ والياقوت ينظرون إلى ما أعطاهم الله من الكرامة. رَوَى الخدري عن النبي ﷺ أنه قال: "(على الأرائك متكئون) [يَنْظُرُونَ] إلى أَعْدَائِهِمْ فِي النَّارِ قال مجاهد: ﴿عَلَى ٱلأَرَآئِكِ يَنظُرُونَ﴾: "من اللؤلؤ والياقوت ". * * - ثم قال: ﴿تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ ٱلنَّعِيمِ﴾. أي: حسن النعيم وبريقه. * * - ثم قال تعالى: ﴿يُسْقَوْنَ مِن رَّحِيقٍ مَّخْتُومٍ﴾. أي: من خمر [صرف لا] غش فيها. قال ابن عباس ومجاهد وقتادة وابن زيد: الرحيق: الخمر. وهو قول الحسن، [و] قاله ابن مسعود. وقال أهل اللغة: الرحيق [صَفْوُ] الخمر. وقال أبو عبيدة: (الرحيق): الخالص من الشراب. وقال ابن مسعود: مختوم: أي مخلوط. * * - ﴿خِتَامُهُ مِسْكٌ﴾ أي: خلطه مسك. وقال علقمة: "طعمه وريحه مسك". وقال ابن عباس: ﴿خِتَامُهُ مِسْكٌ﴾ أي: تختم الخمر بالمسك، أي: آخر شرابهم مسك. قال ابن عباس: طيب الله عز وجل (مُقَدَّمَ) شرابهم، وكان آخر شيء جعل فيه مِسْكاً ختامه بالمسك. وقال قتادة: آخره مسك، عاقبته مسك، قوم تمزج لهم بالكافور وتختم لهم بالمسك. قال الضحاك: "طيب الله لهم الخمر فوجدوا في آخر شيء منها ريح المسك". وقال أبو الدرداء: هو شراب أبيض مثل الفضة يختمون به شرابهم لو أن رجلا من أهل الجنة أدخل أصبعه فيه ثم أخرجها إلى الدنيا لم يبق ذو روح إلا وجد طِيبَهَا؟ وعن مجاهد أن معناه أنه مختوم (مطين) بخاتم من مسك، وقاله ابن زيد. وهذا إنما يكون على قراءة الكسائي، لأنه قد قرأ: (خاتمه مسك). والقراءة الأولى [معناها]: آخره مسك. وهو اختيار الطبري. قال: لأنه لا وجه للختم إلا الطبع أو الفراغ، ولا معنى للطبع على شراب أهل الجنة، (إذ شرابهم) جارٍ جَرْيَ المياه في الانهار ولم يكن مُعَتَّقاً في الدنان فيطبق عليه، فلا يصح معناه إلا في الفراغ. فالمعنى: آخره مسك، كما تقول ختمت القرآن، أي: بلغت آخره. وقراءة الكسائي (تروى) عن علي بن أبي طالب رضي [الله] عنه. والخِتام: مصدر "خَتَمَ يَخْتِمُ خَتْمَاً وخِتَاماً"، "والخَاتَمْ" الاسم. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ ٱلْمُتَنَافِسُونَ﴾. أي: وفي ما تقدم وصفه من النعيم فليتنافس المتنافسون، مأخوذ من الشيء النفيس، وهو العالي الشريف الذي تحرص عليه نفوس الناس وتطلبه وتشتهيه. والمعنى: وفي ذلك فَلْيَجِدَّ في طلبه المُجِدُّونَ، ولتحرص عليه نفوسهم. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَمِزَاجُهُ مِن تَسْنِيمٍ * عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا ٱلْمُقَرَّبُونَ﴾. أي: ومزاج هذا الرحيق - وهو الخمر التي آخرها مسك - ﴿مِن تَسْنِيمٍ﴾ أي: من عُلُوٍّ ينزل عليهم. تَسْنِيمٌ: تفعيل، من قول القائل: سَنَمْتُهُمُ العينَ تسنيماً، إذا أجريتها عليهم من فوقهم. ويقال: سنمتُ الماء أسنمه تسنيماً، إذا أخرجته من موضع عال. وقبرٌ مُسَنَّمٌ، أي: مرتفع. ومنه سنام البعير، وَهُوَ اسْمٌ لمذكر وهو الماء. ولذلك انصرف. وقال ابن زيد: بلغنا أنها عين تخرج من تحت العرش، فهي مزاج هذا الخمر. وقال الضحاك: "هو شراب اسمه تسنيم، وهو من أشرف الشراب". وعنه أنه قال: ﴿تَسْنِيمٍ﴾: عين تتسنم من أعلى الجنة، ليس في الجنة عين أشرف منها. فأما انتصاب "عين"، ففيه أقوال: قال الأخفش: هي منصوبة [بِـ "يسقون"] عيناً، (أي): ماء [عين]. وقال المبرد: نصبها على إضمار أعني. وقال الفراء: تقديره: من تسنيم عين، فلما نونت "تسنيماً [نصبت] عيناً، يقدر نصبه نصب المفعول بمنزلة ﴿يَتِيماً ذَا مَقْرَبَةٍ﴾ [البلد: ١٥]. وقيل: نصبه على الحال، لأن "تَسْنِيماً" اسْمٌ لِلْمَاءِ، مَعْرِفَةٌ. و "عين": نكرة. ومعنى "عَيْن": جار، كأنه قال: من الماء العالي جارياً، فهي في موضع الحال.

المطففين 83:22

قوله: ﴿كَلاَّ إِنَّ كِتَابَ ٱلأَبْرَارِ...﴾، إلى قوله: ﴿يَشْرَبُ بِهَا ٱلْمُقَرَّبُونَ﴾. أي: ألا إن كتاب الأبرار، أي: كتاب أعمالهم لفي عليين. والأبرار: الذين بروا ربهم بأداء فرائضه واجتناب محارمه. وقيل: هم المؤمنون الذين بَرُّوا الآباء والأبناء. وقال الحسن: "[هم الذين] لا يؤذون شيئاً حتى الذر". وسأل ابن عباس كعباً عن ﴿عِلِّيِّينَ﴾ فقال: "هي السماء السابعة، وفيها أرواحُ المؤمنين". روي (عنه أنه قال (له: إن) أرواح المؤمنين إذا قبضت صُعِدَ بها ففتحت لها أبواب السماء وتلقتها الملائكة بالبُشرى، ثم عَرَجُوا مَعَهَا حتى ينتهوا إلى العرش فيُخْرَحُ لها من عند العرش رَقٌّ [فَيُرْقَم] ويختم بمعرفتها النجاة يوم القيامة، ويشهدها الملائكة المقربون. وقال قتادة ومجاهد: هي "السماء السابعة". وقيل: السماء الرابعة، اسمها عليون، وفيها أعمال المؤمنين وأرواحهم. وقال الضحاك: ﴿لَفِي عِلِّيِّينَ﴾ أي: "لفي السماء عند الله". وقال قتادة أيضاً: ﴿لَفِي عِلِّيِّينَ﴾: "فوق السماء السابعة [عند قائمة] العرش اليمنى". وعن ابن عباس: ﴿لَفِي عِلِّيِّينَ﴾ لفي "الجنة". وروى الأجلح عن الضحاك أنه قال: إذا قبض روح العبد المؤمن عُرِج به إلى السماء الدنيا، فينطلق معه المقربون إلى السماء الثانية. قال الأجلح: (قلت): وما المقربون؟ قال: أقربهم إلى السماء [الثانية. قال: فينطلق معه (المقربون) إلى السماء] الثالثة، ثم الرابعة، ثم الخامسة، ثم السادسة، ثم السابعة حتى يُنْتَهى به إلى سدرة المنتهى. قال الأجلح: قلت للضحاك: لم سميت سدرة المنتهى؟... قال: لأَنَّه يَنتهي إليها كل شيء من أمر الله، [لا يعدوها]. [قال]: فيقولون: [يا رب]، عبدك فلان. وهو أعلم به منهم، فيبعث الله جل ذكره إليه بصك مختوم بأمنه من العذاب، فذلك قوله: ﴿كَلاَّ إِنَّ كِتَابَ ٱلأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ * وَمَآ أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ * كِتَابٌ مَّرْقُومٌ * يَشْهَدُهُ ٱلْمُقَرَّبُونَ﴾. وعن ابن عباس أيضاً: ﴿لَفِي عِلِّيِّينَ﴾ لفي السماء عند الله وهو قول الفراء وهي الرواية الأولى عن الضحاك. وإنما أعرب ﴿عِلِّيُّونَ﴾ بإعراب الجمع (لأنه) لا واحد له، فأشبَهَ "عشرين". ومعناه: من علو إلى علو، أي: من سماء إلى سماء، (إلى) السابعة. وقيل: إن ﴿عِلِّيِّينَ﴾ (من صفة الملائكة)، فلذلك جمع بالواو والنون. والتقدير عند الطبري: ﴿لَفِي عِلِّيِّينَ﴾ أي: في عُلُوٍّ وارتفاعٍ، في سَمَاء فوق سماء، وعلوٍ فوق علوٍ إلى السماء السابعة، أو إلى سدرة المنتهى أو إلى قائمة العرش، على الاختلاف المتقدم. * * - وقوله: ﴿وَمَآ أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ﴾. أي: وأي شيء أدراك يا محمد ما عليون؟! يُعَجِّبُ نبيه ﷺ من عليين، ثم بينه فقال: * * - ﴿كِتَابٌ مَّرْقُومٌ﴾. أي: مكتوب [بأمان الله للأبرار من العذاب يوم القيامة والفوز بالجنة. * * - وقوله: ﴿يَشْهَدُهُ ٱلْمُقَرَّبُونَ﴾. أي: يشهدُ ذلِكَ الكتابَ المكتوبَ] بأمان الله للبَرِّ من عباده من النار والفوز بالجنة المقربونَ من ملائكة كل سماء. قال [ابن عباس]: المقربون. أهل كل سماء. وقاله الضحاك. * * - ثم قال: ﴿إِنَّ ٱلأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ﴾. [أي]: يتمتعون في الجنان ﴿عَلَى ٱلأَرَآئِكِ يَنظُرُونَ﴾. أي: [السرر] في الحجال من اللؤلؤ والياقوت ينظرون إلى ما أعطاهم الله من الكرامة. رَوَى الخدري عن النبي ﷺ أنه قال: "(على الأرائك متكئون) [يَنْظُرُونَ] إلى أَعْدَائِهِمْ فِي النَّارِ قال مجاهد: ﴿عَلَى ٱلأَرَآئِكِ يَنظُرُونَ﴾: "من اللؤلؤ والياقوت ". * * - ثم قال: ﴿تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ ٱلنَّعِيمِ﴾. أي: حسن النعيم وبريقه. * * - ثم قال تعالى: ﴿يُسْقَوْنَ مِن رَّحِيقٍ مَّخْتُومٍ﴾. أي: من خمر [صرف لا] غش فيها. قال ابن عباس ومجاهد وقتادة وابن زيد: الرحيق: الخمر. وهو قول الحسن، [و] قاله ابن مسعود. وقال أهل اللغة: الرحيق [صَفْوُ] الخمر. وقال أبو عبيدة: (الرحيق): الخالص من الشراب. وقال ابن مسعود: مختوم: أي مخلوط. * * - ﴿خِتَامُهُ مِسْكٌ﴾ أي: خلطه مسك. وقال علقمة: "طعمه وريحه مسك". وقال ابن عباس: ﴿خِتَامُهُ مِسْكٌ﴾ أي: تختم الخمر بالمسك، أي: آخر شرابهم مسك. قال ابن عباس: طيب الله عز وجل (مُقَدَّمَ) شرابهم، وكان آخر شيء جعل فيه مِسْكاً ختامه بالمسك. وقال قتادة: آخره مسك، عاقبته مسك، قوم تمزج لهم بالكافور وتختم لهم بالمسك. قال الضحاك: "طيب الله لهم الخمر فوجدوا في آخر شيء منها ريح المسك". وقال أبو الدرداء: هو شراب أبيض مثل الفضة يختمون به شرابهم لو أن رجلا من أهل الجنة أدخل أصبعه فيه ثم أخرجها إلى الدنيا لم يبق ذو روح إلا وجد طِيبَهَا؟ وعن مجاهد أن معناه أنه مختوم (مطين) بخاتم من مسك، وقاله ابن زيد. وهذا إنما يكون على قراءة الكسائي، لأنه قد قرأ: (خاتمه مسك). والقراءة الأولى [معناها]: آخره مسك. وهو اختيار الطبري. قال: لأنه لا وجه للختم إلا الطبع أو الفراغ، ولا معنى للطبع على شراب أهل الجنة، (إذ شرابهم) جارٍ جَرْيَ المياه في الانهار ولم يكن مُعَتَّقاً في الدنان فيطبق عليه، فلا يصح معناه إلا في الفراغ. فالمعنى: آخره مسك، كما تقول ختمت القرآن، أي: بلغت آخره. وقراءة الكسائي (تروى) عن علي بن أبي طالب رضي [الله] عنه. والخِتام: مصدر "خَتَمَ يَخْتِمُ خَتْمَاً وخِتَاماً"، "والخَاتَمْ" الاسم. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ ٱلْمُتَنَافِسُونَ﴾. أي: وفي ما تقدم وصفه من النعيم فليتنافس المتنافسون، مأخوذ من الشيء النفيس، وهو العالي الشريف الذي تحرص عليه نفوس الناس وتطلبه وتشتهيه. والمعنى: وفي ذلك فَلْيَجِدَّ في طلبه المُجِدُّونَ، ولتحرص عليه نفوسهم. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَمِزَاجُهُ مِن تَسْنِيمٍ * عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا ٱلْمُقَرَّبُونَ﴾. أي: ومزاج هذا الرحيق - وهو الخمر التي آخرها مسك - ﴿مِن تَسْنِيمٍ﴾ أي: من عُلُوٍّ ينزل عليهم. تَسْنِيمٌ: تفعيل، من قول القائل: سَنَمْتُهُمُ العينَ تسنيماً، إذا أجريتها عليهم من فوقهم. ويقال: سنمتُ الماء أسنمه تسنيماً، إذا أخرجته من موضع عال. وقبرٌ مُسَنَّمٌ، أي: مرتفع. ومنه سنام البعير، وَهُوَ اسْمٌ لمذكر وهو الماء. ولذلك انصرف. وقال ابن زيد: بلغنا أنها عين تخرج من تحت العرش، فهي مزاج هذا الخمر. وقال الضحاك: "هو شراب اسمه تسنيم، وهو من أشرف الشراب". وعنه أنه قال: ﴿تَسْنِيمٍ﴾: عين تتسنم من أعلى الجنة، ليس في الجنة عين أشرف منها. فأما انتصاب "عين"، ففيه أقوال: قال الأخفش: هي منصوبة [بِـ "يسقون"] عيناً، (أي): ماء [عين]. وقال المبرد: نصبها على إضمار أعني. وقال الفراء: تقديره: من تسنيم عين، فلما نونت "تسنيماً [نصبت] عيناً، يقدر نصبه نصب المفعول بمنزلة ﴿يَتِيماً ذَا مَقْرَبَةٍ﴾ [البلد: ١٥]. وقيل: نصبه على الحال، لأن "تَسْنِيماً" اسْمٌ لِلْمَاءِ، مَعْرِفَةٌ. و "عين": نكرة. ومعنى "عَيْن": جار، كأنه قال: من الماء العالي جارياً، فهي في موضع الحال.

المطففين 83:23

قوله: ﴿كَلاَّ إِنَّ كِتَابَ ٱلأَبْرَارِ...﴾، إلى قوله: ﴿يَشْرَبُ بِهَا ٱلْمُقَرَّبُونَ﴾. أي: ألا إن كتاب الأبرار، أي: كتاب أعمالهم لفي عليين. والأبرار: الذين بروا ربهم بأداء فرائضه واجتناب محارمه. وقيل: هم المؤمنون الذين بَرُّوا الآباء والأبناء. وقال الحسن: "[هم الذين] لا يؤذون شيئاً حتى الذر". وسأل ابن عباس كعباً عن ﴿عِلِّيِّينَ﴾ فقال: "هي السماء السابعة، وفيها أرواحُ المؤمنين". روي (عنه أنه قال (له: إن) أرواح المؤمنين إذا قبضت صُعِدَ بها ففتحت لها أبواب السماء وتلقتها الملائكة بالبُشرى، ثم عَرَجُوا مَعَهَا حتى ينتهوا إلى العرش فيُخْرَحُ لها من عند العرش رَقٌّ [فَيُرْقَم] ويختم بمعرفتها النجاة يوم القيامة، ويشهدها الملائكة المقربون. وقال قتادة ومجاهد: هي "السماء السابعة". وقيل: السماء الرابعة، اسمها عليون، وفيها أعمال المؤمنين وأرواحهم. وقال الضحاك: ﴿لَفِي عِلِّيِّينَ﴾ أي: "لفي السماء عند الله". وقال قتادة أيضاً: ﴿لَفِي عِلِّيِّينَ﴾: "فوق السماء السابعة [عند قائمة] العرش اليمنى". وعن ابن عباس: ﴿لَفِي عِلِّيِّينَ﴾ لفي "الجنة". وروى الأجلح عن الضحاك أنه قال: إذا قبض روح العبد المؤمن عُرِج به إلى السماء الدنيا، فينطلق معه المقربون إلى السماء الثانية. قال الأجلح: (قلت): وما المقربون؟ قال: أقربهم إلى السماء [الثانية. قال: فينطلق معه (المقربون) إلى السماء] الثالثة، ثم الرابعة، ثم الخامسة، ثم السادسة، ثم السابعة حتى يُنْتَهى به إلى سدرة المنتهى. قال الأجلح: قلت للضحاك: لم سميت سدرة المنتهى؟... قال: لأَنَّه يَنتهي إليها كل شيء من أمر الله، [لا يعدوها]. [قال]: فيقولون: [يا رب]، عبدك فلان. وهو أعلم به منهم، فيبعث الله جل ذكره إليه بصك مختوم بأمنه من العذاب، فذلك قوله: ﴿كَلاَّ إِنَّ كِتَابَ ٱلأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ * وَمَآ أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ * كِتَابٌ مَّرْقُومٌ * يَشْهَدُهُ ٱلْمُقَرَّبُونَ﴾. وعن ابن عباس أيضاً: ﴿لَفِي عِلِّيِّينَ﴾ لفي السماء عند الله وهو قول الفراء وهي الرواية الأولى عن الضحاك. وإنما أعرب ﴿عِلِّيُّونَ﴾ بإعراب الجمع (لأنه) لا واحد له، فأشبَهَ "عشرين". ومعناه: من علو إلى علو، أي: من سماء إلى سماء، (إلى) السابعة. وقيل: إن ﴿عِلِّيِّينَ﴾ (من صفة الملائكة)، فلذلك جمع بالواو والنون. والتقدير عند الطبري: ﴿لَفِي عِلِّيِّينَ﴾ أي: في عُلُوٍّ وارتفاعٍ، في سَمَاء فوق سماء، وعلوٍ فوق علوٍ إلى السماء السابعة، أو إلى سدرة المنتهى أو إلى قائمة العرش، على الاختلاف المتقدم. * * - وقوله: ﴿وَمَآ أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ﴾. أي: وأي شيء أدراك يا محمد ما عليون؟! يُعَجِّبُ نبيه ﷺ من عليين، ثم بينه فقال: * * - ﴿كِتَابٌ مَّرْقُومٌ﴾. أي: مكتوب [بأمان الله للأبرار من العذاب يوم القيامة والفوز بالجنة. * * - وقوله: ﴿يَشْهَدُهُ ٱلْمُقَرَّبُونَ﴾. أي: يشهدُ ذلِكَ الكتابَ المكتوبَ] بأمان الله للبَرِّ من عباده من النار والفوز بالجنة المقربونَ من ملائكة كل سماء. قال [ابن عباس]: المقربون. أهل كل سماء. وقاله الضحاك. * * - ثم قال: ﴿إِنَّ ٱلأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ﴾. [أي]: يتمتعون في الجنان ﴿عَلَى ٱلأَرَآئِكِ يَنظُرُونَ﴾. أي: [السرر] في الحجال من اللؤلؤ والياقوت ينظرون إلى ما أعطاهم الله من الكرامة. رَوَى الخدري عن النبي ﷺ أنه قال: "(على الأرائك متكئون) [يَنْظُرُونَ] إلى أَعْدَائِهِمْ فِي النَّارِ قال مجاهد: ﴿عَلَى ٱلأَرَآئِكِ يَنظُرُونَ﴾: "من اللؤلؤ والياقوت ". * * - ثم قال: ﴿تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ ٱلنَّعِيمِ﴾. أي: حسن النعيم وبريقه. * * - ثم قال تعالى: ﴿يُسْقَوْنَ مِن رَّحِيقٍ مَّخْتُومٍ﴾. أي: من خمر [صرف لا] غش فيها. قال ابن عباس ومجاهد وقتادة وابن زيد: الرحيق: الخمر. وهو قول الحسن، [و] قاله ابن مسعود. وقال أهل اللغة: الرحيق [صَفْوُ] الخمر. وقال أبو عبيدة: (الرحيق): الخالص من الشراب. وقال ابن مسعود: مختوم: أي مخلوط. * * - ﴿خِتَامُهُ مِسْكٌ﴾ أي: خلطه مسك. وقال علقمة: "طعمه وريحه مسك". وقال ابن عباس: ﴿خِتَامُهُ مِسْكٌ﴾ أي: تختم الخمر بالمسك، أي: آخر شرابهم مسك. قال ابن عباس: طيب الله عز وجل (مُقَدَّمَ) شرابهم، وكان آخر شيء جعل فيه مِسْكاً ختامه بالمسك. وقال قتادة: آخره مسك، عاقبته مسك، قوم تمزج لهم بالكافور وتختم لهم بالمسك. قال الضحاك: "طيب الله لهم الخمر فوجدوا في آخر شيء منها ريح المسك". وقال أبو الدرداء: هو شراب أبيض مثل الفضة يختمون به شرابهم لو أن رجلا من أهل الجنة أدخل أصبعه فيه ثم أخرجها إلى الدنيا لم يبق ذو روح إلا وجد طِيبَهَا؟ وعن مجاهد أن معناه أنه مختوم (مطين) بخاتم من مسك، وقاله ابن زيد. وهذا إنما يكون على قراءة الكسائي، لأنه قد قرأ: (خاتمه مسك). والقراءة الأولى [معناها]: آخره مسك. وهو اختيار الطبري. قال: لأنه لا وجه للختم إلا الطبع أو الفراغ، ولا معنى للطبع على شراب أهل الجنة، (إذ شرابهم) جارٍ جَرْيَ المياه في الانهار ولم يكن مُعَتَّقاً في الدنان فيطبق عليه، فلا يصح معناه إلا في الفراغ. فالمعنى: آخره مسك، كما تقول ختمت القرآن، أي: بلغت آخره. وقراءة الكسائي (تروى) عن علي بن أبي طالب رضي [الله] عنه. والخِتام: مصدر "خَتَمَ يَخْتِمُ خَتْمَاً وخِتَاماً"، "والخَاتَمْ" الاسم. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ ٱلْمُتَنَافِسُونَ﴾. أي: وفي ما تقدم وصفه من النعيم فليتنافس المتنافسون، مأخوذ من الشيء النفيس، وهو العالي الشريف الذي تحرص عليه نفوس الناس وتطلبه وتشتهيه. والمعنى: وفي ذلك فَلْيَجِدَّ في طلبه المُجِدُّونَ، ولتحرص عليه نفوسهم. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَمِزَاجُهُ مِن تَسْنِيمٍ * عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا ٱلْمُقَرَّبُونَ﴾. أي: ومزاج هذا الرحيق - وهو الخمر التي آخرها مسك - ﴿مِن تَسْنِيمٍ﴾ أي: من عُلُوٍّ ينزل عليهم. تَسْنِيمٌ: تفعيل، من قول القائل: سَنَمْتُهُمُ العينَ تسنيماً، إذا أجريتها عليهم من فوقهم. ويقال: سنمتُ الماء أسنمه تسنيماً، إذا أخرجته من موضع عال. وقبرٌ مُسَنَّمٌ، أي: مرتفع. ومنه سنام البعير، وَهُوَ اسْمٌ لمذكر وهو الماء. ولذلك انصرف. وقال ابن زيد: بلغنا أنها عين تخرج من تحت العرش، فهي مزاج هذا الخمر. وقال الضحاك: "هو شراب اسمه تسنيم، وهو من أشرف الشراب". وعنه أنه قال: ﴿تَسْنِيمٍ﴾: عين تتسنم من أعلى الجنة، ليس في الجنة عين أشرف منها. فأما انتصاب "عين"، ففيه أقوال: قال الأخفش: هي منصوبة [بِـ "يسقون"] عيناً، (أي): ماء [عين]. وقال المبرد: نصبها على إضمار أعني. وقال الفراء: تقديره: من تسنيم عين، فلما نونت "تسنيماً [نصبت] عيناً، يقدر نصبه نصب المفعول بمنزلة ﴿يَتِيماً ذَا مَقْرَبَةٍ﴾ [البلد: ١٥]. وقيل: نصبه على الحال، لأن "تَسْنِيماً" اسْمٌ لِلْمَاءِ، مَعْرِفَةٌ. و "عين": نكرة. ومعنى "عَيْن": جار، كأنه قال: من الماء العالي جارياً، فهي في موضع الحال.

المطففين 83:24

قوله: ﴿كَلاَّ إِنَّ كِتَابَ ٱلأَبْرَارِ...﴾، إلى قوله: ﴿يَشْرَبُ بِهَا ٱلْمُقَرَّبُونَ﴾. أي: ألا إن كتاب الأبرار، أي: كتاب أعمالهم لفي عليين. والأبرار: الذين بروا ربهم بأداء فرائضه واجتناب محارمه. وقيل: هم المؤمنون الذين بَرُّوا الآباء والأبناء. وقال الحسن: "[هم الذين] لا يؤذون شيئاً حتى الذر". وسأل ابن عباس كعباً عن ﴿عِلِّيِّينَ﴾ فقال: "هي السماء السابعة، وفيها أرواحُ المؤمنين". روي (عنه أنه قال (له: إن) أرواح المؤمنين إذا قبضت صُعِدَ بها ففتحت لها أبواب السماء وتلقتها الملائكة بالبُشرى، ثم عَرَجُوا مَعَهَا حتى ينتهوا إلى العرش فيُخْرَحُ لها من عند العرش رَقٌّ [فَيُرْقَم] ويختم بمعرفتها النجاة يوم القيامة، ويشهدها الملائكة المقربون. وقال قتادة ومجاهد: هي "السماء السابعة". وقيل: السماء الرابعة، اسمها عليون، وفيها أعمال المؤمنين وأرواحهم. وقال الضحاك: ﴿لَفِي عِلِّيِّينَ﴾ أي: "لفي السماء عند الله". وقال قتادة أيضاً: ﴿لَفِي عِلِّيِّينَ﴾: "فوق السماء السابعة [عند قائمة] العرش اليمنى". وعن ابن عباس: ﴿لَفِي عِلِّيِّينَ﴾ لفي "الجنة". وروى الأجلح عن الضحاك أنه قال: إذا قبض روح العبد المؤمن عُرِج به إلى السماء الدنيا، فينطلق معه المقربون إلى السماء الثانية. قال الأجلح: (قلت): وما المقربون؟ قال: أقربهم إلى السماء [الثانية. قال: فينطلق معه (المقربون) إلى السماء] الثالثة، ثم الرابعة، ثم الخامسة، ثم السادسة، ثم السابعة حتى يُنْتَهى به إلى سدرة المنتهى. قال الأجلح: قلت للضحاك: لم سميت سدرة المنتهى؟... قال: لأَنَّه يَنتهي إليها كل شيء من أمر الله، [لا يعدوها]. [قال]: فيقولون: [يا رب]، عبدك فلان. وهو أعلم به منهم، فيبعث الله جل ذكره إليه بصك مختوم بأمنه من العذاب، فذلك قوله: ﴿كَلاَّ إِنَّ كِتَابَ ٱلأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ * وَمَآ أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ * كِتَابٌ مَّرْقُومٌ * يَشْهَدُهُ ٱلْمُقَرَّبُونَ﴾. وعن ابن عباس أيضاً: ﴿لَفِي عِلِّيِّينَ﴾ لفي السماء عند الله وهو قول الفراء وهي الرواية الأولى عن الضحاك. وإنما أعرب ﴿عِلِّيُّونَ﴾ بإعراب الجمع (لأنه) لا واحد له، فأشبَهَ "عشرين". ومعناه: من علو إلى علو، أي: من سماء إلى سماء، (إلى) السابعة. وقيل: إن ﴿عِلِّيِّينَ﴾ (من صفة الملائكة)، فلذلك جمع بالواو والنون. والتقدير عند الطبري: ﴿لَفِي عِلِّيِّينَ﴾ أي: في عُلُوٍّ وارتفاعٍ، في سَمَاء فوق سماء، وعلوٍ فوق علوٍ إلى السماء السابعة، أو إلى سدرة المنتهى أو إلى قائمة العرش، على الاختلاف المتقدم. * * - وقوله: ﴿وَمَآ أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ﴾. أي: وأي شيء أدراك يا محمد ما عليون؟! يُعَجِّبُ نبيه ﷺ من عليين، ثم بينه فقال: * * - ﴿كِتَابٌ مَّرْقُومٌ﴾. أي: مكتوب [بأمان الله للأبرار من العذاب يوم القيامة والفوز بالجنة. * * - وقوله: ﴿يَشْهَدُهُ ٱلْمُقَرَّبُونَ﴾. أي: يشهدُ ذلِكَ الكتابَ المكتوبَ] بأمان الله للبَرِّ من عباده من النار والفوز بالجنة المقربونَ من ملائكة كل سماء. قال [ابن عباس]: المقربون. أهل كل سماء. وقاله الضحاك. * * - ثم قال: ﴿إِنَّ ٱلأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ﴾. [أي]: يتمتعون في الجنان ﴿عَلَى ٱلأَرَآئِكِ يَنظُرُونَ﴾. أي: [السرر] في الحجال من اللؤلؤ والياقوت ينظرون إلى ما أعطاهم الله من الكرامة. رَوَى الخدري عن النبي ﷺ أنه قال: "(على الأرائك متكئون) [يَنْظُرُونَ] إلى أَعْدَائِهِمْ فِي النَّارِ قال مجاهد: ﴿عَلَى ٱلأَرَآئِكِ يَنظُرُونَ﴾: "من اللؤلؤ والياقوت ". * * - ثم قال: ﴿تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ ٱلنَّعِيمِ﴾. أي: حسن النعيم وبريقه. * * - ثم قال تعالى: ﴿يُسْقَوْنَ مِن رَّحِيقٍ مَّخْتُومٍ﴾. أي: من خمر [صرف لا] غش فيها. قال ابن عباس ومجاهد وقتادة وابن زيد: الرحيق: الخمر. وهو قول الحسن، [و] قاله ابن مسعود. وقال أهل اللغة: الرحيق [صَفْوُ] الخمر. وقال أبو عبيدة: (الرحيق): الخالص من الشراب. وقال ابن مسعود: مختوم: أي مخلوط. * * - ﴿خِتَامُهُ مِسْكٌ﴾ أي: خلطه مسك. وقال علقمة: "طعمه وريحه مسك". وقال ابن عباس: ﴿خِتَامُهُ مِسْكٌ﴾ أي: تختم الخمر بالمسك، أي: آخر شرابهم مسك. قال ابن عباس: طيب الله عز وجل (مُقَدَّمَ) شرابهم، وكان آخر شيء جعل فيه مِسْكاً ختامه بالمسك. وقال قتادة: آخره مسك، عاقبته مسك، قوم تمزج لهم بالكافور وتختم لهم بالمسك. قال الضحاك: "طيب الله لهم الخمر فوجدوا في آخر شيء منها ريح المسك". وقال أبو الدرداء: هو شراب أبيض مثل الفضة يختمون به شرابهم لو أن رجلا من أهل الجنة أدخل أصبعه فيه ثم أخرجها إلى الدنيا لم يبق ذو روح إلا وجد طِيبَهَا؟ وعن مجاهد أن معناه أنه مختوم (مطين) بخاتم من مسك، وقاله ابن زيد. وهذا إنما يكون على قراءة الكسائي، لأنه قد قرأ: (خاتمه مسك). والقراءة الأولى [معناها]: آخره مسك. وهو اختيار الطبري. قال: لأنه لا وجه للختم إلا الطبع أو الفراغ، ولا معنى للطبع على شراب أهل الجنة، (إذ شرابهم) جارٍ جَرْيَ المياه في الانهار ولم يكن مُعَتَّقاً في الدنان فيطبق عليه، فلا يصح معناه إلا في الفراغ. فالمعنى: آخره مسك، كما تقول ختمت القرآن، أي: بلغت آخره. وقراءة الكسائي (تروى) عن علي بن أبي طالب رضي [الله] عنه. والخِتام: مصدر "خَتَمَ يَخْتِمُ خَتْمَاً وخِتَاماً"، "والخَاتَمْ" الاسم. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ ٱلْمُتَنَافِسُونَ﴾. أي: وفي ما تقدم وصفه من النعيم فليتنافس المتنافسون، مأخوذ من الشيء النفيس، وهو العالي الشريف الذي تحرص عليه نفوس الناس وتطلبه وتشتهيه. والمعنى: وفي ذلك فَلْيَجِدَّ في طلبه المُجِدُّونَ، ولتحرص عليه نفوسهم. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَمِزَاجُهُ مِن تَسْنِيمٍ * عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا ٱلْمُقَرَّبُونَ﴾. أي: ومزاج هذا الرحيق - وهو الخمر التي آخرها مسك - ﴿مِن تَسْنِيمٍ﴾ أي: من عُلُوٍّ ينزل عليهم. تَسْنِيمٌ: تفعيل، من قول القائل: سَنَمْتُهُمُ العينَ تسنيماً، إذا أجريتها عليهم من فوقهم. ويقال: سنمتُ الماء أسنمه تسنيماً، إذا أخرجته من موضع عال. وقبرٌ مُسَنَّمٌ، أي: مرتفع. ومنه سنام البعير، وَهُوَ اسْمٌ لمذكر وهو الماء. ولذلك انصرف. وقال ابن زيد: بلغنا أنها عين تخرج من تحت العرش، فهي مزاج هذا الخمر. وقال الضحاك: "هو شراب اسمه تسنيم، وهو من أشرف الشراب". وعنه أنه قال: ﴿تَسْنِيمٍ﴾: عين تتسنم من أعلى الجنة، ليس في الجنة عين أشرف منها. فأما انتصاب "عين"، ففيه أقوال: قال الأخفش: هي منصوبة [بِـ "يسقون"] عيناً، (أي): ماء [عين]. وقال المبرد: نصبها على إضمار أعني. وقال الفراء: تقديره: من تسنيم عين، فلما نونت "تسنيماً [نصبت] عيناً، يقدر نصبه نصب المفعول بمنزلة ﴿يَتِيماً ذَا مَقْرَبَةٍ﴾ [البلد: ١٥]. وقيل: نصبه على الحال، لأن "تَسْنِيماً" اسْمٌ لِلْمَاءِ، مَعْرِفَةٌ. و "عين": نكرة. ومعنى "عَيْن": جار، كأنه قال: من الماء العالي جارياً، فهي في موضع الحال.

المطففين 83:25

قوله: ﴿كَلاَّ إِنَّ كِتَابَ ٱلأَبْرَارِ...﴾، إلى قوله: ﴿يَشْرَبُ بِهَا ٱلْمُقَرَّبُونَ﴾. أي: ألا إن كتاب الأبرار، أي: كتاب أعمالهم لفي عليين. والأبرار: الذين بروا ربهم بأداء فرائضه واجتناب محارمه. وقيل: هم المؤمنون الذين بَرُّوا الآباء والأبناء. وقال الحسن: "[هم الذين] لا يؤذون شيئاً حتى الذر". وسأل ابن عباس كعباً عن ﴿عِلِّيِّينَ﴾ فقال: "هي السماء السابعة، وفيها أرواحُ المؤمنين". روي (عنه أنه قال (له: إن) أرواح المؤمنين إذا قبضت صُعِدَ بها ففتحت لها أبواب السماء وتلقتها الملائكة بالبُشرى، ثم عَرَجُوا مَعَهَا حتى ينتهوا إلى العرش فيُخْرَحُ لها من عند العرش رَقٌّ [فَيُرْقَم] ويختم بمعرفتها النجاة يوم القيامة، ويشهدها الملائكة المقربون. وقال قتادة ومجاهد: هي "السماء السابعة". وقيل: السماء الرابعة، اسمها عليون، وفيها أعمال المؤمنين وأرواحهم. وقال الضحاك: ﴿لَفِي عِلِّيِّينَ﴾ أي: "لفي السماء عند الله". وقال قتادة أيضاً: ﴿لَفِي عِلِّيِّينَ﴾: "فوق السماء السابعة [عند قائمة] العرش اليمنى". وعن ابن عباس: ﴿لَفِي عِلِّيِّينَ﴾ لفي "الجنة". وروى الأجلح عن الضحاك أنه قال: إذا قبض روح العبد المؤمن عُرِج به إلى السماء الدنيا، فينطلق معه المقربون إلى السماء الثانية. قال الأجلح: (قلت): وما المقربون؟ قال: أقربهم إلى السماء [الثانية. قال: فينطلق معه (المقربون) إلى السماء] الثالثة، ثم الرابعة، ثم الخامسة، ثم السادسة، ثم السابعة حتى يُنْتَهى به إلى سدرة المنتهى. قال الأجلح: قلت للضحاك: لم سميت سدرة المنتهى؟... قال: لأَنَّه يَنتهي إليها كل شيء من أمر الله، [لا يعدوها]. [قال]: فيقولون: [يا رب]، عبدك فلان. وهو أعلم به منهم، فيبعث الله جل ذكره إليه بصك مختوم بأمنه من العذاب، فذلك قوله: ﴿كَلاَّ إِنَّ كِتَابَ ٱلأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ * وَمَآ أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ * كِتَابٌ مَّرْقُومٌ * يَشْهَدُهُ ٱلْمُقَرَّبُونَ﴾. وعن ابن عباس أيضاً: ﴿لَفِي عِلِّيِّينَ﴾ لفي السماء عند الله وهو قول الفراء وهي الرواية الأولى عن الضحاك. وإنما أعرب ﴿عِلِّيُّونَ﴾ بإعراب الجمع (لأنه) لا واحد له، فأشبَهَ "عشرين". ومعناه: من علو إلى علو، أي: من سماء إلى سماء، (إلى) السابعة. وقيل: إن ﴿عِلِّيِّينَ﴾ (من صفة الملائكة)، فلذلك جمع بالواو والنون. والتقدير عند الطبري: ﴿لَفِي عِلِّيِّينَ﴾ أي: في عُلُوٍّ وارتفاعٍ، في سَمَاء فوق سماء، وعلوٍ فوق علوٍ إلى السماء السابعة، أو إلى سدرة المنتهى أو إلى قائمة العرش، على الاختلاف المتقدم. * * - وقوله: ﴿وَمَآ أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ﴾. أي: وأي شيء أدراك يا محمد ما عليون؟! يُعَجِّبُ نبيه ﷺ من عليين، ثم بينه فقال: * * - ﴿كِتَابٌ مَّرْقُومٌ﴾. أي: مكتوب [بأمان الله للأبرار من العذاب يوم القيامة والفوز بالجنة. * * - وقوله: ﴿يَشْهَدُهُ ٱلْمُقَرَّبُونَ﴾. أي: يشهدُ ذلِكَ الكتابَ المكتوبَ] بأمان الله للبَرِّ من عباده من النار والفوز بالجنة المقربونَ من ملائكة كل سماء. قال [ابن عباس]: المقربون. أهل كل سماء. وقاله الضحاك. * * - ثم قال: ﴿إِنَّ ٱلأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ﴾. [أي]: يتمتعون في الجنان ﴿عَلَى ٱلأَرَآئِكِ يَنظُرُونَ﴾. أي: [السرر] في الحجال من اللؤلؤ والياقوت ينظرون إلى ما أعطاهم الله من الكرامة. رَوَى الخدري عن النبي ﷺ أنه قال: "(على الأرائك متكئون) [يَنْظُرُونَ] إلى أَعْدَائِهِمْ فِي النَّارِ قال مجاهد: ﴿عَلَى ٱلأَرَآئِكِ يَنظُرُونَ﴾: "من اللؤلؤ والياقوت ". * * - ثم قال: ﴿تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ ٱلنَّعِيمِ﴾. أي: حسن النعيم وبريقه. * * - ثم قال تعالى: ﴿يُسْقَوْنَ مِن رَّحِيقٍ مَّخْتُومٍ﴾. أي: من خمر [صرف لا] غش فيها. قال ابن عباس ومجاهد وقتادة وابن زيد: الرحيق: الخمر. وهو قول الحسن، [و] قاله ابن مسعود. وقال أهل اللغة: الرحيق [صَفْوُ] الخمر. وقال أبو عبيدة: (الرحيق): الخالص من الشراب. وقال ابن مسعود: مختوم: أي مخلوط. * * - ﴿خِتَامُهُ مِسْكٌ﴾ أي: خلطه مسك. وقال علقمة: "طعمه وريحه مسك". وقال ابن عباس: ﴿خِتَامُهُ مِسْكٌ﴾ أي: تختم الخمر بالمسك، أي: آخر شرابهم مسك. قال ابن عباس: طيب الله عز وجل (مُقَدَّمَ) شرابهم، وكان آخر شيء جعل فيه مِسْكاً ختامه بالمسك. وقال قتادة: آخره مسك، عاقبته مسك، قوم تمزج لهم بالكافور وتختم لهم بالمسك. قال الضحاك: "طيب الله لهم الخمر فوجدوا في آخر شيء منها ريح المسك". وقال أبو الدرداء: هو شراب أبيض مثل الفضة يختمون به شرابهم لو أن رجلا من أهل الجنة أدخل أصبعه فيه ثم أخرجها إلى الدنيا لم يبق ذو روح إلا وجد طِيبَهَا؟ وعن مجاهد أن معناه أنه مختوم (مطين) بخاتم من مسك، وقاله ابن زيد. وهذا إنما يكون على قراءة الكسائي، لأنه قد قرأ: (خاتمه مسك). والقراءة الأولى [معناها]: آخره مسك. وهو اختيار الطبري. قال: لأنه لا وجه للختم إلا الطبع أو الفراغ، ولا معنى للطبع على شراب أهل الجنة، (إذ شرابهم) جارٍ جَرْيَ المياه في الانهار ولم يكن مُعَتَّقاً في الدنان فيطبق عليه، فلا يصح معناه إلا في الفراغ. فالمعنى: آخره مسك، كما تقول ختمت القرآن، أي: بلغت آخره. وقراءة الكسائي (تروى) عن علي بن أبي طالب رضي [الله] عنه. والخِتام: مصدر "خَتَمَ يَخْتِمُ خَتْمَاً وخِتَاماً"، "والخَاتَمْ" الاسم. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ ٱلْمُتَنَافِسُونَ﴾. أي: وفي ما تقدم وصفه من النعيم فليتنافس المتنافسون، مأخوذ من الشيء النفيس، وهو العالي الشريف الذي تحرص عليه نفوس الناس وتطلبه وتشتهيه. والمعنى: وفي ذلك فَلْيَجِدَّ في طلبه المُجِدُّونَ، ولتحرص عليه نفوسهم. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَمِزَاجُهُ مِن تَسْنِيمٍ * عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا ٱلْمُقَرَّبُونَ﴾. أي: ومزاج هذا الرحيق - وهو الخمر التي آخرها مسك - ﴿مِن تَسْنِيمٍ﴾ أي: من عُلُوٍّ ينزل عليهم. تَسْنِيمٌ: تفعيل، من قول القائل: سَنَمْتُهُمُ العينَ تسنيماً، إذا أجريتها عليهم من فوقهم. ويقال: سنمتُ الماء أسنمه تسنيماً، إذا أخرجته من موضع عال. وقبرٌ مُسَنَّمٌ، أي: مرتفع. ومنه سنام البعير، وَهُوَ اسْمٌ لمذكر وهو الماء. ولذلك انصرف. وقال ابن زيد: بلغنا أنها عين تخرج من تحت العرش، فهي مزاج هذا الخمر. وقال الضحاك: "هو شراب اسمه تسنيم، وهو من أشرف الشراب". وعنه أنه قال: ﴿تَسْنِيمٍ﴾: عين تتسنم من أعلى الجنة، ليس في الجنة عين أشرف منها. فأما انتصاب "عين"، ففيه أقوال: قال الأخفش: هي منصوبة [بِـ "يسقون"] عيناً، (أي): ماء [عين]. وقال المبرد: نصبها على إضمار أعني. وقال الفراء: تقديره: من تسنيم عين، فلما نونت "تسنيماً [نصبت] عيناً، يقدر نصبه نصب المفعول بمنزلة ﴿يَتِيماً ذَا مَقْرَبَةٍ﴾ [البلد: ١٥]. وقيل: نصبه على الحال، لأن "تَسْنِيماً" اسْمٌ لِلْمَاءِ، مَعْرِفَةٌ. و "عين": نكرة. ومعنى "عَيْن": جار، كأنه قال: من الماء العالي جارياً، فهي في موضع الحال.

المطففين 83:26

قوله: ﴿كَلاَّ إِنَّ كِتَابَ ٱلأَبْرَارِ...﴾، إلى قوله: ﴿يَشْرَبُ بِهَا ٱلْمُقَرَّبُونَ﴾. أي: ألا إن كتاب الأبرار، أي: كتاب أعمالهم لفي عليين. والأبرار: الذين بروا ربهم بأداء فرائضه واجتناب محارمه. وقيل: هم المؤمنون الذين بَرُّوا الآباء والأبناء. وقال الحسن: "[هم الذين] لا يؤذون شيئاً حتى الذر". وسأل ابن عباس كعباً عن ﴿عِلِّيِّينَ﴾ فقال: "هي السماء السابعة، وفيها أرواحُ المؤمنين". روي (عنه أنه قال (له: إن) أرواح المؤمنين إذا قبضت صُعِدَ بها ففتحت لها أبواب السماء وتلقتها الملائكة بالبُشرى، ثم عَرَجُوا مَعَهَا حتى ينتهوا إلى العرش فيُخْرَحُ لها من عند العرش رَقٌّ [فَيُرْقَم] ويختم بمعرفتها النجاة يوم القيامة، ويشهدها الملائكة المقربون. وقال قتادة ومجاهد: هي "السماء السابعة". وقيل: السماء الرابعة، اسمها عليون، وفيها أعمال المؤمنين وأرواحهم. وقال الضحاك: ﴿لَفِي عِلِّيِّينَ﴾ أي: "لفي السماء عند الله". وقال قتادة أيضاً: ﴿لَفِي عِلِّيِّينَ﴾: "فوق السماء السابعة [عند قائمة] العرش اليمنى". وعن ابن عباس: ﴿لَفِي عِلِّيِّينَ﴾ لفي "الجنة". وروى الأجلح عن الضحاك أنه قال: إذا قبض روح العبد المؤمن عُرِج به إلى السماء الدنيا، فينطلق معه المقربون إلى السماء الثانية. قال الأجلح: (قلت): وما المقربون؟ قال: أقربهم إلى السماء [الثانية. قال: فينطلق معه (المقربون) إلى السماء] الثالثة، ثم الرابعة، ثم الخامسة، ثم السادسة، ثم السابعة حتى يُنْتَهى به إلى سدرة المنتهى. قال الأجلح: قلت للضحاك: لم سميت سدرة المنتهى؟... قال: لأَنَّه يَنتهي إليها كل شيء من أمر الله، [لا يعدوها]. [قال]: فيقولون: [يا رب]، عبدك فلان. وهو أعلم به منهم، فيبعث الله جل ذكره إليه بصك مختوم بأمنه من العذاب، فذلك قوله: ﴿كَلاَّ إِنَّ كِتَابَ ٱلأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ * وَمَآ أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ * كِتَابٌ مَّرْقُومٌ * يَشْهَدُهُ ٱلْمُقَرَّبُونَ﴾. وعن ابن عباس أيضاً: ﴿لَفِي عِلِّيِّينَ﴾ لفي السماء عند الله وهو قول الفراء وهي الرواية الأولى عن الضحاك. وإنما أعرب ﴿عِلِّيُّونَ﴾ بإعراب الجمع (لأنه) لا واحد له، فأشبَهَ "عشرين". ومعناه: من علو إلى علو، أي: من سماء إلى سماء، (إلى) السابعة. وقيل: إن ﴿عِلِّيِّينَ﴾ (من صفة الملائكة)، فلذلك جمع بالواو والنون. والتقدير عند الطبري: ﴿لَفِي عِلِّيِّينَ﴾ أي: في عُلُوٍّ وارتفاعٍ، في سَمَاء فوق سماء، وعلوٍ فوق علوٍ إلى السماء السابعة، أو إلى سدرة المنتهى أو إلى قائمة العرش، على الاختلاف المتقدم. * * - وقوله: ﴿وَمَآ أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ﴾. أي: وأي شيء أدراك يا محمد ما عليون؟! يُعَجِّبُ نبيه ﷺ من عليين، ثم بينه فقال: * * - ﴿كِتَابٌ مَّرْقُومٌ﴾. أي: مكتوب [بأمان الله للأبرار من العذاب يوم القيامة والفوز بالجنة. * * - وقوله: ﴿يَشْهَدُهُ ٱلْمُقَرَّبُونَ﴾. أي: يشهدُ ذلِكَ الكتابَ المكتوبَ] بأمان الله للبَرِّ من عباده من النار والفوز بالجنة المقربونَ من ملائكة كل سماء. قال [ابن عباس]: المقربون. أهل كل سماء. وقاله الضحاك. * * - ثم قال: ﴿إِنَّ ٱلأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ﴾. [أي]: يتمتعون في الجنان ﴿عَلَى ٱلأَرَآئِكِ يَنظُرُونَ﴾. أي: [السرر] في الحجال من اللؤلؤ والياقوت ينظرون إلى ما أعطاهم الله من الكرامة. رَوَى الخدري عن النبي ﷺ أنه قال: "(على الأرائك متكئون) [يَنْظُرُونَ] إلى أَعْدَائِهِمْ فِي النَّارِ قال مجاهد: ﴿عَلَى ٱلأَرَآئِكِ يَنظُرُونَ﴾: "من اللؤلؤ والياقوت ". * * - ثم قال: ﴿تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ ٱلنَّعِيمِ﴾. أي: حسن النعيم وبريقه. * * - ثم قال تعالى: ﴿يُسْقَوْنَ مِن رَّحِيقٍ مَّخْتُومٍ﴾. أي: من خمر [صرف لا] غش فيها. قال ابن عباس ومجاهد وقتادة وابن زيد: الرحيق: الخمر. وهو قول الحسن، [و] قاله ابن مسعود. وقال أهل اللغة: الرحيق [صَفْوُ] الخمر. وقال أبو عبيدة: (الرحيق): الخالص من الشراب. وقال ابن مسعود: مختوم: أي مخلوط. * * - ﴿خِتَامُهُ مِسْكٌ﴾ أي: خلطه مسك. وقال علقمة: "طعمه وريحه مسك". وقال ابن عباس: ﴿خِتَامُهُ مِسْكٌ﴾ أي: تختم الخمر بالمسك، أي: آخر شرابهم مسك. قال ابن عباس: طيب الله عز وجل (مُقَدَّمَ) شرابهم، وكان آخر شيء جعل فيه مِسْكاً ختامه بالمسك. وقال قتادة: آخره مسك، عاقبته مسك، قوم تمزج لهم بالكافور وتختم لهم بالمسك. قال الضحاك: "طيب الله لهم الخمر فوجدوا في آخر شيء منها ريح المسك". وقال أبو الدرداء: هو شراب أبيض مثل الفضة يختمون به شرابهم لو أن رجلا من أهل الجنة أدخل أصبعه فيه ثم أخرجها إلى الدنيا لم يبق ذو روح إلا وجد طِيبَهَا؟ وعن مجاهد أن معناه أنه مختوم (مطين) بخاتم من مسك، وقاله ابن زيد. وهذا إنما يكون على قراءة الكسائي، لأنه قد قرأ: (خاتمه مسك). والقراءة الأولى [معناها]: آخره مسك. وهو اختيار الطبري. قال: لأنه لا وجه للختم إلا الطبع أو الفراغ، ولا معنى للطبع على شراب أهل الجنة، (إذ شرابهم) جارٍ جَرْيَ المياه في الانهار ولم يكن مُعَتَّقاً في الدنان فيطبق عليه، فلا يصح معناه إلا في الفراغ. فالمعنى: آخره مسك، كما تقول ختمت القرآن، أي: بلغت آخره. وقراءة الكسائي (تروى) عن علي بن أبي طالب رضي [الله] عنه. والخِتام: مصدر "خَتَمَ يَخْتِمُ خَتْمَاً وخِتَاماً"، "والخَاتَمْ" الاسم. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ ٱلْمُتَنَافِسُونَ﴾. أي: وفي ما تقدم وصفه من النعيم فليتنافس المتنافسون، مأخوذ من الشيء النفيس، وهو العالي الشريف الذي تحرص عليه نفوس الناس وتطلبه وتشتهيه. والمعنى: وفي ذلك فَلْيَجِدَّ في طلبه المُجِدُّونَ، ولتحرص عليه نفوسهم. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَمِزَاجُهُ مِن تَسْنِيمٍ * عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا ٱلْمُقَرَّبُونَ﴾. أي: ومزاج هذا الرحيق - وهو الخمر التي آخرها مسك - ﴿مِن تَسْنِيمٍ﴾ أي: من عُلُوٍّ ينزل عليهم. تَسْنِيمٌ: تفعيل، من قول القائل: سَنَمْتُهُمُ العينَ تسنيماً، إذا أجريتها عليهم من فوقهم. ويقال: سنمتُ الماء أسنمه تسنيماً، إذا أخرجته من موضع عال. وقبرٌ مُسَنَّمٌ، أي: مرتفع. ومنه سنام البعير، وَهُوَ اسْمٌ لمذكر وهو الماء. ولذلك انصرف. وقال ابن زيد: بلغنا أنها عين تخرج من تحت العرش، فهي مزاج هذا الخمر. وقال الضحاك: "هو شراب اسمه تسنيم، وهو من أشرف الشراب". وعنه أنه قال: ﴿تَسْنِيمٍ﴾: عين تتسنم من أعلى الجنة، ليس في الجنة عين أشرف منها. فأما انتصاب "عين"، ففيه أقوال: قال الأخفش: هي منصوبة [بِـ "يسقون"] عيناً، (أي): ماء [عين]. وقال المبرد: نصبها على إضمار أعني. وقال الفراء: تقديره: من تسنيم عين، فلما نونت "تسنيماً [نصبت] عيناً، يقدر نصبه نصب المفعول بمنزلة ﴿يَتِيماً ذَا مَقْرَبَةٍ﴾ [البلد: ١٥]. وقيل: نصبه على الحال، لأن "تَسْنِيماً" اسْمٌ لِلْمَاءِ، مَعْرِفَةٌ. و "عين": نكرة. ومعنى "عَيْن": جار، كأنه قال: من الماء العالي جارياً، فهي في موضع الحال.

المطففين 83:27

قوله: ﴿كَلاَّ إِنَّ كِتَابَ ٱلأَبْرَارِ...﴾، إلى قوله: ﴿يَشْرَبُ بِهَا ٱلْمُقَرَّبُونَ﴾. أي: ألا إن كتاب الأبرار، أي: كتاب أعمالهم لفي عليين. والأبرار: الذين بروا ربهم بأداء فرائضه واجتناب محارمه. وقيل: هم المؤمنون الذين بَرُّوا الآباء والأبناء. وقال الحسن: "[هم الذين] لا يؤذون شيئاً حتى الذر". وسأل ابن عباس كعباً عن ﴿عِلِّيِّينَ﴾ فقال: "هي السماء السابعة، وفيها أرواحُ المؤمنين". روي (عنه أنه قال (له: إن) أرواح المؤمنين إذا قبضت صُعِدَ بها ففتحت لها أبواب السماء وتلقتها الملائكة بالبُشرى، ثم عَرَجُوا مَعَهَا حتى ينتهوا إلى العرش فيُخْرَحُ لها من عند العرش رَقٌّ [فَيُرْقَم] ويختم بمعرفتها النجاة يوم القيامة، ويشهدها الملائكة المقربون. وقال قتادة ومجاهد: هي "السماء السابعة". وقيل: السماء الرابعة، اسمها عليون، وفيها أعمال المؤمنين وأرواحهم. وقال الضحاك: ﴿لَفِي عِلِّيِّينَ﴾ أي: "لفي السماء عند الله". وقال قتادة أيضاً: ﴿لَفِي عِلِّيِّينَ﴾: "فوق السماء السابعة [عند قائمة] العرش اليمنى". وعن ابن عباس: ﴿لَفِي عِلِّيِّينَ﴾ لفي "الجنة". وروى الأجلح عن الضحاك أنه قال: إذا قبض روح العبد المؤمن عُرِج به إلى السماء الدنيا، فينطلق معه المقربون إلى السماء الثانية. قال الأجلح: (قلت): وما المقربون؟ قال: أقربهم إلى السماء [الثانية. قال: فينطلق معه (المقربون) إلى السماء] الثالثة، ثم الرابعة، ثم الخامسة، ثم السادسة، ثم السابعة حتى يُنْتَهى به إلى سدرة المنتهى. قال الأجلح: قلت للضحاك: لم سميت سدرة المنتهى؟... قال: لأَنَّه يَنتهي إليها كل شيء من أمر الله، [لا يعدوها]. [قال]: فيقولون: [يا رب]، عبدك فلان. وهو أعلم به منهم، فيبعث الله جل ذكره إليه بصك مختوم بأمنه من العذاب، فذلك قوله: ﴿كَلاَّ إِنَّ كِتَابَ ٱلأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ * وَمَآ أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ * كِتَابٌ مَّرْقُومٌ * يَشْهَدُهُ ٱلْمُقَرَّبُونَ﴾. وعن ابن عباس أيضاً: ﴿لَفِي عِلِّيِّينَ﴾ لفي السماء عند الله وهو قول الفراء وهي الرواية الأولى عن الضحاك. وإنما أعرب ﴿عِلِّيُّونَ﴾ بإعراب الجمع (لأنه) لا واحد له، فأشبَهَ "عشرين". ومعناه: من علو إلى علو، أي: من سماء إلى سماء، (إلى) السابعة. وقيل: إن ﴿عِلِّيِّينَ﴾ (من صفة الملائكة)، فلذلك جمع بالواو والنون. والتقدير عند الطبري: ﴿لَفِي عِلِّيِّينَ﴾ أي: في عُلُوٍّ وارتفاعٍ، في سَمَاء فوق سماء، وعلوٍ فوق علوٍ إلى السماء السابعة، أو إلى سدرة المنتهى أو إلى قائمة العرش، على الاختلاف المتقدم. * * - وقوله: ﴿وَمَآ أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ﴾. أي: وأي شيء أدراك يا محمد ما عليون؟! يُعَجِّبُ نبيه ﷺ من عليين، ثم بينه فقال: * * - ﴿كِتَابٌ مَّرْقُومٌ﴾. أي: مكتوب [بأمان الله للأبرار من العذاب يوم القيامة والفوز بالجنة. * * - وقوله: ﴿يَشْهَدُهُ ٱلْمُقَرَّبُونَ﴾. أي: يشهدُ ذلِكَ الكتابَ المكتوبَ] بأمان الله للبَرِّ من عباده من النار والفوز بالجنة المقربونَ من ملائكة كل سماء. قال [ابن عباس]: المقربون. أهل كل سماء. وقاله الضحاك. * * - ثم قال: ﴿إِنَّ ٱلأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ﴾. [أي]: يتمتعون في الجنان ﴿عَلَى ٱلأَرَآئِكِ يَنظُرُونَ﴾. أي: [السرر] في الحجال من اللؤلؤ والياقوت ينظرون إلى ما أعطاهم الله من الكرامة. رَوَى الخدري عن النبي ﷺ أنه قال: "(على الأرائك متكئون) [يَنْظُرُونَ] إلى أَعْدَائِهِمْ فِي النَّارِ قال مجاهد: ﴿عَلَى ٱلأَرَآئِكِ يَنظُرُونَ﴾: "من اللؤلؤ والياقوت ". * * - ثم قال: ﴿تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ ٱلنَّعِيمِ﴾. أي: حسن النعيم وبريقه. * * - ثم قال تعالى: ﴿يُسْقَوْنَ مِن رَّحِيقٍ مَّخْتُومٍ﴾. أي: من خمر [صرف لا] غش فيها. قال ابن عباس ومجاهد وقتادة وابن زيد: الرحيق: الخمر. وهو قول الحسن، [و] قاله ابن مسعود. وقال أهل اللغة: الرحيق [صَفْوُ] الخمر. وقال أبو عبيدة: (الرحيق): الخالص من الشراب. وقال ابن مسعود: مختوم: أي مخلوط. * * - ﴿خِتَامُهُ مِسْكٌ﴾ أي: خلطه مسك. وقال علقمة: "طعمه وريحه مسك". وقال ابن عباس: ﴿خِتَامُهُ مِسْكٌ﴾ أي: تختم الخمر بالمسك، أي: آخر شرابهم مسك. قال ابن عباس: طيب الله عز وجل (مُقَدَّمَ) شرابهم، وكان آخر شيء جعل فيه مِسْكاً ختامه بالمسك. وقال قتادة: آخره مسك، عاقبته مسك، قوم تمزج لهم بالكافور وتختم لهم بالمسك. قال الضحاك: "طيب الله لهم الخمر فوجدوا في آخر شيء منها ريح المسك". وقال أبو الدرداء: هو شراب أبيض مثل الفضة يختمون به شرابهم لو أن رجلا من أهل الجنة أدخل أصبعه فيه ثم أخرجها إلى الدنيا لم يبق ذو روح إلا وجد طِيبَهَا؟ وعن مجاهد أن معناه أنه مختوم (مطين) بخاتم من مسك، وقاله ابن زيد. وهذا إنما يكون على قراءة الكسائي، لأنه قد قرأ: (خاتمه مسك). والقراءة الأولى [معناها]: آخره مسك. وهو اختيار الطبري. قال: لأنه لا وجه للختم إلا الطبع أو الفراغ، ولا معنى للطبع على شراب أهل الجنة، (إذ شرابهم) جارٍ جَرْيَ المياه في الانهار ولم يكن مُعَتَّقاً في الدنان فيطبق عليه، فلا يصح معناه إلا في الفراغ. فالمعنى: آخره مسك، كما تقول ختمت القرآن، أي: بلغت آخره. وقراءة الكسائي (تروى) عن علي بن أبي طالب رضي [الله] عنه. والخِتام: مصدر "خَتَمَ يَخْتِمُ خَتْمَاً وخِتَاماً"، "والخَاتَمْ" الاسم. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ ٱلْمُتَنَافِسُونَ﴾. أي: وفي ما تقدم وصفه من النعيم فليتنافس المتنافسون، مأخوذ من الشيء النفيس، وهو العالي الشريف الذي تحرص عليه نفوس الناس وتطلبه وتشتهيه. والمعنى: وفي ذلك فَلْيَجِدَّ في طلبه المُجِدُّونَ، ولتحرص عليه نفوسهم. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَمِزَاجُهُ مِن تَسْنِيمٍ * عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا ٱلْمُقَرَّبُونَ﴾. أي: ومزاج هذا الرحيق - وهو الخمر التي آخرها مسك - ﴿مِن تَسْنِيمٍ﴾ أي: من عُلُوٍّ ينزل عليهم. تَسْنِيمٌ: تفعيل، من قول القائل: سَنَمْتُهُمُ العينَ تسنيماً، إذا أجريتها عليهم من فوقهم. ويقال: سنمتُ الماء أسنمه تسنيماً، إذا أخرجته من موضع عال. وقبرٌ مُسَنَّمٌ، أي: مرتفع. ومنه سنام البعير، وَهُوَ اسْمٌ لمذكر وهو الماء. ولذلك انصرف. وقال ابن زيد: بلغنا أنها عين تخرج من تحت العرش، فهي مزاج هذا الخمر. وقال الضحاك: "هو شراب اسمه تسنيم، وهو من أشرف الشراب". وعنه أنه قال: ﴿تَسْنِيمٍ﴾: عين تتسنم من أعلى الجنة، ليس في الجنة عين أشرف منها. فأما انتصاب "عين"، ففيه أقوال: قال الأخفش: هي منصوبة [بِـ "يسقون"] عيناً، (أي): ماء [عين]. وقال المبرد: نصبها على إضمار أعني. وقال الفراء: تقديره: من تسنيم عين، فلما نونت "تسنيماً [نصبت] عيناً، يقدر نصبه نصب المفعول بمنزلة ﴿يَتِيماً ذَا مَقْرَبَةٍ﴾ [البلد: ١٥]. وقيل: نصبه على الحال، لأن "تَسْنِيماً" اسْمٌ لِلْمَاءِ، مَعْرِفَةٌ. و "عين": نكرة. ومعنى "عَيْن": جار، كأنه قال: من الماء العالي جارياً، فهي في موضع الحال.

المطففين 83:28

قوله: ﴿كَلاَّ إِنَّ كِتَابَ ٱلأَبْرَارِ...﴾، إلى قوله: ﴿يَشْرَبُ بِهَا ٱلْمُقَرَّبُونَ﴾. أي: ألا إن كتاب الأبرار، أي: كتاب أعمالهم لفي عليين. والأبرار: الذين بروا ربهم بأداء فرائضه واجتناب محارمه. وقيل: هم المؤمنون الذين بَرُّوا الآباء والأبناء. وقال الحسن: "[هم الذين] لا يؤذون شيئاً حتى الذر". وسأل ابن عباس كعباً عن ﴿عِلِّيِّينَ﴾ فقال: "هي السماء السابعة، وفيها أرواحُ المؤمنين". روي (عنه أنه قال (له: إن) أرواح المؤمنين إذا قبضت صُعِدَ بها ففتحت لها أبواب السماء وتلقتها الملائكة بالبُشرى، ثم عَرَجُوا مَعَهَا حتى ينتهوا إلى العرش فيُخْرَحُ لها من عند العرش رَقٌّ [فَيُرْقَم] ويختم بمعرفتها النجاة يوم القيامة، ويشهدها الملائكة المقربون. وقال قتادة ومجاهد: هي "السماء السابعة". وقيل: السماء الرابعة، اسمها عليون، وفيها أعمال المؤمنين وأرواحهم. وقال الضحاك: ﴿لَفِي عِلِّيِّينَ﴾ أي: "لفي السماء عند الله". وقال قتادة أيضاً: ﴿لَفِي عِلِّيِّينَ﴾: "فوق السماء السابعة [عند قائمة] العرش اليمنى". وعن ابن عباس: ﴿لَفِي عِلِّيِّينَ﴾ لفي "الجنة". وروى الأجلح عن الضحاك أنه قال: إذا قبض روح العبد المؤمن عُرِج به إلى السماء الدنيا، فينطلق معه المقربون إلى السماء الثانية. قال الأجلح: (قلت): وما المقربون؟ قال: أقربهم إلى السماء [الثانية. قال: فينطلق معه (المقربون) إلى السماء] الثالثة، ثم الرابعة، ثم الخامسة، ثم السادسة، ثم السابعة حتى يُنْتَهى به إلى سدرة المنتهى. قال الأجلح: قلت للضحاك: لم سميت سدرة المنتهى؟... قال: لأَنَّه يَنتهي إليها كل شيء من أمر الله، [لا يعدوها]. [قال]: فيقولون: [يا رب]، عبدك فلان. وهو أعلم به منهم، فيبعث الله جل ذكره إليه بصك مختوم بأمنه من العذاب، فذلك قوله: ﴿كَلاَّ إِنَّ كِتَابَ ٱلأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ * وَمَآ أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ * كِتَابٌ مَّرْقُومٌ * يَشْهَدُهُ ٱلْمُقَرَّبُونَ﴾. وعن ابن عباس أيضاً: ﴿لَفِي عِلِّيِّينَ﴾ لفي السماء عند الله وهو قول الفراء وهي الرواية الأولى عن الضحاك. وإنما أعرب ﴿عِلِّيُّونَ﴾ بإعراب الجمع (لأنه) لا واحد له، فأشبَهَ "عشرين". ومعناه: من علو إلى علو، أي: من سماء إلى سماء، (إلى) السابعة. وقيل: إن ﴿عِلِّيِّينَ﴾ (من صفة الملائكة)، فلذلك جمع بالواو والنون. والتقدير عند الطبري: ﴿لَفِي عِلِّيِّينَ﴾ أي: في عُلُوٍّ وارتفاعٍ، في سَمَاء فوق سماء، وعلوٍ فوق علوٍ إلى السماء السابعة، أو إلى سدرة المنتهى أو إلى قائمة العرش، على الاختلاف المتقدم. * * - وقوله: ﴿وَمَآ أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ﴾. أي: وأي شيء أدراك يا محمد ما عليون؟! يُعَجِّبُ نبيه ﷺ من عليين، ثم بينه فقال: * * - ﴿كِتَابٌ مَّرْقُومٌ﴾. أي: مكتوب [بأمان الله للأبرار من العذاب يوم القيامة والفوز بالجنة. * * - وقوله: ﴿يَشْهَدُهُ ٱلْمُقَرَّبُونَ﴾. أي: يشهدُ ذلِكَ الكتابَ المكتوبَ] بأمان الله للبَرِّ من عباده من النار والفوز بالجنة المقربونَ من ملائكة كل سماء. قال [ابن عباس]: المقربون. أهل كل سماء. وقاله الضحاك. * * - ثم قال: ﴿إِنَّ ٱلأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ﴾. [أي]: يتمتعون في الجنان ﴿عَلَى ٱلأَرَآئِكِ يَنظُرُونَ﴾. أي: [السرر] في الحجال من اللؤلؤ والياقوت ينظرون إلى ما أعطاهم الله من الكرامة. رَوَى الخدري عن النبي ﷺ أنه قال: "(على الأرائك متكئون) [يَنْظُرُونَ] إلى أَعْدَائِهِمْ فِي النَّارِ قال مجاهد: ﴿عَلَى ٱلأَرَآئِكِ يَنظُرُونَ﴾: "من اللؤلؤ والياقوت ". * * - ثم قال: ﴿تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ ٱلنَّعِيمِ﴾. أي: حسن النعيم وبريقه. * * - ثم قال تعالى: ﴿يُسْقَوْنَ مِن رَّحِيقٍ مَّخْتُومٍ﴾. أي: من خمر [صرف لا] غش فيها. قال ابن عباس ومجاهد وقتادة وابن زيد: الرحيق: الخمر. وهو قول الحسن، [و] قاله ابن مسعود. وقال أهل اللغة: الرحيق [صَفْوُ] الخمر. وقال أبو عبيدة: (الرحيق): الخالص من الشراب. وقال ابن مسعود: مختوم: أي مخلوط. * * - ﴿خِتَامُهُ مِسْكٌ﴾ أي: خلطه مسك. وقال علقمة: "طعمه وريحه مسك". وقال ابن عباس: ﴿خِتَامُهُ مِسْكٌ﴾ أي: تختم الخمر بالمسك، أي: آخر شرابهم مسك. قال ابن عباس: طيب الله عز وجل (مُقَدَّمَ) شرابهم، وكان آخر شيء جعل فيه مِسْكاً ختامه بالمسك. وقال قتادة: آخره مسك، عاقبته مسك، قوم تمزج لهم بالكافور وتختم لهم بالمسك. قال الضحاك: "طيب الله لهم الخمر فوجدوا في آخر شيء منها ريح المسك". وقال أبو الدرداء: هو شراب أبيض مثل الفضة يختمون به شرابهم لو أن رجلا من أهل الجنة أدخل أصبعه فيه ثم أخرجها إلى الدنيا لم يبق ذو روح إلا وجد طِيبَهَا؟ وعن مجاهد أن معناه أنه مختوم (مطين) بخاتم من مسك، وقاله ابن زيد. وهذا إنما يكون على قراءة الكسائي، لأنه قد قرأ: (خاتمه مسك). والقراءة الأولى [معناها]: آخره مسك. وهو اختيار الطبري. قال: لأنه لا وجه للختم إلا الطبع أو الفراغ، ولا معنى للطبع على شراب أهل الجنة، (إذ شرابهم) جارٍ جَرْيَ المياه في الانهار ولم يكن مُعَتَّقاً في الدنان فيطبق عليه، فلا يصح معناه إلا في الفراغ. فالمعنى: آخره مسك، كما تقول ختمت القرآن، أي: بلغت آخره. وقراءة الكسائي (تروى) عن علي بن أبي طالب رضي [الله] عنه. والخِتام: مصدر "خَتَمَ يَخْتِمُ خَتْمَاً وخِتَاماً"، "والخَاتَمْ" الاسم. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ ٱلْمُتَنَافِسُونَ﴾. أي: وفي ما تقدم وصفه من النعيم فليتنافس المتنافسون، مأخوذ من الشيء النفيس، وهو العالي الشريف الذي تحرص عليه نفوس الناس وتطلبه وتشتهيه. والمعنى: وفي ذلك فَلْيَجِدَّ في طلبه المُجِدُّونَ، ولتحرص عليه نفوسهم. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَمِزَاجُهُ مِن تَسْنِيمٍ * عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا ٱلْمُقَرَّبُونَ﴾. أي: ومزاج هذا الرحيق - وهو الخمر التي آخرها مسك - ﴿مِن تَسْنِيمٍ﴾ أي: من عُلُوٍّ ينزل عليهم. تَسْنِيمٌ: تفعيل، من قول القائل: سَنَمْتُهُمُ العينَ تسنيماً، إذا أجريتها عليهم من فوقهم. ويقال: سنمتُ الماء أسنمه تسنيماً، إذا أخرجته من موضع عال. وقبرٌ مُسَنَّمٌ، أي: مرتفع. ومنه سنام البعير، وَهُوَ اسْمٌ لمذكر وهو الماء. ولذلك انصرف. وقال ابن زيد: بلغنا أنها عين تخرج من تحت العرش، فهي مزاج هذا الخمر. وقال الضحاك: "هو شراب اسمه تسنيم، وهو من أشرف الشراب". وعنه أنه قال: ﴿تَسْنِيمٍ﴾: عين تتسنم من أعلى الجنة، ليس في الجنة عين أشرف منها. فأما انتصاب "عين"، ففيه أقوال: قال الأخفش: هي منصوبة [بِـ "يسقون"] عيناً، (أي): ماء [عين]. وقال المبرد: نصبها على إضمار أعني. وقال الفراء: تقديره: من تسنيم عين، فلما نونت "تسنيماً [نصبت] عيناً، يقدر نصبه نصب المفعول بمنزلة ﴿يَتِيماً ذَا مَقْرَبَةٍ﴾ [البلد: ١٥]. وقيل: نصبه على الحال، لأن "تَسْنِيماً" اسْمٌ لِلْمَاءِ، مَعْرِفَةٌ. و "عين": نكرة. ومعنى "عَيْن": جار، كأنه قال: من الماء العالي جارياً، فهي في موضع الحال.

المطففين 83:29

قوله تعالى: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ أَجْرَمُواْ كَانُواْ (مِنَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ يَضْحَكُونَ)﴾ إلى آخر السورة. أي: إن الذين اكتسبوا المآثم في الدنيا وكفروا بالله كانوا يضحكون في الدنيا من المؤمنين استهزاء بهم. (قال قتادة: كانوا يقولون في الدنيا: والله إن هؤلاء لكذبة وما هم على شيء، استهزاءً بهم). * * - ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَرُّواْ بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ﴾. أي: وإذا مروا بالمؤمنين غمَز بعضهم بعضاً استهزاءً بالمؤمنين. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَا ٱنقَلَبُوۤاْ إِلَىٰ أَهْلِهِمُ ٱنقَلَبُواْ فَكِهِينَ﴾. أي: (وإذا) انقلب المجرمون إلى أهلهم من مجالسهم انقلبوا ناعمين معجبين. قال ابن عباس: ﴿فَكِهِينَ﴾: "معجبين". وقال ابن زيد: انقلبوا ناعمين، ثم أعقبهم الله النار في الآخرة. ويروى أن أبا جهل وأصحابه ضحكوا واستهزءوا بعلي بن أبي طالب رضي الله عنه وأصحابه. وحكى أبو عبيد عن أبي زيد أن العرب تقول: رجل فكهٌ أي: ضحوكٌ طيب النفس. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوۤاْ إِنَّ هَـٰؤُلاَءِ لَضَالُّونَ﴾. أي: وإذا رأى المجرمون المؤمنين قالوا: إن هؤلاء لضالونَ عن محجة الحق. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَمَآ أُرْسِلُواْ عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ﴾. أي: وما بعث هؤلاء المجرمون القائلون للمؤمنين: إن هؤلاء لضالون حافظين عليهم أعمالهم رقباء عليهم: إنما كلفوا أنفسهم ليؤمنوا بالله [ورسوله] وكتابه [وليعملوا] بطاعة ربهم. * * - ثم قال تعالى: ﴿فَٱلْيَوْمَ ٱلَّذِينَ (آمَنُواْ) مِنَ ٱلْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ﴾. أي: فيوم القيامة يضحك المؤمنون من الكفار على سررهم في الحجال ينظرون. (وقال ابن عباس: يفتح في السور الذي بين الجنة والنار أبواب، فينظر المؤمنون إلى أهل النار، والمؤمنون على السرر ينظرون) كيف يعذبون، فيضحكون منهم، فيكون ذلك مما أقرَّ الله به أعْيُنَهم كيف ينتقم الله منهم. وروى قتادة عن كعب أنه قال: ذُكر لنا أن بين الجنة والنار كِواء، إذا أراد المؤمنون أن [ينظروا] إلى عَدُوٍّ لَهُمْ كانوا في الدنيا، [اطلعوا] من بعض تلك الكواء [قال الله عز] ﴿فَٱطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَآءِ ٱلْجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٥٥]، أي: في وسط النار، ذكر لنا أنه رأى جماجم القوم تغلي. قال سفيان: [يجاء بالكفار] حتى [ينظروا] إلى أهل الجنة في الجنة على سرر، فحين ينظرون إليهم تغلق دونهم الأبواب (ويضحك) أهل الجنة منهم، فهو قول الله تعالى ذكره: * * - ﴿فَٱلْيَوْمَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ مِنَ ٱلْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ * عَلَى ٱلأَرَآئِكِ يَنظُرُونَ﴾. * * - ثم قال تعالى: ﴿هَلْ ثُوِّبَ ٱلْكُفَّارُ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ﴾. (أي: هل جوزي الكفار ثواب ما كانوا يفعلون) في الدنيا بالمؤمنين من سخريتهم بهم وضحكهم بهم. قال مجاهد: الأرائك لؤلؤ وزبرجد. * * وقوله: ﴿يَنظُرُونَ﴾ تَمَامٌ، المعنى ينظرون إلى الكفار وليس ينظرون [﴿هَلْ ثُوِّبَ ٱلْكُفَّارُ﴾] أو لم يجازوا. ومعنى ﴿ثُوِّبَ﴾: جوزي.

المطففين 83:30

قوله تعالى: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ أَجْرَمُواْ كَانُواْ (مِنَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ يَضْحَكُونَ)﴾ إلى آخر السورة. أي: إن الذين اكتسبوا المآثم في الدنيا وكفروا بالله كانوا يضحكون في الدنيا من المؤمنين استهزاء بهم. (قال قتادة: كانوا يقولون في الدنيا: والله إن هؤلاء لكذبة وما هم على شيء، استهزاءً بهم). * * - ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَرُّواْ بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ﴾. أي: وإذا مروا بالمؤمنين غمَز بعضهم بعضاً استهزاءً بالمؤمنين. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَا ٱنقَلَبُوۤاْ إِلَىٰ أَهْلِهِمُ ٱنقَلَبُواْ فَكِهِينَ﴾. أي: (وإذا) انقلب المجرمون إلى أهلهم من مجالسهم انقلبوا ناعمين معجبين. قال ابن عباس: ﴿فَكِهِينَ﴾: "معجبين". وقال ابن زيد: انقلبوا ناعمين، ثم أعقبهم الله النار في الآخرة. ويروى أن أبا جهل وأصحابه ضحكوا واستهزءوا بعلي بن أبي طالب رضي الله عنه وأصحابه. وحكى أبو عبيد عن أبي زيد أن العرب تقول: رجل فكهٌ أي: ضحوكٌ طيب النفس. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوۤاْ إِنَّ هَـٰؤُلاَءِ لَضَالُّونَ﴾. أي: وإذا رأى المجرمون المؤمنين قالوا: إن هؤلاء لضالونَ عن محجة الحق. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَمَآ أُرْسِلُواْ عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ﴾. أي: وما بعث هؤلاء المجرمون القائلون للمؤمنين: إن هؤلاء لضالون حافظين عليهم أعمالهم رقباء عليهم: إنما كلفوا أنفسهم ليؤمنوا بالله [ورسوله] وكتابه [وليعملوا] بطاعة ربهم. * * - ثم قال تعالى: ﴿فَٱلْيَوْمَ ٱلَّذِينَ (آمَنُواْ) مِنَ ٱلْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ﴾. أي: فيوم القيامة يضحك المؤمنون من الكفار على سررهم في الحجال ينظرون. (وقال ابن عباس: يفتح في السور الذي بين الجنة والنار أبواب، فينظر المؤمنون إلى أهل النار، والمؤمنون على السرر ينظرون) كيف يعذبون، فيضحكون منهم، فيكون ذلك مما أقرَّ الله به أعْيُنَهم كيف ينتقم الله منهم. وروى قتادة عن كعب أنه قال: ذُكر لنا أن بين الجنة والنار كِواء، إذا أراد المؤمنون أن [ينظروا] إلى عَدُوٍّ لَهُمْ كانوا في الدنيا، [اطلعوا] من بعض تلك الكواء [قال الله عز] ﴿فَٱطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَآءِ ٱلْجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٥٥]، أي: في وسط النار، ذكر لنا أنه رأى جماجم القوم تغلي. قال سفيان: [يجاء بالكفار] حتى [ينظروا] إلى أهل الجنة في الجنة على سرر، فحين ينظرون إليهم تغلق دونهم الأبواب (ويضحك) أهل الجنة منهم، فهو قول الله تعالى ذكره: * * - ﴿فَٱلْيَوْمَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ مِنَ ٱلْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ * عَلَى ٱلأَرَآئِكِ يَنظُرُونَ﴾. * * - ثم قال تعالى: ﴿هَلْ ثُوِّبَ ٱلْكُفَّارُ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ﴾. (أي: هل جوزي الكفار ثواب ما كانوا يفعلون) في الدنيا بالمؤمنين من سخريتهم بهم وضحكهم بهم. قال مجاهد: الأرائك لؤلؤ وزبرجد. * * وقوله: ﴿يَنظُرُونَ﴾ تَمَامٌ، المعنى ينظرون إلى الكفار وليس ينظرون [﴿هَلْ ثُوِّبَ ٱلْكُفَّارُ﴾] أو لم يجازوا. ومعنى ﴿ثُوِّبَ﴾: جوزي.

المطففين 83:31

قوله تعالى: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ أَجْرَمُواْ كَانُواْ (مِنَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ يَضْحَكُونَ)﴾ إلى آخر السورة. أي: إن الذين اكتسبوا المآثم في الدنيا وكفروا بالله كانوا يضحكون في الدنيا من المؤمنين استهزاء بهم. (قال قتادة: كانوا يقولون في الدنيا: والله إن هؤلاء لكذبة وما هم على شيء، استهزاءً بهم). * * - ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَرُّواْ بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ﴾. أي: وإذا مروا بالمؤمنين غمَز بعضهم بعضاً استهزاءً بالمؤمنين. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَا ٱنقَلَبُوۤاْ إِلَىٰ أَهْلِهِمُ ٱنقَلَبُواْ فَكِهِينَ﴾. أي: (وإذا) انقلب المجرمون إلى أهلهم من مجالسهم انقلبوا ناعمين معجبين. قال ابن عباس: ﴿فَكِهِينَ﴾: "معجبين". وقال ابن زيد: انقلبوا ناعمين، ثم أعقبهم الله النار في الآخرة. ويروى أن أبا جهل وأصحابه ضحكوا واستهزءوا بعلي بن أبي طالب رضي الله عنه وأصحابه. وحكى أبو عبيد عن أبي زيد أن العرب تقول: رجل فكهٌ أي: ضحوكٌ طيب النفس. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوۤاْ إِنَّ هَـٰؤُلاَءِ لَضَالُّونَ﴾. أي: وإذا رأى المجرمون المؤمنين قالوا: إن هؤلاء لضالونَ عن محجة الحق. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَمَآ أُرْسِلُواْ عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ﴾. أي: وما بعث هؤلاء المجرمون القائلون للمؤمنين: إن هؤلاء لضالون حافظين عليهم أعمالهم رقباء عليهم: إنما كلفوا أنفسهم ليؤمنوا بالله [ورسوله] وكتابه [وليعملوا] بطاعة ربهم. * * - ثم قال تعالى: ﴿فَٱلْيَوْمَ ٱلَّذِينَ (آمَنُواْ) مِنَ ٱلْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ﴾. أي: فيوم القيامة يضحك المؤمنون من الكفار على سررهم في الحجال ينظرون. (وقال ابن عباس: يفتح في السور الذي بين الجنة والنار أبواب، فينظر المؤمنون إلى أهل النار، والمؤمنون على السرر ينظرون) كيف يعذبون، فيضحكون منهم، فيكون ذلك مما أقرَّ الله به أعْيُنَهم كيف ينتقم الله منهم. وروى قتادة عن كعب أنه قال: ذُكر لنا أن بين الجنة والنار كِواء، إذا أراد المؤمنون أن [ينظروا] إلى عَدُوٍّ لَهُمْ كانوا في الدنيا، [اطلعوا] من بعض تلك الكواء [قال الله عز] ﴿فَٱطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَآءِ ٱلْجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٥٥]، أي: في وسط النار، ذكر لنا أنه رأى جماجم القوم تغلي. قال سفيان: [يجاء بالكفار] حتى [ينظروا] إلى أهل الجنة في الجنة على سرر، فحين ينظرون إليهم تغلق دونهم الأبواب (ويضحك) أهل الجنة منهم، فهو قول الله تعالى ذكره: * * - ﴿فَٱلْيَوْمَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ مِنَ ٱلْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ * عَلَى ٱلأَرَآئِكِ يَنظُرُونَ﴾. * * - ثم قال تعالى: ﴿هَلْ ثُوِّبَ ٱلْكُفَّارُ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ﴾. (أي: هل جوزي الكفار ثواب ما كانوا يفعلون) في الدنيا بالمؤمنين من سخريتهم بهم وضحكهم بهم. قال مجاهد: الأرائك لؤلؤ وزبرجد. * * وقوله: ﴿يَنظُرُونَ﴾ تَمَامٌ، المعنى ينظرون إلى الكفار وليس ينظرون [﴿هَلْ ثُوِّبَ ٱلْكُفَّارُ﴾] أو لم يجازوا. ومعنى ﴿ثُوِّبَ﴾: جوزي.

المطففين 83:32

قوله تعالى: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ أَجْرَمُواْ كَانُواْ (مِنَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ يَضْحَكُونَ)﴾ إلى آخر السورة. أي: إن الذين اكتسبوا المآثم في الدنيا وكفروا بالله كانوا يضحكون في الدنيا من المؤمنين استهزاء بهم. (قال قتادة: كانوا يقولون في الدنيا: والله إن هؤلاء لكذبة وما هم على شيء، استهزاءً بهم). * * - ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَرُّواْ بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ﴾. أي: وإذا مروا بالمؤمنين غمَز بعضهم بعضاً استهزاءً بالمؤمنين. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَا ٱنقَلَبُوۤاْ إِلَىٰ أَهْلِهِمُ ٱنقَلَبُواْ فَكِهِينَ﴾. أي: (وإذا) انقلب المجرمون إلى أهلهم من مجالسهم انقلبوا ناعمين معجبين. قال ابن عباس: ﴿فَكِهِينَ﴾: "معجبين". وقال ابن زيد: انقلبوا ناعمين، ثم أعقبهم الله النار في الآخرة. ويروى أن أبا جهل وأصحابه ضحكوا واستهزءوا بعلي بن أبي طالب رضي الله عنه وأصحابه. وحكى أبو عبيد عن أبي زيد أن العرب تقول: رجل فكهٌ أي: ضحوكٌ طيب النفس. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوۤاْ إِنَّ هَـٰؤُلاَءِ لَضَالُّونَ﴾. أي: وإذا رأى المجرمون المؤمنين قالوا: إن هؤلاء لضالونَ عن محجة الحق. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَمَآ أُرْسِلُواْ عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ﴾. أي: وما بعث هؤلاء المجرمون القائلون للمؤمنين: إن هؤلاء لضالون حافظين عليهم أعمالهم رقباء عليهم: إنما كلفوا أنفسهم ليؤمنوا بالله [ورسوله] وكتابه [وليعملوا] بطاعة ربهم. * * - ثم قال تعالى: ﴿فَٱلْيَوْمَ ٱلَّذِينَ (آمَنُواْ) مِنَ ٱلْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ﴾. أي: فيوم القيامة يضحك المؤمنون من الكفار على سررهم في الحجال ينظرون. (وقال ابن عباس: يفتح في السور الذي بين الجنة والنار أبواب، فينظر المؤمنون إلى أهل النار، والمؤمنون على السرر ينظرون) كيف يعذبون، فيضحكون منهم، فيكون ذلك مما أقرَّ الله به أعْيُنَهم كيف ينتقم الله منهم. وروى قتادة عن كعب أنه قال: ذُكر لنا أن بين الجنة والنار كِواء، إذا أراد المؤمنون أن [ينظروا] إلى عَدُوٍّ لَهُمْ كانوا في الدنيا، [اطلعوا] من بعض تلك الكواء [قال الله عز] ﴿فَٱطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَآءِ ٱلْجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٥٥]، أي: في وسط النار، ذكر لنا أنه رأى جماجم القوم تغلي. قال سفيان: [يجاء بالكفار] حتى [ينظروا] إلى أهل الجنة في الجنة على سرر، فحين ينظرون إليهم تغلق دونهم الأبواب (ويضحك) أهل الجنة منهم، فهو قول الله تعالى ذكره: * * - ﴿فَٱلْيَوْمَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ مِنَ ٱلْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ * عَلَى ٱلأَرَآئِكِ يَنظُرُونَ﴾. * * - ثم قال تعالى: ﴿هَلْ ثُوِّبَ ٱلْكُفَّارُ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ﴾. (أي: هل جوزي الكفار ثواب ما كانوا يفعلون) في الدنيا بالمؤمنين من سخريتهم بهم وضحكهم بهم. قال مجاهد: الأرائك لؤلؤ وزبرجد. * * وقوله: ﴿يَنظُرُونَ﴾ تَمَامٌ، المعنى ينظرون إلى الكفار وليس ينظرون [﴿هَلْ ثُوِّبَ ٱلْكُفَّارُ﴾] أو لم يجازوا. ومعنى ﴿ثُوِّبَ﴾: جوزي.

المطففين 83:33

قوله تعالى: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ أَجْرَمُواْ كَانُواْ (مِنَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ يَضْحَكُونَ)﴾ إلى آخر السورة. أي: إن الذين اكتسبوا المآثم في الدنيا وكفروا بالله كانوا يضحكون في الدنيا من المؤمنين استهزاء بهم. (قال قتادة: كانوا يقولون في الدنيا: والله إن هؤلاء لكذبة وما هم على شيء، استهزاءً بهم). * * - ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَرُّواْ بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ﴾. أي: وإذا مروا بالمؤمنين غمَز بعضهم بعضاً استهزاءً بالمؤمنين. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَا ٱنقَلَبُوۤاْ إِلَىٰ أَهْلِهِمُ ٱنقَلَبُواْ فَكِهِينَ﴾. أي: (وإذا) انقلب المجرمون إلى أهلهم من مجالسهم انقلبوا ناعمين معجبين. قال ابن عباس: ﴿فَكِهِينَ﴾: "معجبين". وقال ابن زيد: انقلبوا ناعمين، ثم أعقبهم الله النار في الآخرة. ويروى أن أبا جهل وأصحابه ضحكوا واستهزءوا بعلي بن أبي طالب رضي الله عنه وأصحابه. وحكى أبو عبيد عن أبي زيد أن العرب تقول: رجل فكهٌ أي: ضحوكٌ طيب النفس. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوۤاْ إِنَّ هَـٰؤُلاَءِ لَضَالُّونَ﴾. أي: وإذا رأى المجرمون المؤمنين قالوا: إن هؤلاء لضالونَ عن محجة الحق. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَمَآ أُرْسِلُواْ عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ﴾. أي: وما بعث هؤلاء المجرمون القائلون للمؤمنين: إن هؤلاء لضالون حافظين عليهم أعمالهم رقباء عليهم: إنما كلفوا أنفسهم ليؤمنوا بالله [ورسوله] وكتابه [وليعملوا] بطاعة ربهم. * * - ثم قال تعالى: ﴿فَٱلْيَوْمَ ٱلَّذِينَ (آمَنُواْ) مِنَ ٱلْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ﴾. أي: فيوم القيامة يضحك المؤمنون من الكفار على سررهم في الحجال ينظرون. (وقال ابن عباس: يفتح في السور الذي بين الجنة والنار أبواب، فينظر المؤمنون إلى أهل النار، والمؤمنون على السرر ينظرون) كيف يعذبون، فيضحكون منهم، فيكون ذلك مما أقرَّ الله به أعْيُنَهم كيف ينتقم الله منهم. وروى قتادة عن كعب أنه قال: ذُكر لنا أن بين الجنة والنار كِواء، إذا أراد المؤمنون أن [ينظروا] إلى عَدُوٍّ لَهُمْ كانوا في الدنيا، [اطلعوا] من بعض تلك الكواء [قال الله عز] ﴿فَٱطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَآءِ ٱلْجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٥٥]، أي: في وسط النار، ذكر لنا أنه رأى جماجم القوم تغلي. قال سفيان: [يجاء بالكفار] حتى [ينظروا] إلى أهل الجنة في الجنة على سرر، فحين ينظرون إليهم تغلق دونهم الأبواب (ويضحك) أهل الجنة منهم، فهو قول الله تعالى ذكره: * * - ﴿فَٱلْيَوْمَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ مِنَ ٱلْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ * عَلَى ٱلأَرَآئِكِ يَنظُرُونَ﴾. * * - ثم قال تعالى: ﴿هَلْ ثُوِّبَ ٱلْكُفَّارُ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ﴾. (أي: هل جوزي الكفار ثواب ما كانوا يفعلون) في الدنيا بالمؤمنين من سخريتهم بهم وضحكهم بهم. قال مجاهد: الأرائك لؤلؤ وزبرجد. * * وقوله: ﴿يَنظُرُونَ﴾ تَمَامٌ، المعنى ينظرون إلى الكفار وليس ينظرون [﴿هَلْ ثُوِّبَ ٱلْكُفَّارُ﴾] أو لم يجازوا. ومعنى ﴿ثُوِّبَ﴾: جوزي.

المطففين 83:34

قوله تعالى: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ أَجْرَمُواْ كَانُواْ (مِنَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ يَضْحَكُونَ)﴾ إلى آخر السورة. أي: إن الذين اكتسبوا المآثم في الدنيا وكفروا بالله كانوا يضحكون في الدنيا من المؤمنين استهزاء بهم. (قال قتادة: كانوا يقولون في الدنيا: والله إن هؤلاء لكذبة وما هم على شيء، استهزاءً بهم). * * - ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَرُّواْ بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ﴾. أي: وإذا مروا بالمؤمنين غمَز بعضهم بعضاً استهزاءً بالمؤمنين. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَا ٱنقَلَبُوۤاْ إِلَىٰ أَهْلِهِمُ ٱنقَلَبُواْ فَكِهِينَ﴾. أي: (وإذا) انقلب المجرمون إلى أهلهم من مجالسهم انقلبوا ناعمين معجبين. قال ابن عباس: ﴿فَكِهِينَ﴾: "معجبين". وقال ابن زيد: انقلبوا ناعمين، ثم أعقبهم الله النار في الآخرة. ويروى أن أبا جهل وأصحابه ضحكوا واستهزءوا بعلي بن أبي طالب رضي الله عنه وأصحابه. وحكى أبو عبيد عن أبي زيد أن العرب تقول: رجل فكهٌ أي: ضحوكٌ طيب النفس. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوۤاْ إِنَّ هَـٰؤُلاَءِ لَضَالُّونَ﴾. أي: وإذا رأى المجرمون المؤمنين قالوا: إن هؤلاء لضالونَ عن محجة الحق. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَمَآ أُرْسِلُواْ عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ﴾. أي: وما بعث هؤلاء المجرمون القائلون للمؤمنين: إن هؤلاء لضالون حافظين عليهم أعمالهم رقباء عليهم: إنما كلفوا أنفسهم ليؤمنوا بالله [ورسوله] وكتابه [وليعملوا] بطاعة ربهم. * * - ثم قال تعالى: ﴿فَٱلْيَوْمَ ٱلَّذِينَ (آمَنُواْ) مِنَ ٱلْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ﴾. أي: فيوم القيامة يضحك المؤمنون من الكفار على سررهم في الحجال ينظرون. (وقال ابن عباس: يفتح في السور الذي بين الجنة والنار أبواب، فينظر المؤمنون إلى أهل النار، والمؤمنون على السرر ينظرون) كيف يعذبون، فيضحكون منهم، فيكون ذلك مما أقرَّ الله به أعْيُنَهم كيف ينتقم الله منهم. وروى قتادة عن كعب أنه قال: ذُكر لنا أن بين الجنة والنار كِواء، إذا أراد المؤمنون أن [ينظروا] إلى عَدُوٍّ لَهُمْ كانوا في الدنيا، [اطلعوا] من بعض تلك الكواء [قال الله عز] ﴿فَٱطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَآءِ ٱلْجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٥٥]، أي: في وسط النار، ذكر لنا أنه رأى جماجم القوم تغلي. قال سفيان: [يجاء بالكفار] حتى [ينظروا] إلى أهل الجنة في الجنة على سرر، فحين ينظرون إليهم تغلق دونهم الأبواب (ويضحك) أهل الجنة منهم، فهو قول الله تعالى ذكره: * * - ﴿فَٱلْيَوْمَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ مِنَ ٱلْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ * عَلَى ٱلأَرَآئِكِ يَنظُرُونَ﴾. * * - ثم قال تعالى: ﴿هَلْ ثُوِّبَ ٱلْكُفَّارُ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ﴾. (أي: هل جوزي الكفار ثواب ما كانوا يفعلون) في الدنيا بالمؤمنين من سخريتهم بهم وضحكهم بهم. قال مجاهد: الأرائك لؤلؤ وزبرجد. * * وقوله: ﴿يَنظُرُونَ﴾ تَمَامٌ، المعنى ينظرون إلى الكفار وليس ينظرون [﴿هَلْ ثُوِّبَ ٱلْكُفَّارُ﴾] أو لم يجازوا. ومعنى ﴿ثُوِّبَ﴾: جوزي.

المطففين 83:35

قوله تعالى: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ أَجْرَمُواْ كَانُواْ (مِنَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ يَضْحَكُونَ)﴾ إلى آخر السورة. أي: إن الذين اكتسبوا المآثم في الدنيا وكفروا بالله كانوا يضحكون في الدنيا من المؤمنين استهزاء بهم. (قال قتادة: كانوا يقولون في الدنيا: والله إن هؤلاء لكذبة وما هم على شيء، استهزاءً بهم). * * - ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَرُّواْ بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ﴾. أي: وإذا مروا بالمؤمنين غمَز بعضهم بعضاً استهزاءً بالمؤمنين. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَا ٱنقَلَبُوۤاْ إِلَىٰ أَهْلِهِمُ ٱنقَلَبُواْ فَكِهِينَ﴾. أي: (وإذا) انقلب المجرمون إلى أهلهم من مجالسهم انقلبوا ناعمين معجبين. قال ابن عباس: ﴿فَكِهِينَ﴾: "معجبين". وقال ابن زيد: انقلبوا ناعمين، ثم أعقبهم الله النار في الآخرة. ويروى أن أبا جهل وأصحابه ضحكوا واستهزءوا بعلي بن أبي طالب رضي الله عنه وأصحابه. وحكى أبو عبيد عن أبي زيد أن العرب تقول: رجل فكهٌ أي: ضحوكٌ طيب النفس. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوۤاْ إِنَّ هَـٰؤُلاَءِ لَضَالُّونَ﴾. أي: وإذا رأى المجرمون المؤمنين قالوا: إن هؤلاء لضالونَ عن محجة الحق. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَمَآ أُرْسِلُواْ عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ﴾. أي: وما بعث هؤلاء المجرمون القائلون للمؤمنين: إن هؤلاء لضالون حافظين عليهم أعمالهم رقباء عليهم: إنما كلفوا أنفسهم ليؤمنوا بالله [ورسوله] وكتابه [وليعملوا] بطاعة ربهم. * * - ثم قال تعالى: ﴿فَٱلْيَوْمَ ٱلَّذِينَ (آمَنُواْ) مِنَ ٱلْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ﴾. أي: فيوم القيامة يضحك المؤمنون من الكفار على سررهم في الحجال ينظرون. (وقال ابن عباس: يفتح في السور الذي بين الجنة والنار أبواب، فينظر المؤمنون إلى أهل النار، والمؤمنون على السرر ينظرون) كيف يعذبون، فيضحكون منهم، فيكون ذلك مما أقرَّ الله به أعْيُنَهم كيف ينتقم الله منهم. وروى قتادة عن كعب أنه قال: ذُكر لنا أن بين الجنة والنار كِواء، إذا أراد المؤمنون أن [ينظروا] إلى عَدُوٍّ لَهُمْ كانوا في الدنيا، [اطلعوا] من بعض تلك الكواء [قال الله عز] ﴿فَٱطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَآءِ ٱلْجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٥٥]، أي: في وسط النار، ذكر لنا أنه رأى جماجم القوم تغلي. قال سفيان: [يجاء بالكفار] حتى [ينظروا] إلى أهل الجنة في الجنة على سرر، فحين ينظرون إليهم تغلق دونهم الأبواب (ويضحك) أهل الجنة منهم، فهو قول الله تعالى ذكره: * * - ﴿فَٱلْيَوْمَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ مِنَ ٱلْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ * عَلَى ٱلأَرَآئِكِ يَنظُرُونَ﴾. * * - ثم قال تعالى: ﴿هَلْ ثُوِّبَ ٱلْكُفَّارُ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ﴾. (أي: هل جوزي الكفار ثواب ما كانوا يفعلون) في الدنيا بالمؤمنين من سخريتهم بهم وضحكهم بهم. قال مجاهد: الأرائك لؤلؤ وزبرجد. * * وقوله: ﴿يَنظُرُونَ﴾ تَمَامٌ، المعنى ينظرون إلى الكفار وليس ينظرون [﴿هَلْ ثُوِّبَ ٱلْكُفَّارُ﴾] أو لم يجازوا. ومعنى ﴿ثُوِّبَ﴾: جوزي.

المطففين 83:36

قوله تعالى: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ أَجْرَمُواْ كَانُواْ (مِنَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ يَضْحَكُونَ)﴾ إلى آخر السورة. أي: إن الذين اكتسبوا المآثم في الدنيا وكفروا بالله كانوا يضحكون في الدنيا من المؤمنين استهزاء بهم. (قال قتادة: كانوا يقولون في الدنيا: والله إن هؤلاء لكذبة وما هم على شيء، استهزاءً بهم). * * - ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَرُّواْ بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ﴾. أي: وإذا مروا بالمؤمنين غمَز بعضهم بعضاً استهزاءً بالمؤمنين. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَا ٱنقَلَبُوۤاْ إِلَىٰ أَهْلِهِمُ ٱنقَلَبُواْ فَكِهِينَ﴾. أي: (وإذا) انقلب المجرمون إلى أهلهم من مجالسهم انقلبوا ناعمين معجبين. قال ابن عباس: ﴿فَكِهِينَ﴾: "معجبين". وقال ابن زيد: انقلبوا ناعمين، ثم أعقبهم الله النار في الآخرة. ويروى أن أبا جهل وأصحابه ضحكوا واستهزءوا بعلي بن أبي طالب رضي الله عنه وأصحابه. وحكى أبو عبيد عن أبي زيد أن العرب تقول: رجل فكهٌ أي: ضحوكٌ طيب النفس. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوۤاْ إِنَّ هَـٰؤُلاَءِ لَضَالُّونَ﴾. أي: وإذا رأى المجرمون المؤمنين قالوا: إن هؤلاء لضالونَ عن محجة الحق. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَمَآ أُرْسِلُواْ عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ﴾. أي: وما بعث هؤلاء المجرمون القائلون للمؤمنين: إن هؤلاء لضالون حافظين عليهم أعمالهم رقباء عليهم: إنما كلفوا أنفسهم ليؤمنوا بالله [ورسوله] وكتابه [وليعملوا] بطاعة ربهم. * * - ثم قال تعالى: ﴿فَٱلْيَوْمَ ٱلَّذِينَ (آمَنُواْ) مِنَ ٱلْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ﴾. أي: فيوم القيامة يضحك المؤمنون من الكفار على سررهم في الحجال ينظرون. (وقال ابن عباس: يفتح في السور الذي بين الجنة والنار أبواب، فينظر المؤمنون إلى أهل النار، والمؤمنون على السرر ينظرون) كيف يعذبون، فيضحكون منهم، فيكون ذلك مما أقرَّ الله به أعْيُنَهم كيف ينتقم الله منهم. وروى قتادة عن كعب أنه قال: ذُكر لنا أن بين الجنة والنار كِواء، إذا أراد المؤمنون أن [ينظروا] إلى عَدُوٍّ لَهُمْ كانوا في الدنيا، [اطلعوا] من بعض تلك الكواء [قال الله عز] ﴿فَٱطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَآءِ ٱلْجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٥٥]، أي: في وسط النار، ذكر لنا أنه رأى جماجم القوم تغلي. قال سفيان: [يجاء بالكفار] حتى [ينظروا] إلى أهل الجنة في الجنة على سرر، فحين ينظرون إليهم تغلق دونهم الأبواب (ويضحك) أهل الجنة منهم، فهو قول الله تعالى ذكره: * * - ﴿فَٱلْيَوْمَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ مِنَ ٱلْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ * عَلَى ٱلأَرَآئِكِ يَنظُرُونَ﴾. * * - ثم قال تعالى: ﴿هَلْ ثُوِّبَ ٱلْكُفَّارُ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ﴾. (أي: هل جوزي الكفار ثواب ما كانوا يفعلون) في الدنيا بالمؤمنين من سخريتهم بهم وضحكهم بهم. قال مجاهد: الأرائك لؤلؤ وزبرجد. * * وقوله: ﴿يَنظُرُونَ﴾ تَمَامٌ، المعنى ينظرون إلى الكفار وليس ينظرون [﴿هَلْ ثُوِّبَ ٱلْكُفَّارُ﴾] أو لم يجازوا. ومعنى ﴿ثُوِّبَ﴾: جوزي.