Lafzullah

Tafsir Makhi — الانشقاق 84:1 – البروج 85:22

المؤلف / المصدر: Tafsir Makhi

المحتويات
  1. الانشقاق 84:1
  2. الانشقاق 84:2
  3. الانشقاق 84:3
  4. الانشقاق 84:4
  5. الانشقاق 84:5
  6. الانشقاق 84:6
  7. الانشقاق 84:7
  8. الانشقاق 84:8
  9. الانشقاق 84:9
  10. الانشقاق 84:10
  11. الانشقاق 84:11
  12. الانشقاق 84:12
  13. الانشقاق 84:13
  14. الانشقاق 84:14
  15. الانشقاق 84:15
  16. الانشقاق 84:16
  17. الانشقاق 84:17
  18. الانشقاق 84:18
  19. الانشقاق 84:19
  20. الانشقاق 84:20
  21. الانشقاق 84:21
  22. الانشقاق 84:22
  23. الانشقاق 84:23
  24. الانشقاق 84:24
  25. الانشقاق 84:25
  26. البروج 85:1
  27. البروج 85:2
  28. البروج 85:3
  29. البروج 85:4
  30. البروج 85:5
  31. البروج 85:6
  32. البروج 85:7
  33. البروج 85:8
  34. البروج 85:9
  35. البروج 85:10
  36. البروج 85:11
  37. البروج 85:12
  38. البروج 85:13
  39. البروج 85:14
  40. البروج 85:15
  41. البروج 85:16
  42. البروج 85:17
  43. البروج 85:18
  44. البروج 85:19
  45. البروج 85:20
  46. البروج 85:21
  47. البروج 85:22

الانشقاق 84:1

قوله تعالى: ﴿إِذَا ٱلسَّمَآءُ ٱنشَقَّتْ﴾، إلى قوله: ﴿(إِلَىٰ أَهْلِهِ) مَسْرُوراً﴾. أي: إذا السماء تصدعت وتقطعت فكانت أبواباً. قال الفراء: تنشق بالغمام. * * - وقوله: ﴿وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ﴾. أي: وسمعت السماء (في) تصديعها وتشققها لربها فأطاعت له. والعرب تقول: أذِنَت إلى هذا الأمر آذنُ، بمعنى: استمعت. ومنه الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: "ما أذِنَ الله لشيءٍ كأذَنِهِ لِنَبِيٍّ يَتَغنّى بالقرآن". يعني: ما استمع الله لشيء كاستماعه لنبي يتغنى بالقرآن. وقال ابن عباس: ﴿وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا﴾ أي: "سمعت لربها". وهو قول مجاهد وقتادة والضحاك وسفيان. * * وقوله: ﴿وَحُقَّتْ﴾، أي: وحقق الله عليها الاستماع لأمره بالانشقاق. قال ابن عباس: ﴿وَحُقَّتْ﴾، أي: وحقت بطاعة ربها. وقال ابن جبير: ﴿وَحُقَّتْ﴾ أي: ويحق لها أن تسمع وتطيع. وقاله أبو عبيدة. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَا ٱلأَرْضُ مُدَّتْ﴾. أي: بسطت فريد في سعتها. وروى الزهري عن علي بن حسينٍ رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: "إذَا كَان يَومُ القِيَامَةِ مَدّ اللهُ - جَلّ ثَنَاءُهُ - الأرضَ مدَّ الأدِيمِ فلا يَكُونُ لِبَشَرٍ مِن بَنَي آدم فِيهَا إلاّ مَوضِعُ قَدَمِهِ... ثم قال تعالى: ﴿وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا (وَتَخَلَّتْ)﴾. أي: (وألقت الأرض) ما فيها من الموتى علقَ ظهرها وتخلت منهم (إلى الله جل) ذكره. قال مجاهد: ﴿(وَأَلْقَتْ) مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ﴾، أي: أخرجت ما فيها من الموتى". وقال قتادة: "أخرجت (أثقالها) وما فيها". * * - ثم قال تعالى: ﴿وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ﴾. أي: وسمعت الأرض أمر ربها في إلقائها ما في بطنها من الموتى على ظهرها وحققها الله للاستماع. وقيل: معناه وحقّ لها أن تسمع أمره. واختلف في جواب ﴿إِذَا﴾ والعامل فيها. فقال الأخفش: التقدير: إنك كادح إلى ربك كدحاً فملاقيه إذا السماء انشقت. فيكون العامل في ﴿إِذَا﴾ على قوله فملاقيه. وقيل: التقدير: اذكر يا محمد إذا السماء انشقت. وقيل: الجواب: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلإِنسَٰنُ﴾، على إضمار الفاء: كما تقول: إذا كان كذا وكذا، فيا أيها الإنسان ترى ما عملت من خير وشر. وقيل: جواب ﴿إِذَا﴾ الأولى والثانية: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَـٰبَهُ بِيَمِينِهِ﴾. وقيل: التقدير: إنك كادح إلى ربك كَدَحاً إذا السماء انشقت. وهذا لا يجوز لأن الكدح: العملُ، فمحال أن يعمل في وقتِ انشقاق السماء . وقيل: الجواب: ﴿وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا﴾، و [الواو] زائدة، أي: إذا السماء انشقت، (أذنت لربها. وقيل: الجواب محذوف. والتقدير: إذا السماء انشقت)، رأيت الثواب والعقاب. وقال المبرد: التقدير: إذا السماء انشقت، فأما من أوتي كتابه بيمينه. * * - ثم قال تعالى: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلإِنسَٰنُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَىٰ رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاَقِيهِ﴾. أي: إنك عامل إلى ربك عملاً في دنياك، فأنت ملاقيه خيراً كان أو شراً، فليكن عملك ما ينجيك من عقابه ويوجب لك ثوابه. قال قتادة: "إن كدحك لك يا ابن آدم [لضعيف]، فمن استطاع أن يكون كدحه في طاعة الله فليفعل، ولا قوة إلا بالله". [قال] ابن عباس وابن زيد وغيرهما: كادح: عامل. والوقف في أول هذه السورة على مقدار ما تقدم من جواب ﴿إِذَا﴾ والعامل فيها، فلا تقف على ما قبل الجواب ولا ما قبل العامل. وقد ذكر الاختلاف في ذلك. - قال تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَـٰبَهُ بِيَمِينِهِ * فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً﴾. أي: من أعطي كتاب عمله [يومئذ] بيمينه ينظر في عمله فيغفر له [سيئه]، ويجازى على حسنه. قالت عائشة رضي الله عنها: سَمِعتُ النَّبيّ ﷺ يقول: "اللّهُمّ حَاسِبْنِي حِسَاباً يَسيراً، فَقُلت: يَا رسولَ الله، مَا الحِسَابُ اليَسير؟ قال: (أن) يُنظَرُ فِي سيّئاتِهِ فَيُتجاوَزُ عَنْهُ، إنّهُ من نُوقِشَ الحِسَابَ يَومَئذٍ هَلَكَ وروى ابن (أبي) مليكة عن عائشة أيضاً أنها قالت: قَالَ رَسُول اللهِ ﷺ: [إِنّهُ لَيْسَ أحدٌ يُحاسبُ يَومَ القِيامَةِ إلا معذّباً، قالت: يَا رسُول الله]، يقول الله جلّ وعزّ: ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً﴾. قال: ذَلِكَ العرض، إنّه من نُوقش الحِساب عذّب قال ابن زيد: الحسابُ اليسيرُ: الذي تغفر ذنوبه وتتقبل حسناته وتيْسيرُ الحساب الذي يُعفى عنه، وقرأ: ﴿وَيَخَافُونَ سُوءَ الحِسَابِ﴾ [الرعد: ٢١]، وقرأ: ﴿أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُواْ وَنَتَجَاوَزُ عَن سَيِّئَاتِهِمْ﴾ [الأحقاف: ١٦]. والمحاسبة بين العبد و (بين) ربه إنما هي إقرار العبد بما أحصاه كتاب عمله. وروى ابن وهب أن عائشة رضي الله عنها قالت: "يا نَبيّ (الله)، كَيْفَ ﴿حِسَاباً يَسِيراً﴾؟ قال: يُعطى العَبْدُ كِتابَهُ بِيَمينِهِ فَيَقرأ سَيّئاتِهِ ويَقرأ النّاس حَسَناتِهِ، ثُمّ تُحوّل صَحيفَـتُهُ فيحوّل اللهُ سَيّئاته حَسَناتٍ، فيقرأ حَسَناتِه ويَقرأ النّاسُ سَيّئاتِه حَسناتٍ، فَيَقُولُ الناسُ: مَا كان لِهَذا العَبْدِ سيّئةٌ. قال: فَيُعرّفُ بِعَمَلِهِ ويُغْفَرُ لَهُ، فَذَلِك قولُه تَعالَى: ﴿يُبَدِّلُ ٱللَّهُ [سَيِّئَاتِهِمْ] حَسَنَاتٍ﴾ وقوله: ﴿وَيَنقَلِبُ إِلَىٰ أَهْلِهِ مَسْرُوراً﴾. أي: وينصرف بعد محاسبته حسابا يسيرا إلى أهله في الجنة مسرورا بما أعد الله له وما نجاه منه. وروي أن أول من يأخذ كتابه بيمينه أبو سلمة بن عبد [الأسد]، وهو أول من يدخل الجنة من هذه الأمة، وهو أول من هاجر من مكة إلى المدينة.

الانشقاق 84:2

قوله تعالى: ﴿إِذَا ٱلسَّمَآءُ ٱنشَقَّتْ﴾، إلى قوله: ﴿(إِلَىٰ أَهْلِهِ) مَسْرُوراً﴾. أي: إذا السماء تصدعت وتقطعت فكانت أبواباً. قال الفراء: تنشق بالغمام. * * - وقوله: ﴿وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ﴾. أي: وسمعت السماء (في) تصديعها وتشققها لربها فأطاعت له. والعرب تقول: أذِنَت إلى هذا الأمر آذنُ، بمعنى: استمعت. ومنه الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: "ما أذِنَ الله لشيءٍ كأذَنِهِ لِنَبِيٍّ يَتَغنّى بالقرآن". يعني: ما استمع الله لشيء كاستماعه لنبي يتغنى بالقرآن. وقال ابن عباس: ﴿وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا﴾ أي: "سمعت لربها". وهو قول مجاهد وقتادة والضحاك وسفيان. * * وقوله: ﴿وَحُقَّتْ﴾، أي: وحقق الله عليها الاستماع لأمره بالانشقاق. قال ابن عباس: ﴿وَحُقَّتْ﴾، أي: وحقت بطاعة ربها. وقال ابن جبير: ﴿وَحُقَّتْ﴾ أي: ويحق لها أن تسمع وتطيع. وقاله أبو عبيدة. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَا ٱلأَرْضُ مُدَّتْ﴾. أي: بسطت فريد في سعتها. وروى الزهري عن علي بن حسينٍ رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: "إذَا كَان يَومُ القِيَامَةِ مَدّ اللهُ - جَلّ ثَنَاءُهُ - الأرضَ مدَّ الأدِيمِ فلا يَكُونُ لِبَشَرٍ مِن بَنَي آدم فِيهَا إلاّ مَوضِعُ قَدَمِهِ... ثم قال تعالى: ﴿وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا (وَتَخَلَّتْ)﴾. أي: (وألقت الأرض) ما فيها من الموتى علقَ ظهرها وتخلت منهم (إلى الله جل) ذكره. قال مجاهد: ﴿(وَأَلْقَتْ) مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ﴾، أي: أخرجت ما فيها من الموتى". وقال قتادة: "أخرجت (أثقالها) وما فيها". * * - ثم قال تعالى: ﴿وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ﴾. أي: وسمعت الأرض أمر ربها في إلقائها ما في بطنها من الموتى على ظهرها وحققها الله للاستماع. وقيل: معناه وحقّ لها أن تسمع أمره. واختلف في جواب ﴿إِذَا﴾ والعامل فيها. فقال الأخفش: التقدير: إنك كادح إلى ربك كدحاً فملاقيه إذا السماء انشقت. فيكون العامل في ﴿إِذَا﴾ على قوله فملاقيه. وقيل: التقدير: اذكر يا محمد إذا السماء انشقت. وقيل: الجواب: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلإِنسَٰنُ﴾، على إضمار الفاء: كما تقول: إذا كان كذا وكذا، فيا أيها الإنسان ترى ما عملت من خير وشر. وقيل: جواب ﴿إِذَا﴾ الأولى والثانية: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَـٰبَهُ بِيَمِينِهِ﴾. وقيل: التقدير: إنك كادح إلى ربك كَدَحاً إذا السماء انشقت. وهذا لا يجوز لأن الكدح: العملُ، فمحال أن يعمل في وقتِ انشقاق السماء . وقيل: الجواب: ﴿وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا﴾، و [الواو] زائدة، أي: إذا السماء انشقت، (أذنت لربها. وقيل: الجواب محذوف. والتقدير: إذا السماء انشقت)، رأيت الثواب والعقاب. وقال المبرد: التقدير: إذا السماء انشقت، فأما من أوتي كتابه بيمينه. * * - ثم قال تعالى: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلإِنسَٰنُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَىٰ رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاَقِيهِ﴾. أي: إنك عامل إلى ربك عملاً في دنياك، فأنت ملاقيه خيراً كان أو شراً، فليكن عملك ما ينجيك من عقابه ويوجب لك ثوابه. قال قتادة: "إن كدحك لك يا ابن آدم [لضعيف]، فمن استطاع أن يكون كدحه في طاعة الله فليفعل، ولا قوة إلا بالله". [قال] ابن عباس وابن زيد وغيرهما: كادح: عامل. والوقف في أول هذه السورة على مقدار ما تقدم من جواب ﴿إِذَا﴾ والعامل فيها، فلا تقف على ما قبل الجواب ولا ما قبل العامل. وقد ذكر الاختلاف في ذلك. - قال تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَـٰبَهُ بِيَمِينِهِ * فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً﴾. أي: من أعطي كتاب عمله [يومئذ] بيمينه ينظر في عمله فيغفر له [سيئه]، ويجازى على حسنه. قالت عائشة رضي الله عنها: سَمِعتُ النَّبيّ ﷺ يقول: "اللّهُمّ حَاسِبْنِي حِسَاباً يَسيراً، فَقُلت: يَا رسولَ الله، مَا الحِسَابُ اليَسير؟ قال: (أن) يُنظَرُ فِي سيّئاتِهِ فَيُتجاوَزُ عَنْهُ، إنّهُ من نُوقِشَ الحِسَابَ يَومَئذٍ هَلَكَ وروى ابن (أبي) مليكة عن عائشة أيضاً أنها قالت: قَالَ رَسُول اللهِ ﷺ: [إِنّهُ لَيْسَ أحدٌ يُحاسبُ يَومَ القِيامَةِ إلا معذّباً، قالت: يَا رسُول الله]، يقول الله جلّ وعزّ: ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً﴾. قال: ذَلِكَ العرض، إنّه من نُوقش الحِساب عذّب قال ابن زيد: الحسابُ اليسيرُ: الذي تغفر ذنوبه وتتقبل حسناته وتيْسيرُ الحساب الذي يُعفى عنه، وقرأ: ﴿وَيَخَافُونَ سُوءَ الحِسَابِ﴾ [الرعد: ٢١]، وقرأ: ﴿أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُواْ وَنَتَجَاوَزُ عَن سَيِّئَاتِهِمْ﴾ [الأحقاف: ١٦]. والمحاسبة بين العبد و (بين) ربه إنما هي إقرار العبد بما أحصاه كتاب عمله. وروى ابن وهب أن عائشة رضي الله عنها قالت: "يا نَبيّ (الله)، كَيْفَ ﴿حِسَاباً يَسِيراً﴾؟ قال: يُعطى العَبْدُ كِتابَهُ بِيَمينِهِ فَيَقرأ سَيّئاتِهِ ويَقرأ النّاس حَسَناتِهِ، ثُمّ تُحوّل صَحيفَـتُهُ فيحوّل اللهُ سَيّئاته حَسَناتٍ، فيقرأ حَسَناتِه ويَقرأ النّاسُ سَيّئاتِه حَسناتٍ، فَيَقُولُ الناسُ: مَا كان لِهَذا العَبْدِ سيّئةٌ. قال: فَيُعرّفُ بِعَمَلِهِ ويُغْفَرُ لَهُ، فَذَلِك قولُه تَعالَى: ﴿يُبَدِّلُ ٱللَّهُ [سَيِّئَاتِهِمْ] حَسَنَاتٍ﴾ وقوله: ﴿وَيَنقَلِبُ إِلَىٰ أَهْلِهِ مَسْرُوراً﴾. أي: وينصرف بعد محاسبته حسابا يسيرا إلى أهله في الجنة مسرورا بما أعد الله له وما نجاه منه. وروي أن أول من يأخذ كتابه بيمينه أبو سلمة بن عبد [الأسد]، وهو أول من يدخل الجنة من هذه الأمة، وهو أول من هاجر من مكة إلى المدينة.

الانشقاق 84:3

قوله تعالى: ﴿إِذَا ٱلسَّمَآءُ ٱنشَقَّتْ﴾، إلى قوله: ﴿(إِلَىٰ أَهْلِهِ) مَسْرُوراً﴾. أي: إذا السماء تصدعت وتقطعت فكانت أبواباً. قال الفراء: تنشق بالغمام. * * - وقوله: ﴿وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ﴾. أي: وسمعت السماء (في) تصديعها وتشققها لربها فأطاعت له. والعرب تقول: أذِنَت إلى هذا الأمر آذنُ، بمعنى: استمعت. ومنه الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: "ما أذِنَ الله لشيءٍ كأذَنِهِ لِنَبِيٍّ يَتَغنّى بالقرآن". يعني: ما استمع الله لشيء كاستماعه لنبي يتغنى بالقرآن. وقال ابن عباس: ﴿وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا﴾ أي: "سمعت لربها". وهو قول مجاهد وقتادة والضحاك وسفيان. * * وقوله: ﴿وَحُقَّتْ﴾، أي: وحقق الله عليها الاستماع لأمره بالانشقاق. قال ابن عباس: ﴿وَحُقَّتْ﴾، أي: وحقت بطاعة ربها. وقال ابن جبير: ﴿وَحُقَّتْ﴾ أي: ويحق لها أن تسمع وتطيع. وقاله أبو عبيدة. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَا ٱلأَرْضُ مُدَّتْ﴾. أي: بسطت فريد في سعتها. وروى الزهري عن علي بن حسينٍ رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: "إذَا كَان يَومُ القِيَامَةِ مَدّ اللهُ - جَلّ ثَنَاءُهُ - الأرضَ مدَّ الأدِيمِ فلا يَكُونُ لِبَشَرٍ مِن بَنَي آدم فِيهَا إلاّ مَوضِعُ قَدَمِهِ... ثم قال تعالى: ﴿وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا (وَتَخَلَّتْ)﴾. أي: (وألقت الأرض) ما فيها من الموتى علقَ ظهرها وتخلت منهم (إلى الله جل) ذكره. قال مجاهد: ﴿(وَأَلْقَتْ) مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ﴾، أي: أخرجت ما فيها من الموتى". وقال قتادة: "أخرجت (أثقالها) وما فيها". * * - ثم قال تعالى: ﴿وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ﴾. أي: وسمعت الأرض أمر ربها في إلقائها ما في بطنها من الموتى على ظهرها وحققها الله للاستماع. وقيل: معناه وحقّ لها أن تسمع أمره. واختلف في جواب ﴿إِذَا﴾ والعامل فيها. فقال الأخفش: التقدير: إنك كادح إلى ربك كدحاً فملاقيه إذا السماء انشقت. فيكون العامل في ﴿إِذَا﴾ على قوله فملاقيه. وقيل: التقدير: اذكر يا محمد إذا السماء انشقت. وقيل: الجواب: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلإِنسَٰنُ﴾، على إضمار الفاء: كما تقول: إذا كان كذا وكذا، فيا أيها الإنسان ترى ما عملت من خير وشر. وقيل: جواب ﴿إِذَا﴾ الأولى والثانية: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَـٰبَهُ بِيَمِينِهِ﴾. وقيل: التقدير: إنك كادح إلى ربك كَدَحاً إذا السماء انشقت. وهذا لا يجوز لأن الكدح: العملُ، فمحال أن يعمل في وقتِ انشقاق السماء . وقيل: الجواب: ﴿وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا﴾، و [الواو] زائدة، أي: إذا السماء انشقت، (أذنت لربها. وقيل: الجواب محذوف. والتقدير: إذا السماء انشقت)، رأيت الثواب والعقاب. وقال المبرد: التقدير: إذا السماء انشقت، فأما من أوتي كتابه بيمينه. * * - ثم قال تعالى: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلإِنسَٰنُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَىٰ رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاَقِيهِ﴾. أي: إنك عامل إلى ربك عملاً في دنياك، فأنت ملاقيه خيراً كان أو شراً، فليكن عملك ما ينجيك من عقابه ويوجب لك ثوابه. قال قتادة: "إن كدحك لك يا ابن آدم [لضعيف]، فمن استطاع أن يكون كدحه في طاعة الله فليفعل، ولا قوة إلا بالله". [قال] ابن عباس وابن زيد وغيرهما: كادح: عامل. والوقف في أول هذه السورة على مقدار ما تقدم من جواب ﴿إِذَا﴾ والعامل فيها، فلا تقف على ما قبل الجواب ولا ما قبل العامل. وقد ذكر الاختلاف في ذلك. - قال تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَـٰبَهُ بِيَمِينِهِ * فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً﴾. أي: من أعطي كتاب عمله [يومئذ] بيمينه ينظر في عمله فيغفر له [سيئه]، ويجازى على حسنه. قالت عائشة رضي الله عنها: سَمِعتُ النَّبيّ ﷺ يقول: "اللّهُمّ حَاسِبْنِي حِسَاباً يَسيراً، فَقُلت: يَا رسولَ الله، مَا الحِسَابُ اليَسير؟ قال: (أن) يُنظَرُ فِي سيّئاتِهِ فَيُتجاوَزُ عَنْهُ، إنّهُ من نُوقِشَ الحِسَابَ يَومَئذٍ هَلَكَ وروى ابن (أبي) مليكة عن عائشة أيضاً أنها قالت: قَالَ رَسُول اللهِ ﷺ: [إِنّهُ لَيْسَ أحدٌ يُحاسبُ يَومَ القِيامَةِ إلا معذّباً، قالت: يَا رسُول الله]، يقول الله جلّ وعزّ: ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً﴾. قال: ذَلِكَ العرض، إنّه من نُوقش الحِساب عذّب قال ابن زيد: الحسابُ اليسيرُ: الذي تغفر ذنوبه وتتقبل حسناته وتيْسيرُ الحساب الذي يُعفى عنه، وقرأ: ﴿وَيَخَافُونَ سُوءَ الحِسَابِ﴾ [الرعد: ٢١]، وقرأ: ﴿أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُواْ وَنَتَجَاوَزُ عَن سَيِّئَاتِهِمْ﴾ [الأحقاف: ١٦]. والمحاسبة بين العبد و (بين) ربه إنما هي إقرار العبد بما أحصاه كتاب عمله. وروى ابن وهب أن عائشة رضي الله عنها قالت: "يا نَبيّ (الله)، كَيْفَ ﴿حِسَاباً يَسِيراً﴾؟ قال: يُعطى العَبْدُ كِتابَهُ بِيَمينِهِ فَيَقرأ سَيّئاتِهِ ويَقرأ النّاس حَسَناتِهِ، ثُمّ تُحوّل صَحيفَـتُهُ فيحوّل اللهُ سَيّئاته حَسَناتٍ، فيقرأ حَسَناتِه ويَقرأ النّاسُ سَيّئاتِه حَسناتٍ، فَيَقُولُ الناسُ: مَا كان لِهَذا العَبْدِ سيّئةٌ. قال: فَيُعرّفُ بِعَمَلِهِ ويُغْفَرُ لَهُ، فَذَلِك قولُه تَعالَى: ﴿يُبَدِّلُ ٱللَّهُ [سَيِّئَاتِهِمْ] حَسَنَاتٍ﴾ وقوله: ﴿وَيَنقَلِبُ إِلَىٰ أَهْلِهِ مَسْرُوراً﴾. أي: وينصرف بعد محاسبته حسابا يسيرا إلى أهله في الجنة مسرورا بما أعد الله له وما نجاه منه. وروي أن أول من يأخذ كتابه بيمينه أبو سلمة بن عبد [الأسد]، وهو أول من يدخل الجنة من هذه الأمة، وهو أول من هاجر من مكة إلى المدينة.

الانشقاق 84:4

قوله تعالى: ﴿إِذَا ٱلسَّمَآءُ ٱنشَقَّتْ﴾، إلى قوله: ﴿(إِلَىٰ أَهْلِهِ) مَسْرُوراً﴾. أي: إذا السماء تصدعت وتقطعت فكانت أبواباً. قال الفراء: تنشق بالغمام. * * - وقوله: ﴿وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ﴾. أي: وسمعت السماء (في) تصديعها وتشققها لربها فأطاعت له. والعرب تقول: أذِنَت إلى هذا الأمر آذنُ، بمعنى: استمعت. ومنه الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: "ما أذِنَ الله لشيءٍ كأذَنِهِ لِنَبِيٍّ يَتَغنّى بالقرآن". يعني: ما استمع الله لشيء كاستماعه لنبي يتغنى بالقرآن. وقال ابن عباس: ﴿وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا﴾ أي: "سمعت لربها". وهو قول مجاهد وقتادة والضحاك وسفيان. * * وقوله: ﴿وَحُقَّتْ﴾، أي: وحقق الله عليها الاستماع لأمره بالانشقاق. قال ابن عباس: ﴿وَحُقَّتْ﴾، أي: وحقت بطاعة ربها. وقال ابن جبير: ﴿وَحُقَّتْ﴾ أي: ويحق لها أن تسمع وتطيع. وقاله أبو عبيدة. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَا ٱلأَرْضُ مُدَّتْ﴾. أي: بسطت فريد في سعتها. وروى الزهري عن علي بن حسينٍ رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: "إذَا كَان يَومُ القِيَامَةِ مَدّ اللهُ - جَلّ ثَنَاءُهُ - الأرضَ مدَّ الأدِيمِ فلا يَكُونُ لِبَشَرٍ مِن بَنَي آدم فِيهَا إلاّ مَوضِعُ قَدَمِهِ... ثم قال تعالى: ﴿وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا (وَتَخَلَّتْ)﴾. أي: (وألقت الأرض) ما فيها من الموتى علقَ ظهرها وتخلت منهم (إلى الله جل) ذكره. قال مجاهد: ﴿(وَأَلْقَتْ) مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ﴾، أي: أخرجت ما فيها من الموتى". وقال قتادة: "أخرجت (أثقالها) وما فيها". * * - ثم قال تعالى: ﴿وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ﴾. أي: وسمعت الأرض أمر ربها في إلقائها ما في بطنها من الموتى على ظهرها وحققها الله للاستماع. وقيل: معناه وحقّ لها أن تسمع أمره. واختلف في جواب ﴿إِذَا﴾ والعامل فيها. فقال الأخفش: التقدير: إنك كادح إلى ربك كدحاً فملاقيه إذا السماء انشقت. فيكون العامل في ﴿إِذَا﴾ على قوله فملاقيه. وقيل: التقدير: اذكر يا محمد إذا السماء انشقت. وقيل: الجواب: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلإِنسَٰنُ﴾، على إضمار الفاء: كما تقول: إذا كان كذا وكذا، فيا أيها الإنسان ترى ما عملت من خير وشر. وقيل: جواب ﴿إِذَا﴾ الأولى والثانية: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَـٰبَهُ بِيَمِينِهِ﴾. وقيل: التقدير: إنك كادح إلى ربك كَدَحاً إذا السماء انشقت. وهذا لا يجوز لأن الكدح: العملُ، فمحال أن يعمل في وقتِ انشقاق السماء . وقيل: الجواب: ﴿وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا﴾، و [الواو] زائدة، أي: إذا السماء انشقت، (أذنت لربها. وقيل: الجواب محذوف. والتقدير: إذا السماء انشقت)، رأيت الثواب والعقاب. وقال المبرد: التقدير: إذا السماء انشقت، فأما من أوتي كتابه بيمينه. * * - ثم قال تعالى: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلإِنسَٰنُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَىٰ رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاَقِيهِ﴾. أي: إنك عامل إلى ربك عملاً في دنياك، فأنت ملاقيه خيراً كان أو شراً، فليكن عملك ما ينجيك من عقابه ويوجب لك ثوابه. قال قتادة: "إن كدحك لك يا ابن آدم [لضعيف]، فمن استطاع أن يكون كدحه في طاعة الله فليفعل، ولا قوة إلا بالله". [قال] ابن عباس وابن زيد وغيرهما: كادح: عامل. والوقف في أول هذه السورة على مقدار ما تقدم من جواب ﴿إِذَا﴾ والعامل فيها، فلا تقف على ما قبل الجواب ولا ما قبل العامل. وقد ذكر الاختلاف في ذلك. - قال تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَـٰبَهُ بِيَمِينِهِ * فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً﴾. أي: من أعطي كتاب عمله [يومئذ] بيمينه ينظر في عمله فيغفر له [سيئه]، ويجازى على حسنه. قالت عائشة رضي الله عنها: سَمِعتُ النَّبيّ ﷺ يقول: "اللّهُمّ حَاسِبْنِي حِسَاباً يَسيراً، فَقُلت: يَا رسولَ الله، مَا الحِسَابُ اليَسير؟ قال: (أن) يُنظَرُ فِي سيّئاتِهِ فَيُتجاوَزُ عَنْهُ، إنّهُ من نُوقِشَ الحِسَابَ يَومَئذٍ هَلَكَ وروى ابن (أبي) مليكة عن عائشة أيضاً أنها قالت: قَالَ رَسُول اللهِ ﷺ: [إِنّهُ لَيْسَ أحدٌ يُحاسبُ يَومَ القِيامَةِ إلا معذّباً، قالت: يَا رسُول الله]، يقول الله جلّ وعزّ: ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً﴾. قال: ذَلِكَ العرض، إنّه من نُوقش الحِساب عذّب قال ابن زيد: الحسابُ اليسيرُ: الذي تغفر ذنوبه وتتقبل حسناته وتيْسيرُ الحساب الذي يُعفى عنه، وقرأ: ﴿وَيَخَافُونَ سُوءَ الحِسَابِ﴾ [الرعد: ٢١]، وقرأ: ﴿أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُواْ وَنَتَجَاوَزُ عَن سَيِّئَاتِهِمْ﴾ [الأحقاف: ١٦]. والمحاسبة بين العبد و (بين) ربه إنما هي إقرار العبد بما أحصاه كتاب عمله. وروى ابن وهب أن عائشة رضي الله عنها قالت: "يا نَبيّ (الله)، كَيْفَ ﴿حِسَاباً يَسِيراً﴾؟ قال: يُعطى العَبْدُ كِتابَهُ بِيَمينِهِ فَيَقرأ سَيّئاتِهِ ويَقرأ النّاس حَسَناتِهِ، ثُمّ تُحوّل صَحيفَـتُهُ فيحوّل اللهُ سَيّئاته حَسَناتٍ، فيقرأ حَسَناتِه ويَقرأ النّاسُ سَيّئاتِه حَسناتٍ، فَيَقُولُ الناسُ: مَا كان لِهَذا العَبْدِ سيّئةٌ. قال: فَيُعرّفُ بِعَمَلِهِ ويُغْفَرُ لَهُ، فَذَلِك قولُه تَعالَى: ﴿يُبَدِّلُ ٱللَّهُ [سَيِّئَاتِهِمْ] حَسَنَاتٍ﴾ وقوله: ﴿وَيَنقَلِبُ إِلَىٰ أَهْلِهِ مَسْرُوراً﴾. أي: وينصرف بعد محاسبته حسابا يسيرا إلى أهله في الجنة مسرورا بما أعد الله له وما نجاه منه. وروي أن أول من يأخذ كتابه بيمينه أبو سلمة بن عبد [الأسد]، وهو أول من يدخل الجنة من هذه الأمة، وهو أول من هاجر من مكة إلى المدينة.

الانشقاق 84:5

قوله تعالى: ﴿إِذَا ٱلسَّمَآءُ ٱنشَقَّتْ﴾، إلى قوله: ﴿(إِلَىٰ أَهْلِهِ) مَسْرُوراً﴾. أي: إذا السماء تصدعت وتقطعت فكانت أبواباً. قال الفراء: تنشق بالغمام. * * - وقوله: ﴿وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ﴾. أي: وسمعت السماء (في) تصديعها وتشققها لربها فأطاعت له. والعرب تقول: أذِنَت إلى هذا الأمر آذنُ، بمعنى: استمعت. ومنه الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: "ما أذِنَ الله لشيءٍ كأذَنِهِ لِنَبِيٍّ يَتَغنّى بالقرآن". يعني: ما استمع الله لشيء كاستماعه لنبي يتغنى بالقرآن. وقال ابن عباس: ﴿وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا﴾ أي: "سمعت لربها". وهو قول مجاهد وقتادة والضحاك وسفيان. * * وقوله: ﴿وَحُقَّتْ﴾، أي: وحقق الله عليها الاستماع لأمره بالانشقاق. قال ابن عباس: ﴿وَحُقَّتْ﴾، أي: وحقت بطاعة ربها. وقال ابن جبير: ﴿وَحُقَّتْ﴾ أي: ويحق لها أن تسمع وتطيع. وقاله أبو عبيدة. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَا ٱلأَرْضُ مُدَّتْ﴾. أي: بسطت فريد في سعتها. وروى الزهري عن علي بن حسينٍ رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: "إذَا كَان يَومُ القِيَامَةِ مَدّ اللهُ - جَلّ ثَنَاءُهُ - الأرضَ مدَّ الأدِيمِ فلا يَكُونُ لِبَشَرٍ مِن بَنَي آدم فِيهَا إلاّ مَوضِعُ قَدَمِهِ... ثم قال تعالى: ﴿وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا (وَتَخَلَّتْ)﴾. أي: (وألقت الأرض) ما فيها من الموتى علقَ ظهرها وتخلت منهم (إلى الله جل) ذكره. قال مجاهد: ﴿(وَأَلْقَتْ) مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ﴾، أي: أخرجت ما فيها من الموتى". وقال قتادة: "أخرجت (أثقالها) وما فيها". * * - ثم قال تعالى: ﴿وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ﴾. أي: وسمعت الأرض أمر ربها في إلقائها ما في بطنها من الموتى على ظهرها وحققها الله للاستماع. وقيل: معناه وحقّ لها أن تسمع أمره. واختلف في جواب ﴿إِذَا﴾ والعامل فيها. فقال الأخفش: التقدير: إنك كادح إلى ربك كدحاً فملاقيه إذا السماء انشقت. فيكون العامل في ﴿إِذَا﴾ على قوله فملاقيه. وقيل: التقدير: اذكر يا محمد إذا السماء انشقت. وقيل: الجواب: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلإِنسَٰنُ﴾، على إضمار الفاء: كما تقول: إذا كان كذا وكذا، فيا أيها الإنسان ترى ما عملت من خير وشر. وقيل: جواب ﴿إِذَا﴾ الأولى والثانية: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَـٰبَهُ بِيَمِينِهِ﴾. وقيل: التقدير: إنك كادح إلى ربك كَدَحاً إذا السماء انشقت. وهذا لا يجوز لأن الكدح: العملُ، فمحال أن يعمل في وقتِ انشقاق السماء . وقيل: الجواب: ﴿وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا﴾، و [الواو] زائدة، أي: إذا السماء انشقت، (أذنت لربها. وقيل: الجواب محذوف. والتقدير: إذا السماء انشقت)، رأيت الثواب والعقاب. وقال المبرد: التقدير: إذا السماء انشقت، فأما من أوتي كتابه بيمينه. * * - ثم قال تعالى: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلإِنسَٰنُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَىٰ رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاَقِيهِ﴾. أي: إنك عامل إلى ربك عملاً في دنياك، فأنت ملاقيه خيراً كان أو شراً، فليكن عملك ما ينجيك من عقابه ويوجب لك ثوابه. قال قتادة: "إن كدحك لك يا ابن آدم [لضعيف]، فمن استطاع أن يكون كدحه في طاعة الله فليفعل، ولا قوة إلا بالله". [قال] ابن عباس وابن زيد وغيرهما: كادح: عامل. والوقف في أول هذه السورة على مقدار ما تقدم من جواب ﴿إِذَا﴾ والعامل فيها، فلا تقف على ما قبل الجواب ولا ما قبل العامل. وقد ذكر الاختلاف في ذلك. - قال تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَـٰبَهُ بِيَمِينِهِ * فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً﴾. أي: من أعطي كتاب عمله [يومئذ] بيمينه ينظر في عمله فيغفر له [سيئه]، ويجازى على حسنه. قالت عائشة رضي الله عنها: سَمِعتُ النَّبيّ ﷺ يقول: "اللّهُمّ حَاسِبْنِي حِسَاباً يَسيراً، فَقُلت: يَا رسولَ الله، مَا الحِسَابُ اليَسير؟ قال: (أن) يُنظَرُ فِي سيّئاتِهِ فَيُتجاوَزُ عَنْهُ، إنّهُ من نُوقِشَ الحِسَابَ يَومَئذٍ هَلَكَ وروى ابن (أبي) مليكة عن عائشة أيضاً أنها قالت: قَالَ رَسُول اللهِ ﷺ: [إِنّهُ لَيْسَ أحدٌ يُحاسبُ يَومَ القِيامَةِ إلا معذّباً، قالت: يَا رسُول الله]، يقول الله جلّ وعزّ: ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً﴾. قال: ذَلِكَ العرض، إنّه من نُوقش الحِساب عذّب قال ابن زيد: الحسابُ اليسيرُ: الذي تغفر ذنوبه وتتقبل حسناته وتيْسيرُ الحساب الذي يُعفى عنه، وقرأ: ﴿وَيَخَافُونَ سُوءَ الحِسَابِ﴾ [الرعد: ٢١]، وقرأ: ﴿أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُواْ وَنَتَجَاوَزُ عَن سَيِّئَاتِهِمْ﴾ [الأحقاف: ١٦]. والمحاسبة بين العبد و (بين) ربه إنما هي إقرار العبد بما أحصاه كتاب عمله. وروى ابن وهب أن عائشة رضي الله عنها قالت: "يا نَبيّ (الله)، كَيْفَ ﴿حِسَاباً يَسِيراً﴾؟ قال: يُعطى العَبْدُ كِتابَهُ بِيَمينِهِ فَيَقرأ سَيّئاتِهِ ويَقرأ النّاس حَسَناتِهِ، ثُمّ تُحوّل صَحيفَـتُهُ فيحوّل اللهُ سَيّئاته حَسَناتٍ، فيقرأ حَسَناتِه ويَقرأ النّاسُ سَيّئاتِه حَسناتٍ، فَيَقُولُ الناسُ: مَا كان لِهَذا العَبْدِ سيّئةٌ. قال: فَيُعرّفُ بِعَمَلِهِ ويُغْفَرُ لَهُ، فَذَلِك قولُه تَعالَى: ﴿يُبَدِّلُ ٱللَّهُ [سَيِّئَاتِهِمْ] حَسَنَاتٍ﴾ وقوله: ﴿وَيَنقَلِبُ إِلَىٰ أَهْلِهِ مَسْرُوراً﴾. أي: وينصرف بعد محاسبته حسابا يسيرا إلى أهله في الجنة مسرورا بما أعد الله له وما نجاه منه. وروي أن أول من يأخذ كتابه بيمينه أبو سلمة بن عبد [الأسد]، وهو أول من يدخل الجنة من هذه الأمة، وهو أول من هاجر من مكة إلى المدينة.

الانشقاق 84:6

قوله تعالى: ﴿إِذَا ٱلسَّمَآءُ ٱنشَقَّتْ﴾، إلى قوله: ﴿(إِلَىٰ أَهْلِهِ) مَسْرُوراً﴾. أي: إذا السماء تصدعت وتقطعت فكانت أبواباً. قال الفراء: تنشق بالغمام. * * - وقوله: ﴿وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ﴾. أي: وسمعت السماء (في) تصديعها وتشققها لربها فأطاعت له. والعرب تقول: أذِنَت إلى هذا الأمر آذنُ، بمعنى: استمعت. ومنه الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: "ما أذِنَ الله لشيءٍ كأذَنِهِ لِنَبِيٍّ يَتَغنّى بالقرآن". يعني: ما استمع الله لشيء كاستماعه لنبي يتغنى بالقرآن. وقال ابن عباس: ﴿وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا﴾ أي: "سمعت لربها". وهو قول مجاهد وقتادة والضحاك وسفيان. * * وقوله: ﴿وَحُقَّتْ﴾، أي: وحقق الله عليها الاستماع لأمره بالانشقاق. قال ابن عباس: ﴿وَحُقَّتْ﴾، أي: وحقت بطاعة ربها. وقال ابن جبير: ﴿وَحُقَّتْ﴾ أي: ويحق لها أن تسمع وتطيع. وقاله أبو عبيدة. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَا ٱلأَرْضُ مُدَّتْ﴾. أي: بسطت فريد في سعتها. وروى الزهري عن علي بن حسينٍ رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: "إذَا كَان يَومُ القِيَامَةِ مَدّ اللهُ - جَلّ ثَنَاءُهُ - الأرضَ مدَّ الأدِيمِ فلا يَكُونُ لِبَشَرٍ مِن بَنَي آدم فِيهَا إلاّ مَوضِعُ قَدَمِهِ... ثم قال تعالى: ﴿وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا (وَتَخَلَّتْ)﴾. أي: (وألقت الأرض) ما فيها من الموتى علقَ ظهرها وتخلت منهم (إلى الله جل) ذكره. قال مجاهد: ﴿(وَأَلْقَتْ) مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ﴾، أي: أخرجت ما فيها من الموتى". وقال قتادة: "أخرجت (أثقالها) وما فيها". * * - ثم قال تعالى: ﴿وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ﴾. أي: وسمعت الأرض أمر ربها في إلقائها ما في بطنها من الموتى على ظهرها وحققها الله للاستماع. وقيل: معناه وحقّ لها أن تسمع أمره. واختلف في جواب ﴿إِذَا﴾ والعامل فيها. فقال الأخفش: التقدير: إنك كادح إلى ربك كدحاً فملاقيه إذا السماء انشقت. فيكون العامل في ﴿إِذَا﴾ على قوله فملاقيه. وقيل: التقدير: اذكر يا محمد إذا السماء انشقت. وقيل: الجواب: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلإِنسَٰنُ﴾، على إضمار الفاء: كما تقول: إذا كان كذا وكذا، فيا أيها الإنسان ترى ما عملت من خير وشر. وقيل: جواب ﴿إِذَا﴾ الأولى والثانية: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَـٰبَهُ بِيَمِينِهِ﴾. وقيل: التقدير: إنك كادح إلى ربك كَدَحاً إذا السماء انشقت. وهذا لا يجوز لأن الكدح: العملُ، فمحال أن يعمل في وقتِ انشقاق السماء . وقيل: الجواب: ﴿وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا﴾، و [الواو] زائدة، أي: إذا السماء انشقت، (أذنت لربها. وقيل: الجواب محذوف. والتقدير: إذا السماء انشقت)، رأيت الثواب والعقاب. وقال المبرد: التقدير: إذا السماء انشقت، فأما من أوتي كتابه بيمينه. * * - ثم قال تعالى: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلإِنسَٰنُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَىٰ رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاَقِيهِ﴾. أي: إنك عامل إلى ربك عملاً في دنياك، فأنت ملاقيه خيراً كان أو شراً، فليكن عملك ما ينجيك من عقابه ويوجب لك ثوابه. قال قتادة: "إن كدحك لك يا ابن آدم [لضعيف]، فمن استطاع أن يكون كدحه في طاعة الله فليفعل، ولا قوة إلا بالله". [قال] ابن عباس وابن زيد وغيرهما: كادح: عامل. والوقف في أول هذه السورة على مقدار ما تقدم من جواب ﴿إِذَا﴾ والعامل فيها، فلا تقف على ما قبل الجواب ولا ما قبل العامل. وقد ذكر الاختلاف في ذلك. - قال تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَـٰبَهُ بِيَمِينِهِ * فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً﴾. أي: من أعطي كتاب عمله [يومئذ] بيمينه ينظر في عمله فيغفر له [سيئه]، ويجازى على حسنه. قالت عائشة رضي الله عنها: سَمِعتُ النَّبيّ ﷺ يقول: "اللّهُمّ حَاسِبْنِي حِسَاباً يَسيراً، فَقُلت: يَا رسولَ الله، مَا الحِسَابُ اليَسير؟ قال: (أن) يُنظَرُ فِي سيّئاتِهِ فَيُتجاوَزُ عَنْهُ، إنّهُ من نُوقِشَ الحِسَابَ يَومَئذٍ هَلَكَ وروى ابن (أبي) مليكة عن عائشة أيضاً أنها قالت: قَالَ رَسُول اللهِ ﷺ: [إِنّهُ لَيْسَ أحدٌ يُحاسبُ يَومَ القِيامَةِ إلا معذّباً، قالت: يَا رسُول الله]، يقول الله جلّ وعزّ: ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً﴾. قال: ذَلِكَ العرض، إنّه من نُوقش الحِساب عذّب قال ابن زيد: الحسابُ اليسيرُ: الذي تغفر ذنوبه وتتقبل حسناته وتيْسيرُ الحساب الذي يُعفى عنه، وقرأ: ﴿وَيَخَافُونَ سُوءَ الحِسَابِ﴾ [الرعد: ٢١]، وقرأ: ﴿أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُواْ وَنَتَجَاوَزُ عَن سَيِّئَاتِهِمْ﴾ [الأحقاف: ١٦]. والمحاسبة بين العبد و (بين) ربه إنما هي إقرار العبد بما أحصاه كتاب عمله. وروى ابن وهب أن عائشة رضي الله عنها قالت: "يا نَبيّ (الله)، كَيْفَ ﴿حِسَاباً يَسِيراً﴾؟ قال: يُعطى العَبْدُ كِتابَهُ بِيَمينِهِ فَيَقرأ سَيّئاتِهِ ويَقرأ النّاس حَسَناتِهِ، ثُمّ تُحوّل صَحيفَـتُهُ فيحوّل اللهُ سَيّئاته حَسَناتٍ، فيقرأ حَسَناتِه ويَقرأ النّاسُ سَيّئاتِه حَسناتٍ، فَيَقُولُ الناسُ: مَا كان لِهَذا العَبْدِ سيّئةٌ. قال: فَيُعرّفُ بِعَمَلِهِ ويُغْفَرُ لَهُ، فَذَلِك قولُه تَعالَى: ﴿يُبَدِّلُ ٱللَّهُ [سَيِّئَاتِهِمْ] حَسَنَاتٍ﴾ وقوله: ﴿وَيَنقَلِبُ إِلَىٰ أَهْلِهِ مَسْرُوراً﴾. أي: وينصرف بعد محاسبته حسابا يسيرا إلى أهله في الجنة مسرورا بما أعد الله له وما نجاه منه. وروي أن أول من يأخذ كتابه بيمينه أبو سلمة بن عبد [الأسد]، وهو أول من يدخل الجنة من هذه الأمة، وهو أول من هاجر من مكة إلى المدينة.

الانشقاق 84:7

قوله تعالى: ﴿إِذَا ٱلسَّمَآءُ ٱنشَقَّتْ﴾، إلى قوله: ﴿(إِلَىٰ أَهْلِهِ) مَسْرُوراً﴾. أي: إذا السماء تصدعت وتقطعت فكانت أبواباً. قال الفراء: تنشق بالغمام. * * - وقوله: ﴿وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ﴾. أي: وسمعت السماء (في) تصديعها وتشققها لربها فأطاعت له. والعرب تقول: أذِنَت إلى هذا الأمر آذنُ، بمعنى: استمعت. ومنه الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: "ما أذِنَ الله لشيءٍ كأذَنِهِ لِنَبِيٍّ يَتَغنّى بالقرآن". يعني: ما استمع الله لشيء كاستماعه لنبي يتغنى بالقرآن. وقال ابن عباس: ﴿وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا﴾ أي: "سمعت لربها". وهو قول مجاهد وقتادة والضحاك وسفيان. * * وقوله: ﴿وَحُقَّتْ﴾، أي: وحقق الله عليها الاستماع لأمره بالانشقاق. قال ابن عباس: ﴿وَحُقَّتْ﴾، أي: وحقت بطاعة ربها. وقال ابن جبير: ﴿وَحُقَّتْ﴾ أي: ويحق لها أن تسمع وتطيع. وقاله أبو عبيدة. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَا ٱلأَرْضُ مُدَّتْ﴾. أي: بسطت فريد في سعتها. وروى الزهري عن علي بن حسينٍ رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: "إذَا كَان يَومُ القِيَامَةِ مَدّ اللهُ - جَلّ ثَنَاءُهُ - الأرضَ مدَّ الأدِيمِ فلا يَكُونُ لِبَشَرٍ مِن بَنَي آدم فِيهَا إلاّ مَوضِعُ قَدَمِهِ... ثم قال تعالى: ﴿وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا (وَتَخَلَّتْ)﴾. أي: (وألقت الأرض) ما فيها من الموتى علقَ ظهرها وتخلت منهم (إلى الله جل) ذكره. قال مجاهد: ﴿(وَأَلْقَتْ) مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ﴾، أي: أخرجت ما فيها من الموتى". وقال قتادة: "أخرجت (أثقالها) وما فيها". * * - ثم قال تعالى: ﴿وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ﴾. أي: وسمعت الأرض أمر ربها في إلقائها ما في بطنها من الموتى على ظهرها وحققها الله للاستماع. وقيل: معناه وحقّ لها أن تسمع أمره. واختلف في جواب ﴿إِذَا﴾ والعامل فيها. فقال الأخفش: التقدير: إنك كادح إلى ربك كدحاً فملاقيه إذا السماء انشقت. فيكون العامل في ﴿إِذَا﴾ على قوله فملاقيه. وقيل: التقدير: اذكر يا محمد إذا السماء انشقت. وقيل: الجواب: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلإِنسَٰنُ﴾، على إضمار الفاء: كما تقول: إذا كان كذا وكذا، فيا أيها الإنسان ترى ما عملت من خير وشر. وقيل: جواب ﴿إِذَا﴾ الأولى والثانية: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَـٰبَهُ بِيَمِينِهِ﴾. وقيل: التقدير: إنك كادح إلى ربك كَدَحاً إذا السماء انشقت. وهذا لا يجوز لأن الكدح: العملُ، فمحال أن يعمل في وقتِ انشقاق السماء . وقيل: الجواب: ﴿وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا﴾، و [الواو] زائدة، أي: إذا السماء انشقت، (أذنت لربها. وقيل: الجواب محذوف. والتقدير: إذا السماء انشقت)، رأيت الثواب والعقاب. وقال المبرد: التقدير: إذا السماء انشقت، فأما من أوتي كتابه بيمينه. * * - ثم قال تعالى: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلإِنسَٰنُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَىٰ رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاَقِيهِ﴾. أي: إنك عامل إلى ربك عملاً في دنياك، فأنت ملاقيه خيراً كان أو شراً، فليكن عملك ما ينجيك من عقابه ويوجب لك ثوابه. قال قتادة: "إن كدحك لك يا ابن آدم [لضعيف]، فمن استطاع أن يكون كدحه في طاعة الله فليفعل، ولا قوة إلا بالله". [قال] ابن عباس وابن زيد وغيرهما: كادح: عامل. والوقف في أول هذه السورة على مقدار ما تقدم من جواب ﴿إِذَا﴾ والعامل فيها، فلا تقف على ما قبل الجواب ولا ما قبل العامل. وقد ذكر الاختلاف في ذلك. - قال تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَـٰبَهُ بِيَمِينِهِ * فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً﴾. أي: من أعطي كتاب عمله [يومئذ] بيمينه ينظر في عمله فيغفر له [سيئه]، ويجازى على حسنه. قالت عائشة رضي الله عنها: سَمِعتُ النَّبيّ ﷺ يقول: "اللّهُمّ حَاسِبْنِي حِسَاباً يَسيراً، فَقُلت: يَا رسولَ الله، مَا الحِسَابُ اليَسير؟ قال: (أن) يُنظَرُ فِي سيّئاتِهِ فَيُتجاوَزُ عَنْهُ، إنّهُ من نُوقِشَ الحِسَابَ يَومَئذٍ هَلَكَ وروى ابن (أبي) مليكة عن عائشة أيضاً أنها قالت: قَالَ رَسُول اللهِ ﷺ: [إِنّهُ لَيْسَ أحدٌ يُحاسبُ يَومَ القِيامَةِ إلا معذّباً، قالت: يَا رسُول الله]، يقول الله جلّ وعزّ: ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً﴾. قال: ذَلِكَ العرض، إنّه من نُوقش الحِساب عذّب قال ابن زيد: الحسابُ اليسيرُ: الذي تغفر ذنوبه وتتقبل حسناته وتيْسيرُ الحساب الذي يُعفى عنه، وقرأ: ﴿وَيَخَافُونَ سُوءَ الحِسَابِ﴾ [الرعد: ٢١]، وقرأ: ﴿أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُواْ وَنَتَجَاوَزُ عَن سَيِّئَاتِهِمْ﴾ [الأحقاف: ١٦]. والمحاسبة بين العبد و (بين) ربه إنما هي إقرار العبد بما أحصاه كتاب عمله. وروى ابن وهب أن عائشة رضي الله عنها قالت: "يا نَبيّ (الله)، كَيْفَ ﴿حِسَاباً يَسِيراً﴾؟ قال: يُعطى العَبْدُ كِتابَهُ بِيَمينِهِ فَيَقرأ سَيّئاتِهِ ويَقرأ النّاس حَسَناتِهِ، ثُمّ تُحوّل صَحيفَـتُهُ فيحوّل اللهُ سَيّئاته حَسَناتٍ، فيقرأ حَسَناتِه ويَقرأ النّاسُ سَيّئاتِه حَسناتٍ، فَيَقُولُ الناسُ: مَا كان لِهَذا العَبْدِ سيّئةٌ. قال: فَيُعرّفُ بِعَمَلِهِ ويُغْفَرُ لَهُ، فَذَلِك قولُه تَعالَى: ﴿يُبَدِّلُ ٱللَّهُ [سَيِّئَاتِهِمْ] حَسَنَاتٍ﴾ وقوله: ﴿وَيَنقَلِبُ إِلَىٰ أَهْلِهِ مَسْرُوراً﴾. أي: وينصرف بعد محاسبته حسابا يسيرا إلى أهله في الجنة مسرورا بما أعد الله له وما نجاه منه. وروي أن أول من يأخذ كتابه بيمينه أبو سلمة بن عبد [الأسد]، وهو أول من يدخل الجنة من هذه الأمة، وهو أول من هاجر من مكة إلى المدينة.

الانشقاق 84:8

قوله تعالى: ﴿إِذَا ٱلسَّمَآءُ ٱنشَقَّتْ﴾، إلى قوله: ﴿(إِلَىٰ أَهْلِهِ) مَسْرُوراً﴾. أي: إذا السماء تصدعت وتقطعت فكانت أبواباً. قال الفراء: تنشق بالغمام. * * - وقوله: ﴿وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ﴾. أي: وسمعت السماء (في) تصديعها وتشققها لربها فأطاعت له. والعرب تقول: أذِنَت إلى هذا الأمر آذنُ، بمعنى: استمعت. ومنه الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: "ما أذِنَ الله لشيءٍ كأذَنِهِ لِنَبِيٍّ يَتَغنّى بالقرآن". يعني: ما استمع الله لشيء كاستماعه لنبي يتغنى بالقرآن. وقال ابن عباس: ﴿وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا﴾ أي: "سمعت لربها". وهو قول مجاهد وقتادة والضحاك وسفيان. * * وقوله: ﴿وَحُقَّتْ﴾، أي: وحقق الله عليها الاستماع لأمره بالانشقاق. قال ابن عباس: ﴿وَحُقَّتْ﴾، أي: وحقت بطاعة ربها. وقال ابن جبير: ﴿وَحُقَّتْ﴾ أي: ويحق لها أن تسمع وتطيع. وقاله أبو عبيدة. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَا ٱلأَرْضُ مُدَّتْ﴾. أي: بسطت فريد في سعتها. وروى الزهري عن علي بن حسينٍ رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: "إذَا كَان يَومُ القِيَامَةِ مَدّ اللهُ - جَلّ ثَنَاءُهُ - الأرضَ مدَّ الأدِيمِ فلا يَكُونُ لِبَشَرٍ مِن بَنَي آدم فِيهَا إلاّ مَوضِعُ قَدَمِهِ... ثم قال تعالى: ﴿وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا (وَتَخَلَّتْ)﴾. أي: (وألقت الأرض) ما فيها من الموتى علقَ ظهرها وتخلت منهم (إلى الله جل) ذكره. قال مجاهد: ﴿(وَأَلْقَتْ) مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ﴾، أي: أخرجت ما فيها من الموتى". وقال قتادة: "أخرجت (أثقالها) وما فيها". * * - ثم قال تعالى: ﴿وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ﴾. أي: وسمعت الأرض أمر ربها في إلقائها ما في بطنها من الموتى على ظهرها وحققها الله للاستماع. وقيل: معناه وحقّ لها أن تسمع أمره. واختلف في جواب ﴿إِذَا﴾ والعامل فيها. فقال الأخفش: التقدير: إنك كادح إلى ربك كدحاً فملاقيه إذا السماء انشقت. فيكون العامل في ﴿إِذَا﴾ على قوله فملاقيه. وقيل: التقدير: اذكر يا محمد إذا السماء انشقت. وقيل: الجواب: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلإِنسَٰنُ﴾، على إضمار الفاء: كما تقول: إذا كان كذا وكذا، فيا أيها الإنسان ترى ما عملت من خير وشر. وقيل: جواب ﴿إِذَا﴾ الأولى والثانية: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَـٰبَهُ بِيَمِينِهِ﴾. وقيل: التقدير: إنك كادح إلى ربك كَدَحاً إذا السماء انشقت. وهذا لا يجوز لأن الكدح: العملُ، فمحال أن يعمل في وقتِ انشقاق السماء . وقيل: الجواب: ﴿وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا﴾، و [الواو] زائدة، أي: إذا السماء انشقت، (أذنت لربها. وقيل: الجواب محذوف. والتقدير: إذا السماء انشقت)، رأيت الثواب والعقاب. وقال المبرد: التقدير: إذا السماء انشقت، فأما من أوتي كتابه بيمينه. * * - ثم قال تعالى: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلإِنسَٰنُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَىٰ رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاَقِيهِ﴾. أي: إنك عامل إلى ربك عملاً في دنياك، فأنت ملاقيه خيراً كان أو شراً، فليكن عملك ما ينجيك من عقابه ويوجب لك ثوابه. قال قتادة: "إن كدحك لك يا ابن آدم [لضعيف]، فمن استطاع أن يكون كدحه في طاعة الله فليفعل، ولا قوة إلا بالله". [قال] ابن عباس وابن زيد وغيرهما: كادح: عامل. والوقف في أول هذه السورة على مقدار ما تقدم من جواب ﴿إِذَا﴾ والعامل فيها، فلا تقف على ما قبل الجواب ولا ما قبل العامل. وقد ذكر الاختلاف في ذلك. - قال تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَـٰبَهُ بِيَمِينِهِ * فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً﴾. أي: من أعطي كتاب عمله [يومئذ] بيمينه ينظر في عمله فيغفر له [سيئه]، ويجازى على حسنه. قالت عائشة رضي الله عنها: سَمِعتُ النَّبيّ ﷺ يقول: "اللّهُمّ حَاسِبْنِي حِسَاباً يَسيراً، فَقُلت: يَا رسولَ الله، مَا الحِسَابُ اليَسير؟ قال: (أن) يُنظَرُ فِي سيّئاتِهِ فَيُتجاوَزُ عَنْهُ، إنّهُ من نُوقِشَ الحِسَابَ يَومَئذٍ هَلَكَ وروى ابن (أبي) مليكة عن عائشة أيضاً أنها قالت: قَالَ رَسُول اللهِ ﷺ: [إِنّهُ لَيْسَ أحدٌ يُحاسبُ يَومَ القِيامَةِ إلا معذّباً، قالت: يَا رسُول الله]، يقول الله جلّ وعزّ: ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً﴾. قال: ذَلِكَ العرض، إنّه من نُوقش الحِساب عذّب قال ابن زيد: الحسابُ اليسيرُ: الذي تغفر ذنوبه وتتقبل حسناته وتيْسيرُ الحساب الذي يُعفى عنه، وقرأ: ﴿وَيَخَافُونَ سُوءَ الحِسَابِ﴾ [الرعد: ٢١]، وقرأ: ﴿أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُواْ وَنَتَجَاوَزُ عَن سَيِّئَاتِهِمْ﴾ [الأحقاف: ١٦]. والمحاسبة بين العبد و (بين) ربه إنما هي إقرار العبد بما أحصاه كتاب عمله. وروى ابن وهب أن عائشة رضي الله عنها قالت: "يا نَبيّ (الله)، كَيْفَ ﴿حِسَاباً يَسِيراً﴾؟ قال: يُعطى العَبْدُ كِتابَهُ بِيَمينِهِ فَيَقرأ سَيّئاتِهِ ويَقرأ النّاس حَسَناتِهِ، ثُمّ تُحوّل صَحيفَـتُهُ فيحوّل اللهُ سَيّئاته حَسَناتٍ، فيقرأ حَسَناتِه ويَقرأ النّاسُ سَيّئاتِه حَسناتٍ، فَيَقُولُ الناسُ: مَا كان لِهَذا العَبْدِ سيّئةٌ. قال: فَيُعرّفُ بِعَمَلِهِ ويُغْفَرُ لَهُ، فَذَلِك قولُه تَعالَى: ﴿يُبَدِّلُ ٱللَّهُ [سَيِّئَاتِهِمْ] حَسَنَاتٍ﴾ وقوله: ﴿وَيَنقَلِبُ إِلَىٰ أَهْلِهِ مَسْرُوراً﴾. أي: وينصرف بعد محاسبته حسابا يسيرا إلى أهله في الجنة مسرورا بما أعد الله له وما نجاه منه. وروي أن أول من يأخذ كتابه بيمينه أبو سلمة بن عبد [الأسد]، وهو أول من يدخل الجنة من هذه الأمة، وهو أول من هاجر من مكة إلى المدينة.

الانشقاق 84:9

قوله تعالى: ﴿إِذَا ٱلسَّمَآءُ ٱنشَقَّتْ﴾، إلى قوله: ﴿(إِلَىٰ أَهْلِهِ) مَسْرُوراً﴾. أي: إذا السماء تصدعت وتقطعت فكانت أبواباً. قال الفراء: تنشق بالغمام. * * - وقوله: ﴿وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ﴾. أي: وسمعت السماء (في) تصديعها وتشققها لربها فأطاعت له. والعرب تقول: أذِنَت إلى هذا الأمر آذنُ، بمعنى: استمعت. ومنه الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: "ما أذِنَ الله لشيءٍ كأذَنِهِ لِنَبِيٍّ يَتَغنّى بالقرآن". يعني: ما استمع الله لشيء كاستماعه لنبي يتغنى بالقرآن. وقال ابن عباس: ﴿وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا﴾ أي: "سمعت لربها". وهو قول مجاهد وقتادة والضحاك وسفيان. * * وقوله: ﴿وَحُقَّتْ﴾، أي: وحقق الله عليها الاستماع لأمره بالانشقاق. قال ابن عباس: ﴿وَحُقَّتْ﴾، أي: وحقت بطاعة ربها. وقال ابن جبير: ﴿وَحُقَّتْ﴾ أي: ويحق لها أن تسمع وتطيع. وقاله أبو عبيدة. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَا ٱلأَرْضُ مُدَّتْ﴾. أي: بسطت فريد في سعتها. وروى الزهري عن علي بن حسينٍ رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: "إذَا كَان يَومُ القِيَامَةِ مَدّ اللهُ - جَلّ ثَنَاءُهُ - الأرضَ مدَّ الأدِيمِ فلا يَكُونُ لِبَشَرٍ مِن بَنَي آدم فِيهَا إلاّ مَوضِعُ قَدَمِهِ... ثم قال تعالى: ﴿وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا (وَتَخَلَّتْ)﴾. أي: (وألقت الأرض) ما فيها من الموتى علقَ ظهرها وتخلت منهم (إلى الله جل) ذكره. قال مجاهد: ﴿(وَأَلْقَتْ) مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ﴾، أي: أخرجت ما فيها من الموتى". وقال قتادة: "أخرجت (أثقالها) وما فيها". * * - ثم قال تعالى: ﴿وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ﴾. أي: وسمعت الأرض أمر ربها في إلقائها ما في بطنها من الموتى على ظهرها وحققها الله للاستماع. وقيل: معناه وحقّ لها أن تسمع أمره. واختلف في جواب ﴿إِذَا﴾ والعامل فيها. فقال الأخفش: التقدير: إنك كادح إلى ربك كدحاً فملاقيه إذا السماء انشقت. فيكون العامل في ﴿إِذَا﴾ على قوله فملاقيه. وقيل: التقدير: اذكر يا محمد إذا السماء انشقت. وقيل: الجواب: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلإِنسَٰنُ﴾، على إضمار الفاء: كما تقول: إذا كان كذا وكذا، فيا أيها الإنسان ترى ما عملت من خير وشر. وقيل: جواب ﴿إِذَا﴾ الأولى والثانية: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَـٰبَهُ بِيَمِينِهِ﴾. وقيل: التقدير: إنك كادح إلى ربك كَدَحاً إذا السماء انشقت. وهذا لا يجوز لأن الكدح: العملُ، فمحال أن يعمل في وقتِ انشقاق السماء . وقيل: الجواب: ﴿وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا﴾، و [الواو] زائدة، أي: إذا السماء انشقت، (أذنت لربها. وقيل: الجواب محذوف. والتقدير: إذا السماء انشقت)، رأيت الثواب والعقاب. وقال المبرد: التقدير: إذا السماء انشقت، فأما من أوتي كتابه بيمينه. * * - ثم قال تعالى: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلإِنسَٰنُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَىٰ رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاَقِيهِ﴾. أي: إنك عامل إلى ربك عملاً في دنياك، فأنت ملاقيه خيراً كان أو شراً، فليكن عملك ما ينجيك من عقابه ويوجب لك ثوابه. قال قتادة: "إن كدحك لك يا ابن آدم [لضعيف]، فمن استطاع أن يكون كدحه في طاعة الله فليفعل، ولا قوة إلا بالله". [قال] ابن عباس وابن زيد وغيرهما: كادح: عامل. والوقف في أول هذه السورة على مقدار ما تقدم من جواب ﴿إِذَا﴾ والعامل فيها، فلا تقف على ما قبل الجواب ولا ما قبل العامل. وقد ذكر الاختلاف في ذلك. - قال تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَـٰبَهُ بِيَمِينِهِ * فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً﴾. أي: من أعطي كتاب عمله [يومئذ] بيمينه ينظر في عمله فيغفر له [سيئه]، ويجازى على حسنه. قالت عائشة رضي الله عنها: سَمِعتُ النَّبيّ ﷺ يقول: "اللّهُمّ حَاسِبْنِي حِسَاباً يَسيراً، فَقُلت: يَا رسولَ الله، مَا الحِسَابُ اليَسير؟ قال: (أن) يُنظَرُ فِي سيّئاتِهِ فَيُتجاوَزُ عَنْهُ، إنّهُ من نُوقِشَ الحِسَابَ يَومَئذٍ هَلَكَ وروى ابن (أبي) مليكة عن عائشة أيضاً أنها قالت: قَالَ رَسُول اللهِ ﷺ: [إِنّهُ لَيْسَ أحدٌ يُحاسبُ يَومَ القِيامَةِ إلا معذّباً، قالت: يَا رسُول الله]، يقول الله جلّ وعزّ: ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً﴾. قال: ذَلِكَ العرض، إنّه من نُوقش الحِساب عذّب قال ابن زيد: الحسابُ اليسيرُ: الذي تغفر ذنوبه وتتقبل حسناته وتيْسيرُ الحساب الذي يُعفى عنه، وقرأ: ﴿وَيَخَافُونَ سُوءَ الحِسَابِ﴾ [الرعد: ٢١]، وقرأ: ﴿أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُواْ وَنَتَجَاوَزُ عَن سَيِّئَاتِهِمْ﴾ [الأحقاف: ١٦]. والمحاسبة بين العبد و (بين) ربه إنما هي إقرار العبد بما أحصاه كتاب عمله. وروى ابن وهب أن عائشة رضي الله عنها قالت: "يا نَبيّ (الله)، كَيْفَ ﴿حِسَاباً يَسِيراً﴾؟ قال: يُعطى العَبْدُ كِتابَهُ بِيَمينِهِ فَيَقرأ سَيّئاتِهِ ويَقرأ النّاس حَسَناتِهِ، ثُمّ تُحوّل صَحيفَـتُهُ فيحوّل اللهُ سَيّئاته حَسَناتٍ، فيقرأ حَسَناتِه ويَقرأ النّاسُ سَيّئاتِه حَسناتٍ، فَيَقُولُ الناسُ: مَا كان لِهَذا العَبْدِ سيّئةٌ. قال: فَيُعرّفُ بِعَمَلِهِ ويُغْفَرُ لَهُ، فَذَلِك قولُه تَعالَى: ﴿يُبَدِّلُ ٱللَّهُ [سَيِّئَاتِهِمْ] حَسَنَاتٍ﴾ وقوله: ﴿وَيَنقَلِبُ إِلَىٰ أَهْلِهِ مَسْرُوراً﴾. أي: وينصرف بعد محاسبته حسابا يسيرا إلى أهله في الجنة مسرورا بما أعد الله له وما نجاه منه. وروي أن أول من يأخذ كتابه بيمينه أبو سلمة بن عبد [الأسد]، وهو أول من يدخل الجنة من هذه الأمة، وهو أول من هاجر من مكة إلى المدينة.

الانشقاق 84:10

قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَٰبَهُ وَرَآءَ ظَهْرِهِ﴾، إلى آخر السورة. (أي): وأما من أعطي كتاب عمله وراء ظهره. وذلك أن تغلّ يده اليمنى إلى عنقه وتجعل الشمال من يديه وراء ظهره فيتناول كتابه بشماله من وراء ظهره. فلذلك وصفهم أنهم يُؤتُون كتابهم بشمالهم وأنهم يُؤتونها من وراء ظهورهم. قال مجاهد: "تجعل يده من وراء ظهره". روي أنه يعني به الأسود بن عبد الأسد أخا أبي سلمة هو أول من يأخذ كتابه بشماله. روي أنه يمد يده ليأخذه بيمينه [فيجتذبه] ملك فيخلع يده فيأخذه بشماله من وراء ظهره. ثم هي عامة في أمثالهما. * * - ثم قال تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَدْعُواْ ثُبُوراً﴾. أي: ينادي بالهلاك (ويقول) (وا) ثبوراه، و "ياويلاه". تقول العرب دعا فلان لَهفَه: إذا قال والهَفَاهُ. قال الضحاك: ﴿يَدْعُواْ ثُبُوراً﴾، أي: "يدعوا بالهلاك". * * - ثم قال تعالى: ﴿وَيَصْلَىٰ سَعِيراً﴾. من شدده فمعناه [ويصليهم] الله النار تصلية بعد تصلية [وإنضاجة بعد إنضاجة] كما قال: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَٰهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا﴾ [النساء: ٥٦]. ومن خفف، فمعناه أنهم يصلونها ويَرِدُونها [فيحترقون] فيها. * * - ثم قال تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ فِيۤ أَهْلِهِ مَسْرُوراً﴾. أي: إنه كان في الدنيا مسرورا بما هو فيه من خلافه أمرَ الله وكفره به. * * - ثم قال تعالى: ﴿إِنَّهُ ظَنَّ أَن لَّن (يَحُورَ * بَلَىٰ)﴾ (أي): إنه ظن [أنه] لن يرجع بعد الموت ولا يبعث، فركب المعاصي وتمادى على الكفر إذ يرجو ثواباً ولا يخاف عقاباً. * * - ثم قال: ﴿بَلَىٰ﴾ أي: بلى يبعث ويرجع إلى ربه [ويجازى] على عمله. * * ﴿إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيراً﴾. أي: إن ربه لم يزل بصيراً بما يأتي من أعماله قبل خلقه إياه وبعد خلقه. يقال: حار فلان عن كذا، أي: رجع عنه ومنه الحديث أن النبي ﷺ كَانَ يَقُول فِي دُعائِهِ: "الّلهم إنّي أَعُوذّ بِكَ مِن الحَوْرِ بَعدَ الكَونِ "(أي): من الرجوع إلى الكفر بعد الإيمان. وقيل: معناه: من النقصان بعد الزيادة. * * - ثم قال: ﴿فَلاَ أُقْسِمُ بِٱلشَّفَقِ﴾. لا زائدة مؤكدة. والمعنى فأقسم برب الشفق. والشفق الحمرة في الأفق من ناحية المغرب من الشمس بعد غروب الشمس. وقال مجاهد: "الشفق: النهار كله". وقيل: الشفق اسم للحمرة والبياض اللذين يكونان في السماء بعد غروب الشمس، وهو من الأضداد. والشفق الذي تَحلّ بزواله صلاة العَتَمَةِ هو الحُمرةُ عند أكثر العلماء، وهو اختيار الطبري. والعرب تقول: ثَوبٌ مُشفّقٌ: إذا (كان مصبوغاً) بحُمرةٍ. ثم عطف على القسم فقال: * * ﴿وَٱللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ﴾. أكثر المفسرين على أن معنى ﴿وَمَا وَسَقَ﴾: وما جَمَعَ وما آوى وما ستر. ومنه [يقال]: طعام مسوق: وهو المجموع في غرائر أو وعاء. ومنه الوَسْقُ وهو الطعام المجتمع الكثير مما يُكَالُ أو يوزن. ويقال: هو ستون صاعاً، وبه (جاء الأثر) عن النبي ﷺ. وعن مجاهد: ﴿وَمَا وَسَقَ﴾ "وَمَا لفّ". وعنه: "وَمَا جمع...". وعنه: "وما أظلم عليه، وما دخل فيه". وقال عكرمة: (وما وسق) "وما [ساق] من ظلمة". وهو قول الضحاك: * * - ثم قال تعالى: ﴿وَٱلْقَمَرِ إِذَا ٱتَّسَقَ﴾. قال ابن عباس: ﴿ٱتَّسَقَ﴾: استوى واجتمع. وقاله عكرمة. وقال الحسن: ﴿إِذَا ٱتَّسَقَ﴾ إذا اجتمع وامتلأ. وقال ابن جبير: ﴿إِذَا ٱتَّسَقَ﴾ ذلك لثلاث عشرة. وقال قتادة: ﴿إِذَا ٱتَّسَقَ﴾. إذا استدار. * * - ثم قال تعالى: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَن طَبقٍ﴾. هذا جواب القسم. والمعنى - على قراءة من ضم الباء - ﴿لَتَرْكَبُنَّ﴾ أيها الناس حالاً بعد حال. والإنسان المتقدم ذكره بمعنى الناس، لأنه اسم للجنس، فعليه يعود الضمير في ﴿لَتَرْكَبُنَّ﴾ لأنه قد تقدم ذكرهم في قوله: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَـٰبَهُ بِيَمِينِهِ﴾ وشماله، وتأخر أيضاً ذكره في قوله: ﴿فَمَا لَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ﴾، فلا يصرف الخبر عنهم في ﴿لَتَرْكَبُنَّ﴾ إلى غيرهم إلا بدليل. وقال ابن زيد: معناه ﴿لَتَرْكَبُنَّ﴾ أيها الناس الآخرة بعد الأولى. فأما من فتح الباء، فإنه جعله مصروفاً إلى نبينا محمد ﷺ. والمعنى: لتركبنّ - يا محمد - سماء بعد سماء، وهو قول الحسن وأبي العالية والشعبي. وقيل: التقدير لتركبَن - يا محمد - الأمور بتغيرها حالاً بعد حال. [وقيل: المعنى لَتَركبنّ الأمور حالاً بعد حال فتكون الأمورُ فاعلة، [والتاء لتأنيث] الجمع. وهو قول مجاهد]. وقيل: المعنى: لتركبنّ السماء في تشققها وتلونها حالاً بعد [حال]، فيكون الفعل للسماء. وهو قول ابن مسعود. وقال: مرة كالدهان ومرة تشقق. وكان ابن عباس يقرأ بفتح الباء (ويقول: يعني نبيّكم ﷺ يقول: حالاً بعد حال. وقال ابن زيد: معنى ذلك: لتركبَنّ يا محمد الآخرة بعد الأولى. وقيل: القراءة بفتح الباء) على مخاطبة الإنسان على اللفظ، أي: لتركبنّ أيها الإنسان حالاً بعد حال، من مرض وصحة وشباب وهرم. وقيل: ذلك في يوم القيامة. فتكون على هذا القراءتان [ترجعان] إلى معنى، إلا أن إحداهما حملت على المعنى فأتت بلفظ الجمع، والأخرى حملت على اللفظ فجاءت بلفظ التوحيد. وحكى الفراء أنه يقال: وقع في بنات طبق، إذا وقع في أمر شديد. ويقال: مضى طبق من الناس ومضت طبقة وجاءت طبقة. سُمّوا طبقاً لأنهم يطبقون الأرض. وقد روي عن بعضهم [أنه] قرأ بالياء وضم الباء على الإخبار عن الناس أنهم سَيَرْكبونَ حالاً بعد حال من الشدائد والأهوال. * * - ثم قال تعالى: ﴿فَمَا لَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ * وَإِذَا قُرِىءَ عَلَيْهِمُ ٱلْقُرْآنُ لاَ يَسْجُدُونَ﴾. أي: فما لهؤلاء المشركين لا يصدقون بالبعث بعد الموت؟! وقد أقسم لهم ربهم أنهم راكبون حالاً بعد حال من شدائد القيامة وأهوالها. ﴿وَإِذَا قُرِىءَ عَلَيْهِمُ ٱلْقُرْآنُ لاَ يَسْجُدُونَ﴾: لا يخضعون ولا يستكينون. * * - ثم قال تعالى: ﴿بَلِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يُكَذِّبُونَ﴾. أي: يكذّبون بآيات (الله)، فلذلك ينكرون البعث. * * - ﴿وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ﴾. أي: والله أعلم بما توعيه قلوب هؤلاء المشركين من التكذيب بآيات الله. وقال مجاهد: ﴿بِمَا يُوعُونَ﴾ بما يكتمون في صدورهم. قال الرياشي: يقال أوعى الشيء: إذا كتمه. وحكى أهل اللغة: أوعيت المتاع في الوعاء، أي: جمعته. فالمعنى على هذا: والله أعلم بما يجمعون في صدورهم من التكذيب، والإثم. * * - ثم قال تعالى: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾. أي: الذي يقوم لهم مقام البشرى، عذاب أليم أي: موجع. والبشارة تكون بالخير والشر. فإذا أفردت كانت خيراً. يقال: بشّرته وبشَرته خفيفاً. وقيل: إن البشارة لا تكون إلا للخير فإن وقعت للشرّ فهو مجاز، على معنى: الذي يقوم مقام البشارة كذا وكذا. * * - ثم قال تعالى: ﴿إِلاَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾. أي: إلا الذين تابوا منهم وصدقوا بكتاب الله ورسوله وعملوا الأعمال الصالحة لهم عند الله ثواب غير منقوص. قال ابن عباس: ﴿غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾، أي: "غير منقوص". وقال مجاهد: "غير محسوب". وقيل: معناه: لهم أجر لا يُمَنّ عليهم به فيكدر.

الانشقاق 84:11

قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَٰبَهُ وَرَآءَ ظَهْرِهِ﴾، إلى آخر السورة. (أي): وأما من أعطي كتاب عمله وراء ظهره. وذلك أن تغلّ يده اليمنى إلى عنقه وتجعل الشمال من يديه وراء ظهره فيتناول كتابه بشماله من وراء ظهره. فلذلك وصفهم أنهم يُؤتُون كتابهم بشمالهم وأنهم يُؤتونها من وراء ظهورهم. قال مجاهد: "تجعل يده من وراء ظهره". روي أنه يعني به الأسود بن عبد الأسد أخا أبي سلمة هو أول من يأخذ كتابه بشماله. روي أنه يمد يده ليأخذه بيمينه [فيجتذبه] ملك فيخلع يده فيأخذه بشماله من وراء ظهره. ثم هي عامة في أمثالهما. * * - ثم قال تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَدْعُواْ ثُبُوراً﴾. أي: ينادي بالهلاك (ويقول) (وا) ثبوراه، و "ياويلاه". تقول العرب دعا فلان لَهفَه: إذا قال والهَفَاهُ. قال الضحاك: ﴿يَدْعُواْ ثُبُوراً﴾، أي: "يدعوا بالهلاك". * * - ثم قال تعالى: ﴿وَيَصْلَىٰ سَعِيراً﴾. من شدده فمعناه [ويصليهم] الله النار تصلية بعد تصلية [وإنضاجة بعد إنضاجة] كما قال: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَٰهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا﴾ [النساء: ٥٦]. ومن خفف، فمعناه أنهم يصلونها ويَرِدُونها [فيحترقون] فيها. * * - ثم قال تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ فِيۤ أَهْلِهِ مَسْرُوراً﴾. أي: إنه كان في الدنيا مسرورا بما هو فيه من خلافه أمرَ الله وكفره به. * * - ثم قال تعالى: ﴿إِنَّهُ ظَنَّ أَن لَّن (يَحُورَ * بَلَىٰ)﴾ (أي): إنه ظن [أنه] لن يرجع بعد الموت ولا يبعث، فركب المعاصي وتمادى على الكفر إذ يرجو ثواباً ولا يخاف عقاباً. * * - ثم قال: ﴿بَلَىٰ﴾ أي: بلى يبعث ويرجع إلى ربه [ويجازى] على عمله. * * ﴿إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيراً﴾. أي: إن ربه لم يزل بصيراً بما يأتي من أعماله قبل خلقه إياه وبعد خلقه. يقال: حار فلان عن كذا، أي: رجع عنه ومنه الحديث أن النبي ﷺ كَانَ يَقُول فِي دُعائِهِ: "الّلهم إنّي أَعُوذّ بِكَ مِن الحَوْرِ بَعدَ الكَونِ "(أي): من الرجوع إلى الكفر بعد الإيمان. وقيل: معناه: من النقصان بعد الزيادة. * * - ثم قال: ﴿فَلاَ أُقْسِمُ بِٱلشَّفَقِ﴾. لا زائدة مؤكدة. والمعنى فأقسم برب الشفق. والشفق الحمرة في الأفق من ناحية المغرب من الشمس بعد غروب الشمس. وقال مجاهد: "الشفق: النهار كله". وقيل: الشفق اسم للحمرة والبياض اللذين يكونان في السماء بعد غروب الشمس، وهو من الأضداد. والشفق الذي تَحلّ بزواله صلاة العَتَمَةِ هو الحُمرةُ عند أكثر العلماء، وهو اختيار الطبري. والعرب تقول: ثَوبٌ مُشفّقٌ: إذا (كان مصبوغاً) بحُمرةٍ. ثم عطف على القسم فقال: * * ﴿وَٱللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ﴾. أكثر المفسرين على أن معنى ﴿وَمَا وَسَقَ﴾: وما جَمَعَ وما آوى وما ستر. ومنه [يقال]: طعام مسوق: وهو المجموع في غرائر أو وعاء. ومنه الوَسْقُ وهو الطعام المجتمع الكثير مما يُكَالُ أو يوزن. ويقال: هو ستون صاعاً، وبه (جاء الأثر) عن النبي ﷺ. وعن مجاهد: ﴿وَمَا وَسَقَ﴾ "وَمَا لفّ". وعنه: "وَمَا جمع...". وعنه: "وما أظلم عليه، وما دخل فيه". وقال عكرمة: (وما وسق) "وما [ساق] من ظلمة". وهو قول الضحاك: * * - ثم قال تعالى: ﴿وَٱلْقَمَرِ إِذَا ٱتَّسَقَ﴾. قال ابن عباس: ﴿ٱتَّسَقَ﴾: استوى واجتمع. وقاله عكرمة. وقال الحسن: ﴿إِذَا ٱتَّسَقَ﴾ إذا اجتمع وامتلأ. وقال ابن جبير: ﴿إِذَا ٱتَّسَقَ﴾ ذلك لثلاث عشرة. وقال قتادة: ﴿إِذَا ٱتَّسَقَ﴾. إذا استدار. * * - ثم قال تعالى: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَن طَبقٍ﴾. هذا جواب القسم. والمعنى - على قراءة من ضم الباء - ﴿لَتَرْكَبُنَّ﴾ أيها الناس حالاً بعد حال. والإنسان المتقدم ذكره بمعنى الناس، لأنه اسم للجنس، فعليه يعود الضمير في ﴿لَتَرْكَبُنَّ﴾ لأنه قد تقدم ذكرهم في قوله: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَـٰبَهُ بِيَمِينِهِ﴾ وشماله، وتأخر أيضاً ذكره في قوله: ﴿فَمَا لَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ﴾، فلا يصرف الخبر عنهم في ﴿لَتَرْكَبُنَّ﴾ إلى غيرهم إلا بدليل. وقال ابن زيد: معناه ﴿لَتَرْكَبُنَّ﴾ أيها الناس الآخرة بعد الأولى. فأما من فتح الباء، فإنه جعله مصروفاً إلى نبينا محمد ﷺ. والمعنى: لتركبنّ - يا محمد - سماء بعد سماء، وهو قول الحسن وأبي العالية والشعبي. وقيل: التقدير لتركبَن - يا محمد - الأمور بتغيرها حالاً بعد حال. [وقيل: المعنى لَتَركبنّ الأمور حالاً بعد حال فتكون الأمورُ فاعلة، [والتاء لتأنيث] الجمع. وهو قول مجاهد]. وقيل: المعنى: لتركبنّ السماء في تشققها وتلونها حالاً بعد [حال]، فيكون الفعل للسماء. وهو قول ابن مسعود. وقال: مرة كالدهان ومرة تشقق. وكان ابن عباس يقرأ بفتح الباء (ويقول: يعني نبيّكم ﷺ يقول: حالاً بعد حال. وقال ابن زيد: معنى ذلك: لتركبَنّ يا محمد الآخرة بعد الأولى. وقيل: القراءة بفتح الباء) على مخاطبة الإنسان على اللفظ، أي: لتركبنّ أيها الإنسان حالاً بعد حال، من مرض وصحة وشباب وهرم. وقيل: ذلك في يوم القيامة. فتكون على هذا القراءتان [ترجعان] إلى معنى، إلا أن إحداهما حملت على المعنى فأتت بلفظ الجمع، والأخرى حملت على اللفظ فجاءت بلفظ التوحيد. وحكى الفراء أنه يقال: وقع في بنات طبق، إذا وقع في أمر شديد. ويقال: مضى طبق من الناس ومضت طبقة وجاءت طبقة. سُمّوا طبقاً لأنهم يطبقون الأرض. وقد روي عن بعضهم [أنه] قرأ بالياء وضم الباء على الإخبار عن الناس أنهم سَيَرْكبونَ حالاً بعد حال من الشدائد والأهوال. * * - ثم قال تعالى: ﴿فَمَا لَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ * وَإِذَا قُرِىءَ عَلَيْهِمُ ٱلْقُرْآنُ لاَ يَسْجُدُونَ﴾. أي: فما لهؤلاء المشركين لا يصدقون بالبعث بعد الموت؟! وقد أقسم لهم ربهم أنهم راكبون حالاً بعد حال من شدائد القيامة وأهوالها. ﴿وَإِذَا قُرِىءَ عَلَيْهِمُ ٱلْقُرْآنُ لاَ يَسْجُدُونَ﴾: لا يخضعون ولا يستكينون. * * - ثم قال تعالى: ﴿بَلِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يُكَذِّبُونَ﴾. أي: يكذّبون بآيات (الله)، فلذلك ينكرون البعث. * * - ﴿وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ﴾. أي: والله أعلم بما توعيه قلوب هؤلاء المشركين من التكذيب بآيات الله. وقال مجاهد: ﴿بِمَا يُوعُونَ﴾ بما يكتمون في صدورهم. قال الرياشي: يقال أوعى الشيء: إذا كتمه. وحكى أهل اللغة: أوعيت المتاع في الوعاء، أي: جمعته. فالمعنى على هذا: والله أعلم بما يجمعون في صدورهم من التكذيب، والإثم. * * - ثم قال تعالى: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾. أي: الذي يقوم لهم مقام البشرى، عذاب أليم أي: موجع. والبشارة تكون بالخير والشر. فإذا أفردت كانت خيراً. يقال: بشّرته وبشَرته خفيفاً. وقيل: إن البشارة لا تكون إلا للخير فإن وقعت للشرّ فهو مجاز، على معنى: الذي يقوم مقام البشارة كذا وكذا. * * - ثم قال تعالى: ﴿إِلاَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾. أي: إلا الذين تابوا منهم وصدقوا بكتاب الله ورسوله وعملوا الأعمال الصالحة لهم عند الله ثواب غير منقوص. قال ابن عباس: ﴿غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾، أي: "غير منقوص". وقال مجاهد: "غير محسوب". وقيل: معناه: لهم أجر لا يُمَنّ عليهم به فيكدر.

الانشقاق 84:12

قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَٰبَهُ وَرَآءَ ظَهْرِهِ﴾، إلى آخر السورة. (أي): وأما من أعطي كتاب عمله وراء ظهره. وذلك أن تغلّ يده اليمنى إلى عنقه وتجعل الشمال من يديه وراء ظهره فيتناول كتابه بشماله من وراء ظهره. فلذلك وصفهم أنهم يُؤتُون كتابهم بشمالهم وأنهم يُؤتونها من وراء ظهورهم. قال مجاهد: "تجعل يده من وراء ظهره". روي أنه يعني به الأسود بن عبد الأسد أخا أبي سلمة هو أول من يأخذ كتابه بشماله. روي أنه يمد يده ليأخذه بيمينه [فيجتذبه] ملك فيخلع يده فيأخذه بشماله من وراء ظهره. ثم هي عامة في أمثالهما. * * - ثم قال تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَدْعُواْ ثُبُوراً﴾. أي: ينادي بالهلاك (ويقول) (وا) ثبوراه، و "ياويلاه". تقول العرب دعا فلان لَهفَه: إذا قال والهَفَاهُ. قال الضحاك: ﴿يَدْعُواْ ثُبُوراً﴾، أي: "يدعوا بالهلاك". * * - ثم قال تعالى: ﴿وَيَصْلَىٰ سَعِيراً﴾. من شدده فمعناه [ويصليهم] الله النار تصلية بعد تصلية [وإنضاجة بعد إنضاجة] كما قال: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَٰهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا﴾ [النساء: ٥٦]. ومن خفف، فمعناه أنهم يصلونها ويَرِدُونها [فيحترقون] فيها. * * - ثم قال تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ فِيۤ أَهْلِهِ مَسْرُوراً﴾. أي: إنه كان في الدنيا مسرورا بما هو فيه من خلافه أمرَ الله وكفره به. * * - ثم قال تعالى: ﴿إِنَّهُ ظَنَّ أَن لَّن (يَحُورَ * بَلَىٰ)﴾ (أي): إنه ظن [أنه] لن يرجع بعد الموت ولا يبعث، فركب المعاصي وتمادى على الكفر إذ يرجو ثواباً ولا يخاف عقاباً. * * - ثم قال: ﴿بَلَىٰ﴾ أي: بلى يبعث ويرجع إلى ربه [ويجازى] على عمله. * * ﴿إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيراً﴾. أي: إن ربه لم يزل بصيراً بما يأتي من أعماله قبل خلقه إياه وبعد خلقه. يقال: حار فلان عن كذا، أي: رجع عنه ومنه الحديث أن النبي ﷺ كَانَ يَقُول فِي دُعائِهِ: "الّلهم إنّي أَعُوذّ بِكَ مِن الحَوْرِ بَعدَ الكَونِ "(أي): من الرجوع إلى الكفر بعد الإيمان. وقيل: معناه: من النقصان بعد الزيادة. * * - ثم قال: ﴿فَلاَ أُقْسِمُ بِٱلشَّفَقِ﴾. لا زائدة مؤكدة. والمعنى فأقسم برب الشفق. والشفق الحمرة في الأفق من ناحية المغرب من الشمس بعد غروب الشمس. وقال مجاهد: "الشفق: النهار كله". وقيل: الشفق اسم للحمرة والبياض اللذين يكونان في السماء بعد غروب الشمس، وهو من الأضداد. والشفق الذي تَحلّ بزواله صلاة العَتَمَةِ هو الحُمرةُ عند أكثر العلماء، وهو اختيار الطبري. والعرب تقول: ثَوبٌ مُشفّقٌ: إذا (كان مصبوغاً) بحُمرةٍ. ثم عطف على القسم فقال: * * ﴿وَٱللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ﴾. أكثر المفسرين على أن معنى ﴿وَمَا وَسَقَ﴾: وما جَمَعَ وما آوى وما ستر. ومنه [يقال]: طعام مسوق: وهو المجموع في غرائر أو وعاء. ومنه الوَسْقُ وهو الطعام المجتمع الكثير مما يُكَالُ أو يوزن. ويقال: هو ستون صاعاً، وبه (جاء الأثر) عن النبي ﷺ. وعن مجاهد: ﴿وَمَا وَسَقَ﴾ "وَمَا لفّ". وعنه: "وَمَا جمع...". وعنه: "وما أظلم عليه، وما دخل فيه". وقال عكرمة: (وما وسق) "وما [ساق] من ظلمة". وهو قول الضحاك: * * - ثم قال تعالى: ﴿وَٱلْقَمَرِ إِذَا ٱتَّسَقَ﴾. قال ابن عباس: ﴿ٱتَّسَقَ﴾: استوى واجتمع. وقاله عكرمة. وقال الحسن: ﴿إِذَا ٱتَّسَقَ﴾ إذا اجتمع وامتلأ. وقال ابن جبير: ﴿إِذَا ٱتَّسَقَ﴾ ذلك لثلاث عشرة. وقال قتادة: ﴿إِذَا ٱتَّسَقَ﴾. إذا استدار. * * - ثم قال تعالى: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَن طَبقٍ﴾. هذا جواب القسم. والمعنى - على قراءة من ضم الباء - ﴿لَتَرْكَبُنَّ﴾ أيها الناس حالاً بعد حال. والإنسان المتقدم ذكره بمعنى الناس، لأنه اسم للجنس، فعليه يعود الضمير في ﴿لَتَرْكَبُنَّ﴾ لأنه قد تقدم ذكرهم في قوله: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَـٰبَهُ بِيَمِينِهِ﴾ وشماله، وتأخر أيضاً ذكره في قوله: ﴿فَمَا لَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ﴾، فلا يصرف الخبر عنهم في ﴿لَتَرْكَبُنَّ﴾ إلى غيرهم إلا بدليل. وقال ابن زيد: معناه ﴿لَتَرْكَبُنَّ﴾ أيها الناس الآخرة بعد الأولى. فأما من فتح الباء، فإنه جعله مصروفاً إلى نبينا محمد ﷺ. والمعنى: لتركبنّ - يا محمد - سماء بعد سماء، وهو قول الحسن وأبي العالية والشعبي. وقيل: التقدير لتركبَن - يا محمد - الأمور بتغيرها حالاً بعد حال. [وقيل: المعنى لَتَركبنّ الأمور حالاً بعد حال فتكون الأمورُ فاعلة، [والتاء لتأنيث] الجمع. وهو قول مجاهد]. وقيل: المعنى: لتركبنّ السماء في تشققها وتلونها حالاً بعد [حال]، فيكون الفعل للسماء. وهو قول ابن مسعود. وقال: مرة كالدهان ومرة تشقق. وكان ابن عباس يقرأ بفتح الباء (ويقول: يعني نبيّكم ﷺ يقول: حالاً بعد حال. وقال ابن زيد: معنى ذلك: لتركبَنّ يا محمد الآخرة بعد الأولى. وقيل: القراءة بفتح الباء) على مخاطبة الإنسان على اللفظ، أي: لتركبنّ أيها الإنسان حالاً بعد حال، من مرض وصحة وشباب وهرم. وقيل: ذلك في يوم القيامة. فتكون على هذا القراءتان [ترجعان] إلى معنى، إلا أن إحداهما حملت على المعنى فأتت بلفظ الجمع، والأخرى حملت على اللفظ فجاءت بلفظ التوحيد. وحكى الفراء أنه يقال: وقع في بنات طبق، إذا وقع في أمر شديد. ويقال: مضى طبق من الناس ومضت طبقة وجاءت طبقة. سُمّوا طبقاً لأنهم يطبقون الأرض. وقد روي عن بعضهم [أنه] قرأ بالياء وضم الباء على الإخبار عن الناس أنهم سَيَرْكبونَ حالاً بعد حال من الشدائد والأهوال. * * - ثم قال تعالى: ﴿فَمَا لَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ * وَإِذَا قُرِىءَ عَلَيْهِمُ ٱلْقُرْآنُ لاَ يَسْجُدُونَ﴾. أي: فما لهؤلاء المشركين لا يصدقون بالبعث بعد الموت؟! وقد أقسم لهم ربهم أنهم راكبون حالاً بعد حال من شدائد القيامة وأهوالها. ﴿وَإِذَا قُرِىءَ عَلَيْهِمُ ٱلْقُرْآنُ لاَ يَسْجُدُونَ﴾: لا يخضعون ولا يستكينون. * * - ثم قال تعالى: ﴿بَلِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يُكَذِّبُونَ﴾. أي: يكذّبون بآيات (الله)، فلذلك ينكرون البعث. * * - ﴿وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ﴾. أي: والله أعلم بما توعيه قلوب هؤلاء المشركين من التكذيب بآيات الله. وقال مجاهد: ﴿بِمَا يُوعُونَ﴾ بما يكتمون في صدورهم. قال الرياشي: يقال أوعى الشيء: إذا كتمه. وحكى أهل اللغة: أوعيت المتاع في الوعاء، أي: جمعته. فالمعنى على هذا: والله أعلم بما يجمعون في صدورهم من التكذيب، والإثم. * * - ثم قال تعالى: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾. أي: الذي يقوم لهم مقام البشرى، عذاب أليم أي: موجع. والبشارة تكون بالخير والشر. فإذا أفردت كانت خيراً. يقال: بشّرته وبشَرته خفيفاً. وقيل: إن البشارة لا تكون إلا للخير فإن وقعت للشرّ فهو مجاز، على معنى: الذي يقوم مقام البشارة كذا وكذا. * * - ثم قال تعالى: ﴿إِلاَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾. أي: إلا الذين تابوا منهم وصدقوا بكتاب الله ورسوله وعملوا الأعمال الصالحة لهم عند الله ثواب غير منقوص. قال ابن عباس: ﴿غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾، أي: "غير منقوص". وقال مجاهد: "غير محسوب". وقيل: معناه: لهم أجر لا يُمَنّ عليهم به فيكدر.

الانشقاق 84:13

قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَٰبَهُ وَرَآءَ ظَهْرِهِ﴾، إلى آخر السورة. (أي): وأما من أعطي كتاب عمله وراء ظهره. وذلك أن تغلّ يده اليمنى إلى عنقه وتجعل الشمال من يديه وراء ظهره فيتناول كتابه بشماله من وراء ظهره. فلذلك وصفهم أنهم يُؤتُون كتابهم بشمالهم وأنهم يُؤتونها من وراء ظهورهم. قال مجاهد: "تجعل يده من وراء ظهره". روي أنه يعني به الأسود بن عبد الأسد أخا أبي سلمة هو أول من يأخذ كتابه بشماله. روي أنه يمد يده ليأخذه بيمينه [فيجتذبه] ملك فيخلع يده فيأخذه بشماله من وراء ظهره. ثم هي عامة في أمثالهما. * * - ثم قال تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَدْعُواْ ثُبُوراً﴾. أي: ينادي بالهلاك (ويقول) (وا) ثبوراه، و "ياويلاه". تقول العرب دعا فلان لَهفَه: إذا قال والهَفَاهُ. قال الضحاك: ﴿يَدْعُواْ ثُبُوراً﴾، أي: "يدعوا بالهلاك". * * - ثم قال تعالى: ﴿وَيَصْلَىٰ سَعِيراً﴾. من شدده فمعناه [ويصليهم] الله النار تصلية بعد تصلية [وإنضاجة بعد إنضاجة] كما قال: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَٰهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا﴾ [النساء: ٥٦]. ومن خفف، فمعناه أنهم يصلونها ويَرِدُونها [فيحترقون] فيها. * * - ثم قال تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ فِيۤ أَهْلِهِ مَسْرُوراً﴾. أي: إنه كان في الدنيا مسرورا بما هو فيه من خلافه أمرَ الله وكفره به. * * - ثم قال تعالى: ﴿إِنَّهُ ظَنَّ أَن لَّن (يَحُورَ * بَلَىٰ)﴾ (أي): إنه ظن [أنه] لن يرجع بعد الموت ولا يبعث، فركب المعاصي وتمادى على الكفر إذ يرجو ثواباً ولا يخاف عقاباً. * * - ثم قال: ﴿بَلَىٰ﴾ أي: بلى يبعث ويرجع إلى ربه [ويجازى] على عمله. * * ﴿إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيراً﴾. أي: إن ربه لم يزل بصيراً بما يأتي من أعماله قبل خلقه إياه وبعد خلقه. يقال: حار فلان عن كذا، أي: رجع عنه ومنه الحديث أن النبي ﷺ كَانَ يَقُول فِي دُعائِهِ: "الّلهم إنّي أَعُوذّ بِكَ مِن الحَوْرِ بَعدَ الكَونِ "(أي): من الرجوع إلى الكفر بعد الإيمان. وقيل: معناه: من النقصان بعد الزيادة. * * - ثم قال: ﴿فَلاَ أُقْسِمُ بِٱلشَّفَقِ﴾. لا زائدة مؤكدة. والمعنى فأقسم برب الشفق. والشفق الحمرة في الأفق من ناحية المغرب من الشمس بعد غروب الشمس. وقال مجاهد: "الشفق: النهار كله". وقيل: الشفق اسم للحمرة والبياض اللذين يكونان في السماء بعد غروب الشمس، وهو من الأضداد. والشفق الذي تَحلّ بزواله صلاة العَتَمَةِ هو الحُمرةُ عند أكثر العلماء، وهو اختيار الطبري. والعرب تقول: ثَوبٌ مُشفّقٌ: إذا (كان مصبوغاً) بحُمرةٍ. ثم عطف على القسم فقال: * * ﴿وَٱللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ﴾. أكثر المفسرين على أن معنى ﴿وَمَا وَسَقَ﴾: وما جَمَعَ وما آوى وما ستر. ومنه [يقال]: طعام مسوق: وهو المجموع في غرائر أو وعاء. ومنه الوَسْقُ وهو الطعام المجتمع الكثير مما يُكَالُ أو يوزن. ويقال: هو ستون صاعاً، وبه (جاء الأثر) عن النبي ﷺ. وعن مجاهد: ﴿وَمَا وَسَقَ﴾ "وَمَا لفّ". وعنه: "وَمَا جمع...". وعنه: "وما أظلم عليه، وما دخل فيه". وقال عكرمة: (وما وسق) "وما [ساق] من ظلمة". وهو قول الضحاك: * * - ثم قال تعالى: ﴿وَٱلْقَمَرِ إِذَا ٱتَّسَقَ﴾. قال ابن عباس: ﴿ٱتَّسَقَ﴾: استوى واجتمع. وقاله عكرمة. وقال الحسن: ﴿إِذَا ٱتَّسَقَ﴾ إذا اجتمع وامتلأ. وقال ابن جبير: ﴿إِذَا ٱتَّسَقَ﴾ ذلك لثلاث عشرة. وقال قتادة: ﴿إِذَا ٱتَّسَقَ﴾. إذا استدار. * * - ثم قال تعالى: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَن طَبقٍ﴾. هذا جواب القسم. والمعنى - على قراءة من ضم الباء - ﴿لَتَرْكَبُنَّ﴾ أيها الناس حالاً بعد حال. والإنسان المتقدم ذكره بمعنى الناس، لأنه اسم للجنس، فعليه يعود الضمير في ﴿لَتَرْكَبُنَّ﴾ لأنه قد تقدم ذكرهم في قوله: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَـٰبَهُ بِيَمِينِهِ﴾ وشماله، وتأخر أيضاً ذكره في قوله: ﴿فَمَا لَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ﴾، فلا يصرف الخبر عنهم في ﴿لَتَرْكَبُنَّ﴾ إلى غيرهم إلا بدليل. وقال ابن زيد: معناه ﴿لَتَرْكَبُنَّ﴾ أيها الناس الآخرة بعد الأولى. فأما من فتح الباء، فإنه جعله مصروفاً إلى نبينا محمد ﷺ. والمعنى: لتركبنّ - يا محمد - سماء بعد سماء، وهو قول الحسن وأبي العالية والشعبي. وقيل: التقدير لتركبَن - يا محمد - الأمور بتغيرها حالاً بعد حال. [وقيل: المعنى لَتَركبنّ الأمور حالاً بعد حال فتكون الأمورُ فاعلة، [والتاء لتأنيث] الجمع. وهو قول مجاهد]. وقيل: المعنى: لتركبنّ السماء في تشققها وتلونها حالاً بعد [حال]، فيكون الفعل للسماء. وهو قول ابن مسعود. وقال: مرة كالدهان ومرة تشقق. وكان ابن عباس يقرأ بفتح الباء (ويقول: يعني نبيّكم ﷺ يقول: حالاً بعد حال. وقال ابن زيد: معنى ذلك: لتركبَنّ يا محمد الآخرة بعد الأولى. وقيل: القراءة بفتح الباء) على مخاطبة الإنسان على اللفظ، أي: لتركبنّ أيها الإنسان حالاً بعد حال، من مرض وصحة وشباب وهرم. وقيل: ذلك في يوم القيامة. فتكون على هذا القراءتان [ترجعان] إلى معنى، إلا أن إحداهما حملت على المعنى فأتت بلفظ الجمع، والأخرى حملت على اللفظ فجاءت بلفظ التوحيد. وحكى الفراء أنه يقال: وقع في بنات طبق، إذا وقع في أمر شديد. ويقال: مضى طبق من الناس ومضت طبقة وجاءت طبقة. سُمّوا طبقاً لأنهم يطبقون الأرض. وقد روي عن بعضهم [أنه] قرأ بالياء وضم الباء على الإخبار عن الناس أنهم سَيَرْكبونَ حالاً بعد حال من الشدائد والأهوال. * * - ثم قال تعالى: ﴿فَمَا لَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ * وَإِذَا قُرِىءَ عَلَيْهِمُ ٱلْقُرْآنُ لاَ يَسْجُدُونَ﴾. أي: فما لهؤلاء المشركين لا يصدقون بالبعث بعد الموت؟! وقد أقسم لهم ربهم أنهم راكبون حالاً بعد حال من شدائد القيامة وأهوالها. ﴿وَإِذَا قُرِىءَ عَلَيْهِمُ ٱلْقُرْآنُ لاَ يَسْجُدُونَ﴾: لا يخضعون ولا يستكينون. * * - ثم قال تعالى: ﴿بَلِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يُكَذِّبُونَ﴾. أي: يكذّبون بآيات (الله)، فلذلك ينكرون البعث. * * - ﴿وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ﴾. أي: والله أعلم بما توعيه قلوب هؤلاء المشركين من التكذيب بآيات الله. وقال مجاهد: ﴿بِمَا يُوعُونَ﴾ بما يكتمون في صدورهم. قال الرياشي: يقال أوعى الشيء: إذا كتمه. وحكى أهل اللغة: أوعيت المتاع في الوعاء، أي: جمعته. فالمعنى على هذا: والله أعلم بما يجمعون في صدورهم من التكذيب، والإثم. * * - ثم قال تعالى: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾. أي: الذي يقوم لهم مقام البشرى، عذاب أليم أي: موجع. والبشارة تكون بالخير والشر. فإذا أفردت كانت خيراً. يقال: بشّرته وبشَرته خفيفاً. وقيل: إن البشارة لا تكون إلا للخير فإن وقعت للشرّ فهو مجاز، على معنى: الذي يقوم مقام البشارة كذا وكذا. * * - ثم قال تعالى: ﴿إِلاَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾. أي: إلا الذين تابوا منهم وصدقوا بكتاب الله ورسوله وعملوا الأعمال الصالحة لهم عند الله ثواب غير منقوص. قال ابن عباس: ﴿غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾، أي: "غير منقوص". وقال مجاهد: "غير محسوب". وقيل: معناه: لهم أجر لا يُمَنّ عليهم به فيكدر.

الانشقاق 84:14

قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَٰبَهُ وَرَآءَ ظَهْرِهِ﴾، إلى آخر السورة. (أي): وأما من أعطي كتاب عمله وراء ظهره. وذلك أن تغلّ يده اليمنى إلى عنقه وتجعل الشمال من يديه وراء ظهره فيتناول كتابه بشماله من وراء ظهره. فلذلك وصفهم أنهم يُؤتُون كتابهم بشمالهم وأنهم يُؤتونها من وراء ظهورهم. قال مجاهد: "تجعل يده من وراء ظهره". روي أنه يعني به الأسود بن عبد الأسد أخا أبي سلمة هو أول من يأخذ كتابه بشماله. روي أنه يمد يده ليأخذه بيمينه [فيجتذبه] ملك فيخلع يده فيأخذه بشماله من وراء ظهره. ثم هي عامة في أمثالهما. * * - ثم قال تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَدْعُواْ ثُبُوراً﴾. أي: ينادي بالهلاك (ويقول) (وا) ثبوراه، و "ياويلاه". تقول العرب دعا فلان لَهفَه: إذا قال والهَفَاهُ. قال الضحاك: ﴿يَدْعُواْ ثُبُوراً﴾، أي: "يدعوا بالهلاك". * * - ثم قال تعالى: ﴿وَيَصْلَىٰ سَعِيراً﴾. من شدده فمعناه [ويصليهم] الله النار تصلية بعد تصلية [وإنضاجة بعد إنضاجة] كما قال: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَٰهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا﴾ [النساء: ٥٦]. ومن خفف، فمعناه أنهم يصلونها ويَرِدُونها [فيحترقون] فيها. * * - ثم قال تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ فِيۤ أَهْلِهِ مَسْرُوراً﴾. أي: إنه كان في الدنيا مسرورا بما هو فيه من خلافه أمرَ الله وكفره به. * * - ثم قال تعالى: ﴿إِنَّهُ ظَنَّ أَن لَّن (يَحُورَ * بَلَىٰ)﴾ (أي): إنه ظن [أنه] لن يرجع بعد الموت ولا يبعث، فركب المعاصي وتمادى على الكفر إذ يرجو ثواباً ولا يخاف عقاباً. * * - ثم قال: ﴿بَلَىٰ﴾ أي: بلى يبعث ويرجع إلى ربه [ويجازى] على عمله. * * ﴿إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيراً﴾. أي: إن ربه لم يزل بصيراً بما يأتي من أعماله قبل خلقه إياه وبعد خلقه. يقال: حار فلان عن كذا، أي: رجع عنه ومنه الحديث أن النبي ﷺ كَانَ يَقُول فِي دُعائِهِ: "الّلهم إنّي أَعُوذّ بِكَ مِن الحَوْرِ بَعدَ الكَونِ "(أي): من الرجوع إلى الكفر بعد الإيمان. وقيل: معناه: من النقصان بعد الزيادة. * * - ثم قال: ﴿فَلاَ أُقْسِمُ بِٱلشَّفَقِ﴾. لا زائدة مؤكدة. والمعنى فأقسم برب الشفق. والشفق الحمرة في الأفق من ناحية المغرب من الشمس بعد غروب الشمس. وقال مجاهد: "الشفق: النهار كله". وقيل: الشفق اسم للحمرة والبياض اللذين يكونان في السماء بعد غروب الشمس، وهو من الأضداد. والشفق الذي تَحلّ بزواله صلاة العَتَمَةِ هو الحُمرةُ عند أكثر العلماء، وهو اختيار الطبري. والعرب تقول: ثَوبٌ مُشفّقٌ: إذا (كان مصبوغاً) بحُمرةٍ. ثم عطف على القسم فقال: * * ﴿وَٱللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ﴾. أكثر المفسرين على أن معنى ﴿وَمَا وَسَقَ﴾: وما جَمَعَ وما آوى وما ستر. ومنه [يقال]: طعام مسوق: وهو المجموع في غرائر أو وعاء. ومنه الوَسْقُ وهو الطعام المجتمع الكثير مما يُكَالُ أو يوزن. ويقال: هو ستون صاعاً، وبه (جاء الأثر) عن النبي ﷺ. وعن مجاهد: ﴿وَمَا وَسَقَ﴾ "وَمَا لفّ". وعنه: "وَمَا جمع...". وعنه: "وما أظلم عليه، وما دخل فيه". وقال عكرمة: (وما وسق) "وما [ساق] من ظلمة". وهو قول الضحاك: * * - ثم قال تعالى: ﴿وَٱلْقَمَرِ إِذَا ٱتَّسَقَ﴾. قال ابن عباس: ﴿ٱتَّسَقَ﴾: استوى واجتمع. وقاله عكرمة. وقال الحسن: ﴿إِذَا ٱتَّسَقَ﴾ إذا اجتمع وامتلأ. وقال ابن جبير: ﴿إِذَا ٱتَّسَقَ﴾ ذلك لثلاث عشرة. وقال قتادة: ﴿إِذَا ٱتَّسَقَ﴾. إذا استدار. * * - ثم قال تعالى: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَن طَبقٍ﴾. هذا جواب القسم. والمعنى - على قراءة من ضم الباء - ﴿لَتَرْكَبُنَّ﴾ أيها الناس حالاً بعد حال. والإنسان المتقدم ذكره بمعنى الناس، لأنه اسم للجنس، فعليه يعود الضمير في ﴿لَتَرْكَبُنَّ﴾ لأنه قد تقدم ذكرهم في قوله: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَـٰبَهُ بِيَمِينِهِ﴾ وشماله، وتأخر أيضاً ذكره في قوله: ﴿فَمَا لَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ﴾، فلا يصرف الخبر عنهم في ﴿لَتَرْكَبُنَّ﴾ إلى غيرهم إلا بدليل. وقال ابن زيد: معناه ﴿لَتَرْكَبُنَّ﴾ أيها الناس الآخرة بعد الأولى. فأما من فتح الباء، فإنه جعله مصروفاً إلى نبينا محمد ﷺ. والمعنى: لتركبنّ - يا محمد - سماء بعد سماء، وهو قول الحسن وأبي العالية والشعبي. وقيل: التقدير لتركبَن - يا محمد - الأمور بتغيرها حالاً بعد حال. [وقيل: المعنى لَتَركبنّ الأمور حالاً بعد حال فتكون الأمورُ فاعلة، [والتاء لتأنيث] الجمع. وهو قول مجاهد]. وقيل: المعنى: لتركبنّ السماء في تشققها وتلونها حالاً بعد [حال]، فيكون الفعل للسماء. وهو قول ابن مسعود. وقال: مرة كالدهان ومرة تشقق. وكان ابن عباس يقرأ بفتح الباء (ويقول: يعني نبيّكم ﷺ يقول: حالاً بعد حال. وقال ابن زيد: معنى ذلك: لتركبَنّ يا محمد الآخرة بعد الأولى. وقيل: القراءة بفتح الباء) على مخاطبة الإنسان على اللفظ، أي: لتركبنّ أيها الإنسان حالاً بعد حال، من مرض وصحة وشباب وهرم. وقيل: ذلك في يوم القيامة. فتكون على هذا القراءتان [ترجعان] إلى معنى، إلا أن إحداهما حملت على المعنى فأتت بلفظ الجمع، والأخرى حملت على اللفظ فجاءت بلفظ التوحيد. وحكى الفراء أنه يقال: وقع في بنات طبق، إذا وقع في أمر شديد. ويقال: مضى طبق من الناس ومضت طبقة وجاءت طبقة. سُمّوا طبقاً لأنهم يطبقون الأرض. وقد روي عن بعضهم [أنه] قرأ بالياء وضم الباء على الإخبار عن الناس أنهم سَيَرْكبونَ حالاً بعد حال من الشدائد والأهوال. * * - ثم قال تعالى: ﴿فَمَا لَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ * وَإِذَا قُرِىءَ عَلَيْهِمُ ٱلْقُرْآنُ لاَ يَسْجُدُونَ﴾. أي: فما لهؤلاء المشركين لا يصدقون بالبعث بعد الموت؟! وقد أقسم لهم ربهم أنهم راكبون حالاً بعد حال من شدائد القيامة وأهوالها. ﴿وَإِذَا قُرِىءَ عَلَيْهِمُ ٱلْقُرْآنُ لاَ يَسْجُدُونَ﴾: لا يخضعون ولا يستكينون. * * - ثم قال تعالى: ﴿بَلِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يُكَذِّبُونَ﴾. أي: يكذّبون بآيات (الله)، فلذلك ينكرون البعث. * * - ﴿وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ﴾. أي: والله أعلم بما توعيه قلوب هؤلاء المشركين من التكذيب بآيات الله. وقال مجاهد: ﴿بِمَا يُوعُونَ﴾ بما يكتمون في صدورهم. قال الرياشي: يقال أوعى الشيء: إذا كتمه. وحكى أهل اللغة: أوعيت المتاع في الوعاء، أي: جمعته. فالمعنى على هذا: والله أعلم بما يجمعون في صدورهم من التكذيب، والإثم. * * - ثم قال تعالى: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾. أي: الذي يقوم لهم مقام البشرى، عذاب أليم أي: موجع. والبشارة تكون بالخير والشر. فإذا أفردت كانت خيراً. يقال: بشّرته وبشَرته خفيفاً. وقيل: إن البشارة لا تكون إلا للخير فإن وقعت للشرّ فهو مجاز، على معنى: الذي يقوم مقام البشارة كذا وكذا. * * - ثم قال تعالى: ﴿إِلاَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾. أي: إلا الذين تابوا منهم وصدقوا بكتاب الله ورسوله وعملوا الأعمال الصالحة لهم عند الله ثواب غير منقوص. قال ابن عباس: ﴿غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾، أي: "غير منقوص". وقال مجاهد: "غير محسوب". وقيل: معناه: لهم أجر لا يُمَنّ عليهم به فيكدر.

الانشقاق 84:15

قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَٰبَهُ وَرَآءَ ظَهْرِهِ﴾، إلى آخر السورة. (أي): وأما من أعطي كتاب عمله وراء ظهره. وذلك أن تغلّ يده اليمنى إلى عنقه وتجعل الشمال من يديه وراء ظهره فيتناول كتابه بشماله من وراء ظهره. فلذلك وصفهم أنهم يُؤتُون كتابهم بشمالهم وأنهم يُؤتونها من وراء ظهورهم. قال مجاهد: "تجعل يده من وراء ظهره". روي أنه يعني به الأسود بن عبد الأسد أخا أبي سلمة هو أول من يأخذ كتابه بشماله. روي أنه يمد يده ليأخذه بيمينه [فيجتذبه] ملك فيخلع يده فيأخذه بشماله من وراء ظهره. ثم هي عامة في أمثالهما. * * - ثم قال تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَدْعُواْ ثُبُوراً﴾. أي: ينادي بالهلاك (ويقول) (وا) ثبوراه، و "ياويلاه". تقول العرب دعا فلان لَهفَه: إذا قال والهَفَاهُ. قال الضحاك: ﴿يَدْعُواْ ثُبُوراً﴾، أي: "يدعوا بالهلاك". * * - ثم قال تعالى: ﴿وَيَصْلَىٰ سَعِيراً﴾. من شدده فمعناه [ويصليهم] الله النار تصلية بعد تصلية [وإنضاجة بعد إنضاجة] كما قال: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَٰهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا﴾ [النساء: ٥٦]. ومن خفف، فمعناه أنهم يصلونها ويَرِدُونها [فيحترقون] فيها. * * - ثم قال تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ فِيۤ أَهْلِهِ مَسْرُوراً﴾. أي: إنه كان في الدنيا مسرورا بما هو فيه من خلافه أمرَ الله وكفره به. * * - ثم قال تعالى: ﴿إِنَّهُ ظَنَّ أَن لَّن (يَحُورَ * بَلَىٰ)﴾ (أي): إنه ظن [أنه] لن يرجع بعد الموت ولا يبعث، فركب المعاصي وتمادى على الكفر إذ يرجو ثواباً ولا يخاف عقاباً. * * - ثم قال: ﴿بَلَىٰ﴾ أي: بلى يبعث ويرجع إلى ربه [ويجازى] على عمله. * * ﴿إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيراً﴾. أي: إن ربه لم يزل بصيراً بما يأتي من أعماله قبل خلقه إياه وبعد خلقه. يقال: حار فلان عن كذا، أي: رجع عنه ومنه الحديث أن النبي ﷺ كَانَ يَقُول فِي دُعائِهِ: "الّلهم إنّي أَعُوذّ بِكَ مِن الحَوْرِ بَعدَ الكَونِ "(أي): من الرجوع إلى الكفر بعد الإيمان. وقيل: معناه: من النقصان بعد الزيادة. * * - ثم قال: ﴿فَلاَ أُقْسِمُ بِٱلشَّفَقِ﴾. لا زائدة مؤكدة. والمعنى فأقسم برب الشفق. والشفق الحمرة في الأفق من ناحية المغرب من الشمس بعد غروب الشمس. وقال مجاهد: "الشفق: النهار كله". وقيل: الشفق اسم للحمرة والبياض اللذين يكونان في السماء بعد غروب الشمس، وهو من الأضداد. والشفق الذي تَحلّ بزواله صلاة العَتَمَةِ هو الحُمرةُ عند أكثر العلماء، وهو اختيار الطبري. والعرب تقول: ثَوبٌ مُشفّقٌ: إذا (كان مصبوغاً) بحُمرةٍ. ثم عطف على القسم فقال: * * ﴿وَٱللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ﴾. أكثر المفسرين على أن معنى ﴿وَمَا وَسَقَ﴾: وما جَمَعَ وما آوى وما ستر. ومنه [يقال]: طعام مسوق: وهو المجموع في غرائر أو وعاء. ومنه الوَسْقُ وهو الطعام المجتمع الكثير مما يُكَالُ أو يوزن. ويقال: هو ستون صاعاً، وبه (جاء الأثر) عن النبي ﷺ. وعن مجاهد: ﴿وَمَا وَسَقَ﴾ "وَمَا لفّ". وعنه: "وَمَا جمع...". وعنه: "وما أظلم عليه، وما دخل فيه". وقال عكرمة: (وما وسق) "وما [ساق] من ظلمة". وهو قول الضحاك: * * - ثم قال تعالى: ﴿وَٱلْقَمَرِ إِذَا ٱتَّسَقَ﴾. قال ابن عباس: ﴿ٱتَّسَقَ﴾: استوى واجتمع. وقاله عكرمة. وقال الحسن: ﴿إِذَا ٱتَّسَقَ﴾ إذا اجتمع وامتلأ. وقال ابن جبير: ﴿إِذَا ٱتَّسَقَ﴾ ذلك لثلاث عشرة. وقال قتادة: ﴿إِذَا ٱتَّسَقَ﴾. إذا استدار. * * - ثم قال تعالى: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَن طَبقٍ﴾. هذا جواب القسم. والمعنى - على قراءة من ضم الباء - ﴿لَتَرْكَبُنَّ﴾ أيها الناس حالاً بعد حال. والإنسان المتقدم ذكره بمعنى الناس، لأنه اسم للجنس، فعليه يعود الضمير في ﴿لَتَرْكَبُنَّ﴾ لأنه قد تقدم ذكرهم في قوله: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَـٰبَهُ بِيَمِينِهِ﴾ وشماله، وتأخر أيضاً ذكره في قوله: ﴿فَمَا لَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ﴾، فلا يصرف الخبر عنهم في ﴿لَتَرْكَبُنَّ﴾ إلى غيرهم إلا بدليل. وقال ابن زيد: معناه ﴿لَتَرْكَبُنَّ﴾ أيها الناس الآخرة بعد الأولى. فأما من فتح الباء، فإنه جعله مصروفاً إلى نبينا محمد ﷺ. والمعنى: لتركبنّ - يا محمد - سماء بعد سماء، وهو قول الحسن وأبي العالية والشعبي. وقيل: التقدير لتركبَن - يا محمد - الأمور بتغيرها حالاً بعد حال. [وقيل: المعنى لَتَركبنّ الأمور حالاً بعد حال فتكون الأمورُ فاعلة، [والتاء لتأنيث] الجمع. وهو قول مجاهد]. وقيل: المعنى: لتركبنّ السماء في تشققها وتلونها حالاً بعد [حال]، فيكون الفعل للسماء. وهو قول ابن مسعود. وقال: مرة كالدهان ومرة تشقق. وكان ابن عباس يقرأ بفتح الباء (ويقول: يعني نبيّكم ﷺ يقول: حالاً بعد حال. وقال ابن زيد: معنى ذلك: لتركبَنّ يا محمد الآخرة بعد الأولى. وقيل: القراءة بفتح الباء) على مخاطبة الإنسان على اللفظ، أي: لتركبنّ أيها الإنسان حالاً بعد حال، من مرض وصحة وشباب وهرم. وقيل: ذلك في يوم القيامة. فتكون على هذا القراءتان [ترجعان] إلى معنى، إلا أن إحداهما حملت على المعنى فأتت بلفظ الجمع، والأخرى حملت على اللفظ فجاءت بلفظ التوحيد. وحكى الفراء أنه يقال: وقع في بنات طبق، إذا وقع في أمر شديد. ويقال: مضى طبق من الناس ومضت طبقة وجاءت طبقة. سُمّوا طبقاً لأنهم يطبقون الأرض. وقد روي عن بعضهم [أنه] قرأ بالياء وضم الباء على الإخبار عن الناس أنهم سَيَرْكبونَ حالاً بعد حال من الشدائد والأهوال. * * - ثم قال تعالى: ﴿فَمَا لَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ * وَإِذَا قُرِىءَ عَلَيْهِمُ ٱلْقُرْآنُ لاَ يَسْجُدُونَ﴾. أي: فما لهؤلاء المشركين لا يصدقون بالبعث بعد الموت؟! وقد أقسم لهم ربهم أنهم راكبون حالاً بعد حال من شدائد القيامة وأهوالها. ﴿وَإِذَا قُرِىءَ عَلَيْهِمُ ٱلْقُرْآنُ لاَ يَسْجُدُونَ﴾: لا يخضعون ولا يستكينون. * * - ثم قال تعالى: ﴿بَلِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يُكَذِّبُونَ﴾. أي: يكذّبون بآيات (الله)، فلذلك ينكرون البعث. * * - ﴿وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ﴾. أي: والله أعلم بما توعيه قلوب هؤلاء المشركين من التكذيب بآيات الله. وقال مجاهد: ﴿بِمَا يُوعُونَ﴾ بما يكتمون في صدورهم. قال الرياشي: يقال أوعى الشيء: إذا كتمه. وحكى أهل اللغة: أوعيت المتاع في الوعاء، أي: جمعته. فالمعنى على هذا: والله أعلم بما يجمعون في صدورهم من التكذيب، والإثم. * * - ثم قال تعالى: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾. أي: الذي يقوم لهم مقام البشرى، عذاب أليم أي: موجع. والبشارة تكون بالخير والشر. فإذا أفردت كانت خيراً. يقال: بشّرته وبشَرته خفيفاً. وقيل: إن البشارة لا تكون إلا للخير فإن وقعت للشرّ فهو مجاز، على معنى: الذي يقوم مقام البشارة كذا وكذا. * * - ثم قال تعالى: ﴿إِلاَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾. أي: إلا الذين تابوا منهم وصدقوا بكتاب الله ورسوله وعملوا الأعمال الصالحة لهم عند الله ثواب غير منقوص. قال ابن عباس: ﴿غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾، أي: "غير منقوص". وقال مجاهد: "غير محسوب". وقيل: معناه: لهم أجر لا يُمَنّ عليهم به فيكدر.

الانشقاق 84:16

قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَٰبَهُ وَرَآءَ ظَهْرِهِ﴾، إلى آخر السورة. (أي): وأما من أعطي كتاب عمله وراء ظهره. وذلك أن تغلّ يده اليمنى إلى عنقه وتجعل الشمال من يديه وراء ظهره فيتناول كتابه بشماله من وراء ظهره. فلذلك وصفهم أنهم يُؤتُون كتابهم بشمالهم وأنهم يُؤتونها من وراء ظهورهم. قال مجاهد: "تجعل يده من وراء ظهره". روي أنه يعني به الأسود بن عبد الأسد أخا أبي سلمة هو أول من يأخذ كتابه بشماله. روي أنه يمد يده ليأخذه بيمينه [فيجتذبه] ملك فيخلع يده فيأخذه بشماله من وراء ظهره. ثم هي عامة في أمثالهما. * * - ثم قال تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَدْعُواْ ثُبُوراً﴾. أي: ينادي بالهلاك (ويقول) (وا) ثبوراه، و "ياويلاه". تقول العرب دعا فلان لَهفَه: إذا قال والهَفَاهُ. قال الضحاك: ﴿يَدْعُواْ ثُبُوراً﴾، أي: "يدعوا بالهلاك". * * - ثم قال تعالى: ﴿وَيَصْلَىٰ سَعِيراً﴾. من شدده فمعناه [ويصليهم] الله النار تصلية بعد تصلية [وإنضاجة بعد إنضاجة] كما قال: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَٰهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا﴾ [النساء: ٥٦]. ومن خفف، فمعناه أنهم يصلونها ويَرِدُونها [فيحترقون] فيها. * * - ثم قال تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ فِيۤ أَهْلِهِ مَسْرُوراً﴾. أي: إنه كان في الدنيا مسرورا بما هو فيه من خلافه أمرَ الله وكفره به. * * - ثم قال تعالى: ﴿إِنَّهُ ظَنَّ أَن لَّن (يَحُورَ * بَلَىٰ)﴾ (أي): إنه ظن [أنه] لن يرجع بعد الموت ولا يبعث، فركب المعاصي وتمادى على الكفر إذ يرجو ثواباً ولا يخاف عقاباً. * * - ثم قال: ﴿بَلَىٰ﴾ أي: بلى يبعث ويرجع إلى ربه [ويجازى] على عمله. * * ﴿إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيراً﴾. أي: إن ربه لم يزل بصيراً بما يأتي من أعماله قبل خلقه إياه وبعد خلقه. يقال: حار فلان عن كذا، أي: رجع عنه ومنه الحديث أن النبي ﷺ كَانَ يَقُول فِي دُعائِهِ: "الّلهم إنّي أَعُوذّ بِكَ مِن الحَوْرِ بَعدَ الكَونِ "(أي): من الرجوع إلى الكفر بعد الإيمان. وقيل: معناه: من النقصان بعد الزيادة. * * - ثم قال: ﴿فَلاَ أُقْسِمُ بِٱلشَّفَقِ﴾. لا زائدة مؤكدة. والمعنى فأقسم برب الشفق. والشفق الحمرة في الأفق من ناحية المغرب من الشمس بعد غروب الشمس. وقال مجاهد: "الشفق: النهار كله". وقيل: الشفق اسم للحمرة والبياض اللذين يكونان في السماء بعد غروب الشمس، وهو من الأضداد. والشفق الذي تَحلّ بزواله صلاة العَتَمَةِ هو الحُمرةُ عند أكثر العلماء، وهو اختيار الطبري. والعرب تقول: ثَوبٌ مُشفّقٌ: إذا (كان مصبوغاً) بحُمرةٍ. ثم عطف على القسم فقال: * * ﴿وَٱللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ﴾. أكثر المفسرين على أن معنى ﴿وَمَا وَسَقَ﴾: وما جَمَعَ وما آوى وما ستر. ومنه [يقال]: طعام مسوق: وهو المجموع في غرائر أو وعاء. ومنه الوَسْقُ وهو الطعام المجتمع الكثير مما يُكَالُ أو يوزن. ويقال: هو ستون صاعاً، وبه (جاء الأثر) عن النبي ﷺ. وعن مجاهد: ﴿وَمَا وَسَقَ﴾ "وَمَا لفّ". وعنه: "وَمَا جمع...". وعنه: "وما أظلم عليه، وما دخل فيه". وقال عكرمة: (وما وسق) "وما [ساق] من ظلمة". وهو قول الضحاك: * * - ثم قال تعالى: ﴿وَٱلْقَمَرِ إِذَا ٱتَّسَقَ﴾. قال ابن عباس: ﴿ٱتَّسَقَ﴾: استوى واجتمع. وقاله عكرمة. وقال الحسن: ﴿إِذَا ٱتَّسَقَ﴾ إذا اجتمع وامتلأ. وقال ابن جبير: ﴿إِذَا ٱتَّسَقَ﴾ ذلك لثلاث عشرة. وقال قتادة: ﴿إِذَا ٱتَّسَقَ﴾. إذا استدار. * * - ثم قال تعالى: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَن طَبقٍ﴾. هذا جواب القسم. والمعنى - على قراءة من ضم الباء - ﴿لَتَرْكَبُنَّ﴾ أيها الناس حالاً بعد حال. والإنسان المتقدم ذكره بمعنى الناس، لأنه اسم للجنس، فعليه يعود الضمير في ﴿لَتَرْكَبُنَّ﴾ لأنه قد تقدم ذكرهم في قوله: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَـٰبَهُ بِيَمِينِهِ﴾ وشماله، وتأخر أيضاً ذكره في قوله: ﴿فَمَا لَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ﴾، فلا يصرف الخبر عنهم في ﴿لَتَرْكَبُنَّ﴾ إلى غيرهم إلا بدليل. وقال ابن زيد: معناه ﴿لَتَرْكَبُنَّ﴾ أيها الناس الآخرة بعد الأولى. فأما من فتح الباء، فإنه جعله مصروفاً إلى نبينا محمد ﷺ. والمعنى: لتركبنّ - يا محمد - سماء بعد سماء، وهو قول الحسن وأبي العالية والشعبي. وقيل: التقدير لتركبَن - يا محمد - الأمور بتغيرها حالاً بعد حال. [وقيل: المعنى لَتَركبنّ الأمور حالاً بعد حال فتكون الأمورُ فاعلة، [والتاء لتأنيث] الجمع. وهو قول مجاهد]. وقيل: المعنى: لتركبنّ السماء في تشققها وتلونها حالاً بعد [حال]، فيكون الفعل للسماء. وهو قول ابن مسعود. وقال: مرة كالدهان ومرة تشقق. وكان ابن عباس يقرأ بفتح الباء (ويقول: يعني نبيّكم ﷺ يقول: حالاً بعد حال. وقال ابن زيد: معنى ذلك: لتركبَنّ يا محمد الآخرة بعد الأولى. وقيل: القراءة بفتح الباء) على مخاطبة الإنسان على اللفظ، أي: لتركبنّ أيها الإنسان حالاً بعد حال، من مرض وصحة وشباب وهرم. وقيل: ذلك في يوم القيامة. فتكون على هذا القراءتان [ترجعان] إلى معنى، إلا أن إحداهما حملت على المعنى فأتت بلفظ الجمع، والأخرى حملت على اللفظ فجاءت بلفظ التوحيد. وحكى الفراء أنه يقال: وقع في بنات طبق، إذا وقع في أمر شديد. ويقال: مضى طبق من الناس ومضت طبقة وجاءت طبقة. سُمّوا طبقاً لأنهم يطبقون الأرض. وقد روي عن بعضهم [أنه] قرأ بالياء وضم الباء على الإخبار عن الناس أنهم سَيَرْكبونَ حالاً بعد حال من الشدائد والأهوال. * * - ثم قال تعالى: ﴿فَمَا لَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ * وَإِذَا قُرِىءَ عَلَيْهِمُ ٱلْقُرْآنُ لاَ يَسْجُدُونَ﴾. أي: فما لهؤلاء المشركين لا يصدقون بالبعث بعد الموت؟! وقد أقسم لهم ربهم أنهم راكبون حالاً بعد حال من شدائد القيامة وأهوالها. ﴿وَإِذَا قُرِىءَ عَلَيْهِمُ ٱلْقُرْآنُ لاَ يَسْجُدُونَ﴾: لا يخضعون ولا يستكينون. * * - ثم قال تعالى: ﴿بَلِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يُكَذِّبُونَ﴾. أي: يكذّبون بآيات (الله)، فلذلك ينكرون البعث. * * - ﴿وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ﴾. أي: والله أعلم بما توعيه قلوب هؤلاء المشركين من التكذيب بآيات الله. وقال مجاهد: ﴿بِمَا يُوعُونَ﴾ بما يكتمون في صدورهم. قال الرياشي: يقال أوعى الشيء: إذا كتمه. وحكى أهل اللغة: أوعيت المتاع في الوعاء، أي: جمعته. فالمعنى على هذا: والله أعلم بما يجمعون في صدورهم من التكذيب، والإثم. * * - ثم قال تعالى: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾. أي: الذي يقوم لهم مقام البشرى، عذاب أليم أي: موجع. والبشارة تكون بالخير والشر. فإذا أفردت كانت خيراً. يقال: بشّرته وبشَرته خفيفاً. وقيل: إن البشارة لا تكون إلا للخير فإن وقعت للشرّ فهو مجاز، على معنى: الذي يقوم مقام البشارة كذا وكذا. * * - ثم قال تعالى: ﴿إِلاَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾. أي: إلا الذين تابوا منهم وصدقوا بكتاب الله ورسوله وعملوا الأعمال الصالحة لهم عند الله ثواب غير منقوص. قال ابن عباس: ﴿غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾، أي: "غير منقوص". وقال مجاهد: "غير محسوب". وقيل: معناه: لهم أجر لا يُمَنّ عليهم به فيكدر.

الانشقاق 84:17

قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَٰبَهُ وَرَآءَ ظَهْرِهِ﴾، إلى آخر السورة. (أي): وأما من أعطي كتاب عمله وراء ظهره. وذلك أن تغلّ يده اليمنى إلى عنقه وتجعل الشمال من يديه وراء ظهره فيتناول كتابه بشماله من وراء ظهره. فلذلك وصفهم أنهم يُؤتُون كتابهم بشمالهم وأنهم يُؤتونها من وراء ظهورهم. قال مجاهد: "تجعل يده من وراء ظهره". روي أنه يعني به الأسود بن عبد الأسد أخا أبي سلمة هو أول من يأخذ كتابه بشماله. روي أنه يمد يده ليأخذه بيمينه [فيجتذبه] ملك فيخلع يده فيأخذه بشماله من وراء ظهره. ثم هي عامة في أمثالهما. * * - ثم قال تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَدْعُواْ ثُبُوراً﴾. أي: ينادي بالهلاك (ويقول) (وا) ثبوراه، و "ياويلاه". تقول العرب دعا فلان لَهفَه: إذا قال والهَفَاهُ. قال الضحاك: ﴿يَدْعُواْ ثُبُوراً﴾، أي: "يدعوا بالهلاك". * * - ثم قال تعالى: ﴿وَيَصْلَىٰ سَعِيراً﴾. من شدده فمعناه [ويصليهم] الله النار تصلية بعد تصلية [وإنضاجة بعد إنضاجة] كما قال: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَٰهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا﴾ [النساء: ٥٦]. ومن خفف، فمعناه أنهم يصلونها ويَرِدُونها [فيحترقون] فيها. * * - ثم قال تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ فِيۤ أَهْلِهِ مَسْرُوراً﴾. أي: إنه كان في الدنيا مسرورا بما هو فيه من خلافه أمرَ الله وكفره به. * * - ثم قال تعالى: ﴿إِنَّهُ ظَنَّ أَن لَّن (يَحُورَ * بَلَىٰ)﴾ (أي): إنه ظن [أنه] لن يرجع بعد الموت ولا يبعث، فركب المعاصي وتمادى على الكفر إذ يرجو ثواباً ولا يخاف عقاباً. * * - ثم قال: ﴿بَلَىٰ﴾ أي: بلى يبعث ويرجع إلى ربه [ويجازى] على عمله. * * ﴿إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيراً﴾. أي: إن ربه لم يزل بصيراً بما يأتي من أعماله قبل خلقه إياه وبعد خلقه. يقال: حار فلان عن كذا، أي: رجع عنه ومنه الحديث أن النبي ﷺ كَانَ يَقُول فِي دُعائِهِ: "الّلهم إنّي أَعُوذّ بِكَ مِن الحَوْرِ بَعدَ الكَونِ "(أي): من الرجوع إلى الكفر بعد الإيمان. وقيل: معناه: من النقصان بعد الزيادة. * * - ثم قال: ﴿فَلاَ أُقْسِمُ بِٱلشَّفَقِ﴾. لا زائدة مؤكدة. والمعنى فأقسم برب الشفق. والشفق الحمرة في الأفق من ناحية المغرب من الشمس بعد غروب الشمس. وقال مجاهد: "الشفق: النهار كله". وقيل: الشفق اسم للحمرة والبياض اللذين يكونان في السماء بعد غروب الشمس، وهو من الأضداد. والشفق الذي تَحلّ بزواله صلاة العَتَمَةِ هو الحُمرةُ عند أكثر العلماء، وهو اختيار الطبري. والعرب تقول: ثَوبٌ مُشفّقٌ: إذا (كان مصبوغاً) بحُمرةٍ. ثم عطف على القسم فقال: * * ﴿وَٱللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ﴾. أكثر المفسرين على أن معنى ﴿وَمَا وَسَقَ﴾: وما جَمَعَ وما آوى وما ستر. ومنه [يقال]: طعام مسوق: وهو المجموع في غرائر أو وعاء. ومنه الوَسْقُ وهو الطعام المجتمع الكثير مما يُكَالُ أو يوزن. ويقال: هو ستون صاعاً، وبه (جاء الأثر) عن النبي ﷺ. وعن مجاهد: ﴿وَمَا وَسَقَ﴾ "وَمَا لفّ". وعنه: "وَمَا جمع...". وعنه: "وما أظلم عليه، وما دخل فيه". وقال عكرمة: (وما وسق) "وما [ساق] من ظلمة". وهو قول الضحاك: * * - ثم قال تعالى: ﴿وَٱلْقَمَرِ إِذَا ٱتَّسَقَ﴾. قال ابن عباس: ﴿ٱتَّسَقَ﴾: استوى واجتمع. وقاله عكرمة. وقال الحسن: ﴿إِذَا ٱتَّسَقَ﴾ إذا اجتمع وامتلأ. وقال ابن جبير: ﴿إِذَا ٱتَّسَقَ﴾ ذلك لثلاث عشرة. وقال قتادة: ﴿إِذَا ٱتَّسَقَ﴾. إذا استدار. * * - ثم قال تعالى: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَن طَبقٍ﴾. هذا جواب القسم. والمعنى - على قراءة من ضم الباء - ﴿لَتَرْكَبُنَّ﴾ أيها الناس حالاً بعد حال. والإنسان المتقدم ذكره بمعنى الناس، لأنه اسم للجنس، فعليه يعود الضمير في ﴿لَتَرْكَبُنَّ﴾ لأنه قد تقدم ذكرهم في قوله: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَـٰبَهُ بِيَمِينِهِ﴾ وشماله، وتأخر أيضاً ذكره في قوله: ﴿فَمَا لَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ﴾، فلا يصرف الخبر عنهم في ﴿لَتَرْكَبُنَّ﴾ إلى غيرهم إلا بدليل. وقال ابن زيد: معناه ﴿لَتَرْكَبُنَّ﴾ أيها الناس الآخرة بعد الأولى. فأما من فتح الباء، فإنه جعله مصروفاً إلى نبينا محمد ﷺ. والمعنى: لتركبنّ - يا محمد - سماء بعد سماء، وهو قول الحسن وأبي العالية والشعبي. وقيل: التقدير لتركبَن - يا محمد - الأمور بتغيرها حالاً بعد حال. [وقيل: المعنى لَتَركبنّ الأمور حالاً بعد حال فتكون الأمورُ فاعلة، [والتاء لتأنيث] الجمع. وهو قول مجاهد]. وقيل: المعنى: لتركبنّ السماء في تشققها وتلونها حالاً بعد [حال]، فيكون الفعل للسماء. وهو قول ابن مسعود. وقال: مرة كالدهان ومرة تشقق. وكان ابن عباس يقرأ بفتح الباء (ويقول: يعني نبيّكم ﷺ يقول: حالاً بعد حال. وقال ابن زيد: معنى ذلك: لتركبَنّ يا محمد الآخرة بعد الأولى. وقيل: القراءة بفتح الباء) على مخاطبة الإنسان على اللفظ، أي: لتركبنّ أيها الإنسان حالاً بعد حال، من مرض وصحة وشباب وهرم. وقيل: ذلك في يوم القيامة. فتكون على هذا القراءتان [ترجعان] إلى معنى، إلا أن إحداهما حملت على المعنى فأتت بلفظ الجمع، والأخرى حملت على اللفظ فجاءت بلفظ التوحيد. وحكى الفراء أنه يقال: وقع في بنات طبق، إذا وقع في أمر شديد. ويقال: مضى طبق من الناس ومضت طبقة وجاءت طبقة. سُمّوا طبقاً لأنهم يطبقون الأرض. وقد روي عن بعضهم [أنه] قرأ بالياء وضم الباء على الإخبار عن الناس أنهم سَيَرْكبونَ حالاً بعد حال من الشدائد والأهوال. * * - ثم قال تعالى: ﴿فَمَا لَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ * وَإِذَا قُرِىءَ عَلَيْهِمُ ٱلْقُرْآنُ لاَ يَسْجُدُونَ﴾. أي: فما لهؤلاء المشركين لا يصدقون بالبعث بعد الموت؟! وقد أقسم لهم ربهم أنهم راكبون حالاً بعد حال من شدائد القيامة وأهوالها. ﴿وَإِذَا قُرِىءَ عَلَيْهِمُ ٱلْقُرْآنُ لاَ يَسْجُدُونَ﴾: لا يخضعون ولا يستكينون. * * - ثم قال تعالى: ﴿بَلِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يُكَذِّبُونَ﴾. أي: يكذّبون بآيات (الله)، فلذلك ينكرون البعث. * * - ﴿وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ﴾. أي: والله أعلم بما توعيه قلوب هؤلاء المشركين من التكذيب بآيات الله. وقال مجاهد: ﴿بِمَا يُوعُونَ﴾ بما يكتمون في صدورهم. قال الرياشي: يقال أوعى الشيء: إذا كتمه. وحكى أهل اللغة: أوعيت المتاع في الوعاء، أي: جمعته. فالمعنى على هذا: والله أعلم بما يجمعون في صدورهم من التكذيب، والإثم. * * - ثم قال تعالى: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾. أي: الذي يقوم لهم مقام البشرى، عذاب أليم أي: موجع. والبشارة تكون بالخير والشر. فإذا أفردت كانت خيراً. يقال: بشّرته وبشَرته خفيفاً. وقيل: إن البشارة لا تكون إلا للخير فإن وقعت للشرّ فهو مجاز، على معنى: الذي يقوم مقام البشارة كذا وكذا. * * - ثم قال تعالى: ﴿إِلاَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾. أي: إلا الذين تابوا منهم وصدقوا بكتاب الله ورسوله وعملوا الأعمال الصالحة لهم عند الله ثواب غير منقوص. قال ابن عباس: ﴿غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾، أي: "غير منقوص". وقال مجاهد: "غير محسوب". وقيل: معناه: لهم أجر لا يُمَنّ عليهم به فيكدر.

الانشقاق 84:18

قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَٰبَهُ وَرَآءَ ظَهْرِهِ﴾، إلى آخر السورة. (أي): وأما من أعطي كتاب عمله وراء ظهره. وذلك أن تغلّ يده اليمنى إلى عنقه وتجعل الشمال من يديه وراء ظهره فيتناول كتابه بشماله من وراء ظهره. فلذلك وصفهم أنهم يُؤتُون كتابهم بشمالهم وأنهم يُؤتونها من وراء ظهورهم. قال مجاهد: "تجعل يده من وراء ظهره". روي أنه يعني به الأسود بن عبد الأسد أخا أبي سلمة هو أول من يأخذ كتابه بشماله. روي أنه يمد يده ليأخذه بيمينه [فيجتذبه] ملك فيخلع يده فيأخذه بشماله من وراء ظهره. ثم هي عامة في أمثالهما. * * - ثم قال تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَدْعُواْ ثُبُوراً﴾. أي: ينادي بالهلاك (ويقول) (وا) ثبوراه، و "ياويلاه". تقول العرب دعا فلان لَهفَه: إذا قال والهَفَاهُ. قال الضحاك: ﴿يَدْعُواْ ثُبُوراً﴾، أي: "يدعوا بالهلاك". * * - ثم قال تعالى: ﴿وَيَصْلَىٰ سَعِيراً﴾. من شدده فمعناه [ويصليهم] الله النار تصلية بعد تصلية [وإنضاجة بعد إنضاجة] كما قال: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَٰهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا﴾ [النساء: ٥٦]. ومن خفف، فمعناه أنهم يصلونها ويَرِدُونها [فيحترقون] فيها. * * - ثم قال تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ فِيۤ أَهْلِهِ مَسْرُوراً﴾. أي: إنه كان في الدنيا مسرورا بما هو فيه من خلافه أمرَ الله وكفره به. * * - ثم قال تعالى: ﴿إِنَّهُ ظَنَّ أَن لَّن (يَحُورَ * بَلَىٰ)﴾ (أي): إنه ظن [أنه] لن يرجع بعد الموت ولا يبعث، فركب المعاصي وتمادى على الكفر إذ يرجو ثواباً ولا يخاف عقاباً. * * - ثم قال: ﴿بَلَىٰ﴾ أي: بلى يبعث ويرجع إلى ربه [ويجازى] على عمله. * * ﴿إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيراً﴾. أي: إن ربه لم يزل بصيراً بما يأتي من أعماله قبل خلقه إياه وبعد خلقه. يقال: حار فلان عن كذا، أي: رجع عنه ومنه الحديث أن النبي ﷺ كَانَ يَقُول فِي دُعائِهِ: "الّلهم إنّي أَعُوذّ بِكَ مِن الحَوْرِ بَعدَ الكَونِ "(أي): من الرجوع إلى الكفر بعد الإيمان. وقيل: معناه: من النقصان بعد الزيادة. * * - ثم قال: ﴿فَلاَ أُقْسِمُ بِٱلشَّفَقِ﴾. لا زائدة مؤكدة. والمعنى فأقسم برب الشفق. والشفق الحمرة في الأفق من ناحية المغرب من الشمس بعد غروب الشمس. وقال مجاهد: "الشفق: النهار كله". وقيل: الشفق اسم للحمرة والبياض اللذين يكونان في السماء بعد غروب الشمس، وهو من الأضداد. والشفق الذي تَحلّ بزواله صلاة العَتَمَةِ هو الحُمرةُ عند أكثر العلماء، وهو اختيار الطبري. والعرب تقول: ثَوبٌ مُشفّقٌ: إذا (كان مصبوغاً) بحُمرةٍ. ثم عطف على القسم فقال: * * ﴿وَٱللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ﴾. أكثر المفسرين على أن معنى ﴿وَمَا وَسَقَ﴾: وما جَمَعَ وما آوى وما ستر. ومنه [يقال]: طعام مسوق: وهو المجموع في غرائر أو وعاء. ومنه الوَسْقُ وهو الطعام المجتمع الكثير مما يُكَالُ أو يوزن. ويقال: هو ستون صاعاً، وبه (جاء الأثر) عن النبي ﷺ. وعن مجاهد: ﴿وَمَا وَسَقَ﴾ "وَمَا لفّ". وعنه: "وَمَا جمع...". وعنه: "وما أظلم عليه، وما دخل فيه". وقال عكرمة: (وما وسق) "وما [ساق] من ظلمة". وهو قول الضحاك: * * - ثم قال تعالى: ﴿وَٱلْقَمَرِ إِذَا ٱتَّسَقَ﴾. قال ابن عباس: ﴿ٱتَّسَقَ﴾: استوى واجتمع. وقاله عكرمة. وقال الحسن: ﴿إِذَا ٱتَّسَقَ﴾ إذا اجتمع وامتلأ. وقال ابن جبير: ﴿إِذَا ٱتَّسَقَ﴾ ذلك لثلاث عشرة. وقال قتادة: ﴿إِذَا ٱتَّسَقَ﴾. إذا استدار. * * - ثم قال تعالى: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَن طَبقٍ﴾. هذا جواب القسم. والمعنى - على قراءة من ضم الباء - ﴿لَتَرْكَبُنَّ﴾ أيها الناس حالاً بعد حال. والإنسان المتقدم ذكره بمعنى الناس، لأنه اسم للجنس، فعليه يعود الضمير في ﴿لَتَرْكَبُنَّ﴾ لأنه قد تقدم ذكرهم في قوله: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَـٰبَهُ بِيَمِينِهِ﴾ وشماله، وتأخر أيضاً ذكره في قوله: ﴿فَمَا لَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ﴾، فلا يصرف الخبر عنهم في ﴿لَتَرْكَبُنَّ﴾ إلى غيرهم إلا بدليل. وقال ابن زيد: معناه ﴿لَتَرْكَبُنَّ﴾ أيها الناس الآخرة بعد الأولى. فأما من فتح الباء، فإنه جعله مصروفاً إلى نبينا محمد ﷺ. والمعنى: لتركبنّ - يا محمد - سماء بعد سماء، وهو قول الحسن وأبي العالية والشعبي. وقيل: التقدير لتركبَن - يا محمد - الأمور بتغيرها حالاً بعد حال. [وقيل: المعنى لَتَركبنّ الأمور حالاً بعد حال فتكون الأمورُ فاعلة، [والتاء لتأنيث] الجمع. وهو قول مجاهد]. وقيل: المعنى: لتركبنّ السماء في تشققها وتلونها حالاً بعد [حال]، فيكون الفعل للسماء. وهو قول ابن مسعود. وقال: مرة كالدهان ومرة تشقق. وكان ابن عباس يقرأ بفتح الباء (ويقول: يعني نبيّكم ﷺ يقول: حالاً بعد حال. وقال ابن زيد: معنى ذلك: لتركبَنّ يا محمد الآخرة بعد الأولى. وقيل: القراءة بفتح الباء) على مخاطبة الإنسان على اللفظ، أي: لتركبنّ أيها الإنسان حالاً بعد حال، من مرض وصحة وشباب وهرم. وقيل: ذلك في يوم القيامة. فتكون على هذا القراءتان [ترجعان] إلى معنى، إلا أن إحداهما حملت على المعنى فأتت بلفظ الجمع، والأخرى حملت على اللفظ فجاءت بلفظ التوحيد. وحكى الفراء أنه يقال: وقع في بنات طبق، إذا وقع في أمر شديد. ويقال: مضى طبق من الناس ومضت طبقة وجاءت طبقة. سُمّوا طبقاً لأنهم يطبقون الأرض. وقد روي عن بعضهم [أنه] قرأ بالياء وضم الباء على الإخبار عن الناس أنهم سَيَرْكبونَ حالاً بعد حال من الشدائد والأهوال. * * - ثم قال تعالى: ﴿فَمَا لَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ * وَإِذَا قُرِىءَ عَلَيْهِمُ ٱلْقُرْآنُ لاَ يَسْجُدُونَ﴾. أي: فما لهؤلاء المشركين لا يصدقون بالبعث بعد الموت؟! وقد أقسم لهم ربهم أنهم راكبون حالاً بعد حال من شدائد القيامة وأهوالها. ﴿وَإِذَا قُرِىءَ عَلَيْهِمُ ٱلْقُرْآنُ لاَ يَسْجُدُونَ﴾: لا يخضعون ولا يستكينون. * * - ثم قال تعالى: ﴿بَلِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يُكَذِّبُونَ﴾. أي: يكذّبون بآيات (الله)، فلذلك ينكرون البعث. * * - ﴿وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ﴾. أي: والله أعلم بما توعيه قلوب هؤلاء المشركين من التكذيب بآيات الله. وقال مجاهد: ﴿بِمَا يُوعُونَ﴾ بما يكتمون في صدورهم. قال الرياشي: يقال أوعى الشيء: إذا كتمه. وحكى أهل اللغة: أوعيت المتاع في الوعاء، أي: جمعته. فالمعنى على هذا: والله أعلم بما يجمعون في صدورهم من التكذيب، والإثم. * * - ثم قال تعالى: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾. أي: الذي يقوم لهم مقام البشرى، عذاب أليم أي: موجع. والبشارة تكون بالخير والشر. فإذا أفردت كانت خيراً. يقال: بشّرته وبشَرته خفيفاً. وقيل: إن البشارة لا تكون إلا للخير فإن وقعت للشرّ فهو مجاز، على معنى: الذي يقوم مقام البشارة كذا وكذا. * * - ثم قال تعالى: ﴿إِلاَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾. أي: إلا الذين تابوا منهم وصدقوا بكتاب الله ورسوله وعملوا الأعمال الصالحة لهم عند الله ثواب غير منقوص. قال ابن عباس: ﴿غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾، أي: "غير منقوص". وقال مجاهد: "غير محسوب". وقيل: معناه: لهم أجر لا يُمَنّ عليهم به فيكدر.

الانشقاق 84:19

قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَٰبَهُ وَرَآءَ ظَهْرِهِ﴾، إلى آخر السورة. (أي): وأما من أعطي كتاب عمله وراء ظهره. وذلك أن تغلّ يده اليمنى إلى عنقه وتجعل الشمال من يديه وراء ظهره فيتناول كتابه بشماله من وراء ظهره. فلذلك وصفهم أنهم يُؤتُون كتابهم بشمالهم وأنهم يُؤتونها من وراء ظهورهم. قال مجاهد: "تجعل يده من وراء ظهره". روي أنه يعني به الأسود بن عبد الأسد أخا أبي سلمة هو أول من يأخذ كتابه بشماله. روي أنه يمد يده ليأخذه بيمينه [فيجتذبه] ملك فيخلع يده فيأخذه بشماله من وراء ظهره. ثم هي عامة في أمثالهما. * * - ثم قال تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَدْعُواْ ثُبُوراً﴾. أي: ينادي بالهلاك (ويقول) (وا) ثبوراه، و "ياويلاه". تقول العرب دعا فلان لَهفَه: إذا قال والهَفَاهُ. قال الضحاك: ﴿يَدْعُواْ ثُبُوراً﴾، أي: "يدعوا بالهلاك". * * - ثم قال تعالى: ﴿وَيَصْلَىٰ سَعِيراً﴾. من شدده فمعناه [ويصليهم] الله النار تصلية بعد تصلية [وإنضاجة بعد إنضاجة] كما قال: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَٰهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا﴾ [النساء: ٥٦]. ومن خفف، فمعناه أنهم يصلونها ويَرِدُونها [فيحترقون] فيها. * * - ثم قال تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ فِيۤ أَهْلِهِ مَسْرُوراً﴾. أي: إنه كان في الدنيا مسرورا بما هو فيه من خلافه أمرَ الله وكفره به. * * - ثم قال تعالى: ﴿إِنَّهُ ظَنَّ أَن لَّن (يَحُورَ * بَلَىٰ)﴾ (أي): إنه ظن [أنه] لن يرجع بعد الموت ولا يبعث، فركب المعاصي وتمادى على الكفر إذ يرجو ثواباً ولا يخاف عقاباً. * * - ثم قال: ﴿بَلَىٰ﴾ أي: بلى يبعث ويرجع إلى ربه [ويجازى] على عمله. * * ﴿إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيراً﴾. أي: إن ربه لم يزل بصيراً بما يأتي من أعماله قبل خلقه إياه وبعد خلقه. يقال: حار فلان عن كذا، أي: رجع عنه ومنه الحديث أن النبي ﷺ كَانَ يَقُول فِي دُعائِهِ: "الّلهم إنّي أَعُوذّ بِكَ مِن الحَوْرِ بَعدَ الكَونِ "(أي): من الرجوع إلى الكفر بعد الإيمان. وقيل: معناه: من النقصان بعد الزيادة. * * - ثم قال: ﴿فَلاَ أُقْسِمُ بِٱلشَّفَقِ﴾. لا زائدة مؤكدة. والمعنى فأقسم برب الشفق. والشفق الحمرة في الأفق من ناحية المغرب من الشمس بعد غروب الشمس. وقال مجاهد: "الشفق: النهار كله". وقيل: الشفق اسم للحمرة والبياض اللذين يكونان في السماء بعد غروب الشمس، وهو من الأضداد. والشفق الذي تَحلّ بزواله صلاة العَتَمَةِ هو الحُمرةُ عند أكثر العلماء، وهو اختيار الطبري. والعرب تقول: ثَوبٌ مُشفّقٌ: إذا (كان مصبوغاً) بحُمرةٍ. ثم عطف على القسم فقال: * * ﴿وَٱللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ﴾. أكثر المفسرين على أن معنى ﴿وَمَا وَسَقَ﴾: وما جَمَعَ وما آوى وما ستر. ومنه [يقال]: طعام مسوق: وهو المجموع في غرائر أو وعاء. ومنه الوَسْقُ وهو الطعام المجتمع الكثير مما يُكَالُ أو يوزن. ويقال: هو ستون صاعاً، وبه (جاء الأثر) عن النبي ﷺ. وعن مجاهد: ﴿وَمَا وَسَقَ﴾ "وَمَا لفّ". وعنه: "وَمَا جمع...". وعنه: "وما أظلم عليه، وما دخل فيه". وقال عكرمة: (وما وسق) "وما [ساق] من ظلمة". وهو قول الضحاك: * * - ثم قال تعالى: ﴿وَٱلْقَمَرِ إِذَا ٱتَّسَقَ﴾. قال ابن عباس: ﴿ٱتَّسَقَ﴾: استوى واجتمع. وقاله عكرمة. وقال الحسن: ﴿إِذَا ٱتَّسَقَ﴾ إذا اجتمع وامتلأ. وقال ابن جبير: ﴿إِذَا ٱتَّسَقَ﴾ ذلك لثلاث عشرة. وقال قتادة: ﴿إِذَا ٱتَّسَقَ﴾. إذا استدار. * * - ثم قال تعالى: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَن طَبقٍ﴾. هذا جواب القسم. والمعنى - على قراءة من ضم الباء - ﴿لَتَرْكَبُنَّ﴾ أيها الناس حالاً بعد حال. والإنسان المتقدم ذكره بمعنى الناس، لأنه اسم للجنس، فعليه يعود الضمير في ﴿لَتَرْكَبُنَّ﴾ لأنه قد تقدم ذكرهم في قوله: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَـٰبَهُ بِيَمِينِهِ﴾ وشماله، وتأخر أيضاً ذكره في قوله: ﴿فَمَا لَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ﴾، فلا يصرف الخبر عنهم في ﴿لَتَرْكَبُنَّ﴾ إلى غيرهم إلا بدليل. وقال ابن زيد: معناه ﴿لَتَرْكَبُنَّ﴾ أيها الناس الآخرة بعد الأولى. فأما من فتح الباء، فإنه جعله مصروفاً إلى نبينا محمد ﷺ. والمعنى: لتركبنّ - يا محمد - سماء بعد سماء، وهو قول الحسن وأبي العالية والشعبي. وقيل: التقدير لتركبَن - يا محمد - الأمور بتغيرها حالاً بعد حال. [وقيل: المعنى لَتَركبنّ الأمور حالاً بعد حال فتكون الأمورُ فاعلة، [والتاء لتأنيث] الجمع. وهو قول مجاهد]. وقيل: المعنى: لتركبنّ السماء في تشققها وتلونها حالاً بعد [حال]، فيكون الفعل للسماء. وهو قول ابن مسعود. وقال: مرة كالدهان ومرة تشقق. وكان ابن عباس يقرأ بفتح الباء (ويقول: يعني نبيّكم ﷺ يقول: حالاً بعد حال. وقال ابن زيد: معنى ذلك: لتركبَنّ يا محمد الآخرة بعد الأولى. وقيل: القراءة بفتح الباء) على مخاطبة الإنسان على اللفظ، أي: لتركبنّ أيها الإنسان حالاً بعد حال، من مرض وصحة وشباب وهرم. وقيل: ذلك في يوم القيامة. فتكون على هذا القراءتان [ترجعان] إلى معنى، إلا أن إحداهما حملت على المعنى فأتت بلفظ الجمع، والأخرى حملت على اللفظ فجاءت بلفظ التوحيد. وحكى الفراء أنه يقال: وقع في بنات طبق، إذا وقع في أمر شديد. ويقال: مضى طبق من الناس ومضت طبقة وجاءت طبقة. سُمّوا طبقاً لأنهم يطبقون الأرض. وقد روي عن بعضهم [أنه] قرأ بالياء وضم الباء على الإخبار عن الناس أنهم سَيَرْكبونَ حالاً بعد حال من الشدائد والأهوال. * * - ثم قال تعالى: ﴿فَمَا لَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ * وَإِذَا قُرِىءَ عَلَيْهِمُ ٱلْقُرْآنُ لاَ يَسْجُدُونَ﴾. أي: فما لهؤلاء المشركين لا يصدقون بالبعث بعد الموت؟! وقد أقسم لهم ربهم أنهم راكبون حالاً بعد حال من شدائد القيامة وأهوالها. ﴿وَإِذَا قُرِىءَ عَلَيْهِمُ ٱلْقُرْآنُ لاَ يَسْجُدُونَ﴾: لا يخضعون ولا يستكينون. * * - ثم قال تعالى: ﴿بَلِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يُكَذِّبُونَ﴾. أي: يكذّبون بآيات (الله)، فلذلك ينكرون البعث. * * - ﴿وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ﴾. أي: والله أعلم بما توعيه قلوب هؤلاء المشركين من التكذيب بآيات الله. وقال مجاهد: ﴿بِمَا يُوعُونَ﴾ بما يكتمون في صدورهم. قال الرياشي: يقال أوعى الشيء: إذا كتمه. وحكى أهل اللغة: أوعيت المتاع في الوعاء، أي: جمعته. فالمعنى على هذا: والله أعلم بما يجمعون في صدورهم من التكذيب، والإثم. * * - ثم قال تعالى: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾. أي: الذي يقوم لهم مقام البشرى، عذاب أليم أي: موجع. والبشارة تكون بالخير والشر. فإذا أفردت كانت خيراً. يقال: بشّرته وبشَرته خفيفاً. وقيل: إن البشارة لا تكون إلا للخير فإن وقعت للشرّ فهو مجاز، على معنى: الذي يقوم مقام البشارة كذا وكذا. * * - ثم قال تعالى: ﴿إِلاَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾. أي: إلا الذين تابوا منهم وصدقوا بكتاب الله ورسوله وعملوا الأعمال الصالحة لهم عند الله ثواب غير منقوص. قال ابن عباس: ﴿غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾، أي: "غير منقوص". وقال مجاهد: "غير محسوب". وقيل: معناه: لهم أجر لا يُمَنّ عليهم به فيكدر.

الانشقاق 84:20

قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَٰبَهُ وَرَآءَ ظَهْرِهِ﴾، إلى آخر السورة. (أي): وأما من أعطي كتاب عمله وراء ظهره. وذلك أن تغلّ يده اليمنى إلى عنقه وتجعل الشمال من يديه وراء ظهره فيتناول كتابه بشماله من وراء ظهره. فلذلك وصفهم أنهم يُؤتُون كتابهم بشمالهم وأنهم يُؤتونها من وراء ظهورهم. قال مجاهد: "تجعل يده من وراء ظهره". روي أنه يعني به الأسود بن عبد الأسد أخا أبي سلمة هو أول من يأخذ كتابه بشماله. روي أنه يمد يده ليأخذه بيمينه [فيجتذبه] ملك فيخلع يده فيأخذه بشماله من وراء ظهره. ثم هي عامة في أمثالهما. * * - ثم قال تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَدْعُواْ ثُبُوراً﴾. أي: ينادي بالهلاك (ويقول) (وا) ثبوراه، و "ياويلاه". تقول العرب دعا فلان لَهفَه: إذا قال والهَفَاهُ. قال الضحاك: ﴿يَدْعُواْ ثُبُوراً﴾، أي: "يدعوا بالهلاك". * * - ثم قال تعالى: ﴿وَيَصْلَىٰ سَعِيراً﴾. من شدده فمعناه [ويصليهم] الله النار تصلية بعد تصلية [وإنضاجة بعد إنضاجة] كما قال: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَٰهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا﴾ [النساء: ٥٦]. ومن خفف، فمعناه أنهم يصلونها ويَرِدُونها [فيحترقون] فيها. * * - ثم قال تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ فِيۤ أَهْلِهِ مَسْرُوراً﴾. أي: إنه كان في الدنيا مسرورا بما هو فيه من خلافه أمرَ الله وكفره به. * * - ثم قال تعالى: ﴿إِنَّهُ ظَنَّ أَن لَّن (يَحُورَ * بَلَىٰ)﴾ (أي): إنه ظن [أنه] لن يرجع بعد الموت ولا يبعث، فركب المعاصي وتمادى على الكفر إذ يرجو ثواباً ولا يخاف عقاباً. * * - ثم قال: ﴿بَلَىٰ﴾ أي: بلى يبعث ويرجع إلى ربه [ويجازى] على عمله. * * ﴿إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيراً﴾. أي: إن ربه لم يزل بصيراً بما يأتي من أعماله قبل خلقه إياه وبعد خلقه. يقال: حار فلان عن كذا، أي: رجع عنه ومنه الحديث أن النبي ﷺ كَانَ يَقُول فِي دُعائِهِ: "الّلهم إنّي أَعُوذّ بِكَ مِن الحَوْرِ بَعدَ الكَونِ "(أي): من الرجوع إلى الكفر بعد الإيمان. وقيل: معناه: من النقصان بعد الزيادة. * * - ثم قال: ﴿فَلاَ أُقْسِمُ بِٱلشَّفَقِ﴾. لا زائدة مؤكدة. والمعنى فأقسم برب الشفق. والشفق الحمرة في الأفق من ناحية المغرب من الشمس بعد غروب الشمس. وقال مجاهد: "الشفق: النهار كله". وقيل: الشفق اسم للحمرة والبياض اللذين يكونان في السماء بعد غروب الشمس، وهو من الأضداد. والشفق الذي تَحلّ بزواله صلاة العَتَمَةِ هو الحُمرةُ عند أكثر العلماء، وهو اختيار الطبري. والعرب تقول: ثَوبٌ مُشفّقٌ: إذا (كان مصبوغاً) بحُمرةٍ. ثم عطف على القسم فقال: * * ﴿وَٱللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ﴾. أكثر المفسرين على أن معنى ﴿وَمَا وَسَقَ﴾: وما جَمَعَ وما آوى وما ستر. ومنه [يقال]: طعام مسوق: وهو المجموع في غرائر أو وعاء. ومنه الوَسْقُ وهو الطعام المجتمع الكثير مما يُكَالُ أو يوزن. ويقال: هو ستون صاعاً، وبه (جاء الأثر) عن النبي ﷺ. وعن مجاهد: ﴿وَمَا وَسَقَ﴾ "وَمَا لفّ". وعنه: "وَمَا جمع...". وعنه: "وما أظلم عليه، وما دخل فيه". وقال عكرمة: (وما وسق) "وما [ساق] من ظلمة". وهو قول الضحاك: * * - ثم قال تعالى: ﴿وَٱلْقَمَرِ إِذَا ٱتَّسَقَ﴾. قال ابن عباس: ﴿ٱتَّسَقَ﴾: استوى واجتمع. وقاله عكرمة. وقال الحسن: ﴿إِذَا ٱتَّسَقَ﴾ إذا اجتمع وامتلأ. وقال ابن جبير: ﴿إِذَا ٱتَّسَقَ﴾ ذلك لثلاث عشرة. وقال قتادة: ﴿إِذَا ٱتَّسَقَ﴾. إذا استدار. * * - ثم قال تعالى: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَن طَبقٍ﴾. هذا جواب القسم. والمعنى - على قراءة من ضم الباء - ﴿لَتَرْكَبُنَّ﴾ أيها الناس حالاً بعد حال. والإنسان المتقدم ذكره بمعنى الناس، لأنه اسم للجنس، فعليه يعود الضمير في ﴿لَتَرْكَبُنَّ﴾ لأنه قد تقدم ذكرهم في قوله: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَـٰبَهُ بِيَمِينِهِ﴾ وشماله، وتأخر أيضاً ذكره في قوله: ﴿فَمَا لَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ﴾، فلا يصرف الخبر عنهم في ﴿لَتَرْكَبُنَّ﴾ إلى غيرهم إلا بدليل. وقال ابن زيد: معناه ﴿لَتَرْكَبُنَّ﴾ أيها الناس الآخرة بعد الأولى. فأما من فتح الباء، فإنه جعله مصروفاً إلى نبينا محمد ﷺ. والمعنى: لتركبنّ - يا محمد - سماء بعد سماء، وهو قول الحسن وأبي العالية والشعبي. وقيل: التقدير لتركبَن - يا محمد - الأمور بتغيرها حالاً بعد حال. [وقيل: المعنى لَتَركبنّ الأمور حالاً بعد حال فتكون الأمورُ فاعلة، [والتاء لتأنيث] الجمع. وهو قول مجاهد]. وقيل: المعنى: لتركبنّ السماء في تشققها وتلونها حالاً بعد [حال]، فيكون الفعل للسماء. وهو قول ابن مسعود. وقال: مرة كالدهان ومرة تشقق. وكان ابن عباس يقرأ بفتح الباء (ويقول: يعني نبيّكم ﷺ يقول: حالاً بعد حال. وقال ابن زيد: معنى ذلك: لتركبَنّ يا محمد الآخرة بعد الأولى. وقيل: القراءة بفتح الباء) على مخاطبة الإنسان على اللفظ، أي: لتركبنّ أيها الإنسان حالاً بعد حال، من مرض وصحة وشباب وهرم. وقيل: ذلك في يوم القيامة. فتكون على هذا القراءتان [ترجعان] إلى معنى، إلا أن إحداهما حملت على المعنى فأتت بلفظ الجمع، والأخرى حملت على اللفظ فجاءت بلفظ التوحيد. وحكى الفراء أنه يقال: وقع في بنات طبق، إذا وقع في أمر شديد. ويقال: مضى طبق من الناس ومضت طبقة وجاءت طبقة. سُمّوا طبقاً لأنهم يطبقون الأرض. وقد روي عن بعضهم [أنه] قرأ بالياء وضم الباء على الإخبار عن الناس أنهم سَيَرْكبونَ حالاً بعد حال من الشدائد والأهوال. * * - ثم قال تعالى: ﴿فَمَا لَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ * وَإِذَا قُرِىءَ عَلَيْهِمُ ٱلْقُرْآنُ لاَ يَسْجُدُونَ﴾. أي: فما لهؤلاء المشركين لا يصدقون بالبعث بعد الموت؟! وقد أقسم لهم ربهم أنهم راكبون حالاً بعد حال من شدائد القيامة وأهوالها. ﴿وَإِذَا قُرِىءَ عَلَيْهِمُ ٱلْقُرْآنُ لاَ يَسْجُدُونَ﴾: لا يخضعون ولا يستكينون. * * - ثم قال تعالى: ﴿بَلِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يُكَذِّبُونَ﴾. أي: يكذّبون بآيات (الله)، فلذلك ينكرون البعث. * * - ﴿وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ﴾. أي: والله أعلم بما توعيه قلوب هؤلاء المشركين من التكذيب بآيات الله. وقال مجاهد: ﴿بِمَا يُوعُونَ﴾ بما يكتمون في صدورهم. قال الرياشي: يقال أوعى الشيء: إذا كتمه. وحكى أهل اللغة: أوعيت المتاع في الوعاء، أي: جمعته. فالمعنى على هذا: والله أعلم بما يجمعون في صدورهم من التكذيب، والإثم. * * - ثم قال تعالى: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾. أي: الذي يقوم لهم مقام البشرى، عذاب أليم أي: موجع. والبشارة تكون بالخير والشر. فإذا أفردت كانت خيراً. يقال: بشّرته وبشَرته خفيفاً. وقيل: إن البشارة لا تكون إلا للخير فإن وقعت للشرّ فهو مجاز، على معنى: الذي يقوم مقام البشارة كذا وكذا. * * - ثم قال تعالى: ﴿إِلاَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾. أي: إلا الذين تابوا منهم وصدقوا بكتاب الله ورسوله وعملوا الأعمال الصالحة لهم عند الله ثواب غير منقوص. قال ابن عباس: ﴿غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾، أي: "غير منقوص". وقال مجاهد: "غير محسوب". وقيل: معناه: لهم أجر لا يُمَنّ عليهم به فيكدر.

الانشقاق 84:21

قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَٰبَهُ وَرَآءَ ظَهْرِهِ﴾، إلى آخر السورة. (أي): وأما من أعطي كتاب عمله وراء ظهره. وذلك أن تغلّ يده اليمنى إلى عنقه وتجعل الشمال من يديه وراء ظهره فيتناول كتابه بشماله من وراء ظهره. فلذلك وصفهم أنهم يُؤتُون كتابهم بشمالهم وأنهم يُؤتونها من وراء ظهورهم. قال مجاهد: "تجعل يده من وراء ظهره". روي أنه يعني به الأسود بن عبد الأسد أخا أبي سلمة هو أول من يأخذ كتابه بشماله. روي أنه يمد يده ليأخذه بيمينه [فيجتذبه] ملك فيخلع يده فيأخذه بشماله من وراء ظهره. ثم هي عامة في أمثالهما. * * - ثم قال تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَدْعُواْ ثُبُوراً﴾. أي: ينادي بالهلاك (ويقول) (وا) ثبوراه، و "ياويلاه". تقول العرب دعا فلان لَهفَه: إذا قال والهَفَاهُ. قال الضحاك: ﴿يَدْعُواْ ثُبُوراً﴾، أي: "يدعوا بالهلاك". * * - ثم قال تعالى: ﴿وَيَصْلَىٰ سَعِيراً﴾. من شدده فمعناه [ويصليهم] الله النار تصلية بعد تصلية [وإنضاجة بعد إنضاجة] كما قال: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَٰهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا﴾ [النساء: ٥٦]. ومن خفف، فمعناه أنهم يصلونها ويَرِدُونها [فيحترقون] فيها. * * - ثم قال تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ فِيۤ أَهْلِهِ مَسْرُوراً﴾. أي: إنه كان في الدنيا مسرورا بما هو فيه من خلافه أمرَ الله وكفره به. * * - ثم قال تعالى: ﴿إِنَّهُ ظَنَّ أَن لَّن (يَحُورَ * بَلَىٰ)﴾ (أي): إنه ظن [أنه] لن يرجع بعد الموت ولا يبعث، فركب المعاصي وتمادى على الكفر إذ يرجو ثواباً ولا يخاف عقاباً. * * - ثم قال: ﴿بَلَىٰ﴾ أي: بلى يبعث ويرجع إلى ربه [ويجازى] على عمله. * * ﴿إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيراً﴾. أي: إن ربه لم يزل بصيراً بما يأتي من أعماله قبل خلقه إياه وبعد خلقه. يقال: حار فلان عن كذا، أي: رجع عنه ومنه الحديث أن النبي ﷺ كَانَ يَقُول فِي دُعائِهِ: "الّلهم إنّي أَعُوذّ بِكَ مِن الحَوْرِ بَعدَ الكَونِ "(أي): من الرجوع إلى الكفر بعد الإيمان. وقيل: معناه: من النقصان بعد الزيادة. * * - ثم قال: ﴿فَلاَ أُقْسِمُ بِٱلشَّفَقِ﴾. لا زائدة مؤكدة. والمعنى فأقسم برب الشفق. والشفق الحمرة في الأفق من ناحية المغرب من الشمس بعد غروب الشمس. وقال مجاهد: "الشفق: النهار كله". وقيل: الشفق اسم للحمرة والبياض اللذين يكونان في السماء بعد غروب الشمس، وهو من الأضداد. والشفق الذي تَحلّ بزواله صلاة العَتَمَةِ هو الحُمرةُ عند أكثر العلماء، وهو اختيار الطبري. والعرب تقول: ثَوبٌ مُشفّقٌ: إذا (كان مصبوغاً) بحُمرةٍ. ثم عطف على القسم فقال: * * ﴿وَٱللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ﴾. أكثر المفسرين على أن معنى ﴿وَمَا وَسَقَ﴾: وما جَمَعَ وما آوى وما ستر. ومنه [يقال]: طعام مسوق: وهو المجموع في غرائر أو وعاء. ومنه الوَسْقُ وهو الطعام المجتمع الكثير مما يُكَالُ أو يوزن. ويقال: هو ستون صاعاً، وبه (جاء الأثر) عن النبي ﷺ. وعن مجاهد: ﴿وَمَا وَسَقَ﴾ "وَمَا لفّ". وعنه: "وَمَا جمع...". وعنه: "وما أظلم عليه، وما دخل فيه". وقال عكرمة: (وما وسق) "وما [ساق] من ظلمة". وهو قول الضحاك: * * - ثم قال تعالى: ﴿وَٱلْقَمَرِ إِذَا ٱتَّسَقَ﴾. قال ابن عباس: ﴿ٱتَّسَقَ﴾: استوى واجتمع. وقاله عكرمة. وقال الحسن: ﴿إِذَا ٱتَّسَقَ﴾ إذا اجتمع وامتلأ. وقال ابن جبير: ﴿إِذَا ٱتَّسَقَ﴾ ذلك لثلاث عشرة. وقال قتادة: ﴿إِذَا ٱتَّسَقَ﴾. إذا استدار. * * - ثم قال تعالى: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَن طَبقٍ﴾. هذا جواب القسم. والمعنى - على قراءة من ضم الباء - ﴿لَتَرْكَبُنَّ﴾ أيها الناس حالاً بعد حال. والإنسان المتقدم ذكره بمعنى الناس، لأنه اسم للجنس، فعليه يعود الضمير في ﴿لَتَرْكَبُنَّ﴾ لأنه قد تقدم ذكرهم في قوله: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَـٰبَهُ بِيَمِينِهِ﴾ وشماله، وتأخر أيضاً ذكره في قوله: ﴿فَمَا لَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ﴾، فلا يصرف الخبر عنهم في ﴿لَتَرْكَبُنَّ﴾ إلى غيرهم إلا بدليل. وقال ابن زيد: معناه ﴿لَتَرْكَبُنَّ﴾ أيها الناس الآخرة بعد الأولى. فأما من فتح الباء، فإنه جعله مصروفاً إلى نبينا محمد ﷺ. والمعنى: لتركبنّ - يا محمد - سماء بعد سماء، وهو قول الحسن وأبي العالية والشعبي. وقيل: التقدير لتركبَن - يا محمد - الأمور بتغيرها حالاً بعد حال. [وقيل: المعنى لَتَركبنّ الأمور حالاً بعد حال فتكون الأمورُ فاعلة، [والتاء لتأنيث] الجمع. وهو قول مجاهد]. وقيل: المعنى: لتركبنّ السماء في تشققها وتلونها حالاً بعد [حال]، فيكون الفعل للسماء. وهو قول ابن مسعود. وقال: مرة كالدهان ومرة تشقق. وكان ابن عباس يقرأ بفتح الباء (ويقول: يعني نبيّكم ﷺ يقول: حالاً بعد حال. وقال ابن زيد: معنى ذلك: لتركبَنّ يا محمد الآخرة بعد الأولى. وقيل: القراءة بفتح الباء) على مخاطبة الإنسان على اللفظ، أي: لتركبنّ أيها الإنسان حالاً بعد حال، من مرض وصحة وشباب وهرم. وقيل: ذلك في يوم القيامة. فتكون على هذا القراءتان [ترجعان] إلى معنى، إلا أن إحداهما حملت على المعنى فأتت بلفظ الجمع، والأخرى حملت على اللفظ فجاءت بلفظ التوحيد. وحكى الفراء أنه يقال: وقع في بنات طبق، إذا وقع في أمر شديد. ويقال: مضى طبق من الناس ومضت طبقة وجاءت طبقة. سُمّوا طبقاً لأنهم يطبقون الأرض. وقد روي عن بعضهم [أنه] قرأ بالياء وضم الباء على الإخبار عن الناس أنهم سَيَرْكبونَ حالاً بعد حال من الشدائد والأهوال. * * - ثم قال تعالى: ﴿فَمَا لَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ * وَإِذَا قُرِىءَ عَلَيْهِمُ ٱلْقُرْآنُ لاَ يَسْجُدُونَ﴾. أي: فما لهؤلاء المشركين لا يصدقون بالبعث بعد الموت؟! وقد أقسم لهم ربهم أنهم راكبون حالاً بعد حال من شدائد القيامة وأهوالها. ﴿وَإِذَا قُرِىءَ عَلَيْهِمُ ٱلْقُرْآنُ لاَ يَسْجُدُونَ﴾: لا يخضعون ولا يستكينون. * * - ثم قال تعالى: ﴿بَلِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يُكَذِّبُونَ﴾. أي: يكذّبون بآيات (الله)، فلذلك ينكرون البعث. * * - ﴿وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ﴾. أي: والله أعلم بما توعيه قلوب هؤلاء المشركين من التكذيب بآيات الله. وقال مجاهد: ﴿بِمَا يُوعُونَ﴾ بما يكتمون في صدورهم. قال الرياشي: يقال أوعى الشيء: إذا كتمه. وحكى أهل اللغة: أوعيت المتاع في الوعاء، أي: جمعته. فالمعنى على هذا: والله أعلم بما يجمعون في صدورهم من التكذيب، والإثم. * * - ثم قال تعالى: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾. أي: الذي يقوم لهم مقام البشرى، عذاب أليم أي: موجع. والبشارة تكون بالخير والشر. فإذا أفردت كانت خيراً. يقال: بشّرته وبشَرته خفيفاً. وقيل: إن البشارة لا تكون إلا للخير فإن وقعت للشرّ فهو مجاز، على معنى: الذي يقوم مقام البشارة كذا وكذا. * * - ثم قال تعالى: ﴿إِلاَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾. أي: إلا الذين تابوا منهم وصدقوا بكتاب الله ورسوله وعملوا الأعمال الصالحة لهم عند الله ثواب غير منقوص. قال ابن عباس: ﴿غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾، أي: "غير منقوص". وقال مجاهد: "غير محسوب". وقيل: معناه: لهم أجر لا يُمَنّ عليهم به فيكدر.

الانشقاق 84:22

قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَٰبَهُ وَرَآءَ ظَهْرِهِ﴾، إلى آخر السورة. (أي): وأما من أعطي كتاب عمله وراء ظهره. وذلك أن تغلّ يده اليمنى إلى عنقه وتجعل الشمال من يديه وراء ظهره فيتناول كتابه بشماله من وراء ظهره. فلذلك وصفهم أنهم يُؤتُون كتابهم بشمالهم وأنهم يُؤتونها من وراء ظهورهم. قال مجاهد: "تجعل يده من وراء ظهره". روي أنه يعني به الأسود بن عبد الأسد أخا أبي سلمة هو أول من يأخذ كتابه بشماله. روي أنه يمد يده ليأخذه بيمينه [فيجتذبه] ملك فيخلع يده فيأخذه بشماله من وراء ظهره. ثم هي عامة في أمثالهما. * * - ثم قال تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَدْعُواْ ثُبُوراً﴾. أي: ينادي بالهلاك (ويقول) (وا) ثبوراه، و "ياويلاه". تقول العرب دعا فلان لَهفَه: إذا قال والهَفَاهُ. قال الضحاك: ﴿يَدْعُواْ ثُبُوراً﴾، أي: "يدعوا بالهلاك". * * - ثم قال تعالى: ﴿وَيَصْلَىٰ سَعِيراً﴾. من شدده فمعناه [ويصليهم] الله النار تصلية بعد تصلية [وإنضاجة بعد إنضاجة] كما قال: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَٰهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا﴾ [النساء: ٥٦]. ومن خفف، فمعناه أنهم يصلونها ويَرِدُونها [فيحترقون] فيها. * * - ثم قال تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ فِيۤ أَهْلِهِ مَسْرُوراً﴾. أي: إنه كان في الدنيا مسرورا بما هو فيه من خلافه أمرَ الله وكفره به. * * - ثم قال تعالى: ﴿إِنَّهُ ظَنَّ أَن لَّن (يَحُورَ * بَلَىٰ)﴾ (أي): إنه ظن [أنه] لن يرجع بعد الموت ولا يبعث، فركب المعاصي وتمادى على الكفر إذ يرجو ثواباً ولا يخاف عقاباً. * * - ثم قال: ﴿بَلَىٰ﴾ أي: بلى يبعث ويرجع إلى ربه [ويجازى] على عمله. * * ﴿إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيراً﴾. أي: إن ربه لم يزل بصيراً بما يأتي من أعماله قبل خلقه إياه وبعد خلقه. يقال: حار فلان عن كذا، أي: رجع عنه ومنه الحديث أن النبي ﷺ كَانَ يَقُول فِي دُعائِهِ: "الّلهم إنّي أَعُوذّ بِكَ مِن الحَوْرِ بَعدَ الكَونِ "(أي): من الرجوع إلى الكفر بعد الإيمان. وقيل: معناه: من النقصان بعد الزيادة. * * - ثم قال: ﴿فَلاَ أُقْسِمُ بِٱلشَّفَقِ﴾. لا زائدة مؤكدة. والمعنى فأقسم برب الشفق. والشفق الحمرة في الأفق من ناحية المغرب من الشمس بعد غروب الشمس. وقال مجاهد: "الشفق: النهار كله". وقيل: الشفق اسم للحمرة والبياض اللذين يكونان في السماء بعد غروب الشمس، وهو من الأضداد. والشفق الذي تَحلّ بزواله صلاة العَتَمَةِ هو الحُمرةُ عند أكثر العلماء، وهو اختيار الطبري. والعرب تقول: ثَوبٌ مُشفّقٌ: إذا (كان مصبوغاً) بحُمرةٍ. ثم عطف على القسم فقال: * * ﴿وَٱللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ﴾. أكثر المفسرين على أن معنى ﴿وَمَا وَسَقَ﴾: وما جَمَعَ وما آوى وما ستر. ومنه [يقال]: طعام مسوق: وهو المجموع في غرائر أو وعاء. ومنه الوَسْقُ وهو الطعام المجتمع الكثير مما يُكَالُ أو يوزن. ويقال: هو ستون صاعاً، وبه (جاء الأثر) عن النبي ﷺ. وعن مجاهد: ﴿وَمَا وَسَقَ﴾ "وَمَا لفّ". وعنه: "وَمَا جمع...". وعنه: "وما أظلم عليه، وما دخل فيه". وقال عكرمة: (وما وسق) "وما [ساق] من ظلمة". وهو قول الضحاك: * * - ثم قال تعالى: ﴿وَٱلْقَمَرِ إِذَا ٱتَّسَقَ﴾. قال ابن عباس: ﴿ٱتَّسَقَ﴾: استوى واجتمع. وقاله عكرمة. وقال الحسن: ﴿إِذَا ٱتَّسَقَ﴾ إذا اجتمع وامتلأ. وقال ابن جبير: ﴿إِذَا ٱتَّسَقَ﴾ ذلك لثلاث عشرة. وقال قتادة: ﴿إِذَا ٱتَّسَقَ﴾. إذا استدار. * * - ثم قال تعالى: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَن طَبقٍ﴾. هذا جواب القسم. والمعنى - على قراءة من ضم الباء - ﴿لَتَرْكَبُنَّ﴾ أيها الناس حالاً بعد حال. والإنسان المتقدم ذكره بمعنى الناس، لأنه اسم للجنس، فعليه يعود الضمير في ﴿لَتَرْكَبُنَّ﴾ لأنه قد تقدم ذكرهم في قوله: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَـٰبَهُ بِيَمِينِهِ﴾ وشماله، وتأخر أيضاً ذكره في قوله: ﴿فَمَا لَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ﴾، فلا يصرف الخبر عنهم في ﴿لَتَرْكَبُنَّ﴾ إلى غيرهم إلا بدليل. وقال ابن زيد: معناه ﴿لَتَرْكَبُنَّ﴾ أيها الناس الآخرة بعد الأولى. فأما من فتح الباء، فإنه جعله مصروفاً إلى نبينا محمد ﷺ. والمعنى: لتركبنّ - يا محمد - سماء بعد سماء، وهو قول الحسن وأبي العالية والشعبي. وقيل: التقدير لتركبَن - يا محمد - الأمور بتغيرها حالاً بعد حال. [وقيل: المعنى لَتَركبنّ الأمور حالاً بعد حال فتكون الأمورُ فاعلة، [والتاء لتأنيث] الجمع. وهو قول مجاهد]. وقيل: المعنى: لتركبنّ السماء في تشققها وتلونها حالاً بعد [حال]، فيكون الفعل للسماء. وهو قول ابن مسعود. وقال: مرة كالدهان ومرة تشقق. وكان ابن عباس يقرأ بفتح الباء (ويقول: يعني نبيّكم ﷺ يقول: حالاً بعد حال. وقال ابن زيد: معنى ذلك: لتركبَنّ يا محمد الآخرة بعد الأولى. وقيل: القراءة بفتح الباء) على مخاطبة الإنسان على اللفظ، أي: لتركبنّ أيها الإنسان حالاً بعد حال، من مرض وصحة وشباب وهرم. وقيل: ذلك في يوم القيامة. فتكون على هذا القراءتان [ترجعان] إلى معنى، إلا أن إحداهما حملت على المعنى فأتت بلفظ الجمع، والأخرى حملت على اللفظ فجاءت بلفظ التوحيد. وحكى الفراء أنه يقال: وقع في بنات طبق، إذا وقع في أمر شديد. ويقال: مضى طبق من الناس ومضت طبقة وجاءت طبقة. سُمّوا طبقاً لأنهم يطبقون الأرض. وقد روي عن بعضهم [أنه] قرأ بالياء وضم الباء على الإخبار عن الناس أنهم سَيَرْكبونَ حالاً بعد حال من الشدائد والأهوال. * * - ثم قال تعالى: ﴿فَمَا لَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ * وَإِذَا قُرِىءَ عَلَيْهِمُ ٱلْقُرْآنُ لاَ يَسْجُدُونَ﴾. أي: فما لهؤلاء المشركين لا يصدقون بالبعث بعد الموت؟! وقد أقسم لهم ربهم أنهم راكبون حالاً بعد حال من شدائد القيامة وأهوالها. ﴿وَإِذَا قُرِىءَ عَلَيْهِمُ ٱلْقُرْآنُ لاَ يَسْجُدُونَ﴾: لا يخضعون ولا يستكينون. * * - ثم قال تعالى: ﴿بَلِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يُكَذِّبُونَ﴾. أي: يكذّبون بآيات (الله)، فلذلك ينكرون البعث. * * - ﴿وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ﴾. أي: والله أعلم بما توعيه قلوب هؤلاء المشركين من التكذيب بآيات الله. وقال مجاهد: ﴿بِمَا يُوعُونَ﴾ بما يكتمون في صدورهم. قال الرياشي: يقال أوعى الشيء: إذا كتمه. وحكى أهل اللغة: أوعيت المتاع في الوعاء، أي: جمعته. فالمعنى على هذا: والله أعلم بما يجمعون في صدورهم من التكذيب، والإثم. * * - ثم قال تعالى: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾. أي: الذي يقوم لهم مقام البشرى، عذاب أليم أي: موجع. والبشارة تكون بالخير والشر. فإذا أفردت كانت خيراً. يقال: بشّرته وبشَرته خفيفاً. وقيل: إن البشارة لا تكون إلا للخير فإن وقعت للشرّ فهو مجاز، على معنى: الذي يقوم مقام البشارة كذا وكذا. * * - ثم قال تعالى: ﴿إِلاَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾. أي: إلا الذين تابوا منهم وصدقوا بكتاب الله ورسوله وعملوا الأعمال الصالحة لهم عند الله ثواب غير منقوص. قال ابن عباس: ﴿غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾، أي: "غير منقوص". وقال مجاهد: "غير محسوب". وقيل: معناه: لهم أجر لا يُمَنّ عليهم به فيكدر.

الانشقاق 84:23

قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَٰبَهُ وَرَآءَ ظَهْرِهِ﴾، إلى آخر السورة. (أي): وأما من أعطي كتاب عمله وراء ظهره. وذلك أن تغلّ يده اليمنى إلى عنقه وتجعل الشمال من يديه وراء ظهره فيتناول كتابه بشماله من وراء ظهره. فلذلك وصفهم أنهم يُؤتُون كتابهم بشمالهم وأنهم يُؤتونها من وراء ظهورهم. قال مجاهد: "تجعل يده من وراء ظهره". روي أنه يعني به الأسود بن عبد الأسد أخا أبي سلمة هو أول من يأخذ كتابه بشماله. روي أنه يمد يده ليأخذه بيمينه [فيجتذبه] ملك فيخلع يده فيأخذه بشماله من وراء ظهره. ثم هي عامة في أمثالهما. * * - ثم قال تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَدْعُواْ ثُبُوراً﴾. أي: ينادي بالهلاك (ويقول) (وا) ثبوراه، و "ياويلاه". تقول العرب دعا فلان لَهفَه: إذا قال والهَفَاهُ. قال الضحاك: ﴿يَدْعُواْ ثُبُوراً﴾، أي: "يدعوا بالهلاك". * * - ثم قال تعالى: ﴿وَيَصْلَىٰ سَعِيراً﴾. من شدده فمعناه [ويصليهم] الله النار تصلية بعد تصلية [وإنضاجة بعد إنضاجة] كما قال: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَٰهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا﴾ [النساء: ٥٦]. ومن خفف، فمعناه أنهم يصلونها ويَرِدُونها [فيحترقون] فيها. * * - ثم قال تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ فِيۤ أَهْلِهِ مَسْرُوراً﴾. أي: إنه كان في الدنيا مسرورا بما هو فيه من خلافه أمرَ الله وكفره به. * * - ثم قال تعالى: ﴿إِنَّهُ ظَنَّ أَن لَّن (يَحُورَ * بَلَىٰ)﴾ (أي): إنه ظن [أنه] لن يرجع بعد الموت ولا يبعث، فركب المعاصي وتمادى على الكفر إذ يرجو ثواباً ولا يخاف عقاباً. * * - ثم قال: ﴿بَلَىٰ﴾ أي: بلى يبعث ويرجع إلى ربه [ويجازى] على عمله. * * ﴿إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيراً﴾. أي: إن ربه لم يزل بصيراً بما يأتي من أعماله قبل خلقه إياه وبعد خلقه. يقال: حار فلان عن كذا، أي: رجع عنه ومنه الحديث أن النبي ﷺ كَانَ يَقُول فِي دُعائِهِ: "الّلهم إنّي أَعُوذّ بِكَ مِن الحَوْرِ بَعدَ الكَونِ "(أي): من الرجوع إلى الكفر بعد الإيمان. وقيل: معناه: من النقصان بعد الزيادة. * * - ثم قال: ﴿فَلاَ أُقْسِمُ بِٱلشَّفَقِ﴾. لا زائدة مؤكدة. والمعنى فأقسم برب الشفق. والشفق الحمرة في الأفق من ناحية المغرب من الشمس بعد غروب الشمس. وقال مجاهد: "الشفق: النهار كله". وقيل: الشفق اسم للحمرة والبياض اللذين يكونان في السماء بعد غروب الشمس، وهو من الأضداد. والشفق الذي تَحلّ بزواله صلاة العَتَمَةِ هو الحُمرةُ عند أكثر العلماء، وهو اختيار الطبري. والعرب تقول: ثَوبٌ مُشفّقٌ: إذا (كان مصبوغاً) بحُمرةٍ. ثم عطف على القسم فقال: * * ﴿وَٱللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ﴾. أكثر المفسرين على أن معنى ﴿وَمَا وَسَقَ﴾: وما جَمَعَ وما آوى وما ستر. ومنه [يقال]: طعام مسوق: وهو المجموع في غرائر أو وعاء. ومنه الوَسْقُ وهو الطعام المجتمع الكثير مما يُكَالُ أو يوزن. ويقال: هو ستون صاعاً، وبه (جاء الأثر) عن النبي ﷺ. وعن مجاهد: ﴿وَمَا وَسَقَ﴾ "وَمَا لفّ". وعنه: "وَمَا جمع...". وعنه: "وما أظلم عليه، وما دخل فيه". وقال عكرمة: (وما وسق) "وما [ساق] من ظلمة". وهو قول الضحاك: * * - ثم قال تعالى: ﴿وَٱلْقَمَرِ إِذَا ٱتَّسَقَ﴾. قال ابن عباس: ﴿ٱتَّسَقَ﴾: استوى واجتمع. وقاله عكرمة. وقال الحسن: ﴿إِذَا ٱتَّسَقَ﴾ إذا اجتمع وامتلأ. وقال ابن جبير: ﴿إِذَا ٱتَّسَقَ﴾ ذلك لثلاث عشرة. وقال قتادة: ﴿إِذَا ٱتَّسَقَ﴾. إذا استدار. * * - ثم قال تعالى: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَن طَبقٍ﴾. هذا جواب القسم. والمعنى - على قراءة من ضم الباء - ﴿لَتَرْكَبُنَّ﴾ أيها الناس حالاً بعد حال. والإنسان المتقدم ذكره بمعنى الناس، لأنه اسم للجنس، فعليه يعود الضمير في ﴿لَتَرْكَبُنَّ﴾ لأنه قد تقدم ذكرهم في قوله: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَـٰبَهُ بِيَمِينِهِ﴾ وشماله، وتأخر أيضاً ذكره في قوله: ﴿فَمَا لَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ﴾، فلا يصرف الخبر عنهم في ﴿لَتَرْكَبُنَّ﴾ إلى غيرهم إلا بدليل. وقال ابن زيد: معناه ﴿لَتَرْكَبُنَّ﴾ أيها الناس الآخرة بعد الأولى. فأما من فتح الباء، فإنه جعله مصروفاً إلى نبينا محمد ﷺ. والمعنى: لتركبنّ - يا محمد - سماء بعد سماء، وهو قول الحسن وأبي العالية والشعبي. وقيل: التقدير لتركبَن - يا محمد - الأمور بتغيرها حالاً بعد حال. [وقيل: المعنى لَتَركبنّ الأمور حالاً بعد حال فتكون الأمورُ فاعلة، [والتاء لتأنيث] الجمع. وهو قول مجاهد]. وقيل: المعنى: لتركبنّ السماء في تشققها وتلونها حالاً بعد [حال]، فيكون الفعل للسماء. وهو قول ابن مسعود. وقال: مرة كالدهان ومرة تشقق. وكان ابن عباس يقرأ بفتح الباء (ويقول: يعني نبيّكم ﷺ يقول: حالاً بعد حال. وقال ابن زيد: معنى ذلك: لتركبَنّ يا محمد الآخرة بعد الأولى. وقيل: القراءة بفتح الباء) على مخاطبة الإنسان على اللفظ، أي: لتركبنّ أيها الإنسان حالاً بعد حال، من مرض وصحة وشباب وهرم. وقيل: ذلك في يوم القيامة. فتكون على هذا القراءتان [ترجعان] إلى معنى، إلا أن إحداهما حملت على المعنى فأتت بلفظ الجمع، والأخرى حملت على اللفظ فجاءت بلفظ التوحيد. وحكى الفراء أنه يقال: وقع في بنات طبق، إذا وقع في أمر شديد. ويقال: مضى طبق من الناس ومضت طبقة وجاءت طبقة. سُمّوا طبقاً لأنهم يطبقون الأرض. وقد روي عن بعضهم [أنه] قرأ بالياء وضم الباء على الإخبار عن الناس أنهم سَيَرْكبونَ حالاً بعد حال من الشدائد والأهوال. * * - ثم قال تعالى: ﴿فَمَا لَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ * وَإِذَا قُرِىءَ عَلَيْهِمُ ٱلْقُرْآنُ لاَ يَسْجُدُونَ﴾. أي: فما لهؤلاء المشركين لا يصدقون بالبعث بعد الموت؟! وقد أقسم لهم ربهم أنهم راكبون حالاً بعد حال من شدائد القيامة وأهوالها. ﴿وَإِذَا قُرِىءَ عَلَيْهِمُ ٱلْقُرْآنُ لاَ يَسْجُدُونَ﴾: لا يخضعون ولا يستكينون. * * - ثم قال تعالى: ﴿بَلِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يُكَذِّبُونَ﴾. أي: يكذّبون بآيات (الله)، فلذلك ينكرون البعث. * * - ﴿وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ﴾. أي: والله أعلم بما توعيه قلوب هؤلاء المشركين من التكذيب بآيات الله. وقال مجاهد: ﴿بِمَا يُوعُونَ﴾ بما يكتمون في صدورهم. قال الرياشي: يقال أوعى الشيء: إذا كتمه. وحكى أهل اللغة: أوعيت المتاع في الوعاء، أي: جمعته. فالمعنى على هذا: والله أعلم بما يجمعون في صدورهم من التكذيب، والإثم. * * - ثم قال تعالى: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾. أي: الذي يقوم لهم مقام البشرى، عذاب أليم أي: موجع. والبشارة تكون بالخير والشر. فإذا أفردت كانت خيراً. يقال: بشّرته وبشَرته خفيفاً. وقيل: إن البشارة لا تكون إلا للخير فإن وقعت للشرّ فهو مجاز، على معنى: الذي يقوم مقام البشارة كذا وكذا. * * - ثم قال تعالى: ﴿إِلاَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾. أي: إلا الذين تابوا منهم وصدقوا بكتاب الله ورسوله وعملوا الأعمال الصالحة لهم عند الله ثواب غير منقوص. قال ابن عباس: ﴿غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾، أي: "غير منقوص". وقال مجاهد: "غير محسوب". وقيل: معناه: لهم أجر لا يُمَنّ عليهم به فيكدر.

الانشقاق 84:24

قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَٰبَهُ وَرَآءَ ظَهْرِهِ﴾، إلى آخر السورة. (أي): وأما من أعطي كتاب عمله وراء ظهره. وذلك أن تغلّ يده اليمنى إلى عنقه وتجعل الشمال من يديه وراء ظهره فيتناول كتابه بشماله من وراء ظهره. فلذلك وصفهم أنهم يُؤتُون كتابهم بشمالهم وأنهم يُؤتونها من وراء ظهورهم. قال مجاهد: "تجعل يده من وراء ظهره". روي أنه يعني به الأسود بن عبد الأسد أخا أبي سلمة هو أول من يأخذ كتابه بشماله. روي أنه يمد يده ليأخذه بيمينه [فيجتذبه] ملك فيخلع يده فيأخذه بشماله من وراء ظهره. ثم هي عامة في أمثالهما. * * - ثم قال تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَدْعُواْ ثُبُوراً﴾. أي: ينادي بالهلاك (ويقول) (وا) ثبوراه، و "ياويلاه". تقول العرب دعا فلان لَهفَه: إذا قال والهَفَاهُ. قال الضحاك: ﴿يَدْعُواْ ثُبُوراً﴾، أي: "يدعوا بالهلاك". * * - ثم قال تعالى: ﴿وَيَصْلَىٰ سَعِيراً﴾. من شدده فمعناه [ويصليهم] الله النار تصلية بعد تصلية [وإنضاجة بعد إنضاجة] كما قال: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَٰهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا﴾ [النساء: ٥٦]. ومن خفف، فمعناه أنهم يصلونها ويَرِدُونها [فيحترقون] فيها. * * - ثم قال تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ فِيۤ أَهْلِهِ مَسْرُوراً﴾. أي: إنه كان في الدنيا مسرورا بما هو فيه من خلافه أمرَ الله وكفره به. * * - ثم قال تعالى: ﴿إِنَّهُ ظَنَّ أَن لَّن (يَحُورَ * بَلَىٰ)﴾ (أي): إنه ظن [أنه] لن يرجع بعد الموت ولا يبعث، فركب المعاصي وتمادى على الكفر إذ يرجو ثواباً ولا يخاف عقاباً. * * - ثم قال: ﴿بَلَىٰ﴾ أي: بلى يبعث ويرجع إلى ربه [ويجازى] على عمله. * * ﴿إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيراً﴾. أي: إن ربه لم يزل بصيراً بما يأتي من أعماله قبل خلقه إياه وبعد خلقه. يقال: حار فلان عن كذا، أي: رجع عنه ومنه الحديث أن النبي ﷺ كَانَ يَقُول فِي دُعائِهِ: "الّلهم إنّي أَعُوذّ بِكَ مِن الحَوْرِ بَعدَ الكَونِ "(أي): من الرجوع إلى الكفر بعد الإيمان. وقيل: معناه: من النقصان بعد الزيادة. * * - ثم قال: ﴿فَلاَ أُقْسِمُ بِٱلشَّفَقِ﴾. لا زائدة مؤكدة. والمعنى فأقسم برب الشفق. والشفق الحمرة في الأفق من ناحية المغرب من الشمس بعد غروب الشمس. وقال مجاهد: "الشفق: النهار كله". وقيل: الشفق اسم للحمرة والبياض اللذين يكونان في السماء بعد غروب الشمس، وهو من الأضداد. والشفق الذي تَحلّ بزواله صلاة العَتَمَةِ هو الحُمرةُ عند أكثر العلماء، وهو اختيار الطبري. والعرب تقول: ثَوبٌ مُشفّقٌ: إذا (كان مصبوغاً) بحُمرةٍ. ثم عطف على القسم فقال: * * ﴿وَٱللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ﴾. أكثر المفسرين على أن معنى ﴿وَمَا وَسَقَ﴾: وما جَمَعَ وما آوى وما ستر. ومنه [يقال]: طعام مسوق: وهو المجموع في غرائر أو وعاء. ومنه الوَسْقُ وهو الطعام المجتمع الكثير مما يُكَالُ أو يوزن. ويقال: هو ستون صاعاً، وبه (جاء الأثر) عن النبي ﷺ. وعن مجاهد: ﴿وَمَا وَسَقَ﴾ "وَمَا لفّ". وعنه: "وَمَا جمع...". وعنه: "وما أظلم عليه، وما دخل فيه". وقال عكرمة: (وما وسق) "وما [ساق] من ظلمة". وهو قول الضحاك: * * - ثم قال تعالى: ﴿وَٱلْقَمَرِ إِذَا ٱتَّسَقَ﴾. قال ابن عباس: ﴿ٱتَّسَقَ﴾: استوى واجتمع. وقاله عكرمة. وقال الحسن: ﴿إِذَا ٱتَّسَقَ﴾ إذا اجتمع وامتلأ. وقال ابن جبير: ﴿إِذَا ٱتَّسَقَ﴾ ذلك لثلاث عشرة. وقال قتادة: ﴿إِذَا ٱتَّسَقَ﴾. إذا استدار. * * - ثم قال تعالى: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَن طَبقٍ﴾. هذا جواب القسم. والمعنى - على قراءة من ضم الباء - ﴿لَتَرْكَبُنَّ﴾ أيها الناس حالاً بعد حال. والإنسان المتقدم ذكره بمعنى الناس، لأنه اسم للجنس، فعليه يعود الضمير في ﴿لَتَرْكَبُنَّ﴾ لأنه قد تقدم ذكرهم في قوله: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَـٰبَهُ بِيَمِينِهِ﴾ وشماله، وتأخر أيضاً ذكره في قوله: ﴿فَمَا لَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ﴾، فلا يصرف الخبر عنهم في ﴿لَتَرْكَبُنَّ﴾ إلى غيرهم إلا بدليل. وقال ابن زيد: معناه ﴿لَتَرْكَبُنَّ﴾ أيها الناس الآخرة بعد الأولى. فأما من فتح الباء، فإنه جعله مصروفاً إلى نبينا محمد ﷺ. والمعنى: لتركبنّ - يا محمد - سماء بعد سماء، وهو قول الحسن وأبي العالية والشعبي. وقيل: التقدير لتركبَن - يا محمد - الأمور بتغيرها حالاً بعد حال. [وقيل: المعنى لَتَركبنّ الأمور حالاً بعد حال فتكون الأمورُ فاعلة، [والتاء لتأنيث] الجمع. وهو قول مجاهد]. وقيل: المعنى: لتركبنّ السماء في تشققها وتلونها حالاً بعد [حال]، فيكون الفعل للسماء. وهو قول ابن مسعود. وقال: مرة كالدهان ومرة تشقق. وكان ابن عباس يقرأ بفتح الباء (ويقول: يعني نبيّكم ﷺ يقول: حالاً بعد حال. وقال ابن زيد: معنى ذلك: لتركبَنّ يا محمد الآخرة بعد الأولى. وقيل: القراءة بفتح الباء) على مخاطبة الإنسان على اللفظ، أي: لتركبنّ أيها الإنسان حالاً بعد حال، من مرض وصحة وشباب وهرم. وقيل: ذلك في يوم القيامة. فتكون على هذا القراءتان [ترجعان] إلى معنى، إلا أن إحداهما حملت على المعنى فأتت بلفظ الجمع، والأخرى حملت على اللفظ فجاءت بلفظ التوحيد. وحكى الفراء أنه يقال: وقع في بنات طبق، إذا وقع في أمر شديد. ويقال: مضى طبق من الناس ومضت طبقة وجاءت طبقة. سُمّوا طبقاً لأنهم يطبقون الأرض. وقد روي عن بعضهم [أنه] قرأ بالياء وضم الباء على الإخبار عن الناس أنهم سَيَرْكبونَ حالاً بعد حال من الشدائد والأهوال. * * - ثم قال تعالى: ﴿فَمَا لَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ * وَإِذَا قُرِىءَ عَلَيْهِمُ ٱلْقُرْآنُ لاَ يَسْجُدُونَ﴾. أي: فما لهؤلاء المشركين لا يصدقون بالبعث بعد الموت؟! وقد أقسم لهم ربهم أنهم راكبون حالاً بعد حال من شدائد القيامة وأهوالها. ﴿وَإِذَا قُرِىءَ عَلَيْهِمُ ٱلْقُرْآنُ لاَ يَسْجُدُونَ﴾: لا يخضعون ولا يستكينون. * * - ثم قال تعالى: ﴿بَلِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يُكَذِّبُونَ﴾. أي: يكذّبون بآيات (الله)، فلذلك ينكرون البعث. * * - ﴿وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ﴾. أي: والله أعلم بما توعيه قلوب هؤلاء المشركين من التكذيب بآيات الله. وقال مجاهد: ﴿بِمَا يُوعُونَ﴾ بما يكتمون في صدورهم. قال الرياشي: يقال أوعى الشيء: إذا كتمه. وحكى أهل اللغة: أوعيت المتاع في الوعاء، أي: جمعته. فالمعنى على هذا: والله أعلم بما يجمعون في صدورهم من التكذيب، والإثم. * * - ثم قال تعالى: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾. أي: الذي يقوم لهم مقام البشرى، عذاب أليم أي: موجع. والبشارة تكون بالخير والشر. فإذا أفردت كانت خيراً. يقال: بشّرته وبشَرته خفيفاً. وقيل: إن البشارة لا تكون إلا للخير فإن وقعت للشرّ فهو مجاز، على معنى: الذي يقوم مقام البشارة كذا وكذا. * * - ثم قال تعالى: ﴿إِلاَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾. أي: إلا الذين تابوا منهم وصدقوا بكتاب الله ورسوله وعملوا الأعمال الصالحة لهم عند الله ثواب غير منقوص. قال ابن عباس: ﴿غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾، أي: "غير منقوص". وقال مجاهد: "غير محسوب". وقيل: معناه: لهم أجر لا يُمَنّ عليهم به فيكدر.

الانشقاق 84:25

قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَٰبَهُ وَرَآءَ ظَهْرِهِ﴾، إلى آخر السورة. (أي): وأما من أعطي كتاب عمله وراء ظهره. وذلك أن تغلّ يده اليمنى إلى عنقه وتجعل الشمال من يديه وراء ظهره فيتناول كتابه بشماله من وراء ظهره. فلذلك وصفهم أنهم يُؤتُون كتابهم بشمالهم وأنهم يُؤتونها من وراء ظهورهم. قال مجاهد: "تجعل يده من وراء ظهره". روي أنه يعني به الأسود بن عبد الأسد أخا أبي سلمة هو أول من يأخذ كتابه بشماله. روي أنه يمد يده ليأخذه بيمينه [فيجتذبه] ملك فيخلع يده فيأخذه بشماله من وراء ظهره. ثم هي عامة في أمثالهما. * * - ثم قال تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَدْعُواْ ثُبُوراً﴾. أي: ينادي بالهلاك (ويقول) (وا) ثبوراه، و "ياويلاه". تقول العرب دعا فلان لَهفَه: إذا قال والهَفَاهُ. قال الضحاك: ﴿يَدْعُواْ ثُبُوراً﴾، أي: "يدعوا بالهلاك". * * - ثم قال تعالى: ﴿وَيَصْلَىٰ سَعِيراً﴾. من شدده فمعناه [ويصليهم] الله النار تصلية بعد تصلية [وإنضاجة بعد إنضاجة] كما قال: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَٰهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا﴾ [النساء: ٥٦]. ومن خفف، فمعناه أنهم يصلونها ويَرِدُونها [فيحترقون] فيها. * * - ثم قال تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ فِيۤ أَهْلِهِ مَسْرُوراً﴾. أي: إنه كان في الدنيا مسرورا بما هو فيه من خلافه أمرَ الله وكفره به. * * - ثم قال تعالى: ﴿إِنَّهُ ظَنَّ أَن لَّن (يَحُورَ * بَلَىٰ)﴾ (أي): إنه ظن [أنه] لن يرجع بعد الموت ولا يبعث، فركب المعاصي وتمادى على الكفر إذ يرجو ثواباً ولا يخاف عقاباً. * * - ثم قال: ﴿بَلَىٰ﴾ أي: بلى يبعث ويرجع إلى ربه [ويجازى] على عمله. * * ﴿إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيراً﴾. أي: إن ربه لم يزل بصيراً بما يأتي من أعماله قبل خلقه إياه وبعد خلقه. يقال: حار فلان عن كذا، أي: رجع عنه ومنه الحديث أن النبي ﷺ كَانَ يَقُول فِي دُعائِهِ: "الّلهم إنّي أَعُوذّ بِكَ مِن الحَوْرِ بَعدَ الكَونِ "(أي): من الرجوع إلى الكفر بعد الإيمان. وقيل: معناه: من النقصان بعد الزيادة. * * - ثم قال: ﴿فَلاَ أُقْسِمُ بِٱلشَّفَقِ﴾. لا زائدة مؤكدة. والمعنى فأقسم برب الشفق. والشفق الحمرة في الأفق من ناحية المغرب من الشمس بعد غروب الشمس. وقال مجاهد: "الشفق: النهار كله". وقيل: الشفق اسم للحمرة والبياض اللذين يكونان في السماء بعد غروب الشمس، وهو من الأضداد. والشفق الذي تَحلّ بزواله صلاة العَتَمَةِ هو الحُمرةُ عند أكثر العلماء، وهو اختيار الطبري. والعرب تقول: ثَوبٌ مُشفّقٌ: إذا (كان مصبوغاً) بحُمرةٍ. ثم عطف على القسم فقال: * * ﴿وَٱللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ﴾. أكثر المفسرين على أن معنى ﴿وَمَا وَسَقَ﴾: وما جَمَعَ وما آوى وما ستر. ومنه [يقال]: طعام مسوق: وهو المجموع في غرائر أو وعاء. ومنه الوَسْقُ وهو الطعام المجتمع الكثير مما يُكَالُ أو يوزن. ويقال: هو ستون صاعاً، وبه (جاء الأثر) عن النبي ﷺ. وعن مجاهد: ﴿وَمَا وَسَقَ﴾ "وَمَا لفّ". وعنه: "وَمَا جمع...". وعنه: "وما أظلم عليه، وما دخل فيه". وقال عكرمة: (وما وسق) "وما [ساق] من ظلمة". وهو قول الضحاك: * * - ثم قال تعالى: ﴿وَٱلْقَمَرِ إِذَا ٱتَّسَقَ﴾. قال ابن عباس: ﴿ٱتَّسَقَ﴾: استوى واجتمع. وقاله عكرمة. وقال الحسن: ﴿إِذَا ٱتَّسَقَ﴾ إذا اجتمع وامتلأ. وقال ابن جبير: ﴿إِذَا ٱتَّسَقَ﴾ ذلك لثلاث عشرة. وقال قتادة: ﴿إِذَا ٱتَّسَقَ﴾. إذا استدار. * * - ثم قال تعالى: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَن طَبقٍ﴾. هذا جواب القسم. والمعنى - على قراءة من ضم الباء - ﴿لَتَرْكَبُنَّ﴾ أيها الناس حالاً بعد حال. والإنسان المتقدم ذكره بمعنى الناس، لأنه اسم للجنس، فعليه يعود الضمير في ﴿لَتَرْكَبُنَّ﴾ لأنه قد تقدم ذكرهم في قوله: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَـٰبَهُ بِيَمِينِهِ﴾ وشماله، وتأخر أيضاً ذكره في قوله: ﴿فَمَا لَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ﴾، فلا يصرف الخبر عنهم في ﴿لَتَرْكَبُنَّ﴾ إلى غيرهم إلا بدليل. وقال ابن زيد: معناه ﴿لَتَرْكَبُنَّ﴾ أيها الناس الآخرة بعد الأولى. فأما من فتح الباء، فإنه جعله مصروفاً إلى نبينا محمد ﷺ. والمعنى: لتركبنّ - يا محمد - سماء بعد سماء، وهو قول الحسن وأبي العالية والشعبي. وقيل: التقدير لتركبَن - يا محمد - الأمور بتغيرها حالاً بعد حال. [وقيل: المعنى لَتَركبنّ الأمور حالاً بعد حال فتكون الأمورُ فاعلة، [والتاء لتأنيث] الجمع. وهو قول مجاهد]. وقيل: المعنى: لتركبنّ السماء في تشققها وتلونها حالاً بعد [حال]، فيكون الفعل للسماء. وهو قول ابن مسعود. وقال: مرة كالدهان ومرة تشقق. وكان ابن عباس يقرأ بفتح الباء (ويقول: يعني نبيّكم ﷺ يقول: حالاً بعد حال. وقال ابن زيد: معنى ذلك: لتركبَنّ يا محمد الآخرة بعد الأولى. وقيل: القراءة بفتح الباء) على مخاطبة الإنسان على اللفظ، أي: لتركبنّ أيها الإنسان حالاً بعد حال، من مرض وصحة وشباب وهرم. وقيل: ذلك في يوم القيامة. فتكون على هذا القراءتان [ترجعان] إلى معنى، إلا أن إحداهما حملت على المعنى فأتت بلفظ الجمع، والأخرى حملت على اللفظ فجاءت بلفظ التوحيد. وحكى الفراء أنه يقال: وقع في بنات طبق، إذا وقع في أمر شديد. ويقال: مضى طبق من الناس ومضت طبقة وجاءت طبقة. سُمّوا طبقاً لأنهم يطبقون الأرض. وقد روي عن بعضهم [أنه] قرأ بالياء وضم الباء على الإخبار عن الناس أنهم سَيَرْكبونَ حالاً بعد حال من الشدائد والأهوال. * * - ثم قال تعالى: ﴿فَمَا لَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ * وَإِذَا قُرِىءَ عَلَيْهِمُ ٱلْقُرْآنُ لاَ يَسْجُدُونَ﴾. أي: فما لهؤلاء المشركين لا يصدقون بالبعث بعد الموت؟! وقد أقسم لهم ربهم أنهم راكبون حالاً بعد حال من شدائد القيامة وأهوالها. ﴿وَإِذَا قُرِىءَ عَلَيْهِمُ ٱلْقُرْآنُ لاَ يَسْجُدُونَ﴾: لا يخضعون ولا يستكينون. * * - ثم قال تعالى: ﴿بَلِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يُكَذِّبُونَ﴾. أي: يكذّبون بآيات (الله)، فلذلك ينكرون البعث. * * - ﴿وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ﴾. أي: والله أعلم بما توعيه قلوب هؤلاء المشركين من التكذيب بآيات الله. وقال مجاهد: ﴿بِمَا يُوعُونَ﴾ بما يكتمون في صدورهم. قال الرياشي: يقال أوعى الشيء: إذا كتمه. وحكى أهل اللغة: أوعيت المتاع في الوعاء، أي: جمعته. فالمعنى على هذا: والله أعلم بما يجمعون في صدورهم من التكذيب، والإثم. * * - ثم قال تعالى: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾. أي: الذي يقوم لهم مقام البشرى، عذاب أليم أي: موجع. والبشارة تكون بالخير والشر. فإذا أفردت كانت خيراً. يقال: بشّرته وبشَرته خفيفاً. وقيل: إن البشارة لا تكون إلا للخير فإن وقعت للشرّ فهو مجاز، على معنى: الذي يقوم مقام البشارة كذا وكذا. * * - ثم قال تعالى: ﴿إِلاَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾. أي: إلا الذين تابوا منهم وصدقوا بكتاب الله ورسوله وعملوا الأعمال الصالحة لهم عند الله ثواب غير منقوص. قال ابن عباس: ﴿غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾، أي: "غير منقوص". وقال مجاهد: "غير محسوب". وقيل: معناه: لهم أجر لا يُمَنّ عليهم به فيكدر.

البروج 85:1

قوله تعالى: ﴿وَٱلسَّمَآءِ ذَاتِ ٱلْبُرُوجِ﴾ إلى آخرها. أي: ورب السماء ذات القصور. قاله ابن عباس. قال الضحاك: البروج "[يزعمون] أنها قصور في السماء، ويقال: هي الكواكب". قال مجاهد: "البروج: النجوم". وهو قول قتادة. وقيل: المعنى: ذات الرمل والماء. واختار الطبري أن يكون المعنى: ذات منازل الشمس والقمر، على قول مجاهد أن البروج - وهي اثنا عشر برجاً - يسير القمر في كل برج (منها يومين وثلثاً، فذلك ثمان وعشرون منزلة، ثم يستقر ليلتين وثلثاً، وتسير الشمس في كل برج) [شهراً]. وجواب القسم محذوف. وقيل: الجواب ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ ٱلأُخْدُودِ﴾ على تقدير حذف اللام، أي: لقتل أصحاب الأخدود. وقيل: الجواب: ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾ وهو قول قتادة. وقيل: الجواب: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ فَتَنُواْ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾. * * ثم قال تعالى: ﴿وَٱلْيَوْمِ ٱلْمَوْعُودِ﴾ يعني يوم القيامة، وعد الله به عباده لفصل القضاء بينهم روي ذلك عن النبي ﷺ وقاله علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأبو هريرة وقتادة وغيرهم. ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ﴾ قال أبو هريرة: "الشاهد يوم الجمعة، والمشهود: يوم عرفة". وقاله الحسن، وروي (ذلك) عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه وابن عباس، وقاله قتادة وابن المسيب وابن زيد. وعن ابن عباس أيضاً: أن الشاهد محمد ﷺ لقوله: ﴿وَجِئْنَا بِكَ عَلَىٰ هَـٰؤُلاۤءِ شَهِيداً﴾ [النساء: ٤١] والمشهود": يوم القيامة، لقوله تعالى: ﴿وَذَٰلِكَ يَوْمٌ مَّشْهُودٌ﴾ [هود: ١٠٣] أي: يشهده الأولون والآخرون لفصل القضاء بينهم. وهو قول عكرمة، وقاله الحسن بن علي أيضاً. وقال مجاهد: "الشاهد الإنسان، والمشهود: يوم القيامة". فالإنسان لا بد أن يشهد يوم القيامة، ويوم القيامة مشهود لبني آدم، فتكون الشهادة على هذا القول [بمعنى] الحضور. وقد روي مثل ذلك عن الضحاك. وعن عكرمة أيضاً و (عن) ابن عباس أن الشاهد: الله جل ذكره، لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ ٱللَّهُ شَهِيدٌ عَلَىٰ مَا يَفْعَلُونَ﴾ [يونس: ٤٦] والمشهود يوم القيامة لقوله تعالى: ﴿وَذَٰلِكَ يَوْمٌ مَّشْهُودٌ﴾ [هود: ١٠٣]. وقال إبراهيم: الشاهد يوم الأضحى والمشهود يوم عرفة. وعن ابن عباس أيضاً. رواه عنه مجاهد "أن الشاهد: يوم عرفة، والمشهود: يوم القيامة". وروى أبو الدرداء أن النبي ﷺ (قال): "أكثروا علي [الصلاة] يوم الجمعة، فإنه مشهود تشهده الملائكة". وقيل: الشاهد: محمد، والمشهود: الذين يشهد عليهم محمد ﷺ. * * ثم قال تعالى: ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ ٱلأُخْدُودِ * ٱلنَّارِ ذَاتِ ٱلْوَقُودِ﴾ أي: لعن أهلك أصحاب الأخدود، أخبرنا الله جل ذكره أنه أهلكهم ولعنهم. ذكر علي بن أبي طالب رضي الله عنه: أنهم كانوا أهل كتاب، وكانت الخمر أُحِلَّتْ لهم، فشربها ملك من ملوكهم حتى [ثَمِلَ]، فتناول أخته، [زاد عبد بن حميد: أو ابنته، وذكر القصة، وفيها: فإذا ذهب هذا في الناس بأسره خطبتهم فحرمته عليهم]، فوقع عليها، فلما زال عنه السكر ندم، فقال: لأخته: ويحك، ما المخرج مما ابتليت به؟ فقالت: اخطب الناس فقل: يا أيها الناس، [إن الله] قد أحل نكاح الأخوات. ففعل، [فتبرأ] الناس منه ومن قوله، وقالوا: ما جاءنا به نبي ولا وجدناه في كتاب! فرجع إلى أخته نادماً فقال لها: ويحك! إن الناس قد أبوا علي أن يقروا بذلك، فقالت: [ابسط] عليهم السياط، ففعل، فأبوا أن [يقروا] له، فرجع إليها فقالت: (اخطبهم، فإن أبوا فجرد فيهم السيف، ففعل فأبوا)، فرجع إليها فقالت: خُدَّ لهم الأخدود، ثم اعرض عليها أهل مملكتك، فمن أقر وإلا فاقذفه في النار. ففعل، فمن لم يُقِرُّوا [له] بتحليل الأخوات قذفه في النار، فلم يزالوا من ذلك الوقت يستحلون الأخوات والبنات والأمهات. وبقايا [أصحاب] الأخدود الآن مجوس يعبدون النار. ولذلك، قال بعض العلماء فيهم [أن يسن فيهم] سنة أهل الكتاب. * * وقوله: ﴿ٱلنَّارِ﴾ خفض على البدل من الأخدود، وهو بدل الاشتمال. وقيل: هو خفض على الجوار، وذلك بعيد. وفيه تقديران إذا جعلته بدلاً. أحدهما: أن التقدير: النار ذات الوقود نارها. والآخر: النار التي فيها. والأخدود: حفير [مستطيل] كالخندق. يروى أنه كان بموضع يقال له [نجران]، أحرق فيه قوم مؤمنون، أحرقهم ملك من ملوك حمير مشرك، وكان ذلك قبل مولد النبي ﷺ بسبعين سنة. وروى قتادة أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: هم ناس كانوا بمدارع اليمن اقتتل مؤمنوها وكافروها، فظهر مؤمنوها على [كافريها]، ثم اقتتلوا الثانية فظهر كافروها على مؤمنيها، ثم أخذ بعضهم على بعض عهوداً ومواثيق ألا يغدر بعضهم (بعضا)، فغدر بهم الكفار فأخذوهم أَخْذاً، ثم إن رجلاً من المؤمنين قال لهم: هل لكم إلى خير؟ توقدون [ناراً]، (ثم) تعرضوننا عليها، فمن تابعكم على دينكم فذلك الذي تشتهون، ومن لا، اقتحم النار [فاسترحتم] منه. قال: [فأججوا] ناراً، وعرضوا عليها، فجعلوا يقتحمونها ضناً بدينهم حتى بقيت عجوز منهم كأنها تلكأت، فقال لها طفل في حجرها: يا أمه، امضي ولا تنافقي، فقص الله جل ذكره نبأهم وخبرهم. وقال ابن عباس: هم ناس من بني إسرائيل، خدُّواً أخدوداً في الأرض ثم أوقدوا فيه ناراً ثم أقاموا على ذلك الأخدود رجالاً ونساء ثم عرضوا عليها، وزعموا أنه دانيال وأصحابه وكذلك قال الضحاك، إلا أنه قال: فقالوا للرجال والنساء: تكفرون أو نقذفكم في النار (قال). [ويزعمون] أنه دانيال وأصحابه. وروى صهيب أن النبي ﷺ قال: إنه كان في من كان قبلكم ملكٌ، وكان له ساحرٌ، فأتى الساحر الملك فقال: قد كبرت سنّي ودنا أجلي، فادفع إلي غلاماً أعلمه السحر. فدفع إليه غلاماً يعلمه السحر، فكان الغلام يختلف إلى الساحر، وكان بين الساحر وبين الملك راهب. قال: فكان الغلام إذا مر بالراهب قعد إليه فيسمع كلامه، فأعجب بكلامه، فكان إذا أتى الساحر ضربه الساحر وقال: ما حبسك؟. وإذا أتى الغلام (إلى) أهله قعد عند الراهب يسمع كلامه، فإذا أتى أهله ضربوه وقالوا: ما حبسك؟ فشكا ذلك إلى الراهب، فقال له الراهب: إذا قال لك الساحر ما حبسك؟ فقل: حبسني أهلي، وإذا قال لك أهلك: ما حبسك؟ فقل: حبسني الساحر. فبينما هو كذلك، إذ مر في طريق، وإذا دابة عظيمة في الطريق وقد حبست الناس لا تدعهم يجوزون، فقال الغلام: الآن أعلم، أمر الساحر أرضى عند الله أم أمر الراهب؟ قال: فأخذ حجراً فقال: اللهم إن كان أمر الراهب أحب إليك من أمر الساحر فإني أرمي بهذا الحجر هذا ويمر الناس. قال: فرماها، فقتلها وجاز الناس فبلغ ذلك الراهب، وأتاه الغلام، فقال الراهب للغلام: إنك خير مني، وإن ابتليت فلا تدلن علي. [قال]: وكان الغلام يبرئ الأكمه والأبرص وسائر الأدواء. (قال: وكان للملك جليس فعمي، قال: فقيل له: إن هاهنا غلاما يبرئ الأكمه والأبرص وسائر الآذاء) فلو أتيته؟ قال: فاتخذ له هدايا، ثم أتاه فقال: يا غلام، إن أبرأتني فهذه الهدايا كلها لك. فقال: ما أنا أشفيك، ولكن الله يشفي، فإن آمنت دعوت الله أن يشفيك، قال: فآمن الأعمى، فدعا الغلام الله - جل ذكره - فشفاه، فقعد إلى الملك [كما كان يقعد]، فقال له الملك: أليس كنت أعمى؟! فقال نعم، قال: فمن شفاك؟ قال: ربي. قال: ولك رب غيري؟! قال: نعم، ربي وربك الله. قال: فأخذه بالعذاب. وقال: [لتدلنني] على من علمك هذا. قال: [فدل] على الغلام، قال: فدعا الغلام فقال: ارجع عن دينك. فأبى الغلام، قال: فأخذه بالعذاب، قال: فدل على الراهب، فأخذ الراهب بالعذاب، وقال له : ارجع عن دينك. فأبى، قال: فوضع المنشار على هامته فشقه حتى بلغ (إلى) الأرض، ثم قال للغلام: لترجعن أو لأقتلنك. فقال: اذهبوا به حتى تبلغوه ذروة الجبل، فإن رجع عن دينه وإلا [دهدهوه]. فلما بلغ ذروه الجبل قال الغلام: اللهم اكفنيهم. فرجف بهم الجبل فوقعوا فماتوا كلهم. وجاء الغلام يتلمس حتى دخل على الملك فقال: أين أصحابك؟! قال: كفانيهم الله جل ثناؤه. فقال: اذهبوا به فاحملوه في قرقورة فتوسطوا به البحر، فإن رجع عن دينه وإلا فغرقوه. قال فذهبوا، فلما توسطوا به البحر قال الغلام: اللهم فاكفنيهم. فانقلبت بهم السفينة فغرقوا، وجاء الغلام [يتلمس] حتى دخل على الملك، فقال الملك: أين أصحابك؟ قال: دعوت الله فكفانيهم. قال: لأقتلنك. قال: ما أنت بقاتلي حتى تصنع ما آمرك. قال: وما أصنع. قال: اجمع الناس في صعيد واحد ثم أصلُبْنِي، ثم خذ سهماً من كنانتي فارمني وقل: باسم رب الغلام، فإنك ستقتلني. قال: فجمع الملك الناس في صعيد واحد، قال: وصلب الغلام وأخذ سهماً من كنانته فوضعه في كبد القوس ثم رمى به، وقال: باسم رب الغلام. [قال]: فوقع السهم في صدغ الغلام، فوضع الغلام يده على صدغه ومات، فقال الناس: آمنا برب الغلام، فقيل للملك: ما صنعت؟! الذي كنت تحذر قد وقع، قد آمن الناس برب الغلام، فأمر الملك بأفواه الطرق والسكك فأخذت، وخد الأخدود وضرب فيه النيران وأخذهم وقال: [ارجعوا وإلا ألقيتكم] في النار. قال: فكانوا يلقونهم في النار. قال: فجاءت امرأة معها صبي لها. قال: فلما ذهبت تقتحم وجدت حر النار فنكصت. قال: فقال لها صبيها: يا أمه، امضِ، فإنك على الحق. فاقتحمت في النار وقال الربيع بن أنس: كان أصحاب الأخدود قوماً مؤمنين اعتزلوا الناس في الفترة، وإن جباراً من عبدة الأوثان أرسل إليهم يعرض عليهم الدخول في دينه أو يلقيهم في النار، فاختاروا إلقاءهم في النار على الرجوع عن دينهم، فألقوا في النار، فنجى الله المؤمنين الذين ألقوا في النار من الحريق بأن قبض (الله) أرواحهم قبل أن تمسهم النار. قال: وخرجت النار إلى من على شفير الأخدود من الكفار فأحرقتهم، فذلك قوله: ﴿وَلَهُمْ عَذَابُ ٱلْحَرِيقِ﴾ أي: لهم عذاب جهنم في الآخرة ولهم عذاب الحريق في الدنيا، وهي (النار) التي خرجت إليهم من الأخدود فأحرقتهم. * * وقوله: ﴿ذَاتِ ٱلْوَقُودِ﴾. أي: ذات الحطب الجزل، فإن [ضممت] الواو فمعناه ذات التوقد. والأخدود" الحفرة تحفر في الأرض. * * وقوله: ﴿إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ﴾. أي: [إذ الكفار] على النار قعود لحرق المؤمنين، يعني: على حافة الأخدود الذي فيه النار. وقال قتادة: ﴿إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ﴾. يعني بذلك المؤمنين. * * ثم قال: ﴿وَهُمْ عَلَىٰ مَا يَفْعَلُونَ بِٱلْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ﴾. يعني: الكفار. حضور يعرضون المؤمنين على الكفر فمن رجع إليه، وإلا القوه في النار. * * ثم قال تعالى: ﴿وَمَا نَقَمُواْ مِنْهُمْ إِلاَّ أَن يُؤْمِنُواْ بِٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَمِيدِ﴾. أي: وما فعل هؤلاء الكفار بالمؤمنين ما فعلوا من حرقهم إياهم بالنار إلا من أجل أنهم آمنوا بالله الشديد في انتقامه من أعدائه، المحمود عند عباده بإحسانه إليهم. * * ﴿ٱلَّذِي لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ﴾. أي: سلطان ذلك كله. * * ﴿وَٱللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾. أي: والله شهيد على ما فعل هؤلاء الكفار بالمؤمنين وعلى غير ذلك من أفعالهم وأفعال جميع الخلق، فمجازيهم على ما عملوا. * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ فَتَنُواْ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُواْ﴾. أي: حرقوهم بالنار وعذبوهم ثم لم يتوبوا من كفرهم وفعلهم، فلهم عذاب جهنم في الآخرة، ولهم عذاب الحريق في الدنيا. هذا قول الربيع بن أنس. قال محمد بن إسحاق: احترقوا في الدنيا. وكذلك قال أبو العالية. ﴿فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ ﴾ يعني: في الآخرة، واحترقوا في الدنيا بعذاب الحريق. ثم قال تعالى: * * ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ ذَلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْكَبِيرُ﴾. أي: إن الذين أقروا بتوحيد الله وعملوا الأعمال الصالحات وهم الذين حرقهم أصحاب الأخدود وغيرهم من سائر أهل التوحيد لهم بساتين في الآخرة تجري من تحت أشجارها الأنهار من الماء والخمر، واللبن والعسل. ﴿ذَلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْكَبِيرُ﴾ [أي]: ذلك الذي أعطي هؤلاء هو الظفر الكبير بما طلبوا بإيمانهم بالله في الدنيا وطاعتهم له. * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾. أي: إن أخذ ربك يا محمد من أخذ من أعدائه وانتقامه منهم لشديد. وهو تحذير من الله لعباده أن يحل بهم من نقمه على كفرهم وتعذيبهم مثل الذي حل بأصحاب الأخدود. * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّهُ هُوَ يُبْدِىءُ وَيُعِيدُ﴾. أي: هو ابتدأ الخلق أول مرة، وهو يعيدهم بعد مماتهم للبعث والجزاء. هذا معنى قول الضحاك وابن زيد. وقال ابن عباس: معناه: إنه هو يبدئ العذاب ثم يعيده. (وهو اختيار الطبري)، أي: يبدئ العذاب لأهل الكفر في الدنيا، (وهو عذاب الحريق - ثم يعيده) عليهم في الآخرة - وهو عذاب جهنم. * * ثم قال تعالى: ﴿وَهُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلْوَدُودُ﴾. أي: وهو الغفور لمن تاب من كفره وذنوبه. ﴿ٱلْوَدُودُ﴾ أي: ذو المحبة. وعن ابن عباس أنه قال: ﴿ٱلْوَدُودُ﴾: "الحبيب". وقال ابن زيد: ﴿ٱلْوَدُودُ﴾: "الرحيم". * * ثم قال تعالى: ﴿ذُو ٱلْعَرْشِ ٱلْمَجِيدُ﴾. وقال ابن عباس: ﴿ٱلْمَجِيدُ﴾: "الكريم". * * ثم قال تعالى: ﴿فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ﴾. أي: يفعل ما يشاء، فيوقف من شاء للتوبة فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء بأن [يحول] بينه وبين التوفيق فيموت على كفره. * * ثم قال تعالى: ﴿هَلُ أَتَاكَ حَدِيثُ ٱلْجُنُودِ * فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ﴾. أي: هل جاءك يا محمد حديث الجنود الذين تجندوا على الله ورسوله بأذاهم ومكروهِهم؟ أي: قد أتاك ذلك وعلمته. فاصبر لأذى قومك كما صبر من كان قبلك من الرسل الذين تجند قومهم عليهم. ثم بين الجنود من هم فقال: ﴿فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ﴾ أي: قوم فرعون وتباعه، وثمود. * * ثم قال تعالى: ﴿بَلِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فِي تَكْذِيبٍ﴾. أي: بل الذين كفروا من قومك في تكذيب بوعيد الله ووحيه ﴿وَٱللَّهُ مِن وَرَآئِهِمْ مُّحِيطٌ﴾ أي: محيط بأعمالهم محصيها عليهم حتى يجازيهم عليها. * * ثم قال تعالى: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَّجِيدٌ * فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ﴾. أي: بل ما يقول هؤلاء إنه شعر وسحر [وكهانة]، قرآن مجيد محفوظ من أن يغير، في لوح. قال ابن جبير: مجيد "كريم" وقاله قتادة. قال مجاهد: ﴿فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ﴾ قال: "في أم الكتاب". ومن رفع ﴿مَّحْفُوظٍ﴾، جعله نعتاً للقرآن، بمعنى أنه محفوظ أن يغيره أحد بزيادة أو نقص. ودل على ذلك قوله: ﴿وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩]. ومن خفض، جعله نعتا للوح، أي: القرآن في لوح عند الله محفوظ، وهو اللوح المحفوظ. كما قال مجاهد: هو أم الكتاب. وقال قتادة: ﴿فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ﴾ "عند الله". وقال أنس بن مالك: "إن اللوح المحفوظ الذي ذكر الله في جبهة إسرافيل". وقرأ محمد اليماني: بل هو قرآن مجيد، بالإضافة على معنى: بل هو قرآن رب مجيد. قال ابن عباس: خلق الله اللوح المحفوظ من درة بيضاء، دفتاه [ياقوتة] حمراء، قلمه نور، وكتابه نور، ينظر إليه كل يوم ثلاثمائة وستين نظرة، يُحيي في كل نظرة، ويميت ويعز ويذل، ويفعل ما يشاء، لا إله إلا هو.

البروج 85:2

قوله تعالى: ﴿وَٱلسَّمَآءِ ذَاتِ ٱلْبُرُوجِ﴾ إلى آخرها. أي: ورب السماء ذات القصور. قاله ابن عباس. قال الضحاك: البروج "[يزعمون] أنها قصور في السماء، ويقال: هي الكواكب". قال مجاهد: "البروج: النجوم". وهو قول قتادة. وقيل: المعنى: ذات الرمل والماء. واختار الطبري أن يكون المعنى: ذات منازل الشمس والقمر، على قول مجاهد أن البروج - وهي اثنا عشر برجاً - يسير القمر في كل برج (منها يومين وثلثاً، فذلك ثمان وعشرون منزلة، ثم يستقر ليلتين وثلثاً، وتسير الشمس في كل برج) [شهراً]. وجواب القسم محذوف. وقيل: الجواب ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ ٱلأُخْدُودِ﴾ على تقدير حذف اللام، أي: لقتل أصحاب الأخدود. وقيل: الجواب: ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾ وهو قول قتادة. وقيل: الجواب: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ فَتَنُواْ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾. * * ثم قال تعالى: ﴿وَٱلْيَوْمِ ٱلْمَوْعُودِ﴾ يعني يوم القيامة، وعد الله به عباده لفصل القضاء بينهم روي ذلك عن النبي ﷺ وقاله علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأبو هريرة وقتادة وغيرهم. ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ﴾ قال أبو هريرة: "الشاهد يوم الجمعة، والمشهود: يوم عرفة". وقاله الحسن، وروي (ذلك) عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه وابن عباس، وقاله قتادة وابن المسيب وابن زيد. وعن ابن عباس أيضاً: أن الشاهد محمد ﷺ لقوله: ﴿وَجِئْنَا بِكَ عَلَىٰ هَـٰؤُلاۤءِ شَهِيداً﴾ [النساء: ٤١] والمشهود": يوم القيامة، لقوله تعالى: ﴿وَذَٰلِكَ يَوْمٌ مَّشْهُودٌ﴾ [هود: ١٠٣] أي: يشهده الأولون والآخرون لفصل القضاء بينهم. وهو قول عكرمة، وقاله الحسن بن علي أيضاً. وقال مجاهد: "الشاهد الإنسان، والمشهود: يوم القيامة". فالإنسان لا بد أن يشهد يوم القيامة، ويوم القيامة مشهود لبني آدم، فتكون الشهادة على هذا القول [بمعنى] الحضور. وقد روي مثل ذلك عن الضحاك. وعن عكرمة أيضاً و (عن) ابن عباس أن الشاهد: الله جل ذكره، لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ ٱللَّهُ شَهِيدٌ عَلَىٰ مَا يَفْعَلُونَ﴾ [يونس: ٤٦] والمشهود يوم القيامة لقوله تعالى: ﴿وَذَٰلِكَ يَوْمٌ مَّشْهُودٌ﴾ [هود: ١٠٣]. وقال إبراهيم: الشاهد يوم الأضحى والمشهود يوم عرفة. وعن ابن عباس أيضاً. رواه عنه مجاهد "أن الشاهد: يوم عرفة، والمشهود: يوم القيامة". وروى أبو الدرداء أن النبي ﷺ (قال): "أكثروا علي [الصلاة] يوم الجمعة، فإنه مشهود تشهده الملائكة". وقيل: الشاهد: محمد، والمشهود: الذين يشهد عليهم محمد ﷺ. * * ثم قال تعالى: ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ ٱلأُخْدُودِ * ٱلنَّارِ ذَاتِ ٱلْوَقُودِ﴾ أي: لعن أهلك أصحاب الأخدود، أخبرنا الله جل ذكره أنه أهلكهم ولعنهم. ذكر علي بن أبي طالب رضي الله عنه: أنهم كانوا أهل كتاب، وكانت الخمر أُحِلَّتْ لهم، فشربها ملك من ملوكهم حتى [ثَمِلَ]، فتناول أخته، [زاد عبد بن حميد: أو ابنته، وذكر القصة، وفيها: فإذا ذهب هذا في الناس بأسره خطبتهم فحرمته عليهم]، فوقع عليها، فلما زال عنه السكر ندم، فقال: لأخته: ويحك، ما المخرج مما ابتليت به؟ فقالت: اخطب الناس فقل: يا أيها الناس، [إن الله] قد أحل نكاح الأخوات. ففعل، [فتبرأ] الناس منه ومن قوله، وقالوا: ما جاءنا به نبي ولا وجدناه في كتاب! فرجع إلى أخته نادماً فقال لها: ويحك! إن الناس قد أبوا علي أن يقروا بذلك، فقالت: [ابسط] عليهم السياط، ففعل، فأبوا أن [يقروا] له، فرجع إليها فقالت: (اخطبهم، فإن أبوا فجرد فيهم السيف، ففعل فأبوا)، فرجع إليها فقالت: خُدَّ لهم الأخدود، ثم اعرض عليها أهل مملكتك، فمن أقر وإلا فاقذفه في النار. ففعل، فمن لم يُقِرُّوا [له] بتحليل الأخوات قذفه في النار، فلم يزالوا من ذلك الوقت يستحلون الأخوات والبنات والأمهات. وبقايا [أصحاب] الأخدود الآن مجوس يعبدون النار. ولذلك، قال بعض العلماء فيهم [أن يسن فيهم] سنة أهل الكتاب. * * وقوله: ﴿ٱلنَّارِ﴾ خفض على البدل من الأخدود، وهو بدل الاشتمال. وقيل: هو خفض على الجوار، وذلك بعيد. وفيه تقديران إذا جعلته بدلاً. أحدهما: أن التقدير: النار ذات الوقود نارها. والآخر: النار التي فيها. والأخدود: حفير [مستطيل] كالخندق. يروى أنه كان بموضع يقال له [نجران]، أحرق فيه قوم مؤمنون، أحرقهم ملك من ملوك حمير مشرك، وكان ذلك قبل مولد النبي ﷺ بسبعين سنة. وروى قتادة أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: هم ناس كانوا بمدارع اليمن اقتتل مؤمنوها وكافروها، فظهر مؤمنوها على [كافريها]، ثم اقتتلوا الثانية فظهر كافروها على مؤمنيها، ثم أخذ بعضهم على بعض عهوداً ومواثيق ألا يغدر بعضهم (بعضا)، فغدر بهم الكفار فأخذوهم أَخْذاً، ثم إن رجلاً من المؤمنين قال لهم: هل لكم إلى خير؟ توقدون [ناراً]، (ثم) تعرضوننا عليها، فمن تابعكم على دينكم فذلك الذي تشتهون، ومن لا، اقتحم النار [فاسترحتم] منه. قال: [فأججوا] ناراً، وعرضوا عليها، فجعلوا يقتحمونها ضناً بدينهم حتى بقيت عجوز منهم كأنها تلكأت، فقال لها طفل في حجرها: يا أمه، امضي ولا تنافقي، فقص الله جل ذكره نبأهم وخبرهم. وقال ابن عباس: هم ناس من بني إسرائيل، خدُّواً أخدوداً في الأرض ثم أوقدوا فيه ناراً ثم أقاموا على ذلك الأخدود رجالاً ونساء ثم عرضوا عليها، وزعموا أنه دانيال وأصحابه وكذلك قال الضحاك، إلا أنه قال: فقالوا للرجال والنساء: تكفرون أو نقذفكم في النار (قال). [ويزعمون] أنه دانيال وأصحابه. وروى صهيب أن النبي ﷺ قال: إنه كان في من كان قبلكم ملكٌ، وكان له ساحرٌ، فأتى الساحر الملك فقال: قد كبرت سنّي ودنا أجلي، فادفع إلي غلاماً أعلمه السحر. فدفع إليه غلاماً يعلمه السحر، فكان الغلام يختلف إلى الساحر، وكان بين الساحر وبين الملك راهب. قال: فكان الغلام إذا مر بالراهب قعد إليه فيسمع كلامه، فأعجب بكلامه، فكان إذا أتى الساحر ضربه الساحر وقال: ما حبسك؟. وإذا أتى الغلام (إلى) أهله قعد عند الراهب يسمع كلامه، فإذا أتى أهله ضربوه وقالوا: ما حبسك؟ فشكا ذلك إلى الراهب، فقال له الراهب: إذا قال لك الساحر ما حبسك؟ فقل: حبسني أهلي، وإذا قال لك أهلك: ما حبسك؟ فقل: حبسني الساحر. فبينما هو كذلك، إذ مر في طريق، وإذا دابة عظيمة في الطريق وقد حبست الناس لا تدعهم يجوزون، فقال الغلام: الآن أعلم، أمر الساحر أرضى عند الله أم أمر الراهب؟ قال: فأخذ حجراً فقال: اللهم إن كان أمر الراهب أحب إليك من أمر الساحر فإني أرمي بهذا الحجر هذا ويمر الناس. قال: فرماها، فقتلها وجاز الناس فبلغ ذلك الراهب، وأتاه الغلام، فقال الراهب للغلام: إنك خير مني، وإن ابتليت فلا تدلن علي. [قال]: وكان الغلام يبرئ الأكمه والأبرص وسائر الأدواء. (قال: وكان للملك جليس فعمي، قال: فقيل له: إن هاهنا غلاما يبرئ الأكمه والأبرص وسائر الآذاء) فلو أتيته؟ قال: فاتخذ له هدايا، ثم أتاه فقال: يا غلام، إن أبرأتني فهذه الهدايا كلها لك. فقال: ما أنا أشفيك، ولكن الله يشفي، فإن آمنت دعوت الله أن يشفيك، قال: فآمن الأعمى، فدعا الغلام الله - جل ذكره - فشفاه، فقعد إلى الملك [كما كان يقعد]، فقال له الملك: أليس كنت أعمى؟! فقال نعم، قال: فمن شفاك؟ قال: ربي. قال: ولك رب غيري؟! قال: نعم، ربي وربك الله. قال: فأخذه بالعذاب. وقال: [لتدلنني] على من علمك هذا. قال: [فدل] على الغلام، قال: فدعا الغلام فقال: ارجع عن دينك. فأبى الغلام، قال: فأخذه بالعذاب، قال: فدل على الراهب، فأخذ الراهب بالعذاب، وقال له : ارجع عن دينك. فأبى، قال: فوضع المنشار على هامته فشقه حتى بلغ (إلى) الأرض، ثم قال للغلام: لترجعن أو لأقتلنك. فقال: اذهبوا به حتى تبلغوه ذروة الجبل، فإن رجع عن دينه وإلا [دهدهوه]. فلما بلغ ذروه الجبل قال الغلام: اللهم اكفنيهم. فرجف بهم الجبل فوقعوا فماتوا كلهم. وجاء الغلام يتلمس حتى دخل على الملك فقال: أين أصحابك؟! قال: كفانيهم الله جل ثناؤه. فقال: اذهبوا به فاحملوه في قرقورة فتوسطوا به البحر، فإن رجع عن دينه وإلا فغرقوه. قال فذهبوا، فلما توسطوا به البحر قال الغلام: اللهم فاكفنيهم. فانقلبت بهم السفينة فغرقوا، وجاء الغلام [يتلمس] حتى دخل على الملك، فقال الملك: أين أصحابك؟ قال: دعوت الله فكفانيهم. قال: لأقتلنك. قال: ما أنت بقاتلي حتى تصنع ما آمرك. قال: وما أصنع. قال: اجمع الناس في صعيد واحد ثم أصلُبْنِي، ثم خذ سهماً من كنانتي فارمني وقل: باسم رب الغلام، فإنك ستقتلني. قال: فجمع الملك الناس في صعيد واحد، قال: وصلب الغلام وأخذ سهماً من كنانته فوضعه في كبد القوس ثم رمى به، وقال: باسم رب الغلام. [قال]: فوقع السهم في صدغ الغلام، فوضع الغلام يده على صدغه ومات، فقال الناس: آمنا برب الغلام، فقيل للملك: ما صنعت؟! الذي كنت تحذر قد وقع، قد آمن الناس برب الغلام، فأمر الملك بأفواه الطرق والسكك فأخذت، وخد الأخدود وضرب فيه النيران وأخذهم وقال: [ارجعوا وإلا ألقيتكم] في النار. قال: فكانوا يلقونهم في النار. قال: فجاءت امرأة معها صبي لها. قال: فلما ذهبت تقتحم وجدت حر النار فنكصت. قال: فقال لها صبيها: يا أمه، امضِ، فإنك على الحق. فاقتحمت في النار وقال الربيع بن أنس: كان أصحاب الأخدود قوماً مؤمنين اعتزلوا الناس في الفترة، وإن جباراً من عبدة الأوثان أرسل إليهم يعرض عليهم الدخول في دينه أو يلقيهم في النار، فاختاروا إلقاءهم في النار على الرجوع عن دينهم، فألقوا في النار، فنجى الله المؤمنين الذين ألقوا في النار من الحريق بأن قبض (الله) أرواحهم قبل أن تمسهم النار. قال: وخرجت النار إلى من على شفير الأخدود من الكفار فأحرقتهم، فذلك قوله: ﴿وَلَهُمْ عَذَابُ ٱلْحَرِيقِ﴾ أي: لهم عذاب جهنم في الآخرة ولهم عذاب الحريق في الدنيا، وهي (النار) التي خرجت إليهم من الأخدود فأحرقتهم. * * وقوله: ﴿ذَاتِ ٱلْوَقُودِ﴾. أي: ذات الحطب الجزل، فإن [ضممت] الواو فمعناه ذات التوقد. والأخدود" الحفرة تحفر في الأرض. * * وقوله: ﴿إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ﴾. أي: [إذ الكفار] على النار قعود لحرق المؤمنين، يعني: على حافة الأخدود الذي فيه النار. وقال قتادة: ﴿إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ﴾. يعني بذلك المؤمنين. * * ثم قال: ﴿وَهُمْ عَلَىٰ مَا يَفْعَلُونَ بِٱلْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ﴾. يعني: الكفار. حضور يعرضون المؤمنين على الكفر فمن رجع إليه، وإلا القوه في النار. * * ثم قال تعالى: ﴿وَمَا نَقَمُواْ مِنْهُمْ إِلاَّ أَن يُؤْمِنُواْ بِٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَمِيدِ﴾. أي: وما فعل هؤلاء الكفار بالمؤمنين ما فعلوا من حرقهم إياهم بالنار إلا من أجل أنهم آمنوا بالله الشديد في انتقامه من أعدائه، المحمود عند عباده بإحسانه إليهم. * * ﴿ٱلَّذِي لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ﴾. أي: سلطان ذلك كله. * * ﴿وَٱللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾. أي: والله شهيد على ما فعل هؤلاء الكفار بالمؤمنين وعلى غير ذلك من أفعالهم وأفعال جميع الخلق، فمجازيهم على ما عملوا. * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ فَتَنُواْ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُواْ﴾. أي: حرقوهم بالنار وعذبوهم ثم لم يتوبوا من كفرهم وفعلهم، فلهم عذاب جهنم في الآخرة، ولهم عذاب الحريق في الدنيا. هذا قول الربيع بن أنس. قال محمد بن إسحاق: احترقوا في الدنيا. وكذلك قال أبو العالية. ﴿فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ ﴾ يعني: في الآخرة، واحترقوا في الدنيا بعذاب الحريق. ثم قال تعالى: * * ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ ذَلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْكَبِيرُ﴾. أي: إن الذين أقروا بتوحيد الله وعملوا الأعمال الصالحات وهم الذين حرقهم أصحاب الأخدود وغيرهم من سائر أهل التوحيد لهم بساتين في الآخرة تجري من تحت أشجارها الأنهار من الماء والخمر، واللبن والعسل. ﴿ذَلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْكَبِيرُ﴾ [أي]: ذلك الذي أعطي هؤلاء هو الظفر الكبير بما طلبوا بإيمانهم بالله في الدنيا وطاعتهم له. * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾. أي: إن أخذ ربك يا محمد من أخذ من أعدائه وانتقامه منهم لشديد. وهو تحذير من الله لعباده أن يحل بهم من نقمه على كفرهم وتعذيبهم مثل الذي حل بأصحاب الأخدود. * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّهُ هُوَ يُبْدِىءُ وَيُعِيدُ﴾. أي: هو ابتدأ الخلق أول مرة، وهو يعيدهم بعد مماتهم للبعث والجزاء. هذا معنى قول الضحاك وابن زيد. وقال ابن عباس: معناه: إنه هو يبدئ العذاب ثم يعيده. (وهو اختيار الطبري)، أي: يبدئ العذاب لأهل الكفر في الدنيا، (وهو عذاب الحريق - ثم يعيده) عليهم في الآخرة - وهو عذاب جهنم. * * ثم قال تعالى: ﴿وَهُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلْوَدُودُ﴾. أي: وهو الغفور لمن تاب من كفره وذنوبه. ﴿ٱلْوَدُودُ﴾ أي: ذو المحبة. وعن ابن عباس أنه قال: ﴿ٱلْوَدُودُ﴾: "الحبيب". وقال ابن زيد: ﴿ٱلْوَدُودُ﴾: "الرحيم". * * ثم قال تعالى: ﴿ذُو ٱلْعَرْشِ ٱلْمَجِيدُ﴾. وقال ابن عباس: ﴿ٱلْمَجِيدُ﴾: "الكريم". * * ثم قال تعالى: ﴿فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ﴾. أي: يفعل ما يشاء، فيوقف من شاء للتوبة فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء بأن [يحول] بينه وبين التوفيق فيموت على كفره. * * ثم قال تعالى: ﴿هَلُ أَتَاكَ حَدِيثُ ٱلْجُنُودِ * فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ﴾. أي: هل جاءك يا محمد حديث الجنود الذين تجندوا على الله ورسوله بأذاهم ومكروهِهم؟ أي: قد أتاك ذلك وعلمته. فاصبر لأذى قومك كما صبر من كان قبلك من الرسل الذين تجند قومهم عليهم. ثم بين الجنود من هم فقال: ﴿فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ﴾ أي: قوم فرعون وتباعه، وثمود. * * ثم قال تعالى: ﴿بَلِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فِي تَكْذِيبٍ﴾. أي: بل الذين كفروا من قومك في تكذيب بوعيد الله ووحيه ﴿وَٱللَّهُ مِن وَرَآئِهِمْ مُّحِيطٌ﴾ أي: محيط بأعمالهم محصيها عليهم حتى يجازيهم عليها. * * ثم قال تعالى: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَّجِيدٌ * فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ﴾. أي: بل ما يقول هؤلاء إنه شعر وسحر [وكهانة]، قرآن مجيد محفوظ من أن يغير، في لوح. قال ابن جبير: مجيد "كريم" وقاله قتادة. قال مجاهد: ﴿فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ﴾ قال: "في أم الكتاب". ومن رفع ﴿مَّحْفُوظٍ﴾، جعله نعتاً للقرآن، بمعنى أنه محفوظ أن يغيره أحد بزيادة أو نقص. ودل على ذلك قوله: ﴿وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩]. ومن خفض، جعله نعتا للوح، أي: القرآن في لوح عند الله محفوظ، وهو اللوح المحفوظ. كما قال مجاهد: هو أم الكتاب. وقال قتادة: ﴿فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ﴾ "عند الله". وقال أنس بن مالك: "إن اللوح المحفوظ الذي ذكر الله في جبهة إسرافيل". وقرأ محمد اليماني: بل هو قرآن مجيد، بالإضافة على معنى: بل هو قرآن رب مجيد. قال ابن عباس: خلق الله اللوح المحفوظ من درة بيضاء، دفتاه [ياقوتة] حمراء، قلمه نور، وكتابه نور، ينظر إليه كل يوم ثلاثمائة وستين نظرة، يُحيي في كل نظرة، ويميت ويعز ويذل، ويفعل ما يشاء، لا إله إلا هو.

البروج 85:3

قوله تعالى: ﴿وَٱلسَّمَآءِ ذَاتِ ٱلْبُرُوجِ﴾ إلى آخرها. أي: ورب السماء ذات القصور. قاله ابن عباس. قال الضحاك: البروج "[يزعمون] أنها قصور في السماء، ويقال: هي الكواكب". قال مجاهد: "البروج: النجوم". وهو قول قتادة. وقيل: المعنى: ذات الرمل والماء. واختار الطبري أن يكون المعنى: ذات منازل الشمس والقمر، على قول مجاهد أن البروج - وهي اثنا عشر برجاً - يسير القمر في كل برج (منها يومين وثلثاً، فذلك ثمان وعشرون منزلة، ثم يستقر ليلتين وثلثاً، وتسير الشمس في كل برج) [شهراً]. وجواب القسم محذوف. وقيل: الجواب ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ ٱلأُخْدُودِ﴾ على تقدير حذف اللام، أي: لقتل أصحاب الأخدود. وقيل: الجواب: ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾ وهو قول قتادة. وقيل: الجواب: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ فَتَنُواْ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾. * * ثم قال تعالى: ﴿وَٱلْيَوْمِ ٱلْمَوْعُودِ﴾ يعني يوم القيامة، وعد الله به عباده لفصل القضاء بينهم روي ذلك عن النبي ﷺ وقاله علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأبو هريرة وقتادة وغيرهم. ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ﴾ قال أبو هريرة: "الشاهد يوم الجمعة، والمشهود: يوم عرفة". وقاله الحسن، وروي (ذلك) عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه وابن عباس، وقاله قتادة وابن المسيب وابن زيد. وعن ابن عباس أيضاً: أن الشاهد محمد ﷺ لقوله: ﴿وَجِئْنَا بِكَ عَلَىٰ هَـٰؤُلاۤءِ شَهِيداً﴾ [النساء: ٤١] والمشهود": يوم القيامة، لقوله تعالى: ﴿وَذَٰلِكَ يَوْمٌ مَّشْهُودٌ﴾ [هود: ١٠٣] أي: يشهده الأولون والآخرون لفصل القضاء بينهم. وهو قول عكرمة، وقاله الحسن بن علي أيضاً. وقال مجاهد: "الشاهد الإنسان، والمشهود: يوم القيامة". فالإنسان لا بد أن يشهد يوم القيامة، ويوم القيامة مشهود لبني آدم، فتكون الشهادة على هذا القول [بمعنى] الحضور. وقد روي مثل ذلك عن الضحاك. وعن عكرمة أيضاً و (عن) ابن عباس أن الشاهد: الله جل ذكره، لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ ٱللَّهُ شَهِيدٌ عَلَىٰ مَا يَفْعَلُونَ﴾ [يونس: ٤٦] والمشهود يوم القيامة لقوله تعالى: ﴿وَذَٰلِكَ يَوْمٌ مَّشْهُودٌ﴾ [هود: ١٠٣]. وقال إبراهيم: الشاهد يوم الأضحى والمشهود يوم عرفة. وعن ابن عباس أيضاً. رواه عنه مجاهد "أن الشاهد: يوم عرفة، والمشهود: يوم القيامة". وروى أبو الدرداء أن النبي ﷺ (قال): "أكثروا علي [الصلاة] يوم الجمعة، فإنه مشهود تشهده الملائكة". وقيل: الشاهد: محمد، والمشهود: الذين يشهد عليهم محمد ﷺ. * * ثم قال تعالى: ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ ٱلأُخْدُودِ * ٱلنَّارِ ذَاتِ ٱلْوَقُودِ﴾ أي: لعن أهلك أصحاب الأخدود، أخبرنا الله جل ذكره أنه أهلكهم ولعنهم. ذكر علي بن أبي طالب رضي الله عنه: أنهم كانوا أهل كتاب، وكانت الخمر أُحِلَّتْ لهم، فشربها ملك من ملوكهم حتى [ثَمِلَ]، فتناول أخته، [زاد عبد بن حميد: أو ابنته، وذكر القصة، وفيها: فإذا ذهب هذا في الناس بأسره خطبتهم فحرمته عليهم]، فوقع عليها، فلما زال عنه السكر ندم، فقال: لأخته: ويحك، ما المخرج مما ابتليت به؟ فقالت: اخطب الناس فقل: يا أيها الناس، [إن الله] قد أحل نكاح الأخوات. ففعل، [فتبرأ] الناس منه ومن قوله، وقالوا: ما جاءنا به نبي ولا وجدناه في كتاب! فرجع إلى أخته نادماً فقال لها: ويحك! إن الناس قد أبوا علي أن يقروا بذلك، فقالت: [ابسط] عليهم السياط، ففعل، فأبوا أن [يقروا] له، فرجع إليها فقالت: (اخطبهم، فإن أبوا فجرد فيهم السيف، ففعل فأبوا)، فرجع إليها فقالت: خُدَّ لهم الأخدود، ثم اعرض عليها أهل مملكتك، فمن أقر وإلا فاقذفه في النار. ففعل، فمن لم يُقِرُّوا [له] بتحليل الأخوات قذفه في النار، فلم يزالوا من ذلك الوقت يستحلون الأخوات والبنات والأمهات. وبقايا [أصحاب] الأخدود الآن مجوس يعبدون النار. ولذلك، قال بعض العلماء فيهم [أن يسن فيهم] سنة أهل الكتاب. * * وقوله: ﴿ٱلنَّارِ﴾ خفض على البدل من الأخدود، وهو بدل الاشتمال. وقيل: هو خفض على الجوار، وذلك بعيد. وفيه تقديران إذا جعلته بدلاً. أحدهما: أن التقدير: النار ذات الوقود نارها. والآخر: النار التي فيها. والأخدود: حفير [مستطيل] كالخندق. يروى أنه كان بموضع يقال له [نجران]، أحرق فيه قوم مؤمنون، أحرقهم ملك من ملوك حمير مشرك، وكان ذلك قبل مولد النبي ﷺ بسبعين سنة. وروى قتادة أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: هم ناس كانوا بمدارع اليمن اقتتل مؤمنوها وكافروها، فظهر مؤمنوها على [كافريها]، ثم اقتتلوا الثانية فظهر كافروها على مؤمنيها، ثم أخذ بعضهم على بعض عهوداً ومواثيق ألا يغدر بعضهم (بعضا)، فغدر بهم الكفار فأخذوهم أَخْذاً، ثم إن رجلاً من المؤمنين قال لهم: هل لكم إلى خير؟ توقدون [ناراً]، (ثم) تعرضوننا عليها، فمن تابعكم على دينكم فذلك الذي تشتهون، ومن لا، اقتحم النار [فاسترحتم] منه. قال: [فأججوا] ناراً، وعرضوا عليها، فجعلوا يقتحمونها ضناً بدينهم حتى بقيت عجوز منهم كأنها تلكأت، فقال لها طفل في حجرها: يا أمه، امضي ولا تنافقي، فقص الله جل ذكره نبأهم وخبرهم. وقال ابن عباس: هم ناس من بني إسرائيل، خدُّواً أخدوداً في الأرض ثم أوقدوا فيه ناراً ثم أقاموا على ذلك الأخدود رجالاً ونساء ثم عرضوا عليها، وزعموا أنه دانيال وأصحابه وكذلك قال الضحاك، إلا أنه قال: فقالوا للرجال والنساء: تكفرون أو نقذفكم في النار (قال). [ويزعمون] أنه دانيال وأصحابه. وروى صهيب أن النبي ﷺ قال: إنه كان في من كان قبلكم ملكٌ، وكان له ساحرٌ، فأتى الساحر الملك فقال: قد كبرت سنّي ودنا أجلي، فادفع إلي غلاماً أعلمه السحر. فدفع إليه غلاماً يعلمه السحر، فكان الغلام يختلف إلى الساحر، وكان بين الساحر وبين الملك راهب. قال: فكان الغلام إذا مر بالراهب قعد إليه فيسمع كلامه، فأعجب بكلامه، فكان إذا أتى الساحر ضربه الساحر وقال: ما حبسك؟. وإذا أتى الغلام (إلى) أهله قعد عند الراهب يسمع كلامه، فإذا أتى أهله ضربوه وقالوا: ما حبسك؟ فشكا ذلك إلى الراهب، فقال له الراهب: إذا قال لك الساحر ما حبسك؟ فقل: حبسني أهلي، وإذا قال لك أهلك: ما حبسك؟ فقل: حبسني الساحر. فبينما هو كذلك، إذ مر في طريق، وإذا دابة عظيمة في الطريق وقد حبست الناس لا تدعهم يجوزون، فقال الغلام: الآن أعلم، أمر الساحر أرضى عند الله أم أمر الراهب؟ قال: فأخذ حجراً فقال: اللهم إن كان أمر الراهب أحب إليك من أمر الساحر فإني أرمي بهذا الحجر هذا ويمر الناس. قال: فرماها، فقتلها وجاز الناس فبلغ ذلك الراهب، وأتاه الغلام، فقال الراهب للغلام: إنك خير مني، وإن ابتليت فلا تدلن علي. [قال]: وكان الغلام يبرئ الأكمه والأبرص وسائر الأدواء. (قال: وكان للملك جليس فعمي، قال: فقيل له: إن هاهنا غلاما يبرئ الأكمه والأبرص وسائر الآذاء) فلو أتيته؟ قال: فاتخذ له هدايا، ثم أتاه فقال: يا غلام، إن أبرأتني فهذه الهدايا كلها لك. فقال: ما أنا أشفيك، ولكن الله يشفي، فإن آمنت دعوت الله أن يشفيك، قال: فآمن الأعمى، فدعا الغلام الله - جل ذكره - فشفاه، فقعد إلى الملك [كما كان يقعد]، فقال له الملك: أليس كنت أعمى؟! فقال نعم، قال: فمن شفاك؟ قال: ربي. قال: ولك رب غيري؟! قال: نعم، ربي وربك الله. قال: فأخذه بالعذاب. وقال: [لتدلنني] على من علمك هذا. قال: [فدل] على الغلام، قال: فدعا الغلام فقال: ارجع عن دينك. فأبى الغلام، قال: فأخذه بالعذاب، قال: فدل على الراهب، فأخذ الراهب بالعذاب، وقال له : ارجع عن دينك. فأبى، قال: فوضع المنشار على هامته فشقه حتى بلغ (إلى) الأرض، ثم قال للغلام: لترجعن أو لأقتلنك. فقال: اذهبوا به حتى تبلغوه ذروة الجبل، فإن رجع عن دينه وإلا [دهدهوه]. فلما بلغ ذروه الجبل قال الغلام: اللهم اكفنيهم. فرجف بهم الجبل فوقعوا فماتوا كلهم. وجاء الغلام يتلمس حتى دخل على الملك فقال: أين أصحابك؟! قال: كفانيهم الله جل ثناؤه. فقال: اذهبوا به فاحملوه في قرقورة فتوسطوا به البحر، فإن رجع عن دينه وإلا فغرقوه. قال فذهبوا، فلما توسطوا به البحر قال الغلام: اللهم فاكفنيهم. فانقلبت بهم السفينة فغرقوا، وجاء الغلام [يتلمس] حتى دخل على الملك، فقال الملك: أين أصحابك؟ قال: دعوت الله فكفانيهم. قال: لأقتلنك. قال: ما أنت بقاتلي حتى تصنع ما آمرك. قال: وما أصنع. قال: اجمع الناس في صعيد واحد ثم أصلُبْنِي، ثم خذ سهماً من كنانتي فارمني وقل: باسم رب الغلام، فإنك ستقتلني. قال: فجمع الملك الناس في صعيد واحد، قال: وصلب الغلام وأخذ سهماً من كنانته فوضعه في كبد القوس ثم رمى به، وقال: باسم رب الغلام. [قال]: فوقع السهم في صدغ الغلام، فوضع الغلام يده على صدغه ومات، فقال الناس: آمنا برب الغلام، فقيل للملك: ما صنعت؟! الذي كنت تحذر قد وقع، قد آمن الناس برب الغلام، فأمر الملك بأفواه الطرق والسكك فأخذت، وخد الأخدود وضرب فيه النيران وأخذهم وقال: [ارجعوا وإلا ألقيتكم] في النار. قال: فكانوا يلقونهم في النار. قال: فجاءت امرأة معها صبي لها. قال: فلما ذهبت تقتحم وجدت حر النار فنكصت. قال: فقال لها صبيها: يا أمه، امضِ، فإنك على الحق. فاقتحمت في النار وقال الربيع بن أنس: كان أصحاب الأخدود قوماً مؤمنين اعتزلوا الناس في الفترة، وإن جباراً من عبدة الأوثان أرسل إليهم يعرض عليهم الدخول في دينه أو يلقيهم في النار، فاختاروا إلقاءهم في النار على الرجوع عن دينهم، فألقوا في النار، فنجى الله المؤمنين الذين ألقوا في النار من الحريق بأن قبض (الله) أرواحهم قبل أن تمسهم النار. قال: وخرجت النار إلى من على شفير الأخدود من الكفار فأحرقتهم، فذلك قوله: ﴿وَلَهُمْ عَذَابُ ٱلْحَرِيقِ﴾ أي: لهم عذاب جهنم في الآخرة ولهم عذاب الحريق في الدنيا، وهي (النار) التي خرجت إليهم من الأخدود فأحرقتهم. * * وقوله: ﴿ذَاتِ ٱلْوَقُودِ﴾. أي: ذات الحطب الجزل، فإن [ضممت] الواو فمعناه ذات التوقد. والأخدود" الحفرة تحفر في الأرض. * * وقوله: ﴿إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ﴾. أي: [إذ الكفار] على النار قعود لحرق المؤمنين، يعني: على حافة الأخدود الذي فيه النار. وقال قتادة: ﴿إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ﴾. يعني بذلك المؤمنين. * * ثم قال: ﴿وَهُمْ عَلَىٰ مَا يَفْعَلُونَ بِٱلْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ﴾. يعني: الكفار. حضور يعرضون المؤمنين على الكفر فمن رجع إليه، وإلا القوه في النار. * * ثم قال تعالى: ﴿وَمَا نَقَمُواْ مِنْهُمْ إِلاَّ أَن يُؤْمِنُواْ بِٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَمِيدِ﴾. أي: وما فعل هؤلاء الكفار بالمؤمنين ما فعلوا من حرقهم إياهم بالنار إلا من أجل أنهم آمنوا بالله الشديد في انتقامه من أعدائه، المحمود عند عباده بإحسانه إليهم. * * ﴿ٱلَّذِي لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ﴾. أي: سلطان ذلك كله. * * ﴿وَٱللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾. أي: والله شهيد على ما فعل هؤلاء الكفار بالمؤمنين وعلى غير ذلك من أفعالهم وأفعال جميع الخلق، فمجازيهم على ما عملوا. * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ فَتَنُواْ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُواْ﴾. أي: حرقوهم بالنار وعذبوهم ثم لم يتوبوا من كفرهم وفعلهم، فلهم عذاب جهنم في الآخرة، ولهم عذاب الحريق في الدنيا. هذا قول الربيع بن أنس. قال محمد بن إسحاق: احترقوا في الدنيا. وكذلك قال أبو العالية. ﴿فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ ﴾ يعني: في الآخرة، واحترقوا في الدنيا بعذاب الحريق. ثم قال تعالى: * * ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ ذَلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْكَبِيرُ﴾. أي: إن الذين أقروا بتوحيد الله وعملوا الأعمال الصالحات وهم الذين حرقهم أصحاب الأخدود وغيرهم من سائر أهل التوحيد لهم بساتين في الآخرة تجري من تحت أشجارها الأنهار من الماء والخمر، واللبن والعسل. ﴿ذَلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْكَبِيرُ﴾ [أي]: ذلك الذي أعطي هؤلاء هو الظفر الكبير بما طلبوا بإيمانهم بالله في الدنيا وطاعتهم له. * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾. أي: إن أخذ ربك يا محمد من أخذ من أعدائه وانتقامه منهم لشديد. وهو تحذير من الله لعباده أن يحل بهم من نقمه على كفرهم وتعذيبهم مثل الذي حل بأصحاب الأخدود. * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّهُ هُوَ يُبْدِىءُ وَيُعِيدُ﴾. أي: هو ابتدأ الخلق أول مرة، وهو يعيدهم بعد مماتهم للبعث والجزاء. هذا معنى قول الضحاك وابن زيد. وقال ابن عباس: معناه: إنه هو يبدئ العذاب ثم يعيده. (وهو اختيار الطبري)، أي: يبدئ العذاب لأهل الكفر في الدنيا، (وهو عذاب الحريق - ثم يعيده) عليهم في الآخرة - وهو عذاب جهنم. * * ثم قال تعالى: ﴿وَهُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلْوَدُودُ﴾. أي: وهو الغفور لمن تاب من كفره وذنوبه. ﴿ٱلْوَدُودُ﴾ أي: ذو المحبة. وعن ابن عباس أنه قال: ﴿ٱلْوَدُودُ﴾: "الحبيب". وقال ابن زيد: ﴿ٱلْوَدُودُ﴾: "الرحيم". * * ثم قال تعالى: ﴿ذُو ٱلْعَرْشِ ٱلْمَجِيدُ﴾. وقال ابن عباس: ﴿ٱلْمَجِيدُ﴾: "الكريم". * * ثم قال تعالى: ﴿فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ﴾. أي: يفعل ما يشاء، فيوقف من شاء للتوبة فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء بأن [يحول] بينه وبين التوفيق فيموت على كفره. * * ثم قال تعالى: ﴿هَلُ أَتَاكَ حَدِيثُ ٱلْجُنُودِ * فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ﴾. أي: هل جاءك يا محمد حديث الجنود الذين تجندوا على الله ورسوله بأذاهم ومكروهِهم؟ أي: قد أتاك ذلك وعلمته. فاصبر لأذى قومك كما صبر من كان قبلك من الرسل الذين تجند قومهم عليهم. ثم بين الجنود من هم فقال: ﴿فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ﴾ أي: قوم فرعون وتباعه، وثمود. * * ثم قال تعالى: ﴿بَلِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فِي تَكْذِيبٍ﴾. أي: بل الذين كفروا من قومك في تكذيب بوعيد الله ووحيه ﴿وَٱللَّهُ مِن وَرَآئِهِمْ مُّحِيطٌ﴾ أي: محيط بأعمالهم محصيها عليهم حتى يجازيهم عليها. * * ثم قال تعالى: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَّجِيدٌ * فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ﴾. أي: بل ما يقول هؤلاء إنه شعر وسحر [وكهانة]، قرآن مجيد محفوظ من أن يغير، في لوح. قال ابن جبير: مجيد "كريم" وقاله قتادة. قال مجاهد: ﴿فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ﴾ قال: "في أم الكتاب". ومن رفع ﴿مَّحْفُوظٍ﴾، جعله نعتاً للقرآن، بمعنى أنه محفوظ أن يغيره أحد بزيادة أو نقص. ودل على ذلك قوله: ﴿وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩]. ومن خفض، جعله نعتا للوح، أي: القرآن في لوح عند الله محفوظ، وهو اللوح المحفوظ. كما قال مجاهد: هو أم الكتاب. وقال قتادة: ﴿فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ﴾ "عند الله". وقال أنس بن مالك: "إن اللوح المحفوظ الذي ذكر الله في جبهة إسرافيل". وقرأ محمد اليماني: بل هو قرآن مجيد، بالإضافة على معنى: بل هو قرآن رب مجيد. قال ابن عباس: خلق الله اللوح المحفوظ من درة بيضاء، دفتاه [ياقوتة] حمراء، قلمه نور، وكتابه نور، ينظر إليه كل يوم ثلاثمائة وستين نظرة، يُحيي في كل نظرة، ويميت ويعز ويذل، ويفعل ما يشاء، لا إله إلا هو.

البروج 85:4

قوله تعالى: ﴿وَٱلسَّمَآءِ ذَاتِ ٱلْبُرُوجِ﴾ إلى آخرها. أي: ورب السماء ذات القصور. قاله ابن عباس. قال الضحاك: البروج "[يزعمون] أنها قصور في السماء، ويقال: هي الكواكب". قال مجاهد: "البروج: النجوم". وهو قول قتادة. وقيل: المعنى: ذات الرمل والماء. واختار الطبري أن يكون المعنى: ذات منازل الشمس والقمر، على قول مجاهد أن البروج - وهي اثنا عشر برجاً - يسير القمر في كل برج (منها يومين وثلثاً، فذلك ثمان وعشرون منزلة، ثم يستقر ليلتين وثلثاً، وتسير الشمس في كل برج) [شهراً]. وجواب القسم محذوف. وقيل: الجواب ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ ٱلأُخْدُودِ﴾ على تقدير حذف اللام، أي: لقتل أصحاب الأخدود. وقيل: الجواب: ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾ وهو قول قتادة. وقيل: الجواب: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ فَتَنُواْ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾. * * ثم قال تعالى: ﴿وَٱلْيَوْمِ ٱلْمَوْعُودِ﴾ يعني يوم القيامة، وعد الله به عباده لفصل القضاء بينهم روي ذلك عن النبي ﷺ وقاله علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأبو هريرة وقتادة وغيرهم. ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ﴾ قال أبو هريرة: "الشاهد يوم الجمعة، والمشهود: يوم عرفة". وقاله الحسن، وروي (ذلك) عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه وابن عباس، وقاله قتادة وابن المسيب وابن زيد. وعن ابن عباس أيضاً: أن الشاهد محمد ﷺ لقوله: ﴿وَجِئْنَا بِكَ عَلَىٰ هَـٰؤُلاۤءِ شَهِيداً﴾ [النساء: ٤١] والمشهود": يوم القيامة، لقوله تعالى: ﴿وَذَٰلِكَ يَوْمٌ مَّشْهُودٌ﴾ [هود: ١٠٣] أي: يشهده الأولون والآخرون لفصل القضاء بينهم. وهو قول عكرمة، وقاله الحسن بن علي أيضاً. وقال مجاهد: "الشاهد الإنسان، والمشهود: يوم القيامة". فالإنسان لا بد أن يشهد يوم القيامة، ويوم القيامة مشهود لبني آدم، فتكون الشهادة على هذا القول [بمعنى] الحضور. وقد روي مثل ذلك عن الضحاك. وعن عكرمة أيضاً و (عن) ابن عباس أن الشاهد: الله جل ذكره، لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ ٱللَّهُ شَهِيدٌ عَلَىٰ مَا يَفْعَلُونَ﴾ [يونس: ٤٦] والمشهود يوم القيامة لقوله تعالى: ﴿وَذَٰلِكَ يَوْمٌ مَّشْهُودٌ﴾ [هود: ١٠٣]. وقال إبراهيم: الشاهد يوم الأضحى والمشهود يوم عرفة. وعن ابن عباس أيضاً. رواه عنه مجاهد "أن الشاهد: يوم عرفة، والمشهود: يوم القيامة". وروى أبو الدرداء أن النبي ﷺ (قال): "أكثروا علي [الصلاة] يوم الجمعة، فإنه مشهود تشهده الملائكة". وقيل: الشاهد: محمد، والمشهود: الذين يشهد عليهم محمد ﷺ. * * ثم قال تعالى: ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ ٱلأُخْدُودِ * ٱلنَّارِ ذَاتِ ٱلْوَقُودِ﴾ أي: لعن أهلك أصحاب الأخدود، أخبرنا الله جل ذكره أنه أهلكهم ولعنهم. ذكر علي بن أبي طالب رضي الله عنه: أنهم كانوا أهل كتاب، وكانت الخمر أُحِلَّتْ لهم، فشربها ملك من ملوكهم حتى [ثَمِلَ]، فتناول أخته، [زاد عبد بن حميد: أو ابنته، وذكر القصة، وفيها: فإذا ذهب هذا في الناس بأسره خطبتهم فحرمته عليهم]، فوقع عليها، فلما زال عنه السكر ندم، فقال: لأخته: ويحك، ما المخرج مما ابتليت به؟ فقالت: اخطب الناس فقل: يا أيها الناس، [إن الله] قد أحل نكاح الأخوات. ففعل، [فتبرأ] الناس منه ومن قوله، وقالوا: ما جاءنا به نبي ولا وجدناه في كتاب! فرجع إلى أخته نادماً فقال لها: ويحك! إن الناس قد أبوا علي أن يقروا بذلك، فقالت: [ابسط] عليهم السياط، ففعل، فأبوا أن [يقروا] له، فرجع إليها فقالت: (اخطبهم، فإن أبوا فجرد فيهم السيف، ففعل فأبوا)، فرجع إليها فقالت: خُدَّ لهم الأخدود، ثم اعرض عليها أهل مملكتك، فمن أقر وإلا فاقذفه في النار. ففعل، فمن لم يُقِرُّوا [له] بتحليل الأخوات قذفه في النار، فلم يزالوا من ذلك الوقت يستحلون الأخوات والبنات والأمهات. وبقايا [أصحاب] الأخدود الآن مجوس يعبدون النار. ولذلك، قال بعض العلماء فيهم [أن يسن فيهم] سنة أهل الكتاب. * * وقوله: ﴿ٱلنَّارِ﴾ خفض على البدل من الأخدود، وهو بدل الاشتمال. وقيل: هو خفض على الجوار، وذلك بعيد. وفيه تقديران إذا جعلته بدلاً. أحدهما: أن التقدير: النار ذات الوقود نارها. والآخر: النار التي فيها. والأخدود: حفير [مستطيل] كالخندق. يروى أنه كان بموضع يقال له [نجران]، أحرق فيه قوم مؤمنون، أحرقهم ملك من ملوك حمير مشرك، وكان ذلك قبل مولد النبي ﷺ بسبعين سنة. وروى قتادة أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: هم ناس كانوا بمدارع اليمن اقتتل مؤمنوها وكافروها، فظهر مؤمنوها على [كافريها]، ثم اقتتلوا الثانية فظهر كافروها على مؤمنيها، ثم أخذ بعضهم على بعض عهوداً ومواثيق ألا يغدر بعضهم (بعضا)، فغدر بهم الكفار فأخذوهم أَخْذاً، ثم إن رجلاً من المؤمنين قال لهم: هل لكم إلى خير؟ توقدون [ناراً]، (ثم) تعرضوننا عليها، فمن تابعكم على دينكم فذلك الذي تشتهون، ومن لا، اقتحم النار [فاسترحتم] منه. قال: [فأججوا] ناراً، وعرضوا عليها، فجعلوا يقتحمونها ضناً بدينهم حتى بقيت عجوز منهم كأنها تلكأت، فقال لها طفل في حجرها: يا أمه، امضي ولا تنافقي، فقص الله جل ذكره نبأهم وخبرهم. وقال ابن عباس: هم ناس من بني إسرائيل، خدُّواً أخدوداً في الأرض ثم أوقدوا فيه ناراً ثم أقاموا على ذلك الأخدود رجالاً ونساء ثم عرضوا عليها، وزعموا أنه دانيال وأصحابه وكذلك قال الضحاك، إلا أنه قال: فقالوا للرجال والنساء: تكفرون أو نقذفكم في النار (قال). [ويزعمون] أنه دانيال وأصحابه. وروى صهيب أن النبي ﷺ قال: إنه كان في من كان قبلكم ملكٌ، وكان له ساحرٌ، فأتى الساحر الملك فقال: قد كبرت سنّي ودنا أجلي، فادفع إلي غلاماً أعلمه السحر. فدفع إليه غلاماً يعلمه السحر، فكان الغلام يختلف إلى الساحر، وكان بين الساحر وبين الملك راهب. قال: فكان الغلام إذا مر بالراهب قعد إليه فيسمع كلامه، فأعجب بكلامه، فكان إذا أتى الساحر ضربه الساحر وقال: ما حبسك؟. وإذا أتى الغلام (إلى) أهله قعد عند الراهب يسمع كلامه، فإذا أتى أهله ضربوه وقالوا: ما حبسك؟ فشكا ذلك إلى الراهب، فقال له الراهب: إذا قال لك الساحر ما حبسك؟ فقل: حبسني أهلي، وإذا قال لك أهلك: ما حبسك؟ فقل: حبسني الساحر. فبينما هو كذلك، إذ مر في طريق، وإذا دابة عظيمة في الطريق وقد حبست الناس لا تدعهم يجوزون، فقال الغلام: الآن أعلم، أمر الساحر أرضى عند الله أم أمر الراهب؟ قال: فأخذ حجراً فقال: اللهم إن كان أمر الراهب أحب إليك من أمر الساحر فإني أرمي بهذا الحجر هذا ويمر الناس. قال: فرماها، فقتلها وجاز الناس فبلغ ذلك الراهب، وأتاه الغلام، فقال الراهب للغلام: إنك خير مني، وإن ابتليت فلا تدلن علي. [قال]: وكان الغلام يبرئ الأكمه والأبرص وسائر الأدواء. (قال: وكان للملك جليس فعمي، قال: فقيل له: إن هاهنا غلاما يبرئ الأكمه والأبرص وسائر الآذاء) فلو أتيته؟ قال: فاتخذ له هدايا، ثم أتاه فقال: يا غلام، إن أبرأتني فهذه الهدايا كلها لك. فقال: ما أنا أشفيك، ولكن الله يشفي، فإن آمنت دعوت الله أن يشفيك، قال: فآمن الأعمى، فدعا الغلام الله - جل ذكره - فشفاه، فقعد إلى الملك [كما كان يقعد]، فقال له الملك: أليس كنت أعمى؟! فقال نعم، قال: فمن شفاك؟ قال: ربي. قال: ولك رب غيري؟! قال: نعم، ربي وربك الله. قال: فأخذه بالعذاب. وقال: [لتدلنني] على من علمك هذا. قال: [فدل] على الغلام، قال: فدعا الغلام فقال: ارجع عن دينك. فأبى الغلام، قال: فأخذه بالعذاب، قال: فدل على الراهب، فأخذ الراهب بالعذاب، وقال له : ارجع عن دينك. فأبى، قال: فوضع المنشار على هامته فشقه حتى بلغ (إلى) الأرض، ثم قال للغلام: لترجعن أو لأقتلنك. فقال: اذهبوا به حتى تبلغوه ذروة الجبل، فإن رجع عن دينه وإلا [دهدهوه]. فلما بلغ ذروه الجبل قال الغلام: اللهم اكفنيهم. فرجف بهم الجبل فوقعوا فماتوا كلهم. وجاء الغلام يتلمس حتى دخل على الملك فقال: أين أصحابك؟! قال: كفانيهم الله جل ثناؤه. فقال: اذهبوا به فاحملوه في قرقورة فتوسطوا به البحر، فإن رجع عن دينه وإلا فغرقوه. قال فذهبوا، فلما توسطوا به البحر قال الغلام: اللهم فاكفنيهم. فانقلبت بهم السفينة فغرقوا، وجاء الغلام [يتلمس] حتى دخل على الملك، فقال الملك: أين أصحابك؟ قال: دعوت الله فكفانيهم. قال: لأقتلنك. قال: ما أنت بقاتلي حتى تصنع ما آمرك. قال: وما أصنع. قال: اجمع الناس في صعيد واحد ثم أصلُبْنِي، ثم خذ سهماً من كنانتي فارمني وقل: باسم رب الغلام، فإنك ستقتلني. قال: فجمع الملك الناس في صعيد واحد، قال: وصلب الغلام وأخذ سهماً من كنانته فوضعه في كبد القوس ثم رمى به، وقال: باسم رب الغلام. [قال]: فوقع السهم في صدغ الغلام، فوضع الغلام يده على صدغه ومات، فقال الناس: آمنا برب الغلام، فقيل للملك: ما صنعت؟! الذي كنت تحذر قد وقع، قد آمن الناس برب الغلام، فأمر الملك بأفواه الطرق والسكك فأخذت، وخد الأخدود وضرب فيه النيران وأخذهم وقال: [ارجعوا وإلا ألقيتكم] في النار. قال: فكانوا يلقونهم في النار. قال: فجاءت امرأة معها صبي لها. قال: فلما ذهبت تقتحم وجدت حر النار فنكصت. قال: فقال لها صبيها: يا أمه، امضِ، فإنك على الحق. فاقتحمت في النار وقال الربيع بن أنس: كان أصحاب الأخدود قوماً مؤمنين اعتزلوا الناس في الفترة، وإن جباراً من عبدة الأوثان أرسل إليهم يعرض عليهم الدخول في دينه أو يلقيهم في النار، فاختاروا إلقاءهم في النار على الرجوع عن دينهم، فألقوا في النار، فنجى الله المؤمنين الذين ألقوا في النار من الحريق بأن قبض (الله) أرواحهم قبل أن تمسهم النار. قال: وخرجت النار إلى من على شفير الأخدود من الكفار فأحرقتهم، فذلك قوله: ﴿وَلَهُمْ عَذَابُ ٱلْحَرِيقِ﴾ أي: لهم عذاب جهنم في الآخرة ولهم عذاب الحريق في الدنيا، وهي (النار) التي خرجت إليهم من الأخدود فأحرقتهم. * * وقوله: ﴿ذَاتِ ٱلْوَقُودِ﴾. أي: ذات الحطب الجزل، فإن [ضممت] الواو فمعناه ذات التوقد. والأخدود" الحفرة تحفر في الأرض. * * وقوله: ﴿إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ﴾. أي: [إذ الكفار] على النار قعود لحرق المؤمنين، يعني: على حافة الأخدود الذي فيه النار. وقال قتادة: ﴿إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ﴾. يعني بذلك المؤمنين. * * ثم قال: ﴿وَهُمْ عَلَىٰ مَا يَفْعَلُونَ بِٱلْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ﴾. يعني: الكفار. حضور يعرضون المؤمنين على الكفر فمن رجع إليه، وإلا القوه في النار. * * ثم قال تعالى: ﴿وَمَا نَقَمُواْ مِنْهُمْ إِلاَّ أَن يُؤْمِنُواْ بِٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَمِيدِ﴾. أي: وما فعل هؤلاء الكفار بالمؤمنين ما فعلوا من حرقهم إياهم بالنار إلا من أجل أنهم آمنوا بالله الشديد في انتقامه من أعدائه، المحمود عند عباده بإحسانه إليهم. * * ﴿ٱلَّذِي لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ﴾. أي: سلطان ذلك كله. * * ﴿وَٱللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾. أي: والله شهيد على ما فعل هؤلاء الكفار بالمؤمنين وعلى غير ذلك من أفعالهم وأفعال جميع الخلق، فمجازيهم على ما عملوا. * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ فَتَنُواْ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُواْ﴾. أي: حرقوهم بالنار وعذبوهم ثم لم يتوبوا من كفرهم وفعلهم، فلهم عذاب جهنم في الآخرة، ولهم عذاب الحريق في الدنيا. هذا قول الربيع بن أنس. قال محمد بن إسحاق: احترقوا في الدنيا. وكذلك قال أبو العالية. ﴿فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ ﴾ يعني: في الآخرة، واحترقوا في الدنيا بعذاب الحريق. ثم قال تعالى: * * ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ ذَلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْكَبِيرُ﴾. أي: إن الذين أقروا بتوحيد الله وعملوا الأعمال الصالحات وهم الذين حرقهم أصحاب الأخدود وغيرهم من سائر أهل التوحيد لهم بساتين في الآخرة تجري من تحت أشجارها الأنهار من الماء والخمر، واللبن والعسل. ﴿ذَلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْكَبِيرُ﴾ [أي]: ذلك الذي أعطي هؤلاء هو الظفر الكبير بما طلبوا بإيمانهم بالله في الدنيا وطاعتهم له. * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾. أي: إن أخذ ربك يا محمد من أخذ من أعدائه وانتقامه منهم لشديد. وهو تحذير من الله لعباده أن يحل بهم من نقمه على كفرهم وتعذيبهم مثل الذي حل بأصحاب الأخدود. * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّهُ هُوَ يُبْدِىءُ وَيُعِيدُ﴾. أي: هو ابتدأ الخلق أول مرة، وهو يعيدهم بعد مماتهم للبعث والجزاء. هذا معنى قول الضحاك وابن زيد. وقال ابن عباس: معناه: إنه هو يبدئ العذاب ثم يعيده. (وهو اختيار الطبري)، أي: يبدئ العذاب لأهل الكفر في الدنيا، (وهو عذاب الحريق - ثم يعيده) عليهم في الآخرة - وهو عذاب جهنم. * * ثم قال تعالى: ﴿وَهُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلْوَدُودُ﴾. أي: وهو الغفور لمن تاب من كفره وذنوبه. ﴿ٱلْوَدُودُ﴾ أي: ذو المحبة. وعن ابن عباس أنه قال: ﴿ٱلْوَدُودُ﴾: "الحبيب". وقال ابن زيد: ﴿ٱلْوَدُودُ﴾: "الرحيم". * * ثم قال تعالى: ﴿ذُو ٱلْعَرْشِ ٱلْمَجِيدُ﴾. وقال ابن عباس: ﴿ٱلْمَجِيدُ﴾: "الكريم". * * ثم قال تعالى: ﴿فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ﴾. أي: يفعل ما يشاء، فيوقف من شاء للتوبة فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء بأن [يحول] بينه وبين التوفيق فيموت على كفره. * * ثم قال تعالى: ﴿هَلُ أَتَاكَ حَدِيثُ ٱلْجُنُودِ * فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ﴾. أي: هل جاءك يا محمد حديث الجنود الذين تجندوا على الله ورسوله بأذاهم ومكروهِهم؟ أي: قد أتاك ذلك وعلمته. فاصبر لأذى قومك كما صبر من كان قبلك من الرسل الذين تجند قومهم عليهم. ثم بين الجنود من هم فقال: ﴿فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ﴾ أي: قوم فرعون وتباعه، وثمود. * * ثم قال تعالى: ﴿بَلِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فِي تَكْذِيبٍ﴾. أي: بل الذين كفروا من قومك في تكذيب بوعيد الله ووحيه ﴿وَٱللَّهُ مِن وَرَآئِهِمْ مُّحِيطٌ﴾ أي: محيط بأعمالهم محصيها عليهم حتى يجازيهم عليها. * * ثم قال تعالى: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَّجِيدٌ * فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ﴾. أي: بل ما يقول هؤلاء إنه شعر وسحر [وكهانة]، قرآن مجيد محفوظ من أن يغير، في لوح. قال ابن جبير: مجيد "كريم" وقاله قتادة. قال مجاهد: ﴿فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ﴾ قال: "في أم الكتاب". ومن رفع ﴿مَّحْفُوظٍ﴾، جعله نعتاً للقرآن، بمعنى أنه محفوظ أن يغيره أحد بزيادة أو نقص. ودل على ذلك قوله: ﴿وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩]. ومن خفض، جعله نعتا للوح، أي: القرآن في لوح عند الله محفوظ، وهو اللوح المحفوظ. كما قال مجاهد: هو أم الكتاب. وقال قتادة: ﴿فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ﴾ "عند الله". وقال أنس بن مالك: "إن اللوح المحفوظ الذي ذكر الله في جبهة إسرافيل". وقرأ محمد اليماني: بل هو قرآن مجيد، بالإضافة على معنى: بل هو قرآن رب مجيد. قال ابن عباس: خلق الله اللوح المحفوظ من درة بيضاء، دفتاه [ياقوتة] حمراء، قلمه نور، وكتابه نور، ينظر إليه كل يوم ثلاثمائة وستين نظرة، يُحيي في كل نظرة، ويميت ويعز ويذل، ويفعل ما يشاء، لا إله إلا هو.

البروج 85:5

قوله تعالى: ﴿وَٱلسَّمَآءِ ذَاتِ ٱلْبُرُوجِ﴾ إلى آخرها. أي: ورب السماء ذات القصور. قاله ابن عباس. قال الضحاك: البروج "[يزعمون] أنها قصور في السماء، ويقال: هي الكواكب". قال مجاهد: "البروج: النجوم". وهو قول قتادة. وقيل: المعنى: ذات الرمل والماء. واختار الطبري أن يكون المعنى: ذات منازل الشمس والقمر، على قول مجاهد أن البروج - وهي اثنا عشر برجاً - يسير القمر في كل برج (منها يومين وثلثاً، فذلك ثمان وعشرون منزلة، ثم يستقر ليلتين وثلثاً، وتسير الشمس في كل برج) [شهراً]. وجواب القسم محذوف. وقيل: الجواب ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ ٱلأُخْدُودِ﴾ على تقدير حذف اللام، أي: لقتل أصحاب الأخدود. وقيل: الجواب: ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾ وهو قول قتادة. وقيل: الجواب: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ فَتَنُواْ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾. * * ثم قال تعالى: ﴿وَٱلْيَوْمِ ٱلْمَوْعُودِ﴾ يعني يوم القيامة، وعد الله به عباده لفصل القضاء بينهم روي ذلك عن النبي ﷺ وقاله علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأبو هريرة وقتادة وغيرهم. ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ﴾ قال أبو هريرة: "الشاهد يوم الجمعة، والمشهود: يوم عرفة". وقاله الحسن، وروي (ذلك) عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه وابن عباس، وقاله قتادة وابن المسيب وابن زيد. وعن ابن عباس أيضاً: أن الشاهد محمد ﷺ لقوله: ﴿وَجِئْنَا بِكَ عَلَىٰ هَـٰؤُلاۤءِ شَهِيداً﴾ [النساء: ٤١] والمشهود": يوم القيامة، لقوله تعالى: ﴿وَذَٰلِكَ يَوْمٌ مَّشْهُودٌ﴾ [هود: ١٠٣] أي: يشهده الأولون والآخرون لفصل القضاء بينهم. وهو قول عكرمة، وقاله الحسن بن علي أيضاً. وقال مجاهد: "الشاهد الإنسان، والمشهود: يوم القيامة". فالإنسان لا بد أن يشهد يوم القيامة، ويوم القيامة مشهود لبني آدم، فتكون الشهادة على هذا القول [بمعنى] الحضور. وقد روي مثل ذلك عن الضحاك. وعن عكرمة أيضاً و (عن) ابن عباس أن الشاهد: الله جل ذكره، لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ ٱللَّهُ شَهِيدٌ عَلَىٰ مَا يَفْعَلُونَ﴾ [يونس: ٤٦] والمشهود يوم القيامة لقوله تعالى: ﴿وَذَٰلِكَ يَوْمٌ مَّشْهُودٌ﴾ [هود: ١٠٣]. وقال إبراهيم: الشاهد يوم الأضحى والمشهود يوم عرفة. وعن ابن عباس أيضاً. رواه عنه مجاهد "أن الشاهد: يوم عرفة، والمشهود: يوم القيامة". وروى أبو الدرداء أن النبي ﷺ (قال): "أكثروا علي [الصلاة] يوم الجمعة، فإنه مشهود تشهده الملائكة". وقيل: الشاهد: محمد، والمشهود: الذين يشهد عليهم محمد ﷺ. * * ثم قال تعالى: ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ ٱلأُخْدُودِ * ٱلنَّارِ ذَاتِ ٱلْوَقُودِ﴾ أي: لعن أهلك أصحاب الأخدود، أخبرنا الله جل ذكره أنه أهلكهم ولعنهم. ذكر علي بن أبي طالب رضي الله عنه: أنهم كانوا أهل كتاب، وكانت الخمر أُحِلَّتْ لهم، فشربها ملك من ملوكهم حتى [ثَمِلَ]، فتناول أخته، [زاد عبد بن حميد: أو ابنته، وذكر القصة، وفيها: فإذا ذهب هذا في الناس بأسره خطبتهم فحرمته عليهم]، فوقع عليها، فلما زال عنه السكر ندم، فقال: لأخته: ويحك، ما المخرج مما ابتليت به؟ فقالت: اخطب الناس فقل: يا أيها الناس، [إن الله] قد أحل نكاح الأخوات. ففعل، [فتبرأ] الناس منه ومن قوله، وقالوا: ما جاءنا به نبي ولا وجدناه في كتاب! فرجع إلى أخته نادماً فقال لها: ويحك! إن الناس قد أبوا علي أن يقروا بذلك، فقالت: [ابسط] عليهم السياط، ففعل، فأبوا أن [يقروا] له، فرجع إليها فقالت: (اخطبهم، فإن أبوا فجرد فيهم السيف، ففعل فأبوا)، فرجع إليها فقالت: خُدَّ لهم الأخدود، ثم اعرض عليها أهل مملكتك، فمن أقر وإلا فاقذفه في النار. ففعل، فمن لم يُقِرُّوا [له] بتحليل الأخوات قذفه في النار، فلم يزالوا من ذلك الوقت يستحلون الأخوات والبنات والأمهات. وبقايا [أصحاب] الأخدود الآن مجوس يعبدون النار. ولذلك، قال بعض العلماء فيهم [أن يسن فيهم] سنة أهل الكتاب. * * وقوله: ﴿ٱلنَّارِ﴾ خفض على البدل من الأخدود، وهو بدل الاشتمال. وقيل: هو خفض على الجوار، وذلك بعيد. وفيه تقديران إذا جعلته بدلاً. أحدهما: أن التقدير: النار ذات الوقود نارها. والآخر: النار التي فيها. والأخدود: حفير [مستطيل] كالخندق. يروى أنه كان بموضع يقال له [نجران]، أحرق فيه قوم مؤمنون، أحرقهم ملك من ملوك حمير مشرك، وكان ذلك قبل مولد النبي ﷺ بسبعين سنة. وروى قتادة أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: هم ناس كانوا بمدارع اليمن اقتتل مؤمنوها وكافروها، فظهر مؤمنوها على [كافريها]، ثم اقتتلوا الثانية فظهر كافروها على مؤمنيها، ثم أخذ بعضهم على بعض عهوداً ومواثيق ألا يغدر بعضهم (بعضا)، فغدر بهم الكفار فأخذوهم أَخْذاً، ثم إن رجلاً من المؤمنين قال لهم: هل لكم إلى خير؟ توقدون [ناراً]، (ثم) تعرضوننا عليها، فمن تابعكم على دينكم فذلك الذي تشتهون، ومن لا، اقتحم النار [فاسترحتم] منه. قال: [فأججوا] ناراً، وعرضوا عليها، فجعلوا يقتحمونها ضناً بدينهم حتى بقيت عجوز منهم كأنها تلكأت، فقال لها طفل في حجرها: يا أمه، امضي ولا تنافقي، فقص الله جل ذكره نبأهم وخبرهم. وقال ابن عباس: هم ناس من بني إسرائيل، خدُّواً أخدوداً في الأرض ثم أوقدوا فيه ناراً ثم أقاموا على ذلك الأخدود رجالاً ونساء ثم عرضوا عليها، وزعموا أنه دانيال وأصحابه وكذلك قال الضحاك، إلا أنه قال: فقالوا للرجال والنساء: تكفرون أو نقذفكم في النار (قال). [ويزعمون] أنه دانيال وأصحابه. وروى صهيب أن النبي ﷺ قال: إنه كان في من كان قبلكم ملكٌ، وكان له ساحرٌ، فأتى الساحر الملك فقال: قد كبرت سنّي ودنا أجلي، فادفع إلي غلاماً أعلمه السحر. فدفع إليه غلاماً يعلمه السحر، فكان الغلام يختلف إلى الساحر، وكان بين الساحر وبين الملك راهب. قال: فكان الغلام إذا مر بالراهب قعد إليه فيسمع كلامه، فأعجب بكلامه، فكان إذا أتى الساحر ضربه الساحر وقال: ما حبسك؟. وإذا أتى الغلام (إلى) أهله قعد عند الراهب يسمع كلامه، فإذا أتى أهله ضربوه وقالوا: ما حبسك؟ فشكا ذلك إلى الراهب، فقال له الراهب: إذا قال لك الساحر ما حبسك؟ فقل: حبسني أهلي، وإذا قال لك أهلك: ما حبسك؟ فقل: حبسني الساحر. فبينما هو كذلك، إذ مر في طريق، وإذا دابة عظيمة في الطريق وقد حبست الناس لا تدعهم يجوزون، فقال الغلام: الآن أعلم، أمر الساحر أرضى عند الله أم أمر الراهب؟ قال: فأخذ حجراً فقال: اللهم إن كان أمر الراهب أحب إليك من أمر الساحر فإني أرمي بهذا الحجر هذا ويمر الناس. قال: فرماها، فقتلها وجاز الناس فبلغ ذلك الراهب، وأتاه الغلام، فقال الراهب للغلام: إنك خير مني، وإن ابتليت فلا تدلن علي. [قال]: وكان الغلام يبرئ الأكمه والأبرص وسائر الأدواء. (قال: وكان للملك جليس فعمي، قال: فقيل له: إن هاهنا غلاما يبرئ الأكمه والأبرص وسائر الآذاء) فلو أتيته؟ قال: فاتخذ له هدايا، ثم أتاه فقال: يا غلام، إن أبرأتني فهذه الهدايا كلها لك. فقال: ما أنا أشفيك، ولكن الله يشفي، فإن آمنت دعوت الله أن يشفيك، قال: فآمن الأعمى، فدعا الغلام الله - جل ذكره - فشفاه، فقعد إلى الملك [كما كان يقعد]، فقال له الملك: أليس كنت أعمى؟! فقال نعم، قال: فمن شفاك؟ قال: ربي. قال: ولك رب غيري؟! قال: نعم، ربي وربك الله. قال: فأخذه بالعذاب. وقال: [لتدلنني] على من علمك هذا. قال: [فدل] على الغلام، قال: فدعا الغلام فقال: ارجع عن دينك. فأبى الغلام، قال: فأخذه بالعذاب، قال: فدل على الراهب، فأخذ الراهب بالعذاب، وقال له : ارجع عن دينك. فأبى، قال: فوضع المنشار على هامته فشقه حتى بلغ (إلى) الأرض، ثم قال للغلام: لترجعن أو لأقتلنك. فقال: اذهبوا به حتى تبلغوه ذروة الجبل، فإن رجع عن دينه وإلا [دهدهوه]. فلما بلغ ذروه الجبل قال الغلام: اللهم اكفنيهم. فرجف بهم الجبل فوقعوا فماتوا كلهم. وجاء الغلام يتلمس حتى دخل على الملك فقال: أين أصحابك؟! قال: كفانيهم الله جل ثناؤه. فقال: اذهبوا به فاحملوه في قرقورة فتوسطوا به البحر، فإن رجع عن دينه وإلا فغرقوه. قال فذهبوا، فلما توسطوا به البحر قال الغلام: اللهم فاكفنيهم. فانقلبت بهم السفينة فغرقوا، وجاء الغلام [يتلمس] حتى دخل على الملك، فقال الملك: أين أصحابك؟ قال: دعوت الله فكفانيهم. قال: لأقتلنك. قال: ما أنت بقاتلي حتى تصنع ما آمرك. قال: وما أصنع. قال: اجمع الناس في صعيد واحد ثم أصلُبْنِي، ثم خذ سهماً من كنانتي فارمني وقل: باسم رب الغلام، فإنك ستقتلني. قال: فجمع الملك الناس في صعيد واحد، قال: وصلب الغلام وأخذ سهماً من كنانته فوضعه في كبد القوس ثم رمى به، وقال: باسم رب الغلام. [قال]: فوقع السهم في صدغ الغلام، فوضع الغلام يده على صدغه ومات، فقال الناس: آمنا برب الغلام، فقيل للملك: ما صنعت؟! الذي كنت تحذر قد وقع، قد آمن الناس برب الغلام، فأمر الملك بأفواه الطرق والسكك فأخذت، وخد الأخدود وضرب فيه النيران وأخذهم وقال: [ارجعوا وإلا ألقيتكم] في النار. قال: فكانوا يلقونهم في النار. قال: فجاءت امرأة معها صبي لها. قال: فلما ذهبت تقتحم وجدت حر النار فنكصت. قال: فقال لها صبيها: يا أمه، امضِ، فإنك على الحق. فاقتحمت في النار وقال الربيع بن أنس: كان أصحاب الأخدود قوماً مؤمنين اعتزلوا الناس في الفترة، وإن جباراً من عبدة الأوثان أرسل إليهم يعرض عليهم الدخول في دينه أو يلقيهم في النار، فاختاروا إلقاءهم في النار على الرجوع عن دينهم، فألقوا في النار، فنجى الله المؤمنين الذين ألقوا في النار من الحريق بأن قبض (الله) أرواحهم قبل أن تمسهم النار. قال: وخرجت النار إلى من على شفير الأخدود من الكفار فأحرقتهم، فذلك قوله: ﴿وَلَهُمْ عَذَابُ ٱلْحَرِيقِ﴾ أي: لهم عذاب جهنم في الآخرة ولهم عذاب الحريق في الدنيا، وهي (النار) التي خرجت إليهم من الأخدود فأحرقتهم. * * وقوله: ﴿ذَاتِ ٱلْوَقُودِ﴾. أي: ذات الحطب الجزل، فإن [ضممت] الواو فمعناه ذات التوقد. والأخدود" الحفرة تحفر في الأرض. * * وقوله: ﴿إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ﴾. أي: [إذ الكفار] على النار قعود لحرق المؤمنين، يعني: على حافة الأخدود الذي فيه النار. وقال قتادة: ﴿إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ﴾. يعني بذلك المؤمنين. * * ثم قال: ﴿وَهُمْ عَلَىٰ مَا يَفْعَلُونَ بِٱلْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ﴾. يعني: الكفار. حضور يعرضون المؤمنين على الكفر فمن رجع إليه، وإلا القوه في النار. * * ثم قال تعالى: ﴿وَمَا نَقَمُواْ مِنْهُمْ إِلاَّ أَن يُؤْمِنُواْ بِٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَمِيدِ﴾. أي: وما فعل هؤلاء الكفار بالمؤمنين ما فعلوا من حرقهم إياهم بالنار إلا من أجل أنهم آمنوا بالله الشديد في انتقامه من أعدائه، المحمود عند عباده بإحسانه إليهم. * * ﴿ٱلَّذِي لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ﴾. أي: سلطان ذلك كله. * * ﴿وَٱللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾. أي: والله شهيد على ما فعل هؤلاء الكفار بالمؤمنين وعلى غير ذلك من أفعالهم وأفعال جميع الخلق، فمجازيهم على ما عملوا. * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ فَتَنُواْ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُواْ﴾. أي: حرقوهم بالنار وعذبوهم ثم لم يتوبوا من كفرهم وفعلهم، فلهم عذاب جهنم في الآخرة، ولهم عذاب الحريق في الدنيا. هذا قول الربيع بن أنس. قال محمد بن إسحاق: احترقوا في الدنيا. وكذلك قال أبو العالية. ﴿فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ ﴾ يعني: في الآخرة، واحترقوا في الدنيا بعذاب الحريق. ثم قال تعالى: * * ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ ذَلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْكَبِيرُ﴾. أي: إن الذين أقروا بتوحيد الله وعملوا الأعمال الصالحات وهم الذين حرقهم أصحاب الأخدود وغيرهم من سائر أهل التوحيد لهم بساتين في الآخرة تجري من تحت أشجارها الأنهار من الماء والخمر، واللبن والعسل. ﴿ذَلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْكَبِيرُ﴾ [أي]: ذلك الذي أعطي هؤلاء هو الظفر الكبير بما طلبوا بإيمانهم بالله في الدنيا وطاعتهم له. * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾. أي: إن أخذ ربك يا محمد من أخذ من أعدائه وانتقامه منهم لشديد. وهو تحذير من الله لعباده أن يحل بهم من نقمه على كفرهم وتعذيبهم مثل الذي حل بأصحاب الأخدود. * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّهُ هُوَ يُبْدِىءُ وَيُعِيدُ﴾. أي: هو ابتدأ الخلق أول مرة، وهو يعيدهم بعد مماتهم للبعث والجزاء. هذا معنى قول الضحاك وابن زيد. وقال ابن عباس: معناه: إنه هو يبدئ العذاب ثم يعيده. (وهو اختيار الطبري)، أي: يبدئ العذاب لأهل الكفر في الدنيا، (وهو عذاب الحريق - ثم يعيده) عليهم في الآخرة - وهو عذاب جهنم. * * ثم قال تعالى: ﴿وَهُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلْوَدُودُ﴾. أي: وهو الغفور لمن تاب من كفره وذنوبه. ﴿ٱلْوَدُودُ﴾ أي: ذو المحبة. وعن ابن عباس أنه قال: ﴿ٱلْوَدُودُ﴾: "الحبيب". وقال ابن زيد: ﴿ٱلْوَدُودُ﴾: "الرحيم". * * ثم قال تعالى: ﴿ذُو ٱلْعَرْشِ ٱلْمَجِيدُ﴾. وقال ابن عباس: ﴿ٱلْمَجِيدُ﴾: "الكريم". * * ثم قال تعالى: ﴿فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ﴾. أي: يفعل ما يشاء، فيوقف من شاء للتوبة فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء بأن [يحول] بينه وبين التوفيق فيموت على كفره. * * ثم قال تعالى: ﴿هَلُ أَتَاكَ حَدِيثُ ٱلْجُنُودِ * فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ﴾. أي: هل جاءك يا محمد حديث الجنود الذين تجندوا على الله ورسوله بأذاهم ومكروهِهم؟ أي: قد أتاك ذلك وعلمته. فاصبر لأذى قومك كما صبر من كان قبلك من الرسل الذين تجند قومهم عليهم. ثم بين الجنود من هم فقال: ﴿فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ﴾ أي: قوم فرعون وتباعه، وثمود. * * ثم قال تعالى: ﴿بَلِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فِي تَكْذِيبٍ﴾. أي: بل الذين كفروا من قومك في تكذيب بوعيد الله ووحيه ﴿وَٱللَّهُ مِن وَرَآئِهِمْ مُّحِيطٌ﴾ أي: محيط بأعمالهم محصيها عليهم حتى يجازيهم عليها. * * ثم قال تعالى: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَّجِيدٌ * فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ﴾. أي: بل ما يقول هؤلاء إنه شعر وسحر [وكهانة]، قرآن مجيد محفوظ من أن يغير، في لوح. قال ابن جبير: مجيد "كريم" وقاله قتادة. قال مجاهد: ﴿فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ﴾ قال: "في أم الكتاب". ومن رفع ﴿مَّحْفُوظٍ﴾، جعله نعتاً للقرآن، بمعنى أنه محفوظ أن يغيره أحد بزيادة أو نقص. ودل على ذلك قوله: ﴿وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩]. ومن خفض، جعله نعتا للوح، أي: القرآن في لوح عند الله محفوظ، وهو اللوح المحفوظ. كما قال مجاهد: هو أم الكتاب. وقال قتادة: ﴿فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ﴾ "عند الله". وقال أنس بن مالك: "إن اللوح المحفوظ الذي ذكر الله في جبهة إسرافيل". وقرأ محمد اليماني: بل هو قرآن مجيد، بالإضافة على معنى: بل هو قرآن رب مجيد. قال ابن عباس: خلق الله اللوح المحفوظ من درة بيضاء، دفتاه [ياقوتة] حمراء، قلمه نور، وكتابه نور، ينظر إليه كل يوم ثلاثمائة وستين نظرة، يُحيي في كل نظرة، ويميت ويعز ويذل، ويفعل ما يشاء، لا إله إلا هو.

البروج 85:6

قوله تعالى: ﴿وَٱلسَّمَآءِ ذَاتِ ٱلْبُرُوجِ﴾ إلى آخرها. أي: ورب السماء ذات القصور. قاله ابن عباس. قال الضحاك: البروج "[يزعمون] أنها قصور في السماء، ويقال: هي الكواكب". قال مجاهد: "البروج: النجوم". وهو قول قتادة. وقيل: المعنى: ذات الرمل والماء. واختار الطبري أن يكون المعنى: ذات منازل الشمس والقمر، على قول مجاهد أن البروج - وهي اثنا عشر برجاً - يسير القمر في كل برج (منها يومين وثلثاً، فذلك ثمان وعشرون منزلة، ثم يستقر ليلتين وثلثاً، وتسير الشمس في كل برج) [شهراً]. وجواب القسم محذوف. وقيل: الجواب ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ ٱلأُخْدُودِ﴾ على تقدير حذف اللام، أي: لقتل أصحاب الأخدود. وقيل: الجواب: ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾ وهو قول قتادة. وقيل: الجواب: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ فَتَنُواْ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾. * * ثم قال تعالى: ﴿وَٱلْيَوْمِ ٱلْمَوْعُودِ﴾ يعني يوم القيامة، وعد الله به عباده لفصل القضاء بينهم روي ذلك عن النبي ﷺ وقاله علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأبو هريرة وقتادة وغيرهم. ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ﴾ قال أبو هريرة: "الشاهد يوم الجمعة، والمشهود: يوم عرفة". وقاله الحسن، وروي (ذلك) عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه وابن عباس، وقاله قتادة وابن المسيب وابن زيد. وعن ابن عباس أيضاً: أن الشاهد محمد ﷺ لقوله: ﴿وَجِئْنَا بِكَ عَلَىٰ هَـٰؤُلاۤءِ شَهِيداً﴾ [النساء: ٤١] والمشهود": يوم القيامة، لقوله تعالى: ﴿وَذَٰلِكَ يَوْمٌ مَّشْهُودٌ﴾ [هود: ١٠٣] أي: يشهده الأولون والآخرون لفصل القضاء بينهم. وهو قول عكرمة، وقاله الحسن بن علي أيضاً. وقال مجاهد: "الشاهد الإنسان، والمشهود: يوم القيامة". فالإنسان لا بد أن يشهد يوم القيامة، ويوم القيامة مشهود لبني آدم، فتكون الشهادة على هذا القول [بمعنى] الحضور. وقد روي مثل ذلك عن الضحاك. وعن عكرمة أيضاً و (عن) ابن عباس أن الشاهد: الله جل ذكره، لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ ٱللَّهُ شَهِيدٌ عَلَىٰ مَا يَفْعَلُونَ﴾ [يونس: ٤٦] والمشهود يوم القيامة لقوله تعالى: ﴿وَذَٰلِكَ يَوْمٌ مَّشْهُودٌ﴾ [هود: ١٠٣]. وقال إبراهيم: الشاهد يوم الأضحى والمشهود يوم عرفة. وعن ابن عباس أيضاً. رواه عنه مجاهد "أن الشاهد: يوم عرفة، والمشهود: يوم القيامة". وروى أبو الدرداء أن النبي ﷺ (قال): "أكثروا علي [الصلاة] يوم الجمعة، فإنه مشهود تشهده الملائكة". وقيل: الشاهد: محمد، والمشهود: الذين يشهد عليهم محمد ﷺ. * * ثم قال تعالى: ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ ٱلأُخْدُودِ * ٱلنَّارِ ذَاتِ ٱلْوَقُودِ﴾ أي: لعن أهلك أصحاب الأخدود، أخبرنا الله جل ذكره أنه أهلكهم ولعنهم. ذكر علي بن أبي طالب رضي الله عنه: أنهم كانوا أهل كتاب، وكانت الخمر أُحِلَّتْ لهم، فشربها ملك من ملوكهم حتى [ثَمِلَ]، فتناول أخته، [زاد عبد بن حميد: أو ابنته، وذكر القصة، وفيها: فإذا ذهب هذا في الناس بأسره خطبتهم فحرمته عليهم]، فوقع عليها، فلما زال عنه السكر ندم، فقال: لأخته: ويحك، ما المخرج مما ابتليت به؟ فقالت: اخطب الناس فقل: يا أيها الناس، [إن الله] قد أحل نكاح الأخوات. ففعل، [فتبرأ] الناس منه ومن قوله، وقالوا: ما جاءنا به نبي ولا وجدناه في كتاب! فرجع إلى أخته نادماً فقال لها: ويحك! إن الناس قد أبوا علي أن يقروا بذلك، فقالت: [ابسط] عليهم السياط، ففعل، فأبوا أن [يقروا] له، فرجع إليها فقالت: (اخطبهم، فإن أبوا فجرد فيهم السيف، ففعل فأبوا)، فرجع إليها فقالت: خُدَّ لهم الأخدود، ثم اعرض عليها أهل مملكتك، فمن أقر وإلا فاقذفه في النار. ففعل، فمن لم يُقِرُّوا [له] بتحليل الأخوات قذفه في النار، فلم يزالوا من ذلك الوقت يستحلون الأخوات والبنات والأمهات. وبقايا [أصحاب] الأخدود الآن مجوس يعبدون النار. ولذلك، قال بعض العلماء فيهم [أن يسن فيهم] سنة أهل الكتاب. * * وقوله: ﴿ٱلنَّارِ﴾ خفض على البدل من الأخدود، وهو بدل الاشتمال. وقيل: هو خفض على الجوار، وذلك بعيد. وفيه تقديران إذا جعلته بدلاً. أحدهما: أن التقدير: النار ذات الوقود نارها. والآخر: النار التي فيها. والأخدود: حفير [مستطيل] كالخندق. يروى أنه كان بموضع يقال له [نجران]، أحرق فيه قوم مؤمنون، أحرقهم ملك من ملوك حمير مشرك، وكان ذلك قبل مولد النبي ﷺ بسبعين سنة. وروى قتادة أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: هم ناس كانوا بمدارع اليمن اقتتل مؤمنوها وكافروها، فظهر مؤمنوها على [كافريها]، ثم اقتتلوا الثانية فظهر كافروها على مؤمنيها، ثم أخذ بعضهم على بعض عهوداً ومواثيق ألا يغدر بعضهم (بعضا)، فغدر بهم الكفار فأخذوهم أَخْذاً، ثم إن رجلاً من المؤمنين قال لهم: هل لكم إلى خير؟ توقدون [ناراً]، (ثم) تعرضوننا عليها، فمن تابعكم على دينكم فذلك الذي تشتهون، ومن لا، اقتحم النار [فاسترحتم] منه. قال: [فأججوا] ناراً، وعرضوا عليها، فجعلوا يقتحمونها ضناً بدينهم حتى بقيت عجوز منهم كأنها تلكأت، فقال لها طفل في حجرها: يا أمه، امضي ولا تنافقي، فقص الله جل ذكره نبأهم وخبرهم. وقال ابن عباس: هم ناس من بني إسرائيل، خدُّواً أخدوداً في الأرض ثم أوقدوا فيه ناراً ثم أقاموا على ذلك الأخدود رجالاً ونساء ثم عرضوا عليها، وزعموا أنه دانيال وأصحابه وكذلك قال الضحاك، إلا أنه قال: فقالوا للرجال والنساء: تكفرون أو نقذفكم في النار (قال). [ويزعمون] أنه دانيال وأصحابه. وروى صهيب أن النبي ﷺ قال: إنه كان في من كان قبلكم ملكٌ، وكان له ساحرٌ، فأتى الساحر الملك فقال: قد كبرت سنّي ودنا أجلي، فادفع إلي غلاماً أعلمه السحر. فدفع إليه غلاماً يعلمه السحر، فكان الغلام يختلف إلى الساحر، وكان بين الساحر وبين الملك راهب. قال: فكان الغلام إذا مر بالراهب قعد إليه فيسمع كلامه، فأعجب بكلامه، فكان إذا أتى الساحر ضربه الساحر وقال: ما حبسك؟. وإذا أتى الغلام (إلى) أهله قعد عند الراهب يسمع كلامه، فإذا أتى أهله ضربوه وقالوا: ما حبسك؟ فشكا ذلك إلى الراهب، فقال له الراهب: إذا قال لك الساحر ما حبسك؟ فقل: حبسني أهلي، وإذا قال لك أهلك: ما حبسك؟ فقل: حبسني الساحر. فبينما هو كذلك، إذ مر في طريق، وإذا دابة عظيمة في الطريق وقد حبست الناس لا تدعهم يجوزون، فقال الغلام: الآن أعلم، أمر الساحر أرضى عند الله أم أمر الراهب؟ قال: فأخذ حجراً فقال: اللهم إن كان أمر الراهب أحب إليك من أمر الساحر فإني أرمي بهذا الحجر هذا ويمر الناس. قال: فرماها، فقتلها وجاز الناس فبلغ ذلك الراهب، وأتاه الغلام، فقال الراهب للغلام: إنك خير مني، وإن ابتليت فلا تدلن علي. [قال]: وكان الغلام يبرئ الأكمه والأبرص وسائر الأدواء. (قال: وكان للملك جليس فعمي، قال: فقيل له: إن هاهنا غلاما يبرئ الأكمه والأبرص وسائر الآذاء) فلو أتيته؟ قال: فاتخذ له هدايا، ثم أتاه فقال: يا غلام، إن أبرأتني فهذه الهدايا كلها لك. فقال: ما أنا أشفيك، ولكن الله يشفي، فإن آمنت دعوت الله أن يشفيك، قال: فآمن الأعمى، فدعا الغلام الله - جل ذكره - فشفاه، فقعد إلى الملك [كما كان يقعد]، فقال له الملك: أليس كنت أعمى؟! فقال نعم، قال: فمن شفاك؟ قال: ربي. قال: ولك رب غيري؟! قال: نعم، ربي وربك الله. قال: فأخذه بالعذاب. وقال: [لتدلنني] على من علمك هذا. قال: [فدل] على الغلام، قال: فدعا الغلام فقال: ارجع عن دينك. فأبى الغلام، قال: فأخذه بالعذاب، قال: فدل على الراهب، فأخذ الراهب بالعذاب، وقال له : ارجع عن دينك. فأبى، قال: فوضع المنشار على هامته فشقه حتى بلغ (إلى) الأرض، ثم قال للغلام: لترجعن أو لأقتلنك. فقال: اذهبوا به حتى تبلغوه ذروة الجبل، فإن رجع عن دينه وإلا [دهدهوه]. فلما بلغ ذروه الجبل قال الغلام: اللهم اكفنيهم. فرجف بهم الجبل فوقعوا فماتوا كلهم. وجاء الغلام يتلمس حتى دخل على الملك فقال: أين أصحابك؟! قال: كفانيهم الله جل ثناؤه. فقال: اذهبوا به فاحملوه في قرقورة فتوسطوا به البحر، فإن رجع عن دينه وإلا فغرقوه. قال فذهبوا، فلما توسطوا به البحر قال الغلام: اللهم فاكفنيهم. فانقلبت بهم السفينة فغرقوا، وجاء الغلام [يتلمس] حتى دخل على الملك، فقال الملك: أين أصحابك؟ قال: دعوت الله فكفانيهم. قال: لأقتلنك. قال: ما أنت بقاتلي حتى تصنع ما آمرك. قال: وما أصنع. قال: اجمع الناس في صعيد واحد ثم أصلُبْنِي، ثم خذ سهماً من كنانتي فارمني وقل: باسم رب الغلام، فإنك ستقتلني. قال: فجمع الملك الناس في صعيد واحد، قال: وصلب الغلام وأخذ سهماً من كنانته فوضعه في كبد القوس ثم رمى به، وقال: باسم رب الغلام. [قال]: فوقع السهم في صدغ الغلام، فوضع الغلام يده على صدغه ومات، فقال الناس: آمنا برب الغلام، فقيل للملك: ما صنعت؟! الذي كنت تحذر قد وقع، قد آمن الناس برب الغلام، فأمر الملك بأفواه الطرق والسكك فأخذت، وخد الأخدود وضرب فيه النيران وأخذهم وقال: [ارجعوا وإلا ألقيتكم] في النار. قال: فكانوا يلقونهم في النار. قال: فجاءت امرأة معها صبي لها. قال: فلما ذهبت تقتحم وجدت حر النار فنكصت. قال: فقال لها صبيها: يا أمه، امضِ، فإنك على الحق. فاقتحمت في النار وقال الربيع بن أنس: كان أصحاب الأخدود قوماً مؤمنين اعتزلوا الناس في الفترة، وإن جباراً من عبدة الأوثان أرسل إليهم يعرض عليهم الدخول في دينه أو يلقيهم في النار، فاختاروا إلقاءهم في النار على الرجوع عن دينهم، فألقوا في النار، فنجى الله المؤمنين الذين ألقوا في النار من الحريق بأن قبض (الله) أرواحهم قبل أن تمسهم النار. قال: وخرجت النار إلى من على شفير الأخدود من الكفار فأحرقتهم، فذلك قوله: ﴿وَلَهُمْ عَذَابُ ٱلْحَرِيقِ﴾ أي: لهم عذاب جهنم في الآخرة ولهم عذاب الحريق في الدنيا، وهي (النار) التي خرجت إليهم من الأخدود فأحرقتهم. * * وقوله: ﴿ذَاتِ ٱلْوَقُودِ﴾. أي: ذات الحطب الجزل، فإن [ضممت] الواو فمعناه ذات التوقد. والأخدود" الحفرة تحفر في الأرض. * * وقوله: ﴿إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ﴾. أي: [إذ الكفار] على النار قعود لحرق المؤمنين، يعني: على حافة الأخدود الذي فيه النار. وقال قتادة: ﴿إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ﴾. يعني بذلك المؤمنين. * * ثم قال: ﴿وَهُمْ عَلَىٰ مَا يَفْعَلُونَ بِٱلْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ﴾. يعني: الكفار. حضور يعرضون المؤمنين على الكفر فمن رجع إليه، وإلا القوه في النار. * * ثم قال تعالى: ﴿وَمَا نَقَمُواْ مِنْهُمْ إِلاَّ أَن يُؤْمِنُواْ بِٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَمِيدِ﴾. أي: وما فعل هؤلاء الكفار بالمؤمنين ما فعلوا من حرقهم إياهم بالنار إلا من أجل أنهم آمنوا بالله الشديد في انتقامه من أعدائه، المحمود عند عباده بإحسانه إليهم. * * ﴿ٱلَّذِي لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ﴾. أي: سلطان ذلك كله. * * ﴿وَٱللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾. أي: والله شهيد على ما فعل هؤلاء الكفار بالمؤمنين وعلى غير ذلك من أفعالهم وأفعال جميع الخلق، فمجازيهم على ما عملوا. * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ فَتَنُواْ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُواْ﴾. أي: حرقوهم بالنار وعذبوهم ثم لم يتوبوا من كفرهم وفعلهم، فلهم عذاب جهنم في الآخرة، ولهم عذاب الحريق في الدنيا. هذا قول الربيع بن أنس. قال محمد بن إسحاق: احترقوا في الدنيا. وكذلك قال أبو العالية. ﴿فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ ﴾ يعني: في الآخرة، واحترقوا في الدنيا بعذاب الحريق. ثم قال تعالى: * * ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ ذَلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْكَبِيرُ﴾. أي: إن الذين أقروا بتوحيد الله وعملوا الأعمال الصالحات وهم الذين حرقهم أصحاب الأخدود وغيرهم من سائر أهل التوحيد لهم بساتين في الآخرة تجري من تحت أشجارها الأنهار من الماء والخمر، واللبن والعسل. ﴿ذَلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْكَبِيرُ﴾ [أي]: ذلك الذي أعطي هؤلاء هو الظفر الكبير بما طلبوا بإيمانهم بالله في الدنيا وطاعتهم له. * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾. أي: إن أخذ ربك يا محمد من أخذ من أعدائه وانتقامه منهم لشديد. وهو تحذير من الله لعباده أن يحل بهم من نقمه على كفرهم وتعذيبهم مثل الذي حل بأصحاب الأخدود. * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّهُ هُوَ يُبْدِىءُ وَيُعِيدُ﴾. أي: هو ابتدأ الخلق أول مرة، وهو يعيدهم بعد مماتهم للبعث والجزاء. هذا معنى قول الضحاك وابن زيد. وقال ابن عباس: معناه: إنه هو يبدئ العذاب ثم يعيده. (وهو اختيار الطبري)، أي: يبدئ العذاب لأهل الكفر في الدنيا، (وهو عذاب الحريق - ثم يعيده) عليهم في الآخرة - وهو عذاب جهنم. * * ثم قال تعالى: ﴿وَهُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلْوَدُودُ﴾. أي: وهو الغفور لمن تاب من كفره وذنوبه. ﴿ٱلْوَدُودُ﴾ أي: ذو المحبة. وعن ابن عباس أنه قال: ﴿ٱلْوَدُودُ﴾: "الحبيب". وقال ابن زيد: ﴿ٱلْوَدُودُ﴾: "الرحيم". * * ثم قال تعالى: ﴿ذُو ٱلْعَرْشِ ٱلْمَجِيدُ﴾. وقال ابن عباس: ﴿ٱلْمَجِيدُ﴾: "الكريم". * * ثم قال تعالى: ﴿فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ﴾. أي: يفعل ما يشاء، فيوقف من شاء للتوبة فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء بأن [يحول] بينه وبين التوفيق فيموت على كفره. * * ثم قال تعالى: ﴿هَلُ أَتَاكَ حَدِيثُ ٱلْجُنُودِ * فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ﴾. أي: هل جاءك يا محمد حديث الجنود الذين تجندوا على الله ورسوله بأذاهم ومكروهِهم؟ أي: قد أتاك ذلك وعلمته. فاصبر لأذى قومك كما صبر من كان قبلك من الرسل الذين تجند قومهم عليهم. ثم بين الجنود من هم فقال: ﴿فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ﴾ أي: قوم فرعون وتباعه، وثمود. * * ثم قال تعالى: ﴿بَلِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فِي تَكْذِيبٍ﴾. أي: بل الذين كفروا من قومك في تكذيب بوعيد الله ووحيه ﴿وَٱللَّهُ مِن وَرَآئِهِمْ مُّحِيطٌ﴾ أي: محيط بأعمالهم محصيها عليهم حتى يجازيهم عليها. * * ثم قال تعالى: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَّجِيدٌ * فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ﴾. أي: بل ما يقول هؤلاء إنه شعر وسحر [وكهانة]، قرآن مجيد محفوظ من أن يغير، في لوح. قال ابن جبير: مجيد "كريم" وقاله قتادة. قال مجاهد: ﴿فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ﴾ قال: "في أم الكتاب". ومن رفع ﴿مَّحْفُوظٍ﴾، جعله نعتاً للقرآن، بمعنى أنه محفوظ أن يغيره أحد بزيادة أو نقص. ودل على ذلك قوله: ﴿وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩]. ومن خفض، جعله نعتا للوح، أي: القرآن في لوح عند الله محفوظ، وهو اللوح المحفوظ. كما قال مجاهد: هو أم الكتاب. وقال قتادة: ﴿فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ﴾ "عند الله". وقال أنس بن مالك: "إن اللوح المحفوظ الذي ذكر الله في جبهة إسرافيل". وقرأ محمد اليماني: بل هو قرآن مجيد، بالإضافة على معنى: بل هو قرآن رب مجيد. قال ابن عباس: خلق الله اللوح المحفوظ من درة بيضاء، دفتاه [ياقوتة] حمراء، قلمه نور، وكتابه نور، ينظر إليه كل يوم ثلاثمائة وستين نظرة، يُحيي في كل نظرة، ويميت ويعز ويذل، ويفعل ما يشاء، لا إله إلا هو.

البروج 85:7

قوله تعالى: ﴿وَٱلسَّمَآءِ ذَاتِ ٱلْبُرُوجِ﴾ إلى آخرها. أي: ورب السماء ذات القصور. قاله ابن عباس. قال الضحاك: البروج "[يزعمون] أنها قصور في السماء، ويقال: هي الكواكب". قال مجاهد: "البروج: النجوم". وهو قول قتادة. وقيل: المعنى: ذات الرمل والماء. واختار الطبري أن يكون المعنى: ذات منازل الشمس والقمر، على قول مجاهد أن البروج - وهي اثنا عشر برجاً - يسير القمر في كل برج (منها يومين وثلثاً، فذلك ثمان وعشرون منزلة، ثم يستقر ليلتين وثلثاً، وتسير الشمس في كل برج) [شهراً]. وجواب القسم محذوف. وقيل: الجواب ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ ٱلأُخْدُودِ﴾ على تقدير حذف اللام، أي: لقتل أصحاب الأخدود. وقيل: الجواب: ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾ وهو قول قتادة. وقيل: الجواب: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ فَتَنُواْ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾. * * ثم قال تعالى: ﴿وَٱلْيَوْمِ ٱلْمَوْعُودِ﴾ يعني يوم القيامة، وعد الله به عباده لفصل القضاء بينهم روي ذلك عن النبي ﷺ وقاله علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأبو هريرة وقتادة وغيرهم. ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ﴾ قال أبو هريرة: "الشاهد يوم الجمعة، والمشهود: يوم عرفة". وقاله الحسن، وروي (ذلك) عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه وابن عباس، وقاله قتادة وابن المسيب وابن زيد. وعن ابن عباس أيضاً: أن الشاهد محمد ﷺ لقوله: ﴿وَجِئْنَا بِكَ عَلَىٰ هَـٰؤُلاۤءِ شَهِيداً﴾ [النساء: ٤١] والمشهود": يوم القيامة، لقوله تعالى: ﴿وَذَٰلِكَ يَوْمٌ مَّشْهُودٌ﴾ [هود: ١٠٣] أي: يشهده الأولون والآخرون لفصل القضاء بينهم. وهو قول عكرمة، وقاله الحسن بن علي أيضاً. وقال مجاهد: "الشاهد الإنسان، والمشهود: يوم القيامة". فالإنسان لا بد أن يشهد يوم القيامة، ويوم القيامة مشهود لبني آدم، فتكون الشهادة على هذا القول [بمعنى] الحضور. وقد روي مثل ذلك عن الضحاك. وعن عكرمة أيضاً و (عن) ابن عباس أن الشاهد: الله جل ذكره، لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ ٱللَّهُ شَهِيدٌ عَلَىٰ مَا يَفْعَلُونَ﴾ [يونس: ٤٦] والمشهود يوم القيامة لقوله تعالى: ﴿وَذَٰلِكَ يَوْمٌ مَّشْهُودٌ﴾ [هود: ١٠٣]. وقال إبراهيم: الشاهد يوم الأضحى والمشهود يوم عرفة. وعن ابن عباس أيضاً. رواه عنه مجاهد "أن الشاهد: يوم عرفة، والمشهود: يوم القيامة". وروى أبو الدرداء أن النبي ﷺ (قال): "أكثروا علي [الصلاة] يوم الجمعة، فإنه مشهود تشهده الملائكة". وقيل: الشاهد: محمد، والمشهود: الذين يشهد عليهم محمد ﷺ. * * ثم قال تعالى: ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ ٱلأُخْدُودِ * ٱلنَّارِ ذَاتِ ٱلْوَقُودِ﴾ أي: لعن أهلك أصحاب الأخدود، أخبرنا الله جل ذكره أنه أهلكهم ولعنهم. ذكر علي بن أبي طالب رضي الله عنه: أنهم كانوا أهل كتاب، وكانت الخمر أُحِلَّتْ لهم، فشربها ملك من ملوكهم حتى [ثَمِلَ]، فتناول أخته، [زاد عبد بن حميد: أو ابنته، وذكر القصة، وفيها: فإذا ذهب هذا في الناس بأسره خطبتهم فحرمته عليهم]، فوقع عليها، فلما زال عنه السكر ندم، فقال: لأخته: ويحك، ما المخرج مما ابتليت به؟ فقالت: اخطب الناس فقل: يا أيها الناس، [إن الله] قد أحل نكاح الأخوات. ففعل، [فتبرأ] الناس منه ومن قوله، وقالوا: ما جاءنا به نبي ولا وجدناه في كتاب! فرجع إلى أخته نادماً فقال لها: ويحك! إن الناس قد أبوا علي أن يقروا بذلك، فقالت: [ابسط] عليهم السياط، ففعل، فأبوا أن [يقروا] له، فرجع إليها فقالت: (اخطبهم، فإن أبوا فجرد فيهم السيف، ففعل فأبوا)، فرجع إليها فقالت: خُدَّ لهم الأخدود، ثم اعرض عليها أهل مملكتك، فمن أقر وإلا فاقذفه في النار. ففعل، فمن لم يُقِرُّوا [له] بتحليل الأخوات قذفه في النار، فلم يزالوا من ذلك الوقت يستحلون الأخوات والبنات والأمهات. وبقايا [أصحاب] الأخدود الآن مجوس يعبدون النار. ولذلك، قال بعض العلماء فيهم [أن يسن فيهم] سنة أهل الكتاب. * * وقوله: ﴿ٱلنَّارِ﴾ خفض على البدل من الأخدود، وهو بدل الاشتمال. وقيل: هو خفض على الجوار، وذلك بعيد. وفيه تقديران إذا جعلته بدلاً. أحدهما: أن التقدير: النار ذات الوقود نارها. والآخر: النار التي فيها. والأخدود: حفير [مستطيل] كالخندق. يروى أنه كان بموضع يقال له [نجران]، أحرق فيه قوم مؤمنون، أحرقهم ملك من ملوك حمير مشرك، وكان ذلك قبل مولد النبي ﷺ بسبعين سنة. وروى قتادة أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: هم ناس كانوا بمدارع اليمن اقتتل مؤمنوها وكافروها، فظهر مؤمنوها على [كافريها]، ثم اقتتلوا الثانية فظهر كافروها على مؤمنيها، ثم أخذ بعضهم على بعض عهوداً ومواثيق ألا يغدر بعضهم (بعضا)، فغدر بهم الكفار فأخذوهم أَخْذاً، ثم إن رجلاً من المؤمنين قال لهم: هل لكم إلى خير؟ توقدون [ناراً]، (ثم) تعرضوننا عليها، فمن تابعكم على دينكم فذلك الذي تشتهون، ومن لا، اقتحم النار [فاسترحتم] منه. قال: [فأججوا] ناراً، وعرضوا عليها، فجعلوا يقتحمونها ضناً بدينهم حتى بقيت عجوز منهم كأنها تلكأت، فقال لها طفل في حجرها: يا أمه، امضي ولا تنافقي، فقص الله جل ذكره نبأهم وخبرهم. وقال ابن عباس: هم ناس من بني إسرائيل، خدُّواً أخدوداً في الأرض ثم أوقدوا فيه ناراً ثم أقاموا على ذلك الأخدود رجالاً ونساء ثم عرضوا عليها، وزعموا أنه دانيال وأصحابه وكذلك قال الضحاك، إلا أنه قال: فقالوا للرجال والنساء: تكفرون أو نقذفكم في النار (قال). [ويزعمون] أنه دانيال وأصحابه. وروى صهيب أن النبي ﷺ قال: إنه كان في من كان قبلكم ملكٌ، وكان له ساحرٌ، فأتى الساحر الملك فقال: قد كبرت سنّي ودنا أجلي، فادفع إلي غلاماً أعلمه السحر. فدفع إليه غلاماً يعلمه السحر، فكان الغلام يختلف إلى الساحر، وكان بين الساحر وبين الملك راهب. قال: فكان الغلام إذا مر بالراهب قعد إليه فيسمع كلامه، فأعجب بكلامه، فكان إذا أتى الساحر ضربه الساحر وقال: ما حبسك؟. وإذا أتى الغلام (إلى) أهله قعد عند الراهب يسمع كلامه، فإذا أتى أهله ضربوه وقالوا: ما حبسك؟ فشكا ذلك إلى الراهب، فقال له الراهب: إذا قال لك الساحر ما حبسك؟ فقل: حبسني أهلي، وإذا قال لك أهلك: ما حبسك؟ فقل: حبسني الساحر. فبينما هو كذلك، إذ مر في طريق، وإذا دابة عظيمة في الطريق وقد حبست الناس لا تدعهم يجوزون، فقال الغلام: الآن أعلم، أمر الساحر أرضى عند الله أم أمر الراهب؟ قال: فأخذ حجراً فقال: اللهم إن كان أمر الراهب أحب إليك من أمر الساحر فإني أرمي بهذا الحجر هذا ويمر الناس. قال: فرماها، فقتلها وجاز الناس فبلغ ذلك الراهب، وأتاه الغلام، فقال الراهب للغلام: إنك خير مني، وإن ابتليت فلا تدلن علي. [قال]: وكان الغلام يبرئ الأكمه والأبرص وسائر الأدواء. (قال: وكان للملك جليس فعمي، قال: فقيل له: إن هاهنا غلاما يبرئ الأكمه والأبرص وسائر الآذاء) فلو أتيته؟ قال: فاتخذ له هدايا، ثم أتاه فقال: يا غلام، إن أبرأتني فهذه الهدايا كلها لك. فقال: ما أنا أشفيك، ولكن الله يشفي، فإن آمنت دعوت الله أن يشفيك، قال: فآمن الأعمى، فدعا الغلام الله - جل ذكره - فشفاه، فقعد إلى الملك [كما كان يقعد]، فقال له الملك: أليس كنت أعمى؟! فقال نعم، قال: فمن شفاك؟ قال: ربي. قال: ولك رب غيري؟! قال: نعم، ربي وربك الله. قال: فأخذه بالعذاب. وقال: [لتدلنني] على من علمك هذا. قال: [فدل] على الغلام، قال: فدعا الغلام فقال: ارجع عن دينك. فأبى الغلام، قال: فأخذه بالعذاب، قال: فدل على الراهب، فأخذ الراهب بالعذاب، وقال له : ارجع عن دينك. فأبى، قال: فوضع المنشار على هامته فشقه حتى بلغ (إلى) الأرض، ثم قال للغلام: لترجعن أو لأقتلنك. فقال: اذهبوا به حتى تبلغوه ذروة الجبل، فإن رجع عن دينه وإلا [دهدهوه]. فلما بلغ ذروه الجبل قال الغلام: اللهم اكفنيهم. فرجف بهم الجبل فوقعوا فماتوا كلهم. وجاء الغلام يتلمس حتى دخل على الملك فقال: أين أصحابك؟! قال: كفانيهم الله جل ثناؤه. فقال: اذهبوا به فاحملوه في قرقورة فتوسطوا به البحر، فإن رجع عن دينه وإلا فغرقوه. قال فذهبوا، فلما توسطوا به البحر قال الغلام: اللهم فاكفنيهم. فانقلبت بهم السفينة فغرقوا، وجاء الغلام [يتلمس] حتى دخل على الملك، فقال الملك: أين أصحابك؟ قال: دعوت الله فكفانيهم. قال: لأقتلنك. قال: ما أنت بقاتلي حتى تصنع ما آمرك. قال: وما أصنع. قال: اجمع الناس في صعيد واحد ثم أصلُبْنِي، ثم خذ سهماً من كنانتي فارمني وقل: باسم رب الغلام، فإنك ستقتلني. قال: فجمع الملك الناس في صعيد واحد، قال: وصلب الغلام وأخذ سهماً من كنانته فوضعه في كبد القوس ثم رمى به، وقال: باسم رب الغلام. [قال]: فوقع السهم في صدغ الغلام، فوضع الغلام يده على صدغه ومات، فقال الناس: آمنا برب الغلام، فقيل للملك: ما صنعت؟! الذي كنت تحذر قد وقع، قد آمن الناس برب الغلام، فأمر الملك بأفواه الطرق والسكك فأخذت، وخد الأخدود وضرب فيه النيران وأخذهم وقال: [ارجعوا وإلا ألقيتكم] في النار. قال: فكانوا يلقونهم في النار. قال: فجاءت امرأة معها صبي لها. قال: فلما ذهبت تقتحم وجدت حر النار فنكصت. قال: فقال لها صبيها: يا أمه، امضِ، فإنك على الحق. فاقتحمت في النار وقال الربيع بن أنس: كان أصحاب الأخدود قوماً مؤمنين اعتزلوا الناس في الفترة، وإن جباراً من عبدة الأوثان أرسل إليهم يعرض عليهم الدخول في دينه أو يلقيهم في النار، فاختاروا إلقاءهم في النار على الرجوع عن دينهم، فألقوا في النار، فنجى الله المؤمنين الذين ألقوا في النار من الحريق بأن قبض (الله) أرواحهم قبل أن تمسهم النار. قال: وخرجت النار إلى من على شفير الأخدود من الكفار فأحرقتهم، فذلك قوله: ﴿وَلَهُمْ عَذَابُ ٱلْحَرِيقِ﴾ أي: لهم عذاب جهنم في الآخرة ولهم عذاب الحريق في الدنيا، وهي (النار) التي خرجت إليهم من الأخدود فأحرقتهم. * * وقوله: ﴿ذَاتِ ٱلْوَقُودِ﴾. أي: ذات الحطب الجزل، فإن [ضممت] الواو فمعناه ذات التوقد. والأخدود" الحفرة تحفر في الأرض. * * وقوله: ﴿إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ﴾. أي: [إذ الكفار] على النار قعود لحرق المؤمنين، يعني: على حافة الأخدود الذي فيه النار. وقال قتادة: ﴿إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ﴾. يعني بذلك المؤمنين. * * ثم قال: ﴿وَهُمْ عَلَىٰ مَا يَفْعَلُونَ بِٱلْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ﴾. يعني: الكفار. حضور يعرضون المؤمنين على الكفر فمن رجع إليه، وإلا القوه في النار. * * ثم قال تعالى: ﴿وَمَا نَقَمُواْ مِنْهُمْ إِلاَّ أَن يُؤْمِنُواْ بِٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَمِيدِ﴾. أي: وما فعل هؤلاء الكفار بالمؤمنين ما فعلوا من حرقهم إياهم بالنار إلا من أجل أنهم آمنوا بالله الشديد في انتقامه من أعدائه، المحمود عند عباده بإحسانه إليهم. * * ﴿ٱلَّذِي لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ﴾. أي: سلطان ذلك كله. * * ﴿وَٱللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾. أي: والله شهيد على ما فعل هؤلاء الكفار بالمؤمنين وعلى غير ذلك من أفعالهم وأفعال جميع الخلق، فمجازيهم على ما عملوا. * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ فَتَنُواْ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُواْ﴾. أي: حرقوهم بالنار وعذبوهم ثم لم يتوبوا من كفرهم وفعلهم، فلهم عذاب جهنم في الآخرة، ولهم عذاب الحريق في الدنيا. هذا قول الربيع بن أنس. قال محمد بن إسحاق: احترقوا في الدنيا. وكذلك قال أبو العالية. ﴿فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ ﴾ يعني: في الآخرة، واحترقوا في الدنيا بعذاب الحريق. ثم قال تعالى: * * ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ ذَلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْكَبِيرُ﴾. أي: إن الذين أقروا بتوحيد الله وعملوا الأعمال الصالحات وهم الذين حرقهم أصحاب الأخدود وغيرهم من سائر أهل التوحيد لهم بساتين في الآخرة تجري من تحت أشجارها الأنهار من الماء والخمر، واللبن والعسل. ﴿ذَلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْكَبِيرُ﴾ [أي]: ذلك الذي أعطي هؤلاء هو الظفر الكبير بما طلبوا بإيمانهم بالله في الدنيا وطاعتهم له. * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾. أي: إن أخذ ربك يا محمد من أخذ من أعدائه وانتقامه منهم لشديد. وهو تحذير من الله لعباده أن يحل بهم من نقمه على كفرهم وتعذيبهم مثل الذي حل بأصحاب الأخدود. * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّهُ هُوَ يُبْدِىءُ وَيُعِيدُ﴾. أي: هو ابتدأ الخلق أول مرة، وهو يعيدهم بعد مماتهم للبعث والجزاء. هذا معنى قول الضحاك وابن زيد. وقال ابن عباس: معناه: إنه هو يبدئ العذاب ثم يعيده. (وهو اختيار الطبري)، أي: يبدئ العذاب لأهل الكفر في الدنيا، (وهو عذاب الحريق - ثم يعيده) عليهم في الآخرة - وهو عذاب جهنم. * * ثم قال تعالى: ﴿وَهُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلْوَدُودُ﴾. أي: وهو الغفور لمن تاب من كفره وذنوبه. ﴿ٱلْوَدُودُ﴾ أي: ذو المحبة. وعن ابن عباس أنه قال: ﴿ٱلْوَدُودُ﴾: "الحبيب". وقال ابن زيد: ﴿ٱلْوَدُودُ﴾: "الرحيم". * * ثم قال تعالى: ﴿ذُو ٱلْعَرْشِ ٱلْمَجِيدُ﴾. وقال ابن عباس: ﴿ٱلْمَجِيدُ﴾: "الكريم". * * ثم قال تعالى: ﴿فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ﴾. أي: يفعل ما يشاء، فيوقف من شاء للتوبة فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء بأن [يحول] بينه وبين التوفيق فيموت على كفره. * * ثم قال تعالى: ﴿هَلُ أَتَاكَ حَدِيثُ ٱلْجُنُودِ * فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ﴾. أي: هل جاءك يا محمد حديث الجنود الذين تجندوا على الله ورسوله بأذاهم ومكروهِهم؟ أي: قد أتاك ذلك وعلمته. فاصبر لأذى قومك كما صبر من كان قبلك من الرسل الذين تجند قومهم عليهم. ثم بين الجنود من هم فقال: ﴿فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ﴾ أي: قوم فرعون وتباعه، وثمود. * * ثم قال تعالى: ﴿بَلِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فِي تَكْذِيبٍ﴾. أي: بل الذين كفروا من قومك في تكذيب بوعيد الله ووحيه ﴿وَٱللَّهُ مِن وَرَآئِهِمْ مُّحِيطٌ﴾ أي: محيط بأعمالهم محصيها عليهم حتى يجازيهم عليها. * * ثم قال تعالى: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَّجِيدٌ * فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ﴾. أي: بل ما يقول هؤلاء إنه شعر وسحر [وكهانة]، قرآن مجيد محفوظ من أن يغير، في لوح. قال ابن جبير: مجيد "كريم" وقاله قتادة. قال مجاهد: ﴿فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ﴾ قال: "في أم الكتاب". ومن رفع ﴿مَّحْفُوظٍ﴾، جعله نعتاً للقرآن، بمعنى أنه محفوظ أن يغيره أحد بزيادة أو نقص. ودل على ذلك قوله: ﴿وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩]. ومن خفض، جعله نعتا للوح، أي: القرآن في لوح عند الله محفوظ، وهو اللوح المحفوظ. كما قال مجاهد: هو أم الكتاب. وقال قتادة: ﴿فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ﴾ "عند الله". وقال أنس بن مالك: "إن اللوح المحفوظ الذي ذكر الله في جبهة إسرافيل". وقرأ محمد اليماني: بل هو قرآن مجيد، بالإضافة على معنى: بل هو قرآن رب مجيد. قال ابن عباس: خلق الله اللوح المحفوظ من درة بيضاء، دفتاه [ياقوتة] حمراء، قلمه نور، وكتابه نور، ينظر إليه كل يوم ثلاثمائة وستين نظرة، يُحيي في كل نظرة، ويميت ويعز ويذل، ويفعل ما يشاء، لا إله إلا هو.

البروج 85:8

قوله تعالى: ﴿وَٱلسَّمَآءِ ذَاتِ ٱلْبُرُوجِ﴾ إلى آخرها. أي: ورب السماء ذات القصور. قاله ابن عباس. قال الضحاك: البروج "[يزعمون] أنها قصور في السماء، ويقال: هي الكواكب". قال مجاهد: "البروج: النجوم". وهو قول قتادة. وقيل: المعنى: ذات الرمل والماء. واختار الطبري أن يكون المعنى: ذات منازل الشمس والقمر، على قول مجاهد أن البروج - وهي اثنا عشر برجاً - يسير القمر في كل برج (منها يومين وثلثاً، فذلك ثمان وعشرون منزلة، ثم يستقر ليلتين وثلثاً، وتسير الشمس في كل برج) [شهراً]. وجواب القسم محذوف. وقيل: الجواب ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ ٱلأُخْدُودِ﴾ على تقدير حذف اللام، أي: لقتل أصحاب الأخدود. وقيل: الجواب: ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾ وهو قول قتادة. وقيل: الجواب: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ فَتَنُواْ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾. * * ثم قال تعالى: ﴿وَٱلْيَوْمِ ٱلْمَوْعُودِ﴾ يعني يوم القيامة، وعد الله به عباده لفصل القضاء بينهم روي ذلك عن النبي ﷺ وقاله علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأبو هريرة وقتادة وغيرهم. ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ﴾ قال أبو هريرة: "الشاهد يوم الجمعة، والمشهود: يوم عرفة". وقاله الحسن، وروي (ذلك) عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه وابن عباس، وقاله قتادة وابن المسيب وابن زيد. وعن ابن عباس أيضاً: أن الشاهد محمد ﷺ لقوله: ﴿وَجِئْنَا بِكَ عَلَىٰ هَـٰؤُلاۤءِ شَهِيداً﴾ [النساء: ٤١] والمشهود": يوم القيامة، لقوله تعالى: ﴿وَذَٰلِكَ يَوْمٌ مَّشْهُودٌ﴾ [هود: ١٠٣] أي: يشهده الأولون والآخرون لفصل القضاء بينهم. وهو قول عكرمة، وقاله الحسن بن علي أيضاً. وقال مجاهد: "الشاهد الإنسان، والمشهود: يوم القيامة". فالإنسان لا بد أن يشهد يوم القيامة، ويوم القيامة مشهود لبني آدم، فتكون الشهادة على هذا القول [بمعنى] الحضور. وقد روي مثل ذلك عن الضحاك. وعن عكرمة أيضاً و (عن) ابن عباس أن الشاهد: الله جل ذكره، لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ ٱللَّهُ شَهِيدٌ عَلَىٰ مَا يَفْعَلُونَ﴾ [يونس: ٤٦] والمشهود يوم القيامة لقوله تعالى: ﴿وَذَٰلِكَ يَوْمٌ مَّشْهُودٌ﴾ [هود: ١٠٣]. وقال إبراهيم: الشاهد يوم الأضحى والمشهود يوم عرفة. وعن ابن عباس أيضاً. رواه عنه مجاهد "أن الشاهد: يوم عرفة، والمشهود: يوم القيامة". وروى أبو الدرداء أن النبي ﷺ (قال): "أكثروا علي [الصلاة] يوم الجمعة، فإنه مشهود تشهده الملائكة". وقيل: الشاهد: محمد، والمشهود: الذين يشهد عليهم محمد ﷺ. * * ثم قال تعالى: ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ ٱلأُخْدُودِ * ٱلنَّارِ ذَاتِ ٱلْوَقُودِ﴾ أي: لعن أهلك أصحاب الأخدود، أخبرنا الله جل ذكره أنه أهلكهم ولعنهم. ذكر علي بن أبي طالب رضي الله عنه: أنهم كانوا أهل كتاب، وكانت الخمر أُحِلَّتْ لهم، فشربها ملك من ملوكهم حتى [ثَمِلَ]، فتناول أخته، [زاد عبد بن حميد: أو ابنته، وذكر القصة، وفيها: فإذا ذهب هذا في الناس بأسره خطبتهم فحرمته عليهم]، فوقع عليها، فلما زال عنه السكر ندم، فقال: لأخته: ويحك، ما المخرج مما ابتليت به؟ فقالت: اخطب الناس فقل: يا أيها الناس، [إن الله] قد أحل نكاح الأخوات. ففعل، [فتبرأ] الناس منه ومن قوله، وقالوا: ما جاءنا به نبي ولا وجدناه في كتاب! فرجع إلى أخته نادماً فقال لها: ويحك! إن الناس قد أبوا علي أن يقروا بذلك، فقالت: [ابسط] عليهم السياط، ففعل، فأبوا أن [يقروا] له، فرجع إليها فقالت: (اخطبهم، فإن أبوا فجرد فيهم السيف، ففعل فأبوا)، فرجع إليها فقالت: خُدَّ لهم الأخدود، ثم اعرض عليها أهل مملكتك، فمن أقر وإلا فاقذفه في النار. ففعل، فمن لم يُقِرُّوا [له] بتحليل الأخوات قذفه في النار، فلم يزالوا من ذلك الوقت يستحلون الأخوات والبنات والأمهات. وبقايا [أصحاب] الأخدود الآن مجوس يعبدون النار. ولذلك، قال بعض العلماء فيهم [أن يسن فيهم] سنة أهل الكتاب. * * وقوله: ﴿ٱلنَّارِ﴾ خفض على البدل من الأخدود، وهو بدل الاشتمال. وقيل: هو خفض على الجوار، وذلك بعيد. وفيه تقديران إذا جعلته بدلاً. أحدهما: أن التقدير: النار ذات الوقود نارها. والآخر: النار التي فيها. والأخدود: حفير [مستطيل] كالخندق. يروى أنه كان بموضع يقال له [نجران]، أحرق فيه قوم مؤمنون، أحرقهم ملك من ملوك حمير مشرك، وكان ذلك قبل مولد النبي ﷺ بسبعين سنة. وروى قتادة أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: هم ناس كانوا بمدارع اليمن اقتتل مؤمنوها وكافروها، فظهر مؤمنوها على [كافريها]، ثم اقتتلوا الثانية فظهر كافروها على مؤمنيها، ثم أخذ بعضهم على بعض عهوداً ومواثيق ألا يغدر بعضهم (بعضا)، فغدر بهم الكفار فأخذوهم أَخْذاً، ثم إن رجلاً من المؤمنين قال لهم: هل لكم إلى خير؟ توقدون [ناراً]، (ثم) تعرضوننا عليها، فمن تابعكم على دينكم فذلك الذي تشتهون، ومن لا، اقتحم النار [فاسترحتم] منه. قال: [فأججوا] ناراً، وعرضوا عليها، فجعلوا يقتحمونها ضناً بدينهم حتى بقيت عجوز منهم كأنها تلكأت، فقال لها طفل في حجرها: يا أمه، امضي ولا تنافقي، فقص الله جل ذكره نبأهم وخبرهم. وقال ابن عباس: هم ناس من بني إسرائيل، خدُّواً أخدوداً في الأرض ثم أوقدوا فيه ناراً ثم أقاموا على ذلك الأخدود رجالاً ونساء ثم عرضوا عليها، وزعموا أنه دانيال وأصحابه وكذلك قال الضحاك، إلا أنه قال: فقالوا للرجال والنساء: تكفرون أو نقذفكم في النار (قال). [ويزعمون] أنه دانيال وأصحابه. وروى صهيب أن النبي ﷺ قال: إنه كان في من كان قبلكم ملكٌ، وكان له ساحرٌ، فأتى الساحر الملك فقال: قد كبرت سنّي ودنا أجلي، فادفع إلي غلاماً أعلمه السحر. فدفع إليه غلاماً يعلمه السحر، فكان الغلام يختلف إلى الساحر، وكان بين الساحر وبين الملك راهب. قال: فكان الغلام إذا مر بالراهب قعد إليه فيسمع كلامه، فأعجب بكلامه، فكان إذا أتى الساحر ضربه الساحر وقال: ما حبسك؟. وإذا أتى الغلام (إلى) أهله قعد عند الراهب يسمع كلامه، فإذا أتى أهله ضربوه وقالوا: ما حبسك؟ فشكا ذلك إلى الراهب، فقال له الراهب: إذا قال لك الساحر ما حبسك؟ فقل: حبسني أهلي، وإذا قال لك أهلك: ما حبسك؟ فقل: حبسني الساحر. فبينما هو كذلك، إذ مر في طريق، وإذا دابة عظيمة في الطريق وقد حبست الناس لا تدعهم يجوزون، فقال الغلام: الآن أعلم، أمر الساحر أرضى عند الله أم أمر الراهب؟ قال: فأخذ حجراً فقال: اللهم إن كان أمر الراهب أحب إليك من أمر الساحر فإني أرمي بهذا الحجر هذا ويمر الناس. قال: فرماها، فقتلها وجاز الناس فبلغ ذلك الراهب، وأتاه الغلام، فقال الراهب للغلام: إنك خير مني، وإن ابتليت فلا تدلن علي. [قال]: وكان الغلام يبرئ الأكمه والأبرص وسائر الأدواء. (قال: وكان للملك جليس فعمي، قال: فقيل له: إن هاهنا غلاما يبرئ الأكمه والأبرص وسائر الآذاء) فلو أتيته؟ قال: فاتخذ له هدايا، ثم أتاه فقال: يا غلام، إن أبرأتني فهذه الهدايا كلها لك. فقال: ما أنا أشفيك، ولكن الله يشفي، فإن آمنت دعوت الله أن يشفيك، قال: فآمن الأعمى، فدعا الغلام الله - جل ذكره - فشفاه، فقعد إلى الملك [كما كان يقعد]، فقال له الملك: أليس كنت أعمى؟! فقال نعم، قال: فمن شفاك؟ قال: ربي. قال: ولك رب غيري؟! قال: نعم، ربي وربك الله. قال: فأخذه بالعذاب. وقال: [لتدلنني] على من علمك هذا. قال: [فدل] على الغلام، قال: فدعا الغلام فقال: ارجع عن دينك. فأبى الغلام، قال: فأخذه بالعذاب، قال: فدل على الراهب، فأخذ الراهب بالعذاب، وقال له : ارجع عن دينك. فأبى، قال: فوضع المنشار على هامته فشقه حتى بلغ (إلى) الأرض، ثم قال للغلام: لترجعن أو لأقتلنك. فقال: اذهبوا به حتى تبلغوه ذروة الجبل، فإن رجع عن دينه وإلا [دهدهوه]. فلما بلغ ذروه الجبل قال الغلام: اللهم اكفنيهم. فرجف بهم الجبل فوقعوا فماتوا كلهم. وجاء الغلام يتلمس حتى دخل على الملك فقال: أين أصحابك؟! قال: كفانيهم الله جل ثناؤه. فقال: اذهبوا به فاحملوه في قرقورة فتوسطوا به البحر، فإن رجع عن دينه وإلا فغرقوه. قال فذهبوا، فلما توسطوا به البحر قال الغلام: اللهم فاكفنيهم. فانقلبت بهم السفينة فغرقوا، وجاء الغلام [يتلمس] حتى دخل على الملك، فقال الملك: أين أصحابك؟ قال: دعوت الله فكفانيهم. قال: لأقتلنك. قال: ما أنت بقاتلي حتى تصنع ما آمرك. قال: وما أصنع. قال: اجمع الناس في صعيد واحد ثم أصلُبْنِي، ثم خذ سهماً من كنانتي فارمني وقل: باسم رب الغلام، فإنك ستقتلني. قال: فجمع الملك الناس في صعيد واحد، قال: وصلب الغلام وأخذ سهماً من كنانته فوضعه في كبد القوس ثم رمى به، وقال: باسم رب الغلام. [قال]: فوقع السهم في صدغ الغلام، فوضع الغلام يده على صدغه ومات، فقال الناس: آمنا برب الغلام، فقيل للملك: ما صنعت؟! الذي كنت تحذر قد وقع، قد آمن الناس برب الغلام، فأمر الملك بأفواه الطرق والسكك فأخذت، وخد الأخدود وضرب فيه النيران وأخذهم وقال: [ارجعوا وإلا ألقيتكم] في النار. قال: فكانوا يلقونهم في النار. قال: فجاءت امرأة معها صبي لها. قال: فلما ذهبت تقتحم وجدت حر النار فنكصت. قال: فقال لها صبيها: يا أمه، امضِ، فإنك على الحق. فاقتحمت في النار وقال الربيع بن أنس: كان أصحاب الأخدود قوماً مؤمنين اعتزلوا الناس في الفترة، وإن جباراً من عبدة الأوثان أرسل إليهم يعرض عليهم الدخول في دينه أو يلقيهم في النار، فاختاروا إلقاءهم في النار على الرجوع عن دينهم، فألقوا في النار، فنجى الله المؤمنين الذين ألقوا في النار من الحريق بأن قبض (الله) أرواحهم قبل أن تمسهم النار. قال: وخرجت النار إلى من على شفير الأخدود من الكفار فأحرقتهم، فذلك قوله: ﴿وَلَهُمْ عَذَابُ ٱلْحَرِيقِ﴾ أي: لهم عذاب جهنم في الآخرة ولهم عذاب الحريق في الدنيا، وهي (النار) التي خرجت إليهم من الأخدود فأحرقتهم. * * وقوله: ﴿ذَاتِ ٱلْوَقُودِ﴾. أي: ذات الحطب الجزل، فإن [ضممت] الواو فمعناه ذات التوقد. والأخدود" الحفرة تحفر في الأرض. * * وقوله: ﴿إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ﴾. أي: [إذ الكفار] على النار قعود لحرق المؤمنين، يعني: على حافة الأخدود الذي فيه النار. وقال قتادة: ﴿إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ﴾. يعني بذلك المؤمنين. * * ثم قال: ﴿وَهُمْ عَلَىٰ مَا يَفْعَلُونَ بِٱلْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ﴾. يعني: الكفار. حضور يعرضون المؤمنين على الكفر فمن رجع إليه، وإلا القوه في النار. * * ثم قال تعالى: ﴿وَمَا نَقَمُواْ مِنْهُمْ إِلاَّ أَن يُؤْمِنُواْ بِٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَمِيدِ﴾. أي: وما فعل هؤلاء الكفار بالمؤمنين ما فعلوا من حرقهم إياهم بالنار إلا من أجل أنهم آمنوا بالله الشديد في انتقامه من أعدائه، المحمود عند عباده بإحسانه إليهم. * * ﴿ٱلَّذِي لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ﴾. أي: سلطان ذلك كله. * * ﴿وَٱللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾. أي: والله شهيد على ما فعل هؤلاء الكفار بالمؤمنين وعلى غير ذلك من أفعالهم وأفعال جميع الخلق، فمجازيهم على ما عملوا. * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ فَتَنُواْ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُواْ﴾. أي: حرقوهم بالنار وعذبوهم ثم لم يتوبوا من كفرهم وفعلهم، فلهم عذاب جهنم في الآخرة، ولهم عذاب الحريق في الدنيا. هذا قول الربيع بن أنس. قال محمد بن إسحاق: احترقوا في الدنيا. وكذلك قال أبو العالية. ﴿فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ ﴾ يعني: في الآخرة، واحترقوا في الدنيا بعذاب الحريق. ثم قال تعالى: * * ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ ذَلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْكَبِيرُ﴾. أي: إن الذين أقروا بتوحيد الله وعملوا الأعمال الصالحات وهم الذين حرقهم أصحاب الأخدود وغيرهم من سائر أهل التوحيد لهم بساتين في الآخرة تجري من تحت أشجارها الأنهار من الماء والخمر، واللبن والعسل. ﴿ذَلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْكَبِيرُ﴾ [أي]: ذلك الذي أعطي هؤلاء هو الظفر الكبير بما طلبوا بإيمانهم بالله في الدنيا وطاعتهم له. * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾. أي: إن أخذ ربك يا محمد من أخذ من أعدائه وانتقامه منهم لشديد. وهو تحذير من الله لعباده أن يحل بهم من نقمه على كفرهم وتعذيبهم مثل الذي حل بأصحاب الأخدود. * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّهُ هُوَ يُبْدِىءُ وَيُعِيدُ﴾. أي: هو ابتدأ الخلق أول مرة، وهو يعيدهم بعد مماتهم للبعث والجزاء. هذا معنى قول الضحاك وابن زيد. وقال ابن عباس: معناه: إنه هو يبدئ العذاب ثم يعيده. (وهو اختيار الطبري)، أي: يبدئ العذاب لأهل الكفر في الدنيا، (وهو عذاب الحريق - ثم يعيده) عليهم في الآخرة - وهو عذاب جهنم. * * ثم قال تعالى: ﴿وَهُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلْوَدُودُ﴾. أي: وهو الغفور لمن تاب من كفره وذنوبه. ﴿ٱلْوَدُودُ﴾ أي: ذو المحبة. وعن ابن عباس أنه قال: ﴿ٱلْوَدُودُ﴾: "الحبيب". وقال ابن زيد: ﴿ٱلْوَدُودُ﴾: "الرحيم". * * ثم قال تعالى: ﴿ذُو ٱلْعَرْشِ ٱلْمَجِيدُ﴾. وقال ابن عباس: ﴿ٱلْمَجِيدُ﴾: "الكريم". * * ثم قال تعالى: ﴿فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ﴾. أي: يفعل ما يشاء، فيوقف من شاء للتوبة فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء بأن [يحول] بينه وبين التوفيق فيموت على كفره. * * ثم قال تعالى: ﴿هَلُ أَتَاكَ حَدِيثُ ٱلْجُنُودِ * فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ﴾. أي: هل جاءك يا محمد حديث الجنود الذين تجندوا على الله ورسوله بأذاهم ومكروهِهم؟ أي: قد أتاك ذلك وعلمته. فاصبر لأذى قومك كما صبر من كان قبلك من الرسل الذين تجند قومهم عليهم. ثم بين الجنود من هم فقال: ﴿فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ﴾ أي: قوم فرعون وتباعه، وثمود. * * ثم قال تعالى: ﴿بَلِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فِي تَكْذِيبٍ﴾. أي: بل الذين كفروا من قومك في تكذيب بوعيد الله ووحيه ﴿وَٱللَّهُ مِن وَرَآئِهِمْ مُّحِيطٌ﴾ أي: محيط بأعمالهم محصيها عليهم حتى يجازيهم عليها. * * ثم قال تعالى: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَّجِيدٌ * فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ﴾. أي: بل ما يقول هؤلاء إنه شعر وسحر [وكهانة]، قرآن مجيد محفوظ من أن يغير، في لوح. قال ابن جبير: مجيد "كريم" وقاله قتادة. قال مجاهد: ﴿فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ﴾ قال: "في أم الكتاب". ومن رفع ﴿مَّحْفُوظٍ﴾، جعله نعتاً للقرآن، بمعنى أنه محفوظ أن يغيره أحد بزيادة أو نقص. ودل على ذلك قوله: ﴿وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩]. ومن خفض، جعله نعتا للوح، أي: القرآن في لوح عند الله محفوظ، وهو اللوح المحفوظ. كما قال مجاهد: هو أم الكتاب. وقال قتادة: ﴿فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ﴾ "عند الله". وقال أنس بن مالك: "إن اللوح المحفوظ الذي ذكر الله في جبهة إسرافيل". وقرأ محمد اليماني: بل هو قرآن مجيد، بالإضافة على معنى: بل هو قرآن رب مجيد. قال ابن عباس: خلق الله اللوح المحفوظ من درة بيضاء، دفتاه [ياقوتة] حمراء، قلمه نور، وكتابه نور، ينظر إليه كل يوم ثلاثمائة وستين نظرة، يُحيي في كل نظرة، ويميت ويعز ويذل، ويفعل ما يشاء، لا إله إلا هو.

البروج 85:9

قوله تعالى: ﴿وَٱلسَّمَآءِ ذَاتِ ٱلْبُرُوجِ﴾ إلى آخرها. أي: ورب السماء ذات القصور. قاله ابن عباس. قال الضحاك: البروج "[يزعمون] أنها قصور في السماء، ويقال: هي الكواكب". قال مجاهد: "البروج: النجوم". وهو قول قتادة. وقيل: المعنى: ذات الرمل والماء. واختار الطبري أن يكون المعنى: ذات منازل الشمس والقمر، على قول مجاهد أن البروج - وهي اثنا عشر برجاً - يسير القمر في كل برج (منها يومين وثلثاً، فذلك ثمان وعشرون منزلة، ثم يستقر ليلتين وثلثاً، وتسير الشمس في كل برج) [شهراً]. وجواب القسم محذوف. وقيل: الجواب ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ ٱلأُخْدُودِ﴾ على تقدير حذف اللام، أي: لقتل أصحاب الأخدود. وقيل: الجواب: ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾ وهو قول قتادة. وقيل: الجواب: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ فَتَنُواْ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾. * * ثم قال تعالى: ﴿وَٱلْيَوْمِ ٱلْمَوْعُودِ﴾ يعني يوم القيامة، وعد الله به عباده لفصل القضاء بينهم روي ذلك عن النبي ﷺ وقاله علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأبو هريرة وقتادة وغيرهم. ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ﴾ قال أبو هريرة: "الشاهد يوم الجمعة، والمشهود: يوم عرفة". وقاله الحسن، وروي (ذلك) عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه وابن عباس، وقاله قتادة وابن المسيب وابن زيد. وعن ابن عباس أيضاً: أن الشاهد محمد ﷺ لقوله: ﴿وَجِئْنَا بِكَ عَلَىٰ هَـٰؤُلاۤءِ شَهِيداً﴾ [النساء: ٤١] والمشهود": يوم القيامة، لقوله تعالى: ﴿وَذَٰلِكَ يَوْمٌ مَّشْهُودٌ﴾ [هود: ١٠٣] أي: يشهده الأولون والآخرون لفصل القضاء بينهم. وهو قول عكرمة، وقاله الحسن بن علي أيضاً. وقال مجاهد: "الشاهد الإنسان، والمشهود: يوم القيامة". فالإنسان لا بد أن يشهد يوم القيامة، ويوم القيامة مشهود لبني آدم، فتكون الشهادة على هذا القول [بمعنى] الحضور. وقد روي مثل ذلك عن الضحاك. وعن عكرمة أيضاً و (عن) ابن عباس أن الشاهد: الله جل ذكره، لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ ٱللَّهُ شَهِيدٌ عَلَىٰ مَا يَفْعَلُونَ﴾ [يونس: ٤٦] والمشهود يوم القيامة لقوله تعالى: ﴿وَذَٰلِكَ يَوْمٌ مَّشْهُودٌ﴾ [هود: ١٠٣]. وقال إبراهيم: الشاهد يوم الأضحى والمشهود يوم عرفة. وعن ابن عباس أيضاً. رواه عنه مجاهد "أن الشاهد: يوم عرفة، والمشهود: يوم القيامة". وروى أبو الدرداء أن النبي ﷺ (قال): "أكثروا علي [الصلاة] يوم الجمعة، فإنه مشهود تشهده الملائكة". وقيل: الشاهد: محمد، والمشهود: الذين يشهد عليهم محمد ﷺ. * * ثم قال تعالى: ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ ٱلأُخْدُودِ * ٱلنَّارِ ذَاتِ ٱلْوَقُودِ﴾ أي: لعن أهلك أصحاب الأخدود، أخبرنا الله جل ذكره أنه أهلكهم ولعنهم. ذكر علي بن أبي طالب رضي الله عنه: أنهم كانوا أهل كتاب، وكانت الخمر أُحِلَّتْ لهم، فشربها ملك من ملوكهم حتى [ثَمِلَ]، فتناول أخته، [زاد عبد بن حميد: أو ابنته، وذكر القصة، وفيها: فإذا ذهب هذا في الناس بأسره خطبتهم فحرمته عليهم]، فوقع عليها، فلما زال عنه السكر ندم، فقال: لأخته: ويحك، ما المخرج مما ابتليت به؟ فقالت: اخطب الناس فقل: يا أيها الناس، [إن الله] قد أحل نكاح الأخوات. ففعل، [فتبرأ] الناس منه ومن قوله، وقالوا: ما جاءنا به نبي ولا وجدناه في كتاب! فرجع إلى أخته نادماً فقال لها: ويحك! إن الناس قد أبوا علي أن يقروا بذلك، فقالت: [ابسط] عليهم السياط، ففعل، فأبوا أن [يقروا] له، فرجع إليها فقالت: (اخطبهم، فإن أبوا فجرد فيهم السيف، ففعل فأبوا)، فرجع إليها فقالت: خُدَّ لهم الأخدود، ثم اعرض عليها أهل مملكتك، فمن أقر وإلا فاقذفه في النار. ففعل، فمن لم يُقِرُّوا [له] بتحليل الأخوات قذفه في النار، فلم يزالوا من ذلك الوقت يستحلون الأخوات والبنات والأمهات. وبقايا [أصحاب] الأخدود الآن مجوس يعبدون النار. ولذلك، قال بعض العلماء فيهم [أن يسن فيهم] سنة أهل الكتاب. * * وقوله: ﴿ٱلنَّارِ﴾ خفض على البدل من الأخدود، وهو بدل الاشتمال. وقيل: هو خفض على الجوار، وذلك بعيد. وفيه تقديران إذا جعلته بدلاً. أحدهما: أن التقدير: النار ذات الوقود نارها. والآخر: النار التي فيها. والأخدود: حفير [مستطيل] كالخندق. يروى أنه كان بموضع يقال له [نجران]، أحرق فيه قوم مؤمنون، أحرقهم ملك من ملوك حمير مشرك، وكان ذلك قبل مولد النبي ﷺ بسبعين سنة. وروى قتادة أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: هم ناس كانوا بمدارع اليمن اقتتل مؤمنوها وكافروها، فظهر مؤمنوها على [كافريها]، ثم اقتتلوا الثانية فظهر كافروها على مؤمنيها، ثم أخذ بعضهم على بعض عهوداً ومواثيق ألا يغدر بعضهم (بعضا)، فغدر بهم الكفار فأخذوهم أَخْذاً، ثم إن رجلاً من المؤمنين قال لهم: هل لكم إلى خير؟ توقدون [ناراً]، (ثم) تعرضوننا عليها، فمن تابعكم على دينكم فذلك الذي تشتهون، ومن لا، اقتحم النار [فاسترحتم] منه. قال: [فأججوا] ناراً، وعرضوا عليها، فجعلوا يقتحمونها ضناً بدينهم حتى بقيت عجوز منهم كأنها تلكأت، فقال لها طفل في حجرها: يا أمه، امضي ولا تنافقي، فقص الله جل ذكره نبأهم وخبرهم. وقال ابن عباس: هم ناس من بني إسرائيل، خدُّواً أخدوداً في الأرض ثم أوقدوا فيه ناراً ثم أقاموا على ذلك الأخدود رجالاً ونساء ثم عرضوا عليها، وزعموا أنه دانيال وأصحابه وكذلك قال الضحاك، إلا أنه قال: فقالوا للرجال والنساء: تكفرون أو نقذفكم في النار (قال). [ويزعمون] أنه دانيال وأصحابه. وروى صهيب أن النبي ﷺ قال: إنه كان في من كان قبلكم ملكٌ، وكان له ساحرٌ، فأتى الساحر الملك فقال: قد كبرت سنّي ودنا أجلي، فادفع إلي غلاماً أعلمه السحر. فدفع إليه غلاماً يعلمه السحر، فكان الغلام يختلف إلى الساحر، وكان بين الساحر وبين الملك راهب. قال: فكان الغلام إذا مر بالراهب قعد إليه فيسمع كلامه، فأعجب بكلامه، فكان إذا أتى الساحر ضربه الساحر وقال: ما حبسك؟. وإذا أتى الغلام (إلى) أهله قعد عند الراهب يسمع كلامه، فإذا أتى أهله ضربوه وقالوا: ما حبسك؟ فشكا ذلك إلى الراهب، فقال له الراهب: إذا قال لك الساحر ما حبسك؟ فقل: حبسني أهلي، وإذا قال لك أهلك: ما حبسك؟ فقل: حبسني الساحر. فبينما هو كذلك، إذ مر في طريق، وإذا دابة عظيمة في الطريق وقد حبست الناس لا تدعهم يجوزون، فقال الغلام: الآن أعلم، أمر الساحر أرضى عند الله أم أمر الراهب؟ قال: فأخذ حجراً فقال: اللهم إن كان أمر الراهب أحب إليك من أمر الساحر فإني أرمي بهذا الحجر هذا ويمر الناس. قال: فرماها، فقتلها وجاز الناس فبلغ ذلك الراهب، وأتاه الغلام، فقال الراهب للغلام: إنك خير مني، وإن ابتليت فلا تدلن علي. [قال]: وكان الغلام يبرئ الأكمه والأبرص وسائر الأدواء. (قال: وكان للملك جليس فعمي، قال: فقيل له: إن هاهنا غلاما يبرئ الأكمه والأبرص وسائر الآذاء) فلو أتيته؟ قال: فاتخذ له هدايا، ثم أتاه فقال: يا غلام، إن أبرأتني فهذه الهدايا كلها لك. فقال: ما أنا أشفيك، ولكن الله يشفي، فإن آمنت دعوت الله أن يشفيك، قال: فآمن الأعمى، فدعا الغلام الله - جل ذكره - فشفاه، فقعد إلى الملك [كما كان يقعد]، فقال له الملك: أليس كنت أعمى؟! فقال نعم، قال: فمن شفاك؟ قال: ربي. قال: ولك رب غيري؟! قال: نعم، ربي وربك الله. قال: فأخذه بالعذاب. وقال: [لتدلنني] على من علمك هذا. قال: [فدل] على الغلام، قال: فدعا الغلام فقال: ارجع عن دينك. فأبى الغلام، قال: فأخذه بالعذاب، قال: فدل على الراهب، فأخذ الراهب بالعذاب، وقال له : ارجع عن دينك. فأبى، قال: فوضع المنشار على هامته فشقه حتى بلغ (إلى) الأرض، ثم قال للغلام: لترجعن أو لأقتلنك. فقال: اذهبوا به حتى تبلغوه ذروة الجبل، فإن رجع عن دينه وإلا [دهدهوه]. فلما بلغ ذروه الجبل قال الغلام: اللهم اكفنيهم. فرجف بهم الجبل فوقعوا فماتوا كلهم. وجاء الغلام يتلمس حتى دخل على الملك فقال: أين أصحابك؟! قال: كفانيهم الله جل ثناؤه. فقال: اذهبوا به فاحملوه في قرقورة فتوسطوا به البحر، فإن رجع عن دينه وإلا فغرقوه. قال فذهبوا، فلما توسطوا به البحر قال الغلام: اللهم فاكفنيهم. فانقلبت بهم السفينة فغرقوا، وجاء الغلام [يتلمس] حتى دخل على الملك، فقال الملك: أين أصحابك؟ قال: دعوت الله فكفانيهم. قال: لأقتلنك. قال: ما أنت بقاتلي حتى تصنع ما آمرك. قال: وما أصنع. قال: اجمع الناس في صعيد واحد ثم أصلُبْنِي، ثم خذ سهماً من كنانتي فارمني وقل: باسم رب الغلام، فإنك ستقتلني. قال: فجمع الملك الناس في صعيد واحد، قال: وصلب الغلام وأخذ سهماً من كنانته فوضعه في كبد القوس ثم رمى به، وقال: باسم رب الغلام. [قال]: فوقع السهم في صدغ الغلام، فوضع الغلام يده على صدغه ومات، فقال الناس: آمنا برب الغلام، فقيل للملك: ما صنعت؟! الذي كنت تحذر قد وقع، قد آمن الناس برب الغلام، فأمر الملك بأفواه الطرق والسكك فأخذت، وخد الأخدود وضرب فيه النيران وأخذهم وقال: [ارجعوا وإلا ألقيتكم] في النار. قال: فكانوا يلقونهم في النار. قال: فجاءت امرأة معها صبي لها. قال: فلما ذهبت تقتحم وجدت حر النار فنكصت. قال: فقال لها صبيها: يا أمه، امضِ، فإنك على الحق. فاقتحمت في النار وقال الربيع بن أنس: كان أصحاب الأخدود قوماً مؤمنين اعتزلوا الناس في الفترة، وإن جباراً من عبدة الأوثان أرسل إليهم يعرض عليهم الدخول في دينه أو يلقيهم في النار، فاختاروا إلقاءهم في النار على الرجوع عن دينهم، فألقوا في النار، فنجى الله المؤمنين الذين ألقوا في النار من الحريق بأن قبض (الله) أرواحهم قبل أن تمسهم النار. قال: وخرجت النار إلى من على شفير الأخدود من الكفار فأحرقتهم، فذلك قوله: ﴿وَلَهُمْ عَذَابُ ٱلْحَرِيقِ﴾ أي: لهم عذاب جهنم في الآخرة ولهم عذاب الحريق في الدنيا، وهي (النار) التي خرجت إليهم من الأخدود فأحرقتهم. * * وقوله: ﴿ذَاتِ ٱلْوَقُودِ﴾. أي: ذات الحطب الجزل، فإن [ضممت] الواو فمعناه ذات التوقد. والأخدود" الحفرة تحفر في الأرض. * * وقوله: ﴿إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ﴾. أي: [إذ الكفار] على النار قعود لحرق المؤمنين، يعني: على حافة الأخدود الذي فيه النار. وقال قتادة: ﴿إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ﴾. يعني بذلك المؤمنين. * * ثم قال: ﴿وَهُمْ عَلَىٰ مَا يَفْعَلُونَ بِٱلْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ﴾. يعني: الكفار. حضور يعرضون المؤمنين على الكفر فمن رجع إليه، وإلا القوه في النار. * * ثم قال تعالى: ﴿وَمَا نَقَمُواْ مِنْهُمْ إِلاَّ أَن يُؤْمِنُواْ بِٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَمِيدِ﴾. أي: وما فعل هؤلاء الكفار بالمؤمنين ما فعلوا من حرقهم إياهم بالنار إلا من أجل أنهم آمنوا بالله الشديد في انتقامه من أعدائه، المحمود عند عباده بإحسانه إليهم. * * ﴿ٱلَّذِي لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ﴾. أي: سلطان ذلك كله. * * ﴿وَٱللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾. أي: والله شهيد على ما فعل هؤلاء الكفار بالمؤمنين وعلى غير ذلك من أفعالهم وأفعال جميع الخلق، فمجازيهم على ما عملوا. * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ فَتَنُواْ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُواْ﴾. أي: حرقوهم بالنار وعذبوهم ثم لم يتوبوا من كفرهم وفعلهم، فلهم عذاب جهنم في الآخرة، ولهم عذاب الحريق في الدنيا. هذا قول الربيع بن أنس. قال محمد بن إسحاق: احترقوا في الدنيا. وكذلك قال أبو العالية. ﴿فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ ﴾ يعني: في الآخرة، واحترقوا في الدنيا بعذاب الحريق. ثم قال تعالى: * * ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ ذَلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْكَبِيرُ﴾. أي: إن الذين أقروا بتوحيد الله وعملوا الأعمال الصالحات وهم الذين حرقهم أصحاب الأخدود وغيرهم من سائر أهل التوحيد لهم بساتين في الآخرة تجري من تحت أشجارها الأنهار من الماء والخمر، واللبن والعسل. ﴿ذَلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْكَبِيرُ﴾ [أي]: ذلك الذي أعطي هؤلاء هو الظفر الكبير بما طلبوا بإيمانهم بالله في الدنيا وطاعتهم له. * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾. أي: إن أخذ ربك يا محمد من أخذ من أعدائه وانتقامه منهم لشديد. وهو تحذير من الله لعباده أن يحل بهم من نقمه على كفرهم وتعذيبهم مثل الذي حل بأصحاب الأخدود. * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّهُ هُوَ يُبْدِىءُ وَيُعِيدُ﴾. أي: هو ابتدأ الخلق أول مرة، وهو يعيدهم بعد مماتهم للبعث والجزاء. هذا معنى قول الضحاك وابن زيد. وقال ابن عباس: معناه: إنه هو يبدئ العذاب ثم يعيده. (وهو اختيار الطبري)، أي: يبدئ العذاب لأهل الكفر في الدنيا، (وهو عذاب الحريق - ثم يعيده) عليهم في الآخرة - وهو عذاب جهنم. * * ثم قال تعالى: ﴿وَهُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلْوَدُودُ﴾. أي: وهو الغفور لمن تاب من كفره وذنوبه. ﴿ٱلْوَدُودُ﴾ أي: ذو المحبة. وعن ابن عباس أنه قال: ﴿ٱلْوَدُودُ﴾: "الحبيب". وقال ابن زيد: ﴿ٱلْوَدُودُ﴾: "الرحيم". * * ثم قال تعالى: ﴿ذُو ٱلْعَرْشِ ٱلْمَجِيدُ﴾. وقال ابن عباس: ﴿ٱلْمَجِيدُ﴾: "الكريم". * * ثم قال تعالى: ﴿فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ﴾. أي: يفعل ما يشاء، فيوقف من شاء للتوبة فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء بأن [يحول] بينه وبين التوفيق فيموت على كفره. * * ثم قال تعالى: ﴿هَلُ أَتَاكَ حَدِيثُ ٱلْجُنُودِ * فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ﴾. أي: هل جاءك يا محمد حديث الجنود الذين تجندوا على الله ورسوله بأذاهم ومكروهِهم؟ أي: قد أتاك ذلك وعلمته. فاصبر لأذى قومك كما صبر من كان قبلك من الرسل الذين تجند قومهم عليهم. ثم بين الجنود من هم فقال: ﴿فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ﴾ أي: قوم فرعون وتباعه، وثمود. * * ثم قال تعالى: ﴿بَلِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فِي تَكْذِيبٍ﴾. أي: بل الذين كفروا من قومك في تكذيب بوعيد الله ووحيه ﴿وَٱللَّهُ مِن وَرَآئِهِمْ مُّحِيطٌ﴾ أي: محيط بأعمالهم محصيها عليهم حتى يجازيهم عليها. * * ثم قال تعالى: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَّجِيدٌ * فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ﴾. أي: بل ما يقول هؤلاء إنه شعر وسحر [وكهانة]، قرآن مجيد محفوظ من أن يغير، في لوح. قال ابن جبير: مجيد "كريم" وقاله قتادة. قال مجاهد: ﴿فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ﴾ قال: "في أم الكتاب". ومن رفع ﴿مَّحْفُوظٍ﴾، جعله نعتاً للقرآن، بمعنى أنه محفوظ أن يغيره أحد بزيادة أو نقص. ودل على ذلك قوله: ﴿وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩]. ومن خفض، جعله نعتا للوح، أي: القرآن في لوح عند الله محفوظ، وهو اللوح المحفوظ. كما قال مجاهد: هو أم الكتاب. وقال قتادة: ﴿فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ﴾ "عند الله". وقال أنس بن مالك: "إن اللوح المحفوظ الذي ذكر الله في جبهة إسرافيل". وقرأ محمد اليماني: بل هو قرآن مجيد، بالإضافة على معنى: بل هو قرآن رب مجيد. قال ابن عباس: خلق الله اللوح المحفوظ من درة بيضاء، دفتاه [ياقوتة] حمراء، قلمه نور، وكتابه نور، ينظر إليه كل يوم ثلاثمائة وستين نظرة، يُحيي في كل نظرة، ويميت ويعز ويذل، ويفعل ما يشاء، لا إله إلا هو.

البروج 85:10

قوله تعالى: ﴿وَٱلسَّمَآءِ ذَاتِ ٱلْبُرُوجِ﴾ إلى آخرها. أي: ورب السماء ذات القصور. قاله ابن عباس. قال الضحاك: البروج "[يزعمون] أنها قصور في السماء، ويقال: هي الكواكب". قال مجاهد: "البروج: النجوم". وهو قول قتادة. وقيل: المعنى: ذات الرمل والماء. واختار الطبري أن يكون المعنى: ذات منازل الشمس والقمر، على قول مجاهد أن البروج - وهي اثنا عشر برجاً - يسير القمر في كل برج (منها يومين وثلثاً، فذلك ثمان وعشرون منزلة، ثم يستقر ليلتين وثلثاً، وتسير الشمس في كل برج) [شهراً]. وجواب القسم محذوف. وقيل: الجواب ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ ٱلأُخْدُودِ﴾ على تقدير حذف اللام، أي: لقتل أصحاب الأخدود. وقيل: الجواب: ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾ وهو قول قتادة. وقيل: الجواب: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ فَتَنُواْ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾. * * ثم قال تعالى: ﴿وَٱلْيَوْمِ ٱلْمَوْعُودِ﴾ يعني يوم القيامة، وعد الله به عباده لفصل القضاء بينهم روي ذلك عن النبي ﷺ وقاله علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأبو هريرة وقتادة وغيرهم. ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ﴾ قال أبو هريرة: "الشاهد يوم الجمعة، والمشهود: يوم عرفة". وقاله الحسن، وروي (ذلك) عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه وابن عباس، وقاله قتادة وابن المسيب وابن زيد. وعن ابن عباس أيضاً: أن الشاهد محمد ﷺ لقوله: ﴿وَجِئْنَا بِكَ عَلَىٰ هَـٰؤُلاۤءِ شَهِيداً﴾ [النساء: ٤١] والمشهود": يوم القيامة، لقوله تعالى: ﴿وَذَٰلِكَ يَوْمٌ مَّشْهُودٌ﴾ [هود: ١٠٣] أي: يشهده الأولون والآخرون لفصل القضاء بينهم. وهو قول عكرمة، وقاله الحسن بن علي أيضاً. وقال مجاهد: "الشاهد الإنسان، والمشهود: يوم القيامة". فالإنسان لا بد أن يشهد يوم القيامة، ويوم القيامة مشهود لبني آدم، فتكون الشهادة على هذا القول [بمعنى] الحضور. وقد روي مثل ذلك عن الضحاك. وعن عكرمة أيضاً و (عن) ابن عباس أن الشاهد: الله جل ذكره، لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ ٱللَّهُ شَهِيدٌ عَلَىٰ مَا يَفْعَلُونَ﴾ [يونس: ٤٦] والمشهود يوم القيامة لقوله تعالى: ﴿وَذَٰلِكَ يَوْمٌ مَّشْهُودٌ﴾ [هود: ١٠٣]. وقال إبراهيم: الشاهد يوم الأضحى والمشهود يوم عرفة. وعن ابن عباس أيضاً. رواه عنه مجاهد "أن الشاهد: يوم عرفة، والمشهود: يوم القيامة". وروى أبو الدرداء أن النبي ﷺ (قال): "أكثروا علي [الصلاة] يوم الجمعة، فإنه مشهود تشهده الملائكة". وقيل: الشاهد: محمد، والمشهود: الذين يشهد عليهم محمد ﷺ. * * ثم قال تعالى: ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ ٱلأُخْدُودِ * ٱلنَّارِ ذَاتِ ٱلْوَقُودِ﴾ أي: لعن أهلك أصحاب الأخدود، أخبرنا الله جل ذكره أنه أهلكهم ولعنهم. ذكر علي بن أبي طالب رضي الله عنه: أنهم كانوا أهل كتاب، وكانت الخمر أُحِلَّتْ لهم، فشربها ملك من ملوكهم حتى [ثَمِلَ]، فتناول أخته، [زاد عبد بن حميد: أو ابنته، وذكر القصة، وفيها: فإذا ذهب هذا في الناس بأسره خطبتهم فحرمته عليهم]، فوقع عليها، فلما زال عنه السكر ندم، فقال: لأخته: ويحك، ما المخرج مما ابتليت به؟ فقالت: اخطب الناس فقل: يا أيها الناس، [إن الله] قد أحل نكاح الأخوات. ففعل، [فتبرأ] الناس منه ومن قوله، وقالوا: ما جاءنا به نبي ولا وجدناه في كتاب! فرجع إلى أخته نادماً فقال لها: ويحك! إن الناس قد أبوا علي أن يقروا بذلك، فقالت: [ابسط] عليهم السياط، ففعل، فأبوا أن [يقروا] له، فرجع إليها فقالت: (اخطبهم، فإن أبوا فجرد فيهم السيف، ففعل فأبوا)، فرجع إليها فقالت: خُدَّ لهم الأخدود، ثم اعرض عليها أهل مملكتك، فمن أقر وإلا فاقذفه في النار. ففعل، فمن لم يُقِرُّوا [له] بتحليل الأخوات قذفه في النار، فلم يزالوا من ذلك الوقت يستحلون الأخوات والبنات والأمهات. وبقايا [أصحاب] الأخدود الآن مجوس يعبدون النار. ولذلك، قال بعض العلماء فيهم [أن يسن فيهم] سنة أهل الكتاب. * * وقوله: ﴿ٱلنَّارِ﴾ خفض على البدل من الأخدود، وهو بدل الاشتمال. وقيل: هو خفض على الجوار، وذلك بعيد. وفيه تقديران إذا جعلته بدلاً. أحدهما: أن التقدير: النار ذات الوقود نارها. والآخر: النار التي فيها. والأخدود: حفير [مستطيل] كالخندق. يروى أنه كان بموضع يقال له [نجران]، أحرق فيه قوم مؤمنون، أحرقهم ملك من ملوك حمير مشرك، وكان ذلك قبل مولد النبي ﷺ بسبعين سنة. وروى قتادة أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: هم ناس كانوا بمدارع اليمن اقتتل مؤمنوها وكافروها، فظهر مؤمنوها على [كافريها]، ثم اقتتلوا الثانية فظهر كافروها على مؤمنيها، ثم أخذ بعضهم على بعض عهوداً ومواثيق ألا يغدر بعضهم (بعضا)، فغدر بهم الكفار فأخذوهم أَخْذاً، ثم إن رجلاً من المؤمنين قال لهم: هل لكم إلى خير؟ توقدون [ناراً]، (ثم) تعرضوننا عليها، فمن تابعكم على دينكم فذلك الذي تشتهون، ومن لا، اقتحم النار [فاسترحتم] منه. قال: [فأججوا] ناراً، وعرضوا عليها، فجعلوا يقتحمونها ضناً بدينهم حتى بقيت عجوز منهم كأنها تلكأت، فقال لها طفل في حجرها: يا أمه، امضي ولا تنافقي، فقص الله جل ذكره نبأهم وخبرهم. وقال ابن عباس: هم ناس من بني إسرائيل، خدُّواً أخدوداً في الأرض ثم أوقدوا فيه ناراً ثم أقاموا على ذلك الأخدود رجالاً ونساء ثم عرضوا عليها، وزعموا أنه دانيال وأصحابه وكذلك قال الضحاك، إلا أنه قال: فقالوا للرجال والنساء: تكفرون أو نقذفكم في النار (قال). [ويزعمون] أنه دانيال وأصحابه. وروى صهيب أن النبي ﷺ قال: إنه كان في من كان قبلكم ملكٌ، وكان له ساحرٌ، فأتى الساحر الملك فقال: قد كبرت سنّي ودنا أجلي، فادفع إلي غلاماً أعلمه السحر. فدفع إليه غلاماً يعلمه السحر، فكان الغلام يختلف إلى الساحر، وكان بين الساحر وبين الملك راهب. قال: فكان الغلام إذا مر بالراهب قعد إليه فيسمع كلامه، فأعجب بكلامه، فكان إذا أتى الساحر ضربه الساحر وقال: ما حبسك؟. وإذا أتى الغلام (إلى) أهله قعد عند الراهب يسمع كلامه، فإذا أتى أهله ضربوه وقالوا: ما حبسك؟ فشكا ذلك إلى الراهب، فقال له الراهب: إذا قال لك الساحر ما حبسك؟ فقل: حبسني أهلي، وإذا قال لك أهلك: ما حبسك؟ فقل: حبسني الساحر. فبينما هو كذلك، إذ مر في طريق، وإذا دابة عظيمة في الطريق وقد حبست الناس لا تدعهم يجوزون، فقال الغلام: الآن أعلم، أمر الساحر أرضى عند الله أم أمر الراهب؟ قال: فأخذ حجراً فقال: اللهم إن كان أمر الراهب أحب إليك من أمر الساحر فإني أرمي بهذا الحجر هذا ويمر الناس. قال: فرماها، فقتلها وجاز الناس فبلغ ذلك الراهب، وأتاه الغلام، فقال الراهب للغلام: إنك خير مني، وإن ابتليت فلا تدلن علي. [قال]: وكان الغلام يبرئ الأكمه والأبرص وسائر الأدواء. (قال: وكان للملك جليس فعمي، قال: فقيل له: إن هاهنا غلاما يبرئ الأكمه والأبرص وسائر الآذاء) فلو أتيته؟ قال: فاتخذ له هدايا، ثم أتاه فقال: يا غلام، إن أبرأتني فهذه الهدايا كلها لك. فقال: ما أنا أشفيك، ولكن الله يشفي، فإن آمنت دعوت الله أن يشفيك، قال: فآمن الأعمى، فدعا الغلام الله - جل ذكره - فشفاه، فقعد إلى الملك [كما كان يقعد]، فقال له الملك: أليس كنت أعمى؟! فقال نعم، قال: فمن شفاك؟ قال: ربي. قال: ولك رب غيري؟! قال: نعم، ربي وربك الله. قال: فأخذه بالعذاب. وقال: [لتدلنني] على من علمك هذا. قال: [فدل] على الغلام، قال: فدعا الغلام فقال: ارجع عن دينك. فأبى الغلام، قال: فأخذه بالعذاب، قال: فدل على الراهب، فأخذ الراهب بالعذاب، وقال له : ارجع عن دينك. فأبى، قال: فوضع المنشار على هامته فشقه حتى بلغ (إلى) الأرض، ثم قال للغلام: لترجعن أو لأقتلنك. فقال: اذهبوا به حتى تبلغوه ذروة الجبل، فإن رجع عن دينه وإلا [دهدهوه]. فلما بلغ ذروه الجبل قال الغلام: اللهم اكفنيهم. فرجف بهم الجبل فوقعوا فماتوا كلهم. وجاء الغلام يتلمس حتى دخل على الملك فقال: أين أصحابك؟! قال: كفانيهم الله جل ثناؤه. فقال: اذهبوا به فاحملوه في قرقورة فتوسطوا به البحر، فإن رجع عن دينه وإلا فغرقوه. قال فذهبوا، فلما توسطوا به البحر قال الغلام: اللهم فاكفنيهم. فانقلبت بهم السفينة فغرقوا، وجاء الغلام [يتلمس] حتى دخل على الملك، فقال الملك: أين أصحابك؟ قال: دعوت الله فكفانيهم. قال: لأقتلنك. قال: ما أنت بقاتلي حتى تصنع ما آمرك. قال: وما أصنع. قال: اجمع الناس في صعيد واحد ثم أصلُبْنِي، ثم خذ سهماً من كنانتي فارمني وقل: باسم رب الغلام، فإنك ستقتلني. قال: فجمع الملك الناس في صعيد واحد، قال: وصلب الغلام وأخذ سهماً من كنانته فوضعه في كبد القوس ثم رمى به، وقال: باسم رب الغلام. [قال]: فوقع السهم في صدغ الغلام، فوضع الغلام يده على صدغه ومات، فقال الناس: آمنا برب الغلام، فقيل للملك: ما صنعت؟! الذي كنت تحذر قد وقع، قد آمن الناس برب الغلام، فأمر الملك بأفواه الطرق والسكك فأخذت، وخد الأخدود وضرب فيه النيران وأخذهم وقال: [ارجعوا وإلا ألقيتكم] في النار. قال: فكانوا يلقونهم في النار. قال: فجاءت امرأة معها صبي لها. قال: فلما ذهبت تقتحم وجدت حر النار فنكصت. قال: فقال لها صبيها: يا أمه، امضِ، فإنك على الحق. فاقتحمت في النار وقال الربيع بن أنس: كان أصحاب الأخدود قوماً مؤمنين اعتزلوا الناس في الفترة، وإن جباراً من عبدة الأوثان أرسل إليهم يعرض عليهم الدخول في دينه أو يلقيهم في النار، فاختاروا إلقاءهم في النار على الرجوع عن دينهم، فألقوا في النار، فنجى الله المؤمنين الذين ألقوا في النار من الحريق بأن قبض (الله) أرواحهم قبل أن تمسهم النار. قال: وخرجت النار إلى من على شفير الأخدود من الكفار فأحرقتهم، فذلك قوله: ﴿وَلَهُمْ عَذَابُ ٱلْحَرِيقِ﴾ أي: لهم عذاب جهنم في الآخرة ولهم عذاب الحريق في الدنيا، وهي (النار) التي خرجت إليهم من الأخدود فأحرقتهم. * * وقوله: ﴿ذَاتِ ٱلْوَقُودِ﴾. أي: ذات الحطب الجزل، فإن [ضممت] الواو فمعناه ذات التوقد. والأخدود" الحفرة تحفر في الأرض. * * وقوله: ﴿إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ﴾. أي: [إذ الكفار] على النار قعود لحرق المؤمنين، يعني: على حافة الأخدود الذي فيه النار. وقال قتادة: ﴿إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ﴾. يعني بذلك المؤمنين. * * ثم قال: ﴿وَهُمْ عَلَىٰ مَا يَفْعَلُونَ بِٱلْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ﴾. يعني: الكفار. حضور يعرضون المؤمنين على الكفر فمن رجع إليه، وإلا القوه في النار. * * ثم قال تعالى: ﴿وَمَا نَقَمُواْ مِنْهُمْ إِلاَّ أَن يُؤْمِنُواْ بِٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَمِيدِ﴾. أي: وما فعل هؤلاء الكفار بالمؤمنين ما فعلوا من حرقهم إياهم بالنار إلا من أجل أنهم آمنوا بالله الشديد في انتقامه من أعدائه، المحمود عند عباده بإحسانه إليهم. * * ﴿ٱلَّذِي لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ﴾. أي: سلطان ذلك كله. * * ﴿وَٱللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾. أي: والله شهيد على ما فعل هؤلاء الكفار بالمؤمنين وعلى غير ذلك من أفعالهم وأفعال جميع الخلق، فمجازيهم على ما عملوا. * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ فَتَنُواْ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُواْ﴾. أي: حرقوهم بالنار وعذبوهم ثم لم يتوبوا من كفرهم وفعلهم، فلهم عذاب جهنم في الآخرة، ولهم عذاب الحريق في الدنيا. هذا قول الربيع بن أنس. قال محمد بن إسحاق: احترقوا في الدنيا. وكذلك قال أبو العالية. ﴿فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ ﴾ يعني: في الآخرة، واحترقوا في الدنيا بعذاب الحريق. ثم قال تعالى: * * ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ ذَلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْكَبِيرُ﴾. أي: إن الذين أقروا بتوحيد الله وعملوا الأعمال الصالحات وهم الذين حرقهم أصحاب الأخدود وغيرهم من سائر أهل التوحيد لهم بساتين في الآخرة تجري من تحت أشجارها الأنهار من الماء والخمر، واللبن والعسل. ﴿ذَلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْكَبِيرُ﴾ [أي]: ذلك الذي أعطي هؤلاء هو الظفر الكبير بما طلبوا بإيمانهم بالله في الدنيا وطاعتهم له. * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾. أي: إن أخذ ربك يا محمد من أخذ من أعدائه وانتقامه منهم لشديد. وهو تحذير من الله لعباده أن يحل بهم من نقمه على كفرهم وتعذيبهم مثل الذي حل بأصحاب الأخدود. * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّهُ هُوَ يُبْدِىءُ وَيُعِيدُ﴾. أي: هو ابتدأ الخلق أول مرة، وهو يعيدهم بعد مماتهم للبعث والجزاء. هذا معنى قول الضحاك وابن زيد. وقال ابن عباس: معناه: إنه هو يبدئ العذاب ثم يعيده. (وهو اختيار الطبري)، أي: يبدئ العذاب لأهل الكفر في الدنيا، (وهو عذاب الحريق - ثم يعيده) عليهم في الآخرة - وهو عذاب جهنم. * * ثم قال تعالى: ﴿وَهُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلْوَدُودُ﴾. أي: وهو الغفور لمن تاب من كفره وذنوبه. ﴿ٱلْوَدُودُ﴾ أي: ذو المحبة. وعن ابن عباس أنه قال: ﴿ٱلْوَدُودُ﴾: "الحبيب". وقال ابن زيد: ﴿ٱلْوَدُودُ﴾: "الرحيم". * * ثم قال تعالى: ﴿ذُو ٱلْعَرْشِ ٱلْمَجِيدُ﴾. وقال ابن عباس: ﴿ٱلْمَجِيدُ﴾: "الكريم". * * ثم قال تعالى: ﴿فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ﴾. أي: يفعل ما يشاء، فيوقف من شاء للتوبة فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء بأن [يحول] بينه وبين التوفيق فيموت على كفره. * * ثم قال تعالى: ﴿هَلُ أَتَاكَ حَدِيثُ ٱلْجُنُودِ * فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ﴾. أي: هل جاءك يا محمد حديث الجنود الذين تجندوا على الله ورسوله بأذاهم ومكروهِهم؟ أي: قد أتاك ذلك وعلمته. فاصبر لأذى قومك كما صبر من كان قبلك من الرسل الذين تجند قومهم عليهم. ثم بين الجنود من هم فقال: ﴿فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ﴾ أي: قوم فرعون وتباعه، وثمود. * * ثم قال تعالى: ﴿بَلِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فِي تَكْذِيبٍ﴾. أي: بل الذين كفروا من قومك في تكذيب بوعيد الله ووحيه ﴿وَٱللَّهُ مِن وَرَآئِهِمْ مُّحِيطٌ﴾ أي: محيط بأعمالهم محصيها عليهم حتى يجازيهم عليها. * * ثم قال تعالى: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَّجِيدٌ * فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ﴾. أي: بل ما يقول هؤلاء إنه شعر وسحر [وكهانة]، قرآن مجيد محفوظ من أن يغير، في لوح. قال ابن جبير: مجيد "كريم" وقاله قتادة. قال مجاهد: ﴿فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ﴾ قال: "في أم الكتاب". ومن رفع ﴿مَّحْفُوظٍ﴾، جعله نعتاً للقرآن، بمعنى أنه محفوظ أن يغيره أحد بزيادة أو نقص. ودل على ذلك قوله: ﴿وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩]. ومن خفض، جعله نعتا للوح، أي: القرآن في لوح عند الله محفوظ، وهو اللوح المحفوظ. كما قال مجاهد: هو أم الكتاب. وقال قتادة: ﴿فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ﴾ "عند الله". وقال أنس بن مالك: "إن اللوح المحفوظ الذي ذكر الله في جبهة إسرافيل". وقرأ محمد اليماني: بل هو قرآن مجيد، بالإضافة على معنى: بل هو قرآن رب مجيد. قال ابن عباس: خلق الله اللوح المحفوظ من درة بيضاء، دفتاه [ياقوتة] حمراء، قلمه نور، وكتابه نور، ينظر إليه كل يوم ثلاثمائة وستين نظرة، يُحيي في كل نظرة، ويميت ويعز ويذل، ويفعل ما يشاء، لا إله إلا هو.

البروج 85:11

قوله تعالى: ﴿وَٱلسَّمَآءِ ذَاتِ ٱلْبُرُوجِ﴾ إلى آخرها. أي: ورب السماء ذات القصور. قاله ابن عباس. قال الضحاك: البروج "[يزعمون] أنها قصور في السماء، ويقال: هي الكواكب". قال مجاهد: "البروج: النجوم". وهو قول قتادة. وقيل: المعنى: ذات الرمل والماء. واختار الطبري أن يكون المعنى: ذات منازل الشمس والقمر، على قول مجاهد أن البروج - وهي اثنا عشر برجاً - يسير القمر في كل برج (منها يومين وثلثاً، فذلك ثمان وعشرون منزلة، ثم يستقر ليلتين وثلثاً، وتسير الشمس في كل برج) [شهراً]. وجواب القسم محذوف. وقيل: الجواب ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ ٱلأُخْدُودِ﴾ على تقدير حذف اللام، أي: لقتل أصحاب الأخدود. وقيل: الجواب: ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾ وهو قول قتادة. وقيل: الجواب: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ فَتَنُواْ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾. * * ثم قال تعالى: ﴿وَٱلْيَوْمِ ٱلْمَوْعُودِ﴾ يعني يوم القيامة، وعد الله به عباده لفصل القضاء بينهم روي ذلك عن النبي ﷺ وقاله علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأبو هريرة وقتادة وغيرهم. ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ﴾ قال أبو هريرة: "الشاهد يوم الجمعة، والمشهود: يوم عرفة". وقاله الحسن، وروي (ذلك) عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه وابن عباس، وقاله قتادة وابن المسيب وابن زيد. وعن ابن عباس أيضاً: أن الشاهد محمد ﷺ لقوله: ﴿وَجِئْنَا بِكَ عَلَىٰ هَـٰؤُلاۤءِ شَهِيداً﴾ [النساء: ٤١] والمشهود": يوم القيامة، لقوله تعالى: ﴿وَذَٰلِكَ يَوْمٌ مَّشْهُودٌ﴾ [هود: ١٠٣] أي: يشهده الأولون والآخرون لفصل القضاء بينهم. وهو قول عكرمة، وقاله الحسن بن علي أيضاً. وقال مجاهد: "الشاهد الإنسان، والمشهود: يوم القيامة". فالإنسان لا بد أن يشهد يوم القيامة، ويوم القيامة مشهود لبني آدم، فتكون الشهادة على هذا القول [بمعنى] الحضور. وقد روي مثل ذلك عن الضحاك. وعن عكرمة أيضاً و (عن) ابن عباس أن الشاهد: الله جل ذكره، لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ ٱللَّهُ شَهِيدٌ عَلَىٰ مَا يَفْعَلُونَ﴾ [يونس: ٤٦] والمشهود يوم القيامة لقوله تعالى: ﴿وَذَٰلِكَ يَوْمٌ مَّشْهُودٌ﴾ [هود: ١٠٣]. وقال إبراهيم: الشاهد يوم الأضحى والمشهود يوم عرفة. وعن ابن عباس أيضاً. رواه عنه مجاهد "أن الشاهد: يوم عرفة، والمشهود: يوم القيامة". وروى أبو الدرداء أن النبي ﷺ (قال): "أكثروا علي [الصلاة] يوم الجمعة، فإنه مشهود تشهده الملائكة". وقيل: الشاهد: محمد، والمشهود: الذين يشهد عليهم محمد ﷺ. * * ثم قال تعالى: ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ ٱلأُخْدُودِ * ٱلنَّارِ ذَاتِ ٱلْوَقُودِ﴾ أي: لعن أهلك أصحاب الأخدود، أخبرنا الله جل ذكره أنه أهلكهم ولعنهم. ذكر علي بن أبي طالب رضي الله عنه: أنهم كانوا أهل كتاب، وكانت الخمر أُحِلَّتْ لهم، فشربها ملك من ملوكهم حتى [ثَمِلَ]، فتناول أخته، [زاد عبد بن حميد: أو ابنته، وذكر القصة، وفيها: فإذا ذهب هذا في الناس بأسره خطبتهم فحرمته عليهم]، فوقع عليها، فلما زال عنه السكر ندم، فقال: لأخته: ويحك، ما المخرج مما ابتليت به؟ فقالت: اخطب الناس فقل: يا أيها الناس، [إن الله] قد أحل نكاح الأخوات. ففعل، [فتبرأ] الناس منه ومن قوله، وقالوا: ما جاءنا به نبي ولا وجدناه في كتاب! فرجع إلى أخته نادماً فقال لها: ويحك! إن الناس قد أبوا علي أن يقروا بذلك، فقالت: [ابسط] عليهم السياط، ففعل، فأبوا أن [يقروا] له، فرجع إليها فقالت: (اخطبهم، فإن أبوا فجرد فيهم السيف، ففعل فأبوا)، فرجع إليها فقالت: خُدَّ لهم الأخدود، ثم اعرض عليها أهل مملكتك، فمن أقر وإلا فاقذفه في النار. ففعل، فمن لم يُقِرُّوا [له] بتحليل الأخوات قذفه في النار، فلم يزالوا من ذلك الوقت يستحلون الأخوات والبنات والأمهات. وبقايا [أصحاب] الأخدود الآن مجوس يعبدون النار. ولذلك، قال بعض العلماء فيهم [أن يسن فيهم] سنة أهل الكتاب. * * وقوله: ﴿ٱلنَّارِ﴾ خفض على البدل من الأخدود، وهو بدل الاشتمال. وقيل: هو خفض على الجوار، وذلك بعيد. وفيه تقديران إذا جعلته بدلاً. أحدهما: أن التقدير: النار ذات الوقود نارها. والآخر: النار التي فيها. والأخدود: حفير [مستطيل] كالخندق. يروى أنه كان بموضع يقال له [نجران]، أحرق فيه قوم مؤمنون، أحرقهم ملك من ملوك حمير مشرك، وكان ذلك قبل مولد النبي ﷺ بسبعين سنة. وروى قتادة أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: هم ناس كانوا بمدارع اليمن اقتتل مؤمنوها وكافروها، فظهر مؤمنوها على [كافريها]، ثم اقتتلوا الثانية فظهر كافروها على مؤمنيها، ثم أخذ بعضهم على بعض عهوداً ومواثيق ألا يغدر بعضهم (بعضا)، فغدر بهم الكفار فأخذوهم أَخْذاً، ثم إن رجلاً من المؤمنين قال لهم: هل لكم إلى خير؟ توقدون [ناراً]، (ثم) تعرضوننا عليها، فمن تابعكم على دينكم فذلك الذي تشتهون، ومن لا، اقتحم النار [فاسترحتم] منه. قال: [فأججوا] ناراً، وعرضوا عليها، فجعلوا يقتحمونها ضناً بدينهم حتى بقيت عجوز منهم كأنها تلكأت، فقال لها طفل في حجرها: يا أمه، امضي ولا تنافقي، فقص الله جل ذكره نبأهم وخبرهم. وقال ابن عباس: هم ناس من بني إسرائيل، خدُّواً أخدوداً في الأرض ثم أوقدوا فيه ناراً ثم أقاموا على ذلك الأخدود رجالاً ونساء ثم عرضوا عليها، وزعموا أنه دانيال وأصحابه وكذلك قال الضحاك، إلا أنه قال: فقالوا للرجال والنساء: تكفرون أو نقذفكم في النار (قال). [ويزعمون] أنه دانيال وأصحابه. وروى صهيب أن النبي ﷺ قال: إنه كان في من كان قبلكم ملكٌ، وكان له ساحرٌ، فأتى الساحر الملك فقال: قد كبرت سنّي ودنا أجلي، فادفع إلي غلاماً أعلمه السحر. فدفع إليه غلاماً يعلمه السحر، فكان الغلام يختلف إلى الساحر، وكان بين الساحر وبين الملك راهب. قال: فكان الغلام إذا مر بالراهب قعد إليه فيسمع كلامه، فأعجب بكلامه، فكان إذا أتى الساحر ضربه الساحر وقال: ما حبسك؟. وإذا أتى الغلام (إلى) أهله قعد عند الراهب يسمع كلامه، فإذا أتى أهله ضربوه وقالوا: ما حبسك؟ فشكا ذلك إلى الراهب، فقال له الراهب: إذا قال لك الساحر ما حبسك؟ فقل: حبسني أهلي، وإذا قال لك أهلك: ما حبسك؟ فقل: حبسني الساحر. فبينما هو كذلك، إذ مر في طريق، وإذا دابة عظيمة في الطريق وقد حبست الناس لا تدعهم يجوزون، فقال الغلام: الآن أعلم، أمر الساحر أرضى عند الله أم أمر الراهب؟ قال: فأخذ حجراً فقال: اللهم إن كان أمر الراهب أحب إليك من أمر الساحر فإني أرمي بهذا الحجر هذا ويمر الناس. قال: فرماها، فقتلها وجاز الناس فبلغ ذلك الراهب، وأتاه الغلام، فقال الراهب للغلام: إنك خير مني، وإن ابتليت فلا تدلن علي. [قال]: وكان الغلام يبرئ الأكمه والأبرص وسائر الأدواء. (قال: وكان للملك جليس فعمي، قال: فقيل له: إن هاهنا غلاما يبرئ الأكمه والأبرص وسائر الآذاء) فلو أتيته؟ قال: فاتخذ له هدايا، ثم أتاه فقال: يا غلام، إن أبرأتني فهذه الهدايا كلها لك. فقال: ما أنا أشفيك، ولكن الله يشفي، فإن آمنت دعوت الله أن يشفيك، قال: فآمن الأعمى، فدعا الغلام الله - جل ذكره - فشفاه، فقعد إلى الملك [كما كان يقعد]، فقال له الملك: أليس كنت أعمى؟! فقال نعم، قال: فمن شفاك؟ قال: ربي. قال: ولك رب غيري؟! قال: نعم، ربي وربك الله. قال: فأخذه بالعذاب. وقال: [لتدلنني] على من علمك هذا. قال: [فدل] على الغلام، قال: فدعا الغلام فقال: ارجع عن دينك. فأبى الغلام، قال: فأخذه بالعذاب، قال: فدل على الراهب، فأخذ الراهب بالعذاب، وقال له : ارجع عن دينك. فأبى، قال: فوضع المنشار على هامته فشقه حتى بلغ (إلى) الأرض، ثم قال للغلام: لترجعن أو لأقتلنك. فقال: اذهبوا به حتى تبلغوه ذروة الجبل، فإن رجع عن دينه وإلا [دهدهوه]. فلما بلغ ذروه الجبل قال الغلام: اللهم اكفنيهم. فرجف بهم الجبل فوقعوا فماتوا كلهم. وجاء الغلام يتلمس حتى دخل على الملك فقال: أين أصحابك؟! قال: كفانيهم الله جل ثناؤه. فقال: اذهبوا به فاحملوه في قرقورة فتوسطوا به البحر، فإن رجع عن دينه وإلا فغرقوه. قال فذهبوا، فلما توسطوا به البحر قال الغلام: اللهم فاكفنيهم. فانقلبت بهم السفينة فغرقوا، وجاء الغلام [يتلمس] حتى دخل على الملك، فقال الملك: أين أصحابك؟ قال: دعوت الله فكفانيهم. قال: لأقتلنك. قال: ما أنت بقاتلي حتى تصنع ما آمرك. قال: وما أصنع. قال: اجمع الناس في صعيد واحد ثم أصلُبْنِي، ثم خذ سهماً من كنانتي فارمني وقل: باسم رب الغلام، فإنك ستقتلني. قال: فجمع الملك الناس في صعيد واحد، قال: وصلب الغلام وأخذ سهماً من كنانته فوضعه في كبد القوس ثم رمى به، وقال: باسم رب الغلام. [قال]: فوقع السهم في صدغ الغلام، فوضع الغلام يده على صدغه ومات، فقال الناس: آمنا برب الغلام، فقيل للملك: ما صنعت؟! الذي كنت تحذر قد وقع، قد آمن الناس برب الغلام، فأمر الملك بأفواه الطرق والسكك فأخذت، وخد الأخدود وضرب فيه النيران وأخذهم وقال: [ارجعوا وإلا ألقيتكم] في النار. قال: فكانوا يلقونهم في النار. قال: فجاءت امرأة معها صبي لها. قال: فلما ذهبت تقتحم وجدت حر النار فنكصت. قال: فقال لها صبيها: يا أمه، امضِ، فإنك على الحق. فاقتحمت في النار وقال الربيع بن أنس: كان أصحاب الأخدود قوماً مؤمنين اعتزلوا الناس في الفترة، وإن جباراً من عبدة الأوثان أرسل إليهم يعرض عليهم الدخول في دينه أو يلقيهم في النار، فاختاروا إلقاءهم في النار على الرجوع عن دينهم، فألقوا في النار، فنجى الله المؤمنين الذين ألقوا في النار من الحريق بأن قبض (الله) أرواحهم قبل أن تمسهم النار. قال: وخرجت النار إلى من على شفير الأخدود من الكفار فأحرقتهم، فذلك قوله: ﴿وَلَهُمْ عَذَابُ ٱلْحَرِيقِ﴾ أي: لهم عذاب جهنم في الآخرة ولهم عذاب الحريق في الدنيا، وهي (النار) التي خرجت إليهم من الأخدود فأحرقتهم. * * وقوله: ﴿ذَاتِ ٱلْوَقُودِ﴾. أي: ذات الحطب الجزل، فإن [ضممت] الواو فمعناه ذات التوقد. والأخدود" الحفرة تحفر في الأرض. * * وقوله: ﴿إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ﴾. أي: [إذ الكفار] على النار قعود لحرق المؤمنين، يعني: على حافة الأخدود الذي فيه النار. وقال قتادة: ﴿إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ﴾. يعني بذلك المؤمنين. * * ثم قال: ﴿وَهُمْ عَلَىٰ مَا يَفْعَلُونَ بِٱلْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ﴾. يعني: الكفار. حضور يعرضون المؤمنين على الكفر فمن رجع إليه، وإلا القوه في النار. * * ثم قال تعالى: ﴿وَمَا نَقَمُواْ مِنْهُمْ إِلاَّ أَن يُؤْمِنُواْ بِٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَمِيدِ﴾. أي: وما فعل هؤلاء الكفار بالمؤمنين ما فعلوا من حرقهم إياهم بالنار إلا من أجل أنهم آمنوا بالله الشديد في انتقامه من أعدائه، المحمود عند عباده بإحسانه إليهم. * * ﴿ٱلَّذِي لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ﴾. أي: سلطان ذلك كله. * * ﴿وَٱللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾. أي: والله شهيد على ما فعل هؤلاء الكفار بالمؤمنين وعلى غير ذلك من أفعالهم وأفعال جميع الخلق، فمجازيهم على ما عملوا. * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ فَتَنُواْ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُواْ﴾. أي: حرقوهم بالنار وعذبوهم ثم لم يتوبوا من كفرهم وفعلهم، فلهم عذاب جهنم في الآخرة، ولهم عذاب الحريق في الدنيا. هذا قول الربيع بن أنس. قال محمد بن إسحاق: احترقوا في الدنيا. وكذلك قال أبو العالية. ﴿فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ ﴾ يعني: في الآخرة، واحترقوا في الدنيا بعذاب الحريق. ثم قال تعالى: * * ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ ذَلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْكَبِيرُ﴾. أي: إن الذين أقروا بتوحيد الله وعملوا الأعمال الصالحات وهم الذين حرقهم أصحاب الأخدود وغيرهم من سائر أهل التوحيد لهم بساتين في الآخرة تجري من تحت أشجارها الأنهار من الماء والخمر، واللبن والعسل. ﴿ذَلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْكَبِيرُ﴾ [أي]: ذلك الذي أعطي هؤلاء هو الظفر الكبير بما طلبوا بإيمانهم بالله في الدنيا وطاعتهم له. * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾. أي: إن أخذ ربك يا محمد من أخذ من أعدائه وانتقامه منهم لشديد. وهو تحذير من الله لعباده أن يحل بهم من نقمه على كفرهم وتعذيبهم مثل الذي حل بأصحاب الأخدود. * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّهُ هُوَ يُبْدِىءُ وَيُعِيدُ﴾. أي: هو ابتدأ الخلق أول مرة، وهو يعيدهم بعد مماتهم للبعث والجزاء. هذا معنى قول الضحاك وابن زيد. وقال ابن عباس: معناه: إنه هو يبدئ العذاب ثم يعيده. (وهو اختيار الطبري)، أي: يبدئ العذاب لأهل الكفر في الدنيا، (وهو عذاب الحريق - ثم يعيده) عليهم في الآخرة - وهو عذاب جهنم. * * ثم قال تعالى: ﴿وَهُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلْوَدُودُ﴾. أي: وهو الغفور لمن تاب من كفره وذنوبه. ﴿ٱلْوَدُودُ﴾ أي: ذو المحبة. وعن ابن عباس أنه قال: ﴿ٱلْوَدُودُ﴾: "الحبيب". وقال ابن زيد: ﴿ٱلْوَدُودُ﴾: "الرحيم". * * ثم قال تعالى: ﴿ذُو ٱلْعَرْشِ ٱلْمَجِيدُ﴾. وقال ابن عباس: ﴿ٱلْمَجِيدُ﴾: "الكريم". * * ثم قال تعالى: ﴿فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ﴾. أي: يفعل ما يشاء، فيوقف من شاء للتوبة فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء بأن [يحول] بينه وبين التوفيق فيموت على كفره. * * ثم قال تعالى: ﴿هَلُ أَتَاكَ حَدِيثُ ٱلْجُنُودِ * فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ﴾. أي: هل جاءك يا محمد حديث الجنود الذين تجندوا على الله ورسوله بأذاهم ومكروهِهم؟ أي: قد أتاك ذلك وعلمته. فاصبر لأذى قومك كما صبر من كان قبلك من الرسل الذين تجند قومهم عليهم. ثم بين الجنود من هم فقال: ﴿فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ﴾ أي: قوم فرعون وتباعه، وثمود. * * ثم قال تعالى: ﴿بَلِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فِي تَكْذِيبٍ﴾. أي: بل الذين كفروا من قومك في تكذيب بوعيد الله ووحيه ﴿وَٱللَّهُ مِن وَرَآئِهِمْ مُّحِيطٌ﴾ أي: محيط بأعمالهم محصيها عليهم حتى يجازيهم عليها. * * ثم قال تعالى: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَّجِيدٌ * فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ﴾. أي: بل ما يقول هؤلاء إنه شعر وسحر [وكهانة]، قرآن مجيد محفوظ من أن يغير، في لوح. قال ابن جبير: مجيد "كريم" وقاله قتادة. قال مجاهد: ﴿فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ﴾ قال: "في أم الكتاب". ومن رفع ﴿مَّحْفُوظٍ﴾، جعله نعتاً للقرآن، بمعنى أنه محفوظ أن يغيره أحد بزيادة أو نقص. ودل على ذلك قوله: ﴿وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩]. ومن خفض، جعله نعتا للوح، أي: القرآن في لوح عند الله محفوظ، وهو اللوح المحفوظ. كما قال مجاهد: هو أم الكتاب. وقال قتادة: ﴿فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ﴾ "عند الله". وقال أنس بن مالك: "إن اللوح المحفوظ الذي ذكر الله في جبهة إسرافيل". وقرأ محمد اليماني: بل هو قرآن مجيد، بالإضافة على معنى: بل هو قرآن رب مجيد. قال ابن عباس: خلق الله اللوح المحفوظ من درة بيضاء، دفتاه [ياقوتة] حمراء، قلمه نور، وكتابه نور، ينظر إليه كل يوم ثلاثمائة وستين نظرة، يُحيي في كل نظرة، ويميت ويعز ويذل، ويفعل ما يشاء، لا إله إلا هو.

البروج 85:12

قوله تعالى: ﴿وَٱلسَّمَآءِ ذَاتِ ٱلْبُرُوجِ﴾ إلى آخرها. أي: ورب السماء ذات القصور. قاله ابن عباس. قال الضحاك: البروج "[يزعمون] أنها قصور في السماء، ويقال: هي الكواكب". قال مجاهد: "البروج: النجوم". وهو قول قتادة. وقيل: المعنى: ذات الرمل والماء. واختار الطبري أن يكون المعنى: ذات منازل الشمس والقمر، على قول مجاهد أن البروج - وهي اثنا عشر برجاً - يسير القمر في كل برج (منها يومين وثلثاً، فذلك ثمان وعشرون منزلة، ثم يستقر ليلتين وثلثاً، وتسير الشمس في كل برج) [شهراً]. وجواب القسم محذوف. وقيل: الجواب ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ ٱلأُخْدُودِ﴾ على تقدير حذف اللام، أي: لقتل أصحاب الأخدود. وقيل: الجواب: ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾ وهو قول قتادة. وقيل: الجواب: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ فَتَنُواْ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾. * * ثم قال تعالى: ﴿وَٱلْيَوْمِ ٱلْمَوْعُودِ﴾ يعني يوم القيامة، وعد الله به عباده لفصل القضاء بينهم روي ذلك عن النبي ﷺ وقاله علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأبو هريرة وقتادة وغيرهم. ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ﴾ قال أبو هريرة: "الشاهد يوم الجمعة، والمشهود: يوم عرفة". وقاله الحسن، وروي (ذلك) عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه وابن عباس، وقاله قتادة وابن المسيب وابن زيد. وعن ابن عباس أيضاً: أن الشاهد محمد ﷺ لقوله: ﴿وَجِئْنَا بِكَ عَلَىٰ هَـٰؤُلاۤءِ شَهِيداً﴾ [النساء: ٤١] والمشهود": يوم القيامة، لقوله تعالى: ﴿وَذَٰلِكَ يَوْمٌ مَّشْهُودٌ﴾ [هود: ١٠٣] أي: يشهده الأولون والآخرون لفصل القضاء بينهم. وهو قول عكرمة، وقاله الحسن بن علي أيضاً. وقال مجاهد: "الشاهد الإنسان، والمشهود: يوم القيامة". فالإنسان لا بد أن يشهد يوم القيامة، ويوم القيامة مشهود لبني آدم، فتكون الشهادة على هذا القول [بمعنى] الحضور. وقد روي مثل ذلك عن الضحاك. وعن عكرمة أيضاً و (عن) ابن عباس أن الشاهد: الله جل ذكره، لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ ٱللَّهُ شَهِيدٌ عَلَىٰ مَا يَفْعَلُونَ﴾ [يونس: ٤٦] والمشهود يوم القيامة لقوله تعالى: ﴿وَذَٰلِكَ يَوْمٌ مَّشْهُودٌ﴾ [هود: ١٠٣]. وقال إبراهيم: الشاهد يوم الأضحى والمشهود يوم عرفة. وعن ابن عباس أيضاً. رواه عنه مجاهد "أن الشاهد: يوم عرفة، والمشهود: يوم القيامة". وروى أبو الدرداء أن النبي ﷺ (قال): "أكثروا علي [الصلاة] يوم الجمعة، فإنه مشهود تشهده الملائكة". وقيل: الشاهد: محمد، والمشهود: الذين يشهد عليهم محمد ﷺ. * * ثم قال تعالى: ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ ٱلأُخْدُودِ * ٱلنَّارِ ذَاتِ ٱلْوَقُودِ﴾ أي: لعن أهلك أصحاب الأخدود، أخبرنا الله جل ذكره أنه أهلكهم ولعنهم. ذكر علي بن أبي طالب رضي الله عنه: أنهم كانوا أهل كتاب، وكانت الخمر أُحِلَّتْ لهم، فشربها ملك من ملوكهم حتى [ثَمِلَ]، فتناول أخته، [زاد عبد بن حميد: أو ابنته، وذكر القصة، وفيها: فإذا ذهب هذا في الناس بأسره خطبتهم فحرمته عليهم]، فوقع عليها، فلما زال عنه السكر ندم، فقال: لأخته: ويحك، ما المخرج مما ابتليت به؟ فقالت: اخطب الناس فقل: يا أيها الناس، [إن الله] قد أحل نكاح الأخوات. ففعل، [فتبرأ] الناس منه ومن قوله، وقالوا: ما جاءنا به نبي ولا وجدناه في كتاب! فرجع إلى أخته نادماً فقال لها: ويحك! إن الناس قد أبوا علي أن يقروا بذلك، فقالت: [ابسط] عليهم السياط، ففعل، فأبوا أن [يقروا] له، فرجع إليها فقالت: (اخطبهم، فإن أبوا فجرد فيهم السيف، ففعل فأبوا)، فرجع إليها فقالت: خُدَّ لهم الأخدود، ثم اعرض عليها أهل مملكتك، فمن أقر وإلا فاقذفه في النار. ففعل، فمن لم يُقِرُّوا [له] بتحليل الأخوات قذفه في النار، فلم يزالوا من ذلك الوقت يستحلون الأخوات والبنات والأمهات. وبقايا [أصحاب] الأخدود الآن مجوس يعبدون النار. ولذلك، قال بعض العلماء فيهم [أن يسن فيهم] سنة أهل الكتاب. * * وقوله: ﴿ٱلنَّارِ﴾ خفض على البدل من الأخدود، وهو بدل الاشتمال. وقيل: هو خفض على الجوار، وذلك بعيد. وفيه تقديران إذا جعلته بدلاً. أحدهما: أن التقدير: النار ذات الوقود نارها. والآخر: النار التي فيها. والأخدود: حفير [مستطيل] كالخندق. يروى أنه كان بموضع يقال له [نجران]، أحرق فيه قوم مؤمنون، أحرقهم ملك من ملوك حمير مشرك، وكان ذلك قبل مولد النبي ﷺ بسبعين سنة. وروى قتادة أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: هم ناس كانوا بمدارع اليمن اقتتل مؤمنوها وكافروها، فظهر مؤمنوها على [كافريها]، ثم اقتتلوا الثانية فظهر كافروها على مؤمنيها، ثم أخذ بعضهم على بعض عهوداً ومواثيق ألا يغدر بعضهم (بعضا)، فغدر بهم الكفار فأخذوهم أَخْذاً، ثم إن رجلاً من المؤمنين قال لهم: هل لكم إلى خير؟ توقدون [ناراً]، (ثم) تعرضوننا عليها، فمن تابعكم على دينكم فذلك الذي تشتهون، ومن لا، اقتحم النار [فاسترحتم] منه. قال: [فأججوا] ناراً، وعرضوا عليها، فجعلوا يقتحمونها ضناً بدينهم حتى بقيت عجوز منهم كأنها تلكأت، فقال لها طفل في حجرها: يا أمه، امضي ولا تنافقي، فقص الله جل ذكره نبأهم وخبرهم. وقال ابن عباس: هم ناس من بني إسرائيل، خدُّواً أخدوداً في الأرض ثم أوقدوا فيه ناراً ثم أقاموا على ذلك الأخدود رجالاً ونساء ثم عرضوا عليها، وزعموا أنه دانيال وأصحابه وكذلك قال الضحاك، إلا أنه قال: فقالوا للرجال والنساء: تكفرون أو نقذفكم في النار (قال). [ويزعمون] أنه دانيال وأصحابه. وروى صهيب أن النبي ﷺ قال: إنه كان في من كان قبلكم ملكٌ، وكان له ساحرٌ، فأتى الساحر الملك فقال: قد كبرت سنّي ودنا أجلي، فادفع إلي غلاماً أعلمه السحر. فدفع إليه غلاماً يعلمه السحر، فكان الغلام يختلف إلى الساحر، وكان بين الساحر وبين الملك راهب. قال: فكان الغلام إذا مر بالراهب قعد إليه فيسمع كلامه، فأعجب بكلامه، فكان إذا أتى الساحر ضربه الساحر وقال: ما حبسك؟. وإذا أتى الغلام (إلى) أهله قعد عند الراهب يسمع كلامه، فإذا أتى أهله ضربوه وقالوا: ما حبسك؟ فشكا ذلك إلى الراهب، فقال له الراهب: إذا قال لك الساحر ما حبسك؟ فقل: حبسني أهلي، وإذا قال لك أهلك: ما حبسك؟ فقل: حبسني الساحر. فبينما هو كذلك، إذ مر في طريق، وإذا دابة عظيمة في الطريق وقد حبست الناس لا تدعهم يجوزون، فقال الغلام: الآن أعلم، أمر الساحر أرضى عند الله أم أمر الراهب؟ قال: فأخذ حجراً فقال: اللهم إن كان أمر الراهب أحب إليك من أمر الساحر فإني أرمي بهذا الحجر هذا ويمر الناس. قال: فرماها، فقتلها وجاز الناس فبلغ ذلك الراهب، وأتاه الغلام، فقال الراهب للغلام: إنك خير مني، وإن ابتليت فلا تدلن علي. [قال]: وكان الغلام يبرئ الأكمه والأبرص وسائر الأدواء. (قال: وكان للملك جليس فعمي، قال: فقيل له: إن هاهنا غلاما يبرئ الأكمه والأبرص وسائر الآذاء) فلو أتيته؟ قال: فاتخذ له هدايا، ثم أتاه فقال: يا غلام، إن أبرأتني فهذه الهدايا كلها لك. فقال: ما أنا أشفيك، ولكن الله يشفي، فإن آمنت دعوت الله أن يشفيك، قال: فآمن الأعمى، فدعا الغلام الله - جل ذكره - فشفاه، فقعد إلى الملك [كما كان يقعد]، فقال له الملك: أليس كنت أعمى؟! فقال نعم، قال: فمن شفاك؟ قال: ربي. قال: ولك رب غيري؟! قال: نعم، ربي وربك الله. قال: فأخذه بالعذاب. وقال: [لتدلنني] على من علمك هذا. قال: [فدل] على الغلام، قال: فدعا الغلام فقال: ارجع عن دينك. فأبى الغلام، قال: فأخذه بالعذاب، قال: فدل على الراهب، فأخذ الراهب بالعذاب، وقال له : ارجع عن دينك. فأبى، قال: فوضع المنشار على هامته فشقه حتى بلغ (إلى) الأرض، ثم قال للغلام: لترجعن أو لأقتلنك. فقال: اذهبوا به حتى تبلغوه ذروة الجبل، فإن رجع عن دينه وإلا [دهدهوه]. فلما بلغ ذروه الجبل قال الغلام: اللهم اكفنيهم. فرجف بهم الجبل فوقعوا فماتوا كلهم. وجاء الغلام يتلمس حتى دخل على الملك فقال: أين أصحابك؟! قال: كفانيهم الله جل ثناؤه. فقال: اذهبوا به فاحملوه في قرقورة فتوسطوا به البحر، فإن رجع عن دينه وإلا فغرقوه. قال فذهبوا، فلما توسطوا به البحر قال الغلام: اللهم فاكفنيهم. فانقلبت بهم السفينة فغرقوا، وجاء الغلام [يتلمس] حتى دخل على الملك، فقال الملك: أين أصحابك؟ قال: دعوت الله فكفانيهم. قال: لأقتلنك. قال: ما أنت بقاتلي حتى تصنع ما آمرك. قال: وما أصنع. قال: اجمع الناس في صعيد واحد ثم أصلُبْنِي، ثم خذ سهماً من كنانتي فارمني وقل: باسم رب الغلام، فإنك ستقتلني. قال: فجمع الملك الناس في صعيد واحد، قال: وصلب الغلام وأخذ سهماً من كنانته فوضعه في كبد القوس ثم رمى به، وقال: باسم رب الغلام. [قال]: فوقع السهم في صدغ الغلام، فوضع الغلام يده على صدغه ومات، فقال الناس: آمنا برب الغلام، فقيل للملك: ما صنعت؟! الذي كنت تحذر قد وقع، قد آمن الناس برب الغلام، فأمر الملك بأفواه الطرق والسكك فأخذت، وخد الأخدود وضرب فيه النيران وأخذهم وقال: [ارجعوا وإلا ألقيتكم] في النار. قال: فكانوا يلقونهم في النار. قال: فجاءت امرأة معها صبي لها. قال: فلما ذهبت تقتحم وجدت حر النار فنكصت. قال: فقال لها صبيها: يا أمه، امضِ، فإنك على الحق. فاقتحمت في النار وقال الربيع بن أنس: كان أصحاب الأخدود قوماً مؤمنين اعتزلوا الناس في الفترة، وإن جباراً من عبدة الأوثان أرسل إليهم يعرض عليهم الدخول في دينه أو يلقيهم في النار، فاختاروا إلقاءهم في النار على الرجوع عن دينهم، فألقوا في النار، فنجى الله المؤمنين الذين ألقوا في النار من الحريق بأن قبض (الله) أرواحهم قبل أن تمسهم النار. قال: وخرجت النار إلى من على شفير الأخدود من الكفار فأحرقتهم، فذلك قوله: ﴿وَلَهُمْ عَذَابُ ٱلْحَرِيقِ﴾ أي: لهم عذاب جهنم في الآخرة ولهم عذاب الحريق في الدنيا، وهي (النار) التي خرجت إليهم من الأخدود فأحرقتهم. * * وقوله: ﴿ذَاتِ ٱلْوَقُودِ﴾. أي: ذات الحطب الجزل، فإن [ضممت] الواو فمعناه ذات التوقد. والأخدود" الحفرة تحفر في الأرض. * * وقوله: ﴿إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ﴾. أي: [إذ الكفار] على النار قعود لحرق المؤمنين، يعني: على حافة الأخدود الذي فيه النار. وقال قتادة: ﴿إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ﴾. يعني بذلك المؤمنين. * * ثم قال: ﴿وَهُمْ عَلَىٰ مَا يَفْعَلُونَ بِٱلْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ﴾. يعني: الكفار. حضور يعرضون المؤمنين على الكفر فمن رجع إليه، وإلا القوه في النار. * * ثم قال تعالى: ﴿وَمَا نَقَمُواْ مِنْهُمْ إِلاَّ أَن يُؤْمِنُواْ بِٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَمِيدِ﴾. أي: وما فعل هؤلاء الكفار بالمؤمنين ما فعلوا من حرقهم إياهم بالنار إلا من أجل أنهم آمنوا بالله الشديد في انتقامه من أعدائه، المحمود عند عباده بإحسانه إليهم. * * ﴿ٱلَّذِي لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ﴾. أي: سلطان ذلك كله. * * ﴿وَٱللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾. أي: والله شهيد على ما فعل هؤلاء الكفار بالمؤمنين وعلى غير ذلك من أفعالهم وأفعال جميع الخلق، فمجازيهم على ما عملوا. * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ فَتَنُواْ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُواْ﴾. أي: حرقوهم بالنار وعذبوهم ثم لم يتوبوا من كفرهم وفعلهم، فلهم عذاب جهنم في الآخرة، ولهم عذاب الحريق في الدنيا. هذا قول الربيع بن أنس. قال محمد بن إسحاق: احترقوا في الدنيا. وكذلك قال أبو العالية. ﴿فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ ﴾ يعني: في الآخرة، واحترقوا في الدنيا بعذاب الحريق. ثم قال تعالى: * * ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ ذَلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْكَبِيرُ﴾. أي: إن الذين أقروا بتوحيد الله وعملوا الأعمال الصالحات وهم الذين حرقهم أصحاب الأخدود وغيرهم من سائر أهل التوحيد لهم بساتين في الآخرة تجري من تحت أشجارها الأنهار من الماء والخمر، واللبن والعسل. ﴿ذَلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْكَبِيرُ﴾ [أي]: ذلك الذي أعطي هؤلاء هو الظفر الكبير بما طلبوا بإيمانهم بالله في الدنيا وطاعتهم له. * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾. أي: إن أخذ ربك يا محمد من أخذ من أعدائه وانتقامه منهم لشديد. وهو تحذير من الله لعباده أن يحل بهم من نقمه على كفرهم وتعذيبهم مثل الذي حل بأصحاب الأخدود. * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّهُ هُوَ يُبْدِىءُ وَيُعِيدُ﴾. أي: هو ابتدأ الخلق أول مرة، وهو يعيدهم بعد مماتهم للبعث والجزاء. هذا معنى قول الضحاك وابن زيد. وقال ابن عباس: معناه: إنه هو يبدئ العذاب ثم يعيده. (وهو اختيار الطبري)، أي: يبدئ العذاب لأهل الكفر في الدنيا، (وهو عذاب الحريق - ثم يعيده) عليهم في الآخرة - وهو عذاب جهنم. * * ثم قال تعالى: ﴿وَهُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلْوَدُودُ﴾. أي: وهو الغفور لمن تاب من كفره وذنوبه. ﴿ٱلْوَدُودُ﴾ أي: ذو المحبة. وعن ابن عباس أنه قال: ﴿ٱلْوَدُودُ﴾: "الحبيب". وقال ابن زيد: ﴿ٱلْوَدُودُ﴾: "الرحيم". * * ثم قال تعالى: ﴿ذُو ٱلْعَرْشِ ٱلْمَجِيدُ﴾. وقال ابن عباس: ﴿ٱلْمَجِيدُ﴾: "الكريم". * * ثم قال تعالى: ﴿فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ﴾. أي: يفعل ما يشاء، فيوقف من شاء للتوبة فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء بأن [يحول] بينه وبين التوفيق فيموت على كفره. * * ثم قال تعالى: ﴿هَلُ أَتَاكَ حَدِيثُ ٱلْجُنُودِ * فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ﴾. أي: هل جاءك يا محمد حديث الجنود الذين تجندوا على الله ورسوله بأذاهم ومكروهِهم؟ أي: قد أتاك ذلك وعلمته. فاصبر لأذى قومك كما صبر من كان قبلك من الرسل الذين تجند قومهم عليهم. ثم بين الجنود من هم فقال: ﴿فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ﴾ أي: قوم فرعون وتباعه، وثمود. * * ثم قال تعالى: ﴿بَلِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فِي تَكْذِيبٍ﴾. أي: بل الذين كفروا من قومك في تكذيب بوعيد الله ووحيه ﴿وَٱللَّهُ مِن وَرَآئِهِمْ مُّحِيطٌ﴾ أي: محيط بأعمالهم محصيها عليهم حتى يجازيهم عليها. * * ثم قال تعالى: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَّجِيدٌ * فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ﴾. أي: بل ما يقول هؤلاء إنه شعر وسحر [وكهانة]، قرآن مجيد محفوظ من أن يغير، في لوح. قال ابن جبير: مجيد "كريم" وقاله قتادة. قال مجاهد: ﴿فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ﴾ قال: "في أم الكتاب". ومن رفع ﴿مَّحْفُوظٍ﴾، جعله نعتاً للقرآن، بمعنى أنه محفوظ أن يغيره أحد بزيادة أو نقص. ودل على ذلك قوله: ﴿وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩]. ومن خفض، جعله نعتا للوح، أي: القرآن في لوح عند الله محفوظ، وهو اللوح المحفوظ. كما قال مجاهد: هو أم الكتاب. وقال قتادة: ﴿فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ﴾ "عند الله". وقال أنس بن مالك: "إن اللوح المحفوظ الذي ذكر الله في جبهة إسرافيل". وقرأ محمد اليماني: بل هو قرآن مجيد، بالإضافة على معنى: بل هو قرآن رب مجيد. قال ابن عباس: خلق الله اللوح المحفوظ من درة بيضاء، دفتاه [ياقوتة] حمراء، قلمه نور، وكتابه نور، ينظر إليه كل يوم ثلاثمائة وستين نظرة، يُحيي في كل نظرة، ويميت ويعز ويذل، ويفعل ما يشاء، لا إله إلا هو.

البروج 85:13

قوله تعالى: ﴿وَٱلسَّمَآءِ ذَاتِ ٱلْبُرُوجِ﴾ إلى آخرها. أي: ورب السماء ذات القصور. قاله ابن عباس. قال الضحاك: البروج "[يزعمون] أنها قصور في السماء، ويقال: هي الكواكب". قال مجاهد: "البروج: النجوم". وهو قول قتادة. وقيل: المعنى: ذات الرمل والماء. واختار الطبري أن يكون المعنى: ذات منازل الشمس والقمر، على قول مجاهد أن البروج - وهي اثنا عشر برجاً - يسير القمر في كل برج (منها يومين وثلثاً، فذلك ثمان وعشرون منزلة، ثم يستقر ليلتين وثلثاً، وتسير الشمس في كل برج) [شهراً]. وجواب القسم محذوف. وقيل: الجواب ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ ٱلأُخْدُودِ﴾ على تقدير حذف اللام، أي: لقتل أصحاب الأخدود. وقيل: الجواب: ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾ وهو قول قتادة. وقيل: الجواب: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ فَتَنُواْ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾. * * ثم قال تعالى: ﴿وَٱلْيَوْمِ ٱلْمَوْعُودِ﴾ يعني يوم القيامة، وعد الله به عباده لفصل القضاء بينهم روي ذلك عن النبي ﷺ وقاله علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأبو هريرة وقتادة وغيرهم. ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ﴾ قال أبو هريرة: "الشاهد يوم الجمعة، والمشهود: يوم عرفة". وقاله الحسن، وروي (ذلك) عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه وابن عباس، وقاله قتادة وابن المسيب وابن زيد. وعن ابن عباس أيضاً: أن الشاهد محمد ﷺ لقوله: ﴿وَجِئْنَا بِكَ عَلَىٰ هَـٰؤُلاۤءِ شَهِيداً﴾ [النساء: ٤١] والمشهود": يوم القيامة، لقوله تعالى: ﴿وَذَٰلِكَ يَوْمٌ مَّشْهُودٌ﴾ [هود: ١٠٣] أي: يشهده الأولون والآخرون لفصل القضاء بينهم. وهو قول عكرمة، وقاله الحسن بن علي أيضاً. وقال مجاهد: "الشاهد الإنسان، والمشهود: يوم القيامة". فالإنسان لا بد أن يشهد يوم القيامة، ويوم القيامة مشهود لبني آدم، فتكون الشهادة على هذا القول [بمعنى] الحضور. وقد روي مثل ذلك عن الضحاك. وعن عكرمة أيضاً و (عن) ابن عباس أن الشاهد: الله جل ذكره، لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ ٱللَّهُ شَهِيدٌ عَلَىٰ مَا يَفْعَلُونَ﴾ [يونس: ٤٦] والمشهود يوم القيامة لقوله تعالى: ﴿وَذَٰلِكَ يَوْمٌ مَّشْهُودٌ﴾ [هود: ١٠٣]. وقال إبراهيم: الشاهد يوم الأضحى والمشهود يوم عرفة. وعن ابن عباس أيضاً. رواه عنه مجاهد "أن الشاهد: يوم عرفة، والمشهود: يوم القيامة". وروى أبو الدرداء أن النبي ﷺ (قال): "أكثروا علي [الصلاة] يوم الجمعة، فإنه مشهود تشهده الملائكة". وقيل: الشاهد: محمد، والمشهود: الذين يشهد عليهم محمد ﷺ. * * ثم قال تعالى: ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ ٱلأُخْدُودِ * ٱلنَّارِ ذَاتِ ٱلْوَقُودِ﴾ أي: لعن أهلك أصحاب الأخدود، أخبرنا الله جل ذكره أنه أهلكهم ولعنهم. ذكر علي بن أبي طالب رضي الله عنه: أنهم كانوا أهل كتاب، وكانت الخمر أُحِلَّتْ لهم، فشربها ملك من ملوكهم حتى [ثَمِلَ]، فتناول أخته، [زاد عبد بن حميد: أو ابنته، وذكر القصة، وفيها: فإذا ذهب هذا في الناس بأسره خطبتهم فحرمته عليهم]، فوقع عليها، فلما زال عنه السكر ندم، فقال: لأخته: ويحك، ما المخرج مما ابتليت به؟ فقالت: اخطب الناس فقل: يا أيها الناس، [إن الله] قد أحل نكاح الأخوات. ففعل، [فتبرأ] الناس منه ومن قوله، وقالوا: ما جاءنا به نبي ولا وجدناه في كتاب! فرجع إلى أخته نادماً فقال لها: ويحك! إن الناس قد أبوا علي أن يقروا بذلك، فقالت: [ابسط] عليهم السياط، ففعل، فأبوا أن [يقروا] له، فرجع إليها فقالت: (اخطبهم، فإن أبوا فجرد فيهم السيف، ففعل فأبوا)، فرجع إليها فقالت: خُدَّ لهم الأخدود، ثم اعرض عليها أهل مملكتك، فمن أقر وإلا فاقذفه في النار. ففعل، فمن لم يُقِرُّوا [له] بتحليل الأخوات قذفه في النار، فلم يزالوا من ذلك الوقت يستحلون الأخوات والبنات والأمهات. وبقايا [أصحاب] الأخدود الآن مجوس يعبدون النار. ولذلك، قال بعض العلماء فيهم [أن يسن فيهم] سنة أهل الكتاب. * * وقوله: ﴿ٱلنَّارِ﴾ خفض على البدل من الأخدود، وهو بدل الاشتمال. وقيل: هو خفض على الجوار، وذلك بعيد. وفيه تقديران إذا جعلته بدلاً. أحدهما: أن التقدير: النار ذات الوقود نارها. والآخر: النار التي فيها. والأخدود: حفير [مستطيل] كالخندق. يروى أنه كان بموضع يقال له [نجران]، أحرق فيه قوم مؤمنون، أحرقهم ملك من ملوك حمير مشرك، وكان ذلك قبل مولد النبي ﷺ بسبعين سنة. وروى قتادة أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: هم ناس كانوا بمدارع اليمن اقتتل مؤمنوها وكافروها، فظهر مؤمنوها على [كافريها]، ثم اقتتلوا الثانية فظهر كافروها على مؤمنيها، ثم أخذ بعضهم على بعض عهوداً ومواثيق ألا يغدر بعضهم (بعضا)، فغدر بهم الكفار فأخذوهم أَخْذاً، ثم إن رجلاً من المؤمنين قال لهم: هل لكم إلى خير؟ توقدون [ناراً]، (ثم) تعرضوننا عليها، فمن تابعكم على دينكم فذلك الذي تشتهون، ومن لا، اقتحم النار [فاسترحتم] منه. قال: [فأججوا] ناراً، وعرضوا عليها، فجعلوا يقتحمونها ضناً بدينهم حتى بقيت عجوز منهم كأنها تلكأت، فقال لها طفل في حجرها: يا أمه، امضي ولا تنافقي، فقص الله جل ذكره نبأهم وخبرهم. وقال ابن عباس: هم ناس من بني إسرائيل، خدُّواً أخدوداً في الأرض ثم أوقدوا فيه ناراً ثم أقاموا على ذلك الأخدود رجالاً ونساء ثم عرضوا عليها، وزعموا أنه دانيال وأصحابه وكذلك قال الضحاك، إلا أنه قال: فقالوا للرجال والنساء: تكفرون أو نقذفكم في النار (قال). [ويزعمون] أنه دانيال وأصحابه. وروى صهيب أن النبي ﷺ قال: إنه كان في من كان قبلكم ملكٌ، وكان له ساحرٌ، فأتى الساحر الملك فقال: قد كبرت سنّي ودنا أجلي، فادفع إلي غلاماً أعلمه السحر. فدفع إليه غلاماً يعلمه السحر، فكان الغلام يختلف إلى الساحر، وكان بين الساحر وبين الملك راهب. قال: فكان الغلام إذا مر بالراهب قعد إليه فيسمع كلامه، فأعجب بكلامه، فكان إذا أتى الساحر ضربه الساحر وقال: ما حبسك؟. وإذا أتى الغلام (إلى) أهله قعد عند الراهب يسمع كلامه، فإذا أتى أهله ضربوه وقالوا: ما حبسك؟ فشكا ذلك إلى الراهب، فقال له الراهب: إذا قال لك الساحر ما حبسك؟ فقل: حبسني أهلي، وإذا قال لك أهلك: ما حبسك؟ فقل: حبسني الساحر. فبينما هو كذلك، إذ مر في طريق، وإذا دابة عظيمة في الطريق وقد حبست الناس لا تدعهم يجوزون، فقال الغلام: الآن أعلم، أمر الساحر أرضى عند الله أم أمر الراهب؟ قال: فأخذ حجراً فقال: اللهم إن كان أمر الراهب أحب إليك من أمر الساحر فإني أرمي بهذا الحجر هذا ويمر الناس. قال: فرماها، فقتلها وجاز الناس فبلغ ذلك الراهب، وأتاه الغلام، فقال الراهب للغلام: إنك خير مني، وإن ابتليت فلا تدلن علي. [قال]: وكان الغلام يبرئ الأكمه والأبرص وسائر الأدواء. (قال: وكان للملك جليس فعمي، قال: فقيل له: إن هاهنا غلاما يبرئ الأكمه والأبرص وسائر الآذاء) فلو أتيته؟ قال: فاتخذ له هدايا، ثم أتاه فقال: يا غلام، إن أبرأتني فهذه الهدايا كلها لك. فقال: ما أنا أشفيك، ولكن الله يشفي، فإن آمنت دعوت الله أن يشفيك، قال: فآمن الأعمى، فدعا الغلام الله - جل ذكره - فشفاه، فقعد إلى الملك [كما كان يقعد]، فقال له الملك: أليس كنت أعمى؟! فقال نعم، قال: فمن شفاك؟ قال: ربي. قال: ولك رب غيري؟! قال: نعم، ربي وربك الله. قال: فأخذه بالعذاب. وقال: [لتدلنني] على من علمك هذا. قال: [فدل] على الغلام، قال: فدعا الغلام فقال: ارجع عن دينك. فأبى الغلام، قال: فأخذه بالعذاب، قال: فدل على الراهب، فأخذ الراهب بالعذاب، وقال له : ارجع عن دينك. فأبى، قال: فوضع المنشار على هامته فشقه حتى بلغ (إلى) الأرض، ثم قال للغلام: لترجعن أو لأقتلنك. فقال: اذهبوا به حتى تبلغوه ذروة الجبل، فإن رجع عن دينه وإلا [دهدهوه]. فلما بلغ ذروه الجبل قال الغلام: اللهم اكفنيهم. فرجف بهم الجبل فوقعوا فماتوا كلهم. وجاء الغلام يتلمس حتى دخل على الملك فقال: أين أصحابك؟! قال: كفانيهم الله جل ثناؤه. فقال: اذهبوا به فاحملوه في قرقورة فتوسطوا به البحر، فإن رجع عن دينه وإلا فغرقوه. قال فذهبوا، فلما توسطوا به البحر قال الغلام: اللهم فاكفنيهم. فانقلبت بهم السفينة فغرقوا، وجاء الغلام [يتلمس] حتى دخل على الملك، فقال الملك: أين أصحابك؟ قال: دعوت الله فكفانيهم. قال: لأقتلنك. قال: ما أنت بقاتلي حتى تصنع ما آمرك. قال: وما أصنع. قال: اجمع الناس في صعيد واحد ثم أصلُبْنِي، ثم خذ سهماً من كنانتي فارمني وقل: باسم رب الغلام، فإنك ستقتلني. قال: فجمع الملك الناس في صعيد واحد، قال: وصلب الغلام وأخذ سهماً من كنانته فوضعه في كبد القوس ثم رمى به، وقال: باسم رب الغلام. [قال]: فوقع السهم في صدغ الغلام، فوضع الغلام يده على صدغه ومات، فقال الناس: آمنا برب الغلام، فقيل للملك: ما صنعت؟! الذي كنت تحذر قد وقع، قد آمن الناس برب الغلام، فأمر الملك بأفواه الطرق والسكك فأخذت، وخد الأخدود وضرب فيه النيران وأخذهم وقال: [ارجعوا وإلا ألقيتكم] في النار. قال: فكانوا يلقونهم في النار. قال: فجاءت امرأة معها صبي لها. قال: فلما ذهبت تقتحم وجدت حر النار فنكصت. قال: فقال لها صبيها: يا أمه، امضِ، فإنك على الحق. فاقتحمت في النار وقال الربيع بن أنس: كان أصحاب الأخدود قوماً مؤمنين اعتزلوا الناس في الفترة، وإن جباراً من عبدة الأوثان أرسل إليهم يعرض عليهم الدخول في دينه أو يلقيهم في النار، فاختاروا إلقاءهم في النار على الرجوع عن دينهم، فألقوا في النار، فنجى الله المؤمنين الذين ألقوا في النار من الحريق بأن قبض (الله) أرواحهم قبل أن تمسهم النار. قال: وخرجت النار إلى من على شفير الأخدود من الكفار فأحرقتهم، فذلك قوله: ﴿وَلَهُمْ عَذَابُ ٱلْحَرِيقِ﴾ أي: لهم عذاب جهنم في الآخرة ولهم عذاب الحريق في الدنيا، وهي (النار) التي خرجت إليهم من الأخدود فأحرقتهم. * * وقوله: ﴿ذَاتِ ٱلْوَقُودِ﴾. أي: ذات الحطب الجزل، فإن [ضممت] الواو فمعناه ذات التوقد. والأخدود" الحفرة تحفر في الأرض. * * وقوله: ﴿إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ﴾. أي: [إذ الكفار] على النار قعود لحرق المؤمنين، يعني: على حافة الأخدود الذي فيه النار. وقال قتادة: ﴿إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ﴾. يعني بذلك المؤمنين. * * ثم قال: ﴿وَهُمْ عَلَىٰ مَا يَفْعَلُونَ بِٱلْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ﴾. يعني: الكفار. حضور يعرضون المؤمنين على الكفر فمن رجع إليه، وإلا القوه في النار. * * ثم قال تعالى: ﴿وَمَا نَقَمُواْ مِنْهُمْ إِلاَّ أَن يُؤْمِنُواْ بِٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَمِيدِ﴾. أي: وما فعل هؤلاء الكفار بالمؤمنين ما فعلوا من حرقهم إياهم بالنار إلا من أجل أنهم آمنوا بالله الشديد في انتقامه من أعدائه، المحمود عند عباده بإحسانه إليهم. * * ﴿ٱلَّذِي لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ﴾. أي: سلطان ذلك كله. * * ﴿وَٱللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾. أي: والله شهيد على ما فعل هؤلاء الكفار بالمؤمنين وعلى غير ذلك من أفعالهم وأفعال جميع الخلق، فمجازيهم على ما عملوا. * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ فَتَنُواْ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُواْ﴾. أي: حرقوهم بالنار وعذبوهم ثم لم يتوبوا من كفرهم وفعلهم، فلهم عذاب جهنم في الآخرة، ولهم عذاب الحريق في الدنيا. هذا قول الربيع بن أنس. قال محمد بن إسحاق: احترقوا في الدنيا. وكذلك قال أبو العالية. ﴿فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ ﴾ يعني: في الآخرة، واحترقوا في الدنيا بعذاب الحريق. ثم قال تعالى: * * ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ ذَلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْكَبِيرُ﴾. أي: إن الذين أقروا بتوحيد الله وعملوا الأعمال الصالحات وهم الذين حرقهم أصحاب الأخدود وغيرهم من سائر أهل التوحيد لهم بساتين في الآخرة تجري من تحت أشجارها الأنهار من الماء والخمر، واللبن والعسل. ﴿ذَلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْكَبِيرُ﴾ [أي]: ذلك الذي أعطي هؤلاء هو الظفر الكبير بما طلبوا بإيمانهم بالله في الدنيا وطاعتهم له. * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾. أي: إن أخذ ربك يا محمد من أخذ من أعدائه وانتقامه منهم لشديد. وهو تحذير من الله لعباده أن يحل بهم من نقمه على كفرهم وتعذيبهم مثل الذي حل بأصحاب الأخدود. * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّهُ هُوَ يُبْدِىءُ وَيُعِيدُ﴾. أي: هو ابتدأ الخلق أول مرة، وهو يعيدهم بعد مماتهم للبعث والجزاء. هذا معنى قول الضحاك وابن زيد. وقال ابن عباس: معناه: إنه هو يبدئ العذاب ثم يعيده. (وهو اختيار الطبري)، أي: يبدئ العذاب لأهل الكفر في الدنيا، (وهو عذاب الحريق - ثم يعيده) عليهم في الآخرة - وهو عذاب جهنم. * * ثم قال تعالى: ﴿وَهُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلْوَدُودُ﴾. أي: وهو الغفور لمن تاب من كفره وذنوبه. ﴿ٱلْوَدُودُ﴾ أي: ذو المحبة. وعن ابن عباس أنه قال: ﴿ٱلْوَدُودُ﴾: "الحبيب". وقال ابن زيد: ﴿ٱلْوَدُودُ﴾: "الرحيم". * * ثم قال تعالى: ﴿ذُو ٱلْعَرْشِ ٱلْمَجِيدُ﴾. وقال ابن عباس: ﴿ٱلْمَجِيدُ﴾: "الكريم". * * ثم قال تعالى: ﴿فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ﴾. أي: يفعل ما يشاء، فيوقف من شاء للتوبة فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء بأن [يحول] بينه وبين التوفيق فيموت على كفره. * * ثم قال تعالى: ﴿هَلُ أَتَاكَ حَدِيثُ ٱلْجُنُودِ * فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ﴾. أي: هل جاءك يا محمد حديث الجنود الذين تجندوا على الله ورسوله بأذاهم ومكروهِهم؟ أي: قد أتاك ذلك وعلمته. فاصبر لأذى قومك كما صبر من كان قبلك من الرسل الذين تجند قومهم عليهم. ثم بين الجنود من هم فقال: ﴿فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ﴾ أي: قوم فرعون وتباعه، وثمود. * * ثم قال تعالى: ﴿بَلِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فِي تَكْذِيبٍ﴾. أي: بل الذين كفروا من قومك في تكذيب بوعيد الله ووحيه ﴿وَٱللَّهُ مِن وَرَآئِهِمْ مُّحِيطٌ﴾ أي: محيط بأعمالهم محصيها عليهم حتى يجازيهم عليها. * * ثم قال تعالى: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَّجِيدٌ * فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ﴾. أي: بل ما يقول هؤلاء إنه شعر وسحر [وكهانة]، قرآن مجيد محفوظ من أن يغير، في لوح. قال ابن جبير: مجيد "كريم" وقاله قتادة. قال مجاهد: ﴿فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ﴾ قال: "في أم الكتاب". ومن رفع ﴿مَّحْفُوظٍ﴾، جعله نعتاً للقرآن، بمعنى أنه محفوظ أن يغيره أحد بزيادة أو نقص. ودل على ذلك قوله: ﴿وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩]. ومن خفض، جعله نعتا للوح، أي: القرآن في لوح عند الله محفوظ، وهو اللوح المحفوظ. كما قال مجاهد: هو أم الكتاب. وقال قتادة: ﴿فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ﴾ "عند الله". وقال أنس بن مالك: "إن اللوح المحفوظ الذي ذكر الله في جبهة إسرافيل". وقرأ محمد اليماني: بل هو قرآن مجيد، بالإضافة على معنى: بل هو قرآن رب مجيد. قال ابن عباس: خلق الله اللوح المحفوظ من درة بيضاء، دفتاه [ياقوتة] حمراء، قلمه نور، وكتابه نور، ينظر إليه كل يوم ثلاثمائة وستين نظرة، يُحيي في كل نظرة، ويميت ويعز ويذل، ويفعل ما يشاء، لا إله إلا هو.

البروج 85:14

قوله تعالى: ﴿وَٱلسَّمَآءِ ذَاتِ ٱلْبُرُوجِ﴾ إلى آخرها. أي: ورب السماء ذات القصور. قاله ابن عباس. قال الضحاك: البروج "[يزعمون] أنها قصور في السماء، ويقال: هي الكواكب". قال مجاهد: "البروج: النجوم". وهو قول قتادة. وقيل: المعنى: ذات الرمل والماء. واختار الطبري أن يكون المعنى: ذات منازل الشمس والقمر، على قول مجاهد أن البروج - وهي اثنا عشر برجاً - يسير القمر في كل برج (منها يومين وثلثاً، فذلك ثمان وعشرون منزلة، ثم يستقر ليلتين وثلثاً، وتسير الشمس في كل برج) [شهراً]. وجواب القسم محذوف. وقيل: الجواب ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ ٱلأُخْدُودِ﴾ على تقدير حذف اللام، أي: لقتل أصحاب الأخدود. وقيل: الجواب: ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾ وهو قول قتادة. وقيل: الجواب: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ فَتَنُواْ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾. * * ثم قال تعالى: ﴿وَٱلْيَوْمِ ٱلْمَوْعُودِ﴾ يعني يوم القيامة، وعد الله به عباده لفصل القضاء بينهم روي ذلك عن النبي ﷺ وقاله علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأبو هريرة وقتادة وغيرهم. ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ﴾ قال أبو هريرة: "الشاهد يوم الجمعة، والمشهود: يوم عرفة". وقاله الحسن، وروي (ذلك) عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه وابن عباس، وقاله قتادة وابن المسيب وابن زيد. وعن ابن عباس أيضاً: أن الشاهد محمد ﷺ لقوله: ﴿وَجِئْنَا بِكَ عَلَىٰ هَـٰؤُلاۤءِ شَهِيداً﴾ [النساء: ٤١] والمشهود": يوم القيامة، لقوله تعالى: ﴿وَذَٰلِكَ يَوْمٌ مَّشْهُودٌ﴾ [هود: ١٠٣] أي: يشهده الأولون والآخرون لفصل القضاء بينهم. وهو قول عكرمة، وقاله الحسن بن علي أيضاً. وقال مجاهد: "الشاهد الإنسان، والمشهود: يوم القيامة". فالإنسان لا بد أن يشهد يوم القيامة، ويوم القيامة مشهود لبني آدم، فتكون الشهادة على هذا القول [بمعنى] الحضور. وقد روي مثل ذلك عن الضحاك. وعن عكرمة أيضاً و (عن) ابن عباس أن الشاهد: الله جل ذكره، لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ ٱللَّهُ شَهِيدٌ عَلَىٰ مَا يَفْعَلُونَ﴾ [يونس: ٤٦] والمشهود يوم القيامة لقوله تعالى: ﴿وَذَٰلِكَ يَوْمٌ مَّشْهُودٌ﴾ [هود: ١٠٣]. وقال إبراهيم: الشاهد يوم الأضحى والمشهود يوم عرفة. وعن ابن عباس أيضاً. رواه عنه مجاهد "أن الشاهد: يوم عرفة، والمشهود: يوم القيامة". وروى أبو الدرداء أن النبي ﷺ (قال): "أكثروا علي [الصلاة] يوم الجمعة، فإنه مشهود تشهده الملائكة". وقيل: الشاهد: محمد، والمشهود: الذين يشهد عليهم محمد ﷺ. * * ثم قال تعالى: ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ ٱلأُخْدُودِ * ٱلنَّارِ ذَاتِ ٱلْوَقُودِ﴾ أي: لعن أهلك أصحاب الأخدود، أخبرنا الله جل ذكره أنه أهلكهم ولعنهم. ذكر علي بن أبي طالب رضي الله عنه: أنهم كانوا أهل كتاب، وكانت الخمر أُحِلَّتْ لهم، فشربها ملك من ملوكهم حتى [ثَمِلَ]، فتناول أخته، [زاد عبد بن حميد: أو ابنته، وذكر القصة، وفيها: فإذا ذهب هذا في الناس بأسره خطبتهم فحرمته عليهم]، فوقع عليها، فلما زال عنه السكر ندم، فقال: لأخته: ويحك، ما المخرج مما ابتليت به؟ فقالت: اخطب الناس فقل: يا أيها الناس، [إن الله] قد أحل نكاح الأخوات. ففعل، [فتبرأ] الناس منه ومن قوله، وقالوا: ما جاءنا به نبي ولا وجدناه في كتاب! فرجع إلى أخته نادماً فقال لها: ويحك! إن الناس قد أبوا علي أن يقروا بذلك، فقالت: [ابسط] عليهم السياط، ففعل، فأبوا أن [يقروا] له، فرجع إليها فقالت: (اخطبهم، فإن أبوا فجرد فيهم السيف، ففعل فأبوا)، فرجع إليها فقالت: خُدَّ لهم الأخدود، ثم اعرض عليها أهل مملكتك، فمن أقر وإلا فاقذفه في النار. ففعل، فمن لم يُقِرُّوا [له] بتحليل الأخوات قذفه في النار، فلم يزالوا من ذلك الوقت يستحلون الأخوات والبنات والأمهات. وبقايا [أصحاب] الأخدود الآن مجوس يعبدون النار. ولذلك، قال بعض العلماء فيهم [أن يسن فيهم] سنة أهل الكتاب. * * وقوله: ﴿ٱلنَّارِ﴾ خفض على البدل من الأخدود، وهو بدل الاشتمال. وقيل: هو خفض على الجوار، وذلك بعيد. وفيه تقديران إذا جعلته بدلاً. أحدهما: أن التقدير: النار ذات الوقود نارها. والآخر: النار التي فيها. والأخدود: حفير [مستطيل] كالخندق. يروى أنه كان بموضع يقال له [نجران]، أحرق فيه قوم مؤمنون، أحرقهم ملك من ملوك حمير مشرك، وكان ذلك قبل مولد النبي ﷺ بسبعين سنة. وروى قتادة أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: هم ناس كانوا بمدارع اليمن اقتتل مؤمنوها وكافروها، فظهر مؤمنوها على [كافريها]، ثم اقتتلوا الثانية فظهر كافروها على مؤمنيها، ثم أخذ بعضهم على بعض عهوداً ومواثيق ألا يغدر بعضهم (بعضا)، فغدر بهم الكفار فأخذوهم أَخْذاً، ثم إن رجلاً من المؤمنين قال لهم: هل لكم إلى خير؟ توقدون [ناراً]، (ثم) تعرضوننا عليها، فمن تابعكم على دينكم فذلك الذي تشتهون، ومن لا، اقتحم النار [فاسترحتم] منه. قال: [فأججوا] ناراً، وعرضوا عليها، فجعلوا يقتحمونها ضناً بدينهم حتى بقيت عجوز منهم كأنها تلكأت، فقال لها طفل في حجرها: يا أمه، امضي ولا تنافقي، فقص الله جل ذكره نبأهم وخبرهم. وقال ابن عباس: هم ناس من بني إسرائيل، خدُّواً أخدوداً في الأرض ثم أوقدوا فيه ناراً ثم أقاموا على ذلك الأخدود رجالاً ونساء ثم عرضوا عليها، وزعموا أنه دانيال وأصحابه وكذلك قال الضحاك، إلا أنه قال: فقالوا للرجال والنساء: تكفرون أو نقذفكم في النار (قال). [ويزعمون] أنه دانيال وأصحابه. وروى صهيب أن النبي ﷺ قال: إنه كان في من كان قبلكم ملكٌ، وكان له ساحرٌ، فأتى الساحر الملك فقال: قد كبرت سنّي ودنا أجلي، فادفع إلي غلاماً أعلمه السحر. فدفع إليه غلاماً يعلمه السحر، فكان الغلام يختلف إلى الساحر، وكان بين الساحر وبين الملك راهب. قال: فكان الغلام إذا مر بالراهب قعد إليه فيسمع كلامه، فأعجب بكلامه، فكان إذا أتى الساحر ضربه الساحر وقال: ما حبسك؟. وإذا أتى الغلام (إلى) أهله قعد عند الراهب يسمع كلامه، فإذا أتى أهله ضربوه وقالوا: ما حبسك؟ فشكا ذلك إلى الراهب، فقال له الراهب: إذا قال لك الساحر ما حبسك؟ فقل: حبسني أهلي، وإذا قال لك أهلك: ما حبسك؟ فقل: حبسني الساحر. فبينما هو كذلك، إذ مر في طريق، وإذا دابة عظيمة في الطريق وقد حبست الناس لا تدعهم يجوزون، فقال الغلام: الآن أعلم، أمر الساحر أرضى عند الله أم أمر الراهب؟ قال: فأخذ حجراً فقال: اللهم إن كان أمر الراهب أحب إليك من أمر الساحر فإني أرمي بهذا الحجر هذا ويمر الناس. قال: فرماها، فقتلها وجاز الناس فبلغ ذلك الراهب، وأتاه الغلام، فقال الراهب للغلام: إنك خير مني، وإن ابتليت فلا تدلن علي. [قال]: وكان الغلام يبرئ الأكمه والأبرص وسائر الأدواء. (قال: وكان للملك جليس فعمي، قال: فقيل له: إن هاهنا غلاما يبرئ الأكمه والأبرص وسائر الآذاء) فلو أتيته؟ قال: فاتخذ له هدايا، ثم أتاه فقال: يا غلام، إن أبرأتني فهذه الهدايا كلها لك. فقال: ما أنا أشفيك، ولكن الله يشفي، فإن آمنت دعوت الله أن يشفيك، قال: فآمن الأعمى، فدعا الغلام الله - جل ذكره - فشفاه، فقعد إلى الملك [كما كان يقعد]، فقال له الملك: أليس كنت أعمى؟! فقال نعم، قال: فمن شفاك؟ قال: ربي. قال: ولك رب غيري؟! قال: نعم، ربي وربك الله. قال: فأخذه بالعذاب. وقال: [لتدلنني] على من علمك هذا. قال: [فدل] على الغلام، قال: فدعا الغلام فقال: ارجع عن دينك. فأبى الغلام، قال: فأخذه بالعذاب، قال: فدل على الراهب، فأخذ الراهب بالعذاب، وقال له : ارجع عن دينك. فأبى، قال: فوضع المنشار على هامته فشقه حتى بلغ (إلى) الأرض، ثم قال للغلام: لترجعن أو لأقتلنك. فقال: اذهبوا به حتى تبلغوه ذروة الجبل، فإن رجع عن دينه وإلا [دهدهوه]. فلما بلغ ذروه الجبل قال الغلام: اللهم اكفنيهم. فرجف بهم الجبل فوقعوا فماتوا كلهم. وجاء الغلام يتلمس حتى دخل على الملك فقال: أين أصحابك؟! قال: كفانيهم الله جل ثناؤه. فقال: اذهبوا به فاحملوه في قرقورة فتوسطوا به البحر، فإن رجع عن دينه وإلا فغرقوه. قال فذهبوا، فلما توسطوا به البحر قال الغلام: اللهم فاكفنيهم. فانقلبت بهم السفينة فغرقوا، وجاء الغلام [يتلمس] حتى دخل على الملك، فقال الملك: أين أصحابك؟ قال: دعوت الله فكفانيهم. قال: لأقتلنك. قال: ما أنت بقاتلي حتى تصنع ما آمرك. قال: وما أصنع. قال: اجمع الناس في صعيد واحد ثم أصلُبْنِي، ثم خذ سهماً من كنانتي فارمني وقل: باسم رب الغلام، فإنك ستقتلني. قال: فجمع الملك الناس في صعيد واحد، قال: وصلب الغلام وأخذ سهماً من كنانته فوضعه في كبد القوس ثم رمى به، وقال: باسم رب الغلام. [قال]: فوقع السهم في صدغ الغلام، فوضع الغلام يده على صدغه ومات، فقال الناس: آمنا برب الغلام، فقيل للملك: ما صنعت؟! الذي كنت تحذر قد وقع، قد آمن الناس برب الغلام، فأمر الملك بأفواه الطرق والسكك فأخذت، وخد الأخدود وضرب فيه النيران وأخذهم وقال: [ارجعوا وإلا ألقيتكم] في النار. قال: فكانوا يلقونهم في النار. قال: فجاءت امرأة معها صبي لها. قال: فلما ذهبت تقتحم وجدت حر النار فنكصت. قال: فقال لها صبيها: يا أمه، امضِ، فإنك على الحق. فاقتحمت في النار وقال الربيع بن أنس: كان أصحاب الأخدود قوماً مؤمنين اعتزلوا الناس في الفترة، وإن جباراً من عبدة الأوثان أرسل إليهم يعرض عليهم الدخول في دينه أو يلقيهم في النار، فاختاروا إلقاءهم في النار على الرجوع عن دينهم، فألقوا في النار، فنجى الله المؤمنين الذين ألقوا في النار من الحريق بأن قبض (الله) أرواحهم قبل أن تمسهم النار. قال: وخرجت النار إلى من على شفير الأخدود من الكفار فأحرقتهم، فذلك قوله: ﴿وَلَهُمْ عَذَابُ ٱلْحَرِيقِ﴾ أي: لهم عذاب جهنم في الآخرة ولهم عذاب الحريق في الدنيا، وهي (النار) التي خرجت إليهم من الأخدود فأحرقتهم. * * وقوله: ﴿ذَاتِ ٱلْوَقُودِ﴾. أي: ذات الحطب الجزل، فإن [ضممت] الواو فمعناه ذات التوقد. والأخدود" الحفرة تحفر في الأرض. * * وقوله: ﴿إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ﴾. أي: [إذ الكفار] على النار قعود لحرق المؤمنين، يعني: على حافة الأخدود الذي فيه النار. وقال قتادة: ﴿إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ﴾. يعني بذلك المؤمنين. * * ثم قال: ﴿وَهُمْ عَلَىٰ مَا يَفْعَلُونَ بِٱلْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ﴾. يعني: الكفار. حضور يعرضون المؤمنين على الكفر فمن رجع إليه، وإلا القوه في النار. * * ثم قال تعالى: ﴿وَمَا نَقَمُواْ مِنْهُمْ إِلاَّ أَن يُؤْمِنُواْ بِٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَمِيدِ﴾. أي: وما فعل هؤلاء الكفار بالمؤمنين ما فعلوا من حرقهم إياهم بالنار إلا من أجل أنهم آمنوا بالله الشديد في انتقامه من أعدائه، المحمود عند عباده بإحسانه إليهم. * * ﴿ٱلَّذِي لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ﴾. أي: سلطان ذلك كله. * * ﴿وَٱللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾. أي: والله شهيد على ما فعل هؤلاء الكفار بالمؤمنين وعلى غير ذلك من أفعالهم وأفعال جميع الخلق، فمجازيهم على ما عملوا. * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ فَتَنُواْ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُواْ﴾. أي: حرقوهم بالنار وعذبوهم ثم لم يتوبوا من كفرهم وفعلهم، فلهم عذاب جهنم في الآخرة، ولهم عذاب الحريق في الدنيا. هذا قول الربيع بن أنس. قال محمد بن إسحاق: احترقوا في الدنيا. وكذلك قال أبو العالية. ﴿فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ ﴾ يعني: في الآخرة، واحترقوا في الدنيا بعذاب الحريق. ثم قال تعالى: * * ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ ذَلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْكَبِيرُ﴾. أي: إن الذين أقروا بتوحيد الله وعملوا الأعمال الصالحات وهم الذين حرقهم أصحاب الأخدود وغيرهم من سائر أهل التوحيد لهم بساتين في الآخرة تجري من تحت أشجارها الأنهار من الماء والخمر، واللبن والعسل. ﴿ذَلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْكَبِيرُ﴾ [أي]: ذلك الذي أعطي هؤلاء هو الظفر الكبير بما طلبوا بإيمانهم بالله في الدنيا وطاعتهم له. * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾. أي: إن أخذ ربك يا محمد من أخذ من أعدائه وانتقامه منهم لشديد. وهو تحذير من الله لعباده أن يحل بهم من نقمه على كفرهم وتعذيبهم مثل الذي حل بأصحاب الأخدود. * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّهُ هُوَ يُبْدِىءُ وَيُعِيدُ﴾. أي: هو ابتدأ الخلق أول مرة، وهو يعيدهم بعد مماتهم للبعث والجزاء. هذا معنى قول الضحاك وابن زيد. وقال ابن عباس: معناه: إنه هو يبدئ العذاب ثم يعيده. (وهو اختيار الطبري)، أي: يبدئ العذاب لأهل الكفر في الدنيا، (وهو عذاب الحريق - ثم يعيده) عليهم في الآخرة - وهو عذاب جهنم. * * ثم قال تعالى: ﴿وَهُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلْوَدُودُ﴾. أي: وهو الغفور لمن تاب من كفره وذنوبه. ﴿ٱلْوَدُودُ﴾ أي: ذو المحبة. وعن ابن عباس أنه قال: ﴿ٱلْوَدُودُ﴾: "الحبيب". وقال ابن زيد: ﴿ٱلْوَدُودُ﴾: "الرحيم". * * ثم قال تعالى: ﴿ذُو ٱلْعَرْشِ ٱلْمَجِيدُ﴾. وقال ابن عباس: ﴿ٱلْمَجِيدُ﴾: "الكريم". * * ثم قال تعالى: ﴿فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ﴾. أي: يفعل ما يشاء، فيوقف من شاء للتوبة فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء بأن [يحول] بينه وبين التوفيق فيموت على كفره. * * ثم قال تعالى: ﴿هَلُ أَتَاكَ حَدِيثُ ٱلْجُنُودِ * فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ﴾. أي: هل جاءك يا محمد حديث الجنود الذين تجندوا على الله ورسوله بأذاهم ومكروهِهم؟ أي: قد أتاك ذلك وعلمته. فاصبر لأذى قومك كما صبر من كان قبلك من الرسل الذين تجند قومهم عليهم. ثم بين الجنود من هم فقال: ﴿فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ﴾ أي: قوم فرعون وتباعه، وثمود. * * ثم قال تعالى: ﴿بَلِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فِي تَكْذِيبٍ﴾. أي: بل الذين كفروا من قومك في تكذيب بوعيد الله ووحيه ﴿وَٱللَّهُ مِن وَرَآئِهِمْ مُّحِيطٌ﴾ أي: محيط بأعمالهم محصيها عليهم حتى يجازيهم عليها. * * ثم قال تعالى: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَّجِيدٌ * فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ﴾. أي: بل ما يقول هؤلاء إنه شعر وسحر [وكهانة]، قرآن مجيد محفوظ من أن يغير، في لوح. قال ابن جبير: مجيد "كريم" وقاله قتادة. قال مجاهد: ﴿فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ﴾ قال: "في أم الكتاب". ومن رفع ﴿مَّحْفُوظٍ﴾، جعله نعتاً للقرآن، بمعنى أنه محفوظ أن يغيره أحد بزيادة أو نقص. ودل على ذلك قوله: ﴿وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩]. ومن خفض، جعله نعتا للوح، أي: القرآن في لوح عند الله محفوظ، وهو اللوح المحفوظ. كما قال مجاهد: هو أم الكتاب. وقال قتادة: ﴿فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ﴾ "عند الله". وقال أنس بن مالك: "إن اللوح المحفوظ الذي ذكر الله في جبهة إسرافيل". وقرأ محمد اليماني: بل هو قرآن مجيد، بالإضافة على معنى: بل هو قرآن رب مجيد. قال ابن عباس: خلق الله اللوح المحفوظ من درة بيضاء، دفتاه [ياقوتة] حمراء، قلمه نور، وكتابه نور، ينظر إليه كل يوم ثلاثمائة وستين نظرة، يُحيي في كل نظرة، ويميت ويعز ويذل، ويفعل ما يشاء، لا إله إلا هو.

البروج 85:15

قوله تعالى: ﴿وَٱلسَّمَآءِ ذَاتِ ٱلْبُرُوجِ﴾ إلى آخرها. أي: ورب السماء ذات القصور. قاله ابن عباس. قال الضحاك: البروج "[يزعمون] أنها قصور في السماء، ويقال: هي الكواكب". قال مجاهد: "البروج: النجوم". وهو قول قتادة. وقيل: المعنى: ذات الرمل والماء. واختار الطبري أن يكون المعنى: ذات منازل الشمس والقمر، على قول مجاهد أن البروج - وهي اثنا عشر برجاً - يسير القمر في كل برج (منها يومين وثلثاً، فذلك ثمان وعشرون منزلة، ثم يستقر ليلتين وثلثاً، وتسير الشمس في كل برج) [شهراً]. وجواب القسم محذوف. وقيل: الجواب ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ ٱلأُخْدُودِ﴾ على تقدير حذف اللام، أي: لقتل أصحاب الأخدود. وقيل: الجواب: ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾ وهو قول قتادة. وقيل: الجواب: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ فَتَنُواْ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾. * * ثم قال تعالى: ﴿وَٱلْيَوْمِ ٱلْمَوْعُودِ﴾ يعني يوم القيامة، وعد الله به عباده لفصل القضاء بينهم روي ذلك عن النبي ﷺ وقاله علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأبو هريرة وقتادة وغيرهم. ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ﴾ قال أبو هريرة: "الشاهد يوم الجمعة، والمشهود: يوم عرفة". وقاله الحسن، وروي (ذلك) عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه وابن عباس، وقاله قتادة وابن المسيب وابن زيد. وعن ابن عباس أيضاً: أن الشاهد محمد ﷺ لقوله: ﴿وَجِئْنَا بِكَ عَلَىٰ هَـٰؤُلاۤءِ شَهِيداً﴾ [النساء: ٤١] والمشهود": يوم القيامة، لقوله تعالى: ﴿وَذَٰلِكَ يَوْمٌ مَّشْهُودٌ﴾ [هود: ١٠٣] أي: يشهده الأولون والآخرون لفصل القضاء بينهم. وهو قول عكرمة، وقاله الحسن بن علي أيضاً. وقال مجاهد: "الشاهد الإنسان، والمشهود: يوم القيامة". فالإنسان لا بد أن يشهد يوم القيامة، ويوم القيامة مشهود لبني آدم، فتكون الشهادة على هذا القول [بمعنى] الحضور. وقد روي مثل ذلك عن الضحاك. وعن عكرمة أيضاً و (عن) ابن عباس أن الشاهد: الله جل ذكره، لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ ٱللَّهُ شَهِيدٌ عَلَىٰ مَا يَفْعَلُونَ﴾ [يونس: ٤٦] والمشهود يوم القيامة لقوله تعالى: ﴿وَذَٰلِكَ يَوْمٌ مَّشْهُودٌ﴾ [هود: ١٠٣]. وقال إبراهيم: الشاهد يوم الأضحى والمشهود يوم عرفة. وعن ابن عباس أيضاً. رواه عنه مجاهد "أن الشاهد: يوم عرفة، والمشهود: يوم القيامة". وروى أبو الدرداء أن النبي ﷺ (قال): "أكثروا علي [الصلاة] يوم الجمعة، فإنه مشهود تشهده الملائكة". وقيل: الشاهد: محمد، والمشهود: الذين يشهد عليهم محمد ﷺ. * * ثم قال تعالى: ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ ٱلأُخْدُودِ * ٱلنَّارِ ذَاتِ ٱلْوَقُودِ﴾ أي: لعن أهلك أصحاب الأخدود، أخبرنا الله جل ذكره أنه أهلكهم ولعنهم. ذكر علي بن أبي طالب رضي الله عنه: أنهم كانوا أهل كتاب، وكانت الخمر أُحِلَّتْ لهم، فشربها ملك من ملوكهم حتى [ثَمِلَ]، فتناول أخته، [زاد عبد بن حميد: أو ابنته، وذكر القصة، وفيها: فإذا ذهب هذا في الناس بأسره خطبتهم فحرمته عليهم]، فوقع عليها، فلما زال عنه السكر ندم، فقال: لأخته: ويحك، ما المخرج مما ابتليت به؟ فقالت: اخطب الناس فقل: يا أيها الناس، [إن الله] قد أحل نكاح الأخوات. ففعل، [فتبرأ] الناس منه ومن قوله، وقالوا: ما جاءنا به نبي ولا وجدناه في كتاب! فرجع إلى أخته نادماً فقال لها: ويحك! إن الناس قد أبوا علي أن يقروا بذلك، فقالت: [ابسط] عليهم السياط، ففعل، فأبوا أن [يقروا] له، فرجع إليها فقالت: (اخطبهم، فإن أبوا فجرد فيهم السيف، ففعل فأبوا)، فرجع إليها فقالت: خُدَّ لهم الأخدود، ثم اعرض عليها أهل مملكتك، فمن أقر وإلا فاقذفه في النار. ففعل، فمن لم يُقِرُّوا [له] بتحليل الأخوات قذفه في النار، فلم يزالوا من ذلك الوقت يستحلون الأخوات والبنات والأمهات. وبقايا [أصحاب] الأخدود الآن مجوس يعبدون النار. ولذلك، قال بعض العلماء فيهم [أن يسن فيهم] سنة أهل الكتاب. * * وقوله: ﴿ٱلنَّارِ﴾ خفض على البدل من الأخدود، وهو بدل الاشتمال. وقيل: هو خفض على الجوار، وذلك بعيد. وفيه تقديران إذا جعلته بدلاً. أحدهما: أن التقدير: النار ذات الوقود نارها. والآخر: النار التي فيها. والأخدود: حفير [مستطيل] كالخندق. يروى أنه كان بموضع يقال له [نجران]، أحرق فيه قوم مؤمنون، أحرقهم ملك من ملوك حمير مشرك، وكان ذلك قبل مولد النبي ﷺ بسبعين سنة. وروى قتادة أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: هم ناس كانوا بمدارع اليمن اقتتل مؤمنوها وكافروها، فظهر مؤمنوها على [كافريها]، ثم اقتتلوا الثانية فظهر كافروها على مؤمنيها، ثم أخذ بعضهم على بعض عهوداً ومواثيق ألا يغدر بعضهم (بعضا)، فغدر بهم الكفار فأخذوهم أَخْذاً، ثم إن رجلاً من المؤمنين قال لهم: هل لكم إلى خير؟ توقدون [ناراً]، (ثم) تعرضوننا عليها، فمن تابعكم على دينكم فذلك الذي تشتهون، ومن لا، اقتحم النار [فاسترحتم] منه. قال: [فأججوا] ناراً، وعرضوا عليها، فجعلوا يقتحمونها ضناً بدينهم حتى بقيت عجوز منهم كأنها تلكأت، فقال لها طفل في حجرها: يا أمه، امضي ولا تنافقي، فقص الله جل ذكره نبأهم وخبرهم. وقال ابن عباس: هم ناس من بني إسرائيل، خدُّواً أخدوداً في الأرض ثم أوقدوا فيه ناراً ثم أقاموا على ذلك الأخدود رجالاً ونساء ثم عرضوا عليها، وزعموا أنه دانيال وأصحابه وكذلك قال الضحاك، إلا أنه قال: فقالوا للرجال والنساء: تكفرون أو نقذفكم في النار (قال). [ويزعمون] أنه دانيال وأصحابه. وروى صهيب أن النبي ﷺ قال: إنه كان في من كان قبلكم ملكٌ، وكان له ساحرٌ، فأتى الساحر الملك فقال: قد كبرت سنّي ودنا أجلي، فادفع إلي غلاماً أعلمه السحر. فدفع إليه غلاماً يعلمه السحر، فكان الغلام يختلف إلى الساحر، وكان بين الساحر وبين الملك راهب. قال: فكان الغلام إذا مر بالراهب قعد إليه فيسمع كلامه، فأعجب بكلامه، فكان إذا أتى الساحر ضربه الساحر وقال: ما حبسك؟. وإذا أتى الغلام (إلى) أهله قعد عند الراهب يسمع كلامه، فإذا أتى أهله ضربوه وقالوا: ما حبسك؟ فشكا ذلك إلى الراهب، فقال له الراهب: إذا قال لك الساحر ما حبسك؟ فقل: حبسني أهلي، وإذا قال لك أهلك: ما حبسك؟ فقل: حبسني الساحر. فبينما هو كذلك، إذ مر في طريق، وإذا دابة عظيمة في الطريق وقد حبست الناس لا تدعهم يجوزون، فقال الغلام: الآن أعلم، أمر الساحر أرضى عند الله أم أمر الراهب؟ قال: فأخذ حجراً فقال: اللهم إن كان أمر الراهب أحب إليك من أمر الساحر فإني أرمي بهذا الحجر هذا ويمر الناس. قال: فرماها، فقتلها وجاز الناس فبلغ ذلك الراهب، وأتاه الغلام، فقال الراهب للغلام: إنك خير مني، وإن ابتليت فلا تدلن علي. [قال]: وكان الغلام يبرئ الأكمه والأبرص وسائر الأدواء. (قال: وكان للملك جليس فعمي، قال: فقيل له: إن هاهنا غلاما يبرئ الأكمه والأبرص وسائر الآذاء) فلو أتيته؟ قال: فاتخذ له هدايا، ثم أتاه فقال: يا غلام، إن أبرأتني فهذه الهدايا كلها لك. فقال: ما أنا أشفيك، ولكن الله يشفي، فإن آمنت دعوت الله أن يشفيك، قال: فآمن الأعمى، فدعا الغلام الله - جل ذكره - فشفاه، فقعد إلى الملك [كما كان يقعد]، فقال له الملك: أليس كنت أعمى؟! فقال نعم، قال: فمن شفاك؟ قال: ربي. قال: ولك رب غيري؟! قال: نعم، ربي وربك الله. قال: فأخذه بالعذاب. وقال: [لتدلنني] على من علمك هذا. قال: [فدل] على الغلام، قال: فدعا الغلام فقال: ارجع عن دينك. فأبى الغلام، قال: فأخذه بالعذاب، قال: فدل على الراهب، فأخذ الراهب بالعذاب، وقال له : ارجع عن دينك. فأبى، قال: فوضع المنشار على هامته فشقه حتى بلغ (إلى) الأرض، ثم قال للغلام: لترجعن أو لأقتلنك. فقال: اذهبوا به حتى تبلغوه ذروة الجبل، فإن رجع عن دينه وإلا [دهدهوه]. فلما بلغ ذروه الجبل قال الغلام: اللهم اكفنيهم. فرجف بهم الجبل فوقعوا فماتوا كلهم. وجاء الغلام يتلمس حتى دخل على الملك فقال: أين أصحابك؟! قال: كفانيهم الله جل ثناؤه. فقال: اذهبوا به فاحملوه في قرقورة فتوسطوا به البحر، فإن رجع عن دينه وإلا فغرقوه. قال فذهبوا، فلما توسطوا به البحر قال الغلام: اللهم فاكفنيهم. فانقلبت بهم السفينة فغرقوا، وجاء الغلام [يتلمس] حتى دخل على الملك، فقال الملك: أين أصحابك؟ قال: دعوت الله فكفانيهم. قال: لأقتلنك. قال: ما أنت بقاتلي حتى تصنع ما آمرك. قال: وما أصنع. قال: اجمع الناس في صعيد واحد ثم أصلُبْنِي، ثم خذ سهماً من كنانتي فارمني وقل: باسم رب الغلام، فإنك ستقتلني. قال: فجمع الملك الناس في صعيد واحد، قال: وصلب الغلام وأخذ سهماً من كنانته فوضعه في كبد القوس ثم رمى به، وقال: باسم رب الغلام. [قال]: فوقع السهم في صدغ الغلام، فوضع الغلام يده على صدغه ومات، فقال الناس: آمنا برب الغلام، فقيل للملك: ما صنعت؟! الذي كنت تحذر قد وقع، قد آمن الناس برب الغلام، فأمر الملك بأفواه الطرق والسكك فأخذت، وخد الأخدود وضرب فيه النيران وأخذهم وقال: [ارجعوا وإلا ألقيتكم] في النار. قال: فكانوا يلقونهم في النار. قال: فجاءت امرأة معها صبي لها. قال: فلما ذهبت تقتحم وجدت حر النار فنكصت. قال: فقال لها صبيها: يا أمه، امضِ، فإنك على الحق. فاقتحمت في النار وقال الربيع بن أنس: كان أصحاب الأخدود قوماً مؤمنين اعتزلوا الناس في الفترة، وإن جباراً من عبدة الأوثان أرسل إليهم يعرض عليهم الدخول في دينه أو يلقيهم في النار، فاختاروا إلقاءهم في النار على الرجوع عن دينهم، فألقوا في النار، فنجى الله المؤمنين الذين ألقوا في النار من الحريق بأن قبض (الله) أرواحهم قبل أن تمسهم النار. قال: وخرجت النار إلى من على شفير الأخدود من الكفار فأحرقتهم، فذلك قوله: ﴿وَلَهُمْ عَذَابُ ٱلْحَرِيقِ﴾ أي: لهم عذاب جهنم في الآخرة ولهم عذاب الحريق في الدنيا، وهي (النار) التي خرجت إليهم من الأخدود فأحرقتهم. * * وقوله: ﴿ذَاتِ ٱلْوَقُودِ﴾. أي: ذات الحطب الجزل، فإن [ضممت] الواو فمعناه ذات التوقد. والأخدود" الحفرة تحفر في الأرض. * * وقوله: ﴿إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ﴾. أي: [إذ الكفار] على النار قعود لحرق المؤمنين، يعني: على حافة الأخدود الذي فيه النار. وقال قتادة: ﴿إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ﴾. يعني بذلك المؤمنين. * * ثم قال: ﴿وَهُمْ عَلَىٰ مَا يَفْعَلُونَ بِٱلْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ﴾. يعني: الكفار. حضور يعرضون المؤمنين على الكفر فمن رجع إليه، وإلا القوه في النار. * * ثم قال تعالى: ﴿وَمَا نَقَمُواْ مِنْهُمْ إِلاَّ أَن يُؤْمِنُواْ بِٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَمِيدِ﴾. أي: وما فعل هؤلاء الكفار بالمؤمنين ما فعلوا من حرقهم إياهم بالنار إلا من أجل أنهم آمنوا بالله الشديد في انتقامه من أعدائه، المحمود عند عباده بإحسانه إليهم. * * ﴿ٱلَّذِي لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ﴾. أي: سلطان ذلك كله. * * ﴿وَٱللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾. أي: والله شهيد على ما فعل هؤلاء الكفار بالمؤمنين وعلى غير ذلك من أفعالهم وأفعال جميع الخلق، فمجازيهم على ما عملوا. * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ فَتَنُواْ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُواْ﴾. أي: حرقوهم بالنار وعذبوهم ثم لم يتوبوا من كفرهم وفعلهم، فلهم عذاب جهنم في الآخرة، ولهم عذاب الحريق في الدنيا. هذا قول الربيع بن أنس. قال محمد بن إسحاق: احترقوا في الدنيا. وكذلك قال أبو العالية. ﴿فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ ﴾ يعني: في الآخرة، واحترقوا في الدنيا بعذاب الحريق. ثم قال تعالى: * * ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ ذَلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْكَبِيرُ﴾. أي: إن الذين أقروا بتوحيد الله وعملوا الأعمال الصالحات وهم الذين حرقهم أصحاب الأخدود وغيرهم من سائر أهل التوحيد لهم بساتين في الآخرة تجري من تحت أشجارها الأنهار من الماء والخمر، واللبن والعسل. ﴿ذَلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْكَبِيرُ﴾ [أي]: ذلك الذي أعطي هؤلاء هو الظفر الكبير بما طلبوا بإيمانهم بالله في الدنيا وطاعتهم له. * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾. أي: إن أخذ ربك يا محمد من أخذ من أعدائه وانتقامه منهم لشديد. وهو تحذير من الله لعباده أن يحل بهم من نقمه على كفرهم وتعذيبهم مثل الذي حل بأصحاب الأخدود. * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّهُ هُوَ يُبْدِىءُ وَيُعِيدُ﴾. أي: هو ابتدأ الخلق أول مرة، وهو يعيدهم بعد مماتهم للبعث والجزاء. هذا معنى قول الضحاك وابن زيد. وقال ابن عباس: معناه: إنه هو يبدئ العذاب ثم يعيده. (وهو اختيار الطبري)، أي: يبدئ العذاب لأهل الكفر في الدنيا، (وهو عذاب الحريق - ثم يعيده) عليهم في الآخرة - وهو عذاب جهنم. * * ثم قال تعالى: ﴿وَهُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلْوَدُودُ﴾. أي: وهو الغفور لمن تاب من كفره وذنوبه. ﴿ٱلْوَدُودُ﴾ أي: ذو المحبة. وعن ابن عباس أنه قال: ﴿ٱلْوَدُودُ﴾: "الحبيب". وقال ابن زيد: ﴿ٱلْوَدُودُ﴾: "الرحيم". * * ثم قال تعالى: ﴿ذُو ٱلْعَرْشِ ٱلْمَجِيدُ﴾. وقال ابن عباس: ﴿ٱلْمَجِيدُ﴾: "الكريم". * * ثم قال تعالى: ﴿فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ﴾. أي: يفعل ما يشاء، فيوقف من شاء للتوبة فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء بأن [يحول] بينه وبين التوفيق فيموت على كفره. * * ثم قال تعالى: ﴿هَلُ أَتَاكَ حَدِيثُ ٱلْجُنُودِ * فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ﴾. أي: هل جاءك يا محمد حديث الجنود الذين تجندوا على الله ورسوله بأذاهم ومكروهِهم؟ أي: قد أتاك ذلك وعلمته. فاصبر لأذى قومك كما صبر من كان قبلك من الرسل الذين تجند قومهم عليهم. ثم بين الجنود من هم فقال: ﴿فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ﴾ أي: قوم فرعون وتباعه، وثمود. * * ثم قال تعالى: ﴿بَلِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فِي تَكْذِيبٍ﴾. أي: بل الذين كفروا من قومك في تكذيب بوعيد الله ووحيه ﴿وَٱللَّهُ مِن وَرَآئِهِمْ مُّحِيطٌ﴾ أي: محيط بأعمالهم محصيها عليهم حتى يجازيهم عليها. * * ثم قال تعالى: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَّجِيدٌ * فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ﴾. أي: بل ما يقول هؤلاء إنه شعر وسحر [وكهانة]، قرآن مجيد محفوظ من أن يغير، في لوح. قال ابن جبير: مجيد "كريم" وقاله قتادة. قال مجاهد: ﴿فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ﴾ قال: "في أم الكتاب". ومن رفع ﴿مَّحْفُوظٍ﴾، جعله نعتاً للقرآن، بمعنى أنه محفوظ أن يغيره أحد بزيادة أو نقص. ودل على ذلك قوله: ﴿وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩]. ومن خفض، جعله نعتا للوح، أي: القرآن في لوح عند الله محفوظ، وهو اللوح المحفوظ. كما قال مجاهد: هو أم الكتاب. وقال قتادة: ﴿فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ﴾ "عند الله". وقال أنس بن مالك: "إن اللوح المحفوظ الذي ذكر الله في جبهة إسرافيل". وقرأ محمد اليماني: بل هو قرآن مجيد، بالإضافة على معنى: بل هو قرآن رب مجيد. قال ابن عباس: خلق الله اللوح المحفوظ من درة بيضاء، دفتاه [ياقوتة] حمراء، قلمه نور، وكتابه نور، ينظر إليه كل يوم ثلاثمائة وستين نظرة، يُحيي في كل نظرة، ويميت ويعز ويذل، ويفعل ما يشاء، لا إله إلا هو.

البروج 85:16

قوله تعالى: ﴿وَٱلسَّمَآءِ ذَاتِ ٱلْبُرُوجِ﴾ إلى آخرها. أي: ورب السماء ذات القصور. قاله ابن عباس. قال الضحاك: البروج "[يزعمون] أنها قصور في السماء، ويقال: هي الكواكب". قال مجاهد: "البروج: النجوم". وهو قول قتادة. وقيل: المعنى: ذات الرمل والماء. واختار الطبري أن يكون المعنى: ذات منازل الشمس والقمر، على قول مجاهد أن البروج - وهي اثنا عشر برجاً - يسير القمر في كل برج (منها يومين وثلثاً، فذلك ثمان وعشرون منزلة، ثم يستقر ليلتين وثلثاً، وتسير الشمس في كل برج) [شهراً]. وجواب القسم محذوف. وقيل: الجواب ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ ٱلأُخْدُودِ﴾ على تقدير حذف اللام، أي: لقتل أصحاب الأخدود. وقيل: الجواب: ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾ وهو قول قتادة. وقيل: الجواب: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ فَتَنُواْ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾. * * ثم قال تعالى: ﴿وَٱلْيَوْمِ ٱلْمَوْعُودِ﴾ يعني يوم القيامة، وعد الله به عباده لفصل القضاء بينهم روي ذلك عن النبي ﷺ وقاله علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأبو هريرة وقتادة وغيرهم. ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ﴾ قال أبو هريرة: "الشاهد يوم الجمعة، والمشهود: يوم عرفة". وقاله الحسن، وروي (ذلك) عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه وابن عباس، وقاله قتادة وابن المسيب وابن زيد. وعن ابن عباس أيضاً: أن الشاهد محمد ﷺ لقوله: ﴿وَجِئْنَا بِكَ عَلَىٰ هَـٰؤُلاۤءِ شَهِيداً﴾ [النساء: ٤١] والمشهود": يوم القيامة، لقوله تعالى: ﴿وَذَٰلِكَ يَوْمٌ مَّشْهُودٌ﴾ [هود: ١٠٣] أي: يشهده الأولون والآخرون لفصل القضاء بينهم. وهو قول عكرمة، وقاله الحسن بن علي أيضاً. وقال مجاهد: "الشاهد الإنسان، والمشهود: يوم القيامة". فالإنسان لا بد أن يشهد يوم القيامة، ويوم القيامة مشهود لبني آدم، فتكون الشهادة على هذا القول [بمعنى] الحضور. وقد روي مثل ذلك عن الضحاك. وعن عكرمة أيضاً و (عن) ابن عباس أن الشاهد: الله جل ذكره، لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ ٱللَّهُ شَهِيدٌ عَلَىٰ مَا يَفْعَلُونَ﴾ [يونس: ٤٦] والمشهود يوم القيامة لقوله تعالى: ﴿وَذَٰلِكَ يَوْمٌ مَّشْهُودٌ﴾ [هود: ١٠٣]. وقال إبراهيم: الشاهد يوم الأضحى والمشهود يوم عرفة. وعن ابن عباس أيضاً. رواه عنه مجاهد "أن الشاهد: يوم عرفة، والمشهود: يوم القيامة". وروى أبو الدرداء أن النبي ﷺ (قال): "أكثروا علي [الصلاة] يوم الجمعة، فإنه مشهود تشهده الملائكة". وقيل: الشاهد: محمد، والمشهود: الذين يشهد عليهم محمد ﷺ. * * ثم قال تعالى: ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ ٱلأُخْدُودِ * ٱلنَّارِ ذَاتِ ٱلْوَقُودِ﴾ أي: لعن أهلك أصحاب الأخدود، أخبرنا الله جل ذكره أنه أهلكهم ولعنهم. ذكر علي بن أبي طالب رضي الله عنه: أنهم كانوا أهل كتاب، وكانت الخمر أُحِلَّتْ لهم، فشربها ملك من ملوكهم حتى [ثَمِلَ]، فتناول أخته، [زاد عبد بن حميد: أو ابنته، وذكر القصة، وفيها: فإذا ذهب هذا في الناس بأسره خطبتهم فحرمته عليهم]، فوقع عليها، فلما زال عنه السكر ندم، فقال: لأخته: ويحك، ما المخرج مما ابتليت به؟ فقالت: اخطب الناس فقل: يا أيها الناس، [إن الله] قد أحل نكاح الأخوات. ففعل، [فتبرأ] الناس منه ومن قوله، وقالوا: ما جاءنا به نبي ولا وجدناه في كتاب! فرجع إلى أخته نادماً فقال لها: ويحك! إن الناس قد أبوا علي أن يقروا بذلك، فقالت: [ابسط] عليهم السياط، ففعل، فأبوا أن [يقروا] له، فرجع إليها فقالت: (اخطبهم، فإن أبوا فجرد فيهم السيف، ففعل فأبوا)، فرجع إليها فقالت: خُدَّ لهم الأخدود، ثم اعرض عليها أهل مملكتك، فمن أقر وإلا فاقذفه في النار. ففعل، فمن لم يُقِرُّوا [له] بتحليل الأخوات قذفه في النار، فلم يزالوا من ذلك الوقت يستحلون الأخوات والبنات والأمهات. وبقايا [أصحاب] الأخدود الآن مجوس يعبدون النار. ولذلك، قال بعض العلماء فيهم [أن يسن فيهم] سنة أهل الكتاب. * * وقوله: ﴿ٱلنَّارِ﴾ خفض على البدل من الأخدود، وهو بدل الاشتمال. وقيل: هو خفض على الجوار، وذلك بعيد. وفيه تقديران إذا جعلته بدلاً. أحدهما: أن التقدير: النار ذات الوقود نارها. والآخر: النار التي فيها. والأخدود: حفير [مستطيل] كالخندق. يروى أنه كان بموضع يقال له [نجران]، أحرق فيه قوم مؤمنون، أحرقهم ملك من ملوك حمير مشرك، وكان ذلك قبل مولد النبي ﷺ بسبعين سنة. وروى قتادة أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: هم ناس كانوا بمدارع اليمن اقتتل مؤمنوها وكافروها، فظهر مؤمنوها على [كافريها]، ثم اقتتلوا الثانية فظهر كافروها على مؤمنيها، ثم أخذ بعضهم على بعض عهوداً ومواثيق ألا يغدر بعضهم (بعضا)، فغدر بهم الكفار فأخذوهم أَخْذاً، ثم إن رجلاً من المؤمنين قال لهم: هل لكم إلى خير؟ توقدون [ناراً]، (ثم) تعرضوننا عليها، فمن تابعكم على دينكم فذلك الذي تشتهون، ومن لا، اقتحم النار [فاسترحتم] منه. قال: [فأججوا] ناراً، وعرضوا عليها، فجعلوا يقتحمونها ضناً بدينهم حتى بقيت عجوز منهم كأنها تلكأت، فقال لها طفل في حجرها: يا أمه، امضي ولا تنافقي، فقص الله جل ذكره نبأهم وخبرهم. وقال ابن عباس: هم ناس من بني إسرائيل، خدُّواً أخدوداً في الأرض ثم أوقدوا فيه ناراً ثم أقاموا على ذلك الأخدود رجالاً ونساء ثم عرضوا عليها، وزعموا أنه دانيال وأصحابه وكذلك قال الضحاك، إلا أنه قال: فقالوا للرجال والنساء: تكفرون أو نقذفكم في النار (قال). [ويزعمون] أنه دانيال وأصحابه. وروى صهيب أن النبي ﷺ قال: إنه كان في من كان قبلكم ملكٌ، وكان له ساحرٌ، فأتى الساحر الملك فقال: قد كبرت سنّي ودنا أجلي، فادفع إلي غلاماً أعلمه السحر. فدفع إليه غلاماً يعلمه السحر، فكان الغلام يختلف إلى الساحر، وكان بين الساحر وبين الملك راهب. قال: فكان الغلام إذا مر بالراهب قعد إليه فيسمع كلامه، فأعجب بكلامه، فكان إذا أتى الساحر ضربه الساحر وقال: ما حبسك؟. وإذا أتى الغلام (إلى) أهله قعد عند الراهب يسمع كلامه، فإذا أتى أهله ضربوه وقالوا: ما حبسك؟ فشكا ذلك إلى الراهب، فقال له الراهب: إذا قال لك الساحر ما حبسك؟ فقل: حبسني أهلي، وإذا قال لك أهلك: ما حبسك؟ فقل: حبسني الساحر. فبينما هو كذلك، إذ مر في طريق، وإذا دابة عظيمة في الطريق وقد حبست الناس لا تدعهم يجوزون، فقال الغلام: الآن أعلم، أمر الساحر أرضى عند الله أم أمر الراهب؟ قال: فأخذ حجراً فقال: اللهم إن كان أمر الراهب أحب إليك من أمر الساحر فإني أرمي بهذا الحجر هذا ويمر الناس. قال: فرماها، فقتلها وجاز الناس فبلغ ذلك الراهب، وأتاه الغلام، فقال الراهب للغلام: إنك خير مني، وإن ابتليت فلا تدلن علي. [قال]: وكان الغلام يبرئ الأكمه والأبرص وسائر الأدواء. (قال: وكان للملك جليس فعمي، قال: فقيل له: إن هاهنا غلاما يبرئ الأكمه والأبرص وسائر الآذاء) فلو أتيته؟ قال: فاتخذ له هدايا، ثم أتاه فقال: يا غلام، إن أبرأتني فهذه الهدايا كلها لك. فقال: ما أنا أشفيك، ولكن الله يشفي، فإن آمنت دعوت الله أن يشفيك، قال: فآمن الأعمى، فدعا الغلام الله - جل ذكره - فشفاه، فقعد إلى الملك [كما كان يقعد]، فقال له الملك: أليس كنت أعمى؟! فقال نعم، قال: فمن شفاك؟ قال: ربي. قال: ولك رب غيري؟! قال: نعم، ربي وربك الله. قال: فأخذه بالعذاب. وقال: [لتدلنني] على من علمك هذا. قال: [فدل] على الغلام، قال: فدعا الغلام فقال: ارجع عن دينك. فأبى الغلام، قال: فأخذه بالعذاب، قال: فدل على الراهب، فأخذ الراهب بالعذاب، وقال له : ارجع عن دينك. فأبى، قال: فوضع المنشار على هامته فشقه حتى بلغ (إلى) الأرض، ثم قال للغلام: لترجعن أو لأقتلنك. فقال: اذهبوا به حتى تبلغوه ذروة الجبل، فإن رجع عن دينه وإلا [دهدهوه]. فلما بلغ ذروه الجبل قال الغلام: اللهم اكفنيهم. فرجف بهم الجبل فوقعوا فماتوا كلهم. وجاء الغلام يتلمس حتى دخل على الملك فقال: أين أصحابك؟! قال: كفانيهم الله جل ثناؤه. فقال: اذهبوا به فاحملوه في قرقورة فتوسطوا به البحر، فإن رجع عن دينه وإلا فغرقوه. قال فذهبوا، فلما توسطوا به البحر قال الغلام: اللهم فاكفنيهم. فانقلبت بهم السفينة فغرقوا، وجاء الغلام [يتلمس] حتى دخل على الملك، فقال الملك: أين أصحابك؟ قال: دعوت الله فكفانيهم. قال: لأقتلنك. قال: ما أنت بقاتلي حتى تصنع ما آمرك. قال: وما أصنع. قال: اجمع الناس في صعيد واحد ثم أصلُبْنِي، ثم خذ سهماً من كنانتي فارمني وقل: باسم رب الغلام، فإنك ستقتلني. قال: فجمع الملك الناس في صعيد واحد، قال: وصلب الغلام وأخذ سهماً من كنانته فوضعه في كبد القوس ثم رمى به، وقال: باسم رب الغلام. [قال]: فوقع السهم في صدغ الغلام، فوضع الغلام يده على صدغه ومات، فقال الناس: آمنا برب الغلام، فقيل للملك: ما صنعت؟! الذي كنت تحذر قد وقع، قد آمن الناس برب الغلام، فأمر الملك بأفواه الطرق والسكك فأخذت، وخد الأخدود وضرب فيه النيران وأخذهم وقال: [ارجعوا وإلا ألقيتكم] في النار. قال: فكانوا يلقونهم في النار. قال: فجاءت امرأة معها صبي لها. قال: فلما ذهبت تقتحم وجدت حر النار فنكصت. قال: فقال لها صبيها: يا أمه، امضِ، فإنك على الحق. فاقتحمت في النار وقال الربيع بن أنس: كان أصحاب الأخدود قوماً مؤمنين اعتزلوا الناس في الفترة، وإن جباراً من عبدة الأوثان أرسل إليهم يعرض عليهم الدخول في دينه أو يلقيهم في النار، فاختاروا إلقاءهم في النار على الرجوع عن دينهم، فألقوا في النار، فنجى الله المؤمنين الذين ألقوا في النار من الحريق بأن قبض (الله) أرواحهم قبل أن تمسهم النار. قال: وخرجت النار إلى من على شفير الأخدود من الكفار فأحرقتهم، فذلك قوله: ﴿وَلَهُمْ عَذَابُ ٱلْحَرِيقِ﴾ أي: لهم عذاب جهنم في الآخرة ولهم عذاب الحريق في الدنيا، وهي (النار) التي خرجت إليهم من الأخدود فأحرقتهم. * * وقوله: ﴿ذَاتِ ٱلْوَقُودِ﴾. أي: ذات الحطب الجزل، فإن [ضممت] الواو فمعناه ذات التوقد. والأخدود" الحفرة تحفر في الأرض. * * وقوله: ﴿إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ﴾. أي: [إذ الكفار] على النار قعود لحرق المؤمنين، يعني: على حافة الأخدود الذي فيه النار. وقال قتادة: ﴿إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ﴾. يعني بذلك المؤمنين. * * ثم قال: ﴿وَهُمْ عَلَىٰ مَا يَفْعَلُونَ بِٱلْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ﴾. يعني: الكفار. حضور يعرضون المؤمنين على الكفر فمن رجع إليه، وإلا القوه في النار. * * ثم قال تعالى: ﴿وَمَا نَقَمُواْ مِنْهُمْ إِلاَّ أَن يُؤْمِنُواْ بِٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَمِيدِ﴾. أي: وما فعل هؤلاء الكفار بالمؤمنين ما فعلوا من حرقهم إياهم بالنار إلا من أجل أنهم آمنوا بالله الشديد في انتقامه من أعدائه، المحمود عند عباده بإحسانه إليهم. * * ﴿ٱلَّذِي لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ﴾. أي: سلطان ذلك كله. * * ﴿وَٱللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾. أي: والله شهيد على ما فعل هؤلاء الكفار بالمؤمنين وعلى غير ذلك من أفعالهم وأفعال جميع الخلق، فمجازيهم على ما عملوا. * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ فَتَنُواْ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُواْ﴾. أي: حرقوهم بالنار وعذبوهم ثم لم يتوبوا من كفرهم وفعلهم، فلهم عذاب جهنم في الآخرة، ولهم عذاب الحريق في الدنيا. هذا قول الربيع بن أنس. قال محمد بن إسحاق: احترقوا في الدنيا. وكذلك قال أبو العالية. ﴿فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ ﴾ يعني: في الآخرة، واحترقوا في الدنيا بعذاب الحريق. ثم قال تعالى: * * ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ ذَلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْكَبِيرُ﴾. أي: إن الذين أقروا بتوحيد الله وعملوا الأعمال الصالحات وهم الذين حرقهم أصحاب الأخدود وغيرهم من سائر أهل التوحيد لهم بساتين في الآخرة تجري من تحت أشجارها الأنهار من الماء والخمر، واللبن والعسل. ﴿ذَلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْكَبِيرُ﴾ [أي]: ذلك الذي أعطي هؤلاء هو الظفر الكبير بما طلبوا بإيمانهم بالله في الدنيا وطاعتهم له. * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾. أي: إن أخذ ربك يا محمد من أخذ من أعدائه وانتقامه منهم لشديد. وهو تحذير من الله لعباده أن يحل بهم من نقمه على كفرهم وتعذيبهم مثل الذي حل بأصحاب الأخدود. * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّهُ هُوَ يُبْدِىءُ وَيُعِيدُ﴾. أي: هو ابتدأ الخلق أول مرة، وهو يعيدهم بعد مماتهم للبعث والجزاء. هذا معنى قول الضحاك وابن زيد. وقال ابن عباس: معناه: إنه هو يبدئ العذاب ثم يعيده. (وهو اختيار الطبري)، أي: يبدئ العذاب لأهل الكفر في الدنيا، (وهو عذاب الحريق - ثم يعيده) عليهم في الآخرة - وهو عذاب جهنم. * * ثم قال تعالى: ﴿وَهُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلْوَدُودُ﴾. أي: وهو الغفور لمن تاب من كفره وذنوبه. ﴿ٱلْوَدُودُ﴾ أي: ذو المحبة. وعن ابن عباس أنه قال: ﴿ٱلْوَدُودُ﴾: "الحبيب". وقال ابن زيد: ﴿ٱلْوَدُودُ﴾: "الرحيم". * * ثم قال تعالى: ﴿ذُو ٱلْعَرْشِ ٱلْمَجِيدُ﴾. وقال ابن عباس: ﴿ٱلْمَجِيدُ﴾: "الكريم". * * ثم قال تعالى: ﴿فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ﴾. أي: يفعل ما يشاء، فيوقف من شاء للتوبة فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء بأن [يحول] بينه وبين التوفيق فيموت على كفره. * * ثم قال تعالى: ﴿هَلُ أَتَاكَ حَدِيثُ ٱلْجُنُودِ * فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ﴾. أي: هل جاءك يا محمد حديث الجنود الذين تجندوا على الله ورسوله بأذاهم ومكروهِهم؟ أي: قد أتاك ذلك وعلمته. فاصبر لأذى قومك كما صبر من كان قبلك من الرسل الذين تجند قومهم عليهم. ثم بين الجنود من هم فقال: ﴿فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ﴾ أي: قوم فرعون وتباعه، وثمود. * * ثم قال تعالى: ﴿بَلِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فِي تَكْذِيبٍ﴾. أي: بل الذين كفروا من قومك في تكذيب بوعيد الله ووحيه ﴿وَٱللَّهُ مِن وَرَآئِهِمْ مُّحِيطٌ﴾ أي: محيط بأعمالهم محصيها عليهم حتى يجازيهم عليها. * * ثم قال تعالى: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَّجِيدٌ * فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ﴾. أي: بل ما يقول هؤلاء إنه شعر وسحر [وكهانة]، قرآن مجيد محفوظ من أن يغير، في لوح. قال ابن جبير: مجيد "كريم" وقاله قتادة. قال مجاهد: ﴿فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ﴾ قال: "في أم الكتاب". ومن رفع ﴿مَّحْفُوظٍ﴾، جعله نعتاً للقرآن، بمعنى أنه محفوظ أن يغيره أحد بزيادة أو نقص. ودل على ذلك قوله: ﴿وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩]. ومن خفض، جعله نعتا للوح، أي: القرآن في لوح عند الله محفوظ، وهو اللوح المحفوظ. كما قال مجاهد: هو أم الكتاب. وقال قتادة: ﴿فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ﴾ "عند الله". وقال أنس بن مالك: "إن اللوح المحفوظ الذي ذكر الله في جبهة إسرافيل". وقرأ محمد اليماني: بل هو قرآن مجيد، بالإضافة على معنى: بل هو قرآن رب مجيد. قال ابن عباس: خلق الله اللوح المحفوظ من درة بيضاء، دفتاه [ياقوتة] حمراء، قلمه نور، وكتابه نور، ينظر إليه كل يوم ثلاثمائة وستين نظرة، يُحيي في كل نظرة، ويميت ويعز ويذل، ويفعل ما يشاء، لا إله إلا هو.

البروج 85:17

قوله تعالى: ﴿وَٱلسَّمَآءِ ذَاتِ ٱلْبُرُوجِ﴾ إلى آخرها. أي: ورب السماء ذات القصور. قاله ابن عباس. قال الضحاك: البروج "[يزعمون] أنها قصور في السماء، ويقال: هي الكواكب". قال مجاهد: "البروج: النجوم". وهو قول قتادة. وقيل: المعنى: ذات الرمل والماء. واختار الطبري أن يكون المعنى: ذات منازل الشمس والقمر، على قول مجاهد أن البروج - وهي اثنا عشر برجاً - يسير القمر في كل برج (منها يومين وثلثاً، فذلك ثمان وعشرون منزلة، ثم يستقر ليلتين وثلثاً، وتسير الشمس في كل برج) [شهراً]. وجواب القسم محذوف. وقيل: الجواب ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ ٱلأُخْدُودِ﴾ على تقدير حذف اللام، أي: لقتل أصحاب الأخدود. وقيل: الجواب: ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾ وهو قول قتادة. وقيل: الجواب: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ فَتَنُواْ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾. * * ثم قال تعالى: ﴿وَٱلْيَوْمِ ٱلْمَوْعُودِ﴾ يعني يوم القيامة، وعد الله به عباده لفصل القضاء بينهم روي ذلك عن النبي ﷺ وقاله علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأبو هريرة وقتادة وغيرهم. ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ﴾ قال أبو هريرة: "الشاهد يوم الجمعة، والمشهود: يوم عرفة". وقاله الحسن، وروي (ذلك) عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه وابن عباس، وقاله قتادة وابن المسيب وابن زيد. وعن ابن عباس أيضاً: أن الشاهد محمد ﷺ لقوله: ﴿وَجِئْنَا بِكَ عَلَىٰ هَـٰؤُلاۤءِ شَهِيداً﴾ [النساء: ٤١] والمشهود": يوم القيامة، لقوله تعالى: ﴿وَذَٰلِكَ يَوْمٌ مَّشْهُودٌ﴾ [هود: ١٠٣] أي: يشهده الأولون والآخرون لفصل القضاء بينهم. وهو قول عكرمة، وقاله الحسن بن علي أيضاً. وقال مجاهد: "الشاهد الإنسان، والمشهود: يوم القيامة". فالإنسان لا بد أن يشهد يوم القيامة، ويوم القيامة مشهود لبني آدم، فتكون الشهادة على هذا القول [بمعنى] الحضور. وقد روي مثل ذلك عن الضحاك. وعن عكرمة أيضاً و (عن) ابن عباس أن الشاهد: الله جل ذكره، لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ ٱللَّهُ شَهِيدٌ عَلَىٰ مَا يَفْعَلُونَ﴾ [يونس: ٤٦] والمشهود يوم القيامة لقوله تعالى: ﴿وَذَٰلِكَ يَوْمٌ مَّشْهُودٌ﴾ [هود: ١٠٣]. وقال إبراهيم: الشاهد يوم الأضحى والمشهود يوم عرفة. وعن ابن عباس أيضاً. رواه عنه مجاهد "أن الشاهد: يوم عرفة، والمشهود: يوم القيامة". وروى أبو الدرداء أن النبي ﷺ (قال): "أكثروا علي [الصلاة] يوم الجمعة، فإنه مشهود تشهده الملائكة". وقيل: الشاهد: محمد، والمشهود: الذين يشهد عليهم محمد ﷺ. * * ثم قال تعالى: ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ ٱلأُخْدُودِ * ٱلنَّارِ ذَاتِ ٱلْوَقُودِ﴾ أي: لعن أهلك أصحاب الأخدود، أخبرنا الله جل ذكره أنه أهلكهم ولعنهم. ذكر علي بن أبي طالب رضي الله عنه: أنهم كانوا أهل كتاب، وكانت الخمر أُحِلَّتْ لهم، فشربها ملك من ملوكهم حتى [ثَمِلَ]، فتناول أخته، [زاد عبد بن حميد: أو ابنته، وذكر القصة، وفيها: فإذا ذهب هذا في الناس بأسره خطبتهم فحرمته عليهم]، فوقع عليها، فلما زال عنه السكر ندم، فقال: لأخته: ويحك، ما المخرج مما ابتليت به؟ فقالت: اخطب الناس فقل: يا أيها الناس، [إن الله] قد أحل نكاح الأخوات. ففعل، [فتبرأ] الناس منه ومن قوله، وقالوا: ما جاءنا به نبي ولا وجدناه في كتاب! فرجع إلى أخته نادماً فقال لها: ويحك! إن الناس قد أبوا علي أن يقروا بذلك، فقالت: [ابسط] عليهم السياط، ففعل، فأبوا أن [يقروا] له، فرجع إليها فقالت: (اخطبهم، فإن أبوا فجرد فيهم السيف، ففعل فأبوا)، فرجع إليها فقالت: خُدَّ لهم الأخدود، ثم اعرض عليها أهل مملكتك، فمن أقر وإلا فاقذفه في النار. ففعل، فمن لم يُقِرُّوا [له] بتحليل الأخوات قذفه في النار، فلم يزالوا من ذلك الوقت يستحلون الأخوات والبنات والأمهات. وبقايا [أصحاب] الأخدود الآن مجوس يعبدون النار. ولذلك، قال بعض العلماء فيهم [أن يسن فيهم] سنة أهل الكتاب. * * وقوله: ﴿ٱلنَّارِ﴾ خفض على البدل من الأخدود، وهو بدل الاشتمال. وقيل: هو خفض على الجوار، وذلك بعيد. وفيه تقديران إذا جعلته بدلاً. أحدهما: أن التقدير: النار ذات الوقود نارها. والآخر: النار التي فيها. والأخدود: حفير [مستطيل] كالخندق. يروى أنه كان بموضع يقال له [نجران]، أحرق فيه قوم مؤمنون، أحرقهم ملك من ملوك حمير مشرك، وكان ذلك قبل مولد النبي ﷺ بسبعين سنة. وروى قتادة أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: هم ناس كانوا بمدارع اليمن اقتتل مؤمنوها وكافروها، فظهر مؤمنوها على [كافريها]، ثم اقتتلوا الثانية فظهر كافروها على مؤمنيها، ثم أخذ بعضهم على بعض عهوداً ومواثيق ألا يغدر بعضهم (بعضا)، فغدر بهم الكفار فأخذوهم أَخْذاً، ثم إن رجلاً من المؤمنين قال لهم: هل لكم إلى خير؟ توقدون [ناراً]، (ثم) تعرضوننا عليها، فمن تابعكم على دينكم فذلك الذي تشتهون، ومن لا، اقتحم النار [فاسترحتم] منه. قال: [فأججوا] ناراً، وعرضوا عليها، فجعلوا يقتحمونها ضناً بدينهم حتى بقيت عجوز منهم كأنها تلكأت، فقال لها طفل في حجرها: يا أمه، امضي ولا تنافقي، فقص الله جل ذكره نبأهم وخبرهم. وقال ابن عباس: هم ناس من بني إسرائيل، خدُّواً أخدوداً في الأرض ثم أوقدوا فيه ناراً ثم أقاموا على ذلك الأخدود رجالاً ونساء ثم عرضوا عليها، وزعموا أنه دانيال وأصحابه وكذلك قال الضحاك، إلا أنه قال: فقالوا للرجال والنساء: تكفرون أو نقذفكم في النار (قال). [ويزعمون] أنه دانيال وأصحابه. وروى صهيب أن النبي ﷺ قال: إنه كان في من كان قبلكم ملكٌ، وكان له ساحرٌ، فأتى الساحر الملك فقال: قد كبرت سنّي ودنا أجلي، فادفع إلي غلاماً أعلمه السحر. فدفع إليه غلاماً يعلمه السحر، فكان الغلام يختلف إلى الساحر، وكان بين الساحر وبين الملك راهب. قال: فكان الغلام إذا مر بالراهب قعد إليه فيسمع كلامه، فأعجب بكلامه، فكان إذا أتى الساحر ضربه الساحر وقال: ما حبسك؟. وإذا أتى الغلام (إلى) أهله قعد عند الراهب يسمع كلامه، فإذا أتى أهله ضربوه وقالوا: ما حبسك؟ فشكا ذلك إلى الراهب، فقال له الراهب: إذا قال لك الساحر ما حبسك؟ فقل: حبسني أهلي، وإذا قال لك أهلك: ما حبسك؟ فقل: حبسني الساحر. فبينما هو كذلك، إذ مر في طريق، وإذا دابة عظيمة في الطريق وقد حبست الناس لا تدعهم يجوزون، فقال الغلام: الآن أعلم، أمر الساحر أرضى عند الله أم أمر الراهب؟ قال: فأخذ حجراً فقال: اللهم إن كان أمر الراهب أحب إليك من أمر الساحر فإني أرمي بهذا الحجر هذا ويمر الناس. قال: فرماها، فقتلها وجاز الناس فبلغ ذلك الراهب، وأتاه الغلام، فقال الراهب للغلام: إنك خير مني، وإن ابتليت فلا تدلن علي. [قال]: وكان الغلام يبرئ الأكمه والأبرص وسائر الأدواء. (قال: وكان للملك جليس فعمي، قال: فقيل له: إن هاهنا غلاما يبرئ الأكمه والأبرص وسائر الآذاء) فلو أتيته؟ قال: فاتخذ له هدايا، ثم أتاه فقال: يا غلام، إن أبرأتني فهذه الهدايا كلها لك. فقال: ما أنا أشفيك، ولكن الله يشفي، فإن آمنت دعوت الله أن يشفيك، قال: فآمن الأعمى، فدعا الغلام الله - جل ذكره - فشفاه، فقعد إلى الملك [كما كان يقعد]، فقال له الملك: أليس كنت أعمى؟! فقال نعم، قال: فمن شفاك؟ قال: ربي. قال: ولك رب غيري؟! قال: نعم، ربي وربك الله. قال: فأخذه بالعذاب. وقال: [لتدلنني] على من علمك هذا. قال: [فدل] على الغلام، قال: فدعا الغلام فقال: ارجع عن دينك. فأبى الغلام، قال: فأخذه بالعذاب، قال: فدل على الراهب، فأخذ الراهب بالعذاب، وقال له : ارجع عن دينك. فأبى، قال: فوضع المنشار على هامته فشقه حتى بلغ (إلى) الأرض، ثم قال للغلام: لترجعن أو لأقتلنك. فقال: اذهبوا به حتى تبلغوه ذروة الجبل، فإن رجع عن دينه وإلا [دهدهوه]. فلما بلغ ذروه الجبل قال الغلام: اللهم اكفنيهم. فرجف بهم الجبل فوقعوا فماتوا كلهم. وجاء الغلام يتلمس حتى دخل على الملك فقال: أين أصحابك؟! قال: كفانيهم الله جل ثناؤه. فقال: اذهبوا به فاحملوه في قرقورة فتوسطوا به البحر، فإن رجع عن دينه وإلا فغرقوه. قال فذهبوا، فلما توسطوا به البحر قال الغلام: اللهم فاكفنيهم. فانقلبت بهم السفينة فغرقوا، وجاء الغلام [يتلمس] حتى دخل على الملك، فقال الملك: أين أصحابك؟ قال: دعوت الله فكفانيهم. قال: لأقتلنك. قال: ما أنت بقاتلي حتى تصنع ما آمرك. قال: وما أصنع. قال: اجمع الناس في صعيد واحد ثم أصلُبْنِي، ثم خذ سهماً من كنانتي فارمني وقل: باسم رب الغلام، فإنك ستقتلني. قال: فجمع الملك الناس في صعيد واحد، قال: وصلب الغلام وأخذ سهماً من كنانته فوضعه في كبد القوس ثم رمى به، وقال: باسم رب الغلام. [قال]: فوقع السهم في صدغ الغلام، فوضع الغلام يده على صدغه ومات، فقال الناس: آمنا برب الغلام، فقيل للملك: ما صنعت؟! الذي كنت تحذر قد وقع، قد آمن الناس برب الغلام، فأمر الملك بأفواه الطرق والسكك فأخذت، وخد الأخدود وضرب فيه النيران وأخذهم وقال: [ارجعوا وإلا ألقيتكم] في النار. قال: فكانوا يلقونهم في النار. قال: فجاءت امرأة معها صبي لها. قال: فلما ذهبت تقتحم وجدت حر النار فنكصت. قال: فقال لها صبيها: يا أمه، امضِ، فإنك على الحق. فاقتحمت في النار وقال الربيع بن أنس: كان أصحاب الأخدود قوماً مؤمنين اعتزلوا الناس في الفترة، وإن جباراً من عبدة الأوثان أرسل إليهم يعرض عليهم الدخول في دينه أو يلقيهم في النار، فاختاروا إلقاءهم في النار على الرجوع عن دينهم، فألقوا في النار، فنجى الله المؤمنين الذين ألقوا في النار من الحريق بأن قبض (الله) أرواحهم قبل أن تمسهم النار. قال: وخرجت النار إلى من على شفير الأخدود من الكفار فأحرقتهم، فذلك قوله: ﴿وَلَهُمْ عَذَابُ ٱلْحَرِيقِ﴾ أي: لهم عذاب جهنم في الآخرة ولهم عذاب الحريق في الدنيا، وهي (النار) التي خرجت إليهم من الأخدود فأحرقتهم. * * وقوله: ﴿ذَاتِ ٱلْوَقُودِ﴾. أي: ذات الحطب الجزل، فإن [ضممت] الواو فمعناه ذات التوقد. والأخدود" الحفرة تحفر في الأرض. * * وقوله: ﴿إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ﴾. أي: [إذ الكفار] على النار قعود لحرق المؤمنين، يعني: على حافة الأخدود الذي فيه النار. وقال قتادة: ﴿إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ﴾. يعني بذلك المؤمنين. * * ثم قال: ﴿وَهُمْ عَلَىٰ مَا يَفْعَلُونَ بِٱلْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ﴾. يعني: الكفار. حضور يعرضون المؤمنين على الكفر فمن رجع إليه، وإلا القوه في النار. * * ثم قال تعالى: ﴿وَمَا نَقَمُواْ مِنْهُمْ إِلاَّ أَن يُؤْمِنُواْ بِٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَمِيدِ﴾. أي: وما فعل هؤلاء الكفار بالمؤمنين ما فعلوا من حرقهم إياهم بالنار إلا من أجل أنهم آمنوا بالله الشديد في انتقامه من أعدائه، المحمود عند عباده بإحسانه إليهم. * * ﴿ٱلَّذِي لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ﴾. أي: سلطان ذلك كله. * * ﴿وَٱللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾. أي: والله شهيد على ما فعل هؤلاء الكفار بالمؤمنين وعلى غير ذلك من أفعالهم وأفعال جميع الخلق، فمجازيهم على ما عملوا. * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ فَتَنُواْ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُواْ﴾. أي: حرقوهم بالنار وعذبوهم ثم لم يتوبوا من كفرهم وفعلهم، فلهم عذاب جهنم في الآخرة، ولهم عذاب الحريق في الدنيا. هذا قول الربيع بن أنس. قال محمد بن إسحاق: احترقوا في الدنيا. وكذلك قال أبو العالية. ﴿فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ ﴾ يعني: في الآخرة، واحترقوا في الدنيا بعذاب الحريق. ثم قال تعالى: * * ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ ذَلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْكَبِيرُ﴾. أي: إن الذين أقروا بتوحيد الله وعملوا الأعمال الصالحات وهم الذين حرقهم أصحاب الأخدود وغيرهم من سائر أهل التوحيد لهم بساتين في الآخرة تجري من تحت أشجارها الأنهار من الماء والخمر، واللبن والعسل. ﴿ذَلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْكَبِيرُ﴾ [أي]: ذلك الذي أعطي هؤلاء هو الظفر الكبير بما طلبوا بإيمانهم بالله في الدنيا وطاعتهم له. * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾. أي: إن أخذ ربك يا محمد من أخذ من أعدائه وانتقامه منهم لشديد. وهو تحذير من الله لعباده أن يحل بهم من نقمه على كفرهم وتعذيبهم مثل الذي حل بأصحاب الأخدود. * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّهُ هُوَ يُبْدِىءُ وَيُعِيدُ﴾. أي: هو ابتدأ الخلق أول مرة، وهو يعيدهم بعد مماتهم للبعث والجزاء. هذا معنى قول الضحاك وابن زيد. وقال ابن عباس: معناه: إنه هو يبدئ العذاب ثم يعيده. (وهو اختيار الطبري)، أي: يبدئ العذاب لأهل الكفر في الدنيا، (وهو عذاب الحريق - ثم يعيده) عليهم في الآخرة - وهو عذاب جهنم. * * ثم قال تعالى: ﴿وَهُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلْوَدُودُ﴾. أي: وهو الغفور لمن تاب من كفره وذنوبه. ﴿ٱلْوَدُودُ﴾ أي: ذو المحبة. وعن ابن عباس أنه قال: ﴿ٱلْوَدُودُ﴾: "الحبيب". وقال ابن زيد: ﴿ٱلْوَدُودُ﴾: "الرحيم". * * ثم قال تعالى: ﴿ذُو ٱلْعَرْشِ ٱلْمَجِيدُ﴾. وقال ابن عباس: ﴿ٱلْمَجِيدُ﴾: "الكريم". * * ثم قال تعالى: ﴿فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ﴾. أي: يفعل ما يشاء، فيوقف من شاء للتوبة فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء بأن [يحول] بينه وبين التوفيق فيموت على كفره. * * ثم قال تعالى: ﴿هَلُ أَتَاكَ حَدِيثُ ٱلْجُنُودِ * فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ﴾. أي: هل جاءك يا محمد حديث الجنود الذين تجندوا على الله ورسوله بأذاهم ومكروهِهم؟ أي: قد أتاك ذلك وعلمته. فاصبر لأذى قومك كما صبر من كان قبلك من الرسل الذين تجند قومهم عليهم. ثم بين الجنود من هم فقال: ﴿فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ﴾ أي: قوم فرعون وتباعه، وثمود. * * ثم قال تعالى: ﴿بَلِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فِي تَكْذِيبٍ﴾. أي: بل الذين كفروا من قومك في تكذيب بوعيد الله ووحيه ﴿وَٱللَّهُ مِن وَرَآئِهِمْ مُّحِيطٌ﴾ أي: محيط بأعمالهم محصيها عليهم حتى يجازيهم عليها. * * ثم قال تعالى: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَّجِيدٌ * فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ﴾. أي: بل ما يقول هؤلاء إنه شعر وسحر [وكهانة]، قرآن مجيد محفوظ من أن يغير، في لوح. قال ابن جبير: مجيد "كريم" وقاله قتادة. قال مجاهد: ﴿فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ﴾ قال: "في أم الكتاب". ومن رفع ﴿مَّحْفُوظٍ﴾، جعله نعتاً للقرآن، بمعنى أنه محفوظ أن يغيره أحد بزيادة أو نقص. ودل على ذلك قوله: ﴿وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩]. ومن خفض، جعله نعتا للوح، أي: القرآن في لوح عند الله محفوظ، وهو اللوح المحفوظ. كما قال مجاهد: هو أم الكتاب. وقال قتادة: ﴿فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ﴾ "عند الله". وقال أنس بن مالك: "إن اللوح المحفوظ الذي ذكر الله في جبهة إسرافيل". وقرأ محمد اليماني: بل هو قرآن مجيد، بالإضافة على معنى: بل هو قرآن رب مجيد. قال ابن عباس: خلق الله اللوح المحفوظ من درة بيضاء، دفتاه [ياقوتة] حمراء، قلمه نور، وكتابه نور، ينظر إليه كل يوم ثلاثمائة وستين نظرة، يُحيي في كل نظرة، ويميت ويعز ويذل، ويفعل ما يشاء، لا إله إلا هو.

البروج 85:18

قوله تعالى: ﴿وَٱلسَّمَآءِ ذَاتِ ٱلْبُرُوجِ﴾ إلى آخرها. أي: ورب السماء ذات القصور. قاله ابن عباس. قال الضحاك: البروج "[يزعمون] أنها قصور في السماء، ويقال: هي الكواكب". قال مجاهد: "البروج: النجوم". وهو قول قتادة. وقيل: المعنى: ذات الرمل والماء. واختار الطبري أن يكون المعنى: ذات منازل الشمس والقمر، على قول مجاهد أن البروج - وهي اثنا عشر برجاً - يسير القمر في كل برج (منها يومين وثلثاً، فذلك ثمان وعشرون منزلة، ثم يستقر ليلتين وثلثاً، وتسير الشمس في كل برج) [شهراً]. وجواب القسم محذوف. وقيل: الجواب ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ ٱلأُخْدُودِ﴾ على تقدير حذف اللام، أي: لقتل أصحاب الأخدود. وقيل: الجواب: ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾ وهو قول قتادة. وقيل: الجواب: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ فَتَنُواْ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾. * * ثم قال تعالى: ﴿وَٱلْيَوْمِ ٱلْمَوْعُودِ﴾ يعني يوم القيامة، وعد الله به عباده لفصل القضاء بينهم روي ذلك عن النبي ﷺ وقاله علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأبو هريرة وقتادة وغيرهم. ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ﴾ قال أبو هريرة: "الشاهد يوم الجمعة، والمشهود: يوم عرفة". وقاله الحسن، وروي (ذلك) عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه وابن عباس، وقاله قتادة وابن المسيب وابن زيد. وعن ابن عباس أيضاً: أن الشاهد محمد ﷺ لقوله: ﴿وَجِئْنَا بِكَ عَلَىٰ هَـٰؤُلاۤءِ شَهِيداً﴾ [النساء: ٤١] والمشهود": يوم القيامة، لقوله تعالى: ﴿وَذَٰلِكَ يَوْمٌ مَّشْهُودٌ﴾ [هود: ١٠٣] أي: يشهده الأولون والآخرون لفصل القضاء بينهم. وهو قول عكرمة، وقاله الحسن بن علي أيضاً. وقال مجاهد: "الشاهد الإنسان، والمشهود: يوم القيامة". فالإنسان لا بد أن يشهد يوم القيامة، ويوم القيامة مشهود لبني آدم، فتكون الشهادة على هذا القول [بمعنى] الحضور. وقد روي مثل ذلك عن الضحاك. وعن عكرمة أيضاً و (عن) ابن عباس أن الشاهد: الله جل ذكره، لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ ٱللَّهُ شَهِيدٌ عَلَىٰ مَا يَفْعَلُونَ﴾ [يونس: ٤٦] والمشهود يوم القيامة لقوله تعالى: ﴿وَذَٰلِكَ يَوْمٌ مَّشْهُودٌ﴾ [هود: ١٠٣]. وقال إبراهيم: الشاهد يوم الأضحى والمشهود يوم عرفة. وعن ابن عباس أيضاً. رواه عنه مجاهد "أن الشاهد: يوم عرفة، والمشهود: يوم القيامة". وروى أبو الدرداء أن النبي ﷺ (قال): "أكثروا علي [الصلاة] يوم الجمعة، فإنه مشهود تشهده الملائكة". وقيل: الشاهد: محمد، والمشهود: الذين يشهد عليهم محمد ﷺ. * * ثم قال تعالى: ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ ٱلأُخْدُودِ * ٱلنَّارِ ذَاتِ ٱلْوَقُودِ﴾ أي: لعن أهلك أصحاب الأخدود، أخبرنا الله جل ذكره أنه أهلكهم ولعنهم. ذكر علي بن أبي طالب رضي الله عنه: أنهم كانوا أهل كتاب، وكانت الخمر أُحِلَّتْ لهم، فشربها ملك من ملوكهم حتى [ثَمِلَ]، فتناول أخته، [زاد عبد بن حميد: أو ابنته، وذكر القصة، وفيها: فإذا ذهب هذا في الناس بأسره خطبتهم فحرمته عليهم]، فوقع عليها، فلما زال عنه السكر ندم، فقال: لأخته: ويحك، ما المخرج مما ابتليت به؟ فقالت: اخطب الناس فقل: يا أيها الناس، [إن الله] قد أحل نكاح الأخوات. ففعل، [فتبرأ] الناس منه ومن قوله، وقالوا: ما جاءنا به نبي ولا وجدناه في كتاب! فرجع إلى أخته نادماً فقال لها: ويحك! إن الناس قد أبوا علي أن يقروا بذلك، فقالت: [ابسط] عليهم السياط، ففعل، فأبوا أن [يقروا] له، فرجع إليها فقالت: (اخطبهم، فإن أبوا فجرد فيهم السيف، ففعل فأبوا)، فرجع إليها فقالت: خُدَّ لهم الأخدود، ثم اعرض عليها أهل مملكتك، فمن أقر وإلا فاقذفه في النار. ففعل، فمن لم يُقِرُّوا [له] بتحليل الأخوات قذفه في النار، فلم يزالوا من ذلك الوقت يستحلون الأخوات والبنات والأمهات. وبقايا [أصحاب] الأخدود الآن مجوس يعبدون النار. ولذلك، قال بعض العلماء فيهم [أن يسن فيهم] سنة أهل الكتاب. * * وقوله: ﴿ٱلنَّارِ﴾ خفض على البدل من الأخدود، وهو بدل الاشتمال. وقيل: هو خفض على الجوار، وذلك بعيد. وفيه تقديران إذا جعلته بدلاً. أحدهما: أن التقدير: النار ذات الوقود نارها. والآخر: النار التي فيها. والأخدود: حفير [مستطيل] كالخندق. يروى أنه كان بموضع يقال له [نجران]، أحرق فيه قوم مؤمنون، أحرقهم ملك من ملوك حمير مشرك، وكان ذلك قبل مولد النبي ﷺ بسبعين سنة. وروى قتادة أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: هم ناس كانوا بمدارع اليمن اقتتل مؤمنوها وكافروها، فظهر مؤمنوها على [كافريها]، ثم اقتتلوا الثانية فظهر كافروها على مؤمنيها، ثم أخذ بعضهم على بعض عهوداً ومواثيق ألا يغدر بعضهم (بعضا)، فغدر بهم الكفار فأخذوهم أَخْذاً، ثم إن رجلاً من المؤمنين قال لهم: هل لكم إلى خير؟ توقدون [ناراً]، (ثم) تعرضوننا عليها، فمن تابعكم على دينكم فذلك الذي تشتهون، ومن لا، اقتحم النار [فاسترحتم] منه. قال: [فأججوا] ناراً، وعرضوا عليها، فجعلوا يقتحمونها ضناً بدينهم حتى بقيت عجوز منهم كأنها تلكأت، فقال لها طفل في حجرها: يا أمه، امضي ولا تنافقي، فقص الله جل ذكره نبأهم وخبرهم. وقال ابن عباس: هم ناس من بني إسرائيل، خدُّواً أخدوداً في الأرض ثم أوقدوا فيه ناراً ثم أقاموا على ذلك الأخدود رجالاً ونساء ثم عرضوا عليها، وزعموا أنه دانيال وأصحابه وكذلك قال الضحاك، إلا أنه قال: فقالوا للرجال والنساء: تكفرون أو نقذفكم في النار (قال). [ويزعمون] أنه دانيال وأصحابه. وروى صهيب أن النبي ﷺ قال: إنه كان في من كان قبلكم ملكٌ، وكان له ساحرٌ، فأتى الساحر الملك فقال: قد كبرت سنّي ودنا أجلي، فادفع إلي غلاماً أعلمه السحر. فدفع إليه غلاماً يعلمه السحر، فكان الغلام يختلف إلى الساحر، وكان بين الساحر وبين الملك راهب. قال: فكان الغلام إذا مر بالراهب قعد إليه فيسمع كلامه، فأعجب بكلامه، فكان إذا أتى الساحر ضربه الساحر وقال: ما حبسك؟. وإذا أتى الغلام (إلى) أهله قعد عند الراهب يسمع كلامه، فإذا أتى أهله ضربوه وقالوا: ما حبسك؟ فشكا ذلك إلى الراهب، فقال له الراهب: إذا قال لك الساحر ما حبسك؟ فقل: حبسني أهلي، وإذا قال لك أهلك: ما حبسك؟ فقل: حبسني الساحر. فبينما هو كذلك، إذ مر في طريق، وإذا دابة عظيمة في الطريق وقد حبست الناس لا تدعهم يجوزون، فقال الغلام: الآن أعلم، أمر الساحر أرضى عند الله أم أمر الراهب؟ قال: فأخذ حجراً فقال: اللهم إن كان أمر الراهب أحب إليك من أمر الساحر فإني أرمي بهذا الحجر هذا ويمر الناس. قال: فرماها، فقتلها وجاز الناس فبلغ ذلك الراهب، وأتاه الغلام، فقال الراهب للغلام: إنك خير مني، وإن ابتليت فلا تدلن علي. [قال]: وكان الغلام يبرئ الأكمه والأبرص وسائر الأدواء. (قال: وكان للملك جليس فعمي، قال: فقيل له: إن هاهنا غلاما يبرئ الأكمه والأبرص وسائر الآذاء) فلو أتيته؟ قال: فاتخذ له هدايا، ثم أتاه فقال: يا غلام، إن أبرأتني فهذه الهدايا كلها لك. فقال: ما أنا أشفيك، ولكن الله يشفي، فإن آمنت دعوت الله أن يشفيك، قال: فآمن الأعمى، فدعا الغلام الله - جل ذكره - فشفاه، فقعد إلى الملك [كما كان يقعد]، فقال له الملك: أليس كنت أعمى؟! فقال نعم، قال: فمن شفاك؟ قال: ربي. قال: ولك رب غيري؟! قال: نعم، ربي وربك الله. قال: فأخذه بالعذاب. وقال: [لتدلنني] على من علمك هذا. قال: [فدل] على الغلام، قال: فدعا الغلام فقال: ارجع عن دينك. فأبى الغلام، قال: فأخذه بالعذاب، قال: فدل على الراهب، فأخذ الراهب بالعذاب، وقال له : ارجع عن دينك. فأبى، قال: فوضع المنشار على هامته فشقه حتى بلغ (إلى) الأرض، ثم قال للغلام: لترجعن أو لأقتلنك. فقال: اذهبوا به حتى تبلغوه ذروة الجبل، فإن رجع عن دينه وإلا [دهدهوه]. فلما بلغ ذروه الجبل قال الغلام: اللهم اكفنيهم. فرجف بهم الجبل فوقعوا فماتوا كلهم. وجاء الغلام يتلمس حتى دخل على الملك فقال: أين أصحابك؟! قال: كفانيهم الله جل ثناؤه. فقال: اذهبوا به فاحملوه في قرقورة فتوسطوا به البحر، فإن رجع عن دينه وإلا فغرقوه. قال فذهبوا، فلما توسطوا به البحر قال الغلام: اللهم فاكفنيهم. فانقلبت بهم السفينة فغرقوا، وجاء الغلام [يتلمس] حتى دخل على الملك، فقال الملك: أين أصحابك؟ قال: دعوت الله فكفانيهم. قال: لأقتلنك. قال: ما أنت بقاتلي حتى تصنع ما آمرك. قال: وما أصنع. قال: اجمع الناس في صعيد واحد ثم أصلُبْنِي، ثم خذ سهماً من كنانتي فارمني وقل: باسم رب الغلام، فإنك ستقتلني. قال: فجمع الملك الناس في صعيد واحد، قال: وصلب الغلام وأخذ سهماً من كنانته فوضعه في كبد القوس ثم رمى به، وقال: باسم رب الغلام. [قال]: فوقع السهم في صدغ الغلام، فوضع الغلام يده على صدغه ومات، فقال الناس: آمنا برب الغلام، فقيل للملك: ما صنعت؟! الذي كنت تحذر قد وقع، قد آمن الناس برب الغلام، فأمر الملك بأفواه الطرق والسكك فأخذت، وخد الأخدود وضرب فيه النيران وأخذهم وقال: [ارجعوا وإلا ألقيتكم] في النار. قال: فكانوا يلقونهم في النار. قال: فجاءت امرأة معها صبي لها. قال: فلما ذهبت تقتحم وجدت حر النار فنكصت. قال: فقال لها صبيها: يا أمه، امضِ، فإنك على الحق. فاقتحمت في النار وقال الربيع بن أنس: كان أصحاب الأخدود قوماً مؤمنين اعتزلوا الناس في الفترة، وإن جباراً من عبدة الأوثان أرسل إليهم يعرض عليهم الدخول في دينه أو يلقيهم في النار، فاختاروا إلقاءهم في النار على الرجوع عن دينهم، فألقوا في النار، فنجى الله المؤمنين الذين ألقوا في النار من الحريق بأن قبض (الله) أرواحهم قبل أن تمسهم النار. قال: وخرجت النار إلى من على شفير الأخدود من الكفار فأحرقتهم، فذلك قوله: ﴿وَلَهُمْ عَذَابُ ٱلْحَرِيقِ﴾ أي: لهم عذاب جهنم في الآخرة ولهم عذاب الحريق في الدنيا، وهي (النار) التي خرجت إليهم من الأخدود فأحرقتهم. * * وقوله: ﴿ذَاتِ ٱلْوَقُودِ﴾. أي: ذات الحطب الجزل، فإن [ضممت] الواو فمعناه ذات التوقد. والأخدود" الحفرة تحفر في الأرض. * * وقوله: ﴿إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ﴾. أي: [إذ الكفار] على النار قعود لحرق المؤمنين، يعني: على حافة الأخدود الذي فيه النار. وقال قتادة: ﴿إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ﴾. يعني بذلك المؤمنين. * * ثم قال: ﴿وَهُمْ عَلَىٰ مَا يَفْعَلُونَ بِٱلْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ﴾. يعني: الكفار. حضور يعرضون المؤمنين على الكفر فمن رجع إليه، وإلا القوه في النار. * * ثم قال تعالى: ﴿وَمَا نَقَمُواْ مِنْهُمْ إِلاَّ أَن يُؤْمِنُواْ بِٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَمِيدِ﴾. أي: وما فعل هؤلاء الكفار بالمؤمنين ما فعلوا من حرقهم إياهم بالنار إلا من أجل أنهم آمنوا بالله الشديد في انتقامه من أعدائه، المحمود عند عباده بإحسانه إليهم. * * ﴿ٱلَّذِي لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ﴾. أي: سلطان ذلك كله. * * ﴿وَٱللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾. أي: والله شهيد على ما فعل هؤلاء الكفار بالمؤمنين وعلى غير ذلك من أفعالهم وأفعال جميع الخلق، فمجازيهم على ما عملوا. * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ فَتَنُواْ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُواْ﴾. أي: حرقوهم بالنار وعذبوهم ثم لم يتوبوا من كفرهم وفعلهم، فلهم عذاب جهنم في الآخرة، ولهم عذاب الحريق في الدنيا. هذا قول الربيع بن أنس. قال محمد بن إسحاق: احترقوا في الدنيا. وكذلك قال أبو العالية. ﴿فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ ﴾ يعني: في الآخرة، واحترقوا في الدنيا بعذاب الحريق. ثم قال تعالى: * * ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ ذَلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْكَبِيرُ﴾. أي: إن الذين أقروا بتوحيد الله وعملوا الأعمال الصالحات وهم الذين حرقهم أصحاب الأخدود وغيرهم من سائر أهل التوحيد لهم بساتين في الآخرة تجري من تحت أشجارها الأنهار من الماء والخمر، واللبن والعسل. ﴿ذَلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْكَبِيرُ﴾ [أي]: ذلك الذي أعطي هؤلاء هو الظفر الكبير بما طلبوا بإيمانهم بالله في الدنيا وطاعتهم له. * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾. أي: إن أخذ ربك يا محمد من أخذ من أعدائه وانتقامه منهم لشديد. وهو تحذير من الله لعباده أن يحل بهم من نقمه على كفرهم وتعذيبهم مثل الذي حل بأصحاب الأخدود. * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّهُ هُوَ يُبْدِىءُ وَيُعِيدُ﴾. أي: هو ابتدأ الخلق أول مرة، وهو يعيدهم بعد مماتهم للبعث والجزاء. هذا معنى قول الضحاك وابن زيد. وقال ابن عباس: معناه: إنه هو يبدئ العذاب ثم يعيده. (وهو اختيار الطبري)، أي: يبدئ العذاب لأهل الكفر في الدنيا، (وهو عذاب الحريق - ثم يعيده) عليهم في الآخرة - وهو عذاب جهنم. * * ثم قال تعالى: ﴿وَهُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلْوَدُودُ﴾. أي: وهو الغفور لمن تاب من كفره وذنوبه. ﴿ٱلْوَدُودُ﴾ أي: ذو المحبة. وعن ابن عباس أنه قال: ﴿ٱلْوَدُودُ﴾: "الحبيب". وقال ابن زيد: ﴿ٱلْوَدُودُ﴾: "الرحيم". * * ثم قال تعالى: ﴿ذُو ٱلْعَرْشِ ٱلْمَجِيدُ﴾. وقال ابن عباس: ﴿ٱلْمَجِيدُ﴾: "الكريم". * * ثم قال تعالى: ﴿فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ﴾. أي: يفعل ما يشاء، فيوقف من شاء للتوبة فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء بأن [يحول] بينه وبين التوفيق فيموت على كفره. * * ثم قال تعالى: ﴿هَلُ أَتَاكَ حَدِيثُ ٱلْجُنُودِ * فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ﴾. أي: هل جاءك يا محمد حديث الجنود الذين تجندوا على الله ورسوله بأذاهم ومكروهِهم؟ أي: قد أتاك ذلك وعلمته. فاصبر لأذى قومك كما صبر من كان قبلك من الرسل الذين تجند قومهم عليهم. ثم بين الجنود من هم فقال: ﴿فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ﴾ أي: قوم فرعون وتباعه، وثمود. * * ثم قال تعالى: ﴿بَلِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فِي تَكْذِيبٍ﴾. أي: بل الذين كفروا من قومك في تكذيب بوعيد الله ووحيه ﴿وَٱللَّهُ مِن وَرَآئِهِمْ مُّحِيطٌ﴾ أي: محيط بأعمالهم محصيها عليهم حتى يجازيهم عليها. * * ثم قال تعالى: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَّجِيدٌ * فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ﴾. أي: بل ما يقول هؤلاء إنه شعر وسحر [وكهانة]، قرآن مجيد محفوظ من أن يغير، في لوح. قال ابن جبير: مجيد "كريم" وقاله قتادة. قال مجاهد: ﴿فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ﴾ قال: "في أم الكتاب". ومن رفع ﴿مَّحْفُوظٍ﴾، جعله نعتاً للقرآن، بمعنى أنه محفوظ أن يغيره أحد بزيادة أو نقص. ودل على ذلك قوله: ﴿وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩]. ومن خفض، جعله نعتا للوح، أي: القرآن في لوح عند الله محفوظ، وهو اللوح المحفوظ. كما قال مجاهد: هو أم الكتاب. وقال قتادة: ﴿فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ﴾ "عند الله". وقال أنس بن مالك: "إن اللوح المحفوظ الذي ذكر الله في جبهة إسرافيل". وقرأ محمد اليماني: بل هو قرآن مجيد، بالإضافة على معنى: بل هو قرآن رب مجيد. قال ابن عباس: خلق الله اللوح المحفوظ من درة بيضاء، دفتاه [ياقوتة] حمراء، قلمه نور، وكتابه نور، ينظر إليه كل يوم ثلاثمائة وستين نظرة، يُحيي في كل نظرة، ويميت ويعز ويذل، ويفعل ما يشاء، لا إله إلا هو.

البروج 85:19

قوله تعالى: ﴿وَٱلسَّمَآءِ ذَاتِ ٱلْبُرُوجِ﴾ إلى آخرها. أي: ورب السماء ذات القصور. قاله ابن عباس. قال الضحاك: البروج "[يزعمون] أنها قصور في السماء، ويقال: هي الكواكب". قال مجاهد: "البروج: النجوم". وهو قول قتادة. وقيل: المعنى: ذات الرمل والماء. واختار الطبري أن يكون المعنى: ذات منازل الشمس والقمر، على قول مجاهد أن البروج - وهي اثنا عشر برجاً - يسير القمر في كل برج (منها يومين وثلثاً، فذلك ثمان وعشرون منزلة، ثم يستقر ليلتين وثلثاً، وتسير الشمس في كل برج) [شهراً]. وجواب القسم محذوف. وقيل: الجواب ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ ٱلأُخْدُودِ﴾ على تقدير حذف اللام، أي: لقتل أصحاب الأخدود. وقيل: الجواب: ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾ وهو قول قتادة. وقيل: الجواب: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ فَتَنُواْ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾. * * ثم قال تعالى: ﴿وَٱلْيَوْمِ ٱلْمَوْعُودِ﴾ يعني يوم القيامة، وعد الله به عباده لفصل القضاء بينهم روي ذلك عن النبي ﷺ وقاله علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأبو هريرة وقتادة وغيرهم. ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ﴾ قال أبو هريرة: "الشاهد يوم الجمعة، والمشهود: يوم عرفة". وقاله الحسن، وروي (ذلك) عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه وابن عباس، وقاله قتادة وابن المسيب وابن زيد. وعن ابن عباس أيضاً: أن الشاهد محمد ﷺ لقوله: ﴿وَجِئْنَا بِكَ عَلَىٰ هَـٰؤُلاۤءِ شَهِيداً﴾ [النساء: ٤١] والمشهود": يوم القيامة، لقوله تعالى: ﴿وَذَٰلِكَ يَوْمٌ مَّشْهُودٌ﴾ [هود: ١٠٣] أي: يشهده الأولون والآخرون لفصل القضاء بينهم. وهو قول عكرمة، وقاله الحسن بن علي أيضاً. وقال مجاهد: "الشاهد الإنسان، والمشهود: يوم القيامة". فالإنسان لا بد أن يشهد يوم القيامة، ويوم القيامة مشهود لبني آدم، فتكون الشهادة على هذا القول [بمعنى] الحضور. وقد روي مثل ذلك عن الضحاك. وعن عكرمة أيضاً و (عن) ابن عباس أن الشاهد: الله جل ذكره، لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ ٱللَّهُ شَهِيدٌ عَلَىٰ مَا يَفْعَلُونَ﴾ [يونس: ٤٦] والمشهود يوم القيامة لقوله تعالى: ﴿وَذَٰلِكَ يَوْمٌ مَّشْهُودٌ﴾ [هود: ١٠٣]. وقال إبراهيم: الشاهد يوم الأضحى والمشهود يوم عرفة. وعن ابن عباس أيضاً. رواه عنه مجاهد "أن الشاهد: يوم عرفة، والمشهود: يوم القيامة". وروى أبو الدرداء أن النبي ﷺ (قال): "أكثروا علي [الصلاة] يوم الجمعة، فإنه مشهود تشهده الملائكة". وقيل: الشاهد: محمد، والمشهود: الذين يشهد عليهم محمد ﷺ. * * ثم قال تعالى: ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ ٱلأُخْدُودِ * ٱلنَّارِ ذَاتِ ٱلْوَقُودِ﴾ أي: لعن أهلك أصحاب الأخدود، أخبرنا الله جل ذكره أنه أهلكهم ولعنهم. ذكر علي بن أبي طالب رضي الله عنه: أنهم كانوا أهل كتاب، وكانت الخمر أُحِلَّتْ لهم، فشربها ملك من ملوكهم حتى [ثَمِلَ]، فتناول أخته، [زاد عبد بن حميد: أو ابنته، وذكر القصة، وفيها: فإذا ذهب هذا في الناس بأسره خطبتهم فحرمته عليهم]، فوقع عليها، فلما زال عنه السكر ندم، فقال: لأخته: ويحك، ما المخرج مما ابتليت به؟ فقالت: اخطب الناس فقل: يا أيها الناس، [إن الله] قد أحل نكاح الأخوات. ففعل، [فتبرأ] الناس منه ومن قوله، وقالوا: ما جاءنا به نبي ولا وجدناه في كتاب! فرجع إلى أخته نادماً فقال لها: ويحك! إن الناس قد أبوا علي أن يقروا بذلك، فقالت: [ابسط] عليهم السياط، ففعل، فأبوا أن [يقروا] له، فرجع إليها فقالت: (اخطبهم، فإن أبوا فجرد فيهم السيف، ففعل فأبوا)، فرجع إليها فقالت: خُدَّ لهم الأخدود، ثم اعرض عليها أهل مملكتك، فمن أقر وإلا فاقذفه في النار. ففعل، فمن لم يُقِرُّوا [له] بتحليل الأخوات قذفه في النار، فلم يزالوا من ذلك الوقت يستحلون الأخوات والبنات والأمهات. وبقايا [أصحاب] الأخدود الآن مجوس يعبدون النار. ولذلك، قال بعض العلماء فيهم [أن يسن فيهم] سنة أهل الكتاب. * * وقوله: ﴿ٱلنَّارِ﴾ خفض على البدل من الأخدود، وهو بدل الاشتمال. وقيل: هو خفض على الجوار، وذلك بعيد. وفيه تقديران إذا جعلته بدلاً. أحدهما: أن التقدير: النار ذات الوقود نارها. والآخر: النار التي فيها. والأخدود: حفير [مستطيل] كالخندق. يروى أنه كان بموضع يقال له [نجران]، أحرق فيه قوم مؤمنون، أحرقهم ملك من ملوك حمير مشرك، وكان ذلك قبل مولد النبي ﷺ بسبعين سنة. وروى قتادة أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: هم ناس كانوا بمدارع اليمن اقتتل مؤمنوها وكافروها، فظهر مؤمنوها على [كافريها]، ثم اقتتلوا الثانية فظهر كافروها على مؤمنيها، ثم أخذ بعضهم على بعض عهوداً ومواثيق ألا يغدر بعضهم (بعضا)، فغدر بهم الكفار فأخذوهم أَخْذاً، ثم إن رجلاً من المؤمنين قال لهم: هل لكم إلى خير؟ توقدون [ناراً]، (ثم) تعرضوننا عليها، فمن تابعكم على دينكم فذلك الذي تشتهون، ومن لا، اقتحم النار [فاسترحتم] منه. قال: [فأججوا] ناراً، وعرضوا عليها، فجعلوا يقتحمونها ضناً بدينهم حتى بقيت عجوز منهم كأنها تلكأت، فقال لها طفل في حجرها: يا أمه، امضي ولا تنافقي، فقص الله جل ذكره نبأهم وخبرهم. وقال ابن عباس: هم ناس من بني إسرائيل، خدُّواً أخدوداً في الأرض ثم أوقدوا فيه ناراً ثم أقاموا على ذلك الأخدود رجالاً ونساء ثم عرضوا عليها، وزعموا أنه دانيال وأصحابه وكذلك قال الضحاك، إلا أنه قال: فقالوا للرجال والنساء: تكفرون أو نقذفكم في النار (قال). [ويزعمون] أنه دانيال وأصحابه. وروى صهيب أن النبي ﷺ قال: إنه كان في من كان قبلكم ملكٌ، وكان له ساحرٌ، فأتى الساحر الملك فقال: قد كبرت سنّي ودنا أجلي، فادفع إلي غلاماً أعلمه السحر. فدفع إليه غلاماً يعلمه السحر، فكان الغلام يختلف إلى الساحر، وكان بين الساحر وبين الملك راهب. قال: فكان الغلام إذا مر بالراهب قعد إليه فيسمع كلامه، فأعجب بكلامه، فكان إذا أتى الساحر ضربه الساحر وقال: ما حبسك؟. وإذا أتى الغلام (إلى) أهله قعد عند الراهب يسمع كلامه، فإذا أتى أهله ضربوه وقالوا: ما حبسك؟ فشكا ذلك إلى الراهب، فقال له الراهب: إذا قال لك الساحر ما حبسك؟ فقل: حبسني أهلي، وإذا قال لك أهلك: ما حبسك؟ فقل: حبسني الساحر. فبينما هو كذلك، إذ مر في طريق، وإذا دابة عظيمة في الطريق وقد حبست الناس لا تدعهم يجوزون، فقال الغلام: الآن أعلم، أمر الساحر أرضى عند الله أم أمر الراهب؟ قال: فأخذ حجراً فقال: اللهم إن كان أمر الراهب أحب إليك من أمر الساحر فإني أرمي بهذا الحجر هذا ويمر الناس. قال: فرماها، فقتلها وجاز الناس فبلغ ذلك الراهب، وأتاه الغلام، فقال الراهب للغلام: إنك خير مني، وإن ابتليت فلا تدلن علي. [قال]: وكان الغلام يبرئ الأكمه والأبرص وسائر الأدواء. (قال: وكان للملك جليس فعمي، قال: فقيل له: إن هاهنا غلاما يبرئ الأكمه والأبرص وسائر الآذاء) فلو أتيته؟ قال: فاتخذ له هدايا، ثم أتاه فقال: يا غلام، إن أبرأتني فهذه الهدايا كلها لك. فقال: ما أنا أشفيك، ولكن الله يشفي، فإن آمنت دعوت الله أن يشفيك، قال: فآمن الأعمى، فدعا الغلام الله - جل ذكره - فشفاه، فقعد إلى الملك [كما كان يقعد]، فقال له الملك: أليس كنت أعمى؟! فقال نعم، قال: فمن شفاك؟ قال: ربي. قال: ولك رب غيري؟! قال: نعم، ربي وربك الله. قال: فأخذه بالعذاب. وقال: [لتدلنني] على من علمك هذا. قال: [فدل] على الغلام، قال: فدعا الغلام فقال: ارجع عن دينك. فأبى الغلام، قال: فأخذه بالعذاب، قال: فدل على الراهب، فأخذ الراهب بالعذاب، وقال له : ارجع عن دينك. فأبى، قال: فوضع المنشار على هامته فشقه حتى بلغ (إلى) الأرض، ثم قال للغلام: لترجعن أو لأقتلنك. فقال: اذهبوا به حتى تبلغوه ذروة الجبل، فإن رجع عن دينه وإلا [دهدهوه]. فلما بلغ ذروه الجبل قال الغلام: اللهم اكفنيهم. فرجف بهم الجبل فوقعوا فماتوا كلهم. وجاء الغلام يتلمس حتى دخل على الملك فقال: أين أصحابك؟! قال: كفانيهم الله جل ثناؤه. فقال: اذهبوا به فاحملوه في قرقورة فتوسطوا به البحر، فإن رجع عن دينه وإلا فغرقوه. قال فذهبوا، فلما توسطوا به البحر قال الغلام: اللهم فاكفنيهم. فانقلبت بهم السفينة فغرقوا، وجاء الغلام [يتلمس] حتى دخل على الملك، فقال الملك: أين أصحابك؟ قال: دعوت الله فكفانيهم. قال: لأقتلنك. قال: ما أنت بقاتلي حتى تصنع ما آمرك. قال: وما أصنع. قال: اجمع الناس في صعيد واحد ثم أصلُبْنِي، ثم خذ سهماً من كنانتي فارمني وقل: باسم رب الغلام، فإنك ستقتلني. قال: فجمع الملك الناس في صعيد واحد، قال: وصلب الغلام وأخذ سهماً من كنانته فوضعه في كبد القوس ثم رمى به، وقال: باسم رب الغلام. [قال]: فوقع السهم في صدغ الغلام، فوضع الغلام يده على صدغه ومات، فقال الناس: آمنا برب الغلام، فقيل للملك: ما صنعت؟! الذي كنت تحذر قد وقع، قد آمن الناس برب الغلام، فأمر الملك بأفواه الطرق والسكك فأخذت، وخد الأخدود وضرب فيه النيران وأخذهم وقال: [ارجعوا وإلا ألقيتكم] في النار. قال: فكانوا يلقونهم في النار. قال: فجاءت امرأة معها صبي لها. قال: فلما ذهبت تقتحم وجدت حر النار فنكصت. قال: فقال لها صبيها: يا أمه، امضِ، فإنك على الحق. فاقتحمت في النار وقال الربيع بن أنس: كان أصحاب الأخدود قوماً مؤمنين اعتزلوا الناس في الفترة، وإن جباراً من عبدة الأوثان أرسل إليهم يعرض عليهم الدخول في دينه أو يلقيهم في النار، فاختاروا إلقاءهم في النار على الرجوع عن دينهم، فألقوا في النار، فنجى الله المؤمنين الذين ألقوا في النار من الحريق بأن قبض (الله) أرواحهم قبل أن تمسهم النار. قال: وخرجت النار إلى من على شفير الأخدود من الكفار فأحرقتهم، فذلك قوله: ﴿وَلَهُمْ عَذَابُ ٱلْحَرِيقِ﴾ أي: لهم عذاب جهنم في الآخرة ولهم عذاب الحريق في الدنيا، وهي (النار) التي خرجت إليهم من الأخدود فأحرقتهم. * * وقوله: ﴿ذَاتِ ٱلْوَقُودِ﴾. أي: ذات الحطب الجزل، فإن [ضممت] الواو فمعناه ذات التوقد. والأخدود" الحفرة تحفر في الأرض. * * وقوله: ﴿إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ﴾. أي: [إذ الكفار] على النار قعود لحرق المؤمنين، يعني: على حافة الأخدود الذي فيه النار. وقال قتادة: ﴿إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ﴾. يعني بذلك المؤمنين. * * ثم قال: ﴿وَهُمْ عَلَىٰ مَا يَفْعَلُونَ بِٱلْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ﴾. يعني: الكفار. حضور يعرضون المؤمنين على الكفر فمن رجع إليه، وإلا القوه في النار. * * ثم قال تعالى: ﴿وَمَا نَقَمُواْ مِنْهُمْ إِلاَّ أَن يُؤْمِنُواْ بِٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَمِيدِ﴾. أي: وما فعل هؤلاء الكفار بالمؤمنين ما فعلوا من حرقهم إياهم بالنار إلا من أجل أنهم آمنوا بالله الشديد في انتقامه من أعدائه، المحمود عند عباده بإحسانه إليهم. * * ﴿ٱلَّذِي لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ﴾. أي: سلطان ذلك كله. * * ﴿وَٱللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾. أي: والله شهيد على ما فعل هؤلاء الكفار بالمؤمنين وعلى غير ذلك من أفعالهم وأفعال جميع الخلق، فمجازيهم على ما عملوا. * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ فَتَنُواْ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُواْ﴾. أي: حرقوهم بالنار وعذبوهم ثم لم يتوبوا من كفرهم وفعلهم، فلهم عذاب جهنم في الآخرة، ولهم عذاب الحريق في الدنيا. هذا قول الربيع بن أنس. قال محمد بن إسحاق: احترقوا في الدنيا. وكذلك قال أبو العالية. ﴿فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ ﴾ يعني: في الآخرة، واحترقوا في الدنيا بعذاب الحريق. ثم قال تعالى: * * ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ ذَلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْكَبِيرُ﴾. أي: إن الذين أقروا بتوحيد الله وعملوا الأعمال الصالحات وهم الذين حرقهم أصحاب الأخدود وغيرهم من سائر أهل التوحيد لهم بساتين في الآخرة تجري من تحت أشجارها الأنهار من الماء والخمر، واللبن والعسل. ﴿ذَلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْكَبِيرُ﴾ [أي]: ذلك الذي أعطي هؤلاء هو الظفر الكبير بما طلبوا بإيمانهم بالله في الدنيا وطاعتهم له. * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾. أي: إن أخذ ربك يا محمد من أخذ من أعدائه وانتقامه منهم لشديد. وهو تحذير من الله لعباده أن يحل بهم من نقمه على كفرهم وتعذيبهم مثل الذي حل بأصحاب الأخدود. * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّهُ هُوَ يُبْدِىءُ وَيُعِيدُ﴾. أي: هو ابتدأ الخلق أول مرة، وهو يعيدهم بعد مماتهم للبعث والجزاء. هذا معنى قول الضحاك وابن زيد. وقال ابن عباس: معناه: إنه هو يبدئ العذاب ثم يعيده. (وهو اختيار الطبري)، أي: يبدئ العذاب لأهل الكفر في الدنيا، (وهو عذاب الحريق - ثم يعيده) عليهم في الآخرة - وهو عذاب جهنم. * * ثم قال تعالى: ﴿وَهُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلْوَدُودُ﴾. أي: وهو الغفور لمن تاب من كفره وذنوبه. ﴿ٱلْوَدُودُ﴾ أي: ذو المحبة. وعن ابن عباس أنه قال: ﴿ٱلْوَدُودُ﴾: "الحبيب". وقال ابن زيد: ﴿ٱلْوَدُودُ﴾: "الرحيم". * * ثم قال تعالى: ﴿ذُو ٱلْعَرْشِ ٱلْمَجِيدُ﴾. وقال ابن عباس: ﴿ٱلْمَجِيدُ﴾: "الكريم". * * ثم قال تعالى: ﴿فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ﴾. أي: يفعل ما يشاء، فيوقف من شاء للتوبة فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء بأن [يحول] بينه وبين التوفيق فيموت على كفره. * * ثم قال تعالى: ﴿هَلُ أَتَاكَ حَدِيثُ ٱلْجُنُودِ * فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ﴾. أي: هل جاءك يا محمد حديث الجنود الذين تجندوا على الله ورسوله بأذاهم ومكروهِهم؟ أي: قد أتاك ذلك وعلمته. فاصبر لأذى قومك كما صبر من كان قبلك من الرسل الذين تجند قومهم عليهم. ثم بين الجنود من هم فقال: ﴿فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ﴾ أي: قوم فرعون وتباعه، وثمود. * * ثم قال تعالى: ﴿بَلِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فِي تَكْذِيبٍ﴾. أي: بل الذين كفروا من قومك في تكذيب بوعيد الله ووحيه ﴿وَٱللَّهُ مِن وَرَآئِهِمْ مُّحِيطٌ﴾ أي: محيط بأعمالهم محصيها عليهم حتى يجازيهم عليها. * * ثم قال تعالى: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَّجِيدٌ * فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ﴾. أي: بل ما يقول هؤلاء إنه شعر وسحر [وكهانة]، قرآن مجيد محفوظ من أن يغير، في لوح. قال ابن جبير: مجيد "كريم" وقاله قتادة. قال مجاهد: ﴿فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ﴾ قال: "في أم الكتاب". ومن رفع ﴿مَّحْفُوظٍ﴾، جعله نعتاً للقرآن، بمعنى أنه محفوظ أن يغيره أحد بزيادة أو نقص. ودل على ذلك قوله: ﴿وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩]. ومن خفض، جعله نعتا للوح، أي: القرآن في لوح عند الله محفوظ، وهو اللوح المحفوظ. كما قال مجاهد: هو أم الكتاب. وقال قتادة: ﴿فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ﴾ "عند الله". وقال أنس بن مالك: "إن اللوح المحفوظ الذي ذكر الله في جبهة إسرافيل". وقرأ محمد اليماني: بل هو قرآن مجيد، بالإضافة على معنى: بل هو قرآن رب مجيد. قال ابن عباس: خلق الله اللوح المحفوظ من درة بيضاء، دفتاه [ياقوتة] حمراء، قلمه نور، وكتابه نور، ينظر إليه كل يوم ثلاثمائة وستين نظرة، يُحيي في كل نظرة، ويميت ويعز ويذل، ويفعل ما يشاء، لا إله إلا هو.

البروج 85:20

قوله تعالى: ﴿وَٱلسَّمَآءِ ذَاتِ ٱلْبُرُوجِ﴾ إلى آخرها. أي: ورب السماء ذات القصور. قاله ابن عباس. قال الضحاك: البروج "[يزعمون] أنها قصور في السماء، ويقال: هي الكواكب". قال مجاهد: "البروج: النجوم". وهو قول قتادة. وقيل: المعنى: ذات الرمل والماء. واختار الطبري أن يكون المعنى: ذات منازل الشمس والقمر، على قول مجاهد أن البروج - وهي اثنا عشر برجاً - يسير القمر في كل برج (منها يومين وثلثاً، فذلك ثمان وعشرون منزلة، ثم يستقر ليلتين وثلثاً، وتسير الشمس في كل برج) [شهراً]. وجواب القسم محذوف. وقيل: الجواب ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ ٱلأُخْدُودِ﴾ على تقدير حذف اللام، أي: لقتل أصحاب الأخدود. وقيل: الجواب: ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾ وهو قول قتادة. وقيل: الجواب: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ فَتَنُواْ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾. * * ثم قال تعالى: ﴿وَٱلْيَوْمِ ٱلْمَوْعُودِ﴾ يعني يوم القيامة، وعد الله به عباده لفصل القضاء بينهم روي ذلك عن النبي ﷺ وقاله علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأبو هريرة وقتادة وغيرهم. ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ﴾ قال أبو هريرة: "الشاهد يوم الجمعة، والمشهود: يوم عرفة". وقاله الحسن، وروي (ذلك) عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه وابن عباس، وقاله قتادة وابن المسيب وابن زيد. وعن ابن عباس أيضاً: أن الشاهد محمد ﷺ لقوله: ﴿وَجِئْنَا بِكَ عَلَىٰ هَـٰؤُلاۤءِ شَهِيداً﴾ [النساء: ٤١] والمشهود": يوم القيامة، لقوله تعالى: ﴿وَذَٰلِكَ يَوْمٌ مَّشْهُودٌ﴾ [هود: ١٠٣] أي: يشهده الأولون والآخرون لفصل القضاء بينهم. وهو قول عكرمة، وقاله الحسن بن علي أيضاً. وقال مجاهد: "الشاهد الإنسان، والمشهود: يوم القيامة". فالإنسان لا بد أن يشهد يوم القيامة، ويوم القيامة مشهود لبني آدم، فتكون الشهادة على هذا القول [بمعنى] الحضور. وقد روي مثل ذلك عن الضحاك. وعن عكرمة أيضاً و (عن) ابن عباس أن الشاهد: الله جل ذكره، لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ ٱللَّهُ شَهِيدٌ عَلَىٰ مَا يَفْعَلُونَ﴾ [يونس: ٤٦] والمشهود يوم القيامة لقوله تعالى: ﴿وَذَٰلِكَ يَوْمٌ مَّشْهُودٌ﴾ [هود: ١٠٣]. وقال إبراهيم: الشاهد يوم الأضحى والمشهود يوم عرفة. وعن ابن عباس أيضاً. رواه عنه مجاهد "أن الشاهد: يوم عرفة، والمشهود: يوم القيامة". وروى أبو الدرداء أن النبي ﷺ (قال): "أكثروا علي [الصلاة] يوم الجمعة، فإنه مشهود تشهده الملائكة". وقيل: الشاهد: محمد، والمشهود: الذين يشهد عليهم محمد ﷺ. * * ثم قال تعالى: ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ ٱلأُخْدُودِ * ٱلنَّارِ ذَاتِ ٱلْوَقُودِ﴾ أي: لعن أهلك أصحاب الأخدود، أخبرنا الله جل ذكره أنه أهلكهم ولعنهم. ذكر علي بن أبي طالب رضي الله عنه: أنهم كانوا أهل كتاب، وكانت الخمر أُحِلَّتْ لهم، فشربها ملك من ملوكهم حتى [ثَمِلَ]، فتناول أخته، [زاد عبد بن حميد: أو ابنته، وذكر القصة، وفيها: فإذا ذهب هذا في الناس بأسره خطبتهم فحرمته عليهم]، فوقع عليها، فلما زال عنه السكر ندم، فقال: لأخته: ويحك، ما المخرج مما ابتليت به؟ فقالت: اخطب الناس فقل: يا أيها الناس، [إن الله] قد أحل نكاح الأخوات. ففعل، [فتبرأ] الناس منه ومن قوله، وقالوا: ما جاءنا به نبي ولا وجدناه في كتاب! فرجع إلى أخته نادماً فقال لها: ويحك! إن الناس قد أبوا علي أن يقروا بذلك، فقالت: [ابسط] عليهم السياط، ففعل، فأبوا أن [يقروا] له، فرجع إليها فقالت: (اخطبهم، فإن أبوا فجرد فيهم السيف، ففعل فأبوا)، فرجع إليها فقالت: خُدَّ لهم الأخدود، ثم اعرض عليها أهل مملكتك، فمن أقر وإلا فاقذفه في النار. ففعل، فمن لم يُقِرُّوا [له] بتحليل الأخوات قذفه في النار، فلم يزالوا من ذلك الوقت يستحلون الأخوات والبنات والأمهات. وبقايا [أصحاب] الأخدود الآن مجوس يعبدون النار. ولذلك، قال بعض العلماء فيهم [أن يسن فيهم] سنة أهل الكتاب. * * وقوله: ﴿ٱلنَّارِ﴾ خفض على البدل من الأخدود، وهو بدل الاشتمال. وقيل: هو خفض على الجوار، وذلك بعيد. وفيه تقديران إذا جعلته بدلاً. أحدهما: أن التقدير: النار ذات الوقود نارها. والآخر: النار التي فيها. والأخدود: حفير [مستطيل] كالخندق. يروى أنه كان بموضع يقال له [نجران]، أحرق فيه قوم مؤمنون، أحرقهم ملك من ملوك حمير مشرك، وكان ذلك قبل مولد النبي ﷺ بسبعين سنة. وروى قتادة أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: هم ناس كانوا بمدارع اليمن اقتتل مؤمنوها وكافروها، فظهر مؤمنوها على [كافريها]، ثم اقتتلوا الثانية فظهر كافروها على مؤمنيها، ثم أخذ بعضهم على بعض عهوداً ومواثيق ألا يغدر بعضهم (بعضا)، فغدر بهم الكفار فأخذوهم أَخْذاً، ثم إن رجلاً من المؤمنين قال لهم: هل لكم إلى خير؟ توقدون [ناراً]، (ثم) تعرضوننا عليها، فمن تابعكم على دينكم فذلك الذي تشتهون، ومن لا، اقتحم النار [فاسترحتم] منه. قال: [فأججوا] ناراً، وعرضوا عليها، فجعلوا يقتحمونها ضناً بدينهم حتى بقيت عجوز منهم كأنها تلكأت، فقال لها طفل في حجرها: يا أمه، امضي ولا تنافقي، فقص الله جل ذكره نبأهم وخبرهم. وقال ابن عباس: هم ناس من بني إسرائيل، خدُّواً أخدوداً في الأرض ثم أوقدوا فيه ناراً ثم أقاموا على ذلك الأخدود رجالاً ونساء ثم عرضوا عليها، وزعموا أنه دانيال وأصحابه وكذلك قال الضحاك، إلا أنه قال: فقالوا للرجال والنساء: تكفرون أو نقذفكم في النار (قال). [ويزعمون] أنه دانيال وأصحابه. وروى صهيب أن النبي ﷺ قال: إنه كان في من كان قبلكم ملكٌ، وكان له ساحرٌ، فأتى الساحر الملك فقال: قد كبرت سنّي ودنا أجلي، فادفع إلي غلاماً أعلمه السحر. فدفع إليه غلاماً يعلمه السحر، فكان الغلام يختلف إلى الساحر، وكان بين الساحر وبين الملك راهب. قال: فكان الغلام إذا مر بالراهب قعد إليه فيسمع كلامه، فأعجب بكلامه، فكان إذا أتى الساحر ضربه الساحر وقال: ما حبسك؟. وإذا أتى الغلام (إلى) أهله قعد عند الراهب يسمع كلامه، فإذا أتى أهله ضربوه وقالوا: ما حبسك؟ فشكا ذلك إلى الراهب، فقال له الراهب: إذا قال لك الساحر ما حبسك؟ فقل: حبسني أهلي، وإذا قال لك أهلك: ما حبسك؟ فقل: حبسني الساحر. فبينما هو كذلك، إذ مر في طريق، وإذا دابة عظيمة في الطريق وقد حبست الناس لا تدعهم يجوزون، فقال الغلام: الآن أعلم، أمر الساحر أرضى عند الله أم أمر الراهب؟ قال: فأخذ حجراً فقال: اللهم إن كان أمر الراهب أحب إليك من أمر الساحر فإني أرمي بهذا الحجر هذا ويمر الناس. قال: فرماها، فقتلها وجاز الناس فبلغ ذلك الراهب، وأتاه الغلام، فقال الراهب للغلام: إنك خير مني، وإن ابتليت فلا تدلن علي. [قال]: وكان الغلام يبرئ الأكمه والأبرص وسائر الأدواء. (قال: وكان للملك جليس فعمي، قال: فقيل له: إن هاهنا غلاما يبرئ الأكمه والأبرص وسائر الآذاء) فلو أتيته؟ قال: فاتخذ له هدايا، ثم أتاه فقال: يا غلام، إن أبرأتني فهذه الهدايا كلها لك. فقال: ما أنا أشفيك، ولكن الله يشفي، فإن آمنت دعوت الله أن يشفيك، قال: فآمن الأعمى، فدعا الغلام الله - جل ذكره - فشفاه، فقعد إلى الملك [كما كان يقعد]، فقال له الملك: أليس كنت أعمى؟! فقال نعم، قال: فمن شفاك؟ قال: ربي. قال: ولك رب غيري؟! قال: نعم، ربي وربك الله. قال: فأخذه بالعذاب. وقال: [لتدلنني] على من علمك هذا. قال: [فدل] على الغلام، قال: فدعا الغلام فقال: ارجع عن دينك. فأبى الغلام، قال: فأخذه بالعذاب، قال: فدل على الراهب، فأخذ الراهب بالعذاب، وقال له : ارجع عن دينك. فأبى، قال: فوضع المنشار على هامته فشقه حتى بلغ (إلى) الأرض، ثم قال للغلام: لترجعن أو لأقتلنك. فقال: اذهبوا به حتى تبلغوه ذروة الجبل، فإن رجع عن دينه وإلا [دهدهوه]. فلما بلغ ذروه الجبل قال الغلام: اللهم اكفنيهم. فرجف بهم الجبل فوقعوا فماتوا كلهم. وجاء الغلام يتلمس حتى دخل على الملك فقال: أين أصحابك؟! قال: كفانيهم الله جل ثناؤه. فقال: اذهبوا به فاحملوه في قرقورة فتوسطوا به البحر، فإن رجع عن دينه وإلا فغرقوه. قال فذهبوا، فلما توسطوا به البحر قال الغلام: اللهم فاكفنيهم. فانقلبت بهم السفينة فغرقوا، وجاء الغلام [يتلمس] حتى دخل على الملك، فقال الملك: أين أصحابك؟ قال: دعوت الله فكفانيهم. قال: لأقتلنك. قال: ما أنت بقاتلي حتى تصنع ما آمرك. قال: وما أصنع. قال: اجمع الناس في صعيد واحد ثم أصلُبْنِي، ثم خذ سهماً من كنانتي فارمني وقل: باسم رب الغلام، فإنك ستقتلني. قال: فجمع الملك الناس في صعيد واحد، قال: وصلب الغلام وأخذ سهماً من كنانته فوضعه في كبد القوس ثم رمى به، وقال: باسم رب الغلام. [قال]: فوقع السهم في صدغ الغلام، فوضع الغلام يده على صدغه ومات، فقال الناس: آمنا برب الغلام، فقيل للملك: ما صنعت؟! الذي كنت تحذر قد وقع، قد آمن الناس برب الغلام، فأمر الملك بأفواه الطرق والسكك فأخذت، وخد الأخدود وضرب فيه النيران وأخذهم وقال: [ارجعوا وإلا ألقيتكم] في النار. قال: فكانوا يلقونهم في النار. قال: فجاءت امرأة معها صبي لها. قال: فلما ذهبت تقتحم وجدت حر النار فنكصت. قال: فقال لها صبيها: يا أمه، امضِ، فإنك على الحق. فاقتحمت في النار وقال الربيع بن أنس: كان أصحاب الأخدود قوماً مؤمنين اعتزلوا الناس في الفترة، وإن جباراً من عبدة الأوثان أرسل إليهم يعرض عليهم الدخول في دينه أو يلقيهم في النار، فاختاروا إلقاءهم في النار على الرجوع عن دينهم، فألقوا في النار، فنجى الله المؤمنين الذين ألقوا في النار من الحريق بأن قبض (الله) أرواحهم قبل أن تمسهم النار. قال: وخرجت النار إلى من على شفير الأخدود من الكفار فأحرقتهم، فذلك قوله: ﴿وَلَهُمْ عَذَابُ ٱلْحَرِيقِ﴾ أي: لهم عذاب جهنم في الآخرة ولهم عذاب الحريق في الدنيا، وهي (النار) التي خرجت إليهم من الأخدود فأحرقتهم. * * وقوله: ﴿ذَاتِ ٱلْوَقُودِ﴾. أي: ذات الحطب الجزل، فإن [ضممت] الواو فمعناه ذات التوقد. والأخدود" الحفرة تحفر في الأرض. * * وقوله: ﴿إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ﴾. أي: [إذ الكفار] على النار قعود لحرق المؤمنين، يعني: على حافة الأخدود الذي فيه النار. وقال قتادة: ﴿إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ﴾. يعني بذلك المؤمنين. * * ثم قال: ﴿وَهُمْ عَلَىٰ مَا يَفْعَلُونَ بِٱلْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ﴾. يعني: الكفار. حضور يعرضون المؤمنين على الكفر فمن رجع إليه، وإلا القوه في النار. * * ثم قال تعالى: ﴿وَمَا نَقَمُواْ مِنْهُمْ إِلاَّ أَن يُؤْمِنُواْ بِٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَمِيدِ﴾. أي: وما فعل هؤلاء الكفار بالمؤمنين ما فعلوا من حرقهم إياهم بالنار إلا من أجل أنهم آمنوا بالله الشديد في انتقامه من أعدائه، المحمود عند عباده بإحسانه إليهم. * * ﴿ٱلَّذِي لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ﴾. أي: سلطان ذلك كله. * * ﴿وَٱللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾. أي: والله شهيد على ما فعل هؤلاء الكفار بالمؤمنين وعلى غير ذلك من أفعالهم وأفعال جميع الخلق، فمجازيهم على ما عملوا. * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ فَتَنُواْ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُواْ﴾. أي: حرقوهم بالنار وعذبوهم ثم لم يتوبوا من كفرهم وفعلهم، فلهم عذاب جهنم في الآخرة، ولهم عذاب الحريق في الدنيا. هذا قول الربيع بن أنس. قال محمد بن إسحاق: احترقوا في الدنيا. وكذلك قال أبو العالية. ﴿فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ ﴾ يعني: في الآخرة، واحترقوا في الدنيا بعذاب الحريق. ثم قال تعالى: * * ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ ذَلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْكَبِيرُ﴾. أي: إن الذين أقروا بتوحيد الله وعملوا الأعمال الصالحات وهم الذين حرقهم أصحاب الأخدود وغيرهم من سائر أهل التوحيد لهم بساتين في الآخرة تجري من تحت أشجارها الأنهار من الماء والخمر، واللبن والعسل. ﴿ذَلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْكَبِيرُ﴾ [أي]: ذلك الذي أعطي هؤلاء هو الظفر الكبير بما طلبوا بإيمانهم بالله في الدنيا وطاعتهم له. * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾. أي: إن أخذ ربك يا محمد من أخذ من أعدائه وانتقامه منهم لشديد. وهو تحذير من الله لعباده أن يحل بهم من نقمه على كفرهم وتعذيبهم مثل الذي حل بأصحاب الأخدود. * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّهُ هُوَ يُبْدِىءُ وَيُعِيدُ﴾. أي: هو ابتدأ الخلق أول مرة، وهو يعيدهم بعد مماتهم للبعث والجزاء. هذا معنى قول الضحاك وابن زيد. وقال ابن عباس: معناه: إنه هو يبدئ العذاب ثم يعيده. (وهو اختيار الطبري)، أي: يبدئ العذاب لأهل الكفر في الدنيا، (وهو عذاب الحريق - ثم يعيده) عليهم في الآخرة - وهو عذاب جهنم. * * ثم قال تعالى: ﴿وَهُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلْوَدُودُ﴾. أي: وهو الغفور لمن تاب من كفره وذنوبه. ﴿ٱلْوَدُودُ﴾ أي: ذو المحبة. وعن ابن عباس أنه قال: ﴿ٱلْوَدُودُ﴾: "الحبيب". وقال ابن زيد: ﴿ٱلْوَدُودُ﴾: "الرحيم". * * ثم قال تعالى: ﴿ذُو ٱلْعَرْشِ ٱلْمَجِيدُ﴾. وقال ابن عباس: ﴿ٱلْمَجِيدُ﴾: "الكريم". * * ثم قال تعالى: ﴿فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ﴾. أي: يفعل ما يشاء، فيوقف من شاء للتوبة فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء بأن [يحول] بينه وبين التوفيق فيموت على كفره. * * ثم قال تعالى: ﴿هَلُ أَتَاكَ حَدِيثُ ٱلْجُنُودِ * فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ﴾. أي: هل جاءك يا محمد حديث الجنود الذين تجندوا على الله ورسوله بأذاهم ومكروهِهم؟ أي: قد أتاك ذلك وعلمته. فاصبر لأذى قومك كما صبر من كان قبلك من الرسل الذين تجند قومهم عليهم. ثم بين الجنود من هم فقال: ﴿فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ﴾ أي: قوم فرعون وتباعه، وثمود. * * ثم قال تعالى: ﴿بَلِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فِي تَكْذِيبٍ﴾. أي: بل الذين كفروا من قومك في تكذيب بوعيد الله ووحيه ﴿وَٱللَّهُ مِن وَرَآئِهِمْ مُّحِيطٌ﴾ أي: محيط بأعمالهم محصيها عليهم حتى يجازيهم عليها. * * ثم قال تعالى: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَّجِيدٌ * فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ﴾. أي: بل ما يقول هؤلاء إنه شعر وسحر [وكهانة]، قرآن مجيد محفوظ من أن يغير، في لوح. قال ابن جبير: مجيد "كريم" وقاله قتادة. قال مجاهد: ﴿فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ﴾ قال: "في أم الكتاب". ومن رفع ﴿مَّحْفُوظٍ﴾، جعله نعتاً للقرآن، بمعنى أنه محفوظ أن يغيره أحد بزيادة أو نقص. ودل على ذلك قوله: ﴿وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩]. ومن خفض، جعله نعتا للوح، أي: القرآن في لوح عند الله محفوظ، وهو اللوح المحفوظ. كما قال مجاهد: هو أم الكتاب. وقال قتادة: ﴿فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ﴾ "عند الله". وقال أنس بن مالك: "إن اللوح المحفوظ الذي ذكر الله في جبهة إسرافيل". وقرأ محمد اليماني: بل هو قرآن مجيد، بالإضافة على معنى: بل هو قرآن رب مجيد. قال ابن عباس: خلق الله اللوح المحفوظ من درة بيضاء، دفتاه [ياقوتة] حمراء، قلمه نور، وكتابه نور، ينظر إليه كل يوم ثلاثمائة وستين نظرة، يُحيي في كل نظرة، ويميت ويعز ويذل، ويفعل ما يشاء، لا إله إلا هو.

البروج 85:21

قوله تعالى: ﴿وَٱلسَّمَآءِ ذَاتِ ٱلْبُرُوجِ﴾ إلى آخرها. أي: ورب السماء ذات القصور. قاله ابن عباس. قال الضحاك: البروج "[يزعمون] أنها قصور في السماء، ويقال: هي الكواكب". قال مجاهد: "البروج: النجوم". وهو قول قتادة. وقيل: المعنى: ذات الرمل والماء. واختار الطبري أن يكون المعنى: ذات منازل الشمس والقمر، على قول مجاهد أن البروج - وهي اثنا عشر برجاً - يسير القمر في كل برج (منها يومين وثلثاً، فذلك ثمان وعشرون منزلة، ثم يستقر ليلتين وثلثاً، وتسير الشمس في كل برج) [شهراً]. وجواب القسم محذوف. وقيل: الجواب ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ ٱلأُخْدُودِ﴾ على تقدير حذف اللام، أي: لقتل أصحاب الأخدود. وقيل: الجواب: ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾ وهو قول قتادة. وقيل: الجواب: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ فَتَنُواْ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾. * * ثم قال تعالى: ﴿وَٱلْيَوْمِ ٱلْمَوْعُودِ﴾ يعني يوم القيامة، وعد الله به عباده لفصل القضاء بينهم روي ذلك عن النبي ﷺ وقاله علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأبو هريرة وقتادة وغيرهم. ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ﴾ قال أبو هريرة: "الشاهد يوم الجمعة، والمشهود: يوم عرفة". وقاله الحسن، وروي (ذلك) عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه وابن عباس، وقاله قتادة وابن المسيب وابن زيد. وعن ابن عباس أيضاً: أن الشاهد محمد ﷺ لقوله: ﴿وَجِئْنَا بِكَ عَلَىٰ هَـٰؤُلاۤءِ شَهِيداً﴾ [النساء: ٤١] والمشهود": يوم القيامة، لقوله تعالى: ﴿وَذَٰلِكَ يَوْمٌ مَّشْهُودٌ﴾ [هود: ١٠٣] أي: يشهده الأولون والآخرون لفصل القضاء بينهم. وهو قول عكرمة، وقاله الحسن بن علي أيضاً. وقال مجاهد: "الشاهد الإنسان، والمشهود: يوم القيامة". فالإنسان لا بد أن يشهد يوم القيامة، ويوم القيامة مشهود لبني آدم، فتكون الشهادة على هذا القول [بمعنى] الحضور. وقد روي مثل ذلك عن الضحاك. وعن عكرمة أيضاً و (عن) ابن عباس أن الشاهد: الله جل ذكره، لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ ٱللَّهُ شَهِيدٌ عَلَىٰ مَا يَفْعَلُونَ﴾ [يونس: ٤٦] والمشهود يوم القيامة لقوله تعالى: ﴿وَذَٰلِكَ يَوْمٌ مَّشْهُودٌ﴾ [هود: ١٠٣]. وقال إبراهيم: الشاهد يوم الأضحى والمشهود يوم عرفة. وعن ابن عباس أيضاً. رواه عنه مجاهد "أن الشاهد: يوم عرفة، والمشهود: يوم القيامة". وروى أبو الدرداء أن النبي ﷺ (قال): "أكثروا علي [الصلاة] يوم الجمعة، فإنه مشهود تشهده الملائكة". وقيل: الشاهد: محمد، والمشهود: الذين يشهد عليهم محمد ﷺ. * * ثم قال تعالى: ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ ٱلأُخْدُودِ * ٱلنَّارِ ذَاتِ ٱلْوَقُودِ﴾ أي: لعن أهلك أصحاب الأخدود، أخبرنا الله جل ذكره أنه أهلكهم ولعنهم. ذكر علي بن أبي طالب رضي الله عنه: أنهم كانوا أهل كتاب، وكانت الخمر أُحِلَّتْ لهم، فشربها ملك من ملوكهم حتى [ثَمِلَ]، فتناول أخته، [زاد عبد بن حميد: أو ابنته، وذكر القصة، وفيها: فإذا ذهب هذا في الناس بأسره خطبتهم فحرمته عليهم]، فوقع عليها، فلما زال عنه السكر ندم، فقال: لأخته: ويحك، ما المخرج مما ابتليت به؟ فقالت: اخطب الناس فقل: يا أيها الناس، [إن الله] قد أحل نكاح الأخوات. ففعل، [فتبرأ] الناس منه ومن قوله، وقالوا: ما جاءنا به نبي ولا وجدناه في كتاب! فرجع إلى أخته نادماً فقال لها: ويحك! إن الناس قد أبوا علي أن يقروا بذلك، فقالت: [ابسط] عليهم السياط، ففعل، فأبوا أن [يقروا] له، فرجع إليها فقالت: (اخطبهم، فإن أبوا فجرد فيهم السيف، ففعل فأبوا)، فرجع إليها فقالت: خُدَّ لهم الأخدود، ثم اعرض عليها أهل مملكتك، فمن أقر وإلا فاقذفه في النار. ففعل، فمن لم يُقِرُّوا [له] بتحليل الأخوات قذفه في النار، فلم يزالوا من ذلك الوقت يستحلون الأخوات والبنات والأمهات. وبقايا [أصحاب] الأخدود الآن مجوس يعبدون النار. ولذلك، قال بعض العلماء فيهم [أن يسن فيهم] سنة أهل الكتاب. * * وقوله: ﴿ٱلنَّارِ﴾ خفض على البدل من الأخدود، وهو بدل الاشتمال. وقيل: هو خفض على الجوار، وذلك بعيد. وفيه تقديران إذا جعلته بدلاً. أحدهما: أن التقدير: النار ذات الوقود نارها. والآخر: النار التي فيها. والأخدود: حفير [مستطيل] كالخندق. يروى أنه كان بموضع يقال له [نجران]، أحرق فيه قوم مؤمنون، أحرقهم ملك من ملوك حمير مشرك، وكان ذلك قبل مولد النبي ﷺ بسبعين سنة. وروى قتادة أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: هم ناس كانوا بمدارع اليمن اقتتل مؤمنوها وكافروها، فظهر مؤمنوها على [كافريها]، ثم اقتتلوا الثانية فظهر كافروها على مؤمنيها، ثم أخذ بعضهم على بعض عهوداً ومواثيق ألا يغدر بعضهم (بعضا)، فغدر بهم الكفار فأخذوهم أَخْذاً، ثم إن رجلاً من المؤمنين قال لهم: هل لكم إلى خير؟ توقدون [ناراً]، (ثم) تعرضوننا عليها، فمن تابعكم على دينكم فذلك الذي تشتهون، ومن لا، اقتحم النار [فاسترحتم] منه. قال: [فأججوا] ناراً، وعرضوا عليها، فجعلوا يقتحمونها ضناً بدينهم حتى بقيت عجوز منهم كأنها تلكأت، فقال لها طفل في حجرها: يا أمه، امضي ولا تنافقي، فقص الله جل ذكره نبأهم وخبرهم. وقال ابن عباس: هم ناس من بني إسرائيل، خدُّواً أخدوداً في الأرض ثم أوقدوا فيه ناراً ثم أقاموا على ذلك الأخدود رجالاً ونساء ثم عرضوا عليها، وزعموا أنه دانيال وأصحابه وكذلك قال الضحاك، إلا أنه قال: فقالوا للرجال والنساء: تكفرون أو نقذفكم في النار (قال). [ويزعمون] أنه دانيال وأصحابه. وروى صهيب أن النبي ﷺ قال: إنه كان في من كان قبلكم ملكٌ، وكان له ساحرٌ، فأتى الساحر الملك فقال: قد كبرت سنّي ودنا أجلي، فادفع إلي غلاماً أعلمه السحر. فدفع إليه غلاماً يعلمه السحر، فكان الغلام يختلف إلى الساحر، وكان بين الساحر وبين الملك راهب. قال: فكان الغلام إذا مر بالراهب قعد إليه فيسمع كلامه، فأعجب بكلامه، فكان إذا أتى الساحر ضربه الساحر وقال: ما حبسك؟. وإذا أتى الغلام (إلى) أهله قعد عند الراهب يسمع كلامه، فإذا أتى أهله ضربوه وقالوا: ما حبسك؟ فشكا ذلك إلى الراهب، فقال له الراهب: إذا قال لك الساحر ما حبسك؟ فقل: حبسني أهلي، وإذا قال لك أهلك: ما حبسك؟ فقل: حبسني الساحر. فبينما هو كذلك، إذ مر في طريق، وإذا دابة عظيمة في الطريق وقد حبست الناس لا تدعهم يجوزون، فقال الغلام: الآن أعلم، أمر الساحر أرضى عند الله أم أمر الراهب؟ قال: فأخذ حجراً فقال: اللهم إن كان أمر الراهب أحب إليك من أمر الساحر فإني أرمي بهذا الحجر هذا ويمر الناس. قال: فرماها، فقتلها وجاز الناس فبلغ ذلك الراهب، وأتاه الغلام، فقال الراهب للغلام: إنك خير مني، وإن ابتليت فلا تدلن علي. [قال]: وكان الغلام يبرئ الأكمه والأبرص وسائر الأدواء. (قال: وكان للملك جليس فعمي، قال: فقيل له: إن هاهنا غلاما يبرئ الأكمه والأبرص وسائر الآذاء) فلو أتيته؟ قال: فاتخذ له هدايا، ثم أتاه فقال: يا غلام، إن أبرأتني فهذه الهدايا كلها لك. فقال: ما أنا أشفيك، ولكن الله يشفي، فإن آمنت دعوت الله أن يشفيك، قال: فآمن الأعمى، فدعا الغلام الله - جل ذكره - فشفاه، فقعد إلى الملك [كما كان يقعد]، فقال له الملك: أليس كنت أعمى؟! فقال نعم، قال: فمن شفاك؟ قال: ربي. قال: ولك رب غيري؟! قال: نعم، ربي وربك الله. قال: فأخذه بالعذاب. وقال: [لتدلنني] على من علمك هذا. قال: [فدل] على الغلام، قال: فدعا الغلام فقال: ارجع عن دينك. فأبى الغلام، قال: فأخذه بالعذاب، قال: فدل على الراهب، فأخذ الراهب بالعذاب، وقال له : ارجع عن دينك. فأبى، قال: فوضع المنشار على هامته فشقه حتى بلغ (إلى) الأرض، ثم قال للغلام: لترجعن أو لأقتلنك. فقال: اذهبوا به حتى تبلغوه ذروة الجبل، فإن رجع عن دينه وإلا [دهدهوه]. فلما بلغ ذروه الجبل قال الغلام: اللهم اكفنيهم. فرجف بهم الجبل فوقعوا فماتوا كلهم. وجاء الغلام يتلمس حتى دخل على الملك فقال: أين أصحابك؟! قال: كفانيهم الله جل ثناؤه. فقال: اذهبوا به فاحملوه في قرقورة فتوسطوا به البحر، فإن رجع عن دينه وإلا فغرقوه. قال فذهبوا، فلما توسطوا به البحر قال الغلام: اللهم فاكفنيهم. فانقلبت بهم السفينة فغرقوا، وجاء الغلام [يتلمس] حتى دخل على الملك، فقال الملك: أين أصحابك؟ قال: دعوت الله فكفانيهم. قال: لأقتلنك. قال: ما أنت بقاتلي حتى تصنع ما آمرك. قال: وما أصنع. قال: اجمع الناس في صعيد واحد ثم أصلُبْنِي، ثم خذ سهماً من كنانتي فارمني وقل: باسم رب الغلام، فإنك ستقتلني. قال: فجمع الملك الناس في صعيد واحد، قال: وصلب الغلام وأخذ سهماً من كنانته فوضعه في كبد القوس ثم رمى به، وقال: باسم رب الغلام. [قال]: فوقع السهم في صدغ الغلام، فوضع الغلام يده على صدغه ومات، فقال الناس: آمنا برب الغلام، فقيل للملك: ما صنعت؟! الذي كنت تحذر قد وقع، قد آمن الناس برب الغلام، فأمر الملك بأفواه الطرق والسكك فأخذت، وخد الأخدود وضرب فيه النيران وأخذهم وقال: [ارجعوا وإلا ألقيتكم] في النار. قال: فكانوا يلقونهم في النار. قال: فجاءت امرأة معها صبي لها. قال: فلما ذهبت تقتحم وجدت حر النار فنكصت. قال: فقال لها صبيها: يا أمه، امضِ، فإنك على الحق. فاقتحمت في النار وقال الربيع بن أنس: كان أصحاب الأخدود قوماً مؤمنين اعتزلوا الناس في الفترة، وإن جباراً من عبدة الأوثان أرسل إليهم يعرض عليهم الدخول في دينه أو يلقيهم في النار، فاختاروا إلقاءهم في النار على الرجوع عن دينهم، فألقوا في النار، فنجى الله المؤمنين الذين ألقوا في النار من الحريق بأن قبض (الله) أرواحهم قبل أن تمسهم النار. قال: وخرجت النار إلى من على شفير الأخدود من الكفار فأحرقتهم، فذلك قوله: ﴿وَلَهُمْ عَذَابُ ٱلْحَرِيقِ﴾ أي: لهم عذاب جهنم في الآخرة ولهم عذاب الحريق في الدنيا، وهي (النار) التي خرجت إليهم من الأخدود فأحرقتهم. * * وقوله: ﴿ذَاتِ ٱلْوَقُودِ﴾. أي: ذات الحطب الجزل، فإن [ضممت] الواو فمعناه ذات التوقد. والأخدود" الحفرة تحفر في الأرض. * * وقوله: ﴿إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ﴾. أي: [إذ الكفار] على النار قعود لحرق المؤمنين، يعني: على حافة الأخدود الذي فيه النار. وقال قتادة: ﴿إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ﴾. يعني بذلك المؤمنين. * * ثم قال: ﴿وَهُمْ عَلَىٰ مَا يَفْعَلُونَ بِٱلْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ﴾. يعني: الكفار. حضور يعرضون المؤمنين على الكفر فمن رجع إليه، وإلا القوه في النار. * * ثم قال تعالى: ﴿وَمَا نَقَمُواْ مِنْهُمْ إِلاَّ أَن يُؤْمِنُواْ بِٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَمِيدِ﴾. أي: وما فعل هؤلاء الكفار بالمؤمنين ما فعلوا من حرقهم إياهم بالنار إلا من أجل أنهم آمنوا بالله الشديد في انتقامه من أعدائه، المحمود عند عباده بإحسانه إليهم. * * ﴿ٱلَّذِي لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ﴾. أي: سلطان ذلك كله. * * ﴿وَٱللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾. أي: والله شهيد على ما فعل هؤلاء الكفار بالمؤمنين وعلى غير ذلك من أفعالهم وأفعال جميع الخلق، فمجازيهم على ما عملوا. * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ فَتَنُواْ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُواْ﴾. أي: حرقوهم بالنار وعذبوهم ثم لم يتوبوا من كفرهم وفعلهم، فلهم عذاب جهنم في الآخرة، ولهم عذاب الحريق في الدنيا. هذا قول الربيع بن أنس. قال محمد بن إسحاق: احترقوا في الدنيا. وكذلك قال أبو العالية. ﴿فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ ﴾ يعني: في الآخرة، واحترقوا في الدنيا بعذاب الحريق. ثم قال تعالى: * * ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ ذَلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْكَبِيرُ﴾. أي: إن الذين أقروا بتوحيد الله وعملوا الأعمال الصالحات وهم الذين حرقهم أصحاب الأخدود وغيرهم من سائر أهل التوحيد لهم بساتين في الآخرة تجري من تحت أشجارها الأنهار من الماء والخمر، واللبن والعسل. ﴿ذَلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْكَبِيرُ﴾ [أي]: ذلك الذي أعطي هؤلاء هو الظفر الكبير بما طلبوا بإيمانهم بالله في الدنيا وطاعتهم له. * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾. أي: إن أخذ ربك يا محمد من أخذ من أعدائه وانتقامه منهم لشديد. وهو تحذير من الله لعباده أن يحل بهم من نقمه على كفرهم وتعذيبهم مثل الذي حل بأصحاب الأخدود. * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّهُ هُوَ يُبْدِىءُ وَيُعِيدُ﴾. أي: هو ابتدأ الخلق أول مرة، وهو يعيدهم بعد مماتهم للبعث والجزاء. هذا معنى قول الضحاك وابن زيد. وقال ابن عباس: معناه: إنه هو يبدئ العذاب ثم يعيده. (وهو اختيار الطبري)، أي: يبدئ العذاب لأهل الكفر في الدنيا، (وهو عذاب الحريق - ثم يعيده) عليهم في الآخرة - وهو عذاب جهنم. * * ثم قال تعالى: ﴿وَهُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلْوَدُودُ﴾. أي: وهو الغفور لمن تاب من كفره وذنوبه. ﴿ٱلْوَدُودُ﴾ أي: ذو المحبة. وعن ابن عباس أنه قال: ﴿ٱلْوَدُودُ﴾: "الحبيب". وقال ابن زيد: ﴿ٱلْوَدُودُ﴾: "الرحيم". * * ثم قال تعالى: ﴿ذُو ٱلْعَرْشِ ٱلْمَجِيدُ﴾. وقال ابن عباس: ﴿ٱلْمَجِيدُ﴾: "الكريم". * * ثم قال تعالى: ﴿فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ﴾. أي: يفعل ما يشاء، فيوقف من شاء للتوبة فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء بأن [يحول] بينه وبين التوفيق فيموت على كفره. * * ثم قال تعالى: ﴿هَلُ أَتَاكَ حَدِيثُ ٱلْجُنُودِ * فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ﴾. أي: هل جاءك يا محمد حديث الجنود الذين تجندوا على الله ورسوله بأذاهم ومكروهِهم؟ أي: قد أتاك ذلك وعلمته. فاصبر لأذى قومك كما صبر من كان قبلك من الرسل الذين تجند قومهم عليهم. ثم بين الجنود من هم فقال: ﴿فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ﴾ أي: قوم فرعون وتباعه، وثمود. * * ثم قال تعالى: ﴿بَلِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فِي تَكْذِيبٍ﴾. أي: بل الذين كفروا من قومك في تكذيب بوعيد الله ووحيه ﴿وَٱللَّهُ مِن وَرَآئِهِمْ مُّحِيطٌ﴾ أي: محيط بأعمالهم محصيها عليهم حتى يجازيهم عليها. * * ثم قال تعالى: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَّجِيدٌ * فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ﴾. أي: بل ما يقول هؤلاء إنه شعر وسحر [وكهانة]، قرآن مجيد محفوظ من أن يغير، في لوح. قال ابن جبير: مجيد "كريم" وقاله قتادة. قال مجاهد: ﴿فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ﴾ قال: "في أم الكتاب". ومن رفع ﴿مَّحْفُوظٍ﴾، جعله نعتاً للقرآن، بمعنى أنه محفوظ أن يغيره أحد بزيادة أو نقص. ودل على ذلك قوله: ﴿وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩]. ومن خفض، جعله نعتا للوح، أي: القرآن في لوح عند الله محفوظ، وهو اللوح المحفوظ. كما قال مجاهد: هو أم الكتاب. وقال قتادة: ﴿فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ﴾ "عند الله". وقال أنس بن مالك: "إن اللوح المحفوظ الذي ذكر الله في جبهة إسرافيل". وقرأ محمد اليماني: بل هو قرآن مجيد، بالإضافة على معنى: بل هو قرآن رب مجيد. قال ابن عباس: خلق الله اللوح المحفوظ من درة بيضاء، دفتاه [ياقوتة] حمراء، قلمه نور، وكتابه نور، ينظر إليه كل يوم ثلاثمائة وستين نظرة، يُحيي في كل نظرة، ويميت ويعز ويذل، ويفعل ما يشاء، لا إله إلا هو.

البروج 85:22

قوله تعالى: ﴿وَٱلسَّمَآءِ ذَاتِ ٱلْبُرُوجِ﴾ إلى آخرها. أي: ورب السماء ذات القصور. قاله ابن عباس. قال الضحاك: البروج "[يزعمون] أنها قصور في السماء، ويقال: هي الكواكب". قال مجاهد: "البروج: النجوم". وهو قول قتادة. وقيل: المعنى: ذات الرمل والماء. واختار الطبري أن يكون المعنى: ذات منازل الشمس والقمر، على قول مجاهد أن البروج - وهي اثنا عشر برجاً - يسير القمر في كل برج (منها يومين وثلثاً، فذلك ثمان وعشرون منزلة، ثم يستقر ليلتين وثلثاً، وتسير الشمس في كل برج) [شهراً]. وجواب القسم محذوف. وقيل: الجواب ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ ٱلأُخْدُودِ﴾ على تقدير حذف اللام، أي: لقتل أصحاب الأخدود. وقيل: الجواب: ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾ وهو قول قتادة. وقيل: الجواب: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ فَتَنُواْ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾. * * ثم قال تعالى: ﴿وَٱلْيَوْمِ ٱلْمَوْعُودِ﴾ يعني يوم القيامة، وعد الله به عباده لفصل القضاء بينهم روي ذلك عن النبي ﷺ وقاله علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأبو هريرة وقتادة وغيرهم. ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ﴾ قال أبو هريرة: "الشاهد يوم الجمعة، والمشهود: يوم عرفة". وقاله الحسن، وروي (ذلك) عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه وابن عباس، وقاله قتادة وابن المسيب وابن زيد. وعن ابن عباس أيضاً: أن الشاهد محمد ﷺ لقوله: ﴿وَجِئْنَا بِكَ عَلَىٰ هَـٰؤُلاۤءِ شَهِيداً﴾ [النساء: ٤١] والمشهود": يوم القيامة، لقوله تعالى: ﴿وَذَٰلِكَ يَوْمٌ مَّشْهُودٌ﴾ [هود: ١٠٣] أي: يشهده الأولون والآخرون لفصل القضاء بينهم. وهو قول عكرمة، وقاله الحسن بن علي أيضاً. وقال مجاهد: "الشاهد الإنسان، والمشهود: يوم القيامة". فالإنسان لا بد أن يشهد يوم القيامة، ويوم القيامة مشهود لبني آدم، فتكون الشهادة على هذا القول [بمعنى] الحضور. وقد روي مثل ذلك عن الضحاك. وعن عكرمة أيضاً و (عن) ابن عباس أن الشاهد: الله جل ذكره، لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ ٱللَّهُ شَهِيدٌ عَلَىٰ مَا يَفْعَلُونَ﴾ [يونس: ٤٦] والمشهود يوم القيامة لقوله تعالى: ﴿وَذَٰلِكَ يَوْمٌ مَّشْهُودٌ﴾ [هود: ١٠٣]. وقال إبراهيم: الشاهد يوم الأضحى والمشهود يوم عرفة. وعن ابن عباس أيضاً. رواه عنه مجاهد "أن الشاهد: يوم عرفة، والمشهود: يوم القيامة". وروى أبو الدرداء أن النبي ﷺ (قال): "أكثروا علي [الصلاة] يوم الجمعة، فإنه مشهود تشهده الملائكة". وقيل: الشاهد: محمد، والمشهود: الذين يشهد عليهم محمد ﷺ. * * ثم قال تعالى: ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ ٱلأُخْدُودِ * ٱلنَّارِ ذَاتِ ٱلْوَقُودِ﴾ أي: لعن أهلك أصحاب الأخدود، أخبرنا الله جل ذكره أنه أهلكهم ولعنهم. ذكر علي بن أبي طالب رضي الله عنه: أنهم كانوا أهل كتاب، وكانت الخمر أُحِلَّتْ لهم، فشربها ملك من ملوكهم حتى [ثَمِلَ]، فتناول أخته، [زاد عبد بن حميد: أو ابنته، وذكر القصة، وفيها: فإذا ذهب هذا في الناس بأسره خطبتهم فحرمته عليهم]، فوقع عليها، فلما زال عنه السكر ندم، فقال: لأخته: ويحك، ما المخرج مما ابتليت به؟ فقالت: اخطب الناس فقل: يا أيها الناس، [إن الله] قد أحل نكاح الأخوات. ففعل، [فتبرأ] الناس منه ومن قوله، وقالوا: ما جاءنا به نبي ولا وجدناه في كتاب! فرجع إلى أخته نادماً فقال لها: ويحك! إن الناس قد أبوا علي أن يقروا بذلك، فقالت: [ابسط] عليهم السياط، ففعل، فأبوا أن [يقروا] له، فرجع إليها فقالت: (اخطبهم، فإن أبوا فجرد فيهم السيف، ففعل فأبوا)، فرجع إليها فقالت: خُدَّ لهم الأخدود، ثم اعرض عليها أهل مملكتك، فمن أقر وإلا فاقذفه في النار. ففعل، فمن لم يُقِرُّوا [له] بتحليل الأخوات قذفه في النار، فلم يزالوا من ذلك الوقت يستحلون الأخوات والبنات والأمهات. وبقايا [أصحاب] الأخدود الآن مجوس يعبدون النار. ولذلك، قال بعض العلماء فيهم [أن يسن فيهم] سنة أهل الكتاب. * * وقوله: ﴿ٱلنَّارِ﴾ خفض على البدل من الأخدود، وهو بدل الاشتمال. وقيل: هو خفض على الجوار، وذلك بعيد. وفيه تقديران إذا جعلته بدلاً. أحدهما: أن التقدير: النار ذات الوقود نارها. والآخر: النار التي فيها. والأخدود: حفير [مستطيل] كالخندق. يروى أنه كان بموضع يقال له [نجران]، أحرق فيه قوم مؤمنون، أحرقهم ملك من ملوك حمير مشرك، وكان ذلك قبل مولد النبي ﷺ بسبعين سنة. وروى قتادة أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: هم ناس كانوا بمدارع اليمن اقتتل مؤمنوها وكافروها، فظهر مؤمنوها على [كافريها]، ثم اقتتلوا الثانية فظهر كافروها على مؤمنيها، ثم أخذ بعضهم على بعض عهوداً ومواثيق ألا يغدر بعضهم (بعضا)، فغدر بهم الكفار فأخذوهم أَخْذاً، ثم إن رجلاً من المؤمنين قال لهم: هل لكم إلى خير؟ توقدون [ناراً]، (ثم) تعرضوننا عليها، فمن تابعكم على دينكم فذلك الذي تشتهون، ومن لا، اقتحم النار [فاسترحتم] منه. قال: [فأججوا] ناراً، وعرضوا عليها، فجعلوا يقتحمونها ضناً بدينهم حتى بقيت عجوز منهم كأنها تلكأت، فقال لها طفل في حجرها: يا أمه، امضي ولا تنافقي، فقص الله جل ذكره نبأهم وخبرهم. وقال ابن عباس: هم ناس من بني إسرائيل، خدُّواً أخدوداً في الأرض ثم أوقدوا فيه ناراً ثم أقاموا على ذلك الأخدود رجالاً ونساء ثم عرضوا عليها، وزعموا أنه دانيال وأصحابه وكذلك قال الضحاك، إلا أنه قال: فقالوا للرجال والنساء: تكفرون أو نقذفكم في النار (قال). [ويزعمون] أنه دانيال وأصحابه. وروى صهيب أن النبي ﷺ قال: إنه كان في من كان قبلكم ملكٌ، وكان له ساحرٌ، فأتى الساحر الملك فقال: قد كبرت سنّي ودنا أجلي، فادفع إلي غلاماً أعلمه السحر. فدفع إليه غلاماً يعلمه السحر، فكان الغلام يختلف إلى الساحر، وكان بين الساحر وبين الملك راهب. قال: فكان الغلام إذا مر بالراهب قعد إليه فيسمع كلامه، فأعجب بكلامه، فكان إذا أتى الساحر ضربه الساحر وقال: ما حبسك؟. وإذا أتى الغلام (إلى) أهله قعد عند الراهب يسمع كلامه، فإذا أتى أهله ضربوه وقالوا: ما حبسك؟ فشكا ذلك إلى الراهب، فقال له الراهب: إذا قال لك الساحر ما حبسك؟ فقل: حبسني أهلي، وإذا قال لك أهلك: ما حبسك؟ فقل: حبسني الساحر. فبينما هو كذلك، إذ مر في طريق، وإذا دابة عظيمة في الطريق وقد حبست الناس لا تدعهم يجوزون، فقال الغلام: الآن أعلم، أمر الساحر أرضى عند الله أم أمر الراهب؟ قال: فأخذ حجراً فقال: اللهم إن كان أمر الراهب أحب إليك من أمر الساحر فإني أرمي بهذا الحجر هذا ويمر الناس. قال: فرماها، فقتلها وجاز الناس فبلغ ذلك الراهب، وأتاه الغلام، فقال الراهب للغلام: إنك خير مني، وإن ابتليت فلا تدلن علي. [قال]: وكان الغلام يبرئ الأكمه والأبرص وسائر الأدواء. (قال: وكان للملك جليس فعمي، قال: فقيل له: إن هاهنا غلاما يبرئ الأكمه والأبرص وسائر الآذاء) فلو أتيته؟ قال: فاتخذ له هدايا، ثم أتاه فقال: يا غلام، إن أبرأتني فهذه الهدايا كلها لك. فقال: ما أنا أشفيك، ولكن الله يشفي، فإن آمنت دعوت الله أن يشفيك، قال: فآمن الأعمى، فدعا الغلام الله - جل ذكره - فشفاه، فقعد إلى الملك [كما كان يقعد]، فقال له الملك: أليس كنت أعمى؟! فقال نعم، قال: فمن شفاك؟ قال: ربي. قال: ولك رب غيري؟! قال: نعم، ربي وربك الله. قال: فأخذه بالعذاب. وقال: [لتدلنني] على من علمك هذا. قال: [فدل] على الغلام، قال: فدعا الغلام فقال: ارجع عن دينك. فأبى الغلام، قال: فأخذه بالعذاب، قال: فدل على الراهب، فأخذ الراهب بالعذاب، وقال له : ارجع عن دينك. فأبى، قال: فوضع المنشار على هامته فشقه حتى بلغ (إلى) الأرض، ثم قال للغلام: لترجعن أو لأقتلنك. فقال: اذهبوا به حتى تبلغوه ذروة الجبل، فإن رجع عن دينه وإلا [دهدهوه]. فلما بلغ ذروه الجبل قال الغلام: اللهم اكفنيهم. فرجف بهم الجبل فوقعوا فماتوا كلهم. وجاء الغلام يتلمس حتى دخل على الملك فقال: أين أصحابك؟! قال: كفانيهم الله جل ثناؤه. فقال: اذهبوا به فاحملوه في قرقورة فتوسطوا به البحر، فإن رجع عن دينه وإلا فغرقوه. قال فذهبوا، فلما توسطوا به البحر قال الغلام: اللهم فاكفنيهم. فانقلبت بهم السفينة فغرقوا، وجاء الغلام [يتلمس] حتى دخل على الملك، فقال الملك: أين أصحابك؟ قال: دعوت الله فكفانيهم. قال: لأقتلنك. قال: ما أنت بقاتلي حتى تصنع ما آمرك. قال: وما أصنع. قال: اجمع الناس في صعيد واحد ثم أصلُبْنِي، ثم خذ سهماً من كنانتي فارمني وقل: باسم رب الغلام، فإنك ستقتلني. قال: فجمع الملك الناس في صعيد واحد، قال: وصلب الغلام وأخذ سهماً من كنانته فوضعه في كبد القوس ثم رمى به، وقال: باسم رب الغلام. [قال]: فوقع السهم في صدغ الغلام، فوضع الغلام يده على صدغه ومات، فقال الناس: آمنا برب الغلام، فقيل للملك: ما صنعت؟! الذي كنت تحذر قد وقع، قد آمن الناس برب الغلام، فأمر الملك بأفواه الطرق والسكك فأخذت، وخد الأخدود وضرب فيه النيران وأخذهم وقال: [ارجعوا وإلا ألقيتكم] في النار. قال: فكانوا يلقونهم في النار. قال: فجاءت امرأة معها صبي لها. قال: فلما ذهبت تقتحم وجدت حر النار فنكصت. قال: فقال لها صبيها: يا أمه، امضِ، فإنك على الحق. فاقتحمت في النار وقال الربيع بن أنس: كان أصحاب الأخدود قوماً مؤمنين اعتزلوا الناس في الفترة، وإن جباراً من عبدة الأوثان أرسل إليهم يعرض عليهم الدخول في دينه أو يلقيهم في النار، فاختاروا إلقاءهم في النار على الرجوع عن دينهم، فألقوا في النار، فنجى الله المؤمنين الذين ألقوا في النار من الحريق بأن قبض (الله) أرواحهم قبل أن تمسهم النار. قال: وخرجت النار إلى من على شفير الأخدود من الكفار فأحرقتهم، فذلك قوله: ﴿وَلَهُمْ عَذَابُ ٱلْحَرِيقِ﴾ أي: لهم عذاب جهنم في الآخرة ولهم عذاب الحريق في الدنيا، وهي (النار) التي خرجت إليهم من الأخدود فأحرقتهم. * * وقوله: ﴿ذَاتِ ٱلْوَقُودِ﴾. أي: ذات الحطب الجزل، فإن [ضممت] الواو فمعناه ذات التوقد. والأخدود" الحفرة تحفر في الأرض. * * وقوله: ﴿إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ﴾. أي: [إذ الكفار] على النار قعود لحرق المؤمنين، يعني: على حافة الأخدود الذي فيه النار. وقال قتادة: ﴿إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ﴾. يعني بذلك المؤمنين. * * ثم قال: ﴿وَهُمْ عَلَىٰ مَا يَفْعَلُونَ بِٱلْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ﴾. يعني: الكفار. حضور يعرضون المؤمنين على الكفر فمن رجع إليه، وإلا القوه في النار. * * ثم قال تعالى: ﴿وَمَا نَقَمُواْ مِنْهُمْ إِلاَّ أَن يُؤْمِنُواْ بِٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَمِيدِ﴾. أي: وما فعل هؤلاء الكفار بالمؤمنين ما فعلوا من حرقهم إياهم بالنار إلا من أجل أنهم آمنوا بالله الشديد في انتقامه من أعدائه، المحمود عند عباده بإحسانه إليهم. * * ﴿ٱلَّذِي لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ﴾. أي: سلطان ذلك كله. * * ﴿وَٱللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾. أي: والله شهيد على ما فعل هؤلاء الكفار بالمؤمنين وعلى غير ذلك من أفعالهم وأفعال جميع الخلق، فمجازيهم على ما عملوا. * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ فَتَنُواْ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُواْ﴾. أي: حرقوهم بالنار وعذبوهم ثم لم يتوبوا من كفرهم وفعلهم، فلهم عذاب جهنم في الآخرة، ولهم عذاب الحريق في الدنيا. هذا قول الربيع بن أنس. قال محمد بن إسحاق: احترقوا في الدنيا. وكذلك قال أبو العالية. ﴿فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ ﴾ يعني: في الآخرة، واحترقوا في الدنيا بعذاب الحريق. ثم قال تعالى: * * ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ ذَلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْكَبِيرُ﴾. أي: إن الذين أقروا بتوحيد الله وعملوا الأعمال الصالحات وهم الذين حرقهم أصحاب الأخدود وغيرهم من سائر أهل التوحيد لهم بساتين في الآخرة تجري من تحت أشجارها الأنهار من الماء والخمر، واللبن والعسل. ﴿ذَلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْكَبِيرُ﴾ [أي]: ذلك الذي أعطي هؤلاء هو الظفر الكبير بما طلبوا بإيمانهم بالله في الدنيا وطاعتهم له. * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾. أي: إن أخذ ربك يا محمد من أخذ من أعدائه وانتقامه منهم لشديد. وهو تحذير من الله لعباده أن يحل بهم من نقمه على كفرهم وتعذيبهم مثل الذي حل بأصحاب الأخدود. * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّهُ هُوَ يُبْدِىءُ وَيُعِيدُ﴾. أي: هو ابتدأ الخلق أول مرة، وهو يعيدهم بعد مماتهم للبعث والجزاء. هذا معنى قول الضحاك وابن زيد. وقال ابن عباس: معناه: إنه هو يبدئ العذاب ثم يعيده. (وهو اختيار الطبري)، أي: يبدئ العذاب لأهل الكفر في الدنيا، (وهو عذاب الحريق - ثم يعيده) عليهم في الآخرة - وهو عذاب جهنم. * * ثم قال تعالى: ﴿وَهُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلْوَدُودُ﴾. أي: وهو الغفور لمن تاب من كفره وذنوبه. ﴿ٱلْوَدُودُ﴾ أي: ذو المحبة. وعن ابن عباس أنه قال: ﴿ٱلْوَدُودُ﴾: "الحبيب". وقال ابن زيد: ﴿ٱلْوَدُودُ﴾: "الرحيم". * * ثم قال تعالى: ﴿ذُو ٱلْعَرْشِ ٱلْمَجِيدُ﴾. وقال ابن عباس: ﴿ٱلْمَجِيدُ﴾: "الكريم". * * ثم قال تعالى: ﴿فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ﴾. أي: يفعل ما يشاء، فيوقف من شاء للتوبة فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء بأن [يحول] بينه وبين التوفيق فيموت على كفره. * * ثم قال تعالى: ﴿هَلُ أَتَاكَ حَدِيثُ ٱلْجُنُودِ * فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ﴾. أي: هل جاءك يا محمد حديث الجنود الذين تجندوا على الله ورسوله بأذاهم ومكروهِهم؟ أي: قد أتاك ذلك وعلمته. فاصبر لأذى قومك كما صبر من كان قبلك من الرسل الذين تجند قومهم عليهم. ثم بين الجنود من هم فقال: ﴿فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ﴾ أي: قوم فرعون وتباعه، وثمود. * * ثم قال تعالى: ﴿بَلِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فِي تَكْذِيبٍ﴾. أي: بل الذين كفروا من قومك في تكذيب بوعيد الله ووحيه ﴿وَٱللَّهُ مِن وَرَآئِهِمْ مُّحِيطٌ﴾ أي: محيط بأعمالهم محصيها عليهم حتى يجازيهم عليها. * * ثم قال تعالى: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَّجِيدٌ * فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ﴾. أي: بل ما يقول هؤلاء إنه شعر وسحر [وكهانة]، قرآن مجيد محفوظ من أن يغير، في لوح. قال ابن جبير: مجيد "كريم" وقاله قتادة. قال مجاهد: ﴿فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ﴾ قال: "في أم الكتاب". ومن رفع ﴿مَّحْفُوظٍ﴾، جعله نعتاً للقرآن، بمعنى أنه محفوظ أن يغيره أحد بزيادة أو نقص. ودل على ذلك قوله: ﴿وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩]. ومن خفض، جعله نعتا للوح، أي: القرآن في لوح عند الله محفوظ، وهو اللوح المحفوظ. كما قال مجاهد: هو أم الكتاب. وقال قتادة: ﴿فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ﴾ "عند الله". وقال أنس بن مالك: "إن اللوح المحفوظ الذي ذكر الله في جبهة إسرافيل". وقرأ محمد اليماني: بل هو قرآن مجيد، بالإضافة على معنى: بل هو قرآن رب مجيد. قال ابن عباس: خلق الله اللوح المحفوظ من درة بيضاء، دفتاه [ياقوتة] حمراء، قلمه نور، وكتابه نور، ينظر إليه كل يوم ثلاثمائة وستين نظرة، يُحيي في كل نظرة، ويميت ويعز ويذل، ويفعل ما يشاء، لا إله إلا هو.