Tafsir Makhi — الغاشية 88:1 – الفجر 89:21
المحتويات
- الغاشية 88:1
- الغاشية 88:2
- الغاشية 88:3
- الغاشية 88:4
- الغاشية 88:5
- الغاشية 88:6
- الغاشية 88:7
- الغاشية 88:8
- الغاشية 88:9
- الغاشية 88:10
- الغاشية 88:11
- الغاشية 88:12
- الغاشية 88:13
- الغاشية 88:14
- الغاشية 88:15
- الغاشية 88:16
- الغاشية 88:17
- الغاشية 88:18
- الغاشية 88:19
- الغاشية 88:20
- الغاشية 88:21
- الغاشية 88:22
- الغاشية 88:23
- الغاشية 88:24
- الغاشية 88:25
- الغاشية 88:26
- الفجر 89:1
- الفجر 89:2
- الفجر 89:3
- الفجر 89:4
- الفجر 89:5
- الفجر 89:6
- الفجر 89:7
- الفجر 89:8
- الفجر 89:9
- الفجر 89:10
- الفجر 89:11
- الفجر 89:12
- الفجر 89:13
- الفجر 89:14
- الفجر 89:15
- الفجر 89:16
- الفجر 89:17
- الفجر 89:18
- الفجر 89:19
- الفجر 89:20
- الفجر 89:21
الغاشية 88:1
قوله تعالى: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ٱلْغَاشِيَةِ﴾ إلى آخرها.
أي: قد أتاك - يا محمد - حديث الغاشية، وهي القيامة تغشى الناس بقيامها وأهوالها.
وقال ابن جبير: الغاشية جهنم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ﴾.
أي: ذليلة، وهي وجوه الكفار. قال قتادة: "خاشعة في النار".
* *
ثم قال: ﴿عَامِلَةٌ نَّاصِبَةٌ﴾.
أي: هي عاملة ناصبة بمعنى: تعمل وتنصب في الدنيا، وهي تصلى ناراً حامية في الآخرة.
وهذا القول يُروى عن عمر رضي الله عنه. ولا يتم الكلام [على] [ناصبة] أو (على) ﴿خَاشِعَةٌ﴾ ويجوز أن يكون في الكلام تقديم وتأخير على هذا القول، والتقدير: وجوه عاملة ناصبة في الدنيا يومئذ خاشعة.
وقيل: الآية نزلت في عبدة الأوثان والرهبان من أهل الكتاب، أنصبوا أنفسهم وأتعبوها بالعمل ولم يتقبل منهم، لأنهم على غير إسلام.
وقال عكرمة: (معناه): عاملة في الدنيا بمعاصي الله، ناصبة في الآخرة في النار. فيتم الكلام على هذا القول على "عاملة".
وقال الحسن وقتادة: إن الوجوه في القيامة خاشعة عاملة ناصبة، وإنها (لما) لم تعمل في الدنيا لله أعملها الله في النار وأنصبها. فلا يتم الكلام من أوله على ﴿نَّاصِبَةٌ﴾ على هذا القول.
قال ابن عباس: "تعمل وتنصب في النار".
وقال قتادة: "تكبرت في الدنيا عن طاعة الله، فأعملها وأنصبها في النار".
وقال ابن زيد: "لا أحد أنصب ولا أشد من أهل النار".
وكان عمر رضي الله عنه يتأولها في الدنيا في البرهان وشبههم. يعملون في الدنيا، ويجتهدون، وهم في النار. ويكون الكلام يتم على ﴿خَاشِعَةٌ﴾ لأنه آخر صفتهم في يوم القيامة، ثم ابتدأ بصفتهم في الدنيا.
وقيل: التقدير: وجوه عاملة ناصبة في الدنيا ﴿يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ﴾ يعني: في الآخرة.
وفي الحديث أن النبي ﷺ وسلم ذكر القدرية فبكى، وقال: إن فيهم المجتهد.
* *
وقوله: ﴿تَصْلَىٰ نَاراً حَامِيَةً﴾ أي: ترد ناراً قد حميت واشتد حرها. والإخبار في جميع ذلك عن الوجوه، والمراد به أصحابها، لأن المعنى مفهوم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿تَصْلَىٰ نَاراً حَامِيَةً﴾.
أي: [يسقى] يومئذ أصحاب هذه الوجوه (من عين قد) انتهى حرها فبلغ الغاية في شدة الحر.
وقال مجاهد: من عين قد (أنى نضجها) منذ خلق الله عز وجل الدنيا. وقال ابن زيد: ﴿مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ﴾ أي: حاضرة.
وقال تعالى: ﴿لَّيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلاَّ مِن ضَرِيعٍ﴾.
أي: (ليس) لأصحاب هذه (الوجوه) الخاشعة - وهم الكفار - طعام يطعمونه في النار إلا طعام من ضريع.
قال ابن عباس: "الضريع: شجر من نار".
وقال ابن زيد: الضريع: الشوك من النار، والضريع عند العرب شوك يابس [ولا ورق فيه].
وقال عكرمة: الضريع: الحجارة.
وقال الحسن: الضريع: الزقوم وعنه أيضاً: الضريع: الذي يضرع ويذل من أكله لمرارته وخشونته.
وقال عطاء: الضريع: الشبرق. وروي ذلك أيضاً عن ابن عباس ومجاهد وقتادة، وعلى هذا القول كثير من أهل اللغة، والشبرق: [شجر] كثير الشوك تعافه الإبل، وأهل الحجاز يسمونه الضريع إذا يبس، ويسميه غيرهم الشبرق.
وقيل: الضريع واد من جهنم. وقد أخبر الله في هذه الآية بأن لا طعام لهم إلا طعام من ضريع، فأثبت لهم طعاماً، وقال في موضع آخر ﴿فَلَيْسَ لَهُ ٱلْيَوْمَ هَا هُنَا حَمِيمٌ * وَلاَ طَعَامٌ إِلاَّ مِنْ غِسْلِينٍ﴾ [الحاقة: ٣٥-٣٦].
فظاهره أنه قد أوجب لهم طعاما من غسلين فهذا خلاف ذلك في الظاهر. والمعنى في ذلك أن التقدير: فليس له اليوم هاهنا شراب حميم إلا من غسلين ولا طعام ينتفع به.
(وقيل): الغسلين من الضريع.
وقيل: الغسلين لقوم والضريع لآخرين.
ثم وصف الله أهل الجنة ونعيمهم بعد وصفه لأهل النار وعذابهم.
فقال تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاعِمَةٌ﴾.
أي: (غضرة) نضرة ينعمها الله، وهم أهل الإيمان بالله والعمل بطاعته.
* *
ثم قال تعالى: ﴿لِّسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ﴾.
أي: لعملها الذي عملته في الدنيا من طاعة ربها راضية. وقيل المعنى: [لثواب] عملها راضية في الآخرة.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ﴾.
أي: رفيعة القدر عالية المكان.
﴿لاَّ تَسْمَعُ فِيهَا لاَغِيَةً﴾ أي: لا يسمع أحد في الجنة كلمة لغو، واللغو: الباطل.
وقيل للكلمة التي هي لغة: لاغية، كما قيل لصاحب [الدرع: دارع]، ولصاحب الفرس فارس، "ولابن" "وثامر" لصاحب اللبن والثمر.
وقال الفراء: ﴿لاَغِيَةً﴾، أي: [حالفاً] يحلف بكذب.
قال ابن عباس: معناه: لا تسمع فيها أذى ولا باطلاً.
وقال مجاهد: "شتماً". وقال قتادة: باطلاً ولا مأثماً.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ﴾ أي: تجري من غير أخدود، والعين تذكر وتؤنث [والتأنيث] أكثر، وقد قال الشاعر: ؎ والعين بالإثمد [الحاري] مكحول.
فقال بعض النحويين: هذا على تذكير العين.
وقال المبرد: ذكره كما يذكر كل مؤنث غير حقيقي التأنيث لا علامة للتأنيث فيه، كما يقال: هذا دار وهذه دار.
وقال الأصمعي: مكحول للحاجب هو، لأنه قد تقدم ذكره، ولا يعرف الأصمعي في العين إلا التأنيث.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فِيهَا سُرُرٌ مَّرْفُوعَةٌ﴾.
أي: عالية ليرى المؤمن إذا جلس عليها جميع ما خوله ربه من الملك والنعيم، ويلحقه بصره. والسرر جمع سرير.
وقيل: مرفوعة: موضونة. قاله ابن عباس، كقوله: ﴿سُرُرٍ مَّصْفُوفَةٍ﴾ [الطور: ٢٠] أي: بعضها فوق بعض.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَأَكْوَابٌ مَّوْضُوعَةٌ﴾.
أي: موضوعة على حافة العين الجارية كلما أراد الشرب وجدها ملأى من الشراب. والأكواب جمع: كوب، وهي الأباريق التي لا آذان لها، وقد تقدم ذكرها بالاختلاف فيها.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ﴾.
النمارق جمع: نمرقة، وهي الوسادة والمرفقة. وحكي فيها ضم النون والراء وكسرهما، والضم (أكثر). ومعنى مصفوفة أي: بعضها إلى بعض.
وقد قال ابن عباس "النمارق: المجالس"، وعنه: "المرافق".
وقال قتادة: هي "الوسائد".
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ﴾.
قال أبو عبيدة: الزرابي البسط.
وقيل الزرابي: الطنافس التي لها خمل، و ﴿مَبْثُوثَةٌ﴾ كثيرة.
وقال قتادة: [زرابي] "مبثوثة" أي "مبسوطة".
قال ابن عمر: (رأيت عمر) رضي الله عنه يصلى على عبقري، وهي الزرابي.
* *
ثم قال تعالى: ﴿أَفَلاَ يَنظُرُونَ إِلَى ٱلإِبْلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾.
هذا كله توبيخ لمنكري القدرة، أي: أفلا ينظر من ينكر قدرة الله على كل ما يشاء مما وصف مما أعده الله للكافرين وللمؤمنين في هذه الآيات - إلى الإبل كيف خلقها الله وسخرها لهم (وذللها)، وإلى (السماء) كيف رفعها الله فوقهم لا خلل فيها ولا شقوق ولا اختلاف، رفعها بغير عمد ترونها، وإلى الجبال كيف نصبها الله على الأرض لئلا تميد بأهلها، [وأقامها] منتصبة لا تسقط على الأرض. وإلى الأرض كيف سطحها الله، أي بسطها فجعلها مستوية وطيئة ليتصرف عليها الخلق ولا يمتنعون من أسفارهم.
وقال قتادة: لما [نعت] الله ما في الجنة، عجب من ذلك أهل الضلالة، فأنزل الله جل ذكره: ﴿أَفَلاَ يَنظُرُونَ إِلَى ٱلإِبْلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ إلى ﴿سُطِحَتْ﴾.
قال: وكانت الإبل من عيش العرب. [فخوطبوا] ونبهوا على قدرته على أعظم ما في نفوسهم، فلذلك بدأ بالإبل، فكأنه قيل لهم: من قدر على إحداث هذه الأشياء وغيرها لكم وإحكام أمرها [كيف] لا يقدر على ما وصف من (أمر) الجنة والنار.
وقال ابن عباس: الإبل (ها) هنا هي الإبل بعينها، وليس شيء يحمل عليه وهو بارك إلا الإبل، وفي ذلك آية.
وقال المبرد: وقيل: الإبل: القطع العظام من السحاب.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَآ أَنتَ مُذَكِّرٌ﴾.
أي: ذكر - يا محمد - عبادي بآياتي، فإنما أرسلت مذكرا لهم.
* *
﴿لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ﴾.
أي: بمسلط ولا بجبار تجبرهم على الإيمان. ومصيطراً: أصله السين، وهو مأخوذ من السطر.
وقيل: الآية منسوخة بقوله: ﴿فَٱقْتُلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] وهو قول ابن زيد.
وقيل: هي محكمة، لأنهم إذا أسلموا تركوا على جملتهم، ولم يسلط عليهم.
قال جابر: قال رسول الله ﷺ: أُمِرتَ أَن أقاتِلَ الناسَ حَتّى يَقولوا لا إِلَهَ إلاّ الله، فَإذا قالوا لا إِلَهَ إِلاّ الله عَصَمُوا مِنّي دِماءَهُم وَأَموالَهُم إِلاّ بِحقّها وَحِسابُهُم عَلى الله. ثم تلا ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَآ أَنتَ مُذَكِّرٌ * لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ﴾
قال ابن عباس: ﴿بِمُصَيْطِرٍ﴾ بجبار.
* *
ثم قال تعالى: ﴿إِلاَّ مَن تَوَلَّىٰ وَكَفَرَ * فَيُعَذِّبُهُ ٱللَّهُ ٱلْعَذَابَ ٱلأَكْبَرَ﴾.
أي: فذكر يا محمد قومك إلا من تولى عنك فأعرض عن الإيمان وكفر فيكون هذا استثناء من الذين كان التذكير فيهم، فيكون في موضع نصب.
وقيل: الاستثناء منقطع مما قبله. والمعنى: لست عليهم ﴿بِمُصَيْطِرٍ﴾ إلا من تولى وكفر بعد ذلك، فإنك ستسلط [عليه] إن أسلم أو السيف.
والاستثناء المنقطع [تعتبره] أبداً بأن [تحسن] "إن" معه، فإذا حسنت جاز أن يكون منقطعاً، وإذا لم تحسن كان متصلا صحيحا. يقول القاتل: "سار القوم إلا زيدا"، فلا يحسن دخول "إن" هنا، (لأنه) استثناء صحيح.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَيُعَذِّبُهُ ٱللَّهُ ٱلْعَذَابَ ٱلأَكْبَرَ﴾.
وهو عذاب جهنم في الآخرة.
* *
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ إِلَيْنَآ إِيَابَهُمْ﴾ أي: رجوعهم في الآخرة.
﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ﴾ أي: (علينا) حساب أعمالهم [فنجازيهم] (بها) فالله (هو) المحاسب المعاقب لهم وأنت - يا محمد - مذكر مبلغ عن ربك إليهم.
الغاشية 88:2
قوله تعالى: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ٱلْغَاشِيَةِ﴾ إلى آخرها.
أي: قد أتاك - يا محمد - حديث الغاشية، وهي القيامة تغشى الناس بقيامها وأهوالها.
وقال ابن جبير: الغاشية جهنم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ﴾.
أي: ذليلة، وهي وجوه الكفار. قال قتادة: "خاشعة في النار".
* *
ثم قال: ﴿عَامِلَةٌ نَّاصِبَةٌ﴾.
أي: هي عاملة ناصبة بمعنى: تعمل وتنصب في الدنيا، وهي تصلى ناراً حامية في الآخرة.
وهذا القول يُروى عن عمر رضي الله عنه. ولا يتم الكلام [على] [ناصبة] أو (على) ﴿خَاشِعَةٌ﴾ ويجوز أن يكون في الكلام تقديم وتأخير على هذا القول، والتقدير: وجوه عاملة ناصبة في الدنيا يومئذ خاشعة.
وقيل: الآية نزلت في عبدة الأوثان والرهبان من أهل الكتاب، أنصبوا أنفسهم وأتعبوها بالعمل ولم يتقبل منهم، لأنهم على غير إسلام.
وقال عكرمة: (معناه): عاملة في الدنيا بمعاصي الله، ناصبة في الآخرة في النار. فيتم الكلام على هذا القول على "عاملة".
وقال الحسن وقتادة: إن الوجوه في القيامة خاشعة عاملة ناصبة، وإنها (لما) لم تعمل في الدنيا لله أعملها الله في النار وأنصبها. فلا يتم الكلام من أوله على ﴿نَّاصِبَةٌ﴾ على هذا القول.
قال ابن عباس: "تعمل وتنصب في النار".
وقال قتادة: "تكبرت في الدنيا عن طاعة الله، فأعملها وأنصبها في النار".
وقال ابن زيد: "لا أحد أنصب ولا أشد من أهل النار".
وكان عمر رضي الله عنه يتأولها في الدنيا في البرهان وشبههم. يعملون في الدنيا، ويجتهدون، وهم في النار. ويكون الكلام يتم على ﴿خَاشِعَةٌ﴾ لأنه آخر صفتهم في يوم القيامة، ثم ابتدأ بصفتهم في الدنيا.
وقيل: التقدير: وجوه عاملة ناصبة في الدنيا ﴿يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ﴾ يعني: في الآخرة.
وفي الحديث أن النبي ﷺ وسلم ذكر القدرية فبكى، وقال: إن فيهم المجتهد.
* *
وقوله: ﴿تَصْلَىٰ نَاراً حَامِيَةً﴾ أي: ترد ناراً قد حميت واشتد حرها. والإخبار في جميع ذلك عن الوجوه، والمراد به أصحابها، لأن المعنى مفهوم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿تَصْلَىٰ نَاراً حَامِيَةً﴾.
أي: [يسقى] يومئذ أصحاب هذه الوجوه (من عين قد) انتهى حرها فبلغ الغاية في شدة الحر.
وقال مجاهد: من عين قد (أنى نضجها) منذ خلق الله عز وجل الدنيا. وقال ابن زيد: ﴿مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ﴾ أي: حاضرة.
وقال تعالى: ﴿لَّيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلاَّ مِن ضَرِيعٍ﴾.
أي: (ليس) لأصحاب هذه (الوجوه) الخاشعة - وهم الكفار - طعام يطعمونه في النار إلا طعام من ضريع.
قال ابن عباس: "الضريع: شجر من نار".
وقال ابن زيد: الضريع: الشوك من النار، والضريع عند العرب شوك يابس [ولا ورق فيه].
وقال عكرمة: الضريع: الحجارة.
وقال الحسن: الضريع: الزقوم وعنه أيضاً: الضريع: الذي يضرع ويذل من أكله لمرارته وخشونته.
وقال عطاء: الضريع: الشبرق. وروي ذلك أيضاً عن ابن عباس ومجاهد وقتادة، وعلى هذا القول كثير من أهل اللغة، والشبرق: [شجر] كثير الشوك تعافه الإبل، وأهل الحجاز يسمونه الضريع إذا يبس، ويسميه غيرهم الشبرق.
وقيل: الضريع واد من جهنم. وقد أخبر الله في هذه الآية بأن لا طعام لهم إلا طعام من ضريع، فأثبت لهم طعاماً، وقال في موضع آخر ﴿فَلَيْسَ لَهُ ٱلْيَوْمَ هَا هُنَا حَمِيمٌ * وَلاَ طَعَامٌ إِلاَّ مِنْ غِسْلِينٍ﴾ [الحاقة: ٣٥-٣٦].
فظاهره أنه قد أوجب لهم طعاما من غسلين فهذا خلاف ذلك في الظاهر. والمعنى في ذلك أن التقدير: فليس له اليوم هاهنا شراب حميم إلا من غسلين ولا طعام ينتفع به.
(وقيل): الغسلين من الضريع.
وقيل: الغسلين لقوم والضريع لآخرين.
ثم وصف الله أهل الجنة ونعيمهم بعد وصفه لأهل النار وعذابهم.
فقال تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاعِمَةٌ﴾.
أي: (غضرة) نضرة ينعمها الله، وهم أهل الإيمان بالله والعمل بطاعته.
* *
ثم قال تعالى: ﴿لِّسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ﴾.
أي: لعملها الذي عملته في الدنيا من طاعة ربها راضية. وقيل المعنى: [لثواب] عملها راضية في الآخرة.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ﴾.
أي: رفيعة القدر عالية المكان.
﴿لاَّ تَسْمَعُ فِيهَا لاَغِيَةً﴾ أي: لا يسمع أحد في الجنة كلمة لغو، واللغو: الباطل.
وقيل للكلمة التي هي لغة: لاغية، كما قيل لصاحب [الدرع: دارع]، ولصاحب الفرس فارس، "ولابن" "وثامر" لصاحب اللبن والثمر.
وقال الفراء: ﴿لاَغِيَةً﴾، أي: [حالفاً] يحلف بكذب.
قال ابن عباس: معناه: لا تسمع فيها أذى ولا باطلاً.
وقال مجاهد: "شتماً". وقال قتادة: باطلاً ولا مأثماً.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ﴾ أي: تجري من غير أخدود، والعين تذكر وتؤنث [والتأنيث] أكثر، وقد قال الشاعر: ؎ والعين بالإثمد [الحاري] مكحول.
فقال بعض النحويين: هذا على تذكير العين.
وقال المبرد: ذكره كما يذكر كل مؤنث غير حقيقي التأنيث لا علامة للتأنيث فيه، كما يقال: هذا دار وهذه دار.
وقال الأصمعي: مكحول للحاجب هو، لأنه قد تقدم ذكره، ولا يعرف الأصمعي في العين إلا التأنيث.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فِيهَا سُرُرٌ مَّرْفُوعَةٌ﴾.
أي: عالية ليرى المؤمن إذا جلس عليها جميع ما خوله ربه من الملك والنعيم، ويلحقه بصره. والسرر جمع سرير.
وقيل: مرفوعة: موضونة. قاله ابن عباس، كقوله: ﴿سُرُرٍ مَّصْفُوفَةٍ﴾ [الطور: ٢٠] أي: بعضها فوق بعض.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَأَكْوَابٌ مَّوْضُوعَةٌ﴾.
أي: موضوعة على حافة العين الجارية كلما أراد الشرب وجدها ملأى من الشراب. والأكواب جمع: كوب، وهي الأباريق التي لا آذان لها، وقد تقدم ذكرها بالاختلاف فيها.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ﴾.
النمارق جمع: نمرقة، وهي الوسادة والمرفقة. وحكي فيها ضم النون والراء وكسرهما، والضم (أكثر). ومعنى مصفوفة أي: بعضها إلى بعض.
وقد قال ابن عباس "النمارق: المجالس"، وعنه: "المرافق".
وقال قتادة: هي "الوسائد".
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ﴾.
قال أبو عبيدة: الزرابي البسط.
وقيل الزرابي: الطنافس التي لها خمل، و ﴿مَبْثُوثَةٌ﴾ كثيرة.
وقال قتادة: [زرابي] "مبثوثة" أي "مبسوطة".
قال ابن عمر: (رأيت عمر) رضي الله عنه يصلى على عبقري، وهي الزرابي.
* *
ثم قال تعالى: ﴿أَفَلاَ يَنظُرُونَ إِلَى ٱلإِبْلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾.
هذا كله توبيخ لمنكري القدرة، أي: أفلا ينظر من ينكر قدرة الله على كل ما يشاء مما وصف مما أعده الله للكافرين وللمؤمنين في هذه الآيات - إلى الإبل كيف خلقها الله وسخرها لهم (وذللها)، وإلى (السماء) كيف رفعها الله فوقهم لا خلل فيها ولا شقوق ولا اختلاف، رفعها بغير عمد ترونها، وإلى الجبال كيف نصبها الله على الأرض لئلا تميد بأهلها، [وأقامها] منتصبة لا تسقط على الأرض. وإلى الأرض كيف سطحها الله، أي بسطها فجعلها مستوية وطيئة ليتصرف عليها الخلق ولا يمتنعون من أسفارهم.
وقال قتادة: لما [نعت] الله ما في الجنة، عجب من ذلك أهل الضلالة، فأنزل الله جل ذكره: ﴿أَفَلاَ يَنظُرُونَ إِلَى ٱلإِبْلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ إلى ﴿سُطِحَتْ﴾.
قال: وكانت الإبل من عيش العرب. [فخوطبوا] ونبهوا على قدرته على أعظم ما في نفوسهم، فلذلك بدأ بالإبل، فكأنه قيل لهم: من قدر على إحداث هذه الأشياء وغيرها لكم وإحكام أمرها [كيف] لا يقدر على ما وصف من (أمر) الجنة والنار.
وقال ابن عباس: الإبل (ها) هنا هي الإبل بعينها، وليس شيء يحمل عليه وهو بارك إلا الإبل، وفي ذلك آية.
وقال المبرد: وقيل: الإبل: القطع العظام من السحاب.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَآ أَنتَ مُذَكِّرٌ﴾.
أي: ذكر - يا محمد - عبادي بآياتي، فإنما أرسلت مذكرا لهم.
* *
﴿لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ﴾.
أي: بمسلط ولا بجبار تجبرهم على الإيمان. ومصيطراً: أصله السين، وهو مأخوذ من السطر.
وقيل: الآية منسوخة بقوله: ﴿فَٱقْتُلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] وهو قول ابن زيد.
وقيل: هي محكمة، لأنهم إذا أسلموا تركوا على جملتهم، ولم يسلط عليهم.
قال جابر: قال رسول الله ﷺ: أُمِرتَ أَن أقاتِلَ الناسَ حَتّى يَقولوا لا إِلَهَ إلاّ الله، فَإذا قالوا لا إِلَهَ إِلاّ الله عَصَمُوا مِنّي دِماءَهُم وَأَموالَهُم إِلاّ بِحقّها وَحِسابُهُم عَلى الله. ثم تلا ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَآ أَنتَ مُذَكِّرٌ * لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ﴾
قال ابن عباس: ﴿بِمُصَيْطِرٍ﴾ بجبار.
* *
ثم قال تعالى: ﴿إِلاَّ مَن تَوَلَّىٰ وَكَفَرَ * فَيُعَذِّبُهُ ٱللَّهُ ٱلْعَذَابَ ٱلأَكْبَرَ﴾.
أي: فذكر يا محمد قومك إلا من تولى عنك فأعرض عن الإيمان وكفر فيكون هذا استثناء من الذين كان التذكير فيهم، فيكون في موضع نصب.
وقيل: الاستثناء منقطع مما قبله. والمعنى: لست عليهم ﴿بِمُصَيْطِرٍ﴾ إلا من تولى وكفر بعد ذلك، فإنك ستسلط [عليه] إن أسلم أو السيف.
والاستثناء المنقطع [تعتبره] أبداً بأن [تحسن] "إن" معه، فإذا حسنت جاز أن يكون منقطعاً، وإذا لم تحسن كان متصلا صحيحا. يقول القاتل: "سار القوم إلا زيدا"، فلا يحسن دخول "إن" هنا، (لأنه) استثناء صحيح.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَيُعَذِّبُهُ ٱللَّهُ ٱلْعَذَابَ ٱلأَكْبَرَ﴾.
وهو عذاب جهنم في الآخرة.
* *
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ إِلَيْنَآ إِيَابَهُمْ﴾ أي: رجوعهم في الآخرة.
﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ﴾ أي: (علينا) حساب أعمالهم [فنجازيهم] (بها) فالله (هو) المحاسب المعاقب لهم وأنت - يا محمد - مذكر مبلغ عن ربك إليهم.
الغاشية 88:3
قوله تعالى: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ٱلْغَاشِيَةِ﴾ إلى آخرها.
أي: قد أتاك - يا محمد - حديث الغاشية، وهي القيامة تغشى الناس بقيامها وأهوالها.
وقال ابن جبير: الغاشية جهنم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ﴾.
أي: ذليلة، وهي وجوه الكفار. قال قتادة: "خاشعة في النار".
* *
ثم قال: ﴿عَامِلَةٌ نَّاصِبَةٌ﴾.
أي: هي عاملة ناصبة بمعنى: تعمل وتنصب في الدنيا، وهي تصلى ناراً حامية في الآخرة.
وهذا القول يُروى عن عمر رضي الله عنه. ولا يتم الكلام [على] [ناصبة] أو (على) ﴿خَاشِعَةٌ﴾ ويجوز أن يكون في الكلام تقديم وتأخير على هذا القول، والتقدير: وجوه عاملة ناصبة في الدنيا يومئذ خاشعة.
وقيل: الآية نزلت في عبدة الأوثان والرهبان من أهل الكتاب، أنصبوا أنفسهم وأتعبوها بالعمل ولم يتقبل منهم، لأنهم على غير إسلام.
وقال عكرمة: (معناه): عاملة في الدنيا بمعاصي الله، ناصبة في الآخرة في النار. فيتم الكلام على هذا القول على "عاملة".
وقال الحسن وقتادة: إن الوجوه في القيامة خاشعة عاملة ناصبة، وإنها (لما) لم تعمل في الدنيا لله أعملها الله في النار وأنصبها. فلا يتم الكلام من أوله على ﴿نَّاصِبَةٌ﴾ على هذا القول.
قال ابن عباس: "تعمل وتنصب في النار".
وقال قتادة: "تكبرت في الدنيا عن طاعة الله، فأعملها وأنصبها في النار".
وقال ابن زيد: "لا أحد أنصب ولا أشد من أهل النار".
وكان عمر رضي الله عنه يتأولها في الدنيا في البرهان وشبههم. يعملون في الدنيا، ويجتهدون، وهم في النار. ويكون الكلام يتم على ﴿خَاشِعَةٌ﴾ لأنه آخر صفتهم في يوم القيامة، ثم ابتدأ بصفتهم في الدنيا.
وقيل: التقدير: وجوه عاملة ناصبة في الدنيا ﴿يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ﴾ يعني: في الآخرة.
وفي الحديث أن النبي ﷺ وسلم ذكر القدرية فبكى، وقال: إن فيهم المجتهد.
* *
وقوله: ﴿تَصْلَىٰ نَاراً حَامِيَةً﴾ أي: ترد ناراً قد حميت واشتد حرها. والإخبار في جميع ذلك عن الوجوه، والمراد به أصحابها، لأن المعنى مفهوم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿تَصْلَىٰ نَاراً حَامِيَةً﴾.
أي: [يسقى] يومئذ أصحاب هذه الوجوه (من عين قد) انتهى حرها فبلغ الغاية في شدة الحر.
وقال مجاهد: من عين قد (أنى نضجها) منذ خلق الله عز وجل الدنيا. وقال ابن زيد: ﴿مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ﴾ أي: حاضرة.
وقال تعالى: ﴿لَّيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلاَّ مِن ضَرِيعٍ﴾.
أي: (ليس) لأصحاب هذه (الوجوه) الخاشعة - وهم الكفار - طعام يطعمونه في النار إلا طعام من ضريع.
قال ابن عباس: "الضريع: شجر من نار".
وقال ابن زيد: الضريع: الشوك من النار، والضريع عند العرب شوك يابس [ولا ورق فيه].
وقال عكرمة: الضريع: الحجارة.
وقال الحسن: الضريع: الزقوم وعنه أيضاً: الضريع: الذي يضرع ويذل من أكله لمرارته وخشونته.
وقال عطاء: الضريع: الشبرق. وروي ذلك أيضاً عن ابن عباس ومجاهد وقتادة، وعلى هذا القول كثير من أهل اللغة، والشبرق: [شجر] كثير الشوك تعافه الإبل، وأهل الحجاز يسمونه الضريع إذا يبس، ويسميه غيرهم الشبرق.
وقيل: الضريع واد من جهنم. وقد أخبر الله في هذه الآية بأن لا طعام لهم إلا طعام من ضريع، فأثبت لهم طعاماً، وقال في موضع آخر ﴿فَلَيْسَ لَهُ ٱلْيَوْمَ هَا هُنَا حَمِيمٌ * وَلاَ طَعَامٌ إِلاَّ مِنْ غِسْلِينٍ﴾ [الحاقة: ٣٥-٣٦].
فظاهره أنه قد أوجب لهم طعاما من غسلين فهذا خلاف ذلك في الظاهر. والمعنى في ذلك أن التقدير: فليس له اليوم هاهنا شراب حميم إلا من غسلين ولا طعام ينتفع به.
(وقيل): الغسلين من الضريع.
وقيل: الغسلين لقوم والضريع لآخرين.
ثم وصف الله أهل الجنة ونعيمهم بعد وصفه لأهل النار وعذابهم.
فقال تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاعِمَةٌ﴾.
أي: (غضرة) نضرة ينعمها الله، وهم أهل الإيمان بالله والعمل بطاعته.
* *
ثم قال تعالى: ﴿لِّسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ﴾.
أي: لعملها الذي عملته في الدنيا من طاعة ربها راضية. وقيل المعنى: [لثواب] عملها راضية في الآخرة.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ﴾.
أي: رفيعة القدر عالية المكان.
﴿لاَّ تَسْمَعُ فِيهَا لاَغِيَةً﴾ أي: لا يسمع أحد في الجنة كلمة لغو، واللغو: الباطل.
وقيل للكلمة التي هي لغة: لاغية، كما قيل لصاحب [الدرع: دارع]، ولصاحب الفرس فارس، "ولابن" "وثامر" لصاحب اللبن والثمر.
وقال الفراء: ﴿لاَغِيَةً﴾، أي: [حالفاً] يحلف بكذب.
قال ابن عباس: معناه: لا تسمع فيها أذى ولا باطلاً.
وقال مجاهد: "شتماً". وقال قتادة: باطلاً ولا مأثماً.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ﴾ أي: تجري من غير أخدود، والعين تذكر وتؤنث [والتأنيث] أكثر، وقد قال الشاعر: ؎ والعين بالإثمد [الحاري] مكحول.
فقال بعض النحويين: هذا على تذكير العين.
وقال المبرد: ذكره كما يذكر كل مؤنث غير حقيقي التأنيث لا علامة للتأنيث فيه، كما يقال: هذا دار وهذه دار.
وقال الأصمعي: مكحول للحاجب هو، لأنه قد تقدم ذكره، ولا يعرف الأصمعي في العين إلا التأنيث.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فِيهَا سُرُرٌ مَّرْفُوعَةٌ﴾.
أي: عالية ليرى المؤمن إذا جلس عليها جميع ما خوله ربه من الملك والنعيم، ويلحقه بصره. والسرر جمع سرير.
وقيل: مرفوعة: موضونة. قاله ابن عباس، كقوله: ﴿سُرُرٍ مَّصْفُوفَةٍ﴾ [الطور: ٢٠] أي: بعضها فوق بعض.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَأَكْوَابٌ مَّوْضُوعَةٌ﴾.
أي: موضوعة على حافة العين الجارية كلما أراد الشرب وجدها ملأى من الشراب. والأكواب جمع: كوب، وهي الأباريق التي لا آذان لها، وقد تقدم ذكرها بالاختلاف فيها.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ﴾.
النمارق جمع: نمرقة، وهي الوسادة والمرفقة. وحكي فيها ضم النون والراء وكسرهما، والضم (أكثر). ومعنى مصفوفة أي: بعضها إلى بعض.
وقد قال ابن عباس "النمارق: المجالس"، وعنه: "المرافق".
وقال قتادة: هي "الوسائد".
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ﴾.
قال أبو عبيدة: الزرابي البسط.
وقيل الزرابي: الطنافس التي لها خمل، و ﴿مَبْثُوثَةٌ﴾ كثيرة.
وقال قتادة: [زرابي] "مبثوثة" أي "مبسوطة".
قال ابن عمر: (رأيت عمر) رضي الله عنه يصلى على عبقري، وهي الزرابي.
* *
ثم قال تعالى: ﴿أَفَلاَ يَنظُرُونَ إِلَى ٱلإِبْلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾.
هذا كله توبيخ لمنكري القدرة، أي: أفلا ينظر من ينكر قدرة الله على كل ما يشاء مما وصف مما أعده الله للكافرين وللمؤمنين في هذه الآيات - إلى الإبل كيف خلقها الله وسخرها لهم (وذللها)، وإلى (السماء) كيف رفعها الله فوقهم لا خلل فيها ولا شقوق ولا اختلاف، رفعها بغير عمد ترونها، وإلى الجبال كيف نصبها الله على الأرض لئلا تميد بأهلها، [وأقامها] منتصبة لا تسقط على الأرض. وإلى الأرض كيف سطحها الله، أي بسطها فجعلها مستوية وطيئة ليتصرف عليها الخلق ولا يمتنعون من أسفارهم.
وقال قتادة: لما [نعت] الله ما في الجنة، عجب من ذلك أهل الضلالة، فأنزل الله جل ذكره: ﴿أَفَلاَ يَنظُرُونَ إِلَى ٱلإِبْلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ إلى ﴿سُطِحَتْ﴾.
قال: وكانت الإبل من عيش العرب. [فخوطبوا] ونبهوا على قدرته على أعظم ما في نفوسهم، فلذلك بدأ بالإبل، فكأنه قيل لهم: من قدر على إحداث هذه الأشياء وغيرها لكم وإحكام أمرها [كيف] لا يقدر على ما وصف من (أمر) الجنة والنار.
وقال ابن عباس: الإبل (ها) هنا هي الإبل بعينها، وليس شيء يحمل عليه وهو بارك إلا الإبل، وفي ذلك آية.
وقال المبرد: وقيل: الإبل: القطع العظام من السحاب.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَآ أَنتَ مُذَكِّرٌ﴾.
أي: ذكر - يا محمد - عبادي بآياتي، فإنما أرسلت مذكرا لهم.
* *
﴿لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ﴾.
أي: بمسلط ولا بجبار تجبرهم على الإيمان. ومصيطراً: أصله السين، وهو مأخوذ من السطر.
وقيل: الآية منسوخة بقوله: ﴿فَٱقْتُلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] وهو قول ابن زيد.
وقيل: هي محكمة، لأنهم إذا أسلموا تركوا على جملتهم، ولم يسلط عليهم.
قال جابر: قال رسول الله ﷺ: أُمِرتَ أَن أقاتِلَ الناسَ حَتّى يَقولوا لا إِلَهَ إلاّ الله، فَإذا قالوا لا إِلَهَ إِلاّ الله عَصَمُوا مِنّي دِماءَهُم وَأَموالَهُم إِلاّ بِحقّها وَحِسابُهُم عَلى الله. ثم تلا ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَآ أَنتَ مُذَكِّرٌ * لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ﴾
قال ابن عباس: ﴿بِمُصَيْطِرٍ﴾ بجبار.
* *
ثم قال تعالى: ﴿إِلاَّ مَن تَوَلَّىٰ وَكَفَرَ * فَيُعَذِّبُهُ ٱللَّهُ ٱلْعَذَابَ ٱلأَكْبَرَ﴾.
أي: فذكر يا محمد قومك إلا من تولى عنك فأعرض عن الإيمان وكفر فيكون هذا استثناء من الذين كان التذكير فيهم، فيكون في موضع نصب.
وقيل: الاستثناء منقطع مما قبله. والمعنى: لست عليهم ﴿بِمُصَيْطِرٍ﴾ إلا من تولى وكفر بعد ذلك، فإنك ستسلط [عليه] إن أسلم أو السيف.
والاستثناء المنقطع [تعتبره] أبداً بأن [تحسن] "إن" معه، فإذا حسنت جاز أن يكون منقطعاً، وإذا لم تحسن كان متصلا صحيحا. يقول القاتل: "سار القوم إلا زيدا"، فلا يحسن دخول "إن" هنا، (لأنه) استثناء صحيح.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَيُعَذِّبُهُ ٱللَّهُ ٱلْعَذَابَ ٱلأَكْبَرَ﴾.
وهو عذاب جهنم في الآخرة.
* *
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ إِلَيْنَآ إِيَابَهُمْ﴾ أي: رجوعهم في الآخرة.
﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ﴾ أي: (علينا) حساب أعمالهم [فنجازيهم] (بها) فالله (هو) المحاسب المعاقب لهم وأنت - يا محمد - مذكر مبلغ عن ربك إليهم.
الغاشية 88:4
قوله تعالى: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ٱلْغَاشِيَةِ﴾ إلى آخرها.
أي: قد أتاك - يا محمد - حديث الغاشية، وهي القيامة تغشى الناس بقيامها وأهوالها.
وقال ابن جبير: الغاشية جهنم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ﴾.
أي: ذليلة، وهي وجوه الكفار. قال قتادة: "خاشعة في النار".
* *
ثم قال: ﴿عَامِلَةٌ نَّاصِبَةٌ﴾.
أي: هي عاملة ناصبة بمعنى: تعمل وتنصب في الدنيا، وهي تصلى ناراً حامية في الآخرة.
وهذا القول يُروى عن عمر رضي الله عنه. ولا يتم الكلام [على] [ناصبة] أو (على) ﴿خَاشِعَةٌ﴾ ويجوز أن يكون في الكلام تقديم وتأخير على هذا القول، والتقدير: وجوه عاملة ناصبة في الدنيا يومئذ خاشعة.
وقيل: الآية نزلت في عبدة الأوثان والرهبان من أهل الكتاب، أنصبوا أنفسهم وأتعبوها بالعمل ولم يتقبل منهم، لأنهم على غير إسلام.
وقال عكرمة: (معناه): عاملة في الدنيا بمعاصي الله، ناصبة في الآخرة في النار. فيتم الكلام على هذا القول على "عاملة".
وقال الحسن وقتادة: إن الوجوه في القيامة خاشعة عاملة ناصبة، وإنها (لما) لم تعمل في الدنيا لله أعملها الله في النار وأنصبها. فلا يتم الكلام من أوله على ﴿نَّاصِبَةٌ﴾ على هذا القول.
قال ابن عباس: "تعمل وتنصب في النار".
وقال قتادة: "تكبرت في الدنيا عن طاعة الله، فأعملها وأنصبها في النار".
وقال ابن زيد: "لا أحد أنصب ولا أشد من أهل النار".
وكان عمر رضي الله عنه يتأولها في الدنيا في البرهان وشبههم. يعملون في الدنيا، ويجتهدون، وهم في النار. ويكون الكلام يتم على ﴿خَاشِعَةٌ﴾ لأنه آخر صفتهم في يوم القيامة، ثم ابتدأ بصفتهم في الدنيا.
وقيل: التقدير: وجوه عاملة ناصبة في الدنيا ﴿يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ﴾ يعني: في الآخرة.
وفي الحديث أن النبي ﷺ وسلم ذكر القدرية فبكى، وقال: إن فيهم المجتهد.
* *
وقوله: ﴿تَصْلَىٰ نَاراً حَامِيَةً﴾ أي: ترد ناراً قد حميت واشتد حرها. والإخبار في جميع ذلك عن الوجوه، والمراد به أصحابها، لأن المعنى مفهوم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿تَصْلَىٰ نَاراً حَامِيَةً﴾.
أي: [يسقى] يومئذ أصحاب هذه الوجوه (من عين قد) انتهى حرها فبلغ الغاية في شدة الحر.
وقال مجاهد: من عين قد (أنى نضجها) منذ خلق الله عز وجل الدنيا. وقال ابن زيد: ﴿مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ﴾ أي: حاضرة.
وقال تعالى: ﴿لَّيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلاَّ مِن ضَرِيعٍ﴾.
أي: (ليس) لأصحاب هذه (الوجوه) الخاشعة - وهم الكفار - طعام يطعمونه في النار إلا طعام من ضريع.
قال ابن عباس: "الضريع: شجر من نار".
وقال ابن زيد: الضريع: الشوك من النار، والضريع عند العرب شوك يابس [ولا ورق فيه].
وقال عكرمة: الضريع: الحجارة.
وقال الحسن: الضريع: الزقوم وعنه أيضاً: الضريع: الذي يضرع ويذل من أكله لمرارته وخشونته.
وقال عطاء: الضريع: الشبرق. وروي ذلك أيضاً عن ابن عباس ومجاهد وقتادة، وعلى هذا القول كثير من أهل اللغة، والشبرق: [شجر] كثير الشوك تعافه الإبل، وأهل الحجاز يسمونه الضريع إذا يبس، ويسميه غيرهم الشبرق.
وقيل: الضريع واد من جهنم. وقد أخبر الله في هذه الآية بأن لا طعام لهم إلا طعام من ضريع، فأثبت لهم طعاماً، وقال في موضع آخر ﴿فَلَيْسَ لَهُ ٱلْيَوْمَ هَا هُنَا حَمِيمٌ * وَلاَ طَعَامٌ إِلاَّ مِنْ غِسْلِينٍ﴾ [الحاقة: ٣٥-٣٦].
فظاهره أنه قد أوجب لهم طعاما من غسلين فهذا خلاف ذلك في الظاهر. والمعنى في ذلك أن التقدير: فليس له اليوم هاهنا شراب حميم إلا من غسلين ولا طعام ينتفع به.
(وقيل): الغسلين من الضريع.
وقيل: الغسلين لقوم والضريع لآخرين.
ثم وصف الله أهل الجنة ونعيمهم بعد وصفه لأهل النار وعذابهم.
فقال تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاعِمَةٌ﴾.
أي: (غضرة) نضرة ينعمها الله، وهم أهل الإيمان بالله والعمل بطاعته.
* *
ثم قال تعالى: ﴿لِّسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ﴾.
أي: لعملها الذي عملته في الدنيا من طاعة ربها راضية. وقيل المعنى: [لثواب] عملها راضية في الآخرة.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ﴾.
أي: رفيعة القدر عالية المكان.
﴿لاَّ تَسْمَعُ فِيهَا لاَغِيَةً﴾ أي: لا يسمع أحد في الجنة كلمة لغو، واللغو: الباطل.
وقيل للكلمة التي هي لغة: لاغية، كما قيل لصاحب [الدرع: دارع]، ولصاحب الفرس فارس، "ولابن" "وثامر" لصاحب اللبن والثمر.
وقال الفراء: ﴿لاَغِيَةً﴾، أي: [حالفاً] يحلف بكذب.
قال ابن عباس: معناه: لا تسمع فيها أذى ولا باطلاً.
وقال مجاهد: "شتماً". وقال قتادة: باطلاً ولا مأثماً.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ﴾ أي: تجري من غير أخدود، والعين تذكر وتؤنث [والتأنيث] أكثر، وقد قال الشاعر: ؎ والعين بالإثمد [الحاري] مكحول.
فقال بعض النحويين: هذا على تذكير العين.
وقال المبرد: ذكره كما يذكر كل مؤنث غير حقيقي التأنيث لا علامة للتأنيث فيه، كما يقال: هذا دار وهذه دار.
وقال الأصمعي: مكحول للحاجب هو، لأنه قد تقدم ذكره، ولا يعرف الأصمعي في العين إلا التأنيث.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فِيهَا سُرُرٌ مَّرْفُوعَةٌ﴾.
أي: عالية ليرى المؤمن إذا جلس عليها جميع ما خوله ربه من الملك والنعيم، ويلحقه بصره. والسرر جمع سرير.
وقيل: مرفوعة: موضونة. قاله ابن عباس، كقوله: ﴿سُرُرٍ مَّصْفُوفَةٍ﴾ [الطور: ٢٠] أي: بعضها فوق بعض.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَأَكْوَابٌ مَّوْضُوعَةٌ﴾.
أي: موضوعة على حافة العين الجارية كلما أراد الشرب وجدها ملأى من الشراب. والأكواب جمع: كوب، وهي الأباريق التي لا آذان لها، وقد تقدم ذكرها بالاختلاف فيها.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ﴾.
النمارق جمع: نمرقة، وهي الوسادة والمرفقة. وحكي فيها ضم النون والراء وكسرهما، والضم (أكثر). ومعنى مصفوفة أي: بعضها إلى بعض.
وقد قال ابن عباس "النمارق: المجالس"، وعنه: "المرافق".
وقال قتادة: هي "الوسائد".
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ﴾.
قال أبو عبيدة: الزرابي البسط.
وقيل الزرابي: الطنافس التي لها خمل، و ﴿مَبْثُوثَةٌ﴾ كثيرة.
وقال قتادة: [زرابي] "مبثوثة" أي "مبسوطة".
قال ابن عمر: (رأيت عمر) رضي الله عنه يصلى على عبقري، وهي الزرابي.
* *
ثم قال تعالى: ﴿أَفَلاَ يَنظُرُونَ إِلَى ٱلإِبْلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾.
هذا كله توبيخ لمنكري القدرة، أي: أفلا ينظر من ينكر قدرة الله على كل ما يشاء مما وصف مما أعده الله للكافرين وللمؤمنين في هذه الآيات - إلى الإبل كيف خلقها الله وسخرها لهم (وذللها)، وإلى (السماء) كيف رفعها الله فوقهم لا خلل فيها ولا شقوق ولا اختلاف، رفعها بغير عمد ترونها، وإلى الجبال كيف نصبها الله على الأرض لئلا تميد بأهلها، [وأقامها] منتصبة لا تسقط على الأرض. وإلى الأرض كيف سطحها الله، أي بسطها فجعلها مستوية وطيئة ليتصرف عليها الخلق ولا يمتنعون من أسفارهم.
وقال قتادة: لما [نعت] الله ما في الجنة، عجب من ذلك أهل الضلالة، فأنزل الله جل ذكره: ﴿أَفَلاَ يَنظُرُونَ إِلَى ٱلإِبْلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ إلى ﴿سُطِحَتْ﴾.
قال: وكانت الإبل من عيش العرب. [فخوطبوا] ونبهوا على قدرته على أعظم ما في نفوسهم، فلذلك بدأ بالإبل، فكأنه قيل لهم: من قدر على إحداث هذه الأشياء وغيرها لكم وإحكام أمرها [كيف] لا يقدر على ما وصف من (أمر) الجنة والنار.
وقال ابن عباس: الإبل (ها) هنا هي الإبل بعينها، وليس شيء يحمل عليه وهو بارك إلا الإبل، وفي ذلك آية.
وقال المبرد: وقيل: الإبل: القطع العظام من السحاب.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَآ أَنتَ مُذَكِّرٌ﴾.
أي: ذكر - يا محمد - عبادي بآياتي، فإنما أرسلت مذكرا لهم.
* *
﴿لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ﴾.
أي: بمسلط ولا بجبار تجبرهم على الإيمان. ومصيطراً: أصله السين، وهو مأخوذ من السطر.
وقيل: الآية منسوخة بقوله: ﴿فَٱقْتُلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] وهو قول ابن زيد.
وقيل: هي محكمة، لأنهم إذا أسلموا تركوا على جملتهم، ولم يسلط عليهم.
قال جابر: قال رسول الله ﷺ: أُمِرتَ أَن أقاتِلَ الناسَ حَتّى يَقولوا لا إِلَهَ إلاّ الله، فَإذا قالوا لا إِلَهَ إِلاّ الله عَصَمُوا مِنّي دِماءَهُم وَأَموالَهُم إِلاّ بِحقّها وَحِسابُهُم عَلى الله. ثم تلا ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَآ أَنتَ مُذَكِّرٌ * لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ﴾
قال ابن عباس: ﴿بِمُصَيْطِرٍ﴾ بجبار.
* *
ثم قال تعالى: ﴿إِلاَّ مَن تَوَلَّىٰ وَكَفَرَ * فَيُعَذِّبُهُ ٱللَّهُ ٱلْعَذَابَ ٱلأَكْبَرَ﴾.
أي: فذكر يا محمد قومك إلا من تولى عنك فأعرض عن الإيمان وكفر فيكون هذا استثناء من الذين كان التذكير فيهم، فيكون في موضع نصب.
وقيل: الاستثناء منقطع مما قبله. والمعنى: لست عليهم ﴿بِمُصَيْطِرٍ﴾ إلا من تولى وكفر بعد ذلك، فإنك ستسلط [عليه] إن أسلم أو السيف.
والاستثناء المنقطع [تعتبره] أبداً بأن [تحسن] "إن" معه، فإذا حسنت جاز أن يكون منقطعاً، وإذا لم تحسن كان متصلا صحيحا. يقول القاتل: "سار القوم إلا زيدا"، فلا يحسن دخول "إن" هنا، (لأنه) استثناء صحيح.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَيُعَذِّبُهُ ٱللَّهُ ٱلْعَذَابَ ٱلأَكْبَرَ﴾.
وهو عذاب جهنم في الآخرة.
* *
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ إِلَيْنَآ إِيَابَهُمْ﴾ أي: رجوعهم في الآخرة.
﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ﴾ أي: (علينا) حساب أعمالهم [فنجازيهم] (بها) فالله (هو) المحاسب المعاقب لهم وأنت - يا محمد - مذكر مبلغ عن ربك إليهم.
الغاشية 88:5
قوله تعالى: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ٱلْغَاشِيَةِ﴾ إلى آخرها.
أي: قد أتاك - يا محمد - حديث الغاشية، وهي القيامة تغشى الناس بقيامها وأهوالها.
وقال ابن جبير: الغاشية جهنم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ﴾.
أي: ذليلة، وهي وجوه الكفار. قال قتادة: "خاشعة في النار".
* *
ثم قال: ﴿عَامِلَةٌ نَّاصِبَةٌ﴾.
أي: هي عاملة ناصبة بمعنى: تعمل وتنصب في الدنيا، وهي تصلى ناراً حامية في الآخرة.
وهذا القول يُروى عن عمر رضي الله عنه. ولا يتم الكلام [على] [ناصبة] أو (على) ﴿خَاشِعَةٌ﴾ ويجوز أن يكون في الكلام تقديم وتأخير على هذا القول، والتقدير: وجوه عاملة ناصبة في الدنيا يومئذ خاشعة.
وقيل: الآية نزلت في عبدة الأوثان والرهبان من أهل الكتاب، أنصبوا أنفسهم وأتعبوها بالعمل ولم يتقبل منهم، لأنهم على غير إسلام.
وقال عكرمة: (معناه): عاملة في الدنيا بمعاصي الله، ناصبة في الآخرة في النار. فيتم الكلام على هذا القول على "عاملة".
وقال الحسن وقتادة: إن الوجوه في القيامة خاشعة عاملة ناصبة، وإنها (لما) لم تعمل في الدنيا لله أعملها الله في النار وأنصبها. فلا يتم الكلام من أوله على ﴿نَّاصِبَةٌ﴾ على هذا القول.
قال ابن عباس: "تعمل وتنصب في النار".
وقال قتادة: "تكبرت في الدنيا عن طاعة الله، فأعملها وأنصبها في النار".
وقال ابن زيد: "لا أحد أنصب ولا أشد من أهل النار".
وكان عمر رضي الله عنه يتأولها في الدنيا في البرهان وشبههم. يعملون في الدنيا، ويجتهدون، وهم في النار. ويكون الكلام يتم على ﴿خَاشِعَةٌ﴾ لأنه آخر صفتهم في يوم القيامة، ثم ابتدأ بصفتهم في الدنيا.
وقيل: التقدير: وجوه عاملة ناصبة في الدنيا ﴿يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ﴾ يعني: في الآخرة.
وفي الحديث أن النبي ﷺ وسلم ذكر القدرية فبكى، وقال: إن فيهم المجتهد.
* *
وقوله: ﴿تَصْلَىٰ نَاراً حَامِيَةً﴾ أي: ترد ناراً قد حميت واشتد حرها. والإخبار في جميع ذلك عن الوجوه، والمراد به أصحابها، لأن المعنى مفهوم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿تَصْلَىٰ نَاراً حَامِيَةً﴾.
أي: [يسقى] يومئذ أصحاب هذه الوجوه (من عين قد) انتهى حرها فبلغ الغاية في شدة الحر.
وقال مجاهد: من عين قد (أنى نضجها) منذ خلق الله عز وجل الدنيا. وقال ابن زيد: ﴿مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ﴾ أي: حاضرة.
وقال تعالى: ﴿لَّيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلاَّ مِن ضَرِيعٍ﴾.
أي: (ليس) لأصحاب هذه (الوجوه) الخاشعة - وهم الكفار - طعام يطعمونه في النار إلا طعام من ضريع.
قال ابن عباس: "الضريع: شجر من نار".
وقال ابن زيد: الضريع: الشوك من النار، والضريع عند العرب شوك يابس [ولا ورق فيه].
وقال عكرمة: الضريع: الحجارة.
وقال الحسن: الضريع: الزقوم وعنه أيضاً: الضريع: الذي يضرع ويذل من أكله لمرارته وخشونته.
وقال عطاء: الضريع: الشبرق. وروي ذلك أيضاً عن ابن عباس ومجاهد وقتادة، وعلى هذا القول كثير من أهل اللغة، والشبرق: [شجر] كثير الشوك تعافه الإبل، وأهل الحجاز يسمونه الضريع إذا يبس، ويسميه غيرهم الشبرق.
وقيل: الضريع واد من جهنم. وقد أخبر الله في هذه الآية بأن لا طعام لهم إلا طعام من ضريع، فأثبت لهم طعاماً، وقال في موضع آخر ﴿فَلَيْسَ لَهُ ٱلْيَوْمَ هَا هُنَا حَمِيمٌ * وَلاَ طَعَامٌ إِلاَّ مِنْ غِسْلِينٍ﴾ [الحاقة: ٣٥-٣٦].
فظاهره أنه قد أوجب لهم طعاما من غسلين فهذا خلاف ذلك في الظاهر. والمعنى في ذلك أن التقدير: فليس له اليوم هاهنا شراب حميم إلا من غسلين ولا طعام ينتفع به.
(وقيل): الغسلين من الضريع.
وقيل: الغسلين لقوم والضريع لآخرين.
ثم وصف الله أهل الجنة ونعيمهم بعد وصفه لأهل النار وعذابهم.
فقال تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاعِمَةٌ﴾.
أي: (غضرة) نضرة ينعمها الله، وهم أهل الإيمان بالله والعمل بطاعته.
* *
ثم قال تعالى: ﴿لِّسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ﴾.
أي: لعملها الذي عملته في الدنيا من طاعة ربها راضية. وقيل المعنى: [لثواب] عملها راضية في الآخرة.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ﴾.
أي: رفيعة القدر عالية المكان.
﴿لاَّ تَسْمَعُ فِيهَا لاَغِيَةً﴾ أي: لا يسمع أحد في الجنة كلمة لغو، واللغو: الباطل.
وقيل للكلمة التي هي لغة: لاغية، كما قيل لصاحب [الدرع: دارع]، ولصاحب الفرس فارس، "ولابن" "وثامر" لصاحب اللبن والثمر.
وقال الفراء: ﴿لاَغِيَةً﴾، أي: [حالفاً] يحلف بكذب.
قال ابن عباس: معناه: لا تسمع فيها أذى ولا باطلاً.
وقال مجاهد: "شتماً". وقال قتادة: باطلاً ولا مأثماً.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ﴾ أي: تجري من غير أخدود، والعين تذكر وتؤنث [والتأنيث] أكثر، وقد قال الشاعر: ؎ والعين بالإثمد [الحاري] مكحول.
فقال بعض النحويين: هذا على تذكير العين.
وقال المبرد: ذكره كما يذكر كل مؤنث غير حقيقي التأنيث لا علامة للتأنيث فيه، كما يقال: هذا دار وهذه دار.
وقال الأصمعي: مكحول للحاجب هو، لأنه قد تقدم ذكره، ولا يعرف الأصمعي في العين إلا التأنيث.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فِيهَا سُرُرٌ مَّرْفُوعَةٌ﴾.
أي: عالية ليرى المؤمن إذا جلس عليها جميع ما خوله ربه من الملك والنعيم، ويلحقه بصره. والسرر جمع سرير.
وقيل: مرفوعة: موضونة. قاله ابن عباس، كقوله: ﴿سُرُرٍ مَّصْفُوفَةٍ﴾ [الطور: ٢٠] أي: بعضها فوق بعض.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَأَكْوَابٌ مَّوْضُوعَةٌ﴾.
أي: موضوعة على حافة العين الجارية كلما أراد الشرب وجدها ملأى من الشراب. والأكواب جمع: كوب، وهي الأباريق التي لا آذان لها، وقد تقدم ذكرها بالاختلاف فيها.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ﴾.
النمارق جمع: نمرقة، وهي الوسادة والمرفقة. وحكي فيها ضم النون والراء وكسرهما، والضم (أكثر). ومعنى مصفوفة أي: بعضها إلى بعض.
وقد قال ابن عباس "النمارق: المجالس"، وعنه: "المرافق".
وقال قتادة: هي "الوسائد".
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ﴾.
قال أبو عبيدة: الزرابي البسط.
وقيل الزرابي: الطنافس التي لها خمل، و ﴿مَبْثُوثَةٌ﴾ كثيرة.
وقال قتادة: [زرابي] "مبثوثة" أي "مبسوطة".
قال ابن عمر: (رأيت عمر) رضي الله عنه يصلى على عبقري، وهي الزرابي.
* *
ثم قال تعالى: ﴿أَفَلاَ يَنظُرُونَ إِلَى ٱلإِبْلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾.
هذا كله توبيخ لمنكري القدرة، أي: أفلا ينظر من ينكر قدرة الله على كل ما يشاء مما وصف مما أعده الله للكافرين وللمؤمنين في هذه الآيات - إلى الإبل كيف خلقها الله وسخرها لهم (وذللها)، وإلى (السماء) كيف رفعها الله فوقهم لا خلل فيها ولا شقوق ولا اختلاف، رفعها بغير عمد ترونها، وإلى الجبال كيف نصبها الله على الأرض لئلا تميد بأهلها، [وأقامها] منتصبة لا تسقط على الأرض. وإلى الأرض كيف سطحها الله، أي بسطها فجعلها مستوية وطيئة ليتصرف عليها الخلق ولا يمتنعون من أسفارهم.
وقال قتادة: لما [نعت] الله ما في الجنة، عجب من ذلك أهل الضلالة، فأنزل الله جل ذكره: ﴿أَفَلاَ يَنظُرُونَ إِلَى ٱلإِبْلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ إلى ﴿سُطِحَتْ﴾.
قال: وكانت الإبل من عيش العرب. [فخوطبوا] ونبهوا على قدرته على أعظم ما في نفوسهم، فلذلك بدأ بالإبل، فكأنه قيل لهم: من قدر على إحداث هذه الأشياء وغيرها لكم وإحكام أمرها [كيف] لا يقدر على ما وصف من (أمر) الجنة والنار.
وقال ابن عباس: الإبل (ها) هنا هي الإبل بعينها، وليس شيء يحمل عليه وهو بارك إلا الإبل، وفي ذلك آية.
وقال المبرد: وقيل: الإبل: القطع العظام من السحاب.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَآ أَنتَ مُذَكِّرٌ﴾.
أي: ذكر - يا محمد - عبادي بآياتي، فإنما أرسلت مذكرا لهم.
* *
﴿لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ﴾.
أي: بمسلط ولا بجبار تجبرهم على الإيمان. ومصيطراً: أصله السين، وهو مأخوذ من السطر.
وقيل: الآية منسوخة بقوله: ﴿فَٱقْتُلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] وهو قول ابن زيد.
وقيل: هي محكمة، لأنهم إذا أسلموا تركوا على جملتهم، ولم يسلط عليهم.
قال جابر: قال رسول الله ﷺ: أُمِرتَ أَن أقاتِلَ الناسَ حَتّى يَقولوا لا إِلَهَ إلاّ الله، فَإذا قالوا لا إِلَهَ إِلاّ الله عَصَمُوا مِنّي دِماءَهُم وَأَموالَهُم إِلاّ بِحقّها وَحِسابُهُم عَلى الله. ثم تلا ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَآ أَنتَ مُذَكِّرٌ * لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ﴾
قال ابن عباس: ﴿بِمُصَيْطِرٍ﴾ بجبار.
* *
ثم قال تعالى: ﴿إِلاَّ مَن تَوَلَّىٰ وَكَفَرَ * فَيُعَذِّبُهُ ٱللَّهُ ٱلْعَذَابَ ٱلأَكْبَرَ﴾.
أي: فذكر يا محمد قومك إلا من تولى عنك فأعرض عن الإيمان وكفر فيكون هذا استثناء من الذين كان التذكير فيهم، فيكون في موضع نصب.
وقيل: الاستثناء منقطع مما قبله. والمعنى: لست عليهم ﴿بِمُصَيْطِرٍ﴾ إلا من تولى وكفر بعد ذلك، فإنك ستسلط [عليه] إن أسلم أو السيف.
والاستثناء المنقطع [تعتبره] أبداً بأن [تحسن] "إن" معه، فإذا حسنت جاز أن يكون منقطعاً، وإذا لم تحسن كان متصلا صحيحا. يقول القاتل: "سار القوم إلا زيدا"، فلا يحسن دخول "إن" هنا، (لأنه) استثناء صحيح.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَيُعَذِّبُهُ ٱللَّهُ ٱلْعَذَابَ ٱلأَكْبَرَ﴾.
وهو عذاب جهنم في الآخرة.
* *
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ إِلَيْنَآ إِيَابَهُمْ﴾ أي: رجوعهم في الآخرة.
﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ﴾ أي: (علينا) حساب أعمالهم [فنجازيهم] (بها) فالله (هو) المحاسب المعاقب لهم وأنت - يا محمد - مذكر مبلغ عن ربك إليهم.
الغاشية 88:6
قوله تعالى: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ٱلْغَاشِيَةِ﴾ إلى آخرها.
أي: قد أتاك - يا محمد - حديث الغاشية، وهي القيامة تغشى الناس بقيامها وأهوالها.
وقال ابن جبير: الغاشية جهنم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ﴾.
أي: ذليلة، وهي وجوه الكفار. قال قتادة: "خاشعة في النار".
* *
ثم قال: ﴿عَامِلَةٌ نَّاصِبَةٌ﴾.
أي: هي عاملة ناصبة بمعنى: تعمل وتنصب في الدنيا، وهي تصلى ناراً حامية في الآخرة.
وهذا القول يُروى عن عمر رضي الله عنه. ولا يتم الكلام [على] [ناصبة] أو (على) ﴿خَاشِعَةٌ﴾ ويجوز أن يكون في الكلام تقديم وتأخير على هذا القول، والتقدير: وجوه عاملة ناصبة في الدنيا يومئذ خاشعة.
وقيل: الآية نزلت في عبدة الأوثان والرهبان من أهل الكتاب، أنصبوا أنفسهم وأتعبوها بالعمل ولم يتقبل منهم، لأنهم على غير إسلام.
وقال عكرمة: (معناه): عاملة في الدنيا بمعاصي الله، ناصبة في الآخرة في النار. فيتم الكلام على هذا القول على "عاملة".
وقال الحسن وقتادة: إن الوجوه في القيامة خاشعة عاملة ناصبة، وإنها (لما) لم تعمل في الدنيا لله أعملها الله في النار وأنصبها. فلا يتم الكلام من أوله على ﴿نَّاصِبَةٌ﴾ على هذا القول.
قال ابن عباس: "تعمل وتنصب في النار".
وقال قتادة: "تكبرت في الدنيا عن طاعة الله، فأعملها وأنصبها في النار".
وقال ابن زيد: "لا أحد أنصب ولا أشد من أهل النار".
وكان عمر رضي الله عنه يتأولها في الدنيا في البرهان وشبههم. يعملون في الدنيا، ويجتهدون، وهم في النار. ويكون الكلام يتم على ﴿خَاشِعَةٌ﴾ لأنه آخر صفتهم في يوم القيامة، ثم ابتدأ بصفتهم في الدنيا.
وقيل: التقدير: وجوه عاملة ناصبة في الدنيا ﴿يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ﴾ يعني: في الآخرة.
وفي الحديث أن النبي ﷺ وسلم ذكر القدرية فبكى، وقال: إن فيهم المجتهد.
* *
وقوله: ﴿تَصْلَىٰ نَاراً حَامِيَةً﴾ أي: ترد ناراً قد حميت واشتد حرها. والإخبار في جميع ذلك عن الوجوه، والمراد به أصحابها، لأن المعنى مفهوم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿تَصْلَىٰ نَاراً حَامِيَةً﴾.
أي: [يسقى] يومئذ أصحاب هذه الوجوه (من عين قد) انتهى حرها فبلغ الغاية في شدة الحر.
وقال مجاهد: من عين قد (أنى نضجها) منذ خلق الله عز وجل الدنيا. وقال ابن زيد: ﴿مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ﴾ أي: حاضرة.
وقال تعالى: ﴿لَّيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلاَّ مِن ضَرِيعٍ﴾.
أي: (ليس) لأصحاب هذه (الوجوه) الخاشعة - وهم الكفار - طعام يطعمونه في النار إلا طعام من ضريع.
قال ابن عباس: "الضريع: شجر من نار".
وقال ابن زيد: الضريع: الشوك من النار، والضريع عند العرب شوك يابس [ولا ورق فيه].
وقال عكرمة: الضريع: الحجارة.
وقال الحسن: الضريع: الزقوم وعنه أيضاً: الضريع: الذي يضرع ويذل من أكله لمرارته وخشونته.
وقال عطاء: الضريع: الشبرق. وروي ذلك أيضاً عن ابن عباس ومجاهد وقتادة، وعلى هذا القول كثير من أهل اللغة، والشبرق: [شجر] كثير الشوك تعافه الإبل، وأهل الحجاز يسمونه الضريع إذا يبس، ويسميه غيرهم الشبرق.
وقيل: الضريع واد من جهنم. وقد أخبر الله في هذه الآية بأن لا طعام لهم إلا طعام من ضريع، فأثبت لهم طعاماً، وقال في موضع آخر ﴿فَلَيْسَ لَهُ ٱلْيَوْمَ هَا هُنَا حَمِيمٌ * وَلاَ طَعَامٌ إِلاَّ مِنْ غِسْلِينٍ﴾ [الحاقة: ٣٥-٣٦].
فظاهره أنه قد أوجب لهم طعاما من غسلين فهذا خلاف ذلك في الظاهر. والمعنى في ذلك أن التقدير: فليس له اليوم هاهنا شراب حميم إلا من غسلين ولا طعام ينتفع به.
(وقيل): الغسلين من الضريع.
وقيل: الغسلين لقوم والضريع لآخرين.
ثم وصف الله أهل الجنة ونعيمهم بعد وصفه لأهل النار وعذابهم.
فقال تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاعِمَةٌ﴾.
أي: (غضرة) نضرة ينعمها الله، وهم أهل الإيمان بالله والعمل بطاعته.
* *
ثم قال تعالى: ﴿لِّسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ﴾.
أي: لعملها الذي عملته في الدنيا من طاعة ربها راضية. وقيل المعنى: [لثواب] عملها راضية في الآخرة.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ﴾.
أي: رفيعة القدر عالية المكان.
﴿لاَّ تَسْمَعُ فِيهَا لاَغِيَةً﴾ أي: لا يسمع أحد في الجنة كلمة لغو، واللغو: الباطل.
وقيل للكلمة التي هي لغة: لاغية، كما قيل لصاحب [الدرع: دارع]، ولصاحب الفرس فارس، "ولابن" "وثامر" لصاحب اللبن والثمر.
وقال الفراء: ﴿لاَغِيَةً﴾، أي: [حالفاً] يحلف بكذب.
قال ابن عباس: معناه: لا تسمع فيها أذى ولا باطلاً.
وقال مجاهد: "شتماً". وقال قتادة: باطلاً ولا مأثماً.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ﴾ أي: تجري من غير أخدود، والعين تذكر وتؤنث [والتأنيث] أكثر، وقد قال الشاعر: ؎ والعين بالإثمد [الحاري] مكحول.
فقال بعض النحويين: هذا على تذكير العين.
وقال المبرد: ذكره كما يذكر كل مؤنث غير حقيقي التأنيث لا علامة للتأنيث فيه، كما يقال: هذا دار وهذه دار.
وقال الأصمعي: مكحول للحاجب هو، لأنه قد تقدم ذكره، ولا يعرف الأصمعي في العين إلا التأنيث.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فِيهَا سُرُرٌ مَّرْفُوعَةٌ﴾.
أي: عالية ليرى المؤمن إذا جلس عليها جميع ما خوله ربه من الملك والنعيم، ويلحقه بصره. والسرر جمع سرير.
وقيل: مرفوعة: موضونة. قاله ابن عباس، كقوله: ﴿سُرُرٍ مَّصْفُوفَةٍ﴾ [الطور: ٢٠] أي: بعضها فوق بعض.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَأَكْوَابٌ مَّوْضُوعَةٌ﴾.
أي: موضوعة على حافة العين الجارية كلما أراد الشرب وجدها ملأى من الشراب. والأكواب جمع: كوب، وهي الأباريق التي لا آذان لها، وقد تقدم ذكرها بالاختلاف فيها.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ﴾.
النمارق جمع: نمرقة، وهي الوسادة والمرفقة. وحكي فيها ضم النون والراء وكسرهما، والضم (أكثر). ومعنى مصفوفة أي: بعضها إلى بعض.
وقد قال ابن عباس "النمارق: المجالس"، وعنه: "المرافق".
وقال قتادة: هي "الوسائد".
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ﴾.
قال أبو عبيدة: الزرابي البسط.
وقيل الزرابي: الطنافس التي لها خمل، و ﴿مَبْثُوثَةٌ﴾ كثيرة.
وقال قتادة: [زرابي] "مبثوثة" أي "مبسوطة".
قال ابن عمر: (رأيت عمر) رضي الله عنه يصلى على عبقري، وهي الزرابي.
* *
ثم قال تعالى: ﴿أَفَلاَ يَنظُرُونَ إِلَى ٱلإِبْلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾.
هذا كله توبيخ لمنكري القدرة، أي: أفلا ينظر من ينكر قدرة الله على كل ما يشاء مما وصف مما أعده الله للكافرين وللمؤمنين في هذه الآيات - إلى الإبل كيف خلقها الله وسخرها لهم (وذللها)، وإلى (السماء) كيف رفعها الله فوقهم لا خلل فيها ولا شقوق ولا اختلاف، رفعها بغير عمد ترونها، وإلى الجبال كيف نصبها الله على الأرض لئلا تميد بأهلها، [وأقامها] منتصبة لا تسقط على الأرض. وإلى الأرض كيف سطحها الله، أي بسطها فجعلها مستوية وطيئة ليتصرف عليها الخلق ولا يمتنعون من أسفارهم.
وقال قتادة: لما [نعت] الله ما في الجنة، عجب من ذلك أهل الضلالة، فأنزل الله جل ذكره: ﴿أَفَلاَ يَنظُرُونَ إِلَى ٱلإِبْلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ إلى ﴿سُطِحَتْ﴾.
قال: وكانت الإبل من عيش العرب. [فخوطبوا] ونبهوا على قدرته على أعظم ما في نفوسهم، فلذلك بدأ بالإبل، فكأنه قيل لهم: من قدر على إحداث هذه الأشياء وغيرها لكم وإحكام أمرها [كيف] لا يقدر على ما وصف من (أمر) الجنة والنار.
وقال ابن عباس: الإبل (ها) هنا هي الإبل بعينها، وليس شيء يحمل عليه وهو بارك إلا الإبل، وفي ذلك آية.
وقال المبرد: وقيل: الإبل: القطع العظام من السحاب.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَآ أَنتَ مُذَكِّرٌ﴾.
أي: ذكر - يا محمد - عبادي بآياتي، فإنما أرسلت مذكرا لهم.
* *
﴿لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ﴾.
أي: بمسلط ولا بجبار تجبرهم على الإيمان. ومصيطراً: أصله السين، وهو مأخوذ من السطر.
وقيل: الآية منسوخة بقوله: ﴿فَٱقْتُلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] وهو قول ابن زيد.
وقيل: هي محكمة، لأنهم إذا أسلموا تركوا على جملتهم، ولم يسلط عليهم.
قال جابر: قال رسول الله ﷺ: أُمِرتَ أَن أقاتِلَ الناسَ حَتّى يَقولوا لا إِلَهَ إلاّ الله، فَإذا قالوا لا إِلَهَ إِلاّ الله عَصَمُوا مِنّي دِماءَهُم وَأَموالَهُم إِلاّ بِحقّها وَحِسابُهُم عَلى الله. ثم تلا ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَآ أَنتَ مُذَكِّرٌ * لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ﴾
قال ابن عباس: ﴿بِمُصَيْطِرٍ﴾ بجبار.
* *
ثم قال تعالى: ﴿إِلاَّ مَن تَوَلَّىٰ وَكَفَرَ * فَيُعَذِّبُهُ ٱللَّهُ ٱلْعَذَابَ ٱلأَكْبَرَ﴾.
أي: فذكر يا محمد قومك إلا من تولى عنك فأعرض عن الإيمان وكفر فيكون هذا استثناء من الذين كان التذكير فيهم، فيكون في موضع نصب.
وقيل: الاستثناء منقطع مما قبله. والمعنى: لست عليهم ﴿بِمُصَيْطِرٍ﴾ إلا من تولى وكفر بعد ذلك، فإنك ستسلط [عليه] إن أسلم أو السيف.
والاستثناء المنقطع [تعتبره] أبداً بأن [تحسن] "إن" معه، فإذا حسنت جاز أن يكون منقطعاً، وإذا لم تحسن كان متصلا صحيحا. يقول القاتل: "سار القوم إلا زيدا"، فلا يحسن دخول "إن" هنا، (لأنه) استثناء صحيح.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَيُعَذِّبُهُ ٱللَّهُ ٱلْعَذَابَ ٱلأَكْبَرَ﴾.
وهو عذاب جهنم في الآخرة.
* *
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ إِلَيْنَآ إِيَابَهُمْ﴾ أي: رجوعهم في الآخرة.
﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ﴾ أي: (علينا) حساب أعمالهم [فنجازيهم] (بها) فالله (هو) المحاسب المعاقب لهم وأنت - يا محمد - مذكر مبلغ عن ربك إليهم.
الغاشية 88:7
قوله تعالى: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ٱلْغَاشِيَةِ﴾ إلى آخرها.
أي: قد أتاك - يا محمد - حديث الغاشية، وهي القيامة تغشى الناس بقيامها وأهوالها.
وقال ابن جبير: الغاشية جهنم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ﴾.
أي: ذليلة، وهي وجوه الكفار. قال قتادة: "خاشعة في النار".
* *
ثم قال: ﴿عَامِلَةٌ نَّاصِبَةٌ﴾.
أي: هي عاملة ناصبة بمعنى: تعمل وتنصب في الدنيا، وهي تصلى ناراً حامية في الآخرة.
وهذا القول يُروى عن عمر رضي الله عنه. ولا يتم الكلام [على] [ناصبة] أو (على) ﴿خَاشِعَةٌ﴾ ويجوز أن يكون في الكلام تقديم وتأخير على هذا القول، والتقدير: وجوه عاملة ناصبة في الدنيا يومئذ خاشعة.
وقيل: الآية نزلت في عبدة الأوثان والرهبان من أهل الكتاب، أنصبوا أنفسهم وأتعبوها بالعمل ولم يتقبل منهم، لأنهم على غير إسلام.
وقال عكرمة: (معناه): عاملة في الدنيا بمعاصي الله، ناصبة في الآخرة في النار. فيتم الكلام على هذا القول على "عاملة".
وقال الحسن وقتادة: إن الوجوه في القيامة خاشعة عاملة ناصبة، وإنها (لما) لم تعمل في الدنيا لله أعملها الله في النار وأنصبها. فلا يتم الكلام من أوله على ﴿نَّاصِبَةٌ﴾ على هذا القول.
قال ابن عباس: "تعمل وتنصب في النار".
وقال قتادة: "تكبرت في الدنيا عن طاعة الله، فأعملها وأنصبها في النار".
وقال ابن زيد: "لا أحد أنصب ولا أشد من أهل النار".
وكان عمر رضي الله عنه يتأولها في الدنيا في البرهان وشبههم. يعملون في الدنيا، ويجتهدون، وهم في النار. ويكون الكلام يتم على ﴿خَاشِعَةٌ﴾ لأنه آخر صفتهم في يوم القيامة، ثم ابتدأ بصفتهم في الدنيا.
وقيل: التقدير: وجوه عاملة ناصبة في الدنيا ﴿يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ﴾ يعني: في الآخرة.
وفي الحديث أن النبي ﷺ وسلم ذكر القدرية فبكى، وقال: إن فيهم المجتهد.
* *
وقوله: ﴿تَصْلَىٰ نَاراً حَامِيَةً﴾ أي: ترد ناراً قد حميت واشتد حرها. والإخبار في جميع ذلك عن الوجوه، والمراد به أصحابها، لأن المعنى مفهوم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿تَصْلَىٰ نَاراً حَامِيَةً﴾.
أي: [يسقى] يومئذ أصحاب هذه الوجوه (من عين قد) انتهى حرها فبلغ الغاية في شدة الحر.
وقال مجاهد: من عين قد (أنى نضجها) منذ خلق الله عز وجل الدنيا. وقال ابن زيد: ﴿مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ﴾ أي: حاضرة.
وقال تعالى: ﴿لَّيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلاَّ مِن ضَرِيعٍ﴾.
أي: (ليس) لأصحاب هذه (الوجوه) الخاشعة - وهم الكفار - طعام يطعمونه في النار إلا طعام من ضريع.
قال ابن عباس: "الضريع: شجر من نار".
وقال ابن زيد: الضريع: الشوك من النار، والضريع عند العرب شوك يابس [ولا ورق فيه].
وقال عكرمة: الضريع: الحجارة.
وقال الحسن: الضريع: الزقوم وعنه أيضاً: الضريع: الذي يضرع ويذل من أكله لمرارته وخشونته.
وقال عطاء: الضريع: الشبرق. وروي ذلك أيضاً عن ابن عباس ومجاهد وقتادة، وعلى هذا القول كثير من أهل اللغة، والشبرق: [شجر] كثير الشوك تعافه الإبل، وأهل الحجاز يسمونه الضريع إذا يبس، ويسميه غيرهم الشبرق.
وقيل: الضريع واد من جهنم. وقد أخبر الله في هذه الآية بأن لا طعام لهم إلا طعام من ضريع، فأثبت لهم طعاماً، وقال في موضع آخر ﴿فَلَيْسَ لَهُ ٱلْيَوْمَ هَا هُنَا حَمِيمٌ * وَلاَ طَعَامٌ إِلاَّ مِنْ غِسْلِينٍ﴾ [الحاقة: ٣٥-٣٦].
فظاهره أنه قد أوجب لهم طعاما من غسلين فهذا خلاف ذلك في الظاهر. والمعنى في ذلك أن التقدير: فليس له اليوم هاهنا شراب حميم إلا من غسلين ولا طعام ينتفع به.
(وقيل): الغسلين من الضريع.
وقيل: الغسلين لقوم والضريع لآخرين.
ثم وصف الله أهل الجنة ونعيمهم بعد وصفه لأهل النار وعذابهم.
فقال تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاعِمَةٌ﴾.
أي: (غضرة) نضرة ينعمها الله، وهم أهل الإيمان بالله والعمل بطاعته.
* *
ثم قال تعالى: ﴿لِّسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ﴾.
أي: لعملها الذي عملته في الدنيا من طاعة ربها راضية. وقيل المعنى: [لثواب] عملها راضية في الآخرة.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ﴾.
أي: رفيعة القدر عالية المكان.
﴿لاَّ تَسْمَعُ فِيهَا لاَغِيَةً﴾ أي: لا يسمع أحد في الجنة كلمة لغو، واللغو: الباطل.
وقيل للكلمة التي هي لغة: لاغية، كما قيل لصاحب [الدرع: دارع]، ولصاحب الفرس فارس، "ولابن" "وثامر" لصاحب اللبن والثمر.
وقال الفراء: ﴿لاَغِيَةً﴾، أي: [حالفاً] يحلف بكذب.
قال ابن عباس: معناه: لا تسمع فيها أذى ولا باطلاً.
وقال مجاهد: "شتماً". وقال قتادة: باطلاً ولا مأثماً.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ﴾ أي: تجري من غير أخدود، والعين تذكر وتؤنث [والتأنيث] أكثر، وقد قال الشاعر: ؎ والعين بالإثمد [الحاري] مكحول.
فقال بعض النحويين: هذا على تذكير العين.
وقال المبرد: ذكره كما يذكر كل مؤنث غير حقيقي التأنيث لا علامة للتأنيث فيه، كما يقال: هذا دار وهذه دار.
وقال الأصمعي: مكحول للحاجب هو، لأنه قد تقدم ذكره، ولا يعرف الأصمعي في العين إلا التأنيث.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فِيهَا سُرُرٌ مَّرْفُوعَةٌ﴾.
أي: عالية ليرى المؤمن إذا جلس عليها جميع ما خوله ربه من الملك والنعيم، ويلحقه بصره. والسرر جمع سرير.
وقيل: مرفوعة: موضونة. قاله ابن عباس، كقوله: ﴿سُرُرٍ مَّصْفُوفَةٍ﴾ [الطور: ٢٠] أي: بعضها فوق بعض.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَأَكْوَابٌ مَّوْضُوعَةٌ﴾.
أي: موضوعة على حافة العين الجارية كلما أراد الشرب وجدها ملأى من الشراب. والأكواب جمع: كوب، وهي الأباريق التي لا آذان لها، وقد تقدم ذكرها بالاختلاف فيها.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ﴾.
النمارق جمع: نمرقة، وهي الوسادة والمرفقة. وحكي فيها ضم النون والراء وكسرهما، والضم (أكثر). ومعنى مصفوفة أي: بعضها إلى بعض.
وقد قال ابن عباس "النمارق: المجالس"، وعنه: "المرافق".
وقال قتادة: هي "الوسائد".
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ﴾.
قال أبو عبيدة: الزرابي البسط.
وقيل الزرابي: الطنافس التي لها خمل، و ﴿مَبْثُوثَةٌ﴾ كثيرة.
وقال قتادة: [زرابي] "مبثوثة" أي "مبسوطة".
قال ابن عمر: (رأيت عمر) رضي الله عنه يصلى على عبقري، وهي الزرابي.
* *
ثم قال تعالى: ﴿أَفَلاَ يَنظُرُونَ إِلَى ٱلإِبْلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾.
هذا كله توبيخ لمنكري القدرة، أي: أفلا ينظر من ينكر قدرة الله على كل ما يشاء مما وصف مما أعده الله للكافرين وللمؤمنين في هذه الآيات - إلى الإبل كيف خلقها الله وسخرها لهم (وذللها)، وإلى (السماء) كيف رفعها الله فوقهم لا خلل فيها ولا شقوق ولا اختلاف، رفعها بغير عمد ترونها، وإلى الجبال كيف نصبها الله على الأرض لئلا تميد بأهلها، [وأقامها] منتصبة لا تسقط على الأرض. وإلى الأرض كيف سطحها الله، أي بسطها فجعلها مستوية وطيئة ليتصرف عليها الخلق ولا يمتنعون من أسفارهم.
وقال قتادة: لما [نعت] الله ما في الجنة، عجب من ذلك أهل الضلالة، فأنزل الله جل ذكره: ﴿أَفَلاَ يَنظُرُونَ إِلَى ٱلإِبْلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ إلى ﴿سُطِحَتْ﴾.
قال: وكانت الإبل من عيش العرب. [فخوطبوا] ونبهوا على قدرته على أعظم ما في نفوسهم، فلذلك بدأ بالإبل، فكأنه قيل لهم: من قدر على إحداث هذه الأشياء وغيرها لكم وإحكام أمرها [كيف] لا يقدر على ما وصف من (أمر) الجنة والنار.
وقال ابن عباس: الإبل (ها) هنا هي الإبل بعينها، وليس شيء يحمل عليه وهو بارك إلا الإبل، وفي ذلك آية.
وقال المبرد: وقيل: الإبل: القطع العظام من السحاب.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَآ أَنتَ مُذَكِّرٌ﴾.
أي: ذكر - يا محمد - عبادي بآياتي، فإنما أرسلت مذكرا لهم.
* *
﴿لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ﴾.
أي: بمسلط ولا بجبار تجبرهم على الإيمان. ومصيطراً: أصله السين، وهو مأخوذ من السطر.
وقيل: الآية منسوخة بقوله: ﴿فَٱقْتُلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] وهو قول ابن زيد.
وقيل: هي محكمة، لأنهم إذا أسلموا تركوا على جملتهم، ولم يسلط عليهم.
قال جابر: قال رسول الله ﷺ: أُمِرتَ أَن أقاتِلَ الناسَ حَتّى يَقولوا لا إِلَهَ إلاّ الله، فَإذا قالوا لا إِلَهَ إِلاّ الله عَصَمُوا مِنّي دِماءَهُم وَأَموالَهُم إِلاّ بِحقّها وَحِسابُهُم عَلى الله. ثم تلا ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَآ أَنتَ مُذَكِّرٌ * لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ﴾
قال ابن عباس: ﴿بِمُصَيْطِرٍ﴾ بجبار.
* *
ثم قال تعالى: ﴿إِلاَّ مَن تَوَلَّىٰ وَكَفَرَ * فَيُعَذِّبُهُ ٱللَّهُ ٱلْعَذَابَ ٱلأَكْبَرَ﴾.
أي: فذكر يا محمد قومك إلا من تولى عنك فأعرض عن الإيمان وكفر فيكون هذا استثناء من الذين كان التذكير فيهم، فيكون في موضع نصب.
وقيل: الاستثناء منقطع مما قبله. والمعنى: لست عليهم ﴿بِمُصَيْطِرٍ﴾ إلا من تولى وكفر بعد ذلك، فإنك ستسلط [عليه] إن أسلم أو السيف.
والاستثناء المنقطع [تعتبره] أبداً بأن [تحسن] "إن" معه، فإذا حسنت جاز أن يكون منقطعاً، وإذا لم تحسن كان متصلا صحيحا. يقول القاتل: "سار القوم إلا زيدا"، فلا يحسن دخول "إن" هنا، (لأنه) استثناء صحيح.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَيُعَذِّبُهُ ٱللَّهُ ٱلْعَذَابَ ٱلأَكْبَرَ﴾.
وهو عذاب جهنم في الآخرة.
* *
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ إِلَيْنَآ إِيَابَهُمْ﴾ أي: رجوعهم في الآخرة.
﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ﴾ أي: (علينا) حساب أعمالهم [فنجازيهم] (بها) فالله (هو) المحاسب المعاقب لهم وأنت - يا محمد - مذكر مبلغ عن ربك إليهم.
الغاشية 88:8
قوله تعالى: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ٱلْغَاشِيَةِ﴾ إلى آخرها.
أي: قد أتاك - يا محمد - حديث الغاشية، وهي القيامة تغشى الناس بقيامها وأهوالها.
وقال ابن جبير: الغاشية جهنم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ﴾.
أي: ذليلة، وهي وجوه الكفار. قال قتادة: "خاشعة في النار".
* *
ثم قال: ﴿عَامِلَةٌ نَّاصِبَةٌ﴾.
أي: هي عاملة ناصبة بمعنى: تعمل وتنصب في الدنيا، وهي تصلى ناراً حامية في الآخرة.
وهذا القول يُروى عن عمر رضي الله عنه. ولا يتم الكلام [على] [ناصبة] أو (على) ﴿خَاشِعَةٌ﴾ ويجوز أن يكون في الكلام تقديم وتأخير على هذا القول، والتقدير: وجوه عاملة ناصبة في الدنيا يومئذ خاشعة.
وقيل: الآية نزلت في عبدة الأوثان والرهبان من أهل الكتاب، أنصبوا أنفسهم وأتعبوها بالعمل ولم يتقبل منهم، لأنهم على غير إسلام.
وقال عكرمة: (معناه): عاملة في الدنيا بمعاصي الله، ناصبة في الآخرة في النار. فيتم الكلام على هذا القول على "عاملة".
وقال الحسن وقتادة: إن الوجوه في القيامة خاشعة عاملة ناصبة، وإنها (لما) لم تعمل في الدنيا لله أعملها الله في النار وأنصبها. فلا يتم الكلام من أوله على ﴿نَّاصِبَةٌ﴾ على هذا القول.
قال ابن عباس: "تعمل وتنصب في النار".
وقال قتادة: "تكبرت في الدنيا عن طاعة الله، فأعملها وأنصبها في النار".
وقال ابن زيد: "لا أحد أنصب ولا أشد من أهل النار".
وكان عمر رضي الله عنه يتأولها في الدنيا في البرهان وشبههم. يعملون في الدنيا، ويجتهدون، وهم في النار. ويكون الكلام يتم على ﴿خَاشِعَةٌ﴾ لأنه آخر صفتهم في يوم القيامة، ثم ابتدأ بصفتهم في الدنيا.
وقيل: التقدير: وجوه عاملة ناصبة في الدنيا ﴿يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ﴾ يعني: في الآخرة.
وفي الحديث أن النبي ﷺ وسلم ذكر القدرية فبكى، وقال: إن فيهم المجتهد.
* *
وقوله: ﴿تَصْلَىٰ نَاراً حَامِيَةً﴾ أي: ترد ناراً قد حميت واشتد حرها. والإخبار في جميع ذلك عن الوجوه، والمراد به أصحابها، لأن المعنى مفهوم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿تَصْلَىٰ نَاراً حَامِيَةً﴾.
أي: [يسقى] يومئذ أصحاب هذه الوجوه (من عين قد) انتهى حرها فبلغ الغاية في شدة الحر.
وقال مجاهد: من عين قد (أنى نضجها) منذ خلق الله عز وجل الدنيا. وقال ابن زيد: ﴿مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ﴾ أي: حاضرة.
وقال تعالى: ﴿لَّيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلاَّ مِن ضَرِيعٍ﴾.
أي: (ليس) لأصحاب هذه (الوجوه) الخاشعة - وهم الكفار - طعام يطعمونه في النار إلا طعام من ضريع.
قال ابن عباس: "الضريع: شجر من نار".
وقال ابن زيد: الضريع: الشوك من النار، والضريع عند العرب شوك يابس [ولا ورق فيه].
وقال عكرمة: الضريع: الحجارة.
وقال الحسن: الضريع: الزقوم وعنه أيضاً: الضريع: الذي يضرع ويذل من أكله لمرارته وخشونته.
وقال عطاء: الضريع: الشبرق. وروي ذلك أيضاً عن ابن عباس ومجاهد وقتادة، وعلى هذا القول كثير من أهل اللغة، والشبرق: [شجر] كثير الشوك تعافه الإبل، وأهل الحجاز يسمونه الضريع إذا يبس، ويسميه غيرهم الشبرق.
وقيل: الضريع واد من جهنم. وقد أخبر الله في هذه الآية بأن لا طعام لهم إلا طعام من ضريع، فأثبت لهم طعاماً، وقال في موضع آخر ﴿فَلَيْسَ لَهُ ٱلْيَوْمَ هَا هُنَا حَمِيمٌ * وَلاَ طَعَامٌ إِلاَّ مِنْ غِسْلِينٍ﴾ [الحاقة: ٣٥-٣٦].
فظاهره أنه قد أوجب لهم طعاما من غسلين فهذا خلاف ذلك في الظاهر. والمعنى في ذلك أن التقدير: فليس له اليوم هاهنا شراب حميم إلا من غسلين ولا طعام ينتفع به.
(وقيل): الغسلين من الضريع.
وقيل: الغسلين لقوم والضريع لآخرين.
ثم وصف الله أهل الجنة ونعيمهم بعد وصفه لأهل النار وعذابهم.
فقال تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاعِمَةٌ﴾.
أي: (غضرة) نضرة ينعمها الله، وهم أهل الإيمان بالله والعمل بطاعته.
* *
ثم قال تعالى: ﴿لِّسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ﴾.
أي: لعملها الذي عملته في الدنيا من طاعة ربها راضية. وقيل المعنى: [لثواب] عملها راضية في الآخرة.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ﴾.
أي: رفيعة القدر عالية المكان.
﴿لاَّ تَسْمَعُ فِيهَا لاَغِيَةً﴾ أي: لا يسمع أحد في الجنة كلمة لغو، واللغو: الباطل.
وقيل للكلمة التي هي لغة: لاغية، كما قيل لصاحب [الدرع: دارع]، ولصاحب الفرس فارس، "ولابن" "وثامر" لصاحب اللبن والثمر.
وقال الفراء: ﴿لاَغِيَةً﴾، أي: [حالفاً] يحلف بكذب.
قال ابن عباس: معناه: لا تسمع فيها أذى ولا باطلاً.
وقال مجاهد: "شتماً". وقال قتادة: باطلاً ولا مأثماً.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ﴾ أي: تجري من غير أخدود، والعين تذكر وتؤنث [والتأنيث] أكثر، وقد قال الشاعر: ؎ والعين بالإثمد [الحاري] مكحول.
فقال بعض النحويين: هذا على تذكير العين.
وقال المبرد: ذكره كما يذكر كل مؤنث غير حقيقي التأنيث لا علامة للتأنيث فيه، كما يقال: هذا دار وهذه دار.
وقال الأصمعي: مكحول للحاجب هو، لأنه قد تقدم ذكره، ولا يعرف الأصمعي في العين إلا التأنيث.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فِيهَا سُرُرٌ مَّرْفُوعَةٌ﴾.
أي: عالية ليرى المؤمن إذا جلس عليها جميع ما خوله ربه من الملك والنعيم، ويلحقه بصره. والسرر جمع سرير.
وقيل: مرفوعة: موضونة. قاله ابن عباس، كقوله: ﴿سُرُرٍ مَّصْفُوفَةٍ﴾ [الطور: ٢٠] أي: بعضها فوق بعض.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَأَكْوَابٌ مَّوْضُوعَةٌ﴾.
أي: موضوعة على حافة العين الجارية كلما أراد الشرب وجدها ملأى من الشراب. والأكواب جمع: كوب، وهي الأباريق التي لا آذان لها، وقد تقدم ذكرها بالاختلاف فيها.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ﴾.
النمارق جمع: نمرقة، وهي الوسادة والمرفقة. وحكي فيها ضم النون والراء وكسرهما، والضم (أكثر). ومعنى مصفوفة أي: بعضها إلى بعض.
وقد قال ابن عباس "النمارق: المجالس"، وعنه: "المرافق".
وقال قتادة: هي "الوسائد".
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ﴾.
قال أبو عبيدة: الزرابي البسط.
وقيل الزرابي: الطنافس التي لها خمل، و ﴿مَبْثُوثَةٌ﴾ كثيرة.
وقال قتادة: [زرابي] "مبثوثة" أي "مبسوطة".
قال ابن عمر: (رأيت عمر) رضي الله عنه يصلى على عبقري، وهي الزرابي.
* *
ثم قال تعالى: ﴿أَفَلاَ يَنظُرُونَ إِلَى ٱلإِبْلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾.
هذا كله توبيخ لمنكري القدرة، أي: أفلا ينظر من ينكر قدرة الله على كل ما يشاء مما وصف مما أعده الله للكافرين وللمؤمنين في هذه الآيات - إلى الإبل كيف خلقها الله وسخرها لهم (وذللها)، وإلى (السماء) كيف رفعها الله فوقهم لا خلل فيها ولا شقوق ولا اختلاف، رفعها بغير عمد ترونها، وإلى الجبال كيف نصبها الله على الأرض لئلا تميد بأهلها، [وأقامها] منتصبة لا تسقط على الأرض. وإلى الأرض كيف سطحها الله، أي بسطها فجعلها مستوية وطيئة ليتصرف عليها الخلق ولا يمتنعون من أسفارهم.
وقال قتادة: لما [نعت] الله ما في الجنة، عجب من ذلك أهل الضلالة، فأنزل الله جل ذكره: ﴿أَفَلاَ يَنظُرُونَ إِلَى ٱلإِبْلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ إلى ﴿سُطِحَتْ﴾.
قال: وكانت الإبل من عيش العرب. [فخوطبوا] ونبهوا على قدرته على أعظم ما في نفوسهم، فلذلك بدأ بالإبل، فكأنه قيل لهم: من قدر على إحداث هذه الأشياء وغيرها لكم وإحكام أمرها [كيف] لا يقدر على ما وصف من (أمر) الجنة والنار.
وقال ابن عباس: الإبل (ها) هنا هي الإبل بعينها، وليس شيء يحمل عليه وهو بارك إلا الإبل، وفي ذلك آية.
وقال المبرد: وقيل: الإبل: القطع العظام من السحاب.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَآ أَنتَ مُذَكِّرٌ﴾.
أي: ذكر - يا محمد - عبادي بآياتي، فإنما أرسلت مذكرا لهم.
* *
﴿لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ﴾.
أي: بمسلط ولا بجبار تجبرهم على الإيمان. ومصيطراً: أصله السين، وهو مأخوذ من السطر.
وقيل: الآية منسوخة بقوله: ﴿فَٱقْتُلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] وهو قول ابن زيد.
وقيل: هي محكمة، لأنهم إذا أسلموا تركوا على جملتهم، ولم يسلط عليهم.
قال جابر: قال رسول الله ﷺ: أُمِرتَ أَن أقاتِلَ الناسَ حَتّى يَقولوا لا إِلَهَ إلاّ الله، فَإذا قالوا لا إِلَهَ إِلاّ الله عَصَمُوا مِنّي دِماءَهُم وَأَموالَهُم إِلاّ بِحقّها وَحِسابُهُم عَلى الله. ثم تلا ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَآ أَنتَ مُذَكِّرٌ * لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ﴾
قال ابن عباس: ﴿بِمُصَيْطِرٍ﴾ بجبار.
* *
ثم قال تعالى: ﴿إِلاَّ مَن تَوَلَّىٰ وَكَفَرَ * فَيُعَذِّبُهُ ٱللَّهُ ٱلْعَذَابَ ٱلأَكْبَرَ﴾.
أي: فذكر يا محمد قومك إلا من تولى عنك فأعرض عن الإيمان وكفر فيكون هذا استثناء من الذين كان التذكير فيهم، فيكون في موضع نصب.
وقيل: الاستثناء منقطع مما قبله. والمعنى: لست عليهم ﴿بِمُصَيْطِرٍ﴾ إلا من تولى وكفر بعد ذلك، فإنك ستسلط [عليه] إن أسلم أو السيف.
والاستثناء المنقطع [تعتبره] أبداً بأن [تحسن] "إن" معه، فإذا حسنت جاز أن يكون منقطعاً، وإذا لم تحسن كان متصلا صحيحا. يقول القاتل: "سار القوم إلا زيدا"، فلا يحسن دخول "إن" هنا، (لأنه) استثناء صحيح.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَيُعَذِّبُهُ ٱللَّهُ ٱلْعَذَابَ ٱلأَكْبَرَ﴾.
وهو عذاب جهنم في الآخرة.
* *
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ إِلَيْنَآ إِيَابَهُمْ﴾ أي: رجوعهم في الآخرة.
﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ﴾ أي: (علينا) حساب أعمالهم [فنجازيهم] (بها) فالله (هو) المحاسب المعاقب لهم وأنت - يا محمد - مذكر مبلغ عن ربك إليهم.
الغاشية 88:9
قوله تعالى: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ٱلْغَاشِيَةِ﴾ إلى آخرها.
أي: قد أتاك - يا محمد - حديث الغاشية، وهي القيامة تغشى الناس بقيامها وأهوالها.
وقال ابن جبير: الغاشية جهنم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ﴾.
أي: ذليلة، وهي وجوه الكفار. قال قتادة: "خاشعة في النار".
* *
ثم قال: ﴿عَامِلَةٌ نَّاصِبَةٌ﴾.
أي: هي عاملة ناصبة بمعنى: تعمل وتنصب في الدنيا، وهي تصلى ناراً حامية في الآخرة.
وهذا القول يُروى عن عمر رضي الله عنه. ولا يتم الكلام [على] [ناصبة] أو (على) ﴿خَاشِعَةٌ﴾ ويجوز أن يكون في الكلام تقديم وتأخير على هذا القول، والتقدير: وجوه عاملة ناصبة في الدنيا يومئذ خاشعة.
وقيل: الآية نزلت في عبدة الأوثان والرهبان من أهل الكتاب، أنصبوا أنفسهم وأتعبوها بالعمل ولم يتقبل منهم، لأنهم على غير إسلام.
وقال عكرمة: (معناه): عاملة في الدنيا بمعاصي الله، ناصبة في الآخرة في النار. فيتم الكلام على هذا القول على "عاملة".
وقال الحسن وقتادة: إن الوجوه في القيامة خاشعة عاملة ناصبة، وإنها (لما) لم تعمل في الدنيا لله أعملها الله في النار وأنصبها. فلا يتم الكلام من أوله على ﴿نَّاصِبَةٌ﴾ على هذا القول.
قال ابن عباس: "تعمل وتنصب في النار".
وقال قتادة: "تكبرت في الدنيا عن طاعة الله، فأعملها وأنصبها في النار".
وقال ابن زيد: "لا أحد أنصب ولا أشد من أهل النار".
وكان عمر رضي الله عنه يتأولها في الدنيا في البرهان وشبههم. يعملون في الدنيا، ويجتهدون، وهم في النار. ويكون الكلام يتم على ﴿خَاشِعَةٌ﴾ لأنه آخر صفتهم في يوم القيامة، ثم ابتدأ بصفتهم في الدنيا.
وقيل: التقدير: وجوه عاملة ناصبة في الدنيا ﴿يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ﴾ يعني: في الآخرة.
وفي الحديث أن النبي ﷺ وسلم ذكر القدرية فبكى، وقال: إن فيهم المجتهد.
* *
وقوله: ﴿تَصْلَىٰ نَاراً حَامِيَةً﴾ أي: ترد ناراً قد حميت واشتد حرها. والإخبار في جميع ذلك عن الوجوه، والمراد به أصحابها، لأن المعنى مفهوم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿تَصْلَىٰ نَاراً حَامِيَةً﴾.
أي: [يسقى] يومئذ أصحاب هذه الوجوه (من عين قد) انتهى حرها فبلغ الغاية في شدة الحر.
وقال مجاهد: من عين قد (أنى نضجها) منذ خلق الله عز وجل الدنيا. وقال ابن زيد: ﴿مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ﴾ أي: حاضرة.
وقال تعالى: ﴿لَّيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلاَّ مِن ضَرِيعٍ﴾.
أي: (ليس) لأصحاب هذه (الوجوه) الخاشعة - وهم الكفار - طعام يطعمونه في النار إلا طعام من ضريع.
قال ابن عباس: "الضريع: شجر من نار".
وقال ابن زيد: الضريع: الشوك من النار، والضريع عند العرب شوك يابس [ولا ورق فيه].
وقال عكرمة: الضريع: الحجارة.
وقال الحسن: الضريع: الزقوم وعنه أيضاً: الضريع: الذي يضرع ويذل من أكله لمرارته وخشونته.
وقال عطاء: الضريع: الشبرق. وروي ذلك أيضاً عن ابن عباس ومجاهد وقتادة، وعلى هذا القول كثير من أهل اللغة، والشبرق: [شجر] كثير الشوك تعافه الإبل، وأهل الحجاز يسمونه الضريع إذا يبس، ويسميه غيرهم الشبرق.
وقيل: الضريع واد من جهنم. وقد أخبر الله في هذه الآية بأن لا طعام لهم إلا طعام من ضريع، فأثبت لهم طعاماً، وقال في موضع آخر ﴿فَلَيْسَ لَهُ ٱلْيَوْمَ هَا هُنَا حَمِيمٌ * وَلاَ طَعَامٌ إِلاَّ مِنْ غِسْلِينٍ﴾ [الحاقة: ٣٥-٣٦].
فظاهره أنه قد أوجب لهم طعاما من غسلين فهذا خلاف ذلك في الظاهر. والمعنى في ذلك أن التقدير: فليس له اليوم هاهنا شراب حميم إلا من غسلين ولا طعام ينتفع به.
(وقيل): الغسلين من الضريع.
وقيل: الغسلين لقوم والضريع لآخرين.
ثم وصف الله أهل الجنة ونعيمهم بعد وصفه لأهل النار وعذابهم.
فقال تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاعِمَةٌ﴾.
أي: (غضرة) نضرة ينعمها الله، وهم أهل الإيمان بالله والعمل بطاعته.
* *
ثم قال تعالى: ﴿لِّسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ﴾.
أي: لعملها الذي عملته في الدنيا من طاعة ربها راضية. وقيل المعنى: [لثواب] عملها راضية في الآخرة.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ﴾.
أي: رفيعة القدر عالية المكان.
﴿لاَّ تَسْمَعُ فِيهَا لاَغِيَةً﴾ أي: لا يسمع أحد في الجنة كلمة لغو، واللغو: الباطل.
وقيل للكلمة التي هي لغة: لاغية، كما قيل لصاحب [الدرع: دارع]، ولصاحب الفرس فارس، "ولابن" "وثامر" لصاحب اللبن والثمر.
وقال الفراء: ﴿لاَغِيَةً﴾، أي: [حالفاً] يحلف بكذب.
قال ابن عباس: معناه: لا تسمع فيها أذى ولا باطلاً.
وقال مجاهد: "شتماً". وقال قتادة: باطلاً ولا مأثماً.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ﴾ أي: تجري من غير أخدود، والعين تذكر وتؤنث [والتأنيث] أكثر، وقد قال الشاعر: ؎ والعين بالإثمد [الحاري] مكحول.
فقال بعض النحويين: هذا على تذكير العين.
وقال المبرد: ذكره كما يذكر كل مؤنث غير حقيقي التأنيث لا علامة للتأنيث فيه، كما يقال: هذا دار وهذه دار.
وقال الأصمعي: مكحول للحاجب هو، لأنه قد تقدم ذكره، ولا يعرف الأصمعي في العين إلا التأنيث.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فِيهَا سُرُرٌ مَّرْفُوعَةٌ﴾.
أي: عالية ليرى المؤمن إذا جلس عليها جميع ما خوله ربه من الملك والنعيم، ويلحقه بصره. والسرر جمع سرير.
وقيل: مرفوعة: موضونة. قاله ابن عباس، كقوله: ﴿سُرُرٍ مَّصْفُوفَةٍ﴾ [الطور: ٢٠] أي: بعضها فوق بعض.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَأَكْوَابٌ مَّوْضُوعَةٌ﴾.
أي: موضوعة على حافة العين الجارية كلما أراد الشرب وجدها ملأى من الشراب. والأكواب جمع: كوب، وهي الأباريق التي لا آذان لها، وقد تقدم ذكرها بالاختلاف فيها.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ﴾.
النمارق جمع: نمرقة، وهي الوسادة والمرفقة. وحكي فيها ضم النون والراء وكسرهما، والضم (أكثر). ومعنى مصفوفة أي: بعضها إلى بعض.
وقد قال ابن عباس "النمارق: المجالس"، وعنه: "المرافق".
وقال قتادة: هي "الوسائد".
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ﴾.
قال أبو عبيدة: الزرابي البسط.
وقيل الزرابي: الطنافس التي لها خمل، و ﴿مَبْثُوثَةٌ﴾ كثيرة.
وقال قتادة: [زرابي] "مبثوثة" أي "مبسوطة".
قال ابن عمر: (رأيت عمر) رضي الله عنه يصلى على عبقري، وهي الزرابي.
* *
ثم قال تعالى: ﴿أَفَلاَ يَنظُرُونَ إِلَى ٱلإِبْلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾.
هذا كله توبيخ لمنكري القدرة، أي: أفلا ينظر من ينكر قدرة الله على كل ما يشاء مما وصف مما أعده الله للكافرين وللمؤمنين في هذه الآيات - إلى الإبل كيف خلقها الله وسخرها لهم (وذللها)، وإلى (السماء) كيف رفعها الله فوقهم لا خلل فيها ولا شقوق ولا اختلاف، رفعها بغير عمد ترونها، وإلى الجبال كيف نصبها الله على الأرض لئلا تميد بأهلها، [وأقامها] منتصبة لا تسقط على الأرض. وإلى الأرض كيف سطحها الله، أي بسطها فجعلها مستوية وطيئة ليتصرف عليها الخلق ولا يمتنعون من أسفارهم.
وقال قتادة: لما [نعت] الله ما في الجنة، عجب من ذلك أهل الضلالة، فأنزل الله جل ذكره: ﴿أَفَلاَ يَنظُرُونَ إِلَى ٱلإِبْلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ إلى ﴿سُطِحَتْ﴾.
قال: وكانت الإبل من عيش العرب. [فخوطبوا] ونبهوا على قدرته على أعظم ما في نفوسهم، فلذلك بدأ بالإبل، فكأنه قيل لهم: من قدر على إحداث هذه الأشياء وغيرها لكم وإحكام أمرها [كيف] لا يقدر على ما وصف من (أمر) الجنة والنار.
وقال ابن عباس: الإبل (ها) هنا هي الإبل بعينها، وليس شيء يحمل عليه وهو بارك إلا الإبل، وفي ذلك آية.
وقال المبرد: وقيل: الإبل: القطع العظام من السحاب.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَآ أَنتَ مُذَكِّرٌ﴾.
أي: ذكر - يا محمد - عبادي بآياتي، فإنما أرسلت مذكرا لهم.
* *
﴿لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ﴾.
أي: بمسلط ولا بجبار تجبرهم على الإيمان. ومصيطراً: أصله السين، وهو مأخوذ من السطر.
وقيل: الآية منسوخة بقوله: ﴿فَٱقْتُلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] وهو قول ابن زيد.
وقيل: هي محكمة، لأنهم إذا أسلموا تركوا على جملتهم، ولم يسلط عليهم.
قال جابر: قال رسول الله ﷺ: أُمِرتَ أَن أقاتِلَ الناسَ حَتّى يَقولوا لا إِلَهَ إلاّ الله، فَإذا قالوا لا إِلَهَ إِلاّ الله عَصَمُوا مِنّي دِماءَهُم وَأَموالَهُم إِلاّ بِحقّها وَحِسابُهُم عَلى الله. ثم تلا ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَآ أَنتَ مُذَكِّرٌ * لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ﴾
قال ابن عباس: ﴿بِمُصَيْطِرٍ﴾ بجبار.
* *
ثم قال تعالى: ﴿إِلاَّ مَن تَوَلَّىٰ وَكَفَرَ * فَيُعَذِّبُهُ ٱللَّهُ ٱلْعَذَابَ ٱلأَكْبَرَ﴾.
أي: فذكر يا محمد قومك إلا من تولى عنك فأعرض عن الإيمان وكفر فيكون هذا استثناء من الذين كان التذكير فيهم، فيكون في موضع نصب.
وقيل: الاستثناء منقطع مما قبله. والمعنى: لست عليهم ﴿بِمُصَيْطِرٍ﴾ إلا من تولى وكفر بعد ذلك، فإنك ستسلط [عليه] إن أسلم أو السيف.
والاستثناء المنقطع [تعتبره] أبداً بأن [تحسن] "إن" معه، فإذا حسنت جاز أن يكون منقطعاً، وإذا لم تحسن كان متصلا صحيحا. يقول القاتل: "سار القوم إلا زيدا"، فلا يحسن دخول "إن" هنا، (لأنه) استثناء صحيح.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَيُعَذِّبُهُ ٱللَّهُ ٱلْعَذَابَ ٱلأَكْبَرَ﴾.
وهو عذاب جهنم في الآخرة.
* *
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ إِلَيْنَآ إِيَابَهُمْ﴾ أي: رجوعهم في الآخرة.
﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ﴾ أي: (علينا) حساب أعمالهم [فنجازيهم] (بها) فالله (هو) المحاسب المعاقب لهم وأنت - يا محمد - مذكر مبلغ عن ربك إليهم.
الغاشية 88:10
قوله تعالى: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ٱلْغَاشِيَةِ﴾ إلى آخرها.
أي: قد أتاك - يا محمد - حديث الغاشية، وهي القيامة تغشى الناس بقيامها وأهوالها.
وقال ابن جبير: الغاشية جهنم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ﴾.
أي: ذليلة، وهي وجوه الكفار. قال قتادة: "خاشعة في النار".
* *
ثم قال: ﴿عَامِلَةٌ نَّاصِبَةٌ﴾.
أي: هي عاملة ناصبة بمعنى: تعمل وتنصب في الدنيا، وهي تصلى ناراً حامية في الآخرة.
وهذا القول يُروى عن عمر رضي الله عنه. ولا يتم الكلام [على] [ناصبة] أو (على) ﴿خَاشِعَةٌ﴾ ويجوز أن يكون في الكلام تقديم وتأخير على هذا القول، والتقدير: وجوه عاملة ناصبة في الدنيا يومئذ خاشعة.
وقيل: الآية نزلت في عبدة الأوثان والرهبان من أهل الكتاب، أنصبوا أنفسهم وأتعبوها بالعمل ولم يتقبل منهم، لأنهم على غير إسلام.
وقال عكرمة: (معناه): عاملة في الدنيا بمعاصي الله، ناصبة في الآخرة في النار. فيتم الكلام على هذا القول على "عاملة".
وقال الحسن وقتادة: إن الوجوه في القيامة خاشعة عاملة ناصبة، وإنها (لما) لم تعمل في الدنيا لله أعملها الله في النار وأنصبها. فلا يتم الكلام من أوله على ﴿نَّاصِبَةٌ﴾ على هذا القول.
قال ابن عباس: "تعمل وتنصب في النار".
وقال قتادة: "تكبرت في الدنيا عن طاعة الله، فأعملها وأنصبها في النار".
وقال ابن زيد: "لا أحد أنصب ولا أشد من أهل النار".
وكان عمر رضي الله عنه يتأولها في الدنيا في البرهان وشبههم. يعملون في الدنيا، ويجتهدون، وهم في النار. ويكون الكلام يتم على ﴿خَاشِعَةٌ﴾ لأنه آخر صفتهم في يوم القيامة، ثم ابتدأ بصفتهم في الدنيا.
وقيل: التقدير: وجوه عاملة ناصبة في الدنيا ﴿يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ﴾ يعني: في الآخرة.
وفي الحديث أن النبي ﷺ وسلم ذكر القدرية فبكى، وقال: إن فيهم المجتهد.
* *
وقوله: ﴿تَصْلَىٰ نَاراً حَامِيَةً﴾ أي: ترد ناراً قد حميت واشتد حرها. والإخبار في جميع ذلك عن الوجوه، والمراد به أصحابها، لأن المعنى مفهوم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿تَصْلَىٰ نَاراً حَامِيَةً﴾.
أي: [يسقى] يومئذ أصحاب هذه الوجوه (من عين قد) انتهى حرها فبلغ الغاية في شدة الحر.
وقال مجاهد: من عين قد (أنى نضجها) منذ خلق الله عز وجل الدنيا. وقال ابن زيد: ﴿مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ﴾ أي: حاضرة.
وقال تعالى: ﴿لَّيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلاَّ مِن ضَرِيعٍ﴾.
أي: (ليس) لأصحاب هذه (الوجوه) الخاشعة - وهم الكفار - طعام يطعمونه في النار إلا طعام من ضريع.
قال ابن عباس: "الضريع: شجر من نار".
وقال ابن زيد: الضريع: الشوك من النار، والضريع عند العرب شوك يابس [ولا ورق فيه].
وقال عكرمة: الضريع: الحجارة.
وقال الحسن: الضريع: الزقوم وعنه أيضاً: الضريع: الذي يضرع ويذل من أكله لمرارته وخشونته.
وقال عطاء: الضريع: الشبرق. وروي ذلك أيضاً عن ابن عباس ومجاهد وقتادة، وعلى هذا القول كثير من أهل اللغة، والشبرق: [شجر] كثير الشوك تعافه الإبل، وأهل الحجاز يسمونه الضريع إذا يبس، ويسميه غيرهم الشبرق.
وقيل: الضريع واد من جهنم. وقد أخبر الله في هذه الآية بأن لا طعام لهم إلا طعام من ضريع، فأثبت لهم طعاماً، وقال في موضع آخر ﴿فَلَيْسَ لَهُ ٱلْيَوْمَ هَا هُنَا حَمِيمٌ * وَلاَ طَعَامٌ إِلاَّ مِنْ غِسْلِينٍ﴾ [الحاقة: ٣٥-٣٦].
فظاهره أنه قد أوجب لهم طعاما من غسلين فهذا خلاف ذلك في الظاهر. والمعنى في ذلك أن التقدير: فليس له اليوم هاهنا شراب حميم إلا من غسلين ولا طعام ينتفع به.
(وقيل): الغسلين من الضريع.
وقيل: الغسلين لقوم والضريع لآخرين.
ثم وصف الله أهل الجنة ونعيمهم بعد وصفه لأهل النار وعذابهم.
فقال تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاعِمَةٌ﴾.
أي: (غضرة) نضرة ينعمها الله، وهم أهل الإيمان بالله والعمل بطاعته.
* *
ثم قال تعالى: ﴿لِّسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ﴾.
أي: لعملها الذي عملته في الدنيا من طاعة ربها راضية. وقيل المعنى: [لثواب] عملها راضية في الآخرة.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ﴾.
أي: رفيعة القدر عالية المكان.
﴿لاَّ تَسْمَعُ فِيهَا لاَغِيَةً﴾ أي: لا يسمع أحد في الجنة كلمة لغو، واللغو: الباطل.
وقيل للكلمة التي هي لغة: لاغية، كما قيل لصاحب [الدرع: دارع]، ولصاحب الفرس فارس، "ولابن" "وثامر" لصاحب اللبن والثمر.
وقال الفراء: ﴿لاَغِيَةً﴾، أي: [حالفاً] يحلف بكذب.
قال ابن عباس: معناه: لا تسمع فيها أذى ولا باطلاً.
وقال مجاهد: "شتماً". وقال قتادة: باطلاً ولا مأثماً.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ﴾ أي: تجري من غير أخدود، والعين تذكر وتؤنث [والتأنيث] أكثر، وقد قال الشاعر: ؎ والعين بالإثمد [الحاري] مكحول.
فقال بعض النحويين: هذا على تذكير العين.
وقال المبرد: ذكره كما يذكر كل مؤنث غير حقيقي التأنيث لا علامة للتأنيث فيه، كما يقال: هذا دار وهذه دار.
وقال الأصمعي: مكحول للحاجب هو، لأنه قد تقدم ذكره، ولا يعرف الأصمعي في العين إلا التأنيث.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فِيهَا سُرُرٌ مَّرْفُوعَةٌ﴾.
أي: عالية ليرى المؤمن إذا جلس عليها جميع ما خوله ربه من الملك والنعيم، ويلحقه بصره. والسرر جمع سرير.
وقيل: مرفوعة: موضونة. قاله ابن عباس، كقوله: ﴿سُرُرٍ مَّصْفُوفَةٍ﴾ [الطور: ٢٠] أي: بعضها فوق بعض.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَأَكْوَابٌ مَّوْضُوعَةٌ﴾.
أي: موضوعة على حافة العين الجارية كلما أراد الشرب وجدها ملأى من الشراب. والأكواب جمع: كوب، وهي الأباريق التي لا آذان لها، وقد تقدم ذكرها بالاختلاف فيها.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ﴾.
النمارق جمع: نمرقة، وهي الوسادة والمرفقة. وحكي فيها ضم النون والراء وكسرهما، والضم (أكثر). ومعنى مصفوفة أي: بعضها إلى بعض.
وقد قال ابن عباس "النمارق: المجالس"، وعنه: "المرافق".
وقال قتادة: هي "الوسائد".
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ﴾.
قال أبو عبيدة: الزرابي البسط.
وقيل الزرابي: الطنافس التي لها خمل، و ﴿مَبْثُوثَةٌ﴾ كثيرة.
وقال قتادة: [زرابي] "مبثوثة" أي "مبسوطة".
قال ابن عمر: (رأيت عمر) رضي الله عنه يصلى على عبقري، وهي الزرابي.
* *
ثم قال تعالى: ﴿أَفَلاَ يَنظُرُونَ إِلَى ٱلإِبْلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾.
هذا كله توبيخ لمنكري القدرة، أي: أفلا ينظر من ينكر قدرة الله على كل ما يشاء مما وصف مما أعده الله للكافرين وللمؤمنين في هذه الآيات - إلى الإبل كيف خلقها الله وسخرها لهم (وذللها)، وإلى (السماء) كيف رفعها الله فوقهم لا خلل فيها ولا شقوق ولا اختلاف، رفعها بغير عمد ترونها، وإلى الجبال كيف نصبها الله على الأرض لئلا تميد بأهلها، [وأقامها] منتصبة لا تسقط على الأرض. وإلى الأرض كيف سطحها الله، أي بسطها فجعلها مستوية وطيئة ليتصرف عليها الخلق ولا يمتنعون من أسفارهم.
وقال قتادة: لما [نعت] الله ما في الجنة، عجب من ذلك أهل الضلالة، فأنزل الله جل ذكره: ﴿أَفَلاَ يَنظُرُونَ إِلَى ٱلإِبْلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ إلى ﴿سُطِحَتْ﴾.
قال: وكانت الإبل من عيش العرب. [فخوطبوا] ونبهوا على قدرته على أعظم ما في نفوسهم، فلذلك بدأ بالإبل، فكأنه قيل لهم: من قدر على إحداث هذه الأشياء وغيرها لكم وإحكام أمرها [كيف] لا يقدر على ما وصف من (أمر) الجنة والنار.
وقال ابن عباس: الإبل (ها) هنا هي الإبل بعينها، وليس شيء يحمل عليه وهو بارك إلا الإبل، وفي ذلك آية.
وقال المبرد: وقيل: الإبل: القطع العظام من السحاب.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَآ أَنتَ مُذَكِّرٌ﴾.
أي: ذكر - يا محمد - عبادي بآياتي، فإنما أرسلت مذكرا لهم.
* *
﴿لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ﴾.
أي: بمسلط ولا بجبار تجبرهم على الإيمان. ومصيطراً: أصله السين، وهو مأخوذ من السطر.
وقيل: الآية منسوخة بقوله: ﴿فَٱقْتُلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] وهو قول ابن زيد.
وقيل: هي محكمة، لأنهم إذا أسلموا تركوا على جملتهم، ولم يسلط عليهم.
قال جابر: قال رسول الله ﷺ: أُمِرتَ أَن أقاتِلَ الناسَ حَتّى يَقولوا لا إِلَهَ إلاّ الله، فَإذا قالوا لا إِلَهَ إِلاّ الله عَصَمُوا مِنّي دِماءَهُم وَأَموالَهُم إِلاّ بِحقّها وَحِسابُهُم عَلى الله. ثم تلا ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَآ أَنتَ مُذَكِّرٌ * لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ﴾
قال ابن عباس: ﴿بِمُصَيْطِرٍ﴾ بجبار.
* *
ثم قال تعالى: ﴿إِلاَّ مَن تَوَلَّىٰ وَكَفَرَ * فَيُعَذِّبُهُ ٱللَّهُ ٱلْعَذَابَ ٱلأَكْبَرَ﴾.
أي: فذكر يا محمد قومك إلا من تولى عنك فأعرض عن الإيمان وكفر فيكون هذا استثناء من الذين كان التذكير فيهم، فيكون في موضع نصب.
وقيل: الاستثناء منقطع مما قبله. والمعنى: لست عليهم ﴿بِمُصَيْطِرٍ﴾ إلا من تولى وكفر بعد ذلك، فإنك ستسلط [عليه] إن أسلم أو السيف.
والاستثناء المنقطع [تعتبره] أبداً بأن [تحسن] "إن" معه، فإذا حسنت جاز أن يكون منقطعاً، وإذا لم تحسن كان متصلا صحيحا. يقول القاتل: "سار القوم إلا زيدا"، فلا يحسن دخول "إن" هنا، (لأنه) استثناء صحيح.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَيُعَذِّبُهُ ٱللَّهُ ٱلْعَذَابَ ٱلأَكْبَرَ﴾.
وهو عذاب جهنم في الآخرة.
* *
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ إِلَيْنَآ إِيَابَهُمْ﴾ أي: رجوعهم في الآخرة.
﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ﴾ أي: (علينا) حساب أعمالهم [فنجازيهم] (بها) فالله (هو) المحاسب المعاقب لهم وأنت - يا محمد - مذكر مبلغ عن ربك إليهم.
الغاشية 88:11
قوله تعالى: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ٱلْغَاشِيَةِ﴾ إلى آخرها.
أي: قد أتاك - يا محمد - حديث الغاشية، وهي القيامة تغشى الناس بقيامها وأهوالها.
وقال ابن جبير: الغاشية جهنم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ﴾.
أي: ذليلة، وهي وجوه الكفار. قال قتادة: "خاشعة في النار".
* *
ثم قال: ﴿عَامِلَةٌ نَّاصِبَةٌ﴾.
أي: هي عاملة ناصبة بمعنى: تعمل وتنصب في الدنيا، وهي تصلى ناراً حامية في الآخرة.
وهذا القول يُروى عن عمر رضي الله عنه. ولا يتم الكلام [على] [ناصبة] أو (على) ﴿خَاشِعَةٌ﴾ ويجوز أن يكون في الكلام تقديم وتأخير على هذا القول، والتقدير: وجوه عاملة ناصبة في الدنيا يومئذ خاشعة.
وقيل: الآية نزلت في عبدة الأوثان والرهبان من أهل الكتاب، أنصبوا أنفسهم وأتعبوها بالعمل ولم يتقبل منهم، لأنهم على غير إسلام.
وقال عكرمة: (معناه): عاملة في الدنيا بمعاصي الله، ناصبة في الآخرة في النار. فيتم الكلام على هذا القول على "عاملة".
وقال الحسن وقتادة: إن الوجوه في القيامة خاشعة عاملة ناصبة، وإنها (لما) لم تعمل في الدنيا لله أعملها الله في النار وأنصبها. فلا يتم الكلام من أوله على ﴿نَّاصِبَةٌ﴾ على هذا القول.
قال ابن عباس: "تعمل وتنصب في النار".
وقال قتادة: "تكبرت في الدنيا عن طاعة الله، فأعملها وأنصبها في النار".
وقال ابن زيد: "لا أحد أنصب ولا أشد من أهل النار".
وكان عمر رضي الله عنه يتأولها في الدنيا في البرهان وشبههم. يعملون في الدنيا، ويجتهدون، وهم في النار. ويكون الكلام يتم على ﴿خَاشِعَةٌ﴾ لأنه آخر صفتهم في يوم القيامة، ثم ابتدأ بصفتهم في الدنيا.
وقيل: التقدير: وجوه عاملة ناصبة في الدنيا ﴿يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ﴾ يعني: في الآخرة.
وفي الحديث أن النبي ﷺ وسلم ذكر القدرية فبكى، وقال: إن فيهم المجتهد.
* *
وقوله: ﴿تَصْلَىٰ نَاراً حَامِيَةً﴾ أي: ترد ناراً قد حميت واشتد حرها. والإخبار في جميع ذلك عن الوجوه، والمراد به أصحابها، لأن المعنى مفهوم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿تَصْلَىٰ نَاراً حَامِيَةً﴾.
أي: [يسقى] يومئذ أصحاب هذه الوجوه (من عين قد) انتهى حرها فبلغ الغاية في شدة الحر.
وقال مجاهد: من عين قد (أنى نضجها) منذ خلق الله عز وجل الدنيا. وقال ابن زيد: ﴿مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ﴾ أي: حاضرة.
وقال تعالى: ﴿لَّيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلاَّ مِن ضَرِيعٍ﴾.
أي: (ليس) لأصحاب هذه (الوجوه) الخاشعة - وهم الكفار - طعام يطعمونه في النار إلا طعام من ضريع.
قال ابن عباس: "الضريع: شجر من نار".
وقال ابن زيد: الضريع: الشوك من النار، والضريع عند العرب شوك يابس [ولا ورق فيه].
وقال عكرمة: الضريع: الحجارة.
وقال الحسن: الضريع: الزقوم وعنه أيضاً: الضريع: الذي يضرع ويذل من أكله لمرارته وخشونته.
وقال عطاء: الضريع: الشبرق. وروي ذلك أيضاً عن ابن عباس ومجاهد وقتادة، وعلى هذا القول كثير من أهل اللغة، والشبرق: [شجر] كثير الشوك تعافه الإبل، وأهل الحجاز يسمونه الضريع إذا يبس، ويسميه غيرهم الشبرق.
وقيل: الضريع واد من جهنم. وقد أخبر الله في هذه الآية بأن لا طعام لهم إلا طعام من ضريع، فأثبت لهم طعاماً، وقال في موضع آخر ﴿فَلَيْسَ لَهُ ٱلْيَوْمَ هَا هُنَا حَمِيمٌ * وَلاَ طَعَامٌ إِلاَّ مِنْ غِسْلِينٍ﴾ [الحاقة: ٣٥-٣٦].
فظاهره أنه قد أوجب لهم طعاما من غسلين فهذا خلاف ذلك في الظاهر. والمعنى في ذلك أن التقدير: فليس له اليوم هاهنا شراب حميم إلا من غسلين ولا طعام ينتفع به.
(وقيل): الغسلين من الضريع.
وقيل: الغسلين لقوم والضريع لآخرين.
ثم وصف الله أهل الجنة ونعيمهم بعد وصفه لأهل النار وعذابهم.
فقال تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاعِمَةٌ﴾.
أي: (غضرة) نضرة ينعمها الله، وهم أهل الإيمان بالله والعمل بطاعته.
* *
ثم قال تعالى: ﴿لِّسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ﴾.
أي: لعملها الذي عملته في الدنيا من طاعة ربها راضية. وقيل المعنى: [لثواب] عملها راضية في الآخرة.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ﴾.
أي: رفيعة القدر عالية المكان.
﴿لاَّ تَسْمَعُ فِيهَا لاَغِيَةً﴾ أي: لا يسمع أحد في الجنة كلمة لغو، واللغو: الباطل.
وقيل للكلمة التي هي لغة: لاغية، كما قيل لصاحب [الدرع: دارع]، ولصاحب الفرس فارس، "ولابن" "وثامر" لصاحب اللبن والثمر.
وقال الفراء: ﴿لاَغِيَةً﴾، أي: [حالفاً] يحلف بكذب.
قال ابن عباس: معناه: لا تسمع فيها أذى ولا باطلاً.
وقال مجاهد: "شتماً". وقال قتادة: باطلاً ولا مأثماً.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ﴾ أي: تجري من غير أخدود، والعين تذكر وتؤنث [والتأنيث] أكثر، وقد قال الشاعر: ؎ والعين بالإثمد [الحاري] مكحول.
فقال بعض النحويين: هذا على تذكير العين.
وقال المبرد: ذكره كما يذكر كل مؤنث غير حقيقي التأنيث لا علامة للتأنيث فيه، كما يقال: هذا دار وهذه دار.
وقال الأصمعي: مكحول للحاجب هو، لأنه قد تقدم ذكره، ولا يعرف الأصمعي في العين إلا التأنيث.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فِيهَا سُرُرٌ مَّرْفُوعَةٌ﴾.
أي: عالية ليرى المؤمن إذا جلس عليها جميع ما خوله ربه من الملك والنعيم، ويلحقه بصره. والسرر جمع سرير.
وقيل: مرفوعة: موضونة. قاله ابن عباس، كقوله: ﴿سُرُرٍ مَّصْفُوفَةٍ﴾ [الطور: ٢٠] أي: بعضها فوق بعض.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَأَكْوَابٌ مَّوْضُوعَةٌ﴾.
أي: موضوعة على حافة العين الجارية كلما أراد الشرب وجدها ملأى من الشراب. والأكواب جمع: كوب، وهي الأباريق التي لا آذان لها، وقد تقدم ذكرها بالاختلاف فيها.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ﴾.
النمارق جمع: نمرقة، وهي الوسادة والمرفقة. وحكي فيها ضم النون والراء وكسرهما، والضم (أكثر). ومعنى مصفوفة أي: بعضها إلى بعض.
وقد قال ابن عباس "النمارق: المجالس"، وعنه: "المرافق".
وقال قتادة: هي "الوسائد".
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ﴾.
قال أبو عبيدة: الزرابي البسط.
وقيل الزرابي: الطنافس التي لها خمل، و ﴿مَبْثُوثَةٌ﴾ كثيرة.
وقال قتادة: [زرابي] "مبثوثة" أي "مبسوطة".
قال ابن عمر: (رأيت عمر) رضي الله عنه يصلى على عبقري، وهي الزرابي.
* *
ثم قال تعالى: ﴿أَفَلاَ يَنظُرُونَ إِلَى ٱلإِبْلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾.
هذا كله توبيخ لمنكري القدرة، أي: أفلا ينظر من ينكر قدرة الله على كل ما يشاء مما وصف مما أعده الله للكافرين وللمؤمنين في هذه الآيات - إلى الإبل كيف خلقها الله وسخرها لهم (وذللها)، وإلى (السماء) كيف رفعها الله فوقهم لا خلل فيها ولا شقوق ولا اختلاف، رفعها بغير عمد ترونها، وإلى الجبال كيف نصبها الله على الأرض لئلا تميد بأهلها، [وأقامها] منتصبة لا تسقط على الأرض. وإلى الأرض كيف سطحها الله، أي بسطها فجعلها مستوية وطيئة ليتصرف عليها الخلق ولا يمتنعون من أسفارهم.
وقال قتادة: لما [نعت] الله ما في الجنة، عجب من ذلك أهل الضلالة، فأنزل الله جل ذكره: ﴿أَفَلاَ يَنظُرُونَ إِلَى ٱلإِبْلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ إلى ﴿سُطِحَتْ﴾.
قال: وكانت الإبل من عيش العرب. [فخوطبوا] ونبهوا على قدرته على أعظم ما في نفوسهم، فلذلك بدأ بالإبل، فكأنه قيل لهم: من قدر على إحداث هذه الأشياء وغيرها لكم وإحكام أمرها [كيف] لا يقدر على ما وصف من (أمر) الجنة والنار.
وقال ابن عباس: الإبل (ها) هنا هي الإبل بعينها، وليس شيء يحمل عليه وهو بارك إلا الإبل، وفي ذلك آية.
وقال المبرد: وقيل: الإبل: القطع العظام من السحاب.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَآ أَنتَ مُذَكِّرٌ﴾.
أي: ذكر - يا محمد - عبادي بآياتي، فإنما أرسلت مذكرا لهم.
* *
﴿لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ﴾.
أي: بمسلط ولا بجبار تجبرهم على الإيمان. ومصيطراً: أصله السين، وهو مأخوذ من السطر.
وقيل: الآية منسوخة بقوله: ﴿فَٱقْتُلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] وهو قول ابن زيد.
وقيل: هي محكمة، لأنهم إذا أسلموا تركوا على جملتهم، ولم يسلط عليهم.
قال جابر: قال رسول الله ﷺ: أُمِرتَ أَن أقاتِلَ الناسَ حَتّى يَقولوا لا إِلَهَ إلاّ الله، فَإذا قالوا لا إِلَهَ إِلاّ الله عَصَمُوا مِنّي دِماءَهُم وَأَموالَهُم إِلاّ بِحقّها وَحِسابُهُم عَلى الله. ثم تلا ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَآ أَنتَ مُذَكِّرٌ * لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ﴾
قال ابن عباس: ﴿بِمُصَيْطِرٍ﴾ بجبار.
* *
ثم قال تعالى: ﴿إِلاَّ مَن تَوَلَّىٰ وَكَفَرَ * فَيُعَذِّبُهُ ٱللَّهُ ٱلْعَذَابَ ٱلأَكْبَرَ﴾.
أي: فذكر يا محمد قومك إلا من تولى عنك فأعرض عن الإيمان وكفر فيكون هذا استثناء من الذين كان التذكير فيهم، فيكون في موضع نصب.
وقيل: الاستثناء منقطع مما قبله. والمعنى: لست عليهم ﴿بِمُصَيْطِرٍ﴾ إلا من تولى وكفر بعد ذلك، فإنك ستسلط [عليه] إن أسلم أو السيف.
والاستثناء المنقطع [تعتبره] أبداً بأن [تحسن] "إن" معه، فإذا حسنت جاز أن يكون منقطعاً، وإذا لم تحسن كان متصلا صحيحا. يقول القاتل: "سار القوم إلا زيدا"، فلا يحسن دخول "إن" هنا، (لأنه) استثناء صحيح.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَيُعَذِّبُهُ ٱللَّهُ ٱلْعَذَابَ ٱلأَكْبَرَ﴾.
وهو عذاب جهنم في الآخرة.
* *
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ إِلَيْنَآ إِيَابَهُمْ﴾ أي: رجوعهم في الآخرة.
﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ﴾ أي: (علينا) حساب أعمالهم [فنجازيهم] (بها) فالله (هو) المحاسب المعاقب لهم وأنت - يا محمد - مذكر مبلغ عن ربك إليهم.
الغاشية 88:12
قوله تعالى: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ٱلْغَاشِيَةِ﴾ إلى آخرها.
أي: قد أتاك - يا محمد - حديث الغاشية، وهي القيامة تغشى الناس بقيامها وأهوالها.
وقال ابن جبير: الغاشية جهنم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ﴾.
أي: ذليلة، وهي وجوه الكفار. قال قتادة: "خاشعة في النار".
* *
ثم قال: ﴿عَامِلَةٌ نَّاصِبَةٌ﴾.
أي: هي عاملة ناصبة بمعنى: تعمل وتنصب في الدنيا، وهي تصلى ناراً حامية في الآخرة.
وهذا القول يُروى عن عمر رضي الله عنه. ولا يتم الكلام [على] [ناصبة] أو (على) ﴿خَاشِعَةٌ﴾ ويجوز أن يكون في الكلام تقديم وتأخير على هذا القول، والتقدير: وجوه عاملة ناصبة في الدنيا يومئذ خاشعة.
وقيل: الآية نزلت في عبدة الأوثان والرهبان من أهل الكتاب، أنصبوا أنفسهم وأتعبوها بالعمل ولم يتقبل منهم، لأنهم على غير إسلام.
وقال عكرمة: (معناه): عاملة في الدنيا بمعاصي الله، ناصبة في الآخرة في النار. فيتم الكلام على هذا القول على "عاملة".
وقال الحسن وقتادة: إن الوجوه في القيامة خاشعة عاملة ناصبة، وإنها (لما) لم تعمل في الدنيا لله أعملها الله في النار وأنصبها. فلا يتم الكلام من أوله على ﴿نَّاصِبَةٌ﴾ على هذا القول.
قال ابن عباس: "تعمل وتنصب في النار".
وقال قتادة: "تكبرت في الدنيا عن طاعة الله، فأعملها وأنصبها في النار".
وقال ابن زيد: "لا أحد أنصب ولا أشد من أهل النار".
وكان عمر رضي الله عنه يتأولها في الدنيا في البرهان وشبههم. يعملون في الدنيا، ويجتهدون، وهم في النار. ويكون الكلام يتم على ﴿خَاشِعَةٌ﴾ لأنه آخر صفتهم في يوم القيامة، ثم ابتدأ بصفتهم في الدنيا.
وقيل: التقدير: وجوه عاملة ناصبة في الدنيا ﴿يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ﴾ يعني: في الآخرة.
وفي الحديث أن النبي ﷺ وسلم ذكر القدرية فبكى، وقال: إن فيهم المجتهد.
* *
وقوله: ﴿تَصْلَىٰ نَاراً حَامِيَةً﴾ أي: ترد ناراً قد حميت واشتد حرها. والإخبار في جميع ذلك عن الوجوه، والمراد به أصحابها، لأن المعنى مفهوم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿تَصْلَىٰ نَاراً حَامِيَةً﴾.
أي: [يسقى] يومئذ أصحاب هذه الوجوه (من عين قد) انتهى حرها فبلغ الغاية في شدة الحر.
وقال مجاهد: من عين قد (أنى نضجها) منذ خلق الله عز وجل الدنيا. وقال ابن زيد: ﴿مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ﴾ أي: حاضرة.
وقال تعالى: ﴿لَّيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلاَّ مِن ضَرِيعٍ﴾.
أي: (ليس) لأصحاب هذه (الوجوه) الخاشعة - وهم الكفار - طعام يطعمونه في النار إلا طعام من ضريع.
قال ابن عباس: "الضريع: شجر من نار".
وقال ابن زيد: الضريع: الشوك من النار، والضريع عند العرب شوك يابس [ولا ورق فيه].
وقال عكرمة: الضريع: الحجارة.
وقال الحسن: الضريع: الزقوم وعنه أيضاً: الضريع: الذي يضرع ويذل من أكله لمرارته وخشونته.
وقال عطاء: الضريع: الشبرق. وروي ذلك أيضاً عن ابن عباس ومجاهد وقتادة، وعلى هذا القول كثير من أهل اللغة، والشبرق: [شجر] كثير الشوك تعافه الإبل، وأهل الحجاز يسمونه الضريع إذا يبس، ويسميه غيرهم الشبرق.
وقيل: الضريع واد من جهنم. وقد أخبر الله في هذه الآية بأن لا طعام لهم إلا طعام من ضريع، فأثبت لهم طعاماً، وقال في موضع آخر ﴿فَلَيْسَ لَهُ ٱلْيَوْمَ هَا هُنَا حَمِيمٌ * وَلاَ طَعَامٌ إِلاَّ مِنْ غِسْلِينٍ﴾ [الحاقة: ٣٥-٣٦].
فظاهره أنه قد أوجب لهم طعاما من غسلين فهذا خلاف ذلك في الظاهر. والمعنى في ذلك أن التقدير: فليس له اليوم هاهنا شراب حميم إلا من غسلين ولا طعام ينتفع به.
(وقيل): الغسلين من الضريع.
وقيل: الغسلين لقوم والضريع لآخرين.
ثم وصف الله أهل الجنة ونعيمهم بعد وصفه لأهل النار وعذابهم.
فقال تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاعِمَةٌ﴾.
أي: (غضرة) نضرة ينعمها الله، وهم أهل الإيمان بالله والعمل بطاعته.
* *
ثم قال تعالى: ﴿لِّسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ﴾.
أي: لعملها الذي عملته في الدنيا من طاعة ربها راضية. وقيل المعنى: [لثواب] عملها راضية في الآخرة.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ﴾.
أي: رفيعة القدر عالية المكان.
﴿لاَّ تَسْمَعُ فِيهَا لاَغِيَةً﴾ أي: لا يسمع أحد في الجنة كلمة لغو، واللغو: الباطل.
وقيل للكلمة التي هي لغة: لاغية، كما قيل لصاحب [الدرع: دارع]، ولصاحب الفرس فارس، "ولابن" "وثامر" لصاحب اللبن والثمر.
وقال الفراء: ﴿لاَغِيَةً﴾، أي: [حالفاً] يحلف بكذب.
قال ابن عباس: معناه: لا تسمع فيها أذى ولا باطلاً.
وقال مجاهد: "شتماً". وقال قتادة: باطلاً ولا مأثماً.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ﴾ أي: تجري من غير أخدود، والعين تذكر وتؤنث [والتأنيث] أكثر، وقد قال الشاعر: ؎ والعين بالإثمد [الحاري] مكحول.
فقال بعض النحويين: هذا على تذكير العين.
وقال المبرد: ذكره كما يذكر كل مؤنث غير حقيقي التأنيث لا علامة للتأنيث فيه، كما يقال: هذا دار وهذه دار.
وقال الأصمعي: مكحول للحاجب هو، لأنه قد تقدم ذكره، ولا يعرف الأصمعي في العين إلا التأنيث.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فِيهَا سُرُرٌ مَّرْفُوعَةٌ﴾.
أي: عالية ليرى المؤمن إذا جلس عليها جميع ما خوله ربه من الملك والنعيم، ويلحقه بصره. والسرر جمع سرير.
وقيل: مرفوعة: موضونة. قاله ابن عباس، كقوله: ﴿سُرُرٍ مَّصْفُوفَةٍ﴾ [الطور: ٢٠] أي: بعضها فوق بعض.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَأَكْوَابٌ مَّوْضُوعَةٌ﴾.
أي: موضوعة على حافة العين الجارية كلما أراد الشرب وجدها ملأى من الشراب. والأكواب جمع: كوب، وهي الأباريق التي لا آذان لها، وقد تقدم ذكرها بالاختلاف فيها.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ﴾.
النمارق جمع: نمرقة، وهي الوسادة والمرفقة. وحكي فيها ضم النون والراء وكسرهما، والضم (أكثر). ومعنى مصفوفة أي: بعضها إلى بعض.
وقد قال ابن عباس "النمارق: المجالس"، وعنه: "المرافق".
وقال قتادة: هي "الوسائد".
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ﴾.
قال أبو عبيدة: الزرابي البسط.
وقيل الزرابي: الطنافس التي لها خمل، و ﴿مَبْثُوثَةٌ﴾ كثيرة.
وقال قتادة: [زرابي] "مبثوثة" أي "مبسوطة".
قال ابن عمر: (رأيت عمر) رضي الله عنه يصلى على عبقري، وهي الزرابي.
* *
ثم قال تعالى: ﴿أَفَلاَ يَنظُرُونَ إِلَى ٱلإِبْلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾.
هذا كله توبيخ لمنكري القدرة، أي: أفلا ينظر من ينكر قدرة الله على كل ما يشاء مما وصف مما أعده الله للكافرين وللمؤمنين في هذه الآيات - إلى الإبل كيف خلقها الله وسخرها لهم (وذللها)، وإلى (السماء) كيف رفعها الله فوقهم لا خلل فيها ولا شقوق ولا اختلاف، رفعها بغير عمد ترونها، وإلى الجبال كيف نصبها الله على الأرض لئلا تميد بأهلها، [وأقامها] منتصبة لا تسقط على الأرض. وإلى الأرض كيف سطحها الله، أي بسطها فجعلها مستوية وطيئة ليتصرف عليها الخلق ولا يمتنعون من أسفارهم.
وقال قتادة: لما [نعت] الله ما في الجنة، عجب من ذلك أهل الضلالة، فأنزل الله جل ذكره: ﴿أَفَلاَ يَنظُرُونَ إِلَى ٱلإِبْلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ إلى ﴿سُطِحَتْ﴾.
قال: وكانت الإبل من عيش العرب. [فخوطبوا] ونبهوا على قدرته على أعظم ما في نفوسهم، فلذلك بدأ بالإبل، فكأنه قيل لهم: من قدر على إحداث هذه الأشياء وغيرها لكم وإحكام أمرها [كيف] لا يقدر على ما وصف من (أمر) الجنة والنار.
وقال ابن عباس: الإبل (ها) هنا هي الإبل بعينها، وليس شيء يحمل عليه وهو بارك إلا الإبل، وفي ذلك آية.
وقال المبرد: وقيل: الإبل: القطع العظام من السحاب.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَآ أَنتَ مُذَكِّرٌ﴾.
أي: ذكر - يا محمد - عبادي بآياتي، فإنما أرسلت مذكرا لهم.
* *
﴿لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ﴾.
أي: بمسلط ولا بجبار تجبرهم على الإيمان. ومصيطراً: أصله السين، وهو مأخوذ من السطر.
وقيل: الآية منسوخة بقوله: ﴿فَٱقْتُلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] وهو قول ابن زيد.
وقيل: هي محكمة، لأنهم إذا أسلموا تركوا على جملتهم، ولم يسلط عليهم.
قال جابر: قال رسول الله ﷺ: أُمِرتَ أَن أقاتِلَ الناسَ حَتّى يَقولوا لا إِلَهَ إلاّ الله، فَإذا قالوا لا إِلَهَ إِلاّ الله عَصَمُوا مِنّي دِماءَهُم وَأَموالَهُم إِلاّ بِحقّها وَحِسابُهُم عَلى الله. ثم تلا ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَآ أَنتَ مُذَكِّرٌ * لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ﴾
قال ابن عباس: ﴿بِمُصَيْطِرٍ﴾ بجبار.
* *
ثم قال تعالى: ﴿إِلاَّ مَن تَوَلَّىٰ وَكَفَرَ * فَيُعَذِّبُهُ ٱللَّهُ ٱلْعَذَابَ ٱلأَكْبَرَ﴾.
أي: فذكر يا محمد قومك إلا من تولى عنك فأعرض عن الإيمان وكفر فيكون هذا استثناء من الذين كان التذكير فيهم، فيكون في موضع نصب.
وقيل: الاستثناء منقطع مما قبله. والمعنى: لست عليهم ﴿بِمُصَيْطِرٍ﴾ إلا من تولى وكفر بعد ذلك، فإنك ستسلط [عليه] إن أسلم أو السيف.
والاستثناء المنقطع [تعتبره] أبداً بأن [تحسن] "إن" معه، فإذا حسنت جاز أن يكون منقطعاً، وإذا لم تحسن كان متصلا صحيحا. يقول القاتل: "سار القوم إلا زيدا"، فلا يحسن دخول "إن" هنا، (لأنه) استثناء صحيح.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَيُعَذِّبُهُ ٱللَّهُ ٱلْعَذَابَ ٱلأَكْبَرَ﴾.
وهو عذاب جهنم في الآخرة.
* *
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ إِلَيْنَآ إِيَابَهُمْ﴾ أي: رجوعهم في الآخرة.
﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ﴾ أي: (علينا) حساب أعمالهم [فنجازيهم] (بها) فالله (هو) المحاسب المعاقب لهم وأنت - يا محمد - مذكر مبلغ عن ربك إليهم.
الغاشية 88:13
قوله تعالى: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ٱلْغَاشِيَةِ﴾ إلى آخرها.
أي: قد أتاك - يا محمد - حديث الغاشية، وهي القيامة تغشى الناس بقيامها وأهوالها.
وقال ابن جبير: الغاشية جهنم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ﴾.
أي: ذليلة، وهي وجوه الكفار. قال قتادة: "خاشعة في النار".
* *
ثم قال: ﴿عَامِلَةٌ نَّاصِبَةٌ﴾.
أي: هي عاملة ناصبة بمعنى: تعمل وتنصب في الدنيا، وهي تصلى ناراً حامية في الآخرة.
وهذا القول يُروى عن عمر رضي الله عنه. ولا يتم الكلام [على] [ناصبة] أو (على) ﴿خَاشِعَةٌ﴾ ويجوز أن يكون في الكلام تقديم وتأخير على هذا القول، والتقدير: وجوه عاملة ناصبة في الدنيا يومئذ خاشعة.
وقيل: الآية نزلت في عبدة الأوثان والرهبان من أهل الكتاب، أنصبوا أنفسهم وأتعبوها بالعمل ولم يتقبل منهم، لأنهم على غير إسلام.
وقال عكرمة: (معناه): عاملة في الدنيا بمعاصي الله، ناصبة في الآخرة في النار. فيتم الكلام على هذا القول على "عاملة".
وقال الحسن وقتادة: إن الوجوه في القيامة خاشعة عاملة ناصبة، وإنها (لما) لم تعمل في الدنيا لله أعملها الله في النار وأنصبها. فلا يتم الكلام من أوله على ﴿نَّاصِبَةٌ﴾ على هذا القول.
قال ابن عباس: "تعمل وتنصب في النار".
وقال قتادة: "تكبرت في الدنيا عن طاعة الله، فأعملها وأنصبها في النار".
وقال ابن زيد: "لا أحد أنصب ولا أشد من أهل النار".
وكان عمر رضي الله عنه يتأولها في الدنيا في البرهان وشبههم. يعملون في الدنيا، ويجتهدون، وهم في النار. ويكون الكلام يتم على ﴿خَاشِعَةٌ﴾ لأنه آخر صفتهم في يوم القيامة، ثم ابتدأ بصفتهم في الدنيا.
وقيل: التقدير: وجوه عاملة ناصبة في الدنيا ﴿يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ﴾ يعني: في الآخرة.
وفي الحديث أن النبي ﷺ وسلم ذكر القدرية فبكى، وقال: إن فيهم المجتهد.
* *
وقوله: ﴿تَصْلَىٰ نَاراً حَامِيَةً﴾ أي: ترد ناراً قد حميت واشتد حرها. والإخبار في جميع ذلك عن الوجوه، والمراد به أصحابها، لأن المعنى مفهوم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿تَصْلَىٰ نَاراً حَامِيَةً﴾.
أي: [يسقى] يومئذ أصحاب هذه الوجوه (من عين قد) انتهى حرها فبلغ الغاية في شدة الحر.
وقال مجاهد: من عين قد (أنى نضجها) منذ خلق الله عز وجل الدنيا. وقال ابن زيد: ﴿مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ﴾ أي: حاضرة.
وقال تعالى: ﴿لَّيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلاَّ مِن ضَرِيعٍ﴾.
أي: (ليس) لأصحاب هذه (الوجوه) الخاشعة - وهم الكفار - طعام يطعمونه في النار إلا طعام من ضريع.
قال ابن عباس: "الضريع: شجر من نار".
وقال ابن زيد: الضريع: الشوك من النار، والضريع عند العرب شوك يابس [ولا ورق فيه].
وقال عكرمة: الضريع: الحجارة.
وقال الحسن: الضريع: الزقوم وعنه أيضاً: الضريع: الذي يضرع ويذل من أكله لمرارته وخشونته.
وقال عطاء: الضريع: الشبرق. وروي ذلك أيضاً عن ابن عباس ومجاهد وقتادة، وعلى هذا القول كثير من أهل اللغة، والشبرق: [شجر] كثير الشوك تعافه الإبل، وأهل الحجاز يسمونه الضريع إذا يبس، ويسميه غيرهم الشبرق.
وقيل: الضريع واد من جهنم. وقد أخبر الله في هذه الآية بأن لا طعام لهم إلا طعام من ضريع، فأثبت لهم طعاماً، وقال في موضع آخر ﴿فَلَيْسَ لَهُ ٱلْيَوْمَ هَا هُنَا حَمِيمٌ * وَلاَ طَعَامٌ إِلاَّ مِنْ غِسْلِينٍ﴾ [الحاقة: ٣٥-٣٦].
فظاهره أنه قد أوجب لهم طعاما من غسلين فهذا خلاف ذلك في الظاهر. والمعنى في ذلك أن التقدير: فليس له اليوم هاهنا شراب حميم إلا من غسلين ولا طعام ينتفع به.
(وقيل): الغسلين من الضريع.
وقيل: الغسلين لقوم والضريع لآخرين.
ثم وصف الله أهل الجنة ونعيمهم بعد وصفه لأهل النار وعذابهم.
فقال تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاعِمَةٌ﴾.
أي: (غضرة) نضرة ينعمها الله، وهم أهل الإيمان بالله والعمل بطاعته.
* *
ثم قال تعالى: ﴿لِّسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ﴾.
أي: لعملها الذي عملته في الدنيا من طاعة ربها راضية. وقيل المعنى: [لثواب] عملها راضية في الآخرة.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ﴾.
أي: رفيعة القدر عالية المكان.
﴿لاَّ تَسْمَعُ فِيهَا لاَغِيَةً﴾ أي: لا يسمع أحد في الجنة كلمة لغو، واللغو: الباطل.
وقيل للكلمة التي هي لغة: لاغية، كما قيل لصاحب [الدرع: دارع]، ولصاحب الفرس فارس، "ولابن" "وثامر" لصاحب اللبن والثمر.
وقال الفراء: ﴿لاَغِيَةً﴾، أي: [حالفاً] يحلف بكذب.
قال ابن عباس: معناه: لا تسمع فيها أذى ولا باطلاً.
وقال مجاهد: "شتماً". وقال قتادة: باطلاً ولا مأثماً.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ﴾ أي: تجري من غير أخدود، والعين تذكر وتؤنث [والتأنيث] أكثر، وقد قال الشاعر: ؎ والعين بالإثمد [الحاري] مكحول.
فقال بعض النحويين: هذا على تذكير العين.
وقال المبرد: ذكره كما يذكر كل مؤنث غير حقيقي التأنيث لا علامة للتأنيث فيه، كما يقال: هذا دار وهذه دار.
وقال الأصمعي: مكحول للحاجب هو، لأنه قد تقدم ذكره، ولا يعرف الأصمعي في العين إلا التأنيث.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فِيهَا سُرُرٌ مَّرْفُوعَةٌ﴾.
أي: عالية ليرى المؤمن إذا جلس عليها جميع ما خوله ربه من الملك والنعيم، ويلحقه بصره. والسرر جمع سرير.
وقيل: مرفوعة: موضونة. قاله ابن عباس، كقوله: ﴿سُرُرٍ مَّصْفُوفَةٍ﴾ [الطور: ٢٠] أي: بعضها فوق بعض.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَأَكْوَابٌ مَّوْضُوعَةٌ﴾.
أي: موضوعة على حافة العين الجارية كلما أراد الشرب وجدها ملأى من الشراب. والأكواب جمع: كوب، وهي الأباريق التي لا آذان لها، وقد تقدم ذكرها بالاختلاف فيها.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ﴾.
النمارق جمع: نمرقة، وهي الوسادة والمرفقة. وحكي فيها ضم النون والراء وكسرهما، والضم (أكثر). ومعنى مصفوفة أي: بعضها إلى بعض.
وقد قال ابن عباس "النمارق: المجالس"، وعنه: "المرافق".
وقال قتادة: هي "الوسائد".
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ﴾.
قال أبو عبيدة: الزرابي البسط.
وقيل الزرابي: الطنافس التي لها خمل، و ﴿مَبْثُوثَةٌ﴾ كثيرة.
وقال قتادة: [زرابي] "مبثوثة" أي "مبسوطة".
قال ابن عمر: (رأيت عمر) رضي الله عنه يصلى على عبقري، وهي الزرابي.
* *
ثم قال تعالى: ﴿أَفَلاَ يَنظُرُونَ إِلَى ٱلإِبْلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾.
هذا كله توبيخ لمنكري القدرة، أي: أفلا ينظر من ينكر قدرة الله على كل ما يشاء مما وصف مما أعده الله للكافرين وللمؤمنين في هذه الآيات - إلى الإبل كيف خلقها الله وسخرها لهم (وذللها)، وإلى (السماء) كيف رفعها الله فوقهم لا خلل فيها ولا شقوق ولا اختلاف، رفعها بغير عمد ترونها، وإلى الجبال كيف نصبها الله على الأرض لئلا تميد بأهلها، [وأقامها] منتصبة لا تسقط على الأرض. وإلى الأرض كيف سطحها الله، أي بسطها فجعلها مستوية وطيئة ليتصرف عليها الخلق ولا يمتنعون من أسفارهم.
وقال قتادة: لما [نعت] الله ما في الجنة، عجب من ذلك أهل الضلالة، فأنزل الله جل ذكره: ﴿أَفَلاَ يَنظُرُونَ إِلَى ٱلإِبْلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ إلى ﴿سُطِحَتْ﴾.
قال: وكانت الإبل من عيش العرب. [فخوطبوا] ونبهوا على قدرته على أعظم ما في نفوسهم، فلذلك بدأ بالإبل، فكأنه قيل لهم: من قدر على إحداث هذه الأشياء وغيرها لكم وإحكام أمرها [كيف] لا يقدر على ما وصف من (أمر) الجنة والنار.
وقال ابن عباس: الإبل (ها) هنا هي الإبل بعينها، وليس شيء يحمل عليه وهو بارك إلا الإبل، وفي ذلك آية.
وقال المبرد: وقيل: الإبل: القطع العظام من السحاب.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَآ أَنتَ مُذَكِّرٌ﴾.
أي: ذكر - يا محمد - عبادي بآياتي، فإنما أرسلت مذكرا لهم.
* *
﴿لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ﴾.
أي: بمسلط ولا بجبار تجبرهم على الإيمان. ومصيطراً: أصله السين، وهو مأخوذ من السطر.
وقيل: الآية منسوخة بقوله: ﴿فَٱقْتُلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] وهو قول ابن زيد.
وقيل: هي محكمة، لأنهم إذا أسلموا تركوا على جملتهم، ولم يسلط عليهم.
قال جابر: قال رسول الله ﷺ: أُمِرتَ أَن أقاتِلَ الناسَ حَتّى يَقولوا لا إِلَهَ إلاّ الله، فَإذا قالوا لا إِلَهَ إِلاّ الله عَصَمُوا مِنّي دِماءَهُم وَأَموالَهُم إِلاّ بِحقّها وَحِسابُهُم عَلى الله. ثم تلا ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَآ أَنتَ مُذَكِّرٌ * لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ﴾
قال ابن عباس: ﴿بِمُصَيْطِرٍ﴾ بجبار.
* *
ثم قال تعالى: ﴿إِلاَّ مَن تَوَلَّىٰ وَكَفَرَ * فَيُعَذِّبُهُ ٱللَّهُ ٱلْعَذَابَ ٱلأَكْبَرَ﴾.
أي: فذكر يا محمد قومك إلا من تولى عنك فأعرض عن الإيمان وكفر فيكون هذا استثناء من الذين كان التذكير فيهم، فيكون في موضع نصب.
وقيل: الاستثناء منقطع مما قبله. والمعنى: لست عليهم ﴿بِمُصَيْطِرٍ﴾ إلا من تولى وكفر بعد ذلك، فإنك ستسلط [عليه] إن أسلم أو السيف.
والاستثناء المنقطع [تعتبره] أبداً بأن [تحسن] "إن" معه، فإذا حسنت جاز أن يكون منقطعاً، وإذا لم تحسن كان متصلا صحيحا. يقول القاتل: "سار القوم إلا زيدا"، فلا يحسن دخول "إن" هنا، (لأنه) استثناء صحيح.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَيُعَذِّبُهُ ٱللَّهُ ٱلْعَذَابَ ٱلأَكْبَرَ﴾.
وهو عذاب جهنم في الآخرة.
* *
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ إِلَيْنَآ إِيَابَهُمْ﴾ أي: رجوعهم في الآخرة.
﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ﴾ أي: (علينا) حساب أعمالهم [فنجازيهم] (بها) فالله (هو) المحاسب المعاقب لهم وأنت - يا محمد - مذكر مبلغ عن ربك إليهم.
الغاشية 88:14
قوله تعالى: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ٱلْغَاشِيَةِ﴾ إلى آخرها.
أي: قد أتاك - يا محمد - حديث الغاشية، وهي القيامة تغشى الناس بقيامها وأهوالها.
وقال ابن جبير: الغاشية جهنم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ﴾.
أي: ذليلة، وهي وجوه الكفار. قال قتادة: "خاشعة في النار".
* *
ثم قال: ﴿عَامِلَةٌ نَّاصِبَةٌ﴾.
أي: هي عاملة ناصبة بمعنى: تعمل وتنصب في الدنيا، وهي تصلى ناراً حامية في الآخرة.
وهذا القول يُروى عن عمر رضي الله عنه. ولا يتم الكلام [على] [ناصبة] أو (على) ﴿خَاشِعَةٌ﴾ ويجوز أن يكون في الكلام تقديم وتأخير على هذا القول، والتقدير: وجوه عاملة ناصبة في الدنيا يومئذ خاشعة.
وقيل: الآية نزلت في عبدة الأوثان والرهبان من أهل الكتاب، أنصبوا أنفسهم وأتعبوها بالعمل ولم يتقبل منهم، لأنهم على غير إسلام.
وقال عكرمة: (معناه): عاملة في الدنيا بمعاصي الله، ناصبة في الآخرة في النار. فيتم الكلام على هذا القول على "عاملة".
وقال الحسن وقتادة: إن الوجوه في القيامة خاشعة عاملة ناصبة، وإنها (لما) لم تعمل في الدنيا لله أعملها الله في النار وأنصبها. فلا يتم الكلام من أوله على ﴿نَّاصِبَةٌ﴾ على هذا القول.
قال ابن عباس: "تعمل وتنصب في النار".
وقال قتادة: "تكبرت في الدنيا عن طاعة الله، فأعملها وأنصبها في النار".
وقال ابن زيد: "لا أحد أنصب ولا أشد من أهل النار".
وكان عمر رضي الله عنه يتأولها في الدنيا في البرهان وشبههم. يعملون في الدنيا، ويجتهدون، وهم في النار. ويكون الكلام يتم على ﴿خَاشِعَةٌ﴾ لأنه آخر صفتهم في يوم القيامة، ثم ابتدأ بصفتهم في الدنيا.
وقيل: التقدير: وجوه عاملة ناصبة في الدنيا ﴿يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ﴾ يعني: في الآخرة.
وفي الحديث أن النبي ﷺ وسلم ذكر القدرية فبكى، وقال: إن فيهم المجتهد.
* *
وقوله: ﴿تَصْلَىٰ نَاراً حَامِيَةً﴾ أي: ترد ناراً قد حميت واشتد حرها. والإخبار في جميع ذلك عن الوجوه، والمراد به أصحابها، لأن المعنى مفهوم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿تَصْلَىٰ نَاراً حَامِيَةً﴾.
أي: [يسقى] يومئذ أصحاب هذه الوجوه (من عين قد) انتهى حرها فبلغ الغاية في شدة الحر.
وقال مجاهد: من عين قد (أنى نضجها) منذ خلق الله عز وجل الدنيا. وقال ابن زيد: ﴿مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ﴾ أي: حاضرة.
وقال تعالى: ﴿لَّيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلاَّ مِن ضَرِيعٍ﴾.
أي: (ليس) لأصحاب هذه (الوجوه) الخاشعة - وهم الكفار - طعام يطعمونه في النار إلا طعام من ضريع.
قال ابن عباس: "الضريع: شجر من نار".
وقال ابن زيد: الضريع: الشوك من النار، والضريع عند العرب شوك يابس [ولا ورق فيه].
وقال عكرمة: الضريع: الحجارة.
وقال الحسن: الضريع: الزقوم وعنه أيضاً: الضريع: الذي يضرع ويذل من أكله لمرارته وخشونته.
وقال عطاء: الضريع: الشبرق. وروي ذلك أيضاً عن ابن عباس ومجاهد وقتادة، وعلى هذا القول كثير من أهل اللغة، والشبرق: [شجر] كثير الشوك تعافه الإبل، وأهل الحجاز يسمونه الضريع إذا يبس، ويسميه غيرهم الشبرق.
وقيل: الضريع واد من جهنم. وقد أخبر الله في هذه الآية بأن لا طعام لهم إلا طعام من ضريع، فأثبت لهم طعاماً، وقال في موضع آخر ﴿فَلَيْسَ لَهُ ٱلْيَوْمَ هَا هُنَا حَمِيمٌ * وَلاَ طَعَامٌ إِلاَّ مِنْ غِسْلِينٍ﴾ [الحاقة: ٣٥-٣٦].
فظاهره أنه قد أوجب لهم طعاما من غسلين فهذا خلاف ذلك في الظاهر. والمعنى في ذلك أن التقدير: فليس له اليوم هاهنا شراب حميم إلا من غسلين ولا طعام ينتفع به.
(وقيل): الغسلين من الضريع.
وقيل: الغسلين لقوم والضريع لآخرين.
ثم وصف الله أهل الجنة ونعيمهم بعد وصفه لأهل النار وعذابهم.
فقال تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاعِمَةٌ﴾.
أي: (غضرة) نضرة ينعمها الله، وهم أهل الإيمان بالله والعمل بطاعته.
* *
ثم قال تعالى: ﴿لِّسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ﴾.
أي: لعملها الذي عملته في الدنيا من طاعة ربها راضية. وقيل المعنى: [لثواب] عملها راضية في الآخرة.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ﴾.
أي: رفيعة القدر عالية المكان.
﴿لاَّ تَسْمَعُ فِيهَا لاَغِيَةً﴾ أي: لا يسمع أحد في الجنة كلمة لغو، واللغو: الباطل.
وقيل للكلمة التي هي لغة: لاغية، كما قيل لصاحب [الدرع: دارع]، ولصاحب الفرس فارس، "ولابن" "وثامر" لصاحب اللبن والثمر.
وقال الفراء: ﴿لاَغِيَةً﴾، أي: [حالفاً] يحلف بكذب.
قال ابن عباس: معناه: لا تسمع فيها أذى ولا باطلاً.
وقال مجاهد: "شتماً". وقال قتادة: باطلاً ولا مأثماً.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ﴾ أي: تجري من غير أخدود، والعين تذكر وتؤنث [والتأنيث] أكثر، وقد قال الشاعر: ؎ والعين بالإثمد [الحاري] مكحول.
فقال بعض النحويين: هذا على تذكير العين.
وقال المبرد: ذكره كما يذكر كل مؤنث غير حقيقي التأنيث لا علامة للتأنيث فيه، كما يقال: هذا دار وهذه دار.
وقال الأصمعي: مكحول للحاجب هو، لأنه قد تقدم ذكره، ولا يعرف الأصمعي في العين إلا التأنيث.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فِيهَا سُرُرٌ مَّرْفُوعَةٌ﴾.
أي: عالية ليرى المؤمن إذا جلس عليها جميع ما خوله ربه من الملك والنعيم، ويلحقه بصره. والسرر جمع سرير.
وقيل: مرفوعة: موضونة. قاله ابن عباس، كقوله: ﴿سُرُرٍ مَّصْفُوفَةٍ﴾ [الطور: ٢٠] أي: بعضها فوق بعض.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَأَكْوَابٌ مَّوْضُوعَةٌ﴾.
أي: موضوعة على حافة العين الجارية كلما أراد الشرب وجدها ملأى من الشراب. والأكواب جمع: كوب، وهي الأباريق التي لا آذان لها، وقد تقدم ذكرها بالاختلاف فيها.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ﴾.
النمارق جمع: نمرقة، وهي الوسادة والمرفقة. وحكي فيها ضم النون والراء وكسرهما، والضم (أكثر). ومعنى مصفوفة أي: بعضها إلى بعض.
وقد قال ابن عباس "النمارق: المجالس"، وعنه: "المرافق".
وقال قتادة: هي "الوسائد".
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ﴾.
قال أبو عبيدة: الزرابي البسط.
وقيل الزرابي: الطنافس التي لها خمل، و ﴿مَبْثُوثَةٌ﴾ كثيرة.
وقال قتادة: [زرابي] "مبثوثة" أي "مبسوطة".
قال ابن عمر: (رأيت عمر) رضي الله عنه يصلى على عبقري، وهي الزرابي.
* *
ثم قال تعالى: ﴿أَفَلاَ يَنظُرُونَ إِلَى ٱلإِبْلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾.
هذا كله توبيخ لمنكري القدرة، أي: أفلا ينظر من ينكر قدرة الله على كل ما يشاء مما وصف مما أعده الله للكافرين وللمؤمنين في هذه الآيات - إلى الإبل كيف خلقها الله وسخرها لهم (وذللها)، وإلى (السماء) كيف رفعها الله فوقهم لا خلل فيها ولا شقوق ولا اختلاف، رفعها بغير عمد ترونها، وإلى الجبال كيف نصبها الله على الأرض لئلا تميد بأهلها، [وأقامها] منتصبة لا تسقط على الأرض. وإلى الأرض كيف سطحها الله، أي بسطها فجعلها مستوية وطيئة ليتصرف عليها الخلق ولا يمتنعون من أسفارهم.
وقال قتادة: لما [نعت] الله ما في الجنة، عجب من ذلك أهل الضلالة، فأنزل الله جل ذكره: ﴿أَفَلاَ يَنظُرُونَ إِلَى ٱلإِبْلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ إلى ﴿سُطِحَتْ﴾.
قال: وكانت الإبل من عيش العرب. [فخوطبوا] ونبهوا على قدرته على أعظم ما في نفوسهم، فلذلك بدأ بالإبل، فكأنه قيل لهم: من قدر على إحداث هذه الأشياء وغيرها لكم وإحكام أمرها [كيف] لا يقدر على ما وصف من (أمر) الجنة والنار.
وقال ابن عباس: الإبل (ها) هنا هي الإبل بعينها، وليس شيء يحمل عليه وهو بارك إلا الإبل، وفي ذلك آية.
وقال المبرد: وقيل: الإبل: القطع العظام من السحاب.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَآ أَنتَ مُذَكِّرٌ﴾.
أي: ذكر - يا محمد - عبادي بآياتي، فإنما أرسلت مذكرا لهم.
* *
﴿لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ﴾.
أي: بمسلط ولا بجبار تجبرهم على الإيمان. ومصيطراً: أصله السين، وهو مأخوذ من السطر.
وقيل: الآية منسوخة بقوله: ﴿فَٱقْتُلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] وهو قول ابن زيد.
وقيل: هي محكمة، لأنهم إذا أسلموا تركوا على جملتهم، ولم يسلط عليهم.
قال جابر: قال رسول الله ﷺ: أُمِرتَ أَن أقاتِلَ الناسَ حَتّى يَقولوا لا إِلَهَ إلاّ الله، فَإذا قالوا لا إِلَهَ إِلاّ الله عَصَمُوا مِنّي دِماءَهُم وَأَموالَهُم إِلاّ بِحقّها وَحِسابُهُم عَلى الله. ثم تلا ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَآ أَنتَ مُذَكِّرٌ * لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ﴾
قال ابن عباس: ﴿بِمُصَيْطِرٍ﴾ بجبار.
* *
ثم قال تعالى: ﴿إِلاَّ مَن تَوَلَّىٰ وَكَفَرَ * فَيُعَذِّبُهُ ٱللَّهُ ٱلْعَذَابَ ٱلأَكْبَرَ﴾.
أي: فذكر يا محمد قومك إلا من تولى عنك فأعرض عن الإيمان وكفر فيكون هذا استثناء من الذين كان التذكير فيهم، فيكون في موضع نصب.
وقيل: الاستثناء منقطع مما قبله. والمعنى: لست عليهم ﴿بِمُصَيْطِرٍ﴾ إلا من تولى وكفر بعد ذلك، فإنك ستسلط [عليه] إن أسلم أو السيف.
والاستثناء المنقطع [تعتبره] أبداً بأن [تحسن] "إن" معه، فإذا حسنت جاز أن يكون منقطعاً، وإذا لم تحسن كان متصلا صحيحا. يقول القاتل: "سار القوم إلا زيدا"، فلا يحسن دخول "إن" هنا، (لأنه) استثناء صحيح.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَيُعَذِّبُهُ ٱللَّهُ ٱلْعَذَابَ ٱلأَكْبَرَ﴾.
وهو عذاب جهنم في الآخرة.
* *
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ إِلَيْنَآ إِيَابَهُمْ﴾ أي: رجوعهم في الآخرة.
﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ﴾ أي: (علينا) حساب أعمالهم [فنجازيهم] (بها) فالله (هو) المحاسب المعاقب لهم وأنت - يا محمد - مذكر مبلغ عن ربك إليهم.
الغاشية 88:15
قوله تعالى: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ٱلْغَاشِيَةِ﴾ إلى آخرها.
أي: قد أتاك - يا محمد - حديث الغاشية، وهي القيامة تغشى الناس بقيامها وأهوالها.
وقال ابن جبير: الغاشية جهنم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ﴾.
أي: ذليلة، وهي وجوه الكفار. قال قتادة: "خاشعة في النار".
* *
ثم قال: ﴿عَامِلَةٌ نَّاصِبَةٌ﴾.
أي: هي عاملة ناصبة بمعنى: تعمل وتنصب في الدنيا، وهي تصلى ناراً حامية في الآخرة.
وهذا القول يُروى عن عمر رضي الله عنه. ولا يتم الكلام [على] [ناصبة] أو (على) ﴿خَاشِعَةٌ﴾ ويجوز أن يكون في الكلام تقديم وتأخير على هذا القول، والتقدير: وجوه عاملة ناصبة في الدنيا يومئذ خاشعة.
وقيل: الآية نزلت في عبدة الأوثان والرهبان من أهل الكتاب، أنصبوا أنفسهم وأتعبوها بالعمل ولم يتقبل منهم، لأنهم على غير إسلام.
وقال عكرمة: (معناه): عاملة في الدنيا بمعاصي الله، ناصبة في الآخرة في النار. فيتم الكلام على هذا القول على "عاملة".
وقال الحسن وقتادة: إن الوجوه في القيامة خاشعة عاملة ناصبة، وإنها (لما) لم تعمل في الدنيا لله أعملها الله في النار وأنصبها. فلا يتم الكلام من أوله على ﴿نَّاصِبَةٌ﴾ على هذا القول.
قال ابن عباس: "تعمل وتنصب في النار".
وقال قتادة: "تكبرت في الدنيا عن طاعة الله، فأعملها وأنصبها في النار".
وقال ابن زيد: "لا أحد أنصب ولا أشد من أهل النار".
وكان عمر رضي الله عنه يتأولها في الدنيا في البرهان وشبههم. يعملون في الدنيا، ويجتهدون، وهم في النار. ويكون الكلام يتم على ﴿خَاشِعَةٌ﴾ لأنه آخر صفتهم في يوم القيامة، ثم ابتدأ بصفتهم في الدنيا.
وقيل: التقدير: وجوه عاملة ناصبة في الدنيا ﴿يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ﴾ يعني: في الآخرة.
وفي الحديث أن النبي ﷺ وسلم ذكر القدرية فبكى، وقال: إن فيهم المجتهد.
* *
وقوله: ﴿تَصْلَىٰ نَاراً حَامِيَةً﴾ أي: ترد ناراً قد حميت واشتد حرها. والإخبار في جميع ذلك عن الوجوه، والمراد به أصحابها، لأن المعنى مفهوم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿تَصْلَىٰ نَاراً حَامِيَةً﴾.
أي: [يسقى] يومئذ أصحاب هذه الوجوه (من عين قد) انتهى حرها فبلغ الغاية في شدة الحر.
وقال مجاهد: من عين قد (أنى نضجها) منذ خلق الله عز وجل الدنيا. وقال ابن زيد: ﴿مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ﴾ أي: حاضرة.
وقال تعالى: ﴿لَّيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلاَّ مِن ضَرِيعٍ﴾.
أي: (ليس) لأصحاب هذه (الوجوه) الخاشعة - وهم الكفار - طعام يطعمونه في النار إلا طعام من ضريع.
قال ابن عباس: "الضريع: شجر من نار".
وقال ابن زيد: الضريع: الشوك من النار، والضريع عند العرب شوك يابس [ولا ورق فيه].
وقال عكرمة: الضريع: الحجارة.
وقال الحسن: الضريع: الزقوم وعنه أيضاً: الضريع: الذي يضرع ويذل من أكله لمرارته وخشونته.
وقال عطاء: الضريع: الشبرق. وروي ذلك أيضاً عن ابن عباس ومجاهد وقتادة، وعلى هذا القول كثير من أهل اللغة، والشبرق: [شجر] كثير الشوك تعافه الإبل، وأهل الحجاز يسمونه الضريع إذا يبس، ويسميه غيرهم الشبرق.
وقيل: الضريع واد من جهنم. وقد أخبر الله في هذه الآية بأن لا طعام لهم إلا طعام من ضريع، فأثبت لهم طعاماً، وقال في موضع آخر ﴿فَلَيْسَ لَهُ ٱلْيَوْمَ هَا هُنَا حَمِيمٌ * وَلاَ طَعَامٌ إِلاَّ مِنْ غِسْلِينٍ﴾ [الحاقة: ٣٥-٣٦].
فظاهره أنه قد أوجب لهم طعاما من غسلين فهذا خلاف ذلك في الظاهر. والمعنى في ذلك أن التقدير: فليس له اليوم هاهنا شراب حميم إلا من غسلين ولا طعام ينتفع به.
(وقيل): الغسلين من الضريع.
وقيل: الغسلين لقوم والضريع لآخرين.
ثم وصف الله أهل الجنة ونعيمهم بعد وصفه لأهل النار وعذابهم.
فقال تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاعِمَةٌ﴾.
أي: (غضرة) نضرة ينعمها الله، وهم أهل الإيمان بالله والعمل بطاعته.
* *
ثم قال تعالى: ﴿لِّسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ﴾.
أي: لعملها الذي عملته في الدنيا من طاعة ربها راضية. وقيل المعنى: [لثواب] عملها راضية في الآخرة.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ﴾.
أي: رفيعة القدر عالية المكان.
﴿لاَّ تَسْمَعُ فِيهَا لاَغِيَةً﴾ أي: لا يسمع أحد في الجنة كلمة لغو، واللغو: الباطل.
وقيل للكلمة التي هي لغة: لاغية، كما قيل لصاحب [الدرع: دارع]، ولصاحب الفرس فارس، "ولابن" "وثامر" لصاحب اللبن والثمر.
وقال الفراء: ﴿لاَغِيَةً﴾، أي: [حالفاً] يحلف بكذب.
قال ابن عباس: معناه: لا تسمع فيها أذى ولا باطلاً.
وقال مجاهد: "شتماً". وقال قتادة: باطلاً ولا مأثماً.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ﴾ أي: تجري من غير أخدود، والعين تذكر وتؤنث [والتأنيث] أكثر، وقد قال الشاعر: ؎ والعين بالإثمد [الحاري] مكحول.
فقال بعض النحويين: هذا على تذكير العين.
وقال المبرد: ذكره كما يذكر كل مؤنث غير حقيقي التأنيث لا علامة للتأنيث فيه، كما يقال: هذا دار وهذه دار.
وقال الأصمعي: مكحول للحاجب هو، لأنه قد تقدم ذكره، ولا يعرف الأصمعي في العين إلا التأنيث.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فِيهَا سُرُرٌ مَّرْفُوعَةٌ﴾.
أي: عالية ليرى المؤمن إذا جلس عليها جميع ما خوله ربه من الملك والنعيم، ويلحقه بصره. والسرر جمع سرير.
وقيل: مرفوعة: موضونة. قاله ابن عباس، كقوله: ﴿سُرُرٍ مَّصْفُوفَةٍ﴾ [الطور: ٢٠] أي: بعضها فوق بعض.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَأَكْوَابٌ مَّوْضُوعَةٌ﴾.
أي: موضوعة على حافة العين الجارية كلما أراد الشرب وجدها ملأى من الشراب. والأكواب جمع: كوب، وهي الأباريق التي لا آذان لها، وقد تقدم ذكرها بالاختلاف فيها.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ﴾.
النمارق جمع: نمرقة، وهي الوسادة والمرفقة. وحكي فيها ضم النون والراء وكسرهما، والضم (أكثر). ومعنى مصفوفة أي: بعضها إلى بعض.
وقد قال ابن عباس "النمارق: المجالس"، وعنه: "المرافق".
وقال قتادة: هي "الوسائد".
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ﴾.
قال أبو عبيدة: الزرابي البسط.
وقيل الزرابي: الطنافس التي لها خمل، و ﴿مَبْثُوثَةٌ﴾ كثيرة.
وقال قتادة: [زرابي] "مبثوثة" أي "مبسوطة".
قال ابن عمر: (رأيت عمر) رضي الله عنه يصلى على عبقري، وهي الزرابي.
* *
ثم قال تعالى: ﴿أَفَلاَ يَنظُرُونَ إِلَى ٱلإِبْلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾.
هذا كله توبيخ لمنكري القدرة، أي: أفلا ينظر من ينكر قدرة الله على كل ما يشاء مما وصف مما أعده الله للكافرين وللمؤمنين في هذه الآيات - إلى الإبل كيف خلقها الله وسخرها لهم (وذللها)، وإلى (السماء) كيف رفعها الله فوقهم لا خلل فيها ولا شقوق ولا اختلاف، رفعها بغير عمد ترونها، وإلى الجبال كيف نصبها الله على الأرض لئلا تميد بأهلها، [وأقامها] منتصبة لا تسقط على الأرض. وإلى الأرض كيف سطحها الله، أي بسطها فجعلها مستوية وطيئة ليتصرف عليها الخلق ولا يمتنعون من أسفارهم.
وقال قتادة: لما [نعت] الله ما في الجنة، عجب من ذلك أهل الضلالة، فأنزل الله جل ذكره: ﴿أَفَلاَ يَنظُرُونَ إِلَى ٱلإِبْلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ إلى ﴿سُطِحَتْ﴾.
قال: وكانت الإبل من عيش العرب. [فخوطبوا] ونبهوا على قدرته على أعظم ما في نفوسهم، فلذلك بدأ بالإبل، فكأنه قيل لهم: من قدر على إحداث هذه الأشياء وغيرها لكم وإحكام أمرها [كيف] لا يقدر على ما وصف من (أمر) الجنة والنار.
وقال ابن عباس: الإبل (ها) هنا هي الإبل بعينها، وليس شيء يحمل عليه وهو بارك إلا الإبل، وفي ذلك آية.
وقال المبرد: وقيل: الإبل: القطع العظام من السحاب.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَآ أَنتَ مُذَكِّرٌ﴾.
أي: ذكر - يا محمد - عبادي بآياتي، فإنما أرسلت مذكرا لهم.
* *
﴿لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ﴾.
أي: بمسلط ولا بجبار تجبرهم على الإيمان. ومصيطراً: أصله السين، وهو مأخوذ من السطر.
وقيل: الآية منسوخة بقوله: ﴿فَٱقْتُلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] وهو قول ابن زيد.
وقيل: هي محكمة، لأنهم إذا أسلموا تركوا على جملتهم، ولم يسلط عليهم.
قال جابر: قال رسول الله ﷺ: أُمِرتَ أَن أقاتِلَ الناسَ حَتّى يَقولوا لا إِلَهَ إلاّ الله، فَإذا قالوا لا إِلَهَ إِلاّ الله عَصَمُوا مِنّي دِماءَهُم وَأَموالَهُم إِلاّ بِحقّها وَحِسابُهُم عَلى الله. ثم تلا ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَآ أَنتَ مُذَكِّرٌ * لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ﴾
قال ابن عباس: ﴿بِمُصَيْطِرٍ﴾ بجبار.
* *
ثم قال تعالى: ﴿إِلاَّ مَن تَوَلَّىٰ وَكَفَرَ * فَيُعَذِّبُهُ ٱللَّهُ ٱلْعَذَابَ ٱلأَكْبَرَ﴾.
أي: فذكر يا محمد قومك إلا من تولى عنك فأعرض عن الإيمان وكفر فيكون هذا استثناء من الذين كان التذكير فيهم، فيكون في موضع نصب.
وقيل: الاستثناء منقطع مما قبله. والمعنى: لست عليهم ﴿بِمُصَيْطِرٍ﴾ إلا من تولى وكفر بعد ذلك، فإنك ستسلط [عليه] إن أسلم أو السيف.
والاستثناء المنقطع [تعتبره] أبداً بأن [تحسن] "إن" معه، فإذا حسنت جاز أن يكون منقطعاً، وإذا لم تحسن كان متصلا صحيحا. يقول القاتل: "سار القوم إلا زيدا"، فلا يحسن دخول "إن" هنا، (لأنه) استثناء صحيح.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَيُعَذِّبُهُ ٱللَّهُ ٱلْعَذَابَ ٱلأَكْبَرَ﴾.
وهو عذاب جهنم في الآخرة.
* *
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ إِلَيْنَآ إِيَابَهُمْ﴾ أي: رجوعهم في الآخرة.
﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ﴾ أي: (علينا) حساب أعمالهم [فنجازيهم] (بها) فالله (هو) المحاسب المعاقب لهم وأنت - يا محمد - مذكر مبلغ عن ربك إليهم.
الغاشية 88:16
قوله تعالى: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ٱلْغَاشِيَةِ﴾ إلى آخرها.
أي: قد أتاك - يا محمد - حديث الغاشية، وهي القيامة تغشى الناس بقيامها وأهوالها.
وقال ابن جبير: الغاشية جهنم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ﴾.
أي: ذليلة، وهي وجوه الكفار. قال قتادة: "خاشعة في النار".
* *
ثم قال: ﴿عَامِلَةٌ نَّاصِبَةٌ﴾.
أي: هي عاملة ناصبة بمعنى: تعمل وتنصب في الدنيا، وهي تصلى ناراً حامية في الآخرة.
وهذا القول يُروى عن عمر رضي الله عنه. ولا يتم الكلام [على] [ناصبة] أو (على) ﴿خَاشِعَةٌ﴾ ويجوز أن يكون في الكلام تقديم وتأخير على هذا القول، والتقدير: وجوه عاملة ناصبة في الدنيا يومئذ خاشعة.
وقيل: الآية نزلت في عبدة الأوثان والرهبان من أهل الكتاب، أنصبوا أنفسهم وأتعبوها بالعمل ولم يتقبل منهم، لأنهم على غير إسلام.
وقال عكرمة: (معناه): عاملة في الدنيا بمعاصي الله، ناصبة في الآخرة في النار. فيتم الكلام على هذا القول على "عاملة".
وقال الحسن وقتادة: إن الوجوه في القيامة خاشعة عاملة ناصبة، وإنها (لما) لم تعمل في الدنيا لله أعملها الله في النار وأنصبها. فلا يتم الكلام من أوله على ﴿نَّاصِبَةٌ﴾ على هذا القول.
قال ابن عباس: "تعمل وتنصب في النار".
وقال قتادة: "تكبرت في الدنيا عن طاعة الله، فأعملها وأنصبها في النار".
وقال ابن زيد: "لا أحد أنصب ولا أشد من أهل النار".
وكان عمر رضي الله عنه يتأولها في الدنيا في البرهان وشبههم. يعملون في الدنيا، ويجتهدون، وهم في النار. ويكون الكلام يتم على ﴿خَاشِعَةٌ﴾ لأنه آخر صفتهم في يوم القيامة، ثم ابتدأ بصفتهم في الدنيا.
وقيل: التقدير: وجوه عاملة ناصبة في الدنيا ﴿يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ﴾ يعني: في الآخرة.
وفي الحديث أن النبي ﷺ وسلم ذكر القدرية فبكى، وقال: إن فيهم المجتهد.
* *
وقوله: ﴿تَصْلَىٰ نَاراً حَامِيَةً﴾ أي: ترد ناراً قد حميت واشتد حرها. والإخبار في جميع ذلك عن الوجوه، والمراد به أصحابها، لأن المعنى مفهوم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿تَصْلَىٰ نَاراً حَامِيَةً﴾.
أي: [يسقى] يومئذ أصحاب هذه الوجوه (من عين قد) انتهى حرها فبلغ الغاية في شدة الحر.
وقال مجاهد: من عين قد (أنى نضجها) منذ خلق الله عز وجل الدنيا. وقال ابن زيد: ﴿مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ﴾ أي: حاضرة.
وقال تعالى: ﴿لَّيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلاَّ مِن ضَرِيعٍ﴾.
أي: (ليس) لأصحاب هذه (الوجوه) الخاشعة - وهم الكفار - طعام يطعمونه في النار إلا طعام من ضريع.
قال ابن عباس: "الضريع: شجر من نار".
وقال ابن زيد: الضريع: الشوك من النار، والضريع عند العرب شوك يابس [ولا ورق فيه].
وقال عكرمة: الضريع: الحجارة.
وقال الحسن: الضريع: الزقوم وعنه أيضاً: الضريع: الذي يضرع ويذل من أكله لمرارته وخشونته.
وقال عطاء: الضريع: الشبرق. وروي ذلك أيضاً عن ابن عباس ومجاهد وقتادة، وعلى هذا القول كثير من أهل اللغة، والشبرق: [شجر] كثير الشوك تعافه الإبل، وأهل الحجاز يسمونه الضريع إذا يبس، ويسميه غيرهم الشبرق.
وقيل: الضريع واد من جهنم. وقد أخبر الله في هذه الآية بأن لا طعام لهم إلا طعام من ضريع، فأثبت لهم طعاماً، وقال في موضع آخر ﴿فَلَيْسَ لَهُ ٱلْيَوْمَ هَا هُنَا حَمِيمٌ * وَلاَ طَعَامٌ إِلاَّ مِنْ غِسْلِينٍ﴾ [الحاقة: ٣٥-٣٦].
فظاهره أنه قد أوجب لهم طعاما من غسلين فهذا خلاف ذلك في الظاهر. والمعنى في ذلك أن التقدير: فليس له اليوم هاهنا شراب حميم إلا من غسلين ولا طعام ينتفع به.
(وقيل): الغسلين من الضريع.
وقيل: الغسلين لقوم والضريع لآخرين.
ثم وصف الله أهل الجنة ونعيمهم بعد وصفه لأهل النار وعذابهم.
فقال تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاعِمَةٌ﴾.
أي: (غضرة) نضرة ينعمها الله، وهم أهل الإيمان بالله والعمل بطاعته.
* *
ثم قال تعالى: ﴿لِّسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ﴾.
أي: لعملها الذي عملته في الدنيا من طاعة ربها راضية. وقيل المعنى: [لثواب] عملها راضية في الآخرة.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ﴾.
أي: رفيعة القدر عالية المكان.
﴿لاَّ تَسْمَعُ فِيهَا لاَغِيَةً﴾ أي: لا يسمع أحد في الجنة كلمة لغو، واللغو: الباطل.
وقيل للكلمة التي هي لغة: لاغية، كما قيل لصاحب [الدرع: دارع]، ولصاحب الفرس فارس، "ولابن" "وثامر" لصاحب اللبن والثمر.
وقال الفراء: ﴿لاَغِيَةً﴾، أي: [حالفاً] يحلف بكذب.
قال ابن عباس: معناه: لا تسمع فيها أذى ولا باطلاً.
وقال مجاهد: "شتماً". وقال قتادة: باطلاً ولا مأثماً.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ﴾ أي: تجري من غير أخدود، والعين تذكر وتؤنث [والتأنيث] أكثر، وقد قال الشاعر: ؎ والعين بالإثمد [الحاري] مكحول.
فقال بعض النحويين: هذا على تذكير العين.
وقال المبرد: ذكره كما يذكر كل مؤنث غير حقيقي التأنيث لا علامة للتأنيث فيه، كما يقال: هذا دار وهذه دار.
وقال الأصمعي: مكحول للحاجب هو، لأنه قد تقدم ذكره، ولا يعرف الأصمعي في العين إلا التأنيث.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فِيهَا سُرُرٌ مَّرْفُوعَةٌ﴾.
أي: عالية ليرى المؤمن إذا جلس عليها جميع ما خوله ربه من الملك والنعيم، ويلحقه بصره. والسرر جمع سرير.
وقيل: مرفوعة: موضونة. قاله ابن عباس، كقوله: ﴿سُرُرٍ مَّصْفُوفَةٍ﴾ [الطور: ٢٠] أي: بعضها فوق بعض.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَأَكْوَابٌ مَّوْضُوعَةٌ﴾.
أي: موضوعة على حافة العين الجارية كلما أراد الشرب وجدها ملأى من الشراب. والأكواب جمع: كوب، وهي الأباريق التي لا آذان لها، وقد تقدم ذكرها بالاختلاف فيها.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ﴾.
النمارق جمع: نمرقة، وهي الوسادة والمرفقة. وحكي فيها ضم النون والراء وكسرهما، والضم (أكثر). ومعنى مصفوفة أي: بعضها إلى بعض.
وقد قال ابن عباس "النمارق: المجالس"، وعنه: "المرافق".
وقال قتادة: هي "الوسائد".
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ﴾.
قال أبو عبيدة: الزرابي البسط.
وقيل الزرابي: الطنافس التي لها خمل، و ﴿مَبْثُوثَةٌ﴾ كثيرة.
وقال قتادة: [زرابي] "مبثوثة" أي "مبسوطة".
قال ابن عمر: (رأيت عمر) رضي الله عنه يصلى على عبقري، وهي الزرابي.
* *
ثم قال تعالى: ﴿أَفَلاَ يَنظُرُونَ إِلَى ٱلإِبْلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾.
هذا كله توبيخ لمنكري القدرة، أي: أفلا ينظر من ينكر قدرة الله على كل ما يشاء مما وصف مما أعده الله للكافرين وللمؤمنين في هذه الآيات - إلى الإبل كيف خلقها الله وسخرها لهم (وذللها)، وإلى (السماء) كيف رفعها الله فوقهم لا خلل فيها ولا شقوق ولا اختلاف، رفعها بغير عمد ترونها، وإلى الجبال كيف نصبها الله على الأرض لئلا تميد بأهلها، [وأقامها] منتصبة لا تسقط على الأرض. وإلى الأرض كيف سطحها الله، أي بسطها فجعلها مستوية وطيئة ليتصرف عليها الخلق ولا يمتنعون من أسفارهم.
وقال قتادة: لما [نعت] الله ما في الجنة، عجب من ذلك أهل الضلالة، فأنزل الله جل ذكره: ﴿أَفَلاَ يَنظُرُونَ إِلَى ٱلإِبْلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ إلى ﴿سُطِحَتْ﴾.
قال: وكانت الإبل من عيش العرب. [فخوطبوا] ونبهوا على قدرته على أعظم ما في نفوسهم، فلذلك بدأ بالإبل، فكأنه قيل لهم: من قدر على إحداث هذه الأشياء وغيرها لكم وإحكام أمرها [كيف] لا يقدر على ما وصف من (أمر) الجنة والنار.
وقال ابن عباس: الإبل (ها) هنا هي الإبل بعينها، وليس شيء يحمل عليه وهو بارك إلا الإبل، وفي ذلك آية.
وقال المبرد: وقيل: الإبل: القطع العظام من السحاب.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَآ أَنتَ مُذَكِّرٌ﴾.
أي: ذكر - يا محمد - عبادي بآياتي، فإنما أرسلت مذكرا لهم.
* *
﴿لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ﴾.
أي: بمسلط ولا بجبار تجبرهم على الإيمان. ومصيطراً: أصله السين، وهو مأخوذ من السطر.
وقيل: الآية منسوخة بقوله: ﴿فَٱقْتُلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] وهو قول ابن زيد.
وقيل: هي محكمة، لأنهم إذا أسلموا تركوا على جملتهم، ولم يسلط عليهم.
قال جابر: قال رسول الله ﷺ: أُمِرتَ أَن أقاتِلَ الناسَ حَتّى يَقولوا لا إِلَهَ إلاّ الله، فَإذا قالوا لا إِلَهَ إِلاّ الله عَصَمُوا مِنّي دِماءَهُم وَأَموالَهُم إِلاّ بِحقّها وَحِسابُهُم عَلى الله. ثم تلا ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَآ أَنتَ مُذَكِّرٌ * لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ﴾
قال ابن عباس: ﴿بِمُصَيْطِرٍ﴾ بجبار.
* *
ثم قال تعالى: ﴿إِلاَّ مَن تَوَلَّىٰ وَكَفَرَ * فَيُعَذِّبُهُ ٱللَّهُ ٱلْعَذَابَ ٱلأَكْبَرَ﴾.
أي: فذكر يا محمد قومك إلا من تولى عنك فأعرض عن الإيمان وكفر فيكون هذا استثناء من الذين كان التذكير فيهم، فيكون في موضع نصب.
وقيل: الاستثناء منقطع مما قبله. والمعنى: لست عليهم ﴿بِمُصَيْطِرٍ﴾ إلا من تولى وكفر بعد ذلك، فإنك ستسلط [عليه] إن أسلم أو السيف.
والاستثناء المنقطع [تعتبره] أبداً بأن [تحسن] "إن" معه، فإذا حسنت جاز أن يكون منقطعاً، وإذا لم تحسن كان متصلا صحيحا. يقول القاتل: "سار القوم إلا زيدا"، فلا يحسن دخول "إن" هنا، (لأنه) استثناء صحيح.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَيُعَذِّبُهُ ٱللَّهُ ٱلْعَذَابَ ٱلأَكْبَرَ﴾.
وهو عذاب جهنم في الآخرة.
* *
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ إِلَيْنَآ إِيَابَهُمْ﴾ أي: رجوعهم في الآخرة.
﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ﴾ أي: (علينا) حساب أعمالهم [فنجازيهم] (بها) فالله (هو) المحاسب المعاقب لهم وأنت - يا محمد - مذكر مبلغ عن ربك إليهم.
الغاشية 88:17
قوله تعالى: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ٱلْغَاشِيَةِ﴾ إلى آخرها.
أي: قد أتاك - يا محمد - حديث الغاشية، وهي القيامة تغشى الناس بقيامها وأهوالها.
وقال ابن جبير: الغاشية جهنم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ﴾.
أي: ذليلة، وهي وجوه الكفار. قال قتادة: "خاشعة في النار".
* *
ثم قال: ﴿عَامِلَةٌ نَّاصِبَةٌ﴾.
أي: هي عاملة ناصبة بمعنى: تعمل وتنصب في الدنيا، وهي تصلى ناراً حامية في الآخرة.
وهذا القول يُروى عن عمر رضي الله عنه. ولا يتم الكلام [على] [ناصبة] أو (على) ﴿خَاشِعَةٌ﴾ ويجوز أن يكون في الكلام تقديم وتأخير على هذا القول، والتقدير: وجوه عاملة ناصبة في الدنيا يومئذ خاشعة.
وقيل: الآية نزلت في عبدة الأوثان والرهبان من أهل الكتاب، أنصبوا أنفسهم وأتعبوها بالعمل ولم يتقبل منهم، لأنهم على غير إسلام.
وقال عكرمة: (معناه): عاملة في الدنيا بمعاصي الله، ناصبة في الآخرة في النار. فيتم الكلام على هذا القول على "عاملة".
وقال الحسن وقتادة: إن الوجوه في القيامة خاشعة عاملة ناصبة، وإنها (لما) لم تعمل في الدنيا لله أعملها الله في النار وأنصبها. فلا يتم الكلام من أوله على ﴿نَّاصِبَةٌ﴾ على هذا القول.
قال ابن عباس: "تعمل وتنصب في النار".
وقال قتادة: "تكبرت في الدنيا عن طاعة الله، فأعملها وأنصبها في النار".
وقال ابن زيد: "لا أحد أنصب ولا أشد من أهل النار".
وكان عمر رضي الله عنه يتأولها في الدنيا في البرهان وشبههم. يعملون في الدنيا، ويجتهدون، وهم في النار. ويكون الكلام يتم على ﴿خَاشِعَةٌ﴾ لأنه آخر صفتهم في يوم القيامة، ثم ابتدأ بصفتهم في الدنيا.
وقيل: التقدير: وجوه عاملة ناصبة في الدنيا ﴿يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ﴾ يعني: في الآخرة.
وفي الحديث أن النبي ﷺ وسلم ذكر القدرية فبكى، وقال: إن فيهم المجتهد.
* *
وقوله: ﴿تَصْلَىٰ نَاراً حَامِيَةً﴾ أي: ترد ناراً قد حميت واشتد حرها. والإخبار في جميع ذلك عن الوجوه، والمراد به أصحابها، لأن المعنى مفهوم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿تَصْلَىٰ نَاراً حَامِيَةً﴾.
أي: [يسقى] يومئذ أصحاب هذه الوجوه (من عين قد) انتهى حرها فبلغ الغاية في شدة الحر.
وقال مجاهد: من عين قد (أنى نضجها) منذ خلق الله عز وجل الدنيا. وقال ابن زيد: ﴿مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ﴾ أي: حاضرة.
وقال تعالى: ﴿لَّيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلاَّ مِن ضَرِيعٍ﴾.
أي: (ليس) لأصحاب هذه (الوجوه) الخاشعة - وهم الكفار - طعام يطعمونه في النار إلا طعام من ضريع.
قال ابن عباس: "الضريع: شجر من نار".
وقال ابن زيد: الضريع: الشوك من النار، والضريع عند العرب شوك يابس [ولا ورق فيه].
وقال عكرمة: الضريع: الحجارة.
وقال الحسن: الضريع: الزقوم وعنه أيضاً: الضريع: الذي يضرع ويذل من أكله لمرارته وخشونته.
وقال عطاء: الضريع: الشبرق. وروي ذلك أيضاً عن ابن عباس ومجاهد وقتادة، وعلى هذا القول كثير من أهل اللغة، والشبرق: [شجر] كثير الشوك تعافه الإبل، وأهل الحجاز يسمونه الضريع إذا يبس، ويسميه غيرهم الشبرق.
وقيل: الضريع واد من جهنم. وقد أخبر الله في هذه الآية بأن لا طعام لهم إلا طعام من ضريع، فأثبت لهم طعاماً، وقال في موضع آخر ﴿فَلَيْسَ لَهُ ٱلْيَوْمَ هَا هُنَا حَمِيمٌ * وَلاَ طَعَامٌ إِلاَّ مِنْ غِسْلِينٍ﴾ [الحاقة: ٣٥-٣٦].
فظاهره أنه قد أوجب لهم طعاما من غسلين فهذا خلاف ذلك في الظاهر. والمعنى في ذلك أن التقدير: فليس له اليوم هاهنا شراب حميم إلا من غسلين ولا طعام ينتفع به.
(وقيل): الغسلين من الضريع.
وقيل: الغسلين لقوم والضريع لآخرين.
ثم وصف الله أهل الجنة ونعيمهم بعد وصفه لأهل النار وعذابهم.
فقال تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاعِمَةٌ﴾.
أي: (غضرة) نضرة ينعمها الله، وهم أهل الإيمان بالله والعمل بطاعته.
* *
ثم قال تعالى: ﴿لِّسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ﴾.
أي: لعملها الذي عملته في الدنيا من طاعة ربها راضية. وقيل المعنى: [لثواب] عملها راضية في الآخرة.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ﴾.
أي: رفيعة القدر عالية المكان.
﴿لاَّ تَسْمَعُ فِيهَا لاَغِيَةً﴾ أي: لا يسمع أحد في الجنة كلمة لغو، واللغو: الباطل.
وقيل للكلمة التي هي لغة: لاغية، كما قيل لصاحب [الدرع: دارع]، ولصاحب الفرس فارس، "ولابن" "وثامر" لصاحب اللبن والثمر.
وقال الفراء: ﴿لاَغِيَةً﴾، أي: [حالفاً] يحلف بكذب.
قال ابن عباس: معناه: لا تسمع فيها أذى ولا باطلاً.
وقال مجاهد: "شتماً". وقال قتادة: باطلاً ولا مأثماً.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ﴾ أي: تجري من غير أخدود، والعين تذكر وتؤنث [والتأنيث] أكثر، وقد قال الشاعر: ؎ والعين بالإثمد [الحاري] مكحول.
فقال بعض النحويين: هذا على تذكير العين.
وقال المبرد: ذكره كما يذكر كل مؤنث غير حقيقي التأنيث لا علامة للتأنيث فيه، كما يقال: هذا دار وهذه دار.
وقال الأصمعي: مكحول للحاجب هو، لأنه قد تقدم ذكره، ولا يعرف الأصمعي في العين إلا التأنيث.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فِيهَا سُرُرٌ مَّرْفُوعَةٌ﴾.
أي: عالية ليرى المؤمن إذا جلس عليها جميع ما خوله ربه من الملك والنعيم، ويلحقه بصره. والسرر جمع سرير.
وقيل: مرفوعة: موضونة. قاله ابن عباس، كقوله: ﴿سُرُرٍ مَّصْفُوفَةٍ﴾ [الطور: ٢٠] أي: بعضها فوق بعض.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَأَكْوَابٌ مَّوْضُوعَةٌ﴾.
أي: موضوعة على حافة العين الجارية كلما أراد الشرب وجدها ملأى من الشراب. والأكواب جمع: كوب، وهي الأباريق التي لا آذان لها، وقد تقدم ذكرها بالاختلاف فيها.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ﴾.
النمارق جمع: نمرقة، وهي الوسادة والمرفقة. وحكي فيها ضم النون والراء وكسرهما، والضم (أكثر). ومعنى مصفوفة أي: بعضها إلى بعض.
وقد قال ابن عباس "النمارق: المجالس"، وعنه: "المرافق".
وقال قتادة: هي "الوسائد".
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ﴾.
قال أبو عبيدة: الزرابي البسط.
وقيل الزرابي: الطنافس التي لها خمل، و ﴿مَبْثُوثَةٌ﴾ كثيرة.
وقال قتادة: [زرابي] "مبثوثة" أي "مبسوطة".
قال ابن عمر: (رأيت عمر) رضي الله عنه يصلى على عبقري، وهي الزرابي.
* *
ثم قال تعالى: ﴿أَفَلاَ يَنظُرُونَ إِلَى ٱلإِبْلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾.
هذا كله توبيخ لمنكري القدرة، أي: أفلا ينظر من ينكر قدرة الله على كل ما يشاء مما وصف مما أعده الله للكافرين وللمؤمنين في هذه الآيات - إلى الإبل كيف خلقها الله وسخرها لهم (وذللها)، وإلى (السماء) كيف رفعها الله فوقهم لا خلل فيها ولا شقوق ولا اختلاف، رفعها بغير عمد ترونها، وإلى الجبال كيف نصبها الله على الأرض لئلا تميد بأهلها، [وأقامها] منتصبة لا تسقط على الأرض. وإلى الأرض كيف سطحها الله، أي بسطها فجعلها مستوية وطيئة ليتصرف عليها الخلق ولا يمتنعون من أسفارهم.
وقال قتادة: لما [نعت] الله ما في الجنة، عجب من ذلك أهل الضلالة، فأنزل الله جل ذكره: ﴿أَفَلاَ يَنظُرُونَ إِلَى ٱلإِبْلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ إلى ﴿سُطِحَتْ﴾.
قال: وكانت الإبل من عيش العرب. [فخوطبوا] ونبهوا على قدرته على أعظم ما في نفوسهم، فلذلك بدأ بالإبل، فكأنه قيل لهم: من قدر على إحداث هذه الأشياء وغيرها لكم وإحكام أمرها [كيف] لا يقدر على ما وصف من (أمر) الجنة والنار.
وقال ابن عباس: الإبل (ها) هنا هي الإبل بعينها، وليس شيء يحمل عليه وهو بارك إلا الإبل، وفي ذلك آية.
وقال المبرد: وقيل: الإبل: القطع العظام من السحاب.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَآ أَنتَ مُذَكِّرٌ﴾.
أي: ذكر - يا محمد - عبادي بآياتي، فإنما أرسلت مذكرا لهم.
* *
﴿لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ﴾.
أي: بمسلط ولا بجبار تجبرهم على الإيمان. ومصيطراً: أصله السين، وهو مأخوذ من السطر.
وقيل: الآية منسوخة بقوله: ﴿فَٱقْتُلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] وهو قول ابن زيد.
وقيل: هي محكمة، لأنهم إذا أسلموا تركوا على جملتهم، ولم يسلط عليهم.
قال جابر: قال رسول الله ﷺ: أُمِرتَ أَن أقاتِلَ الناسَ حَتّى يَقولوا لا إِلَهَ إلاّ الله، فَإذا قالوا لا إِلَهَ إِلاّ الله عَصَمُوا مِنّي دِماءَهُم وَأَموالَهُم إِلاّ بِحقّها وَحِسابُهُم عَلى الله. ثم تلا ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَآ أَنتَ مُذَكِّرٌ * لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ﴾
قال ابن عباس: ﴿بِمُصَيْطِرٍ﴾ بجبار.
* *
ثم قال تعالى: ﴿إِلاَّ مَن تَوَلَّىٰ وَكَفَرَ * فَيُعَذِّبُهُ ٱللَّهُ ٱلْعَذَابَ ٱلأَكْبَرَ﴾.
أي: فذكر يا محمد قومك إلا من تولى عنك فأعرض عن الإيمان وكفر فيكون هذا استثناء من الذين كان التذكير فيهم، فيكون في موضع نصب.
وقيل: الاستثناء منقطع مما قبله. والمعنى: لست عليهم ﴿بِمُصَيْطِرٍ﴾ إلا من تولى وكفر بعد ذلك، فإنك ستسلط [عليه] إن أسلم أو السيف.
والاستثناء المنقطع [تعتبره] أبداً بأن [تحسن] "إن" معه، فإذا حسنت جاز أن يكون منقطعاً، وإذا لم تحسن كان متصلا صحيحا. يقول القاتل: "سار القوم إلا زيدا"، فلا يحسن دخول "إن" هنا، (لأنه) استثناء صحيح.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَيُعَذِّبُهُ ٱللَّهُ ٱلْعَذَابَ ٱلأَكْبَرَ﴾.
وهو عذاب جهنم في الآخرة.
* *
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ إِلَيْنَآ إِيَابَهُمْ﴾ أي: رجوعهم في الآخرة.
﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ﴾ أي: (علينا) حساب أعمالهم [فنجازيهم] (بها) فالله (هو) المحاسب المعاقب لهم وأنت - يا محمد - مذكر مبلغ عن ربك إليهم.
الغاشية 88:18
قوله تعالى: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ٱلْغَاشِيَةِ﴾ إلى آخرها.
أي: قد أتاك - يا محمد - حديث الغاشية، وهي القيامة تغشى الناس بقيامها وأهوالها.
وقال ابن جبير: الغاشية جهنم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ﴾.
أي: ذليلة، وهي وجوه الكفار. قال قتادة: "خاشعة في النار".
* *
ثم قال: ﴿عَامِلَةٌ نَّاصِبَةٌ﴾.
أي: هي عاملة ناصبة بمعنى: تعمل وتنصب في الدنيا، وهي تصلى ناراً حامية في الآخرة.
وهذا القول يُروى عن عمر رضي الله عنه. ولا يتم الكلام [على] [ناصبة] أو (على) ﴿خَاشِعَةٌ﴾ ويجوز أن يكون في الكلام تقديم وتأخير على هذا القول، والتقدير: وجوه عاملة ناصبة في الدنيا يومئذ خاشعة.
وقيل: الآية نزلت في عبدة الأوثان والرهبان من أهل الكتاب، أنصبوا أنفسهم وأتعبوها بالعمل ولم يتقبل منهم، لأنهم على غير إسلام.
وقال عكرمة: (معناه): عاملة في الدنيا بمعاصي الله، ناصبة في الآخرة في النار. فيتم الكلام على هذا القول على "عاملة".
وقال الحسن وقتادة: إن الوجوه في القيامة خاشعة عاملة ناصبة، وإنها (لما) لم تعمل في الدنيا لله أعملها الله في النار وأنصبها. فلا يتم الكلام من أوله على ﴿نَّاصِبَةٌ﴾ على هذا القول.
قال ابن عباس: "تعمل وتنصب في النار".
وقال قتادة: "تكبرت في الدنيا عن طاعة الله، فأعملها وأنصبها في النار".
وقال ابن زيد: "لا أحد أنصب ولا أشد من أهل النار".
وكان عمر رضي الله عنه يتأولها في الدنيا في البرهان وشبههم. يعملون في الدنيا، ويجتهدون، وهم في النار. ويكون الكلام يتم على ﴿خَاشِعَةٌ﴾ لأنه آخر صفتهم في يوم القيامة، ثم ابتدأ بصفتهم في الدنيا.
وقيل: التقدير: وجوه عاملة ناصبة في الدنيا ﴿يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ﴾ يعني: في الآخرة.
وفي الحديث أن النبي ﷺ وسلم ذكر القدرية فبكى، وقال: إن فيهم المجتهد.
* *
وقوله: ﴿تَصْلَىٰ نَاراً حَامِيَةً﴾ أي: ترد ناراً قد حميت واشتد حرها. والإخبار في جميع ذلك عن الوجوه، والمراد به أصحابها، لأن المعنى مفهوم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿تَصْلَىٰ نَاراً حَامِيَةً﴾.
أي: [يسقى] يومئذ أصحاب هذه الوجوه (من عين قد) انتهى حرها فبلغ الغاية في شدة الحر.
وقال مجاهد: من عين قد (أنى نضجها) منذ خلق الله عز وجل الدنيا. وقال ابن زيد: ﴿مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ﴾ أي: حاضرة.
وقال تعالى: ﴿لَّيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلاَّ مِن ضَرِيعٍ﴾.
أي: (ليس) لأصحاب هذه (الوجوه) الخاشعة - وهم الكفار - طعام يطعمونه في النار إلا طعام من ضريع.
قال ابن عباس: "الضريع: شجر من نار".
وقال ابن زيد: الضريع: الشوك من النار، والضريع عند العرب شوك يابس [ولا ورق فيه].
وقال عكرمة: الضريع: الحجارة.
وقال الحسن: الضريع: الزقوم وعنه أيضاً: الضريع: الذي يضرع ويذل من أكله لمرارته وخشونته.
وقال عطاء: الضريع: الشبرق. وروي ذلك أيضاً عن ابن عباس ومجاهد وقتادة، وعلى هذا القول كثير من أهل اللغة، والشبرق: [شجر] كثير الشوك تعافه الإبل، وأهل الحجاز يسمونه الضريع إذا يبس، ويسميه غيرهم الشبرق.
وقيل: الضريع واد من جهنم. وقد أخبر الله في هذه الآية بأن لا طعام لهم إلا طعام من ضريع، فأثبت لهم طعاماً، وقال في موضع آخر ﴿فَلَيْسَ لَهُ ٱلْيَوْمَ هَا هُنَا حَمِيمٌ * وَلاَ طَعَامٌ إِلاَّ مِنْ غِسْلِينٍ﴾ [الحاقة: ٣٥-٣٦].
فظاهره أنه قد أوجب لهم طعاما من غسلين فهذا خلاف ذلك في الظاهر. والمعنى في ذلك أن التقدير: فليس له اليوم هاهنا شراب حميم إلا من غسلين ولا طعام ينتفع به.
(وقيل): الغسلين من الضريع.
وقيل: الغسلين لقوم والضريع لآخرين.
ثم وصف الله أهل الجنة ونعيمهم بعد وصفه لأهل النار وعذابهم.
فقال تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاعِمَةٌ﴾.
أي: (غضرة) نضرة ينعمها الله، وهم أهل الإيمان بالله والعمل بطاعته.
* *
ثم قال تعالى: ﴿لِّسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ﴾.
أي: لعملها الذي عملته في الدنيا من طاعة ربها راضية. وقيل المعنى: [لثواب] عملها راضية في الآخرة.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ﴾.
أي: رفيعة القدر عالية المكان.
﴿لاَّ تَسْمَعُ فِيهَا لاَغِيَةً﴾ أي: لا يسمع أحد في الجنة كلمة لغو، واللغو: الباطل.
وقيل للكلمة التي هي لغة: لاغية، كما قيل لصاحب [الدرع: دارع]، ولصاحب الفرس فارس، "ولابن" "وثامر" لصاحب اللبن والثمر.
وقال الفراء: ﴿لاَغِيَةً﴾، أي: [حالفاً] يحلف بكذب.
قال ابن عباس: معناه: لا تسمع فيها أذى ولا باطلاً.
وقال مجاهد: "شتماً". وقال قتادة: باطلاً ولا مأثماً.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ﴾ أي: تجري من غير أخدود، والعين تذكر وتؤنث [والتأنيث] أكثر، وقد قال الشاعر: ؎ والعين بالإثمد [الحاري] مكحول.
فقال بعض النحويين: هذا على تذكير العين.
وقال المبرد: ذكره كما يذكر كل مؤنث غير حقيقي التأنيث لا علامة للتأنيث فيه، كما يقال: هذا دار وهذه دار.
وقال الأصمعي: مكحول للحاجب هو، لأنه قد تقدم ذكره، ولا يعرف الأصمعي في العين إلا التأنيث.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فِيهَا سُرُرٌ مَّرْفُوعَةٌ﴾.
أي: عالية ليرى المؤمن إذا جلس عليها جميع ما خوله ربه من الملك والنعيم، ويلحقه بصره. والسرر جمع سرير.
وقيل: مرفوعة: موضونة. قاله ابن عباس، كقوله: ﴿سُرُرٍ مَّصْفُوفَةٍ﴾ [الطور: ٢٠] أي: بعضها فوق بعض.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَأَكْوَابٌ مَّوْضُوعَةٌ﴾.
أي: موضوعة على حافة العين الجارية كلما أراد الشرب وجدها ملأى من الشراب. والأكواب جمع: كوب، وهي الأباريق التي لا آذان لها، وقد تقدم ذكرها بالاختلاف فيها.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ﴾.
النمارق جمع: نمرقة، وهي الوسادة والمرفقة. وحكي فيها ضم النون والراء وكسرهما، والضم (أكثر). ومعنى مصفوفة أي: بعضها إلى بعض.
وقد قال ابن عباس "النمارق: المجالس"، وعنه: "المرافق".
وقال قتادة: هي "الوسائد".
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ﴾.
قال أبو عبيدة: الزرابي البسط.
وقيل الزرابي: الطنافس التي لها خمل، و ﴿مَبْثُوثَةٌ﴾ كثيرة.
وقال قتادة: [زرابي] "مبثوثة" أي "مبسوطة".
قال ابن عمر: (رأيت عمر) رضي الله عنه يصلى على عبقري، وهي الزرابي.
* *
ثم قال تعالى: ﴿أَفَلاَ يَنظُرُونَ إِلَى ٱلإِبْلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾.
هذا كله توبيخ لمنكري القدرة، أي: أفلا ينظر من ينكر قدرة الله على كل ما يشاء مما وصف مما أعده الله للكافرين وللمؤمنين في هذه الآيات - إلى الإبل كيف خلقها الله وسخرها لهم (وذللها)، وإلى (السماء) كيف رفعها الله فوقهم لا خلل فيها ولا شقوق ولا اختلاف، رفعها بغير عمد ترونها، وإلى الجبال كيف نصبها الله على الأرض لئلا تميد بأهلها، [وأقامها] منتصبة لا تسقط على الأرض. وإلى الأرض كيف سطحها الله، أي بسطها فجعلها مستوية وطيئة ليتصرف عليها الخلق ولا يمتنعون من أسفارهم.
وقال قتادة: لما [نعت] الله ما في الجنة، عجب من ذلك أهل الضلالة، فأنزل الله جل ذكره: ﴿أَفَلاَ يَنظُرُونَ إِلَى ٱلإِبْلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ إلى ﴿سُطِحَتْ﴾.
قال: وكانت الإبل من عيش العرب. [فخوطبوا] ونبهوا على قدرته على أعظم ما في نفوسهم، فلذلك بدأ بالإبل، فكأنه قيل لهم: من قدر على إحداث هذه الأشياء وغيرها لكم وإحكام أمرها [كيف] لا يقدر على ما وصف من (أمر) الجنة والنار.
وقال ابن عباس: الإبل (ها) هنا هي الإبل بعينها، وليس شيء يحمل عليه وهو بارك إلا الإبل، وفي ذلك آية.
وقال المبرد: وقيل: الإبل: القطع العظام من السحاب.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَآ أَنتَ مُذَكِّرٌ﴾.
أي: ذكر - يا محمد - عبادي بآياتي، فإنما أرسلت مذكرا لهم.
* *
﴿لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ﴾.
أي: بمسلط ولا بجبار تجبرهم على الإيمان. ومصيطراً: أصله السين، وهو مأخوذ من السطر.
وقيل: الآية منسوخة بقوله: ﴿فَٱقْتُلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] وهو قول ابن زيد.
وقيل: هي محكمة، لأنهم إذا أسلموا تركوا على جملتهم، ولم يسلط عليهم.
قال جابر: قال رسول الله ﷺ: أُمِرتَ أَن أقاتِلَ الناسَ حَتّى يَقولوا لا إِلَهَ إلاّ الله، فَإذا قالوا لا إِلَهَ إِلاّ الله عَصَمُوا مِنّي دِماءَهُم وَأَموالَهُم إِلاّ بِحقّها وَحِسابُهُم عَلى الله. ثم تلا ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَآ أَنتَ مُذَكِّرٌ * لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ﴾
قال ابن عباس: ﴿بِمُصَيْطِرٍ﴾ بجبار.
* *
ثم قال تعالى: ﴿إِلاَّ مَن تَوَلَّىٰ وَكَفَرَ * فَيُعَذِّبُهُ ٱللَّهُ ٱلْعَذَابَ ٱلأَكْبَرَ﴾.
أي: فذكر يا محمد قومك إلا من تولى عنك فأعرض عن الإيمان وكفر فيكون هذا استثناء من الذين كان التذكير فيهم، فيكون في موضع نصب.
وقيل: الاستثناء منقطع مما قبله. والمعنى: لست عليهم ﴿بِمُصَيْطِرٍ﴾ إلا من تولى وكفر بعد ذلك، فإنك ستسلط [عليه] إن أسلم أو السيف.
والاستثناء المنقطع [تعتبره] أبداً بأن [تحسن] "إن" معه، فإذا حسنت جاز أن يكون منقطعاً، وإذا لم تحسن كان متصلا صحيحا. يقول القاتل: "سار القوم إلا زيدا"، فلا يحسن دخول "إن" هنا، (لأنه) استثناء صحيح.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَيُعَذِّبُهُ ٱللَّهُ ٱلْعَذَابَ ٱلأَكْبَرَ﴾.
وهو عذاب جهنم في الآخرة.
* *
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ إِلَيْنَآ إِيَابَهُمْ﴾ أي: رجوعهم في الآخرة.
﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ﴾ أي: (علينا) حساب أعمالهم [فنجازيهم] (بها) فالله (هو) المحاسب المعاقب لهم وأنت - يا محمد - مذكر مبلغ عن ربك إليهم.
الغاشية 88:19
قوله تعالى: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ٱلْغَاشِيَةِ﴾ إلى آخرها.
أي: قد أتاك - يا محمد - حديث الغاشية، وهي القيامة تغشى الناس بقيامها وأهوالها.
وقال ابن جبير: الغاشية جهنم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ﴾.
أي: ذليلة، وهي وجوه الكفار. قال قتادة: "خاشعة في النار".
* *
ثم قال: ﴿عَامِلَةٌ نَّاصِبَةٌ﴾.
أي: هي عاملة ناصبة بمعنى: تعمل وتنصب في الدنيا، وهي تصلى ناراً حامية في الآخرة.
وهذا القول يُروى عن عمر رضي الله عنه. ولا يتم الكلام [على] [ناصبة] أو (على) ﴿خَاشِعَةٌ﴾ ويجوز أن يكون في الكلام تقديم وتأخير على هذا القول، والتقدير: وجوه عاملة ناصبة في الدنيا يومئذ خاشعة.
وقيل: الآية نزلت في عبدة الأوثان والرهبان من أهل الكتاب، أنصبوا أنفسهم وأتعبوها بالعمل ولم يتقبل منهم، لأنهم على غير إسلام.
وقال عكرمة: (معناه): عاملة في الدنيا بمعاصي الله، ناصبة في الآخرة في النار. فيتم الكلام على هذا القول على "عاملة".
وقال الحسن وقتادة: إن الوجوه في القيامة خاشعة عاملة ناصبة، وإنها (لما) لم تعمل في الدنيا لله أعملها الله في النار وأنصبها. فلا يتم الكلام من أوله على ﴿نَّاصِبَةٌ﴾ على هذا القول.
قال ابن عباس: "تعمل وتنصب في النار".
وقال قتادة: "تكبرت في الدنيا عن طاعة الله، فأعملها وأنصبها في النار".
وقال ابن زيد: "لا أحد أنصب ولا أشد من أهل النار".
وكان عمر رضي الله عنه يتأولها في الدنيا في البرهان وشبههم. يعملون في الدنيا، ويجتهدون، وهم في النار. ويكون الكلام يتم على ﴿خَاشِعَةٌ﴾ لأنه آخر صفتهم في يوم القيامة، ثم ابتدأ بصفتهم في الدنيا.
وقيل: التقدير: وجوه عاملة ناصبة في الدنيا ﴿يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ﴾ يعني: في الآخرة.
وفي الحديث أن النبي ﷺ وسلم ذكر القدرية فبكى، وقال: إن فيهم المجتهد.
* *
وقوله: ﴿تَصْلَىٰ نَاراً حَامِيَةً﴾ أي: ترد ناراً قد حميت واشتد حرها. والإخبار في جميع ذلك عن الوجوه، والمراد به أصحابها، لأن المعنى مفهوم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿تَصْلَىٰ نَاراً حَامِيَةً﴾.
أي: [يسقى] يومئذ أصحاب هذه الوجوه (من عين قد) انتهى حرها فبلغ الغاية في شدة الحر.
وقال مجاهد: من عين قد (أنى نضجها) منذ خلق الله عز وجل الدنيا. وقال ابن زيد: ﴿مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ﴾ أي: حاضرة.
وقال تعالى: ﴿لَّيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلاَّ مِن ضَرِيعٍ﴾.
أي: (ليس) لأصحاب هذه (الوجوه) الخاشعة - وهم الكفار - طعام يطعمونه في النار إلا طعام من ضريع.
قال ابن عباس: "الضريع: شجر من نار".
وقال ابن زيد: الضريع: الشوك من النار، والضريع عند العرب شوك يابس [ولا ورق فيه].
وقال عكرمة: الضريع: الحجارة.
وقال الحسن: الضريع: الزقوم وعنه أيضاً: الضريع: الذي يضرع ويذل من أكله لمرارته وخشونته.
وقال عطاء: الضريع: الشبرق. وروي ذلك أيضاً عن ابن عباس ومجاهد وقتادة، وعلى هذا القول كثير من أهل اللغة، والشبرق: [شجر] كثير الشوك تعافه الإبل، وأهل الحجاز يسمونه الضريع إذا يبس، ويسميه غيرهم الشبرق.
وقيل: الضريع واد من جهنم. وقد أخبر الله في هذه الآية بأن لا طعام لهم إلا طعام من ضريع، فأثبت لهم طعاماً، وقال في موضع آخر ﴿فَلَيْسَ لَهُ ٱلْيَوْمَ هَا هُنَا حَمِيمٌ * وَلاَ طَعَامٌ إِلاَّ مِنْ غِسْلِينٍ﴾ [الحاقة: ٣٥-٣٦].
فظاهره أنه قد أوجب لهم طعاما من غسلين فهذا خلاف ذلك في الظاهر. والمعنى في ذلك أن التقدير: فليس له اليوم هاهنا شراب حميم إلا من غسلين ولا طعام ينتفع به.
(وقيل): الغسلين من الضريع.
وقيل: الغسلين لقوم والضريع لآخرين.
ثم وصف الله أهل الجنة ونعيمهم بعد وصفه لأهل النار وعذابهم.
فقال تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاعِمَةٌ﴾.
أي: (غضرة) نضرة ينعمها الله، وهم أهل الإيمان بالله والعمل بطاعته.
* *
ثم قال تعالى: ﴿لِّسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ﴾.
أي: لعملها الذي عملته في الدنيا من طاعة ربها راضية. وقيل المعنى: [لثواب] عملها راضية في الآخرة.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ﴾.
أي: رفيعة القدر عالية المكان.
﴿لاَّ تَسْمَعُ فِيهَا لاَغِيَةً﴾ أي: لا يسمع أحد في الجنة كلمة لغو، واللغو: الباطل.
وقيل للكلمة التي هي لغة: لاغية، كما قيل لصاحب [الدرع: دارع]، ولصاحب الفرس فارس، "ولابن" "وثامر" لصاحب اللبن والثمر.
وقال الفراء: ﴿لاَغِيَةً﴾، أي: [حالفاً] يحلف بكذب.
قال ابن عباس: معناه: لا تسمع فيها أذى ولا باطلاً.
وقال مجاهد: "شتماً". وقال قتادة: باطلاً ولا مأثماً.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ﴾ أي: تجري من غير أخدود، والعين تذكر وتؤنث [والتأنيث] أكثر، وقد قال الشاعر: ؎ والعين بالإثمد [الحاري] مكحول.
فقال بعض النحويين: هذا على تذكير العين.
وقال المبرد: ذكره كما يذكر كل مؤنث غير حقيقي التأنيث لا علامة للتأنيث فيه، كما يقال: هذا دار وهذه دار.
وقال الأصمعي: مكحول للحاجب هو، لأنه قد تقدم ذكره، ولا يعرف الأصمعي في العين إلا التأنيث.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فِيهَا سُرُرٌ مَّرْفُوعَةٌ﴾.
أي: عالية ليرى المؤمن إذا جلس عليها جميع ما خوله ربه من الملك والنعيم، ويلحقه بصره. والسرر جمع سرير.
وقيل: مرفوعة: موضونة. قاله ابن عباس، كقوله: ﴿سُرُرٍ مَّصْفُوفَةٍ﴾ [الطور: ٢٠] أي: بعضها فوق بعض.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَأَكْوَابٌ مَّوْضُوعَةٌ﴾.
أي: موضوعة على حافة العين الجارية كلما أراد الشرب وجدها ملأى من الشراب. والأكواب جمع: كوب، وهي الأباريق التي لا آذان لها، وقد تقدم ذكرها بالاختلاف فيها.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ﴾.
النمارق جمع: نمرقة، وهي الوسادة والمرفقة. وحكي فيها ضم النون والراء وكسرهما، والضم (أكثر). ومعنى مصفوفة أي: بعضها إلى بعض.
وقد قال ابن عباس "النمارق: المجالس"، وعنه: "المرافق".
وقال قتادة: هي "الوسائد".
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ﴾.
قال أبو عبيدة: الزرابي البسط.
وقيل الزرابي: الطنافس التي لها خمل، و ﴿مَبْثُوثَةٌ﴾ كثيرة.
وقال قتادة: [زرابي] "مبثوثة" أي "مبسوطة".
قال ابن عمر: (رأيت عمر) رضي الله عنه يصلى على عبقري، وهي الزرابي.
* *
ثم قال تعالى: ﴿أَفَلاَ يَنظُرُونَ إِلَى ٱلإِبْلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾.
هذا كله توبيخ لمنكري القدرة، أي: أفلا ينظر من ينكر قدرة الله على كل ما يشاء مما وصف مما أعده الله للكافرين وللمؤمنين في هذه الآيات - إلى الإبل كيف خلقها الله وسخرها لهم (وذللها)، وإلى (السماء) كيف رفعها الله فوقهم لا خلل فيها ولا شقوق ولا اختلاف، رفعها بغير عمد ترونها، وإلى الجبال كيف نصبها الله على الأرض لئلا تميد بأهلها، [وأقامها] منتصبة لا تسقط على الأرض. وإلى الأرض كيف سطحها الله، أي بسطها فجعلها مستوية وطيئة ليتصرف عليها الخلق ولا يمتنعون من أسفارهم.
وقال قتادة: لما [نعت] الله ما في الجنة، عجب من ذلك أهل الضلالة، فأنزل الله جل ذكره: ﴿أَفَلاَ يَنظُرُونَ إِلَى ٱلإِبْلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ إلى ﴿سُطِحَتْ﴾.
قال: وكانت الإبل من عيش العرب. [فخوطبوا] ونبهوا على قدرته على أعظم ما في نفوسهم، فلذلك بدأ بالإبل، فكأنه قيل لهم: من قدر على إحداث هذه الأشياء وغيرها لكم وإحكام أمرها [كيف] لا يقدر على ما وصف من (أمر) الجنة والنار.
وقال ابن عباس: الإبل (ها) هنا هي الإبل بعينها، وليس شيء يحمل عليه وهو بارك إلا الإبل، وفي ذلك آية.
وقال المبرد: وقيل: الإبل: القطع العظام من السحاب.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَآ أَنتَ مُذَكِّرٌ﴾.
أي: ذكر - يا محمد - عبادي بآياتي، فإنما أرسلت مذكرا لهم.
* *
﴿لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ﴾.
أي: بمسلط ولا بجبار تجبرهم على الإيمان. ومصيطراً: أصله السين، وهو مأخوذ من السطر.
وقيل: الآية منسوخة بقوله: ﴿فَٱقْتُلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] وهو قول ابن زيد.
وقيل: هي محكمة، لأنهم إذا أسلموا تركوا على جملتهم، ولم يسلط عليهم.
قال جابر: قال رسول الله ﷺ: أُمِرتَ أَن أقاتِلَ الناسَ حَتّى يَقولوا لا إِلَهَ إلاّ الله، فَإذا قالوا لا إِلَهَ إِلاّ الله عَصَمُوا مِنّي دِماءَهُم وَأَموالَهُم إِلاّ بِحقّها وَحِسابُهُم عَلى الله. ثم تلا ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَآ أَنتَ مُذَكِّرٌ * لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ﴾
قال ابن عباس: ﴿بِمُصَيْطِرٍ﴾ بجبار.
* *
ثم قال تعالى: ﴿إِلاَّ مَن تَوَلَّىٰ وَكَفَرَ * فَيُعَذِّبُهُ ٱللَّهُ ٱلْعَذَابَ ٱلأَكْبَرَ﴾.
أي: فذكر يا محمد قومك إلا من تولى عنك فأعرض عن الإيمان وكفر فيكون هذا استثناء من الذين كان التذكير فيهم، فيكون في موضع نصب.
وقيل: الاستثناء منقطع مما قبله. والمعنى: لست عليهم ﴿بِمُصَيْطِرٍ﴾ إلا من تولى وكفر بعد ذلك، فإنك ستسلط [عليه] إن أسلم أو السيف.
والاستثناء المنقطع [تعتبره] أبداً بأن [تحسن] "إن" معه، فإذا حسنت جاز أن يكون منقطعاً، وإذا لم تحسن كان متصلا صحيحا. يقول القاتل: "سار القوم إلا زيدا"، فلا يحسن دخول "إن" هنا، (لأنه) استثناء صحيح.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَيُعَذِّبُهُ ٱللَّهُ ٱلْعَذَابَ ٱلأَكْبَرَ﴾.
وهو عذاب جهنم في الآخرة.
* *
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ إِلَيْنَآ إِيَابَهُمْ﴾ أي: رجوعهم في الآخرة.
﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ﴾ أي: (علينا) حساب أعمالهم [فنجازيهم] (بها) فالله (هو) المحاسب المعاقب لهم وأنت - يا محمد - مذكر مبلغ عن ربك إليهم.
الغاشية 88:20
قوله تعالى: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ٱلْغَاشِيَةِ﴾ إلى آخرها.
أي: قد أتاك - يا محمد - حديث الغاشية، وهي القيامة تغشى الناس بقيامها وأهوالها.
وقال ابن جبير: الغاشية جهنم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ﴾.
أي: ذليلة، وهي وجوه الكفار. قال قتادة: "خاشعة في النار".
* *
ثم قال: ﴿عَامِلَةٌ نَّاصِبَةٌ﴾.
أي: هي عاملة ناصبة بمعنى: تعمل وتنصب في الدنيا، وهي تصلى ناراً حامية في الآخرة.
وهذا القول يُروى عن عمر رضي الله عنه. ولا يتم الكلام [على] [ناصبة] أو (على) ﴿خَاشِعَةٌ﴾ ويجوز أن يكون في الكلام تقديم وتأخير على هذا القول، والتقدير: وجوه عاملة ناصبة في الدنيا يومئذ خاشعة.
وقيل: الآية نزلت في عبدة الأوثان والرهبان من أهل الكتاب، أنصبوا أنفسهم وأتعبوها بالعمل ولم يتقبل منهم، لأنهم على غير إسلام.
وقال عكرمة: (معناه): عاملة في الدنيا بمعاصي الله، ناصبة في الآخرة في النار. فيتم الكلام على هذا القول على "عاملة".
وقال الحسن وقتادة: إن الوجوه في القيامة خاشعة عاملة ناصبة، وإنها (لما) لم تعمل في الدنيا لله أعملها الله في النار وأنصبها. فلا يتم الكلام من أوله على ﴿نَّاصِبَةٌ﴾ على هذا القول.
قال ابن عباس: "تعمل وتنصب في النار".
وقال قتادة: "تكبرت في الدنيا عن طاعة الله، فأعملها وأنصبها في النار".
وقال ابن زيد: "لا أحد أنصب ولا أشد من أهل النار".
وكان عمر رضي الله عنه يتأولها في الدنيا في البرهان وشبههم. يعملون في الدنيا، ويجتهدون، وهم في النار. ويكون الكلام يتم على ﴿خَاشِعَةٌ﴾ لأنه آخر صفتهم في يوم القيامة، ثم ابتدأ بصفتهم في الدنيا.
وقيل: التقدير: وجوه عاملة ناصبة في الدنيا ﴿يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ﴾ يعني: في الآخرة.
وفي الحديث أن النبي ﷺ وسلم ذكر القدرية فبكى، وقال: إن فيهم المجتهد.
* *
وقوله: ﴿تَصْلَىٰ نَاراً حَامِيَةً﴾ أي: ترد ناراً قد حميت واشتد حرها. والإخبار في جميع ذلك عن الوجوه، والمراد به أصحابها، لأن المعنى مفهوم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿تَصْلَىٰ نَاراً حَامِيَةً﴾.
أي: [يسقى] يومئذ أصحاب هذه الوجوه (من عين قد) انتهى حرها فبلغ الغاية في شدة الحر.
وقال مجاهد: من عين قد (أنى نضجها) منذ خلق الله عز وجل الدنيا. وقال ابن زيد: ﴿مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ﴾ أي: حاضرة.
وقال تعالى: ﴿لَّيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلاَّ مِن ضَرِيعٍ﴾.
أي: (ليس) لأصحاب هذه (الوجوه) الخاشعة - وهم الكفار - طعام يطعمونه في النار إلا طعام من ضريع.
قال ابن عباس: "الضريع: شجر من نار".
وقال ابن زيد: الضريع: الشوك من النار، والضريع عند العرب شوك يابس [ولا ورق فيه].
وقال عكرمة: الضريع: الحجارة.
وقال الحسن: الضريع: الزقوم وعنه أيضاً: الضريع: الذي يضرع ويذل من أكله لمرارته وخشونته.
وقال عطاء: الضريع: الشبرق. وروي ذلك أيضاً عن ابن عباس ومجاهد وقتادة، وعلى هذا القول كثير من أهل اللغة، والشبرق: [شجر] كثير الشوك تعافه الإبل، وأهل الحجاز يسمونه الضريع إذا يبس، ويسميه غيرهم الشبرق.
وقيل: الضريع واد من جهنم. وقد أخبر الله في هذه الآية بأن لا طعام لهم إلا طعام من ضريع، فأثبت لهم طعاماً، وقال في موضع آخر ﴿فَلَيْسَ لَهُ ٱلْيَوْمَ هَا هُنَا حَمِيمٌ * وَلاَ طَعَامٌ إِلاَّ مِنْ غِسْلِينٍ﴾ [الحاقة: ٣٥-٣٦].
فظاهره أنه قد أوجب لهم طعاما من غسلين فهذا خلاف ذلك في الظاهر. والمعنى في ذلك أن التقدير: فليس له اليوم هاهنا شراب حميم إلا من غسلين ولا طعام ينتفع به.
(وقيل): الغسلين من الضريع.
وقيل: الغسلين لقوم والضريع لآخرين.
ثم وصف الله أهل الجنة ونعيمهم بعد وصفه لأهل النار وعذابهم.
فقال تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاعِمَةٌ﴾.
أي: (غضرة) نضرة ينعمها الله، وهم أهل الإيمان بالله والعمل بطاعته.
* *
ثم قال تعالى: ﴿لِّسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ﴾.
أي: لعملها الذي عملته في الدنيا من طاعة ربها راضية. وقيل المعنى: [لثواب] عملها راضية في الآخرة.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ﴾.
أي: رفيعة القدر عالية المكان.
﴿لاَّ تَسْمَعُ فِيهَا لاَغِيَةً﴾ أي: لا يسمع أحد في الجنة كلمة لغو، واللغو: الباطل.
وقيل للكلمة التي هي لغة: لاغية، كما قيل لصاحب [الدرع: دارع]، ولصاحب الفرس فارس، "ولابن" "وثامر" لصاحب اللبن والثمر.
وقال الفراء: ﴿لاَغِيَةً﴾، أي: [حالفاً] يحلف بكذب.
قال ابن عباس: معناه: لا تسمع فيها أذى ولا باطلاً.
وقال مجاهد: "شتماً". وقال قتادة: باطلاً ولا مأثماً.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ﴾ أي: تجري من غير أخدود، والعين تذكر وتؤنث [والتأنيث] أكثر، وقد قال الشاعر: ؎ والعين بالإثمد [الحاري] مكحول.
فقال بعض النحويين: هذا على تذكير العين.
وقال المبرد: ذكره كما يذكر كل مؤنث غير حقيقي التأنيث لا علامة للتأنيث فيه، كما يقال: هذا دار وهذه دار.
وقال الأصمعي: مكحول للحاجب هو، لأنه قد تقدم ذكره، ولا يعرف الأصمعي في العين إلا التأنيث.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فِيهَا سُرُرٌ مَّرْفُوعَةٌ﴾.
أي: عالية ليرى المؤمن إذا جلس عليها جميع ما خوله ربه من الملك والنعيم، ويلحقه بصره. والسرر جمع سرير.
وقيل: مرفوعة: موضونة. قاله ابن عباس، كقوله: ﴿سُرُرٍ مَّصْفُوفَةٍ﴾ [الطور: ٢٠] أي: بعضها فوق بعض.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَأَكْوَابٌ مَّوْضُوعَةٌ﴾.
أي: موضوعة على حافة العين الجارية كلما أراد الشرب وجدها ملأى من الشراب. والأكواب جمع: كوب، وهي الأباريق التي لا آذان لها، وقد تقدم ذكرها بالاختلاف فيها.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ﴾.
النمارق جمع: نمرقة، وهي الوسادة والمرفقة. وحكي فيها ضم النون والراء وكسرهما، والضم (أكثر). ومعنى مصفوفة أي: بعضها إلى بعض.
وقد قال ابن عباس "النمارق: المجالس"، وعنه: "المرافق".
وقال قتادة: هي "الوسائد".
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ﴾.
قال أبو عبيدة: الزرابي البسط.
وقيل الزرابي: الطنافس التي لها خمل، و ﴿مَبْثُوثَةٌ﴾ كثيرة.
وقال قتادة: [زرابي] "مبثوثة" أي "مبسوطة".
قال ابن عمر: (رأيت عمر) رضي الله عنه يصلى على عبقري، وهي الزرابي.
* *
ثم قال تعالى: ﴿أَفَلاَ يَنظُرُونَ إِلَى ٱلإِبْلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾.
هذا كله توبيخ لمنكري القدرة، أي: أفلا ينظر من ينكر قدرة الله على كل ما يشاء مما وصف مما أعده الله للكافرين وللمؤمنين في هذه الآيات - إلى الإبل كيف خلقها الله وسخرها لهم (وذللها)، وإلى (السماء) كيف رفعها الله فوقهم لا خلل فيها ولا شقوق ولا اختلاف، رفعها بغير عمد ترونها، وإلى الجبال كيف نصبها الله على الأرض لئلا تميد بأهلها، [وأقامها] منتصبة لا تسقط على الأرض. وإلى الأرض كيف سطحها الله، أي بسطها فجعلها مستوية وطيئة ليتصرف عليها الخلق ولا يمتنعون من أسفارهم.
وقال قتادة: لما [نعت] الله ما في الجنة، عجب من ذلك أهل الضلالة، فأنزل الله جل ذكره: ﴿أَفَلاَ يَنظُرُونَ إِلَى ٱلإِبْلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ إلى ﴿سُطِحَتْ﴾.
قال: وكانت الإبل من عيش العرب. [فخوطبوا] ونبهوا على قدرته على أعظم ما في نفوسهم، فلذلك بدأ بالإبل، فكأنه قيل لهم: من قدر على إحداث هذه الأشياء وغيرها لكم وإحكام أمرها [كيف] لا يقدر على ما وصف من (أمر) الجنة والنار.
وقال ابن عباس: الإبل (ها) هنا هي الإبل بعينها، وليس شيء يحمل عليه وهو بارك إلا الإبل، وفي ذلك آية.
وقال المبرد: وقيل: الإبل: القطع العظام من السحاب.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَآ أَنتَ مُذَكِّرٌ﴾.
أي: ذكر - يا محمد - عبادي بآياتي، فإنما أرسلت مذكرا لهم.
* *
﴿لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ﴾.
أي: بمسلط ولا بجبار تجبرهم على الإيمان. ومصيطراً: أصله السين، وهو مأخوذ من السطر.
وقيل: الآية منسوخة بقوله: ﴿فَٱقْتُلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] وهو قول ابن زيد.
وقيل: هي محكمة، لأنهم إذا أسلموا تركوا على جملتهم، ولم يسلط عليهم.
قال جابر: قال رسول الله ﷺ: أُمِرتَ أَن أقاتِلَ الناسَ حَتّى يَقولوا لا إِلَهَ إلاّ الله، فَإذا قالوا لا إِلَهَ إِلاّ الله عَصَمُوا مِنّي دِماءَهُم وَأَموالَهُم إِلاّ بِحقّها وَحِسابُهُم عَلى الله. ثم تلا ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَآ أَنتَ مُذَكِّرٌ * لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ﴾
قال ابن عباس: ﴿بِمُصَيْطِرٍ﴾ بجبار.
* *
ثم قال تعالى: ﴿إِلاَّ مَن تَوَلَّىٰ وَكَفَرَ * فَيُعَذِّبُهُ ٱللَّهُ ٱلْعَذَابَ ٱلأَكْبَرَ﴾.
أي: فذكر يا محمد قومك إلا من تولى عنك فأعرض عن الإيمان وكفر فيكون هذا استثناء من الذين كان التذكير فيهم، فيكون في موضع نصب.
وقيل: الاستثناء منقطع مما قبله. والمعنى: لست عليهم ﴿بِمُصَيْطِرٍ﴾ إلا من تولى وكفر بعد ذلك، فإنك ستسلط [عليه] إن أسلم أو السيف.
والاستثناء المنقطع [تعتبره] أبداً بأن [تحسن] "إن" معه، فإذا حسنت جاز أن يكون منقطعاً، وإذا لم تحسن كان متصلا صحيحا. يقول القاتل: "سار القوم إلا زيدا"، فلا يحسن دخول "إن" هنا، (لأنه) استثناء صحيح.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَيُعَذِّبُهُ ٱللَّهُ ٱلْعَذَابَ ٱلأَكْبَرَ﴾.
وهو عذاب جهنم في الآخرة.
* *
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ إِلَيْنَآ إِيَابَهُمْ﴾ أي: رجوعهم في الآخرة.
﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ﴾ أي: (علينا) حساب أعمالهم [فنجازيهم] (بها) فالله (هو) المحاسب المعاقب لهم وأنت - يا محمد - مذكر مبلغ عن ربك إليهم.
الغاشية 88:21
قوله تعالى: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ٱلْغَاشِيَةِ﴾ إلى آخرها.
أي: قد أتاك - يا محمد - حديث الغاشية، وهي القيامة تغشى الناس بقيامها وأهوالها.
وقال ابن جبير: الغاشية جهنم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ﴾.
أي: ذليلة، وهي وجوه الكفار. قال قتادة: "خاشعة في النار".
* *
ثم قال: ﴿عَامِلَةٌ نَّاصِبَةٌ﴾.
أي: هي عاملة ناصبة بمعنى: تعمل وتنصب في الدنيا، وهي تصلى ناراً حامية في الآخرة.
وهذا القول يُروى عن عمر رضي الله عنه. ولا يتم الكلام [على] [ناصبة] أو (على) ﴿خَاشِعَةٌ﴾ ويجوز أن يكون في الكلام تقديم وتأخير على هذا القول، والتقدير: وجوه عاملة ناصبة في الدنيا يومئذ خاشعة.
وقيل: الآية نزلت في عبدة الأوثان والرهبان من أهل الكتاب، أنصبوا أنفسهم وأتعبوها بالعمل ولم يتقبل منهم، لأنهم على غير إسلام.
وقال عكرمة: (معناه): عاملة في الدنيا بمعاصي الله، ناصبة في الآخرة في النار. فيتم الكلام على هذا القول على "عاملة".
وقال الحسن وقتادة: إن الوجوه في القيامة خاشعة عاملة ناصبة، وإنها (لما) لم تعمل في الدنيا لله أعملها الله في النار وأنصبها. فلا يتم الكلام من أوله على ﴿نَّاصِبَةٌ﴾ على هذا القول.
قال ابن عباس: "تعمل وتنصب في النار".
وقال قتادة: "تكبرت في الدنيا عن طاعة الله، فأعملها وأنصبها في النار".
وقال ابن زيد: "لا أحد أنصب ولا أشد من أهل النار".
وكان عمر رضي الله عنه يتأولها في الدنيا في البرهان وشبههم. يعملون في الدنيا، ويجتهدون، وهم في النار. ويكون الكلام يتم على ﴿خَاشِعَةٌ﴾ لأنه آخر صفتهم في يوم القيامة، ثم ابتدأ بصفتهم في الدنيا.
وقيل: التقدير: وجوه عاملة ناصبة في الدنيا ﴿يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ﴾ يعني: في الآخرة.
وفي الحديث أن النبي ﷺ وسلم ذكر القدرية فبكى، وقال: إن فيهم المجتهد.
* *
وقوله: ﴿تَصْلَىٰ نَاراً حَامِيَةً﴾ أي: ترد ناراً قد حميت واشتد حرها. والإخبار في جميع ذلك عن الوجوه، والمراد به أصحابها، لأن المعنى مفهوم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿تَصْلَىٰ نَاراً حَامِيَةً﴾.
أي: [يسقى] يومئذ أصحاب هذه الوجوه (من عين قد) انتهى حرها فبلغ الغاية في شدة الحر.
وقال مجاهد: من عين قد (أنى نضجها) منذ خلق الله عز وجل الدنيا. وقال ابن زيد: ﴿مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ﴾ أي: حاضرة.
وقال تعالى: ﴿لَّيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلاَّ مِن ضَرِيعٍ﴾.
أي: (ليس) لأصحاب هذه (الوجوه) الخاشعة - وهم الكفار - طعام يطعمونه في النار إلا طعام من ضريع.
قال ابن عباس: "الضريع: شجر من نار".
وقال ابن زيد: الضريع: الشوك من النار، والضريع عند العرب شوك يابس [ولا ورق فيه].
وقال عكرمة: الضريع: الحجارة.
وقال الحسن: الضريع: الزقوم وعنه أيضاً: الضريع: الذي يضرع ويذل من أكله لمرارته وخشونته.
وقال عطاء: الضريع: الشبرق. وروي ذلك أيضاً عن ابن عباس ومجاهد وقتادة، وعلى هذا القول كثير من أهل اللغة، والشبرق: [شجر] كثير الشوك تعافه الإبل، وأهل الحجاز يسمونه الضريع إذا يبس، ويسميه غيرهم الشبرق.
وقيل: الضريع واد من جهنم. وقد أخبر الله في هذه الآية بأن لا طعام لهم إلا طعام من ضريع، فأثبت لهم طعاماً، وقال في موضع آخر ﴿فَلَيْسَ لَهُ ٱلْيَوْمَ هَا هُنَا حَمِيمٌ * وَلاَ طَعَامٌ إِلاَّ مِنْ غِسْلِينٍ﴾ [الحاقة: ٣٥-٣٦].
فظاهره أنه قد أوجب لهم طعاما من غسلين فهذا خلاف ذلك في الظاهر. والمعنى في ذلك أن التقدير: فليس له اليوم هاهنا شراب حميم إلا من غسلين ولا طعام ينتفع به.
(وقيل): الغسلين من الضريع.
وقيل: الغسلين لقوم والضريع لآخرين.
ثم وصف الله أهل الجنة ونعيمهم بعد وصفه لأهل النار وعذابهم.
فقال تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاعِمَةٌ﴾.
أي: (غضرة) نضرة ينعمها الله، وهم أهل الإيمان بالله والعمل بطاعته.
* *
ثم قال تعالى: ﴿لِّسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ﴾.
أي: لعملها الذي عملته في الدنيا من طاعة ربها راضية. وقيل المعنى: [لثواب] عملها راضية في الآخرة.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ﴾.
أي: رفيعة القدر عالية المكان.
﴿لاَّ تَسْمَعُ فِيهَا لاَغِيَةً﴾ أي: لا يسمع أحد في الجنة كلمة لغو، واللغو: الباطل.
وقيل للكلمة التي هي لغة: لاغية، كما قيل لصاحب [الدرع: دارع]، ولصاحب الفرس فارس، "ولابن" "وثامر" لصاحب اللبن والثمر.
وقال الفراء: ﴿لاَغِيَةً﴾، أي: [حالفاً] يحلف بكذب.
قال ابن عباس: معناه: لا تسمع فيها أذى ولا باطلاً.
وقال مجاهد: "شتماً". وقال قتادة: باطلاً ولا مأثماً.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ﴾ أي: تجري من غير أخدود، والعين تذكر وتؤنث [والتأنيث] أكثر، وقد قال الشاعر: ؎ والعين بالإثمد [الحاري] مكحول.
فقال بعض النحويين: هذا على تذكير العين.
وقال المبرد: ذكره كما يذكر كل مؤنث غير حقيقي التأنيث لا علامة للتأنيث فيه، كما يقال: هذا دار وهذه دار.
وقال الأصمعي: مكحول للحاجب هو، لأنه قد تقدم ذكره، ولا يعرف الأصمعي في العين إلا التأنيث.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فِيهَا سُرُرٌ مَّرْفُوعَةٌ﴾.
أي: عالية ليرى المؤمن إذا جلس عليها جميع ما خوله ربه من الملك والنعيم، ويلحقه بصره. والسرر جمع سرير.
وقيل: مرفوعة: موضونة. قاله ابن عباس، كقوله: ﴿سُرُرٍ مَّصْفُوفَةٍ﴾ [الطور: ٢٠] أي: بعضها فوق بعض.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَأَكْوَابٌ مَّوْضُوعَةٌ﴾.
أي: موضوعة على حافة العين الجارية كلما أراد الشرب وجدها ملأى من الشراب. والأكواب جمع: كوب، وهي الأباريق التي لا آذان لها، وقد تقدم ذكرها بالاختلاف فيها.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ﴾.
النمارق جمع: نمرقة، وهي الوسادة والمرفقة. وحكي فيها ضم النون والراء وكسرهما، والضم (أكثر). ومعنى مصفوفة أي: بعضها إلى بعض.
وقد قال ابن عباس "النمارق: المجالس"، وعنه: "المرافق".
وقال قتادة: هي "الوسائد".
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ﴾.
قال أبو عبيدة: الزرابي البسط.
وقيل الزرابي: الطنافس التي لها خمل، و ﴿مَبْثُوثَةٌ﴾ كثيرة.
وقال قتادة: [زرابي] "مبثوثة" أي "مبسوطة".
قال ابن عمر: (رأيت عمر) رضي الله عنه يصلى على عبقري، وهي الزرابي.
* *
ثم قال تعالى: ﴿أَفَلاَ يَنظُرُونَ إِلَى ٱلإِبْلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾.
هذا كله توبيخ لمنكري القدرة، أي: أفلا ينظر من ينكر قدرة الله على كل ما يشاء مما وصف مما أعده الله للكافرين وللمؤمنين في هذه الآيات - إلى الإبل كيف خلقها الله وسخرها لهم (وذللها)، وإلى (السماء) كيف رفعها الله فوقهم لا خلل فيها ولا شقوق ولا اختلاف، رفعها بغير عمد ترونها، وإلى الجبال كيف نصبها الله على الأرض لئلا تميد بأهلها، [وأقامها] منتصبة لا تسقط على الأرض. وإلى الأرض كيف سطحها الله، أي بسطها فجعلها مستوية وطيئة ليتصرف عليها الخلق ولا يمتنعون من أسفارهم.
وقال قتادة: لما [نعت] الله ما في الجنة، عجب من ذلك أهل الضلالة، فأنزل الله جل ذكره: ﴿أَفَلاَ يَنظُرُونَ إِلَى ٱلإِبْلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ إلى ﴿سُطِحَتْ﴾.
قال: وكانت الإبل من عيش العرب. [فخوطبوا] ونبهوا على قدرته على أعظم ما في نفوسهم، فلذلك بدأ بالإبل، فكأنه قيل لهم: من قدر على إحداث هذه الأشياء وغيرها لكم وإحكام أمرها [كيف] لا يقدر على ما وصف من (أمر) الجنة والنار.
وقال ابن عباس: الإبل (ها) هنا هي الإبل بعينها، وليس شيء يحمل عليه وهو بارك إلا الإبل، وفي ذلك آية.
وقال المبرد: وقيل: الإبل: القطع العظام من السحاب.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَآ أَنتَ مُذَكِّرٌ﴾.
أي: ذكر - يا محمد - عبادي بآياتي، فإنما أرسلت مذكرا لهم.
* *
﴿لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ﴾.
أي: بمسلط ولا بجبار تجبرهم على الإيمان. ومصيطراً: أصله السين، وهو مأخوذ من السطر.
وقيل: الآية منسوخة بقوله: ﴿فَٱقْتُلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] وهو قول ابن زيد.
وقيل: هي محكمة، لأنهم إذا أسلموا تركوا على جملتهم، ولم يسلط عليهم.
قال جابر: قال رسول الله ﷺ: أُمِرتَ أَن أقاتِلَ الناسَ حَتّى يَقولوا لا إِلَهَ إلاّ الله، فَإذا قالوا لا إِلَهَ إِلاّ الله عَصَمُوا مِنّي دِماءَهُم وَأَموالَهُم إِلاّ بِحقّها وَحِسابُهُم عَلى الله. ثم تلا ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَآ أَنتَ مُذَكِّرٌ * لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ﴾
قال ابن عباس: ﴿بِمُصَيْطِرٍ﴾ بجبار.
* *
ثم قال تعالى: ﴿إِلاَّ مَن تَوَلَّىٰ وَكَفَرَ * فَيُعَذِّبُهُ ٱللَّهُ ٱلْعَذَابَ ٱلأَكْبَرَ﴾.
أي: فذكر يا محمد قومك إلا من تولى عنك فأعرض عن الإيمان وكفر فيكون هذا استثناء من الذين كان التذكير فيهم، فيكون في موضع نصب.
وقيل: الاستثناء منقطع مما قبله. والمعنى: لست عليهم ﴿بِمُصَيْطِرٍ﴾ إلا من تولى وكفر بعد ذلك، فإنك ستسلط [عليه] إن أسلم أو السيف.
والاستثناء المنقطع [تعتبره] أبداً بأن [تحسن] "إن" معه، فإذا حسنت جاز أن يكون منقطعاً، وإذا لم تحسن كان متصلا صحيحا. يقول القاتل: "سار القوم إلا زيدا"، فلا يحسن دخول "إن" هنا، (لأنه) استثناء صحيح.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَيُعَذِّبُهُ ٱللَّهُ ٱلْعَذَابَ ٱلأَكْبَرَ﴾.
وهو عذاب جهنم في الآخرة.
* *
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ إِلَيْنَآ إِيَابَهُمْ﴾ أي: رجوعهم في الآخرة.
﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ﴾ أي: (علينا) حساب أعمالهم [فنجازيهم] (بها) فالله (هو) المحاسب المعاقب لهم وأنت - يا محمد - مذكر مبلغ عن ربك إليهم.
الغاشية 88:22
قوله تعالى: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ٱلْغَاشِيَةِ﴾ إلى آخرها.
أي: قد أتاك - يا محمد - حديث الغاشية، وهي القيامة تغشى الناس بقيامها وأهوالها.
وقال ابن جبير: الغاشية جهنم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ﴾.
أي: ذليلة، وهي وجوه الكفار. قال قتادة: "خاشعة في النار".
* *
ثم قال: ﴿عَامِلَةٌ نَّاصِبَةٌ﴾.
أي: هي عاملة ناصبة بمعنى: تعمل وتنصب في الدنيا، وهي تصلى ناراً حامية في الآخرة.
وهذا القول يُروى عن عمر رضي الله عنه. ولا يتم الكلام [على] [ناصبة] أو (على) ﴿خَاشِعَةٌ﴾ ويجوز أن يكون في الكلام تقديم وتأخير على هذا القول، والتقدير: وجوه عاملة ناصبة في الدنيا يومئذ خاشعة.
وقيل: الآية نزلت في عبدة الأوثان والرهبان من أهل الكتاب، أنصبوا أنفسهم وأتعبوها بالعمل ولم يتقبل منهم، لأنهم على غير إسلام.
وقال عكرمة: (معناه): عاملة في الدنيا بمعاصي الله، ناصبة في الآخرة في النار. فيتم الكلام على هذا القول على "عاملة".
وقال الحسن وقتادة: إن الوجوه في القيامة خاشعة عاملة ناصبة، وإنها (لما) لم تعمل في الدنيا لله أعملها الله في النار وأنصبها. فلا يتم الكلام من أوله على ﴿نَّاصِبَةٌ﴾ على هذا القول.
قال ابن عباس: "تعمل وتنصب في النار".
وقال قتادة: "تكبرت في الدنيا عن طاعة الله، فأعملها وأنصبها في النار".
وقال ابن زيد: "لا أحد أنصب ولا أشد من أهل النار".
وكان عمر رضي الله عنه يتأولها في الدنيا في البرهان وشبههم. يعملون في الدنيا، ويجتهدون، وهم في النار. ويكون الكلام يتم على ﴿خَاشِعَةٌ﴾ لأنه آخر صفتهم في يوم القيامة، ثم ابتدأ بصفتهم في الدنيا.
وقيل: التقدير: وجوه عاملة ناصبة في الدنيا ﴿يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ﴾ يعني: في الآخرة.
وفي الحديث أن النبي ﷺ وسلم ذكر القدرية فبكى، وقال: إن فيهم المجتهد.
* *
وقوله: ﴿تَصْلَىٰ نَاراً حَامِيَةً﴾ أي: ترد ناراً قد حميت واشتد حرها. والإخبار في جميع ذلك عن الوجوه، والمراد به أصحابها، لأن المعنى مفهوم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿تَصْلَىٰ نَاراً حَامِيَةً﴾.
أي: [يسقى] يومئذ أصحاب هذه الوجوه (من عين قد) انتهى حرها فبلغ الغاية في شدة الحر.
وقال مجاهد: من عين قد (أنى نضجها) منذ خلق الله عز وجل الدنيا. وقال ابن زيد: ﴿مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ﴾ أي: حاضرة.
وقال تعالى: ﴿لَّيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلاَّ مِن ضَرِيعٍ﴾.
أي: (ليس) لأصحاب هذه (الوجوه) الخاشعة - وهم الكفار - طعام يطعمونه في النار إلا طعام من ضريع.
قال ابن عباس: "الضريع: شجر من نار".
وقال ابن زيد: الضريع: الشوك من النار، والضريع عند العرب شوك يابس [ولا ورق فيه].
وقال عكرمة: الضريع: الحجارة.
وقال الحسن: الضريع: الزقوم وعنه أيضاً: الضريع: الذي يضرع ويذل من أكله لمرارته وخشونته.
وقال عطاء: الضريع: الشبرق. وروي ذلك أيضاً عن ابن عباس ومجاهد وقتادة، وعلى هذا القول كثير من أهل اللغة، والشبرق: [شجر] كثير الشوك تعافه الإبل، وأهل الحجاز يسمونه الضريع إذا يبس، ويسميه غيرهم الشبرق.
وقيل: الضريع واد من جهنم. وقد أخبر الله في هذه الآية بأن لا طعام لهم إلا طعام من ضريع، فأثبت لهم طعاماً، وقال في موضع آخر ﴿فَلَيْسَ لَهُ ٱلْيَوْمَ هَا هُنَا حَمِيمٌ * وَلاَ طَعَامٌ إِلاَّ مِنْ غِسْلِينٍ﴾ [الحاقة: ٣٥-٣٦].
فظاهره أنه قد أوجب لهم طعاما من غسلين فهذا خلاف ذلك في الظاهر. والمعنى في ذلك أن التقدير: فليس له اليوم هاهنا شراب حميم إلا من غسلين ولا طعام ينتفع به.
(وقيل): الغسلين من الضريع.
وقيل: الغسلين لقوم والضريع لآخرين.
ثم وصف الله أهل الجنة ونعيمهم بعد وصفه لأهل النار وعذابهم.
فقال تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاعِمَةٌ﴾.
أي: (غضرة) نضرة ينعمها الله، وهم أهل الإيمان بالله والعمل بطاعته.
* *
ثم قال تعالى: ﴿لِّسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ﴾.
أي: لعملها الذي عملته في الدنيا من طاعة ربها راضية. وقيل المعنى: [لثواب] عملها راضية في الآخرة.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ﴾.
أي: رفيعة القدر عالية المكان.
﴿لاَّ تَسْمَعُ فِيهَا لاَغِيَةً﴾ أي: لا يسمع أحد في الجنة كلمة لغو، واللغو: الباطل.
وقيل للكلمة التي هي لغة: لاغية، كما قيل لصاحب [الدرع: دارع]، ولصاحب الفرس فارس، "ولابن" "وثامر" لصاحب اللبن والثمر.
وقال الفراء: ﴿لاَغِيَةً﴾، أي: [حالفاً] يحلف بكذب.
قال ابن عباس: معناه: لا تسمع فيها أذى ولا باطلاً.
وقال مجاهد: "شتماً". وقال قتادة: باطلاً ولا مأثماً.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ﴾ أي: تجري من غير أخدود، والعين تذكر وتؤنث [والتأنيث] أكثر، وقد قال الشاعر: ؎ والعين بالإثمد [الحاري] مكحول.
فقال بعض النحويين: هذا على تذكير العين.
وقال المبرد: ذكره كما يذكر كل مؤنث غير حقيقي التأنيث لا علامة للتأنيث فيه، كما يقال: هذا دار وهذه دار.
وقال الأصمعي: مكحول للحاجب هو، لأنه قد تقدم ذكره، ولا يعرف الأصمعي في العين إلا التأنيث.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فِيهَا سُرُرٌ مَّرْفُوعَةٌ﴾.
أي: عالية ليرى المؤمن إذا جلس عليها جميع ما خوله ربه من الملك والنعيم، ويلحقه بصره. والسرر جمع سرير.
وقيل: مرفوعة: موضونة. قاله ابن عباس، كقوله: ﴿سُرُرٍ مَّصْفُوفَةٍ﴾ [الطور: ٢٠] أي: بعضها فوق بعض.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَأَكْوَابٌ مَّوْضُوعَةٌ﴾.
أي: موضوعة على حافة العين الجارية كلما أراد الشرب وجدها ملأى من الشراب. والأكواب جمع: كوب، وهي الأباريق التي لا آذان لها، وقد تقدم ذكرها بالاختلاف فيها.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ﴾.
النمارق جمع: نمرقة، وهي الوسادة والمرفقة. وحكي فيها ضم النون والراء وكسرهما، والضم (أكثر). ومعنى مصفوفة أي: بعضها إلى بعض.
وقد قال ابن عباس "النمارق: المجالس"، وعنه: "المرافق".
وقال قتادة: هي "الوسائد".
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ﴾.
قال أبو عبيدة: الزرابي البسط.
وقيل الزرابي: الطنافس التي لها خمل، و ﴿مَبْثُوثَةٌ﴾ كثيرة.
وقال قتادة: [زرابي] "مبثوثة" أي "مبسوطة".
قال ابن عمر: (رأيت عمر) رضي الله عنه يصلى على عبقري، وهي الزرابي.
* *
ثم قال تعالى: ﴿أَفَلاَ يَنظُرُونَ إِلَى ٱلإِبْلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾.
هذا كله توبيخ لمنكري القدرة، أي: أفلا ينظر من ينكر قدرة الله على كل ما يشاء مما وصف مما أعده الله للكافرين وللمؤمنين في هذه الآيات - إلى الإبل كيف خلقها الله وسخرها لهم (وذللها)، وإلى (السماء) كيف رفعها الله فوقهم لا خلل فيها ولا شقوق ولا اختلاف، رفعها بغير عمد ترونها، وإلى الجبال كيف نصبها الله على الأرض لئلا تميد بأهلها، [وأقامها] منتصبة لا تسقط على الأرض. وإلى الأرض كيف سطحها الله، أي بسطها فجعلها مستوية وطيئة ليتصرف عليها الخلق ولا يمتنعون من أسفارهم.
وقال قتادة: لما [نعت] الله ما في الجنة، عجب من ذلك أهل الضلالة، فأنزل الله جل ذكره: ﴿أَفَلاَ يَنظُرُونَ إِلَى ٱلإِبْلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ إلى ﴿سُطِحَتْ﴾.
قال: وكانت الإبل من عيش العرب. [فخوطبوا] ونبهوا على قدرته على أعظم ما في نفوسهم، فلذلك بدأ بالإبل، فكأنه قيل لهم: من قدر على إحداث هذه الأشياء وغيرها لكم وإحكام أمرها [كيف] لا يقدر على ما وصف من (أمر) الجنة والنار.
وقال ابن عباس: الإبل (ها) هنا هي الإبل بعينها، وليس شيء يحمل عليه وهو بارك إلا الإبل، وفي ذلك آية.
وقال المبرد: وقيل: الإبل: القطع العظام من السحاب.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَآ أَنتَ مُذَكِّرٌ﴾.
أي: ذكر - يا محمد - عبادي بآياتي، فإنما أرسلت مذكرا لهم.
* *
﴿لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ﴾.
أي: بمسلط ولا بجبار تجبرهم على الإيمان. ومصيطراً: أصله السين، وهو مأخوذ من السطر.
وقيل: الآية منسوخة بقوله: ﴿فَٱقْتُلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] وهو قول ابن زيد.
وقيل: هي محكمة، لأنهم إذا أسلموا تركوا على جملتهم، ولم يسلط عليهم.
قال جابر: قال رسول الله ﷺ: أُمِرتَ أَن أقاتِلَ الناسَ حَتّى يَقولوا لا إِلَهَ إلاّ الله، فَإذا قالوا لا إِلَهَ إِلاّ الله عَصَمُوا مِنّي دِماءَهُم وَأَموالَهُم إِلاّ بِحقّها وَحِسابُهُم عَلى الله. ثم تلا ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَآ أَنتَ مُذَكِّرٌ * لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ﴾
قال ابن عباس: ﴿بِمُصَيْطِرٍ﴾ بجبار.
* *
ثم قال تعالى: ﴿إِلاَّ مَن تَوَلَّىٰ وَكَفَرَ * فَيُعَذِّبُهُ ٱللَّهُ ٱلْعَذَابَ ٱلأَكْبَرَ﴾.
أي: فذكر يا محمد قومك إلا من تولى عنك فأعرض عن الإيمان وكفر فيكون هذا استثناء من الذين كان التذكير فيهم، فيكون في موضع نصب.
وقيل: الاستثناء منقطع مما قبله. والمعنى: لست عليهم ﴿بِمُصَيْطِرٍ﴾ إلا من تولى وكفر بعد ذلك، فإنك ستسلط [عليه] إن أسلم أو السيف.
والاستثناء المنقطع [تعتبره] أبداً بأن [تحسن] "إن" معه، فإذا حسنت جاز أن يكون منقطعاً، وإذا لم تحسن كان متصلا صحيحا. يقول القاتل: "سار القوم إلا زيدا"، فلا يحسن دخول "إن" هنا، (لأنه) استثناء صحيح.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَيُعَذِّبُهُ ٱللَّهُ ٱلْعَذَابَ ٱلأَكْبَرَ﴾.
وهو عذاب جهنم في الآخرة.
* *
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ إِلَيْنَآ إِيَابَهُمْ﴾ أي: رجوعهم في الآخرة.
﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ﴾ أي: (علينا) حساب أعمالهم [فنجازيهم] (بها) فالله (هو) المحاسب المعاقب لهم وأنت - يا محمد - مذكر مبلغ عن ربك إليهم.
الغاشية 88:23
قوله تعالى: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ٱلْغَاشِيَةِ﴾ إلى آخرها.
أي: قد أتاك - يا محمد - حديث الغاشية، وهي القيامة تغشى الناس بقيامها وأهوالها.
وقال ابن جبير: الغاشية جهنم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ﴾.
أي: ذليلة، وهي وجوه الكفار. قال قتادة: "خاشعة في النار".
* *
ثم قال: ﴿عَامِلَةٌ نَّاصِبَةٌ﴾.
أي: هي عاملة ناصبة بمعنى: تعمل وتنصب في الدنيا، وهي تصلى ناراً حامية في الآخرة.
وهذا القول يُروى عن عمر رضي الله عنه. ولا يتم الكلام [على] [ناصبة] أو (على) ﴿خَاشِعَةٌ﴾ ويجوز أن يكون في الكلام تقديم وتأخير على هذا القول، والتقدير: وجوه عاملة ناصبة في الدنيا يومئذ خاشعة.
وقيل: الآية نزلت في عبدة الأوثان والرهبان من أهل الكتاب، أنصبوا أنفسهم وأتعبوها بالعمل ولم يتقبل منهم، لأنهم على غير إسلام.
وقال عكرمة: (معناه): عاملة في الدنيا بمعاصي الله، ناصبة في الآخرة في النار. فيتم الكلام على هذا القول على "عاملة".
وقال الحسن وقتادة: إن الوجوه في القيامة خاشعة عاملة ناصبة، وإنها (لما) لم تعمل في الدنيا لله أعملها الله في النار وأنصبها. فلا يتم الكلام من أوله على ﴿نَّاصِبَةٌ﴾ على هذا القول.
قال ابن عباس: "تعمل وتنصب في النار".
وقال قتادة: "تكبرت في الدنيا عن طاعة الله، فأعملها وأنصبها في النار".
وقال ابن زيد: "لا أحد أنصب ولا أشد من أهل النار".
وكان عمر رضي الله عنه يتأولها في الدنيا في البرهان وشبههم. يعملون في الدنيا، ويجتهدون، وهم في النار. ويكون الكلام يتم على ﴿خَاشِعَةٌ﴾ لأنه آخر صفتهم في يوم القيامة، ثم ابتدأ بصفتهم في الدنيا.
وقيل: التقدير: وجوه عاملة ناصبة في الدنيا ﴿يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ﴾ يعني: في الآخرة.
وفي الحديث أن النبي ﷺ وسلم ذكر القدرية فبكى، وقال: إن فيهم المجتهد.
* *
وقوله: ﴿تَصْلَىٰ نَاراً حَامِيَةً﴾ أي: ترد ناراً قد حميت واشتد حرها. والإخبار في جميع ذلك عن الوجوه، والمراد به أصحابها، لأن المعنى مفهوم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿تَصْلَىٰ نَاراً حَامِيَةً﴾.
أي: [يسقى] يومئذ أصحاب هذه الوجوه (من عين قد) انتهى حرها فبلغ الغاية في شدة الحر.
وقال مجاهد: من عين قد (أنى نضجها) منذ خلق الله عز وجل الدنيا. وقال ابن زيد: ﴿مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ﴾ أي: حاضرة.
وقال تعالى: ﴿لَّيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلاَّ مِن ضَرِيعٍ﴾.
أي: (ليس) لأصحاب هذه (الوجوه) الخاشعة - وهم الكفار - طعام يطعمونه في النار إلا طعام من ضريع.
قال ابن عباس: "الضريع: شجر من نار".
وقال ابن زيد: الضريع: الشوك من النار، والضريع عند العرب شوك يابس [ولا ورق فيه].
وقال عكرمة: الضريع: الحجارة.
وقال الحسن: الضريع: الزقوم وعنه أيضاً: الضريع: الذي يضرع ويذل من أكله لمرارته وخشونته.
وقال عطاء: الضريع: الشبرق. وروي ذلك أيضاً عن ابن عباس ومجاهد وقتادة، وعلى هذا القول كثير من أهل اللغة، والشبرق: [شجر] كثير الشوك تعافه الإبل، وأهل الحجاز يسمونه الضريع إذا يبس، ويسميه غيرهم الشبرق.
وقيل: الضريع واد من جهنم. وقد أخبر الله في هذه الآية بأن لا طعام لهم إلا طعام من ضريع، فأثبت لهم طعاماً، وقال في موضع آخر ﴿فَلَيْسَ لَهُ ٱلْيَوْمَ هَا هُنَا حَمِيمٌ * وَلاَ طَعَامٌ إِلاَّ مِنْ غِسْلِينٍ﴾ [الحاقة: ٣٥-٣٦].
فظاهره أنه قد أوجب لهم طعاما من غسلين فهذا خلاف ذلك في الظاهر. والمعنى في ذلك أن التقدير: فليس له اليوم هاهنا شراب حميم إلا من غسلين ولا طعام ينتفع به.
(وقيل): الغسلين من الضريع.
وقيل: الغسلين لقوم والضريع لآخرين.
ثم وصف الله أهل الجنة ونعيمهم بعد وصفه لأهل النار وعذابهم.
فقال تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاعِمَةٌ﴾.
أي: (غضرة) نضرة ينعمها الله، وهم أهل الإيمان بالله والعمل بطاعته.
* *
ثم قال تعالى: ﴿لِّسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ﴾.
أي: لعملها الذي عملته في الدنيا من طاعة ربها راضية. وقيل المعنى: [لثواب] عملها راضية في الآخرة.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ﴾.
أي: رفيعة القدر عالية المكان.
﴿لاَّ تَسْمَعُ فِيهَا لاَغِيَةً﴾ أي: لا يسمع أحد في الجنة كلمة لغو، واللغو: الباطل.
وقيل للكلمة التي هي لغة: لاغية، كما قيل لصاحب [الدرع: دارع]، ولصاحب الفرس فارس، "ولابن" "وثامر" لصاحب اللبن والثمر.
وقال الفراء: ﴿لاَغِيَةً﴾، أي: [حالفاً] يحلف بكذب.
قال ابن عباس: معناه: لا تسمع فيها أذى ولا باطلاً.
وقال مجاهد: "شتماً". وقال قتادة: باطلاً ولا مأثماً.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ﴾ أي: تجري من غير أخدود، والعين تذكر وتؤنث [والتأنيث] أكثر، وقد قال الشاعر: ؎ والعين بالإثمد [الحاري] مكحول.
فقال بعض النحويين: هذا على تذكير العين.
وقال المبرد: ذكره كما يذكر كل مؤنث غير حقيقي التأنيث لا علامة للتأنيث فيه، كما يقال: هذا دار وهذه دار.
وقال الأصمعي: مكحول للحاجب هو، لأنه قد تقدم ذكره، ولا يعرف الأصمعي في العين إلا التأنيث.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فِيهَا سُرُرٌ مَّرْفُوعَةٌ﴾.
أي: عالية ليرى المؤمن إذا جلس عليها جميع ما خوله ربه من الملك والنعيم، ويلحقه بصره. والسرر جمع سرير.
وقيل: مرفوعة: موضونة. قاله ابن عباس، كقوله: ﴿سُرُرٍ مَّصْفُوفَةٍ﴾ [الطور: ٢٠] أي: بعضها فوق بعض.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَأَكْوَابٌ مَّوْضُوعَةٌ﴾.
أي: موضوعة على حافة العين الجارية كلما أراد الشرب وجدها ملأى من الشراب. والأكواب جمع: كوب، وهي الأباريق التي لا آذان لها، وقد تقدم ذكرها بالاختلاف فيها.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ﴾.
النمارق جمع: نمرقة، وهي الوسادة والمرفقة. وحكي فيها ضم النون والراء وكسرهما، والضم (أكثر). ومعنى مصفوفة أي: بعضها إلى بعض.
وقد قال ابن عباس "النمارق: المجالس"، وعنه: "المرافق".
وقال قتادة: هي "الوسائد".
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ﴾.
قال أبو عبيدة: الزرابي البسط.
وقيل الزرابي: الطنافس التي لها خمل، و ﴿مَبْثُوثَةٌ﴾ كثيرة.
وقال قتادة: [زرابي] "مبثوثة" أي "مبسوطة".
قال ابن عمر: (رأيت عمر) رضي الله عنه يصلى على عبقري، وهي الزرابي.
* *
ثم قال تعالى: ﴿أَفَلاَ يَنظُرُونَ إِلَى ٱلإِبْلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾.
هذا كله توبيخ لمنكري القدرة، أي: أفلا ينظر من ينكر قدرة الله على كل ما يشاء مما وصف مما أعده الله للكافرين وللمؤمنين في هذه الآيات - إلى الإبل كيف خلقها الله وسخرها لهم (وذللها)، وإلى (السماء) كيف رفعها الله فوقهم لا خلل فيها ولا شقوق ولا اختلاف، رفعها بغير عمد ترونها، وإلى الجبال كيف نصبها الله على الأرض لئلا تميد بأهلها، [وأقامها] منتصبة لا تسقط على الأرض. وإلى الأرض كيف سطحها الله، أي بسطها فجعلها مستوية وطيئة ليتصرف عليها الخلق ولا يمتنعون من أسفارهم.
وقال قتادة: لما [نعت] الله ما في الجنة، عجب من ذلك أهل الضلالة، فأنزل الله جل ذكره: ﴿أَفَلاَ يَنظُرُونَ إِلَى ٱلإِبْلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ إلى ﴿سُطِحَتْ﴾.
قال: وكانت الإبل من عيش العرب. [فخوطبوا] ونبهوا على قدرته على أعظم ما في نفوسهم، فلذلك بدأ بالإبل، فكأنه قيل لهم: من قدر على إحداث هذه الأشياء وغيرها لكم وإحكام أمرها [كيف] لا يقدر على ما وصف من (أمر) الجنة والنار.
وقال ابن عباس: الإبل (ها) هنا هي الإبل بعينها، وليس شيء يحمل عليه وهو بارك إلا الإبل، وفي ذلك آية.
وقال المبرد: وقيل: الإبل: القطع العظام من السحاب.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَآ أَنتَ مُذَكِّرٌ﴾.
أي: ذكر - يا محمد - عبادي بآياتي، فإنما أرسلت مذكرا لهم.
* *
﴿لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ﴾.
أي: بمسلط ولا بجبار تجبرهم على الإيمان. ومصيطراً: أصله السين، وهو مأخوذ من السطر.
وقيل: الآية منسوخة بقوله: ﴿فَٱقْتُلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] وهو قول ابن زيد.
وقيل: هي محكمة، لأنهم إذا أسلموا تركوا على جملتهم، ولم يسلط عليهم.
قال جابر: قال رسول الله ﷺ: أُمِرتَ أَن أقاتِلَ الناسَ حَتّى يَقولوا لا إِلَهَ إلاّ الله، فَإذا قالوا لا إِلَهَ إِلاّ الله عَصَمُوا مِنّي دِماءَهُم وَأَموالَهُم إِلاّ بِحقّها وَحِسابُهُم عَلى الله. ثم تلا ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَآ أَنتَ مُذَكِّرٌ * لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ﴾
قال ابن عباس: ﴿بِمُصَيْطِرٍ﴾ بجبار.
* *
ثم قال تعالى: ﴿إِلاَّ مَن تَوَلَّىٰ وَكَفَرَ * فَيُعَذِّبُهُ ٱللَّهُ ٱلْعَذَابَ ٱلأَكْبَرَ﴾.
أي: فذكر يا محمد قومك إلا من تولى عنك فأعرض عن الإيمان وكفر فيكون هذا استثناء من الذين كان التذكير فيهم، فيكون في موضع نصب.
وقيل: الاستثناء منقطع مما قبله. والمعنى: لست عليهم ﴿بِمُصَيْطِرٍ﴾ إلا من تولى وكفر بعد ذلك، فإنك ستسلط [عليه] إن أسلم أو السيف.
والاستثناء المنقطع [تعتبره] أبداً بأن [تحسن] "إن" معه، فإذا حسنت جاز أن يكون منقطعاً، وإذا لم تحسن كان متصلا صحيحا. يقول القاتل: "سار القوم إلا زيدا"، فلا يحسن دخول "إن" هنا، (لأنه) استثناء صحيح.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَيُعَذِّبُهُ ٱللَّهُ ٱلْعَذَابَ ٱلأَكْبَرَ﴾.
وهو عذاب جهنم في الآخرة.
* *
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ إِلَيْنَآ إِيَابَهُمْ﴾ أي: رجوعهم في الآخرة.
﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ﴾ أي: (علينا) حساب أعمالهم [فنجازيهم] (بها) فالله (هو) المحاسب المعاقب لهم وأنت - يا محمد - مذكر مبلغ عن ربك إليهم.
الغاشية 88:24
قوله تعالى: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ٱلْغَاشِيَةِ﴾ إلى آخرها.
أي: قد أتاك - يا محمد - حديث الغاشية، وهي القيامة تغشى الناس بقيامها وأهوالها.
وقال ابن جبير: الغاشية جهنم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ﴾.
أي: ذليلة، وهي وجوه الكفار. قال قتادة: "خاشعة في النار".
* *
ثم قال: ﴿عَامِلَةٌ نَّاصِبَةٌ﴾.
أي: هي عاملة ناصبة بمعنى: تعمل وتنصب في الدنيا، وهي تصلى ناراً حامية في الآخرة.
وهذا القول يُروى عن عمر رضي الله عنه. ولا يتم الكلام [على] [ناصبة] أو (على) ﴿خَاشِعَةٌ﴾ ويجوز أن يكون في الكلام تقديم وتأخير على هذا القول، والتقدير: وجوه عاملة ناصبة في الدنيا يومئذ خاشعة.
وقيل: الآية نزلت في عبدة الأوثان والرهبان من أهل الكتاب، أنصبوا أنفسهم وأتعبوها بالعمل ولم يتقبل منهم، لأنهم على غير إسلام.
وقال عكرمة: (معناه): عاملة في الدنيا بمعاصي الله، ناصبة في الآخرة في النار. فيتم الكلام على هذا القول على "عاملة".
وقال الحسن وقتادة: إن الوجوه في القيامة خاشعة عاملة ناصبة، وإنها (لما) لم تعمل في الدنيا لله أعملها الله في النار وأنصبها. فلا يتم الكلام من أوله على ﴿نَّاصِبَةٌ﴾ على هذا القول.
قال ابن عباس: "تعمل وتنصب في النار".
وقال قتادة: "تكبرت في الدنيا عن طاعة الله، فأعملها وأنصبها في النار".
وقال ابن زيد: "لا أحد أنصب ولا أشد من أهل النار".
وكان عمر رضي الله عنه يتأولها في الدنيا في البرهان وشبههم. يعملون في الدنيا، ويجتهدون، وهم في النار. ويكون الكلام يتم على ﴿خَاشِعَةٌ﴾ لأنه آخر صفتهم في يوم القيامة، ثم ابتدأ بصفتهم في الدنيا.
وقيل: التقدير: وجوه عاملة ناصبة في الدنيا ﴿يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ﴾ يعني: في الآخرة.
وفي الحديث أن النبي ﷺ وسلم ذكر القدرية فبكى، وقال: إن فيهم المجتهد.
* *
وقوله: ﴿تَصْلَىٰ نَاراً حَامِيَةً﴾ أي: ترد ناراً قد حميت واشتد حرها. والإخبار في جميع ذلك عن الوجوه، والمراد به أصحابها، لأن المعنى مفهوم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿تَصْلَىٰ نَاراً حَامِيَةً﴾.
أي: [يسقى] يومئذ أصحاب هذه الوجوه (من عين قد) انتهى حرها فبلغ الغاية في شدة الحر.
وقال مجاهد: من عين قد (أنى نضجها) منذ خلق الله عز وجل الدنيا. وقال ابن زيد: ﴿مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ﴾ أي: حاضرة.
وقال تعالى: ﴿لَّيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلاَّ مِن ضَرِيعٍ﴾.
أي: (ليس) لأصحاب هذه (الوجوه) الخاشعة - وهم الكفار - طعام يطعمونه في النار إلا طعام من ضريع.
قال ابن عباس: "الضريع: شجر من نار".
وقال ابن زيد: الضريع: الشوك من النار، والضريع عند العرب شوك يابس [ولا ورق فيه].
وقال عكرمة: الضريع: الحجارة.
وقال الحسن: الضريع: الزقوم وعنه أيضاً: الضريع: الذي يضرع ويذل من أكله لمرارته وخشونته.
وقال عطاء: الضريع: الشبرق. وروي ذلك أيضاً عن ابن عباس ومجاهد وقتادة، وعلى هذا القول كثير من أهل اللغة، والشبرق: [شجر] كثير الشوك تعافه الإبل، وأهل الحجاز يسمونه الضريع إذا يبس، ويسميه غيرهم الشبرق.
وقيل: الضريع واد من جهنم. وقد أخبر الله في هذه الآية بأن لا طعام لهم إلا طعام من ضريع، فأثبت لهم طعاماً، وقال في موضع آخر ﴿فَلَيْسَ لَهُ ٱلْيَوْمَ هَا هُنَا حَمِيمٌ * وَلاَ طَعَامٌ إِلاَّ مِنْ غِسْلِينٍ﴾ [الحاقة: ٣٥-٣٦].
فظاهره أنه قد أوجب لهم طعاما من غسلين فهذا خلاف ذلك في الظاهر. والمعنى في ذلك أن التقدير: فليس له اليوم هاهنا شراب حميم إلا من غسلين ولا طعام ينتفع به.
(وقيل): الغسلين من الضريع.
وقيل: الغسلين لقوم والضريع لآخرين.
ثم وصف الله أهل الجنة ونعيمهم بعد وصفه لأهل النار وعذابهم.
فقال تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاعِمَةٌ﴾.
أي: (غضرة) نضرة ينعمها الله، وهم أهل الإيمان بالله والعمل بطاعته.
* *
ثم قال تعالى: ﴿لِّسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ﴾.
أي: لعملها الذي عملته في الدنيا من طاعة ربها راضية. وقيل المعنى: [لثواب] عملها راضية في الآخرة.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ﴾.
أي: رفيعة القدر عالية المكان.
﴿لاَّ تَسْمَعُ فِيهَا لاَغِيَةً﴾ أي: لا يسمع أحد في الجنة كلمة لغو، واللغو: الباطل.
وقيل للكلمة التي هي لغة: لاغية، كما قيل لصاحب [الدرع: دارع]، ولصاحب الفرس فارس، "ولابن" "وثامر" لصاحب اللبن والثمر.
وقال الفراء: ﴿لاَغِيَةً﴾، أي: [حالفاً] يحلف بكذب.
قال ابن عباس: معناه: لا تسمع فيها أذى ولا باطلاً.
وقال مجاهد: "شتماً". وقال قتادة: باطلاً ولا مأثماً.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ﴾ أي: تجري من غير أخدود، والعين تذكر وتؤنث [والتأنيث] أكثر، وقد قال الشاعر: ؎ والعين بالإثمد [الحاري] مكحول.
فقال بعض النحويين: هذا على تذكير العين.
وقال المبرد: ذكره كما يذكر كل مؤنث غير حقيقي التأنيث لا علامة للتأنيث فيه، كما يقال: هذا دار وهذه دار.
وقال الأصمعي: مكحول للحاجب هو، لأنه قد تقدم ذكره، ولا يعرف الأصمعي في العين إلا التأنيث.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فِيهَا سُرُرٌ مَّرْفُوعَةٌ﴾.
أي: عالية ليرى المؤمن إذا جلس عليها جميع ما خوله ربه من الملك والنعيم، ويلحقه بصره. والسرر جمع سرير.
وقيل: مرفوعة: موضونة. قاله ابن عباس، كقوله: ﴿سُرُرٍ مَّصْفُوفَةٍ﴾ [الطور: ٢٠] أي: بعضها فوق بعض.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَأَكْوَابٌ مَّوْضُوعَةٌ﴾.
أي: موضوعة على حافة العين الجارية كلما أراد الشرب وجدها ملأى من الشراب. والأكواب جمع: كوب، وهي الأباريق التي لا آذان لها، وقد تقدم ذكرها بالاختلاف فيها.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ﴾.
النمارق جمع: نمرقة، وهي الوسادة والمرفقة. وحكي فيها ضم النون والراء وكسرهما، والضم (أكثر). ومعنى مصفوفة أي: بعضها إلى بعض.
وقد قال ابن عباس "النمارق: المجالس"، وعنه: "المرافق".
وقال قتادة: هي "الوسائد".
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ﴾.
قال أبو عبيدة: الزرابي البسط.
وقيل الزرابي: الطنافس التي لها خمل، و ﴿مَبْثُوثَةٌ﴾ كثيرة.
وقال قتادة: [زرابي] "مبثوثة" أي "مبسوطة".
قال ابن عمر: (رأيت عمر) رضي الله عنه يصلى على عبقري، وهي الزرابي.
* *
ثم قال تعالى: ﴿أَفَلاَ يَنظُرُونَ إِلَى ٱلإِبْلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾.
هذا كله توبيخ لمنكري القدرة، أي: أفلا ينظر من ينكر قدرة الله على كل ما يشاء مما وصف مما أعده الله للكافرين وللمؤمنين في هذه الآيات - إلى الإبل كيف خلقها الله وسخرها لهم (وذللها)، وإلى (السماء) كيف رفعها الله فوقهم لا خلل فيها ولا شقوق ولا اختلاف، رفعها بغير عمد ترونها، وإلى الجبال كيف نصبها الله على الأرض لئلا تميد بأهلها، [وأقامها] منتصبة لا تسقط على الأرض. وإلى الأرض كيف سطحها الله، أي بسطها فجعلها مستوية وطيئة ليتصرف عليها الخلق ولا يمتنعون من أسفارهم.
وقال قتادة: لما [نعت] الله ما في الجنة، عجب من ذلك أهل الضلالة، فأنزل الله جل ذكره: ﴿أَفَلاَ يَنظُرُونَ إِلَى ٱلإِبْلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ إلى ﴿سُطِحَتْ﴾.
قال: وكانت الإبل من عيش العرب. [فخوطبوا] ونبهوا على قدرته على أعظم ما في نفوسهم، فلذلك بدأ بالإبل، فكأنه قيل لهم: من قدر على إحداث هذه الأشياء وغيرها لكم وإحكام أمرها [كيف] لا يقدر على ما وصف من (أمر) الجنة والنار.
وقال ابن عباس: الإبل (ها) هنا هي الإبل بعينها، وليس شيء يحمل عليه وهو بارك إلا الإبل، وفي ذلك آية.
وقال المبرد: وقيل: الإبل: القطع العظام من السحاب.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَآ أَنتَ مُذَكِّرٌ﴾.
أي: ذكر - يا محمد - عبادي بآياتي، فإنما أرسلت مذكرا لهم.
* *
﴿لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ﴾.
أي: بمسلط ولا بجبار تجبرهم على الإيمان. ومصيطراً: أصله السين، وهو مأخوذ من السطر.
وقيل: الآية منسوخة بقوله: ﴿فَٱقْتُلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] وهو قول ابن زيد.
وقيل: هي محكمة، لأنهم إذا أسلموا تركوا على جملتهم، ولم يسلط عليهم.
قال جابر: قال رسول الله ﷺ: أُمِرتَ أَن أقاتِلَ الناسَ حَتّى يَقولوا لا إِلَهَ إلاّ الله، فَإذا قالوا لا إِلَهَ إِلاّ الله عَصَمُوا مِنّي دِماءَهُم وَأَموالَهُم إِلاّ بِحقّها وَحِسابُهُم عَلى الله. ثم تلا ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَآ أَنتَ مُذَكِّرٌ * لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ﴾
قال ابن عباس: ﴿بِمُصَيْطِرٍ﴾ بجبار.
* *
ثم قال تعالى: ﴿إِلاَّ مَن تَوَلَّىٰ وَكَفَرَ * فَيُعَذِّبُهُ ٱللَّهُ ٱلْعَذَابَ ٱلأَكْبَرَ﴾.
أي: فذكر يا محمد قومك إلا من تولى عنك فأعرض عن الإيمان وكفر فيكون هذا استثناء من الذين كان التذكير فيهم، فيكون في موضع نصب.
وقيل: الاستثناء منقطع مما قبله. والمعنى: لست عليهم ﴿بِمُصَيْطِرٍ﴾ إلا من تولى وكفر بعد ذلك، فإنك ستسلط [عليه] إن أسلم أو السيف.
والاستثناء المنقطع [تعتبره] أبداً بأن [تحسن] "إن" معه، فإذا حسنت جاز أن يكون منقطعاً، وإذا لم تحسن كان متصلا صحيحا. يقول القاتل: "سار القوم إلا زيدا"، فلا يحسن دخول "إن" هنا، (لأنه) استثناء صحيح.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَيُعَذِّبُهُ ٱللَّهُ ٱلْعَذَابَ ٱلأَكْبَرَ﴾.
وهو عذاب جهنم في الآخرة.
* *
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ إِلَيْنَآ إِيَابَهُمْ﴾ أي: رجوعهم في الآخرة.
﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ﴾ أي: (علينا) حساب أعمالهم [فنجازيهم] (بها) فالله (هو) المحاسب المعاقب لهم وأنت - يا محمد - مذكر مبلغ عن ربك إليهم.
الغاشية 88:25
قوله تعالى: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ٱلْغَاشِيَةِ﴾ إلى آخرها.
أي: قد أتاك - يا محمد - حديث الغاشية، وهي القيامة تغشى الناس بقيامها وأهوالها.
وقال ابن جبير: الغاشية جهنم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ﴾.
أي: ذليلة، وهي وجوه الكفار. قال قتادة: "خاشعة في النار".
* *
ثم قال: ﴿عَامِلَةٌ نَّاصِبَةٌ﴾.
أي: هي عاملة ناصبة بمعنى: تعمل وتنصب في الدنيا، وهي تصلى ناراً حامية في الآخرة.
وهذا القول يُروى عن عمر رضي الله عنه. ولا يتم الكلام [على] [ناصبة] أو (على) ﴿خَاشِعَةٌ﴾ ويجوز أن يكون في الكلام تقديم وتأخير على هذا القول، والتقدير: وجوه عاملة ناصبة في الدنيا يومئذ خاشعة.
وقيل: الآية نزلت في عبدة الأوثان والرهبان من أهل الكتاب، أنصبوا أنفسهم وأتعبوها بالعمل ولم يتقبل منهم، لأنهم على غير إسلام.
وقال عكرمة: (معناه): عاملة في الدنيا بمعاصي الله، ناصبة في الآخرة في النار. فيتم الكلام على هذا القول على "عاملة".
وقال الحسن وقتادة: إن الوجوه في القيامة خاشعة عاملة ناصبة، وإنها (لما) لم تعمل في الدنيا لله أعملها الله في النار وأنصبها. فلا يتم الكلام من أوله على ﴿نَّاصِبَةٌ﴾ على هذا القول.
قال ابن عباس: "تعمل وتنصب في النار".
وقال قتادة: "تكبرت في الدنيا عن طاعة الله، فأعملها وأنصبها في النار".
وقال ابن زيد: "لا أحد أنصب ولا أشد من أهل النار".
وكان عمر رضي الله عنه يتأولها في الدنيا في البرهان وشبههم. يعملون في الدنيا، ويجتهدون، وهم في النار. ويكون الكلام يتم على ﴿خَاشِعَةٌ﴾ لأنه آخر صفتهم في يوم القيامة، ثم ابتدأ بصفتهم في الدنيا.
وقيل: التقدير: وجوه عاملة ناصبة في الدنيا ﴿يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ﴾ يعني: في الآخرة.
وفي الحديث أن النبي ﷺ وسلم ذكر القدرية فبكى، وقال: إن فيهم المجتهد.
* *
وقوله: ﴿تَصْلَىٰ نَاراً حَامِيَةً﴾ أي: ترد ناراً قد حميت واشتد حرها. والإخبار في جميع ذلك عن الوجوه، والمراد به أصحابها، لأن المعنى مفهوم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿تَصْلَىٰ نَاراً حَامِيَةً﴾.
أي: [يسقى] يومئذ أصحاب هذه الوجوه (من عين قد) انتهى حرها فبلغ الغاية في شدة الحر.
وقال مجاهد: من عين قد (أنى نضجها) منذ خلق الله عز وجل الدنيا. وقال ابن زيد: ﴿مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ﴾ أي: حاضرة.
وقال تعالى: ﴿لَّيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلاَّ مِن ضَرِيعٍ﴾.
أي: (ليس) لأصحاب هذه (الوجوه) الخاشعة - وهم الكفار - طعام يطعمونه في النار إلا طعام من ضريع.
قال ابن عباس: "الضريع: شجر من نار".
وقال ابن زيد: الضريع: الشوك من النار، والضريع عند العرب شوك يابس [ولا ورق فيه].
وقال عكرمة: الضريع: الحجارة.
وقال الحسن: الضريع: الزقوم وعنه أيضاً: الضريع: الذي يضرع ويذل من أكله لمرارته وخشونته.
وقال عطاء: الضريع: الشبرق. وروي ذلك أيضاً عن ابن عباس ومجاهد وقتادة، وعلى هذا القول كثير من أهل اللغة، والشبرق: [شجر] كثير الشوك تعافه الإبل، وأهل الحجاز يسمونه الضريع إذا يبس، ويسميه غيرهم الشبرق.
وقيل: الضريع واد من جهنم. وقد أخبر الله في هذه الآية بأن لا طعام لهم إلا طعام من ضريع، فأثبت لهم طعاماً، وقال في موضع آخر ﴿فَلَيْسَ لَهُ ٱلْيَوْمَ هَا هُنَا حَمِيمٌ * وَلاَ طَعَامٌ إِلاَّ مِنْ غِسْلِينٍ﴾ [الحاقة: ٣٥-٣٦].
فظاهره أنه قد أوجب لهم طعاما من غسلين فهذا خلاف ذلك في الظاهر. والمعنى في ذلك أن التقدير: فليس له اليوم هاهنا شراب حميم إلا من غسلين ولا طعام ينتفع به.
(وقيل): الغسلين من الضريع.
وقيل: الغسلين لقوم والضريع لآخرين.
ثم وصف الله أهل الجنة ونعيمهم بعد وصفه لأهل النار وعذابهم.
فقال تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاعِمَةٌ﴾.
أي: (غضرة) نضرة ينعمها الله، وهم أهل الإيمان بالله والعمل بطاعته.
* *
ثم قال تعالى: ﴿لِّسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ﴾.
أي: لعملها الذي عملته في الدنيا من طاعة ربها راضية. وقيل المعنى: [لثواب] عملها راضية في الآخرة.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ﴾.
أي: رفيعة القدر عالية المكان.
﴿لاَّ تَسْمَعُ فِيهَا لاَغِيَةً﴾ أي: لا يسمع أحد في الجنة كلمة لغو، واللغو: الباطل.
وقيل للكلمة التي هي لغة: لاغية، كما قيل لصاحب [الدرع: دارع]، ولصاحب الفرس فارس، "ولابن" "وثامر" لصاحب اللبن والثمر.
وقال الفراء: ﴿لاَغِيَةً﴾، أي: [حالفاً] يحلف بكذب.
قال ابن عباس: معناه: لا تسمع فيها أذى ولا باطلاً.
وقال مجاهد: "شتماً". وقال قتادة: باطلاً ولا مأثماً.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ﴾ أي: تجري من غير أخدود، والعين تذكر وتؤنث [والتأنيث] أكثر، وقد قال الشاعر: ؎ والعين بالإثمد [الحاري] مكحول.
فقال بعض النحويين: هذا على تذكير العين.
وقال المبرد: ذكره كما يذكر كل مؤنث غير حقيقي التأنيث لا علامة للتأنيث فيه، كما يقال: هذا دار وهذه دار.
وقال الأصمعي: مكحول للحاجب هو، لأنه قد تقدم ذكره، ولا يعرف الأصمعي في العين إلا التأنيث.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فِيهَا سُرُرٌ مَّرْفُوعَةٌ﴾.
أي: عالية ليرى المؤمن إذا جلس عليها جميع ما خوله ربه من الملك والنعيم، ويلحقه بصره. والسرر جمع سرير.
وقيل: مرفوعة: موضونة. قاله ابن عباس، كقوله: ﴿سُرُرٍ مَّصْفُوفَةٍ﴾ [الطور: ٢٠] أي: بعضها فوق بعض.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَأَكْوَابٌ مَّوْضُوعَةٌ﴾.
أي: موضوعة على حافة العين الجارية كلما أراد الشرب وجدها ملأى من الشراب. والأكواب جمع: كوب، وهي الأباريق التي لا آذان لها، وقد تقدم ذكرها بالاختلاف فيها.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ﴾.
النمارق جمع: نمرقة، وهي الوسادة والمرفقة. وحكي فيها ضم النون والراء وكسرهما، والضم (أكثر). ومعنى مصفوفة أي: بعضها إلى بعض.
وقد قال ابن عباس "النمارق: المجالس"، وعنه: "المرافق".
وقال قتادة: هي "الوسائد".
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ﴾.
قال أبو عبيدة: الزرابي البسط.
وقيل الزرابي: الطنافس التي لها خمل، و ﴿مَبْثُوثَةٌ﴾ كثيرة.
وقال قتادة: [زرابي] "مبثوثة" أي "مبسوطة".
قال ابن عمر: (رأيت عمر) رضي الله عنه يصلى على عبقري، وهي الزرابي.
* *
ثم قال تعالى: ﴿أَفَلاَ يَنظُرُونَ إِلَى ٱلإِبْلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾.
هذا كله توبيخ لمنكري القدرة، أي: أفلا ينظر من ينكر قدرة الله على كل ما يشاء مما وصف مما أعده الله للكافرين وللمؤمنين في هذه الآيات - إلى الإبل كيف خلقها الله وسخرها لهم (وذللها)، وإلى (السماء) كيف رفعها الله فوقهم لا خلل فيها ولا شقوق ولا اختلاف، رفعها بغير عمد ترونها، وإلى الجبال كيف نصبها الله على الأرض لئلا تميد بأهلها، [وأقامها] منتصبة لا تسقط على الأرض. وإلى الأرض كيف سطحها الله، أي بسطها فجعلها مستوية وطيئة ليتصرف عليها الخلق ولا يمتنعون من أسفارهم.
وقال قتادة: لما [نعت] الله ما في الجنة، عجب من ذلك أهل الضلالة، فأنزل الله جل ذكره: ﴿أَفَلاَ يَنظُرُونَ إِلَى ٱلإِبْلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ إلى ﴿سُطِحَتْ﴾.
قال: وكانت الإبل من عيش العرب. [فخوطبوا] ونبهوا على قدرته على أعظم ما في نفوسهم، فلذلك بدأ بالإبل، فكأنه قيل لهم: من قدر على إحداث هذه الأشياء وغيرها لكم وإحكام أمرها [كيف] لا يقدر على ما وصف من (أمر) الجنة والنار.
وقال ابن عباس: الإبل (ها) هنا هي الإبل بعينها، وليس شيء يحمل عليه وهو بارك إلا الإبل، وفي ذلك آية.
وقال المبرد: وقيل: الإبل: القطع العظام من السحاب.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَآ أَنتَ مُذَكِّرٌ﴾.
أي: ذكر - يا محمد - عبادي بآياتي، فإنما أرسلت مذكرا لهم.
* *
﴿لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ﴾.
أي: بمسلط ولا بجبار تجبرهم على الإيمان. ومصيطراً: أصله السين، وهو مأخوذ من السطر.
وقيل: الآية منسوخة بقوله: ﴿فَٱقْتُلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] وهو قول ابن زيد.
وقيل: هي محكمة، لأنهم إذا أسلموا تركوا على جملتهم، ولم يسلط عليهم.
قال جابر: قال رسول الله ﷺ: أُمِرتَ أَن أقاتِلَ الناسَ حَتّى يَقولوا لا إِلَهَ إلاّ الله، فَإذا قالوا لا إِلَهَ إِلاّ الله عَصَمُوا مِنّي دِماءَهُم وَأَموالَهُم إِلاّ بِحقّها وَحِسابُهُم عَلى الله. ثم تلا ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَآ أَنتَ مُذَكِّرٌ * لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ﴾
قال ابن عباس: ﴿بِمُصَيْطِرٍ﴾ بجبار.
* *
ثم قال تعالى: ﴿إِلاَّ مَن تَوَلَّىٰ وَكَفَرَ * فَيُعَذِّبُهُ ٱللَّهُ ٱلْعَذَابَ ٱلأَكْبَرَ﴾.
أي: فذكر يا محمد قومك إلا من تولى عنك فأعرض عن الإيمان وكفر فيكون هذا استثناء من الذين كان التذكير فيهم، فيكون في موضع نصب.
وقيل: الاستثناء منقطع مما قبله. والمعنى: لست عليهم ﴿بِمُصَيْطِرٍ﴾ إلا من تولى وكفر بعد ذلك، فإنك ستسلط [عليه] إن أسلم أو السيف.
والاستثناء المنقطع [تعتبره] أبداً بأن [تحسن] "إن" معه، فإذا حسنت جاز أن يكون منقطعاً، وإذا لم تحسن كان متصلا صحيحا. يقول القاتل: "سار القوم إلا زيدا"، فلا يحسن دخول "إن" هنا، (لأنه) استثناء صحيح.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَيُعَذِّبُهُ ٱللَّهُ ٱلْعَذَابَ ٱلأَكْبَرَ﴾.
وهو عذاب جهنم في الآخرة.
* *
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ إِلَيْنَآ إِيَابَهُمْ﴾ أي: رجوعهم في الآخرة.
﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ﴾ أي: (علينا) حساب أعمالهم [فنجازيهم] (بها) فالله (هو) المحاسب المعاقب لهم وأنت - يا محمد - مذكر مبلغ عن ربك إليهم.
الغاشية 88:26
قوله تعالى: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ٱلْغَاشِيَةِ﴾ إلى آخرها.
أي: قد أتاك - يا محمد - حديث الغاشية، وهي القيامة تغشى الناس بقيامها وأهوالها.
وقال ابن جبير: الغاشية جهنم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ﴾.
أي: ذليلة، وهي وجوه الكفار. قال قتادة: "خاشعة في النار".
* *
ثم قال: ﴿عَامِلَةٌ نَّاصِبَةٌ﴾.
أي: هي عاملة ناصبة بمعنى: تعمل وتنصب في الدنيا، وهي تصلى ناراً حامية في الآخرة.
وهذا القول يُروى عن عمر رضي الله عنه. ولا يتم الكلام [على] [ناصبة] أو (على) ﴿خَاشِعَةٌ﴾ ويجوز أن يكون في الكلام تقديم وتأخير على هذا القول، والتقدير: وجوه عاملة ناصبة في الدنيا يومئذ خاشعة.
وقيل: الآية نزلت في عبدة الأوثان والرهبان من أهل الكتاب، أنصبوا أنفسهم وأتعبوها بالعمل ولم يتقبل منهم، لأنهم على غير إسلام.
وقال عكرمة: (معناه): عاملة في الدنيا بمعاصي الله، ناصبة في الآخرة في النار. فيتم الكلام على هذا القول على "عاملة".
وقال الحسن وقتادة: إن الوجوه في القيامة خاشعة عاملة ناصبة، وإنها (لما) لم تعمل في الدنيا لله أعملها الله في النار وأنصبها. فلا يتم الكلام من أوله على ﴿نَّاصِبَةٌ﴾ على هذا القول.
قال ابن عباس: "تعمل وتنصب في النار".
وقال قتادة: "تكبرت في الدنيا عن طاعة الله، فأعملها وأنصبها في النار".
وقال ابن زيد: "لا أحد أنصب ولا أشد من أهل النار".
وكان عمر رضي الله عنه يتأولها في الدنيا في البرهان وشبههم. يعملون في الدنيا، ويجتهدون، وهم في النار. ويكون الكلام يتم على ﴿خَاشِعَةٌ﴾ لأنه آخر صفتهم في يوم القيامة، ثم ابتدأ بصفتهم في الدنيا.
وقيل: التقدير: وجوه عاملة ناصبة في الدنيا ﴿يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ﴾ يعني: في الآخرة.
وفي الحديث أن النبي ﷺ وسلم ذكر القدرية فبكى، وقال: إن فيهم المجتهد.
* *
وقوله: ﴿تَصْلَىٰ نَاراً حَامِيَةً﴾ أي: ترد ناراً قد حميت واشتد حرها. والإخبار في جميع ذلك عن الوجوه، والمراد به أصحابها، لأن المعنى مفهوم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿تَصْلَىٰ نَاراً حَامِيَةً﴾.
أي: [يسقى] يومئذ أصحاب هذه الوجوه (من عين قد) انتهى حرها فبلغ الغاية في شدة الحر.
وقال مجاهد: من عين قد (أنى نضجها) منذ خلق الله عز وجل الدنيا. وقال ابن زيد: ﴿مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ﴾ أي: حاضرة.
وقال تعالى: ﴿لَّيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلاَّ مِن ضَرِيعٍ﴾.
أي: (ليس) لأصحاب هذه (الوجوه) الخاشعة - وهم الكفار - طعام يطعمونه في النار إلا طعام من ضريع.
قال ابن عباس: "الضريع: شجر من نار".
وقال ابن زيد: الضريع: الشوك من النار، والضريع عند العرب شوك يابس [ولا ورق فيه].
وقال عكرمة: الضريع: الحجارة.
وقال الحسن: الضريع: الزقوم وعنه أيضاً: الضريع: الذي يضرع ويذل من أكله لمرارته وخشونته.
وقال عطاء: الضريع: الشبرق. وروي ذلك أيضاً عن ابن عباس ومجاهد وقتادة، وعلى هذا القول كثير من أهل اللغة، والشبرق: [شجر] كثير الشوك تعافه الإبل، وأهل الحجاز يسمونه الضريع إذا يبس، ويسميه غيرهم الشبرق.
وقيل: الضريع واد من جهنم. وقد أخبر الله في هذه الآية بأن لا طعام لهم إلا طعام من ضريع، فأثبت لهم طعاماً، وقال في موضع آخر ﴿فَلَيْسَ لَهُ ٱلْيَوْمَ هَا هُنَا حَمِيمٌ * وَلاَ طَعَامٌ إِلاَّ مِنْ غِسْلِينٍ﴾ [الحاقة: ٣٥-٣٦].
فظاهره أنه قد أوجب لهم طعاما من غسلين فهذا خلاف ذلك في الظاهر. والمعنى في ذلك أن التقدير: فليس له اليوم هاهنا شراب حميم إلا من غسلين ولا طعام ينتفع به.
(وقيل): الغسلين من الضريع.
وقيل: الغسلين لقوم والضريع لآخرين.
ثم وصف الله أهل الجنة ونعيمهم بعد وصفه لأهل النار وعذابهم.
فقال تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاعِمَةٌ﴾.
أي: (غضرة) نضرة ينعمها الله، وهم أهل الإيمان بالله والعمل بطاعته.
* *
ثم قال تعالى: ﴿لِّسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ﴾.
أي: لعملها الذي عملته في الدنيا من طاعة ربها راضية. وقيل المعنى: [لثواب] عملها راضية في الآخرة.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ﴾.
أي: رفيعة القدر عالية المكان.
﴿لاَّ تَسْمَعُ فِيهَا لاَغِيَةً﴾ أي: لا يسمع أحد في الجنة كلمة لغو، واللغو: الباطل.
وقيل للكلمة التي هي لغة: لاغية، كما قيل لصاحب [الدرع: دارع]، ولصاحب الفرس فارس، "ولابن" "وثامر" لصاحب اللبن والثمر.
وقال الفراء: ﴿لاَغِيَةً﴾، أي: [حالفاً] يحلف بكذب.
قال ابن عباس: معناه: لا تسمع فيها أذى ولا باطلاً.
وقال مجاهد: "شتماً". وقال قتادة: باطلاً ولا مأثماً.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ﴾ أي: تجري من غير أخدود، والعين تذكر وتؤنث [والتأنيث] أكثر، وقد قال الشاعر: ؎ والعين بالإثمد [الحاري] مكحول.
فقال بعض النحويين: هذا على تذكير العين.
وقال المبرد: ذكره كما يذكر كل مؤنث غير حقيقي التأنيث لا علامة للتأنيث فيه، كما يقال: هذا دار وهذه دار.
وقال الأصمعي: مكحول للحاجب هو، لأنه قد تقدم ذكره، ولا يعرف الأصمعي في العين إلا التأنيث.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فِيهَا سُرُرٌ مَّرْفُوعَةٌ﴾.
أي: عالية ليرى المؤمن إذا جلس عليها جميع ما خوله ربه من الملك والنعيم، ويلحقه بصره. والسرر جمع سرير.
وقيل: مرفوعة: موضونة. قاله ابن عباس، كقوله: ﴿سُرُرٍ مَّصْفُوفَةٍ﴾ [الطور: ٢٠] أي: بعضها فوق بعض.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَأَكْوَابٌ مَّوْضُوعَةٌ﴾.
أي: موضوعة على حافة العين الجارية كلما أراد الشرب وجدها ملأى من الشراب. والأكواب جمع: كوب، وهي الأباريق التي لا آذان لها، وقد تقدم ذكرها بالاختلاف فيها.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ﴾.
النمارق جمع: نمرقة، وهي الوسادة والمرفقة. وحكي فيها ضم النون والراء وكسرهما، والضم (أكثر). ومعنى مصفوفة أي: بعضها إلى بعض.
وقد قال ابن عباس "النمارق: المجالس"، وعنه: "المرافق".
وقال قتادة: هي "الوسائد".
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ﴾.
قال أبو عبيدة: الزرابي البسط.
وقيل الزرابي: الطنافس التي لها خمل، و ﴿مَبْثُوثَةٌ﴾ كثيرة.
وقال قتادة: [زرابي] "مبثوثة" أي "مبسوطة".
قال ابن عمر: (رأيت عمر) رضي الله عنه يصلى على عبقري، وهي الزرابي.
* *
ثم قال تعالى: ﴿أَفَلاَ يَنظُرُونَ إِلَى ٱلإِبْلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾.
هذا كله توبيخ لمنكري القدرة، أي: أفلا ينظر من ينكر قدرة الله على كل ما يشاء مما وصف مما أعده الله للكافرين وللمؤمنين في هذه الآيات - إلى الإبل كيف خلقها الله وسخرها لهم (وذللها)، وإلى (السماء) كيف رفعها الله فوقهم لا خلل فيها ولا شقوق ولا اختلاف، رفعها بغير عمد ترونها، وإلى الجبال كيف نصبها الله على الأرض لئلا تميد بأهلها، [وأقامها] منتصبة لا تسقط على الأرض. وإلى الأرض كيف سطحها الله، أي بسطها فجعلها مستوية وطيئة ليتصرف عليها الخلق ولا يمتنعون من أسفارهم.
وقال قتادة: لما [نعت] الله ما في الجنة، عجب من ذلك أهل الضلالة، فأنزل الله جل ذكره: ﴿أَفَلاَ يَنظُرُونَ إِلَى ٱلإِبْلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ إلى ﴿سُطِحَتْ﴾.
قال: وكانت الإبل من عيش العرب. [فخوطبوا] ونبهوا على قدرته على أعظم ما في نفوسهم، فلذلك بدأ بالإبل، فكأنه قيل لهم: من قدر على إحداث هذه الأشياء وغيرها لكم وإحكام أمرها [كيف] لا يقدر على ما وصف من (أمر) الجنة والنار.
وقال ابن عباس: الإبل (ها) هنا هي الإبل بعينها، وليس شيء يحمل عليه وهو بارك إلا الإبل، وفي ذلك آية.
وقال المبرد: وقيل: الإبل: القطع العظام من السحاب.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَآ أَنتَ مُذَكِّرٌ﴾.
أي: ذكر - يا محمد - عبادي بآياتي، فإنما أرسلت مذكرا لهم.
* *
﴿لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ﴾.
أي: بمسلط ولا بجبار تجبرهم على الإيمان. ومصيطراً: أصله السين، وهو مأخوذ من السطر.
وقيل: الآية منسوخة بقوله: ﴿فَٱقْتُلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] وهو قول ابن زيد.
وقيل: هي محكمة، لأنهم إذا أسلموا تركوا على جملتهم، ولم يسلط عليهم.
قال جابر: قال رسول الله ﷺ: أُمِرتَ أَن أقاتِلَ الناسَ حَتّى يَقولوا لا إِلَهَ إلاّ الله، فَإذا قالوا لا إِلَهَ إِلاّ الله عَصَمُوا مِنّي دِماءَهُم وَأَموالَهُم إِلاّ بِحقّها وَحِسابُهُم عَلى الله. ثم تلا ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَآ أَنتَ مُذَكِّرٌ * لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ﴾
قال ابن عباس: ﴿بِمُصَيْطِرٍ﴾ بجبار.
* *
ثم قال تعالى: ﴿إِلاَّ مَن تَوَلَّىٰ وَكَفَرَ * فَيُعَذِّبُهُ ٱللَّهُ ٱلْعَذَابَ ٱلأَكْبَرَ﴾.
أي: فذكر يا محمد قومك إلا من تولى عنك فأعرض عن الإيمان وكفر فيكون هذا استثناء من الذين كان التذكير فيهم، فيكون في موضع نصب.
وقيل: الاستثناء منقطع مما قبله. والمعنى: لست عليهم ﴿بِمُصَيْطِرٍ﴾ إلا من تولى وكفر بعد ذلك، فإنك ستسلط [عليه] إن أسلم أو السيف.
والاستثناء المنقطع [تعتبره] أبداً بأن [تحسن] "إن" معه، فإذا حسنت جاز أن يكون منقطعاً، وإذا لم تحسن كان متصلا صحيحا. يقول القاتل: "سار القوم إلا زيدا"، فلا يحسن دخول "إن" هنا، (لأنه) استثناء صحيح.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَيُعَذِّبُهُ ٱللَّهُ ٱلْعَذَابَ ٱلأَكْبَرَ﴾.
وهو عذاب جهنم في الآخرة.
* *
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ إِلَيْنَآ إِيَابَهُمْ﴾ أي: رجوعهم في الآخرة.
﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ﴾ أي: (علينا) حساب أعمالهم [فنجازيهم] (بها) فالله (هو) المحاسب المعاقب لهم وأنت - يا محمد - مذكر مبلغ عن ربك إليهم.
الفجر 89:1
قوله تعالى: ﴿وَٱلْفَجْرِ * وَلَيالٍ عَشْرٍ * وَٱلشَّفْعِ﴾. إلى قوله: ﴿ٱلْبِلاَدِ﴾.
قال ابن عباس: الفجر "النهار". وعنه أن الفجر عنى به "صلاة الفجر".
وقال عكرمة: هو "فجر الصبح". وقيل: هو صبيحة يوم النحر. وهو قسم والتقدير فيه: ورب الفجر.
* *
وقوله: ﴿وَلَيالٍ عَشْرٍ﴾ أكثر المفسرين على أنها [العشر] الأولى من ذي الحجة.
وروى جابر أن النبي ﷺ قال: ﴿وَلَيالٍ عَشْرٍ﴾: عشر الأضحى.
وإنما جعلها عشر ليال، لأن ليلة يوم النحر دخلت فيها، لأن الله جعل ليلة يوم النحر ليوم عرفة فصار ليوم عرفة ليلتان رفقاً بعباده، فلذلك من لم يدرك الوقوف بعرفة يوم عرفة وقف ليلة يوم النحر وتم حجه، لأن ليلة يوم النحر ليلة (يوم عرفة أيضاً فصارت ليلة يوم النحر داخلة في حكم يوم) عرفة، يجزي فيها ما فات من الوقوف بعرفة يوم عرفة. ولا يجزئ الوقوف بعرفات - ليلة يوم عرفة - عن يوم عرفة، فصارت ليلة يوم النحر أخص بيوم عرفة من ليلة يوم عرفة (بيوم عرفة)، فاعرفه، فلذلك جعل ليالي العشر عشر ليال وأقسم بها.
وقال مجاهد: ليس عمل في ليالي السنة أفضل منه في ليالي العشر، وهي عشر موسى التي أتمها الله جل وعز له.
وعن ابن عباس أيضاً أنها العشر الأواخر من رمضان. وحكى الطبري أن بعضهم قال: [هي] العشر الأول من المحرم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَٱلشَّفْعِ وَٱلْوَتْرِ﴾.
قال ابن عباس: "الشفع: يوم النحر، والوتر: يوم عرفة". وقاله عكرمة.
وقال الضحاك: ﴿وَلَيالٍ عَشْرٍ * وَٱلشَّفْعِ وَٱلْوَتْرِ﴾، أقسم الله بهن لما يعلم من فضلهن على سائر الأيام: فالعشر ذي الحجة، والشفع يوم النحر، والوتر يوم عرفة.
وقال عبد الله بن الزبير: الشفع: اليومان اللذان بعد يوم النحر، والوتر: (اليوم) الثالث ، وهو يوم النفر الآخر، قال الله ﴿فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلاۤ إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ٢٠٣].
وعن ابن عباس أيضاً: أن الشفع الخلق كلهم، والوتر الله، هو وتر واحد وخلقه شفع. وقيل: الشفع صلاة الغداة، والوتر صلاة المغرب.
وهو قول مجاهد ومسروق.
وعن مجاهد [أيضاً] أن الشفع والوتر: الخلق كلهم منهم [شفع] ([و] منهم) وتر. وهو قول الحسن.
وقال ابن زيد: كان أبي يقول: كل شيء خلا الله عز وجل شفع ووتر، فأقسم - جل ذكره - بما خلق مما تبصرون وما لا تبصرون.
وقال قتادة عن عمران بن الحصين أنه كان يقول: الشفع والوتر: الصلاة منها شفع كالظهر والعصر، ومنها وتر كالمغرب.
وقال الربيع بن أنس: الشفع والوتر: صلاة المغرب، فالشفع منها الركعتان الأوليان، والوتر الركعة الثالثة.
وروى عمران بن الحصين أن النبي ﷺ قال: ﴿وَٱلشَّفْعِ وَٱلْوَتْرِ﴾ "هي الصلاة: منها شفع، ومنها وتر.
وروى قتادة أن الحسن كان يقول: الشفع والوتر هو العدد، [منه] شفع ومنه وتر. [وقيل: الشفع آدم ﷺ وحواء، والوتر: الله عز وجل، وتر كل شيء]. والفتح والكسر في الوتر لغتان: الفتح لغة أهل الحجاز، والكسر لغة بني تميم.
وقال الفراء: والكسر لغة قيس وأسد أيضاً. فأما الوتر الذي هو الترة، ففيه أيضاً لغتان: الفتح والكسر. أهل الحجاز يفتحون، وغيرهم يكسره.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَٱلَّيلِ إِذَا يَسْرِ﴾ أي: يسري أهله.
وقيل: معناه: والليل إذا سار وذهب. وهي ليلة جمع، ليلة المزدلفة.
قال ابن عباس: إذا يسري: إذا ذهب.
وقال أبو العالية: إذا سار.
وقال ابن زيد: إذا يسير. وقال عكرمة: إذا جمع.
* *
ثم قال تعالى: ﴿هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِّذِى حِجْرٍ﴾ أي: إن في هذا القسم لكفاية لذي عقل. عظم الله تعالى جل ذكره هذه الأزمنة التي أقسم بها، وهي عشر ذي الحجة ويوم عرفة ويوم النحر وليلة المزدلفة. وأعيد ذكر [يوم] عرفة، وقد دخل في العشر لشرفه. وقيل: أعيد لأنه أقسم أولاً بالليالي، وأعيد ذكر اليوم، لأنه لم يدخل في الليالي.
قال ابن عباس: ﴿لِّذِى حِجْرٍ﴾: لصاحب نُهىً وعقلٍ.
وقال الحسن: "لذي حلم".
قال قتادة: "لذي عقل ولب" وجواب القسم: ﴿هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ﴾.
[وقال مقاتل: "هل" هاهنا في موضع "إن"، وتقدير الكلام: "إن في ذلك قسماً. ذكره الماوردي. فعلى هذا التأويل، تكون "هل" جواب القسم. والله أعلم]. وقيل الجواب: إن ربك لبالمرصاد، وهو الصواب إن شاء الله، لأن "هل" ليست من أجوبة القسم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ * إِرَمَ ذَاتِ ٱلْعِمَادِ﴾. من صرف عاداً جعله للحي أو للأب. وقد قرأ الضحاك بغير صرف، جعله اسماً للقبيلة. وقرأ الحسن: "بعاد إرم" بإضافة "عاد" إلى "إرم"، ولم يصرف ﴿إِرَمَ﴾، جعل "إرم" اسم مدينة فلم يصرفها. قال محمد بن كعب القرظي: إرم: "الإسكندرية".
قال [المقبري]: إرم: دمشق، رواه عنه ابن وهب.
* *
وقوله: ﴿وَٱذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنذَرَ قَوْمَهُ بِٱلأَحْقَافِ﴾ [الأحقاف: ٢١]، يدل على خلاف هذين القولين، لأن الأحقاف جمع: حقف، والحقف ما التوى من الرمل، وليس كذلك دمشق ولا الإسكندرية، وإنما يجوز هذا التأويل على أن يكون [عاد] [هاهنا] غير عاد أصحاب الأحقاف.
وقال مجاهد: إرم: "أمة". وعنه أيضاً أن إرم معناه: "القديمة".
وقال قتادة: كنا نحدث أن إرم قبيلة من عاد، مملكة عاد. وهذا قول يصح معه ترك صرف "إرم".
وقال ابن إسحاق: إرم جد عاد، وإرم هو إرم بن عوص بن سام بن نوح. وليزم على هذا أن يصرف لأنه مذكر.
وعن ابن عباس أن معناه: بعاد الهالك، ويلزم صرفه على هذا، لأنه وصف. وقال بعض أهل النسب: إرم هو سام بن نوح، ويلزم صرفه أيضاً لأنه مذكر.
وقيل: إن ﴿إِرَمَ ذَاتِ ٱلْعِمَادِ﴾ كانت مدينة عظيمة موجودة في ذلك الوقت.
وقوله ﴿ذَاتِ ٱلْعِمَادِ﴾ نعت "لعاد" إن جعلته (اسما) للقبيلة أو لإرم فمعناه: ذات الطول لأن العرب تقول للرجل الطويل: معمد، وكانت قبيلة عاد طوال الأجسام.
[قال] ابن عباس: "كان طولهم مثل العماد".
[وقال] مجاهد: "كان لهم جسم في السماء".
وقيل: إنما قيل: ﴿ذَاتِ ٱلْعِمَادِ﴾، لأنهم كانوا أهل عمد ينتجعون الغيوث وينتقلون (إلى) الكلا حيث كان ويرجعون إلى منازلهم. هذا معنى قول مجاهد.
وقال ابن زيد: ﴿ذَاتِ ٱلْعِمَادِ﴾، قيل لهم ذلك لبناء بناه بعضهم فشيد عمده ورفع بناءه حين كانوا في الأحقاف، وهو قوله: ﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ﴾ [الشعراء: ١٢٨] الآية.
* *
وقوله: ﴿ٱلَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي ٱلْبِلاَدِ﴾ أي: مثل تلك الأعماد. وقيل: إنما وصفوا [بذلك] لشدة أبدانهم وقوتهم. والهاء في ﴿مِثْلُهَا﴾ تعود على عاد، لأنها قبيلة أو على إرم لأنها مدينة.
قال قتادة: ذكر أنهم كانوا اثني عشر ذراعاً، وهو قوله: ﴿وَزَادَكُمْ فِي ٱلْخَلْقِ بَصْطَةً﴾ [الأعراف: ٦٩].
الفجر 89:2
قوله تعالى: ﴿وَٱلْفَجْرِ * وَلَيالٍ عَشْرٍ * وَٱلشَّفْعِ﴾. إلى قوله: ﴿ٱلْبِلاَدِ﴾.
قال ابن عباس: الفجر "النهار". وعنه أن الفجر عنى به "صلاة الفجر".
وقال عكرمة: هو "فجر الصبح". وقيل: هو صبيحة يوم النحر. وهو قسم والتقدير فيه: ورب الفجر.
* *
وقوله: ﴿وَلَيالٍ عَشْرٍ﴾ أكثر المفسرين على أنها [العشر] الأولى من ذي الحجة.
وروى جابر أن النبي ﷺ قال: ﴿وَلَيالٍ عَشْرٍ﴾: عشر الأضحى.
وإنما جعلها عشر ليال، لأن ليلة يوم النحر دخلت فيها، لأن الله جعل ليلة يوم النحر ليوم عرفة فصار ليوم عرفة ليلتان رفقاً بعباده، فلذلك من لم يدرك الوقوف بعرفة يوم عرفة وقف ليلة يوم النحر وتم حجه، لأن ليلة يوم النحر ليلة (يوم عرفة أيضاً فصارت ليلة يوم النحر داخلة في حكم يوم) عرفة، يجزي فيها ما فات من الوقوف بعرفة يوم عرفة. ولا يجزئ الوقوف بعرفات - ليلة يوم عرفة - عن يوم عرفة، فصارت ليلة يوم النحر أخص بيوم عرفة من ليلة يوم عرفة (بيوم عرفة)، فاعرفه، فلذلك جعل ليالي العشر عشر ليال وأقسم بها.
وقال مجاهد: ليس عمل في ليالي السنة أفضل منه في ليالي العشر، وهي عشر موسى التي أتمها الله جل وعز له.
وعن ابن عباس أيضاً أنها العشر الأواخر من رمضان. وحكى الطبري أن بعضهم قال: [هي] العشر الأول من المحرم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَٱلشَّفْعِ وَٱلْوَتْرِ﴾.
قال ابن عباس: "الشفع: يوم النحر، والوتر: يوم عرفة". وقاله عكرمة.
وقال الضحاك: ﴿وَلَيالٍ عَشْرٍ * وَٱلشَّفْعِ وَٱلْوَتْرِ﴾، أقسم الله بهن لما يعلم من فضلهن على سائر الأيام: فالعشر ذي الحجة، والشفع يوم النحر، والوتر يوم عرفة.
وقال عبد الله بن الزبير: الشفع: اليومان اللذان بعد يوم النحر، والوتر: (اليوم) الثالث ، وهو يوم النفر الآخر، قال الله ﴿فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلاۤ إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ٢٠٣].
وعن ابن عباس أيضاً: أن الشفع الخلق كلهم، والوتر الله، هو وتر واحد وخلقه شفع. وقيل: الشفع صلاة الغداة، والوتر صلاة المغرب.
وهو قول مجاهد ومسروق.
وعن مجاهد [أيضاً] أن الشفع والوتر: الخلق كلهم منهم [شفع] ([و] منهم) وتر. وهو قول الحسن.
وقال ابن زيد: كان أبي يقول: كل شيء خلا الله عز وجل شفع ووتر، فأقسم - جل ذكره - بما خلق مما تبصرون وما لا تبصرون.
وقال قتادة عن عمران بن الحصين أنه كان يقول: الشفع والوتر: الصلاة منها شفع كالظهر والعصر، ومنها وتر كالمغرب.
وقال الربيع بن أنس: الشفع والوتر: صلاة المغرب، فالشفع منها الركعتان الأوليان، والوتر الركعة الثالثة.
وروى عمران بن الحصين أن النبي ﷺ قال: ﴿وَٱلشَّفْعِ وَٱلْوَتْرِ﴾ "هي الصلاة: منها شفع، ومنها وتر.
وروى قتادة أن الحسن كان يقول: الشفع والوتر هو العدد، [منه] شفع ومنه وتر. [وقيل: الشفع آدم ﷺ وحواء، والوتر: الله عز وجل، وتر كل شيء]. والفتح والكسر في الوتر لغتان: الفتح لغة أهل الحجاز، والكسر لغة بني تميم.
وقال الفراء: والكسر لغة قيس وأسد أيضاً. فأما الوتر الذي هو الترة، ففيه أيضاً لغتان: الفتح والكسر. أهل الحجاز يفتحون، وغيرهم يكسره.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَٱلَّيلِ إِذَا يَسْرِ﴾ أي: يسري أهله.
وقيل: معناه: والليل إذا سار وذهب. وهي ليلة جمع، ليلة المزدلفة.
قال ابن عباس: إذا يسري: إذا ذهب.
وقال أبو العالية: إذا سار.
وقال ابن زيد: إذا يسير. وقال عكرمة: إذا جمع.
* *
ثم قال تعالى: ﴿هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِّذِى حِجْرٍ﴾ أي: إن في هذا القسم لكفاية لذي عقل. عظم الله تعالى جل ذكره هذه الأزمنة التي أقسم بها، وهي عشر ذي الحجة ويوم عرفة ويوم النحر وليلة المزدلفة. وأعيد ذكر [يوم] عرفة، وقد دخل في العشر لشرفه. وقيل: أعيد لأنه أقسم أولاً بالليالي، وأعيد ذكر اليوم، لأنه لم يدخل في الليالي.
قال ابن عباس: ﴿لِّذِى حِجْرٍ﴾: لصاحب نُهىً وعقلٍ.
وقال الحسن: "لذي حلم".
قال قتادة: "لذي عقل ولب" وجواب القسم: ﴿هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ﴾.
[وقال مقاتل: "هل" هاهنا في موضع "إن"، وتقدير الكلام: "إن في ذلك قسماً. ذكره الماوردي. فعلى هذا التأويل، تكون "هل" جواب القسم. والله أعلم]. وقيل الجواب: إن ربك لبالمرصاد، وهو الصواب إن شاء الله، لأن "هل" ليست من أجوبة القسم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ * إِرَمَ ذَاتِ ٱلْعِمَادِ﴾. من صرف عاداً جعله للحي أو للأب. وقد قرأ الضحاك بغير صرف، جعله اسماً للقبيلة. وقرأ الحسن: "بعاد إرم" بإضافة "عاد" إلى "إرم"، ولم يصرف ﴿إِرَمَ﴾، جعل "إرم" اسم مدينة فلم يصرفها. قال محمد بن كعب القرظي: إرم: "الإسكندرية".
قال [المقبري]: إرم: دمشق، رواه عنه ابن وهب.
* *
وقوله: ﴿وَٱذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنذَرَ قَوْمَهُ بِٱلأَحْقَافِ﴾ [الأحقاف: ٢١]، يدل على خلاف هذين القولين، لأن الأحقاف جمع: حقف، والحقف ما التوى من الرمل، وليس كذلك دمشق ولا الإسكندرية، وإنما يجوز هذا التأويل على أن يكون [عاد] [هاهنا] غير عاد أصحاب الأحقاف.
وقال مجاهد: إرم: "أمة". وعنه أيضاً أن إرم معناه: "القديمة".
وقال قتادة: كنا نحدث أن إرم قبيلة من عاد، مملكة عاد. وهذا قول يصح معه ترك صرف "إرم".
وقال ابن إسحاق: إرم جد عاد، وإرم هو إرم بن عوص بن سام بن نوح. وليزم على هذا أن يصرف لأنه مذكر.
وعن ابن عباس أن معناه: بعاد الهالك، ويلزم صرفه على هذا، لأنه وصف. وقال بعض أهل النسب: إرم هو سام بن نوح، ويلزم صرفه أيضاً لأنه مذكر.
وقيل: إن ﴿إِرَمَ ذَاتِ ٱلْعِمَادِ﴾ كانت مدينة عظيمة موجودة في ذلك الوقت.
وقوله ﴿ذَاتِ ٱلْعِمَادِ﴾ نعت "لعاد" إن جعلته (اسما) للقبيلة أو لإرم فمعناه: ذات الطول لأن العرب تقول للرجل الطويل: معمد، وكانت قبيلة عاد طوال الأجسام.
[قال] ابن عباس: "كان طولهم مثل العماد".
[وقال] مجاهد: "كان لهم جسم في السماء".
وقيل: إنما قيل: ﴿ذَاتِ ٱلْعِمَادِ﴾، لأنهم كانوا أهل عمد ينتجعون الغيوث وينتقلون (إلى) الكلا حيث كان ويرجعون إلى منازلهم. هذا معنى قول مجاهد.
وقال ابن زيد: ﴿ذَاتِ ٱلْعِمَادِ﴾، قيل لهم ذلك لبناء بناه بعضهم فشيد عمده ورفع بناءه حين كانوا في الأحقاف، وهو قوله: ﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ﴾ [الشعراء: ١٢٨] الآية.
* *
وقوله: ﴿ٱلَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي ٱلْبِلاَدِ﴾ أي: مثل تلك الأعماد. وقيل: إنما وصفوا [بذلك] لشدة أبدانهم وقوتهم. والهاء في ﴿مِثْلُهَا﴾ تعود على عاد، لأنها قبيلة أو على إرم لأنها مدينة.
قال قتادة: ذكر أنهم كانوا اثني عشر ذراعاً، وهو قوله: ﴿وَزَادَكُمْ فِي ٱلْخَلْقِ بَصْطَةً﴾ [الأعراف: ٦٩].
الفجر 89:3
قوله تعالى: ﴿وَٱلْفَجْرِ * وَلَيالٍ عَشْرٍ * وَٱلشَّفْعِ﴾. إلى قوله: ﴿ٱلْبِلاَدِ﴾.
قال ابن عباس: الفجر "النهار". وعنه أن الفجر عنى به "صلاة الفجر".
وقال عكرمة: هو "فجر الصبح". وقيل: هو صبيحة يوم النحر. وهو قسم والتقدير فيه: ورب الفجر.
* *
وقوله: ﴿وَلَيالٍ عَشْرٍ﴾ أكثر المفسرين على أنها [العشر] الأولى من ذي الحجة.
وروى جابر أن النبي ﷺ قال: ﴿وَلَيالٍ عَشْرٍ﴾: عشر الأضحى.
وإنما جعلها عشر ليال، لأن ليلة يوم النحر دخلت فيها، لأن الله جعل ليلة يوم النحر ليوم عرفة فصار ليوم عرفة ليلتان رفقاً بعباده، فلذلك من لم يدرك الوقوف بعرفة يوم عرفة وقف ليلة يوم النحر وتم حجه، لأن ليلة يوم النحر ليلة (يوم عرفة أيضاً فصارت ليلة يوم النحر داخلة في حكم يوم) عرفة، يجزي فيها ما فات من الوقوف بعرفة يوم عرفة. ولا يجزئ الوقوف بعرفات - ليلة يوم عرفة - عن يوم عرفة، فصارت ليلة يوم النحر أخص بيوم عرفة من ليلة يوم عرفة (بيوم عرفة)، فاعرفه، فلذلك جعل ليالي العشر عشر ليال وأقسم بها.
وقال مجاهد: ليس عمل في ليالي السنة أفضل منه في ليالي العشر، وهي عشر موسى التي أتمها الله جل وعز له.
وعن ابن عباس أيضاً أنها العشر الأواخر من رمضان. وحكى الطبري أن بعضهم قال: [هي] العشر الأول من المحرم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَٱلشَّفْعِ وَٱلْوَتْرِ﴾.
قال ابن عباس: "الشفع: يوم النحر، والوتر: يوم عرفة". وقاله عكرمة.
وقال الضحاك: ﴿وَلَيالٍ عَشْرٍ * وَٱلشَّفْعِ وَٱلْوَتْرِ﴾، أقسم الله بهن لما يعلم من فضلهن على سائر الأيام: فالعشر ذي الحجة، والشفع يوم النحر، والوتر يوم عرفة.
وقال عبد الله بن الزبير: الشفع: اليومان اللذان بعد يوم النحر، والوتر: (اليوم) الثالث ، وهو يوم النفر الآخر، قال الله ﴿فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلاۤ إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ٢٠٣].
وعن ابن عباس أيضاً: أن الشفع الخلق كلهم، والوتر الله، هو وتر واحد وخلقه شفع. وقيل: الشفع صلاة الغداة، والوتر صلاة المغرب.
وهو قول مجاهد ومسروق.
وعن مجاهد [أيضاً] أن الشفع والوتر: الخلق كلهم منهم [شفع] ([و] منهم) وتر. وهو قول الحسن.
وقال ابن زيد: كان أبي يقول: كل شيء خلا الله عز وجل شفع ووتر، فأقسم - جل ذكره - بما خلق مما تبصرون وما لا تبصرون.
وقال قتادة عن عمران بن الحصين أنه كان يقول: الشفع والوتر: الصلاة منها شفع كالظهر والعصر، ومنها وتر كالمغرب.
وقال الربيع بن أنس: الشفع والوتر: صلاة المغرب، فالشفع منها الركعتان الأوليان، والوتر الركعة الثالثة.
وروى عمران بن الحصين أن النبي ﷺ قال: ﴿وَٱلشَّفْعِ وَٱلْوَتْرِ﴾ "هي الصلاة: منها شفع، ومنها وتر.
وروى قتادة أن الحسن كان يقول: الشفع والوتر هو العدد، [منه] شفع ومنه وتر. [وقيل: الشفع آدم ﷺ وحواء، والوتر: الله عز وجل، وتر كل شيء]. والفتح والكسر في الوتر لغتان: الفتح لغة أهل الحجاز، والكسر لغة بني تميم.
وقال الفراء: والكسر لغة قيس وأسد أيضاً. فأما الوتر الذي هو الترة، ففيه أيضاً لغتان: الفتح والكسر. أهل الحجاز يفتحون، وغيرهم يكسره.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَٱلَّيلِ إِذَا يَسْرِ﴾ أي: يسري أهله.
وقيل: معناه: والليل إذا سار وذهب. وهي ليلة جمع، ليلة المزدلفة.
قال ابن عباس: إذا يسري: إذا ذهب.
وقال أبو العالية: إذا سار.
وقال ابن زيد: إذا يسير. وقال عكرمة: إذا جمع.
* *
ثم قال تعالى: ﴿هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِّذِى حِجْرٍ﴾ أي: إن في هذا القسم لكفاية لذي عقل. عظم الله تعالى جل ذكره هذه الأزمنة التي أقسم بها، وهي عشر ذي الحجة ويوم عرفة ويوم النحر وليلة المزدلفة. وأعيد ذكر [يوم] عرفة، وقد دخل في العشر لشرفه. وقيل: أعيد لأنه أقسم أولاً بالليالي، وأعيد ذكر اليوم، لأنه لم يدخل في الليالي.
قال ابن عباس: ﴿لِّذِى حِجْرٍ﴾: لصاحب نُهىً وعقلٍ.
وقال الحسن: "لذي حلم".
قال قتادة: "لذي عقل ولب" وجواب القسم: ﴿هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ﴾.
[وقال مقاتل: "هل" هاهنا في موضع "إن"، وتقدير الكلام: "إن في ذلك قسماً. ذكره الماوردي. فعلى هذا التأويل، تكون "هل" جواب القسم. والله أعلم]. وقيل الجواب: إن ربك لبالمرصاد، وهو الصواب إن شاء الله، لأن "هل" ليست من أجوبة القسم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ * إِرَمَ ذَاتِ ٱلْعِمَادِ﴾. من صرف عاداً جعله للحي أو للأب. وقد قرأ الضحاك بغير صرف، جعله اسماً للقبيلة. وقرأ الحسن: "بعاد إرم" بإضافة "عاد" إلى "إرم"، ولم يصرف ﴿إِرَمَ﴾، جعل "إرم" اسم مدينة فلم يصرفها. قال محمد بن كعب القرظي: إرم: "الإسكندرية".
قال [المقبري]: إرم: دمشق، رواه عنه ابن وهب.
* *
وقوله: ﴿وَٱذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنذَرَ قَوْمَهُ بِٱلأَحْقَافِ﴾ [الأحقاف: ٢١]، يدل على خلاف هذين القولين، لأن الأحقاف جمع: حقف، والحقف ما التوى من الرمل، وليس كذلك دمشق ولا الإسكندرية، وإنما يجوز هذا التأويل على أن يكون [عاد] [هاهنا] غير عاد أصحاب الأحقاف.
وقال مجاهد: إرم: "أمة". وعنه أيضاً أن إرم معناه: "القديمة".
وقال قتادة: كنا نحدث أن إرم قبيلة من عاد، مملكة عاد. وهذا قول يصح معه ترك صرف "إرم".
وقال ابن إسحاق: إرم جد عاد، وإرم هو إرم بن عوص بن سام بن نوح. وليزم على هذا أن يصرف لأنه مذكر.
وعن ابن عباس أن معناه: بعاد الهالك، ويلزم صرفه على هذا، لأنه وصف. وقال بعض أهل النسب: إرم هو سام بن نوح، ويلزم صرفه أيضاً لأنه مذكر.
وقيل: إن ﴿إِرَمَ ذَاتِ ٱلْعِمَادِ﴾ كانت مدينة عظيمة موجودة في ذلك الوقت.
وقوله ﴿ذَاتِ ٱلْعِمَادِ﴾ نعت "لعاد" إن جعلته (اسما) للقبيلة أو لإرم فمعناه: ذات الطول لأن العرب تقول للرجل الطويل: معمد، وكانت قبيلة عاد طوال الأجسام.
[قال] ابن عباس: "كان طولهم مثل العماد".
[وقال] مجاهد: "كان لهم جسم في السماء".
وقيل: إنما قيل: ﴿ذَاتِ ٱلْعِمَادِ﴾، لأنهم كانوا أهل عمد ينتجعون الغيوث وينتقلون (إلى) الكلا حيث كان ويرجعون إلى منازلهم. هذا معنى قول مجاهد.
وقال ابن زيد: ﴿ذَاتِ ٱلْعِمَادِ﴾، قيل لهم ذلك لبناء بناه بعضهم فشيد عمده ورفع بناءه حين كانوا في الأحقاف، وهو قوله: ﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ﴾ [الشعراء: ١٢٨] الآية.
* *
وقوله: ﴿ٱلَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي ٱلْبِلاَدِ﴾ أي: مثل تلك الأعماد. وقيل: إنما وصفوا [بذلك] لشدة أبدانهم وقوتهم. والهاء في ﴿مِثْلُهَا﴾ تعود على عاد، لأنها قبيلة أو على إرم لأنها مدينة.
قال قتادة: ذكر أنهم كانوا اثني عشر ذراعاً، وهو قوله: ﴿وَزَادَكُمْ فِي ٱلْخَلْقِ بَصْطَةً﴾ [الأعراف: ٦٩].
الفجر 89:4
قوله تعالى: ﴿وَٱلْفَجْرِ * وَلَيالٍ عَشْرٍ * وَٱلشَّفْعِ﴾. إلى قوله: ﴿ٱلْبِلاَدِ﴾.
قال ابن عباس: الفجر "النهار". وعنه أن الفجر عنى به "صلاة الفجر".
وقال عكرمة: هو "فجر الصبح". وقيل: هو صبيحة يوم النحر. وهو قسم والتقدير فيه: ورب الفجر.
* *
وقوله: ﴿وَلَيالٍ عَشْرٍ﴾ أكثر المفسرين على أنها [العشر] الأولى من ذي الحجة.
وروى جابر أن النبي ﷺ قال: ﴿وَلَيالٍ عَشْرٍ﴾: عشر الأضحى.
وإنما جعلها عشر ليال، لأن ليلة يوم النحر دخلت فيها، لأن الله جعل ليلة يوم النحر ليوم عرفة فصار ليوم عرفة ليلتان رفقاً بعباده، فلذلك من لم يدرك الوقوف بعرفة يوم عرفة وقف ليلة يوم النحر وتم حجه، لأن ليلة يوم النحر ليلة (يوم عرفة أيضاً فصارت ليلة يوم النحر داخلة في حكم يوم) عرفة، يجزي فيها ما فات من الوقوف بعرفة يوم عرفة. ولا يجزئ الوقوف بعرفات - ليلة يوم عرفة - عن يوم عرفة، فصارت ليلة يوم النحر أخص بيوم عرفة من ليلة يوم عرفة (بيوم عرفة)، فاعرفه، فلذلك جعل ليالي العشر عشر ليال وأقسم بها.
وقال مجاهد: ليس عمل في ليالي السنة أفضل منه في ليالي العشر، وهي عشر موسى التي أتمها الله جل وعز له.
وعن ابن عباس أيضاً أنها العشر الأواخر من رمضان. وحكى الطبري أن بعضهم قال: [هي] العشر الأول من المحرم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَٱلشَّفْعِ وَٱلْوَتْرِ﴾.
قال ابن عباس: "الشفع: يوم النحر، والوتر: يوم عرفة". وقاله عكرمة.
وقال الضحاك: ﴿وَلَيالٍ عَشْرٍ * وَٱلشَّفْعِ وَٱلْوَتْرِ﴾، أقسم الله بهن لما يعلم من فضلهن على سائر الأيام: فالعشر ذي الحجة، والشفع يوم النحر، والوتر يوم عرفة.
وقال عبد الله بن الزبير: الشفع: اليومان اللذان بعد يوم النحر، والوتر: (اليوم) الثالث ، وهو يوم النفر الآخر، قال الله ﴿فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلاۤ إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ٢٠٣].
وعن ابن عباس أيضاً: أن الشفع الخلق كلهم، والوتر الله، هو وتر واحد وخلقه شفع. وقيل: الشفع صلاة الغداة، والوتر صلاة المغرب.
وهو قول مجاهد ومسروق.
وعن مجاهد [أيضاً] أن الشفع والوتر: الخلق كلهم منهم [شفع] ([و] منهم) وتر. وهو قول الحسن.
وقال ابن زيد: كان أبي يقول: كل شيء خلا الله عز وجل شفع ووتر، فأقسم - جل ذكره - بما خلق مما تبصرون وما لا تبصرون.
وقال قتادة عن عمران بن الحصين أنه كان يقول: الشفع والوتر: الصلاة منها شفع كالظهر والعصر، ومنها وتر كالمغرب.
وقال الربيع بن أنس: الشفع والوتر: صلاة المغرب، فالشفع منها الركعتان الأوليان، والوتر الركعة الثالثة.
وروى عمران بن الحصين أن النبي ﷺ قال: ﴿وَٱلشَّفْعِ وَٱلْوَتْرِ﴾ "هي الصلاة: منها شفع، ومنها وتر.
وروى قتادة أن الحسن كان يقول: الشفع والوتر هو العدد، [منه] شفع ومنه وتر. [وقيل: الشفع آدم ﷺ وحواء، والوتر: الله عز وجل، وتر كل شيء]. والفتح والكسر في الوتر لغتان: الفتح لغة أهل الحجاز، والكسر لغة بني تميم.
وقال الفراء: والكسر لغة قيس وأسد أيضاً. فأما الوتر الذي هو الترة، ففيه أيضاً لغتان: الفتح والكسر. أهل الحجاز يفتحون، وغيرهم يكسره.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَٱلَّيلِ إِذَا يَسْرِ﴾ أي: يسري أهله.
وقيل: معناه: والليل إذا سار وذهب. وهي ليلة جمع، ليلة المزدلفة.
قال ابن عباس: إذا يسري: إذا ذهب.
وقال أبو العالية: إذا سار.
وقال ابن زيد: إذا يسير. وقال عكرمة: إذا جمع.
* *
ثم قال تعالى: ﴿هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِّذِى حِجْرٍ﴾ أي: إن في هذا القسم لكفاية لذي عقل. عظم الله تعالى جل ذكره هذه الأزمنة التي أقسم بها، وهي عشر ذي الحجة ويوم عرفة ويوم النحر وليلة المزدلفة. وأعيد ذكر [يوم] عرفة، وقد دخل في العشر لشرفه. وقيل: أعيد لأنه أقسم أولاً بالليالي، وأعيد ذكر اليوم، لأنه لم يدخل في الليالي.
قال ابن عباس: ﴿لِّذِى حِجْرٍ﴾: لصاحب نُهىً وعقلٍ.
وقال الحسن: "لذي حلم".
قال قتادة: "لذي عقل ولب" وجواب القسم: ﴿هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ﴾.
[وقال مقاتل: "هل" هاهنا في موضع "إن"، وتقدير الكلام: "إن في ذلك قسماً. ذكره الماوردي. فعلى هذا التأويل، تكون "هل" جواب القسم. والله أعلم]. وقيل الجواب: إن ربك لبالمرصاد، وهو الصواب إن شاء الله، لأن "هل" ليست من أجوبة القسم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ * إِرَمَ ذَاتِ ٱلْعِمَادِ﴾. من صرف عاداً جعله للحي أو للأب. وقد قرأ الضحاك بغير صرف، جعله اسماً للقبيلة. وقرأ الحسن: "بعاد إرم" بإضافة "عاد" إلى "إرم"، ولم يصرف ﴿إِرَمَ﴾، جعل "إرم" اسم مدينة فلم يصرفها. قال محمد بن كعب القرظي: إرم: "الإسكندرية".
قال [المقبري]: إرم: دمشق، رواه عنه ابن وهب.
* *
وقوله: ﴿وَٱذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنذَرَ قَوْمَهُ بِٱلأَحْقَافِ﴾ [الأحقاف: ٢١]، يدل على خلاف هذين القولين، لأن الأحقاف جمع: حقف، والحقف ما التوى من الرمل، وليس كذلك دمشق ولا الإسكندرية، وإنما يجوز هذا التأويل على أن يكون [عاد] [هاهنا] غير عاد أصحاب الأحقاف.
وقال مجاهد: إرم: "أمة". وعنه أيضاً أن إرم معناه: "القديمة".
وقال قتادة: كنا نحدث أن إرم قبيلة من عاد، مملكة عاد. وهذا قول يصح معه ترك صرف "إرم".
وقال ابن إسحاق: إرم جد عاد، وإرم هو إرم بن عوص بن سام بن نوح. وليزم على هذا أن يصرف لأنه مذكر.
وعن ابن عباس أن معناه: بعاد الهالك، ويلزم صرفه على هذا، لأنه وصف. وقال بعض أهل النسب: إرم هو سام بن نوح، ويلزم صرفه أيضاً لأنه مذكر.
وقيل: إن ﴿إِرَمَ ذَاتِ ٱلْعِمَادِ﴾ كانت مدينة عظيمة موجودة في ذلك الوقت.
وقوله ﴿ذَاتِ ٱلْعِمَادِ﴾ نعت "لعاد" إن جعلته (اسما) للقبيلة أو لإرم فمعناه: ذات الطول لأن العرب تقول للرجل الطويل: معمد، وكانت قبيلة عاد طوال الأجسام.
[قال] ابن عباس: "كان طولهم مثل العماد".
[وقال] مجاهد: "كان لهم جسم في السماء".
وقيل: إنما قيل: ﴿ذَاتِ ٱلْعِمَادِ﴾، لأنهم كانوا أهل عمد ينتجعون الغيوث وينتقلون (إلى) الكلا حيث كان ويرجعون إلى منازلهم. هذا معنى قول مجاهد.
وقال ابن زيد: ﴿ذَاتِ ٱلْعِمَادِ﴾، قيل لهم ذلك لبناء بناه بعضهم فشيد عمده ورفع بناءه حين كانوا في الأحقاف، وهو قوله: ﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ﴾ [الشعراء: ١٢٨] الآية.
* *
وقوله: ﴿ٱلَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي ٱلْبِلاَدِ﴾ أي: مثل تلك الأعماد. وقيل: إنما وصفوا [بذلك] لشدة أبدانهم وقوتهم. والهاء في ﴿مِثْلُهَا﴾ تعود على عاد، لأنها قبيلة أو على إرم لأنها مدينة.
قال قتادة: ذكر أنهم كانوا اثني عشر ذراعاً، وهو قوله: ﴿وَزَادَكُمْ فِي ٱلْخَلْقِ بَصْطَةً﴾ [الأعراف: ٦٩].
الفجر 89:5
قوله تعالى: ﴿وَٱلْفَجْرِ * وَلَيالٍ عَشْرٍ * وَٱلشَّفْعِ﴾. إلى قوله: ﴿ٱلْبِلاَدِ﴾.
قال ابن عباس: الفجر "النهار". وعنه أن الفجر عنى به "صلاة الفجر".
وقال عكرمة: هو "فجر الصبح". وقيل: هو صبيحة يوم النحر. وهو قسم والتقدير فيه: ورب الفجر.
* *
وقوله: ﴿وَلَيالٍ عَشْرٍ﴾ أكثر المفسرين على أنها [العشر] الأولى من ذي الحجة.
وروى جابر أن النبي ﷺ قال: ﴿وَلَيالٍ عَشْرٍ﴾: عشر الأضحى.
وإنما جعلها عشر ليال، لأن ليلة يوم النحر دخلت فيها، لأن الله جعل ليلة يوم النحر ليوم عرفة فصار ليوم عرفة ليلتان رفقاً بعباده، فلذلك من لم يدرك الوقوف بعرفة يوم عرفة وقف ليلة يوم النحر وتم حجه، لأن ليلة يوم النحر ليلة (يوم عرفة أيضاً فصارت ليلة يوم النحر داخلة في حكم يوم) عرفة، يجزي فيها ما فات من الوقوف بعرفة يوم عرفة. ولا يجزئ الوقوف بعرفات - ليلة يوم عرفة - عن يوم عرفة، فصارت ليلة يوم النحر أخص بيوم عرفة من ليلة يوم عرفة (بيوم عرفة)، فاعرفه، فلذلك جعل ليالي العشر عشر ليال وأقسم بها.
وقال مجاهد: ليس عمل في ليالي السنة أفضل منه في ليالي العشر، وهي عشر موسى التي أتمها الله جل وعز له.
وعن ابن عباس أيضاً أنها العشر الأواخر من رمضان. وحكى الطبري أن بعضهم قال: [هي] العشر الأول من المحرم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَٱلشَّفْعِ وَٱلْوَتْرِ﴾.
قال ابن عباس: "الشفع: يوم النحر، والوتر: يوم عرفة". وقاله عكرمة.
وقال الضحاك: ﴿وَلَيالٍ عَشْرٍ * وَٱلشَّفْعِ وَٱلْوَتْرِ﴾، أقسم الله بهن لما يعلم من فضلهن على سائر الأيام: فالعشر ذي الحجة، والشفع يوم النحر، والوتر يوم عرفة.
وقال عبد الله بن الزبير: الشفع: اليومان اللذان بعد يوم النحر، والوتر: (اليوم) الثالث ، وهو يوم النفر الآخر، قال الله ﴿فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلاۤ إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ٢٠٣].
وعن ابن عباس أيضاً: أن الشفع الخلق كلهم، والوتر الله، هو وتر واحد وخلقه شفع. وقيل: الشفع صلاة الغداة، والوتر صلاة المغرب.
وهو قول مجاهد ومسروق.
وعن مجاهد [أيضاً] أن الشفع والوتر: الخلق كلهم منهم [شفع] ([و] منهم) وتر. وهو قول الحسن.
وقال ابن زيد: كان أبي يقول: كل شيء خلا الله عز وجل شفع ووتر، فأقسم - جل ذكره - بما خلق مما تبصرون وما لا تبصرون.
وقال قتادة عن عمران بن الحصين أنه كان يقول: الشفع والوتر: الصلاة منها شفع كالظهر والعصر، ومنها وتر كالمغرب.
وقال الربيع بن أنس: الشفع والوتر: صلاة المغرب، فالشفع منها الركعتان الأوليان، والوتر الركعة الثالثة.
وروى عمران بن الحصين أن النبي ﷺ قال: ﴿وَٱلشَّفْعِ وَٱلْوَتْرِ﴾ "هي الصلاة: منها شفع، ومنها وتر.
وروى قتادة أن الحسن كان يقول: الشفع والوتر هو العدد، [منه] شفع ومنه وتر. [وقيل: الشفع آدم ﷺ وحواء، والوتر: الله عز وجل، وتر كل شيء]. والفتح والكسر في الوتر لغتان: الفتح لغة أهل الحجاز، والكسر لغة بني تميم.
وقال الفراء: والكسر لغة قيس وأسد أيضاً. فأما الوتر الذي هو الترة، ففيه أيضاً لغتان: الفتح والكسر. أهل الحجاز يفتحون، وغيرهم يكسره.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَٱلَّيلِ إِذَا يَسْرِ﴾ أي: يسري أهله.
وقيل: معناه: والليل إذا سار وذهب. وهي ليلة جمع، ليلة المزدلفة.
قال ابن عباس: إذا يسري: إذا ذهب.
وقال أبو العالية: إذا سار.
وقال ابن زيد: إذا يسير. وقال عكرمة: إذا جمع.
* *
ثم قال تعالى: ﴿هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِّذِى حِجْرٍ﴾ أي: إن في هذا القسم لكفاية لذي عقل. عظم الله تعالى جل ذكره هذه الأزمنة التي أقسم بها، وهي عشر ذي الحجة ويوم عرفة ويوم النحر وليلة المزدلفة. وأعيد ذكر [يوم] عرفة، وقد دخل في العشر لشرفه. وقيل: أعيد لأنه أقسم أولاً بالليالي، وأعيد ذكر اليوم، لأنه لم يدخل في الليالي.
قال ابن عباس: ﴿لِّذِى حِجْرٍ﴾: لصاحب نُهىً وعقلٍ.
وقال الحسن: "لذي حلم".
قال قتادة: "لذي عقل ولب" وجواب القسم: ﴿هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ﴾.
[وقال مقاتل: "هل" هاهنا في موضع "إن"، وتقدير الكلام: "إن في ذلك قسماً. ذكره الماوردي. فعلى هذا التأويل، تكون "هل" جواب القسم. والله أعلم]. وقيل الجواب: إن ربك لبالمرصاد، وهو الصواب إن شاء الله، لأن "هل" ليست من أجوبة القسم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ * إِرَمَ ذَاتِ ٱلْعِمَادِ﴾. من صرف عاداً جعله للحي أو للأب. وقد قرأ الضحاك بغير صرف، جعله اسماً للقبيلة. وقرأ الحسن: "بعاد إرم" بإضافة "عاد" إلى "إرم"، ولم يصرف ﴿إِرَمَ﴾، جعل "إرم" اسم مدينة فلم يصرفها. قال محمد بن كعب القرظي: إرم: "الإسكندرية".
قال [المقبري]: إرم: دمشق، رواه عنه ابن وهب.
* *
وقوله: ﴿وَٱذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنذَرَ قَوْمَهُ بِٱلأَحْقَافِ﴾ [الأحقاف: ٢١]، يدل على خلاف هذين القولين، لأن الأحقاف جمع: حقف، والحقف ما التوى من الرمل، وليس كذلك دمشق ولا الإسكندرية، وإنما يجوز هذا التأويل على أن يكون [عاد] [هاهنا] غير عاد أصحاب الأحقاف.
وقال مجاهد: إرم: "أمة". وعنه أيضاً أن إرم معناه: "القديمة".
وقال قتادة: كنا نحدث أن إرم قبيلة من عاد، مملكة عاد. وهذا قول يصح معه ترك صرف "إرم".
وقال ابن إسحاق: إرم جد عاد، وإرم هو إرم بن عوص بن سام بن نوح. وليزم على هذا أن يصرف لأنه مذكر.
وعن ابن عباس أن معناه: بعاد الهالك، ويلزم صرفه على هذا، لأنه وصف. وقال بعض أهل النسب: إرم هو سام بن نوح، ويلزم صرفه أيضاً لأنه مذكر.
وقيل: إن ﴿إِرَمَ ذَاتِ ٱلْعِمَادِ﴾ كانت مدينة عظيمة موجودة في ذلك الوقت.
وقوله ﴿ذَاتِ ٱلْعِمَادِ﴾ نعت "لعاد" إن جعلته (اسما) للقبيلة أو لإرم فمعناه: ذات الطول لأن العرب تقول للرجل الطويل: معمد، وكانت قبيلة عاد طوال الأجسام.
[قال] ابن عباس: "كان طولهم مثل العماد".
[وقال] مجاهد: "كان لهم جسم في السماء".
وقيل: إنما قيل: ﴿ذَاتِ ٱلْعِمَادِ﴾، لأنهم كانوا أهل عمد ينتجعون الغيوث وينتقلون (إلى) الكلا حيث كان ويرجعون إلى منازلهم. هذا معنى قول مجاهد.
وقال ابن زيد: ﴿ذَاتِ ٱلْعِمَادِ﴾، قيل لهم ذلك لبناء بناه بعضهم فشيد عمده ورفع بناءه حين كانوا في الأحقاف، وهو قوله: ﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ﴾ [الشعراء: ١٢٨] الآية.
* *
وقوله: ﴿ٱلَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي ٱلْبِلاَدِ﴾ أي: مثل تلك الأعماد. وقيل: إنما وصفوا [بذلك] لشدة أبدانهم وقوتهم. والهاء في ﴿مِثْلُهَا﴾ تعود على عاد، لأنها قبيلة أو على إرم لأنها مدينة.
قال قتادة: ذكر أنهم كانوا اثني عشر ذراعاً، وهو قوله: ﴿وَزَادَكُمْ فِي ٱلْخَلْقِ بَصْطَةً﴾ [الأعراف: ٦٩].
الفجر 89:6
قوله تعالى: ﴿وَٱلْفَجْرِ * وَلَيالٍ عَشْرٍ * وَٱلشَّفْعِ﴾. إلى قوله: ﴿ٱلْبِلاَدِ﴾.
قال ابن عباس: الفجر "النهار". وعنه أن الفجر عنى به "صلاة الفجر".
وقال عكرمة: هو "فجر الصبح". وقيل: هو صبيحة يوم النحر. وهو قسم والتقدير فيه: ورب الفجر.
* *
وقوله: ﴿وَلَيالٍ عَشْرٍ﴾ أكثر المفسرين على أنها [العشر] الأولى من ذي الحجة.
وروى جابر أن النبي ﷺ قال: ﴿وَلَيالٍ عَشْرٍ﴾: عشر الأضحى.
وإنما جعلها عشر ليال، لأن ليلة يوم النحر دخلت فيها، لأن الله جعل ليلة يوم النحر ليوم عرفة فصار ليوم عرفة ليلتان رفقاً بعباده، فلذلك من لم يدرك الوقوف بعرفة يوم عرفة وقف ليلة يوم النحر وتم حجه، لأن ليلة يوم النحر ليلة (يوم عرفة أيضاً فصارت ليلة يوم النحر داخلة في حكم يوم) عرفة، يجزي فيها ما فات من الوقوف بعرفة يوم عرفة. ولا يجزئ الوقوف بعرفات - ليلة يوم عرفة - عن يوم عرفة، فصارت ليلة يوم النحر أخص بيوم عرفة من ليلة يوم عرفة (بيوم عرفة)، فاعرفه، فلذلك جعل ليالي العشر عشر ليال وأقسم بها.
وقال مجاهد: ليس عمل في ليالي السنة أفضل منه في ليالي العشر، وهي عشر موسى التي أتمها الله جل وعز له.
وعن ابن عباس أيضاً أنها العشر الأواخر من رمضان. وحكى الطبري أن بعضهم قال: [هي] العشر الأول من المحرم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَٱلشَّفْعِ وَٱلْوَتْرِ﴾.
قال ابن عباس: "الشفع: يوم النحر، والوتر: يوم عرفة". وقاله عكرمة.
وقال الضحاك: ﴿وَلَيالٍ عَشْرٍ * وَٱلشَّفْعِ وَٱلْوَتْرِ﴾، أقسم الله بهن لما يعلم من فضلهن على سائر الأيام: فالعشر ذي الحجة، والشفع يوم النحر، والوتر يوم عرفة.
وقال عبد الله بن الزبير: الشفع: اليومان اللذان بعد يوم النحر، والوتر: (اليوم) الثالث ، وهو يوم النفر الآخر، قال الله ﴿فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلاۤ إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ٢٠٣].
وعن ابن عباس أيضاً: أن الشفع الخلق كلهم، والوتر الله، هو وتر واحد وخلقه شفع. وقيل: الشفع صلاة الغداة، والوتر صلاة المغرب.
وهو قول مجاهد ومسروق.
وعن مجاهد [أيضاً] أن الشفع والوتر: الخلق كلهم منهم [شفع] ([و] منهم) وتر. وهو قول الحسن.
وقال ابن زيد: كان أبي يقول: كل شيء خلا الله عز وجل شفع ووتر، فأقسم - جل ذكره - بما خلق مما تبصرون وما لا تبصرون.
وقال قتادة عن عمران بن الحصين أنه كان يقول: الشفع والوتر: الصلاة منها شفع كالظهر والعصر، ومنها وتر كالمغرب.
وقال الربيع بن أنس: الشفع والوتر: صلاة المغرب، فالشفع منها الركعتان الأوليان، والوتر الركعة الثالثة.
وروى عمران بن الحصين أن النبي ﷺ قال: ﴿وَٱلشَّفْعِ وَٱلْوَتْرِ﴾ "هي الصلاة: منها شفع، ومنها وتر.
وروى قتادة أن الحسن كان يقول: الشفع والوتر هو العدد، [منه] شفع ومنه وتر. [وقيل: الشفع آدم ﷺ وحواء، والوتر: الله عز وجل، وتر كل شيء]. والفتح والكسر في الوتر لغتان: الفتح لغة أهل الحجاز، والكسر لغة بني تميم.
وقال الفراء: والكسر لغة قيس وأسد أيضاً. فأما الوتر الذي هو الترة، ففيه أيضاً لغتان: الفتح والكسر. أهل الحجاز يفتحون، وغيرهم يكسره.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَٱلَّيلِ إِذَا يَسْرِ﴾ أي: يسري أهله.
وقيل: معناه: والليل إذا سار وذهب. وهي ليلة جمع، ليلة المزدلفة.
قال ابن عباس: إذا يسري: إذا ذهب.
وقال أبو العالية: إذا سار.
وقال ابن زيد: إذا يسير. وقال عكرمة: إذا جمع.
* *
ثم قال تعالى: ﴿هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِّذِى حِجْرٍ﴾ أي: إن في هذا القسم لكفاية لذي عقل. عظم الله تعالى جل ذكره هذه الأزمنة التي أقسم بها، وهي عشر ذي الحجة ويوم عرفة ويوم النحر وليلة المزدلفة. وأعيد ذكر [يوم] عرفة، وقد دخل في العشر لشرفه. وقيل: أعيد لأنه أقسم أولاً بالليالي، وأعيد ذكر اليوم، لأنه لم يدخل في الليالي.
قال ابن عباس: ﴿لِّذِى حِجْرٍ﴾: لصاحب نُهىً وعقلٍ.
وقال الحسن: "لذي حلم".
قال قتادة: "لذي عقل ولب" وجواب القسم: ﴿هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ﴾.
[وقال مقاتل: "هل" هاهنا في موضع "إن"، وتقدير الكلام: "إن في ذلك قسماً. ذكره الماوردي. فعلى هذا التأويل، تكون "هل" جواب القسم. والله أعلم]. وقيل الجواب: إن ربك لبالمرصاد، وهو الصواب إن شاء الله، لأن "هل" ليست من أجوبة القسم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ * إِرَمَ ذَاتِ ٱلْعِمَادِ﴾. من صرف عاداً جعله للحي أو للأب. وقد قرأ الضحاك بغير صرف، جعله اسماً للقبيلة. وقرأ الحسن: "بعاد إرم" بإضافة "عاد" إلى "إرم"، ولم يصرف ﴿إِرَمَ﴾، جعل "إرم" اسم مدينة فلم يصرفها. قال محمد بن كعب القرظي: إرم: "الإسكندرية".
قال [المقبري]: إرم: دمشق، رواه عنه ابن وهب.
* *
وقوله: ﴿وَٱذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنذَرَ قَوْمَهُ بِٱلأَحْقَافِ﴾ [الأحقاف: ٢١]، يدل على خلاف هذين القولين، لأن الأحقاف جمع: حقف، والحقف ما التوى من الرمل، وليس كذلك دمشق ولا الإسكندرية، وإنما يجوز هذا التأويل على أن يكون [عاد] [هاهنا] غير عاد أصحاب الأحقاف.
وقال مجاهد: إرم: "أمة". وعنه أيضاً أن إرم معناه: "القديمة".
وقال قتادة: كنا نحدث أن إرم قبيلة من عاد، مملكة عاد. وهذا قول يصح معه ترك صرف "إرم".
وقال ابن إسحاق: إرم جد عاد، وإرم هو إرم بن عوص بن سام بن نوح. وليزم على هذا أن يصرف لأنه مذكر.
وعن ابن عباس أن معناه: بعاد الهالك، ويلزم صرفه على هذا، لأنه وصف. وقال بعض أهل النسب: إرم هو سام بن نوح، ويلزم صرفه أيضاً لأنه مذكر.
وقيل: إن ﴿إِرَمَ ذَاتِ ٱلْعِمَادِ﴾ كانت مدينة عظيمة موجودة في ذلك الوقت.
وقوله ﴿ذَاتِ ٱلْعِمَادِ﴾ نعت "لعاد" إن جعلته (اسما) للقبيلة أو لإرم فمعناه: ذات الطول لأن العرب تقول للرجل الطويل: معمد، وكانت قبيلة عاد طوال الأجسام.
[قال] ابن عباس: "كان طولهم مثل العماد".
[وقال] مجاهد: "كان لهم جسم في السماء".
وقيل: إنما قيل: ﴿ذَاتِ ٱلْعِمَادِ﴾، لأنهم كانوا أهل عمد ينتجعون الغيوث وينتقلون (إلى) الكلا حيث كان ويرجعون إلى منازلهم. هذا معنى قول مجاهد.
وقال ابن زيد: ﴿ذَاتِ ٱلْعِمَادِ﴾، قيل لهم ذلك لبناء بناه بعضهم فشيد عمده ورفع بناءه حين كانوا في الأحقاف، وهو قوله: ﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ﴾ [الشعراء: ١٢٨] الآية.
* *
وقوله: ﴿ٱلَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي ٱلْبِلاَدِ﴾ أي: مثل تلك الأعماد. وقيل: إنما وصفوا [بذلك] لشدة أبدانهم وقوتهم. والهاء في ﴿مِثْلُهَا﴾ تعود على عاد، لأنها قبيلة أو على إرم لأنها مدينة.
قال قتادة: ذكر أنهم كانوا اثني عشر ذراعاً، وهو قوله: ﴿وَزَادَكُمْ فِي ٱلْخَلْقِ بَصْطَةً﴾ [الأعراف: ٦٩].
الفجر 89:7
قوله تعالى: ﴿وَٱلْفَجْرِ * وَلَيالٍ عَشْرٍ * وَٱلشَّفْعِ﴾. إلى قوله: ﴿ٱلْبِلاَدِ﴾.
قال ابن عباس: الفجر "النهار". وعنه أن الفجر عنى به "صلاة الفجر".
وقال عكرمة: هو "فجر الصبح". وقيل: هو صبيحة يوم النحر. وهو قسم والتقدير فيه: ورب الفجر.
* *
وقوله: ﴿وَلَيالٍ عَشْرٍ﴾ أكثر المفسرين على أنها [العشر] الأولى من ذي الحجة.
وروى جابر أن النبي ﷺ قال: ﴿وَلَيالٍ عَشْرٍ﴾: عشر الأضحى.
وإنما جعلها عشر ليال، لأن ليلة يوم النحر دخلت فيها، لأن الله جعل ليلة يوم النحر ليوم عرفة فصار ليوم عرفة ليلتان رفقاً بعباده، فلذلك من لم يدرك الوقوف بعرفة يوم عرفة وقف ليلة يوم النحر وتم حجه، لأن ليلة يوم النحر ليلة (يوم عرفة أيضاً فصارت ليلة يوم النحر داخلة في حكم يوم) عرفة، يجزي فيها ما فات من الوقوف بعرفة يوم عرفة. ولا يجزئ الوقوف بعرفات - ليلة يوم عرفة - عن يوم عرفة، فصارت ليلة يوم النحر أخص بيوم عرفة من ليلة يوم عرفة (بيوم عرفة)، فاعرفه، فلذلك جعل ليالي العشر عشر ليال وأقسم بها.
وقال مجاهد: ليس عمل في ليالي السنة أفضل منه في ليالي العشر، وهي عشر موسى التي أتمها الله جل وعز له.
وعن ابن عباس أيضاً أنها العشر الأواخر من رمضان. وحكى الطبري أن بعضهم قال: [هي] العشر الأول من المحرم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَٱلشَّفْعِ وَٱلْوَتْرِ﴾.
قال ابن عباس: "الشفع: يوم النحر، والوتر: يوم عرفة". وقاله عكرمة.
وقال الضحاك: ﴿وَلَيالٍ عَشْرٍ * وَٱلشَّفْعِ وَٱلْوَتْرِ﴾، أقسم الله بهن لما يعلم من فضلهن على سائر الأيام: فالعشر ذي الحجة، والشفع يوم النحر، والوتر يوم عرفة.
وقال عبد الله بن الزبير: الشفع: اليومان اللذان بعد يوم النحر، والوتر: (اليوم) الثالث ، وهو يوم النفر الآخر، قال الله ﴿فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلاۤ إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ٢٠٣].
وعن ابن عباس أيضاً: أن الشفع الخلق كلهم، والوتر الله، هو وتر واحد وخلقه شفع. وقيل: الشفع صلاة الغداة، والوتر صلاة المغرب.
وهو قول مجاهد ومسروق.
وعن مجاهد [أيضاً] أن الشفع والوتر: الخلق كلهم منهم [شفع] ([و] منهم) وتر. وهو قول الحسن.
وقال ابن زيد: كان أبي يقول: كل شيء خلا الله عز وجل شفع ووتر، فأقسم - جل ذكره - بما خلق مما تبصرون وما لا تبصرون.
وقال قتادة عن عمران بن الحصين أنه كان يقول: الشفع والوتر: الصلاة منها شفع كالظهر والعصر، ومنها وتر كالمغرب.
وقال الربيع بن أنس: الشفع والوتر: صلاة المغرب، فالشفع منها الركعتان الأوليان، والوتر الركعة الثالثة.
وروى عمران بن الحصين أن النبي ﷺ قال: ﴿وَٱلشَّفْعِ وَٱلْوَتْرِ﴾ "هي الصلاة: منها شفع، ومنها وتر.
وروى قتادة أن الحسن كان يقول: الشفع والوتر هو العدد، [منه] شفع ومنه وتر. [وقيل: الشفع آدم ﷺ وحواء، والوتر: الله عز وجل، وتر كل شيء]. والفتح والكسر في الوتر لغتان: الفتح لغة أهل الحجاز، والكسر لغة بني تميم.
وقال الفراء: والكسر لغة قيس وأسد أيضاً. فأما الوتر الذي هو الترة، ففيه أيضاً لغتان: الفتح والكسر. أهل الحجاز يفتحون، وغيرهم يكسره.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَٱلَّيلِ إِذَا يَسْرِ﴾ أي: يسري أهله.
وقيل: معناه: والليل إذا سار وذهب. وهي ليلة جمع، ليلة المزدلفة.
قال ابن عباس: إذا يسري: إذا ذهب.
وقال أبو العالية: إذا سار.
وقال ابن زيد: إذا يسير. وقال عكرمة: إذا جمع.
* *
ثم قال تعالى: ﴿هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِّذِى حِجْرٍ﴾ أي: إن في هذا القسم لكفاية لذي عقل. عظم الله تعالى جل ذكره هذه الأزمنة التي أقسم بها، وهي عشر ذي الحجة ويوم عرفة ويوم النحر وليلة المزدلفة. وأعيد ذكر [يوم] عرفة، وقد دخل في العشر لشرفه. وقيل: أعيد لأنه أقسم أولاً بالليالي، وأعيد ذكر اليوم، لأنه لم يدخل في الليالي.
قال ابن عباس: ﴿لِّذِى حِجْرٍ﴾: لصاحب نُهىً وعقلٍ.
وقال الحسن: "لذي حلم".
قال قتادة: "لذي عقل ولب" وجواب القسم: ﴿هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ﴾.
[وقال مقاتل: "هل" هاهنا في موضع "إن"، وتقدير الكلام: "إن في ذلك قسماً. ذكره الماوردي. فعلى هذا التأويل، تكون "هل" جواب القسم. والله أعلم]. وقيل الجواب: إن ربك لبالمرصاد، وهو الصواب إن شاء الله، لأن "هل" ليست من أجوبة القسم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ * إِرَمَ ذَاتِ ٱلْعِمَادِ﴾. من صرف عاداً جعله للحي أو للأب. وقد قرأ الضحاك بغير صرف، جعله اسماً للقبيلة. وقرأ الحسن: "بعاد إرم" بإضافة "عاد" إلى "إرم"، ولم يصرف ﴿إِرَمَ﴾، جعل "إرم" اسم مدينة فلم يصرفها. قال محمد بن كعب القرظي: إرم: "الإسكندرية".
قال [المقبري]: إرم: دمشق، رواه عنه ابن وهب.
* *
وقوله: ﴿وَٱذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنذَرَ قَوْمَهُ بِٱلأَحْقَافِ﴾ [الأحقاف: ٢١]، يدل على خلاف هذين القولين، لأن الأحقاف جمع: حقف، والحقف ما التوى من الرمل، وليس كذلك دمشق ولا الإسكندرية، وإنما يجوز هذا التأويل على أن يكون [عاد] [هاهنا] غير عاد أصحاب الأحقاف.
وقال مجاهد: إرم: "أمة". وعنه أيضاً أن إرم معناه: "القديمة".
وقال قتادة: كنا نحدث أن إرم قبيلة من عاد، مملكة عاد. وهذا قول يصح معه ترك صرف "إرم".
وقال ابن إسحاق: إرم جد عاد، وإرم هو إرم بن عوص بن سام بن نوح. وليزم على هذا أن يصرف لأنه مذكر.
وعن ابن عباس أن معناه: بعاد الهالك، ويلزم صرفه على هذا، لأنه وصف. وقال بعض أهل النسب: إرم هو سام بن نوح، ويلزم صرفه أيضاً لأنه مذكر.
وقيل: إن ﴿إِرَمَ ذَاتِ ٱلْعِمَادِ﴾ كانت مدينة عظيمة موجودة في ذلك الوقت.
وقوله ﴿ذَاتِ ٱلْعِمَادِ﴾ نعت "لعاد" إن جعلته (اسما) للقبيلة أو لإرم فمعناه: ذات الطول لأن العرب تقول للرجل الطويل: معمد، وكانت قبيلة عاد طوال الأجسام.
[قال] ابن عباس: "كان طولهم مثل العماد".
[وقال] مجاهد: "كان لهم جسم في السماء".
وقيل: إنما قيل: ﴿ذَاتِ ٱلْعِمَادِ﴾، لأنهم كانوا أهل عمد ينتجعون الغيوث وينتقلون (إلى) الكلا حيث كان ويرجعون إلى منازلهم. هذا معنى قول مجاهد.
وقال ابن زيد: ﴿ذَاتِ ٱلْعِمَادِ﴾، قيل لهم ذلك لبناء بناه بعضهم فشيد عمده ورفع بناءه حين كانوا في الأحقاف، وهو قوله: ﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ﴾ [الشعراء: ١٢٨] الآية.
* *
وقوله: ﴿ٱلَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي ٱلْبِلاَدِ﴾ أي: مثل تلك الأعماد. وقيل: إنما وصفوا [بذلك] لشدة أبدانهم وقوتهم. والهاء في ﴿مِثْلُهَا﴾ تعود على عاد، لأنها قبيلة أو على إرم لأنها مدينة.
قال قتادة: ذكر أنهم كانوا اثني عشر ذراعاً، وهو قوله: ﴿وَزَادَكُمْ فِي ٱلْخَلْقِ بَصْطَةً﴾ [الأعراف: ٦٩].
الفجر 89:8
قوله تعالى: ﴿وَٱلْفَجْرِ * وَلَيالٍ عَشْرٍ * وَٱلشَّفْعِ﴾. إلى قوله: ﴿ٱلْبِلاَدِ﴾.
قال ابن عباس: الفجر "النهار". وعنه أن الفجر عنى به "صلاة الفجر".
وقال عكرمة: هو "فجر الصبح". وقيل: هو صبيحة يوم النحر. وهو قسم والتقدير فيه: ورب الفجر.
* *
وقوله: ﴿وَلَيالٍ عَشْرٍ﴾ أكثر المفسرين على أنها [العشر] الأولى من ذي الحجة.
وروى جابر أن النبي ﷺ قال: ﴿وَلَيالٍ عَشْرٍ﴾: عشر الأضحى.
وإنما جعلها عشر ليال، لأن ليلة يوم النحر دخلت فيها، لأن الله جعل ليلة يوم النحر ليوم عرفة فصار ليوم عرفة ليلتان رفقاً بعباده، فلذلك من لم يدرك الوقوف بعرفة يوم عرفة وقف ليلة يوم النحر وتم حجه، لأن ليلة يوم النحر ليلة (يوم عرفة أيضاً فصارت ليلة يوم النحر داخلة في حكم يوم) عرفة، يجزي فيها ما فات من الوقوف بعرفة يوم عرفة. ولا يجزئ الوقوف بعرفات - ليلة يوم عرفة - عن يوم عرفة، فصارت ليلة يوم النحر أخص بيوم عرفة من ليلة يوم عرفة (بيوم عرفة)، فاعرفه، فلذلك جعل ليالي العشر عشر ليال وأقسم بها.
وقال مجاهد: ليس عمل في ليالي السنة أفضل منه في ليالي العشر، وهي عشر موسى التي أتمها الله جل وعز له.
وعن ابن عباس أيضاً أنها العشر الأواخر من رمضان. وحكى الطبري أن بعضهم قال: [هي] العشر الأول من المحرم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَٱلشَّفْعِ وَٱلْوَتْرِ﴾.
قال ابن عباس: "الشفع: يوم النحر، والوتر: يوم عرفة". وقاله عكرمة.
وقال الضحاك: ﴿وَلَيالٍ عَشْرٍ * وَٱلشَّفْعِ وَٱلْوَتْرِ﴾، أقسم الله بهن لما يعلم من فضلهن على سائر الأيام: فالعشر ذي الحجة، والشفع يوم النحر، والوتر يوم عرفة.
وقال عبد الله بن الزبير: الشفع: اليومان اللذان بعد يوم النحر، والوتر: (اليوم) الثالث ، وهو يوم النفر الآخر، قال الله ﴿فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلاۤ إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ٢٠٣].
وعن ابن عباس أيضاً: أن الشفع الخلق كلهم، والوتر الله، هو وتر واحد وخلقه شفع. وقيل: الشفع صلاة الغداة، والوتر صلاة المغرب.
وهو قول مجاهد ومسروق.
وعن مجاهد [أيضاً] أن الشفع والوتر: الخلق كلهم منهم [شفع] ([و] منهم) وتر. وهو قول الحسن.
وقال ابن زيد: كان أبي يقول: كل شيء خلا الله عز وجل شفع ووتر، فأقسم - جل ذكره - بما خلق مما تبصرون وما لا تبصرون.
وقال قتادة عن عمران بن الحصين أنه كان يقول: الشفع والوتر: الصلاة منها شفع كالظهر والعصر، ومنها وتر كالمغرب.
وقال الربيع بن أنس: الشفع والوتر: صلاة المغرب، فالشفع منها الركعتان الأوليان، والوتر الركعة الثالثة.
وروى عمران بن الحصين أن النبي ﷺ قال: ﴿وَٱلشَّفْعِ وَٱلْوَتْرِ﴾ "هي الصلاة: منها شفع، ومنها وتر.
وروى قتادة أن الحسن كان يقول: الشفع والوتر هو العدد، [منه] شفع ومنه وتر. [وقيل: الشفع آدم ﷺ وحواء، والوتر: الله عز وجل، وتر كل شيء]. والفتح والكسر في الوتر لغتان: الفتح لغة أهل الحجاز، والكسر لغة بني تميم.
وقال الفراء: والكسر لغة قيس وأسد أيضاً. فأما الوتر الذي هو الترة، ففيه أيضاً لغتان: الفتح والكسر. أهل الحجاز يفتحون، وغيرهم يكسره.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَٱلَّيلِ إِذَا يَسْرِ﴾ أي: يسري أهله.
وقيل: معناه: والليل إذا سار وذهب. وهي ليلة جمع، ليلة المزدلفة.
قال ابن عباس: إذا يسري: إذا ذهب.
وقال أبو العالية: إذا سار.
وقال ابن زيد: إذا يسير. وقال عكرمة: إذا جمع.
* *
ثم قال تعالى: ﴿هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِّذِى حِجْرٍ﴾ أي: إن في هذا القسم لكفاية لذي عقل. عظم الله تعالى جل ذكره هذه الأزمنة التي أقسم بها، وهي عشر ذي الحجة ويوم عرفة ويوم النحر وليلة المزدلفة. وأعيد ذكر [يوم] عرفة، وقد دخل في العشر لشرفه. وقيل: أعيد لأنه أقسم أولاً بالليالي، وأعيد ذكر اليوم، لأنه لم يدخل في الليالي.
قال ابن عباس: ﴿لِّذِى حِجْرٍ﴾: لصاحب نُهىً وعقلٍ.
وقال الحسن: "لذي حلم".
قال قتادة: "لذي عقل ولب" وجواب القسم: ﴿هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ﴾.
[وقال مقاتل: "هل" هاهنا في موضع "إن"، وتقدير الكلام: "إن في ذلك قسماً. ذكره الماوردي. فعلى هذا التأويل، تكون "هل" جواب القسم. والله أعلم]. وقيل الجواب: إن ربك لبالمرصاد، وهو الصواب إن شاء الله، لأن "هل" ليست من أجوبة القسم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ * إِرَمَ ذَاتِ ٱلْعِمَادِ﴾. من صرف عاداً جعله للحي أو للأب. وقد قرأ الضحاك بغير صرف، جعله اسماً للقبيلة. وقرأ الحسن: "بعاد إرم" بإضافة "عاد" إلى "إرم"، ولم يصرف ﴿إِرَمَ﴾، جعل "إرم" اسم مدينة فلم يصرفها. قال محمد بن كعب القرظي: إرم: "الإسكندرية".
قال [المقبري]: إرم: دمشق، رواه عنه ابن وهب.
* *
وقوله: ﴿وَٱذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنذَرَ قَوْمَهُ بِٱلأَحْقَافِ﴾ [الأحقاف: ٢١]، يدل على خلاف هذين القولين، لأن الأحقاف جمع: حقف، والحقف ما التوى من الرمل، وليس كذلك دمشق ولا الإسكندرية، وإنما يجوز هذا التأويل على أن يكون [عاد] [هاهنا] غير عاد أصحاب الأحقاف.
وقال مجاهد: إرم: "أمة". وعنه أيضاً أن إرم معناه: "القديمة".
وقال قتادة: كنا نحدث أن إرم قبيلة من عاد، مملكة عاد. وهذا قول يصح معه ترك صرف "إرم".
وقال ابن إسحاق: إرم جد عاد، وإرم هو إرم بن عوص بن سام بن نوح. وليزم على هذا أن يصرف لأنه مذكر.
وعن ابن عباس أن معناه: بعاد الهالك، ويلزم صرفه على هذا، لأنه وصف. وقال بعض أهل النسب: إرم هو سام بن نوح، ويلزم صرفه أيضاً لأنه مذكر.
وقيل: إن ﴿إِرَمَ ذَاتِ ٱلْعِمَادِ﴾ كانت مدينة عظيمة موجودة في ذلك الوقت.
وقوله ﴿ذَاتِ ٱلْعِمَادِ﴾ نعت "لعاد" إن جعلته (اسما) للقبيلة أو لإرم فمعناه: ذات الطول لأن العرب تقول للرجل الطويل: معمد، وكانت قبيلة عاد طوال الأجسام.
[قال] ابن عباس: "كان طولهم مثل العماد".
[وقال] مجاهد: "كان لهم جسم في السماء".
وقيل: إنما قيل: ﴿ذَاتِ ٱلْعِمَادِ﴾، لأنهم كانوا أهل عمد ينتجعون الغيوث وينتقلون (إلى) الكلا حيث كان ويرجعون إلى منازلهم. هذا معنى قول مجاهد.
وقال ابن زيد: ﴿ذَاتِ ٱلْعِمَادِ﴾، قيل لهم ذلك لبناء بناه بعضهم فشيد عمده ورفع بناءه حين كانوا في الأحقاف، وهو قوله: ﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ﴾ [الشعراء: ١٢٨] الآية.
* *
وقوله: ﴿ٱلَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي ٱلْبِلاَدِ﴾ أي: مثل تلك الأعماد. وقيل: إنما وصفوا [بذلك] لشدة أبدانهم وقوتهم. والهاء في ﴿مِثْلُهَا﴾ تعود على عاد، لأنها قبيلة أو على إرم لأنها مدينة.
قال قتادة: ذكر أنهم كانوا اثني عشر ذراعاً، وهو قوله: ﴿وَزَادَكُمْ فِي ٱلْخَلْقِ بَصْطَةً﴾ [الأعراف: ٦٩].
الفجر 89:9
قوله تعالى: ﴿وَثَمُودَ ٱلَّذِينَ جَابُواْ ٱلصَّخْرَ بِٱلْوَادِ﴾ إلى آخر السورة.
أي: وألم تر - يا محمد - كيف فعل ربك بثمود - وهم قوم صالح - الذين نقبوا الصخر وخرقوه واتخذوه بيوتا؟! وهو قوله: ﴿وَكَانُواْ يَنْحِتُونَ مِنَ ٱلْجِبَالِ بُيُوتاً آمِنِينَ﴾ [الحجر: ٨٢].
والعرب تقول: "جاب فلان [الفلاة] يجوبها جوْباً" إذا دخلها وقطعها.
قال ابن عباس: ﴿جَابُواْ ٱلصَّخْرَ﴾، أي: خرقوها، يعني: قوم صالح كانوا ينحتون من الجبال (بيوتا).
قال مجاهد: "جابوا الجبال فجعلوها بيوتا".
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَفِرْعَوْنَ ذِى ٱلأَوْتَادِ﴾ أي: أو لم تر، يا محمد، فعل ربك بفرعون ذي الأوتاد؟!
قال ابن عباس: الأوتاد هنا "الجنود الذين يشدون له أمره".
وقيل: معناه ذي الجنود الكثيرة الذين يحتاجون [لضرب] الأوتاد في أسفارهم.
وقال مجاهد: وصف بذلك، لأنه كان [يتد أوتاد] الحديد في أيدي الناس وأرجلهم يقتلهم بها.
وقال قتادة: وصف بذلك، لأنه كانت [له مظال] وملاعب يلعب له تحتها من أوتاد [وحبال].
وروى ثابت البناني عن أبي رافع أن فرعون "وتد لامرأته (أربعة) أوتاد، ثم جعل على ظهرها رحى عظيمة حتى ماتت".
وقال ابن جبير: وصف بذلك: لأنه كان يعذب الناس بالأوتاد، قال: [فكان] يجعل رجلاً هاهنا ورجلاً هاهنا، ويداً هاهنا [ويدا] هاهنا بالأوتاد، وقاله مجاهد أيضاً.
وعن ابن جبير أيضاً أنه إنما وصف بذلك، لأنه كان له بنيان يعذب الناس عليه، قال: كان له منارات يعذب الناس عليها.
* *
وقوله: ﴿ٱلَّذِينَ طَغَوْاْ فِي ٱلْبِلاَدِ﴾ أي: تجاوزوا حدود الله عتوا على ربهم في البلاد التي كانوا بها فأكثروا في تلك البلاد الفساد بركوبهم المعاصي.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ﴾ أي: فأنزل بهم ربك (يا محمد) عذابه نقمة منه لهم لكفرهم، يعني جميع من تقدم ذكره من الكفرة. والعرب تقول لكل عذاب شديد عذب به المعذب: سوط خزي.
فقوله: ﴿سَوْطَ عَذَابٍ﴾، واقع على أنواع (من العذاب عذب الله بها هذه الأمم) المذكورة في الدنيا فأهلكهم بها. [وكذا حكى الماوردي: ﴿سَوْطَ عَذَابٍ﴾ أي: خلط عذاب لأنه أنواع].
قال مجاهد: ﴿سَوْطَ عَذَابٍ﴾ "ما عذبوا به". وهو قول ابن زيد (وغيره).
* *
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِٱلْمِرْصَادِ﴾ أي: إن ربك يا محمد لهؤلاء الذين قصصت عليك قصصهم ولغيرهم من أمثالهم لبالمرصاد يرصدهم على قناطر جهنم فيكردسهم فيها إذا وردوها يوم القيامة. وقيل: معناه: لا يفوته هارب.
وقال ابن عباس: ﴿لَبِٱلْمِرْصَادِ﴾ أي: "يسمع ويرى". وقال الضحاك: إذا كان يوم [القيامة] يأمر الله عز وجل بكرسيه فيوضع على النار فيستوي عليه ويقول: "وعزتي لا يجاوزني اليوم (ذو) مظلمة".
فذلك قوله جل ثناؤه: ﴿لَبِٱلْمِرْصَادِ﴾.
وقال سفيان: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِٱلْمِرْصَادِ﴾ يعني: جهنم عليها ثلاث [قناطر]: قنطرة فيها الرحم، وقنطرة فيها الأمانة، وقنطرة فيها الرب جل ثناؤه. قال [عمرو] بن قيس: بلغني أن على جهنم ثلاث [قناطر] فقنطرة عليها الأمانة إذا مروا بها تقول: (يا رب)، هذا (أمين، يا رب هذا خائن. وقنطرة عليها الرحم إذا مروا بها تقول: هذا) واصل، هذا قاطع. وقنطرة عليها الرب تعالى ذكره ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِٱلْمِرْصَادِ﴾.
وقال الحسن: ﴿لَبِٱلْمِرْصَادِ﴾ أي: "مرصاد عمل بني آدم". قال ابن مسعود: والفجر إن ربك لبالمرصاد.
يعني أنه جواب القسم.
ويروى أن على جسر جهنم (سبع) [قناطر] محابس، بين كل قنطرتين سبعون عاما، وعرض [الجسر] كحد السيف مدحضة مزلقة، في الرقة مثل الشعرة، فيسأل الناس [عند أول] قنطرة من الإيمان، فإن جاء به تاماً جاز إلى القنطرة الثانية، ثم يسأل عن [الصلوات] الخمس، فإن جاء بها [تامة] جاز إلى (القنطرة) الثالثة، ثم يسأل عن الزكاة، فإن جاء بها تامة جاز إلى الرابعة، ثم يسأل عن صيام رمضان فإن جاء به تاما جاز إلى الخامسة، ثم (يسأل) عن الحج، ثم (يسأل) عن صلة الرحم.
قال نافع (و) الرؤاسي: ﴿إِرَمَ﴾ وقف جيد. وهو بعيد لأن ﴿ذَاتِ ٱلْعِمَادِ﴾ نعت لما قبلها أو بدل منه. والوقف عند الأخفش وغيره ﴿أَهَانَنِ﴾. والاختيار الوقف على "كلا" وهو قول نصير وأحمد بن موسى . والمعنى: كلا، [لم أهنه بتقديري] عليه رزقه.
وقال الفراء: معناه: كلا، لم يكن ينبغي للإنسان أن يقول هذا، ولكن يجب عليه أن يحمد الله على الأمرين جميعا، على الغنى والفقر.
وقوله تعالى: ﴿فَأَمَّا ٱلإِنسَانُ إِذَا مَا ٱبْتَلاَهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّيۤ أَكْرَمَنِ﴾.
أي: فأما الإنسان إذا ما امتحنه ربه بالنعم والسعة فرح بذلك، وقال: ربي أكرمني بهذه الكرامة.
وأما إذا ما امتحنه فضيق عليه رزقه وقَتَّره عليه غَمَّه [وقال]: ربي أهانني وأذلني بالفقر، فلم يشكر الله على ما وهب له من سلامة جوارحه.
قال قتادة: ﴿فَيَقُولُ رَبِّيۤ أَهَانَنِ﴾ "ما أسرع ما كفر ابن آدم".
* *
وقوله: ﴿كَلاَّ﴾.
هو إنكار من الله أن يكون سبب كرامته من أكرم [كثرة] المال، وسبب إهانته من أهان قلة المال.
قال قتادة معناه: لا أكرم من أكرمت بكثرة المال ولا أهين من أهنت بقلته، ولكن إنما أكرم من أكرمت بتوفيقه إلى [طاعتي]، وأهين من أهنت بخذلانه وارتكاب لمعصيتي.
(ودل على ذلك قوله: ﴿بَل لاَّ تُكْرِمُونَ ٱلْيَتِيمَ * وَلاَ تَحَآضُّونَ عَلَىٰ طَعَامِ ٱلْمِسْكِينِ﴾ إلى ﴿جَمّاً﴾ أي: فبهدا أهين من أهنت، لأنه مرتكب لمعصيتي) مخذول ممنوع عن طاعتي.
وقيل: معناه: لم يكن الإنسان أن يحمد الله على النعم دون الفقر، ولكن ينبغي له أن يحمده على الأمرين جميعاً، على الغنى والفقر.
والوقف على ﴿أَهَانَنِ﴾ حسن، وتكون "كلا" في الابتداء بمعنى "حقاً"، أو بمعنى "ألا". وهو قول الأخفش وأحمد بن موسى.
وأجاز أبو حاتم الوقف على (أهنن) وعلى (كلا).
والوقف عند نصير والفراء على "كلا"، وهو الاختيار، لأنها عند أهل التفسير رد لما قبلها. (وقد) قال الحسن: "كلا" معناه: ليس يهان أحد بفقر ولا غنى. وقاله قتادة.
* *
وقوله: ﴿بَل لاَّ تُكْرِمُونَ ٱلْيَتِيمَ﴾ أي: بل إنما أهنت من أهنت، لأنه لا يكرم اليتيم ولا يحض الناس ولا نفسه على طعام المسكين.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَتَأْكُلُونَ ٱلتُّرَاثَ أَكْلاً لَّمّاً﴾ أي: وأهنتكم لأنكم تأكلون الميراث أكلاً شديداً.
﴿وَتُحِبُّونَ ٱلْمَالَ حُبّاً جَمّاً﴾ أي: كثيراً.
قال ابن عباس: ﴿أَكْلاً لَّمّاً﴾، أي: سفاً، وجماً: شديداً.
وقال الحسن: معنى ﴿لَّمّاً﴾، أي: يخلطون الحلال بالحرام.
وقال ابن زيد: ﴿وَتَأْكُلُونَ ٱلتُّرَاثَ أَكْلاً لَّمّاً﴾، أي: تأكلون كل شيء تجدونه من الميراث وغيره، لا تسألون عنه، يأكل الذي له والذي لصاحبه.
[قال]: كانوا لا [يورثون] النساء ولا [يورثون] الصغار، وقرأ ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي ٱلنِّسَآءِ قُلِ ٱللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ فِي ٱلْكِتَٰبِ فِي يَتَٰمَى ٱلنِّسَآءِ﴾ [النساء: ١٢٧]... إلى قوله ﴿عَلِيماً﴾ [النساء: ١٢٧].
فقوله: ﴿وَٱلْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ ٱلْوِلْدَٰنِ﴾ [النساء: ١٢٧]، يعني: يستضعفوهم [فلا يؤتونهم].
قال: وقوله: ﴿وَتُحِبُّونَ ٱلْمَالَ حُبّاً جَمّاً﴾,
أي: وتحبون جمع المال واقتناءه حبا كثيرا.
والعرب تقول: "جم الماء في الحوض": إذا اجتمع وكثر.
* *
ثم قال تعالى: ﴿كَلاَّ إِذَا دُكَّتِ ٱلأَرْضُ دَكّاً دَكّاً﴾.
الوقف على "كلا" حسن، ومعناه: ليس هكذا ينبغي أن يكون الأمر أن تأكلوا الميراث أكلا شديدا، وتحبوا جمع المال حباً كثيراً. ولا تكرمون اليتيم بالصدقة، ولا تحضون على طعام المسكين.
وقيل: المعنى: لا يغني عنكم جمع المال شيئاً.
وقوله تعالى: ﴿إِذَا دُكَّتِ ٱلأَرْضُ﴾، أي: رجت وزلزلت مرة بعد مرة.
قال ابن عباس: هو "تحريكها".
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَجَآءَ رَبُّكَ وَٱلْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً﴾ أي: والملائكة صفاً بعد صف.
وروى شهر بن حوشب عن ابن عباس أنه قال: إذا كان يوم القيامة، مدت الأرض مد الأديم، وزيد في سعتها كذا وكذا، وجمع الخلائق بصعيد واحد، جِنَّهم وإنسهم، فإذا كان [ذلك] اليوم قيضت السماء الدنيا عن أهلها على وجه الأرض، ولأهل هذه السماء وحدهم أكثر من أهل الأرض، جنهم وإنسهم بضعف، [فإذا مروا] على وجه الأرض فزعوا منهم، فيقولون: (أفيكم ربنا؟ فيفزعون من قولهم، فيقولون) سبحان ربنا، ليس فينا وهو آتٍ ثم تقاض السماء الثانية، فأهل السماء الثانية وحدهم أكثر من أهل سماء الدنيا ومن جميع أهل الأرض بضعف جنهم وإنسهم، فإذا مروا على وجه الأرض فزع إليهم أهل الأرض فيقولون: أفيكم ربنا؟ فيفزعون من كلامهم ويقولون: سبحان الله، ليس فينا، وهو آت ثم تقاض السماوات سماءً (سماءً)، كلما قيضت سماء عن أهلها كانت أكثر من أهل السماوات التي تحتها ومن جميع أهل الأرض بضعف، فإذا مروا على وجه الأرض فزع إليهم أهل الأرض فيقولون، لهم مثل ذلك، ويرجعون إليهم مثل ذلك، حتى [تقاض السماء] السابعة، فلأهل السماء السابعة أكثر من أهل ست سماوات ومن جميع أهل الأرض بضعف، فيجيء الله عز وجل فيهم وجميع الأمم جثيٌّ [صفوف]، وينادي مناد: ستعلمون اليوم من أصحاب الكرم، ليقم الحمادون لله على كل حال. قال: فيقومون فيسرحون إلى الجنة، ثم ينادي الثانية: ستعلمون اليوم من أصحاب الكرم، أين الذين كانت تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفاً وطمعاً ومما رزقناهم ينفقون؟ فيسرحون إلى الجنة، ثم ينادي الثالثة: ستعلمون اليوم من أصحاب الكرم، أين الذين كانوا لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة يخافون يوماً تتقلب فيه القلوب والأبصار؟ فيسرحون إلى الجنة، قال: فإذا أخذ من هؤلاء ثلاثة، عنق من النار فأشرف على الخلائق له عينان تبصران ولسان فصيح فيقول: إني وكلت منكم بثلاثة: بكل جبار عنيد، [فيلتقطهم] من الصفوف لقط الطير حب السمسم فيخنس بهم في جهنم، [ثم] [يخرج] ثانية [فيقول]: إني وكلت منكم بمن آذى الله ورسوله، [فيلتقطهم] [من الصفوف] لقط الطير حب السمسم [فيخنس] بهم في جهنم. قال شهر ابن حوشب: وأحسب أنه ذكر في الثالثة أهل التصاوير [فيلتقطهم] كذلك. قال: فإذا أخذ من هؤلاء ثلاثة، ومن هؤلاء ثلاثة، نشرت الصحف ووضعت الموازين ودعي الخلائق للحساب.
وقال الضحاك: إذا كان يوم القيامة، أمر الله جل ذكره السماء الدنيا بأهلها، فنزل من فيها من الملائكة فأحاطوا بالأرض ومن عليها، ثم الثانية، ثم الثالثة، كذلك إلى السابعة، فصفوا صفا دون صف، ثم ينزل الملك الأعلى، على مجنبته اليسرى جهنم، فإذا رآها أهل الأرض نادوا، فلا يأتون قطراً من أقطار الأرض إلا وجدوا سبعة صفوف من الملائكة، فيرجعون إلى المكان الذي كانوا فيه، فذلك قوله عز وجل: ﴿إِنِّيۤ أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ ٱلتَّنَادِ * يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ﴾ [غافر: ٣٢-٣٣].
وقرئ بتشديد الدال من ند البعير: إذا فر.
قال: ذلك قوله: ﴿وَجَآءَ رَبُّكَ وَٱلْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً * وَجِيۤءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ﴾. وقوله: ﴿يٰمَعْشَرَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنسِ إِنِ ٱسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُواْ..﴾ [الرحمن: ٣٣] الآية.
وهو قوله: ﴿وَٱنشَقَّتِ ٱلسَّمَآءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ * وَٱلْمَلَكُ عَلَىٰ أَرْجَآئِهَآ﴾ [الحاقة: ١٦-١٧].
روى أبو هريرة أن النبي ﷺ (قال): توقفون موقفاً واحداً يوم القيامة مقدار سبعين عاما لا ينظر إليكم ولا يقضى بينكم، فتبكون حتى ينقطع الدمع، ثم تدمعون دما وتبكون حتى يبلغ ذلك منكم [الأذقان] ويلجمكم وتضجون ثم تقولون: [من] يشفع لنا إلى ربنا فيقضي بيننا؟ فيقولون: من أحق بذلك من أبيكم آدم، قبل الله توبته وخلقه بيده ونفخ فيه من روحه وكلمه [قبلاً]، فيؤتى آدم، فيطلب ذلك إليه فيأبى، ثم الأنبياء - نبياً - نبياً - كلما جاؤوا نبياً أبى.
قال رسول الله ﷺ: حتى يأتونني فإذا جاءوني خرجت حتى أتي الفحص.
قال أبو هريرة رضي الله عنه: يا رسول الله، وما الفحص؟ قال قدام العرش، قال: فأخر ساجداً، قال: فلا أزال ساجداً حتى يبعث الله إلي ملكاً فيأخذ بعضدي فيرفعني، فيقول الله جل وعز [لي]: يا محمد، فأقول: نعم، وهو أعلم، فيقول: ما شأنك؟ فأقول: يا رب، وعدتني الشفاعة، فشفعني في خلقك واقض بينهم، فيقول تعالى: قد شفعتك، أنا آتيهم وأقضي بينهم.
قال رسول الله ﷺ: فأنصرف حتى أقف مع الناس، فبينما نحن وقوف، سمعنا حساً من السماء شديداً، فهالنا، فنزل أهل سماء الدنيا بمثلي من في الأرض من الإنس والجن، حتى إذا دنوا من الأرض، أشرقت الأرض لنورهم، وأخذوا [مصافهم] [فقلنا] (لهم): أفيكم ربنا؟ [فقالوا]: لا، وهو آت. ثم نزل أهل السماء الثانية بمثلي من نزل من الملائكة وبمثل من فيها من الجن والإنس، حتى إذا دنوا من الأرض، أشرقت الأرض لنورهم وأخذوا مصافهم، فقلنا لهم: أفيكم ربنا؟ فقالوا: لا، وهو آت، ثم ينزل أهل السماوات على قدر ذلك من التضعيف، حتى نزل الجبار في ظلل من الغمام والملائكة لهم زجل من تسبيحهم يقولون: سبحان الملك ذي الملكوت، سبحان رب العرش ذي الجبروت، سبحان الحي الذي لا يموت، سبحان الذي يميت الخلائق ولا يموت، سبوح قدوس رب الملائكة والروح، قدوس قدوس سبحان ربنا الأعلى سبحان ذي الجبروت والملكوت والكبرياء والسلطان والعظمة، سبحانه أبداً أبداً، فينزل تعالى جل ذكره يحمل عرشه يومئذ ثمانية، وهم اليوم أربعة أقدامهم على تخوم الأرض السفلى والسماوات إلى حجزهم والعرشُ إلى مناكبهم. قال: فيضع الله جل ذكره كرسيه حيث شاء من الأرض، ثم ينادي بنداء يسمع الخلائق فيقول: يا [معشر الجن] والإنس [إني] قد أنصت من يوم خلقتكم إلى يومكم هذا، أسمع كلامكم وأبصر أعمالكم، فأنصتوا إليَّ، فإنما هي صحفكم وأعمالكم تقرأ عليكم، فمن وجد خيراً فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا [يلم] إلا نفسه.
قال: ثم يأمر الله جل وعز جهنم فيخرج منها عنق ساطع [مظلم] يقول: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يٰبَنِيۤ ءَادَمَ أَن لاَّ تَعْبُدُواْ ٱلشَّيطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ * وَأَنِ ٱعْبُدُونِي هَـٰذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ﴾ إلى قوله: ﴿ٱلْمُجْرِمُونَ﴾ فيتميز الناس ويجثون، [وهي] التي يقول الله تعالى جل ذكره: ﴿وَتَرَىٰ كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أمَّةٍ تُدْعَىٰ إِلَىٰ كِتَابِهَا﴾ إلى ﴿تَعْمَلُونَ﴾.
قال: فيقضي الله جل ثناؤه بين خلقه الجن والإنس والبهائم، فإنه [ليقيدُ] يومئذ للجماء من ذات القرن، حتى إذا لم تبق تبعة عند واحدة لأخرى، قال الله تعالى: كوني تراباً. فعند ذلك يقول الكافر: يا ليتني كنت تراباً! [قال]: ثم يقضي الله جل ذكره بين الجن والإنس
ووقع [التكرير] في (دكاً دكاً) و (صفاً صفاً) على معنى: دكاً (بعد دكاً) [وصفاً] بعد صف.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَجِيۤءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ﴾.
قال ابن مسعود: "جيء بها تقاد بسبعين ألف زمام، مع كل زمام سبعون ألف ملك يقودنها وقاله ابن وائل.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَجِيۤءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ ٱلإِنسَانُ وَأَنَّىٰ لَهُ ٱلذِّكْرَىٰ﴾.
أي: يتذكر تفريطه في الدنيا في طاعة الله، ومن أي وجه له الذكرى في ذلك اليوم وقد حيل بينه وبين العمل.
* *
ثم قال تعالى: ﴿يَقُولُ يٰلَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي﴾.
أي: يتلهف ويتندم فيقول: يا ليتني قدمت في الدنيا عملاً صالحاً لحياتي هذه التي لا موت بعدها فينجيني ذلك العمل من عذاب الله تعالى وسخطه ويقربني من رضوانه وجنته.
فالمعنى: قدمت لآخرتي (التي) هي الحياة الدائمة، دليله قوله: ﴿وَإِنَّ ٱلدَّارَ ٱلآخِرَةَ لَهِيَ ٱلْحَيَوَانُ﴾ [العنكبوت: ٦٤] أي: لهي الحياة.
وقيل: المعنى قدمت لأحيا،، لأن أهل النار ليسوا بأحياء ولا أموات، بدلالة قوله: ﴿لاَ يَمُوتُ فِيهَا وَلاَ يَحْيَىٰ﴾ [طه: ٧٤].
قال قتادة: "هناكم والله الحياة الطويلة".
وقال مجاهد: "لحياتي": "للآخرة".
وقيل: الكلام بمعنى في والتقدير: يا ليتني قدمت (في حياتي، أي: قدمت العمل الصالح) في حياتي في الدنيا، مثل: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١]، أي: في عدتهن.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ﴾ ﴿وَلاَ يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ﴾.
من كسر الذال والثاء من ﴿يُعَذِّبُ﴾ و ﴿يُوثِقُ﴾ فمعناه: فلا يعذب - ذلك اليوم - أحد مثل عذاب الله لهم ولا يوثق أحد مثل وثاق الله لهم.
وقيل: (معناه: لا يعذب أحد في الدنيا كعذاب الله يومئذ ولا يوثق أحد في الدنيا كوثاقه يومئذ.
ومن فتح ذلك)، فمعناه: فلا يعذب أحد مثلما يعذب الكافر ولا يوثق مثلما يوثق.
وقال الحسن: قد علم الله أن في الدنيا عذاباً (و) وثاقاً، فقال: فيومئذ لا يعذبه عذابه أحد (في الدنيا) ولا يوثق وثاقه في الدنيا.
* *
ثم قال تعالى: ﴿يٰأَيَّتُهَا ٱلنَّفْسُ ٱلْمُطْمَئِنَّةُ * ٱرْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً﴾.
هذا خبر من الله - جل ذكره - عن قول الملائكة يوم القيامة لأولياء الله، والمعنى: تقول الملائكة لأولياء الله يوم القيامة، يا أيتها النفس التي اطمأنت إلى وعد الله [و] وعيده، فصدقت بذلك في الدنيا.
قال ابن عباس: المطمئنة: "المصدقة" (وقال قتادة: "هو المؤمن، اطمأنت نفسه إلى ما وعد الله"، وعنه:): المصدقة بما وعد الله.
وقال مجاهد: المطمئنة: الموقنة إن الله ربها، وعنه أيضاً.
المطمئنة التي أيقنت بلقاء ربها.
وفي قراءة أبي: "يا أيتها النفس الآمنة".
[قال الحسن: المطمئنة إذا أراد الله عز وجل قبضها اطمأنت إلى الله سبحانه واطمأن الله سبحانه إليها ورضيت من الله تعالى ورضي عنها فأمر بقبضها وإدخالها الجنة وجعله من عباده الصالحين]، وروي أن ذلك قول [الملائكة] للعبد المؤمن عند خروج نفسه [تبشره] برضاء ربه عنه وإعداد ما أعد له من الكرامة عنده.
قال أبو صالح: ﴿ٱرْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً﴾ هذا عند الموت ﴿فَٱدْخُلِي فِي عِبَادِي﴾ هذا يوم القيامة.
وقيل: إنه كله يوم القيامة. وإن [معنى] ﴿ٱرْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ﴾، أي: إلى صاحبك . وهو قول ابن عباس.
وقال الضحاك: "يأمر الله الأرواح يوم القيامة أن ترجع إلى الأجساد فيأتون الله كما خلقهم أول مرة" فهو على قوله أيضاً كله يوم القيامة، وهو اختيار الطبري.
قال عكرمة: ﴿إِلَىٰ رَبِّكِ﴾ إلى جسد صاحبك. [وقاله] ابن جبير.
فيكون أيضاً كله يوم القيامة وتكون المخاطبة للنفس ودل على ذلك قوله: ﴿وَٱدْخُلِي جَنَّتِي﴾ ودخول الجنة لا يكون إلا في القيامة.
وقال الضحاك: إن معنى [فادخلي في عبادي]، [أي: طاعتي]، ﴿وَٱدْخُلِي جَنَّتِي﴾ أي: رحمتي فالمخاطبة - على قوله هذا - للإنسان، لا للنفس في المعنى. وإليه يذهب الفراء، ومعناه عنده أن الملائكة تقول لهم إذا أعطوا كتبهم بإيمانهم هذا، (أي): ارجعي إلى ثواب ربك.
الفجر 89:10
قوله تعالى: ﴿وَثَمُودَ ٱلَّذِينَ جَابُواْ ٱلصَّخْرَ بِٱلْوَادِ﴾ إلى آخر السورة.
أي: وألم تر - يا محمد - كيف فعل ربك بثمود - وهم قوم صالح - الذين نقبوا الصخر وخرقوه واتخذوه بيوتا؟! وهو قوله: ﴿وَكَانُواْ يَنْحِتُونَ مِنَ ٱلْجِبَالِ بُيُوتاً آمِنِينَ﴾ [الحجر: ٨٢].
والعرب تقول: "جاب فلان [الفلاة] يجوبها جوْباً" إذا دخلها وقطعها.
قال ابن عباس: ﴿جَابُواْ ٱلصَّخْرَ﴾، أي: خرقوها، يعني: قوم صالح كانوا ينحتون من الجبال (بيوتا).
قال مجاهد: "جابوا الجبال فجعلوها بيوتا".
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَفِرْعَوْنَ ذِى ٱلأَوْتَادِ﴾ أي: أو لم تر، يا محمد، فعل ربك بفرعون ذي الأوتاد؟!
قال ابن عباس: الأوتاد هنا "الجنود الذين يشدون له أمره".
وقيل: معناه ذي الجنود الكثيرة الذين يحتاجون [لضرب] الأوتاد في أسفارهم.
وقال مجاهد: وصف بذلك، لأنه كان [يتد أوتاد] الحديد في أيدي الناس وأرجلهم يقتلهم بها.
وقال قتادة: وصف بذلك، لأنه كانت [له مظال] وملاعب يلعب له تحتها من أوتاد [وحبال].
وروى ثابت البناني عن أبي رافع أن فرعون "وتد لامرأته (أربعة) أوتاد، ثم جعل على ظهرها رحى عظيمة حتى ماتت".
وقال ابن جبير: وصف بذلك: لأنه كان يعذب الناس بالأوتاد، قال: [فكان] يجعل رجلاً هاهنا ورجلاً هاهنا، ويداً هاهنا [ويدا] هاهنا بالأوتاد، وقاله مجاهد أيضاً.
وعن ابن جبير أيضاً أنه إنما وصف بذلك، لأنه كان له بنيان يعذب الناس عليه، قال: كان له منارات يعذب الناس عليها.
* *
وقوله: ﴿ٱلَّذِينَ طَغَوْاْ فِي ٱلْبِلاَدِ﴾ أي: تجاوزوا حدود الله عتوا على ربهم في البلاد التي كانوا بها فأكثروا في تلك البلاد الفساد بركوبهم المعاصي.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ﴾ أي: فأنزل بهم ربك (يا محمد) عذابه نقمة منه لهم لكفرهم، يعني جميع من تقدم ذكره من الكفرة. والعرب تقول لكل عذاب شديد عذب به المعذب: سوط خزي.
فقوله: ﴿سَوْطَ عَذَابٍ﴾، واقع على أنواع (من العذاب عذب الله بها هذه الأمم) المذكورة في الدنيا فأهلكهم بها. [وكذا حكى الماوردي: ﴿سَوْطَ عَذَابٍ﴾ أي: خلط عذاب لأنه أنواع].
قال مجاهد: ﴿سَوْطَ عَذَابٍ﴾ "ما عذبوا به". وهو قول ابن زيد (وغيره).
* *
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِٱلْمِرْصَادِ﴾ أي: إن ربك يا محمد لهؤلاء الذين قصصت عليك قصصهم ولغيرهم من أمثالهم لبالمرصاد يرصدهم على قناطر جهنم فيكردسهم فيها إذا وردوها يوم القيامة. وقيل: معناه: لا يفوته هارب.
وقال ابن عباس: ﴿لَبِٱلْمِرْصَادِ﴾ أي: "يسمع ويرى". وقال الضحاك: إذا كان يوم [القيامة] يأمر الله عز وجل بكرسيه فيوضع على النار فيستوي عليه ويقول: "وعزتي لا يجاوزني اليوم (ذو) مظلمة".
فذلك قوله جل ثناؤه: ﴿لَبِٱلْمِرْصَادِ﴾.
وقال سفيان: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِٱلْمِرْصَادِ﴾ يعني: جهنم عليها ثلاث [قناطر]: قنطرة فيها الرحم، وقنطرة فيها الأمانة، وقنطرة فيها الرب جل ثناؤه. قال [عمرو] بن قيس: بلغني أن على جهنم ثلاث [قناطر] فقنطرة عليها الأمانة إذا مروا بها تقول: (يا رب)، هذا (أمين، يا رب هذا خائن. وقنطرة عليها الرحم إذا مروا بها تقول: هذا) واصل، هذا قاطع. وقنطرة عليها الرب تعالى ذكره ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِٱلْمِرْصَادِ﴾.
وقال الحسن: ﴿لَبِٱلْمِرْصَادِ﴾ أي: "مرصاد عمل بني آدم". قال ابن مسعود: والفجر إن ربك لبالمرصاد.
يعني أنه جواب القسم.
ويروى أن على جسر جهنم (سبع) [قناطر] محابس، بين كل قنطرتين سبعون عاما، وعرض [الجسر] كحد السيف مدحضة مزلقة، في الرقة مثل الشعرة، فيسأل الناس [عند أول] قنطرة من الإيمان، فإن جاء به تاماً جاز إلى القنطرة الثانية، ثم يسأل عن [الصلوات] الخمس، فإن جاء بها [تامة] جاز إلى (القنطرة) الثالثة، ثم يسأل عن الزكاة، فإن جاء بها تامة جاز إلى الرابعة، ثم يسأل عن صيام رمضان فإن جاء به تاما جاز إلى الخامسة، ثم (يسأل) عن الحج، ثم (يسأل) عن صلة الرحم.
قال نافع (و) الرؤاسي: ﴿إِرَمَ﴾ وقف جيد. وهو بعيد لأن ﴿ذَاتِ ٱلْعِمَادِ﴾ نعت لما قبلها أو بدل منه. والوقف عند الأخفش وغيره ﴿أَهَانَنِ﴾. والاختيار الوقف على "كلا" وهو قول نصير وأحمد بن موسى . والمعنى: كلا، [لم أهنه بتقديري] عليه رزقه.
وقال الفراء: معناه: كلا، لم يكن ينبغي للإنسان أن يقول هذا، ولكن يجب عليه أن يحمد الله على الأمرين جميعا، على الغنى والفقر.
وقوله تعالى: ﴿فَأَمَّا ٱلإِنسَانُ إِذَا مَا ٱبْتَلاَهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّيۤ أَكْرَمَنِ﴾.
أي: فأما الإنسان إذا ما امتحنه ربه بالنعم والسعة فرح بذلك، وقال: ربي أكرمني بهذه الكرامة.
وأما إذا ما امتحنه فضيق عليه رزقه وقَتَّره عليه غَمَّه [وقال]: ربي أهانني وأذلني بالفقر، فلم يشكر الله على ما وهب له من سلامة جوارحه.
قال قتادة: ﴿فَيَقُولُ رَبِّيۤ أَهَانَنِ﴾ "ما أسرع ما كفر ابن آدم".
* *
وقوله: ﴿كَلاَّ﴾.
هو إنكار من الله أن يكون سبب كرامته من أكرم [كثرة] المال، وسبب إهانته من أهان قلة المال.
قال قتادة معناه: لا أكرم من أكرمت بكثرة المال ولا أهين من أهنت بقلته، ولكن إنما أكرم من أكرمت بتوفيقه إلى [طاعتي]، وأهين من أهنت بخذلانه وارتكاب لمعصيتي.
(ودل على ذلك قوله: ﴿بَل لاَّ تُكْرِمُونَ ٱلْيَتِيمَ * وَلاَ تَحَآضُّونَ عَلَىٰ طَعَامِ ٱلْمِسْكِينِ﴾ إلى ﴿جَمّاً﴾ أي: فبهدا أهين من أهنت، لأنه مرتكب لمعصيتي) مخذول ممنوع عن طاعتي.
وقيل: معناه: لم يكن الإنسان أن يحمد الله على النعم دون الفقر، ولكن ينبغي له أن يحمده على الأمرين جميعاً، على الغنى والفقر.
والوقف على ﴿أَهَانَنِ﴾ حسن، وتكون "كلا" في الابتداء بمعنى "حقاً"، أو بمعنى "ألا". وهو قول الأخفش وأحمد بن موسى.
وأجاز أبو حاتم الوقف على (أهنن) وعلى (كلا).
والوقف عند نصير والفراء على "كلا"، وهو الاختيار، لأنها عند أهل التفسير رد لما قبلها. (وقد) قال الحسن: "كلا" معناه: ليس يهان أحد بفقر ولا غنى. وقاله قتادة.
* *
وقوله: ﴿بَل لاَّ تُكْرِمُونَ ٱلْيَتِيمَ﴾ أي: بل إنما أهنت من أهنت، لأنه لا يكرم اليتيم ولا يحض الناس ولا نفسه على طعام المسكين.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَتَأْكُلُونَ ٱلتُّرَاثَ أَكْلاً لَّمّاً﴾ أي: وأهنتكم لأنكم تأكلون الميراث أكلاً شديداً.
﴿وَتُحِبُّونَ ٱلْمَالَ حُبّاً جَمّاً﴾ أي: كثيراً.
قال ابن عباس: ﴿أَكْلاً لَّمّاً﴾، أي: سفاً، وجماً: شديداً.
وقال الحسن: معنى ﴿لَّمّاً﴾، أي: يخلطون الحلال بالحرام.
وقال ابن زيد: ﴿وَتَأْكُلُونَ ٱلتُّرَاثَ أَكْلاً لَّمّاً﴾، أي: تأكلون كل شيء تجدونه من الميراث وغيره، لا تسألون عنه، يأكل الذي له والذي لصاحبه.
[قال]: كانوا لا [يورثون] النساء ولا [يورثون] الصغار، وقرأ ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي ٱلنِّسَآءِ قُلِ ٱللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ فِي ٱلْكِتَٰبِ فِي يَتَٰمَى ٱلنِّسَآءِ﴾ [النساء: ١٢٧]... إلى قوله ﴿عَلِيماً﴾ [النساء: ١٢٧].
فقوله: ﴿وَٱلْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ ٱلْوِلْدَٰنِ﴾ [النساء: ١٢٧]، يعني: يستضعفوهم [فلا يؤتونهم].
قال: وقوله: ﴿وَتُحِبُّونَ ٱلْمَالَ حُبّاً جَمّاً﴾,
أي: وتحبون جمع المال واقتناءه حبا كثيرا.
والعرب تقول: "جم الماء في الحوض": إذا اجتمع وكثر.
* *
ثم قال تعالى: ﴿كَلاَّ إِذَا دُكَّتِ ٱلأَرْضُ دَكّاً دَكّاً﴾.
الوقف على "كلا" حسن، ومعناه: ليس هكذا ينبغي أن يكون الأمر أن تأكلوا الميراث أكلا شديدا، وتحبوا جمع المال حباً كثيراً. ولا تكرمون اليتيم بالصدقة، ولا تحضون على طعام المسكين.
وقيل: المعنى: لا يغني عنكم جمع المال شيئاً.
وقوله تعالى: ﴿إِذَا دُكَّتِ ٱلأَرْضُ﴾، أي: رجت وزلزلت مرة بعد مرة.
قال ابن عباس: هو "تحريكها".
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَجَآءَ رَبُّكَ وَٱلْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً﴾ أي: والملائكة صفاً بعد صف.
وروى شهر بن حوشب عن ابن عباس أنه قال: إذا كان يوم القيامة، مدت الأرض مد الأديم، وزيد في سعتها كذا وكذا، وجمع الخلائق بصعيد واحد، جِنَّهم وإنسهم، فإذا كان [ذلك] اليوم قيضت السماء الدنيا عن أهلها على وجه الأرض، ولأهل هذه السماء وحدهم أكثر من أهل الأرض، جنهم وإنسهم بضعف، [فإذا مروا] على وجه الأرض فزعوا منهم، فيقولون: (أفيكم ربنا؟ فيفزعون من قولهم، فيقولون) سبحان ربنا، ليس فينا وهو آتٍ ثم تقاض السماء الثانية، فأهل السماء الثانية وحدهم أكثر من أهل سماء الدنيا ومن جميع أهل الأرض بضعف جنهم وإنسهم، فإذا مروا على وجه الأرض فزع إليهم أهل الأرض فيقولون: أفيكم ربنا؟ فيفزعون من كلامهم ويقولون: سبحان الله، ليس فينا، وهو آت ثم تقاض السماوات سماءً (سماءً)، كلما قيضت سماء عن أهلها كانت أكثر من أهل السماوات التي تحتها ومن جميع أهل الأرض بضعف، فإذا مروا على وجه الأرض فزع إليهم أهل الأرض فيقولون، لهم مثل ذلك، ويرجعون إليهم مثل ذلك، حتى [تقاض السماء] السابعة، فلأهل السماء السابعة أكثر من أهل ست سماوات ومن جميع أهل الأرض بضعف، فيجيء الله عز وجل فيهم وجميع الأمم جثيٌّ [صفوف]، وينادي مناد: ستعلمون اليوم من أصحاب الكرم، ليقم الحمادون لله على كل حال. قال: فيقومون فيسرحون إلى الجنة، ثم ينادي الثانية: ستعلمون اليوم من أصحاب الكرم، أين الذين كانت تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفاً وطمعاً ومما رزقناهم ينفقون؟ فيسرحون إلى الجنة، ثم ينادي الثالثة: ستعلمون اليوم من أصحاب الكرم، أين الذين كانوا لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة يخافون يوماً تتقلب فيه القلوب والأبصار؟ فيسرحون إلى الجنة، قال: فإذا أخذ من هؤلاء ثلاثة، عنق من النار فأشرف على الخلائق له عينان تبصران ولسان فصيح فيقول: إني وكلت منكم بثلاثة: بكل جبار عنيد، [فيلتقطهم] من الصفوف لقط الطير حب السمسم فيخنس بهم في جهنم، [ثم] [يخرج] ثانية [فيقول]: إني وكلت منكم بمن آذى الله ورسوله، [فيلتقطهم] [من الصفوف] لقط الطير حب السمسم [فيخنس] بهم في جهنم. قال شهر ابن حوشب: وأحسب أنه ذكر في الثالثة أهل التصاوير [فيلتقطهم] كذلك. قال: فإذا أخذ من هؤلاء ثلاثة، ومن هؤلاء ثلاثة، نشرت الصحف ووضعت الموازين ودعي الخلائق للحساب.
وقال الضحاك: إذا كان يوم القيامة، أمر الله جل ذكره السماء الدنيا بأهلها، فنزل من فيها من الملائكة فأحاطوا بالأرض ومن عليها، ثم الثانية، ثم الثالثة، كذلك إلى السابعة، فصفوا صفا دون صف، ثم ينزل الملك الأعلى، على مجنبته اليسرى جهنم، فإذا رآها أهل الأرض نادوا، فلا يأتون قطراً من أقطار الأرض إلا وجدوا سبعة صفوف من الملائكة، فيرجعون إلى المكان الذي كانوا فيه، فذلك قوله عز وجل: ﴿إِنِّيۤ أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ ٱلتَّنَادِ * يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ﴾ [غافر: ٣٢-٣٣].
وقرئ بتشديد الدال من ند البعير: إذا فر.
قال: ذلك قوله: ﴿وَجَآءَ رَبُّكَ وَٱلْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً * وَجِيۤءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ﴾. وقوله: ﴿يٰمَعْشَرَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنسِ إِنِ ٱسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُواْ..﴾ [الرحمن: ٣٣] الآية.
وهو قوله: ﴿وَٱنشَقَّتِ ٱلسَّمَآءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ * وَٱلْمَلَكُ عَلَىٰ أَرْجَآئِهَآ﴾ [الحاقة: ١٦-١٧].
روى أبو هريرة أن النبي ﷺ (قال): توقفون موقفاً واحداً يوم القيامة مقدار سبعين عاما لا ينظر إليكم ولا يقضى بينكم، فتبكون حتى ينقطع الدمع، ثم تدمعون دما وتبكون حتى يبلغ ذلك منكم [الأذقان] ويلجمكم وتضجون ثم تقولون: [من] يشفع لنا إلى ربنا فيقضي بيننا؟ فيقولون: من أحق بذلك من أبيكم آدم، قبل الله توبته وخلقه بيده ونفخ فيه من روحه وكلمه [قبلاً]، فيؤتى آدم، فيطلب ذلك إليه فيأبى، ثم الأنبياء - نبياً - نبياً - كلما جاؤوا نبياً أبى.
قال رسول الله ﷺ: حتى يأتونني فإذا جاءوني خرجت حتى أتي الفحص.
قال أبو هريرة رضي الله عنه: يا رسول الله، وما الفحص؟ قال قدام العرش، قال: فأخر ساجداً، قال: فلا أزال ساجداً حتى يبعث الله إلي ملكاً فيأخذ بعضدي فيرفعني، فيقول الله جل وعز [لي]: يا محمد، فأقول: نعم، وهو أعلم، فيقول: ما شأنك؟ فأقول: يا رب، وعدتني الشفاعة، فشفعني في خلقك واقض بينهم، فيقول تعالى: قد شفعتك، أنا آتيهم وأقضي بينهم.
قال رسول الله ﷺ: فأنصرف حتى أقف مع الناس، فبينما نحن وقوف، سمعنا حساً من السماء شديداً، فهالنا، فنزل أهل سماء الدنيا بمثلي من في الأرض من الإنس والجن، حتى إذا دنوا من الأرض، أشرقت الأرض لنورهم، وأخذوا [مصافهم] [فقلنا] (لهم): أفيكم ربنا؟ [فقالوا]: لا، وهو آت. ثم نزل أهل السماء الثانية بمثلي من نزل من الملائكة وبمثل من فيها من الجن والإنس، حتى إذا دنوا من الأرض، أشرقت الأرض لنورهم وأخذوا مصافهم، فقلنا لهم: أفيكم ربنا؟ فقالوا: لا، وهو آت، ثم ينزل أهل السماوات على قدر ذلك من التضعيف، حتى نزل الجبار في ظلل من الغمام والملائكة لهم زجل من تسبيحهم يقولون: سبحان الملك ذي الملكوت، سبحان رب العرش ذي الجبروت، سبحان الحي الذي لا يموت، سبحان الذي يميت الخلائق ولا يموت، سبوح قدوس رب الملائكة والروح، قدوس قدوس سبحان ربنا الأعلى سبحان ذي الجبروت والملكوت والكبرياء والسلطان والعظمة، سبحانه أبداً أبداً، فينزل تعالى جل ذكره يحمل عرشه يومئذ ثمانية، وهم اليوم أربعة أقدامهم على تخوم الأرض السفلى والسماوات إلى حجزهم والعرشُ إلى مناكبهم. قال: فيضع الله جل ذكره كرسيه حيث شاء من الأرض، ثم ينادي بنداء يسمع الخلائق فيقول: يا [معشر الجن] والإنس [إني] قد أنصت من يوم خلقتكم إلى يومكم هذا، أسمع كلامكم وأبصر أعمالكم، فأنصتوا إليَّ، فإنما هي صحفكم وأعمالكم تقرأ عليكم، فمن وجد خيراً فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا [يلم] إلا نفسه.
قال: ثم يأمر الله جل وعز جهنم فيخرج منها عنق ساطع [مظلم] يقول: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يٰبَنِيۤ ءَادَمَ أَن لاَّ تَعْبُدُواْ ٱلشَّيطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ * وَأَنِ ٱعْبُدُونِي هَـٰذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ﴾ إلى قوله: ﴿ٱلْمُجْرِمُونَ﴾ فيتميز الناس ويجثون، [وهي] التي يقول الله تعالى جل ذكره: ﴿وَتَرَىٰ كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أمَّةٍ تُدْعَىٰ إِلَىٰ كِتَابِهَا﴾ إلى ﴿تَعْمَلُونَ﴾.
قال: فيقضي الله جل ثناؤه بين خلقه الجن والإنس والبهائم، فإنه [ليقيدُ] يومئذ للجماء من ذات القرن، حتى إذا لم تبق تبعة عند واحدة لأخرى، قال الله تعالى: كوني تراباً. فعند ذلك يقول الكافر: يا ليتني كنت تراباً! [قال]: ثم يقضي الله جل ذكره بين الجن والإنس
ووقع [التكرير] في (دكاً دكاً) و (صفاً صفاً) على معنى: دكاً (بعد دكاً) [وصفاً] بعد صف.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَجِيۤءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ﴾.
قال ابن مسعود: "جيء بها تقاد بسبعين ألف زمام، مع كل زمام سبعون ألف ملك يقودنها وقاله ابن وائل.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَجِيۤءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ ٱلإِنسَانُ وَأَنَّىٰ لَهُ ٱلذِّكْرَىٰ﴾.
أي: يتذكر تفريطه في الدنيا في طاعة الله، ومن أي وجه له الذكرى في ذلك اليوم وقد حيل بينه وبين العمل.
* *
ثم قال تعالى: ﴿يَقُولُ يٰلَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي﴾.
أي: يتلهف ويتندم فيقول: يا ليتني قدمت في الدنيا عملاً صالحاً لحياتي هذه التي لا موت بعدها فينجيني ذلك العمل من عذاب الله تعالى وسخطه ويقربني من رضوانه وجنته.
فالمعنى: قدمت لآخرتي (التي) هي الحياة الدائمة، دليله قوله: ﴿وَإِنَّ ٱلدَّارَ ٱلآخِرَةَ لَهِيَ ٱلْحَيَوَانُ﴾ [العنكبوت: ٦٤] أي: لهي الحياة.
وقيل: المعنى قدمت لأحيا،، لأن أهل النار ليسوا بأحياء ولا أموات، بدلالة قوله: ﴿لاَ يَمُوتُ فِيهَا وَلاَ يَحْيَىٰ﴾ [طه: ٧٤].
قال قتادة: "هناكم والله الحياة الطويلة".
وقال مجاهد: "لحياتي": "للآخرة".
وقيل: الكلام بمعنى في والتقدير: يا ليتني قدمت (في حياتي، أي: قدمت العمل الصالح) في حياتي في الدنيا، مثل: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١]، أي: في عدتهن.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ﴾ ﴿وَلاَ يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ﴾.
من كسر الذال والثاء من ﴿يُعَذِّبُ﴾ و ﴿يُوثِقُ﴾ فمعناه: فلا يعذب - ذلك اليوم - أحد مثل عذاب الله لهم ولا يوثق أحد مثل وثاق الله لهم.
وقيل: (معناه: لا يعذب أحد في الدنيا كعذاب الله يومئذ ولا يوثق أحد في الدنيا كوثاقه يومئذ.
ومن فتح ذلك)، فمعناه: فلا يعذب أحد مثلما يعذب الكافر ولا يوثق مثلما يوثق.
وقال الحسن: قد علم الله أن في الدنيا عذاباً (و) وثاقاً، فقال: فيومئذ لا يعذبه عذابه أحد (في الدنيا) ولا يوثق وثاقه في الدنيا.
* *
ثم قال تعالى: ﴿يٰأَيَّتُهَا ٱلنَّفْسُ ٱلْمُطْمَئِنَّةُ * ٱرْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً﴾.
هذا خبر من الله - جل ذكره - عن قول الملائكة يوم القيامة لأولياء الله، والمعنى: تقول الملائكة لأولياء الله يوم القيامة، يا أيتها النفس التي اطمأنت إلى وعد الله [و] وعيده، فصدقت بذلك في الدنيا.
قال ابن عباس: المطمئنة: "المصدقة" (وقال قتادة: "هو المؤمن، اطمأنت نفسه إلى ما وعد الله"، وعنه:): المصدقة بما وعد الله.
وقال مجاهد: المطمئنة: الموقنة إن الله ربها، وعنه أيضاً.
المطمئنة التي أيقنت بلقاء ربها.
وفي قراءة أبي: "يا أيتها النفس الآمنة".
[قال الحسن: المطمئنة إذا أراد الله عز وجل قبضها اطمأنت إلى الله سبحانه واطمأن الله سبحانه إليها ورضيت من الله تعالى ورضي عنها فأمر بقبضها وإدخالها الجنة وجعله من عباده الصالحين]، وروي أن ذلك قول [الملائكة] للعبد المؤمن عند خروج نفسه [تبشره] برضاء ربه عنه وإعداد ما أعد له من الكرامة عنده.
قال أبو صالح: ﴿ٱرْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً﴾ هذا عند الموت ﴿فَٱدْخُلِي فِي عِبَادِي﴾ هذا يوم القيامة.
وقيل: إنه كله يوم القيامة. وإن [معنى] ﴿ٱرْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ﴾، أي: إلى صاحبك . وهو قول ابن عباس.
وقال الضحاك: "يأمر الله الأرواح يوم القيامة أن ترجع إلى الأجساد فيأتون الله كما خلقهم أول مرة" فهو على قوله أيضاً كله يوم القيامة، وهو اختيار الطبري.
قال عكرمة: ﴿إِلَىٰ رَبِّكِ﴾ إلى جسد صاحبك. [وقاله] ابن جبير.
فيكون أيضاً كله يوم القيامة وتكون المخاطبة للنفس ودل على ذلك قوله: ﴿وَٱدْخُلِي جَنَّتِي﴾ ودخول الجنة لا يكون إلا في القيامة.
وقال الضحاك: إن معنى [فادخلي في عبادي]، [أي: طاعتي]، ﴿وَٱدْخُلِي جَنَّتِي﴾ أي: رحمتي فالمخاطبة - على قوله هذا - للإنسان، لا للنفس في المعنى. وإليه يذهب الفراء، ومعناه عنده أن الملائكة تقول لهم إذا أعطوا كتبهم بإيمانهم هذا، (أي): ارجعي إلى ثواب ربك.
الفجر 89:11
قوله تعالى: ﴿وَثَمُودَ ٱلَّذِينَ جَابُواْ ٱلصَّخْرَ بِٱلْوَادِ﴾ إلى آخر السورة.
أي: وألم تر - يا محمد - كيف فعل ربك بثمود - وهم قوم صالح - الذين نقبوا الصخر وخرقوه واتخذوه بيوتا؟! وهو قوله: ﴿وَكَانُواْ يَنْحِتُونَ مِنَ ٱلْجِبَالِ بُيُوتاً آمِنِينَ﴾ [الحجر: ٨٢].
والعرب تقول: "جاب فلان [الفلاة] يجوبها جوْباً" إذا دخلها وقطعها.
قال ابن عباس: ﴿جَابُواْ ٱلصَّخْرَ﴾، أي: خرقوها، يعني: قوم صالح كانوا ينحتون من الجبال (بيوتا).
قال مجاهد: "جابوا الجبال فجعلوها بيوتا".
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَفِرْعَوْنَ ذِى ٱلأَوْتَادِ﴾ أي: أو لم تر، يا محمد، فعل ربك بفرعون ذي الأوتاد؟!
قال ابن عباس: الأوتاد هنا "الجنود الذين يشدون له أمره".
وقيل: معناه ذي الجنود الكثيرة الذين يحتاجون [لضرب] الأوتاد في أسفارهم.
وقال مجاهد: وصف بذلك، لأنه كان [يتد أوتاد] الحديد في أيدي الناس وأرجلهم يقتلهم بها.
وقال قتادة: وصف بذلك، لأنه كانت [له مظال] وملاعب يلعب له تحتها من أوتاد [وحبال].
وروى ثابت البناني عن أبي رافع أن فرعون "وتد لامرأته (أربعة) أوتاد، ثم جعل على ظهرها رحى عظيمة حتى ماتت".
وقال ابن جبير: وصف بذلك: لأنه كان يعذب الناس بالأوتاد، قال: [فكان] يجعل رجلاً هاهنا ورجلاً هاهنا، ويداً هاهنا [ويدا] هاهنا بالأوتاد، وقاله مجاهد أيضاً.
وعن ابن جبير أيضاً أنه إنما وصف بذلك، لأنه كان له بنيان يعذب الناس عليه، قال: كان له منارات يعذب الناس عليها.
* *
وقوله: ﴿ٱلَّذِينَ طَغَوْاْ فِي ٱلْبِلاَدِ﴾ أي: تجاوزوا حدود الله عتوا على ربهم في البلاد التي كانوا بها فأكثروا في تلك البلاد الفساد بركوبهم المعاصي.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ﴾ أي: فأنزل بهم ربك (يا محمد) عذابه نقمة منه لهم لكفرهم، يعني جميع من تقدم ذكره من الكفرة. والعرب تقول لكل عذاب شديد عذب به المعذب: سوط خزي.
فقوله: ﴿سَوْطَ عَذَابٍ﴾، واقع على أنواع (من العذاب عذب الله بها هذه الأمم) المذكورة في الدنيا فأهلكهم بها. [وكذا حكى الماوردي: ﴿سَوْطَ عَذَابٍ﴾ أي: خلط عذاب لأنه أنواع].
قال مجاهد: ﴿سَوْطَ عَذَابٍ﴾ "ما عذبوا به". وهو قول ابن زيد (وغيره).
* *
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِٱلْمِرْصَادِ﴾ أي: إن ربك يا محمد لهؤلاء الذين قصصت عليك قصصهم ولغيرهم من أمثالهم لبالمرصاد يرصدهم على قناطر جهنم فيكردسهم فيها إذا وردوها يوم القيامة. وقيل: معناه: لا يفوته هارب.
وقال ابن عباس: ﴿لَبِٱلْمِرْصَادِ﴾ أي: "يسمع ويرى". وقال الضحاك: إذا كان يوم [القيامة] يأمر الله عز وجل بكرسيه فيوضع على النار فيستوي عليه ويقول: "وعزتي لا يجاوزني اليوم (ذو) مظلمة".
فذلك قوله جل ثناؤه: ﴿لَبِٱلْمِرْصَادِ﴾.
وقال سفيان: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِٱلْمِرْصَادِ﴾ يعني: جهنم عليها ثلاث [قناطر]: قنطرة فيها الرحم، وقنطرة فيها الأمانة، وقنطرة فيها الرب جل ثناؤه. قال [عمرو] بن قيس: بلغني أن على جهنم ثلاث [قناطر] فقنطرة عليها الأمانة إذا مروا بها تقول: (يا رب)، هذا (أمين، يا رب هذا خائن. وقنطرة عليها الرحم إذا مروا بها تقول: هذا) واصل، هذا قاطع. وقنطرة عليها الرب تعالى ذكره ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِٱلْمِرْصَادِ﴾.
وقال الحسن: ﴿لَبِٱلْمِرْصَادِ﴾ أي: "مرصاد عمل بني آدم". قال ابن مسعود: والفجر إن ربك لبالمرصاد.
يعني أنه جواب القسم.
ويروى أن على جسر جهنم (سبع) [قناطر] محابس، بين كل قنطرتين سبعون عاما، وعرض [الجسر] كحد السيف مدحضة مزلقة، في الرقة مثل الشعرة، فيسأل الناس [عند أول] قنطرة من الإيمان، فإن جاء به تاماً جاز إلى القنطرة الثانية، ثم يسأل عن [الصلوات] الخمس، فإن جاء بها [تامة] جاز إلى (القنطرة) الثالثة، ثم يسأل عن الزكاة، فإن جاء بها تامة جاز إلى الرابعة، ثم يسأل عن صيام رمضان فإن جاء به تاما جاز إلى الخامسة، ثم (يسأل) عن الحج، ثم (يسأل) عن صلة الرحم.
قال نافع (و) الرؤاسي: ﴿إِرَمَ﴾ وقف جيد. وهو بعيد لأن ﴿ذَاتِ ٱلْعِمَادِ﴾ نعت لما قبلها أو بدل منه. والوقف عند الأخفش وغيره ﴿أَهَانَنِ﴾. والاختيار الوقف على "كلا" وهو قول نصير وأحمد بن موسى . والمعنى: كلا، [لم أهنه بتقديري] عليه رزقه.
وقال الفراء: معناه: كلا، لم يكن ينبغي للإنسان أن يقول هذا، ولكن يجب عليه أن يحمد الله على الأمرين جميعا، على الغنى والفقر.
وقوله تعالى: ﴿فَأَمَّا ٱلإِنسَانُ إِذَا مَا ٱبْتَلاَهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّيۤ أَكْرَمَنِ﴾.
أي: فأما الإنسان إذا ما امتحنه ربه بالنعم والسعة فرح بذلك، وقال: ربي أكرمني بهذه الكرامة.
وأما إذا ما امتحنه فضيق عليه رزقه وقَتَّره عليه غَمَّه [وقال]: ربي أهانني وأذلني بالفقر، فلم يشكر الله على ما وهب له من سلامة جوارحه.
قال قتادة: ﴿فَيَقُولُ رَبِّيۤ أَهَانَنِ﴾ "ما أسرع ما كفر ابن آدم".
* *
وقوله: ﴿كَلاَّ﴾.
هو إنكار من الله أن يكون سبب كرامته من أكرم [كثرة] المال، وسبب إهانته من أهان قلة المال.
قال قتادة معناه: لا أكرم من أكرمت بكثرة المال ولا أهين من أهنت بقلته، ولكن إنما أكرم من أكرمت بتوفيقه إلى [طاعتي]، وأهين من أهنت بخذلانه وارتكاب لمعصيتي.
(ودل على ذلك قوله: ﴿بَل لاَّ تُكْرِمُونَ ٱلْيَتِيمَ * وَلاَ تَحَآضُّونَ عَلَىٰ طَعَامِ ٱلْمِسْكِينِ﴾ إلى ﴿جَمّاً﴾ أي: فبهدا أهين من أهنت، لأنه مرتكب لمعصيتي) مخذول ممنوع عن طاعتي.
وقيل: معناه: لم يكن الإنسان أن يحمد الله على النعم دون الفقر، ولكن ينبغي له أن يحمده على الأمرين جميعاً، على الغنى والفقر.
والوقف على ﴿أَهَانَنِ﴾ حسن، وتكون "كلا" في الابتداء بمعنى "حقاً"، أو بمعنى "ألا". وهو قول الأخفش وأحمد بن موسى.
وأجاز أبو حاتم الوقف على (أهنن) وعلى (كلا).
والوقف عند نصير والفراء على "كلا"، وهو الاختيار، لأنها عند أهل التفسير رد لما قبلها. (وقد) قال الحسن: "كلا" معناه: ليس يهان أحد بفقر ولا غنى. وقاله قتادة.
* *
وقوله: ﴿بَل لاَّ تُكْرِمُونَ ٱلْيَتِيمَ﴾ أي: بل إنما أهنت من أهنت، لأنه لا يكرم اليتيم ولا يحض الناس ولا نفسه على طعام المسكين.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَتَأْكُلُونَ ٱلتُّرَاثَ أَكْلاً لَّمّاً﴾ أي: وأهنتكم لأنكم تأكلون الميراث أكلاً شديداً.
﴿وَتُحِبُّونَ ٱلْمَالَ حُبّاً جَمّاً﴾ أي: كثيراً.
قال ابن عباس: ﴿أَكْلاً لَّمّاً﴾، أي: سفاً، وجماً: شديداً.
وقال الحسن: معنى ﴿لَّمّاً﴾، أي: يخلطون الحلال بالحرام.
وقال ابن زيد: ﴿وَتَأْكُلُونَ ٱلتُّرَاثَ أَكْلاً لَّمّاً﴾، أي: تأكلون كل شيء تجدونه من الميراث وغيره، لا تسألون عنه، يأكل الذي له والذي لصاحبه.
[قال]: كانوا لا [يورثون] النساء ولا [يورثون] الصغار، وقرأ ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي ٱلنِّسَآءِ قُلِ ٱللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ فِي ٱلْكِتَٰبِ فِي يَتَٰمَى ٱلنِّسَآءِ﴾ [النساء: ١٢٧]... إلى قوله ﴿عَلِيماً﴾ [النساء: ١٢٧].
فقوله: ﴿وَٱلْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ ٱلْوِلْدَٰنِ﴾ [النساء: ١٢٧]، يعني: يستضعفوهم [فلا يؤتونهم].
قال: وقوله: ﴿وَتُحِبُّونَ ٱلْمَالَ حُبّاً جَمّاً﴾,
أي: وتحبون جمع المال واقتناءه حبا كثيرا.
والعرب تقول: "جم الماء في الحوض": إذا اجتمع وكثر.
* *
ثم قال تعالى: ﴿كَلاَّ إِذَا دُكَّتِ ٱلأَرْضُ دَكّاً دَكّاً﴾.
الوقف على "كلا" حسن، ومعناه: ليس هكذا ينبغي أن يكون الأمر أن تأكلوا الميراث أكلا شديدا، وتحبوا جمع المال حباً كثيراً. ولا تكرمون اليتيم بالصدقة، ولا تحضون على طعام المسكين.
وقيل: المعنى: لا يغني عنكم جمع المال شيئاً.
وقوله تعالى: ﴿إِذَا دُكَّتِ ٱلأَرْضُ﴾، أي: رجت وزلزلت مرة بعد مرة.
قال ابن عباس: هو "تحريكها".
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَجَآءَ رَبُّكَ وَٱلْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً﴾ أي: والملائكة صفاً بعد صف.
وروى شهر بن حوشب عن ابن عباس أنه قال: إذا كان يوم القيامة، مدت الأرض مد الأديم، وزيد في سعتها كذا وكذا، وجمع الخلائق بصعيد واحد، جِنَّهم وإنسهم، فإذا كان [ذلك] اليوم قيضت السماء الدنيا عن أهلها على وجه الأرض، ولأهل هذه السماء وحدهم أكثر من أهل الأرض، جنهم وإنسهم بضعف، [فإذا مروا] على وجه الأرض فزعوا منهم، فيقولون: (أفيكم ربنا؟ فيفزعون من قولهم، فيقولون) سبحان ربنا، ليس فينا وهو آتٍ ثم تقاض السماء الثانية، فأهل السماء الثانية وحدهم أكثر من أهل سماء الدنيا ومن جميع أهل الأرض بضعف جنهم وإنسهم، فإذا مروا على وجه الأرض فزع إليهم أهل الأرض فيقولون: أفيكم ربنا؟ فيفزعون من كلامهم ويقولون: سبحان الله، ليس فينا، وهو آت ثم تقاض السماوات سماءً (سماءً)، كلما قيضت سماء عن أهلها كانت أكثر من أهل السماوات التي تحتها ومن جميع أهل الأرض بضعف، فإذا مروا على وجه الأرض فزع إليهم أهل الأرض فيقولون، لهم مثل ذلك، ويرجعون إليهم مثل ذلك، حتى [تقاض السماء] السابعة، فلأهل السماء السابعة أكثر من أهل ست سماوات ومن جميع أهل الأرض بضعف، فيجيء الله عز وجل فيهم وجميع الأمم جثيٌّ [صفوف]، وينادي مناد: ستعلمون اليوم من أصحاب الكرم، ليقم الحمادون لله على كل حال. قال: فيقومون فيسرحون إلى الجنة، ثم ينادي الثانية: ستعلمون اليوم من أصحاب الكرم، أين الذين كانت تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفاً وطمعاً ومما رزقناهم ينفقون؟ فيسرحون إلى الجنة، ثم ينادي الثالثة: ستعلمون اليوم من أصحاب الكرم، أين الذين كانوا لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة يخافون يوماً تتقلب فيه القلوب والأبصار؟ فيسرحون إلى الجنة، قال: فإذا أخذ من هؤلاء ثلاثة، عنق من النار فأشرف على الخلائق له عينان تبصران ولسان فصيح فيقول: إني وكلت منكم بثلاثة: بكل جبار عنيد، [فيلتقطهم] من الصفوف لقط الطير حب السمسم فيخنس بهم في جهنم، [ثم] [يخرج] ثانية [فيقول]: إني وكلت منكم بمن آذى الله ورسوله، [فيلتقطهم] [من الصفوف] لقط الطير حب السمسم [فيخنس] بهم في جهنم. قال شهر ابن حوشب: وأحسب أنه ذكر في الثالثة أهل التصاوير [فيلتقطهم] كذلك. قال: فإذا أخذ من هؤلاء ثلاثة، ومن هؤلاء ثلاثة، نشرت الصحف ووضعت الموازين ودعي الخلائق للحساب.
وقال الضحاك: إذا كان يوم القيامة، أمر الله جل ذكره السماء الدنيا بأهلها، فنزل من فيها من الملائكة فأحاطوا بالأرض ومن عليها، ثم الثانية، ثم الثالثة، كذلك إلى السابعة، فصفوا صفا دون صف، ثم ينزل الملك الأعلى، على مجنبته اليسرى جهنم، فإذا رآها أهل الأرض نادوا، فلا يأتون قطراً من أقطار الأرض إلا وجدوا سبعة صفوف من الملائكة، فيرجعون إلى المكان الذي كانوا فيه، فذلك قوله عز وجل: ﴿إِنِّيۤ أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ ٱلتَّنَادِ * يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ﴾ [غافر: ٣٢-٣٣].
وقرئ بتشديد الدال من ند البعير: إذا فر.
قال: ذلك قوله: ﴿وَجَآءَ رَبُّكَ وَٱلْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً * وَجِيۤءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ﴾. وقوله: ﴿يٰمَعْشَرَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنسِ إِنِ ٱسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُواْ..﴾ [الرحمن: ٣٣] الآية.
وهو قوله: ﴿وَٱنشَقَّتِ ٱلسَّمَآءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ * وَٱلْمَلَكُ عَلَىٰ أَرْجَآئِهَآ﴾ [الحاقة: ١٦-١٧].
روى أبو هريرة أن النبي ﷺ (قال): توقفون موقفاً واحداً يوم القيامة مقدار سبعين عاما لا ينظر إليكم ولا يقضى بينكم، فتبكون حتى ينقطع الدمع، ثم تدمعون دما وتبكون حتى يبلغ ذلك منكم [الأذقان] ويلجمكم وتضجون ثم تقولون: [من] يشفع لنا إلى ربنا فيقضي بيننا؟ فيقولون: من أحق بذلك من أبيكم آدم، قبل الله توبته وخلقه بيده ونفخ فيه من روحه وكلمه [قبلاً]، فيؤتى آدم، فيطلب ذلك إليه فيأبى، ثم الأنبياء - نبياً - نبياً - كلما جاؤوا نبياً أبى.
قال رسول الله ﷺ: حتى يأتونني فإذا جاءوني خرجت حتى أتي الفحص.
قال أبو هريرة رضي الله عنه: يا رسول الله، وما الفحص؟ قال قدام العرش، قال: فأخر ساجداً، قال: فلا أزال ساجداً حتى يبعث الله إلي ملكاً فيأخذ بعضدي فيرفعني، فيقول الله جل وعز [لي]: يا محمد، فأقول: نعم، وهو أعلم، فيقول: ما شأنك؟ فأقول: يا رب، وعدتني الشفاعة، فشفعني في خلقك واقض بينهم، فيقول تعالى: قد شفعتك، أنا آتيهم وأقضي بينهم.
قال رسول الله ﷺ: فأنصرف حتى أقف مع الناس، فبينما نحن وقوف، سمعنا حساً من السماء شديداً، فهالنا، فنزل أهل سماء الدنيا بمثلي من في الأرض من الإنس والجن، حتى إذا دنوا من الأرض، أشرقت الأرض لنورهم، وأخذوا [مصافهم] [فقلنا] (لهم): أفيكم ربنا؟ [فقالوا]: لا، وهو آت. ثم نزل أهل السماء الثانية بمثلي من نزل من الملائكة وبمثل من فيها من الجن والإنس، حتى إذا دنوا من الأرض، أشرقت الأرض لنورهم وأخذوا مصافهم، فقلنا لهم: أفيكم ربنا؟ فقالوا: لا، وهو آت، ثم ينزل أهل السماوات على قدر ذلك من التضعيف، حتى نزل الجبار في ظلل من الغمام والملائكة لهم زجل من تسبيحهم يقولون: سبحان الملك ذي الملكوت، سبحان رب العرش ذي الجبروت، سبحان الحي الذي لا يموت، سبحان الذي يميت الخلائق ولا يموت، سبوح قدوس رب الملائكة والروح، قدوس قدوس سبحان ربنا الأعلى سبحان ذي الجبروت والملكوت والكبرياء والسلطان والعظمة، سبحانه أبداً أبداً، فينزل تعالى جل ذكره يحمل عرشه يومئذ ثمانية، وهم اليوم أربعة أقدامهم على تخوم الأرض السفلى والسماوات إلى حجزهم والعرشُ إلى مناكبهم. قال: فيضع الله جل ذكره كرسيه حيث شاء من الأرض، ثم ينادي بنداء يسمع الخلائق فيقول: يا [معشر الجن] والإنس [إني] قد أنصت من يوم خلقتكم إلى يومكم هذا، أسمع كلامكم وأبصر أعمالكم، فأنصتوا إليَّ، فإنما هي صحفكم وأعمالكم تقرأ عليكم، فمن وجد خيراً فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا [يلم] إلا نفسه.
قال: ثم يأمر الله جل وعز جهنم فيخرج منها عنق ساطع [مظلم] يقول: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يٰبَنِيۤ ءَادَمَ أَن لاَّ تَعْبُدُواْ ٱلشَّيطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ * وَأَنِ ٱعْبُدُونِي هَـٰذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ﴾ إلى قوله: ﴿ٱلْمُجْرِمُونَ﴾ فيتميز الناس ويجثون، [وهي] التي يقول الله تعالى جل ذكره: ﴿وَتَرَىٰ كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أمَّةٍ تُدْعَىٰ إِلَىٰ كِتَابِهَا﴾ إلى ﴿تَعْمَلُونَ﴾.
قال: فيقضي الله جل ثناؤه بين خلقه الجن والإنس والبهائم، فإنه [ليقيدُ] يومئذ للجماء من ذات القرن، حتى إذا لم تبق تبعة عند واحدة لأخرى، قال الله تعالى: كوني تراباً. فعند ذلك يقول الكافر: يا ليتني كنت تراباً! [قال]: ثم يقضي الله جل ذكره بين الجن والإنس
ووقع [التكرير] في (دكاً دكاً) و (صفاً صفاً) على معنى: دكاً (بعد دكاً) [وصفاً] بعد صف.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَجِيۤءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ﴾.
قال ابن مسعود: "جيء بها تقاد بسبعين ألف زمام، مع كل زمام سبعون ألف ملك يقودنها وقاله ابن وائل.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَجِيۤءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ ٱلإِنسَانُ وَأَنَّىٰ لَهُ ٱلذِّكْرَىٰ﴾.
أي: يتذكر تفريطه في الدنيا في طاعة الله، ومن أي وجه له الذكرى في ذلك اليوم وقد حيل بينه وبين العمل.
* *
ثم قال تعالى: ﴿يَقُولُ يٰلَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي﴾.
أي: يتلهف ويتندم فيقول: يا ليتني قدمت في الدنيا عملاً صالحاً لحياتي هذه التي لا موت بعدها فينجيني ذلك العمل من عذاب الله تعالى وسخطه ويقربني من رضوانه وجنته.
فالمعنى: قدمت لآخرتي (التي) هي الحياة الدائمة، دليله قوله: ﴿وَإِنَّ ٱلدَّارَ ٱلآخِرَةَ لَهِيَ ٱلْحَيَوَانُ﴾ [العنكبوت: ٦٤] أي: لهي الحياة.
وقيل: المعنى قدمت لأحيا،، لأن أهل النار ليسوا بأحياء ولا أموات، بدلالة قوله: ﴿لاَ يَمُوتُ فِيهَا وَلاَ يَحْيَىٰ﴾ [طه: ٧٤].
قال قتادة: "هناكم والله الحياة الطويلة".
وقال مجاهد: "لحياتي": "للآخرة".
وقيل: الكلام بمعنى في والتقدير: يا ليتني قدمت (في حياتي، أي: قدمت العمل الصالح) في حياتي في الدنيا، مثل: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١]، أي: في عدتهن.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ﴾ ﴿وَلاَ يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ﴾.
من كسر الذال والثاء من ﴿يُعَذِّبُ﴾ و ﴿يُوثِقُ﴾ فمعناه: فلا يعذب - ذلك اليوم - أحد مثل عذاب الله لهم ولا يوثق أحد مثل وثاق الله لهم.
وقيل: (معناه: لا يعذب أحد في الدنيا كعذاب الله يومئذ ولا يوثق أحد في الدنيا كوثاقه يومئذ.
ومن فتح ذلك)، فمعناه: فلا يعذب أحد مثلما يعذب الكافر ولا يوثق مثلما يوثق.
وقال الحسن: قد علم الله أن في الدنيا عذاباً (و) وثاقاً، فقال: فيومئذ لا يعذبه عذابه أحد (في الدنيا) ولا يوثق وثاقه في الدنيا.
* *
ثم قال تعالى: ﴿يٰأَيَّتُهَا ٱلنَّفْسُ ٱلْمُطْمَئِنَّةُ * ٱرْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً﴾.
هذا خبر من الله - جل ذكره - عن قول الملائكة يوم القيامة لأولياء الله، والمعنى: تقول الملائكة لأولياء الله يوم القيامة، يا أيتها النفس التي اطمأنت إلى وعد الله [و] وعيده، فصدقت بذلك في الدنيا.
قال ابن عباس: المطمئنة: "المصدقة" (وقال قتادة: "هو المؤمن، اطمأنت نفسه إلى ما وعد الله"، وعنه:): المصدقة بما وعد الله.
وقال مجاهد: المطمئنة: الموقنة إن الله ربها، وعنه أيضاً.
المطمئنة التي أيقنت بلقاء ربها.
وفي قراءة أبي: "يا أيتها النفس الآمنة".
[قال الحسن: المطمئنة إذا أراد الله عز وجل قبضها اطمأنت إلى الله سبحانه واطمأن الله سبحانه إليها ورضيت من الله تعالى ورضي عنها فأمر بقبضها وإدخالها الجنة وجعله من عباده الصالحين]، وروي أن ذلك قول [الملائكة] للعبد المؤمن عند خروج نفسه [تبشره] برضاء ربه عنه وإعداد ما أعد له من الكرامة عنده.
قال أبو صالح: ﴿ٱرْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً﴾ هذا عند الموت ﴿فَٱدْخُلِي فِي عِبَادِي﴾ هذا يوم القيامة.
وقيل: إنه كله يوم القيامة. وإن [معنى] ﴿ٱرْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ﴾، أي: إلى صاحبك . وهو قول ابن عباس.
وقال الضحاك: "يأمر الله الأرواح يوم القيامة أن ترجع إلى الأجساد فيأتون الله كما خلقهم أول مرة" فهو على قوله أيضاً كله يوم القيامة، وهو اختيار الطبري.
قال عكرمة: ﴿إِلَىٰ رَبِّكِ﴾ إلى جسد صاحبك. [وقاله] ابن جبير.
فيكون أيضاً كله يوم القيامة وتكون المخاطبة للنفس ودل على ذلك قوله: ﴿وَٱدْخُلِي جَنَّتِي﴾ ودخول الجنة لا يكون إلا في القيامة.
وقال الضحاك: إن معنى [فادخلي في عبادي]، [أي: طاعتي]، ﴿وَٱدْخُلِي جَنَّتِي﴾ أي: رحمتي فالمخاطبة - على قوله هذا - للإنسان، لا للنفس في المعنى. وإليه يذهب الفراء، ومعناه عنده أن الملائكة تقول لهم إذا أعطوا كتبهم بإيمانهم هذا، (أي): ارجعي إلى ثواب ربك.
الفجر 89:12
قوله تعالى: ﴿وَثَمُودَ ٱلَّذِينَ جَابُواْ ٱلصَّخْرَ بِٱلْوَادِ﴾ إلى آخر السورة.
أي: وألم تر - يا محمد - كيف فعل ربك بثمود - وهم قوم صالح - الذين نقبوا الصخر وخرقوه واتخذوه بيوتا؟! وهو قوله: ﴿وَكَانُواْ يَنْحِتُونَ مِنَ ٱلْجِبَالِ بُيُوتاً آمِنِينَ﴾ [الحجر: ٨٢].
والعرب تقول: "جاب فلان [الفلاة] يجوبها جوْباً" إذا دخلها وقطعها.
قال ابن عباس: ﴿جَابُواْ ٱلصَّخْرَ﴾، أي: خرقوها، يعني: قوم صالح كانوا ينحتون من الجبال (بيوتا).
قال مجاهد: "جابوا الجبال فجعلوها بيوتا".
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَفِرْعَوْنَ ذِى ٱلأَوْتَادِ﴾ أي: أو لم تر، يا محمد، فعل ربك بفرعون ذي الأوتاد؟!
قال ابن عباس: الأوتاد هنا "الجنود الذين يشدون له أمره".
وقيل: معناه ذي الجنود الكثيرة الذين يحتاجون [لضرب] الأوتاد في أسفارهم.
وقال مجاهد: وصف بذلك، لأنه كان [يتد أوتاد] الحديد في أيدي الناس وأرجلهم يقتلهم بها.
وقال قتادة: وصف بذلك، لأنه كانت [له مظال] وملاعب يلعب له تحتها من أوتاد [وحبال].
وروى ثابت البناني عن أبي رافع أن فرعون "وتد لامرأته (أربعة) أوتاد، ثم جعل على ظهرها رحى عظيمة حتى ماتت".
وقال ابن جبير: وصف بذلك: لأنه كان يعذب الناس بالأوتاد، قال: [فكان] يجعل رجلاً هاهنا ورجلاً هاهنا، ويداً هاهنا [ويدا] هاهنا بالأوتاد، وقاله مجاهد أيضاً.
وعن ابن جبير أيضاً أنه إنما وصف بذلك، لأنه كان له بنيان يعذب الناس عليه، قال: كان له منارات يعذب الناس عليها.
* *
وقوله: ﴿ٱلَّذِينَ طَغَوْاْ فِي ٱلْبِلاَدِ﴾ أي: تجاوزوا حدود الله عتوا على ربهم في البلاد التي كانوا بها فأكثروا في تلك البلاد الفساد بركوبهم المعاصي.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ﴾ أي: فأنزل بهم ربك (يا محمد) عذابه نقمة منه لهم لكفرهم، يعني جميع من تقدم ذكره من الكفرة. والعرب تقول لكل عذاب شديد عذب به المعذب: سوط خزي.
فقوله: ﴿سَوْطَ عَذَابٍ﴾، واقع على أنواع (من العذاب عذب الله بها هذه الأمم) المذكورة في الدنيا فأهلكهم بها. [وكذا حكى الماوردي: ﴿سَوْطَ عَذَابٍ﴾ أي: خلط عذاب لأنه أنواع].
قال مجاهد: ﴿سَوْطَ عَذَابٍ﴾ "ما عذبوا به". وهو قول ابن زيد (وغيره).
* *
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِٱلْمِرْصَادِ﴾ أي: إن ربك يا محمد لهؤلاء الذين قصصت عليك قصصهم ولغيرهم من أمثالهم لبالمرصاد يرصدهم على قناطر جهنم فيكردسهم فيها إذا وردوها يوم القيامة. وقيل: معناه: لا يفوته هارب.
وقال ابن عباس: ﴿لَبِٱلْمِرْصَادِ﴾ أي: "يسمع ويرى". وقال الضحاك: إذا كان يوم [القيامة] يأمر الله عز وجل بكرسيه فيوضع على النار فيستوي عليه ويقول: "وعزتي لا يجاوزني اليوم (ذو) مظلمة".
فذلك قوله جل ثناؤه: ﴿لَبِٱلْمِرْصَادِ﴾.
وقال سفيان: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِٱلْمِرْصَادِ﴾ يعني: جهنم عليها ثلاث [قناطر]: قنطرة فيها الرحم، وقنطرة فيها الأمانة، وقنطرة فيها الرب جل ثناؤه. قال [عمرو] بن قيس: بلغني أن على جهنم ثلاث [قناطر] فقنطرة عليها الأمانة إذا مروا بها تقول: (يا رب)، هذا (أمين، يا رب هذا خائن. وقنطرة عليها الرحم إذا مروا بها تقول: هذا) واصل، هذا قاطع. وقنطرة عليها الرب تعالى ذكره ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِٱلْمِرْصَادِ﴾.
وقال الحسن: ﴿لَبِٱلْمِرْصَادِ﴾ أي: "مرصاد عمل بني آدم". قال ابن مسعود: والفجر إن ربك لبالمرصاد.
يعني أنه جواب القسم.
ويروى أن على جسر جهنم (سبع) [قناطر] محابس، بين كل قنطرتين سبعون عاما، وعرض [الجسر] كحد السيف مدحضة مزلقة، في الرقة مثل الشعرة، فيسأل الناس [عند أول] قنطرة من الإيمان، فإن جاء به تاماً جاز إلى القنطرة الثانية، ثم يسأل عن [الصلوات] الخمس، فإن جاء بها [تامة] جاز إلى (القنطرة) الثالثة، ثم يسأل عن الزكاة، فإن جاء بها تامة جاز إلى الرابعة، ثم يسأل عن صيام رمضان فإن جاء به تاما جاز إلى الخامسة، ثم (يسأل) عن الحج، ثم (يسأل) عن صلة الرحم.
قال نافع (و) الرؤاسي: ﴿إِرَمَ﴾ وقف جيد. وهو بعيد لأن ﴿ذَاتِ ٱلْعِمَادِ﴾ نعت لما قبلها أو بدل منه. والوقف عند الأخفش وغيره ﴿أَهَانَنِ﴾. والاختيار الوقف على "كلا" وهو قول نصير وأحمد بن موسى . والمعنى: كلا، [لم أهنه بتقديري] عليه رزقه.
وقال الفراء: معناه: كلا، لم يكن ينبغي للإنسان أن يقول هذا، ولكن يجب عليه أن يحمد الله على الأمرين جميعا، على الغنى والفقر.
وقوله تعالى: ﴿فَأَمَّا ٱلإِنسَانُ إِذَا مَا ٱبْتَلاَهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّيۤ أَكْرَمَنِ﴾.
أي: فأما الإنسان إذا ما امتحنه ربه بالنعم والسعة فرح بذلك، وقال: ربي أكرمني بهذه الكرامة.
وأما إذا ما امتحنه فضيق عليه رزقه وقَتَّره عليه غَمَّه [وقال]: ربي أهانني وأذلني بالفقر، فلم يشكر الله على ما وهب له من سلامة جوارحه.
قال قتادة: ﴿فَيَقُولُ رَبِّيۤ أَهَانَنِ﴾ "ما أسرع ما كفر ابن آدم".
* *
وقوله: ﴿كَلاَّ﴾.
هو إنكار من الله أن يكون سبب كرامته من أكرم [كثرة] المال، وسبب إهانته من أهان قلة المال.
قال قتادة معناه: لا أكرم من أكرمت بكثرة المال ولا أهين من أهنت بقلته، ولكن إنما أكرم من أكرمت بتوفيقه إلى [طاعتي]، وأهين من أهنت بخذلانه وارتكاب لمعصيتي.
(ودل على ذلك قوله: ﴿بَل لاَّ تُكْرِمُونَ ٱلْيَتِيمَ * وَلاَ تَحَآضُّونَ عَلَىٰ طَعَامِ ٱلْمِسْكِينِ﴾ إلى ﴿جَمّاً﴾ أي: فبهدا أهين من أهنت، لأنه مرتكب لمعصيتي) مخذول ممنوع عن طاعتي.
وقيل: معناه: لم يكن الإنسان أن يحمد الله على النعم دون الفقر، ولكن ينبغي له أن يحمده على الأمرين جميعاً، على الغنى والفقر.
والوقف على ﴿أَهَانَنِ﴾ حسن، وتكون "كلا" في الابتداء بمعنى "حقاً"، أو بمعنى "ألا". وهو قول الأخفش وأحمد بن موسى.
وأجاز أبو حاتم الوقف على (أهنن) وعلى (كلا).
والوقف عند نصير والفراء على "كلا"، وهو الاختيار، لأنها عند أهل التفسير رد لما قبلها. (وقد) قال الحسن: "كلا" معناه: ليس يهان أحد بفقر ولا غنى. وقاله قتادة.
* *
وقوله: ﴿بَل لاَّ تُكْرِمُونَ ٱلْيَتِيمَ﴾ أي: بل إنما أهنت من أهنت، لأنه لا يكرم اليتيم ولا يحض الناس ولا نفسه على طعام المسكين.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَتَأْكُلُونَ ٱلتُّرَاثَ أَكْلاً لَّمّاً﴾ أي: وأهنتكم لأنكم تأكلون الميراث أكلاً شديداً.
﴿وَتُحِبُّونَ ٱلْمَالَ حُبّاً جَمّاً﴾ أي: كثيراً.
قال ابن عباس: ﴿أَكْلاً لَّمّاً﴾، أي: سفاً، وجماً: شديداً.
وقال الحسن: معنى ﴿لَّمّاً﴾، أي: يخلطون الحلال بالحرام.
وقال ابن زيد: ﴿وَتَأْكُلُونَ ٱلتُّرَاثَ أَكْلاً لَّمّاً﴾، أي: تأكلون كل شيء تجدونه من الميراث وغيره، لا تسألون عنه، يأكل الذي له والذي لصاحبه.
[قال]: كانوا لا [يورثون] النساء ولا [يورثون] الصغار، وقرأ ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي ٱلنِّسَآءِ قُلِ ٱللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ فِي ٱلْكِتَٰبِ فِي يَتَٰمَى ٱلنِّسَآءِ﴾ [النساء: ١٢٧]... إلى قوله ﴿عَلِيماً﴾ [النساء: ١٢٧].
فقوله: ﴿وَٱلْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ ٱلْوِلْدَٰنِ﴾ [النساء: ١٢٧]، يعني: يستضعفوهم [فلا يؤتونهم].
قال: وقوله: ﴿وَتُحِبُّونَ ٱلْمَالَ حُبّاً جَمّاً﴾,
أي: وتحبون جمع المال واقتناءه حبا كثيرا.
والعرب تقول: "جم الماء في الحوض": إذا اجتمع وكثر.
* *
ثم قال تعالى: ﴿كَلاَّ إِذَا دُكَّتِ ٱلأَرْضُ دَكّاً دَكّاً﴾.
الوقف على "كلا" حسن، ومعناه: ليس هكذا ينبغي أن يكون الأمر أن تأكلوا الميراث أكلا شديدا، وتحبوا جمع المال حباً كثيراً. ولا تكرمون اليتيم بالصدقة، ولا تحضون على طعام المسكين.
وقيل: المعنى: لا يغني عنكم جمع المال شيئاً.
وقوله تعالى: ﴿إِذَا دُكَّتِ ٱلأَرْضُ﴾، أي: رجت وزلزلت مرة بعد مرة.
قال ابن عباس: هو "تحريكها".
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَجَآءَ رَبُّكَ وَٱلْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً﴾ أي: والملائكة صفاً بعد صف.
وروى شهر بن حوشب عن ابن عباس أنه قال: إذا كان يوم القيامة، مدت الأرض مد الأديم، وزيد في سعتها كذا وكذا، وجمع الخلائق بصعيد واحد، جِنَّهم وإنسهم، فإذا كان [ذلك] اليوم قيضت السماء الدنيا عن أهلها على وجه الأرض، ولأهل هذه السماء وحدهم أكثر من أهل الأرض، جنهم وإنسهم بضعف، [فإذا مروا] على وجه الأرض فزعوا منهم، فيقولون: (أفيكم ربنا؟ فيفزعون من قولهم، فيقولون) سبحان ربنا، ليس فينا وهو آتٍ ثم تقاض السماء الثانية، فأهل السماء الثانية وحدهم أكثر من أهل سماء الدنيا ومن جميع أهل الأرض بضعف جنهم وإنسهم، فإذا مروا على وجه الأرض فزع إليهم أهل الأرض فيقولون: أفيكم ربنا؟ فيفزعون من كلامهم ويقولون: سبحان الله، ليس فينا، وهو آت ثم تقاض السماوات سماءً (سماءً)، كلما قيضت سماء عن أهلها كانت أكثر من أهل السماوات التي تحتها ومن جميع أهل الأرض بضعف، فإذا مروا على وجه الأرض فزع إليهم أهل الأرض فيقولون، لهم مثل ذلك، ويرجعون إليهم مثل ذلك، حتى [تقاض السماء] السابعة، فلأهل السماء السابعة أكثر من أهل ست سماوات ومن جميع أهل الأرض بضعف، فيجيء الله عز وجل فيهم وجميع الأمم جثيٌّ [صفوف]، وينادي مناد: ستعلمون اليوم من أصحاب الكرم، ليقم الحمادون لله على كل حال. قال: فيقومون فيسرحون إلى الجنة، ثم ينادي الثانية: ستعلمون اليوم من أصحاب الكرم، أين الذين كانت تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفاً وطمعاً ومما رزقناهم ينفقون؟ فيسرحون إلى الجنة، ثم ينادي الثالثة: ستعلمون اليوم من أصحاب الكرم، أين الذين كانوا لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة يخافون يوماً تتقلب فيه القلوب والأبصار؟ فيسرحون إلى الجنة، قال: فإذا أخذ من هؤلاء ثلاثة، عنق من النار فأشرف على الخلائق له عينان تبصران ولسان فصيح فيقول: إني وكلت منكم بثلاثة: بكل جبار عنيد، [فيلتقطهم] من الصفوف لقط الطير حب السمسم فيخنس بهم في جهنم، [ثم] [يخرج] ثانية [فيقول]: إني وكلت منكم بمن آذى الله ورسوله، [فيلتقطهم] [من الصفوف] لقط الطير حب السمسم [فيخنس] بهم في جهنم. قال شهر ابن حوشب: وأحسب أنه ذكر في الثالثة أهل التصاوير [فيلتقطهم] كذلك. قال: فإذا أخذ من هؤلاء ثلاثة، ومن هؤلاء ثلاثة، نشرت الصحف ووضعت الموازين ودعي الخلائق للحساب.
وقال الضحاك: إذا كان يوم القيامة، أمر الله جل ذكره السماء الدنيا بأهلها، فنزل من فيها من الملائكة فأحاطوا بالأرض ومن عليها، ثم الثانية، ثم الثالثة، كذلك إلى السابعة، فصفوا صفا دون صف، ثم ينزل الملك الأعلى، على مجنبته اليسرى جهنم، فإذا رآها أهل الأرض نادوا، فلا يأتون قطراً من أقطار الأرض إلا وجدوا سبعة صفوف من الملائكة، فيرجعون إلى المكان الذي كانوا فيه، فذلك قوله عز وجل: ﴿إِنِّيۤ أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ ٱلتَّنَادِ * يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ﴾ [غافر: ٣٢-٣٣].
وقرئ بتشديد الدال من ند البعير: إذا فر.
قال: ذلك قوله: ﴿وَجَآءَ رَبُّكَ وَٱلْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً * وَجِيۤءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ﴾. وقوله: ﴿يٰمَعْشَرَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنسِ إِنِ ٱسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُواْ..﴾ [الرحمن: ٣٣] الآية.
وهو قوله: ﴿وَٱنشَقَّتِ ٱلسَّمَآءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ * وَٱلْمَلَكُ عَلَىٰ أَرْجَآئِهَآ﴾ [الحاقة: ١٦-١٧].
روى أبو هريرة أن النبي ﷺ (قال): توقفون موقفاً واحداً يوم القيامة مقدار سبعين عاما لا ينظر إليكم ولا يقضى بينكم، فتبكون حتى ينقطع الدمع، ثم تدمعون دما وتبكون حتى يبلغ ذلك منكم [الأذقان] ويلجمكم وتضجون ثم تقولون: [من] يشفع لنا إلى ربنا فيقضي بيننا؟ فيقولون: من أحق بذلك من أبيكم آدم، قبل الله توبته وخلقه بيده ونفخ فيه من روحه وكلمه [قبلاً]، فيؤتى آدم، فيطلب ذلك إليه فيأبى، ثم الأنبياء - نبياً - نبياً - كلما جاؤوا نبياً أبى.
قال رسول الله ﷺ: حتى يأتونني فإذا جاءوني خرجت حتى أتي الفحص.
قال أبو هريرة رضي الله عنه: يا رسول الله، وما الفحص؟ قال قدام العرش، قال: فأخر ساجداً، قال: فلا أزال ساجداً حتى يبعث الله إلي ملكاً فيأخذ بعضدي فيرفعني، فيقول الله جل وعز [لي]: يا محمد، فأقول: نعم، وهو أعلم، فيقول: ما شأنك؟ فأقول: يا رب، وعدتني الشفاعة، فشفعني في خلقك واقض بينهم، فيقول تعالى: قد شفعتك، أنا آتيهم وأقضي بينهم.
قال رسول الله ﷺ: فأنصرف حتى أقف مع الناس، فبينما نحن وقوف، سمعنا حساً من السماء شديداً، فهالنا، فنزل أهل سماء الدنيا بمثلي من في الأرض من الإنس والجن، حتى إذا دنوا من الأرض، أشرقت الأرض لنورهم، وأخذوا [مصافهم] [فقلنا] (لهم): أفيكم ربنا؟ [فقالوا]: لا، وهو آت. ثم نزل أهل السماء الثانية بمثلي من نزل من الملائكة وبمثل من فيها من الجن والإنس، حتى إذا دنوا من الأرض، أشرقت الأرض لنورهم وأخذوا مصافهم، فقلنا لهم: أفيكم ربنا؟ فقالوا: لا، وهو آت، ثم ينزل أهل السماوات على قدر ذلك من التضعيف، حتى نزل الجبار في ظلل من الغمام والملائكة لهم زجل من تسبيحهم يقولون: سبحان الملك ذي الملكوت، سبحان رب العرش ذي الجبروت، سبحان الحي الذي لا يموت، سبحان الذي يميت الخلائق ولا يموت، سبوح قدوس رب الملائكة والروح، قدوس قدوس سبحان ربنا الأعلى سبحان ذي الجبروت والملكوت والكبرياء والسلطان والعظمة، سبحانه أبداً أبداً، فينزل تعالى جل ذكره يحمل عرشه يومئذ ثمانية، وهم اليوم أربعة أقدامهم على تخوم الأرض السفلى والسماوات إلى حجزهم والعرشُ إلى مناكبهم. قال: فيضع الله جل ذكره كرسيه حيث شاء من الأرض، ثم ينادي بنداء يسمع الخلائق فيقول: يا [معشر الجن] والإنس [إني] قد أنصت من يوم خلقتكم إلى يومكم هذا، أسمع كلامكم وأبصر أعمالكم، فأنصتوا إليَّ، فإنما هي صحفكم وأعمالكم تقرأ عليكم، فمن وجد خيراً فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا [يلم] إلا نفسه.
قال: ثم يأمر الله جل وعز جهنم فيخرج منها عنق ساطع [مظلم] يقول: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يٰبَنِيۤ ءَادَمَ أَن لاَّ تَعْبُدُواْ ٱلشَّيطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ * وَأَنِ ٱعْبُدُونِي هَـٰذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ﴾ إلى قوله: ﴿ٱلْمُجْرِمُونَ﴾ فيتميز الناس ويجثون، [وهي] التي يقول الله تعالى جل ذكره: ﴿وَتَرَىٰ كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أمَّةٍ تُدْعَىٰ إِلَىٰ كِتَابِهَا﴾ إلى ﴿تَعْمَلُونَ﴾.
قال: فيقضي الله جل ثناؤه بين خلقه الجن والإنس والبهائم، فإنه [ليقيدُ] يومئذ للجماء من ذات القرن، حتى إذا لم تبق تبعة عند واحدة لأخرى، قال الله تعالى: كوني تراباً. فعند ذلك يقول الكافر: يا ليتني كنت تراباً! [قال]: ثم يقضي الله جل ذكره بين الجن والإنس
ووقع [التكرير] في (دكاً دكاً) و (صفاً صفاً) على معنى: دكاً (بعد دكاً) [وصفاً] بعد صف.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَجِيۤءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ﴾.
قال ابن مسعود: "جيء بها تقاد بسبعين ألف زمام، مع كل زمام سبعون ألف ملك يقودنها وقاله ابن وائل.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَجِيۤءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ ٱلإِنسَانُ وَأَنَّىٰ لَهُ ٱلذِّكْرَىٰ﴾.
أي: يتذكر تفريطه في الدنيا في طاعة الله، ومن أي وجه له الذكرى في ذلك اليوم وقد حيل بينه وبين العمل.
* *
ثم قال تعالى: ﴿يَقُولُ يٰلَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي﴾.
أي: يتلهف ويتندم فيقول: يا ليتني قدمت في الدنيا عملاً صالحاً لحياتي هذه التي لا موت بعدها فينجيني ذلك العمل من عذاب الله تعالى وسخطه ويقربني من رضوانه وجنته.
فالمعنى: قدمت لآخرتي (التي) هي الحياة الدائمة، دليله قوله: ﴿وَإِنَّ ٱلدَّارَ ٱلآخِرَةَ لَهِيَ ٱلْحَيَوَانُ﴾ [العنكبوت: ٦٤] أي: لهي الحياة.
وقيل: المعنى قدمت لأحيا،، لأن أهل النار ليسوا بأحياء ولا أموات، بدلالة قوله: ﴿لاَ يَمُوتُ فِيهَا وَلاَ يَحْيَىٰ﴾ [طه: ٧٤].
قال قتادة: "هناكم والله الحياة الطويلة".
وقال مجاهد: "لحياتي": "للآخرة".
وقيل: الكلام بمعنى في والتقدير: يا ليتني قدمت (في حياتي، أي: قدمت العمل الصالح) في حياتي في الدنيا، مثل: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١]، أي: في عدتهن.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ﴾ ﴿وَلاَ يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ﴾.
من كسر الذال والثاء من ﴿يُعَذِّبُ﴾ و ﴿يُوثِقُ﴾ فمعناه: فلا يعذب - ذلك اليوم - أحد مثل عذاب الله لهم ولا يوثق أحد مثل وثاق الله لهم.
وقيل: (معناه: لا يعذب أحد في الدنيا كعذاب الله يومئذ ولا يوثق أحد في الدنيا كوثاقه يومئذ.
ومن فتح ذلك)، فمعناه: فلا يعذب أحد مثلما يعذب الكافر ولا يوثق مثلما يوثق.
وقال الحسن: قد علم الله أن في الدنيا عذاباً (و) وثاقاً، فقال: فيومئذ لا يعذبه عذابه أحد (في الدنيا) ولا يوثق وثاقه في الدنيا.
* *
ثم قال تعالى: ﴿يٰأَيَّتُهَا ٱلنَّفْسُ ٱلْمُطْمَئِنَّةُ * ٱرْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً﴾.
هذا خبر من الله - جل ذكره - عن قول الملائكة يوم القيامة لأولياء الله، والمعنى: تقول الملائكة لأولياء الله يوم القيامة، يا أيتها النفس التي اطمأنت إلى وعد الله [و] وعيده، فصدقت بذلك في الدنيا.
قال ابن عباس: المطمئنة: "المصدقة" (وقال قتادة: "هو المؤمن، اطمأنت نفسه إلى ما وعد الله"، وعنه:): المصدقة بما وعد الله.
وقال مجاهد: المطمئنة: الموقنة إن الله ربها، وعنه أيضاً.
المطمئنة التي أيقنت بلقاء ربها.
وفي قراءة أبي: "يا أيتها النفس الآمنة".
[قال الحسن: المطمئنة إذا أراد الله عز وجل قبضها اطمأنت إلى الله سبحانه واطمأن الله سبحانه إليها ورضيت من الله تعالى ورضي عنها فأمر بقبضها وإدخالها الجنة وجعله من عباده الصالحين]، وروي أن ذلك قول [الملائكة] للعبد المؤمن عند خروج نفسه [تبشره] برضاء ربه عنه وإعداد ما أعد له من الكرامة عنده.
قال أبو صالح: ﴿ٱرْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً﴾ هذا عند الموت ﴿فَٱدْخُلِي فِي عِبَادِي﴾ هذا يوم القيامة.
وقيل: إنه كله يوم القيامة. وإن [معنى] ﴿ٱرْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ﴾، أي: إلى صاحبك . وهو قول ابن عباس.
وقال الضحاك: "يأمر الله الأرواح يوم القيامة أن ترجع إلى الأجساد فيأتون الله كما خلقهم أول مرة" فهو على قوله أيضاً كله يوم القيامة، وهو اختيار الطبري.
قال عكرمة: ﴿إِلَىٰ رَبِّكِ﴾ إلى جسد صاحبك. [وقاله] ابن جبير.
فيكون أيضاً كله يوم القيامة وتكون المخاطبة للنفس ودل على ذلك قوله: ﴿وَٱدْخُلِي جَنَّتِي﴾ ودخول الجنة لا يكون إلا في القيامة.
وقال الضحاك: إن معنى [فادخلي في عبادي]، [أي: طاعتي]، ﴿وَٱدْخُلِي جَنَّتِي﴾ أي: رحمتي فالمخاطبة - على قوله هذا - للإنسان، لا للنفس في المعنى. وإليه يذهب الفراء، ومعناه عنده أن الملائكة تقول لهم إذا أعطوا كتبهم بإيمانهم هذا، (أي): ارجعي إلى ثواب ربك.
الفجر 89:13
قوله تعالى: ﴿وَثَمُودَ ٱلَّذِينَ جَابُواْ ٱلصَّخْرَ بِٱلْوَادِ﴾ إلى آخر السورة.
أي: وألم تر - يا محمد - كيف فعل ربك بثمود - وهم قوم صالح - الذين نقبوا الصخر وخرقوه واتخذوه بيوتا؟! وهو قوله: ﴿وَكَانُواْ يَنْحِتُونَ مِنَ ٱلْجِبَالِ بُيُوتاً آمِنِينَ﴾ [الحجر: ٨٢].
والعرب تقول: "جاب فلان [الفلاة] يجوبها جوْباً" إذا دخلها وقطعها.
قال ابن عباس: ﴿جَابُواْ ٱلصَّخْرَ﴾، أي: خرقوها، يعني: قوم صالح كانوا ينحتون من الجبال (بيوتا).
قال مجاهد: "جابوا الجبال فجعلوها بيوتا".
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَفِرْعَوْنَ ذِى ٱلأَوْتَادِ﴾ أي: أو لم تر، يا محمد، فعل ربك بفرعون ذي الأوتاد؟!
قال ابن عباس: الأوتاد هنا "الجنود الذين يشدون له أمره".
وقيل: معناه ذي الجنود الكثيرة الذين يحتاجون [لضرب] الأوتاد في أسفارهم.
وقال مجاهد: وصف بذلك، لأنه كان [يتد أوتاد] الحديد في أيدي الناس وأرجلهم يقتلهم بها.
وقال قتادة: وصف بذلك، لأنه كانت [له مظال] وملاعب يلعب له تحتها من أوتاد [وحبال].
وروى ثابت البناني عن أبي رافع أن فرعون "وتد لامرأته (أربعة) أوتاد، ثم جعل على ظهرها رحى عظيمة حتى ماتت".
وقال ابن جبير: وصف بذلك: لأنه كان يعذب الناس بالأوتاد، قال: [فكان] يجعل رجلاً هاهنا ورجلاً هاهنا، ويداً هاهنا [ويدا] هاهنا بالأوتاد، وقاله مجاهد أيضاً.
وعن ابن جبير أيضاً أنه إنما وصف بذلك، لأنه كان له بنيان يعذب الناس عليه، قال: كان له منارات يعذب الناس عليها.
* *
وقوله: ﴿ٱلَّذِينَ طَغَوْاْ فِي ٱلْبِلاَدِ﴾ أي: تجاوزوا حدود الله عتوا على ربهم في البلاد التي كانوا بها فأكثروا في تلك البلاد الفساد بركوبهم المعاصي.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ﴾ أي: فأنزل بهم ربك (يا محمد) عذابه نقمة منه لهم لكفرهم، يعني جميع من تقدم ذكره من الكفرة. والعرب تقول لكل عذاب شديد عذب به المعذب: سوط خزي.
فقوله: ﴿سَوْطَ عَذَابٍ﴾، واقع على أنواع (من العذاب عذب الله بها هذه الأمم) المذكورة في الدنيا فأهلكهم بها. [وكذا حكى الماوردي: ﴿سَوْطَ عَذَابٍ﴾ أي: خلط عذاب لأنه أنواع].
قال مجاهد: ﴿سَوْطَ عَذَابٍ﴾ "ما عذبوا به". وهو قول ابن زيد (وغيره).
* *
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِٱلْمِرْصَادِ﴾ أي: إن ربك يا محمد لهؤلاء الذين قصصت عليك قصصهم ولغيرهم من أمثالهم لبالمرصاد يرصدهم على قناطر جهنم فيكردسهم فيها إذا وردوها يوم القيامة. وقيل: معناه: لا يفوته هارب.
وقال ابن عباس: ﴿لَبِٱلْمِرْصَادِ﴾ أي: "يسمع ويرى". وقال الضحاك: إذا كان يوم [القيامة] يأمر الله عز وجل بكرسيه فيوضع على النار فيستوي عليه ويقول: "وعزتي لا يجاوزني اليوم (ذو) مظلمة".
فذلك قوله جل ثناؤه: ﴿لَبِٱلْمِرْصَادِ﴾.
وقال سفيان: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِٱلْمِرْصَادِ﴾ يعني: جهنم عليها ثلاث [قناطر]: قنطرة فيها الرحم، وقنطرة فيها الأمانة، وقنطرة فيها الرب جل ثناؤه. قال [عمرو] بن قيس: بلغني أن على جهنم ثلاث [قناطر] فقنطرة عليها الأمانة إذا مروا بها تقول: (يا رب)، هذا (أمين، يا رب هذا خائن. وقنطرة عليها الرحم إذا مروا بها تقول: هذا) واصل، هذا قاطع. وقنطرة عليها الرب تعالى ذكره ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِٱلْمِرْصَادِ﴾.
وقال الحسن: ﴿لَبِٱلْمِرْصَادِ﴾ أي: "مرصاد عمل بني آدم". قال ابن مسعود: والفجر إن ربك لبالمرصاد.
يعني أنه جواب القسم.
ويروى أن على جسر جهنم (سبع) [قناطر] محابس، بين كل قنطرتين سبعون عاما، وعرض [الجسر] كحد السيف مدحضة مزلقة، في الرقة مثل الشعرة، فيسأل الناس [عند أول] قنطرة من الإيمان، فإن جاء به تاماً جاز إلى القنطرة الثانية، ثم يسأل عن [الصلوات] الخمس، فإن جاء بها [تامة] جاز إلى (القنطرة) الثالثة، ثم يسأل عن الزكاة، فإن جاء بها تامة جاز إلى الرابعة، ثم يسأل عن صيام رمضان فإن جاء به تاما جاز إلى الخامسة، ثم (يسأل) عن الحج، ثم (يسأل) عن صلة الرحم.
قال نافع (و) الرؤاسي: ﴿إِرَمَ﴾ وقف جيد. وهو بعيد لأن ﴿ذَاتِ ٱلْعِمَادِ﴾ نعت لما قبلها أو بدل منه. والوقف عند الأخفش وغيره ﴿أَهَانَنِ﴾. والاختيار الوقف على "كلا" وهو قول نصير وأحمد بن موسى . والمعنى: كلا، [لم أهنه بتقديري] عليه رزقه.
وقال الفراء: معناه: كلا، لم يكن ينبغي للإنسان أن يقول هذا، ولكن يجب عليه أن يحمد الله على الأمرين جميعا، على الغنى والفقر.
وقوله تعالى: ﴿فَأَمَّا ٱلإِنسَانُ إِذَا مَا ٱبْتَلاَهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّيۤ أَكْرَمَنِ﴾.
أي: فأما الإنسان إذا ما امتحنه ربه بالنعم والسعة فرح بذلك، وقال: ربي أكرمني بهذه الكرامة.
وأما إذا ما امتحنه فضيق عليه رزقه وقَتَّره عليه غَمَّه [وقال]: ربي أهانني وأذلني بالفقر، فلم يشكر الله على ما وهب له من سلامة جوارحه.
قال قتادة: ﴿فَيَقُولُ رَبِّيۤ أَهَانَنِ﴾ "ما أسرع ما كفر ابن آدم".
* *
وقوله: ﴿كَلاَّ﴾.
هو إنكار من الله أن يكون سبب كرامته من أكرم [كثرة] المال، وسبب إهانته من أهان قلة المال.
قال قتادة معناه: لا أكرم من أكرمت بكثرة المال ولا أهين من أهنت بقلته، ولكن إنما أكرم من أكرمت بتوفيقه إلى [طاعتي]، وأهين من أهنت بخذلانه وارتكاب لمعصيتي.
(ودل على ذلك قوله: ﴿بَل لاَّ تُكْرِمُونَ ٱلْيَتِيمَ * وَلاَ تَحَآضُّونَ عَلَىٰ طَعَامِ ٱلْمِسْكِينِ﴾ إلى ﴿جَمّاً﴾ أي: فبهدا أهين من أهنت، لأنه مرتكب لمعصيتي) مخذول ممنوع عن طاعتي.
وقيل: معناه: لم يكن الإنسان أن يحمد الله على النعم دون الفقر، ولكن ينبغي له أن يحمده على الأمرين جميعاً، على الغنى والفقر.
والوقف على ﴿أَهَانَنِ﴾ حسن، وتكون "كلا" في الابتداء بمعنى "حقاً"، أو بمعنى "ألا". وهو قول الأخفش وأحمد بن موسى.
وأجاز أبو حاتم الوقف على (أهنن) وعلى (كلا).
والوقف عند نصير والفراء على "كلا"، وهو الاختيار، لأنها عند أهل التفسير رد لما قبلها. (وقد) قال الحسن: "كلا" معناه: ليس يهان أحد بفقر ولا غنى. وقاله قتادة.
* *
وقوله: ﴿بَل لاَّ تُكْرِمُونَ ٱلْيَتِيمَ﴾ أي: بل إنما أهنت من أهنت، لأنه لا يكرم اليتيم ولا يحض الناس ولا نفسه على طعام المسكين.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَتَأْكُلُونَ ٱلتُّرَاثَ أَكْلاً لَّمّاً﴾ أي: وأهنتكم لأنكم تأكلون الميراث أكلاً شديداً.
﴿وَتُحِبُّونَ ٱلْمَالَ حُبّاً جَمّاً﴾ أي: كثيراً.
قال ابن عباس: ﴿أَكْلاً لَّمّاً﴾، أي: سفاً، وجماً: شديداً.
وقال الحسن: معنى ﴿لَّمّاً﴾، أي: يخلطون الحلال بالحرام.
وقال ابن زيد: ﴿وَتَأْكُلُونَ ٱلتُّرَاثَ أَكْلاً لَّمّاً﴾، أي: تأكلون كل شيء تجدونه من الميراث وغيره، لا تسألون عنه، يأكل الذي له والذي لصاحبه.
[قال]: كانوا لا [يورثون] النساء ولا [يورثون] الصغار، وقرأ ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي ٱلنِّسَآءِ قُلِ ٱللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ فِي ٱلْكِتَٰبِ فِي يَتَٰمَى ٱلنِّسَآءِ﴾ [النساء: ١٢٧]... إلى قوله ﴿عَلِيماً﴾ [النساء: ١٢٧].
فقوله: ﴿وَٱلْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ ٱلْوِلْدَٰنِ﴾ [النساء: ١٢٧]، يعني: يستضعفوهم [فلا يؤتونهم].
قال: وقوله: ﴿وَتُحِبُّونَ ٱلْمَالَ حُبّاً جَمّاً﴾,
أي: وتحبون جمع المال واقتناءه حبا كثيرا.
والعرب تقول: "جم الماء في الحوض": إذا اجتمع وكثر.
* *
ثم قال تعالى: ﴿كَلاَّ إِذَا دُكَّتِ ٱلأَرْضُ دَكّاً دَكّاً﴾.
الوقف على "كلا" حسن، ومعناه: ليس هكذا ينبغي أن يكون الأمر أن تأكلوا الميراث أكلا شديدا، وتحبوا جمع المال حباً كثيراً. ولا تكرمون اليتيم بالصدقة، ولا تحضون على طعام المسكين.
وقيل: المعنى: لا يغني عنكم جمع المال شيئاً.
وقوله تعالى: ﴿إِذَا دُكَّتِ ٱلأَرْضُ﴾، أي: رجت وزلزلت مرة بعد مرة.
قال ابن عباس: هو "تحريكها".
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَجَآءَ رَبُّكَ وَٱلْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً﴾ أي: والملائكة صفاً بعد صف.
وروى شهر بن حوشب عن ابن عباس أنه قال: إذا كان يوم القيامة، مدت الأرض مد الأديم، وزيد في سعتها كذا وكذا، وجمع الخلائق بصعيد واحد، جِنَّهم وإنسهم، فإذا كان [ذلك] اليوم قيضت السماء الدنيا عن أهلها على وجه الأرض، ولأهل هذه السماء وحدهم أكثر من أهل الأرض، جنهم وإنسهم بضعف، [فإذا مروا] على وجه الأرض فزعوا منهم، فيقولون: (أفيكم ربنا؟ فيفزعون من قولهم، فيقولون) سبحان ربنا، ليس فينا وهو آتٍ ثم تقاض السماء الثانية، فأهل السماء الثانية وحدهم أكثر من أهل سماء الدنيا ومن جميع أهل الأرض بضعف جنهم وإنسهم، فإذا مروا على وجه الأرض فزع إليهم أهل الأرض فيقولون: أفيكم ربنا؟ فيفزعون من كلامهم ويقولون: سبحان الله، ليس فينا، وهو آت ثم تقاض السماوات سماءً (سماءً)، كلما قيضت سماء عن أهلها كانت أكثر من أهل السماوات التي تحتها ومن جميع أهل الأرض بضعف، فإذا مروا على وجه الأرض فزع إليهم أهل الأرض فيقولون، لهم مثل ذلك، ويرجعون إليهم مثل ذلك، حتى [تقاض السماء] السابعة، فلأهل السماء السابعة أكثر من أهل ست سماوات ومن جميع أهل الأرض بضعف، فيجيء الله عز وجل فيهم وجميع الأمم جثيٌّ [صفوف]، وينادي مناد: ستعلمون اليوم من أصحاب الكرم، ليقم الحمادون لله على كل حال. قال: فيقومون فيسرحون إلى الجنة، ثم ينادي الثانية: ستعلمون اليوم من أصحاب الكرم، أين الذين كانت تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفاً وطمعاً ومما رزقناهم ينفقون؟ فيسرحون إلى الجنة، ثم ينادي الثالثة: ستعلمون اليوم من أصحاب الكرم، أين الذين كانوا لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة يخافون يوماً تتقلب فيه القلوب والأبصار؟ فيسرحون إلى الجنة، قال: فإذا أخذ من هؤلاء ثلاثة، عنق من النار فأشرف على الخلائق له عينان تبصران ولسان فصيح فيقول: إني وكلت منكم بثلاثة: بكل جبار عنيد، [فيلتقطهم] من الصفوف لقط الطير حب السمسم فيخنس بهم في جهنم، [ثم] [يخرج] ثانية [فيقول]: إني وكلت منكم بمن آذى الله ورسوله، [فيلتقطهم] [من الصفوف] لقط الطير حب السمسم [فيخنس] بهم في جهنم. قال شهر ابن حوشب: وأحسب أنه ذكر في الثالثة أهل التصاوير [فيلتقطهم] كذلك. قال: فإذا أخذ من هؤلاء ثلاثة، ومن هؤلاء ثلاثة، نشرت الصحف ووضعت الموازين ودعي الخلائق للحساب.
وقال الضحاك: إذا كان يوم القيامة، أمر الله جل ذكره السماء الدنيا بأهلها، فنزل من فيها من الملائكة فأحاطوا بالأرض ومن عليها، ثم الثانية، ثم الثالثة، كذلك إلى السابعة، فصفوا صفا دون صف، ثم ينزل الملك الأعلى، على مجنبته اليسرى جهنم، فإذا رآها أهل الأرض نادوا، فلا يأتون قطراً من أقطار الأرض إلا وجدوا سبعة صفوف من الملائكة، فيرجعون إلى المكان الذي كانوا فيه، فذلك قوله عز وجل: ﴿إِنِّيۤ أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ ٱلتَّنَادِ * يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ﴾ [غافر: ٣٢-٣٣].
وقرئ بتشديد الدال من ند البعير: إذا فر.
قال: ذلك قوله: ﴿وَجَآءَ رَبُّكَ وَٱلْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً * وَجِيۤءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ﴾. وقوله: ﴿يٰمَعْشَرَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنسِ إِنِ ٱسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُواْ..﴾ [الرحمن: ٣٣] الآية.
وهو قوله: ﴿وَٱنشَقَّتِ ٱلسَّمَآءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ * وَٱلْمَلَكُ عَلَىٰ أَرْجَآئِهَآ﴾ [الحاقة: ١٦-١٧].
روى أبو هريرة أن النبي ﷺ (قال): توقفون موقفاً واحداً يوم القيامة مقدار سبعين عاما لا ينظر إليكم ولا يقضى بينكم، فتبكون حتى ينقطع الدمع، ثم تدمعون دما وتبكون حتى يبلغ ذلك منكم [الأذقان] ويلجمكم وتضجون ثم تقولون: [من] يشفع لنا إلى ربنا فيقضي بيننا؟ فيقولون: من أحق بذلك من أبيكم آدم، قبل الله توبته وخلقه بيده ونفخ فيه من روحه وكلمه [قبلاً]، فيؤتى آدم، فيطلب ذلك إليه فيأبى، ثم الأنبياء - نبياً - نبياً - كلما جاؤوا نبياً أبى.
قال رسول الله ﷺ: حتى يأتونني فإذا جاءوني خرجت حتى أتي الفحص.
قال أبو هريرة رضي الله عنه: يا رسول الله، وما الفحص؟ قال قدام العرش، قال: فأخر ساجداً، قال: فلا أزال ساجداً حتى يبعث الله إلي ملكاً فيأخذ بعضدي فيرفعني، فيقول الله جل وعز [لي]: يا محمد، فأقول: نعم، وهو أعلم، فيقول: ما شأنك؟ فأقول: يا رب، وعدتني الشفاعة، فشفعني في خلقك واقض بينهم، فيقول تعالى: قد شفعتك، أنا آتيهم وأقضي بينهم.
قال رسول الله ﷺ: فأنصرف حتى أقف مع الناس، فبينما نحن وقوف، سمعنا حساً من السماء شديداً، فهالنا، فنزل أهل سماء الدنيا بمثلي من في الأرض من الإنس والجن، حتى إذا دنوا من الأرض، أشرقت الأرض لنورهم، وأخذوا [مصافهم] [فقلنا] (لهم): أفيكم ربنا؟ [فقالوا]: لا، وهو آت. ثم نزل أهل السماء الثانية بمثلي من نزل من الملائكة وبمثل من فيها من الجن والإنس، حتى إذا دنوا من الأرض، أشرقت الأرض لنورهم وأخذوا مصافهم، فقلنا لهم: أفيكم ربنا؟ فقالوا: لا، وهو آت، ثم ينزل أهل السماوات على قدر ذلك من التضعيف، حتى نزل الجبار في ظلل من الغمام والملائكة لهم زجل من تسبيحهم يقولون: سبحان الملك ذي الملكوت، سبحان رب العرش ذي الجبروت، سبحان الحي الذي لا يموت، سبحان الذي يميت الخلائق ولا يموت، سبوح قدوس رب الملائكة والروح، قدوس قدوس سبحان ربنا الأعلى سبحان ذي الجبروت والملكوت والكبرياء والسلطان والعظمة، سبحانه أبداً أبداً، فينزل تعالى جل ذكره يحمل عرشه يومئذ ثمانية، وهم اليوم أربعة أقدامهم على تخوم الأرض السفلى والسماوات إلى حجزهم والعرشُ إلى مناكبهم. قال: فيضع الله جل ذكره كرسيه حيث شاء من الأرض، ثم ينادي بنداء يسمع الخلائق فيقول: يا [معشر الجن] والإنس [إني] قد أنصت من يوم خلقتكم إلى يومكم هذا، أسمع كلامكم وأبصر أعمالكم، فأنصتوا إليَّ، فإنما هي صحفكم وأعمالكم تقرأ عليكم، فمن وجد خيراً فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا [يلم] إلا نفسه.
قال: ثم يأمر الله جل وعز جهنم فيخرج منها عنق ساطع [مظلم] يقول: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يٰبَنِيۤ ءَادَمَ أَن لاَّ تَعْبُدُواْ ٱلشَّيطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ * وَأَنِ ٱعْبُدُونِي هَـٰذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ﴾ إلى قوله: ﴿ٱلْمُجْرِمُونَ﴾ فيتميز الناس ويجثون، [وهي] التي يقول الله تعالى جل ذكره: ﴿وَتَرَىٰ كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أمَّةٍ تُدْعَىٰ إِلَىٰ كِتَابِهَا﴾ إلى ﴿تَعْمَلُونَ﴾.
قال: فيقضي الله جل ثناؤه بين خلقه الجن والإنس والبهائم، فإنه [ليقيدُ] يومئذ للجماء من ذات القرن، حتى إذا لم تبق تبعة عند واحدة لأخرى، قال الله تعالى: كوني تراباً. فعند ذلك يقول الكافر: يا ليتني كنت تراباً! [قال]: ثم يقضي الله جل ذكره بين الجن والإنس
ووقع [التكرير] في (دكاً دكاً) و (صفاً صفاً) على معنى: دكاً (بعد دكاً) [وصفاً] بعد صف.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَجِيۤءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ﴾.
قال ابن مسعود: "جيء بها تقاد بسبعين ألف زمام، مع كل زمام سبعون ألف ملك يقودنها وقاله ابن وائل.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَجِيۤءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ ٱلإِنسَانُ وَأَنَّىٰ لَهُ ٱلذِّكْرَىٰ﴾.
أي: يتذكر تفريطه في الدنيا في طاعة الله، ومن أي وجه له الذكرى في ذلك اليوم وقد حيل بينه وبين العمل.
* *
ثم قال تعالى: ﴿يَقُولُ يٰلَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي﴾.
أي: يتلهف ويتندم فيقول: يا ليتني قدمت في الدنيا عملاً صالحاً لحياتي هذه التي لا موت بعدها فينجيني ذلك العمل من عذاب الله تعالى وسخطه ويقربني من رضوانه وجنته.
فالمعنى: قدمت لآخرتي (التي) هي الحياة الدائمة، دليله قوله: ﴿وَإِنَّ ٱلدَّارَ ٱلآخِرَةَ لَهِيَ ٱلْحَيَوَانُ﴾ [العنكبوت: ٦٤] أي: لهي الحياة.
وقيل: المعنى قدمت لأحيا،، لأن أهل النار ليسوا بأحياء ولا أموات، بدلالة قوله: ﴿لاَ يَمُوتُ فِيهَا وَلاَ يَحْيَىٰ﴾ [طه: ٧٤].
قال قتادة: "هناكم والله الحياة الطويلة".
وقال مجاهد: "لحياتي": "للآخرة".
وقيل: الكلام بمعنى في والتقدير: يا ليتني قدمت (في حياتي، أي: قدمت العمل الصالح) في حياتي في الدنيا، مثل: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١]، أي: في عدتهن.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ﴾ ﴿وَلاَ يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ﴾.
من كسر الذال والثاء من ﴿يُعَذِّبُ﴾ و ﴿يُوثِقُ﴾ فمعناه: فلا يعذب - ذلك اليوم - أحد مثل عذاب الله لهم ولا يوثق أحد مثل وثاق الله لهم.
وقيل: (معناه: لا يعذب أحد في الدنيا كعذاب الله يومئذ ولا يوثق أحد في الدنيا كوثاقه يومئذ.
ومن فتح ذلك)، فمعناه: فلا يعذب أحد مثلما يعذب الكافر ولا يوثق مثلما يوثق.
وقال الحسن: قد علم الله أن في الدنيا عذاباً (و) وثاقاً، فقال: فيومئذ لا يعذبه عذابه أحد (في الدنيا) ولا يوثق وثاقه في الدنيا.
* *
ثم قال تعالى: ﴿يٰأَيَّتُهَا ٱلنَّفْسُ ٱلْمُطْمَئِنَّةُ * ٱرْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً﴾.
هذا خبر من الله - جل ذكره - عن قول الملائكة يوم القيامة لأولياء الله، والمعنى: تقول الملائكة لأولياء الله يوم القيامة، يا أيتها النفس التي اطمأنت إلى وعد الله [و] وعيده، فصدقت بذلك في الدنيا.
قال ابن عباس: المطمئنة: "المصدقة" (وقال قتادة: "هو المؤمن، اطمأنت نفسه إلى ما وعد الله"، وعنه:): المصدقة بما وعد الله.
وقال مجاهد: المطمئنة: الموقنة إن الله ربها، وعنه أيضاً.
المطمئنة التي أيقنت بلقاء ربها.
وفي قراءة أبي: "يا أيتها النفس الآمنة".
[قال الحسن: المطمئنة إذا أراد الله عز وجل قبضها اطمأنت إلى الله سبحانه واطمأن الله سبحانه إليها ورضيت من الله تعالى ورضي عنها فأمر بقبضها وإدخالها الجنة وجعله من عباده الصالحين]، وروي أن ذلك قول [الملائكة] للعبد المؤمن عند خروج نفسه [تبشره] برضاء ربه عنه وإعداد ما أعد له من الكرامة عنده.
قال أبو صالح: ﴿ٱرْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً﴾ هذا عند الموت ﴿فَٱدْخُلِي فِي عِبَادِي﴾ هذا يوم القيامة.
وقيل: إنه كله يوم القيامة. وإن [معنى] ﴿ٱرْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ﴾، أي: إلى صاحبك . وهو قول ابن عباس.
وقال الضحاك: "يأمر الله الأرواح يوم القيامة أن ترجع إلى الأجساد فيأتون الله كما خلقهم أول مرة" فهو على قوله أيضاً كله يوم القيامة، وهو اختيار الطبري.
قال عكرمة: ﴿إِلَىٰ رَبِّكِ﴾ إلى جسد صاحبك. [وقاله] ابن جبير.
فيكون أيضاً كله يوم القيامة وتكون المخاطبة للنفس ودل على ذلك قوله: ﴿وَٱدْخُلِي جَنَّتِي﴾ ودخول الجنة لا يكون إلا في القيامة.
وقال الضحاك: إن معنى [فادخلي في عبادي]، [أي: طاعتي]، ﴿وَٱدْخُلِي جَنَّتِي﴾ أي: رحمتي فالمخاطبة - على قوله هذا - للإنسان، لا للنفس في المعنى. وإليه يذهب الفراء، ومعناه عنده أن الملائكة تقول لهم إذا أعطوا كتبهم بإيمانهم هذا، (أي): ارجعي إلى ثواب ربك.
الفجر 89:14
قوله تعالى: ﴿وَثَمُودَ ٱلَّذِينَ جَابُواْ ٱلصَّخْرَ بِٱلْوَادِ﴾ إلى آخر السورة.
أي: وألم تر - يا محمد - كيف فعل ربك بثمود - وهم قوم صالح - الذين نقبوا الصخر وخرقوه واتخذوه بيوتا؟! وهو قوله: ﴿وَكَانُواْ يَنْحِتُونَ مِنَ ٱلْجِبَالِ بُيُوتاً آمِنِينَ﴾ [الحجر: ٨٢].
والعرب تقول: "جاب فلان [الفلاة] يجوبها جوْباً" إذا دخلها وقطعها.
قال ابن عباس: ﴿جَابُواْ ٱلصَّخْرَ﴾، أي: خرقوها، يعني: قوم صالح كانوا ينحتون من الجبال (بيوتا).
قال مجاهد: "جابوا الجبال فجعلوها بيوتا".
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَفِرْعَوْنَ ذِى ٱلأَوْتَادِ﴾ أي: أو لم تر، يا محمد، فعل ربك بفرعون ذي الأوتاد؟!
قال ابن عباس: الأوتاد هنا "الجنود الذين يشدون له أمره".
وقيل: معناه ذي الجنود الكثيرة الذين يحتاجون [لضرب] الأوتاد في أسفارهم.
وقال مجاهد: وصف بذلك، لأنه كان [يتد أوتاد] الحديد في أيدي الناس وأرجلهم يقتلهم بها.
وقال قتادة: وصف بذلك، لأنه كانت [له مظال] وملاعب يلعب له تحتها من أوتاد [وحبال].
وروى ثابت البناني عن أبي رافع أن فرعون "وتد لامرأته (أربعة) أوتاد، ثم جعل على ظهرها رحى عظيمة حتى ماتت".
وقال ابن جبير: وصف بذلك: لأنه كان يعذب الناس بالأوتاد، قال: [فكان] يجعل رجلاً هاهنا ورجلاً هاهنا، ويداً هاهنا [ويدا] هاهنا بالأوتاد، وقاله مجاهد أيضاً.
وعن ابن جبير أيضاً أنه إنما وصف بذلك، لأنه كان له بنيان يعذب الناس عليه، قال: كان له منارات يعذب الناس عليها.
* *
وقوله: ﴿ٱلَّذِينَ طَغَوْاْ فِي ٱلْبِلاَدِ﴾ أي: تجاوزوا حدود الله عتوا على ربهم في البلاد التي كانوا بها فأكثروا في تلك البلاد الفساد بركوبهم المعاصي.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ﴾ أي: فأنزل بهم ربك (يا محمد) عذابه نقمة منه لهم لكفرهم، يعني جميع من تقدم ذكره من الكفرة. والعرب تقول لكل عذاب شديد عذب به المعذب: سوط خزي.
فقوله: ﴿سَوْطَ عَذَابٍ﴾، واقع على أنواع (من العذاب عذب الله بها هذه الأمم) المذكورة في الدنيا فأهلكهم بها. [وكذا حكى الماوردي: ﴿سَوْطَ عَذَابٍ﴾ أي: خلط عذاب لأنه أنواع].
قال مجاهد: ﴿سَوْطَ عَذَابٍ﴾ "ما عذبوا به". وهو قول ابن زيد (وغيره).
* *
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِٱلْمِرْصَادِ﴾ أي: إن ربك يا محمد لهؤلاء الذين قصصت عليك قصصهم ولغيرهم من أمثالهم لبالمرصاد يرصدهم على قناطر جهنم فيكردسهم فيها إذا وردوها يوم القيامة. وقيل: معناه: لا يفوته هارب.
وقال ابن عباس: ﴿لَبِٱلْمِرْصَادِ﴾ أي: "يسمع ويرى". وقال الضحاك: إذا كان يوم [القيامة] يأمر الله عز وجل بكرسيه فيوضع على النار فيستوي عليه ويقول: "وعزتي لا يجاوزني اليوم (ذو) مظلمة".
فذلك قوله جل ثناؤه: ﴿لَبِٱلْمِرْصَادِ﴾.
وقال سفيان: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِٱلْمِرْصَادِ﴾ يعني: جهنم عليها ثلاث [قناطر]: قنطرة فيها الرحم، وقنطرة فيها الأمانة، وقنطرة فيها الرب جل ثناؤه. قال [عمرو] بن قيس: بلغني أن على جهنم ثلاث [قناطر] فقنطرة عليها الأمانة إذا مروا بها تقول: (يا رب)، هذا (أمين، يا رب هذا خائن. وقنطرة عليها الرحم إذا مروا بها تقول: هذا) واصل، هذا قاطع. وقنطرة عليها الرب تعالى ذكره ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِٱلْمِرْصَادِ﴾.
وقال الحسن: ﴿لَبِٱلْمِرْصَادِ﴾ أي: "مرصاد عمل بني آدم". قال ابن مسعود: والفجر إن ربك لبالمرصاد.
يعني أنه جواب القسم.
ويروى أن على جسر جهنم (سبع) [قناطر] محابس، بين كل قنطرتين سبعون عاما، وعرض [الجسر] كحد السيف مدحضة مزلقة، في الرقة مثل الشعرة، فيسأل الناس [عند أول] قنطرة من الإيمان، فإن جاء به تاماً جاز إلى القنطرة الثانية، ثم يسأل عن [الصلوات] الخمس، فإن جاء بها [تامة] جاز إلى (القنطرة) الثالثة، ثم يسأل عن الزكاة، فإن جاء بها تامة جاز إلى الرابعة، ثم يسأل عن صيام رمضان فإن جاء به تاما جاز إلى الخامسة، ثم (يسأل) عن الحج، ثم (يسأل) عن صلة الرحم.
قال نافع (و) الرؤاسي: ﴿إِرَمَ﴾ وقف جيد. وهو بعيد لأن ﴿ذَاتِ ٱلْعِمَادِ﴾ نعت لما قبلها أو بدل منه. والوقف عند الأخفش وغيره ﴿أَهَانَنِ﴾. والاختيار الوقف على "كلا" وهو قول نصير وأحمد بن موسى . والمعنى: كلا، [لم أهنه بتقديري] عليه رزقه.
وقال الفراء: معناه: كلا، لم يكن ينبغي للإنسان أن يقول هذا، ولكن يجب عليه أن يحمد الله على الأمرين جميعا، على الغنى والفقر.
وقوله تعالى: ﴿فَأَمَّا ٱلإِنسَانُ إِذَا مَا ٱبْتَلاَهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّيۤ أَكْرَمَنِ﴾.
أي: فأما الإنسان إذا ما امتحنه ربه بالنعم والسعة فرح بذلك، وقال: ربي أكرمني بهذه الكرامة.
وأما إذا ما امتحنه فضيق عليه رزقه وقَتَّره عليه غَمَّه [وقال]: ربي أهانني وأذلني بالفقر، فلم يشكر الله على ما وهب له من سلامة جوارحه.
قال قتادة: ﴿فَيَقُولُ رَبِّيۤ أَهَانَنِ﴾ "ما أسرع ما كفر ابن آدم".
* *
وقوله: ﴿كَلاَّ﴾.
هو إنكار من الله أن يكون سبب كرامته من أكرم [كثرة] المال، وسبب إهانته من أهان قلة المال.
قال قتادة معناه: لا أكرم من أكرمت بكثرة المال ولا أهين من أهنت بقلته، ولكن إنما أكرم من أكرمت بتوفيقه إلى [طاعتي]، وأهين من أهنت بخذلانه وارتكاب لمعصيتي.
(ودل على ذلك قوله: ﴿بَل لاَّ تُكْرِمُونَ ٱلْيَتِيمَ * وَلاَ تَحَآضُّونَ عَلَىٰ طَعَامِ ٱلْمِسْكِينِ﴾ إلى ﴿جَمّاً﴾ أي: فبهدا أهين من أهنت، لأنه مرتكب لمعصيتي) مخذول ممنوع عن طاعتي.
وقيل: معناه: لم يكن الإنسان أن يحمد الله على النعم دون الفقر، ولكن ينبغي له أن يحمده على الأمرين جميعاً، على الغنى والفقر.
والوقف على ﴿أَهَانَنِ﴾ حسن، وتكون "كلا" في الابتداء بمعنى "حقاً"، أو بمعنى "ألا". وهو قول الأخفش وأحمد بن موسى.
وأجاز أبو حاتم الوقف على (أهنن) وعلى (كلا).
والوقف عند نصير والفراء على "كلا"، وهو الاختيار، لأنها عند أهل التفسير رد لما قبلها. (وقد) قال الحسن: "كلا" معناه: ليس يهان أحد بفقر ولا غنى. وقاله قتادة.
* *
وقوله: ﴿بَل لاَّ تُكْرِمُونَ ٱلْيَتِيمَ﴾ أي: بل إنما أهنت من أهنت، لأنه لا يكرم اليتيم ولا يحض الناس ولا نفسه على طعام المسكين.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَتَأْكُلُونَ ٱلتُّرَاثَ أَكْلاً لَّمّاً﴾ أي: وأهنتكم لأنكم تأكلون الميراث أكلاً شديداً.
﴿وَتُحِبُّونَ ٱلْمَالَ حُبّاً جَمّاً﴾ أي: كثيراً.
قال ابن عباس: ﴿أَكْلاً لَّمّاً﴾، أي: سفاً، وجماً: شديداً.
وقال الحسن: معنى ﴿لَّمّاً﴾، أي: يخلطون الحلال بالحرام.
وقال ابن زيد: ﴿وَتَأْكُلُونَ ٱلتُّرَاثَ أَكْلاً لَّمّاً﴾، أي: تأكلون كل شيء تجدونه من الميراث وغيره، لا تسألون عنه، يأكل الذي له والذي لصاحبه.
[قال]: كانوا لا [يورثون] النساء ولا [يورثون] الصغار، وقرأ ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي ٱلنِّسَآءِ قُلِ ٱللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ فِي ٱلْكِتَٰبِ فِي يَتَٰمَى ٱلنِّسَآءِ﴾ [النساء: ١٢٧]... إلى قوله ﴿عَلِيماً﴾ [النساء: ١٢٧].
فقوله: ﴿وَٱلْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ ٱلْوِلْدَٰنِ﴾ [النساء: ١٢٧]، يعني: يستضعفوهم [فلا يؤتونهم].
قال: وقوله: ﴿وَتُحِبُّونَ ٱلْمَالَ حُبّاً جَمّاً﴾,
أي: وتحبون جمع المال واقتناءه حبا كثيرا.
والعرب تقول: "جم الماء في الحوض": إذا اجتمع وكثر.
* *
ثم قال تعالى: ﴿كَلاَّ إِذَا دُكَّتِ ٱلأَرْضُ دَكّاً دَكّاً﴾.
الوقف على "كلا" حسن، ومعناه: ليس هكذا ينبغي أن يكون الأمر أن تأكلوا الميراث أكلا شديدا، وتحبوا جمع المال حباً كثيراً. ولا تكرمون اليتيم بالصدقة، ولا تحضون على طعام المسكين.
وقيل: المعنى: لا يغني عنكم جمع المال شيئاً.
وقوله تعالى: ﴿إِذَا دُكَّتِ ٱلأَرْضُ﴾، أي: رجت وزلزلت مرة بعد مرة.
قال ابن عباس: هو "تحريكها".
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَجَآءَ رَبُّكَ وَٱلْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً﴾ أي: والملائكة صفاً بعد صف.
وروى شهر بن حوشب عن ابن عباس أنه قال: إذا كان يوم القيامة، مدت الأرض مد الأديم، وزيد في سعتها كذا وكذا، وجمع الخلائق بصعيد واحد، جِنَّهم وإنسهم، فإذا كان [ذلك] اليوم قيضت السماء الدنيا عن أهلها على وجه الأرض، ولأهل هذه السماء وحدهم أكثر من أهل الأرض، جنهم وإنسهم بضعف، [فإذا مروا] على وجه الأرض فزعوا منهم، فيقولون: (أفيكم ربنا؟ فيفزعون من قولهم، فيقولون) سبحان ربنا، ليس فينا وهو آتٍ ثم تقاض السماء الثانية، فأهل السماء الثانية وحدهم أكثر من أهل سماء الدنيا ومن جميع أهل الأرض بضعف جنهم وإنسهم، فإذا مروا على وجه الأرض فزع إليهم أهل الأرض فيقولون: أفيكم ربنا؟ فيفزعون من كلامهم ويقولون: سبحان الله، ليس فينا، وهو آت ثم تقاض السماوات سماءً (سماءً)، كلما قيضت سماء عن أهلها كانت أكثر من أهل السماوات التي تحتها ومن جميع أهل الأرض بضعف، فإذا مروا على وجه الأرض فزع إليهم أهل الأرض فيقولون، لهم مثل ذلك، ويرجعون إليهم مثل ذلك، حتى [تقاض السماء] السابعة، فلأهل السماء السابعة أكثر من أهل ست سماوات ومن جميع أهل الأرض بضعف، فيجيء الله عز وجل فيهم وجميع الأمم جثيٌّ [صفوف]، وينادي مناد: ستعلمون اليوم من أصحاب الكرم، ليقم الحمادون لله على كل حال. قال: فيقومون فيسرحون إلى الجنة، ثم ينادي الثانية: ستعلمون اليوم من أصحاب الكرم، أين الذين كانت تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفاً وطمعاً ومما رزقناهم ينفقون؟ فيسرحون إلى الجنة، ثم ينادي الثالثة: ستعلمون اليوم من أصحاب الكرم، أين الذين كانوا لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة يخافون يوماً تتقلب فيه القلوب والأبصار؟ فيسرحون إلى الجنة، قال: فإذا أخذ من هؤلاء ثلاثة، عنق من النار فأشرف على الخلائق له عينان تبصران ولسان فصيح فيقول: إني وكلت منكم بثلاثة: بكل جبار عنيد، [فيلتقطهم] من الصفوف لقط الطير حب السمسم فيخنس بهم في جهنم، [ثم] [يخرج] ثانية [فيقول]: إني وكلت منكم بمن آذى الله ورسوله، [فيلتقطهم] [من الصفوف] لقط الطير حب السمسم [فيخنس] بهم في جهنم. قال شهر ابن حوشب: وأحسب أنه ذكر في الثالثة أهل التصاوير [فيلتقطهم] كذلك. قال: فإذا أخذ من هؤلاء ثلاثة، ومن هؤلاء ثلاثة، نشرت الصحف ووضعت الموازين ودعي الخلائق للحساب.
وقال الضحاك: إذا كان يوم القيامة، أمر الله جل ذكره السماء الدنيا بأهلها، فنزل من فيها من الملائكة فأحاطوا بالأرض ومن عليها، ثم الثانية، ثم الثالثة، كذلك إلى السابعة، فصفوا صفا دون صف، ثم ينزل الملك الأعلى، على مجنبته اليسرى جهنم، فإذا رآها أهل الأرض نادوا، فلا يأتون قطراً من أقطار الأرض إلا وجدوا سبعة صفوف من الملائكة، فيرجعون إلى المكان الذي كانوا فيه، فذلك قوله عز وجل: ﴿إِنِّيۤ أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ ٱلتَّنَادِ * يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ﴾ [غافر: ٣٢-٣٣].
وقرئ بتشديد الدال من ند البعير: إذا فر.
قال: ذلك قوله: ﴿وَجَآءَ رَبُّكَ وَٱلْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً * وَجِيۤءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ﴾. وقوله: ﴿يٰمَعْشَرَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنسِ إِنِ ٱسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُواْ..﴾ [الرحمن: ٣٣] الآية.
وهو قوله: ﴿وَٱنشَقَّتِ ٱلسَّمَآءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ * وَٱلْمَلَكُ عَلَىٰ أَرْجَآئِهَآ﴾ [الحاقة: ١٦-١٧].
روى أبو هريرة أن النبي ﷺ (قال): توقفون موقفاً واحداً يوم القيامة مقدار سبعين عاما لا ينظر إليكم ولا يقضى بينكم، فتبكون حتى ينقطع الدمع، ثم تدمعون دما وتبكون حتى يبلغ ذلك منكم [الأذقان] ويلجمكم وتضجون ثم تقولون: [من] يشفع لنا إلى ربنا فيقضي بيننا؟ فيقولون: من أحق بذلك من أبيكم آدم، قبل الله توبته وخلقه بيده ونفخ فيه من روحه وكلمه [قبلاً]، فيؤتى آدم، فيطلب ذلك إليه فيأبى، ثم الأنبياء - نبياً - نبياً - كلما جاؤوا نبياً أبى.
قال رسول الله ﷺ: حتى يأتونني فإذا جاءوني خرجت حتى أتي الفحص.
قال أبو هريرة رضي الله عنه: يا رسول الله، وما الفحص؟ قال قدام العرش، قال: فأخر ساجداً، قال: فلا أزال ساجداً حتى يبعث الله إلي ملكاً فيأخذ بعضدي فيرفعني، فيقول الله جل وعز [لي]: يا محمد، فأقول: نعم، وهو أعلم، فيقول: ما شأنك؟ فأقول: يا رب، وعدتني الشفاعة، فشفعني في خلقك واقض بينهم، فيقول تعالى: قد شفعتك، أنا آتيهم وأقضي بينهم.
قال رسول الله ﷺ: فأنصرف حتى أقف مع الناس، فبينما نحن وقوف، سمعنا حساً من السماء شديداً، فهالنا، فنزل أهل سماء الدنيا بمثلي من في الأرض من الإنس والجن، حتى إذا دنوا من الأرض، أشرقت الأرض لنورهم، وأخذوا [مصافهم] [فقلنا] (لهم): أفيكم ربنا؟ [فقالوا]: لا، وهو آت. ثم نزل أهل السماء الثانية بمثلي من نزل من الملائكة وبمثل من فيها من الجن والإنس، حتى إذا دنوا من الأرض، أشرقت الأرض لنورهم وأخذوا مصافهم، فقلنا لهم: أفيكم ربنا؟ فقالوا: لا، وهو آت، ثم ينزل أهل السماوات على قدر ذلك من التضعيف، حتى نزل الجبار في ظلل من الغمام والملائكة لهم زجل من تسبيحهم يقولون: سبحان الملك ذي الملكوت، سبحان رب العرش ذي الجبروت، سبحان الحي الذي لا يموت، سبحان الذي يميت الخلائق ولا يموت، سبوح قدوس رب الملائكة والروح، قدوس قدوس سبحان ربنا الأعلى سبحان ذي الجبروت والملكوت والكبرياء والسلطان والعظمة، سبحانه أبداً أبداً، فينزل تعالى جل ذكره يحمل عرشه يومئذ ثمانية، وهم اليوم أربعة أقدامهم على تخوم الأرض السفلى والسماوات إلى حجزهم والعرشُ إلى مناكبهم. قال: فيضع الله جل ذكره كرسيه حيث شاء من الأرض، ثم ينادي بنداء يسمع الخلائق فيقول: يا [معشر الجن] والإنس [إني] قد أنصت من يوم خلقتكم إلى يومكم هذا، أسمع كلامكم وأبصر أعمالكم، فأنصتوا إليَّ، فإنما هي صحفكم وأعمالكم تقرأ عليكم، فمن وجد خيراً فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا [يلم] إلا نفسه.
قال: ثم يأمر الله جل وعز جهنم فيخرج منها عنق ساطع [مظلم] يقول: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يٰبَنِيۤ ءَادَمَ أَن لاَّ تَعْبُدُواْ ٱلشَّيطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ * وَأَنِ ٱعْبُدُونِي هَـٰذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ﴾ إلى قوله: ﴿ٱلْمُجْرِمُونَ﴾ فيتميز الناس ويجثون، [وهي] التي يقول الله تعالى جل ذكره: ﴿وَتَرَىٰ كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أمَّةٍ تُدْعَىٰ إِلَىٰ كِتَابِهَا﴾ إلى ﴿تَعْمَلُونَ﴾.
قال: فيقضي الله جل ثناؤه بين خلقه الجن والإنس والبهائم، فإنه [ليقيدُ] يومئذ للجماء من ذات القرن، حتى إذا لم تبق تبعة عند واحدة لأخرى، قال الله تعالى: كوني تراباً. فعند ذلك يقول الكافر: يا ليتني كنت تراباً! [قال]: ثم يقضي الله جل ذكره بين الجن والإنس
ووقع [التكرير] في (دكاً دكاً) و (صفاً صفاً) على معنى: دكاً (بعد دكاً) [وصفاً] بعد صف.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَجِيۤءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ﴾.
قال ابن مسعود: "جيء بها تقاد بسبعين ألف زمام، مع كل زمام سبعون ألف ملك يقودنها وقاله ابن وائل.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَجِيۤءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ ٱلإِنسَانُ وَأَنَّىٰ لَهُ ٱلذِّكْرَىٰ﴾.
أي: يتذكر تفريطه في الدنيا في طاعة الله، ومن أي وجه له الذكرى في ذلك اليوم وقد حيل بينه وبين العمل.
* *
ثم قال تعالى: ﴿يَقُولُ يٰلَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي﴾.
أي: يتلهف ويتندم فيقول: يا ليتني قدمت في الدنيا عملاً صالحاً لحياتي هذه التي لا موت بعدها فينجيني ذلك العمل من عذاب الله تعالى وسخطه ويقربني من رضوانه وجنته.
فالمعنى: قدمت لآخرتي (التي) هي الحياة الدائمة، دليله قوله: ﴿وَإِنَّ ٱلدَّارَ ٱلآخِرَةَ لَهِيَ ٱلْحَيَوَانُ﴾ [العنكبوت: ٦٤] أي: لهي الحياة.
وقيل: المعنى قدمت لأحيا،، لأن أهل النار ليسوا بأحياء ولا أموات، بدلالة قوله: ﴿لاَ يَمُوتُ فِيهَا وَلاَ يَحْيَىٰ﴾ [طه: ٧٤].
قال قتادة: "هناكم والله الحياة الطويلة".
وقال مجاهد: "لحياتي": "للآخرة".
وقيل: الكلام بمعنى في والتقدير: يا ليتني قدمت (في حياتي، أي: قدمت العمل الصالح) في حياتي في الدنيا، مثل: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١]، أي: في عدتهن.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ﴾ ﴿وَلاَ يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ﴾.
من كسر الذال والثاء من ﴿يُعَذِّبُ﴾ و ﴿يُوثِقُ﴾ فمعناه: فلا يعذب - ذلك اليوم - أحد مثل عذاب الله لهم ولا يوثق أحد مثل وثاق الله لهم.
وقيل: (معناه: لا يعذب أحد في الدنيا كعذاب الله يومئذ ولا يوثق أحد في الدنيا كوثاقه يومئذ.
ومن فتح ذلك)، فمعناه: فلا يعذب أحد مثلما يعذب الكافر ولا يوثق مثلما يوثق.
وقال الحسن: قد علم الله أن في الدنيا عذاباً (و) وثاقاً، فقال: فيومئذ لا يعذبه عذابه أحد (في الدنيا) ولا يوثق وثاقه في الدنيا.
* *
ثم قال تعالى: ﴿يٰأَيَّتُهَا ٱلنَّفْسُ ٱلْمُطْمَئِنَّةُ * ٱرْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً﴾.
هذا خبر من الله - جل ذكره - عن قول الملائكة يوم القيامة لأولياء الله، والمعنى: تقول الملائكة لأولياء الله يوم القيامة، يا أيتها النفس التي اطمأنت إلى وعد الله [و] وعيده، فصدقت بذلك في الدنيا.
قال ابن عباس: المطمئنة: "المصدقة" (وقال قتادة: "هو المؤمن، اطمأنت نفسه إلى ما وعد الله"، وعنه:): المصدقة بما وعد الله.
وقال مجاهد: المطمئنة: الموقنة إن الله ربها، وعنه أيضاً.
المطمئنة التي أيقنت بلقاء ربها.
وفي قراءة أبي: "يا أيتها النفس الآمنة".
[قال الحسن: المطمئنة إذا أراد الله عز وجل قبضها اطمأنت إلى الله سبحانه واطمأن الله سبحانه إليها ورضيت من الله تعالى ورضي عنها فأمر بقبضها وإدخالها الجنة وجعله من عباده الصالحين]، وروي أن ذلك قول [الملائكة] للعبد المؤمن عند خروج نفسه [تبشره] برضاء ربه عنه وإعداد ما أعد له من الكرامة عنده.
قال أبو صالح: ﴿ٱرْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً﴾ هذا عند الموت ﴿فَٱدْخُلِي فِي عِبَادِي﴾ هذا يوم القيامة.
وقيل: إنه كله يوم القيامة. وإن [معنى] ﴿ٱرْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ﴾، أي: إلى صاحبك . وهو قول ابن عباس.
وقال الضحاك: "يأمر الله الأرواح يوم القيامة أن ترجع إلى الأجساد فيأتون الله كما خلقهم أول مرة" فهو على قوله أيضاً كله يوم القيامة، وهو اختيار الطبري.
قال عكرمة: ﴿إِلَىٰ رَبِّكِ﴾ إلى جسد صاحبك. [وقاله] ابن جبير.
فيكون أيضاً كله يوم القيامة وتكون المخاطبة للنفس ودل على ذلك قوله: ﴿وَٱدْخُلِي جَنَّتِي﴾ ودخول الجنة لا يكون إلا في القيامة.
وقال الضحاك: إن معنى [فادخلي في عبادي]، [أي: طاعتي]، ﴿وَٱدْخُلِي جَنَّتِي﴾ أي: رحمتي فالمخاطبة - على قوله هذا - للإنسان، لا للنفس في المعنى. وإليه يذهب الفراء، ومعناه عنده أن الملائكة تقول لهم إذا أعطوا كتبهم بإيمانهم هذا، (أي): ارجعي إلى ثواب ربك.
الفجر 89:15
قوله تعالى: ﴿وَثَمُودَ ٱلَّذِينَ جَابُواْ ٱلصَّخْرَ بِٱلْوَادِ﴾ إلى آخر السورة.
أي: وألم تر - يا محمد - كيف فعل ربك بثمود - وهم قوم صالح - الذين نقبوا الصخر وخرقوه واتخذوه بيوتا؟! وهو قوله: ﴿وَكَانُواْ يَنْحِتُونَ مِنَ ٱلْجِبَالِ بُيُوتاً آمِنِينَ﴾ [الحجر: ٨٢].
والعرب تقول: "جاب فلان [الفلاة] يجوبها جوْباً" إذا دخلها وقطعها.
قال ابن عباس: ﴿جَابُواْ ٱلصَّخْرَ﴾، أي: خرقوها، يعني: قوم صالح كانوا ينحتون من الجبال (بيوتا).
قال مجاهد: "جابوا الجبال فجعلوها بيوتا".
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَفِرْعَوْنَ ذِى ٱلأَوْتَادِ﴾ أي: أو لم تر، يا محمد، فعل ربك بفرعون ذي الأوتاد؟!
قال ابن عباس: الأوتاد هنا "الجنود الذين يشدون له أمره".
وقيل: معناه ذي الجنود الكثيرة الذين يحتاجون [لضرب] الأوتاد في أسفارهم.
وقال مجاهد: وصف بذلك، لأنه كان [يتد أوتاد] الحديد في أيدي الناس وأرجلهم يقتلهم بها.
وقال قتادة: وصف بذلك، لأنه كانت [له مظال] وملاعب يلعب له تحتها من أوتاد [وحبال].
وروى ثابت البناني عن أبي رافع أن فرعون "وتد لامرأته (أربعة) أوتاد، ثم جعل على ظهرها رحى عظيمة حتى ماتت".
وقال ابن جبير: وصف بذلك: لأنه كان يعذب الناس بالأوتاد، قال: [فكان] يجعل رجلاً هاهنا ورجلاً هاهنا، ويداً هاهنا [ويدا] هاهنا بالأوتاد، وقاله مجاهد أيضاً.
وعن ابن جبير أيضاً أنه إنما وصف بذلك، لأنه كان له بنيان يعذب الناس عليه، قال: كان له منارات يعذب الناس عليها.
* *
وقوله: ﴿ٱلَّذِينَ طَغَوْاْ فِي ٱلْبِلاَدِ﴾ أي: تجاوزوا حدود الله عتوا على ربهم في البلاد التي كانوا بها فأكثروا في تلك البلاد الفساد بركوبهم المعاصي.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ﴾ أي: فأنزل بهم ربك (يا محمد) عذابه نقمة منه لهم لكفرهم، يعني جميع من تقدم ذكره من الكفرة. والعرب تقول لكل عذاب شديد عذب به المعذب: سوط خزي.
فقوله: ﴿سَوْطَ عَذَابٍ﴾، واقع على أنواع (من العذاب عذب الله بها هذه الأمم) المذكورة في الدنيا فأهلكهم بها. [وكذا حكى الماوردي: ﴿سَوْطَ عَذَابٍ﴾ أي: خلط عذاب لأنه أنواع].
قال مجاهد: ﴿سَوْطَ عَذَابٍ﴾ "ما عذبوا به". وهو قول ابن زيد (وغيره).
* *
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِٱلْمِرْصَادِ﴾ أي: إن ربك يا محمد لهؤلاء الذين قصصت عليك قصصهم ولغيرهم من أمثالهم لبالمرصاد يرصدهم على قناطر جهنم فيكردسهم فيها إذا وردوها يوم القيامة. وقيل: معناه: لا يفوته هارب.
وقال ابن عباس: ﴿لَبِٱلْمِرْصَادِ﴾ أي: "يسمع ويرى". وقال الضحاك: إذا كان يوم [القيامة] يأمر الله عز وجل بكرسيه فيوضع على النار فيستوي عليه ويقول: "وعزتي لا يجاوزني اليوم (ذو) مظلمة".
فذلك قوله جل ثناؤه: ﴿لَبِٱلْمِرْصَادِ﴾.
وقال سفيان: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِٱلْمِرْصَادِ﴾ يعني: جهنم عليها ثلاث [قناطر]: قنطرة فيها الرحم، وقنطرة فيها الأمانة، وقنطرة فيها الرب جل ثناؤه. قال [عمرو] بن قيس: بلغني أن على جهنم ثلاث [قناطر] فقنطرة عليها الأمانة إذا مروا بها تقول: (يا رب)، هذا (أمين، يا رب هذا خائن. وقنطرة عليها الرحم إذا مروا بها تقول: هذا) واصل، هذا قاطع. وقنطرة عليها الرب تعالى ذكره ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِٱلْمِرْصَادِ﴾.
وقال الحسن: ﴿لَبِٱلْمِرْصَادِ﴾ أي: "مرصاد عمل بني آدم". قال ابن مسعود: والفجر إن ربك لبالمرصاد.
يعني أنه جواب القسم.
ويروى أن على جسر جهنم (سبع) [قناطر] محابس، بين كل قنطرتين سبعون عاما، وعرض [الجسر] كحد السيف مدحضة مزلقة، في الرقة مثل الشعرة، فيسأل الناس [عند أول] قنطرة من الإيمان، فإن جاء به تاماً جاز إلى القنطرة الثانية، ثم يسأل عن [الصلوات] الخمس، فإن جاء بها [تامة] جاز إلى (القنطرة) الثالثة، ثم يسأل عن الزكاة، فإن جاء بها تامة جاز إلى الرابعة، ثم يسأل عن صيام رمضان فإن جاء به تاما جاز إلى الخامسة، ثم (يسأل) عن الحج، ثم (يسأل) عن صلة الرحم.
قال نافع (و) الرؤاسي: ﴿إِرَمَ﴾ وقف جيد. وهو بعيد لأن ﴿ذَاتِ ٱلْعِمَادِ﴾ نعت لما قبلها أو بدل منه. والوقف عند الأخفش وغيره ﴿أَهَانَنِ﴾. والاختيار الوقف على "كلا" وهو قول نصير وأحمد بن موسى . والمعنى: كلا، [لم أهنه بتقديري] عليه رزقه.
وقال الفراء: معناه: كلا، لم يكن ينبغي للإنسان أن يقول هذا، ولكن يجب عليه أن يحمد الله على الأمرين جميعا، على الغنى والفقر.
وقوله تعالى: ﴿فَأَمَّا ٱلإِنسَانُ إِذَا مَا ٱبْتَلاَهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّيۤ أَكْرَمَنِ﴾.
أي: فأما الإنسان إذا ما امتحنه ربه بالنعم والسعة فرح بذلك، وقال: ربي أكرمني بهذه الكرامة.
وأما إذا ما امتحنه فضيق عليه رزقه وقَتَّره عليه غَمَّه [وقال]: ربي أهانني وأذلني بالفقر، فلم يشكر الله على ما وهب له من سلامة جوارحه.
قال قتادة: ﴿فَيَقُولُ رَبِّيۤ أَهَانَنِ﴾ "ما أسرع ما كفر ابن آدم".
* *
وقوله: ﴿كَلاَّ﴾.
هو إنكار من الله أن يكون سبب كرامته من أكرم [كثرة] المال، وسبب إهانته من أهان قلة المال.
قال قتادة معناه: لا أكرم من أكرمت بكثرة المال ولا أهين من أهنت بقلته، ولكن إنما أكرم من أكرمت بتوفيقه إلى [طاعتي]، وأهين من أهنت بخذلانه وارتكاب لمعصيتي.
(ودل على ذلك قوله: ﴿بَل لاَّ تُكْرِمُونَ ٱلْيَتِيمَ * وَلاَ تَحَآضُّونَ عَلَىٰ طَعَامِ ٱلْمِسْكِينِ﴾ إلى ﴿جَمّاً﴾ أي: فبهدا أهين من أهنت، لأنه مرتكب لمعصيتي) مخذول ممنوع عن طاعتي.
وقيل: معناه: لم يكن الإنسان أن يحمد الله على النعم دون الفقر، ولكن ينبغي له أن يحمده على الأمرين جميعاً، على الغنى والفقر.
والوقف على ﴿أَهَانَنِ﴾ حسن، وتكون "كلا" في الابتداء بمعنى "حقاً"، أو بمعنى "ألا". وهو قول الأخفش وأحمد بن موسى.
وأجاز أبو حاتم الوقف على (أهنن) وعلى (كلا).
والوقف عند نصير والفراء على "كلا"، وهو الاختيار، لأنها عند أهل التفسير رد لما قبلها. (وقد) قال الحسن: "كلا" معناه: ليس يهان أحد بفقر ولا غنى. وقاله قتادة.
* *
وقوله: ﴿بَل لاَّ تُكْرِمُونَ ٱلْيَتِيمَ﴾ أي: بل إنما أهنت من أهنت، لأنه لا يكرم اليتيم ولا يحض الناس ولا نفسه على طعام المسكين.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَتَأْكُلُونَ ٱلتُّرَاثَ أَكْلاً لَّمّاً﴾ أي: وأهنتكم لأنكم تأكلون الميراث أكلاً شديداً.
﴿وَتُحِبُّونَ ٱلْمَالَ حُبّاً جَمّاً﴾ أي: كثيراً.
قال ابن عباس: ﴿أَكْلاً لَّمّاً﴾، أي: سفاً، وجماً: شديداً.
وقال الحسن: معنى ﴿لَّمّاً﴾، أي: يخلطون الحلال بالحرام.
وقال ابن زيد: ﴿وَتَأْكُلُونَ ٱلتُّرَاثَ أَكْلاً لَّمّاً﴾، أي: تأكلون كل شيء تجدونه من الميراث وغيره، لا تسألون عنه، يأكل الذي له والذي لصاحبه.
[قال]: كانوا لا [يورثون] النساء ولا [يورثون] الصغار، وقرأ ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي ٱلنِّسَآءِ قُلِ ٱللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ فِي ٱلْكِتَٰبِ فِي يَتَٰمَى ٱلنِّسَآءِ﴾ [النساء: ١٢٧]... إلى قوله ﴿عَلِيماً﴾ [النساء: ١٢٧].
فقوله: ﴿وَٱلْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ ٱلْوِلْدَٰنِ﴾ [النساء: ١٢٧]، يعني: يستضعفوهم [فلا يؤتونهم].
قال: وقوله: ﴿وَتُحِبُّونَ ٱلْمَالَ حُبّاً جَمّاً﴾,
أي: وتحبون جمع المال واقتناءه حبا كثيرا.
والعرب تقول: "جم الماء في الحوض": إذا اجتمع وكثر.
* *
ثم قال تعالى: ﴿كَلاَّ إِذَا دُكَّتِ ٱلأَرْضُ دَكّاً دَكّاً﴾.
الوقف على "كلا" حسن، ومعناه: ليس هكذا ينبغي أن يكون الأمر أن تأكلوا الميراث أكلا شديدا، وتحبوا جمع المال حباً كثيراً. ولا تكرمون اليتيم بالصدقة، ولا تحضون على طعام المسكين.
وقيل: المعنى: لا يغني عنكم جمع المال شيئاً.
وقوله تعالى: ﴿إِذَا دُكَّتِ ٱلأَرْضُ﴾، أي: رجت وزلزلت مرة بعد مرة.
قال ابن عباس: هو "تحريكها".
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَجَآءَ رَبُّكَ وَٱلْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً﴾ أي: والملائكة صفاً بعد صف.
وروى شهر بن حوشب عن ابن عباس أنه قال: إذا كان يوم القيامة، مدت الأرض مد الأديم، وزيد في سعتها كذا وكذا، وجمع الخلائق بصعيد واحد، جِنَّهم وإنسهم، فإذا كان [ذلك] اليوم قيضت السماء الدنيا عن أهلها على وجه الأرض، ولأهل هذه السماء وحدهم أكثر من أهل الأرض، جنهم وإنسهم بضعف، [فإذا مروا] على وجه الأرض فزعوا منهم، فيقولون: (أفيكم ربنا؟ فيفزعون من قولهم، فيقولون) سبحان ربنا، ليس فينا وهو آتٍ ثم تقاض السماء الثانية، فأهل السماء الثانية وحدهم أكثر من أهل سماء الدنيا ومن جميع أهل الأرض بضعف جنهم وإنسهم، فإذا مروا على وجه الأرض فزع إليهم أهل الأرض فيقولون: أفيكم ربنا؟ فيفزعون من كلامهم ويقولون: سبحان الله، ليس فينا، وهو آت ثم تقاض السماوات سماءً (سماءً)، كلما قيضت سماء عن أهلها كانت أكثر من أهل السماوات التي تحتها ومن جميع أهل الأرض بضعف، فإذا مروا على وجه الأرض فزع إليهم أهل الأرض فيقولون، لهم مثل ذلك، ويرجعون إليهم مثل ذلك، حتى [تقاض السماء] السابعة، فلأهل السماء السابعة أكثر من أهل ست سماوات ومن جميع أهل الأرض بضعف، فيجيء الله عز وجل فيهم وجميع الأمم جثيٌّ [صفوف]، وينادي مناد: ستعلمون اليوم من أصحاب الكرم، ليقم الحمادون لله على كل حال. قال: فيقومون فيسرحون إلى الجنة، ثم ينادي الثانية: ستعلمون اليوم من أصحاب الكرم، أين الذين كانت تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفاً وطمعاً ومما رزقناهم ينفقون؟ فيسرحون إلى الجنة، ثم ينادي الثالثة: ستعلمون اليوم من أصحاب الكرم، أين الذين كانوا لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة يخافون يوماً تتقلب فيه القلوب والأبصار؟ فيسرحون إلى الجنة، قال: فإذا أخذ من هؤلاء ثلاثة، عنق من النار فأشرف على الخلائق له عينان تبصران ولسان فصيح فيقول: إني وكلت منكم بثلاثة: بكل جبار عنيد، [فيلتقطهم] من الصفوف لقط الطير حب السمسم فيخنس بهم في جهنم، [ثم] [يخرج] ثانية [فيقول]: إني وكلت منكم بمن آذى الله ورسوله، [فيلتقطهم] [من الصفوف] لقط الطير حب السمسم [فيخنس] بهم في جهنم. قال شهر ابن حوشب: وأحسب أنه ذكر في الثالثة أهل التصاوير [فيلتقطهم] كذلك. قال: فإذا أخذ من هؤلاء ثلاثة، ومن هؤلاء ثلاثة، نشرت الصحف ووضعت الموازين ودعي الخلائق للحساب.
وقال الضحاك: إذا كان يوم القيامة، أمر الله جل ذكره السماء الدنيا بأهلها، فنزل من فيها من الملائكة فأحاطوا بالأرض ومن عليها، ثم الثانية، ثم الثالثة، كذلك إلى السابعة، فصفوا صفا دون صف، ثم ينزل الملك الأعلى، على مجنبته اليسرى جهنم، فإذا رآها أهل الأرض نادوا، فلا يأتون قطراً من أقطار الأرض إلا وجدوا سبعة صفوف من الملائكة، فيرجعون إلى المكان الذي كانوا فيه، فذلك قوله عز وجل: ﴿إِنِّيۤ أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ ٱلتَّنَادِ * يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ﴾ [غافر: ٣٢-٣٣].
وقرئ بتشديد الدال من ند البعير: إذا فر.
قال: ذلك قوله: ﴿وَجَآءَ رَبُّكَ وَٱلْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً * وَجِيۤءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ﴾. وقوله: ﴿يٰمَعْشَرَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنسِ إِنِ ٱسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُواْ..﴾ [الرحمن: ٣٣] الآية.
وهو قوله: ﴿وَٱنشَقَّتِ ٱلسَّمَآءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ * وَٱلْمَلَكُ عَلَىٰ أَرْجَآئِهَآ﴾ [الحاقة: ١٦-١٧].
روى أبو هريرة أن النبي ﷺ (قال): توقفون موقفاً واحداً يوم القيامة مقدار سبعين عاما لا ينظر إليكم ولا يقضى بينكم، فتبكون حتى ينقطع الدمع، ثم تدمعون دما وتبكون حتى يبلغ ذلك منكم [الأذقان] ويلجمكم وتضجون ثم تقولون: [من] يشفع لنا إلى ربنا فيقضي بيننا؟ فيقولون: من أحق بذلك من أبيكم آدم، قبل الله توبته وخلقه بيده ونفخ فيه من روحه وكلمه [قبلاً]، فيؤتى آدم، فيطلب ذلك إليه فيأبى، ثم الأنبياء - نبياً - نبياً - كلما جاؤوا نبياً أبى.
قال رسول الله ﷺ: حتى يأتونني فإذا جاءوني خرجت حتى أتي الفحص.
قال أبو هريرة رضي الله عنه: يا رسول الله، وما الفحص؟ قال قدام العرش، قال: فأخر ساجداً، قال: فلا أزال ساجداً حتى يبعث الله إلي ملكاً فيأخذ بعضدي فيرفعني، فيقول الله جل وعز [لي]: يا محمد، فأقول: نعم، وهو أعلم، فيقول: ما شأنك؟ فأقول: يا رب، وعدتني الشفاعة، فشفعني في خلقك واقض بينهم، فيقول تعالى: قد شفعتك، أنا آتيهم وأقضي بينهم.
قال رسول الله ﷺ: فأنصرف حتى أقف مع الناس، فبينما نحن وقوف، سمعنا حساً من السماء شديداً، فهالنا، فنزل أهل سماء الدنيا بمثلي من في الأرض من الإنس والجن، حتى إذا دنوا من الأرض، أشرقت الأرض لنورهم، وأخذوا [مصافهم] [فقلنا] (لهم): أفيكم ربنا؟ [فقالوا]: لا، وهو آت. ثم نزل أهل السماء الثانية بمثلي من نزل من الملائكة وبمثل من فيها من الجن والإنس، حتى إذا دنوا من الأرض، أشرقت الأرض لنورهم وأخذوا مصافهم، فقلنا لهم: أفيكم ربنا؟ فقالوا: لا، وهو آت، ثم ينزل أهل السماوات على قدر ذلك من التضعيف، حتى نزل الجبار في ظلل من الغمام والملائكة لهم زجل من تسبيحهم يقولون: سبحان الملك ذي الملكوت، سبحان رب العرش ذي الجبروت، سبحان الحي الذي لا يموت، سبحان الذي يميت الخلائق ولا يموت، سبوح قدوس رب الملائكة والروح، قدوس قدوس سبحان ربنا الأعلى سبحان ذي الجبروت والملكوت والكبرياء والسلطان والعظمة، سبحانه أبداً أبداً، فينزل تعالى جل ذكره يحمل عرشه يومئذ ثمانية، وهم اليوم أربعة أقدامهم على تخوم الأرض السفلى والسماوات إلى حجزهم والعرشُ إلى مناكبهم. قال: فيضع الله جل ذكره كرسيه حيث شاء من الأرض، ثم ينادي بنداء يسمع الخلائق فيقول: يا [معشر الجن] والإنس [إني] قد أنصت من يوم خلقتكم إلى يومكم هذا، أسمع كلامكم وأبصر أعمالكم، فأنصتوا إليَّ، فإنما هي صحفكم وأعمالكم تقرأ عليكم، فمن وجد خيراً فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا [يلم] إلا نفسه.
قال: ثم يأمر الله جل وعز جهنم فيخرج منها عنق ساطع [مظلم] يقول: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يٰبَنِيۤ ءَادَمَ أَن لاَّ تَعْبُدُواْ ٱلشَّيطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ * وَأَنِ ٱعْبُدُونِي هَـٰذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ﴾ إلى قوله: ﴿ٱلْمُجْرِمُونَ﴾ فيتميز الناس ويجثون، [وهي] التي يقول الله تعالى جل ذكره: ﴿وَتَرَىٰ كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أمَّةٍ تُدْعَىٰ إِلَىٰ كِتَابِهَا﴾ إلى ﴿تَعْمَلُونَ﴾.
قال: فيقضي الله جل ثناؤه بين خلقه الجن والإنس والبهائم، فإنه [ليقيدُ] يومئذ للجماء من ذات القرن، حتى إذا لم تبق تبعة عند واحدة لأخرى، قال الله تعالى: كوني تراباً. فعند ذلك يقول الكافر: يا ليتني كنت تراباً! [قال]: ثم يقضي الله جل ذكره بين الجن والإنس
ووقع [التكرير] في (دكاً دكاً) و (صفاً صفاً) على معنى: دكاً (بعد دكاً) [وصفاً] بعد صف.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَجِيۤءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ﴾.
قال ابن مسعود: "جيء بها تقاد بسبعين ألف زمام، مع كل زمام سبعون ألف ملك يقودنها وقاله ابن وائل.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَجِيۤءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ ٱلإِنسَانُ وَأَنَّىٰ لَهُ ٱلذِّكْرَىٰ﴾.
أي: يتذكر تفريطه في الدنيا في طاعة الله، ومن أي وجه له الذكرى في ذلك اليوم وقد حيل بينه وبين العمل.
* *
ثم قال تعالى: ﴿يَقُولُ يٰلَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي﴾.
أي: يتلهف ويتندم فيقول: يا ليتني قدمت في الدنيا عملاً صالحاً لحياتي هذه التي لا موت بعدها فينجيني ذلك العمل من عذاب الله تعالى وسخطه ويقربني من رضوانه وجنته.
فالمعنى: قدمت لآخرتي (التي) هي الحياة الدائمة، دليله قوله: ﴿وَإِنَّ ٱلدَّارَ ٱلآخِرَةَ لَهِيَ ٱلْحَيَوَانُ﴾ [العنكبوت: ٦٤] أي: لهي الحياة.
وقيل: المعنى قدمت لأحيا،، لأن أهل النار ليسوا بأحياء ولا أموات، بدلالة قوله: ﴿لاَ يَمُوتُ فِيهَا وَلاَ يَحْيَىٰ﴾ [طه: ٧٤].
قال قتادة: "هناكم والله الحياة الطويلة".
وقال مجاهد: "لحياتي": "للآخرة".
وقيل: الكلام بمعنى في والتقدير: يا ليتني قدمت (في حياتي، أي: قدمت العمل الصالح) في حياتي في الدنيا، مثل: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١]، أي: في عدتهن.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ﴾ ﴿وَلاَ يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ﴾.
من كسر الذال والثاء من ﴿يُعَذِّبُ﴾ و ﴿يُوثِقُ﴾ فمعناه: فلا يعذب - ذلك اليوم - أحد مثل عذاب الله لهم ولا يوثق أحد مثل وثاق الله لهم.
وقيل: (معناه: لا يعذب أحد في الدنيا كعذاب الله يومئذ ولا يوثق أحد في الدنيا كوثاقه يومئذ.
ومن فتح ذلك)، فمعناه: فلا يعذب أحد مثلما يعذب الكافر ولا يوثق مثلما يوثق.
وقال الحسن: قد علم الله أن في الدنيا عذاباً (و) وثاقاً، فقال: فيومئذ لا يعذبه عذابه أحد (في الدنيا) ولا يوثق وثاقه في الدنيا.
* *
ثم قال تعالى: ﴿يٰأَيَّتُهَا ٱلنَّفْسُ ٱلْمُطْمَئِنَّةُ * ٱرْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً﴾.
هذا خبر من الله - جل ذكره - عن قول الملائكة يوم القيامة لأولياء الله، والمعنى: تقول الملائكة لأولياء الله يوم القيامة، يا أيتها النفس التي اطمأنت إلى وعد الله [و] وعيده، فصدقت بذلك في الدنيا.
قال ابن عباس: المطمئنة: "المصدقة" (وقال قتادة: "هو المؤمن، اطمأنت نفسه إلى ما وعد الله"، وعنه:): المصدقة بما وعد الله.
وقال مجاهد: المطمئنة: الموقنة إن الله ربها، وعنه أيضاً.
المطمئنة التي أيقنت بلقاء ربها.
وفي قراءة أبي: "يا أيتها النفس الآمنة".
[قال الحسن: المطمئنة إذا أراد الله عز وجل قبضها اطمأنت إلى الله سبحانه واطمأن الله سبحانه إليها ورضيت من الله تعالى ورضي عنها فأمر بقبضها وإدخالها الجنة وجعله من عباده الصالحين]، وروي أن ذلك قول [الملائكة] للعبد المؤمن عند خروج نفسه [تبشره] برضاء ربه عنه وإعداد ما أعد له من الكرامة عنده.
قال أبو صالح: ﴿ٱرْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً﴾ هذا عند الموت ﴿فَٱدْخُلِي فِي عِبَادِي﴾ هذا يوم القيامة.
وقيل: إنه كله يوم القيامة. وإن [معنى] ﴿ٱرْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ﴾، أي: إلى صاحبك . وهو قول ابن عباس.
وقال الضحاك: "يأمر الله الأرواح يوم القيامة أن ترجع إلى الأجساد فيأتون الله كما خلقهم أول مرة" فهو على قوله أيضاً كله يوم القيامة، وهو اختيار الطبري.
قال عكرمة: ﴿إِلَىٰ رَبِّكِ﴾ إلى جسد صاحبك. [وقاله] ابن جبير.
فيكون أيضاً كله يوم القيامة وتكون المخاطبة للنفس ودل على ذلك قوله: ﴿وَٱدْخُلِي جَنَّتِي﴾ ودخول الجنة لا يكون إلا في القيامة.
وقال الضحاك: إن معنى [فادخلي في عبادي]، [أي: طاعتي]، ﴿وَٱدْخُلِي جَنَّتِي﴾ أي: رحمتي فالمخاطبة - على قوله هذا - للإنسان، لا للنفس في المعنى. وإليه يذهب الفراء، ومعناه عنده أن الملائكة تقول لهم إذا أعطوا كتبهم بإيمانهم هذا، (أي): ارجعي إلى ثواب ربك.
الفجر 89:16
قوله تعالى: ﴿وَثَمُودَ ٱلَّذِينَ جَابُواْ ٱلصَّخْرَ بِٱلْوَادِ﴾ إلى آخر السورة.
أي: وألم تر - يا محمد - كيف فعل ربك بثمود - وهم قوم صالح - الذين نقبوا الصخر وخرقوه واتخذوه بيوتا؟! وهو قوله: ﴿وَكَانُواْ يَنْحِتُونَ مِنَ ٱلْجِبَالِ بُيُوتاً آمِنِينَ﴾ [الحجر: ٨٢].
والعرب تقول: "جاب فلان [الفلاة] يجوبها جوْباً" إذا دخلها وقطعها.
قال ابن عباس: ﴿جَابُواْ ٱلصَّخْرَ﴾، أي: خرقوها، يعني: قوم صالح كانوا ينحتون من الجبال (بيوتا).
قال مجاهد: "جابوا الجبال فجعلوها بيوتا".
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَفِرْعَوْنَ ذِى ٱلأَوْتَادِ﴾ أي: أو لم تر، يا محمد، فعل ربك بفرعون ذي الأوتاد؟!
قال ابن عباس: الأوتاد هنا "الجنود الذين يشدون له أمره".
وقيل: معناه ذي الجنود الكثيرة الذين يحتاجون [لضرب] الأوتاد في أسفارهم.
وقال مجاهد: وصف بذلك، لأنه كان [يتد أوتاد] الحديد في أيدي الناس وأرجلهم يقتلهم بها.
وقال قتادة: وصف بذلك، لأنه كانت [له مظال] وملاعب يلعب له تحتها من أوتاد [وحبال].
وروى ثابت البناني عن أبي رافع أن فرعون "وتد لامرأته (أربعة) أوتاد، ثم جعل على ظهرها رحى عظيمة حتى ماتت".
وقال ابن جبير: وصف بذلك: لأنه كان يعذب الناس بالأوتاد، قال: [فكان] يجعل رجلاً هاهنا ورجلاً هاهنا، ويداً هاهنا [ويدا] هاهنا بالأوتاد، وقاله مجاهد أيضاً.
وعن ابن جبير أيضاً أنه إنما وصف بذلك، لأنه كان له بنيان يعذب الناس عليه، قال: كان له منارات يعذب الناس عليها.
* *
وقوله: ﴿ٱلَّذِينَ طَغَوْاْ فِي ٱلْبِلاَدِ﴾ أي: تجاوزوا حدود الله عتوا على ربهم في البلاد التي كانوا بها فأكثروا في تلك البلاد الفساد بركوبهم المعاصي.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ﴾ أي: فأنزل بهم ربك (يا محمد) عذابه نقمة منه لهم لكفرهم، يعني جميع من تقدم ذكره من الكفرة. والعرب تقول لكل عذاب شديد عذب به المعذب: سوط خزي.
فقوله: ﴿سَوْطَ عَذَابٍ﴾، واقع على أنواع (من العذاب عذب الله بها هذه الأمم) المذكورة في الدنيا فأهلكهم بها. [وكذا حكى الماوردي: ﴿سَوْطَ عَذَابٍ﴾ أي: خلط عذاب لأنه أنواع].
قال مجاهد: ﴿سَوْطَ عَذَابٍ﴾ "ما عذبوا به". وهو قول ابن زيد (وغيره).
* *
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِٱلْمِرْصَادِ﴾ أي: إن ربك يا محمد لهؤلاء الذين قصصت عليك قصصهم ولغيرهم من أمثالهم لبالمرصاد يرصدهم على قناطر جهنم فيكردسهم فيها إذا وردوها يوم القيامة. وقيل: معناه: لا يفوته هارب.
وقال ابن عباس: ﴿لَبِٱلْمِرْصَادِ﴾ أي: "يسمع ويرى". وقال الضحاك: إذا كان يوم [القيامة] يأمر الله عز وجل بكرسيه فيوضع على النار فيستوي عليه ويقول: "وعزتي لا يجاوزني اليوم (ذو) مظلمة".
فذلك قوله جل ثناؤه: ﴿لَبِٱلْمِرْصَادِ﴾.
وقال سفيان: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِٱلْمِرْصَادِ﴾ يعني: جهنم عليها ثلاث [قناطر]: قنطرة فيها الرحم، وقنطرة فيها الأمانة، وقنطرة فيها الرب جل ثناؤه. قال [عمرو] بن قيس: بلغني أن على جهنم ثلاث [قناطر] فقنطرة عليها الأمانة إذا مروا بها تقول: (يا رب)، هذا (أمين، يا رب هذا خائن. وقنطرة عليها الرحم إذا مروا بها تقول: هذا) واصل، هذا قاطع. وقنطرة عليها الرب تعالى ذكره ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِٱلْمِرْصَادِ﴾.
وقال الحسن: ﴿لَبِٱلْمِرْصَادِ﴾ أي: "مرصاد عمل بني آدم". قال ابن مسعود: والفجر إن ربك لبالمرصاد.
يعني أنه جواب القسم.
ويروى أن على جسر جهنم (سبع) [قناطر] محابس، بين كل قنطرتين سبعون عاما، وعرض [الجسر] كحد السيف مدحضة مزلقة، في الرقة مثل الشعرة، فيسأل الناس [عند أول] قنطرة من الإيمان، فإن جاء به تاماً جاز إلى القنطرة الثانية، ثم يسأل عن [الصلوات] الخمس، فإن جاء بها [تامة] جاز إلى (القنطرة) الثالثة، ثم يسأل عن الزكاة، فإن جاء بها تامة جاز إلى الرابعة، ثم يسأل عن صيام رمضان فإن جاء به تاما جاز إلى الخامسة، ثم (يسأل) عن الحج، ثم (يسأل) عن صلة الرحم.
قال نافع (و) الرؤاسي: ﴿إِرَمَ﴾ وقف جيد. وهو بعيد لأن ﴿ذَاتِ ٱلْعِمَادِ﴾ نعت لما قبلها أو بدل منه. والوقف عند الأخفش وغيره ﴿أَهَانَنِ﴾. والاختيار الوقف على "كلا" وهو قول نصير وأحمد بن موسى . والمعنى: كلا، [لم أهنه بتقديري] عليه رزقه.
وقال الفراء: معناه: كلا، لم يكن ينبغي للإنسان أن يقول هذا، ولكن يجب عليه أن يحمد الله على الأمرين جميعا، على الغنى والفقر.
وقوله تعالى: ﴿فَأَمَّا ٱلإِنسَانُ إِذَا مَا ٱبْتَلاَهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّيۤ أَكْرَمَنِ﴾.
أي: فأما الإنسان إذا ما امتحنه ربه بالنعم والسعة فرح بذلك، وقال: ربي أكرمني بهذه الكرامة.
وأما إذا ما امتحنه فضيق عليه رزقه وقَتَّره عليه غَمَّه [وقال]: ربي أهانني وأذلني بالفقر، فلم يشكر الله على ما وهب له من سلامة جوارحه.
قال قتادة: ﴿فَيَقُولُ رَبِّيۤ أَهَانَنِ﴾ "ما أسرع ما كفر ابن آدم".
* *
وقوله: ﴿كَلاَّ﴾.
هو إنكار من الله أن يكون سبب كرامته من أكرم [كثرة] المال، وسبب إهانته من أهان قلة المال.
قال قتادة معناه: لا أكرم من أكرمت بكثرة المال ولا أهين من أهنت بقلته، ولكن إنما أكرم من أكرمت بتوفيقه إلى [طاعتي]، وأهين من أهنت بخذلانه وارتكاب لمعصيتي.
(ودل على ذلك قوله: ﴿بَل لاَّ تُكْرِمُونَ ٱلْيَتِيمَ * وَلاَ تَحَآضُّونَ عَلَىٰ طَعَامِ ٱلْمِسْكِينِ﴾ إلى ﴿جَمّاً﴾ أي: فبهدا أهين من أهنت، لأنه مرتكب لمعصيتي) مخذول ممنوع عن طاعتي.
وقيل: معناه: لم يكن الإنسان أن يحمد الله على النعم دون الفقر، ولكن ينبغي له أن يحمده على الأمرين جميعاً، على الغنى والفقر.
والوقف على ﴿أَهَانَنِ﴾ حسن، وتكون "كلا" في الابتداء بمعنى "حقاً"، أو بمعنى "ألا". وهو قول الأخفش وأحمد بن موسى.
وأجاز أبو حاتم الوقف على (أهنن) وعلى (كلا).
والوقف عند نصير والفراء على "كلا"، وهو الاختيار، لأنها عند أهل التفسير رد لما قبلها. (وقد) قال الحسن: "كلا" معناه: ليس يهان أحد بفقر ولا غنى. وقاله قتادة.
* *
وقوله: ﴿بَل لاَّ تُكْرِمُونَ ٱلْيَتِيمَ﴾ أي: بل إنما أهنت من أهنت، لأنه لا يكرم اليتيم ولا يحض الناس ولا نفسه على طعام المسكين.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَتَأْكُلُونَ ٱلتُّرَاثَ أَكْلاً لَّمّاً﴾ أي: وأهنتكم لأنكم تأكلون الميراث أكلاً شديداً.
﴿وَتُحِبُّونَ ٱلْمَالَ حُبّاً جَمّاً﴾ أي: كثيراً.
قال ابن عباس: ﴿أَكْلاً لَّمّاً﴾، أي: سفاً، وجماً: شديداً.
وقال الحسن: معنى ﴿لَّمّاً﴾، أي: يخلطون الحلال بالحرام.
وقال ابن زيد: ﴿وَتَأْكُلُونَ ٱلتُّرَاثَ أَكْلاً لَّمّاً﴾، أي: تأكلون كل شيء تجدونه من الميراث وغيره، لا تسألون عنه، يأكل الذي له والذي لصاحبه.
[قال]: كانوا لا [يورثون] النساء ولا [يورثون] الصغار، وقرأ ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي ٱلنِّسَآءِ قُلِ ٱللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ فِي ٱلْكِتَٰبِ فِي يَتَٰمَى ٱلنِّسَآءِ﴾ [النساء: ١٢٧]... إلى قوله ﴿عَلِيماً﴾ [النساء: ١٢٧].
فقوله: ﴿وَٱلْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ ٱلْوِلْدَٰنِ﴾ [النساء: ١٢٧]، يعني: يستضعفوهم [فلا يؤتونهم].
قال: وقوله: ﴿وَتُحِبُّونَ ٱلْمَالَ حُبّاً جَمّاً﴾,
أي: وتحبون جمع المال واقتناءه حبا كثيرا.
والعرب تقول: "جم الماء في الحوض": إذا اجتمع وكثر.
* *
ثم قال تعالى: ﴿كَلاَّ إِذَا دُكَّتِ ٱلأَرْضُ دَكّاً دَكّاً﴾.
الوقف على "كلا" حسن، ومعناه: ليس هكذا ينبغي أن يكون الأمر أن تأكلوا الميراث أكلا شديدا، وتحبوا جمع المال حباً كثيراً. ولا تكرمون اليتيم بالصدقة، ولا تحضون على طعام المسكين.
وقيل: المعنى: لا يغني عنكم جمع المال شيئاً.
وقوله تعالى: ﴿إِذَا دُكَّتِ ٱلأَرْضُ﴾، أي: رجت وزلزلت مرة بعد مرة.
قال ابن عباس: هو "تحريكها".
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَجَآءَ رَبُّكَ وَٱلْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً﴾ أي: والملائكة صفاً بعد صف.
وروى شهر بن حوشب عن ابن عباس أنه قال: إذا كان يوم القيامة، مدت الأرض مد الأديم، وزيد في سعتها كذا وكذا، وجمع الخلائق بصعيد واحد، جِنَّهم وإنسهم، فإذا كان [ذلك] اليوم قيضت السماء الدنيا عن أهلها على وجه الأرض، ولأهل هذه السماء وحدهم أكثر من أهل الأرض، جنهم وإنسهم بضعف، [فإذا مروا] على وجه الأرض فزعوا منهم، فيقولون: (أفيكم ربنا؟ فيفزعون من قولهم، فيقولون) سبحان ربنا، ليس فينا وهو آتٍ ثم تقاض السماء الثانية، فأهل السماء الثانية وحدهم أكثر من أهل سماء الدنيا ومن جميع أهل الأرض بضعف جنهم وإنسهم، فإذا مروا على وجه الأرض فزع إليهم أهل الأرض فيقولون: أفيكم ربنا؟ فيفزعون من كلامهم ويقولون: سبحان الله، ليس فينا، وهو آت ثم تقاض السماوات سماءً (سماءً)، كلما قيضت سماء عن أهلها كانت أكثر من أهل السماوات التي تحتها ومن جميع أهل الأرض بضعف، فإذا مروا على وجه الأرض فزع إليهم أهل الأرض فيقولون، لهم مثل ذلك، ويرجعون إليهم مثل ذلك، حتى [تقاض السماء] السابعة، فلأهل السماء السابعة أكثر من أهل ست سماوات ومن جميع أهل الأرض بضعف، فيجيء الله عز وجل فيهم وجميع الأمم جثيٌّ [صفوف]، وينادي مناد: ستعلمون اليوم من أصحاب الكرم، ليقم الحمادون لله على كل حال. قال: فيقومون فيسرحون إلى الجنة، ثم ينادي الثانية: ستعلمون اليوم من أصحاب الكرم، أين الذين كانت تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفاً وطمعاً ومما رزقناهم ينفقون؟ فيسرحون إلى الجنة، ثم ينادي الثالثة: ستعلمون اليوم من أصحاب الكرم، أين الذين كانوا لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة يخافون يوماً تتقلب فيه القلوب والأبصار؟ فيسرحون إلى الجنة، قال: فإذا أخذ من هؤلاء ثلاثة، عنق من النار فأشرف على الخلائق له عينان تبصران ولسان فصيح فيقول: إني وكلت منكم بثلاثة: بكل جبار عنيد، [فيلتقطهم] من الصفوف لقط الطير حب السمسم فيخنس بهم في جهنم، [ثم] [يخرج] ثانية [فيقول]: إني وكلت منكم بمن آذى الله ورسوله، [فيلتقطهم] [من الصفوف] لقط الطير حب السمسم [فيخنس] بهم في جهنم. قال شهر ابن حوشب: وأحسب أنه ذكر في الثالثة أهل التصاوير [فيلتقطهم] كذلك. قال: فإذا أخذ من هؤلاء ثلاثة، ومن هؤلاء ثلاثة، نشرت الصحف ووضعت الموازين ودعي الخلائق للحساب.
وقال الضحاك: إذا كان يوم القيامة، أمر الله جل ذكره السماء الدنيا بأهلها، فنزل من فيها من الملائكة فأحاطوا بالأرض ومن عليها، ثم الثانية، ثم الثالثة، كذلك إلى السابعة، فصفوا صفا دون صف، ثم ينزل الملك الأعلى، على مجنبته اليسرى جهنم، فإذا رآها أهل الأرض نادوا، فلا يأتون قطراً من أقطار الأرض إلا وجدوا سبعة صفوف من الملائكة، فيرجعون إلى المكان الذي كانوا فيه، فذلك قوله عز وجل: ﴿إِنِّيۤ أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ ٱلتَّنَادِ * يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ﴾ [غافر: ٣٢-٣٣].
وقرئ بتشديد الدال من ند البعير: إذا فر.
قال: ذلك قوله: ﴿وَجَآءَ رَبُّكَ وَٱلْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً * وَجِيۤءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ﴾. وقوله: ﴿يٰمَعْشَرَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنسِ إِنِ ٱسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُواْ..﴾ [الرحمن: ٣٣] الآية.
وهو قوله: ﴿وَٱنشَقَّتِ ٱلسَّمَآءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ * وَٱلْمَلَكُ عَلَىٰ أَرْجَآئِهَآ﴾ [الحاقة: ١٦-١٧].
روى أبو هريرة أن النبي ﷺ (قال): توقفون موقفاً واحداً يوم القيامة مقدار سبعين عاما لا ينظر إليكم ولا يقضى بينكم، فتبكون حتى ينقطع الدمع، ثم تدمعون دما وتبكون حتى يبلغ ذلك منكم [الأذقان] ويلجمكم وتضجون ثم تقولون: [من] يشفع لنا إلى ربنا فيقضي بيننا؟ فيقولون: من أحق بذلك من أبيكم آدم، قبل الله توبته وخلقه بيده ونفخ فيه من روحه وكلمه [قبلاً]، فيؤتى آدم، فيطلب ذلك إليه فيأبى، ثم الأنبياء - نبياً - نبياً - كلما جاؤوا نبياً أبى.
قال رسول الله ﷺ: حتى يأتونني فإذا جاءوني خرجت حتى أتي الفحص.
قال أبو هريرة رضي الله عنه: يا رسول الله، وما الفحص؟ قال قدام العرش، قال: فأخر ساجداً، قال: فلا أزال ساجداً حتى يبعث الله إلي ملكاً فيأخذ بعضدي فيرفعني، فيقول الله جل وعز [لي]: يا محمد، فأقول: نعم، وهو أعلم، فيقول: ما شأنك؟ فأقول: يا رب، وعدتني الشفاعة، فشفعني في خلقك واقض بينهم، فيقول تعالى: قد شفعتك، أنا آتيهم وأقضي بينهم.
قال رسول الله ﷺ: فأنصرف حتى أقف مع الناس، فبينما نحن وقوف، سمعنا حساً من السماء شديداً، فهالنا، فنزل أهل سماء الدنيا بمثلي من في الأرض من الإنس والجن، حتى إذا دنوا من الأرض، أشرقت الأرض لنورهم، وأخذوا [مصافهم] [فقلنا] (لهم): أفيكم ربنا؟ [فقالوا]: لا، وهو آت. ثم نزل أهل السماء الثانية بمثلي من نزل من الملائكة وبمثل من فيها من الجن والإنس، حتى إذا دنوا من الأرض، أشرقت الأرض لنورهم وأخذوا مصافهم، فقلنا لهم: أفيكم ربنا؟ فقالوا: لا، وهو آت، ثم ينزل أهل السماوات على قدر ذلك من التضعيف، حتى نزل الجبار في ظلل من الغمام والملائكة لهم زجل من تسبيحهم يقولون: سبحان الملك ذي الملكوت، سبحان رب العرش ذي الجبروت، سبحان الحي الذي لا يموت، سبحان الذي يميت الخلائق ولا يموت، سبوح قدوس رب الملائكة والروح، قدوس قدوس سبحان ربنا الأعلى سبحان ذي الجبروت والملكوت والكبرياء والسلطان والعظمة، سبحانه أبداً أبداً، فينزل تعالى جل ذكره يحمل عرشه يومئذ ثمانية، وهم اليوم أربعة أقدامهم على تخوم الأرض السفلى والسماوات إلى حجزهم والعرشُ إلى مناكبهم. قال: فيضع الله جل ذكره كرسيه حيث شاء من الأرض، ثم ينادي بنداء يسمع الخلائق فيقول: يا [معشر الجن] والإنس [إني] قد أنصت من يوم خلقتكم إلى يومكم هذا، أسمع كلامكم وأبصر أعمالكم، فأنصتوا إليَّ، فإنما هي صحفكم وأعمالكم تقرأ عليكم، فمن وجد خيراً فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا [يلم] إلا نفسه.
قال: ثم يأمر الله جل وعز جهنم فيخرج منها عنق ساطع [مظلم] يقول: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يٰبَنِيۤ ءَادَمَ أَن لاَّ تَعْبُدُواْ ٱلشَّيطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ * وَأَنِ ٱعْبُدُونِي هَـٰذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ﴾ إلى قوله: ﴿ٱلْمُجْرِمُونَ﴾ فيتميز الناس ويجثون، [وهي] التي يقول الله تعالى جل ذكره: ﴿وَتَرَىٰ كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أمَّةٍ تُدْعَىٰ إِلَىٰ كِتَابِهَا﴾ إلى ﴿تَعْمَلُونَ﴾.
قال: فيقضي الله جل ثناؤه بين خلقه الجن والإنس والبهائم، فإنه [ليقيدُ] يومئذ للجماء من ذات القرن، حتى إذا لم تبق تبعة عند واحدة لأخرى، قال الله تعالى: كوني تراباً. فعند ذلك يقول الكافر: يا ليتني كنت تراباً! [قال]: ثم يقضي الله جل ذكره بين الجن والإنس
ووقع [التكرير] في (دكاً دكاً) و (صفاً صفاً) على معنى: دكاً (بعد دكاً) [وصفاً] بعد صف.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَجِيۤءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ﴾.
قال ابن مسعود: "جيء بها تقاد بسبعين ألف زمام، مع كل زمام سبعون ألف ملك يقودنها وقاله ابن وائل.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَجِيۤءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ ٱلإِنسَانُ وَأَنَّىٰ لَهُ ٱلذِّكْرَىٰ﴾.
أي: يتذكر تفريطه في الدنيا في طاعة الله، ومن أي وجه له الذكرى في ذلك اليوم وقد حيل بينه وبين العمل.
* *
ثم قال تعالى: ﴿يَقُولُ يٰلَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي﴾.
أي: يتلهف ويتندم فيقول: يا ليتني قدمت في الدنيا عملاً صالحاً لحياتي هذه التي لا موت بعدها فينجيني ذلك العمل من عذاب الله تعالى وسخطه ويقربني من رضوانه وجنته.
فالمعنى: قدمت لآخرتي (التي) هي الحياة الدائمة، دليله قوله: ﴿وَإِنَّ ٱلدَّارَ ٱلآخِرَةَ لَهِيَ ٱلْحَيَوَانُ﴾ [العنكبوت: ٦٤] أي: لهي الحياة.
وقيل: المعنى قدمت لأحيا،، لأن أهل النار ليسوا بأحياء ولا أموات، بدلالة قوله: ﴿لاَ يَمُوتُ فِيهَا وَلاَ يَحْيَىٰ﴾ [طه: ٧٤].
قال قتادة: "هناكم والله الحياة الطويلة".
وقال مجاهد: "لحياتي": "للآخرة".
وقيل: الكلام بمعنى في والتقدير: يا ليتني قدمت (في حياتي، أي: قدمت العمل الصالح) في حياتي في الدنيا، مثل: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١]، أي: في عدتهن.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ﴾ ﴿وَلاَ يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ﴾.
من كسر الذال والثاء من ﴿يُعَذِّبُ﴾ و ﴿يُوثِقُ﴾ فمعناه: فلا يعذب - ذلك اليوم - أحد مثل عذاب الله لهم ولا يوثق أحد مثل وثاق الله لهم.
وقيل: (معناه: لا يعذب أحد في الدنيا كعذاب الله يومئذ ولا يوثق أحد في الدنيا كوثاقه يومئذ.
ومن فتح ذلك)، فمعناه: فلا يعذب أحد مثلما يعذب الكافر ولا يوثق مثلما يوثق.
وقال الحسن: قد علم الله أن في الدنيا عذاباً (و) وثاقاً، فقال: فيومئذ لا يعذبه عذابه أحد (في الدنيا) ولا يوثق وثاقه في الدنيا.
* *
ثم قال تعالى: ﴿يٰأَيَّتُهَا ٱلنَّفْسُ ٱلْمُطْمَئِنَّةُ * ٱرْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً﴾.
هذا خبر من الله - جل ذكره - عن قول الملائكة يوم القيامة لأولياء الله، والمعنى: تقول الملائكة لأولياء الله يوم القيامة، يا أيتها النفس التي اطمأنت إلى وعد الله [و] وعيده، فصدقت بذلك في الدنيا.
قال ابن عباس: المطمئنة: "المصدقة" (وقال قتادة: "هو المؤمن، اطمأنت نفسه إلى ما وعد الله"، وعنه:): المصدقة بما وعد الله.
وقال مجاهد: المطمئنة: الموقنة إن الله ربها، وعنه أيضاً.
المطمئنة التي أيقنت بلقاء ربها.
وفي قراءة أبي: "يا أيتها النفس الآمنة".
[قال الحسن: المطمئنة إذا أراد الله عز وجل قبضها اطمأنت إلى الله سبحانه واطمأن الله سبحانه إليها ورضيت من الله تعالى ورضي عنها فأمر بقبضها وإدخالها الجنة وجعله من عباده الصالحين]، وروي أن ذلك قول [الملائكة] للعبد المؤمن عند خروج نفسه [تبشره] برضاء ربه عنه وإعداد ما أعد له من الكرامة عنده.
قال أبو صالح: ﴿ٱرْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً﴾ هذا عند الموت ﴿فَٱدْخُلِي فِي عِبَادِي﴾ هذا يوم القيامة.
وقيل: إنه كله يوم القيامة. وإن [معنى] ﴿ٱرْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ﴾، أي: إلى صاحبك . وهو قول ابن عباس.
وقال الضحاك: "يأمر الله الأرواح يوم القيامة أن ترجع إلى الأجساد فيأتون الله كما خلقهم أول مرة" فهو على قوله أيضاً كله يوم القيامة، وهو اختيار الطبري.
قال عكرمة: ﴿إِلَىٰ رَبِّكِ﴾ إلى جسد صاحبك. [وقاله] ابن جبير.
فيكون أيضاً كله يوم القيامة وتكون المخاطبة للنفس ودل على ذلك قوله: ﴿وَٱدْخُلِي جَنَّتِي﴾ ودخول الجنة لا يكون إلا في القيامة.
وقال الضحاك: إن معنى [فادخلي في عبادي]، [أي: طاعتي]، ﴿وَٱدْخُلِي جَنَّتِي﴾ أي: رحمتي فالمخاطبة - على قوله هذا - للإنسان، لا للنفس في المعنى. وإليه يذهب الفراء، ومعناه عنده أن الملائكة تقول لهم إذا أعطوا كتبهم بإيمانهم هذا، (أي): ارجعي إلى ثواب ربك.
الفجر 89:17
قوله تعالى: ﴿وَثَمُودَ ٱلَّذِينَ جَابُواْ ٱلصَّخْرَ بِٱلْوَادِ﴾ إلى آخر السورة.
أي: وألم تر - يا محمد - كيف فعل ربك بثمود - وهم قوم صالح - الذين نقبوا الصخر وخرقوه واتخذوه بيوتا؟! وهو قوله: ﴿وَكَانُواْ يَنْحِتُونَ مِنَ ٱلْجِبَالِ بُيُوتاً آمِنِينَ﴾ [الحجر: ٨٢].
والعرب تقول: "جاب فلان [الفلاة] يجوبها جوْباً" إذا دخلها وقطعها.
قال ابن عباس: ﴿جَابُواْ ٱلصَّخْرَ﴾، أي: خرقوها، يعني: قوم صالح كانوا ينحتون من الجبال (بيوتا).
قال مجاهد: "جابوا الجبال فجعلوها بيوتا".
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَفِرْعَوْنَ ذِى ٱلأَوْتَادِ﴾ أي: أو لم تر، يا محمد، فعل ربك بفرعون ذي الأوتاد؟!
قال ابن عباس: الأوتاد هنا "الجنود الذين يشدون له أمره".
وقيل: معناه ذي الجنود الكثيرة الذين يحتاجون [لضرب] الأوتاد في أسفارهم.
وقال مجاهد: وصف بذلك، لأنه كان [يتد أوتاد] الحديد في أيدي الناس وأرجلهم يقتلهم بها.
وقال قتادة: وصف بذلك، لأنه كانت [له مظال] وملاعب يلعب له تحتها من أوتاد [وحبال].
وروى ثابت البناني عن أبي رافع أن فرعون "وتد لامرأته (أربعة) أوتاد، ثم جعل على ظهرها رحى عظيمة حتى ماتت".
وقال ابن جبير: وصف بذلك: لأنه كان يعذب الناس بالأوتاد، قال: [فكان] يجعل رجلاً هاهنا ورجلاً هاهنا، ويداً هاهنا [ويدا] هاهنا بالأوتاد، وقاله مجاهد أيضاً.
وعن ابن جبير أيضاً أنه إنما وصف بذلك، لأنه كان له بنيان يعذب الناس عليه، قال: كان له منارات يعذب الناس عليها.
* *
وقوله: ﴿ٱلَّذِينَ طَغَوْاْ فِي ٱلْبِلاَدِ﴾ أي: تجاوزوا حدود الله عتوا على ربهم في البلاد التي كانوا بها فأكثروا في تلك البلاد الفساد بركوبهم المعاصي.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ﴾ أي: فأنزل بهم ربك (يا محمد) عذابه نقمة منه لهم لكفرهم، يعني جميع من تقدم ذكره من الكفرة. والعرب تقول لكل عذاب شديد عذب به المعذب: سوط خزي.
فقوله: ﴿سَوْطَ عَذَابٍ﴾، واقع على أنواع (من العذاب عذب الله بها هذه الأمم) المذكورة في الدنيا فأهلكهم بها. [وكذا حكى الماوردي: ﴿سَوْطَ عَذَابٍ﴾ أي: خلط عذاب لأنه أنواع].
قال مجاهد: ﴿سَوْطَ عَذَابٍ﴾ "ما عذبوا به". وهو قول ابن زيد (وغيره).
* *
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِٱلْمِرْصَادِ﴾ أي: إن ربك يا محمد لهؤلاء الذين قصصت عليك قصصهم ولغيرهم من أمثالهم لبالمرصاد يرصدهم على قناطر جهنم فيكردسهم فيها إذا وردوها يوم القيامة. وقيل: معناه: لا يفوته هارب.
وقال ابن عباس: ﴿لَبِٱلْمِرْصَادِ﴾ أي: "يسمع ويرى". وقال الضحاك: إذا كان يوم [القيامة] يأمر الله عز وجل بكرسيه فيوضع على النار فيستوي عليه ويقول: "وعزتي لا يجاوزني اليوم (ذو) مظلمة".
فذلك قوله جل ثناؤه: ﴿لَبِٱلْمِرْصَادِ﴾.
وقال سفيان: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِٱلْمِرْصَادِ﴾ يعني: جهنم عليها ثلاث [قناطر]: قنطرة فيها الرحم، وقنطرة فيها الأمانة، وقنطرة فيها الرب جل ثناؤه. قال [عمرو] بن قيس: بلغني أن على جهنم ثلاث [قناطر] فقنطرة عليها الأمانة إذا مروا بها تقول: (يا رب)، هذا (أمين، يا رب هذا خائن. وقنطرة عليها الرحم إذا مروا بها تقول: هذا) واصل، هذا قاطع. وقنطرة عليها الرب تعالى ذكره ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِٱلْمِرْصَادِ﴾.
وقال الحسن: ﴿لَبِٱلْمِرْصَادِ﴾ أي: "مرصاد عمل بني آدم". قال ابن مسعود: والفجر إن ربك لبالمرصاد.
يعني أنه جواب القسم.
ويروى أن على جسر جهنم (سبع) [قناطر] محابس، بين كل قنطرتين سبعون عاما، وعرض [الجسر] كحد السيف مدحضة مزلقة، في الرقة مثل الشعرة، فيسأل الناس [عند أول] قنطرة من الإيمان، فإن جاء به تاماً جاز إلى القنطرة الثانية، ثم يسأل عن [الصلوات] الخمس، فإن جاء بها [تامة] جاز إلى (القنطرة) الثالثة، ثم يسأل عن الزكاة، فإن جاء بها تامة جاز إلى الرابعة، ثم يسأل عن صيام رمضان فإن جاء به تاما جاز إلى الخامسة، ثم (يسأل) عن الحج، ثم (يسأل) عن صلة الرحم.
قال نافع (و) الرؤاسي: ﴿إِرَمَ﴾ وقف جيد. وهو بعيد لأن ﴿ذَاتِ ٱلْعِمَادِ﴾ نعت لما قبلها أو بدل منه. والوقف عند الأخفش وغيره ﴿أَهَانَنِ﴾. والاختيار الوقف على "كلا" وهو قول نصير وأحمد بن موسى . والمعنى: كلا، [لم أهنه بتقديري] عليه رزقه.
وقال الفراء: معناه: كلا، لم يكن ينبغي للإنسان أن يقول هذا، ولكن يجب عليه أن يحمد الله على الأمرين جميعا، على الغنى والفقر.
وقوله تعالى: ﴿فَأَمَّا ٱلإِنسَانُ إِذَا مَا ٱبْتَلاَهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّيۤ أَكْرَمَنِ﴾.
أي: فأما الإنسان إذا ما امتحنه ربه بالنعم والسعة فرح بذلك، وقال: ربي أكرمني بهذه الكرامة.
وأما إذا ما امتحنه فضيق عليه رزقه وقَتَّره عليه غَمَّه [وقال]: ربي أهانني وأذلني بالفقر، فلم يشكر الله على ما وهب له من سلامة جوارحه.
قال قتادة: ﴿فَيَقُولُ رَبِّيۤ أَهَانَنِ﴾ "ما أسرع ما كفر ابن آدم".
* *
وقوله: ﴿كَلاَّ﴾.
هو إنكار من الله أن يكون سبب كرامته من أكرم [كثرة] المال، وسبب إهانته من أهان قلة المال.
قال قتادة معناه: لا أكرم من أكرمت بكثرة المال ولا أهين من أهنت بقلته، ولكن إنما أكرم من أكرمت بتوفيقه إلى [طاعتي]، وأهين من أهنت بخذلانه وارتكاب لمعصيتي.
(ودل على ذلك قوله: ﴿بَل لاَّ تُكْرِمُونَ ٱلْيَتِيمَ * وَلاَ تَحَآضُّونَ عَلَىٰ طَعَامِ ٱلْمِسْكِينِ﴾ إلى ﴿جَمّاً﴾ أي: فبهدا أهين من أهنت، لأنه مرتكب لمعصيتي) مخذول ممنوع عن طاعتي.
وقيل: معناه: لم يكن الإنسان أن يحمد الله على النعم دون الفقر، ولكن ينبغي له أن يحمده على الأمرين جميعاً، على الغنى والفقر.
والوقف على ﴿أَهَانَنِ﴾ حسن، وتكون "كلا" في الابتداء بمعنى "حقاً"، أو بمعنى "ألا". وهو قول الأخفش وأحمد بن موسى.
وأجاز أبو حاتم الوقف على (أهنن) وعلى (كلا).
والوقف عند نصير والفراء على "كلا"، وهو الاختيار، لأنها عند أهل التفسير رد لما قبلها. (وقد) قال الحسن: "كلا" معناه: ليس يهان أحد بفقر ولا غنى. وقاله قتادة.
* *
وقوله: ﴿بَل لاَّ تُكْرِمُونَ ٱلْيَتِيمَ﴾ أي: بل إنما أهنت من أهنت، لأنه لا يكرم اليتيم ولا يحض الناس ولا نفسه على طعام المسكين.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَتَأْكُلُونَ ٱلتُّرَاثَ أَكْلاً لَّمّاً﴾ أي: وأهنتكم لأنكم تأكلون الميراث أكلاً شديداً.
﴿وَتُحِبُّونَ ٱلْمَالَ حُبّاً جَمّاً﴾ أي: كثيراً.
قال ابن عباس: ﴿أَكْلاً لَّمّاً﴾، أي: سفاً، وجماً: شديداً.
وقال الحسن: معنى ﴿لَّمّاً﴾، أي: يخلطون الحلال بالحرام.
وقال ابن زيد: ﴿وَتَأْكُلُونَ ٱلتُّرَاثَ أَكْلاً لَّمّاً﴾، أي: تأكلون كل شيء تجدونه من الميراث وغيره، لا تسألون عنه، يأكل الذي له والذي لصاحبه.
[قال]: كانوا لا [يورثون] النساء ولا [يورثون] الصغار، وقرأ ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي ٱلنِّسَآءِ قُلِ ٱللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ فِي ٱلْكِتَٰبِ فِي يَتَٰمَى ٱلنِّسَآءِ﴾ [النساء: ١٢٧]... إلى قوله ﴿عَلِيماً﴾ [النساء: ١٢٧].
فقوله: ﴿وَٱلْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ ٱلْوِلْدَٰنِ﴾ [النساء: ١٢٧]، يعني: يستضعفوهم [فلا يؤتونهم].
قال: وقوله: ﴿وَتُحِبُّونَ ٱلْمَالَ حُبّاً جَمّاً﴾,
أي: وتحبون جمع المال واقتناءه حبا كثيرا.
والعرب تقول: "جم الماء في الحوض": إذا اجتمع وكثر.
* *
ثم قال تعالى: ﴿كَلاَّ إِذَا دُكَّتِ ٱلأَرْضُ دَكّاً دَكّاً﴾.
الوقف على "كلا" حسن، ومعناه: ليس هكذا ينبغي أن يكون الأمر أن تأكلوا الميراث أكلا شديدا، وتحبوا جمع المال حباً كثيراً. ولا تكرمون اليتيم بالصدقة، ولا تحضون على طعام المسكين.
وقيل: المعنى: لا يغني عنكم جمع المال شيئاً.
وقوله تعالى: ﴿إِذَا دُكَّتِ ٱلأَرْضُ﴾، أي: رجت وزلزلت مرة بعد مرة.
قال ابن عباس: هو "تحريكها".
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَجَآءَ رَبُّكَ وَٱلْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً﴾ أي: والملائكة صفاً بعد صف.
وروى شهر بن حوشب عن ابن عباس أنه قال: إذا كان يوم القيامة، مدت الأرض مد الأديم، وزيد في سعتها كذا وكذا، وجمع الخلائق بصعيد واحد، جِنَّهم وإنسهم، فإذا كان [ذلك] اليوم قيضت السماء الدنيا عن أهلها على وجه الأرض، ولأهل هذه السماء وحدهم أكثر من أهل الأرض، جنهم وإنسهم بضعف، [فإذا مروا] على وجه الأرض فزعوا منهم، فيقولون: (أفيكم ربنا؟ فيفزعون من قولهم، فيقولون) سبحان ربنا، ليس فينا وهو آتٍ ثم تقاض السماء الثانية، فأهل السماء الثانية وحدهم أكثر من أهل سماء الدنيا ومن جميع أهل الأرض بضعف جنهم وإنسهم، فإذا مروا على وجه الأرض فزع إليهم أهل الأرض فيقولون: أفيكم ربنا؟ فيفزعون من كلامهم ويقولون: سبحان الله، ليس فينا، وهو آت ثم تقاض السماوات سماءً (سماءً)، كلما قيضت سماء عن أهلها كانت أكثر من أهل السماوات التي تحتها ومن جميع أهل الأرض بضعف، فإذا مروا على وجه الأرض فزع إليهم أهل الأرض فيقولون، لهم مثل ذلك، ويرجعون إليهم مثل ذلك، حتى [تقاض السماء] السابعة، فلأهل السماء السابعة أكثر من أهل ست سماوات ومن جميع أهل الأرض بضعف، فيجيء الله عز وجل فيهم وجميع الأمم جثيٌّ [صفوف]، وينادي مناد: ستعلمون اليوم من أصحاب الكرم، ليقم الحمادون لله على كل حال. قال: فيقومون فيسرحون إلى الجنة، ثم ينادي الثانية: ستعلمون اليوم من أصحاب الكرم، أين الذين كانت تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفاً وطمعاً ومما رزقناهم ينفقون؟ فيسرحون إلى الجنة، ثم ينادي الثالثة: ستعلمون اليوم من أصحاب الكرم، أين الذين كانوا لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة يخافون يوماً تتقلب فيه القلوب والأبصار؟ فيسرحون إلى الجنة، قال: فإذا أخذ من هؤلاء ثلاثة، عنق من النار فأشرف على الخلائق له عينان تبصران ولسان فصيح فيقول: إني وكلت منكم بثلاثة: بكل جبار عنيد، [فيلتقطهم] من الصفوف لقط الطير حب السمسم فيخنس بهم في جهنم، [ثم] [يخرج] ثانية [فيقول]: إني وكلت منكم بمن آذى الله ورسوله، [فيلتقطهم] [من الصفوف] لقط الطير حب السمسم [فيخنس] بهم في جهنم. قال شهر ابن حوشب: وأحسب أنه ذكر في الثالثة أهل التصاوير [فيلتقطهم] كذلك. قال: فإذا أخذ من هؤلاء ثلاثة، ومن هؤلاء ثلاثة، نشرت الصحف ووضعت الموازين ودعي الخلائق للحساب.
وقال الضحاك: إذا كان يوم القيامة، أمر الله جل ذكره السماء الدنيا بأهلها، فنزل من فيها من الملائكة فأحاطوا بالأرض ومن عليها، ثم الثانية، ثم الثالثة، كذلك إلى السابعة، فصفوا صفا دون صف، ثم ينزل الملك الأعلى، على مجنبته اليسرى جهنم، فإذا رآها أهل الأرض نادوا، فلا يأتون قطراً من أقطار الأرض إلا وجدوا سبعة صفوف من الملائكة، فيرجعون إلى المكان الذي كانوا فيه، فذلك قوله عز وجل: ﴿إِنِّيۤ أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ ٱلتَّنَادِ * يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ﴾ [غافر: ٣٢-٣٣].
وقرئ بتشديد الدال من ند البعير: إذا فر.
قال: ذلك قوله: ﴿وَجَآءَ رَبُّكَ وَٱلْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً * وَجِيۤءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ﴾. وقوله: ﴿يٰمَعْشَرَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنسِ إِنِ ٱسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُواْ..﴾ [الرحمن: ٣٣] الآية.
وهو قوله: ﴿وَٱنشَقَّتِ ٱلسَّمَآءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ * وَٱلْمَلَكُ عَلَىٰ أَرْجَآئِهَآ﴾ [الحاقة: ١٦-١٧].
روى أبو هريرة أن النبي ﷺ (قال): توقفون موقفاً واحداً يوم القيامة مقدار سبعين عاما لا ينظر إليكم ولا يقضى بينكم، فتبكون حتى ينقطع الدمع، ثم تدمعون دما وتبكون حتى يبلغ ذلك منكم [الأذقان] ويلجمكم وتضجون ثم تقولون: [من] يشفع لنا إلى ربنا فيقضي بيننا؟ فيقولون: من أحق بذلك من أبيكم آدم، قبل الله توبته وخلقه بيده ونفخ فيه من روحه وكلمه [قبلاً]، فيؤتى آدم، فيطلب ذلك إليه فيأبى، ثم الأنبياء - نبياً - نبياً - كلما جاؤوا نبياً أبى.
قال رسول الله ﷺ: حتى يأتونني فإذا جاءوني خرجت حتى أتي الفحص.
قال أبو هريرة رضي الله عنه: يا رسول الله، وما الفحص؟ قال قدام العرش، قال: فأخر ساجداً، قال: فلا أزال ساجداً حتى يبعث الله إلي ملكاً فيأخذ بعضدي فيرفعني، فيقول الله جل وعز [لي]: يا محمد، فأقول: نعم، وهو أعلم، فيقول: ما شأنك؟ فأقول: يا رب، وعدتني الشفاعة، فشفعني في خلقك واقض بينهم، فيقول تعالى: قد شفعتك، أنا آتيهم وأقضي بينهم.
قال رسول الله ﷺ: فأنصرف حتى أقف مع الناس، فبينما نحن وقوف، سمعنا حساً من السماء شديداً، فهالنا، فنزل أهل سماء الدنيا بمثلي من في الأرض من الإنس والجن، حتى إذا دنوا من الأرض، أشرقت الأرض لنورهم، وأخذوا [مصافهم] [فقلنا] (لهم): أفيكم ربنا؟ [فقالوا]: لا، وهو آت. ثم نزل أهل السماء الثانية بمثلي من نزل من الملائكة وبمثل من فيها من الجن والإنس، حتى إذا دنوا من الأرض، أشرقت الأرض لنورهم وأخذوا مصافهم، فقلنا لهم: أفيكم ربنا؟ فقالوا: لا، وهو آت، ثم ينزل أهل السماوات على قدر ذلك من التضعيف، حتى نزل الجبار في ظلل من الغمام والملائكة لهم زجل من تسبيحهم يقولون: سبحان الملك ذي الملكوت، سبحان رب العرش ذي الجبروت، سبحان الحي الذي لا يموت، سبحان الذي يميت الخلائق ولا يموت، سبوح قدوس رب الملائكة والروح، قدوس قدوس سبحان ربنا الأعلى سبحان ذي الجبروت والملكوت والكبرياء والسلطان والعظمة، سبحانه أبداً أبداً، فينزل تعالى جل ذكره يحمل عرشه يومئذ ثمانية، وهم اليوم أربعة أقدامهم على تخوم الأرض السفلى والسماوات إلى حجزهم والعرشُ إلى مناكبهم. قال: فيضع الله جل ذكره كرسيه حيث شاء من الأرض، ثم ينادي بنداء يسمع الخلائق فيقول: يا [معشر الجن] والإنس [إني] قد أنصت من يوم خلقتكم إلى يومكم هذا، أسمع كلامكم وأبصر أعمالكم، فأنصتوا إليَّ، فإنما هي صحفكم وأعمالكم تقرأ عليكم، فمن وجد خيراً فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا [يلم] إلا نفسه.
قال: ثم يأمر الله جل وعز جهنم فيخرج منها عنق ساطع [مظلم] يقول: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يٰبَنِيۤ ءَادَمَ أَن لاَّ تَعْبُدُواْ ٱلشَّيطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ * وَأَنِ ٱعْبُدُونِي هَـٰذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ﴾ إلى قوله: ﴿ٱلْمُجْرِمُونَ﴾ فيتميز الناس ويجثون، [وهي] التي يقول الله تعالى جل ذكره: ﴿وَتَرَىٰ كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أمَّةٍ تُدْعَىٰ إِلَىٰ كِتَابِهَا﴾ إلى ﴿تَعْمَلُونَ﴾.
قال: فيقضي الله جل ثناؤه بين خلقه الجن والإنس والبهائم، فإنه [ليقيدُ] يومئذ للجماء من ذات القرن، حتى إذا لم تبق تبعة عند واحدة لأخرى، قال الله تعالى: كوني تراباً. فعند ذلك يقول الكافر: يا ليتني كنت تراباً! [قال]: ثم يقضي الله جل ذكره بين الجن والإنس
ووقع [التكرير] في (دكاً دكاً) و (صفاً صفاً) على معنى: دكاً (بعد دكاً) [وصفاً] بعد صف.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَجِيۤءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ﴾.
قال ابن مسعود: "جيء بها تقاد بسبعين ألف زمام، مع كل زمام سبعون ألف ملك يقودنها وقاله ابن وائل.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَجِيۤءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ ٱلإِنسَانُ وَأَنَّىٰ لَهُ ٱلذِّكْرَىٰ﴾.
أي: يتذكر تفريطه في الدنيا في طاعة الله، ومن أي وجه له الذكرى في ذلك اليوم وقد حيل بينه وبين العمل.
* *
ثم قال تعالى: ﴿يَقُولُ يٰلَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي﴾.
أي: يتلهف ويتندم فيقول: يا ليتني قدمت في الدنيا عملاً صالحاً لحياتي هذه التي لا موت بعدها فينجيني ذلك العمل من عذاب الله تعالى وسخطه ويقربني من رضوانه وجنته.
فالمعنى: قدمت لآخرتي (التي) هي الحياة الدائمة، دليله قوله: ﴿وَإِنَّ ٱلدَّارَ ٱلآخِرَةَ لَهِيَ ٱلْحَيَوَانُ﴾ [العنكبوت: ٦٤] أي: لهي الحياة.
وقيل: المعنى قدمت لأحيا،، لأن أهل النار ليسوا بأحياء ولا أموات، بدلالة قوله: ﴿لاَ يَمُوتُ فِيهَا وَلاَ يَحْيَىٰ﴾ [طه: ٧٤].
قال قتادة: "هناكم والله الحياة الطويلة".
وقال مجاهد: "لحياتي": "للآخرة".
وقيل: الكلام بمعنى في والتقدير: يا ليتني قدمت (في حياتي، أي: قدمت العمل الصالح) في حياتي في الدنيا، مثل: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١]، أي: في عدتهن.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ﴾ ﴿وَلاَ يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ﴾.
من كسر الذال والثاء من ﴿يُعَذِّبُ﴾ و ﴿يُوثِقُ﴾ فمعناه: فلا يعذب - ذلك اليوم - أحد مثل عذاب الله لهم ولا يوثق أحد مثل وثاق الله لهم.
وقيل: (معناه: لا يعذب أحد في الدنيا كعذاب الله يومئذ ولا يوثق أحد في الدنيا كوثاقه يومئذ.
ومن فتح ذلك)، فمعناه: فلا يعذب أحد مثلما يعذب الكافر ولا يوثق مثلما يوثق.
وقال الحسن: قد علم الله أن في الدنيا عذاباً (و) وثاقاً، فقال: فيومئذ لا يعذبه عذابه أحد (في الدنيا) ولا يوثق وثاقه في الدنيا.
* *
ثم قال تعالى: ﴿يٰأَيَّتُهَا ٱلنَّفْسُ ٱلْمُطْمَئِنَّةُ * ٱرْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً﴾.
هذا خبر من الله - جل ذكره - عن قول الملائكة يوم القيامة لأولياء الله، والمعنى: تقول الملائكة لأولياء الله يوم القيامة، يا أيتها النفس التي اطمأنت إلى وعد الله [و] وعيده، فصدقت بذلك في الدنيا.
قال ابن عباس: المطمئنة: "المصدقة" (وقال قتادة: "هو المؤمن، اطمأنت نفسه إلى ما وعد الله"، وعنه:): المصدقة بما وعد الله.
وقال مجاهد: المطمئنة: الموقنة إن الله ربها، وعنه أيضاً.
المطمئنة التي أيقنت بلقاء ربها.
وفي قراءة أبي: "يا أيتها النفس الآمنة".
[قال الحسن: المطمئنة إذا أراد الله عز وجل قبضها اطمأنت إلى الله سبحانه واطمأن الله سبحانه إليها ورضيت من الله تعالى ورضي عنها فأمر بقبضها وإدخالها الجنة وجعله من عباده الصالحين]، وروي أن ذلك قول [الملائكة] للعبد المؤمن عند خروج نفسه [تبشره] برضاء ربه عنه وإعداد ما أعد له من الكرامة عنده.
قال أبو صالح: ﴿ٱرْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً﴾ هذا عند الموت ﴿فَٱدْخُلِي فِي عِبَادِي﴾ هذا يوم القيامة.
وقيل: إنه كله يوم القيامة. وإن [معنى] ﴿ٱرْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ﴾، أي: إلى صاحبك . وهو قول ابن عباس.
وقال الضحاك: "يأمر الله الأرواح يوم القيامة أن ترجع إلى الأجساد فيأتون الله كما خلقهم أول مرة" فهو على قوله أيضاً كله يوم القيامة، وهو اختيار الطبري.
قال عكرمة: ﴿إِلَىٰ رَبِّكِ﴾ إلى جسد صاحبك. [وقاله] ابن جبير.
فيكون أيضاً كله يوم القيامة وتكون المخاطبة للنفس ودل على ذلك قوله: ﴿وَٱدْخُلِي جَنَّتِي﴾ ودخول الجنة لا يكون إلا في القيامة.
وقال الضحاك: إن معنى [فادخلي في عبادي]، [أي: طاعتي]، ﴿وَٱدْخُلِي جَنَّتِي﴾ أي: رحمتي فالمخاطبة - على قوله هذا - للإنسان، لا للنفس في المعنى. وإليه يذهب الفراء، ومعناه عنده أن الملائكة تقول لهم إذا أعطوا كتبهم بإيمانهم هذا، (أي): ارجعي إلى ثواب ربك.
الفجر 89:18
قوله تعالى: ﴿وَثَمُودَ ٱلَّذِينَ جَابُواْ ٱلصَّخْرَ بِٱلْوَادِ﴾ إلى آخر السورة.
أي: وألم تر - يا محمد - كيف فعل ربك بثمود - وهم قوم صالح - الذين نقبوا الصخر وخرقوه واتخذوه بيوتا؟! وهو قوله: ﴿وَكَانُواْ يَنْحِتُونَ مِنَ ٱلْجِبَالِ بُيُوتاً آمِنِينَ﴾ [الحجر: ٨٢].
والعرب تقول: "جاب فلان [الفلاة] يجوبها جوْباً" إذا دخلها وقطعها.
قال ابن عباس: ﴿جَابُواْ ٱلصَّخْرَ﴾، أي: خرقوها، يعني: قوم صالح كانوا ينحتون من الجبال (بيوتا).
قال مجاهد: "جابوا الجبال فجعلوها بيوتا".
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَفِرْعَوْنَ ذِى ٱلأَوْتَادِ﴾ أي: أو لم تر، يا محمد، فعل ربك بفرعون ذي الأوتاد؟!
قال ابن عباس: الأوتاد هنا "الجنود الذين يشدون له أمره".
وقيل: معناه ذي الجنود الكثيرة الذين يحتاجون [لضرب] الأوتاد في أسفارهم.
وقال مجاهد: وصف بذلك، لأنه كان [يتد أوتاد] الحديد في أيدي الناس وأرجلهم يقتلهم بها.
وقال قتادة: وصف بذلك، لأنه كانت [له مظال] وملاعب يلعب له تحتها من أوتاد [وحبال].
وروى ثابت البناني عن أبي رافع أن فرعون "وتد لامرأته (أربعة) أوتاد، ثم جعل على ظهرها رحى عظيمة حتى ماتت".
وقال ابن جبير: وصف بذلك: لأنه كان يعذب الناس بالأوتاد، قال: [فكان] يجعل رجلاً هاهنا ورجلاً هاهنا، ويداً هاهنا [ويدا] هاهنا بالأوتاد، وقاله مجاهد أيضاً.
وعن ابن جبير أيضاً أنه إنما وصف بذلك، لأنه كان له بنيان يعذب الناس عليه، قال: كان له منارات يعذب الناس عليها.
* *
وقوله: ﴿ٱلَّذِينَ طَغَوْاْ فِي ٱلْبِلاَدِ﴾ أي: تجاوزوا حدود الله عتوا على ربهم في البلاد التي كانوا بها فأكثروا في تلك البلاد الفساد بركوبهم المعاصي.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ﴾ أي: فأنزل بهم ربك (يا محمد) عذابه نقمة منه لهم لكفرهم، يعني جميع من تقدم ذكره من الكفرة. والعرب تقول لكل عذاب شديد عذب به المعذب: سوط خزي.
فقوله: ﴿سَوْطَ عَذَابٍ﴾، واقع على أنواع (من العذاب عذب الله بها هذه الأمم) المذكورة في الدنيا فأهلكهم بها. [وكذا حكى الماوردي: ﴿سَوْطَ عَذَابٍ﴾ أي: خلط عذاب لأنه أنواع].
قال مجاهد: ﴿سَوْطَ عَذَابٍ﴾ "ما عذبوا به". وهو قول ابن زيد (وغيره).
* *
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِٱلْمِرْصَادِ﴾ أي: إن ربك يا محمد لهؤلاء الذين قصصت عليك قصصهم ولغيرهم من أمثالهم لبالمرصاد يرصدهم على قناطر جهنم فيكردسهم فيها إذا وردوها يوم القيامة. وقيل: معناه: لا يفوته هارب.
وقال ابن عباس: ﴿لَبِٱلْمِرْصَادِ﴾ أي: "يسمع ويرى". وقال الضحاك: إذا كان يوم [القيامة] يأمر الله عز وجل بكرسيه فيوضع على النار فيستوي عليه ويقول: "وعزتي لا يجاوزني اليوم (ذو) مظلمة".
فذلك قوله جل ثناؤه: ﴿لَبِٱلْمِرْصَادِ﴾.
وقال سفيان: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِٱلْمِرْصَادِ﴾ يعني: جهنم عليها ثلاث [قناطر]: قنطرة فيها الرحم، وقنطرة فيها الأمانة، وقنطرة فيها الرب جل ثناؤه. قال [عمرو] بن قيس: بلغني أن على جهنم ثلاث [قناطر] فقنطرة عليها الأمانة إذا مروا بها تقول: (يا رب)، هذا (أمين، يا رب هذا خائن. وقنطرة عليها الرحم إذا مروا بها تقول: هذا) واصل، هذا قاطع. وقنطرة عليها الرب تعالى ذكره ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِٱلْمِرْصَادِ﴾.
وقال الحسن: ﴿لَبِٱلْمِرْصَادِ﴾ أي: "مرصاد عمل بني آدم". قال ابن مسعود: والفجر إن ربك لبالمرصاد.
يعني أنه جواب القسم.
ويروى أن على جسر جهنم (سبع) [قناطر] محابس، بين كل قنطرتين سبعون عاما، وعرض [الجسر] كحد السيف مدحضة مزلقة، في الرقة مثل الشعرة، فيسأل الناس [عند أول] قنطرة من الإيمان، فإن جاء به تاماً جاز إلى القنطرة الثانية، ثم يسأل عن [الصلوات] الخمس، فإن جاء بها [تامة] جاز إلى (القنطرة) الثالثة، ثم يسأل عن الزكاة، فإن جاء بها تامة جاز إلى الرابعة، ثم يسأل عن صيام رمضان فإن جاء به تاما جاز إلى الخامسة، ثم (يسأل) عن الحج، ثم (يسأل) عن صلة الرحم.
قال نافع (و) الرؤاسي: ﴿إِرَمَ﴾ وقف جيد. وهو بعيد لأن ﴿ذَاتِ ٱلْعِمَادِ﴾ نعت لما قبلها أو بدل منه. والوقف عند الأخفش وغيره ﴿أَهَانَنِ﴾. والاختيار الوقف على "كلا" وهو قول نصير وأحمد بن موسى . والمعنى: كلا، [لم أهنه بتقديري] عليه رزقه.
وقال الفراء: معناه: كلا، لم يكن ينبغي للإنسان أن يقول هذا، ولكن يجب عليه أن يحمد الله على الأمرين جميعا، على الغنى والفقر.
وقوله تعالى: ﴿فَأَمَّا ٱلإِنسَانُ إِذَا مَا ٱبْتَلاَهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّيۤ أَكْرَمَنِ﴾.
أي: فأما الإنسان إذا ما امتحنه ربه بالنعم والسعة فرح بذلك، وقال: ربي أكرمني بهذه الكرامة.
وأما إذا ما امتحنه فضيق عليه رزقه وقَتَّره عليه غَمَّه [وقال]: ربي أهانني وأذلني بالفقر، فلم يشكر الله على ما وهب له من سلامة جوارحه.
قال قتادة: ﴿فَيَقُولُ رَبِّيۤ أَهَانَنِ﴾ "ما أسرع ما كفر ابن آدم".
* *
وقوله: ﴿كَلاَّ﴾.
هو إنكار من الله أن يكون سبب كرامته من أكرم [كثرة] المال، وسبب إهانته من أهان قلة المال.
قال قتادة معناه: لا أكرم من أكرمت بكثرة المال ولا أهين من أهنت بقلته، ولكن إنما أكرم من أكرمت بتوفيقه إلى [طاعتي]، وأهين من أهنت بخذلانه وارتكاب لمعصيتي.
(ودل على ذلك قوله: ﴿بَل لاَّ تُكْرِمُونَ ٱلْيَتِيمَ * وَلاَ تَحَآضُّونَ عَلَىٰ طَعَامِ ٱلْمِسْكِينِ﴾ إلى ﴿جَمّاً﴾ أي: فبهدا أهين من أهنت، لأنه مرتكب لمعصيتي) مخذول ممنوع عن طاعتي.
وقيل: معناه: لم يكن الإنسان أن يحمد الله على النعم دون الفقر، ولكن ينبغي له أن يحمده على الأمرين جميعاً، على الغنى والفقر.
والوقف على ﴿أَهَانَنِ﴾ حسن، وتكون "كلا" في الابتداء بمعنى "حقاً"، أو بمعنى "ألا". وهو قول الأخفش وأحمد بن موسى.
وأجاز أبو حاتم الوقف على (أهنن) وعلى (كلا).
والوقف عند نصير والفراء على "كلا"، وهو الاختيار، لأنها عند أهل التفسير رد لما قبلها. (وقد) قال الحسن: "كلا" معناه: ليس يهان أحد بفقر ولا غنى. وقاله قتادة.
* *
وقوله: ﴿بَل لاَّ تُكْرِمُونَ ٱلْيَتِيمَ﴾ أي: بل إنما أهنت من أهنت، لأنه لا يكرم اليتيم ولا يحض الناس ولا نفسه على طعام المسكين.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَتَأْكُلُونَ ٱلتُّرَاثَ أَكْلاً لَّمّاً﴾ أي: وأهنتكم لأنكم تأكلون الميراث أكلاً شديداً.
﴿وَتُحِبُّونَ ٱلْمَالَ حُبّاً جَمّاً﴾ أي: كثيراً.
قال ابن عباس: ﴿أَكْلاً لَّمّاً﴾، أي: سفاً، وجماً: شديداً.
وقال الحسن: معنى ﴿لَّمّاً﴾، أي: يخلطون الحلال بالحرام.
وقال ابن زيد: ﴿وَتَأْكُلُونَ ٱلتُّرَاثَ أَكْلاً لَّمّاً﴾، أي: تأكلون كل شيء تجدونه من الميراث وغيره، لا تسألون عنه، يأكل الذي له والذي لصاحبه.
[قال]: كانوا لا [يورثون] النساء ولا [يورثون] الصغار، وقرأ ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي ٱلنِّسَآءِ قُلِ ٱللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ فِي ٱلْكِتَٰبِ فِي يَتَٰمَى ٱلنِّسَآءِ﴾ [النساء: ١٢٧]... إلى قوله ﴿عَلِيماً﴾ [النساء: ١٢٧].
فقوله: ﴿وَٱلْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ ٱلْوِلْدَٰنِ﴾ [النساء: ١٢٧]، يعني: يستضعفوهم [فلا يؤتونهم].
قال: وقوله: ﴿وَتُحِبُّونَ ٱلْمَالَ حُبّاً جَمّاً﴾,
أي: وتحبون جمع المال واقتناءه حبا كثيرا.
والعرب تقول: "جم الماء في الحوض": إذا اجتمع وكثر.
* *
ثم قال تعالى: ﴿كَلاَّ إِذَا دُكَّتِ ٱلأَرْضُ دَكّاً دَكّاً﴾.
الوقف على "كلا" حسن، ومعناه: ليس هكذا ينبغي أن يكون الأمر أن تأكلوا الميراث أكلا شديدا، وتحبوا جمع المال حباً كثيراً. ولا تكرمون اليتيم بالصدقة، ولا تحضون على طعام المسكين.
وقيل: المعنى: لا يغني عنكم جمع المال شيئاً.
وقوله تعالى: ﴿إِذَا دُكَّتِ ٱلأَرْضُ﴾، أي: رجت وزلزلت مرة بعد مرة.
قال ابن عباس: هو "تحريكها".
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَجَآءَ رَبُّكَ وَٱلْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً﴾ أي: والملائكة صفاً بعد صف.
وروى شهر بن حوشب عن ابن عباس أنه قال: إذا كان يوم القيامة، مدت الأرض مد الأديم، وزيد في سعتها كذا وكذا، وجمع الخلائق بصعيد واحد، جِنَّهم وإنسهم، فإذا كان [ذلك] اليوم قيضت السماء الدنيا عن أهلها على وجه الأرض، ولأهل هذه السماء وحدهم أكثر من أهل الأرض، جنهم وإنسهم بضعف، [فإذا مروا] على وجه الأرض فزعوا منهم، فيقولون: (أفيكم ربنا؟ فيفزعون من قولهم، فيقولون) سبحان ربنا، ليس فينا وهو آتٍ ثم تقاض السماء الثانية، فأهل السماء الثانية وحدهم أكثر من أهل سماء الدنيا ومن جميع أهل الأرض بضعف جنهم وإنسهم، فإذا مروا على وجه الأرض فزع إليهم أهل الأرض فيقولون: أفيكم ربنا؟ فيفزعون من كلامهم ويقولون: سبحان الله، ليس فينا، وهو آت ثم تقاض السماوات سماءً (سماءً)، كلما قيضت سماء عن أهلها كانت أكثر من أهل السماوات التي تحتها ومن جميع أهل الأرض بضعف، فإذا مروا على وجه الأرض فزع إليهم أهل الأرض فيقولون، لهم مثل ذلك، ويرجعون إليهم مثل ذلك، حتى [تقاض السماء] السابعة، فلأهل السماء السابعة أكثر من أهل ست سماوات ومن جميع أهل الأرض بضعف، فيجيء الله عز وجل فيهم وجميع الأمم جثيٌّ [صفوف]، وينادي مناد: ستعلمون اليوم من أصحاب الكرم، ليقم الحمادون لله على كل حال. قال: فيقومون فيسرحون إلى الجنة، ثم ينادي الثانية: ستعلمون اليوم من أصحاب الكرم، أين الذين كانت تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفاً وطمعاً ومما رزقناهم ينفقون؟ فيسرحون إلى الجنة، ثم ينادي الثالثة: ستعلمون اليوم من أصحاب الكرم، أين الذين كانوا لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة يخافون يوماً تتقلب فيه القلوب والأبصار؟ فيسرحون إلى الجنة، قال: فإذا أخذ من هؤلاء ثلاثة، عنق من النار فأشرف على الخلائق له عينان تبصران ولسان فصيح فيقول: إني وكلت منكم بثلاثة: بكل جبار عنيد، [فيلتقطهم] من الصفوف لقط الطير حب السمسم فيخنس بهم في جهنم، [ثم] [يخرج] ثانية [فيقول]: إني وكلت منكم بمن آذى الله ورسوله، [فيلتقطهم] [من الصفوف] لقط الطير حب السمسم [فيخنس] بهم في جهنم. قال شهر ابن حوشب: وأحسب أنه ذكر في الثالثة أهل التصاوير [فيلتقطهم] كذلك. قال: فإذا أخذ من هؤلاء ثلاثة، ومن هؤلاء ثلاثة، نشرت الصحف ووضعت الموازين ودعي الخلائق للحساب.
وقال الضحاك: إذا كان يوم القيامة، أمر الله جل ذكره السماء الدنيا بأهلها، فنزل من فيها من الملائكة فأحاطوا بالأرض ومن عليها، ثم الثانية، ثم الثالثة، كذلك إلى السابعة، فصفوا صفا دون صف، ثم ينزل الملك الأعلى، على مجنبته اليسرى جهنم، فإذا رآها أهل الأرض نادوا، فلا يأتون قطراً من أقطار الأرض إلا وجدوا سبعة صفوف من الملائكة، فيرجعون إلى المكان الذي كانوا فيه، فذلك قوله عز وجل: ﴿إِنِّيۤ أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ ٱلتَّنَادِ * يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ﴾ [غافر: ٣٢-٣٣].
وقرئ بتشديد الدال من ند البعير: إذا فر.
قال: ذلك قوله: ﴿وَجَآءَ رَبُّكَ وَٱلْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً * وَجِيۤءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ﴾. وقوله: ﴿يٰمَعْشَرَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنسِ إِنِ ٱسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُواْ..﴾ [الرحمن: ٣٣] الآية.
وهو قوله: ﴿وَٱنشَقَّتِ ٱلسَّمَآءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ * وَٱلْمَلَكُ عَلَىٰ أَرْجَآئِهَآ﴾ [الحاقة: ١٦-١٧].
روى أبو هريرة أن النبي ﷺ (قال): توقفون موقفاً واحداً يوم القيامة مقدار سبعين عاما لا ينظر إليكم ولا يقضى بينكم، فتبكون حتى ينقطع الدمع، ثم تدمعون دما وتبكون حتى يبلغ ذلك منكم [الأذقان] ويلجمكم وتضجون ثم تقولون: [من] يشفع لنا إلى ربنا فيقضي بيننا؟ فيقولون: من أحق بذلك من أبيكم آدم، قبل الله توبته وخلقه بيده ونفخ فيه من روحه وكلمه [قبلاً]، فيؤتى آدم، فيطلب ذلك إليه فيأبى، ثم الأنبياء - نبياً - نبياً - كلما جاؤوا نبياً أبى.
قال رسول الله ﷺ: حتى يأتونني فإذا جاءوني خرجت حتى أتي الفحص.
قال أبو هريرة رضي الله عنه: يا رسول الله، وما الفحص؟ قال قدام العرش، قال: فأخر ساجداً، قال: فلا أزال ساجداً حتى يبعث الله إلي ملكاً فيأخذ بعضدي فيرفعني، فيقول الله جل وعز [لي]: يا محمد، فأقول: نعم، وهو أعلم، فيقول: ما شأنك؟ فأقول: يا رب، وعدتني الشفاعة، فشفعني في خلقك واقض بينهم، فيقول تعالى: قد شفعتك، أنا آتيهم وأقضي بينهم.
قال رسول الله ﷺ: فأنصرف حتى أقف مع الناس، فبينما نحن وقوف، سمعنا حساً من السماء شديداً، فهالنا، فنزل أهل سماء الدنيا بمثلي من في الأرض من الإنس والجن، حتى إذا دنوا من الأرض، أشرقت الأرض لنورهم، وأخذوا [مصافهم] [فقلنا] (لهم): أفيكم ربنا؟ [فقالوا]: لا، وهو آت. ثم نزل أهل السماء الثانية بمثلي من نزل من الملائكة وبمثل من فيها من الجن والإنس، حتى إذا دنوا من الأرض، أشرقت الأرض لنورهم وأخذوا مصافهم، فقلنا لهم: أفيكم ربنا؟ فقالوا: لا، وهو آت، ثم ينزل أهل السماوات على قدر ذلك من التضعيف، حتى نزل الجبار في ظلل من الغمام والملائكة لهم زجل من تسبيحهم يقولون: سبحان الملك ذي الملكوت، سبحان رب العرش ذي الجبروت، سبحان الحي الذي لا يموت، سبحان الذي يميت الخلائق ولا يموت، سبوح قدوس رب الملائكة والروح، قدوس قدوس سبحان ربنا الأعلى سبحان ذي الجبروت والملكوت والكبرياء والسلطان والعظمة، سبحانه أبداً أبداً، فينزل تعالى جل ذكره يحمل عرشه يومئذ ثمانية، وهم اليوم أربعة أقدامهم على تخوم الأرض السفلى والسماوات إلى حجزهم والعرشُ إلى مناكبهم. قال: فيضع الله جل ذكره كرسيه حيث شاء من الأرض، ثم ينادي بنداء يسمع الخلائق فيقول: يا [معشر الجن] والإنس [إني] قد أنصت من يوم خلقتكم إلى يومكم هذا، أسمع كلامكم وأبصر أعمالكم، فأنصتوا إليَّ، فإنما هي صحفكم وأعمالكم تقرأ عليكم، فمن وجد خيراً فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا [يلم] إلا نفسه.
قال: ثم يأمر الله جل وعز جهنم فيخرج منها عنق ساطع [مظلم] يقول: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يٰبَنِيۤ ءَادَمَ أَن لاَّ تَعْبُدُواْ ٱلشَّيطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ * وَأَنِ ٱعْبُدُونِي هَـٰذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ﴾ إلى قوله: ﴿ٱلْمُجْرِمُونَ﴾ فيتميز الناس ويجثون، [وهي] التي يقول الله تعالى جل ذكره: ﴿وَتَرَىٰ كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أمَّةٍ تُدْعَىٰ إِلَىٰ كِتَابِهَا﴾ إلى ﴿تَعْمَلُونَ﴾.
قال: فيقضي الله جل ثناؤه بين خلقه الجن والإنس والبهائم، فإنه [ليقيدُ] يومئذ للجماء من ذات القرن، حتى إذا لم تبق تبعة عند واحدة لأخرى، قال الله تعالى: كوني تراباً. فعند ذلك يقول الكافر: يا ليتني كنت تراباً! [قال]: ثم يقضي الله جل ذكره بين الجن والإنس
ووقع [التكرير] في (دكاً دكاً) و (صفاً صفاً) على معنى: دكاً (بعد دكاً) [وصفاً] بعد صف.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَجِيۤءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ﴾.
قال ابن مسعود: "جيء بها تقاد بسبعين ألف زمام، مع كل زمام سبعون ألف ملك يقودنها وقاله ابن وائل.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَجِيۤءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ ٱلإِنسَانُ وَأَنَّىٰ لَهُ ٱلذِّكْرَىٰ﴾.
أي: يتذكر تفريطه في الدنيا في طاعة الله، ومن أي وجه له الذكرى في ذلك اليوم وقد حيل بينه وبين العمل.
* *
ثم قال تعالى: ﴿يَقُولُ يٰلَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي﴾.
أي: يتلهف ويتندم فيقول: يا ليتني قدمت في الدنيا عملاً صالحاً لحياتي هذه التي لا موت بعدها فينجيني ذلك العمل من عذاب الله تعالى وسخطه ويقربني من رضوانه وجنته.
فالمعنى: قدمت لآخرتي (التي) هي الحياة الدائمة، دليله قوله: ﴿وَإِنَّ ٱلدَّارَ ٱلآخِرَةَ لَهِيَ ٱلْحَيَوَانُ﴾ [العنكبوت: ٦٤] أي: لهي الحياة.
وقيل: المعنى قدمت لأحيا،، لأن أهل النار ليسوا بأحياء ولا أموات، بدلالة قوله: ﴿لاَ يَمُوتُ فِيهَا وَلاَ يَحْيَىٰ﴾ [طه: ٧٤].
قال قتادة: "هناكم والله الحياة الطويلة".
وقال مجاهد: "لحياتي": "للآخرة".
وقيل: الكلام بمعنى في والتقدير: يا ليتني قدمت (في حياتي، أي: قدمت العمل الصالح) في حياتي في الدنيا، مثل: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١]، أي: في عدتهن.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ﴾ ﴿وَلاَ يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ﴾.
من كسر الذال والثاء من ﴿يُعَذِّبُ﴾ و ﴿يُوثِقُ﴾ فمعناه: فلا يعذب - ذلك اليوم - أحد مثل عذاب الله لهم ولا يوثق أحد مثل وثاق الله لهم.
وقيل: (معناه: لا يعذب أحد في الدنيا كعذاب الله يومئذ ولا يوثق أحد في الدنيا كوثاقه يومئذ.
ومن فتح ذلك)، فمعناه: فلا يعذب أحد مثلما يعذب الكافر ولا يوثق مثلما يوثق.
وقال الحسن: قد علم الله أن في الدنيا عذاباً (و) وثاقاً، فقال: فيومئذ لا يعذبه عذابه أحد (في الدنيا) ولا يوثق وثاقه في الدنيا.
* *
ثم قال تعالى: ﴿يٰأَيَّتُهَا ٱلنَّفْسُ ٱلْمُطْمَئِنَّةُ * ٱرْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً﴾.
هذا خبر من الله - جل ذكره - عن قول الملائكة يوم القيامة لأولياء الله، والمعنى: تقول الملائكة لأولياء الله يوم القيامة، يا أيتها النفس التي اطمأنت إلى وعد الله [و] وعيده، فصدقت بذلك في الدنيا.
قال ابن عباس: المطمئنة: "المصدقة" (وقال قتادة: "هو المؤمن، اطمأنت نفسه إلى ما وعد الله"، وعنه:): المصدقة بما وعد الله.
وقال مجاهد: المطمئنة: الموقنة إن الله ربها، وعنه أيضاً.
المطمئنة التي أيقنت بلقاء ربها.
وفي قراءة أبي: "يا أيتها النفس الآمنة".
[قال الحسن: المطمئنة إذا أراد الله عز وجل قبضها اطمأنت إلى الله سبحانه واطمأن الله سبحانه إليها ورضيت من الله تعالى ورضي عنها فأمر بقبضها وإدخالها الجنة وجعله من عباده الصالحين]، وروي أن ذلك قول [الملائكة] للعبد المؤمن عند خروج نفسه [تبشره] برضاء ربه عنه وإعداد ما أعد له من الكرامة عنده.
قال أبو صالح: ﴿ٱرْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً﴾ هذا عند الموت ﴿فَٱدْخُلِي فِي عِبَادِي﴾ هذا يوم القيامة.
وقيل: إنه كله يوم القيامة. وإن [معنى] ﴿ٱرْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ﴾، أي: إلى صاحبك . وهو قول ابن عباس.
وقال الضحاك: "يأمر الله الأرواح يوم القيامة أن ترجع إلى الأجساد فيأتون الله كما خلقهم أول مرة" فهو على قوله أيضاً كله يوم القيامة، وهو اختيار الطبري.
قال عكرمة: ﴿إِلَىٰ رَبِّكِ﴾ إلى جسد صاحبك. [وقاله] ابن جبير.
فيكون أيضاً كله يوم القيامة وتكون المخاطبة للنفس ودل على ذلك قوله: ﴿وَٱدْخُلِي جَنَّتِي﴾ ودخول الجنة لا يكون إلا في القيامة.
وقال الضحاك: إن معنى [فادخلي في عبادي]، [أي: طاعتي]، ﴿وَٱدْخُلِي جَنَّتِي﴾ أي: رحمتي فالمخاطبة - على قوله هذا - للإنسان، لا للنفس في المعنى. وإليه يذهب الفراء، ومعناه عنده أن الملائكة تقول لهم إذا أعطوا كتبهم بإيمانهم هذا، (أي): ارجعي إلى ثواب ربك.
الفجر 89:19
قوله تعالى: ﴿وَثَمُودَ ٱلَّذِينَ جَابُواْ ٱلصَّخْرَ بِٱلْوَادِ﴾ إلى آخر السورة.
أي: وألم تر - يا محمد - كيف فعل ربك بثمود - وهم قوم صالح - الذين نقبوا الصخر وخرقوه واتخذوه بيوتا؟! وهو قوله: ﴿وَكَانُواْ يَنْحِتُونَ مِنَ ٱلْجِبَالِ بُيُوتاً آمِنِينَ﴾ [الحجر: ٨٢].
والعرب تقول: "جاب فلان [الفلاة] يجوبها جوْباً" إذا دخلها وقطعها.
قال ابن عباس: ﴿جَابُواْ ٱلصَّخْرَ﴾، أي: خرقوها، يعني: قوم صالح كانوا ينحتون من الجبال (بيوتا).
قال مجاهد: "جابوا الجبال فجعلوها بيوتا".
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَفِرْعَوْنَ ذِى ٱلأَوْتَادِ﴾ أي: أو لم تر، يا محمد، فعل ربك بفرعون ذي الأوتاد؟!
قال ابن عباس: الأوتاد هنا "الجنود الذين يشدون له أمره".
وقيل: معناه ذي الجنود الكثيرة الذين يحتاجون [لضرب] الأوتاد في أسفارهم.
وقال مجاهد: وصف بذلك، لأنه كان [يتد أوتاد] الحديد في أيدي الناس وأرجلهم يقتلهم بها.
وقال قتادة: وصف بذلك، لأنه كانت [له مظال] وملاعب يلعب له تحتها من أوتاد [وحبال].
وروى ثابت البناني عن أبي رافع أن فرعون "وتد لامرأته (أربعة) أوتاد، ثم جعل على ظهرها رحى عظيمة حتى ماتت".
وقال ابن جبير: وصف بذلك: لأنه كان يعذب الناس بالأوتاد، قال: [فكان] يجعل رجلاً هاهنا ورجلاً هاهنا، ويداً هاهنا [ويدا] هاهنا بالأوتاد، وقاله مجاهد أيضاً.
وعن ابن جبير أيضاً أنه إنما وصف بذلك، لأنه كان له بنيان يعذب الناس عليه، قال: كان له منارات يعذب الناس عليها.
* *
وقوله: ﴿ٱلَّذِينَ طَغَوْاْ فِي ٱلْبِلاَدِ﴾ أي: تجاوزوا حدود الله عتوا على ربهم في البلاد التي كانوا بها فأكثروا في تلك البلاد الفساد بركوبهم المعاصي.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ﴾ أي: فأنزل بهم ربك (يا محمد) عذابه نقمة منه لهم لكفرهم، يعني جميع من تقدم ذكره من الكفرة. والعرب تقول لكل عذاب شديد عذب به المعذب: سوط خزي.
فقوله: ﴿سَوْطَ عَذَابٍ﴾، واقع على أنواع (من العذاب عذب الله بها هذه الأمم) المذكورة في الدنيا فأهلكهم بها. [وكذا حكى الماوردي: ﴿سَوْطَ عَذَابٍ﴾ أي: خلط عذاب لأنه أنواع].
قال مجاهد: ﴿سَوْطَ عَذَابٍ﴾ "ما عذبوا به". وهو قول ابن زيد (وغيره).
* *
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِٱلْمِرْصَادِ﴾ أي: إن ربك يا محمد لهؤلاء الذين قصصت عليك قصصهم ولغيرهم من أمثالهم لبالمرصاد يرصدهم على قناطر جهنم فيكردسهم فيها إذا وردوها يوم القيامة. وقيل: معناه: لا يفوته هارب.
وقال ابن عباس: ﴿لَبِٱلْمِرْصَادِ﴾ أي: "يسمع ويرى". وقال الضحاك: إذا كان يوم [القيامة] يأمر الله عز وجل بكرسيه فيوضع على النار فيستوي عليه ويقول: "وعزتي لا يجاوزني اليوم (ذو) مظلمة".
فذلك قوله جل ثناؤه: ﴿لَبِٱلْمِرْصَادِ﴾.
وقال سفيان: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِٱلْمِرْصَادِ﴾ يعني: جهنم عليها ثلاث [قناطر]: قنطرة فيها الرحم، وقنطرة فيها الأمانة، وقنطرة فيها الرب جل ثناؤه. قال [عمرو] بن قيس: بلغني أن على جهنم ثلاث [قناطر] فقنطرة عليها الأمانة إذا مروا بها تقول: (يا رب)، هذا (أمين، يا رب هذا خائن. وقنطرة عليها الرحم إذا مروا بها تقول: هذا) واصل، هذا قاطع. وقنطرة عليها الرب تعالى ذكره ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِٱلْمِرْصَادِ﴾.
وقال الحسن: ﴿لَبِٱلْمِرْصَادِ﴾ أي: "مرصاد عمل بني آدم". قال ابن مسعود: والفجر إن ربك لبالمرصاد.
يعني أنه جواب القسم.
ويروى أن على جسر جهنم (سبع) [قناطر] محابس، بين كل قنطرتين سبعون عاما، وعرض [الجسر] كحد السيف مدحضة مزلقة، في الرقة مثل الشعرة، فيسأل الناس [عند أول] قنطرة من الإيمان، فإن جاء به تاماً جاز إلى القنطرة الثانية، ثم يسأل عن [الصلوات] الخمس، فإن جاء بها [تامة] جاز إلى (القنطرة) الثالثة، ثم يسأل عن الزكاة، فإن جاء بها تامة جاز إلى الرابعة، ثم يسأل عن صيام رمضان فإن جاء به تاما جاز إلى الخامسة، ثم (يسأل) عن الحج، ثم (يسأل) عن صلة الرحم.
قال نافع (و) الرؤاسي: ﴿إِرَمَ﴾ وقف جيد. وهو بعيد لأن ﴿ذَاتِ ٱلْعِمَادِ﴾ نعت لما قبلها أو بدل منه. والوقف عند الأخفش وغيره ﴿أَهَانَنِ﴾. والاختيار الوقف على "كلا" وهو قول نصير وأحمد بن موسى . والمعنى: كلا، [لم أهنه بتقديري] عليه رزقه.
وقال الفراء: معناه: كلا، لم يكن ينبغي للإنسان أن يقول هذا، ولكن يجب عليه أن يحمد الله على الأمرين جميعا، على الغنى والفقر.
وقوله تعالى: ﴿فَأَمَّا ٱلإِنسَانُ إِذَا مَا ٱبْتَلاَهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّيۤ أَكْرَمَنِ﴾.
أي: فأما الإنسان إذا ما امتحنه ربه بالنعم والسعة فرح بذلك، وقال: ربي أكرمني بهذه الكرامة.
وأما إذا ما امتحنه فضيق عليه رزقه وقَتَّره عليه غَمَّه [وقال]: ربي أهانني وأذلني بالفقر، فلم يشكر الله على ما وهب له من سلامة جوارحه.
قال قتادة: ﴿فَيَقُولُ رَبِّيۤ أَهَانَنِ﴾ "ما أسرع ما كفر ابن آدم".
* *
وقوله: ﴿كَلاَّ﴾.
هو إنكار من الله أن يكون سبب كرامته من أكرم [كثرة] المال، وسبب إهانته من أهان قلة المال.
قال قتادة معناه: لا أكرم من أكرمت بكثرة المال ولا أهين من أهنت بقلته، ولكن إنما أكرم من أكرمت بتوفيقه إلى [طاعتي]، وأهين من أهنت بخذلانه وارتكاب لمعصيتي.
(ودل على ذلك قوله: ﴿بَل لاَّ تُكْرِمُونَ ٱلْيَتِيمَ * وَلاَ تَحَآضُّونَ عَلَىٰ طَعَامِ ٱلْمِسْكِينِ﴾ إلى ﴿جَمّاً﴾ أي: فبهدا أهين من أهنت، لأنه مرتكب لمعصيتي) مخذول ممنوع عن طاعتي.
وقيل: معناه: لم يكن الإنسان أن يحمد الله على النعم دون الفقر، ولكن ينبغي له أن يحمده على الأمرين جميعاً، على الغنى والفقر.
والوقف على ﴿أَهَانَنِ﴾ حسن، وتكون "كلا" في الابتداء بمعنى "حقاً"، أو بمعنى "ألا". وهو قول الأخفش وأحمد بن موسى.
وأجاز أبو حاتم الوقف على (أهنن) وعلى (كلا).
والوقف عند نصير والفراء على "كلا"، وهو الاختيار، لأنها عند أهل التفسير رد لما قبلها. (وقد) قال الحسن: "كلا" معناه: ليس يهان أحد بفقر ولا غنى. وقاله قتادة.
* *
وقوله: ﴿بَل لاَّ تُكْرِمُونَ ٱلْيَتِيمَ﴾ أي: بل إنما أهنت من أهنت، لأنه لا يكرم اليتيم ولا يحض الناس ولا نفسه على طعام المسكين.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَتَأْكُلُونَ ٱلتُّرَاثَ أَكْلاً لَّمّاً﴾ أي: وأهنتكم لأنكم تأكلون الميراث أكلاً شديداً.
﴿وَتُحِبُّونَ ٱلْمَالَ حُبّاً جَمّاً﴾ أي: كثيراً.
قال ابن عباس: ﴿أَكْلاً لَّمّاً﴾، أي: سفاً، وجماً: شديداً.
وقال الحسن: معنى ﴿لَّمّاً﴾، أي: يخلطون الحلال بالحرام.
وقال ابن زيد: ﴿وَتَأْكُلُونَ ٱلتُّرَاثَ أَكْلاً لَّمّاً﴾، أي: تأكلون كل شيء تجدونه من الميراث وغيره، لا تسألون عنه، يأكل الذي له والذي لصاحبه.
[قال]: كانوا لا [يورثون] النساء ولا [يورثون] الصغار، وقرأ ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي ٱلنِّسَآءِ قُلِ ٱللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ فِي ٱلْكِتَٰبِ فِي يَتَٰمَى ٱلنِّسَآءِ﴾ [النساء: ١٢٧]... إلى قوله ﴿عَلِيماً﴾ [النساء: ١٢٧].
فقوله: ﴿وَٱلْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ ٱلْوِلْدَٰنِ﴾ [النساء: ١٢٧]، يعني: يستضعفوهم [فلا يؤتونهم].
قال: وقوله: ﴿وَتُحِبُّونَ ٱلْمَالَ حُبّاً جَمّاً﴾,
أي: وتحبون جمع المال واقتناءه حبا كثيرا.
والعرب تقول: "جم الماء في الحوض": إذا اجتمع وكثر.
* *
ثم قال تعالى: ﴿كَلاَّ إِذَا دُكَّتِ ٱلأَرْضُ دَكّاً دَكّاً﴾.
الوقف على "كلا" حسن، ومعناه: ليس هكذا ينبغي أن يكون الأمر أن تأكلوا الميراث أكلا شديدا، وتحبوا جمع المال حباً كثيراً. ولا تكرمون اليتيم بالصدقة، ولا تحضون على طعام المسكين.
وقيل: المعنى: لا يغني عنكم جمع المال شيئاً.
وقوله تعالى: ﴿إِذَا دُكَّتِ ٱلأَرْضُ﴾، أي: رجت وزلزلت مرة بعد مرة.
قال ابن عباس: هو "تحريكها".
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَجَآءَ رَبُّكَ وَٱلْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً﴾ أي: والملائكة صفاً بعد صف.
وروى شهر بن حوشب عن ابن عباس أنه قال: إذا كان يوم القيامة، مدت الأرض مد الأديم، وزيد في سعتها كذا وكذا، وجمع الخلائق بصعيد واحد، جِنَّهم وإنسهم، فإذا كان [ذلك] اليوم قيضت السماء الدنيا عن أهلها على وجه الأرض، ولأهل هذه السماء وحدهم أكثر من أهل الأرض، جنهم وإنسهم بضعف، [فإذا مروا] على وجه الأرض فزعوا منهم، فيقولون: (أفيكم ربنا؟ فيفزعون من قولهم، فيقولون) سبحان ربنا، ليس فينا وهو آتٍ ثم تقاض السماء الثانية، فأهل السماء الثانية وحدهم أكثر من أهل سماء الدنيا ومن جميع أهل الأرض بضعف جنهم وإنسهم، فإذا مروا على وجه الأرض فزع إليهم أهل الأرض فيقولون: أفيكم ربنا؟ فيفزعون من كلامهم ويقولون: سبحان الله، ليس فينا، وهو آت ثم تقاض السماوات سماءً (سماءً)، كلما قيضت سماء عن أهلها كانت أكثر من أهل السماوات التي تحتها ومن جميع أهل الأرض بضعف، فإذا مروا على وجه الأرض فزع إليهم أهل الأرض فيقولون، لهم مثل ذلك، ويرجعون إليهم مثل ذلك، حتى [تقاض السماء] السابعة، فلأهل السماء السابعة أكثر من أهل ست سماوات ومن جميع أهل الأرض بضعف، فيجيء الله عز وجل فيهم وجميع الأمم جثيٌّ [صفوف]، وينادي مناد: ستعلمون اليوم من أصحاب الكرم، ليقم الحمادون لله على كل حال. قال: فيقومون فيسرحون إلى الجنة، ثم ينادي الثانية: ستعلمون اليوم من أصحاب الكرم، أين الذين كانت تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفاً وطمعاً ومما رزقناهم ينفقون؟ فيسرحون إلى الجنة، ثم ينادي الثالثة: ستعلمون اليوم من أصحاب الكرم، أين الذين كانوا لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة يخافون يوماً تتقلب فيه القلوب والأبصار؟ فيسرحون إلى الجنة، قال: فإذا أخذ من هؤلاء ثلاثة، عنق من النار فأشرف على الخلائق له عينان تبصران ولسان فصيح فيقول: إني وكلت منكم بثلاثة: بكل جبار عنيد، [فيلتقطهم] من الصفوف لقط الطير حب السمسم فيخنس بهم في جهنم، [ثم] [يخرج] ثانية [فيقول]: إني وكلت منكم بمن آذى الله ورسوله، [فيلتقطهم] [من الصفوف] لقط الطير حب السمسم [فيخنس] بهم في جهنم. قال شهر ابن حوشب: وأحسب أنه ذكر في الثالثة أهل التصاوير [فيلتقطهم] كذلك. قال: فإذا أخذ من هؤلاء ثلاثة، ومن هؤلاء ثلاثة، نشرت الصحف ووضعت الموازين ودعي الخلائق للحساب.
وقال الضحاك: إذا كان يوم القيامة، أمر الله جل ذكره السماء الدنيا بأهلها، فنزل من فيها من الملائكة فأحاطوا بالأرض ومن عليها، ثم الثانية، ثم الثالثة، كذلك إلى السابعة، فصفوا صفا دون صف، ثم ينزل الملك الأعلى، على مجنبته اليسرى جهنم، فإذا رآها أهل الأرض نادوا، فلا يأتون قطراً من أقطار الأرض إلا وجدوا سبعة صفوف من الملائكة، فيرجعون إلى المكان الذي كانوا فيه، فذلك قوله عز وجل: ﴿إِنِّيۤ أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ ٱلتَّنَادِ * يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ﴾ [غافر: ٣٢-٣٣].
وقرئ بتشديد الدال من ند البعير: إذا فر.
قال: ذلك قوله: ﴿وَجَآءَ رَبُّكَ وَٱلْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً * وَجِيۤءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ﴾. وقوله: ﴿يٰمَعْشَرَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنسِ إِنِ ٱسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُواْ..﴾ [الرحمن: ٣٣] الآية.
وهو قوله: ﴿وَٱنشَقَّتِ ٱلسَّمَآءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ * وَٱلْمَلَكُ عَلَىٰ أَرْجَآئِهَآ﴾ [الحاقة: ١٦-١٧].
روى أبو هريرة أن النبي ﷺ (قال): توقفون موقفاً واحداً يوم القيامة مقدار سبعين عاما لا ينظر إليكم ولا يقضى بينكم، فتبكون حتى ينقطع الدمع، ثم تدمعون دما وتبكون حتى يبلغ ذلك منكم [الأذقان] ويلجمكم وتضجون ثم تقولون: [من] يشفع لنا إلى ربنا فيقضي بيننا؟ فيقولون: من أحق بذلك من أبيكم آدم، قبل الله توبته وخلقه بيده ونفخ فيه من روحه وكلمه [قبلاً]، فيؤتى آدم، فيطلب ذلك إليه فيأبى، ثم الأنبياء - نبياً - نبياً - كلما جاؤوا نبياً أبى.
قال رسول الله ﷺ: حتى يأتونني فإذا جاءوني خرجت حتى أتي الفحص.
قال أبو هريرة رضي الله عنه: يا رسول الله، وما الفحص؟ قال قدام العرش، قال: فأخر ساجداً، قال: فلا أزال ساجداً حتى يبعث الله إلي ملكاً فيأخذ بعضدي فيرفعني، فيقول الله جل وعز [لي]: يا محمد، فأقول: نعم، وهو أعلم، فيقول: ما شأنك؟ فأقول: يا رب، وعدتني الشفاعة، فشفعني في خلقك واقض بينهم، فيقول تعالى: قد شفعتك، أنا آتيهم وأقضي بينهم.
قال رسول الله ﷺ: فأنصرف حتى أقف مع الناس، فبينما نحن وقوف، سمعنا حساً من السماء شديداً، فهالنا، فنزل أهل سماء الدنيا بمثلي من في الأرض من الإنس والجن، حتى إذا دنوا من الأرض، أشرقت الأرض لنورهم، وأخذوا [مصافهم] [فقلنا] (لهم): أفيكم ربنا؟ [فقالوا]: لا، وهو آت. ثم نزل أهل السماء الثانية بمثلي من نزل من الملائكة وبمثل من فيها من الجن والإنس، حتى إذا دنوا من الأرض، أشرقت الأرض لنورهم وأخذوا مصافهم، فقلنا لهم: أفيكم ربنا؟ فقالوا: لا، وهو آت، ثم ينزل أهل السماوات على قدر ذلك من التضعيف، حتى نزل الجبار في ظلل من الغمام والملائكة لهم زجل من تسبيحهم يقولون: سبحان الملك ذي الملكوت، سبحان رب العرش ذي الجبروت، سبحان الحي الذي لا يموت، سبحان الذي يميت الخلائق ولا يموت، سبوح قدوس رب الملائكة والروح، قدوس قدوس سبحان ربنا الأعلى سبحان ذي الجبروت والملكوت والكبرياء والسلطان والعظمة، سبحانه أبداً أبداً، فينزل تعالى جل ذكره يحمل عرشه يومئذ ثمانية، وهم اليوم أربعة أقدامهم على تخوم الأرض السفلى والسماوات إلى حجزهم والعرشُ إلى مناكبهم. قال: فيضع الله جل ذكره كرسيه حيث شاء من الأرض، ثم ينادي بنداء يسمع الخلائق فيقول: يا [معشر الجن] والإنس [إني] قد أنصت من يوم خلقتكم إلى يومكم هذا، أسمع كلامكم وأبصر أعمالكم، فأنصتوا إليَّ، فإنما هي صحفكم وأعمالكم تقرأ عليكم، فمن وجد خيراً فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا [يلم] إلا نفسه.
قال: ثم يأمر الله جل وعز جهنم فيخرج منها عنق ساطع [مظلم] يقول: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يٰبَنِيۤ ءَادَمَ أَن لاَّ تَعْبُدُواْ ٱلشَّيطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ * وَأَنِ ٱعْبُدُونِي هَـٰذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ﴾ إلى قوله: ﴿ٱلْمُجْرِمُونَ﴾ فيتميز الناس ويجثون، [وهي] التي يقول الله تعالى جل ذكره: ﴿وَتَرَىٰ كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أمَّةٍ تُدْعَىٰ إِلَىٰ كِتَابِهَا﴾ إلى ﴿تَعْمَلُونَ﴾.
قال: فيقضي الله جل ثناؤه بين خلقه الجن والإنس والبهائم، فإنه [ليقيدُ] يومئذ للجماء من ذات القرن، حتى إذا لم تبق تبعة عند واحدة لأخرى، قال الله تعالى: كوني تراباً. فعند ذلك يقول الكافر: يا ليتني كنت تراباً! [قال]: ثم يقضي الله جل ذكره بين الجن والإنس
ووقع [التكرير] في (دكاً دكاً) و (صفاً صفاً) على معنى: دكاً (بعد دكاً) [وصفاً] بعد صف.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَجِيۤءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ﴾.
قال ابن مسعود: "جيء بها تقاد بسبعين ألف زمام، مع كل زمام سبعون ألف ملك يقودنها وقاله ابن وائل.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَجِيۤءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ ٱلإِنسَانُ وَأَنَّىٰ لَهُ ٱلذِّكْرَىٰ﴾.
أي: يتذكر تفريطه في الدنيا في طاعة الله، ومن أي وجه له الذكرى في ذلك اليوم وقد حيل بينه وبين العمل.
* *
ثم قال تعالى: ﴿يَقُولُ يٰلَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي﴾.
أي: يتلهف ويتندم فيقول: يا ليتني قدمت في الدنيا عملاً صالحاً لحياتي هذه التي لا موت بعدها فينجيني ذلك العمل من عذاب الله تعالى وسخطه ويقربني من رضوانه وجنته.
فالمعنى: قدمت لآخرتي (التي) هي الحياة الدائمة، دليله قوله: ﴿وَإِنَّ ٱلدَّارَ ٱلآخِرَةَ لَهِيَ ٱلْحَيَوَانُ﴾ [العنكبوت: ٦٤] أي: لهي الحياة.
وقيل: المعنى قدمت لأحيا،، لأن أهل النار ليسوا بأحياء ولا أموات، بدلالة قوله: ﴿لاَ يَمُوتُ فِيهَا وَلاَ يَحْيَىٰ﴾ [طه: ٧٤].
قال قتادة: "هناكم والله الحياة الطويلة".
وقال مجاهد: "لحياتي": "للآخرة".
وقيل: الكلام بمعنى في والتقدير: يا ليتني قدمت (في حياتي، أي: قدمت العمل الصالح) في حياتي في الدنيا، مثل: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١]، أي: في عدتهن.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ﴾ ﴿وَلاَ يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ﴾.
من كسر الذال والثاء من ﴿يُعَذِّبُ﴾ و ﴿يُوثِقُ﴾ فمعناه: فلا يعذب - ذلك اليوم - أحد مثل عذاب الله لهم ولا يوثق أحد مثل وثاق الله لهم.
وقيل: (معناه: لا يعذب أحد في الدنيا كعذاب الله يومئذ ولا يوثق أحد في الدنيا كوثاقه يومئذ.
ومن فتح ذلك)، فمعناه: فلا يعذب أحد مثلما يعذب الكافر ولا يوثق مثلما يوثق.
وقال الحسن: قد علم الله أن في الدنيا عذاباً (و) وثاقاً، فقال: فيومئذ لا يعذبه عذابه أحد (في الدنيا) ولا يوثق وثاقه في الدنيا.
* *
ثم قال تعالى: ﴿يٰأَيَّتُهَا ٱلنَّفْسُ ٱلْمُطْمَئِنَّةُ * ٱرْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً﴾.
هذا خبر من الله - جل ذكره - عن قول الملائكة يوم القيامة لأولياء الله، والمعنى: تقول الملائكة لأولياء الله يوم القيامة، يا أيتها النفس التي اطمأنت إلى وعد الله [و] وعيده، فصدقت بذلك في الدنيا.
قال ابن عباس: المطمئنة: "المصدقة" (وقال قتادة: "هو المؤمن، اطمأنت نفسه إلى ما وعد الله"، وعنه:): المصدقة بما وعد الله.
وقال مجاهد: المطمئنة: الموقنة إن الله ربها، وعنه أيضاً.
المطمئنة التي أيقنت بلقاء ربها.
وفي قراءة أبي: "يا أيتها النفس الآمنة".
[قال الحسن: المطمئنة إذا أراد الله عز وجل قبضها اطمأنت إلى الله سبحانه واطمأن الله سبحانه إليها ورضيت من الله تعالى ورضي عنها فأمر بقبضها وإدخالها الجنة وجعله من عباده الصالحين]، وروي أن ذلك قول [الملائكة] للعبد المؤمن عند خروج نفسه [تبشره] برضاء ربه عنه وإعداد ما أعد له من الكرامة عنده.
قال أبو صالح: ﴿ٱرْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً﴾ هذا عند الموت ﴿فَٱدْخُلِي فِي عِبَادِي﴾ هذا يوم القيامة.
وقيل: إنه كله يوم القيامة. وإن [معنى] ﴿ٱرْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ﴾، أي: إلى صاحبك . وهو قول ابن عباس.
وقال الضحاك: "يأمر الله الأرواح يوم القيامة أن ترجع إلى الأجساد فيأتون الله كما خلقهم أول مرة" فهو على قوله أيضاً كله يوم القيامة، وهو اختيار الطبري.
قال عكرمة: ﴿إِلَىٰ رَبِّكِ﴾ إلى جسد صاحبك. [وقاله] ابن جبير.
فيكون أيضاً كله يوم القيامة وتكون المخاطبة للنفس ودل على ذلك قوله: ﴿وَٱدْخُلِي جَنَّتِي﴾ ودخول الجنة لا يكون إلا في القيامة.
وقال الضحاك: إن معنى [فادخلي في عبادي]، [أي: طاعتي]، ﴿وَٱدْخُلِي جَنَّتِي﴾ أي: رحمتي فالمخاطبة - على قوله هذا - للإنسان، لا للنفس في المعنى. وإليه يذهب الفراء، ومعناه عنده أن الملائكة تقول لهم إذا أعطوا كتبهم بإيمانهم هذا، (أي): ارجعي إلى ثواب ربك.
الفجر 89:20
قوله تعالى: ﴿وَثَمُودَ ٱلَّذِينَ جَابُواْ ٱلصَّخْرَ بِٱلْوَادِ﴾ إلى آخر السورة.
أي: وألم تر - يا محمد - كيف فعل ربك بثمود - وهم قوم صالح - الذين نقبوا الصخر وخرقوه واتخذوه بيوتا؟! وهو قوله: ﴿وَكَانُواْ يَنْحِتُونَ مِنَ ٱلْجِبَالِ بُيُوتاً آمِنِينَ﴾ [الحجر: ٨٢].
والعرب تقول: "جاب فلان [الفلاة] يجوبها جوْباً" إذا دخلها وقطعها.
قال ابن عباس: ﴿جَابُواْ ٱلصَّخْرَ﴾، أي: خرقوها، يعني: قوم صالح كانوا ينحتون من الجبال (بيوتا).
قال مجاهد: "جابوا الجبال فجعلوها بيوتا".
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَفِرْعَوْنَ ذِى ٱلأَوْتَادِ﴾ أي: أو لم تر، يا محمد، فعل ربك بفرعون ذي الأوتاد؟!
قال ابن عباس: الأوتاد هنا "الجنود الذين يشدون له أمره".
وقيل: معناه ذي الجنود الكثيرة الذين يحتاجون [لضرب] الأوتاد في أسفارهم.
وقال مجاهد: وصف بذلك، لأنه كان [يتد أوتاد] الحديد في أيدي الناس وأرجلهم يقتلهم بها.
وقال قتادة: وصف بذلك، لأنه كانت [له مظال] وملاعب يلعب له تحتها من أوتاد [وحبال].
وروى ثابت البناني عن أبي رافع أن فرعون "وتد لامرأته (أربعة) أوتاد، ثم جعل على ظهرها رحى عظيمة حتى ماتت".
وقال ابن جبير: وصف بذلك: لأنه كان يعذب الناس بالأوتاد، قال: [فكان] يجعل رجلاً هاهنا ورجلاً هاهنا، ويداً هاهنا [ويدا] هاهنا بالأوتاد، وقاله مجاهد أيضاً.
وعن ابن جبير أيضاً أنه إنما وصف بذلك، لأنه كان له بنيان يعذب الناس عليه، قال: كان له منارات يعذب الناس عليها.
* *
وقوله: ﴿ٱلَّذِينَ طَغَوْاْ فِي ٱلْبِلاَدِ﴾ أي: تجاوزوا حدود الله عتوا على ربهم في البلاد التي كانوا بها فأكثروا في تلك البلاد الفساد بركوبهم المعاصي.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ﴾ أي: فأنزل بهم ربك (يا محمد) عذابه نقمة منه لهم لكفرهم، يعني جميع من تقدم ذكره من الكفرة. والعرب تقول لكل عذاب شديد عذب به المعذب: سوط خزي.
فقوله: ﴿سَوْطَ عَذَابٍ﴾، واقع على أنواع (من العذاب عذب الله بها هذه الأمم) المذكورة في الدنيا فأهلكهم بها. [وكذا حكى الماوردي: ﴿سَوْطَ عَذَابٍ﴾ أي: خلط عذاب لأنه أنواع].
قال مجاهد: ﴿سَوْطَ عَذَابٍ﴾ "ما عذبوا به". وهو قول ابن زيد (وغيره).
* *
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِٱلْمِرْصَادِ﴾ أي: إن ربك يا محمد لهؤلاء الذين قصصت عليك قصصهم ولغيرهم من أمثالهم لبالمرصاد يرصدهم على قناطر جهنم فيكردسهم فيها إذا وردوها يوم القيامة. وقيل: معناه: لا يفوته هارب.
وقال ابن عباس: ﴿لَبِٱلْمِرْصَادِ﴾ أي: "يسمع ويرى". وقال الضحاك: إذا كان يوم [القيامة] يأمر الله عز وجل بكرسيه فيوضع على النار فيستوي عليه ويقول: "وعزتي لا يجاوزني اليوم (ذو) مظلمة".
فذلك قوله جل ثناؤه: ﴿لَبِٱلْمِرْصَادِ﴾.
وقال سفيان: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِٱلْمِرْصَادِ﴾ يعني: جهنم عليها ثلاث [قناطر]: قنطرة فيها الرحم، وقنطرة فيها الأمانة، وقنطرة فيها الرب جل ثناؤه. قال [عمرو] بن قيس: بلغني أن على جهنم ثلاث [قناطر] فقنطرة عليها الأمانة إذا مروا بها تقول: (يا رب)، هذا (أمين، يا رب هذا خائن. وقنطرة عليها الرحم إذا مروا بها تقول: هذا) واصل، هذا قاطع. وقنطرة عليها الرب تعالى ذكره ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِٱلْمِرْصَادِ﴾.
وقال الحسن: ﴿لَبِٱلْمِرْصَادِ﴾ أي: "مرصاد عمل بني آدم". قال ابن مسعود: والفجر إن ربك لبالمرصاد.
يعني أنه جواب القسم.
ويروى أن على جسر جهنم (سبع) [قناطر] محابس، بين كل قنطرتين سبعون عاما، وعرض [الجسر] كحد السيف مدحضة مزلقة، في الرقة مثل الشعرة، فيسأل الناس [عند أول] قنطرة من الإيمان، فإن جاء به تاماً جاز إلى القنطرة الثانية، ثم يسأل عن [الصلوات] الخمس، فإن جاء بها [تامة] جاز إلى (القنطرة) الثالثة، ثم يسأل عن الزكاة، فإن جاء بها تامة جاز إلى الرابعة، ثم يسأل عن صيام رمضان فإن جاء به تاما جاز إلى الخامسة، ثم (يسأل) عن الحج، ثم (يسأل) عن صلة الرحم.
قال نافع (و) الرؤاسي: ﴿إِرَمَ﴾ وقف جيد. وهو بعيد لأن ﴿ذَاتِ ٱلْعِمَادِ﴾ نعت لما قبلها أو بدل منه. والوقف عند الأخفش وغيره ﴿أَهَانَنِ﴾. والاختيار الوقف على "كلا" وهو قول نصير وأحمد بن موسى . والمعنى: كلا، [لم أهنه بتقديري] عليه رزقه.
وقال الفراء: معناه: كلا، لم يكن ينبغي للإنسان أن يقول هذا، ولكن يجب عليه أن يحمد الله على الأمرين جميعا، على الغنى والفقر.
وقوله تعالى: ﴿فَأَمَّا ٱلإِنسَانُ إِذَا مَا ٱبْتَلاَهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّيۤ أَكْرَمَنِ﴾.
أي: فأما الإنسان إذا ما امتحنه ربه بالنعم والسعة فرح بذلك، وقال: ربي أكرمني بهذه الكرامة.
وأما إذا ما امتحنه فضيق عليه رزقه وقَتَّره عليه غَمَّه [وقال]: ربي أهانني وأذلني بالفقر، فلم يشكر الله على ما وهب له من سلامة جوارحه.
قال قتادة: ﴿فَيَقُولُ رَبِّيۤ أَهَانَنِ﴾ "ما أسرع ما كفر ابن آدم".
* *
وقوله: ﴿كَلاَّ﴾.
هو إنكار من الله أن يكون سبب كرامته من أكرم [كثرة] المال، وسبب إهانته من أهان قلة المال.
قال قتادة معناه: لا أكرم من أكرمت بكثرة المال ولا أهين من أهنت بقلته، ولكن إنما أكرم من أكرمت بتوفيقه إلى [طاعتي]، وأهين من أهنت بخذلانه وارتكاب لمعصيتي.
(ودل على ذلك قوله: ﴿بَل لاَّ تُكْرِمُونَ ٱلْيَتِيمَ * وَلاَ تَحَآضُّونَ عَلَىٰ طَعَامِ ٱلْمِسْكِينِ﴾ إلى ﴿جَمّاً﴾ أي: فبهدا أهين من أهنت، لأنه مرتكب لمعصيتي) مخذول ممنوع عن طاعتي.
وقيل: معناه: لم يكن الإنسان أن يحمد الله على النعم دون الفقر، ولكن ينبغي له أن يحمده على الأمرين جميعاً، على الغنى والفقر.
والوقف على ﴿أَهَانَنِ﴾ حسن، وتكون "كلا" في الابتداء بمعنى "حقاً"، أو بمعنى "ألا". وهو قول الأخفش وأحمد بن موسى.
وأجاز أبو حاتم الوقف على (أهنن) وعلى (كلا).
والوقف عند نصير والفراء على "كلا"، وهو الاختيار، لأنها عند أهل التفسير رد لما قبلها. (وقد) قال الحسن: "كلا" معناه: ليس يهان أحد بفقر ولا غنى. وقاله قتادة.
* *
وقوله: ﴿بَل لاَّ تُكْرِمُونَ ٱلْيَتِيمَ﴾ أي: بل إنما أهنت من أهنت، لأنه لا يكرم اليتيم ولا يحض الناس ولا نفسه على طعام المسكين.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَتَأْكُلُونَ ٱلتُّرَاثَ أَكْلاً لَّمّاً﴾ أي: وأهنتكم لأنكم تأكلون الميراث أكلاً شديداً.
﴿وَتُحِبُّونَ ٱلْمَالَ حُبّاً جَمّاً﴾ أي: كثيراً.
قال ابن عباس: ﴿أَكْلاً لَّمّاً﴾، أي: سفاً، وجماً: شديداً.
وقال الحسن: معنى ﴿لَّمّاً﴾، أي: يخلطون الحلال بالحرام.
وقال ابن زيد: ﴿وَتَأْكُلُونَ ٱلتُّرَاثَ أَكْلاً لَّمّاً﴾، أي: تأكلون كل شيء تجدونه من الميراث وغيره، لا تسألون عنه، يأكل الذي له والذي لصاحبه.
[قال]: كانوا لا [يورثون] النساء ولا [يورثون] الصغار، وقرأ ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي ٱلنِّسَآءِ قُلِ ٱللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ فِي ٱلْكِتَٰبِ فِي يَتَٰمَى ٱلنِّسَآءِ﴾ [النساء: ١٢٧]... إلى قوله ﴿عَلِيماً﴾ [النساء: ١٢٧].
فقوله: ﴿وَٱلْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ ٱلْوِلْدَٰنِ﴾ [النساء: ١٢٧]، يعني: يستضعفوهم [فلا يؤتونهم].
قال: وقوله: ﴿وَتُحِبُّونَ ٱلْمَالَ حُبّاً جَمّاً﴾,
أي: وتحبون جمع المال واقتناءه حبا كثيرا.
والعرب تقول: "جم الماء في الحوض": إذا اجتمع وكثر.
* *
ثم قال تعالى: ﴿كَلاَّ إِذَا دُكَّتِ ٱلأَرْضُ دَكّاً دَكّاً﴾.
الوقف على "كلا" حسن، ومعناه: ليس هكذا ينبغي أن يكون الأمر أن تأكلوا الميراث أكلا شديدا، وتحبوا جمع المال حباً كثيراً. ولا تكرمون اليتيم بالصدقة، ولا تحضون على طعام المسكين.
وقيل: المعنى: لا يغني عنكم جمع المال شيئاً.
وقوله تعالى: ﴿إِذَا دُكَّتِ ٱلأَرْضُ﴾، أي: رجت وزلزلت مرة بعد مرة.
قال ابن عباس: هو "تحريكها".
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَجَآءَ رَبُّكَ وَٱلْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً﴾ أي: والملائكة صفاً بعد صف.
وروى شهر بن حوشب عن ابن عباس أنه قال: إذا كان يوم القيامة، مدت الأرض مد الأديم، وزيد في سعتها كذا وكذا، وجمع الخلائق بصعيد واحد، جِنَّهم وإنسهم، فإذا كان [ذلك] اليوم قيضت السماء الدنيا عن أهلها على وجه الأرض، ولأهل هذه السماء وحدهم أكثر من أهل الأرض، جنهم وإنسهم بضعف، [فإذا مروا] على وجه الأرض فزعوا منهم، فيقولون: (أفيكم ربنا؟ فيفزعون من قولهم، فيقولون) سبحان ربنا، ليس فينا وهو آتٍ ثم تقاض السماء الثانية، فأهل السماء الثانية وحدهم أكثر من أهل سماء الدنيا ومن جميع أهل الأرض بضعف جنهم وإنسهم، فإذا مروا على وجه الأرض فزع إليهم أهل الأرض فيقولون: أفيكم ربنا؟ فيفزعون من كلامهم ويقولون: سبحان الله، ليس فينا، وهو آت ثم تقاض السماوات سماءً (سماءً)، كلما قيضت سماء عن أهلها كانت أكثر من أهل السماوات التي تحتها ومن جميع أهل الأرض بضعف، فإذا مروا على وجه الأرض فزع إليهم أهل الأرض فيقولون، لهم مثل ذلك، ويرجعون إليهم مثل ذلك، حتى [تقاض السماء] السابعة، فلأهل السماء السابعة أكثر من أهل ست سماوات ومن جميع أهل الأرض بضعف، فيجيء الله عز وجل فيهم وجميع الأمم جثيٌّ [صفوف]، وينادي مناد: ستعلمون اليوم من أصحاب الكرم، ليقم الحمادون لله على كل حال. قال: فيقومون فيسرحون إلى الجنة، ثم ينادي الثانية: ستعلمون اليوم من أصحاب الكرم، أين الذين كانت تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفاً وطمعاً ومما رزقناهم ينفقون؟ فيسرحون إلى الجنة، ثم ينادي الثالثة: ستعلمون اليوم من أصحاب الكرم، أين الذين كانوا لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة يخافون يوماً تتقلب فيه القلوب والأبصار؟ فيسرحون إلى الجنة، قال: فإذا أخذ من هؤلاء ثلاثة، عنق من النار فأشرف على الخلائق له عينان تبصران ولسان فصيح فيقول: إني وكلت منكم بثلاثة: بكل جبار عنيد، [فيلتقطهم] من الصفوف لقط الطير حب السمسم فيخنس بهم في جهنم، [ثم] [يخرج] ثانية [فيقول]: إني وكلت منكم بمن آذى الله ورسوله، [فيلتقطهم] [من الصفوف] لقط الطير حب السمسم [فيخنس] بهم في جهنم. قال شهر ابن حوشب: وأحسب أنه ذكر في الثالثة أهل التصاوير [فيلتقطهم] كذلك. قال: فإذا أخذ من هؤلاء ثلاثة، ومن هؤلاء ثلاثة، نشرت الصحف ووضعت الموازين ودعي الخلائق للحساب.
وقال الضحاك: إذا كان يوم القيامة، أمر الله جل ذكره السماء الدنيا بأهلها، فنزل من فيها من الملائكة فأحاطوا بالأرض ومن عليها، ثم الثانية، ثم الثالثة، كذلك إلى السابعة، فصفوا صفا دون صف، ثم ينزل الملك الأعلى، على مجنبته اليسرى جهنم، فإذا رآها أهل الأرض نادوا، فلا يأتون قطراً من أقطار الأرض إلا وجدوا سبعة صفوف من الملائكة، فيرجعون إلى المكان الذي كانوا فيه، فذلك قوله عز وجل: ﴿إِنِّيۤ أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ ٱلتَّنَادِ * يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ﴾ [غافر: ٣٢-٣٣].
وقرئ بتشديد الدال من ند البعير: إذا فر.
قال: ذلك قوله: ﴿وَجَآءَ رَبُّكَ وَٱلْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً * وَجِيۤءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ﴾. وقوله: ﴿يٰمَعْشَرَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنسِ إِنِ ٱسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُواْ..﴾ [الرحمن: ٣٣] الآية.
وهو قوله: ﴿وَٱنشَقَّتِ ٱلسَّمَآءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ * وَٱلْمَلَكُ عَلَىٰ أَرْجَآئِهَآ﴾ [الحاقة: ١٦-١٧].
روى أبو هريرة أن النبي ﷺ (قال): توقفون موقفاً واحداً يوم القيامة مقدار سبعين عاما لا ينظر إليكم ولا يقضى بينكم، فتبكون حتى ينقطع الدمع، ثم تدمعون دما وتبكون حتى يبلغ ذلك منكم [الأذقان] ويلجمكم وتضجون ثم تقولون: [من] يشفع لنا إلى ربنا فيقضي بيننا؟ فيقولون: من أحق بذلك من أبيكم آدم، قبل الله توبته وخلقه بيده ونفخ فيه من روحه وكلمه [قبلاً]، فيؤتى آدم، فيطلب ذلك إليه فيأبى، ثم الأنبياء - نبياً - نبياً - كلما جاؤوا نبياً أبى.
قال رسول الله ﷺ: حتى يأتونني فإذا جاءوني خرجت حتى أتي الفحص.
قال أبو هريرة رضي الله عنه: يا رسول الله، وما الفحص؟ قال قدام العرش، قال: فأخر ساجداً، قال: فلا أزال ساجداً حتى يبعث الله إلي ملكاً فيأخذ بعضدي فيرفعني، فيقول الله جل وعز [لي]: يا محمد، فأقول: نعم، وهو أعلم، فيقول: ما شأنك؟ فأقول: يا رب، وعدتني الشفاعة، فشفعني في خلقك واقض بينهم، فيقول تعالى: قد شفعتك، أنا آتيهم وأقضي بينهم.
قال رسول الله ﷺ: فأنصرف حتى أقف مع الناس، فبينما نحن وقوف، سمعنا حساً من السماء شديداً، فهالنا، فنزل أهل سماء الدنيا بمثلي من في الأرض من الإنس والجن، حتى إذا دنوا من الأرض، أشرقت الأرض لنورهم، وأخذوا [مصافهم] [فقلنا] (لهم): أفيكم ربنا؟ [فقالوا]: لا، وهو آت. ثم نزل أهل السماء الثانية بمثلي من نزل من الملائكة وبمثل من فيها من الجن والإنس، حتى إذا دنوا من الأرض، أشرقت الأرض لنورهم وأخذوا مصافهم، فقلنا لهم: أفيكم ربنا؟ فقالوا: لا، وهو آت، ثم ينزل أهل السماوات على قدر ذلك من التضعيف، حتى نزل الجبار في ظلل من الغمام والملائكة لهم زجل من تسبيحهم يقولون: سبحان الملك ذي الملكوت، سبحان رب العرش ذي الجبروت، سبحان الحي الذي لا يموت، سبحان الذي يميت الخلائق ولا يموت، سبوح قدوس رب الملائكة والروح، قدوس قدوس سبحان ربنا الأعلى سبحان ذي الجبروت والملكوت والكبرياء والسلطان والعظمة، سبحانه أبداً أبداً، فينزل تعالى جل ذكره يحمل عرشه يومئذ ثمانية، وهم اليوم أربعة أقدامهم على تخوم الأرض السفلى والسماوات إلى حجزهم والعرشُ إلى مناكبهم. قال: فيضع الله جل ذكره كرسيه حيث شاء من الأرض، ثم ينادي بنداء يسمع الخلائق فيقول: يا [معشر الجن] والإنس [إني] قد أنصت من يوم خلقتكم إلى يومكم هذا، أسمع كلامكم وأبصر أعمالكم، فأنصتوا إليَّ، فإنما هي صحفكم وأعمالكم تقرأ عليكم، فمن وجد خيراً فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا [يلم] إلا نفسه.
قال: ثم يأمر الله جل وعز جهنم فيخرج منها عنق ساطع [مظلم] يقول: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يٰبَنِيۤ ءَادَمَ أَن لاَّ تَعْبُدُواْ ٱلشَّيطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ * وَأَنِ ٱعْبُدُونِي هَـٰذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ﴾ إلى قوله: ﴿ٱلْمُجْرِمُونَ﴾ فيتميز الناس ويجثون، [وهي] التي يقول الله تعالى جل ذكره: ﴿وَتَرَىٰ كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أمَّةٍ تُدْعَىٰ إِلَىٰ كِتَابِهَا﴾ إلى ﴿تَعْمَلُونَ﴾.
قال: فيقضي الله جل ثناؤه بين خلقه الجن والإنس والبهائم، فإنه [ليقيدُ] يومئذ للجماء من ذات القرن، حتى إذا لم تبق تبعة عند واحدة لأخرى، قال الله تعالى: كوني تراباً. فعند ذلك يقول الكافر: يا ليتني كنت تراباً! [قال]: ثم يقضي الله جل ذكره بين الجن والإنس
ووقع [التكرير] في (دكاً دكاً) و (صفاً صفاً) على معنى: دكاً (بعد دكاً) [وصفاً] بعد صف.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَجِيۤءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ﴾.
قال ابن مسعود: "جيء بها تقاد بسبعين ألف زمام، مع كل زمام سبعون ألف ملك يقودنها وقاله ابن وائل.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَجِيۤءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ ٱلإِنسَانُ وَأَنَّىٰ لَهُ ٱلذِّكْرَىٰ﴾.
أي: يتذكر تفريطه في الدنيا في طاعة الله، ومن أي وجه له الذكرى في ذلك اليوم وقد حيل بينه وبين العمل.
* *
ثم قال تعالى: ﴿يَقُولُ يٰلَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي﴾.
أي: يتلهف ويتندم فيقول: يا ليتني قدمت في الدنيا عملاً صالحاً لحياتي هذه التي لا موت بعدها فينجيني ذلك العمل من عذاب الله تعالى وسخطه ويقربني من رضوانه وجنته.
فالمعنى: قدمت لآخرتي (التي) هي الحياة الدائمة، دليله قوله: ﴿وَإِنَّ ٱلدَّارَ ٱلآخِرَةَ لَهِيَ ٱلْحَيَوَانُ﴾ [العنكبوت: ٦٤] أي: لهي الحياة.
وقيل: المعنى قدمت لأحيا،، لأن أهل النار ليسوا بأحياء ولا أموات، بدلالة قوله: ﴿لاَ يَمُوتُ فِيهَا وَلاَ يَحْيَىٰ﴾ [طه: ٧٤].
قال قتادة: "هناكم والله الحياة الطويلة".
وقال مجاهد: "لحياتي": "للآخرة".
وقيل: الكلام بمعنى في والتقدير: يا ليتني قدمت (في حياتي، أي: قدمت العمل الصالح) في حياتي في الدنيا، مثل: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١]، أي: في عدتهن.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ﴾ ﴿وَلاَ يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ﴾.
من كسر الذال والثاء من ﴿يُعَذِّبُ﴾ و ﴿يُوثِقُ﴾ فمعناه: فلا يعذب - ذلك اليوم - أحد مثل عذاب الله لهم ولا يوثق أحد مثل وثاق الله لهم.
وقيل: (معناه: لا يعذب أحد في الدنيا كعذاب الله يومئذ ولا يوثق أحد في الدنيا كوثاقه يومئذ.
ومن فتح ذلك)، فمعناه: فلا يعذب أحد مثلما يعذب الكافر ولا يوثق مثلما يوثق.
وقال الحسن: قد علم الله أن في الدنيا عذاباً (و) وثاقاً، فقال: فيومئذ لا يعذبه عذابه أحد (في الدنيا) ولا يوثق وثاقه في الدنيا.
* *
ثم قال تعالى: ﴿يٰأَيَّتُهَا ٱلنَّفْسُ ٱلْمُطْمَئِنَّةُ * ٱرْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً﴾.
هذا خبر من الله - جل ذكره - عن قول الملائكة يوم القيامة لأولياء الله، والمعنى: تقول الملائكة لأولياء الله يوم القيامة، يا أيتها النفس التي اطمأنت إلى وعد الله [و] وعيده، فصدقت بذلك في الدنيا.
قال ابن عباس: المطمئنة: "المصدقة" (وقال قتادة: "هو المؤمن، اطمأنت نفسه إلى ما وعد الله"، وعنه:): المصدقة بما وعد الله.
وقال مجاهد: المطمئنة: الموقنة إن الله ربها، وعنه أيضاً.
المطمئنة التي أيقنت بلقاء ربها.
وفي قراءة أبي: "يا أيتها النفس الآمنة".
[قال الحسن: المطمئنة إذا أراد الله عز وجل قبضها اطمأنت إلى الله سبحانه واطمأن الله سبحانه إليها ورضيت من الله تعالى ورضي عنها فأمر بقبضها وإدخالها الجنة وجعله من عباده الصالحين]، وروي أن ذلك قول [الملائكة] للعبد المؤمن عند خروج نفسه [تبشره] برضاء ربه عنه وإعداد ما أعد له من الكرامة عنده.
قال أبو صالح: ﴿ٱرْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً﴾ هذا عند الموت ﴿فَٱدْخُلِي فِي عِبَادِي﴾ هذا يوم القيامة.
وقيل: إنه كله يوم القيامة. وإن [معنى] ﴿ٱرْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ﴾، أي: إلى صاحبك . وهو قول ابن عباس.
وقال الضحاك: "يأمر الله الأرواح يوم القيامة أن ترجع إلى الأجساد فيأتون الله كما خلقهم أول مرة" فهو على قوله أيضاً كله يوم القيامة، وهو اختيار الطبري.
قال عكرمة: ﴿إِلَىٰ رَبِّكِ﴾ إلى جسد صاحبك. [وقاله] ابن جبير.
فيكون أيضاً كله يوم القيامة وتكون المخاطبة للنفس ودل على ذلك قوله: ﴿وَٱدْخُلِي جَنَّتِي﴾ ودخول الجنة لا يكون إلا في القيامة.
وقال الضحاك: إن معنى [فادخلي في عبادي]، [أي: طاعتي]، ﴿وَٱدْخُلِي جَنَّتِي﴾ أي: رحمتي فالمخاطبة - على قوله هذا - للإنسان، لا للنفس في المعنى. وإليه يذهب الفراء، ومعناه عنده أن الملائكة تقول لهم إذا أعطوا كتبهم بإيمانهم هذا، (أي): ارجعي إلى ثواب ربك.
الفجر 89:21
قوله تعالى: ﴿وَثَمُودَ ٱلَّذِينَ جَابُواْ ٱلصَّخْرَ بِٱلْوَادِ﴾ إلى آخر السورة.
أي: وألم تر - يا محمد - كيف فعل ربك بثمود - وهم قوم صالح - الذين نقبوا الصخر وخرقوه واتخذوه بيوتا؟! وهو قوله: ﴿وَكَانُواْ يَنْحِتُونَ مِنَ ٱلْجِبَالِ بُيُوتاً آمِنِينَ﴾ [الحجر: ٨٢].
والعرب تقول: "جاب فلان [الفلاة] يجوبها جوْباً" إذا دخلها وقطعها.
قال ابن عباس: ﴿جَابُواْ ٱلصَّخْرَ﴾، أي: خرقوها، يعني: قوم صالح كانوا ينحتون من الجبال (بيوتا).
قال مجاهد: "جابوا الجبال فجعلوها بيوتا".
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَفِرْعَوْنَ ذِى ٱلأَوْتَادِ﴾ أي: أو لم تر، يا محمد، فعل ربك بفرعون ذي الأوتاد؟!
قال ابن عباس: الأوتاد هنا "الجنود الذين يشدون له أمره".
وقيل: معناه ذي الجنود الكثيرة الذين يحتاجون [لضرب] الأوتاد في أسفارهم.
وقال مجاهد: وصف بذلك، لأنه كان [يتد أوتاد] الحديد في أيدي الناس وأرجلهم يقتلهم بها.
وقال قتادة: وصف بذلك، لأنه كانت [له مظال] وملاعب يلعب له تحتها من أوتاد [وحبال].
وروى ثابت البناني عن أبي رافع أن فرعون "وتد لامرأته (أربعة) أوتاد، ثم جعل على ظهرها رحى عظيمة حتى ماتت".
وقال ابن جبير: وصف بذلك: لأنه كان يعذب الناس بالأوتاد، قال: [فكان] يجعل رجلاً هاهنا ورجلاً هاهنا، ويداً هاهنا [ويدا] هاهنا بالأوتاد، وقاله مجاهد أيضاً.
وعن ابن جبير أيضاً أنه إنما وصف بذلك، لأنه كان له بنيان يعذب الناس عليه، قال: كان له منارات يعذب الناس عليها.
* *
وقوله: ﴿ٱلَّذِينَ طَغَوْاْ فِي ٱلْبِلاَدِ﴾ أي: تجاوزوا حدود الله عتوا على ربهم في البلاد التي كانوا بها فأكثروا في تلك البلاد الفساد بركوبهم المعاصي.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ﴾ أي: فأنزل بهم ربك (يا محمد) عذابه نقمة منه لهم لكفرهم، يعني جميع من تقدم ذكره من الكفرة. والعرب تقول لكل عذاب شديد عذب به المعذب: سوط خزي.
فقوله: ﴿سَوْطَ عَذَابٍ﴾، واقع على أنواع (من العذاب عذب الله بها هذه الأمم) المذكورة في الدنيا فأهلكهم بها. [وكذا حكى الماوردي: ﴿سَوْطَ عَذَابٍ﴾ أي: خلط عذاب لأنه أنواع].
قال مجاهد: ﴿سَوْطَ عَذَابٍ﴾ "ما عذبوا به". وهو قول ابن زيد (وغيره).
* *
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِٱلْمِرْصَادِ﴾ أي: إن ربك يا محمد لهؤلاء الذين قصصت عليك قصصهم ولغيرهم من أمثالهم لبالمرصاد يرصدهم على قناطر جهنم فيكردسهم فيها إذا وردوها يوم القيامة. وقيل: معناه: لا يفوته هارب.
وقال ابن عباس: ﴿لَبِٱلْمِرْصَادِ﴾ أي: "يسمع ويرى". وقال الضحاك: إذا كان يوم [القيامة] يأمر الله عز وجل بكرسيه فيوضع على النار فيستوي عليه ويقول: "وعزتي لا يجاوزني اليوم (ذو) مظلمة".
فذلك قوله جل ثناؤه: ﴿لَبِٱلْمِرْصَادِ﴾.
وقال سفيان: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِٱلْمِرْصَادِ﴾ يعني: جهنم عليها ثلاث [قناطر]: قنطرة فيها الرحم، وقنطرة فيها الأمانة، وقنطرة فيها الرب جل ثناؤه. قال [عمرو] بن قيس: بلغني أن على جهنم ثلاث [قناطر] فقنطرة عليها الأمانة إذا مروا بها تقول: (يا رب)، هذا (أمين، يا رب هذا خائن. وقنطرة عليها الرحم إذا مروا بها تقول: هذا) واصل، هذا قاطع. وقنطرة عليها الرب تعالى ذكره ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِٱلْمِرْصَادِ﴾.
وقال الحسن: ﴿لَبِٱلْمِرْصَادِ﴾ أي: "مرصاد عمل بني آدم". قال ابن مسعود: والفجر إن ربك لبالمرصاد.
يعني أنه جواب القسم.
ويروى أن على جسر جهنم (سبع) [قناطر] محابس، بين كل قنطرتين سبعون عاما، وعرض [الجسر] كحد السيف مدحضة مزلقة، في الرقة مثل الشعرة، فيسأل الناس [عند أول] قنطرة من الإيمان، فإن جاء به تاماً جاز إلى القنطرة الثانية، ثم يسأل عن [الصلوات] الخمس، فإن جاء بها [تامة] جاز إلى (القنطرة) الثالثة، ثم يسأل عن الزكاة، فإن جاء بها تامة جاز إلى الرابعة، ثم يسأل عن صيام رمضان فإن جاء به تاما جاز إلى الخامسة، ثم (يسأل) عن الحج، ثم (يسأل) عن صلة الرحم.
قال نافع (و) الرؤاسي: ﴿إِرَمَ﴾ وقف جيد. وهو بعيد لأن ﴿ذَاتِ ٱلْعِمَادِ﴾ نعت لما قبلها أو بدل منه. والوقف عند الأخفش وغيره ﴿أَهَانَنِ﴾. والاختيار الوقف على "كلا" وهو قول نصير وأحمد بن موسى . والمعنى: كلا، [لم أهنه بتقديري] عليه رزقه.
وقال الفراء: معناه: كلا، لم يكن ينبغي للإنسان أن يقول هذا، ولكن يجب عليه أن يحمد الله على الأمرين جميعا، على الغنى والفقر.
وقوله تعالى: ﴿فَأَمَّا ٱلإِنسَانُ إِذَا مَا ٱبْتَلاَهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّيۤ أَكْرَمَنِ﴾.
أي: فأما الإنسان إذا ما امتحنه ربه بالنعم والسعة فرح بذلك، وقال: ربي أكرمني بهذه الكرامة.
وأما إذا ما امتحنه فضيق عليه رزقه وقَتَّره عليه غَمَّه [وقال]: ربي أهانني وأذلني بالفقر، فلم يشكر الله على ما وهب له من سلامة جوارحه.
قال قتادة: ﴿فَيَقُولُ رَبِّيۤ أَهَانَنِ﴾ "ما أسرع ما كفر ابن آدم".
* *
وقوله: ﴿كَلاَّ﴾.
هو إنكار من الله أن يكون سبب كرامته من أكرم [كثرة] المال، وسبب إهانته من أهان قلة المال.
قال قتادة معناه: لا أكرم من أكرمت بكثرة المال ولا أهين من أهنت بقلته، ولكن إنما أكرم من أكرمت بتوفيقه إلى [طاعتي]، وأهين من أهنت بخذلانه وارتكاب لمعصيتي.
(ودل على ذلك قوله: ﴿بَل لاَّ تُكْرِمُونَ ٱلْيَتِيمَ * وَلاَ تَحَآضُّونَ عَلَىٰ طَعَامِ ٱلْمِسْكِينِ﴾ إلى ﴿جَمّاً﴾ أي: فبهدا أهين من أهنت، لأنه مرتكب لمعصيتي) مخذول ممنوع عن طاعتي.
وقيل: معناه: لم يكن الإنسان أن يحمد الله على النعم دون الفقر، ولكن ينبغي له أن يحمده على الأمرين جميعاً، على الغنى والفقر.
والوقف على ﴿أَهَانَنِ﴾ حسن، وتكون "كلا" في الابتداء بمعنى "حقاً"، أو بمعنى "ألا". وهو قول الأخفش وأحمد بن موسى.
وأجاز أبو حاتم الوقف على (أهنن) وعلى (كلا).
والوقف عند نصير والفراء على "كلا"، وهو الاختيار، لأنها عند أهل التفسير رد لما قبلها. (وقد) قال الحسن: "كلا" معناه: ليس يهان أحد بفقر ولا غنى. وقاله قتادة.
* *
وقوله: ﴿بَل لاَّ تُكْرِمُونَ ٱلْيَتِيمَ﴾ أي: بل إنما أهنت من أهنت، لأنه لا يكرم اليتيم ولا يحض الناس ولا نفسه على طعام المسكين.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَتَأْكُلُونَ ٱلتُّرَاثَ أَكْلاً لَّمّاً﴾ أي: وأهنتكم لأنكم تأكلون الميراث أكلاً شديداً.
﴿وَتُحِبُّونَ ٱلْمَالَ حُبّاً جَمّاً﴾ أي: كثيراً.
قال ابن عباس: ﴿أَكْلاً لَّمّاً﴾، أي: سفاً، وجماً: شديداً.
وقال الحسن: معنى ﴿لَّمّاً﴾، أي: يخلطون الحلال بالحرام.
وقال ابن زيد: ﴿وَتَأْكُلُونَ ٱلتُّرَاثَ أَكْلاً لَّمّاً﴾، أي: تأكلون كل شيء تجدونه من الميراث وغيره، لا تسألون عنه، يأكل الذي له والذي لصاحبه.
[قال]: كانوا لا [يورثون] النساء ولا [يورثون] الصغار، وقرأ ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي ٱلنِّسَآءِ قُلِ ٱللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ فِي ٱلْكِتَٰبِ فِي يَتَٰمَى ٱلنِّسَآءِ﴾ [النساء: ١٢٧]... إلى قوله ﴿عَلِيماً﴾ [النساء: ١٢٧].
فقوله: ﴿وَٱلْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ ٱلْوِلْدَٰنِ﴾ [النساء: ١٢٧]، يعني: يستضعفوهم [فلا يؤتونهم].
قال: وقوله: ﴿وَتُحِبُّونَ ٱلْمَالَ حُبّاً جَمّاً﴾,
أي: وتحبون جمع المال واقتناءه حبا كثيرا.
والعرب تقول: "جم الماء في الحوض": إذا اجتمع وكثر.
* *
ثم قال تعالى: ﴿كَلاَّ إِذَا دُكَّتِ ٱلأَرْضُ دَكّاً دَكّاً﴾.
الوقف على "كلا" حسن، ومعناه: ليس هكذا ينبغي أن يكون الأمر أن تأكلوا الميراث أكلا شديدا، وتحبوا جمع المال حباً كثيراً. ولا تكرمون اليتيم بالصدقة، ولا تحضون على طعام المسكين.
وقيل: المعنى: لا يغني عنكم جمع المال شيئاً.
وقوله تعالى: ﴿إِذَا دُكَّتِ ٱلأَرْضُ﴾، أي: رجت وزلزلت مرة بعد مرة.
قال ابن عباس: هو "تحريكها".
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَجَآءَ رَبُّكَ وَٱلْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً﴾ أي: والملائكة صفاً بعد صف.
وروى شهر بن حوشب عن ابن عباس أنه قال: إذا كان يوم القيامة، مدت الأرض مد الأديم، وزيد في سعتها كذا وكذا، وجمع الخلائق بصعيد واحد، جِنَّهم وإنسهم، فإذا كان [ذلك] اليوم قيضت السماء الدنيا عن أهلها على وجه الأرض، ولأهل هذه السماء وحدهم أكثر من أهل الأرض، جنهم وإنسهم بضعف، [فإذا مروا] على وجه الأرض فزعوا منهم، فيقولون: (أفيكم ربنا؟ فيفزعون من قولهم، فيقولون) سبحان ربنا، ليس فينا وهو آتٍ ثم تقاض السماء الثانية، فأهل السماء الثانية وحدهم أكثر من أهل سماء الدنيا ومن جميع أهل الأرض بضعف جنهم وإنسهم، فإذا مروا على وجه الأرض فزع إليهم أهل الأرض فيقولون: أفيكم ربنا؟ فيفزعون من كلامهم ويقولون: سبحان الله، ليس فينا، وهو آت ثم تقاض السماوات سماءً (سماءً)، كلما قيضت سماء عن أهلها كانت أكثر من أهل السماوات التي تحتها ومن جميع أهل الأرض بضعف، فإذا مروا على وجه الأرض فزع إليهم أهل الأرض فيقولون، لهم مثل ذلك، ويرجعون إليهم مثل ذلك، حتى [تقاض السماء] السابعة، فلأهل السماء السابعة أكثر من أهل ست سماوات ومن جميع أهل الأرض بضعف، فيجيء الله عز وجل فيهم وجميع الأمم جثيٌّ [صفوف]، وينادي مناد: ستعلمون اليوم من أصحاب الكرم، ليقم الحمادون لله على كل حال. قال: فيقومون فيسرحون إلى الجنة، ثم ينادي الثانية: ستعلمون اليوم من أصحاب الكرم، أين الذين كانت تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفاً وطمعاً ومما رزقناهم ينفقون؟ فيسرحون إلى الجنة، ثم ينادي الثالثة: ستعلمون اليوم من أصحاب الكرم، أين الذين كانوا لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة يخافون يوماً تتقلب فيه القلوب والأبصار؟ فيسرحون إلى الجنة، قال: فإذا أخذ من هؤلاء ثلاثة، عنق من النار فأشرف على الخلائق له عينان تبصران ولسان فصيح فيقول: إني وكلت منكم بثلاثة: بكل جبار عنيد، [فيلتقطهم] من الصفوف لقط الطير حب السمسم فيخنس بهم في جهنم، [ثم] [يخرج] ثانية [فيقول]: إني وكلت منكم بمن آذى الله ورسوله، [فيلتقطهم] [من الصفوف] لقط الطير حب السمسم [فيخنس] بهم في جهنم. قال شهر ابن حوشب: وأحسب أنه ذكر في الثالثة أهل التصاوير [فيلتقطهم] كذلك. قال: فإذا أخذ من هؤلاء ثلاثة، ومن هؤلاء ثلاثة، نشرت الصحف ووضعت الموازين ودعي الخلائق للحساب.
وقال الضحاك: إذا كان يوم القيامة، أمر الله جل ذكره السماء الدنيا بأهلها، فنزل من فيها من الملائكة فأحاطوا بالأرض ومن عليها، ثم الثانية، ثم الثالثة، كذلك إلى السابعة، فصفوا صفا دون صف، ثم ينزل الملك الأعلى، على مجنبته اليسرى جهنم، فإذا رآها أهل الأرض نادوا، فلا يأتون قطراً من أقطار الأرض إلا وجدوا سبعة صفوف من الملائكة، فيرجعون إلى المكان الذي كانوا فيه، فذلك قوله عز وجل: ﴿إِنِّيۤ أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ ٱلتَّنَادِ * يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ﴾ [غافر: ٣٢-٣٣].
وقرئ بتشديد الدال من ند البعير: إذا فر.
قال: ذلك قوله: ﴿وَجَآءَ رَبُّكَ وَٱلْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً * وَجِيۤءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ﴾. وقوله: ﴿يٰمَعْشَرَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنسِ إِنِ ٱسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُواْ..﴾ [الرحمن: ٣٣] الآية.
وهو قوله: ﴿وَٱنشَقَّتِ ٱلسَّمَآءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ * وَٱلْمَلَكُ عَلَىٰ أَرْجَآئِهَآ﴾ [الحاقة: ١٦-١٧].
روى أبو هريرة أن النبي ﷺ (قال): توقفون موقفاً واحداً يوم القيامة مقدار سبعين عاما لا ينظر إليكم ولا يقضى بينكم، فتبكون حتى ينقطع الدمع، ثم تدمعون دما وتبكون حتى يبلغ ذلك منكم [الأذقان] ويلجمكم وتضجون ثم تقولون: [من] يشفع لنا إلى ربنا فيقضي بيننا؟ فيقولون: من أحق بذلك من أبيكم آدم، قبل الله توبته وخلقه بيده ونفخ فيه من روحه وكلمه [قبلاً]، فيؤتى آدم، فيطلب ذلك إليه فيأبى، ثم الأنبياء - نبياً - نبياً - كلما جاؤوا نبياً أبى.
قال رسول الله ﷺ: حتى يأتونني فإذا جاءوني خرجت حتى أتي الفحص.
قال أبو هريرة رضي الله عنه: يا رسول الله، وما الفحص؟ قال قدام العرش، قال: فأخر ساجداً، قال: فلا أزال ساجداً حتى يبعث الله إلي ملكاً فيأخذ بعضدي فيرفعني، فيقول الله جل وعز [لي]: يا محمد، فأقول: نعم، وهو أعلم، فيقول: ما شأنك؟ فأقول: يا رب، وعدتني الشفاعة، فشفعني في خلقك واقض بينهم، فيقول تعالى: قد شفعتك، أنا آتيهم وأقضي بينهم.
قال رسول الله ﷺ: فأنصرف حتى أقف مع الناس، فبينما نحن وقوف، سمعنا حساً من السماء شديداً، فهالنا، فنزل أهل سماء الدنيا بمثلي من في الأرض من الإنس والجن، حتى إذا دنوا من الأرض، أشرقت الأرض لنورهم، وأخذوا [مصافهم] [فقلنا] (لهم): أفيكم ربنا؟ [فقالوا]: لا، وهو آت. ثم نزل أهل السماء الثانية بمثلي من نزل من الملائكة وبمثل من فيها من الجن والإنس، حتى إذا دنوا من الأرض، أشرقت الأرض لنورهم وأخذوا مصافهم، فقلنا لهم: أفيكم ربنا؟ فقالوا: لا، وهو آت، ثم ينزل أهل السماوات على قدر ذلك من التضعيف، حتى نزل الجبار في ظلل من الغمام والملائكة لهم زجل من تسبيحهم يقولون: سبحان الملك ذي الملكوت، سبحان رب العرش ذي الجبروت، سبحان الحي الذي لا يموت، سبحان الذي يميت الخلائق ولا يموت، سبوح قدوس رب الملائكة والروح، قدوس قدوس سبحان ربنا الأعلى سبحان ذي الجبروت والملكوت والكبرياء والسلطان والعظمة، سبحانه أبداً أبداً، فينزل تعالى جل ذكره يحمل عرشه يومئذ ثمانية، وهم اليوم أربعة أقدامهم على تخوم الأرض السفلى والسماوات إلى حجزهم والعرشُ إلى مناكبهم. قال: فيضع الله جل ذكره كرسيه حيث شاء من الأرض، ثم ينادي بنداء يسمع الخلائق فيقول: يا [معشر الجن] والإنس [إني] قد أنصت من يوم خلقتكم إلى يومكم هذا، أسمع كلامكم وأبصر أعمالكم، فأنصتوا إليَّ، فإنما هي صحفكم وأعمالكم تقرأ عليكم، فمن وجد خيراً فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا [يلم] إلا نفسه.
قال: ثم يأمر الله جل وعز جهنم فيخرج منها عنق ساطع [مظلم] يقول: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يٰبَنِيۤ ءَادَمَ أَن لاَّ تَعْبُدُواْ ٱلشَّيطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ * وَأَنِ ٱعْبُدُونِي هَـٰذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ﴾ إلى قوله: ﴿ٱلْمُجْرِمُونَ﴾ فيتميز الناس ويجثون، [وهي] التي يقول الله تعالى جل ذكره: ﴿وَتَرَىٰ كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أمَّةٍ تُدْعَىٰ إِلَىٰ كِتَابِهَا﴾ إلى ﴿تَعْمَلُونَ﴾.
قال: فيقضي الله جل ثناؤه بين خلقه الجن والإنس والبهائم، فإنه [ليقيدُ] يومئذ للجماء من ذات القرن، حتى إذا لم تبق تبعة عند واحدة لأخرى، قال الله تعالى: كوني تراباً. فعند ذلك يقول الكافر: يا ليتني كنت تراباً! [قال]: ثم يقضي الله جل ذكره بين الجن والإنس
ووقع [التكرير] في (دكاً دكاً) و (صفاً صفاً) على معنى: دكاً (بعد دكاً) [وصفاً] بعد صف.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَجِيۤءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ﴾.
قال ابن مسعود: "جيء بها تقاد بسبعين ألف زمام، مع كل زمام سبعون ألف ملك يقودنها وقاله ابن وائل.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَجِيۤءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ ٱلإِنسَانُ وَأَنَّىٰ لَهُ ٱلذِّكْرَىٰ﴾.
أي: يتذكر تفريطه في الدنيا في طاعة الله، ومن أي وجه له الذكرى في ذلك اليوم وقد حيل بينه وبين العمل.
* *
ثم قال تعالى: ﴿يَقُولُ يٰلَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي﴾.
أي: يتلهف ويتندم فيقول: يا ليتني قدمت في الدنيا عملاً صالحاً لحياتي هذه التي لا موت بعدها فينجيني ذلك العمل من عذاب الله تعالى وسخطه ويقربني من رضوانه وجنته.
فالمعنى: قدمت لآخرتي (التي) هي الحياة الدائمة، دليله قوله: ﴿وَإِنَّ ٱلدَّارَ ٱلآخِرَةَ لَهِيَ ٱلْحَيَوَانُ﴾ [العنكبوت: ٦٤] أي: لهي الحياة.
وقيل: المعنى قدمت لأحيا،، لأن أهل النار ليسوا بأحياء ولا أموات، بدلالة قوله: ﴿لاَ يَمُوتُ فِيهَا وَلاَ يَحْيَىٰ﴾ [طه: ٧٤].
قال قتادة: "هناكم والله الحياة الطويلة".
وقال مجاهد: "لحياتي": "للآخرة".
وقيل: الكلام بمعنى في والتقدير: يا ليتني قدمت (في حياتي، أي: قدمت العمل الصالح) في حياتي في الدنيا، مثل: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١]، أي: في عدتهن.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ﴾ ﴿وَلاَ يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ﴾.
من كسر الذال والثاء من ﴿يُعَذِّبُ﴾ و ﴿يُوثِقُ﴾ فمعناه: فلا يعذب - ذلك اليوم - أحد مثل عذاب الله لهم ولا يوثق أحد مثل وثاق الله لهم.
وقيل: (معناه: لا يعذب أحد في الدنيا كعذاب الله يومئذ ولا يوثق أحد في الدنيا كوثاقه يومئذ.
ومن فتح ذلك)، فمعناه: فلا يعذب أحد مثلما يعذب الكافر ولا يوثق مثلما يوثق.
وقال الحسن: قد علم الله أن في الدنيا عذاباً (و) وثاقاً، فقال: فيومئذ لا يعذبه عذابه أحد (في الدنيا) ولا يوثق وثاقه في الدنيا.
* *
ثم قال تعالى: ﴿يٰأَيَّتُهَا ٱلنَّفْسُ ٱلْمُطْمَئِنَّةُ * ٱرْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً﴾.
هذا خبر من الله - جل ذكره - عن قول الملائكة يوم القيامة لأولياء الله، والمعنى: تقول الملائكة لأولياء الله يوم القيامة، يا أيتها النفس التي اطمأنت إلى وعد الله [و] وعيده، فصدقت بذلك في الدنيا.
قال ابن عباس: المطمئنة: "المصدقة" (وقال قتادة: "هو المؤمن، اطمأنت نفسه إلى ما وعد الله"، وعنه:): المصدقة بما وعد الله.
وقال مجاهد: المطمئنة: الموقنة إن الله ربها، وعنه أيضاً.
المطمئنة التي أيقنت بلقاء ربها.
وفي قراءة أبي: "يا أيتها النفس الآمنة".
[قال الحسن: المطمئنة إذا أراد الله عز وجل قبضها اطمأنت إلى الله سبحانه واطمأن الله سبحانه إليها ورضيت من الله تعالى ورضي عنها فأمر بقبضها وإدخالها الجنة وجعله من عباده الصالحين]، وروي أن ذلك قول [الملائكة] للعبد المؤمن عند خروج نفسه [تبشره] برضاء ربه عنه وإعداد ما أعد له من الكرامة عنده.
قال أبو صالح: ﴿ٱرْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً﴾ هذا عند الموت ﴿فَٱدْخُلِي فِي عِبَادِي﴾ هذا يوم القيامة.
وقيل: إنه كله يوم القيامة. وإن [معنى] ﴿ٱرْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ﴾، أي: إلى صاحبك . وهو قول ابن عباس.
وقال الضحاك: "يأمر الله الأرواح يوم القيامة أن ترجع إلى الأجساد فيأتون الله كما خلقهم أول مرة" فهو على قوله أيضاً كله يوم القيامة، وهو اختيار الطبري.
قال عكرمة: ﴿إِلَىٰ رَبِّكِ﴾ إلى جسد صاحبك. [وقاله] ابن جبير.
فيكون أيضاً كله يوم القيامة وتكون المخاطبة للنفس ودل على ذلك قوله: ﴿وَٱدْخُلِي جَنَّتِي﴾ ودخول الجنة لا يكون إلا في القيامة.
وقال الضحاك: إن معنى [فادخلي في عبادي]، [أي: طاعتي]، ﴿وَٱدْخُلِي جَنَّتِي﴾ أي: رحمتي فالمخاطبة - على قوله هذا - للإنسان، لا للنفس في المعنى. وإليه يذهب الفراء، ومعناه عنده أن الملائكة تقول لهم إذا أعطوا كتبهم بإيمانهم هذا، (أي): ارجعي إلى ثواب ربك.